الكلمة الأُولى

إنَّها موجَّهة إلى مركز الدراسات والبحوث العلميَّة في بيروت.

تحيَّة إجلال وتقدير لمركزكم المـُهتمِّ بالدراسات والبحوث العلميَّة في سبيل الإفادة والتنوير.

إنَّها رسالتكم - على ما يبدو - ولست أرى أيَّة قيمة لرسالة، ما لم تكن في خدمة قضيَّة كبيرة يحتاجها مُجتمع الإنسان، ولست أرى أيَّ كاتب يطيب قلمه ما لم يُعالج قضيَّة صحيحة يتبنَّاها ويُرشف منها لون حبره.

لقد تمنَّى مركزكم المـُحترم، وهو يوجِّه الدعوة العامَّة لتقديم دراسة جديدة عن الإمام الحسين، أنْ تكون شَبهة بالدراسات الناجحة التي قُدِّمت في وقتها عن الإمام عليٍّ، وفاطمة الزهراء، ومؤخَّراً عن الإمام الحسن. وأيُّ واحد منهم لم يكن ذا وجه كريم؟ فقلت في نفسي: ومَن مِن الأربعة هو كريم لو لم يكن مُشتقَّاً مِن قضيَّة كريمة، صبغتهم جميعا بلونها الكريم؟ وذلك كان شأن الكاتب الذي تناول قلمه وراح يرسم فيهم.

مِن أين كان له أنْ يُقدِّم كلمة ناجحة، لو أنَّه لم يتبنَّ ذات القضيَّة التي غاصوا هم بها، فانعكست عليه صدقاً واقتناعاً! إنَّ القضايا الجليلة في الحياة، هي الشعاع الذي يستضيء به فكرنا، وشوقنا، ووجداننا، وبالتالي تصرفنا في وجودنا الإنساني الذي هو بالنتيجة قضيَّتنا الكُبرى.

إنَّ القضيَّة العظيمة التي امتلأ بها وجود الإمام عليٍّ، هي ذاتها التي سارت بها الصديقة الزهراء إلى باحة المسجد، وهي ذاتها التي قصف بها حُسامه الإمام الحسن


حَقناً للدماء، وصوناً لوحدة المسلمين؛ لتبقى هي ذاتها يمشي بها الحسين مِن مَكَّة إلى كربلاء بجُبَّة ما طاب له إلاَّ أنْ يصبغها بدماء الوريد.

وأقول: لقد كانت القضيَّة واحدة، ولكنَّ التعبير عنها قد جاء مع كلِّ واحد مِن الأربعة الكبار، بلون ميَّزه عن الآخر - فبينما كان مع الإمام الأوَّل مِن لون الصوافن والقلاع، جاء مع ابنة الرسول وأُمِّ الحسنين كأنَّه زهر مَلفوح بنارٍ - ليكون مع الحسن مِن شَكل قبضات السيوف المـُقصفة في ساحة الميدان - وإذا به مع الثالث الهاجع في ضمير الإمامة، انفجار وريد ضاق تحت مَدِّ العنفوان.

شكراً لمركز الدراسات، يُحرِّك في نفسي شوقاً أتلمَّظ به طعماً لذيذاً، لا يزال إلاَّ موفورا على المائدة الكبيرة التي مدَّها الحسين، إنَّها المائدة الحمراء، ليس المسكوب في قصاعها مِن سائل الدم، إنَّما هو مِن لقاح العنفوان، تحيا به النفوس التي تابى الذِّلَّ لباساً. سيبقى العنفوان أبداً نتاج القضايا الكبيرة، تَسربله الحسين في المجال الفَخم الذي تتثبَّت به قيمة الانسان.

أمَّا القلم الذي يُفتش عن كلِّ كلمة حرفها مِن ضلوع القضايا، فإنَّه يضفر الآن ذاته إلى الإمام الحسين بنبضاتٍ مِن مُباهلة.

سليمان كتَّاني             


مُباهلة

إيهٍ أيُّها الحسين

أتكون الياء - مضفورةً عليك - شامةً مِن عنبرٍ في غنجة التصغير؟

أم أنَّها دعجة العين، يتمُّ بها التصوير والتحضير والتكبير؟

يا للياء الرخيمة!

كأنِّي هكذا - أراها تُرخَم، بك، وتُرسَم فيك - وكأنِّي أسمعها تقول:

هل أنت مُصغَّر الاسم المـُطيَّب بالبَلْسَم

يا بن المـُطيَّبين!.

أم أنَّك اللحمة المـُندمجة بخاصرة التوأم

يا نَهدة التوَّاقين!.

اثنان في واحد أيُّها الحسن المـُكمَّل بالحسين:

في وحدة التوق ووحدة الشوق ووحدة العين

يا للقضيَّة

تبيضُّ إذ يبهرها حَقٌّ، وتَحمرُّ إذ يضنيها غَسق

وتبقى - هي هي - في وحدة الشفرة وفي لون السنا

وما بين الطُّهر والفِسق وترٌ يطيب هناك وينهدُّ هنا!

هكذا الحسن يبيضُّ صدقاً!

وهكذا الحسين يحمرُّ وريداً!


وفي العينين: عين الصدق الأبيض

وعين الإباء المـُعروك بالدم

تنام القضيَّة وتصحو

في جوهر اليقظة وفي جوهر الضمِّ!

يا للمـُباهلة!

مَن كان ينام في عينَيْ الآخر قريراً أكثر؟

أنت في عينَيْ جَدِّك البصير الكبير؟

أمْ أخوك الحسن، وأنت الأصغر وهو الأكبر!

يا للكساء!

يجمع الضلعين - في حضن الأبوين - تحت هَمس الشفتين:

يا أهل البيت - تنفضوا مِن كلِّ رجس - كونوا للغَد الآتي دعامة الأجيال!

يا للحَقِّ!

تلمسه القضيَّة الكُبرى -

ينهض بها العصب الأكبر -

ويقول: إنَّها أُمَّتي أُباهل بها أُمَم الأرض!

ويا للحسين!

تبقى أنت في ضلعَي المـُباهلة

ونبقى نحن - أبداً نسأل:

هل احترقت الثورة في عينيك وترمَّدت؟

أم أنَّها نامت في مُقلتيك؟

تترقَّب مُطلق ساعة مِن ساعات العُمر

حتَّى تكون هي رمقاً مِن الثواني التي ينبض بها وريد البطولات

الصافية والمـُحقِّقة مُجتمع الإنسان!!!


توطئة

ولا تزال الدعوة مرصوصة بجلالها يا شقَّ القلم، لقد وجَّهتْ إليك بالأمس تُناديك إلى ولوج دائرة مقطوبة بالإمام علي - فولجتَ الدائرة مزوَّداً بحبر مقطور مِن المـُقلة المـُشتعلة بنهج البلاغة، ثمَّ تتالى إليكَ النداء مربوطاً بمِنديلٍ كانت تعتصب به فاطمة الزهراء، فعصرتَ منه زيتاً لسراجك تكحَّلتْ به شعاعاً مشيتَ به معها مِن فَدك إلى باحة المسجد، ثمَّ جاءك الأمس الأقرب بنداء يشدُّك إلى الإمام الحسن، فسهرتَ معه ليلاً طويلاً أشرق صُبحه على رباط أبيض، وصل العراق، بالشام، بارض الجزيرة الأُمُّ، في حضن الرسالة التي لا تزال تعتصم بها وحدة الإسلام.

واليوم، يا شقَّ القلم، تأتيك دعوة جديدة أشعر أنَّها - كمثيلاتها السابقات - مغمورة بجلالها، فهلاَّ يكون لك اهتزاز إليها يُلبِّي وجبة النداء؟

ولكنَّ القلم الذي كان نائماً قُرب المحبرة، ما ارتعش إلاَّ قليلاً وعاد إلى غلاف السكون، كأنَّه التعب الراجع مِن جهادٍ، فتناولته بين أنمُلتي، وطُبعت على ثغره قُبلة فيها نشوة، وفيها وفاء، وفيها مَدد مِن عافية، ورحت إلى بعضٍ مِن الأطناب أموِّهه بشيءٍ مِن الثناء، حتَّى استدرجه إلى استعادة وعيه، واستيعاب ما أنا استحثُّه إليه.

قلتُ له:

إنَّني أعرف يا رفيقي، وصديقي، ونديمي الأجلّ، كم أجورُ عليك، وأُحمِّلك الأحمال الثقيلة، وما ذلك إلاَّ لأنِّي أُدرك أنَّ فيك شوقاً يدفعك لاقتحام الحَلبات - صحيح أنَّ الكلمة هي عدتك في كلِّ واحدة مِن الغَمرات، إلاَّ أنَّك تعرف مِن أين تقتنصها وكيف تُلبسها بَهجة الحرف، وبهجة الزَّيِّ، وبهجة اللون - فأنت فنَّان يا قلمي الحبيب، وأنت غوَّاص في البحور التي تَغزر في قيعانها منابت الدُّرر؛ وأنت مُراقب ماهرٌ، تقتفي أثر الخُطوات الكبيرة، وتأخذ لك مِن وقعها فوق


القلاع نقشاً تُزيِّن به جُدران الأغوار، وتطلي به كلَّ حرفٍ يتزنَّر به خصر الكلمة.

واهتزَّ القلم في كفِّي كأنَّه مِن انتفاضة جاء ولمـَّا أنته مِن عرضي بعد، قال: وإنْ أقبل منك الثناء - فهل تظنُّني هكذا به أغترُّ؟! أنا بين يديك يا رفيقي، ويا وليِّي الأبرُّ، ألاَّ أنَّني غزارة، ما هزَّتني الريح وسقتني الديمة، إلاَّ لأنْ أكون ريشة بين يديك، وها أنا لك تبريني بشفرة سكِّينك، تسقيني مِن رمش عينيك. أنا لا آخذ الكلمة الإَّ منك، ولا أبنيها جداراً إلاَّ بخفقة مِعصمك، فهل لك أنت مِمَّا أردُّه إليك أنْ تُباهي أوْ أنْ تَغترُّ؟

وراح القلم في كفَّي إلى صمت حريز، وهو يرقب قنِّينة الحِبر، كأنَّه يهفو إليها تأخذ هي - له - منِّي الجواب:

- صدقت يا صنوي الحبيب، وأنا مثلك لا يحقُّ لي أنْ أغترَّ - كلانا غَزارة يا قلمي في كفِّ الحياة - إنَّها هي التي تَبرينا أقلاماً وتسقينا مِن حِبرها نلوِّن به صفحة القرطاس، نأخذ الكلمة منها ونبنيها في حقيقة التعبير - فإذا كان لنا الغوص العميق والجمع الأصيل، فذلك مِن معانيها الصحيحة ننقله إلى الصفحة المزدهية بجمال التصوير. الصدق والغوص يا قلمي، كلاهما في المـُجتنى، يبنيان الكلمة تشفُّ بهما، ويبنيان النفس إلى حقيقة الغرف وحقيقة التأثير.

تلك هي القضايا الكبيرة في الحياة، تنبت منها الكلمة، ويصدر عنها التعبير - والشوق والفهم هما الصيادان الماهران اللذان يتلقطان بالكلمة المنسوجة مِن حقيقة القضيَّة - والمـُعبِّرة هي عن حقيقة جلالها.

أمَّا الدعوة الجديدة التي يُحفِّزك ويُحفِّزني الشوق إلى جعلها جليلة في المضمار، فلا أظنُّك إلاَّ مُتهيِّباً مِثلي جديَّة الغوص فيها؛ لانَّ لها - في المجال الكبير - قضيَّة مُلتهبة بالجوهر الذي تُفتِّش عنه حقيقة الإنسان.

عديدون هُمْ الرؤوس الكبار الذي تناولتُ إليهم سَهماً مشتاقاً في حقول السيرة، ولكنِّي لم أؤخذ مع أيِّ واحد منهم، وهُمْ العظام، بهزَّة تناولت مِن نفسي كلَّ كوامنها، كالهزَّة التي تملَّكتني وأنا اتتبَّع خُطوات الإمام الحسين مِن أرض الحِجاز، إلى أرض الكوفة - لقد مشى الخُطوط ذاتها، وأوسع منها بكثير، كلُّ واحد


مِن هؤلاء المشَّائين - لقد كان كلُّ واحد منهم عدَّاءً وجوَّاباً - ابتداءً مِن النبي الجليل، الذي لم يترك حَبَّة رمل مِن أرض الجزيرة إلاَّ ونشَّفها بخطواته الثقيلة، وغمرها بفيض مِن عقله وروحه وحنانه، فإذا هي تَؤوب مِن اعتكافها الطويل، لتنال خَطَّاً جديداً بين يدي مَن راح يبنيها بناءً جديداً بإنسان سويٍّ.

أمَّا العبقريُّ الآخر الذي كانت خُطواته أوسع مِن الدروب، وراحتاه أندى مِن كلِّ دُيمة مَرَّت في سماء، فانَّه ما ترك خلفه خَطَّاً مِن خُطوط القوافل، إلاَّ وزرع نفسه فيه: نظافة، وعدالة، وتُقى، وسموَّاً، مِمَّا جعل مُجتمعات الأرض تُفتِّش عن حقيقة وجودها الحضاري النبيل، ولا تجده إلاَّ في الإنسان الذي يبنيه حِزام الإمام عليٍّ.

أمَّا تلك التي نبتت بين ذراعي أبيها، كأنَّها أعزُّ مِن شجرة الدُّرِّ، فيكفيها أنَّها مشت أقصر طريق مِن بيتها الذي قُلِعت مِن باحته شجرة الأراك، إلى باحة المسجد الذي كان يُصلِّي فيه خليفة المسلمين؛ لتُعلمه أنَّ العدالة الممهورة بجِنان أبيها محمَّد، والمسبوكة مِن مَعدن زوجها عليٍّ، هي التي تُرزِم الأُمَّة وتجعلها قدوة بين الأُمَم، إنَّ الطريق القصير الذي مشته فاطمة الزهراء، لا يزال حتَّى الآن يمتدُّ عِبَر الأجيال، تخفق فيه ثورة نادرة المثال، تُعلِّم البنَّائين كيف يُعالجون أساس الصرح الذي يليق لسُكنى الإنسان.

هؤلاء هُمْ ثلاثة علَّموا الإمام الحسن كيف يمشي فوق الدروب، ولقد مشى بروحه، وعقله، وإيمانه، وكان جليلاً وهو يمشي، وكان حكيماً وهو يمشي، وكان قُطباً مِن مرونة وهو يمشي، ولا يزال حتَّى الآن يمشي مشية الرِّئبال المـُختال - إنَّه الغيور على أُمَّة سُحبت مِن تحت الرمال المحرورة، لتُثبت وجودها تحت الظلال - إنَّه لا يزال ولن يَنْيَ يُعلِّمها أنَّ الوحدة النظيفة، المؤمنة، والمـُدركة هي التي - وحدها - تبني المـُجتمع بالإنسان العظيم، وأنَّ الأحقاد ليست عقلاً، وأنَّ التسابق إلى مراكز الحُكم والثروة ليس قوَّةً ولا غِنىً، ولا أيَّ تحقيق يدوم، وأنَّ الحُكم هو خدمة مُتفانية، وصدق في المعرفة والضمير، وأنَّ كلَّ ما خطَّه جَدُّه الذي جمع الأُمَّة مِن شِتاتها إلى واحد، هو الصحيح في أداة الجمع والتوحيد، وهي التي جمعت،


وهي التي حقَّقت، وهي التي لا يقدر - هو الإمام الحسن - إلاَّ أنْ يُضحِّي مِن أجل تثبيتها أداة جمع لا أداة تفرقة، وكان التنازل عن الحُكم، والابتعاد عن إراقة الدم، إحياءً لقدوةٍ لا تزال حتَّى الآن تُقدِّم لكلِّ مَن يُحاول الوصول إلى كرسيٍّ مغروز القوائم في بُرَك الدم، على حساب مُجتمع ينهدُّ إلى دَركٍ مِن الذِّلِّ والضعف والهوان.

تلك هي الخُطوط العريضة التي مشاها هؤلاء العظام، فهل يكون الخَطُّ الذي مشاه الحسين مِن مَكَّة إلى كربلاء هو مِن ذات الطول، وذات الوزن، وذات الدلال؟

ولكنَّ السير الذي كان يبدو وكأنَّه بلا رحل ولا نعل، ولا رمح مصقول السنان، كيف له أنْ يطيب عِرقه وحفاؤه، ويذكو نزفه وسخاؤه؟ أم أنَّه غِمْد خَسر السيف، وخَطو نَتَفَ النَّعل، جَعبة ضيَّعت النبل، وفرس قفز السرج مِن حِزامها، فإذا بالمعركة المشدودة بالصهيل، كأنَّها كهف في وادٍ مهجور، ما جَنَّ إلاَّ بالصدى وهَمْهَمة الصدى، وإذا بالعزم كأنَّه انتحار لا يتخفَّى إلاَّ تحت أقدامٍ حافية، تجوس النَّخاريب لتصبغها بالورم والدم!.

إنَّها المأساة - على ما يبدو - ولكنَّها ليست هي التي هزَّتني وحرَّكت في نفسي كوامن ما طالها أحد مِثلما طالتها سيرة الحسين، ليست المأساة هي التي انتهت بمقتل الحسين وأهل بيته، وليست هي التي انتهت بقطع رأسه وحمله هديَّة إلى المـَريد الجديد يزيد!!! صحيح أنَّها همجيَّة ينفر مِن تقبُّلها تحصُّل مُطلق إنسان - وأنَّها تجديف يُجرِّد كلَّ مُجتمع تَحصَل فيه مِن كلِّ قيمه الحضاريَّة - الإنسانيَّة - المـُجتمعيَّة، وتُصنِّفه دون الدرك الحيواني المـُتوحِّش، ولا تغسله مِن زَنِخها الكريه إلاَّ أجيال أُخرى، تردُّه إلى إعادة اعتبار نفسه إنساناً لا يجوز له أبداً أنْ يُمثَّل حتَّى بذئبٍ جاء يفترس نعجة مُطمئنَّة في حظيرة.

قلت: ليست المأساة تلك هي التي هزَّتني، وإنْ تكن قد قهرتني وقصفتني إلى ذِلٍّ لا يُمرِّغني به إلاَّ إنسان كافر في مُجتمعي، إنَّما المأساة في أنْ نكتب الكلمة ولا نعرف كيف نقرأها.


لا - لم تكن مسيرة الحسين مِن مَكَّة إلى العراق نَزْقاً موصلاً إلى جنون الانتحار - إنَّما كانت مسيرة الروح، والعقل، والعزم، والضمير إلى الواحة الكُبرى التي لا يُرويها إلاَّ العنفوان والوجدان. إنَّ مُجتمعا يخسر معركة العُنفوان والوجدان، هو المـُجتمع الذي لم يتعلَّم بعد كيف يكتب، ولا كيف يقرأ كلمة المـَجد أو كلمة الكرامة في حقيقة الانسان.

ومشى الحسين مِن مَكَّة - وأهل بيته جميعهم في محمول القافلة - ومعه أبوه الرابض هناك في النجف الأشرف، وأُمُّه الثاوية هنا في البقيع، والمـُتلفِّعة بوشاحها المـُطرَّز، وأخوه المـُتزِّمل بجُبَّته البيضاء، وجَدُّه الممدود فوق المدى، ومعه كلُّ الجُدود المـُطيَّبين، مِن أبي طالب، إلى عمرو العُلا، الهاشمين الثريد في القِصاع، المـُشبعين العُطاش مِن بئر زمزم، ومعه الرسالة في القرآن، ومعه الاجتهاد وكلُّ صيغ الجهاد، ومعه الغيرة على مُجتمع فُكَّ جديداً مِن أُساره وأُعيد مِن غياب طويل، حتَّى يتعلَّم كيف يكتب الكلمة وكيف يقرأها للحياة.

أنا لا أقول: إنَّ الحسين قد تأبَّط كلَّ هؤلاء الرَّزم وسار مِن مَكَّة إلى كربلاء، ليرميهم جميعا فوق رمالٍ محروقة بالعطش، في حين ينساب إلى جنبها ماء الفرات، إنَّما جاء المـَعين يجري مِن بين راحتيه، والكلمة العزيزة ترقص مغزولة في عينيه، لقد جاء يُعلِّم كيف تكتب الكلمة، وكيف يقرأها العِزُّ والمـَجد والعنفوان! لقد جاء بالمـُحاولة الكُبرى، فإنَّها - إنْ لم تسمح الآن - سيكون لها، مع كلِّ غَدٍ، وقع يلفظ الحرف، ووقع يؤلِّف الكلمة، يكفي الصدى، بقاياه تتعبَّأ بها حنايا الكهوف، ويستعين بها المـُجتمع النائم، لصياغة حُلمه، فيُفيق ويعود يبني نفسه مِن غُبار المـَعْمَعة.

لا - لم تكن مسيرة الحسين غير ثورة في الروح لم ترضَ بسيادة الغيِّ، والجهل، والغباء، - بالأمس كان أخوه الحسن قُدوة بيضاء، وها هو اليوم - الحسين - يقوم بقُدوة حمراء، وكلا القُدوتين مُشتَّق مِن مصدر واحد هو المصدر الأكبر، مِن أجل بناء المـُجتمع بناء تتعزَّز في تطويره وتتنوَّع كلُّ السُّبل - هكذا قال جَدُّه وأبوه في حقيقة


الرسالة، وهكذا قالت الوصيَّة، وهكذا قالت له الإمامة الهاجعة في ضميره، والمـُفسَّرة في التصرُّف الأحمر.

تلك هي المسيرة - مسيرة الحسين - وتلك هي الكلمة خَطَّها وتلفَّظ بها عُنفوان الحسين، وتلك هي المأساة: تقرأ ثورة الروح انتحاراً، وتَقصيف السيوف في ساحات الدفاع عن الحَقِّ انتحاراً، وبذل النفس مِن أجل قيمة في الحياة انتحاراً، والجُرأة في وجه الحاكمين الظالمين انتحاراً، والمـُطالبة بمُنعة المـُجتمع الصحيح انتحاراً.

تلك هي الكلمة التي أدعوك - يا قلمي - إلى جَلوة حروفها، إنَّ الحسين شرارة الكلمة وهل يُبنى مُجتمع صحيح بغير مِثل هذا الشرار؟


القسم الأوَّل

أزاميل

الأحضان

أهل البيت

الأساس

حَجَّة الوداع

أين هو الحسين

إنَّه هُنا الحسين



الأحضان

- ١ -

ليست قليلة تلك السنوات السِّتّ - وهي التي حفرت في نفس الحسين حَفرها البليغ - لقد كان ينتقل فيها، مُنذ أنْ تكحَّلت عيناه بالنور، مِن حِضن إلى حِضن، في دوامة مِن الحُبِّ والحَنان، قَلَّ أنْ تمتَّع بمِثل نوعها طفل مِن أطفال مُجتمع الجزيرة في تلك الأيَّام، لم يكن حِضن أُمِّه فاطمة رفيقاً به بمقدار عِزٍّ نظيره، لو لم تكن ابنة أبيها محمد، ذلك الذي انسكب في ابنته هذه انسكاب الحُبِّ بالحُبِّ، والعِشق بالعِشق، والرضى بالرضى، كأنَّه سماء لا تنزل إلاَّ في سماء، أو كأنَّه شوق لا يتبرَّج إلاَّ بذاته، أو كأنَّه وَهج لا يتأجَّج إلاَّ في ضرامه، ولا يتبرَّد إلاَّ في كلِّ مَعين مِن مَساكبه. لم يصف قلم بعدُ حُبَّ أبٍ لابنته، أو حُبَّ ابنةٍ لأبيها، كالحُبِّ الذي تبادله الرسول العظيم مع ابنته الصديقة الزهراء.

أقول: لو أنَّ فاطمة الرهيفة لم تكن ضِلعا رهيفا مِن قضيَّة أبيها، لكان شأنها عاديَّاً كشأن أخواتها اللواتي أَمَمْنَ الحياة ورِحنَ إلى أزواجهنَّ يَبنينَ العِشَّ السعيد - ولكنَّ فاطمة المجبولة بحنين أبيها، كانت قسطاً آخر مِن أقساطه التي يُسدِّدها للحياة على صفحة الرسالة التي اندمجت بشوقه، وعزمه، وروحه، في سبيل الأُمَّة التي هو منها، ومِن أجل جعلها عزيزة وهادية لأُمَم الأرض. لم يذكر التاريخ رجلاً أحبَّ وأكرم مِن عليٍّ على قلب النبيِّ الكريم، ولم ينزل أحد غيره مِن بيته نزولاً مقرونا به كأنَّه المـُلازمة والالتصاق، وذلك هو التدليل القائم بذاته بغير حاجة إلى أيِّ تفسيرٍ أو تحليلٍ أو تعديلٍ، بأنَّّه رفيقه الروحيّ، وربيبه الأمثل، وتلبيته الخارقة، وزِناده المشدود مثله بالعزم، والحَقُّ، والصدق، والإخلاص، وإلاَّ لما


قال عنه: بأنَّه هو مدينة العلم وعليٌّ بابها. وبأنَّ عليَّاً وحده ذو الفِقار. وبأنَّهما: عليٌّ منه وهو مِن عليٍّ، فليكن القول هذا - عند مِن يُريد - مُختلَقاً، ولكنَّ البيت، ووجود البيت في حدوده، وفي واقعه على الأرض، لا يُمكنه أنْ يُشير إلى غير هذا المعنى الجليل، أكان قد ورد في حرف، أم كان قد فُسِّر بالإشارة. يكفي التصديق على ذلك ربط فاطمة البهيَّة بالرجل الحصيف؛ حتَّى تظهر الغاية التي بقيت نائمة في الحُلم إلى أنْ تَفسَّر الحُلم وأنجب الزواج الكبير طفلين سمَّى واحداً بالحسن، والثاني بالحسين.

مِن فاطمة وعلي تكون القيمومة على الرسالة المسحوبة مِن حِضن الحَقِّ - إنَّها وحدها الآن في الضمير، وفي العينين لقد كانت فاطمة في عين النبي، أطهر رَحم يُمكن أنْ يُنجِب مَن يليق بالميراث الأوسع مِن الحدود - أمَّا عليٌّ فهو وحده - أيضاً - خليق بالأُبوَّة المجيدة يُحقِّقها في جَلوة التظهير. إنَّ الرسالة لتستحقُّ أنْ يُحضَّر لها - مُسبقاً - مثل هذا التحضير، فهي ما نزلت لتوحيد هذه الأُمَّة - واسترجاعها إلى حقيقة الوجود العزيز بالإنسان، بعد غيابٍ مسحوقٍ بأجيالٍ وأجيالٍ مِن التخلُّف والتردِّي - إلاَّ لأنْ تقتنص لها كلَّ السُّبل الحريصة على صيانتها وتعهدها؛ حتَّى يبقى الاستمرار فاعلاً في تصاعده التحقيقي البليغ. لقد سهرت الجزيرة طويلاً في لياليها العتيقة الدامسة، تُفتِّش مع كلِّ الجُدود عن قبس يجمعها ويوحِّدها في الحظيرة، وليس قليلاً ما أهرقه، مِن عقله وروحه ودمه، إنسانها المـُشرَّد عِبر الصحارى والفيافي والفَدَافِد، ولم تُحرِز إلاَّ رموزا هزيلة مشرورة في أحجار موزَّعة السِّدانات في مَكَّة الأصنام، أمَّا الرسالة الجديدة المنوَّرة، فهي التي ولِدت مِن حَوملة هذه الأجيال الغارقة في بؤسها، وشُحِّها، ونزف أوصالها - أما وأنَّها قد نزلت، وضاءت، وحقَّقت فوق الأرض مُعجزاتها، فكيف لها أنْ لا تسهر طويلاً مع مُعطياتها، وكيف لها أنْ لا تتحسَّب في المـُحافظة على مغانمها التي حقَّقت وجودها الإنساني فوق الأرض، وفي حِضن الحياة؟

لقد كان التحُّسب العظيم في صيانة الرسالة مرصوداً في الرجل المبنيِّ بناءً متيناً، ولا يعني البناء أنَّ النبي الكريم هو الذي بناه، أكثر مِمَّا يعني أنَّه اكتشفه


مرسوخا في نفسيَّة الفتى عليٍّ، عندما لمحَ - لأوَّل مَرَّة - جبيناً تتخبَّأ، دونه نجابة ومتانة في الخُلق والروح، هي كلُّ ما في الانسان، مِن روائع. لقد لمح كلُّ ما يجول في عينيه مِن آفاق تُطلُّ به على مَرح وسموٍّ في النفس، هي وحدها الصفات الكبيرة التي تجذبه إليه في عمليَّة الالتصاق والانضمام؛ لتكون له - به - وحدة في الطوية تُهيِّئه للبلوغ المـُشتاق إلى التحقيق الرائع، الذي يتجلَّى به جوهر الانسان في حِضن الحياة، التي هي فيض رَبِّه العظيم الرحيم.

هكذا هي قِصَّة علي بن أبي طالب، في التحامه الرائع بالرجل الآخر، الذي يستعدُّ للأطلالة الكبيرة، التي تستضيء بها رسالة الإسلام - وهكذا هي قِصَّة فاطمة الزهراء بالذات - لقد كانت لمحاً اكتشافيَّاً مِن جبينها، وعينيها، وتكوينها الأُنثوي، وكانت تخصيصا رائعاً آخر يلتصق بالرجل البعيد المجال، ومِن ذُرِّيَّة هذين النورين الوافدين مِن اللمح، سيولَد لمـَحٌ جديد آخر، معقود في جبينٍ سيُسمَّى الحسن وفي جبينٍ آخر سيُسمَّى الحسين.

- ٢ -

لقد تجمَّدت الزعامات التقليديَّة في الجزيرة، على أمل أنْ تنام دون أنْ يعود فيلمُّها وعيٌ، مع انتقال النبي الكريم إلى الرفيق الأعلى، هبَّت تُعلن أنَّها لم تُصدِّق تحسب الرسول بإسناد مُهمَّة الاهتمام بصيانة الرسالة الطريَّة العُود، إلى أمتن رجل صدَّقها وشارك في تمتينها حُفراً في النفوس. فليكُن اجتماع السقيفة - تملمـُلاً مِن هَجعة - أبَعَدَ الرجل المـَحسوب رُكناً مِن الأركان المـُعتمدة لمـُتابعة الخَطِّ وترسيخه، إلاَّ أنَّ واقع التاريخ وواقع الرسالة، التي لا تزال حتَّى الآن تنمو وينمو بها عالم الإسلام، يشهد بأنَّ لعليٍّ مكانة مجيدة القيمة في ضلوع الرسالة، لا يجهلها الحَقُّ، ولا يقدر أنْ يُنكرها المنطق - وما مِن أحدٍ على الإطلاق تمكَّن مِن فصل بيت عليٍّ عن بيت الرسول، لا في الحقيقة ولا في المجاز.

أعود فأقول: فلتكن للسقيفة عينها الحولاء، غير أنَّ حَوَلاً هناك لا يُطفيء نوراً في عينَي عليٍّ، ولا شعوراً ضمنيَّاً يعيش به أهل البيت. إنَّ الذين جمعهم مُربِّيهم


الأكرم، وضمَّهم تحت كسائه ليُدفِّئهم بعَطفه، ويُطهِّرهم مِن كلِّ عيبٍ، هو الذي يتحسَّب بهم؛ إذ يبنيهم لاستلام الغَد، وأنَّ الغَد العظيم هو في استمرار الرسالة التي تستردُّ الإنسان إلى حقيقة الرُّشد، وحقيقة بناء المـُجتمع الموحَّد بالوعي والحَقِّ - إنَّه يعرف أنَّه بعد لحظات قصيرة سيَعبر تاركاً لهم الدار، وأبناء الدار - فليتثبَّتوا أنَّهم هُمْ المـُعنيَّون المـُنتدبون للمـُحافظة على صيانة القَرار، إلى أنْ يطويهم - بدورهم - سُلطان الحَقِّ، فيتركون للقيم الأُخر رسالة مُستمرَّة بنظافة الحَرف، وأمانة النهج، وحقيقة التطوير المـُركَّز بالإيمان والجوهر.

إنَّها المـُهمَّة المـُنتدبون إليها، وإنَّها القضيَّة الكبيرة والجليلة، التي ساهم بجَلوتها وإخراجها عقلُ عليٍّ، ولُبُّ عليٍّ، وصدقُ عليٍّ. وإنَّه البيت الذي جعل النبي العظيم حدوده مربوطة بحدود أُخرى، هي أبعد مِن القُربى، وأثبت مِن خطوط الانتساب، في مُجتمع سينسى انتسابه إلى كلِّ بطن مِن بطونه القبائليَّة، ليبقى له - فقط - انتساب إلى القيمة المـُجتمعيَّة الكُبرى، التي قدَّمتها له الرسالة، وجعلته بيتاً واحداً لمـُجتمع إنسانيٍّ واحد، يفهم ويعي حَقَّه في الوجود الحياتي الإنساني الكريم.

إنَّها مسؤوليَّة راح ينوخ تحت جلالها البيت النبوي المـُشعُّ، والمبنيُّ مِن لمح الرسول الأبعد، ومِن تحسُّبه الأبلغ؛ لتكون منه انطلاقة لسياسة العهد الطويلة الأمد، والمحصنة بالنظافة التي تُنجبها النفوس الكريمة، مُستقاة مِن صدر ربِّها في الحياة مَعيناً لا ينضب، والرسالة الكريمة هي - بدورها - نفحةٌ مِن روحه، التي لا ينمو ويتبارك الاَّ بها وبقُدسيَّتها مُجتمع الإنسان.

أنْ لا يَعي أهل السقيفة أو أيَّة سقيفة سواها، ثقل المرام، لا يعني أنَّه ليس ثُقلاً رَسَا بجلاله على أهل البيت، ولا يعني أهل البيت تخصيصاً لحدود رابطة الدم، بلْ يعني بيتاً لفَّه النبي الكريم بقصدٍ مربوطٍ بتعهد الرسالة. إنَّهم أوَّل المـُتحسِّسين، وأوَّل المـُعانين، وأوَّل الرازحين تحت الوطأة الجليلة، فليكن البيت هذا - في وجدان أهل البيت - بيت الأُمَّة الأفيح والأفيأ، إنَّه - في وجدانهم أيضاً - بيت الأمس الصغير، وبيت اليوم الأشرق، وبيت الغد الكبير، الذي يحيا فيه الإنسان عزيزاً كريماً، ومثالاً لكلِّ أُسرة يُعمِّر بها مُجتمع الإنسان.


على أيِّ شيءٍ يغار أهل هذا البيت، لو لم يكن لهذا الذي يغارون عليه هذا الوزن، وهذا الثقل، وهذا الغد المـُرتقب؟ إنَّهم يرون على مُجتمع تلقَّط بكلِّ أسباب تراثه وعِزِّة وجوده، مِن أنْ يعمى عن سُبل الصيانة والتعهُّد، فيبتعد كثيراً عن حقيقة الجنى. والمـُجتمع - أصلاً - هو مُجتمع أهل البيت، أمَّا الوعد الكبير، فهم الذين نزفوا الدم مِن أجل تحضيره وتقديمه، هم الذين أعدُّوا المائدة وهشَّموا ثريدها الطاهر، وهُم الذين ملأوا كؤوس المشرب بماء فرات. وهُمْ الذين سكبوا في الحرف جلال المعاني، فإذا في كلِّ آية مِن الآيات قرآن يبني إنساناً صحيحاً صادقاً، يتحقَّق بوجودٍ مثله كلُّ مُجتمع سليم مِن مُجتمعات الأرض - إنَّهم أهل البيت، ولا يدَّعون - أليس نبيُّهم العظيم - وهو منهم - هو الخلاَّق الجديد المـَبريُّ مِن روح الحَقِّ، ليقدِّم للجزيرة، وللإنسان، قرآناً جمعهم ولا يزال يجمع أجيالهم، وأجيال العديد مِن المـُجتمعات الذين يُنادون مِن فوق المآذن: بسم الله الرحمان الرحيم.

ولا يزال التاريخ، ذلك المسَّاح الأصدق، يصف لنا دارَة بناها الرسول في المدينة قُرب المسجد. لقد نزل في شِقٍّ منها النبيُّ الكريم، وخصَّص الشِقَّ الآخر لسُكنى ابنته فاطمة، بعد أنْ جمعها بعليٍّ في عمليَّة تتميم الأرادة المـُحتسبة، وتحقيق الحُلم المنسوج بفتنة الغَد.

هذا هو البيت الصغير، الذي كان يعود إليه اثنان بعد كلِّ جولة يجولانها؛ مِن أجل تثبيت جوهر الرسالة ونقشها في مَعدن الإنسان، إنَّهما - اثناهما - كانا يعودان بجَعبةٍ واحدةٍ مليئةٍ بالتحقيق المـُثَّبت والمـُركَّز في هذا البيت، وضمن هذه الحيطان المـُصغية إلى النفس المليء بالحقِّ والوجدان، كان الاثنان يتبادلان العَرض والدرس وغربلة الأحداث، وكانا يبنيان التصاميم العريضة، والدقيقة، لجعل الغد الآتي مؤهَّلاً لأنْ يكون نبضة صادقة في تأليف الزمان. ما مِن حِكمة جالت في عقلهما وروحهما، إلاَّ واندرجت على هذا البساط، وتحت هذا السقف، حتَّى يكون توحيد غزلها باهراً في حياكة الثوب، الذي سترتَديه الأُمَّة في نهوضها مِن غفواتها الطويلات، إلى يقظتها هذه الحاضرة والمـُكلَّلة بالطُّهر، والرُّشد، وروابط الصواب.


اثنان - قلتُ: - وهل هما غير النبي العظيم مُلتحما بفتاه الآخر، أو فلنقُل: مُلتحما بثقله الموزون في وحدة المنطق، ووحدة الصدق، ووحدة الجوهر؟ أقول - ذلك ولم ألمح حتَّى اليوم، مِن الأمسِّ الدابر إلى اليوم الحاضر، امتعاضة واحدة رشق بها التاريخ طويَّة الإمام عليٍّ -: بأنَّ هنالك ريشة ضئيلة تُخفِّف مِن ثِقله في ميزان الحَقِّ، والعدل، والفهم المـُقدَّس، والتحلِّي بطهارة الصادقين.

في هذا البيت الصغير الصغير، وهو - بالقصد والمعنى - الكبير الكبير، تمَّت جَولة الحُلم، وانعقدت جَلوتها في اللحظة التي بدأ يدرج فيها طفلان، ما قَصَّ شعريهما جَدُّهما، وتصدَّق بوزنه فِضَّة تُصرَف على إطعام المساكين، إلاَّ ليكون لاسمَيهما تسجيل جديد في صفحة تاريخ الأُمَّة، لقد شَعر مُجتمع الجزيرة بأنَّ الحسن والحسين هما اسمان جديدان، لم تتلقَّط أُذن بعد بنداء وجهه أحد مِن شيوخ القبائل إلى أيِّ فردٍ مِن أفراد القبيلة، صحيح أنَّهما لفظتان عربيَّتان، مشهورتان في اللفظ والتخاطُب، ولكنَّهما ما كانا مُطلقاً اسمين لأيِّ شخصٍ مشى على صفحات هذه الرمال.

لقد شعرت الجزيرة بهذا الجديد، والتاريخ أيضاً قد شعر، أمَّا الجديد الكبير النائم في عين هذا الجديد الصغير، فإنَّه بقي كأنَّه النُّعاس الذي يقطب العين فلا ترى، وأنا أرى الآن أنَّ السقيفة في ذلك العهد، قد تخبَّأت بهذا النُّعاس، وأنكرت جديداً ينام في الاسمين المـُشتقَّين مِن روعة الحُلم، واللذين يدرجان في البيتين المـُوحِّدين بالفهم والصفة. أمَّا الخمسة الذين جذبهم القصد واجتذبهم إلى صدره التحسُّب الأكبر، فإنَّهم هم الذين لبثوا يهتمُّون بتأليف النهار الجديد الذي ستكون له شمسه الأُخرى.

- ٣ -

مُنذ أنْ هبط الحسين مِن رحم أُمِّه إلى حضنها الوثير، تلقَّفته الأحضان مِن حِضن إلى حِضن، وبقي ينمو ولا يدري أيَّ حِضن هو الأرفه والأوثر - لقد أمَّ الحياة صغيراً ضئيلا - لم تكن ولادته وهو في شهره السادس إلاَّ نحيلة كنُحول أمِّه في


خشبة جَسدها، وما احتاك به مِن زهيد الشحم والدم؛ مِن هنا كانت الولادة نحيفة رهيفة، كالمصدر الذي انزلقت عنه - غير أنَّ الأحضان التي سربلته بأكثر مِن دثار، نشَّطت فيه طاقات عجيبة مِن التدلُّه النفسي الروحي - ما شَحَّ انعكاسه على عضلاته وألياف أعصابه، فإذا هو كأنَّه رشأ يملأ البيت حركة ودلعا ورواء، وإذا هو أكثر مِن جاذبيَّة شغف بها المـُحيط كلَّه، مِن ساحة الدار التي تُظلِّلها شجرة واحدة اسمها ( الآراك )؛ إلى داخل البيت الذي كانت حيطانه وسقفه ترشح بما لا يعرف مِن أيِّ ضَوْعٍ هو، لقد راح الفتى يشعر أنَّه دلاَّعة البيت وهزَّته الصغيرة، وكانت النشوة فيه تحتار مِن أين تأتيها الإشارة، فبينا يغرق فيها في حِضن أُمِّه، كأنَّه حرير مُبطَّن بمخمل، إذا هي - في عُبِّ أبيه - كأنَّها إعصار يتناحل في نسمة الصبح، أمَّا في حِضن جَدِّه وتحت عينيه، الناضحتين بالحُبِّ، فكأنَّها شعاع دفءٍ هابط مِن كُوَّتين، هما مِن بهجة الصباح أنقى وأزهى.

وهنالك حِضن رابع كان يتعب وهو يتلقَّط به ليحتويه، وهو حِضن الحسن أخيه الذي يزيده بالعُمر سنة وعِدَّة أشهُر، ولم يكن يعرف الحسين أيَّ طعم كان يتلذَّذ به وهو مضموم إلى صدر أخيه، كأنَّه نَكهة معجونة بسويق لا اسم له، تلك هي الأحضان التي احتوت الحسين مُنذ أَمَّ الحياة، وراح يدرج في البيت إلى أنْ تركه جَدُّه الكبير في حِضنٍ راح يُفسِّر له - بالتدريج - كلَّ معاني الأحضان التي احتوته طفلاً، وحضَّرته - بدوره - لأنْ يكون حِضناً يتناول الرسالة إلى صدره، ويفنخ فيها نفساً مقدوداً مِن صدره المليء بالعُنفوان.

لقد ضاع الحسين في تعيين أيِّ حِضن تدلَّه فيه، كان أعطف وأرهف مِن الآخر؟ ولكنَّه - بالحقيقة البارزة - كان مُشتقَّاً منها جميعها على توحيد والتزام - لقد ضمَّته جميعها، لأنَّها كلَّها كانت حدوده في المبدأ وفي صيانة الجوهر، أنَّه مِن هذه الصياغة الكبيرة التي احتضنها الطالبيُّون الهاشميُّون، فإذا بها مِمَّن مَرَّ أنَّها في النفس تتفتَّق عن رسالة تفوَّه بها الطالبيُّ الهاشميُّ، فارتدَّت إلى الأُمَّة العظيمة أمانتها المحفوظة في عقل وجُهد نبيِّها العظيم محمد.


إنَّ القصد المنسول مِن هذه الرسالة، التي حقَّقت ذاتها فوق الأرض وتحت ظلال السماء، هي التي وسَّعت ودفَّأت الأحضان التي انغلقت كلُّها بالتساوي على تعهُّد الحسن والحسين، ليكونا ضِلعين مُخصَّصين لرعاية الخَطِّ الطويل، إنَّما مِن أهل بيت حدوده في سوارٍ مِن نبوَّة أنتجت رسالة تتحدَّد بها الأُمَّة، ويتحدَّد بها الزمان الجديد، ويتحدَّد بها الإنسان الجديد.


أهل البيت

ولكم تمنَّيت على التاريخ أنْ لا يقرأ علينا الكلمة بحروفها، بلْ بمعناها النازل فيها، ألا تراه هكذا قد تصرَّف وهو يكتب على أحدى صفحاته ( أهل البيت ) وهو يُفسِّر الكلمتين بحروفهما لا بمعناهما المقصود؟! والبيت هنا وأهله، لا يعنيان في كلمتيهما أساساً مضروباً لإقامة أربعة حيطان، تنشأ ضِمنها وحدة سَكنيَّة تنزل فيها عائلة مؤلَّفة مِن رجل وامرأة وعِدَّة بَنين، إنَّما البيت وأهلوه هما رمزان - بالذات - إلى مُجتمع ظهر منه مُشتاق رائد تمكَّن مِن رصفه ورزمه في إطارٍ جديدٍ، ومضى به إلى تحقيقات رائعة المثال، وخارقة المجال، نشلته مِن كينونة إلى كينونة، فإذا الفرق بعيد بين إنسان كان يتشرَّد هنا وهناك فوق الرمال، كأنَّه مثل هاتيك الغزلان، لا يقودها العطش إلاَّ إلى واحاتٍ مِن سرابٍ، وإنسان دلَّه عقل كبير إلى قضيَّة كبيرة في الحياة، وجد بها منهله لحقيقته الإنسانيَّة، التي يبني بها مُجتمعاً صحيحاً يُحقِّق به أنشودته في الوجود.

ألم يكن العظيم محمد هو الذي انفجر به شوق الجزيرة العربيَّة، إلى سحبها مِن كلِّ حَرَّاتها الراقصة بالزفت والكبريت، إلى واحاتٍ مِن نوعٍ جديدٍ يسرح فيها نسمٌ، وينبت فيها ظلٌّ، ويجمعها رُشد يُخلصِّها مِن تشريد وتحريب، ويوفِّر لها نظاماً ينشلها مِن غزو وقتل، وهدر قوى يمتصُّها الجهل وفقر الروح، وتُبعثرها - توهيناً وتفتيتاً - روح قبليَّة عشائريَّة، مُتزمِّتة في تجمهُرها وتصنيفها المرصوص في الأفخاذ والبطون.

مَن غير محمد - بعد هذه الآلاف مِن السنين المهدروة - تمكَّن مِن إشعال هذه الحَرَّات أتُّوناً مؤجَّجاً بنار زفْتها وكبريتها، رمى إليه كلَّ هذه الأصنام التي كانت


تُكبِّل هذا الانسان عن بلوغ حقيقته العُظمى في الحياة؟ لقد كان هذا الانسان بلا كتاب، فهجَّأ له - لحظةً بعد لحظةٍ - كلَّ حروف الكتاب، كان فرداً يُتقن القفز بين المفاوز وخلف الطرائد، فضغطه إنساناً يعرف كيف يمشي على الطريق، وكان قبيلة تلعب بها البطون والأفخاذ، فجاهدها حتَّى جعلها في الوحدة المـُجتمعيَّة المؤمنة بالحقيقة، لقد كان هذا الانسان بلا قضيَّة فدمجه بالقضيَّة، وأفهمه أنَّ الأُمَّة الواحدة لا يعلو لها إلاَّ صرح واحد مؤمن، متين الأساس، وعزيز الحَجر، وكريم السقف، أنَّه بيت الأُمَّة الواعية، يوحِّدها الشوق، ويجمعها العقل إلى تعزيز المصير المـُشترك.

هل كان أحد غير هذا الفتى الرائي، في حقيقة العزم والإقدام لخوض غمار معركة، كان يبدو أنَّها خارقة الجنون، وإذا بها - بعد اختلاءٍ في غارٍ - تُحقِّق ذاتها، وتُحقِّق المعجزة التي لم يُحقِّقها - مُجتمعين - كلُّ الإبطال الذين ألَّفوا ملحمة هوميروس؟ إنَّها - العمري - أضخم معركة حصلت على وجه الأرض، كان بطلها إنساناً حقيقيَّاً، ولم يتجاوز الوقت الذي أحرزت فيه النصر عشر سنين، وإذا بمُجتمع - برُمَّته - يلتمُّ إلى وحدة فوق ساحة كانت تلتهمها المسافات الفارغة، وتُفرِّطها العادات والتقاليد، وأبالسة الشياطين، وأُلوف مِن القبائل المـُشرَّدة، والعشائر الضائعة في الليل، وكلُّ شيخٍ مِن شيوخهن كأنَّه صنم بلا عين، ولا قلب، ولا لسان.

أجلْ، إنَّها معركة التهبُّت بالحقِّ، واشتغل بها الوجدان المـُجنح بالخيال، على صهواتٍ بيضٍ راحت تُحرِّر الأرض مِن عبوديَّتها المـُعفَّرة بالسراب وبالغبار، وترفعها إلى فضاءٍ يمرح فيه شعاع سَني النور، مربوط الضلعين بالإسراء والمعراج، فإذا السموات السبع، وكلُّها موسوعة المـَمرَّات إلى جنان تشرب الكوثر مِن راحتي الوعد السخي، الذي سيتمتَّع به الإنسان الذي يسمو بالحَقِّ، والصدق والمعرفة، وهو يتحلَّى بالمـُثل الكريمة النابعة مِن إيمانه بإلهٍ واحدٍ أمثل، يُخلصِّه مِن كلِّ عبوديَّة، ويُنظِّفه مِن الرغبات السود، ويزينه بالصدق، والطُّهر، والعفاف، ويُحضِّره لأنْ


يكون أنساناً صادقاً في دنياه، ليكون ثوابه جَنَّة مِن ذلك الطراز، وهي - أبداً - جَنَّة سيجدها مزروعة في نفسه المـُحرَّرة مِن الكَذب، والغِشِّ، والبُهتان.

ما شحَّت في هذه الملحمة الرائعة بطولات لحَمَت الأرض بالجنان، وما ضؤل الثواب على المدعوِّين إلى مُعانقة الحقيقة الباهرة، وكان الثواب تحقيقاً آنيَّاً مُترجماً على الأرض. هكذا كانت الترجمة العظيمة مُتجلِّية في الكلمة الواحد التي هي ( الرسالة )، وكان التحقيق البليغ ملموحاً في توحيد المـُجتمع بإنسان رمى فرديَّته المنهوكة بقبائليَّته وعشائريَّته، وفتائل زعاماته، وثعابين أصنامه، وراح يتمتَّع بمُجتمعيَّته التي هي الآن في حقيقة الوعد الكبير، الذي زرع القيمة في الإنسان، فإذا الحياة الكريمة هي الجَنَّة التي لمحتها عين الإسراء والمِعراج.

هذا هو المـُجتمع الأمثل، لقد حقَّقته الرسالة إذ بنته بيتاً كريماً تنزل فيه لتَخلد معه في القيمة المـُستمرَّة في وجود الانسان، ستُدافع عنه إذ تُدافع - أبداً - عن حقيقتها في ذاتها؛ ومِن هنا كان البيت بيت الرسالة، أمَّا أهلوه المـُخصَّصون فهم المـُنتقون عُنصراً متيناً للصيانة والتعهُّد، حتَّى تبقى الرسالة فاعلة فعلها المـُتصاعد؛ مِن أجل أنْ يعمَّ الرُّشد، ويَمتنُ هذا الإنسان بالمـُمارسة التي تُنسيه مواطئ قدميه في أمسه الهزيل، وتُنجيه مِن الردَّة في يومه الطالع.

هكذا بُنيت الملحمة مِن أجل تثبيت بُطولاتها فوق الأرض، أمَّا البيت الهاجع في معناه، فهو البيت الذي بنته الرسالة، وهو المـُجتمع المبنيُّ بها، أمَّا الذي ينزل فيه الآن فهو الرجل الآخر، لا لأنَّه عَصبٌ توضَّجت به عروق الدم، الذي نسج لها ملحمة لفَّها بها في المعركة، التي دمجت الأرض بجِنان النعيم، وطهَّرت إنسانها تطهيراً.

لقد كان التاريخ في تفسيره ( أهل البيت ) أشبه ببطنٍ مِن بطون القبائل في تلك الأيَّام، تجمعها روابط النَّسب واللحم والدم، في حين أنَّ النبي العظيم برى


الروابط هذه، وجعلها مهدورة في المـُجتمع الواحد، وجعل البيت رمزاً للبيت الكبير الجديد المـُوحَّد.

إنَّ أهل البيت هُمْ الوصيَّة المقصودة لتناول الإرث، الذي هو رسالة ملفوفة بملحمة حقيقيَّة ما شهدت الأرض نظيرها مِن الملاحم، أمَّا الحسن والحسين، فمنهما الحُلم الذي انبثق مِن الوجدان الممسوح بالشوق والخيال. إنَّهما مِن صُلب هذا الوجدان وهو مرشوق بعظمة الرسالة، سيكونان مخطوفين مِن بَهجة اللَّمح، لقد نشأ أبوهما وهو يأكل مِن ذات الخمير، ويتربَّع على ذات الحصير، وهكذا نشأت أُمُّهما تمتصُّ رهافتها مِن ثديِ التي ذابت بين يدي زوجها كما تذوب شمعة مُقدَّسة أمام نافذة المِحراب، وها هُما طفلان يلعبان في باحة المسجد، ولكنَّهما ما كانا يشربان إلاَّ كوثراً صِرفاً سيكون به تحقيق الميراث، وتحقيق الوصيَّة، وتحقيق الإمامة، وتحقيق الوعد الذي تعيش به رسالة ما انفكَّت ملحمة يلتحم بها إسلام الأرض بين يدي ربِّها الرحمان الرحيم.


