الشيعة في التاريخ
التجميع تاريخ التشيع
الکاتب محمد حسين الزين
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الشيعة في التاريخ

محمد حسين الزين


بسم الله الرحمن الرحيم

المقَدِّمَة:

وله الحمد على ما هدانا لتوحيده، والإيمان برسله وأَنبيائه، والتمسّك بالثقلين؛ الكتاب الكريم والعترة الطاهرة، والاحترام للصحابة المهتدين والتابعين لهم بإِحسان، والصَّلاة والسَّلام على خاتم رسله محمّد وعلى آله الميامين وصحبه الأبرار.

وبعد.. فإنّ طائفة من كتب التاريخ والمِلل غير الشيعية، قد صوَّرت عقائد الشيعة بصور باهتة فظيعة، وتهجّمت على أئمّتهم وعلمائهم، غير مستنِدة في ذلك إلى مصدر وثيق، بريء من الأغراض السياسيّة والتعصّبات المذهبيّة، التي تمكّنت - في القرون الغابرة - من نفوس الأكثريّة السّاحقة من الناس.

وكان يجمُل بمؤلِّفِي تلك الكتب أن يستندوا، فيما يكتبونه عن الشيعة، إلى مؤلَّفات الشيعة الكثيرة في العقائد والأحكام، وأن يعلموا ما يقوله علماء الشيعة في أصول الدين وفروعه؛ ليحكموا عليهم بمقتضى تلك الأقوال. وإلاّ، فمن الجور في الحكم أن يحكم الإنسان على أخيه بما يتلقَّاه من أفواه خصومه، أو يراه في كتب أولئك الخصوم، بالأخص إذا كان ذلك المحكوم عليه في عالم الوجود معاصراً لأولئك المؤلِّفين، مجاهراً بعقيدته ومذهبه، ومثبِّتاً لهما في بطون الكتب المنتشِرة في المعمور.

ولنفرض أنّ وجود الشيعة إنّما كان في العصور الحجرية البائدة، لكن أَليست آثارهم العلمية الثمينة قد بقيت إلى عصر هؤلاء المؤلِّفين، ولم تزل زينة المكتبات إلى اليوم؟!. فكان على أولئك المؤلِّفين أن يروها ويستندوا إليها


كما يستند الكتّاب الباحثون اليوم - مثلاً - عن الإغريق أو عن الفينيقيّين أو البابليّين إلى آثارهم الظاهرة، ويفتِّشون في بطون الأرض عن الآثار الخفيّة. أليس من المؤسِف كثيراً أن لا تَرى أحداً ممّن كتب من غير الشيعة عن الشيعة، قديماً أو حديثاً، يستند في الغالب إلى مؤلَّف شيعي.

وكيف يستندون إلى مؤلَّفات الشيعة الطافحة بالبراهين الساطعة على إثبات التوحيد والنبوّة وغيرهما من أَركان الدين الإِسلامي وأصوله؟!، وهم يريدون أن يحكموا جزافاً؛ كما حكم ابن حزم: (إنّ الروافض ليسوا من المسلمين؛ وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى)(١) . ولفظ الروافض كان عنده وعند أمثاله، نبزاً لعموم الشيعة، حتّى الاثني عشرية، كما يظهر جليَّاً لمـَن راجع (الفصل)، و(الخطط)، و(منهاج السنّة)، و(الصواعق)، وغيرها.

ويقول المقريزي:(إنّ الرافضة بلغت فِرقهم ثلاثمائة فِرقة(؟)، والمشهور منها: عشرون. الأولى: الإمامية، الثانية - من فِرق الروافض -: الكيسانية، الثالثة: الخطّابية، الرابعة: الزَّيديَّة،..... إلخ(٢) . وقد نسَب بعض العقائد الفاسدة إلى بعض أعلام الشيعة الإمامية، وجعل لهم، من عنده، أتباعاً وأسماءً؛ فقال: (والزُّرارية أَتباع زرارة بن أَعين؛ أحد الغلاة في الرَّفض، والهشامية أتباع هشام بن الحكم، واليُونسية أتباع يونس بن عبد الرحمن)(٣) . إلى غير ذلك من الفِرق التي اخترعها ولم يكن لها أثر ولا عين في الوجود.

ويقول ابن تيميَّة: ( إنَّ الرافضة لا يعرفون إمام زمانهم؛ فإنّهم يدَّعون أنّه الغائب المنتظر

محمّد بن الحسن)(٤) . ويقول أيضاً: (إنّ شيوخ الرافضة؛ كالمفيد والموسوي والطوسي وغيرهم، أخذوا ذلك (القول بالعدل) من المعتزلة)(٥) . وقال في مكان آخر: (الرافضة تجعل الأئمّة الاثني عشر أفضل من

____________________

(١) ج٢، ص٧٨ من فصله.

(٢) ج٤، ص١٧٣ من خططه.

(٣) ص١٧٦ منها.

(٤) منهاج السنّة، ص٢٧.

(٥) ص٣١ من منهاجه.


السابقين الأوّلين).

ويقول ابن حجر الهيتمي: (وزعمت الرافضة، أنّ المهدي هو: الإمام محمد بن الحسن العسكري، ثاني عشر الأئمّة)(١) . فهذا القول أو الزعم - على زعم الهيتمي - لا يقوله غير الشيعة الاثني عشرية، فهم المقصودون إذن بهذا الخبر المفتعَل، الّذي ادّعى ابن جحر أنّ الذهبي أخرجه عن عليّ، وأنّ عليّاً(قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يظهر في أمّتي، في آخر الزمان، قوم يسمَّون: الرافضة، يرفضون الإسلام) (٢) ، وأنَّ الدارقطني أخرجه بزيادة أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعليّ:(فإن أدركتهم فاقتلهم، فإِنّهم مشركون. قال قلت: ما العلامة فيهم؟، قال: يقرضونك بما ليس فيك، ويطعنون على السَّلف) ، وأنّ ظهور اسم الرافضة بعد عليّ بقليل، وثبوت الطعن على بعض السلف في حياة عليّ، وكون عليّ نفسه قد طعن على ذلك البعض. إنّ ذلك كله يدلُّ، بوضوح، على كذب هذا الخبر المحدِّد لظهور الرافضة في آخر الزمان، والأمر بقتلهم لخصوص الطعن على الخاطئين من السلف..

ومثله الأخبار المنسوبة إلى الشعبي، والمفنِّدة لعقائد الرافضة؛ لأنّ الشعبي قد توفّي سنة ١٠٥ هـ واسم الرافضة ظهر يوم نهض زيد بن عليّ سنة ١٢١ هـ؛ أي بعد وفاة الشعبي بسنين. ولكن ابن حجر تغافل عمّا في ذلك الخبر من علائم الكذب والوضع؛ فلأجله كرَّره في صواعقه وأخذ يصول به، كما كرَّر تلك الألفاظ البذيئة في حقِّ الشيعة البريئين.

وإنّا لنمرُّ عليها مرور الكرام، ولم نأت على ذكرها في كتابنا كُرْهاً بما تسبِّبه - على الأقل - من تباعد القلوب، الحريصين على تصافحها في مثل هذه الأيام الشديدة على الإِسلام والمسلمين. وإِنّما ذكرنا غيرها؛ من أقوال المقريزي وابن حزم وابن تيميَّة وابن حجر؛ لنستدلَّ بها على أنّ مرادهم بالرافضة - حينما يذكرونهم - عموم الشيعة؛ حتّى الاثني عشرية الّذين هم من الإسلام

____________________

(١) الصواعق، ص١٠٢.

(٢) الصواعق، ص٣.


في الصميم؛ حيث تلقُّوا إِسلامهم، بأصوله وفروعه، من كتاب الله وسنّة رسوله؛ تلك الّتي رواها لهم العترة عن جدِّهم عن جبرائيل عن الباري، فلا (يجرون مجرى اليهود والنصارى)، ولا يقولون (بالتناسخ وغيره)، ممّا رماهم به المقريزي وغيره، ولا (يقرضون عليّاً بما ليس فيه)، فهم مسلمون لا مشركون، وإن جعلوا أئمّتهم أفضل من السابقين الأوّلين، أو طعنوا على بعض السلف المعاند لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله:(لا يؤمِن عبد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه، وتكون عترتي أحبّ إليه من نفسه. ولا يدخل الإِيمان قلب رجل حتّى يحبّوكم لله ولرسوله) (١) .

ومن الحمق أو الجهل أو الجمود، أن يُفرض على المسلمين موالاة من خالف قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):(من سبّ أهل بيتي فإنّما يرتدّ عن الإِسلام، ومن آذاني في عترتي فعليه لعنة الله، ومن آذاني فيهم فقد آذى الله. إنّ الله حرّم الجنّة على من ظلم أهل بيتي، أو قاتلهم، أو أعان عليهم، أو سبّهم) . وصحّ أيضاً أنّه قال:(والّذي نفسي بيده، لا يبغضنا أهل البيت أحد إلاّ أدخله الله النّار) (٢) .

وقد أثبت التاريخ الصحيح، وصحَّحت كتب الحديث المعتبَرة عند أهل السنة، أنّ بعض السلف قد سبَّ أهل البيت على منابرهم، وآذاهم وظلمهم، وقتل خيارهم وحاربهم، وأعان عليهم وأبغضهم. وسترى إثبات ذلك إن شاء الله.

أضف إلى ذلك، ما عدَّده أبو عثمان الجاحظ، من الآثام التي اقترفها بعض السلف طيّ رسالته في بني أميّة. منها قوله: (استوى معاوية على المـُلك، واستبد على بقية أهل الشورى، وعلى جماعة المسلمين، من المهاجرين والأنصار، في العام الذي سمّوه عام الجماعة. وما كان عام جماعة، بل عام فُرقة وقهر وجبريّة وغلبة، والعام الذي تحوّلت فيه الإِمامة مُلكاً كسروياً، والخلافة غصباً قيصرياً، ثُمَّ ما زالت معاصيه من جنس ما حكيناه، وعلى منازل ما رتّبناه، حتّى ردّ قضية

____________________

(١) الصواعق، ص١٠٥.

(٢) الصواعق، ص١٤٠.


رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ردَّاً مكشوفاً، وجحد حكمه جحداً ظاهراً، فخرج بذلك من حكم الفجّار إلى حكم الكفّار، وليس(١) قتل حجر بن عدي، وإطعام عمرو بن العاص خراج مصر، وبيعة يزيد الخليع، والاستئثار بالفيء، واختيار الولاة على الهوى، وتعطيل الحدود بالشفاعة والقرابة، من جنس الأحكام المنصوصة، والشرائع المشهورة، والسنن المنصوبة، وسواءٌ جحْد الكتاب وردّ السنّة؛ إذا كانت في شهرة الكتاب وظهوره، إلاّ أنّ أحدهما أعظم، وعقاب الآخرة عليه أشدّ).

وقد أرْبَت(٢) نابِتة عصرنا ومبدِعة دهرنا فقالت: لا تسبّوه؛ فإنّ له صحبة، سبّ معاوية بدعة، ومن بغضه فقد خالف السنّة. فزعمت أنّ من السنّة ترك البراءة ممّن جحَد السنّة)(٣) .

ومن ذلك السلف، الذي يكون الطاعن عليه مشركاً بزعم ابن حجر، عمرو بن العاص؛ الذي ألّب على عثمان (رض) وسرّ بقتله، ثُمَّ اجتمع مع معاوية يطالب بدمه ممّن كان من أشدّ المدافعين عنه وأعطفهم عليه، يوم أمر طلحة بمنع الماء عنه وتعجيل قتله.

كلّ ذلك كان من ابن العاص حبّاً بخراج مصر لا بعثمان، ولا بمعاوية أيضاً. وقد حذّر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من اجتماعهما، وأمر بالتفريق بينهما، وصرَّح بأنّهما لا يجتمعان إلاّ على غدر(٤) . ومن السلف يزيد، خليفة معاوية، الذي (وُلّي ثلاث سنين (بعده)، فقتل في الأولى: الحسين (ع)، وفي الثانية: أخاف المدينة، وفي الثالثة: رمى الكعبة)(٥) ، وكفاه (حسنة) جهره بقوله:

____________________

(١) الظاهر: (أوليس)؛ كما يدلّ عليه سياق الكلام.

(٢) أَرْبَت؛ بمعنى: زادت. يقال: أربى على الخمسين؛ أي زاد عليها.

(٣) رسائل الجاحظ، ص٢٩٤، ط مصر.

(٤) انظر: العقد الفريد، ج٣، ص١١٣، وتطهير الجنان (المطبوع على هامش الصواعق)، ص١٠٢، وص١٣٥.

(٥) تذكرة سبط ابن الجوزي، ص٢٢٣، والفخري، ص١٠٣.


لعبت هاشم بالمُلك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

ومثله مروان بن الحكم، الذي كان من أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت (ع)؛ بشهادة ابن حجر الذي يقول: (ومن أشدّ الناس بغضاً لأهل البيت مروان بن الحكم. وكأنّ هذا سرّ الحديث الذي صحّحه الحاكم؛ أنّ عبد الرحمن بن عوف (رض) قال: كان لا يولد لأحد مولود إِلاّ أُتي به النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيدعو له. فأُدخل عليه مروان بن الحكم، فقال: هذا الوزغ بن الوزغ، الملعون بن الملعون. واستأذن الحكم بن العاص على رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فعرف صوته، فقال: ائذنوا له، فعليه لعنة الله، وعلى من يخرج من صلبه، إِلاّ المؤمن منهم، وقليل ما هم يترفّهون في الدنيا. ذوو مكر وخديعة، وما لهم في الآخرة من خلاق)(١) .

(وصحّ أيضاً أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأى ثلاثين منهم ينزون على منبره نزو القردة، فغاظه ذلك، وما ضحك بعده إلى أن توفّاه الله )(٢) .

وقس عليهم مثل: الوليد بن عقبة، شارب الخمور والزائد في الفريضة، وعبد الله بن أبي سرح الّذي أهدر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دمه.

هؤلاء هم السلف الّذين تطعن عليهم الشيعة عندما تقيسهم بمقياس الدين، وتزنهم بميزان الشرع، وتحكم عليهم بحكم الشارع الأقدس؛ الذي خبرهم وعرف سوء نيّاتهم، فلعنهم وحذّر منهم، وأهدر دم بعضهم، وأمر بقتل آخر؛ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على منبري،

فاضربوا عنقه )(٣) .

ثُمَّ إنْ كان الطعن على مثل هذا البعض من السلف يوجب الحكم بالقتل والشرك، كما يشير إليه ذلك الخبر الموضوع، فلماذا لا يحكم بهما من طعن على خيرة السلف من أهل البيت ما يقرب من سبعين سنة على منابر الإسلام؟!

أليس تبرأة هؤلاء الطاعنين على أهل البيت، وتكفير الشيعة لطعنهم على

____________________

(١) الصواعق، ص١١١، وتطهير الجنان، ص١٥٥.

(٢) تطهير الجنان، ص١٢٩.

(٣) شرح النّهج للمعتزلي، ج١، ص٣٤٨.


ذلك البعض من السلف بالخصوص، إِلاّ من التلاعب في الدين والحكم على حسب الهوى و الغرض؟!.

وإنْ كان الموجب للشرك هو الطعن على جميع السلف، فالشيعة تبرأ من ذلك أَشدّ براءة؛ لأنّها تقدّس الأكثرية الساحقة من السلف الصالح أعظم تقديس.

ولا شكّ أنّ ابن حجر وزملاءه يعلمون ذلك من الشيعة، ولكنّهم ستروا وجه الذي علموا، وراحوا يهوّلون الأمر على الناس ويلبسونه؛ ليبعدوهم عن أهل البيت وأشياعهم..

ولقد بلغ التعصّب الذميم من ابن خلدون حدّاً قضى به للطعن على الأئمّة المطهَّرِين من الرجس بمثل قوله:(وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به. إلى أن قال: ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم، بل أوسعوها جالب الإنكار والقدح)(١) .

ولا يسعنا إِلاّ أنّ نقول: هذه مذاهب أهل البيت مدوَّنة في كتب العقائد، وهذا فقههم مبسوط في كتب شيعتهم المطبوعة المنتشِرة، فليطلبها المنصِفون وليطَّلعوا عليها؛ ليعلموا أنّ أهل البيت لم ينفردوا في فقههم إِلاّ في مسائل قليلة جداً. وأمّا غيرها؛ فقلَّ ما تجد مسألة يخالفون فيها بعض أئمّة أهل السنّة إِلاّ ويوافقهم غيره. مثلاً: تراهم يخالفون أبا حنيفة (الفارسي) في تجويزه الوضوء بالنبيذ(٢) ويوافقهم الشافعي على ذلك.... وهلمَّ جرّاً.

____________________

(١) ص٣١٣ من مقدّمته.

(٢) ذكر ابن خلِّكان: (إنّ من مذهب أبي حنيفة، تجويز الصلاة بجلد كلب مدبوغ ملطّخ ربعه بالنجاسة، وتجويز الوضوء بنبيذ التمر، والقراءة في الصلاة بالفارسيّة. وإنّ خروج الريح من دبر المصلّي لا يفسد وضوءه وصلاته. وإنّ السلطان محمود بن سبكتكين عدل؛ لذلك، عن مذهب أبي حنيفة إلى مذهب الشافعي). انظر: وفيّات الأعيان، ج٢، ص٨٦. وذكر الخطيب البغدادي (في تاريخ بغداد، المجلّد ١٣) : (إنّ أبا حنيفة قال: لو أنّ رجلاً عبد نعلاً يتقرّب بها إلى الله، لم أر بذلك بأساً. وقال: إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وإنّ إيمان أبي بكر وإيمان إبليس واحد. وإنّه كان مولعاً بالقياس، فلم يتركه حتّى مع الحجّام. إلى غير ذلك من المذاهب والمزاعم المبنيّة على الرأي والقياس). و[قال] في أهل القياس: (ورد متواتراً عن النبيّ (ص): ستفترق أمّتي بضع وسبعين فرقة، شرّ فرقة منها قوم يقيسون الدين بالرأي، فيحلّون به الحرام ويحرّمون الحلال ). تاريخ بغداد، ج١٣ ، ص٣٠٩.


ولا يفوتنا أنّ نبارك لهذا الرجل على إسلاميّته الصحيحة؟، الّتي ترى مثل أهل بيت النبوّة وأركان الإِسلام وقرناء الكتاب، شاذِّين مبتدِعين، ومثل صاحبها من الهداة المحافظين على سنّة الرسول العربي دون عترته الميامين.

ولقد أطلنا الكلام في الجملة، وكدنا أن نخرج عمّا كنّا نتوخّاه؛ من الاقتصار على ذكر بعض كلماتهم للاستدلال فحسب. لأنّ القوم قد قدموا على الحكم العدل الّذي سيحشرهم - بلا شكّ - مع ذلك البعض من السلف؛ لأنّ (من أحبّ عمل قوم حُشر معهم). فكيف إذا والاهم وكفّر المسلمين لأجل الطعن عليهم بما ارتكبوه من الآثام؟!.

وسيلقون أيضاً جزاء ما صنعوا من التهجّم و الافتآت على أهل البيت وأشياعهم، ومن بثّ الفُرقة بين الأمّة الإسلاميّة بتلك الأضاليل والأراجيف، التي أودعوها في مؤلَّفاتهم، وبقيت مورداً فيّاضاً يرِده بعدهم من طُبع على طابعهم ووشجت عروقه على طريقتهم حتّى عصرنا هذا؛ عصر العلم وتحرير الأفكار كما يقولون، ويا بعد ما يقولون؛ لأنّنا نرى فيه، كلّ عام، فئة من المصريّين والفلسطينيّين والسوريّين والعراقيّين قد تلقّوا تلك الأقوال تلقّي الببغاء، معرضين عن كلّ ما صحّ في صحيحي مسلم والبخاري - وهما أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به من أهل السنّة(١) - إذا كان معارضاً لأقوال أولئك الشيوخ الغابرين. فكأنّهم - بنظرها - معصومون من الخطأ أو التعصّب المذهبي. وكأنّ أقوالهم - عندها – وحي موحى، لا يسوغ فيه التحليل والمحاكمة والعرض على المصادر الوثيقة في كتب الفريقين الأمر الّذي أدّى إلى إثارة حفائظ الشيعة، الّذين نسوا أو تناسوا تلك التهجمات القديمة، وهتفوا باسم الوحدة الإسلاميّة وباسم المصلحين، من علماء الفريقين وملوكهم وزعمائهم، الساعين إلى لمِّ الشعث وجمع الكلمة ليكون المسلمون جبهة واحدة متراصّة، واقفة سدّاً منيعاً في طريق

____________________

(١) الصواعق، ص٥.


الهاجمين من الأغيار، وجادّة في سبيل الرقيّ الديني والسياسي، معرضة صفحاً عن الفوارق المذهبية ما دام الجميع يرتّلون كلمتي الشهادة في كلّ يوم خمس مرّات.

حقّاً لولا وجود أولئك المصلحين، لاتسعت دوائر الفتن، التي تولّدت من تهجّمات الخضري على سيد شباب أهل الجنّة الحسين بن علي(ع)(١) ، وأحمد أمين بقوله: (والحق أنّ التشيّع كان مأوى يلجأ إليه كلّ من أراد هدم الإسلام...الخ)(٢) ، وبقوله: (كأنّ العقول كلّها أجدبت وأصيبت بالعقم إلاّ عقل عليّ بن أبي طالب وذرّيّته)(٣) .

ثُمَّ اقتفى أثر هؤلاء الحصان العراقي، فأظهر كتاباً أسماه: (العروبة في الميزان)، وزاد على زملائه بالطعن على أنساب القبائل العربيّة العراقيّة الشيعيّة بالخصوص، وحاول مراراً أن يحصر العروبة في بني أميّة وأشياعهم، قائلاً: (هل العروبة غير بني أميّة؟).

ثُمَّ لم تمض أيام قلائل حتّى قرأنا في مجلّة الرسالة المصرية، السنة الثانية/ عدد٣١، مقالاً للرحّالة محمد ثابت المصري - مدرّس الآداب بمدرسة فاروق الثانوية - تحت عنوان: (إلى خراسان). طعن فيه الشيعة أعظم طعن، ورماهم بالاستغناء عن الحجّ إلى مكّة المكرّمة بالحجّ إلى مشهد الرضا(ع). فكتبنا - وقتئذٍ - ردّاً عليه هادئاً، ونشرناه في مجلّة العرفان الغراء (م٢٥/ ص٩١)، بعد أن أرسلناه إلى مجلّة الرسالة؛ وبعد أن يئسنا من إنصاف صاحبها؛ الّذي أهمل حتّى الإشارة إلى ردّنا على رحّالة بلاده مصر، الأمر الذي يدلّ، وبوضوح، على

____________________

(١) يقول الخضري المصري (في ص٥١٧، المحاضرة ٣٤٥، من محاضراته): (وعلى الجملة، فإنّ الحسين أخطا خطأً عظيماً في خروجه هذا، الذي جرّ على الأمّة وبال الفرقة والاختلاف. وقد أكثر الناس الكتابة في هذه الحادثة.. وغاية الأمر أنّ الرجل طلب أمراً لم يتهيّأ له، ولم يعدَّ له عدّته، فحيل بينه وبين ما يشتهي). إلى أن قال: (وأمّا الحسين، فإنّه خالف على يزيد الّذي بايعه الناس ولم يظهر منه ذلك العسف والجور).

(٢) فجر الإسلام، ص٢٣٩.

(٣) فجر الإسلام، ص٣٣٨.


أنّ (الجماعة) لا يريدون إيضاح أخطائهم، أو أنّهم لا يريدون المناظرة وتصفية الحساب إلاّ مع من يشاؤون..

وعلى أيٍّ، فإِنّا قد ظننّا - يومئذٍ - أنّ الرحّالة قد اكتفى بما نشره في مجلّة صديقه الزَّيّات؛ ولكن سرعان ما رأيناه في تلك السنة - سنة ١٣٥٢هـ - يخرج كتاباً باسم: (جولة في ربوع الشرق الأدنى). مليئاً بالأخطاء التاريخيّة والتهجّمات الأثيمة على المذهب الشيعي وعلى علماء الشيعة وبلادهم المقدّسة(١) . مضافاً إلى ما دسّه - عند كلامه عن النجف - من الطوائف التي لم تكن في عالم الوجود، أو كانت ولم يبق لها أثر ولا عين على ظهر الأرض، بالأخص أرض النجف التي لم تضمّ غالباً - من يوم مصّرت إلى اليوم - سوى الشيعة الاثني عشريّة. فمن الخطأ الفادح ما قاله عنها: (وهي في زعم بعضهم مقرّ من كان أحقّ بالرسالة من النبيّ نفسه)(٢) ، وقوله عن مجتهديها وعلمائها: (ويقول العلماء هناك: إنّ المدافن عشرة آلاف، لا تزيد ولا تنقص؛ لأنّ سيدنا عليّاً يرسل

____________________

(١) وسرعان أن رأينا، بعد تأليف الكتاب، حضرةَ إسعاف النشاشيبي الفلسطيني (الّذي حُشر سنة ١٣٥١هـ مع أعضاء المؤتمر الإسلامي، وجُعل - لسوء حظّ الإسلام - في لجنة الدعاية والإرشاد إلى الإسلام) يُخرج كتاباً باسم: الإسلام الصحيح. وليس فيه سوى الهدم للإسلام الصحيح، وغير دعوة المسلمين - وياللأسف - إلى تجسيم الله تعالى، والاعتقاد بأنّ له يداً وعيناً وإذناً وغير ذلك، ممّا كان يعتقده الحنابلة في القرن الرابع ودعا إليه ابن تيميّة في القرن الثامن. وهناك غرض للنشاشيبي، قد يكون سياسيّاً، وقد يكون مذهبياً، يتجلّى طيّ كلماته الكثيرة الداعية ضدّ (الشرفاء)، منها، قوله ص٣٧: (فليس هناك طبقات، وليس هناك سادة وغير سادة، وليس هناك شُرفاء وغير شُرفاء، وليس هناك آل بيت نيت ليت. ليس هناك أنجاس، ظلّ النجس يداس، دع عنك المساس واللّماس) وقوله ص٨١: (كيف يقبل اليانون* الإسلام إذا قيل لهم إنّ في الإسلام فرقة تقول إنّا من أهل البيت أي بيت النبيّ). ولقد كفانا مؤنة الردّ عليه إخواننا من أهل السنّة، وفي مقدّمتهم الأستاذ محمد المجذوب - من كتّاب صيدا - حيث ألّف كتاباً في الردّ عليه اسمه: (القول الصريح). فليطلبه القرّاء من المؤلِّف، فإِنّ فيه براهين قويمة.

*[ كذا في الكتاب، ولم يتسنَّى لنا معرفة معنى خاص لها].

(٢) ص١٤٢ من جولته.


ما زاد من الجثث بعيداً، فلا يعرف أحد مقرّها.. وكم من جثث كانت تحملها السيّارات، وبعد الصلاة عليها تدفن، وتظلّ كذلك حتّى يتراءى لسيدنا عليّ أن يكشف عن مكنونها، فتختفي ويدفن مكانها غيرها.. وفي النجف فئتان من الأهلين متباغضتان، ولكلّ فئة أشياع، وكثيراً ما يقتتلون تحت إمرة مجتهديهم )(١) .

ويقول في موضع آخر عن الشيعة: (وقد بلغ بهم شكّهم بالغير أنّهم يُحتّمون غسل كلّ شيء دخل بيتهم ثلاث مرّات؛ خشية أن يكون لمسه غير شيعي )(٢) ، ويقول: (إنّ الحسين ورث العظمة الإِلهيّة بسبب أنّه تزوّج بشهربانو الفارسيّة)(٣) .

إلى كثير من أمثال هذه الافتئاتات، التي هزئ فيها بأخي النبيّ وسبطه الشهيد (عليهم السلام)، والتي تحطّ - بصراحة - من كرامة مجتهدي الشيعة النزيهين الأبرار ومواقفهم المشرّفة - في شتّى الظروف والأحوال - أكبر شاهد على ذلك.

من تلك المواقف موقفهم يوم فتنة (الحصان) على أعواد المنابر، يحثّون الشعب العراقي الهائج على السكون، ويمنحونه النصائح الكافية. ولقد كتب بعضهم إلى جلالة المغفور له الملك فيصل، يخبره عمّا قام به من الواجب الإصلاحي، ويذكر له نصائح جمّة تساعده على قمع الفتنة من جذورها، فأجابه الملك المصلِح بقوله:

حضرة حجّة الإِسلام الشيخ محمد الحسين(٤)

لقد تلقّيت كتابكم رفق الشيخ عبد الرسول. وكل ما شرحتم به علم. وقد اطَّلعت على ما قمتم به من نصائح، جعلكم الله ذخراً للأمّة. أمّا المطبوع الّذي صدر، فهو، لا شكّ، كما اطَّلعتم عليه، لا ينمّ إِلاّ عن عقلية مجنون، لا أكثر

____________________

(١) ص١٤٣، وص١٤٤ من جولته.

(٢) ص١٥٣ منها.

(٣) ص٢٧٨ منها.

(٤) هذا طبق الأصل المحفوظ لدى سماحة الشيخ (مُدَّ ظِلّه).


ولا أقلّ. إنّني حالما اطّلعت عليه - وذلك قبل بخمسة أيام - قمت بواجبي نحوه، وهاهو صاحبه رهن السجن، وسوف يلقى عقابه.

أملي عظيم أنّكم، وكلّ من فيه من الحميّة الدينيّة ما يجب، أن لا يترك مجالاً يجعلني - وأنا مسافر لقضاء مهمّة تعود للإسلام - مشغول الخاطر.

هذا كلّ ما أحبّ أن أقوله، وإنّني أنتظر دعاكم الصالح، والله يحفظكم.

١٢/ صفر/ سنة ١٣٥٢

فيصل

وإنّني لأعجب كيف خفي على الرحّالة موقف المجتهدين هذا، الذي لم يشر إليه في جولته، ولا بحرف واحد. مع أنّه يقول فيها (ص١٤٥): (وصادف أن كانت البلدة في هياج شديد يوم زرتها (٢٤ يونيه)، لِمَا شجر بين الشيعة والسنيّين على أثر كتاب أخرجه بعض السنيّين وأسماه (العروبة في الميزان) طعن فيه الشيعة...إلخ).

وعدم إشارته إلى موقف المجتهدين؛ إمّا لأنّه ينافي ما يريد من قوله: (وكثيراً ما يقتتلون تحت إمرة مجتهديهم)، وإمّا - وهو الأقرب - لأنّه لم يشاهد هياج النجف يومئذ؛ وإنّما سمع به بعد ذلك، وجعل السماع كالعيان، والغياب كالمشاهدة، فراح يدّعي أنّه شاهد هياج النجف يوم زارها (٢٤ يوليه – تمّوز). على الرغم من تقدّم تاريخ ذلك الهياج على زيارته هذه بشهر ونصف. لأنّ كتاب الحصان (العروبة في الميزان) إنّما دخل النجف في أوائل صفر سنة ١٣٥٢، وأوائل يونيو – حزيران سنة ١٩٣٤. أو على الفور حصل الهياج، ولكنّه لم يدم - بهمّة المجتهدين - سوى أيّام ثلاثة أو أربعة. يؤيّدنا نفس تاريخ الكتاب المتقدّم من جلالة الملك إلى سماحة كاشف الغطاء. وفي هذا الوقت لم يصل الرحّالة إلى دمشق، فضلاً عن النجف، وإنّما وصل دمشق في أوائل تمّوز، وفي ٥ منه حضر المولد النبوي هناك، كما في ص٤٨ من جولته، ثُمّ بعد مدّة سافر إلى تركيا، ومنها سافر إلى العراق.

ولو أردنا تتبّع ما في جولته من أخطاء وتحامل، وتحريف وتبديل، لأتيناك


بالعجاب، ولاحتجنا إلى مجلّد كبير لا يسمح لنا الوقت الثمين بإكماله. ولذلك اجتزأنا بذكر أنموذج صغير يتناسب مع هذه المقدّمة المتواضعة المختصرة لمثل هذا الكتاب المختصر. ولا أُخفي أنّ أهمّ البواعث على تأليفه، ما رأيته في جولة الرحّالة من التحامل الشديد على طائفة إِسلاميّة كبيرة، خدمتْ الإِسلام وعلومه أكبر خدمة، وأخرجت من الكتب الثمينة ما زيّن المكتبة الإِسلامية، ومن العلماء مَن أحرزوا السبق في جميع فنون الإسلام(١) .

أضف إلى إنّنا لم نرَ أحداً من الفريقين تصدّى للردّ على الرجل، سوى الأستاذ عبد الوهّاب عزّام في مقال مختصر نشره في مجلّة الرسالة المصرية (عدد٥٩/ ص١٣٩٩) من السنة الثانية. وردّ عليه الأستاذ أمين الخولي يومئذ. لذلك رأيت من الواجب تلبية نداء الواجب، فرحت أغتنم العطلة الأسبوعيّة وغيرها من أيام الفراغ، لمراجعة المصادر التي حرصت أن يكون أكثرها من مؤلَّفات إخواننا أهل السنّة؛ لتكون أكبر حجّة للقارئ الكريم، وأبعد عن الاتهام والريب...

وقد توفّقنا – ولله الحمد والمنّة – لإتمام هذا الكتاب في أواخر المحرّم سنة ١٣٥٤ هـ، وأسميناه (الشيعة في التاريخ)؛ لبحثه غالباً عن مواقف الشيعة التاريخيّة، وعن الفِرق التي تشعّبت منهم، وأحوالها ونشأتها وعقائدها وأسباب تشعّبها، خصوصاً الغلاة الذين اتّخذهم أهل التمويه والتلبيس طريقاً موصلاً إلى الطعن على الشيعة الإمامية الاثني عشريّة. ولذا أثبتنا - بنوع خاص - براءة أئمّة الشيعة وعلمائهم من كلّ غال ومبدع. كما أثبتنا مجمل عقائد الاثني عشرية؛ ليميَّز بينها وبين غيرها من العقائد الملصَقة باسم الشيعة، ولتقابل بعقائد الغلاة ويعرف بُعد الصلة بينهما، إلى غير ذلك من المباحث المفيدة التي جُعلت تحت عناوين خاصّة مستقلّة خالية من قال الرحّالة وأقول، وإنّ كان الغرض من بعضها التفنيد

____________________

(١) انظر: كتاب (الشيعة وفنون الإسلام)، طبع صيدا، تتيقّن صوابنا.


الضمني لِمَا سطّره الرحّالة في جولته من الأقوال الخاطئة البعيدة عن الحقيقة التي لا يحسن السكوت عيها، والتغاضي عن إظهارها لكثير من النشوء المفتون بأقلام فئة خاصة من الكتّاب أمثال ثابت، خاشعاً لبهرجة ألفاظهم ومبتدعات آرائهم، يتلقّاها بالقبول، ويعتقدها كأنّها حقائق ثابتة ممحّصة..

ولولا ذلك لكنّا في غنى عن مناقشة الرحّالة وأمثاله الحساب، وفي غنى عن بحث الخلافة الذي حدانا إلى ذكره كلام الرحّالة عنها بما ينافي التاريخ الصحيح، ويثير الضغائن في مثل هذه الأوقات العصيبة، القاضية على كلّ مسلم بإهمال مثل هذه الأبحاث القديمة، وإقرار كلّ فرد على معتقده، ما دام لا ينافي جوهر الدين الحنيف؛ لأنّ في لوازم الحوار فيها والجدال حولها الجرح والتعديل في الرواة، ومسِّ بعض الشخصيّات في التخطئة على الأقل. وكلّنا يعلم ما لذلك من الأثر السيّئ عند السواد من الأمّتين. لذلك جمدنا على نقل الشواهد التاريخيّة الّتي تساعدنا على إبطال مدّعى الرحّالة في الخلافة فحسب، ولم نمس كرامة أحد بسلاح التحليل الفلسفي وغيره.

وبالختام، أرجو أن تكون نيّتي فيما كتبت خالصة لله الواحد الأحد المطَّلِع على النوايا، وأن يمُنّ عليّ بجزيل الثواب على ما أصبت، وجميل التجاوز عمّا أخطأت، ومن القرّاء الكرام بيان ما يعثرون عليه من الأخطاء والأغلاط، ولهم، سلفاً، جزيل الشكر وفائق الاحترام.

كُتب في النجف الأشرف/ غرّة المحرّم/ سنة ١٣٥٥/ بيد مؤلِّفه:

محمد حسين الزَّين العاملي


الفصل الأوّل:

كلمة موجزة في الشِّيعة

١- معنى الشيعة في اللُّغة. ٢- قِدم تكوين الشيعة في الإسلام. ٣ - الّذين تشيّعوا في زمن النبيّ وثبتوا بعد وفاته. ٤ - متى أُهمل لفظ الشيعة؟، ومتى اشتهر؟. ٥ - مجمل عقائد الشيعة.

١- معنى الشيعة في اللّغة والكتاب الكريم:

غير خفي على من تصفّح موسوعات اللّغة العربية والقرآن العزيز، أنّ لفظ الشيعة قد ذكر كثيراً فيهما بمناسبات عديدة. وقد فسّر معناه؛ تارة بالأتباع والأنصار، وأخرى بالمشايعة؛ وهي المتابعة والمطاوعة. وإنّ هذا الاسم قد غلب على كلّ من يتولّى عليّاً وأهل بيته(ع)، حتّى صار اسما خاصّاً، فإذا قيل فلان من الشيعة، عُرف أنّه منهم.

ولتكون على يقين ممّا ذكرنا، نذكر لك نبذة صغيرة من أقوال علماء اللّغة، وآيات القرآن الكريم مع تفسيرها.

قال في (القاموس) (ج٣/ ص٤٧): ( وشيعة الرجل: أتباعه وأنصاره، والفرقة على حدة، ويقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكّر والمؤنث. وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يتولّى عليّاً وأهل بيته حتّى صار اسماً لهم خاصّاً، (ج) أشياع وشيع كعنب). وقال في (النهاية) لابن الأثير (ج٢/ ص٢٤٦): ( وأصل الشيعة الفرقة من الناس. وتقع على الواحد والاثنين والجمع، والمذكّر والمؤنث، بلفظ واحد ومعنى واحد. وقد غلب هذا الاسم على كلّ من يزعم (؟) أنّه يتولّى عليّاً (رضي الله عنه) وأهل بيته، حتّى صار لهم اسماً خاصّاً. فإذا قيل فلان من الشيعة: عرف أنّه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا: أي عندهم. وتجمع الشيعة على شيع وأصلها من المشايعة؛ وهي المتابعة والمطاوعة). وهكذا جاء في


(لسان العرب)، و(مصباح المنير)، و(الصحاح)، وغيرها. وجاء اسم الشيعة في الكتاب العزيز، في سورة القصص:(فَاسْتَغَاثَهُ الّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الّذِي مِنْ عَدُوّه) . قال الزمخشري (الكشّاف/ ج٢/ ص٣٧٥) في تفسيرها: (أي ممّن شايعه على دينه من بني إسرائيل). وفي سورة الصافات:(وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) . قال الزمخشري أيضاً ( الكشّاف/ ج٢/ ص٤٨٣/): (أي ممَّن شايعه على أصول الدين، أو شايعه على التصلّب في دين الله ومصايرة الكذّابين). وجاء غيرها من الآيات.

٢- قِدم تكوّن الشيعة في الإسلام بأمر نبيّ الإسلام:

ذهب الكثيرون من المؤرّخين والكتّاب غير الشيعة، إلى أنّ بدء نشأة الشيعة وزمان تكوّنها كان بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ولكن الّذين ذهبوا هذا المذهب في تحديد الزمان، الذي حصل فيه التكوّن، قد اختلفت أقوالهم في التحديد.

فمنهم من يميل إلى أنّ تكوُّن الشيعة كان في يوم (السقيفة)، ذلك اليوم الذي صرّح به رهط من أعلام الصحابة (رض) بتقديم أمير المؤمنين عليّ(ع) على غيره في الإمامة، وأولويّته فيها، معتقدين ذلك متديّنين به(١) .

ومنهم من مال

____________________

(١) ممّن ذهب ومال إلى ذلك من كتّاب عصرنا الأستاذ محمد عبد الله عنان المصري في كتابه: (تاريخ الجمعيّات السرّيّة)؛ حيث يقول (صفحة ٢٦ منه): (ومن الخطأ أن يقال: إنّ الشيعة إنّما ظهروا لأوّل مرّة عند انشقاق الخوارج، وإنّهم إنّما سمّوا كذلك لبقائهم إلى جانب عليّ؛ فشيعة عليّ ظهروا منذ وفاة النبيّ (ص) كما قدّمنا). وقد وافقه الأستاذ أحمد أمين المصري (فجرالإسلام/ ص٣١٧)، ووافقهما الأستاذ إبراهيم حلمي العمر (مدير المطبوعات العراقيّة الحالي)؛ حيث يقول: (يرتقي عهد الفِرقة الشيعيّة إلى أوائل خلافة أبي بكر (رض)، فإنّ قوماً من الأنصار رسخ في أذهانهم وبسق في أدمغتهم شجر الحب لعليّ (كرّم الله وجهه)، وأنّه أولى الناس بالخلافة؛ لقرابته من رسول الله (ص)، ورسوخ قَدمه في الإسلام، وجهاده في سبيله. وكان القائلون بهذا الرأي ثلّة من صناديد قريش وفحول الأنصار. (من مقال نشره في مجلّة العرفان/ مجلّد ٥/ ص١٦٨ ).


إلى أنّ الشيعة تكوّنت أيام فتنة (الدار)؛ أي أيّام مقتل الخليفة عثمان (رض). ويظهر من ابن حزم الميل إلى هذا القول؛ حيث يقول (ج٢/ ص٧٨ من فصله): فإنّ الروافض ليسوا من المسلمين (؟)، إنّما هي فِرق حدث أوّلها بعد موت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بخمس وعشرين سنة...إلخ).

ومنهم من مال إلى أنّها تكوَّنت يوم وقعة (الجمل) في البصرة، كما يظهر من ابن النديم عند قوله في فهرسته (ص٢٤٩): (لمـّا خالف طلحة والزبير على عليّ (رضي الله عنه)، وأبيا إلاّ الطلب بدم عثمان، وقصدهما عليّ (عليه السّلام) ليقاتلهما حتّى يفيئا إلى أمر الله، تسمّي مَن اتبعه على ذلك باسم الشيعة، فكان يقول: شيعتي).

ومنهم من مال إلى أنّها تكوّنت يوم خروج الخوارج بصِفِّين.

وعلى كلٍّ... فالحقيقة بعيدة عمّا ذهبوا إليه جميعهم؛ لأنّ من عرف معنى الشيعة الذي تقدّم ذكره، لا شكّ أنّه يخالف أولئك على طول، ولا يوافقهم البتّة؛ بمساعدة أنّ معنى الشيعة - سواء كان الموالاة، أم المحبّة، أم التقديم، أم المتابعة، أم التمسّك بالكتاب والعترة - قد تكوَّن قبل ذلك الزمان الذي حدَّدوه؛ أي في أيّام نبيّ الإسلام الأقدس، أيّام كان يغذّي بأقواله عقيدة التشيّع لعليّ (ع) وأهل بيته ويمكّنها في أذهان المسلمين، ويأمر بها في مواطن كثيرة، آخرها يوم (غدير خم)، ١٨ ذي الحجة، سنة ١٠ من الهجرة، بعد حجّة الوداع، وبعد أن أمره الله سبحانه وتعالى بقوله الكريم:(يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) . قال الفخر الرازي (ج٣/ ص٤٢٨ من تفسيره الكبير): (نزلت هذه الآية في فضل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ولمـّا نزلت أخذ رسول الله بيد عليّ بن أبي طالب وقال:((من كنت مولاه فعلي مولاه، اللَّهُم وآل من والاه وعاد من عاداه)) (١) ، فلقيه عمر (رض)، فقال:

____________________

(١) ذكر في الصواعق (ص٢٥) قوله (ص) يوم غدير خم، عندما رجع من حجّة


هنيئاً لك يا ابن أبي طالب؛ أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. وهو قول ابن عبّاس والبراء بن عازب ومحمّد بن عليّ). و روى سبط ابن الجوزي (ص٣٢ من تذكرته): (أنّه لمـّا قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم):((من كنت مولاه فعلي مولاه)) ، نزل قوله:(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (١) ، وذكر للمولى عشرة معان، عاشرها الأولى). ثُمَّ قال: (وجميع المعاني راجعة إليه؛ لقوله(ص):((ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) ، وهذا نصٌّ صريح في إثبات إمامته وقبول طاعته. إلى أن قال: وقد أكثرت الشعراء في ذكر غدير خم، فقال حسّان بن ثابت الأنصاري ساعتئذٍ.

يناديهمُ يوم الغدير نبيّهم

بخمٍّ وأسمع بالنبيّ مناديا

وقال: فمن مولاكم ووليّكم

فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت وليُّنا

ومالك منّا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا عليّ، فإِنّني

رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنت مولاه فهذا وليُّه

فكونوا له أنصار صدق موالياً

فأنت ترى أنّ الذي بلّغه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمّته، بأمر من الله تعالى

____________________

الوداع، وبعد أنّ جمع الصحابة: ألست أولى بكم من أنفسكم، ثلاثاً، وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف، ثُمّ رفع يد عليّ، وقال: ((من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهُم وآل من والاه وعاد من عاداه، واحبب من أحبه وابغض من أبغضه، واخذل من خذله وانصر من نصره، وادر الحق معه حيث دار)) . ثُمَّ قال ابن حجر: إنّه حديث صحيح لا مريّة فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي والإمام أحمد، وطُرُقه كثيرة، وكثير منها حسان وأسانيدها صحاح جدَّاً. ومن ثُمَّ رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لأحمد أنّه سمعه من النبيّ (ص) ثلاثون صحابياً وشهدوا به لعليّ لمـّا نوزع أيّام خلافته. وقول بعضهم أنّ زيادة اللّهم وآل من والاه...إلخ موضوعة، مردود. فقد رواه الناس من طرق صحاح، صحّح الذهبي أكثراها).

وفي مجمع البيان (ج٢/ ص١٥٩): إنّ النبيّ (ص) قال: ((من كنت مولاه...إلخ)) بعد أن نزلت هذه الآية، لا قبلها. وهو الأرجح .


شديد، هو موالاة عليّ(ع) وأولويّته بالإمامة. وهي أظهر معاني التشيّع، وقد جعلها تعالى في كتابه العزيز، وقرنها بموالاته وموالاة نبيه الكريم عند قوله جلّ اسمه ( سورة المائدة):(إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) إلى قوله:(فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) . قال الزمخشري (ج١/ ص٤٢٢ من كشّّافه): (إنّها نزلت في عليّ (كرّم الله وجهه) حين سأله سائل، وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه(١) ، ثُمَّ قال: قلت: كيف صحّ أن تكون لعليّ (رضي الله عنه) واللّفظ لفظ جماعة؟، قلت: جيء به على لفظ الجماعة وإِن كان السبب واحداً ليرغب الناس في مثل فعله).

وقال سبط ابن الجوزي كمقالة الزمخشري هذه وزيادة في ص١٦ من (تذكرته) التي استشهد فيها (ص١٧) بقول حسّان بن ثابت:

أبا حسنٍ تفديك روحي ومهجتي

وكلُّ بطيء في الهدى ومسارع

فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً

فدتك نفوس الخلق يا خير راكع

بخاتمك الميمون يا خير سيّد

ويا خير شارٍ ثُمَّ يا خير بائع

فأنزل فيك الله خير ولاية

وبيّنها في محكمات الشرائع

وبقوله أيضاً:

مَن ذا بخاتمه تصدّق راكعاً

وأسرَّها في نفسه إسرارا

مَن كان بات على فراش محمّد

ومحمّد أسرى يؤم الغارا

مَن كان في القرآن سمّي مؤمناً

في تسع آيات تلين غزارا

أشار بذلك إلى قول ابن عبّاس: ما أنزل الله آية في الإِيمان إِلاّ وعليّ رأسها وأميرها).

وكما أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بولاية عليّ، أَمر بحبّه وحبّ العترة الطاهرة،

____________________

(١) وأثبت نزولها في عليّ صاحب مجمع البيان (ج٢/ ص٢١١) بطُرُق متواترة معتبرة عند الفريقين، فراجع.


وبالتمسّك فيها وبتقديمها ومتابعتها، وغير ذلك من صفات التقديم والتفضيل. فكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول:((عليّ مني وأنا من عليّ، وهو وليّكم بعدي)) (١) ، وينذر:((كأنّي قد دعيت فأجبت. إنّي تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟، فإِنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، سألت ربي ذلك لهما، فلا تتقدّموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإِنّهم أعلم منكم)) (٢) .

____________________

(١) مسند أحمد،ج٥، ص٣٥٦، والصواعق المحرِقة، ص٢٦.

(٢) الصواعق، ص١٤٠، الذي ذكر فيه هذا الحديث وحديث: ((أذكّركم الله في أهل بيتي)) وأنّه قال (ص) ذلك ثلاث مرّات، وحديث الثقلين، بلفظ: ((إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي، لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض...إلخ)) ذكر ذلك ص٩١ من صواعقه. ثُمَّ قال: (ولهذا الحديث طُرُق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً، ومرّ له طرق مبسوطة. وسمّى رسول الله(ص) القرآن وعترته ثقلين؛ لأنّ الثقل كلّ نفيس خطير مصون، وهذان كذلك؛ إذ كلّ منهما معدن العلوم اللّدنيّة والأسرار والحكم العَليّة والأحكام الشرعيّة؛ ولذا حثّ(ص) على الاقتداء والتمسّك بهم والتعلّم منهم. وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت. وقيل: إنّما سمّوا ثقلين لثقل رعاية حقوقهما. ثُمَّ الذي وقع الحثّ عليهم إنّما هم العارفون بكتاب الله وسنّة رسوله؛ إذ هم الّذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض. ويؤيّده الخبر السابق: ((لا تعلّموهم فإِنّهم أعلم منكم)) . وتميّزوا بذلك عن بقية العلماء لأنّ الله أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وشرّفهم بالكرامات الباهرة والمرايا المتكاثرة. وفي أحاديث الحثّ على التمسّك بهم إشارة إلى عدم انقطاع متأهل للتمسّك به إلى يوم القيامة كما أنّ الكتاب العزيز كذلك؛ ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض، ويشهد بذلك الخبر: ((في كلِّ خلف من أمّتي عدول ينفون عن هذا الدين تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)) . ثُمَّ أحقّ من يتمسّك به منهم إمامهم عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه)؛ لِمَا قدّمناه من مزيد علمه ودفائن مستنبَطاته؛ ومن ثَمَّ قال فيه أبو بكر (رض): عليٌّ عترة رسول الله ). وقال ابن الأثير (النهاية/ ج١/ ص١١٣) بعد ذكر الحديث: ( وسمّاهما ثقلين لأنّ الأخذ بهما والعمل ثقيل، ويقال لكلّ خطير: ثقل، فسماهما ثقلين إعظاماً لقدرهما وتفخيما لشأنهما). وروى مسلم (في صحيحه) حديث الثقلين بطرق معتبرة. انظر: ج٢/ ص٢٣٨.


وعن ابن عمر: (إنّ آخر ما تكلّم به النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((اخلفوني في أهل بيتي )) (١) ، وقال:(( من أحبّ عليّاً فقد أحبّني ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أبغض عليّاً فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله)) (٢) ، وقال:(( عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب)) (٣) .

قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق)) وفي رواية:هلك . وقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم):((النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمّتي.)) (٤) وفي رواية:لأهل الأرض .

((ألزموا مودّتنا أهل البيت. والذي نفسي بيده لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا)) (٥) . وقال:((إنّ وزيري وخير من أترك بعدي، يقضي ديني وينجز مواعيدي، عليّ بن أبي طالب)) (٦) . وقال أيضاً - وهو آخذ برقبة عليّ -:((إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)) (٧) . وروى الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: إنّه قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((من سَرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنّة عدن، فليوال عليّاً من بعدي وليوال وليّه وليقتد بالأئمّة من بعده، فإنّهم خلقوا من طينتي ورزقوا فهماً وعلماً، فويل للمكذّبين من أمّتي، القاطعين فيهم

____________________

(١) الصواعق، ص ٩٢.

(٢) الصواعق، ص٧٦-٧٧.

(٣) الصواعق، ص٩٣، وص١١٤.

(٥) الصواعق، ص١٠٦.

(٦)محاضرات الراغب الأصبهاني، ص٣١٢.

(٧) تاريخ أبي الفداء، ج١، ص١١٧، و تاريخ الطبري، ج٢، ص٢١٧، وتاريخ ابن الأثير،ج٢، ص٢٢، وج١، ص١١١، ومسند أحمد، ص١٥٩. وروى سبط ابن الجوزي (ص٤٧/ من تذكرته)، عن أحمد، عن أنس قال: قلنا لسلمان الفارسي سل رسول الله (ص) من وصيّه؟، فسأله سلمان، فقال رسول الله (ص): ((من كان وصيّ موسى بن عمران؟، فقلت: يوشع بن نون، فقال (ص): إنّ وصيّي ووارثي ومنجز وعدي عليّ بن أبي طالب)) ، ثُمّ قال سبط ابن الجوزي: فإن قلت قد ضعّفوا حديث الوصيّة، فالجواب: إنّ الحديث الذي ضعّفوه في إسناده إسماعيل بن زياد تكلّم فيه الدارقطني، والحديث الّذي ذكرناه رواه أحمد، وليس في إسناده ابن زياد. انتهى كلام السبط.


صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي)) (١) (وهذه الأخبار الخاصّة، التي رواها علماء الحديث الذين لا يُتَّهمون فيه - وجُلّهم قائل بتفضيل غيره عليه (أي على عليّ) - توجب سكون النفس ما لا توجبه رواية غيرهم(٢) .

وهناك أخبار خاصّة وعامّة غير هذه، مذكورة في كتب الفريقين، وإليك بعض ما جاء في كتب الفريق غير المتَّهم (بالرفض)؛ ليتّضح لديك النصّ على الأئمّة واحداً بعد واحد، ويثبت عندك فضلهم وقِدَم تكوّن شيعتهم وحسن عاقبتهم في جوار الصادق الأمين(عليه السلام) وعترته الميامين:

 عن كتاب السمطين، للشيخ محمد الحمويني؛ المحدّث الشافعي، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الاثنا عشر؛ أوّلهم عليّ وآخرهم المهدي)) (٣) . وعن كتاب مودّة القربى، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للحسين:((أنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمّة، وأنت حجّة ابن حجّة أخو حجّة أبو حجج تسع، تاسعهم قائمهم)) (٤) .

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ:((إنّك ستقدم على الله؛ أنت وشيعتك، راضين مرضيّين، ويقدم عليه عدوّك غضاباً مقمحين)) . ثُمّ جمع يديه إلى عنقه يريهم كيف الإقماح. ذكر هذا الحديث ابن الأثير في نهايته (ج٣/ ص٢٧٦). ثُمّ فسّر فيها الإقماح بـ: رفع الرأس وغضِّ البصر. يقال: أقمحه الغل، إذا ترك رأسه مرفوعاً من ضيقه).

وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((يا عليّ، أوّل أربعة يدخلون الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين، وذرّيّتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرّيّتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا)) . ولمـّا نزلت هذه الآية:(إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ) ، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ:((هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين)) (٥) .

____________________

(١) شرح النهج للمعتزلي،ج٢، ص٤٥٠، ومسند أحمد،ج٥، ص٩٤.

(٢) شرح النهج،ج٢، ص٣٤٩.

(٣) ينابيع المودّة للشيخ سليمان الحنفي، ص٣٧٤.

(٤) ينابيع الحنفي، ص١٣٩.

(٥) الصواعق، ص ٩٨ و ٩٩.


روى المسعودي: أنّ العبّاس بن عبد المطلب قال: كنت عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ أقبل عليّ بن أبي طالب، فلمّا رآه النبيّ أسفر في وجهه، فقلت: يا رسول الله، إنّك لتسفر في وجه هذا الغلام؟، فقال:(( يا عمُّ، والله، لله أشدّ حبّاً له منّي. إنّه لم يكن نبيّ إِلاّ وذرّيّته من صلبه، وإنّ ذرّيّتي بعدي من صلب هذا. إنّه إِذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسمائهم وأسماء أمّهاتهم ستراً من الله عليهم، إِلاّ هذا وشيعته؛ فإِنّهم يدعَون بأسمائهم وأسماء آبائهم )) (١) .

ولو أردنا التبسّط في الأخبار الدالّة على قِدَم التشيّع والآمرة به، لاحتجنا إلى كتاب ضخم، ولاضطررنا إلى الخروج عن خطّتنا في الاختصار. ولذا اجتزأنا بهذه الأخبار الصحيحة المشهورة المتواترة(٢) ، وبخبر أبي حاتم الرازي،

____________________

(١) مروج الذهب، ج٢، ص٥١، وتاريخ الخطيب البغدادي،ج١، ص٣١٧.

(٢) يقول ابن أبي الحديد المعتزلي (ج١/ ص٣٥٩/ شرح النهج): (وقد صحّ أنّ بني أميّة منعوا من إظهار فضائل عليّ (ع)، وعاقبوا على ذلك الراوي، حتى أنّ الرجل إذا روى عنه حديثاً لا يتعلّق بفضله، بل بشرائع الدين، لا يتجاسر على ذكر اسمه؛ فيقول: روى أبو زينب. فالأحاديث الواردة في فضله (بل وفضل ذرّيّته)، لو لم تكن في الشهرة والاستقامة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لانقطع نقلها؛ للخوف من بني مروان، مع طول المدّة وشدّة العداوة. ولولا أنّ لله تعالى في هذا الرجل سرّاً يعلمه مَن يَعْلَمه، لم يرد في فضله حديث، ولا عرفت له منقبة). ثُمّ راح يخبرنا (الشرح/ ج٣/ ١٥) ما عمله بنوا أميّة، فقال: (إنّ معاوية كتب نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة؛ أن برئت الذمّة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب (عليّ) وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر، يلعنون عليّاً ويبرؤن منه، ويُقِعون فيه وفي أهل بيته). وأخبرنا أيضا (الشرح/ج١/ ص٣٥٦): (أن بعض بني أميّة عذل معاوية وقال: إنّك قد بلغت ما أملت، فلو كففت عن لعن هذا الرجل، فقال معاوية: لا والله، حتّى يربوا عليها الصغير ويهرم الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً). وأخبرنا (الشرح/ ج١/ ص٣٥٨): (أنّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين، على رواية أخبار قبيحة في عليّ تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلاً يرغب في مثله، فاختلفوا، ما أرضاه منهم: أبو هريرة وعمرو بن العاص. ومن التابعين: عروة بن الزبير، الذي زعم أنّ عائشة حدّثته: أنّ رسول الله (ص) قال لها: (( إنْ سرّك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار، فانظري إلى هذين قد


المنقول (كما في ص٨٨/ روضات الجنّات) عن كتاب (الزينة)، قال: إنّ أوّل اسم ظهر في الإِسلام على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو: الشيعة. وكان هذا لقب أربعة من الصحابة؛ وهم أبو ذرّ وسلمان والمقداد وعمّار. إلى أن آن أوآن صِفّين فاشتهر بين موالي عليّ (رضي الله عنه).

فإِذا علمت ما قدّمناه؛ من ظهور الشيعة في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ ومن أنّه أوّل المنوّهين بفكرة التشيّع والمغذّين إياها بأوامره المطاعة، وأنّه - وهو الذي لا ينطق عن الهوى - قد بشّر عليّاً وشيعته بمرضاة الله تعالى ودخول الجنة عن يمين النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وشماله. إذا علمت ذلك، فلا شكّ أنّك تحكم بسخف ما زعمه(١) بعض المرضى بداء التعصّب الذميم؛ من أنّ فكرة التشيّع من مخترعات عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وأنّها فكرة سبأيّة لا مساس لها بدين الإسلام، أو أنّها فكرة سياسيّة أحدثها الفرس بعد قرن؟!

٣- الّذين تشيّعوا في عهد النبيّ والّذين ثبتوا على تشيّعهم بعده:

من الثابت المتيقَّن، أنّ كثيراً من الصحابة قد أحبّوا عليّاً في حياة أخيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وكان حبّه لديهم من علائم الإيمان، وبغضه من علائم

____________________

طلعا، فنظرت، فإذا العبّاس وعليّ بن أبي طالب)) . وأمّا أبو هريرة، فجثا على ركبتيه في مسجد الكوفة، وروى لأهلها أنّه سمع النبيّ (ص) يقول: (( إنّ لكل نبيّ حرماً، وأنّ حرمي بالمدينة، فمن أحدث بها حدثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) . وأشهد أنّ عليّاً أحدث فيها. فلمّا بلغ معاوية قوله، أجازه وأكرمه و ولاّه إمارة المدينة. وأمّا عمرو بن العاص، فإنّه روى الحديث الّذي أخرجه البخاري متصلاً بعمرو بن العاص، قال: سمعت النبيّ يقول: (( إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء)) .

(١) ولقد أبطل هذا الزعم الأستاذ محمّد كرد عليّ (ج٦/ ص٢٥١ من كتابه خطط الشام)؛ حيث يقول: (أمّا ما ذهب إليه بعض الكتّاب، من أنّ مذهب التشيّع من بدعة عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، فهو وهم وقلّة علم بتحقيق مذهبهم. ومن علم منزلة هذا الرجل عند الشيعة وبراءتهم منه ومن أقواله وأعماله، وكلام علمائهم في الطعن فيه بلا خلاف بينهم في ذلك - علم مبلغ هذا القول من الصواب).


النفاق. وكانوا يقدّمونه على أنفسهم ويفضّلونه على جميع الصحابة. وكانوا يوالونه أَشدّ موالاة بعد ما بايعوا النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - كما في الدرجات الرفيعة - على النصح للمسلمين والائتمام بعليّ بن أبي طالب والموالاة له.

وكان عدد الذين بايعوا، يوم غدير خم، أربعين ألفاً(١) ، وقيل سبعين ألفاً، ويقول سبط ابن الجوزي: (إنّ الّذين بايعوا عليّاً كانوا مائة وعشرين ألفاً)(٢) . وكلُّ هؤلاء كانوا شيعة (بمعنى الموالاة لعلي(ع) ).

ولكن اسم الشيعة قد تغلّب واختصّ يومئذ - كما علمت - بأبي ذرّ وسلمان وعمّار والمقداد (رضي الله عنهم) لكونهم أخصّ الصحابة بعليّ (ع)، وأشدّهم تظاهراً بحبّه وموالاته.

وقد كان جميع الهاشميّين، وقتئذٍ، وفي مقدّمتهم العبّاس بن عبد المطلب، من الشيعة. وكذلك خذيفة بن اليمان، والزبير بن العوّام، وخزيمة ذو الشهادتين، وابن النبهان، وهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص المعروف بهاشم المرقال، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو سعيد الخدري القائل: (ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب)(٣) ، وخالد وأبان الأمويّان، وأبو رافع، وعدي بن حاتم الطائي، وحجر بن عدي الكندي، وسعيد بن جبير، وعثمان وسهل أبنا حنيف، وأُبيُّ بن كعب، والبراء بن عازب، والأحنف بن قيس، وثابت بن قيس بن الخطيم، وقيس بن سعد بن عبادة، وأبوه أيضاً، وخباب بن الأرت، وبلال مؤذّن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعبد الله ومحمد أبنا بديل، وقُرَظة بن كعب الخزرجي، وسليمان بن صُرد الخزاعي، وحسّان بن ثابت، وأنس بن الحرث، وأبو قتادة الأنصاري، وأبو دجانة الأنصاري، وسعد بن مسعود الثقفي عمّ المختار، ويزيد بن نويرة (وهو أوّل قتيل قتل من أصحاب عليّ بالنهروان، وشهد له رسول الله بالجنّة مرّتين)(٤) ،

____________________

(١) تاريخ أبي الغداء، ج١، ص١٥٤.

(٢) ص٣٣ من تذكرته.

(٣) الصواعق، ص٧٥، وشرح النهج للمعتزلي، جزء ٢، ص٤٣٨.

(٤) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي،ج١، ص١٥١.


ونافع بن عتبة بن أبي وقّاص، وأبو ليلى الأنصاري واسمه يسار ويقال داود بن بلال، وكان أبو ليلى خصيصاً بعليّ (عليه السّلام) يسمر معه ومنقطعاً إليه، وورد المدائن في صحبته وشهد صِفّين معه. وفي ولْده جماعة يُذكَرون بالفقه ويُعرَفون بالعلم(١) .

وعَدَّ غير هؤلاء من الصحابة المتشيّعين لعليّ(ع)، كلٌّ من صاحب الدرجات الرفيعة، وصاحب الاستيعاب والإصابة، فراجع.

وجلّ هؤلاء قد ثبتوا على التشيّع والموالاة لعليّ بعد وفاة النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ ولذلك امتنعوا معه عن مبايعة أبي بكر (رض) في بدء الأمر؛ لاعتقادهم أنّ عليّاً أولى بالإمامة من غيره(٢) ، وأنّه الإِمام الحقّ والخليفة الشرعي لرسول الله الذي عقد الولاية لعليّ يوم الغدير، وحكم أنّه أقضى الأمّة، وأنّه باب مدينة علمه، وأنّ الحقّ يدور معه حيثما دار. وكان يخلفه على المدينة إذا غاب عنها، ولم يخلّف غيره. يؤمّره على غيره في الوقائع، ولم يؤمّر عليه أحداً. وقد خصّه الله بالتبليغ عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم أرسل أبا بكر(رض) ليبلغ سورة براءة، فأهبط عليه جبرائيل(ع) وبلّغه: أنّه لا يبلّغ عنك إِلاّ أنت أو رجل منك(٣) ، فأرسل حينئذٍ عليّاً، ليرجع أبا بكر ويتولّى هو بنفسه - وهي نفس الرسول بنصّ آية المباهلة - تبليغ الوحي.

٤- متّى أهمل لفظ الشيعة، ومتّى اشتهر؟:

لمـّا تغلّب المهاجرون على الأنصار يوم (السقيفة)، وبايع بعد ذلك الناس أبا بكر(رض)، عدا سعد بن عبادة زعيم الأنصار من الخزرج، انحصرت

____________________

(١) تاريخ الخطيب البغدادي،ج١، ص١٨٦.

(٢) وهذا عمر (رض) قد اعترف بما يعتقده الصحابة من أولويّة عليّ (ع)؛ حيث قال لأبن عبّاس: (أمَا والله، يا بني عبد المطَّلب، لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر منّي ومن أبي بكر، ولكن خشينا أنّ لا تجتمع عليه العرب وقريش؛ لِمَا قد وترها). محاضرات الرَّاغب الأصبهاني، ص٢١٣.

(٣) تاريخ أبي الفداء،ج١، ص١٥٠، ومسند أحمد ،ج١، ص١٥١، ولكن بلفظ: أن يؤدّي... إلخ.


جهود أبي بكر في أخذ البيعة من عليّ(ع) ومن الذين امتنعوا معه عن البيعة. وكان من الممتنعين والمظهِرين انحيازهم إلى جانب عليّ يومئذ أبو سفيان، رأس الأمويّين، القائل: (يا آل عبد مناف، فيم أبو بكر من أموركم. فزجره عليّ، وقال له: والله، ما أردت بهذا إِلاّ الفتنة. وإنّك طالما بغيت للإِسلام شرّاً )(١) .

ثُمَّ إنّ أبا بكر تشدّد في طلب البيعة من عليّ بإِيعاز من عمر، على ما قيل. وتشدّد عليّ في الامتناع، وبالغ في إلقاء الحجّة على المهاجرين والأنصار؛ حتّى ندم بعض الأنصار على بيعتهم لأبي بكر ولام بعضهم بعضاً، وذكروا عليّ بن أبي طالب وهتفوا باسمه)(٢) .

وكذلك ندموا، أو أظهروا الندم، لمـّا أسمعتهم بضعة المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك التقريع الأليم، وتلك الحجج الدامغة(٣) . ولكن ندمهم هذا، كان أعظم على الزهراء من تخاذلهم؛ لأنّه كان في وقت لا يجدي فيه الندم. كان في

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير،ج٢، ص١٢٣.

(٢) شرح النّهج للمعتزلي، ج٢، ص١٩.

(٣) ذكر ابن أبي الحديد خطبتها في (شرح النّهج/ج٤/ ص٨٧). وإليك بعض فقراتها، قال: (اجتمع عند فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نساء من نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله؟، قالت: والله، أصبحت عائفة لدنياكنّ، قالية لرجالكنّ. لفظتهم بعد أن عجمتهم، وشنئتهم بعد أن سبرتهم. فقبحاً لفلول الحدّ، وخور القناة، وخطل الرأي. لا جرم، قد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم غارتها، فجدعاً وعقراً. ويحهم، أين زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة، ومهبط الروح الأمين، والطيّبين بأمر الدنيا والدين. وما الذي نقموا من أبي الحسن؟، نقموا - والله - نكير سيفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره في ذات الله). وذكر أحمد بن أبي طاهر البغدادي (ص٢٤ من كتابه بلاغة النساء) نحو ذلك.


الوقت الذي استحكم فيه أبو بكر من بيعة الأنصار وبقيّة الناس. ولم يبق سوى علي(ع) والصفوة من شيعته. ولذا لمـّا رأى ذلك، ورأى أنّه لو دام على الامتناع لحصل ما لا تحمد عقباه، وما يوهن الدين الحنيف الذي بني على ماضيه:

بني الدين فاستقام ولولا

ضرب ماضيه ما استقام البناء

لمـّا رأى ذلك كلّه، تغاضى عن حقّه المشروع ومقامه المضاع، وصافح أبا بكر. وقام ينصح المسلمين ويؤيّد كلمة الإِسلام بعلمه الزاخر وسيفه (ذي الفقار)، وتابعه شيعته على ذلك. فأُهمل - يومئذٍ - لفظ الشيعة وصار المسلمون فِرقة واحدة، وذابت تلك الكلمات المفرِّقة (سنة - شيعة، بكري - علوي) في كلمة (مسلم)(١) . واستمر المسلمون على هذا السير المحبوب في جميع أيّام الأوّل والثاني (رضي الله عنهما) وشطر من أيام الثالث. لم يختلفوا ولم تفترق كلمتهم سوى بضعة أيّام في مجلس (الشورى)، حتّى قامت عصبة أمويّة في أواخر أَيّام الثالث(رض)، واستبدّت في أمور المسلمين إلى أن قام المسلمون ضدّها. وجرى ما جرى من التنازع والتضارب حتّى انتهى الأمر بقتله. وكان قتله من جرّاء أعمالها الجائرة .

وياليتها خجلت من أعمالها وتسبيبها قتل زعيمها وخذلانه. ولم تناهض أمير المؤمنين عليّاً وتتَّهمه بخذلان من خذلته والممالأة عليه. ولقد أجاد القائل (رمتني بدائها وانسلّت).

