آل نوبخت
التجميع شخصيات إسلامية
الکاتب عباس إقبال آشتياني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بسم الله الرحمن الرحيم





مقدّمة المترجم

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيّد الأنبياء والمرسلين محمّد وعلى أهل بيته المطهّرين وصحبه الصالحين.

الحضارة الإسلاميّة صنيعة الأُمّة الإسلاميّة جمعاء، فقد ساهم في تشييد صرحها العرب والفُرس والترك والكرد وغيرهم من الشعوب المسلمة - ولكلٍّ قسطه فيها قلّ أم كثر - معتمدين كتابَ الله سبحانه وسنّةَ نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأئمّة الدين والسلف الصالح من الصحابة والتابعين والعلماء إذ تمثّل المصادر الأصليّة للحضارة الإسلاميّة، وعامدين إلى إعمار الحياة ورفد البشريّة بما يصلحها ويُسعدها، وهذه الحضارة الثريّة التي عبّر عنها جواهر لال نهرو أنّها أمّ الحضارات في العالم، آية على عظمة الإسلام ومزاياه الرفيعة. ولا مراء في أنّها مثابة لحضارات الأُمم، والنبع الأوّل الذي اغترف منه المنتمون إلى غيرها فارتقوا بفضلها.

وتمتاز هذه الحضارة بأنّها حضارة قيميّة تقطر أدباً ونبلاً وتقف زاهيةً شامخةً بطهر مفرداتها من كلّ الشوائب الجاهليّة، وعلوّ مظاهرها التي حكاها لنا التاريخ، فهي - حقّاً - في مقابل الحضارة الجاهليّة التي تتعدّد سبلها، فحريّ بكلّ طالب علمٍ أن يوفّيها حقّها من خلال تبنّيها عمليّاً، وتزكيتها من مدانس القوميّة والعِرقيّة والقطريّة وما ماثلها، والوقوف بوجه من يريد امتهانها أو الإزراء بها أو الطعن فيها وتحجيمها وتحديدها واستبدال غيرها بها، فلابدّ من رعايتها واتّخاذها المثل الأعلى في الحياة وفاءاً للعقيدة التي أنجبتها والنظام الذي أرسى دعائمها، وعرفاناً لجميلها.


ومظاهرها جمّة بشمائلها وعطاءاتها؛ إذ إنّها مجموعة كريمة من الأفكار والمفاهيم والقيم الإنسانيّة، أو التصرّفات السليمة والممارسات الحكيمة في التعامل مع الحياة.

وكانت البيوتات العلميّة لَبِنَةً من لبنات هذه الحضارة العظيمة على مرّ التاريخ بفضل ما قدّمته من عطاءات علميّة، ومن هذه البيوتات آل نوبخت الذين كان لهم قسطهم المشهود في إغناء الحضارة الإسلاميّة من خلال إلمامهم بعلم النجوم وعلم الكلام وتعريب الكتب الفارسيّة المهمّة، وساعدتهم الظروف السياسيّة والاجتماعيّة على ذلك، فقد كان جدّهم الأعلى (نَوْبَخْتْ) (أي جديد الحظّ أو سعيد الحظّ) في بلاط المنصور العبّاسيّ منجّماً، وكذلك نجله أبو سهل الذي تولّى تعريب عدد من الكتب الفارسيّة، والأجواء الاجتماعيّة السائدة أنذاك متأثّرة بالجوّ السياسيّ المتمثّل بسيادة العبّاسيّين وسطوتهم لذلك تمهّدت لهم، ومدحهم شعراء البلاط العبّاسيّ، وكان رجالهم الأُوَل ذوي ميول عبّاسيّة، ثمّ تعبّد أحفادهم بمذهب أهل البيتعليهم‌السلام ، وأشهرهم أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ الذي كان من أكابر علماء الشيعة ومتكلّميها في عصر الغيبة الصغرى وله فضله الذائع، ومنهم أبو إسحاق إبراهيم مؤلّف كتاب (الياقوت) في أصول علم الكلام، وهو الكتاب الذي شرحه العلاّمة الحلّيّ باسم (أنوار الملكوت في شرح الياقوت).

أمّا الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النائب أو السفير الثالث للإمام المهديّعليه‌السلام في الغيبة الصغرى، فقد ذهب مؤلّف هذا الكتاب - على تعصّبه العِرقيّ - إلى أنّه كان منتسباً إلى آل نوبخت من جهة الأمّ، ومثله أبو محمّد الحسن بن موسى صاحب الكتاب المشهور (فرق الشيعة)، ويتبيّن ذلك من الفصل السابع من الكتاب الذي خصّصه للأخير إذ رأى فيه (أنّ أبا محمّد الحسن بن موسى مؤلّف كتاب (فرق الشيعة) وغيرها من الكتب هو الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح كان ينتسب إلى آل نوبخت من جهة الأمّ فحسب، ولم يذكر أحد شيئاً عن انتسابه إليهم من جهة


الأب حتّى لو فُرض أنّ أباه كان من أفراد الأُسرة).

وهذه النقطة من النقاط المسترعيةِ النظر في الكتاب، وإذا دلّت على شيء فإنّما تدلّ على تحرّي المؤلّف وأمانته، كما تدلّ على أنّ بعض الألقاب لا يدلّ على الانحدار القوميّ، وأنّ بعضها الآخر فيه تسامح، وأنّ قسماً منها ذاتيّ الإطلاق، أي أنّ أصحابها اتّخذوها لأنفسهم من منطلق ذاتيّ لا غيره، وقسماً قد لا يصحّ على شهرته وذيوعه، فلا يُعوَّل عليه معياراً لمعرفة الهويّة، ويُستشفّ من هذه النقطة أيضاً إنّنا ينبغي أن نتثبّت في الحكم على الأشياء، ونتروّى عند الحوار، ويتبيّن كذلك أن اللقب مقياس غير سديد في فصل الأمور، كما أنّه ليس ذا بالٍ في لغة العلم والعقل، ويستبين من النقطة المذكورة صحّة ما قيل:

(ربّ مشهور ليس له حضور).

علماً أنّ اللقب ليس معلماً على الكفاءة، كما أنّ من المظاهر الحضاريّة في الإسلام اعتناؤه بنيّة الإنسان وعمله لا بلقبه ونسبه، فالاهتمام بالألقاب مظهر غير حضاريّ فيه.

والحقّ أنّنا بحاجة إلى الألباب لا إلى الألقاب والأنساب وأحسن من قال: (الألبابَ الألباب لا الأنساب والألقاب)، بيد أنّ اللقب أو النسب القِبليّ أو القوميّ إذا كان لمعرفة النسب فحسب، فلا قدح فيه، أمّا إذا كان للتفاخر والشعور بالاستعلاء العرقيّ فهو مردود ممقوت، وأنّ عظمة البيوتات العلميّة ليست في عطائها العلميّ مجرّداً، بل في عطائها الذي لا يشوبه المنّ والاستعلاء، ولا تكدّره نزوات حبّ الظهور والجاه والإطراء، بل في عطائها المشروط بألاّ تذهب بها سمعتها شَطَطاً!

وحريّ بالذكر أنّ كثيراً من العرب الذين هاجروا إلى إيران تلقّبوا بالمدائن الفارسيّة التي سكنوها وهم من أُصول عربيّة فلم يروا في ذلك بأساً عليهم، كما أنّ تلك المدائن احتضنتم واعتزّت بهم، فلا دليل لأحد على اعتبار اللقب ولا برهان له على القياس به، إنّما المؤسف حقّاً أن نتنازع ونتناحر حول هويّة العلماء وانتمائهم القوميّ وهم مسلمون، فإسلامهم يدفع ذلك التنازع والتناحر المزعومَين، وأنّه من


مساوئنا نحن المسلمين الاهتمام بشيءٍ لم يُرده ديننا منّا، والمحقّق أنّ تحضّرنا يكمن في تحكيم ديننا واتّخاذه المقياس الأعلى في كلّ مجال من مجالات حياتنا.

بل إنّ تحضّرنا في التمسّك بحضارة ديننا، ولنا أن نفخر بآل نوبخت وأمثالهم من العلماء أنّهم كانوا مسلمين، وهذا ما أراده منّا ربّنا سبحانه في كتابه الكريم ونبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سنّته الهادية الرشيدة، ولنتذكّر دائماً أنّ قرآننا الحكيم لا يعترف بالأنساب ويذكّرنا أنّها لا تُجدي ولا تُغني يوم يُنفخ في الصور! فما لنا نتساءل عمّا لا يُسأل منّا؟ وما بالنا نهتمّ بغُثاءٍ ليس ذي غَناءٍ؟( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَساءَلُونَ ) (المؤمنون: ١٠١).

أمّا هذا الكتاب فإنّ عنوانه يدلّ عليه، فهو كتاب رجاليّ تاريخيّ تناول رجال الأُسرة النوبختيّة ومن انتسب إليها ممّن تلقّب بهذا اللقب، كما ساق مؤلّفه الكلام عن علم الكلام ورجاله الأُوَل، وذكر بعض الفرق الإسلاميّة كالمعتزلة، وتحدّث عن الإمامة والإماميّة ومتكلّميهم الأوّلين، وأطال الحديث عن بعض رجال الأُسرة النوبختيّة وأوجز عن بعضهم الآخر، كما أورد المشهورين منهم وغير المشهورين.

ويُحمَد للمؤلّف جهده في البحث والتحقيق ويُلام على ما بدر منه في بعض الطريق، وفي الكتاب آراء صائبة وأُخرى قد تجانب الصواب. ولات وقت نقدٍ فيُساغ نقده، ومؤلّفه محقّق ومؤرّخ إيرانيّ ولد سنة ١٣١٤هـ وتوفّي في روما سنة ١٣٧٥هـ عندما كان مندوباً لإيران هناك، وكان أُستاذاً جامعيّاً وعضواً في مجمعِ اللغة الفارسيّة بطهران، وأسّس مجلّة (يادگار) (التذكار٩ سنة ١٣٦٥هـ، وله كتب مصنّفة ومصحّحة ومترجَمة منها: تاريخ المغول، و(وزراء السلاجقة)، وهذا الكتاب.

وفُرغ من تعريب الكتاب في مجمع البحوث الإسلاميّة التابع للآستانة الرضويّة المقدّسة في مشهد، وهو مركز علميّ بحثيّ يُعنى بتصنيف الكتب وتصحيحها وترجمتها، ثمّ طبعها ونشرها، ودعا إلى تعريب الكتاب عنوانُه الذي يدلّ على بيتٍ علميّ له نصيبه في إثراء الحضارة الإسلاميّة، أمّا محتواه فكنت غير عليمٍ به والحكم


للقارئ الكريم، وكان الفراغ منه قبل بضع سنين، لكنّ مراجعته طالبت لسببٍ قال المراجع إنّه كثرة الأشغال، وكانت هناك رغبة عن كتابة مقدّمة على التعريب لعللٍ لا حاجة إلى ذكرها.

ثمّ بدا لمن رغب عن ذلك أن يكتب شيئاً يرتبط بعنوان الكتاب نوعاً ما، وينبّه على أُمور يحسن الالتفات إليها، وكان الاكتفاء بما عُرض في هذه المقدّمة مراعاةً لعنوان الكتاب فحسب، وإلاّ فقد تكون أُخرى بشأن الكتاب لا تستحضَر في هذه العجالة.

وختام القول - وهو الحقّ - إنّ أعمال البشر حليفها النقص إلاّ ما عصم الله سبحانه منها.( فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (البقرة: ٦٤).

وللشافعيّ بيتان يُركن إليهما، وحريّ بكلّ ذي علم وفضل وعقل أن يجعلهما نصب عينيه قال:

كلّما أدّبني الدهر

أراني ضعفَ عقلي

وإذا ما ازددتُ علما

زادني علماً بجهلي

والحمد لله ربّ العالمين. وسلام على أُولي العلم من عباده الصالحين.

المترجم  

ربيع الآخر ١٤٢٥هـ



المقدّمة

لا مراء في أنّ تاريخ الأديان والمذاهب، وأحوال الملل والنحل، وشرح الآراء والمقالات التي تبنّتها الفرق الدينيّة من أعذب المباحث التاريخيّة، وهذه كانت عرضة للتغيير والتبديل على مرّ القرون المتواترة، كغيرها من شؤون الحياة الأدبيّة والاجتماعيّة، ومنها ما ارتقى في سُلّم الكمال وفقاً لمتطلّبات تاريخيّة، ومنها ما ذوى بسبب بعض العوادي الكاسحة.

ويقال - تساهلاً - إنّ العقائد الدينيّة للإنسان وليدة الخوف والرجاء، وجاء اختيار الإنسان لتلك العقائد، سواء كان مقلِّداً فيها أم مكرهاً عليها، للحؤول دون طغيان الخوف أو لتوطيد حسّ الرجاء في الحياة.

وإذا كان هذا الكلام صائباً تماماً أو أنّه بدا ناقصاً وممترىً فيه لأسباب ما، فالثّابت هو أنّه كانت للإنسان منذ عصر ما قبل التاريخ حاجة كبيرة أُخرى أيضاً إلى جانب حاجاته المادية الضروريّة، ولا تقلّ استجابته لها عن الاستجابة لحاجاته الأُخرى كإعداد الطعام والسّكَن واللِّباس ووسائل الدافع عن نفسه، بعبارة أُخرى كما كانت حياة الإنسان في خطر بسبب كوارث بيئته الطبيعيّة السكَنيّة، وتهديدات الكائنات الحيّة، التي عليه أن يبذل قصارى جهوده لمقارعتها، وإيصاد الطريق أمام تهديداتها، فإنّ حسّاسيّته وفكره العاجز وتلمّسه للحلول، كلّ ذلك كان قد مُني بالاضطراب والوهم أمام قوى الطبيعة الملغزة الّتي أحدقت به من كلّ جانب، مضافاً


إلى تصوّره للموت وجهله بعالم الغيب، وهو كما يدافع عن جسمه وفقاً للوسائل والتّدابير اللازمة، فإنّ عليه أن ينقذ روحه - طوعاً أم كرها - من حالة القلق والاضطراب بتدابير يتّخذها لنفسه، ويستبدل الهدوء وفراغ البال باضطراب الفكر الناتج من التغيّرات المتوالية وآثار الطبيعة المجهولة والخوف من الموت والتفكير بما يخبّئه المستقبل، وليس أمامه إلاّ أن يسخّر ما يبعث على خوفه وتغيّر أحواله النّفسيّة ويجعل ذلك طوع أمره وإرادته، أو يتنازل مذعناً أمام القوى المتحكّمة ويعدّ نفسه خادماً مطيعاً لها، أي: إمّا أن يمزّق حجاب أسرار العالم المجهول من خلال توظيف الفكر واختدام الذكاء والذوق الفطريّ، في ضوء ما يحلمه من حسّ التنقيب والتدقيق والتحقيق الذي يتّصف به أُولو النظر البعيد، فيسخّر الطبيعة في خدمته، ويخفّف بلبلة باله ما أمكنه عبر تشخيص الأسباب الحقيقيّة لآثاره، وإمّا أن يَضرِب عن التحقيق والطلب صفحاً، ويغرق في بحر الوهم، ويتلمّس لكلّ مجهول خارجي علّة من عنده يُقنع بها نفسه، ويبني له سدّاً - ممّا تمليه عليه قواه الوهميّة - يحول بينه وبين اضطراب فكره ليجلس في مأمنه سعيداً رخيّ البال، وفي مفرق هذين الطريقين يعرف حجم اللياقة الفكريّة ودرجة الذكاء والذوق عند شتّى الأشخاص أو الجماعات، ويبرز الفرق بينهم في درجات رقيّهم المادّي والمعنويّ.

وفي هذا المقام يسير روّاد طريق البحث قُدُماً، وهم الباحثون في جواهر المعارف والحقائق، ويَدَعون المتنسّكين المقلّدين أسرى في زوايا زهوهم، ولا يصدّهم شيء عن البحث، ويبذلون قصارى جهودهم للوقوف على أسرار الخلق أكثر من الغابرين، ومن ثمّ يخفّفون عن ظهورهم وظهور غيرهم عبء المعاناة.

إنّ كلّ شخص أو قوم ممّن اتّصف بالدهاء والكفاءة قد اجتاز - طوعاً أم كرهاً - هذه المرحلة الثانية التي ينبغي أن تُسمّى المرحلة الدينيّة، وطوَوا هذا المقام قبل أن يزعموا أنّهم حلّوا ألغاز الطبيعة، ووجدوا الحقيقة، وخطَوا في المرحلة العقلانيّة والمنطقيّة، حتّى أنّ الذين أرادوا - من بين هذه الجماعة - أن يقطعوا علاقاتهم بأفكار


الماضي، ولا ينشغلوا إلاّ بما يمليه العقل ومبادئ المنطق الثابتة أقرّوا بعجزهم حيال الطبيعة اللاّمتناهية وآثارها المجهولة التي لا تُحصى، ورأوا أنّ المعلومات العلميّة ليس لها شأن ولا تصمد أمام بحر المجهولات اللاّمتناهي، وأذعنوا - في غاية الإنصاف - أنّه على الرغم من وجوب البحث عن الحقيقة، فمازلنا نحتاج إلى وقت طويل كي تستضئ عيوننا برؤية جمال الحقّ كما ينبغي، ونتخلّص من معاناة الضمير واضطراب البال، ونظفر بالسعادة الأبدية من خلال الوصول إلى حجرات القدس. وفي ضوء هذه المقدّمة، ما دامت هذه السعادة لا تتيسّر بواسطة العلم والعقل، وكانت قابليّات الناس متباينة في إدراك الحقائق، فإنّ المرحلة الدينيّة في طيّ طريق الحياة وتحمّل شدائدها ومصائبها من أسلم المراحل للاستمتاع برخاء البال والسعادة، بخاصّة للأشخاص أو الجماعات الّتي لا تتطلّب قواها الذهنيّة والنفسيّة في الوقت الحاضر طريقة فكر وحسّ آخريَن، وترى أنّ سعادتها لا تتحقّق إلاّ في هذا المجال.

وكان الأنبياء والمصلحون الدينيّون يَخبُرون الناس الذين يبلّغون في أوساطهم، ويعرفون قابليّاتهم أفضل من غيرهم، لذلك توجّهوا إليهم بقلوب طافحة بالإيمان وعزائم حافلة بالحماسة، وتعاملوا معهم بالأُسلوب الذي ألفوه، فركزوا في نفوسهم الفضائل والتّفكير بمصلحة الآخرين وحبّ الخير لهم، وقطعوا دابر الرذائل التي تسبّب بؤسهم وشقاؤهم، وذلك بالحكمة والتدبير.

وكانت تنهض في مقابل هذه الشريحة الخيّرة دائماً فئة إمّا تزعم أنّها صاحبة القيادة وأنّها تريد أن تهدي الناس إلى سبيل الحقائق والمعارف، أو أنّها ترفع عقيرتها بمناوءة الأديان من خلال الاستظهار بحفنة من المعلومات الناقصة أو المغرضة، ولمّا كان هؤلاء لا يتمتّعون بالإيمان الذي يستلزمه طيّ هذا الطريق، فإنّهم لم يفلحوا، بل دمّروا سعادة السواد الأعظم من الناس، وهم كالسّلابين


النشّالين قد خدعوا فريقاً من الناس المتّسمين ببراءة الضمير وصفاء الباطن والإيمان القلبيّ الصادق، الذين عقدوا الأمل على عقائد آمنوا بها، خدعوهم تحت عنوان: رفاء الدرب، فسلبوا أزوادهم وأمتعتهم أوّلاً، ثمّ تركوهم في حضيض البؤس والمسكنة والقنوط.

إنّ تاريخ الأديان والمذاهب، من منظارٍ ما، هو شرح لصفاء ضمير جماعة من الناس، وإيمانها القلبيّ، وعرض لِلصوصيّة جماعة أُخرى ومكرها واحتيالها، ولمّا كان الاصطدام بين هاتين الشريحتين من الناس ومناظراتهما ومحاججاتهما باعثاً على ظهور شتّى الآراء والعقائد والأهواء والنّحل من أوطئها إلى أعلاها درجة، فإنّ هذا القسم من التاريخ كالبستان الذي تجد فيه أنواعاً متفاوتة من الأعشاب والنباتات، بدءاً بالبرسيم الطبيعيّ وانتهاءاً بأجمل الأزهار وأشذاها، علماً أنّنا نستنبط من خلال الاطّلاع عليه أنّ فسيل كثيرٍ من الأفكار والآراء الدينيّة والسياسيّة والذوقيّة لأُناس عصرنا قد غُرس في هذا البستان من قِبَل الأسلاف وكانت تلك الفسائل تنمو وتنضج حيناً، وتذبل حيناً آخر على تواتر القرون التي مرّت على البستان المذكور، متحمّلة الأجواء غير المساعدة.

يبدو أنّ المسلمين كانوا أوّل أُمّة بين الأُمم القديمة اهتمّوا بتدوين الكتب في تاريخ الأديان والمذاهب والفرق الدّينيّة، إذ أنّ اليونانيّين لمّا كانوا قد فصلوا في دراساتهم قضايا الحكمة عن الدين فصلاً تامّاً، وكان مذهبهم خالياً من الجانب الأخلاقيّ والحِكَمِيّ، فإنّ الكتب التي صنّفوها في عقائد أسلافهم اتّخذت في الغالب طابع البحث في تاريخ الحكمة والحكماء، أمّا كتب النصارى فقلّما اتّسمت ببعدٍ عامّ، وهي في حكم نقض آراء أهل البدعة أو مخالفيهم غالباً.

وكان متكلّمو المعتزلة أوّل من بدأ من المسلمين في تصنيف هذا الضرب من الكتب تحت عنوان (المقالات)، أو (الآراء والديانات)، أو (الملل والنحل).

ولعلّهم صنّفوها لمعرفتهم بفلسفة اليونان وسيرة حكمائهم وآرائهم، فقلّدوهم في


الكتب التي كانت لهم في شرح مقالات الحكماء والمذاهب المتنوّعة.

وحذت سائر الفرق الإسلاميّة حذو المعتزلة في القيام بذلك العمل فصنّف علماء الشيعة، والخوارج، والسنّة، والأشاعرة، والكراميّة، والصوفيّة كتباً عديدة في باب المقالات والملل والنحل، هادفين من وراء ذلك إلى دحض الآراء التي تتبنّاها سائر الفرق، وإثبات كلامهم (الحقّ)؛ إذ يَخالون أنّ فرقتهم هي الفرقة الناجية فحسب، وكانوا يذكرون آراء الحكماء والأُمم غير الإسلاميّة في كتبهم لهذا الهدف.

ومن البيّن أنّ التعصّب الدينيّ هو الذي يُرخي العنان للقلم في هذا الضرب من تقرير الموضوعات، فيتقوّل المصنّفون في كتب المقالات على مخالفيهم ويقذفونهم بشتّى التُّهم، وقلمّا يُلحظ هذا التوجّه في كتب المعتزلة الذين كانوا من أُولي الاستدلال العقليّ غالباً، بَيْد أنّه يُلمس أكثر عند السنّة، ومتكلّمي الظاهريّة، ومتأخّري الأشاعرة والإماميّة الذين سلكوا هذا السبيل من منطلق التعصّب، وهذا ما أدّى إلى خفاء كثير من الحقائق التاريخيّة بسبب الأغراض الشخصيّة، بخاصّة أنّ المتعصّبين مذهبيّاً كانوا يخفون الحقائق ويُدلّسون ويزوّرون خدمة لمذهبهم ويحسبون ذلك خدمة للإيمان، ولم يتورّعوا عن ارتكاب أيّ ضرب من ضروب الجناية التاريخيّة أو الأدبيّة، وعندما كانوا ينقلون كلام المخالفين، لم يستهدفوا إلاّ التشنيع عليهم أو قلب الصورة الحقيقيّة لمقالاتهم وتأويلها، من هذا المنطلق قلّما تسعفنا هذه الكتب بمعرفة الهدف الأساس لرؤساء الفرق الإسلاميّة المختلفة وحوافزهم الباطنيّة وتمييز المؤمنين الخُلّص من المحتالين، والاطّلاع على المقالات الحقيقيّة لكلٍّ منها(١) .

* * *

وهذا الكتاب الذي أُقدّمه إلى القرّاء الكرام، بعد فترة من البحث والتحقيق،

____________________

(١ ) وردت بعد هذا الكلام فقرات للمؤلّف لم يُنصَح بترجمتها لما فيها من رائحةِ حَمِيّةٍ لا تُحمَد.


يتناول ترجمةً لأُسرة من الأُسَر الفارسيّة الأصلية التي سَعَت بصدقٍ في سبيل التوفيق بين الآراء الفارسيّة الخاصّة ومذهب التشيّع وبذلت قصارى جهودها في تنزيه ساحة هذا المذهب من التهم التي ألصقتها به سائر الفرق، واستطاعت أن تجعل الشيعة أصحاب شوكة واقتدار واسم واعتبار من خلال مبادئ الاعتزال، وردّ الاعتقاد بالتشبيه والتجسيم والرؤية في باب التوحيد، وإدخال الإمامة في المباحث الكلاميّة، والدفاع عن موضوع الغيبة، والحؤول دون أصحاب البدعة في هذا الدين، وتقوية المجتمع الشيعيّ في مقابل قدرة السلاطين والعنصر التركيّ المتعصّب وأصحاب الحديث والسنّة.

* * *

وعندما كنتُ أُواصل دراستي في دار الفنون بباريس قبل سبع سنين، كان تاريخ الأديان والمذاهب أحد الموضوعات التي اخترتُها للحصول على شهادة الليسانس في الأدب، ولمّا كان على الطالب في هذه المرحلة أن كتب رسالة في موضوع معيّن للحصول على الشهادة المذكورة، اخترتُ (ترجمة آل نوبخت) بإشارة العلاّمة الجليل فضيلة الميرزا محمّد خان القزوينيّ، وكتبتُ رسالة موجزة في هذا المجال باللغة الفرنسيّة وحزتُ على الشّهادة المذكورة، ولمّا وقفتُ على أهمّيّة الموضوع تدريجاً خلال إعدادي للرّسالة، لم أدّخر وسعاً في إتمامها، وصرفتُ مدّة من عمري على هذا العمل حتّى تهيّأت هذه الرسالة المزجاة.

وعندما سافرتُ إلى فرنسا في العام الماضي حثّني صديقي العلاّمة الأستاذ ماسينيون - أحد مشاهير المستشرقين الفرنسيّين المدرّس في (كولج دو فرانس)، ومدير مجلّة (دراسات حول الإسلام) - على أن أكتب هذه الرسالة بالفرنسيّة ليطبعها في مجلّته، فقمتُ بقسم من هذا العمل في باريس، وعندما عدتُ إلى إيران طبعتُ نصّها الفارسيّ بتشجيع بعض الأصدقاء الكرام، وأنجزتُ ترجمتها الفرنسيّة أيضاً وأعددتها للطّبع.


من الطبيعيّ أنّ هذه الرسالة ناقصة وموضوعها مهمّ يستحقّ دراسة واهتماماً أكثر، ولكن يؤسفني أنّي لا أستطيع استقصاءه بهذه السرعة لضيق الوقت، وعدم حصولي على جميع المخطوطات المتعلّقة بهذا المبحث، أرجو من أُولي الفضل والأدب أن ينظروا إلى هذا الكتاب بعين الإنصاف ويغضّوا الطّرف عن نقائصه، ويصلحوا ما فيه من أخطاء، ويبذلوا جهودهم في إكماله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وآمل أن يبلغوا به إلى مرحلة الكمال، علماً أنّي ألّفته خدمةً لتاريخ إيران والمجتمع الشّيعيّ ولا أبتغي منه إلاّ إيضاح أحد المباحث التّاريخيّة بلا تعصّب، وقد تناولته على قلّة علمي ومعرفتي.

في ختام هذه المقدّمة أرى الواجب الأخلاقيّ يحتمّ عليَّ أن أتقدّم بالشكر الجزيل من أعماق قلبي للأصدقاء الكرام الّذين أعانونني على تأليف هذا الكتاب مادّيّاً ومعنويّاً، وبذلوا مساعيهم الحميدة في تحفيزي وحثّي وتشجيعي على إنجازه، وأخصّ منهم بالذكر فضيلة الأستاذ المعظّم الميرزا محمّد خان القزوينيّ الذي أفادني بتوجيهاته في سَفْرَتي إلى فرنسا، وأتمّ إحسانه بوضع مكتبته تحت تصرّفي، وكلّ ما عندي وعند أمثالي في هذا الميدان فهو من بركات هدايته وعلمه وفضائله.

ولا أنسى العالم الكبير سماحة آغا ميرزا فضل الله شيخ الإسلام الزنجانيّ وأخاه العالم الفاضل الميرزا أبا عبد الله إذ لم يدّخرا وسعاً في تشجيعي ومساعدتي بكلّ إخلاص، بخاصّة شيخ الإسلام فمنّته عليَّ ثابتة؛ لأنّ سماحته - مضافاً إلى أمره باستنساخ نسخة من كتاب أنوار الملكوت على نفقته الخاصّة خدمة لهذا العمل - قد أتحفني بملاحظات ثمينة في رسائل بعثها إليّ، وذكرتها في مواضعها باسمه، وأشعر هنا أنّي رهين تلطّفه وتفضّله.

وعليّ أن أشكر في هذه المقدّمة فضيلة الأستاذ الجليل ماسينيون؛ فقد كان تشجيعه إيّاي من المحفّزات الرئيسة لإتمام الكتاب.


إنّ الذين يهتمّون بالكتب والمكتبات في طهران يعلمون أنّ أنفس كنز من هذا الضرب في مدينتنا قد جُمع بهمّة الحاج حسين ملك وجهوده الصّادقة، إذ لم يدّخر وسعاً في هذا السبيل، وقد أنفق ماله وعمره وعانى كثيراً حتّى أعدّ خزانةً تضمّ الكتب العربيّة والفارسيّة، لا نظير لها في العالم من جهات عديدة، وبعلمه هذا حافظ على سمعة إيران التي لولا خزانته لأحتاج أبناؤها أُولو الذوق والفكر إلى الدراسة في إحدى العواصم الأجنبيّة، وقد استفدتُ كثيراً من مكتبته الثمينة، واستمتعتُ بذلك الكنز النفيس، يضاف إلى ذلك أنّه قد دعمني في طبع هذا الكتاب، إذ تفضّل عليَّ بمقدار من نفقات الطبع، وأختم هذه المقدّمة بشكري الجزيل له ودعائي الله تعالى أن يمنّ عليه بالتوفيق الدائم في مجال الخدمة التي اختارها.

طهران - ١٣٥٢هـ.

عبّاس إقبال (آشتيانيّ)


آل نوبخت

الأُسرة الفارسيّة الـمَحتِد - آل نوبخت - الذين نروم تجديد ذكراهم وإحياء مآثرهم في هذا الكتاب الموجز هي إحدى الأسر الفارسيّة الأصيلة الّتي أسلمت، وانتظمت في خدمة الحكّام العبّاسيّين والأمراء المسلمين وخلّدت لها ذكراً طيّباً في تاريخ الحضارة الإسلاميّة، عبر بثّ العلوم والفلسفة والآداب، والاضطلاع ببعض الأعمال الديوانيّة.

وتدلّنا إشارات المؤرّخين والشعراء والأُدباء على أنّ أفراد هذه الأسرة الكبيرة كانوا في عاصمة الحكم العبّاسي بغداد - منذ منتصف القرن الثاني حتّى أوائل القرن الخامس الهجريّ - مراجع للأعمال الحكوميّة غالباً أو كانوا ممّن يُشار إليهم بالبنان في فرع من فروع العلم والأدب. وكان فيهم ثلّة من العلماء العظام للإماميّة الاثني عشريّة. ومنهم من عانى في جمع أخبار وأشعار ثلاثة من شعراء العرب الكبار هم أبو نواس الحسن بن هانئ (١٤١-١٩٩هـ)، وأبو عبادة الوليد بن عُبَيد البُحتُريّ (٢٠٦-٢٨٣هـ)، وعليّ بن العبّاس بن الروميّ (١١٢-٢٨٣هـ)، فخلّدوا ذكر هؤلاء الشعراء الثلاثة فكراً وذوقاً.

وكان نوبخت الجَدُّ الأعلى لهذه الأسرة، وابنه أبو سهل، وعدد من أولاد أبي سهل هذا من المترجمين الذين نقلوا بعض الكتب من اللغة الفارسيّة البلهويّة إلى العربيّة، ومن المنجّمين في العهد الساسانيّ، وخدموا المسلمين بنشر هذا العلم في أوساطهم عبر تعريب بعض الكتب من لغة أجدادهم، وعلّموا المسلمين العرب كثيراً من آداب الفرس ومعلوماتهم في باب الزيج (الطالع أو رؤية الطالع) وأحكام النجوم وغيرها.

واهتدى عدد من أحفاد أبي سهل بن نوبخت إلى المذهب الجعفريّ وأصبحوا من المدافعين عنه بجدّ، ولم يدّخروا وسعاً في توطيد أُسسه وقواعده ودحض آراء مناوئيه، ونشروا أُصول عقائد الإماميّة بين الناس من خلال تصنيف رسائل وكتب كثيرة، فينبغي عدّ هذه


الثلّة من آل نوبخت - كما سيأتي شرحه - في طليعة متكلّمي الإماميّة، وشيوخهم الكبار في علم الكلام؛ ذلك أنُهم هم الذين تصدّوا للردّ على طعون المعتزلة والعامّة وسائر الفرق الإسلامية على الإماميّة بأدلّة كلاميّة متنوّعة سابقين بذلك طبقة المتكلّمين الكبار من الشيعة الاثني عشريّة، ودوّنوا المبادئ العلميّة الّتي لابدّ للمتكلّمين الآخرين من أبناء هذه الفرقة أن يواكبوها وثبّتوها على قاعدة متينة.

وكان أبو سهل إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت (٢٣٧-٣١١هـ) أحد وجهاء الشيعة الإمامية وعلمائها الكبار، ومن المتكلّمين البارزين في هذه الطائفة، وله تصانيف مهمّة في تأييد المذهب الإماميّ، ويعدّ من أشهر آل نوبخت، وبسبب منزلته العلميّة ومهامّه الدنيويّة، وكان ابن أُخته أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ (المتوفّى بين سنة ٣٠٠ و٣١٠هـ) مؤلّف كتاب فرق الشيعة وكتاب الآراء والديانات أوّل من صنّف في الملل والنحل. ولهذين الرجلين فضل كبير على الطائفة الإماميّة؛ لاتّباعهما المعتزلة في بعض المسائل الأصوليّة، وتقريرهما مسألة الإمامة وتدوينها بأدلّة عقليّة وفقاً لعقائد الشيعة الإماميّة.

وكان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم النوبختيّ من المتكلّمين في أواسط القرن الرابع، وهو - فيما أعلم - أقدم عالم إماميّ صنّف كتاباً في علم الكلام يوافق عقائد هذه الطائفة، وهذا الكتاب المعروف بالياقوت في متناول أيدينا، وقد ذاع صيته بين متكلّمي الإماميّة، وأصبح من أشهر الكتب الكلاميّة للإماميّة، بسبب شروحه الّتي استهلّها عزّ الدين أبو حامد عبد الحميد بن أبي الحديد (٥٨٦-٦٥٦هـ) شارح نهج البلاغة، وتلاه العلاّمة الحسن بن يوسف الحلّيّ (٦٤٨-٧٢٦هـ) وعنوان شرحه: أنوار الملكوت في شرح الياقوت، وأعقبه ابن أُخته السيّد عميد الدين عبد المطّلب الحسينيّ الحلّيّ (٦٨١ت٧٥٤هـ) في شرح كتاب أنوار الملكوت.

وكان عدد من آل نوبخت كتّاباً عند الحكّام العبّاسيّين وأمرائهم، ومن هؤلاء: أبو يعقوب إسحاق بن أبي سهل إسماعيل (المتوفّى سنة ٣٢٢هـ )، ونجله أبو الفضل يعقوب، وأبو طالب النوبختيّ، وأبو الحسين عليّ بن عبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت (٢٤٤-٣٢٤هـ) وولده أبو عبد الله حسين (المتوفّى سنة ٣٢٦هـ)، وعرف منهم رجال كانوا من مشاهير علماء الأخبار عند الشيعة كأبي الحسن موسى بن كبرياء، وأبي محمد حسن بن أبي عبد الله حسين (٣٢٠-٤٠٢هـ)، وكان أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختيّ (المتوفّى سنة ٣٢٦هـ) النائب الثالث للإمام المهديّعليه‌السلام وأحد سفرائه المحمودين، على ما تعتقد به الشيعة الإماميّة.

ويمكننا على نحو عامّ أن نصنّف رجالات الأُسرة النوبختيّة في ستّ طبقات، هي:


١ - طبقة المترجمين من اللغة الفارسيّة البهلويّة إلى العربيّة، والمنجّمين، مثل نوبخت، وولده أبي سهل، وعدد من ذراري أبي سهل كعبد الله، وأبي العبّاس فضل.

٢ - متكلّموا الإماميّة، كأبي إسحاق إبراهيم، وأبي سهل إسماعيل بن عليّ، وأبي محمّد الحسن بن موسى.

٣ - أصحاب الأئمة الاثني عشر وخواصّهم، نحو يعقوب بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، وإسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل، وأبي القاسم الحسين بن روح.


٤ - الأدباء ورواة الشعر، مثل إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، وبعض إخوته، وأبي طالب، ومحمّد بن روح، وأبي الحسين عليّ، وأبي عبد الله حسين.

٥ - الكتّاب كالعلَمين الأخيرين المارّ ذكرهما في الأُدباء ورواة الشعر، وأبي جعفر محمّد بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، وأبي يعقوب إسحاق، وأبي الفضل يعقوب، وعليّ بن أحمد بن عليّ.

٦ - علماء الأخبار الإماميّة، كأبي الحسن موسى بن كبرياء، وأبي محمّد حسن بن حسين، وغيرهما.

وسنرى في الفصول القادمة مفصّلاً أنّ أفراد كلّ طبقة من هذه الطبقات الستّ كانوا محطّ الأنظار ويلهج بذكرهم الخاصّ والعامّ، وعُدّت أقوالهم وكتاباتهم حجّة لمن جاء بعدهم من العلماء، فقيل في منجّميهم إنّهم أعلم الناس بالنجوم(١) ، وقيل في المتكلّمين الذين هم على عقيدة الإماميّة إنّ أقوالهم يُستند إليها(٢) ، وذكر في العلم بالمقالات والآراء والديانات أنّ كتاب أبي محمّد النوبختيّ من الكتب الموثوقة في هذا الفن(٣) ، وصاحبه قدوة تامّة في معرفة الملل والنحل(٤) . وجاء في أخبار الشيعة الإماميّة وتقرير مذهبهم أنّ آل نوبخت كانوا من أركان هذا الدين إذ عُدّوا في مصافّ الشيخ المفيد، وابن بابويه، وأبيه(٥) . وكانوا من أهمّ المراجع وأوثقها في جمع أخبار وأشعار أبي نؤاس، والبحتريّ، وابن الروميّ، ونبغوا في الترجمة حتّى أصبحوا في عداد المترجمين الكبار(٦) .

____________________

١ - ديوان ابن الروميّ ١٢٢-١٢٣.

٢ - بحار الأنوار ١٤: ٣٥٢-٣٥٥.

٣ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٩٥، مروج الذهب ٧: ١٥٧-١٥٨، تلبيس إبليس لابن الجوزيّ في مواضع متعدّدة.

٤ - معجم الأدباء ٢: ٢٧٩.

٥ - شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ٥٩٧.

٦ - عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء ١: ٣٠٩.


هذا كلّه حداني على إعداد ترجمة تضمّ أخبار هذه الأُسرة الجليلة؛ فكنت أجمع المعلومات تدريجاً من خلال مطالعة كتب التاريخ والأدب حتّى إذا تمّ لي ما أريد، نظمت هذا الكتاب في فصول مع بعض الملاحظات، وما هو بين يدي القرّاء الكرام لعلّهم يقطفون من ثماره ويكون تذكاراً لهواة المعلومات التاريخيّة والمغرمين بعظمة السلالة الفارسيّة ومجدها.

الفصل الأوّل

نوبخت جدّ الأُسرة

أوّل مَن يُذكر من آل نوبخت ويشار إليه في كتب التاريخ هو نوبخت المجوسيّ الّذي كان عاش عصر المنصور العبّاسيّ (١٣٦-١٥٨هـ)، وإليه ينسب أعضاء هذه الأسرة الكبيرة، وكلّهم أولاده؛ لذا سمّاهم المؤرّخون والكتّاب المسلمون: آل نوبخت، أو بني نوبخت، أو النوبختيّين.

وجاء في منظوم الشعراء ومنثور الأدباء الذين عاصروه أو كانوا قريبين من زمانه أنّ اسمه نوبخت، وضُبط بالياء أيضاً فقيل: نيبخت. ويبدو أنّ كليهما صحيح.

وهذه الكلمة من المفردات الفارسيّة المركّبة، يعني الجزء الأوّل منها (نَو): الطازَج والجديد، والثاني (بخت): الحظّ. وتستعمل الكلمة بجزءيها في الفارسيّة المعاصرة بهذا المعنى أيضاً.

ولعلّ في الفارسيّة القديمة تلفّظاً بين تلفّظ الياء المسبوقة بمتحرّك والواو المسبوقة بمتحرّك في العربيّة، ولمّا كان أداء ذلك متعذّراً حسب الهجاء العربيّ، فقد كانوا يقرأونه بالياء المسبوقة بمتحرّك تارة، وبالواو المسبوقة بمتحرّك تارة أخرى، ولا جرم أنّ كلا الصوتين لا يؤدّي التلفّظ المذكور تماماً، بَيد أنّه لمّا كان أشبه بذلك الصوت من غيره، فقد أُخرج بهاتين الصورتين، وفعل المسلمون العرب ذلك في عدد من ضروب التلفّظ الفارسيّة التي ينعدم نظيرها في العربيّة، وهذا موضوع لا يرتبط ببحثنا.


ونحن اليوم لا نعلم على وجه الدقّة كيف كانت تقرأ كلمة (نَو) التي تؤلّف الجزء الأوّل من أسماء وأعلام فارسيّة مركّبة في العصر الساسانيّ؛ ذلك أنّ الأسماء والأعلام المذكورة جميعها وصلت إلينا بإملاء عربيّ، ولا يُعتَمد على تلفّظنا المعاصر من أجل فهم التلفّظ القديم غير أنّنا نعرف أنّ المسلمين العرب كانوا يقرأون الكلمات ذات المقطع الأوّل المماثل لما مرّ بنا بالشكلين المذكورين آنفاً نحو (نوبخت) و(نيبخت)، و(نوروز) و(نيروز) وغيرهما.

وكان آل نوبخت ينسبون أنفسهم إلى (گِبوْ) بن (گودَرْز) بطل (الشاهنامه) المعروف، وأشار الشاعر المشهور البُحتريّ إلى ذلك في قصيدتين من قصائده الّتي مدح بها عدداً من أفراد هذه الأسرة، منها قوله في مدح أبي الفضل يعقوب بن أبي يعقوب إسحاق النوبختيّ:

وإذا أبو الفضل استعار سجيّة

للمكرمات فمن أبي يعقوبِ

لا يحتذي خُلُقَ القصيّ ولا يُرى

متشبّهاً في سؤددٍ بغريبِ

تُمضي صريمتَهُ وتُوقد رأيَهُ

عَزَماتُ جوذَرزٍ وسَوَرةٌ بيبِ(١)

شَرفٌ تتابع كابراً عن كابرٍ

كالرمح أُنبوباً على أُنبوبِ(٢)

وأرى النجابة لا يكون تمامها

لنجيب قوم ليس بابن نجيبِ(٣)

____________________

١ - جوذرز معرّب، وهو أحد أشكال (گودرز) و(بيب) شكل آخر! (گيوا). وكان قلب الواو و(الگاف) الفارسيّة باءً مألوفاً جدّاً على ألسنة الآريّين.

٢ - جرى هذا البيت في آل نوبخت مجرى الأمثال.

٣ - ديوان البحتريّ ١٧٦-١٧٧.


وقال هذا الشاعر في قصيدة أُخرى نظمها في مدح أبي الممدوح المذكور، أي: أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت (المقتول سنة ٣٢٢هـ):

ما للمكارم لا تُريد سوى أبي

يعقوبَ إسحاقَ بن إِسماعيلِ؟!

والى أبي سهلِ بنِ نوبختَ انتهى

ما كان من غُررٍ لها وحُجُولِ

نسباً كما اطّردت كُعوبُ مثقَّفٍ

لَدْنٍ يزيدك بسطةً في الطُّولِ

يُفضي إلى بيبِ بن جوذرزٍ الّذي

شهرَ الشجاعةَ بعد فَرطِ خمولِ

أعقابُ أملاكٍ لهم عاداتها

من كلّ نَيلٍ مثل مَدّ النِّيلِ

الوارثون من السرير سُراتَه

عن كلّ ربِّ تحيّةٍ مأمولٍ

والضاربون بسَهمةٍ معروفة

في التاج ذي الشُّرفات والإكليلِ(١)

وكان نوبخت من معاصري المنصور العبّاسيّ، ولمّا كان المنصور أوّل حاكم عبّاسيّ اهتمّ بالتنجيم وأحكام النجوم، ودعا المنجّمين إليه، وعمل بتوجيهاتهم، فقد استقطب أيضاً نوبخت الّذي كان على الدين المجوسيّ، وحثّه على اعتناق الإسلام

ولا يعلم أحد على وجه التحديد متى تعرّف نوبخت على المنصور ومتى انضوى إلى خدمته، وذكر أبو بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد(٢) (٣٩٢-٤٦٣هـ)، والسيّد رضيّ الدين عليّ بن طاووس (٥٨٩-٦٦٤هـ) في فرج المهموم(٣) أنّ نوبخت كان مسجوناً في الأهواز قبل أن يحكم المنصور، أي: قبل سنة ١٣٦هـ.

____________________

١ - ديوان البحتريّ ١٧٧-١٧٩.

٢ - تاريخ بغداد ١٠: ٥٤-٥٥.

٣ - مخطوطة في مكتبة الآستانة الرضويّة المقدّسة، مشهد.


وحدّث إسماعيل بن عليّ النوبختي تلميذه الحسين بن القاسم الكوكبيّ فقال له: كان جدّنا نوبخت على دين المجوسيّة، وكان في علم النجوم غاية وكان محبوساً بسجن الأهواز، فقال: رأيت أبا جعفر المنصور وقد أُدخل السجن، فرأيت من هيبته، وجلالته، وسيماه، وحسن وجهه، وبنائه ما لم أره لأحد قطّ، فصرت من موضعي إليه فقلتُ: يا سيّدي، ليس وجهك من وجوه أهل هذه البلاد، فقال: أجل يا مجوسيّ، قلت: فمن أيّ بلاد أنت؟ فقال: من أهل المدينة، فقلتُ: أيّ مدينة؟ فقال: مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقلتُ: وحقّ الشمس والقمر إنّك لَمن ولد صاحب المدينة! قال: ولكنّي من عرب المدينة، قال: فلم أزل أتقرّب إليه وأخدمه حتّى سألته عن كنيته، فقال: كنيتي أبو جعفر. فقلتُ: أبشر فَوَحقِّ المجوسيّة لَتملكنّ جميع ما في هذه البلدة، حتّى تملك فارس وخراسان والجبال.

فقال لي: وما يدريك يا مجوسيّ؟ قلتُ: هو كما أقول، فاذكر لي هذه البشرى. فقال: إن قضي شيء فسوف يكون، قال: قلت: قد قضاه الله من السماء فطب نفساً، وطلبت دواة فوجدتها، فكتب لي...، فلمّا ولي الخلافة صرتُ إليه فأخرجتُ الكتاب، فقال: أنا له ذاكر، ولك متوقّع، فالحمد لله الّذي صدق وعده، وحقّق الظنّ، وردّ الأمر إلى أهله، فأسلم نوبخت وكان منجّماً لأبي جعفر ومولى)(١) .

وعلى الرغم من أنّ القرائن تدلّ على أنّ نوبخت قد التزم المذهب السنّيّ لا محالة، وهو المذهب الرسميّ لحكّام بغداد، بَيْد أنّ أولاده اشتهروا بالتشيّع، أو أنّهم عُرفوا - في الأقل - بولاية آل عليّ على حدّ تعبير ابن النديم(٢) ، وسوف نرى أنّ عدداً منهم أصبح من كبار علماء الإماميّة فارتقى ذروة المجد.

وكان نوبخت وابنه أبو سهل من خاصّة المنجّمين عند المنصور، وعندما اعتزم المنصور إنشاء بغداد (شرع في بنائها سنة ١٤٤هـ) وضع أساسها في الساعة الّتي اختارها نوبخت، حسب الأحكام النجوميّة(٣) .

____________________

١ - تاريخ بغداد ١٠: ٥٥.

٢ - الفهرست ١٧٧.

٣ - تاريخ بغداد ١: ٦٧؛ تاريخ اليعقوبيّ ٢٣٨. de Goeje, B. G. A. Vll؛ الآثار الباقية ٢٧٠؛ آثار البلاد ٢٠٩؛ الكامل ٥: ٤٣٦ (طبعة ليدن)، وكتب تاريخيّة وجغرافيّة أُخرى،

salmon, introd, a la topog. De bagdad p. ١/٧٦.


وتحدّث الطبريّ عن وقائع سنة ١٤٥هـ، فقال في سياق حديثه المفصّل حول قتل إبراهيم بن عبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب أخي محمّد النفس الزكيّة: دخل نيبخت المنجّم على أبي جعفر المنصور قبل أن يبلغه مقتل إبراهيم، فقال له: الظفر لك وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبل ذلك منه، فقال له: احبسني عندك، فإن لم يكن الأمر كما قلت لك فاقتلني، فبينا هو كذلك إذ جاءه الخبر بهزيمة إبراهيم، فتمثّل ببيت معقر بن أوس بن حمار البارقيّ:

فألقَت عصاها واستقرّت بها النَّوى

كما قرّ عيناً بالإيابِ المسافرُ

فأقطع أبو جعفر نيبخت ألفَي جريب بنهر جَوْبَر(١) .

ورد البيت المذكور الّذي تمثّل به المنصور بعد اطّلاعه على قتل إبراهيم بن عبد الله في مقطوعة نقلها أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني(٢) ، وهذا البيت جرى مجرى الأمثال عند العرب؛ إذ يُستشهد به في المواطن اللازمة، وكانت عائشة قد أنشدته بعد استشهاد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وتمثّل به المنصور بعد قتل أبي مسلم الخراساني(٣) .

كان نهر جَوْبَر من المناطق أو الطُّسوج - كما اصطلح عليه الجغرافيّون القُدامى - القريبة من بغداد في الجانب الغربيّ من نهر دجلة(٤) ويبدو أنّ نوبخت وأولاده ابتنوا لهم دوراً وأنشأوا أبنية في الألفَي جريب الّتي أقطعها المنصور نوبخت؛ إذ أُثر أنّ لآل نوبخت - كما يستشفّ من القرائن - أملاكاً ودوراً في بعض ضواحي بغداد وأكناف دجلة، منها: حيّ (نهر طابق) وهو أحد الأحياء الغربيّة ببغداد(٥) ، ومنها:

____________________

١ - تاريخ الطبريّ ٣: ٣١٧-٣١٨ (طبعة ليدن)، والكامل لابن الأثير، وقائع سنة ١٤٥هـ، وكتاب العيون ٢٤٨ في أجزاء من التاريخ العربيّ Fragmenta hist, arabicorum طبعة دغويه de goeje وديونج de jong.

٢ - الأغاني ١٠: ٤٦.

٣ - حياة الحيوان ١: ٧، ٤٣، ٦٨، وكتاب الأذكياء لابن الجوزيّ ٥٣، ووفيات الأعيان ١: ٣٠٧.

٤ - ابن خرداذ به ٧.

٥ - الأغاني ٣: ١٦١.


النوبختيّة(١) ، وكانوا يمتلكون منازل أيضاً قرب النعمانيّة (مدينة تقع بين بغداد وواسط على الساحل الغربيّ من دجلة)(٢) .

وليس في أيدينا معلومات أخرى عن سيرة نوبخت غير ما ذكرناه آنفاً وما نقله الحاج خليفة في كشف الظنون، إذ أورد اسمه في عداد المؤلّفين في الأحكام النجوميّة، ونسب إليه كتاباً في أحكام النجوم(٣) .

وإذا صحّ ذلك، فمن المحتمل بعامّة أنّ نوبخت عرّب الكتاب المذكور من الفارسيّة البهلويّة؛ إذ إن بعض المؤرّخين جعله في جملة الأفراد الأُوّل من أعضاء هذه الأسرة المنسوبة إليه الذين تَرجموا الكتب من الفارسيّة البهلويّة إلى العربيّة، ونقل ابنه أبو سهل عدداً من الكتب البهلويّة إلى العربيّة، وفي ضوء ما قاله ابن النديم، فإنّه كان يعوّل في علم النجوم على كتب الفرس في هذا الفنّ(٤) .

وكان نوبخت شيخاً كبيراً أيّام المنصور العبّاسيّ (١٣٦-١٥٨هـ)، وقد أعاقته شيخوخته عن أداء مهامّه حقّ الأداء فخوّل المنصور ولده أبا سهل وظيفة أبيه.

ويبدو أنّ نوبخت لم يعقب ولداً آخر غيره؛ لأنّ نسب آل نوبخت ينتهي إليه، ولم يذكر في الكتب والأشعار ولد لنوبخت سواه.

____________________

١ - تجارب الأمم ٥: ٢٧١ و٦: ١٩٧، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ ٢٥٢.

٢ - تاريخ اليعقوبيّ ٣٢١.

٣ - كشف الظنون ٥: ٣٥.

٤ - الفهرست ٢٧٤.


الفصل الثاني

أبو سهل بن نوبخت

قلنا سابقاً إنّ نوبخت عندما شاخ وضعف، وعجز عن خدمة المنصور جلس ابنه أبو سهل مجلسه في صحبة الحاكم العبّاسي بإشارة الحاكم نفسه.

وينقل أبو سهل أنّه لمّا مَثُل بين يدي المنصور، تسمّى له (بخُر شاذماه(١»(٢) ، و(طيماذاما زرياذ)(٣) و(خسروا بهمشاذ)(٤) . فقال له: كلّ ما ذكرت فهو اسمك؟ قال: نعم، فتبسّم وقال: إمّا أن أقتصر بك من كلّ ما ذكرت على (طيماذ)، وإمّا أن تجعل لك كنية تقوم مقام الاسم، وهي أبو سهل، قال أبو سهل: قد رضيت بالكنية(٥) ، فبقيت كنيته وبطل اسمه)(٦) .

____________________

١ - لا جرم أنّ هذه الكلمات مصحّفة ولذا يعسر فهمها، الجزء الأوّل من الكلمة الأُولى (خورشيد) (شمس) وكانت تكتب (خرشيد) بلا واو، والألف بعد الخاء عربيّة كان يستعملها المؤلّفون العرب أحياناً للتعبير عن صوت الياء الفارسيّة المجهولة.

٢ - خ. ل: خرخشاذ.

٣ - خ. ل: مازارباد.

٤ - خ. ل: خسروانهشاه.

٥ - لعلّ اختيار هذه الكنية يعود إلى صعوبة تلفّظ الاسم الطويل، وهو ما تنبّه إليه المنصور.

٦ - ابن أبي أُصيبعة ١: ١٥٢، والقفطيّ ٤٠٩، ومختصر الدول ٢٢٤.


وظلّ أبو سهل في خدمة المنصور منذ بناء بغداد (سنة ١٤٤هـ) على ما نقل ياقوت، وهو الذي اختار الطالع عند إنشائها بأمر المنصور، وخبّره بما تدلّ النجوم عليه من طول بقائها وكثرة عمارتها وفقر الناس إلى ما فيها، وأعلمه أيضاً بخلّة من خلالها، هي: أنّه لا يموت بها سلطان حتفَ أنفِه أبداً(١) .

ولبث أبو سهل عند المنصور من سنة ١٤٤ إلى سنة ١٥٨هـ، وهي السنة التي توفّي فيها المنصور، ولم يبارحه، وكان من ندمائه، ولازمه حتّى في آخر حجّة حجّها، وهي الحجّة التي هلك فيها (٢٤ ذي الحجّة سنة ١٥٨هـ).

ونقل أبو سهل نفسه لولده إسماعيل أنّه صاحب المنصور في آخر حجّة حجّها، ومعه ابن اللَّجْلاج طبيب المنصور الخاصّ، وعندما كان المنصور يَخلُد إلى النوم، كان أبو سهل ينادم ابن اللجلاج، وفسأل ابن اللجلاج - وقد عمل فيه النبيذ - أبا سهل عمّا بقي من عمر المنصور، فعزّ ذلك عليه وامتنع عن تناول النبيذ، وعزم على الكفّ عن منادمة ابن اللجلاج، وهجره ثلاثة أيّام، ثم اصطلحا بعد ذلك واستبدلا الصلح والصفاء بالتوتّر والكدر، فلمّا جلسا يحتسيان النبيذ على عادتهما قال ابن اللجلاج معاتباً أبا سهل: (سألتك عن علمك ببعض الأمور فَبخِلتَ به وهجرتني، ولستُ أبخل عليك بعلمي فاسمَعْه)، ثمّ قال: (إنّ المنصور رجل مَحرُور تَزداد يُبوسةُ بدنه كلّما أسَنّ، وقد حلق رأسه بالحيرة وجعل تمكان الشعر الذي حلقه غالية، وهو في هذا الحجاز يداوم الغالية، وما يقبل قولي في تركها، ولا أحسبه يبلغ إلى فَيد حتّى يحدث في دماغه من اليبس ما لا يكون عندي ولا عند أحد من المتطبّبين حيلة في ترطيبه، فليس يبلغ فَيد إنْ بَلَغها إلاّ مريضاً، ولا يبلغ مكّة إنْ بلغها وبه حياة) .

____________________

١ - معجم البلدان ١: ٤٨٥-٦٨٤. ولم يصرّح الخطيب في تاريخ بغداد باسم هذا المنجّم، ونقل النبوءة المذكورة عن أحد المنجّمين دون تصريح باسمه، تاريخ بغداد ١: ٦٧.


يقول أبو سهل: فو اللهِ ما بلغ المنصور فيد إلاّ وهو عليل وما وافى مكة إلاّ وهو ميّت، فدُفن ببئر ميمون(١) .

وعاش أبو سهل بن نوبخت بعد وفاة المنصور مدّة، وأدرك عصر هارون الرشيد (١٧٠-١٩٣هـ)، وكان في بيت الحكمة أو خزانة الحكمة، مركز اجتماع الفرس والشعوبيّة(٢) .

قضى أبو سهل خمساً وعشرين سنة من عمره تقريباً في خدمة الحكّام العبّاسيّين الأُوَل، ويبدو أنّه توفّي في أوائل حكومة هارون إذ لم يَرِد له ذكر منذ ذلك الحين، كما لا نجد له أثراً في شعر أبي نواس الذي كان يعيش بين ظهرانّي آل نوبخت، وكان معاشراً لأولاده .

كان أبو سهل من المنجّمين الفرس، وأحد المترجمين من اللغة الفارسيّة البهلويّة إلى العربيّة، ومعوّله في النجوم على معلومات المنجّمين الفرس وكتبهم في العهد الساسانيّ، وذكر له ابن النديم الكتب السبعة الآتية:

١ - كتاب اليَهُبَطان(٣) في المواليد.

٢ - كتاب الفأل النجوميّ.

٣ - كتاب المواليد (مفرد، وهو غير كتاب اليهبطان).

٤ - كتاب تحويل سِني المواليد.

٥ - كتاب المدخل.

٦ - كتاب التشبيه والتمثيل.

٧ - كتاب المنتحل من أقاويل المنجّمين في الأخبار والمسائل والمواليد وغيرها(٤) .

____________________

١ - عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء ١؛ ١٥٢.

٢ - الفهرست ٢٧٤. طبقات الأمم ٦٠.

٣ - ثمّة اختلاف في قراءته: البهطمان والنهمطان، وورد في المخطوطة العائدة للميرزا أبي عبد الله الزنجانيّ (كان عالماً فاضلاً معاصراً للمؤلّف كما ذكر المؤلّف ذلك): اليهبطان كما تقدّم في النّص.

٤ - الفهرست ٢٧٤، والقفطيّ ٢٥٥.


ويبدو أنّ أشهر هذه الكتب هو الكتاب الأوّل، أي: اليهبطان في المواليد، وقد نقل ابن النديم فصلاً كبيراً منه في كتاب الفهرست(١) .

وضبط عنوان هذا الكتاب في النسخة المطبوعة من الفهرست: النهمطان، بَيْد أنّا آثرنا ما ذكرناه آنفاً، وفي أقرب الاحتمالات أنّ (يهبطان) إحدى الكلمات البهلويّة المأخوذة من اللغة الآراميّة، وقد ترجمت بالعربيّة: (مواليد)، والألف والنون في آخرها علامة الجمع بالفارسيّة.

وذكر ابن النديم أنّ اسم (أبو سهل) هو الفضل، كما حكاه القفطيّ أيضاً، ويبدو أنّ هذا سهو، للأسباب الآتية:

١ - إنّ اسم (أبو سهل) قد أُبطل من قبل المنصور العبّاسيّ لطوله فاختيرت له هذه الكنية كما مرّ بنا سابقاً.

٢ - سنلاحظ أنّ لأبي سهل ولداً يُدعى الفضل، ولعلّ ابن النديم قد شُبّه عليه؛ إذ تصوّر أنّ أبا العبّاس الفضل بن أبي سهل بن نوبخت هو أبو سهل بن نوبخت نفسه.

٣ - لم يذكر المؤلّفون في العصور المتأخّرة اسم (أبو سهل) لضياعه، وكان يشقّ عليهم العثور على اسمه، حتّى أنّ المعاصرين والقريبين من عهده كانوا يجهلون اسمه(٢) .

وذكر أبو العبّاس النجاشيّ صاحب الكتاب الرجاليّ المعروف اسم (أبو سهل) على أنّه طيمارث، متردّداً في ذلك(٣) ، وهذه الكلمة تصحيف لجزء من ذلك الاسم الطويل الذي أورده القفطيّ، وابن العِبريّ، وابن أبي أُصيبعة.

____________________

١ - الفهرست ٢٣٨-٢٣٩.

٢ - عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء ١: ١٥٢.

٣ - رجال النجاشيّ ٢٩٠.


الفصل الثالث

أبناء أبي سهل بن نوبخت

كان لأبي سهل بن نوبخت أبناء كثيرون، ذُكرت أسماء عشرة منهم في كتب الأخبار والأشعار.

وهؤلاء جميعهم كانوا معاصرين للشاعر المعروف أبي نواس - كما سنأتي عليه - وكانوا على اتّصال به. وهذا الشاعر الظريف الشهير طالما كان يتردّد إلى بيوتهم متنعّماً بموائدهم، وكان يمدحهم أو يهجوهم بما تمليه عليه قريحته الشعريّة، فكان الباعث على بقاء أسماء بعضهم، وخلود ذكرهم في أخباره وأشعاره، وفيما يأتي أسماء أبناء أبي سهل وأخبارهم:

١ - إسماعيل

وهو أشهرهم، وطارت أخباره مع أبي نواس بنحو يفوق التصوّر، وهجاه هذا الشاعر السليط اللسان هجاءً ركيكاً، ويلاحظ في ديوانه أربع قصائد يهجو بها إسماعيل(١) ، وأشهرها القصيدتان الآتيتان اللتان يصفه فيهما بالبخل واللؤم، فيقول في إحداهما:

____________________

١ - ديوان أبي نواس ١٧١-١٧٢ طبعة القاهرة، والجزء الأوّل من شرح ديوانه (مخطوطة في باريس).


خبز إسماعيل كالوش

ي إذا ما شُقّ يُرفا

عجباً من أثر الصّن

عة فيه كيف يخفى

إنّ رفّاءك هذا

ألطفُ الأمّةِ كفّا

فإذا قابل بالنِّص

ف من الجِرذَقِ نِصفا

ألطف الصنعة حتّى

لا يُري مطعن أشفى

مثل ما جاء من التنّ

ور ما غادرَ حرفا

وله في الماء أيضاً

عملٌ أبدع ظَرفا

مَزجُهُ العذبُ بماء الب

ئر كي يزدادَ ضِعفا

فهو لا يسقيك منه

مثل ما يَشرب صِرفا(١)

ويقول في الأخرى:

على خبز إسماعيل واقية البُخلِ

فقد حلّ في دار الأمان من الأكلِ

وما خبزه إلاّ كآوى يُرى ابنُهُ

ولم يُرَ آوى في حزونٍ ولا سهلِ

وما خبزُه إلاّ كعنقاء مُغرِبٍ

تُصوَّر في بُسطِ الملوك وفي المثلِ

يُحدّث عنه الناسُ من غير رؤيةٍ

سوى صورةٍ ما إن تُمرّ ولا تُحلي

وما خبزهُ إلاّ كُليبُ بن وائلٍ

ومن كان يحمي عِزُّه منبتَ البقلِ

وإذ هو لا يَستبُّ خصمانِ عندَهُ

ولا الصوتُ مرفوعٌ بجدٍّ ولا هَزلِ

فَإنْ خبزُ إسماعيلَ حلّ به الّذي

أصابَ كُليباً لم يكن ذاك من ذُلِّ

ولكنْ قضاءٌ ليس يُسطاع ردّهُ

بحيلةِ ذي مكرٍ ولا فكرِ ذي عقل(٢)

____________________

١ - أخبار أبي نواس ١: ١٢٥-١٢٧، وشرح ديوانه لحمزة الأصفهاني، نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس ١: الورقة ٢٥٢ b.

٢ - أخبار أبي نواس ١: ١٢٧-١٢٨، وشرح ديوانه ج١، وكتاب الحيوان للجاحظ ٣: ٤٠.


هاتان القصيدتان مشهورتان جدّاً بين الأدباء العرب لا سيّما الثانية منهما، وهم ينقلونهما وينشدونهما على سبيل الاستشهاد, كما نجد أنّ أبا زيد المروزيّ عندما ذهب مع أبي حيّان عليّ بن محمّد التوحيديّ إلى منزل ذي الكفايتين عليّ بن محمد بن العميد، واعتذر لهما حاجبه لانشغاله بأكل الخبز، تمثّل بالقصيدة الثانية(١) . وتوهّم مركليوث(٢) الذي طبع معجم الأُدباء أنّها لأبي زيد المروزيّ، وأنّها أُنشدت في الصاحب إسماعيل بن عبّاد، وذكر ذلك في ذيل الصفحة التي ورد فيها اسم إسماعيل، في حين هي لأبي نواس في ذمّ إسماعيل بن أبي سهل، وإنّما تمثّل بها أبو زيد المروزيّ كما نصّ على ذلك ياقوت.

تعرّض أبو نواس إلى لوم الأدباء الذين جاؤا بعده بسبب هجائه إسماعيل ووصفه إيّاه بالبخل، مع أنّه أكرمه وضيّفه، ونجد الجاحظ لم يتوانَ عن ذمّ سلوكه ونكرانه للجميل(٣) ، علماً أنّ إسماعيل هذا فاق إخوته في خدمته لأبي نواس، وضبطه أخبارَه وأشعاره، وروايتها للناس، ونقل حمزة الأصفهاني وغيره أخبار أبي نواس عنه بعدّة وسائط(٤) ، وأبو نواس نفسه عندما مدح إسماعيل، فإنّه أثنى على مجده وحلمه(٥) .

وظلّ إسماعيل بن أبي سهل حيّاً ردحاً من الزمن بعد وفاة أبي نواس (القول الأصحّ سنة ١٩٩هـ)، وقال في حقّ هذا الشاعر: (ما رأيت قطّ أوسع علماً من أبي نواس، ولا أحفظ منه...، ولقد فتّشنا منزله بعد موته فما وجدنا له إلاّ قمطراً فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو لا غير).

عاش إسماعيل حتّى سنة ٢٣٢هـ في الأقلّ، وهي سنة وفاة الواثق العبّاسيّ.

____________________

١ - معجم الأُدباء ٥: ٣٨٢.

٢ - Margoliouth.

٣ - البخلاء ٧٧.

٤ - شرح ديوان أبي نواس في مواضع متعدّدة، وأخبار أبي نواس ج٢ (مخطوط)، ووفيات الأعيان ١: ١٩٩ طبعة de slane.

٥ - ديوان أبي نواس ١٠٦ (طبعة مصر سنة ١٣٢٣).


وكان من ندماء المأمون، ومن الأُدباء الّذين عاشوا في بلاطه(١) ، وروى عنه أحد تلاميذه، وهو أبو الحسن يوسف بن إبراهيم الكاتب الذي كان بدمشق سنة ٢٥٥هـ، وهو من خدم أبي إسحاق إبراهيم بن المهديّ (١٦٣-٢٢٤هـ).

ونصّ الطبريّ على أنّ الواثق العبّاسيّ عندما احتُضِر سنة ٢٣٢هـ، استُشير فيه جماعة من الأطبّاء والمنجّمين، منهم الحسن بن سهل أخو ذي الرئاستين الفضل بن سهل السرخسيّ، وإسماعيل بن (أبي سهل) بن نوبخت(٢) .

وخلط أبو الفرج بن العبريّ بين الحسن بن سهل السرخسيّ أخي الفضل بن سهل، وبين إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت المذكورين في رواية الطبريّ، وقال إنّ الحسن بن سهل بن نوبخت كان من المنجّمين الذين حضروا عند الواثق حين احتضاره، في حين كان المقصود من الحسن المنجّم كما ذكر الطبريّ - وورد في الكامل: الحسن بن سهل المنجّم(٣) - هو أخو الفضل ذي الرئاستين الذي مات بعد الواثق بأربع سنين، أي في سنة ٢٣٦هـ، وهو الذي كان يأتي الواثق أيّام علّته غالباً ويسأل عنه، ويتحدّث معه حول أقسام الأغذية وضروب الأمراض(٤) .

وحصل هذا السهو نفسه تقريباً لكِلّر(٥) الذي نشر قسماً من تاريخ بغداد لمؤلّفه أحمد بن أبي طاهر طيفور عندما أراد أن ينظّم دليلاً هجائيّاً للكتاب المذكور، علماً أنّ مؤلّف الكتاب يقصد من الحسن بن سهل هو الحسن أخو ذي الرئاستين؛ إذ ذكره مرّة بوصفه منجّماً، وعدّه الناشر أيضاً في مسرد الكتاب من آل نوبخت، ومُني آخرون بهذا الخلط(٦) .

____________________

١ - تاريخ بغداد لابن طيفور ٢٩٩-٣٠٠.

٢ - تاريخ الطبريّ ٤: ١٣٦٤.

٣ - الكامل، وقائع سنة ٢٣٢هـ.

٤ - الأوائل لأبي هلال العسكريّ، نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس، الورقة ١٨٤ a.

٥ - keeler.

٦ - L.Massignon, passion d`al-halladj p.١٤٤، ومقدّمة كتاب فرق الشيعة، صفحة ط.


٢ - أبو أيّوب سليمان

كان من ندماء أبي نواس ومضيّفي، روى قسماً من أخباره وأشعاره، ونقل حمزة الأصفهاني أكثرها في (شرح ديوان أبي نواس)، كما أوردها ابن منظور المصريّ في الكتاب المتعلّق بأخبار هذا الشاعر، ويستبين من مقطوعة لأبي نواس أنّ سليمان كان يحكم الزاب أيضاً(١) ، وكان في عداد الشعراء المقلّين، ونقل ابن النديم أنّ ديوانه يبلغ خمسين ورقة(٢) .

٣ - داود

نقل قسماً من أخبار أبي نواس، وكان من معاشريه(٣) .

٤ - إسحاق

وهو جدّ المتكلّم المعروف أبي سهل إسماعيل بن عليّ، وأخيه أبي جعفر محمّد لأبيهما، وجدّ أبي محمّد حسن بن موسى لأُمّه، وسنتحدّث عنهم قريباً.

٥ و٦ و٧ - أبو الحسين عليّ، وهارون، ومحمّد

كان عليّ من معاشري أبي نواس أيضاً، وكان هذا الشاعر يمدحه(٤) .

____________________

١ - ديوان أبي نواس المطبوع: ١٨٢.

٢ - الفهرست ١٦٦.

٣ - شرح ديوان أبي نواس، مخطوطة في المكتبة الوطنيّة بباريس، ج٢، الورقة ٢٩٥ b.

٤ - شرح ديوان أبي نواس، ج٢، الورقة ٥١٠ b، وأخبار أبي نواس، ج٢ (مخطوط).


وعندما أنشد فيه مازحاً:

أبو الحُشَّين كُنيتُه بحقٍّ

فإن صحّفتُ قلتُ أبو الحسينِ

لم يتحمّل ذلك منه؛ إذ ليس له من الحلم ما كان لإخوته عبد الله، وسليمان، وعبّاس، فانقلب عليه ولاحَقَه ليعاقبه، ففرّ إلى بيت أخيه هارون بن أبي سهل، بَيْد أنّ عليّاً أدركه فأخذه وطرحه على الأرض وركله بشدّة، وتدخّل هارون فخلّصه من يد أخيه، وقال البعض إنّ أبا نواس مات بعد مدّة من جرّاء ذاك الركل(١) .

وروى العلاّمة المجلسيّ في بحار الأنوار نقلاً عن كتاب فرج المهموم للسيّد رضيّ الدين عليّ بن طاووس أنّ هارون بن أبي سهل وأخاه محمّداً كتبا رقعة إلى الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام (٨٣-١٤٨هـ) على أنّهما من أولاد نوبخت، وأنّ أباهما وجدّهما أمضَيا أعمارهما في تحصيل النجوم، فهل يجوز الاشتغال بهذا الفنّ أم لا؟ فأجابعليه‌السلام :«أنّه حلال» (٢) .

هذه الرواية تجانب الصواب تاريخيّاً، ذلك أنّ الإمام الصادقعليه‌السلام توفّي سنة ١٤٨هـ، أي: قبل هلاك المنصور بعشر سنين، وكان أبو سهل بن نوبخت والد هارون ومحمّد - كما ذكرنا سابقاً حيّاً آنذاك، بل كان حيّاً حتّى سنة ١٧٠هـ - في الأقل - وهي السنة الأولى من حكومة الرشيد، فيكف يمكن حينئذٍ أن يذكر ولدا أبي سهل (من معاصري الأمين وأبي نواس) أباهما على أنّه ميّت قبل وفاته بثلاثين سنة تقريباً؟! فمن المحتمل - إذن - أنّهما كتبا هذه الرقعة إلى إمام آخر من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام واستفتياه في حلّيّة الاشتغال بعلم النجوم أو حرمته.

٨ - أبو العبّاس الفضل

كان من ندماء أبي نواس، ومن المنجّمين المعاصرين لهارون الرشيد والمأمون(٣) ، له مصنّفات في النجوم أيضاً.

____________________

١ - أخبار أبي نواس، ج٢ (مخطوط).

٢ - بحار الأنوار ١٤: ١٣٢.

٣ - طبقات الأمم ٦٠ وبحار الأنوار ١٤: ١٤٣ نقلاً عن فرج المهموم للسيّد ابن طاووس وعيون أخبار الرضا ٣١٩-٣٢٠.


وهو الذي أعلم المأمون بخطأ المنجّمين في اختيار الساعة التي تُفوّض فيها ولاية العهد إلى الإمام الرضاعليه‌السلام فامتعض منه المأمون ونهره، على قول مشهور، وكان السيّد ابن طاووس قد طالع بعض كتبه النجوميّة، وشهد ببراعته في هذا الفنّ(١) .

وكان أبو نواس يمدحه تارةً ويهجوه تارة أخرى، وأشار في إحدى قصائده الهجائيّة إلى أنّ للفضل بن أبي سهل بنتين توأمين(٢) .

٩ - عبد الله

هجاه أبو نواس في إحدى قصائده، فرّد عليه أخوه سليمان بقصيدة أُخرى.

وهاتان القصيدتان في ديوان أبي نواس، وشرحه لحمزة الأصفهاني، وكتاب أخبار أبي نواس(٣) ، ونسب القفطيّ قصّة إخبار المأمون بخطأ المنجّمين - ومنهم الفضل ذو الرئاستين - إلى عبد الله، وذكر سهواً أنّ أباه سهل، ونقل الزمخشريّ في كتاب ربيع الأبرار حكاية عنه(٤) .

١٠ - سهل وابنه حسن

كان سهل من ندماء أبي نواس(٥) ، وابنه حسن من المنجّمين المشهورين وله كتاب في النجوم عنوانه الأنواء(٦) ، وظنّ عدد من المؤلّفين أنّه الحسن بن سهل السرخسيّ أخو ذي الرئاستين.

____________________

١ - فرج المهموم (مخطوط).

٢ - شرح ديوان أبي نواس ج١، ورقة ٢٩٨ b، وأخبار أبي نواس ج٢ (مخطوط).

٣ - الديوان المطبوع ٣٤، وشرحه لحمزة ج١، ورقة ٤٥ b وأخبار أبي نواس ١: ١٩٩-٢٠٠.

٤ - تاريخ الحكماء ٢٢٢.

٥ - أخبار أبي نواس ١١١.

٦ - الفهرست ٢٧٥.


ومن هؤلاء: ابن العبريّ الذي عدّه مكان أخي ذي الرئاستين، وذكر أنّه أحد المنجّمين الذين حضروا عند الواثق العبّاسيّ ساعة احتضاره(١) .

ولم يبقَ أثر من كتاب الأنواء المذكور الذي صنّفه الحسن بن سهل بن أبي سهل بن نوبخت، بَيْد أنّ أبا سعيد بن منصور بن عليّ بن بُندار الدامغانيّ الذي كان يعيش في أوائل القرن السادس الهجريّ له كتاب في أحكام النجوم نقل فيه أقوال حسن، وتحتفظ مكتبة مدرسة سپهسالار (سابقاً) في طهران بنسخة من الكتاب المشار إليه المصنّف في سنة ٥٠٧هـ(٢) .

أبو نواس وآل نوبخت

أبو نواس الحسن بن هانئ الشاعر العذب اللسان الفارسيّ الأصل الذي قلّما كان شاعر مثله - في قرون ما بعد الإسلام - في لطافة قوله وجمال ألفاظه وظرافته وذوقه، كما يستشفّ ذلك من ديوانه وشرحه النفيس لحمزة الأصفهاني، وكان على اتّصال وثيق بآل نوبخت، ويُمضي أكثر أيّامه في منازلهم، ويحتسي معهم الخمر متمتّعاً بنعمة وكرم أُولئك النبلاء المحبّين للفضائل، وأشار أبو نواس نفسه إلى ذلك مراراً، وسمّى آل نوبخت ندماءه على الشراب(٣) ، بَيد أنّه لم يتورّع عن الإساءة إليهم وذمّهم بما كان عليه من خليقة الهجاء وذلاقة اللسان، فهجا أبناء أبي سهل - لا سيّما إسماعيل - بسفساف من الشعر، وبلغ به الأمر أنّه قدح بأعراضهم.