الأساس

- ١ -

لا يُمكن أنْ يكون للقضيَّة غير هذا الأساس، لقد كانت القضيَّة مُطلقة مرماها وجوهرها، فهي ما تناولت تنظيماً عاديَّاً مِن شؤون الهندسة، كإنشاء بيت، أو إنشاء قصر، ينزل في الوحدة الصغيرة عائلة مسكينة، وفي الوحدة الأُخرى أمير له ثَراء وجاه سلطان، إنَّما تناولت شأناً حياتيَّاً آخر، له مِن الحقيقة والشمول، تصميم وتركيز في عمليَّة بناء الفرد بناءً إنسانيَّاً، مُجتمعيَّاً، تتحقَّق به الغايات الشريفة في الحياة، فلا بيت ينشأ والقضيَّة هذه هي المطروحة فوق البساط، ولا قصر ينشأ أيضاً، وتكون لهما حقيقة الثبات، ما لم تحفر أساسيهما عناية القضيَّة الكبيرة، التي تُركِّز نظرة الإنسان على الحقيقة الصادقة فيه، فيبني مُجتمعاً صادقاً يصون فعاليَّاته الفرديَّة الإنسانيَّة المـُتحوِّلة - حتماً - إلى مُجتمع سليم منيع، وعندئذ يكون له البيت، والقصر، والمـُتعة بالعمران. إنَّ الأُمَّة الصادقة، هي الأُمَّة المنيعة، لا يدعمها في مناعتها إلا الحقُّ، والصواب، نظافة العقل، والروح، وهي كلُّها - في العدل والمـُساواة - وحدة عظيمة يجدها الإنسان في ضلوع المـُجتمع.

تلك هي القضيَّة، إنَّها حشو الأساس، وإنَّها هي البيت الذي سكن فيه باعث الرسالة، وإنَّها هي الأساس الذي تقوم عليه جدران هذا البيت الذي هو - بكلِّ مُحيطه - بيت الأُمَّة في حقيقة الرمز.

أيكون أهل هذا البيت ملموحين حِجارة في الأساس؟ إنَّ للمنطق إصبعاً تستقيم بها الإشارة، وإنَّ للقضيَّة تعييناً تتوضَّح دلالته إلى المقلع المرصوص بصلابة الصوان، وإنَّ للحقيقة عيناً لم يدعَج بها إلاَّ عليُّ بن أبي طالب، وهي ترنو إليه بأنَّه مِن المقلع المـُمتاز، الذي يصحُّ به رصف الأساس.


ومِن الجهة المـُقابلة، أتكون الإمامة رُكناً يقوم على الأساس؟ ولكنَّ القصد الحكيم كأنَّه جعله سرباً ينضح منه ليعود ويسقيه فلا يعطش، أمَّا المعنى فإنَّه أبداً واحد، فالقضيَّة التي هي في عُمق الشمول، والتي كلَّفت جُهداً يوازي عمر الجزيرة في التفتيش عن واحتها الكُبرى، تتطلَّب صيانة أساسيَّة ومُركَّزة على مثل النظافة والجدارة اللتين يتجوهر بهما مَعدن عليٍّ، كما وأنَّ القبلية الهزيلة العقل والهزيلة الإنسان، أصحبت الآن ترفض إعادة لملمَّة حروف اسمها أمام جلال القضيَّة، التي انبسطت بها أرجاء الجزيرة في وحدة مُجتمعها، ستكون الإمامة الكرسيَّ الجديد والأنظف، تجلس فيه ركيزة الإدارة، دونما احتياج إلى أيَّة استشارة أو إثارة. إنَّ النظافة المرميَّة في الأساس، وفي المدماك الأوَّل، هي التي تُستشار الآن، والتي ستُستشار في الغد، ولكنَّ الأُمَّة التي سيَصلب عودها فوق هذا الأساس، سيكون لها في مثل هذا الصدق والطُّهر، ذيَّاك المـُرَّان، وستبقى القضيَّة الكبيرة التي جمعها هي مُستشارها الأفخم، يُنجيها - ما دامت في وضوح الصراط - مِن العِثار.

في مثل هذا الجوِّ المـُفعم بالمسؤوليَّة البالغة العُمق، والقصد، والجوهر، كان يعيش البيت وأهلوه. لم يكن الحسين الذي يقفز الآن على الطريق المـُمتدِّ بين باحة البيت وساحة المسجد، ليفقه كثيراً ثقل القضيَّة، ولكنَّه كان يشعر أنَّ شيئاً عظيماً يُدغدغه وهو يُفرِّق الناس الجالسين القُرفصاء، وهم يُصغون إلى كلِّ كلمة كانت تخرج مِن بين شَفتي جَدِّه الجالس فوق المنبر. لقد توصَّل الفتى - بعد عَناء - إلى جَدِّه المـُنبري بجلاله. لقد مدَّ يديه وتعلَّق بطوق الجُبَّة، وصعد الهويناً، وكفُّ جَدِّه يُسنده مِن الوراء، وإذا به - رويداً رويداً - ويمتن ربوضه فوق المـَنكبين المـُستسلمين لإرادة الفارس. لقد تبسَّم الجَدُّ الذي هو الآن رحل الحسين، وهو يقول: هذا سيِّدٌ ثانٍ مِن أسياد أهل الجَنَّة، فطوبى لأُمَّة فيها مِثل عليٍّ يُنجب!!!

- ٢ -

وهذه حروف أُخرى ما رصفت ذاتها بذاتها، ما كانت الحروف لأنْ ترقص على أذنابها فتتلحَّن بها الكلمة معطوفة على رَنَّة الوتر، إنَّما المعاني هي التي يشغفها


القصد، فتتنضَّد حروفاً يرقص بها الوتر.

لو لم يكن الحسين لمـَعة حُلوة، في حُلم ذلك الذي رقص الدويُّ في أُذنيه فصار بعثاً، وصار حرفاً ضجَّت به الآيات في القرآن، لما كان له - الآن - أنْ يلفَّ عُنق جَدِّه بذراعيه الصغيرتين، ويَجثُم فوق منكبيه ويُثَغْثِغ بالآية الهابطة مِن الجَنَّة التي رآها جَدُّه سيِّداً فيها، أمَّا الجَنَّة التي يُشير إليها النبي المـُشبع بالمهابة والجلال، فهي التي رسم لها أُنموذجاً فوق الأرض، في مُجتمع الأُمَّة الموحَّدة والمؤمنة بإلهٍ واحدٍ عظيمٍ كبيرٍ خيِّر، يجمع بالحَقِّ، ويظهر بالصدق، ويبني بالعلم والمعرفة إنساناً يُصبح عظيماً بمقدار ما ترجح فيه قيمة المـُثل.

تعيسة هي الكلمة تأخذها الأُذن، أو العين دون أنْ يؤخذ معها لونها وصداها! - وأتعس منها كلُّ حقيقة تحتشم، إذ تترك الحرف يتربَّع بها ويتأنَّق بإدراجها في لفَّة الزمر، فإذا بها تترك ملفوفة بحشمتها، وينبري الحرف يتبجَّح بأنَّه هو الصدفة، ولولاه لما كانت بَهْرَجَة ولا لؤلؤة!

تلك هي قِصَّة الحسين الطفل فوق مِنكبي جَدِّه فوق منبر المسجد، لقد سمع الناس ورَأوا عاطفة تموع، وبادرة يلعب بها طفل اسم أُمِّه فاطمة، أمَّا الرمز، وأمَّا الصدى فلا عَلاقة للرسالة بهما، كأنَّ النبي العظيم الذي أخضع الجزيرة برُمَّتها وجعلها تسجد أمام عظمة الحَقِّ، ونجَّاها مِن طفولة بائسة، ما كانت تلعب إلاَّ بالتُّرُّهات والخَرزات الزرق، ليس له إلاَّ أنْ يُلاعب طفلاً اسمه الحسين؛ لا لشيء إلاَّ لأنَّ أُمَّه اسمها فاطمة، ولأنَّها ابنته مِن لحمه ودمه ...

أمَّا الطفل الصغير الذي كان مجذوباً إلى منكبي جَدِّه، وهو يُملي على الناس كيف لهم أنْ يجتمعوا دائماً مع كلِّ غَدٍ، فإنَّه وحده - على الأقل - راح ينحفر في نفسه، بأنَّ الرسالة الكبيرة هي التي يغار جَدُّه عليها، وهي التي يعتبرها دعامة اليوم لتكون دعامة الغَدِ. إنَّ هذه اللحظة - بالذات - هي التي تحفر في نفسه عُمق القضيَّة، وعُمق المسؤوليَّة، وعُمق الوصيَّة، وعُمق الرمز الذي هو كلُّ الصدى.


حَجَّة الوَداع

ولن تُفلت حَجَّة الوداع مِن تَمنِّينا، لو أنَّها لم تكن وداعاً بمعناها الحرفي، إلاَّ بعد عشرين حَجَّة أُخرى، على الأقلِّ، بمعناها المـُشتاق إلى إطالة العهد مع صاحب البعث، وحامل الحَقِّ والهداية، في سبيل تمتين الحُفر في النفوس، فينمو عودها أنقى، وأصلب، وأثبت في واقع اللمس وترسيخ المـُران، ولكنَّها حصلت كأنَّها الحُلم في صباح تكدَّرت شمسه بمضيضٍ مِن كسوف!

هل كانت حَجَّة الوداع أكثر مِن اسطوانة تخبَّأت فيها وصيَّة؟ ولكنَّ الجماهير الغفيرة الذين امتلأت بهم قافلة الطريق، بين المدينة ومَكَّة، ما كانوا يمشون إلاَّ بحَفاء الأمس - صحيح أنَّ ولادة جديدة قد كحَّلتهم بنورٍ جديدٍ، ولكنَّه نور لم يتسرَّب بعد إلى عُمق الحدقة، ولم تختزنه الطويَّة بعد، فيُصبح جزءاً منها - يا أُمْنَية وهي تضرُّع - لو أنَّ حَجَّة الوداع ما حصلت إلاَّ بعد ثلاثين مِن سنوات الهِجرة، أو بعد أربعين إذا يصحُّ التمنِّي.

أمَّا الوصيَّة في غدير خُمٍّ، فإنَّها هي التي برزت بثوب الرمز اللطيف، ما شربت الاَّ عطشها المـُقدَّس ألم يتوسَّل النبي الكريم - وهو الذي توسَّلت إليه مهابات وجلالات - وهو يقول:( عليٌّ منِّي وأنا مِن عليٍّ ) ،( مَن كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللَّهمَّ والِ مَن والاه وعاد مَن عاداه ) ،( إنِّي مُخلِّف فيكم ما إنْ تمسَّكتم به لن تضلُّوا مِن بعدي، كتاب الله وعِترتي أهل بيتي، فإنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض ) .

تلك هي الوصيَّة، لقد عطشت بها وإليها حَجَّة الوداع. أمَّا السامعون غدير خُمٍّ، فإنَّهم هم الذين كانوا يسمعون في صباح الأمس، وهم جالسون


القُرفصاء، بين يدي مَن ينزل عليهم الآيات، لقد قالوا في تلك الساعة: ما أطيب الرسول يُداعب ابن بنته فاطمة، وها هم الآن يُردِّدون القول في غدير خُمٍّ: ما اشدَّ حُبِّه لعليٍّ، أتراه دائماً يُحبُّه أكثر مِن أيِّ واحدٍ مِنَّا؟ يا للوعي المـَمزوق! كم يلزمه مِن المِران والصفاء، حتَّى يستوي الفهم فيه والرواء!

- ٢ -

غير أنَّ الوصيَّة ما كانت بحاجة إلى حَجَّة الوداع، حتَّى يتناولها النبيُّ المـُتممِّ حُجَّته ما بين يدي ربِّه الرحيم، مِن تحت أُبط عليٍّ، ليعرضها على الناس فيصدُّقوه! لا - وأيْمَ الحَقِّ - لقد كانت الوصيَّة مدقوقة كالوشم فوق جبين عليٍّ، إنَّها مِن سجاياه الناضحة مِن طويَّته الكريمة - لا التاريخ عَمْيَ، ولا أيَّ رجل كريم مِن رجالات ذلك العصر كان يعمى عن قراءة الحقيقة، ولكنَّ سياسة الزُّعماء المـُتشرِّبين روح القبليَّة هي العميَّة!

لم يكن عمر بن الخطَّاب ضعيف السجيَّة، إنَّه عنصر فطنة بين الرجال، وإنَّه عقل تمكَّن مِن احتواء الوسيع مِن الرشد في مجال الحياة، ولكنَّ عنهجهيَّة قبليَّة نائمة في بطانة نفسه، ما سمحت له ولا قبلت أنْ يتقدَّم عليه وعلى أمثاله مِن وجهاء الجزيرة - وبنوع خاصٍّ المـُسنِّين منهم والبارزين في صفوف الصدارة - فتى لا يزال أمرداً، أكان هذا الفتى عليَّاً أم كان فتى آخر اسمه أُسامة بن زيد! لقد كان حِسُّ ابن الخطَّاب - بمركز الزعامة - أرجح مِن حِسِّه بقيمة الرسالة - لهذا لم يُرِد أنْ يُصغي إلى فِطنة التحسُّب في التلميح بالوصيَّة؛ ولهذا كان رفضه القبول بولاية عليٍّ بعد غياب الرسول إلى الرفيق الأعلى؛ ولهذا - أيضاً - كان رفضه القبول بالفتى أُسامة بن زيد أميراً عليهم في الجيش الموجَّه إلى غزوة الشام.

لم يكن هذا وحسب في ميزان عمر، بلْ إنَّ هنالك خبيئة مِن الماضي الوخيم تُعشِّش في ضلوعه، إنَّها الدودة في وزيعة الإرث، إنَّها الأُمويَّة السُّفيانيَّة ضِدَّ الطالبيَّة الهاشميَّة، تمرح بين الخطَّين، وتقضم مِن لحمة الطرفين، إلى أنْ جاءت الرسالة الرضيَّة فتلملمت الدودة إلى خبيئتها في عُتْمة الظنِّ، وها هو غياب الرسول يُعيد


الدودة إلى مربعها الأوَّل، وإذا الوصيَّة بعليٍّ هل الأُولى التي تتناولها بالقضم!!! فيا للأُمْنِية تًكرِّر في ضراعتها: لو أنَّ حَجَّة الوداع ما حصلت إلاَّ بعد ثلاثين مِن سنوات الهجرة، أو بعد أربعين إذا يصحُّ التمنِّي! لرُبَّما كان طول المِران ما بين يدي صاحب الرسالة، يقضي على دودة كان تئنُّ منها مُجتمع الجزيرة، كما تئنُّ - أبداً - كلُّ واحة خضراء مِن أسراب الجُراد.

- ٣ -

هنالك سبب وجيه وأساس خَلْفَ تصرُّف عمر بن الخطاب، يُلبِّيه مِن الوراء أبو بكر الصدِّيق بالرضوخ والمـُطاوعة، إنَّه يَكمن في فقر الساحة وافتقارها إلى الصفات التي يتحلَّى بها الإمام عليٍّ، إنَّ الصدق الذي رفع الرجل إلى سويَّة الرسالة وجعله وحياً منها، لم تكن قد حصلت له موجات مِن انعكاسٍ فاعلٍ، رشقت الغير وقرَّبته مِن القُطب المـُمغنط، مِن هنا يكون تأثير الثقافات الفكريَّة، الروحيَّة، الحضاريَّة، تتناول مُجتمعاً بأسره، وتدمغه بالفهم، والحِسِّ والنَّباهة؛ ومِن هنا يكون المِراس والمِران عاملين قويَّين في عمليَّة تنشيط المواهب ونقلها - مِن البَلادة والخُمول - إلى التفاعل الحيِّ؛ ومِن هنا يكون لعليٍّ وصول أوسع، تغتني به أوصال المـُجتمع.

لقد كان عليٌّ ساعة حمل الغَمامَ النبي إلى المصدر الأوسع، طويَّة ينعكس هو فيها بحقيقته المتيقظة؛ لهذا كانت سرعة ابن الخطَّاب في هندسة أمير يتسلَّم الأمارة، قبل أنْ ينشط لها وعيٌ جديد يلمح عليَّاً ويستدعيه إلى مركز الرعاية.

مُنذ تلك الساعة إلى اليوم، ولا رسالة تفعل فعلها المنقوص، في مُجتمع يتقدَّم خُطوة إلى التحقيق، وتتراجع به الرُّدَّة خطوتين إلى الوراء، إنَّه لا يزال مُجتمعاً يهجع به الانتظار.


أعود فأقول: لو أنَّ الرسالة في المـُجتمع فعلت فعلها المـُقدَّر لها حصوله في المـُجتمع، لما كانت الحَجَّة تلك بحاجة إلى إعلان وصيَّة، ولما كانت لتُنعت بالوداع، بلْ بالوَصلة الدائمة الحضور في دائرتها العظيمة، التي تجلَّت هي فيها، كأنَّها الأعجاز في رفع المـُجتمع إلى وحدةٍ راح يتَّضح رويداً رويداً على الأرض جلالها في التحقيق.

لا، لم تكن القضيَّة الكبيرة التي اعتنقتها الجزيرة بين يدي محمدها العظيم، بحاجة إلى أيَّة وصيَّة ملفوظة بكلمات، لقد كان لكلِّ خُطوة خطاها الرسول على الأرض حَفر مُعيَّن، له سداد، وله رشاد، ولقد كان لكلِّ إشارة زفَّها إليهم بإصبع كفِّه، أو بلفتة عينه، أو ببسمةٍ ماجت بها شفتاه، دلائل غنيَّة العُمق، بعيدة الغور، ولكنَّه لم يَخطُ خُطوة واحدة الاَّ ومعه الرسالة، ولم يتفوَّه بكلمة واحدة ليست حروفها مِن حروف الرسالة، إنَّها وحدها كانت الوصيَّة، وإنَّها وحدها التي بنت وجمعت، فهي القضيَّة، وإنَّها منه، وإنَّه لم يغار أبداً إلاَّ عليها، لأنَّها القضيَّة، ولن يُقرِّب اليه أحداً مِن الناس، إلاَّ الذي يراه متين المنكبين لحمل الرسالة التي هي كلُّ القضيَّة.

أيكون كلُّ هذا المخطوط البارز في حقيقة مُجتمع الجزيرة صعب الفهم، وصعب اللمح، وصعب السمع حتَّى نطلب مِن الغائب الذي التحق بسُّحب الغيب، أنْ يعود ويوضِّح حروف الوصيَّة، لنرى اليوم مَن هو المدلول إليه ليتسلَّم زمام الرسالة؟ هل هو عليُّ بن أبي طالب، أم أنَّه عمر بن الخطاب ملفوفاً بأبي بكر الصدِّيق، مَفروزاً إلى عثمان بن عفَّان؟

ليت حَجَّة الوداع قد تكرَّرت مَرَّتين؛ حتَّى يقتنع ابن الخطاب بأنَّ الوصيّة بتعهُّد الرسالة - القضيَّة - هي لعليٍّ، لا بصفته قريباً وابن عَمٍّ، ولو بوجود العباس وهو عمٌّ أولى، ولا بصفته طالبيَّاً مُنافساً لسفياني؛ بلْ لانَّ عزم الروح كان جليلا فوق منكبيه، ولأنَّ الذي سَحب الجزيرة مِن أمسها البائس هو الذي حضَّر لها غَداً مُشرقاً، غنيَّاً بالوِئام النظيف والرأي الحصيف.


أين هو الحسين

- ١ -

إنَّه الآن هنا ثمَّ هناك، لا يستقرُّ له مقام، فبينا تراه قابعاً وحده في زاوية البيت، كأنَّه في إغفاءة التفكير، إذا به، بعد لحظات قاسيات، يقيس الطريق بخُطواته التائهة، بين ساحة البيت وباحة المسجد.

لقد فهم بعُمق أنَّ حقيقة رهيبة اسمها الموت، قد تناولت جَدَّه الحبيب، ولفَّته إليها، كأنَّها الزوبعة الرهيبة الهابطة مِن غياهب الغيب! أين هو جَدُّه الآن؟ وقد سحبته العاصفة مِن منبر المسجد؟ أتراه قد أصبح في البُعد البعيد، أم أنَّه لا يزال حيَّاً في عذوبة الصدى، كما تحيا شجرة الأراك في ظلِّها الناعم؟

ويرتاح الفتى، وهو مأخوذ بعفويَّة التصوُّر، يدخل المسجد الخالي مِن جَدِّه، ومِن المـُقرفصين المـُصغين ويعتلي المنبر يُفتِّش عن المنكبين الرازحين تحت رأس الدلال!!!

ولكنَّه لا يجد المنكبين، ولا الرأس تحت ملمس الكفَّين، مع أنَّه راح يَسمع الجُدران الشبعانة مِن حفيف الصدى وهي تُردِّد: هذا ابني مِن عليٍّ وفاطمة، إنَّه وأخوه عُقدة البيت، وإنَّهما سيِّدان مِن أسياد الجَنَّة، وإنَّهما يردان عليَّ الحوض، وإنَّهما إمامان قاما أو قعدا..

هنا دائماً سنجد الحسين في المسجد، وفي زاوية البيت حِضنه الأوَّل والأحَبُّ والمـُخمس الأحضان، إنَّه ضمن حيطان المسجد، يُلملم، مِمَّا عُلِّق عليها مِن نبرات جَدّهِ، كلَّ الخيوط التي سينسج منها جُبَّته وقُمصانه.


- ٢ -

لقد كان الحسين باكر التمييز والنُّضج، لا نردُّ ذلك إلى بُنية مُنسَّقة الاسنجام، هي مِن نعمة باريها هِبة كريمة يتمتَّع بها وجود الإنسان، أكثر مِمَّا نُعزِّزها - وهي البُنية الأصيلة - بتنشئة واضحة القصد، والتوجيه، والإحاطة، فإذا هي طاقة مُستعجلة إلى تلبية الغاية وبلوغ المرام.

لقد كان الحسين تلك البُنية السليمة بما شعَّ عليها مِن دلائل نُبْل الفِكر والروح، وهي كلُّها التي لمحتها عين النبيِّ الكريم مُتحدِّرة مِن صُلب عليٍّ، فإذا هي - في عين الطفل وفي محياه - استجابة للأصل والجوهر، وتحقيق لأشواق الحُلم الذي جاشت به تلك الليالي الصامتة: فكان الانبعاث، وكانت الرسالة، وكانت القضيَّة، وكانت الوصيَّة الهاجعة في عين الحُلم.

مِن هنا كان وضوح القصد، ومِن هنا كانت التنشئة مُعيَّنة التوجيه، وكانت الإحاطة موحَّدة العناصر، وحاضرة الإعداد، وكانت البيئة - بحدِّ ذاتها - بيئة غنيَّة بمواردها الفكريَّة - الروحيّة - الأصيلة في بُعدها وجوهرها، وتحقيقاتها الرائعة المِثال.

لقد كان كلُّ ذلك في الجوِّ الذي راح الحسين يتنفَّس فيه، ويدرج مِن حِضن إلى حِضن، فكيف له - وهو الآن في ثمانية مِن العُمر - أنْ لا يكون باكر النضج والتمييز؟! وكيف له أنْ لا يُدرك - وهو تحت عين أبيه علي وبين يديه وفي احتكاك لا يهدأ بروحه وقلبه ولسانه - أنَّ جدَّه الذي رجع مريضاً مِن حَجَّة الوداع، وهو الذي أضناه التعب في الساحات الكبيرة، التي امتصَّت فِكره وقلبه وأوصاله؟! وها هو يتركها وقد خلَّف فيها الثقلين: عترته، ورسالة ملفوفة بكتاب، وحُلماً أصيلاً بأنَّ الجُهد الكبير في الحياة، هو مِن الحياة، وأنَّ الحقَّ لا يموت، وأنَّ الاستمرار هو الوصلة الجُلَّى، يتنقَّل الجُهد بها وعليها إلى بقاء القيمة الخالدة في مُجتمع الإنسان.

لقد أدرك الحسين - وهو في بكرة طريَّة مِن العُمر - أنَّ جَدَّه وأباه، هما مُحيطان في الإصابة، وأدرك أنَّ عليه - مُنذ الآن - أنْ ينمو ويترعرع في حِضن جَدَّه الذي


غاب وبقي كامل الحضور في المسجد - إنَّها وصيَّته - لقد سمعها مِن جَدِّه وهو يتغنَّج عليه فوق منبر المسجد.

- ٣ -

ما كان أبوه علي يخرج مَرَّة إلى الساحات ويعود إلى رُكن البيت، إلاَّ وفي جَعبته خبر ثقيل كأنَّه الرزيئة، لقد اجتمعوا أربعتهم الليلة هذه على الحصير حول صينيَّة، مَدَّت عليها فاطمة وجبة الطعام، أمَّا الأب الذي كان يأكل قليلاً وهو يتحدَّث، فإنَّه راح يوضِّح لهم قِصَّة السقيفة، سقيفة بني ساعدة، كيف وظَّفها عمر بن الخطاب لتُبعده عن حقيقته وحقوقيَّته في الإمارة، وإحلال أبي بكر فيها، كأنَّ الرضوخ لمشيئة النبي هو الخطأ، وفي المعصية الصواب.

لقد تبسَّط أمامهم كيف أنَّ في التصرُّف هذا استدعاء أثيما لقبلية، حاول النبي الحكيم وَأدَها وتخليص مُجتمع الأُمَّة منها، وإذا لها الآن توَّاً - إثر غيابه - عودة إلى الأرض، وإلى النفوس، تنهدر بها الطاقات الفاعلة، وينشل الزخم الواعي، مُتلهياً بالعرض عن الجوهر. إنَّ الوحدة هي في الخطر المـُداهم تحمله سياسة الزعامات!

لقد شرح لهم بعُمق وهو مُثقل المنكبين: إنَّ للأعمال الكبيرة أوقاتاً مرهونة بها ساعات مُباركة، مقرونة بالتحفِّز والرضوان، ولقد قطفتها - في حينونة ساعتها - نَهدة الحَقِّ بنبيِّها وبطلها الذيب، لم تنجب صِنوه ملحمة مِن أقدس الملاحم في وجود الإنسان، واستطرد يقول: مَن لنا الآن، وقد غاب سيف صقيل مِن بيننا، وفوَّتنا علينا تعهُّد ما غرسناه في البستان؟! لهفي على الرسالة، يلزمها المـَعين، ونقطع عنها - وهي طريَّة - هذا المـَعين!!!

ما كادت فاطمة تستوعب مرارة البوح حتَّى غاصت في نشيجها، فهبَّ الحسن يُطيِّب خاطرها ويُهدئ مِن ثورة كالحة في صدرها وهو يقول: إنَّ خلف الليل هذا - يا أُمِّي - هزيعاً آخر، لابدَّ أنْ تطيب شمسه فرمقه الحسين بعين سرحت منها نقطة دمٍ، وهرول صوب الليل وهو يقول: جَدِّي ينتظرني في باحة المسجد.


- ٤ -

بالرغم مِن أنَّ المـُعتدَى عليه كان يسكت ويصبر على الضيم، علَّ الليل يأتي بصباح آخر طيِّب الشمس، كان المـُعتدي لا يقبل إلاَّ بالتحدِّي.

لم يدرِ أهل البيت في أيَّة ساعة مِن ذلك الليل، تسلَّل أُمويٌّ سفيانيٌّ إلى ساحة الدار، واقتلع منها شجرة الأراك التي كانت وحدها مَظلَّة النبي، وكانت وحدها ظِلاًّ يركن إليه صِبْية الحيِّ ليلعبوا مع الحسن والحسين، في كلِّ ضحوةٍ محمومة بلهيب الشمس، في تلك الليلة بالذات، كان أهل البيت متحلِّقين حول عميدهم عليٍّ، وهو يُطلعهم على تصرُّف الخليفة أبي بكر بحجزه ( نِحلة فَدَك ) عنهم، كأنَّه لا يُريد لهم أيَّة بحبوحة مِن رزق تعولهم في حشرة الشَّحِّ!!.

ما تحمَّلتها فاطمة عندما فتحت الباب مع الصباح، ولمحت شجرتها العفيفة مطروحة فوق التراب، لقد تلفَّعت بخِمارها وانسابت، كأنَّها قضيب مِن بانٍ معكوف عليه صولجان، لقد تعلَّق بذيلها - وهي تهرول - فتاها الحسين، لأنَّه عرف أنَّها تقصد المسجد.

لقد انتثرت - أمام مِن اغتصب المشيئة، واقتلع مِن الساحة شجرتها المـُظلَّة - ثورة مبحوحة الصوت، ما تردَّت أُنوثتها مِن قَدِّها النحيل، إلاَّ وتبدَّت بجبروتها مِن عُنفوانها الأصيل.

لقد أفهمته أنَّ الأُمَّة العظيمة، التي ينشرها أبوها لتكون هديَّة ومِثالا على صفحة الأرض، إنَّما هي صداه في جبروته المـُتلقط بالذمَّة الكريم الطاهرة البنَّاءة، وسألته: لماذا تُعطِّلون أنتم الذمَّة، وتطمرون الصدى في حفر الجحيم؟! إنَّ الشجرة للظلِّ - فهي الوارفة - وتدَّعون أنَّكم ما قطعتم الظِلَّ إذ اقتلعتم الشجرة!!!

وفَدك، أيُّها المـُتنعِّمون بخيرات الفيء - وهل كان الفيء غير ظِلٍّ مِن أظلالنا؟! ونحن الذين استقيناه مِن كوثر النعيم - فلماذا تحرموننا منه ونحن الذين أفضناه؟


لقد أُفعم الجوُّ كلُّه في باحة المسجد، بنبرات صوتها التي لم تتمكَّن مِن تخليصها مِن الضعف والخفوت

أمَّا الحسين، فإنَّه راح يلتصق بها حتَّى لكأنَّه أصبح وتراً مشدوداً بعودها وهو يقول: طِبْت طِبْت يا أُمَّاه! لو تقدرين أنْ تجعلي صوتك عالياً كالهدير فيه!!! كمْ أُحبُّ الآن أنْ يسمعه أولئك الذين هُمْ نيام خلف جُدران هذا المسجد، ارفعي صوتك أكثر وأكثر - يا أُمِّي - علَّهم أيضاً، أولئك الذين هناك، يسمعون.

أمَّا الخليفة الذي بدا كأنَّه المـُنهار، فإنَّه اقترب من المرأة، وضمَّ الحسين إلى صدره وهو يُتمتم: كمْ كان النبي يُحبُّك يا بن علي، لقد رأيته مَرَّة يُعرِّيك ويزرع في جسمك القُبَل.

والتفت إليه الحسين بعينين فيهما طفولة عمرها أقلُّ مِن تِسع سنين، وفيهما بريق أدعج أحمر، كأنَّه مِن زفرة شمس.

- ٥ -

لقد شاهد الحسين أُمَّه كيف كانت تَنْعس نُعاساً باسماً، وهي تتأوَّد بفرح كأنَّه مُنتهى الغِبطة بين ذراعي الموت! لقد كان يفرك أصابع كفيِّها الباردة، وهو جاث بجنب فراشها الممدود فوق الحصير، كانت أسماء بنت عميس، لطيفة كالشعاع، وهي تُرطِّب شفتيها بمنديل مُبلَّل بماء الزهر، حتَّى تُخفِّف عنهما نشفة مَصَّت منها بهجة القرمز.

أمّا أبوه عليٌّ، فكان كأنَّه طود مسحوق القِمَّة، يزرع صحن الدار بخطوات تئنُّ مِن فَرط الوقار، هنالك الحسن وحده بقي في الزاوية راكعاً يُصلِّي، ثمَّ لا يعتم أنْ يتلَمْلَم على رؤوس أصابعه، ويتقدَّم حتَّى يرى إذا يتنفَّس الأمل وتعود الحياة إلى ثغر أُمِّه فيبتسم!!

وفتحت فاطمة عينين غارقتين بما يُشبه النُّعاس، ولكنَّه أعمق مِمَّا يُسمَّى بمرمى النظر، إنَّهما مِن مدى آخر، فيه شفافيَّة مِن فضاء، وقرار مِن رؤى، وسِمات مِن


فرح وطمأنينة، كأنَّها كلَّها مِن جَنَّة موصوفة، لا تغتبط بمثلها إلاَّ الذات المؤمنة بفيض الحَقِّ، وفرح الثواب، وعدل القضاء.

لقد جالت بعينيها هاتين، في سقف البيت، ومسحت بهما كلَّ حيطانه، ووزَّعتهما على كلِّ المـُتنفسين حولها، وهُمْ بالحُزن والأسى غارقون، لقد حطَّت بهما على رفيقها في العُمر، وأبي ريحانتيها وريحانتي أبيها، فهبط عليٌّ إلى الأرض بين يديها، يشكرها على رهافة الرَّمق، وحطَّت بهما على الحسن فسحبتاه مِن عالَم الحُلم إلى عالم أبعد، ولكنَّه هبط أيضاً على رجليها يُكفكفهما وهو ينشج: ستكون لك العافية يا أُمِّي مع صباح الغَد ...

وحطَّت بهما على الحسين، فتململ وانجبل جُبَّلة أُخرى وهو يُكفكفها بعينيه الفائضتين بالدم، أمَّا هي فإنَّها شعرت بيقظة هبطت عليها مِن الزوايا الأربع، وهي مسحوبة مِن السماوات السبع، فارتعش تحت وطأتها جسمها بكلِّ أوصاله، ومالت برأسها صوب أسماء بنت عميس، وفاضت على شفتيها بسمة مفتونة، وما عرفت نعومتها شَفتان مِن شِفاه الناس، وراحت كأنَّها تُثغثِغ: لقد رطَّبت شفتيَّ يا أسماء فشكراً لك ثمَّ استطردت بثَغْثَغتها: أو تدرون بين يدي مَن أنا الآن؟؟؟ ما أطيبك يا أبي تستعجلني إليك!!!

ما كان الحسين يسمع شفتي أُمَّه تتهلَّلان، حتَّى رآى رأسها يهبط على وسادتها كما يهبط الجِفن النَّهلان على العين النَّهلى لتنام.

لم يصبر دقيقتين - ها هو في المسجد يُفتِّش عن أُمِّه في حِضن جَدِّه - سيجد فيما بعد أنَّ كلا الاثنين، مع أبيه وأخيه، وحتَّى أسماء بنت عُميس - ولو أنَّها الآن زوجة للخليفة أبي بكر - يَحيون فيه ويحيا فيهم، إنَّها مشيئة جَدِّه، وحِكمته في الوصيَّة - يا للرسالة! تجعله حِضناً لجميع الذين حضنوه - و يا للأُمَّة! لا تموت إلاَّ لتحيا في جوهر الرسالة


- ٦ -

وأيضا - فيما بعد تماماً بعد انقضاء ثلاث سنين - سيجد الحسين، أنَّ اليد التي قطعت مِن ساحة البيت شجرة الأراك، هي ذاتها التي عطَّلت فعل الإمامة، ومسختها إلى خلافة مُزوَّرة الإرادة ومجنونة اليقين، وها هي الآن إمارة الحكم تنتقل - باسم الرسالة - مِن أبي بكر إلى عمر بن الخطاب، دون أن يكون للذمَّة أيُّ وفاء في تعديل الأُمور وتخليصها مِن زَيغها، وإرجاع الحَقَّ إلى نصابه.

قد شرح الإمام علي - في تلك الليلة - أمام الحسن والحسين، كيفية انتهاء ولاية أبي بكر مع انتهاء أيَّام عمره فوق الأرض، وكيف أنَّه تَسلَّم الخلافة بموأزرةٍ مِن عمر، وكيف أنَّه قبل أن يموت - وقد شعر بقُرب الأجل - رَدَّ إلى عمر الخلافة، وذلك كان جميلاً مردوداً بجميلٍ، هو تماماً مثله ومِن نوعه.

إنَّ الحقيقة التي لمحها عليٌّ - بعد أنْ استخلصها مِن واقع البيئة وواقع الأمراض النفسيَّة التي كان يُعاني منها مُجتمع الجزيرة في ذلك العصر - كانت محصورة بواقع القبليَّة في تسابق كلِّ قبيلة إلى الحصول على المـَغنم، إنَّ في المـَغنم هذا تحقيقاً معيشيَّاً يؤمِّن القوَّة والنفوذ، على حساب مُطلق قبيلة أُخرى يجب جعلها - ما أمكن - أضعف مِن أنْ تنزل إلى ساحة سباق وزحام، لقد كان تحقيق الرسالة في المـُجتمع الجديد عكساً بعكس، وعلى طرفي نقيض، هنالك نظام قبلي يُفرِّط المـُجتمع ويوزِّعه على عدد القبائل، بعد أنْ يُسلِّم السلطة لشيخ، ويلغي قيمة الفرد، وهنا نظام يعتبر المـُجتمع كلَّه وحدة شاملة ومُتكاملة بكلِّ فردٍ فيه، أمَّا الجَني فهو الموزَّع بالعدل والمـُساواة، شرط أنْ يكون نتيجة عمل صادق وطاهر، أمَّا الذي يُحرَم، فهو الكسول الكذوب، أمَّا الإمامة العظيمة بشرفها، ونظافتها، واستقامتها، وعلمها البصير، فهي التي تسوس بالعدل والقسطاس، وهي التي تُفجِّر الخير مِن موارده الصادقة، وهي التي تحكم بظلٍّ مِن الله الذي هو حَقٌّ، وعدل، وعلم، وجمال.

ويُتابع علي الشرح: هذا هو مُختصر نظامهم، وهذا هو مُختصر نظامنا، ولقد طبَّقوه على الأرض مُنذ الآف السنين، فكانت النتيجة ألف قبيلة بألف مُجتمع فوق أرض


واحدة، ولقد طبَّقناه نحن على الأرض، فكانت النتيجة ملايين الناس في قبيلة واحدة هي الأُمَّة جَمعاء، ما كان هناك عدد السنين بالأجيال إلاَّ غباراً وهَباء. أمَّا هنا: فعشر سنوات مُعذَّبة بالتشريد والهِجرة، كانت كافية لأنْ توحِّد أُمَّة راحت تسير نحو المـَجد.

لقد كنَّا نحن - مُنذ وجودنا في القديم - نُحاول أنْ نفعل، ولم نتمكَّن حتَّى رعرع الله فينا، ومَن صدَّقنا، مَن أثمر فيه الصدق والإرادة وعزم الروح، فتلقطت بناصيتنا ناصية الحَقِّ، وإذا مِنَّا النبي، وإذا بنا مُجادل السيف في ساحات الجهاد، وإذا بنا نحن تقوم الأُمَّة وتنهض مِن الغفلات السود. وها هي نحن، وها هي فينا نحن دون أنْ نسأل: هل نحن مِن عدنان، أم مِن قحطان، أم مِن قيس، أم مِن مضر؛ لأنَّ الأُمَّة كلَّها أصبحت مجموعة في وحدة النسب.

أمَّا الوصيَّة فهي التي حُصرت فينا نحن، ولا أعني الخطَّ الطويل الذي تنتهي بعدنان، بلْ الذي يحصرنا بأهل البيت الذي هو بيتنا، أيْ: بيت النبي لسبب واحد لا أكثر، وهو منع أيِّ نزاع سلطوي - سياسي - يُعيد الحقل إلى سككه الماضية البالية، التي لم تنبت في ما مضى لا زرعاً ولا ضرعاً. أمَّا الرسالة فهي التي تضبط الموازين، وترسم الصراط، وتحفظ البيت في خَطِّه النبويِّ العظيم، فاذا تبرَّأ هذا الخطُّ - لا سمح الله - في حين ما مِن الأحيان مِن عصمة، فإنَّ الروح النبويَّة ذاتها تلقطه مُتبرِّئا، وتردُّه مُنصاعاً إلى الحقيقة الباهرة التي صنعت في عشر سنين، ما لم تصنع جزءاً واحداً مثله عشرات الأجيال.

أمَّا عمر، فإنَّه لم يتقبَّلها وصيَّة تطرحها نبوَّة الأُمَّة، وعبقريَّة الأُمَّة التي فهمت وعرفت وأدركت كيف تنتفض الأُمَّة، وكيف تنجدل الأُمَّة، وكيف تتحقَّق وتتوحَّد الأُمَّة، وكيف تُصان وتبقى الأُمَّة مِن جيلٍ إلى جيلٍ، في وحدتها وتحقيق ذاتها الخالدة في الحياة.

لقد أراد عمر إرجاعها قبيليَّة تتفكَّك بها الأُمَّة رويداً رويداً، ولم يُرِدها رساليَّة بنت قضيَّة تنهض الأُمَّة بها دائماً مِن تراث إلى تراث. ولقد خاف إذا رزمها - أوَّلاً -


إلى صدره، مِن اتِّهامه بالأنانية، فلصقها بالغير حتَّى تتبرَّأ مِن التُّهمَة وتنجح، وكان أبو بكر فصيلها الأوَّل في التجربة والسَّبر، وجَسِّ المفاصل والأنباض، حتَّى إذا انتهى الشيخ المـُسنُّ، وكان حَدُّه قريباً جِدَّاً مِن فتحة القبر، عادت إلى أميرها الولاية بحُكم الطبع.

هذا هو الرهان، وقد طاب الرهان وطاب القصد مع عمر، ألاَ تريان معي؟ أنت كبيرنا الآن يا حسن، وأنت صغيرنا الآخر يا حسين، وكلاكما مُتمِّم للآخر في ذِمَّتي وذِمَّة جَدِّكما الرسول. إنَّ تحليلي للواقع المـُرِّ هو في حقيقة الإصابة، وإنَّ الأُمَّة التي هي نحن في جميع تجاربها الماضية، وفي كلِّ تحقيقاتها الحاضرة، هي في مَهبٍّ آخر يُحاول أنْ يلفظنا ويُجرِّدنا مِن الحضور، بينما ستندك هي رجوعاً إلى الوراء، إلى ماضٍ كنَا جميعنا فيه الأذلاِّء الأذلاِّء!.

وتهيَّب الحسن الطرح، والسؤال، والجواب - فهو الذكيُّ المـَبنيُّ بالصدق والتهذيب - ولقد كان يبدو وعليه هدوء رائع المثال، وفِطنة مدهوكة بدهاء ولكنْ طيِّبة المـَعدن كانت تملحها بحَذر مُتأنٍّ، إلاَّ أنَّه حذر حكيم حليم، يفيض عليه التصبُّر ونعمة السماح، وكلُّها صفات يتأنَّق بها المـُسالمون في مُجتمع يُحاولون أنْ يبنوه بالتؤدة، والحُبِّ، والسماح، حتَّى يتخلَّص مِن الكراهيَّة، والحِقد، وبذر الضغائن، وتلك هي التربية الحكيمة، تأخذ مِن التصبُّر مداها، ومِن الوقت بساطاً تُقدِّم عليه المـُثل النظيفة، والقدوات المـُلقَّحة بالسماح، لقد كان - رويداً رويداً - يتأكَّد للحسن أنَّ مُجتمع جَدِّه في الجزيرة كان بحاجة إلى قسوة تلحمه إلى جَمع، وفي الوقت ذاته كان بحاجة إلى لينٍ وسماحٍ مُتعلِّقين بعَطف وغُفران، حتَّى لا ينقصف تحت الضرب على السِّندان، تماماً كما نهج جَدُّه عند فتحه مَكَّة. لقد كان الاجتياح وتحطيم الأصنام، وكان - بالمـُقابل - تقديم الحُبِّ والسَّماح والغُفران، لقد غفر للأعداء، وهم جميعهم أبناء عَمٍّ، لقد قال لهم قوله المشهور:( أنتم الطُّلقاء ) والتحمت الجزيرة كلُّها: سيف واحد يجمعها، وحُبٌّ كريم واحد يدفعها إلى الأمام، لقد تحفَّز الحسن وأجاب:


الحسن: وهل لنا رأي يا أبي، ونحن لا نقدر أنْ نبنيه مِن غير الرجوع إليك في الرُّشد والسَّداد.

إلاَّ أنَّك تُحبُّ - دائماً - أنْ نحمل السيف ونلوِّح به أمامك، إنَّه نهجك الحكيم - يا أبي - تُدرِّبنا به على امتشاق الحُسام، وليكن لك ما تُريد.

أصبحت أرى معك أنَّ نيَّة سيِّئة تجمع ضِدَّنا هؤلاء القوم، وأنَّ المـُحرِّك المـُقتدر الذي يلعب بها لُعبةً ما كرةً هو رفيقك في الساحة وفي مَكَّة، أنَّ في ذلك وضوحاً لا يُشير إلاَّ إلى عمر بن الخطاب، ولقد تكشَّف لي الآن أنَّه مُقتدر في امتلاك الساحة التي يدخلها الآن بقوَّة الأمس، وأنا أعرف - الآن - تماماً أنَّ قوَّة الأمس هي كذَّابة، وقد علَّمها جَدِّي - وكنت ساعده الأيمن في الساحة - كيف عليها أنْ تَصدِق وتسقيم لتصير فاعلة بنَّاءة. مِن هنا آخذ موضوعي وأُقدِّم رأيي: ألا يُمكننا - وها نحن في هذا الواقع الجديد - أنْ تُعيد النظر - أنت بالذات - في بُنية ابن الخطاب النفسيَّة، وتُعيده إلى أنْ يتصالح مع نفسه، ومع حقيقة إسلامه، عندما كان بين يدي جَدِّي في حقيقة الحضور. أنا أرى - يا أبي - أنْ تُساعد الرجل وهو الآن في كرسي الإمارة، أليس هناك أمل كبير في إصلاحه عن طريق التغاضي والسماح، وتناسي الأسيَّة والأذيَّة، فيكون الإشراف هذا كبيراً في تساميه، ومُساعداً لإرجاع الذات إلى حقيقتها مِن النُّبل، والسير في سبيل الرَّشاد؟

أنا أُرجِّح - يا أبي - أنَّنا إذا تمكَّنا مِن تمريض الخليفة وإشفائه، نعود إلى حقيقة الوصول في تنفيذ كلِّ غايات جَدِّي مِن أجل هذه الأُمَّة التي وصفتها الآن: بأنَّها هي نحن في وسيع التداخل والتضامن، أليس بناء الأُمَّة في لُحمتها، ورصِّها، هو غايتنا


وهدفنا وقضيَّتنا في الوجود الإنساني الكريم، الذي ستبقى تعمل الرسالة على تحقيقه؟

أمَّا الإمام، وقد تلألأت أساريره بفيض مِن الرضى، فإنَّه ابتسم وقال:

نِعمَّا أنت - يا أبني يا الحسن - أُتراني لا احترم رأيك، وألمح فيه سِماتٍ مِن ملامح جَدِّك في المجال؟ سأُنقِّح رأيك بعد أنْ نستمع إلى أخيك الحسين ألا تُريد أنْ تعود مِن شُرودك يا الحسين؟

فعلاً، لقد كان الحسين شارداً، خصوصا هو يُصغي إلى الطرح الكبير الذي قدَّمه أبوه، فكان إلماماً - وإنْ مُختصراً - بواقع الجزيرة، وبواقعهم هم فيها، مِن حيث دورهم في عمليَّة تثبيت الأُمَّة على أركانها المتينة، ومِن حيث إنَّ الارتداد عليهم ليس هو الاَّ كفرٌ بهم، وكفر بالقيمة السَنْيَّة التي تستحقُّ الثواب لا العقاب، ولقد زاد شروداً - بنوعٍ أخصّ - عندما راح يُصغي إلى رأي أخيه الحسن، داعياً إلى التصبُّر والتأنِّي، ومَصَّ جرح الكَفِّ حتَّى يندمل الجرح وتعود الكَفُّ فتستأنف مُجدَّداً امْتِشْاق الحُسام.

لقد كان للحسين مِزاج رهيف، يمزجه بأخيه الحسن مزجاً أنيقاً، ولكنَّ شعرة رفيقة كانت دائماً تتسَّحب بين المزاجين على صعوبة في لمحها، وعلى صعوبة - أيضاً - في اعتبارها خيطاً فاصلاً بين وحدتين، مِن هنا إنَّ الحسن والحسين، كانا جَنَّة في حساب الحُلم، يُكمِّل الواحد منهما الآخر: هنالك شمس تُدفِّيء الزرع، وهنا كوثر يروي الزرع، وبين حرارة الدِّفء وبرودة الري ينبثُّ النور ويسرع الإمراع.

لقد كانت الشعرة الفاصلة بين المزاجين تستعدُّ دائماً، لأنْ تُنمِّي في الحسن ثورة تتأنَّى وهي تتروَّض بالصبر والاحتمال، بينما كانت هنا في الحسين أكثر إلحاحاً، وأشدَّ تمسُّكاً بالعُنفوان، أمَّا العُنفوان فإنَّه كان مع الاثنين واحداً لا يتجزَّأ. إنَّ القضيَّة الواحدة هي التي كانت تلوِّن ثوبه: أبيض مع الحسن، أحمر مع الحسين الذي يلتمُّ الآن مِن شروده مُتَّجهاً نحو أبيه.


الحسين: كلامك - يا أبي - هو الصحيح في التلميح، لقد تحسَّسته وأنا طفل أمرح مِن حِضن أُمي إلى حِضنك، إلى منكبي جَدِّي فوق منبر المسجد، لقد نقشتْ في نفسي الطفولة تلك نقشاً لا يُمكن أنْ أجد أعمق منه في وجودي وكياني!!! مَن هي أُمِّي؟! مَن هو أبي؟! مَن هو جَدِّي؟! لقد شرحت لي - وأنت تُلقمني لقمة العيش - أنَّا نحن أهل البيت، ما خُصِّصنا بالبيت إلاَّ لأنَّنا أهل البيت. إنَّني أشعر الآن أنَّنا نحن الأُمَّة التي سحبها جَدِّي مِن غفلة الأيَّام والسنين أنا لست صغيراً - يا أبي - وأنا في حدود تكاد لا تتجاوز بي الثلاثة عشر مِن سنوات العمر ...

إنِّي أشعر أنِّي مِن عمر الرسالة التي اختصر بها جَدِّي عمر الدهر في رحلة عبر الزمان، إنَّي اشعر - الآن وأنا مِن صُلبك في العتوِّ - أنَّي هزَّة مِن هزَّات العتوِّ، وأنِّي زهوة مِن زهوات العُنفوان لقد اهتزَّ كياني - يا أبي - عندما لمحت أنَّ شجرة الأراك مِن ساحة بيتنا قد اقتلعوها؛ لأنَّها ظِلُّنا في ضغط الهجيرة، ولقد التهبت بما لا أعرف كيف أُسمِّيه، عندما سمعت أُمِّي تُندِّد الخليفة أبا بكر؛ لأنَّه اقتلع مِن حَقِّنا ميراثنا في فَدك، ولا أعرف كيف أصف لك شعوري عندما أدركت أنَّ المدعوَّ صِدِّيقا، تَمكَّن مِن اختلاس إمارة هي لك في الرسالة، وفي القضيَّة وفي الوصيَّة، فأين أنت؟ وأين جَدِّي؟ مُمرَّغين بالعُقوق والعِصيان!!! وما كدت أسمع شرحك الآن، حتَّى تملَّكتني هزَّة كأنَّها ألقتنا جميعاً في وَهدة الاندحار!!!

أنا لم أشرد عنك يا أبي، كما وأنَّني لم أشرد عن تحسُّس صواب آخر أبداه أخي الحسن، كأنَّه ضِلع مِن ضِلوع تلك الأُمِّ المسكينة، وهي تشتري ابنها مِن قَبضتي لِصٍّ قد خطفه، إنَّها تدفع له ثمن اللصوصيَّة، لقاء استرجاع فلذتها إليها!!!


هذا أنا يا أبي، في شعوري والتفافي بقضيَّة أُدافع عنها بأُسلوب مِن عُنفوان. أمَّا رأي أخي، ولا أظنُّك إلاَّ وتعطف عليه، فهو المـُصيب في الواقع الجريح! أمَّا رأيي، فلا أجرؤ - أبداً - أنْ أُبديه. جُلُّ ما أقول: إنَّ الأُمَّة بحاجة إلى دراية ولكنَّها لن تحيا بغير العُنفوان.

تناول علي ابنه الحسين، وطواه على أخيه الحسن، وهو يبكي، كأنَّه يوحي إلينا أنَّه يقول:

- سيكون للأُمَّة أنْ تنجح بكما - يا ابنيَّ ويا ابني محمد - إنْ لم يكن في الغَد، فبَعد الغَد إنَّ لساعة الحَقِّ - وإنْ طالت - قَرعاً تحبل به الثواني، وتتجلَّى به باحات العُمر إنَّ الدهر الكبير يلتفُّ بالصبر وإنَّ الصبر الكبير لا تضيق به الثواني.

- ٧ -

مِن مَحطَّة إلى مَحطَّة، هكذا يقطع الطريق، تكون المـَحطَّة الأُولى بداية نُزهة، ثمَّ تأتي الثانية فتتحوَّل إلى مشوارٍ. أمَّا الثالثة فإنَّها تُصبح شوطاً، لتأتي الرابعة وما سيليها، فتلبس النعل الثقيل، والسروال المـُدبَّغ بالغبار والوحول، ولا تعود تدري كيف تمشي، وأين هي مِن المسيرة، إنَّها الرحلة.