ولقد ساعدها نفر ضئيل من أهل الأطماع، وتفّرد معها عن جميع البلدان

____________________

(١) حبّذا لو نكون اليوم كما كانوا بالأمس؛ متّحدين متحابّين، لا نقيم لتلك الفوارق المذهبيّة الخارجة عن جوهر الدين الحنيف وزناً، ولا نعرف لها معنىً. وما يجدينا التخاصم في الخلافة وقد قضى عليها الأتراك، وأمست خبراً من الأخبار. في مثل هذه الأيّام التي صرنا فيها سواسية هدفاً للأعداء والمستعمرين، وصارت بحوث الفوارق المذهبية من أقوى الأسلحة للمستعمر على هلاكنا وإبادتنا.


الإسلامية التي بايعت عليّاً على العموم، ولم يشذ عن ذلك سوى الشام، فإِنّه ليس عليها لأمر. أغشى بصرها (دم القميص) الذي جاء به معاوية ونشره على منبر دمشق، حتّى اجتمع حوله سبعون ألف شيخ يبكون على عثمان(١) .

ويتحرّقون غيظاً من عليّ؛ بسبب ما لفّقه معاوية وابن العاص من التهم المفضوحة، حتّى ظهر الانقسام، وقتئذ، جليّاً بين المسلمين. وصار المسلمون فرقتين عثمانيّة وعلويّة، ثُمّ صارت واقعة (صفِّين )، وانتهت بالتحكيم المزيّف وخروج الخوارج، ثُم اغتيالهم عليّاً وخذلانهم الحسن بن عليّ (عليهما السّلام)، حتى هادن معاوية في عام الأربعين.[عندها] أطلق أنصار معاوية ومتّبِعو سنته، اسم السنّة والجماعة على أنفسهم(٢) ، واسم الشيعة على أنصار عليّ ومواليه واشتهر كلا الاسمين في ذلك الوقت بعد أن كانا مهملين.

ولم يزالا مشتهرين إلى اليوم. ولكن قد اندمج فيهما أسماء وفِرق كثيرة، يعسر عدّها في هذه العجالة، وهذا المختصر.

ولقد أسرف البعض في إطلاق اسم الشيعة على فِرق خرجت عن التشيّع والإِسلام معاً، وقد باد أكثرها. وكأنّه ما عرف عقائد الشيعة القويمة، أو أنّه عرفها ولكنّه عدَّ تلك الفِرق الضالّة في عداد الشيعة؛ لغاية في نفس يعقوب.

وإنّ المعاني الحقيقيّة الّتي قدّمناها للتشيّع الحقّ لا تخوّل أحداً أن يطلق اسم الشيعة على غير الاثني عشريّة وأكثر الزيديّة والإسماعيليّة، وبعض الفطحيّة والواقفيّة. وبما أنّ الزيديّة اليوم، ومثلهم الإسماعيليّة، لا يُعرفون إلاّ بهذين الانتسابين، وبما أنّ الفطحيّة والواقفيّة لا وجود لهم في هذا العصر؛

____________________

(١) شرح النّهج للمعتزلي،ج١، ص٢٨٦.

(٢) وقيل: إنّ اسم السنّة أطلق على أتباع معاوية ومؤيّدي سنّته في بدء الدولة العباسيّة، ولكن الأصحّ، أنّه إِنّما أطلق عليهم عام الأربعين؛ لأنّ الجماعة حصلت - كما زعموا - يومئذ، ولذا سمّوا هذا العام: عام الجماعة.


انحصر اسم الشيعة بالشيعة الإماميّة الاثني عشرية واختص بهم، لذلك لا نقصد غيرهم في بحثنا عن:

٥- مجمل عقائد الشيعة:

أبنّا أنّ التشيّع لم يكن غير المشايعة لعليّ(ع)، والمتابعة له في كلّ ما صحّ عنه من الأقوال والأعمال، ولم يكن أيضا سوى الموالاة له ولذرّيّته الطاهرة. فالتشيّع - بطبيعة الموالاة والمتابعة والمشايعة - قد تضمّن جميع العقائد الدينية الإسلامية التي صدع بها نبيّ الإسلام الأقدس (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأودعها في الكتاب الكريم (الثقل الأكبر) والعترة الطاهرة (الثقل الأصغر)، التي لا تفارقه إلى يوم القيامة.

لذلك كان من أوّليّات العقائد الدينية وأهمّها عند الشيعة؛ هو الاعتقاد بأنّ الله (سبحانه وتعالى) أحد صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. وأنّه حيّ قيّوم، قديم أبديٌّ، قادر مختار، عالم حكيم عادل، غني سميع بصير، مدرك كلّ شيء ولا يدركه شيء، مريد للخير كاره للشرّ، صادق في وعده ووعيده، يرى ولا يُرى في الدنيا والآخرة؛ لأنّه سبحانه ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا مركّب من شيء ولا متّحد مع شيء. وأنّه لطيف بعباده رؤوف رحيم، ومن لطفه أرسل الأنبياء الهداة، ولكمال لطفه عصمهم من كبائر الذنوب وصغائرها، وجعل نبيّنا محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاتم الأنبياء (ولكنّه رسول وخاتم النبيّين).

وأنزل عليه المعجزة العظمى - القرآن الكريم - مصدّقاً لمـَا بين يديه، فيه تبيان كلّ شيء. وهو عند الشيعة غير قديم كقدمه تعالى. وعندهم أنّ الاعتقاد بالتوحيد وبالنبوّة والعدل من أصول الدين الحنيف، ومثلها الإِمامة والمعاد.

أَمّا الإِمامة - وهي واجبة عندهم، وعند جمهور المسلمين - فيعتبرها الشيعة منصباً إلهيّاً كمنصب النبوّة، إِلاّ أنّه دونه في المنزلة والفضل؛ لأنّ الإِمام نائب عام عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حفظ الشرع الإسلامي وتسيير المسلمين على طريقه القويم، وفي حفظ وحراسة الأحكام عن الزيادة والنقصان


(والنائب دون المـَنوب عنه).

والإمام موضِح للمشكل من الآيات والأحاديث، مفسِر للمجمل والمتشابه، ومميِّز للناسخ من المنسوخ. وهو ليس بمشرّع بوحي إليه، وإنّما هو - كما تقدّم - نائب عن المشرِّع الموحى إليه.

والإمامة، عند الشيعة، لا تكون إِلاّ بنصّ وتعيين. والمعيَّن لابدّ أن يكون معصوماً كالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وأنّ يكون أفضل الأمّة، بعد النبيّ، وأشجعها وأزهدها وأتقاها؛ ليتمكّن من حفظ الشرع وإِقامة الأحكام الدقيقة على طبق ما شرّعها الشارع الأعظم. لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا تصدّه عن تنفيذها قرابة قريب، أو صداقة صديق، أو أنانيّة ذاتيّة.

ولمـّا كانوا يعتقدون بوجوب النصّ على الإمام بحكم العقل والنقل، قالوا: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد نصّ عليه وعيّنه، ولم يهمل أمره.

ولمـّا كان اعتقادهم بوجوب عصمة المعيَّن وكونه أفضل الأمّة وأقضاها، قالوا: إنّ الذي عيّنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونصّبه إماماً ونائباًَ عنه، هو عليّ بن أبي طالب(ع)؛ لأنّ العصمة لم توجد في غيره ولا ادّعيت لأحد غيره؛ ولأنّ الأفضلية قد ثبتت له باعتراف جلّ المسلمين، وبإجماع من يعتدّ به منهم، وبالأخبار الصحيحة المتواترة عن نبيّ الهدى (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وقد قدمنا لك نبذة منها في جملة الأخبار الناصّة على إمامته (عليه السّلام).

وبالنصّ والعصمة والأفضلية ثبتت إِمامة الحسن بن عليّ(١) ، وإِمامة أخيه الحسين(٢) ، وإِمامة زين العابدين عليّ بن الحسين(٣) ، وإمامة محمّد بن عليّ

____________________

(١) ولد الحسن (ع) في المدينة سنة ٣ هـ وتوفّي فيها مسموماً سنة ٥٠، وقيل: سنة ٤٩ هـ، ودفن بالبقيع. (٢) ولد الحسين (ع) بالمدينة سنة ٤ هـ واستشهد في طفّ كربلاء المحرّم سنة ٦١ هـ، ودفن فيها بعد ثلاثة أيام من استشهاده.

(٣) ولد عليّ بن الحسين (ع) بالمدينة سنة ٣٨، وتوفّي ودفن فيها سنة ٩٥ هـ بالبقيع.


(الباقر)(١) ، وإمامة جعفر بن محمّد (الصادق)(٢) ، وإمامة موسى بن جعفر (الكاظم)(٣) ، وإمامة عليّ بن موسى (الرضا)(٤) ، وإمامة محمّد بن عليّ (الجواد)(٥) ، وإمامة عليّ بن محمّد (الهادي)(٦) ، وإمامة الحسن بن عليّ (العسكري)(٧) ، وإمامة محمّد بن الحسن (المهدي)؛ وهو الإِمام الثاني عشر(٨) .

هذه هي الإِمامة. وأمّا المعاد:

فيعتقد به الشيعة كما يعتقد به سائر المسلمين، ولكنّهم يخالفونهم بالكيفيّة. فهو عند الشيعة: إِعادة الخلائق، بعد موتهم، أحياء بأجسادهم وأرواحهم. وقد وافقهم بعض السنّة وخالفهم الباقون في ذلك.

علمت - من مجمل ما ذُكر - أنّ أصول الدين عند الشيعة خمسة: التوحيد - العدل - النبوّة - الإِمامة - المعاد. لكن الإمامة - وإن اعتبروها من أصول الدين - هي بأصول المذهب أشبه؛ لأنّ منكر الإِمامة عندهم لا يخرج – بذلك – عن ملّة الإِسلام، وإِنّما يخرج عن المذهب فحسب، بعكس بقية الأصول.

ويؤمن الشيعة بجميع ما في القرآن العزيز والسنّة الشريفة القطعية؛ من الجنّة والنار، ونعيم البرزخ وعذابه، والميزان، والصراط، والأعراف، والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وأنّ الناس مجزيّون بأعمالهم،

____________________

(١) ولد (عليه السّلام) بالمدينة سنة ٥٧، وتوفّي فيها سنة ١١٤، ودفن بالبقيع.

(٢) ولد (عليه السّلام) بالمدينة سنة ٨٣، وتوفّي فيها سنة ١٤٨، ودفن بالبقيع.

(٣) ولد (عليه السّلام) بالأبواء سنة ١٢٨، وتوفّي مسموماً ببغداد سنة ١٨٣، ودفن بالكاظمية.

(٤) ولد (عليه السّلام) بالمدينة سنة ١٤٨، وتوفّي مسموماً بطوس إيران سنة ٢٠٣، ودفن هناك.

(٥) ولد (عليه السّلام) بالمدينة سنة ١٩٥، وتوفّي سنة ٢٢٠، ودفن بالكاظمية شمال جدّه.

(٦) ولد (عليه السّلام) بالمدينة سنة ٢١٢، وتوفّي مسموماً بسامراء سنة ٢٥٤، ودفن بداره فيها.

(٧) ولد (عليه السّلام) سنة ٢٣٢ بالمدينة، وتوفّي ودفن عند أبيه سنة ٢٦٠.

(٨) ولد عليه السلام سنة ٢٥٥ بسامراء، وغاب غيبته الصغرى سنة ٢٦٠، والكبرى سنة ٣٢٩.


إِن خبراً فخير وإن شراً فشر، ومن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره. إِلى غير ذلك ممّا ثبت في الكتاب والسنّة من أنّ الله سبحانه لم يجبر مخلوقاً على طاعة ولا على معصية. وكيف يجبر على الطاعات وهو غنيّ عنها؟، بل كيف يمدح عباده ويثيبهم عليها وهي ليست منهم ولم تكن باختيارهم، على ما زعم ؟!. ثُمّ كيف يعاقب العصاة وقد أجبرهم على المعاصي وأرادها منهم كما زعم الزاعمون؟، وهو القائل في كتابه الكريم:(وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَاد) ،(وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ) ،(وَقُلِ الْحَقّ مِن رَبّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُوْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكُفُرْ إِنّا أَعْتَدْنَا لِلظّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) ، أم كيف يرضى الكفر ويأمر بالفحشاء، وهو القائل:(إِنّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) ،(وَلاَ يَرْضَى‏ لِعِبَادِهِ الْكُفْر) ؟؟؟!.

حاشا وكلاّ أن يكون إِلهنا

ينهي عن الفحشاء ثُمَّ يريدها

وكما لا جبر عند الله تعالى، كذلك لا تفويض؛ بل الأمر بين بين.

وما ينسب إلى بعض منتحلي التشيّع: (من أنّ الله فوّض الأمور إلى الأئمّة من أهل البيت)، تبرأ منه الشيعة ولا تقول به؛ لأنّهم لا يرون أئمّتهم إِلاّ من عباد الله المخلَصين، الّذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون.

وعند الشيعة أنّ كلّ من قال أو يقول بالتفويض، أو يجعل لأيّ مخلوق صفة من صفات الخالق الخاصّة به، فهو خارج عن ملّة الإِسلام(١) .

وهناك أمور كثيرة يعتقد الشيعة وجوبها ويفعلونها منذ تكوّنوا إلى اليوم؛ إليك أهمّها؛ وهي خمسة: الصوم، والصلاة، والحجّ، والزكاة، والجهاد في سبيل الله. وهي المعبّر عنها عندهم بفروع الدين.

أمّا (الصوم)، فهو عندهم أربعة أقسام: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه. ولا يجب

____________________

(١) ملخّص عن كتاب (شرح التجريد)، للعلاّمة الحلّي المتوفّى سنة ٧٢٨، ومختصر تاريخ الشيعة، وأصل الشيعة وأصولها، وإنقاذ البشر للشريف المرتضى المتوفّى سنة ٤٣٦.


الصوم المفروض في شهر رمضان حتّى يشاهد هلاله أو يثبت بشهادة عدلين أو بالشياع، كما لا يجوز الإِفطار عندهم حتّى يُرى هلال شوّال أو يثبت بالشهادة أو بالشياع.

فمن الخطأ الفادح ما في دائرة المعارف الإنكليزيّة: (من أنّ الشيعة يوجبون الصوم بالعدد، ويجوّزون الإِفطار بالعدد، ولا يشترطون رؤية الهلال).

وأمّا (الصلاة)، فقسمان: واجب، ومستحب؛ ويعبّر عنه بالنوافل. وقد تعرض الحرمة والكراهة على الصلاة من حيث المكان واللّباس.

وأمّا(الحجّ)، فقسمان أيضاً: واجب، ومستحب. وقد يحرم إذا ظنّ المرء تلف نفسه أو عرضه أو ماله في الطريق أو غيره. ولا يجوز الحجّ إلى غير مكّة المكرّمة. ولا غنى لهم عن بيت الله الحرام كما افترى عليهم الرحّالة المصري(ص٢٠٠) من جولته في ربوع الشرق الأدنى. ولا يتمّ حجّهم إلى مكّة، إلاّ بتأدية المناسك على الوجه الكامل في بيت الله الحرام، وفي المواقيت ومنى وعرفة والمشعر.

و(الزكاة) قسمان: واجب في ثلاثة أنواع: ١- الأنعام الثلاثة. ٢- والغلاّت الأربع: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب. ٣- والنقدين من الذهب والفضة. ومستحب: في غير هذه الأنواع.

و(الجهاد) واجب في سبيل الله وحماية بيضة الإسلام. وجهاد النفس الأمّارة من أعظم الجهاد وأعودها نفعاً للفرد وللمجتمع البشري، وهو داخل ضمن الجهاد في سبيل الله بلا ريب؛ لأنّ من جاهد نفسه ووطّنها على فعل الخيرات والابتعاد عن الشرور والمعاصي، كان عمله أنفع من سلّ الحسام في حرب المشركين. وهل أشرك المشركون إِلاّ من إهمال هذا الجهاد للنفس؟، وتغليب الهوى على العقل؟!.

ويلي هذه الفروع في الأهميّة، فرض الخمس(١) :(وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم

____________________

(١) قال الإمام الشافعي (الأم/ ص٦٩): فأمّا آل محمّد، الّذين جُعل لهم


مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ... إلخ)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) . ولهما، كما لغيرهما من الأحكام، شروط كثيرة وبحوث دقيقة، مبسوطة في الكتب الاجتهادية لفقه الشيعة، وهي مطبوعة منتشرة في بلادهم وغيرها، فليطلبها من يريد الاطلاع والكتابة عنهم بعلم وإنصاف.

____________________

الخمس عوضاً عن الصدقة، فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئاً.. ولا يحلّ لهم أخذها وليس منعهم حقّهم في الخمس، يُحلُّ لهم ما حرّم عليهم من الصدقة. وأبانَ ابن حجر ( الصواعق/ ص٨٨ ) علّة تحريم الصدقة على آل محمد (ص)، فقال: (ومن تطهيرهم تحريم صدقة الفرض، بل والنفل - على قول مالك - عليهم؛ لأنّها أوساخ الناس، مع كونها تنبيء عن ذلّ الآخذ وعزّ المأخوذ منه. وعوّضوا عنها خمس الخمس، المنبيء عن عزّ الآخذ وذلّ المأخوذ منه. وفي تفسير الطبري: (عن مجاهد: قد علم الله أنّ في بني هاشم الفقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة).


الفصل الثاني

الطوائف المتشعِّبة من الشيعة، وكيف تشعّبت؟(*)

١ - تمهيد. ٢ - السبأيّة والخوارج. ٣ - دسائس الخوارج وتخاذل الشيعة. ٤ - الكيسانيّة.

٥ - الزيديّة. ٦- كيف ظهر الزنادقة والغلاة في عهد الصادق؟. ٧ - الإسماعيليّة.

٨ - الفطحيّة. ٩ - الواقفيّة. ١٠ - القطعيّة. ١١ - النصيريّة. ١٢ - حال الشيعة بعد ذلك.

١٣ - ما هي الأسباب في تشعّب تلك الطوائف؟.

١- تمهيد:

كان الشيعة في بدء نشأتهم طائفة واحدة يعتقدون - جميعاً - أنّ الإمامة ليست من الأمور التي تفوّض إلى نظر الأمّة واختيارها(١) ، بل لابدّ فيها من النصّ على الإمام الذي يكون خليفة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووصيّه، ونائباً عاماً عنه في تنفيذ الأحكام وإِدارة شؤون المسلمين. ولا يجوّزون إهمال مثل هذا المنصب الخطير؛ لأنّ ذلك ممّا يوجب الهرج والمرج والفوضى بين الأمّة التي تريد أن تعيّن صاحب هذا المنصب الخطير باختيارها وحسب أهوائها المختلفة وأنظارها المتباينة.

وحاشا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو الذي علم قرب أجله وتباين أمّته في

____________________

(*) نُشر مختصراً في مجلّة العرفان الغرّاء/المجلّد ٢٦.

(١) ظنّي أنّه لولا الاعتقاد بتفويض أمر الإمامة إلى اختيار الأمّة؛ لمـَا تسابق المهاجرون والأنصار إلى (السقيفة). ولولا اختلاف الأهواء والأنظار؛ لمـَا حصل ذلك التخاصم الفظيع يومئذٍ؛ حتّى وطيء صدر زعيم الأنصار وهو مريض؛ ولمـَا حصل ذلك الهرج؛ الّذي لو لم يتداركه عليّ بتغاظيه ونصحه، وأبو بكر بحزمه وحسن سيرته، لقضي على الإسلام في مهده، ونال أهل الردّة ما يريدون، والمؤلَّفة قلوبهم ما يبتغون؛ ولَمَا ظهر دين الحقّ ولو كره الكافرون.


الآراء، أن يدعها فوضى، تسارع كلّ قبيلة إلى تنصيب زعيمها ذلك المنصب العظيم، أشرف منصب في الإِسلام. حاشاه من أن يهمل هذا الأمر الخطير، وهو الذي كان إذا غاب عن المدينة أيّاماً قليلة، لا يدعها بغير نائب عنه من خيرة أصحابه؟، أو يهمل أمر الوصيّة وتعيين الوصيّ، وهو الذي كان يأمر المسلمين، وهم أحياء أصحّاء لا يعلمون قرب آجالهم، أن يوصوا ويعيّنوا وصيّاً.

لهذا وغيره، قال الشيعة بوجوب النصّ على الإمام وتعيينه. وقالوا - كما تقدّم في الفصل الأوّل - إن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عيّن أمير المؤمنين(ع) إماماً ووصيّاً وخليفة. واستدلوا على قولهم بأخبار إخوانهم من أهل السنّة، ودوّنوها في كتبهم الخاصّة بالإمامة وفي غيرها. وقد أثبتنا لك - قبل - طرفاً منها وإليك هذا الخبر الصحيح الصريح:

(عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):ألا أدّلكم على ما إنْ تساءلتم عنه لم تهلكوا؛ إنّ وليّكم الله، وإنّ إمامكم عليّ بن أبي طالب، فناصحوه وصدِّقوه، فإنّ جبريل أخبرني بذلك (١) .

استمر الشيعة على هذا القول في الإمامة، ولم تعرض لهم فيه أيّ شبهة، ولم تشبه أيّ شائبة إلى أيّام:

٢- ظهور السبأيّة وخروج الخوارج:

ظهرت بدعة السبأيّة في الغلو على عهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) عندما (مرَّ بقوم وهم يأكلون في شهر رمضان نهاراً، فقال لهم:أسفر أنتم أم مرضى؟ ، قالوا: لا، ولا واحدة منهما، قال:فمن أهل الكتاب أنتم فتعصمكم الذمّة والجزية؟ ، قالوا: لا، قال:فما بال الأكل نهاراً في رمضان؟ ، فقالوا له: أنت أنت؛ يومون إلى ربوبيّته. فاستتابهم واستأنى وتوعَّدهم، فأقاموا على قولهم، فحفر لهم حفراً دخن عليهم فيها؛ طمعاً في رجوعهم، فأبوا، فحرقهم، وقال:ألا تروني قد حفرت حفراً

____________________

(١) شرح النهج للمعتزلي،ج١، ص٢٥٥.


إنّي إذا رأيت شيئاً منكرا

أوقدت ناري ودعوت قنبرا

فلم يبرح (عليه السّلام) من مكانه حتّى صاروا حمماً. ثُمَّ استترت هذه المقالة سنة أو نحوها، حتّى ظهر عبد الله بن سبأ - وكان يهوديّاً يتستّر بالإسلام - بعد وفاة أمير المؤمنين(ع)، فأظهرها، واتّبعه قوم، فسمّوا: السبأيّة. وقالوا: إنّ عليّاً لم يمت. وقالوا في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)أغلط قول(١) .

فأنت ترى أنّ (السبأيّة) بعيدون - بأَقوالهم هذه وغيرها - عن التشيّع الحقّ كلّ البعد. فمن الظلم والخطأ الفاحش أن يُنْسَبوا إلى الشيعة. وأن يقال: (وفي التشيّع ظهرت اليهوديّة... إلخ). وسترى مزيد بيان لذلك في فصل الغلاة.

وبعد انسلاخ هذه الفئة عن الشيعة والإسلام، انسلخ عنهما في (صِفّين) فئة أخرى سمّيت (الخوارج)(٢) ؛ لأنّها كانت في جند عليّ(ع)، فخرجت

____________________

(١) شرح النهج للمعتزلي،ج٢، ص٣٠٩.

(٢) لقد توسّع الشهرستاني (ج١/ ص٦٥ من مِلله) في إطلاق اسم الخوارج؛ حيث قال: (يطلق على كلّ من خرج على الإمام الحقّ الذي اتّفقت عليه الجماعة، سواء كان خروجه في أيّام الصحابة على الراشدين أو كان بعدهم على التابعين بإحسان والأئمّة في كلّ زمان)، ثُمَّ قال: (وإنّ أوّل من خرج على أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)، جماعة ممّن كان معه في حرب صِفّين. وأشدّهم خروجاً عليه ومروقاً من الدين، الأشعث بن قيس الكندي، ومسعر بن فدكي التميمي، وزيد بن حصين الطائي)، وبعد أن ذكر تفرّق الخوارج إلى ٢٧ فِرقة، قال: (وكبار الفِرق منهم: المحكمة، والأزارقة، والنجدات،البيهسية، والصفرية، والعجاردة، والأباضية، والثعالبة، والباقون فروعهم. ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعليّ (رضي الله عنهما)، ويقدّمون ذلك على كلّ طاعة. ولا يصحّحون المناكحات إلاّ على ذلك. [وأوّل فرق الخوارج هم] المحكّمة الأولى: [و] هم الذين خروجوا على أمير المؤمنين (عليه السّلام) حين جرى أمر الحكمين واجتمعوا بحروراء في ناحية الكوفة، ورأسهم عبد الله بن الكواء، وعتاب بن الأعور، وعبد الله بن وهب الراسبي، وعروة بن جرير،ويزيد بن أبي عاصم المحاربي، وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية. [....] وهم المارقة الذين قال فيهم (ص): ((سيخرج من ضئضي هذا الرجل (ذي الخويصرة) قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)). [ويسمّون بـ:(المحكّمة) و(الحروريّة)؛ لتحكيمهم أولاً، ثُم عدولهم وخروجهم لحروراء]. انتهى ملخّص كلامه. ويؤآخذ بعدم انطباق رأيه على المعروف من انحصار اسم


عن طاعته، وخالفته في استمرار الجهاد حينما لجأ معاوية إلى مكيدة رفع المصاحف، وحينما رفرف النصر على لواء الأشتر قائد الجيش العلوي، وكاد - لو أمهلوه عدوة فرس - أن يأخذ برقاب الجيش السفياني.

وعلى الرغم من نصحه(عليه السّلام) لهذه الفئة الخارجة، وبيانه وجه الخدعة المقصودة من رفع المصاحف، وتحذيره إيّاهم من هذه المكيدة المدبَّرة، بقوله:((أيّها الناس، إنّي أحقّ من أجاب إلى كتاب الله، ولكن (القوم) ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن. إنّي أعرف بهم منكم، صحبتهم صغاراً ورجالاً، فكانوا شرّ صغار وشرّ رجال. ويحكم، إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل. أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحقّ مقطعه، ولم يبق إِلاّ أن يُقطع دابر الذين ظلموا)) (١) . على الرغم من ذلك كلّه، قد أصرّت على ضلالها ونادت بالموادعة، كما أصرّ السبأيّة على ضلالهم. وفيهما يقول الشهرستاني: (ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة، وصدَق فيهم قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):يهلك فيك اثنان، محبّ غال ومبغض قال )(٢) .

ومن غرائب أمر هذه الفئة أنّها مثلما أصرّت على عليّ(ع) بقبول التحكيم أوّلاً، وشهرت السيوف فوق رأسه الشريف، وألجأته إلى إرجاع قائده الأشتر(٣)

____________________

الخوارج بذرّيّة ذي الخويصرة وأتباعهم. وإلاّ، فعلى رأيه ينبغي أن يكون أوّل الخوارج هم الصحابة والمصريّون الذين ألّبوا على عثمان وقتلوه، ثُمَّ طلحة والزبير ومن ساعدهما على حرب عليّ يوم الجمل بعد عقدهما البيعة له.

(١) شرح النَّهج للمعتزلي،ج١، ص١٨٦.

(٢) المِلل والنِّحل،ج١، ص١١ .

(٣) قال حسن السندوبي (البيان والتبيين على الحاشية/ج٢/ ص٦٠)، هو: (مالك بن الحارث الأشتر النخعي ، كان من شجعان العرب وأبطال السلم وفرسان الدنيا. وكان شاعراً مجيداً، وخطيباً بليغاً، وقائداً مدبّراً. وكان من قوّاد الجيوش مع عليّ بن أبي طالب، وشهد معه وقائعه في الجمل وصِفّين، وكان يلي الجزيرة له. وهو الذي كشف جيوش معاوية عن الماء في صِفّين وقتل من قواده وصناديد أجناده سبعة في يوم واحد. وقد بارز عبد الله بن الزبير يوم الجمل وصرعه، مع شيخوخته وطيّه ثلاثة أيّام لم يطعم فيها شيئاً، ومع شباب ابن الزبير وفتآئه وقوّته. وكان عبد الله يصيح اقتلوني ومالكاً. وفي ذلك

=


من ساحة الحرب، واضطرّته إلى إظهار قبول التحكيم، أصرّت على إنكار التحكيم أخيراً أشدّ إِصرار (ونادت من كلّ جهة ومن كلّ ناحية: لا حكم إِلا لله يا عليّ. لا نرضى بأن يحكم الرجال في دين الله)(١) .

ثُمَّ خرجت بعد مدّة عليه (بالنهروان)، واعتدت على الصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت؛ لأنّه أَثنى على عليّ (فقتلوه وقتلوا أم ولده وشقوا عمّا في بطنها من حمل، فأخبر عليّ بما صنعوا، فقال:الله أكبر (٢) . ثُمَّ حمل عليهم وكانوا أربعة آلاف، فقتلهم أجمع. ولم يبق منهم سوى ثمانية أو تسعة، فانهزم اثنان منهم إلى عُمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى تل مورون باليمن، وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم وبقيت إلى اليوم)(٣) .

وكان من جملة الخوارج المقتولين في النهروان ذو الثدية، الذي قال عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بعد أن حكم بمروقهم من الدين:(( وآيتهم رجل أسود،

____________________

=

يقول الأشتر لعائشة أمِّ المؤمنين صاحبة الجمل:

أعائش لولا أنَّني كنت طاوياً

ثلاثاً لألفيت ابن أختك هالكا

غداة ينادي والرجال تجوزه

بأضعف صوت: اقتلوني ومالكا

ولمـّا انتهى أمر صِفّين والحكمين، ولاّه عليّ مصر، وأعطاه دستوراً للحكم هو من أبلغ ما وضع في أساليب الحكم. وكان معاوية لمـّا بلغه توليته على مصر اضطرب وخاف إن تمكّن منها حال بينه وبين مطامعه فيها، فأعدّ له من يسقيه السمّ في طريقه إليها). ابن أبي الحديد (ج١/ ص١٨٥ من شرح النهج): (لله أمٌّ قامت عن الأشتر، لو أنّ إنساناً يقسم أنّ الله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلاّ أستاذه (عليه السّلام)، لَمَا خشيت عليه الإثم. ولله درّ القائل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياتُه أهل الشام، وهزم موته أهل العراق. وبحقٍّ، ما قاله فيه أمير المؤمنين(ع): كان الأشتر لي كما كنت لرسول الله (ص) ).

(١) شرح النَّهج،ج١، ص١٩٣.

(٢) تاريخ الخطيب البغدادي،ج١، ص٣٠٥.

(٣) المِلل والنحل، ج١، ص٦٧.


في إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدرّ درّاً )) (١) .

ولنبحث الآن عمّا حدث بعد ذلك من:

٣- دسائس الخوارج، وتخاذل الشيعة وما نالهم من البلاء:

كان المترقَب - بعد خذلان الخوارج وانتصار أمير المؤمنين (ع) ذلك الانتصار الباهر في النهروان - أن تقوى شوكة الشيعة ويزداد اتحادهم، ويشتدّ نشاطهم، وتطمح آمالهم إلى الكرّة، ثانياً، على (صِفّين). ولكن الأمر كان على عكس ما تُرُقّب؛ من جراء الدسائس الخبيثة التي كان يلقيها فيما بينهم فلول الخوارج - الذين اظهروا الطاعة وكتموا العصيان - وأفراد من عثمانيّة البصرة والكوفة المتستّرين في عثمانيّتهم.

فالخوارج - وهم حديثو عهد بقتلى النهروان - لم تزل مصارعهم نصب أعينهم، كانوا يثبّطون الناس كرهاً بعليّ وانتقاماً منه، حتّى إنّه لمـّا خطب بالنخيلة (قام إليه رجل منهم، فقال: ما أحوج أمير المؤمنين اليوم إلى أصحاب النهروان. ثُمّ تكلّم الناس من كلّ ناحية ولغطوا )(٢) .

وخطب يوماً، فقال:((إذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه، فليمس أهله، فإنّما هي امرأة كامرأة)) . فقال رجل من الخوارج: قاتله الله، كافراً ما أفقهه. فوثب القوم ليقتلوه، فقال(ع):((رويداً، إِنّما هو سبٌّ بسبٍّ، أو عفو عن ذنب)) (٣) .

____________________

(١) صحيح مسلم،ج١، ص٣٩٣. وذكر نحو ذلك ابن أبي الحديد (شرح النهج/ج١/ ص٢٠٢)، وروى هناك عن مسند أحمد بن حنبل، عن مسروق (قال: قلت لعائشة: سألتك بصاحب هذا القبر، ما الذي سمعت منه(ص) في الخوارج؟، فقالت: نعم، سمعته يقول: إنّهم شرّ الخلق والخليقة، يقتلهم خير الخلق والخليقة وأقربهم عند الله وسيلة ). وروى الخطيب البغدادي أيضا (ج١/ ص١٦٠ من تاريخ بغداد): (عن عائشة قالت: سمعت النبيّ (ص) يقول: تمرق فِرقة محلقون رؤوسهم، محفون شواربهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقبهم، يقتلهم أحبّهم إليّ وأحبّهم إلى الله تعالى ).

(٢) شرح النَّهج للمعتزلي،ج١، ص١٤٦.

(٣) شرح النَّهج للمعتزلي، مجلّد٤، ص٤٧٠.


والعثمانية كانوا يفعلون كذلك؛ حبّاً بمعاوية، وحذراً من انتصار عليّ عليه، (وكان بعض العثمانية - وهم في جند عليّ (ع) - يتجسّسون الأخبار لمعاوية، وكان أبو بردة بن عوف الأزدي يكاتب معاوية من الكوفة، فلمّا ظهر معاوية، أقطعه قطيعة بالفلّوجة. وكان كريماً عليه)(١) .

وقد اختلفت أساليب التثبيط، فتارة يقولون: (نفدت نبالنا، وكلّت سيوفنا)(٢) . وأخرى (يقولون - إِذا أمرهم بالسير إلى أهل الشام في أيّام الحرّ - : هذه حمَّارة القيظ، أمهلنا حتّى ينسلخ عنّا الحرّ. وإذا أمرهم بالسير في الشتاء، قالوا: هذه صبارة القرّ، أمهلنا حتّى ينسلخ عنها البرد)(٣) .

وبطبيعة الحال كانت هذه الألفاظ المخنّثة تؤثّر على البسطاء والكسالى من الشيعة، فتدفعهم إلى النداء مع القوم: (نفدت نبالنا، وكلّت سيوفنا يا أمير المؤمنين).

ولقد حاول(عليه السّلام)، مراراً، أن يحفّزهم إلى الجهاد، ويقنعهم بضرر تأخيره على دينهم ودنياهم، فما استطاع وهو إمام البلغاء وخطيب السلم المصقّع من غير مدافع. ولمـّا سأم عتابهم، عدل إلى تقريعهم والتأفف منهم، بمثل قوله:((يا أشباه الرجال ولا رجال، قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً، وشحنتم

____________________

(١) شرح النهج للمعتزلي، مجلّد١، ص١٨٥، وص٢٥٧

(٢) قال الدينوري (الأخبارالطوال/ ص٢١٣): (لمـّا أراد عليّ الانصراف من النهروان، قام في أصحابه، فقال: أيّها الناس، إنّ الله قد نصركم على المارقين، فتوجّهوا من فوركم هذا إلى القاسطين. فقام إليه رجال فيهم الأشعث بن قيس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلّت سيوفنا). وقال الخطيب البغدادي: (إنّ القائل: نفدت نبالنا... إلخ، هو الأشعث بن قيس، فركن الناس إلى قوله). انظر: (تاريخ بغداد/ مجلّد١/ ص١٩٨)، و(تهذيب الكامل للمبرّد/ مجلّد١/ ص٩٠)، و(شرح النهج/ مجلّد ٢/ ص٤٣) تر أنّ الأشعث هذا، من أشدّ الخوارج وأكبرهم كيداً، وكان له يد طولى في اغتيال عليّ(ع) ).

(٣) تهذيب الكامل، مجلّد١، ص١٢، والأخبار الطوال،٢١٥.


صدري غيظاً، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان)) (١) .

((أفٍّ لكم، لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً، وبالذلّ من العزّ خلفاً. إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم، دارت أعينكم، كأنّكم من الموت في غمرة)) (٢) .

((لوددت أنّ معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ منّي عشرة منكم وأعطاني رجلاً منهم)) (٣) .

ولا ريب أنّه(عليه السلام) لم يقصد بذلك جميع جنده؛ لأنّه كان يعلم ما فيه من خلّص الأصحاب وخيار الشيعة، ويعتقد بطاعتهم وإِخلاصهم، وأنّهم لا يخالفونه لو أمرهم - وحدهم - بالجهاد، وإنّما المقصود، من كان في جنده من الخليط والبسطاء، الذين خدعوا بدسائس الخوارج وكلماتهم المثبِّطة.

ما اكتفى الخوارج بالتثبيط، ولا شفى غليلهم نجاحهم فيه، بل راحوا يتآمرون سرّاً على اغتيال أمير المؤمنين(ع). وبعد برهة من الزمن، انتدبوا عبد الرحمن بن ملجم المرادي، فاغتال بطل الإسلام.

وقالع الباب الذي عن ردّه

عجزت أكف أربعون وأربع

وقبل وفاته(ع) (أوصى بالإمامة إلى ولده الحسن بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسليله وشبيهه في خلقه وهديه، فبايعت الشيعة كلّها. وتوقّف أناس ممّن كان يرى رأي العثمانيّة، ولم يظهروا أنفسهم بذلك، وهربوا إلى معاوية)(٤) .

وبعد أن بويع الحسن(ع)، خرج إلى حرب معاوية، ولكن الخوارج - الذين كانوا متسترين في جيشه - أرادوا أن يمثّلوا معه الرواية الّتي مثّلوها مع

____________________

(١) شرح النَّهج، مجلّد١، ص١٤١، والأخبار الطوال، ص٢١٥.

(٢) شرح النهج، مجلّد١، ص١٧٧.

(٣) شرح النَّهج، مجلّد٢، ص١٨٣.

(٤) الأغاني، جزء١١، ص١٦.


أبيه من التثبيط والاغتيال.

أمّا التثبيط، فقد تمّ لهم يومئذ، حتّى تفرّق (من جراء الدسائس) جند الحسن، وشدّ بعضهم على فسطاطه، فنهبوه.

وأمّا الاغتيال، فلم يتم لهم، بل سَلِم(عليه السلام) من كيدهم (وقتل من طعنه في فخذه بمظلم ساباط، بعد أن قال له: أشركت يا حسن كما أشرك أبوك)(١) .

وبعد هذه الواقعة، اضطر الحسن إلى موادعة معاوية على شروط قبلها معاوية، ولكنّه لم يف بها، بل قال: (كلّ شيء أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين، لا أفي به)(٢) .

وبعد الموادعة سار الحسن إلى المدينة، فأقام فيها ما يقرب من تسع سنين. وأخيراً كان موته فيها مسموماً بيد جعدة بنت الأشعث بن قيس، كبير الخوارج، وبتحريض من معاوية، حتّى جعل لها على سمّه مائة ألف درهم وزواج ابنه يزيد ؟!.

ولمـّا علم (عليه السلام) بدنو أجله، نصّ على إمامة أخيه الحسين(ع)، فبايعه جميع الشيعة سرّاً؛ خشية من السلطان. وعلى الرغم من تكتّمهم في هذه البيعة، وفي الحب والموالاة، فقد نالوا أنواع الظلم وصنوف العذاب. (وكان أشدّ الناس بلاءً حينئذ أهل الكوفة؛ لكثرة من بها من الشيعة، فاستعمل عليهم زياد بن سميّة)(٣) .

وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة - وهو بهم عارف؛ لأنّه كان منهم أيّام عليّ(ع) - فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم وشرّدهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمّل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، فلم يبق منهم بها

____________________

(١) الأخبار الطوال، ص٢١٩، وتلبيس إبليس لابن الجوزي، ص١٠٠.

(٢) شرح النهج، مجلّد٤، ص١٥، ومقاتل الطالبيّين، ص٤٨.

(٣) وزياد هذا، هو الذي قال للحسن(ع): وإنّ أحبّ الناس إليّ لحماً أن آكله، للحم أنت منه. شرح النهج، مجلّد٤، ص٧.


معروف. وكتب معاوية إلى جميع الآفاق ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة عليّ وأهل بيته شهادة )(١) .

(وكتب أيضا إلى عمّاله في جميع البلدان: أنظروا إلى مَن أقامت عليه البينة أنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته، فامحوّه من الديوان، واسقطوا عطاؤه ورزقه. وكتب نسخة أخرى: ومن اتهمتموه بموالاة القوم، فنكّلوا به واهدموا داره)(٢) .

ولقد (استخلف زياد على البصرة سمرةَ بن جندب، فحذى حذوه في سفك الدماء(٣) . ولمـّا هلك زياد سنة ٥٣ هـ تنفّس الشيعة قليلا، وتراجعوا نحو الكوفة. ولمـّا مات معاوية سنة ٦٠ هـ وقام ابنه يزيد تظاهرت الشيعة ونادت باسم الحسين بن عليّ(ع)، وكاتبه أهل الكوفة (أنّه ليس علينا إِمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق)(٤) . وما قدم عليهم وحلّ بقربهم، حتّى خذله أكثرهم، وحاربوه وقتلوه.

((قتلوه بعد علم منهم

أنّه خامس أصحاب الكسا))

وكان قتله بأمر يزيد بن معاوية، كما سنثبته، وبإمرة ابن مرجانة عبيد الله بن زياد، وقيادة بقايا العثمانيّة والخوارج؛ كعمر بن سعد، والحصين بن نمير، وسمرة بن جندب(٥) ومحمد بن الأشعث وأخيه قيس الخارجيّين.

____________________

(١) شرح النهج، مجلّد٣، ص١٥.

(٢) شرح النهج، مجلّد٣، ص١٦.

(٣) تاريخ أبي الفداء، مجلّد١، ص١٨٥.

(٤) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٤، ص٨.

(٥) وسمرة هذا، هو الذي بذل له معاوية مائة ألف درهم حتّى يروى أنّ هذه الآية نزلت في علي، وهي: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) . وأنّ الآية الثانية، وهي: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ) نزلت في ابن ملجم، فلم يقبل سمرة بذلك، فبذل له معاوية مائتين ألف درهم، فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف درهم، فقبل سمرة وروى الآيتين. ولا غرو، فهو الذي خالف رسول (ص) لمـّا أمره بقلع نخلة كانت لسمرة في دار رجل من الأنصار، وهو الذي كان


وقد ندم(١) كثير من أهل الكوفة الذين تخاذلوا عن نصرة الحسين (ورأوا أنّ لا يغسل عارهم والإثم عليهم إلاّ قتل من قتل الحسين، فاجتمعوا بالكوفة إلى خمسة من رؤساء الشيعة، أجلّهم سليمان بن صُرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فخرجوا (سنة ٦٥ هـ)، فقتلوا)(٢) . ثُمّ قام من بعدهم المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وجرى على يده (سنة ٦٦) القصاص الإلهي من قاتلي سبط رسوله وريحانته.

____________________

على شرطة عبيد الله بن زياد يحرّض الناس على الخروج لقتال الحسين بن رسول الله (ص). انظر: شرح النهج للمعتزلي/ مجلّد١/ ص٣٦١، وص٣٦٣.

(١) ممّن ندم على تخاذله عن نصرة الحسين عبيد الله بن الحرّ الجعفي، وثار على ابن زياد وأظهر ندمه بقوله:

فيالك حسرة ما دمت حيّا

تردد بين حلقي والتراقي

حسين حين يطلب بذل نصري

على أهل العداوة والشقاق

فما أنسى غداة يقول حزناً:

أتتركني وتزمع لانطلاق

فلو فلق التلهف قلب حيّ

لهم القلب مني بانفلاق

ويقول أيضا من جملة أبيات:

فيا ندمي أن لا أكون نصرته

ألا كل نفس لا تسدد نادمه

انظر: الأخبار الطوال، ص ٢٥٨، وتاريخ ابن الأثير، مجلّد٤، صفحة١١٢.

(٢) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٤، ص٦٣. وقال الخطيب البغدادي ( تاريخ بغداد، مجلّد١، ص٢٠٠): (وسليمان بن صرد الخزاعي أمير التوّابين، ويكنّى أبا المطرف، صحب النبيّ (ص) وكان اسمه يسارا فسمّاه الرسول سليمان. وكان له سن عالية وشرف في قومه. ونزل الكوفة حين نزلها المسلمون، وشهد مع علي صِفّين. وكان فيمن كتب إلى الحسين بن عليّ (عليهما السلام) يسأله قدوم الكوفة، فلمّا قدمها ترك القتال معه. فلمّا قتل الحسين ندم هو والمسيّب بن نجبة الغزاري، وجميع من خذله ولم يقاتل معه، ثُمّ قالوا: (ما لنا توبة ممّا فعلنا إلاّ أن نقتل أنفسنا في الطلب بدمه)، فعسكروا بالنخيلة مستهل شهر ربيع الآخر سنة ٦٥، وولّوا أمرهم سليمان بن صرد الخزاعي، وخرجوا إلى الشام في الطلب بدم الحسين، فسمّوا التوّابين. وكانوا أربعة آلاف رجل، فقتل سليمان في هذه الوقعة بعين الوردة بالجزيرة، رماه يزيد ببن الحصين بن نمير بسهم فقتله، وحمل رأسه إلى مروان بن الحكم).


٤- الكيسانيّة وخروجهم عن التَّشيّع:

علمت أنّ المختار قد نهض في الكوفة وأخذ بثأر الحسين وقتل قاتليه، سوى عبيد الله بن زياد، فإِنّ الذي قتله إبراهيم بن الأشتر النخعي، قتله سنة ٦٧ هـ، وفي هذه السنة قُتل المختار، قتله مصعب بن الزبير بن العوّام.

ولكن بقي علينا أن نعلم هل كان نهوض المختار بدافع ديني أو دنيوي؟، فذلك ممّا لا نستطيع الجزم به في هذه العجالة؛ لأن الأخبار قد اختلفت كثيراً في أمر المختار.

فبعضها يدل على تشيّعه لعليّ بن الحسين (ع) وحسن عقيدته وتديّنه. بعض آخر يدلّ على دعوته لمحمد بن الحنفية المتوفّى سنة ٨١ هـ. وأنّه ابتدع عقائد فاسدة تبرّأ منه محمد لأجلها ولعنه. ومع ذلك، فلا يسعنا إلاّ أن نكبر اقتصاصه من قاتلي الحسين(ع)؛ فإنّه يُرضي الله سبحانه ورسوله والمؤمنين. لا يضرنا أكانت نيّته خالصة في ذلك لله تعالى أم كانت لنيل الرئاسة كما يقال.

وقد اتبعه فئة من الناس تطوّرت عقائدهم بعده تطوّراً شائناً، تفرّدوا فيها عن الشيعة، وخرجوا بها عن التشيّع الحقّ كما سترى. وأُطلق عليهم اسم: (الكيسانية)؛ نسبة إلى كيسان مولى محمد بن الحنفية(رض). وقيل لأنّ المختار كان لقبه كيساناً. وقد يكونون سمّوا بذلك، وهو الأقرب؛ لأنّ رئيس شرطة المختار كان اسمه كيساناً (وكان يعرف أيضاً بأبي عمرة، وكان جبّاراً مغرماً بتخريب الدور، يهدم الدار بلحظة. وكان عند الناس رمز الإفقار، فيقولون لمن افتقر: قد جاوره أبو عمرة)(١) .

وعلى كلٍّ، فقد ظهر مذهب الكيسانيّة، على الأرجح، بعد شهادة الحسين السبط بست سنين. وقولهم بإمامة محمد بن الحنفية كان في ذلك الوقت أيضاً، لا بعد وفاة عليّ(ع) بلا فصل كما يظهر من قول الشهرستاني: (ومن قال إنّ الإمامة تثبت بالنصّ اختلفوا بعد عليّ (عليه السلام). فمنهم من قال: إنّما نصّ

____________________

(١)الأخبار الطوال، ص٢٨٢، وص٢٨٦؛ (بتلخيص) .


على ابنه محمد بن الحنفية. وهؤلاء هم الكيسانيّة)(١) .

وقد خالفه ابن خلدون، فقال: (ومنهم من ساقها بعد عليّ وابنيه السبطين - على اختلافهم في ذلك - إلى أخيهما محمد بن الحنفية، ثُمَّ إلى ولده أبي هاشم؛ وهم الكيسانيّة)(٢) .

ويقول الشهرستاني: (واختلف بعد أبي هاشم(٣) شيعته خمس فِرق، منها فِرقة قالت: إنّ أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن حرب الكندي. وإنّ الإِمامة خرجت من بني هاشم إِلى عبد الله هذا، وتحوّلت روح أبي هاشم إليه. والرجل ما كان يرجع إِلى علم وديانة، فاطّلع بعض القوم على خيانته وكذبه، فأعرضوا عنه، وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. ولمـّا هلك عبد الله بخراسان(٤) افترقت أصحابه، فمنهم من قال: إنّه حيٌّ بعد لم يمت. ومنهم من قال: مات وتحوّلت روحه إلى إِسحاق بن زيد بن الحارث الأنصاري، وهم الحارثيّة الذين يبيحون المحرّمات، ويعيشون عيش

____________________

(١) ج١، ص١٣ من مِلله.

(٢) ص١٣٩ من مقدّمته.

(٣) كان اسمه عبد الله بن محمّد (توفّي سنة ٩٩ هـ من سمّ سقيه بعد عودته من الشام). وضع عليه سليمان بن عبد الملك من سقاه، فلمّا أحسّ أبو هاشم بذلك عاد إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس، وهو بالحميمة، فعرّفه حاله، وأعلمه أنّ الخلافة صائرة إلى ولده، وأعلمه كيف يصنع، ثُمَّ مات عنده. تاريخ ابن الأثير،ج٥، ص١٧.

(٤) (خرج عبد الله هذا بالكوفة سنة ١٢٧ هـ، فأرسل إليه مروان الحمار من يقاتله، فانهزم عبد الله قاصدا إلى خراسان، طمعاً بأبي مسلّم الخراساني. فلمّا علم أبو مسلّم به أمر ابن الهيثم بالقبض عليه، فقبضه وقتله). (تاريخ دول الإسلام، منقريوش الصرفي، ج١، ص٨٠). ولكن أبا الفرج (الأغاني، جزء١١، ص٧٠) يقول: (خرج عبدالله هذا في أيّام يزيد بن الوليد، فاجتمع إليه أهل الكوفة ثُمَّ تفرّقوا عنه، ففرّ إلى أصبهان. ولمـّا أقام بها كتب يدعو إلى نفسه، لا إلى الرضا من آل محمّد (ص)، فقصدته بنو هاشم جميعاً، منهم السفّاح والمنصور. فلم يزل مقيماً فيها حتّى ولي مروان الحمار، فوجّه إليه عامر بن صبارة، فخرج عبد الله وإخوته قاصدين إلى خراسان، وقد ظهر أبو مسلّم بها، فأخذه أبو مسلّم وحبسه، ثُمّ أمضى تدبيره في قتله. وقال آخرون: إنّه دسّ إليه سمّاً فمات منه، ووجّه برأسه إلى ابن صبارة، فحمله إلى مروان).


من لا تكليف عليه)(١) .

ويقول ابن خلدون: (إنّ فِرقة من الكيسانيّة زعمت أنّ أبا هاشم لمـّا مات أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس، وأوصى محمد إلى ابنه إبراهيم، وانتقلت في ولْده واحداً بعد واحد إلى آخرهم. وهذا مذهب الهاشميّة القائمين بدولة بني العبّاس. وكان منهم: أبو مسلّم الخراساني، وسليمان بن كثير، وأبو سلمة، وغيرهم من شيعة بني العباس)(٢) .

فأنت ترى أن الكيسانيّة(٣) قد خالفوا الشيعة في أصول الإمامة؛ لأنّهم أخرجوها من بني علي إلى بني العباس، وإلى ابن الكندي، وابن الحارث. كما خالفوهم بتلك المقالات الخاطئة المنافية للتشيّع الإِسلامي النزيه؛ كالقول بإِباحة المحرّمات الّتي قالت بها الحارثيّة من الكيسانيّة، وكالقول بالتناسخ وتحوّل الأرواح من شخص إلى آخر. وقد أنصف ابن خلدون حيث جعل الكيسانيّة القائمين بدولة بني العباس من شيعة العباسيّة، لا من الشيعة العلويّة القائلين بإمامة زين العابدين علي بن الحسين (عليهما السلام)، ذاك الإمام العظيم الذي لم يعترف الكيسانيّة بإمامته (وهو الذي خلف أباه علماً وزهادة

____________________

(١) ج١، ص٨٥ من مِلله. وقد أطلق ابن أبي الحديد على الحارثيّة اسم: الإسحاقيّة. وذكر لهم مقالات فاسدة زيادة على ما ذكره الشهرستاني. انظر: الشرح النهج، ج٢، ص٣٠٥.

(٢) ص١٤٠ من مقدّمته. وما ذكرناه في ترجمة أبي هاشم يؤيّد زعم هذه الفِرقة. وهي موافقة لمذهب (الرازميّة) تماماً، ولكن البنانيّة يخالفون الجميع؛ لأنّهم نقلوا الإمامة رأساً من أبي هاشم إلى زعيمهم بنان بن سمعان.

(٣) لقد كان السيّد الحميري، الشاعر الكبير، كيسانيّاً في بدء أمره، ولكنّه تاب أخيرا وعدل عن القول بإمامة ابن الحنفية والاعتقاد بأنّه حيّ لم يمت وأنّه في جبل رضوي. وكتب قبل موته إلى الصادق يُعلمه بتوبته ويسأله الدعاء، فدعا له الصادق وترحّم عليه. انظر: الأغاني، لأبي الفرج، جزء٧، ص٢٣، والإرشاد للمفيد، ص٣٠٠. و ذكر له في منهج المقال، ص٦٠، وص١٣١ قصيدة، أوّلها:

ولمّا رأيت الناس في الدين قد غووا

تجعفرت باسم الله والله أكبر


وعبادة)(١) ، (وفضائله ومناقبه أكثر من أن تحصر. وقال الزهري عنه: ما رأيت قرشيّاً أفضل منه)(٢) .

(تُوفّي زين العابدين وعمره سبع وخمسون سنة، وقيل سمَّه الوليد بن عبد الملك عن أحد عشر ذكراً وأربع إناث. وارثه منهم عبادة وعلماً وزهادة أبو جعفر محمّد الباقر، سمّى بذلك من بقر الأرض: أي شقّها وأثار مخبآتها ومكامنها. فلذلك هو أظهر من مخبآت كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحِكَم واللطائف، ما لا يخفى إِلاّ على منطمس البصيرة، أو فاسد الطويّة والسريرة، ومن ثمّ قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه ورافعه.. صفا قلبه، وزكا علمه، وطهرت نفسه، وشرف خلقه، وعمرت أوقاته بطاعة الله، وله من الرسوم في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين، وله كلمات مأثورة في السلوك والمعارف لا تتحمّلها هذه العجالة)(٣) . وروى ابن قتيبة: (أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لجابر بن عبد الله:يا جابر، إنّك ستعمّر بعدي حتّى يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقراً، فإذا لقيته، فاقرأه منّي السَّلام )(٤) .

تُوفّي الباقر بالمدينة سنة ١١٤هـ أيّام هشام بن عبد الملك. ولكن ابن حجر يقول: (إنّه توفّي سنة ١١٧هـ عن ثمان وخمسين سنة مسموماً كأبيه(؟). وهو علويٌ من جهة أبيه وأمّه. خلّف ستة أولاد، أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق، ومن ثُمّ كان خليفته ووصيّه)(٥) وفي عهد الصادق(ع) كان ظهور:

٥- الزَّيديّة وأئمّتهم وفِرقهم:

وذلك سنة ١٢١هـ، وقيل سنة ١٢٢هـ؛ حيث نهض يومئذ زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) في الكوفة، واتبعه جماعة من أهلها ونهضوا معه، ثُمّ رفضه بعضهم وخذله كما خذلوا جدّه الحسين. فقيل - وقتئذ - لهؤلاء:

____________________

(١) الصواعق، ص١٢٣.

(٢) وفيّات الأعيان، ج١، ص٣٢١.

(٣) الصواعق، ص١٢٣.

(٤) عيون الأخبار، مجلّد١، ص٢١٢.

(٥) الصواعق، ص١٢٣.


(الرافضة)، وللذين ثبتوا مع زيد: (الزيدية)(١) . وغلب اسم الزيدية على هذه الفِرقة ولم يزل كذلك إلى اليوم.

وكان للزيدية أئمّة كثيرون من بني الحسن والحسين (عليهما السلام)؛ لأنّهم قالوا بإِمامة كلّ من خرج بالسيف داعياً لإمامته من الفاطميّين، فاضلاً كان أو مفضولا. ولكن (أكثرهم قد عدل بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول)(٢) ، وهؤلاء هم الجارودية كما سترى قولهم، وترى أنّهم يقولون بالنصّ على عليّ(ع)، ولكنّه بالوصف. فقول ابن خلدون عن جميع الزيدية: (بأنّهم ساقوا الإمامة على مذهبهم، وأنّها باختيار أهل الحلّ والعقد، لا بالنصّ)(٣) بعيد عن الواقع.

وعلى كلّ حال، فإنّ الزيدية (قالوا بإمامة عليّ، ثُمّ ابنه الحسن، ثُمّ أخيه الحسين، ثُمّ ابنه زين العابدين، ثمُّ ابنه زيد بن علي، وهو صاحب هذا المذهب. خرج بالكوفة داعياً إلى الإمامة، فقتل وصلب بالكناسة. وقال الزيديّة بإمامة ابنه يحيى من بعده، فمضى إلى خراسان وقُتل بالجوزجان(٤) بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن حسن بن الحسن السبط، فخرج بالحجاز، فقُتل(٥) . وعهد إلى أخيه إبراهيم، فقام بالبصرة، ومعه عيسى بن زيد، فوجّه

____________________

(١) رأيت أنّ الرافضة والزيديّة فِرقتان متغايرتان، ولكنّ ابن عبد ربّه الأندلسي زعم أن الزيديّة هم من الرافضة، وزعم أنّ زيداً قتل بخراسان، لا بالكوفة، مع أنّ المقتول بخراسان هو يحيى بن زيد. قال الأندلسي (العقد الفريد، ج١، ص٣٥٢): ومن الرافضة الزيديّة؛ وهم أصحاب زيد المقتول بخراسان).

(٢) انظر: ص٨٩، مجلّد١، من مِلل الشهرستاني.

(٣) ص١٤١ من مقدّمته.

(٤) نهض يحيى سنة ١٢٥ هـ ضدّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وقُتل بجورجان، قتله أميرها.

(٥) نهض محمد هذا بالحجاز ضدّ المنصور العباسي، واستولى على المدينة وتبعه أهلها. فأرسل إليه المنصور جيشاً على رأسه ابن أخيه عيسى، وجرى بينهم وبين محمد قتال عظيم، قُتل فيه محمد وجماعة من أصحابه وأهل بيته في شهر رمضان سنة ١٤٥هـ. وكان سميناً، أسمراً، شجاعاً، كثير الصوم والصلاة، وكان يلقّب بالنفس الزكيّة.


إليهم المنصور عساكره فقتل إبراهيم(١) وعيسى. وكان جعفر الصادق أخبرهم بذلك كلّه، وهي معدودة في كراماته.

وذهب آخرون من الزيديّة إلى أنّ الإمام بعد يحيى هو أخوه عيسى، ونقلوا الإمامة في عقبه. وقال آخرون منهم: إنّ الإمام بعد محمد بن عبدالله، هو أخوه إدريس الذي فرّ إلى المغرب ومات هناك، وقام بأمره ابنه إِدريس واختط مدينة فاس، وكان عقبه ملوك المغرب. وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان، وأخوه محمد، ثُمّ قام بهذه الدعوة في الديلم الناصر الأطروش منهم وأسلموا على يده)(٢) .

وكان لهم أئمّة غير هؤلاء يطول المقام بتعدادهم وشرح مواقفهم(٣) . وإمامهم في الحال، هو: الإِمام يحيى بن حميد الدين، من العلماء العظام والأدباء المحافظين على الأسلوب العربي القديم، ولد سنة ١٢٨٦ هـ، وتولّى الإمامة سنة ١٣٢٢ هـ؛ أَي سنة وفاة والده. وأوّل عمل باشره في استرجع صنعاء عاصمة

____________________

(١) قدم إبراهيم هذا البصرة ودعا الناس إلى أخيه محمد قبل أن يبلغه قتله بالمدينة، فبايعه جماعة منهم وأجابه جماعة كثيرة من أهل العلم حتّى أحصى ديوانه أربعة آلاف. ولمـّا استقرّت البصرة لإبراهيم أرسل جماعة فاستولوا على الأهواز، ثُمّ أرسل هارون العجلي في سبعة عشر ألفاً إلى واسط، فملكها. ثُمّ سار إبراهيم من البصرة - وقد أحصى ديوانه مائة ألف - حتّى نزل باخمرا، فتحارب هو وعيسى بن موسى العبّاسي، فهزمه إبراهيم، ثم وقعت الهزيمة على أصحابه وبقي يُقاتل وحده حتّى قُتل في ذي القعدة سنة ١٤٥. (بتلخيص، هو وما قبله، من:) تاريخ أبي الفداء، مجلّد ٢، ص٣ - ٤.

(٢) انظر: ص١٤١ من مقدِّمة ابن خلدون، وانظر: مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج، تر تراجم كثير - غير هؤلاء - من أئمة الزيديّة، وخصوصاً الناصر الأطروش، فإنّه كان عالماً جليلاً، وفارساً مدرَّباً، وشاعراً بليغاً. وقد استدلّ البحّاثة صاحب (شهداء الفضيلة) على أنّ الناصر هذا مات شهيداً سنة ٣٠٤ هـ بآمل من أعمال طبرستان وهو ابن ٧٩ سنة، وقبره هناك عليه قبّة معروفة، ومال إلى أنّه اثني عشريا، لا زيديّاً، وفي ذلك نظر.

(٣) ذكر صاحب مجلّة العرفان (جزء٣، مجلّد٢٥): أنّ عدد أئمّة اليمن لعهد الإمام يحيى الحالي نحو مائة وعشرة إمام، ولم يذكر أسماءهم روماً للاختصار.


اليمن من الأتراك. واستقلّ باليمن فور الحرب العامّة، وجعلها دولة مستقلّة، قويّة الإيمان، عزيزة الجانب، متّحدة، لم تؤثّر فيها وساوس الأجانب ولا دسائسهم الخبيثة، ولم يضرّها الجهل بالمدينة الحديثة، الأمر الذي يدلّ على أن الإتحاد هو الركن الأوّل لعزّ الأمم واستقلالها، وبدونه لم يتم النجاح. وهي اليوم جادّة في نيل العلوم بنشاط، ومشعرة بحاجتها الماسّة إلى أساليب المدنيّة الحاضرة، وبأنّها لا تستطيع الحياة ما لم يجتمع لديها القوّتان: قوّة الإتحاد، وقوّة العلم والسّلاح الحديث.

هؤلاء بعض أئمّة الزيديّة المشهورين.

وأمّا فِرقهم، فست، أكثرها عدداً (الجاروديّة)؛ أصحاب أبي الجارود، واسمه زياد بن المنذر الهمداني الكوفي، وكان أعمي، من أصحاب الباقر وممّن يروي عن الصادق. ولكنّه تغيّر لمـّا نهض زيد بن عليّ(رض)؛ وقال بإمامة زيد، ليتزعّم فئة الزيديّة ويمسى رئيساً دينياً متّبع القول. ومنه أخذ الجاروديّة القول: (بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصّ على عليّ (عليه السلام) بالوصف، والإمام بعده عليّ، والناس قصّروا حيث لم يتعرّفوا الوصف ولم يطلبوا الموصوف. واختلف الجاروديّة في التوقّف والسَّوق، فساق بعضهم الإمامة من عليّ إلى الحسن، ثُمّ إلى الحسين، ثُمّ إلى علي بن الحسين، ثُمّ إلى زين العابدين، ثُمّ إلى ابنه زيد، ثُمّ إلى محمّد بن عبد الله الحسني. وكان أبو حنيفة (رح) على بيعته ومن جملة شيعته، حتّى رفع أمره إلى المنصور، فحبسه حبس الأبد حتّى مات في الحبس (سنة ١٥٠ هـ) عن سبعين سنة من العمر. وقيل أنّه إنّما بايع محمد الإمام في أيّام المنصور، ولمـّا قتل محمداً بقي أبو حنيفة على تلك البيعة يعتقد موالاة أهل البيت، فرفع حاله إلى المنصور، فتمّ عليه ما تمَّ)(١) .

____________________

(١) انظر: ج١، ص٨٩ من مِلل الشهرستاني، وانظر أيضاً: ص٢٤٧ من مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج، لترى (أنّ أبا حنيفة كتب إلى إبراهيم - أخي محمد الإمام - يشير عليه أن يقصد الكوفة سرّاً؛ لأنّ فيها من شيعتكم من يبيت المنصور فيقتلونه، فظفر المنصور وبعث إليه، فأشخصه وسقاه شربة، فمات منها، ودفن ببغداد) ثُمّ قال: (وروي

=


الثانية: (السليمانيّة)؛ أصحاب سليمان بن جرير، (كان يقول: إنّ الإمامة شورى، ويصحّ أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين. وأنّها تصحّ في المفضول مع وجود الأفضل(١) .

الثالثة: (الصالحيّة)؛ أصحاب الحسن بن صالح بن حيّ الكوفي الهمداني.

الرابعة: (البتريّة)؛ أصحاب كثير النوا الأبتر.

(والصالحيّة والبتريّة على مذهب واحد. وقولهم في الإمامة كقول السليمانيّة، إلاّ أنّهم توقّفوا في عثمان. وأمّا عليّ، فقالوا هو أفضل الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأولاهم بالإمامة، لكنّه سلّم الأمر طائعاً، وترك حقّه راغباً(؟)، فنحن راضون بما رضي. وهم الذين جوّزوا إمامة المفضول وتأخير الأفضل إذا كان راضياً بذلك. وقالوا من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين، وكان عالماً زاهداً شجاعاً، فهو الإمام. وشرط بعضهم صباحة الوجه(؟). ولهم خبط عظيم في إمامين وجد فيهما هذه الشرائط، وقالوا لو كانا في قطرين، انفرد كلّ واحد منهما بقطره...إلخ)(٢) .

الخامسة: (النعيميّة)؛ أصحاب نعيم بن اليمان.

السادسة: (اليعقوبيّة)؛ أصحاب يعقوب بن داود.

وهاتان أقلّ الزيديّة عدداً.

فالزيدية - كما رأيت - يوافقون السنّة والجماعة في كثير من الأمور، بالأخص السليمانيّة والصالحيّة والبتريّة الذين جعلوا الإمامة شورى باختيار الناس، وجوّزوا تقديم المفضول على الأفضل، إلاّ أنّهم يخالفونهم في بعض الشروط.

____________________

=

أنّ المنصور دعا أبا حنيفة إلى الطعام، فأكل منه، ثُمَّ استسقى، فسقي شربة عسل مجدوحة، وكانت مسمومة، فمات من غد، ودفن بمقابر الخيزران ببغداد). ويؤيّد ذلك ما ذكره الخطيب البغدادي (مجلّد١٣، ص٣٩٨ من تاريخ بغداد): (من فتوى أبي حنيفة بالخروج مع إبراهيم هذا لحرب المنصور ، وذُكر أيضا، بعد ذلك، أنّ هذه الفتوى سبَّبت سمّ المنصور لأبي حنيفة) لا امتناعه عن تولّي القضاء كما زعمته أشياعه.

(١) مجلد١، ص٩٠ من المِلل للشهرستاني.

(٢) مجلد١، ص٩١ من مِلل الشهرستاني.


فالزيديّة اشترطوا في الإمام أن يكون فاطميّاً، وأن يخرج بالسيف داعياً لإمامته. وجمهور السنة يجوّزون أن يكون الإمام غير فاطمي، وغير قرشي أيضاً، وغير خارج بالسيف، بل وغير زاهدٍ أو غير عادل عند من قال بإمامة أمثال يزيد؟

ويلزم الزيديّة أن لا يكون علي بن الحسين إِماماً لهم في أيّامه كلّها؛ لأنّه لم يخرج بالسيف ولا تعرَّض للخروج. ويلزم أيضاً أن لا يكون ما نقله الشهرستاني وابن خلدون عنهم - من القول بإمامة زين العابدين - قريباً من الصواب.

وعلى أيّ حال.. فجمهور الزيديّة من طوائف الشيعة الذين ثبتوا على ولاء البيت العلوي والتمسّك بهم وعدم الغلو بأحد منهم، وهم في ذلك كالشيعة الاثني عشريّة من غير فارق.

ولولا الخروج بالسيف، الذي هو شرط أساسي لإمامهم، لكانوا مثلهم من حيث الوجهة السياسية؛ لأنّ الزيديّة قد عملوا بهذا الشرط، فخرجوا كثيراً - كما تقدّم - يجاهدون مع أئمّتهم في أيّام شيخوخة الدولة الأمويّة وفورة شبابها، وفي بدء الدولة العباسية. فقُتلوا وشرّدوا، وحبسوا، في الحجاز والعراق وخراسان. على عكس الإمامية الذين رأوا في ذلك الوقت العصيب أن يعملوا (بالتقيّة)؛ لتحفظ دماؤهم وأعراضهم وأموالهم. فارتاحوا بهذا العمل الطبيعي في جُلّ البشر، وتسنّى لهم في تلك الفترات دراسة جميع العلوم الإسلامية وأخذها على إمامهم الصادق(عليه السّلام)، وخصوصاً في أيّام السفّاح العباسي الذي كان ملتهياً بتمكين أسس الدولة وتشييد بنائها. وفي جُلّ أيّام المنصور أيضاً.

ولم يختص الشيعة بالأخذ عن إمامهم الصادق، بل (نقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه


الأكابر، كيحيى بن سعيد، وابن جريح، ومالك، والسفيانيّين، وأبي حنيفة، وشعبة، وأيوب السختياني، وأم فروة)(١) .

(وكان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته. وفضله أشهر من أن يُذكر. وله كلام في صنعة الكيمياء والزجر، وكان تلميذه أبو موسى جابر بن حيّان قد ألَّف كتاباً يشتمل على ألف ورقة تتضمّن رسائل جعفر الصادق وهي خمسمائة رسالة)(٢) .