____________________

١ - مختصر الدول ٢٤٥.

٢ - گاهنامه ١٩٣٢م، ص١٦١.

٣ - شرح ديوان أبي نواس، ج١، الورقة ٢٥٣ b.


وكان بينهم من أُوتي قريحة شعريّة كسليمان بن أبي سهل، فلم يسكت بل كان يردّ على هذا الشاعر الخليع هجاءه ويذمّه ويعنّفه، وهذا التعنيف كان يغضب أبا نواس بدلاً من أن يذكّره بسوابق نعم آل نوبخت وفضلهم عليه، فيثب إلى هجاء بني أبي سهل بشعر أكثر حدّة وقذاعة، كما نجد ذلك عندما هجا زرّين زوجة أبي سهل جدّة النوبختيّين، فقال في آخر مقطوعة بذيئة جدّاً، وهو يردّ عليهم:

سيبقى بقاءَ الدهرِ ما قلتُ فيكُمُ

وأمّا الذي قد قُلتموه فَرِيحُ(١)

وإنّ من عجائب الدهر حقّاً أن تبقى هذه الأبيات القبيحة المبتذلة التي مرّ عليها ما يزيد على ألف ومائتي سنة كما تنبّأ أبو نواس بذلك، ولم يبق من الكتب الثمينة التي صنّفها آل نوبخت إلاّ كتاب أو كتابان، والأعجب من ذلك أنّ البيت المذكور جرى مجرى الأمثال، وتداولته الألسن في عصر حمزة الأصفهاني(٢) .

إنّ الخصومة التي ظهرت في نهاية المطاف بين أبي نواس وأبناء أبي سهل ودفعت الشاعر إلى قذعهم، جعلت البعض يتّهم آل نوبخت بأنّهم قد دسّوا له السمّ، فذهبت جماعة إلى أنّ آل نوبخت سمّوه لمقطوعة نظمها زنبور الكاتب أحد معاصريه في هجاء الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وأتباعه، ونسبها إليه ورواها عنه، ورأت جماعة أُخرى أنّ إسماعيل بن أبي سهل قام بذلك لهجاء أبي نواس إيّاه ووالدته، ووصفه بالرفض والبخل، وقال آخرون إنّ موته كان بسبب ضربة تلقّاها من عليّ بن أبي سهل في دار أخيه هارون(٣) ، ومهما يكن من شيء فإنّ دور آل نوبخت في موت أبي نواس يكتنفه الغموض تماماً، ولمّا لم يهتمّ كبار الكتّاب والمؤرّخين بذكر ذلك، فلنا أن نعدّه في سياق الطعون التي وجّهها أعداء آل نوبخت إليهم.

وعندما توفّي أبو نواس استبق أبناء أبي سهل إلى تجهيزه، وكان كلّ منهم يودّ أن ينال شرف ذلك، حتّى آل الأمر إلى إجماعهم على المساهمة فيه برمّتهم(٤) ، كما أنشدوا شعراً في رثائه أيضاً(٥) .

____________________

١ - أخبار أبي نواس ١: ٢٠٠.

٢ - شرح ديوان أبي نواس ج٢، الورقة ٤٠٥ b.

٣ - أخبار أبي نواس ج٢ (مخطوط).

٤ - نفسه، ج٢ (مخطوط).

٥ - شرح ديوان أبي نواس ج٣، الورقة ٢٠٨ b.


ولما كان أبو نواس معاشراً لأولاد أبي سهل بن نوبخت مستأنساً بهم، وكان يَضيفهم غالباً، فإنّهم كانوا أقدر من غيرهم على جمع أخباره وأشعاره، بخاصّة أنّهم كانوا قاطبةً أولي علم وأدب، فكانوا يشترون تلك الأخبار والأشعار مهما بلغت قيمتها، ويجمعونها.

وإذا كان أبو نواس لم يُراعِ الدقّة الكافية في ضبط أشعاره، فتبعثر قسم منها وضاع(١) ، فإنّ آل نوبخت دوّنوها مع أخباره ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وتناقلوها في أسرتهم مشافهة، وزوّدوا بها من جاء بعدهم في القرون التالية ممّن كان يُعنى بتدوين أخبار أبي نواس وأشعاره، ومن هؤلاء: الأديب والمؤرّخ المشهور أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني (المتوفّى بين سنة ٣٥٩ و٣٦٠هـ) الذي شرح ديوانه شرحاً نفيساً جدّاً، وجمع أقواله، وأخذ معظم أخباره وأشعاره من آل نوبخت مباشرة؛ إذ سافر من أجل ذلك إلى بغداد ثلاث مرّات، وفي سفرته الثالثة، أي سنة ٣٢٦هـ، طلب نسخة ديوانه التي كان آل نوبخت قد جمعوها، فطالعها واستنسخها(٢) ، ثمّ إنّهم أرشدوه إلى مَن جمع أخباره وشعره، مضافاً إلى النسخة التي أتحفوه بها، ومن هؤلاء الذين أخذ منهم قسماً من أخباره وأشعاره: المُهَلْهِل بن يَموت بن المُزَرَّع أحد الشعراء البارعين، وحفيد أخت الجاحظ...، وكان مهتمّاً بجمع شعر أبي نواس، ويبدو أنّه كان يرمي من وراء ذلك إلى تأليف كتاب في السرقات الشعريّة لهذا الشاعر وفي تحايله، وتحتفظ مكتبة اسكوريال في إسبانيا بنسخة من كتاب المهلهل المذكور(٣) .

____________________

١ - شرح ديوان أبي نواس ج١، الورقة ٤ b.

٢ - نفسه، ج٢، الورقة ١٩٩ b.

٣ - Hart, Derenbourg. Mss. Ar. D,escurial، No ٧٧٢.


وتلاحظ في عدد من الكتب أسماء النوبختيّين الذين نقلوا أخبار أبي نواس وأشعاره عن أجدادهم، أي أولاد أبي سهل بن نوبخت، وموّنوا بها أمثال حمزة الأصفهاني، وأبي بكر الصوليّ جامعَي ديوانه أو الرواة الآخرين. وفيما يأتي هذه الأسماء:

١ - أبو طالب النوبختيّ(١) .

٢ - محمّد بن روح(٢) .

٣ - أبو محمّد الحسن بن موسى(٣) (وفاته بين سنة ٣٠٠ و٣١٠هـ).

٤ - يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل(٤) .

٥ - أبو سهل إسماعيل بن علي(٥) (٢٣٧-٣١١هـ).

٦ - أبو محمّد حسن بن حسين(٦) (٣٢٠-٤٠٢هـ).

٧ - علي بن إسحاق بن إسماعيل(٧) .

وسنذكر في الفصول الآتية ترجمتهم.

____________________

١ - شرح ديوان أبي نواس ج٢، الورقة ٢٧١ b.

٢ - نفسه ج٣، الورقة ٢٨١، وكتاب الموشّح للمرزبانيّ ٢٧٤.

٣ - الموشّح ٢٧٤.

٤ - نفسه.

٥ - أخبار أبي نواس ج٢ (مخطوط).

٦ - تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ ٧: ٤٤٣.

٧ - نفسه ١: ١٥٦.



الفصل الرابع

ظهور علم الكلام والمتكلّمين الأُوَل

أشرنا في مقدّمة كتابنا إلى أنّ عدداً من النوبختيّين كانوا في مصافّ المتكلّمين الكبار بين الإماميّة، وتزامن عصرهم مع اندفاع الفرق الإسلاميّة المختلفة للانطلاق بآرائها ومقالاتها ومناظرة مناوئيها، ونفقت يؤمئذٍ سوق المباحثة والمجادلة والمناظرة تماماً بسبب ترجمة كتب الإغريق في الفلسفة والمنطق، والكتب الدينيّة لغير المسلمين ومقالاتهم، بخاصّة الزنادقة، وأتباع ماني، وأصحاب مرقيون(١) ،

____________________

١ - كان مرقيون (Marcion) أحد علماء النصارى في القرن الثاني الميلاديّ، وقد كُفِّر من قبل النصارى بوصفه مرتدّاً، ونُبذ من ساحتهم، فابتدع له مذهباً جديداً أساسه مقتبس من الدين المسيحيّ لكنّه يغايره بإنكار سماويّة القسم الأعظم من العهد القديم وقسم من العهد الجديد، واعتقاده بالثنويّة، أي مبدأي النور والظلمة، وقال هذا الرجل: لمّا كان هذان المبدآن متضادّين لا يمكن اجتماعهما، فلابدّ من مبدأ ثالث أوطأ درجة من النور وأعلى من الظلمة يكون بينهما فيمتزج بهما فينشأ العالم من هذا الامتزاج، وينقسم العالم في عقيدة مرقيون إلى ثلاث طبقات، كلّ واحد فوق الأُخرى، فالطبقة العليا مَقرّ الله الرحمن، والسفلى نطاق المادّة، والوسطى التي هي فوق الأرض مركز قدرة الله الخالق، أي موجد العدالة والشريعة، الذي أوجد الإنسان من المادّة على صورته، ويعرف أتباع مرقيون بالمرقونيّة، وهم ينتشرون في إيطاليا، ومصر، والشام، وإيران. وظلّوا في تلك البلدان بعده بمدّة، للتعرّف على موجز من عقائد هذه الفرقة، انظر: الفهرست ٣٣٩؛ الملل والنحل ١٩٥-١٩٦؛ التنبيه و الإشراف =


وابن ديصان(١) ، وابن سُمَنيّة(٢) ، والبراهمة، واليهود، والنصارى، والمجوس. ولم

____________________

= ١٠١، ١٢٧، ١٣٥؛ الفصل لابن حزم ١: ٣٦؛ بحار الأنوار ٢: ١٠٨-١٠٩؛ مقالات الإسلاميّين ٣٣٢ و٣٣٨؛ Burkitt, religion of the manichees ٨٠-٨٤.

١ - كان ابن ديصان (١٥٤-٢٢٢هـ) Bardesane أحد حكماء الشام، وهو بارثيّ المحتد، نزح أبواه من بلاد فارس إلى مدينة الرَّها (أُورفا الحاليّة) Edesse، فولد فيها ونُسب إلى نه دَيصان في الرَّها المذكورة.

تَنصّر سنة ١٧٩هـ، فكان من أكبر المدافعين عن النصرانيّة أمام المناوئين وأهل البدعة بخاصّة أتباع مرقيون، ثمّ اخترع آراء وعقائد لم يَرْضَها النصارى فأعلنوا ارتداده، وكان شاعراً وفلكيّاً ومؤرّخاً، وكان يرى رأي الثنويّة ويقول: النور فاعل الخير اختياراً والظلام فاعل الشرّ اضطراراً، ويصدر الحُسن والخير والنفع والرائحة الطيّبة عن النور عموماً، ويصدر القُبح والشرّ والضرّ والعفونة الكليّة عن الظلام.

والنور حيّ وعليم وقادر وحسّاس ودرّاك، ومنه الحركة والحياة، والظلام ميّت وجاهل وعاجز وجامد ولا يقبل التطبيق والتمييز، وتوزّع الديصانيّة على الصين، وخراسان، ومناطق القسم الأسفل من الفرات، أي البطائح، وكان منهم جماعة في عراق العرب في القرن الثالث الهجريّ، وكان أبو شاكر الديصانيّ من مشاهيرهم، وقد نسب نفسه إلى الإماميّة، وكان معاصراً للمتكلّم الإماميّ الكبير أبي محمّد هشام بن الحكم (المتوفّى سنة ١٩٩هـ).

واقتبس ماني كثيراً من عقائد مرقيون، وابن ديصان، ولذلك يعدّ هذان الشخصان عادة من المتقدّمين على ماني، ويُذكر هؤلاء الثلاثة غالباً في نَسَقٍ واحد، وكان المترجم والكاتب المانويّ المعروف عبد الله بن المقفَّع متّهماً بتعريب كتب هؤلاء الثلاثة ونشرها بين المسلمين، (مروج الذهب ٨: ٩٢٣).

للتعرّف على سيرة ابن ديصان وعقائده انظر: الفهرست ٣٣٨-٣٣٩، والملل والنحل ١٩٤-١٩٥، والفِصَل لابن حزم ١: ٣٦، وتلبيس إبليس ٤٧-٤٨، والتنبيه والإشراف ١٣٠ و١٣٥، والانتصار ٣٩-٤٣، وبحار الأنوار ٢: ١٥٦، ومقالات الإسلاميّين ٣٠٨، ٣٣٢ و٣٢٧ و٣٣٨ و٣٤٩ و٣٥٠.

w.wright, syriac literature ٢٨-٣٠. burkih, opcit. ٧٠-٧٩.

٢ - السُّمَنيّة مشتقّة من السُّمَن. وهو إمّا اسم مؤسّس هذه الفرقة، أو اسم صنمهم على ما يذهب إليه بعض اللغويّين الإسلاميّين، ظهرت هذه الفرقة بادئ الأمر في الهند، ولعلّ المذهب السمنيّ مستنبط من الأديان الهنديّة أساساً، ويعتقد السمنيّة بقدم العالم وتناسخ الأرواح، وينكرون النظر والاستدلال.

وكانوا يقولون: لا طريق إلى معرفة الأشياء إلاّ الحواسّ الخمس، وكانوا يكثرون في الصين، والهند، وخراسان، وناظر أحد مشاهيرهم المدعو جرير بن حازم الأزديّ المتكلّم المعتزليّ المعروف عمرو بن عُبَيد (٨٠-١٤٤هـ) في البصرة في القرن الثاني الهجريّ (الأغاني ٣: ٢٤)، للتعرّف على عقائد هذه الفرقة، انظر: الفهرست ٣٤٥، ومفاتيح العلوم للخوارزميّ ٢٥ طبعة مصر، والفرق بين الفرق ٣٤٦، وشرح المقاصد ١: ٣٣.


تألُ الفرق الدينيّة جهداً في تأليف الكتب والرسائل للدفاع عن دينها والردّ على عقائد المخالفين، وبلغ اهتمام الناس بهذا الموضوع أنّ كلاًّ منهم كان يظهر وجوده على هذا المسرح بمقدار جهده ونفوذه وفهمه وتفكّره، بدءاً بالحكّام وأركان الحكومة، وانتهاءاً بالكسبة والحرفيّين من الذين كانوا أُولي فهم وإدراك لمثل هذه الموضوعات، وما من أحد إلاّ ورغب في الموضوع المشار إليه.

وكان على المسلمين أن يردّوا على المعترضين بجواب مقنع دامغ من جهة، ويوضّحوا المبادئ الدينيّة توضيحاً تامّاً من خلال التقرير المنطقيّ البيّن وتصنيف الكتب المتقنة من جهة أخرى، وذلك من أجل الدفاع عن مبادئ الدين الإسلاميّ صدّاً لتعرّض المناوئين أو حؤولاً دون التغلغل الفكريّ لبعض حديثي العهد بالإسلام، الذين لم ينسوا عقائد آبائهم الأوّلين مع قبولهم الشريعة المحمّديّة وتظاهرهم بالإسلام، وكانوا يتلمّسون طريقاً للتوفيق بين عقائدهم الباطنيّة والمبادئ الإسلاميّة. والمسلمون إنّما يفعلون ذلك لئلاّ يضلّ الناس من جهة، ولكي يوصد الباب على المغرضين من أهل البدعة والمتظاهرين بالإسلام من جهة أُخرى، وكان هذا الدفاع عملاً ترى عامّة الفرق الإسلاميّة أنّ القيام به واجب دينيّ وتكليف شرعيّ، وعلى الرغم من خلافاتها العامّة في بعض الأُصول والفروع إلاّ أنّها كانت تسهم في هذا الميدان باسم الدفاع عن الإسلام ودحض أهل الخلاف والبدعة، وكان آل نوبخت - كما سنرى - من أعلام الإماميّة في هذا الميدان ينافحون عن المبادئ الإسلامية التي تنسجم مع عقائد الإماميّة بأقلامهم وألسنتهم وأعمالهم، ولمّا كان متكلّمو كلّ فرقة من الفرق الإسلاميّة يومذاك قد دوّنوا عقائدهم منقّحة، وتركوا لأتباعهم عملاً منجزاً، وذلك بعد المناظرات الكثيرة، والبحث والجدل مع الخصوم، والتركيز في العمل، وإكمال المصطلحات، ووضع الحدود والرسوم لكلّ موضوع من الموضوعات الخلافيّة، فإنّ مكانة المتكلّمين من آل نوبخت تستبين جيّداً في تقرير وتدوين المبادئ المذهبيّة للشيعة، وعلى الرغم


من أنّا نأسف إذ لم يصل إلينا من الكتب الكلاميّة لهذه الجماعة إلاّ كتاب أو كتابان - في حدود اطّلاعي - بَيْد أنّها كانت متداولة بين علماء الإماميّة الذين جاؤا بعدهم، وكانت مصدراً للطائفة الإماميّة من أجل كسب العلم والمعرفة.

ونقرأ أنّ عدداً من كبار متكلّمي الشيعة وعلماء الإماميّة كشيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ (٣٨٥-٤٦٠هـ)، والسيّد الأجلّ علم الهدى الشريف المرتضى أبي القاسم عليّ بن الحسين (٣٥٥-٤٣٦هـ)، والشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان (٣٣٦-٤١٣هـ)، وأبي الجيش مظفّر بن محمّد البلخيّ (المتوفّى ٣٦٧هـ)، وأبي الحسين عليّ بن وصيف الناشئ الأصغر (٢٧٠-٣٦٥هـ)، وأبي الحسن محمّد بن بشر السوسنجرديّ، قد أخذوا العلم من أبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ (٢٣٧-٣١١هـ) بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ فقد كان الشيخ الطوسيّ تلميذ الشريف المرتضى، والشريف تلميذ الشيخ المفيد، والشيخ المفيد تلميذ أبي الجيش، وأبو الجيش تلميذ أبي سهل إسماعيل(١) ، وشرح العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّيّ (٦٤٨-٧٢٦هـ) - وهو أحد علماء الإماميّة الكبار - وعبد الحميد بن أبي الحديد (٥٨٦-٦٥٥هـ) - وهو من معتزلة بغداد وأدبائهم ومتكلّميهم العظام، وكان قريباً من الشيعة في كثير من العقائد - الكتاب الكلاميّ المشهور (الياقوت) للشيخ أبي إسحاق النوبختيّ، ونشر فيه آراء المؤلّف مفصّلاً. ونقل الشيخ الصدوق في كتاب كمال الدين فصلاً من كتاب التنبيه لأبي سهل إسماعيل، ويستشهد ابن أبي الحديد، والعلاّمة الحلّيّ، والمجلسيّ في كتبهم بالأقوال الكلاميّة لآل نوبخت.

إنّ ترجمة المتكلّمين النوبختيّين وتعداد مصنّفاتهم والإشارة إلى المسائل الخلاقيّة بينهم وبين مخالفي الإماميّة، كلّ ذلك جعلنا نلتقي بكثير من الموضوعات

____________________

١ - روضات الجنّات: ٣١.


والمصطلحات الكلاميّة، فلابدّ لنا إذن من أن نتحدّث في هذا الفصل قليلاً عن تاريخ ظهور علم الكلام بين المسلمين، وأحوال مشاهير المتكلّمين الأُوَل من الشيعة توضيحاً لهذا الموضوع، وهدفي من هذا التمهيد تثبيت ملاحظات تاريخيّة فحسب؛ إذ أنّ البحث في المسائل الكلاميّة ليس من شأن هذا الكتاب، كما أنّي لا أراني أهلاً للخوض في هذا الموضوع الخطير، من هذا المنطلق أرجو القرّاء الواعين أن يغضّوا الطرف إذا ما وجدوا خبطاً أو خطأً، ولا يؤاخذوني بإساءة الظنّ بي؛ فإنّي أُقرّ بقلّة بضاعتي وقصور باعي.

لم يظهر في عصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّ خلاف يؤدّي إلى الجدال والنزاع وانقسام المسلمين إلى فرق مختلفة، بسبب نفوذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وقدرته المطلقة، وتحمّس المسلمين وشوقهم إلى نشر الشريعة والأحكام الدينيّة، ووجود العنصر العربيّ وحده في المجتمع الإسلامي، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يعالج عامّة المشاكل، وأمره السامي متَّبَع، وطاعته واجبة على كلّ مسلم، وليس لأحد أن يعصيه ويتمرّد عليه، بَيْد أنّه ما إن رحل إلى ربّه حتى نشب الخلاف بين الصحابة حول الإمامة، أي تعيين الخليفة بعده، وهو بعدُ لم يُجهّز، وعلى الرغم من أنّ كبار الصحابة حاولوا أن يحولوا دون هذا الأمر، فلم يتيسّر لهم ذلك، وقد زادت أهميّته على تواتر الأيّام، حتّى غدا من أكبر مواطن الخلاف بين المسلمين.

يضاف إلى الخلاف المحتوم في الإمامة - وهو ما سنتحدّث عنه قريباً - بروز خلافات أخرى أيضاً في فروع الدين والشؤون الدنيويّة، وقد تيسّر رفعها عاجلاً بفضل اقتدار الصحابة، وكان علاج هذا الضرب من الخلافات يومئذٍ يتحقّق بالاستشهاد بالآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، فإذا ما نقل الصحابيّ حديثاً نبويّاً، أو روى ما سمعه من النبيّ أو رآه منه في موضوع خلافيّ معيّن، فليس لأحد أن يماري؛ لأنّ عامّة المسلمين كانوا يفكّرون بنسقٍ واحد، ولم يفتح أمامهم طريق الشبهة والتفكير في المسائل الدينيّة لمحدوديّتهم بالعنصر العربيّ، ومعرفتهم التامّة


بدقائق اللغة العربيّة ورموزها وبالأُسلوب القرآني، وعدم اطّلاعهم على طريقة التفكير عند غير العرب، وعدم اختلاطهم بالمتحضّرين من سائر الأقطار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نهى الصحابة بشدّة عن تأويل الآيات المتشابهة والتفسير بالرّأي، بخاصّة أنّ المسلمين كانوا مشغولين في الجهاد والفتوحات وإدخال الناس في الإسلام، ولم يستتبّ الهدوء في المجتمع الإسلاميّ يومئذٍ فيكون المجال مفسوحاً لمثل هذا اللون من النقاش والتفكير؛ لذلك كان معظم الخلافات يطرأ في حقل فروع الدين والعبادات والمعاملات، ويتيسّر علاجه بالرجوع إلى الصحابة والاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبويّة.

وظهر الشعور بالحاجة إلى تعريف الإيمان والإسلام تعريفاً تامّاً في عصر أبي بكر، بعد ارتداد عدد كبير من سكّان الجزيرة العربيّة وظهور المتنبّئين وذلك لتمييز المسلمين الحقيقيّين من المرتدّين والذين تمرّدوا على الأحكام الإسلاميّة، فتستبين المبادئ التي إذا اتّبعها الإنسان كان مؤمناً ومسلماً حقيقيّاً، وإذا خالفها واجترح السيّئات كان في عداد المرتدّين والكفّار، واكتسبت هذه المسألة أهمّيّة فائقة فأوجدت التفرقة والانقسام بين المسلمين بعد سلسلة من الأعمال المشينة التي مارسها عثمان، وبعد قتال طلحة والزبير وعائشة أميرَ المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وظهور الخوارج، وحكومة معاوية غير الشرعيّة، وتحرّكاته المشاكسة.

وانقسم المسلمون بعد مقتلِ عثمان ومبايعةِ أكثر الناس عليَّ بن أبي طالبعليه‌السلام (٣٥هـ) إلى ثلاث فرق هي:

١ - فرقة ثبتت على ولاية أمير المؤمنينعليه‌السلام ممتثلة أوامره.

٢ - فرقة اختارت الحياد واعتزلت، وعدد أفرادها ضئيل جدّاً.

وهؤلاء لم ينصروا الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام في حروبه، ولم يخذلوا مناوئيه.

واعتزلوا (الفتنة) على حدّ تعبيرهم فسُمّوا المعتزلة، وينبغي ألاّ نحسب هذه الفرقة الضئيلة المحايدة فرقة كبيرة كسائر الفرق التي ظهرت فيما بعد، ومن أفراد هذه


الفرقة: سعد بن أبي وقّاص، وعبد الله بن عمر بن الخطّاب، ومحمّد بن مسلمة الأنصاريّ، وأُسامة بن زيد بن الحارث الكلبيّ، والأحنف بن قيس، وغيرهم.

٣ - فرقة تمرّدت على الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام مطالبة بدم عثمان، وتعرف هذه الفرقة بالعثمانيّة. وترأسها طلحة والزبير وعائشة بنت أبي بكر زوجة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد قضى عليهم الإمامعليه‌السلام في واقعة الجمل سنة ٣٦هـ، فقُتل طلحة والزبير، وفرّ الباقون من أعوانهم، والتحقت جماعة منهم بمعاوية، وناوؤا أمير المؤمنينعليه‌السلام مع أهل الشام، ونصبوا معاوية إماماً لهم، فنشبت حرب صِفّين سنة ٣٧هـ، وانتهت بالتحكيم كما نعلم، وبعد إعلان نتيجة التحكيم مرقت جماعة من أصحاب الإمام كانوا على بيعته فخطّأوا قبول التحكيم، ونقضوا بيعة الإمام وخرجوا عليه، ومع أنّ خلقاً كثيراً قُتل منهم في وقعة النهروان (سنة ٣٩هـ) لكنّهم لم يتركوا عقائدهم، وزاد عددهم على كرور الأيّام حتّى أصبحوا فرقة كبيرة في مقابل أهل السنّة والجماعة والشيعة، ومن ثَمَّ أثاروا المتاعب للمسلمين، وتفرّعت منهم فرق عديدة.

وعندما استشهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام (سنة ٤٠هـ) كانت هناك فرقة صغيرة هم الشيعة الذين كانوا يؤمنون بإمامة الإمام وخلافته بعد النبيّ الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانوا يَرَون أنّ حقّ الخلافة لآل عليّعليه‌السلام ، يضاف إلى ذلك أنّ سائر المسلمين وأتباع طلحة والزبير وعائشة قد اتّحدوا مع أصحاب معاوية الذين كانوا يؤلّفون السواد الأعظم من المسلمين، فعُرفوا بالمرجئة، وضمّت هذه الفرقة أصحاب البلاط والمقتاتين على فُتات مائدة معاوية، وأنصار الغالب، أعني من التفّ حول معاوية، وكانت عقيدتهم أنّ أهل القبلة جميعهم مؤمنون ما أقرّوا بالشهادتين ظاهراً، وأنّ ارتكاب الخطيئة لا يضرّ الإيمان كما أنّ الكفر لا يزول بالطاعة، ولا يحقّ لأحد أن يحكم على أهل الكبائر بأنّهم في النار أو في الجنّة، وإنّما ينبغي تأجيل حكمه إلى يوم القيامة، وإرجاء عذابه إلى ذلك اليوم.

إنّ عقيدة المرجئة في الإمام الذي يخلف الرسول هي أنّه إذا اختير شخص


للإمامة بالإجماع، فإنّ كلامه نافذ، وأمره مفترض الطاعة، ولا تشترط عصمته من الخطأ، وكانت هذه العقيدة في مصلحة معاوية والحكّام الأمويّين بعده تماماً، ولهذا السبب يقال للمرجئة فرقة الأمويّين الحكوميّة، ولمّا كان الشيعة والخوارج ممتعضين شديد الامتعاض من الأمويّين لممارساتهم المشينة وإقحامهم النصارى في الأعمال، فإنّ المرجئة دعمت بني أميّة، وكان لها شأنها أيّام تسلّطهم، وما إن ألوى بهم الدهر حتّى فقدت مكانتها، وكان أبو حنيفة النعمان بن ثابت من أعضاء هذه الفرقة في العراق، وهو الذي ابتدع المذهب الحنفيّ أحد المذاهب السنّيّة الأربعة.

المعتزلة

نشط التفكير في أصول المذهب، وإثارة الشبهات، وتأويل الآيات القرآنيّة تدريجاً في أواسط العصر الأمويّ من قبل جماعة من المسلمين غير العرب، أو من قبل الأشخاص الذين عاشروا الأُمم الأجنبيّة الكافرة وأخذوا منهم بعض الآراء والعقائد، وكان موضوع القضاء والقدر والجبر والتفويض هو الموضوع المهمّ جدّاً الذي توجّهت إليه الأنظار، وظهرت أوّل شبهة في هذا الميدان أيّام حكومة عبد الملك بن مروان (٦٥-٨٦هـ)، وكان معبد بن عبد الله الجُهَنيّ هو الذي أثارها، إذ عارض المجبّرة أو الجبريّة وأتى بكلام يخالف فيه عقيدة أهل الجبر.

وكان المجبّرة يقولون إنّ العبد غير قادر على أيّ فعل، بل هو مجبور ومقهور على ذلك، والله هو الذي يُحدث الفعل عند ظهوره من العبد، ونسبة أفعال الخير والشرّ إلى الناس نسبة مجازيّة، وكما نقول مجازاً: يجري النهر وتدور الرَّحى، فكذلك ننسب الفعل إلى الإنسان عن طريق المجاز، وكانوا يُؤوّلون بعض الآيات القرآنيّة لإثبات دعواهم.

وأنكر معبد الجهنيّ الّذي أخذ عقيدته من رجل فارسيّ يُدعى سنبويه نسبة


أفعال الخير والشرّ إلى القضاء والقدر، وقال: إنّ الإنسان قادر تماماً قبل أن يَصدُر منه الفعل، وهو مختار مستطيع في أفعاله، وقد فوّض الله إليه فعله، وهذا هو الذي يُدعى بالتفويض.

وعُرف أتباع معبد الجهنيّ بالقَدَريّة، بَيد أنّ المعتزلة الذين أقرّوا برأي معبد فيما بعد تبرّأوا من هذا اللقب وكانوا يقولون: لمّا كنّا ننكر القدر ونخطّئ نسبته إلى الله تعالى، فينبغي أن يُدعى مخالفونا بهذا الاسم، وهم الجبريّة الذين يعتقدون بالقضاء والقدر، ولكنّ الجبريّة أبَوا ذلك، وكلتا الفرقتين المتخالفتين كانت تبرأ بشدّة من الاشتهار بهذه الصفة؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعن القَدَريّة وقال:« القَدَريَّةُ مَجُوسُ هذِهِ الأُمَّةِ » (١) .

قيل: إنّ معبد الجهنيّ قتل في البصرة على يد الحجّاج بن يوسف الثقفيّ سنة ٨٠هـ، وقيل: بل قتله عبد الملك بن مروان في دمشق.

وجاهرَ بهذه العقيدة أيضاً رجال آخرون غير معبد الجهنيّ، منهم غيلان الدمشقيّ، ويونس الأسواريّ، والجَعد بن دِرهَم، وأوَّلَ هؤلاء بعض الآيات القرآنيّة لتأييد رأيهم بزعمهم، ولكن هذه المقالة الجديدة لم تكن لتقبل بسرعة دون اعتراض أصحاب الحديث والسنّة؛ من هذا المنطلق تبرّأ منهم عدد من الصحابة الذين كانوا أحياء يومئذٍ، وأوصوا أخلافهم أن لا يسلّموا على القدريّة، ولا يصلّوا على موتاهم، ولا يعودوا مرضاهم(٢) .

وقُتِل غيلان الدمشقيّ على يد هشام بن عبد الملك (١٠٥-١٢٥هـ)، كما قُتِل الجعد بن درهم على يد خالد بن عبد الله القَسْريّ والي العراق وخراسان (المقتول سنة ١٢٦هـ)، لكنّ عقائدهما لم تندثر، وكان عدد أتباعهما يزداد على كرور الأيّام بخاصّة عندما تبنّى أبو حُذَيفة واصل بن عطاء (٨٠-١٣١هـ) تلميذ الحسن بن يسار

____________________

١ - كنز الفوائد ٤٩.

٢ - الفرق بين الفِرَق ١٥.


البصريّ (٢١-١١٠هـ) - وهو من الموالي الفرس - آراء معبد وغيلان، فأوجد حركة كبيرة في العالم الإسلامي يومئذٍ.

وعندما كان الحسن البصريّ مشغولاً بالتعليم والوعظ في البصرة، وكان الناس يستفيدون كثيراً من فصاحته وعلمه ومواعظه في ذمّ الدنيا، وضرورة الاعتبار بها، وقد توجّه إليه جماعة كثيرة من المسلمين لزهده وتقواه، ثارت فرقة من الخوارج يعرفون بالأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق على الأمويّين بزعامة قُطَريّ بن الفُجاءة.

ولقّب قُطريّ نفسه: أمير المؤمنين، فانشغل بجمع الخوارج الأزارقة وحرّضهم على بني أميّة، واستولى على الأهواز، وحدثت اشتباكات بينه وبين ولاة الأمويّين حوالي البصرة ونهر الكارون، ثمّ أُجلي عنها من قبل المهلّبِ بن أبي صُفرَة في أوائل حكومة الحجّاج بن يوسف الثقفيّ على العراقَين.

ونشب خلاف شديد بين المسلمين أيّام فتنة الأزارقة حول حكم المذنبين.

ولكلّ فرقة منهم رأي في هذا الموضوع:

١ - كان الأزارقة يقولون إنّ مَن ارتكب ذنباً من المسلمين وغيرهم مشرك يجب قتله وقتل أطفاله ونسائه، سواء كان ذنبه صغيراً أم كبيراً.

٢ - كانت فرقة أُخرى من الخوارج تدعى الصفريّة، ترى رأي الأزارقة في مرتكبي الذنوب، إلاّ أنّها لم تجوّز قتل الأطفال.

٣ - كان النَّجدات، وهم فرقة من الخوارج، يقولون: إذا رتكب أحد ذنباً حرمته ثابتة، وأجمع عامّة المسلمين على ذلك، فهو مشرك، ولكنّه إذا ارتكب ذنباً لم يجمع المسلمون على حرمته، كأن يقال مثلاً إنّه لم يعلم بحرمته، فلا بدّ من الامتناع عن الحكم عليه ما لم يحصل الدليل والحجّة القاطعة، ويفوَّض أمره إلى الفقهاء.

٤ - كان المرجئة وأكثر علماء التابعين يرون أنّ مرتكب الكبيرة مؤمن مادام يقرّ بالأنبياء والكتب السماويّة وحقّانيّة الأحكام الإلهيّة، ولكنّه يعدّ فاسقاً لارتكابه الكبيرة، والفسق لا يغاير الإيمان والإسلام.


٥ - كان الحسن البصريّ وأتباعه يذهبون إلى أنّ مرتكب الكبيرة منافق، والمنافق أسوأ من الكافر الذي يظهر كفره أضعاف المرّات.

أمّا واصل بن عطاء فإنّه رفض هذه الآراء التي حكم أصحابها بكفر المذنبين وشركهم أو بإيمانهم وإسلامهم، وجاء برأي وسط بين الاثنين، فقال: إنّ مرتكب الكبيرة لا كافر ولا مؤمن، بل هو في منزلة بين المنزلتين؛ لأنّ الإيمان عبارة عن مجموعة من الخصال الصالحة إذا اجتمعت في رجل فهو مؤمن، وإذا لم تجتمع فهو فاسق ولا يمكن أن يسمّى مؤمناً، ولكن لمّا كانت فيه خصال صالحة أُخرى، وهو لا ينكر الشهادتين، فلا يصحّ إنكار هذه الصفات، وإطلاق اسم الكافر عليه، وإنّ مرتكب الكبيرة في الحقيقة خارج عن صفّ الكفّار والمؤمنين معتزل إيّاهم، ولا يحسب على أحد منهم، بَيْد أنّ مرتكب الكبيرة إذا خرج من الدنيا بلا توبة فهو في الآخرة من أهل جهنّم، ذلك أنّ الناس يومئذٍ فريقان: إمّا في السعير وإمّا في الجنّة، مع فارقِ أنّ عذابه سيخفّف، ومستقرّه خير من مستقرّ الكفّار.

وعُرفت عقيدة واصل بن عطاء، منذ ذلك التاريخ، بالمنزلة بين المنزلتين وبالاعتزال كما عرُف أتباعه بأهل الاعتزال أو المعتزلة، ولمّا أظهر هذه العقيدة، طرده الحسن البصريّ من درسه، وأفلح واصل في استمالة تلميذ آخر من تلاميذ الحسن إليه، هو عمرو بن عُبَيد بن باب (٨٠-١٤٤هـ) الّذي كان من الموالي الفرس أيضاً، فتعاون الاثنان على تأسيس فرقة المعتزلة الكبيرة.

وقد طرح واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد آراء خاصّة في التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد ماعدا عقيدتهما في التفويض، والاعتزال، وإنكار القدر، وأُقرّت عقائدهما في هذه المسائل من قبل عامّة المعتزلة، وعلى الرغم من بروز بعض الخلافات بين أفراد هذه الفرقة في الفروع ممّا أدّى إلى انقسامها إلى فرق معقّدة، بَيْد أنّ أُصول العقائد التي وضعها واصل وعمرو، وعرفت بالأُصول الخمسة، ظلّت


محفوظة، ولا يستحقّ أحد اسم الاعتزال حتّى يجمع القول بالأُصول الخمسة(١) .

وهذه الأصول هي:

١ - التوحيد: (إنّ الله عزّ وجلّ ليس بجسم ولا عَرَض ولا عنصر ولا جزء ولا جوهر، بل هو الخالق للجسم والعرض والعنصر والجزء والجوهر، وإنّ شيئاً من الحواسّ لا يدركه في الدنيا، ولا في الآخرة، وإنّه لا يحصره المكان، ولا تحويه الأقطار بل هو الّذي لم يزل ولا له زمان ولا مكان ولا نهاية ولا حدّ، وإنّه الخالق للأشياء المبدع لها لا من شيء، وإنّه القديم، وإنّ ما سواه حادث).

٢ - العدل: (إنّ الله لا يحبّ الفساد، ولا يخلق أفعال العباد، بل يفعلون ما أُمروا به ونُهوا عنه بالقدرة الّتي جعلها الله لهم وركّبها فيهم، وإنّه لم يأمر إلاّ بما أراد ولم يَنْهَ إلاّ عمّا كرِه، وإنّه وليّ كلّ حسنة أمر بها، بريء من كلّ سيّئة نهى عنها، لم يكلّفهم ما لا يطيقونه، ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه، وإنّ أحداً لا يقدر على قبض ولا بسط إلاّ بقدرة الله التي أعطاهم إيّاها، وهو المالك لها دونهم، يفنيها إذا شاء، ويبقيها إذا شاء. ولو شاء لجبر الخلق على طاعته، ومنعهم اضطراريّاً عن معصيته ولكان على ذلك قادراً، غير أنّه لا يفعل إذ كان في ذلك رفع للمحنة وإزالة البلوى)، وعرف المعتزلة بأهل التوحيد والعدل، لإصرارهم على تعريفهما وتقريرهما ومناظرتِهِم المجسِّمةَ والمشبِّهة والمجبِّرة وغيرهم في هذا الموضوع.

٣ - الوعد والوعيد: (إن الله لا يَغفر لمرتكب الكبائر إلاّ بالتوبة، وإنّه لَصادق في وعده ووعيده، لا مبدّل لكلماته).

٤ - المنزلة بين المنزلتين: مرّ شرحه.

٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (أمّا القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أنّ ما ذُكر على سائر المؤمنين واجب، على حسب

____________________

١ - الانتصار ١٢٦.


استطاعتهم في ذلك، بالسيف فما دونه، وإن كان كالجهاد، ولا فرق بين مجاهدة الكافر والفاسق)(١) .

وجاء بعد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد تلاميذهما وأتباعهما، كأبي الهُذيل محمّد بن الهُذَيل العَلاّف (١٣١-٢٣٥هـ)، وأبي سهل بِشر بن المعتمر (المتوفّى سنة ٢١٠هـ)، وأبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام (المتوفّى بين ٢٢١ و٢٣١هـ)، وثُمامة بن الأشرس (عاصر هارون والمأمون)، وهِشام بن عمرو الفُوَطيّ (كان معاصراً للمأمون)، وأبي الحسين عبد الرحيم بن محمّد الخيّاط (النصف الثاني من القرن الثالث)، وأبي موسى عيسى بن صبيح المردار (من معاصري بِشر بن المعتمر)، وأبي محمّد جعفر بن مُبشِّر (المتوفّى سنة ٢٣٤هـ)، وأبي الفضل جعفر بن حرب (المتوفّى سنة ٢٣٦هـ)، وأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى سنة ٢٥٥هـ)، فنشروا الأُصول الخمسة المذكورة في مركزَيهم المهمَّين: البصرة وبغداد، بعد شرحها وتفصيلها، وعلى الرغم من خلافاتهم الكثيرة مع شيوخهم الأُوَل، وخلافاتهم فيما بينهم، لكنّهم عُرفوا جميعاً بالمعتزلة في مقابل الفرق الإسلاميّة الأُخرى، ومخالفيهم غير المسلمين، ودافع كلّهم عن الأصول الخمسة، مع فوارق طفيفة تقرّبهم إلى الشيعة تارة، وإلى أصحاب السنّة والمرجئة تارة أخرى.

وعندما أظهر واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد الأصولَ المذكورة في أيّام حكومة يزيد بن الوليد بن عبد الملك (سنة ١٢٦هـ)، فإنّ هذا الحاكم الأمويّ تبنّى عقائدهما، فالتفّ حوله المعتزلة، وفضّلوه في الدين على سائر الأُمويّين بما فيهم عمر بن عبد العزيز، وكان يزيد أوّل حاكم انحاز إلى المعتزلة، ثمّ سار سيرته عدد من الحكّام العبّاسيّين أيضاً.

____________________

١ - مروج الذهب ٦: ٢٣.


علم الكلام

شاعت بين المسلمين أفكار أجنبيّة وأساليب جديدة في الفكر والاستدلال بعد تأسيس الحكومة العبّاسيّة والاهتمام بترجمة كتب الشعوب غير العربيّة وانتشار الكتب اليونانيّة في الفلسفة والمنطق، وبثّ المقالات الدينيّة للأُمم غير المسلمة.

وتعاظم نفوذ تلك الأفكار والأساليب في هذا العصر تدريجاً، وكانت قد برزت في أواخر العصر الأُمويّ بمعاشرة المسلمين للأُمم غير المسلمة ومناظرتهم إيّاهم، فاستحرّ الخلاف بين الفرق الإسلاميّة أكثر من ذي قبل.

ونلحظ أنّ كتب ماني، ومرقيون، وابن ديصان قد انتشرت بين الناس إبّان حكومة المهديّ العبّاسيّ (١٥٨-١٦٩هـ)، وصنّف بعض الزنادقة عدداً من الكتب في تأييد المذهب المانويّ، والمرقيونيّ، والديصانيّ، ومن هؤلاء: عبد الكريم بن أبي العوجاء، وحمّاد عَجرد، ويحيى بن زياد، ومُطِيع بن إياس(١) ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان عدد من المسلمين الذين درسوا الفلسفة اليونانيّة واشتغلوا بالبحث والاستدلال في أصل كلّ شيء ومبدئه قد تحدّثوا في ذات الباري تعالى وصفاته، وذهبوا إلى ضرورة النظر والاستدلال واتّباع الفلاسفة المتميّزين بشدّة الذكاء واتّقاد الفكر، وذلك بغية التخلّص من عار العامّيّة وتقليد الأسلاف والتوقّف عند ظواهر الشرع(٢) .

إنّ الأحكام الشرعيّة في الإسلام بعامّة، إمّا أن ترتبط بالعمل والطاعة، أو بالمعرفة والاعتقاد، وتسمّى الأُولى: الأحكام الفرعيّة أو العمليّة، وتُدعى الثانية: الأحكام الأصليّة أو الاعتقاديّة، ويعدّ البحث في مسائل العبادات والأحكام العمليّة من الفروع، والبحث في الاعتقادات والمعرفة من الأُصول، ومن بحث في

____________________

١ - مروج الذهب ٨: ٢٩٣.

٢ - تلبيس إبليس ٥٢ و٨٧.


المعرفة والتوحيد فهو أُصوليّ، أمّا من بحث في الطاعة والشريعة فهو فروعيّ(١) .

وكان المسلمون بادئ الأمر في غنىً عن تدوين أحكام الشرع وتنظيمها فصولاً وأبواباً وتقسيمها فروعاً وأُصولاً، بفضل سماع الأخبار من صاحب الشريعة، إذ كانوا يستهدون بوجوده، وكذلك بسبب قلّة الخلافات، وسهولة الرجوع إلى الصحابه والثقاة لقربهم من عصر البعثة، إلى أن ظهر اختلاف الآراء والميل إلى البِدع، وإبداء الآراء الظاهرة المختلفة وعرض الفتاوى المتنوّعة، فمسّت الحاجة إلى زيادة نظر والتفات إلى تدوين الأحكام الشرعيّة وتقريرها، وطفق أُولو الاستدلال والنظر يستنبطون الأحكام ويبذلون الجهود في تحقيق العقائد الدينيّة وتمهيد أُصولها وقوانينها وحججها وبراهينها، وتدوين المسائل بأدلّتها، والشُّبَه بأجوبتها. وسمّي العلم الحاصل عبر هذا الطريق: الفقه. وعُرف القسم المرتبط بالاعتقادات منه بالفقه الأكبر، وأُطلق على الأحكام العمليّة غالباً: الفقه، وعلى الاعتقادات: علم التوحيد والصفات؛ لأنّ أشهر مباحثه وأسماها هو مبحث التوحيد والصفات، وسمّي هذا العلم أيضاً: علم الكلام؛ لأنّ مباحثه كانت مصدّرة بقولهم: (كلام في ذكر المبحث الفلانيّ أو في ذكر فلان). والكلام هنا يعني الشرح والبيان والاستدلال العقليّ(٢) ، يضاف إلى ذلك أنّ أشهر الموضوعات الخلافيّة في هذا العلم الجديد هو البحث في كلام الله، هل هو قديم أم حادث، فكان علماء الكلام يقولون: إنّ علم الكلام يجعل المرء قادراً على تحقيق الشرعيّات كما أنّ علم المنطق يزيد قدرته في تحقيق الفلسفيّات، ناهيك عن أنّ الحاجة إلى الكلام في البحث في الشرعيّات وردّ المخالفين هي أكثر من الحاجة إلى أيّ شيء آخر، كما أنّ الاستدلال في هذا المقام يبدو مقتصراً على الكلام. وكان يسمّى أقوى الكلامين

____________________

١ - الملل والنحل ٢٨ وشرح المقاصد للتفتازانيّ ٦.

٢ - انظر: كتاب الانتصار ٧ للوقوف على أدلّة هذا الموضوع.


وأثبتهما كلاماً بنحو مطلق(١) .

ونضج علم الكلام عند المسلمين في الفترة الممتدّة بين عصر المهديّ وعصر المأمون (١٥٨-٢١٨هـ)؛ إذ إنّ المهدي عندما رأى انتشار مقالات أتباع ماني، ومرقيون، وابن ديصان، حثّ أهل الجدل والبحث على تصنيف الكتب في دحض عقائدهم وإقامة البراهين على نقض شبهاتهم، وتوضيح الحقّ لضعاف الإيمان، وذوي الشكّ والتردّد(٢) . وكان المأمون يجالس أهل الكلام وهو الذي لم يُخْفِ تعلّقه بعقائد المعتزلة، وكان يدعو أرباب الجدل والمناظرة إلى بلاطه، كما كان يشجّع الناس على تعلّم آداب البحث والمجادلة وصنعة الاستدلال(٣) .

إنّ علم الكلام، في اصطلاح الواضعين له، هو العلم الذي يبحث فيه عن ذات الله تعالى وصفاته، وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام، وهذا القيد الأخير هو الذي يتناوله الفلاسفة ويميّزه عن علم الكلام(٤) . لإخراج العلم الإلهيّ، وكان مَن يشتغل بهذا العلم يقال له: متكلّم.

إنّ ظهور علم الكلام الّذي ينبغي أن نعدّ بدايته مع بزوغ نجم المتكلّمين المعتزلة، بخاصّة أبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام المولع بفلسفة اليونان، حمل الفقهاء من أصحاب الحديث والسنّة على مناوءته بشدّة، وكان هؤلاء يقولون إنّ مناظرات المتكلّمين تنتهي آخر المطاف بالشكّ والإلحاد والخروج عن الإسلام؛ لذلك يجب الاحتراز بقوّة عن الاشتغال في الكلام، كما يجب الرجوع إلى القرآن والسنّة النبويّة في أمر الإيمان، وكان الشافعيّ يقول: لو أنّ عبداً ارتكب عامّة النواهي ما عدا الشرك لكان خيراً له من النظر في الكلام. وكان أحمد بن حنبل يعدّ

____________________

١ - شرح المقاصد ٦.

٢ - مروج الذهب ٨: ٢٩٣.

٣ - نفسه ٢٩٥.

٤ - التعريفات للجرجانيّ ٨٠.


علماء الكلام زنادقة، ولا يرى أنّ المشتغلين في الكلام من أهل الفلاح(١) .

١ - كان مخالفو أهل الكلام - أي أصحاب الحديث والسنّة - يقولون: حَسْبُ المسلمين في الهداية إلى الإيمان ودفع الضلال ما واصل إليهم عن الآباء والأسلاف بطريق النقل، وينبغي أن تتيسّر معرفة الاعتقادات بالأدلّة السمعيّة، أي الأدلّة الّتي استخرجها السابقون من القرآن والأحاديث النبويّة وأوصلوها إلينا، يضاف إلى ذلك أنّ إجماع المسلمين أيضاً حجّة في كلّ أمر، وتجب طاعته و اتّباعه، وكان هؤلاء يرون عدم الاستعانة بالعقل في أُصول الدين والبحث فيها؛ إذ أنّ العقل قاصر عن فهم هذه المسائل، ولابدّ من الإقرار بأحكام الدين كما وصلنا لا نزيد فيها ولا ننقص شيئاً، وينبغي الاحتراز - عند الحديث عن صفات الله - عن ذكر الكيفيّة، وتشبيه ذاته المقدّسة بالأشياء، وعلى الرغم من هذا النهي الشديد نجد أنّ فريقاً من المتكلّمين يستخدم في تأويل الآيات القرآنيّة وبيان ذات الله تعالى وصفاته كلمات تشمّ منها رائحة التشبيه والتجسيم، وهذا الفريق الذي عُرف بالمشبّهة والمجسّمة لم يسلم من سخط عامّة المسلمين وأُولي النظر والاستدلال، ذلك أنّ هؤلاء كانوا يذهبون إلى أنّ الله لا يشبه عباده في أيّ صفة من صفاته، وكلّ صفة موجودة فيه تخالف مثلها في الإنسان. على سبيل المثال، يختلف علم الله وقدرته وإرادته عن علم الإنسان وقدرته وإرادته، ويقال لهؤلاء: أهل التنزيه.

٢ - فتح المعتزلة باب الاستدلال العقليّ في المناظرات الأصوليّة على عكس أصحاب السنّة والحديث، وذهبوا إلى أنّ الأدلّة العقليّة أو اليقينيّة ضروريّة لمعرفة الاعتقادات، ومن هذا المنطلق رفضوا إثبات الصفات بوصفه مخالفاً للتوحيد، كما رفضوا الاعتقاد بوصفه مغايراً للعدل، ودوّنوا أُصول عقائدهم بالنظر والاستدلال.

____________________

١ - تلبيس إبليس ٨٨.


٣ - ظهرت فرقة أُخرى بين الزّهاد والعبّاد والمعرضين عن الدنيا، في مقابل أنصار الأدلّة النقليّة والعقليّة. وكان أُسلوبها في معرفة ذات الباري تعالى تصفية الباطن وتزكية النفس، عن طريق الرياضات(١) والمجاهدات(٢) ، وكانت ترى أنّ أداة ذلك الخطرات(٣) ، والوساوس(٤) ،(٥) ، وتتلخّص عقيدة هذه الفرقة المعروفة بأهل الكشف أو المتصوّفة في مراعاة أربعة أُصول، هي: رياضة النفس، ومجاهدة الطبع، ومنعه من الأخلاق الرذيلة، ودفعه إلى الأخلاق الحميدة كالزهد، والحلم، والصبر، والإخلاص، والصدق، وهي التي مَن فاز بها حَسُن ذكره في الدنيا، وأدرك ثواب الآخرة(٦) .

وفي البدء كان معظم المسلمين يراعون هذه الأُصول، وإذا زعم المتصوّفة أنّهم أوّل من عرف الله بالرياضة والمراقبة والتفكّر، فإنّ مقالاتهم التي انتشرت عنهم، واعتقادهم بالحلول ووحدة الوجود، ورغبتهم في السماع والرقص وغيرهما ممّا تغلغل بينهم، كلّ ذلك دفع جماعة من العلماء والمتكلّمين إلى ردّ

____________________

١ - الرياضة عبارة عن تهذيب الأخلاق النفسيّة، فإنّ تهذيبها عن خلطات الطبع ونزعاته، (التعريفات للجرجانيّ ٥٠، اصطلاحات الفتوحات المكّيّة ملحق الكتاب ١١٧).

٢ - المجاهدة حمل النفس على المشاقّ البدنيّة ومخالفة الهوى على كلّ حال، (التعريفات ٨١. اصطلاحات الفتوحات المكّيّة ١١٧).

٣ - الخطرات والخاطرات والخواطر جمع الخَطْرَة والخاطرة والخاطر: ما يرد على القلب من الخطاب أو الوارد الّذي لا عمل للعبد فيه، وما كان خطاباً فهو أربعة أقسام: ربّانيّ وهو أوّل الخواطر، وهو لا يخطئ أبداً، وقد يعرف بالقوّة والتسلّط وعدم الاندفاع، وملكيّ: وهو الباعث على مندوب أو مفروض، ويسمّى: إلهاماً، ونفسانيّ: وهو ما فيه حظّ النفس ويسمّى هاجساً، وشيطانيّ: وهو ما يدعو إلى مخالفة الحقّ وارتكاب الفحشاء والمعاصي (التعريفات ٤٣، واصطلاحات الصوفيّة ١٥٧).

٤ - الوسوسة: الكلام الخفيّ الذي يصل مفهومه إلى القلب من غير سماع، (مجمع البحرين ٣٥٢).

٥ - تلبيس إبليس ١٧٤، الفهرست ١٨٣، معجم الأُدباء ٢: ٢٧٩.

٦ - تلبيس إبليس ١٧٣، أوّل من أشتغل في علم الكلام ببغداد على مذاق المتصوّفة أبو حمزة محمّد بن إبراهيم الصوفيّ (المتوفّى سنة ٢٦٩هـ) تاريخ بغداد ١: ٣٩٣.


عقائدهم، فتمهّدت الأرضيّة في كثير من المدائن الإسلاميّة لإيذائهم.

وبلغ المعتزلة ذروة عزّهم واقتدارهم في الفترة الواقعة بين حكم المأمون وحكم المتوكّل (١٩٨-٢٣٢هـ)، ذلك أنّ المأمون كان عارفاً بعلم الكلام، ومن محبّي البحث والجدل في المسائل الدينيّة، وكانت له صداقة عامّة مع المعتزلة. ونُقل عنه دعوته المتكلّمين من مناطق مختلفة إلى بغداد وحثّهم على المناظرات في المسائل الاعتقاديّة، كما طلب كتب الفلسفة اليونانيّة من الخارج وشجّع المترجمين على ترجمتها وشرحها، وكان يُمضي معظم أوقاته مع أبي إسحاق إبراهيم بن سيّار النظّام، وأبي الهُذيل العَلاّف، وثُمامة بن الأشرس، وأبي عبد الله أحمد بن أبي دوْاد الإياديّ (المتوفّى سنة ٢٤٠هـ)، وهم من رؤساء المعتزلة الكبار. وهذا ما جعله يتعلّق بالمعتزلة تعلّقاً قلبيّاً، ويناصر عقائدهم بسبب تلك المعاشرة، لكنّه لم يُبدِ تعصّباً يذكر في هذا المجال، بل كان يرغب كثيراً في أن يتناظر متكلّمو الفرق المختلفة فيما بينهم ويثبتوا حقّانيّة عقائدهم بإقامة البرهان والحجّة، وهو نفسه كان يقول: غلبة الحجّة أحبّ إليّ من غلبة القدرة؛ لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجّة لا يُزيلها شيء(١) .

وقيل: إنّ المأمون ركن إلى الاعتزال بواسطة ثُمامة بن الأشرس(٢) ، وقرّب إليه أحمد بن أبي دوْاد الذي كان في عداد الشعراء والمتكلّمين والفصحاء أُولي الشأن، وفوّض إليه القضاء، وكان يحترمه احتراماً بالغاً حتّى إنّه أوصى أخاه المعتصم أن يستشيره في أُموره جميعاً، ولا يختار وزيراً غيره.

وكان أحمد بن أبي دوْاد من تلاميذ واصل من عطاء، وساعد نفوذه في حكومة المأمون، وميل المأمون إلى الاعتزال على أن يمسك المعتزلة بزمام الأُمور تقريباً.

____________________

١ - تاريخ بغداد للخطيب البغداديّ ١٠: ١٨٦.

٢ - الفرق بين الفرق ١٥٧.


وحاولت هذه الفرقة أن تستغلّ منصب أحمد بن أبي دوْاد القاضي، وميل المأمون إلى عقائدها فتفرض أفكارها على مخالفيها بواسطة العامِلين في الجهاز الحكوميّ. واستمرّ هذا الوضع من سنة ٢١٨ إلى سنة ٢٣٢هـ حيث جلوس المتوكّل على العرش.

الاعتقاد بخلق القرآن

أصدر المأمون في ربيع الأوّل سنة ٢١٨هـ أمراً إلى شرطته بامتحان القضاة والمحدّثين - وهو ما كان يعرف بالمحنة -، وذلك بمؤازرة أحمد بن أبي دوْاد ومستشاريه الآخرين من المعتزلة، فمن قال منهم بخلق القرآن أُقرّ على عمله، وقُبلت شهادته، ومن خالف هذه العقيدة فلا تقبل شهادته وحكمه، وكتب المأمون وابن أبي دوْاد رسائل عديدة إلى الأمصار الخاضعة للحكم العبّاسيّ في تنفيذ هذا الحكم، وأكّدا ذلك كثيراً.

وكان هناك خلاف عامّ بين الفرق الإسلاميّة في القرآن، ففي حين كانوا يتّفقون على أنّ الله تعالى متكلّم، أي متّصف بصفة الكلام كانوا يختلفون في معنى الكلام وحدوثه وقِدَمه؛ إذ أنّ لكلّ منهم رأيه الخاصّ في هذا الموضوع؛ فأصحاب الحديث والسنّة يَرَون أنّ كلام الله قديم وأزليّ وليس مخلوقاً، وعلى الرغم من أنّ الإمام أحمد بن حنبل المروزيّ (١٦٤-٢٤١هـ) إمام أهل الحديث في عصر المأمون والمعتصم والواثق يذهب إلى ما ذهبت إليه المعتزلة والشيعة أنّ كلام الله حروف وأصوات تركّب بعضها على بعض للإفهام، بَيْد أنّه كان يقول أيضاً إنّ هذا التركيب من الحروف والأصوات ثابت في عالم الأزل بهذا الشكل، قائم بذات الباري تعالى. وإنّ المسموع من أصوات القرّاء، والمرئيّ من أسطر الكتاب نفس كلام الله تعالى القديم، حتّى أنّ بعض أتباعه كان يعتقد أنّ كلّ نسخة من نسخ


القرآن، بل غلافها أيضاً أزليّ(١) ، وكان الإمام أحمد بن حنبل نفسه لا يرى مصلحة في البحث في هذا الموضوع أساساً؛ إذ يعدّه مخالفاً لسيرة السلف، وكان ينهى أتباعه عن الخوض به(٢) .

وذهب المعتزلة والشيعة إلى سُخف هذه العقيدة، وذكروا أنّ الكلام فعل الله، فلا يمكن القول بقدمه وأزليّته، بل القرآن مخلوق وحادث، ومعنى قولنا: إنّ الله متكلّم أنّه يُوجِد الكلام في بعض الأجسام، ويقول أبو الحسين الخيّاط المعتزليّ: لعمري أن لو عاش النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في زمان المعتزلة لَنصَّ لأُمّته على خلق القرآن نصّاً مفسّراً(٣) .

كان البحث في كلام الله - وهو ما احتدم بعد ظهور الأشاعرة - من أوّل وأهمّ المباحث الّتي حام حولها الجدل بين المسلمين، ولما كان هذا المبحث مطروحاً بين الفرق الإسلاميّة قبل انتشار كتب الفلسفة، ولم يهتمّ به الفلاسفة كثيراً، فإنّ البعض يرى أنّ علم الكلام عُرِف بهذا الاسم للسبب المذكور.

وكان الاعتقاد بقدم القرآن عامّاً تقريباً في أواخر العصر الأُمويّ، ولم يجرؤ أحد على معارضته، وكان الجعد بن دِرهَم أوّل من عارضه، إذ أظهر الاعتقاد بخلق القرآن، وذكرنا سابقاً أنّه قُتل في أيّام هشام بن عبد الملك (١٠٥-١٢٥هـ) لهذا السبب.

وشاع الاعتقاد بخلق القرآن في زمن هارون الرشيد بسبب نفوذ المعتزلة، غير أنّ قدرة الرشيد وتعصّبه حالا دون جهر المعتزلة برأيهم هذا، بخاصّة أنّه كان يقتل كلّ من يتظاهر بهذه العقيدة شرّ قتلة.

وأصبح هذا الاعتقاد علنيّاً في عصر المأمون، كما ذكرنا ذلك سابقاً، وانحاز

____________________

١ - شرح المقاصد ٢: ٩٩.

٢ - تلبيس إبليس ٩٤.

٣ - الانتصار ١٦٠.


المأمون إلى أصحاب هذا الاعتقاد، بل قطع شوطاً في هذا المجال بشدّة وتعصّب، ومهّد هو وأعضاء حكومته الأرضيّة للتضييق على المعارضين، وبلغت محنة القضاة والشهود والمحدّثين أشدّها.

وكان الإمام أحمد بن حنبل أكثر الناس إصراراً على عقيدته القديمة، ومعارضة رأي المأمون والمعتزلة(١) . ولم يقرّ بهذا القول على الرغم من تشدّد شرطة المأمون إلى أن صُفِد وأُشخص إلى المأمون الذي كان يؤمئذ في الشام، ولكنّه لم يصل إليه؛ إذ نُعي إليهم المأمون وهو في الطريق، فأُرجع إلى بغداد.

وحذا المعتصم حذو أخيه المأمون في هذا الموضوع؛ إذ ظلّ الاعتقاد بالقرآن في عهد المعتصم (٢١٨-٢٢٧هـ) على ما كان عليه في عصر أخيه، وبلغ أحمد بن أبي دوْاد منصب قاضي القضاة أيّام المعتصم، فاستخدم سلطته في هذا المجال أكثر من السابق، وتفاقمت الملاحقة (المحنة) في زمن المعتصم ففاقت ما كانت عليه في أيّام المأمون، وبلغت مبلغاً أنّ المعتصم كان يُكره الإمام أحمد بن حنبل المتمسّك بعقيدته على أن يترك هذه العقيدة بمحضر من الملأ المجتمعين ويناظر المخالفين. وكان قد أمهله ثلاثة أيّام، وذلك في سنة ٢١٩هـ. ولما رأى تمسّكه بعقيدته أمر بجلده، فجُلد ثماني وثلاثين جلدة، وعومل بقسوة حتّى أُغمي عليه وورم جلده. ثمّ لما خاف المعتصم تمرّد الحنابلة وسائر المعارضين عليه أمر بحبسه، وعندما حكم الواثق نجل المعتصم (٢٢٧-٢٣٢هـ)، سار سيرة عمّه وأبيه، وكان يجالس الفلاسفة والمعتزلة وأهل البحث والجدل كعمّه المأمون، وكان من خواصّه: أحمد بن أبي دؤاد، وجعفر بن حرب الهمداني (المتوفّى سنة ٢٣٦هـ)، وهما من كبار رؤساء المعتزلة، وقام بتفتيش العقائد الدينيّة، وتواصلت (المحنة) في عصره، فأسخط عليه كثيراً من الناس، فأطلقوا ألسنتهم في الطعن عليه ولعنه، وأبدى أفراد

____________________

١ - انظر: تاريخ بغداد ٥: ١٧٧ للتعرّف على تفصيل ذلك الإصرار وتعذيب أربعة من علماء مرو.


حكومته تعصّباً شديداً في هذا المجال حتّى أنّهم عندما كانوا يَفْسدون المسلمين من أسر الروم سنة ٢٣١هـ، وَفَد رسولُ أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة إلى ديار الروم ليسأل الأسرى عن عقيدتهم؛ فمن كان يعتقد بخلق القرآن ونَفي الرؤية عن الحقّ تعالى، فُودي به وأحسن إليه، ومن أبى تُرك بأرض الروم، فاختار جماعة من الأُسارى الرجوع إلى أرض النصرانيّة على القول بذلك(١) .

وعندما تربّع المتوكّل على كرسيّ الحكم سنة ٢٣٢هـ، لم يسلك مدارج أسلافه: المأمون، والمعتصم، والواثق. فأوقف المجادلة والمناظرة ونهج منهج أصحاب الحديث والسنّة، واحترم الإمام أحمد بن حنبل، واتّخذه مشيراً له، وبهذا انتهت المحنة.

ومنذ ذلك الحين، أخذت قدرة المعتزلة بالتضاؤل؛ لأنّ أصحاب الحديث والسُّنّة قد نشطوا مرّة أخرى وحالوا الدفاع عن عقائدهم، ودحض آراء المعتزلة ومقالاتهم من جهة، وأنّ الشيعة أصبحت قادرة على مناوءة المعتزلة ونقض بعض عقائدهم بواسطة عدد من المتكلّمين الذين نبغوا في وسطها من جهة أُخرى، ففقدت المعتزلة شوكتها وشأنها الأوّل تدريجاً.

كان علم الكلام في البداية وسيلة لتقدّم المعتزلة والشيعة، وشاقّه أصحاب الحديث والسنّة، ثمّ استقطب اهتمام المسلمين عامّة شيئاً فشيئاً، ذلك أنّ أصحاب الحديث والسنّة رأوا أن لا سبيل إلى تفنيد اعتراضات المخالفين إلاّ التمسّك بأدلّتهم الكلاميّة نفسها، وانتهاج أُسلوبهم في الاستدلال والكلام. وكانت استعانتهم بالأدلّة الكلاميّة أوّل الأمر من أجل الدفاع عن أُصول عقائدهم، ولم يتيسّر لهم تغيير أسسهم الدينيّة، بَيد أنّ معظم علمائهم تَبنَّوا الكلام في أوائل القرن الرابع الهجريّ من أجل إثبات عقائدهم وتقريرها، وكان هذا في وقت ما يزال فيه عدد من كبراء

____________________

١ - التنبيه والإشراف ١٩١.


المعتزلة مشغولين ببثّ عقائدهم في البصرة وبغداد كأبي علي محمّد بن عبد الوهاب الجُبّائيّ (٢٣٥-٣٠٣هـ)، وابنه أبي هاشم عبد السلام الجبّائيّ (المتوفّى سنة ٣٢١هـ)، وأبي القاسم عبد الله بن أحمد الكعبيّ البلخيّ (المتوفّى سنة ٣١٩هـ)، وأبي بكر أحمد بن عليّ بن الإخشيد(١) (٢٧٠-٣٢٦هـ) واجتمع حول كلّ واحد منهم عدد من التلاميذ.

وكان أبو الحسن عليّ الأشعريّ (٢٦٠-٣٢٤هـ) من تلاميذ أبي عليّ الجبّائيّ، تلمذ له مدّة متّبعاً عقائد المعتزلة، ثمّ اعترض على بعض آرائه وافترق عنه وتاب من الاعتزال علانيةً، وتبنّى آراء الإمام الشافعيّ في الفروع، واستخدم الأدلّة الكلاميّة في تحقيق الاعتقادات مع نهي السلف عن ذلك، واستطاع أن يوفّق بين أصول الكلام وعقائد أهل السنّة، فأصبح واضعاً لعلم الكلام ناشراً إيّاه بين أهل السنّة.

وشمّر عن ساعد الجدّ لمناظرة المعتزلة وردّ مقالاتهم بعد أن دوّن أُصول عقائده، ولمّا كان قويّاً في الكلام مطّلعاً اطّلاعاً تامّاً على الحديث والسنّة، فقد أفلح تماماً في هذا الميدان، واستطاع هو وتلاميذه من جهة، ومتكلّمو الشيعة - كما سنرى - من جهة أُخرى أن يُحدِقوا بالمعتزلة ويخمدوا جذوتهم تقريباً، فلم ينهض بالأمر منهم رجل مشهور من أُولي البحث والمناظرة يتصدّى للأشعريّة بعد أبي عليّ وأبي هاشم الجبّائيّين وأبي القاسم البلخيّ إلاّ قليل، وتقارنت آخر فترة لنفوذهم بالبرهة التي حكم فيها الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عبّاد (٢٢٦-٣٨٥هـ) وزير

____________________

١ - أبو بكر أحمد بن عليّ بن بيغجور (أو اجور أو معجور (الفصل ٤: ٢٠٣؛ والفهرست ١٧٣) ) بن الإخشيد من أشهر متكلّمي المعتزلة ومصنّفيهم وصلحائهم، وهو أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم رئاسة المعتزلة. ثمّ وقعت الفُرقة بينهم بعد هؤلاء الثلاثة، والآخران هما أبو هاشم الجبّائيّ، وأبو القاسم الكعبيّ البلخيّ. (انظر: كتاب الفِصَل لابن حزم الظاهريّ ٤: ٢٠٣، والفهرست ١٧٣، وتاريخ بغداد للخطيب البغداديّ ٤: ٣٠٩، للتعرّف على ترجمة أبي بكر الإخشيد وعقائده وكتبه).


البويهيّين وتلميذ أبي هاشم الجبّائيّ، وكان الديالمة يشجّعونه بسبب عدائهم للحكّام وأهل السّنّة.

وكان المعتزلة اللامعون في الفترة الأخيرة هم قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبّار بن أحمد الأسد آباديّ الهمدانيّ (النصف الثاني من القرن الرابع)، وأبو الحسين محمّد بن عليّ البصريّ (المتوفّى ٤٣٦هـ)، وأبو عُبَيد الله محمّد بن عمران المرزبانيّ الخراسانيّ (٢٩٧-٣٨٤هـ) وهو من كبار الكتّاب والأُدباء، وكانت عقائده في الاعتزال قريبة من عقائد الشيعة، وله كتاب الأوائل في أخبار الفرس القدامى، وفي أهل العدل والتوحيد (المعتزلة) وذكر بعض مجالسهم ويقع في ألف ورقة تقريباً(١) .

وكان للمذهب المعتزليّ أتباعه حتّى فترة استيلاء المغول على البلاد الإسلاميّة أواسط القرن السابع الهجريّ. وكان العلاّمة الكبير جار الله أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشريّ (٤٦٧-٥٣٨هـ)، والأديب المؤرّخ المشهور عبد الحميد بن أبي الحديد (٥٨٦-٦٥٥هـ) شارح نهج البلاغة في القرن السادس والسابع الهجريّ يتبنّيانه. ثمّ أفَلَ نجمه تدريجاً وعاد لا يذكر له أثر في يومنا هذا تقريباً.

____________________

١ - الفهرست ١٣٢-١٣٤، وتاريخ بغداد ٣: ١٣٥-١٣٦.



الفصل الخامس

الشيعة ومتكلّموهم الأُوَل

عندما ظهر المعتزلة، صار المسلمون خمس فرق هي: الشيعة، وأهل السنّة - أي: أصحاب الحديث والرواية - والخوارج، والمعتزلة، والمرجئة(١) ، ثمّ انقسمت هذه الفرق إلى فرق فرعيّة أُخرى، وظهرت من بين بعضها فرق أيضاً، تعدّ كلّ واحدة منها فرقة مستقلّة بسبب اختلاف مقالاتها بعضها مع بعض، وكان هناك خلاف بين أصحاب الملل والنحل حول المتصوّفة، والباطنيّة، وبعض الفرق الأُخرى، فمنهم من ذكرها في عداد الفرق الإسلاميّة، ومنهم من لم يحسبها مسلمة بسبب بعض عقائدها.

فرق الشيعة المختلفة

كان لقب الشيعة يطلق في البداية على الذين يعتقدون أنّ الإمامة حقّ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وثَبَتوا على مودّته وولايته بالرغم من مبايعة الناس أبا بكر؛ لذلك عُرفوا بأنّهم (شيعة عليّ) أي: أتباعه. ومن

____________________

١ - الانتصار ١٣٩، والفصل ٢: ١١١، وفرق الشيعة ١٥.


هؤلاء: المقداد بن الأسوَد، وسلمان الفارسيّ، وأبو ذرّ الغِفاريّ، وعمّار بن ياسر. وهم أوّل من عُرف بالتشيّع بين المسلمين، والشيعة في هذا المجال هم مجموع المعتقدين بالإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وهذه الشريحة تعدّ الأصل الذي انبثقت منه فرق الشيعة عامّة(١) ، ذلك أنّ الفرق الشيعيّة التي ظهرت بعد كالشريحة الصغيرة المذكورة كانت تؤمن أنّ الإمامة حقّ لآل عليّ، وإنّما اختلفت في الإمام الذي يخلف الإمام السابق له، ومقامه، وهل تختم الإمامة به أو لا، وهذا ما أدّى إلى الإمامة، ولمزيد الاطّلاع يمكن الرجوع إلى الكتب المصنّفة في الملل والنحل والمقالات، وأخصّ بالذكر كتاب فرق الشيعة لأبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ، ومقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعريّ.

كانت فرق الشيعة تقسّم في البداية إلى ثلاثة أقسام كبيرة، ثمّ تشذّرت كلّ فرقة فرقاً عديدة:

١ - الغلاة أو الغالية: وهم الذين غَلّوا في حقّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وأولادهعليهم‌السلام ، وقالوا بأُلوهيّتهم، وهؤلاء ليسوا من الشيعة في شيء حقّاً، فهم إمّا أن يكونوا قد ألصقوا أنفسهم بهم، أو أنّ المناوئين المعاندين للشيعة جعلوهم في عداد الشيعة.

٢ - الإماميّة: وهم الذين يَرَون أنّ تعيين أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام إماماً كان من قِبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويذهبون إلى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اختار ابن عمّه لهذا المقام في حياته، وأعلَمَ المسلمين بهذا الاختيار، ومن بايع أبا بكر، وعمر مخالفاً

____________________

١ - فرق الشيعة ٦ و١٦. وأحسب أنّ مؤلّف كتاب فرق الشيعة قد سها؛ إذ جعل الشيعة فرقاً، فالشيعة فرقة واحدة تهتدي بالقرآن وسنّة نبيّها الكريم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وتؤمن بإمامة عليّ بن أبي طالب والأئمّة الأحد عشرعليهم‌السلام جميعاً بعده، عملاً بوصيّته واقتداءً بسنّته، وأمّا ما حُسب على الشيعة من سائر الفرق فقد كانوا شيعةً ثمّ انحرفوا فتفرّقوا فرقاً مختلفة كالزيديّة والإسماعيليّة وغيرهما(م).


أمر نبيّه فقد سلك سبيل الضلال، وعمل خلاف ما أوصى به النبيّ العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله . وتنعقد الإمامة لقرابة الرسول بالنصّ والتوقيف كما يعتقد الإماميّة، والإمام يجب أن يكون أفضل أهل زمانه. وسمّى مناوئو الشيعة هؤلاء (الشيعة) (الرافضة)؛ لأنّهم رفضوا إمامة أبي بكر، وعمر، وتركوا هذين الحاكمين، وهذه التسمية نابعة من روح عدائيّة لا محالة.

٣ - الزيديّة: وهم الذين بايعوا زيداً بالكوفة بعد وفاة أبيه السّجادعليه‌السلام (أيّام حكومة هشام بن عبد الملك)، ولمّا كان زيد من تلاميذ واصل بن عطاء المعتزليّ، فقد نَهَج الاعتزالَ في الأُصول، وأصبح أتباعه قاطبة معتزلة.

وانقسم الإماميّة بعد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام إلى فرقتين كبيرتين: الأُولى: اختارت الإمام عليّ بن الحسين - وجدّتُه فاطمة الزهراءعليها‌السلام - إماماً لها، ومنها ظهرت الزيديّة، الثانية: اتّخذت محمّد بن الحنفيّة إماماً - وهو ابن الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام من غير فاطمةعليها‌السلام - وسارت خلفه، وعُرفت هذه الفرقة بالكيسانيّة، وكيسان كان لقباً للمختار بن أبي عُبيد الثَقَفيّ الذي كان يترأس هذه الفرقة، وهو الذي قام مطالباً بدم الحسينعليه‌السلام ، ويرى الكيسانيّة أنّ محمّد بن الحنفيّة وصيّ أبيه، والمختار كان عامله.

وبايعت فرقة من الكيسانيّة أبا هشام عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة بعد وفاة أبيه سنة ٨١هـ ولمّا مات أبو هاشم سنة ٩٨هـ التفّ جماعة من أصحابه حول محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب لزعمهم أنّه وصيّ أبي هاشم، وجدّوا كثيراً في التبليغ لعقيدتهم والسير بهم قُدُماً، وعُرفوا منذ ذلك الحين بشيعة آل العبّاس أو الراونديّة، وهم الذين أجلسوا بني العبّاس (أولاد محمّد المذكور) على دفّة الحكم آخر المطاف. وسُمّي الإماميّة: الشيعة العَلَويّة، تمييزاً لهم عن شيعة بني العبّاس.

وذهبت الشيعة العلويّة إلى أنّ الإمام بعد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب


وولديه الحَسَنَينعليهم‌السلام هو زين العابدين أبو محمّد عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، ولمّا توفّي سنة ٩٤هـ ذهبوا إلى إمامة ولده أبي جعفر محمّد بن عليّ الملقّب بباقر العلم إماماً خامساً لهم (٥٩-١١٤هـ) في مقابل الزيديّة الذين بايعوا أخاه زيداً، ثمّ ذهبوا إلى إمامة ولده أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام (٨٣-١٤٨هـ) إماماً سادساً لهم.

ثمّ انقسم الشيعة العلويّة إلى ستّ فرق بعد وفاة الإمام الصادقعليه‌السلام - وحَظِيت إحداها فيما بعد بأهمّيّة كبيرة - ففرقة قالت: إنّ الإمام السادس لم يَمُت بل غاب وعلينا أن ننتظر رجعته؛ لأنّه هو المهديّ، وتُعرف هذه الفرقة بالناووسيّة.

وذهبت فرقة أُخرى إلى إمامة ولده إسماعيل الذي مات في حياة أبيه، إذ كانت تعتقد أنّه لم يَمُت، وهو خليفة أبيه الحقّ، ولن يموت حتّى يملك العالم، ويدير شؤون الناس، وعُرف هؤلاء بالإسماعيليّة أو الخطّابيّة نسبة إلى رئيسهم أبي الخطّاب محمّد، وهؤلاء يمثّلون النواة لفرق الإسماعيليّة المهمّة التي ظهرت بَعدُ.