لقد كانت المحطَّة الأُولى مَحطَّة السقيفة، وذلك إذ ترك الرسول الكريم كلَّ المحطَّات التي مشاها على الأرض، بعد أنْ مسحها مِن لوثات الغبار، وأوصى الذين سيمشون بعده في رحلة العمر، أنْ يتوقُّوا إثارة الغِبار وهم يمشون فيعموا عن الطريق.

بالحقيقة المستورة كانت السقيفة مَحطَّة أُولى تَنزَّه بها القوم، لقد توقُّوا أنْ لا يُثيروا غِباراً؛ لهذا فإنَّهم مشوها في الليل، وتقريباً بلا كثير مِن قرقعة، وانتهت


مع الصباح الباكر بتنصيب أبي بكر الصِّدِّيق خليفة على المسلمين - توَّاً - بعد التفاف محمد بالدثار الكبير.

أمَّا المـَحطَّة الثانية، فإنَّها ترتَّبت وتأنَّقت بعد أنْ لبست ثوبها وتدهَّنت بعطر شميم، إنَّها الآن أكثر مِن نُزهة بسيطة، إنَّها مشوار. أمَّا المشوار هذا، فإنَّه تميَّز بقافلة كبيرة تألَّفت مِن فُرسان وخيول، وسيوف وهوداج، لقد كان على القافلة أنْ تقوم بمراسيم نقل إمارة مِن قصرٍ إلى قصرٍ، إنَّ الأمير هنا مُشرف على الموت، سيكون انتقال إمارته إلى الآخر، قبل أنْ يُغمض عينيه، وهكذا حصل، لقد نقلت القافلة المـُعدَّة خصِّيصاً لهذا المشوار، إمارةً، هي بين يدي أبي بكر، إلى شيخٍ آخر اسمه عمر بن الخطاب، أمَّا الغبار فإنَّه لم يكن أقلَّ مِن مُستوى المشوار.

أمَّا المـَحطَّة الثالثة التي تيمَّم إليها القوم، وحَبل بها المشوار، وجاءها المخاض فأولدها شوطاً، فإنَّها هي التي مشاها الخليفة أمير المؤمنين - عمر بن الخطاب - لقد بقي يمشي عشر سنين في شوطه الوسيع، حتَّى زحمه مِن الخَلف، عِلجٌ - حَسْبَما كان عمر يُلبسه الثوب - فارسيُّ الانتماء اسمه ( أبو لؤلؤة ) بضربة خَنْجر، مزَّقت سِرَّته، واستقرَّت طائشة في حبال أمعائه.

بالحقيقة، إنَّ السبب كان ابن وتَيرة جَنَّ بها أبو لؤلؤة، نحر الأمير بها ثمَّ انتحر، وتلك كانت المـَحطَّة الأخيرة للرجلين القتيلين، بمُدْيَة واحدة في اجتيازهما رحلة العمر.

إنَّ المحطَّة الثالثة هذه، كانت شوطاً كبيراً مِن الأشواط التي بقيت تمشي يساراً يساراً إلى أنْ ارتطمت بذاتها، فوقعت أرضاً وشجَّت رأسها حتَّى الدماغ، وراحت تُعصِّبه بما لا يردُّه إلى وعيه، لقد تألَّفت العُصبة المـُعدَّة للفِّ الرأس المشجوج مِن قماشة مَحبوكة بستَّة أشرطة تُسمَّى: ( مجلس الشورى ).

إنَّ الحسن - وهو الآن في غمرة مِن العمر تقفز به بضِع خُطوات عن العشرين - في جلسة حميمة مع أبيه عليٍّ، وأخيه الحسين، يستعرضون مليَّاً واقع


الحَدَث الجديد، الذي راحت تتفقَّه به الأُمَّة بعد مرور عشر سنين عليها بين يدي ابن الخطاب الذي راح - بدوره - يعرض الحساب بين يدي النبي، الذي أوصاه قبل أنْ يرحل: أنْ يصون الذِّمَّة ويتعهَّد الأُمَّة مع المـُتعهِّدين، ويُنجِّي الطريق مِن زحمة الغبار، وأنْ يضبط الشوط ويجعله رحلة العُمر، مِن أجل مَجيد إلى أمجد، وعندئذ يُمكن القول: جَلَّ الله وصدق وعده.

- ٨ -

لقد كان العرض طويلاً في هذه الليلة، لقد انتهى مع الصباح الباكر على صدى جديد، كان يتردَّد هنا وهناك، كأنَّه قهقهات عفاريت أفلتت مِن القماقم المضغوطة تحت أقدام الجِنِّ، يا للقبليَّة! ترقص الآن تميميَّة - حربيَّة - أُمويَّة - سُفيانيَّة - في الساحة الأَسوديَّة، العَنسيَّة، الشقيَّة، السطيحيَّة، ( نسبة إلى بني تميم وبني حرب الأُمويِّين السُّفيانيِّين، ونسبة - أيضا - إلى مُدَّعي النبوَّة الكاذبة الأسود العنسي، وألى العرافين شِق وسَطيح اللذين اختلقهما خيال العرب، وكان الأوَّل إنساناً مَمسوخاً بشِقٍّ واحدٍ والثاني بلا هيكلٍ عظميٍّ يشتدُّ به )، وهي تحرب الصدى:

أميرنا الجديد هو عثمان بن عفَّان ...

ذلك كان موضوع العرض الذي بسطه الإمام عليٍّ أمام الحسن والحسين، إنَّه شرح مُستفيض لمعنى ( مجلس الشورى ) الذي ابتكره عمر بن الخطاب عندما شعر بدنوِّ أجله، وكانت نتيجته تنصيب عثمان بن عفَّان خليفة على المسلمين.

ليست الأحداث اليوم بعيدة عن مفهوم الحسنين، فكلاهما يزينهما نضجٌ باكر إضافة إلى نضجِ العُمر، على فارق بسيط بينهما في السِّنِّ يدور بهما حول الخامسة والعشرين. إنَّ الحسن بالذات كان عضواً في مجلس الشورى بصفة مُراقب لا أكثر. أمَّا المجلس فكان مؤلَّفاً مِن سِتَّة فاعلين هُمْ: طلحة، الزبير، ابن عوف، ابن أبي وقَّاص، ابن عفَّان، ابن أبي طالب.

أمَّا القصد مِن التبسُّط أمام الحسن والحسين، فذلك كان - أبداً - مِن الإمام عليٍّ


مع ولديه الإمامين؛ تمتيناً لثقافتيهما في تعميق الفَهم وجَلوته عن طريق المـُشاركة في الرأي، والإفاضة في التعمُّق والإدراك، والتحسُّب في مُعالجة القضايا المصيريَّة الذاتيَّة مِن جهة، والاجتماعيَّة المـُهمة مِن جِهة أُخرى، لقد كان الإمام بصيراً أمام حقيقة ذاته، وأمام الحقيقة الأُخرى التي هي قيمة وجوديَّة تتمنطق بها ذات الانسان.

أمَّا مجلس الشورى الذي ابتكره عمر، فإنَّه لا يتطلَّب شيئاً يذكر مِن العَناء، إنَّه ليس دستوراً مُعزَّزاً ببنود، فهو نظام بِدائي صِبياني الترتيب، هزلي الإخراج، لا ابتكار فيه ولا بُعد نظر، إنَّه مؤلَّف مِن ستَّة، معروضين عرضاً رخيصاً على كرسيِّ الخلافة، دون أنْ يسبقهم أيَّ تقديم مقصودٍ أو مجَّانيٍّ، لا عن الكرسيِّ ذاته المؤهَّل للجلوس فيه، وكيف يجب أنْ تكون قوائمه أو قاعدته، أو لونه ودهانه ولا عن المـُعدِّين لاعتلائه، بأيِّ صفات عليهم أنْ يكونوا مُتحلِّين، جُلُّ ما في الأمر، أنَّ على المـَجلس أنْ يجمعهم للتشاور في ما بينهم: أيُّهم هو المـُستحقُّ أنْ يضع رجليه على الدرجات الموصِلة إلى المركز السَّنِي.

هنالك مُقرَّر واحد موجود معهم، وهو مِن ضمنهم مرشَّح للوصول، كأنَّه مَلِك مِن حِجارة الشطرنج، يُمكنه - إذا أراد أنْ يقفز ويتربَّع في الخانة التي يُريد - هذا إذا صدقت العزيمة -، ويُمكنه أيضاً أنْ يستنيب عنه مَن يرتئي، فيُحلَّه في المركز المقصود. لقد كان كلُّ هذا مربوطاً بهوى عبد الرحمان بن عوف: فهو المـُدير، والموجِّه والمـُقرِّر حَسْبَما جاء في النظام:

( إذا اتَّفق خمسة وأبى واحد فاضربوا عُنقه، وإنْ اتَّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عُنقيهما، وإنْ اتَّفق ثلاثة منهم على رجل ورضي منهم ثلاثة على رجل آخر، فكونوا مع الذين فهيم عبد الرحمان بن عوف، واقتلوا الباقين إنْ رغبوا عمَّا { اجتمعوا } عليه الناس ).

ذلك هو النظام العامُّ المعمول به، أمَّا عبد الرحمان بن عوف، فكان مزوَّدا بقوَّة


تنفيذيَّة مؤلَّفة مِن فرقة عسكريَّة خمسينيَّة العدد، يرأسها أبو طلحة الأنصاري، ينتظر تنفيذ الأوامر التي يوجِّهها إليه عبد الرحمان بن عوف، فيتناول رأس العاصي مِن هؤلاء المـُرشَّحين الأجِلاَّء ويحذفه مِن الوجود.

هذا هو مجلس الشورى ونظامه الميداني، والذي ما كان له مِن الوقت حتَّى يقرِّر أبعد مِن ثلاثة أيَّام فقط، بعد ثلاثة أيَّام يلفظ الحُكم الرهيب عبد الرحمان بن عوف، فتُزلزل الأرض زلزالها على رؤوس المـُرشَّحين الذين لم يتمكَّنوا مِن أنْ يُتمُّوا الفريضة!!!.

ولكنَّ الشمس ما انكسفت كسوفها مع طلوع الصبح الرابع، وها هو نجم عثمان بن عفَّان يبرز كالشمس فوق سماء كرسيِّ الخلافة، ونجا الأربعة الآخرون مِن سيف المقصلة؛ لأنَّ ابن عوف أجبرهم - كما أجبر نفسه - بالمـُبايعة، وأشرقت شمس جديدة على عالم الإسلام.

لقد تبسَّط الإمام علي بالشرح، حلّل واقع الجلسة التي راح يهزأ منها مثلما كانت هي تهزأ به، وهو سادس مطروح فيها كأنَّه - أيضاً - جنديٌّ بسيط مِن حِجارة الشطرنج، ولكنَّ الجلسة السُّداسيَّة لم تكن أقلَّ مِن مهزأة، إذ كيف يُمكن أنْ تضمَّ قاعة ما، سِتَّة مُرشَّحين حتَّى يتشاوروا - في ما بينهم - أيُّهم الأصلح؟ وكلُّ واحد منهم هو المعدود في عين نفسه - على الأقلِّ - نِعْمَ الفتى؟ إمَّا أنْ يكون الحَكَم والمـُدبِّر، والموجِّه هو المـُرجِّح والمـُقرِّر، فلماذا وجعة الرأس؟ أليس هو الأصلح في حُجَّة المنطق؟!

ولكنَّ اللُّعبة الصبيانيَّة الهوى ما كانت بنتاً لعمر، أكثر مِمَّا كانت عانساً يُحاول أبوها أنْ يزفَّها عروساً لشيخ مِن شيوخ القبيلة، أمَّا المدعوُّون إلى حَفلة العِرس، فإنَّهم الرأي العامُّ الذي لا يروق له أنْ يفتح رِئتيه إلاَّ لغِبار يُثار مِن تحت نعليه.

وتدخَّل الإمام إلى شرح أساس الشورى بمعناها الوسيع وواقعها الحضاري، إنَّها تليق بمُجتمع راقٍ له مِن العلم والفَهم، ما يجعله مُفتِّشاً دائماً عن الحقيقة


والصواب، فالمجلس الاستشاري - والحالة هذه - هو في استدعاء أقطاب مُمثِّلين لذلك المـُجتمع، لاستشارتهم في استخراج آرائهم مِن واقعهم الاحتكاكي بكلِّ التيَّارات المعيشيَّة الحياتيَّة، التي تتناول شؤونهم اليوميَّة والمـُستمرَّة بهم مِن يومٍ إلى يومٍ، إلى كلِّ يوم آخر يكون منه جَلاء حقِّهم في العيش، والحياة والاستمرار في الوجود المـُجتمعي الإنسانيِّ الكريم. ستكون حُرِّيَّة الرأي، وحُرِّيَّة إبدائه، مُزدانة بالعلم، والفهم والمعرفة، شرطاً أساسياً موفوراً للجميع، وسيكون - بالحقيقة - مجلس الأُمَّة جمعاء، ومؤلَّفاً مِن نُخبة تشمل المـُجتمع في التمثيل، ولن يكون مؤلَّفاً من سِتَّة أنفار فقط، بلْ مِن النسبة العدديَّة بالمآت، وعندئذ يكون تقرير المصير بانتخاب وليٍّ يُشرف على إدارة الحُكم والتوجيه في مَحلٍّ مِن الوضوح والإيجاب.

مِن هنا، إنَّ المـُجتمع الذي راح يدرج إلى مثل هذه السويَّة بين يدي نبيِّهم الخلاَّق، ما كان له أنْ يزحف هذا الزحف المـُبارك إلى مثل هذه النعمة التي لا يُحقِّقها ويوسِّعها الاَّ المِران والوقت، وغزارة العلم والمعرفة، في ظِلِّ وحدة قاسية الإحاطة، مُبعَّدة عن كلِّ ما يُحرِّك فيها جيشاناً يردُّها إلى المهاوي التي كانت تتلقَّفها في الأمس الدابر، مِن حَرَّةٍ إلى حَرَّة، ومِن حُفرة إلى حُفرة، وكلُّها كانت بين يدي قبليَّاتها العقيمة، جديرة بالوأد.

إنَّ استدعاء الأُمَّة إلى جلسات استشاريَّة مِن النوع المـُنوَّه عنه، سيتحقَّق في مُجتمع الجزيرة بعد أنْ ترتفع سويَّته إلى مثل هذا المجال، وعندئذ فإنَّ الإمامة التي راح يُهيِّؤها لها النبي الكريم البعيد النظر، لقطع مراحل وافية مِن العُمر، وبمَثابة إعدادٍ واقٍ لها مِن العِثار، تُصبِح تلقائيَّاً ثقافتها العامَّة الموحَّدة، وتلك - لعمري - تكون اندماجيَّة سويَّة بسويَّة، بقيت تُجمَّع وتوحِّد الأُمَّة، إلى أنْ بلغت بها درجة تجعلها رائدة وموجَّهة لأُمَم الأرض، وتلك هي الأُمَّة المـُتطوَّرة - عندئذ - في حساب النبي الكريم، الذي أعلن أنَّه سيُباهي بها أُمَم الأرض.

لست أرى - أردف الإمام - أنَّ عمر بن الخطاب كان يفهم كيف يُعالج الأُمَّة


لتكون في مُستوى الريادة، لقد أوصلنا الرسالة إلى جارتنا فارس، وكنَّا فخورين بأنَّنا صدَّرنا رسالة تُعزِّز الإنسان وتحميه - بالإيمان الصافي - مِن كُفر الإنسان، لتكون جارتنا معنا في ميزان مُعادلة مِن الاحترام المـُتبادل، تحمينا ونحميها في واقع الجيرة، وفي حقيقة البناء والإيجاب، ولكنَّنا لم نُصدِّر رسالة تُعتبر الفارسيَّ أبا لؤلؤة عِلجاً مِن العُلوج، فإذا كانت الطعنة مزَّقت أمعاءه؛ فلأنَّه هو بالذات قد سلَّمه المـَدْية التي طعنه بها، وهي ذاتها التي سلَّح بها أبا طلحة، ليُعلِّمنا - هذا - أنَّ وصول خليفة النبي إلى السياسة والإدارة، لا يتمُّ إلاَّ بضرب الأعناق بأمر يخرج مِن بين شَفتي عبد الرحمان بن عوف.

أمَّا الآن، فإنَّ الأُمّة هي في أشدِّ الحاجة إلى مجلس استشاريٍّ موحَّد، لقد عيَّنه وحده صاحب المشيئة، دونما حاجة مُطلقاً إلى استشارة شيوخ قبائل الأمس، وإلاَّ فإنَّ الغِبار سيخنق الجوَّ، ويشلُّ العيون إلاَّ مِن حَكِّها وهي في عُماها الأحمر.

لم يكن المجلس الاستشاري هذا بحاجة إلاَّ إلى عمر بن الخطاب يدسُّ في الكرسي أبا بكر، ولا إلى أبي بكر يعود فيطويها على وِرْكَي عمر، ولا إلى عمر ( يتصبيَن ) بها في حِضن ابن عوف، ولا إلى ابن عوف يَعيف نفسه منها ليهبها - كأنَّها بقرة حلوب - لعثمان بن عفَّان، فيُمسكها هذا بقَرنيها ليتعلَّق بأثدائها يميناً وشمالاً ومِن الخَلف مروان بن الحَكم، وعمرو بن العاص، وآخر هو أدهى الدُّهاة في عمليَّة الحَلْب والصَّرِّ، اسمه - فقط - مُعاوية.

أمَّا الأُقنوم الواحد، فهو الذي عرض اللُّعبة عليه عبد الرحمان بن عوف، وهو يطرح الخلافة عليه والمشروطة:

( العمل بموجب كتاب الله، وسنَّة نبيِّه، وبموجب كلِّ تشريع سَنَّه الشيخان: أبو بكر وعمر ).

لقد تعب الإمام علي وهو يشرح، لقد انتبه عندما سكت، أنَّ أحداً مِن ابنيه لم


يعترضه، لا بسؤال، ولا بتعليق، ولا بأيٍّ نَفَسٍ؛ فاستفهم بعينيه، وفهم الحسن القصد فأسرع وقال:

كنت معك، هنالك في الجلسة الملعب، وهنا في الشرح الأشهب، لم تفتني حاشية واحدة مِن حواشي المـَهزلة، لكنِّي أُدرك - الآن - أنَّنا لم نتوفَّق أبداً بَعْدُ في توسيع رئتي أُمَّتنا، حتَّى تعرف كيف تتنفَّس، لهذا كان التمثيل عليها هو في مفعوله الجاري!.

أَحبُّ إليَّ الآن أنْ أتمنَّى عليك - يا أبي - أنْ تبقى مُعتكفاً في بُرجك الكبير، أليست لك الساعة التي يرغب هؤلاء القوم أنْ تصمت؟! وهي التي لن تصمت.

وقال الحسين، وفي صوته أنَّة مِن جَزعٍ:

وأنا - يا أبي - أرى أخي الحسن مُصيباً في تشبيهه أُمَّة جَدِّي بالرئة التي لم تتوسَّع بَعْدُ للتنفُّس، هذا صحيح لو أنَّ رِئتها أصبحت أوسع، فهل كان لابن عوف أنْ يُقرِّر. ولأبي طلحة أنْ يُبيِّضَ؟!

سيكون لنا - يا أبي - أنْ يَبْيضُّ السيف بيدنا - سيفنا نحن - في سبيل أنْ نوسِّع رِئة الأُمَّة، التي هي أُمَّة جَدِّي!!!.

يا للرسالة! يدَّعي صيانتها ابن عفَّان، وابن عوف، أبو طلحة!!! ليت لي سِتَّة أعناق أُفجرِّها أوردة في سبيل استرداد شَجرة الأراك، التي كان يتظلَّل بها جَدِّي وأبي، وأُمِّي وأخي الحسن، وأنا - الحسين -!!!.


ما قلَّ تخوُّف الإمام عليٍّ مِن وصول الحُكم إلى عثمان بن عفَّان، ولقد تكشَّف لأهل البيت سوء النيَّة التي عالج بها عمر بن الخطاب قضيَّة الخلافة. لم تكن التقوى، ولا الغيرة على الرسالة، هما الدافعتاه إلى الاهتمام بأُمور المسلمين، ولكنَّه تسربل بهما ومشى قُدَّاماً - كما يتبيَّن لنا مِن التحليلات السابقة - إلى التطبيق، وكانت الخلافة الأُولى لأبي بكر، ورُدَّت إليه في الثانية، حتَّى كانت الثالثة هذه في إيصالها إلى عثمان، فتكشَّفت بها المـُخطَّطات عن المقاصد الموجَّهة بأحكام ضِدِّ أهل البيت، في إبعادهم عن الحُكم وامتهانهم، وإضعاف مركزهم الاجتماعيِّ وتذليلهم ما أمكن، حتَّى إذا تكون إبادتهم مُمكنة، فلا تحرُّج مِن ذلك. إنَّنا نعلم، والتاريخ أيضاً يعلم، كمْ هي مُجرمة حزازات تلك الأيَّام، التي كان الإسلام جاهداً في تخليص المـُجتمع من همجيَّتها، لقد كانت هنالك المـُنافسات الحاقدة، لا تتورَّع عن مَدِّ الأيدي إلى صدر المـَغدور ونشل الكبد منه، ونهشها بالأسنان!!! إنَّها مشهورة في التاريخ تلك المرأة، وما أنف التخلُّص مٍن ذكر اسمها، إنَّها آكلة الأكباد!!!.

ها هو عثمان بن عفَّان لا يتلابق مثل عمر، ولا يقدر مثله أن يتداهى، بلْ إنَّه يذهب رأساً إلى الغرض المقصود والمدروس والمدسوس: هل يجوز أنْ يكون في الحُكم، أو في أيِّ مركز مرموق مِن وظائف الدولة، رجل طالبيٌّ، أو أيٌّ مِمَّن يمتُّ بصِلَة إليهم؟! لا بلْ فليُضطهد الرجل أوْ فليُنكَّل به، أو فليذوَّب في حرارة الشمس، أو فليُنفَ إلى الربذة، كما فُعِل بأبي ذر الغفاري، وبغيره مِن الأعلام والأبرار! هنالك تنتهي قضيَّة المـَنفيِّ، إنْ لم يكن بقساوة الحِرمان، فبرَداءة شمس المكان.

ما كانت خلافة عثمان بن عفَّان إلاَّ حُكما إرهابيَّاً جائراً ومُعالجَاً بدقَّة وقصد، إنَّه التمهيد الفنِّي الكبير الموصل الأمويِّين إلى هذه الدسوت: دَسْت القوَّة والمـَناعة، دَسْت الغنى والنفوذ، دَسْت السياسة والتسلُّط، دَسْت الخلافة والتبرُّج بها لتكون لُعبة مِن لُعب المـُلوك.


لم يكن عثمان بَيْدَقها، إنَّ عمر بن الخطاب هو الذي زرعه بَيْدَقاً في لُعبة الشطرنج فيها، لقد كان يعرف ماذا يزرع وكيف يزرع، ألم يكن أبو بكر بَيْدَقاً أجلسه عمر على كرسي، ثمَّ مضى يوشوش الكرسي بأنَّه أتقى مَن يغار عليها، فصدَّقته واستسلمت إليه بقوائمها الأربع؟ وابتدأ العمل الصامت، إنَّ القبائل التي يجب أنْ تزرع هي التي ستدرُّ عناقيد الرطب.

إنَّ أوَّل فسيلة غرسها بعناية في أرض خَصبة التربة والمناخ، كانت مُعاوية وفي أرض الشام، إنَّ ابن سُفيان - عدوُّ الإسلام في البارحة وفي الأمس الطويل عدوُّ الطالبيِّين الذين منهم الأمين محمد ثمَّ النبي محمد - هو السفياني الأمثل والأعند، هو الذي - إذا يمتن عوده ويخشن - يتمكَّن مِن دحر عتوِّ كلِّ طالبيٍّ وسع صدره نبيُّهم الأوحد!

أجل، سيكون علي مِن أهل البيت، ولكنَّ مُعاوية هو الذي سيجعله داخل البيت لا خارج البيت، يصول بالنبوَّة ويجول.

إنَّه الحقد القبائلي مزروعة كلُّ فسائله في طويَّة ابن الخطَّاب المـُقتدر، الذي يعرف كيف يُعالج - بصمت ودهاء - كلَّ جِبلَّة مِن جِبلاَّت التراب، وكيف ينفخ فيها مِن روحه حتَّى تستوي حِقداً يحذف به عليَّاً مِن أركان البيت النبوي.

أمَّا عثمان بن عفَّان، فعمر هو الذي نفخ إليه بصمت بالغ الفنِّ، بأنْ يُسرع في تعهُّد النخلة المزروعة في أرض الشام، والتي ستدرُّ الكثير مِن الرطب، إنَّ عمرها مِن عمر الجدود، ولقد كان يتظلَّل بها: حرب، وأُميَّة، وأبو سفيان، ويأكلون كلَّ بُسرَة منها قبل أنْ تنضج؛ حتَّى لا يمدُّ يداً إليها - ناضجة - أحد مِن أبناء عمرو العُلا، إنَّها هي المنقولة بحُرص إلى أرض الشام، مُنذ عشر سنين، إنَّ اسمها الآن مُعاوية.

تلك هي القِصَّة المكيدة التي أدرك كلَّ أبعادها وخفاياها الإمام عليٍّ، والتي كانت تزرع في باله تخوُّفا بالغ الخطورة على مصيرهم بصفتهم أهل البيت،


وباعتبارهم رُكناً أساساً في تقديم رسالة جليلة القَدر توازي - بحَجم قيمتها ونهجها وتحقيقها - حَجم المـُجتمع الذي راح يتلمَّس حدوده الجغرافيَّة - الأرضيَّة المكانيَّة - التاريخيَّة، التي كان يتمدَّد إليها بقبائله النابتة منه، والهائمة الفائضة، مُنذ السَّحق مِن الزمان - مِن كلِّ هذه المفاوز والفَدافد، إلى ضفاف النيل، وروافد السخيِّين دجلة والفرات، وإلى حِضن الطريِّ المـُندَّاة به غوطة الشام، يسقيها - كُوباً كُوباً - كوثر مِن بَرَدَى هؤلاء كانوا فيضاً من هذه الجزيرة المـُباركة الحِضن والنِّهد. لقد توزَّع - مِن عادهم وثمودهم، وقحطانهم وعدنانهم، ويمنيِّهم وقيسيِّهم - كلُّ مَن سُمي: كلدانيَّاً، وآشوريَّاً، وآراميَّاً، وأموريَّاً، وبابليَّاً، وفينيقيَّاً كنعانيَّاً ها هي الرسالة الآن تلحمهم بعضاً ببعض، مِن وادي مصر، إلى البصرة والكوفة النابضتين بالعراقين، إلى دمشق، وحَلَب، وحَمص، وحماه، والشاطئ المخصب باللاذقيَّة، إلى جبيل، وبيروت، وصور، وصيدا والأور المـُقدَّس الماء، والجو، والتبر التراب. إنَّها كلَّها الآن في التحام واحد بين يدي الرسالة التي ضمَّخت الأُمَّة بمشيئتها الباهرة، وحطَّمت كلَّ صنميَّاتها، أ كانت نصباً في سِدانات الكعبة، أم حِجارة أثافي حول المضارب والخيام، أم غزوات ونخوات قبائليَّة عتيقة تنفَّست بها الصراعات والنزاعات حول المساقي والمراعي، إنَّها هي الرسالة التي جمعت الأُمَّة، ونجَّتها مِن تخرُّقاتها، ومُبايعاتها، والتفافاتها بأزلامها، وأقداحها، وعرَّافاتها، وكهاناتها، وجميع ترَّهاتها.

إنَّ الخلافة العمريَّة هي التي ستفكِّك الأُمَّة، باتِّباعها نهجاً تصدَّت له الرسالة، مُنذ لملمت المـُجتمع ونظَّفته مِن قبليَّاته الذميمة. إنَّه النهج الذي اشتغل صامتاً مِن أجل تحقيق غرض أثيم، هو تحطيم البيت النبويِّ وتثبيت البيت الأُمويّ. إنَّه النهج الرجوع إلى الصراع القبلي، وتعزيز الواحدة بإنهاك الأُخرى، ورميها تحت السنابك. إنَّه النهج الذي يشحذ الحقد ويتسلَّح به حتَّى البلوغ، وهذا ما تنكَّر له البيت النبويِّ، إذ مَدَّ يد المـُصافحة للعدوِّ اللدود بعد أنْ دخل مَكَّة بزندٍ مُنتصر، وحطَّم الصنم وعزَّز بالسماح المحبَّة، ربط الإنسان بالإنسان.


لم يكن عجباً أنْ يرفض الإمام عليٍّ خلافة مربوطة بهذا الشرط: ( العمل أوَّلاً بسُنَّة الرسول، وثانياً بنهج الشيخين )، إنَّ البيت كلَّه هو سُنَّة الرسول، أمَّا نهج الشيخين فإنَّه قائم على تحقيق رعونة القبليَّة، وليس فيها مِن قصد غير تشديد بني أُميَّة لتحطيم أهل البيت، وبالتالي تحطيم الرسالة التي هي الآن - في المنظار الأكبر - الأُمَّة المـُنطلقة إلى تمجيد ذاتها بكلِّ حدودها المـُجتمعيَّة - التاريخيَّة - الإنسانيَّة العظيمة.

ولم يكن قبول الإمام علي باعتباره سادساً في المجلس الاستشاري، إلاَّ ليتسنَّى له عن كَثب مُشاهدة توزيع الأدوار في المهزلة التي ابتدأت، تمثيلاً بأبي بكر، وستنتهي - حتماً - بابن عفَّان، أمَّا رفضه القَبول بالخلافة - فإنَّه تمثيليٌّ أيضاً - لأنَّه المـُتوقِّع المـُبصر أنَّ طبخة عمر ما كان لها أبداً أنْ تُقبَل، فتُنزَّل في قِدرٍ مِن قُدور بني طالب!!!.

يبقى وحده التخوُّف على الأُمَّة، علَّ الرسالة تبقى تُكفكفها وتُنجيها مِن عثمانيَّة تصنع قميصها وتمشي به مِن المدينة إلى الشام كأن مشيتها نُزْهَة، بينما كانت مشواراً طويلاً أفسد الرحلة، وقطَّع الخيطان في المـُكوَّك الذي رغب النبيُّ الكريم بتسليمه لأهل البيت، حتَّى يضبطوا به حياكة قُمصان الأُمَّة لتزدان بها في كلُّ عيدٍ.

- ١٠ -

إنَّ هذا الحديث الذي مررنا به في المقطع السابق، كان يَعرضه الإمام عليٍّ على الحسن والحسين، وهو مُغمَض العينين كسيف الخاطر، بعد أنْ هاجت الثورة على الخليفة عثمان، واقتحمت داره، ومزَّقت ضلوعه، وقطَّعت أصابع كفِّ زوجته نائلة، وهي تُدافع عنه مِن ضربة السيف، وعرَّت صدره مِن القميص الذي صُبغ بدمه، وطار به بشير بن النعمان ليعرضه - وأصابع المرأة ملفوفة به - على مُعاوية في الشام، ليعرف كيف يتدبَّر الأخذ بالثار.


بالحقيقة، إنَّ الفترة الزمنيَّة التي قضاها عثمان في الحُكم، والتي لم تقلَّ عن اثنتي عشرة سنة، كانت غَنيَّة في مردودها لم يكن ذلك في مُساهمة عثمان بجمع آيات القرآن احتراصاً مِن ألاَّ تتناولها أيدي الضياع أو النسيان، لقد قُدِّر له العمل بالرغم مِن أنَّ الحِرص هذا كان أولى به الاهتمام، بترسيخ المعاني المـُنزَّلة في النفوس، حتَّى تستمرَّ صامدة في بُنيتها المـُعفَّفة، وعندئذ فإنَّ التسجيل الباهر هو الظاهر كالشمس، التي لا تحتاج إلى تسجيل يضبطها مِن النسيان. ولكنَّ تسجيل آيات القرآن وسِجنها في قوالب الحروف، مِن دون تخزينها فاعلةً في نفسه - كوكيل مؤتمَن على صيانتها ودفعها، حقَّاً تُقى، وعدلاً ونوراً للمـُجتمع الذي لا يشتاق إلاَّ الى الحَقِّ والتُّقى والعدل والنور - هو الذي كان ضياعا ابشع من النسيان.

مِن هنا كان مردود هذه السنوات العثمانيَّة كريماً في تحريك ثورة - وإنْ بحَجم زهيد وضئيل - رفضت استهانة عثمان بالرسالة التي هي بين يديه، وهو يُسجِّلها في الحرف بدون أنْ يقرأ لمحة واحدة مِن معانيها المـُنيرة. لقد قالت له الثورة الضئيلة: حجمك - يا عثمان - ضئيل في الحُكم، لهذا ننقم عليك، لقد رأيناك تلبس عشرة سراويل، ولمـَّا رحنا نُفتِّش على أيِّ نول حِكْتها، وجدنا حول بيتك عشرة عراة يسألون عمَّن سرق سراويلهم، لهذا ننقم عليك، ولقد وجدناك تتنزَّه مِن قصرٍ إلى قصر مِن بيوتك العامرة، ولمـَّا سألناك مَن بناها لك؟ وجدنا المئات مِن المساكين حول دورك، كلُّ واحدٍ يتوسَّل وهو يقول: لست أدري - يا عثمان - كيف اقتُلع كوخي؟ فهل مِن سبيل أنْ تردَّ لي كوخي؟ ولأنَّك لم ترِدْ أنْ تفهم معنى الطلب نقمنا عليك، ولقد وجدناك تدخل البصرة وتدَّعي أنَّها بستان لك باسم قريش؛ ولهذا نقمنا عليك - ولقد رأيناك تدخل علينا في مصر ونحن نحلب أبقارنا لنُرضع أولادنا لبنها، فاستوليت على أبقارنا وعلينا وأنت تدَّعي وتقول: الأرض وما فيها بقرة حَلوب لنا، وليست لسوانا؛ لهذا نقمنا عليك. لقد تفرَّدت بالحُكم وجعلت وظائف الدولة حَكراً عليك وعلى أزلامك المـُقرَّبين، كأنَّ القبيلة الواحدة هي ميزان القوَّة الضاربة بالظلم والاحتكار والاستبداد؛ لهذا فإنَّنا ننقم كثيراً عليك!!!.


إنَّ فترةً زمنيَّةً حلَّ بها عثمان خليفة مُتنكِّراً لمعنى الخلافة، وتمكَّنت مِن تحريك النفوس بثورة رافضة، هي - في الحقيقة - ذات مردود مُبارك، لا لكونها هدرت دماً، بلْ لأنَّها حرَّكت وعياً يأبى أنْ يذلَّ ويستكين، وتلك هي دلالات تُبشِّر بيقظة يتثقَّف بها المـُجتمع، مُفتِّشاً عن حقيقة الإباء والنُّبل اللذين يبنيانه إنساناً عفيفاً كريماً، إنَّ في الحَقِّ والعدل والمـُثل لَجاجة تحرُّك النفس، وتستدعيها إلى البطولة التي هي وحدها عُنفوان صحيح في وجود الإنسان.

وكان حديث الإمام مع ولديه الحسن والحسين، مُتضمِّنا - أيضاً - هذه المعاني وهو يُحلِّل ثورة الناس على الخليفة، وكيف أنَّهم رفضوه حاكماً، وكيف أنَّهم يطلبون الإمام المـُغيَّب عن الساحة التي تطلبه الآن إدارة الحُكم وترميمه، حتَّى يعود مُلمَّاً بشؤونهم التي اعوجَّ بها الاضطراب والزيغان. وتابع الإمام وقال:

وإنَّ مُعاوية في الشام يتَّهمني بأنِّي أنا صبغت قميص عثمان بالدم، كأنَّ الرجل لم يدرِ أنَّنا نحن الذين كنَّا نُحاول أنْ نُرمِّم الحُفر مِن طريق عثمان، حتَّى ننجيه مِن السقوط فيها فتتحطَّم ضلوعه، ويشرب قميصه ذلك الدم!! إنَّ عمر بالذات هو الذي رزع الطريق بالحُفر التي وقع فيها عثمان، وإنَّ مُعاوية بالذات هو الذي تمنَّاها عميقة حتَّى يُمكنها أنْ تواري عثمانه هذا، وتبقى له الذريعة بأخذ الثأر، أنَّه يظنُّ أنَّ الساحة قد خلت له الآن. يا للرجل! يعدُّ نفسه أيضاً بخلافة المسلمين! ألا تريان مثلي ومعي، أنَّ شفقاً احمرَّ بالزور والبُهتان، يُطلُّ علينا مِن خلف الأُفق المـُطلِّ على الشام.

لم يكن وجيفاً جواب الحسن، كما وأنَّ جواب الحسين لم يكن أقلَّ مِن مضيض. قال الحسن بما معناه:


الحسن: نحن مِن زمنٍ طويلٍ حاضرون - يا أبي - لو أنَّ يقظة قد استدعتنا في عهد عمر، لكنَّا لبيَّناها بإلحاح، ولكنَّها تأخَّرت حتَّى الآن، فهل لنا إلاَّ أنْ نُلبِّي؟! إنَّ الأُمَّة تطلبنا في الوقت الحاضر، فامش إليها أيُّها الإمام. صحيح أنَّ كلَّ قعود طويل يوهِن الطريق ويُبعثر فيه حُفر العِثار، ولكنَّ القضيَّة الكبيرة تبقى - أبداً - حافزنا نُلبِّيها ساعة تطلبنا النَّجدة بمَزيِّتها الحكيمة.

يظهر أنَّ مُعاوية يلعب لُعبة كبيرة في غوطة الشام، إنَّها لُعبة يُتقنها - تيميَّة سُفيانيَّة - إنَّ تيميَّة أبي بكر تَنشط الآن في البصرة، تُحرِّكها ابنته عائشة لصالح طلحة والزبير، في حين يوظِّفها دَهاء مُعاوية حتَّى تكون لصالحه في طرف الميدان. فلنقف بوجه مُعاوية الآن في البصرة. لقد سمعتك في الأمس تُخطِّط: إنَّ عائشة أوَّلا ثمَّ يأتي دور الشام.

ما كاد الحسن يسكت عن حديثه الموجَز، حتَّى نهض الحسين يزرع الدار بخطوات مَلزوزة، كأنَّها هي التي راحت تُساعده في التعبير عن انفعالاته:

الحسين: أجل - يا أبي - نحن دائماً حاضرون، فالرسالة - القضيَّة - حاضرة فينا ونحن حاضرون فيها وبها، وعلينا أنْ نُلبِّي في كلِّ لحظة يشتغل فيها وعي وإدراك، ولكنَّني أسأل: ألسنا نحن يقظة في ضمير الأُمَّة؟! فإذا كانت الثورة قد هبَّت في وجه الخليفة وضرَّجته بدمه، ألاَ نكون نحن هم الذين أيقظوا الثورة فأُسِكتت؟!فما كان يُنطَق بالعهر والكُفر؟ صحيح أنَّنا لم نَمتشِق حساماً غرزناه في صدر القتيل، إنَّنا لسنا مُجرمين سفاكي دم، ولكنَّنا نحن كلمة في الرسالة التي هبطت بالحَقِّ؛ لتزيح المـُجرمين السفَّاكين مِن درب الحَقِّ، الذي يلهب يقظة الإنسان في أُمَّة جَدِّي، لهذا نحن حاضرون الآن لأنْ نُلبِّي القضيَّة ساعةَ تطلبنا النَّجدة، وسنلبيها بمُجازفة بأعناقنا، ألم تكن المـُجازفة


في معركة أُحد بنت البطولة التي حقَّقت النصر؟! إنَّي أرى المـُجازفة بنت الحِكمة، فلنرمِ بنفسنا إلى الساحة حتَّى لا نخسر الفرصة بإعطاء الوقت الكافي لهروب اللُّص الذي سرق. أنا أقول - مثلك يا أبي -: لم يَقتل عثمان إلاَّ عمر، فهل يكون لمـُعاوية ثأر مِنَّا والجاني عمر؟!!.

ولكنَّ أُمَّة جَدِّي هي الضحيَّة، وهل لغيرنا نحن أنْ يثأر؟!

لم يمرَّ هزيع أوَّل مِن ذلك الليل إلاَّ وكانت القوافل وخيول الجُند، تترك المدينة وتستلم الخَطَّ المارَّ بالتنعيم، والصفاح، ووادي العقيق والقادسيَّة، وكلُّها مَحطَّات تؤدِّي إلى البصرة والكوفة والشام.

- ١١ -

وأخيراً وصل الرجل الدعَّابة إلى الحُكم، ولكنَّه قُتِل! أتكون دُعابته هي التي طعنه بها ابن مُلجم! وهو خاشع تحتها في مِحراب المسجد؟! ومِن أين لابن مُلجم أنْ يعرف معنى الكلمة: بأنَّه المزاح الخفيف في الطبع، والمزيَّة البهلوانيَّة التي هي لُعبة يمرح بها الصِبْية في ليالي الطيش، وفي خبايا الازَّقة ليلة العيد! أم أنَّه سمع عمر بن الخطاب يصف بها رفيقه عليَّاً بالجهاد، ليلة ألَّف مجلس الشورى السُّداسي، فلم يترك أحداً مِن السِّتَّة إلاّ دلَّ إليه بالمزيَّة التي فيه، والتي تُعرقل وصوله إلى كُرسيِّ الخلافة، وكان يتمنَّى على كلِّ فردٍ منهم: لو يَقدر أنْ يتنفض منها حتَّى يأتي الخلافة وهو في تمام استحقاقها، أمَّا تمنِّيه على عليٍّ فكان حُكماً له بأنَّه يكون أمثل مَن يتولاَّها لولا دُعابة فيه تُبعده عنها ...

ولكنَّ التاريخ - وهو جليل القدر إذ يُمحِّص ويتبنَّى الحَزم والجزم في الحُكم - لم يتمنطق بشيء مِن فلسفته التي تُسمَّى ( فلسفة التاريخ ) وبها تتغربل المعاني والأحداث، وأبقى على الكلمة خارجة مِن فَمِ عمر، ولا صقة بعُنق عليٍّ، دون أنْ


يلمسها بوصف وتحديد: هل هي ثُؤلول في أنفه؟ أم حَدَرَة في جِفنه؟ أم غُضروف تحت لسانه؟ أم مُزحة طويلة مَدَّ لها رُمحه في ساحات الجهاد؟!!

لقد كانت الدُّعابة - إنَّنا الآن نقول - في نيَّة عمر، يَمزح هو بها على المـُجتمع، وقد صاغه النبي بعِرقه وعِرق عليٍّ، حتَّى يكون وحدة فاعلة يَعجنها ويخبزها: التُّقى، والحُبُّ، والعدل، والإخلاص، مِن دون أنْ تلوي بها أيَّة مَزحة مِن المـَزحات، التي كانت تتداعب بها القبائل المـُجْفَل منها الوعي، والفَهم، والإدراك.

لو أنَّ عمر لم يَكذِب على نفسه وعلى نبيِّه، وعلى حقيقة بناء مُجتمعه، لكان نجَّى الأُمّة مِن الزواريب التي كانت تتعبَّأ بها السموم الزاحفة إليها مِن لَهيب حَرَّاتها، ولقد كانت القبلية مِن أفتك السموم، ومِن أشدِّ تلك الحرَّات نَفثاً بها!.

ما كان أغنى عمر عن مجلسٍ يضمُّ خمسة مُتزاحمين مُتصارعين على كرسيِّ زعامة، وخلفهم مئات وأُلوف مِن القبائل المـُبايعين المـُساندين، الضاربين بالسيف والرمح والرَجِل والخيل، هنالك سادس لم يَدعب به التركيز والتأسيس، ولم يأثم به: لا النبي، ولا الحَقُّ، ولا العدل، ولا العقل، ولا الصدق، ولا الزَّند في ساحات الجهاد، لقد بُني كأنَّه المصفاة لتُخلِّص الأُمَّة جَمعاء، مِن أغبرة المـُبايعات والزحافات على كرسيِّ لم يَعُد مُطلقاً مشيخةً، بلْ إنَّه بيت لأُمَّة تنرصُّ نحو المـَجد والعظمة، إنَّه السادس الذي اصطفاه المؤسِّس العظيم، الذي أسَّس وصمَّم ونفَّذ، إنَّه صخرة الأساس، ويمين في التصميم، وعزم حادٌّ أصيل في التنفيذ، فلماذا خضع عمر لمـَهابة النبوَّة، ولم يخضع لمـُقرَّرات النبوَّة؟

كلُّ ذلك كان يحزُّ في نفس الحسن والحسين، عشيَّة كان جزاء أبيهما، مِن جهاد العُمر، مَدْيَةً ينخرها الصدأ، كبته كبَّاً رخيصاً، وهو في خِضَم مِن جلال ووقار! صحيح أنَّ مرارة ثقيلة المـَذاق كانت تُهيمن عليهما، وهما يستدرجان واقع الأحداث التي أدَّت إلى مقتل أبيهما، ولكنَّهما كانا يغرقان في جِدِّيَّة مِن البحث المسؤول، فيه تقويم شامل وعامٌّ عن وضع الجزيرة، وعن دورهم المسؤول في المـُجتمع، لقد تفرَّع


البحث ودقَّ، فتناول الرسالة ومعانيها الايجابيَّة في المـُجتمع، مِن حيث المقاصد والغايات والتصاميم، حتَّى إنَّه تطرَّق إلى دراسة النُّظم التي تضبط المـُجتمع وتصونه، ومِن أحكمها وأعقلها خَطُّ الإمامة. ولقد جرى تقويم عامٌّ لفترة الإمامة التي زاولها أبوهما عليٌّ، وكان التساؤل: هل هنالك تحقيق ما؟ أم أنَّه فشلٌ وإخفاق؟ أمَّا الأسباب التي أدَّت إلى ما يُسمَّى فشلاً وإخفاقاً، فإنَّها كانت في مجال مِن البحث والتعليل والتحليل، تفرَّعت منه التحسُّبات والتحوُّطات التي سيكون عليهما أنْ يتَّخذا منها عِدَّة للغد الذي يبدو أنَّه مُعتِّمٌ قاسٍ.

إنَّ الحسن وحده كان المـُستفيض في البحث والتحليل، أمَّا الحسين الذي كان مصبوغاً بحُزنه، فإنَّه كان المـُصغي باحترام إلى كلِّ كلمة كان يتنفَّس بها أخوه الحسن، كأنَّه يسمعها مِن ثلاثة أفواه تنزل في أُذنه، ونفسه، واشتياقه، دفعة واحدة: فَمِ أُمِّه الندي، وفَمِ جَدِّه الصادق، وفَمِ أبيه المـُفعَم بالحَقِّ يا للأحضان تُناديه في لمـِّه وحَضْنه!! لقد طواها الغياب، إنَّما هي أبداً هيمنة في الروح، والنفس، والبال، وإنَّما هي ذُخر نفيس في هذا الحِضن الذي بقي وحده الآن، وهو يتكلَّم كأنَّ الثلاثة الذين غابوا هُمْ - به - يتكلَّمون، وبحضوره يستمرُّون.

لو أنَّنا نقدر أنْ نُصغي الآن إلى شمول كان يعنيه الحسن، كأنِّي به لم يعتنِ كثيراً بحصره في مادَّة الحروف، ولكنَّه قد سكبه في كلِّ ما نهج به، بعد أنْ تناول الإمامة عن أبيه، وهي - أبداً - كُنهه المـُكتنز بالفَهم والنُّضج، وكأنِّي الآن أسمعه يتكلَّم أوَّلاً عن المـُجتمع وعن دورهم فيه:

الحسن: هل مِن حاجة يا أخي إلى توضيح وبيان، إنَّ جَدَّنا العظيم هو الناطق بالحَقِّ، وهو العقل والروح الناطقان بالنبوَّة المنزلة في الساحة؟ أنا أفهم الآن أنَّ الرسالة هي قضيَّة مِن قضايا جوهر الإنسان، أمَّا الإنسان، فهو المـُطلق فيها، ولكنَّه أوَّلاً إنسان الأُمَّة التي هي أمَّة جَدِّي، كأنِّي بالأُمَّة هذه هي التي استدعت جَدِّي بكلِّ ما لها مِن زَخم جالٍ في روحها، وعزمها


وتفتيشها الدائب، مُنذ أنْ بدأت تدب فوق هذه الأرض التي هي أرضها وحدودها، ضمن بَوْتقة الزمان والمكان، وهي التي انصهرت في عبقريَّته الفريدة، واستقطبته إليها، كأنَّه أعزُّ وأنبل وأجهد مَن لبَّاها إلى التوق الإنساني في اكتشاف ذاته والتلقُّط بحقيقة المـُجتمع الإنساني، الذي هو حِصنه في الوجود. ليس إدراك هذا بمعناه الجليل إلاَّ مِن نصيب القِلَّة الفاهمة في المـُجتمع، مِن هنا كان جَدُّنا - يا أخي - هو المـُقتدر في الفَهم والإلمام، وكان أبونا عليٌّ الأوَّل في الاستيعاب، وكنَّا نحن المنقول إلينا وهج هو المـُلزمنا أنْ نتلمَّسه، لأنَّنا نشأنا في دائرة مِن دوائره الكبيرة.

ما توقَّف الحسن قليلاً عن مُتابعة البحث، إلاَّ إفساحاً لما رآه يجول في خاطر أخيه الحسين. قال الحسين:

الحسين: لقد كنت هناك، في بيتنا في المدينة قُرب المسجد، أُصغي إلى مِثل هذه المعاني تنطق بها جُدران البيت، وسقفه، والباحة التي كانت أمامه، وهي ترتعش بشجرة الأراك. أكمل يا أخي، إنَّني لا أزال أُصغي إليك.

أمَّا الحسن، فإنَّه تناول رأس أخيه وفركه بين يديه، وقبَّله، ثمَّ استطرد في القول:

الحسن: أمَّا نحن، فإنَّ الإمامة هي التي أُوكِلت إلينا، وراح يمنعها عنَّا كلُّ مَن لم يفهم أنْ الأُمَّة التي قصد الرسول ترسيخها، ما كانت إلاَّ هَمُّه الأوحد، ومُبتغاه الجامع؛ لهذا فإنَّه قصدان يصونها بالصدق والطُّهر النابعين مِن الإيمان، ومِن ثمَّ بالنظام. إنَّ الإمامة هي النظام، وهي أُسلوب في الحُكم، والسياسة، والإدارة، مشتقُّ مِن واقع الأُمَّة بالذات. أقول


ذلك لأعني أنَّه نظام بمفهوم جديد، لا ينبثق إلاَّ مِن جوهر الرسالة، إنَّ المـَخلوف هو جَدِّي النبيُّ الذي هو الرسالة، والتي هي بدورها جَدِّي النبي، اللذان هما - في المآل الأخير - المـُجتمع الذي هو الأُمَّة. أمَّا الإمامة فهي الترتيب الفَخم المـُشتقُّ - لفظاً ومعنى - مِن الأُمَّة لأجل الأُمَّة، أمَّا الأُمَّة التي صيغت جديداً وسُحِبت مِن كلِّ أنظمتها البالية، التي كانت تفسخها ولا تلحمها، فإنَّها تأخذ نظام سياستها وصيانتها مِن الرسالة ذاتها، التي سحبتها مِن تفسخها، ولحمتها بوحدتها الرائعة. ليس الذي يؤسِّسها الآن مجاميع مَشيخات، وزمر مِن أبالسة الأصنام، إنَّما مَن يَسوسها في يومها الطالع، فهو النبيُّ المـَخلوف بتمام ما أنجز وتمَّم وأورث، أمَّا أنْ تعود السياسة إلى مُبايعات ترقص رقصاً تحت أطناب المشايخ، فهذا ما لا عودة إليه، مَرضاً مُزمناً يُفسِّخ المـُجتمع إلى وحدات لا حصر لها في العدد الذي يَفسخ ويَلغي.

مِن هنا؛ إنَّ حصر الإدارة بخَطٍّ واحدٍ مبنيٍّ أساساً مِن جوهر الرسالة، هو الذي يوحِّد السياسة ويوجِّهها، ويُبعِد الأُمَّة عن أسباب تَشرذمها وتَخلُّفها، ويُنسيها تماماً مناهجها العتيقة، وهكذا تكون الإمامة أُسلوباً مُشتقَّاً مِن واقع المـُجتمع، أيْ مِن واقع إصابة أسباب تَخلُّفه، ثمَّ في تنظيم ما يُزيلها أسباباً ويقضي عليها.

هنالك الزمن الآتي، وهنالك المـُجتمع الذي ينمو سِيَّما ويتطوَّر، وهنالك كذلك الإمامة التي يعمق ضميرها في جوهر الرسالة، والتي ستبقى ترسم ذاتها في مبناها ومعناها، في رفقة المـُجتمع الذي يُصبح - هو بالذات - مُرآتها في التصوُّر والتطوُّر.


أنا لا أظنُّ ولا أقول بإمامة مسحوبة مِن هذا الأساس في الجوهر، يُمكن أنْ تختلُّ موازينها في خدمة الأُمَّة وتوجيهها نحو الصلاح والفلاح، إنَّ التوكيد على صِحَّة ظِنِّي هو في أنَّ الإمامة هي ترتيب جَدِّي، الذي هو نبيُّ الأُمَّة التي هي ضميره المـُشتاق، وصدره الأوسع.