(وهو ذو علم غزير في الدين، وأدب كامل في الحكمة، وزهد بالغ في الدنيا، وورع تامٍّ عن الشهوات. وقد أقام بالمدينة مدّة يفيد الشيعة المنتميين إليه، ويفيض على الموالين له أسرار العلوم)(٣) . وروى المفيد: (إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثُّقات، على اختلافهم في الآراء، فكانوا أربعة الآف رجل)(٤) . ولنبحث الآن:

٦- كيف ظهر الزنادقة والغلاة في عهد الصادق؟

علمت ممّا تقدّم أنّ الصادق(ع) قد عاصر الدولتين الأمويّة والعباسيّة، ولكنّّه عاصر الأولى في شيخوختها، والثانية في طفولتها. ومعلوم لديك كيف يكون حال الدولة في أيّام الشيخوخة والطفولة من الإرتباك والضعف؛ المولِّدين للفوضى وعدم الهيبة، ومن اشتغال رؤسائها في جميع أمورها وقوّتها وبسط هيبتها؟. وعلمت كيف كان الصادق متّجهاً بكلّه نحو بثّ العلوم وتدريسها، لا يستطيع المباشرة لغير ذلك من شؤون المسلمين.

[ إنْ علمت ذلك] فبالطبع تحكم بأنّ ظهور الزنادقة(٥) والغلاة نتيجة محتومة لتلك الظروف القاسية التي تسنّى فيها لنَفَر من الزنادقة الظهور والاعتراض جهاراً على أصول

____________________

(١) الصواعق، ص١٢٣.

(٢) وفيّات الأعيان لابن خلِّكان، مجلّد١، ص١٠٥.

(٣) مجلّد١، ص٩٥ من مِلل الشهرستاني.

(٤) الإرشاد، ص٢٨٩.

(٥) الزنادقة لا صلة لهم بالطوائف الشيعية؛ وإنّما ذكرناهم بمناسبة ظهورهم في عهد الإمام الصادق.


الإسلام في المسجد الحرام. وإذا لم يكن للصادق يومئذ قوّة السلطان التي تمكّنه من دفع الزنادقة عن دخول المسجد الحرام، فإنّ لديه قوّة العلم التي دفع بها شبهاتهم واعتراضاتهم الكثيرة على أحكام الحجّ وغيره، يوم (اجتمع نفر من الزنادقة في الموسم بالمسجد، وأبو عبد الله الصادق(ع) فيه إذ ذاك يفتي الناس ويفسّر لهم القرآن، ويجيب على المسائل بالحجج والبيّنات. فقال الزنادقة لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس عند هؤلاء المحيطين به؛ فقد ترى فتنة الناس فيه؟ فقال ابن أبي العوجاء: نعم، ثُمّ تقدّم، ففرّق الناس وسأل الصادق عدّة مسائل والصادق يجيبه عنها مسألة مسألة، حتّى أُبلس ابن أبي العوجاء ولم يدر ما يقول، فانصرف إلى أصحابه، فقالوا له: لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه، فقال لهم: إِليَّ تقولون هذا، إنّه ابن من حلَّق رؤوس من ترون، وأومأ بيده إلى أهل الموسم)(١) .

والأسباب والظروف الّتي ساعدت الزنادقة على الظهور هي بنفسها الّتي ساعدت الغلاة على ظهورهم في عهد الصادق وأبيه الباقر (عليهما السّلام)، وجرّأتهم على التجاهر بالغلو بربوبيّة المخلوقين.

وكلّما بذل الصادق جهده في وعظهم وإرشادهم، وكلّما قال لهم:((ما أنا إلاّ عبد مملوك؛ لا أقدر على نفع شيء ولا ضرّ شيء)) (٢) ازدادوا غلوّاً وإصراراً على شبهاتهم الواهية وبدعهم الضالة، الأمر الذي يدلّ على أنّ الشبهات لو تمكّنت من النفس وتغلّبت على العقل يعسر جدّاً زوالها بالبرهان والحجّة؛ لأنّ ربابها يتفانون في سبيلها، ويكابرون في كلّ ما يقوم ضدّها من الأدلّة الملموسة. ومن يبلغ به العناد والضلال إلى هذا الحد، فلا تقمعه إِلاّ قوّة السلطان.

والصادق قد أعوزه الأمويّون، ثُمّ العباسيون، إلى هذه القوّة. ولو حصلت لديه يومئذ، لأفنى غلاة عصره، كما أفنى السبأيّة جدّه عليّ(ع) يوم اجتمع لديه

____________________

(١)الإرشاد، المفيد، ص٣٠٠(بتلخيص).

(٢) منهج المقال، ص٣٢٤.


القوّتان: قوّة العلم، وقوّة السلطان العادل.

وكما أُعوِز الصادق إلى هذه القوّة، أعوِز إليها أبوه الباقر من قبل. ولذلك ظهر الغلاة في عهدهما بكثرة هائلة، وتجاهروا بالغلو في الكوفة وغيرها من بلاد العراق وخراسان.

ففي أيّام الباقر ظهر (المنصوريّة)؛ أتباع أبي منصور العجلي الكوفي.

وظهر (المـُغيريّة)؛ أصحاب المغيرة بن سعيد، سنة ١١٩ هـ بالكوفة؛ في عهد هشام بن عبد الملك (وكان خالد بن عبد الله القسري يومئذ على العراق. فلمّا بلغه خروج المغيرة - وكان على المنبر - حصر ودهش. وقال أطعموني ماء: فقال ابن نوفل يهجوه:

تقول لمّا أصاب أطعموني

شراباً ثُمَّ بلت على السرير(١)

و(البنانيّة) أصحاب بنان بن سمعان النهدي.

وفي أيّام الصادق ظهر (الخطّابيّة) أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن مقلاص الأسدي الأجدع.

و(العليائيّة) أصحاب العليا بن ذراع الأسدي أو الدوسي.

و(الراونديّة) وهم من أهل خراسان، (كانوا على مذهب أبي مسلم الخراساني. يقولون بالتناسخ، وأنّ ربّهم الذي يطعمهم ويسقيهم هو أبو جعفر المنصور. فلمّا ظهروا في سنة ١٤١ وأتوا إلى قصر المنصور قالوا: هذا قصر ربّنا)(٢) .

و(الرِّزَاميّة) أتباع رِزَام بن سابق (وهؤلاء ظهروا بخراسان أيّام أبي مسلم، وادّعوا حلول روح الإله فيه؛ ولهذا أيّدوه على بني أميّة)(٣) . وقد تبرّأ الصادق(ع) من جميع الغلاة، وقال لشيعته:((لا تقاعدوهم، ولا تواكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصافحوهم، ولا تناكحوهم، ولا توارثوهم)) . وقال (عليه السّلام) لأبي بصير:((يا أبا محمد، اِبرأ ممّن يزعم أنّا أرباب، واَبرأ ممّن يزعم

____________________

(١) البيان والتبيين، مجلّد٢، ص٢١٠.

(٢) تاريخ أبي الفداء، مجلّد٢، ص٣، وتاريخ الطبري، مجلّد٩، ص١٧٣.

(٣) مِلل الشهرستاني، مجلّد١، ص٨٦.


أنّا أنبياء)) (١) .

وبقي الصادق على ذلك إلى أَن توفّي حتف أنفه سنة ١٤٨ هـ؛ أيّام المنصور. ولكن ابن حجر يقول: (إنّه توفّي مسموماً أيضاً - على ما حُكي - عن ستة ذكور وبنت، منهم موسى الكاظم، وهو وارثه علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً. سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه. وكان أعيد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم. وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله)(٢) . وكان شيخ الحنابلة أبو علي الخلاّل يقول: (ما أهمّني أمر، فقصدت قبر موسى بن جعفر، فتوسّلت به، إلاّ سهّل الله تعالى لي ما أحبّ)(٣) . والكاظم (عليه السّلام) هو الإمام السابع للشيعة الذين اعتقدوا بإمامته والنصّ عليها من أبيه الصادق، ولم يخالف في ذلك غير:

٧ - الإسماعيليّة:

الذين قالوا بإمامة إسماعيل دون أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام).

(وكان إسماعيل أكبر إخوته. وكان أبوه شديد المحبّة له والإشفاق عليه. فمات في حياة أبيه بالعريض، وحمل على رقاب الناس إلى أبيه بالمدينة، فحزن عليه حزناً عظيماً، وتقدّم سريره بغير حذاء، وأمر بوضع سريره على الأرض مراراً كثيرة)(٤) . (وأسجاه أبوه بردائه، وأدخل عليه وجوه الشيعة يشاهدونه؛ ليعلموا موته وتزول الشبهة في أمره)(٥) .

ومع ذلك كلّه، لم تَزُل هذه الشبهة، بل (أقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصّة أبيه، ولا من الرواة عنه. فلمّا مات الصادق(ع) انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى الكاظم بعد أبيه. وافترق الباقون فريقين: فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل، وقالوا بإمامة أبنه محمد بن إسماعيل؛ لظنّهم أنّ الإمامة

____________________

(١) منهج المقال، ص٣٢٤.

(٢) الصواعق المحرِقة، ص١٢٤.

(٢) تاريخ بغداد للخطيب، مجلّد١، ص١٢٠.

(٤) إرشاد المفيد، ص٣٠٤.

(٥) شرح النهج للمعتزلي، مجلّد٢، ص١٧٦.


كانت لأبيه، والأبن أحقّ بها من الأخ. وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل. وهذان الفريقان يسمّيان الإسماعيليّة. والمعروف منهم اليوم من يزعم أنّ الإمامة بعد إسماعيل في ولده وولد ولده إلى آخر الزمان)(١) (ويسمّى الذين قالوا بإِمامة محمد بن إسماعيل: العمارية، والذين أنكروا موت إسماعيل: المباركيّة)(٢) .

وكثر الإسماعيليّة بعد ذلك كثرة هائلة، وانتشروا في الأقطار، وأسّسوا دولة قوّية في القيروان من بلاد المغرب، ثُمَّ في القاهرة من بلاد مصر. وكان أوّل خليفة لهم في القيروان المهدي الفاطمي، نصّبه أبوعبدالله الشيعي المحتسب سنة ٢٩٦، واسمه أبو عبد الله الحسين بن أحمد. وقد جازاه المهدي فقتله سنة ٢٩٨هـ، كما جازى المنصور أبا مسلم الخراساني. وأوّل خليفة لهم في القاهرة المعزّ الفاطمي، أدخله إليها قائده جوهر(٣) سنة ٣٦٢ هـ. وكان آخر خلفائهم في مصر العاضد لدين الله(٤) ، أزاله عن الخلافة صلاح الدين الأيوبي في سنة ٥٦٧ هـ، وأذاقه - وبقية الفاطميّين - ألوان العذاب وصنوف الانتقام.

وقد تطوّرت عقائد الإسماعيليّة في أيّام الحاكم بأمر الله الفاطمي تطوّراً مدهشاً، ودخلها من عقائد الغلاة الشيء الكثير. ولهذا رُمي الفاطميّون

____________________

(١) الإرشاد، ص٣٠٤.

(٢) مِلل الشهرستاني، مجلّد١، ص١٣.

(٣) قال ابن خلِّكان (الوفيّات، مجلّد١، ص١٤٧): (كان أبو الحسن جوهر بن عبد الله شجاعاً مدرَّباً في الحرب. فتح مصر سنة ٣٥٨ هـ، واختّط موضع القاهرة. وأمر بالزيادة عقيب الخطبة: (اللّهم صلِّ على محمّد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة البتول، والحسن والحسين سبطي الرسول، الّذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً). وشرع سنة ٣٥٩ هـ في عمارة الجامع الأزهر، وفرغ منه سنة ٣٦١، وقبل سنة ٣٦٠. وخطب يوم دخوله مصر، ودعا لمولاه المعزّ الفاطمي، وأقام بها حتّى وصل إليه مولاه. فأبقاه نافذ الأمر، عالي المنزلة، رفيع الدرجة، متولّياً للأمور إلى سنة٣٦٤، فعزله. وكان جوهر محسناً إلى الناس إلى أن توفّي (رحمه الله) بمصر سنة ٣٨١ هـ. ولم يبق شاعر إلاّ رثاه وذكر مآثره).

(٤) ولد العاضد سنة ٥٤٦ هـ، وقتله صلاح الدين سنة ٥٦٧، بعد أن استفتى فقهاء مصر في ذلك.


بالغلو جزافاً، وجلّهم بريئون من الغلو، إنْ لم نقل كلّهم، كما سنوضحه في بحث الغلاة إن شاء الله.

والإسماعيليّة في عصرنا أقلُّ عدداً من الشيعة والزيديّة. وليس لهم دولة، ولكن أحوالهم الاجتماعية والسياسية حسنة جداً، وخصوصاً الموجودين في الهند، ويقال لهم: البهرة. وهؤلاء يحجّون البيت الحرام، ويزورون جلّ المشاهد المكرّمة لأهل البيت يزكّون ويصومون شهر رمضان، ولهم جمعيات كثيرة في الهند، وأوقاف فيها وفي العراق. ينفقون من ريعها الأموال الطائلة في سبيل الخيرات. وأمرهم عجيب في الاقتصاد والاتحاد تجاه غيرهم، وقلَّ ما تجد منهم فقيراً. وإنّك لتحار في تمييز الرئيس من المرؤوس؛ لأنّ لباسهم غالباً من نوع واحد ولون واحد. ويرغبون في لون البياض حتّى في الشتاء. وجلّهم - أو كلّهم - يلبسون العمامة، ويرسلون شعر الذقن إِرسالاً مفرطاً.

وأمّا نساءهم، فهنَّ في أشدّ حجاب. وإمامهم - أو سلطانهم - الحالي مولانا سيف الدين، عالم في المذهب الإسماعيلي، يجيد العربية وينظم فيها الشعر، وأكثر نظمه مديح في أهل البيت. وقد زار المشاهد المقدّسة في العراق وأهدى لخدّامها هدايا ثمينة، وعمل ضريحاً جديداً لقبر السبط الشهيد في كربلاء(ع) تجلّى فيه الفنّ بأجلى مظاهره، وقد راعني ما رأيته عليه من الخط البديع بالذهب الخالص. وسمعت أنّه شرع في عمل ضريح ثاني لقبر (الوصيّ) في النجف الأشرف.

وأمّا الإسماعيليّة المعروفون (بالأغاخانيّة)؛ نسبة إلى زعيمهم الحالي أغاخان، فهم من الغلاة الباطنيّة البعيدين عن التشيّع والإسلام. وكما أنكر الإسماعيلية إمامة الكاظم (ع) أنكرها:

٨ - الفطحيَّة:

حيث قالوا بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق، دون أخويه موسى وإِسماعيل.

(وكان عبد الله أكبر إخوته بعد إسماعيل. ولم تكن منزلته عند أبيه


كمنزلة غيره من ولْده في الإكرام. وكان متَّهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد. ويقال إنّه كان يخالط الحشوية ويذهب مذاهب المرجئة. وادّعى بعد أبيه الإمامة، واحتجَّ بأنّه أكبر إخوته، فاتبعه جماعة من أصحاب أبيه(ع)، ثُمَّ رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى الكاظم(ع)؛ لِمَا تبيّنوا من ضعف دعواه، وقوة أمر الكاظم وبراهين إمامته. وأقام نفر يسير منهم على أمرهم ودانوا بإمامة عبد الله؛ وهم الطائفة الملقَّبة بالفطحيّة؛ لقولهم بإمامة عبد الله، وكان أفطح الرجلين. ويقال إنّهم لقّبوا بذلك لأنّ داعيهم إلى إمامة عبد لله كان رجلاً يقال له: عبد الله بن أفطح)(١) .

ويقول الشهرستاني عن عبد الله هذا: ( كان أكبر إخوته، وما عاش بعد أبيه إلاّ سبعين يوماً، ومات ولم يعقب ولداً ذكراً)(٢) . ثُمَّ إن الذين قالوا بإمامة الكاظم، انقسموا بعده قسمين: قسم قطع بموته، وقسم أنكره ووقف عليه؛ وهم:

٩ - الواقفيَّة:

ويطلق هذا الاسم على كلّ من أنكر موت أحد من الأئمّة ووقف عليه، ولم يسق الإِمامة إلى غيره. وقد أطلقه ابن خلدون على كلِّ ( من يقف من الغلاة على واحد من الأئمّة، لا يتجاوزه إلى غيره). وعلى هذا التوسّع يكون السبأيّة - وهم أوّل الغلاة - أوّل الواقفيّة؛ لأنّهم أوّل (من زعم أنّ عليّاً حيّ لم يقتل)، وبعدهم الكربيّة من الكيسانيّة (وهم أتباع أبي كرب. قالوا بأنّ محمّد بن الحنيفة (رض) حيّ لم يمت، وأنّه في جبل رضوي بين أسد ونمر)(٣) .

ثُمَّ (الناووسيّة: أتباع رجل يقال له ناوس. قالت: إنّ الصادق حيٌ بعد، ولن يموت حتّى يظهر، فيظهر أمره، وهو القائم المهدي)(٤) . ويقال إنّ جماعة

____________________

(١) الإرشاد، المفيد، ص٣٠٤.

(٢) المِلل، مجلّد١، ص٩٥.

(٣) خطط المقريزي، مجلّد٤، ص١٧٤.

(٤) المِلل، الشهرستاني،مجلّد١، ص٩٥.


وقفوا على الحسن العسكري (وقالوا إنّه لم يمت، ولا يجوز أن يموت. ولا ولد له ظاهراً، لأنّ الأرض لا تخلو من إمام)(١) . وإنّ جماعة أخرى قالوا بإمامة محمد بن علي الهادي وأنّه لم يمت(٢) . وهناك من توقَّفوا في موت الباقر(ع)، وموت إسماعيل بن جعفر، ومحمد بن إسماعيل، وعبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب.

ولكن اسم الواقفيّة قد غلب، عند الشيعة الاثني عشرية، على الذين توقّفوا في موت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) (وقالوا: إنّه لم يمت، وسيخرج بعد الغيبة. ويقال لهم: الواقفيّة )(٣) . وكان منهم (محمّد بن بشير من أهل الكوفة، من موالي بني أسد. وله أصحاب قالوا: إنّ موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس، وإنّه غاب واستتر، وهو القائم المهدي. وإنّه في وقت غيبته استخلف على الأمّة محمد بن بشير وجعله وصيّه، وأعطاه خاتمه وعلَّمه جميع ما تحتاج إليه رعيّته، وفوض إليه جميع أمره، وأقامه مقام نفسه. ولمـّا قتل محمد بن بشير قالوا بإمامة ابنه، فهو إمام عندهم، مفترض الطاعة إلى وقت خروج موسى بن جعفر (ع) وزعموا أنّ الفرض عليهم من الله إِقامة الصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان، وأنكروا الحجّ والزكاة وسائر الفرائض. وقالوا بإباحة المحرّمات والفروج والغلمان، وقالوا بالتناسخ. ومذاهبهم في التفويض مذاهب الغلاة. وكان محمد بن بشير يظهر للواقفة أنّه ممّن وقف على موسى. ولكنّه كان يقول فيه بالربوبيّة، ويدّعي نفسه أنّه نبي)(٤) .

____________________

(١) المِلل، مجلّد١، ص٩٨.

(٢) ولكن الشيخ الطوسي قد روى (الغيبة، ص١٣٠): (أنّ محمدا هذا قد مات في حياة أبيه الهادي). فراجع.

(٣) المِلل، ص٩٦. وروى الشيخ الطوسي (الغيبة، ص٤٦): (أنّ أوّل من أظهر الاعتقاد بالوقف: عثمان بن عيسى الرواسي، وعلي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي. واستمالوا قوماً، فبذلوا لهم شيئاً ممّا اختانوه من الأموال).

(٤) منهج المقال، ص٢٨٦(بتلخيص).


وكان من الفطحيّة والواقفيّة رواة كثيرون، يروون عن الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام). فمن الفطحية، أمثال: عمار الساباطي، وابن بكير، وعلي ابن أسباط، ويونس بن يعقوب، وبعض آل فضال.

ومن الواقفية، أمثال: الحسن بن أبي سعيد المكاري وأبيه هاشم كانا من وجوه الواقفة، والحسن بن محمد بن سماعة الكندي الصيرفي الكوفي المتوفّي سنة ٢٦٣هـ، كان من شيوخ الواقفة يتعصّب للوقف ويحامي عنه، وحميد بن زياد من أهل نينوى توفّي سنة ٣١٠هـ. وكان الشيعة الاثني عشرية، ولن يزالوا، لا يعتمدون على رواية الفطحي والواقفي، إِلاّ إذا وثقوا بصدقه وأمانته في النقل؛ أمثال: الساباطي، وابن أسباط، وبعض آل فضال، وغيرهم، ممّن وثّقهم الإمام بعد الكاظم، وأذن للشيعة أن يعملوا بما رواه هؤلاء أيّام استقامتهم واعتدالهم.

والسرّ في عدم اعتماد الشيعة على رواية كلِّ الفطحيّة والوافقيّة؛ أنّ إمام الفطحية كان - كما تقدّم - متَّهماً بالخلاف على أبيه، والذهاب مذهب المرجئة. وأتباعه على طريقته، بضمنه القول بإمامته. ولأنّ لهم، ولكثير من الواقفية، مقالات فاسدة مخالفة للدين الحنيف، خرجوا بها عن التشيّع الحقّ وصاروا من سنخ الغلاة وخصوصاً البشيريّة من الواقفيّة. وأمّا:

١٠ - القطعيَّة:

فهم الذين قطعوا بموت الأئمّة من أهل البيت واحداً بعد واحد إلى الإمام الثاني عشر المنتظر. وأُطلق هذا الاسم عليهم حينما قطعوا بموت الإمام موسى بن جعفر(ع) وأنّه سُمَّ في حبس السندي بن شاهك ببغداد بأمر الرشيد العباسي.

وكان السبب في حبسه وسمِّه - علي رواية ابن حجر - (أنّه لمـّا حجّ الرشيد، سُعي به إليه. وقيل له: إنّ الأموال تحمل إليه من كلّ جانب حتّى اشتري ضيعة بثلاثين ألف دينار. فقبض عليه وأنْفذه لأميره بالبصرة عيسى بن جعفر العبّاسي، فحبسه سنة، ثُمَّ كتب له الرشيد في دمه، فاستعفى، وأخبر أنّه إِن لم يُرسل


بتسليمه، وإلاّ خلَّى سبيله. فبلغ الرشيد كتابه، فكتب للسندي بن شاهك بتسلُّمه، وأمره فيه بأمر، فجعل له سمَّاً في طعامه. وقيل في رطب، فتوعك ومات بعد ثلاثة أيّام.

وذكر أيضاً سبباً ثانياً، وهو: إنّه لمـّا اجتمعا أمام الوجه الشريف (على صاحبه أفضل السلام)، قال الرشيد: السلام عليك يا ابن عم، فقال موسى الكاظم:((السلام عليك يا أَبْت)) . فلم يحتملها الرشيد، وكانت سبباً لإمساكه وحمله معه إلى بغداد وحبسه، فلم يخرج من الحبس إلاّ ميِّتاً مقيّداً)(١) .

وروى المفيد المتوفَّى (سنة ٤١٣هـ)، ومثله أبو الفرج المتوفّى (سنة ٣٥٦ هـ) هذين السببين، وأبانا أيضاً مَن هو الذي سعي بالإِمام (عليه السلام)؛ فقالا:

(حمل يحيى بن خالد بن برمك علي بن إسماعيل على السعاية بعمّه الكاظم، وأعطاه مالاً كثيراً، ثُمَّ رغَّبه في قصد الرشيد وتبليغه القول، فقبل عليّ بن إسماعيل. ولمـّا أحسَّ الكاظم بعزم ابن أخيه على قصد الرشيد استدعاه إليه، وقال له:((ابن أخ، إلى أين؟)) ، قال: إلى بغداد. قال:((وما تصنع؟)) ، قال: عليّ دين وأنا مُمْلِق. فقال له موسى الكاظم (ع):((أنا أقضي دينك)) . فلم يلتفت، وعمل على الخروج، وقال: لابدّ لي من ذلك. فقال له عمّه:((انظر - يا ابن أخي - واتّق الله تعالى، ولا تؤتم أولادي)) . وأمر له بثلاثمائة دينار وأربعة الآف درهم. فلمّا قام من بين يديه، قال لمن حضره:((والله ليسعينَّ في دمي)) . فقالوا له: جعلنا فداك، فأنت تعلم هذا منه وتعطيه وتصله؟، قال لهم:(( نعم؛ حدَّثني أبي، عن آبائه، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنّ الرحم إذا قطعت، فوُصِلت، ثمَُّ قطعت، قطعها الله. وأنّي أردت أن أصِله بعد قطْعه لي؛ حتّى إذا قطعني، قطعه الله)) . فخرج عليّ بن إسماعيل حتّى أتى يحيى البرمكي، فعرّفه خبر موسى بن جعفر، وقال له: إن الأموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وإنّه اشترى ضيعة سمّاها: اليسير. فرفع يحيى الخبر إلى الرشيد، وزاد فيه. فسمع قول علي بن إسماعيل، وأمر له بمائة إلف

____________________

(١) الصواعق، ص١٢٥.


درهم، حوَّله بها على بعض العمّال. ومضت رُسل عليّ لقبض المال، وأقام هو ينتظره. فدخل إلى الخلاء يوماً، فزخز زخرةً خرجت منها حشوته كلُّها، فسقط، وجهدوا في ردها فلم يقدروا، وجائه المال وهو ينزع، فقال: ما اصنع به وأنا في الموت)(١) .

وهناك ما يصلح أن يكون سبباً ثالثاً لحبس الإمام(ع)؛ ذلك قوله: (- لمـّا سأله الرشيد: أنت الذي تبايعك الناس سرّاً ؟ - :أنا إمام القلوب، وأنت إمام الجسوم )(٢) فإنّ مثل هذه الصراحة - التي لم يسمعها الرشيد قبل ذلك من الإمام - كافٍ لأن يوغر صدر الرشيد ويحمله على حبسه. وهذه الأسباب قد سبَّبت، بمجموعها، قتل الإمام. وكان كلّ منها سبباً في جبسه؛ ولذا تعدّد الحبس:

فأوّل حبس له، كما علمت، كان في البصرة

الثاني: في بغداد، عند الفضل بن الربيع.

الثالث: عند الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي. وكان يُوسع على الإمام(ع)، فلمّا بلغ الرشيد ذلك، وهو بالرقة، (كتب ينكر على الفضل إكرامه لموسى الكاظم(ع)، وأمرَ بعزله ولعنه وضَرْبِه مائة سوط، وأرسلَ من تسلَّم منه الإمام، وسلَّمه إلى السندي بن شاهك. فلمّا بلغ يحيى البرمكي خبر ابنه الفضل، ركب إلى الرشيد واسترضاه، وقال له: أنا أكفيك ما تريد. فسرَّ منه الرشيد، وأقبل على الناس، فقال: إن الفضل بن يحيى قد عصاني في شيء، وقد تاب، فتولّوه(؟). ثُمَّ خرج يحيى على البريد، حتّى وافى بغداد، فدعا السندي، فأمره في الكاظم موسى بأمر، فجعل له سمَّاً في الطعام، أو في رطب، فأكل منه، فلبث ثلاثاً ثُمَّ مات. فأدخل السندي عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد؛ وفيهم الهيثم بن عدي، وأشهدهم على أنّه مات حتف أنفه، فشهدوا. وأخرجه إلى الجسر ببغداد، ونودي عليه: هذا موسى بن جعفر قد مات، فانظروا إليه)(٣) .

____________________

(١) الإرشاد، المفيد، ص٣١٩(بتلخيص)، ومقاتل الطالبيّين،ص٣٣٥.

(٢) الصواعق، ص١٢٥.

(٣) الإرشاد، المفيد، ص٣٢٣.


فأنت ترى هنا أنّ السندي قد تسلّم الإمام من الفضل بن يحيى، لا من عيسى العباسي كما يظهر من ابن حجر. ومن الجائز أن يكون تسلّمه من الاثنين، ولكن السمّ وقع بعد تسلُّمه من الفضل، وأمر أبيه يحيى بذلك.

وعلى كلٍّ... فهما (أي ابن حجر والمفيد) متّفقان على أنّ الذي باشر قتل الإمام هو السندي، وأنّه قتله بالسمِّ. وقد وافقهما أبو الفرج الإصبهاني على المباشرة، لكنّه خالفهما في كيفيّة القتل؛ حيث يقول: (دعا يحيى بن خالد البرمكي بالسندي، وأمره فيه بأمر، فلُفَّ الكاظم في بساط، وأُقعد الفرّاشون النصارى على وجهه)(١) .

وقولهما: من أنّه قتله بالسمّ، هو المتواتر عند أكثر المؤرّخين والثابت عند الشيعة. (وكانت أولاده حين وفاته ٣٧ ذكراً وأنثى، منهم (عليّ الرِّضا)؛ وهو أنبههم ذكْراً وأجلُّهم قدراً. ومن ثَمَّ أحلَّه المأمون محلَّ مهجته، وأنكحه ابنته، وأشركه في مملكته، وفوَّض إليه أمر خلافته. فإنّه كتب سنة ٢٠١ هـ: بأنّ علياً الرضا وليّ عهده، وأشهد عليه جمعاً كثيرين)(٢) .

وكان الكاظم قد نصّ على إِمامة ولده الرضا (عليهما السّلام)، واعتقد بها جميع الشيعة سوى من وقف على أبيه. ولمـّا تظاهر المأمون بإكرام الإمام الرضا وسائر العلويّين - عكس أسلافه - وصرّح بكثير من عقائد الشيعة، ظهر الشيعة في عصره وتجاهروا بعقائدهم الدينيّة ما ساعدتهم الظروف، ونالوا بعض حرّيّتهم المذهبيّة حتّى عقدوا المآتم لذكرى سيّد الشهداء(ع)، وأنشد شعراءهم القصائد المشجية في رثائه ورثاء بقيّة الأئمّة (عليهم السلام).

ولقد أجازهم الإمام على ذلك جوائز سنَيّة(٣) ، ولم يجزهم على قصائد التهنئة

____________________

(١) مقاتل الطالبيّين، ص٣٣٥.

(٢) الصواعق، ص١٢٥.

(٣) كانت الجائزة الّتي أخذها دعبل بن علي الخزاعي من أسنى الجوائز حدث عنها دعبل نفسه فقال: (دخلت على الإمام علي بن موسى الرضا، فقال: ((انشدني ممّا أحدثت)) ، فأنشدته:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

=


بولاية العهد له من المأمون، بل قال لأحد شيعته:((لا تشغل قلبك بهذا الأمر، ولا تستبشر به، فإِنّه شيء لا يتم)) (١) .

ولقد كان الأمر كما قال (عليه السلام)؛ لأنّ عهد المأمون له (قد صعب على بني العبّاس. وكان أشدّهم تحرّقاً منصور وإبراهيم أبنا المهدي. فأظهروا الخلاف بعد شهرين، وبايع أهل بغداد إبراهيم بالخلافة في المحرّم سنة ٢٠٢ هـ، بعد أن خلعوا المأمون)(٢) .

فكان ذلك دافعاً قويّاً للمأمون على الوقيعة بالإمام الرضا وسمِّه والتخلص من عهده، ليصفى له الأمر، ويرضى عنه بنو أبيه وأهل بغداد الذين خلعوه. ولذلك (كتب إلى أهل بغداد يعلمهم بموت الرضا، ويقول لهم:: إِنّما نقمتم عليَّ بسببه، وقد مات. فخلع أهل بغداد في هذه السنة، أعني سنة ٣٠٣ هـ، إبراهيم بن المهدي

____________________

=

حتّى انتهيت إلى قولي فيها:

إذا وتروا مدُّوا إلى وآتريهم

أكفاً عن الأوتار منقبضات

قال: فبكى حتّى أغمي عليه. فأومأ الخادم إلى أن أسكت، فسكتُّ، فمكث ساعة، ثُمَّ قال: ((أعد))، فأعدت، فأصابه مثل الذي أصابه في المرّة الأولى. فأومأ إليَّ الخادم أيضاً، فسكتُّ، ثُمَّ مكثَ ساعة أخرى، ثُمَّ قال: ((أعد))، فأعدت إلى آخرها، فقال: ((أحسنت)) ثلاث مرَّات، ثُمَّ أمر لي بعشرة آلاف درهم ممّا ضرب باسمه، وأمر لي من في منزله بحليٍّ كثير أخرجه إليَّ الخادم. فقدمت العراق، فبعتُ كلّ درهم بعشرة، اشتراها منّي الشيعة. فكان أوّل مال اعتقدته.

ثُمَّ إن دعبلاً استوهب من الرضا (رضي الله عنه) ثوباً قد لبسه؛ ليجعله في أكفانه. فخلع عليه جبَّة كانت عليه، فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم، فلم يقبل. فخرجوا عليه في طريقه، فأخذوها غصباً. وقالوا: إن شئت أن تأخذ المال، وإلاّ فأنت أعلم. فقال: والله، لا أعطيكم إيّاها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً وأشكوكم إلى الرضا. فصالحوه على إنْ أعطوه ثلاثين ألف درهم وفردَ كُمٍ من بطانتها، فرضي بذلك. انظر: معاهد التنصيص، ص٢٧٣، و الأغاني، جزء ٧، ص٢٩.

(١) الإرشاد، المفيد،ص٣٣٣.

(٣) تاريخ أبي الفداء،مجلّد٢، ص٢٣، وتاريخ ابن الأثير، مجلّد٦، ص١١١.


ودعو للمأمون بالخلافة)(١) .

وسمُّ المأمون للرضا قد ذكره نفر من المؤرّخين واستبعدوا وقوعه من مثل المأمون(٢) ، ولكن هذا الاستبعاد - المستند إلى احترام شخصيّة المأمون، والنظر إليه كخليفة ديني نزيه - لا يرتضيه الباحث الخبير بما وقع من المأمون في سبيل خلافته؛ من قتل أخيه الأمين وغيره، بصورة فظيعة. وليس ابن العمِّ البعيد بأعزّ من الأخ القريب. وليست العوامل الدافعة على قتل الأمين بأكثر من العوامل الدافعة على قتل الإمام الرضا، بل قد تكون هذه أكثر وأقوى؛ لأنّ العبّاسيّين - وكان عددهم يومئذ ثلاثة وثلاثين ألفاً ما بين ذكر وأنثى - قد خلعوا المأمون - كما علمت - من الخلافة، وحرقوا عليه الأرم بسبب عهده إلى الإمام (عليه السلام). وما هدأَت ثائرتهم وانطفئ بركان غيظهم وجنحوا إلى السلم حتّى (كتب لهم يعلمهم بموت الرضا؛ الذي كان السبب في نقمتهم عليه وخلعهم له).

وعلى كلٍّ... فإِن المأمون المحنَّك، لم يقنع بنجاحه في إِرضاء أهل بغداد، بل عمد إلى التبرِّي من دم الإِمام الرضا(ع)، ليأمن من سخط العلويّين الذين كرهوا - من قبل - خلافته وتربَّصوا به الدوائر، وثاروا عليه يدعون إلى الرضا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ ولذلك (دخل على الرضا وهو يجود بنفسه، فبكى وقال: اعزز عليّ يا أخي أنّي أعيش ليومك، وأغلظ عليَّ من ذلك وأشدُّ، أنّ الناس يقولون: إنّي سقيتك سمَّاً(٣) .

وكان من الثائرين عليه (محمد بن جعفر الصادق. خرج بالسيف سنة ١٩٩، وقيل: سنة ٢٠٠ هـ بمكّة، وقيل : بالمدينة، فبايعه أهل الحجاز واتَّبعه الزيديّة الجاروديّة، وقام معه جماعة من الطالبيّين. وكان سبب خروجه أنّ رجلاً كتب

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء،ج٢، ص٢٤.

(٢) منهم ابن الأثير القائل (ج٦، ص١١٩) من تاريخه: (وقيل: إن المأمون سمَّه في عنب، وهو بعيد).

(٣) مقاتل الطالبيّين، ص٣٧٤.


كتاباً يسبّ فيه فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجميع أهل البيت(ع)، فجاءه الطالبيّون وقرأوا عليه الكتاب، فلم يرد عليهم، بل دخل بيته ثُمَّ خرج متقلِّداً سيفه، لابساً درعه، وهو يتمثَّل بهذا البيت:

لم أكن من جناتها علم الله

وإني بحرِّها اليوم صال

ثُمَّ خرج إلى جند المأمون الذي كان بإِمرة عيسى الجلودي، فقاتلهم أشدَّ قتال، ولمَّا نفذ الزاد والماء من عنده، جعل أصحابه يتفرَّقون. فلما رأى ذلك، طلب الأمان له ولمن معه من الطالبيين، فأمنه الجلودي وأرسله إلى المأمون بخراسان، ولمـّا وصلها أكرمه وأدنى مجلسه، وتحمّل منه ما لا يتحمّله السلطان من رعيّته. وكان محمد يركب إلى المأمون في موكب فخم من بني عمِّه. ولم يمكث إِلاّ يسيراً حتّى تُوفّي عنده سنة ٢٠٣ هـ بخراسان، وقيل: بجرجان. فركب المأمون ليشهد جنازته، فلقيهم قد خرجوا به. فلمّا نظر إلى السرير، ترجّل ومشى حتّى دخل بين عمودي السرير، فلم يزل بينهما حتّى وضعه على لحده، ثُمَّ صلّى عليه ودخل قبره وبقى حتّى دفن. فقال له عبد الله بن الحسن: قد تعبت يا أمير المؤمنين، فلو ركبت، فقال المأمون: إنّ هذه رحم قُطعت من مائتي سنة.

وكان عابداً، فاضلاً، شجاعاً، يصوم يوماً ويفطر يوماً)(١)

وكان محمد هذا حيّاً أيّام توفّي الإِمام الرضا (أنفذ إليه المأمون، وإلى جماعة من آل أبي طالب، فلمّا حضروا، نعاه - بعد أن كتم أمر موته ثلاثة أيّام - إليهم، وبكى وأظهر حزناً شديداً وتوجّعاً. ثُمَّ أمر بغسله وتكفينه، وخرج مع جنازته حتّى دفنه في دار حميد بن قحطبة في قرية يقال لها: سناباذ؛ من أرض طوس. وفيها قبر هارون الرشيد، وقبر أبي الحسن الرضا(ع)، صار بين يديه في قبلته)(٢) . وعلى قبره اليوم بناء فخم بديع غاية الإِبداع، وفيه آثار ثمينة يندر وجودها، وله

____________________

(١) تاريخ الخطيب البغدادي، ج٢، ص١١٣، ومقاتل الطالبيّين، ص٣٥٣، والإرشاد، المفيد، ص٣٠٥؛ (بتلخيص وتصرُّف).

(٢) مقاتل الطالبيّين، ص٣٧٢، والإرشاد، ص٣٣٩.


أوقاف كثيرة في إيران.

(وتوفّي الرضا (رضي الله عنه) عن خمسة ذكور وبنت، أجلّهم (محمّد الجواد)، لكنّه لم تطل حياته. وقد أحسن إليه المأمون وبالغ في إكرامه؛ لِمَا ظهر له من فضله وعلمه، وكمال عظمته وظهور برهانه مع صغر سنِّه. وعزم المأمون على تزويجه بإبنته أم الفضل وصمّم على ذلك، فمنعه العبّاسيّون؛ خوفاً من أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه. فلمّا ذكر لهم أنّه إِنّما اختاره لتميّزه على كافّة أهل الفضل، علماً ومعرفةً وحلماً مع صغر سنِّه، نازعوه في اتصاف محمد بذلك. ثُمَّ تواعدوا على أن يرسلوا إليه من يختبره. فأرسلوا يحيى بن أكثم، ووعدوه بشيء كثير إِن قطع لهم محمداً، فحضروا للخليفة ومعهم ابن أكثم وخواصّ الدولة، فأمر المأمون بفرشٍ حسن لمحمد، فجلس عليه، ثُمَّ سأله يحيى عدَّة مسائل أجابه عنها محمدً أحسن جواب وأوضحه، فقال له الخليفة: أحسنت يا أبا جعفر، فإِنْ شئت أن تسأل يحيى ولو مسأَلة واحدة. فسأله محمد، فقال يحيى: لا ادري، فأجاب عنه محمد الجواد. فعند ذلك قال المأمون للعبّاسيّين: قد عرفتم ما كنتم تنكرون. ثُمَّ زوّجه في ذلك المجلس أبنته أم الفضل، ثُمَّ توجَّه بها إِلى المدينة، ثُمَّ قدم بها بطلب من المعتصم في ٢٨ محرّم سنة ٢٢٠ هـ، وتوفّي فيها آخر ذي القعدة، ودفن في مقابر قريش في ظهر جدّه الكاظم وعمره خمس وعشرون سنة، ويقال: إنّه سمَّ أيضاً)(١) .

فأنت ترى أنّ الله سبحانه قد قيَّض المأمون لمحمد الجواد حتّى شهّر بفضله وظهّره للملأ، وقرّبه وقدّمه على كافّة الناس حتّى العبّاسيّين. فكان ذلك دافعاً قويّاً لإظهار سواد الشيعة اعتقادهم بإمامة الجواد(ع).

ولولا ذلك، لأنكرها كثير منهم وانحصر الإعتراف بها في الخواصّ الذين سمعوا النصّ من أبيه عليه وثبت لهم الدليل القاطع على أنّ صغر السن لا يمنع

____________________

(١) الصواعق، ص١٢٦؛( بتلخيص).


من الإِمامة لمـَن حاز جميع الفضائل المؤهِّلة لها، وتميَّز على جميع الخلق خلقاً وحلماً وتقىً وشرفاً باسقاً ومجداً مؤثلا.

ومع ذلك كلّه، فإِنّ قوماً من شيعة أبيه، قد شكّوا - على ما قيل - في إِمامته؛ إِذ مات أبوه وهو صغير عمره ثمان سنوات. وتمكّنت هذه الشبهة من بعضهم، ورجع البعض الآخر إلى إِمامته (عليه السلام).

وليست هذه الشبهة (شبهة صغر السن) وليدة عصر هؤلاء الشاكّين، وإِنّما هي قديمة جداً؛ حيث تولّدت قبل عصرهم بسنين، وتشبّث بها كثير من الناس. وقبل وفاة الجواد نصّ على إِمامة ولده عليّ الهادي (عليهما السلام). وعبّر عنه ابن حجر (بعليّ العسكري)؛ حيث يقول: (وتوفّي الجواد عن ذكرين وبنتين، أجلّهم عليّ العسكري. سمّي بذلك؛ لأنّه لمـّا وجّه المتوكّل لإشخاصه من المدينة إِلى سامراء، وأسكنه بها، كانت تسمّى بالعسكر، فعرف بالعسكري. وكان وارث أبيه علماً وسخاءً. توفّي (رضي الله عنه) بـ (سرّ من رأى) في جمادى الآخرة، ودفن بداره. وكان المتوكّل أشخصه إليها سنة ٢٤٣ هـ، فأقام بها إِلى أن قضى عن أربعة ذكور وأنثى، أجلّهم أبو محمد الحسن الخالص. وجعل ابن خلِّكان هذا هو العسكري)(١) .

وعلى كلّ... فقد نصّ الهادي - حين وفاته أيّام المعتز - على إِمامة ولده الحسن العسكري (عليهما السلام). واعتقد بها أكثر الشيعة عدا قوم (قالوا بإِمامة أخيه جعفر بن عليّ. وكان لهم رئيس يقال له: فلان الطاحن؛ كان من أهل الكلام قوّى أسباب جعفر بن عليّ وأمال الناس إليه، وأعانه فارس بن حاتم

____________________

(١) الصواعق، ص١٢٧. وما جعله ابن خلِّكان، هو المعروف المشهور عند الشيعة. فإِذا قيل: العسكري، ينصرف الذهن إلى الحسن دون أبيه عليّ. وقد يُطلق العسكري على عليّ الهادي، ولكنّه بقلّة. وكلا الإطلاقين جائز؛ لأنّ كلاً منهما قد سكن (سرّ من رأى) المسمّاة بالعسكر يؤمئذ.


ابن ماهويه(١) ، وقوَّوا أمر جعفر بعد موت أخيه الحسن؛ واحتجوا بأن الحسن مات بلا خلف، فبطلت إِمامته )(٢) .

١١/ ١٢ - ظهور النصيريّة، وحال الشيعة بعد ذلك:

.. وفي أيّام الحسن العسكري(ع) ظهر (النصيريّة؛ أتباع محمد بن نصير الفهري، أو النميري. وكثروا بعد وفاة الحسن، ثُمَّ قلّوا. ولم يزالوا كذلك إلى يومنا هذا. وجُلّهم في جبال اللاّذقيّة، لا نعرف من عقائدهم شيئاً على التحقيق، وإنّما يُشاع عنهم أنّهم يُغالون في عليّ أمير المؤمنين(ع)؛ أي يقولون بربوبيّته، على عكس ما هو معروف من مقالة ابن نصير؛ الزعيم الأوّل للنصيريّة. وعلى كلٍ... فقد تبرّأ الحسن العسكري من مقالات ابن نصير وأتباعه على تلك المقالات الفاسدة. وسترى براءته منهم في مبحث الغلاة إن شاء الله تعالى.

ولقد ضعف أمر الشيعة في أيّام الحسن العسكري وأبيه الهادي (عليهما السلام) وساءت أحوالهم المادية والاجتماعية والسياسية أيضاً؛ من جراء تلك النكبات الشديدة الّتي أنزلها عليهم الحكّام والسلاطين، وخصوصاً المتوكِّل العبّاسي الذي رَّوع الإمام الهادي، وهدم قبر الشهيد الحسين بن عليّ (عليهم السلام) ومنع من زيارته أشدَّ منع.

وكما مُنِي الهادي وأشياعه بالمتوكِّل ومن تلاه، مني أبنه العسكري بالمعتز والمعتمِد. وفي أيّام المعتمِد توفّي الحسن العسكري (ويقال: إنّه سُمَّ أيضاً، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجّة، وعمره عند وفاة

____________________

(١) فارس هذا غال ملعون، قد فسد مذهبه وتبرَّأ منه، وقتله بعض أصحاب أبي محمد الحسن العسكري(ع). لا يلْتَفت إِلى حديثه، وله كتب كلّها تخليط. وروي أنّ العسكري تبرّأ منه؛ وكتب: ((هذا فارس بن حاتم بن ماهويه (لعنه الله) يعمل من قِبَل فتاة، داعياً إلى البدعة، ودمه هدرٌ لكلِّ من قتله. فمن هذا الذي يريحني منه، وأنا ضامن له على الله الجنّة)) . انظر: منهج المقال، ص٢٥٧.

(٢) مِلل الشهرستاني، مجلّد١، ص٩٧.


أَبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة. وسُمِّي المنتظر؛ لأنّه ستُر بالمدينة وغاب)(١) .

وهو الإِمام الثاني عشر للشيعة الاثني عشريّة؛ لأنّ أباه نصَّ(٢) على إِمامته بحضور الخلَّص من شيعته، ولكنّه أمرهم بالكتمان؛ خوفاً عليه وعليهم.

يقول المفيد: (وكان الحسن العسكري(ع) قد أخفى مولده وستر أمره؛ لصعوبة الوقت وشدَّة طلب السلطان له واجتهاده في البحث عن أمره. وقد سعى عمَّه جعفر بن عليّ في حبس جواري أبيه واعتقال حلائله، وشنَّع على أصحابه بانتظارهم ولده وقطعهم بوجوده والقول بإِمامته، وأغرى بهم القوم حتّى أخافهم وشرَّدهم. وحاز جعفر تركة أبي محمد، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، فلم يقبل أحد منهم ذلك، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس منه مرتبة أخيه، وبَذَلَ له مالاً جليلاً وتقرّب بكلّ ما يظنُّ أنَّه يقرّبه، فلم ينتفع، بل قال له الوالي (الذي طلب منه المرتبة وبَذَل له المال): يا أحمق السلطان، جرّد سيفه في الذين زعموا أنّ أباك وأخاك أئمّة ليردَّهم عن ذلك، فلم يتهيّأ له، فإِنْ كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً، فلا حاجة لك إلى سلطان يرتبك مراتبهم، وإِن لم تكن بهذه المنزلة، لم تنلها بنا. ثُمَّ حجبه عنه حتّى مات الوالي. والسلطان يطلب أثر وَلَد الحسن إِلى اليوم، وهو لا يجد إلى ذلك سبيلاً، وشيعته مقيمون

____________________

(١) الصواعق، ص١٢٧.

(٢) قال المفيد (الإرشاد، ص٣٧٣): (وقد سبق النصّ عليه في ملَّة الإِسلام من نبيّ الهدى(ص)، ثُمَّ مِن أمير المؤمنين عليّ(ع)، ونصّ عليه الأئمّة واحداً بعد واحد إِلى أبيه الحسن، ونصّ أبوه عليه عند ثقاته وخاصّة شيعته). وذكر ابن حجر(الصواعق، ص١٠٠) ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وآخرون: من أنّ النبيّ(ص) قال: ((المهدي من عترتي من ولد فاطمة)) . وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه أنّه (ص) قال: ((لو لم يبق من الدهر إِلاّ يوم لبعث الله فيه رجلاً من عترتي)) ، وفي رواية: ((لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتّى يملك رجل من أهل بيتي يواطىء اسمه اسمي)) .


على أنّه مات وخلف ولداً يقوم مقامه في الإِمامة)(١) .

واسم (الولد): محمّد.

ولقبه: المهدي، والمنتظر، والحجَّة، والقائم، وصاحب الزمان.

وكنيته: أبو القاسم.

- ولد سنة ٢٥٥، وقيل: سنة ٢٥٦ هـ.

- وله غيبتان: صغرى، وكبرى؛ وكان بدء الكبرى سنة ٣٢٩؛ وهي السنة التي انقطعت فيها السفارة بينه وبين شيعته.

- وكان عمدة سفرائه(٢) أربعة:

١ - عثمان بن سعيد العمري الأسدي. وكان قبل ذلك وكيلاً لأبي محمد الحسن العسكري (عليهما السلام).

٢- ومحمد بن عثمان بن سعيد المعروف بالخلاني، وكانت وفاته سنة ٣٠٤ هـ.

٣- والحسين بن روح النوبختي، توفّي سنة ٣٢٦ هـ.

٤- وعلي بن محمد السمري، أو السيمري، توفّي سنة ٣٢٩ هـ. وقبل وفاته بأيّام أخرج توقيعاً إِلى الناس ينذر بانقطاع السفارة ووقوع الغيبة الكبرى إِلى أن يأذن الله سبحانه بالظهور، مُوقَّعاً باسم محمّد المهدي(ع). وكلُّ ذلك مذكور تفصيلاً في كتاب منهج المقال، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسي. ولقد شاهد هؤلاء السفراء، وكثير من علماء الشيعة يومئذ، إِمامهم محمّد المهدي قبل غيبته الكبرى، وسألوه عن الأحكام التي أشكلت عليهم(٣) .

وبالرغم من ثبوت ولادته والنصّ على إمامته ورؤيته وسؤاله (قيل: إنّ الشيعة اختلفوا في أمره وافترقوا بعد موت أبيه إحدى عشرة فرقة)(٤) من جملتها الفِرقة التي قالت: إن الحسن قد مات وخلف ولَداً يقوم مقامه في الإمامة؛

____________________

(١) الإرشاد، المفيد، ص ٣٦٦، و ٣٦٨ (بتلخيص).

(٢) لقد ادَّعى السفارة له (عليه السلام) جماعة من الغلاة؛ أوّلهم: أبو محمد المعروف بالشريعي، واسمه الحسن، وابن نصير النميري، وأحمد بن هلال الكرخي، وأبو طاهر محمد ابن علي بن بلال، والحسين الحلاج؛ وهو من السنة، ومحمد بن أبي الغراقر الشلمغاني الذي قتل سنة ٣٢٣، وظهرت توقيعات من الحجّة بلعن هؤلاء والبراءة منهم. انظر: الغيبة. الشيخ الطوسي، ص٣٥٧، و٣٧٩.

(٣) انظر: الإرشاد، المفيد، ص٣٨٠، والغيبة للطوسي، تر أسماء الذين أدركوه وشاهدوه وسألوه.

(٤) ملل الشهرستاني، مجلّد، وص ٩٨.


وهو ثاني عشر الأئمّة الميامين(عليهم السلام) وتسمّى هذه الفِرقة بالاثني عشرية؛ لحصرها الإمامة في اثني عشر إماماً؛ كلّهم من أشرف بيت في قريش، عملاً بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((لا ينقضي هذا الأمر حتّى يمضى فيهم اثنا عشرة خليفة؛ كلّهم من قريش)) (١) ، وعن ابن مسعود أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:((اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل)) (٢) وعن جابر بن سمرة أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:((يكون بعدي اثنا عشر أميراً؛ كلّهم من قريش)) (٣) .

وكانت الأكثرية الساحقة - ولم تزل - في جانب الاثني عشرية من بين طوائف الشيعة الثلاث. وكان لهم عدّة دول كالدولة الحمدانية في سوريا؛ التي ظهرت سنة ٢٩٣ هـ وانقرضت سنة ٣٦٨ هـ، والدولة البويهيّة في العراق وقسم في إِيران؛ ظهرت سنة ٣٣٤ هـ وقرضت سنة ٤٣٧ هـ، والدولة المزيدية في الحلّة ونواحيها؛ ظهرت سنة ٤٠٣ هـ وقرضت سنة ٥٥٨ هـ، والدولة الصفوية في بلاد ايران؛ ظهرت سنة ٩٠٥ هـ وقرضت سنة ١١٤٩، ثُمَّ الدولة الأفشارية؛ التي أسَّسها نادر شاه أفشار سنة ١١٤٩ هـ وانقرضت سنة ١١٧٧ هـ، ثُمَّ الدولة الزندية؛ ظهرت سنة ١١٧٧ هـ وانقرضت سنة ١٢٠٢هـ، ثم الدولة القاجارية؛ وكان ابتدائها سنة ١٢٠٢ وانتهائها سنة ١٣٤٤ هـ على يد رضا شاه بهلوي. ولم تزل دولة البهلوي باقية إلى يومنا هذا. وهي وإن كانت شيعيّة اثني عشرية، إِلا أنّها أخذت تتدرج في الابتعاد عن شعائر الشيعة والإسلام، وفي التقرّب من الإفرنج وتقليدهم التقليد الأعمى؛ على طبق ما فعله (أتاتورك) الذي أسَّس هذه السُّنَّة الهوجاء للبهلوي، ولأمان الله خان ملك الأفغان المخلوع من الشعب.

ولو اقتصر هؤلاء الملوك العظام على أخذ المحاسن الإفرنجية، ونبذ تلك

____________________

(١) صحيح مسلم، مجلّد٢، ص٧٩.

(٢) الصواعق، ص١٢.

(٣) الصواعق، ص١١٦.


المساوئ التي يأباها العقل ويبتعد عنها ذو الشرف العالي، والتي لم يزل عقلاء الإفرنج يئنون من نتائجها المردية وآثارها الهدَّامة للأخلاق الفاضلة والمجتمع الإنساني.

كما كان للاثنى عشريّة عدَّة دول، كان لهم عدَّة وزراء في الدولتين العباسية والفاطمية وغيرهما، نذكر منهم:

- مؤيِّد الدين محمد بن عبد الكريم القمي؛ من ذرِّيَّة المقداد (رض)، كان وزيراً للناصر العباسي(١) ، ثُمَّ للظاهر، ثُمَّ للمستنصِر. وتوفّي هذا الوزير الكبير سنة ٦٢٩ هـ.

- ومؤيِّد الدين أبا طالب محمد بن أحمد العلقمي(٢) (ولِىَ الوزارة أربع عشرة سنة للمستعصِم؛ آخر

____________________

(١) يقول الفخري (ص٢٣٤): (كان الناصر العبّاسي يرى رأي الإماميّة، ومات سنة ٦٢٢ هـ) بعد أن تخلَّف ٤٧ سنة؛ لأنّه تولَّى الخلافة سنة ٥٧٥هـ. وكانت ولادته سنة ٥٥٢هـ؛ فيكون عمره ٧٠ سنة. وكان يحب أهل البيت ويكرم الشيعة ويعتقد بالإمام الثاني عشر. وله آثار في مقام الإمام بسامراء تدلّ على تشيّعه. وأمّا قوله:

وافي كتابك يا ابن يوسف معلناً

بالودِّ يخبر أنّ أصلك طاهر

غصبا عليَّاً حقَّه إِذ لم يكن

بعد النبيِّ له بيثرب ناصر

فابشر فإِنّ غداً عليه حسابهم

واصبر فناصرك الإمام الناصر

فهو من أوضح الأدلّة على تعمّقه بالتشيّع. وهذه الأبيات جواباً لأبيات عليّ بن صلاح الدين الأيُّوبي الذي شكى فيها من عمّه أبي بكر وأخيه عثمان الأيُّوبيَّين؛ أوّلها:

مولاي إن أبا بكر وصاحبه

عثمان قد غصبا بالسيف حقَّ علي

فخالفاه وحلاّ عقد بيعتهِ

والأمر بينهما والنصّ فيه جلي

فانظر إلى حظِّ هذا الاسم كيف لقى

من الأواخر ما لاقى من الأُوُل

ذكر هذه الأبيات وأبيات الناصر جماعة من المؤرِّخين، منهم: ابن خلِّكان (وفيَّات الأعيان، ج١، ص٤٦٩).

(٢) قال عنه الفخري (ص٢٤٦): (هو أسدي، أصله من النيل (قرية قرب الحلَّة). وقيل لجدِّه العلقمي؛ لأنّه حفر النهر المسمّى بالعلقمي. كان ابن العلقمي: فاضلاً، كاملاً، لبيباً، كريماً، وقوراً، محبَّاً للرئاسة، كثير التجمُّل. وكان يحبُّ أهل الأدب، ويقرِّب أهل العلم. صنَّفَ له الصفاني اللُّغوي كتاب: العياب؛ وهو كتاب كبير عظيم في لغة العرب. وصنَّفَ له عبد الحميد شرح نهج البلاغة، فأثابهما وأحسن جائزتهما. وكانت خزانته تشتمل

=


خلفاء العبّاسيّين ببغداد. ولمـّا دخل هولاكو المغولي بغداد سنة ٦٥٦ هـ أقرَّ ابن العلقمي على وزارته، وبقى وزيراً إلى أن توفّي مستهلّ جمادي الآخر سنة ٦٥٧ هـ عن ثلاث وستين سنة، ودفن في مشهد الإمام موسى بن جعفر(ع)، فأمر السلطان أن يكون ابنه عزّ الدين أبو الفضل وزيراً بعده)(١) .

- (وأبا علي بن كفيتات ابن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، كان وزيراً للحافظ الفاطمي بمصر سنة ٥٢٤، وقام بالأمر أحسن قيام. وكان إماميّاً متشدِّداً في ذلك، قد خالف ما عليه الدولة من مذهب الإسماعيلية وأظهر مذهب الإمامية، وتمسَّك بالأئمّة الاثني عشر، ودعا على المنابر للقائم بآخر الزمان المعروف بالإمام المنتظر، واسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي ينسب إليه الإسماعيلية. وقتل أبو علي هذا في ١٦ محرّم سنة ٥٢٦ هـ بالقاهرة)(٢) .

- (وأبا الغارات، الملك الصالح، فارس المسلمين، نصير الدين، طلائع بن رزيك؛ كان من الشيعة الإمامية، واستوزره الفائز الفاطمي في ١٩ ربيع الأوّل ٥٤٩ هـ، فباشر البلاد أحسن مباشرة، ثُمَّ استوزره العاضد؛ آخر الخلفاء الفاطميّين وتزوّج العاضد ابنته، وقتل طلائع هذا يوم الأثنين ١٩ رمضان سنة ٥٥٦ هـ (رحمه الله)، وكانت ولادته سنة ٤٩٥ هـ. وقد رثاه الفقيه عمارة اليمني (المقتول بأمر صلاح الدين على التشيّع سنة ٥٦٩ هـ) بقصيدة أوّلها:

____________________

=

على عشرة آلاف مجلّد من نفائس الكتب. وكان ممدوحاً؛ مدحه الشعراء وانتجعه الفضلاء. وكان خواصّ المستعصِم جميعهم يكرهونه ويحسدونه، وكان الخليفة يعتقد فيه ويحبّه، فكثروا عليه عنده، فكفَّ يده عن أكثر الأمور. ونسبه الناس إلى أنّه خامر، وليس ذلك بصحيح). وقد برَّأه من هذه المخامرة الشائنة علي ظريف الأعظمي البغدادي. انظر: كتابه (مختصر تاريخ بغداد، ص١٢٤) تر الأدلّة العقليّة والنقليّة على براءة هذا الوزير الجليل.

(١) العرفان، مجلّد٢٠، ص٢٨٨.

(٢) خطط المقريزي، ج٤، ص٤٦، و١٦٠، ووفيَّات الأعيان، ج١، ص٣٧١؛ (بتلخيص).


أفي أهل ذا النادي عليم أسائله

فإِنّي لِمَا بي ذاهب اللُّب ذاهلُه

ودفن طلائع بالقاهرة، ثُمَّ نقله ولده العادل في تابوت سنة ٥٥٧ هـ، وركب خلفه العاضد إلى تربته بالقرافة الكبرى. ورثاه أيضاً عمارة اليمني بقصيدة طويلة من غرر الشعر، منها في وصف التابوت:

وكأنّه تابوت موسى أُودعتْ

في جانبيه سكينة ووقار

ولعمارة فيه مراث كثيرة غير هذه.

وكان الصالح طلائع قد بني الجامع الذي على باب زويلة بظاهر القاهرة، وكان شجاعاً، كريماً، جواداً، فاضلاً، محبَّباً لأهل الأدب، جيد الشعر، رجل وقته فضلاً وعقلاً وسياسة وتدبيراً، وكان مهاباً في شكله، عظيماً في سطوته، محافظاً على الصلوات؛ فرائضها ونوافلها، شديد المغالاة (؟) في التشيّع. صنَّف كتاباً سمَّاه: (الاعتماد في الردِّ على أهل العناد)، جُمع له الفقهاء وناظرهم عليه. وله شعر كثير يشتمل على مجلَّدين في كلِّ فنٍّ؛ فمنه:

يا أَمَّة سلكت ضلالاً بيِّناً

حتّى استوى إِيمانها وجحودها

مِلْتُم إلى أنّ المعاصي لم يكن

إلاّ بتقدير الإِله وجودها

لو صحَّ ذا كان الإِله بزعمكم

منع الشريعة أنْ تُقام حدودها

حاشا، وكلاَّ أن يكون إِلهنا

ينهى عن الفحشاء ثُمَّ يريدها )(١)

هذه هي جلّ الطوائف التي تشعَّبت من الشيعة في عهد الأئمّة النجباء (عليهم السلام)، وقد علمت - ممّا تقدّم - خروج أكثرها عن التشيّع الحقّ؛ لِمَا ابتدعته من العقائد الفاسدة والغلو القبيح الذي سبَّب براءة الأئمّة من أولئك المبتدعين وأتباعهم. ولقد حدث بعد عهدهم (عليهم السلام) - أي بعد الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر- عدَّة طوائف غالية، انتحلت حب أهل البيت وأضمرت بغضهم، وعدَّها بعض المؤلِّفين من الشيعة جزافاً بدون مستند ولا برهان:

____________________

(١) خطط المقريزي، ج٤، ص٨١، وتاريخ منقريوش الصيرفي، ج١، ص٣٥٢، ووفيّات الأعيان، ج١، ص٢٣٨.


منها: طائفة (القرامطة) الذين أحدثوا مذهبهم سنة ٢٧٨ هـ، وانتحلوا حبّ أهل البيت كما أخبر عنهم أمير المؤمنين(ع) بقوله:((ينتحلون لنا الحبَّ والهوى، ويضمرون لنا البغض والقلى. وآية ذلك قتلهم وراثنا، وهجرهم أحداثنا)) . ذكر ذلك: ابن أبي الحديد في شرح النهج، ج٢، ص٥٠٨، ثُمَّ قال بعد ذلك: (وصحَّ ما أخبر به (عليه السلام)؛ لأنّ القرامطة قتلت من آل أبي طالب خلقاً كثيراً، وأسماؤهم مذكورة في مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج)(١) .

وحدث في الغيبة الكبرى - أي في أواخر القرن الرابع - مذهب (الدروز)؛ وهو فرع من مذهب الإسماعيلية الباطنية على ما قيل (ظهروا في أواخر أيّام الحاكم بأمر الله الفاطمي. وقالوا: بأنّه إله، وأنّ القدرة الإِلهيّة حلَّت فيه، وجاؤوا إِلى جبل لبنان(٢) . وهم متفرِّقون بين لبنان وحوران والجبل الأعلى من أعمال حلب، ومنهم في زكت رأس بيروت وتيامنة دمشق؛ نسبة إلى وادي التيم )(٣)

وإذا عرفنا جلَّ الطوائف المتشعِّبة من الشيعة، فلنستوضح الآن؛

١٣ - ماهي الأسباب الموجِبة لتشعُّب تلك الطوائف؟

ولا غرابة في مثل هذا الاستيضاح عن مثل هذه الأسباب؛ لأنّه كطبيعي في كلِّ مَن عَلِم عقيدة التشيّع الأولى الساذجة البعيدة عن الغموض والإبهام، والمرتكِزة على دعائم الإِسلام الأساسية الواضحة، المتَّفق عليها - عند الشيعة - من نشأتهم إلى ما ينوف عن ربع قرن. ولكنَّهم أُصيبوا بعد ذلك بهذا التشعُّب الفاضح الذي يبعث المرءَ حثيثاً على استيضاح أسبابه الكثيرة من اجتماعية، وسياسية، وطبيعية أيضاً.

____________________

(١) لم أعثر في مقاتل الطالبيّين على غير قوله (ص٤٣٣): (وقتل القُرمطي المعروف بالجنابي رجلاً من طباطبا لم يقع إِليَّ نَسَبُه، وقتل جماعة من العلويّين يقال لهم: بنو الأُخيضر، لم يقع إليَّ أنسابهم ).

(٢) تاريخ العلويّين النصيرية، ص٢١٦.

(٣) أقرب الموارد، ج١، ص٣٢٨.


ولا أُخفي على القارئ الكريم عدم استطاعتي، في هذه العجالة، من ضبط تلك الأسباب المتشعِّبة الأطراف والمناحي؛ ولذا أستميحه العذر على اختصارها وذكرها مجمَلة، ثُمَّ مفصَّلة بعض التفصيل.

أمَّا المجمَلة، فمعلوم لدى العارفين ما للبيئة التي حصل فيها تشعُّب أكثر الفِرق من التأثير العظيم على العقول، وطبعها بطابعها الخاص؛ من اعتراض الشبهات وسرعة التقلُّب في المذاهب والآراء. ومعلوم لديهم أيضاً؛ ما للقوّة القاهرة والسياسة المتلوِّنة من الأثر الفعَّال في إِضعاف العقائد المضادة لأغراض الساسة وأطماعهم الشخصية، أو إلجاء أهل تلك العقائد إلى التكتُّم فيها - على الأقل - وعدم إِظهارها حتّى لأبنائهم وخاصّتهم، فتأخذ حينئذ بالتلاشي تدريجاً، ويسهل على بقية العقائد أن تتسرَّب إلى عقول أولئك الأبناء والخاصّة.

ويجب الالتفات هنا إلى أنّ تلك القوّة وهاتيك السياسة، قد رافقتا الشيعة في أغلب أدوارهم؛ وعلى الأخصِّ في الدور الأوّل؛ فإِنّه الدور الذي ظهروا فيه بكثرة، ونالهم من البلاء والضغط الشديد على حرِّيَّتهم المذهبية ما لا يحصى - وقد تقدَّم شرح بعضه -، فالتجأوا إلى زيادة التكتّم بكثير من عقائدهم؛ وخصوصاً عقيدة الإِمامة. ولم يكن التكتُّم خاصَّاً بالشيعة دون أئمّتهم؛ لأنّا نرى جلَّ الأئمّة كانوا يتهيَّبون التصريح بإِمامتهم والتدليل عليها حتّى أمام الكثير من شيعتهم.

وهكذا كانوا في بقيَّة الأدوار؛ وخصوصاً دور المتوكِّل العبّاسي الأليم.

أضف إلى ذلك، ما دخل في الشيعة من الخليط الذي لم يدخل التشيّع قلبه تماماً، ولم يكن مخلِصاً في تشيّعه، فكان آلةً مفرِّقة بين الشيعة يحرِّكها ذوو السلطان المغالون في كره التشيّع، والدائبون على محوه من صحيفة الوجود، أو تشويه سمعته الطيّبة على الأقل.

وأضف إليه أيضاً، ما ظهر أحياناً من كرامات الأئمّة الميامين التي لم تتحمَّلها عقول البعض من الشيعة، فغلوا فيهم وألَّهوُّهم رغم استنكار


الأئمّة ذلك.

هذه صورة إِجمالية لأسباب التشعُّب. وإليكها بنوع من التفصيل:

أمَّا السبأيّة؛ (وهم أوّل فِرقة تشعَّبت - على الأرجح - وخرجت من الشيعة؛ لغلوُّها في عليّ(ع) ) فالسبب في تشعُّبهم وغلوُّهم؛ هو: أنّ زعيمهم عبد الله بن سبأ كان دخيلاً في إِسلامه وتشيّعه، متصنِّعاً في حبِّه لأهل البيت(ع). وأَقوى دليل على ذلك مخالفته إِيّاهم في ابتداع فكرة الغلوِّ؛ التي كانت السبب الوحيد لبراءتهم منه ومن جميع الغلاة، والباعث القويِّ لأمير المؤمنين على إفناء قسم منهم بالنار.

ومع ذلك، فقد ظهرت هذه البدعة الضآلَّة وسرت سريان الوباء إلى نفر من أهل العراق (كانوا من ركاكة البصائر وضعفها على حال مشهور، فلا عجب من مثلهم أن تستخفَّهم المعجزات التي رأوها من عليّ(ع) فيعتقدوا في صاحبها أَنَّ الجوهر الإِلهيَّ قد حلَّ فيه. وقد قيل: إن جماعة من هؤلاء كانوا من نسل النصارى واليهود، وقد كانوا سمعوا من آبائهم وسلفهم القول بالحلول في أنبيائهم، فاعتقدوا فيه (عليه السلام) مثل ذلك. ويجوز أن يكون أصل هذه المقالة من قوم ملْحِدين أَرادوا إِدخل الإِلحاد في دين الإِسلام)(١) .

وأمّا (الخوارج)؛ فالسبب في تشعُّبهم وخروجهم مكيدة عمرو بن العاص يوم صِفِّين برفع المصاحف، وتعمية هذه المكيدة على عقولهم البليدة الجامدة آناً، والمتقلِّبة آناً آخر، ولكن التقلُّب في الآراء والمذاهب كان متأصِّلاً في بيئتهم من قديم الزمان. أضف إِلى ذلك عنادهم العجيب وجهلهم الفاضح بالأحكام.