أمّا الفرقة الثالثة فقد التفّت حول محمّد بن إسماعيل حفيد الإمام الصادقعليه‌السلام بعد وفاة الإمام، ولما كان (مبارك) - وهو أحد غلمان الإمام الصادق رئيساً لها فقد دُعيت بالمُباركيّة، وأدّى ظهور هذه الفرقة إلى انتماء جماعة من الإسماعيليّة إليها.

وقالت جماعة من المباركيّة والخطّابيّة: إنّ روح الإمام السادس حلّت في بدن أبي الخطّاب، ثمّ انتقلت منه إلى بدن محمّد بن إسماعيل، فالإمامة لولده من بعده، وسمّي هؤلاء: القَرامطة؛ لأنّ رئيسهم كان يدعى: قُرْمطويه.

واختارت الفرقة الرابعة محمّد بن جعفر الصادق إماماً لها، ورئيسها يحيى بن أبي السُّمَيط، وعرفت بالسُّمَيْطيّة نسبة إليه.

واتّخذت الفرقة الخامسة ابن الإمام الأكبر عبد الله بن جعفر الأفطح إماماً فسُمّيت بالأفطحيّة.

وأمّا الفرقة السادسة من الشيعة العلويّة فقد آمنت بإمامة الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام (١٢٨-١٨٣هـ)، وأنكرت إمامة عبد الله الأفطح، وتضمّ هذه الفرقة كبار


أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام وعلماء الشيعة ومتكلّميهم كأبي جعفر مؤمن الطاق، وأبان بن تغلب، وهشام بن الحكم وهشام بن سالم.

وعندما توفّي الإمام موسى بن جعفر الملّقب بالكاظم، وهو الإمام السابع للشيعة الإماميّة، برز خلاف بين أصحابه فانقسموا خمس فرق، أشهرها فرقتان: الأُولى أنكرت موته وزعمت مهدويّته، وخَتْم الإمامة به، وقالت: إنّه حيّ ولن يموت حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذه الفرقة هي الواقفة.

أمّا الثانية فهي على خلاف الواقفة، إذ قطعت بوفاة الإمام وذهبت إلى إمامة ولده أبي الحسن عليّ بن موسى الرِّضاعليه‌السلام (١٥٥-٢٠٣هـ) فاشتهرت بالقطعيّة.

وعلى الرغم من أنّ الشيعة انقسمت إلى عدّة فرق بعد وفاة الإمام الرضاعليه‌السلام - وقد بلغت أربع عشرة فرقة بعد وفاة الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ (٢٣٢-٢٦٠هـ) - لكنّ هذه الفرق لم تتمتّع بشأن يذكر، إذ كان الشأن والشهرة كلّها للشيعة الذين آمنوا بإمامة الإمام أبي جعفر محمّد بن عليّ الجواد (١٩٥-٢٢٠هـ) بعد أبيه الرِّضاعليه‌السلام ، ثمّ اعتقدوا بإمامة ولده الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد الهاديعليه‌السلام (٢١٤-٢٥٤هـ) إماماً عاشراً لهم، وبعد وفاته قالوا بإمامة ولده الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ (٢٣٢-٢٦٠هـ) إماماً حاديَ عشرَ لهم.

وانقسمت الشيعة بعده - كما قلنا - إلى أربع عشرة فرقة، لكنّها لم تصمد في مقابل الإماميّة، وبادت كلّها.

ويعتقد الشيعة الإماميّة أنّ الدنيا لا تخلو من إمام أبداً، والله تعالى مختار أن يُظهر الإمام بين الخلق أو يخفيه عن أنظارهم؛ لأنّ الأرض لا تخلو من حجّة أبداً، وحجّة الله بعد الإمام الحادي عشر ولده الغائب، وإذا شاء الله فإنّه سيظهر بَعدَ أن تُملأ الأرض ظلماً وجوراً فيملأها قسطاً وعدلاً، وسنتحدّث في الفصول القادمة عن غيبة الإمام الثاني عشر وعقيدة الإماميّة في هذا الموضوع.


الإمامة

إنّ أكبر خلاف برز بين المسلمين في المسائل الدينيّة يحوم حول الإمامة، أي خلافة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ إذ تناظروا وتجادلوا وتنازعوا، وأبدَوا تحمّساً في ذلك، ولم يُلحظ خلاف بينهم بلغ في شدّة هذا الخلاف، ويعود السبب إلى اتّسام الإمامة بالطابع السياسيّ غالباً وإذا ما تفوّقت عقيدة لفرقة من الفرق، فإنّ هذه الفرقة ستمُسك بزمام الأُمور الدنيويّة للمسلمين كما تمسك بشؤونهم الدينيّة، وكان هذا الخلاف قائماً بين المسلمين ولا يزال منذ أن طرأ على المسلمين يوم وفاة نبيّهم العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وتعني كلمة الإمام لغةً: مَن يأتمّ به الناس فيتّبعونه ويأخذون عنه؛ لأنّهم يؤمّون أفعاله، أي يقصدونها فيتّبعونها، ويقال للطريق: إمام؛ لأنّه يُؤَمّ، أي: يُقصَد ويتّبع(١) . أمّا اصطلاحاً، فهي: رئاسة عامّة في أُمور الدنيا والدين نيابةً عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويدور خلاف بين شتّى الفرق الإسلاميّة حول من يستحقّ منصب الإمامة، وكيف يتمّ تعيين الإمام، وهل تجب الإمامة أو لا، وهل يكفي إمام واحد أو عدّة أئمّة.

وكانت الفرق الإسلاميّة عامّة ترى وجوب الإمامّة، غير أنّ فرقة من الخوارج، واثنين من رؤساء المعتزلة لا يرون ذلك، وقال النجدات - وهم قوم من الخوارج -: إنّه ليس بواجب أصلاً، وعلى الناس أن يتعاملوا فيما بينهم على سبيل الحقّ وبحكم القرآن، وقال أبو بكر الأصمّ من المعتزلة: لا يجب عند ظهور العدل والإنصاف لعدم الاحتياج، ويجب عند ظهور الظلم، وقال هشام الفُوَطيّ منهم (معاصر للمأمون العبّاسيّ): بالعكس، أي يجب عند ظهور العدل لإظهار شرائع

____________________

١ - مجمع البحرين ٥٢٥.


الشرع، لا عند ظهور الظلم؛ لأنّ الظَّلَمة ربما لم يطيعوه، وصار سبباً لزيادة الفتن لنا(١) .

كان المتكلّمون على ثلاثة آراء في طريق وجوب الإمامة، فالأشاعرة وأهل السنّة والجماعة، وثلّة من المعتزلة يثبتون وجوب الإمامة عن طريق النقل، أي الأدلّة السمعيّة، أمّا الجاحظ، وأبو القاسم الكعبيّ، وأبو الحسين البصريّ فإنّهم يثبتونه بالأدلّة السمعيّة والعقليّة، وأمّا الإسماعيليّة والشيعة الإماميّة فإنّهم يثبتونه بالأدلّة العقليّة فحسب(٢) .

ويقول متكلّمو الإماميّة: الإمامة واجبة عقلاً على الله تعالى، وهو الحقّ، والدليل على حقّيّته هو أنّ الإمامة لطف، وكلّ لطف واجب على الله تعالى، فالإمامة واجبة على الله تعالى، واللطف هو ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعّده عن المعصية، وهذا المعنى حاصل في الإمامة؛ لأنّ الناس إذا كان لهم رئيس مطاع مُرشد فيما بينهم يردع الظالم عن ظلمه، والباغي عن بغيه، وينتصف للمظلوم من ظالمه، ويحملهم على القواعد العقليّة والوظائف الدينيّة، ويردعهم عن المفاسد الموجبة لاختلال النظام في أُمور معاشهم، وعن القبائح الموجبة للوبال في معادهم، بحيث يخاف كلّ واحد من مؤاخذته على ذلك، كانوا مع ذلك إلى الصلاح أقرب، ومن الفساد أبعد، ولا نعني باللطف إلاّ ذلك ويكون الإمامة لطفاً، وهو المطلوب(٣) .

ويرى الإسماعيليّة أيضاً - كالإماميّة - أنّ الإمامة واجبة عقلاً على الله تعالى، لكنّهم لا يعتقدون كالإماميّة أنّ نصب الإمام ينبع من قاعدة اللطف، بل كانوا يقولون:

____________________

١ - شرح المقاصد ٢: ٢٧٣، ومقالات الإسلاميّين ٤٦٠، والفِصَل ٤: ٨٧-٨٨، وكتاب الألفين ٨.

٢ - الإماميّة يثبتونه بالأدلة العقليّة والنقليّة معاً لا بالأدلّة العقليّة وحدها، فليُنْتَبَه!(م)

٣ - شرح الباب الحادي عشر ٥٢-٥٣.


لما كان العقل لا يكفي لمعرفة الله تعالى، فيجب أن يكون الإمام معلّماً للناس في هذا السبيل(١) ، ويأخذ الناس منه عن طريق التعليم، لذلك تُسمَّى هذه الفرقة: التعليميّة أيضاً(٢) .

ويعتقد علماء الإماميّة أنّ كلّ ما دلّ على وجوب النبوّة فهو دالّ على وجوب النبوّة فهو دالّ على وجوب الإمامة؛ إذ الإمامة خلافة عن النبوّة قائمة مقامها إلاّ في تلقّي الوحي الإلهيّ بلا واسطة، ولكن الإمامة لطف عامّ: والنبوّة لطف خاصّ؛ لأنّه يمكن أن يخلو الزمان من نبيّ، بَيْد أنّه لا يخلو من إمام(٣) . ولذلك ترى الإماميّة أنّ مبحث الإمامة من فروع مبحث النبوّة وتوابعه، ومن أعظم أركان الدين، ولا يستقيم الإيمان بدون الاعتقاد بالإمامة، ويقال للمرء مؤمناً مطلقاً إذا كان على عقيدة الإماميّة(٤) ، في حين ترى الفرق الإسلاميّة الأخرى أنّ الإمامة من فروع الدين(٥) ، وأقحم متكلّمو السنّة هذا المبحث في كلامهم لدحض عقائد الشيعة في هذا الباب(٦) .

وبعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نشب الخلاف بين المهاجرين والأنصار حول الخلافة كما قلنا سابقاً، وبايعت الأكثريّة من قريش أبا بكر، أمّا الشيعة وهم أقليّة فكانوا يَرَون أنّ الإمامة حقّ لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وغُلب الأنصار الذين كانوا يدّعون هذا المقام لهم، ثمّ انقرضوا تدريجاً. ومنذ ذلك الحين فُتح باب البحث فيمن يصلح لمقام الإمامة، وترى فرق الشيعة بأسرها، وأهل السنّة، وبعض فرق المعتزلة، وأكثريّة المرجئة أنّ الإمامة لا تصحّ في غير قريش. بَيْد أنّ الخوارج جميعهم وأكثريّة المعتزلة وبعض المرجئة يذهبون إلى أنّ من نهض لإقامة أحكام القرآن وسنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فهو الإمام سواءً كان قرشيّاً أم عربيّاً من غير قريش أم من الموالي. وترى الشيعة أنّ الإمامة حقّ لبني هاشم. أمّا أنصار الإمامة في قريش

____________________

١ - شرح المقاصد ٢: ٢٧٢.

٢ - تلبيس إبليس ١١٢.

٣ - شرح الباب الحادي عشر ٥٣، وكتاب الألفين ٣.

٤ - مجمع البحرين ٥٧٢.

٥ - شرح الباب الحادي عشر ٥١، والألفين ١٠.

٦ - شرح المقاصد ٢: ٢٧١.


فيرون أنّها تكون في غير بني هاشم أيضاً، وتذهب الراونديّة شيعة بني العبّاس إلى أنّ الإمامة لأولاد العبّاس بن عبد المطّلب عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أمّا العلويّة فإنّها تقول بإمامة أولاد عليّ، وتطرّقنا سابقاً إلى اختلاف الزيديّة والكيسانيّة والإسماعيليّة في هذا الميدان.

ويلحظ في موضوع تعدّد الأئمّة أنّ البعض لا يجيز وجود أكثر من إمام في زمان واحد، في حين يجيز البعض الآخر ذلك؛ إذ يمكن أن يكون إمامان في عصر واحد: أحدهما ناطق، والآخر صامت، فإذا مات الناطق، حلّ الصامت محلّه، وثمّة من يرى وجود ثلاثة أئمّة في آن واحد.

واختلف المسلمون في تعيين الإمام وتثبيته، ففريق منهم يرى أنّ الإمامة تثبت بالإجماع، فإذا أجمع المسلمون أو جماعة ذات شأن منهم على أحد واختاروه للإمامة، فهو الإمام، وهؤلاء يعرفون بأهل الإجماع، ومن هذا المنطلق استصوبوا إمامة الخلفاء الراشدين، ومعاوية، ومروان بن الحكم، وأولاده، وفريق آخر يذهب إلى أنّ الإمامة من أهمّ المسائل الدينيّة، ولا يمكن أن يغفل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله عن هذه المسألة في حياته، فيترك أمّته هَمَلاً بلا خليفة يرعى شؤونها الدينيّة والدنيويّة ويدافع عن دينها، فهو - على عكس التصوّر المذكور - قد نصَبَ ابن عمّه عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ونصّ على خلافته، وهؤلاء يُعرفون بأهل النصّ، ومنهم الإماميّة، والكيسانيّة، والإسماعيليّة.

وكان الراونديّة يَرَون أنّ العبّاس بن عبد المطّلب وارثُ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ولذلك كانوا يعتقدون أنّ الإمامة إرث لبني العبّاس، وكان الخوارج يختارون لهم إماماً من بينهم في كلّ عصر، ويشترطون عليه أن يسير وفق عقائدهم، ويكون عادلاً، وإذا ما تمرّد فإنّه يُخلع من الإمامة، وقد يُقتَل، ويعتقد الزيديّة أنّ كلّ فاطميّ يخرج فهو إمام يجب اتّباعه، بشرط أن يكون عالماً زاهداً شجاعاً سخيّاً حتّى لو كان من أولاد الإمام الحسنعليه‌السلام .

إنّ أحد شروط الإمامة عند الإماميّة هو أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه، ولكنّ


الزيديّة وأكثر المعتزلة لا يتّفقون معهم في هذا الرأي ويقولون: قد يكون بين رعيّة الملك من هو أفضل منه، فكذلك أتباع الإمام إذ يمكن أن يكون فيهم من هو أفضل منه؛ ولذلك لا قدح عندهم في إمامة المفضول، كما نلاحظ أنّ جماعة من المعتزلة - لا سيّما معتزلة بغداد - كانوا يذهبون إلى صحّة إمامة أبي بكر، وهو مفضول بالنسبة إلى عليّ بن أبي طالب - مع أنّهم كانوا يَرَون أنّ عليّ بن أبي طالب أفضل من أبي بكر.

وإذا كنّا قد أشرنا في السطور المتقدّمة إلى أُصول عقيدة الإماميّة الاثني عشريّة في باب الإمامة، فإنّنا ننقل فيما يأتي خلاصة عقيدتهم فيها ليزداد الموضوع جلاءً:

١ - يجب أن يكون الإمام معصوماً، والمقصود من عصمته هو أنّه لا حاجة عنده إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية عمداً أو سهواً مع قدرته على ذلك، ووافقهم الإسماعيلية في هذا الموضوع.

٢ - الإمام يجب أن يكون منصوصاً عليه؛ لأنّ العصمة من الأُمور الباطنة التي لا يعلمها إلاّ الله، أو إنّ الله العالم بعصمته يحكم بإمامته بالنّص، أو تظهر على يده معجزة تدلّ على صدقه، ولابدّ أن يكون التنصيص من الله أو من النبيّ أو من الإمام السابق.

٣ - الإمام يجب أن يكون أفضل أهل زمانه.

٤ - الإمام بالحقّ بعد رسول الله بلا فصل هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأولاده الأحد عشر من بعده، وكلّهم معصومون، وهم أفضل الخلائق في عهدهم، ونُصب كلّ منهم إماماً بنصّ صريح من قبل الإمام السابق له(١) .

الإماميّة ومتكلّموهم الأُوَل

كانت فرق الشيعة من الغلاة والزيديّة والكيسانيّة والإماميّة قليلة العدد قياساً

____________________

١ - شرح الباب الحادي عشر ٥٣-٥٨.


بالفرق الإسلاميّة الأخرى (أصحاب الحديث والسنّة، والخوارج، والمرجئة والمعتزلة الذين ظهروا في أواخر العهد الأُمويّ)، ولم تتمتّع بأهميّة سياسيّة تذكر بسبب اضطهاد الأُمويّين وقدرة الفرق الأُخرى، وكانوا يلتفّون حول رؤسائهم المناوئين لبني أميّة في المناطق البعيدة عن نفوذ الحكومة الأُمويّة لا سيّما في الحجاز، واليمن، وإفريقية، والأكثر منها جميعاً الكوفة (عاصمة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وأحد المراكز الرئيسة لإقامة الفرس الحديثي عهد بالإسلام)، وكذلك في البصرة، والجزيرة، وحدود الريّ، وخراسان، كما كانوا يعيشون مستخفين ويكتمون اجتماعاتهم خشية بطش الولاة الأُمويّين، ولا يبوحون بأسرارهم الدينيّة، ولا سيّما الإماميّة منهم، فقد كانوا يجدّون في كتمان الأسرار وإظهار التقيّة في مقابل غَلَبة المناوئين أكثر من سائر فرق الشيعة، عملاً بتعاليم أئمّة الهدىعليهم‌السلام ؛ لئلاّ يتعرّضوا لاضطهاد الولاة الأُمويّين ولا يثيروا أضغانهم في الإطاحة بأساس هذا الدين، وذبح رؤساء الإماميّة ممّا قد يفضي إلى ما لا تُحمَد عُقباه.

بَيْد أنّ الشيعة أنّى استضعفوا بني أميّة أو وجدوا فرصة لإظهار دعاواهم، فإنّهم كانوا يعترضون على حكومتهم الجائرة وينتقدونها، ويبرأون من أدناس معاوية وابنه يزيد اللَّذَين كانا لا يَرعَوِيان عن الفسق وارتكاب النواهي مضافاً إلى غصبهما خلافة المسلمين وجعلها وراثيّة، كما كانوا يوصون المسلمين بالعمل من أجل تقويض دعامة هذه الأُسرة.

وكان هلاك معاوية ونصب ولده يزيد من الفرص السانحة يومئذ، فهي لم تُنهِض الشيعة الموالين لعليّ وأولاده على مناوءته فحسب، بل شجّعت أولاد الصحابة، وأتباعهم أيضاً على معارضته علناً، بخاصّة أنّ جماعة كثيرة من أهل اليمن، والحجاز، والجزيرة، والكوفة، والبصرة ممّن ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وتبرّموا من تصرّفات الأُمويّين الشائنة استمدّوا العون من معارضي يزيد. ودعا الشيعةُ الإمامَ الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة على ما نعلم، ومهّدوا الأرضيّة فيها وفي


البصرة للثورة على يزيد، والإعلان عن خلافة الإمام الحسينعليه‌السلام .

واستطاع ولاة يزيد السيطرة على الموقف عاجلاً، لكثرة عددهم وترهيبهم أهالي البصرة والكوفة وترغيبهم إيّاهم وأفلحوا في كسب قادة الثورة إلى جانبهم في المدينتين المذكورتين أو قمعهم، وارتكبوا جريمتهم النكراء بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه في واقعة كربلاء الأليمة (المحرّم سنة ٦١هـ)، فخاب أمل الشيعة والمعارضين الآخرين لبني أُميّة.

وكانت واقعة كربلاء المؤلمة وظُلامةُ شهدائها من جهة، وممارسات يزيد المشينة من جهة أخرى قد ضاعفت الحقد على الأُمويّين يوماً بعد آخر، بخاصّة أنّ عنصراً من عناصر المناوئين كان ذا أهمية كبيرة، وقد بلغ أوج اضطرابه الفكريّ، وكان يتلمّس السبيل لإعلاء مجده الضائع بل كيانه المحطّم، وكان يحترق بنار الحرمان كالسمندر، وكان ذلك العنصر المظلوم هو العنصر الفارسيّ الذي لم ينظر إلى بني أميّة بعين البغض والعداء فحسب، بل كان يعادي العرب نوعاً ما بسبب استيلائهم على بلاد فارس...

وقد سَلِم الفرس الذين كانوا يعيشون في المناطق النائية كطبرستان، وجرجان، وخراسان، وما وراء النهر ونعموا ببال رخيّ، إذ لم يخضعوا لنفوذ العرب تقريباً، وهم الذين قُدّر لهم فيما بعد أن يمثّلوا القطب الذي يدير شؤون الخلافة والسياسة والحضارة الإسلاميّة، ويتسلّموا أهمّ المناصب في عصور متأخَرة. بَيْد أنّهم لم يستطيعوا التدخّل في الأُمور مباشرةً ببصيرة كاملة، لبعدهم عن مركز الحكومة، واستيحاشهم من العرب، وجهلهم بالأوضاع الحقيقيّة لعاصمة الحكم ومجرى الأحداث فيها، أمّا الفرس الذين كانوا يعيشون في الجزيرة والكوفة والبصرة، فقد كانوا يتكلّمون بالفارسيّة على الرغم من كثرة العرب المهاجرين في تلك المناطق، وكانوا يكابدون مضض الذلّ والجفاء من لدن الولاة العرب أكثر من غيرهم، وقد ضاقوا ذرعاً بجور العرب قبل غيرهم من بني قومهم وهم يتذكّرون شوكة فارس


القديمة التي كانوا يقيمون في قلبها، وواسوا سائر المظلومين على كُرهٍ من الأُمويّين القتلة، ورأوا أنّ نجاتهم تكمن في مؤازرة كلّ من اكتوى بظلم الأُمويّين، وهو يتحيّن الفرصة للثورة على تلك الأُسرة الظالمة المتعصّبة وقطع دابرها، فكانوا يفكّرون بخلاص أنفسهم في تلك المعمعة.

ولذلك عندما رأوا كارثة كربلاء أمام أعينهم، وتعرّض جماعة منهم - ممّن كان يسكن البصرة والكوفة - إلى الاضطهاد من قبل ولاة يزيد بسبب مشاركتهم في ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهيّجتهم حكومة عبيد الله بن زياد المتشدّدة أكثر من السابق، تمهّدت الأرضيّة في أوساطهم تماماً للثورة على الأُمويّين وولاتهم.

وحينما هلك يزيد بن معاوية سنة ٦٤هـ، واعتزل ابنُه الضعيف الحكومة، نهض جماعة من أهل الكوفة ممّن كانوا قد مالؤوا أعداء الإمام الحسينعليه‌السلام ، واشتركوا في مقاتلتهم للإمام، فندموا على عملهم، وسمّوا أنفسهم التوّابين.

وأقسموا أن يثأروا لدم الحسين، ويعيدوا الحقّ إلى رجل من أهل البيت النبويّ الكريم، وبدأوا فعلاً في عملهم، فكاتَبَ أحد رؤسائهم الشيعةَ في سائر البلاد، وأطلَع من كان يتّفق معهم في هذا التوجّه على ما ينويه شيعة الكوفة، فاستجابت له الآفاق، وتقارن ذلك مع ثورة أبي إسحاق المختار بن أبي عُبيد الثقفيّ على بني أميّة(١) . وكان هذا القائد الإسلاميّ المعروف من الذين انضمّوا إلى مسلم بن عقيل عندما أوفده الإمام الحسينعليه‌السلام إلى الكوفة، ولمّا استُشهد مسلم على يد عبيد الله بن زياد، أُلقي القبض على المختار وأمره عبيد الله بالنزوح عن الكوفة، فغادرها إلى مكّة، وفيها التحق بعبد الله بن الزبير الذي كان يدّعي الخلافة بعد يزيد، وكان يتمتّع بنفوذ كبير في الحجاز، واليمن، والعراق يومئذٍ، بَيْد أنّه لمّا استاء منه، عاد إلى الكوفة التي كانت خاضعة لسلطته، وعندما عرف تحرّك أهل الكوفة واستعدادهم

____________________

١ - كتاب الفخريّ ٨٨.


للاقتصاص من قتلة الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأصحابه، أشخص مبعوثين عنه إلى شيعتها وشيعة المناطق المجاورة لها ووعدهم بالثأر لدم الإمام الحسينعليه‌السلام ، يضاف إلى ذلك أنّه دعاهم إلى إمامة محمّد بن الحنفيّة فأرسى دعائم المذهب الكيسانيّ تدريجاً.

كانت ثورة المختار أفضل فرصة للفرس القاطنين بالكوفة والبصرة والجزيرة أن يناصروه على رغم بني أميّة، وأن يؤازروا من ينهض للمطالبة بدم المظلومين حتّى لو لم يكن صادق النيّة؛ إذ أنّهم إنّما يعاضدونه لعدائه الأُمويّين فحسب، وكانوا يَرَون أنّ مساعدته دعم له في الإطاحة بحكومة الظلمة والأعداء المتعصّبين على المسلمين غير العرب.

وكان المختار وقائده الشهير إبراهيم بن مالك الأشتر قد عَرَفا قيمة مؤازرة الفرس لهما جيّداً، فقرّب المختار إليه في الوَهلة الأُولى زهاء عشرين ألف رجل منهم وكانوا يسكنون الكوفة ويُسمَّون الحمراء، واعتمد عليهم في تحقيق أهدافه(١) ، وهذه أوّل مرّة يتقابل فيها العنصر العربيّ الغالب، والعنصر الفارسيّ المغلوب في الدولة الإسلاميّة، ونهض جمّ غفير من الفرس لقتال العرب المتسلّطين انتقاماً منهم.

ولمّا قَتل المختارُ الجناةَ الذين ارتكبوا مجزرة الطفّ وهَدمَ دُورهم بالكوفة، أمر بتقسيم أموالهم بين أنصاره الفرس(٢) ، ثمّ فرض لهم ولأولادهم الأُعطيات، وكان يجالسهم، وباعَدَ العرب وأقصاهم عنه، فعاتبه أشرافهم، فقال لهم: أكرمتكم فشمختم بآنافكم، ووليّتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوَعُ لي منكم، وأوفى، وأسرع إلى ما أُريد(٣) .

____________________

١ - الأخبار الطوال ٢٩٦ و٣٠٦.

٢ - نفسه ٣٠٠.

٣ - نفسه ٣٠٦.


وكان جيش إبراهيم بن مالك الأشتر كلّه من الفرس(١) ، ولمّا قدم عسكر عبد الملك بن مروان لقتاله - وقوامه أربعون ألف جنديّ من أهل الشام - قال له أحدهم وقد كُلّف بمفارضته: لقد اشتدّ غمّي منذ دخلتُ عسكرك، وذلك أنّي لم أسمع فيه كلاماً عربيّاً حتّى انتهيتُ إليك، وإنّما معك هؤلاء الأعاجم، وقد جاءك صناديد أهل الشام وأبطالهم، وهم زهاء أربعين ألف رجل، فكيف تلقاهم بمن معك؟! فقال إبراهيم: واللهِ لو لم أجد إلاّ النمل لََقاتلتهم بها، فكيف وما قوم أشدّ بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي؟! وإنّما هم أولاد الأساورة من أهل فارس والمرازبة(٢) .

وكان اعتماد المختار على الفرس قد نفّر العرب منه، فتسلّل جماعة منهم هُرّاباً إلى مصعب بن الزبير وشكَوا إليه المختار بأنّه قتل خيارهم، وهدم دُورهم، وفرّق جماعتهم، وحمل أبناء العجم على رقابهم، وأباح أموالهم، وحثّوه على محاربته(٣) ، ولمّا تمكّن مصعب من المختار قتل زهاء أربعة آلاف من أنصاره الفرس(٤).

ولمّا قُضي على المختار فقد الشيعة والفرس شأنهم مؤقّتاً، بخاصّة أنّه لم يكن مخلصاً في طلبه بثأر شهداء كربلاء(٥) ، ودعمه للشيعة، وبدأت تصدر منه المزاعم بالتدريج، وزعم نزول الوحي عليه، وكانت بعض وعوده كاذبة، وعُرِفَ أتباعه بالكذب ودعم الباطل، فلم يفلح في عمله.

وكان عصر عبد الملك بن مروان (٦٥-٨٥هـ) ووالِيَيه الجائرين: الحجّاج بن

____________________

١ - هذا سهو من المؤلّف وفيه ضرب من الإغراق؛ فما نقرأه في كتاب الأخبار الطوال ص٢٩٣ هو كالآتي: وكان جُلّهم أبناء الفرس الّذين كانوا بالكوفة...(م)

٢ - الأخبار الطوال ٣٠٢ ٣ - نفسه ٣١٠.

٤ - نفسه ٣١٥.

٥ - بل كان مخلصاً نزيهاً كما ذهب إلى ذلك المؤرّخون المنصفون، وإنّما تقوّل عليه الزبيريّون والأُمويّون وأرجفوا تشفّياً منه وتشويهاً لسمعته(م).


يوسف الثَّقَفي، وقُتيبة بن مسلم الباهليّ عصر استفحال العصبيّة العربيّة، وعصر محنة المسلمين غير العرب وذلّتهم، بخاصّة أنّ عبد الملك كان مستاءً من الفرس، وقلقاً من سيطرتهم، وكان أكثر الحكّام الأُمويّين سعياً في طمس المعالم غير العربيّة، وبثّ العصبيّة العربيّة، وتبدّلت دواوين العراق والشام في عهده من البهلويّة والروميّة إلى العربيّة، وأمر بتعريب النقود، وعندما دخل المسجد الحرام يتفقّد حلقات الدرس، وعرف أنّ المدرّسين في هذه الحلقات من الفرس وأبناء الموالي، عاد إلى بيته مغموماً واستدعى أكابر قريش، وقال لهم مشفقاً ما مضمونة: (ما لكم استخففتم بالإسلام إلى هذا الحدّ إذ غلبكم أبناء الفُرس؟ ولم أرَ مثلهم، فقد ملكوا منذ أوّل الدهر إلى ظهور الإسلام، ولم يحتاجوا إلينا ساعةً واحدةً، واليوم نحن نحكمهم لكنّا لا نستغني عنهم أبداً)(١) ، وتغيّر هذا الملك الأمويّ حين عرف أنّ أكثر الولاة والفقهاء في المناطق التابعة لملكه هم من الموالي، وكَبُر عليه سيادتهم على العرب، وإلقاء الخطبة باسمهم على المنابر، وجلوس العرب تحت منابرهم لاستماع خطبهم(٢) .

إنّ مظالم الحجّاج بن يوسف خلال حكومته على العراقَين (٧٥-٩٥هـ) عشرين سنة، وإراقة قتيبة الدماء في خراسان وما وراء النهر زادت من سلطة العرب، أي بني أُمّة الذين لم تتوطّد أقدامهم في تلك المناطق بعد، وقضى الأمويّون وعمّالهم على كثيرٍ من الفرس وكتبهم بسبب انتمائهم القوميّ وحبّهم لوطنهم فارس، أو بسبب دعمهم لمعارضي بني أُميّة، ولكنّهم - من جانب آخر - أشعروا هذا الشعب النابه بأنّ الفارسيّ ليس في مأمن من تعرّض المتعصّبين، على الرغم من اعتناقه الإسلام، وما لم يمسك زمام أُموره بيده، وما لم يحكّم حريّة الفكر وحجّة العقل على العصبيّة البدويّة، فلن يرى السعادة. لذلك عندما تولّت الأيّام السوداء لحكومة الحجّاج

____________________

١ - كتاب ألف باء ١: ٢٤.

٢ - حياة الحيوان ٢: ٧٨.


وقتيبة، أصبحت خراسان وما وراء النهر مركزاً للاجتماعات السرّيّة المناوئة للأُمويّين، وعَمَد الشيعة والفرس إلى بثّ المشاعر العدائيّة ضدّهم.

ومهّد ثورة زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب إمام الزيديّة في صفر سنة ١١٨هـ الأجواءَ لشيعة الكوفة من أجل التمرّد على بني أميّة، فانضمّ إليه منهم ما يزيد على خمسة عشر ألفاً، كما بايعه جماعة كثيرة من فُرس المدائن، والبصرة، وواسط، والموصل، والريّ، وجرجان، وخراسان، بَيْد أنّ الشيعة لم يفعلوا شيئاً هذه المرّة أيضاً، وقام حاكم الكوفة يوسف بن عمر بقمع المعارضين لبني أميّة، واستشهد زيد الذي كان قد استبسل في القتال فصلبه يوسف ثمّ حرقه وألقى رماده في ماء الفرات.

وفي تلك الفترة التي ثار فيها زيد كانت هناك فرقة أُخرى من الشيعة، وهم بقايا الكيسانيّة الذين بايعوا محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عبّاس بن عبد المطّلب بعد وفاة أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة سنة ٩٨هـ، وعرفوا بشيعة آل العبّاس أو الراونديّة، وقد تغلغلت تغلغلاً شديداً في الأمصار المختلفة لا سيّما أمصار الشرق الإسلاميّ، وكانت تنتظر انهيار الدولة الأُمويّة لحظة بعد أخرى، ولمّا كانت تظنّ أنّ الحكومة الأمويّة ستزول في نهاية القرن الأوّل الهجريّ، وأنّ الحقّ سيعود إلى أهله، أوفَدَت مبعوثين عنها في سنة ١٠١هـ إلى محمّد بن عليّ الذي اختار لقب (الإمام)، وكان قاطناً بقرية من قرى الشام تعرف بالحُميمة، وبايعته بالإمامة والخلافة.

وأشخص محمّد الإمام المبلّغين والدعاة إلى العراق وخراسان ليُطلعوا الناس على قّبح تصرّفات الأمويّين وسوء سيرتهم وحكومتهم، ويدعوهم إلى العبّاسيّين.

وقام دعاة العبّاسيّين أيّام محمّد الإمام ونجله إبراهيم الإمام بنشاط مهمّ ضدّ الأمويّين في العراق وخراسان اللتين استجابتا لدعوتهم أكثر من الأمصار الأخرى. وعلى الرغم من أنّ حكّام الأمويّين وولاتهم قتلوا جماعة من أنصار إبراهيم، بَيْد أنّهم لم يفلحوا في القضاء على الشيعة الراونديّة، وسوّدت هذه الطائفة ثيابها في


خراسان بعد وفاة محمّد بن عليّ الإمام (١٢٤هـ) فعُرفت بالمُسَوِّدة، ومعظمهم من دهاقين خراسان وأولاد نبلاء الفرس، ونهضوا بمؤازرة أبي مسلم الخراسانيّ وأبي سَلَمة حفص بن سليمان الخَلاّل الهمدانيّ، وتمكّنوا في آخر الأمر من القضاء على الأمويّين سنة ١٣٢هـ وأثبتوا تفوّق العنصر الفارسيّ على العنصر العربيّ(١) في وقعة الزاب، وفتحوا بذلك عهداً جديداً في تاريخ الحكومة والحضارة الإسلاميّة.

أمّا الشيعة العلَويّة فلم يكن لهم شأن يذكر بسبب إقبال جُلّ الشيعة على الكيسانيّة والزيديّة، وكانوا يجتمعون حول أئمّتهم في المدينة أيّام الأمويّين، وعاشوا متفرّقين متوارين في الحواضر النائية، وتركّز نشاطهم على محاججة المخالفين، بخاصّة أصحاب الفرق الشيعيّة الأُخرى كالغلاة، والكيسانيّة، والزيديّة، ثمّ الواقفة بعد ذلك، فعمدوا إلى تفنيد أدلّتهم، وجَهِدوا في إثبات أحقّيّة مذهبهم.

وعندما ثار أهل العراق وخراسان على بني أميّة تعاطفاً مع العبّاسيّين، فإنّ عدداً من الشيعة - وكبيرهم أبو سلمة الخلاّل - فكّروا في أن تكون الخلافة لآل عليّعليهم‌السلام ، وكان ذلك في زمن الإمام السادس للشيعة أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (٨٣-١٤٨هـ)، فكاتب أبو سَلَمة ثلاث من أعيانهم هم: الإمام الصادقعليه‌السلام ، وعبد الله المحض بن الحسن المثنّى بن الحسن المجتبى بن الإمام أمير المؤمنين عليّ، وعمر الأشرف بن الإمام زين العابدين، يدعوهم إلى الخلافة، وأرسل الكتب مع رجل من مواليهم، وقال له: اقصد أوّلاً جعفر الصادقعليه‌السلام ، فإن أجاب فأبْطِل الكتابين الآخريَن، وإن لم يجب فالْقَ عبد الله المحض، فإن أجاب فأبطل كتاب

____________________

١ - المسألة ليست تفوّق عنصر على عنصر، والعنصران بعنصريّتهما جاهليّان، وإنّما المسألة انتصار الجاهليّة العبّاسيّة على الجاهليّة الأمويّة، مستعينةً ببعض القاطنين في بلاد فارس إن صحّ انحدارهم من أرومة فارسيّة أصيلة. (م)


عمر، وإن لم يجب فالْقَ عمر.

أمّا الإمام الصادقعليه‌السلام فقد أحرق الكتاب دون أن يقرأه، فذهب رسول أبي سلمة إلى عبد الله وناوله الكتاب، فقبل الدعوة وأسرع إلى الإمام الصادق فأخبره بدعوة أبي سلمة إيّاه إلى الخلافة في كتاب أرسله إليه بيد أحد شيعة خراسان، فأوصاه الإمام بالاحتياط، وقال له: (ومتى صار أهل خراسان شيعتك؟! أأنت وجّهت إليهم أبا مسلم؟! هل تعرف أحداً منهم باسمه أو بصورته، فكيف يكونون شيعتك وأنت لا تعرفهم وهم لا يعرفونك؟! فقال عبد الله: كأنّ هذا الكلام منك لشيء! فقال الصادق: قد علم الله أنّي أُوجِب النصح على نفسي لكلّ مسلم، فكيف أذخره عنك؟! فلا تُمنِّ نفسَك الأباطيل، فإنّ هذه الدولة ستتمّ لهؤلاء)، فانصرف عبد الله من عنده غير راضٍ، وأمّا عمر الأشرف فإنّه ردّ الكتاب وقال: أنا لا أعرف صاحبه فأجيبه، ثمّ غُلب أبو سلمة على رأيه وعملت الدولة عملها، وبويع السفّاح ونُمي الخبر إليه فحقد على أبي سلمة وقتله(١) ، ولهذا السبب أيضاً كتب أبو مسلم إلى الإمام الصادقعليه‌السلام ، فقال في جوابه: (ما أنت شيعة لي، ولا الزمان زماني)، فيئس أبو مسلم وبايع أبا العبّاس السفّاح(٢) ، ويلاحظ في أيّام ضعف الأمويّين ودعوة أتباع العبّاسيّين أنّه على الرغم من قلّة الظلم الذي مارسه هؤلاء الحكّام والقوّة التي كانت عليها شريحة من الشيعة، فإنّ العبّاسيّين لمّا كانوا يَرَون العلويّين منافسين لهم، ويخشون تصاعد قوّتهم وزيادة عددهم، كان أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام يوصون أصحابهم وأتباعهم بالاعتدال والتقيّة وكتمان الأسرار.

وروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: « وليس الناصب لنا حرباً بأعظم مؤنةً علينا من المُذيع علينا سرَّنا، فمن أذاع سرّنا إلى غير أهله لم يفارق الدنيا حتّى يعضّه

____________________

١ - الفخريّ ١١١-١١٢.

٢ - الملل والنحل ١١٥.


السلاح أو يموت بِخَبَل (١) » ، وكان أحد أصحاب الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام يُدعى جابر بن يزيد الجُعفيّ زعم أنّه يحفظ خمسين ألف حديث، وقال: قلتّ لأبي جعفرعليه‌السلام : جُعِلت فداك، إنّك قد حمّلتني وِقراً عظيماً بما حدّثتني به من سرّكم الذي لا أُحدّث به أحداً، فربّما جاشَ في صدري حتّى يأخذني منه شِبهُ الجنون! قال: « يا جابر، فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبّان (الصحراء) فاحفر حفيرة ودَلِّ رأسك فيها» ، ثمّ قال: «حدّثني محمّد بن عليّ (يقصد نفسه الشريفة)بكذا وكذا (٢) .»

أمّا الفرس بخاصّة الذين كانوا ينحدرون من الأُسر الأصيلة للدهاقين والحضر والمرازب والأساورة في العهد الساسانيّ، وكان آباؤهم وأجدادهم يتولّون الأعمال المدنيّة والعسكريّة يومئذٍ، فإنّهم على الرغم من إيمانهم بالإسلام وقبولهم اللغة العربيّة في العصر العبّاسيّ، كانوا يسعون إلى العثور على رئيسٍ لهم يتّفق وآدابهم الفارسيّة القديمة ويستجيب لميولهم الفطريّة، وهم الذين استأثروا بالمناصب الإداريّة للحكومة العبّاسيّة من إدارة الدواوين الصغيرة حتّى الوزارة. وكان بأيديهم زمام الأُمور الإداريّة والحكوميّة في بغداد وغيرها من الحواضر المهمّة إذ كانت تشرف عليها أُسر أصيلة كالبرامكة، وآل نوبخت، وآل سهل وغيرهم، ولما رأوا أنّ المبادئ الدينيّة للمذهب الإماميّ - مع ما كانوا يحتفظون به من ذكريات العهد السّاسانيّ - تنسجم مع رغباتهم القلبيّة، آمنوا بها واتّبعوها وأصبحوا من المدافعين عنها، ذلك أنّ مذهب الإماميّة يخالف غصب الحقّ، ويقوم على إثبات الأولويّة والأفضليّة لمن نصّ عليه الله ورسوله بالإمامة والخلافة. والمجتمع الشيعيّ في هذا المذهب كأُسرة كبيرة رئيسها الإمام المعصوم، وتصل أوامره ونواهيه إلى خواصّ أصحابه، وهؤلاء يبلّغونها الشيعة فتنتقل من شريحة إلى أُخرى حسب درجاتها، وكان الفرس يستطيعون من خلال إيمانهم بهذا المبدأ أن

____________________

١ - رجال الكشّيّ ٢٤٢.

٢ - نفسه ١٢٨، ومجمع البحرين ٢٦٠.


يحافظوا على التقسيم الطبقيّ لأسر العهد الساسانيّ الذي كانوا قد ألِفوه، تلك الأُسر التي كان الشاهنشاه - أي: ظلّ الله - يعدّ حلقتها الأولى.

ولا ينكر الناس المنصفون أنّ عقيدة الإماميّة في باب الإمامة قويّة وطيدة وإن لم تتّخذ طابعاً عمليّاً تطبيقيّاً بعد أمير المؤمنين عليّ وابنه الإمام الحسنعليهما‌السلام إذ لم يتسلّم أحد الأئمة مقاليد الخلافة بعدهما، فهم ما بين شهيدٍ وبين مَن قضى نحبه في سجون الظالمين، وإنّما كانت العقيدة المذكورة قويّة لرسوخ أُسسها الأخلاقيّة، واستنادها إلى ظُلامة آل الرسول، وتذكار ما جرى عليهم من المصائب المؤلمة؛ إذ أنّ فيهم مَن استُشهد، وفيهم من عُذّب. وكان المسلمون عامّة يذكرون هؤلاء الشهداء المظلومين بإجلال وإكبار ويزورون قبورهم.

وكان بعض الملوك العبّاسيّين كالمتوكّل والمعتضد ينظرون إلى الإماميّة بوصفها فرقة سياسيّة، ويرون أنّ عقيدتهم في الإمامة مؤامرة ضدّ الأُسرة العبّاسيّة الحاكمة، وكانوا يبذلون قُصارى جهودهم للقضاء عليهم، بَيْد أنّ البعض الآخر من متأدّبيهم ومتربّيهم كالمأمون والناصر كانوا يذهبون إلى أنّ عقيدة الإماميّة من أرقى العقائد الدينيّة لكنّهم كانوا مضطربين فكريّاً لعدم سيادتها على العالم، وكان في العبّاسيّين أيضاً مَن يرى أنّ الحكومة العبّاسيّة حكومة غاصبة، ومنهم المقتدر الذي كان يعتقد اعتقاداً باطنيّاً بمذهب الإماميّة.

وقام عدد من رؤساء الإماميّة الذين أخذوا طريقهم إلى البلاط العبّاسيّ بإشراك الأُسر الفارسيّة العريقة المترفة في الشؤون الحكوميّة من خلال تخويل أفرادها مناصب ممتازة، وكان يُنظَر إلى الإماميّة في بغداد على أنّهم رافِعوا راية المعارضة للأوضاع القائمة يومئذٍ، وكانوا بما أُوتوا من قدرة أخلاقيّة ومعنويّة يُنْحُون باللآئمة دائماً على من يسمّونه بالسلطان الذي يريدون به الحاكم العبّاسي، وكانوا يرغمونه على إناطة المناصب بهم عبر التهديد الذي كان لا يتخطّى التحذير، ولم يرضوا عنه


أو يشكروه يوماً(١) .

وكان الإماميّة في البداية، أي: قبل ظهور علم الكلام، يستندون إلى كلام الله وسنّة نبيّه في الأُصول والفروع كسائر الفرق الإسلاميّة آنذاك ويختلفون عنها في رجوعهم إلى الأئمة المعصومينعليهم‌السلام في تفسير الآيات القرآنيّة والسنن النبويّة وتأويلها، وكانت كلمات الأئمة التي تمثّل الأحكام الدينيّة والتعاليم المتّبعة عند الإماميّة تُعالج ما غَمضَ على الناس من الآيات والسنن.

إنّ انقسام الشيعة فرقاً، وإصرار أهل السنّة والخوارج على مناوءة الإماميّة دفعا الأئمةعليهم‌السلام وأتباعهم إلى المحاججات والمناظرات، ولمّا كانت المناظرات مقصورة على الشؤون العباديّة والفروع أوصى علماء الإماميّة بادئ الأمر بالاستدلال بآيات القرآن والسنن المنقولة عن النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والعمل بالاحتجاجات التي عرضها أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام في مقابل خصومه كالخلفاء الثلاثة الأُوَل، ومعاوية، والخوارج، واليهود، والنصارى، ونلاحظ في هذه الاحتجاجات والخطب الأخرى لأمير المؤمنينعليه‌السلام جذر الاستدلال بالأدلّة العقليّة والبراهين اليقينيّة، ومع أنّ الإمامعليه‌السلام لم يسلك سبيل المتكلّمين التقليديّين في كلامه إلاّ أنّ المعتزلة والشيعة تأِسَّوا به نوعاً ما واستندوا إلى كلماته في إثبات أُصول عقائدهم ودحض أقوال خصومهم، ونلاحظ في عصر الإمام الصادقعليه‌السلام أنّ المعتزلة قد نشطوا، ودوّنوا علم الكلام بالنحو الذي ذكرناه في الفصل السابق من جهة، وأنّ الزّنادقة (المانويّة) وأصحاب مرقيون، وابن ديصان، وسائر فرق الخوارج بثّوا مقالاتهم من جهة أُخرى، وكان الإماميّة أقلّيّة ويعيشون في ضيق بسبب ظهور الكيسانيّة، والزيديّة، والإسماعيليّة وفرق الشيعة الأُخرى، وأُجبروا على مناظرة الفرق الجديدة بخاصّة المعتزلة الذين كانوا يتوكّأون على دعامة قويّة كالأدلّة الكلاميّة العقليّة، وكانوا قد

____________________

١ - L, Massignon, passion d`al-Halladj.ص ١٤١-١٤٢


دخلوا ميدان المجادلة بأسلوب استدلاليّ معيّن واصطلاحات جديدة، وإنّما قام الإماميّة بذلك محافظةً على عقائدهم من هجمات مناوئيهم، يضاف إلى ذلك أنّ أبا حنيفة النعمان بن ثابت (٨٠-١٥٠هـ) قد أظهر مذهبه يومئذٍ وهو من مُرجئة العراق، ومن الموالي الفرس، ووضع مذهبه على أساس القياس الجليّ والخفيّ(١) واستنباط المعاني من الأحكام على خلاف أصحاب الحديث الذين كان اهتمامهم كلّه منصبّاً على تحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء الأحكام على النصوص، وكان أتباعه الذين عُرفوا بأصحاب الرأي والقياس يقدّمون القياس الجليّ حتّى على (خبر الواحد) أحياناً، وكان أبو حنيفة يقول غالباً: علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى ولنا ما رأينا، وهذا ما أفضى إلى أن يزيد أصحابه على اجتهاده اجتهاداً، ويخالفوه في الحكم الاجتهاديّ(٢) .

وتقارن عصر الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام مع بداية النهضات الدينيّة والاحتجاجات والمناظرات المذهبيّة، وكان الإماميّة يومئذٍ مضطرّين إلى مناظرة فرق الشيعة المختلفة كالكيسانيّة، والزيديّة، والغلاة، والإسماعيليّة وردّ دعاواهم من جهة، ومجادلة أصحاب الحديث والسنّة وأتباع أبي حنيفة، والزنادقة، والدهريّين، والأشدّ منهم جميعاً: المعتزلة من جهة أُخرى، ويبدو أنّ هذا العمل كان في بدئه عسيراً نوعاً ما بسبب عدم تدوين الحديث وفقاً لرواية الإماميّة، وقلّة

____________________

١ - القياس في اللغة عبارة عن التقدير، وعند أهل الأصول: إبانة مثل حكم المذكورَين بمثل علّته في الآخر، واختيار لفظ الإبانة دون الإثبات؛ لأنّ القياس مظهر للحكم لا مثبت، وذكر مثل الحكم ومثل العلّة احتراز عن لزوم القول بانتقال الأوصاف، واختيار لفظ المذكورين ليشمل القياس القياس بين الموجودين وبين المعدومين، والقياس إمّا جليّ وهو ما تسبق إليه الأفهام، وإمّا خفيّ وهو ما يكون بخلافه ويسمّى الاستحسان، (التعريفات ٧٨) وفي الأحاديث المرويّة عن الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام : «ليس من أمر الله أن يأخذ دينه بهوىً ولا رأي ولا مقاييس »، قيل: ذكر المقاييس بعد الرأي من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ لشدّة الاهتمام.

٢ - الملل والنحل ١٦٠-١٦١؛ مجمع البحرين ٣٤٦-٣٤٧.


علماء المذهب الإماميّ، ولم يكن لهم خيار إلاّ الرجوع إلى أئمّتهم، ولما كان الإمام حسب عقيدة الإماميّة أعلم أهل زمانه وأتقاهم، وكان بصيراً بمصالح الناس جميعاً اتّخذ متكلّمو الإماميّة أئمّةَ الهدىعليهم‌السلام مراجع لهم في كافّة الميادين، وكانوا يتلقّون التعليمات منهم، كما كانوا يفنّدون دعاوى خصومهم بتوجيه أئمّتهم، وعملوا على جمع الأخبار التي كانوا يسمعونها منهم، بخاصّة أنّ الأحاديث والأخبار المرويّة عن الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام في هذه الميادين أكثر من أحاديث الأئمّة الآخرين، وينقل الشيعة الإماميّة أخبارهم غالباً عن الإمام الباقر والإمام الصادقعليهما‌السلام لا سيّما عن الإمام الصادقعليه‌السلام الذي رُوي أكثر الأُصول الأربعمائة عنه.

وفي ضوء ما نقله الشيخ المفيد فإنّ علماء الإماميّة قد ألّفوا أربعمائة كتاب منذ عصر أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام حتّى عصر الإمام الحادي عشرعليه‌السلام ، وتُدعى هذه الكتب بالأُصول.

والأصل كما يصطلح عليه علماء الحديث هو كلام الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام فحسب، في مقابل الكتاب والمصنّف اللذين يشتملان على كلامٍ للمؤلّف مضافاً إلى كلام الأئمّةعليهم‌السلام (١) ، وكان مؤلّفو الكتب الرجاليّة يفصلون أصحاب الأُصول عن المصنّفين في البداية، وأوّل من وفّى هذا العمل حقّه هو أبو الحسين أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائريّ الذي كان أحد المؤلّفين في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجريّ، وقد صنّف كتابين: أحدهما يتعلّق بالكتب المؤلّفة، والثاني يتعلّق بالأُصول، بَيْد أنّهما سرعان ما فُقدا، وجاء بعده الشيخ الطوسيّ فأعدّ كتابه الفهرست في الجمع بين المصنّفين وأصحاب الأُصول(٢) .

ولكن لما كانت هذه الأخبار والأحاديث غير مدوّنة لفترةٍ حيث بدأ تدوينها في

____________________

١ - رجال أبي عليّ ١١.

٢ - الفهرست ١-٣.


القرن الثاني لا غيره(١) ، فإنّ كلّ فرقة من الفرق الإسلاميّة كانت تؤوّلها وفقاً لأغراضها الخاصّة لا سيّما بعد وفاة الإمام الصادقعليه‌السلام ، وفي عصر ولده الكاظمعليه‌السلام ؛ إذا ظهرت فرق جديدة كالإسماعيليّة، والفَطحيّة، والواقفة، وكان كثير من أصحاب تلك الفرق يفترون الأخبار والأحاديث من عند أنفسهم ويروونها باسم الأئمّة (عليهم السلام، وقد شُرع بهذا العمل في حياة الإمام الصادقعليه‌السلام نفسه، فقال: «... إنّ الناس أُولِعوا بالكذب علينا، وإنّي أُحدّث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتّى يتأوّله على غير تأويله، وذلك أنّهم لا يطلبون بحديثنا وبحبّنا ما عند الله، وإنّما يطلبون الدنيا » (٢) .

وممّن اشتهر بانتحال الأخبار ودسّها في الأحاديث المرويّة عن الأئمّةعليهم‌السلام - وتذكر أسماؤهم مراراً -: أبو عليّ عبد الله بن بكير الشيبانيّ (من الفطحيّة)، وسماعة بن مهران (من الواقفة)، وأبو الحسن عليّ بن حمزة البَطائنيّ (من الواقفة)، وأبو عمر عثمان بن عيسى (من الواقفة)، وبنو فضّال (من الواقفة)، والمغيرة بن سعيد (من الغُلاة)، وأبو الخطّاب محمّد (من الإسماعيليّة)، والطاطريّة أصحاب عليّ بن حسن الطاطريّ، وبنو سماعة (كلّهم من الواقفة) وغيرهم(٣) ، وبشكل عام فإنّ كثيراً من المصنّفين وأصحاب الأُصول من الإماميّة كانت لهم أوّل الأمر عقائد ومذاهب عدّها العلماء الذين جاؤوا بعدهم فاسدة، وانشغلوا في تجريحهم وتعديلهم وبيان حقّهم وباطلهم(٤) .

وكانت فرق الشيعة المختلفة - بمن فيهم الذين كانوا يختلقون الأخبار - ينسبون رواياتهم جميعاً إلى الأئمةعليهم‌السلام إثباتاً لدعاواهم، وهذه المسألة كانت تسبّب حرجاً كبيراً للناس، وتنتهي بلعن رواة الأخبار المختلقة الضعيفة مِن قِبل الأئمّةعليهم‌السلام ،

____________________

١ - بحار الأنوار ١: ١٦٢.

٢ - نفسه ١: ١٩٥.

٣ - نفسه ١: ١٩٦-١٩٨.

٤ - الفهرست للشيخ الطوسيّ ٣.


وتفسح المجال لمناوئي الشيعة أن يطعنوا فيهم. ومن ثمّ يستغلّ المعتزلة وأهل السنّة هذا الموضوع لتخطئة الشيعة ومهاجمتهم(١) .

واضطرّ علماء الإماميّة بعد ظهور علم الكلام إلى التمسّك بالاصطلاحات وأساليب الاستدلال عند المتكلّمين من أجل الردّ على أدلّة خصومهم والدفاع عن عقائدهم، ومع أنّ معظم الشيعة كانوا ينفرون من الكلام(٢) ، وكانوا يروون أحاديث أيضاً في النهي عن الاستدلال والنظر في القضايا الدينيّة، بَيْد أنّهم اهتمّوا بتعلّم أُصول هذا العلم شيئاً فشيئاً، وكان جماعة من أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام - كما سنأتي عليه - يُعَدّون في الطبقة الأولى من متكلّمي الإماميّة، وكان الإمامعليه‌السلام يحثّهم ويشجّعهم على مناظرة الخصم وإبطال دعاوى المخالفين وإثبات أحقّيّة المذهب الإماميّ، مع هذا كان هناك خلاف شديد بين الإخباريّين والمتكلّمين منهم كسائر الفرق، وكلّ طائفة كانت تردّ على الطائفة الأخرى وتكفّرها(٣) ، لكنّ الحاجة إلى الدفاع عن العقائد الدينيّة بالأدلّة الكلاميّة، والشعور بضرورة مواجهة المعتزلة ممّا رفع من شأن المتكلّمين على كرور الأيّام، وكانوا يستشهدون باحتجاجات الأئمّة وكلمات أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام من أجل إظهار صحّة هذا النهج، بخاصّة أنّ متكلّمي هذا العصر من المعتزلة والإماميّة واجَهوا - كما قلنا - كثيراً من الموضوعات التي كانوا قد استنبطوها بواسطة الأدلّة العقلية، وجعلوها من أُصول مذهبهم وذلك في سياق دراستهم لخطب وكلمات الإمام أمير المؤمنين الحِكميّة، وذهبوا إلى أنّها تدعم اهتمامهم في الكلام، وعدّوا الإمامعليه‌السلام أُستاذهم ورئيسهم في هذا المجال(٤) . ويلحظ بين متكلّمي الإماميّة أنّ الشيخ المفيد ألّف كتاب الكامل في علوم الدين،

____________________

١ - الانتصار ١٣٤، وتلبيس ابليس ١٠٥.

٢ - الانتصار ٤.

٣ - الملل والنحل ١٣١.

٤ - الاحتجاج ١٠٢، وشرح نهج البلاغة ٢: ١٢٠ و١٢٨.


وكتاب الأركان في دعائم الدين وذكر فيهما ترجمة وافية لمتكلّمي الإماميّة وكتبهم وثناء الأئمّة عليهم، ونقل فيه أنّ فقهاء الإماميّة ورؤساءهم استعملوا المناظرة وآمنوا بصحّتها(١) ، يضاف إلى ذلك أنّ احتجاجات الأئمّةعليهم‌السلام - بخاصّة الإمام الصادق، والإمام الرضا - مع الزنادقة، والدَّيصانيّة، وأصحاب أبي حنيفة، والزيديّة، والنصارى، واليهود، والمجوس كانت مثالاً وقدوة لمتكلّمي الإماميّة.

وهؤلاء أيضاً كانوا ينتهجون هذا السبيل عملاً بتعليمات أئمّتهم، وتشجيعهم إيّاهم.

لكن الطبقة الأولى من متكلّمي الشيعة ما كانت في البدء موافقة لعقائد الفرقة المذكورة، بسبب عدم تدوين هذا العلم، ولم يكن بينهم توافق كامل على تحديد دقيق للاصطلاحات والمباحثات الكلاميّة، ولمّا مال الزنادقة وبعض المسلمين الجدد المغرضين إلى الإماميّة لحقدهم على المعتزلة؛ إذ كانوا يفنّدون عقائدهم تفنيداً شديداً بأدلّة قويّة، وكانوا قد خلطوا مقالاتهم بمقالات الشيعة، فقد صدرت مقالات عن بعض متكلّمي الإماميّة تختلف عن الأُصول الدينيّة للمذهب الإمامي اختلافاً تامّاً، فتصدّى أئمّة الهدى والمقرّبون منهم إلى ردّها، وإطلاع هؤلاء المتكلّمين على خطئهم في اقتباسها وترويجها.

ولمّا لم ينتشر علم الكلام بين الإماميّة حتّى عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ، فإنّ علماء هذه الفرقة كانوا جميعاً على نهج أئمّتهم في الأُصول، ثمّ برز الاختلاف بينهم في رواية الأخبار والأحاديث، وانفصلت شريحة المتكلّمين عن الإخباريّة وتمسّكت بأُصول الاعتزال(٢) ، بخاصّة أنّ عدداً منهم كانوا من المشبّهة أوّل الأمر، ثمّ تراجعوا عن عقيدة التشبيه بسبب نهي الأئمّةعليهم‌السلام عنها، ولاختلاطهم بالمعتزلة(٣) .

____________________

١ - بحار الأنوار ٤: ٣٧٥.

٢ - الملل والنحل ١٢٤ و١٣١.

٣ - نفسه ١٣٢. وبحار الأنوار ٤: ٣٧٥.


ونلاحظ أنّ الكلام عند الإماميّة وإن كان أساسه في البداية مقتبساً من المعتزلة(١) ، بَيْد أنّه وجد له أُسساً خاصّة يقوم عليها بفضل توجيه الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، وظهور عدد من العلماء الكبار في أوساطهم، وحصل خلاف عقيديّ بين متكلّمي الإماميّة والمعتزلة حول كثير من الموضوعات، واحتدمت سوق المناظرات بينهما، وصنّفت كلّ طائفةٍ منهما كتباً في الردّ على الطائفة الأخرى.

وعلى الرغم من هذا فإنّهما لم يفترقا في الأُصول كثيراً، بخاصّة أنّ بعض طبقات الشيعة اقترب من المعتزلة عقيديّاً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعتزلة فإنّ بعض رؤسائهم اقترب من الشيعة، وهذا ما جعل بعض المؤرّخين يواجهون صعوبةً في تشخيص عقائد عدد منهم، فتارةً ذكروهم في عداد المعتزلة، وأُخرى في مصافّ الشيعة، وخلط الرجاليّون السنّة بينهما غالباً وعدّوهما طبقة واحدة لا سيّما أنّ إحدى الفرق الشيعيّة الكبيرة وهم الزيديّة نهجوا سبيل الاعتزال لظنّهم أنّ مؤسّس فرقتهم زيد بن عليّ كان تلميذ واصل بن عطاء، وكانوا يفضّلون أئمّة المعتزلة على أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ، ومن هذا المنطلق رفضت شيعة الكوفة زيداً لمّا سمعت أنّه يتبع المعتزلة في القول بإمامة المفضول، وعرفوا أنّه ينكر البراءة من الشيخين (الخليفة الأوّل والثاني). وجرت بينه وبين أخيه الإمام محمّد الباقرعليه‌السلام مناظرات في هذا الوجه، وقد لامه الإمام من حيث إنّه يقتبس العلم ممّن يجوّز الخطأ على جدّه (أمير المؤمنينعليه‌السلام ) في قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، ومن حيث إنّه يتكلّم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت، ومن حيث إنّه كان يجعل الخروج شرطاً في الإمامة(٢) .

____________________

١ - هذا الموضوع محل جدل ونقاش، ولا يمكن البتّ به بهذه السهولة، وممّا يرجّح أصالة الفكر الكلاميّ الشيعيّ أن متكلّمي الشيعة قد استندوا في قضايا المعتقَد إلى كلمات أئمّتهم، لكن التشابه في بعض المباحث بين الشيعة والمعتزلة لا يدلّ بالضرورة على الاقتباس(م).

٢ - الملل والنحل ١١٦-١١٧ و١٢١.


وتركّزت مناظرات المعتزلة والشيعة الإماميّة على المسائل الآتية: شروط الإمام وكيفيّة نصبه والإجماع، والنصّ، والغَيبة، والرجعة، والبَداء، والتقيّة، والتشبيه، والرؤية، ومقالات الغلاة كالحلول والتناسخ التي رفضها الإماميّة بعامّة، واتّهمهم بها المتعزلة لخوض بعض متكلّميهم الأُوَل فيها، والحكم على الصحابة، والأحاديث المنسوبة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أو المرويّة عنه، وقدر القرآن(١) ، وعقيدة القدر حيث لا يعتقد الإماميّة بحكم المجبّرة ولا بحكم المعتزلة في هذا الباب، بل يعتقدون بالأمر بين الأمرين، كما قال الصادقعليه‌السلام : «لا جَبرَ ولا تفويض ولكنْ أمرٌ بين الأمرين» (٢) ، ومسائل أُخرى غيرها.

* * *

ويبدو أنّ أوّل من صنّف كتاباً في الإمامية بين متكلّمي الإماميّة، وأوّل من ناظر مخالفيهم في هذا الميدان هو عيسى بن روضة أحد الموالي الملازمين للمنصور العبّاسيّ (١٣٦-١٥٨هـ)(٣) ، كما يلوّح لنا أنّ أوّل متكلّم تكلّم وفقاً لأُصول عقائد الإماميّة وناظر المخالفين بأدلّة كلاميّة هو أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن ميثم التّمّار، وهو من متكلّمي النصف الأوّل من القرن الثالث الهجريّ، ومناظراته مع أبي الهُذَيل العلاّف، وأبي إسحاق النظّام، وضرار بن عمرو الضّبّي معروفة.

ومن أكبر الدعاوى التي قامت بين الإماميّة من جهة وبين المعتزلة وأهل السُّنَّة من جهة أُخرى هي دعوى النصّ الجليّ في باب الإمامة، فالمعتزلة وأهل السنّة يرون أنّ الإماميّة لم يُعرفوا دعوى النصّ الجليّ قبل أبي عيسى الورّاق، وابن الراونديّ، وهشام بن الحكم، وهؤلاء الثلاثة هم أوّل من وضع هذه الدعوى(٤) . بَيْد

____________________

١ - الانتصار ١٠٤-١٠٥ و١٣٥-١٣٦.

٢ - أُصول الكافي: ٥٥؛ الملل والنحل: ١٢٥؛ مجمع البحرين: ٣٧٢.

٣ - رجال النجاشيّ: ٢٠٩.

٤ - الشافي للشريف المرتضى: ٩٨، نقلاً عن المغني للقاضي عبد الجبّار، وشرح المقاصد ٢: ٢٨٥.


أنّ متكلّمي الإماميّة يرفضون هذا الرأي ويذهبون إلى أنّ القول بالنّص الجليّ عقيدة شيعيّة قديمة، لكنّ المخالفين قبل عصر ابن الراوندي وأبي عيسى وهشام بن الحكم لمّا لم يجدوا للشيعة كلاماً مجموعاً في نصرة النصّ، ووجدوه أوّل مرّة في كتب هؤلاء الثلاثة مفصّلاً، توهّموا أنّهم هم الذين وضعوه(١) .

ولمّا كان النزاع المهمّ بين متكلّمي الإماميّة وأهل الكلام من سائر الفرق يحوم حول الإمامة، فإنّ كلّ متكلّم من متكلّمي الإماميّة صنّف كتاباً أو كتباً متعدّدة في الإمامة منذ عصر الإمام الصادقعليه‌السلام ، وقرّروا عقائدهم وفصّلوا القول فيها بأدلّة سمعيّة وعقليّة، وذكرت كتب في الإمامة للطبقة الأولى من متكلّمي الشيعة كأبي الحسن علٍيّ بن إسماعيل التمّار، وهشام بن الحكم، وأبي جعفر محمّد بن النعمان مؤمن الطاق، وأبي جعفر محمّد بن خليل الشكّال، وأبي محمّد يونس بن عبد الرحمن القمّيّ، وألّف الشكّال كتاباً في ردّ عقائد مَن أنكر وجوب الإمامة بالنّص(٢) .

إنّ انتشار كتب هؤلاء في الإمامة، وجهود الشيعة الإماميّة في تقرير هذا الموضوع والتركيز على أهمّيّته جعل مبحث الإمامة من أهمّ مباحث علم الكلام، لا سيّما، وقد ظهر في الطبقة الثانية من متكلّمي الشيعة أو المنسوبين إليهم مؤلّفون كبار كأبي عيسى محمّد بن هارون الورّاق، وأحمد بن يحيى بن الراونديّ، وأبي الأحوص داود بن أسد البصريّ، وأبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ، وأبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ، وقام هؤلاء بنشر عقائد المتكلّمين السابقين بنحو مفصّل، وتصدّوا إلى الردّ على آراء المعتزلة والفرق الأُخرى بأدلّة يقينيّة.

وتعدّ كتبهم المطابقة لأُصول مذهب الإماميّة من أوثق كتب الشيعة في الإمامة. وأدّى انتشارها إلى دخول مبحث الإمامة في علم الكلام الشيعيّ. وإنّ أوّل من عدّ

____________________

١ - الشافي: ٩٨.

٢ - الفهرست ١٧٦.


مبحث الإمامة في الأُصول واحتجّ في ذلك الباب هو أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ (٢٣٥-٣١١هـ)(١) ، ثمّ تأسّى به المتكلّمون الآخرون، وأدخلوا مبحث الإمامة في المباحث الكلاميّة في ذيل النبوّة.

اتّسع نطاق علم الكلام الشيعيّ بعد طبقة الورّاق، وابن الراونديّ، وآل نوبخت وطلاّبهم، وصنّف المتكلّمون الجدُد كتباً متعدّدة بمناهج وأساليب متنوّعة. وعلى الرغم من أنّ أُصول عقائدهم جميعاً واحدة، وكلّهم يتبعون أُصولاً مدوّنة من قبل المتكلّمين القدامى، لكنّهم كانوا يختلفون أيضاً في كثير من المواطن الجزئيّة، وكان لكلّ منهم مشربه الخاصّ به، وأصبح هذا الاختلاف بينهم في المسائل الكلاميّة حربةً بيد الإخباريّين لمهاجمتهم، وتصريحهم أنّ أُسلوب الكلام في معرفة الأحكام الدينيّة أُسلوب لا يوثق به، ولا يخلو من شبهة، وأراد قطب الدين أبو الحسين سعيد بن هبة الله الراونديّ (المتوفّى سنة ٥٧٣هـ) شارح نهج البلاغة أن يثبت هذا الرأي فألّف رسالة في ذكر مواضع الخلاف بين الشيخ المفيد والشريف المرتضى، وذكر فيها خمسة وتسعين موضعاً. وقال: إنّه لو أراد أن يستوفي في هذا الباب لطال الكتاب(٢) .

وبعد ذكر هذه المقدّمات نتطرّق فيما يأتي إلى ترجمة مجملة للمتكلّمين الأوائل من الإماميّة أو المنسوبين إليهم ممّن سبق آل نوبخت في هذا المضمار، ويعدّ المتكلّمون النوبختيّون وسطاً بينهم وبين المتكلّمين الكبار في القرن الرابع والخامس.

____________________

١ - نخبة المقال ١٣٢.

٢ - بحار الأنوار ١: ١٥٥-١٥٦، وروضات الجنّات ٣٠١.


١ - أبو جعفر مؤمن الطاق

(أواسط القرن الثاني)

كان أبو جعفر محمّد بن النُّعمان من موالي الكوفة، وعرف بمؤمن الطاق؛ لأنّه كان صرّافاً في طاق المحامل بالكوفة، ولقّبه المخالفون شيطان الطاق لحَوَلٍ كان في عينه، عاصر أبا حنيفة (٨٠-١٥٠هـ) وكان أحد أصحاب الإمام الصّادقعليه‌السلام (٨٣-١٤٨هـ)، عُدّ من قدماء شيوخ الشيعة ومن متكلّميهم الأُوَل، وجرت له مناظرات كثيرة مع أبي حنيفة ورؤساء المعتزلة والخوارج، وكان في عداد متكلّمي الشيعة الذين رُموا بعقيدة التشبيه، ونال منه المعتزلة على نحو خاصّ في هذا المجال(١) ، ولمّا كان مؤمن الطاق من قدماء الإماميّة الذين تكلّموا في ذات الباري تعالى وصفاته، وكان علم الكلام لم يدوّن بعد وفقاً لمذهبهم، فقد رفض بعض المتكلّمين من الإماميّة قسماً من عقائده(٢) ، وتوفّي مؤمن الطاق بعد الإمام الصادقعليه‌السلام ، وكان قد صنّف كتباً في تأييد مذهب الشيعة، وإثبات إمامة أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام حسب رأي الشيعة، ودَحْضِ آراء الخوارج والمعتزلة في هذا الحقل، والحُكْم على حرب الجمل وطلحة، والزبير، وعائشة، وكان أصحابه يُسمَّون النُّعمانيّة، أمّا مخالفوه فيُسمَّون الشَّيطانيّة.

للوقوف على سيرته وعقائده، انظر: رجال الكشّيّ: ١٢٢-١٢٦، ورجال النجاشيّ: ٢٢٨، والفهرست للشيخ الطوسيّ ٣٢٣، وفرق الشيعة: ٦٦، والفهرست: ١٧٦ طبعة ألمانيا، وص٨ من مُلحق طبعة مصر، والملل والنحل: ١٤٢-١٤٣، والفَرق بين الفِرق: ٥٣، ومقالات الإسلاميّين للأشعريّ ٣٧، ٤٢، ٥١، والانتصار: ٦

____________________

١ - الانتصار ٥٨.

٢ - الفهرست ١٧٦.


و٥٨، والفِصَل لابن حزم ٤: ٩٣، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٩٤، وغيرها.

٢- هشام بن سالم الجواليقيّ

(النصف الثاني من القرن الثاني)

أبو الحكم هِشام بن سالم الجواليقيّ من موالي الكوفة، وكان من سبيّ الجَوزَجان، وهو أحد المعدودين في أصحاب الإمامين: الصادق والكاظمعليهما‌السلام ، وكان في بادئ أمره من القائلين بالتشبيه والصورة في التوحيد، وله آراء في الاستطاعة والمعصية لم يوافقه عليها سائر متكلّمي الشيعة، وصنّف هشام بن الحكم كتاباً في الردّ على بعض عقائده(١) .

للاطّلاع على سيرته وعقائده، تُنظَر الكتب الآتية: رجال الكشّيّ: ١٨١-١٨٤، رجال النجّاشيّ: ٣٠٥، وفهرست الشيخ الطوسيّ: ٣٥٦، وفرق الشيعة: ٦٦، وأُصول الكافي: ٣٧، ومقالات الإسلاميّين للأشعريّ: ٣٤، والملل والنحل: ١٤١-١٤٢، والانتصار: ٦ و٥٧، والفِصَل: ٤: ٩٣، والفَرق بين الفِرَق: ٥١-٥٢، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٩٤، وبحار الأنوار ٢: ١٤٣-١٤٥، وغيرها.

٣- هشام بن الحكم

(وفاته سنة ١٩٩هـ)

أبو محمّد هِشام بن الحكم من موالي الكوفة، نشأ بواسط وترعرع فيها، ثمّ رحل منها إلى بغداد للتجارة، وكان في أوّل أمره من المرجئة ومن أتباع الجهم بن صفوان رئيس مرجئة خراسان (المقتول سنة ١٢٨هـ)، ثمّ أعرض عن هذه الفرقة

____________________

١- الفهرست ١٧٦.


وآمن بعقيدة الشيعة في الإمامة لأدلّة نظريّة، ثمّ أصبح من أجلّة أصحاب الإمام الصادقعليه‌السلام .

كان هشام بن الحكم من أكبر متكلّمي الإماميّة، وهو أوّل من تحدّث في مبحث الإمامة بأدلّة كلاميّة ونظريّة، ووجد حججاً سهلة لإثبات هذا الموضوع، وناظر أكابر المتكلّمين المخالفين في عصره وحاججهم، ولمّا كان من الشيعة القطعيّة - أي من الشيعة الذين قطعوا بوفاة الإمام الكاظمعليه‌السلام وذهبوا إلى إمامة ولده عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام على عكس الواقفة الذين وقفوا على إمامة الكاظمعليه‌السلام - فإنّه كان يناظر الواقفة، والخوارج، والمعتزلة باستمرار، وكان ذا بديهة، حاذقاً في علم الكلام.

نقل المسعوديّ أنّ عبد الله بن يزيد الأباضيّ كان بالكوفة تختلف إليه أصحابه يأخذون منه، وكان خرّازاً شريكاً لهشام بن الحكم، وكان هشام... يختلف إليه أصحابه من الرافضة يأخذون عنه، وكلاهما في حانوت واحد على ما ذكرنا من التضادّ في المذهب، ولم يَجرِ بينهما مسابَّة ولا خروج عمّا يوجبه العلم وقضيّة العقل وموجب الشرع وأحكام النظر والسير، وذكر أنّ عبد الله بن يزيد الأباضيّ قال لهشام بن الحكم في بعض الأيّام: تعلم ما بيننا من المودّة ودوام الشركة، وقد أحببتُ أن تُنكحني ابنتك فاطمة، فقال له هشام: إنّها مؤمنة، فأمسكَ عبد الله ولم يعاوده في شيء من ذلك، إلى أن فرّق الموت بينهما(١) .

كان هشام بن الحكم أحد مصنّفي الشيعة، وله كتب كثيرة في الموضوعات الدينيّة والتاريخيّة والأدبيّة، وعُدّ من الملازمين ليحيى بن خالد البرمكيّ؛ إذ كان دائم الحضور في مجالس المناظرة التي يعقدها هذا الوزير في بغداد، وكان هشام في أوّل أمره من القائلين بالجبر والتجسيم والتشبيه، ثمّ غيّر عقيدته نتيجة

____________________

١ - مروج الذهب ٢: ١٣٧، طبعة مصر.


لمصاحبته الإمام الصادق والإمام الكاظمعليهما‌السلام ، وتحامل عليه المعتزلة لاعتقاده بالتجسيم والتشبيه وحدوث العلم والبداء، ومن الذين تحاملوا عليه: الجاحظ، والخيّاط، والكعبيّ، وابن أبي الحديد، وكان الجاحظ أكثرهم نقلاً لأقواله(١) ، بل نسب إليه بعض المصنّفين الأوائل من الشيعة هذه الآراء كأبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ في كتاب (الآراء والديانات)(٢) ، بَيْد أنّ المتأخّرين منهم يَرَون أنّ هذه تهم رُمي بها هشام، وردّوا عليها بشدّة، ومن هؤلاء: الشريف المرتضى في كتاب الشافي في الإمامة، وصاحب تبصرة العوامّ(٣) ، وسمّى أصحابُ الملل والنحل أتباعَ هشام بن سالم، وهشام بن الحكم بالهشاميّة.

للاطّلاع على سيرة هشام وعقائده وكتبه، انظر: رجال الكشّيّ: ١٦٥-١٨١. ورجال النجاشيّ: ٣٠٥-٣٠٦. والفهرست للشيخ الطوسيّ ٣٥٥-٣٥٦. والفهرست: ١٧٥-١٧٦ من الطبعة الألمانيّة وص٧ من ملحق طبعة مصر، وفرق الشِّيعة: ٦٦، ومقالات الإسلاميّين للأشعريّ ٣١-٥٥، والملل والنحل: ١٤١-١٤٢، وأُصول الكافي: ٣٧، وكمال الدين وتمام النعمة: ٢٠٦-٢٠٩، والفَرق بين الفِرَق: ٤٨-٥١.

وتبصرة العوامّ: ٤١٩-٤٧٠، والانتصار: ٦، ٤٠-٤١، ١٢٣-١٢٤، ١٠٨-١٠٩، ١٢٥-١٢٦، ١٥٧-١٥٨. والفِصَل لابن حزم ٤٠: ٩٣ و١٥٧. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٩٤-٢٩٥، ومروج الذهب ٢: ١٣٧ طبعة مصر، وبحار الأنوار ٢: ١٤٣-١٤٥، وغيرها.

____________________

١ - الانتصار: ٤١، ٦٠، ١٤١، ١٤٢، ومقالات الإسلاميّين الأشعريّ: ٣١-٣٤.