وقاطع الحسين أخاه الحسن وهو يُعلِّق:

الحسين: طبت! طبت! يا أخي الحسن، هكذا طابت فاطمة أُمِّي في ساحة المسجد، وهي تفرك أُذنَي أبي بكر الخليفة ولكنْ، قُلْ لي: - يا أخي الحسن - هل كان فعلاً أبو بكر خليفة جَدِّي؟

أمَّا الحسن، فإنَّه راح يَمضغ الذِّكرى مَضغاً، وهو يستأنف العرض بصوت خافت مُتقطِّع عميق الأداء، كأنَّه نزف النفس مِن بين الشفتين:

الحسن: أتكون ثلاث ساعات في سقيفة بني ساعدة، بمقدار دهر مِن العُمر، غاص به جَدِّي في غار حِراء؟! لقد جَنى جَدِّي كلِّ عُمْق الدهر، وكلَّ نور السماء، وهو يرصف عقد الرسالة، وهو ينظم خَطَّ الإمامة، لتكون الخلافة مِن حقيقة المـَخلوف، ومِن حقيقة الجوهر، فأيَّة خلافة يُمكن أنْ تأتي بها ثلاث ساعات مِن ليلٍ في سقيفة؟!!

لا يا أبا بكر، ولا لا يا عمر، لن تكون خلافة النبي في مَسخ الخلافة، وتعطيل الإمامة!!! وهكذا قد حصل، هل نبكي؟ ولكنَّنا حزناً!!! وهل نيأس؟ ولكنَّنا تصبَّرنا وبقينا نعمل حتَّى وصلنا، ولكنْ - بعد أنْ وصلنا - أيَّ شيءٍ تمكنَّا مِن تحقيقه؟!!

هنالك ثلاثة عقود مَرَّت ونحن مُقعدون، لقد عادت مِن غفوتها العتيقة وانتعشت تلك الآفات التي كانت تخطف أنفاس الأُمَّة


وتُعطِّل إمكاناتها في وجودها الإنساني فوق الأرض، أمَّا الإمامة فقد حُجِر عليها في سقيفة أُخرى طيلة هذه السنين، كأنَّها شهادة زور، أو كذبة نَطق بها عنسيٌّ أسود، أو مَزحة تَخفَّف بها جَدِّي وهو ينزف في غدير خُمٍّ!!!

إنْ نَسْتَفِقْ قبليَّات الجزيرة وتَعُدْ إلى رقصها في الساحات، فتلك هي الرُّدَّة في وطأتها الثقيلة على المـُجتمع الطريِّ العود! أمَّا أنْ نصل نحن بعد غياب ثلاثين سنة ونقول لها: أزيحي لِثامك مِن الدرب، فقد شوَّشت الرسالة وزعزعت وحدة الأُمَّة، فإنَّ ذلك هو الذي، أصلا ضَاَمَ تيميَّة أبي بكر، وضيَّع عمر عن الصواب، وخبَّل عثمان بحِقد أُمويٍّ!!!

ولكنَّنا فعلاً وصلنا، وبدأنا ننفض الغُبار عن ورقة الغار، ولكنَّ الشَّنار بقي الشًَّنار!! لقد تمكَّن مِن زرعه شناراً ثلاثة خُلفاء تعهَّدوه وتداركوه على مَدى ثلاثين سنة، لقد جاء مَضريَّاً، حميريَّاً، كلبيَّاً، تغلُبيَّاً، قيسيَّاً، يمنيَّاً ابتداء مِن مَكَّة ومروراً بالبصرة، ومربوطاً مسموماً بالشام!!!

ولقد أجبرنا - إذ وصلنا - على خوضها معركة بنمط قَبَلِي، واضطررنا على صَبغها بالدم حفاظاً على الإسلام، ولقد اختلط دمُ جمل عائشة بدمٍ تفجَّر مِن صدر طلحة في معركة البصرة المشهورة بيوم الجمل، وقفلنا راجعين إلى الكوفة ونحن نحسب أنَّنا ربحنا! ولكنَّ الحقيقة إنَّ الربح ذاته كان الهزيمة! لقد تجلَّت الهزيمة في اقتتالنا ضمن بيوتنا، على أيِّنا هو الأحَقُّ بالوصول إلى صينيَّة الطعام: هل هو طلحة؟ أمْ الزبير؟ أمْ هذاك الطالبيُّ الملصوق بأهل البيت؟!

لقد كان القتال وهدر الدم ضمن العائلة الواحدة، وضمن البيت الواحد، وفوق الأرض الواحدة! يا لتعس الأُمَّة التي


بناها جَدِّي لتُعانِق الغَد بحِلَّةٍ مِن فَخار!!!

ولقد خضناها في صِفِّين بذات النمط، وما كِدنا نحسب أنَّنا ربحناها حتَّى انهزمنا هزيمة أُخرى لها جَعجعة أكرب مِن جَعجعة الجمال، لقد جَعجع فيها عمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعريُّ، بعد أنْ تكلَّم الاثنان باسم الرسالة التي هي رسالة جَدِّي، يا للحُروف!! كيف يهرب منها النور؟! فتتعتَّم أوجاراً وأوكاراً للمناجذ والجُرذان!!!

أُترانا جزعنا مِن فَظاعة المـَعمعة؟! وتهيَّبنا هدر الدَّمِ؟! واعتصمنا بعمليَّة حَقنه حتَّى لا يبقى للأُمَّة شيء مِن رَمق نُعالج نحن به مصيرها، ونعود فنرتق فتقه، ونرسم له خَطَّاً يعوله في طالع الغَد؟! لقد ركبنا المـَركب هذا في ترجْرُجه فوق اليمِّ، ولكنَّ النتيجة جاءت محمولة على مركب آخر ما استضاء، وهو يقطع ظُلمة الليل فوق مُعترك المـَوج إلاَّ بوميض كانت ترتجف به البروق في رعود العواصف والزوابع!!!

لقد كانت معركة النهروان، تنهَّد بها الخوارج، في زعمهم أنَّ حَقن الدم مُميت أكثر مِن تفجيره، وهذا كان ضوءهم في الليل البهيم! ورحنا إليهم حتَّى نهزم فيهم الفوضى التي تُعتِّم على الإمامة دربها إلى المـُعالجة والتصحيح، ولكنَّنا ما هزمناهم حتَّى شعرنا أنَّ الأُمَّة بكاملها هي المهزومة فينا، فدمها دائماً هو المهدور، ووحدتها هي المفروطة، وقبائلها هي المـُستدعاة إلى أخذ الثار، ثمَّ إلى الثار مِن الثار، أمَّا الهزيمة الأخيرة، والتي هي لنا فجيعة، فهي التي أخذنا لها الثار مِن هذا المـُسمَّى: ابن مُلجم!!!

ما كاد الإمام الحسن - وهو الآن خليفة أبيه في انتقال الإمامة - يصل إلى مثل هذه المـُعاناة، تحت وطأة ثقيلة مِن الاستعراض الشامل للأوضاع التي أوصلت الأُمَّة


إلى ما يُهدِّد وحدتها بالانفراط المهزوم، حتَّى بادره الحسين، وهو مُثقَل مثله بهذا الذي يُولِّده العنفوان الهادر الصامت:

الحسين: صحيح - يا أخي الإمام - لقد رُمْينا بالهزيمة التي احتاكت بها خلوة السقيفة، لو أنَّ الخَطَّ مشى طريقه المرسوم، لما كان للقبليَّة يقظة، ولا للمرض عافية، ولا لأيَّة زعامة ما يُغريها إلى التنطُّح والبروز، ولكان الاستمرار كفيلاً بعدم قطع النور عن الحدقة، ولكانت الأُمَّة هي التي تمتنُ ضلوعها في صدرها الأكبر!!!

وصبر قليلاً ثمَّ انتفض:

الحسين: ولكنَّنا نحن - يا أخي الإمام - ضمير الرسالة، وعُنفوان الأُمَّة - فهل يُمكن أنْ يخبو ضمير الرسالة، وأنْ لا تُفتِّش الأُمَّة عن عُنفوانها الأصيل؟!!

- ١٢ -

لم يتمكَّن الحسن - فقط - مِن مُلاحقة الأحداث التي حصلت على الأرض، مُنذ السقيفة حتَّى مقتل أبيه، بلْ إنَّه تمكَّن أيضاً مِن قراءة بَصماتها قراءة مُستوعبة، ولقد كان له مِن قراءة البصمات عُمق اللَّمح ووضوح التصوُّر، لقد لمح أنَّهم مُنذ الصباح الذي أُعلن فيه وصول أبي بكر إلى كُرسيِّ الخلافة، بدأوا يخوضون مَعارك الحِقد الموصِلة إلى الانهزام، مُنذ ذلك الوقت راحت الخُطوط تمشى تحت جِنح الليل، ولكنَّ الصباح ما كان أبداً يجيء إلاَّ تاركاً خلفه بصمات أفصح مِن الخُطوات في الإعلان عن مخبئاتها، إنَّ الذكي الذي يعرف كيف يقرأ البصمات، هو المـُمتاز في لمحه، وكان الحسن قارئا مُمتازاً.


مُنذ ذلك التاريخ - ولمـَّا يصل الدور بعد إلى عمر، وإنْ يكن له في كرسيِّ الخلافة الصدر والأُذن والعين وإشارة البَنان - وجَّه الخليفة أبو بكر، في عُتمة الليل، مُعاوية بن أبي سفيان ليزرعه في غوطة الشام، ولمـَّا مضى الخليفة العجوز إلى حِضن ربِّه، تناول عمر الزرع بالحيطة والعُهدة، فهو وإنْ زرع في الليل، فإنَّ الصبح سينشره حاكماً مُقتدراً على الشام، وحَمص، وحماه، واللاذقيَّة، وحتَّى على صيدا وصور وسهول بيسان، سيكون الحاكم المـُلمَّ والمـُقتدر على أيَّام الخليفة الثالث عثمان الذي وصل الليل بالنهار، وهو يعتني بالزرع الذي ستغصُّ به البَيادر، فيُشبع الأُمَّة التي هي بنو أُميَّة، وتموت جوعاً تلك الأُمَّة الأُخرى التي هي طالبيَّة بني هاشم!!!

لقد كان مُعاوية أقدر مَن مشى الدروب في عُتمات الليل، وكان يُجرِّب إخفاء بصمات خُطواته، ولكنَّ الدروب لا تَقبل - كثيراً - بتشويه البصمات، فهي مِن نصيبها تحمُّل الوطء، والاحتفاظ بالبصمات التي هي تسجيلها الوحيد بإحصاء المارِّين، ومُطالبتهم بما يكون عليهم مِن ضرائب المـُكوث أو المـُرور، إنْ يَطل مكوث أو ينخطف مرور، مِن هذا القبيل كان للثورة الصغيرة أنْ تمشي نحو عثمان وتُجندله عن كرسيِّ الخلافة، وكان لمـُعاوية أنْ يُحاول لَمْلَمة بصَماتها، ولفهَّا بقميص القتيل، وتحويلها ثأراً يُطالب به الإمام عليَّاً ليأخذ منه ديَّةً عليه، أمَّا الثورة الرابحة التي كانت أوسع وأكبر مِن سابقتيها: ثورة الجَمل، وثورة النهروان، فإنَّه حاول أنْ يمتصَّ بصماتها ويلفَّها بورقة مِن أوراق المِصحف، ليدرأ عنه ويلاً هددته به معارك صِفِّين، إمَّا سقوط عليٍّ قتيلاً تحت مدية ابن ملجم، فإنَّه جاء بعد خلوِّ الساحة مِن ثلاثة: أوَّلهم طلحة، وثانيهم الزبير، وثالثهم إمام ما طاله إلاَّ اليوم مشي الليالي الطويلة، مُنذ أنْ مشاها عمر بقدمي أبي بكر، وتخطَّاها عثمان بولاية مقصوفة. أمَّا البصمات فإنَّها توحي كلُّها الآن بأنَّه وحده - مُعاوية - هو الذي أصبح قدر الخلافة.

بعد هذا التخطيط الطويل، وبعد لملمة كلِّ هذه البصمات وتجييرها في خدمته، أصبح مُعاوية سيِّد الساحة، والمـُتحكِّم الأقدر بالخُطوط الطويلة التي تربط


الشام بالكوفة والبصرة والمدينة ومَكَّة واليمن، وأخيراً مصر في المـُقلب الآخر التي لم تأنف كثيراً مِن استحالتها بقرة حَلوبا بين يدي عمرو بن العاص!

أمَّا الرجال الكبار الذين عاونوه في عمليَّات البصم والتجيير، فإنَّهم لم يكونوا أقلَّ منه دهاءً، وأطول نفساً في عمليَّة امتطاء الليل مِن أجل الحصول على كلِّ مَغنم فيه ثروة، وفيه جاه، وفيه تحكُّم برقاب الناس، وفيه - بنوعٍ خاصٍّ - قضاء تامٌّ على بني طالب، إنَّهم المعدودون في البطانة المـُخمليَّة: منهم عمرو بن عاص، والمـُغيرة بن شعبة، ومروان بن الحَكم، وزياد الذي كان ابن أبيه، فأصبح أكيداً أخاه.

ذلك هو التخطيط المـُصمَّم مُنذ ثلاثين سنة، ومَن يَقدر أنْ يقول: إنَّ ليس التخطيط أقوى وأشدَّ فيلق مِن الفيالق التي تمشي إلى حرب؟ بمثل هذا التخطيط قابل مُعاوية بن أبي سفيان الخَطَّ العريض الذي رسمه النبي الكريم بصِفته صاحب الرسالة، وجامع الأُمَّة، وموليها حقوقها في الوجود، ومُتعهِّدها الأوحد في الصيانة والديمومة، وهي المحسوبة - أوَّلاً وأخيراً - أُمَّته العربيَّة التي ردَّها مِن غياهب الليل، وهي التي تتَّصف به الآن في إطارها الجامع.

لقد أدرك الحسن واستوعب كلَّ ما رمى ووصل إليه تحيُّط الجماعة، التي يُمثِّلها الآن مُعاوية في الشام، ولقد رأينا كيف أنَّه لمـَّح إلى كلِّ ذلك في الجَلسة التي عقدها مع أخيه الحسين، عشيَّة مقتل أبيهما الإمام، ولقد صمَّما على مُتابعة ملء الفراغ في الساحة المشحونة بالغبار، كلُّ ذلك مِن أجل افتداء الأُمَّة ونَشْلها مِمَّا يُهدِّد لحمتها مِن انفراط بدأت القبليَّة تلعب به كمادَّة وحيدة يستنجد بها الآن مُعاوية، وستكون نجدة كلِّ زعيم آخر يخوض الساحة حتَّى يثبت زعامته فيها.

غير أنَّ التخطيط الذي جعلنا الحسن نلمح خُطورته، هو الذي يتفرَّد بامتلاك الساحة، وبالتحكُّم بكلِّ مَفارق دروبها، وبالإلمام بكلِّ تشعُّباتها، ومَساربها، وحناياها، ومخبآتها. لقد كان كلُّ شيء مُعدَّاً بدرس وتصميم، لإفشال كلِّ سعي


يقوم به الخصم الطالبي لتثبيت وجوده، وتجريده منه، وتحويله مَكسباً ضِدَّه، مِن حيث يُصبح وَبالاً عليه.

لقد صُدِم الحسن بمثل هذا الثقل، ولقد عانى منه أغرقه في كآبة لا يُمكن أنْ يتحمَّلها إلاَّ الأبطال الصامدون، ولقد استوعبه وتحمَّله ثقلاً، ولكنَّه تصرَّف به تصرُّف الأفذاذ، وراح يتلاعب به تلاعب المـُقتدرين، حتَّى يُحوِّله مِن مؤدَّى إلى مؤدَّى، أو بالأحرى مِن سَلبٍ أسود إلى إيجابٍ أبيض!!!

مِن أبلغ ما فهمه الحسن، ومِن آلم ما رضخ له، أنَّ الساحة الآن هي التي يمتلكها مُعاوية ويضبط حدودها وكلُّ مُقدراتها، لقد تحكَّم بها بقوَّة ما استلب منها، لقد ولِّي الشام وهي الجناح الغربي مِن أرض الأُمَّة، حتَّى تزدهر به مِن أجل تعزيز كلِّ قيمة مِن قيم الأُمَّة، في ضبطها وتوحيدها ورَصِّها في المـَبنى والمعنى، وكانت النتيجة استئثاراً بما درَّت عليه الأرض المـُخصبة والمـُرتاحة، لقد أصبحت الأرض في الشام بكلِّ ما تُعطي وتدرُّ، قصوراً خضراء لمـُعاوية ومُعاونيه، وأصبحت أموالاً وثراء فاحشاً في صناديقه ومخزناته، وسيوفاً، ورماحاً، ودروعاً، وخيولاً مُطهَّمة لرجاله وجيوشه وبطاناته، لقد كانت الشام نائمة على خيراتها بين يديه، وكانت جيوشه مُرتاحة تنعم بالعطف منه، وبالسلم الذي يوفِّر الراحة ورغد العَيش، بينما كانت الأُمَّة هنالك تُعاني مِن زرع الشِّقاق فيها ويلات ووليلات، لقد حمى الخُلفاء الثلاثة الأُولون مُعاوية في الشام، وأبعدوه عن كلِّ هدر يُلهيه عن استكمال بناء قوَّته وإنجادها بالعُدَّة والعدد، وراحوا يحجزون الخَصم في غُرف النوم، حتَّى إذا ما ظهر هنا أيُّ تململ، كان لهم استنجاد بالشام القويَّة ليقمعوه!!

وتململ الرافضون، وحذفوا عثمان مِن الوجود، فحُمِلت قميص عثمان إلى الشام حتَّى يقوم مُعاوية بالثأر مِن عليٍّ، وتملمت البصرة بوجه عليٍّ حتَّى تفسد عليه حقوق الإمامة، فكان مُعاوية البعيد المـُرتاح، يجمع نفسه لمـُناهضة عليٍّ إذ تبرز به الساحة، ونبتت مِن قاع الجَحيم اعتراضات الخوارج، وبثَّت سَمَّها في معركة النهروان، فارتاح مُعاوية مَليَّاً في الشام، بينما أُنِهك عليٌّ في البصرة والكوفة


وانتقلت المـُعاناة إلى الحسن، فإذا به يهتمُّ هنا بجمع قوى منهوكة، خسرت عشرات الأُلوف مِن الرجال في معاركها المجنونة، وخسرت المال، والرزق والجَني، والعُمران والاطمئنان، بينما مُعاوية هناك تبسم له الراحة ورغد العيش، ويستقيم التخطيط بين يديه أكثر فأكثر، في استعمال التعب والوَهن، وترجيحهما إليه مكاسب بسط منها الرشوة، تارةً بالشَّهد والوعد، وطوراً بالوعيد والتهديد.

مَن كان يحسب أنَّ عبيد الله بن العباس قائد الجيش بالذات عند الإمام الحسن، يشتريه مُعاوية بخمسين ألفاً، فينتقل هو وفِرَق عديدة مِن الجيش، إلى الجبهات التي يعدُّها مُعاوية لدَحر الذي يعتزُّ بتُراثه مِن أبيه الإمام، وجَدِّه الرسول!!! وتُراثه الفخم مِن أبيه وجَدِّه هو إمامة، ورسالة، وقضيَّة، ووحدة أُمَّة!!!

لقد فهمنا مليَّاً حتَّى الآن أنَّ مُعاوية كان أقوى مَن يمتلك الساحة، وأدهى مَن يعرف كيف يتحكَّم بالدروب وبأيَّة خُطوات يمشيها، أمَّا الحسن الذي وصل أيضاً إلى استيعاب هذا الواقع المؤلم، فإنَّه ما جوبه به حتَّى تصرَّف، ولقد ألبس تصرُّفه حِكمة لا نزال نلمسها اليوم، بأنَّها هي التي يفتقر إلى جوهرها المـُجتمع، الذي هو إطار الأُمَّة في وحدتها الشريفة والصحيحة في الوجود.

لم يَخُضْ الإمام الحسن الحرب ضِدَّ مُعاوية، لقد عقد صُلحاً معه، وسلَّمه مقاليد الأُمَّة، شرط أنْ يعدل فيها، ويتحسَّسها أُمَّة حضرها جَدَّه لأنْ يكون لها يوم كبير طالع بالحَقِّ والصدق والجمال، وإذا كان له أنْ يعتزل اليوم الحُكم، فحتَّى يعود إليه هذا الحُكم في الغَد الذي يخلو هو فيه - مُعاوية - لمـُقابلة جَدِّه النبي في تقديم الحساب، ولقد أكَّد له أنَّ الأُمَّة وحدها هي التي فرضت عليه القَبول، مِن أجلها لا مِن أجل مُعاوية، مِن أجل حَقْن دَمها، وتوفير قواها حتَّى تستمرَّ في الوجود، والبقاء، وتحقيق الذات.

هل كان الإمام الحسن مُصدِّقاً مُعاوية في تنفيذ المواثيق الواردة في اتفاقيَّة الصِّلح؟ ولكنَّ المـُبادرة هذه كانت منه بمثابة مبادئ مُثبتة لهذه المواثيق، على الأُمَّة


أنْ تتطلَّبها مِن المـُتنادين إلى سياستها وصيانة حُرماتها ومُرافقها فوق الأرض، وإلاَّ فإنَّ الأُمَّة إلى هدر إمكاناتها، وزعزعة كيانها، والتفريط في حاجاتها المـُلحَّة إلى وحدتها وانسياقها نحو التحقيق، فإذا كان مُعاوية هو المـُتمادي في سلبها حقوقها، فإنَّ هذه المبادئ هي التي تبقى مِن حَقِّ الأجيال إذ يستيقظ بها الوعي، فتعمَّد إلى الحاكم تطلبه أنْ يتحلَّى بها، ليكون نبرة مُثقَّفة مِن نبراتها في صدق وعيها.

ولكنَّ مُعاوية الذي كان إفرازاً لمـُخطَّط مُعيَّن النهج - ولا أتورع عن القول - مُعيَّن الحِقد، ومُعيَّن الضمير، فإنَّه بقي رحى الطاحونة ذاتها، أمَّا أنْ يصدق في تعهُّده بأنْ يترك الخلافة مِن بعده للحسن، فإنَّه ما عَدِم وسيلةً مِن حذفه مِن الوجود، وبذلك يكون صادقاً بتعهُّده، وتُصبِح الخلافة ذاتها، بدلاً مِن أنْ تنتقل مِن بعده إلى الحسن، تنتقل - بالأحرى - إلى ابنه يزيد، وبذلك يلتقي الاثنان في تضحية واحدة: تضحية الحسن بمركز الخلافة مِن أجل مصلحة الأُمَّة، وتضحية مُعاوية بالحسن مِن أجل مصلحة الخلافة التي هي الآن ليزيد.

- ١٣ -

أمَّا الحسين الذي كان وحده في البيت أسير التأمُّل. فإنَّه ما وصله الناعي ليفجعه بخبر مَقتل أخيه الحسن بجُرعة سَمٍّ مدسوسة في كوب مِن اللبن، حتَّى شَعر بحِدَّة مزَّقت نفسه، وفجَّرت فيها زوبعة ما حبلت بمثلها بعد مطاوي الأُفق التي تلفُّ الأرض!

لقد هبَّ بأجمعه يُفتِّش عن أخيه!!! فارتطم بأبيه مذبوحاً مِن خاصرته!!! فولَّى عينيه إلى الجانب الآخر فاصطدم رأسه بولولة تحملها حوملة مِن حوملات الريح وما كاد يَحدق بها، حتَّى رآها ترتجف بالخمار الذي كانت ترتديه فاطمة أُمُّه، وهي تخفق بيديها في باحة المسجد!!! فخرَّ إلى الأرض ورأسه لا يزال يضرب سقف البيت وإذا به يسمع قهقهات قِردَة ترقص على مزمار فَهْدٍ يعوي كأنَّه ممسوخ مِن كلبٍ فاختلط عليه المـَشهد، وإذا به يلمح زاوية خلف زاوية


خلف زاوية في الواحدة: مُعاوية يتزايد في ضَحكه، وهو يُقلِّب مِن كَفٍّ إلى كَفٍّ، لُعبة خضراء صفراء وفي الثانية طاقم مِن ثلاثة رجال: واحد بلا رأس يفهم، وثانٍ يطوي رأسه في عِبِّه فوق عكَّاز، أمَّا الثالث العابس فعرفه مِن لِثامه أنَّه عمر!!! وفي الزاوية الثالثة خَربة مِن الخرائب المعولة، مَخلوع عنها السقف!!!

لم يقف الحسين مِن نفسه المـُمزَّقة إلاَّ هادراً بصَمت بعيد الغَور، إنَّه الحوملة التي لم تكتشف بعد مداها.


إنَّه هنا الحسين

نحن ما ضيعَّنا الحسين حتَّى نُفتِّش عنه، لقد عرفنا مُنذ الوَهلة الأُولى أنَّه دائما في المسجد، حيث الرسالة التي هي صوت جَدِّه، وضمير القضيَّة في وحدة الأُمَّة، ولكنَّنا رحنا نُفتِّش عن الأزاميل التي نحتته وصاغت منه بطلاً ما نسجت مثله أنوال الملاحم، لقد خضنا البحث وعنوانه ( أين هو الحسين ) بثلاثة عشر مقطعاً، وهي كلُّها - في مُحتواها - هذه الأزاميل التي تكشف لنا الآن الردهات التي يطلُّ منها الحسين.

مُنذ الطفولة وأحضان منسولة مِن الحُلم، والرمز، وضمير القصد، تدغدغ الحسين وتتدغدغ به، كأنَّه حِضن الحُلم، والرمز، والقصد، لدغدغة أُخرى تهجُّ في ضميرها ديمومة تتلقَّط بها إمامة، ما كان الحسين الطفل إلاَّ ويشعر بها وهو يحتويها، وما كان ينمو ويتنامى إلاَّ بها، أكان في حِضن أُمِّه وهو يمتصُّ ثديها ويشعر أنَّها - بكامل ما فيها مِن دمٍ ولحمٍ وعطرٍ - نعيم لا يجفُّ لها عطفٌ، ولاحُبٌّ، ولا شوقٌ، ولا جمال، أم كان في حِضن أبيه الذي يشيع عليه مَهابة لا تتسربل بمثلها إلاَّ مداميك القلاع أو أبراج الحصون، أمَّا جَدُّه المـُتمنطق بآيات الجلال، فإنَّه كان يمرح فوق منكبيه وهو يشعر كأنَّ النجوم تتساقط مِن أبراجها إلى عِبِّه، وما أنْ ينزل عن المنكبين إلى الأرض حتَّى يركض كالولهان إلى حِضن أخيه الحسن، ليُفرغ مِن عِبّه إلى عِبِّه الآخر، كلَّ ما جناه مِن سلال جَدِّه المليئة بالعَطف، والرغد، والزُّهد المـُجمَّع عن شاطئ الكوثر.

مِن يوم إلى يوم كان يعقد الزهر في روض الحسين ويُثمر، ومِن عهدٍ إلى عهدٍ كانت تنجلي أمام عينيه ملامح الرؤى، وما تتغلَّف بها الضمائر، وكانت الأحداث


تتفتَّح عن مكامنها ومقاصدها بين يديه، وهو يجلوها بما هو مرهوب به مِن عقل، هو ذخيرة ربِّه في أنقى عباده.

وإنْ كنَّا نؤمن بالعقل السليم طاقة تُحقِّق الفَهم والإدراك، ولكنْ للجوِّ الحميم الذي ولِدَ فيه الحسين - مع كلِّ الذبذبات المـُتجانسة التي رافقته بجميع تأوّداتها، مُنذ الطفولة إلى كلِّ عهد آخر تزيَّن بالصَبْوة، والشباب، والرجولة، تأثيرات بليغة الوطء وبارزة الأداء، في عمليَّات التكييف، والشحذ، والتوجيه - كانت كلُّها بساطاً مُرتاحاً لهذه العقليَّة التي وصِفَت بأنَّها سليمة وباكرة النُّضج، وأنَّه لمِن المـُثير أنْ نلمح إلى شيء مِن هذه التأثيرات المبثوثة في الجوِّ الذي نشأ فيه الحسين، وكيف كان لها فعل إيحائي ترهَّف به عقله، وحِسَّه، وتكوينه النفسي، وكيف انطبعت به نزعاته، وميوله، في النهج والتعبير.

مِن المشهور والمشهود له، أنَّ لطفولة الحسين تعهُّداً مُهتمَّاً ومُتفرِّداً عن المثيل، ولقد اشترك في مثل هذا التعهُّد المـُمتاز: الجَدًّ، والأبُ، والأُمُّ في إخراج موحَّد لا يُشير إلاَّ إلى وحدة القصد الذي يجتمع عليه الثلاثة، فكان واحداً في اللون، وواحداً في النوع، وواحداً في التوجيه، وواحداً في لمِّ الأخوين إلى مُشتركٍ واحدٍ دون أيِّ فرقٍ أو تمييز، كأنَّهما واحد في التنشئة والتربية، وكان الواحد منهما هو المـُكمِّل للآخر، على بُنية في المزاج تبقى - أبداً - منقوصةً إنْ لم يَنجدل خيطها بالخيط الآخر، ليكونا حُبكةً واحدة في فتيلة السراج، لقد كان الحسن والحسين - فعلاً - شخصين بمِزاجين، ولكنَّهما كانا في وحدة فِكريَّة - روحيَّة رائعة الاندماج، جمعتهما إلى القصد الواحد، ليكونا أخراجاً واحداً لذلك القصد الأكبر، الذي جال في بال النبي وهو يزفُّ إلى إنسان الجزيرة رسالة تجمعه مِن تيهه المـُشرَّد إلى مُجتمعه المـُوحَّد.

لقد تمَّ تأليف الأُمَّة وتوحيدها بعد بذل العرق والدم، وتمَّ الانتصار على كلِّ ما كان يُعرقل سير القافلة الكبيرة على دروب الحياة، وتمَّ القضاء على كلِّ تشويش كانت تتعنتر به القبليَّة، وتشقُّ الأُمَّة وتُبعثرها إلى ألف، وجاء التدبير الأوحد وألاحكم، بإلقاء زمام التحكُّم والتعهُّد على رجل واحد مُرِّسَ بالإيمان،


والفكر، والتوجيه، والعَزم، والإرادة. إنَّ هذا الرجل هو الذي يُمثِّل الخلافة المصقولة بالإمامة، وهو الذي يمنع - وحده - رجوعاً إلى زعامات تقليديَّة يدعمها - مِن هنا وهناك - عدد لا يُحصى مِن القبائل، وهو الذي يُمثِّل رسالة ما نجح غيرها في المـُجتمع، وهو الذي ينقدُّ ضلعاً أميناً مِن الرسالة، وشَفرةً كريمةً مِن مَعدنها الأصيل، وحارساً أميناً لعهودها المـُرتبطة بالصدق والحَقِّ.

لقد تمَّ تعيين البيت الذي يحَضن الرسالة المـُنبثقة مِن قلب الجوهر، أمَّا النبيُّ العظيم، وابنته التي كأنَّها جُبلت خصيصاً بطبيعتها الأنيقة ونفسها الكريمة، وابن العَمِّ الذي ذابت كلُّ أجيال الجزيرة حتَّى أفردته فريداً في الصدق والعقل والعَزْم والبطولة، هُمْ الآن الفاهمون القصد، والمـُجتمعون على تنفيذه؛ لأنَّه هو وحده المستجيب لحقيقة الرسالة، التي كانت ترجمة صادقة لمـُجتمع تحقَّق والْتَمَّ، وتمَّ أيضاً ملء البيت بالفتيلتين المؤلِّفتين سلك النور الذي سيستضيء به خَطُّ الرسالة والإمامة، فلتكن لنا مُرافقة الحسين حتَّى تستقيم معه مُتابعة الدراسة، فهو صاحبنا الآن في الرفقة الكريمة.

أقول: ثلاثة هُمْ الراسمون القصد، وهُمْ وحدهم الفاهمون، وهُمْ الذين يُخرجونه بالمـَبنى وبالمعنى، وبوضح النهج، أمَّا الحسين الطفل، فهل كان له أنْ يعرف أنَّه هو القصد المـُضمر؟ وأنَّه هو الذات المـُستترة في البال وخَلف البال، وفي الحُلم، وفي الأبعَد منه، وفي البيت، وفي الأرفع والأفسح مِن سقفه؟ ولكنْ مَن يقول: إنَّ ليس للطفولة إدراك مُخبَّأ في الحِسِّ، والشعور وطويَّة الذات، وهو الذي يتغذَّى مِن كلِّ ما يحتكُّ به، لينطلق مُعبِّراً عنه؟

ونقول: إنَّ كلَّ ما احتكَّت به طفولة الحسين، هو الذي كان ذُخراً في حِسِّه وشعوره وطوية نفسه، وهو الذي ترسَّخ به عقله وقلبه وفكره، وهو الذي تركَّز به واستقام رأيه، واقتناعه ونهجه، وهو الذي عبَّر عنه في كلِّ كلمة قالها، وفي كلِّ عَزم مسح به إرادته وروحه وصلابته، في الاقتحام والاحتمال، لقد أصبح الجوُّ الذي رُبِّي وترعرع فيه الحسين، كلُّ الحسين. إنَّه - في آنٍ واحد -


البيت، وكلُّ أهل البيت، بكلِّ ما في العبارة مِن معاني حقيقيَّة ومَجازيَّة على الأرض، إنَّه البيت وجُدران البيت، وباحته، وشجرة الأراك فيه، وليست كلُّها موجودة إلاَّ لأنَّها احتواء مُتكامل بأُمِّه فاطمة المـُرتبطة ارتباطاً أمتن مِن الحُبِّ، وأبهى مِن العِشق، بأبيها محمد، وبزوجها عليٍّ، وبالتالي به هو الذي لا يقدر إلاَّ أنْ يأخذهم جميعاً إلى صدره، وقلبه، وروحه، بحُزمةٍ واحدةٍ مِن الشوق الذي يَكبر أبداً ويكبر.

ونقول: لا معنى للحسين، لا في الوصف ولا في التحديد، مِن دون أنْ نربطه ربطاً مُحكماً بجَدِّه وأبيه وأُمِّه، ذلك هو الجَوُّ الذي رُبِّي فيه، وتلك هي الوحدة التي كانت لُحمة إطاره، فإذا كان لنا أنْ نتبيَّنه في ما بعد، فسنجده تعبيراً مُتباهياً - أبداً - بجُدوده الأوفياء للحَقِّ، والذين خرج مِن صُلبهم رجل راح يُسمِّيه - دائماً - ( جَدُّه ) وهو الرجل العظيم المـُتوشِّح بالنبوَّة، وهو الذي ما حبلت امرأة مِن نساء الجزيرة بأعقل منه، وأكبر منه، وأورع منه، فهو الجزيرة، وهو الرسالة، والقضيَّة، في سبيل مُجتمع الجزيرة، وهو الأُمَّة التي تعتصب به، وبنوره تمشي دروبها. إنَّ هذا الرجل هو جَدُّه الرسول، وأبو أُمِّه الأجمل والأحلى والأطهر، وابن عَمِّ أبيه الأمتن والأصدق، والأنبل.

إنَّ المـُختصر الوحيد - لهؤلاء الثلاثة الذين هُمْ في وجود الحسين كلِّ الحسين - هو في الرسالة، وإنَّ القصد الوحيد مِن تنشئة الحسين تنشئة مغمورة بهذا اللون مِن الحُبِّ والعطف والرعاية، هو مِن أجل إمداده بالحِسِّ والشعور الأمتنين والأصدقين، مِن أجل القيام على الرسبالة، وإنَّ الرسالة بمُطلقها الأساسي والجوهري، هي مِن أجل هذه الأُمَّة، التي هي المـُستودع الأوحد لهذه الرسالة، التي هي - بحقيقتها الواسعة - هذا الإنسان تبنيه القيمة، وإنَّه - هو الحسين - تجسُّد لهذه القيمة، زرعتها الرسالة فيه، ليكون أوَّل مِن يمتثَّل إلى تعهُّدها، والسهر عليها، وهي التي تستدرج الأُمَّة - بها - وجودها النامي بالحَقِّ، والصدق، وعِفَّة الوجدان.


كلُّ هذا كان بالإحاطة حول تنشئة الحسين، وما كان الحسين إلاَّ ليعيها - وهو طفل - ولتتجسَّد وتفخَّم فيه، وهو ينمو وينهد إلى الشباب والرجولة، ولتُصبح - بكلِّ ما فيها مِن مقصد ومعنى - محفورة في نفسه، وعقله، وشعوره. لقد فَهم مَليَّاً - مع تقدُّمه بالفَهم والإدراك - أنَّ تنشئته كانت بهذا الشكل، والنوع واللون، لأنَّه مزروع للقضيَّة - للرسالة التي هي القضيَّة - للأُمَّة التي هي أُسُّ الرسالة، وللإنسان الذي هو كلُّ القضيَّة.

يصحُّ القول: إنَّ لكلِّ تربية أثراً ما في مُجتمعات الإنسان، تعكس - إلى حَدٍّ بعيدٍ - بُنية ذلك المـُجتمع، ومُقدار ما حصل عليه مِن الوعي والرُّشد، ليكون التوجيه التربوي الهادف تلبية للحاجة المـُلحَّة إلى التطوير، ورفع المـُجتمع مِن سويَّة إلى سويَّة، وكانت تنشئة الحسين مشغولة بهذا النوع الوجيه الهادف، وكان مُبالغاً في تعهُّدها وإظهارها للعَيان، لثلاثة أسباب وجيهة:

السبب الأوَّل: وهو شعور المـُربِّي المـُتعهِّد الضمني ذاته، بأنَّ المقصد الكبير تلزمه العناية الكبيرة، بحيث لا يجوز أنْ تكون حياكة قميصه إلاَّ على النول الأميز.

والسبب الثاني: هو في التدليل البارز في نوعيَّة التنشئة، حتَّى يشعر فتاها بأنَّه هو المـُشار إليه، وما ذلك إلاَّ حتَّى يشعر هو بأنَّ حمله سيكون جليلاً، وأنَّه المـُنتدب المـُميَّز للمسؤوليَّة المـُميزة، وحتَّى يشعر بأنَّ هذا الجلال الذي يختم به إنَّما هو ظِلٌّ لذياك الجلال توشُّحه به الأُمَّة حتَّى تكبُر وتكبُر في ساحات التباهُل.

والسبب الثالث: هو في الظهور الأبرز أمام الرأي العامِّ، بأنَّ المدلول إليه بالتنشئة المـُختصَّة والمـُميَّزة، إنَّما هو - بالتخصيص والتعيين - مُمثِّل للقدر الكبير الذي طابت على يده الرسالة، وإنَّه هو الوحيد الذي جمع الأُمَّة، وأنَّه هو الرائي البصير في كيفيَّة تعهُّدها حتَّى لا يطالها، لا تعثُّر، ولا وَهن، ولا رِدَّة تهدر الجُهد أو تُخفِّف مِن مَزاياه.

تلك هي الأزاميل التي عمَّقت حُفرها في تكوين بُنية الحسين الروحيَّة والعقليَّة على السواء، أمَّا أنْ يصطدم - كما رأينا مِن واقع الأحداث - بعد غياب جَدِّه عن


الأرض، بما راح ينقضُ الوصاية في التعيين، ويشلُّ قوى البيت المبنيِّ للانطلاق الموجَّه والمدروس، فإنَّ ذلك ما جعله واقفاً مذعوراً مِن مَغبَّة العصيان، عِصيان جَدِّه في أعزِّ أمانيه وتصاميمه، وفي أفخم توصياته قبل أنْ يترك الأرض، إلاَّ أنَّ إيمانه بأبيه بأنَّه سيتمكَّن مِن إعادة الأُمور إلى نصابها، جعله في مكامن التربُّص والانتظار، ولكنَّ مَجريات الأُمور والأحداث، ساقت إليه الخيبة تلو الخيبة، والهزيمة تلو الهزيمة، وهذه كلُّها كانت أزاميل جديدة عمَّقت حُفرها في ذهنه، وأكسبته قوَّة في مكامن النفس لا تعترف - مُطلقاً - لا بخيبة ولا بهزيمة.

إنَّ العقل وحده عند الحسين هو الذي اكتشف الحقيقة، التي تتغلَّف بها القضايا الكبيرة في الوجود، ولقد اكتشف أنَّ الحَقَّ هو الذي يبني القضيَّة وأنَّ القضيَّة التي هي الحَقُّ، لا يكون عمرها بالساعات، بلْ إنَّها الأبقى مِن الدهر لقد سمع أباه يقول:( للباطل ساعة ولكنَّ الحَقَّ فإلى قيام الساعة ) وما كان قد انجلى لمـَّا سمع أباه هكذا ينطق - إلاَّ أنَّه الآن - بعد أنْ شاهد أباه يختم شفتيه بالصمت الفصيح، وبعد أنْ غاب أخوه بجُرعة سَمٍّ!!! وجد نفسه أمام حقيقة الإدراك بأنَّه مُنتدب لتعهُّد الحَقِّ، وسيقوم بحقيقة التعهُّد، فإمَّا يكون له الظهور، وإمَّا يكون له بروز العُنفوان الذي يبني الإنسان - لا للذلِّ - بل للحياة أمَّا الأُمَّة التي هي مِن بُنية جَدِّه، فهي التي تبقى أبداً تنظر إليه - ولو بعد ألف حين - بأنَّه العُنفوان الذي إذ ما تُفتِّش عنه الأُمَّة تجده في حقيقة ذاتها، وذلك هو جوهر الإنسان الذي بذل له جَدُّه وأبوه عُرق العمر!!!

هل يُمكننا الآن أنْ نقول: إنَّه هنا الحسين؟



القسم الثاني

في حِلَّة البرفير

المـُعاناة

المـُبايعة

الشَّرارة

روعة التصميم

كربلاء



المـُعاناة

والمـُعاناة: يا لها مِن عِمارة يبنيها الإنسان مِن كلِّ ضجيج يصخب به مِن نفسه وفي نفسه! إنَّها العِمارة التي يبنيها هذا الإنسان لتعود - هي - فتبنيه بالحِجارة ذاتها التي بناها - هو - بها، أمَّا الحِجارة فهي التي تكون قد انرصَّت بها نفسه، وروحه، وذاته، مِمَّا اختلط فيها وتجمَّع إليها مِن غبار الأيَّام وهي تتزاحم - بقوافلها - عابرة مِن قُطبٍ إلى قُطبٍ في وجوده الإنساني الصامد في صدر الحياة. سيكون مِن هذا الغبار تأليف المقالع المقطوعة منها حِجارة العِمارة التي أُسمِّيها الآن، عِمارة المعاناة.

والمـُعاناة: بمعناها المجازي هذا تُفسرِّها الحقيقة، بأنَّها الخُبرة الطويلة، التي يتمرَّس بها الإنسان عِبر تطوُّره في مُجتمعاته الإنسانيَّة، ليكون له التحقيق المـُتطوِّر نتيجة حتميَّة لكلِّ ما عاناه في رحلاته المـُتمادية في حِضن الكون، إنَّ المـُعاناة التاريخيَّة الطويلة هي التي تبني هذا الإنسان المـُحقِّق ذاته بذاته، وهي التي تُكيِّف روحه، وعقله، وفكره، وكلُّ المـُثل التي يجنيها لتكون عماده الصحيح المـُعبِّر عنه في البحث، والبناء، والسعي إلى حقيقته المـُتكاملة.

والمـُعاناة: بمعنى واحد هي التي تُصيب دائماً في وجود الإنسان، وهي التي تُحدِّد حاجته، أو بالأحرى مجاعته إلى ما ينقصه في مُشتهاه، وهي التي تدلُّه إلى هذا المـُشتهى، وهي التي تُعيِّن له - في ما بعد - هل هو المـُشتهى الجميل المـُحيي، أم أنَّه المـُشتهى الخاطئ المـُميت؟ إلاَّ أنَّه يبقى - في كلا الحالين - تعييناً هزَّته المـُعاناة المـُتولِّدة في النفس، وحرَّكت إليه.

أمَّا المـُعاناة الكبيرة التي تتولَّد في النفس وتبنيها بناءً كبيراً، فهي لا تزال مِن الصنف الفريد، ولا يتعزَّز وجودها ويتعيَّن إلاَّ في تفاوت نسبي يلمح في المـُجتمعات


المـُتطوِّرة والمـُنقَّحة بالعلم والفَهم المـُنعكسين حضارة وثقافة، هنالك يكون للعقل يد، وللروح ملامس، ولا يكون مجال التعبير عنها إلاَّ في احترام الإنسان لذاته الجميلة، وعندئذ فإنَّ المـُجتمع هو الكريم، والعدل والحَقِّ والمـُساواة، هي دروسه في الحقوق والموجبات، والصدق والنزاهة ونظافة الكَفِّ، هي كلُّها صفاته في البروز الصحيح، واقتصاده المبنيِّ والمعنيِّ والشبعان - مع العِفَّة في جني الثمر - هي نهجه في الزرع، وفي عمليَّات الحصاد. أمَّا المـُجتمع الذي يبنيه إنساناً عظيماً يدور في حِضن الحياة مُجلَّلاً بالقيمة وعِزَّة النفس، فهو مُداره الفخم الذي يُردُّ إليه - مِن مُعاناته - شعوراً ضمنيَّاً بأنَّ الجمال هو مُتعة النفس الكريمة التي يتعزَّز بها وجود الإنسان، بنعمة وعظمة الحَقِّ والصدق المـَغروسين في جِنان الإنسان.

والمـُعاناة في الطبيعة: إنَّما هي عُنصر مِن عناصرها الجامعة، ونَبرة مِن نبراتها المـُعبِّرة في خُنوعها فجموحها، فبُروزها في ثورة ما مِن ثوراتها التي تتنفَّس بها، حتَّى تعود فتعتدل وتستقرُّ في بُروزٍ جديد تتولَّد منه حوملة أُخرى، يتألَّف منها مَدار يُعينه شوق آخر مِن الأشواق التي يزخر بها فنُّ الحياة، كلَّ هذا إنَّما هو موزَّع في الوجود، أكان في الإنسان، أم في الحيوان، أم في النبات، أم حتَّى في ما يُسمَّى جماداً، كأنَّ المـُعاناة هي التي تلمح كلَّ شيء حتَّى تُطوِّره، وتخلق منه الحالة الأُخرى التي تشتاق إليها الحالة الأُولى التي هي حلقة منها في سلسلة الوجود. أليست هذه كلُّها هي - أيضاً - لُبعة الحياة في البقاء وتعلُّقها - أبداً - بالتطوُّر الذي هو تحوَّل يتلوَّن به جوهر الحياة في وجودها الأفسح؟

ليست المـُحاولة هذه في تقديم هذه اللمحة عن المـُعاناة، غوصاً في علم النفس، فإنَّ ذلك يتطلَّب إحاطة في الموضوع الفلسفي، الذي يحتاج إلى تحقيقات باهرة الطرافة، وواسعة الدرس والتدقيق، إنَّما التلميح هذا يقصد إعطاء المـُعاناة حِصَّة مِن الاهتمام والاحترام - فهي التي تتولَّد في نفسيَّة الإنسان - ومُطلق إنسان - وهي التي تعيُّن شوقه إلى أيِّ شيءٍ يُحرَم منه أو يحتاج إليه، وهي التي تبنيه بناءً جديداً مُتولِّداً منها، ومِن مُقدار ثقلها فيه وضغطها عليه، ولا فرق أنْ يكون الحِرمان قد زال


والحاجة قد أُشبعت، أو أنْ يكون كلاهما قد زادا عُنفاً في تورُّطهما عليه، فقفزا به: إمَّا إلى خُنوع واستسلام، وإمَّا إلى ثورةٍ ما، عُبِّر عنها بطريقة ما.

هذا هو الغرض الآن مِن خدمة الموضوع هذا، حتَّى يتبيَّن لنا أنَّ الحسين الذي هو موضوعنا الجليل في هذا الكتاب، قد اشتغلت بصياغته عظيماً هذه المـُعاناة التي تبنَّاها وتبنَّته مُنذ الطفولة، وراحت تتجسَّد وتتجسَّم فيه عِبر مراحل الفتوَّة والرُّشد، وعِبر بلوغه مرحلة سديدة مِن مراحل التعمق الفِكري - النفسي - الروحي التي زجَّته فيها ظروف قاهرة، ما انفكَّت تُعمِّق بصماتها عليه، حتَّى فجرتها فيه ثورة هادفة مُركَّزة، ما ارتضت مِن التحقيق إلاَّ بذل الذات في سبيل إشباع المـُعاناة، التي أصبحت لا ترضى إلاَّ ببذل الذات إشباعاً للذات الأُخرى التي هي إطار أكبر، تنطوي فيه ذاته - هو - ملصوقة بذات أبيه، وأُمِّه، وأخيه، وجَدِّه وكلِّ خَطِّ أجداده الصيَّد، في مُجتمع واحد هو إطار الأُمَّة، التي هي أُمَّة جَدِّه التي بناها بقضيَّة واحدة مختومة بالرسالة. فلنتبصَّر الأُمور هذه كلَّها في خَطِّ المـُعاناة، ولنعمد إلى تبويبها هكذا:

١ - خَطُّ الطفولة:

ولقد كانت للطفولة على الحسين خيوط لذيذة مِن المـُعاناة، حوَّشت منها نفسه كلَّ البطانات التي راحت تتلوَّن بها أيَّامه الطالعة. ما مِن لَمسة غَنج تدلَّع بها في مُحيطه البيتي المـُشبع بالحُبِّ والحنان، وكلُّ أساريره الهانئة بغِبطتها، لقد مَرَّ بنا كلُّ ذلك ونحن نستعرضها في كلِّ ما تخصَّص لها مِن مُناسبة وحين، لقد كان لكلِّ هاتيك البَهجات تأثير وسَّع نفسه المـُعانية على فَهم كان يزداد بها، وهي تتحوَّل فيه إلى مُعاناة أُخرى كان يولِّدها ازدياد الفَهم مع وضوح التحليل والتعليل.

كان الطفل الحسين - وأظنُّه كان في الخامسة مِن العُمر أو ما يزيد قليلاً - يلعب في باحة الدار في ظِلِّ شجرة الأراك، مع صبيٍّ آخر مِن صِبْية الحيِّ، قال


الحسين - وهو يتباهى -:

الحسين: جَدِّي أنا هو الرسول. وأنت مَن هو جَدُّك؟

الصبيُّ: وجَدِّي أنا هو الرسول، أمس دلَّتني إليه أُمِّي عندما كان مُتوجِّهاً إلى ساحة المسجد.

وحاول الحسين أنْ يعترض بعد أنْ وسَّع فتحة عينيه، وبدأ عليه بعض الغضب، ولكنَّه سمع أُمَّه فاطمة تُناديه، وكانت تُراقبهما يلعبان وهي واقفة على الباب، وبلحظتين كان الحسين بين يديها، قالت فاطمة:

معه حَقٌّ - يا حسين يا ولدي - جَدُّك الرسول هو جَدُّ كلِّ صبيان المدينة - افْهَم عليَّ - وإنَّه جَدُّ كلِّ صبيان الجزيرة - أتفهم عليَّ؟ - جَدُّك رسول السماء لكلِّ أهل الأرض، يا حسين، يا ولدي، أتفهم عليَّ؟ أظنُّ جَدَّك لا يقبل أنْ تمتلكه وحدك - يا حسين - وهكذا تكبُر أنت يا ولدي، ويكبر معك إخوتك في كلِّ المدينة، وفي كلِّ الجزيرة التي هي لنا على السواء، أفهمت عليَّ ما أقصد يا حسين؟

وسَرَت على وجه الحسين بَهجة مقطوفة مِن ثَغر أُمِّه، وهي تُدغدغ وجنتيه بقُبلة مسحوبة سَحباً ناعماً مِن بين ضلوعها، رَدَّ لها مثلها، ولوى قافزاً نحو رفيقه المـُتهلِّل برجوعه، لقد هفا إليه، وقبَّله وهو يلتفت صوب أُمِّه، وكأنَّه يُخبرها أنَّه فهم مليَّاً ما فاهت به بفَمها الأطهر.

بعد خمس دقائق بالضبط - ولا تزال الأُمِّ فاطمة تسهر بعينيها على الصبيَّين اللاعبين في ظِلِّ الشجرة - وفد الحسن ليشترك معهما باللُّعبة المرحة، فأخذه الحسين ليُسرَّ إليه بحديث أُمِّه - وما أنْ أدرك الحسن المغزى الجميل حتَّى تَهلَّل فرحاً وهو يلتفت صوب الباب، فوجد أُمَّه مسرعة إليهم وكلُّ بهجات الدنيا في محياها، وما أنْ وصلت حتَّى أخذت الصبيان الثلاثة إلى عِبِّها وهي - مِن فرحٍ - تبكي


وعند المساء، ما كاد عليٌّ يطأ عتبة البيت، حتَّى هبَّ الحسين إليه، قافزاً بين ذراعيه وهو يقول:

الحسين: عندي ما أقوله لك.