أنظر إِلى عنادهم يوم حاجَّهم عليّ(ع) وأجابوه بقولهم: (أنت صادق في جميع ما تقول، غير أنّك كفرت حين حكَّمت الحكمين)(٢) . وانظر إِلى جهلهم

____________________

(١) شرح النهج، ج٢، ص١٧٦.

(٢) الأخبار الطوال للدينوري، ص٢١١.


لمَّا خرجوا إلى النهروان (ووثب رجل منهم على رطبة سقطت من نخلة، فوضعها في فيه، فصاحوا به: أخذتها بغير حدِّها، فلفظها من فيه تورُّعاً. وعرض لرجل منهم خنزير، فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض. ثُمَّ لاقوا عبد الله بن خباب؛ وكان صحابيّاً، فسألوه عن عليٍّ بعد التحكيم، فأثنى خيراً، فقرَّبوه إِلى شاطئ النهر، فذبحوه، وبقروا أم ولده عمَّا في بطنها؛ وكانت حبلى)(٣) .

وأَمَّا (الكيسانية)؛ فتشعُّبهم كان في زمن اضطرب فيه أمر الشيعة أشدّ اضطراب، وكانت أمورهم، بل أمور عامّة المسلمين، في شبه فوضى؛ لأنّ الفتن يومئذ - أي يوم تشعُّب الكيسانية - قد كَثُرت كثرة هائلة واختلط الحابل بالنابل، فقام عبد الملك يدَّعي الخلافة بالشام، وعبد الله بن الزبير يدَّعيها بالحجاز، والمختار يدَّعيها لابن الحنفيّة في العراق، ويدَّعي أنّه وكيله، فراجت دعواه هذه في أسواق الكوفة وتقبَّلها نفر غير قليل من بسطائها، فسُمُّوا الكيسانية من ذاك الحين.

والذي ساعد على تقبُّل دعوى المختار ظهوره بمظهر الآخذين بثأر الشهيد الحسين بن علي (عليهما السلام)، ورغبة أهل الكوفة - الذين تخاذلوا عن نصرة الحسين قبل ذلك - في أخذ الثأر وغسل العار الذي لحقهم من وراء تخاذلهم هذا، والخلاص أيضاً من نير الاضطهاد الأمويِّ الذي ضيَّق عليهم بعدما أمن الأمويُّون من صولة الحسين وأهل بيته.

وهناك سبب آخر لنجاح المختار في دعوته؛ هو بعد عليّ بن الحسين عن الكوفة يومئذ (لأنّه كان في قبضة ابن الزبير عدو الهاشميّين الألد) وعدم استطاعته أيضاً من الجهر بإِمامته في الحجاز وفي العراق ولا التدليل عليها وإبطال غيرها. وهكذا كان حاله بعد قتل ابن الزبير وتولّي عبد الملك، وهكذا كان

____________________

(١) شرح النهج، ج١، ص٢٠٦، وتلبيس إبليس، لابن الجوزي،ص٩٩؛ (بتلخيص) .


حال بقيّة الأئمّة(ع)، ما عدا الإِمام الرضا، فإِنّه صرَّح قليلاً بإِمامته واستدل عليها حتى رجع نفر ممَّن وقف على أَبيه إِلى القول بإِمامته، كما سيأتي بيانه.

وأمّا (الزيديّة)، فكان السبب في تشعُّبهم ظنَّهم أنّ زيد بن علي السجاد كان يدَّعي الإِمامة لنفسه وأنَّه خرج بالسيف لذلك (والحقيقة أنّه ظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات جدِّه الحسين (ع). واعتقد كثير من الشيعة إِمامته؛ وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه يدعو إلى الرضا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فظنُّوه يريد نفسه، ولم يكن يريدها؛ لمعرفته باستحقاق أخيه الباقر (ع) للإِمامة من قبله ووصيّته عند وفاته إِلى أبي عبد الله الصادق)(١) .

ولم يتمّكن الصادق، في تلك الظروف القاسية التي ظهر فيها الزيدية، أن يناظرهم غالباً في شيء من أمر الإِمامة؛ لأنّه كان يتكتَّم فيها ويتَّقي ملوك عصره ويحذر من وشاتهم وجواسيسهم الكثيرة، ومع تكتُّمه الشديد قد (احضره المنصور وقال له: قتلني الله إِن لم أقتلك؛ أتلحُد في سلطاني؟ فقال له الصادق(ع):((والله، ما فعلت ولا أردت، وإن كان بلغك، فمن كاذب)) . فأَحضر المنصور ذلك الرجل الذي أخبره وتكلَّم به أمام الصادق (ع)، فطلب الصادق أن يحلفه، فأذن له المنصور، فحلفه، فما برح حتّى ضرب برجله ومات)(٢) .

وأمّا (الغلاة)، فالسبب في تشعُّبهم هو عين السبب الذي مرَّ ذكره عند تشعُّب السبأيّة، زدْ على ذلك أنّ الغلاة ظهروا في أيّام الصادق وأبيه الباقر(ع)، وقد عرف كيف أعوزهما الأمويّون والعباسيّون إِلى القوّة التي يتمكَّنان بها من قمع الغلاة وكبح جماحهم؛ حيث لم تؤثِّر فيهم تلك الحجج الدامغة ولم تنفعهم

____________________

(١) الإرشاد، المفيد، ص٢٨٦؛ (بتلخيص).

(٢) الإرشاد، المفيد، ص٢٩٠. وقد أشار إِلى هذه الواقعة ابن حُجر(الصواعق، ص٢٢٣) فقال: (وسعي به عند المنصور لمـَّا حجَّ، فلمَّا حضر الساعي، قال له الصادق: ((أتحلف؟)) ، قال الساعي: نعم، فحلفه الصادق، فما أتمَّ حتّى مات الساعي مكانه، فقال أمير المؤمنين لجعفر الصادق: لا بأس عليك، أنت المبرَّأ الساحة المأمون القائلة).


الذكرى البليغة.

وأمّا (الإسماعيليّة)، فكان السبب في تشعُّبهم ظنَّهم أنّ الصادق نصَّ على إمامة ولده إسماعيل، ثُمَّ دخول الشبهة عليهم في موت إسماعيل قبل أبيه.

وهكذا (الفطحية)؛ ظنُّوا أنّ المنصوص عليه: عبد الله بن جعفر الأفطح، وساعدهم على الظهور بكثرة حراجة موقف الكاظم وتكتُّمه في الإِمامة.

يروي لنا المفيد، عن هشام بن سالم [أنَّه] (قال: كنّا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله الصادق (ع)؛ أنا ومؤمن الطاق، والناس مجتمعون على أنَّ عبد الله الأفطح صاحب الأمر بعد أَبيه، فدخلت عليه؛ أنا وصاحب الطاق، فسألناه، ثُمَّ خرجنا من عنده ضُلاَّلاً لا ندري إِلى أين نتوجَّه، فقعدنا في بعض أزقَّة المدينة باكين حيارى. فبينما نحن كذلك، إِذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه، يومىء إليَّ بيده، فخفت أن يكون عيناً من عيون المنصور الذين كانوا له بالمدينة ينظرون على من اتفق شيعة الصادق (ع)، فيضربون عنقه، فقلت لصاحبي تنحَّ عنِّي لا تهلك، إِنَّما الرجل يريدني، فتنحَّى عنِّي غير بعيد، فتبعتُ الشيخ، فما زلت أَتبعه حتّى أوردني على باب أبي الحسن موسى بن جعفر(ع)، ثُمَّ خلاَّني ومضى، فإِذا خادم على الباب يقول لي: ادخل، فدخلت، فإذا أبو الحسن موسى بن جعفر (ع) يقول:((إلي إلي..)) ، فقلت جعلت فداك مضى أبوك؟ قال:((نعم)) ، فقلت مضى في موت؟ قال:((نعم)) ، قلت جعلت فداك من لنا بعده؟ قال:((إِن شاء الله يهديك)) ، قلت: أنت هو؟ قال:((ما أقول ذلك)) ، فقلت أعليك إِمام؟ قال:((لا)) ، فدخلني حينئذ شيء لا يعلمه إلاَّ الله إِعظاماً له وهيبة، ثُمَّ قلت: أسألك عمّا كان يُسأل عنه أبوك، قال:((سل تُخبر، ولا تذع، فإِن أذعت، فهو الذبح)) ؛ وأشار بيده إِلى نحره، قال: فسألته، فإِذا هو بحر علم، فقلت: إِنّ شيعتك وشيعة أبيك ضلال أفألقاهم وأدعوهم إليك؟ قال:((من أنست منهم رشداً، فادعهم وخذ عليهم الكتمان، فإِن أذاعوا، فهو الذبح) (١) .

____________________

(١) الإرشاد، المفيد، ص٣١١؛ (بتلخيص).


أضف إِلى ذلك، أَنّ الصادق(ع) قد عمى أمر الوصيَّة في الظاهر حرصاً على دم وصيِّه الكاظم من أن يُسفك بيد المنصور الذي (كتب إلى عامله بالمدينة: إِن كان الصادق أوصى إلى رجل بعينه، فقدِّمه واضرب عنقه، فرجع الجواب إليه: إنّه قد أوصى إِلى خمسة؛ أحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة، فقال المنصور: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل)(١) .

وزد على هذا، أَنّ الكاظم قضى شطراً كبيراً من أيّامه في الحبوس؛

(حبسه موسى الهادي أوّلاً، ثُمَّ أطلقه؛ لأنّه رأى عليّاً (رضي الله عنه) في المنام يقول:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) ، فانتبه الهادي وعرف أنّه المراد، فأطلقه ليلاً )(٢) .

وحبسه الرشيد أربع مرَّات، وحجب عنه الشيعة، فصاروا في حيرة وفوضى سهَّلت على دعاة الإسماعيلية والفطحيّة وأنصار السلطان أمر تفريقهم وإلقاء الشبهات عليهم، في الوقت الذي لا يجدون فيه من يلجأون إليه في رفع الشبهات وغيرها؛ لأنّ أصحاب الكاظم كانوا يتكتَّمون في تلك الظروف أشدَّ تكتُّم، ولا يجترئون غالباً على الجهر بما علموا من أمر الكاظم حذراً من الوشاة وبطش الحكَّام الذين كانوا يتقبَّلون كلَّ قول من أعداء الشيعة وجواسيس العبّاسيّة.

وكان علي بن إسماعيل - وهو ابن أخي الكاظم - من أشدِّ الوشاة ضرراً على عمِّه، وكذلك يحيى بن خالد البرمكي الفارسي الّذي تولّى (كما علمت ) سمَّ الكاظم (ع)، والذي كان يقول: (قد أفسدت على الرافضة دينهم؛ لأنّهم يزعمون أنّ الدين لا يقوم إِلاّ بإِمام حي، وهم لا يدرون اليوم أنَّ إِمامهم حيٌّ أو ميِّت)(٣) .

نعم، كان أكثر الشيعة وقتئذٍ لا يعلمون أنّ الإِمام الكاظم حيٌّ أو ميِّت؛

____________________

(١) الغيبة، الطوسي، ص١٢٩.

(٢) الصواعق، ص١٢٥.

(٣) منهج المقال، ص٣٦٣.


لأنّه كان محجوباً عنهم في الحبوس المتعدِّدة في أغلب أيّامه، بل قد عرفت أنّه استشهد في الحبس مسموماً غريباً لم يحضره أحد من عشيرته وشيعته. وكأنّ هذا هو السبب في إنكار (الواقفيّة) موته وقولهم أنّه غاب وسيعود ووقفوا على إِمامته ولم يعترفوا بإِمامة ولده الرضا (عليهما السلام).

وهناك سبب آخر لتشعُّب بعض الواقفية وإنكارهم موت الإِمام (عليه السلام) رواه الشيخ الطوسي والإِسترآبادي، عن يونس ( قال: مات أبو الحسن موسى الكاظم (ع) وليس من قوَّامه أحد إلاّ وعنده المال الكثير؛ وكان ذلك سبب وقفهم عليه وجحودهم موته، وكان عند زياد القندي الأنباري سبعون ألف دينار وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار. قال يونس: فلمّا رأيت ذلك وتبيَّن عليَّ الحق وعرفت من أمر الرضا ما علمت، تكلَّمتُ ودعوت الناس إليه، فبعثا إليَّ، وقالا: لِمَ تدعو إِلى الرضا؟ إن كنت تريد المال، فنحن نُغْنِيْك. وضمنا لي عشرة آلاف دينار، فلم أقبل، فغاضباني وأظهرا لي العداوة)(٢) . ولكن الإِمام الرضا (ع) قد استطاع بباهر علمه وقوّة برهانه وعدم تكتُّمه غالباً في إِمامته حتّى في أيّام الرشيد، أن يُقْنِع كثيراً من الواقفيّة ويحملهم على الإعتراف بإِمامته والعدول عن الوقف على أبيه(٣) ولمـّا تولّى المأمون الأمر وأكرم الرضا وشهر بفضله،

____________________

(١) الغيبة، ص٤٦، ومنهج المقال، ص٣٦٦.

(٢) ((دخل علي بن أبي حمزة وابن السراج وابن المكاري - وكلّهم واقفة - على الإمام الرضا(ع)، فقال له ابن أبي حمزة: ما فعل أبوك؟ قال: مضى، قال: إلى من عهد بعده؟ قال: إلي، قال: فأنت إِمام مفترض الطاعة؟ قال: نعم، قال ابن السراج وابن المكاري: قد أمكنك من نفسه، فقال الرضا(ع): ويلك، وبما أمكنته من نفسي؟ أتريد أن آتي إلى بغداد وأقول لهارون الرشيد إنّي إمام مفترض الطاعة؟ والله ما ذاك عليَّ، فقال ابن أبي حمزة: لقد أظهرت شيئاً ما كان يظهره أحد من آبائك، قال: بلى؛ والله لقد أظهره خير آبائي لمـَّا أمره الله أن يُنذر عشيرته الأقربين)) منهج المقال، ص١١٠.

(٣) من هؤلاء الذين عدلوا عن الوقف: عبد الرحمن بن الحجاج، ورفاعة بن موسى، ويونس بن يعقوب، وجميل بن درَّاج، وحماد بن عيسى وغيرهم؛ وهؤلاء من أصحاب

=


كَثُرَ الشيعة وتظاهروا بالاعتراف له والقطع بموت أبيه الكاظم (عليهما السلام)، وسُمُّوا يومئذ بـ : القطعية. وهكذا قطعوا بموت الإِمام الرضا لمـّا مات، وقالوا بإِمامة ولده الجواد، ولم يخالف سوى جماعة قيل إنهم أنكروا إِمامته لصغر سنِّه كما تقدّم بيانه.

وبعد هذا كلّه يمكنك أن تعرف - من مجموع الأسباب السابقة - السبب الذي أوجب تشعُّب (النصيريّة)، وتشعُّب الجماعة الذين قالوا بإِمامة جعفر بن علي الهادي وأنكروا إمامة الحسن بن علي العسكري وإِمامة محمد بن الحسن (المنتَظر) عليهم السلام؛ لأنّك قد علمت - قبل - كيف كان سير السلطان في أيّام هؤلاء الأئمّة الميامين؟ وكيف كان حال الشيعة - القائلين بإِمامة محمّد - من الفوضى والضعف والتشتُّت والخوف أيضاً، وعلمت ما فعله جعفر بن علي من السعاية على محمّد وشيعته، ومن حبس جواري الحسن العسكري واعتقال حلائله في ذلك الوقت العصيب.

أضف إلى ما تقدَّم؛ أن مقالة الغلاة وشبهاتهم لم تُزَل تماماً؛ بل كانت متمكِّنة من نفوس فئة غير قليلة تبثُّها بين الناس وتتناقلها من فرد إلى آخر حتّى ظهرت بصورة كبيرة على يد زعيم النصيريّة محمد بن نصير الفهري.

وعلى الإجمال، كان الشيعة في تلك الظروف القاسية - التي أوجبت على الإِمام الثاني عشر(ع) أن يتستَّر ويغيب عن أعين الحكَّام - في فوضى واسعة النطاق؛ تنتابهم النكبات وتتقاذفهم الوشايات والدسائس والدعايات، وكان المخلِصون للإِمام (عليه السلام)

أقلَّ قليل. فلا غرابة إِذا نجح يومئذٍ جعفر بن علي في دعوته واتَّبعه جماعة فارس بن حاتم بن ماهويه وغيرهم. كما لا غرابة إذا ظهرت مقالة ابن نصير

____________________

=

أبيه الذين شكُّوا فيه ثُمَّ رجعوا. وكذلك مَن كان في عصره، مثل: أحمد بن محمد بن أبي نصر، والحسن بن علي الوشا وغيرهم، ممّن كان يقول بالوقف، فالتزموا الحجّة، وقالوا بإِمامته وإِمامة من بعده من ولده. انظر: الغيبة، الطوسي، ص٥١.


وتلقَّاها البسطاء وتقبَّلوا منه ادِّعاءه:

أَوَّلاً: بأنّه الباب للإِمام الثاني عشر، وأمينه، ووكيله في بثِّ الأحكام وجمع الأموال.

وثانياً: بأنّه رسول ونبيٌّ، ثُمَّ إِله.

والأسباب التي أوجبت تشعُّب الغلاة وغيرهم، هي بعينها صالحة لأن تكون أسباباً لتشعُّب (القرامطة) وظهورهم بذلك المظهر البغيض، وأسباباً أيضاً لتشعُّب (الدروز) من الإسماعيلية الباطنية؛ لأن الظروف التي ظهر فيها القرامطة والدروز، شبيهة كلَّ الشبه بالظروف التي ظهر فيها الغلاة. وزيادة على ذلك؛ كثرة الشبه الفلسفية وانتشارها في أيّام ظهور القرامطة انتشاراً هائلاً لم يكن مثله في عصر الغلاة السابقين. والله أعلم بوقائع الأمور وأسبابها.


الفصل الثالث

الخلافة والخلفاء

أو اختلاف الأمّة الإسلاميَّة فيهما

١ - تمهيد. ٢ - مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووفاته وبيعة أبي بكر .٣ -

وفاة أبي بكر وبيعة عمر. ٤ - وفاة عمر وبيعة عثمان ومقتله ومَن قتله وحرَّض عليه. ٥ - بيعة عليّ وبيان أنّ الّذين بايعوه جمهور الصحابة. ٦ - كلمة في دراسة المصري التاريخيّة. ٧ - مقتل عليّ ومدفنه. ٨ - بيعة الحسن ومقتله ومدفنه. ٩ - مقتل الحسين. ١٠ - هل يبرِّأ التاريخ يزيد من دم الحسين؟

١ - تمهيد:

لقد اختلفت الأمّة الإسلامية - كغيرها من الأمم - في أمور كثيرة؛ وخصوصاً حينما مرض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحينما تُوفّي وبعد ذلك، ولكن (أعظم خلاف بين الأمّة خلاف الإِمامة؛ إِذ ما سُلَّ سيف في الإِسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سُلَّ على الإِمامة في كلِّ زمان)(١) .

وكان مثل هذا الخلاف أثراً طبيعياً مترقباً ونتيجة محتومة لكلِّ أمر أُعتقد تفويضه إِلى اختيار الناس المتباينين في الأهواء والأنظار والميول.

وظنِّي أنّه لولا هذا الاعتقاد، لَمَا تولَّدت تلك الخلافات الكثيرة أو لَمَا وصلت إِلى هذا الحد المتَّسع. فبينما تراهم يشترطون في الخليفة الانتساب إِلى قريش؛ لقول أبي بكر (رض) (الأئمّة في قريش)(٢) ، إذ بآخرين يقولون: كما تكون للقرشي تكون لغيره؛ وحجَّتهم قول عمر (رض): (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لولَّيته)(٣) .

____________________

(١) مِلل الشهرستاني، ج١، ص٩.

(٢) مقدِّمة ابن خلدون، ص١٣٦.

(٣) المقدِّمة، ص١٣٥.


وهؤلاء قد وافقوا الخوارج في عدم شرط الانتساب إلى قريش، وعلى قولهم صَحَّت خلافة الترك العثمانيِّين.

وكذلك ترى بعضهم يحصر عدد الخلفاء بخمسة؛ متمسِّكاً بهذا الخبر العليل:((الخلافة بعدي ثلاثون سنة؛ ثُمَّ تكون مُلْكاً عضوضاً)) (١) ، وانتهت الثلاثون بموادعة الحسن لمعاوية. وآخر يعاكسهم محتجَّاً بهذا الحديث الصحيح المشهور عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم):(ولا ينقضي هذا الأمر حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة؛ كلُّهم من قريش) (٢) .

ولكن هؤلاء تحيَّروا في أمر الذين زادوا على الاثني عشر، فراحوا يُخرجون من الخلفاء (بعد الراشدين) ويُدخلون مَن يشاؤون. ولقد تنبَّه للأمر وعرف مغزى الحديث ومرماه الشيخ سليمان الحنفي النقشبندي، فقال: (لا يمكن أن يُحمل هذا الحديث - المشهور من طُرق كثيرة - على الخلفاء بعده من أصحابه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لقلَّتهم عن اثني عشر. ولا يمكن أن يُحمل على الملوك الأمويّة لزيادتهم على اثني عشر أيضاً. ولا يمكن أن يُحمل على الملوك العبّاسيّين؛ لزيادتهم على العدد أيضاً. فلابدَّ أن يُحمل على الأئمَّة الاثني عشر من أهل بيته وعترته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ لأنَّهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلَّهم وأورعهم وأَتقاهم وأعلاهم نسباً وأفضلهم حسباً)(٣) .

وكما اختلفوا في شرط الانتساب إلى قريش وفي عدد الخلفاء اختلفوا أيضاً في كيفية انتخابهم؛ فقال قوم: (يحصل باجتماع أهل الحلِّ والعقد من الصحابة)، وقال آخرون: (يحصل باختيار خمسة من صلحاء المسلمين لواحدٍ منهم؛ كما جرى في خلافة عثمان، أو بانتخاب نفس الخليفة لشخص؛ كما فعل أبو بكر بعمر). وبضدِّ هذا القول قول بعضهم: (لا يتمُّ الانتخاب إلاَّ برضا جميع الأُمَّة).

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٨٣.

(٢) صحيح مسلم، ج٢، ص٧٩.

(٣) ينابيع المودة، ص٣٧٣.


وقريب منه قول آخرين منهم: (لا يتمُّ إِلاَّ برضا الجميع، ولكن في أيّام الهدوء والسكينة. وأمَّا في أيَّام الخلاف بين الأمّة، فلا)، ولكن جمهورهم اتَّفق أولاً على صحَّة الانتخاب إذا تولاَّه أهل الحلِّ والعقد من الصحابة. وهناك اختلفوا فيمَن يستحقُّ أن يُطلق عليه اسم صحابي؛ (فكان سعيد بن المسيَّب لا يَعدُّ الصحابي إِلاَّ مَن أقام مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سنة وأكثر وغزا معه. وقال بعضهم: كلُّ مَن أدرك الحلم وأسلم ورأى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهو صحابي، ولو أنّه صحبه ساعة واحدة. وقال آخرون: لا يكون صحابيَّاً إِلاّ مَن تخصَّص به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتخصَّص هو بالرسول أيضاً؛ بأن يثق الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بسريرته، ويلازمه في السفر والحضر)(١) . ولا يبعد أن يكون هذا القول الأخير أصحّ الأقوال وأقربها إِلى الصواب، وهو اللائق بذات الرسول المقدَّسة التي يجب أن تنزَّه عن نسبة المنافقين والمؤلَّفة والطلقاء، الذين لم يسيروا على هداه، إلى صحبته الشريفة، بل يجب تنزيه الصحابة أيضاً عن عدِّ مثل هؤلاء في عدادهم.

وقد يكون أوّل خلاف حول الإِمامة - إن لم يكن الخلاف الذي جرى يوم طلب الدواة - هو الخلاف الذي جرى في (سقيفة بني ساعدة) قبيل وفاته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين المهاجرين والأنصار، وكان مرشَّح المهاجرين أبا بكر ابن أبي قحافة التيمي ومرشح الأنصار سعد بن عبادة الخزرجي، وكانت حجّة المهاجرين السبق إِلى الإِسلام وكونهم من شجرة الرسول الطيِّبة، وحجَّة الأنصار الإِيواء والنصرة، ولمَّا كانت حجَّة الأنصار على استحقاق الخلافة واهية جدَّاً، زيادة على تسرُّب الحسد إِلى قلوب بعضهم، تغلَّب عليهم المهاجرون وأخذوا البيعة لأبي بكر ممَن حضر السقيفة، عدا سعد بن عبادة فإنّه لم يبايع (فوطىء عمر صدره، وقال: اقتلوا سعداً، قتل الله سعداً)(٢) .

وكان هناك فريق ثالث لم يحضر اجتماع السقيفة الفجائي؛ إمّا لعدم اطِّلاعه

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٥٤.

(٢) شرح النهج، ج١، ص٥٨.


على خبر الاجتماع، وإمّا لثكله في تلك الساعة الرهيبة بموت سيد البشر يراه نصب عينيه مسجّى بلا غسل ولا دفن، وإمّا لأنّ سيّد هذا الفريق لم يكن يخطر في باله أن يعدل المسلمون عنه إلى غيره وقد بايعوه يوم غدير خم بأمر من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبمرأى منه ومسمع.

وعلى كلٍّ... فقد جاؤوا - مِن بعد بيعتهم تلك له، وبعد وفاة نبيِّهم بلا فصل - يطلبون منه البيعة لأبي بكر(رض)، ولكنَّه امتنع(ع) أوّلاً واحتجَّ وفنَّد حجج المهاجرين بقوله:((احتجُّوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة)) ، وبقوله:

((فإِن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيَّب

وإنّ كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبيّ وأقرب))(١)

يريد بالمشيرين نفسه وبني هاشم وأجِلَّة الصحابة من شيعته الذين كانوا معه في دار النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يستشرهم أحد في تلك البيعة المستعجَلة التي رآها الخليفة الثاني: (فلتة وقى الله شرَّها. وقال: من عاد إلى مثلها، فاقتلوه)(٢) .

وقد استمر جميع هؤلاء الأصحاب على التشيّع لعليّ والاعتقاد بخلافته إِلى آخر نفس من حياتهم، وإنْ بايعوا أبا بكر(رض) على أنّه خليفة منتَخَب، ثُمَّ بايعوا عمر ولم يحنقوا عليه، بل آزروه ونآصحوه وأخلصوا له يوم صار بعضهم مِن ولاته على الأمصار ومن أمرائه الفاتحين ومن جنده الغازي. (كان عمّار بن ياسر أميراً على الكوفة من قبل عمر، وحضر فتح تُسْتَر)(٣) .

____________________

(١) نهج البلاغة، ج٢، ص١٩٣.

(٢) الملل، ج١، ص١٠.

(٣) الأخبار الطوال، الدينوري، ص١٢٩. وقال الخطيب البغدادي (تاريخ بغداد،ج١، ص١٥٠): (وعمّار بن ياسر تقدَّم إِسلامه، وهو معدود من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وممَن عُذِّب في الله بمكّة، ومرَّ النبيّ (ص) بعمّار وأبيه وأمّه وهم يُعذَّبون، فقال: ((اصبروا يا آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنَّة)) ، وشهد مع رسول الله (ص) مشاهدة كلّها، ونزل فيه : (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) وغير ذلك من الآيات، وشهد مع عليّ بن أبي طالب حروبه حتّى قُتل بين يديه بصِفِّين (سنة ٣٧ هـ) وصلّى عليه عليّ ودفنه هناك ولم يغسِّله. ومناقبه مشهورة وسوابقه معروفة؛ استأذن عمّار

=


و(كان عثمان بن حنيف الأوسي الأنصاري عاملاً لعمر بن الخطاب على العراق، وأمره عمر بمسح الفرات، فمسحه. ومات عثمان هذا في خلافة معاوية؛ وهو أخو سهل بن حنيف، شهد أُحداً وما بعدها من المشاهد مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وله رواية عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وكان أيضاً عاملاً لعليّ (ع) على البصرة يوم خروج طلحة والزبير على الإِمام ، فكتبا إليه أن يخلي لهما دار الإمارة، فاستشار عثمان الأحنف بن قيس، فقال: إنّ هؤلاء جاؤوك للطلب بدم عثمان بن عفَّان وهم الذين ألَّبوا عليه الناس وسفكوا دمه، فبادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة، فقال ابن حنيف: الرأي ما رأيت، ولكن أنتظر كتاب أمير المؤمنين(ع) ورأيه. فلمَّا أمره الإِمام بالحرب، خرج عليهم وحاربهم، ثُمَّ تحاجزوا وكتبوا فيما بينهم كتاب صلح، ثُمَّ لم يلبثوا حتّى نكثوا به وأخذوه غدراً وضربوه ضرب الموت ونتفوا حاجبيه وأشفار عينيه وكلَّ شعرة في وجهه ورأسه.

فكان غدرهم به أوّل غدر في الإسلام، ولقد خلَّوا سبيله بعد أن أرادوا قتله، فلحق بعليّ(ع)، فلمّا راه بكى، وقال:((فارقتك شيخاً، وجئتك أمرداً)) ، فاسترجع عليّ عليه السلام )(١) .

و(كان حذيفة بن اليمان العبسي أميراً على المدائن؛ استعمله عمر. وكان مضى في سنة ٢٢ هـ إِلى نهاوند، فصالحه صاحبها على ٨٠٠ درهم في كلِّ سنة.. وكان صاحب سرِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لقربه منه وثقته به وعلوِّ منزلته عنده. وكان من أصحاب علي أمير المؤمنين، وأحد الأركان الأربعة، سكن الكوفة ومات بالمدائن سنة ٣٦ هـ بعد بيعة أمير المؤمنين بأربعين يوماً)(٢) .

____________________

=

على النبيّ (ص)، فعرف صوته، فقال: ((مرحباً بالطيِّب المطيَّب)) . وقال (ص) لخالد بن الوليد لمـَّا كان بينه وبينه شيء: ((مَن أبغض عماراً أبغضه الله، ومن عادى عمارا عاداه

الله )) وصحَّ عن النبيِّ (ص) أنَّه قال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية، وآخر شرابك ضياح من لبن)) ).

(١) تاريخ بغداد للخطيب، مجلّد١، ص١٧٩، وشرح النهج، ج٢، ص٤٩٧، وص٥٠٠ (بتلخيص).

(٢) تاريخ ابن عساكر، مجلّد٤، ص٩٤، وص١٠٠،


و(كان البراء بن عازب أمير الجيش الذي فتح قزوين(١) سنة ٢٢ هـ صلحاً، وكذا فتح الديلم، وفتح زنجان عنوة. وكان البراء قد غزا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خمس عشرة غزوة، ونزل الكوفة بعده، وكان رسول عليّ بن أبي طالب إلى الخوارج بالنهروان يدعوهم إلى الطاعة وترك المشاقَّة. وللبراء روايات كثيرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ومات في ولاية مصعب بن الزبير)(٢) .

و(كان الأحنف بن قيس أمير الجيش الذي غزا خراسان سنة ٢٢ هـ، وافتتح هراة عنوة ومروروز صلحاً. توفّي الأحنف سنة ٦٧ هـ، وقيل ٦٨ هـ، وقيل سنة ٦٩ هـ، واسمه الضحَّاك بن قيس، وعرف بالأحنف لأنّه كان أحنف الرِّجل؛ وهو الذي يضرب به المثل في الحلم. وكان سيِّد قومه، موصوفاً بالعقل والدهاء والحلم والذكاء، أدرك عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يصحبه، وكان من كبار التابعين، شهد مع عليّ صِفِّين، ولم يشهد الجمل، وقدم على معاوية وعنده وجوه الناس، فخطب رجل من أهل الشام في ذلك المجلس ولعن علي بن أبي طالب، فأطرق الناس وتكلّم الأحنف، فقال لمعاوية: إنّ هذا القائل لو يعلم أنّ رضاك

____________________

وتاريخ بغداد، مجلَّد١، ص ١٦٠، ومنهج المقال، ص٩٤.

(١) من الغرابة جدَّاً ما جاء في جولة المصري الرابعة (ص١٤٨)؛ وهو قوله: (وقزوين بلد صغيرة، ولكنَّها أجمل من همدان؛ لأنّها كانت عاصمة الشاه عباس. يسترعي النظر.. جامعها بقبَّته الزرقاء، وقد أقام الصلاة فيه خالد بن الوليد والحسن بن عليّ الذي كان يصحبه في الفتح الإسلامي). والحال أنّ خالداً هذا توفّي سنة ٢١هـ؛ قبل فتح قزوين بسنة، نصَّ على ذلك أبو الفداء في تاريخه (ج١، ص١٦٤)، ونصَّ ابن الأثير أيضاً، وابن عساكر، وأثبتوا أنَّ الذي فتح قزوين هو البراء، (وأنّ همدان فتحها حذيفة بن اليمان، وافتتح الري، ولم تكونا فتحتا من قبل) انظر: تاريخ ابن عساكر، مجلَّد٤، ص١٠٠. وإنَّا لم ندر - على كثرة البحث عن هذه المسألة - إلى أيِّ مصدرٍ استند الرحَّالة في دعوى وصول خالد إلى قزوين المفتوحة بعد موته؟ ومن دعوى صحبة الحسن بن علي لخالد في فتوحه ؟! .

(٢) تاريخ ابن الأثير، ج٣، ص٩، وتاريخ بغداد للخطيب، ج١، ص١٧٧.


في لعن المرسلين للعنهم، فاتق الله ودع عنك عليّاً، فقد قَدِم على ربه. وكان - والله - الميمونة نقيبته، العظيمة مصيبته، فقال معاوية، فأيم الله، لتصعدنَّ المنبر وتلعنه طوعاً أو كرهاً، فقال الأحنف: أِعفني هو خير لك، فألحَّ عليه معاوية ولم يعفه، فقال: والله، لأنصفنَّك في القول، قال: وما أنت قائل؟ قال: أقول إنّ معاوية أمرني أن العن عليّاً، ألا وإنّ عليّاً ومعاوية اقتتلا، وادَّعى كلٌّ منهما إنّه مبغي عليه، اللّهم العن أنت وملائكتك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما، والعن الفئة الباغية لعناً كثيراً؛ أقوله ولو كان فيه ذهاب عنقي، فقال معاوية: إذن نعفيك من ذلك. ولم يلزمه)(١) .

و(كان من عمّال عمر على المدائن أيضاً سلمان الفارسي. وكان يلبس الصوف ويركب الحمار ويأكل خبز الشعير، وكان ناسكا زاهداً، فلمَّا احتضر بالمدائن، قال له سعد بن أبي وقَّاص: اذكر الله عند همِّك، فبكى سلمان...إلخ )(٢) .

وكان سلمان ممَّن حضر فتح المدائن (وعبر دجلة مع سعد بن أبي وقَّاص، فعامت خيولهم وهم يتحدَّثون(٣) ، وحضرها أيضاً عدي بن حاتم الطائي(٤)

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير،ج٣، ص١٦، وتاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٦٤، وص١٩٥ .

(٢) مروج الذهب للمسعودي، ج١، ص٤١٧.

(٣) تاريخ ابن الأثير،ج٢، ص١٩٨. وقال الخطيب البغدادي ( تاريخ بغداد، ج١، ص١٦٣): (وسلمان من أهل أصفان، ويقال من رامهرمز، ويكنَّى أبا عبد الله، أسلم في السنة الأولى من الهجرة، وأوَّل مشهد شهده مع رسول الله (ص) يوم الخندق؛ لأنَّه كان قبل ذلك مُسترَقاً لقوم من اليهود قبضوا عليه قادماً إلى النبيّ(ص)، فكاتبهم (ص) وأدَّى كتابته وعتقه، ولم يزل ملازماً له حتّى توفّي(ص). ولمَّا غزا المسلمون العراق، خرج معهم وحضر فتح المدائن، ونزلها حتَّى توفِّي بها في خلافة عثمان. وقبره الآن ظاهر معروف بقرب إيوان كسرى وعليه بناء وله خادم لحفظه. وقد رأيت الموضع وزرته غير مرَّة وكان من المعمِّرين؛ قيل: أنَّه أدرك وصيَّ عيسى(ع)، وأدرك علم الأوَّل والآخِر، وقرأ الكتابين).

(٤) قال الخطيب (تاريخ بغداد،ج١، ص١٨٩): (وعدي بن حاتم الطائي قَدِم على رسول الله (ص)، فلمَّا رآه النبيَّ، نزع وسادة كانت تحته، فألقاها له حتّى جلس عليها، وسأله عن أشياء، فأجابه عنها، ثُمَّ أسلم وحسن إسلامه. وحضر فتح المدائن، وشهد مع

=


وحضر وقعة القادسية هاشم المرقال(١) وكان على ميسرة جيش المسلمين، وحضرها معهم مالك الأشتر النخعي. وكان حجر بن عدي الكندي في وقعة جلولاء مع المسلمين. وكان غير هؤلاء من الشيعة في فتوحات عمر (رض)؛ ذكرهم الدينوري وغيره.

ولكن الرحالة محمد ثابت المصري يعاكس هذه النصوص التاريخية التي تدلُّ على إِخلاص الشيعة لعمر وعدم حنقهم عليه؛ حيث يقول (ص١٤٨ من جولته): (الشيعة: لمـَّا مات النبيُّ من غير خلف من الذكور، قام أبو بكر وأوقف المرتدِّين وحمل لواء الإِسلام إلى الجزيرة، ولمَّا عاد عمر بن الخطاب، واصل دعاية الإِسلام بفضل قائديه خالد ومعاوية(؟) فحنق عليه قوم واعتقدوا أنّ الخلافة يجب أن تكون في سلالة الرسول، ولكن كظموا غيظهم حتَّى مات عمر(؟)، ثُمَّ جاء عثمان وقُتل عاجلاً(؟)، وقام عليَّ زوج فاطمة بنت النبي وأب أحفاد رسول الله، وكان الخوارج هم الذين حرَّضوا على قتل عثمان(؟) وأيَّدوا عليَّاً(؟)، لكنَّهم خرجوا عليه هو أيضاً لمـَّا رضي بمهادنة خصومه؛ ومن ثَمَّ سمُّوا الخوارج).

وهذا النغم الجديد في التاريخ، وهذه الغرائب في الأقوال، هما اللذان ألزمانا التوسُّع قليلاً في الكلام عن هذه الحوادث التاريخية التي اهتم المؤرِّخون الشرقيّون في تدوينها وتصفيتها حتّى أجمعوا على أكثرها، وأودعوه في مؤلَّفاتهم، ثُمَّ جاء من بعدهم كتبة الإفرنج، فدسُّوا من الأقوال والآراء ما يوافق سياستهم

____________________

=

عليِّ الجمل وصِفِّين والنهرون، ومات بعد ذلك بالكوفة سنة ٦٧هـ؛ زمن المختار، وهو ابن مائة وعشرين سنة، وقيل: بقرقيسا).

(١) ترجمه الخطيب (تاريخ بغداد، مجلّد١، ص١٩٦)، فقال: (هاشم بن عتبة ابن أبي وقَّاص المعروف بالمرقال، وهو أخو نافع بن عتبة، وابن أخ سعد بن أبي وقَّاص، أسلم يوم فتح مكّة، وحضر مع عمّه سعد حرب القادسيَّة، وقُتل هاشم المرقال مع عليِّ (رضي الله عنه) بصِفِّين).


وأغراضهم الشخصيِّة في الشرق الإِسلامي تحت ستار: (فلسفة التاريخ)؛ حتّى عُمي الأمر على كثير من الشرقيِّين وراحوا يتلقُّون تلك الأقوال الغربية الغربية ويدوِّينونها بغير محاكمة ولا عرض على مصدرها الشرقي الإِسلامي العربي، الأمر الذي يدلُّ على عدم الثقة برجالنا، وعلى عدم الاحتفاظ بثروة الآباء والأجداد. وإليك هذه الحوادث على سيرها الطبيعي، وترتيبها الواقعي، ومصدرها الوثيق:

٢ - مرض النبيِّ ووفاته وبيعة أبي بكر:

لمَّا مرض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرض الموت، دعا أسامة بن زيد، وقال له:((سر إلى مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد ولَّيتك على هذا الجيش)) . ثُمَّ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((جهِّزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلَّف عنه)) (١) وقال لمـَّا اشتدَّ به وجعه:((ائتوني بدواة وبيضاء؛ فأكتب لكم كتاباً لا تضلُّون بعدي أبداً، فتنازعوا، فقال: قوموا عنِّي؛ ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: إنّ رسول الله ليهجر)) (٢)

____________________

(١) ذكر ذلك الشهرستاني (المِلل، مجلَّد١، ص٩)، وذكره غيره بأسانيد صحيحة معتبرة لم يعترض عليها معترض؛ ولأجله يحار المسلم كثيراً عندما يقرأ هذا الأمر المؤكَّد بتجهيز جيش أسامة، وهذا اللَّعن القارص لمن يتخّلف عنه. ويزداد حيرة حينما يعلم أنّ فئة من الأصحاب الذين تهمُّهم مصلحة الإِسلام وجهاد أعدائه وقلَّ عصيانهم لأوامر النبيِّ (ص) من قبل، قد تخلَّفوا عن هذا الجيش الإِسلامي المجهَّز للدفاع عن الإِسلام؛ لذلك تراه لا يستطيع إِلاَّ أن يعترف بخطأهم ويستغفر الله لهم. أمَّا أن يَتقبَّل تلك الأعذار الواهية التي اعتذر بها عن تخلُّفهم بعض الكتَّاب من (أنّ قلوبهم لا تساعدهم على السير مع الجيش وترك النبيِّ بحالة المرض)، فذلك ممَّا لا يستطيعه ما دام مؤمناً بوجوب الامتثال لأوامر النبيّ(ص)، وما دام معتقداً أنّ النبيَّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأعلم بمصلحة الإِسلام منهم. وليدلَّنا ذلك الرجل كيف لم تساعد تلك القلوب على فراقه (ص) وقد ساعدتهم على مخالفة أمره وإغضابه؟ بقولهم: (كيف يستعمل هذا الغلام (أسامة) على جلّة المهاجرين والأنصار؟ حتّى أحرجوه، فأخرجوه عاصباً رأسه قائلاً: ((أيُّها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة؟ لئن طعنتم في تأميري أسامة، فقد طعنتم في تأميري أباه من قبله)) شرح النهج للمعتزلي، مجلّد١، ص ٥٣ (بتلخيص).

(٢) تاريخ أبي الفداء، مجلَّد١، ص١٥١.


ويروي الشهرستاني، عن البخاري((أنَّه قال - لمـَّا اشتدَّ به مرضه الذي مات فيه: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لا تضلُّوا بعدي، فقال عمر: إنّ رسول الله قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله (١)، وكثر اللغط، فقال النبيّ (عليه السلام): قوموا؛ لا ينبغي عندي التنازع. قال ابن عبَّاس: الرزية كلُّ الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله)) (٢) ولقد عظمت هذه الرزية بوفاته (في صفر سنة ١١ هـ، وحزيران سنة ٦٣٢ م)، وبما جرى بعدها، بلا فصل، من الخلاف العظيم الذي توقَّعه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو حيّ وأراد تداركه بذلك الكتاب الذي حيل بينه وبينه ورمي - لمـّا طلب الدواة - بما رمي.

كان ذلك الخلاف - كما علمت - حول الخلافة وكان في اليوم الذي توفِّي فيه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ حيث (اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة لتولية سعد بن عبادة والنبيّ لمـَّا يدفن؟! ولمَّا سمع عمر الخبر، أقبل إِلى منزل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأبو بكر فيه، وعلي بن أبي طالب دائب في جهاز الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأرسل عمر إلى أبي بكر أن اخرج إِليّ، فأرسل إليه: أنّي مشتغل. فأرسل إليه ثانياً: أنّه قد حدث أمر لا بدَّ لك من حضوره، فخرج إليه، فأعلمه عمر الخبر، فمضيا مسرعين نحو السقيفة ومعهما أبو عبيدة بن الجرّاح، فلقيهم رجلان وقالا لهم: ارجعوا لا يكون ما تريدون، فقالوا: لا نفعل. وذهبوا إلى السقيفة، وترادوا الكلام فيما بينهم وبين الأنصار إِلى أن صفق عمر على يد ابي بكر. وقيل سبقه إلى البيعة: بشير بن سعد الأنصاري أبو النعمان بن بشير؛ كراهيَّة لابن عمِّه سعد(٣) .

____________________

(١) لقد أوضح عمر (رض) ما أُريد من طلب الدواة وما أراد من المنع بقوله لابن عباس: (لقد أراد رسول الله في مرضه أن يصرِّح باسم عليّ، فمنعت من ذلك حيطة على الإسلام)انظر: شرح النهج للمعتزلي، مجلّد٣، ص٩٧.

(٢) المِلل، مجلّد١، ص٩.

(٣) تاريخ الطبري، مجلّد٣، ص٢٠٨، وتاريخ ابن الأثير، مجلّد٢، ص١٢٥، وتاريخ ابن خلدون، مجلّد٢ ص٦٤، وشرح النهج للمعتزلي، مجلّد١، ص٧٤؛ (بتلخيص).


(وأقبل أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة وجماعة من أصحاب السقيفة، لا يمرُّون بأحد إِلاَّ خبطوه، وقدموه فمدوا يده، فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه؛ شاء ذلك أو أبى(١) .

وعندئذ (انثال الناس على أبي بكر يبايعونه، خلا جماعة من بني هاشم، والزبير بن العوام، وعتبة بن أبي لهب، وخالد بن سعيد بن العاص، والمقداد، وسلمان، وأبي ذر، وعمّار، والبراء بن عازب، وأُبيِّ بن كعب، مالوا مع علي بن أبي طالب، وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب:

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف

عن هاشم ثُمَّ منها عن أبي حسن

عن أوِّل الناس إيماناً وسابقة

وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبيِّ ومَن

جبريل عون له في الغسل والكفن

مَن فيه ما فيهم لا يمترون به

وليس في القوم ما فيه من الحسن

وكذلك تخلَّف عن البيعة لأبي بكر أبو سفيان من بني أميّة. ثُمَّ إنّ أبا بكر بعث عمر بن الخطَّاب إِلى عليّ ومن معه؛ ليخرجهم من بيت فاطمة (رضي الله عنها)، وقال له: إِن أبوا عليك، فقاتلهم. فأقبل عمر بشيء من نار؛ على أن يضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة (رضي الله عنها)، وقالت:((إلى أين يا ابن الخطّاب؟ أجئت لتحرق دارنا؟)) ، قال: نعم، أو تدخلوا فيما دخل فيه الأمَّة)(٢) .

(وأَقبل أبو سفيان، وهو يقول: إِنِّي لأرى عجاجة لا يطفئها إِلاَّ دم. يا آل عبد مناف، فيم أبوم بكر من أموركم. فزجره عليّ، وقال: والله، إِنّك ما أردت بهذا إِلاّ الفتنة. وإنّك طالما بغيت للإِسلام شرَّاً)(٣)

____________________

(١) شرح النهج، ج١، ص٧٤.

(٢) تاريخ أبي الفداء، مجلّد١، ص١٥٦، والعقد الفريد، مجلّد٣، ص٦٣، والإِمامة والسياسة لابن قتيبة، مجلّد١، ص١٣، ولكنّه[ابن قتيبة] قال: قيل لعمر لمـّا جمع الحطب على باب الدار، إِنَّ في الباب فاطمة، قال: وإِنْ).

(٣) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٢، ص١٢٣. وذكر صاحب الأغاني (جزء ٦، ص٩٦): إنّ أبا سفيان هذا قد قال - لمـّا بويع عثمان: ( يا بني أميّة، تلقَّفوها تلقُّف الكرة؛ فوالذي يحلف به أبو سفيان ما مِن عذاب ولا حساب ولا جنّة ولا نار ولا بعث ولا قيامة).


ويروي صاحب العقد الفريد: أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) توفّي وأبو سفيان غائب، فلمَّا بلغه بيعة أبي بكر، قال: إِنّي أرى غبرة لا يطفئها إلاّ دم. فلمّا قدم المدينة، جعل يطوف في أزقَّتها، وهو يقول:

بني هاشم لا يطمع الناس فيكم

ولا سيما تيم بن مرَّة أو عدي

فما الأمر إِلاّ فيكم وإليكم

وليس لها إِلاّ أبو حسن علي

فقال عمر لأبي بكر: إِنّ هذا قد قدم، وهو فاعل شرّاً، وقد كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يستألفه على الإِسلام، فدع له ما بيده من الصدقة. ففعل أبو بكر، فرضي أبو سفيان وبايعه)(١) .

ولمـّا رأى علي رأسَ الفتنة قد ذرَّ قرنه، ورأى ارتداد البعض عن الإِسلام وقلّة المسلمين وإِحاطة العدو بهم، تغاضى عن الطلب بحقِّه، وقال:((والله لأسلمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها إِلا جورٌ علي خاصة)) (٢) .

ثُمَّ قام مع أبي بكر (رض) يجاهد المرتدِّين في الجزيرة، وينصح المسلمين بجهده، وتبعه على ذلك عمَّه العبّاس القائل: (والله، لولا أنّ الإِسلام قيد الفتك، لتدكدكت جنادل صخر)(٣) .

وكذلك تبعه سائر بني هاشم وجماعة الشيعة من الصحابة؛ أَمثال: سلمان، وعمار، والمقداد، وأبي ذر، وغيرهم، ممَّن اعتقدوا قبلئذٍ (أنّ الخلافة يجب أن تكون في سلالة الرسول)، لكن بعد أبيهم عليّ (عليه السلام).

فليس اعتقادهم ذلك من يوم خلافة عمر(رض)، كما يظهر من كلام الرحّالة المتقدِّم، بل قد عرفت أنّهم يعتقدونه من يوم (غدير خم). على أنّ خلافة الثاني كانت محكَمة بنصٍّ من الأوّل، لم يعارض فيها سوى طلحة ونفر قليل، وكلمة طلحة لأبي بكر قبيل وفاته مذكورة في التاريخ، مشهورة، لا نحبُّ

____________________

(١) مجلّد٣، ص٦١.

(٢) شرح النهج، مجلّد٢، ص٦٠.

(٣) الشرح، مجلَّد١، ص٧٣.


ذكرها لخشونتها، وإنّما نذكر لك كيف كانت؛

٣ - وفاة أبي بكر وبيعة عمر:

وقد اختلف في سبب وفاته؛ فقيل: إنّ اليهود سمَّته في أرز، وقيل: في حسو. (وعن عائشة (رض): أنّه اغتسل، وكان يوماً بارداً، فحُمَّ خمسة عشر يوماً، ثُمَّ توفّي لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ١٣هـ. وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال)(١) وقولها هو الأصح؛ لأَنَّها أعلم بحال أبيها.

ولابن الطقطقي قول في سبب وفاته، قد تفرّد به (على الظاهر)، انظره: الفخري في الآداب السلطانية، ص٨٧ .

وعلى كلٍّ...فقد قضى أيّام خلافته في جهاد المرتدِّين، والروم والفرس أيضاً، ونشر كلمة الإِسلام في الجزيرة. وبقي يمدُّ الجيش الإسلامي إِلى اليوم الذي توفّي فيه. وفي الساعة التي توفّي فيها (احضر عثمان بن عفّان، وقال له اكتب: هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إِلى المسلمين؛ أمّا بعد، ثُمَّ أغمي عليه، فكتب عثمان: أمّا بعد، فإنّي قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، ولم آلكم خيراً، ثُمَّ أفاق أبو بكر وأمضى كتابة عثمان)(٢) .

(ولقد شكا المهاجرون والأنصار من عمر.. وقال بعضهم: أمّرته عام أوّل وأَمَّرك العام. وكره أهل الشام خلافته في بدء الأمر)(٣) . ولا ريب أنّهم أمسوا - بعد ذلك - يحبُّونها كثيراً؛ لأنّه قام بأعباء الخلافة، ووسَّع الفتح الإسلامي، ونال الإِسلام في عهده عزَّاً ومنعة، وفضَّل الأشراف على غيرهم في قسمة الغنائم، فرضي عنه من كان يشكوه، ورضي عنهم وعن الذين أسخطوه من قبل، سوى خالد بن الوليد؛ لأنّ (أوّل كتاب كتبه عمر إِلى أبي عبيدة بن الجرّاح بتولية الجند وعزل خالد؛ لأنَّه كان عليه ساخطاً

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء، مجلّد١، ص١٥٨.

(٢) ابن الأثير، مجلّد٢، ص١٦٣.

(٣) الإِمامة والسياسة، مجلّد١، ص١٩.


في خلافة أبي بكر كلِّها؛ لوقعته بابن نويرة، وما كان يعمل في حروبه(١) . وأوَّل ما تكلَّم به عمر عزل خالد، وقال: لا يلي لي عملاً أبداً )(٢) ، ولكنَّه أبقاه في الجيش لشجاعته وبطولته.

أمَّا معاوية - الذي عدَّه الرحَّالة من القوَّاد - فما عرف بالشجاعة، ولا ظهر له أثر في الحروب، ولا تولَّى قيادة الجيوش في أيّام الأوّل والثاني (رض). ولمَّا تولَّى القيادة في صِفِّين واشتدَّت الحرب، ركب فرسه وفرَّ، أو هَمَّ بالفرار(٣) . وقد عرض النجاشي الشاعر بهذه القصة، فقال:

ونجى ابن حرب سابح ذو غلالة

أجشَّ هزيم والرماح دواني

و(كان معاوية يقول بعد ذلك لبني أميّة: دعوني، فو الله، ما ذكرت عيونهم؛ أي بني هاشم، تحت المغافر في صِفِّين، إِلاَّ لبس على عقلي)(٤) . فقول الرحّالة (بفضل قائديه خالد ومعاوية) من بديهيات الأخطاء.

٤ - وفاة عمر، وبيعة عثمان ومقتله، ومَن حرَّض عليه ومَن قتله:

قلنا أنّ بيعة عمر (رض) كانت سنة ١٣ هـ. وأمَّا قتله، فكان آخر ذي

____________________

(١) كأنّه يشير إلى ما ذكره أبو الفداء في تاريخه: (مجلّد١، ص١٤٥) مِن قتل خالد لبني خزيمة بعد أن أمنهم؛ لأنّهم كانوا قتلوا عمَّه في أيَّام الجاهليّة، فراجع.

(٢) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٢، ص١٦٤. وقد أيَّده المسعودي (مروج الذهب، مجلَّد١، ص ٤٢٢) بقوله: (وقد كان في نفس عمر على خالد أشياء مِن أيَّام أبي بكر في قصَّة مالك بن نويرة، وغير ذلك). وقصّة مالك معروفة مشهورة في التاريخ؛ ذكرها أبو الفداء مفصَّلة في تاريخه( مجلّد١، ص١٥٨)، وذكر قول أبي نمير السعدي:

قضى خالد بغياً عليه بعرسه

وكان له فيها هوىً قبل ذلك

فأمض هواه خالد غير مالك

عنان الهوى عنها ولا متمالك

ومن أغرب ما اعتُذر به عن خالد، قول ابن زيد شبلي: (ولعلَّ خالداً، وقد قتل زوجها، رأى أن يجبر كسرها وأن يخفِّف عنها مصيبتها، فتزوَّجها؛ جبراً لها ممَّا أصابها، وتطييباً لخاطرها). انظر: كتابه (تاريخ خالد)، صفحة ١١١.

(٣) انظر: شرح النهج، مجلَّد١، ص٤٩١.

(٤) مروج الذهب، مجلَّد٢، ص٥٥.


الحجّة سنة ٢٣ هـ؛ قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، وكان نصرانيّاً، وقيل: مجوسيَّاً. وكانت مدَّة خلافته عشر سنين ونصف سنة، وقد جعلها من بعده شورى(١) بين خمسة نفر أو ستة، ولكنَّه قيَّدهم برأي أحدهم؛ عبد الرحمن بن عوف صهر عثمان.

وكيفما كان... فقد بويع عثمان (رض) في ٣ من المحرَّم سنة ٢٤ هـ، وقيل: في آخر ذي الحجّة سنة ٢٣ هـ ،وقُتل آخر سنة ٣٥هـ بيد زعماء المصريّين يومئذٍ، كما سنبيّنه إن شاء الله.

وكان محبوباً في السنين الأولى من خلافته التي دامت اثنتي عشرة سنة، وهي مدّة طويلة لا يقال فيمَن قضاها: (إنّه جاء ثُمَّ قُتل عاجلاً)؛ كما قال معلِّم الآداب في مصر ورحّالة القرن العشرين، الذي اخترع في التاريخ (أنّ الذين حرَّضوا على قتل عثمان وأيَّدوا عليَّاً، هم الخوارج). مع أنّ لفظ الخوارج لم يُسمع ولم يُوجد أيضاً إِلاّ بعد مضي سنتين على قتل عثمان وبيعة علي، ومع أن التاريخ يحدّثنا بأنّ الذين حرّضوا على قتل عثمان وخذلوه، هم من أكابر الصحابة والتابعين في المدينة المنوَّرة.

يحدثنا ابن الأثير: إنَّه (كتب جمْع من أهل المدينة من الصحابة إِلى مَن في الآفاق منهم: إِنْ أردتم الجهاد، فهلمُّوا إليه، فإِنَّ دين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قد أفسده خليفتكم )(٢) .

ويقول الطبري؛ ابن جرير: (وكتب أهل المدينة إِلى عثمان يدعونه إِلى

____________________

(١) الشورى من أفضل النظم الانتخابية إذا استعملت بمعناها الحقيقي الواسع، وقد أُمر بها النبيّ(ص) (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) ،ولكن معاوية يرى (أنّه لم يشتِّت بين المسلمين، ولا فرَّق أهواءهم، إِلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر)، انظر: العقد الفريد، مجلّد٣، ص٧٤. وأرى أنَّ هذه الشورى - وإنْ خلقت طمع طلحة والزبير بالخلافة، وسعيهما لها - خير من تلك السنَّة التي سنَّها معاوية في ولاية العهد، وحصْر الإِمرة بمثل ولده يزيد، وحرمان أبناء المهاجرين والأنصار.

(٢) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٣، ص٦٥.


التوبة، ويحتجُّون ويقسمون له بالله: لا يمسكون عنه أبداً حتى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقِّ الله )(١) ، فكتب عثمان إِلى معاوية: (أمَّا بعد، فإِنّ أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، فابعث إِليّ من قبلك من مقاتلة الشامي، فلمَّا جاء معاوية الكتاب تربص به وكره (؟) إِظهار مخالفة أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد علم اجتماعهم)(٢) .

ويروي ابن عبد ربِّه الأندلسي ما يبيِّن السرَّ في خذلان الصحابة لعثمان؛ حيث يقول: (روي: أنَّه سئل سعيد بن المسيَّب؛ كيف قُتل عثمان؟ ولِمَ خذله أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال: قُتل عثمان مظلوماً، ومَن خذله كان معذوراً. قيل له وكيف ذلك؟ قال: لأنّ عثمان كان يحبُّ قومه، وكان كثيراً ما يولّي بني أميّة ممّن لم يكن له في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صحبة، وكان يجيء من أمرائه ما يكره أصحاب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان يستعتب فيهم، فلا يعزلهم)(٣) .

وقالت السيِّدة عائشة بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) لمروان بن الحكم؛ لمـّا طلب منها إِصلاح أمر عثمان مع الصحابة وعدم خروجها من المدينة: (ولعلك تظننَّ أنّي في شكٍّ مِن صاحبك؟ أمَا والله، لوددت أنّه مقطَّع في غرارة من غرائري، وأنّي أطيق حمله، فأطرحه في البحر)(٤) . وقد كان عبد الرحمن بن عوف - وهو الذي عقد البيعة لعثمان - أوَّل مَن اجترأ عليه؛ كما يحدثنا الطبري في مقام ذكر المفتتِح للجرأة على عثمان، بقوله: (قدمت إِبل مِن إِبل الصدقة على عثمان، فوهبها لبعض بني الحكم، فبلغ ذلك عبد الرحمن، فأرسل مَن أخذها له، فقسمها في الناس وعثمان في الدار)(٥) .

ولمَّا عوتب عبد الرحمن في أمر عثمان، (وقيل له هذا كلُّه فعلُك، قال:

____________________

(١) تاريخ الطبري، مجلّد ٥، ص١١٦.

(٢) تاريخ الطبري، مجلّد ٥، ص١١٥.

(٣) العقد الفريد، ج٣، ص٧٩.

(٤) عصر المأمون، ج١، ص٦.

(٥) تاريخ الطبري، ج٥، ص١١٣.


لم أكن أظنُّ به هذا، ولكنَّ لله عليَّ أن لا أكلِّمه أبداً. فمات عبد الرحمن، وهو مهاجر لعثمان. ولمـّا دخل عليه عثمان عائداً، تحوَّل عنه إلى الحائط ولم يكلمه)(١) .

وأمَّا عمرو بن العاص، فكان من أشدِّ الناس تحريضاً على عثمان وطعناً به، وإن لم يشهد مقتله مع الصحابة(٢) . يقول الطبري: (كان عمرو بن العاص عاملاً لعثمان على مصر، فعزله، فلمّا قدم المدينة جعل يطعن على عثمان، فقال له عثمان: يا ابن النابغة، أَقمل جربان جبتك؟ فخرج عمرو من عنده وهو محتقِد عليه، يأتي عليَّاً مرًّة، والزبير وطلحة مرَّة، يؤلبهم على عثمان، ويعترض الحاج، فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان الحصار الأوَّل، خرج من المدينة إِلى أرض له بفلسطين يقال لها: السبع، فبينا هو جالس في قصره، إذ مرَّ به راكب، فناداه عمر، ومِن أين؟ قال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل؛ يعني عثمان؟ قال: قُتل، قال: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، إِنّي كنت لأحرِّض عليه حتّى الراعي في غنمه في رأس الجبل، فقال له سلامة بن روح الجذامي: إِنّه كان بينكم وبين العرب باب، فكسرتموه، قال عمرو: إِنَّا أردنا أن نخرج الحقَّ من حافرة الباطل)(٣) .

وعمرو هو القائل لتلك الكلمة الشهيرة: (اتَّق الله يا عثمان؛ فإِنَّك ركبت بنا نهابير(٤) ، وركبناها معك، فتب إلى الله )(٥) .

ولم يُقصِّر طلحة في التأنيب والتحريض، بل قد زاد على ابن العاص بمناجاته لرؤساء المصريّين الذين باشروا قتل عثمان (رض).

(قال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: دخلت على عثمان، فأخذ بيدي

____________________

(١) العقد الفريد، ج٣، ص٧٣، وتاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٦٦.

(٢)يقول ابن أبي الحديد (شرح النهج،ج١، ص٢٣١): (مثل أبو سعيد الخدري، هل شهد مقتل عثمان أحد من الصحابة ؟ قال: نعم؛ شهده ثمانمائة).

(٣) تاريخ الطبري، ج٥، ص١٠٨.

(٤) هي: المهالك.

(٥) تاريخ الطبري، مجلّد٥، ص١١١.


وأسمعني كلامَ مَن على بابه؛ فمنهم مَن يقول: ما تنتظرون؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع. قال: فبينما نحن واقفون، إِذ مرَّ طلحة، فقال: أين ابن عديس؟ فقام إليه، فناجاه، ثُمَّ رجع ابن عديس، فقال لأصحابه: لا تتركوا أحداً يدخل على عثمان ولا يخرج مِن عنده، فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة، اللَّهم اكفني طلحة؛ فإِنّه حمل علي هؤلاء القوم وألَّبهم، وإِنّي لأرجو أن يكون منها (أي الخلافة) صفراً)(١) .

ويقول ابن قتيبة: (إنّ طلحة قال للمحاصِرين لعثمان: إِنّ عثمان لا يبالي ما حصرتموه وهو يدخل عليه الطعام والشراب، فامنعوه الماء أن يدخل عليه. ولمَّا أتى عليٌّ بالماء لعثمان، قال طلحة لعليّ: ما أَنت وهذا؟ وكان بينهما كلام شديد)(٢) .

ويروي ابن أبي الحديد: ( أنّ طلحة كان مقنَّعاً - يوم قتل عثمان - بثوب قد استتر به عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام. وأنّ الزبير قال - ساعتئذ - : اقتلوه، فقالوا له: إِن ابنك يحامي عنه بالباب، فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولو بدئ بابني...إلخ)(٣) .

وعلى الإِجمال (فإنّ مَن يتصفَّح أحوالهم، وما كان يبدو على ألسنتهم مِن الكلمات الشديدة المؤلمة في حقِّ عثمان، سواء في وجهه وفي غيبته، يحكم أنّ النفوس انطوت على مكروهه؛ حتّى كانوا يلقِّبونه: نعثلا)(٤) .

وبعد، فإِنّا نجتزئ بذكر هذه الكلمات بدون محاكمة وبغير تحليل؛ لأنّا لسنا الآن بصدد التخطئة لزيد أو التصويب لعمرو، وليس غرضنا من ذكرها التشهير بأحد أو إلقاء التبعة على آخر؛ وإِنّما غرضنا منه الاستدلال على أن

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير، مجلّد ٣، ص٦٧، وتاريخ الطبري، مجلّد ٥، ص١٢٢.

(٢) الإِمامة والسياسة، مجلّد ١، ص٣٥.

(٣) شرح النهج، مجلّد ٢، ص٤٠٤.

(٤) محاضرات الشيخ محمد الخضري المصري، ص٣٩١.


الذين حرَّضوا على قتل عثمان وخذلوه هم من الصحابة، وفي مقدِّمتهم السيِّدة عائشة(رض).

وأمَّا الذين باشروا قتله، فهم المصريُّون الذين (رجعوا من البويب وبيدهم الصحيفة التي أخذوها من غلام عثمان، وفيها حثٌّ على حبسهم وجلدهم وحلق رؤوسهم ولحاهم وصلب بعضهم، وقيل: أنّ الذي أُخذت منه الصحيفة، هو أبو الأعور السلمي. ولمَّا وصلوا المدينة اجتمعوا حول الدار، واجتمع معهم حكيم ابن جبلة في ركب من البصرة، والأشتر النخعي في أهل الكوفة، واعتزل الأشتر عنهم، فاعتزل حكيم بن جبلة. وكان ابن عديس المصري وأصحابه هم الذين يحصرون عثمان، فأقاموا على حصاره تسعة وأربعين يوماً حتَّى قُتل. وكان عدد المصريّين ألفاً على ما قيل، وكان رئيسهم ابن حرب الغافقي العكي، وهو الذي تولَّى القتل وباشره مع سودان بن حمران وكنانة بن بشر التجيبي من المصريّين. وقيل: أن الخليفة قضى بضربة التجيبي؛ لقول الوليد بن عقبة بن أبي معيط في رثاء عثمان مِن جملة أبيات:

ألا إنّ خير الناس بعد ثلاثة

قتيل التجيبيّ الذي جاء من مصر

وقول الفضل بن عبّاس في جوابه:

فلو رأت الأنصار ظلم ابن أمِّكم

بزعمكم كانوا له حاضري النصر

كفى ذاك عيباً أَن يشيروا بقتله

وأن يسلموه للأحابيش من مصر(١)

وقول الفضل هذا يدلُّ على رضا الأنصار بالقتل، وهم من الصحابة يومئذٍ، لا من الخوارج. وعلى كلٍّ... فالذي يهمُّنا أن نعرف كيف كانت؛

٥ - بيعة عليٍّ، ومَن بايعه وأيَّده؟ هل هم الصحابة، أم الخوارج؟

عرفت أنّ المحرِّضين على عثمان، هم من الصحابة بنصِّ التاريخ،

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير، مجلّد ٣، ص٦، و٦٥، و٦٩، و٧٥، وتاريخ ابن جرير الطبري، مجلّد ٥، ص ١٢٢؛ ( بتلخيص وتصرُّف).


وأنَّ الذين باشروا قتله، هم من هل مصر، وهؤلاء أجمع ليسوا بخوارج باتفاق المسلمين.

أمَّا الدافع (للرحّالة) على قوله: (وكان الخوارج هم الذين حرَّضوا على قتل عثمان وأيَّدوا عليَّاً )، فذلك ممَّا لم يعرفه أنا وأنت أيضاً؛ إٍذ يحتمل أن يكون الحطّ مباشرة من خلافة عليّ، أو تقليداً لمـَن قال قبله من المصريين (والخوارج وإن تجاهروا بمبدئهم السياسي، قد اشتركوا في تدبير هذه الجريمة، أو - على الأقل - حرَّضوا على ارتكابها، ثُمَّ كانوا بعد ذلك عوناً لعليٍّ في تولّي الخلافة )(١) .

ويحتمل أن يكون الدافع استعظامه أمر التحريض، وعدم قبوله بأيّ مبرِّر لتحريض أولئك الصحابة على خليفة المسلمين، ثُمَّ إِلحاحهم على عليٍّ بقبول البيعة بعد قتل الخليفة، يتقدَّمهم طلحة والزبير. وهذا الدافع - إِن صحَّ - لا يُلام عليه؛ لأنّه كعاطفة نفسيّة تثور في كلِّ مسلم اطَّلع على تلك الحادثة التاريخية الأليمة. وإِنما يلام على جعل جميع المحرِّضين خوارج، وفيهم طلحة والزبير حواري الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وشريكتهما أم المؤمنين، وكذلك على جعل جميع الذين أيَّدوا عليَّاً وبايعوه خوارج، وفيهم (سيِّدا شباب أهل الجنَّة)، و(حبر الأمّة)، و(عمّار الطيِّب المطيَّب)، و(ذو الشهادتين)، وغيرهم من الأصحاب. على أنّ عليَّاً(ع) لم يقبل - يومئذٍ - مِن أحدٍ تأييداً؛ أليس هو القائل لمـَّا أُرغم على البيعة (دعوني والتمسوا غيري) ؟ أليس هو الذي أرسل الماء إلى عثمان يوم شُدَّد عليه الحصار وعارضه طلحة بكلام شديد؟ وأرسل ولديه الحسنين ومولاه قنبراً للدفاع عن عثمان (حتّى جُرح الحسن في سبيل عثمان ونصبغ بالدم، وشُجَّ رأس قنبر في هذا السبيل )(٢) أَليس هو الذي بذل

____________________

(١) تاريخ الجمعيات السرية، ص١٥.

(٢) العقد الفريد، مجلَّد ٣، ص٨١، وتاريخ أبي الفداء، مجلَّد ١، ص١٧٠.


جهده في إِصلاح ذات البين حتّى أخذ عهداً من عثمان للمتألِّبين عليه، فرجعوا إِلى بلاهم معتقدين في أنّ مطاليبهم ستُنْجَز؛ ومن جملتها إِبعاد مروان عن عثمان، ولكن مروان - لمـَّا عزَّ عليه التخلِّي عن الإِمرة - راح يعمل لردِّ قريبه عثمان عن رأيه وعهده(١) ، فتمَّ له ذلك، ثُمَّ زوَّر كتاباً على قريبه، وضع فيه ما يقتصُّ به مِن أولئك الذين طلبوا إِبعاده عنه، ولكن التزوير قد ظهر، وقبض المصريُّون على حامل الكتاب المزوَّر، وما لبثوا حتَّى عادوا إِلى المدينة وحاصروا الخليفة وقتلوه.