٢ - بناءً على ما نقل ابن أبي الحديد عن ذلك الكتاب ١: ٢٩٥.

٣ - الشافي: ١٢، تبصرة العوام: ٤١٩.


٤ - أبو الحسن عليّ بن ميثم التمّار

(النصف الثاني من القرن الثاني)

أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن شُعيب بن ميثم التّمار، من أبناء الموالي بالكوفة، وكان جدّه أبو سالم ميثم من الفرس القاطنين فيها، ومن أجلّة أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قتله عبيد الله بن زياد بالكوفة قبل قدوم الإمام الحسينعليه‌السلام إلى العراق بعشرة أيّام.

كان أبو الحسن الميثميّ من الطبقة الأُولى لمتكلّمي الشيعة، ومن المعاصرين لهشام بن سالم وهشام بن الحكم، ولرؤساء المعتزلة الكبار كأبي الهذيل العلاّف (المتوفّى سنة ٢٢٧ أو ٢٣٥)، وأبي إسحاق إبراهيم النظّام (المتوفّى في سنة ٢٢١ و٢٣١)، وعليّ الأسواريّ، وله مناظرات كثيرة مع معتزلة عصره. وهو أوّل من تكلّم وفقاً لعقائد الإماميّة وحاجج المخالفين بالأدلّة العقليّة والبراهين النظريّة(١) .

وله كتب أشهرها كتاب في الإمامة باسم الكامل، والآخر مجالس هشام بن الحكم، وكان قد جمعه.

للاطّلاع على سيرته وعناوين كتبه، انظر: الفهرست: ١٧٥، ورجال النجاشيّ: ١٧٦، وفهرست الشيخ الطوسيّ: ٢١٢، وكتاب الانتصار: ٦، ٩٩، ١٤٢، ١٧٧، ومقالات الإسلاميّين للأشعريّ: ٤٢ و٥٤، وكتاب الفصول للشريف المرتضى (مخطوط)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٩٤، وغيرها.

٥ - أبو مالك الحضرميّ

(أواسط القرن الثاني)

أبو مالك الضَحّاك الحضرميّ من عرب الكوفة، وأحد أصحاب الإمام الصادق

____________________

١ - الفهرست: ١٧٥. وفهرست الشيخ الطوسيّ: ٢١٢.


عليه‌السلام أو الإمام الكاظمعليهما‌السلام ، ويعدّ من المتكلّمين الثقات، له كتاب في التوحيد برواية الفقيه الواقفيّ المعروف عليّ بن الحسن الطاطريّ.

انظر: رجال النجاشيّ: ١٤٥، ومقالات الإسلاميّين: ٤٢ و٤٣، والفِصَل لابن حزم ٤: ٩٣، وغيرها للاطّلاع على سيرته وعقائده.

٦ - أبو جعفر السَّكّاك

(النصف الأوّل من القرن الثالث)

وهو أبو جعفر محمّد بن خليل المشهور بالسّكّاك، تلميذ أبي محمّد هشام بن الحكم (توفّي سنة ١٩٩هـ تقريباً)، كان معاصراً لعدد من مشاهير المعتزلة كأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (١٦٠-٢٥٥هـ)، وأبي جعفر محمّد بن عبد الله الإسكافيّ (توفّي سنة ٢٤٠هـ)، وأبي الفضل جعفر بن حرب (توفّي سنة ٢٣٦هـ)، وكانت له مناظرات مع الأخيرين(١) ، وهو من رجالات الشيعة المشهورين، ومن مصنّفي كتبهم(٢) .

ورد لقبه في أكثر الكتب القديمة محرّفاً في صورتين هما: الشكّال، والسكّال، ولكنّه - ممّا لا ريب فيه - السّكّاك، ويقصد منه صانع السّكّة(٣) وهي المحراث، وتصحيفه: الشكّاك(٤) .

كان أبو جعفر السكّاك من تلاميذ هشام بن الحكم، ومنه تعلّم الكلام، وكان على عقيدته في الإمامة مع مخالفته إيّاه في بعض المسائل، من كتبه: كتاب (المعرفة)، وكتاب في باب الاستطاعة، وكتاب في الإمامة، وكتاب بعنوان (كتاب

____________________

١ - الانتصار: ١١٠ و١٤٢.

٢ - الملل والنحل: ١٤٥، ومقالات الإسلاميّين: ٦٣.

٣ - رجال النجاشيّ: ٢٣١.

٤ - شرح نهج البلاغة: ٤: ٤٢٩ (انظر الحكاية اللطيفة التي نقلها ابن أبي الحديد عنه وعن الجاحظ).


التوحيد)، وفيه قال السكّاك بالتشبيه، فردّ عليه البعض، وله كتاب في الردّ على من أنكر وجوب الإمامة بالنصّ.

للوقوف على سيرته، يُنظَر: رجال النجاشيّ ٢٣١، والفهرست ١٧٦، والفهرست للشيخ الطوسيّ: ٢٩٢، والانتصار ٦، ١١٠-١١١، ١٤٢، ١٧٨، ومواضع عديدة من شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ومروج الذهب ٦: ٣٧٤ من الطبعة الأجنبيّة، وغيرها من الكتب.

٧ - يونس بن عبد الرحمن القمّيّ

(توفّي سنة ٢٠٨)

هو أبو محمّد يونس بن عبد الرحمن القمّيّ من أكابر رجال الشيعة ومصنّفيهم المشهورين(١) ، ولد في عهد هشام بن عبد الملك (١٠٥-١٢٥هـ)، وكان معاصراً للإمام الصادق، والإمام الكاظمعليهما‌السلام ، ومن وكلاء الإمام الرضاعليه‌السلام وخواصّه (١٤٨-٢٠٣هـ)، وله قرابة ثلاثين كتاباً في موضوعات مختلفة منها: الإمامة، والردّ على الغلاة، وكانت الشيعة تنظر إليه كسلمان الفارسيّ - (رضي الله عنه) - في عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) ، ويذهب مخالفو الشيعة إلى أنّ يونس بن عبد الرحمن وأصحابه اليونسيّة من المشبّهة.

للاطّلاع على سيرته، انظر: رجال الكشّيّ ٣٠١-٣١١، ورجال النجاشيّ ٣١١-٣١٢، والفهرست للشيخ الطوسيّ ٣٦٦-٣٦٧، والفَرق بين الفِرَق ٥٢-٥٣، ومقالات الإسلاميّين للأشعريّ ٣٥، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١: ٢٩٥، وغيرها.

____________________

١ - مقالات الإسلاميّين ٦٣، والملل والنّحل ١٤٥.

٢ - رجال الكشّيّ ٣٠٢.


٨ - عليّ بن منصور

(النصف الأوّل من القرن الثالث)

هو أبو الحسن عليّ بن منصور الكوفيّ أحد تلاميذ أبي محمّد هشام بن الحكم وأصحابه، وكان من أقران أبي جعفر السَّكّاك، ومن شيوخ متكلّمي الشيعة ومؤلّفيهم(١) ، أعدّ كتاباً في التوحيد والإمامة من كلام أُستاذه هشام يعرف بكتاب التَّدبير(٢) .

للوقوف على سيرته وعقائده، يُنظَر: رجال النجاشيّ ١٧٦، ومروج الذهب ٦: ٣٧٢ من الطبعة الأجنبيّة، والانتصار ٦ و١٧٨، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد في مواضع عديدة، وغيرها.

٩ - أبو حفص الحدّاد النيسابوريّ

(توفّي سنة ٢٥٢ أو ٢٦٥ أو ٢٧٠هـ)

هو أبو حفص عمرو بن سلمة الصوفيّ النيسابوريّ، أحد الذين رُموا بالزندقة كابن الراونديّ، وأبي عيسى الورّاق، ولصقه المعتزلة بالشيعة وعدّوه مثل هذين من شيوخها(٣) ، في حين كانت الشيعة لا تراه منها؛ إذ لم تظهر منه عقيدة تدلّ على انتمائه إليها، ولم يُنقَل عنه كلام في الإمامة(٤) ، وذكر السمعانيّ نبذة موجزة عن سيرته في كتاب الأنساب، (مادّة الحدّاد)، وكان أبو حفص يروي عن يونس بن عبد الرحمن القمّيّ(٥) .

انظر: تذكرة الأولياء للشيخ العطّار وغيره للاطّلاع على ترجمته؛ إذ ذُكر في طبقة بايزيد البسطاميّ.

____________________

١ - الملل والنحل ١٤٥؛ مقالات الإسلاميّين ٦٣.

٢ - رجال النجاشيّ ١٧٦، ٣٠٤.

٣ - الانتصار ٩٧، ١٥٠، ١٥٢.

٤ - الشافي في الإمامة ١٣.

٥ - رجال الكشّيّ ١٦٧.


١٠ - أبو الأحوَص البصريّ

(أواسط القرن الثالث)

أبو الأحوص داود بن أسد البصريّ(١) من متكلّمي الشيعة وفقهائهم وأصحاب الحديث فيهم، له كتب في الإمامة، وعندما زار أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ النجف الأشرف التقى بأبي الأحوص وأخذ منه العلم.

للاطّلاع على سيرته، يُنظَر: رجال النجاشيّ ١١٣، فهرست الشيخ الطوسيّ ٣٦٩، والشافي في الإمامة للشريف المرتضى ١٤، وغيرها.

١١ - أبو عيسى الورّاق

(توفّي سنة ٢٤٧هـ)

أبو عيسى محمّد بن هارون الورّاق أُستاذ ابن الراونديّ، وكان كابن الراونديّ وثلّة من علماء ذلك العصر، ذا عقيدة دينيّة متزعزعة، وقد تأثّر بتعاليم الزنادقة (المانويّة) وطالع كتبهم التي تُرجم كثير منها إلى العربيّة، وكانت في متناول أيدي الناس آنذاك، وداخله الشكّ والتردّد، وكان يتلوّن مع الفرق المختلفة، بخاصّة المعتزلة، والشيعة، ويرى ابن النديم أنّه كان مانويّ الباطن مع تظاهره بالإسلام(٢) .

وكان المترجَم له تارةً يؤلّف كتاباً في تأييد المذهب المانويّ والثنويّة(٣) ، وأُخرى يؤلّف في الدفاع عن بعض العقائد الشيعيّة مُبدياً ميله إلى الشيعة(٤) . وصنّف كتاباً في الإمامة ذابّاً فيه عن عقائد الشيعة، ولعلّه ألّفه في الردّ على عقيدة أبي عمرو عثمان بن بحر الجاحظ (١٦٠-٢٥٥هـ) في الإمامة.

____________________

١ - جاء في مقالات الإسلاميّين للأشعريّ ٦٣ أنّ اسم أبيه راشد، ولعلّ فيه تحريفاً.

٢ - الفهرست ٣٣٨.

٣ - الانتصار ١٤٩.

٤ - مقالات الإسلاميّين ٦٤.


وكان الجاحظ من كبار كتّاب المعتزلة في البصرة، وصارت كتبه الأدبيّة واللغويّة والبلاغيّة مضرب الأمثال، وهو أحد المؤلّفين الذين عرضوا عقائد متناقضة في الإمامة، وصنّف كتباً فيها، كان كلّ واحد منها ينافح عن عقائد إحدى الفرق الإسلاميّة في الإمامة(١) ، منها: كتاب بعنوان إمامة ولد العبّاس أو العبّاسيّة في تأييد الشيعة الراونديّة وأنصار بني العبّاس، وقد ألّفه إرضاءً للعبّاسيّين، مع أنّ مضمونه لا ينسجم وعقائده الخاصّة، ومنها: كتاب العثمانيّة في دعم أنصار عثمان بن عفّان وإنكار فضائل عليّ بن أبي طالب، ومنها: كتاب المروانيّة في مناصرة آل مروان ومعاوية ومناوءة عليّ بن أبي طالب والدفاع عن إمامة بني أميّة، ومنها: كتاب المسائل العثمانيّة في إتمام كتاب العثمانيّة، وكتب أُخرى كالفُتيا، وكتاب الرافضة، وكتاب الزيديّة.

لقد أثارت هذه الكتب المتناقضة للجاحظ غضب الفرق الأُخرى بخاصّة الشيعة، ومعتزلة بغداد، فردّوا على أكثرها، وممّن ردّ عليها من معتزلة بغداد: أبو جعفر محمّد بن عبد الله الإسكافيّ(٢) (المتوفّى سنة ٢٤٠هـ) ومن الشيعة أو من المنسوبين إليهم: ابن الراونديّ وأبو عيسى الورّاق وأبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ وأبو الحسن محمّد بن إبراهيم الكاتب الشافعيّ والشيخ المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان، وغيرهم.

وعندما انتشرت الكتب التي ألّفها الشيعة في الإمامة ردّاً على كتب الجاحظ، انبرى لها أنصاره، فنقضوا ما كتبه ابن الراونديّ، وأبو عيسى. وأشهر من تصدّى منهم لذلك: أبو الحسين عبد الرحيم بن محمّد الخيّاط أُستاذ أبي القاسم الكعبيّ،

____________________

١ - للاطّلاع على تفصيل هذا الموضوع ينظَر: الشافي للشريف المرتضى ١٣ ومروج الذهب ١: ١٥٧-١٥٨، طبعة مصر.

٢ - مروج الذّهب ١: ١٥٨ طبعة مصر، وشرح نهج البلاغة ٤: ١٥٩.


وهو صاحب كتاب الانتصار(١) ، ويأتي بعده قاضي القضاة عبد الجبّار بن أحمد الأسد آباديّ الهمدانيّ (المتوفّى سنة ٤١٥هـ) مؤلّف كتاب المُغني الذي ردّ عليه الشريف المرتضى علم الهدى (٣٥٥-٤٦٦هـ) في كتاب الشافي ودحض فيه التُّهم الّتي ألصقها المعتزلة بابن الراونديّ وأبي عيسى(٢) ، ومن هذه التُّهم أنّهم كانوا يقولون: إنّ أبا عيسى الورّاق في الوقت الذي كان يدافع فيه عن إمامة أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يقول عند الخلوة: (بُليتُ بنصرة أبغض الناس إليّ وأعظمهم إقداماً على القتل...)، وقالو أيضاً: لمّا كان أبو عيسى مانويّاً، فإنّه لا يجيز قتل كلّ شيء ولا يجيز إتلاف الكائنات الحيّة(٣) .

ونُقل لأبي عيسى الورّاق كتب أُخرى أيضاً ما عدا كتابه في الإمامة. منها: كتاب السقيفة، وكتاب اختلاف الشيعة، وكتاب الحُكم على سورة لم يكن، وكتاب المقالات(٤) ، وكتاب المجالس(٥) .

وكان كتاباه الإمامة، والسقيفة يوافقان عقيدة الإماميّة، وقد أثنى عليهما علماء الطائفة، وذكر الورّاق فيهما أدلّة عقليّة صريحة لتقرير النصّ الجليّ وتأييده، واثبات إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وحمل فيهما على المعتزلة وأهل السُّنّة في هذه الدعوى.

وكان الشيخ المفيد يقتني كتاب السقيفة وقد وصفه مراراً، وكان قرابة مائتي ورقة، وقال الشيخ المفيد في كتاب الإفصاح في الإمامة: (لم يترك لغيره زيادة عليه فيما يوضح عن فساد قول الناصبة وشُبّههم التي اعتمدوها من الخبر بالصلاة، وأشار إلى كذبهم فيه...)(٦) .

____________________

١ - الانتصار ٩٧.

٢ - الشافي ١٣.

٣ - نقلاً عن كتاب المغني، في كتاب الشّافي: ٢، وكتاب الانتصار ١٥٥.

٤ - رجال النجاشيّ ٢٦٣.

٥ - مروج الذهب ٧: ٢٣٧ (الطبعة الأجنبيّة).

٦ - نقلاً عن رسالة كتبها لي سماحة الميرزا فضل الله شيخ الإسلام الزنجانيّ.


ومن أشهر كتب الورّاق كتاب المقالات، وهو تاريخ في الملل والنحل وشرح آراء الفرق المختلفة وعقائدها، ويعدّ هذا الكتاب من أوثق الكتب القديمة في هذا المجال وأشهرها، وكان من المصادر المهمّة للمؤلّفين المتأخّرين ككتاب المقالات لزُرقان المعتزليّ، وشرحِه لأبي القاسم الكعبيّ، ومقالات محمّد بن الهيثم الكرّاميّ، ومقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعريّ، كتاب الآراء والديانات لأبي محمّد النوبختيّ، وكتاب المقالات لأبي الحسن المسعوديّ صاحب مروج الذهب.

وذكر الشريف المرتضى أنّ الورّاق أطنب في تأكيد شبهات الثنويّة ومقالاتهم ممّا أثار شبهة ثنويّته، وكان أغلب المؤلّفين بعده يقتنون كتاب المقالات كالمسعوديّ، وأبي الحسن الأشعريّ، وأبي الريحان البيرونيّ، والشريف المرتضى، والشهرستانيّ، وعبد القاهر البغداديّ، وابن أبي الحديد، ونقلوا منه موضوعات كثيرة.

وذكر الشريف المرتضى له كتابين آخرين هما: المشرقيّ، والآخر النَّوح على البهائم، وقال: (... فهما مدفوعان عنه، وما يبعد أن يكون بعض الثنويّة عملهما على لسانه...، وليس لنا أن نضيف مثل هذه المذاهب القبيحة إلى من لم يكن متظاهراً بها، ولا مجاهراً باعتقادها)(١) .

والكتاب الأوّل الذي ربما اشتمل على دفاع عن قسم من أفكار الثنويّة هو المذكور في الفهرست لابن النديم، وفي الفهرست للشيخ الطوسيّ باسم كتاب الغريب المشرقيّ، وهو الذي كتب عليه أبو محمّد النوبختيّ نقضاً(٢) ، ونلحظ في رجال النجاشيّ نقضاً آخر له على كتاب أبي عيسى بعنوان الردّ على أهل التعجيز(٣) .

____________________

١ - الشافي ١٣.

٢ - الفهرست ١٧٧، والفهرست للشيخ الطوسيّ ٩٩.

٣ - رجال النجاشيّ ٤٧.


وسنتحدّث عن هذا الموضوع في ترجمة أبي محمّد النوبختيّ.

ومن كتب أبي عيسى كتاب بعنوان: في الردّ على الفِرَق الثلاث من النصارى، وهو الكتاب الذي ردّ عليه الفيلسوف النصرانيّ المعروف يحيى بن عديّ (٢٨٣-٣٦٤هـ)، وهذا الردّ موجود، ونقل فيه يحيى كتاب أبي عيسى كلّه(١) .

للاطّلاع على ترجمته، تنظر: المصادر المشار إليها في الهامش.

١٢ - ابن الراونديّ

(٢٤٥ أو ٢٩٨هـ)

هو أبو الحسين أحمد بن يحيى بن محمّد بن إسحاق المشهور بابن الراونديّ أو ابن الرونديّ، كان من أهل مرو الروذ في خراسان، وهو من أشهر المتكلّمين، ولا يمكن معرفة انتمائه بوضوح لتزعزع عقيدته، وتغيير منهجه مراراً، وتزلزل إيمانه، وإظهاره الإلحاد والزندقة، وإنّ ما وصمه به المؤرّخون المتعصّبون بالإلحاد أو الزّندقة (بالمعنى الأعمّ المرادف للإلحاد) لا يكفي لتحديد عقائده الدينيّة.

ولعلّنا نستطيع القول: إنّ ابن الراونديّ كغيره من معاصريه أمضى عمره كلّه في التشكيك والتنقيب باحثاً عن عقيدة ثابتة تنسجم مع الفطرة، وكان ينتمي في كلّ مدّة إلى فرقة من الفرق، ثمّ يبدي بعد فترة آراء لا تُرضي تلك الفرقة فيُطرَد من صفوفها، أو إنّه كان ذا أسلوب جميل ومقتدراً في الكلام كالجاحظ تقريباً، فإنّه كان يؤلّف بما يتّفق مع آراء هذه الفرقة أو تلك، وسلخ عمراً في الكفر، وكان يشكّك الناس في عقائدهم، وأفضل دليل على هذا الموضوع هو النقوض الّتي كتبها على مؤلّفاته وفنّد فيها عقائده السابقة.

إنّ سيرة ابن الراونديّ وعقائده غامضة تماماً للأسباب المتقدّمة، ونقل

____________________

١ - L. Massignon, Recueil des texts, p. ١٨٢-١٨٣.


المؤرّخون وأصحاب كتب الملل والنحل عنه آراء ومقالات كثيرة، ولمّا كانت الآراء فيه متضاربة ولم تثبت صحّة الآراء المنسوبة إليه، فلا يمكن استنتاج شيء منها، بخاصّة أنّ المؤلّفين المتعصّبين وأعداء ابن الراونديّ ونظائره كانوا يلصقون بأمثال هؤلاء التُّهم باستمرار - على العادة يؤمئذٍ - ويذكرونهم في كتبهم باللعن والامتهان.

إنّ الثابت هو أنّ ابن الراونديّ كان في البداية من المعتزلة كالورّاق، وأخيه، وابن عمّه(١) ، ثمّ مال إلى التشيّع مدّة بعد أن طردوه، وصنّف عدداً من الكتب في دحض المعتزلة، ودعم الشيعة وعقائد المنتمين إليهم، ولمّا كان ملمّاً بآراء المعتزلة وكان أُستاذاً في الكلام والإنشاء، فقد أدّى ما عليه في هذا الطّريق بإحسان، وأثار حسّ الانتقام عند كبار المعتزلة القريبين عهداً منه كأبي هاشم الجبّائيّ، وأبي عليّ الجبّائيّ، وأبي الحسين الخيّاط، والكعبيّ، واستطاع ابن الراونديّ أن يقدّم عوناً كبيراً إلى المذهب الشيعيّ يومئذٍ من خلال تصنيف الكتب المتقنة نسبيّاً، وجمع الأدلّة والآراء الكلاميّة في دعم عقيدة الشيعة، بخاصّة مسألة الإمامة.

ولذلك نجد أنّ تمرّد ابن الراونديّ على المعتزلة ودفاعه عن عقائد الشيعة أثارا المعتزلة والسُّنّة ضدّه فذكره متكلّموهم ومؤلّفوهم في كتبهم بالسوء، لا سيّما أبا الحسين الخيّاط، وأبا هاشم الجبّائيّ، وابنه أبا عليّ من المعتزلة، وأبا الوفاء بن عقيل، وأبا الفرج عبد الرحمن بن الجوزيّ من السُّنّة؛ فقد هاجمه هؤلاء بشدّة، وعدّه ابن الجوزيّ من كبار الملاحدة(٢) وأحد الزنادقة الثّلاثة الكبار الذين ظهروا بين أهل الإسلام(٣) .

أمّا عقيدة مؤلّفي الشيعة فيه فمختلفة؛ فمنهم من أثنى عليه، ومنهم من ذمّه.

____________________

١ - الانتصار ١٤٩.

٢ - تلبيس إبليس ١١٨.

٣ - الآخران هما: أبو حيّان عليّ بن محمّد الصّوفيّ المعاصر لابن العميد والصاحب بن عبّاد، والشاعر المشهور أبو العلاء أحمد بن سليمان المعرّيّ (بغية الوعاة ٣٤٩، وروضات الجنّات ٥٤).


ومن الذين دافعوا عن بعض كتبه وعقائده الشريف المرتضى علم الهدى على رغم المعتزلة. مع هذا لمّا كانت عقائده كلّها لا تتّفق مع مذهب متكلّمي الشيعة وكان منبوذاً عند معظمهم، فإنّ عدداً منهم صنّف كتباً في نقض بعضه، وأشهر هؤلاء أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ، وخاله أبو سهل إسماعيل بن عليّ، بل نجد الشريف المرتضى أيضاً قد أشار في كتاب الشافي إلى نقض بعض الأدلّة التي عرضها ابن الراونديّ في موضوع الإمامة.

أجل، لمّا تحرّك ابن الراونديّ للدفاع عن عقائد الإماميّة وألّف لهم كتباً ذكره مخالفوهم في عداد متكلّميهم، مع قذفهم إيّاه بالزندقة والإلحاد، وإنّما أشرنا هنا إلى سيرته وكتبه بإيجاز؛ لأنّنا سنذكره وأبا عيسى الورّاق في ترجمة المتكلّمين النوبختيّين، وشرح النّص الجليّ، وغير ذلك.

ذُكر أنّ والد المترجَم له كان يهوديّاً، وقد أدخل بعض التحريفات في التوراة، وهذه تهمة أُخرى من التهم التي أُلصقت بابن الراونديّ أيضاً، ذلك أنّه وبعض أقاربه كان من المعتزلة كما رأينا، وأنّ اسم جدّه محمّد بن ِإسحاق، ومن هنا نستبعد صحّة التهمة المشار إليها.

كان ابن الراونديّ معاصراً لأبي عيسى الورّاق، وذكر أبو الحسين الخيّاط أنّه كان تلميذه، وأنّه هجر الاعتزال، وانتقل إلى الكفر والإلحاد بناءً على تعليماته(١) .

وعدّ له الخيّاط أساتذة آخرين من الزنادقة أيضاً كأبي شاكر الديصانيّ، والنعمان بن طالوت، وأبي حفص الحدّاد(٢) .

وبلغت الكتب التي ألّفها ابن الراونديّ ١١٤ كتاباً على ما نقله المسعوديّ(٣) ، ولا أثر لها اليوم إلاّ بعض فقرات من كتاب فضيحة المعتزلة نقلها أبو الحسين الخيّاط في

____________________

١ - الانتصار ١٥٥.

٢ - نفسه ١٤٢.

٣ - مروج الذهب ٧: ٢٣٧، من الطبعة الأجنبيّة.


كتاب الانتصار من أجل الردّ على ما جاء فيها. ونلحظ أنّ بعض الكتب التي ألّفها ابن الراونديّ يقرّر عقائد المعتزلة، وبعضها عقائد الشيعة، وبعضها الآخر يردّ على الإسلام ويدافع عن عقائد الثنويّة أو اليهود وغيرهم، فلا نعلم على وجه الدقّة أيّ الكتب ألّفها ابن الراونديّ نفسه، وأيّها ألّفها غيره ممّن يقترب مشربه من مشرب ابن الرّاونديّ أو ممّن ألّفها ونسبها إلى ابن الرّاونديّ مغرضاً أو مخاصماً.

وبلغت سمعة ابن الراونديّ في الزندقة والإلحاد مبلغاً جعله في عداد القدوة التّامّة لهما، ومن هنا يلاحظ أنّ أكثر الكتب التي كان يُشمّ منها رائحة الكفر والإلحاد، وكان مؤلّفوها قد أخفوا أسماءهم خوفاً على أرواحهم، نسبها الآخرون إلى ابن الراونديّ على سبيل المشاكلة.

وفيما يأتي أسماء الكتب المنسوبة إلى ابن الراونديّ وموضوع كلّ منها:

١-٧ - الأسماء والأحكام، الابتداءُ والإعادة، خَلقُ القرآن، البقاء والفناء، لا شيء إلاّ موجود(١) ، الطبائع، اللُّؤلُؤة (في تناهي الحركات)، وهذه الكتب كلّها تثبّت عقائد المعتزلة، وقد صنّفها ابن الراونديّ يوم كان أحدهم؛ ولذلك يرى مؤلّفو المعتزلة أنّها من كتبِ صلاحِه.

٨ - كتاب الإمامة، وموضوعه يتّفق وعقيدة الإماميّة، وهو الكتاب الذي ألّفه ابن الراونديّ بعد هجر المعتزلة تقرّباً إلى الشيعة، وقيل: إنّه قبض ثلاثين ديناراً جائزةً له من رؤساء الإماميّة على تأليفه.

٩ - كتاب فضيحة المعتزلة في الردّ على كتاب فضيلة المعتزلة للجاحظ، ونلحظ في هذا الكتاب أنّ ابن الراونديّ هاجم فيه المعتزلة والجاحظ وشيوخه بعنف، ودافع عن الإماميّة.

ونال هذا الكتاب شهرة فائقة بين المتكلّمين من الفرق المختلفة وأرباب الملل

____________________

١ - انظر: مقالات الإسلاميّين ٥٠٢ للوقوف على شرح موجز لهذا الموضوع وعقيدة ابن الراونديّ فيه.


والنحل، فتحرّك المعتزلة - من جهة - للردّ عليه، وألّفوا الكتب في دحض موضوعاته، ومنها كتاب الانتصار لأبي الحسين الخيّاط، ومن جهة أُخرى، نقل خصوم المعتزلة - بخاصّة الإماميّة والأشاعرة - معظم موضوعاته في كتبهم جاعليها وثيقة لإدانتهم، وأداة لمهاجمتهم.

ويرى الشيعة أنّ هذا الكتاب، وكتاباً آخر له بعنوان العَروس من كتبِ سَدادِه(١) ، ويلاحَظ في كتبهم ذكر لهذا الكتاب وحده، ولعلّ المقصود منه كتاب فضيحة المعتزلة أو كتاب آخر صنّفه ابن الراونديّ في تأييد عقيدة الإماميّة.

وهاجم قاضي القضاة عبد الجبّار المعتزليّ في كتاب المغني ابنَ الراونديّ والورّاق وأمثالهما، وذكر أنّ ابن الراونديّ كان يقصد بسائر ما يؤلّفه في نصرة الإلحاد إلى نشر التشكيك، وأنّه كان يؤلّف بهدف الشُّهرة والمنفعة.

وقال الشريف المرتضى في الدفاع عن ابن الراونديّ: (... إنّه إنّما عمل الكتب التي شُنِّع بها عليه معارضة للمعتزلة، وتحدّياً لهم؛ لأنّ القوم كانوا أساؤا عشرته، واستنقصوا معرفته، فحمله ذلك على إظهار هذه الكتب ليبيّن عجزهم عن استقصاء نقضها، وتحاملهم عليه في رميه بقصور الفهم والغفلة، وقد كان يتبرّأ منها تبرّؤاً ظاهراً، وينتفي من عملها، ويضيفها إلى غيره، وليس يشكّ في خطئه بتأليفها، سواء اعتقدها أم لم يعتقدها.

(وما صنع ابن الراونديّ من ذلك إلاّ ما قد صنع الجاحظ مثله أو قريباً منه، ومَن جمع بين كتبه التي هي العثمانيّة، والمروانيّة، والفُتيا، والعبّاسيّة، والإماميّة، وكتاب الرافضة والزيديّة، رأى من التضادّ واختلاف القول ما يدلّ على شكّ عظيم وإلحاد شديد، وقلّة تفكّر في الدين).

(وليس لأحدٍ أن يقول: إنّ الجاحظ لم يكن معتقداً لما في هذه الكتب

____________________

١ - روضات الجنّات ٥٥٤؛ نخبة المقال ١٥٧.


المختلفة، وإنّما حكى مقالات الناس وحِجاجَهم، وليس على الحاكي جريرة، ولا يلزمه تبعة؛ لأنّ هذا القول إن قنع به الخصوم فليقنعوا بمثله في الاعتذار، فإنّ ابن الراونديّ لم يَقُل في كتبه هذه التي شُنِّع بها عليه: إنّي أعتقد المذاهب التي حكيتُها وأذهب إلى صحّتها، بل كان يقول: قالت الدهريّة، وقال الموحّدون، وقالت البراهمة، وقال مثبتو الرسول، فإن زالت التَّبعة عن الجاحظ في سبّ الصحابة والأئمّة والشّهادة عليهم بالضلال والمُروق عن الدين بإخراجه كلامه مَخرجَ الحكاية، فلتزولنّ أيضاً التبعة عن ابن الراونديّ بمثل ذلك...)(١) .

١٠ - كتاب القَضيب أو قَضيب الذَّهب في إثبات حدوث علم الباري تعالى.

١١ - التاج، وهو من أشهر كتبه، وموضوعه إثبات قِدم العالم والأجسام وردّ أدلّة المخالفين(٢) ، ولمّا كان المعتزلة والإماميّة لا يرون رأيه فيه فإنّ عدداً من متكلّميهم صنّفوا كتباً في نقضه، ومن هؤلاء أبو الحسين الخيّاط من المعتزلة، وأبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ من الإماميّة، الذي أسمى كتابه السّبك، ويبدو أنّ ابن أبي الحديد كان يقتني كتاب التاج، وهو الذي ذكر أنّ ابن الراونديّ اقتبس القول بِقِدم العالم من الفلاسفة وأورده في كتاب التاج(٣) .

١٢ - كتاب الزُّمُرّد في إبطال موضوع الرسالة وردّ المعجزات المنسوبة إلى إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونبيّنا صلوات الله عليهم أجمعين، وذكر أبو الحسين الخيّاط أنّ ابن الراونديّ جعل في الكتاب باباً في الردّ (على المحمّديّة خاصّة) يريد أُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وطعن فيه على القرآن الكريم(٤) . ولعلّ كتابه هذا هو الذي

____________________

١ - الشافي في الإمامة ١٣.

٢ - الانتصار ١٧٢-١٧٣.

٣ - شرح نهج البلاغة ١: ٢٩٩.

٤ - الانتصار ٢-٣.


سبّب طرده من صفوف المعتزلة(١) ، وكان أبو القاسم الكعبيّ ينقل أنّ ابن الراونديّ يقول في سبب تسمية الكتاب بالاسم المذكور: من صفة الزمرّد أنّه إذا وقعت عليه عين الحيّة خرجت من حدقتها وذابت(٢) ، فسمّيتُ كتابي بهذا الاسم؛ لأنّ الخصم إذا نظر إليه هلك، وقد نقض ابن الراونديّ نفسه كتابه هذا، كما نقضه أبو الحسين الخيّاط أيضاً.

١٤ - كتاب الفِرَند في الطعن على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد نقضه أبو الحسين الخيّاط، وأبو هاشم الجبّائيّ.

١٥ - كتاب الدامغ في الردّ على القرآن وترتيبه، وقد ردّ عليه الخيّاط، وأبو عليّ الجبّائيّ، ويبدو أنّ ابن الراونديّ صنّف هذا الكتاب لليهود(٣) ، ثمّ نقضه هو نفسه بعد ذلك(٤) .

١٦ - كتاب التوحيد، ذكر الخيّاط أنّ ابن الراونديّ ألّفه ليتجمّل به عند أهل الإسلام لمّا خاف على نفسه ووُضع الرصد في طلبه(٥) .

١٧ - كتاب في موضوع اجتهاد الرأي، ونقضه أبو سهل إسماعيل النوبختيّ(٦) .

١٨ - كتاب المرجان في اختلاف المسلمين والكتابيّين.

نقل بعض المؤلّفين أنّ ابن الراونديّ مات بعد وفاة الورّاق بقليل، أيّ: بعد سنة ٢٤٧هـ، ومنهم من قال سنة ٢٤٥هـ، وثمّة من ذكر موته سنة ٢٩٨هـ.

للاطّلاع على سيرة ابن الراونديّ وكتبه وعقائده ينظر: كتاب الانتصار الذي لم

____________________

١ - الانتصار، ١٧٣.

٢ - أشار قدماء الشعراء إلى هذه الأسطورة مراراً. ومن هؤلاء منجيك الذي قال:

شنيده ام بحكايت كه ديده افعى

برون جهد چو زمرّد بر او برند فراز

سمعتُ حكاية تذكر بأنّ عين الأفعى تخرج من حدقتها إذا عرضوا عليها الزّمرّد.

٣ - البداية والنهاية.

٤ - ملحق الفهرست ٥، طبعة مصر.

٥ - الانتصار ١٣.

٦ - الفهرست ١٧٧.


تَخْلُ صفحة فيه من ذكر ابن الراونديّ، ومقدّمته النفيسة بقلم نيبرج(١) ، والفهرست ٤-٥ من ملحق طبعة مصر، ومروج الذهب ٧: ٢٣٧ من الطبعة الأجنبيّة، ووفيات الأعيان ١: ٢٨ طبعة طهران، والبداية والنّهاية، والمنتظم، وتلبيس إبليس ٧٢ و١١٨، وتبصرة العوامّ ٣٩٨ و٤٤٠، ومواضع متعدّدة من مقالات الإسلاميّين، وشرح نهج البلاغة، والفَرق بين الفِرق، والملل والنحل، والفِصَل في الملل والنحل، وكتاب الشافي في الإمامة، والفصول، وروضات الجنّات ٥٤، ورسالة ابن القارح في مجموعة رسائل البلغاء ٢١٠ طبعة مصر، وكنز الفوائد ٥١ وغيرها.

١٣ - أبو جعفر بن قبّة الرازي

(أوائل القرن الرابع)

أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازيّ من كتبار متكلّمي الشيعة، كان في بادئ أمره من المعتزلة، ثمّ صَدَف عن الاعتزال وركن إلى المذهب الشيعيّ الإماميّ، وكان أحد تلامذة أبي القاسم الكعبيّ البلخيّ، ثمّ أصبح من مخالفيه، وصنّف عدداً من الكتب في الردّ على الزيديّة وإثبات الإمامة، أشهرها كتاب في الإمامة بعنوان الإنصاف، وهو الكتاب الذي نقل منه بعض العلماء كالشيخ الصدوق في كمال الدين، والشريف المرتضى في الشافي والفصول،وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وغيرهم.

وينقل أبو الحسين محمّد بن بشر السوسنجرديّ تلميذ أبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ أنّه زار مرقد الإمام الرضاعليه‌السلام في طوس، ثمّ ذهب إلى أبي القاسم الكعبيّ في بلخ، وكان معه كتاب الإنصاف، فقرأه الكعبيّ وصنّف كتاباً في نقضه بعنوان المُستَرشَد، ثمّ عاد إلى الريّ ومعه الكتاب المذكور، فعرضه على أبي جعفر،

____________________

١ - H. S. Nyberg.


فصنّف كتاباً في تفنيده عنوانه المُستَثبَت، ولمّا أرجع هذا الكتاب إلى الكعبيّ ردّ عليه بكتاب آخر تحت نقض المُستَثَبت، وعندما عاد إلى الريّ مرّة أُخرى وجد أبا جعفر قد مات(١) ، فوفاته كانت قبل وفاة الكعبيّ، أي: قبل سنة ٣١٩هـ.

للاطّلاع على ترجمته، يُنظَر: رجال الطوسيّ ٢٩٧، رجال النجاشيّ ٢٦٥-٢٦٦، الفهرست ١٧٦، كمال الدين ٣١، ٣٦، الشافي ١٠٠، الفصول (مخطوط)، شرح نهج البلاغة ١: ٦٩، وغيرها.

____________________

١ - رجال النجاشيّ: ٢٦٦.


الفصل السادس

أبو سهل إسماعيل بن عليّ

(٢٣٧-٣١١هـ)

أبو سهل إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت، أحد كبار البيت النوبختيّ بل من أشهرهم، كان من رؤساء الشيعة العظام ومن مشاهير متكلّميهم في عصره المتزامن مع الغيبة الصغرى، ويعدّ أحد الشعراء والمصنّفين والمشجّعين على الأدب والشعر، وكان صدراً في الأعمال الإداريّة إذ تَسلّم منصباً قريباً من منصب الوزارة في ديوان الحكومة، وألّف كتباً كثيرة في دعم المذهب الشيعيّ الإماميّ ودحض كتب المناوئين للشيعة.

وهو أحد النوبختيّين الذين نجد معلومات مفصّلة نسبيّاً عن سيرتهم، فقد اهتمّ المؤرّخون القدماء وعلماء الأخبار والرجال بترجمته، ونقل أقواله، وتدوين عناوين كتبه بسبب منصبه المهمّ وكثرة مؤلّفاته.

وعلى الرغم من أنّ أبا سهل كان شاعراً وكاتباً بليغاً(١) ، وكانت له مناصب إداريّة مهمّة في ديوان الحكومة، بَيْد أنّ شهرته تعود إلى اشتغاله في علم الكلام،

____________________

١ - تاريخ الإسلام للذهبيّ fol. ٦٠ b. نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس.


واحتجاجه على مناوئي الإماميّة، ومحاولته إدخال الإمامة في أُصول الدين. وأكثر كتبه ترتبط بهذه الموضوعات، وإذا كان كلام البُحتريّ الشاعر عنه خالياً من الأغراض، فإنّ شعره ليس فيه رقّة، بل هو يشبه مضغ الماء، ليس له طعم ولا معنى، على ما ذكره هذا الشاعر(١) ، ولم يَبقَ أثر من أعماله الإدارية له أهمية تفضي إلى ذيوع صيته.

١ - الحياة الإداريّة لأبي سهل النوبختيّ

إنّ ما في أيدينا من المعلومات عن الحياة الإداريّة لأبي سهل يعود إلى الأشهر الستّة الأخيرة من عمره البالغ أربعاً وسبعين سنة، ومن الثابت أنّه كان يتصدّر بعض الأعمال في الجهاز الحاكم قبل هذا التاريخ، أو كان يُكلّف بإنجاز بعضها في الأمصار مبعوثاً من قبل رؤساء الدواوين، بخاصّة في عهد المقتدر (٢٩٥-٣٢٠هـ) وما رافقه من تبدّلات(٢) ، ذلك أنّ المقتدر وآل الفرات الذين كانت في أيديهم الوزارة والمناصب الإداريّة الأُخرى، كانوا حماة الشيعة المائلين إليهم، وأبو سهل يومئذ رئيس الشيعة في بغداد، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى ذكر بعض المؤلّفين أنّ له منصباً في الشؤون الدنيويّة وأنّه كان بين الكتّاب تالياً منصب الوزراء(٣) . وهذا يدلّ على أنّ أبا سهل كان يتمتّع بنفوذ كبير في البلاط العبّاسيّ خلال الشطر الأوّل من حكومة المقتدر ووزارات ابن الفرات، وكان الإماميّة يعيشون بعزّ يومذاك بتأثير أبي سهل إسماعيل، وكان رجال من آل نوبخت ذوي رئاسة وقدرة في بغداد، كأبي

____________________

١ - الأغاني ١٨: ١٧٠.

٢ - ممّا يدعم ذلك وجوده في الأهواز ومناظراته فيها مع أبي علي الجبّائيّ (٢٣٥-٣٠٣هـ) قبل سنة ٣٠٣هـ التي توفّي فيها أبو عليّ (الفهرست للطوسيّ ٥٨ ورجال النجاشيّ ٢٣)، وكذلك مناظرته مع الحلاّج في الأهواز قبل سنة ٣٠١هـ وبُعده عن بغداد.

٣ - رجال النجاشيّ ٢٣.


الحسين علىّ بن عبّاس (٢٤٤-٣٢٤هـ)، وأبي القاسم الحسين بن روح المتوفّى سنة ٣٢٦هـ.

يعدّ عهد المقتدر من عهود النكسة في الحكم العبّاسيّ؛ لأنّ الأُمور في عصر هذا الحاكم الضعيف، الشهوانيّ، الخائر الإرادة كانت تُدار من قبل نساء القصر وعمّال الديوان والكتّاب والغلمان وأُمراء الجيش، ولمّا كان هؤلاء من المغرضين الطمّاعين اللاهثين وراء المناصب، فإنّهم كانوا يَسْعَون في تحطيم بعضهم بعضاً.

وممّا كان يزيد التنافس بينهم موضوع الخلاف بين الشيعة والسنّة، ذلك أنّ المقتدر كان كالمأمون يُبدي ميلاً إلى بني هاشم وآل عليّ، وأنّ آل الفرات الذين تسلّموا الوزارة والأعمال الديوانيّة المهمّة الأُخرى في عهده مراراً كانوا يدعمون الشيعة بكلّ جدّ، ويسندون الوظائف إلى بني العبّاس وآل أبي طالب. وسنرى لا حقاً أنّ عدد المخالفين لأهل السنّة بعامّة، والإماميّة بخاصّة كان أخذاً بالازدياد في ظلّ دعم آل الفرات، وعلى هذا المنوال نجد أنّ خصماء مذهب آل الفرات من السنّة كانوا يتعاملون مع الشيعة بعنف مستغلّين ضعف السلطان العبّاسيّ عندما كانوا يتقلّدون بعض المناصب، وأهمّ هذه الصراعات السياسيّة والمذهبيّة الصراع الذي كان قائماً بين آل الجرّاح وآل الفرات، حيث كان عملاء السلطان، وهو نفسه، وأنصار الأُسرتين المذكورتين الطامحون إلى الوزارة يوقدون ناره تشفّياً وطمعاً في المال، وكانوا يجرحون كرامة من قلّدهم المناصب ويسلبون أموالهم، ثمّ يستميلونهم، وهكذا تتجدّد اللعبة نفسها.

واستوزر المقتدر أبا الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات في ٢١ ربيع الأوّل سنة ٢٩٦هـ، بَيْد أنّه حبسه بعد ثلاث سنين وثمانية أشهر وثلاثة عشر يوماً، أي: في الرابع من ذي الحجّة سنة ٢٩٩هـ، وصادر أمواله وأموال أعوانه وهتك حرمته، واختار أبا عليّ محمّد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان للوزارة، ولما لم يكن هذا الوزير بصيراً، وكانت الأمور قد اضطربت في عهده، قرّر المقتدر استيزار


أبي الحسن بن الفرات ثانية في العاشر من المحرّم سنة ٣٠١هـ، لكنّ بعض الأُمراء حالوا دون هذا الأمر، فاستوزر أبا الحسن عليّ بن عيسى بن داود بن الجرّاح وقبض على الخاقانيّ، وآخَذَه، وصادر أمواله.

واستمرّت وزارة عليّ بن عيسى حتّى سنة ٣٠٤هـ، ولكن لمّا كانت الأوضاع غير قابلة للإصلاح بسهولة بسبب الفساد الإداريّ، ونفوذ الأمراء، وعمّال الدواوين، وطمع قادة الجيش، وعدم لياقة السلطان العبّاسيّ، فإنّ المقتدر كان يستشير أبا الحسن بن الفرات دائماً مع أنّه كان قد حبسه، ولمّا أحسّ عليّ بن عيسى بغلبة أنصار ابن الفرات اعتزل الوزارة، فاستوزر المقتدر أبا الحسن بن الفرات مرّة أُخرى في الثامن من ذي الحجّة سنة ٣٠٤هـ، فسلك نفس المسلك الذي كان عليه أسلافه من حبس، وتكبيل، ومصادرة للأموال، وهكذا تعامل مع أبي الحسن عليّ بن عيسى بن الجرّاح بأمر المقتدر.

ولم تَدُم وزارة ابن الفرات الثانية طويلاً إذ خوّل المقتدر حامدَ بن العبّاس هذا المنصب في جمادى الآخرة سنة ٣٠٦هـ، بعد مضيّ سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوماً، ولم يكن الوزير الجديد مطّلعاً على شؤون الوزارة فاختار أبا الحسن عليّ بن عيسى نائباً له، فأضحت شؤون الوزارة في الواقع كلّها بيده، واكتفى حامد باسم الوزارة وتولّي خراج واسط وضرائبها، إذ كان قد ضمنها.

وكان أبو محمّد حامد بن العبّاس لئيماً سفيهاً متعصّباً حاقداً، وارتكب أنواع الرذائل عند مؤاخذة أبي الحسن بن الفرات وبطانته بمؤازرة عليّ بن عيسى. كما أنّ بطانته نالت من أبي الحسن بن الفرات وآذته وأرغمته على دفع مال كثير، وعذّبت ولده مُحسّناً وأعوانه بضربهم بالعصا، وحامد بن العبّاس هو الذي صلب الحسين بن منصور الحلاّج في بغداد سنة ٣٠٩هـ، وهو الذي سجن النائب الثالث للإمام المهديّعليه‌السلام أبا القاسم الحسين بن روح النوبختيّ في دار الخلافة في أواخر وزارته.


وقرّر المقتدر في ربيع الآخر سنة ٣١١هـ عزل حامد بن العبّاس وعليّ بن عيسى من الوزارة ورئاسة الدواوين، وكانا من حماة السنّة ومن خصوم مخالفيهم، وخلع على أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات، وعيّنه وزيراً للمرّة الثالثة.

وأقرّ ابن الفرات حامد بن العبّاس على ما كان عليه في وزارة الخاقانيّ من تولّي خراج واسط وضرائبها، حيث كان ذلك على عاتقه وبضمانه، ولكنّ الوزير سرعان ما أجبره أعداء حامد على مطالبته بالمال الذي كان في ذمّته، فاستجب ابن الفرات الذي كان قد استُوزِر للمرّة الثالثة في الحادي والعشرين من ربيع الآخر سنة ٣١١هـ، وكلّف الإماميّة في بغداد الذي كان له منصب في الديوان أيضاً بالتوجّه إلى واسط ومطالبة حامد بالحسابات الماليّة التي كانت في ذمّته للديوان، وكان ذلك بعد مضيّ فترة قصيرة على تسلّمه مقاليد الوزارة.

وتصرّف أبو سهل مع حامد بن العبّاس في هذا المجال على طريقة كتّاب الدواوين، ولم يخرج عن أُسلوب الرفق والمصانعة، أمّا البزوفريّ فقد تعامل معه بعنف، وطالبه مُغلِظا مقرّعاً، لكنّه لم يستطع أن يأخذ منه شيئاً نتيجة للنفوذ الذي كان يتمتّع به في واسط، فاضطرّ المقتدر إلى إيفاد عدد من غلمانه وجنوده من أجل دعم البزوفريّ وأبي سهل النوبختيّ، لكنّ حامد بن العبّاس فرّ من واسط وقد غيّر هيئته إثر تحذير المقتدر إيّاه فيمّم بغداد، بَيْد أنّ المقتدر قبض عليه وسلّمه أبا الحسن بن الفرات، فتولّى تعذيبه ابن أبي الحسن - وهو محسّن المعروف بقساوته وظلمه وسوء سيرته، والمشهور بالخبيث بن الطيّب - وأرسله إلى واسط مع بعض أعوانه من أجل محاسبته، ثمّ أمر بسمّه في رمضان سنة ٣١١هـ(١) .

ولما لم تتمّ مهمّة محمّد بن عليّ البزوفريّ في واسط حتّى تاريخ وفاة حامد بن

____________________

١ - تاريخ الوزراء ٣٤-٣٥. وتتمّة تاريخ الطبريّ f.٢٤ b (نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس).


العبّاس، وكان أبو سهل النوبختيّ معه كما في السابق على الأعمّ الأغلب فإنّنا نحتمل أنّ أبا سهل كان مشغولاً في أداء مهمّته بواسط حتّى تاريخ وفاة حامد (رمضان سنة ٣١١هـ)، ثمّ وافاه الأجل بعده بقليل، في شوّال من نفس السنة، وهو ابن أربع وسبعين عاماً(١) .

ولعلّ رفق أبي سهل النوبختيّ ومصانعته حامدَ بن العبّاس المتعصّب المعترف بعدائه للرافضة وابن الفرات (صديق أبي سهل والإماميّة وحاميهما) يعودان إلى أسباب سياسيّة؛ لأنّ أبا سهل - كما سنرى - ناهَضَ دعوة الحسين بن منصور الحلاّج بشدّة سواء في وزارة ابن الفرات أم في وزارة حامد بن العبّاس، وعارض هذا الداعية الجديد الذي كان يهدّد الأساس الذي يقوم عليه الكيان الشيعيّ، وكاد أن يجتثّ جذور نفوذه في البلاط. ولم يَدَعْ دعوته تنتظم في بغداد والبلاط ممّا أفضى إلى القبض على الحلاّج، وقتله على يد حامد بن العبّاس سنة ٣٠٩، ويُحتَمل بعامّة أنّ أبا سهل النوبختيّ كان متّفقاً مع حامد بن العبّاس في قتل الحلاّج، ولعلّه كان من محرّضيه على ذلك، وهذه السابقة في وحدة الاتّجاه السياسيّ هي التي دفعت أبا سهل إلى رعاية الحقوق القديمة عند قيامه بمهمّته في واسط.

٢ - حياته العلميّة والأدبيّة

تزامنت حياة أبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ مع برهة من أيّام الغيبة الصغرى من جهة، ومع وقت بلغ الشيعة فيه مستوى من النُّضج بفعل جهاد الطبقة الأُولى من متكلّميهم، ومساعي أنصارهم العاملين في البلاط الحاكم من جهة أُخرى، وعلى الرغم من جميع ضروب المعارضة السياسيّة والدينيّة التي أبدتها الفرق الأُخرى واحتجاجات المعتزلة وردودهم، فقد قام المذهب الشيعيّ على

____________________

١ - تاريخ الإسلام للذهبيّ f.٦٠ b (نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس).


سُوقه، ودوّن رجاله أُسسه المذهبيّة والكلاميّة، واستقرّ على قواعد متّفق عليها عند الشيعة الإماميّة كلّهم.

أمّا مخالفو الإماميّة فإنّهم كانوا ما يزالون يتمتّعون بقدرة تامّة آنذاك، ولم يَرعَووا عن انتقاد عقائد ومقالات الإماميّة ونقضها، يضاف إلى ذلك أنّ الإماميّة أنفسهم تعرّضوا إلى محنة كبيرة في عصر الغيبة الصُّغرى بسبب بروز الخلافات الكثيرة وظهور عدد من الفرق بين الشيعة القطعيّة، فتدخّل أبو سهل الذي انتهت إليه رئاسة الفرقة المذكورة في بغداد يومئذٍ، وكانت له شوكته ومنزلته العلميّة، يعاضده سائر أعضاء الأُسرة النوبختيّة وأفراد من الأُسر الأُخرى، وقام بإزالة التفرقة التي طرأت على الإماميّة، وصدّ مخالفيهم من جهة، ومن جهة أُخرى استعمل علم الكلام، وبذل جهوداً علميّة، فأفلح في الحصول على نتائج كبيرة، وبذل خدمات جُلّى في تثبيت الأُصول الدينيّة للمذهب الشيعيّ الاثني عَشَريّ والمحافظة عليها، فخلد ذكره في تاريخ هذا المذهب، وأصبح جديراً بلقب (شيخ المتكلّمين).

ومع أنّ أبا سهل النوبختيّ كان تلميذ المتكلّمين الأُوّل من الشيعة في علم الكلام، وأنّه دافع عن مسائل كانت مطروحة قبله، ثمّ دوّنها في كتبه بعد تدقيق كثير، لكنّه قام بعملين من أجل اكتمال علم الكلام على مذهب الإماميّة، كما يُستشفّ ذلك من قائمة كتبه وإشارات أُخرى غيرها، وهذان العملان أهمّ الأعمال، وهما لافتان للنظر قابلان للتدوين من كلّ جهة:

١ - دافع أبو سهل عن العقائد التي كان قد دوّنها عدد من متكلّميّ الإماميّة قبله، بعد أن حَظِيت بتأييد أئمّة الهدىعليهم‌السلام وقبول جمهور الإماميّة، يضاف إلى ذلك أنهّ احتذى - أكثر من ذي قبل - أصول الاعتزال في تقرير القضايا الكلاميّة وفقاً لعقيدة الإماميّة، بخاصّة أنّه خلّص الفرقة القطعيّة من بعض التُّهم الّتي رُمي بها عدد من متكلّمي الإماميّة الأُوَل في باب الرّؤية والتّشبيه والتجسيم وغيرها، وأعلن عن نفسه - كالمعتزلة - مناصراً لاستحالة رؤية الله تعالى، و(حدوث العالم)، ومخالفاً


للمجبّرة في باب (المخلوق)، و(الاستطاعة)، كما أنّه سلك سبيل المعتزلة في باب (الإنسان)، والردّ على (أصحاب الصّفات)، ومنذ ذلك الوقت تقارب المذهبان المعتزليّ والإماميّ أكثر من السابق، وبثّ تلاميذ أبي سهل تلك العقائد من بعده من الإماميّة دون تغيير كبير.

٢ - نلحظ في مسألة الإمامة التي كانت من أهمّ المسائل الخلافيّة بين الفرق الإسلاميّة أنّ متكلّمي الشيعة قبل أبي سهل - كما رأينا - قد تحدّثوا عن موضوع النصّ الجليّ والخفيّ، وأثبتوا خلافة الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بلا فصل كما أثبتوا أحقّيّة أولاده في الإمامة بالأدلّة السمعيّة والنقليّة، من خلال المقالات أو الكتب التي صنّفوها، بَيْد أنّ أبا سهل النوبختيّ واثنين من معاصريه هما ابن أُخته أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ، وأبو الأحوَص داود بن أسد البصريّ(١) كانوا أوّل من استخدم الأدلّة العقليّة في إثبات وجوب الإمامة وبيان أوصاف الإمام تبعاً لأبي عيسى الورّاق وابن الراونديّ، وإذا كان قد استظهر بالأدلّة السمعيّة فمن أجل تأييد الأدلّة العقليّة والتصرّف في الاستدلال، وكان الشريف المرتضى يقتني كتب أبي سهل وأبي محمّد النوبختيّ، فكتب في ردّه على القاضي عبد الجبّار المعتزليّ قائلاً: (... وهذه كتب أبي محمّد وأبي سهل رحمهما الله في الإمامة تشهد بما ذكرناه، وتتضمّن نصرة جميع ما ذكره أبو عيسى الورّاق، وابن الراونديّ في كتبهما في الإمامة، بل قد اعتمدا على أكثر ما ذكراه من الأدلّة، وسلكا في نصرة أُصول الإمامة تلك الطرق بعينها، ومَن خَفِي عليه ما ذكرناه من قولهم ظالم لنفسه بالتعرّض للكلام في الإمامة(٢» .

وكان لاحتجاج الورّاق وابن الراونديّ وأبي الأحوص وأبي محمّد وأبي سهل

____________________

١ - انظر ما ذكرناه عن أبي الأحوص في هذا الكتاب.

٢ - الشافي في الإمامة ١٤-١٥.


في إثبات وجوب الإمامة وتقرير صفات الإمام بالأدلّة العقليّة دور في جعل الإمامة من أُصول الدين عند الإماميّة مَثَلها مَثَل التَوحيد، والعدل، والنبوّة، وإدخالها في المباحث الكلاميّة، وأبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ هو الذي ثبّت ذلك وجعله قطعيّاً، وجمع الأدلّة والاحتجاجات التي عرضها السبّاقون في هذا المجال، وصيّر مسألة الإمامة تابعة للنبوّة من المسائل الكلاميّة لمذهب الإماميّة(١) . وصنّف أبو سهل - كما سيأتي لاحقاً - في موضوع الإمامة كتباً عديدة، ووقف عمره على الدفاع عن عقائد الإماميّة و ردّ الغلاة والواقفة وأهل السنَّة، ويمكن القول: إنّ كتبه وآراءه في موضوع الإمامة قد بزّت جميع مؤلّفات المتكلّمين الذين سبقوه، وأصبحت مرجعاً للمتكلّمين الذي جاؤوا بعده، وهذا من بركات الطلاّب الكثيرين الذين تربّوا على يده ونشروا كتبه وعقائده، إضافة إلى ما كان له من منزلة علميّة ونفوذ واعتبار وشوكة.

وكان أبو سهل من الأُدباء والشعراء أيضاً، مضافاً إلى مكانته السياسيّة والعلميّة، وكان معاشراً لاثنين من فحول شعراء العرب هما البحتريّ (٢٠٦-٢٨٣هـ)، وابن الروميّ (٢٢١-٢٨٣هـ)، علماً أنّنا نقلنا سابقاً رأي البحتريّ في شاعريّة أبي سهل، وكان البحتريّ مادحاً لأبي سهل وابنه أبي يعقوب إسحاق (المقتول سنة ٣٢٢هـ )، وآخرين من آل نوبخت، وله قصائد في الثناء عليهم، كنّا قد نقلنا طرفاً منها في فصول متقدّمة.

وكان الشاعر الشيعيّ المشهور عليّ بن العبّاس بن جريج الروميّ ربيب نعمة آل نوبخت، بخاصّة أبي سهل وأخيه أبي جعفر محمّد، وله معهم أخبار أشار إليها المسعوديّ باختصار(٢) . منها أنّ ابن الروميّ نظم مرّةً مقطوعة في مدح آل نوبخت ذكر فيها أنّهم اعلم الناس بالنجوم، فشكره أبو سهل بن عليّ في مقطوعة أُخرى وقال:

____________________

١ - نخبة المقال ١٣٢.

٢ - مروج الذهب ٨: ٢٣٣ (الطبعة الأجنبيّة).


إنّ آل نوبخت عاجزون عن نظم جواب لشعر ابن الروميّ بما فيه من ماء ورواء(١) .

يضاف إلى ذلك أنّ أبا سهل كان معاشراً لكثير من العلماء والمتكلّمين والشعراء والأُدباء المعاصرين له، وكانت له مراسلات شعريّة، وقرأ عليه الأدبَ جماعة من الأُدباء ورواة الشعر، ونلحظ في كتب الرجال والتاريخ ذكراً لمجالسه مع أبي علي الجُبّائيّ في الأهواز، ومع الحكيم الرياضيّ المعروف ثابت بن قرّة، كما نقرأ فيها قصيدة أبي الحسين عليّ بن العبّاس النوبختيّ (المتوفّى سنة ٣٢٤هـ) في مدحه، وسنأتي على ذلك كلّه في موضعه.

ونزيد على ما مرّ أنّ أبا سهل نفسه كان من رواة الأشعار، وقد رويَ عنه قسم من أخبار أبي نواس(٢) ، وكان له تلاميذ كثر أيضاً كلّهم من الكتّاب والشعراء والمتكلّمين المعروفين، أخذوا منه الأدب والشعر والكلام، وتلمذوا له في هذه العلوم.

٣ - تلاميذه

كان لأبي سهل عدد من التلاميذ في الكلام والأدب، قد بثّوا آراء أُستاذهم بين الإماميّة وطلاّب العلم والأدب، وذكرت كتب الأدب والتاريخ أسماء ستّة منهم على النحو الآتي:

١ -عليّ بن إسماعيل ولده: أخذ العلم والأدب عن أبيه(٣) ، ودرس أيضاً عند العالم النحويّ اللغويّ الشهير أبي العبّاس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٠٠-٢٩١هـ)، وكنّاه الخطيب البغداديّ أبا الحسين تارةً، وأبا الحسن تارة أُخرى.

____________________

١ - المقطوعتان كلتاهما في ديوان ابن الروميّ ١: ١٢٢-١٢٣ (طبعة مصر، سنة ١٩٢٧م).

٢ - الجزء الثاني من كتاب أخبار أبي نواس (مخطوط).

٣ - تاريخ الإسلام الذهبيّ، fol. ٦٠ b، نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس.


وكان يروي الشعر عن أبيه أبي سهل، وعن ثعلب، وسمع أبو محمّد الحسن بن الحسين بن عليّ بن العبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت (٣٢٠-٤٠٢هـ) منه بعض أشعار ثعلب ودوّنها وروى الخطيب البغداديّ بواسطةٍ واحدة مقطوعةً شعريّة لثعلب عن أبي محمّد النوبختيّ الذي ستأتي ترجمته، وكان أبو محمّد قد أخذها من عليّ بن إسماعيل النوبختيّ(١) .

٢ -أبو الحسين عليّ بن عبد الله بن وصيف: الناشئ الأصغر (٢٧١-٣٦٥هـ)(٢) الشاعر والمتكلّم المعروف الذي كان من مشاهر المدّاحين لأهل البيت الأطهارعليهم‌السلام ، ومن مصنّفي الشيعة المعروفين. وكان تلميذ أبي سهل النوبختيّ في الكلام(٣) ، وألّف كتاباً في الإمامة(٤) .

وكان المترجَم له أُستاذ الشيخ المفيد أبي عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان وشيخه في الرواية(٥) ، ويُعدّ الشيخ المفيد تلميذاً لأبي سهل النوبختيّ عن طريقين: الأوّل: تلمذته للناشئ الأصغر، والثاني: تعلّمه على أبي الجيش مظفّر بن محمّد البلخيّ (م٣٦٧هـ)(٦) .

٣ -أبو الحسن محمّد بن بشر السوسنجرد يّ: صاحب كتاب الإنفاذ في الإمامة(٧) .

____________________

١ - تاريخ بغداد ١١: ٣٤٧.

٢ - أو ٣٦٦.

٣ - وفيات الأعيان ١: ٣٨٩.

٤ - فهرست الطوسيّ ٢٣٣؛ رجال النجاشيّ ١٩٣.

٥ - فهرست الطوسيّ ٢٣٣.

٦ - الناشئ الأصغر في مقابل الناشئ الأكبر، وهو أبو العبّاس عبد الله بن محمّد الملقّب بابن شرشير، شاعر ومتكلّم مشهور من أهل الأنبار، توفّي سنة ٢٩٣هـ، وتعود شهرته غالباً إلى مخالفته أهلَ المنطق والشعراء وعلماء العَروض، وإنكاره عموم المعاني المسلّمة عندهم، وله كتاب في نقض المنطق، ونظم قصيدة نونيّة في أربعة آلاف بيت تقريباً ذكر فيها أهل الآراء والنحل والمذاهب والملل، (للاطّلاع على ترجمته، انظر: مروج الذهب ٢: ٢٦٦ طبعة مصر، الفِصَل ٤: ١٩٤؛ تاريخ بغداد ١٠: ٩٢-٩٣).

٧ - انظر: ص١١٥ من هذا الكتاب، والفهرست ١٧٧، ورجال النجاشيّ ٢٦٦.


٤ -أبو عليّ الحسين بن القاسم الكوكبيّ: الكاتب (المتوفّى في ربيع الأوّل سنة ٣٢٧هـ)(١) .

٥ -أبو الجيش مظفّر بن محمّد بن أحمد البلخيّ: (المتوفّى سنة ٣٦٧هـ) أُستاذ الشيخ المفيد، له كتاب في الإمامة(٢) .

٦ -أبو بكر محمّد بن يحيى الصُّوليّ: (المتوفّى سنة ٣٣٥هـ) الكاتب والأديب المشهور(٣) .

وكان جميع المتكلّمين الكبار من الإماميّة في القرن الرابع والخامس كالشيخ المفيد، والنجاشيّ، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسيّ، وغيرهم تلاميذ أبي سهل النوبختيّ بواسطةٍ واحدة أو بواسطتين؛ لذلك نجد أنّ آراءهم في موضوع الإمامة وغيره من المسائل الكلاميّة تُشبه إلى حدٍّ ما آراء أبي سهل التي شرحها ودوّنها في كتبه العديدة.

٤ - أبو سهل النوبختيّ وموضوع الغَيبة

ولد أبو سهل النوبختيّ سنة ٢٣٧هـ في عصر الإمام العاشر أبي الحسن عليّ بن محمّد الهادي (٢٢٠-٢٥٤هـ)، وعندما توفّي الإمام الحادي عشر أبو محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ سنة ٢٦٠هـ، كان له من العمر ثلاث وعشرون سنة، وكانت وفاة أبي سهل سنة ٣١١هـ، وهو ابن أربع وسبعين، أمضى منها إحدى وخمسين سنة من عمره في أيّام الغيبة الصُّغرى، وصادفت وفاته في أيّام سفارة النائب الثالث الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح النوبختيّ، وهما من بيت واحد.

____________________

١ - تاريخ الإسلام fol. ٦٠ b، نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس، وتاريخ بغداد ٨: ٨٧.

٢ - الفهرست ١٧٨، رجال النجاشيّ ٢٩٩؛ روضات الجنّات ٣١.

٣ - تاريخ الإسلام fol. ٦٠ b.


وتعدّ الفترة التي أمضاها أبو سهل في عصر الغيبة الصغرى - وهي إحدى وخمسون سنة كانت له في الأيام الأخيرةِ منها الرئاسة على الإماميّة الاثني عشريّة، ويكاد يكون هو الموجّه لهذه الطائفة هو وسائر أفراد البيت النوبختيّ - من أشدّ الفترات توتّراً بالنسبة إلى الطائفة المذكورة، ذلك أنّ أعداءها من جانب، والسلطان العبّاسيّ من جانب آخر قد بذلوا قصارى جهودهم من أجل تقويض الكيان الشيعيّ، ولم يدّخروا وسعاً في إذاقة الشيعة شتّى صنوف الأذى والعذاب، والذي أثارهم أكثر في هذه المرحلة هو حادث وفاة الإمام الحادي عشرعليه‌السلام واختفاء ولده، وهذا الأمر لم يُجرّئ مناوئي الشيعة على معارضتهم فحسب، بل ترك المؤمنين بهذا المذهب يموجون في قلق وحيرة عجيبة، فبرز الخلاف بين صفوفهم وبلغ بهم مبلغاً أنّهم صاروا أربع عشرة فرقة يكفّر بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، وكاد الكيان الشيعيّ الذي كانت أركانه قد توطّدت بجهود بذلها رجاله على امتداد السنين يتقوّض بفعل تلك الخلافات، ومضافاً إلى مكائد الأعداء، وإقبال الدنيا على مناوئي هذه الفرقة وعلى السلطان العبّاسيّ الذي سئم من تحكّم الكتّاب والعاملين الفرس الشيعة في الجهاز الحكوميّ، ونفد صبره من طعن رؤساء الإماميّة ولومهم المتواتر، وكان يفكّر بعموم الوسائل والخطط لإنقاذ نفسه من هذه الورطة.

روى الشيعة أنّ الإمام الحادي عشر أبا محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ توفّي في سُرّ من رأى يوم الجمعة لثمانٍ خلون من ربيع الأوّل سنة ٢٦٠هـ بعد خمس سنين وثمانية أشهر وخمسة أيّام مضت على إمامته، وأعقب ولداً مكتوماً أمره لم يَرَه عامّة الناس، من هنا أمر المعتمد العبّاسيّ (٢٥٦-٢٧٩هـ) بتفتيش دار الإمام وحجراتها، وكبس جميع ما فيها، وجَدَّ رجاله في البحث عنه، وكلّفوا القوابل بالتحقيق من جواري الإمام، وعندما ذكرت إحداهنّ أنّ جارية من جواري الإمام حامل، جعلوها في غرفة خاصّة من غرف الدار، ووكّلوا بها أحد الخدم مع أصحابه وعدداً من النسوة، وصلّى أبو عيسى بن المتوكّل أخو المعتمد على جنازة الإمام.


وأشهدَ كبار العلويّين والعبّاسيّين, وأُمراء الجيش، والكتّاب، والقضاة، والفقهاء، والمعدّلين على أنّ الإمام مات حتف أنفه، ثمّ دفنوا جثمانه الطاهر في البيت الذي دُفن فيه أبوه، وبذل الحاكم العبّاسيّ وأعوانه قصارى جهودهم في البحث عن ابن الإمام، ولمّا لم تُثمر جهودهم شيئاً، ولم تلد تلك الجارية التي توهّموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين أو أكثر، عزم السلطان العبّاسيّ على تقسيم ميراث الإمام العسكريّعليه‌السلام ، فنشب نزاع بين حديث والدة الإمام وبين أخيه جعفر لأجل ذلك، ومع أنّ والدة الإمام أثبتت عند القاضي أنّها الوارثة الوحيدة للإمام لكنّ جعفر عارضها وسعى بها عند السلطان، واستعان به في الحصول على ميراث أخيه، ومكث السلطان سبع سنين، ثمّ قسّم تركة الإمام بين حديث وجعفر(١) .

وكان جعفر مقبلاً على الدنيا لاهياً، طالباً لمنصب أخيه، فتشبّث بشتّى الحيل كي يُعرَفَ بهذا المنصب، وكان يشي عند المعتمد بأصحاب الإمام العسكريّ الذين كانوا يَرَون أنّ ولده الصغير الغائب هو الإمام الثاني عشر وهو حجّة الحقّ على الخلق، وممّا قام به أنّه حرّض السلطان على تكبيل صَيقل(٢) جارية الإمام العسكريّ ووالدة الإمام المهديّ، ومطالبتها بولدها القائم، فأنكرت ذلك وادّعت الحَبل لتردع جلاوزة السلطان عن التجسّس في أمر الإمام، فأوقفها المعتمد في حرمه، وتولّى نساؤه وجواريه وأخوه الموفّق وخدمه ونساء القاضي ابن أبي الشوارب(٣) رعايتها والقيام بأمرها. واستمرّت هذه الحالة إلى أن تضعضعت أركان الحكومة سنة ٢٦٣هـ، بفعل الهزّات التي تعرّضت لها، كاستيلاء يعقوب بن ليث الصفّار على

____________________

١ - كمال الدين ٢٥-٢٦ و٣٤ و٤٧ و٢٦١ و٢٦٢، فرق الشيعة ٧٩، الغيبة للشيخ الطوسيّ ١٤١-١٤٢؛ الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل ٤: ٩٣.

٢ - اختلف الرواة والمؤلّفون في اسم أُمّ الإمام، فمنهم من قال: صيقل، ومنهم من قال: ريحانة، ومنهم من قال: سوسن، ومنهم من قال: نرجس.

٣ - المقصود عليّ بن أبي الشوارب محمّد الذي نُصب قاضياً للقضاة في سنة ٢٦٢هـ.


الأهواز ومحاولته الهجوم على بغداد، وفتنة صاحب الزنج، وموت الوزير عبيد الله بن يحيى بن خاقان فجأةً؛ ولذلك أُنسِيَت صيقل فنجت من مخالب جلاوزة السلطان(١) .

وبرز خلاف وعداء شديد بين أصحاب جعفر، وأصحاب صيقل، وانحاز جماعة من أفراد الحكومة وجلاوزة السلطان إلى جانب جعفر، وجماعة إلى جانب صيقل، واصّاعد لهب الفتنة، فقام أحد النوبختيّين - وهو الحسن بن جعفر الكاتب - بإخفاء صيقل في داره، وآلَ الأمرُ إلى أن قام المعتضد (٢٧٩-٢٨٩هـ) - الذي كان مناوئاً شديداً للإماميّة كالمتوكّل - بإخراجها من بيت الحسن بن جعفر النوبختيّ بعد مضيّ بضع وعشرين سنة على وفاة الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام ، فأقامت في قصره حتّى وافاها الأجل أيّام حكم المقتدر (٢٩٥-٣٢٠هـ)(٢) .

إنّ وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام ، وغيبة ولده القائم، وادّعاء أخيه جعفر الذي لقّبه الإماميّة: الكذّاب، كما أشرنا إلى ذلك سلفاً، كلّ أولئك مهّد الأرضيّة لمناوئي الإماميّة - بخاصّة المعتزلة، والزيديّة، وأصحاب الحديث والسُّنّة، والحاكم العبّاسيّ - لأن ينالوا من الإماميّة، هذا من جانب، ومن جانب آخر، أدّى إلى انقسامها أربع عشرة فرقة، منها من أنكر وجود ولد للإمام العسكريّ، ومنها من تردّد في ذلك، ومنها من اعتقد بانتهاء الإمامة، لكن أفراد هذه الفرقة الأخيرة لم يتّفقوا على ذلك، فمنهم من اعتقد بأنّه خليفة أبيه العسكريّ، ومنهم من رأى أنّه منصوب للإمامة من قِبل أخيه الآخر محمّد الذي كان قد مات في حياة أبيه الإمام الهادي، ومنهم من ذهب إلى أنّ أباه هو الذي اختاره إماماً، وهبّ جماعة من الفَطحيّة والمحمّدية (أصحاب محمّد بن الإمام الهادي توفّي قبل أبيه) إلى تأييد جعفر

____________________

١ - كمال الدين ٢٦٢ و٢٦٣.

٢ - الفصل ٤: ٩٣-٩٤.


على رغم الإماميّة الاثني عشريّة، والتفّ حوله جمع من متكلّمي الفطحيّة الحاذقين، وأُخت فارس بن حاتم بن ماهَوَيه القزوينيّ، وهي من أصحاب الإمام الهادي، وكان الإمامعليهم‌السلام قد لعنها وطردها؛ لإظهارها الغلوّ والفساد، لكنّ جعفر برّأها وزكّاها(١) . وأفضى التفافهم حوله إلى تقويته، وإلى خلق المتاعب للشيعة الاثني عشريّة.

ومن الملاحَظ في ذلك العصر الذي نشبت فيه الفتنة الممتدّة من عهد المعتمد إلى عهد المقتدر، وعانى فيه الإماميّة ما عانَوا من الجور والاضطهاد، أنّ للأُسرة النوبختيّة الشيعيّة دورها بما كانت تتمتّع به من نفوذ مطلق في بغداد يعود إلى منزلتها العلميّة والرسميّة، وهيبتها الشخصيّة وما كانت تمتلكه من عقارات وثروات. فتطلّع إليها الشيعة وعقدوا عليها الأمل في الذبّ عنهم و ردّ مخالفيهم، وكان رئيس الأُسرة والموجّه للشيعة الإماميّة في فترة من فترات ذلك العصر المتكلّم الشاعر الأديب المعروف أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ.

وقد أمضى أبو سهل القِسم الأعظم من حياته في تحصيل علم الكلام والاحتجاج على المخالفين ومناظرتهم، وكان فَطِناً واعياً، ومن الطبيعيّ أنّه لم يكن بوسعه في تلك الظروف المحفوفة بالأخطار أن يسكت، ولا يدافع عن مسألة الإمامة التي كان قد دوّن لها صورة تامّة وفقاً للأُصول المذهبيّة عند الإماميّة، ولا يُبرز العقيدة الصحيحة في الغيبة - وكان يراها حقّاً - في حين كان كلّ شخص يُبدي رأياً في الغَيبة ممّا يبعث على تشتّت الشيعة.

وبلغ الخلاف بين الشيعة في موضوع الإمامة والغَيبة يومئذٍ درجة أنّهم اختلفوا حتّى في عدد الأئمّة أيضاً. فذهبت طائفة منهم إلى أنّهم ثلاثة عشر استناداً إلى

____________________

١ - فرق الشيعة ٨٢، كمال الدين ٣٤.


حديث رواه سُلَيم بن قيس الهلاليّ(١) ، وهو من أصحاب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ومن وحي هذا الحديث عدّ أبو نصر هبة الله بن محمّد الكاتب - وهو من المعاصرين لأبي القاسم الحسين بن روح النوبختيّ في أيّام الغيبة الصغرى وسيأتي ذكره - زيدَ بنَ عليّ بن الحسين في الأئمّة(٢) ، وكان الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيّ المعروف يعتقد باثني عشر إماماً ويقول: إنّ الإمام الثاني عشر قد مات، ولن يظهر إمام، وانّ أمر الساعة قريب(٣) .

ونسب ابن النديم في الفهرست رأياً خاصّاً لأبي سهل في الغيبة لم يُسبَق إليه، وهو أنّه كان يقول: (أنا أقول: إنّ الإمام محمّد بن الحسن ولكنّه مات في الغيبة، وقام بالأمر في الغيبة ابنه، وكذلك فيما بعد من ولده إلى أن يُنفِذ اللهُ حكمَه في إظهاره)(١) .

ولعلّ نسبة هذا الرأي إلى أبي سهل بالشكل المذكور مثار شكّ وترديد؛ لأنّه لم يَرد في أي من كتب الشيعة. ويضاف إليه أنّ الشيخ الصدوق نقل في كتاب كمال الدّين مقطوعة في باب الإمامة عن كتاب التنبيه لأبي سهل، وهي تتّفق مع عقيدة علماء الإماميّة الاثني عشريّة في الغيبة(٢) ، بل يمكن القول: إنّ أبا سهل الذي كان ممّن شهد على ولادة الإمام الثاني عشر(٣) ورؤيته وغيبته، وممّن أيّد نيابةَ السفير الثالث أبي القاسم الحسين بن روح النوبختيّ(٤) ، كان من أعظم العلماء الذين دافعوا عن مسألة الغيبة حسب عقيدة الإماميّة، ثمّ دوّنوها في كتبهم، وسار على خطاه مَن جاء بعده من علماء الطائفة، ولو صحّ ما نسبه إليه ابن النديم، وكان له مثل ذلك

____________________

١ - وهو راوٍ لأوّل كتاب شيعيّ، للاطّلاع على ترجمته، انظر: الفهرست ٢١٩، وكتب الرجال المعتبرة.