علي: وما عندك يا حسين؟

الحسين: قالت لي أُمِّي فاطمة إنَّ جَدِّي هو جَدُّ كلِّ صبيان الجزيرة، وأنت ألست أباً للجميع؟

علي: وأنا كذلك يا حسين، ألم تسمع جَدَّك يقول:( أنا وعليٌّ أبوا هذه الأُمَّة ) ؟.

الحسين: وأنا وأخي الحسن - يا أبي - كيف سنكون؟

علي: ألم تسمع أيضاً جَدَّك يقول: هذان ابناي، إنَّهما إمامان قاما أم قعدا وهما سيِّدان مِن أسياد الجَنَّة؟

الحسين: وكيف نكون إمامين وسيِّدين؟!

علي: وسوف يقول لك الغَد يا ابني: كيف يكون ذلك. ألا تصبر - يا ولدي - إلى الغَد؟

أمَّا الحسين، فإنَّه نام تلك الليلة وفي عِبِّه تسرح أحلام نابتةٌ مِن اللَّغز وهو يبسم لها ويترنَّح، أمَّا جَدُّه، وأبوه، فإنَّه كان يشاهدهما فوق حِصانين أبيضين يصهلان فوق، قُرب نجمة الصبح.

بعد سنتين وعِدَّة أشهُر - كان جَدُّه قد أغمض عينيه عن المسجد، وعن صبيان كلِّ الجزيرة - عاد الحسين فاختلى بأبيه يوشوشه، والحُزن يشرب مِن عينيه:

الحسين: أيكون أبو بكر أباً لهذه الأُمَّة، ولا تكون أنت - يا أبي - بعد جَدِّي الذي غاب وترك الأُبوَّة لك؟!!!

علي: أبو بكر أبٌ بالحميَّة القبليَّة لا بالوصيَّة النبويَّة!!!

صلى الله على جَدِّك - يا ابني - وسلم!!!


قال الامام ذلك وهو يتمشَّى في باحة البيت، دون أنْ يلتفت صوب الحسين ليتبين وقع كلماته عليه، ولمـَّا وصل البيت، وابنه الحسين يسحب نفسه كئيباً خلف خُطواته، كانت فاطمة قابعة في الزاوية ينهكها الحُزن ويدعك عينيها الدم، ولكنَّها انتفضت عندما وقعت عينها على الحسين وهو يقفو خُطوات أبيه مُنكِّسا رأسه، كأنَّه فرخ بازٍ هبط مِن عِشِّه إلى الأرض، وسريعاً ما تلفَّعت بخمارها وقفزت إلى الخارج صوب ساحة المسجد.

وعندما كان صوتها الخافت يقرع أُذني أبي بكر بذلك الخطاب، الذي كانت ترتجف فيه ثورة ما حسبها التاريخ إلاَّ فاعلة، كان الحسين لاصقاً بها مِن الخلف، وهو يسجِّل في نفسه نبراتها المـُتأوِّدة بالعظمة ذاتها، التي كانت تسرح فوق جبين جَدِّه وهو يُعلِّم الناس في المسجد ذاته، كيف يعتزُّون بالصدق والحَقِّ، وكيف يكونون ضلوع أُمَّة عظيمة هُمْ أبناؤها، وهو أبوهم الذي يجمعهم إلى مراحل المـَجد، وعندما انسحبت مِن ساحة المسجد راجعة إلى البيت، أوقفها الحسين على العَتبة حتَّى يغمر جيدها بذراعين مِن لُطف، ويلثمه بثغر مِن عِطر الزهر وهو يقول:

الحسين: صوتك مِن صوت جَدِّي يا أُمِّي، طاب صوتك في كلِّ صُبح، وفي كلِّ مساء!

فاجابته، وهي تَنْعس نَعاساً ذائباً في مقاطع الكلمات:

فاطمة: يا حُلمي وحُلم جَدِّك وأبيك ما أشدُّ خوفي عليك وأنا أُطالب لك بروعة الميراث!!!

ولكنَّ الحسين، وهو ما انفكَّ يُعانقها، ويُعاني مِن وقع ولوج صوتها إلى العميق مِن أُذنيه، حتََّى أحسَّ أنَّها تهبط أمامه على العَتبة، كأنَّها الخيطان تتراخى عن المِغزل، ولكَّن الأب الكبير - وهو الآن علي - كان يلفُّ بين ذِراعيه الأعصاب المـُنهارة عن مِغزلها، ويحملها إلى الفراش الذي أسرعت إلى ترتيبه أسماء بنت عُميس، لقد شاهد الحسين - على مدى يومين - كيف كانت تبسم أُمُّه فاطمة وهي تُلاقي أباها في غَفوة الموت!!!


لم تختتم - بانتقال أُمِّه إلى حِضن أبيها - طفولة الحسين، ولكنَّها وسَّعت انتقاله إلى الرُّشد الباكر والمـُطَّلع على واقع الأُمور ومزاجها الملفوف بالرموز، لقد راحت تتطوَّر المـُعاناة في حياكة نفسه على ضوء ما كان يُفسِّره له فهمه النبيه وإدراكه المـُتوسَّع، إلاَّ أنَّ موت أبي بكر هو الذي كان خاتمة طفولته، التي شاهدت انتقال الولاية إلى عمر بن الخطَّاب.

٢ - عهد ابن الخطَّاب:

بانتقال الخلافة - وهي الآن بمفهوم الحسين - أُبوَّة يتناولها كلُّ واحد بالدور عن جَدِّه الذي كان أبا الجميع، والتي هي - بقناعته الراسخة - مِن حَقِّ أبيه علي، ولا تنتقل إلاَّ عنه إلى مَن هو في الخَطِّ الذي رسمته أُبوَّة جَدِّه الشاملة. أجلْ، بانتقال الخلافة هذه المـَقلوبة عن أُبوَّة صحيحة المقصد والمعنى، إلى عمر بن الخطاب لم تتوسَّع ذهنية الحسين، بلْ تعمَّقت فيها المـُعاناة، وهي تُفسِّر ذاتها في شعوره وتأمُّله الصامتين، لقد كان يُراقب مُعاناة أبيه، وهو صامت صابر، وراح يصمت مثله ويصبر، أمَّا حواره الأخير مع أبيه حول انتقال الأُبوَّة إلى أبي بكر، فإنَّه فَهم منه أنَّ النخوة القبليَّة، لا الوصيَّة النبويَّة، هي التي جرَّدت أباه مِن أُبوّة كبيرة خَصَّه بها جَدُّه لضمِّ المـُجتمع كلِّه إلى صدره الكبير، ولقد فهم أنَّ الإجحاف طال أباه على يدي أبي بكر، وها إنَّه لا يزال مُتمادياً على أقسى وأدهى مع هذا المدعوِّ عمر بن الخطاب!!!

كان عمر الحسين - عند انتقال الدور إلى ابن الخطاب - يدور حول عشر مِن السنين، ولكنَّ الجوَّ الذي رَبِيَ فيه، والأحداث القاسية التي ذرَّت غُبارها في هذا الجوِّ، فهزَّته في صميمه، وجعلت السنوات القاصرة في عمر الحسين، واسعة الفَهم، نبيهة الذهن، وواسعة النفس تحت مُعاناة عميقة التفتُّح، وحاضرة التأثَّر، وشديدة التفتيش عن ماهيَّة الأحداث وارتباطاتها بموحياتها. بالأمس كانت له أربعة أحضان يتبرَّع كلُّ حِضن منها بتوسيع الحُبِّ والدلال عليه، أمَّا الآن، وقد


خسر حِضنين كانا كلَّ طفولته السعيدة، وكلَّ فرحه في الدنيا، وبقي له حِضنان راحت تزرع الأحداث فيهما همَّاً ونَكداً أصابه كلُّ ثقل منهما في صميمه! أيكون جَدُّه - وهو نبيُّ الأُمَّة وحامل الرسالة، وجامع الحَقّ وأبو صبيان كلِّ الجزيرة - مُستحقَّاً كلَّ هذا الهَمِّ والنَكد، وهذا هو عِقاب الجاحدين الكافرين؟!!!

يا للحوار! الآن يدور بين الحسين الرازح تحت مثل هذا الثقل مِن المـُعاناة، وبين أبيه علي المـُصغي إليه بكلِّ شغاف روحه. وسأل الحسين:

الحسين: أبي، إنِّي لا أزال أبحث مع نفسي، ولكنَّني بحاجةٍ إليك حتَّى تشرح لي: كيف أوصل أبو بكر الخلافة إلى عمر؟!

علي: لم تصل الخلافة إلى أبي بكر إلاَّ عن طريق عمر، بتفاهُمٍ ضمنيٍّ عند عمر، معناه: إذا صحَّت التجربة فأبو بكر هو الخليفة أوَّلاً، ثمَّ يردُّها إليه إذ يشعر بدنوِّ الأجل، وهكذا صحَّت المـُحاولة، وها هو عمر خليفة بدل أبيك، وبعد جَدِّك على المسلمين.

الحسين: واضح ذلك، ولكنْ لو لم تصحَّ التجربة؟

علي: لكانوا اعتمدوا عِدَّة طُرق سواها، يوفُّر نجاح كلِّ واحدة منها شرط واحد، وهو إبعاد أهل البيت عن خلافة ربِّ البيت!!!

الحسين: ومَن هُمْ القبائل الذين يؤازرون عمر؟

علي: لا قبائل يوآزرون عمر، بلْ القبليَّة هي التي آزرته

الحسين: ومَن هُمْ القبائل؟ وما تكون نسبة القبليَّة إليهم؟

علي: القبائل هُمْ نحن، إنَّهم العرب، إنَّهم الجزيرة، إنَّهم الأُمَّة، الأُمَّة الكريمة في تراثها المـُتجسِّد بجَدِّك العظيم، إنَّهم التاريخ البعيد فوق الأرض المـُتمدِّدة بالحياة إلى كلِّ هذه الأصقاع التي لا نَزال - كما كنَّا - نتحرَّك في كلِّ سهولها وجبالها، وواحاتها ومَفاوزها ونبني فيها زرعنا وضرعنا، ونخيلنا وكُرومنا، وبساتين الخير وحصاد العافية، إنَّهم الأُمَّة فوق


أرض الأُمَّة التي جاء نبيُّها الكريم حتَّى يُمجِّدها في حِضن الحياة، لأنَّها أُمَّة في ذخر الحياة، وقُطب الله فيه الذي صدق في وجود الإنسان.

ما توقَّف علي قليلاً على ثورة صامتة وهادرة في عُروقه، حتَّى نهض يتمشَّى في صحن الدار، ثمَّ دار بكُلِّيته نحو الحسين ليُتابع جهد نفسه بالقول:

علي: جَدُّك هو العظيم - يا ابني - في تجميع ذاته ليبذلها في سبيل الأُمَّة، التي لو لا ها لما كانت له لا نبوَّة، ولا رسالة، ولا حَقٌّ يُنطق به بلسان الإنسان.

أمَّا القبليَّة التي تطلب تحديداً لمعناها المسحوب مِن ضلوع الشياطين، فهي التي تفرِّط مجموع القبائل، وتوزِّعها كذباً وحقداً وتمويهاً، يتسربل بها كلُّ هؤلاء الأبالسة الذين يدَّعون أنَّهم يمشون بأقدام الإنسان، وهُمْ أسنمة للزور والبُهتان!! لقد جمع جَدُّك المـُجتمع القبائلي كلَّه في واحد، بعد أنْ خلَّصه مِن الشرك وأسباب الانفراط، لتعود القبليَّة فتُفرِّطه إلى الضعف والتفسُّخ والهَوان.

تلك هي القبليَّة - يا ابني - في انتسابها اللعين ومفعولها الناسخ!!! إنْ يكن لي الآن أنْ أغرق في ذِلِّي وانكسافي، وفليس لأنِّي أُفتِّش عن كرسيٍّ اغتني به وأسود، بلْ لأنِّي أُشاهد بأُمِّ العين، أُمَّتي يتجرَّرون بها إلى الانخساف، بعد أنْ بدأت ترفع رأسها بحقيقة الإنسان الذِّلُّ - يا ابني - للإنسان الذي لا تكون له أُمَّة يرتفع بها إلى الحقيقة الإنسانيَّة التي هي أوَج السعادة للإنسان، ما عدا ذلك فأيَّة قيمة للثعالب والأرانب والجُرذان!! حتَّى للأرض كلِّها أنْ تكن خالية مِن مُجتمع صحيح صامد بقيمة الانسان؟!!!


بعد تسع سنين مِن هذا الحوار الذي نزل في أُذن الحسين كأنَّه ذِخر النفس في الإباء والصدق والعُنفوان، أصبح عمر الحسين يدور حول العشرين، وجاءت مَدية أبي لؤلؤة تغرز حِقدها في خاصرة ابن الخطَّاب، وجعلته يجهض المجلس الاستشاري السُّداسي، فإذا بالقبليَّة الجهيض يتقمَّصها مِن بعده عُثمان بن عفَّان.

٣ - عهد عثمان بن عفَّان:

لقد أصبحت المـُعاناة عند الحسين - في هذا العهد الثالث مِن تألُّب الأحداث - كأنَّها حوملة منها، ولا تقتات إلاّ مِن ذاتها. إنَّها - مع بداية إطلالته على رجولة مُكتهلة بنضجها وعُمق اختلائها بجوهر الذات - تفاعلٌ جديدٌ أبداً بلونه وحقيقة كشفه عن الأحداث، وربطها بالتيَّار الفاعل الذي تصدر عنه، وتتخبَّأ به النوايا والمقاصد، لقد اتَّضح له الآن - والأحداث أمام عينيه - تتكرَّر حاملةً ذات المقصد، وإنْ بنمطٍ مُنوَّعٍ بوتيرةٍ أُخرى، إنَّ تنويع الأنماط للوصول إلى المقصد هو ذكاء الدُّهاة في استنباط الوسائل، بتمويهها بالإخفاء والحَذر، حتَّى لا يكون للآخرين تحضير مُعاكس يُخرِّب الطريق إلى المقصد ويمنع عنه الحصول.

لقد شرح له أبوه عليٌّ كيف كان دهاء ابن الخطاب، في استعمال سقيفة بني ساعدة سقفاً لنمط بلغ به فنُّ الدهاء سَحْب كرسيٍّ مِن تحت صاحبها، وتركيز دعيٍّ آخر عليها بأنَّها حَقُّه في الجلوس، ذلك كان النمط الأوَّل في الوصول إلى الهدف، أمَّا النمط الثاني فإنَّه امتطى البراءة وقفز بها سريعاً إلى الهدف تدليلاً بأنَّ الكرسي هي - حتماً - للجالس فيها، وهو صاحب الرأي في منحها لمـَن يُريد، وهكذا تصرَّف أبو بكر وخلعها على ابن الخطَّاب، أو بالأحرى، ردَّها إليه بنمط كأنَّه زيارة ورُدَّت بزيارة، أو كأنَّها سِلفة مُقترضة رُدَّت إلى مَن أقرضها بالشكر والامتنان، أمَّا النمط الثالث لبلوغ القصد، فكان مُمرَّغاً بفنٍّ مُتمتِّع بكثير مِن مظاهر الإبداع، الذي أغرى القبائل بروح القبليَّة، فكان المجلس الاستشاري السُّداسي، قدَّمه ابن الخطَّاب قبل أنْ يلفظ أنفاسه، وجيَّره إلى عُهدة عبد الرحمان بن عوف، بعد أنْ كتب الأسماء الستَّة بحروف صغيرة، فأكبر، فأكبر، على أنْ يكون انتقاء واحد مِن الستة مُشاراً


إليه بالحرف الأبرز والأجسم، وهذا هو النمط الجديد الثالث الذي نفَّذ القصد، وأوصل الخلافة إلى ابن عفَّان على حساب عليِّ بن أبي طالب.

لو أنَّ البراءة أو الغِيرة على كرسيِّ الخلافة كانتا ضِلعين في الميزان، لهان الأمر وطاب الرضوخ للمقصد الأشرف، ولكنَّ الرؤية - الآن - عند الحسين هي التي تُشاهد تَعدُّد الأنماط، وتوحِّدها في المـَخرج الواحد إلى المقصد الواحد ليس في العمليَّة الملعوب بها أيَّة براءة على الإطلاق، إنَّما هنالك - بالعكس - نيَّة مُبيَّتة تنام على ما سينام عليه بيت موزون مِن الشعر، قيل: مُطابقاً بعد عِدَّة قُرون، لمعنى ما يحدث الآن:

إنَّ الأفاعي وإنْ لانت ملامسها

عند التقلُّب في أنيابها العَطَبُ!!

لقد تجلَّى للحسين أنَّ كرسيَّ الخلافة ليست وحدها في المقصد الخطير، إنَّما أهل البيت بالذات، وهم الطالبيُّون الأمجدون بالتخصيص، هُمْ المقصودون في عمليَّة سيبقى لها التمادي الأحقر والأبلغ إجراماً!!! فليكن منهم الرسول أو النبي، لا فرق. إنَّ الإبادة هي المقصد، وهي في العطش المـُزمن، الأوفى والأروى!! لقد أصبح الدليل الشاهد على النيَّة السوداء بارزاً في الساحة التي راح يرقص فيها الآن عثمان بن عفَّان. إنَّ العصيَّ التي سينهالون الآن بها على رؤوس الطالبيِّين المـُجرَّدين منها، تجمَّعت كلُّها في أيدي بني حرب. إنَّهم الأُمويُّون الأعداء، التقليديُّون الذين زرعهم أبو بكر وعمر بعُهدة أقدرهم وأبرزهم مُعاوية في ارض الشام، وها هو الآن ابن عفَّان يُجاهر بهم ويَعتزُّ بما أحرزوه مِن مال وعتادٍ وسُلطان، فليُدافع الطالبيُّون عن أنفسهم إذا قدروا، لقد سبق - في ظنِّه - السيف العذل!!!

تلك هي المـُعاناة المـُستقية مِن مُعاناته التي كان يحيا بها في سنوات طفولته الواسعة، التي تَعزَّز وتَدلَّل بها في هؤلاء الأحضان الذين هُمْ: كُلُّ جَدِّه العظيم، وكُلُّ نفسه المـُفتخرة، وكُلُّ أمله الكبير في الحياة، وكلُّ أركان الأُمَّة التي بُنيت جديداً للتفاخر والتباهي فكيف له أنْ يُشاهد خطَّاً أصيلاً باهراً مِن خُطوط كيانه، مُهدَّدا بمثل هذا الانهيار، تعمل على طَمرهم فيه تلك القبليَّة الرَّعناء التي


وصفها له أبوه بالأمس: بأنَّها أخطر ما تتلامس بها أصابع الأبالسة وألسنة الشياطين؟!!!

ما كانت قد اكتملت بعد رجولة الحسين، عندما كان يُعاني ثِقلاً ما عانى بعد مِن نوعه حتَّى هذه اللحظة مِن عمره، عندما اشتعلت ثروة صغيرة حطَّمت الكرسيَّ على رأس عثمان، ونبَّهت في بال الأُمَّة عِرقاً صغيراً مِن الوعي والرفض، وراحت تبحث عمَّن يُنقذها مِن التشرُّد الجديد، وما كادت تتلقَّط بذيل عليٍّ حتَّى أمسكت به وجرَّته جرَّاً إلى الكرسيِّ الذي تهرَّأت قوائمه بسُوسٍ أصبحت بؤرته واسعة في أرض الشام.

ولكنَّ مُعاناة الحسين هي التي تتلقَّط أيضاً بخيط جديد سيمدُّها بالانتعاش - ولو إلى عِدَّة لحظات - إنَّ الله مع الصابرين المؤمنين.

٤ - عَهد الإمام:

ما خفَّت لوعة الحسين مع وصول أبيه إلى كرسيِّ الخلافة، ولكنَّها تحوَّلت فيه إلى غِبطة داخليَّة، لم يجد لها في نفسه إلاَّ التفسير اللذيذ، وإنْ تكن غبطة مُتولِّدة مِن هلع، وهل للهلع في النفس أنْ يغزل قميصاً مِن طمأنينة؟! لقد تمثَّل له أنَّ جَدَّه الآن يُغمض عينيه في الإغفاءة القريرة، وها هي رغبتة الكبيرة يُحقِّقها التنفيذ ولمـَّا ينقل بعد جُثمانه الطاهر إلى مَقرِّه المـُشبَّع بنور منه إنَّ أباه بالذات - بعد أنْ يحمله بذِراعيه ويُكفِّنه بمثواه - سيتوجه توَّاً إلى الكرسيِّ المـُعدِّ له، فيجلس ويُتابع تسيير الشؤون الكبيرة، مِن دون أنْ ينقطع خيط واحد لا مِن سُداها ولا مِن لُحمتها.. هنيئا للأُمَّة العظيمة! لا يتركها مؤلِّفها وراعيها لحَظةً واحدةً، لا في العَراء الفاتر، ولا في هَدأة السكون، بلْ في العُهَدة المـُستمرَّة، تُغذِّيها لواعج النفس المـُطهَّرة تطهيراً، ويتدبَّرها الإعداد الموزون بالرسالة التي هي حدود الله في الإنسان، وتحديد الأُمَّة بالإنسان.


لقد ذابت كلُّ فُسحة ضيِّقة مِن بال الحسين، فلا أبو بكر يتوكَّأ على عَصاه خلف كرسيِّ الخلافة، ولا سبيل لأيِّ واحد آخر يدُعْى عمر بن الخطاب يتخبَّأ تحت قوائم الكرسيِّ، بانتظار هبوط دغشة الليل، ولا أحد مِن بني عثمان يَحرق البيت بفتيلة السراج العتيق، ولا جُذع واحد مِن بني حرب يتسرَّب إليه اسم مُعاوية، فيسرق الشام مع الغوطة ويُغرقهما في عِبِّه إنَّ الأُمّة وحدها هي المـُنزَّهة بين يدي أبيه مُنذ الساعة الأُولى مِن هدأة الفجر في نحر الفجر.

لقد تهيَّأ كلُّ ذلك في بال ومُخيَّلة الحسين في هذه اللحظة، التي تمَّ فيها وصول أبيه إلى الحُكم، فالأُمَّة التي هي جَدُّه في مُهمَّته الرساليَّة، تناولت الآن محورها واستمرَّت في عمليَّة البثِّ، هكذا تراءى للحسين المـُنطبع انطباعاً مُطلقاً بجَدِّه، وبرسالة جَدِّه، والمؤمن إيماناً مُطلقاً بالأُمَّة التي هي تعبير مُطلق عن جَدِّه وقيمة جَدِّه في الوجود الإنساني الرائع؛ مِن هنا إنَّ كلَّ ما كان يتحضَّر مِن أجل خدمة الأُمّة ورفع سويَّتها، وكان يُحرِّك لهفة الحسين، ويُلهب شوقه في الوجود، ويُحيي فيه استحضاراً بالغ الخشوع لجَدِّه الذي يحيا أبداً في الرسالة، التي لا تخلد إلاَّ في خلود الأُمَّة التي هي عنوانه الأبهى.

إنَّها الحقيقة في التطوُّر النفسي - الروحي - الذي كانت تُرتِّبه المـُعاناة عند الحسين، مع كلِّ مرحلة مِن مراحل عُمره بالتدرُّج العقلي إلى الفهم والإدراك والتفتُّح الذهني، لقد كان واقع الأحداث على الأرض يوسِّع له الاختبار المـُلمّ، ويُكسب طاقاته الفِكريَّة - النفسيَّة - عُمقاً فلسفيَّاً وجوديَّاً، راح يَغرق فيه غرقاً ذاتيَّاً محفوفاً بفضاء آخر، كلُّ صفاته مِن التحديد، إنَّه جوٌّ مِن التأمُّل المـُتحفِّز النائم - أبداً - في كلِّ خليَّة مِن الخلايا المـُنطوية بها حقيقة ذاته.

مِن هذا القبيل كان انتهاؤه إلى الاقتناع، بأنَّ الرسالة التي حقَّقت أُمَّة هي الأُمّة ذاتها في جوهرها الكونيِّ الإنسانيِّ، ومِن الحيف أنْ تخيب هذه الأُمّة، وإلاّ فإنَّ الرسالة هي المـُعطَّلة في مؤدَّاها الأصيل! ولكنَّ مُخيَّلة الحسين شغفت بأنْ تتلهَّى - الآن - بأنَّ وصول أبيه إلى الحُكم هو في خَطِّه الاستمراري، ولم يشبَّ بأيِّ انقطاع


مع أنَّ وصوله إلى الحُكم هو الوصول الهزيل، بعد مُرور ثلاثين سنة مِن غياب، وانقطاع أبْعَدا الخَطَّ عن استمراره الضابط!

ليت الحُكم وصل إلى عليٍّ عندما كان يتمنطق بسيفه( ذي الفِقار ) ، لقد قصفت القبليَّة سيف عليٍّ بعد أنْ أبعدوه خمساً وعشرين حولاً عن مُتابعة الجهاد، ولمـَّا عادت إليه الساحة كان قد ادلهمَّ الليل بالعَكر المشؤوم. أمَّا الأُمّة فهي التي تئنُّ الآن وهي تستدعيه لتقديم الغوث، فما أحوجه إلى عشرة سيوف يهزُّها دُفعة واحدة في وجوه هؤلاء القوم، وخلف كلِّ واحد منهم قبائل تُنادي: يا للجاهليَّة في ثارات العرب!!!

كَمْ سيفاً قصف المـُستعان به في صدر طلحة والزبير في معركة الجمل، بقيادة أُمِّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر التيمي؟ وكَمْ كلَّفته مِن سيوف مقصوفة، مَعارك صِفِّين، بقيادة ذلك الذي وصِف بأدهى الدُّهاة - مُعاوية - كسرى العرب؟ وكَمْ أرهقته القبليَّة المـُجنَّدة بقيادة عمرو بن العاص، والمـُغيرة بن شعبة، وزياد المـُحلق بأبيه ابن أبي سُفيان، وأخيه مُعاوية - المـُكحِّلين بغِبار فراش كانت تتقلَّب عليه امرأة اسمها ( سُميَّة )؟!!، وكَمْ أضنته حِياكة القُمصان المصبوغة بالزعفران، حملها مع كلِّ أنوالها العتيقة إلى الشام، بشير بن النعمان؟ وكَمْ أدمت قلبه وشلَّت مِن هِمَّته وأعصابه، عنجهيَّة أبي موسى الأشعري، التي كانت لقاحاً لورمٍ اصفرَّ تزنرت به بطولة مغشوشة، شقَّت عصا الطاعة، وضربت بها في معارك النهروان؟! وكَمْ صعقَته ساعات الحُزن وهو يغرق في تأمُّلاته المليئة بالعِفَّة، والصدق، ونقاوة الوجدان، حتَّى غافله - وهو غائص مُستجمُّ بها - وغد آخر علَّمه أبو لؤلؤة كيف يضرب بالسيف المسموم صدر المـُصلِّي في باحة المسجد!!!

إنَّها الحقيقة الصارمة يجابهها - الآن - الحسين، لقد غاب أبوه مِن تحت نظره، وبقي عظيماً كبيراً ماثلاً في مدى بصيرته، لقد أخذ عنه ما أخذه عن جَدِّه، إلاَّ أنَّ الأخذ هنا كان أطول في مَداه، وكان مكوَّراً بمُعاناة ما زادته فهما حتَّى زيَّنته شعوراً بأنَّ رسالة جَدِّه العظيم، هي بالحاجة القصوى إلى أنداد مِن طينة أبيه، حتَّى تُعمَّر الأُمَّة ويستقطبها الوعي المـُهذَّب إلى تحقيق ذاتها الإنسانيَّة الصامدة في صدر الحياة


يا للمدرسة في أُقنومها الموحَّد! بسطها جَدُّهُ مُحدَّدة بعليِّ. و يا لحظِّ أخيه الحسن يتناولها مرسومة ولكنَّها محفوفة بالجُهد الممهور بالدم! ولكنْ قبل أنْ يتناولنا الإمام الحسن إلى بساطه الأبيض، يروق لي أنْ أتبيَّن لون المـُعاناة التي راحت تغرق فيها كآبة الحسين بعد مَقتل أبيه الإمام، هلْ هي الحُزن المألوف طَعمه في لحَظة الموت، ومفارقة الأحباب لأعزِّ الأحباب؟ أم أنَّها مزيج آخر، يتولَّد في النفس مِن الإفرازات الأُخرى التي يؤلِّفها الشوق الحميم في تلك النفس، ويطبعها به على تخصيص وتمييز؟

ما أسرعني إلى أنْ أُجيب نفسي بنفسي! مُنذ أنْ امتلأ الحسين بروعة الإدراك، وبالتمام التمام، مُنذ أنْ أدرك أنَّ في تربيته المـُلوَّنة لغُزاً مَختوماً بأفخم الأختام، بدأت تشعُّ على نفسه روائع التكوين، مُنذ هاتيك اللحظات، ونفسه كالصفحة البيضاء، تنهال عليها الأزاميل بالحَفر البليغ، ومُنذ أنْ أدرك أنَّه مدموج بجَدِّه عنصراً مِن عناصر الصيانة لرسالة هي وحدها بُلغة الإنسان، وهي وحدها سياج الأُمَّة وتكييفها ضمانة لوجود الإنسان، توسَّعت حدود نفسه لاستيعاب المـُهمَّة الوسيعة، وعمَّقت بها الآفاق بقدر ما لها هي مِن آفاق عميقة وجليلة.

فيما بعد، عندما راح يُدرك واقع الأحداث على الأرض، وكيف تمَّت حياكتها وإخراجها، كأنَّها مسرحيَّة لبست الغَباء وتبدَّت بالهزل، والكذب والتهريج، لتنتهي بمأساة ما كانت ضحيَّتها - فقط - قيمة إنسانيَّة فذَّة، طلع بها رجل اسمه عليُّ بن ابي طالب، بلْ كانت ضحيَّتها أُمَّة برُمَّتها، تحمَّلت أجيالاً طويلة مِن التردِّي والانحطاط، حتَّى وهبها الله رجلاً منها، سكب لها مِن نبوَّة الروح قالباً جديداً صاغها به ودفعها قَدماً إلى السلالم.

لقد تعب في بناء المسرحيَّة المؤلِمة عمر بن الخطاب، في اللحظة التي غفلت بها عين الرسول عن عمليَّة الزجر والنهي عن تحريك الجمر في وادي الشياطين، ولقد تمَّ تمثيل المسرحيَّة التي أتقن الرقص على خشبتها عثمان بن عفَّان في مسجد المدينة، ومُعاوية بن أبي سفيان في غَوطة الشام. أيَّة عُقدة لذيذة تألَّفت بها المسرحيَّة ونامت


عليها؟ ولكنَّها لم تكن عُقدة يتمجَّد بها الفنُّ، بلْ كانت حِقداً ذلَّت به الأُمَّة في مداها الطويل مِن عمرها المهدور، ونعمت بالعِزِّ والمـَجد والكرامة، في اللحظة التي جعلها نبيُّها العظيم تتحرَّر منه. أمَّا العُقدة المـَبنيَّة بحَذقٍ ودهاءٍ فهي التي راحت تتكشَّف عنها الأيَّام؛ تنفيذاً لمبدأ صرَّح عنه مؤلِّف المسرحيَّة عندما قدَّمها لبعض المـُشاهدين: لا تلتقي النبوَّة والرئاسة في بيت واحد. أمَّا التفسير الجليُّ للذين اعتنقوا المبدأ، فهو السعي الحثيث للقضاء على كلٍّ مَن هُمْ أهل البيت، وهكذا يتمُّ اجتثاث الجرثومة التي تُطالب بتوحيد النبوَّة في أهل البيت

لقد ابتدأت اللُّعبة كأنَّها زُحام وصولي إلى كرسيِّ مشيخة، وانتهت إلى صراع آخر فيه كلُّ القصد للاقتلاع والإبادة، ولقد كانت الهواجس تشتدُّ ويشتدُّ معها التحسُّب وأخذ الحيطة، إلى أنْ انقلبت عند أهل البيت حِسَّاً بخطر مداهم في كلِّ لحظة. لقد أُبعد أهل البيت وكلُّ مَن يمُتُّ إليهم بصِلة عن أيِّ مركز مِن المراكز الإداريَّة في دولة الحُكم، وليس هذا وكفى، بلْ إنَّ الاضطهاد المـُباشر راح يَطال الجميع دون أيَّة هَوادة، ومَن يقول: إنَّ مَقتل الإمام الآن - بسيف ابن مُلجم - ليس مدفوعاً بذات الرغبة وذات الإيحاء؟

عجيبة غريبة هي الأساليب التي اعتمدوها واستعملوها، وتفنَّنوا بإخراجها في ساحة الصراع، إنَّ التنوُّع فيها كان يُضيِّع الفئة المـُضطهدة في تمتين الحَيطة والتزام التحسُّب، لأنَّ زمام المـُبادرات كان دائماً بأيديهم، وهو يكون على أقواه مع المـُستقوي بالسلطان، وكلُّ مُقدَّرات الناس في كفَّيه، وكلُّ نيَّة الشَّرِّ، والغَدر والبُهتان، هي المـُبيَّتة في صدره.

في هذه اللحظة - النازفة بالحُزن والمرارة - كانت تتفتَّح في نفس الحسين كآبة، أوسع ما فيها أنَّها أغرقته في تأمُّل لا شَفة له ولا لسان، إنَّه الحزين الكئيب، ليس مُطلقاً على أبيه الذي غاب مثلما غاب جَدُّه وغابت أُمُّه، بل على القضيَّة التي هي الرسالة، والتي هي الأُمَّة، والتي هي المـَوئل الكبير الذي يردُّ الغائبين العظام إلى كلِّ واحة هُمْ فجَّروا ماءها، وأحيوها، وخلَّدوها في مَدارها الإنساني الرائع


المنتسب إليهم، والمضموم بهم إلى حقيقة خلود الذكر، وخلود القيمة في استمرار مُجتمع الإنسان.

سيكون لأخيه الحسن أنْ يتناول الخَطَّ ويمشي بعمليَّة الغوث، أمَّا الحسين فإنَّه الواجف المـُنتظر، وهو غارق في تأمُّله الصامت: أيكون الترقُّب الآن عنصراً آخر في مُعاناته التي لم تنفجر بعد؟!!!

٥ - الصُّلح الأبيض وعهد الحسن:

رويد الأحداث قليلاً، فإنَّها تناولت إلى يدها الآن إزميلاً آخر، لا لتعميق الحَفر في نفس الحسين، فإنَّ عُمق المحفور فيها قد بلغ القَرارة، لا وليس لتوسيعه كتوسيع الدوائر، فإنَّ الوسع فيه لم يعُد بحاجة إلى مساحة بعد أنْ تحوَّل إلى مسافة، بلْ لتلوين هذا الحَفر بلون العُمق، ولون المساحات العنيدة التي هي تحويل يُحومِل في النفس ويرفعها مِن مرتبة إلى مرتبة، ومِن قرارٍ إلى قرارٍ، سيظل هذا الإزميل الجديد في عمله المـُتواصل في نفس الحسين مع انتقال المـُهمَّة الكبيرة إلى حِضن أخيه الحسن، مُنذ اللحظة الأُولى التي تسلَّم فيها زمام الإمامة، حتَّى اللحظة الأخيرة التي رفعته فيها جرعة السَّمِّ إلى مُلاقاة جَدِّه في المـُلاء الأوسع، ليطرح بين يديه جَردة الحساب عَمَّا أنجزه فوق تُراب الأرض.

أمَّا الحسن، وقد أنجز عِدَّة أشهُر - فقط - بتصدُّر الإمامة، فانه ما تركها حتى ملأها، وما غاب عنها حتى احتواها في مجمع فحواها، واذا به - كعدسة العين - صغيرة صغيرة، وما ضاقت على اشعة الشمس.

لقد كان الحسن - كأخيه الحسين - على اطِّلاع كامل و شامل بمُجريات الأحداث، وبكلِّ ما أُضمر فيها مِن مقاصد سوء ليقصدهم - بالتخصيص - كطالبيِّين مُعيَّنين بأهل البيت، وكان مُدركاً تمام الإدراك أنَّ لا قيمة لطالبيَّتهم، مَهْما يَعزُّ بها الانتساب والفخار، إنْ لم تتَّصف بالرسالة العظيمة التي أصبحت تعبيراً


مُطلقاً وشاملاً عن الأُمَّة، التي هي بدورها إطار آخر يصون الرسالة ليُصان بها، ويُحقِّقها ليتمَّ له بها كلُّ تحقيق.

هكذا انتقلت المـُهمَّة إليه إثر مَقتل أبيه، وراح يُحاول إتمام ما انقطع عن انجازه أبوه الإمام.

أقول: راح يُحاول - والمـُحاولة تعني: أنَّ الحَيطة والحذر أصبحا رفيقيه في كلِّ خُطوة يخطوها على الطريق، فالخصم الذي ترك، أو بالأحرى أفسح له بالمجال؛ حتَّى يستكمل كلَّ إعداداته للبطش بهم والإنجاز عليهم، إنَّما هو الخَصم الذي يملك ويقدر مِن دون أنْ يتأثَّم أو يتورَّع.

ولقد كانت المـُحاولة - بنوعٍ خاصٍّ عند الحسن - مُجهزَّة مع الحَيطة والحَذر، بحِكمةٍ متناهيةٍ، كان يتأنَّق بها بروز الساحة وجسِّ الأنباض، حتَّى يكون له المـَخرج الأصوب في تعهُّد الرسالة، والعبور بها مِن بين المـَفارق إلى أسلم واحد منها يوصِلها إلى واحة مِن أمان.

ما كانت سهلة - أبداً - مُهمَّة الحسن، بلْ كانت مِن أضنى ما يقدر أنْ يقوم به حاكم مسؤول عن رسالة وأُمَّة موصوفتين - في باله ونفسه وضميره - بأنَّهما: مآل في الوجود يُحدِّد الإنسان في الله، والله في الإنسان، وأنَّهما عنصرا قضيَّةٍ واحدةٍ وموحَّدةٍ في اسم رجل واحد، أمين في طالبيَّته، وعظيم في نبوَّته، وجامع في أُمَّته، وإنسانيٌّ أُمَميٌّ في رسالته عظيمة هي القضيَّة، وجليلة هي المسؤوليَّة، ولكنَّ الضَنَى فيها هو في التمكُّن مِن مُتابعة نشرها قيمة إنسانيَّة فاعلة، ومِن تخليصها مِن كلِّ وثنيَّة تسجد للحَجر، وتعصر الحِقد والضغينة والطمع تتغذَّى بها وتمشي إلى ذلِّها، كما يمشي كلُّ إبليس إلى جَحيمه!!!

أمّا مُعاوية، فلقد كان الحاضر الأكبر، يملك الخطوط ويتحكَّم بها، وهو في مركزه الحصين في الشام، لقد حصَّن له المركز المتين: أبو بكر، فعمر، فعُثمان، حتَّى أصبح الآن - بعدما تضرَّج عليٌّ بدمه وكُفِّن بعباءته التي لا تزال حتَّى الآن تُجاهر بزُهده الرفيع، وصدقه الأرفع، وتُنادي على الجهات الأربع، بأنَّه الأبلغ


والأروع والأشرف - هيمنةً في الساحة، ملوَّنة بكلِّ ألوان الدهاء. مُنذ أكثر مِن ثلاثين سنة وهو يتعلَّم كيف يكون الوصول إلى كرسيِّ الحُكم، وامتلاكه وتحويله مِن الحَقِّ العامِّ الموزَّع على الأُمّة جمعاء، احتكاراً مصبوباً في خزائنه: مَجداً، وجاهاً، وقوَّةً، ومُنعةً، وقصوراً، ومرقصاً لأطماعه شهواته وأشكال نَزواته.

أمَّا أنْ يقضي على مُزاحميه على الكرسي، فقد تعلَّم كيف يسقيهم السَّمَّ بنَكهة العسل، وتعلَّم كيف يستميل إليه رؤوس القوَّاد والجند والمـُتزعِّمين مِن أفواج القبائل، بلعقات مُتفاوتة الحَجم والطَعم، كان يجعلها رشوة مَطليَّة ببريق الكرم.

ما نقصت أبداً موائد مُعاوية، ولا انقطعت في كَفِّه شعرة مِن دهائه المـُحنَّك بالفن، حتَّى الشعرة في كَفِّه كان يموِّه عليها بأنَّها أمتن مِن حَبل القُنَّب، وبهذه الشعرة المـُتكاذبة - ضمناً - على الذات، وجهراً على الناس في ثوب الخديعة، تمكَّن مِن أنْ يشغل كرسيَّ الخلافة ويعتليه - أنوشروانيا - على حساب أهل البيت وسَحقهم سَحقاً استئصاليَّاً يغيبهم عن الإرث، ويُحرِّره منهم ليبقى صافياً له في مظهر المـُلك، وهل يكون أهل البيت أكثر مِن ثلاثة؟ وهل يكون هو - مُعاوية - أقلَّ مِن حَبيكة تعبٍ في حبكها خَطٌّ فكريٌّ، سياسيٌّ مُميَّز بعقل، وأعصاب، وإرادة؟ لقد مَرَّت السنون الطويلة على العمل الهادف والدؤوب والصامت، وها هو الآن - مُعاوية - الدليل الشاهد على النجاح الباهر، الذي أوصلته شعرة المـُرونة إلى حقيقة المـُلك وها هو رأس البيت في زعمه المـُتداهي والمـُتباهي، يغيب ملفوفاً بفشله. أمَّا الثاني الذي لن يكون اسمه أوسع مِن الحسن، فستتمُّ مُحاورته بكلِّ رِفقٍ ولينٍ، إلى أنْ تأتي الساعة الزاحفة بثوانيها، فيتمُّ اللدغ الليِّن المـَرن. أمّا الثالث فسيبقى موجوداً في يائه الصُغرى، ولن تبخل الأيَّام عليه برغيف مِن سويق!!!

إنْ يكُن مُعاوية قد ظنَّ أنَّ الأحابيل التي حاكها - كلَّها - بحَقِّ أهل البيت، هي نِتاج عقله وفنِّه ودهائه، وأنَّ نجاحها كان مُرتهنا بإخفائها، والتلاعُب بها في دغشات الليل، إلاَّ أنَّ أهل البيت لم تنطلِ عليهم مُخبآت النفوس وما يجيش في النوايا، ولقد كان عليٌّ أرسخ المؤمنين بأنَّ العقل المتين هو ابن الخلايا المتينة في


الإنسان، وهذه كلُّها لا يمتنها إلاَّ العفَّة، والصدق، والسليقة، النظيفة الروح، وهذه كلُّها - أيضاً - كان يفتقر إلى كلِّ مزاياها الطبيعيَّة الخَطُّ الثاني مِن بني حرب، الذين لا يزالون كما كانوا مُنذ الأمس، يُناصبون بني هاشم عداءً خالياً مِن أركان العقل التي هي - في نظر عليٍّ - صدق، وعفَّة، وحُبٌّ، وجمال.

لا، لم تَخْفَ هذه المـُخبآت على عليٍّ، في الليلة ذاتها التي تخبَّأ بها ابن الخطاب في سقيفة بني ساعدة، وما طلع الصباح إلاَّ وأبو بكر على كرسيِّ الخلافة، إمَّا أنْ يصمت عليٌّ ويتغلَّف بالصبر، فذلك كان عقله في تحمُّل الضيم، ومُعالجة الخطأ في تدبير شؤون المـُجتمع الموجَّه حديثاً إلى الوعي والإدراك، وإمَّا أنْ يهدر قوى هذا المـُجتمع في مُشاحنات جانبيَّة، تُقوِّي الرجوع فيه إلى قبليَّات ذميمة، تُفسد عليه غرضه الجديد مِن رسالة أنهكها التعب في لمـِّه وردِّه إلى دائرة الصواب، فإنَّ ذلك ما جعله يتحلَّى بالصبر والسكوت، على أمل أنْ تتَّسع عين المـُجتمع في تفتيشها عنه لتجده دائماً، في الحظيرة التي سهر على تسييجها - بالحَقِّ والصواب - نبيُّها العظيم، بعد أنْ تركها في العُهدة التي يُجرِّده - الآن - منها قبليٌّ عتيق ما تخلَّى بعد عن نظام المـَشيخة.

أمَّا أنْ يتمادى هؤلاء بتبييت السوء والتلاعُب به، بكلِّ ظِفْرٍ ونابٍ، فإنَّ أهل البيت جميعهم كانوا يكشفونه بالتدريج، ويُدركون كُنهه وثقله خطراً عليهم، وعلى الأُمَّة سواء بسواء في مُحاولتهم توسيع عين المـُجتمع، حتَّى لا تضيع عن المـُقابلة بين خَطِّين: خطٌّ يرجع إلى قَبليَّة جاهليَّة، فيها كلُّ التمويه على الحقيقة، وخطٌّ صحَّ انتماؤه إلى الحقِّ الذي هو الآن رسالة، توحِّد المـُجتمع مِن تَيهه وانعزاله، وتسلُّمه إلى العُهدة التي رتَّبت له التنظيم الصحيح بقوَّة الفِكر، والروح، والصدق، والعزم.

أقول: مُنذ الساعة الأُولى التي عادت، فحبلت بنواياها العتيقة سقيفة بني ساعدة، تعيَّنت على عليٍّ معركة توسَّع ميدانها ومداها في تجاوزها العصر إلى كلِّ عصر آخر، دون أنْ تخفَّ شكيمتها، أو تٌضمر معانيها، أو يُستغنى عن مضامينها في إلحاحها على كلِّ تحقيق، إنَّها معركة قوامها إرساء المـُجتمع الإنساني - عِبر نظرة


عليٍّ الاجتماعيَّة في الحياة - على حقيقة واحدة تبنيه، هي اعتماده الصدق المـُتحلِّي بالعِفَّة المـُنزَّهة عن الكذب، والزور، والبُهتان، فإذا هو عدالة إنسانيَّة شريفة بالمـُثل النبيلة، الحاملة جوهر الله في الحياة، ما عدا ذلك، فإنَّه مُجتمع لا ينمو أبداً، بلْ ينحطُّ إلى درك تبرِّيه حيوانيَّته، وتلفُّظه الحياة مِن جوهرها الكريم، ويطرده العقل مِن دائرته المـُفتِّشة - أبداً - عن لذَّة حَلِّ الرموز الكبيرة، التي يشتبك بها صدر الكون إنَّها نكبة الإنسان المـُرَّة في عدم تلقُّطه بحقيقته الإنسانيَّة، التي يستدرجه إلى وعيها المـُجتمع الأمثل.

ذلك هو نهج عليٍّ في المعركة الكبيرة والطويلة، فإذا كانت رسالة ابن عَمِّه الناطقة بالآيات البيِّنات، هي مِن أجل تركيز الأُمَّة على حقيقتها في المـُجتمع، والتوحيد، والإنتاج الثمين، فإنَّ معنى ذلك أنَّ مداها هو الذي لا ينتهي، بلْ يستمرُّ باستمرار تدرُّج الأُمَّة إلى أجيالها الصاعدة في وجودها الحَيِّ. وهكذا، فإنَّ نهج عليٍّ هو المـُشتقُّ منها في حقيقة الاستمرار؛ لتكون الأجيال الصاعدة ميداناً لها في حقيقة الصراع.

وأظنُّ مُعاوية أدرك هذا العُمق في النهج، الذي قدّمه عليٌّ مادَّة في المعركة التي مات هو، ولم تمت هي، بلْ استمرَّت يقوم بها مِن بعده الإمام الحسن، وسيموت الحسن ليقوم بها الحسين، وسيموت الحسين ليستمرَّ بها الخَطُّ الذي هو: وعد تتلقَّط به الأُمَّة ساعة تفتقده، فتجده مزروعاً في حنينها المـُفتِّش عن حقيقتها في السلوك المـُمتاز الذي سلكه عليٌّ، وخَطُّ عليٍّ المدرَّب والمـُمنَّع بالإمامة، التي هي لون سياسيٌّ مُعيَّن النهج، وصادق الرسالة والوصيَّة، مِن أجل هذه الأُمَّة التي ستبقى عين النبي، وهَمَّه النابض بحقيقته الإنسانيَّة الجوهريَّة في الحياة.

وإنَّها الآن المعركة التي فتح لها الميدان الوسيع عليٌّ، وتركها في عُهدة ابنه الحسن، وسيظنُّ مُعاوية أنَّه المـُنتصر في مُعاهدة الصُّلح، حول الخلافة التي تنازل له عنها الحسن، وعلى أنْ تعود إليه ساعة يمنعه عنها قَدَر الموت. لقد استعمل وسيلة الرشوة، حلَّى بها شَفة عبيد الله بن العباس قائد جيش الحسن، مِمَّا أضعف الحسن عسكريَّاً في الميدان، وجعله يُقدِم على عَقد مُعاهدة الصلح اغتناماً


لحَقن دماء الأُمَّة، ويتحقَّق مِن ذلك عدم ترك الأحقاد، والضغائن تعود إلى تمركزها في النفوس، وهي تنشر القتل والخراب، والدمار بين القبائل المـُتناحرة، وهي بذلك تتلهَّى عن العمل المـُنتج والخير الذي يعيش به المـُجتمع، ويُحقِّق حضوره السليم، كما وأنَّ الحرب - بحَدِّ ذاتها - تشقُّ الأُمَّة إلى عِدَّة جبهات مُتصارعة، ليكون الربح هو الأكبر والأجلَّ، في تحاشي وقوع الحرب، حتَّى تبقى الأُمَّة كلُّها في اتصالها المفتوح، وبذلك تتمُّ لها الدورة الحياتيَّة المـُكمِّلة ذاتها بذاتها، مِن دون أيٍّ مِن العراقيل، التي هي سَمُّ القطيعة بين إخوة هُمْ وحدة في العِرق، والأرض، والمصير، وهُمْ قوَّة رائعة في التحقيق الإنساني، المـُنتمي إلى وحدة عروبيَّة حقَّقتها الجزيرة الأُمُّ عبر التاريخ السحيق، بتوزيع أبنائها أفواجاً أفواجاً، على اليمين وعلى اليسار، فإذا هي عالم مربوط بألياف مِن العظم واللحم والدم، تجمع بها هذا الإنسان المـُجتمعيِّ إلى أصل واحد ومصير واحد، وإنتاج فكريٍّ - روحيٍّ - واحد، كانت نتيجته العظيمة الواحدة مُجمعة في هذا الشعاع الذي ضاء عليها، فإذا هو هذا العظيم المـُستدرج منها والمـُستقطب إليها، واسمه الأمين والرسول، والنبي محمد.

وهكذا ولِدت الأُمَّة مع محمدها مِن جديد، في بعثٍ جديد، وظهورٍ جديد، ووعيٍ جديد، وإدراكٍ جديد، بأنَّها واسعة وسع أرضها، وعميقة عُمق تاريخها، وجليلة جلال إنتاجها المـُتمثِّل الآن بنبيِّها ورسولها المـُبشِّر بها قوَّة مجموعة مِن ضلوع الحَقِّ، لتبقى أبداً أُمَّة مُفتِّشة عن جوهرها الإنسانيِّ العريق، والذي تجده دائماً في وحدتها العاقلة.

هل هو قليل وزهيد ما أدركه العظيم محمد مِن أجل أُمَّته، التي فاضت بإنسانها مِن أرض الجزيرة الأُمِّ، وراحت تملأ الدائرة حولها مُنذ عشرات آلاف السنين مِن حياة إنسانها على الأرض؟ فإذا الأصقاع كلُّها مربوطة بهذا الفيض الإنسانيِّ الواحد، أكان ذلك في خواصر الأرض التي تنهل ريَّها مِن النابعين الرافدين فيها: دجلة والفرات، أم كان في تلك الخواصر الشبعانة مِن جود بردى في غوطة الشام، أم كان في تلك الأُخرى الساجدة وهي تَرضع الخير مِن أحضان النيل إله مصر الأكرم.


إنَّها الأُمَّة التي تربَّعت في أشواق محمد، وراح يجمعها بالرسالة، ولقد وسَّع الرسالة مِن أجلها، وجعلها تفيض بقيمة إنسانيَّة مُطلقة، تعتنقها وتَدين بها كلُّ أُمَّة أُخرى، وهكذا تتوسَّع الارتباطات المـُتجانسة بإدراك الحَقِّ، وتنظيف النيَّات مِن لوثات السوء، وينتفي ميل التعدِّي على حقوق الغير، وبذلك تتروَّض العَلاقات بين أُمَّة واحدة، بزخم الرسالة التي هي فيض نور وهداية للإنسان.

ليس التوسُّع هذا أكثر مِن شاردة، تُبيِّن أنَّ لُحمة الأُمَّة حصيلة طبيعيَّة جغرافيَّة - تاريخيَّة -، وأنَّها عامل إنمائيٌّ في ربط الإنسان بمُحيطه الفاعل، مِن أجل تعزيز إنتاج تُوفِّره الوحدة المـُتضامنة باستقرارها وباشتراك مصيرها.