(فاجتمع (وقتئذٍ) طلحة والزبير والمهاجرون والأنصار، وأتوا عليَّاً يبايعونه، فأبى ذلك(٢) ، وقال:((أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً، ومن اخترتم رضيته)) ، فألحُّوا عليه، وقالوا: لا نعلم أحقَّ منك، ولا نختار غيرك، حتى غلبوه في ذلك، فخرج إلى المسجد وبايعوه، وأوَّل من بايع طلحة والزبير)(٣) .

هذا نصُّ ابن خلدون؛ وهو أقوى دليل على أنّ الذين أيَّدوا عليَّاً وبايعوه، هم الصحابة وغيرهم من المهاجرين والأنصار، لا الخوارج الذين لم يكن لهم

____________________

(١) يقول الطبري (تاريخ الطبري، مجلَّد ٥ ، ص١١٢): (كان مروان بن الحكم يدخل على عثمان، فلم يزل يفتله في الذروة والغارب، حتّى فتله عن رأيه وأزاله عمّا كان يريد).

(٢) وقال (عليه السلام): ((دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبِلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت له العقول، وإنَّ الآفاق قد أغامت، والمحجَّة قد تنكَّرت، واعلموا إن أجبتكم، ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغي إلى قول القائل وعتب العاتب)) .

قال المرحوم الشيخ محمد عبده: (المحجَّة؛ الطريق المستقيم. تنكَّرت؛ أي تغيَّرت علائمها، فصارت مجهولة؛ وذلك أنّ أهل الأطماع، كانت قد تنبَّهت في كثير من الناس على عهد عثمان؛ بما نالوا من تفضيلهم بالعطاء، فلا يسهل عليهم فيما بعد أن يكونوا في مساواة مع غيرهم، فلو تناولهم عدل الإمام، افلتوا منه وطلبوا طائش الفتنة؛ طمعاً في نيل رغباتهم. وأولئك هم أغلب الرؤساء في القوم، فإِن أقرَّهم الإِمام على ما كانوا عليه من الامتياز في العطاء، فقد أتى ظلماً وخالف شرعاً، فأين المحجَّة للوصول إلى الحقِّ على أمْنٍ من الفتن؟ وقد كان بعد بيعته ما تفرَّس به قبلها)، انظر: نهج البلاغة، مجلَّد١، ص١٩٠، بشرح الشيخ المذكور.

(٣) تاريخ ابن خلدون، مجلّد ٢، ص١٥٠.


اسم في ذلك الوقت، حتّى إن رؤساءهم كانوا يومئذٍ من أطراف الناس؛ لا شخصية لهم ولا عشيرة كبيرة يستعينون بها على قتل خليفة وتنصيب خليفة بغير رضا المهاجرين والأنصار؛ أهل الحلِّ والعقد والطَّول والحول.

نعم، (بايع المهاجرون والأنصار عليَّاً (عليه السلام) في مسجد المدينة وبايعه الناس، إلاَّ نفراً يسيراً كان جلُّهم من ولاة عثمان على الأمصار)(١) .

وكان أوَّل مَن بايعه - كما قال ابن خلدون - طلحة والزبير، وهما اللَّذان أشارا على الناس ببيعته ورضيا به أوَّلاً. يخبرنا ابن قتيبة (أنّ الزبير قام بعد قتل عثمان، وقال: أيُّها الناس، إِنَّ الله قد رضي لكم بالشورى، وقد تشاورنا فرضينا عليَّاً، فبايعوه. وأمَّا قتل عثمان، فإِنَّا نقول فيه أمره إِلى الله، وقد أحدث أحداثاً، والله وليُّه. فقام الناس، فأتوا عليَّاً في داره، وقالوا: مد يدك نبايعك، أنت أحقُّ بها)(٢) .

ويؤيِّده ابن عبد ربِّه الأندلسي بما رواه عن حصين، عن الأحنف بن قيس، (قال: قدمنا المدينة نريد الحج، فانطلقت فأتيت طلحة والزبير، فقلت لهما: إنّي لا أرى هذا إِلاّ مقتولاً، فمَن تأمراني به، كما ترضيانه لي؟ قالا: نأمرك بعليِّ بن أبي طالب، قلت: أمراني به وترضيانه لي؟ قالا: نعم، قال: ثُمَّ انطلقت حتّى أتيت مكّة، فبينما نحن فيها، إِذ أتانا قتل عثمان، فانطلقت إِلى عائشة في مكَّة، فقلت: مَن تأمريني أن أبايع؟ قالت: علي بن أبي طالب، قلت: أتأمريني به وترضينه لي؟ قالت: نعم، فمررت على عليٍّ بالمدينة، فبايعته، ثُمَّ رجعت إِلى البصرة، فما راعنا إِلاّ قدوم عائشة وطلحة والزبير قد نزلوا جناب الخريبة)(٣) .

هذه بعض نصوص التاريخ الصحيح، نقدِّمه كدليل فاضح لتلك الأقوال الملفَّقة والشبه المصطَنعة، حول مقتل عثمان وبيعة عليّ. ولولا تلك الأقوال

____________________

(١) تاريخ ابن جرير الطبري، مجلّد٥، ص١٥٢.

(٢) الإِمامة والسياسة، مجلّد١، ص٤١.

(٣) العقد الفريد، مجلّد٣، ص٩٨.


والشُّبه، بل لولا وجود مَن يعتمد عليها، ويوقع على نغمها البغيض في عصرنا هذا، لَمَا تعرَّضنا لبحث الخلافة وسقنا تلك الشواهد التاريخية التي لا تخلو من كلمات جارحة.

وليست التبعة في ذلك علينا، وإنَّما هي على مَن اضطرنا إلى الاستشهاد بتلك الكلمات على إِيضاح أخطائه. هكذا شأننا في كلِّ الشواهد الماضية والآتية التي اضطرنا إليها الموضوع، أو الاستشهاد فحسب. وهل بوسع أحد ممَّن اضطر إلى التاريخ إِلاّ أن يرويه بألفاظه، مهما حوته من قساوة المعنى، ومع ذلك، فقد ابتعدنا - قدر المستطاع - عن كثير من الكلمات الخشنة.

وبعد، فلننتقل بك إلى:

٦ - دراسة ثابت المصري التاريخية:

لعلَّك تجد فيها لذَّة جديدة غير تلك اللَّذَّة الأولى، ولعلّ (على ما أذكر) للترجِّي؛ والترجِّي هو كالتمنِّي، لا يُدرك كلُّه، فلذلك لا أضمن لك اللَّذَّة الجديدة في قول الرحَّالة: (بايع الناس الحسن بن عليّ، وكان معاوية قد بويع في الشام، فزحف لقتال الحسن، وتأهَّب الحسن للقتال في العراق، لكن ثار عليه جنوده، فهادن معاوية وتنازل له عن الخلافة وفرَّ وقُتل(؟)، ثُمَّ بايع الجميع معاوية إِلاّ الخوارج والشيعة، وقد اجتمعوا حول الحسين بن عليّ في مكّة، فقتله جنود معاوية(؟) في كربلاء؛ هو وأفراد أسرته وأتباعه جميعاً، إِلاّ ابن واحد للحسين، قد أمكنه الهرب)(١) .

روى ثابت هذه الحوادث التاريخية بإِيجاز، وأظهرها بصور الحقائق الراهنة، وحكم فيها بفرار الحسن بن علي وقتله، وبفرار ابنٍ واحد للحسين من جنود معاوية بكربلاء، ومشى كالظافر الفاتح، ولكنَّه أبقانا نتساءل: إِلى أيِّ جهة كان فرار الحسن؟ وفي أيِّ مكان قُتل؟

____________________

(١) انظر: جولة في ربوع الشرق الأدنى، ص١٤٩.


ومَن قتله؟ وفي أيِّ سنة كان قتله؟ ومَن هو الذي أمكنه الهرب من أبناء الحسين (عليه السلام)؟ وهذا ما دعانا للإِفاضة قليلاً في الجواب عن هذه الأسئلة (بالإذن) مِن الرحَّالة! مجملين مقتل عليّ وشبليه (عليهم السلام) وبيان مَن قتلهم؟ وفي أيِّ مكان قتلوا؟ وفي أيِّ سنة؟ مبتدئين في؛

٧ - مقتل علي ومدفنه وإثبات محله:

ولد أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (ع) في البيت الحرام (١٣/ رجب/ سنة٣٠ مِن عام الفيل)، وتُوفِّي شهيداً في الكوفة (ليلة٢١/ شهر رمضان/ سنة ٤٠هـ)؛ ضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي(١) غيلة بالسيف في مسجد الكوفة العظيم، وهو يصلِّي صلاة الصبح

لليلة ١٩ من شهر الصيام. وحمل نعشه الشريف ليلاً؛ حمله بنوه وخلَّص أصحابه إلى الغري، ودفنوه هناك، حيث مقامه الآن في مدينة النجف الأشرف، وعليه قبَّة كبيرة عالية مغطَّاة بالذهب الوهَّاج من الخارج، وفي داخلها نقوش بديعة وآثار ثمينة لا يسع المقام إيفاء وصفها.

وقد كثُرت الأقاويل والتخرُّصات حول المكان الذي دفن فيه (عليه السلام)

____________________

(١) ورد في ذمِّ ابن ملجم من الأحاديث الشيء الكثير؛ وإليك ما جاء في العقد الفريد(ج٣، ص١٢٣): ((قال النبيُّ)(ص) لعلي بن أبي طالب: ألاَ أخبرك بأشدِّ الناس عذاباً يوم القيامة؟ قال: اخبرني يا رسول الله، قال: إِنّ أشدَّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود، وخاضب لحيتك مِن دم رأسك)) ، وفي تهذيب الكامل للمبرَّد (ج١، ص٨٨): ((إنَّه قال (ص) لعليِّ: أشقى الناس اثنان: أحمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يخضِّب هذه؛ ووضع يده على لحية عليّ )) ، وفي تاريخ الخطيب البغدادي(ج١، ص١٣٥) عن جابر بن سمرة، ((أنّه(ص) قال لعلي: مَن أشقى الأوَّلين؟ قال: عاقر الناقة، قال: فمَن أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: هو قاتلك)) ،وروى ابن حجر (الصواعق، ص٧٦) ما تقدَّم، وروي عن عائشة(رض) أنّها قالت: رأيت النبيَّ (ص) التزم عليَّاً وقبَّله، وهو يقول: ((بأبي الوحيد الشهيد)) .


كما كثرت حول حمل النعش الشريف(١) .

وإِنَّا لنستغني عن الإِطالة بذكر تلك الأقوال وتفنيدها، بذكر هذه الكلمة المنصفة لابن أبي الحديد المعتزلي الذي أصاب بها سدرة الصواب؛ حيث يقول: (وما يدَّعيه أصحاب الحديث من الاختلاف في قبره (أي قبر عليّ) وأنَّه حمل إِلى المدينة، أو أنَّه دفن في رحبة الجامع، أو عند قصر الإِمارة، أو ندَّ البعير الذي حمل عليه، فأخذته الأعراب، باطل كلُّه؛ لا حقيقة له، وأولاده أعرف بقبره، وأولاد كلِّ الناس أعرف بقبور آبائهم من الأجانب. وهذا القبر هو الذي زاره بنوه لمـَّا قدموا العراق؛ منهم جعفر بن محمد الصادق(ع) وغيره من أكابرهم وأعيانهم )(٢) .

وقال في مكان آخر: (إِنَّ عليَّاً (عليه السلام) لمـَّا قُتل، قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفاً من بني أميَّة أن يحدثوا في قبره حدثاً، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة - وهي ليلة دفنه - إبهامات كثيرة). ثُمَّ قال: (ولم يعلم دفنه في الحقيقة إِلاَّ بنوه والخواصُّ المخلصون من أصحابه، فإِنَّهم خرجوا به (عليه السلام) وقت السحر في الليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان، فدفنوه على النجف في الموضع المعروف بالغري بوصاة منه (عليه السلام) وعهدٍ كان عُهِد به إِليه، وعُمى موضع قبره على الناس. واختلفت الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافاً شديداً، وافترقت في موضع قبره الشريف وتشعَّبت(٣) .

____________________

(١) من تلك الأقاويل الملفَّقة التي لا يَعتمد عليها الشيعة ولا يرويها أحد منهم، قول الرحَّالة المصري: (وللقوم قصَّة يروونها عن نشأة النجف؛ هي أنَّه لمـَّا قُتل عليٌّ في الكوفة، حملت جثته على جمل أطاق في الصحراء، فأخذ يسير على غير هدى حتَّى وصل ربوة تطلُّ على بحر النجف، فبرك الجمل، وهنا دفن القوم الجثة الطاهرة وأخفوها خشية أن يعلمها أعداؤهم).

(٢) شرح النهج، ج١، ص٥.

(٣) شرح النهج، ج١، ص٣٦٤.


٨ - بيعة الحسن، ومقتله، ومَن قتله:

وكان عليّ (ع) قد (أوصى إِلى ولده الحسن، فبايعت الشيعة كلَّها، وتوقَّف أناس ممَّن كان يرى رأي العثمانية)(١) . وكانت خلافته العامَّة ستة أشهر وأيَّاماً، وخلافته الخاصَّة بالشيعة تسع سنين وأشهرا. وقد تجرَّع مرارة الصبر على أعمال جنده المضطرِب المقسَّم، المشتمل على كثير من أعداء أبيه، وتحمَّل قوارص العتاب من خلَّص الأصحاب بعد الموادعة حتى قال بعضهم: (السلام عليك يا مُذِلَّ المؤمنين).

ولقد صبر (عليه السلام) على أشدِّ من ذلك كلِّه يوم خطب معاوية، وقال: (كلُّ شيء أعطيته الحسن بن عليِّ تحت قدميَّ هاتين لا أفي به)(٢) . وممَّا أعطاه من الشروط: (أن لا يشتم عليَّاً (عليه السلام)، فلم يجبه معاوية إِلى الكفِّ عن شتم عليّ، فطلب منه أن لا يشتم عليَّاً وهو يسمعه، فأجابه إِلى ذلك، ثُمَّ لم يف له به أيضاً)(٣) ، فالتجأ إِلى أن (توجَّه مِن الكوفة في عياله وحشمه إِلى المدينة المنورة. وخرج أهل الكوفة لوداعه باكين لفراقه (؟). ولم يزل مقيماً بالمدينة إلى أن توفّي فيها)(٤) .

وكان يأخذ - وهو في المدينة - الأموال الطائلة من معاوية ويفرِّقها على المعوزين (ولقد أعطاه معاوية مرَّة ثلاثمائة ألف. فاستعظم ذلك يزيد بن معاوية واستكثره، فقال له معاوية: يا بني، إنَّ الحقَّ حقُّهم، فمَن أتاك منهم، فاحث له)(٥)

وبقي في المدينة إِلى أن (توفَّي سنة ٤٩ هـ من سمٍّ سقته إِيَّاه زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، قيل: فعلت ذلك بأمر معاوية، وقيل: بأمر يزيد بن معاوية؛ وعدها أن يتزوَّج بها إِنْ فعلت ذلك، فسقته السمَّ وطالبت يزيد أن يتزوَّجها، فأبى. وكان الحسن قد أوصى أن يُدفن عند جدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمَّا توفّي،

____________________

(١) الأغاني، ج١١، ص١١٦.

(٢) مقاتل الطالبيّين، ص٤٨.

(٣) تاريخ ابن الأثير، ج٣، ص١٦٢.

(٤) تحفة الأنام، الشيخ عبد الباسط الفاخوري، ص٦٧.

(٥) شرح النهج ، ج٤، ص٥.


أرادوا دفنه هناك، فمنع مروان بن الحكم. وكاد أن يقع بين بني أميَّة وبين بني هاشم فتنة، فقالت عائشة (رض): البيت بيتي، ولا آذن أن يدفن فيه، فدفن بالبقيع. ولمَّا بلغ معاوية موت الحسن، خرَّ ساجدا، فقال بعض الشعراء:

أصبح اليوم ابن هند شامتاً

ظاهر النخوة إِذ مات الحسن

ولمـَّا منع مروان من دفنه، قال له أبو هريرة: أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول:((الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنة)) ، فقال له مروان: دعنا منك، لقد ضاع حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِذ كان لا يعرفه غيرك)(١) .

وقضية السمِّ لا خلاف فيها، كما لا خلاف في أنّ جعدة بنت الأشعث هي المباشرة له، ولكن الخلاف قد وقع في الآمر بالسمِّ؛ فردَّده أبو الفداء بين معاوية وبين ابنه يزيد، ولكن المسعودي يرجِّح: (أنَّ الذي حمل جعدة بنت الأشعث على سمِّ الحسن هو معاوية. دسَّ إليها أنَّكِ إِن احتلت في قتل الحسن، وجَّهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك يزيد، فكان ذلك الذي بعثها على سمِّه. فلمَّا مات، وفي لها بالمال، وأرسل أليها: إنَّا نحبُّ حياة يزيد، ولولا ذلك، لوفينا لك بتزويجه)(٢) .

وقد أيَّده أبو الفرج الأصبهاني بقوله: (ودسَّ معاوية إليه وإلى سعد بن أبي وقَّاص - حين أراد أن يعهد إلى يزيد بعده - سمَّاً، فماتا منه في أيّام متقاربة. وكان الذي تولَّى ذلك من الحسن (ع) زوجته بنت الأشعث)(٣) .

ومن الجائز أن يكون كلٌّ منهما قد أمرها بسمِّه ووعدها بالجائزة؛ لانَّ الغاية مشتركة بينهما والنفع عائد إِليهما، ويكون أمر الثاني لها كتأكيد لأمر الأول.

وأنت إِذا علمت - ممَّا تقدَّم - أنَّ الحسن (ع) لم يكن (فرَّ يوم

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء، ج١، ص١٨٣، والعقد الفريد، ج٣، ص٦٦، و١٢٤.

(٢) مروج الذهب، ج٢، ص٥٠.

(٣) مقاتل الطالبيّين، ص٣٣.


هادن معاوية، ولا قُتل) يومئذٍ؛ وإِنَّما قُتل في مدينة جدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أَن أَقام فيها ما ينوف عن تسع سنين، تحكم معنا - بلا شك - أنَّ قول الرحَّالة (فرَّ وقُتل) من قبيل قول بعضهم: (إنّ عليّاً قُتل في غزاة حنين)(١) .

وهكذا قوله: (ثُمَّ بايع الجميع، إِلا الشيعة. وقد اجتمعوا حول الحسين، فقتله جنود معاوية في كربلاء). فكأنّه تخيَّل أنَّ نهضة الحسين كانت في أيَّام معاوية حتّى قال: (فقتله جنود معاوية)، مع أنَّ النهضة الحسينية كانت بعد موت معاوية، ومع أنَّ الشيعة بايعوا - على مضض - معاوية، ولم يتخلَّف يومئذٍ سوى قيس بن سعد بن عبادة(٢) ، ولكنَّه بايع أخيراً بأمر سيِّده الحسن بن عليّ (عليهما السلام). (وكانت بيعة قيس لمعاوية والسيف، أو الرمح، بينهما؛ لانَّ قيساً كان حلف أن لا يلقي معاوية إِلاَّ والسيف أو الرمح بينهما. فجثا معاوية على سريره وأكبَّ على قيس حتى مسح يده على يده، فما رفع قيس إِليه يده)(٣) .

____________________

(١) هذه العبارة من قصَّة ذكرها المسعودي ( مروج الذهب، ج٢، ص٧٣)؛ إِليك إِجمالها: (قال: قال لي رجل من أهل العلم: سألني ذات يوم بعض العامة: كم تطنبون في فلان وفلان؟ فقلت له: ما تقول أنت؟ قال: مَن تريد؟ قلت: عليَّاً ما تقول فيه؟ قال: أليس هو أبو فاطمة امرأة النبي(ع) بنت عائشة أخت معاوية؟ قلت: فما كانت قصّة عليّ؟ قال: قتل في غزاة* حنين مع النبي).

*[كذا في المصدر، ولعلَّ الأصح:غزوة]

(٢) كان قيس شجاعاً بطلاً كريماً سخيَّاً. وحمل لواء رسول الله (ص) في بعض غزواته، و ولاَّه عليُّ بن أبي طالب إِمارة مصر، وحضر معه حرب الخوارج بالنهروان ووقعة صِفِّين، وكان مع الحسن بن عليِّ على مقدَّمته بالمدائن. باع قيس مالاً من معاوية بتسعين ألفاً، فأمر منادياً، فنادى في المدينة: مَن أراد القرض، فليأت منزل سعد. فأقرض أربعين، وأجاز بالباقي وكتب على مَن أقرضه صكَّاً. فلمَّا مرض، قل عوَّاده ، فقال لزوجته قريبة بنت أبي قحافة أخت أبي بكر: لِمَ قلَّ عوَّادي؟ قالت: للذي لك عليهم من الدين. فأرسل إِلى كلِّ رجل بصكِّه. ثُمَّ توفّي بالمدينة آخر خلافة معاوية. انظر: تاريخ بغداد، ج١، ص١٧٨. وينصُّ في منهج المقال (ص٣٦٧): على أنّ وفاة قيس كانت سنة ٦٠هـ.

(٣) مقاتل الطالبيّين، ص٥٠.


٩ - مقتل الحسين وأصحابه:

وبعد عشرين سنة مضت على بيعة الشيعة لمعاوية، وبعد موت معاوية وتولّي ابنه يزيد وإِرساله إلى عامله بالمدينة أن يضايق الحسين ويجبره على البيعة والطاعة لمثل

يزيد - المعلوم الحال.. عند الحسين (ع) وعند غيره أيضاً - بعد ذلك كلِّه، نهض الحسين؛

وأبى أن يعيش إِلاَّ عزيزاً

أو تجلَّى الكفاح وهو صريع

أبى أن يبايع يزيد وامتنع أشدَّ الامتناع؛ لِمَا كان يعلمه من أنّ إِمرة يزيد كانت بغير رضى الأمَّة، وأنّ أباه مهَّدها له بالمال والخداع والقوَّة والقهر، من غير ما مشورة ولا اختيار، فضلاً عمَّا كان يعتقده الحسين من عدم أهليّة يزيد لهذا المنصب الديني الخطير، وأنَّه لو تولاَّه أمثال يزيد، لَمَا بقي لشريعة جدِّه محمد (ص) من هيبة ولا أثر في النفوس، ولانمحت قوانينها العادلة من صحيفة الشرائع الإِلهيّة تدريجاً، ولانغرس في نفوس العامَّة معنى قول يزيد:

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

لذلك كلِّه امتنع الحسين (عليه السلام) عن البيعة، وبذل نفسه الزكيّة ليحيا الدين الحنيف ويستقيم، ويموت الظلم والاستبداد.

إنْ كان دين محمّد لم يستقم

إِلاَّ بقتلي، يا سيوف خذيني

وفضَّل بعد ذلك الخروج من المدينة لأمور يطول شرحها، فخرج منها إِلى مكَّة المكرَّمة خائفاً:

خرج الحسين من المدينة خائفاً

كخروج موسى خائفاً يترقَّب

وأقام في مكّة عدّة شهور يتدبَّر الأمور. وفيها (تتابعت عليه - في أيّام - رُسل أهل الكوفة ومعهم مِن الكتب ما ملأ منه خرجين)(١) ، يدعونه (أن أقدم لعلَّ الله يجمعنا بك على الهدى)، فأرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل(رض) يستطلع خبرهم ويختبر نيَّاتهم. ولمَّا وصل مسلم إِلى الكوفة (بايعه مِن

____________________

(١) الأخبار الطوال، ص٢٣١.


أهلها للحسين ثمانية عشر ألفاً، وقيل: ثمانية وعشرون ألفاً(١) . فكتب رجل إِلى يزيد بذلك، فغضب واستشار سرجون مولى أبيه معاوية، فأشار عليه بعزل النعمان بن بشير وتولية عبيد الله بن زياد على الكوفة. وكان يزيد ساخطاً عليه، يريد عزله عن البصرة، ولكنَّه... رضي عليه، وكتب إليه بولاية البصرة والكوفة وقتْل مسلم بن عقيل، فعمل ابن زياد بأمر يزيد، وقتل مسلماً وهاني بن عروة؛ لأنّه أوى مسلماً في داره، ودافع مسلم عن نفسه دفاع الأبطال المستميتين حتى غدروه بالأمان. وقد أمر بهما أن يُجرا - بعد القتل - بأَرجلهما في الأَسواق. وفي ذلك يقول الشاعر:

فإِن كنت لا تدرين مالموت فانظري

إِلى هانئ في السوق وابن عقيل

إلى بطل قد هشَّم السيف وجهه

وآخر يهوي من طمار قتيل(٢)

فعل ذلك ذلك ابن زياد بعد أن أعطى مسلماً عهد الأمان، وبعد أن علم إِباء مسلم عن الفتك به وقتله غيلة؛ يوم احتال أحد الشيعة على ابن زياد وأحضره إلى داره أعزل، ومكنَّ مسلماً من قتله، فأبى مسلم وأعتذر بقوله: (إِنَّا أهل بيت نكره الغدر).

نعم، كان كُرْه الغدر وما ينافي الأريحيّة والشرف من سجاياهم وشيمهم (عليهم السلام). ملك أهل الشام الماء في صِفِّين ومنعوا عليَّاً وجنده من الماء وأرادوا قتلهم عطشاً، فلمَّا غلب جند عليٍّ(ع) وملكوا الشريعة، استأذنوه في منع أهل الشام الماء، فقال:((إِنَّ في حدِّ السيف لغنى عن ذلك، وإِنّي لا أستحل منعهم الماء)) ، ثُمَّ قاسمهم الشريعة بينه وبينهم شطرين. وكان الأشتر يستأذنه أن يبيت معاوية، فيقول: ((إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نهى أن يبيت المشركون)) (٣) .

____________________

(١) ويقول صاحب العقد الفريد (ج٣، ص١٣٤): بايع مسلم بن عقيل أكثر من ثلاثين ألفاً من أهل الكوفة.

(٢) تاريخ ابن الأثير، ج٤، ص١٥، و١٨، و تاريخ الطبري، ج٦ ص١٩٤؛ (بتلخيص وتصرف).

(٣) شرح النهج، ج١، ص٣١٧.


ولمَّا عدل الخوارج في صِفِّين عن قبول التحكيم، وطلبوا الكرَّة فوراً على معاوية قبل انعقاد مجلس التحكيم واقتراب وقته، أبى (عليه السلام) موافقتهم والتزم بالعهد حتى قاسى في سبيله ما قاسى من الخوارج وغيرهم. ولو أنَّه وافقهم ساعتئذٍ وكرّ بهم وبأهله وشيعته على أهل الشام لتمَّ له النصر المبين، ولكن حاشا عُلاه ودينه من أن ينتهز هذه الفرص التي منعها الدين، وهو القائل:((قد يرى الحُوَّل القُلَّبُ وجهً لحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه، فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها، وينتهز فرصتها مَن لا حريجة له في الدين)) (١) .

وخليق بمسلم أن يقتدي بعمّه وأستاذه عليَّ بن أبي طالب؛ ويُؤثر الدين على الهوى، والآخرة على الدنيا، ويُفضِّل الموت على الانتصار بالغدر. وعلى هذه السجية كان سيّده الحسين بن عليّ (عليهم السلام)؛ كان باستطاعته - لولا الدين - أن يبايع يزيد(٢) ويكون أقرب الناس عنده، وعلى الأقل كان بوسعه أن يجنِّد أَهل مكَّة بشتَّى الوسائل، ويتحصَّن بحرم جدِّه (ص) مهما ترتَّب على ذلك مِن هتك الحرم المقدَّس وغيره، ولكن الوازع الديني المكين؛ ذلك الوازع الذي ورثه عن أبيه وجدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والإِباء الهاشمي العظيم، والاحتفاظ بحرمة الحرم، هي التي بعثته على الخروج من مكّة إِلى الكوفة؛ لإِلقاء الحجَّة على أهلها الذين (بلغت كتبهم إليه في أيَّام قلائل اثنتي عشر ألفاً).

____________________

(١) نهج البلاغة، [خطبة:٤١].

(٢) وما يقال من أنَّه طلب في كربلاء أن يسيِّروه إلى الشام؛ ليبايع يزيد، أو يسيِّروه إِلى أحد الثغور، فذلك بعيد جدَّاً، بل غير صحيح بشهادة مولاه عبد الله بن سمعان، قال: صحبت حسيناً، فخرجت معه من المدينة إِلى مكّة، ومن مكّة إلى العراق، ولم أفارقه حتّى قُتل. وليس كلمة من مخاطبته الناس بالمدينة، وبمكّة، وفي الطريق، وفي العراق، وفي العسكر إِلى يوم مقتله، إِلاّ وقد سمعتها. ألا والله، ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية، ولا أن يسيِّروه إلى ثغر من ثغور المسلمين، ولكنَّه قال: ((دعوني لأذهب في هذه الأرض العريضة حتّى ننظر ما يصير إليه أمر الناس)) . انظر: تاريخ الطبري، ج٦، ص٢٣٥.


أضف إلى ذلك ما يترتَّب على خروجه واستشهاده غريباً عطشاناً مع أهله وصحبه، ثُمَّ على سبي نسائه وأطفاله، وسوقهنَّ من بلد إِلى بلد، وقيامهنَّ في مناسبات كثيرة يخطبن في الجموع التي تتجمَّع للتفرّج عليهنَّ، ويظهرن مظلوميَّة سيِّدهنَّ - بل سيِّد المسلمين - ويُنددن بفظائع الحكم الأموي المستبد، ويغرسن في النفوس غرس الإِباء الحسيني ومفاداته في سبيل الدين والأخلاق العربية الفاضلة. نعم، أضف إليه ما يترتَّب على هذه الأمور من انتشار الدعوة الحسينية، وبُعد صيتها في الآفات، ومن تأثيرها الأثر المطلوب في الحجاز وغيره، ولو بعد حين.

ولذلك نرى في التاريخ تتابع الثورات على الأمويّين، وشعار أكثرها الأخذ بثأر الحسين بن علي (عليهما السلام) إِلى أن انقرضت دولتهم في الشام على يد عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبَّاس الذي كان يترنم بقوله:

حسبت أميّة أنْ سترضى هاشم

عنها ويذهب زيدها وحسينها

وبينما يتأهّب الحسين لأداء فرض الحجِّ، إِذا به يفاجأ بأن يزيد بن معاوية قد بعث ثلاثين رجلاً لاغتياله ولو في الكعبة الشريفة، فاضطر (عليه السلام) لسرعة الخروج من مكّة، فخرج يوم (التروية) في ٨ ذي الحجَّة/ سنة ٦٠ هـ، وفي ٩ منه؛ أي يوم عرفة، قُتل مسلم بن عقيل في الكوفة، فوصل خبر مقتله إِلى الحسين (ع) في (الثعلبية)، فترحَّم عليه،

وقال:(( لا خير في العيش بعده)) . ثُمَّ تابع السير (فلمَّا بلغ عمر بن سعيد أن حسيناً خرج من مكّة، قال: أطلبوه بين السماء والأرض، فعجب الناس من قوله، فطلبوه، فلم يدركوه(١) .

ولمَّا علم يزيد بخروج الحسين إلى العراق (كتب إِلى عبيد الله بن زياد: قد بلغني أن الحسين بن علي قد فصل من مكّة متوجِّها إِلى ما قبلك، فاذك العيون

____________________

(١) العقد الفريد، ج٣، ص١٣٤. وعمرو بن سعيد هذا هو الذي أومأ إلى قبر النبيِّ (ص) وقال - لمـّا بلغه قتل الحسين (ع) - : يا محمّد يوم بيوم بدر. انظر: شرح النهج، ج١، ص٣٦١.


عليه، وضع الأرصاد على الطُّرق. وقم بالأمر أفضل القيام. واكتب إِليّ بالخبر في كلِّ

يوم)(١) .

وفي كتاب آخر - سيأتي - قال له: (وإِلاّ تقتل أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد)، فامتثل ابن زياد أمر يزيد، وأرسل الحرَّ الرياحي على ألف فارس ليقطع طريق الحسين (ع) ويضيِّق عليه ويأتي به إليه. ولكنَّ قلب الحرِّ(٢) كان حسينيَّاً، وسيفه يزيديَّاً فحسب؛ ولذلك لمـَّا اجتمع بالحسين ائتم به، وقال له: يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اسلك من البرِّ سبيلاً وسطا، لا يؤدِّي إِلى الشام ولا إلى الكوفة؛ حتى يكون بذلك نجاة الطرفين. فاستحسنه الإِمام (ع)، فسار والحرُّ يسير خلفه حتّى وصل كربلاء يوم الخميس ٢ محرَّم/ سنة ٦١ هـ، فنزل بها ونزل معه نجوم الأرض من بني عبد المطلب، و أولئك الأصحاب الذين أعرضوا عن زهرة دنياهم وتجرَّدوا لنيل الكرامة بنصر نبيهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ذرِّيَّته.

وما بلغ ابن زياد خبر وصول الحسين إلى كربلاء حتّى (جهَّز إليه عشرين ألف

مقاتل)(الصواعق/ ص١٢٠). وطلب من عمر بن سعد بن أبي وقَّاص أن يكون

____________________

(١) الأخبار الطوال، ص٢٤٣.

(٢) ولم يزل هذا الحبُّ كامناً في قلب الحرِّ حتَّى علم من ابن سعد تصميمه على قتال الحسين (قتالا أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي)، فخرج الحرُّ وهو يرتعد، وأخذه مثل الأفكل، فقال له رجل: إِن أمرك لمريب، فو الله، لو سئلت من أشجع أهل العراق لمـَا عدوتك. فما تمالك الحرُّ إِلاَّ أن يظهر حبَّ الحسين(ع)، وأشار إِليه أنَّه طريق الجنَّة لو عمل به، فصارح الرجل بقوله: (ويحك إنّي أرى نفسي بين الجنّة والنار، ولا اختار على الجنّة شيئاً وإِنْ قُطِّعت وحرقت). ثُمَّ مال بجواده نحو الحسين (ع)، فلمَّا وصل قال: جعلت فداك يا ابن رسول الله (ص)، أنا صاحبك الذي جعجع بك في الطريق، وما ظننت أنّ القوم ينتهون بك إلى ما أرى، فهل ترى لي من توبة؟

-الحسين: (( نعم، يتوب الله عليك، فانزل)) .

- الحرُّ: أنا لك فارساً خير مني راجلاً، وآخر أمري النزول).

فنزل وسلَّم على الإِمام واستأذنه في الحرب، فأذن له، فركب وسار نحو العدو، فخطب وقال: (يا أهل الكوفة، لأمِّكم الهبل! دعوتم ابن بنت نبيكم لتنصروه حتى إذا جاءكم، اسلمتموه، ثُمَّ عدوتم عليه تقاتلونه...


أمير الجيش المجهَّز، (فتردَّد عمر، وردَّد قوله:

أأترك ملك الرَّيِّ والرَّيُّ منيتي

أم أرجع مذموماً بقتل حسين؟

وفي قتله النار التي ليس دونها

حجابٌ وملك الرَّيِّ قرة عيني

ولمـّا اختار ملك الريّ (معتقداً بالنار والعار أيضاً)، ذهب لقتال الحسين في كربلاء، وكان أوَّل عمل باشره فيها أن منع عن الحسين وأهله وأطفاله وأصحابه الماء. وفي اليوم العاشر من المحرَّم - وهو يوم الجمعة يومئذٍ - أحاط عمر بن سعد وجنده بخيم الحسين ورموها بالسهام والنبال، وكان أوَّلهم عمر بن سعد، ولمـّا رمى قال: اشهدوا لي أنّي أوَّل رامٍ. ولمَّا رأى الحسين تساقط السهام والنبال، نهض وخطب أصحابه وأمرهم بالجهاد، فقاموا يبارزون (جند يزيد من أهل الكوفة)، وكلَّما برز إليهم فارس، قتلوه، حتّى صاح عمرو ابن الحجاج بالجيش: ويلكم أتدرون مَن تقاتلون؟ هؤلاء فرسان المصر، احملوا عليهم من كلِّ جانب. ولكن أصحاب الحسين أخذوا يغوصون في أوساطهم ويقاتلونهم أشدَّ قتال خلقه الله)(١) .

وتسابق الهاشميّون بعدئذ إلى افتداء سيّدهم بأرواحهم واحداً بعد واحد حتّى قُتلوا، وما قتلوا حتى؛

تكسرَّت الأسياف في روؤس العدى

وأمسى أديم الأرض من دمهم دما

(ولمـّا قُتل أصحاب الحسين وأهل بيته، حمل الناس عليه من كلِّ جانب وأحاطوا به، فحمل عليهم، وكلَّما حمل على جانب تفرَّق أمامه حتّى أدهش القوم بشجاعته. وقال بعضهم يومئذ: ما رؤي مكثور قط، قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه، أربط جأشاً منه، ولا أمضى جناناً، ولا أجرأ مقدما. لقد كانت

____________________

]

فلم يجبه أحد إِلاّ برمي النبال، فحمل عليهم وقاتلهم أشدَّ قتال حتى أُثخن بالجراح، فصاح مودعاً: (السلام عليك يا أبا عبد الله)، فجاءه الحسين (ع)، وأبَّنه بقوله: ((أنت حرٌّ كما سمَّتك أمّك؛ حرٌّ في الدنيا وسعيد في الآخرة)) .

(١) تاريخ الطبري، ج٦، ص٢٣٢، و٢٥٩، وتاريخ ابن الأثير، ج٤، ص٢٠، و ٣٠؛ (بتلخيص).


الرجال تنكشف عن يمينه وشماله انكشاف المعزى إِذا شدَّ بها الذئب)(١) .

(ولولا ما كادوه به من أنَّهم حالوا بينه وبين الماء، لم يقدروا عليه؛ إِذ هو الشجاع القرم لا يزول ولا يتحوَّل)(٢) ودام (عليه السلام) على هذا الحال من الإِقدام الجريء، والصبر العظيم على حرارة العطش وحرِّ الهجير، وحرقة الأحشاء من رؤيا الأحبَّة مجزَّرين كالأضاحي، ورؤيا النساء والأطفال صرعى من الظمأ، إِلى إِن نزل به القضاء المحتوم. وكان ما كان من الأعمال الفظيعة التي عملها يزيد وابن زياد وابن سعد وابن الجوشن وغيرهم من أشياعهم؛ تلك الأعمال التي لم يجرأ على ارتكاب مثلها أحدٌ قبلهم وبعدهم، فسودوا بها صحيفة التاريخ الإِسلامي والعربي أيضاً، وصاروا أسوأ قدوة للظالمين إِلى آخر الدهر.

١٠ - هل يبرِّأ التاريخ يزيد من دم الحسين ؟

لقد مرَّ على التاريخ حقبٌ متطاولة، وظروف قاسية، كان يسير فيها أحياناً، مرغماً، على طرق مخططة حسب أغراض الملوك وهوى الحكَّام، يُدوِّن بقلمه ما يوافق تلك الأغراض وذلك الهوى، ويتعامى عن كثير من الحقائق الثابتة والقضايا الراهنة.

قاسى التاريخ ما قاسى من حَجْر واضطهاد، وخضع ما خضع للقوى الغاشمة، ولكنَّه كان - على الرغم من ذلك كلِّه - يتمرَّد على تلك القوى ويجهر بالحقِّ في كثير من المواقف الحرجة الرهيبة، ويدوِّنه في صحائفه الخالدة، غير هيَّابٍ ولا وجلٍ ولا مراقبٍ سوى الحقِّ والضمير والوجدان.

ولولا هذه الجرأة الضئيلة في التاريخ، وهاتيك الاعترافات الصادقة الصادرة من أَهله، لمـَا عرفنا من الحقيقة شيئاً، ولمـَا جزمنا بصدق قضية واحدة من قضاياه الكثيرة في شتَّى الوقائع البشرية والحوادث الكونية؛ تلك الحوادث التي أحاطها الوضَّاعون بإطار من الإِبهام والتشكيك، والتحريف والتلبيس.

____________________

(١) تاريخ الطبري، ج٦، ص٢٥٩، وتاريخ ابن الأثير، ج٤، ص٣٢.

(٢) الصواعق، ص١٢١.


ومن القضايا التي أثبتها التاريخ، واعترف بها اعترافاً جازماً؛ غير مكترث بأيِّة قوَّة تعارضه، قضيةَ أمر يزيد بن معاوية بقتل السبط الحسين بن عليّ(ع)، وسروره بسفك ذلك الدم النبويِّ الزكي، حتّى صارت من بديهيّات التاريخ. وصار اسم يزيد كعلم لقاتل الحسين (ع)، وكعلم للظلم والقسوة، واسم الحسين كعلم للمظلوميّة والعدالة، وكعلم للإِباء والنهضة. ولله قول المرحوم أحمد شوقي المصري في مصطفى (أتاترك).

هذا الذي كان الحسين عدالة

في المسلمين قد استحال يزيدا

وبالرغم من ثبوت تلك القضية وسطوع براهينها، قد جدَّ (اليزيديُّون) في أن يسدلوا عليها غشاء قاتماً من الإبهام والتشكيك، وحاولوا أن يبرِّأوا يزيد من دم الحسين الشهيد، وان يخرجوا هذه الجريمة الكبرى من صحائف يزيد السود ويمحوها بدمعة يقال إنَّها سقطت من عينيه حينما رأى أطفال الحسين في حال تقشعر منها القلوب المتحجِّرة وتسيل [ لها ] العيون الجامدة. وتشبثوا بكلمة زعموا أنَّه قالها لمـَّا وضع الرأس الشريف بين يديه؛ وهي: (رحمك الله يا حسين)، ولكنَّهم تغافلوا عمَّا فعله يزيد في ثنايا الحسين بعد تلك الكلمة المزعومة بلا فاصل، وتغافلوا عن صراحة التاريخ بضدَّ ما يحاولون وعكس ما يتشبَّثون؛ حيث يقول: (خرج الحسين من مكّة إلى العراق. فكتب يزيد إِلى واليه في العراق عبيد الله بن زياد بقتاله، فوجَّه إليه جيشاً عليه عمر بن سعد، فقتله وجيء برأسه في طست حتّى وضع بين يدي ابن زياد لعن الله قاتله وابن زياد معه ويزيد أيضاً. ثُمَّ إن ابن زياد بعث برأس الحسين وأهله إِلى يزيد، فسرَّ بقتلهم أوّلاً، ثُمَّ ندم لمـَّا مقته المسلمون على ذلك وأبغضَه الناس، وحقَّ لهم أن يبغضوه )(١) . ويقول أيضاً: (خرج الحسين إِلى الكوفة ساخطاً لولاية يزيد بن معاوية، فكتب يزيد إِلى عبيد الله بن زياد؛ وهو واليه في العراق: أنّه قد بلغني أنَّ حسيناً سار إِلى

____________________

(١) تاريخ الخلفاء للسيوطي، ص٨٠، و٨١؛ [بتلخيص وتصرُّف] .


الكوفة، وقد ابتلى الله به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من بين العمَّال، وعنده تقتل أو تعود عبداً كما تُعتبد العبيد)(١) .

وقد اعترف ابن زياد بمؤدَّى قول يزيد وتهديده إيّاه بالقتل؛ فقال لمسافر بن شريح اليشكري: (أمّا قتل الحسين، فإِنّه أشار إِليّ يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله)(٢) .

ويؤيِّد ذلك كلّه ما كتبه الحبر ابن عبّاس في جواب كتاب كتبه إليه يزيد يشكره فيه على ترك البيعة لابن الزبير. قال ابن عباس(رض): (وإِن أنس فما أنسى طردك حسيناً من حرم الله وحرم جدِّه رسول الله(ص)، وكتابك إلى ابن مرجانة تأمره بقتله. وإِنّي لأرجو من الله أن يأخذك عاجلاً؛ حيث قتلت عترة نبيِّه(ص) ورضيت بذلك... وإِنَّ من أعظم الشماتة، حملك بنات رسول الله وأطفاله وحرمه من العراق إِلى الشام أسارى مجلوبين مسلوبين؛ تُري الناس قدرتك علينا وأنَّك قهرتنا. وفي ظنِّك أنَّك أخذت بثارات أهلك الفجرة يوم بدر، وأظهرت الانتقام الذي كنت تخفيه والأضغان التي تكمن في قلبك كمون النار في الزناد، وجعلت أنت وأبوك دم عثمان وسيلة على إِظهارها، فالويل لك من ديَّان يوم الدين. والله، لئن أصبحت آمنا من جراجة يدي، فما أنت بآمن جراحة لساني، ولئن ظفرت بنا اليوم لنظفرنَّ بك غدا بين يدي الحاكم العدل الذي لا يجور في حكمه. قال الواقدي: فلمَّا قرأ يزيد كتابه أخذته العزَّة، وهمَّ بقتل ابن عباس، فشغله عنه أمر ابن الزبير)(٣) .

ولقد أقرَّ معاوية بن يزيد بن معاوية بأنَّ أباه قد نازع الحسين وقتله؛ حيث يقول: (إنَّ هذه الخلافة حبل الله. وإنَّ جدِّي معاوية نازع الأمر أهله

____________________

(١) العقد الفريد، ج٣، ص١٣٧، وتاريخ ابن عساكر، ج٤، ص٣٣٢.

(٢) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٤، ص٥٥. ويؤيِّده ما نقلناه عن الدينوري من تحريض يزيد لابن زياد على قتل الحسين وأمره بالتضييق عليه، وأن يكتب إِليه عمّا يعمله مع الحسين في كلِّ يوم، ولا يستقل برأيه ويتصرّف على حسب هواه.

(٣) تذكرة الخواص، ص٢٦٨.


ومن هو أحقُّ به منه عليّ بن أبي طالب. وركب بكم ما تعلمون حتّى أتته منيته، فصار في قبره رهيناً بذنوبه، ثُمَّ قلدَّ أبى الأمر وكان غير أهل له. ونازع ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقصف عمره، وانبتر عقبه، وصار في قبره رهيناً بذنوبه. ثُمَّ بكى وقال: إِنّ من أعظم الأمور علينا علمنا بسوء منقلبه، وبؤس مصرعه؛ وقد قتل عترة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) وأباح الخمر وضرب الكعبة)(١) .

وإقرار معاوية هذا حجّة دامغة لأنّه كإِقرار المرء على نفسه. فهل يا ترى تمحو تلك الدمعة الريائيَّة من يزيد - وقد تقاطر مثلها من عيون القساة حينما رأت السبايا الهاشميَّات – كلَّ ما ذكرناه لك من الأدلَّة على أمر يزيد بقتل الحسين الشهيد، وعلى عدِّه هذا القتل قضاء لديونه.

(قال الزهري: لمـَّا جاءت الروؤس إِلى الشام، كان يزيد جالساً على (جيرون)، فلمَّا نظر إليها أنشد:

لمَّا بدت تلك الحمول وأشرقت

تلك الشموس على ربا جيرون

لعب الغراب، فقلت: صح أو لا تصح

فلقد قضيت من الغريم ديوني(٢)

وإذا كانت تلك الدمعة كافية عند أشياع يزيد لتبرأته من دم الحسين(عليه السلام)، فما يصنعون بما صنعه يزيد بعد تلك الدمعة، بلا فاصل، في ثنايا الحسين؟ وما يقولون بما قاله يزيدهم من الشعر الدالِّ بوضوح على التشفِّي بقتل الحسين (ع) والأخذ بثارات أشياخ يزيد الذين قتلهم ببدر جدُّ الحسين وأبوه (عليهما السلام)، والمفصح عن رأيه في النبوة والوحي الإِلهي؟

يخبرنا ابن جرير الطبري: (أنّ ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه، وأمر بعلي بن الحسين، فغلَّ بغلٍّ إِلى عنقه، ثُمَّ سرح بهم إِلى يزيد في الشام. ولمـَّا وصلوا، جلس يزيد ودعا أشراف الشام، فأجلسهم حوله، ثُمَّ دعا بعليّ بن الحسين

____________________

(١) الصواعق المحرقة، ص١٣٧.

(٢) الصواعق المحرقة، ص١٣٥، وتذكرة الخواص، ص٢٥٦.


وصبيان الحسين ونسائه، فأدخلوا عليه والناس ينظرون، وجاء برأس الحسين، فوضعه بين يديه وأخذ ينكت بقضيب كان معه ثنايا الحسين وثغره حتّى قام أبو برزة الأَسلمي، وقال ليزيد: أتنكت بقضيبك ثغر الحسين؟ وقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

يرشفه )(١) .

ويقول سبط ابن الجوزي: (المشهور عن يزيد في جميع الروايات أنّه لمـّا حضر الرأس بين يديه، جمع أهل الشام وجعل ينكت عليه بالخيزران ويقول أَبيات ابن الزبعري:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

قال الشعبي وزاد فيها يزيد بيتين؛ وهما:

لعبت هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحي نزل

لستُ من خندف إِن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل(٢)

وهذه ريَّا حاضنة يزيد تشهد عليها بقرع الثنايا وبقول شعر ابن الزبعري؛ حيث تقول: (دوَنت من رأَس الحسين، فنظرت إِليه وبه ردغ من حناء، والذي أَذهب نفسه وهو قادر أن يغفر له (؟)، لقد رأَيته يقرع ثناياه بقضيب في يده ويقول أبياتا من شعر ابن الزبعري)(٣) .

أَضف إِلى ذلك كلِّه؛ أنّه لمـّا وصل رأس الحسين إِلى يزيد، حسنت حال ابن زياد عنده وزاده ووصله وسرَّه ما فعل(٤) ، (وبالغ في رفعته حتّى أدخله على نسائه)(٥) ، (وجلس بعد قتل الحسين على شرابه وعن يمينه ابن زياد، فأقبل على ساقيه، وقال:

____________________

(١) تاريخ الطبري، ج٦، ص٢٤٦؛ (بتصرُّف).

(٢) شرح النهج للمعتزلي، مجلّد٣، ص٣٨٢، والتذكرة في الوعظ، ص٢٥٦.

(٣) خطط المقريزي، مجلّد٢، ص٢٨٩.

(٤) تاريخ ابن الأثير، مجلّد٤، ص٣٦.

(٥) الصواعق المحرقة، ص١٢٢.


اسقني شربة تُروّى مشاشي

ثُمَّ صل واسق مثلها ابن زياد

صاحب السرِّ والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي(١)

وهل تدري ما فعل عبيد الله بن زياد؟ فإنّه بعد أن أمر برض صدر الحسين وظهره بحوافر الخيل، وبعد أن هتك في مجلسه ستور المخدَّرات النبويَّة وأراد قتل العليل علي بن الحسين (عليهما السلام)(٢) ، وبعد أن سنَّ لسيِّده يزيد قرع الثنايا، (جهَّز الرأس الشريف وعلي بن الحسين ومَن معه من حرمه، بحالة تقشعرُّ منها ومن ذكرها الأبدان والقلوب وترتعد مفاصل الإِنسان بل فرائض الحيوان، إلى البغيض يزيد بن معاوية، مع شمر بن ذي الجوشن(٣) الذي احتز الرأس الشريف.

هذا هو فعل ابن زياد الذي سَرَّ يزيد وأوجب أن يحسن حال ابن زياد عنده، ويزيدَ في عطائه وصلته ويبالغ في رفعته ويدخله على نسائه. ومع ذلك كلِّه، فيزيد بريء عند تلك الفئة من اليزيديِّن من دم الحسين لأجل تلك الدمعة المصطعنة!

ولنختم كلمتنا هذه بكلمة تصوِّر لك جميع ما ذكرناه من أعمال يزيد حتّى كأنَّك في مجلسه، ترى إِدخال الحوراء زينب بنت عليّ(ع) مع السبايا وجلوسهنَّ في ذلك المجلس الحافل بالمتفرِّجين الشامتين، وترى رأس الحسين ريحانة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين يدي يزيد ينكت ثناياه ويتمثَّل بأبيات ابن الزبعري ويزيدَ عليها من عنده حتّى نهضت حفيدة الرسالة زينب وجابهته بجرأة هاشميّة:

(أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأَصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أنّ بنا هواناً على الله؟ وبك عليه كرامة؟ وأنَّ ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت

____________________

(١) مروج الذهب، مجلّد٢، ص٧٤.

(٢) تقدَّم ما زعمه الرحَّالة (مِن أنّ عليَّاً هذا قد أمكنه الهرب). وهو غريب في التاريخ.

(٣) الفاخوري؛ مفتي بيروت سالفاً، تحفة الأنام، ص٨٤.


بأنفك، ونظرت في عطفك؛ جذلان فرحا، حتّى رأيت الدنيا لك مُستوسقة والأمور عليك مُتَّسقة. فمهلاً مهلا؛ أنسيت قول الله تعالى:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) . أَمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإِماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا؟ قد هتكت ستورهنَّ وأبديت وجوههنَّ، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد إِلى بلد، ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمناقل، ويتصفَّح وجوههنَّ القريب والبعيد، والدني والشريف. ليس معهنَّ من رجالهنَّ ولي، ولا من حماتهنَّ حمي؟). إِلى أن قالت: (ثُمَّ تقول غير متأثِّم ولا مستعصم:

لأهلُّوا واستهلُّوا فرَحاً

ثُمَّ قالوا: يا يزيدُ، لا تُشلْ

منتحياً على ثنايا أبي عبد الله سيِّد شباب أهل الجنة تنكثها بمخصرتك. وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإِراقتك دماء ذرِّيَّة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب. وتهتف بأشياخك زعمت أنَّك تناديهم، فلتردنَّ وشيكاً موردهم، ولتودنَّ أنَّك شُللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت. فو الله يا يزيد، ما فريت إِلاّ جلدك، ولا حززت إِلاّ لحمك، ولتردنَّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما تحمَّلت من سفك دماء ذرِّيَّته وانتهكت من حرمته في عترته ولُحمته.

فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله، لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا، ولا تُدرك أمدنا، ولا تَرحض عنك عارها. وهل رأيك إِلاّ فند، وأيَّامك إِلاَّ عدد، وجمعك إِلاّ بدد ؟ يوم ينادي المنادي: ألا لعنة الله على الظالمين)(١) .

____________________

(١) البغدادي، أحمد بن أبي طاهر ، بلاغات النساء، ص٢٥.


الفصل الرابع*:

مواقف الشيعة في العهدين الأموي والعبَّاسي

١ - مُثل مِن نضال الشيعة. ٢ - حال الإسلام في عهد الراشدين، ونبذة مِن قوانينه.

٣ - بدء الفتن بين المسلمين ومَن أثارها، والعوامل الدافعة لذلك. ٤ - سرُّ المناهضة لعليّ، ومَن ناهضه. ٥ - مناهضة المسلمين لبني أميَّة وأسبابها. ٦ - نهضة الشيعة ضدَّ الأمويِّين وعللها. ٧ - عدم تشيُّع الفرس أيَّام الدعوة العباسيَّة. ٨ - نهضة الشيعة ضدَّ العباسيِّين وسرُّ مطاردة العباسيِّين لهم.

١ - تمهيد، ومُثل من نضال الشيعة وصراحتهم:

ذكرنا قبلئذ أنّ الذين ثبتوا على التمسُّك الحقيقي بالعترة والتديُّن بالموالاة بعد المبلِّغ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم فئة قليلة من الصحابة، وأنَّهم كثروا يوم باشر أمر الإِمامة عليٌّ أمير المؤمنين(ع)، وقاموا يحاربون معه الناكثين والقاسطين والمارقين، ويجاهرون بعقيدة التشيُّع الدينية طيلة حياتهم الثمينة.

وهكذا كان إِخوانهم، بعد استشهاد هذا الإِمام العظيم، يجاهدون في سبيل العقيدة، ويناضلون عنها في أحرج المواقف، ويصارحون بها أشدَّ الحكَّام قساوة.

(قطع ابن زياد يدي رشيد الهجَري ورجليه وصلبه على جذع نخلة في الكوفة

لأجل تشيُّعه، ولكنَّه (رحمه الله) لم يترك التحدُّث بفضائل العترة وبيان مخازي الظلمة حتَّى قطعوا لسانه. وهكذا صنع ابن زياد بميثم التمَّار، وزاد على ذلك؛ بأن ألجم ميثماً بلجام من شريط؛ ليمتنع من التحدّث بفضائل أهل البيت، ولمـّا رآه لم يمتنع، قطع لسانه. وكان ميثم أوَّل خلق الله أُلجم بلجام من حديد كما تلجم الخيل. وكان قتله قبل قدوم الحسين العراق

____________________

(*) نشر أكثره في مجلَّة: العرفان، مجلّد ٢٦.


بعشرة أيَّام)(١) .

وقس على هذين مَن قتلهم - قبل ذلك - زياد بأمر من معاوية؛ أمثال: الصحابي الجليل حجر بن عدي وأصحابه، ومن قتلهم - بعد ذلك - الحجاج بن يوسف؛ أمثال: الثقة، سعيد بن جبير. قال له الحجاج يوماً: (أمؤمن أنت أم كافر؟ قال سعيد: ما كفرت بالله منذ آمنت به، فقال الحجاج: اضربوا عنقه)(٢) . وأمثال: كميل بن زياد النخعي، قتله الحجاج سنة ٨٢ هـ، وكذلك قتل قنبراً مولى أمير المؤمنين(ع).

هكذا كان رجال الشيعة من قبل، وهكذا كان صبرهم وإقدامهم ومفاداتهم، على قلَّتهم وضعف مادِّيَّاتهم وكثرة مضطهديهم وقوَّتهم(٣) .

____________________

(١)المفيد، الإرشاد، ص١٧٤، ومنهج المقال، ص١١٥، وشرح النهج، ج١، ص٢١١؛ ولكنَّه قال: إنّ الذي قتل رشيد الهجري، هو زياد، لا ابنه، وكذلك قال المفيد.

(٢) العقد الفريد، ج٣، ص٢٥٧.

(٣) ولولا قوَّة الإيمان، وصلابة العقيدة الشيعية، والاتحاد والنصيحة لمذهبهم وإخوانهم في الوطن والدين وكرم أخلاقهم، لمـَا كُتب لهم البقاء في تلك العصور المظلمة، الموبوءة بالاستبداد والتَّعصُّب، ولمـَا كُثر الشيعة هذه الكثرة التي نراها اليوم. ولكنَّها - ويا للأسف - كثرة متأخرة عن تلك القلَّة تأخراً شائناً؛ متأخرة في إيمانها، وصلابتها، واتحادها (إن كان ثَمَّة اتحاد)، وفي نصيحتها وأخلاقها. ومن المحزن المؤلِم أن ترى البعض يشرِّع لنفسه التحليل والتحريم، أو يعترض على الشرع والشارع بأنّ اللعبة الفلانيّة مثلاً مسلِّية فلماذا حرِّمت على الناس؟ يقول ذلك؛ وهو يرى أنّ أكثر أوقاته الثمينة تذهب سدى من جراء اعتياده على تلك اللُّعبة، هذا مع قطع النظر عن الخسارة المادِّية. والبعض الآخر يقول: إنّ قليل الخمر لا يُسكر، فهو حلال، جاهلاً أنّ القليل إذا لم يُسكره، قد يُسكر غيره إسكاراً فاحشاً، وأنَّه قد يجرُّ المرأ، قهراً، إلى الكثير بسرعة، إِلى غير ذلك من الأقوال الأثيمة. وإذا ضايقتَه بالدليل القطعي على حرمة الشيء الفلاني، يلتجئ إلى التأسِّي بالعُصاة المحترمين من طائفته، مع علمه بوجوب الابتعاد عنهم والامتثال لمـَا نصَّ عليه الثقلان؛ الكتاب والعترة، إذ هو المسؤول عنه فحسب (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) ( يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئاً) .


ولا عجب؛ فإِن هذه الصفات، تكاد تكون من ميزات الرجال وخصائصها الطبيعية، وإنّما الذي يوجب العجب والإعجاب، ما صدر من ربات الخدور الشيعيَّات في مجالس القوّة الغاشمة. فإِن المرأة منهنَّ كان يؤمر بدخولها على المجلس الحافل برجال الدولة الأشدَّاء، فتُسأل عن عقيدتها في عليّ ومعاوية وعن أقوالها يوم صِفِّين، وكان يتولّى السؤال معاوية بنفسه. ورغم هذا الموقف الرهيب كانت تدخل بكلِّ جرأة وتعترف بحبِّ عليّ؛ غير هيَّابة ولا وجلة، وتجابه معاوية بما يعرق به جبينه.

دخلت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمداني على معاوية، فقال لها: (هيه يا بنت الأسك، ألست القائلة يوم صفين:

شمِّر كفعل أبيك يا ابن عمارة

يوم الطعان وملتقى الأقران

وانصر عليِّاً والحسين ورهطه

واقصد لهند وابنها بهوان

إنَّ الإمام أخو النبيِّ محمد

علم الهدى ومنارة الإِيمان

قالت: إِي والله، ما مثلي مَن رغب عن الحقِّ أو اعتذر بالكذب. قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حبُّ عليِّ (عليه السلام) وأتباع الحق.

ولمَّا أُدخلت الزرقاء بنت عدي بن غالب، وكانت ممَّن تُعين عليَّاً(ع) يوم صِفِّين، قال لها معاوية: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صِفِّين بين الصَّفَّين توقدين الحرب وتحضِّين على القتال؛ قائلة: أيَّها الناس، إِنَّ المصباح لا يُضيء في الشمس، وإنّ الكوكب لا يقد في القمر، وإنّ البغل لا يسبق الفَرس، وإنّ الزِّف لا يوازن الحجر، ولا يقطع الحديد إِلاَّ الحديد. أَلاَ مَن استرشدنا أرشدناه، مَن استخبرنا أخبرناه؛ إِنّ الحقَّ كان يطلب ضالَّته، فأصابها. فصبراً صبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، ألا إِنّ خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء. والصبر خير في الأمور عواقبا. إيهاً، إِلى الحرب غيرنا كصين، فهذا يوم له ما بعده.

قالت: نعم.

فقال معاوية: والله يا زرقاء، لقد شاركت


عليَّاً في كلِّ دم سفكه.

قالت: أحسن الله بشارتك! مثلك من بشرَّ بخير وسرَّ جليسه.

قال وهل سرَّك ذلك؟

قالت: نعم والله، لقد سرَّني، فأنَّى لي بتصديق الفعل؟.

ودخلت عكرشة بنت الأطش على معاوية، فسلَّمت عليه بالإِمرة وجلست، فقال لها معاوية: الآن صرت أمير المؤمنين ؟ قالت: نعم؛ إِذ لا عليٌ حي. قال: ألست المتقلِّدة بحمائل السيف ، وأنت واقفة بين الصَّفَّين يوم صِفِّين، تقولين: يا أيُّها الناس:(عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) إِنّ الجنّة دار لا يرحل عنها مَن قطنها ولا يحزن مَن سكنها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرم همومها. كونوا قوماً مستبصِرين: إِنّ معاوية دلف إليكم بعجم العرب؛ دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إِلى الباطل فلبُّوه. فالله الله عباد الله في دين الله. إِيّاكم والتواكل، فإِنّ في ذلك نقض عروة الإِسلام، وإطفاء نور الإِيمان، وذهاب السنة، وإِظهار الباطل. هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى. قاتلوا يا معشر المهاجرين والأنصار على بصيرة من دينكم، واصبروا على عزيمتكم. ثُمَّ دارت بينهما محاورات في صنع عمَّاله وعطائه، فكانت لها الغلبة. ولذا قال لها: هيهات يا أهل العراق، فقَّهكم عليُّ بن أبي طالب فلن تُطاقوا. ثُمَّ أمر لها برد صدقتها وإِنصافها.

ولمَّا أدخلت أم الخير البارقية، ذكَّرها معاوية بقولها: هلمُّوا - رحمكم الله - إِلى الإِمام العادل، والوصيِّ الوفي، والصدِّيق الأكبر، إِنَّها إِحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن أُحدية، وثب بها معاوية ليدرك ثارات بني عبد شمس. فإِلى أين تريدون - رحمكم الله - عن إِبن عمِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وزوج ابنته، وأبي ابنيه. خُلق مِن طينته، وتفرَّع من نبعته، وخصَّه بسِرِّه، وجعله باب مدينة علمه، وأعلمـَ بحبِّه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك، يؤيِّده الله عزَّ وجلَّ بمعونته، ويمضي على سنن استقامته، لا يعرج لراحة الذات. وهو مفلق الهام، ومكسِّر الأصنام؛ صلَّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون، فلم يزل كذلك حتّى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرَّق


جموع هوازن. فيالها وقائع! زرعت في نفوس قوم نفاقاً وردَّة وشقاقا. فأعترفت لمعاوية به، فقال: والله يا أم الخير، ما أردتِ بهذا الكلام إِلا قتلي. والله، لو قتلتكِ، ما حرجت في ذلك، قالت: والله، ما يسوئني - يا ابن هند - أن يجري الله ذلك على يدي مَن يسعدني الله بشقائه.

وأُدخلت الدارميَّة الحجونية، فابتدأها معاوية بسؤآله: على مَ أحببت عليَّاً وأبغضتيني؟ وعلى مَ واليتيه وعاديتيني؟ قالت: إِنّي أحببت عليَّاً (عليه السلام) على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية. وأبغضتك على قتالك مَن هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لك. وواليت عليّاً (عليه السلام) على ما عقد له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الولاية، وعلى حبِّه المساكين، وإِعظامه أهل الدين. وعاديتك على سفكك الدماء، وشقِّك العصا.

قال: صدقتِ، فلذلك انتفخ بطنك...إلخ.

قالت: يا هذا، بهند - والله - يضرب المثل، لا أنا.

ودخلت بكارة الهلالية على معاوية، فقال له عمرو بن العاص: هي القائلة - يا أمير المؤمنين:

أترى ابن هند للخلافة مالكاً

هيهات ذاك وما أراد بعيد

منَّتك نفسك في الخلاء ضلالة

أغراك عمرو للشقا وسعيد

فقال سعيد: وهي القائلة:

قد كنتُ آمل أن أموت ولا أرى

فوق المنابر من أُميَّة خاطبا

فالله أخَّر مدتي، فتطاولتْ

حتى رأيت من الزمان عجائبا

في كلِّ يوم لا يزال خطيبهم

وسط الجموع لآل أحمد عائبا

فقالت بكارة: نبحتني كلابك - يا أمير - واعتورتني، وأنا - والله - قائلة ما قالوا، لا أدفع ذلك بتكذيب، فامضي لشأنك، فلا خير في العيش بعد عليٍّ أمير المؤمنين(١)

____________________

(١) كلُّ ما ذكرناه من كلمات النساء مُلخَّص من: الأندلسي، ابن عبد ربِّه، العقد الفريد، ج١، والبغدادي، أحمد بن أبي طاهر، بلاغات النساء، و حشيشو، المرحوم الشيخ محمد علي، آثار ذوات السوار.


وعلى الإِجمال - وسترى التفصيل - فإِن الشيعة كانوا من أشدِّ الطوائف ثباتاً على عقيدتهم الدينية، وأعظم تفانياً في سبيل المصلحة الإِسلامية والمحافظة على قوانين الدين الإِسلامي الحنيف.

وفي هذا السبيل ناصروا الخلفاء في فتوحاتهم وحروبهم، وفي هذا السبيل ناهضوا الدولة الأمويَّة أيَّام قوَّتها وسعة سلطانها، كما ناهضوا بعد ذلك الدولة العبَّاسية، بعد أن عاونها بعضهم في العراق، لا في خراسان؛ لأنّ التشيّع لم يكن يومئذٍ منتشراً في فارس، ولا أثر له في خراسان، بل كانت الأكثرية الساحقة هناك من أعداء التشيُّع العلوي، كما ستعرفه قريباً.

ولكن الأستاذ محمد ثابت المصري يرى: أنّ التشيُّع كان معولاً هادماً للإسلام، وأنَّ الفُرس كانوا من الشيعة الحاملين لذلك المعول الهدَّام، ويرى اختفاء الشيعة أيّام قوّة الدولة الأمويّة، ويرى غير ذلك في قوله (ص١٥٠/ من جولته): (قام الشيعة يناهضون بني أميَّة، لكن لمـَّا قويت الدولة الأموية، اختفى الشيعة وظلُّوا يعملون سرَّاً حتى بدأ اضمحلال دولة بني أميّة. فظهروا ثانية وعاونوا العبَّاسيين في خراسان تحت أبي مسلم الخراساني، على أنّ العبَّاسيين لمـَّا تملَّكوا ،أخذوا يطاردون الشيعة، وأخذت طوائف الشيعة تتشعَّب، وعاونها الفُرس سرَّاً على ذلك؛ لأنَّ فارس رأت فيهم خير هادم للإِسلام ولملك بني العبَّاس؛ أُولئكم الذين قضوا على استقلال فارس وحاولوا القضاء على قوميَّتها).

وليسهل على القارئ الكريم استنتاج الأحكام من المقدِّمات التي برهن عليها التاريخ الصحيح، ومن العلل والأسباب الطبيعية، نتقدَّم إليه بالبحث موجزاً عن كلِّ ما له مساس بهذه الكلمة المضطربة، بادئين بنبذة مهمَّة من قوانين الإِسلام الأساسية لتبقى في ذاكرتك وتجعلها مقياساً عادلاً تقيس عليه الأعمال؛ فتعرف وقتئذٍ مَن هو الذي أراد هدم الإِسلام؟!


٢ - حالة الإسلام في بدء الخلافة، ونبذة من قوانينه:

كان الإِسلام أُمَّة واحدة مجتمعة متراصَّة تحت لوائه الخفَّاق، تعمل لتأييده ونشره في أطراف المعمور، وتبثُّ تعاليمه الحكيمة بين الأمم الأخرى التي دخلت في دين الله أفواجاً.

كانت الحجاز، والشام، ومصر، واليمن، ونجد، والعراق، وكانت الفُرس والروم، وكان في الجميع لغات عديدة وأديان كثيرة متفاوتة؛ من نصرانية، ويهودية، ومجوسية، وغيرها. وما مضى ربع قرن حتّى تغلَّبت العربية على كثير من تلك اللغات، وانتصر الإسلام على جُلِّ تلك الأديان، ولم يبق في هاتيك البلاد سوى جماعات متفرِّقة هنا وهناك، بقيت على دين آبائها الأوَّلين بفضل سماحة الإِسلام؛ المقرِّر في قوانينه العادلة وتعاليمه الرحيمة:(لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ* وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ *ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) .