٢ - رجال النجاشيّ ٣٠٨.

٣ - Louiz Massignon, passion d`al-Hallady p. ١٥١.

٤ - الفهرست ١٧٦.

٥ - كمال الدين ٥٣-٥٥.

٦ - الغيبة للطوسيّ ١٧٥-١٧٦.

٧ - نفسه ٣٢٥.


الرأي في بادئ أمره، فإنّه تراجع عنه فيما بعد، وأقرّ بما يقرّ به جمهور الإماميّة ودافع عنه.

٥ - أبو سهل النوبختيّ والحسين بن منصور الحلاّج

نلحظ في أيّام الغيبة الصغرى - حيث كان الإماميّة ينتظرون نهاية الغيبة وظهور الإمام الغائب، وحيث كان زمام شؤونهم الدينيّة والدنيويّة بيد النوّاب الأربعة - أنّ الحسين بن منصور الحلاّج البيضاويّ الصوفيّ المعروف كان يبثّ آراءه وعقائده في المراكز المهمّة للشيعة، بخاصّة قمّ وبغداد، فأفلح في استقطاب عدد من الشيعة، ورجال البلاط الحاكم بعد سنين أمضاها في السفر والتبليغ والوعظ.

وكان في بداية أمره يزعم أنّه رسول الإمام الغائب ووكيله وبابه، كما ذكر ذلك مصنّفو الإماميّة؛ من هنا أوردوا اسمه في عداد مدّعي البابيّة(١) ، وعندما التقى برؤساء الإماميّة في قمّ، ودعاهم إلى قبول العنوان المذكور، أبدى رأيه في الأئمّة - كما تطرّقنا إلى ذلك سلفاً - فتبرّأ الشيعة في قمّ منه وطردوه من مدينتهم.

وكان ادّعاء الحلاّج البابيّة، وإبداء رأيه الخاصّ حول عدد الأئمّة، بمنزلة إعلان العداء السافر لآل نوبخت، ذلك أنّ أحدهم - وهو أبو القاسم الحسين بن روح - كان نائباً للإمام الغائب منذ سنة ٣٠٥هـ، وكان قبل ذلك من خاصّة النائب الثاني أبي جعفر محمّد بن عثمان، والشخص الآخر من هذه الأُسرة هو أبو سهل إسماعيل بن عليّ، وكان يعدّ رئيساً للإماميّة في بغداد عند تحرّك الحلاّج، كما كان له نفوذ بين الوزراء وكتّاب البلاط والعاملين في الأجهزة الحكوميّة، وكان راعياً للأُصول المذهبيّة الشيعيّة ومدافعاً عنها، ويضاف إلى ما كان عليه سياسيّاً

____________________

١ - الغيبة للطوسيّ ٢٦٢.


ورسميّاً، أنّه كان يُمضي أوقاته في الردّ على المخالفين ومناظرتهم والاحتجاج عليهم.

وأظهر الحلاّج مقالات في باب الحلول، وادّعاء المعجزة والرسالة والربوبيّة، وعزم على استقطاب أبي سهل إسماعيل النوبختيّ، ومن ثمّ اجتذاب آلاف الشيعة الذين كانوا يتّبعونه وسائر آل نوبخت قولاً وعملاً، بخاصّة أنّ جماعة من بلاط الحاكم العبّاسي كان لهم رأي حسن بالحلاّج، فانحازوا إليه، وإذا ما ركن آل نوبخت إليهم فلا تبقى أمام الحلاّج عقبة تعرقل عمله، وكان له أن ينظّم كياناً مهمّاً لرأيه الجديد اعتماداً على كثرة أصحابه، ونفوذ أكابر البلاط وكُتّابه.

بَيْد أنّ أبا سهل الذي كان شيخاً مجرّباً وعالماً نشطاً محنّكاً لم يَرُقه أن يرى داعياً صوفياً ذا مقالات جديدة يريد أن ينسِف كثيراً من العقائد التي تعاهدها هو نفسه ومتكلّمو الإماميّة وأقاموا دعائمها على أساس رصين باذلين الغالي والنفيس من أجلها، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى يريد أن ينصب نفسه معارضاً للحسين بن روح نائب الإمامعليه‌السلام ، ومدّعياً منصبه، ويمدّ جذوره في الجهاز الحاكم الذي حافظ الشيعة الإماميّة وآل نوبخت على مرافقه الهامّة عدد سنين في مقابل سلطة أمراء الجيش الأتراك وغيرهم.

وأبدى أبو سهل النوبختيّ غاية التدبير والفراسة والنشاط في دحض الحلاّج وقطع دابر دعوته، ذلك أنّ إدانة مثل هذا الشخص - الذي كان قبل كلّ شيء يدّعي أنّه من الإماميّة ومن آل نوبخت - من قبل القضاة والأئمّة والوزراء السُّنّة، وفي عاصمة الحكم حيث لم يُسمَح لقضاة الشيعة وعلمائهم أن يتدخّلوا في تسوية الدعاوى، مضافاً إلى الأضغان المذهبيّة والخصومات السياسيّة، لم يكن عملاً ميسوراً إلاّ بحصافة العقل والحزم ودقّة النظر.

إنّ ما يمكن أن يقال في هذا المجال تخميناً هو: إنّ الإماميّة ربّما اختاروا المذهب الظاهريّ الذي أسّسه أبو بكر محمّد بن داود الإصفهانيّ (المتوفّى سنة


٢٩٧هـ) من بين المذاهب السُّنّيّة اضطراراً من أجل حلّ دعاواهم؛ لأنّ فقههم لم يعترف به الحكّام والسلاطين رسميّاً، وأقرّ بعض الفقهاء من المذهبين الإماميّ والظاهريّ آراء بعضهما البعض في الفروع والفقه، كما نجد أنّ الناشئ الأصغر وهو متكلّم شيعيّ وتلميذ لأبي سهل النوبختيّ كان على مذهب أهل الظاهر في الفقه(١) .

ويحتمل أنّ رؤساء الإماميّة لجأوا إلى أبي بكر محمّد بن داود إمام الظاهريّة عند عودة الحلاّج إلى بغداد وشروعه بالدعوة العامّة (في سنة ٢٩٦هـ)، وحرّضوه على أن يُفتي بوجوب قتل الحلاّج، فأفتى بذلك سنة ٢٩٧هـ قبل وفاته بقليلٍ، يضاف إلى ذلك أنّ الصداقة التي كانت تربط أبا سهل النوبختيّ بأبي الحسن عليّ بن الفرات وزير المقتدر العبّاسيّ (في أيّام وزارته الأُولى بين ٢١ ربيع الأوّل ٢٩٦هـ و٤ من ذي الحجّة ٢٩٩هـ)، ودعم هذا الوزير للشيعة ممّا ساعد على تيسير خطّة أبي سهل(٢) .

على أيّ حال، لا شكّ في أنّ أبا سهل هو الذي أفشى أمر الحلاّج في بغداد، وزهّد العامّة فيه، ونقل كذب دعاواه ومخاريقه في المجالس الصغيرة والكبيرة.

قَدِم الحلاّج بغداد في سنة ٢٩٦هـ وانشغل بدعوة الناس إليه، فلاحقه أبو الحسن بن الفرات، وأصدر ابن داود فتواه المعروفة بهدر دمه، ففرّ من بغداد وأوى إلى شوشتر والأهواز فلاحقه ولاة السلطان العبّاسيّ مرّة أُخرى سنة ٣٠١هـ، وقبضوا عليه وأتوا به إلى بغداد في عصر وزارة عليّ بن عيسى وحُبس ثماني سنين. ثمّ أُعدم في ٢٤ من ذي القعدة سنة ٣٠٩هـ بعد سبعة أشهر من المحاكمة بفتوى القضاة وأئمّة الدين، وبأمر المقتدر ووزيره حامد بن العبّاس.

وجرت بين الحلاّج وأبي سهل النوبختيّ مناظرتان يوم كان يبثّ دعوته.

____________________

١ - الفهرست للطوسيّ ٢٣٣.

٢ - L. Massignon, passion d`al-Halladj, p. ١٤٨.


وفيهما دعا الحلاّجُ أبا سهل إلى اتّباعه، وادّعى المعجزة كما يدلّ على ذلك ما بقي من الروايات، بَيْد أنّ أبا سهل أفحمه ودحضه بل أخزاه من خلال أجوبته الدامغة وطلباته التي عجز الحلاّج عن إنجازها، فكسدت سوقه بسبب ذلك، وننقل فيما يأتي روايتين من الروايات الباقية نصّاً!

١ - نقل الشيخ أبو جعفر الطوسيّ عن أبي نصر هبة الله بن محمّد الكاتب بواسطتين قال: لمّا أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاّج ويُظهر فضيحته ويُخزيه، وقع له أنّ أبا سهل بن إسماعيل بن عليّ النوبختيّ - (رضي الله عنه) - ممّن تجوز عليه مخرقته، وتتمّ عليه حيلته، فوجّه إليه يستدعيه، وظنّ أنّ أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله، وقدّر أن يستجرّه إليه فيتمخرق به ويتسوّف بانقياده على غيره فيستتبّ له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة؛ لِقَدْر أبي سهل في أنفس الناس ومحلّه من العلم والأدب أيضاً عندهم، ويقول له في مراسلته إيّاه: إنّي وكيل صاحب الزّمانعليه‌السلام ، وبهذا أوّلاً كان يستجرّ الجهّال ثمّ يعلو منه إلى غيره، وقد أُمِرتُ بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوّي نفسك ولا ترتاب بهذا الأمر، فأرسل إليه أبو سهل - (رضي الله عنه) - يقول له: إنّي أسألك أمراً يسيراً يَخفُّ مِثلُه عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أنّي رجلٌ أُحبّ الجواري وأصبو إليهنّ ولي منهنّ عدّة أتحظّاهنّ، والشيب يبعدني عنهنّ، وأحتاج أن أخضبه في كلّ جمعة، وأتحمّل منه مشقّةً شديدةً لأستر عنهنّ ذلك، وأحتاج أن أخضبه في كلّ جمعة، وأتحمّل منه مشقّةً شديدةً لأستر عنهنّ ذلك، وإلاّ انكشف أمري عندهنّ، فصار القرب بُعداً والوصال هجراً، وأُريد أن تُغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته وتجعل لحيتي سوداء، فإنّي طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداعٍ إلى مذهبك، مع مالي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة، فلمّا سمع ذلك الحلاّج من قوله وجوابه، علم أنّه قد أخطأ في مراسلته، وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يَرُدّ إليه جواباً، ولم يرسل إليه رسولاً.


وصيّره أبو سهل - (رضي الله عنه) - أُحدوثة وضُحْكة، ويطنز به(١) عند كلّ أحد، وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه(٢) .

٢ - (... ويزعم بعض الجهلة المتّبعين له بأنّه كان يغيب عنهم، ثمّ ينزل عليهم من الهواء، أغفل ما كانوا! وحرّك لقومٍ يده فنثر منها دراهم، وكان في القوم أبو سهل بن نوبخت النوبختيّ، فقال له: دَع هذا وأعطِني درهماً واحداً عليه اسمُك واسم أبيك وأنا أؤمن بك، وخلقٌ كثير معي، فقال: لا، كيف وهذا لم يُصنع؟ فقال له: مَن أحضَرَ ما ليس بحاضرٍ صَنَعَ غيرَ مصنوع)(٣) .

يظهر من القرائن أنّ هذا الحوار كان في الأهواز وحواليها بين سنة ٢٩٨ و٣٠١هـ؛ لأنّ الحلاّج كان يومئذٍ في الأهواز والقرى الواقعة في أطرافها يعدّ للناس الطعام والشراب، وينثر عليهم الدراهم التي كان يسمّيها (دراهم القُدرة)، كما كان فيها أنذاك المتكلّم المعتزليّ المعروف أبو عليّ الجبّائيّ، وهو الذي قام بكشف حيله، وأجبره على مغادرة المدينة(٤) ، ويبدو أنّ الجبّائي لقي أبا سهل النوبختيّ أيضاً، وكانت له مجالس معه.

٦ - مؤلّفاته

ألّف أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ كتباً كثيرة في تأييد المذهب الشيعيّ والردّ على اعتراضات مخالفيه، وبيان المسائل الكلاميّة، وبلغ عددها أربعين كتاباً

____________________

١ - طنز به: سخر.

٢ - الغيبة ٢٦١-٢٦٢؛ نشوار المحاضرة للتنوخيّ ٨١؛ الفهرست ١٩٠-١٩١، وقسم من كتاب المنتظم لابن الجوزيّ في هامش صلة تاريخ الطبريّ ١٠٥، تاريخ بغداد ٨: ١٢٤.

٣ - صلة تاريخ الطبريّ لعريب بن سعد القرطبيّ ٩٢-٩٥.

٤ - تاريخ بغداد ٨: ١٢٥؛ نشوار المحاضرة ٨٧.


ورسالةً، ومن سوء الحظّ أنّه لا يُلاحَظ اليوم منها إلاّ كتاب واحد أو كتابان ذُكرت نُقول منها في كتب المؤلّفين بعده، وتعدّ كتبه من المراجع الرئيسة لعلماء الشيعة ومتكلّميهم، وأقواله الكلاميّة تدعم أقوالهم، وهو نفسه - (رحمه الله) - معدود في رجالات الشيعة ومصنِّفيهم المعتَمدين(١) .

وفيما يأتي أسماء مؤلّفاته اعتماداً على الفهرست، وفهرست الطوسيّ، ورجال النجاشيّ، وبعض الكتب الأُخرى:

ألف - كتبه في الإمامة وردّ المخالفين في هذا الباب

١ - الاستيفاء (الفهرست - فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

٢ - التنبيه (الفهرست - فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ) وكان النجاشيّ صاحب الرجال - قد قرأه على أُستاذه الشيخ المفيد(٢) ، ونقل الشيخ الصدوق مقداراً منه يبلغ ثلاث صفحاتٍ كبيرة وذلك في كتابه كمال الدّين وتمام النّعمة(٣) ، ويبدو أنّ فقرة أُخرى أوردها المؤلّف المذكور في كتابه المشار إليه، ونقلها الشيخ الطوسيّ في كتاب الغَيبة عن أبي سهل مأخوذة من كتاب التنبيه هذا(٤) .

٣ - كتاب في الردّ على الغلاة (الفهرست - فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

٤ - الردّ على الطاطُريّ في موضوع الإمامة.

والطاطُريّ هذا هو أبو الحسن عليّ بن محمد الطائيّ الكوفيّ الطاطريّ من فقهاء الواقفة وشيوخهم ووجهائهم. كان معاصراً للإمام الكاظمعليه‌السلام (١٢٨-١٨٣هـ)، ومع أنّه كان فقيهاً ثقة في حديثه، لكنّه كان يُبدي تعصّباً وعناداً شديداً في الدفاع عن مذهب الواقفة و ردّ عقائد الشيعة، وألّف كتباً عديدة بلغت ثلاثين كتاباً في تأييد

____________________

١ - الملل والنحل ١٤٥.

٢ - رجال النجاشيّ ٢٣.

٣ - كمال الدين وتمام النعمة ٥٣-٥٦.

٤ - نفسه، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ ١٨٥.


عقائده، منها كتاب في الإمامة، ويبدو أنّ هذا الكتاب هو الذي ردّ عليه أبو سهل النوبختيّ. (للاطلاع على ترجمته يُنظَر: الفهرست ١٧٧، فهرست الطوسيّ ٢١٦-٢١١، رجال النجاشيّ١٧٩).

٥ - الردّ على الواقفة (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

٦ - الأنوار في تاريخ الأئمّة (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

٧ - كتاب الجُمَل في الإمامة (رجال النجاشيّ).

٨ - الردّ على محمّد بن الأزهر في الإمامة، (رجال النجاشيّ).

لم يُعرَف محمّد بن الأزهر هذا، ولعلّ المقصود هو أبو جعفر محمّد بن الأزهر الكاتب (٢٠٠-٢٧٩ هـ) أحد الإخباريّين السُّنّة، توفّي في جمادى الأولى سنة ٢٧٩هـ، وهو في الثمانين من عمره(١) .

ب - الردّ على أهل السنّة والجبريّة وأصحاب الصفات

٩ - الردّ على عيسى بن أبان في موضوع القياس(٢) (الفهرست).

١٠ - نقض مسألة عيسى بن أبان في باب الاجتهاد(٣) (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

____________________

١ - تاريخ بغداد ٢: ٨٣-٨٤.

٢ - كان الشيعة وفقهاء الظاهريّة من أصحاب الحديث والسُنّة يبطلون القياس في الفقه على خلاف أصحاب أبي حنيفة والزيديّة، وكان الشيعة ينقلون أحاديث كثيرة عن أئمة الهدىعليهم‌السلام في إبطال القياس، منها ما روي عن الإمام الصادقعليه‌السلام أنّه قال: «القياس ليس من دِيني» ، (رجال الكشيّ ١٢٥) وقال: «إنّ أصحاب القياس طلبوا العلم بالقياس فلم يزدادوا من الحقّ إلاّ بُعداً، إنّ دين الله لا يصاب بالقياس » ( أُصول الكافي ٢١)، وأوّل من عمل بالقياس والاجتهاد من الشيعة أبو عليّ محمّد من أحمد بن الجنيد الإسكافيّ (أواسط القرن الرابع)، والحسن بن أبي عقيل العمانيّ (النصف الأوّل من القرن الرابع) ويعرف هذان الشخصان بين فقهاء الإماميّة بالقديمّين (روضات الجنّات ١٦٨، ٥٦٠، ٥٩٠).

٣ - أنظر: الملل والنحل ١٥٣، مقالات الإسلاميّين ٤٧٩-٤٨٥.


كان أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة بن عَديّ بن مردانشاه (المتوفّى في المحرّم سنة ٢٢١هـ) من أهل مدينة فَسا من بلاد فارس، وكان من قضاة أصحاب الرأي والقياس وفقهائهم، ومن أتباع الإمام أبي حنيفة. وألّف عدداً من الكتب منها: إثبات القياس، واجتهاد الرأي، وهما اللذان ردّ عليهما أبو سهل.

١١ - كتاب في إبطال القياس (الفهرست).

١٢ - كتاب في الردّ على أصحاب الصفات(١) (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

____________________

١ - قال الشهرستانيّ في كتاب الملل والنحل: ٦٤-٦٥: (اعلم أنّ جماعة كثيرة من السلف كانوا يُثبِتون لله تعالى صفاتٍ أزليّةً من العلم، والقدرة، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والجلال، والإكرام، والجود، والإنعام، والعزّة، والعظمة، ولا يفرّقون بين صفات الذات، وصفات الفعل، بل يسوقون الكلام سَوقاً واحداً، وكذلك يُثبتون صفاتٍ خَبَريّة مثل اليدَين، والوجه، ولا يؤوّلون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون: هذه الصفات قد وردت في الشرع، فنسمّيها صفات خبريّة، ولمّا كان المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يُثبتون، سُمّي السلف: صِفاتيّة، والمعتزلة: مُعطِّلة. فبالغ بعض السلف في إثبات الصّفات إلى حدّ التشبيه بصفات المُحدّثات، واقتصر بعضهم على صفات دلّت الأفعال عليها وما ورد به الخبر، فافترقوا فيه فرقتين: فمنهم من أوّله على وجه يحتمل اللفظ ذلك، ومنهم من توقّف في التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يُشبه شيئاً من المخلوقات ولا التأويل، وقال: عرفنا بمقتضى العقل أنّ الله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يُشبه شيئاً من المخلوقات ولا يُشبهه شيء منها، وقطعنا بذلك، إلاّ أنّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله تعالى: «الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) ، ومثل قوله:( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ، ومثل قوله:( وَجَاءَ رَبُّكَ ) ، إلى غير ذلك، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها، بل التّكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له، وليس كمثله شيء؛ وذلك قد أثبتناه يقيناً، ثمّ إنّ جماعةً من المتأخّرين زادوا على ما قاله السلف، فقالوا: لابدّ من إجرائها على ظاهرها، والقول بتفسيرها كما وردت من غير تعرّض للتّأويل ولا توقّف في الظاهر، فوقعوا في التشبيه الصرف، وذلك على خلاف ما اعتقده السلف، ولقد كان التشبيه صرفاً خالصاً في اليهود، لا في كلهم، بل في القرّائين منهم؛ إذ وجدوا في التوراة ألفاظاً تدلّ على ذلك، ثمّ الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلوّ وتقصير. أمّا الغلوّ، فتشبيه بعض أئمّتهم بالإله تعالى وتقدّس، وأمّا التقصير، فتشبيه الإله بواحدٍ من الخلق، ولمّا ظهرت المعتزلة والمتكلّمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلوّ والتقصير، ووقعت في الاعتزال، وتخطّت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر؛ فوقعت في التشبيه، وأمّا السلف الذين لم يتعرّضوا للتّأويل، ولا تهدفوا للتشبيه، فمنهم: مالك بن أنس =


١٣ - كتاب الصفات (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

١٤ - كتاب في الردّ على الجبريّة في باب المخلوق والاستطاعة(١) (فهرست الطوسيّ)، في الفهرست: الردّ على من قال بالمخلوق، وفي رجال النجاشيّ: الردّ على المجبّرة في المخلوق.

١٥ - كتاب في الصفات (رجال النجاشيّ) أو في الصدقات (؟) (فهرست الطوسيّ) ويبدو أنّه الكتاب المذكور في التسلسل ١٣.

ج - الردّ على اليهود ومنكري الرسالة

١٦ - كتاب تثبيت الرسالة، (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

١٧ - كتاب في الاحتجاج في نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله (رجال النجاشيّ).

١٨ - كتاب في الردّ على اليهود(٢) (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

____________________

= إذ قال: الاستواء معلوم، والكيفيّة مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، ومثل أحمد بن حنبل، وسفيان الثوريّ، وداود بن عليّ الأصفهانيّ، ومن تابعهم، حتّى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكُلاّبيّ، وأبي العبّاس القَلانِسيّ، والحارث بن أسد المحاسبيّ، وهؤلاء كانوا من جملة السلف، إلاّ أنّهم باشروا علم الكلام، وأيّدوا عقائد السلف بحجج كلاميّة وبراهين أُصوليّة، وصنّف بعضهم، ودرس بعض، حتّى جرى بين أبي الحسن الأشعريّ وبين أُستاذه مناظرة في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما، وانحاز الأشعريّ إلى هذه الطائفة، فأيّد مقالتهم بمناهج كلاميّة، وصار ذلك مذهباً لأهل السُّنّة والجماعة، وانتقلت سمة الصفاتيّة إلى الأشعريّة، ولمّا كانت (المشبّهة) و(الكرّاميّة) من مُثبِتي الصفات، عددناهم فرقتين من جملة (الصفاتيّة)، (الملل والنحل ٦٤-٦٥، مقالات الإسلاميّين ٥٨٢ فما بعدها).

١ - انظر: كنز الفوائد للكراجكيّ ٤٠-٤١ للتعرّف على الخلاف بين المجبّرة والإماميّة في باب المخلوق والاستطاعة.

٢ - كانت أهمّ احتجاجات المسلمين على اليهود تدور حول المسائل الآتية: تشبيه الخالق بالمخلوق، والقول بأنّ عُزير ابن الله، ونَسخ الشرائع التي كان ينكرها اليهود، وبعض المسائل الأُخرى، (تلبيس إبليس ٧٥-٧٦؛ الملل والنحل ١٦٣-١٦٧، الفصل في الملل والأهواء والنحل ١: ٩٨ فما بعدها، وغيرها).


د - الردّ على المخالفين الآخرين

١٩ - كتاب مجالس أبي سهل مع ثابت بن قرّة (رجال النجاشيّ - فهرست الطوسيّ).

أبو الحسن ثابت بن قُرّة الحرّانيّ الصابئيّ (٢٢١-٢٨٨هـ) فيلسوف ومنطيق ورياضيّ معروف، كان من منجّمي المعتضد العبّاسيّ في بغداد، وكان صديقاً ومعاشراً لأبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ وابن أُخته أبي محمّد الحسن بن موسى، وسنرى في ترجمة أبي محمّد أنّه كان ممّن يجتمع في دار أبي محمّد النوبختيّ مع المترجمين والعلماء الآخرين، وكان أبو محمّد، وأبو سهل يطرحان الأسئلة عليه ويناظرانه في بعض المسائل الفلسفيّة والدينيّة، ويلاحظ بين كتب ثابت بن قرّة - مضافاً إلى الكتاب المذكور الذي يشير إلى هذه النقطة - كتاب يضمّ أجوبته عن مسائل سألها إيّاه أبو سهل النوبختيّ(١) .

٢٠ - مجالسه مع أبي عليّ الجبّائيّ في الأهواز(٢) (رجال النجاشيّ - فهرست الطوسيّ).

٢١ - نقض مسألة أبي عيسى الورّاق في باب قِدَم الأجسام (رجال النجاشيّ)، وإثبات الأعراض(٣) (فهرست الطوسيّ).

٢٢ - الردّ على ابن الراونديّ في باب الإنسان(٤) (رجال النجاشيّ - فهرست الطوسيّ).

____________________

١ - تاريخ الحكماء ١١٨.

٢ - انظر ذيل الصّفحة ١٢٤، والصّفحة ١٤٥ من هذا الكتاب.

٣ - الانتصار ١٥٠ و١٥٢.

٤ - انظر: مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين للأشعريّ ٣٢٩-٣٣٣، للاطّلاع على خلاف المتكلّمين حول الإنسان، ورأي ابن الراونديّ في ذلك.


٢٣ - كتاب السبك في نقض كتاب التاج لابن الراونديّ(١) ، (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

٢٤ - نقض كتاب ابن الراونديّ في باب اجتهاد الرأي، (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

٢٥ - نقض عَبَث الحكمة لابن الراونديّ(٢) ، (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

٢٦ - نقض رسالة من تأليف الشافعيّ(٣) ، (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

٢٧ - الردّ على أبي العتاهية في باب التوحيد، في شعره، (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

كان أبو إسحاق إسماعيل بن القاسم المشهور بأبي العتاهية (١٣٠-٢١١ أو ٢١٣هـ) من شعراء الغزل المعروفين في عهد هارون وولدَيه الأمين والمأمون، ثمّ مال إلى الزهد بعد أن أمضى مدّة في الغزل، والمدح، والهجاء، واقترب من مشرب المتصوّفة تدريجاً، ولمّا كان شاعراً قادراً ذا شعر سهل بعيد عن التكلّف، فقد انتشرت أشعاره في الزهد والوعظ بين الناس، وأدّى ذلك إلى رسوخ أفكاره الصوفيّة والجبريّة في أذهان العامّة.

كان أبو العتاهية شيعيّ الفروع، جَبريّ العقيدة، كما كان عدوّاً للقدريّة(٤) .

لذلك نظم في شعره أفكاراً في مجال الاعتقادات لا تنسجم مع عقائد الشيعة، فكان كتاب أبي سهل النوبختيّ ردّاً على تلك الأفكار، قال صاحب كتاب تبصرة العوامّ:

____________________

١ - انظر: ص١١٩ من هذا الكتاب.

٢ - انظر: ص١١٩ من هذا الكتاب، أيضاً.

٣ - القصد من هذا الكتاب رسالة ألّفها الإمام أبو عبد الله محمّد بن إدريس الشافعيّ (١٥٠-٢٠٤هـ) في أُصول الفقه على رأيه، وهذا الكتاب المعروف برسالة الإمام الشافعيّ أوّل كتاب صُنِّف في أُصول علم الفقه. وأُعيد طبعه مراراً (معجم المطبوعات العربيّة، العمود ٤٧٠).

٤ - تاريخ بغداد ٧: ١٤٧.


(أجمعَت الإماميّةُ على أنّ الله تعالى لا يمكن أن يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولها على ذلك أدلّتها القاطعة من العقل، والقرآن، والسُّنّة، وقال خصومهم: إنّ طائفةً من الشيعة ترى أنّ الله يحكم بالباطل ويخلق الظلم والكفر والفواحش والسفه، كما قالت المجبّرة والمشبّهة، ونحن ونقول: هذا افتراء على الشيعة؛ إذ لم يتفوّهوا به، ولم تجد ذلك في كتبهم، وكلّ من كان له حظّ من الإسلام لا يُجيز ذلك على الله، وكان أبو العَتاهية شيعيّاً في الفروع، جبريّاً في الاعتقاد، وهو لم يكن فقيهاً ولا عالماً بأُصول الدين، وكلّ ما قاله الشعراء من الكلام الفاسد ليس عيباً على الآخرين، ولا تجد فرقةً من الفرق الإسلاميّة إلاّ وبين أفرادها من له عقيدة فاسدة. بخاصّة أصحاب الشافعيّ وأبي حنيفة، حيث إنّ معظم كتب الأُصول والكلام والفقه التي يقرأونها مزيجة بالفلسفة واصطلاحاتها، وقلّما تشمّ منها رائحة الإسلام، والعجيب أنّ الراغب - وهو من كبار المتقدّمين بين أصحاب الشافعيّ - والفخر الرازيّ - وهو من المتأخّرين - قد فسّرا القرآن الكريم، وذكرا في تفسيريهما أشياء لا يُقرُّ بها أيّ مسلم، في حين أنّ أصحابهما يَرَون أنّهما من المحقّقين، وأنّ كلامهما حقائق، من هنا إذا أراد أحد أن يمنّ على أهل الإسلام، فهو ابن سينا، والفارابيّ؛ لأنّ هذين الرجلين - وهما من الفلاسفة المتأخّرين - كانا مصدر تلك الحقائق، ومن الألقاب التي أضفاها أصحاب الشافعيّ على الفخر الرازيّ: حجّة الله على الخلائق، فهذا كلّه ليس عيباً عليهم، ولكن جهل أبي العتاهية الجبريّ عيب على أهل الإمامة!)(١) .

ويظهر من الجملة الأخيرة في كلام المؤلّف المذكور أنّ أهل السُّنّة كانوا ينسبون عقائد أبي العتاهية الجبريّة إلى الشيعة فتحاملوا عليهم بسببها؛ لذلك رأى أبو سهل أنّ من الضروريّ ردّ ذلك ودحض نسبتها إلى الشيعة الذين تبنّى أبو العتاهية مذهبهم في الفروع.

____________________

١- تبصرة العوامّ ٤٢١.


ويرى ماسينيون في كتابه النفيس الذي ألّفه حول سيرة الحسين بن منصور الحلاّج أنّ نقض أبي سهل لكلام أبي العتاهية الذي توفّي قبله بزمن بعيد، وكان غير مُلمّ بالاصطلاحات الفلسفيّة نوعاً ما، وسيلة استخدمها أبو سهل لمهاجمة المتصوّفة والحلاّج الذي كان يستند على شعر أبي العتاهية، ليحول دون بثّ مثل هذه الأفكار(١) ، ولو صحّ هذا الرأي، فهو غير ذي بال، ويبدو أنّ الهدف الأساس الذي كان يبتغيه أبو سهل في دحض أفكار أبي العتاهية في باب التوحيد - كما يُستشفّ من كلام تبصرة العوامّ - دفع ما توهّمه أهل السّنة؛ إذ نسبوا أفكار أبي العتاهية إلى الشيعة.

هـ - الأُصول والمسائل الكلاميّة

٢٨ - كتاب الخواطر(٢) ، (الفهرست - فهرست الطوسيّ)

٢٩ - كتاب المعرفة(٣) ، (الفهرست - فهرست الطوسيّ)

٣٠ - كتاب حدث العالم، (الفهرست - فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ)

٣١ - كلام في باب الإنسان(٤) ، (الفهرست)

٣٢ - الحكاية والمحكيّ(٥) ، (الفهرست - فهرست الطوسيّ)

____________________

١ - Passion d`al-Halladj, p. ١٤٩

٢ - انظر: مقالات الإسلاميّين ٤٢٧-٤٢٩، للاطّلاع على خلاف المتكلّمين في الخواطر.

٣ - مقالات الإسلاميّين ٥١-٥٣-٤٧٢ و٤٧١، والفصل ٥: ١٠٨-١١٩.

٤ - انظر: ص١٢٤ من هذا الكتاب، ومقالات الإسلاميّين ٣٢٩-٣٣٣، وإرشاد الطالبين ١٨٦-١٩٠.

٥ - صنّف عدد من متكلّمي الفرق المختلفة كتباً بهذا العنوان، منهم: أبو محمّد جعفر بن مبشّر المعتزليّ المتوفّى سنة ٢٣٤هـ (الانتصار ٨١)، وأبو الفتح عثمان بن جنّيّ النحويّ المعروف المتوفّى سنة ٣٩٢هـ، الذي ردّ عليه الشريف المرتضى علم الهدى (فهرست الطوسيّ ٢٢٠، وروضات الجنّات ٤٦٦)، وابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدينوريّ (٢١٣-٢٧٦هـ) الذي ردّ عليه الشيخ المفيد (فهرست =


٣٣ - الخصوم والعموم والأسماء والأحكام(١) (رجال النجاشيّ - فهرست الطوسيّ)

٣٤ - كتاب في التوحيد (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ)

٣٥ - كتاب الإرجاء(٢) (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ)

٣٦ - النفي والإثبات(٣) (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ)

٣٧ - كتاب في استحالة رؤية الله تعالى(٤) (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ)

ومن سوء الحظّ أنّه لم يَبقَ من كتب أبي سهل النوبختيّ إلاّ كتابان أو ثلاثة نقل عنها الآخرون، وقد ذكرناها سابقاً، ولكن لمّا كان أبو سهل رئيس المتكلّمين الشيعة، وكانت داره محلاًّ لاجتماعهم(٥) ، وأقواله حجّة بالنسبة إلى العلماء الآخرين من هذه الطائفة، فقد كان يُستشهد بآرائه غالباً، وإذا ما توفّر أحد على دراسة الكتب الكلاميّة للشيعة بهذا القصد، فإنّه يستطيع أن يلتقط قسماً منها عبر هذا الأُسلوب، ونلاحظ أنّ العلاّمة الحلّيّ، والفاضل المقداد يشيران في كتابيهما: أنوار الملكوت، وإرشاد الطالبين(٦) إلى رأي أبي سهل النوبختيّ في الإنسان، وكان قد صنّف كتاباً في هذا الحقل(٧) ، ويدلاّن على اتّفاقه مع جمهور الفلاسفة والمعتزلة في الموضوع

____________________

= الطوسيّ ٣١٥، ونسب النجاشيّ إلى الشيخ المفيد نقضاً على كتاب العتبيّ في هذا الباب ٢٨٦، ولعلّه سهو)، والمقصود من الحكاية هنا هو أن تأتي بالقول على ما تسمعه من غيرك بلا زيادة ولا نقصان منه (مجمع البحرين ٢٢)، وحينئذٍ لا قدح في الحاكي إذا نقل حكاية ما، وإذا كانت هناك جريرة فهي على المحكيّ، كما نلاحظ أنّ الشريف المرتضى لا ينحي باللائمة على ابن الراونديّ في نقله أقوال أهل المذاهب؛ لأنّه نقلها على سبيل الحكاية، بَيد أنّه يعدّ الجاحظ خاطئاً لأنّه يبدي رأياً ورغبة في حكاياته، (الشافي في الإمامة ١٣).

١ - مقالات الإسلاميّين ٤٤٥-٤٤٦، وشرح المقاصد ٢: ١٦٨-١٧٣، ٤٨٣، وكنز الفوائد ١٩-٢٩.

٢ - انظر: من ٥١ من هذا الكتاب.

٣ - مقالات الإسلاميّين ٤٤٦-٤٤٧.

٤ - ص١٢٩ و١٥٠ من هذا الكتاب.

٥ - الفهرست ١٧٦.

٦ - ص١٨٧.

٧ - انظر: التّسلسل ٣١ من كتب أبي سهل.


المذكور.

أبو جعفر محمّد

(أخو أبي سهل النوبختيّ)

كان لأبي سهل النوبختيّ أخ يُعدّ من متكلّمي الشيعة ومصنّفيهم، وكان يتّبع أخاه أبا سهل في علم الكلام، وله كتب أيضاً، ومن المؤسف أنّ صاحب الفهرست إمّا أنّه لم يعثر على عناوينها، أو أنّها سقطت من إحدى نسخ الكتاب المذكور، وهي النسخة التي كُتبت عليها النسخ الأُخرى(١) .

وهذا الرجل المترجَم له هو أبو جعفر بن محمّد بن عليّ بن إسحاق، وهو ممّن صدرت بحقّه توقيعات من قبل سفراء الإمام المهديّعليه‌السلام في أيّام الغَيبة الصّغرى(٢) ، وكان كأخيه أبي سهل أديباً راعياً للشعراء، كما كان من العاملين في الديوان، ونشأ الشاعر المعروف ابن الروميّ غَدِيَّ نعمته، ولهذا الشاعر مراسلات شعريّة معه، وكان يطلب منه صلة وخلعة، ويُستشفّ من إحدى مدائحه أنّ أبا جعفر كان والياً على قرية النعمان ردحاً من الزمن، ونقرأ في ديوان ابن الروميّ ثلاث مقطوعات شعريّة في مدح أبي جعفر النوبختيّ وفيها يطلب الشاعر منه خلعة، ويذكر إكرام آل نوبخت له واحترامهم لصداقته وخدمته، ويعتب فيها على أبي جعفر؛ لأنّه لم يُجبه عن رسائله(٣) .

____________________

١- الفهرست ١٧٧.

٢- الغيبة للشيخ الطوسيّ ٢٧٢.

٣- انظر: ديوان ابن الروميّ ١: ١٢٨ و١٤٢ (طبعة القاهرة، ١٩٢٧م) و١٨١، ١٨٦، ٢٠٠ (طبعة كامل الجيلانيّ).


الفصل السابع

أبو محمّد الحسن بن موسى

( توفّي بين سنة ٣٠٠ و٣١٠هـ)

كان عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت والدُ أبي سهل إسماعيل - الذي نأسف؛ إذ ليس في أيدينا ترجمته، ومرّت بنا في الفصل السابق ترجمة ولديه: أبي سهل إسماعيل، وأبي جعفر محمّد - رئيساً لأحد الفروع النوبختيّة، وكان لهذا الفرع وفرع آخر مثّله أحفاد إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت (بنو عمّ عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت) لواء الصيت والنّفوذ والاقتدار، وكانوا يخطون خطواتهم نحو هدف واحد متعاضدين.

وكان لعليّ بن إسحاق بن أبي سهل - مضافاً إلى الولدين المذكورين - بنت لا نعلم من أمرهما شيئاً، ولكن ذكرها خلد في التاريخ بسبب ابنها أبي محمّد الحسن بن موسى، فهو ابن أُخت أبي سهل إسماعيل، وأبي جعفر محمّد.

١ - ترجمة أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ

ليس في متناول أيدينا معلومات عن والده موسى، ولا ندري هل كان من آل


نوبخت أم أنّ ولده حَسَناً انتسب إلى أخواله النوبختيّين فصار نوبختيّاً.

ونلحظ بين النوبختيّين رجلاً يُدعى موسى، وهو أبو الحسن موسى بن الحسن بن محمّد بن عبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، المعروف بابن كِبرياء النوبختيّ، وهو من المنجّمين والمصنّفين، وستأتي ترجمته قريباً، وعاش هذا الرجل في أواخر الغيبة الصغرى، وكان معاصراً لأبي نصر هبة الله بن محمّد الكاتب الراوي لأخبار الحسين بن روح النوبختيّ (المتوفّى سنة ٣٢٦هـ)(١) ، وكان حيّاً يرزق في سنة ٤٠٠هـ(٢) .

وقد ذكر العالم المعاصر السيّد هبة الدّين الشهرستانيّ في مقدّمته على كتاب فرق الشيعة المنسوب إلى أبي محمّد الحسن بن موسى أنّ أبا محمّد النوبختيّ هو ابن أبي الحسن موسى بن الحسن الملقّب بابن كبرياء. وأحسب أنّه وَهِم في ذلك؛ إذ لم تتطرّق كتب الرجال إلى هذا الأمر مع علم أصحابها بسيرة أبي محمّد الحسن بن موسى، وأبي الحسن موسى بن كبرياء، ونجد أنّ جميع مؤلّفيها يعرفون أبا محمّد الحسن بن موسى على أنّه ابن أُخت أبي سهل، يضاف إلى ذلك أنّ البعد الزمنيّ يضعّف هذا الاحتمال؛ لأنّ أبا محمّد الحسن بن موسى مات في العقد الأوّل من القرن الرابع الهجريّ، أي: بين سنة ٣٠٠ و٣١٠هـ كما أجمع عليه المؤرّخون، وكان قد أمضى أكثر عمره في النصف الثاني من القرن الثالث، أي: في عهد خاله أبي سهل النوبختيّ، في حين أنّ أبا الحسن موسى بن كبرياء كان يعيش بعد الفترة الّتي تلت وكالة أبي القاسم الحسين بن روح (بين سنة ٣٠٥ و٣٢٦هـ) ونقل قسماً من أخباره للآخرين، ومنهم أبو نصر هبة الله بن محمّد الكاتب. وهكذا كان من رجال أواسط القرن الرابع بل أواخره.

ويبدو أنّ أبا محمّد الحسن بن موسى مؤلّف كتاب فرق الشيعة، وكتاب الآراء

____________________

١ - الغيبة للشيخ الطوسيّ ١٩٠، ٢٤٣، ٢٥١.

٢ - رجال النجاشيّ ٣٠٨.


والديانات، وكتب أُخرى غيرهما إنّما هو كالشيخ أبي القاسم الحسين بن روح النوبختيّ ينتسب إلى آل نوبخت من جهة الأُمّ فحسب، وإذا كان أبوه منهم فليس بأيدينا ما يدلّ على ذلك كما لم يذكره أحد.

وكان المترجَم له من المتكلّمين، والفلاسفة، والأُدباء، والملمّين بالعقائد والأديان والملل والنحل، وكان مولعاً في كسب العلوم المختلفة دأبه دأب الكثيرين من علماء عصره الجامعين، وأمضى عمره في جمع الكتب والنسخ النفيسة، ودوّن كتباً كثيرة بخطّه، وكانت داره محلاًّ لاجتماع العلماء والفضلاء بسبب رغبته في كسب العلم والأدب، فكان يجتمع فيها لفيف من مترجمي الكتب القديمة كأبي عثمان سعيد بن يعقوب الدمشقيّ، وأبي يعقوب إسحاق بن حُنين (المتوفّى سنة ٢٩٣هـ)، وأبي الحسن ثابت بن قرّة (٢٢١-٢٨٨هـ) وغيرهم، وكانوا يتباحثون في مسائل علميّة متنوّعة(١) .

ونقل أبو محمّد نفسه لثابت بن إبراهيم الصابيّ (٢٨٣-٣٦٩هـ) الطبيب المعروف، فقال له: (سألتُ أبا الحسن ثابت بن قرّة عن مسألة بحضرة قوم، فكره الإجابة عنها بمشهدهم، وكنتُ حديث السنّ، فدافعني عن الجواب، فقلت متمثّلاً:

ألا مَا لِلَيلى لاَ تُرى عند مَضجعي

بِلَيلٍ ولا يجري بها ليَ طائرُ؟

بلى إنّ عُجْمَ الطير تجري إذا جَرَت

بِلَيلي وَلكنْ لَيس للطَّير زَاجِرُ

فلمّا كان من الغد لقيني في الطريق وسرت معه، فأجابني عن المسألة جواباً شافياً، وقال: زجرتَ الطير يا أبا محمّد؟ فأخجلني، فاعتذرت إليه، وقلت: والله يا سيدي ما أردتُك بالبيتين)(٢) .

يتبيّن من هذه الحكاية، وخبر ثابت بن قرّة واجتماعه في آخر عمره بأبي

____________________

١ - الفهرست ١٧٧.

٢ - عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء ٢٧١.


عثمان الدمشقيّ وإسحاق بن حُنين في دار أبي محمّد النوبختيّ أنّ أبا محمّد قد ذاع صيته، وعلا كعبه على الرغم من الفارق السنّيّ بينه وبين ثابت بن قرّة وأمثاله؛ إذ كان ثابت ونظائره في البداية لا يأبهون لأبي محمّد لحداثة سنّه، ثمّ أذعنوا له من خلال حضورهم في داره للبحث في المسائل العلميّة، وكان أبو محمّد معاصراً لعلماء آخرين غير الذين مرّ ذكرهم، وهم: أبو الأحوص داود بن أسد البصريّ، وخاله أبو سهل إسماعيل بن عليّ (٢٣٧-٣١١هـ)، وأبو عليّ محمّد بن عبد الوهّاب الجبّائيّ (٢٣٥-٣٠٣هـ)، وأبو القاسم عبد الله بن أحمد الكعبيّ البلخيّ (المتوفّى سنة ٣١٩هـ)، وابن الراونديّ، وأبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن مُملَّك الأصفهانيّ، وأبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازيّ، وأخذ العلم عن بعضهم كأبي الأحوص البصريّ، وأبي سهل إسماعيل، وتباحث مع البعض الآخر كأبي جعفر بن قبة، وابن مملّك الأصفهانيّ، وأبي القاسم البلخيّ، والجبّائيّ محاوراً، ودحض عقائد بعضهم ممّا لا تنسجم والمذهب الشيعيّ.

وكان أبو محمّد أكثر النوبختيّين اهتماماً بمذاهب الفلاسفة مع أنّه كان متكلّماً واستطاع أن يلخّص بعض كتب الفلسفة القديمة مضافاً إلى اختلاطه بمترجميها، ومطالعته كتب أرسطو، وألّف أيضاً كتباً في تفنيد بعض آراء الفلاسفة والمناطقة.

وكان في الكلام كخاله أبي سهل قريباًَ من المعتزلة، بخاصّة معتزلة بغداد؛ لذلك نشب نزاع بين الشيعة والمعتزلة حول عقيدته وانتسابه إلى إحدى الفرقتين(١) ، مع هذا لا شكّ في تشيّعه؛ لأنّ العقائد التي دافع عنها في كتبه الكلاميّة هي عقائد الشيعة نفسها، وعقائد خاله الجليل أبي سهل النوبختيّ، يضاف إليه أنّ معظم المؤلّفين القدماء كابن النديم، والمسعوديّ، والأشعريّ والخطيب

____________________

١ - الفهرست: ١٧٧.


البغدادي، وابن أبي الحديد، والذهبيّ، وأصحاب الرجال الشيعة ذكروه في عداد الشيعة.

٢ - مؤلّفات أبي محمّد النوبختيّ

كان أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ من الأدباء ورواة الأشعار(١) ، كما عُدّ أُستاذاً في الكلام والفلسفة والنجوم والمعرفة بالملل والنحل والمقالات، وألّف في هذه العلوم قرابة أربعين كتاباً ليس في أيدينا إلاّ واحد منها يحوم الشكّ حول انتسابه إليه، وهو فرق الشيعة الذي لو ثبت أنّه له، فهو أحد الكتابين المستقلّين اللذين بقيا من آل نوبخت.

وفيما يأتي أسماء مؤلّفاته مع موضوع كلّ منها اعتماداً على الفهرست، وفهرست الطوسيّ، ورجال النجاشيّ، وكتب أُخرى غيرها.

أ - كتبه في الإمامة

١ - الجامع(٢) ، (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ) وهو غير موجود في الفهرست.

٢ - الحُجَج، (رجال النجاشيّ).

٣ - الردّ على الواقفة، (رجال النجاشيّ).

٤ - الردّ على يحيى بن الأصفح(٣) في باب الإمامة (رجال النجاشيّ).

____________________

١ - الموشّح للمرزبانيّ ٢٧٤.

٢ - لا محالة أنّ أبا محمّد النوبختيّ نقض في أحد كتابيه هذين كتب الجاحظ في باب الإمامة، ولمّا كان المسعوديّ أحد ناقضي كتب الجاحظ في هذا المجال أيضاً، فقد عدّ أبا عيسى الورّاق وأبا محمّد النوبختيّ في الناقضين لكتب الجاحظ في الإمامة بلا شرح وتفصيل في هذا الباب، (مروج الذهب ٢: ١٥٨ طبعة مصر).

٣ - أبو زكريّا يحيى بن الأصفح من رجال الخوارج، (الملل والنحل ١٠٣).


٥ - الردّ على جعفر بن حرب المعتزليّ في باب الإمامة (رجال النجاشيّ).

٦ - الموضح في حروب أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام (رجال النجاشيّ).

ب - كتبه في المسائل الكلاميّة والفلسفيّة

٧ - اختصار كتاب الكَون والفساد لأرسطو (الفهرست، ورجال النجاشيّ).

وكتاب أرسطو هذا ترجمة حُنين بن إسحاق من اليونانيّة إلى السريانيّة، وعرّبه اثنان من معاصري أبي محمّد النوبختيّ وأصدقائه، هما: إسحاق بن حنين، وأبو عثمان الدمشقيّ، وفي أقرب الاحتمالات اختصر أبو محمّد النوبختيّ ترجمة أحدهما؛ إذ لم يَرِد في كتاب من الكتب أنّ أبا محمّد كان يعرف اليونانيّة حتّى يكون قد اختصر الكتاب المذكور من النصّ اليونانيّ.

٨ - الحجج الطبيعيّة المستخرجة من كتب أرسطو في ردّ من زعم أنّ السماء حيّة وناطقة.

كان لهذه العقيدة أنصارها بين عدد من الفلاسفة الدهريّين وأصحاب الفلك والنجوم، قال صاحب تبصرة العوامّ في هذا المجال نقلاً عنهم: (قيل: الكواكب ترى كلّ ما فوقها، وترى العلّة الأُولى، وإنّ حركة الكواكب في الأفلاك تامّة ودائمة، وكلّها حيّة، ولا سبيل للتغيير إليها، وهي ذات حياة واحدة، وقيل: المشتري فاعل العالم الأرضيّ ومدبّره بقوّة فيه من العلّة الأُولى، ويقولون: الكواكب والأرض عاقلة، والشمس وجملة الكواكب ترى وتسمع ما تحتها، والأرض تحسّ، وتسمع، وترى، وتشرب وإن كانت ليست مثلنا)(١) ، وذكر أبو محمّد النوبختيّ قول هذه الفرقة أيضاً في كتابه الآخر الآراء والديانات، وأورد ابن الجوزيّ قسماً منه في كتاب تلبيس إبليس نقلاً عن الكتاب المذكور(٢) .

____________________

١ - تبصرة العوامّ ٣٦٠، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٥: ٣٦-٣٧.

٢ - تلبيس إبليس ٨٢-٨٣.


٩ - الأرزاق والآجال والأسعار(١) (رجال النجاشيّ).

١٠ - الاستطاعة على مذهب هشام بن الحكم، ويتّفق أبو محمّد النوبختيّ معه في هذا الباب أيضاً(٢) ، (رجال النجاشيّ).

١١ - الاعتبار والتمييز والانتصار (رجال النجاشيّ).

١٢ - كتاب في باب الإنسان(٣) (فهرست الطوسيّ - رجال النجاشيّ).

١٣ - التنزيه وذكر متشابه القرآن (رجال النجاشيّ).

١٤ - حدث العالم(٤) (الفهرست - فهرست الطوسيّ - تاريخ الإسلام).

١٥ - التوحيد الصغير (رجال النجاشيّ).

١٦ - التوحيد الكبير (رجال النجاشيّ - الفهرست - فهرست الطوسيّ).

١٧ - كتاب كبير في باب جزء لا يتجزّأ (رجال النجاشيّ).

ألِفَ المتكلّمون البحث في باب (جزء لا يتجزّأ)(٥) منذ الوقت الذي ترجمت فيه الكتب اليونانيّة إلى العربيّة، وانتشرت بين الناس مقالات الفلاسفة القدامى كذيمقراطيس(٦) ، وابيقورس(٧) . وأوّل من أجهر برأيه في هذا المجال هو المتكلّم

____________________

١ - للتعرّف على تفصيل هذا الموضوع انظر: مقالات الإسلاميّين ٢٥٦-٢٥٨، الملل والنحل ٣٦، الفرق بين الفِرَق ٣٣٠-٣٣١، شرح نهج البلاغة ١: ٤٥٦، إرشاد الطالبين ١٤٢-١٤٦، شرح المقاصد ٢: ١٦٠-١٦٣، بحار الأنوار ج٣ وغيرها.

٢ - انظر: مقالات الإسلاميّين ٢٢٩ فما بعدها، الفصل في الملل والأهواء والنحل ٣: ٢٦-٤٢، كنز الفوائد ٤٠-٤٨، وللاطّلاع على مذهب هشام في هذا الحقل، انظر: مقالات الإسلاميّين ٤٢-٤٣، الملل والنحل: ١٤١.

٣ - ص١٣٠ من هذا الكتاب، مقالات الإسلاميّين ٤٢-٤٣، إرشاد الطالبين ١٨٦-١٩٠.

٤ - هذا الكتاب وكتاب التوحيد وردا معاً في الفهرست ١٧٧ وفهرست الطوسيّ ٩٩، (طبع كتاب حدث العالم في الفهرست: حدث العلل(؟) (سهواً)، بَيد أنّ الذي يستفاد من تاريخ الإسلام للذهبيّ (fol. ٤٥ b) أنّه كتاب مستقلّ.

٥ - Atome

٦ - Democrites

٧ - Epicures


الشيعيّ المعروف أبو محمّد هشام بن الحكم فكان يقول تبعاً للفلاسفة القدماء: الجزء يتجزّأ أبداً، ولا جزء إلاّ وله جزء، وليس لذلك آخر إلاّ من جهة المساحة، وأنّ لمساحة الجسم آخِرَ، وليس لأجزائه آخر من باب التجزّؤ(١) .

وأقرّ النظّام المعتزليّ هذا الرأي أيضاً وتبع هشامَ بن الحكم في هذه المقالة(٢) ، بَيد أنّ متكلّمي الشيعة لم يقرّوا به جميعاً، فكان لفرقة منهم رأي يخالف هشاماً والفلاسفة القدامى والنظّام، وهو أنّ لأجزاء الجسم غاية من باب التجزّؤ، وله أجزاء معدودة لها كلٌّ وجميعٌ، ولو رفع البارئ كلّ اجتماع في الجسم لبقيت أجزاؤه لا اجتماع فيها ولا يحتمل كلّ جزء منها التجزّؤ(٣) .

ونحتمل بعامّة أنّ أبا محمّد النوبختيّ الذي كان ملمّاً بمقالات الفلاسفة ومشربهم، وكان يحذو حذو هشام في بعض العقائد قد ذكر في كتابه هذا مقالات الناس المختلفة في حقل (الجزء لا يتجزّأ)، ودافع عن عقيدة هشام في هذا السياق.

١٨ - مختصر الكلام في باب الجزء (رجال النجاشيّ).

١٩ - الخصوص والعموم(٤) (رجال النجاشيّ).

٢٠ - الردّ على أصحاب المنزلة بين المنزلتين في باب الوعيد، (رجال النجاشيّ).

٢١ - إنكار رؤية الباري تعالى والردّ على من ظنّ ذلك ممكناً(٥) ، (رجال النجاشيّ - تاريخ الإسلام).

٢٢ - كتاب في المرايا وجهة الرؤية فيها (رجال النجاشيّ).

____________________

١ - مقالات الإسلاميّين ٥٩.

٢ - الفرق بين الفِرَق ٥٠ و١١٣.

٣ - مقالات الإسلاميّين ٥٩، الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ٥: ٩٣-١٠٨، شرح الإشارات للخواجة الطوسيّ، النمط الأوّل، شرح المقاصد ١: ٢٩٣-٣١٣، وغيرها.

٤ - مقالات الإسلاميّين ٤٤٥-٤٤٦، عدّة الأُصول للشيخ الطوسيّ ١٣١-١٥٢.

٥ - انظر: مقالات الإسلاميّين ٢١٣-٢١٧.


٢٣ - الردّ على أبي عيسى الورّاق ونقض كتابه الغريب المشرقيّ(١) ، (فهرست الطوسيّ).

٢٤ - الردّ على أهل التعجيز(٢) ، وهو نقض كتاب أبي عيسى الورّاق(٣) (رجال النجاشيّ).

٢٥ - الردّ على أبي الهُذيل العلاّف في باب نعيم أهل الجنّة(٤) (رجال النجاشيّ - تاريخ الإسلام).

٢٦ - نقض على أبي الهذيل العلاّف في باب المعرفة(٥) (رجال النجاشيّ).

____________________

١ - ص١١٣، من هذا الكتاب.

٢ - التعجيز نسبة العجز إلى الله تعالى، وأهل التعجيز عند المخالفين هم الذين كانوا يرون أنّ الله تعالى قادر على الجواهر فحسب لا على الجواهر والأعراض معاً، وكان أبو عمرو معمّر بن عبَّاد السُلَميّ المعاصر لإبراهيم النظّام والعلاّف وهو من المعتزلة يقول بهذه العقيدة، (مقالات الإسلاميّين ١٩٢ و٥٤٨، وكتاب التعريفات ٩٧)، وكان معمّر يزعم أيضاً أنّ الله عزّ وجلّ لم يخلق شيئاً من الألوان ولا طولاً ولا عرضاً ولا طمعاً ولا رائحة ولا خشونة ولا إملاساً ولا حسناً ولا قبيحاً ولا صوتاً ولا قوّة ولا ضعفاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ولا مرضاً ولا صحّة ولا عافية ولا سقماً ولا عمىً ولا بكماً ولا بصراً ولا سمعاً ولا فصاحةً ولا فساداً للثمار ولا صلاحها، وأنّ كلّ ذلك فعل الأجسام التي وجدت فيها هذه الأعراض بطباعها، وتوافقه الدهريّة في قولهم بوجود أشياء لا نهاية لها (الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ٤: ١٩٤)، ومع أنّ ابن الراونديّ كان يطعن على كثير من عقائد معمّر، لكنّه كان يوافقه في (أفعال الطبائع)، وكان مثله يقول: إنّ حركات الفلك وكلّ ما اشتمل عليه الفلك من ذي حركة أو سكون وتأليف وافتراق ومماسّة ومباينة فعل غير الله، (الانتصار ٥٤)، ونحتمل بعامّة أنّ أبا عيسى الورّاق كان كابن الراونديّ يشترك مع معمّر في بعض هذه العقائد، وألّف كتاباً في هذا المجال نقضه أبو محمّد.

٣ - انظر: ص١٠٧ من هذا الكتاب.

٤ - حول خلاف المتكلّمين في (نعيم أهل الجنّة) ورأي العلاّف في ذلك، انظر: الملل والنحل ٣٥، وتبصرة العوامّ ٤٣٠، ومقالات الإسلاميّين ٤٧٥، والفَرق بين الفِرَق ١٠٢، وغيرها.

٥ - للتعرّف على خلاف المتكلّمين في باب المعارف، يُنظَر: الفِصَل ٥: ١٠٨-١١٩، وللاطّلاع على رأي العلاّف في هذه المسألة يُنْظَر: كتاب الفَرق بين الفِرَق ١١١-١١٢، ولمعرفة رأي الحسن بن موسى النوبختيّ، انظر: مقالات الإسلاميّين ٥٢.


٢٧ - نصرة مذهب عمر بن عبّاد والاحتجاج فيه(١) (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

٢٨ - كتاب في خبر الواحد والعمل به(٢) (رجال النجاشيّ).

ج - مناظراته ومسائله مع معاصريه

٢٩ - أجوبته لأبي جعفر بن قبة(٣) (رجال النجاشيّ).

٣٠ - أجوبته الأُخرى له (رجال النجاشيّ).

٣١ - ردّ على الردّ الذي كان أبو عليّ الجبّائيّ قد كتبه على المنجّمين، قال النجاشيّ: تجاهل أبو عليّ الجبّائيّ في ردّه(٤) ، وكان السيّد ابن طاووس يقتني هذا الكتاب(٥) .

٣٢ - مسائله مع الجبّائيّ في موضوعات مختلفة (رجال النجاشيّ).

____________________

١ - لم أقف على عمر بن عبّاد رغم بحثي الكثير، وأظنّ أنّ تحريفه جاء من جهل النسّاخ، والمقصود هنا هو أبو عمرو معمّر بن عبّاد السُّلّميّ المعتزليّ المعروف الذي حرّف الناسخون اسمه في بعض الكتب أيضاً كما في إرشاد الطالبين ١٨٧، وقد دار الحديث فيه حول معمّر ورأيه الخاصّ في الإنسان، لكنّ اسمه طُبع محرّفاً بالشكل الآتي: عمر بن عبادة السلميّ المعتزليّ، وذلك المذهب المذكور هو من مذاهب معمّر الذي دافع عنه النوبختيّ، ويبدو أنّه يمثّل رأيه في الإنسان، الذي كان عليه معظم متكلّمي الشيعة تبعاً له ولجمهور المعتزلة والفلاسفة، ومنهم أبو إسحاق بن نوبخت مؤلّف الياقوت، وأبو سهل النوبختيّ، والشيخ المفيد، والشريف المرتضى، والخواجه نصير الدين الطوسيّ، والعلاّمة الحلّيّ، ولعلّ احتجاج أبي محمّد النوبختيّ هذا في نصر رأي معمّر كان أحد الأسباب التي أدّت إلى عَدِّه معتزليّاً، للتعرّف على مقايسة بين رأي معمّر، ومتكلّمي الشيعة انظر: مقالات الإسلاميّين ٣٣١-٣٣٢، وأنوار الملكوت للعلاّمة الحلّيّ، وإرشاد الطالبين ١٨٧.

٢ - حول خبر الواحد انظر: الانتصار ٥٢-٥٣، والتعريفات ٤٣، ومفاتيح العلوم للخوارزميّ ٧، وحول شروط العمل به حسب عقيدة علماء الإماميّة انظر: بحار الأنوار ١: ١٩٨-١٩٩، وعدّة الأُصول ٤٠-٦٣؛ ورجال الاسترآباديّ ١-٣، وروضات الجنّات ٥٦١ و٥٩٠، وتبصرة العوامّ ٤٢٨.

٣ - انظر: ص١٢١ في هذا الكتاب.

٤ - رجال النجاشيّ ٤٧.

٥ - بحار الأنوار ١٤: ١٤٣.


٣٣ - ردّ على المنجّمين(١) (رجال النجاشيّ).

٣٤ - ردّ على ثابت بن قرّه(٢) (رجال النجاشيّ).

٣٥ - شرح مجالسه مع أبي عبد الله بن مُملّك(٣) (رجال النجاشيّ).

٣٦ - مجالسه مع أبي القاسم البلخيّ (رجال النجاشيّ).

د - كتبه في الملل والنحل

٣٧ - فرق الشيعة (رجال النجاشيّ - الفصول للشريف المرتضى - منهاج السنّة).

٣٨ - الآراء والديانات (فهرست الطوسيّ - الفهرست - مروج الذهب - تاريخ الإسلام - شرح نهج البلاغة - معجم الأدباء - منهاج السنّة).

٣٩ - الردّ على أصحاب التناسخ (الفهرست - فهرست الطوسيّ).

٤٠ - الردّ على الغلاة (رجال النجاشيّ - فهرست الطوسيّ(٤) - تاريخ بغداد).

____________________

١ - حول خلاف المنجّمين وردّ أقوالهم من قبل المتكلّمين، انظر: شرح نهج البلاغة ٢: ٧٢-٧٥، وبحار الأنوار ١٤: ١٣٨-١٤٠، وكتاب الياقوت لأبي إسحاق النّوبختيّ وشرحه للعلاّمة الحلّيّ.

٢ - يبدو أنّ ناصر خسرو قال في ردّ عقيدته التي ترى أنّ الأفلاك والكواكب حيّة ناطقة. وكان أبو محمّد النّوبختيّ قد ألّف كتاباً آخر في هذا المجال أيضاً: إنّ ثابت بن قرّة الحرّانيّ الذي ترجم الكتب الفلسفيّة من اللغة اليونانيّة إلى اللغة العربيّة برهن على أنّ الأفلاك والكواكب حيّة ناطقة، وقال: إنّ للنّاس حياة، وقوام الكلام أنّ جسد الإنسان أشرف الأجساد حلّت فيه أشرف الأنفس، وتلك النفس حيّة ناطقة، وهذه مقدّمة صادقة، ثمّ قال: وإنّ للأفلاك والأنجم أجساداً هي في غاية الشرف واللطافة وفي ذروة النظافة والطهارة، وهذه مقدّمة صادقة أُخرى، ونتيجة هاتين المقدّمتين أنّ للأفلاك والأنجم نفساً ناطقة، وهي حيّة ناطقة، والبرهان الذي أقامه هذا الفيلسوف هو أنّ ملائكة الأفلاك والكواكب حيّة ناطقة)، ديوان ناصر خسرو ٥٧٢، طبعة مكتبة طهران.

٣ - أبو عبد الله محمّد بن عبد الله مُملّك الأصفهانيّ أحد متكلّمي الشيعة الكبار ومن معاصري أبي عليّ الجبّائيّ كان معتزليّاً، ثمّ تشيّع، وله كتب في الإمامة والمسائل الكلاميّة الأُخرى، (الفهرست ١٧٧، فهرست الطوسيّ ٣٦٩، ورجال النجاشيّ ٢٦٩، ومقالات الإسلاميّين ٣٥٨).

٤ - ورد عنوان الكتابين الردّ على التناسخيّة والغلاة في فهرست الطوسيّ ٩٩ معاً، ولكن يستفاد من =


٤١ - الردّ على فرق الشيعة إلاّ الإماميّة (رجال النجاشيّ).

٤٢ - الردّ على أهل المنطق (رجال النجاشيّ - تاريخ الإسلام).

٤٣ - الردّ على المجسِّمة (رجال النجاشيّ).

كتاب الردّ على الغلاة

هذا كتاب أبي محمّد النوبختيّ في تقرير مقالات الغلاة وردّهم(١) ، نقل الخطيب البغداديّ شيئاً منه عند ترجمة أبي يعقوب إسحاق بن محمّد بن أحمد بن أبان النخعيّ الأحمر الكوفيّ (المتوفّى سنة ٢٨٦هـ) رئيس الفرقة الإسحاقيّة التي كانت من فرق الغلاة، وكان معاصراً لأبي محمّد النوبختيّ، واقتبس ابن الجوزيّ في تلبيس إبليس، وابن كثير في البداية والنّهاية خلاصة للموضوعات التي نقلها الخطيب من الكتاب المذكور.

وكان إسحاق بن محمّد النخعيّ الكوفيّ أبرص، وسمّي بالأحمر لأنّه كان يطلي البَرص بما يغيّر لونه، وكان هو وأصحابه الإسحاقيّة الذين كان يسكن جماعة منهم بالمدائن في عهد الخطيب البغداديّ يعتقدون بألوهيّة الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وألّف إسحاق الذي كان يعدّ من المتكلّمين كتباً تدور حول عقائده، منها: كتاب الصراط(٢) .

يقول الخطيب البغداديّ: (... ثمّ وقع إليّ كتاب لأبي محمّد الحسن بن يحيى

____________________

= الفهرست، ورجال النجاشيّ، وتاريخ بغداد، وتاريخ الإسلام أنّ كتاب الردّ على الغلاة كتاب مستقلّ.

١ - كان المسعوديّ يقتني هذا الكتاب، وذكر أنّ اسمه هو الردّ على الغلاة وغيرهم من الباطنيّة (التنبيه والإشراف ٣٩٦).

٢ - تاريخ بغداد ٦: ٣٧٨-٣٨١، والملل والنحل ١٤٥، والفِصَل ٤: ١٨٦، ورجال النجاشيّ ٥٣، وتلبيس إبليس ١٠٣، والبداية (وقائع سنة ٢٨٦هـ).


النوبختيّ(١) من تصنيفه في الردّ على الغلاة، وكان النوبختيّ هذا من متكلّمي الشيعة الإماميّة، فذكر أصناف مقالات الغلاة، إلى أن قال: (وقد كان ممّن جوّد الجنون في الغلوّ في عصرنا: إسحاق بن محمّد المعروف بالأحمر، وكان ممّن يزعم أنّ عليّاً هو الله، وأنّه يظهر في كلّ وقت، فهو الحسن في وقت الحسن، وكذلك هو الحسين، وهو واحد، وأنّه هو الذي بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال في كتاب له: لو كانوا ألفاً لكانوا واحداً، وكان راوية للحديث، وعمل كتاباً ذكر أنّه كتاب التوحيد، فجاء فيه بجنون وتخليط لا يُتوهّمان، فضلاً من أن يدلّ عليهما، وكان ممّن يقول: باطن صلاة الظهر محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لإظهاره الدعوى، قال: ولو كان باطنها هو هذه التي هي الركوع والسجود, لم يكن لقوله:( إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَى‏ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) معنى؛ لأنّ النهي لا يكون إلاّ من حيّ قادر).

وقال الخطيب بعد نقل كلام كتاب الردّ على الغلاة: (قد أورد النوبختيّ عن إسحاق في كتابه ممّا كان يرويه احتجاجاً لمقالته أشياء أقلّ منها يوجب الخروج عن الملّة(٢) ).

كتاب الآراء والديانات

وهو من أشهر كتب أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ وأكبرها وأنفسها، ومن سوء الحظ أنّه مفقود. وموضوع هذا الكتاب شرح لمقالات الملل والنحل القديمة، وعقائد الفرق الدينيّة وآرائها، والمذاهب الفلسفيّة للمسلمين.

ونقل النجاشيّ أنّه كتاب كبيرٌ حَسَنٌ يحتوي على معلومات كثيرة، وقد قرأه على الشيخ المفيد، وأجازه الشيخ في روايته عنه(٣) . بَيْد أنّ ابن النديم، والشيخ

____________________

١ - ذكر الخطيب أنّ اسم والد أبي محمّد يحيى، في حين أجمع المؤرّخون وأصحاب كتب الرجال على أنّ اسمه موسى، ولعلّ الخطيب سها في هذا المجال، أو أنّ يحيى كان اسماً لأحد أجداد أبي محمّد.

٢ - تاريخ بغداد ٦: ٣٨٠-٣٨١.

٣ - رجال النجاشيّ ٤٦.


الطوسيّ، والذهبيّ نقلوا أنّ أبا محمّد لم يُتِمّه(١) .

وكان أبو محمّد النوبختيّ من رجال النصف الثاني من القرن الثالث وأوائل القرن الرابع. وعصره كان عصر غليان الأفكار والآراء المتنوّعة، ومناظرات الفِرق المختلفة واحتجاجاتها، وفي تلك الفترة جمع بعض المتكلّمين من شتّى الفرق الكتب التي تدور حول آراء المذاهب والملل ومقالاتها، وكانوا يدحضون آراء الفرق الأُخرى وينقضونها في سياق الدفاع عن عقائدهم، وكان قصب السبق يومئذٍ للمعتزلة أيضاً(٢) ، وأشهرهم:

يمان بن رباب الخارجيّ صاحب كتاب المقالات(٣) ، وزُرْقان المعتزلي(٤) تلميذ إبراهيم بن سيّار النظّام صاحب كتاب المقالات، ومحمّد بن شبيب(٥) صاحب

____________________

١ - الفهرست ١٧٧؛ وفهرست الطوسيّ ٩٩؛ وتاريخ الإسلام للذهبيّ f. ٤٥ a (نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس).

٢ - مجموعة رسائل ابن تيميّة ١: ٣٤٩.

٣ - التنبيه والإشراف ٣٩٥؛ والفهرست ١٨٢؛ ومقالات الإسلاميّين ١١٩ و١٢٠، ونقل فقرتين من كتابه المذكور؛ والملل والنحل ١٠٣؛ وغيرها.

٤ - كان زرقان من مشاهير المعتزلة، ومن طبقة أبي جعفر الإسكافيّ، والجاحظ، وجعفر بن مبشّر. وكتابه من أشهر الكتب في الملل والنحل. ونقل منه كثيراً معظم المؤلّفين بعده كالأشعريّ،، والمقدسيّ، وأبي منصور البغداديّ، وابن حزم، والشهرستانيّ، وابن أبي الحديد. وشَرحَه المتكلّم المعتزليّ المعروف أبو القاسم عبد الله بن أحمد الكعبيّ البلخيّ. وشَرحُه هذا كان يعدّ من أهمّ الشروح في هذا المجال. ونقل معظم المؤلّفين أكثر موضوعاته في كتبهم. وكان لأحد مصنّفي غلاة الشيعة - وهو أبو القاسم عليّ بن أحمد الكوفيّ المتوفّى سنة ٣٥٢هـ - كتاب بعنوان تحقيق ما ألّفه الكعبيّ في المقالات (رجال النجاشيّ ١٨٨) ومن سوء الحظّ أنّه شاع - كما يبدو - ككثير من كتب المقالات، بَيد أنّ كتاباً آخر له بعنوان الاستغاثة في بِدَع المحدَثة أو الإغاثة - وهو في البدع المنسوبة إلى الخلفاء الثلاثة - ما زال في متناول أيدينا.

٥ - أبو بكر محمّد بن عبد الله بن شبيب البصريّ من شيوخ المعتزلة كان يقول بالإرجاء؛ لذلك عُدّ من المرجئة القدريّة (التنبيه والإشراف ٣٩٥؛ الملل والنحل ١٠٣؛ مقالات الإسلاميّين ١٣٦، ١٣٩، ١٤٣، ١٤٦، ١٤٩، الأنساب f. ٣٢٩ b وغيرها).


النظّام، وعبّاد بن سليمان الصيمريّ(١) صاحب هشام بن عمرو الفوطيّ، ومحمّد بن عيسى بُرغوث(٢) . وهو من تلاميذ الحسين بن محمّد النجّار، وأبو عيسى محمّد بن هارون الورّاق(٣) ، وأحمد بن الحسن بن سهل المصمعيّ(٤) المعروف بابن أخي زرقان، وأبو القاسم الكعبيّ البلخيّ الذي شرح مقالات زُرقان، وأبو العبّاس عبد الله بن محمّد الناشئ الأكبر(٥) ، وأبو محمّد عبد الله بن محمّد الخالديّ(٦) ، وأبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ صاحب كتاب مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين(٧) ، وغيرهم. وهؤلاء إمّا أنّهم كانوا معاصرين لأبي محمّد النوبختيّ أو أنّهم سبقوه بقليل. ورأى أبو محمّد أكثر كتبهم أو طالعها، ثمّ جمع كتابه الكبير في الآراء والديانات، فاشتهر هذا الكتاب وسرعان ما غدا مرجِعاً بخاصّة أنّ مؤلّفه كان من

____________________

١ - عبّاد بن سليمان الصيمريّ من المعتزلة، من طبقة زرقان، وأبي جعفر الإسكافيّ، والجاحظ، وغيرهم (شرح نهج البلاغة ٤: ١٥٩؛ الانتصار ٩١، ٢٠٣؛ الفِصَل في الملل والأهواء والنحل ٣: ٥٤؛ التنبيه والإشراف ٣٩٥؛ الفَرق بين الفِرَق ١٤٧، ١٤٨، ٢٦١).

٢ - أبو عيسى محمّد بن عيسى الملقّب ببرغوث من أصحاب الحسين بن محمّد النجار المعروف وأتباعه. وغالباً ما كتب النسّاخ اسمه: محمّد بن عيسى بن غوث؛ وهذا سهو لأنّه كان بانياً لمذهب من فروع النجّاريّة، ويسمّى أصحابه: البرغوثيّة (انظر: الملل والنحل ١٩، ٦٣، ١٠٣، والانتصار ١٣٣-١٣٤، ومقالات الإسلاميّين ٢٣٥ و٢٨٤؛ والتنبيه والإشراف ٣٩٦؛ والفَرق بين الفِرَق ١٩٧؛ وشرح نهج البلاغة ١: ٢٩٥؛ ومنهاج السنّة ١: ٢٥٦).

٣ - انظر: ص١١٢-١١٣ من هذا الكتاب.

٤ - ورد اسم هذا الشخص بالشكل المذكور أعلاه في كتاب التنبيه والإشراف المطبوع، ص٣٩٦، ولعلّه المِسْمَعيّ المتكلّم الذي كان يعيش قبل أبي بكر محمّد بن زكريّا الرازيّ المتوفّى سنة ٣٢٠ هـ، أو كان معاصراً له. ونقض الرازيّ المذكور، بعض كتبه. (الفهرست ٣٠٠ و٣٠١؛ القفطيّ ٢٧٤ و٢٧٥).

٥ - انظر: ذيل ص١٢٧ من هذا الكتاب؛ ووفيات الأعيان ١: ٢٨٥.

٦ - أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن الحسن الخالديّ من المرجئة القَدَريّة كمحمّد بن شبيب البصريّ. (الملل والنحل ١٠٣؛ الفَرق بين الفِرَق ١٩ و٩٦؛ التنبيه والإشراف ٣٩٦).

٧ - وكان له كتاب آخر بعنوان مقالات غير الإسلاميّين. وهو أكبر من كتابه مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين. ويدور حول مقالات الفلاسفة غير المسلمين (منهاج السنّة ٣: ٧٢).


المتكلّمين والكتّاب الفلسفيّين على مذهب الإماميّة، في حين أنّ المؤلّفين المذكورة أسماؤهم سلفاً لم ينتسبوا إلى الإماميّة إلاّ أبا عيسى الورّاق الذي ذكر عنه الشريف المرتضى أنّه سعى كثيراً في تقرير عقائد الثنويّة؛ ولذلك نُسب إلى الزندقة أيضاً.

وكان المؤرّخ الأديب المتكلّم الكبير أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعوديّ يقتني كتاب الآراء والديانات، ونقل منه في مروج الذهب(١) . وهو نفسه كان معاصراً لأبي محمّد النوبختيّ، وله كتاب بعنوان المقالات في أُصول الديانات.

وبلغت شهرة كتاب أبي محمّد النوبختيّ في الملل والنحل والآراء والديانات أنّه صار - مَثَله في ذلك مَثَل كتب زُرقان، والورّاق، والكعبيّ - أحد الكتب المهمّة في هذا الموضوع. وأصبح مؤلّفه قدوة تامّة في هذا العلم(٢) .

وكان المؤلّفون بعد أبي محمّد النوبختيّ يقتنون كتابه كالمسعوديّ، وابن الجوزيّ، وابن أبي الحديد، وأوردوا منه في كتبهم(٣) . ومن حسن الحظّ أنّ ابن الجوزيّ نقل أكثر من غيره. ويمكن أن نتعرّف على محتويات كتاب الآراء والديانات من خلال ما نقله ابن الجوزيّ. وفيما يأتي خلاصة للموضوعات المنقولة منه في مروج الذهب، وتلبيس إبليس، وشرح نهج البلاغة:

١ - عقائد السوفسطائيّة والدهريّة (تلبيس إبليس ٤٢، ٤٣).