إنَّ أعز أُمَم الأرض هي الأُمَّة المـُطمئنَّة في وحدتها وتلاصقها بأرضها المـَعطاء، وتجانسها بأفكارها، وتضافرها في إنتاجها، وتلاحمها في حضارتها وثقافتها وانفتاحها في إنسانيَّتها المـُنتجة حقَّاً وصدقاً. إنَّها الأُمَّة المثاليَّة التي لعبت دوراً عظيماً في تشوُّق الرسول محمد، وكانت هي التي تمنَّى لها سويَّة مِن هذا الطراز، وكانت هي التي تخصَّصت لها الرسالة، وكانت هي القضيَّة الكبيرة التي توازي وجوده كإنسان. فإذا كانت الرسالة لتعيش، فلابُدَّ لها مِن إنسان يعيش في أُمَّة تعيش. إنَّها محور الكلام: الرسالة هي الأُمَّة، والأُمَّة هي الرسالة، والاثنتان هما إنسان محمد، وإنسان محمد هو عجينة الله في تراب الأرض، وهي الحَقُّ العدل، وهي إنتاج الجمال في الوجود الأمثل.

مِن كلِّ هذه المعاني في أصالتها تكوَّن نهج عليٍّ، ليكون أساساً في كلِّ معركة إنسانيَّة يتَثبَّت بها مُجتمع الإنسان. أمَّا الحسن، وهو مُتابعة وتكميل مُباشر لنهج أبيه، وهو الذي انتقل إليه الإيمان بأنَّ وحدة المـُجتمع منعته وإشراقة رسالة جَدِّه، فإنَّه بادر إلى استيحاء النهج، وبدلاً مِن اعتماد السيف، وهذا السيف الآن يقصف الأَجَمة مِن دون أنْ يفعل في الدفاع عن مصالحها، راح إلى اعتماد وسيلة أُخرى هي التخلِّي عن الحُكم كأداة تؤجِّج ناراً تُحرق ولا تُدفئ، وانشأ صُلحاً فيه بَرد السلام، يجمع قطر البصرة إلى قطر الشام، ويُزيل قلقاً يُخيِّم على كلِّ قطر مِن الجزيرة الأُمِّ حتَّى وادي النيل لقد قَدَّم الأُمثولة القُدوة البيضاء، بأنَّ التخلِّي عن حُكم لا يقدر أنْ يخدم أمن الأُمَّة بلْ يُفقرها، ويُفتِّت مِن لُحمتها، ويدمغها بالحِقد


والضغينة، هو العمل المجيد المـُفصح عن ذاته، بأنَّ الوحدة هي المِعول الباني، وأنَّ الأُمَّة هي الوحدة الصحيحة المـُبعَدة عن أيِّ تفريط بطاقاتها المـُنتجة خيراً لإنسانها النامي، وكلُّها في حقيقة النهج المـُتخلِّي عن كلِّ مكسب ذاتيٍّ، على حساب مكاسب الأُمَّة.

لا يصحُّ القول: بأنَّ نهج الحسن كان مُغايراً لنهج أبيه، إنَّ النهجين مِن مَعدن واحد. لمـَّا كان السيف ناجحاً كأداة في تقويم الأُمَّة ولَمِّ شملها، امتشق السيف عليٌّ، ووسَّع المعركة في الميدان. ولمـَّا كانت الكلمة - لا السيف - هي الأجدى في شرح الحَقِّ، تكفكف بها لسانه، وفاضت معه على نهج البلاغة، تدلُّ الناس إلى الحَقِّ العفيف، كيف أنَّه يبني النفوس، ويبني الأُمَّة الصادقة؛ ومِن هنا لا تزال الأُمَّة تُفتِّش عنه في كلِّ وقت وفي كلِّ جيل ينحرف بها المسير عن الخط ِّالقويم، وكذلك حاول الحسن أنْ يمتشق السيف، ويُخلِّص الأُمَّة مِن حيفٍ لحقها مِن تنطُّح مُعاوية على كرسيِّ الخلافة، ولكنَّه اصطدم بالحيف ذاته الذي عَطَّل به مُعاوية وعي الأُمَّة، وأعادها إلى زعاماتها المـُتسابقة إلى حشد القبائل والاستنصار بها، فاستنبط الصلح حَقناً للدماء، ومنعاً للتمادي في إثارة الأحقاد، وتفكيك وحدة الأُمَّة.

ستعرف الأُمَّة في غد أو في أيِّ يوم آخر، إنَّ صلح الحسن هو الذي حَقن دم البصرة، ودم الشام، ودم الأُمَّة جمعاء في هُدنة، على أمل أنْ يَطيب بها اللقاء، وتصلح الأُمور، وتستعيد الأُمَّة عافيتها مِن الوعي الذي ينمو كالنور بين كلِّ صباحٍ وصباحٍ. وأظنُّ الآن أنَّ معركة الحسن هي التي حقَّقت صحيح بحَقِّ الأُمَّة، وهي التي ستبقى ماثلة الحضور في نهجها الجميل، في كلِّ لحظة أُخرى، تتعرَّض بها الأُمَّة لأزمة مُماثلة تُهدِّدها بالتفكك والانفراط، إنَّ الأُمَّة الراشدة - ولو بعد ألف عام - هي التي تجني مِن مُسوَّقات العِبَر.

كان الحسين في القافلة التي شدَّها الحسن، وسلَّمها الطريق الطويل مِن الكوفة إلى يثرب، وفي جَعبته وثيقة الصلح التي وقعها ومُعاوية، لقد بقي الحسين صامتاً طول الطريق، أمَّا الحسن فإنَّه أخذ أخاه وضمَّه إلى صدره وهو يقول:


الحسن: لا يفوتني معنى صمتك - يا حسين - ولكنِّي أُدرك أنَّك فهمت مغزى قبولي بوثيقة الصلح، أنا لم أُنشئ صُلحاً مع مُعاوية مِن أجل مُعاوية، ولكنِّي خفت على أهل البيت مِن الانقراض السريع، وأشفقت على الأُمَّة مِن هدر دمها وتفسيخ لُحمتها، وتخلَّيت اليوم عن كرسيٍّ حتَّى يبقى لنا دِخر في الأُمَّة تُفتِّش به عنَّا بعد كلِّ أزمة خانقة تشتدُّ عليها، ستعلم الأُمَّة أنَّ صراعها طويل مِن أجل الحياة، وأنَّ نهجنا في سبيلها هو مادَّة الصراع، وأنَّ الرسالة ذاتها هي عنوان الحَقِّ فينا؛ لأنَّها وحدها هي القضيَّة.

٦ - شُّعلة الفشل وعهد الحسين:

يبدو أنَّ الفِضَّة الخالصة في مَعدن الحسين لم تنته إلى التحلِّي ببريق النضار، فبقيت صامدة في عريها الأبيض إلى أنْ تأتي الشمس فتكسوها بالنضار، ولا الخَمرة البكر الهاجعة في دَنِّه قد شبعت مِن التملِّي مِن عُتمة شجنها تحت الأختام، فلبثت في شوقها الصامت إلى أنْ يهدر الليل سكينته السوداء، فتَسكب في فَمْ الصبح حمياها اللاهبة.

بهذه الصورة التعبيريَّة تراءى لي أنْ أختم فصل المـُعاناة، في تعاقبها وتلاحمها على نفسيَّة الحسين، مُنذ طفولته الأُولى إلى هذا العهد المـُتماسك برجولته، المـُطلَّة به على كهولة وَشَمَتها الأحداث الثقيلة بوَشْم عزيز المعاني وفريد التميُّز. إنَّ السنوات العشر الأخيرة والمفتوحة في حياته، ابتداء باللحظة التي شاهد بها أباه يهوي إلى الأرض، كأنَّه طَود ما قدرت أنْ تثبت تحته قواعد الصخور، فتَزحلق عنها وسقط في الدويِّ الذي ما فتئ يُزلزل في نفسه زلزاله الهادر، وانتهاء باللحظة الثانية التي سلخته عن أخيه الحسن، الذي قدر أنْ يُغرقه في لُجَّة الصمت رجل اسمه مُعاوية، بعد أنْ سكب في ريقه قَطرة مِن حُلقوم أفعى، كانت مجالاً لتأمُّلٍ صامتٍ صمت الليل


البهيم، لفَّه بكآبة موصولة بكلِّ كآبةٍ أُخرى عاناها في فترات مُتتالية ومُتمادية عليه، مع غياب جَدِّه عن منبر المسجد، فغياب أُمِّه عن بَهجة البيت حاملة كلِّ النَّكَد، فغياب أبيه عن تركين الإمامة، إلى غياب أخيه المختوم بالسَّم! إنَّها كآبة طالته مُنذ أكثر مِن خمسين سنة، وبنته بناءً نفسيَّاً مُعمَّقاً، بالمعاني الناتجة مِن ذات الاحتكاك بها مع تقدُّمه بالعُمر، واجتلائها مِن مَدَرها في واقع الأحداث الملونة بالمقاصد المدروسة، والمرصوصة بالنيَّات المـُبيَّتة، والمـُتلاعب بها بدهاء وفَنٍّ، فإذا هي كآبة مُتولِّدة مِن واقعٍ حيٍّ، ولكنَّه مُرَّ المذاق مِن هول ما راحت تتجمَّع فيه هموم وهواجس أضحت جبالاً تزحف عليه زحفاً مُهدِّداً بالسحق المـُدمِّر.

مُنذ أنْ غاب جَدُّه مِن تحت عينيه - مُنذ خمسين سنة - وحتَّى هذه اللحظة اليائسة مِن عُمره، وهذا الواقع المـُرُّ يزداد تذوُّقاً به مع كلِّ فهمٍ كان يوسِّعه له التقدُّم بالعمر، ويجلوه التذوُّد مِن الأحداث، بالإدراك - إنَّه الواقع المأساة - وما تخلَّى لحظةً واحدة مِن ترابطه، وتماسُكه بالحلقات التي تألَّف منها عموده الفقري، ابتداءً مسرحيَّاً بأبي بكر المـُلقَّب بالصديق، وانتهاء مُخزياً بهذا المدعوِّ يزيد المعروف بالزنديق! وتمَّت فصول المأساة بعزل عليٍّ عن الكرسيِّ المـُخصَّص له، مِن عهدٍ إلى عهدٍ إلى عهدٍ، حتَّى تمَّ به الوصول المـُسمَّم الجوِّ، والمـُقلَّم الأظافر، وحتَّى تمَّ تغيُّبه عن الساحات. أمَّا المشاهد التي عمَّرت بها المأساة، فهي التي تمَّ إخراجها بالتذليل والتنكيل، والسحل والقتل، والتقزيم والتوهيم، والتنويم والتغريم، والتسميم والنَطِّ على ألف حبل وحبل، وكلُّها مِن أجل ترسيخ رجل مِن بني حرب على كرسيٍّ، تنحل الأُمَّة كلَّها حتَّى يبقى هذا الملك إلى أبد الدهر. لقد قصفت الأحداث - في مشهدٍ مِن مشاهد المأساة - عمر أُمِّه فاطمة، وهي تضحك وتهرج المأساة، وقصفت الأحداث - في مشهد طويل مِن مشاهد المأساة - عمر أبيه عليٍّ، وهي تضحك وتهرج المأساة، وقصفت الأحداث - في مشهد جانبيٍّ آخر مِن مشاهد المأساة - عمر أخيه الحسن، وهي تضحك وتهرج المأساة، وقصفت الأحداث - في مشاهد طويلة مِن المأساة - زهو الأُمَّة، ورقصها الناهد بالحياة وهي تضحك وتهرج المأساة!!! وها هي الأحداث الآن - وقد وصل إليه الدور


الرهيب - تستعدُّ لأنْ تسحقه تحت وطأتها، وهي - سَلفاً - تضحك وتهرج المأساة!!!

هذا هو كلُّ ما مَرَّ به تصوُّر الحسين في هذه اللحظة، التي تمكَّن فيها مُعاوية مِن حذف أخيه الحسن مِن صِفة الوجود! لقد حذفه قبل أنْ يموت، لقد كان مُعاوية يخاف أنْ تنتقل الخلافة إلى الحسن بعد موته - حَسْبما اشترطت مُعاهدة الصلح - أمَّا وقد مات الحسن قبله بجُرعة مِن عسل، فمعناه التحرُّر مِن ميثاق، وجعل الحُكم ينتقل عاديَّاً بالوراثة إلى ابنه يزيد. أمَّا أنْ يتنكَّر مُعاوية لميثاق قطعه على نفسه، فمعناه خيانة المواثيق، وعيب على مُعاوية أنْ يفعل - وكان الالتجاء إلى الوسيلة - فلدغه بالسَّم ونام قريراً على فراش مِن حرير، سينام عليه أيضاً يزيده العِربيد! إنَّ أزلام يزيد الآن يطوفون باسمه خليفة على المسلمين، ويطوِّقون المدينة يثرب، وهُمْ يُهدِّدون الحسين بالرضوخ والمـُبايعة، ثمناً يشتري به بقاءه حيَّاً ومُتمتِّعا برَغد العيش.

- ٢ -

لم يُصدِّق الحسين الكلام المـَعسول ولا الوعد المنسول، مِثلما لم يُصدِّقه مِن قبل، لا أبوه الراقد في النجف الأشرف، ولا أخوه المـُكفَّن بحِضن أُمِّه في البقيع، بلْ التوى على نفسه الكئيبة يجترُّ وحدته الصامدة في كيانها، ويزنها بموازينها الصحيحة، ويجمع لها مِن مواعين روحه وقلبه وفكره، ما يجعلها موصولة بالخَطِّ الكبير، الذي رسمه ودفعه إلى النور جَدُّه الذي قهر الموت وتسربل بالخلود، لأنَّه تمنطق بالحَقِّ وتسدَّد بالرسالة، فإذا هو حَيٌّ - أبداً - في القضيَّة التي هي أُمَّة، يُعزِّزها الاجتماع الإنسانيِّ المـُستمر مِن يومٍ إلى يومٍ، ومِن جيل إلى جيل طالما هو الغارف مِن صدر الحياة مقوُّمات وجوده في الكون.

لم ينقطع الخَطُّ، بلْ تمتَّن وصله بأبيه الناهج نهج الحَقِّ، فإذا هو خَطٌّ يخلد؛ لأنَّه مُركِّز على القيم الإنسانيَّة التي لا يتعزَّز إلاَّ بها وجود مُجتمع الإنسان، ومحورها


العدل، والحُرِّيَّة، والمـُساواة. وأساسها، الحَق، والصدق والمـَثل النزيه، وكلُّها في الشوق والتَّوق اللذين يبنيان الإنسان. إنَّ عليَّاً الإمام هو ركن مِن هذه الأركان الإنسانيَّة، التي بني عليها مُجتمع الإسلام. ولهذا فإنَّه المـُستقطب دائماً، إذ تختلُّ الموازين ويهبط مُطلق مُجتمع مِن مُجتمعات الأرض إلى فجوات مِن التردِّي، سيجد ذلك المـُجتمع - بالذات - أنَّ أسباب الارتجاج فيه عائدة إلى استهانته بهذه القيم الإنسانيَّة أو ببعض منها، وأنَّ في الرجوع إلى مبادئ عليٍّ ترميماً لكلِّ نقص شوَّش ذلك المـُجتمع، وأبعده عن التركيز الإنساني القويم.

لقد تبيَّن دائماً للحسين أنَّ المبادئ المنهجيَّة التي آمن بها أبوه عليٌّ، إنَّما هي كلُّها مِن صُلب الرسالة، التي قدَّمها جَدُّه للمـُجتمع السويِّ، كما تبيَّن له - بوضوح لا يقبل الدَّحض - أنَّ الأُمَّة بسعتها الأرضيَّة الجغرافيَّة، كما بسعتها الزمنيَّة التاريخيَّة هي التي تُحقِّق وسعها الإنساني، الذي استدرج هبوط الرسالة عليه وتقبَّلها فاعلة فيه ليخلد وتخلد فيه. مِن هنا أنَّ جَدَّه العظيم هو الخالد، وأنَّ أباه الكريم هو الخالد أيضاً؛ لأنَّ الأُمَّة - الرسالة - هي التي نبضت بهما، ولا يُمكن أنْ تفكَّ ارتباطها، لا بالأرض ولا بالتاريخ، ولا بالحياة التي تستسيغ التراب وتتجذَّر فيه.

ولقد تبيَّن للحسين أنَّ الخلود هو مُنعة القضايا الكبيرة، المـُقتنَصة مِن جوهر الحياة وتستمرُّ بها، ولولا ذلك لما كان الإنسان خالداً في إرثه المـُجتمعي، الذي هو قضيَّة الحياة في استمرارها الخالد الرائع، سبحان الله الذي كرَّم الحياة وخلَّدها في مُجتمع الإنسان! الذي هو صورة الله ورمزه في روعة المِثال. إنَّ الأُمَّة - والحالة هذه مِن الاقتناع - هي قضيَّة محمد النبويَّة الرساليَّة وهي حقيقة خلوده، وحقيقة انتصاره في المعركة الإنسانيَّة الدائمة التي هي - بحَقٍ - صراع الحياة في تحقيق استمراريَّة ذاتها.

وكما أنَّ قضايا عديدة تتفرَّع مِن القضيَّة الأساس، لتكون لكلِّ واحدة منها قيمة مُماثلة للأصل في الوزن والجوهر؛ لأنَّ الأصل في تمدُّده، إنَّما هو فيض - لا للتنقيص - بل للتكامُل، هكذا رأى الحسين أنَّ كلَّ نهج أبيه كان فرعاً مِن أصلٍ


الرسالة، لقد تكامل به، فإذا هو مِن أجل أُمَّةٍ تبدَّت مِن رسالة، أو رسالة تبدَّت مِن أُمَّة، وهكذا تلبَّس أبوه خلوداً في الذكر تحيا به أجيال الإنسان، وتفتقده - إذ تفتقر إليه - كما لا تزال الأُمَّة تعبيراً صادقاً عن نبيِّها العظيم، الذي كفكفها برسالة هي لها في مجال الديمومة، وإذ يشطُّ بها خطأ، تتململ إليه في طلب النجدة التي تعيدها إلى حقيقة الامتثال، وهكذا تكون كلُّ قضيَّةٍ مُشتقَّةٍ مِن الحَقِّ الصريح، معاداً لكلِّ عبقريٍّ صاغها أو صاغ بنداً مِن بنودها المتلألئة بنور العقل وبهجة الإيمان.

مِن هذا الصنف الطليعي أكمل أخوه الحسن مُهمَّته الإماميَّة المـُصنَّفة لتعهُّد الرسالة - الامة - الموازية كلِّ قيمة الإنسان في الوجود. وكان سيَّان لديه، أقام بمُهمَّته الكبيرة وهو مُترِّبع في كرسيِّ الخلافة، أم قام بها وهو قابع في زاوية البيت فوق فراش طرحته عليه - يُعاني سكرات الموت - لدغة أفعى، دسَّها تحت وسادته واحد مِن أبناء بَني حرب!! إنَّ العظيم في الإمام الحسن هو في كونه صاغ قضيَّة مِن قضيَّة، كانت تحديداً باهراً لحقيقة الأُمَّة، تجده الأُمَّة - دائماً - في وحدتها الواعية المـُقدَّسة دَم الإنسان في عروق الإنسان في عمل واحد جامع، يصون الحَقَّ الذي بشَّر به أبوه عليٌّ، ويُنزِّهه الحُبَّ، والسماح، والصدق، والإيمان بالرسالة المـُجنحة بإسلامها المـُتدفِّق روعةً مِن صدر وفم نبيِّها الخالد. لقد كان الصلح الذي أنشأه الحسن، تلك القضيَّة، وستُفتِّش عنها الأُمَّة كلَّما خاب بها الطيش إلى صراع يُفكِّكها، ويلعب بها أو يُلهيها عن تماسكها الصادق المـُنتج.

- ٣ -

ما أنْ وصل الحسين في عرضه هذا المـُستدرج مِن تحليل عقلي - روحيٍّ مُحتكم إلى قضيَّة فلسفيَّة - وجوديَّة، مُحنّكةٍ بواقع حياتي - نفسيٍّ - اجتماعيٍّ، حتَّى سرت في عُروقه نشوة كأنَّها مُستحلبة مِن عالم آخر، فيه لمع مِن الخيال، أكثر مِمَّا فيه روابط مِن الواقع، لقد تمثَّل له في هذه القاعة التي راح يغشاها الليل بعُتماته الزاحفة بعد هبوط الشمس في أُفق المـُغيَّب - جده - المـُتواري مُنذ أكثر مِن نصف قَرن، فإذا هو


أمام عينيه المـَعكورتين بالدم المقهور، والمغمورتين بهذا الظلام الأُدموس، كأنَّه عملاق ربط الأرض بفِجاج السُّحب، بخطوات تنقش الأرض وتوشيهاً بنجوم يرتعش بها نور لا يخبو. يا للمحاريب! هكذا تتلألأ تستضيء بها الأُمَّة حتَّى تُدرك أنَّها ابنة النور، تتوسَّده على زندي جَدِّه العِملاق الأبدي القضيَّة في أبديَّة الجوهر، وما عَتَّم النبيُّ المـُتجلِّي في دهشة الحُلم، أنْ تناول الحسين ولفَّه بغُمرة مِن روحه وهو يقول:

طابت تحت قدميك الجَنَّة يا سيِّداً بهيَّاً منها، مُنذ ساعة وأنا أُراقب فيك توثُّباً قطعت به روحك أشواطاً وأشواطاً مِن عالم الذات، فإذا أنت - على حَقٍّ - ابني الذي شَرب مُهجتي، وتمتَّن بعَزمي وسؤددي، إنَّ البطولة فيك هي الآن التي ترفعك إلى العالم الآخر، الذي لا تنبت فيه إلاَّ النفوس الكريمة، الأبيَّة، العزومة المنسوجة مِن قهقهات السُّحب، وهي تحتك بذاتها المـُندمجة بالعواصف والزوابع وعُنفوان الأعاصير، لقد قرأتك وأنت تستدرج نفسك المسجونة خلف جُدران الضيم والقهر الممرَّغين بذِلِّ السُّخف والتردِّي، وعرفت أنَّك المـُتمرِّد الذي سيسحق الحيطان، وينفضها غُباراً في العيون المعميَّة بسؤدد ضائع عن حقيقتي في رعاية أُمَّتي التي بنيتها مِن غُبار رَمَدها، لتكون انتصاراً لروعة الشمس في البؤبؤ الصغير، الذي يرى به الإنسان حقيقة الله في الإنسان. إنِّي أراك الآن - كما كنت أراك - بَهجتي في حقيقة المآل، وأراك في خَطِّك المآليِّ تشتقُّ قضيَّةً مِن قضيَّةٍ ما اشتقَّ جَدُّك مِن حِضن الله قضيَّة الإنسان، وكما اشتقَّ أبوك مِن مُهجتي بتقديس الحَقِّ قضيَّةً زرع الحَقَّ والعدل في مُهجته، ليكون مثالاً أُنموذجيَّاً في القدوة والتعبير، ولقد اشتقَّ أخوك الحسن قضيَّة مِن قضيَّتي التي أفرغت فيها كلَّ عزمي، وشوقي وخزائني وأحلامي، فإذا هي الأُمَّة العظيمة التي


صانها بصُلحها مع نفسها، فإذا هو القُدوة الدائمة التقديم كلَّما عصفت بأُمَّتي موجة، فيها وهن وفيها رَمد. أمَّا قضيَّتك أنت الذي سمعتك الآن تصوغها وتُنضِّد حروفها، فدعني أُبارك روحك وعزمك؛ حتَّى تتلقَّط بها بسيف أبيض وشَفة حمراء، امشِ - يا ابني - إلى ساحتك، أتظنُّني سأبكي عليك؟ ولكنِّي بنيتك مِن دمعة العين وخفقة المـُهجة، ولا أُمَّك فاطمة إلاَّ وترنو إليك ببسمتها المفطومة؛ لأنَّك تُقدِّم قضيَّة تحيا بها أجيال الأُمَّة أجيال الأُمَّة أجيال الأُمَّة ...

- ٤ -

عندما كان مثل هذا الصدى - الملآن - يتجاوب في روح الحسين، وهو المـُستجيب إلى وحدته الغارقة في بحبوحة التأمُّل، تَقدَّم مِن المعبر الداخلي بوَّابه الأسمر العريض المنكبين - أسعد الهجري - وفي يده ماثلة بعدَّة شمعات مُضاءة وهو يقول:

أسعد: عرفت أنَّك كنت مُستأنساً بوحدتك في عُتمة الليل، ولكنَّ قادماً - لا أظنُّك ترتاح كثيراً إليه - جاء يطلب مُقابلتك.

ابتسم ابتسم الحسين ابتسامة صفراء، وهو يجلس على فراش مِن أفرشة الديوان، مُعقبَّاً على كلام الهجري:

الحسين: مُنذ عِدَّة أيَّام ونحن - الثلاثة - نستعرض نفسيَّة الوالي على المدينة، الوليد بن عُتبة: أخي محمد بن الحنفية، وابن عَمِّنا عبد الله بن جعفر، وأنا الحسين - يا أسعد - ولم أُخفِ عنك الأمر، ولا الخُطَّة التي اعتمدناها بانسلالنا هذا الليل مِن المدينة إلى مَكَّة، فدع الوالي يدخل الآن، وأكمل أنت حَزم الأمتعة للسفر - توَّاً - بعد أنْ يترك ابن عُتبة عَتبة الدار.


وضع البوَّاب أسعد ماثلة الشمع فوق قاعدتها مِن المكان، وانسحب مُثقلاً بوجفة هَمٍّ على ابن بنت الرسول، كان يُحاول دائماً أنْ لا يظهر بها أمام السيِّد المهيب. بعد دقيقتين كان الحسين يدعو الوالي إلى الجلوس في صدر الديوان، وهو يقول:

الحسين: لا أظنُّك جئتني الليلة لتنفيذ الأوامر التي حملها إليك مِن الشام، ابن أبي زريق رسول يزيد، ولا أظنُّ مروان بن الحَكم خفَّف مِن تحريضك على تنفيذ الأوامر، وهو مُستشارك الدائم، والمـُريد الأقوى بالخلافة لابن عَمِّك يزيد، أمَّا الأوامر فهي في ضرب عُنقي إنْ لم أُبادر إلى المـُبايعة، ولكنِّي - رَغماً مِن أنَّ المـُبايعة لم تخطر أبداً ببالي - أظنُّ أنَّ والي المدينة الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان، لا يقدم على تنفيذ أمر كهذا، لأنِّي أعرف تمام المعرفة أنَّ في طينته لوناً يجعله يتأثَّم مِن مُنكر لا يجوز - أبداً - أنْ يرتكبه.

أمَّا الوليد بن عتبة، فإنَّه لم يتأخَّر - أبداً - عن الجواب، الذي فتح الباب وسيعاً لحوار قد اتسم بالصراحة بين الرجلين، مع الإقرار بأنَّه كان مُتحلِّياً ببعض الصفات التي جعلته - فعلاً - يتردَّد عن التنفيذ، مِمَّا أدَّى بالخليفة يزيد إلى أنْ يعزله عن الولاية - فيما بعد - ويُعيِّن مكانه عمرو بن سعيد بن العاص، الرجل الأقصى والأدهى في حياكة المؤآمرات:

الوليد: أنا لا أسألك كيف عرفت كلَّ ذلك؛ فأنت ذو حِصَّة مِن الذكاء - وهي واسعة فيك - تكشف بها حتَّى المـُخبَّآت في الصدور، أمَّا أنْ أضرب عُنقك، فهذا أكيد أنَّني لا أُحمِّل نفسي مشقَّة الركوب إلى عمل كهذا، ولكنَّ الشيمة ذاتها في نفسي - وأنت تمتدحني بها - لا تبخل عليك بالنُّصح والتلميح إلى أنْ ما أُحجِم أنا عنه لن يكون تأثُّما عند سواي؛ لهذا جئت الليلة أطلب منك أنْ تَرْبَأ بنفسك وتحملها إلى مُبايعة تقيك مِن


الخطر، كما فعل قبلك، منذ عشر سنوات، أخوك الحسن.

الحسين: أنت مُخطئ في ترصُّدك كُنه القضايا، فأخي الحسن لم يُبايع مُعاوية، ويبعِّد عنها التمادي بالأحقاد، ويوفِّر لها اللُّحمة المـُنتجة، ويدلُّها إلى الحاكم الواعي حتَّى تُفتِّش هي عنه سائساً مُتفانياً في صيانتها، لا مُستثمراً طاقاتها وخيراتها، هذا مِن جهة المبدأ الذي كان قضيَّة مِن القضايا الكبيرة، التي شدَّ خطوطها أخي الحسن - أمَّا أنْ يقصد - مِن التخلِّي عن الحُكم شِراء الوقاية مِن تهلُكة، فهذا ما لم يُتحفَّظ منه أوْ له، بلْ كان يترقَّبه حاصلاً في نيَّة مُعاوية - بين لحظة ولحظة -، فمُعاوية الذي صرف العُمر كلَّه في مدرسة تُعلِّمه كيفيَّة نهب البستان دُفعة واحدة، لا شجرة شجرة أو غُصناً غُصناً مِن الشجرة، فإنَّه أحرز أطول قصبة مِن قصبات السَّبق، ومسح رأسها بأدهى مَرهم مِن مراهم السَّم، لَدَغَ بها أخي الحسن المـُتخلِّي عن كرسيِّ الخلافة!!! ألا ترى معي يا أخي مِن قريش، ويا عدوِّي الحَقود مِن بني سفيان، أنَّ الأمَّة هي الأوسع مِن عِرقين مُتناحرين على مشيخة القبيلة، وأنَّ مَن يُضحِّي مِن أجل توسيع الأضيق بالأوسع، ليس كمَن يتحايل إلى تذويب الأكبر في الأصغر؟ وأنَّه ليس لقصبة السَّبق في الميدان أنْ تكون رُمحاً مِن رماحه المصقولة!!!

الوليد: هذا مبدأ عامٌّ يا حسين، وليس لأحد أنْ يُنكره في حقيقة العلم والرأي والمنطق، ولكنَّ الواقع على الأرض هو غير ما ترسم، فمُعاوية طاب الحُكم بين يديه، وأنَّ قصبة السَّبق التي أحرزها هي التي أحرزت له الرمح الطويل على مدى عشرين سنة مِن عُمره وأكثر، أمَّا إذا صَحَّ افتراضك أنَّه أعدم


أخاك، فأيُّ حُكم ليس في يده أدوات تنفيذ الإعدام بمَن هُمْ ضِدَّ العهد، أو بمَن يُمكن أنْ يشكِّلوا خطراً على سلامته وأمنه؟

الحسين: وهذا وقوع في الخطأ الأفدح، لم يكن مُعاوية خليفة للمسلمين، وكان مَلِكاً على المسلمين، الخلافة شيء والمـُلْك شيء آخر؛ فالخلافة هي كلُّ المـَخلوف: تأسيساً وتركيزاً، ولوناً ومعنىً، وقضيَّةً ودستوراً. المؤسِّس كان جَدِّي النبي، وهو لا غيره المـُركِّز، وهو الذي جمع الأُمَّة بالتوحيد والإسلام، وهو الذي أعطاها المعنى الأوسع في كونها الحِصن المنيع والمـُركِّن للإنسان، وهو الذي أحاطها بإطارها الأفخم، فأضحت قضيَّة الإنسان ودين الإنسان، وقيمة وجود الإنسان، وهو الذي سَنَّ لها الدستور، فكانت الرسالة ميدانها الاشتراعي الأوحد والأضمن. إنَّ المـَخلوف - والحالة هذه - هو جَدِّي النبي، أمَّا الخليفة فجَدِّي النبي - أيضاً - هو الذي انتقاه مِن أكفَّأ أبناء الأُمَّة، بعد أنْ أنشأ صِبَاغاً مِن جوهر الرسالة والقضيَّة فطلاه به، وبعد أنْ حرَّر الأُمَّة التي انسكب بكلِّ جُهده فيها، مِن كلِّ ما يُعيدها إلى مُسلسلها المـُتماوج بغُبار قبليَّاتها المـُتناحرة فوق كراسي مشيخاتها، وذلك بتعيين كرسيٍّ واحدٍ يجلس فيه المـُعيَّن المصقول بتربية خاصَّة، مُعبِّرة عن كلِّ مقاصد المؤسِّس الأوحد، الذي سيبقى وحده عُنوان الأُمَّة التي بناها وقدَّم لها رسالة، مُنذ الأمس إلى اليوم الحاضر، وإلى الغَد الآتي المـُتربِّع فوق سِدرة الزمان، ذلك هو الخليفة المـُعيَّن، فمَن هو بنظرك - يا ابن أبي سفيان - هو الذي بنى وعيَّن مُعاوية بناءً مُشتقَّاً مِن إرادة المـَخلوف ومِن جوهر مقاصده، ليكون خليفة الإسلام؟ أمَّا أنْ يكون مُعاوية مَلِكاً، فليس على هذا الإسلام في أُمَّة الإسلام، بلْ على عدد مِن القبائل عادوا إلى المـُبايعات


في أُسلوبها العتيق الهزيل، وعادوا بها إلى مَلَكيَّة سيف بن ذي يزن، أوْ عرش قَبليٍّ مهزوز القوائم لامرئ القيس أمَّا أنْ يقتل مُعاوية أخي الحسن؟ فبأيِّ حَقٍّ يحصل التعدِّي على أرواح الناس وأجسادهم، وهُمْ الذين اشتراهم جَدِّي لجِنان الملكوت، وصانهم أبي عليٌّ بالعدل والحَقِّ، والرحمة والمـُساواة، وزيَّنهم بالصدق، والطهر ونظافة الكَفِّ، مِن دون أنْ يطمع برغيف لم تخبزه له فاطمة، وقد عجنته مِن طحين سَحَقَ - هو - حبَّات شعيره على رَحى يُديرها بساعده الأيمن ويلقمها حبَّات الشعير بالأيسر؟؟؟

الوليد: يا ابن بنت الرسول، قد تكون أنَّك أفحمتني، ولكنَّني أتوسَّل إليك - قبل أنْ أُغادر دارك - أنْ تُبايع، وأرجو أنْ تُصلح مُبايعتك يزيد، فتتضاءل الشبهات فيه، وتُوفِّر هناءة لأهلك، وتَحقن دم الأُمَّة، كما فعل أخوك الحسن، وليس للغَد إلاَّ أنْ يقول لك: هنيئاً لك الذكر الحَسن، يا أخا الحسن ...

الحسين: أمهلني إلى الغَد - يا ابن عتبة - ستعرف أنِّي بنيت قراراً تتفيَّأ به أُمَّتي وأُمَّة جَدِّي وأبي وأُمِّي وأخي الحسن، سوف أُقدم على نوعٍ مِن مُبايعة يبهر عينيك، وسوف لا أجبن عن بذل الذات في سبيل أُمَّتي هذه التي سأُفجِّر دمي حقناً لدمها، حتَّى تبقى ملمومة إلى سَلالم المـَجد، ألم يتفانَ جَدِّي، وأبي وأُمِّي وأخي، في سبيلها؟ فأيُّ شيء لي - بعد الآن - لا أسكبه قطرةً قطرةً مِن دمي في الإبريق الذي تشرب منه ريَّها؟؟؟ اطمئنَّ - أيُّها الوالي - ورعاك جَدِّي! أنَّه رَبُّ السماط.

خرج الوليد بن عتبة بن أبي سفيان مِن دار الحسين، وبعد خمس دقائق بالضبط، كانت القافلة الصغيرة تَغذُّ في السير بثوب الليل، وبعد خمسة أيَّام نزل الركب في مَحارم الكعبة، ليكون للحسين قدر آخر بناه في سِرِّه، وسيكون له إعلان عنه في الغَد القريب!!


لم يكن عجباً أنْ لا يُدرك الوليد بن عُتبة مرحلة واحدة مِن مراحل البُعد، التي ساح فيها الحسين، لقد كانت سياحات الحسين وليدة مُعاناة غزيرة تعمَّقت نفسه وتلوَّنت بها مِن حِسٍّ إلى حِسٍّ، ومِن إدراكٍ إلى إدراكٍ، أنَّى لابن عُتبة أنْ يسبر غوراً مِن أغوارها، وإنْ يكن جاراً له في المكان والزمان، يكفي أنَّ نفسيَّة ابن عُتبة إنَّما هي منسوجة على نول سفيانيٍّ، لا يطمع في الدنيا إلاَّ أنْ يسلبها سلباً، لا سِيَّما إذا وقعت في عِبٍّ ينتمي إلى جُبٍّ طالبيٍّ.

لقد كان الحِقد حَدَّاً تاريخيَّاً فاصلاً بين هذين البيتين، القريبين والشهيرين في أصلاب الجزيرة، ولم يتوفَّق حتَّى الرسول الكريم - المـُرتبط الانتماء بهما - أنْ يمحوه ويُخفي أثره مِن النفوس، لا بالرسالة والتبشير، ولا بالقُدرة التي كانت تسنح بها الظروف في المـُناسبات العديدة، مُنذ فتح مَكَّة الذي تحكَّمت فيه الأصنام، وتمَّ الصُّلح والوئام بين جميع الفرقاء والأخصام، ولا حتَّى في المـُناسبة التاريخيَّة الثانية في الصُّلح الكريم الأبيض، الذي وقَّع مُعاهدته مع مُعاوية الإمام الحسن.

أقول: لم يكشف الوالي ابن عتبة مغزى القول، الذي تفوَّه به الحسين أمامه في تلك المـُقابلة الخاطفة؛ لأنَّ قول الحسين كان تعبيراً عن مُعاناة لم يكن للوالي أنْ يُعاني مثلها لا نوعاً، ولا عُمقاً، ولا لوناً. أمَّا أنْ يطلب منه تقديم المـُبايعة ليزيد، فذلك نصحٌ منه وتكرُّمٌ في إنالته حرزاً يقيه مِن العطب، وكان يُدرك تمام الإدراك أنَّ ليس في مقدور الحسين أنْ يُقاوم؛ لأنَّ سيطرة يزيد هي الفاعلة فوق الأرض، مِن الشام، إلى العراق، إلى الجزيرة حتَّى مصر، ولا يزال مَجْدُ مُعاوية ناشراً هيمنته على الساحات، والدليل على ذلك هو تهديد العصيان بضرب العُنق، قد يكون الوالي ابن عتبة متحلِّياً بخَلجة ما مِن عريكة طيِّبة، علَّل الحسين بها حتَّى يُبايع، ولكنَّ اتِّكاله كان على واقع الحال، الذي يُجبر الحسين على المـُبايعة مِن دون اللجوء إلى عُنف يستغني عن افتعاله، لهذا سمع الحسين يتلفَّظ بمُبايعة فصدَّقها دون أنْ يُفصِّل منها معنى آخر يتلاعب به الرمز، كما وأنَّ هذا النوع مِن الرجال السطحيِّين أو


البليدين في معرض الفَهم، ويزيد بالذات كان على رأسهم في حقيقة الحُكم وحقيقة التمثيل، كان في ثقل المـُعاناة المـُلقية أوزارها على نفسيَّة الحسين.

كان الحسين في تمام الاقتناع أنَّه المغلوب على أمره، مَهْما يُحاول مِن حَشد قوى يُنازل بها يزيد. منذ زمن طويل والساحات الشعبيَّة العريضة مُموَّهة عن خطوطها الصريحة، ولكنَّه توصَّل اليوم إلى أبهى ما تتوصَّل إليه المعرفة، وأعمق ما يُدركه الوجدان، وأثبت ما يتوصَّل إلى تركيزه واقع علم الاجتماع، هو أنَّ مُجتمع الإنسان لا تنفكُّ تشدُّ به إلى درك غرائز منوَّعة الأشكال والألوان، في حين يُقيِّض له الله بعض أفراد ينبرون منه، وهُمْ مُميَّزون بشُّعلات دافقة مِن الفِكر والروح، يشدُّون حِقْويه للارتفاع إلى مُستوى آخر، ينتصر به في مجال تحقيق إنسانيَّته المـُفتِّشة - أبداً - عن مَثل تتدرَّج بها في حقول الارتقاء، مِن هؤلاء الأفراد المـُفرزين مِن خصائص مُجتمع الإنسان المـُشتاق - أبداً - إلى اكتشاف ذاته في حنينه المزروع فيه إلى الأسمى والأنقى والأبهى، هُمْ العلماء والمـُفكِّرون، والفلاسفة والمـُصلحون، والرُّسل والأنبياء الكشَّافون عن عوالم الروح، وكلُّهم درجات درجات في المـُجتمع الإنسانيِّ، المزروع في أُمَم مُنتشرة على سطح الأرض. إنَّهم هُمْ الذين يتضافرون في التقديم المـُثمر، الذي يتخمَّر به كلُّ مُجتمع على قدر طاقته مِن الأخذ المـُستمرِّ، وكلُّ ذلك في عمليَّة دائمة الصراع، لا يتأخَّر عنها إلاَّ المـُجتمع الذي ينوخ عليه الفتور، أو الكَسل، أو المـَلل، ليكون عِقابه التردِّي، والتنكُّب والانحطاط، إلى أنْ يعود إلى غَرْفه الأصيل مِن المـَعْن التي هي في وجود تُراثه الإنساني، الذي تحتفظ له به الحياة. أمَّا المـُجتمع الحيُّ الدؤوب، فهو لا يتعب مِن الغَرف، لا بلْ إنَّ المـُتحوِّل - بحَدِّ ذاته - إلى مَعين مَلآن، تَغرف منه المـُجتمعات الأُخرى، ليكون قدوة ومثالاً لها في العَطاء الإنساني الكريم، الذي هو ذخر السماء في إنسان الأرض.

ليت شعري! راح يقول الحسين في ذاته - وهو في مِثل هذه الذروة مِن التفكير المـُتأنِّي -: ألم يحُلم جَدِّي الكريم الواسع الخيال، والبعيد الأُفق خَلف كلِّ منال؟ سأجعل منك أكرم وأعزَّ أُمَّة على وجه الأرض وستكونون الأُمَّة التي أُفاخر بها كلَّ الأُمَم؟ ويتمادى الحسين في التصعيد: لقد ملأ جَدِّي الخزائن التي ستغرف منها


الأُمَم الأُخرى، وأنَّها ليست خزائن زاد ليوم واحد، بلْ إنَّها خزائن للأجيال الآتية، تأخذ منها أُمَم الأرض ما يجعلها قويمة في مسيرتها الإنسانيَّة، ومُتنعِّمة في جِنان الحَقِّ. أمَّا أُمَّته التي أنجبته مِن خاصرتها الكريمة، فستبقى فخورة بانتسابه إليها، وسيبقى مَعاذها وهي تنتسب إليه، تتناول زادها مِن خزائنه كلَّما مدَّت أصابعها إليها.

عظيم هو جَدِّي - يُتابع الحسين تأمُّلاته - لقد قام بمُهمَّته الجليلة ورحل! ولم تكن مُهمَّته - قبل أنْ يرحل - انتصار بني طالب على بني حرب، في معركة قبليَّة يقصف فيها سيف، بينما يزهو الآخر لأنَّه مرويٌّ بالدم، بلْ إنَّها كانت مُهمَّة انتصار قضيَّة مِن قضايا الوجود، في معركة إنسانيَّة لا تنتهي إلاّ بانخساف الأرض مِن مدارها، وهبوط الشمس في عُتمة الانطفاء، لقد كانت الأُمَّة ميدانه الأبعد والأخلد، في المعركة التي انتصر بها وتركها مفتوحة تُعالج الأُمَّة فيها أُمورها الحياتيَّة، وتنتصر على كلِّ ما يعترض سبيلها مِن مخاوف، ومخازي، وهبوط في حُفر يُعمِّقها المرض، والوهن والوهم الأعور. لقد ترك المعركة ورحل، وهل كان مِن المـُمكن أنْ يبقى ولا يرحل، حتَّى يُبعد عن الأُمَّة وقوعها في زَيغ لا بُدَّ أنْ يحصل؟ ولكنَّ المـُستحيل هذا هو المـُتدارك، فالقضيَّة ملفوفة بدستورها، تعود إليه الأُمَّة تستجْلي منه كيفيَّة بعثها وارتدادها إلى حقيقة التصويب، وهذه هي روعة القضيَّة المـُتكاملة ببنودها العقليَّة، الروحيَّة، الإنسانيَّة، الحياتيَّة، المـُتكافئة في الميزان، سيرحل النبي - والحالة هذه - ولقد رحل، والقضيَّة هي ذاتها، ينتصر بها وفيها، وإنْ يكن قد غاب لأنَّها هي وحدها عنصر البقاء.

كلُّ واحد بدوره مِن أهل البيت تناول الرسالة، وبنى منها قضيَّة ما كانت إلاَّ فرعاً منها، وهكذا رحل كلُّ واحد منهم وهو لا يزال باقياً تلتجئ إليه الأُمَّة، لتأخذ منه حَيطة تستعيض بها في مَكمن الضعف الذي أصابها أو يُصيبها، كأنْ تَشعر أنَّ تنكُّبها عن الأخذ بالعدل والمـُساواة، أو النزاهة والصدق، أو العِفَّة والبراءة راح يُنقص مِن قيمتها ويُعرِّضها لبعض الارتجاجات. فعلاً كما حصل في عهد عثمان بن عفَّان، وكما راح يحصل في عهد مُعاوية بن أبي سفيان فتتذكَّر عُليَّها المـُستقلَّ بجلالته، وتأخذ مِن


مبادئه في القضيَّة مرهماً لجروح فيها بدأت تنزف، وهكذا ستجري الأُمور برجوع الأُمَّة إلى أخيه الحسن، كلما تعرَّضت في أيَّامها الصاعدة إلى فتنة برصاء، فسَّخ صدرها مِن ضلوعه، فتلجأ إليه وتأخذ منه مَرهماً يلحم بَوعها برُسْغها ويُنجيها مِن الانفراط.

لقد وصل الحسين إلى ذاته، وراح يستعرض طول رمحه في المعركة التي يُناجزه - الآن - فيها رجل اسمه يزيد، لقد وجد الساحة التي يطلبه إليها المـُصارع الآخر أضيق مِن خَربة ساقط سقفها، يتناحر ضِمن حيطانها ضبَّان مشهوران بذَنَب كثير العُقد، على أُنثى أبلد ما فيها أنها مِن قبيلة الضبَّان، إنَّها كرسيُّ الخلافة في الشِّبه الحاضر، لقد شغفت الأُمَّة بها مُنذ نصف قَرن، على أنْ لا تتركها إلاَّ وكلُّ إصبعٍ مِن أصابع كفِّها تنشب ظِفراً فيها وتزرع وشمَاً على قوائمها، إنَّه وشَم القبليَّة التي راحت تتلاعب بالقضيَّة، كأنَّها الأنقى بين ضبَّين! هل يجوز للأُمَّة المبنيَّة مِن جديد أنْ تتغافل عن اقتناص حَظٍّ مِن حظوظها النادرة، فتتلهَّى بالقشور عن التلقُّط باللباب، وهو ليس كرسيَّ خلافةٍ بلْ جوهر خلافة موكولة بالإحاطة به إمامة مُشتقَّة مِن ضلوع الجوهر! ألا بِئْسَت كرسيٌّ يُجرِّدها مِن معناها ضَبٌّ مِن هنا وضَبٌّ مِن هناك، وكلٌّ منهما دخيل عليها على مرأى الأصيل!!

ولكنَّ انفتاح الحسين على الأُفق الآخر مِن نفسه، وهو المـُطلُّ به الآن على ساحة الصراع الكُبرى، أوقفته رهيباً في فُسحة المجال، لتقول له: إنَّها الأُمَّة وكلُّ المجالات منشورة أمامها، وهي التي يُعلِّمها الحَقُّ كيف تُميِّز بين خَطٍّ وخَطٍّ مِن مَفارق دروبها. لقد قدَّم لها الحَقَّ جَدُّك العظيم وهي تأخذ منه زمام أُمورها، وقدم لها أبوك صراطاً تسلكه مُستقيماً إلى هذا الحَقِّ تُركِّز به وجودها، وقدَّم لها أخوك لوناً آخر تُعزِّز به أوصالها في معركته الحياتيَّة، أمَّا أنت فقدِّم لها ما تراه ضعيفاً في حِزامها، فتتدارك به سقوطها تحت حوافر الميدان، واعلم تماماً - يا حسين - أنَّ معركتك الطويلة ليست - أبداً - ضِمن حيطان خَربة مِن الخرائب، بلْ في الميدان الأكبر الذي لا ينتهي فيه الصراع، بلْ يشتدُّ فيه الصراع في حِضن الحياة الأوسع، وأنَّه الميدان البِكر الذي


امتصَّ عِرْق جَدِّك وأبيك، وأُمِّك وأخيك، فهل تراه بعد الآن لا يُشوِّقه أنْ يمتصَّ دمك!!!

- ٦ -

لست أظنُّها إلاَّ استحكمت حلقات المـُعاناة في نفسيَّة الحسين، على التحام بكلِّ مُعاناة قاساها جَدُّه الأكبر، وهو يستجيب إلى كلِّ نداءات الحَقِّ، ليصوغ منها الملحمة الرائعة التي ألَّف منها حقيقة الصراع في المضمار، الذي تلجأ إليه كلُّ أُمَّة مِن أُمم الأرض، مِن أجل استيفاء حقِّها الإنساني في الوجود. إنَّ أُمَّة جَدِّه هي المضمار الأساس في انطلاق المجاهيد، وتركيزها حاجة لإنسانها النامي، وسيكون للحسين أنْ يُتابع الخَطَّ في مسيرته المـُعيَّنة؛ ومِن أجل هذه الأُمَّة بالذات؛ تلبية لكلِّ ما انتدبه جَدُّه للقيام به، تحضيراً وتتميماً، وبذلاً موصولاً بالعقل، والنفس، والضمير، تمتصُّه الساحة وهي في مضمار صراعها في التحقيق، دون أنْ توهى بشُحٍّ ونُضوب، أيْ: إنَّ المطلوب هو تقديم البَذل مِن المـَعدن النفيس المـُشتقّ مِن الإيمان والقلب، والصدق والحُجى. وهي كلُّها ثروات تُعمِّر بها جيوب النفس في الإنسان، وهي التي تخلد بها إنسانيَّة الإنسان، وذلك هو التراث الذي تستمرُّ به - غنية - كل أُمَّة يلفحها مثل هذا الكرم، مِن مثل هذا المـَعدن المِغزار.

لقد أوصلت المـُعاناة الحسين إلى إدراك حقيقته الإنسانيَّة العظيمة، بأنَّها مُشتقَّة مِن الأُمَّة ومُتمادية بها، وأنَّ الأُمَّة هي يوم حاضر مُعزَّز بطول الأمس، ليكون لها - مِن هذا الأمس - وصلةً بالغَد الطويل الأغرِّ، وأنَّ المـُثل الكريمة هي التي وسَّعت عمرها كأُمَّة، ومتَّنت جذورها في الماضي السحيق، وأنَّها هي ذاتها المـُثل التي تتولَّد مِن شوقها الحيِّ، تُتابع بها صراعها مِن أجل الوصول إلى كلِّ غَدٍ وسيعٍ فيه عِزُّها وفَخرها، وكان جَدُّه العظيم كلَّ تفتيشها المـُشتاق عن تكثيف هذه المـُثل، والاستنجاد بها في تحقيقها الذاتي، وهذه هي مادَّة الصراع، تجده الأُمَّة في البذل النفيس يُقدِّمه لها نبيُّها مِمَّا غرفه مِن مَعدن الحَقِّ.


لقد علَّمه جَدُّه كيف يكون البذل الصادق مادَّة لا تنضب، بلْ تزيد مع كلِّ يوم يشتدُّ فيه الأخذ منها، والأخذ منها هو المـُجدِّد والمولِّد في غزارتها والشاهد على طيب مذاقها، وجودة حَدِّها في الصفاء؛ مِن هنا يكون البذل وليد طاقات فِكريَّة - نفسيَّة - روحيَّة، موجَّهة لمصلحة الأُمَّة، ومُعبِّرة عن حاجاتها في واقع المـُتطلَّبات المـُلازمة لها، والتي هي جديدها الدائم في سنة التقدم والتطوُّر، وعدم القَبول بأيِّ عاملٍ مِن عوامل التنقيص، مِن الزخم المـُتدرِّج بها إلى المـَراقي الزاخرة بعزم الحياة في الوجود الإنسانيَّ الكريم السمات.

والحقيقة أنَّ المـُعاناة الطويلة التي اشتغلت بالحسين شُغلها الكبير، قد وصلت به إلى هذه الحدود المـُقرَّرة كيفيَّة التصرُّف، ونوعيَّة المـُبادرات الفرديَّة، تتميماً للمـُهمَّة الجليلة التي حدَّدت إطارها وتوجيهها، وبروزها في كلِّ مجالات حياته، إرادة جَدِّه المـُنبثقة مِن إرادة شاملة، وغير موصوفة إلاَّ بدلالاتها التي هي سمات غير مقروءة إلاَّ بإيحاءات، تلقَّطت بها كلَّها جوارحه التي ما استراحت مليَّاً، إلاَّ في استسلامها لكلِّ المفاعل التي فجَّر بها جَدُّه كلُّ تيَّارات فِكره ونفسه وروحه، فإذا هو - أبداً - قطب مُمغنط بها، ومُستكين إليها، وحاضر الذهن لاستنباط كلِّ ما يُعزِّز ذِكره ومشيئته، ويُتمِّم شوقه في إمداد الأُمَّة بكلِّ ما يرفع شأنها، ويدفع بها إلى العِزَّة والكرامة، لأنَّها هي الصندوق الفَخم الذي نبضت فيه رسالة حدَّدت الله في الإنسان.