قرَّر نبيُّ الإِسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المساواة في الحقوق والأحكام، وقرَّر هدم العصبيَّات القبلية التي كانت بين القبائل في الجاهلية، ليبني من هذا الهدم أساس الجامعة الإِسلامية التي هي، بلا شك، أوسع وأنفع في الدارين،

وقرر المؤاخاة بقوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) ، وبقوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

((المسلم أخو المسلم)) ، وأكَّد ذلك بالعمل؛ فآخى بين أصحابه(رض)، ثُمَّ آخى بينه وبين ابن عمِّه علي بن أبي طالب(ع)، ومرَّنهم بجهده على العدل والعطف والوفاء واحترام المسلمين جميعاً، من غير فرق بين العربي والعجمي، ولا بين الأسوَد والأبيض، ولا بين الحُرِّ والعبد؛ إِذ لا ميزة لأحد على أحد إِلاّ بالتقوى(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) . ولم ينس احترام غير المسلمين من أَهل الذمَّة، فإِنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد أمر باحترام حقوقهم وأحكام شرائعهم. وقد حرَّم شرب الخمر، والكذب، والنميمة، والغيبة(وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً) . وحرَّم الخيانة، والغدر، والرياء، والمداهنة، والمحاباة للقريب


والبعيد، ونكث العهد، والإِخلال بالوعد، والبذخ والإِسراف، والظلم والجور والمـُثلة ولو في الكلب العقور. وحرَّم قتل النفس المحترمة بغير جرم ديني، والزنا واللواط، واللَّهو، وأكل مال الغير((ولا يحلُّ مال امرئ إِلاَّ عن طيب نفسه)) ، وجعل للزاني - وعبَّر عنه بـ: العاهر - الحجر، إِلى غير ذلك من المحرَّمات الشديدة.

وقد حثَّهم على العمل للآخرة والزهد في الدنيا في الوقت الذي حثَّهم على العمل لها والسعي في مناكبها بقوله البليغ:((اعمل لدنياك كأنَّك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنَّك

تموت غدا)) ، إلى غير ذلك من التعاليم والسنن التي سنَّها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمَّته وعمل بها في حياته كلِّها وأصحابه الراشدون بعد مماته والأمَّة معهم تسيير بسيرهم وتهتدي بهدي أخي نبيِّهم؛ يستشيرونه في الأيّام العصيبة(١) ، ويستوضحون منه المسائل المعضلة (وكان الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان يستشيرونه في الأحكام، ويرجعون إلى رأيه إذا خالفهم في بعض الأحيان، وأكثر مَن عرف ذلك عنه عمر بن الخطاب(٢) . لقد كان يسأله ويأخذ عنه، وإِذا أشكل عليه شيء، قال: ههنا عليّ ؟ وكان يتعوَّذ من معضلة ليس فيها

أبو الحسن)(٣) .

٣ - بدء الفتن في المِلَّة الإِسلامية ومَن آثارها وسبَّبها:

ودامت الأمَّة على ذلك الشكل من الاتحاد والإخلاص للإسلام والمسلمين والعمل بتلك السنن والتعاليم النبوية قدر الجهد إلى أواخر أيَّام عثمان(رض)؛ حيث تغلَّبت فئة من بطانته وتولَّت الأعمال، وأنتشرت في البلاد تأمر وتنهى حسب الأهواء، وتنال ما تريد من الملاِّذ والملاهي التي حرَّمها الشرع الشريف ولم يعتدها المسلمون من قبل ولم يستطيعوا الصبر عليها والإغضاء عن فاعليها، فكان من

____________________

(١) انظر: الدينوري، الأخبار الطوال ، ص١٣٩، وتاريخ ابن الأثير، ج٣، ص٣، وشرح النهج، ج٢، ص٤٢٤ تجد تفصيل استشارة عمر لعليّ، وقول عليّ له: (إنَّ الأعاجم إن ينظروا إِليك غداً، يقولوا: هذا أصل العرب، فإِذا اقتطعتموه، استرحتم).

(٢) محاضرات الشيخ الخضري المصري، ص٤٤٨.

(٣) الصواعق المحرقة، ص١١٠، والسيوطي، تاريخ الخلفاء ، ص٦٦.


الطبيعي أن ينهضوا ويملأوا الأرض والسماء بصدى أصواتهم الحرَّة واستنكاراتهم الشديدة؛ ليشهدوا الله سبحانه وأنواع خلقه على أنَّ هناك مَن لم يزل ينكر (شرب الخمر والزيادة في الفريضة)(١) وتزوير الكتب والإِسراف والبذخ، ومن لم يزل واقفاً بالمرصاد يرقب أعمال تلك الفئة التي أهدر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دم بعضها ونفي البعض الآخر.

ولمَّا أسمعوا عثمان ذلك وأعلموه ما خفي عليه من تلك الأعمال، عزل البعض وأنَّب آخرين، ولكنَّهم عادوا فتغلبوا ثانياً وازدادوا طغياناً، فقام حينئذ المهاجرون والأنصار، وجاءت مصر (بلد الرحَّالة) والعراق (شيعة طلحة والزبير يومئذٍ) وكان ما كان بسبب تلك الفئة؛ ممَّا مرَّ ذكره قريباً.

وإذا علمت تلك الأعمال - ولو إِجمالا - فلا شكَّ أنّه يحصل لديك صورة جلية وضَّاءة تريك العوامل الدافعة للأمَّة على قيامها ضدَّ تلك الفئة وتوضح لك الأسباب التي جرَّأت أحابيش مصر على قتل عثمان(رض) الذي جعل وسيلة بعده لإِحداث فتنتي الجمل وصِفِّين.

٤ - سرُّ المناهضة لعليٍّ والغاية منها ومَن ناهضه(*) :

كانت تلك الفئة على يقين من صلابة أَمير المؤمنين(ع) في دينه ومن أنّه (لايمالئ ولا يحابي ولا يداهن)(٢) .

____________________

(١) ذكر أبو الفداء (ج١، ص١٦٧ من تاريخه): (أنّ الوليد بن عقبة بن أبي معيط شرب الخمر، وصلَّى بالمسلمين الفجر رابع ركعات وهو سكران، وقال بعد الفراغ: أأزيدكم؟ وفي ذلك يقول الحطيئة:

شَهِدَ الحُطَيئَةُ حينَ يَلقى رَبَّهُ

أَنَّ الوَليدَ أَحَقُّ بِالعُذرِ

نادى وَقَد كَمُلَت صَلاتُهُمُ

أَأَزيدُكُم ثَمِلاً وَما يَدري

وذكر ذلك المسعودي (ج١، ص٤٣٥ من مروج الذهب)، وقال: (إنَّ الوليد هذا، ممَّن أخبر النبيُّ(ص) بأنَّه مِن أهل النار).

(٢) انظر إِلى صنعه مع أخيه عقيل الذي طلب الزيادة عمّا يستحق من بيت المال بسبب إملاقه الذي سوَّل له أنْ يقصد معاوية.

(*) إنَّما ذكرنا مناهضة القوم لعليّ (عليه السلام) لأنّها في جملة الأسباب التي أوجبت مناهضة الشيعة لبني أميَّة.


وكانت تعتقد أيضاً أنَّه لو تولَّى الخلافة، لقضى على آمالها وشهواتها، ولحملها على مرِّ الحقِّ الذي لم تتذوَّقه.

وكان لديها أمر آخر لا يغيب عن مفكرِّتها - وإِنْ أخفته خوفاً من (الدرَّة) أيَّام الثاني، ولتلهِّيها بالحكم ونيل الآمال أيَّام الثالث - وذلك الأمر هو: ثأر أقربائها عند علي الذي أفنى أكثرهم أيَّام بدر وأُحد وحنين وغيرها، كما هو معروف في التاريخ؛

(جاء الوليد بن عقبة إِلى عليّ(ع)، فقال: يا أبا الحسن، إِنّك قد وترتنا جميعاً. أمَّا أنا، فقد قتلت أبي يوم بدر صبراً، وأمَّا سعيد بن العاص، فقتلت أباه يوم بدر، وأمَّا مروان بن الحكم، فسخَّفت أباه عند عثمان إذ ضمَّه إِليه، ونحن نبايعك على أن تضع عنَّا ما أصبناه من المال أيَّام عثمان ...)(١) .

وعادة الأخذ بالثأر كان لها الأهمية العظمى عند العرب أيَّام الجاهلية، وبقيت عندهم حتّى في أيّام عزِّ الإِسلام وقوَّة الدين الذي حرَّم ذلك أشدَّ تحريم.

وقد حدَّثنا التاريخ عن قتل (جفينة والهرمزان) بمجرَّد اتهامهما بالممالأة على قتل الخليفة الثاني(رض). وزد على ذلك أنّ تلك الفئة لم تكن مخلصة في تديُّنها ولا دخل الدين قلبها تماماً حتّى يُنسيها العادات الجاهلية، وحتّى يحجزها عن الشرِّ وقلب ظهر المجن للمسلمين، وحتّى يمسكها من الانشقاق عن الأمَّة الإسلامية التي اجتمعت حول عليّ(ع) وبايعته.

فلا غرابة إِذن في مناهضتها له وسبِّها إِيَّاه على المنابر؛ رغم قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((من سبَّ عليَّاً فقد سبَّني)) (٢) ، ولكن من الغرابة بمكان قيام عمرو بن العاص معها يطالب بدم عثمان وله السهم الأوفى في التحريض عليه حتّى أنَّه اعترف بقتله في قوله لمـّا بلغه قتله: (أنا قتلته وأنا بوادي السباع)(٣) .

____________________

(١) شرح النهج، ج٢، ص١٧٢.

(٢) السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص١٧، والصواعق، ص٧٦.

(٣) تاريخ، ابن الأثير، ج٣، ص١٠٩.


ثُمَّ أخذ يتباكى عليه ويناصر مَن اتخذ هذه الواقعة (المدبَّرة) وسيلة إلى مآربه

الشخصية(١) . ولا ريب في أنَّ الدافع لعمرو على ذلك ليس الحبُّ لعثمان ولا لمعاوية، وإنّما الدافع القوي له، هو طعمه في دنيا معاوية وحبَّه التشنيع على أمير المؤمنين(ع)؛ ولذلك (قال لعائشة (رض): لوددت أَنّكِ كنت قُتلت يوم الجمل. فقالت: ولِم لا أباً لك؟ قال: كنت تموتين وتدخلين الجنة، ونجعلك أكبر التشنيع على عليّ)(٢) .

وعمرو هو الذي أشار على معاوية بنشر قميص عثمان على منبر الشام ليثير حنق أهلها على مَن (كان من أكبر المساعدين لعثمان والذَّابِّين عنه. وما زال عثمان يلجأ إِليه في دفع الناس عنه، فيقوم في دفعهم القيام المحمود)(٣) .

كلُّ هذا فعله عليّ(ع) في سبيل عثمان وهم كانوا بين محرِّض عليه وخاذل له(٤) . وقد ذكرنا سابقاً كتاب عثمان إِلى معاوية يستنصره فيه على الصحابة، وذكرنا إِخفاء معاوية الكتاب عن أهل الشام؛ لئلا يعلموا تخاذله عن نصرته فلا يتمكَّن بعدئذ من سوقهم لحرب عليّ واتهامه وحده بدم عثمان والممالأة عليه.

وإنَّ معاوية وزملاءه كانوا يعلمون أنّ الذين قتلوا عثمان كانوا اثنين أو ثلاثة من أهل مصر، وأنَّ اثنين منهم قُتلا في دار عثمان فوراً ( كما في شرح النهج/ ج١/

____________________

(١) يدلُّنا على ذلك أنّ معاوية لم يطالب أحداً بدم عثمان بعد نيل مراده، ولم يتعرَّض لمـَن أطاعه من المولِّبين عليه، بل قرَّب أكثرهم وأكرمهم، ولمَّا (دخل دار عثمان بعد عام الجماعة، صاحت عائشة ابنة عثمان وبكت ونادت أباها، فقال لها معاوية: لئن تكوني ابنة عمِّ أمير المؤمنين خير من أن تكوني من عرض الناس) (العقد الفريد، ج٣، ص١٢٦). نعم لم يتعرَّض لأعداء أبيها، ولا وعدها بشيء من ذلك، بل أراد إقناعها بأنّه صار أمير المؤمنين!

(٢) المبرَّد، تهذيب الكامل، ج١، ص٢٩٧.

(٣) الفخري في الآداب السلطانية، ص٧٧.

(٤) يشهد الشهرستاني (المِلل، ج١، ص١١) أنّه كان أمراء جنود عثمان: (معاوية عامل الشام، وسعد بن أبي وقَّاص عامل الكوفة، وبعده الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد الله بن عامر عامل البصرة، وعبد الله بن أبي سرح عامل مصر، وكلُّهم خذلوه ورفضوه حتّى أتى قدره عليه).


ص١٦٨)، وأنّ الثالث قُتل في مصر مع ابن أبي حذيفة قبل واقعة صِفِّين (كما في المقريزي، الخطط، ج٤، ص١٤٩). ويعلمون أيضاً براءة عليّ من دم عثمان، ولكن الإِمرة والملك العضوض وضعف التديُّن هي وحدها - لا دم عثمان - التي دعتهم وحفَّزتم لحرب مَن كان (مع الحق في جميع أحواله، يدور الحق معه حيث دار)(١) .

ولولا الاستعانة على حرب عليّ(ع)، لمـَا سخى معاوية بمصر(٢) وجعلها طعمة لابن العاص، كما أنّ ابن العاص - لولا ولاية مصر - لم يُعن معاوية تلك الإِعانة المخزية في صِفِّين حتّى أبدى سوأته(٣) لينجو من (ذي الفقار)

____________________

(١) ملل الشهرستاني ج١ ص٥٨

(٢) يقول في العقد الفريد (ج٣، ص١١٣): (علم معاوية - والله - إِنْ لم يبايعه عمرو بن العاص، لم يتم له أمر. فقال له: يا عمرو، اتبعني فيها، قال: لماذا؟ للآخرة؟ فوالله، ما معك آخرة، أم للدنيا؟ فو الله، لا كان حتّى أكون شريكك فيها، قال معاوية: أنت شريكي، قال عمرو: فاكتب لي مصر وكورها، فكتبها له. وكتب في آخر الكتاب( وعلى عمرو الطاعة والسمع). قال عمرو: واكتب أنّهما لا ينقصان من شرطه شيئاً، قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا، قال عمرو: حتّى تكتب، فكتب معاوية. ووالله لا يجد بداً من كتابتها. ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يكلِّم عمراً في مصر، وعمرو يقول له: إِنَّما أبايعك بها ديني. وإلى ذلك يشير عمرو في قوله:

معاوي لا أُعطيك ديني ولم أنل

به منك ديناً فانظرن كيف تصنع

(٣) ذكر المؤرِّخون مبارزة عمرو بن العاص لأمير المؤمنين(ع) وأنَّه لمـّا همَّ أن يعلو عمراً بالسيف، كشف عمرو عن سوأته، فتنحى عنه أمير المؤمنين ومال بطرفه؛ تكرماً وحياءً من هذا المنظر المعيب المخجل. وكذلك فعل بسرُ بن أَرطاة لمـّا صرعه أمير المؤمنين. وقد ضرب بهذه المكرمة العلوية المثل، وُعدَّ عفوه عنهما من المكارم والسؤدد. وللشعراء فيهما أبيات شهيرة؛ منها قول أبي فراس الحمداني:

وَلا خَيرَ في دَفعِ الرَدى بِمَذَلَّةٍ

كَما رَدَّها يَوماً بِسَوءَتِهِ عَمروُ

وقول ابن منير الطرابلسي في وصف عمرو:

بَطلٌ بسَوْأتِه يُقا

بَطلٌ بسَوْأتِه يُقا

وقول الحرث الخثمعي يخاطب معاوية:

أفي كلِّ يومٍ فارسٌ لك ينتهي

وعورتُه وسطَ العجاجةِ بادية؟

=


الذي سلَّ عليه، وليرى ولاية مصر التي كانت تعدل - بنظره - الخلافة.

يقول المقريزي: (وكان يقول عمرو بن العاص: ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة)(١) .

هذه بعض أعمالهم في سبيل المـُلك وهذه أنانيَّتهم الذميمة في الإِمرة.

وفي سبيل الملك استلحق معاويةُ زيادَ بن عبيد الرومي، وقَتل صبراً حجر بن عدي الكندي الصحابي الجليل؛ (وهو أوّل من قتل صبراً في الإِسلام)(٢) . وقد نقم جماعة من المسلمين على معاوية هذه الأحداث العظيمة في الإِسلام، كان أشدَّهم الحسن البصري، القائل: (أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم تكن فيه إِلاّ واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الأُمّة بالسيف، واستخلافه بعده ابنه يزيد سكِّيراً خمِّيراً، يلبس الحرير، ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً؛ وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):((الولد للفراش، وللعاهر الحجر)) ، وقتله حجر بن عدي وأصحابه. فيا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر(٣) .

وما لنا نسهب في الكلام ونذهب بعيداً في الاستدلال ولدينا إِيواء معاوية لابن العاص الذي يعلم بتحريضه الشديد على عثمان، فإِنّه أكبر دليل على أنّه ما أراد بخروجه على الإِمام دم عثمان؛ وإِنّما أراد المـُلك العضوض الذي حرص عليه وبذل جهده في سبيل احتكاره لولده يزيد، غير مكترث بما ينال الإِسلام والمسلمين من هذا الاحتكار البغيض، وبما ينجم عنه من الفتن التي تُودِي بالملك وتزعزعه من أساسه، وتوجب قتل الأخ لأخيه في سبيله.

____________________

=

يكف لها عنه عليُ سنانَه

ويضحك منها في الخلاء معاوية

فقولا لعمرو ثُمَّ بسر ألا انظرا

لنفسكما لا تلقيا الليث ثانية

ولا تحمدا إلاَّ الحيا وخصاكما

هما كانتا والله للنفس واقيه

(١) الخطط، ج١، ص٢٧١.

(٢) مروج الذهب، ج١، ص٥٤.

(٣) تاريخ إِبن الأثير، ج٣، ص١٩٣، ومحاضرات الراغب الأصبهاني، ج٢، ص٢١٣.


٥ - مناهضة المسلمين لبني أميّة والسرُّ في ذلك؟

تذكر الآن ما قدَّمناه قبل صفحات من سيرة النبيّ العظيم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقوانينه العادلة التي سار على ضوئها الوهَّاج خلفاؤه الراشدون(رض) وتذكر أيضاً سيرة ابن أبي سفيان وابنه يزيد وأمثال يزيد من آل مروان (أولئك الذين استبدوا بالسلطة، وجعلوا الرعيَّة وأموالها مُلكاً لهم يتوارثونها ويتصرَّفون فيها بما شاءوا حتّى إِذا ظهر فيهم عادل يحاول وضع الحقِّ موضعه، كمعاوية الأصغر وعمر بن عبد العزيز(١) ، ألزموه بقوَّة العصبية على أن يجري في طريقهم أو يُخلع من المـُلك(٢) .

أضف إِلى ذلك، امتهانهم لأئمّة الحديث والفقه وبيعهم لأحرار العرب(٣) الذين خدموهم أكبر خدمة وأيَّدوا ملكهم ونصبوا لأجلهم العداء لأهل البيت(ع).

____________________

(١) (كان عمر هذا مِن أعدل بني مروان؛ ولذا أحبَّه الناس وجنحوا في أيَّامه إلى السكينة. وكان يرأف بشيعة الكوفة، ويكتب إلى عامله بالعراق: (أمّا بعد، فإِنّ أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدَّة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمَّال السوء). تاريخ ابن الأثير، ج٥، ص٢٣. (وتوفّي عمر سنة ١٠١هـ بالسمِّ عند أكثر أهل النقل. فإِنَّ بني أميّة علموا إِنْ امتدَّت أيَّامه، أخرج الأمر من أيديهم، ولا يعهده بعده إِلاّ لمـَن يصلح للأمر، فعاجلوه وما أمهلوه). انظر: تاريخ أبي الفداء، ج١، ص٢٠١. وأمَّا ابن الأثير، فيجزم (بأن بني أميّة خافوا أن يخرج ما بأيديهم من أموال، وأن يخلع يزيد من ولاية العهد، فوضعوا على عمر مَن سقاه سمَّاً، فلم يلبث حتَّى مرض ومات). الكامل في التاريخ، ج٥، ص١٨.

(٢) من مقال لصاحب المنار، ج٦، ص٢٤.

(٣) يحدِّثنا الطبري وابن الأثير: (أنَّ الوليد بن يزيد جلس للناس ويوسف بن عمر عنده، فأرسل الوليد إِلى خالد بن عبد الله القسري: أنّ يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإِنْ كنت تضمنها وإِلاَّ دفعتك إِليه، فقال خالد: ما عهدتُ العرب تُباع. فدفعه إِلى يوسف، فنزعه يوسف ثيابه ودرَّعه عباءة ولحَّفه بأخرى، وحمله في محمل بغير وطاء، ثُم ارتحل به نحو الحيرة، فلمَّا وصل أتى بخالد، فدعا بعود، فوضع على قدمي خالد، ثُمَّ قامت عليه الرجال تضربه حتّى تكسَّرت قدماه، ثُمَّ على ساقيه حتّى كسَّرتا، ثُمَّ على حقويه، ثُمَّ على صدره حتّى مات ودفن بعباءته بناحية الحيرة سنة ١٢٦ هـ. تاريخ الطبري، مجلّد ٥، ص١٠٣، والكامل في التاريخ، ج٩، ص٢١.


نعم، تذكر كلتا السيرتين وقارن بينهما ليتضح لديك السرُّ في مناهضة الأمّة الإِسلامية جمعاء لبني أميّة، لا خصوص الشيعة كما يلوح من كلام الرحَّالة ثابت.

يدلُّك على ذلك التعميم نهضةُ المدينة المنوَّرة بعد نهضة الحسين المباركة، ولمـّا خمدت نهضة المدنية (أباحها قائد يزيد بن معاوية ثلاثة أيّام لأهل الشام؛ يفسقون بالنساء، ويقتلون فيها الناس حتّى قتل من وجوه المهاجرين والأنصار سبعمائة ومن وجوه الموالي عشرة آلاف. ثُمَّ إن قائد يزيد بايع مَن بقي من الناس على أنّهم خول وعبيد ليزيد بن معاوية)(١) .

ويقول إِبن قتيبة: (قُتل في المدينة مِن النساء والصبيان عدد كثير. وكان الجند يأخذ برِجل الرضيع فيجذبه من أمِّه ويضرب به الحائط فينتشر دماغه على الأرض وأمُّه

تنظر إِليه(٢) . ويقول الفخري: (إِنّ الرجل من أهل المدينة كان إذا زوَّج ابنته، لا يضمن بكارتها؛ لعلها قد افتضت في وقعة الحرَّة)(٣) حيث (افتُض فيها ألف عذراء من بنات المهاجرين والأنصار)(٤) .

فاهتاجت لذلك ولغيره مكَّة المكرَّمة، وتحصَّن أهلها في البيت الحرام؛ آملين أن يراعي الأمويُّون حرمة هذا البيت، المقدَّس حتّى عند الجاهلية الأولى، ولكنَّ الحصين بن نمير؛ قائد الجيش الأموي، قد خيَّب أمل المكِّيِّين؛ وراح يقذف الكعبة المشرَّفة التي التجأوا إِليها بالمنجنيق والنار.

وأهل المدينة ومكَّة كان أكثرهم يومئذ - إِنْ لم نقل كلَّهم - مِن غير الشيعة، بل كان الرئيس في مكّة عبد الله بن الزبير، وميله عن عليّ وشيعته مشهور معروف(٥) .

____________________

(١) تاريخ أبو الفداء، مجلَّد ١، ص١٩٢.

(٢) الإمامة والسياسة، ص٢٠٠.

(٣) الإمامة والسياسة، ص١٠٥.

(٤) السيوطي، تاريخ الخلفاء، ص٩٩.

(٥) انظر: العقد الفريد، مجلّد ٣، ص١٥٧؛ تجد إِسقاطه اسم النبيِّ(ص) من الخطبة أربعين جمعة؛ لئلا يفتخر بذكره قومه. وانظر: المبرَّد، تهذيب الكامل، مجلّد ١، ص١٤٩؛ تجد بغض ابن الزبير للعلويِّين وسجنه لهم في سجن عارم وعزمه على حرقهم فيه.


ومثله محمد بن الأشعث الذي نهض في مرج راهط ضد عبد الملك بن مروان.

٦ - نهضة الشيعة ضد بني أمية وأسبابها:

كانت باكورة النهضات ضدَّ الأمويِّين (بعد معاوية) نهضة الشيعة كما علمت. نهضوا مع سيِّد الأباة وسبط الرسالة إِمامهم الحسين بن علي (عليهما السلام)، وردّدوا قوله:((لا أرى الموت إِلا سعادة والحياة مع الظالمين إِلاَّ برما)) .

وقد أجملنا أسباب هذه النهضة الشريفة في ضمن الكلام عن مقتل الحسين وأصحابه فلا حاجة إِلى الإِعادة. وإنَّما نحن بحاجة إِلى التنبيه على أنّ هذه النهضة الحسينية هي التي نبَّهت الأفكار، وحفَّزت الهمم الخامدة، وجرَّأت الأمَّة الإسلامية على الجهر بإِنكار ما رأته من أعمال الأمويّين المنافية لقوانين الدين الحنيف، وعلى إِباء الذل والخنوع والضغط والاضطهاد؛ ولذلك نرى تتابع النهضات الإسلامية على أثر النهضة الحسينية الواحدة تِلو الأخرى، ونرى بعض الزعماء يفتخرون بالتأسِّي بسنة الحسين(ع) حتّى أنّ مصعب بن الزبير كان يُثبّت نفسه على حرب عبد الملك بقوله:

وإنّ الألى بالطف من آل هاشم

تأسُّوا فسنوا للكرام التأسِّيا

وكانت أوَّل نهضة شيعية بعد الحسين(ع) هي نهضة التوَّابين، ثُمَّ نهضة شيعة الكوفة مع المختار. وكان السبب لهاتين النهضتين مزدوجاً؛ من الأخذ بالثأر ومن كراهيّة الحياة بالذل واحتمال الضغط والاضطهاد.

وبعدهما نهض زيد بن عليّ بن الحسين (عليهم السلام)، وكانت نهضته كنهضة جدِّه في أيّام قوَّة الدولة الأمويَّة وميعة صباها، وسعة سلطانها، فقول الرحَّالة المصري: (لكن لمـَّا قويت الدولة الأموية اختفت الشيعة) بعيد عن الصواب.

وسبب نهضة زيد - على ما أرى - هو ما رآه من ظلم هشام بن عبد الملك وخالد القسري ويوسف بن عمر وعبثهم بحقوق الأمَّة وهتكهم نواميس الشرع، واحتقار هشام بالخصوص لزيد وأخيه الإِمام الباقر (عليهما السلام)


حتّى أنَّه (لمَّا دخل زيد على هشام، قال له: ما فعل أخوك البقرة؟ فغضب زيد حتّى كاد يخرج من إِهابه، ثُمَّ قال لهشام: سمَّاه رسول الله باقراً وتسمِّيه أنت البقرة! لشدَّ ما اختلفتما. لتخالفنه في الآخرة كما خالفته في الدنيا. فقال هشام: خذوا بيد هذا الأحمق المائق)(١) .

(فخرج زيد من عند هشام، وهو يقول: ما كره قوم قط جرَّ السيوف إِلاَّ ذلُّو)(٢) ويؤيِّد كون السبب في نهضة زيد ما رآه مِن ظلم القوم وفسقهم ما رواه المقريزي؛ قال: (سئل جعفر بن محمد الصادق عن خروج زيد، قال:((خرج على ما خرج عليه آباؤه)) (٣) .

ويرى الخضري المصري: (أنّ سبب خروج زيد بن عليّ؛ هو ظلم يوسف بن عمر وسوء

تدبيره)(٤) ، والأقرب ما تقدَّم. وما ذكره الخضري من جملة الأسباب الأولى لا أنَّه سبب وحده.

ثُمَّ إنَّا لا ننكر أنَّ الشيعة كما ناهضوا الدولة الأموية أيّام قوَّتها ناهضوها أيضاً أيّام ضعفها وبدء اضمحلالها؛ فهذا يحيى بن زيد المتقدِّم ذكره قد نهض أيّام ضعف الدولة والدين أيضاً، وناهض في سنة ١٢٥ هـ الوليد بن يزيد بن عبد الملك المخاطب لكتاب الله العزيز بعد أن ألقاه (ورماه بالسهام:

تُهدِّدني بجبار عنيد

فها أنا ذاك جبارٌ عنيد

إِذا ما جئت ربَّك يوم حشر

فقلْ: يا ربِّ مزَّقني الوليد)(٥)

ومع هذا القول يعدُّونه - وياللأسف - من خلفاء الإِسلام، ويعدُّون الخروج عليه جريمة لا تغتفر وخطأً عظيماً كما عدَّ بعضهم خروج الحسين على يزيد سلف الوليد من هذا القبيل.

____________________

(١) عيون الأخبار، مجلّد ١، ص٢١٢، وشرح النهج، مجلّد ١، ص٣١٥؛ (بتلخيص).

(٢) المقريزي، الخطط، مجلّد ٤، ص٣٠٩.

(٣) الخطط، مجلّد ٤، ص٣٠٧.

(٤) المحاضرات، ص٦١٠.

(٥) تاريخ ابن الأثير، مجلّد ٥، ص١٠٧. ويقول السيوطي(تاريخ الخلفاء، ص٩٧): (إنَّ الوليد هذا كان فاسقاً خِمِّيراً لوَّاطاً؛ راود أخاه سليمان عن نفسه، ونكح زوجات أبيه).


وأمَّا خروج معاوية على أبي الحسين، فهو بنظر البعض لمصلحة الأمَّة. وهذا، بلا ريب، تعصبٌ ذميم، وخروج عن جادَّة الإِنصاف.

وأيُّ مصلحة رأت الأمَّة في خروج معاوية وفي سبِّه أهل البيت على منبر جدِّهم(ص) حتّى أوغر بذلك صدور الشيعة وجعلهم يترَّبصون الفرص للنهضة ضدَّ الدولة الأموية، بل أيُّ مصلحة للإسلام في أنْ (يقول جماعة معاوية لحجر بن عدي وأصحابه: إِنّا أُمرنا أنْ نعرض عليكم البراءة من عليٍّ واللعن له. فإِن فعلتم، تركناكم، وإِن أبيتم، قتلناكم. فقالوا: لسنا فاعلي ذلك(...) فحُفرت لهم القبور، وأُحضرت الأكفان، وقام حجر وأصحابه يصلَّون عامَّة الليل، فلما كان الغد قدموا (...) فقتلوا)(١) .

حكى ذلك ابن الاثير، ثُمَّ شفع هذه الحكاية الفظيعة بأفظع منها؛ قال: (قال معاوية لكريم الخثعمي: ما تقول في عليّ؟ قال: أقول فيه قولك. قال معاوية: أتبرأ من دين عليٍّ الذي يدين الله به؟ فسكت الخثعمي)(٢) .

وحقَّ له السكوت؛ لانَّ عليَّاً لم يدن بغير دين الإسلام في حياته كلِّها، بل (والله، لولا سيفه، لمـَا قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمَّة وذو سابقتها وذو شرفها)(٣) بل

(ولولا أبو طالب وأبنه

لمَا مَثُل الدين شخصاً فقاما

فذاك بمكة آوى وحامى

وهذا بيثرب جسَّ الحساما)(٤)

وعلى الإِجمال، فإِنَّ هذه السُّنَّة السيئة؛ سُنَّة السبِّ، كانت متَّبعة عند الأمويِّين، وهي السبب الرئيسي لأكثر نهضات الشيعة الذين كانوا يسمعون سبَّ أئمَّتهم جهاراً من بني أميَّة وعمَّالهم، أمثال، زياد وأبنه، وخالد القسري، ويوسف بن عمر، والحجَّاج بن يوسف الذي قال عنه عمر بن عبد العزيز: (لو جاءت كلُّ

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير، مجلّد ٣، ص١٩٢، والأغاني، ج١٦، ص٩.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) قال ذلك عمر بن الخطاب(رض) في جواب مَن نسب عليَّاً أمامَه إِلى التيه، فقال له: حقٌّ لمثله أن يتيه...إلخ. انظر: شرح النهج، مجلّد ٣، ص١١٥.

(٤) من أبيات لابن أبي الحديد في مدح أبي طالب ذكرها في: شرح النهج، مجلَّد ٣، ص٣١٧.


اُمَّة بخبيثها، وجئنا بالحجَّاج، لغلبناهم)(١) وقال عنه الإمام الأوزاعي: (كان الحجَّاج بن يوسف ينقض عرى الإسلام عروة عروة)(٢) .

ولا تستغرب هذين القولين فإنَّ الحجَّاج (كان يُفضِّل عبد الملك بن مروان على الملائكة المقرَّبين والأنبياء المرسلين، ويقول: ويحكم، أخليفة أحدكم في أهله أَكرم عليه أم رسوله إِليهم؟)(٣) ومع هذا القول كان عبد الملك (يقول: الحجَّاج جلدة ما بين عيني وأنفي)(٤) .

٧ - عدم تشيُّع الفُرس أيَّام الدعوة العبَّاسيَّة:

عرفت الأسباب التي سبّبت مناهضة الشيعة للدولة الأموية في حالتي القوّة والضعف معاً، والتي أَوجبت مقت الشيعة للحكم الأمويِّ الجائر، ودفعت بعضهم إِلى الاشتراك مع العبَّاسيِّين في العراق على العمل ضدَّ الأمويِّين، لا (في خراسان تحت راية أَبي مسلم الخراساني) كما زعمه الرحَّالة المصري؛ لانَّ أهل خراسان لم يكونوا يومئذ من شيعة العلويِّين، وإِنَّما كانوا من شيعة العبَّاسيِّين ودعاتهم، وهكذا كان أبو مسلم الخراساني.

يقول الطبري: (وفي هذه السنة؛ سنة ١٢٠ هـ، وجَّهت شيعة بني العبَّاس في خراسان إِلى محمدِ بن علي بن عبد الله بن عبَّاس، سليمانَ بن كثير؛ ليعلمه أمرهم وما

هم عليه(...) وفيها وجَّه محمد هذا بكيرَ بن ماهان إِلى شيعته بخراسان، وكتب معه كتاباً يعلمهم به: أنّ خداشاً حمل شيعته على غير منهاجه)(٥) .

ويقول ابن خلدون: (وأمَّا الكيسانية، فساقوا الإِمامة من ابن الحنفية إِلى ابنه أبي هاشم) إِلى أن انتهى إلى المنصور، ثُمَّ قال: (وانتقلت في ولده بالنصِّ والعهد (...) وهذا مذهب الهاشمية القائمين بدولة بني العباس. وكان منهم: أبو مسلم (الخراساني)،

____________________

(١) تاريخ ابن الأثير، مجلَّد ٣، ص٣٢٣، والعقد الفريد، مجلَّد ٣، ص٢٥٣.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) العقد الفريد، مجلَّد ٣، ص٢٥٥.

(٤) المصدر نفسه.

(٥) تاريخ ابن خلدون، مجلَّد ٨، ص٢٤٩.


وسليمان بن كثير، وأبو سلمة، وغيرهم، من شيعة العبَّاسية)(١)

ويقول الخضري المصري: (كلُّ هذه المشاغل شغلت مروان بن محمد عن خراسان، فكان ذلك أكبر مساعد لشيعة بني العبَّاس ورئيسهم المقدام أبي مسلم الخراساني في التغلُّب على خراسان ومبايعة أهلها على الرضا من بني العبَّاس)(٢) . فأنت ترى أنَّ الطبريَّ وابن خلدون والخضري لم يجعلوا الخراسانيِّين، ولا أبا مسلم الخراساني وزملاءه في الدعوة العبَّاسية، من الشيعة العلويّة، وإِنّما جعلوهم من أشياع العبَّاسيين والقائمين بدولتهم.

ولقد أخرج الصادق جعفر بن محمد أهل خراسان من الشيعة (يوم جاء عبد الله المحض وقال للصادق(ع): هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إِلى الخلافة قد وصل على يد بعض شيعتنا مِن أَهل خراسان، فقال الصادق:((ومتى صار أهل خراسان من شيعتك وهم يدعون إِلى غيرك؟)) فقال عبد الله: كأنَّ هذا الكلام لشيء؟ فقال الصادق(ع):((قد علم الله أنِّي أُوجب النصح على نفسي لكلِّ مسلم، فكيف أدَّخره عنك؟ وقد جاءني مثل هذا الكتاب الذي جاءك فأحرقته)) )(٣) .

وأخرجهم أيضاً من التشيُّع محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس في كلمته التي قالها لرجال الدعوة حينما أراد بثَّهم في البلدان؛ قال: (أمَّا الكوفة وسوادها، فهناك شيعة عليِّ بن أبي طالب. وأمَّا البصرة، فعثمانية تدين بالكف. وأما الجزيرة، فحرورية مارقة. وأَمّا أهل الشام، فليس يعرفون إِلاَّ آل أبي سفيان وطاعة بني مروان(...). وأمَّا أهل مكَّة والمدينة، فقد غلب عليهما أَبو بكر وعمر. ولكن عليكم بخراسان، فإِنَّ هناك العدد الكثير، والجلد الظاهر، وصدور سليمة، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء، ولم تتوزَّعها النحل، ولم تشغلها ديانة... إِلخ)(٤) .

____________________

(١) المقدِّمة، ص١٤٠. ولكن المقريزي قد خالفه في تسمية هؤلاء؛ فأسماهم باسم الرزامية، لا الهاشمية، وإنْ وافقه على غير ذلك. انظر: الخطط، مجلَّد ٤، ص١٧٧.

(٢) المحاضرات، ص٢٢٩.

(٣) الفخري في الآداب السلطانية، ص١٣٧.

(٤) ابن قتيبة، عيون الأخبار، مجلَّد ١، ص٢٠٤.


وإِنّ هذه هذه الكلمة الصادرة من هذا الرجل الكبير الخبير بتلك البلدان، والعليم بمذاهب أهلها ونزعاتهم، لأصرح دليل على عدم تشيُّع الخراسانيِّين في ذلك العهد، بل يظهر منها انحصار التشيّع، أو كثرته، في الكوفة وسوادها، لكن حملها على الكثرة أولى؛ لانَّ وجود الشيعة يومئذ في جبال عاملة وقم ونيسابور، ممَّا لا ريب فيه على الظاهر، وخصوصاً في قم. يخبرنا ياقوت الحموي: (أنَّ قم مُصِّرت سنة ٨٣ هـ على يد بني سعد بن مالك بن عامر الأشعري، وكان متقدِّم هؤلاء البنين، عبد الله بن سعد، وكان له ولَد قد ربِّي بالكوفة، فانتقل منها إِلى قم وكان إِماميَّاً، وهو الذي نقل التشيُّع إِلى أهلها، فلا يوجد بها سنيٌّ قط)(١) .

والذي يدلُّ أيضاً على براءة التشيُّع من أبي مسلم وإِخوانه الخراسانيِّين، قول الشهرستاني عن إِبراهيم الإمام العبَّاسي: (وهو صاحب أبي مسلم الذي دعاه إليه وقال بإِمامته، وتبعه قوم من خراسان ساقوا الإمامة إِليه. وقالوا له: حظ فيها، ثُمَّ ادعوا حلول روح الإله فيه؛ ولهذا أيَّدوه على بني أُميَّة حتّى قتلهم عن بكرة أبيهم)(٢) .

وإِليك - زيادة عمَّا تقدَّم من الأدلَّة على عدم تشيُّع الخراسانيِّين أيَّام الدعوة وما قبلها - ما يدلُّك على بقائهم على ذلك إِلى القرن الرابع والخامس، ويدلُّك على عدم تشيُّع غيرهم من بلاد فارس أيضاً.

يقول أبو بكر الخوارزمي (المتوفَّى سنة ٣٨٣ هـ) في رسالته إِلى جماعة الشيعة بنيسابور بعد أن عدَّد أعمال الأمويِّين، قال: (فبعث عليهم أبا مجرم لا أبا مسلم، فنظرَ - لا نظر الله إِليه - إِلى صلابة العلوية ولين العبَّاسية، فترك تقاه، واتبع هواه، وباع آخرته بدنياه، وسلط طواغيت خراسان، وخوارج سجستان، وأكراد أصفهان على آل أبي طالب، يقتلهم تحت كلَّ حجر ومدر، حتّى سلَّط الله عليه أحبَّ الناس إِليه(٣) ، فقتله كما قتل الناس في طاعته، وأخذه بما أخذ

____________________

(١) معجم البلدان، مجلَّد ٧، ص١٦٠.

(٢) الملل، ج١، ص٨٧.

(٣) يُشير بذلك إِلى المنصور العبَّاسي الذي قتل أبا مسلم الخراساني سنة ١٣٧ هـ بعد أن وطَّد الملك للعباسيِّين وبناه لهم على الجماجم الفارسيَّة، فكان جزاؤه منهم جزاء سِنِّمار.


الناس في بيعته)(١) .

وهذه الكلمة تفهمنا - زيادة على كره أبي مسلم للشيعة، وكونه غير شيعي - أنَّ التشيُّع لم يكن إِلاَّ نادراً في البلاد الفارسيَّة أيَّام أبي مسلم والدعوة العبَّاسية، بل ولا كان فاشياً حتّى في خراسان؛ بلد أبي مسلم، وحتّى في بلد كبير كأصفهان وسجستان.

ويؤكِّد ذلك في ختام هذه الرسالة بقوله: (فإِنْ كان التشيُّع قد كسد في خراسان، فقد نفق في الحجاز والحرمين، والشام والعراقين. ونسأله تعالى أن لا يكلنا إِلى أنفسنا، وأن يعيذنا من روايات الكيسانية، وكذب الغلاة الخطَّابية، وأن لا يحشرنا على نصب أصفهاني، ولا على بغض لأهل البيت طوسي أو شاشي).

وهذا ابن الأثير يخبرنا بما يوافق الخوارزمي على كون أهل طوس كانوا من مبغضي أهل البيت في أواخر عصر الخوارزمي؛ قال: (إنّ محمود بن سبكتكين جدَّد عمارة المشهد بطوس الذي فيه قبر عليّ بن موسى الرضا وأحسن عمارته. وكان أبوه سبكتكين أخربه، وكان أهل طوس يؤذون من يزوره، فمنعهم ابنه عن ذلك. وكان سبب فعله ذلك؛ أنَّه رأى في المنام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو يقول له: إِلى متى هذا؟ فعلم أنَّه يريد أمر المشهد، فأمر بعمارته)(٢) .

وإِليك أيضاً ما يدلُّ على عدم تشيُّع الخراسانيِّين في أواخر القرن الثاني ما رواه البيهقي من: (أنّ المأمون العبَّاسي همَّ بأن يكتب كتاباً في الطعن على معاوية. فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، العامَّة لا تتحمَّل هذا؛ ولا سيما أهل خراسان. ولا تأمن أن يكون لهم

نفرة )(٣) .

____________________

(١) رسائل الخوارزمي، ص١٢٨.

(٢) تاريخ ابن الأثير،ج ٥، ص١٣٩.

(٣) والبيهقي، المحاسن والمساوئ، ج١، ص١٠٨.


الاستنتاج:

فإِذا علمت أنَّ خراسان وسجستان وأصفهان كانت غير شيعية أيّام أبي مسلم الخراساني والدعوة العباسيّة، وأنّ أصفهان وشاش وطوس - وهي مدفن الإِمام الثامن للشيعة - كانت ناصبة العداء لآل البيت العلوي أيّام الخوارزمي وابن سبكتكين المتوفَّى سنة ٤٢١ هـ، وأنَّ خراسان كانت تُوالي معاوية أيّام المأمون - إِذا علمت ذلك كلِّه، فاسأل معنا الرحَّالة المصري عن القرن الذي قصده في قوله: (رأت فارس في الشيعة خير هادم للإِسلام ولملك بني العباس) هل هو القرن الثاني أو الثالث أو الرابع أو القرن العاشر؟ الذي ظهرت فيه الدولة الصفوية العلوية، وجعلت التشيُّع مذهباً رسمياً في فارس، وبثَّته في البلاد حتّى صار جلُّ السكان إِمامية اثني عشرية، ولم يزالوا كذلك إلى اليوم.

وأظنُّه يقصد القرن الثاني؛ لانَّ فيه تولَّدت الدولة العبَّاسية التي (قضت (بزعمه) على استقلال فارس وقوميَّتها).

وبما أنّك علمت ممَّا تقدَّم أنّ الشيعة في هذا القرن لم يكونوا في فارس غير أفراد

قلائل في (قم)، متستِّرين لا يستطيعون التظاهر بمذهبهم ولا الدعوة له، فلا أظنَّك إِلاَّ حاكماً بأنَّ هدم الإسلام الذي زعم الرحَّالة حصوله يومئذ من الفُرس إِنَّما كان على يد غير الشيعة، لانَّ أكثرية السكَّان الساحقة كانت وقتئذ في جانب غير الشيعة، وكان السلطان لتلك الأكثرية، والقوّة معها، وكان منها العلماء الذين ترأسوا وُقِلّدوا في الأقوال والأعمال، ومنها الدهاة المحنَّكون في الدعاية والتلبيس.

ومن البديهي أنَّ هدم العقيدة، وكذا المذهب والملك، إِنَّما هي من الأمور التي لا يتمكَّن منها غالباً غير أولى السلطان والقوَّة العلمية والمادية، وهي بأجمعها لم تكن متوفِّرة لدى أفراد الشيعة القليلين في فارس يومئذ؛ ولذلك لمـَّا توفَّرت لديهم - أيَّام الشاه عبَّاس الصفوي - تغلَّب المذهب الشيعي


على غيره هناك ونال الأكثرية. وإِليك مثلاً من تأثير السلطان والقوَّة في هدم العقيدة وبناء غيرها في القلوب؛ ما فعله السلطان السفياني، ثُمَّ المرواني، فإِنّه بعد أن هدم - بقوَّته الغاشمة - عقيدة التمسُّك بالعترة النبوية، بنى عقيدة النصب لهم والتقرُّب إلى الله تعالى عقيب كلِّ فريضة بسبهم. وتمكنت هذه العقيدة من قلوب جماعات كثيرة حتّى جهرت بها في أغلب البلاد الإِسلامية وحتّى (كان أهل حرَّان حين أزيل لعن أمير المؤمنين عن المنابر في أيّام الجُمع امتنعوا من إِزالته، وقالوا: لا صلاة إِلاّ بلعن أبي تراب)(١) .

وهكذا فعل السلطان الأيُّوبي في مصر؛ فإِنّه بعد أن (تقوَّى على العاضد الفاطمي وألغى الخطبة له بتحريض من أمير فارسي يُدعى أمير عالم( وهذا الأمير هو الذي أخذ على عاتقه أن يباشر العمل بنفسه). ففي أوَّل جمعة من محرَّم سنة ٥٦٧ هـ توجَّه أمير عالم الفارسي إِلى أكبر جوامع القاهرة، وصعد المنبر وخطب باسم المستضيء العباسي. فلمّا علم صلاح الدين الأيوبي بذلك، أمر أن تعاد الخطبة للمستضيء في جميع جوامع القاهرة والفسطاط)(٢) .

بعد ذلك كله (اتخذ الملوك من بني أيُّوب يوم عاشوراء يوم سرور، يُوسِّعون فيه على عيالهم، ويتبسَّطون في المطاعم، ويصنعون الحلاوات، ويتَّخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون ويدخلون الحمام، جرياً على عادة أهل الشام التي سنَّها لهم الحجَّاج في أيَّام عبد الملك.. وقد أدركنا بقايا ممَّا عمله بنو أيُّوب؛ من اتخاذ يوم عاشوراء يوم سرور وتبسط)(٣) . ونحن أدركنا تلك البقايا ليلة ١١ محرَّم سنة ١٣٣٨ هـ في دير الشعار في طريقنا إِلى العراق لطلب العلم الديني في النجف الأشرف، وقلنا: أبمثل هذا تتقرَّب الأمَّة إِلى نبيِّها في الليالي التي قتل فيها سبطه وريحانته؟!

____________________

(١) شرح النهج، ج٢، ص٢٠٢.

(٢) جورج زيدان، تاريخ مصر، ج١، ص٣٣٥.

(٣) خطط المقريزي، ج٢، ص٣٨٥.


وهذا العمل وإِن كان بظاهره عادة، إِلاّ أنّه أثرٌ كبير يدلُّ على عقيدة النصب البالغة إِلى أعماق القلوب والمؤثِرة لهذا العمل الفظيع المبعد عن الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويحدِّثنا المقريزي أيضاً: (أنَّ السلطان صلاح الدين الأيُّوبي حمل الكافَّة على عقيدة الشيخ أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري(١) ، وشرط ذلك في أوقافه فاستمرَّ الحال على عقيدة الأشعري بديار مصر والشام والحجاز واليمن والمغرب حتّى صار هذا الاعتقاد بسائر هذه البلاد؛ بحيث إنَّ مَن خالفه ضُرِب عنقه. والأمر على ذلك إِلى اليوم)(٢) .

ويخبرنا: (أنَّ المعزَّ ابن باديس حمل جميع أهل إِفريقية على التمسُّك بمذهب مالك وترك ما عداه من المذاهب، فرجع أهل إفريقية وأهل الأندلس كلُّهم إلى مذهب مالك إِلى اليوم؛ رغبةً فيما عند السلطان وحرصاً على طلب الدنيا)(٣) .

ويحكي الشهرستاني: (أنَّ محمود بن سبكتكين السلطان قد نصر مذهب الكرَّامية(٤) ، وصبَّ البلاء على أهل الحديث والشيعة )(٥) .

ولدينا غير هذه من الشواهد والأمثلة الكثيرة، أعرضنا عنها حذراً من

____________________

(١) تولَّد الأشعري بالبصرة سنة ٢٦٠ هـ وتوفِّي سنة ٣٢٤ هـ، وكان من العلماء الأفذاذ (وكان على عقيدة المعتزلة، ثُمَّ رجع وتاب مِن القول بخلق القرآن، ومن القول بأنَّ الله لا يرى بالأبصار، ومن القول بنسبة فعل الشرِّ إِلى المخلوقين). المقريزي، الخطط، ج٤، ص١٨٦.

(٢) الخطط، ج٤، ص١٦١.

(٣) الخطط، ج٤، ص١٤٤.

(٤) الكرَّامية كانوا من المجسِّمة والمشبِّهة، ويثبتون القدر، خيره وشرُّه، من الله تعالى، وأن الله أراد الكائنات كلَّها خيرها وشرَّها. وقالوا: الإِمامة تثبت بالإجماع دون النصِّ والتعيين. وقالوا: يجوز عقد البيعة لإِمامين في قطرين؛ وغرضهم إِثبات إِمامة معاوية بالشام وأمير المؤمنين في المدينة والعراق. ورأوا تصويب معاوية فيما استبد به من الأحكام

الشرعية. الشهرستاني، المِلل، ج١، ص٦١. ويقول المقريزي (الخطط، ج٤، ص١٧٣): (حدث مذهب التجسيم على يد محمد بن كرَّام بن عراق السجستاني زعيم الكرامية بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتّى انتهى إلى التجسيم والتشبيه. مات بزغرة سنة ٢٥٦ هـ ودفن بالقدس)

(٥) المِلل ، ج١، ص١٥.


التطويل المؤدي إِلى المـَلل، وحذراً من الابتعاد كثيراً عن موضوع بحثنا الذي كان القصد منه إِثبات عدم تشيُّع الخراسانيِّين أيَّام دعوتهم ونصرتهم لبني العبَّاس، وعدم شيوع التشيُّع في فارس إِلى أوائل القرن العاشر، بل كان جُلُّ القصد والغرض تخطئة أُولئكم الذين يتسرَّعون كثيراً في الحكم بتشيُّع الفُرس ونسبتهم إِلى الشيعة في العهد العبَّاسي، ثُمَّ ينسبون إِليهم كلَّ البدع والخرافات التي أُلصقت بالإِسلام، وكلَّ الرزايا التي نزلت بالمسلمين. وهذا، بلا شك، حكم جائر ورأي فائل، لا يستند إِلى دليل، ولا يتَّفق بوجه مع قيام

الفُرس، وخصوصاً الخراسانيِّين، بتأسيس الدولة العبَّاسية ومساعدة آل العبَّاس على تقتيل العلويِّين الذين نهضوا في الحجاز والعراق وفارس. وكان عمدة أنصارهم على نهضتهم هذه علماء العرب وأبطالهم، وما سمعنا عرقاً فارسيَّاً نبض في نصرة هذه النهضات

العلوية(١) ، أو رفع صوته - على الأقل - منكراً على العبَّاسيِّين أعمالهم المنكرة الفظيعة مع بني عمومتهم، بل سمعنا بالعكس؛ سمعنا أنَّ يحيى البرمكي تعهَّد للرشيد بقتل الإِمام الكاظم ووفى بتعهُّده (كما تقدَّم في الفصل الثاني)، وسمعنا الحسن بن سهل يعاكس في عهد المأمون للإِمام الرضا (كما في: المفيد/ الإرشاد/ ص٣٣٢)، ويسعى بالإِمام عند

المأمون (كما في كتاب: أَخبار الحكماء. فراجع).

وعلى كلٍّ... فإِذا وُجد مع (الرحَّالة) مَن يتوهَّم تشيُّع الفُرس في تلك العصور (وهدمهم الإِسلام)، فلا يُوجد (على ما أظنُّ) مَن يتوهَّم معه (أنَّ الدولة العبَّاسية قضت على استقلال فارس، وحاولت القضاء على قوميَّتها)؛ لأنَّ من البديهي أنَّ فتح فارس كان أيَّام الخليفة الثاني والثالث (رض)، ولم يبق سوى

____________________

(١) نعم، كان الإمام أبي حنيفة الفارسي يحضُّ الناس على الخروج مع إبراهيم الحسيني بالبصرة، كما قدَّمنا في بحث الزيدية، وذكرنا أنَّه كان على بيعة محمد بن عبد الله الحسني ومن جملة شيعته).


بلاد قليلة خارجة على يد المسلمين يومئذ، ثُمَّ استولوا عليها أيّام بني أميَّة.

وهذا لا يجهله حتّى صغار الطلبة، كما لا يجهلون أنَّ العبَّاسيِّين - بلا مبالغة - هم الذين أحيوا قومية الفُرس وسلَّموا زمام الدولة لرجالات فارس حتّى كانت دولتهم وقتئذ شبه فارسيَّة، ثُمَّ صارت أيَّام المتعصم ومن بعده شبه تركية.

٨ - نهضة الشيعة ضدَّ العبَّاسيِّين وسرُّ مطاردة العبَّاسيِّين لهم:

... كان بنو أميّة يمقتون جميع الهاشميِّين - إِلاّ القليل - أشدَّ المقت أيَّام الجاهلية، وداموا على ذلك حتّى في أيَّام نبي الإسلام الهاشمي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن قد كمن مقتهم هذا لمـَّا ظهرت معجزات النبوة وآياتها الباهرة، واشتدَّ عضد الإسلام بالمهاجرين والأنصار. وبقي ذلك المقت كامنا إِلى أواخر أيّام عثمان (رض)؛ حيث ظهر على يد بطانته الأموية، وبلغ أشدَّه يوم تولَّى الخلافة العامَّة أميرُ المؤمنين وسيِّد الهاشميِّين بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فنال من مقتهم ومناوأتهم له ما غصَّت به بطون الكتب.

ولمَّا استشهد(ع) وبويع شبله الحسن، قاموا يناهضونه بكلِّ ما لديهم من قوَّة، حتّى إذا ما تمَّت لهم الغلبة الدنيوية (كتب معاوية نسخة واحدة إِلى جميع عمَّاله بعد عام الجماعة: أنْ برأت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب علي(ع) وأهل بيته. فقامت الخطباء في كلِّ كورة وعلى كلِّ منبر يلعنون عليَّاً ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته)(١) .

وقد علمت ممَّا تقدَّم أنَّ لعن عليٍّ والبراءة منه كانا سنَّة متَّبعة في الدولة الأموية إِلى عهد عمر بن عبد العزيز(رض)، ولكن يظهر من المقريزي (أنّ سنَّة اللعن دامت في مصر من حين فتحها مروان إلى سنة ١٣٣ هـ)(٢) .

وقد بلغ اضطهاد الأمويِّين وعمَّالهم إلى بني هاشم إِلى حدٍّ كانت تُعدُّ صلة الهاشمي جريمة كبرى في نظر بعض العمَّال، يتَّخذونها طريقاً للوشاية بخصومهم والوقيعة بهم.

يحدثنا الطبري: (أنَّ يوسف بن عمر كتب إِلى هشام: إنَّ أهل البيت من بني هاشم

____________________

(١) المعتزلي، شرح النهج، ج٣، ص١٥.

(٢) الخطط، ج٤، ص١٥٢.


قد كانوا هلكوا جوعاً؛ حتّى كانت همَّة أحدهم، قوت عياله. فلمَّا ولي خالد العراق، أعطاهم الأموال، فقووا بها حتّى تاقت أنفسهم إلى الخلافة)(١) .

وكان هذا الاضطهاد الأموي متَّجهاً نحو الهاشميَّين أجمع؛ لا فرق لديه بين العلوي والعبَّاسي، كما يظهر من ابن أبي الحديد الذي حكى لنا (قصَّة اجتماع معاوية ومروان وزياد ويزيد وعتبة، وسبِّهم لحبر الأمَّة عبد الله بن عبَّاس، وتحقيرهم إيَّاه في مجلس معاوية(٢) ، وحكى قول معاوية لابن عبَّاس: (إنَّ في نفسي منكم لحزازات يا بني هاشم، وإِنّي لخليق أنْ أدرك بكم الثأر)(٣) .

وذكر أيضاً: (أنَّ الوليد بن عبد الملك ضرب علي بن عبد الله بن عبَّاس بالسياط، وشهره بين الناس، يُدار به على بعير ووجهه ممَّا يلي ذنب البعير وصائح يصيح عليه: هذا علي بن عبد الله بن عبَّاس الكذَّاب(٤) . وروى في مكان آخر (كيفيَّة خنق الأمويِّين لإبراهيم العبَّاسي في جراب من نورة بالحبس).

لذلك كان من الطبيعي أن يترقَّب العبَّاسيُّون الفرصة للوثبة على الأمويِّين، وأن يبايعوا بعض العلويِّين وينهضوا معاً ضدَّ الدولة الأموية؛ لِمَا رأوا تفكُّك الأمويِّين وثورة بعضهم على بعض، وخروج البلاد عليهم ومَللها منهم ومِن حكمهم.

لمَّا رأى الهاشميَّون ذلك كلَّه، قاموا يُنظِّمون الدعوة ويبثون الدعاة، ويجعلون في رأس الدعوة وعنوانها: البيعة لرجل من آل هاشم، من غير ذكرٍ لأحد الفريقين المتَّحدين. وأرى أنَّه لولا ذكر الآل في مواد الدعوة، لمـَا نالت ذلك الظفر الباهر، ولأسرت بسرعة البرق إِلى القلوب، خصوصاً قلوب أهل الكوفة وسوادها؛ لتشيُّع أهلها تشيُّعاً علويِّاً، ولعلمهم بانحصار الآل وغلبة إِطلاقه على أبناء فاطمة بضعة المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولأنَّ ظلم الأمويِّين كان أثره في العلويِّين أظهر منه في

____________________

(١) تاريخ الطبري، ج٢، ص١٨.

(٢) المعتزلي، شرح النهج، ج٢، ص١٥.

(٣) شرح النهج، ج٢، ص١٠٥.

(٤) شرح النهج، ج٢، ص٢١٠، والمبَّرد، تهذيب الكامل، ج١، ص٢٩٢ الذي ذكر فيه(ص٣٩٢): أنَّ الوليد هذا ضرب عليَّاً هذا بالسياط مرَّتين. وكذلك ذكر ابن خلِّكان في : الوفيَّات، مجلَّد١، ص٣٢٣.


العبَّاسيِّين. ومعلوم أنّ النفوس البشرية ميَّالة بالطبع إِلى نصرة مَن ظهرت ظُلامته. زد على ذلك أنَّ آل العبَّاس كانوا - قبل نيل المـُلك - يُظهرون محبَّة عليّ وينتصرون له ولآله (عليهم السلام)، ويُصرِّحون كثيراً بأنَّ غايتهم الأولى الأخذ بثأر الحسين بن عليّ وأحفاده (وكان عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبَّاس ينشد حينما قُتل الأمويِّين في الشام، ويترنَّم بقوله:

حسبت أميَّة أنْ سترضى هاشم

عنها ويذهب زيدها وحسينها(١)

وعلى كلٍّ... فقد لبَّس العبَّاسيُّون على الشيعة في هذه الدعوة(٢) حتّى قام بعض الكوفيِّين يعاضدها في العراق مع شيعة بني العبَّاس الخراسانيِّين، ولكن لمـَّا تمَّ النجاح وظهرت الغلبة، وانكشفت أستار تلك الرواية الخداعية، ورأى الشيعة العلوية تربَّع السفَّاح العبَّاسي على سرير الخلافة أو الملك (على الأصح)، قاموا يطالبون بحقوق العلويِّين ونصيبهم من تلك الدعوة المشتركة، فما كان جوابهم - بالطبع - إِلاَّ السيف تارة، والخداع والمواعيد تارة أخرى، على طبق ما يصنعه

____________________

(١) ابن قتيبة، عيون الأخبار، مجلّد ١، ص٢٠٨.

(٢) كما لبَّس الأمويُّون على أهل الشام أنَّ بني أميَّة هم أهل بيت رسول الله (ص) والوارثون له. حكى المسعودي (مروج الذهب، مجلّد ٢، ص٧٣): (أن عبد الله بن علي وجَّه إِلى أبي العبَّاس السفَّاح أشياخاً من أهل الشام من أرباب النعم والرئاسة، فحلفوا له أنَّهم ما علموا لرسول الله (ص) قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أميَّة حتّى وليتم الخلافة). وذكر هذا الحلف الريائي صاحب عصر المأمون (مجلّد ١، ص١٩٠). وإِنَّا - مع اعتقادنا بحصول التلبيس على الشام - لنشكُّ في صدق هؤلاء الأشياخ بحلفهم هذا، لأنَّه من البعيد جداً أن يجهل مثلهم؛ من المسنِّين المتَّصلين برجال بقية الأقطار، قرابة الرسول القريبة الذي أذهب الله عنها الرجس وطهَّرها تطهيراً. نعم، كان التلبيس من بني أميَّة على العامَّة الجاهلة، وخصوصاً الأحداث، وكذلك من بني مروان الذين بالغوا في التلبيس واللعن لعلي وإِخفاء فضله. (قال عمر بن عبد العزيز لأبيه يوماً: يا أبت، أنت أفصح الناس، فما بالي أراك إذا مررت بلعن هذا الرجل( يعني: عليَّاً) صرت ألكن عيباً ؟ فقال عبد العزيز: يا بني، إِنَّ مَن ترى من أهل الشام وغيرهم تحت منبرنا، لو علموا من فضل هذا الرجل ما يعلمه أبوك، لم يتبعنا منهم أحد ). انظر: شرح النهج، مجلَّد ١، ص٣٥٦.


ذئاب الاستعمار اليوم مع العرب، وخصوصاً في فلسطين المجاهدة المكلومة.

قتل المنصور (محمدَ بن عبد الله الحسني الذي غضب لمـَّا حبس المنصور ١١ رجلاً من بني الحسن في سجن ضيق حتّى ماتوا جميعاً، وقام في المدينة ضدَّ المنصور، وكذلك قام أخوه إبراهيم بن عبد الله بالبصرة، فقتل)(١) .

وقد كان المنصور (بايع محمد بن عبد الله الحسني بالخلافة مرَّتين، وكذلك بايعه إبراهيم الإِمام وأبو العبَّاس السفَّاح. إِحداهما بالمدينة، والأخرى بمكَّة في المسجد الحرام. فلمَّا خرج محمد من المسجد أَمسك له المنصور بركاب دابته، وقال له: أَمَا إنَّه إِنْ أفضى إليك هذا الأمر، نسيت لي هذا الموقف ولم تعرفه لي)(٢) . ولكن التقادير قد عاكست محمداً، وأفضت بذلك الأمر إلى المنصور الذي نسي أو تناسى ما كان في عنقه من البيعة الثنائية إلى محمد هذا. وبعبارة أخرى، راح ينكث بيعته لمحمد، ويتعمَّد قتله وقتل بقية الحسنيِّين بأنواع القتل الفظيع.

يقول ابن الأثير: (لمَّا أُتي ببني الحسن، نظر المنصور إلى محمد بن إبراهيم بن الحسن، فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم. قال: أمَا والله، لأقتلنك قتلة ما قتلتها أَحداً من أهل بيتك، ثُمَّ أمر به، فبني عليه إسطوانة وهو حيٌّ، فمات فيها)(٣) .

وهكذا كان مَن تخلَّف بعد المنصور؛ فإنَّهم تفنَّنوا بالوقيعة والقتل لأبناء عمِّهم العلويِّين، فدسُّوا السمَّ للإمام الرضا وأَبيه وابنه الجواد - على قولٍ، في حين أنّ الذي سمَّ الرضا كان يُحبُّ العلويِّين كثيراً ويكرمهم، وقد يكون صادقاً في حبِّه إِلاّ أنّ حبَّ المـَلك - الذي قتل في سبيله أخاه - قد غلب على ذلك الحب، وأزاله من قلبه.

وقتلوا أَيضاً الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن السبط في (فخ) بين مكَّة والطائف. (ظهر الحسين هذا سنة ١٦٩ هـ بمدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان معه جماعة من الطالبيّين، وأشتدَّ أمره وجرى بينه وبين عامل موسى الهادي العبّاسي على المدينة

____________________

(١) الصيرفي، منقريوش، تاريخ دول الإسلام، ج١، ص٨٠.

(٢) مقاتل الطالبيِّين، ص١٤٣، و١٤٥، و٢٠٣.

(٣) إِبن الأثير، ج٥، ص١٩٥، والمقاتل الطالبيِّين، ص١٤٠.


قتالٌ عظيم، فانهزم العامل، وبايع الناس الحسين على كتاب الله وسنة رسوله للمرتضى من آل محمد. وأقام الحسين بالمدينة يتجهَّز، فجاء جماعة من العبَّاسيِّين والقوَّاد إِلى الحج، وحاربوه يوم التروية، فقتلوه وأصحابه المخلصين، وفرَّ الباقون، وكان مقتلهم بموضع يقال له: (وج). وفي ذلك يقول بعضهم:

تُركوا بوجٍّ غدوة

في غير منزلة الوطن

ولقد أرسل موسى بن عيسى العبَّاسي رجلا إِلى عسكر الحسين هذا؛ حتّى يراه ويخبره عنه، فمضى الرجل وتعرَّف عسكر الحسين، فرجع، وقال لموسى بن عيسى: ما أظنُّ القوم إِلاَّ منصورين، فقال: وكيف ذاك يا ابن الفاعلة؟ قال الرجل: لأنِّي ما رأيت فيهم إِلاّ مصلِّياً أو مبتهلاً أو ناظراً في مصحف أو مُعدَّاً للسلاح. فضرب موسى يداً على يد وبكى، ثُمَّ قال: هم والله أكرم خلق الله، وأحقُّ بما في أيدينا منَّا، ولكن الملك عقيم، لو أنَّ صاحب هذا القبر (يعني النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم) نازعنا الملك، ضربنا خيشومه بالسيف)(١) .

وقتلوا يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن السبط، وأخاه إِدريس الذي فرَّ بعد مقتل أخيه إِلى بلاد فاس وطنجة، فأرسلوا إليه مَن سمَّه(٢) .

(ظهر يحيى المذكور بالديلم سنة ١٧٦ هـ واشتدَّت شوكته فيها، فجهَّز الرشيد إليه الفضل بن يحيى البرمكي، فخدعه بالأمان. ولمَّا وصل يحيى إِلى بغداد، أخذ الرشيد صكَّ الأمان من يحيى ومزَّقه، ثُمَّ حبس يحيى في حبس مظلم ضيق، وكان يخرجه كلِّ يوم ويضربه مائة سوط، وينقص مِن طعامه وشرابه حتّى مات، وقيل: أنَّه دسَّ إِليه في الليل مَن خنقه، وقيل: أنَّه سقاه سمَّاً،

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء، ج٢، ص١١، ومقاتل الطالبيِّين، ص٣٠٣.

(٢) بلغ الرشيد خبر إتِّباع البربر لإِدريس هذا، فغمَّه، وشكى ذلك إِلى يحيى بن خالد البرمكي، فقال يحيى: أنا أكفيك أمره، فحمل سليمان بن جرير - أحد متكلمي الزيدية

البترية - على سمِّه، ووعده بكلِّ ما أحبَّ على أن يحتال لإِدريس، فيقتله. فذهب سليمان واحتال عليه وسمَّه. انظر ذلك مفصَّلاً: مقاتل الطالبيِّين، ص٣٢٦.


وقيل: أنّه أجاع السباع، ثُمَّ ألقاه إِليها، فأكلته. ولقد ظهرت ليحيى مكرمة عظيمة أَمام الرشيد حينما تناظر يحيى مع عبد الله بن مصعب الزبيري وحلفه يحيى يميناً عظيمة، فما برح الزبيري من موضعه حتّى أصابه الجذام؛ فتقطَّع ومات. ولمَّا وضعوه في قبره، انخسف وخرجت منه غبرة عظيمة، فصاح الفضل بن الربيع: التراب، التراب. فجعلوا يطرحونه على القبر وهو يهوي، فدعا بأحمال الشوك فطرحوها فهوت. فأمر أن يُسقف القبر بالخشب ومضى منكسراً)(١) .

وقتلوا غير هؤلاء من آل أبي طالب، وطاردوهم في البلدان حتّى أنّ ابن المعتز العبَّاسي (كان يقول: إِنْ ولاَّني الله، لأفنينَّ جميع آل أبي طالب. فبلغ ذلك وِلْد عليّ، فكانوا يدعون عليه)(٢) .

وكان أشدَّ العبَّاسيِّين عداوة - بعد المنصور والرشيد - المتوكِّل؛ (فإِنّه أمر سنة ٢٣٦ هـ بهدم قبر الحسين بن عليّ(رض) وهدم ما حوله من المنازل، ومنع الناس من إِتيانه. وكان المتوكِّل شديد البغض لعليِّ بن أبي طالب ولأهل بيته. وكان من جملة ندمائه عبادة

المخنث؛ كان يشدُّ على بطنه مخدة ويكشف رأسه - وهو أصلع - ويرقص، ويقول: قد أقبل الأصلع البطين خليفة المسلمين (يعني: عليَّاً)، والمتوكِّل يشرب ويضحك. وفعل ذلك يوماً بحضرة المنتصر، فقال له: يا أمير المؤمنين، إِنَّ عليَّاً ابن عمِّك، فكلْ أنت لحمه إذا شئت، ولا تُخلِ هذا الكلب وأمثاله يطمع فيه. فقال المتوكِّل للمغنين: غنُّوا:

غار الفتى لابن عمه

رأس الفتى في حَرِ أمه

وكان يجالس مَن اشتهر ببغض عليّ؛ مثل: ابن الجهم الشاعر، وأبي السمط من ولد مروان بن أبي حفصة)(٣) .