٢ - عقائد الثنويّة (تلبيس إبليس ٤٧؛ شرح نهج البلاغة ١: ٢٧).

٣ - عقائد فلاسفة اليونان (تلبيس إبليس ٤٨-٤٩).

____________________

١ - مروج الذهب ٧: ١٥٧-١٥٨، الطبعة الأجنبيّة؛ التنبيه والإشراف ٣٩٦.

٢ - معجم الأُدباء ٢: ٢٧٩.

٣ - مروج الذهب ٧: ١٥٧-١٥٨، والتنبيه والإشراف ٣٩٦، وتلبيس إبليس ٤٢، ٤٣، ٤٧، ٤٩، ٦٩، ٧٤، ٧٩، ٨١، ٨٢، ٨٨، ٩١، وشرح نهج البلاغة ١: ٢٧، ٢٩٥، ٢٩٦. وذكره ابن تيميّة مراراً في منهاج السنّة (١: ١٦، ٢٠٣، ٣: ٧٢).


٤ - مذاهب الهند وآراؤها (مروج الذهب ٧: ١٥٧-١٥٨؛ تلبيس إبليس ٦٩، ٧٤).

٥ - مذاهب الصابئين والمجوس (تلبيس إبليس ٧٩، ٨١).

٦ - آراء المنجّمين وأصحاب الفلك (تلبيس إبليس ٨٢).

٧ - عقيدة جهم بن صفوان (تلبيس إبليس ٨٨).

٨ - مذهب هشام بن الحكم في التشبيه والتجسيم (تلبيس إبليس ٩١؛ شرح نهج البلاغة ١: ٢٩٥).

٩ - عقائد مقاتل بن سليمان، ونعيم بن حمّاد، وداود الجواربيّ من متكلّمي الشيعة (تلبيس إبليس ٩١).

١٠ - عقيدة الفلاسفة الرواقيّين (شرح نهج البلاغة ١: ٢٩٦).

ويستبين من ملاحظة هذه المعلومات الباقية من كتاب الآراء والديانات أنّ المؤلّف الفاضل اهتمّ بجميع الآراء والعقائد والأهواء والنّحل. ووصف في كتابه هذه فلاسفة اليونان، والدهريّين، والمنجّمين، والبراهمة، وعقائد المتكلّمين والملل الإسلاميّة. ونأسى عظيم الأسى حقّاً؛ إذ ضاع هذا الكتاب الثمين الذي كان من أقدم الكتب الإسلاميّة في باب الملل والنحل، ولعلّه أقدم كتاب جامع للإماميّة في هذا الباب، بخاصّة أنّ مؤلّفه كاتب ضليع ومتكلّم فلسفيّ المشرب.

كتاب فرق الشيعة

وهو أشهر كتب أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ. ويدور حول موضوع افتراق الشيعة فرقاً متعدّدة كالغلاة، والزيديّة، والإماميّة، وحول مقالاتهم المختلفة؛ ولهذا الكتاب أهمّيّة خاصّة من الوجهة التاريخيّة، ومن حيث اشتهار


مؤلّفه الذي كان من متكلّمي الشيعة أُولي المشرب الفلسفيّ، وأفاد منه المؤلّفون بعده كثيراً.

وكان بين مصنّفي الشيعة أو المنسوبين إليهم - ممّن سبق أبا محمّد بخمسين سنة أو جاء بعده بخمسين سنة - رجال كتبوا حول فرق الشيعة أو مقالاتهم أو ما يقرب من ذلك. ويلاحظ في كتب المؤلّفين المتأخّرين ذكرهم أو ذكر بعض منقولاتهم أحياناً، وأشهر هؤلاء هم:

١ - أبو عيسى محمّد بن هارون الورّاق (المتوفّى سنة ٢٤٧هـ) المتكلّم المعروف، وقد مرّت ترجمته. وهو صاحب كتاب اختلاف الشيعة(١) .

٢ - أبو القاسم نصر بن صَبّاح البلخيّ من الغلاة، ومن شيوخ رواية أبي عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّيّ صاحب كتاب الرجال، وأبي النضر محمّد بن مسعود العيّاشيّ السمرقنديّ (كلاهما من رجال النصف الأوّل من القرن الرابع). صنّف كتاباً بعنوان فرق الشيعة(٢) . ونقل الكشّيّ عنه مقالات الشيعة مراراً.

٣ - أبو طالب عبد الله بن أحمد الأنباريّ المتوفّى سنة ٣٥٦هـ، وهو صاحب كتاب يحمل نفس العنوان: فرق الشيعة(٣) .

٤ - أبو المظفّر محمّد بن أحمد النعيميّ صاحب كتاب البهجة في فرق الشيعة وأخبار آل أبي طالب(٤) .

٥ - سعد بن عبد الله بن أبي خلف النميريّ الأشعريّ القمّيّ المتوفّى سنة ٢٩٩هـ أو سنة ٣٠١هـ. كان من أخباريّي الشيعة ومحدّثيهم. وله الكتاب المشهور بصائر الدرجات. وهو من شيوخ رواية محمّد بن جعفر بن قولويه، وأبي الحسن عليّ بن الحسين بن بابَوَيه (والد الشيخ الصدوق، والمتوفّى سنة

____________________

١ - رجال النجاشيّ ٢٦٣.

٢ - نفسه ٣٠٢.

٣ - نفسه ٦٢.

٤ - نفسه ٢٨١.


٣٢٩هـ).

وكتاب المترجَم له مصدراً لرواية عدد من أخبار الإماميّة المهمّة، ومؤلّفاً لبعض الكتب المعتبَرة. وله كتاب في تاريخ فرق الشيعة المختلفة ومقالاتهم، و ورد ذكره في رجال النجاشيّ باسم فرق الشيعة(١) ، وفي فهرست الطوسيّ باسم مقالات الإماميّة(٢) . وكان العلاّمة المجلسيّ يقتنيه. وذكره بعنوان مقالات الإماميّة والفِرَق وأسماؤها وصنوفها وقال: نقل منه الشيخ الطوسيّ في كتاب الغيبة، والنجاشيّ في رجاله(٣) .

وقامت المطبعة الحكوميّة بأسطنبول سنة ١٩٣١م بطبع كتاب بعنوان فرق الشيعة بتصحيح المستشرق الألمانيّ هلموت ريتّر(٤) ، وعلى نفقة جمعية المستشرقين الألمان(٥) . وصُدِّر الكتاب بمقدّمة في ترجمة أبي محمّد النوبختيّ بقلم السيّد هبة الدين الشهرستانيّ أحد مشاهير علماء الشيعة في العراق. ويحتوي الكتاب الذي طبع طبعة نفيسة على ١٣٤ صفحة من القطع الوزيريّ، عشر منها دليل الموضوعات، وثلاثون تضمّ مقدّمة وجدولاً في شجرة نسب آل أبي طالب. وهذا الكتاب هو الكتاب الرابع الذي يطبع في سلسلة (نشريّات إسلاميّة)(٦) بجهود ريتّر. أمّا الثلاثة الأُولى فهي كتاب مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعريّ بجزءيه. وقدر صدر الجزءان. والثالث هو دليل هذين الجزءين وتوضيحاتهما، ولم يطبع بعد.

وطبع هذا الكتاب اعتماداً على مخطوطتين: الأولى ناقصة تعود إلى ا.ج. إلّيس(٧) أمين مكتبة الفرع الشرقيّ في المتحف البريطانيّ. والثانية كاملة وتعود إلى

____________________

١ - رجال النجاشيّ ١٢٦.

٢ - فهرست الطوسيّ ١٥٣.

٣ - كشف الحجب والأستار ٥٤٢؛ بحار الأنوار ١: ٧، ١٣ (الطبعة الأولى).

٤ - Hellmut Ritter

٥ - Deutsche Morgenlxndishe Geselschaft

٦ - Bibliotheca Islamica

٧ - A. G. Ellis


مكتبة المرحوم الميرزا حسين النوري(١) . ونسب الناشر المحترم، والسيّد الشهرستانيّ هذا الكتاب إلى أبي محمّد النوبختيّ في حين أنّ اسم المؤلّف وعنوان الكتاب غير مذكورين فيه. وإنّما أورد كاتب النسخة العائدة إلى إلّيس في ظهرها ما نصّه: (فيه مذاهب فرق أهل الإمامة وأسماؤها وذكر مستقيمها من سقيمها واختلافها، تأليف أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ). وعندما استنسخ علماء العراق من مخطوطة مكتبة المرحوم الميرزا النوريّ نسخاً مختلفة ظنّوا أنّ هذا الكتاب هو فرق الشيعة للنوبختيّ، وتداولوه بينهم بهذا العنوان. فهل يكفي القاسم المشترك في الموضوع بين النسخة المطبوعة الموجودة وبين محتويات الكتاب لنعدّه للنوبختيّ مع وجود النسخ الجديدة للكتاب، ومن ثمّ نجزم بأنّ الكتاب له، وليس لمؤلّف آخر بهذا الاسم، وله كتب في هذا الموضوع؟ ولا يسعنا أن نطمئنّ إلى صحّة هذه النسخة للأسباب التي سنذكرها، بل نحتمل أنّ الكتاب الموجود هو في الأصل مخطوطة أبي القاسم سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ التي كان يقتنيها العلاّمة المجلسيّ أيضاً، وليس كتاب النوبختيّ.

زرتُ العلاّمة الفاضل الميرزا فضل الله شيخ الإسلام وأخاه العالم الميرزا أبو عبد الله في زنجان حقّاً. وأمضيت فترة قليلة في تلك المدينة، وأفدت منهما، ورأيت نسخة من كتاب فرق الشيعة عند شيخ الإسلام، وهي النسخة التي كان ريتّر مشغولاً بطبعها في أسطنبول. وقد سرّني ذلك كثيراً؛ إذ كنتُ أسعى في جمع أخبار آل نوبخت بحماسة ورغبة عظيمة عدد سنين، بَيْد أنّي تصفّحتها في فرصة أُتيحت

____________________

١ - هو المرحوم الميرزا حسين بن محمّد تقيّ النوريّ (١٢٥٤-١٣٢٠هـ) العالم المحدّث المعروف مؤلّف كتاب نَفَس الرحمن في فضائل سلمان، ومستدرك الوسائل وكتب نفيسة أُخرى (للاطّلاع على ترجمته انظر: كتاب أحسن الوديعة في تراجم أشهر مشاهير مجتهدي الشيعة لمؤلّفه محمّد مهدي الموسويّ الأصفهانيّ الكاظميّ ١: ٨٩-٩١).


لي عنده فلم أجد فيها وفي مقدّمتها اسماً لأبي محمّد النوبختيّ، وفرق الشيعة. فأخبرتُه بشكّي في صحّة انتسابها إليه، لكنّه لم يذهب إلى ما ذهبت إليه، وذكر أنّه يرجّح كَونها له مع عدم وجود الأدلّة القاطعة، ومع احتمال الشكّ في هذا المجال.

وزاد شكّي بعد وصول نسخة أسطنبول المطبوعة ومطالعتها بدقّة، فراسلتُ شيخ الإسلام بذلك، فكتب إليّ رسالتين ذكر فيهما منشأ الشكّ، ودعم رأيه الأوّل الذي ذهب فيه إلى أنّ النوبختيّ هو صاحب كتاب فرق الشيعة بقرائن سنشير إليها. غير أنّي لا أرى - غير معتدٍّ برأيي - هذه القرائن مُقنعة. وثمّة قرائن أُخرى تدعم نسبة الكتاب إلى الأشعريّ أكثر من نسبته إلى النوبختيّ.

هل كتاب (فرق الشيعة) المتداول من تأليف أبي محمّد النوبختي؟

لم يَبقَ من كتاب فرق الشيعة، في حدود اطّلاعي، إلاّ معلومات منقولة في كتاب الفصول المختارة من العيون والمحاسن والمجالس للشريف المرتضى، وهو منتخب من كتاب العيون والمحاسن والمجالس لأُستاذه الشيخ المفيد(١) . وكذلك نلحظ ذكراً لهذا الكتاب في منهاج السنَّة النبويّة(٢) لتقيّ الدين أبي العبّاس أحمد الدمشقّي المعروف بابن تيميّة المتوفّى سنة ٧٢٨هـ.

ونجد في كتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ، ورجال الكشّيّ أنّ مؤلّفيهما نَقَلا من كتاب المقالات والفرق لسعد بن عبد الله الأشعريّ مصرِّحَين باسمه أو غير مصرِّحَين، كما أشار إلى ذلك العلاّمة المجلسيّ. والفارق بينهما أنّ الشيخ الطوسيّ نقل من الكتاب المذكور بصراحة، أمّا الكشّيّ فلم يذكر مصدر الموضوع المنقول وسنده كما في النسخة الموجودة من رجاله. وسبب ذلك بلا شكّ هو تصرّف

____________________

١ - استنسخ لي شيخ الإسلام هذه الفقرة من كتاب الفصول.

٢ - منهاج السنة النبويّة، ٢: ١٠٥.


الشيخ الطوسيّ في الكتاب. وقد اختصر (رجال الكشّيّ) - الذي ضاعت نسخته الأصليّة - على ذوقه، وسمّاه اختيار رجال الكشّيّ وإلاّ فإنّه شكّ في نقلهم من كتاب سعد بن عبد الله.

وكان الشهرستانيّ أيضاً يقتني نسخة من فرق الشيعة المتداول، واقتبس منه بدون تصريح. ونقايس فيما يأتي بين ما نقله الشيخ المفيد عن أبي محمّد النوبختيّ مصرّحاً باسمه، وما نقله الشيخ الطوسيّ والكشّيّ عن سعد بن عبد الله الأشعريّ، وما نقله الشهرستانيّ عن فرق الشيعة بلا تصريح، وبين ما ورد في كتاب فرق الشيعة المطبوع أملاً في علاج مشكلة انتساب الكتاب إلى مؤلّفه الحقيقيّ.

فرق الشيعة المطبوع (ص٧٨)

محمّد بن نصير النميريّ كان يدّعى أنّه نبيّ بعثه أبو الحسن العسكريّ، وكان يقول بالتّناسخ والغلوّ(١) في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبيّة ويقول بالإباحة للمحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التّواضع والتّذلّل، وأنّه أحد الشهوات والطيّبات، وأنّ الله عزّ وجلّ لم يحرّم شيئاً من ذلك وكان يقوّي أسباب هذا النّميريّ محمّد بن موسى بن الحسن بن الفرات.

الغيبة للطوسيّ (٢٥٩)

قال سعد بن عبد الله:

كان محمّد بن نصير النّميريّ يدّعي أنّه رسول نبيّ، وإنّ عليّ بن محمّد أرسله، وكان يقول بالتّناسخ ويغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التواضع والإخبات والتّذلّل في المفعول به، وأنّه من الفاعل إحدى الشّهوات والطيّبات وأنّ الله عزّ وجلّ لا يحرّم شيئاً من ذلك، وكان محمّد بن موسى بن الحسن بن الفرات يقوّي أسبابه ويعضده.

فرق الشيعة المطبوع (٧٩)

فلمّا توفّي قيل له في علّته وقد كان اعتقل لسانه؛ لمن هذا الأمر من بعدك؟ فقال:

____________________

١- في نسخة: ويغلو.


لأحمد، فلم يدروا من هو، فافترقوا بعده ثلاث فرق، فرقة قالت: إنّه أحمد ابنه، وفرقة قالت: هو أحمد بن محمّد بن موسى بن الفرات، وفرقة قالت: هو أحمد بن أبي الحسين محمّد بن محمّد بن بشر بن زيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء.

الغيبة للطوسيّ (ص٢٦٠)

قال سعد:

فلمّا اعتلّ محمّد بن نصير العلّة التي توفّي فيها قيل له، وهو مثقل اللسان: لمن هذا الأمر من بعدك؟ فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد، فلم يدروا من هو، فاقترقوا بعده ثلاث فرق، قالت فرقة: إنّه أحمد ابنه، وفرقةٌ قالت: هو أحمد بن محمّد بن موسى بن الفرات، وفرقة قالت: إنّه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن زيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء.

فرق الشيعة المطبوع (ص ٦٥-٦٦)

الفطحيّة؛ وسُمّوا بذلك لأنّ عبد الله كان أفطح الرأس. وقال بعضهم: كان أفطح الرِّجلين. وقال الرواة: نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقال له عبد الله بن فطيح.

اختيار رجال الكشّيّ (ص١٦٤-١٦٥)

الفطحيّة:؛ وسمّوا بذلك لأنّه (عبد الله) كان أفطح الرّأس. وقال بعضهم: كان أفطح الرّجلين. وقال بعضهم: إنّهم نسبوا إلى رئيس من أهل الكوفة يقول (كذا) له عبد الله بن فطيح.

فرق الشيعة المطبوع (ص ٧٠-٧١)

البشريّة(١) : أصحاب محمّد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، قالت: إنّ موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس وإنّه حيّ غايب وإنّه القائم المهدي وإنّه في وقت غيبته استخلف على الأمر (كذا) محمّد بن بشير وجعله وصيّه وأعطاه خاتمه وعلّمه جميع ما يحتاج إليه رعيّته (من أمر دينهم ودنياهم)، وفوّض إليه أموره وأقامه مقام نفسه، فمحمّد بن بشير الإمام بعده.

(هذا القسم غير موجود في (فرق الشيعة) المطبوع).

وإنّ محمّد بن بشير لما توفّي أوصى إلى ابنه سميع بن محمّد بن بشير، فهو الإمام

____________________

١ - ظاهراً، البشيريّة.


المفترض الطّاعة على الأمّة إلى وقت خروج موسى وظهوره، فما(١) يلزم الناس من حقوقه في أموالهم وغير ذلك ممّا يتقرّبون به إلى الله عزّ وجلّ، فالفرض عليها أداؤه إلى هؤلاء إلى قيام القائم.

وزعموا أنّ عليّ بن موسى ومن ادّعى الإمامة من ولد موسى بعده فغير طيّب الولادة، ونَفَوهم عن أنسابهم وكفّروهم في دعواهم الإمامة وكفّروا القائلين بإمامتهم واستحلّوا دماءهم وأموالهم، وزعموا أنّ الفرض من الله عليهم إقامة الصّلوات الخمس وصوم شهر رمضان وأنكروا الزّكاة والحجّ وسائر الفرائض، وقالوا بإباحة المحارم من الفروج والغلمان، واعتلّوا في ذلك بقول الله عزّ وجلّ:( أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ) ، وقالوا بالتّناسخ وأنّ الأئمّة عندهم واحد، إنّما هم منقلبون من بدن إلى بدن، والمواساة بينهم واجبة في كلِّ ما ملكوه من مالٍ، وكل شيء أوصى به رجل منهم في سبيل الله فهو لسميع بن محمّد وأوصيائه من بعده، ومذاهبهم مذاهب الغالية المفوّضة في التّفويض.

اختيار رجال الكشّيّ (ص٢٩٧-٢٩٨)

كان محمّد بن بشير من أهل الكوفة من موالي بني أسد وله أصحاب قالوا: إنّ موسى بن جعفر لم يمت ولم يحبس وإنّه غاب واستتر وهو القائم المهديّ، وإنّه في وقت غيبته استخلف على الأمّة محمّد بن بشير وجعله وصيّه وأعطاه خاتمه وعلّمه جميع ما يحتاج إليه رعيّته في أمر دينهم ودنياهم وفوّض إليه جميع أمره وأقامه مقام نفسه، فمحمّد بن بشير الإمام بعده.

حدّثني محمّد بن قولويه، قال: حدّثني سعد بن عبد الله القمّي، قال: حدّثني محمّد بن عيسى بن عبيد عن عثمان بن عيسى الكلاّبيّ أنّه سمع محمّد بن بشير يقول: الظاهر من الإنسان آدم والباطن أزليّ. وقال: إنّه يقول بالاثنين، وإنّ هشام بن سالم ناظره عليه فأقرّ به ولم ينكره، وإنّ ابن بشير لمّا مات أوصى إلى ابنه سميع بن محمّد، فهو إمام مفترض الطاعة على الأمّة إلى وقت خروج موسى بن جعفر وظهوره، فيما يلزم النّاس من حقوقه في أموالهم وغير ذلك ممّا يتقرّبون به إلى الله تعال، فالفرض عليه أداؤه إلى أوصياء محمّد بن بشير إلى قيام القائم.

وزعموا أنّ عليّ بن موسى وكلّ من أدّعى الإمامة من ولده وولد موسى مبطلون كاذبون غير طيّبي الولادة، فنَفَوهم عن أنسابهم وكفّروهم لدعواهم الإمامة، وكفّروا القائلين بإمامتهم، واستحلّوا دماءهم وأموالهم، وزعموا أنّ الفرض عليهم من الله تعالى

____________________

١ - في نسختين أُخريين: فيما.


إقامة الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، وأنكروا الزكاة والحجّ وسائر الفرائض، وقالوا بإباحة المحارم والفروج والغلمان، واعتلّوا في ذلك بقول الله تعالى:( أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً ) ، وقالوا بالتّناسخ، والأئمة عندهم واحداً واحداً إنّما هم منقلبون من قرن إلى قرنِ، والمواساة بينهم واجبة في كلّ ما ملكوه من مالٍ أو خراج أو غير ذلك، كلّ ما أوصى به رجل في سبيل الله فهو لسميع بن محمّد وأوصيائه من بعده، ومذاهبهم في التّفويض مذاهب الغلاة من الواقفة(١) .

فرق الشيعة المطبوع (ص ٢٠)

إن عبد الله بن سبأ كان يهوديّاً فأسلم ووالى عليّاًعليه‌السلام ، وكان يقول وهو على يهوديّته في يوشع بن نون بعد موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّعليه‌السلام بمثل ذلك، وهو أوّل مَن شَهرَ القولَ بفرض إمامة عليعليه‌السلام وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشّيعة إنّ أصل الرّفض مأخوذ من اليهوديّة.

اختيار رجال الكشّيّ (ص ٧١)

ذكر بعض أهل العلم

أنّ عبد الله بن سبأ كان يهوديّاً فأسلم ووالى عليّاًعليه‌السلام ، وكان يقول وهو على يهوديّته في يوشع بن نون وصيّ موسى بالغلوّ، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليّعليه‌السلام مثل ذلك. وكان أوّل من أشهر القولَ بفرض إمامة عليّ وأكفرهم وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرّفض مأخوذ من اليهوديّة.

فرق الشيعة المطبوع (ص ٧٨)

محمّد بن نصير النّميريّ كان يدّعي إنّه نبيّ بعثه أبو الحسن العسكريّ، وكان يقول بالتّناسخ والغلوّ في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبيّة، ويقول: الإباحة للمحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التّواضع والتّذلّل وأنّه أحد

____________________

١ - نقل الكشّيّ بعد هذه الفقرة التي كان سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ صاحب فرق الشيعة أحد وسائط روايتها، شرحاً آخر في ذيلها تحدّث فيه عن عقائد أصحاب محمّد بن بشير وشبّهها بمقالات المجسّمة والعلياويّة والخطّابيّة، وشرح قتل محمّد بن بشير. وهو ما لا نجده في (فرق الشيعة) المطبوع.


الشهوات والطيّبات، وأنّ الله عزّ وجلّ لم يحرّم شيئاً من ذلك، وكان يقوّي أسباب هذا النميريّ محمّد بن موسى بن الحسن بن الفرات.

اختيار رجال الكشّيّ(١) (ص ٣٢٣)

محمّد بن نصير الفهريّ النّميريّ، وذلك ادّعى أنّه نبيّ رسول وأنّ عليّ بن محمّد العسكريّ أرسله، وكان يقول بالتّناسخ والغلوّ في أبي الحسن، ويقول فيه بالرّبوبيّة، ويقول بإباحة المحارم، ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويقول: إنّه من الفاعل والمفعول به أحد الشّهوات والطيّبات، وإنّ الله لم يحرّم شيئاً من ذلك وكان محمّد بن موسى بن الحسن بن الفرات يقوّي أسبابه ويعضده.

فرق الشيعة المطبوع (٧٩-٩٤)

فافترق أصحابه (أي أصحاب الإمام الحسن بن عليّ) بعده أربع عشرة فرقة، ففرقة منها قالت: إنّ الحسن بن عليّ حيّ لم يَمُت وإنّما غاب وهو القائم، ولا يجوز أن يموت، ولا ولد له ظاهرٌ؛ لأنّ الأرض لا تخلو من إمام، وقد ثبتت إمامته، والرواية قائمة أنّ للقائم غيبتين؛ فهذه الغيبة إحداهما، وسيظهر ويُعرف ثمّ يغيب غيبةً أخرى(٢) . وقالت الفرقة الثانية: إنّ الحسن بن عليّ مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهديّ؛ لأنّا روينا أنّ معنى القائم هو أن يقوم من بعد الموت ويقوم ولا ولد له، ولو كان له ولد لصحّ موته ولا رجوع؛ لأنّ الإمامة كانت تثبت لخلفه ولا أوصى لأحدٍ، فلا شكّ أنّه القائم. والحسن بن عليّ قد مات لا شكّ في موته ولا ولد له ولا خلف ولا أوصى؛ إذ لا وصيّة له ولا وصيّ

____________________

١ - هذه الفقرة هي الّتي نقلها الشيخ الطوسيّ في كتاب الغيبة عن سعد بن عبد الله بصراحة (انظر: ص ١٧٥-١٧٦ من هذا الكتاب). بعد هذا الذي نقلناه عن كتاب أبي القاسم الأشعريّ، نذكر فيما يأتي ما نقله الشيخ المفيد عن أبي محمّد النوبختيّ بصراحة مع ما يقابله من كتاب فرق الشيعة المطبوع، وكتاب الملل والنحل للشهرستانيّ. وينبغي الالتفات إلى أنّ موضوعات كتاب فرق الشيعة مفصّلة؛ لأنّ مؤلّفه صنّف كتاباً مستقلاًّ في هذا المجال، في حين أنّ ما نقله الشيخ المفيد والشهرستانيّ كان موجزاً، وكان هدفهما فقط هو ذكر عدد فرق الشيعة بعد وفاة الإمام الحادي عشرعليه‌السلام في سياق موضوعات أخرى.

٢ - نلحظ في كتاب فرق الشيعة بعد هذه المطالب شرحاً لمؤلّف الكتاب حول التشابه بين بعض مقالات هذه الفرقة ومقالات الواقفة.


وأنّه قد عاش بعد الموت(١) .

وقالت الفرقة الثالثة: إنّ الحسن بن عليّ توفّي، والإمام بعده جعفر، واليه أوصى الحسن، ومنه قبل الإمامة، وعنه صارت إليه(٢) وقالت الفرقة الرابعة: إنّ الإمام بعد الحسن جعفر، وإنّ الإمامة صارت إليه من قِبل أبيه لا من قبل أخيه محمّد ولا من قبل الحسن، ولم يكن إماماً ولا الحسن أيضاً؛ لأنّ محمداً توفّي في حياة أبيه، وتوفّي الحسن ولا عقب له، وأنّه كان مدّعياً مبطلاً؛ والدّليل على ذلك أنّ الإمام لا يموت حتّى يوصي ويكون له خلف، والحسن قد توفّي ولا وصيّ له ولا ولد، فادّعاؤه الإمامة باطل، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه، ولا يجوز أيضاً أن يكون الإمامة في الحسن وجعفر؛ لقول أبي عبد الله جعفر بن محمّد وغيره من آبائه:«إنّ الإمامة لا تكون في أخوَين بعد الحسن والحسين» ، فدلّنا ذلك على أنّ الإمامة لجعفر وأنّها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخيه. وأمّا الفرقة الخامسة فإنّها رجعت إلى القول بإمامة محمّد بن عليّ المتوفّى في حياة أبيه، وزعمت أنّ الحسن وجعفر ادّعيا ما لم يكن لهما وأنّ أباهما لم يشِر إليهما بشيء من الوصيّة والإمامة، ولا روي عنه في ذلك شيء أصلاً ولا نَصَّ عليها بشيء يوجب إمامتهما، ولا هما في موضع ذلك وخاصّة جعفر، فإنّ فيه خصالاً مذمومة وهو بها مشهور، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل. وأمّا الحسن فقد توفّي ولا عقب له، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف(٣) ، فلمّا بطل عندنا أن تكون الإمامة تصلح لمثل جعفر وبطلت عمّن لا خلف له لم يبق إلاّ التعلّل بإمامة أبي جعفر محمّد بن عليّ أخيهما؛ إذ لم يظهر منه إلاّ الصَّلاح والعفاف، وإن له عقباً قائماً معروفاً مع ما كان من أبيه من الإشارة بالقول ممّا لا يجوز بطلان مثله، فلابدّ من القول بإمامته وأنّه القائم المهديّ أو الرجوع إلى القول ببطلان الإمامة أصلاً، وهذا ممّا

____________________

١ - في فرق الشيعة شرح مضاف في ردّ عقيدة هذه الفرقة، وشبّهها بالواقفة.

٢ - في فرق الشيعة أيضاً تفصيل مضاف إلى ما ذكر، في تعزيز هذه الفرقة من قبل عليّ بن طاحن الخزّاز وأُخت فارس بن حاتم بن ماهويه القزوينيّ. وهذه الفقرة الثانية موجودة في الملل والنحل أيضاً (ص ١٢٨-١٢٩) ممّا يَدلّ على الاقتباس من فرق الشيعة الموجود مع فارق واحد، وهو أنّ الشهرستانيّ ذكر فارس بن حاتم نفسه، لا أخته. وهذا سهو؛ لأنّ فارس بن حاتم قتله أحد أصحاب الإمام العسكريّعليه‌السلام بأمر الإمام نفسه (رجال الكشّيّ ٣٢٥). ومَن قُتل قبل وفاة الإمام الحادي عشرعليه‌السلام - أي: قبل سنة ٢٦٠هـ - فلا يمكن أن يشارك جعفر في ادّعائه.

٣ - يتلوه شرح في فرق الشيعة حول فسق جعفر.


لا يجوز.

وقالت الفرقة السادسة: إنّ للحسن بن عليّ ابناً سمّاه محمّداً، ودلّ عليه، وليس الأمر كما زعم من ادّعى أنّه توفّي ولا خلف له، وكيف يكون إمام قد ثبتت إمامته ووصيّته وجرت أموره على ذلك وهو مشهور عند الخاصّ والعامّ ثمّ توفّي ولا خلف له، ولكن خلفه قائم ولد قبل وفاته بسنين، وقطعوا على إمامته وموت الحسن وأنّ اسمه محمّد، وزعموا أنّه مستورٌ لا يُرى، خائف من جعفر وغيره من أعدائه، وأنّها إحدى غيباته، وأنّه هو الإمام القائم، وقد عرف في حياة أبيه ونصّ عليه ولا عقب لأبيه غيره، فهو الإمام لا شكّ فيه.

قالت الفرقة السابعة: بل ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر، وإنّ الّذين ادّعوا له ولداً في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم؛ لأنّ ذلك لو كان لم يَخفَ كما لم يَخفَ غيره، ولكنّه مضى ولم يُعرف له ولد.

ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف الخ...

قالت الفرقة الثامنة: إنّه لا ولد للحسن أصلاً...(١) ، ولكن هناك حبل قائم قد صحّ في سريّة له وستلد ذكراً إماماً متى ما ولدت؛ فإنّه لا يجوز أن يمضي الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجّة(٢) .

قالت الفرقة التّاسعة: إنّ الحسن بن عليّ قد صحّت وفاة أبيه وجدّه وسائر آبائه، فكما صحّت بالخبر الذي لا يكذّب مثله فكذلك صحّ أنّه لا إمام بعد الحسن، وذلك جائز في العقول والتعارف، كما جاز أن تنقطع النبوّة فلا يكون بعد محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله نبيّ فكذلك جاز أن تنقطع الإمامة. ورووا عن الصادقين:« أنّ الأرض لا تخلو من حجّة إلاّ أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم فيرفع عنهم الحجّة إلى وقت» ، والله عزّ وجلّ يفعل ما يشاء، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة...

قالت الفرقة العاشرة: إنّ أبا جعفر محمّد بن عليّ الميّت في حياة أبيه كان الإمام بوصيّة من أبيه إليه وإشارته ودلالته ونصّه على اسمه وعليه، فلمّا حضرت وفاة محمّد أوصى إلى غلام لأبيه صغير كان في خدمته ويقال له: (نفيس), وكان ثقةً أميناً عنده، ودفع إليه الكتب والعلوم والسلاح وما تحتاج إليه الأمة، وأوصاه إذا حدث بأبيه حدث الموت يؤدّي ذلك كلّه إلى أخيه جعفر، [ونفيس] دعا جعفراً وأوصى إليه ودفع إليه جميع ما

____________________

١ - في فرق الشيعة شرح يدور حول قول هذه الفرقة في ردّ من قال بوجود ابن مستور للإمام الحادي عشر، وردّ هذه المقالة من قبل المعتقدين بوجوده.

٢ - لا وجود لهذه الفرقة في الملل والنحل، لكنّ صاحبه يشير إليها عند ذكر الفرقة التالية.


استودعه أبو جعفر محمّد بن عليّ أخوه الميّت في حياة أبيه.

قالت الحادية عشرة منهم: لا ندري ما نقول في الإمام [بعد الحسن]، هو من ولد الحسن أم من إخوته، فقد أشتبه علينا الأمر إنّا نقول: إنّ الحسن بن عليّ كان إماماً وقد توفّي وإنّ الأرض لا تخلو من حجّة، ونتوقّف ولا نقدم على شيء حتّى يصحّ لنا الأمر ويتبيّن.

وقالت الفرقة الثّانية عشرة، وهم الإماميّة...(١) .

لا وجود لهذه الفرقة في كتاب فرق الشيعة. ولمّا كان أكثر من ثلاث عشرة فرقة غير موجود في النسخة الحاضرة، فإنّ هذه الفرقة قد سقطت من أصل النسخة.

العيون والمحاسن (نقلاً عن أبي محمّد نوبختيّ)

افترق أصحابه [أي أصحاب الإمام الحسن بن عليّ] بعده أربع عشرة فرقة؛ قالت فرقة ممّن دانت بإمامة الحسن: إنّه حيّ لم يمت، وإنّما غاب وهو القائم المنتظر.

وقالت فرقة أخرى: إنّ أبا محمّد مات وعاش بعد موته، وهو القائم المهديّ. واعتلّوا في ذلك بخبر رَوَوه أنّ القائم سُمّي بذلك؛ لأنّه يقوم بعد الموت.

قالت فرقة أخرى: إنّ أبا محمّد توفّي لا محالة، وإنّ الإمام من بعده أخوه جعفر بن عليّ واعتلّوا في ذلك بالرواية عن أبي عبد الله:« أنّ الإمام هو الذي لا يوجد منه ملجأ إلاّ إليه» . قالوا: فلمّا لم نَرَ للحسن ولداً ظاهراً التجأنا إلى القول بإمامة جعفر أخيه.

ورجعت فرقة ممّن كانت تقول بإمامة الحسن عن إمامته عند وفاته، وقالوا: لم يكن إماماً وكان مدّعياً مبطلاً، وأنكروا إمامة أخيه محمّد، وقالوا: الإمام جعفر بن عليّ بنصّ أبيه عليه. وقالوا: وإنّما قلنا بذلك لأنّ محمّداً مات في حياة أبيه، والإمام لا يموت في حياة أبيه، والحسن لم يكن له عقب والإمام لا يخرج من الدنيا حتّى يكون له عقب.

وقالت فرقة أخرى: إنّ الإمام محمّد بن عليّ أخو الحسن بن عليّ، ورجعوا عن إمامة الحسن، وادّعوا حياة محمّد بعد أن كانوا ينكرون ذلك.

وقالت فرقة أخرى: إنّ الإمام بعد الحسن ابنه المنتظر، وإنّه عليّ بن الحسن، وليس كما تقوله القطعيّة إنّه محمّد بن الحسن، وقالوا بعد ذلك بمقالة القطعيّة في الغيبة والانتظار حرفاً بحرفٍ.

قالت فرقة أخرى: إنّ القائم بن الحسن ولد بعد أبيه بثمانية أشهر، وهو المنتظر، وأكذبوا من زعم أنه ولد في حياة أبيه، ولا يجوز مكابرة العيان.

____________________

١ - يلاحظ في فرق الشيعة أنّ هذه الفرقة جاءت على أساس تعداد الفرقة الثانية عشرة. ولا يُشبه كلام المؤلّف كلام الشيخ المفيد الذي نقله عن النوبختيّ.


قالت فرقة أُخرى: إنّ أبا محمّد مات من غير ولد ظاهر، ولكن عن حبل في بعض جواريه. والقائم بعد الحسن محمول به ما ولدته أُمّه بعد وأنّها تجوز أن تبقى مائة سنة حاملاً به، فإذا ولدته ظهرت ولادته.

قالت فرقة أُخرى: إنّ الإمامة قد بطلت بعد الحسن، وارتفعت الأئمّة، وليس في الأرض حجّة من آل محمّد، وإنّما الحجّة الأخبار الواردة عن الأئمّة المتقدّمين، وزعموا أنّ ذلك سايغ إذا غضب الله على العباد فجعله عقوبة لهم.

قالت فرقة أخرى: إنّ محمّد بن عليّ أخا الحسن بن عليّ كان الإمام في الحقيقة مع أبيه عليّ، وأنّه لمّا حضرته الوفاة وصّى إلى غلام له يقال له: (نفيس) وكان ثقةً أميناً ودفع إليه الكتب والسلاح، ووصّاه أن يسلّمه إلى أخيه جعفر، فسلّمه إليه. وكانت الإمامة في جعفر بن محمّد على هذا التّرتيب.

قالت فرقة أخرى: قد علمنا أنّ الحسن كان إماماً، فلمّا قبض التبس الأمر علينا فلا ندري: جعفر كان الإمام بعده أو غيره، والّذي يجب علينا أن نقطع على أنّه لابدّ من إمام ولا نُقِدم على القول بإمامة أحدٍ بعينه حتّى تبيّن لنا ذلك.

فقال الجمهور منهم بإمامة ابنه القائم المنتظر...(١) .

وقالت فرقة أخرى: إنّ الإمام بعد الحسن ابنه محمّد، وهو المنتظر، غير أنّه قد مات وسيحيى ويقوم بالسيف فيملأُ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٢) .

وقالت الفرقة الثالثة عشرة مثل مقالة الفطحيّة...، فزعموا أنّ الحسن بن عليّ توفّي، وأنّه كان الإمام بعد أبيه وأنّ جعفر بن عليّ [بن محمّد بن عليّ] الإمام بعده (جاء في فرق الشيعة شرح لمقالة هذه الفرقة وتشابهها مع الفطحيّة، وهو يختلف عمّا ذكره الشّيخ المفيد).

وقالت الفرقة الرّابع عشرة منهم: إنّ أبا محمّدعليه‌السلام كان الإمام بعد أبيه، وإنّه لمّا حضرته الوفاة نصّ على أخيه جعفر بن عليّ بن محمّد بن عليّ، فكان الإمام من بعده بالنّص عليه والوراثة له، وزعموا أنّ الّذي دعاهم إلى ذلك ما يجب على العقل من وجوب الإمامة مع فقدهم لولد الحسن وبطلان دعوى من ادّعى وجوده فيما زعموا من الإمامة(٣) .

____________________

١ - جعل الشيخ المفيد هذه الفرقة في رأس سائر فرق الشيعة. وذكرها قبلها كلّها وكلامه هو كلام النوبختيّ عادةً. ويختلف عمّا جاء في فرق الشيعة المطبوع.

٢ - لا وجود لهذه الفرقة في الملل والنحل أيضاً.

٣ - لا وجود لهذه الفرقة في الملل والنحل أيضاً.


الملل والنحل للشهرستانيّ (ص ١٢٩-١٣١)

وأمّا الّذين قالوا بإمامة الحسن، افترقوا بعد موته إحدى عشرة فرقة؛ الفرقة الأُولى قالت: إنّ الحسن لم يمت، وهو القائم. ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهراً؛ لأنّ الأرض لا تخلو من إمام، وقد ثبت عندنا أنّ القائم له غيبتان، وهذه إحدى الغيبتين، وسيظهر ويُعرف ثمّ يغيب غيبةً أخرى. الثّانية قالت: إنّ الحسن مات لكنّه يجيء وهو القائم؛ لأنّا رأينا أنّ القائم هو القيام بعد الموت، فنقطع بموت الحسن لا شكّ فيه ولا ولد له فيجب أن يجيء بعد الموت. الثالثة قالت: إنّ الحسن قد مات وأوصى إلى جعفر أخيه، ورجعت إمامة جعفر.

الرابعة قالت: إنّ الحسن قد مات والإمام جعفر، وإنّا كنّا مخطئين في الائتمام به؛ إذ لم يكن إماماً، فلمّا مات ولا عقب لا بتنا أنّ جعفر كان محقّاً في دعواه، والحسن مبطلاً.

الخامسة قالت: إنّ الحسن قد مات وكنّا مخطئين في القول به، وإنّ الإمام كان محمّد بن عليّ أخو الحسن وجعفر. ولمّا ظهر لنا فسق جعفر وإعلانه به وعلمنا أنّ الحسن كان على مثل حاله إلاّ أنّه كان يتستّر عرفنا أنّهما لم يكونا إمامين، فرجعنا إلى محمّد ووجدنا له عقباً، وعرفنا أنّه كان هو الإمام دون أخويه.

السادسة قالت: إنّ للحسن ابناً، وليس الأمر على ما ذكروا أنّه مات ولم يُعقب. ولد قبل وفاة أبيه بسنتين فاستتر خوفاً من جعفر وغيره من الأعداء، واسمه محمّد، وهو الإمام القائم المنتظر.

السابعة قالت: إنّ له ابناً، ولكنّه ولد بعد موته بثمانية أشهر. وقول من ادّعى: أنّه مات وله ابن باطل؛ لأنّ ذلك لم يَخفَ.

الثامنة قالت: صحّت وفاة الحسن وصحّ أن لا ولد له، وبطل ما ادّعى من الحبل في سريّة له، وثبت أنّ لا إمام بعد الحسن، وهو جائز في المعقول أن يرفع الله الحجّة عن أهل الأرض لمعاصيهم، وهي فترة وزمان لا إمام فيه، والأرض اليوم بلا حجّة كما كانت الفترة قبل مبعث النّبيّ.

العاشرة قالت: نعلم أنّ الحسن قد مات، ولا بدّ للنّاس من إمام، ولا يخلو الأرض من حجّة، ولا ندري من ولده أو غيره(١) .

بعد أن فرغنا من نقل المعلومات الواردة في كتاب المقالات والفرق لأبي القاسم سعد بن عبد الله الأشعريّ، والواردة في كتاب فرق الشيعة لأبي محمّد النوبختيّ كما نقلها الشيخ المفيد، وما يقابلها في كتاب فرق الشيعة المطبوع، نذكر

____________________

١ - لا وجود لهذه الفرقة في الملل والنحل أيضاً.


فيما يأتي الملاحظات المستنبطة من المقايسة بينها:

١ - لا شكّ أنّ المعلومات الموجودة في كتاب الغيبة ورجال الكشّيّ مأخوذة من كتاب أبي القاسم الأشعريّ القمّيّ؛ لأنّه بالإضافة إلى ما ذكره العلاّمة المجلسيّ الذي كان يقتني الكتاب فإنّ الشيخ الطوسيّ عندما ينقل منه، يقول: (قال)، ولا يقول: (أخبرني) أو (حدّثني). وهذا يدلّ على أنّه نقل منه مباشرة ولم ينقل عنه مُعَنعَناً. أمّا الكشّيّ، فمع أنّه عدّ سعد بن عبد الله الأشعريّ أحد وسائط الرواية في نقل ما يدور حول أصحاب محمّد بن بشير، إلاّ أنّه لم يصرّح باسم أحد في نقل ما يحوم حول أصحاب عبد الله بن سبأ، واكتفى بقوله: عن أحد الفضلاء. ونلحظه ينقل لفظ الأشعريّ نفسه فيما يخصّ محمّد بن نصير النميريّ. ويتبيّن لنا من مقايسة هذه المعلومات بالمعلومات التي أخذها الشيخ الطوسيّ من كتاب سعد بن عبد الله أنّه نقل من كتاب الأشعريّ أيضاً. يضاف إلى ذلك أنّ تصرُّفَ الشيخ الطوسيّ في كتاب رجال الكشّيّ يجعلنا لا نعلم على وجه التحديد ما كان عليه أصل الكتاب، وماذا سقط منه أو بُدِّل فيه.

٢ - إذا أنعمنا النظر في كتاب فرق الشيعة المطبوع - الذي يؤسفنا أن ليس في أيدينا نسخة قديمة منه - وجدنا أنّه مضافاً إلى ما فيه من التحريفات والأخطاء يبدو كأنّه نسخة مستعملة كتبها شخص من أصل الكتاب لنفسه. ويحتمل سقوط بعض الموضوعات من أصل النسخة، ولعلّ هذا البعض هو سلسلة الرواة أو مصادر الأخبار وأسنادها. وإنّ الموضوعات التي نقلها الشيخ الطوسيّ، والكشّيّ من سعد بن عبد الله لا تختلف عمّا جاء في كتاب فرق الشيعة المطبوع إلاّ قليلاً كما يتبيّن ذلك من الجدول السابق. وإذا كان هناك اختلاف يسير في زيادة لفظٍ أو إسقاطه فلا يكون مدعاةً للتعجّب كثيراً؛ لأنّ الألفاظ المضافة أو الساقطة لم تؤثّر على أصل الموضوع نقصاً وزيادةً؛ إذ أنّ معظمها جمل مترادفة تكرّر الموضوعات السابقة نفسها بعبارات أُخرى، أو تتحدّث عن مضمون الكتاب الأصليّ بألفاظٍ غير ألفاظه.


وكان هذا التصرّف مألوفاً من قبل الناقلين أو الناسخين. كما أنّنا لو قايسنا بين ما نقله الشيخ الطوسيّ وما نقله الكشّيّ عن كتاب سعد بن عبد الله في ما يخصّ محمّد بن نصير النميريّ لوجدنا أنّ كلاًّ منهما قد تصرّف في أصل الكتاب حسب ذوقه. يضاف إلى ذلك أنّ الناسخين يُعمِلون أذواقهم الخاصّة في أغلب الأوقات فينقلون مضمون ما جاء في المخطوطات، وقلّما ينقلون الألفاظ الواردة فيها بعينها. وقد لاحظت ذلك في أربع مخطوطات من كتاب سياست نامه للخواجه نظام الملك كانت بيدي لمقابلتها وطبع واحدة منها. وعلى الرغم من أنّ مضمونها واحد لكنّ عباراتها متباينة، فلم أقف على عبارة المؤلّف الأصليّة.

وإذا كانت المعلومات الواردة هي لسعد بن عبد الله الأشعريّ، وكانت المعلومات المنقولة من كتاب فرق الشيعة المطبوع هي ذاتها المذكورة للأشعريّ فما يحملنا على أن لا نعدّ الكتاب الموجود المطبوع من مؤلّفات سعد بن عبد الله، ونعدّه من كتب أبي محمّد النوبختيّ، في حين لا قرينة عندنا أو إشارة تدلّ على انتسابه إلى النوبختيّ؟

لقد كان أبو القاسم الأشعريّ، وأبو محمّد النوبختيّ متعاصرين، وماتا في العقد الأوّل من القرن الرابع الهجريّ. فإذا كان أحدهما مطّلعاً على كتاب الآخر، وكان الكتاب الحالي للنوبختيّ، فكيف نفسّر التماثل القائم بين ما جاء في كتاب النوبختيّ وما نُقل عن الأشعريّ؟ وهل أخذ النوبختيّ المعلومات الواردة في كتاب الأشعريّ نصّاً بلا ذكر السند، وبادر إلى ذلك العمل الذي يمثّل نوعاً من السرقة الأدبيّة مع ما كان عليه من العلم والاطّلاع والإحاطة بالكلام والحكمة والأدب والملل والنحل، أو أخذ الأشعريّ ما جاء في كتاب النوبختيّ نصّاً وامتنع عن ذكر اسمه وكتابه على خلاف ما هو مألوف، وهو الذي كان من فقهاء الشيعة ومحدّثيهم الثقات، وكان مصدراً لنقل كثير من رواياتهم، وكلاهما كان معروفاً لدى علماء الإماميّة؟


وعلى فرض صحّة أحد الشقّين، فلا بدّ أن نعدّ الشخص الذي ارتكب هذا العمل سارقاً. وتتنزّه ساحة النوبختيّ والأشعريّ - اللّذَين كانا من ذوي الفضل والشأن - عن هذا الافتراء المستقبح. وإذا نسبنا كتاب فرق الشيعة إلى الأشعريّ، فلا نشعر بالحاجة إلى الفرضين المتقدّمين(١) .

وننقل فيما يأتي نصّاً القرائن التي ذكرها شيخ الإسلام الزنجانيّ في رسالته التي بعثها إليّ، واستدلّ بها على أنّ الكتاب الحالي من تأليف النوبختيّ. ثمّ نبدي رأينا فيها:

قال: (إنّ ما نقله الكشّيّ من هذا الكتاب (كتاب أبي القاسم الأشعريّ) في ترجمة محمّد بن بشير الأسديّ هو نفس ما جاء في هذا الكتاب (فرق الشيعة المطبوع) كما يبدو. ويستبين من الموازنة بين الاثنين أنّ اختلافاً بيّناً ملحوظ بين اللفظين، بخاصّة أنّ في آخر عبارة الكشّيّ فقرة مضافة غير موجودة في فرق الشيعة. وهكذا فإنّ العبارة المنقولة في كتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ في ترجمة محمّد بن نصير النميريّ تختلف عن عبارة هذا الكتاب أيضاً. ولمّا كان أبو محمّد النوبختيّ وسعد بن عبد الله القمّيّ الأشعريّ متعاصرين فيمكن أن نفهم من عباراتهما أنّ كتاب سعد متأخّر عن كتاب النوبختيّ؛ لأنّ المعروف هو أنّ التصرّف يحصل غالباً في الكتاب المتأخّر حين ينقل صاحبه من الكتاب المتقدّم عليه. وهذا هو الملحوظ في الفقرتين المنقولتين عن سعد بن عبد الله بالنسبة إلى عبارة كتاب فرق الشيعة. والسبب الآخر للشكّ هو الاختلاف في ترتيب عدد الفرق الأربع عشرة الذي حكاه الشيخ المفيد عن الحسن بن موسى النوبختيّ مع الترتيب الموجود في هذا الكتاب المطبوع. وظهر لي هنا أنّ الشيخ المفيد قد تصرّف في عبارة الكتاب ولم ينقل

____________________

١ - يتبيّن من ملاحظة المعلومات المتقدّمة حول الفرق أنّ الكشّيّ قد اقتبس كتاب سعد نفسه ما عدا الذي ذكره حول وجه تسمية الفطحيّة وأحوال عبد الله بن سبأ ومحمّد بن نصير النميريّ.


نصّها لطولها. فقد قدّم الفرقة الإماميّة الأصليّة الواردة في كتاب النوبختيّ (يقصد الكتاب المتداول هذا اليوم) على أنّها الفرقة الثانية عشرة؛ لأهمّيّتها. وقرّر مقالاتها من عنده حسب مذهب الإماميّة. ثمّ ذكر الفرق الأُخرى ملخّصاً ومتصرِّفاً وفقاً للسياق الموجود في كتاب النوبختيّ. وإذا تأمّلنا فيه، عرفنا ذلك عند أوّل وهلة. علماً أنّ الشيخ المفيد يعمد في أُسلوبه إلى الإيجاز وإيصال المعنى المطلوب لا الإطالة بنقل ألفاظ الآخرين بحذافيرها، كما يُستشفّ ذلك من سائر رسائله وكتبه. وسقطت أيضاً فرقة من النسخة الموجودة عندي من فرق الشيعة. والفرقة الثالثة عشرة في كتاب فرق الشيعة هي الفرقة الرابعة عشرة في كتاب الفصول، والفرقة الثالثة عشرة ساقطة من كتاب الفصول... ويفيد سياق التعبير في الكتاب الحالي أنّ النَّفَس هو نَفَس شخص متكلّم مثل النوبختي لا نَفَس فقيه ومحدّث مثل سعد بن عبد الله الأشعريّ).

أمّا ملاحظاتي فهي:

في الاختلاف اليسير الموجود بين العبارات الّتي نقلها الكشّيّ والشيخ الطوسيّ من كتاب أبي القاسم الأشعريّ، وبين الفقرة المذكورة في رجال الكشّيّ حول محمّد بن بشير الأسديّ المضافة إلى كتاب فرق الشيعة المطبوع، ألا يمكن أن نتمسّك بنفس القرائن التي أوردها شيخ الإسلام حول تصرّف الشيخ المفيد في العبارة، ونقول: إنّ الشيخ الطوسيّ، والكشّيّ - كما ذكرنا سلفاً دليل ذلك - قد نهجا ذات الأُسلوب في نقل عبارة سعد بن عبد الله، وأضاف الكشّيّ من عنده أشياء بعد نقله من كتاب سعد بن عبد الله؟

إذا ظنّ شيخ الإسلام أنّ سعد بن عبد الله قد أخذ حقّاً من كتاب فرق الشيعة للنوبختيّ مصرّحاً بذلك أو غير مصرّح، فلا يليق بالشيخ الطوسيّ والكشّيّ أن لا يراجعا كتاب أبي محمّد النوبختيّ - مع غاية شهرته - في هذا الموضوع على


الأقل، في حين كانا يحسبانه مصدراً للأشعريّ، وينقلان هذه الموضوعات عن سعد بن عبد الله، في حين ليس في أيدينا أيّ شيء يدلّ على أنّ كتاب النوبختيّ كان قَبل كتاب الأشعريّ. وقد توفّي الأشعريّ سنة ٢٩٩ أو ٣٠١هـ، وكانت وفاة النّوبختيّ بين سنة ٣٠٠ و٣١٠هـ، وكلاهما عاش في أيّام الغيبة الصُّغرى، وعاصر افتراق الشيعة أربع عشرة فرقة. فما هو الداعي إلى اعتماد أحدهما على الآخر في نقل الحوادث الواقعة في عصرهما؟ وما الذي يدفع سعد بن عبد الله إلى نقل عبارة النوبختيّ ذاتها وينسبها إلى نفسه دون أن يشير إلى مصدرها، ولا يلتفت الآخرون إلى ذلك بخاصّة الشيخ الطوسيّ الذي كان من الملمّين بعلم الرجال ومصنّفات الشيعة، وكان قد رأى معظم كتب الإماميّة؟

أمّا الاختلافات الموجودة بين لفظ الشيخ المفيد في العيون والمحاسن، ولفظ كتاب فرق الشيعة المطبوع، وعدم ترتيب الفرق الأربع عشرة في الكتابين، فهما دليلان واضحان على أنّ فرق الشيعة المطبوع هو للأشعريّ لا للنوبختيّ؛ لأنّ التشابه الموجود بين الموضوعات التي نقلها الكشّيّ والشيخ الطوسيّ، وبين كتاب فرق الشيعة غير موجود بين لفظ الشيخ المفيد ولفظ مؤلّف الكتاب المذكور؛ إذ يضاف إلى غاية الاختصار الملحوظ في كتاب الشيخ المفيد، وعدم تشابه ألفاظهما أنّ عدد الفرق يختلف بين الاثنين أيضاً، وأنّ الشيخ المفيد أضاف بعض الموضوعات في كتابه. ونشير فيما يأتي إلى الفروق المهمّة بين لفظ الشيخ المفيد، أي: لفظه المنقول من كتاب فرق الشيعة، وبين لفظ الكتاب نفسه:

١ - الموضوعات المنقولة في كتاب العيون والمحاسن حول الفرقة الأُولى (الفرقة الثانية عشرة في كتاب فرق الشيعة المطبوع) أي: الفرقة الإماميّة الاثني عشريّة، تختلف تماماً عما هو مذكور في كتاب فرق الشيعة لفظاً وموضوعاً، ولا تتشابهان أبداً.

٢ - في ذكر الفرقة الرابعة (الثالثة في كتاب فرق الشيعة) التي ذهبت إلى إمامة


جعفر بعد وفاة أخيه الإمام العسكريّعليه‌السلام ، ينقل الشيخ المفيد حديثاً عن الإمام الصادقعليه‌السلام لا وجود له في كتاب فرق الشيعة. والحديث هو:«الإمام هو الذي لا يوجد منه ملجأٌ إلاّ إليه» .

٣ - يختلف لفظ الشيخ المفيد ولفظ صاحب فرق الشيعة تماماً في حديثهما عن الفرقة الخامسة (الفرقة الرابعة في كتاب فرق الشيعة). وعلى الرغم من نقل مضمون واحد، لكن لا تشمّ رائحة النقل من كتاب فرق الشيعة أبداً. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الفرقة الآتية.

٤ - عندما تحدّث الشيخ المفيد عن الفرقة السابعة (الفرقة السادسة عند النوبختيّ) ذكر أنّ اسم الولد الذي نُسب إلى الإمام الحادي عشرعليه‌السلام - ويعتقد أصحاب هذه الفرقة أنّه الإمام القائم بعده - عليّ، في حين ذهب النوبختيّ إلى أنّ اسمه محمّد، وذكره الشهرستانيّ بهذا الاسم أيضاً. يضاف إلى ذلك أنّ لفظ الشيخ المفيد يختلف عن لفظ فرق الشيعة من حيث المضمون. وكذلك نلحظ اختلافاً بين لفظ الشيخ المفيد الذي هو لفظ النوبختيّ نفسه عادةً وبين لفظ فرق الشيعة عند ذكر الفرق الأُخرى وتستبين هذه النقطة أيضاً من ملاحظة المعلومات المتقدّمة حول الفرق.

أمّا الشَّبَه بين بعض عبارات النوبختيّ وعبارات الكتاب الحالي عند عرض عقائد الفرق الشيعيّة الأربع عشرة ومقالاتها فمرجعه إلى أنّ أصحاب كتب الملل والنحل كانوا ينقلون مقالات الفرق المختلفة غالباً بعباراتهم التي كانوا يقرّرون فيها عقائدهم؛ ولذلك كانت ألفاظهم تظلّ في كتب المقالات والفرق والملل والنحل. فلا بدّ أن نحمل الشبه الموجود بين بعض عبارات النوبختيّ وعبارات فرق الشيعة المطبوع في نقل مقالات الفرق على هذا الأساس.

هذه هي ملاحظاتي حول فرق الشيعة المطبوع، وذكر القرائن التي تدعم نسبته إلى أبي القاسم سعد بن عبد الله الأشعريّ القمّيّ. وأهدْفُ من وراء هذا التفصيل


في الموضوع المذكور إلى أن ألفت نظر القرّاء الكرام إلى القَدْح الموجود في نسبة ذلك الكتاب إلى النوبختيّ. ولعلّ أحدهم يملك أدلّة أخرى تدعم نسبة الكتاب إلى النوبختيّ أو تدحضها فينشر ذلك ويميط اللثام عن هذا الموضوع المهمّ من الوجهة التاريخيّة.

وأمّا ما يراه شيخ الإسلام الزنجانيّ أنّ منحى مؤلّف كتاب فرق الشيعة منحىً كلاميّ؛ لذلك فإنّ نسبته إلى أبي محمّد النوبختيّ المتكلّم أقرب من نسبته إلى أبي القاسم الأشعريّ الفقيه، فلا أحسب أنّه دليل قاطع على ذلك؛ لأنّ الفقهاء يومئذٍ كانوا ينتهجون هذا الأُسلوب أحياناً في مقابل خصومهم طوعاً أم كرهاً، وكان ذلك العصر عصر المجادلات والمناظرات. ونجد أنّ الشيخ الصدوق تحدّث في القسم الأوّل من كتابه كمال الدين وتمام النّعمة كمتكلّم في ردّه على آراء الخصوم ومناقشتهم.

فرق الشيعة بعد وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام

يُفهَم من كتاب فرق الشيعة الحاليّ، والعبارات المنقولة عن النوبختيّ أنّ الشيعة انقسموا بعد وفاة الإمام الحسن العسكريّعليه‌السلام إلى أربع عشرة فرقة. ولكن كان هناك من يطرح مقالة في الإمامة ويجمع حوله الأنصار، كما ظلّ النزاع قائماً حول خليفة الإمام الحادي عشر، ممّا أدّى إلى ظهور فرق جديدة أُخرى. وبلغ عددها في عصر المسعوديّ مؤلّف مروج الذهب عشرين فرقةً. وذكر المسعوديّ مقالاتها في كتابين من كتبه هما المقالات في أُصول الديانات وسرّ الحياة(١) .

ونلحظ من بين الفرق الإحدى عشرة التي ذكرها الشهرستانيّ - وهي مجمعة

____________________

١ - مروج الذهب ٢: ٣٤٦ (طبعة مصر).


على إمامة الإمام الحادي عشرعليه‌السلام (١) - تسع فرق تشبه الفرق المذكورة في كتاب فرق الشيعة، وكتاب العيون والمحاسن. وفيه فرقتان مضافتان هما الفرقة التاسعة، والفرقة الحادية عشرة، وفيما يأتي نصّ مقالاتهما:

التاسعة: قالت: إنّ الحسن قد مات وصحّ موته. وقد اختلف الناس هذا الاختلاف، ولا ندري كيف هو. ولا نشكّ أنّه قد ولد له ابن، ولا ندري قبل موته أو بعد موته، إلاّ أنّا نعلم يقيناً أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، وهو الخلف الغائب، فنحن نتولاّه ونتمسّك باسمه حتّى يظهر بصورته.

الحادية عشرة: فرقة توقّفت في هذه المخابط وقالت: لا ندري على القطع حقيقة الحال لكنّا نقطع في الرضا ونقول بإمامته في كلّ موضع اختلفت الشيعة فيه، فنحن من الواقفيّة في ذلك إلى أن يُظهر الله الحجّة ويظهر بصورته، فلا يشكّ في إمامته من أبصره، ولا يحتاج إلى معجزة وكرامة وبيّنة، بل معجزته اتّباع الناس بأسرهم إيّاه من غير منازعة ومدافعة.

وإذا أضفنا هاتين الفرقتين إلى الفرق الأربع عشرة المذكورة فإنّ عدد الفرق الشيعيّة، بعد وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام ، يبلغ ستّ عشرة فرقة. وإذا ضَمَمنا إليها رأي أصحاب الحلاّج، والرأي المنسوب إلى أبي سهل النوبختيّ، والرأي القائل بثلاثة عشر إماماً، فإنّ عددها يقترب ممّا ذكره المسعوديّ. ولكن لا يُعلَم ما إذا كانت هذه الفرق هي نفس الفرق التي ذكر المسعوديّ مقالاتها في كتابيه، ولعلّ عددها زاد على ذلك بسبب التشتّت العجيب الذي طرأ على الشيعة بعد وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام ، وربما كان بعضها غير الفرق المذكورة في كتب المسعوديّ، بَيد أنّ

____________________

١ - ذكر الشهرستانيّ الإماميّة على حدة، ولم يذكر الفرقة العاشرة والثانية عشرة اللتين كانتا تنكران إمامة الإمام العسكريّعليه‌السلام ، وهما مذكورتان في كتاب فرق الشيعة. وذكر الفرقة الثامنة ضمن فرقة أُخرى. ولم يتطرّق إلى الفرقة الثالثة عشرة والرابعة عشرة. كما أنّ الفرقة الثالثة عشرة غير موجودة في كتاب فرق الشيعة.


إشارة المسعوديّ تُشعر بأنّ عدد فرق الشيعة قد بلغ في عهده عشرين فرقة في الأقلّ.

إنّ الفرق التي أخذنا تفصيل مقالاتها من كتب عديدة وسنقدّم فهرساً بها فيما يأتي، هي غير التجمّعات التي مثّلها أصحاب الهلاليّ، والبلاليّ، والشلمغانيّ، والنميريّ، والغلاة الآخرون، ممّن سنشير إلى عقائدهم لاحقاً. وفيما يأتي فهرس بفرق الشيعة بعد وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام مع إشارة إلى المصادر التي ذكرتها:

١ - الإماميّة الاثنا عشريّة (الفرقة الأولى في العيون والمحاسن، والثانية عشرة في فرق الشيعة).

٢ - القائلون بحياة الإمام العسكريّعليه‌السلام وغيبته ورجعته بوصفه المهديّ (فرق الشيعة ١؛ العيون والمحاسن ٢؛ الملل والنحل ١؛ غيبة الطوسيّ ١٤١؛ كمال الدين ٢٤).

٣ - المعتقدون بوفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام وقيامه بعد وفاته (فرق الشيعة: ٢؛ العيون والمحاسن ٣؛ الملل والنحل ٢؛ غيبة الطوسيّ ٦٢، ١٤٢).

٤ - فرقة من الجعفريّة، تذهب إلى وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام وإمامة أخيه جعفر بنصّ منه (فرق الشيعة: ٣؛ العيون ٤؛ الملل ٣؛ غيبة الطوسيّ ١٤٣).

٥ - فرقة أُخرى من الجعفريّة تعتقد بإمامة جعفر بنصّ من الإمام الهاديّعليه‌السلام ، وترى بطلان إمامة أخيه العسكريّعليه‌السلام (فرق الشيعة: ٦؛ العيون ٥؛ الملل ٤).

٦ - المحمّديّة وهم المعتقدون بإمامة محمّد بن الإمام عليّ الهادي الذي كان قد مات في حياة أبيه. ويَرَون أنّ الإمام العسكريّعليه‌السلام وجعفر قد ادّعَيا الإمامة، وينتظرون قيام محمّد بوصفه المهديّ والقائم (فرق الشيعة: ٥؛ العيون ٦؛ الملل ٥؛ غيبة الطوسيّ ٦٠ و١٢٩، كمال الدين ٦٣).

٧ - القائلون بإمامة ولد للإمام العسكريّعليه‌السلام يُدعى محمّداً (يسمّيه الشيخ المفيد عليّاً نقلاً عن النوبختيّ). وُلد قبل وفاة أبيه بعامين، واختفى خوفاً من جعفر


والأعداد الآخرين (فرق ٦؛ العيون ٧؛ الملل ٦).

٨ - المنكرون وجود ولد للإمام العسكريّعليه‌السلام في حياته؛ إذ يعتقدون أنّ ولداً وُلد له بعد وفاته بثمانية أشهر، ويزعمون غيبته وينتظرون رجعته (فرق الشيعة: ٧؛ العيون ٨؛ الملل ٧).

٩ - المنكرون وجودَ ولدٍ للإمام العسكريّعليه‌السلام أصلاً. ويعتقد هؤلاء أنّ إحدى إماء الإمامعليه‌السلام حملت بولد يزعمون أنّه الإمام بعد أبيه متى ولدته حتّى لو كان بعد مائة سنة. (فرق ٨؛ العيون ٩؛ غيبة الطوسيّ ٦١. وذكر الشهرستانيّ هذه الفرقة ضمن الفرقة الثامنة).

١٠ - المعتقدون بانقطاع الإمامة بعد وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام بسبب معصية الناس وغضب الله عليهم (فرق الشيعة: ٩؛ العيون ١٠؛ الملل ٨؛ غيبة الطوسيّ ٥١، ٦٣، ١٤٥).

١١ - الفرقة النفيسيّة القائلة بإمامة محمّد نجل الإمام الهاديّعليه‌السلام في حياته، والمعتقدة بإمامة أخيه جعفر بعده بنصّ من محمّد نقله نفيس غلام الإمام الهاديعليه‌السلام . وهذه الفرقة تنكر إمامة الإمام العسكريّعليه‌السلام (فرق الشيعة:١١؛ العيون ١١. ولا وجود لهذه الفرقة في الملل والنحل وغيبة الطوسيّ).

١٢ - الشكّاكون في الإمامة. ويعتقدون بوفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام وعدم خلوّ الأرض من حجّة، لكنّهم ينتظرون وضوح أمر الإمامة. (فرق ١١؛ العيون ١٢؛ الملل والنحل ١٠؛ غيبة الطوسيّ ١٦٣).

١٣ - القائلون بوجود ولد منتظر للإمام العسكريّعليه‌السلام يُدعى محمّداً، بَيد أنّهم يذهبون إلى وفاته وبعثه بعد ذلك (فرق: ليس لهم ذكر؛ العيون ١٣؛ الملل: لا وجود لهم فيه؛ غيبة الطوسيّ ٦٠).

١٤ - المعتقدون بوفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام المنتظرون قيام ولده الغائب. ويرى هؤلاء أنّ الأرض لا تخلو من حجّة، ولكنّهم يمترون في أنّ الولد المذكور ولد قبل


وفاة أبيه أو بعدها (الملل ٩).

١٥ - الفَطحيّة ويذهبون إلى وفاة الإمام العسكريّعليه‌السلام وإمامة جعفر بعده (فرق ١٣؛ العيون ١٤؛ الملل: لا وجود لهم فيه؛ غيبة الطوسيّ ٦٢-١٤٥).

١٦ - جماعة اشتبه عليهم الأمر هل كان للإمام العسكريّعليه‌السلام ولد أم لا؟ وهؤلاء ينتظرون وضوح المسألة. لكنّهم كانوا قد قبلوا وجوده (غيبة الطوسيّ ١٦ و١٤٤).

١٧ - الواقفة في الإمامة. كانوا يقولون: الحقيقة خافية علينا، وإذا ظهر اختلاف بين الشيعة في مسألة فإنّا نفزع إلى رجل من آل محمّد (الرضا من آل محمّد)(١) ، حتّى يُظهر الله حجّته على الخلق، وحين يظهر هذا الشخص فلا حاجة إلى المعجزة والكرامة؛ لقبول إمامته إذ أنّ اتّباع الناس إيّاه معجزة بلا نزاع (الملل ١١).

١٨ - القائلون بثلاثة عشر إماماً، وهؤلاء يعتقدون بوفاة الإمام الثاني عشر وإمامة ولد له(٢) . (غيبة الطوسيّ ١٤٧).

١٩ - أصحاب الحلاّج الذين يَرَون أنّ الإمامة قد خُتمت بعد الإمام الثاني عشر، وأنّ القيامة قد أزِفَت(٣) .

٢٠ - أتباع عقيدة نسبها صاحب الفهرست إلى أبي سهل النوبختيّ(٤) .

تتشابه مقالات هذه الفرق العشرين كثيراً؛ ولذلك لم يفرّق بينها المؤلّفون القدامى. يضاف إلى ذلك أنّ معظم هذه الفرق قد اندثر بسبب قلّة أتباعها، ولم يَبقَ

____________________

١ - كان أنصار العلويّين يرفعون هذا الشعار عندما لم يحدّدوا شخصاً منهم بعينه، كما أنّ الحلاّج في بادئ أمره دعا الناس إلى إمامة شخص بهذا الاسم دون أن يصرّح به (قسم من كتاب المنتظم لابن الجوزيّ في حاشية صلة تاريخ الطبريّ ص ٥٠ pssion sal-Halladj p. ٧٥ نقلاً عن أنساب الأشراف للبلاذريّ) راجع: كتاب كمال الدين ٧١ وغيره للوقوف على استعمال هذا الشعار.

٢ - هؤلاء هم غير القائلين بثلاثة عشر إماماً أحدهم زيد بن عليّ، مثل أبي نصر هبة الله بن محمّد. (انظر: ص١٣٩-١٣٨ من هذا الكتاب).

٣ - ص١٣٩-١٣٨ من هذا الكتاب.

٤ - ص١٣٩ من هذا الكتاب.


منها إلاّ الإماميّة الاثنا عشريّة الذين نبغ فيهم متكلّمون ورواة وفقهاء وسياسيّون كبار، فنشطوا على مرّ الأيّام، ولم تصمد أمامهم فرقة تذكر. ومن هنا يَرَون أنّ انقراض الفرق الأُخرى وبقاءهم أحد الأدلّة على حقّانيّة مقالاتهم.



الفصل الثامن

أبو إسحاق إبراهيم مؤلّف كتاب (الياقوت)

(النصف الأوّل من القرن الرابع)

الكتاب الوحيد المستقلّ الذي تركه أحد كبار الأُسرة النوبختيّة الكثيرين، ولا ريب في انتسابه إليه هو كتاب الياقوت. وقد ألّفه أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت. وكان في عداد أشهر الكتب الكلاميّة، وقام جماعة من العلماء بشرحه والاستناد إلى أقواله.

بَيد أنّنا لا نجد في كتب التاريخ والتراجم ذكراً لمؤلّفه الجليل الذي كان من متكلّمي الشيعة االقدماء. ولعلّ كتابه من أقدم الكتب الكلاميّة المتوفّرة المأثورة عن هذه الفرقة. والعجيب حقّاً أن لا يذكره أحد المؤلّفين بمن فيهم الشيعة.

وصل إلينا كتاب الياقوت في ضمن الشرح الذي كتبه عليه العلاّمة الحسن بن المطهّر الحلّيّ (٦٤٨-٧٢٦هـ) بعنوان أنوار الملكوت في شرح الياقوت. ونقل الشارح كتاب الياقوت كلّه في شرحه. وسبق العلاّمةَ الحلّيّ في شرحه المؤرّخُ والمتكلّم المعتزليّ المعروف عزّ الدّين عبد الحميد بن أبي الحديد (٥٨٦-٦٥٦هـ)(١) ؛ إذ كان له

____________________

١ - ذكرنا في ص ٤٨ و٦٩ من هذا الكتاب، تبعاً لصاحب فوات الوفيات وغيره، أنّ وفاة ابن أبي الحديد =


شرح عليه أيضاً(١) . ولكن لا أثر اليوم لهذا الشرح، ولم ينقل أحد منه شيئاً فيما أعلم.

وعندما ينقل مؤلّفو الكتب الكلاميّة قولاً عن مؤلّف الياقوت فإنّهم يذكرونه باسم (ابن نوبخت)، إلاّ العلاّمة الحلّيّ فإنّه يذكره باسم (الشيخ أبو إسحاق). كما يذكره في مقدّمة كتاب أنوار الملكوت، التي سننقلها نصّاً باسم (الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت). وهذه الكنية والاسم موجودان في مقدّمة النسخ الثلاث التي رأيتها من كتاب أنوار الملكوت بصيغة واحدة، فلا اختلاف بينها(٢) .

ولا أدري لماذا ذكر الميرزا عبد الله الأفنديّ في رياض العلماء(٣) أنّ اسمه إسماعيل، على الرغم من تصريح العلاّمة الحلّيّ باسمه.

وكذلك تبعه بعض المؤلّفين الجدد من الشيعة في العراق وسورية(٤) ، فذكروا أنّ اسمه إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت. ولا نعرف المصدر الذي رجع إليه صاحب رياض العلماء. ولمّا كان مؤلّف كتاب الياقوت - كما سنرى - من الذين عاشوا بعد الغيبة الصغرى، وكان معاصراً للإمام أبي الحسن الأشعريّ (٢٦٠-٣٢٤هـ) وأبي بكر محمّد بن زكريّا الرازيّ (المتوفّى سنة ٣٢٠ هـ) - أي من رجال النصف الأوّل من القرن

____________________

= كانت في سنة ٦٥٥هـ، ثمّ تبيّن لنا بعد التحقيق أنّها كانت سنة ٦٥٦هـ. ونقل ابن الفوطيّ في كتاب الحوادث الجامعة ٣٣٦ شعراً له في رثاء أخيه القاضي موفّق الدين أبي المعالي القاسم بن أبي الحديد الذي توفّي في جمادى الآخرة من تلك السنة، وذكر أنّه عاش بعده أربعة عشر يوماً. ونقل هندوشاه النخجوانيّ في كتاب تجارب السَّلف الفارسيّ حكاية عن لقاء ابن أبي الحديد بالخواجه نصير الدين الطوسيّ بعد دخول التتر بغداد، ممّا يدلّ على أنّه كان حيّاً عندما غزاها هولاكو في ٤ صفر ٦٥٦هـ.

١ - شرح نهج البلاغة ٤: ٥٧٥؛ روضات الجنّات ٤٢٣.

٢ - مخطوطة المكتبة الرضويّة بمشهد المقدّسة، مخطوطة مكتبة مجلس الشورى الإسلاميّ، مخطوطة صديقي الفاضل الميرزا فضل الله شيخ الإسلام. وقد تفضّل عليّ باستنساخ نسخة منها وإرسالها اليّ.

٣ - تاريخ تأليفه سنة ١١١٦ هـ. وكان مؤلّفه من معاصري العلاّمة المجلسيّ الثاني، وتوفّي في الفترة الواقعة بين سنة ١١٣٠ و١١٤٠هـ.

٤ - منهم صاحب كتاب الشيعة وفنون الإسلام ٤٨.


الرابع - فلا يمكن أن يكون حفيداً لأبي سهل بن نوبخت. ومن هنا نحذو حذو العلاّمة الحلّيّ في ذكر اسمه، ولا نَدَع ذلك أبداً ما دمنا لا نملك دليلاً على نقضه، بخاصّة أنّ العلاّمة المجلسيّ يسمّيه في بحار الأنوار(١) : الشيخ إبراهيم. ونستبعد أن يكون العلاّمة أقلّ اطّلاعاً من صاحب رياض العلماء في هذا المجال، ولم يعثر على هذه النقطة وهو الذي كان مطّلعاً اطّلاعاً واسعاً على كتب الشيعة ومصادرها، وكانت له مكتبة كبيرة.

عصر مؤلّف (الياقوت)

يمكننا من خلال مطالعة كتاب الياقوت أن نعرف العصر الذي كان يعيش فيه مؤلّفه على وجه التخمين.

أوّلاّ: أورد مؤلّف الكتاب مبحث الإمامة بعد مبحث النبوّة في آخر كتابه تبعاً لأبي سهل النوبختيّ، وذكر مسألة الغَيبة في ذلك المبحث. وتناول الإشكالات التي وجّهها أهل السنّة إلى الشيعة في هذا المجال وفي اختلاف الشيعة أنفسهم في الفتاوى والأحكام، وأجاب عنها.

وهذا يدلّ على أنّ المؤلّف كان يعيش بعد عصر الغَيبة وبعد العصر الذي كان الخلاف فيه قائماً بين علماء الشيعة حول عدد الأئمّة. وهذا العصر - كما أشرنا من قبل - لم يتقدّم على النصف الأولّ من القرن الرابع، بل كان مقارناً لأواخر حياة أبي سهل اسماعيل بن عليّ النوبختيّ(٢) .

ثانياً: نقض المؤلّف في كتابه آراء الأشاعره ورئيسهم الإمام أبي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعريّ (٢٦٠-٣٢٤هـ) مرّات عديدة. وهو إن لم يصرّح باسم الأشعريّ لكنّه ذكر فقرات من مقالاته الخاصّة الّتي تفرّد بها ولم يُبدِها قبله أحد،

____________________

١ - ١٤: ١٣٨.

٢ - انظر: ص١٣١ من هذا الكتاب.


بخاصّة مسألة (إثبات الصفات القديمة(١) ، و(الكسب)(٢) ، و(الكلام النفسانيّ)(٣) . وهي من مقالاته وموضوعاته الخاصّة. وردّ عليه الشيخ أبو إسحاق، وعدّ (الكسب) و(الكلام النفسانيّ) هذياناً.