ولم يتوانَ الحسين مُطلقاً عن الإدراك، بأنَّ جَدَّه لا يستوعب ولا يستردُّ مِن غيابه إلاَّ في امتداده - هو الحسين - عِبر الإمامة الممدودة مِن أبيه إلى أخيه فإليه، على أنْ تكون الخَطَّ الضابط والمـُستوعب كلَّ هذه الأشواق، التي انصبَّت ضماناً معصوماً مِن الضعف والوهن لصيانة الأُمَّة، وهي الخزانة المجيدة لعُنفوان هذا الإنسان، الذي احتكره النبي وشدَّه إلى صدره برسالة هي صُلبه وركيزته وعزمه الشبعان مِن الوجود. إنَّ الإمامة هذه هي كلُّ المقصد السَّنْيِّ في مفهوم الحسين، وهي سِرُّ جَدِّه فيه، وسِرُّه هو في جَدِّه، وأنَّ أهل البيت هُمْ لُبُّ هذه الكينونة في كُنهها المحدود والمقصود.


أمَّا الأحداث التي استجدَّت في العصر، مُنذ غياب النبي إلى هذه الساعة الراقصة بيزيد، فإنَّما هي أمراس يرقص عليها صِبْيَة الأُمَّة، يروِّضون بها أقدامهم في ساحات الملاعب، لتكون لهم - في ما بعد - حبالاً متينة، يُدْلون بها إدلاءهم إلى الآبار التي يكونون قد تعبوا بحَفرها، ينشلون بها ريَّهم مِن الماء الذي يصلون إليه بعد أنْ يتذوَّقوه، وإلاَّ فينبذونه إلى الأعمق أصفى وأذكى، تلك هي الأحداث الأمراس في نظر الحسين - بعد كثير من التامل - لم يتعب مِن الرقص عليها أمام عيون المـَلأ، لا عمر بن الخطاب، ولا أبو بكر الصدِّيق، ولا عثمان بن عفَّان، ولا مُعاوية، ولا حتَّى أبوه وأخوه، وأنَّ الدور واصل إليه الآن في مُناجزة يزيد، إنَّها كلَّها أحداث في الساحة التي تختبر الأُمَّة فيها حقيقة شوقها، وكيفيَّة إشعالها النار تحت القِدر تطهي فيه وجبات طعامها. أمَّا الرسالة، فهي التي اجتهدت مليَّاً بتقديم القنوات القويمة والمـُستنيرة بلفحات الشُّهب، لتكون المـَحكَّ الأصيل لكلِّ خُطوة تفتِّش عن حَظِّها في التصويب، وتُعيدها التجربة إليه، وستكون الرسالة المرجع الدائم للأُمَّة في المضمار، الذي تطول ضلوعه ومساحاته فوق المكان إلى مالا يحدُّه زمان، وسيكون معنى ذلك أنَّ اللاعبين هُمْ الذين تُشاهد الأُمَّة قفزهم على الأمراس: هل هو المِران العاقل الموصِل إلى جَدوى؟ أم أنَّه الصبيانيِّ الهوى، الواقع توَّاً في الحُفر، والموقعها في الجريرة العمياء؟! أمَّا الضعف فلابُدَّ أنْ ينكشف، مِثلما لابُدَّ للصواب أنْ تتوضَّح معالمه ويتعمَّق حُفره، وهكذا تتوصَّل الأُمَّة إلى ترجيح منهج على منهج في عمليَّة التجربة الطويلة، التي هي وصلة صراع بصراع، يأخذ بعضه بركاب بعضه الآخر، فوق الساحة الفسيحة، التي هي ميدان الأُمَّة في تفتيشها - أبداً - عن الأفضل والأسمى، وهكذا تكتشف الأُمَّة أنَّ وجودها الحيَّ هو في وقوعها فوق أرض الميدان، ثمَّ في نهوضها - وإنْ مُهشَّمة - إلى استئناف سيرها في التفتيش، والتنقيب، والإفادة مِن اقتناص العِبر.

ولقد تبيَّن للحسين أنَّ في الأخطاء - وإنْ تكُن مُتتالية - دروساً بليغة تُعلِّم الأُمَّة كيفيَّة احتمال شؤمها، حتَّى يكون للتملُّص منها طَعم لذيذ التذوُّق، ومشدود العافية، وأنَّ الذين يسوسون الأُمَّة ويوقعونها في مثل هذا الوبال، هُمْ الذين


يُعلِّمونها كيف تحزم أمرها تجاههم وهي تقول: إنَّ في الشَّرِّ خيراً عميماً لأُولي الألباب!!!

هل كان الحسين - وهو يستدرج في باله مثل هذه الخواطر - يُهيِّئ نفسه للنزول إلى المعركة التي وصف مضمارها: بأنَّه الأوسع والأسنى مِن أيِّ مضمار آخر، تلعب الأُمَّة فيه لُعبة وجودها واستحقاقها، وبلوغها كلَّ مَزْيَّة مِن مزايا الرُّشد؟ ولكنَّ الاستدراج هذا كان مُعزِّزا بكلِّ ما يلهب العَزم، ويُحضره لخوض المعركة التي هي نوع مِن أنواع الملاحم. إنَّ الإمامة هي القاعدة التي ينطلق منها، فهي الحِصن والملجأ ومجمع الذخيرة، وهي السجلُّ الأصدق، لأنَّها عِبُّ الرسالة، ومَحض منها، ومَخبأ مِن مخابئها، وإرادة مكنونة في ضميرها، وزَرد متين في دروعها، ومجال حريز الصيانة للأُمَّة مِن تلاعب الأهواء في وحدتها ومصيرها، إنَّها الخلافة الصحيحة لجَدِّه الذي لنْ تفرغ ساحات الصراع مِن التزوُّد مِن مضامين رسالته الحيَّة بوجود الإنسان، ووجود الأُمَّة للإنسان.

هل يكون استعداد الحسين للنزول إلى ساحة الصراع نزولاً عسكريَّاً، مُجهَّزاً بسيوف ورماح يقصف بها سيوفاً ورماحاً يُقابله بها خليفة مُعاوية وابنه يزيد؟ لم يظهر أنَّ الحسين قد تجهَّز بمثل هذا التجهيز، أمَّا الذي بدا فهو مِن الصنف الآخر مِن المـُعدَّات التي لن يحرز الحسين النصر إلاَّ بها، والتي لم يطمح يزيد إلى الحصول على أيِّ نوعٍ مِن أنواعها، أمَّا حَظُّ يزيد منها، فكونه قد امتشق سيفاً مِن الذِّلِّ يضرب به عُنق الحسين، فتناول الحسين حُسامه الأغرَّ، ودافع به ليس عن عُنقه الأعزل، بلْ عن عُنقه المسوَّر بالإمامة، وعن صدر الأُمَّة المـُدرَّعة برسالة جَدِّه، وطُهْر أُمِّه، وفِقار أبيه، ونصاعة أخيه في الساحة البيضاء ما عدا ذلك فإنَّ يزيد قد تضاءل جِدَّاً أمام عين الحسين، وأصبح طيفاً يتراءى في باله، مَمزوجاً مزجاً مُركَّباً بمُعاوية أبيه، وعثمان، وعمر، وأبي بكر، وكلُّهم مِن الحَزمة التي يراهم فيها الحسين، يشدُّون حِبالها على خِصر الأُمَّة وعُنقها مع عمرو بن العاص، وبشير بن النعمان، وأبي موسى الأشعري، وزياد ابن أبيه أوْ أخي أخيه، ومروان بن الحَكم، وعبيد الله بن زياد، وهذا الأخير الوالي المعزول ابن عتبة السفياني ...


فعلاً، لقد استحكمت حَلقات المـُعاناة، وها أنَّ الحسين يتَّخذ القرار في تفجيرها ثورة تقتات منها الأُمَّة زاداً يُنعها ويُحييها في غَدها الصاعد. سيُقدِم - كما وعد ابن عتبة - على مُبايعة تبهر عينيه، إلاَّ فليكن لنا أنْ نُشاهد الحسين كيف هو عزمه في المـُبايعة!!!


المـُبايعة

حتَّى ولو صحَّ الافتراض بأنَّ يزيد يفوق أباه مُعاوية، مَقدرةً وحُنكةً ودهاءً، فلا يُمكن الحسين أنْ يُقدِّم له أيَّ نوعٍ مِن مُبايعة فيها قَبول أو رضوخ، فمُعاوية - بالذات - بعد أنْ توصَّل الحسين إلى تعيين ثُقله في الميزان، وجَدَه لهوَّةً مُحنَّكة بصَواني الدنيا، لا يهتمُّ بتزيينها وتقديمها على المائدة الكُبرى، التي تتجمع حولها الأُمَّة تتناول منها ريَّها وشِبعها، بلْ يحصر هَمَّه في جعلها حكراً في مقاصيره، يسكر منها مجداً، وسؤدداً، وتلاعباً بمُقدَّرات الناس، ويبذل قُصارى جُهده في تسييجها بالظلم المـُتداهي، والاستبداد المـُتباهي، حتَّى تبقى له في المـُلكيَّة التي تتعبَّأ بالجَور والاستبداد، مِن هنا كان الفِسق عند يزيد لوناً له في الإرث عن أبيه، وتلويناً له في التصنيف المـُمتاز وهو يتلهَّى بالبيزان والفهود، وترقيص القرود على أوتار العود، والتفنُّن بكلِّ أنواع المِجون، ليكون له - بالتالي - تفنُّن قِرَديٍّ وفَهديٍّ الأظافر، يأمر بإنشابها في عُنق مَن لا يبايعه على كرسيِّ الحُكم.

ليس الحسين الآن - وهو الغارق في نفسيَّة مُتملِّية مِن مُعاناتها الناضجة بالفَهم والعمق ورَوز الحقائق - إلاَّ الرافض كلَّ أنواع المـُبايعات - أكان المـُبايَع له يزيد الفاسق، أم أبوه مُعاوية المـُحنَّك بحلاوة المـُلك. إنَّ الحسين الآن هو المـُنتفض على كلِّ الخَطِّ الذي رسمه عمر بن الخطاب، لأنَّه الخطَّ الذي لعب فيه - على هواه - لعباً زريَّاً بمصلحة الأُمَّة، ورماها في فوهة المجهول. صحيح أنَّ الحسين تحوَّل - في فهمه وإدراكه - إلى اعتبار كلِّ خطأ طريقاً إلى صواب، أو بالأحرى إلى تصويب، ولكنَّ ذلك لا يعني أنْ يَحترم الخطأ، ويلثم يده البيضاء، لهذا فإنَّه الآن لا يقدر أنْ يغفر لابن الخطَّاب خُطوةً زلَّ بها عن حقيقة النهج، ولا يقدر - في


الوقت ذاته - إلاَّ اعتبار يزيد قرداً مُسمَّى ( بأبي قيس )، وهو - فعلاً - اسم قرد ذكيٍّ ومُمتاز، خلعه عليه أُستاذه يزيد، وكان رفيقه في جميع حفلات مُجونه، أمَّا المهزلة المؤلمة التي يفرض على الحسين الآن احتمالها تحصل تحت عينيه، فهي في كونه مدعوَّاً للرقص في الساحة ذاتها، التي يرقص فيها ( أبو قيس ) الذي ألبسه يزيد حِلَّة التهريج!

سيان - يقول الآن الحسين في نفسه - أكان المـُناجز يزيد، أم أنَّه بهلوان آخر اسمه عمر؛ لأنَّه أصبح يُدرك أنَّ ساحة الصراع تستدعي نزولاً حاملاً في يمينه سيفاً، تستفيد مِن نوعيَّته الأُمَّة، بأنَّه نوع لا يقصف، وعندئذ فإنَّ الحسام هذا لا يُمكنه أنْ يحفظ اسم الذي ينزل إلى مُناجزته في الميدان. إنَّ قيمة هذا الحسام هو أنَّه صقيل وقائم بذاته، ولا دخل لاسم الخصم فيه، سوى أنَّه خصم قد استعجل هذا الحسام إلى الخروج مِن غُمده، وهذا هو كلُّ دور يزيد وهو في الساحة يستدعي الحسين إلى النزول إليها مُبايعاً، وإلاَّ فإنَّ عُنقه هو المضروب!!

في كلا الحالين - بايع الحسين أمْ لم يُبايع - فعُنقه هو المضروب! لقد توصَّل الحسين إلى استيعاب هذه الحقيقة في وجوده الصريح، وهو وجوده طالبيٌّ - إماميٌّ - انتسابيٌّ إلى أهل البيت، وهو وجود مرئي بعين سُفيانيَّة يُهيجها الانتساب الطالبيُّ، كما يُهيج الثيران الاسبانيَّة كلَّ تلويح بقماشة حمراء، أمَّا يزيد فهو المـُتلاعب الآن بالتهديد، كما تتلاعب القِطط - وهي فصيلة مِن فصائل القرود أو الفهود - بالفأرة التي تصطادها، تُمنِّيها بالهروب، وتُمنِّيها وتُمنِّيها وتُمنِّيها حتَّى تقتلها مِن فَرط التمنَّي!!

مِن هنا إن الوالي الذي عُزل لأنَّه لم يكن سِنَّوراً يُتقن اللعب بصيده، جاء يعرض على الحسين مُبايعة تُنجيه مِن الوقوع في العَطب، وهو يُصدِّق أنَّ الحسين نازل عند عرضه، ومأخوذ بتبهرجه بيزيد، لقد صدَّق ابن عتبة أنَّ الحسين مُقدِم على مُبايعة تُبهر عينيه، ولقد أُعجب - أيضاً - بتبرُّع الحسين بدمه مِن أجل الأُمَّة، التي هي مِن الصكِّ الذي يملكه يزيد، أمَّا غير ذلك فإنَّه لم يلمح.


لم تكن المـُبايعة التي قصدها الحسين في حضرة الوالي - أبداً - ليزيد، بلْ إنَّها لجوهر الإمامة التي هي له الآن في شمولها المـُطلق. إنَّها للأُمَّة تقطف منها - في كلِّ غَدٍ طالع عليها - ما يعينها في البلوغ الكريم، وما يُثبِّت أقدامها في الترقِّي الصامد بحقيقة الذات، ما يُعينها في البلوغ الكريم، وما يُثبِّت أقدامها في الترقِّي الصامد بحقيقة الذات. ولقد تعهَّد ببذل دَمه مِن أجل هذه الأُمَّة الكريمة، التي تتحصَّن دائماً باسم جَدِّه العظيم، الذي وهبها كل ذاته، في حين أنَّها لا تتمجَّد إلاَّ وهي تنمهر بذكره.

لم يشدَّ الحسين الآن - في حضرة الوالي - عزمه على المـُبايعة تلك، مُمهورة ببذل الدم حين تقضي الحاجة، بلْ إنَّه التقرير الكبير الذي كان يصوغ بنوده، مُنذ بدأ يعي حقيقته المرسومة في بال جَدِّه الأكبر، وهي حقيقة ما استوعبها حتَّى أدرك أنَّه مربوط بالالتزام. إنَّ الإمامة - في إحاطتها الكاملة - هي التي كانت توسِّع عليه المـُعاناة، وتُكيِّفه بالصبر والتأنِّي، وتُحضِّره لكلِّ مواجهة تُجابهه بها الأحداث، التي هي - بحَدِّ ذاتها - مجالات تُعبِّر بها الحياة عن مقاييس زخمها في مُجتمعات الإنسان.

تلك هي مجالات الأحداث التي توقَّف الحسين طويلاً في استيعابها والتملِّي في درسها، وهي تنفث ريحها السَّموم في جَوِّ الأُمَّة التي استوعبها جَدُّه وأبوه وأخوه، وتركوا زمامها الآن عليه حتَّى يتعهَّدها بالإمامة التي عَبث بحبالها عمر بن الخطَّاب، ولم يقبل إلاَّ أنْ يوصلها إلى مَن يُتابع العَبث بها عَبث الفاسقين!!!

أمَّا الأُمَّة، فهي التي يتمُّ توجيهها لتعرف كيف تقرأ الأحداث، التي نقشتها هي بخطواتها الممشيَّة فوق الأرض، حتَّى يكون لها مِن حروف القراءة تمييز بين نَقشٍ ونَقشٍ، تتجنَّبه هزيلاً مريضاً، وتتحفَّز لتقويمه إنْ رأته معوجَّاً، وترتاده إنْ تلمس فيه خطَّاً إلى صواب وجمال، تلك هي المـُهمَّة الكبيرة نَقَشَ خطوطها وقنواتها الصريحة جَدُّه الأعظم، فقدَّمها للأُمَّة تقرأ بها تقويم خُطواتها، وتعيين حظوظها، كلَّما تنقَّلت بها الأعمار في باحات الحياة، وتلك هي المـُهمَّة الكبيرة ذاتها، تناولها أبوه الأجلُّ، وقدَّمها للأُمَّة تقرأ بها صيانة خطواتها، وهي تحفرها فوق الرمال المـَعْميَّة بالسراب، وتلك هي المـُهمَّة الكبيرة ذاتها، توسَّلها أخوه الأحبُّ وقدَّمها للأُمَّة


تقرأ بها لملمة حواشيها، وهي تنزل في كلِّ حقدٍ وضيم يُضلِّلانها في كلِّ ليلٍ مُدْلَهم، يشتدُّ فيه سطو الذئاب على نعاج بلا حراسة، أمَّا المـُهمَّة الكبيرة ذاتها، فهي التي تطوي كَشْحها عليه الآن، ليقدح لها - مِن قبله وفكره وعزمه - شرارة تُعلِّم الأُمَّة كيف تبني سيرتها المجيدة في الحياة، حتَّى تَخلص عينيها مِن كلِّ وطأة خَبلٍ ونعاس ترميها في غفوة الذِّلِّ والاستكانة، وتُبعدها عن المحارم الشريفة والعزيزة، التي تستهيم بها الحياة وهي تتمجَّد أبيَّة كريمة في حِضن ربِّها العزيز الكريم.

* * *


الشرارة

والشرارة! إنَّها مِن الاحتكاك، وهي لا تتعدَّى كونها قبساً يتمادى في تواصله، حتَّى يُصبح النار التي تُدفِّأ ضلوع الأرض، وتُمرع فيها براعم الزهر وأفواج السنابل، فالحياة - وهي ملقط مِن ملاقط الوجود - إنَّما هي الشرارة الخالدة، التي ينبض بها هذا الكون، وإذ تخبو، فالوجود كلُّه في سُبات كالرماد، ينخطف منه اللون والنخوة والدم الذي يمور!

ما أروع الحسين في جهازه النفسيِّ المتين! يتلقط بكلِّ حَدث مِن الأحداث التي دارت بها أيَّامه، ليصوغ مِن احتكاكها الشرارة الأصيلة التي تدفأ بها ضلوع الأُمَّة، وهي تمشي دروبها في ليالي الصيغ - لقد تبيَّن له - وهو يختبر وطأة الأيَّام في تنقُّلها عِبر الفصول، وعِبر الليالي الطويلة والقصيرة، وعِبر الأيَّام تُحرقها الشموس، أو تُضنيها مقاطع الغيم. إنَّ الشبه قريب جِدَّاً بين حياة الأُمَّة، فالفرد الذي يحتاج قميصاً مِن صوف في ليل الزمهرير، لابُدَّ له أنْ يتعرَّى منه في اليوم الهجير، وكذلك الأُمَّة بالذات، فالحرير الذي تنام في وقت النعيم، هو الذي لا يليق لها، ويُضنيها يوم يشتدُّ عليها البؤس أو يستبدُّ الضيم، والقول هذا يعني: أنَّ نوعاً واحداً مِن اللباس لا يسدُّ حاجة الفرد، مع تقلُّب الفصول مِن شمس تُحرق إلى صقيع يَلسع، إلى اعتدال يتبرَّأ مِن المـُتناقضين ويتطلَّب حياكة ألبق وأنسب، وكذلك الأُمَّة بالذات - وهي الفرد الكبير المـُتقمِّص ذاته حتَّى لا يموت - فإنَّ نوعاً واحداً مِن تعهُّد العيش لا يسدُّ حاجتها في البقاء الطويل، الذي هو اجتماع ينهب الزمان ليخلد فيها أطول فأطول. إنَّ الأُمَّة - الإنسان الاجتماعي - هي بحاجة أيضاً إلى ألبسة منوَّعة الحياكة، فتلبس كلَّ واحد منها ساعة تشعر أنَّها بحاجة إليه، وتستبدله بسواه في أيَّة لحظة أُخرى يطيب لها ذلك.


لقد دلَّ الاختبار الحسين أنَّ الأُمَّة تستأنس كثيراً بكلِّ واحدٍ مِن أبنائها، يُقدِّم لها أنوالاً جديدة تتوسَّع الحياكة فيها ويتنوَّع جَدْلُ قمصانها. إنَّها الأُمَّة التي ستغتني بما تلبس، وستترفَّه بما طرَّزوه لها، وستعرف أنَّ في نفسها، وحسَّها، ووعيها، زرعاً تأخذ منه - لكلِّ ساعة مِن عمرها - حصاداً جديداً ينتقيه لها جوعها أو شبعها، وستعرف أنَّ كلَّ تُخمة تقع فيها تُعلِّمها كيف أنَّ الرجوع إلى جوع يكون أدسم مِن السِّمنة، وأكثر اعتدالاً مِن الجَشع والنَّهم.

ولقد مَرَّ عليه الاختبار أنَّ جَدَّه العظيم قدَّم النول الكبير، وجهَّزه بالخيطان الصحيحة، وها هي الأُمَّة تأخذ مِن هذا النول قُمصانها، ولقد مرَّ عليه الاختبار أنَّ أباه النزيه ملأ الدلاء بالألوان البريئة، حتَّى تستسيغ الأُمَّة - ساعة يفتقر ذوقها إلى اللون - أنْ تصبغ القميص الذي ترتديه بلون الصدق، أو بلون العدل، أو بلون النزاهة المـُستقيمة بنظافة الكَفِّ والحَقِّ، ولقد مَرَّ عليه الاختبار أنَّ أخاه المـُعبَّر عن دور الإمامة، تناول القُمصان ذاتها، وقد وسَّخها الاستعمال ولطَّخها بغُبار البُغض والزيغ والتعدي، وطمع الاستئثار بأنانيَّة الحُكم والثراء المـُزوَّر، فغسلها بزُوفى السماح، ودهنها بالصلح الأبيض، فإذا بكلِّ كفٍّ نظيفة تُصافح أُختها بالمـَحبَّة والوئام.

اللَّهمَّ - يُسِرُّ الحسين إلى ذاته - شدَّد عزمي؛ حتَّى أُقدِّم للأُمَّة - التي هي أُمَّة رسولك وحبيبك محمد - ما يُصلح أمرها؛ حتَّى تُوسِّع مِن خُطواتها فوق دروب الحياة، اجعلني أشدد حُقويها، وامنحني قوَّة الوثب أُعلِّمها - لا بالحرف وتَمتعة الشفتين - بلْ بالقدوة الحيَّة. إنَّ العُنفوان في الحياة هو الذي يقود إلى المجد، وإنَّ التسكَّع والاستكانة لا يَصلحان لأكثر مِن ساعة، وإذ تمرُّ بلا جدوى، فإنَّ الذِّلَّ وحده يُصبح الخَلَف، وهو غِلاف الموت، وهو الرماد المخطوف اللون والنخوة والدم، وهو الذي يتطلَّب العنفوان في النجدة العزيزة، التي هي شرارة ترفض الذِّلَّ وتُحرقه، وهي تحترق معه في غمرة الإباء والعُنفوان.

ها هي الشرارة التي ولَّدتها في نفس الحسين مُعاناة الحسين، طيلة سِتٍّ وخمسين سنة مِن عُمره الهاجع في ضمير الإمامة، إنَّه الآن تعبير عن وثبة جديدة سيثبها بعد


عِدَّة أيَّام ما وثب مثلها بطل مِن أبطال الملاحم، إنَّها الشرارة التي سيُقدِّمها للأُمَّة، تتطلَّبها كلَّ مَرَّة تقع في حُفرة مِن حُفر الذِّلِّ، فتَثِب معها إلى خُلود لها تتذكَّر به فتاها الحسين!!!


روعة التصميم

كأنِّي - وأنا في غُمرة مِن الاستغراق مع الحسين - استمع إلى حديثٍ قد دار بينه وبين أخيه محمد بن الحنفيَّة، بعد شهرين أو ثلاثة مِن خروج الحسين مِن المدينة إلى مَكَّة - لستُ أكيداً مِن ضبط الوقت - كنتُ أتحسَّس الحسين رزيناً، يتنقَّل بخُطوات ثابتة في صحن الغرفة، التي جعلها ديواناً خاصاً لاستقبال الأخصَّاء مِن الوافدين عليه؛ للتشاور والتداول في الأُمور المـُرتبطة بالأحداث، وكلُّها جديد مُتعلِّق به وبالخلافة التي كان يحلم بها أيضاً عبد الله بن الزبير المـُلتجئ مثله إلى مَكَّة، هرباً مِن الضغوط التي كان يفرضها يزيد - خليفة مُعاوية -، وهو فوق أرض الشام. لقد كان يزيد سيِّد الموقف بالنسبة للقوَّة التي خَصَّه بها الخَطُّ السياسي الأُموي، المـُحرز - حتَّى الآن - نصراً فائقاً فوق الساحة.

مِن الطريف أنَّ هوىً حلواً ربطني ببوَّاب الحسين - أسعد الهجري - مُنذ تلك الليلة، التي تمَّت فيها المـُقابلة بين الحسين ووالي المدينة الوليد بن عتبة، وها أنا أهفو إلى هذا الصديق، كأنِّي في رابطة وثقى معه مُنذ أكثر مِن وقت معهود، وأنا أراه يفتح الباب على الحسين بدون أيَّة دالة مِن استئذان وهو يقول:

أسعد: أخوك محمد - يا سيدي - سأُدخله عليك، ولكنِّي أحببت أنْ أُطمئِنَ بالك أوَّلاً، إلى أنَّ العبدين - عبد الله بن مسمع الهمذاني وعبد الله بن وال - قد أمنت وصولهما إلى الخَطِّ صوب الكوفة، فاستلما الطريق وذهبا بأمان.

الحسين: إنِّي واثق مِن عزمك وحُرصك يا أسعد، ولكنِّي الآن انتدبك إلى كثير مِن مُتابعة اليقظة والحَيطة، فالأيَّام صعبة يا صديقي، وإنَّنا مُقدمون على سفر صعب، بين ليلة وليلة نرحل، إنَّ


الكوفة بانتظارنا - أيُّها الهجري المسكين - وأيَّة هجرة يا صاحبي لا تكون مثلك ومثلي، مسكينة! ولكنِّي أراك مَتيناً في رفقة الحَقِّ، وصلباً في تحمُّل السُّهاد، فاذهب الآن إلى فراشك، والبث حاضراً لمـُلاقاة الصِعاب.

وانسحب الهجري، وفي عينيه يسرح إيمان صدوق، وعزم شفوق، وبهجة رَؤوم، وشيءٌ آخر لا يُريد هو أنْ يُفتِّش عن أيِّ تفسير له.

أمَّا محمد بن الحنفيَّة فلقد دخل وأخذه أخوه الحسين بين ذراعيه بكثير من الشوق العفيف، ثمَّ أجلسه قُبالته وهو يطرح عليه السؤال:

الحسين: قبل أنْ أسألك عن أيِّ جديد عندك، هل زرت المقامات الثلاثة قبل أنْ تأتي إليَّ - يا أخي محمد -؟

محمد: طِبْ نفساً - يا أبا عبد الله - لقد زرت المقام الشريف، وركعت ساعة طويلة في المسجد في حضرة جَدِّنا العظيم، وتوَّاً بعد ذلك أمَّيتُ البقيع، وبعد ساعة مِن الزيارة للمرقدين الحبيبين، ركبت الطريق ووفدت إليك.

الحسين: ما أطيبك! فعلت؟ يا ابن كلِّ المـُطيَّبين، ويا للصدى الكبير ضِمن حيطان المسجد! ويا للقبرين الناضحين في البقيع بطُهر المثوى!!! والآن - يا محمد - هات ما عندك.

محمد: لا يزال اللَّغط مُشوِّشاً في كلِّ أرجاء المدينة، حول عزل الوالي ابن عتبة وإبداله بمروان بن الحَكم، هنالك أسئلة ثلاثة طرحها الوالي قبل أنْ يُعزل، وكان هو يعجز عن الإجابة عليها: لماذا وعدني الحسين بمُبايعة يزيد ثمَّ انسلَّ مِن المدينة ولم يفعل؟ ولماذا التجأ إلى مَكَّة وليس إلى سواها؟ وهل يُرتِّب الحسين مع عبد الله بن الزبير تضامناً في طرح مُبايعة للحسين يُعزِّزانها بثورة تخلع يزيد مِن الخلافة؟


الحسين: والوالي الجديد - مروان بن الحَكم - ألم يُجِب على الأسئلة المطروحة؟

محمد: إنَّه الأذكى على ما يبدو، وإنْ لم يكن إلاَّ الأكذب والأروغ، لقد قال أمام بطانته: لو أنَّ الوليد بن عتبة أصاخ جيِّداً إلى ما نصحته به - ولقد استشارني - لكان وفَّر عنَّا وعن نفسه إصغاء إلى أسئلة تُشغل بالنا بالجواب عليها، ثمَّ استطرد وقال: أوَّل جواب عندي، أنَّ الخليفة يزيد قد أحسن التصرُّف بعزل الوالي الأكتع والأعور، أمَّا مَكَّة فإنَّها لن تتمكَّن طويلاً مِن حماية المـُحترِمين فيها، أمَّا المـُبايعة للحسين، فإنَّ الحسين ذاته لا يؤمن بها تقوم بها القبائل، وتركها لنا نسيرها ونُعزِّز قوافلها، إذا كانت الإمامة لا تكفيه فماذا يبقى علينا أنْ نفعل له؟ هل نَدمج بُردى بدجلة والفرات ونَهِبَه إيَّاها حتَّى يرتوي؟! فُرصة واحدة لا تزال مُهيَّأة أمام الحسين: مُبايعة يُقدِّمها ليزيد، أو عُنق مضروب!!!

الحسين: صدقت يا أخي محمد في وصفك الرجل، صحيح أنَّه ذكيٌّ، ولكنَّ في رنَّة صوته ذئباً يعوي وثعلباً يروغ، لقد أصاب في تحديده المـُبايعات التي لا يُمكن أنْ نعود إليها بعد أنْ رفضها جَدُّنا نبرة في إيقاظ القبليَّة بأنماطها العتيقة البالية، واعتبر الإمامة - في مسدِّها - تحضيراً مُثقَّفاً بالرسالة، ومُطيَّباً ومُعفَّفاً بها، في سبيل وحدة الأُمَّة ورعايتها في طريق بلوغها وخلودها، ما أطيب أخانا الحسن! يضمُّ - فعلاً - دجلة والفرات إلى بُردى في صُلحه الأبيض، لا ليروينا وحدنا، ولا ليروي مُعاوية ويزيد ومروان، بلْ ليسدَّ عطش الأرض كلَّها في وحدة الرَّي، ومِن حدود النيل إلى رحاب الغَوطة، مِن أجل أُمَّة واحدة مجموعة العروبة في حِضن جَدِّنا العظيم محمد.


صَدَقَ وكَذَبَ مروان، صدق في توحيد المراوي، وكَذَبَ في تعطيشنا وتعطيش مجموع الأُمَّة منها، أمَّا أنْ يُهدِّدنا بقطع الأعناق، فلسوف أُمدُّ عُنقي ليُقطع حتَّى يكون مِن وريدي منهل تستقي منه الأُمَّة ماء بطيبة الماء الذي حفره أجدادنا في بئر زمزم.

محمد: وما تقصد - يا أخي الحسين -؟ أنا لا أُحبُّ أنْ أرضخ لتهديد يزيد، أو لأيِّ آخر يُرهبنا به بنو حرب، أنا أعرف أنَّ الأُمَّة بحاجة إلينا - يا أبا عبد الله - وأنا أُريد أنْ أشُدَّ عزمك على طرح المـُبايعة لك، فلتكن المـُبايعة ردَّة شاءها الخصم، فلنعتمدها أيضاً سلاحاً عليه، إلى أنْ يَقيض الله لنا وقتاً يُمكننا مِن التخلُّص مِن أوزار الماضي التي لا تزال الآن تُفعَل! أنت لا تُريد أنْ تلجأ إلى اليمن حيث يُمكننا أنْ نلتقط الأنفاس، ونُنظِّم قوانا للمـُقاومة، ولكنْ فلنُحاول - على الأقلِّ - أنْ نُحرِّك أعصاب الجزيرة، وأعصاب الكوفة والبصرة، إنَّ لنا رصيداً قويَّاً عند كلِّ هذه القبائل، لابُدَّ أنْ يلبِّينا للتخلُّص مِن نيْر يزيد، ونِيْر مروان، ونِيْر بني حرب!!!

إنَّ الأسئلة التي طرحها الوالي المخلوع، لا تزال بحاجة إلى جواب صريح، ألا يكون عليك، لا على مروان بن الحَكم، أنْ تُجيب عليها؟

الحسين: اصغ إليَّ - يا محمد - عندي وحدي الجواب عليها، ولن تقتنع بها إنْ لم تفهمني الفهم الصحيح، افتح أُذنيك الكبيرتين والعميقتين يا محمد؛ فالموضوع كبير وعميق إذا أردت أنْ تُصغي: أنا ما موَّهت على الوالي بالمـُبايعة، بلْ قصدت أنْ أُلهي أُذنيه بحروفها ليظنَّ أنَّها ليزيد، في حين أنَّها - في قصدي الوسيع - للأُمَّة التي تجمعني إليها قُدسيَّة الإمامة، أمَّا إلهاء


الوالي، فحتَّى أتمكَّن مِن ترك المدينة إلى حيث يتسنَّى لي كسب وقت أتمكَّن به مِن تنفيذ ما صمَّمت عليه، أمَّا تفضيلي مَكَّة على أيِّ مكان آخر في الوقت الحاضر؛ فلأنَّها حرم لا يجوز بسهولة انتهاكه واقتحامه لمـُلاحقة المـُحترِمين فيه، وبذلك يتسنَّى لي تحضير عُدَّتي لتنفيذ ما أنا مُقدم عليه.

محمد: عظيم - يا أبا عبد الله -! فهل لك أنْ تجعلني مُرتاحاً وتُطلعني على ما أنت الآن مُقدم عليه؟

الحسين: لا شكَّ أنَّك تقصد المـُبايعة، وأنِّي بين يديك في تتميم القصد؛ أنا لست شريك عبد الله بن الزبير في تنظيم المـُبايعة، فهو يزورني ويَشدُّ أزري فيها، لا لأنجح بها ضِدَّ يزيد، بلْ حتَّى أتمادى في تفسيخ الأُمَّة وتاليبها على يزيد، فأُنهِكه ويُنهكني، ويبقى هو مُرتاحاً حتَّى يتمُّ له ظهور على مُتْعَبَين مُضْعَفَين، أو على واحد منهما يبقى يرقص على قبر الآخر وهو مُنهك هزيل؛ يظنُّ عبد الله بن الزبير أنَّ الخلافة قرص مِن الحَلوى عجنته له أُمُّه ليأكله إذ ينطُّ مِن السرير ...

قال الحسين ذلك وهو بحالة مِن الاستغراق، بدا به كأنَّه ناسٍ أنَّه يشرح لأخيه وضعاً مُتعلِّقاً بالأحداث الجارية، وهي تستدعيه لأنْ يُقدِّم مَخرجاً يفكُّ الأزمة، ويوجِّهها صوب الحيطة والاحتراز. أمَّا أخوه ابن الحنفيَّة، فإنَّه لبث يُراقبه وهو تحت هذه الموجة مِن التأثير، دون أنْ يدري أين هو الآن في سياحته التي يَعبر منها بعينيه النائمتين، بين تضييقهما وتفتيحهما على ما لا يبدو أنَّه ملموح ومنظور حركة خفيفة أبداها، استردَّت الحسين صوبه فاستأنف الحديث:

الحسين: إنَّك تهتمُّ معي بالمـُبايعة أليس كذلك؟ لقد شردت قليلاً وأنا أُصغي إلى أبينا الإمام علي، لقد فسَّر كثيراً أمامي موضوع المـُبايعات، لقد عرضوها عليه في اللحظات الكثيرة التي فوجئ


بها مع خلافة أبي بكر، ثمَّ ابن الخطاب وابن عفَّان، فكان يرفض قبولها تتحكَّم بمصير الأُمَّة وبتقرير مصيره وهو وحده الخليفة الإمام، ولكنَّه لم يجد منها مناصاً بعد خمس وعشرين سنة، أبعدته عن حقيقته في تجهيز الأُمَّة، وتخليصها مِن النِّير الأسود، فاستسلم إليها في ساعة غَفلة، فأوصلته الى الحُكم، وكأنِّي بها هي التي أسقطته تحت خَنجر ابن مُلجم!!! ليس في يد القبليَّة سيف يُدافع عن القبيلة، وتُخطئ القبليَّة إنْ تَمْتَشق سيفاً تُدافع به القبيلة، لا تعيش - مُطلقاً - قبيلة ما لم تَئد بيديها قبليَّتها الذميمة، وتلك هي المـُبايعة تمشي بها القبائل إلى إحياءِ قبليَّاتها الموؤدة تحت أقدام جَدِّنا العظيم.

محمد: أتسمح لي أنْ أستوقفك قليلاً يا أبا عبد الله؟ ها إنَّنا نعمد إلى المـُبايعة وأنت الآن تعمد إلى ذمِّها، هل هذا هو سبيلنا في الوقت الحرج إلى يزيد وأعقاب يزيد؟

الحسين: تصبَّر قليلاً - يا محمد - فإنِّي مُتابع موضوعي إليك، فلتكن المـُبايعة التي تُريد منذ عشر سنين وأنا أُرَاجَع بها، لقد سمح أخي الإمام الحسن لمـُعاوية - وإنَّ في ظروف قاسية فرضت عليه الحَلَّ - أنْ يُكمل عهده في الحُكم ولكنَّ بعض القبائل بقوا رافضين، وعرضوا عليَّ القبول بمُبايعة ترفض مُعاوية وتشتدُّ إليَّ، فأرجأتهم إلى ما بعد انقضاء المـُدَّة - مدة الميثاق المعقود في وثيقة الصُّلح - وهي تنصُّ على أنَّ الخلافة تعود إلينا عِبْر الحسن، إثر وصول الموت إلى مُعاوية، أيْ: إنَّني لم أقبل بخيانة ميثاق قطعه أخي على نفسه، وهو مُتَّصف بالإمامة - وبقي الخطُّ القبائلي ذاته على اتِّصال بي - ولكنَّه بعد خلوِّ الساحة وانتقال العهد إليَّ بعد غياب الحسن، أصبحنا في حِلٍّ مِن الميثاق الذي خانه وتنكَّر له مُعاوية، ونقل الخلافة مُلكاً


موروثاً عنه لابنه يزيد، هل هذا ما تُريدني أوصِلك إليه؟

محمد: بالضبط - إنَّه موضوعنا الآن - ألا تراني كيف أُصغي إليك؟

الحسين: اسمع، هل تدري أين هو الآن أخونا وابن عَمِّنا مسلم بن عقيل؟ لقد أوفدتُه مُنذ مُدَّة إلى الكوفة لدرس أوضاع المـُبايعين المـُناصرين في العراق، ألا ترى معي أنِّي جئت مَكَّة لأكسب وقتاً أدرس فيه كيفيَّة تنظيم وتنفيذ الخُطَّة المرسومة؟

محمد: عظيم أنت - يا أبا عبد الله - أكمِل!

هَزَّ الحسين برأسه وهو يسمع ارتياح أخيه محمد، مِن مُتابعة السرد والوقوف على مسيرة التصميم، مِمَّا جعله ينهض عن مَقعده ويتمشَّى قليلاً في صحن الغرفة، وعلى مَهلٍ عاد فجلس قُربَه ليُتابع سردَ الحَدَث، ولكنْ بصوت خافت كأنَّه يُعلن سِرَّاً يخشى أنْ يُفلت مِن حيطان الغرفة إلى أُذِن جاسوس:

الحسين: هل تعرف أين كان أسعد الهجري قبل أنْ فتح لك الباب عليَّ، في هذا الهزيع الأخير مِن هذا الليل؟ لقد رافق عبد الله بن مسمع الهمذاني وعبد الله بن وال، إلى خارج مَكَّة، وسلَّمهما طريق القوافل صوب العراق، لقد حمل إليَّ الرجلان بريداً سريَّاً مِن سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد البجلي، وحبيب بن مظاهر، وكلُّهم - كما يبدو - موالون، ولقد أصبح في جَعبتي منهم أكثر مِن عشرة آلاف كتاب تأييد - ولقد وجَّهت مع الرجلين الرسولين الليلة هذه كتاباً يُسلِّمان نسخة عنه لكلِّ رئيس مِن رؤساء الأخماس في البصرة - سأقرأ عليك نَصَّه، وهاك أسماء هؤلاء الزُّعماء الذين في أيديهم أغلبيَّة قبائل البصرة: مالك بن مسعود الأزدي، المـُنذر بن جارود العبدي، ومسعود بن عمر الأزدي،


ونهض الحسين مُتوجِّهاً إلى مقعد في الزاوية الغربيَّة مِن المكان، رفعه بيمينه وتناول صندوقاً مِن تحته، حمله وتقدَّم مِن أخيه محمد، فتحه وهو يقول:

الحسين: هنا كُتب التأييد مِن زعماء القبائل، لقد قرأتها كلَّها وأنشأت دراسة عن كلِّ قبيلة تتمثَّل فيها، وسلَّمت الدراسات هذه لابن عمِّنا مسلم بن عقيل، هذا كلُّ ما نفَّذته حتَّى هذه الليلة يا أخي محمد، فهل يكون كلُّه مِن هواك؟ وهل رأيت فيه جواباً على الأسئلة الثلاث، التي بقيت أُحجيَّة في بال الوليد بن عتبة؟ في حين قدر على حلِّها الوالي الجديد مروان بن الحَكم؟

محمد: هل هذا كلُّ شيء؟

الحسين: وماذا تُريد بعد؟

محمد: والمؤَن، والعتاد، والقيادات، والتخطيط، وساعات التنفيذ، هل تمَّ تدبير كلِّ ذلك؟

الحسين: لكلٍّ أُسلوبها ومِرانها، أوْ فلنقل: نوع فوضاها!!! ألا يكفي ذلك في إدارة الحُكم، وتجهيز الميدان، وتقرير المصير!!! ستهُبُّ الأُمَّة كلُّها في البصرة بقيادة الأحنف بن قيس، ألا تعرف الأحنف بن قيس كيف ورَّط بني حنظلة وبني سعد بالقتال ضِدَّ أبينا عليٍّ في معركة يوم الجمل؟!!! إنَّه ذاته المـُبايع اليوم، ليس إكراماً لنا، بل إكراماً ليزيد بن مسعود!!! وسيلهب الساحات بالعزم الأكيد، غداً سأرحل صوب البصرة، إنَّ القوم ينتظرون هناك وصول الإمام الحسين، ألا ترى - يا أخي - أنَّ تنفيذ الأُمور أسهل مِمَّا تتصوَّر؟!!!

محمد: لم أفهم - يا أبا عبد الله - إنَّك تعميني بالأُحجيَّات، فبينا أراك مِن جِهة أُولى تعتمد المـُبايعة وتُركِّز عليها، وقد قطعت بها شوطاً لا بأس به صوب الظهور على الخَصم الفاسق والحقود، أراك مِن جِهة ثانية تُقابلها بنوعٍ مِن الاستخفاف والتحقير،


كأنَّك لا تُريدها تمشي بين يديك!!! بالله عليك، أيُّ شيء تقصد؟ وأيُّ معنى ترمي إليه؟

الحسين: محمد، هل يجوز لنا - بعد أنْ غُصنا خمسين سنة في خِضَمٍّ مِن الأحداث، ونحن أولياء جَدِّنا النبي، وفي أعيُننا ضوء مِن نوره، وقَبَس مِن هَدْيه، وفِطنة مِن ذكائه، وعزم مِن مضائه - أنْ لا نعرف كيف نقرأ حروف الكلمة، وأنْ نُضيِّع في تفسير الرموز، ونتيه حيالها في الأوهام!!! إنَّي أسألك: هل أنت مُنتظر مِن مُبايعات الكوفة والبصرة تلبية ترصُّ الصفوف وتقتحم الميدان؟! ما أسرعني يا أخي محمد أقول لك: قد ذلَّلَتْ الخمسون سنة مِن عُمرنا، لا البصرة والكوفة وحدهما، بلْ ذلَّلت الأُمَّة جمعاء، ابتداء مِن غَوطة الشام، وانتهاء إلى وادي النيل! عندما ذلَّت الأُمَّة أصابنا - نحن أهل البيت - وخاصَّة الرسول في عُهدة الإمامة، ذِلٌّ أكبر، ولن يُحرِّرنا منه إلاَّ العمل الأكبر، والنهج الأكبر. ولن أصبر عليك حتَّى تستفهمني أكثر، بلْ أسألك: مَنْ يُمسك في هذه اللحظة بالذات بخِناق العراق؟! إنَّه عبيد الله بن زياد، لقد كان مُكتفياً بإمرة البصرة على أيَّام مُعاوية، وها أنَّ يزيد يُرضيه بتوسيع ولايته على كلِّ أنحاء الكوفة، لماذا؟ لأنَّه أتقن الفتك عن أبيه زياد، وأجاد في بثِّ الإرهاب عن عَمِّه مُعاوية، وها هو الآن أفسق مِن أميره زياد، وأشرس مِن قرده ( أبي قيس )، إنَّ عبيد الله هذا يا أخي محمد - يعرف كمْ كَمأة قاءت الأرض في البصرة، وكمْ بيضة قاقت بها دجاجات الحيِّ في الكوفة، وكمْ شاة ثغت على حَملها المشويِّ فوق مائدة الأمير!!! إنَّ أرضاً واليها عبيد الله بن زياد، أو مروان بن الحكم، أو عمرو ( الأشدق )، وسائسها يزيد بن مُعاوية، لأرض تنسى أنها سواد


مِخصاب!!! فهل يكون لها مِن نعمة التعقيم أنْ تُخصب مُبايعة تمشي مع الصُّبح إلى صباح؟!!!

ما توقَّف الحسين إلاَّ عندما لمح دمعتين تنزلان بصمت على خدَّي أخيه، وهو غائب بذهول، فهزَّه مِن كتفيه وهو يقول:

الحسين: مُنذ مُدَّة طويلة أوقفنا عيوننا عن البُكاء، وتركنا الحُزن إلى استثمار آخر يُهيِّئنا إلى إنتاج، ألا تتأثَّر بي يا أخي وتشرب دمعك؟!

محمد: صدقت، إنَّ البُكاء للأطفال - ولكنْ - قبل أنْ اطلب إليك أنْ تتمادى بعد، أُحبُّ أنْ أُذكِّرك بأنَّك وعدتني بنصِّ الكتاب الذي وجَّهته إلى رؤساء الأخماس في البصرة، أظنُّه في حوزتك.

الحسين: لقد تهتُ عنه! هاكه:

( فإنَّ الله اصطفى محمداً على خلقه، وأكرمه بنبوَّته، واختاره لرسالته، ثمَّ قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وأبلغ ما أُرسل له، وكنَّا أهله وأولياءه، وأوصيائه وورثته، وأحقَّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا، فأفضينا كراهيَّة لفرقة، ومَحبَّة للعافية، ونحن نعلم أنَّا أحقُّ بذلك الحَقِّ المـُستحقِّ علينا مَمَّن تولُّوه، وقد بعثت برسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسُنَّة نبيِّه، فإنَّ السُّنَّة قد أُميتت، وإنَّ البِدعة قد أُحييت، فإنْ تُجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سُبل الرَّشاد ) .

هذا هو نصُّ الكتاب إلى رؤساء الأخماس، فماذا ترى فيه؟

محمد: أرى أنَّك قصدت تفتيح عيونهم لرؤية الحَقِّ والتزود منه، حتَّى تتمكَّن أنت مِن إهدائهم إلى سُبل الرَّشاد.

الحسين: صحيح هذا، إنَّه قصدي، فأنا لا أطلبهم إلى مُبايعة أكثر مِمَّا


استدعيهم إلى وعيٍ وإدراك أجل، أنا لا أقدر، ولا يُمكنني أنْ أكون إلاَّ في المركز الذي رسمه لي جَدِّي، إنَّ الإمامة وحدها هي قدري المـُحترم، وهي مُرتبطة بي في ارتباطي بهذه الأُمَّة التي هي جِدِّي وكلُّ معنى وجودي في هذا الكون، ولقد أصبحت أشعر أنِّي اشتقاق منها لا يقبل الانفصام. أمَّا فروضها عليَّ فأنْ أقوم بكلِّ ما يتعهَّدها في إتمام ذاتها، وفي كلِّ ما أراه مِن حاجاتها في حقيقة البلوغ، ماعدا ذلك فليس لي مِن معنى في وجودي، إلاَّ إذا أردت تنعُّماً في عيش أوسِّعه عليَّ مِن بحبوحة إلى بحبوحة، وأتذوَّق بها طعم الدنيا في لذاذاتها السخيفة والفارغة مِن حدود المعنى وحدود القيم. إنِّي - وهذا هو اقتناعي البليغ والصميم - أمام هذه الأُمَّة كما هو جَدِّي نبيُّها ورسولها، وكلانا الآن مُشتقٌّ مِن صدر السموِّ الذي هو مصدر العصمة، فإذا كان هو الحَقُّ مِن أجل أُمَّة هي الحَقُّ، فعلى الأُمَّة بالذات أنْ يتوسَّع بها الإيمان والرُّشد، حتَّى تتمكَّن هي مِن رؤية ذاتها فينا.

انطلاقاً مِن هذه القناعات، يكون عليَّ أنْ أُرشد الأُمَّة وأُعطيها كلَّ ما تقدر هي أنْ تأخذ، دون أنْ أحصر الأخذ بساعة مُعيَّنة مِن ساعات العمر، فكما أنَّ نوع العطاء لا يكون إلاَّ مبدأ مِن المبادئ، تتناوله الأُمَّة بعقلها وإدراكها، فإنَّها ستأخذ منه حاجتها عندما يبلغ عقلها وإدراكها قوَّة اللمح ومُتعة التلمُّس، ألم يُقدِّم جدُّنا العظيم رسالته العظيمة التي ستغرف الأُمَّة منها حاجاتها اليوم وغداً، وبعد مُطلق غَدٍ في ربط الغرف بتطوُّر الفهم والإدراك وبروز الحاجة؟

على ضوء قولي هذا أرجو - يا أخي محمد - أنْ تفهم عليَّ، فأنا ما توصلت إلى أيِّ قرار إلاَّ بعد أن زرعت عمري كلَّه في درس


الأحداث التي مرَّت علينا، ولقد توصلت على ضوء ما تكشَّف لي، أو بالأحرى، على ضوء ما وهبني جَدِّي مِن عزم كشَّاف عن عُمق الحقائق، إلى الإدراك أنَّ الأُمَّة كلَّها هي خزانة العزم، وخزانة الإدراك، وأنَّه علينا أنْ نُنبِّه فيها طاقات الروح والوعي والإدراك، حتَّى تأخذ هي - مِن تنبُّهها - ما تحتاجه وهي تمشي دروبها الصاعدة، ولقد توصَّلت إلى نوع مِن الشفقة على كلِّ الذين راحوا يتسلَّمون أزمَّة أمرها، فرأيتهم مأخوذين بكلِّ خديعة ضلَّلتهم الدنيا بها عن ربط أُمور الأُمَّة بسياساتها السليمة، وما كان ذلك خطأهم وحدهم في خِفَّة رُشدهم، أكثر مِمَّا كان في عدم قابليَّة الأُمَّة على الأخذ سدَّاً لحاجاتها؛ لأنَّ القيِّمين لم يتمكَّنوا مِن تنشيط قُدراتها، وتنبيه طاقاتها؛ لأنَّهم القيِّمون المـُتطفِّلون.

مِن هنا أنَّ الشفقة التي تولَّدت فيَّ، جعلتني أتجاوز كلَّ هؤلاء الذين أبعدونا عن حقيقة الحُكم، وحقيقة التعهُّد الموكول إلينا القيام به، عن طريق الإمامة المرسومة في ذهن جَدِّي، إلى اعتبارهم مرُّوا مروراً خفيفاً على الساحة، التي ما قصدوا إلاَّ أنْ يلعبوا فيها، وقصدت أنْ أُبرئ عيني وبالي منهم، وأنْ أُقدِّم للأُمَّة ما أراها بحاجة إليه حتَّى تُعزِّز خطواتها مِن مسيرة اليوم إلى مسيرة الغد، أمَّا الحاجة التي رأيتها الآن ماسَّة في حياة الأُمَّة ووجودها الكبير، والتي لا يُمكنها أنْ تعيش إلاَّ بها، فهي أنْ تكتشف دائماً وأبداً ما هو مزروع في روعة طويَّتها، مِن إباء يتدرَّج نوعه مِن سُلَّم إلى سُلَّم، حتَّى يتَّصف أخيراً بذلك الذي يُسمَّى عنفواناً تتسلَّح به العواصف والأعاصير، كأنَّه وحده هو الثورة التي لا تقبل الذِّلَّ إلاَّ لتُبيده مِن أمامها، ولتمحو اسمه مِن حقيقة الإنسان، لقد تثبَّت لي أنَّ المـُجتمع الذي


يلفظه الذِّلُّ هو الواصل - بلا رحمة - إلى رغوة الغثيان؛ لأنَّه وحده هو بَلادة في الفهم والروح، وغثيان لا يُنتج إلاَّ رغوة السَّمِّ!!!