(ولمـَّا هدم المتوكِّل قبر الحسين(رض)، قال الشاعر المعروف بالبسَّامي:

____________________

(١) مقاتل الطالبيّين، أبو الفرج، ص٣١٨؛ ( بتلخيص).

(٢) تاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٢٩.

(٣) تاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٣٨؛ (بتلخيص).


تاالله إِنْ كانت أُميَّة قد أتت

قتل ابن بنت نبيِّها مظلوما

فلقد أتاه بنو أبيه بمثله

هذا لعمرك قبره مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتله فتتبعوه رميما(١)

ولولا نُصب المتوكِّل، لَمَا (سَلَّ لسان الإِمام في اللغة ابن السكِّيت من قفاه حتّى مات من ساعته؛ لأنَّه غضَّ من ابني المتوكِّل وذكر الحسنين بما هما أهله)(٢) . وقد بلغ النصب بالمتوكِّل إِلى أنْ (كتب سنة ٢٣٦ هـ إِلى مصر: بإِخراج آل أبي طالب منها. فأُخرجوا وقدموا العراق، فاخرجوا منها إِلى المدينة. ولمـَّا مات المتوكِّل، قام من بعده ابنه محمد المستنصر(٣) ، فكتب إِلى مصر: بأن لا يقبل علوي ضيعة ولا يركب فرساً، وأنْ يمنعوا من اتخاذ العبيد. ومَن كان بينه وبين أحد من الطالبيِّين خصومة، قُبِل قول خصمه من سائر الناس فيه، ولم يُطالب ببيِّنة. وكتب إِلى العمال بذلك)(٤) .

وأنت تعلم أَنَّ الضغط كثيراً ما يُولد الانفجار، ويوجب كراهية عيش الذلَّة، ويُحبب الموت تحت ظلال الأسنَّة. فمن الطبيعي آنئذ أن ينهض الشيعة وأن ينفجر بركان غيظهم المختبئ في الصدور. ومن الطبيعي أَيضاً أن يبالغ العبَّاسيُّون في مطاردتهم وترويع أئمَّتهم الأَطهار؛ ولو كانوا في عزلة عن الخلق مُتَّجهين نحو عبادة الخالق ومناجاته عزَّ اسمه.

(وجَّه المتوكِّل إِلى عليّ الهادي بعدَّة من الأتراك ليلاً، فهجموا عليه في منزله على غفلة، فوجدوه وحده في بيت مغلق وعليه مدرعة من شعر وعلى رأسه ملحفة من صوف، وهو مستقبل القبلة يترنَّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد،

____________________

(١) تاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٦٨.

(٢) وفيَّات الأعيان، ج٢، ص٣١٠، وتاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٤٠.

(٣) الموجود في التاريخ أنَّ الذي قام بعد المتوكِّل هو إبنه المسمَّى بالمنتصر، لا المستنصر، وهو - كما مرَّ في معارضته لأبيه في استماع قول عبادة الأثيم - من محبِّي سيِّد الطالبيِّين عليّ(ع)، فما السرُّ في كتابته هذه إِلى مصر بشأن الطالبيِّين؛ هل هو قيامه مقام أبيه أم غيره؟ الله أعلم.

(٤) خطط المقريزي، ج٤، ص١٥٣.


ليس بينه وبين الأرض بساط إِلا ّالرمل والحصى.

فأخذ على الصورة التي وُجد عليها في جوف الليل، فمثل بين يدي المتوكِّل؛ والمتوكِّل يستعمل الشراب وفي يده كأس. فلمَّا رآه، أعظمه وأجلسه إِلى جانبه، ولم يكن في منزله شيء ممَّا قيل للمتوكِّل عنه، ولا حجَّة يتعلَّل عليه بها، فناوله المتوكِّل الكأس، فقال: ياأمير المؤمنين: ما خامر لحمي ودمي قط، فأعفاه منه)(١) .

نعم، كان من الطبيعي أن يبالغ العبَّاسيِّون في ذلك؛ لأنَّ غايتهم الوحيدة، الإِمرة والتربُّع على أسرة المـُلك، وهي - في الغالب - إذا خامرت قلباً نزعت من صاحبه الأناة والرحمة، ولوَّثته بموبقات الأعمال في سبيل الوصول إليها.

ولذا قَتل بعض العبَّاسيِّين في سبيلها أخاه، وبعضٌ عمَّه، وبعض أباه؛ ولذا نقض كثير منهم لأجلها العهود ونكث الأيمان، وقرَّب الفاسق وأبعد الناسك، وأغدق عطاءه لمـَن انتقد في مجلسه زعماء العلويِّين، ولفَّق له الأدلَّة على أنَّ العبَّاس أحقَّ بالخلافة من ابن أخيه عليّ (عليهما السلام)؛ وأنَّها وراثية والعبَّاس أولى بالتراث وأحقَّ به.

ولا أخال أنَّ أحداً من المسلمين يعتقد أنَّ الخلافة وراثية؛ لأنَّهم على الغالب بين قائل: إِنَّها لا تكون إِلا بالنصِّ والأفضلية. وقائل: إنَّها تكون بالانتخاب والاختيار من الأمَّة، أو مِن خليفة لآخر، أو من خمسة من أهل الحلِّ والعقد. لكن للشعراء الأقدمين مذاهب طريفة وطرقاً خاصَّة في الكذب والتزلُّف، كانوا يسلكونها للتوصُّل إِلى مجالس الأمراء والارتزاق منهم ومن ولاتهم.

وإِليك هذه القصِّة عن أبان بن عبد الحميد، فإِنَّها تُطلعك على طرق أُولئكم الشعراء وعلى نفوسهم الواطئة الأمَّارة بالسوء وعلى رخص الضمير والوجدان، وتريك كرم الرشيد في سبيل الدعاية ضدَّ أَهل البيت العلوي، وتبرهن

____________________

(١) وفيَّات الأعيان، ج١، ص٣٢٢، وتاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٤٤.


لك على نُصب بعض البرامكة الذين يعدُّهم البعض من الكتَّاب والمؤرِِّخين في زمرة الشيعة الموالين لآل علي(ع).

قال أبو بكر الصولي: (عاتب أبانُ البرامكة في إِعطاء الرشيد الأموال للشعراء وفقره مع خدمته لهم وموضعه منهم، فقال له الفضل: إِن سلكت مذهب مروان ابن أبي حفصة (وكان من مذهبه هجاء آل أبي طالب وذمِّهم) أوصلتَ شعرك وبلَّغتك إِرادتك. قال أبان: والله، ما استحل ذلك. فقال له الفضل: كلُّنا يفعل ما لا يحلُّ له، ولك بنا وبسائر الناس أسوة. فقال أبان:

نشدتُ بحقِّ الله مَن كان مسلماً

أَعُمُّ بما قد قلته العجم والعرب

أعَمُّ نبيِّ الله أقرب زلفة

إِليه أم ابن العمِّ في رتبة النسب؟

وأيُّهما أولى به وبعهده

ومَن ذا له حقُّ التراث بما وجب؟

فإن كان عبَّاس أحقُّ بتلكمُ

وكان عليٌّ بعد ذاك على سبب

فأبناء عبَّاس هُمُ يرثونه

كما العمُّ لابن العمِّ في الإرث قد حجب

... إِلى آخر الأبيات، ثُمَّ جاء بها إِلى الفضل، وقال له: قد اقترحت، فوفِّر عليَّ الجاري. فقال الفضل: ما بقيت. وما يرد على أمير المؤمنين اليوم شيء أعجب إليه من أبيانك. فركب أبان وأنشدها الرشيد، فأمر له بعشرين ألف درهم. وأتصل به بعدها(١) .

____________________

(١) الأوراق، ص١٤. وذكر ذلك أيضاً أبو الفرج، الأغاني، ج٢٠، ص٧٥.


الفصل الخامس(* )

براءة الشيعة من الغلو والغلاة

١ - معنى الغلو وتاريخه. ٢ - بعض أقوال الغلاة. ٣ - كلمات أئمَّة الشيعة في البراءة من الغلاة. ٤ - السرُّ في في عدِّ هذه الفِرق الغالية من الشيعة. ٥ - القرامطة، وموجز تاريخهم. ٦ - كلمة في الإسماعيلية والغاية من الطعن في الفاطميِّين ونسبهم.

١ - معنى الغلو وتاريخه:

(قال الله سبحانه وتعالى:(لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ) .

قالوا في تفسيره: أي لا تجاوزوا الحدَّ؛ بأن ترفعوا عيسى إِلى أن تدَّعوا له الإِلهية. يقال: غلا في الدين غلواً، من باب قعد؛ تصلّب وتشدَّد حتَّى تجاوز الحدَّ والمقدار (...).

وفي الحديث:((كونوا النمرقة الوسطى؛ يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي)) . فالغالي: مَن يقول في أهل البيت ما لا يقولون في أنفسهم؛ كمن يدَّعي فيهم النبوة والإِلهية. والتالي: المرتاد؛ يريد الخير ليبلغه ويؤجر عليه.

وفيه:((إنَّ فينا أهل البيت، في كلِّ خلف، عدولاً ينفون عنَّا تحريف الغالين)) أي الذين لهم غلوٌ في الدين)(١) .

وقد تكرَّر في الفصول السابقة أنَّ عقيدة التشُّيع التي غرسها (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حقل الإسلام الخصيب، وتعهَّدها في حياته الثمينة حتّى نمت وتدَّين بها رهط من أجلِّة الصحابة على ما حدَّدها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ من الموالاة لأخيه عليّ(ع) والتمسُّك بالثقلين؛ الكتاب والعترة، وما شاكل ذلك.

وبقيت على صبغتها وحدِّها الذي وضعت فيه، لا تتعدَّاه ولا تتجاوزه أبداً، إِلى أن تولَّى أمير المؤمنين منصب الإمامة، فظهر في أيَّامه قومٌ أرادوا إِخراجها من قالب

____________________

(*) نُشر بعضه في: مجلَّة (الحضارة) النجفية الغرَّاء، مجلَّد ١.

(١) مجمع البحرين في اللُّغة، ص٦٣؛ [بتلخيص].


(الموالاة والتمسُّك) إِلى قالب التأليه لعليّ(ع) (ولمَّا بلغه عنهم ذلك، أنكره أشدَّ الإنكار، وحرق بالنار جماعة ممَّن غلا فيه)(*) .

والظاهر أنَّ عبد الله بن سبأ لم يكن وقتئذ على هذه المقالة الغالية، ولا شمله الإِحراق، وهذا ما يراه ابن أبي الحديد بقوله: (استترت هذه المقالة سنة أو نحوها، ثُمَّ ظهر عبد الله بن سبأ(...) بعد وفاة على أمير المؤمنين(ع)، فأظهرها، وأتَّبعه قوم فسُموا: السبئيَّة)(١) .

ويوافقه الشهرستاني بقوله: (وإِنَّما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال

عليّ عليه السلام)(٢) . ولكن الاسترآبادي يخالفهما بما رواه من: (أنّ عبد الله بن سبأ كان يدَّعي النبوة ويزعم أنَّ أمير المؤمنين(ع) هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك، فدعاه، وسأله فأقر، وقال: نعم، أنت هو. فقال له أمير المؤمنين: (قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب، ثكلتك أمَّك. فأبى، فحبسه ثلاثة أيَّام، فلم يتب، فأحرقه بالنار)(٣) . ولا يبعد أن يكون الأرجح ما قاله ابن أبي الحديد: من أن ابن سبأ لم يشمله الإِحراق، وأنّه أظهر تلك المقالة بعد وفاة أمير المؤمنين(ع). ووافقه الشهرستاني على ذلك، وإن قال قبله: (إنَّ ابن سبأ قال لعليّ(عليه السلام): أنت أنت؛ يعني أنت الإِله. فنفاه إِلى المدائن)(٤) ولا يُنافي هذا القول قوله الأخر؛ إِذ من المحتمل قريباً أَن يكون ابن سبأ قد قال لعلي: (أنت أنت)، لكنَّه قد أخفاه في حياة عليّ(ع) أيّام منفاه وبعدها إِلى أن تُوفّي عليّ(ع)، فأظهره بعد ذلك بسنة أَو بأقل.

وعلى كلِّ حال... فإِنَّ الرجل؛ أي ابن سبأ، كان في عالم الوجود وأظهر الغلو، وإِنْ شكَّ بعضهم في وجوده وجعله شخصاً خياليَّاً شخصته الأغراض الشخصية. أمّا نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشكُّ بوجوده وغلوِّه،

____________________

(١) شرح النهج، مجلَّد ٢، ص٣٠٩.

(٢) المِلل، مجلّد ١، ص١٠١.

(٣) منهج المقال، ص٢٠٣.

(٤) المِلل، مجلَّد ١، ص.

(*) [المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج٢، ٣٥٠].


وإنَّما نشكُّ شكَّاً قويَّاً في تصوير البعض لهذا الرجل متغلِّباً على أبي ذر الغفاري(رض) حتّى قوَّله بالإشتراكية الجائرة ( ومسيطراً على عمَّار بن ياسر ورهط كبير من دهاة الصحابة (رضي الله عنهم) حتّى حملهم على خذلان عثمان(رض) والطعن عليه).

وبعبارة ثانية؛ جعلوا له قوَّة في البيان الساحر الجذَّاب فوق كلِّ قوَّة حتّى أنَّه استطاع بتلك القوَّة أن يتغلَّب على إرادة (آلهة عليّ؟) ويمنعه من قبول الصلح يوم الجمل(١) .

نعم، غلا ابن سبأ في دينه وتسرَّبت بدعته هذه إلى أفكار جماعة غير قليلة قد سُمِّيت

باسمه، وأخذت بعد ذلك بالتطوُّر السريع حتّى تجاوزت عن القول بإلهيَّة فرد من المخلوقين إلى القول بإِلهيَّة اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من أهل

البيت (عليهم السلام)، كما تجاوزت إلى القول بإِلهية غيرهم من الناس: فالراوندية ألَّهوا المنصور العبَّاسي، والبنانية ألَّهوا بنان بن سمعان، والرزامية ألَّهوا أبا مسلم الخراساني.

وكما كان الغلو في القول بإِلهية جماعة من المخلوقين كان في القول بنبوَّة جماعة منهم بعد خاتم الأنبياء محمد (صلَّّّى الله عليه وآله وسلّم). فالخابية زعموا أنَّهم كلُّهم أنبياء، وكذلك المنصورية كما سترى بيانه. وقد حكم المقريزي: (بأنَّ الغالية ليسوا بمسلمين، ولكنَّهم أهل ردَّة وشرك)(٢) ، ومع ذلك عدَّهم في عداد الشيعة. وهكذا فعل الشهرستاني، كما سترى قريياً، وهكذا فعل ابن خلدون، رغم قوله: (وقد كفانا مؤنة الغلاة أئمَّةُ الشيعة؛ فإنَّهم لا يقولون بها ويبطلون احتجاجاتهم عليها)(٣) .

____________________

(١) انظر: تاريخ ابن خلدون، مجلَّد ٢، ومحاضرات الخضري المصري، وفجر الإِسلام، وخطط المقريزي، مجلَّد ٤، تجد كلَّ هذه الأعمال العظيمة منسوبة إلى هذا الرجل الحقير.

(٢) الخطط، مجلَّد ٤، ص١٦٤.

(٣) المقدِّمة، ص١٣٩.


ولا غرابة من هؤلاء الأعلام إِذا قالوا ذلك في تلك العصور السالفة التي كانت تنوء بالتعصُّبات المذهبية والنعرات الطائفية، ولكن من الغرابة جدَّاً أن يقوم رحَّالة من بلاد مصر المثقَّفة، ويقتفي (في قرن العشرين؛ الموصوف بالابتعاد عن التعصُّب، وبالتحرِّي للحقيقة؟) أثر السابقين من مؤلِّفي تلك العصور الوسطى، ويضرب على وترهم المعروف، فيقول في كلامه عن النجف الأشرف وأهلها الحاليِّين: (ومن فِرق الشيعة من يقول بأن الصحابة كلُّهم كفروا بعد موت النبيِّ؛ إِذ جحدوا إِمامة علي، وأنَّ عليَّاً نفسه كفر لتنازله لأبي بكر، لكنَّه عادله إِيمانه لمـَّا تولَّى الإِمامة؛ وهذه الإِمامية(١) . ومن الشيعة قسم أوجب النبوَّة لعليّ بعد النبي؛ فقالوا: إِنَّ الشبه بين محمد وعليّ كان قريباً لدرجة أنَّ جبريل أخطأَ، وتلك فئة الغالية أو الغلاة. ومنهم من قال بأن جبريل تعمَّد ذلك، فهو إذن ملعون كافر.

ومن الشيعة طائفة الاثني عشرية الذين يُقدِّسون الأئمَّة الاثني عشر(٢) . ومنهم: الإسماعيلية والباطنية الذين مرَّ عليهم الكلام في الشام. ثُمَّ القرامطة الذين تقوُّوا حول الخليج الفارسي، ويعرف عنهم الإباحة في النساء، وقد أحلُّوا أنفسهم من كلِّ عبادة.. وكانوا ممَّن يعملون على هدم الإسلام.

وفي مصر قام الحاكم بأمر الله بعد المعزِّ(٣) ينشر مذهب الشيعة ويدرِّسها في دار الحكمة. وكان أساسها أنَّ الشرائع خاضعة للعقل والعلم، وأنَّ الأنبياء رجال عاديُّون وغاية ما في الأمر أنَّهم فلاسفة، وقد ألَّهه الدروز، وقالوا بأنَّه رفع

____________________

(١) هذه الفِرقة من الغلاة، لا من الإِمامية، وقد عدَّهم الشهرستاني في الغلاة وأسماهم: الكاملية، كما سترى قريباً.

(٢) كان عليه - وهو في صدد الكلام عن النجف - أن ينبِّه على أنَّ النجفيِّين هم من هذه الطائفة، وعلى أنَّ النجف هي العاصمة الدينية (من عدَّة قرون) للاثني عشرية في جميع الأقطار الإِسلامية، وأن يشير إلى مشهوري علمائها ومجتهديها وأدبائها، ويذكر ما امتازت به من الصنائع وتفرَّدت به من الاجتهاد بالفقه الإسلامي وأصوله.

(٣) الذي قام بعد المعزِّ هو العزيز إِبنه، وبعده قام الحاكم، لا بعد المعزِّ.


إِلى السماء وسيعود لتطهير الأرض كما أسلفنا. ويرى جميع(١) الشيعة أنَّ الإِمامة ليست مصلحة عامَّة تناط باختيار الناس)(٢) انتهى.

هذه خلاصة ما نسبه رحَّالة مصر إِلى الشيعة.

نحن لا نريد أن نقنع بقول: إِنَّه أخطأ وخبط خبط عشواء، ولا أن ندع الحقيقة مغطَّاة بما حيك حولها من زخرف القول وأضاليل الكلام؛ لأنَّ مثل هذا العمل لا يقع في الغالب إِلاَّ من أُولئكم الذين لا تتوفَّر لديهم الأدلَّة ولا يستطيعون قرع الحجَّة بالحجَّة. وإِنَّما نريد أن نبحث في المواضيع المعنونة في صدر هذا الفصل، مستندين في ذلك كلِّه إلى الدليل الصريح، لا إِلى الهوى والغرض والتشهيات النفسية؛ لتظهر لك أيُّها القارئ الكريم الحقيقة بأجلى مظهر، وتحكم (حقَّاً) بخطأ الرحَّالة الذي أساء (بكلامه هذا، وبدسِّه هذه الفِرق الغالية

في الشيعة) إلى الحقِّ والحقيقة، والى الوحدة الإسلامية التي أمست اليوم هدف المصلحين من الطائفتين، وكانت من قبل هدف أجدادنا في عهد الراشدين، فجنوا منها أطيب الأثمار، فما يعيقنا نحن من الوصول إليها في هذا العصر العصيب والاجتناء منها؟ حتّى لا ينطبق علينا قول شاعر العراق:

إِنَّا بما نجني وهم فيما جنوا

بئس البنون ونِعمَّت الأجداد

ولنعد الآن إلى ما نحن بصدده، بادئين بذكر:

٢ - بعض أقوال الغلاة وعقائدهم:

الكامليَّة:

هم أصحاب أبي كامل، كفَّر جميع الصحابة، بتركهم بيعة عليّ(عليه السلام)، وطعن في عليّ أيضاً بتركه طلب حقِّه، ولم يعذره في القعود، وكان يقول بتناسخ الأرواح الإِلهية في

الأئمَّة(٣) .

____________________

(١) لا يرى جميع الشيعة هذا الرأي؛ لانَّ بعض الزيدية؛ كالسليمانية والبترية والصالحية، يوافقون السنَّة في إِناطة الإِمامة باختيار الناس، ويخالفون الشيعة في إِناطة الإِمامة بالنصِّ والأفضليَّة. انظر: مِلل الشهرستاني، ج١، ص٩٠.

(٢) الجولة، ص١٥٠.

(٣) مِلل الشهرستاني، ص١٠١، وخطط المقريزي، ج٤، ص١٧٥.


الغرابيَّة:

زعموا أنّ جبريل أَخطأ؛ فإنَّه أُرسل إِلى عليّ، فجاء إِلى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وجعلوا شعارهم إِذا اجتمعوا أن يقولوا: العنوا صاحب الريش؛ يعنون - لعنهم الله - جبريل (عليه السلام)(١) .

السبئيَّة:

أتباع عبد الله بن سبأ كان من اليهود، يقول في يوشع بن نون مثل قوله ذلك في

عليّ. وزعم أنَّ عليَّاً لم يقتل، وأنَّه حيٌّ لم يمت، وأنَّه في السحاب، والرعد صوته والبرق سوطه، وأنَّه ينزل إلى الأرض بعد حين(٢) . ويقول الشهرستاني: (إِنَّ السبئية أوَّل فِرقة قالت بالغيبة والرجعة، وبتناسخ الروح الإِلهي في الأئمَّة بعد عليّ) إِلى أن قال: (وهذا المعنى ممَّا كان يعرفه الصحابة، وإِن كانوا على خلاف مراده؛ فهذا عمر بن الخطَّاب(رض) كان يقول فيه - أي في عليَّ - حين فقأ عين واحد في الحرم: ماذا أقول في يد الله، فقأت عيناً في حرم الله. فأطلق عمر اسم الإِلهية عليه لمـَّا عرف منه ذلك(٣) .

المـُغيريَّة:

أصحاب المـُغيرة بن سعيد العجلي؛ كان مولى لخالد بن عبد الله القسري وادَّعى الإِمامة لنفسه، وبعد ذلك ادَّعى النبوَّة، وغلا في حقِّ عليٍّ غلواً قبيحاً لا يعتقده عاقل، وزاد على ذلك قوله بالتشبيه. ولمَّا قُتل المـُغيرة (سنة ١١٩ هـ)، اختلف أصحابه؛ فمنهم مَن قال بانتظاره ورجعته، ومنهم مَن قال بانتظار محمد بن عبد الله الخارج بالمدينة(٤) .

المنصوريَّة:

أصحاب أبي منصور العجلي. عزا نفسه إِلى محمد الباقر، فلمَّا تبرَّأ منه الباقر وطرده، زعم أنَّه هو الإِمام ودعا الناس إِلى نفسه. ولمَّا توفّي الباقر، قال: انتقلت إِليه الإِمامة، وتظاهر بذلك.. وزعم العجلي أنَّه هو الكسف الساقط من السماء، وزعم أنَّه عرج إليها ورأى معبوده، فمسح بيده رأسه، وقال له: يا بُني، انزل فبلِّغ عنِّي.

____________________

(١) انظر: خطط المقريزي، ج٤، ص١٧٥.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) المِلل، ج١، ص١٠١.

(٤) انظر: المِلل، ج١، ص١٠٢.


وزعم أنَّ الجنَّة رجل أُمرنا بموالاته، والنار رجل أُمرنا بمعاداته، واستعمل أصحابه قتلَ مخالفيهم، وأخذ أموالهم، واستحلال نسائهم؛ وهم صنف من الخُرَّمية(١) .

البنانيّة:

أصحاب بنان بن سمعان؛ وهو من الغلاة القائلين بإِلهيَّة أمير المؤمنين (عليه السلام).. ثُمَّ ادَّعى بنان أنَّه قد انتقل إِليه الجزء الإِلهي بنوع من التناسخ ومع هذا الخزي الفاحش كتب إِلى محمد الباقر ودعاه إِلى نفسه. وفي كتابه: أسلم تسلم، وترتقي إِلى سلم. فأمر الباقر أن يأكل الرسول الكتاب الذي جاء به، فأكله، فمات في الحال. وكان اسمه عمر بن عفيف(٢) .

الخطَّابيَّة:

أصحاب أبي الخطَّاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي؛ عزا نفسه إِلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، فلمَّا وقف الصادق على غلوِّه الباطل في حقِّه، تبرَّأ منه ولعنه وخبر أصحابه بالبراءة منه، وشدَّد القول في ذلك، وبالغ في التبرِّي منه واللعن عليه، فلمَّا اعتزل عنه الصادق ادَّعى الأمر لنفسه. زعم أبو الخطَّاب أنَّ الأئمَّة أنبياء، ثُمَّ آلهة. وقال بإِلهيَّة جعفر بن محمد وآبائه؛ وأنَّ الإِلهيَّة نور في النبوَّة، والنبوَّة نور في الإِمامة، ولا يغلو العالم من هذه الأنوار... وقُتل بسبخة الكوفة، ولمَّا قُتل افترقت أصحابه:

فزعمت طائفة: أنَّ الإِمام بعده بزيغ؛ كان يزعم أنَّ في أصحابه مَن هو أفضل من جبريل وميكائيل. وتسمَّى هذه الفرقة البزيغية.

وقالت فِرقة: أنَّ الإِمام بعد أبي الخطَّاب رجل يقال له: مُعمَّر، دانوا به وزعموا أنَّ الدنيا لا تفنى، واستحلُّوا الخمر والزنا وسائر المحرَّمات. وتُسمى هذه الفِرقة معمَّرية.

وأُخرى زعمت: أنَّ الإِمام بعد أبي الخطَّاب عمير بن بنان العجلي، وقالوا كما قالت الثانية إِلاَّ أنَّهم اعترفوا بأنَّهم يموتون. وكانوا قد نصبوا خيمة بكناسة الكوفة يجتمعون فيها على عبادة الصادق، فرفُع أمرهم إِلى يزيد بن عمر بن

____________________

(١) راجع: المِلل، ج١، ص١٠٣، والخطط، مجلَّد ٤، ص١٢٦.

(٢) المصدر نفسه، فراجع.


هبيرة، فأخذ عميراً فصليه بالكناسة. وتُسمَّى هذه الطائفة العجلية.. وقد تبرَّأ من هؤلاء كلِّهم جعفر الصادق ولعنهم(١) .

العليائية:

(أصحاب العلياء بن ذارع الدوسي، وقيل: الأسدي. كان يُفضِّل عليَّاً على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم). زعم أنَّه الذي بعث محمداً وسمَّاه إِلهاً. وكان يقول بذم محمد؛ زعم أنَّه ليدعو إِلى عليّ، فدعا لنفسه. وسمَّون هذه الفِرقة الذميمة.

ومنهم مَن قال بإِلهيتهما جميعاً، ومنهم مَن يقول بإِلهيَّة خمسة أشخاص؛ وهم أصحاب الكساء، وقالوا: خمستهم شيء واحد، والروح حلَّت فيهم بالسويَّة، لا فضل لواحد على الآخر. وكرهوا أن يقولوا: فاطمة. فقالوا: فاطم. وفي ذلك يقول شاعرهم:

تولّيت بعد الله في الدين خمسة

نبياً وسبطيه وشيخاً وفاطماً(٢)

النصيرية:

أصحاب محمد بن نصير النميري، أَو الفهري، كان من أصحاب الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا. فلمَّا مات الحسن، ادَّعى وكالةً لابن الحسن الذي تقول الإِمامية بإِمامته، ففضحه الله تعالى بما أظهره من الإلحاد والغلو والقول بتناسخ الأرواح، ثُمَّ ادَّعى أنَّه رسول الله ونبيّ الله، وأنَّه أَرسله محمد بن الرضا، وجحد إِمامة الحسن العسكري وإِمامة ابنه، وادَّعى بعد ذلك الربوبية، وقال: بإِباحة المحارم.

وللغلاة أقوال كثيرة طويلة عريضة(٣) أعرضنا عن ذكرها؛ لأنَّا لسنا بصدد ذلك، وإِنَّما ذكرنا هذه النبذة المختصرة من عقائد تسع فِرق من أكبر فِرق الغلاة؛ لتقابل بما أجملناه في (الفصل الثاني)

____________________

(١) الخطط المقريزية، مجلَّد ٤، ص١٧٤، والمِلل، ج١، ص١٠٣.

(٢) مِلل الشهرستاني، ج١، ص١٠٢، وخطط المقريزي، ج٤، ص١٧٦؛ [بتلخيص وتصرُّف]. ولا يخفى ما في استشهادهما بهذا البيت؛ فإنَّه عكْس مرادهما، لأنَّه يدلَّ بصراحة على أنَّ هؤلاء لا يؤلِّهون أهل الكساء، بل يتولُّونهم بعد الله، وهذا لبُّ الإيمان، وضدِّ الغلو. وحذف التاء من لفظ فاطمة، للترخيم، كثير في كلام العرب.

(٣) شرح النهج، مجلَّد ٢، ص٣١٠.


من عقائد الشيعة، ويُعرف بُعد الشُقَّة، بين عقائد الغلاة وبين عقائد الشيعة، وعدم اجتماعهما في أصل من الأصول، وليُعلم أيضاً ما في نسبة الغلاة إِلى التشيَّع، وما في إِطلاق اسم الشيعة عليهم، من التسامح الفاحش، المقصود وغير المقصود.

وكيف يُعدُّ الغلاة من الشيعة؟ وقد خالفوا أصول المذهب الشيعي الأساسية، وأَنكروا أركانه القويمة حتّى تبرَّأ منهم - لأجله - الشيعة بأمر من أئمَّتهم الأطهار (عليهم السلام). وإليك:

٣ - كلمات أَئمَّة الشيعة في البراءة من الغلو والغلاة:

كان الأئمَّة من أهل البيت(ع) يدأبون في تأديب الشيعة وسائر المسلمين بآداب الإِسلام وتعاليمه، ويحثُّونهم على اتِّباع كتاب الله الكريم وسنَّة نبيِّه العظيم، ويُحذِّرونهم من أهل الزيغ والضلال، ويأمرونهم بالابتعاد عنهم، والتبرِّي منهم. وكان الشيعة يتلقّون تلك الأوامر الشريفة بالقبول والامتثال ويدوِّنونها في كتبهم حتّى تجمَّع لديهم من روايات الجرح والتعديل ما ملأ صفحات الكتب المؤلَّفة في علم الرجال، وقد حوت هذه الكتب طائفة كبيرة من أَقوال الأَئمَّة (عليهم السلام) وأقوال علماء الشيعة الأعلام في البراءة من الغلو والغلاة، ورجالات الغالية بالخصوص، اقتطفنا منها هذه الكلمات الشديدة في؛

البراءة من السبئيَّة:

الذين علمت أنَّهم أوَّل الغلاة بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)؛

(روى أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول:((لعن الله عبد الله بن سبأ؛ إِنَّه ادَّعى الربوبية في أمير المؤمنين(ع)، وكان - والله - أمير المؤمنين عبد الله طائعاً. والويل لمـَن كذب علينا، إِنِّي ذكرت عبد الله بن سبأ، فقامت كلُّ شعرة في جسدي، لقد ادَّعى أمراً عظيماً، ماله لعنه الله؟ كان علي - والله - عبد الله صالحاً، ما نال الكرامة من الله إِلاَّ بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)


الكرامة من الله إِلاَّ بطاعته لله)) (١) . واتَّفق علماء الشيعة على أنَّ: (عبد الله بن سبأ؛ بالسين المهملة، غال ملعون)(٢) .

البراءة من المـُغيريَّة والمنصوريَّة والبنانيَّة:

روي عن هشام بن الحكم أنَّه سمع أبا عبد الله الصادق(ع) يقول:((لا تقبلوا علينا حديثاً إِلاّ إذا وافق القرآن والسنَّة وتجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدِّمة. فإِن المـُغيرة بن سعيد - لعنه الله - قد دسَّ في كتب أصحاب أبي أحاديث كثيرة لم يحدِّث بها أبي. فاتقوا الله، ولا تقبلوا ما خالف قول ربِّنا وسنَّة نبيِّنا - صلّى الله عليه وآله وسلّم)) .

وعن هشام أيضاً أنَّه سمع الصادق(ع) يقول:((كان المـُغيرة يتعمَّد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه ويدسُّ فيها الكفر والزندقة، ويسندها إِلى أبي، ثُمَّ يدفعها إِلى أصحابه ويأمرهم أن يبثُّوها في الشيعة. فكل ما كان في كتب أبي من الغلو، فذاك ممَّا دسَّه المغيرة بن سعيد - لعنه الله)) .

وروي عن عبد الرحمن بن كثير أنَّه قال: قال أبو عبد الله(ع) يوماً لأصحابه:((لعن الله المغيرة بن سعيد، لعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلَّم منها السحر والشعبذة والمخاريق. إِنَّ المغيرة كذب على أبي، وإنَّ قوماً كذبوا عليَّ. مالهم أذاقهم الله حرَّ الحديد؟ فوالله، ما نحن إِلاَّ عبيد خلقنا الله واصطفانا، ما نقدر على ضرٍّ ولا نفع إِلاَّ بقدرته. إِن رحمنا فبرحمته، وإِن عذَّبنا فبذنوبنا. لعن الله مَن قال فينا ما لا نقوله في أَنفسنا، ولعن الله مَن أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإِليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا)) (٣) .

وعن حصين بن عمرو النخعي، قال:كنت جالساً عند أبي عبد الله(ع)، فقال له رجلٌ: جُعلت فداك، إِنَّ أبا منصور حدَّثني أنَّه رُفع إِلى ربِّه، فمسح

____________________

(١) انظر منهج المقال في الرجال ص٢٠٣ (٢) انظر ص١١٤ من الخلاصة في الرجال للعلامة الحلي وهكذا ذكر النجاشي في رجاله وغيره (٣) راجع المنهج ص٢٤٠ وص٣٥٠.


فمسح على رأسه، وقال له بالفارسيَّة: يا يسر. فقال أَبو عبد الله: حدثني أَبي عن جدِّي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنَّه قال: إِنَّ إبليس اتَّخذ عرشاً فيما بين السماء والأرض، فإذا دعا رجلاً إليه فأجابه ووطأ عقبه، تراءى له ورُفِع إليه. وإِنَّ أبا منصور كان رسول إبليس. لعن الله أبا منصور، لعن الله أبا منصور، ثلاثاً)) .

وعن زرارة أنَّه قال: سمعت أبا جعفر الباقر(ع) يقول:((لعن الله بُنان البنان. وإِنَّ بناناً كان يكذب على أبي، وأَشهد أنَّ أبي عليَّ بن الحسين(ع) كان عبداً صالحاً)) . وعن هشام بن الحكم، قال: قال أبو عبد الله(ع):((إِنَّ بناناً والسري وبزيغاً - لعنهم الله - تراءى لهم الشيطان في أَحسن صورة من قرنه إِلى سرَّته، قال: فقلت إِنَّ بناناً يتلو هذه الآية: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ويقول: إِنَّ إِله الأرض غير إِله السماء. فقال الصادق (ع): والله، ما هو إِلاّ الله وحده لا شريك له، إِله مَن في السموات والأرض. كذب بنان - عليه لعنة الله - لقد صغَّر الله جلَّ جلاله وصغَّر عظمته)) (١) .

البراءة من الخطابية وأشياعهم:

عن أبي عبد الله الصادق(ع) قال:((إِنَّا أهل بيت صادقون، لا نخلو من كذَّاب يكذب علينا عند الناس؛ يريد أن يسقط صدقنا، بكذبه علينا)) . ثُمَّ ذكر المغيرة، وبزيغ(٢) الحائك، والسري، وأبا الخطَّاب، ومعمَّر، وبشَّار الأشعري، وحمزة اليزيدي، وصائد النهدي، وغيرهم، فقال:((لعنهم الله أجمع، وكفانا مؤنة كلِّ كذَّاب)) (٣) .

وعن حمدويه، قال: كنت جالساً عند أبي عبد الله(ع) وميسرة عنده،

____________________

(١) المنهج، ص٧٢.

(٢) قال الأسترآبادي - صاحب منهج المقال: إِنَّ البزيغيَّة - أصحاب بزيغ هذا - أقرُّوا بنبوَّته، وزعموا أنَّهم كلّهم أنبياء لا يموتون، ولكن يُرفعون إِلى السماء، وزعم بزيغ: أنَّه رُفع إلى السماء ومسح الله على رأسه ومجَّ في فيه. وعن ابن أبي يعفور، قال: دخلت على أبي عبد الله(ع)، فقال لي: ((ما فعل بزيغ؟)) قلت: قُتل ، قال: ((الحمد لله؛ أمَا إِنَّه ليس لهؤلاء شيء خير من القتل)) .

(٣) المنهج، ص٦٧.


ونحن في سنة ١٣٨ هـ، فقال له ميسرة: جعلت فداك، عجبت لقوم كانوا يأتون إِلى هذا الموضع فانقطعت أخبارهم وآثارهم وفنيت آجالهم. قال(عليه السلام):((ومَن هم؟)) قلت: أبو الخطَّاب وأصحابه. فقال - وكان متَّكئاً فجلس ورفع ببصره إِلى السماء :((على أبي الخطَّاب لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فأشهد بالله أنَّه كافر فاسق مشرك، وأنَّه يحشر مع فرعون في أَشدِّ العذاب، أَمَا والله، إنَّي لأنفس على أجساد أُصيبت

معه النار)) (١) .

وروي أيضاً أنَّ أبا عبد الله(ع) ذكر أصحاب أبي الخطَّاب والغلاة، فقال:((لا تُقاعدوهم، ولا تواكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصافحوهم، ولا توارثوهم)) . وقال(ع):((إِنَّ من الغلاة مَن يكذب حتّى إن الشيطان ليحتاج إِلى كذبه)) . وقال(ع) لمرازم:((قلْ للغالية: توبوا إِلى الله؛ فإِنَّكم فسَّاق كفَّار مشركون)) . وقال لأبي بصير:((يا أبا محمد، اِبرأ ممَّن يزعم إنَّا أرباب، وابرأ ممَّن يزعم أنَّا أنبياء)) (٢) .

وعن مصارف قال: لمـَّا لبيَّ القوم الذين لبُّوا بالكوفة، دخلت على الصادق(ع) وأخبرته بذلك، فخرَّ ساجداً ودقََّ جؤجؤه بالأرض وبكى، ثُمَّ رفع رأسه ودموعه تسيل على خديه، فندمت على إِخباري إِيَّاه، وقلت: جعلت فداك، ما عليك أنت من ذا؟ فقال:((يا مصارف، إِنَّ عيسى لو سكت عمَّا قالت النصارى فيه، لكان حقَّاً على الله أن يُصمَّ سمعه ويعمي بصره، ولو سكتُ عمَّا قال فيَّ أبو الخطاب، لكان حقَّاً على الله أن يُصمَّ سمعي ويعمي بصري)) .

وقال أيضاً:((إِنَّ قوماً يزعمون أنّي لهم إِمام، والله، ما أنا لهم بإِمام؛ ما لهم لعنهم الله؟ أَقول: كذا، ويقولون: يعني به كذا، إِنَّما أنا إِمام مَن أطاعني)) . وقال:((مَن قال بأنَّنا أنبياء فعليه لعنة الله، ومَن شكَّ في ذلك فعليه لعنة الله)) (٣) .

هذا قول الصادق(ع) في أبي الخطَّاب والخطَّابيَّة وبقيَّة الغلاة، وإليك

____________________

(١) انظر: منهج المقال، ص٣٢٤.

(٢) راجع: المنهج، ص٣٢٥.

(٣) المصدر نفسه.


قول علماء الرجال من الشيعة:

قال صاحب منهج المقال: (محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي الأجدع،

أبو الخطَّاب - لعنه الله - غالٍ ملعون، ويكنَّى: أبو زينب الزراد). قال ابن الغضائري: إِنَّ أبا الخطَّاب - لعنه الله - أمره مشهور، وأرى ترك ما يقوله أصحابنا: حدَّثنا أبو الخطَّاب في حال استقامته(١) . وهكذا قال النجاشي في (رجاله)، والعلاّمة الحلِّي في (خلاصته).

البراءة من العليائيَّة:

(عن أبي عبد الله(ع) قال:((لعن الله بشَّار الشعيري، إِنَّه قال قولاً عظيماً، فإِذا قدمت - يا مرازم - الكوفة، فأته وقل له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر، يا فاسق، يا مشرك، أنا بريء منك. قال مرازم: فلمَّا قدمت الكوفة، قلت له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر، يا فاسق، يا مشرك، أنا بريء منك. قال بشار: وقد ذكرني سيدي؟ قلت: نعم، ذكرك بهذا، قال: جزاك الله خيراً)) .

ومقالة بشَّار هي مقالة العليائية؛ أصحاب العلياء بن ذراع الدوسي، يقولون: إنّ علياً(ع) رب وظهر بالعلوية الهاشمية. ووافقوا أَصحاب أبي الخطَّاب في أربعة أشخاص: علي، وفاطمة، والحسنين(ع)، وأنَّ الأشخاص الثلاثة تلبيس، وأنَّهم في الحقيقة شخص علي؛ لأنَّه أوَّل هذه الأشخاص في الإِمامة.

وأنكروا شخص محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلّم)، وزعموا أنَّ بشّار الشعيري لمـَّا أنكر ربوبية محمد وجعلها في علي وجعل محمداً ع ع، وأنكر رسالة سلمان مسح في صورة طيرٌ يقال له: علياء، يكون في البحر؛ فلذلك سمّوهم العليائية)(٢) .

وعن إسحاق بن عمَّار قال: قال أبو عبد الله لبشَّار الشعيري لمـَّا دخل عليه:((أخرج عني، لعنك الله، والله لا يظلني وإِيَّاك سقف أبداً، فلمَّا خرج قال (عليه السلام): وَيْلَه ما صغَّر الله تصغير هذا الفاجر أحد، إِنّه شيطان بن شيطان، خرج ليغوي أصحابي وشيعتي، فاحذروه، وليبلغ الشاهد الغائبَ أنّي عبد الله وابن

____________________

(١) انظر: المنهج، ص٣٢٣؛ [بتلخيص].

(٢) المصدر نفسه، ص٦٨.


أمته، ضمَّتني الأصلاب والأرحام. وإِنّي لميِّت ومبعوث، ثُمَّ مسؤول، والله لأسألن عمَّا قال فيَّ هذا الكذاب وادَّعاه)) (١) .

البراءة من محمد بن نصير وجميع الغلاة أيضاً:

(روي عن أبي محمد الحسن العسكري(ع) أنّه كتب ابتداءً منه إلى أحد مواليه:((إنَّي أبرأ إِلى الله من ابن نصير الفهري، وابن بابا القمِّي فابرأ منهما. وإِنّي مُحذِّرك وجميع مواليَّ، ومخبرك أنِّي ألعنهما، عليهما لعنة الله، فتَّانين مؤذيين آذاهما الله. يزعم ابن بابا أنِّي بعثته نبيَّاً، وأنَّه باب، ويَْله - لعنه الله - سخر منه الشيطان فأغواه، فلعن الله من قبل منه ذلك، يا محمد، إِن قدرت أن تشدخ رأسه، فافعل)) .

وابن الفهري هو: محمد بن نصير. قالت فِرقة بنبوَّته؛ وذلك أنّه ادَّعى النبوَّة وأنَّ علي بن محمد أرسله، وكان يقول بالتناسخ وبإِباحة المحارم، وكان محمد بن موسى بن الحسن بن فرات يُقوِّي أسبابه ويعضده)(٢) .

وعن سهل بن زياد قال: كتب بعض أصحابنا إِلى أبي الحسن العسكري(ع): جعلت فداك يا سيدي، إِنَّ علي بن حسكة يدَّعي أنَّه من أوليائك وأنَّك أنت الأوَّل القديم، وأنَّه بابك ونبيُّك أمرته أن يدعو إِلى ذلك، ويزعم أنَّ الصلوة والزكاة والحجَّ والصوم كُلُّ ذلك معرفتك، ومال إِليه ناس كثير. فإِن رأيت أن تمنَّ على مواليك بجواب في ذلك تنجيهم من الهلكة، قال فكتب (عليه السلام):((كذب ابن حسكة عليه لعنة الله، ويحك إِنّي لا أعرفه من مواليَّ. ويله لعنه الله، فوالله ما بُعث محمدٌ والأنبياء قبله إِلاّ بالحنفيَّة والصلوة والزكاة والصيام والحجِّ، وما دعا محمدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلاّ إِلى الله وحده لا شريك له، وكذلك نحن الأوصياء من وِلده عبيد الله لا نشرك به أحدا.. اِبرأ إِلى الله من قول ابن حسكة، وانتفى إلى الله منه، واهجره وأتباعه لعنهم الله وألجأهم إِلى ضيق، وإن وجدت منهم أحداً فاشدخ رأسه)) (٣) .

____________________

(١) المصدر نفسه.

(٢) المصدر نفسه، ص١٠٧.

(٣) المصدر نفسه، ص٢٢٩.


وعن سدير قال: قلت لأبي عبد الله(ع): إِنَّ قوماً يزعمون أنَّكم آلهة، فقال(ع) :((يا سدير، سمعي وبصري ولحمي وبشري ودمي من هؤلاء براء. برئ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي)) (١) .

وحسبك من علماء الشيعة أن يقولوا في البراءة من الغلاة: (عبد الله الأصم المسمعي البصري غالٍ ليس بشيء، وعبد الله الحضرمي - المعروف بالبطل - غالٍ يروي عن الغلاة، لا خير فيه ولا يعتدُّ بروايته، ومحمد بن مهران الكرخي من أبناء الأعاجم غالٍ كذَّاب، فاسد المذهب والحديث مشهور بذلك)(٢) وعلى ذلك قس أقوال الشيعة في بقيَّة الغلاة الذين لهم صلة قليلة بسند الأخبار، وقد ألَّف علماء الشيعة كتباً خاصَّة بالردِّ على الغلاة؛ والقرامطة بالخصوص، وفنَّدوا عقائدهما وأقوالهما، وأكثر تلك الكتب لآل نوبخت وللفضل بن شاذان ولسعيد بن عبد الله الأشعري.

فإِذا كان الشيعة وأئمَّتهم الأطهار قد تبرَّأوا - كما رأيت - من الغلاة وعقائدهم وردُّوا عليها في كتب خاصَّة، فلنتساءل إِذن عمَّا هو؛

٤ - السرُّ في عدِّ الفِرق الغالية من الشيعة؟

.. إِنَّ هذا السرَّ وإِنْ كان خفيَّاً في بدء الأمر على كثير من الناس، لجليٌ وظاهر لدى المطَّلعين على تلك الدعايات المتلوِّنة التي كان يستغلُّها خصوم العلويِّين؛ وبالأخصِّ خصوم الأئمَّة الميامين.

وكان الغرض المهمُّ من تلك الدعايات الأثيمة ليس إِلاّ إِضعاف منزلة العلويِّين السامية في الأمَّة الإِسلامية، أو إِزالة تلك الثقة التي كانت لهم في القلوب، فلا تميل إليهم بعدئذٍ ولا تشايعهم أو تبذل جهدها في نصرتهم.

وقد ذكرنا - في مطاوي الفصول السابقة - أنموذجاً مِن اتهامات بني

____________________

(١) المنهج، ص٢٥٨.

(٢) رجال النجاشي، ص١٥١، و١٥٧، و٢٤٧، وهكذا في منهج المقال، وخلاصة العلاّمة.


اُميَّة لعليّ وبنيه وأَحفاده(عليهم السلام)، وذكرنا أيضاً بعض الأحاديث التي وضعها الوضَّاعون - بإِيعاز من بعض الأمويِّين - في ذمِّ عليٍّ(ع) خاصَّة وآل أبي طالب عامَّة، فلا حاجة إِلى الإِعادة.

وإِذا أردتَ أن تعرف إِلى أيِّ حدٍّ بلغ تشنيع القوم على الشيعة بنسبة عقائد الغلاة وغيرها من العقائد الفاسدة إِليهم، فأنظر: (العقد الفريد/ج١/ ص٣٥٢) تجد كلاماً طويلاً عريضاً للشعبي؛ (وهو من أخلاّء عبد الملك بن مروان وسمراؤه قد أرسله إِليه الحجَّاج بن يوسف)(١) .

وعلى الرغم من تقدُّيم هذه الدعاية الأمويَّة ضدَّ الشيعة وأئمَّتهم(عليهم السلام) فقد سبقتها الدعاية العبَّاسية بأشواط بعيدة؛ لأنَّ العبَّاسيِّين رأَوا - أيَّام الدولة الأموية كيف أنَّ القهر على البيعة، والضغط على العقيدة، والإسراف في القتل، لم تؤثِّر الأثر المطلوب في العلويِّين؟ ولم تمح اسمهم الكريم من القلوب، وذكرهم الجميل من الألسن، وثقتهم العظمى من النفوس، بل ولم تفتَّ في ساعدهم أَو تفني أنصارهم وأشياعهم؛ وإِنَّما الأمر كان على

عكس المطلوب. لمـَّا رأى العبَّاسيُّون ذلك في الدولة الأموية، ولمَّا كانوا يعلمون يقيناً أنَّ الناس أميل إِلى العلويِّين؛ لتجمُّع الخصال الفاضلة في شخصيَّاتهم الكريمة، وخصوصاً شخصيَّة أبيهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع) ذلك الرجل الذي (قلَّ أَنْ وُجد في التاريخ البشري مثله في كمال صفاته، وكثرة فضائله، وُعلُوِّ مزاياه)(٢) ،لمـَّا كانوا يعلمون ذلك، التجأوا - بطبيعة الحال - إِلى الخداع؛ فبايعوا بعض العلويِّين ([نضير:] محمد بن عبد الله الحسني)، وكان الصادق(ع) قد نهاه عن قبول هذه البيعة من آل العبَّاس؛ لعلمه بنواياهم في هذا الأمر، فلم ينته، ولكنَّه ما لبث قليلاً حتّى ظهر لديه نصح الصادق له في نهيه. وتجلَّى له هذا الظهور عندما رأى

____________________

(١) العقد الفريد، ج١، ص١٩٨.

(٢) حاضر العالم الإِسلامي، ج١، ص١٣.


العبَّاسيِّين قد هرولوا نحو الكوفة، وأخذوا - بدافع الأنانيَّة - البيعة لأنفسهم من الناس، ولم يعطوا البيعة التي كانت له في أعناقهم أيَّ التفات، بل تعمَّدوا نكثها وراحوا - بعد أن ثبَّتوا دعائم ملكهم - يتَّبعون خطَّة الأمويِّين في الشيعة، متناسين ما رأوه من عدم النجاح لتلك الخطة الإفنائية النجاحَ المطلوب.

قتل المنصور - كما تقدَّم - جماعة من الحسنيِّين؛ وفيهم محمد وأبوه، وقَتل مَن نهض مع محمد من علماء الإِسلام، وقَتل أيضاً إبراهيم أخا محمد ومَن قام معه من أهل الفقه والحديث، وقتل مَن ناصحهما من العلماء؛ كالإِمام أبي حنيفة، وقَتل الذين قاموا بعده جمعاً غفيراً من آل أبي طالب في الحجاز والعراق ومصر واليمن وإيران، ولكن كان كلَّما ازداد الضغط والتقتيل، ازداد أنصار العلويِّين، وتحمَّسوا كثيراً في التفاني بنصرتهم والجهاد في سبيلهم، وكان الراسخون في العلم من بني الحسين(ع) قد اتجهوا - في هذه الفترة التي ارتبك فيها العبَّاسيُّون بأمر الحسنيِّين - نحو بثِّ العلوم الإِسلامية وتدريسها بأنواعها في الحجاز والعراق أيضاً، وكان مقدَّمهم وأظهرهم فضلاً وعلماً أبو جعفر الصادق(ع)؛ ولذلك التفوا حوله، هُم وغيرهم، فكثر الرواة عنه على اختلاف مذاهبهم حتّى بلغوا

أربعة آلاف، فغاض المنصور ذلك، وأشخص الصادق إليه ووبَّخه وهدَّده واتَّهمه بأنَّه يُلحد في سلطانه. والحقيقة أنَّه رأى مثل هذا الظهور العلمي كحرب سلمي تكون نكايته أشدَّ، ويكون أثره أعظم من المقابلة بالسيف؛ فلذلك عدل قليلاً عن الإِسراف بالقتل والتفت إِلى الدعاية الهادئة ضدَّ العلويِّين، ولم يُهمل هذه الناحية مَن تخلَّف بعده، وخصوصاً الرشيد الذي بذل لأبان عشرين ألف درهم على أبيات قالها في التشنيع على العلويِّين.

وقد ساعدتهم الظروف على هذه الدعاية الفاشلة في تلك الأيام


التي كثر فيها ظهور البدع والغُلو من قوم كانوا يتردَّدون من قبلُ على مجالس الصادق وأبيه الباقر(عليهما السلام) وينسبون أنفسهم إِلى التشيُّع لهما وإِلى غيرهما من العلويِّين.

استغلَّ المنصور الفتَّاك المـُهاب من الرعية هذه الظروف، وأَشار مباشرة، أو غير مباشرة، إِلى حبِّه الدعاية ضدَّ العلويِّين بشتّى الدعايات، فاغتنم المرتزِقون من الكتاب والشعراء هذه الفرصة السانحة لاستدرار الدراهم عن طريق التقرُّب بما يُرضي المنصور؛ من وضع الأحاديث ونسبة الغلو والغلاة وكلِّ سخافة إِلى الشيعة العلوية، وهكذا فعل بعض الوعَّاظ من عبَّاد المال.

وهكذا كان أكثر من تخلَّف بعد المنصور؛ وخصوصاً المتوكِّل الذي كان (يقول يوماً لبعض خاصَّته: ويحكم، قد أعياني أمر ابن الرضا، وجهدت أن يشرب معي وأن ينادمني، فامتنع، وجهدت أن أجد فرصة في هذا المعنى، فلم أجدها، فقال له بعض مَن حضر: إِنْ لم تجد مِن ابن الرضا ما تريده مِن هذه الحال، فهذا أخوه موسى يشرب ويتخالع فاحضره واشهره، فإنَّ الخبر يشيع عن ابن الرضا بذلك، فلا يُفرَّق بينه وبين أخيه، ومَن عرفه اتهم أخاه بمثل فعاله)(١) .

عرفتَ أكثر فِرق الغلاة، وعرفتَ السرَّ في حشرهم بين الشيعة، ولكن لم تعرف في كتابنا هذا فِرقة القرامطة المعرفة التامَّة، ولا فِرقة الباطنية من الإِسماعيلية، ولا الغاية من الطعن بنسب الفاطميِّين، خلفاء مصر؛ لأنَّا لم نفرد لذلك بحثاً خاصّاً، مع أنَّ بعض الباطنية والقرامطة، بأجمعهم، كانوا أشدَّ غلوَّاً من جميع الغلاة، وأعظم ضرراً على الخلق، وأكثر فساداً في الأرض؛ وهذا ما دعانا إِلى البحث هنا عن؛

٥ - القرامطة وتاريخهم بإيجاز:

(حدث مذهب القرامطة؛ المنسوبين إِلى حمدان الأشعث المعروف بقِرمط

____________________

(١) المفيد، الإرشاد، ص٣٥٧.


لقصر قامته ورجليه وتقارب خطوه، في سنة أربع وستين ومائتين (٢٦٤ هـ)، وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق، وقام ببلاد الشام صاحب الحال والمدَّثِّر(١) والمطوَّق، وقام أبو سعيد الجنابي(٢) بالبحرين وعظمت

____________________

(١) المدَّثِّر: اسمه عبد الله، ولقَّبه بالمدَّثِّر ابن عمِّه الحسين صاحب الشامة وجعله ولي عهده، وحارب المدَّثِّر مع ابن عمِّه عساكر الأمير طغج في الشام سنة ٢٩٠ هـ حتّى أخذوها صلحاً، ثُمَّ تغلَّبوا على حمص وحماة والمعرَّة وغيرها، وأخذوا سلمية بالأمان، ثُمَّ قتلوا أهلها حتّى صبيان المكتب، فخرج إِليهم المكتفي من بغداد ونزل الرُّقة وأرسل منها الجيوش، ولمَّا قابلت الجيوش جماعة القرامطة في قرية تمنع، انكسر القرامطة وفرَّ صاحب الشامة والمدَّثِّر، فأُمسكا وأرسلا إِلى المكتفي، فسار بهما إِلى بغداد وقتلهما فيها

سنة ٢٩١ هـ. انظر: تاريخ أبي الفداء، مجلَّد ٢.

(٢) كان قيام أبي سعيد الجنابي - واسمه الحسن بن بهرام - في سنة ٢٨٦ هـ استولى على هجر والإحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين إِلى أن قُتل سنة ٣٠١ هـ؛ قتله خادم له صقلبي مع أربعة من كبرائهم في الحمام، فقام ابنه أبو طاهر سليمان وتغلَّب على أخيه الأكبر سعيد، وكبس البصرة ليلاً وقتل عاملها وأقام بها ١٧ يوماً يقتل وينهب، وفي سنة ٣١٥ هـ سار إلى الكوفة واستولى عليها وقتل يوسف بن أبي الساج قائد عسكر المقتدر، وفي سنة ٣١٧ هـ غزا مكَّة ونهب الحاج وقتلهم في المسجد وداخل الكعبة، وقتل أمير مكَّة وقلع باب البيت ونقل الحجر إِلى هجر، وطرح القتلى في بئر زمزم. وكان موت طاهر هذا بالجدري سنة ٣٣٢ هـ. وبقي الحجر عند القرامطة حتّى أرجعوه سنة ٣٣٩ هـ، ثُمَّ في سنة ٣٦٠ هـ كبسوا جعفر بن فلاح نائب المعزِّ الفاطمي خارج دمشق وقتلوه وملكوا دمشق، ثُمَّ في سنة ٣٦١ هـ قصدوا مصر، ومعهم خلق من الإِخشيدية، فحاربهم جوهر قائد المعزِّ وانتصر عليهم أخيراً ، فعادوا إِلى الشام، ثُمَّ في سنة ٣٦٣ هـ عادوا إِلى مصر، فخرج إليهم المعزُّ بنفسه وقتل منهم خلقاً كثيراً، فساروا إِلى القطيف، ثُمَّ في سنة ٣٦٥ هـ عادوا فقاتلهم العزيز ابن المعزِّ في الرملة قتالاً شديداً، وكان كبيرهم في هذه الوقائع الحسن المعروف بالأعصم وقد مات في الرملة سنة ٣٦٦ هـ وتولَّى أمرهم بعده ستة نفر منهم شركة، وسمُّوا السادة، فقصدوا في سنة ٣٧٥ الكوفة مع نفرين من الستة، فجهز إِليهم صمصام الدولة البويهي جيشاً هزمهم وأكثر فيهم القتل، فانحرفت من يومئذ هيبتهم، ولم تقم لهم قائمة. وإذا أردت تفاصيل وقائعهم، فعليك بكتب التاريخ المطولة، والمختصرة أيضا؛ نظير: تاريخ أبي الفداء، مجلَّد٢، وتاريخ ابن عساكر، مجلَّد٤.


دولته ودولة بنيه حتّى أوقعوا بعساكر الخلفاء العبَّاسيِّين، وغزوا بغداد والشام ومصر والحجاز، وانتشرت دعاتهم بأقطار الأرض، فدخل جماعة من الناس في دعوتهم، ومالوا إِلى قولهم الذي سمُّوه: علم الباطن؛ وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إِلى أُمور زعموها من عند أنفسهم، فضلُّوا وأضلُّوا عالماً كثيراً(١) . وقيل غير ذلك في تاريخ ظهور حمدان هذا وفي تسميته بقِرمط. يقول الوطواط: (ظهر في أيَّام خلافة المعتمد سنة ٢٧٨ هـ من سواد الكوفة رجل أحمر العينين يسمَّى: كرميته، فاستثقلوا هذه اللفظة فخففوها وقالوا: قرمط، ثُمَّ ذكر أنواع تعاليمه وبدعه الفاسدة، وذكر أنَّ المعزَّ الفاطمي وقائده جوهر قد حاربا القرامطة حروباً دامية سنة ٣٦٢ هـ)(٢) .

ويقول ابن خلِّكان: (والقرامطة نسبتهم إِلى رجل من سواد الكوفة يقال له: قِرمط؛ بكسر القاف، ولهم مذهب مذموم، وكانوا قد ظهروا في سنة ٢٨١ هـ في خلافة المعتضد، وقيل: كان ظهورهم في سنة ٢٧٨هـ)(٣) .

ويرى أبو الفداء: (أنَّ ظهورهم كان في هذه السنة؛ أي سنة ٢٧٨ هـ، في سواد الكوفة، وأنَّ الرجل الذي دعاهم إلى مذهبه كان شيخاً وقد تمرَّض بقرية من سواد الكوفة، فحمله رجل من أهل القرية يقال له: كرميته لحمرة عينيه، وهو بالنبطية اسم لحمرة العين، فلمَّا تعافى الشيخ المذكور سُمّي باسم ذلك الرجل الذي آواه ومرَّضه، ثُمَّ خُفِّف، فقالوا: قِرمط، بكسر القاف، ودعا قوماً من أهل البادية ممَّن ليس لهم دين ولا عقل إلى دينه، فأجابوه)(٤) .

ولا يهمنا أكان الرجل الذي دعا القرامطة هو نفس الرجل المـُسمَّى بقرمط

____________________

(١) خطط المقريزي، ج٤، ص١٨٣.

(٢) الخصائص الواضحة، ص٢١٢، وص٢١٥.

(٣) وفيَّات الأعيان، ج١، ص٥٠٢.

(٤) تاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٥٥، وقد روى ابن الجوزي(تلبيس إبليس، ص١١٠) هذا السبب لتسميتهم بالقرامطة والسبب الأوَّل الذي رويناه عن المقريزي ولم يرجِّح أحدهما على الآخر.


أو غيره ولكنّه سُمِّي باسم قرمط؟ وإِنَّما يهمنا أن نعرف تاريخ ظهورهم في أيِّ سنة كان؛ لنعرف أكان في زمن الأئمَّة من أهل البيت أم لا؟ وقد رأيت اختلاف الروايات في تحديد زمان ظهورهم، والأرجح أنَّه كان في سنة ٢٧٨ هـ؛ أي بعد انقضاء زمن الأئمَّة الميامين وفي أثناء الغيبة الصغرى للإِمام الثاني عشر(ع)؛ ولذلك لم نرَ ذكراً

للقرامطة - بالخصوص - في أحاديث البراءة المأثورة عنهم (عليهم السلام)، ولكن الأحاديث التي ذكرناها قريباً في البراءة من الغلاة شاملة للقرامطة بطريق أولى؛ لأنَّهم من أقبح الغلاة، فليس من الحقِّ أن يقال: (ومن الشيعة فِرقة الباطنية، ثُُمَّ القرامطة) في حين أنَّ علماء الشيعة قديماً وحديثاً يبرأون من كلِّ غالٍ، ومن القرامطة بالخصوص، وقد ألَّّفوا كتباً كثيرة في الردِّ عليهم، وذكروهم في كتب اللغة وفي كتب التراجم. وإليك أُنموذجاً صغيراً منها:

قال صاحب مجمع البحرين في اللغة عند مادة قِرمط: (والقرمطي واحد القرامطة ومنه تحوَّل الرجل قرمطياً؛ وهم فِرقة من الخوراج عن الإِسلام، وعن الشيخ البهائي أنَّه دخلت في سنة ٣١٠ القرامطة إِلى مكَّة المكرَّمة في أيَّام الموسم وأخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم عشرين سنة وقَتلوا خلقاً كثيراً، وممَّن قتلوا عليَّ بن بابويه؛ كان يطوف فقطعوا طوافه وضربوه بالسيف، فأنشد:

ترى المحبِّين صرعى في ديارهم

كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا)(١)

وقال صاحب روضات الجنَّات: (والقرامطة هم فرقة من الخوارج الكفرة قد كتب بعض أصحابنا الإِمامية في الردِّ عليهم. إِلى أن ذكر دخول أبي ظاهر القرمطي مكَّة المكرَّمة يوم التروية وما فعله في الحاج من النهب والقتل ودفن القتلى في المسجد وفي بئر زمزم. وقلع باب الكعبة وهدم قبَّة زمزم ونقل الحجر الأسود إِلى هجر)(٢) .

____________________

(١) مجمع البحرين، ص٣٣٩.

(٢) روضات الجنَّات، ص٣٧٩.


وقد اختلفت كلمات المؤرِّخين اختلافاً عظيماً في التعاليم القرمطية كما اختلفت أقوالهم في أصل تلك التعاليم وفي مصدرها وفي تاريخ المذهب القرمطي، الأمر الذي دعانا إلى عدم الاطمئنان والجزم بتلك الكلمات والأقوال التي لم توضح تقدُّم المذهب الإسماعيلي على القرمطي، ولكن ممَّا لا نشكُّ فيه أنَّ المذهب الإسماعيلي قد حدث في منتصف القرن الثاني؛ أي بعد وفاة الصادق(ع) بقليل، وفي هذا الوقت لم يكن اسم القرمطي في عالم الوجود، وإِنَّما وجد - كما تقدَّم - في أواخر القرن الثالث. ولا ننكر أنَّ التعاليم القرمطية قد وُجدت في أذهان الغلاة قبل ذلك، وبُثَّت فيما بعد بين القرامطة؛ والذين بثُّوها في أذهانهم هم نفرٌ من الغلاة الباطنية؛ حيث سيَّروا الحسين الأهوازي داعية إِلى العراق، فلقي حمدان القرمطي ودعاه إِلى مذهب الباطنية، فاستجاب له. والأهوازي هذا كان من الباطنية، بل قيل: (أنّه الزعيم الأوَّل لهم والمؤسِّس لمذهبهم) الذي انتشر انتشاراً هائلاً في أواخر القرن الرابع(١) أَي في أيَّام الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي تولَّى الخلافة سنة ٣٨٦ وفتح دار الحكمة في سنة ٣٩٥ هـ وقُتل سنة ٤١١ هـ، فدخل هذه الدار جماعة من فلول القرامطة (الذين هزمهم صمصام الدولة البويهي سنة ٣٧٥) وتولُّوا شؤون دار الحكمة، فدسُّوا في تعاليم الإسماعيلية الأولى ما لا يتَّفق والتعاليم الإِسلامية بوجه؛ ولهذا (يقال: أن أصل دعوة الإِسماعيلية مأخوذة من القرامطة ونسبوا من أجلها إِلى الإلحاد)(٢) .

ولا يبعد أن تكون دعوة الإِسماعيلية التي نظمت في دار الحكمة مأخوذة من

____________________

(١) وكثُر أتباعه أيضاً في أواخر القرن الخامس يوم ترأسهم الحسن بن الصباح بأصبهان وبني لهم القلاع الحصينة وكان يسمَّى بعضها بقلعة الموت، فاستفحل أمرهم حتَّى آل إِلى سرقة الملوك والأمراء وقتلهم، ثُمَّ رميهم في الآبار؛ وحتَّى أنَّ الإنسان كان إذا خرج خارج بيته، أيس منه أهله وظنُّوا أنَّه اغتيل في الطريق؛ وسيأتيك مزيد بيان.

(٢) خطط المقريزي، ج٢، ص٢٢٣، و٢٣٤.


القرامطة الذين أخذوا تعاليمهم الأولى من زعيم الإسماعيلية الأهوازي، فيكون القرامطة قد أخذوا أوَّلاً، ثُمَّ أعطوا ثانياً. وكما علَّمهم بعض الإسماعيلية الغلوَّ علَّموه هم لبعض آخر من الإِسماعيلية الذين كانوا خلواً منه.

وعلى كلٍّ... يهمُّنا أن نعرف الآن هل كان الخلفاء الفاطميُّون من غلاة الإسماعيلية؟ وهل كان الذين كانوا بعد الحاكم يعتقدون بإِلهيَّته كما اعتقدها غيرهم؟ ولمَّا كان الجواب القطعي عسراً للغاية؛ لأنَّ ما كُتب عن القوم كان شديد الغموض فاحش الاضطراب، وخصوصاً ما يتعلَّق بعقائدهم، فإِنَّه - زيادة على ذلك - في غاية المبالغة والتحامل الغريب، الأمر الذي يدع الكاتب يتردَّد كثيراً في الإِقدام على الحكم الجازم، ويشكك في كثير ممَّا نسب إِلى القوم من الخرافات والبدع والكفر والزندقة، فضلاً عن رميهم بكونهم أدعياء في النسب.

لمَّا كان الأمر على هذا الحال المـُريب، التجأنا إِلى الحكم فيما نكتب عنهم على سبيل الظن والاحتمال والترجيح، واقتصرنا على

٦ - كلمة موجزة في الفرقة الباطنية وفي الغاية من الطعن على الفاطميِّين ونسبهم:

عرفت أنَّ الإِسماعيلية اختلفوا بموت إسماعيل في حياة أبيه (فمنهم مَن قال لم يمت إِلاَّ أنَّ أبوه أظهر موته تقيَّة من بني العبَّاس، ومنهم مَن قال: الموت صحيح، والنصُّ لا يرجع قهقري؛ والفائدة في النصِّ بقاء الإِمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيره، فالإِمام بعد إِسماعيل محمد بن إسماعيل؛ وهؤلاء يقال لهم: المباركية، ثُمَّ منهم مَن وقف على محمد بن إِسماعيل وقال برجعته بعد غيبته، ومنهم مَن ساق الإِمامة في المستُورين منهم، ثُمَّ في الظاهرين القائمين من بعدهم؛ وهم الباطنية الذين لهم مقالة مفردة)(١) .

يقول الشهرستاني:

____________________

(١) انظر: مِلل الشهرستاني، ج١، ص٩٦.


(وإنَّما لزمهم هذا اللقب؛ لحكمهم بأنَّ لكلِّ ظاهر باطناً ولكلِّ تنزيل تأويلاً. ولهم ألقاب كثيرة؛ فبالعراق يُسمَّون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، وبخراسان التعليمية والملحدة، ثُمَّ إنَّ الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنَّفوا كتبهم على ذلك المنهاج، فقالوا في الباري تعالى: إِنَّا لا نقول هو موجود ولا لا موجود، ولا عالم ولا لا عالم، وكذلك في جميع الصفات) ثُمَّ ذكر تعاليمهم وشبهاتهم وقال بعدها: (ثُمَّ إِنَّ أصحاب الدعوة الجديدة تنكَّبوا هذه الطريقة حين أظهر الحسن بن الصباح دعوته وقصر عن الإلزامات كلمته، واستظهر بالرجال وتحصَّن بالقلاع، وكان بدء صعوده إِلى قلعة الموت في شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة وذلك بعد أن هاجر إِلى بلاد إِمامه وتلقَّى الدعوة منه لأبناء زمانه)(١) ثُمَّ ذكر كيفيَّتها بكلام طويل فراجع.