كانت ولادة أبي الحسن الأشعريّ سنة ٢٦٠هـ. وكان حتّى الأربعين من عمره تقريباً يحضر درس أبي عليّ الجبّائيّ، أي حتّى أوائل القرن الرابع. وكان من أتباعه في الاعتزال، ثمّ فارقه بعد ذلك التاريخ، وبثّ مقالاته الخاصّة به، وأنشأ المذهب الأشعريّ.

ويتبيّن من هذا أنّ الأشاعرة لم يكونوا ينشطون حتّى زهاء سنة ٣٠٠هـ، بل إلى مدّةٍ بعدها، ولم ينشروا آراءهم الخاصّة فيردّ عليها أحد. ومن الأدلّة على ذلك أنّنا لا نلحظ في فهرست الكتب الكلاميّة لأبي سهل النوبختيّ وأبي محمّد الحسن بن

____________________

١ - (المسألة التاسعة) من (المقصد الخامس)، من متن كتاب الياقوت. قال الشيخ المفيد في كتاب أوائل المقالات: (وأحدث رجلٌ من أهل البصرة يعرف بالأشعريّ قولاً خالف فيه جميع ألفاظ الموحّدين ومعانيهم فيما وصفناه. وزعم أنّ لله عزّ وجلّ صفات قديمة وأنّه لم يزل بمعنى لا هي هو ولا غيره، من أجلها كان مستحقّاً للوصف بأنّه عالم حيّ قادر سميع بصير متكلّم مريد. وزعم أنّ لله وجهاً قديماً وسمعاً قديماً وبصراً قديماً ويدَين قديمتين، وأنّ هذه كلّها أزليّة قدماء. وهذا قولٌ لم يسبقه إليه أحدٌ من منتحلي التوحيد فضلاً عن أهل الإسلام). وقد تفضّل الأخ شيخ الإسلام الزنجانيّ باستنساخ هذه الفقرة وإرسالها إليّ. انظر: الملل والنحل ٦٦-٦٧.

٢ - المسألة الثالثة، المقصد السابع؛ كان بعض علماء الكلام يرى أنّ عجائب هذا الفنّ ثلاث: القول بالطفرة عن النظّام (الملل والنحل ٣٨)، والقول بالأحوال عن أبي هاشم الجبّائيّ (نفسه ٥٧)، والقول بالكسب عن أبي الحسن الأشعريّ (نفسه ٦٨-٦٩). وقال أحد الشعراء في ذلك:

ممّا يُقال ولا حقيقة تَحتهُ

مَعقولةً تدنو إلى الأفهامِ

الكَسبُ عند الأشعريّ، والحالُ عن

د الهاشمي، وطفرة النظّامِ!

(منهاج السنّة ١: ١٢٧)

ولعلّ الصحيح في عجز البيت الثاني هو (البهشميّ) مكان (الهاشميّ)، وذلك منسوب إلى أبي هاشم.

والبهشميّة اسم لفرقة كانت تتبنّى عقائده (انظر: الملل والنحل ٥٤، والأنساب للسمعانيّ f. ٩٦ b).

٣ - المسألة السادسة، المقصد الخامس، الملل والنحل ٦٨.


موسى كتاباً أو إشارة في ردّ عقائد الأشعريّ، في حين كان معاصراً لهما. ولعلّه لم ينشر آراءه كما ينبغي في حياتهما التي لم تتجاوز سنة ٣١١هـ. وفي أقرَب الاحتمالات أنّه قام بذلك في الفترة الأخيرة من عمره، أي: بين سنة ٣١٠ و٣٢٤هـ.

ويبدو أنّ أبا إسحاق النوبختيّ ردّ على عقائد الأشعريّ بعد تلك الفترة. وإذا لم يكن عصره بعد عصر الأشعريّ فإنّه أدرك الفترة الأخيرة من عمره. ويُستشفّ من إشارات العلاّمة الحلّيّ في أنوار الملكوت أنّ عصر أبي إسحاق كان متقدّماً على عصر الشريف المرتضى علم الهدى (٣٥٥-٤٣٦هـ)، وأبي الحسين محمّد بن عليّ البصريّ المعتزليّ (المتوفّى سنة ٤٣٦هـ). وهذان المتكلّمان الكبيران وافقا أبا إسحاق في بعض آرائه، وخالفاه في بعضها الأخر.

ثالثاً: سنرى فيما نذكره من شرح أنّ مؤلّف الياقوت قام بنقض القول المشهور لأبي بكر محمّد بن زكريّا الرازيّ في اللذّة؛ ولهذا لا يمكن أن يكون عصره متقدّماً على عصر محمّد بن زكريّا الذي توفّي سنة ٣٢٠هـ.

إنّ إيجاز كتاب الياقوت، وصعوبة فهمه، وغاية اختصاره، كلّ أولئك دليل على قِدَمِه. ويظهر أنّه صُنِّف قبل كتب الشيعة الكلاميّة المفصّلة. وهو من النماذج التي احتذاها الشيخ المفيد، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسيّ في كتبهم.

وكان في الأسرة النوبختيّة رجلٌ يسمّى إبراهيم. وهو والد أحمد بن إبراهيم، وأبي جعفر عبد الله بن إبراهيم. وكان أحمد بن إبراهيم كاتباً عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح. وكان حيّاً مع أخيه حين وفاة الشيخ أبي جعفر العمريّ النائب الثاني للإمام المهديّعليه‌السلام في سنة ٣٠٤ أو ٣٠٥هـ(١) . ولكن هل كان إبراهيم هذا هو مؤلّف كتاب الياقوت نفسه؟ والجواب هو ربّما كان ذلك، ولكن هذا نستبعده؛ لأنّ

____________________

١ - غيبة الطوسيّ ٢٤٢ و٢٤٣.


عصره متقدّم على سنة ٣٠٤ و٣٠٥هـ. ولا يُعْلَم ما إذا كان حيّاً أيّام انتشار مقالات الأشعريّ وشيوع مذهبه حتّى يتسنّى له أن يؤلّف كتاب الياقوت يومئذٍ وينقض أقوال الأشاعرة.

كتاب أنوار الملكوت

أوّل من شرح كتاب الياقوت، فيما أعلم، هو ابن أبي الحديد المعتزليّ. ويَبدو أنّ هدفه من وراء ذلك هو دعم أفكاره الاعتزاليّة ودحض بعض مقالات الإماميّة في المسائل الكلاميّة، كما هو دأبه في شرح نهج البلاغة وشرح كتاب الذريعة إلى أُصول الشريعة(١) للشريف المرتضى علم الهدى، بَيْد أنّنا لا نجد لهذا الشرح من أثر. والشرح الذي وصل إلينا - من حسن الحظّ - هو شرح العلاّمة الحلّيّ المسمّى أنوار الملكوت في شرح الياقوت. وفيما يأتي قسم من مقدّمة الكتاب المذكور الذي صُنِّف سنة ٦٨٤هـ:

(... وقد صنّف العلماء في ذلك كثيراً من المبسوطات وأطنبوا القول فيه بكتب مختصرات ومطوّلات، إلاّ أنّهم لم يَسلَموا من زيغ في تلك الإيرادات ولم يخلصوا من خطأ في بعض الاعتقادات. وقد صنّفنا في ذلك كتباً متعدّدة أوضحنا فيها سبيل الرشاد، وهَدَينا إلى طريق السداد، نرجو فيها ذخراً للمعاد. وقد صنّف شيخنا الأقدم وأُستاذنا الأعظم أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت قدّس الله روحه الزكيّة ونفسَه العَليّة مختصراً سمّاه الياقوت. قد احتوى من المسائل على أشرفها وأعلاها، ومن المباحث على أجلّها وأسناها، إلاّ أنّه صغير الحجم كثير العلم مستصعب على الفهم في غاية الإيجاز والاختصار، بحيث يعجز عن حلّه أُولو الأنظار. فرأينا أن نضع هذا الكتاب المرسوم بأنوار الملكوت في شرح الياقوت على

____________________

١ - باسم: الاعتبار.


ترتيبه ونظمه، مُوضِّحاً لِما التَبَس من مشكلاته، مُبيِّناً لِما استبهم من معضلاته، مع زيادات لم توجد في هذا الكتاب).

ولم يقتصر العلاّمة الحلّيّ في شرح كتاب الياقوت - كما قال - على ترتيب الكتاب الأصليّ ونظمه فحسب، بل نقل عبارات المؤلّف نفسها في البداية ثمّ شرحها. ورفض في بعض المواضع رأي المؤلف القريب من مشرب المعتزلة، وأورد في مقابله رأيه الذي يمثّل عصارة اجتهادات متكلّمي الشيعة بعد الشيخ أبي إسحاق، كالشيخ المفيد، والشريف المرتضى، والشيخ الطوسيّ، والخواجه نصير الدين الطوسيّ وأمثالهم.

إنّ كتاب الياقوت، فيما أعلم، أقدم كتاب كلاميّ موجود للشيعة. وننقل فيما يأتي فهرساً لموضوعاته بالنحو الذي أورده العلاّمة الحلّيّ في أنوار الملكوت نصّاً، ليتبيّن ترتيب المباحث الكلاميّة لمتكلّمي الشيعة يومئذٍ:

المقصد الأوّل في النظر، وفيه ثلاث عشرة مسألة:

المسألة الأُولى: في ماهيّة النظر.

المسألة الثانية: في وجوبه.

المسألة الثالثة: في أنّه مفيد للعلم.

المسألة الرابعة: في أنّ وجوبه عقليّ.

المسألة الخامسة: في أنّه أوّل الواجبات.

المسألة السادسة: في الدليل.

المسألة السابعة: في أنّ الدليل السمعيّ هل يفيد اليقين أم لا.

المسألة الثامنة: في ضبط الاستدلال بالدلائل السمعيّة.

المسألة التاسعة: في حدّ العلم.

المسألة العاشرة: في تقسيم العلم.

المسألة الحادية عشرة: في أنّ العلم بالدليل مغاير للعلم بالمدلول والدلالة.


المسألة الثانية عشرة: في أنّ النظر يولد العلم.

المسألة الثالثة عشرة: في أنّ المعارف مقدورة لنا.

المقصد الثاني في الجوهر، والعرض، والجسم، وفيه عشرة مسائل:

المسألة الأُولى: في تعريف الجوهر، والعرض، والجسم.

المسألة الثانية: في الجزء الذي لا يتجزّى.

المسألة الثالثة: في تماثل الأجسام.

المسألة الرابعة: في جواز خلوّ الأجسام عن الطعوم والألوان والروائح.

المسألة الخامسة: في أنّ الأجسام مرئيّة.

المسألة السادسة: في إثبات الخلاء.

المسألة السابعة: في تعريف الحركة.

المسألة الثامنة: في تعريف السكون.

المسألة التاسعة: في أنّ حصول الحركة والسكون ليس بمعنى.

المسألة العاشرة: في استحالة الانتقال والبقاء على الأعراض.

المقصد الثالث في أحكام الجواهر والأعراض، وفيه أربع مسائل:

المسألة الأُولى: في حدوث الأجسام.

المسألة الثانية: في إبطال التسلسل.

المسألة الثالثة: في شُبَه الخصوم والردّ عليها.

المسألة الرابعة: في أنّ العالم لا يجب أن يكون أبديّاً.

المقصد الرابع في الموجودات، وفيه سبع مسائل:

المسألة الأُولى: في أنّ الوجود نفس الماهيّة.

المسألة الثانية: في أن المعدوم ليس بشيء.

المسألة الثالثة: في قسمة الوجود إلى القديم والمحدث.

المسألة الرابعة: في أنّ القديم لا يستند إلى المؤثّر.


المسألة الخامسة: في انقسام الموجود إلى الواجب والممكن.

المسألة السادسة: في خواصّ الواجب لذاته تعالى.

المسألة السابعة: في خواصّ الممكن لذاته.

المقصد الخامس في إثبات الصانع وتوحيده وأحكام صفاته، وفيه تسع عشرة مسألة:

المسألة الأُولى: في إثباته.

المسألة الثانية: في أنّه تعالى قادر.

المسألة الثالثة: في أنّه تعالى عالم.

المسألة الرابعة: في أنّه تعالى حيّ.

المسألة الخامسة: في أنّه تعالى سميع بصير.

المسألة السادسة: في أنّه تعالى مريد.

المسألة السابعة: في أنّه تعالى متكلّم.

المسألة الثامنة: في أنّه تعالى غنيّ.

المسألة التاسعة: في نفي المعاني والأحوال.

المسألة العاشرة: في أنّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض.

المسألة الحادية عشرة: في أنّه تعالى ليس بمتحيّز.

المسألة الثانية عشرة: في أنّه تعالى ليس حالاًّ في غيره.

المسألة الثالثة عشرة: في أنّه تعالى يستحيل قيام الحوادث بذاته تعالى.

المسألة الرابعة عشرة: في أنّه استحالة رؤيته تعالى.

المسألة الخامسة عشرة: في أنّه تعالى قادر على كلّ مقدور.

المسألة السادسة عشرة: في أنّه تعالى عالم بكلّ معلوم.

المسألة السابعة عشرة: في أنّه تعالى واحد.

المسألة الثامنة عشرة: في أنّه إبطال الماهيّة.


المسألة التاسعة عشرة: في أنّ كلامه تعالى حادث.

المقصد السادس في استناد صفاته إلى وجوبه تعالى، وفيه خمس مسائل:

المسألة الأُولى: في أنّ المؤثّر واجب الوجود لذاته.

المسألة الثانية: في استناد سلب العرضيّة والجسميّة عنه تعالى إلى الوجوب.

المسألة الثالثة: في أنّه تعالى ليس له صفة زايدة على الماهيّة.

المسألة الرابعة: في أنّه يستحيل عليه التغيّر.

المسألة الخامسة: في أنّه تعالى مبتهج بذاته.

المقصد السابع في العدل، وفيه خمس مسائل:

المسألة الأُولى: في التحسين والتقبيح.

المسألة الثانية: في أنّ الله تعالى لا يفعل القبيح.

المسألة الثالثة: في أنّا فاعلون.

المسألة الرابعة: في أنّه تعالى لا يريد القبيح.

المسألة الخامسة: في المتولّدات.

المقصد الثامن في الآلام والأعواض، وفيه ثمان مسائل:

المسألة الأُولى: في الوجه الذي يقبح له الألم.

المسألة الثانية: في الوجه الذي يحسن به الألم.

المسألة الثالثة: في الوجه الذي يحسن منه تعالى فعل الألم به.

المسألة الرابعة: في إبطال قول البكريّة والتناسخيّة.

المسألة الخامسة: في إثبات العوض على الله تعالى.

المسألة السادسة: في الانتصاف.

المسألة السابعة: في انقطاع العوض.

المسألة الثامنة: في أنّ العوض (لا يسقط) بالهبة والإبراء.


المقصد التاسع في أفعال القلوب ونظائرها، وفيه اثنتا عشرة مسألة:

المسألة الأُولى: في العلم.

المسألة الثانية: في جواز تعلّق العلم بمعلومين.

المسألة الثالثة: في اختلاف العلوم باختلاف المعلومات.

المسألة الرابعة: في مباحث متعلّقة بالإرادة.

المسألة الخامسة: في إبطال كلام النفس.

المسألة السادسة: في حدّ اللذّة والألم.

المسألة السابعة: في ماهيّة القدرة.

المسألة الثامنة: في أنّ القدرة قبل الفعل.

المسألة التاسعة: في تعلّق القدرة بالضدّين.

المسألة العاشرة: في متعلّق القدرة.

المسألة الحادية عشرة: في أنّ القدرة غير موجبة للفعل.

المسألة الثانية عشرة: في أنّ القدرة غير باقية.

المقصد العاشر في التكليف، وفيه أربع مسائل:

المسألة الأُولى: في شروطه.

المسألة الثانية: في ماهيّة الإنسان.

المسألة الثالثة: في بيان حسن التكليف.

المسألة الرابعة: في استحالة تكليف ما لا يُطاق.

المقصد الحادي عشر في الألطاف، وفيه خمس مسائل:

المسألة الأُولى: في حدّه.

المسألة الثانية: في وجوبه.

المسألة الثالثة: في أنّه لا يجوز فعل اللطف بالقبيح.

المسألة الرابعة: في أنّه تعالى لا يحسن منه العقاب عند منع اللطف.


المسألة الخامسة: في الأصلح في الدنيا.

مسائل أربع في التوحيد

المسألة الأُولى: في كونه عالماً في الأزل.

المسألة الثانية: في كونه تعالى قادراً في الأزل.

المسألة الثالثة: في كونه حيّاً أزليّاً.

المسألة الرابعة: في الجواب عن كلام هشام.

المقصد الثاني عشر في اعتراضات الخصوم في التوحيد والعدل والجواب عنها، وفيه ستّ مسائل:

المسألة الأُولى: في الاعتراض على القدرة والجواب عنه.

المسألة الثانية: في تحقيق معنى كَونه تعالى سمعياً بصيراً.

المسألة الثالثة: في كونه تعالى مريداً.

المسألة الرابعة: في إبطال قِدم الكلام.

المسألة الخامسة: في إبطال دليل الأشاعرة في الرؤية.

المسألة السادسة: في جواب شبهة المجبّرة في التحسين والتقبيح.

المقصد الثالث عشر في الوعد والوعيد، وفيه إحدى عشرة مسألة:

المسألة الأُولى: في أنّ وجوب الثواب والعقاب سمعيّ.

المسألة الثانية: في إبطال الإحباط.

المسألة الثالثة: في أنّ عقاب الفاسق منقطع.

المسألة الرابعة: في إثبات الشفاعة.

المسألة الخامسة: في عدم وجوب قبول التوبة.

المسألة السادسة: في أنّ التوبة واجبة.

المسألة السابعة: في أنّ التوبة يصحّ من قبيحٍ دون قبيح.

المسألة الثامنة: في أنّ المؤمن لا يكفر.


المسألة التاسعة: في الفاسق يسمّى مؤمناً وبيان ماهيّة الإيمان.

المسألة العاشرة: في إثبات الصراط والميزان وغيرهما من السمعيّات.

المسألة الحادية عشرة: في اعتراضات الخصوم على مسائل الوعد والوعيد.

المقصد الرابع عشر في النبوّات، وفيه عشرون مسألة:

المسألة الأُولى: في جواز البعثة.

المسألة الثانية: في شرائط المعجز.

المسألة الثالثة: في إثبات نبوّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

المسألة الرابعة: في جواز الكرامات.

المسألة الخامسة: في أنّ الأنبياء أشرف من الملائكة.

المسألة السادسة: في الاعتراضات على النبوّة والجواب عنها.

المسألة السابعة: في الإعادة وأحكامها.

المسألة الثامنة: في بقاء الجواهر.

المسألة التاسعة: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر.

المسألة العاشرة: في الآجال.

المسألة الحادية عشرة: في الأسعار.

المسألة الثانية عشرة: في الأرزاق.

المسألة الثالثة عشرة: في بيان عصمة الأنبياء.

المسألة الرابعة عشرة: في الردّ على اليهود.

المسألة الخامسة عشرة: في الردّ على النصارى.

المسألة السادسة عشرة: في الردّ على المنجّمين.

المسألة السابعة عشرة: في إبطال قول الثنويّة.

المسألة الثامنة عشرة: في الردّ على المجوس.

المسألة التاسعة عشرة: في الردّ على عبدة الأصنام.


المسألة العشرون: في الردّ على الغلاة.

المقصد الخامس عشر في الإمامة، وفيه: اثنتا عشرة مسألة:

المسألة الأُولى: في أنّها واجبة.

المسألة الثانية: في وجوب العصمة.

المسألة الثالثة: في باقي صفات الإمام.

المسألة الرابعة: في وجوب النصّ.

المسألة الخامسة: في جواب الاعتراضات على ما تقدّم.

المسألة السادسة: في تعيين الإمام.

المسألة السابعة: في الجواب عن اعتراضات الخصوم.

المسألة الثامنة: في النصّ الخفيّ.

المسألة التاسعة: في تتّبع اعتراضات الخصوم.

المسألة العاشرة: في نصوص دالّة على إمامته.

المسألة الحادية عشرة: في إمامة باقي الأئمّة الاثني عشر.

المسألة الثانية عشرة: في حكم المخالفين.

ويبدو أنّ كتاب الياقوت لم يكن كثير الاشتهار بين الشيعة حتّى عصر العلاّمة الحلّيّ مع وجود شرح ابن أبي الحديد. وزاد الاهتمام به وبمؤلّفه بعد انتشار كتاب أنوار الملكوت، وأصبح الاقتباس منه وشرح موضوعاته ونقل أقوال مؤلّفه أموراً مألوفةً. ومن ذلك ما قام ابن أُخت العلاّمة الحلّيّ - وهو السيّد عميد الدين عبد المطّلب الحسينيّ الحلّيّ (٦٨١-٧٥٤هـ) - من شرح الكتاب المذكور. وقضى بين المؤلّف الأصليّ أبي إسحاق والشارح، أي: العلاّمة الحلّيّ(١) .

ونظم الشيخ شهاب الدين إسماعيل بن الشيخ شرف الدين أبي عبد الله

____________________

١ - روضات الجنّات ٣٧٥.


العُوديّ العامليّ كتاب الياقوت في أرجوزة. وكان هذا الشيخ من أدباء جبل عامل وشعرائه. وعاش قبل سنة ١٠٩٧هـ، وهي سنة تأليف كتاب أمل الآمل(١) . وكان أحد علماء الشيعة قد رتّب مختارات من شرح الياقوت(٢) .

كتاب الابتهاج

كان للشيخ أبي إسحاق النوبختيّ كتاب آخر في أحد المباحث الكلاميّة تحت عنوان الابتهاج، أشار إليه المؤلّف نفسه في كتاب الياقوت. وذكر العلاّمة الحلّيّ أنّ الكتاب لم يصل إليه.

موضوع الكتاب إثبات اللذّة والسرور والابتهاج للباري تعالى. وهو الموضوع الذي نفاه المتكلّمون جميعاً، وجهد الفلاسفة في إثباته. ووافقهم الشيخ أبو إسحاق على ذلك خلافاً لمتكلّمي الشيعة وغيرهم. قال الفلاسفة: (واعلم أنّ كلّ خير مؤثّر وإدراك المؤثّر من حيث هو مؤثّر حبّ له، والحبّ إذا أفرط سُمّي عشقاً. وكلّما كان الإدراك أتمّ والمدرك أشدّ خيريّة كان العشق أشدّ. والإدراك التامّ لا يكون إلاّ مع الوصول التامّ، ويكون ذلك على ما مرّ لذّة تامّة وابتهاجاً تامّاً. فإذن العشق الحقيقيّ هو الابتهاج بتصوّر حضور ذاتٍ ما هي المعشوقة. ثمّ لمّا كان الشوق عندنا من لوازم العشق وربّما يشتبه أحدهما بالآخر أشار إلى الشوق أيضاً, وذكر أنّه الحركة إلى تتميم هذا الابتهاج. ولا يتصوّر ذلك إلاّ إذا كان المعشوق حاضراً من وجه، غائباً من وجه. ثمّ أثبت العشق الحقيقيّ للأوّل تعالى لحصول معناه هناك، فإنّه الخير المطلق وإدراكه لذاته أتمّ الإدراك... فإذن يجوز أن يكون

____________________

١ - أمل الآمل ٤٢٨ (ذيل رجال الاسترآباديّ) وص ٧ (ذيل رجال أبي عليّ). وورد فيهما اسم الشاعر سهواً على أنّه أحمد، في حين جاء في مخطوطة أمل الآمل العائدة لي - التي تمّ استنساخها من النسخة المكتوبة بخطّ المؤلّف سنة ١٢٠٥هـ، وفي كتاب الحجب والأستار ٣٨ أنّ اسمه: إسماعيل.

٢ - بحار الأنوار ٢٦: ١٧٣.


إدراك الغير موجباً للحبّ وإدراكه تعالى غير موجب له. والجواب: إنّ الحبّ ليس هو الإدراك فقط، بل هو إدراك المؤثّر من حيث هو مؤثّر. وإدراك الكمال إنّما يوجب حبّه لكون الكمال مؤثّراً. ولمّا كان الكمال وإدراكه موجودَين للأوّل تعالى حكموا بثبوت الحبّ هناك)(١) .

هذا القول - أعني: إثبات السرور واللذّة لله تعالى - هو قول الفلاسفة كما أشرنا، بَيْد أنّهم استعملوا كلمة (الابتهاج) مكان (اللذّة) و(السرور) المتداولتين وكانوا يَرَون أنّ إثبات ذلك بمنزلة إثبات النقص لله تعالى، ويقولون إنّ اللّذة من توابع اعتدال المزاج ولا تصحّ نسبتها إلى الله تعالى الذي لا يُنسَب إليه المزاج. يضاف إلى ذلك أنّنا إذا اعتبرنا اللذّة قديمة أو حادثة، فهي في الحالة الأُولى تتنافى مع الأزليّة الإلهيّة، وفي الحالة الثانية تجعل الله تعالى محلاًّ للحوادث.

على الرغم من هذا الاعتراض الذي أبداه معظم المتكلّمين فإنّ الفلاسفة وعدداً من أهل الكلام أجابوا عن الاعتراضات المتقدّمة وقاموا بإثبات السرور والابتهاج، بل الغمّ والألم لله تعالى بالأدلّة العقليّة والنقليّة. وكان أبو شعيب - وهو من قدماء المعتزلة - يرى استناداً إلى بعض الآيات القرآنيّة أنّ السرور والغمّ والغَيرة والأسف أمورٌ ثابتة لله تعالى بَيد أنّ سائر المتكلّمين كانوا يؤوّلونها بوجوه أُخرى. وكان حجّة الله الإمام محمّد الغزاليّ - أحد متكلّمي الأشاعرة - يجيز إثبات اللذّة لله تعالى(٢) . وكان لابن أبي الحديد الذي شرح كتاباً آخر للشيخ أبي إسحاق النوبختيّ - هو كتاب الياقوت - رأي في مبحث اللذّة والألم ونسبتهما إلى الباري تعالى، وكتب رسالة أُخرى في هذا الموضوع(٣) لكنّها ليست في متناول

____________________

١ - شرح الإشارات، النمط الثامن، نصير الدين الطوسيّ.

٢ - شرح نهج البلاغة ١: ٢٩٧.

٣ - نفسه ١: ٤٧٥.


أيدينا. ونحتمل أنّ هذه الرسالة شرح لكتاب الابتهاج، ومن قبيل ردّ آرائه. ونقل أبو إسحاق النوبختيّ في كتاب الياقوت، في مبحث اللذّة والألم وإثبات الابتهاج لذات الباري تعالى، قول أبي بكر محمّد بن زكريّا بن يحيى الرازيّ الطبيب والفيلسوف المعروف الذي توفّي - في أصحّ الأقوال - سنة ٣٢٠هـ، في باب اللذّة و ردّ عليه. ومع أنّ اسم الرازيّ غير مذكور في كتاب الياقوت إلاّ أنّ العلاّمة الحلّيّ أشار في شرح الكتاب إلى نسبة ذلك الرأي إليه. وكان الرازيّ الذي يُعدّ من أنصار فورون اللّذيّ(١) في هذا الرأي قد أخذه من الفلاسفة الإغريق الشكّاكين في القرن الثالث قبل الميلاد، وهو مذكور في الكتب الأُخرى باسمه أيضاً(٢) .

ونقض ناصر خسرو في كتاب زاد المسافرين أقوال محمّد بن زكريّا مراراً، وقال في ردّ رأيه في اللذّة: (قال هذا الرجل [محمّد بن زكريّا] في بداية مقالته: إنّ اللذّة الحسّيّة ليست إلاّ الراحة من المشقّة، والمشقّة ليست إلاّ الخروج من الطبيعة، واللذّة ليست إلاّ الرجوع إلى الطبيعة، والرجوع إلى الطبيعة ليس إلاّ الخروج من المشقّة)(٣) .

ولا يتّفق هذا الرّأي مع رأي الفلاسفة الأوائل ومتكلّمي المعتزلة؛ لأنّ هؤلاء يقولون: (الألم إدراك المنافر أو المنافي واللذّة إدراك الملائم)(٤) . وقال أبو إسحاق النوبختيّ في كتاب الياقوت: (الألم إدراك المنافي واللذّة إدراك الملائم، وليس الخلاص من الألم كلذّة المبصر مبتدأً لصورة جميلة).

الشقّ الأوّل من هذا الكلام تعريف للّذّة والألم حسب رأي جمهور الفلاسفة والمعتزلة. والشقّ الثاني منه قول محمّد بن زكريّا الذي ردّ عليه أبو إسحاق بدليلٍ

____________________

١ - pyrrhon.

٢ - مختصر الدول ٧٧؛ القفطيّ ٢٦٠؛ زاد المسافرين ٢٣١-٢٤٤.

٣ - زاد المسافرين ٢٣١.

٤ - التعريفات ١٥، ٨٣؛ مجمع البحرين ٢٤٨.


أتى به. و ذكر أنّ اللّذّة قد تظهر بدون أن يسبقها ألم، كما لو أريت صورة جميلة لأحد بدون أن يُمنى بألم الشوق سابقاً فإنّه يلتذّ برؤيتها، وحينئذٍ ليس في هذه الصورة لذّة الراحة من الألم والخلاص منه.

وكان محمّد بن زكريّا قد كتب مقالة مستقلّة في شرح اللّذّة وأراد أن يثبت أنّ اللّذّة قسم من أقسام الراحة، داخلة في ذيله(١) . ولم تَرُق هذه المقالة متكلّمي عصره وفلاسفته، حتّى نقضها في حياته الفيلسوف والشاعر الفارسيّ أبو الحسن شهيد بن حسين البلخيّ الذي سبق الشاعر الرودكيّ، أي: قبل سنة ٣٢٩هـ، وتوفّي - على قولٍ - سنة ٣٢٥هـ، وكان يتّبع المتكلّم المعتزليّ المعروف أبا القاسم عبد الله بن أحمد الكعبيّ البلخيّ في الفلسفة. وكتب ابن زكريّا نقضاً على نقض شهيد البلخيّ(٢) .

إنّ ذكرنا لرأي محمّد بن زكريّا في باب اللّذّة وردّه من قبل أبي إسحاق النوبختيّ دليل آخر على أنّ مؤلّف كتاب الياقوت كان ممّن عاش بعد زمان ابن زكريّا أو في الأقلّ كان من معاصريه في القسم الأخير من حياته.

____________________

١ - عيون الأنباء في طبقات الأطبّاء ١: ٣١٥؛ زاد المسافرين٢٣٥.

٢ - الفهرست ٣٠١؛ القفطيّ ٢٧٥.


الفصل التاسع

أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل (المقتول سنة ٣٢٢هـ)

ونجله أبو الفضل يعقوب

كان لأبي سهل إسماعيل بن علي المتكلّم المعروف ولد آخر غير أبي الحسن عليّ الذي مرّت بنا ترجمته في ذيل سيرة أبيه المذكورة في الفصل السادس، وأصبح أشهر من أخيه بسبب نفوذه في جهاز الخلافة وتدخّله في الأعمال الديوانيّة والإداريّة.

ومن المؤسف أنّ تعيين نسب عدد من آل نوبخت وزمانهم أمر عسير، كما أنّ التحقيق الصحيح في ذلك يبدو متعذّراً. ويعود ذلك إلى قلّة المعلومات المفصّلة المنظّمة حول ترجمة أشخاص عديدين منهم، وإلى تعدّد الأسماء المشتركة في هذه الأُسرة، فالطريق مفتوح للحدس والتخمين والوقوع في الخطأ. من هنا لا نطمئنّ إلى أنّنا سنكون مصونين من الخبط في إلحاق نسب بعض الأشخاص غير المشهورين من آل نوبخت بالمشاهير الذين سبقوهم، مع عنائنا الكبير، وتدقيقنا، واحتياطنا في البحث. ولن يتيسّر تحديد صحّة أو سقم بعض هذه الفقرات التي نظّمناها من وحي الاضطرار حدساً وظنّاً إلاّ بالحصول على معلومات أُخرى.


وحينئذٍ تكتمل هذه الرسالة التي هي بمنزلة التمهيد لبحث مفصّل في هذا الموضوع، وتصحّح أخطاؤها بمساعدة العلماء الآخرين وجهودهم.

وكان بين آل نوبخت رجل آخر يُدعى إسحاق بن إسماعيل بن نوبخت وهو من أصحاب الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد الهاديعليه‌السلام (٢١٤-٢٥٤هـ)(١) ومن الطبيعيّ أنّ هذا الرجل لا يمكن أن يكون أبا يعقوب إسحاق بن إسماعيل بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت المقتول سنة ٣٢٢هـ المترجَم له في هذا الفصل؛ لأنّ المدّة الواقعة بين وفاة الإمام العاشرعليه‌السلام وقتل أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل قرابة سبعين سنةً. ومن المستحيل أن يكون الولد من أصحاب الإمامعليه‌السلام في حين كان عمر أبيه أبي سهل إسماعيل سبع عشرة سنةً عند وفاة الإمامعليه‌السلام (كانت ولادة أبي سهل إسماعيل سنة ٢٣٧هـ كما مرّ بنا).

وإسحاق بن إسماعيل بن نوبخت هذا الذي عدّه مؤلّفو كتب الرجال من أصحاب الإمام الهاديعليه‌السلام لا يمكن أن يكون إلاّ إسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، وهو ابن إسماعيل نديم أبي نواس وجامع ديوانه وأخباره، وقد استعرضنا سيرته في سياق ترجمة أولاد ابي سهل بن نوبخت. وكان لإسحاق بن إسماعيل هذا ولد أيضاً يُدعى يعقوب، ذكره المرزبانيّ باسم يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت. وكان معاصراً للمتكلّم المعروف أبي محمّد الحسن بن موسى (المتوفّى في إحدى السنوات الواقعة بين سنة ٣٠٠ وسنة ٣١٠هـ) ونقل عنه أبو محمّد خبراً حول أبي نواس كان يعقوب قد سمعه من جدّه إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت(٢) . ويبدو أنّ يعقوب بن إسحاق هذا هو الذي روى خبراً صغيراً من أخبار الإمام الرّضاعليه‌السلام (٣) . ولمـّا كان المرزبانيّ قد ذكر نسبه كلّه،

____________________

١ - رجال الاسترآباديّ ٥١؛ رجال التفرشيّ ٣٩ وغيرهما، نقلاً عن رجال الطوسيّ.

٢ - الموشّح ٢٧٤.

٣ - مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٥: ٩٥.


فلا يبقى شكّ في أنّه من فرع آخر من فروع آل نوبخت - أي: من أولاد إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت - لا من أعقاب أبي سهل إسماعيل بن عليّ وأخلافه. وكلّهم أولاد إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت. ومن الطبيعيّ أنّنا ينبغي أن نتنبّه إلى أنّ يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت هو غير أبي الفضل يعقوب بن إسحاق بن أبي سهل إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت الذي سنشير إلى ترجمته في ذيل هذا الفصل؛ لأنّ موضوع هذا الفصل هو أبو الفضل يعقوب بن إسحاق بن أبي يعقوب إسحاق. وسنذكر أنّه كان من عمّال السلاطين وكتّابهم، ومن الذين مدحهم البحتريّ الشاعر المشهور.

وكان لإسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت - الذي كان من أصحاب الإمام الهاديعليه‌السلام - ولدان آخران غير يعقوب المارّ ذكره. أحدهما: عليّ بن إسحاق بن إسماعيل الذي روى طَرَفاً من أخبار أبي نواس(١) ، وهو غير عليّ بن إسحاق بن أبي سهل والد المتكلّم الشهير أبي سهل إسماعيل، وإن كان اسم جدّه إسماعيل. والآخر: الحسن بن إسحاق الكاتب الذي كان ولداه أحمد ومحمّد قد تقارن زمانهما مع بداية الغيبة الصغرى، وممّن كانا قد رأيا الإمام القائمعليه‌السلام قبل الغيبة(٢) .

وبعد ذكر هذه المقدّمات التي رأينا ضرورة بيانها رفعاً للخلط والالتباس، نستعرض فيما يأتي ترجمة أبي يعقوب إسحاق بن أبي سهل إسماعيل بن عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت الذي كان من مشاهير الكتّاب في البلاط العبّاسيّ، وممّن مدحهم البحتريّ.

إنّ أوّل مرّة ذكر التاريخ فيها إسحاق بن إسماعيل هي سنة ٣١٢هـ. أي: بعد وفاة أبيه أبي سهل إسماعيل بسنةٍ. بَيْد أنّ الثابت هو أنّ إسحاق وابنه أبا الفضل يعقوب

____________________

١ - أخبار أبي نواس ١: ١٥٦.

٢ - كمال الدين وتمام النعمة ٢٤٦.


كانا من ذوي الشأن والنفوذ ومن أعيان البلاط والعاملين في الدواوين قبل هذا التاريخ بمدّة، لأنّ البحتريّ الذي مات سنة ٢٨٣ أو ٢٨٤هـ كان قد مدحهما. ويُستشفّ من إحدى مدائح البحتريّ أنّ أبا يعقوب إسحاق بن إسماعيل كان مكلّفاً بمهمّةٍ في أطراف العواصم(١) وقنِّسرين، إذ طهّر حدود قنّسرين من رجلٍ معتدٍ وأراح الرعيّة منه، وجمع الناس بعد فُرقتهم وعامَلَهم بالعدل والإنصاف وكان البحتريّ أحدهم، فقال في قصيدةٍ له مشيراً إلى ذلك:

إنّ العواصمَ قد عُصِمْنَ بأبيضٍ

ماضٍ كصَدرِ الأبيضِ المسلولِ(٢)

أعطى الضَعيفَ مِنَ القويِّ وَرَدَّ مِنْ

نَفْسِ الوحيدِ ومنَّةِ المخذولِ

عزَّ الذليلُ وَقَد رآكَ تَشُدُّ مِن

وَطْءٍ عَلى نَفْسِ العزيزِ ثقيلِ

ورَحضتَ قِنِّسرين حتّى أُنقِيَتْ

جَنَباتُها مِن ذلكَ البِرطيلِ

وكَمَعْتَ شِدقَ الآكِلِ الذَّرْبِ الشَّبَا

حتى حَمَيتَ جُزارَةَ المأكولِ

أحكمتَ ما دَبَّرْتَ بالتقريب

والتبعيدِ والتصعيبِ والتسهيلِ

لو لا التَّبايُنُ في الطَّبائعِ لم يَقُمْ

بُنيانُ هذا العَالَمِ المجبولِ

قولٌ يُتَرجِمُهُ الفِعال وإِنَّما

يُتَتَهَّمُ التّنزيلُ بالتّأويلِ

ماذا نَقُولُ وقَد جَمَعتَ شتاتَنا

وأتَيتَنا بِالعَدلِ والتعديلِ(٣) ؟!

وهذه المهمّة التي نأسف أنّنا لا نعلم متى تحقّقت وما هو موضوعها كانت - حسب ما تفيده القرائن - في أواخر عمر البحتريّ الذي كان يعيش يومئذٍ في أطراف العواصم، وتوفّي في حلب أو مَنْبج سنة ٢٨٣ أو ٢٨٤هـ.

وليس لدينا اطّلاع على حياة أبي يعقوب إسحاق منذ وفاة البحتريّ حتّى سنة

____________________

١ - كانت العواصم مجموعة قلاع بين حلب وأنطاكية، وهي واقعة بين أراضي المسلمين والمناطق الخاضعة لنفوذ النصارى. وكانت ملجأً للمسلمين عند عودتهم من جهاد النصارى.

٢ - هذه الأبيات من قصيدة في مدح أبي يعقوب إسحاق. وقد ذكرنا قسماً منها في الصفحات الأُولى من الكتاب.

٣ - ديوان البحتريّ ١٧٨-١٧٩.


٣١٢هـ. وعندما أقال المقتدر العبّاسيّ أبا القاسم عبد الله بن أبي عليّ محمّد بن يحيى بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان الخاقانيّ من الوزارة سنة ٣١٣هـ، وعيّن مكانه أبا العبّاس أحمد بن عبيد الله الخصيبيّ يوم الخميس، الحادي عشر من شهر رمضان تلك السنة، صادر الوزيرُ الجديد ممتلكاتِ الوزير السابق وممتلكات عمّاله وكتّابه، ومنهم أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ الذي سُجن وحُكم عليه بدفع غرامة(١) .

ثمّ عزل المقتدرُ الخصيبيَّ عن الوزارة في الحادي عشر من ذي القعدة سنة ٣١٤هـ، وعيّن مكانه أبا الحسن عليّ بن عيسى الجرّاح مرّة أُخرى، ونصب أبا القاسم عبد الله بن محمّد الكلواذانيّ نائباً له.

وفي حوار دار بين الخصيبيّ وعليّ بن عيسى حول الشؤون الماليّة في بداية الوزارة الثانية لعليّ بن عيسى طلب الوزير الجديد من الخصيبيّ الأموال التي كانت قد صودرت في أيّام وزارته، فقال الخصيبيّ إنّ نسخة ممّا كتبه الأشخاص المصادرة أموالهم، والذين تكفّلوا بدفع الغرامة اللاّزمة إنّما هي عند هشام بن عبد الله متصدّي ديوان المصادرين. فدفع هشام قائمة بأسماء العمّال والكتّاب الذين تكفّلوا غرامةٍ - وكانوا قد أودعوا تعهّداً خطّيّاً في هذا المجال - إلى عليّ بن عيسى. ومن هؤلاء العمّال أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ الذي كان مسؤولاً عن أموال النهروانات(٢) قبل الوزارة الثانية لعليّ بن عيسى، وكان في ذمّته مال كثير على ما أفاده تقرير هشام بن عبد الله، ولم يدفع إلاّ مبلغاً ضئيلاً منذ تعيين عليّ بن عيسى وزيراً إلى أن جاء الوزير الجديد من الشام إلى العراق(٣) .

____________________

١ - تجارب الأُمم ٥: ١٤٤.

٢ - النهروانات هي النهروان الأعلى، والنهروان الأوسط، والنهروان الأسفل وكانت واقعة شرق السواد على ضفاف دجلة بين بغداد وواسط.

٣ - تاريخ الوزراء للصابي ٣١٢.


يستبين من هذا الكلام أنّ إسحاق بن إسماعيل، بعد أن كان سجيناً في عهد الخصيبيّ - أي: في رمضان سنة ٢١٣هـ - وصودرت أمواله، تولّى مسؤوليّة أموال النهروانات، وظلّ في منصبه حتّى أواخر وزارته التي لم تَدُم أكثر من أربعة عشر شهراً.

وحدثت جفوة بين المقتدر وخادمه وصاحب شرطته مؤنس المظفّر سنة ٣١٥هـ. وكان مؤنس قد نُصب والياً على الروم، وامتنع عن المثول أمام المقتدر لتوديعه بسبب الجفوة المذكورة. والتفّ حوله عسكر السلطان العبّاسيّ وجميع قادته وحواشيه وغلمانه فاضطرّ المقتدر إلى استعطافه، بَيْد أنّ جماعة من عسكره ظلّوا على تمرّدهم. ومن أسباب ذلك أنّ عليّ بن عيسى كان قد أحال دفع نفقاته ونفقات بطانته إلى أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، لكنّه لم يدفعها إليهم. ولا حَقَ عليُّ بن عيسى إسحاقَِ بن إسماعيل وقبض عليه فسجنه هو وكاتبه أحمد بن يحيى جلخت وجماعة من أصحابه. ثمّ عزله بعد أن أخذ منه تعهّداً بدفع ٥٠٠٠٠ دينار من المال الذي كان في ذمّته(١) ، وكان يومئذٍ على مال واسط. وفي يوم الثلاثاء الخامس عشر من ربيع الأوّل سنة ٣١٦هـ عزل المقتدرُ عليَّ بن عيسى، ونصب مكانه الكاتب الحَسَن الخطّ والأديب البليغ المعروف أبا علي محمّد بن عليّ بن مُقلة الذي لم يتجاوز الرابعة والأربعين منم عمره آنذاك. وأمره - كخطوة أُولى - أن يردع مسؤولي الدواوين عن المطالبة بالمصادرات والغرامات، وأن يُعيد عدداً من العاملين إلى مناصبهم التي كانوا قد فُصلوا منها. ومن هؤلاء أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ الذي كان عليّ بن عيسى قد عزله، فأقرّه على أموال واسط(٢) .

ومنذ هذا التاريخ حتّى ٣٢٠هـ التي نُصب فيها القاهر العبّاسيّ حاكماً،

____________________

١ - تجارب الأُمم ٥: ١٦٠.

٢ - صلة تاريخ الطبريّ لعريب بن سعد القرطبيّ ١٣٦.


لا نمتلك معلومات حول سيرة إسحاق بن إسماعيل غير أنّ الذي تفيده القرائن هن أنّ حكومته كانت تسير نحو التقدّم تدريجاً، إلى أن قُتِل المقتدر فأصبح مِن بَعده من ذوي النفوذ والاقتدار في البلاط.

وبعد قتل المقتدر في ٢٨ شوّال سنة ٣٢٠هـ أراد مؤنس المظفّر وسائر رجال البلاط أن ينصبوا أحداً مكانه. وكان رأي مؤنس أن يخلفه ولده أبو العبّاس أحمد، بَيد أنّ إسحاق بن إسماعيل لم يوافقه على ذلك ولم يستحسن الرجوع إلى ما كانوا عليه بعد أن تخلّصوا من شرّ المقتدر الذي كانت له أمّ وخالة وخدم كثيرون على حدّ تعبيره. وذكر أنّ عليهم أن يختاروا من يدبّر حاله وحالهم. وأصرّ على ذلك حتّى أقنع مؤنساً بالعدول عن أبي العبّاس أحمد، واختيار أبي منصور محمّد نجل المعتضد بعد إضفاء لقب (القاهر) عليه(١) .

استهلّ القاهر عمله بمصادرة ممتلكات المقتدر وأُمّه. وأجبر أُمّه على تسليم أموالها جميعاً للديوان، وأوكل أبا الحسين عليّ بن عبّاس النوبختيّ في بيعها. فامتنعت من ذلك وقالت: إنّه كان قد وقف هذه الأموال على الكعبة والأمصار الإسلاميّة والضعفاء والمساكين، فلا يحقّ للقاهر أن يسلبها صفة الوقف. أمّا أملاكي فإنّي أضعها تحت تصرّف عليّ بن عبّاس النوبختيّ لبيعها. وشهد القاضي عمر بن محمّد وغيره برفع الوقفيّة عن تلك الأملاك بحضور القاهر. وأوكل القاضي عليّ بن عبّاس النوبختيّ ببيعها. كما خوّل أبا طالب النوبختيّ، وأبا الفرج أحمد بن يحيى جلخت، وأبا يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ ببيع العقارات التي كانت قد صودرت من أُمّ المقتدر ببغداد(٢) .

وعندما تقلّد القاهر الأمر، استوزر أبا عليّ محمّد بن عليّ بن مقلة الذي كان في

____________________

١ - تجارب الأُمم ٥: ٢٤٢، وسائر كتب التاريخ في وقائع سنة ٣٢٠هـ.

٢ - تجارب الأُمم ٥: ٢٤٥.


مهمّة ببلدة فارس. وأشار عليه مؤنس أن يُنيب عنه أبا القاسم الكلواذانيّ ريثما يصل إلى بغداد.

وصل أبو عليّ قادماً من شيراز في العاشر من ذي القعدة سنة ٣٢٠هـ، وتسلّم مقاليد الوزارة. وتغيّر على الكلواذانيّ لبعض الأسباب فأوقفه وصادر أمواله. وقبض على جماعة من الكتّاب والعمّال، أحدهم إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، وأوكل أمرهم جميعاً إلى أبي عبد الله محمّد بن خلف النيرمانيّ الذي كان من عمّاله الحاذقين ليطالبهم بالأموال التي كانت في ذمّتهم، فخاف إسحاق بن إسماعيل ومن معه على أنفسهم لاشتهار محمّد بن خلف بالغلظة والشدّة، ففكّروا في الخلاص منه.

لجأ إسحاق النوبختيّ إلى أبي جعفر محمّد بن شيرزاد الذي كان من العاملين في الديوان ومن أصدقائه القدماء فتحدّث أبو جعفر مع ابن مقلة بشأنه. فقال ابن مقلة إنّه مضطرّ إلى إبقائه في السجن؛ لأنّه كان قد قصّر في أداء مالٍ كان عليه أن يدفعه إلى هارون بن غريب(١) في عهد المقتدر، وذكر أنّه لا يطلقه لئلاّ يفعل ما فعله سابقاً. ثمّ سيّر مع أبي جعفر حاجباً من حجّاب الوزارة وبعث بهما إلى إسحاق. ومذ وقعت عين إسحاق على الحاجب، صاح وأخذ بتلابيب أبي جعفر، وطلب منه أن يذهب إلى مؤنس وأن لا يتركه حتّى يخلّصه من مخالب ذلك المجنون، أي: محمّد بن خلف النيرمانيّ. فذهب أبو جعفر إلى مؤنس وألحّ عليه إلحاحاً شديداً، فأرسل أحد رجال البلاط إلى أبي عليّ بن مقلة ليطلق إسحاق، أو ينقذه من محمّد بن خلف ثمّ يشخصه إليه. فلم يَرَ أبو عليّ بُدّاً من أن يستجيب لطلب مؤنس، ويهتمّ بموضوع إسحاق. واستطاع أبو عبد الله البريديّ خلال ذلك أن يخلّص نفسه وإخوته من قبضة محمّد بن خلف، وأن ينقذ إسحاق بن إسماعيل من محنته

____________________

١ - ابن خال المقتدر وأحد أمرائه.


أيضاً، فخرج الجميع من سجنهم في يوم واحد(١) . وبعد مضيّ مدّة استدعى ابنُ مقلة إسحاق، وأخذ منه تعهّداً خطّيّاً أن يدفع ٢٠٠٠ دينار إلى الديوان في كلّ شهرٍ. وعليه أن يعمل بتعهّده كما كان يفعل في عهد المقتدر. كما أخذ تعهّداً خطيّاً من أولاد البريديّ بدفع ٤٥٠٠ دينار(٢) .

لم تَدُم وزارة ابن مقلة في عهد القاهر أكثر من تسعة أشهر وثلاثة أيّام، إذ وزر من بعده أبو جعفر محمّد بن القاسم بن عبيد الله بن وهب في غرّة شعبان سنة ٣٢١هـ. فاعتقل أبا جعفر محمّد بن شيرزاد الذي كان قد سعى في خلاص إسحاق من السجن، وكانت له منّة عليه، وطالبه بمال كثير. فهبّ إسحاق لإغاثة صديقه القديم أبي جعفر بن شيرزاد شكراً له على صنيعه، وتوسّط له عند أبي جعفر الوزير. فأنقذه من سجنه وأرسله إلى بيته بعد أن أودع تعهّداً خطّيّاً بخطّ ابن شيرزاد على أن يدفع ٢٠٠٠٠ دينار(٣) .

وكان لإسحاق النوبختيّ نفوذ كبير في عهد وزارة أبي جعفر محمّد بن القاسم وتأثير عظيم في قلب الوزير. يضاف إلى ذلك أنّه لمـّا كان متولّيّاً أمر أملاك واسط وحوالَي الفرات، وكان من أعيان بغداد وأصحاب الأملاك والثروة الطائلة فيها، فقد نافس كبار عصره - بما فيهم السلطان العبّاسيّ - في الثراء. من هنا كان يعدّ ملاذاً للمعزولين والمغضوب عليهم كغيره من بعض أفراد الأُسرة النوبختيّة في عصره، فكان يصلح بينهم وبين الوزير.

ومن أشهر الأُسر التي كانت ضالعة في شؤون الحكومة يومئذٍ وكان لها شأنها الكبير لكفاءتها وكياستها هي أُسرة البريديّ التي كانت تتولّى أمر أموال البصرة والأهواز منذ مدّة، بخاصّة أنّ كعبهم علا كثيراً في وزارات ابن مقلة؛ لأنّ أحدهم

____________________

١ - تجارب الأُمم ٥: ٢٤٦-٢٤٩.

٢ - نفسه ٥: ٢٥٣.

٣ - نفسه ٥: ٢٧٠.


وهو أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن يعقوب بن إسحاق البريديّ كان قد سعى كثيرا في نصب ابن مقلة وزيراً للمقتدر سنة ٣١٦هـ على رغم عليّ بن عيسى. واستحصل منه أمراً بخراج الأهواز، وأمراً ببعض أعمالها الأُخرى لأخويه أبي يوسف يعقوب، وأبي الحسين عليّ، وذلك بعد إعطائه رشوةً مقدارها ٢٠٠٠٠ دينار. وكان أبو عبد الله المذكور متهوّراً مكّاراً داهيةً. وصودرت أمواله وأموال إخوته مرّتين عندما عُزل ابن مثلة من الوزارة خلال فترتين متواليتين. الأُولى في سنة ٣١٨هـ حين فرض عليه المقتدر الإقامة الجبريّة ببغداد، وطالب الإخوة الثلاثة بدفع ٤٠٠٠٠٠ دينار، وهدفه من ذلك أن يدفعوا مقداراً منه في الأقلّ، لكنّهم دفعوه كلّه وعادوا إلى مناصبهم. أمّا الثانية فكانت في سنة ٣٢١هـ بعد فرار ابن مقلة واستتاره في عصر القاهر ولمّا اختفى ابن مقلة خوفاً من القاهر، أخفى البريديّون أنفسهم أيضاً. وولّى أبو جعفر محمّد بن القاسم أحد أصدقائهم على الأهواز والبصرة. وتوسّط إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ بينهم وبين الوزير وأخذ منه الأمان فخرجوا من مخبئهم. ثمّ حثّ الوزير على أن يتحدّث مع السلطان العبّاسيّ بشأنهم ويُعلمه أنّ المصلحة تقتضي إرجاعهم إلى البصرة والأهواز. فقبل الوزير ذلك وتحدّث مع السلطان، ورغّب القاهر في تحصيل مالٍ أكثر من قِبَله فاستجاب القاهر ووعده بالعمل في أوانه.

واستشار السلطان أحد أطبّاء البلاط، فعزم على عزل أبي العبّاس الخصيبيّ من الوزارة، والقبض على أبي جعفر الوزير، وأولاد البريديّ، وإسحاق النوبختيّ. بَيْد أنّه قرّر في البداية أن يجبر الوزير على أخذ مَن كانوا قد تعهّدوا بدفع الأموال، لئلاّ تضيع الأموال التي كان الوزير قد وعد بأخذها، وذلك بدعوتهم إلى داره، وإذا ما نُفِّذت الخطَّة فإنّه يحبس الوزير.

أرسل القاهر أحد خدمه إلى دار أبي جعفر الوزير ليقبض على أولاد البريديّ وإسحاق النوبختيّ الذين كان يظنّ أنّهم فيها. وكان أولاد البريديّ على علمٍ بهذا


الأمر بواسطة جواسيسهم فاختبأوا قبل وصول مبعوث القاهر. وذهب الخادم إلى دار إسحاق فطفق يفتّشها بحجّة أنّ القاهر قد أُخبر بوجود عدد من الجواري المغنيّات والعازفات على العود فيها(١) . وأمره أن يركب معه ويتوجّه إلى السلطان. وبعد أن علم إسحاق بالأمر، وكان لا يظنّ أنّ الهدف من ذلك إيذاؤه شخصيّاً، أمر جواريه أن لا يَحُلْن دون الخادم في طلب العازفات، ويَدَعْنَه ينجز مهمّته. ثمّ توجّه إلى دار الوزير، فجاء الخادم إليها مباشرة، وقبض عليه وأودعه السجن.

وأرسل السلطان العبّاسيّ مأمورين آخرين لتفتيش دور أولاد البريديّ وإسحاق النوبختيّ. ففتّشوا دور إسحاق في االنوبختيّة وضفاف دجلة، فاستسلم حرمه وأولاده، وقُبض على كاتبه أبي عبد الله أحمد بن عليّ الكوفيّ، وكلّف القاهر عليَّ بن عيسى بتولّي أعمال واسط والأراضي التي تُروى من الفرات، بدل إسحاق النوبختيّ(٢) .

إنّ أبا يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ بنصبه القاهر وإجباره مؤنساً على ذلك، إنّما كان يسعى في دمه. ذلك أنّه لقي حتفه على يد القاهر الناكر للجميل بعد سنتين؛ إذ قتله شرّ قتلة وجحد حقّ نعمة من له فضل عظيم عليه. وكان أبو منصور محمّد القاهر - قبل تقلّده الأمر - يريد أن يشتري جارية تسمّى (رتبة) كانت معروفة بجمالها وحسن غنائها. لكنّ إسحاق النوبختيّ غلاّ في ثمنها واشتراها، فاستاء أبو منصور محمّد من هذا العمل وأضمر له حقداً. وكان قد حدث مثل ذلك بين القاهر وأبي السرايا نصر بن حمدان.

قرّر القاهر أن يقتل أبا السرايا، وإسحاق النوبختيّ سنة ٣٢٢هـ وجاء نفسه

____________________

١ - مع أنّ القاهر كان يعاقر الخمرة ويسمع الأغاني ويعاشر الجواري العازفات لكنّه حرّم الخمر والنّبيذ سنة ٣٢١هـ. وقبض على المغنّين رجالاً ونساءً، ونفاهم.

٢ - تجارب الأُمم ٥: ٢٧٠-٢٧١.


ووقف على البئر التي أراد أن يلقي فيها هذين المسكينين. فجيء بإسحاق مصفّداً وأُلقي فيه حيّاً. ثمّ أُحضر أبو السرايا، ولمّا أرادوا إلقاءه، تضرّع كثيراً فلم ينفعه. فتعلّق بسعفة نخلة كانت قريبة من البئر فراراً من الموت، فبادر الجلاوزة إلى قطع يده فوقع في البئر. ثمّ طُمّت البئر بالتراب إلى حافّتها، وخُتمت حياة إسحاق الذي كان من أعيان عصره ومن رجالات الأُسرة النوبختيّة بهذا النحو المروِّع. وأشعر هذا العمل عامّة الذين كانوا قد سَعَوا في نصب القاهر سلطاناً أنّهم ارتكبوا خطأً كبيراً. وفي آخر المطاف أُطيح بالقاهر نتيجةً لهذه الممارسات الشنيعة، ونُصب مكانه أبو العبّاس أحمد نجل المقتدر في جمادى الأُولى سنة ٣٢٢هـ بعد إضفاء لقب (الراضي بالله) عليه.

وليس بأيدينا معلومات عن نجل أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل - وهو أبو الفضل يعقوب - إلاّ عن طريق المدائح التي أنشدها البُحتريّ بحقّه. ولمّا كان تاريخها قبل سنة ٢٨٢هـ التي توفّي فيها البُحتريّ، ولم يَرد ذكره في التواريخ، فمن المحتمل أنّه توفّي يومئذٍ ولم يدرك عهد اقتدار أبيه. ونقرأ في ديوان البُحتريّ مديحتين لهذا الشاعر بحقّ أبي الفضل يعقوب. نقلنا قسماً من إحداهما في الفصل الأوّل من هذا الكتاب، أمّا الثانية فقد أنشدها الشاعر أيّام بؤس يعقوب، منها هذان البيتان:

تَفديك أنفُسُنا اللاتي نضُنُّ بها

مِن مؤلماتِ الذي تشكو وأوصابِهْ

لستَ العليلَ الذي عُدناهُ تكرِمَةً

بل العليلُ الذي أصبحتَ تُكْنى بِه(١)

____________________

١ - ديوان البحتريّ ١٩٢. إشارة إلى أبي الفضل، وهي كنية يعقوب بن إسحاق.


الفصل العاشر

أبو الحسين عليّ بن عبّاس (٢٤٤-٣٢٤هـ)

ونجله أبو عبد الله حسين (وفاته في سنة ٣٢٦هـ)

أبو الحسين عليّ بن العبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت من فرع آخر من السلالة النوبختيّة. يتّصل نسبه ونسب أولاد المتكلّم المعروف أبي سهل إسماعيل بن عليّ وأعمامه بأبي سهل بن نوبخت؛ إذ تفيد المعلومات الواصلة إلينا أنّ اثنين من أولاد أبي سهل بن نوبخت الكثيرين - وهما إسماعيل وإسحاق - كانت لهما أُسرتان وجيهتان. فإسحاق والد عليّ بن إسحاق وجدّ أبي سهل إسماعيل، وأخيه أبي جعفر محمّد لأبيهما، وجدّ أبي محمّد الحسن بن موسى لأُمّه. وكان لأخيه إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت ولدان: أحدهما عبّاس، وهو والد أبي الحسين عليّ المترجَم له في هذا الفصل، والجدّ الأعلى لأبي الحسن موسى بن حسن بن محمّد بن عبّاس المعروف بابن كبرياء الذي سنشير على سيرته في الفصل الثالث عشر، والآخر إسحاق والد يعقوب، وعليّ والحسن الذين تقدّم ذكرهم في الفصل الماضي.

كان أبو الحسين عليّ بن عبّاس من كبار الكتّاب والأعيان والشعراء في بغداد،


ومن الكرماء الذين يرعون الأدب، وقد عاصر أبا سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ، وكانت تربطهما علاقة واحدة؛ إذ كان والد أبي الحسين عليّ، وهو عبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت، ووالد أبي سهل إسماعيل، وهو عليّ بن إسحاق بن أبي سهل بن نوبخت يعدّان ابني عمّ. وكان أبو الحسين عليّ ينظر بعين الاحترام إلى أبي سهل إسماعيل الذي كان عميد الأُسرة النوبختيّة ورئيس الإماميّة في عهده، وقال في مدحه شعراً.

وكان أبو الحسين عليّ تلميذاً في الشعر والأدب لاثنين من كبار شعراء العرب، هما البُحتريّ، وابن الروميّ. وهذان كانا من خاصّة آل نوبخت، ومدّاحيهم، وأغذياء نعيمهم. وجمع أبو الحسين قسماً من أخبارهما وأشعارهما في حياتهما ونقلها إلى الآخرين بالرواية(١) .

ذكره ابن النديم في مصافِّ الشعراء الكتّاب وقال إنّ دفتر شعره كان يبلغ مائتي ورقة(٢) . وذهب الذهبيّ وأبو بكر محمّد بن يحيى الصوليّ (المتوفّى ٣٣٥ أو ٣٣٦هـ) صاحب كتاب الأوراق وتلميذ أبي سهل إسماعيل بن عليّ - الذي كان من معاصريه وكان يعيش معه في مدينة واحدة - إلى أنّ شعره كان سلساً فصيحاً(٣) .

نقل ياقوت الأبيات الآتية من شعره في حقّ أبي سهل إسماعيل بن عليّ عندما كان أبو سهل قد شرب دواءً.

يا محييَ العارفات والكَرَم

وقاتلَ الحادثاتِ والعدمِ

كيف رأيتَ الدواءَ أعقبكَ اللهُ

شفاءً به من السّقمِ

لئن تخطّت إليكَ نائبةٌ

حَطّت بقلبيَ ثقلاً من الألمِ

____________________

١ - معجم الأُدباء ٥: ٢٢٩؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ f. ٣٦ a (مخطوطة المكتبة الوطنيّة بباريس).

٢ - الفهرست ١٦٨.

٣ - تاريخ الإسلام f. ٣٦ a؛ كتاب الأوراق f. ١٠٣ a (نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس).


شَرِبتَ فيها الدواءَ مُرتجياً

دفعَ أذىً من عِظامكَ العِظَمِ

والدهرُ لا بدَّ مُحدِثٌ طَبِعاً

في صفحَتَي كلِّ صارمٍ خَذِمِ(١)

ونقل أبو إسحاق الحصريّ القيروانيّ في زهر الآداب الأبيات الآتية له:

إنْ يخدِم القَلَمَ السَّيفُ الذي خَضِعَت

له الرّقابُ ودانَت خوفَهُ الأُمَمُ

فالموتُ والموتُ لا شيءٌ يغالِبُهُ

مَا زالَ يَتبَعُ مَا يجري بِهِ القَلَمُ

بذا قضى اللهُ للأقلام مُذ بُرِيَت

إنّ السُّيوفَ لها مُذ أُرهِفَت خَدَمُ

وقال الشاعر المشهور أبو الطيّب أحمد بن الحسين المتنبّي (٣٠٣-٣٠٥هـ) معارضاً مضمون ما ورد في شعر أبي الحسين النوبختيّ. ومضمون شعره في الحقيقة هو مقلوب مضمون شعر أبي الحسين:

مازِلتُ أُضْحِكُ إبلي كلّما نَظَرتْ

إلى مَن اختضبت أخفافُها بِدَمِ

أسيرُها بين أصنامٍ أُشاهِدُها

ولا أُشاهِدُ فيها عِفَّةَ الصَّنَمِ

حتّى رجعتُ وأقلامي قوائل لي:

المجدُ للسيفِ، ليس المجدُ للقلمِ

اكتُبْ بنا أبداً بعد الكتابِ بهِ

فإنّما نحن للأسيافِ كالخدم(٢)

وقد وَهِم بعض الرواة في نقل أبيات أبي الحسين عليّ بن عبّاس النوبختيّ باسم أبي الحسن عليّ بن عبّاس بن الروميّ. وهذا الوهم ناتج عن تشابه اسميهما واسمَي أبويهما(٣) . كما أنّ كنيتيهما تتماثلان أيضاً. ولعلّ هذه النقطة من الأسباب التي أدّت إلى اختلاف المؤلّفين في كنية عليّ بن عبّاس، إذ ذكر بعضهم أنّه

____________________

١- معجم الأُدباء ٥: ٣٢٩.

٢- من قصيدة مطلعها:

حتّام نحن نُساري النجم في الظُّلَمِ

وما سراهُ على خُفٍّ ولا قدمِ

انظر ديوان المتنبي، طبعة الشيخ ناصيف اليازجي ٥٣٦-٥٤٠ في مرثية أبي شجاع فاتك (المتوفّى سنة ٣٥٠).

٣- زهر الآداب ٢: ١٢٧.


أبو الحسين، وذكر بعض آخر أنّه أبو الحسن. ونحن نرجّح كنية أبي الحسين للأسباب التي سنذكرها.

وما نعرفه عن الحياة الإدارية لأبي الحسين النوبختيّ هو أنّه لمّا عاد المقتدر العبّاسيّ إلى العرش مرّة أُخرى سنة ٣١٧هـ واستوزر أبا عليّ بن مقلة، وكانت الأموال لا تكفي لدفع رواتب العسكر، فقد وكلّ عليّ بن عبّاس النوبختيّ في بيع بُرودٍ كانت في الخزانة، وبيع بعض الأملاك العائدة له(١) . وعندما أراد القاهر العبّاسيّ - كما قلنا سابقاً - أن يعرض أملاك السيّدة أمّ المقتدر للبيع سنة ٣٢٠هـ أجبرها أن توكّل علي بن عبّاس النوبختيّ في بيعها(٢) .

ذكر الصوليّ أنّ عليّ بن عبّاس النوبختيّ توفّي في سنة ٣٢٤هـ وعمره يناهز الثمانين. بَيد أنّ الذهبيّ الذي نقل لفظ ياقوت نفسه في معجم الأُدباء ذكر أنّه مات سنة ٣٢٧هـ (ذكر السنة بالحروف) في حين جاء في النسخة المطبوعة من معجم الأدباء أنّه مات سنة ٣٢٩ (ذكر السنة بالأرقام). ويبدو أنّ الاختلاف بين رواية الذهبيّ، وما جاء في معجم الأدباء المطبوع نابع من أُسلوب الناشر غير المقبول في استبدال الحروف بالأرقام، لذلك نلحظ أخطاء كثيرة وردت في معجم الأدباء المطبوع لهذا السبب. على أيّ حال يترجّح قول الصوليّ الذي كان من معاصري عليّ بن عبّاس النوبختيّ ومعاشريه على أقوال غيره في تاريخ وفاة النوبختيّ؛ ولهذا اخترناه. وذكر ياقوت أيضاً أنّ كنية عليّ بن عبّاس أبو الحسن (لو ركنّا إلى صحّة النسخة المطبوعة) غير أنّ ابن النديم ذكر أنّ كنيته أبو الحسين. وقوله أقرب إلى الصواب؛ لأنّ عليّ بن عبّاس كان له ولد يُدعى أبا عبد الله حسين، وعصر ابن النديم كان قريباً من عصره.

____________________

١ - تجارب الأُمم ٥: ٢٠٠.

٢ - تجارب الأُمم ٥: ٢٤٥، وص٢٢٣ من هذا الكتاب.


آل نوبخت والبُحتريّ

كان أبو عُبادة الوليد بن عبيد البُحتريّ الشاعر الكبير (٢٠٦-٢٨٣هـ) - كما أشرنا مراراً - كأبي نواس، وابن الروميّ - ممّن مدح آل نوبخت، وكان من خاصّتهم ومعاشريهم. ومن الذين مدحهم: أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل، وأبو الفضل يعقوب بن إسحاق بن إسماعيل. وكان بين آل نوبخت من اهتمّ بجمع أشعاره وأخباره. وأكثر من اعتنى منهم بذلك أبو الحسين عليّ وابنه أبو عبد الله حسين كما يبدو. وكان أبو الحسين عليّ يقرأ الأدب والشعر في شبابه على البُحتريّ وابن الروميّ. ولمّا كان نفسه ذا قريحة شعريّة متعلّقاً بالأدب والشعر فقد كان يجمع أخبارهما وأشعارهما. ونقل أبو الفرج الأصفهانيّ في الأغاني حكاية حول البُحتريّ كان عليّ بن عبّاس النوبختيّ قد نقلها إلى عمّه(١) . وأورد أبو إسحاق القيروانيّ حكاية أُخرى في هذا الباب، في كتاب زهر الآداب. وهي في الحقيقة درس صغير علّمه البُحتريّ أبا الحسين عليّ بن عبّاس في الأدب عندما دار الحديث حول مقطوعة مشهورة لأبي نواس.

روى الصوليّ أنّ أبا نواس مرّ ذات يومٍ بالمدائن ومعه عدد من أصحابه، فنزلوا بساباط (بلاش آباد)، ودخلوا مكاناً طيّباً من إيوان كسرى، فشاهدوا آثار جماعة كانوا قد اجتمعوا هناك. ومكثوا خمسة أيّام أمضَوها في شرب الخمر. ثمّ طلبوا من أبي نواس أن ينشدهم في وصف ما شاهدوا فقال:

ودارِ نَدامى عَظّلوها وأدلَجوا

بها أثرٌ منهم جديدٌ ودارِسُ

مَساحِبُ مَنْ جَرِّ الزقاقِ على الثّرى

وأضغافُ رَيحانٍ جَنِيٌّ ويابُ

ولَمْ أرَ منهم غير ما شهدت به

بِشَرقيِّ ساباطَ الدّيارُ البَسابِسُ

حبستُ بها صحبي فجمّعتُ شملَهُم

وإنّي على أمثال تِلكَ لَحَابسُ

أقَمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً

ويوماً له يوم التّرحُّلِ خامِسُ

____________________

١ - الأغاني ١٨: ١٦٩.


تُدارُ علينا الرّاحُ في عَسجديّةٍ

حَبَتْها بأنواعِ التصاويرِ فارسُ

قرارتُها كِسرى، وفي جَنباتِها

مَهاً تَدَّريها بالقِسيِّ الفَوارسُ

فلِلرّاحِ ما زُرَّتْ عليها خُيوبُها

وللماءِ ما دارت عليها القوانِسُ(١)

يقول عليّ بن عبّاس النوبختيّ: (قال لي البُحتريّ: أتعلم من أين أخذ أبو نواس مضمون البيت الثالث؟ قلت له: لا قال: من بيت أبي خراش:

ولم أدرِ مَنْ ألقى عليه رداءهُ

سِوى أنّه قد سُلَّ عن ماجدٍ محضِ(٢)

قلتُ: يختلف هذا عن ذلك. قال: (طريقة الكلام واحدة وإن اختلف المعنى)(٣) .

ونقل الخطيب البغداديّ أيضاً مقطوعة شعريّة تدور حول أخبار البُحتريّ عبر عدد من الوسائط، عن أبي عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ(٤) .

آل نوبخت وابن الروميّ

كان الشاعر الشيعيّ المعروف أبو الحسن عليّ بن العبّاس بن الروميّ من المتربّين عند آل نوبخت ومن مادحيهم، وكان أكثر تعامله مع أبي سهل إسماعيل بن عليّ وأخيه أبي جعفر محمّد الكاتب، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل، ونجله أبي الفضل. وقد ذكرنا سابقاً مدحه لهم.

____________________

١ - عُدّ شعره هذا آية على ميل الشاعر إلى إيران والآداب الفارسيّة (أخبار أبي نواس ١: ٣٨-٣٩). وكان الجاحظ يقول ما مضمونه: لم يسبق أحد أبا نواس في إيراد هذا المضمون وتقدّمُه في هذا المعنى ثابت. (زهر الآداب ٣: ١٥٨).

٢ - أبو خِراش خويلد بن مرّة الهُذَليّ من شعراء صدر الإسلام توفّي في عهد الخليفة الثاني (الشعر والشعراء ٤١٨). وهذا البيت من قصيدةٍ له في رثاء أخيه عروة، وهي موجودة كاملةً في زهر الآداب للقيروانيّ ٣: ١٥٩؛ وشرح ديوان الحماسة لأبي تمّام ٢: ١٤٣-١٤٥. وبعض أبياتها موجود في كتاب الشعر والشعراء وديوان الحماسة للبُحتريّ ٢٥٦.

٣ - تاريخ بغداد ١٣: ٤٤٧.

٤ - زهر الآداب ٣: ١٥٨.


وتلمذ أبو الحسين عليّ بن عبّاس النوبختيّ لابن الروميّ أيضاً؛ لذلك نقل قسماً من أخباره وأشعاره لمعاصريه.

وذكر ابن الروميّ في مدائحه لآل نوبخت عطاياهم وفواضلهم وهباتهم مراراً، منها أنّه خاطب أبا جعفر محمّد بن عليّ عند التماس الكسائيّ له:

عجائبُ هذا الدهرِ عندي كثيرةٌ

فيابنَ عليٍّ لا تَزِدْني عَجَائبا

عَلَينا بنُعماكُم مِن اللهِ أنعُمٌ

فلا تَجعلوها بالجفاءِ مَصائبا(١)

ووصف نفسه في قصيدة أُخرى أنّه خادم آل نوبخت، وسمّى أبا جعفر محمّد بن عليّ المُنعِمَ عليه في الغيبة والحضور(٢) . مع هذا من العجب أن يستنتج ماسينيون من كلام ورد في مروج الذهب - ونقلنا فقرة منه في ترجمة أبي سهل إسماعيل سابقاً - أنّ أبا سهل كان متّهماً بِسَمِّ ابن الروميّ(٣) . وننقل فيما يأتي كلام المسعوديّ نصّاً لدحض هذه التهمة الواهية:

قال، بعد أن ذكر وفاة أبي الحسين القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المكتفي العبّاسيّ الذي كان سفّاكاً عظيم الهيبة، وبعد أن نقل قتل عبد الواحد بن الموفّق على يده، ونسبة سمّ ابن الروميّ إلى الوزير المذكور:

(ولابن الروميّ أخبار حِسانٌ مع القاسم بن عبيد الله وأبي الحسن عليّ بن سليمان الأخفش النحويّ، وأبي إسحاق الزجّاج النحويّ. وكان ابن الروميّ الأغلب عليه من الأخلاط السوداء، وكان شَرِهاً نَهماً وله أخبارٌ تدلّ على ما ذكرناه من هذه الجمل مع أبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ وغيره من آل نوبخت)(٤) .

إنّ هذا الكلام لا يُشعِر أبداً أنّ أبا سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ كان ضالعاً

____________________

١ - ديوان ابن الروميّ ١٨٢ طبعة كامل الكيلانيّ.

٢ - نفسه ١٩٣.

٣ - passion s,al-Halladj, p. ١٤٧, note.

٤ - مروج الذهب ٧: ٢٣٣ (طبعة أجنبيّة).


في سمّ ابن الروميّ أو أنّه كان متّهماً بذلك. يضاف إليه أنّ قصّة ابن الروميّ، والقاسم بن عبيد الله مِنَ القصص المشهورة في التاريخ. ولم يَرد في أيّ كتاب أنّ أبا سهل النوبختيّ كان له أدنى دورٍ في قتل ابن الروميّ، أو كان متّهماً بذلك في الأقلّ.

أبو عبد الله الحسين بن عليّ (نجل أبي الحسين عليّ بن عبّاس)

المتوفّى سنة ٣٢٦هـ

كان أبو عبد الله الحسين بن عليّ نجل أبي الحسين عليّ بن عبّاس المذكور من الكتّاب وعمّال الدواوين أيضاً. أصبح ذا شخصيّة مهمّة في السنين الخمس أو الستّ الأخيرة من عمره، وصار من رجالات الطراز الأوّل في بغداد ونائباً للوزراء فيها أيّام الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح الذي كان يومئذٍ ذا نفوذ واقتدار بالغ.

إنّ ما نعرفه عن أبي عبد الله الحسين النوبختيّ يعود إلى السنين الخمس أو الستّ الأخيرة من عمره، في حين يستبين من القرائن أنّه كان في عداد الكتّاب في بعض الولايات قبل هذا التاريخ أيضاً، بخاصّة أنّه كان ينوب عن الأُمراء والشخصيّات التي كانت تتولّى الأعمال الديوانيّة المهمّة في تلك الأرجاء بتكليفٍ من دار الحكومة، كما كان يعمل تحت إشراف أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ. وقبل مقتل هارون بن غريب ابن خال المقتدر العبّاسيّ كان يدير أعمال واسط و(صلح) و(مبارك) نيابة عنه، أي: قبل سنة ٣٢٢هـ. وهذه الأعمال هي التي كانت مِن قبلُ في عهدة أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، وبعد القبض عليه قلّدها القاهر أبا الحسن عليّ بن عيسى سنة ٣٢١هـ.

عندما تقلّد الراضي بالله الأمرَ سنة ٣٢٢هـ تعهّد أبو يوسف يعقوب البريديّ بالأعمال المذكورة، وأبقى أبا عبد الله الحسين بن عليّ الذي كان يديرها سابقاً من


قبل هارون بن غريب، نيابة عنه في واسط(١) .

ولا ندري كم ظلّ الحسين بن عليّ النوبختيّ في خدمة أبي يوسف البريديّ، بَيد أنّ ما نعرفه هو أنّه أصبح من خاصّة كتّاب أبي بكر محمّد بن رائق سنة ٣٢٣هـ. وانبرى لمخاصمة آل البريديّ، وحصل على منزلة رفيعة ونفوذ فائق لدى ابن رائق.

وكان أبو بكر محمّد وأخوه أبو إسحاق إبراهيم ولدا رائق غلامَي المعتضد العبّاسيّ. وعندما استعاد المقتدر قدرته سنة ٣١٧هـ ولاّهما على شرطة بغداد فأبليا بلاءً حسناً وبقياً في منصبهما حتّى سنة ٣١٨هـ.