توصَّل الحسين إلى هذا الفاصل مِن حديثه، وسكت كأنَّ إعياء هبط على عينيه، فأغمضهما على عزم في روحه بقيت تنشط به كلُّ سمات كانت تَخفق بين طيات جبينه، وتنساق قرمزيَّة فوق وجنتيه، وعلى خطوط شفتيه، ولكنَّه بعد دقيقتين على الأكثر فتح عينيه على أخيه محمد كأنَّه يستفهم، فاحتواه أخوه بذِراعيه وهو يقول:

محمد: إنِّي مأخوذ بما تقول - أيُّها الإمام - بدأت أُحسُّك ثورة في دمي، ولكنَّها ثورة تفعل بك، لقد بسطت شطراً مِن حديثك هذا، فهل أنت تعبت عن الشطر الآخر؟

الحسين: حتَّى التعب - يا أخي محمد - فهو غير مسموح له أنْ يكسرني، ما أطيبك! دائماً تُصغي، قلت: إنَّ الأُمَّة تأخذ حاجتها بعد عمليَّة التنبيه، وها أنِّي أقوم بالمـُهمَّة، سأبدأ بيزيد فأُعلِّمه أنَّ خلافة جَدِّي ليست له أصلاً، ولا لأيِّ آخر يخسر الفهم والتصميم!!! وأنِّي إنْ لم استردَّها بضربة السيف، فبمُكنتي أنْ أُحرِّرها بخفقة الرفض، وسيحصل ذلك تحت عينيِّ الأُمَّة؛ تعليماً لها أنَّ العُنفوان الصحيح هو في النفوس الأبيَّة، وأنَّه وحده المـُتلقَّط بروعة التصميم، وعندئذ تُفتِّش عنِّي الأُمَّة فتجدني في دائرة التصميم، أنا لا أُبشِّر الأُمَّة بالذِّلِّ والاستكانة، أمَّا القدوة الحيَّة فستكون البادرة الأُولى أقوم بها وأنا في روعة الرفض، فإذا كان للرفض - بعد - أنْ يُعلِّم يزيد قراءة الحَقِّ، فإنَّه المـُتنحِّي أمامي عن ولاية ليست له، أمَّا أنْ لا يرضى إلاَّ بعُنقي ثمناً لمجده الأسود، فعندئذ تعرف الأُمَّة أنَّ مِن دمي الفدية التي هي الثروة المـُكتنزة، وهي التي ستبقى لها مِن جيل


إلى جيل، تزرعها في خزائن روحها، فتُورق وتُزهر وتُثمر المجد الذي يحيا به مُجتمع الإنسان.

تفوَّه الحسين بمثل هذا المعنى الموشَّى بالدم، وسكت كما يسكت البُركان بعد قذفه غمراً مِن الحُمَم، أمَّا الفجر فإنَّه كان يلوح بتباشيره المـُنسلَّة مِن الطاقة العُليا، المزروعة في حائط الغرفة في هذه اللحظة، وابن الحنفيَّة مُتكفكف بإطراقه كأنَّه تعبٌ محزونٌ، فتح الباب على مَهلٍ أسعد الهجري، فرأى الرجلين تحت وطأة مِن وعي ضائع بين يقظة ويقظة، فأدرك أنَّهما كانا في المِعراج الآخر، الذي كثيراً ما كان يرقى إليه أمامه الإمام الحسين، فأغمض عينيه عليهما وأقفل الباب وانسحب.

عندما انتبه الحسين وجد أخاه ينظر إليه، ونور الشمس قد ملأ الديوان مِن الطاقة العُليا المفتوحة في الجدار، فقال له:

محمد: عجباً - يا أخي الحسين - ألم تكن تُحدِّثني في الليل؟

الحسين: ولكنَّنا الآن في يوم آخر، هل تدري بحضرة مَن كنت؟ قبل أنْ يهلُّ علينا هذا الصباح؟

محمد: كنت تُحدِّثني بمُبايعات القوم، وها أنِّي الآن أُحدِّثك أنْ تُشفق على نفسك وعلينا، فلا ترحل لا تحمل عيالك ونساءك، ولا تَرمهم إلى التهلُكة، وأنْ تُرِدْ أنْ ترحل فإلى اليمن ارحَل.

الحسين: ولكنِّي إلى الكوفة سأرحل!!! إلى الأرض التي امتصَّت دماء أبي عليٍّ سأرحل!!! أتاني مُنذ لحظة رسول الله وقال لي: ( يا حسين، اخرُج؛ فإنَّ الله قد شاء أنْ يراك قتيلاً، وأنَّ الله قد شاء أنْ يرى نسائي سبايا ).

بعد ساعة مِن الوقت كان الركب المـُؤلَّف مِن الحسين، وأولاد الحسين وبَنيهم، وكلُّ الأقرباء يملأون القافلة التي أعدَّها أسعد الهجري، الذي مشى أمامهم نحو خُطوط القوافل مِن مَكَّة إلى أرض العراق.


كربلاء

وكربلاء، إنِّي أتمثَّلها الخشبة العريضة، التي عرضت فوقها مشاهد الملحمة التي كان نجمها الكبير، وبطلها الأوحد، الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، الذي صرفنا مجهوداً مُطيَّباً به، ونحن نستنزف النفس والأوصال في تتبُّع سيرته المليئة بأسرار الذات، وعُنفوان النفس، والمنسولة نسلاً مِن كلِّ عبقريَّة يقترن بها تَوْق الإنسان، فيقتنص له منها جناحاً يطير به إلى سماوات أُخرى، تجعله قطباً مِن الأقطاب الذين يعتزُّ بهم وجود الإنسان.

والملاحم، إنَّها نادرة في الشوق والتطبيق، لهذا بقيت حِصَّة مِن حِصص المـُتشوِّقين إليها، وإنَّهم ما قدروا أنْ يُعالجوها ويُقدِّموا أنماطاً عنها إلاَّ في صنيع أدبيٍّ مُجنح بالخيال، هرقوا عليه جُهداً واسعاً، وسنوات طويلة في البحث، والتدقيق والتنقيح، حتَّى يجيء قريباً مِن الواقع الإنساني، إلاَّ أنَّه بقي تعبير عن واقع آخر لا يقدر الإنسان أنْ يحياه إلاَّ بشوقه وخياله وأحلامه - ان ملحمة الإلياذة تشهد لهوميروس كيف خصَّص عمره كلَّه لها، فإذا هي صنيع أدبيٌّ، شعريٌّ، خيالي، ليس فيه غير أبطال آلهة، خاضوا الأجواء كلَّها وربطوها بالميدان الأوسع، وأجَّجوا الصراع وألهبوه بالبروق والرعود، وبقي القرَّاء وحدهم المـُشاهدين كيف يتمُّ زرع البطولات الخارقة، وكيف يتمُّ الانتصار في المعركة الإلهيَّة التي يُحاول أنْ يُقلِّدها الإنسان.

ما أروع الحسين!! يجمع عمره كلَّه ويربطه بفيض مِن مُعاناته، ويجمعه إلى ذاته جمعاً مُعمَّقاً بالحسِّ والفَهم والإدراك، فإذا هو كلُّه تعبير عن ملحمة قائمة بذاتها، صمَّم لها التصميم المـُنبثق مِن واقعٍ إنسانيٍّ عاشه وعاناه وغرق فيه.

إنَّ الملحمة التي


قدَّمها على خشبة المسرح في كربلاء، هي الصنيع الملحميِّ الكبير، ما أظنُّ هوميروس تمكَّن مِن تجميع مثله في إلياذته الشهيرة، هنالك أبطال اعتلوا الجوَّ خشبة لعبوا عليها، وهنا بطولة واحدة أتمَّت ذاتها بذاتها، فَذَّة في مَسراها، ومُصمِّمة في عزمها، وإنسانيَّة في قضيَّتها، وواضحة في أهدافها، وحقيقية في عرضها المـُشاهد، وهي - بالوقت ذاته - مُركَّزة على ملحمة أُخرى أصيلة، هي التي قدَّمها جَدُّه العظيم ونفَّذها فوق الأرض وتحت السماء، فإذا هي ملحمة تنتصر بالإنسان فوق أرض الإنسان وتحت سماء الإنسان، لا خيال فيها، بلْ واقع إنسانيٌّ مَحض، لحمت الأُمَّة وعجنتها بعضها ببعض، في مُدَّة مِن الوقت لم تتجاوز عشرين يوماً، مِن أوَّل خُطوة خرج بها مِن مَكَّة، إلى آخر خُطوة خرَّ بها صريعاً في كربلاء العطشى وهي ضِفَّة مِن ضِفاف الفرات.

هل يجوز لنا وقد رافقنا الحسين سِتَّاً وخمسين سنة وهي كلُّ عُمره، أنْ لا نقفو خُطاه في البقيَّة الباقية مِن أيَّامه بيننا على وجه الأرض، وهي بقيَّة محفورة الخُطوات، مَشاها على فترة عشرين يوماً، فإذا هي نقش مُطرَّز بالدم، ولكنَّه مُطيَّب بعبير البطولة القاصدة تحديد معنى البطولات في دنيا الإنسان، فلنُرافقه - إذاً - مِن مَكَّة إلى كربلاء، ولنكُن - على الأقل - مُشاهدين نمتصُّ عريناً، ونمتصُّ التخاذل فينا، ونمتصُّ شَذا البطولة وهي تدعونا إلى كلِّ إباء يجمعنا إلى حقيقة الذات - ذاتنا الاجتماعيَّة - يا للغبطة! الحسين وهو يُحقِّق ذاته فينا.

- ١ -

لا شكَّ أنَّنا الآن مِن المـُشاهدين الذين لهم تألَّفت الملحمة التي صاغها الحسين، وكانت كربلاء خشبة مسرحها، ليس المـُشاهدون زُمرة مؤلَّفة مِن عبيد الله بن زياد والي البصرة والكوفة في الوقت الحاضر، ولا مِن عمرو بن سعيد بن العاص والي الحِجاز، ولا مِن الحصين بن تميم، والحُرِّ بن يزيد التميمي، أو مِن عمر بن سعد بن


أبي وقَّاص، الذي قابل - أخيراً - الحسين بثلاثين ألفاً نزلوا كربلاء وحزُّوا عُنق البطل! لا، وليسوا أزلام يزيد، وأزلام ابن زياد، وليسوا القبائل الذين كان يُمثِّلهم سليمان ابن صرد الخزاعي مع رؤساء الأخماس المـُوزَّعين في البصرة، إنَّ المـُشاهدين - ونحن منهم الآن - هُمْ كلُّ هؤلاء الذين سمَيثلون أمام خشبة المسرح المـُسمَّاة بكربلاء، بارتباط وثيق وممدود إلى خارج البصرة والكوفة، إلى الشام ومصر، واليمن وكلِّ أرجاء الحِجاز، إلى كلِّ نَسمة أو نأمة تُمثِّل الأُمَّة التي تعب على رصِّها ومزجها، وإخراجها وليِّها المـُسمَّى محمداً جَدَّ الحسين إنَّ الأُمَّة جمعاء هي التي قصد الحسين اعتبارها قِبلته الكُبرى، وهي الأحقُّ في الاستماع إليه يُرشدها ويُقدِّم لها الولاء ممهوراً بجُهد الروح، ومشفوعاً ببذل الدم.

- ٢ -

وخطوط القوافل، إنَّها مُمتدَّة مِن مَكَّة إلى العراق والشام عِبْر الصحراء، ولقد أُنشئت فيها مَحطَّات تضبط السير مِن الضياع، وتكون في الوقت ذاته أمكنة يرتاح فيها المـُسافرون، حتَّى يتمكَّنوا مِن مُتابعة الرحلة الطويلة والشاقَّة. إنَّها عديدة، أمَّا المشهور منها فهو مُرتَّب هكذا مِن مَكَّة إلى البصرة والكوفة وأرض الشام: التنعيم، الصفاح، وادي العقيق، الحاجر مِن بطن الرُّمَّة، ماء العرب، واقصة، الخُزيميَّة، الثعلبيَّة، زُبالة، بطن العقبة، شراف، التعذيب، الهجانات، كربلاء.

أخذت قافلة الحسين الطريق مِن مَكُّة وبقيت تخطُّ حتَّى توقَّفت في كربلاء، مِن عشرين ذي الحَجَّة مِن السنة الحادية والستِّين هجريَّة، وتوقَّفت في كربلاء في اليوم الأوَّل أو الثاني مِن الشهر التالي مُحرَّم، إنَّنا الآن نُرافقه كمُشاهدين ومُصغين، إنَّ في المـُشاهدة عِبرة سخيَّة، ولكنَّ الإصغاء إليه في المـُناسبات اللجوجة كان وفير التأمُّل، لأنَّه كان تظهيراً أصيلاً لكلِّ ما في نفسه مِن لواعج، ولك ما في رؤياه مِن مدى وصدى.


- ٣ -

أدرك الحسين - وهو لا يزال في المـَحطَّة الأُولى - التنعيم عبد الله بن عمر، فلنُصغ إلى هذا النوع مِن الحوار، الذي دار بين الاثنين في مُخيَّم الحسين.

عبد الله: يا سبط الرسول، ما كدت أعرف أنَّك تركت مَكَّة حتَّى هببتُ ألحق بك. حمداً لله، إنِّي توقَّفت ولمـَّا تقطع بعد أكثر مِن المحطَّة الأُولى مِن الطريق.

الحسين: ألا تراني أُرحِّب بك، هات ما عندك.

عبد الله: ما أكرمك! تكسر قليلاً مِن شوقي - يا ابن علي - لقد رأيت جَدَّك الرسول يكشف عن سِرَّتك وأنت طفل، ويُقبِّلك بها وهو مُغمض العينين، ألا تكشف لي سِرَّتك ولو كنت لم تفعل ذلك مُنذ أكثر مِن خمسين سنة؟

الحسين: لقد ذكرتني - يا رجل - بنعيمي الذي حكت منه ثوب أحلامي، فها أنِّي أمامك على ظهري، ولن أتحرَّك ولو ضربتني بألف خَنجر.

وانحنى ابن عمر يُقبِّل سِرَّة الحسين ثلاثاً، وفي كلِّ واحدة منها كان يبدو وكأنَّه ينتهل مِن الكوثر، ثمَّ نهض وهو يشكر ويقول:

عبد الله: أتُريدني أشكرك على نعمة أُسبغت عليَّ - يا ابن بنت الرسول -؟ ولكنْ هل تُصغي إلى رجاء لي؟

الحسين: اجلس وأفصِح يا ابن عمر.

عبد الله: أيُّ إفصاح لي وأنا استعطفك بالرجوع إلى محارم الكعبة؟! ألا تسمعني أقول لك: إنَّ نجاتك مِن القتل؟! لا يشفع فيها واحد بألآلف إنْ تابعت طريقك!!!

الحسين: إنَّ خمسين سنة مَرَّت علينا بعد ابن الخطَّاب قد صاغت قَدَري، فلا تحزن عليَّ يا ابن عمر!!! رعاك الله مِن مُشفق تأخَّر كثيراً إشفاقه.


ونهض الحسين يتمشَّى تحت بِلاس الخيمة، فهم ابن عمر أنَّه المصدوم برجائه، فقام حزيناً وانسحب، بينما كان يدخل بوَّابه أسعد الهجرى.

الهجري: يحيى أخو عمرو بن سعيد!

الحسين: أيُلاحقُني أمير الحِجاز بعد أنْ تركت له الحجاز وكلَّ أهل الحِجاز؟! ألا خَسىء الرجل، وخسىء مروان بن الحَكم والوليد بن عتبة!! أدخله يا أسعد ولا تَخف عليَّ.

بعد قليل كان أخو الوالي في حضرة الحسين على بوَّابة المـُخيَّم، فعاجله الحسين قبل أنْ يرمي عليه السلام:

الحسين: مِن قِبَل الأمير، أليس كذلك؟

يحيى: أجل، أخي عمرو، وهو أمير الحِجاز كما تعلم، يعتب عليك لا تودِّعه قبل أنْ ترحل.

الحسين: طرق القوافل مفتوحة، قُلْ للأمير يا أخا الأمير: فمتى كان على مُسافر أنْ يودِّع الأمير؟

يحيى: ولكنَّ الحسين يعلم - كما يعلم عبد الله بن الزبير - أنَّ المـُبايعة للخليفة يزيد هي التي تفكُّ مِن المـُراقبة والمـُلاحقة.

الحسين: قُلْ للأمير: أنْ لا شيء يحجزني في أرض أُريد أنْ أتركها إلى حيث يطيب لي.

يحيى: إنَّه عصيان على ما يبدو، سريعاً ما سأُبلِغ الأمير، نحن على خيل لا تُلحَق، غداً أو بعد غدٍ يكون لنا ما نتدبَّر به أمرك.

لم يجهد الحسين نفسه بالجواب، بلْ تبسَّم وأرتدَّ إلى الداخل، ولم يَعُدْ يرى كيف انصرف الرجل، إلاَّ أنَّه أمر سريعاً بالرحيل، وقبل أنْ يبلغ المـَحطَّة كان قد لحق به


ابنا عبد الله بن جعفر - عون ومحمد - فنزلا معه في الصفاح، حيث دار الحوار التالي:

الحسين: وما عند ابني العَمِّ عون ومحمد؟

عون: لقد هلع أبي عليك - يا عَمُّ - لا سِيَّما وقد عرف أنَّ الأمير ابن العاص قد أرسل في أثرك أخاه سعيداً، فقصده وبقي يُلحُّ عليه حتَّى استحصل على أمان لك تعود به إلى مَكَّة، وهذا هو صَكُّ الأمان.

الحسين: لا أمان لنا يا عون في ظِلِّ بني حرب، الأُمَّة كلُّها - يا ابن العم - تضيع عن التلقُّط بحبال أمنها!!!

محمد: ولكنَّ الكتاب بين يدينا يا عَمُّ.

الحسين: إنَّها كذبة قِرد - يا محمد - ألم يُخبرك أبوك - عبد الله بن جعفر - أنَّ صكوك الأمان قد بُدئ بتمزيقها مُنذ العهد الأوَّل على يدي أبي بكر؟!! فيكف نُصدِّق أماناً يُقهقه به قرد جديد في عهد يزيد؟ ارجعا وفتِّشا عن أمان آخر - يا حبيبيَّ - علَّني سأشتريه لكما مِن يَقظة جديدة مزروعة في دمي الأحمر!!!

عون: وما تقصد يا عمَّاه؟!

الحسين: ألا تخاف إنْ فسَّرت لك؟

عون: ولكنِّي أخاف أنْ لا أراك يا عمُّ!! لقد التقينا مُنذ ساعة بشاعرنا الفرزدق ذاهباً إلى الحَجِّ، سألناه عن الناس في العراق تجاهك، فأجاب: قلوب الناس معك - يا عمُّ - وأسيافهم عليك!!!

الحسين: أتظنُّني لا أعرف ذلك؟!

عون: وكيف تذهب إليهم؟!

الحسين: حتَّى أبلوهم بالحقِّ، حتَّى أستشهدهم على نفوسهم


الضائعة بين الصدق والكذب، حتَّى أُوكِّد لهم أنَّ الوعي لا يذلُّ وأنَّ الذِّلَّ لا يعى، حتَّى أُرشدهم إلى حقيقة هاجعة فيهم يجلونها بالصدق، والإباء وعِزَّة النفس. إنَّها القيمة التي يعيش بها الإنسان الصحيح الكريم، وهي التي تبني المـُجتمع الصحيح بقلبه وعقله وعفافه، حتَّى أُبيِّن لهم أنَّ الحاكم الذي يرهب الناس ويشتريهم، هو ذاته الذي يجعلهم أبقاراً تحلب وقطعاناً تسمن، إنَّ الحليب والدسم ليُهرق فوق موائد الأمير!!!

محمد: وكيف يُمكنك - يا عمُّ - أنْ تُفهمهم ذلك؟

الحسين: أُقدِّم لهم القُدوة، أُعلِّمهم كيف يكون الرفض يشترون به صَكَّ الأمان، لو أنَّ الأُمَّة تعلمت الرفض - يا محمد - لما كان ليزيد بين يديها رقصة تهريج مع دَنٍّ ودَفٍّ ووترٍ!!!

محمد: وكيف تُقابله وهو لابس هكذا نعله؟

الحسين: سأُقابله بالرفض، وسأُمكِّنه مِن الرقص على بدني حتَّى ترى الأُمَّة - بأُمِّ العين - أنَّ ثأرها لي هو الذي يُحييني فيها رافضة - فيما بعد - تسليم حاكمها حينما يُذلِّلها به!! فليكن إيمانك بالأُمَّة يا ابني، وليكن لي أنْ أُريها أنَّ الحقَّ يبنيها، وأنَّ العُنفوان يحميها ويُزهيها.

ما توصَّل الحسين إلى مثل هذه الحرارة في البحث، حتَّى سكت كأنَّه المـُنهك، ثمَّ نهض مِن مكانه وخرج يستكشف وطأة الليل في الخارج، بعد لحظات لحق به عون ومحمد، فاستفهم الحسين:

الحسين: أتعودان الآن إلى مَكَّة؟

عون: أبداً - يا عَمُّ - ها أنَّنا نُمزِّق تحت قدميك كتاب أمان


عمرو بن سعيد، ولن نترُكك وحدك في مُواجهة القَدر!!!

بينما كان الحسين يُراقب الورقة المفتوتة كيف راحت تَجثم بين قدميه، كان يتناول بين ذِراعيه الرجلين ويلفُّهما بجُبَّته الوسيعة!!! مع الصباح قطعت القافلة وادي العقيق، وتجاوزتها إلى الحاجز مِن بطن الرُّمَّة.

- ٥ -

توقَّف الحسين قليلاً في هذه المـَحطَّة، لتحضير كُتبٍ وإرسالها بسرعة إلى البصرة، ولقد استدعى إليه قيس بن مُسهر الصيداوي، وهو مُرافق لهم في القافلة التي لا يتجاوز عددها مِئة وثمانين نفراً بما فيهم النساء والأبناء والأخصَّاء، لقد دار الحوار بالشكل التالي:

الحسين: إنِّي أُدرك - تماماً - أنَّ المـُهمَّة صعبة يا قيس، ولكنَّك أنت الأصلب، تعهَّدها، هذه رسائل اجتهد في الحِرص عليها، وإيصالها إلى سليمان بن صرد الخزاعي، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، معناها؛ حتَّى يكونوا على علم بقُدومنا تتميماً لكلِّ ما مهَّد له مسلم بن عقيل.

قيس: سأسلُك أقرب الطُّرق، وسأكون - يا سيِّدي - مِن نوع الثعالب في التخفِّي والظهور، أليست الحالة تقضي مثل ذلك؟!

الحسين: صدقت، وأرجو أنْ لا يكون قد وصل إلى يزيد خبر تَرْكي مَكَّة إلى البصرة، ولكنَّ أمير الحِجاز ثعلب آخر يا قيس، وليس أخوه يحيى أقلَّ مِن قِرد على ظهر برذون، عليك أنْ تتحسَّب كثيراً - ياقيس - أتوقَّع أنَّ ما مِن مَخرم


مِن مَخارم الدروب إلاَّ وأصبح ليزيد عين عليها، فماذا تُراك تصنع بالكتب معك إذا وقعت بمصيدة؟!

قيس: لا تَخَفْ يا سيِّدي، أُمزِّقها وأزدردها، ولنْ أعدم وسيلة أبلغ بها البصرة، إنِّي كنت رسولك إليهم فيتمُّ لنا بذلك إبلاغ الغرض.

الحسين: تزوَّد بالحقِّ وامشٍ يا قيس، وانتظرني ألحِق بك، ألا ترانا أبداً على موعد؟!!

التفت إليه قيس وقد التهبت حَدقتاه بما لا يُفسَّر أنَّه حِلم أو عزم، أو وحي مِن قرار، ولكنَّه سريعاً ما انسحب وامتطى الليل كأنَّه الخفَّاش، ولكنَّه عَلِمَ في ما بعد أنَّ ما توقَّعه الحسين كان ترجمة صحيحة لما قد حصل، فأمير الحجاز ما وجَّه أخاه في أثر الحسين وأدركه في المـُحطَّة الأُولى مِن الطريق ( التنعيم ) ألاَ وكان قد وجَّه رسولاً آخر خطف الطريق خطفاً إلى يزيد في الشام، يُطلعه على ما حصل، وفي الساعة ذاتها كان صاحب الشرطة عند يزيد - الحُصين بن تميم - يربط الخطوط بالمـُراقبة: مِن القادسية، إلى خَفَّان، إلى القطقطانة، إلى جبل لَعْلَع، وكلُّها مراكز ومحطَّات لابُدَّ للمـُتوجِّهين صوب العراق والشام أنْ يمرُّوا بها، ولقد خدع الناس على هذه الخُطوط برجال شرطة يزيد، وظنُّوهم طلائع جيش يخصُّ الحسين، لأنَّ شائعات - ولو مُتكتِّمة - كانت تتردَّد هنا وهناك بأنَّ الحسين سيُبايع له، أمَّا حامل الكُتب قيس فإنَّه لم ينج مِن خيوط الشراك، فمزَّق الكُتب وازدرَدَهَا قبل أنْ يُساق إلى والي الكوفة عبيد اللّه بن زياد، الذي أمره - حتَّى ينجو - بأنْ يعتلي منبراً في الكوفة ويَلعن مِن فوقه الحسين، فأطاع قيس، ولكنَّه هتف بصوته المـُرعد مِن فوق المنبر بلعن يزيد وابن زياد، ولمـَّا رُمي مِن فوق السطح وتحطَّم رأسه، كان الخبر قد دخل كلَّ بيت مِن بيوت الكوفة، وهكذا تمَّ تمزيق الكُتب، ولكنَّ التكهُّن بأنَّ الحسين قريب مِن الأبواب كان حِصَّة الألبَّاء.


لم يتوقَّف الحسين إلاَّ قليلاً في مَحطَّة ماء للعرب، وبينما كان رجال يملأون القِرب لعطش الطريق، كان الحسين يُصغي لرجل مشهور هناك بحٍكمته وحُسن رأيه، عبد الله بن مطيع العدوي:

عبد الله: مَن أنا - يا ابن بنت الرسول - حتَّى تُصغي إليَّ؟ ولكنِّي أربأ بك وأنت الحكيم البصير، ويغلبُني حُبِّي لك ولأهل البيت؛ فأجرؤ وأقول لك: بالله عليك - يا سيدى - لا تُكمل الطريق، لن يكون لك مِن مَحبَّة القوم درع تَقيك، إنَّهم يَعِدون ولا يفون، تظنُّهم صادقين وهُمْ مُقدمون ثمَّ - والله أعلم - لماذا يلوون على أعقابهم ويهربون!!!

الحسين: وأنا أعلم أنَّك الصادق - يا ابن مطيع - ولكنِّي لا أتمكَّن مِن الهروب مثلهم مِمَّا كلَّفني جَدِّى القيام به. إنَّ الأُمَّة أيُّها العدوي - ولا شك انك تعرف أنَّها أُمَّة جَدِّي - تُطالبني بأنْ أقرأ عليها فصلاً مِن فصول الكتاب الذي خَطَّه جَدِّي، وقرأ منه أبي عليٌّ فصلاً كبيراً عليها ما تذوَّقت منه إلاَّ القليل، وقرأ منه أخي الحسن فصلاً آخر لم تفهم إلاَّ قليلاً مغزاه أمَّا أنا فحصَّتي مِن القراءة شاقَّة كما يبدو لك، ولكنِّي سأتذوَّقها وأُعلِّم الأُمَّة كيف يستحلبون منها حَلاوة هي وحدها التي تُعمِّر بها خليَّة النحل.

عبد الله: سيِّدي هل هذه هي العظمة؟

أخذ الحسين السؤال، وهو يلتفت صوب الرجال وفي أيديهم القِرب الملأى مِن الماء، ففهم أنَّ الوقت قد حان لترك المكان، فعاد إلى جليسه ليُردَّ عليه جواب السؤال:


الحسين: وإنَّها في الشهادة إذ يحين وقت الشهادة، على رسلك يا بن مطيع!!!

- ٧ -

وأقلع الركب وابن مطيع يُشيِّعهم، وفي عينيه لهب جديد تركه يهبط إلى العميق مِن وجدانه، والله أعلم كيف تحوَّل في نفسه بعدما وصله خبر استشهاد الحسين في كربلاء!!! أمَّا القافلة فإنَّها الآن في ( واقصة ) وهي مَحطَّة كبيرة وعريضة؛ لأنَّها مَفرق يتشعَّب، يميناً إلى الكوفة والبصرة، وينحدر يساراً إلى غوطة الشام، ولكنَّ المـُفاجأة أوقفت الحسين فترة مِن الوقت للتداول مع الأعراب هنا؛ لأنَّ الخُطوط كلَّها أصبحت مسدودة بأوامر صادرة مِن الشام، راح يُنفذِّها والي الكوفة عبيد الله بن زياد - إنَّ الناس ملقوطون بخوف ورهبة وحذر - هنالك واحد منهم مشهور بمُجاهرته بحُبِّ الإمام عليٍّ، ولكنَّه الآن يبدو كأنَّه أرنب يُفتِّش عن وجرٍ يتخبَّأ فيه؛ لأنَّ الواصل إلى أرض واقصة هو الحسين، سريعاً ما اقتحم زهير بن القين باب منزله، وأقفله وراءه، ليجد زوجته دلهم بنت عمرو واقفة وفي عينيها فرحة عيد، ولكنَّها هَدَّأت روعه وهي تسأل:

دلهم: ماذا يُروِّعك؟

زهير: ألم تسمعي بنزول الحسين مَحطَّة واقصة؟!

دلهم: إنَّها البُشرى منِّي إليك، هل أنت سعيد؟ أم أنَّك الجازع؟

زهير: ولكنِّي الجازع يا دلهم؛ لقد سَدَّ المنافذ كلَّها الخليفة يزيد، ولا أظنُّ الحسين، ولا كلُّ مَن يشدُّ بحبل الحسين، ناجياً مِن كفِّ يزيد وقبضة الوالي ابن زياد!!!

دلهم: ألا تُحبُّ الحسين؟! وأبا الحسين؟! وأُمَّ الحسين؟! وأخا


الحسين؟! وجدَّ الحسين؟!

زهير: وكيف أهرب مِن يزيد؟! وقرود يزيد؟! ومِن زياد؟! وابن زياد؟!

دلهم: وهل تُبدِّل السُّعود بالقرود؟! والنعيم بالجَحيم؟! والبطولة بالجبانة؟! ومَن يُصدِّقك بعد الآن وأنت على نفسك تُكذِّب!!!

زهير: الخوف مِن الظلم!!!

دلهم: إنَّه الموت تحت حوافره!!!

ما كاد ابن القين يرى وجه زوجته دلهم كيف يموج بما تقول، حتَّى هبَّ مِن مكانه إلى الخارج - بعد ساعة مِن الوقت - وكان الحسين في مُخيَّمة في واقصة، وبين يديه أخصَّاؤه، ومِن بينهم عون ومحمد ابنا جعفر، وصل زهير بن القين وفي وجهه ولاء وعزم، قَدِر - رأساً - أنْ يقرأهما الحسين:

الحسين: وما اسمك؟

زهير: زهير بن القين، ولكنَّ زوجتي اسمها دلهم.

الحسين: وتُحبُّها.

زهير: كالعبادة.

الحسين: يا لها مِن امرأة رائعة! أراها كتبتك حرفاً رائعاً على شفرة السيف، أتُراني حزرت؟

زهير: ولكنِّي طلَّقتها، إنِّي آتٍ مِن عند الشيخ الذي عقد زواجي، وها أنِّي الآن قد فَككته عنده.

الحسين: وكيف يُمكن ذلك؟

زهير: ولقد خَصصتها بكلِّ ثروتي.

الحسين: لأنَّك جئت تنضمُّ إليَّ؟!

زهير: حتَّى لا تكون أرملة مِن بعدى، وحتَّى لا تلقطها الحاجة.


الحسين: يبدو أنَّك صمَّمت أن تُستَشهد معي!!!

زهير: إنَّها دلهم يا سيِّدي، أحبَّت أنْ أربط شأني بقدرك!!!

زهير: كان سيفي مقصوفاً وأصبح الآن لا يقصف.

هكذا تصرَّف زهير بن القين والتحق بالحسين، ولم يتركه في كربلاء حتَّى انضمَّ إلى سلسلة المـُستشهدين.

- ٨ -

بعد هذه الرواية الطريفة، والتي يُحقِّق مثلها كلُّ ذي هوى في النفس يُصدِّق حِسَّه وظَنَّه، ويميل به التفاني إلى مظهر البذل السخي، كبذل الأُمِّ ذاتها مِن أجل ولدها، انسحب الحسين نحو المحطَّة الثانية وهي ( الخزيميَّة )، ولكنَّها ما احتوته حتَّى فجعته بخبر مقتل مسلم بن عقيل، بعد أنْ اكتشف عبيد الله بن زياد مَخبأه عند هاني بن عروة، وكان للوالي أنْ قتل الاثنين ومثَّل بهما أبشع تمثيل، وكان مقتل ابن عقيل في اليوم ذاته الذي ترك فيه الحسين مَحارم الكعبة، التي بعدها ( زُبالة ) فأخبر أفواجاً مِن الناس يُريدون أنْ يروه ويسمعوه، فانبرى إليهم - وهو الحزين المقبوض النفس، ليقول لهم: إنَّه ما أتى إليهم إلاَّ ليُجسِّد أمامهم عزمه ورفضه، وأنَّه يُدرك منذ زمن بعيد - أنَّ الأُمَّة بأغلبيِّتها قد ضعفت وهانت تحت قبضة الذين ذلَّلوها، وأرهبوها، ومنعوا عنها حقيقة التعبير، وها هي بذاتها تستدعيه مِن الكوفة والبصرة لأنْ يمثُل أمامها ويقودها إلى حالات التحرُّر، مع أنَّه مُتأكِّد أنَّها لا تَجْسر وتنزل إلى الساحة وتملأها بجبروتها وإرادتها، وعِزَّتها وكرامتها، لقد سلبوها أنَفَتَها، واستبدلوها بالجُبن والالتفاف بالصمت والتلطي. ومع ذلك فإنَّه أراد أنْ يُشعرها أنَّ في الذِّلِّ والركون إليه مَهلكة مِن الهوان، تفصل الإنسان عن حقيقته، وتُهدِّد المـُجتمع بانحدار مُتردٍّ لابُدَّ أنْ تشتدَّ وطأته عليه مع


تألُّب الأيَّام!!! وأراد أنْ يُظهر لها أنَّه لبَّى نداءها - وإنْ لم يُصدِّقها فيه - حتَّى يُثبت لها أنَّه الوفيُّ؛ وحتَّى يُعلِّمها أنَّ المـُلبِّي صادق في ما يُلبِّي، وأنَّه لن يهرب مِن الساحة التي يُقدِّم فيها رفضه وعزمه ودم الشهادة، في سبيل الأُمَّة التي وإنْ تَتلكَّأ الآن فلن تَتلكَّأ غداً بعد أنْ تَعرض أمامها حقيقة الرصد!!!

أمَّا المـُرافقون الذين كان ينموا - قليلاً - عددهم مِن مَحطَّة إلى مَحطَّة، فإنَّهم أخذوا بروعَة القول، ولكنَّهم بقوا تائهين، حائرين، وكأنَّهم يستفهمون فاستدركهم الحسين بما معناه: إنَّه الواقع الحزين! عندما تُجمِع الأُمَّة أمرها انضمُّوا إليها، أمَّا الآن فإنَّنا مع النُّخبة المـُريدة، نكفي لمـُتابعة الطريق والقيام بالمـُهمَّة، وتقديم القدوة، وإرضاء الشهادة!!! أمَّا الذين تستدعيهم عيالهم إلى المـُساندة في تحصيل العيش، فإنِّي لهم أقول: اذهبوا خير لكم وأجدى، سوف يطلبكم الغَد الثاني إلى تحقيق آخر أنتم دائماً بحاجة إليه.

بعد ذلك أمر الحسين بمُتابعة الطريق، وقد انفرط قِسم وافر مِن القوم، وبقي معه الذين مِن أمثال عون، ومحمد، وزهير بن القين.

- ٩ -

بعد مسيرة مُضنية بلغوا مَحطَّة ( بطن العَقبة )، وقصدوا أنْ ينزلوا فيها ويتزوَّدوا بقليلٍ مِن الماء، عندما تقدَّم منهم رجل يبدو مِن سيمائه أنَّه مُحترم في القوم، وطلب مُقابلة الحسين، وصادف أنَّ الحسين بالذات كان واقفاً وغارقاً في تلافيف نفسه، فانتبه إلى الرجل وراح يسأله:

الحسين: لعلَّك لم تُشاهد بعد الحسين؟!

عمرو بن لوذان: الأُذن عندي أبعد مِن العين.

الحسين: لو أنَّك تمزجهما لكنت السامع الرائي في آنٍ واحدٍ، ألا تسمع الآن وأنت ترى وأنت تسمع؟!


عمرو: يظهر أنِّي المـُوفَّق في اللحظة الكبيرة، أتقبل نُصحي أيُّها السيِّد؟

الحسين: هل أنت مُتمكِّن مِن معرفة ذاتك؟ هات النصيحة حتَّى أسمع.

عمرو: أنا لوذان بن أبي عكرمة، لا يبدو لي أنَّ في خاصرة الأُفق غيمة تمطر، فهلاَّ تعِدل عن المـُجازفة؟!

الحسين: إنَّ المـُجازفة - يا لوذان - أنْ نعدل عن المـُجازفة - أقول لك: إنَّ إرادة الله هي الفاعلة، وهي التي تعصر الرمال وتُفجِّر منها دفق الفرات!!!

بينما كان ابن عكرمة يعصر عينيه ويضغط أُذنيه تحت وطأة ما يرى ويسمع كان، الحسين يأمر باستئناف السير تاركاً محطَّة ( بطن العقبة ) لكلِّ البطون والأفخاذ، التي استنجدت بها قبليَّة عمر بن الخطاب، وأبي بكر، وابن عفَّان، وجعلوها بقرة تحلب اللبن في أكواب مُعاوية ويزيد وعمرو بن العاص، بعد مشي مرحلة بزاد قليل وماء أشح، بلغوا محطَّة ( شراف ) فأمر بنصب الخيام فيها.

- ١٠ -

صحيح أنَّهم خيَّموا في ( شراف ) وملأوا قُربهم مِن مائها، ولكنَّ الحُرَّ بن يزيد التميمي، كان مِن المـُخيِّمين - أيضاً - في الدائرة المـُشرفة على المـَحطَّة، على رأس قوَّة مؤلَّفة مِن ألف فارس، تُراقب القافلة الصغيرة، وتُحصي عديدها، وتضبط أنفاسها، ولم يُعتِّم قائدها حتَّى اقترب مِن المخيم ليدور بينه وبين الحسين حوار ناشف النَّبرات:

الحُرُّ: لن أتخبَّأ بعد الآن عليك، حتَّى حديثك بالأمس مع لوذان عمرو بن لوذان وصل إليَّ، نحن في الجيش لا نأخذ الأوامر بالرموز، بلْ بالإشارة الصريحة، نَصحك


الرجل بالعدول عن المـُجازفة، ونحن الآن لا نقبض عليه، لأنَّه نصحك ولم ينضمَّ إليك، لو أنَّه فعل لكان الآن معك في داخل الطوق، أُكرِّر عليك أنْ تقبل النصيحة وتستعدَّ للاستسلام لعبيد الله بن زياد، رُبَّما تكون النجاة في الاستسلام أسهل المـُجازفات.

الحسين: أنا ما جئت أُجازف يا ابن التميمي، وأرجو أنْ تحذف اسم أبيك مِن بداية انتسابك، اترُكه لابن مُعاوية وَصْلة كُفر، وحَلقة مجون، لماذا تدعي الصراحة ولا تأخذ منها أنَّ الإسلام يتبرَّأ مِن الفاسقين المـَاجنين، وأنَّ الأُمَّة تسقط في الحُفر إذ يتسلَّط عليها المـُجدفون!! أنا - يا الحر - جئت أُلبِّي الأُمَّة في طلبها الصريح، في حوزتي حمل ناقة مِن الرسائل، إنْ تكن حُرَّاً ومؤمناً بالصراحة والحَقِّ أنثرها الآن بين يديك؛ حتَّى ترى أنِّي أُطالب بحَقِّ القوم الذين هُمْ ضلع مِن ضلوع الأُمَّة، إنَّهم يرفضون فِسق يزيد، ويطلبون منِّي تحرير الأُمَّة مِن الكابوس الذي يُرهقها ويُبعدها عن المحارم!!!

هل تُصغي إليَّ - أيُّها القائد - لتعرف أين هي الصراحة؟ وأيُّ لون تصطبغ به الصراحة؟

الحُرُّ: أيُّ جواب تترقَّبه منِّي يُقنعني في ادِّعائك، إذا كان هذا هو الصحيح، فأين هم القوم يُنادونك ولا يظهرون؟

الحسين: وإنِّي أسألك: لماذا تسدُّون المنافذ؟! وتربطون خطوط القوافل؟! لماذا تتحكَّمون ( بواقصة ) وتمنعونني عن السير إلى الكوفة والبصرة؟ّ ولماذا أنت الآن في إحكام الطوق على مُخيَّمي في هذه المحطَّة ( شراف )؟! أليس ذلك كلُّه في الاحتياط الكبير حتَّى لا يكون للأُمَّة قدم


على خَطٍّ مِن خطوطها المـُدركة؟! ألم يكن هذا احتياطكم مُنذ خمسين سنة حتَّى هذه اللحظة الحُبلى بمآثم يزيد؟!! يا للخطِّ السخيف الذي أضعف الأُمَّة وأزاحها عن حقيقة صراطها؟!! يا لجَدِّي النبيِّ يرسم للأُمَّة خَطَّها ليأتي يزيد ويرقص بقروده على فيئها!!!

الحُرُّ: وماذا تُريد منِّي أنْ أقول لك؟! اسمع: لم يُسمح لي الآن أنْ اقبض عليك، تقدر فقط أنْ تتوجَّه إلى حيث تُريد إلاَّ دخول الكوفة والبصرة، ارجع إلى مَكَّة إذا أردت، سيكون ابن العاص بانتظار رجوعك، أمَّا إذا أردت أنْ تُخيِّم في هذه الأرض ففي ( العقر ) أو في ( كربلاء )

قال الحُرُّ ذلك ولوى راجعاً إلى مُخيَّمات الجيش.

أمَّا الحسين، فإنَّه أدرك أنَّ الساعة الحاسمة لم تبتدئ بعد قرعات ثوانيها، إلاَّ أنَّها بين لحظة ولحظة آتية!! إمَّا في أرض ( العقر ) أو فوق الأرض التي تُسمَّى ( كربلاء )، يكفيها - وإنْ تعطش - أنَّها واحة تَسغب إلى الفرات!!!

- ١١ -

تركوا ( شراف ) كأنَّهم المـُفتِّشون عن غيرها لا ليُخيِّموا فيها، بلْ ليتحصَّنوا بها ويَقلعوا منها للنِّزال والصراع، يا للقبضة مِن الرجال!! يمتشقون السيف في وجه جَحفل مِن الجيش، معه السيوف والرماح، والسهام والنبال!!! والدروع المـُحصَّنة بالزَّرد والخيول، وطيور البارز المسنونة المخالب والمناسر!!! أتكون الاستعدادات الوافية قد أعدَّها والي الكوفة عبيد الله بن زياد، لصدِّ معركة يقوم بها عشرات مِن الرجال هُمْ في رفقة الحسين، وهُمْ الميامي، ولكنَّهم العُزَّل؟! أمْ أنَّها في وجه معركة ستزحف إليها البصرة بقضِّها وقضيضها؟!!

ولكنَّ الكوفة - ويعرفون - أنَّها تنام على ترهيب، وتخويف وتجميد - وكلُّها


ملاقط وأغلال - فمِمَّا يخاف أقوام يزيد، وأزلام زياد، أمْ أنَّه الإرهاب الذي أتقن الفَنَّ في التمادي، ولم يَعُد يعرف معنى الإرعواء؟ ولكنَّ الجيش المـُستعدَّ للنزال، ستعرف كربلاء أنَّه باسم يزيد وتنفيذ ابن زياد، يفوق الثلاثين ألفاً، أُتراها ستتهيَّب الأجيال؟!!

ولكنَّ الحسين تمكَّن اليوم مِن التخييم في المـَحطَّة المـُسمَّاة ( العُذَيب )، لقد استقبله فيها ثلاثة مُناصرين قصدوا أنْ يُلبُّوا عنصر الوفاء عمر بن خالد الصيداوى، مجمع العائدي وابنه، وجنادة بن الحارث السماني. أمَّا رفيقهم الكبير فهو الشاعر الكبير الطرماح بن عدي، قالوا: نحن أربعة آلاف، تقدر أنْ تضرب بنا ساعة تأمر، فهبَّ اليهم الحسين وعينه كبيرة، وعزمه أكبر، وهو يقول:

الحسين: هنالك قرد يمنعكم مِن الوصول، ولكنِّي لا أطلب إرهاقكم بلا جدوى، لو أنَّكم تصوير وافٍ لحَجم الأُمَّة، لكانت اختفت مُنذ زمن بعيد هذه الذئاب مِن حول الحظيرة!!! افهموا عليَّ وكونوا خميرة مِن الخَمائر ستفعلون في غَدٍ آخر ما لا تتمكَّنون مِن فعله الآن وليس الغَد بغير وعيكم ووعي الأُمَّة أرجوا أنْ تُراقبوني فقط كيف سأتصرَّف في اللحظة الحاسمة، وأنا - ساعَتْئِذ - لكم وللأُمَّة التي أُقدِّم لها الرفض مع عُنصر الضمان!!!

بالحقيقة، إنَّهم فهموا الرمز وانكفأوا يُراقبون مِن بعيد، أمَّا الطرماح فإنَّه طرح نفسه على الحسين كأنَّه يبكي:

الطرماح: ألا تظنُّ أنَّ جبلي طيِّ: أجأٌ وسًلمى، يتمكَّنان مِن حمايتك في ساعتي المِحنة والضيم؟!!!

الحسين: إنَّه قلبك الكبير أيُّها الشاعر، ولكنَّ للأُمَّة مطلباً آخر تشتري به حقيقتها منِّي، ولا تشتري سلامتي


الصغيرة. افهمني - يا طرماح - وروِّ شِعرك مِن أطيب المناهل!!!

- ١٢ -

وكان النزول في كربلاء، يا للحصون المـُدَّرعة! ويا للعطش المـَشروب! يَنزُّ عليه الفرات بالماء الفرات، ويا للرماح المـُشرعة، تصهل بها الخيل مِن عِزٍّ إلى عِزٍّ، تتنادى به السهول الفيحاء، مَدَّاً إثر مَدٍّ نحو الكوفة، والبصرة، في انسياب يخضرُّ بدجلة، ويرتفع شامخاً بالجبال المـُشرئبَّة فوق الخليل، ويا للجيش! يُكْفكف الأرض ويصونها بالدفاع عن شرف تُحاول أنْ تدوسه زُمرة مِن الخارجين على السَّدَّة الرفيعة، التي يحرسها بالمـَجد خليفة عاهر، تَمرَّغ بالرذيلة والآثام، اسمه يزيد بن مُعاوية، جامع الرايات باسم الإسلام في كربلاء الإسلام!!! ويا للدعيِّ يُمرِّغ الخلافة بانتسابه إليها، كأنَّ الله ما أنزل القرآن إلاَّ ليلفَّه به في لِفافة الإرث، ولِفافة الحَقِّ، ولِفافة البيان!!

واستلم زمام القتال - على رأس جيش أكثر مِن ثلاثين ألفاً - عمر بن سعد بن أبي وقَّاص، وبقي يجول ويصول، مِن هِلَّة مُحرَّم حتَّى العاشر منه، ولم يترك ساحات الرمال إلاَّ مُقفلة تمام الإقفال على السيِّد الإمام، اللابس الحِبْرة اليمانيَّة المشقوقة، والمـُمتشق سيفاً يُلعلع به، كأنَّه مقدود مِن مقالع الجحيم!!!

لقد ببقي الفارس يَخضُّ الحسام الأبيض بيمينه، والتهديد الأحمر بيساره، والعَزم والزخم الاشهبين برأسه وتَلعة عُنقه، حتَّى هوى والأحمر القاني صبغة حِبرته، ومِلء كفَّيه يغبُّ منه عطشه، ليس إلى الفرات وحسب، بلْ إلى قنِّينة يملأها منه ليهديها إلى الرجل الآخر الغائب وراء أكثر مِن ألفي سنة، حتَّى يغمس قلمه بحبرها، ويخطَّ ملحمة أُخرى غير إلياذته العظيمة، تكون تعبيراً حيَّاً عن ملحمة إنسانيَّة واقعيَّة تقرأها الآن كربلاء.


الخاتمة

إيه يا حسين-

والقلم؟

إنَّك بريت نفسك قلماً للصفحة الكبيرة!

مِن المـُعاناة بَريتها!

ومِن بهاء الحقيقة!

ولبست لها حِلَّة البرفير!

وعلى النول الأبيِّ نسجتها!!!

ياللبطولة-

ظنُّوها شيئاً مِن متاع-

وقالوا: إنَّها جنون المـُجازفة!!!

وهاجموك بها-

كأنَّك فوق ألف حصان-

واقتنصوك بعد ألف جولة وألف صولة!!!

وحزُّوا رأسك!!!

وداسوا بدنك!!!

كأنَّك الأوسع في الميدان-

وما دروا أنَّك ما قهرت وما غلبت-

وإنَّك صِغت الملحمة!!!

يا للحقيقة-

تأتزر بذاتها في مجال التحقيق-


ويظنُّونها خيالاً مِن الوهم وضغثاً مِن الأحلام!!!

والملحمة؟

إنَّها الحقيقة الكبيرة في النفس إذ تتجسَّد-

وتبقى وهْماً وحُلماً إذا تضنيها البلادة!!!

وصِغت الملحمة:

إنَّها القدوة في الرفض-

إنَّها العُنفوان-

تُعلِّم الإنسان كيف يرفض الذِّلَّ والهَوان-

وتُعلِّمه كيف يرزم أجياله في مُجتمع الإنسان!!!

يا لجَدِّك العظيم - وأبيك المـُئتَمِّ!!!

كيف ألبساك اللون وآزراك به!!!

فإذا أنت - مِن جيل إلى جيل:

ثورة تُعلِّم-

وثورة تبني-

وثورة تُهدِّم جدران الظلم-

وثورة تبقى حيَّة في وجدان الأُمَّة-

ووجدان الإنسان


استشارة المـَراجع

تاريخ الطبري                                                               - لأبي جعفر الطبري

تاريخ التمدُّن الإسلامي                                                         - جرجي زيدان

تاريخ العرب                                                                       - فيليب حتي

مجموعة سير العرب                                                                - ا. م. مُغْنية

الإمام الحسين                                                             - باقر شريف القرشي

أعيان الشيعة                                                      - الإمام السيِّد محسن الأمين

ثورة الحسين في الوجدان الشعبي                              - الشيخ محمد مهدي شمس الدين

للمـُؤلِّف

الإمام علي نِبراس ومِتراس

فاطمة الزهراء وتر في غِمد

محمد شاطئ وسحاب

يسوع أبد الإنسان

لبنان على نزيف خواصره

جبران خليل جبران في مداره الواسع

مي زياده في بحر مِن ظمأ

أمل ويأس الجذور

مُحاكمة هارون الرشيد ( مسرحيَّة مخطوطة )

المهلب بن أبي صفرة ( مسرحيَّة مخطوطة )

الإمام الحسن الكوثر المهدور

الإمام الحسين في حِلَّة البرفير



الفهرس

الكلمة الأُولى. ٥

مُباهلة ٧

توطئة ٩

القسم الأوَّل. ١٥

أزاميل. ١٥

الأحضان. ١٧

أهل البيت.. ٢٥

الأساس. ٢٩

حَجَّة الوَداع. ٣٢

أين هو الحسين. ٣٦

إنَّه هنا الحسين. ٧٨

القسم الثاني. ٨٥

في حِلَّة البرفير. ٨٥

المـُعاناة ٨٧

١ - خَطُّ الطفولة: ٨٩

٢ - عهد ابن الخطَّاب: ٩٣

٣ - عهد عثمان بن عفَّان: ٩٦

٤ - عَهد الإمام: ٩٨

٥ - الصُّلح الأبيض وعهد الحسن: ١٠٣

٦ - شُّعلة الفشل وعهد الحسين: ١١١

المـُبايعة ١٣١

الشرارة ١٣٥

روعة التصميم. ١٣٨

كربلاء ١٥٢


الخاتمة ١٧١

استشارة المـَراجع. ١٧٣

للمـُؤلِّف.. ١٧٣