هذه بعض تعاليم الباطنية؛ أشرنا إِليها إِشارة لنعرف هل كان الفاطميُّون على هذه التعاليم السيِّئة أم لا؟ ، وإِنَّ ما رأيناه في التاريخ من أعمال الفاطميِّين الشهيرة في مصر، وأقوالهم المأثورة في التمسُّك بالدين، لممَّا يُوجب الظنَّ بأنَّهم ليسوا على مقالة الباطنية وتعاليمهم، وإِنْ وافقوهم بسوق الإِمامة في المستورين، ثُمَّ في الظاهرين، بل احتُمل أنَّ الحاكم بأمر الله الذي قال بإِلهيَّته بعض الباطنية، أو كلُّهم، كان ممَّن يسخر من مقالة الباطنية فيه ويعاقب عليها لو كانت في حياته، ولكنَّها كانت - على الأرجح - بعد وفاته.

وعلى كلِّ حال... فلا يسوغ لمنصف أن يعتبر القائلين بالغلو - سواء كانوا باطنية أو غير باطنية - من الشيعة ولا من المسلمين، وهكذا كلُّّ مَن ينكر إِحدى ضروريات الدين الإِسلامي. أمَّا الذين لا ينكرون شيئاً منها - وإِن جادلوا في بعض المسائل النظرية أو أنكروا دليلها - فهم مسلمون حقيقة، وإذا كانوا من الموالين لأمير المؤمنين(ع)، فهم مسلمون شيعيُّون. ويدخل، على الظاهر، في

____________________

(١) المِلل، ص١١٢.


هؤلاء جلُّ - إن لم نقل كل - الخلفاء الفاطميِّين، وجلُّ البيت الفاطمي؛ لأنَّهم كانوا متشدِّدين في إِسلاميَّتهم وفي ولاءهم لأمير المؤمنين وأهل بيته(عليهم السلام)، وكانوا يقيمون شعائر الإِسلام أينما حلُّوا، ويعمرون المساجد والمعاهد العلمية الإِسلامية، ويبالغون في الإنفاق عليها وعلى فقراء المسلمين، وخصوصاً في مصر، حتّى قيل بحق: (إِنَّ أيَّامهم في مصر كانت كلَّها أعياداً) ولقد نال أهل مصر من جميلهم وبِرِّهم ما لا يحصى عدُّه.

ولا نبالغ إذا قلنا إِن أهمَّ الآثار الإسلامية الباقية إلى الآن في مصر، من مآثرهم الخالدة، ويكفي في التدليل على ذلك (الجامع الأزهر) الذي بناه القائد جوهر بأمر سيِّده المـُعزِّ الفاطمي.

نعم، لا ننكر أنَّ (القوم) كانوا - كغيرهم من الملوك - يستعملون التعصُّب لمذهبهم الإسماعيلي، ويضغطون على حرِّيَّة المذاهب الأخرى ولو كانت تمتُّ إلى

مذهبهم بقرابة، وكان بعضهم يستبدُّ كثيراً، ويميل عن الحق في أغلب أعماله، وهذا ممَّا لا سبيل إلى إِنكاره، وإِنَّما ننكر أن يؤخذ من ذلك دليلاً على غلوِّهم وكفرهم وتزندقهم مِن غير أن نعلم هل كانوا في ارتكابهم لتلك المحرَّمات - مثلاً - يعتقدون حليَّتها وينكرون تحريمها المستلزم لإِنكار الكتاب العزيز الذي نصَّ على تحريمها أم لا؟

وكيف نحكم بكفرهم؟ من دون أن يقوم لنا دليل صريح موجب لكفرهم من طريق صحيح، أو من اعتراف منهم وتصريح بالكفر الذي ضيَّق الشارع دائرته ولعن مَن يتسرَّعون في إصدار الحكم به.

نعم، كيف نحكم بكفرهم - كما حكم السيوطي في كتابه تاريخ الخلفاء - في حين أنَّا نرى الحاكم بأمر الله؛ وهو أعظمهم كفراً وشرُّهم أعمالاً بنظر البعض (يخرج رقعة بخطه سنة ٤٠٣ هـ إِلى أمين الأمناء لمـَّا توقَّف في الإِنفاق على الناس؛ نسختها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله كما هو أهله


أصبحت لا أرجو ولا اتَّقي

إِلاَّ إِلهي وله الفضل

جدي نبيٌّ وإِمامي أبي(١)

وديني الإِخلاص والعدل

(مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ) المال مال الله والخلق عياله، ونحن أمناؤه، اطلق أرزاق الناس ولا تقطعها)(٢) .

فهل يدلُّ هذا الشعر والنثر إِلاّ على محض الإِخلاص والتوحيد لله تعالى والعدل في الرعية بالرغم ممَّا نسب إليه من جور؟

على أنَّ الرجل قد أُصيب في أواخر أيَّامه بخلل في دماغه، فلا تؤخذ أعماله مقياساً لمـَن تقدَّم عليه أو تأخر عنه مِن قومه الفاطميِّين، وفيهم مَن عُرف بالعلم والرفق والعدل.

ويكاد المرء أن يعتقد بعد ذلك، بأنَّ كلَّ ما نُسب إِلى (القوم) مبالغ فيه، أو مكذوب به

عليهم؛ لأنَّ التعصُّب المذهبي والعداء السياسي، قد بلغا الغاية في أيَّام القوم حتّى أنَّهم أنفسهم كانوا في لجَّةٍ عميقة من التعصُّب المذهبي البغيض، دفعتهم كثيراًً إِلى إِكراه الناس على اعتناق مذهبهم الإسماعيلي وترك غيره من المذاهب التي اعتقدها أهلها منذ الصغر، ولقد كان تعصُّب الفاطميِّين حتّى على مَن هو قريب منهم في المذهب.

ينقل لنا المقريزي: (أنَّ المـُعزَّ كتب إِلى قائده جوهر يُحذِّره من بني حمدان، ويقول له: إِنَّ بني حمدان يتظاهرون بثلاثة أشياء عليها مدار العالَم وليس لهم فيها نصيب: يتظاهرون بالدين والكرم، وليس لهم منهما نصيب، ويتظاهرون بالشجاعة، وشجاعتهم للدنيا لا للآخرة، فاحذر كلَّ الحذر من الاستناد لأحدٍ منهم)(٣) .

____________________

(١) يعني به عليَّاً أمير المؤمنين(ع)؛ لأنَّهم كانوا في خطبتهم يقولون: السلام على أبينا أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب إمام الأمَّة وكاشف الغمَّة. انظر: خطط المقريزي، ج٢، ص٣٣١.

(٢) الخطط، ج٤، ص٢٦٧.

(٣) الخطط، ج٢، ص١٦٥.


وهذه الكلمة من المعزِّ الفاطمي - وإِنْ كانت في معرض التحذير - تفهمنا ما بلغ الرجل من التعصُّب المذهبي الشديد؛ لقوله فيها: (ويتظاهرون في الدين)؟

ومن البديهي في التاريخ أنَّ بني حمدان كانوا من الشيعة الإمامية الاثني عشرية الذين حموا ثغور المسلمين وجاهدوا في سبيل الدين أكبر جهاد حتّى أنَّ سيف الدولة قد جمع الغبار الذي تجمَّع عليه أيَّام غزواته لأعداء الدين وجعله بصورة (لبنة) وأوصى أن توضع معه في قبره، أضف إلى ذلك احترام العلماء، وصلة الشعراء، وتقديس الشعائر الدينية.

دخل الفاطميُّون إِلى مصر يُرافقهم التعصُّب لمذهبهم، والتفاني الصريح في حبِّ

أهل الكساء(ع) حتّى أنَّ المعزَّ (أمر في رمضان سنة ٣٦٢ هـ أن يُكتب على سائر الأماكن بمدينة مصر: خير الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام)(١) . وفي سنة ٣٦٥ هـ (جلس القاضي بالجامع الأزهر وأملى المختصر المعروف بالاقتصاد وقرأه على الناس؛ وهو يشتمل على فقه الإِسماعيلية. وفي سنة ٣٧٢ هـ أمر العزيز بقطع صلاة التراويح من جميع البلاد المصرية، وفي سنة ٣٨١ هـ ضرب رجل بمصر وطيف به المدينة من أجل أنّه وجد عنده كتاب الموطأ لمالك بن أنس)(٢) .

هكذا كان الفاطميُّون حين دخولهم إِلى مصر في الوقت الذي تملَّك فيه التعصُّب للأمويِّين قلوب المصريِّين (فكانوا إِذا لقوا أحداً في الطريق، قالوا له: مَن خالك ؟ فإِن لم يقل معاوية وإِلاَّ بطشوا به وشلَّحوه. ولمَّا دخل جوهر قائد المعزِّ الفاطمي إلى مصر وبنى القاهرة، أذَّن في جميع المساجد الجامعة وغيرها، حيِّ على خير العمل ، وأعلن بتفضيل عليّ بن أبي طالب على غيره، وجهر بالصلاة على الحسن والحسين وفاطمة الزهراء(رض)، فقابله الرعيَّة ونادوا:

____________________

(١) خطط المقريزي، ج٤، ص١٥٦.

(٢) الخطط المقريزي، ج٤، ص١٥٦، و١٥٧.


معاوية خال عليّ، وخال المؤمنين. فأرسل جوهر رجلاً إِلى الجامع فنادى: أيُّها الناس، أقلُّوا القول ودعوا الفضول، فلا ينطقنَّ أحد إِلاَّ حلَّت به العقوبة الموجعة)(١) فكان من المعقول أن يشتدَّ التصادم بين ذينك التعصُّبين، وأن تجري حوادث خطيرة، ولكن سرعان ما خضع المصريُّون ودان أكثرهم بالمذهب الإسماعيلي، وصدق فيهم يومئذ قول المقريزي: (إنَّ من طبيعة المصريِّين قلَّة الصبر والجلَد، وأخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقُّل من شيء إِلى شيء والدعة والجبن)(٢) .

وإِذا ألقيت نظرة إِجمالية على تاريخهم أيّام استعباد الفراعنة إِيَّاهم، وأيَّام الخصيِّ جوهر، والحاكم بأمر الله، والمماليك وغيرهم، تُصوِّب المقريزي بنسبة الجبن إليهم، وإذا سبرت تنقُّلهم من التشيُّع أيَّام علي إِلى النصب أيَّام معاوية ومَن بعده، ثُمَّ منه إِلى التشيُّع للعباسيِّين، ثُمَّ منه إِلى التشيُّع للفاطميِّين، ثُمَّ منه إِلى التشيُّع للأبويِّين وهلمَّ جرَّا؛ إذا سبرت ذلك، توافق المقريزي أيضاً على قوله: (وأخلاقهم يغلب عليها الاستحالة والتنقُّل من شيء إلى شيء).

دان المصريُّون بالمذهب الإسماعيلي مأتين ونيِّف سنة، أخلص له القليل وكاده الباقون، وكان (لهم خبرة بالكيد والمكر، وفيهم بالفطرة قوَّة عليه، وفي مكرهم يقول أبو نؤاس:

فَإِن يَكُ فيكُم إِفكُ فِرعَونَ باقِياً

فَإِنَّ عَصا موسى بِكَفِّ خَصيبِ(٣)

لذلك لا يبعد أن يكون ما نُسب إلى الفاطميِّين ورُموا به، ناشئاً من المصريِّين الذين لم يخلصوا للمذهب الإسماعيلي وأئمَّته الفاطميِّين، وعاضدهم على ذلك العبَّاسيُّون الذين رأوا مزاحمة الفاطميِّين الشديدة حتّى زاحموهم على الخلافة الإسلامية بالمناكب وقربوا من بغداد عاصمة العبَّاسيِّين فالتجأوا إلى الدعاية ضدَّ العلويِّين عامَّة والفاطميِّين خاصَّة حتّى أنَّهم (كتبوا سنة ٤٠٢ هـ محضراً بأمر القادر يتضمَّن القدح في نسب العلويِّين

خلفاء مصر)(٤) .

____________________

(١) الخطط، مجلَّد٤، ص١٥٥، و١٥٦.

(٢) الخطط، مجلَّد ١، ص ٧١.

(٣) الخطط، مجلَّد ١، ص ٧٨.

(٤) تاريخ أبي الفداء، مجلَّد ٢، ص١٤٢.


(وكُتب (أيضاً) محاضرَ في بغداد سنة ٤٤٤ بالقدح في نسب الخلفاء المصريِّين ونفيهم من الانتساب لعليّ بن أبي طالب وسُيِّرت إلى الآفاق)(١) .

ولكن تلك المحاضر الفاشلة لم توهن عزيمة الفاطميِّين ونشاط دعاتهم في الأمصار، بل ظلُّوا مثابرين على العمل الجدِّي حتّى (أخذ لهم البساسيري بغداد سنة ٤٥٠ هـ وأقام فيها الخطبة للمستنصر الفاطمي، وفرَّ الخليفة القائم بأمر الله العبَّاسي، وسُيِّرت ثيابه وعمامته وغير ذلك إِلى مصر، وفي سنة ٤٥١ أُقيمت دعوة المستنصر بالبصرة وواسط وجميع تلك الأعمال، فقدم طغريل إِلى بغداد وأعاد الخليفة العبَّاسي وقتل البساسيري الذي خطب أربعين خطبة في بغداد للمستنصر الفاطمي)(٢) .

نعم، لم تؤثِّر تلك المحاضر - على ما يظهر - في دولة الخلفاء الفاطميِّين، بل عاشت بعد ذلك ما يقرب من قرن وربع قرن، لكنَّها قد أفادت أولئك الكتاب المرتزِقين الذين سطَّروها في كتبهم على غير تفكير وتعقُّل في الدافع إليها والغرض منها، ولولا أن قيَّض الله سبحانه مَن فضح تلك المحاضر، لبقينا نعتقد بأنَّ القوم أدعياء في نسبهم الفاطمي.

وإليك ما قاله ابن خلدون غير المتَّهم بالنسبة إلى القوم؛ لأنَّه كان يراهم من الملاحدة في الدين ومن الكفرة، ومع ذلك حامى عن نسبهم أبلغ محاماة؛ حيث يقول: (ومن الأخبار الواهية ما يذهب إليه الكثير من المؤرِّخين في العبيديِّين، خلفاء الشيعة في القيروان والقاهرة، من نفيهم عن أهل البيت والطعن في نسبهم إلى إسماعيل؛ يعتمدون في ذلك على أحاديث لُفِّقت للمستضعفين من خلفاء بني العبَّاس تزلُّفاً إليهم بالقدح فيمَن ناصبهم..) إلى أن قال بعد كلام طويل: (والعجب من القاضي أبي بكر الباقلاّني يجنح إلى هذه المقالة ويرى هذا الرأي الضعيف! فإِنْ كان ذلك لمـَا كانوا عليه من الإلحاد في الدين والتعمَّق في الرافضية (؟) فليس ذلك بدافع في صدر دعوتهم، وليس إثبات مُنتَسبهم بالذي يُغني عنهم من الله

____________________

(١) الخطط مجلَّد٢، ص١٧٠.

(٢) المصدر نفسه.


شيئاً في كفرهم...إلخ)(١) .

وهناك محاماة ثانية عن نسب القوم لها قيمتها التاريخية؛ لأنَّها من المقريزي المصري الذي هو أدرى بخلفاء بلاده مصر، وأكثر اطلاعاً على دقائق أحوالهم وكيفيَّات أنتسابهم.

قال:

(اعلم أنَّ القوم كانوا يُنسَبون إلى الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رضي لله عنهما)، والناس فريقان في أمرهم: فريق يُثبت ذلك، وفريق يمنعه ويزعم أنَّهم أدعياء من ولد ديصان البوني وأصله من المجوس. وبعض منكري نسبهم في العلوية يقول: إِنَّ عبد الله المهدي (جدُّهم) من اليهود...)

إلى أن قال:

(وهذه أقوال إن أنصفت، تبيِّن لك أنَّها موضوعة. إِنَّ بني عليّ(رض) قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة، فمَا الحامل لشيعتهم على الإِعراض عنهم والدعوة لإبنٍ مجوسي أو يهودي؟ فهذا ممَّا لا يفعله أحد ولو بلغ الغاية في السخف والجهل. وإِنَّما جاء ذلك من قبل ضعَفة بني العبَّاس عندما غصُّوا بمكان الفاطميِّين، فإِنَّهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحواً من مائتين وسبعين سنة، وملكوا من بني العبَّاس بلاد المغرب، ومصر، والشام، وديار بكر، والحرمين، واليمن، وخُطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة، وعجزت عساكر بني العبَّاس عن مقاومتهم فلاذت حينئذٍ إلى تنفير الكافّة عنهم بإِشاعة الطعن في نسبهم، وبثَّ ذلك عنهم خلفائهم، وأعجب به أولياؤهم وأمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميِّين؛ كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم وسلطانهم معرَّة العجز.. حتّى اشتهر ذلك الطعن ببغداد وأسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويِّين وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان الرضي والمرتضى في عدَّة وافرة عندما جمعوا لذلك في سنة ٤٠٢ أيَّام القادر(٢)

____________________

(١) المقدِّمة، ص١٥.

(٢) قد جعل ابن خلدون تاريخ هذه الشهادة سنة ٤٦٠ هـ في أيَّام القادر، وهو خلاف الواقع؛ لأنَّ القادر هذا توفِّي سنة ٤٢٢ هـ كما في تاريخ أبي الفداء (مجلّد ١، ص١٥٨) أي قبل تاريخ ابن خلدون لهذه الشهادة بثمان وثلاثين سنة.


وكانت شهادة القوم في ذلك على السماع(١) لِمَا اشتهر ببغداد وأهلها إِنَّما هم من شيعة بني العبَّاس الطاعنين في هذا النسب، والمتطيِّرين من بني عليّ(رض) والفاعلين فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل، فنقل الإخباريُّون وأهل التاريخ ذلك كما سمعوه، ورووه حسب ما تلقُّوه من غير تدبُّر. والحق من وراء هذا، فتفطَّن، ولا تغتر بزخرف القول الذي لفَّقوه من الطعون في القوم)(٢) .

____________________

(١) ذكر ابن أبي الحديد في ترجمة الرضي( شرح النهج، مجلَّد ١، ص١٢): (أنَّ الرضيَّ لم يمض المحضر المكتوب في إِبطال نسب الفاطميِّين، وأنَّ والد الرضي قد حاوله على أن يمضيه، فما أجابه، وكذلك حاول أخوه المرتضى، فما أجابه أيضاً، فحلفا على أن لا يكلِّماه؛ تقية من القادر وتسكيناً له، ولكنَّه أجابهما على إِنكار الأبيات المشهورة التي أوُّلها:

ما مَقامي عَلى الهَوانِ وَعِندي

مِقوَلٌ صارِمٌ وَأَنفٌ حَمِيُّ

أحمُل الضَّيمَ في بلادِ الأَعادي

وَبِمِصرَ الخَليفَةُ العَلَوِيُّ

مَن أَبوهُ أَبي وَمَولاهُ مَولا

يَ إِذا ضامَني البَعيدُ القَصِيُّ

لَفَّ عِرقي بِعِرقِهِ سَيِّدا النا

سِ جَميعاً مُحَمَّدٌ وَعَلِيُّ)

والقرائن قويَّة على أنَّ إِنكاره الأبيات نزولاً على إِرادة أبيه وأخيه الذين حذرا عليه من انتقام القادر العبَّاسي وعلى أنفسهما أيضاً؛ ولذلك شهدا على المحضر، لا لأجل السماع والشهرة.

(٢) الخطط، ج٢، ص١٥٩.


الخاتمة(*)

خطأ ثابت في (الرسالة) أو دفع التهجُّم على شيعة إيران

جعلنا هذه الكلمة خاتمة الكتاب؛ لأنَّها لم تكتب له، وإِنَّما كتبت قبل تأليفه، بل وقبل التفكير فيه بثلاثة أشهر أو أربعة؛ أي يوم اطلعت على العدد ٣١ من مجلَّة الرسالة المصرية لسنتها الثانية وقرأت ما حواه من الأبحاث القيِّمة الطريفة والقصص التاريخية والأدبية الحافلة بشتّى الفوائد الجليلة، وأَعجبت كلَّ الإعجاب بأسلوب الأستاذ الزيَّات الجذَّاب، وذوقه الحسن، وابتعاده كثيراً عمَّا يثير الضغائن ويسبِّب التباعد بين الأمَّة، ولكن سرعان ما انقلب ذلك الإِعجاب بابتعاده عمَّا يسبِّب التباعد إلى تعجُّب شديد من نشره في العدد نفسه رِحلة الأستاذ محمد ثابت المصري (إلى خراسان)(١) المليئة باللَّسبات الطائفية البغيضة؛ لأنَّها

كانت - ولم تزل - هي وحدها الداء العضال الذي أنحل جسم المجتمع الإِسلامي و أوهى قواه، وأَمكن عدوَّه الجشع من قبضه بكلتا يديه وتشريحه بمبضعه السام، لتذهب بقايا قواه أو يمحى ذكره الجميل من صحيفة الوجود كما كان قبل بزوغ النور المحمدي من صحراء الجزيرة العربية.

وبنظرة بسيطة في المشاريع الجمَّة(٢) التي نظَّمها رجال الغرب في القرون الماضية (وفي طليعتهم البابوات) والتي كان هدفهم الأوَّل فيها محو تركيا أو تقسيمها - وهي يومئذٍ موئل الإسلام وساعده المتين - يعلم صدق ما قلناه.

____________________

(*) نشر أكثرها في الجزء الأوَّل من مجلَّد ٢٥ لمجلَّة العرفان الزاهرة.

(١) أدرج الرحَّالة هذا مقالة بهذا العنوان في كتابه: (جولة في ربوع الشرق الأدنى) ص ٢٠٠ إلى ص٢٢٢ وزاد عليه أموراً كثيرة خليقة بأن تصدر من غير معلِّم الآداب في كلية فاروق الثانوية بمصر.

(٢) انظر ما كتبه الأمير شكيب في (حاضر العالم الإسلامي) عن هذه المشاريع؛ لتعلم إلى أي حد بلغ لؤم القوم وجشعهم.


على أنَّنا بغنى عن الاستشهاد بالماضي البعيد؛ لأنَّ ما يقع نصب أعيننا في العصر الحاضر، عصر الإِنسانية والديموقراطية كما يسمُّونه، من أعمال (القوم) الفظيعة في نفس

مصر - بلد الزيَّات، وبلد الرحَّالة المصري - وفي جزئها السودان (كما يقولون)، وفي جارتها فلسطين الشهيدة، وسوريا المقسَّمة، وفي شقيقاتها طرابلس الغرب وتونس والجزائر وجاوى وغيرها، كافٍ لأنْ يكون عظة لمتَّعظ، وعبرة لمعتبر، ورادعاً قويَّاً عن نبش الدفائن البالية ونشر جراثيمها الموبوءة على هذه الأمَّة العليلة، المبتلاة - مع علَّتها المزمنة - بالعدوَّين الداخلي والخارجي.

نعم، تعجَّبتُ كثيراً من حامل مشعل (الرسالة المصرية) ليهدي بها الأمَّة ويلمَّ شتاتها؛ لنشره أمثال تلك اللَّسبات في مجلَّة الرسالة الراقية، حتّى أحوجنا إلى مناقشة (الرحَّالة) ومجادلته بالتي هي أحسن، خدمة للحقِّ وبياناً للحقيقة المهضومة في قول الرحَّالة هذا: (والسيَّارات الكبيرة تمرُّ تِباعاً، ذهاباً ورجعة، في كثرة هائلة، تحمل جماهير الحجَّاج (؟) لأنَّ (مشهد) خير لديهم من مكَّة المكرَّمة تغنيهم عن حجِّ بيت الله الحرام في زعمهم).

وقد كرَّر هذا اللَّسب القاسي بعد كلمات، فقال:

(والذي شجَّع الفُرس على اتخاذ مشهد كعبة مقدَّسة الشاه عبَّاس الصفوي أكبر ملوك الصفويِّين هناك.. صرف قومه عن زيارة مكَّة لكراهيَّتهم للعرب، ولكي يوفِّر على قومه ما كانوا ينفقون من مال طائل في بلاد يكرهونها، فاتخذ (مشهد) كعبة وجَّه الشعب إليها، ولكي يزيدها قدسيَّة، حجَّ إليها بنفسه؛ ماشياً على قدميه مسافة تفوق ألف كيلو متر ومأتين، فتحوَّل الناس إليها.

ويندر مَن يزور الحجاز منهم اليوم، وهم يحترمون كلمة (مشهدي) عن كلمة (حجي) لأنَّ مَن زار (مشهد) - لا شكَّ - أكثر احتراماً وطهارة ممَّن زار مكَّة بزعمهم).

ولقد ذكَّرتني كلمته هذه بكلمة لكاتبة فرنسيَّة، ورحَّالة مثله أيضاً، نشرتها الأحرار


البيروتية (٢٧ تشرين الثاني/ سنة ١٩٣٠م) ملخَّصها: (إِنَّه على أساس ذبح عليِّ وأولاده في كربلاء(؟) قرب بغداد قامت الشيعة في الإِسلام(؟) ذلك لأنَّ أقرباء عليَّ وخلفائه وتلاميذه، وعلماء الشيعة وفلاسفتها، لم يطيقوا خلافة عمر(؟) الذي بسببه أريق دم عليٍّ وأولاده(؟)فافترقوا عن السنَّة، واجتازوا جزيرة العرب إلى العجم(؟) تسير في طليعتهم أرملة عليّ فاطمة (؟) ).

ولو أراد مريد تلفيق الأعذار عن هذه المرأة الإفرنسية، لأمكنه ذلك؛ لأنَّها امرأة غريبة غربية، قليلة الإِلمام بتاريخ الإسلام والمسلمين، وبعيدة عنهم وطناً ولغة وديناً، وقد يكون لها غرض سياسي - كما يظهر من كلامها هذا - خصوصاً قولها: (لم يطيقوا خلافة عمر الذي بسببه أريق دم عليّ وأولاده) وعلى هذا الوتر البغيض يضرب الكثير من كتَّاب الإِفرنج الذين أصبحوا القدوة - ويا للأسف - لكثير من كتَّاب الشرق الأدنى.

وعلى أيِّ حال... فما عذر الرحَّالة المصري عن تلك اللَّسبات الأثيمة؟ وهو شرقي أوَّلاً، ومسلم ثانياً، وعربي ثالثاً، وعقائد شيعة الفُرس شرقية إسلامية عربية أيضاً، ومُدوَّنة بلسان عربي، ومطبوعة بأحرف عربية كبيرة وصغيرة، ومنتشرة في بلاد العرب؛ وفارس التي طبعت أكثرها في مطابعها العربية، ومنتشرة أيضاً في الهند والأفغان وتبت وغيرها من البلاد الشرقية والغربية، فليطلبها أولئكم الذين يعتذرون بندرة المصادر الشيعية ويجعلون ذلك مبرِّراً لأخطائهم، أو مسوِّغاً لاعتمادهم على المصادر الأجنبية أو المصادر التي أُلِّفت للتقرُّب من الحكام، ليطلبوها كي يعلمونا منها حقيقة العقيدة الشيعية، وأنَّ

الشيعة الإِمامية - فُرساً كانوا أو عرباً أو تركاً أو غير ذلك من العناصرـ يحترمون أئمَّتهم من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا، ويزورون مشاهدهم المشرَّفة كما يزورون مدينة جدِّهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنوَّرة، من غير خصوصيَّة عندهم لزيارة مشهد الإِمام الرضا(ع) زائدةٍ على غيرها.

نعم، يحكمون بزيادة الثواب للزائر من مسافة بعيدة على ثواب الزائر من


قريب؛ فالزائر الذي يزور الحسين - مثلاً - ويقصده من بلاد الهند يكون ثوابه أعظم من ثواب مجاوري الحسين(ع)، ولكن مع اتحاد النيَّة وكونها خالصة لله سبحانه وتعالى، وهذا الحكم مطابق للفطرة، وللعقل السليم، وللمشهور من أنَّ (أفضل الأعمال أَحمزها) (والأجر على قدر المشقة).

ثُمَّ إِنَّ الزيارة - باصطلاح الشيعة - غير الحج، وإِنْ كان معناهما اللُّغوي واحداً؛ وهو القصد، إِلاّ أنَّ الحجَّ عندهم مختصٌّ بالسير لأداء المناسك الخاصَّة في مكَّة المكرَّمة - لا في مشهد - مع شروطها الخاصَّة من وقت وغيره. والزيارة لم يكن لها وقت خاص، بل هي مستحبَّة في كلِّ وقت، وإِنْ كان فعلها في بعض الأوقات، كالجمعة مثلاً، أفضل منه في غيرها. وهي عندهم من المستحبَّات؛ بمعنى أنْ تركها جائز، وفعلها راجح، وتاركها غير عاص، بعكس الحجِّ إِلى بيت الله الحرام؛ فإِنَّهم يرونه من أعظم الواجبات، لا يجوز تركه لمـَن استطاع إِليه سبيلا، وتاركه عاص معاقب أشدَّ عقاب، ومَن يتركه منكراً وجوبه، فهو خارج عن ملَّة الإسلام. أما مَّن يتركه مقرَّاً بوجوبه، ولكنَّه يتساهل في الأداء، فقد ارتكب كبيرة مهلِكة. والحجُّ إلى مكَّة المكرَّمة واجب في العمر مرَّة على كلِّ بالغ عاقل، ذكراً كان أو أُنثى، مع شروط كثيرة أهمُّها وأوَّلها الاستطاعة(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) . ومكَّة عندهم أشرف من (مشهد) وغير مشهد من بقاع الأرض، وهذه أخبارهم الصحيحة الصريحة تنصُّ على أفضلية مكَّة وأشرفيَّتها:

روي عن الصادق(ع) أنَّه قال:((إِنَّ الله اختار من كلِّ شيء شيئاً، واختار من الأرض موضع الكعبة)) .

وقال (عليه السلام):((ما خلق الله تعالى بقعة في الأرض أحبَّ إليه منها (وأومأ بيده إلى الكعبة) ولا أكرم على الله عزّ وجلَّ منها، لها حرَّم الله الأشهر الحُرم في كتابه..)) .


وقال أيضا:((أحبُّ الأرض إِلى الله تعالى مكَّة، وما تربة أحبُّ إِلى الله عزَّ وجلَّ من تربتها، ولا حجر أحبُّ إِلى الله من حجرها، ولا شجر أحبُّ إِلى الله شجرها، ولا جبال أحبُّ إلى الله من جبالها، ولا ماء أحبُّ إلى الله من مائها)) .

وهكذا روي عن الباقر(ع)(١) .

نعم، الاستطاعة شرط لوجوب الحجِّ، فإِذا حصلت لدى البالغ العاقل، وجب عليه الحجُّ، ووجب عليه أداءه في مكَّة، لا في غيرها، ولا يجوز له تأخيره عن عام الاستطاعة إِلاَّ إِذا طرأ عليه مرض مانع عن السير، أو إِذا لم يأمن الطريق التي لا يمكنه سلوك غيرها؛ بأن تمكَّن منه الخوف على نفسه، أو عرضه، أو ماله المـُضِر بحاله فقده، أو ظنَّ أنَّ السلطة الحاكمة في مكَّة المكرَّمة لا تُمكِّنه من فعل بعض الأركان والمناسك على ما يطابق مذهبه.

وبهذا ينبغي أن نُعلِّل ندرة الحجَّاج في بعض السنين الأخيرة، وعلى هذا يجب أن نحمل (صرف الشاه عبَّاس قومه عن مكَّة) إذا صحَّ هذا الصرف المزعوم وصدق زاعمه، لا على (أنَّ الشاه فعل ذلك كراهة للعرب وبلاد العرب) .

ويكاد المطَّلع على ما كان بين الصفويِّين والعثمانيِّين من العداء المذهبي، والسياسي أيضاً، أن يجزم بأنَّ السبب الوحيد الذي حمل الشاه على صرف

____________________

(١) انظر: الحرُّ العاملي، وسائل الشيعة، مجلَّد ٢، ص٣٦١، وص٣٦٤؛ لتعلم منه أنْ لا قيمة بعدئذ لذلك الخبر الذي تصيَّده الأستاذ أمين الخولي نصير (الرحَّالة) عن الأستاذ عزَّام، تصيَّده من كتاب مجهول لرجل فارسي اسمه الكوزه كناني واسم الكتاب (روضة الأمثال)، على أنَّ الخبر الفارسي كان خاصَّاً بتفضيل كربلاء على غيرها، فأيُّ شاهد به لتفضيل مشهد الرضا على مكَّة الذي هو محور النزاع بين ثابت وعبد الوهاب عزَّام.

وعلى كلٍّ... فإذا وُجد في أخبار الشيعة ما يدلُّ على تفضيل غير مكَّة عليها، فلا يدلُّ صرف الوجود على اعتقاد الشيعة بذلك الخبر المعارَض بأشهر منه وأوثق، وكذلك ما يوجد في كتب السنة: (من أنَّ النبيّ(ص) قال: ((إِنَّ كورة إِتريب، وكورة الفيُّوم، وكورة سنود، ليس على وجه الأرض أفضل منها، ولا تحت السماء لهن نظير) . انظر: خطط المقريزي، ج١، ص٢٨٤.


قومه عن مكَّة، كما زُعم، هو ظنُّه بخصومه العثمانيِّين أنْ لا يُمكِّنوا قومه من أداء المناسك على طبق مذهبهم.

وبمثل هذا الظن ندَر مَن حجَّ من الشيعة - والسنَّة أيضاً - بعد دخول الملك الوهابي جلالة عبد العزيز بن السعود - الحجاز، وبعد هدمه قبر بضعة المصطفى (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقبور الصحابة وغيرهم في مكَّة والمدينة المقدَّستين، وبعد منْعه من إِقامة بعض الشعائر في تلك الأيّام وما بعدها، ومِن حجِّ يومئذ، فقد لاقى نصباً وضغطاً على الحرِّيـَّات المذهبية.

وقد حصل وقتئذ شجارٌ عنيف بين الجند الوهابي وبين حرَّاس المحمل المصري أدَّى إلى توتُّر العلائق بين الحكومتين المصرية والسعودية.

وكذلك توتَّرت بين حكومة اليمن وحكومة نجد والحجاز بسبب اغتيال الجند النجدي - على ما قيل - أربعة آلاف حاج من حُجَّاج اليمن، الأمر الذي كادت الحرب أن تشبَّ من أجله في الجزيرة العربية

المحبوبة(١) وتقرَّ - وقتئذٍ - عيون الأجانب الشاخصة دائماً إلى الجزيرة، ترقب

____________________

(١) لقد شبت - مع الأسف - نار الحرب بعد كتابة هذه الكلمة بشهرين، وسفكت فيها الدماء البريئة، وتشابك المسلمون بالحراب، ومخرت أساطيل ذوي الأطماع في ميناء الحديدة بحجَّة حماية رعاياها، وتشجَّع الإنكليز (فأنذر الإِمام يحيى، وطلب منه التخلِّي عن عدن، وكان إنذاره في اليوم الذي أنذر فيه الملك ابن السعود الإِمام يحيى). انظر: العدد ٤٠٧، الصادر في ٣ ذي القعدة، سنة ١٣٥٢ هـ، وبقيت ناشبة ما يقرب من سنة، ثُمَّ توسَّط في الصلح وفد المؤتمر الإِسلامي المؤلَّف من: سماحة رئيس المؤتمر السيِّد محمد أمين الحسيني، والأمير شكيب أرسلان، وهاشم بك الأناسي،ومحمد علي علوبا باشا، فسافر إِلى جدَّة وتكلَّم مع جلالة الملك - وكان عبد الله فلبي الإنكليزي يعرقل مساعي الوفد المشكورة - ثُمَّ سافر إِلى صنعاء، وفاوض الإِمام في الأمر حتّى تمَّ الصلح والحمد لله، ونشرت صحف بنوده، فخاب أمل الطامعين، وانقطع الجنيه عن أولئك المرتزِقين من إِثارة الفتنة بين المسلمين ومن بثِّ الأكاذيب المفضوحة؛ أمثال فرار ولي عهد


أدنى انشقاق فيها لتدخل عن طريقه.

أمَّا اليوم، وقبله بأيّام كثيرة؛ حيث تساهل النجديُّون بعض التساهل، وأمن الشيعة الأمن التام، ونالوا بعض حرِّيَّتهم المذهبية، فقد كثر حجُّهم إلى مكّة المكرّمة كثرة هائلة بالنسبة إلى حالتهم الاقتصادية، ومَن يشكُّ في ذلك، فلا نكلِّفه سوى الاطلاع (في دوائر السفر إلى مكَّة) على جوازات القادمين إلى الحجِّ من شيعة إِيران، وسوريا، والعراق، والهند، والأفغان وغيرها؛ ليتبيَّن لديه خطأ الرحَّالة في قوله: (ويندر مَن يزور الحجاز منهم اليوم) وليعلم أنَّ كعبة الشيعة التي يُولُّون وجوههم شطرها في اليوم خمس مرَّات والتي يحجُّون إليها في كلِّ موسم من مواسم الحج، هي بيت الله الحرام، لا مشهد ولا غير مشهد من الأماكن الكثيرة المقدَّسة.

وإِذا أردنا أن نبهت كلَّ مَن يزور مقاماً أو يُقدِّسه بقولنا: (اتخذه كعبة عوضاً عن مكّة)، فلا سلمـَ مسلم - في الغالب - من هذا البهتان العظيم؛ لأنَّ مقامات الأولياء كثيرة في بلاد الإِسلام، ويزورها المسلمون، ويتبرَّكون بها إِلاّ ما شذَّ منهم، بل قد يتبرَّكون بمَن زارها ويحترمونه أكبر احترام، وخصوصاً أهل مصر وحلب.

وإليك قصة شاهدتها بنفسي، بل - على الأصح - جرت معي في ١٥ جمادى الأولى/ سنة ١٣٤٢ هـ حيث سافرت يومئذ من بغداد إلى حلب، ومنها إِلى بيروت، واجتمعت في محطة القطار الحلبية بثلاثة نفر من الحلبيِّين عليهم أُبَّهة الجلالة وسيماء التقوى حتّى أنَّ أحدهم قد أسدل على وجهه منديلاً وسدَّ أنفه بإِصبعيه من فوق المنديل لِمَا رأى بعض اللبنانيِّين يشربون الخمر في القطار،

____________________

الإمام من ساحة الوغى إِلى حيث لا يعرف(؟) وأمثال عزمه على خلع أبيه من الإِمامة؟ وأمثال هجوم أهل صنعاء على قصر الإِمام ورميه بالرصاص؟ وأمثال أنَّ الإِمام قُتل ودخل وليُّ عهد الحجاز إِلى صنعاء عاصمة الإِمام؟ وأنَّ وليَّ عهد الحجاز طارد وليَّ عهد الإمام، وأنَّ أهل صنعاء بايعوا وليَّ عهد الحجاز... إلخ. انظر: جريدة الدفاع الفلسطينية،ع ١٣ و ١٧.


ومجمل القصَّة أنَّني سألتهم ابتداء عن محل قطع التذاكر للركَّاب، فأجابوا: ذلك هو، وأشاروا إِلى جهة من جهات المحطَّة، وقبل أن أذهب إِلى تلك الجهة قالوا:

- وين رايح؟ وين كاين؟

- رايح إِلى بيروت وكنت في بغداد.

- أَصحيح في بغداد؟

- نعم، صحيح.

- أرأيت مقام سيدنا عبد القادر الكيلاني؟

- رأيته طبعاً. فأقبلوا فوراً على جبهتي يقبِّلونها قبلات حارَّة، ثُمَّ ذهبوا معي بأجمعهم وقطعوا لي تذكرة السفر وحملوا أسبابي إِلى القطار، وجلسوا حولي يتحدَّثون عن مناقب عبد القادر وكراماته حتّى بلغوا بها إِلى أعلى مراتب الغلو، ورحت أُحدِّثهم عن مقامه الفخم، وبنائه البديع، إِلى أن جاء وقت (الترويقة)، فقمت وأتيت بما كان باقياً لديَّ من الزاد الذي صحبته معي من بغداد وقدَّمته إِليهم ودعوتهم إليه (وكان فيه فتيت كعك وبعض تُميرات) فاختاروهما على غيرها، وابتدأَوا بقسمة الفتيت؛ فالتهم كلٌ سهمه بلهفة مدهشة، ثُمَّ تقاسموا التُّميرات ولف كلٌ سهمه بورقة، وقالوا - معتذرين: نبقيها للبركة، ثُمَّ قاموا وجاءوا بزادهم الفاخر، فأكلنا جميعاً. ولا تسل عن خدمتهم لي طول الطريق حتّى وصلنا بيروت وافترقنا قسراً.

فهل يسوغ لي أو لأيِّ مسلم أن يبهت هؤلاء النفر أو يرميهم بقول: (إنَّهم يحترمون كلمة قادري أو بغدادي عن كلمة حجي) أو بأنَّ (مَن زار عبد القادر أكثر احتراما وطهارة عندهم ممَّن زار مكَّة) ؟ اللَّهم لا؛ لأنَّ ذلك بهتان عظيم، وفتق بين المسلمين كبير، خليق بكلِّ مسلم غيور رتقه وصدُّ فاتقيه، لئلا يتَّسع، فيسهل على المستعمر الدخول منه، وحينئذ لا تبقى كعبة الرحَّالة ثابت، ولا كعبة الشاه عبَّاس المزعومة.

ثُمَّ إِنَّ الفُرس وزعيمهم الصفويِّ أيضاً، لو كانوا يكرهون العرب، لمـَا زاروا مشهد الإِمام الرضا(ع)، وهو - كما هو معلوم لديهم ولدى غيرهم - من أشرف بيت في العرب، أو لمـَا اتخذوا مشهده كعبة - على زعم الرحَّالة - وهم يكرهون


قومه العرب، بل لو كان الفُرس طبق زعم الرحَّالة، لمـَا زاروا النجف وكربلاء والكاظمية وسامراء، وبنو الأئمَّة فيها - وهم عرب هاشميُّون علويُّون - مقاماتٍ فخمة، وشادوا على قبورهم الزكية شامخ القباب المذهَّبة بالذهب الإِبريز، وأهدوا إليها الجواهر الثمينة، والسجاد الفاخر النادر الوجود حتّى عند أكبر دولة في العالم، مع أنَّ ٩٥ بالمائة من أهل هذه المدن العراقية الأربع من العرب الخُلَّص، وأهل سامراء مع كونهم عرباً، فهم سنة أيضاً كأهل مكَّة المكرَّمة. فلو كان الشاه عبَّاس الصفوي، أو غيره من ملوك الفُرس، يريد (توفير المال على قومه لصرفهم إِيَّاه في بلاد يكرهونها) لصرفهم عن زيارة هذه البلاد العربية التي كان يحكمها الترك أعداء الصفويِّين الألدَّاء، لا أنَّه يصرفهم عن مكَّة وحدها!.

ولا أريد من هذا أن أنكر وجود التعصُّب في الفُرس، بل أعترف بوجوده من قديم، ولم يزل باقياً إِلى اليوم عند كثير من أفراد الشعب الفارسي، ومن الغريب تعصُّب بعضهم للساسانية! وأغرب منه تعصَّب بعض المصريين للفرعونية أُم الاستبداد والاستعباد.

نعم، لا أريد ذلك، وإِنَّما أريد إِنكاره هو (اتخاذ الشاه عبَّاس لمشهد كعبة، وحجُّه إِليها ماشياً على قدميه) لأنِّي تصفَّحت ما لديَّ من تاريخ الصفويِّين فما وجدت لهذا الإِدعاء أثراً. نعم، وجدت (أنَّ انتشار التشيُّع في إِيران منسوب إِلى هذا الشاه الصفوي..) على أنَّني لا أستبعد زيارته لمشهد ماشياً أو راكباً، وأن الذي أستبعده وأنكره، هو (أنَّه زارها ليزيدها قدسيَّة) لأنَّ من الثابت المتيقَّن أنَّ ملوك الشيعة في إِيران، من زمن الصفويِّين إِلى آخر أيَّام القاجاريِّين، كانوا يزورون مشهد الإِمام الرضا وبقيَّة الأئمَّة(عليهم السلام) ليزدادوا هم عند الشعب رفعة وقدسية، وليتقرَّبوا إِلى الله تعالى بزيارة أوليائه المقرَّبين، لا ليزيدوا مشاهدهم - أو مشهد الرضا بالخصوص - المقدَّسة قدسية كما زعم الرحَّالة.


وكيف يعقل ذلك ؟ وهو باعتقادهم إِمام مقدَّس وابن أئمَّة وأبو أئمَّة مقدَّسين، وكانوا يعتقدون أنَّ زيارته تكسب الشرف وتسبِّب النصر المبين من ربِّ العالمين؛ ولذلك لمـَّا توجَّه محمد شاه إِلى حرب التتر، ابتدأ بزيارة الإِمام الرضا(ع)، ولمَّا أراد نادر شاه أفشار غزو الهند، نذر غنائم الحرب إِلى الحضرة الحيدرية في النجف الأشرف، ولمَّا تمَّ له الفتح المبين، وفي بنذره وأرسل كلَّ الجواهر التي غنمها من الهند إِلى الحضرة، ولم تزل إِلى الآن وهي من تحف الزمان النادرة الوجود. وقيل: إِنَّ ناصر الدين شاه مشى حافياً يوم زار مدينة النجف الأشرف من باب المدينة إِلى أمام الضريح المرتضوي المقدَّس. ولقد شاهدتُ (في النجف) استقبال أحمد شاه القاجاري ومشيه بخضوع حينما زار ضريح الإِمام الأعظم عليّ (ع) سنة ١٣٤٠ هـ، وشاهدت أيضاً خضوع جلالة رضا شاه بهلوي أمام الضريح العلوي يوم زاره وزار مسلم بن عقيل في مسجد الكوفة؛ بعد أن قصد ذلك من المحمَّرة التي استلمها يومئذ من سلطانها العربي الشيخ خزعل عقيب القبض عليه وعلى أبنائه، وصحب أحدهم معه إِلى النجف. وكانوا - زيادة على ذلك - يوصون بدفن جثامينهم في مقامات الأئمَّة في النجف أو كربلاء أو الكاظمية؛ ولقد دفن في النجف من ملوك آل بويه:

(عضد الدولة أبو شجاع فنا خسرو البويهي الذي تُوفِّي سنة ٣٧٢ هـ ببغداد، وحمل إِلى مشهد عليّ بن أبي طالب(رض) فدفن به، وولده شرف الدولة أبو الفوارس شريك المتوفَّى سنة ٣٧٩ هـ، وحمل إِلى مشهد علي بن أبي طالب (رض) فدفن به، وبهاء الدولة بن عضد الدولة المتوفَّى سنة ٤٠٣ هـ ودفن بمشهد أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه )(١) .

____________________

(١) انظر: وفيَّات الأعيان، ج١، ص٤١٨، وتاريخ أبي الفداء، ج٢، ص٢٢٢، وتاريخ منقريوش الصيرفي، مجلَّد١، ص٣٧٥ وص ٣٨١.


ودفن منهم بمقابر قريش في الكاظمية (معزُّ الدولة البويهي، توفّي سنة ٣٥٠ هـ، ونقل إِلى مشهدٍ بُني له في مقابر قريش)(١) .

ودفن في النجف أيضاً كثير من الصفويِّين والقاجاريِّين وغيرهم، وآثار قبورهم لم تزل موجودة في إِيوان العلماء وحجرة السلاطين، وفي هذه الحجرة صخرة صقيلة من المرمر عليها عدَّة صور في

غاية الإِبداع.

وقبل ثلاث سنين؛ أي في سنة ١٣٤٩ هـ، دفن السيِّد محمد حامد خان؛ ملك رامبور الهندية، بوصية منه. وكان دفنه بتاريخ ٦ شهر رمضان من تلك السنة، دفنوه شمال الحضرة الحيدرية؛ في إِيوان مرجع الشيعة في أيَّامه المرحوم المقدَّس السيِّد كاظم الطباطبائي، ولقد شاهدنا دفن هذا الملك الشريف وكنَّا في تشييعه المهيب.

وقد بقي هناك كثير من لسباته وأخطائه، أحوجتنا الإِطالة في ردِّ ما تقدَّم، إِلى الإِشارة لبعضها والاختصار في تفنيده ورده؛ مثل قوله:

(ويتوسَّط أحد الأفنية سبيل مذهَّب، في داخله نافورة حولها السلاسل، تحمل العقاب للمحتسين، ينبعث منها مكروب المرض.. والسعيد مَن يتذوَّق هذا الماء الطاهر).

أمَّا أنَّه ماء سبيل طاهر، فهو الحق. والسبيل - كما هو معلوم - موضوع لأن يتذوَّقه السعيد والفقير مجَّاناً، ولكن السعيد، أي الموسر، يتجنَّب عنه كثيراً، إِمَّا لأنَّه يُؤثر المعوزين على نفسه أو لا يحبُّ مزاحمتهم، وإِمَّا لأنَّه يترفَّع عن التذوَّق منه خشية من ذلك المكروب اللعين أن ينبعث إِليه فيبتلعه.

وقوله أيضاً:

(هنا أسرع شيخ يطوف بي. وناولني أدعية مطبوعة يجب أن أقرأها وأركع وأسجد وأُقبِّل).

وإِنَّا لم ندر - يا حضرة المدرِّس - مِن أين علمت بهذا الوجوب المزعوم؟ ولو تحقَّقت الأمر وترويت في الحكم، لعلمت بأنَّ الركوع والسجود لا يحلاّن عند الشيعة لغير الله تعالى. ولو

____________________

(١) وفيَّات الأعيان، مجلَّد، ص٥٦.


فرض أنَّ بعض العوام فعلهما عن قصد أو غير قصد، فلا يسوغ أن ينسب إِلى الشيعة أنَّهم يجوِّزونه ويوجبونه حتّى على الغير، نعم، تقبيل الضريح عندهم جائز مباح (لا واجب) وهو على حدِّ تقبيل ورق القرآن الكريم وغلافه بنيَّة الاحترام والتبرُّك، وجوازه مشترك بين الطائفتين.

وقوله أيضاً:

(وبجانب الضريح قبر هارون الرشيد. وكثير منهم يلعنه وير كله برجله ويقول: لعن الله المأمون وأباه. وذلك لأنَّه سنِّيٌّ أوَّلاً، ثُمَّ لأنَّه والد المأمون الذي اتهم بدسِّ السمِّ للإمام).

سلمنا - يا أستاذ - أنَّ بعض العوام يلعن المأمون وأباه الرشيد، لكن لا نسلِّم معك أنَّ ذلك (لأنَّه سنِّيٌّ أوَّلاً) ولا نحبُّ سماع هذا النغم المـُعوج، ولا هذه التعليلات المخترعة لغرض ذميم ممقوت لدى كلِّ مسلم ينشد الوحدة ويبتعد عن التفرقة.

أضف إلى ذلك أنَّ العلَّة الوحيدة في اللعن المزعوم هي أَنَّ التاريخ أخبرهم بأنَّ الرشيد أمر بسمِّ الإمام الكاظم - كما بيَّنَّا - بلا ذنب ولا جرم، فلا ملامة عليهم ولا تبعة إذا صحَّ ذلك، وإنَّما التبعة كلُّ التبعة، والإثم كلُّ الإثم، على نفس الرشيد الذي عمل ما يوجب اللعن من هؤلاء وغيرهم.

وأمَّا قوله: (سمعت من شرفة الباب الأوسط طبولاً تقرع في نقرات مثلَّثة، أعقبها صياح، وتلا ذلك نفخات في أبواق.. وظلَّ هذا حتّى غربت الشمس كأنَّهم يودِّعونها كما يفعل المجوس(؟) فقلت في نفسي: أهكذا يلعب رؤساء الدين في عقول البسطاء، لا ابتغاء مرضاة الله (؟) بل لملء جيوبهم وذراريهم الذين

لا يحصيهم عدٌّ... إلخ) فخطأ محض، ولسب عامٌّ سامٌّ لجميع المسلمين؛ لأنَّ قرع الطبول ونقر الدفوف موجودة بكثرة مدهشة في حلقات الذكر بمصر وسوريا وغيرهما، على أنَّ هذه الأمور كلُّها محرَّمة عند جمهرة العلماء الشيعيين أشدَّ حرمة ،ولم يحلِّلها إِلا الشاذ النادر، ولكن في موارد خاصَّة، ليس هذا المورد الذي زعم الرحَّالة سماعه منها، وظنَّ - آثماً - أنَّه برضا رؤساء الدين وأمرهم حتّى تهجّم عليهم بتلك الألفاظ (المهذَّبة).


ولو توخَّى الحقيقة لسألها من أهل المشهد الرضوي الذين يقولون - كما أخبرني بعضهم: (إنَّ هذا العمل قديم، قد فرضته الحكومات المتتابعة على حراسة الحرم الرضوي وأوقاته الكثيرة، وجعلوه كإِشارة لانقضاء وقت الحراسة النهارية وأوانٍ لانصراف المتولِّين هذه الحراسة كي يأتي بدلهم مَن يحرسون في الليل). فلا صلة له بوداع الشمس؛ وإِنَّما هو كالإِشعار (بالبرزان) الذي كان يستعمله الترك لدلالة الجند على زوال الشمس ومغيبها وغير ذلك، ثُمَّ إِنَّ الصياح الذي أعقب النقرات لم يكن صياحاً صرفاً، وإِنَّما هو صلوات على النبيِّ

وآله (عليهم السلام) بصوت عال، لكن الرحَّالة عبَّر عنها بالصياح ليتسنى له قول: (كأنَّهم يودِّعونها كما يفعل المجوس).

وقال أيضاً عن إيران:

(دُهشتُ كيف تكون بلاد متأخرة كهذه - نحن نفوقها في التقدُّم بخطى واسعة - قد تحرَّرت من الامتيازات الأجنبية ونحن نرسف في أغلالها؟! أليس الأمر مجرد جرأة في الإقدام على إِلغائها في غير تردد، فنحفظ بذلك كرامتنا وندلُّ على أنَّا شعب جدير بالاحترام).

غيرة وطنية، وعاطفة حامية، وإعجاب بالنفس، كلُّ ذلك مشكور عليه - يا أستاذ - لو لم تمزجه باحتقار الغير، وهضم الحقيقة في الحكم على إِيران بالتأخر، وفي استهجان تحرُّرها من الامتيازات الأجنبية.

ونحن لا نريد من هذا أن نفضِّل إِيران على مصر التي برهنت على ثقافتها وتقدُّمها فيها بخطى واسعة حتّى أمسى ذلك ملموساً، ومفخراً لكلِّ عربي، وباعثاً قويَّاً للغبطة والسرور. ولا نريد - أيضاً - أن نقنعك بعدم تأخُّر إِيران عن مصر في أكثر الأمور لأنَّ ما تحقَّق واشتهر من صمود إِيران للحوادث، وحفظ كيانها الاستقلالي، وتقدُّمها الباهر في كثير من العلوم والفنون وفي أساليب الحكم الدستوري في العصر الأخير، ما يغني عن ذلك، وهذا ممَّا اعتقد به كبار الرجال وبالغ بعضهم في اعتقاده؛ مِن هؤلاء مورغان شصطر الأميركي الذي يقول:

(إنّي أعتقد أنَّ تاريخ العالم كلَّه لم يحوِ بين دفَّتيه ذكراً طيباً لأمَّة مثل ما يحوي


من ذلك للأمَّة الفارسية التي انتقلت فجأة من دور الملَكية المطلقة إِلى دور الحكم الدستوري النيابي، فما أسرع ما كانت تنتظم انتظاماً يدلُّ على أنَّ أمَّةً ذات مقام عالٍ في الحكمة السياسية وفي معرفة أصول الاشتراع إلى حدٍ يكاد لا يصدَّق)(١) .

ومنهم الأمير شكيب أرسلان الذي يقول: (مَن في الدنيا ينكر مزايا الأمَّة الفارسية واستعدادها للرقي؟ وهي الأمَّة المتمدِّنة منذ آلاف من السنين التي أُوتيت في العلم والصناعة مواهب قلَّما وهبها الله لأمَّة من الأمم)(٢) .

وأخيراً، فإنَّ ما نريد أن نقول للرحَّالة، هو: إنَّ الجرأة لا غنى عنها لمـَن يريد الاستقلال الكامل، وبدونها لا يجدي (التقدَّم بخطى واسعة) كما أنَّ الجرأة وحدها لا تجدي أيضاً ما لم يكتنفها الإِتحاد والتعاضد. ولو كان التقدم بخطى واسعة يجدي وحده، لكان لبنان في طليعة البلاد المستقلَّة من عدَّة سنين.

أمَّا لو اجتمع الإِتحاد والتعاضد والجرأة، ورافقها بعض التقدُّم في الشعب، لحصل الاستقلال قهراً كما حصل في العراق الباسل لمـَّا اجتمعت لديه هذه العناصر سنة ١٩٢١م. أمَّا الشعب المصري، فكثيراً ما يفتقر - مع الأسف - إلى اجتماع هذه العناصر الثلاثة - مع تقدُّمه الباهر الملموس - وخصوصاً الجرأة، فإِنَّها نادرة بين أكثرية المصريين من قديم الزمان، والشواهد على ذلك كثيرة، وقد تقدَّم نبذة منها عن المقريزي (المصري )، وإليك (زيادة عليها) ما حكاه الطبري وابن الأثير من (أنَّ عمرو بن العاص وفد على معاوية في سنة ٦٠ هـ ومعه أهل مصر، فقال لهم عمرو: انظروا إِذا دخلتم على ابن هند، فلا تسلِّموا عليه بالخلافة، فإِنَّه أَعظم لكم في عينه، وصغِّروه ما استطعتم، فلمَّا قدموا على معاوية، قال لحجَّابه: كأنِّي أعرف ابن النابغة وقد صغَّر أمري عند القوم، فانظروا إِذا دخل الوفد فتعتوهم أشدَّ تعتعة تقدرون عليها، فلا يبلغني إِلاَ وقد همَّته نفسه بالتلف، فكان أوَّل مَن دخل عليه

____________________

(١) ستودارد، حاضر العالم الإِسلامي، ج ٢، ص٧٥.

(٢) المصدر نفسه.


رجل من أهل مصر يقال له ابن الخياط، فدخل وقد تعتع، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فتتابع القوم على ذلك، فلمَّا خرجوا، قال لهم عمرو: لعنكم الله، نهيتكم أن تسلِّموا عليه بالإِمارة فسلمتم عليه بالنبوَّة!)(١) .

وهناك كلمة للرحَّالة عن (المتعة) في النجف أحببنا أن نلحقها بهذه الخاتمة الخاصَّة بكلامه عن الإِيرانيِّين؛ لأنَّ زواج المتعة في إِيران أكثر منه في غيرها من البلاد الشيعية، بل يكاد أن يكون في النجف وجبل عامل كالمستهجن؛ لعدم اعتياد أهل هذين البلدين الأصليِّين على ذلك وإِنْ اعتقدوا حلِّيَّته وشرعيَّته.

قال في جولته:

(لقد استرعى نظري في النجف كثير من الأطفال الذين يلبسون في آذانهم حلقات خاصَّة هي علامة أنَّهم من ذرِّيَّة زواج المتعة المنتشر بين الشيعة، وخصوصاً في إيران، ففي موسم الحجِّ إِذا ما دخل زائر فندقاً، لاقاه وسيط يعرض عليه أمر المتعة مقابل أجر عين، فإِنْ قبل، أحضر له جمعاً من الفتيات لينتقي منهنَّ، وعندئذ يقصد معها إلى عالِمٍ لقراءة صيغة عقد الزواج.

وللفتاة أن تتزوَّج مرَّات في الليلة الواحدة. والعادة أن يدفع الزوج نحو خمسة عشر قرشاً للساعة، وخمسة وسبعين لليوم، وأربع جنيهات للشهر، ولا عيب على الجميع في ذلك العمل، ولا يلحق الذرِّيَّة أيَّ عار مطلقاً، وعند انتهاء مدَّة الزواج تتزوَّج المرأة بعد ذلك بيوم واحد ولا تعتد، فإن ظهر حمل، فللوالد أن يدَّعي الطفل له... ويخال البعض(٢) أنَّ منشأ تلك العادة (بَابِل) يوم أنْ كان الفتيات يُستأجرن للحجَّاج في معابد اشترو مردوك، ولا تزال لها بقيَّة في عاهرات الإِله بين الهندَّوس) انتهى.

ولا أظنُّ أنَّ أحداً من إِخواننا أهل السنة يوافق هذا المصري على ما ابتدعه من أنَّ منشأ المتعة بَابِل، وأنَّها عادة بابلية، لأنَّهم مجمعون على أنَّها موضوع شرعي،

____________________

(١) تاريخهما، ج٦، ص١٨٤، وج٤، ص٤.

(٢) الظاهر أنَّه نفس الرحَّالة، وإنَّما أراد التعمية والتلبيس، فعبَّر بالبعض.


شرَّعه النبيُّ العربي(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا البابلي، وفعلها المسلمون في حياته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحياة أبي بكر وبرهة طويلة من أيَّام عمر(١) ونتج منها أمثال عبد الله بن الزبير كما روى ذلك الراغب الأصبهاني في محاضراته.

وكان فعلهم لها بتأثير التشريع المحمدي الحق، لا بتأثير العادات البابلية كما يظهر من كلام الرحَّالة المصري الذي أراد أن يشنِّع على الشيعة بالخصوص، فأوقعه التعصُّب فيما يمسُّ حتّى نبيَّ الإسلام الأقدس، وحتّى نفس الخليفة الذي اجتهد في تحريم المتعة؛ لأنَّه(رض) قد اعترف بحلِّيَّتها الشرعية على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإِنَّما أَسند التحريم إِلى نفسه؛ لأمور رآها باجتهاده موجبة للتحريم، وتلك الأمور لا علاقة لها طبعاً ببابل، ولا (بمعابد اشترو مردوك).

نعم، وافقه - في غير ذلك - رجل بغدادي أسمى نفسه (خادم العلماء)، زعم مع الرحَّالة (أنَّ المرأة المتمتِّعة لا تعتد) وأسمى هذا النوع (بالمتعة الدورية) وفسَّرها بتناوب ثلاثة إِلى عشرة رجال على امرأة واحدة بحسب الساعات(٢) .

ولو طالع (خادم العلماء) كتب علماء الشيعة الكثيرة، لعلم أنَّ هذه النوع من النكاح يُعدُّ عندهم من أنواع الزنا المحرَّمة بشدَّة؛ ولذا تراهم يوجبون الحدَّ على فاعله ولا يلحقون به الولد الحاصل من هذا النكاح البغيض، عملاً بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الولد للفراش وللعاهر الحجر).

وعلى الإِجمال.... فزواج المتعة عند الشيعة كزواج الدائم، له شروطه وأحكامه (إِلاّ ما استثنى). أمَّا العدَّة، فمشتركة بين الدائم والمنقطع (وهو المتعة)؛ ولذا لو تزوَّجت في عدَّة المتعة، يحكم عليها بالزنا. وبعبارة ثانية، إِنَّ هذا الزواج هو نفس الزواج الذي شرَّعه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعمل به الصحابة، لم يتبدَّل له

____________________

(١) روى مسلم في صحيحه (ج١، ص٣٩٥): (أنَّ جابر بن عبد الله الأنصاري قال: استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر. كنا نستمتع بالقبضة من الدقيق والتمر على عهدهم حتّى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث).

(٢) انظر: مجلة الاعتدال النجفية الراقية، ج١، ص١٦٢.


شرط، ولم يتغيَّر له حكم، ولم يدنَّس بماحيك حوله من التُّهم ونسب إليه من الأباطيل. وإذا فُرض أن أوقعه بعض العصاة من الشيعة على غير وجهه الشرعي، فلا يليق بذوي العدل والإنصاف أن ينسبوا ما يرتكبه الفرد من الأعمال المخالفة للمذهب إِلى نفس المذهب، ولا إِلى أهله على العموم، كما لا يليق - إذا صادف أن لبس بعض أطفال الشيعة الحَلَق في آذانهم - أن يجعل ذلك (علامة ذرِّيَّة المتعة) كما جعله الرحَّالة الذي لو فكَّر في الأمر، لعلم أنَّ تلبيس الحَلَق للأطفال عادة قديمة عند العرب بالخصوص، وُجدت قبل زواج المتعة وبعده كما وجدت عند غير العرب أيضاً، ولم تزل باقية عند الهنود والأكراد. فلو جرينا على نظرية هذا الرحَّالة، لجاز الحكم على بعض أطفال المصريِّين (الذين يلبسون الحلق في آذانهم والأساور أيضاً في أيديهم، ويسمُّونهم في مصر الخول) بأنّهم من ذرِّيَّة زواج المتعة المحرَّم عند آبائهم أشدَّ تحريم، وكذا يلزم من هذه النظرية الخاطئة أن لا يكون لذرِّيَّة زواج المتعة في فارس أثر ولا عين، لأنَّ أهلها لا يُلبسون أطفالهم الذكور حلقات خاصَّة ولا غير خاصَّة، مع أنَّ الإِكثار من زواج المتعة في فارس لم يوجد مثله في غيرها من بلاد الشيعة، وقد اعترف نفس الرحَّالة بذلك حتّى ادعى (أنَّ في طهران وحدها ثلاثين ألفاً من المبتذلات في الطرق، وأنَّ ذلك بلاء زواج المتعة).

ومن العجب كثيراً أنْ نرى أهالي مصر وتركيا وغيرهم قد نجوا من بلاء هذا الزواج الشرعي، ومع ذلك، فالطُّرُق مليئة بالمبتذلات من بلادهم، فالبلاء إِذن، ليس من زواج المتعة الذي لو عمل به المسلمون اليوم - كما عملوا به في الصدر الأوَّل - لَمَا وقعوا - غالباً - في هوَّةٍ عميقة من الفساد الأخلاقي المنتشر في بلادهم اليوم انتشاراً هائلاً من جرَّاء السماح من السلطات بالتعاطي لمهنتي الزنا واللواط، ولعلموا أيضاً صواب حبر الأمَّة في قوله: (ما كانت المتعة إِلاّ رحمة رحم الله بها اُمَّة محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

انظر: نهاية ابن الأثير، ج٢، ص٢٢٩.


الفهرس

المقَدِّمَة: ٢

الفصل الأوّل: كلمة موجزة في الشِّيعة ١٦

١- معنى الشيعة في اللّغة والكتاب الكريم: ١٦

٢- قِدم تكوّن الشيعة في الإسلام بأمر نبيّ الإسلام: ١٧

٣- الّذين تشيّعوا في عهد النبيّ والّذين ثبتوا على تشيّعهم بعده: ٢٥

٤- متّى أهمل لفظ الشيعة، ومتّى اشتهر؟: ٢٧

٥- مجمل عقائد الشيعة: ٣١

الفصل الثاني: الطوائف المتشعِّبة من الشيعة، وكيف تشعّبت؟ ٣٧

١- تمهيد: ٣٧

٢- ظهور السبأيّة وخروج الخوارج: ٣٨

٣- دسائس الخوارج، وتخاذل الشيعة وما نالهم من البلاء: ٤٢

٤- الكيسانيّة وخروجهم عن التَّشيّع: ٤٨

٥- الزَّيديّة وأئمّتهم وفِرقهم: ٥١

٦- كيف ظهر الزنادقة والغلاة في عهد الصادق؟ ٥٧

٧ - الإسماعيليّة: ٦٠

٨ - الفطحيَّة: ٦٢

٩ - الواقفيَّة: ٦٣

١٠ - القطعيَّة: ٦٥

١١/ ١٢ - ظهور النصيريّة، وحال الشيعة بعد ذلك: ٧٤

١٣ - ماهي الأسباب الموجِبة لتشعُّب تلك الطوائف؟ ٨١

الفصل الثالث: الخلافة والخلفاء أو اختلاف الأمّة الإسلاميَّة فيهما ٩١

١ - تمهيد: ٩١

٢ - مرض النبيِّ ووفاته وبيعة أبي بكر: ٩٩

٣ - وفاة أبي بكر وبيعة عمر: ١٠٣


٤ - وفاة عمر، وبيعة عثمان ومقتله، ومَن حرَّض عليه ومَن قتله: ١٠٤

٥ - بيعة عليٍّ، ومَن بايعه وأيَّده؟ هل هم الصحابة، أم الخوارج؟ ١٠٩

٦ - دراسة ثابت المصري التاريخية: ١١٣

٧ - مقتل علي ومدفنه وإثبات محله: ١١٤

٨ - بيعة الحسن، ومقتله، ومَن قتله: ١١٦

٩ - مقتل الحسين وأصحابه: ١١٩

١٠ - هل يبرِّأ التاريخ يزيد من دم الحسين ؟ ١٢٥

الفصل الرابع: مواقف الشيعة في العهدين الأموي والعبَّاسي  ١٣٢

١ - تمهيد، ومُثل من نضال الشيعة وصراحتهم: ١٣٢

٢ - حالة الإسلام في بدء الخلافة، ونبذة من قوانينه: ١٣٨

٣ - بدء الفتن في المِلَّة الإِسلامية ومَن آثارها وسبَّبها: ١٣٩

٤ - سرُّ المناهضة لعليٍّ والغاية منها ومَن ناهضه(*) : ١٤٠

٥ - مناهضة المسلمين لبني أميّة والسرُّ في ذلك؟ ١٤٥

٦ - نهضة الشيعة ضد بني أمية وأسبابها: ١٤٧

٧ - عدم تشيُّع الفُرس أيَّام الدعوة العبَّاسيَّة: ١٥٠

٨ - نهضة الشيعة ضدَّ العبَّاسيِّين وسرُّ مطاردة العبَّاسيِّين لهم: ١٥٨

الفصل الخامس: براءة الشيعة من الغلو والغلاة ١٦٧

١ - معنى الغلو وتاريخه: ١٦٧

٢ - بعض أقوال الغلاة وعقائدهم: ١٧١

٣ - كلمات أَئمَّة الشيعة في البراءة من الغلو والغلاة: ١٧٥

٤ - السرُّ في عدِّ الفِرق الغالية من الشيعة؟ ١٨١

٥ - القرامطة وتاريخهم بإيجاز: ١٨٤

٦ - كلمة موجزة في الفرقة الباطنية وفي الغاية من الطعن على الفاطميِّين ونسبهم: ١٨٩

الخاتمة: خطأ ثابت في (الرسالة) أو دفع التهجُّم على شيعة إيران  ١٩٨