ثمّ استعملهما سنة ٣١٩هـ على البصرة وإدارة أعمالها. ولكن لم تمض فترة قصيرة حتى أجبر مؤنسُ المظفّرُ المقتدرَ على إخراج ياقوت وابنه محمّد، فخرجا من بغداد يوم الأربعاء الثامن من رجب سنة ٣١٩هـ، واستحوذ مؤنس على المقتدر، واستدعى ولدَي رائق وجعلهما حاجبين للمقتدر فشكراه على ذلك. بَيد أنّ المقتدر عزلهما بعد مدّة، وأرجع ياقوتاً إلى منصبه.

توتّرت العلاقة بين مؤنس والمقتدر سنة ٣١٩هـ، وكانت بين محمّد بن ياقوت ومؤنس منافسة قديمة. وعندما عيّنه المقتدر على شرطة بغداد ومحتسبيها، وعيّن أباه ياقوتاً حاجباً، طلب مؤنس من المقتدر أن يعزلهما، فاستجاب المقتدر مضطرّاً وأعاد ابنَي رائق إلى الحجابة. وبعد فترة قصيرة تولّيا ضمان أعمال واسط من الديوان وآزرا المقتدر في الحرب التي انتهت بمقتله سنة ٣٢٠هـ.

وعندما قُتل المقتدر وفرّ أُمراء جيشه، هرب ولدا رائق مع هارون بن غريب ومحمّد بن ياقوت نحو واسط. ثمّ استبدّ محمّد بن ياقوت وكاتبه أبو إسحاق محمّد بن أحمد القراريطيّ الإسكافيّ (٢٨١-٣٥٧هـ)، ولم يعاملا الرؤساء الآخرين

____________________

١ - تكملة تاريخ الطبريّ f. ٥٧ a (نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس).


- بخاصّة ولدَي رائق - معاملة حسنة، ممّا أدّى إلى استياء سائر الأُمراء من محمّد بن ياقوت. واستغلّ أبو عبد الله البريديّ الخلاف القائم بين أُمراء جيش المقتدر سنة ٣٢١هـ وكانت له صداقة قديمة بأبي عليّ بن مقلة وزير السلطان العبّاسيّ الجديد القاهر بالله فاستمدّ الوزير على العُصاة فأمدّه، واستطاع أن يبدّد شملهم بالمكر والتدبير وذلك المَدَد. وخوّل ولدَي رائق حكومة البصرة ففصلهما عن محمّد بن ياقوت، واستسلم ابن ياقوت. وبعد فترة قصيرة أمر ابن مقلة بإطلاق أملاك ابن رائق التي كانت قد أُوقفت.

استولى ولدا رائق في الأيّام الأخيرة من حكومة القاهر على البصرة والأهواز تدريجاً، وعَظُمت شوكتهما فأخضعا جميع المناطق الواقعة في نطاق هاتين المدينتين لسلطتهما وبعثا بالرسل إلى شتّى المناطق.

ولمـّا تقلّد الراضي العبّاسيّ الأمر اختار أبا بكر محمّد بن رائق حاجباً له. فقدم هذا من الأهواز إلى واسط. وفوّض ابنُ مقلة حكومةَ الأهواز إلى أولاد البريديّ.

وتزامن دخول محمّد بن رائق إلى واسط مع هجوم أبي الحسن عليّ بن بويه الديلميّ عليها واحتلالها. فخرج ابن رائق منها ودخلها ابن بويه بعد هزيمة محمّد بن ياقوت (سنة ٣٢٢هـ).

وحينما صالح ابن بويه السلطان العبّاسيّ وعاد إلى فارس، تقلّد ابن رائق أعمال واسط والبصرة مرّة أُخرى كمعاون فيهما. وفي تلك البرهة ذاتها عيّن أبا عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ كاتباً له. وأوكل تدبير أُموره إلى ذلك الرجل الكفوء الذي جمع إلى فنّ الإنشاء وطهر الفطرة، كفاءة الإدارة والخبرة. ولكن لمّا ارتقى عمل ابن رائق تدريجاً بفضل تدبيره، فإنّ حسد الآخرين لكاتبه كان يتزايد على مرّ الأيّام. وأكثر مَن كان يسعى في هذا السبيل هو أبو عبد الله أحمد بن عليّ الكوفيّ الكاتب السابق لأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ وربيب نعمته، الذي دخل - بعد قتل وليّ نعمته - في خدمة أبي إسحاق القراريطيّ كاتب محمّد بن


ياقوت. ولمـّا حبس الوزير أبو عليّ بن مقلة أخا محمّد بن ياقوت بتدبيره سنة ٣٢٣هـ، صار أبو عبد الله الكوفيّ في خدمة أبي الحسين نجل الوزير، وأصبح من كتّابه.

وعندما توجّه أبو عليّ بن مقلة في هذه السنة إلى الموصل وخَلَف ولده أبا الحسين مكانه في بغداد، ظلّ أبو عبد الله الكوفيّ ملازماً له، بَيْد أنّه كان يفضّل الابتعاد عن البلاط والوزارة. وحين وصل كتاب أبي عبد الله البريديّ من الأهواز معرباً فيه عن تعذّر إرسال المال المقرّر إلى الديوان، ورأى أبو عبد الله الكوفيّ ملامح الغضب على وجه أبي الحسين الوزير، بالغ في تضخيم مضمون الكتاب في عينه وتطوّع للذهاب إلى الأهواز وجمع مال عظيم والإتيان به إلى بغداد. وكتب أبو الحسين كتاباً إلى أبي عبد الله البريديّ يذكر فيه رفض عذره ويُعلمه بمهمّة أبي عبد الله الكوفيّ. ثمّ ذهب الكوفيّ إلى الأهواز بعد إرسال الكتاب. ولمّا كان خائفاً من أبي عبد الله البريديّ، حاول أن يعبّر عن عدائه لخصومه كي يسلم منه. فطفق يعيب ابن مقلة وينتقص منه ويتحدّث عن اضطراب الوضع في بلاط السلطان العبّاسيّ. وممّا ذكره أنّ ابن مقلة بدّد موارد واسط والبصرة بعد تفويض أمرهما إلى محمّد بن رائق. وأعلمه أنّ المسؤول عن تخلخل الوضع، وتعاظم نفوذ ابن رائق هو كاتبه ومدبّر أُموره أبو عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ. فأحسن إليه أبو عبد الله البريديّ وحثّه على الإطاحة بأبي عبد الله النوبختيّ، بسبب العداء الدفين الذي كان بين أُسرته وبين النوبختيّ، وأبدى له استعداده لبذل المال مهما كان من أجل ذلك. ثمّ اتّخذه نديماً ومستشاراً له تنفيذاً لهذه الخطّة.

وأمضى سنةً كاملةً عنده معزّزاً محترماً، وكان همّه يومئذٍ التخلّص من ثلاث شخصيّات كان لها فضل كبير عليه. ولمـّا كان طموحاً محبّاً للجاه والسمعة فقد أعدّ العدة لإيذاء أبي عليّ بن مقلة، وابنه أبي الحسين، وأبي عبد الله النوبختيّ الذين كانوا من أكبر رجال الدولة آنذاك واستطاع أخيراً أن يقمعهم.


أمّا محمّد بن رائق فقد كان نفوذه في واسط والبصرة يتعاظم على كرور الأيّام. ولمـّا توفّي أبو بكر محمّد بن ياقوت في حبسه، وكان منافساً قويّاً له، زاد طغيانه واستبداده حتّى جمع حوله جيشاً جرّاراً. ودعا سريّة من جنود مرداويج بن زيار - وكانت قد بقيت بلاد رئيس بعد قتله - ووعدها خيراً وأمّر عليها بَجْكم، وجعلها في خدمته. واستدعى بَجْكم عدداً آخر من أهل الديلم والترك إلى واسط بأمر ابن رائق، وأخضعهم لحكومته. فاستظهر ابن رائق بهم وأبى إرسال المال الذي كان في ذمّته إلى عاصمة الحكم العبّاسيّ سنة ٣٢٤هـ وأعلم السلطان العبّاسيّ بحاجته إلى المال ليصرفه على الجند.

اقترح أبو عليّ بن مقلة على السلطان العبّاسيّ أن يأذن له بالذهاب إلى واسط والبصرة على رأس جيش من أجل تطويع ابن رائق وأخذ المال منه، فوافق السلطان على ذلك. بَيد أنّه كان قد بعث إليه رسولين، وطلب منه أن يُرسل أبا عبد الله النوبختيّ إلى بغداد لمحاسبته. فأبى ابن رائق إرساله، لكنّه عطف إليه الرسولين بهبات أغدقها عليهما. وأعطاهما رسالة سرّيّة إلى السلطان مضمونها أنّ السلطان إذا استدعاه إلى بغداد فسيكفيه تدبير الأعمال عامّة، ويريح باله من نفقات الجيش وواجباته.

ولمـّا رأى ابن مقلة رفض ابن رائق مبعوثه، عزم على مواجهة السلطان؛ ليبعث رسولاً إلى ابن رائق، وللحؤول دون قلقه من تحرّك الوزير والجيش أخذ يطمئنه أنّ الوزير يريد التوجّه نحو الأهواز. وبينا هو عازم على الذهاب عند السلطان لأربع عشرة بقين لجمادى الأُولى سنة ٣٢٣هـ، قام مظفّر بن ياقوت أخو محمّد بن ياقوت - الذي كان يظنّ أنّ الوزير هو السبب في حبس أخيه وقتله - بالقبض عليه بمؤازرة قراولان حجريّة، وأرغم السلطان على عزله، فاستجاب الراضي العبّاسيّ الذي كان دُمية بيد أُمراء الجيش والعاملين في البلاط.

وفي تلك المعمعة قَتَل أبو عبد الله البريديّ - بحيلةٍ وتدبيرٍ ما - ياقوتاً أبا محمّد


ومظفّر بعد هزيمته على يد عليّ بن بويه في خوزستان، وذلك في أوائل سنة ٣٢٤هـ، ونهب أمواله فحصل على ثروة طائلة، وطغا ثمّ امتنع هو وإخوته من إرسال مال الأهواز إلى الديوان كما امتنع ابن رائق من قبله.

وكانت أوضاع السلطة وأحوال الديوان يومئذٍ متدهورة تدهوراً شديداً؛ لعدم كفاءة الراضي العبّاسيّ من جهة - إذ كان أُلعوبة بيد الوزراء ورجال البلاط - ومن جهة أُخرى كانت مجموعتان من الحرس الخاصّ - هما الحجريّة، والساجيّة - تتدخّلان في الأُمور. وكان رؤساؤهما يتّخذون أتباعهما وسيلة لتنفيذ مآرب أحد الوجهاء المتنفّذين. ولم تكن للسلطان العبّاسيّ أيّ سلطة على أولئك الجنود المسلّحين، بخاصّة أنّ رواتبهم لم تصل إليهم بسبب سوء الإدارة وطمع عمّال الديوان، فكانوا يتمرّدون غالباً، ويسبّبون المتاعب للسلطان والوزراء.

عندما عزل السلطان ابن مقلة استوزر عبد الرحمن بن عيسى أخا عليّ بن عيسى. ولمّا وجد عبد الرحمن نفسه عاجزاً عن القيام بالأمر، ولم يكن في يده مالٌ، استقال. فخلفه أبو جعفر محمّد بن قاسم الكرخيّ. وفي عهده اشتدّت أزمة الإفلاس لامتناع ابن رائق من إرسال مال واسط والبصرة، واستنكاف أبي عبد الله البريديّ عن إرسال مال الأهواز، واستيلاء عليّ بن بويه على فارس. ثمّ اختفى الكرخيّ بعد مُضيّ ثلاثة أشهر ونصف على تخلخل الوضع، فاستوزر السلطان العبّاسيّ أبا القاسم سليمان بن حسن، الذي لم يستطع أيضاً أن يعمل عملاً مجدياً، فأرسل الراضي إلى محمّد بن رائق أن يأتيه من واسط حسب كتاب سرّيّ كان قد بعثه ابن رائق إليه في عهد ابن مقلة وادّعى فيه أنّه أهل للقيام بأعباء دار الخلافة وإيصال الرواتب، فاستجاب ابن رائق مسروراً، وأزمع الترحال صوب بغداد.

وكان السلطان العبّاسيّ قد أشخص أحد رؤساء الساجيّة إلى محمّد بن رائق لإطلاعه على أمر السلطان بتخويله قيادة الجيش والإمارة - وإدارة أعمال الخراج والضياع، وليكون المعاون في تلك المناطق مع منحه لقب أمير الأُمراء. ثمّ أرسل


إليه خلعةً ولباساً، وأسرع عامّة عمّال الديوان ورؤساء الساجيّة إلى واسط لتهنئته.

قبض ابن رائق في البداية على رؤساء الساجيّة جميعاً بإيعازٍ من كاتبه أبي عبد الله النوبختيّ، وصفّدهم. وقال للجنود الحجريّة: إنّما قمتُ بهذا العمل لتزاد نفقاتكم. ولمّا وصل هذا الخبر إلى بغداد، فرّ سائر ساجيّتها إلى الشام والموصل. وأباد ابن رائق من بقي منهم فتخلّص الناس من شرّهم.

فزع الحجريّة من هذا العمل، وجاؤوا إلى منزل السلطان وخيّموا قُربه. وبعث ابن رائق عدداً من أمراء جيشه إلى بغداد بادئ الأمر. ثمّ دخل دار الخلافة مع بَجْكم بإجلالٍ تامّ وذلك لعشر بقين من ذي الحجّة سنة ٣٢٤هـ.

وعندما دخل بغداد كان باستقباله وزير السلطان ورؤساء الحجريّة. وأوّل عملٍ قام به هو أنّه أجبر الحجريّة على رفع خيامهم من قرب قصر السّلطان، ثمّ أمسك بزمام الأُمور. ومنذ هذا التاريخ أُلغي عنوان الوزارة والدواوين، وأصبح الحلّ والعقد بيده. واستقرّ أبو عبد الله النوبختيّ في بغداد بعد ما قدم إليها في أوائل المحرّم سنة ٣٢٥هـ، وأُنيطت به مسؤوليّة الضرائب. أي: كان ابن رائق هو الخليفة في الحقيقة، وأبو عبد الله النوبختيّ هو الوزير، وكانا يعطيان السلطان ما يشاءان من المال، وليس لأحد عليهما من سلطان.

وحينما استولى ابن رائق على الحكومة، أخذ أمير الأُمراء وبَجْكم الأهواز من أبي عبد الله البريديّ. وترك هذا الرجل الماكر الطالب الجاه أخويه أبا يوسف وأبا الحسين في البصرة، وتوجّه تلقاء فارس عن طريق البحر لائذاً بالأمير أبي الحسن عليّ بن بويه مستمدّاً إيّاه لاسترجاع الأهواز وصدّ ابن رائق وبجكم. وأرغم ابن رائق السلطان العبّاسيّ في أوّل سنة ٣٢٥هـ أنّ يتحرّك معه إلى واسط، ويراسل البريديّ منها. فإذا أطاع أمر السلطان، وأذعن لما تطلبه منه العاصمة العبّاسيّة أرسل ما عنده، وإلاّ تحرّك السلطان نحوه. فتحرّك الراضي وعد من الحرس الحجريّة إلى واسط، بَيْد أنّ معظمهم كان يخاف على نفسه لما حلّ بالساجيّة من دَواءهٍ. ولم


يحفل بهم ابن رائق في البداية ولم يصرّ على تحرّكهم، ممّا حداهم على التوجه إلى واسط تدريجاً. وعزم ابن رائق على قطع دابر فتنتهم باقتراح أبي عبد الله النوبختيّ، فقطع رواتب جماعة منهم، وطرد عدداً. لكنّهم لم يستسلموا بل تمرّدوا عليه، فشنّ عليهم حرباً في الخامس والعشرين من المحرّم وقتل جماعة كثيرة منهم، وهزم الباقين ففرّوا إلى بغداد. ثمّ قبض عليهم صاحب الشرطة فقتلهم، وهكذا تخلّصت الحكومة والناس من بلاء استيلائهم بيُسر.

إنّ الذي رفع ابن رائق إلى هذا المنصب الكبير، وجمع له تلك الثروة الطائلة، وأخمد فتنة الساجيّة والحجريّة هو كاتبه أبو عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ؛ إذ فوّض إليه ابن رائق عامّة الأعمال، ولم يَعصِ له أمراً. وأصبح أبو عبد الله مدبّراً لجميع مصالح ابن رائق منذ المحرّم سنة ٣٢٥هـ، حيث كانت بداية استقلال ابن رائق واستيلائه على بغداد وشؤون الحكومة وقد تسنّم أبو عبد الله النوبختيّ في الحقيقة منصب الوزارة منذ ذلك الحين(١) .

وافق أبو عبد الله البريديّ على اقتراحات السلطان العبّاسيّ وابن رائق في إرسال ما عنده من الضرائب، والتخلّي عن الجيش لمن يُعيّنه أمير الأُمراء. وأطلَع ابنُ رائق السلطانَ على مراسلات أبي عبد الله البريديّ واستشار أعوانه في هذا المجال. فقال أبو عبد الله النوبختيّ لابن رائق: إنّ أبا عبد الله البريديّ رجل مكّار ومحتال، ولا يوثق بكلامه. بَيْد أنّ أبا بكر بن مقاتل الذي كان من كتّاب النوبختيّ البارعين وكان ينحاز إلى أبي عبد الله البريديّ، حتّى أنّ ابن رائق والسلطان فوّضاها إليه ورجعا إلى بغداد. واستبان بعد مدّة قليلة أنّ الحقّ كان مع أبي عبد الله النوبختيّ؛ إذ أنّ أبا عبد الله البريديّ لم يرسل ديناراً واحداً إلى دار الحكومة، ولم يخوّل أمر

____________________

١ - كتاب الأورق للصوليّ f. ١٢١a, f. ١٥٠ a (نسخة المكتبة الوطنيّة ببارس)، تجارب الأُمم ٥: ٢٦٠.


الجيش إلى مبعوث أمير الأُمراء، بل على العكس جمع حوله بقايا الحجريّة، وطفق يقدح في ابن رائق بالبصرة. وظلّ على ما كان عليه سابقاً من عصيان لأوامر العاصمة ماكراً متباطئاً. وأفضى الخلاف بينه وبين ابن رائق آخر المطاف إلى نشوب حرب بينهما سنة ٣٢٥هـ واستيلاء بَجْكم على الأهواز. وفي السنة التي تلتها أوفد عليّ بن بويه أخاه عماد الدولة أبا الحسين أحمد بن بويه لمساعدة أبي عبد الله البريديّ، فاستعاد الأهواز من بَجْكم.

وهبّ أبو بكر بن مقاتل - الذي كان أبو عبد الله النوبختيّ قد أدخله في خدمة ابن رائق - لمخاصمة النوبختيّ بتحريض عَدَوَّيه أبي عبد الله البريديّ، وأبي عبد الله الكوفيّ. ودعا ابن رائق إلى اختيار أبي عبد الله البريديّ مكانه في الكتابة والوزارة، وذكر له فوائد هذا العمل وأخبره أنّ البريديّ أرسل إلى داره (٣٠٠٠٠) دينار هديةً إلى أمير الأُمراء. فلم يستجب ابن رائق الذي كان وفيّاً عارفاً للجميل وقال: لو فتح لي البريديّ ما فعلتُ؛ لأنّه رجل ناصح لي، وبفضله تيسّرت لي هذه الحكومة. فقال أبو بكر بن مقاتل: إذا لم يرضَ الأمير بهذا الاقتراح، فليجعل واسطاً والبصرة تحت تصرّف البريديّ. فأخبره ابن رائق أنّ هذا الأمر يعود إلى رأي أبي عبد الله النوبختيّ أيضاً. ولم يحقّق ابن مقاتل هدفه في هذه المرحلة أيضاً؛ ذلك أنّ أبا عبد الله الذي كان يومئذٍ مريضاً محموماً ومصاباً بالسعال لم يوافق على اقتراحه. وذكر لابن مقاتل شيئاً عن قبح أعمال البريديّ وكفران نعمته وغدره بياقوت، ولامه على اقتراحه وقال لابن رائق: إنْ بقيتُ حيّاً فلا سلطان للبريديّ عليك. وإن متُّ فسأطلب من الله تعالى أن يؤلّف بينكما أو يُريحك من حِيَله بسبب من الأسباب. فبكى ابن رائق ودعا الله تعالى أن يحفظ الوزير ويهلك البريديّ. ولمّا خرج النوبختيّ من المجلس، أخبر أبو بكر بن مقاتل ابن رائق أنّ البريديّ أرسل (٣٠٠٠٠) دينار هديّة، فلابدّ من الاهتمام بشأنه. ومن الأفضل أن نستدعي أبا عبد الله الكوفيّ


ونتحدّث معه. فوافق ابن رائق على ذلك، وكتب أبو بكر إلى أبي عبد الله البريديّ يُعلمه بالموضوع، وقدم الكوفيّ إلى بغداد نيابةً عنه.

إنّ وصول أبي عبد الله الكوفيّ إلى بغداد، واعتلال أبي عبد الله النوبختيّ، وغفلة صهره وابن أخيه عليّ بن أحمد بن عليّ النوبختيّ(١) ، كلّ أولئك قد أنهى الأمر.

وأخيراً تحقّق هدف أبي عبد الله البريديّ، وأبي عبد الله الكوفيّ، وأبي بكر بن مقاتل؛ إذ لم يستطع أبو عبد الله النوبختيّ أن يباشر عمله مدّةً بسبب مرضه، فجعل صهره وابن أخيه عليّ بن أحمد النوبختيّ مكانه، فخدعه أبو عبد الله الكوفيّ وابن مقاتل، واستقطباه على جانبهما وِفْقَ خطّة كانا قد وضعاها من قبل. وقال ابن مقاتل لابن رائق يوماً: إذا أصرّ الأمير على حفظ العهد، فينبغي الالتفات إلى مصالح الأُمور أيضاً، وأبو عبد الله النوبختيّ يحتضر، والأُمور مضطربة. ولم يقبل ابن رائق كلامه استناداً إلى قول الطبيب. وقال ابن مقاتل: لمّا كان الطبيب يعلم بحبّ الأمير الشديد للنوبختيّ، لم يُرِد أن يكون مبشِّراً بخبر سيّئ. ومن المستحسن للأمير أن يتعرّف على حقيقة الموضوع من ابن أخِ أبي عبد الله النوبختيّ وصهره. علماً أنّه جعل عليّ بن أحمد معه نصيراً. وقد أقنعتُ الأمير أن يهبك وزارته بعد عزل أبي عبد الله النوبختيّ، فإذا سألك عن حاله، فأيِّسه، وتظاهر له بأنّ موته أمر محتوم. وضرب عليّ بن أحمد على رأسه ووجهه عند ابن رائق. وبكى عليه بشدّة، وقال: على الأمير أن يعدّه من الأموات. فتألّم ابن رائق لذلك كثيراً وقال: لو كان لأحد أن يُفدى من الموت بمالٍ لفديتُ مِلْكِي كلّه من أجل أبي عبد الله النوبختيّ. ثمّ خاطب ابن مقاتل، وطلب منه أن يجد له من يخلفه. فقال له ابن مقاتل: لا أجد أليق من أبي عبد الله أحمد بن عليّ الكوفيّ لهذا المنصب؛ لأنّه رجل

____________________

١ - كان عليّ بن أحمد النوبختيّ من كتّاب بغداد سنة ٣٢٣هـ. وعندما حبس الوزير أبو عليّ بن مقلة أبا الحسن عليّ بن عيسى، كان عليّ بن أحمد النوبختيّ يراسل عليّ بن عيسى ويُطلعه على الوقائع (تجارب الأُمم ٥: ٣٢٤). وسنتحدّث عن هذا الرجل في الفصل الحادي عشر.


نزيه وأمين، وهو كالحسين بن عليّ النوبختيّ من جميع الجهات، وهو ربيب أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ كالحسين المذكور. فاستوزره ابن رائق وفوّض إليه تدبير جميع الأُمور التي كان يقوم بها النوبختيّ. وهكذا عُزل النوبختيّ من عمله بعد ثلاثة أشهر وثمانية أيّام مضت على وزارته، وأصبح زمام الأُمور بيد أعوان البريديّ، وأرسل عشرة آلاف دينار إلى أبي عبد الله الكوفيّ ابتهاجاً بهذا الفتح. ولمّا تماثل أبو عبد الله النوبختيّ للشفاء، حال المتصدّون للأعمال دون إخبار ابن رائق بذلك(١) .

إنّ ألم هذه الحوادث والخراب الذي حلّ ببغداد بعد استيلاء أبي عبد الله الكوفيّ وابن مقاتل، وحلّ بخوزستان والبصرة بعد استيلاء آل البريديّ قد أمضّ أبا عبد الله النوبختيّ. ولمّا رأى أنّ نظم الأُمور الذي تمّ بتدبيره قد أخذ بالتخلخل، ازداد شعوره بالخيبة والضعف حتّى مُني بالتدرّن(٢) ، ثمّ مات بسببه بعد سنةٍ، أي: سنة ٣٢٦هـ(٣) . وهكذا انطفأ سراج امرئ كان من أكثر الناس تدبيراً، وبفضله انتظمت أوضاع الحكومة وخمدت فتن كبرى.

ومن سوء الحظّ أنّنا لا نملك معلومات كافية عن الحياة العلميّة والأدبيّة لأبي عبد الله الحسين بن عليّ، بَيد أنّ الثابت هو أنّه كان من أُولي الأدب كسائر أفراد الأُسرة النوبختيّة الفاضلة، بخاصّة أنّه تربّى في بلاط أبيه الأديب أبي الحسين عليّ بن عبّاس، وقريبه المحبّ للشعر والشعراء أبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل. وكان ولده أبو محمّد الحسن بن الحسين من أجلاّء علماء الإماميّة، وسنشير إلى ترجمته في الفصل الثالث عشر. والدليل على هذا الموضوع هو أنّ الخطيب البغداديّ روى عنه شيئاً من أخبار الشاعر البحتريّ بثلاث وسائط(٤) .

____________________

١ - تجارب الأُمم ٥: ٢٦٠-٢٦٣.

٢ - نفسه ٥: ٢٦٧.

٣ - تكملة تاريخ الطبريّ f. ٧٣ a (نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس).

٤ - تاريخ بغداد ١٣: ٤٤٧.


الفصل الحادي عشر

الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح

(وفاته في ١٨ شعبان سنة ٣٢٦هـ

يعدّ أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر أشهر أفراد الأُسرة النوبختيّة بعد أبي سهل إسماعيل بن عليّ. ويعود ذلك إلى منزلته الدينيّة الرفيعة عند الشيعة الإماميّة، ونيابته الخاصّة عن الإمام المهديعليه‌السلام .

يرى الشيعة الإماميّة أنّه النائب الثالث للإمامعليه‌السلام في عصر الغَيبة الصغرى؛ فقد اختير لهذا المقام بعد أبي عمرو عثمان بن سعيد العَمريّ، وولده أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العَمريّ.

روى علماء الأخبار الإماميّة أنّ ولادة الإمام أبي القاسم محمّد بن الحسن العسكريّ الملقّب بقائم آل محمد كانت في سنة ٢٥٦هـ. وبدأت الغيبة الصغرى بعد ولادته بأربع سنين، أي: في نسة ٢٦٠هـ(١) ، ودامت حتّى سنة ٣٢٩هـ، وهي السنة التي توفّي فيها النائب الرابع للإمامعليه‌السلام ، أي: أستغرقت تسعاً وستّين سنةً. ثمّ بدأت الغيبة الكبرى منذ ذلك الحين وما زالت.

____________________

١ - كتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ ١٦٧، ٢٧٥.


إنّ النوّاب الأربعة الذين كان أوّلهم وكيلاً للإمام الهادي والعسكريّعليهما‌السلام وعُيّن مِن قِبلهما، وُعيِّن الثلاثة الآخرون مِن قِبل خلفهما كانوا هم الواسطة بين الإمامعليه‌السلام والشيعة منذ سنة ٢٥٦هـ التي وُلد فيها الإمام، وكان لهم عنوان السفارة، ومنصب النيابة الخاصّة للإمام. وكانوا يوصلون إليه طلبات الشيعة وحوائجهم وأسئلتهم، وهم يجيبونهم بإذن الإمام، وكانت الأجوبة تصدر إليهم على شكل تواقيع.

وفيما يأتي أسماء هؤلاء النوّاب الأربعة وعصر نيابتهم:

١ - أبو عمرو عثمان بن سعيد العَمريّ: اختاره لهذا المنصب الإمامُ أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي، والإمام أبو محمّد الحسن بن عليّ العسكريّعليهما‌السلام .

٢- ولده أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ.

ودامت نيابة الأب والابن من سنة ٢٦٠هـ إلى سنة ٣٠٤هـ أو جمادى الأُولى سنة ٣٠٥هـ(١) .

٣ - أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختيّ: (من سنة ٣٠٥هـ إلى شعبان سنة ٣٢٦هـ).

٤ - أبو الحسين عليّ بن محمّد السَّمَريّ: (من شعبان ٣٢٦ إلى شعبان ٣٢٩هـ).

وقد بحثت كثيراً في الكتب والمصادر المتوفّرة فلم أُفلح في العثور على العلاقة التي كانت تربط أبا القاسم الحسين بن روح بسائر أفراد الأُسرة النوبختيّة. ولم أعرف من ثمَّ نسبته إلى آل نوبخت، غير أنّ الذي يبدو هو أنّه كان من أقرباء أبي عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ وزير ابن رائق، وسنذكر أنّه كان مسيطراً عليه تماماً.

____________________

١ - تاريخ وفاة أبي عمرو عثمان بن سعيد مجهول، من هنا لا نستطيع أن نحدّد بالضبط فترة نيابته. ولكن لمّا كان ولده الذي توفّي سنة ٣٠٤هـ في منصب النيابة قرابة خمسين سنةً، فقد كان نائباً للإمام بعد سنة ٢٦٠تقريباً. وكان أبو جعفر وكيلاً للإمام حتّى في أيّام أبيه. (رجال الكشيّ٣٣٠؛ وكتاب الغيبة للطوسيّ ٢٣٨).


لا شكّ في نوبختيّة أبي القاسم الحسين بن روح؛ لأنّ عامّة أصحاب الرجال وعلماء الأخبار ذكروه بهذا اللقب. كما كان معاشراً لأفراد الأُسرة النوبختيّة وكبارها في عصره مثل أبي سهل إسماعيل بن عليّ، وأبي عبد الله الحسين بن عليّ وزير ابن رائق، يشاورهم ويشاورونه، يضاف إلى ذلك أنّه دُفن في مقابر النوبختيّة. وفي حياته كان عدد من بني نوبخت يُعَدّون من محارمه، كما كان بعضهم من كتّابه. وسيستبين هذا من المطالب التي سنذكرها فيما بعد.

ذكره المؤرّخون وعلماء الأخبار تارةً النوبختيّ(١) ، وتارةً الروحي(٢) ، وأُخرى الحسين بن روح بن بني نوبخت(٣) ، ورابعة القميّ(٤) . وذكر شمس الدين الذهبيّ نقلاً عن المؤرّخ الشيعيّ يحيى بن أبي طيّ (المتوفّى سنة ٦٣٠هـ) - نسبةً له يقرّ بأنّها قد كُتب في مخطوطة تاريخ يحيى بن أبي طيّ بخطٍّ غامض وسقيم؛ من هنا فإنّ ضبطها الصحيح مبهم، وهو (القيني؟) أو (القيي؟). ونحتمل أنّها (القمّيّ)، وهذا ما ذكره الكشّيّ في رجاله بعد اسم الحسين بن روح. ولعلّ ما يدعم كونه قمّيّاً معرفته باللغة الآبية، وهي لغة أهالي منطقة (آبه) إحدى المناطق القديمة التابعة لقم(٥) .

وإذا صحّت هذه النسبة فلابدّ أن يكون المترجَم له - من جهة الأب - من أسرةٍ لم تربطها علاقة قُربى بالأُسرة النوبختيّة التي كانت تعدّ من الأُسر البغداديّة، وإنّما جادت هذه النسبة بسبب مصاهرة أبيه للأسرة المذكورة، فكان نوبختيّاً من جهة الأُمّ كأبي محمّد الحسن بن موسى ابن أُخت أبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ. على أيّ حال، سواءً كان الحسين بن روح من أهالي قمّ أم من مدينة أُخرى، فإنّه كان يرتبط بالأُسرة النوبختيّة من جهة الأمّ؛ إذ لم يُلحظ في فهرس أعضاء الأُسرة

____________________

١ - كتاب كتاب الغيبة للطوسيّ ٢٤٢؛ كتاب الأوراق للصوليّ f. ١٤٧ a؛ مناقب ابن شهرآشوب ٤٥٨.

٢ - الغيبة ٢٠٩ و٢٤١؛ كمال الدين ٢٧٥، ٢٧٦، ٢٨٦.

٣ - الاحتجاج ٢٤٥.

٤ - رجال الكشيّ ٣٤٥.

٥ - كمال الدين ٢٧٧؛ كتاب الغيبة للطوسيّ ٢٠٩-٢١٠.


النوبختيّة اسم أبيه روح ولا اسم جدّه أبي بحر.

وكان من خاصّة أصحاب الإمام أبي محمّد الحسن العسكريّعليه‌السلام يُصطَلَح عليه بأنّه باب الإمام الحادي عشر(١) . وكان ينقل شيئاً من أخبار الأئمّة السابقين، وكان قد سمعها بالواسطة(٢) .

انتهت النيابة إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختيّ بعد وفاة النائب الثاني للإمامعليه‌السلام ، وهو أبو جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمريّ الذي توفّي سنة ٣٠٤هـ، وعلى قولٍ، في أواخر جمادى الأُولى سنة ٣٠٥هـ. وتمّ نصبه - وكان له عنوان البابيّة منذ مدّة سابقة - مِن قِبل أبي جعفر العمريّ بحضور جماعة من وجوه الإماميّة كأبي عليّ محمّد بن همام الإسكافيّ(٣) ، وأبي عبد الله بن محمّد الكاتب، وأبي عبد الله الباقطانيّ، وأبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ، وأبي عبد الله بن عليّ الوجناء النصيبيّ(٤) .

كان الحسين بن روح كما ذكرنا من خواصّ أبي جعفر العمريّ ومعتمديه، ومن أصحاب الإمام الحادي عشرعليه‌السلام . وكان مكيناً عند أبي جعفر إلى درجة أنّ أبا القاسم الحسين بن روح كان - عند تقسيم رؤساء الإماميّة إلى طبقات - أوّل من يأذن

____________________

١ - مناقب ابن شهرآشوب ٤٥٨. (طبعة طهران).

٢ - نفسه ٤٦٠؛ الغيبة للطوسيّ ١٥٣. جاء في المناقب المطبوع ببومباي: الحسن بن روح.

٣ - أبو عليّ محمّد بن همام بن سهيل بن بيزان الإسكافيّ البغداديّ أحد شيوخ الإماميّة وكان أجداده من المجوس. ألّف كتاباً في تاريخ الأئمّة عنوانه الأنوار (وكان لمعاصره أبي سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ كتاب في هذا الموضوع أيضاً كما رأينا). ذكر النجاشيّ أنّه ولد في يوم الاثنين ٦ ذي الحجّة ٢٥٨هـ وتوفّي في يوم الخميس ١٨ جمادى الآخرة سنة ٣٣٦هـ (رجال النّجاشيّ ٢٦٩). بيد أنّ الخطيب البغدادي وابن شهرآشوب ذكرا أنّه مات في جمادى الآخرة سنة ٣٣٢هـ (تاريخ بغداد ٣: ٣٦٥، ورجال الاسترآبادي ٣٤٨ نقلاً عن معالم العلماء لابن شهرآشوب). وسيأتي ذكر الإسكافيّ في هذا الفصل أيضاً.

٤ - الغيبة للطوسيّ ٢٤٢.


له بالدخول عليه(١) .

تقول أمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ: (كان أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) وكيلاً لأبي جعفر (رضي الله عنه) سنين كثيرة، ينظر له في أملاكه ويَلقى بأسراره الرؤساء من الشيعة. وكان خصيصاً به حتّى أنّه كان يحدّثه بما يجري بينه وبين جواريه؛ لقربه منه وأُنسه. وكان يدفع إليه في كلّ شهر ثلاثين ديناراً رزقاً له، غير ما يصل إليه من الوزراء والرؤساء من الشيعة مثل آل فرات وغيرهم، لجاهه ولموضعه وجلالة محلّه عندهم. فحصل في أنفس الشيعة محصلاً جليلاً؛ لمعرفتهم باختصاص أبي إيّاه وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه وما كان يحتمله من هذا الأمر، فمهدت له الحال في طول حياة أبي إلى أن انتهت الوصيّة إليه بالنصّ عليه)(٢) .

وكان أبو جعفر العمريّ قد أمر الشيعة قبل موته بسنتين أن يسلّموا أموال الإمام وغيرها إلى الحسين بن روح، ولا يطالبوه بالقبوض. وكان يتوجّد إذا ماطل أحد أو امتنع من ذلك(٣) .

عندما توفّي أبو جعفر العمريّ وأوصى بنصب الحسين بن روح نائباً ثالثاً للإمام الغائبعليه‌السلام ، قَدِم ابنُ روح إلى دار النيابة في بغداد وجلس، فالتفّ حوله وجوه الشيعة وكبارها. وحضر ذكاء خادم أبي جعفر، وكان معه عُكّازة أبي جعفر ومفتاح صندوقه. وقال: أمرني أبو جعفر أن أُسلّم هذه الأشياء بعد موته إلى أبي القاسم. وفي هذا الصندوق خواتيم الأئمّة. وخرج الحسين بن روح في آخر ذلك اليوم من دار النيابة مع جماعة من الشيعة وذهبوا إلى بيت أبي جعفر محمّد بن عليّ

____________________

١ - تاريخ الإسلام للذهبيّ f.١٣٢ b.

٢ - الغيبة ٢٤٢، ٢٤٣.

٣ - نفسه ٢٣٩-٢٤٠، ٢٤١؛ كمال الدين ٢٧٥-٢٧٦.


الشلمغانيّ(١) . وأوّل توقيع صدر على يد الحسين بن روح كان في يوم الأحد ٢٤ شوّال سنة ٣٠٥هـ(٢) .

لم يعترض أحد على اختيار الحسين بن روح لنيابة الإمام مع وصيّة أبي جعفر العمريّ، ذلك أنّ أبا جعفر كان يعمل تحت إمرته قرابةُ عشرة من خواصّ الشيعة ينفّذون أوامره في بغداد. وكلّهم كانوا أخصّ به من الحسين بن روح؛ لذا قلّما كان يخال أحد أنّه يخلُف أبا جعفر(٣) . يضاف إلى ذلك أنّ رجالاً من عظماء الشيعة كانوا على درجة من الوجاهة والاحترام حتّى غلب الظنّ أنّهم للنيابة أجدر من الحسين بن روح. ومنهم العالم المتكلّم الكبير أبو سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ الذي سُئل عن سبب عدم نصبه مكان أبي القاسم الحسين بن روح، فقال: هم أعلم وما اختاروه. ولكن أنا رجل ألقَى الخصوم وأُناظرهم. ولو علمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجّة على مكانه لعلّي كنت أدلّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كان الحجّة تحت ذيله وقُرِض بالمقاريض ما كشف الذيلَ عنه(٤) .

وممّن أنكر وكالة الحسين بن روح في البداية: أبو عبد الله الحسين بن عليّ الوَجْناء النصيبيّ الذي كان أحد رؤساء الإماميّة المشاركين في الاجتماع المعقود لتعيينه من قبل أبي جعفر العمريّ. ولكنّ محمّد بن فضل الموصليّ أحد شيوخ الشيعة ببغداد أتى به آخر الأمر إلى الحسين بن روح سنة ٣٠٧هـ، فأقرّ بصحّة وكالة الشيخ أبي القاسم النوبختيّ منذ ذلك التاريخ(٥) .

عاش الحسين بن روح في بغداد موفور الحُرمة منذ تعيينه نائباً إلى عهد وزارة حامد بن العبّاس (من جمادى الآخرة سنة ٣٠٦هـ إلى ربيع الآخر سنة ٣١١هـ).

____________________

١ - تاريخ الإسلام للذهبيّ f. ١٣٢ b.

٢ - الغيبة للطوسيّ ٢٤٣.

٣ - نفسه ٢٤٠.

٤ - نفسه ٢٠٥.

٥ - نفسه ٢٠٥-٢٠٦.


وكان يتردّد عليه في منزله الأُمراء والأعيان والوزراء المعزولون. ولم يؤذِ وأصحابَه أحد، بخاصّة في عصر آل فرات الذين كانوا ينظرون إليه بعين الاحترام كما ذكرنا، وكانوا معدودين من أتباع المذهب الإماميّ. فعاش في عهدهم مكرّماً عندما وزروا للمقتدر العبّاسيّ، وشغلوا مناصب حكوميّة مهمّة أُخرى. وكان الشيعة يأتون إليه من مختلف الأنحاء بالأموال الملزمين بتسليمها إليه. ولكن ما إن أطاح حامد بن العبّاس وأنصاره بآل فرات، وسَجنَ الوزيرُ الجديد آل فرات وأقاربهم وصادر أموالهم، حتّى وقعت حوادث مرّة بينه وبين الحسين بن روح لم تصل إلينا تفاصيلها. ولا يخفى أنّ حياة النائب الثالث للإمام منذ ذلك التاريخ حتّى سنة ٣١٧هـ إنّما خروجه من السجن يكتنفها الغموض. ويمكن أن نستنبط من كلام المؤرّخين ثلاث ملاحظات فحسب تتعلّق بحياته، وهي كما يأتي:

١ - أُودع الحسين بن روح السجن سنة ٣١٢هـ بسبب المال الذي كان يطالبه به الديوان. ويتسنّى لنا أن نتبيّن التاريخ الذي بدأ به سجنه - أي: سنة ٣١٢هـ - عبر طريقين هما: الأوّل: تذكر أخبار الشيعة أنّه كان سجيناً أيّام المقتدر في ذي الحجّة سنة ٣١٢هـ(١) . الثاني: دام سجنه خمسَ سنين. ولمّا كان قد أُطلق من السجن في المحرّم سنة ٣١٧هـ(٢) ، فإنّ حبسه خمس سنين مِن قبلُ يقارن سنة ٣١٢هـ.

٢ - استخفَى الحسين بن روح مدّة، وقد نصب أبا جعفر محمّد بن عليّ الشلمغانيّ المعروف بابن العزاقر نائباً عنه، فكان واسطة وسفيراً بينه وبين الشيعة(٣) . ولا جَرَمَ أنّ الاستخفاء المذكور كان قبل سجنه؛ لأنّ الشلمغانيّ كان على جادّة الاستقامة قبل هذا التاريخ ولم يخالف مذهب الإماميّة في ادّعائه النبوّة والألوهيّة بَعدُ. وكان أوّل انحرافه سنة ٣١٢هـ، وفي ذي الحجّة من هذه السنة

____________________

١ - الغيبة للطوسيّ ٢٠٠.

٢ - تاريخ الإسلام f. ١٣٣ a؛ صلة عريب ١٤١.

٣ - الغيبة ١٩٦.


صدر التوقيع من الحسين بن روح - وهو في السجن - بلعنه(١) .

٣ - كانت للمقتدر العبّاسيّ يدٌ في سجن الحسين بن روح؛ لأنّ المقتدر عندما سُجن في ١٥ محرّم الحرام سنة ٣١٧هـ من قبل جند مؤنس المظفّر وأبي الهيجاء عبد الله بن حمدان، وخُلع من السلطة، فإنّ مؤنساً أطلق عدداً من السجناء الذين كانوا في حبس المقتدر، منهم الحسين بن روح الذي أرجعه مؤنس إلى داره. وعندما ذُكر الحسين بن روح عند المقتدر، قال: دعوهُ فبخطيّته جرى علينا ما جرى(٢) . بَيد أنّنا لا نعلم على وجه الدقّة دور الحسين بن روح في محنة المقتدر، وقصد المقتدر من كلامه المذكور.

ونحتمل بعامّة أنّ أعداء الحسين بن روح - كما أشار الذهبيّ - اتّهموه بعلاقة له بالقرامطة الذين كانوا يومئذ مسيطرين على سواحل الخليج الفارسيّ والحجاز، وكانوا سبباً في فزع أهالي بغداد ورعبهم؛ إذ نقل المؤرّخ المذكور أنّ ابن روح كان قد رُمي بأنّه يكاتب القرامطة ليقدموا ويحاصروا بغداد. لكنّه تلطّف في الذبّ عن نفسه بعبارات تدلّ على رزانته ووفور عقله ودهائه وعلمه(٣) . وهذه المهمة كانت شائعةً جدّاً في بغداد آنذاك. وقد حُبس بهذه التهمة أيضاً الوزير أبو الحسن بن فرات ونجله محسّن صديقا الحسين بن روح، وسمّاهما أعداؤهما: القرمطيّ الكبير والقرمطيّ الصغير، وصادروا أموالهما ثمّ قتلوهما. على أيّ حال، مهما كان السبب الحقيقيّ لسجن الحسين بن روح فإنّ عمّال الديوان سجنوه بذريعة طلب المال(٤) .

وعندما أُطلق الحسين بن روح من السجن، ظلّ يدير الشؤون الدينيّة للشّيعة في بغداد بنفس العزّ والاحترام السابقَين، وكان الإماميّة يوصلون إليه الأموال التي في ذمّتهم. ولمّا كان عدد من آل نوبخت يشغلون يومئذ مناصب مهمّة في البلاط

____________________

١ - الغيبة ٢٠٠.

٢ تاريخ الإسلام f. ١٣٣ a.

٣ - نفسه.

٤ - صله عريب ١٤١.


والعسكر كأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل (المقتول سنة ٣٢٢هـ)، وأبي الحسين عليّ بن عبّاس (٢٤٤-٣٢٤هـ)، وأبي عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ (المتوفّى سنة ٣٢٦هـ)، لم يستطع أحد أن يسبّب حرجاً وإزعاجاً لأبي القاسم الحسين بن روح. بل على العكس كانت داره آنذاك مالفاً لكبار الأعيان ورجال البلاط والوزراء السابقين في بغداد. وكان بعضهم يستشفعه إلى السلاطين والأُمراء في إنجاز الأعمال، كما فعل ذلك أبو عليّ بن مُقلة سنة ٣٢٥هـ؛ إذ استعان به لقضاء حاجته، فتحدّث الحسين بن روح مع أبي عبد الله الحسين بن عليّ النوبختيّ وزير ابن رائق في ذلك، وعرض أبو عبد الله موضوعه على ابن رائق، فحقّق له ما أراد. وتوضيح ذلك أنّ محمّد بن رائق حين تولّى تدبير شؤون الحكومة، أمر بالاستيلاء على ضياع ابن مقلة وابنه. وعندما وصل إلى بغداد (يوم الجمعة ٢٤ من ذي الحجّة ٣٢٤هـ) ذهب أبو عليّ بن مقلة إلى لقائه ولقاء وزيره أبي عبد الله النوبختيّ لعلّهما يُرجعان إليه ضياعه. ونلحظ أنّه كان يتشبّث ببعض الأشخاص كالحسين بن روح من أجل حلّ مشكلته المذكورة، ولمّا تحدّث الحسين مع ابن رائق بواسطة أبي عبد الله النوبختيّ أصلح ابن رائق وضعه مؤقّتاً، وأمر أبا عبد الله النوبختيّ أن يفتح باب بيته الذي كان مغلقاً(١) .

إنّ تشبّث ابن مقلة بأذيال الحسين بن روح - كما أشار إليه الصوليّ - كان في سنة ٣٢٥هـ، ولمّا كان في أيّام وزارة الحسين بن عليّ النوبختيّ التي لم تدم أكثر من ثلاثة أشهر وثمانية أياّم(٢) (من أوائل المحرّم سنة ٣٢٥هـ إلى أواسط ربيع الأوّل من السنة نفسها) فلابدّ أنّه كان في تلك الفترة أيضاً.

وكان للحسين بن روح منزلة سامقة عند الشيعة في القسم الأكبر من أيّام حكومة الراضي (٣٢٢-٣٢٩هـ). وبسبب كثرة المال الذي كان يأتي به الشيعة إليه

____________________

١ - الأوراق للصوليّ f. ١٢٢ a.

٢ - تجارب الأُمم ٥: ٣٦٣.


والمكانة التي كان يتمتّع بها عندهم، توجّهت إليه أنظار السلطان العبّاسيّ وعمّال الديوان الذين كانوا يعانون يومئذ من ضائقة ماليّة، وكان السلطان يذكره غالباً. يقول أبو بكر محمّد بن يحيى الصوليّ مؤلّف كتاب الأوراق (المتوفّى سنة ٣٣٥ أو سنة ٣٣٦هـ) - وكان معاصراً للحسين بن روح - ما مضمونه: كان الراضي طالما يقول لنا: لم أكن غير راغبٍ في أن يكون ألف شخص مثل الحسين بن روح ويهب الإمامية أموالهم له كي يجعلهم الله محتاجين. فإنّ ثراء الحسين بن روح وأضرابه بأخذ أموال الإماميّة أمر لا يسوؤني(١) .

كان أبو القاسم الحسين بن روح من أعقل الناس عند المخالف والمؤالف(٢) . وعاش بين الناس والسلاطين بعزّ واحترام بخاصّة أنّه حَظِي بمنزلة عظيمة عند المقتدر العبّاسيّ وأمّه السيّدة. ولمّا كان رجلاً عاقلاً عارفاً بالمصحلة، كان يستعمل التقيّة. ونقل الشيخ الطوسيّ عنه حكايتين في هذا الباب(٣) .

توفّي الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختيّ مساء الأربعاء ١٨ شعبان سنة ٢٣٦هـ(٤) ، ودُفن بالنوبختيّة(٥) في زقاق كان فيه بيت عليّ بن أحمد بن عليّ النوبختيّ(٦) . وهذا القبر ما زال ماثلاً في محلّة النوبختيّة السابقة ببغداد. وهو في بيت يقع في الجانب الشرقيّ الأيمن من محلّة (سوق العطّارين)(٧) .

ذكر رواة الشيعة ومؤرّخوهم في كتبهم ترجمة الحسين بن روح مفصّلاً، ولكن من سوء الحظّ لم يصل إلينا شيء من هذه الكتب. ومن هؤلاء: أبو العبّاس أحمد بن عليّ بن نوح السيرافيّ، وكان من كبار مصنّفي الشيعة، ومن شيوخ رواية النجاشيّ

____________________

١ - الأوراق f. ١٤٧ a. قمنا بترجمة هذا الكلام لعدم عثورنا على أصل الكتاب المنقول عنه.

٢ - الغيبة للشيخ الطوسيّ ٢٥٠؛ تاريخ الإسلام للذهبيّ f. f. ١٣٢ b و١٣٣ a.

٣ - الغيبة ٢٥٠-٢٥٢.

٤ - كتاب الأوراق للصوليّ f. ١٢٧.

٥ - الغيبة للطوسيّ ٢٥٢.

٦ - انظر: ص٢٣٩.

٧ - أحسن الوديعة ٢: ٢٣٢.


صاحب الرجال (٣٧٢-٤٥٠هـ)؛ فقد كان له كتاب بعنوان أخبار الوكلاء الأربعة. وكان قد أخذ أكثر أخباره من أبي نصر هبة الله بن أحمد بن محمّد الكاتب. وأبو نصر هذا كان من جهة الأب حفيد أمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ، ومن جهة الأمّ كان ينتسب إلى آل نوبخت(١) . وهو أحد الرواة المهمّين لأخبار الحسين بن روح ورُويت عنه أخبار كثيرة فيه.

ومنهم: منتجب الدين أبو زكريّا يحيى بن أبي طيّ النجّار الحلبيّ الفَقعانيّ (المتوفّى ٦٣٠هـ)، فقد أورد ترجمة للحسين بن روح في ستّ أوراق من تاريخه. وكانت لدى شمس الدين الذهبيّ الذي نقل خلاصتها في تاريخ الإسلام ضمن وقائع سنة ٣٢٦هـ(٢) .

الحسين بن روح والشَّلْمغانيّ

الشَّلْمغانيّ أحد الذين عارضوا الحسين بن روح، وأسّس مذهباً جديداً، حسداً من عند نفسه. وهو أبو جعفر محمّد بن عليّ، من قرية شَلْمَغان التّابعة

____________________

١ - الغيبة ٢٤٢.

٢ - ابن أبي طيّ مؤلّف في تاريخ مدينة حلب، عنوان كتابه عقود الجواهر. ذكره أبو الفضل محمّد بن شحنة الحلبيّ (٨٠٤-٨٩٠هـ) في تاريخ حلب. وهو من أُسرة ابن أبي طيّ التي كانت من الأُسر الشيعيّة في حلب كبني زُهرة، وآل جرادة، (أنا مدين لسماحة شيخ الإسلام الزنجانيّ بهذه المعلومات). وذكر صاحب كتاب أمل الآمل، ومؤلّف كتاب روضات الجنّات بعض أفراد هذه الأُسرة في كتابيهما (أمل الآمل ٤٨٨ في حاشية ذيل رجال الأسترآباديّ؛ روضات الجنّات ٤٠٠-٤٠١). ولم يستطع الذهبيّ أن يقرأ نسب هذا الشخص في النسخة التي كانت لديه. وضبطه ماسينيون الذي نقل ترجمته من كتاب الوافي بالوفيات للصفدي على أنّه (الغسّانيّ)، بَيد أنّ الصّحيح هو (الفقعانيّ) كما نصّ عليه صاحب روضات الجنّات في كتابه. وورد ذكره أيضاً في كتاب طبقات المفسّرين لجلال الدين السيوطيّ (انظر: ص٣٧ منه، الطبعة الأجنبيّة). ونقل المقريزيّ في خططه عن ابن أبي طيّ كثيراً. انظر أيضاً:

.L. Massignon, Recueil des textes concernant Ia mystique. P. ٢٢٦-٢٢٧


لمدينة واسط. ويُدعى ابن أبي العَزاقر، ومن هنا عُرف أتباعه بالعَزاقريّة.

كان الشلمغاني من كتّاب بغداد، وأحد علماء الشيعة الإماميّة ومؤلّفيهم. وكانت له منزلة رفيعة عند الشيعة أيّام استقامته، قبل تأسيس مذهبه الجديد، وصدوفه عن اتّباع الحسين بن روح. وكان الشيعة يرجعون إلى كتبه ويأخذون منها. حتّى إذا حلّ اليوم الذي خلف فيه الحسين بن روح أبا جعفر العمريّ، ذهب إلى دار الشلمغانيّ مع عدد من وجوه الشيعة بعد إقامة التقاليد الرسميّة المألوفة في عمل النيابة. ولمّا اختفى فترة - كما رأينا - نصب الشلمغانيّ نائباً عنه. فكان واسطة وسفيراً بينه وبين الإماميّة. وكانت تصدر توقيعات الإمام القائمعليه‌السلام بواسطة الحسين بن روح على يد الشلمغانيّ. والناس يراجعونه في قضاياهم وحلّ مهمّاتهم(١) .

ولا نعلم على وجه الدقّة متى تمرّد الشلمغانيّ على الحسين بن روح؛ لأننا لا نعرف متى اختفى الحسين بن روح ولا مدّة اختفائه، بَيْد أنّ القرائن تفيد أنّ فترة اختفائه تزامنت مع وزارة حامد بن العبّاس التي استمرّت من جمادى الآخرة سنة ٣٠٦هـ حتّى ربيع الآخر سنة ٣١١هـ.

في أغلب الظنّ أنّ الشلمغانيّ استغلّ اختفاء الحسين بن روح، فدعا جماعة من خواصّ الشيعة ومتنفّذيهم إلى الالتفاف حوله. ويبدو أنّ هدفه في البداية هو الاستحواذ على منصب الحسين بن روح، وادّعاؤه البابيّة مكانه، ثمّ بالغ في ادّعائه وزعم أنّه نبيّ وإله.

ذكر ابن الأثير أنّ أوّل مرّة كُشف فيه سرّ الشلمغانيّ ودعاواه كانت في أوان وزارة حامد بن العبّاس، وكان الحسين بن روح النوبختيّ، هو الذي كشف أمره(٢) .

بعد عزل حامد بن العبّاس، واستيزار أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الفرات

____________________

١ - الغيبة ١٩٦.

٢ - الكامل، وقائع سنة ٣٢٢؛ الذهبيّ f ١١٩ b.


للمرّة الثالثة (من ربيع الآخر ٣١١هـ حتّى ٨ ربيع الأوّل ٣١٢هـ) قرّب الشلمغانيّ ابنَ الوزير الجديد مُحَسّناً إليه، بسبب العلاقة التي كانت تربطه به. وعندما هاجم القرامطة قافلة الحجّاج في ذلك التاريخ وقتلوا الكثيرين منهم - وكانوا من أهالي بغداد - وثار أهالي العاصمة عليه وعلى أبيه واتّهموهما بالتواطؤ مع القرامطة، أدخل محسّنٌ الشلمغانيَّ في الجهاز الوزاريّ، وجعله مكان عددٍ من عمّال الديوان؛ للحؤول دون هجوم المناوئين والكشف عن الأموال التي كان قد أخذها من الناس. وبمؤازرته هو وغيره قبض على جماعة وذبحهم كما تذبح الخراف بذريعة المطالبة بالأموال المتبقيّة(١) .

اختفى الشلمغانيّ بعد قتل أبي الحسن بن الفرات ونجله محسّن واستيزار أبي القاسم الخاقانيّ (وزارته من ٨ ربيع الأوّل ٣١٢هـ حتّى رمضان ٣١٣هـ)، وفرّ إلى الموصل خوفاً. وفي تلك الفترة ذاتها - ذي الحجّة سنة ٣١٢ هـ - صدر التوقيع من الحسين بن روح - وهو في السجن - بلعنه. وسننقل هذا التوقيع عينه لاحقاً.

مكث الشلمغانيّ في الموصل عدد سنين عند الأمير ناصر الدولة حسن الحمدانيّ في حياة أبيه أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان (المقتول سنة ٣١٧هـ). واختفى مدّة في مُعْلَثايا إحدى القرى القريبة من جزيرة ابن عمر. وفي تلك الفترة ذاتها قرأ أبو المفضّل محمّد بن عبد الله بن المطّلب - وهو من شيوخ أبي العبّاس النجاشيّ صاحب كتاب الرجال المعروف - كتب الشلمغانيّ عنده، وأجازه الشلمغانيّ في روايتها(٢) .

ثمّ قَدِم الشلمغانيّ بغداد بعد مدّة، واختفى فيها فترة خوفاً من مناوئيه. وفي تلك البرهة نفسها شاعت عقائده وزاد عدد أتباعه، والتحق به جماعة من أكابر

____________________

١ - معجم الأُدباء ١: ٢٩٦؛ تجارب الأُمم ٥: ١٢٣.

٢ - رجال النجاشيّ ٢٦٨.


بغداد وأعيانها. وبلغت فتنة العزاقريّة ذروتها فسبّبت متاعب جمّة للسلطان العبّاسيّ ووزيره وأهالي العاصمة.

وممّن لحق بالشلمغانيّ من المشاهير يومئذٍ الحسين بن القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المقتدر العبّاسيّ، وأبو جعفر بن بسطام، وأبو عليّ بن بسطام وهما من الكتّاب ووجهاء الشيعة في بغداد، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن أبي عون وهو من الأُدباء والمؤلّفين المشهورين، وابن الشَّبيب الزيّات، وأحمد بن محمّد بن عبدوس، وغيرهم(١) .

دعاوى الشلمغانيّ

دعاوى الشلمغانيّ وأُصول عقائده غير واضحة تماماً؛ إذ لم يصل إلينا شيء عنه وعن أتباعه، وما نقله مناوئوه يسيرٌ ومشوبٌ بالتهمة والأغراض. بَيْد أنّ الثابت هو أنّ الشلمغانيّ كان من الحُلوليّة كالحسين بن منصور الحلاّج، ولا تفاوت بين كثيرٍ من عقائدهما. وكان الشلمغانيّ يتّبع منهج الحلاّج في هذا الطريق. وكان الحسين بن روح يعدّه من متابعي قول الحلاّج صراحةً(٢) . يضاف إلى ذلك أنّ التناسخ، والغلوّ، والاعتقاد بالضدّ، وأُلوهيّة نفسه، والكيمياء من الأركان الرئيسة لمعتقداته.

ويمكن استخراج خلاصة لعقائده من المصادر الأربعة المهمّة الآتية:

١ - الرسالة التي كتبها الراضي العبّاسيّ إلى الأمير أبي الحسين نصر بن أحمد السامانيّ في بخارى بعد قتل الشلمغانيّ وأعوانه في ذي القعدة ٣٢٢هـ، واستنسخ ياقوت قسماً مهمّاً منها في مرو، وأورده في الجزء الأوّل من كتابه معجم الأُدباء عند

____________________

١ - الكامل في التاريخ، وقائع سنة ٣٢٢هـ.

٢ - الغيبة ٢٦٦؛ رسالة ابن القارح (في مجموعة رسائل البلغاء ٢٠٠-٢٠١).


ترجمة إبراهيم بن محمّد بن أبي عون.

٢ - التوقيع الذي صدر بيد الحسين بن روح النوبختيّ في ذي الحجّة ٣١٢هـ في لعن الشلمغانيّ. والأخبار التي نقلها الشيخ الطوسيّ (المتوفّى سنة ٤٦٠هـ) في هذا الباب من كتاب الغيبة(١) ، عن رواة الشيعة في شأن عقائد الشلمغانيّ.

٣ - مجمل من عقائده مذكور في كتاب الفَرْق بين الفِرَق لأبي منصور عبد القاهر الأشعريّ البغداديّ المتوفّى سنة ٤٢٩هـ.

٤ - الشرح الذي أورده ابن الأثير (المتوفّى سنة ٦٣٢هـ) في وقائع سنة ٣٢٢هـ من تاريخه. وغالب مضامينه يتّفق مع ما تحويه رسالة الراضي إلى الأمير نصر. وغير ذلك من المصادر كرجال النجاشيّ، وتجارب الأُمم لأبي عليّ بن مسكويه، والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهريّ، ووفيات الأعيان لابن خلّكان، والآثار الباقية لأبي الريحان البيرونيّ، ورسالة ابن القارح، وهي تقدّم لنا بعض المعلومات أيضاً. وسنشير إليها كلّها في هذه الترجمة الموجزة. بعامّة نستطيع أن نلخّص أُصول عقائد الشلمغانيّ كالآتي:

١ - يحلّ الله في كلّ شيء على قدر ما يحتمل، والشلمغانيّ هو مَن حلّت فيه روح الله بتمامها. ولمّا تشبّه الشلمغانيّ بالمسيح والحلاّج في هذا العمل، سُمّي (روح القُدُس)(٢) ، و(المسيح)(٣) ، و(الحلاّج)(٤) .

يعتقد الشلمغانيّ أنّ الله يظهر في كلّ شيء بكلّ صورة. وهو اسم لخطور المعاني والخواطر في قلوب الناس، ويصوّر كلّ ما خفي عليهم إلى الحدّ الذي يبدو فيه أنّهم يدركونه بالمشاهَدة. وكلّ من احتاج الناس إليه فهو إلههم؛ من هنا

____________________

١ - ألّف الشيخ الطوسيّ كتاب الغيبة سنة ٤٤٧هـ (انظر: ص٢٣٢-٢٣٣ منه).

٢ - الفرق بين الفرق ٢٤٩؛ الآثار الباقية ٢١٤.

٣ - معجم الأدباء ١: ٣٠١؛ الغيبة للطوسيّ ٢٦٥.

٤ - معجم الأُدباء ١: ٢٩٨؛ الغيبة ٢٦٥؛ تجارب الأُمم ٥: ١٢٣.


يستطيع كلّ إنسانٍ أن يستحقّ مقام الأُلوهيّة ويُدعى إلهاً.

كان كلّ واحد من أتباع الشلمغانيّ يرى نفسَه إلهاً لمن دونه، بعبارة أُخرى كلّ ما دون يُعدّ مفضولاً بالنسبة إلى ما فوق (الفاضل). على سبيل المثال كان أحد العزاقرة يقول: أنا إله فلان، وفلان إله فلان، وفلان إله إلهي، حتّى يصل التسلسل إلى الشلمغانيّ. وكان الشلمغانيّ يزعم أنّه ربّ الأرباب، وإله الآلهة، وأفضل العزاقريّة، ولا إله بعده.

والعزاقريّة أتباع الشلمغانيّ لا ينسبون الحسن والحسينعليهما‌السلام إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام . ويقولون: من اجتمعت له الرّبوبيّة لا يكون له ولد. وكانوا يسمّون موسىعليه‌السلام ومحمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله الخائنَين؛ لأنّهم يدّعون أنّ هارون أرسل موسى، وعليّاً أرسل محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فخاناهما. ويزعمون أنّ عليّاً أمهل محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله عدّة سِنِي أصحاب الكهف. فإذا انقضت هذه العدّة، وهي ثلاثمائة وخمسون سنةً، انقرضت الشريعة. ويبدو أنّ هدفهم من ذكر هذا العدد هو أنّ الإسلام نُسخ وحلّ محلّه دين الشلمغانيّ بعد مضيّ (٣٥٠) سنة على المبعث النبويّ، وكان ذلك متزامناً مع أيّام ظهور دعوة الشلمغانيّ.

ويقول هؤلاء في وصف الملائكة: إنّ المَلَك كلّ مَن مَلَك نفسه، وعرف الحقّ ورآه. وإنّ الجنّة معرفتهم واتّباع مذهبهم، والنار الجهل بهم والرجوع عن مسلكهم.

وكان الشلمغانيّ يعتقد أنّ روح الله حلّت في آدم، ثمّ في شيث، ثمّ في الأنبياء والأوصياء والأئمّة واحداً بعد واحد، حتّى حلّ في الحسن بن عليّ العسكريّعليه‌السلام ، وأنّه حلّ فيه(١) .

وقال: إنّ روح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انتقلت إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان العمريّ النائب الثاني للإمام المهديّعليه‌السلام ، وروح أمير المؤمنين

____________________

١ - معجم الأدباء ١: ٢٩٦.


عليّعليه‌السلام انتقلت إلى بدن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وروح مولاتنا فاطمةعليها‌السلام انتقلت إلى أُمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ(١) .

روى أبو عليّ بن همام الإسكافيّ أنّ الشلمغانيّ قال له: الحقّ واحد وإنّما تختلف قُمُصه. فيوم يكون في أبيض، ويوم يكون في أحمر، ويوم يكون في أزرق. قال ابن همام: فهذا أوّل ما أنكرتُه من قوله؛ لأنّه قول أصحاب الحُلول(٢) .

٢ - يعتقد العزاقريّة بترك الصلاة والصيام والغسل، ولا يتناكحون بعقدٍ على سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويبيحون الفروج. ويقولون: إنّ محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله بُعث إلى كبراء قريش وجبابرة العرب، ونفوسهم أبيّة، فأمرهم بالسجود ليمتحن طاعتهم. وإنّ الحكمة الآن أن يُمتحن الناس بإباحة فروج نسائهم. ولا إشكال عندهم في نكاح المحارم ونساء الأصدقاء والأولاد، إذا كان قد ورد في دين الشلمغانيّ. وذكر المؤرّخون أنّ العزاقريّة لم يستنكفوا عن إرسال نسائهم ليستمتع بهنّ من هو أعلى منهم درجة في دينهم. بل كانوا يرون هذا العمل شرفاً لهم؛ لاعتقادهم أنّ الفاضل يولج نوره في المفضول فيستمتع به المفضول. ولمّا كان الشلمغانيّ ربّ الأرباب وأفضل العزاقريّة، فإنّ أتباعه كانوا يتسابقون في إرسال نسائهم إليه من أجل كسب نور الفضل، ومَن أبى قُلِبَ امرأةً عند الشلمغانيّ الذي كان يقول بالتناسخ أيضاً. ودوّن الشلمغانيّ أحكامه الدينيّة في كتاب عنوانه الحاسّة السادسة. ويعدّ هذا الكتاب دستوراً دينيّاً لأصحابه، ويبدو أنّ موضوعه الأصليّ هو رفض أحكام الشرائع السابقة(٣) . ويبرأ الشلمغانيّ وأصحابه من آل أبي طالب وبني العبّاس، ويرون وجوب هلاكهما.

٣ - مِن أهمّ عقائد الشلمغانيّ قوله بحمل الضدّ، وهو أنّ الله خلق الضدّ ليدلّ

____________________

١ - الغيبة ٢٦٤.

٢ - نفسه ٢٦٧.

٣ - الآثار الباقية ٢١٤.


على المضدود، وأنّه لا يتهيّأ إظهار فضيلة للوليّ إلاّ بطعن الضدّ فيه؛ لأنّه يحمل سامعي طعنه على طلب فضيلته، فإذاً هو أفضل من الوليّ؛ إذ لا يتهيّأ إظهار الفضل إلاّ به. وحينئذٍ يفوق الدليل على وجود الحقيقة نفس الحقيقة.

يرى أتباع الشلمغانيّ أنّ الله إذا حلّ في جسد ناسوتيّ ظهر من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو، كما ظهرت هذه الحالة في سبعة أوادم (كلّ آدم يطابق عالَماً). وبعد آدم السابع ظهر اللاهوت في خمسة أجساد ناسوتيّة، وخمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة. ثمّ اجتمعت اللاهوتيّة في إدريس وإبليسه. وتفرّقت بعدهما كما تفرّقت بعد آدم. واجتمعت في نوح وإبليسه، وتفرّقت عند غيبتهما. واجتمعت في صالح وإبليسه عاقر الناقة، وتفرّقت بعدهما. واجتمعت في إبراهيم وإبليسه نمرود. واجتمعت في هارون وإبليسه، وتفرّقت بعدهما. واجتمعت في داود وإبليسه جالوت. وفي سليمان، وفي عيسى وتلاميذه. ثمّ اجتمعت في عليّ بن أبي طالب. ثمّ في بدن ابن العزاقر(١) .

أمّا في الضدّ أو إبليس، فقال بعضهم: الوليّ ينصب الضدّ ويحمله على ذلك، كما قال قوم من أصحاب الظاهر: إنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام نصب أبا بكر في ذلك المقام. وقال بعضهم: لا، ولكن هو قديم معه لم يزل. (قالوا): والقائم الذي ذكر أصحاب الظاهر أنّه من ولد الإمام الحادي عشر، فإنّه يقوم معناه إبليس لأنّه قال:( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلّا إِبْلِيسَ ) ، فلم يسجد. ثمّ قال:( لَأَقْعُدَنّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) . فدلّ على أنّه كان قائماً في وقت ما أُمر بالسجود، ثمّ قعد بعد ذلك. وقوله: يقوم القائم إنّما هو ذلك القائم الذي أُمر بالسجود فأبى، وهو إبليس لعنه الله(٢) .

وقال أحد شعراء العزاقريّة في باب الضدّ، أي: إبليس:

____________________

١ - معجم الأُدباء ١: ٣٠١-٣٠٢؛ الكامل في التاريخ لابن الأثير، وقائع سنة ٣٢٢هـ.

٢ - الغيبة ٢٦٥.


يا لاعناً للضدِّ من عَدِيِّ(١)

ما الضدُّ إلاّ ظاهِرَ الوليِّ

والحمدُ للمُهيمنِ الوفيِّ

لَستُ عَلَى حالٍ كَحَمّاميِّ

ولا حَجاميّ ولا جُغْديّ

قَد فُقْتُ مِن قَولي على الفَهديّ

نَعَم وَجَاوَزتُ مَدَى العيدي

فَوقٌ عَظيمٌ لَيسَ بِالمجوسيّ

لأَنّهُ الفَردُ بِلاَ كيفيّ

مُتَّحِدٌ بِكُلِّ أوحَدِيِّ

مُخالِطُ النُّوريِّ وَالظُّلْمِيّ

يا طالبِاً مِن بَيتِ هاشِميِّ

وجاحِداً مِن بَيتِ كِسرَويِّ

قد غابَ في نِسبَةِ أعْجَميِّ

في الفارِسيِّ الحَسَبِ الرَّضِيِّ

كما التَوى في العُربِ مِن لُوَيِّ(٢)

مؤلَّفات الشلمغانيّ

كان أبو جعفر الشلمغانيّ قد ألّف كتباً أُخرى غير كتاب الحاسّة السادسة. ولمّا كان في عداد علماء الإماميّة قبل انحرافه أو أيّام استقامته، فإنّ عدداً من كتبه كان لها شأنها عند الإماميّة. وكما ذكرنا سابقاً، فإنّه عندما عاش متخفّيّاً في مُعلّثايا، قام أبو الفضل محمّد بن عبد الله بن المطّلب، وهو من علماء الإماميّة، بقراءتها عنده. وفيما يأتي دليل لكتبه اعتماداً على كتاب رجال النجاشيّ، وكتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ:

١ - كتاب التكليف

ألّفه الشلمغانيّ في أيّام استقامته. وعندما انتشر هذا الكتاب أخذه جماعة من الشيعة إلى الحسين بن روح، فقرأه من أوّله إلى آخره، فقال: ما فيه شيء إلاّ وقد رُوي عن الأئمّة إلاّ موضعين أو ثلاثة فإنّه كذب عليهم في روايتها(٣) . وكان الشيخ

____________________

١ - إشارة إلى الشيطان الذي كانوا يسمّونه (شيخ بني عَدِيّ).

٢ - الغيبة، الشيخ الطوسيّ ٢٦٦.

٣ - الغيبة ٢٦٧.


المفيد يروي هذا الكتاب إلاّ موضعاً واحداً منه. وهو باب الشهادات الذي روى فيه العلاّمة الحلّيّ أنّ الشلمغانيّ قال فيه ما مضمونه: إذا كان للرجل شاهد واحد فحسب جاز لأخيه أن يشهد بحقّه عند الجهل بأصل الموضوع(١) .

ولعلّ الصحيح التامّ في هذا الموضوع ما نقله العلاّمة عن الشيخ المفيد هو ما رواه الشيخ الطوسيّ عن أبي عبد الله الحسين بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أنّ الشلمغانيّ قال في الشهادة: (إذا كان لأخيك المؤمن على رجلٍ حقٌّ فدفعه ولم يكن له من البيّنة عليه إلاّ شاهدٌ واحدٌ وكان الشاهد ثقة رجعت إلى الشاهد فسألته عن شهادته، فإذا أقامها عندك شهدت معه عند الحاكم على مثل ما يشهده عنده لئلاّ يتوى حقّ امرئ مسلم)(٢) .

نقل محمّد بن فضل بن تمّام عن أحد شيوخه أنّ الشلمغانيّ عندما كان يؤلّف كتاب التكليف، كان كلّما أصلح باباً منه أدخله إلى الحسين بن روح فيعرضه عليه ويحكّكه، فإذا صحّ الباب خرج فنقله وأمرنا بنسخه(٣) .

٢ - رسالة تحوي خطاباً موجّهاً إلى أبي عليّ محمّد بن همّام الإسكافيّ(٤) .

٣ - كتاب ماهيّة العصمة.

٤ - كتاب الزاهر بالحجج العقليّة.

٥ - كتاب المباهلة.

٦ - كتاب الأوصياء.

نقل الشيخ الطوسيّ في كتاب الغيبة مرّتين من الكتاب المذكور(٥) .

٧ - كتاب المعارف.

____________________

١ - الخلاصة، للعلاّمة الحلّيّ ١٢٤؛ رجال الأسترآباديّ ٣٠٧.

٢ - الغيبة ٢٦٧.

٣ - نفسه ٢٥٤.

٤ - انظر: ذيل ص٢٥٠ من هذا الكتاب.

٥ - الغيبة ١٥٨ و٢٢١.


٨ - كتاب الإيضاح.

٩ - كتاب فضل النُّطق على الصَّمت.

١٠ - كتاب فضائل العُمرَتَين.

١١ - كتاب الأنوار.

١٢ - كتاب التسليم.

١٣ - كتاب الزُّهَّاد والتوحيد.

١٤ - كتاب البَداء والمشِيَّة.

١٥ - كتاب نظم القرآن.

١٦ - كتاب الإمامة، كبير.

١٧ - كتاب الإمامة، صغير(١) .

١٨ - كتاب الغَيْبَة.

وكان الشيخ الطوسيّ يقتني الكتاب الأخير، ونقل فقرةً منه(٢) .

كان لكتب الشلمغانيّ صيتها عند الشيعة الإماميّة، وكانوا يقتنونها بسبب منزلته العلميّة وقربه من الحسين بن روح، وذلك قبل ارتداده. وعندما ثبت ارتداده وصدر لعنه، سأل جماعةٌ من الإماميّة الحسينَ بن روح عن كتبه وأخبروه عن امتلاء دورهم بها، فقال لهم: أقول فيها ما قاله أبو محمّد الحسن بن عليّ صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضّال(٣) ، فقال صلوات الله عليه: «خُذُوا بما رَوَوا

____________________

١ - وردت عناوين هذه الكتب السبعة عشر مع كتاب آخر ليس له عنوان في رجال النجاشيّ ٢٦٨ باسم الشلمغانيّ.

٢ - الغيبة ٢٥٥.

٣ - هم أحمد المتوفّى سنة ٢٦٠هـ، ومحمّد، وأبو الحسن عليّ أبناء أبي محمّد الحسن بن عليّ بن فضّال الكوفيّ (المتوفّى سنة ٢٢٤هـ). وكانوا في عداد فقهاء الفطحيّة كأبيهم. وكان الفطحيّة يعدّونهم من فقهائهم الكبار. وقد صنّفوا كتباً كثيرة في تأييد هذا المذهب، بخاصّة عليّ الذي بلغت كتبه قرابة ثلاثين =


وذَرُوا مارأوا» (١) .

دعا الشلمغانيّ في بدء أمره جماعة من أعيان بغداد إليه سرّاً. وكان ينشر أخباراً باسم الحسين بن روح، ويعرّف نفسه للشيعة على أنّه بابه.

روت أمّ كلثوم بنت أبي جعفر العَمريّ ما نصّه: (كان أبو جعفر بن أبي العزاقر وجيهاً عند بني بسطام(٢) ؛ وذلك أنّ الشيخ أبا القاسم - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - كان قد جعل له عند الناس منزلةً وجاهاً. فكان عند ارتداده يحكي كلّ كذبٍ وبلاء وكفر لبني بسطام، ويسنده عن الشيخ أبي القاسم فيقبلونه منه ويأخذونه عنه، حتّى انكشف ذلك لأبي القاسم - (رضي الله عنه) - فأنكره وأعظمه، ونهى بني بسطام عن كلامه، وأمرهم بلعنه والبراءة منه، فلم ينتهوا وأقاموا على تولّيه؛ وذاك أنّه كان يقول لهم: إنّني أذعتُ السرّ وقد أُخِذ عليّ الكتمان فعوقبت بالإبعاد بعد الاختصاص؛ لأنّ الأمر عظيم لا يحتمله إلاّ مَلَك مقرّب أو نبيّ مُرسَل أو مؤمن مُمتَحن، فيوكد في نفوسهم عِظم الأمر وجلالَتَه. فبلغ ذلك أبا القاسم - (رضي الله عنه) - فكتب إلى بني بسطام بلعنه والبراءة منه وممّن تابعه على قوله، وأقام على تولّيه. فلمّا وصل إليهم أظهروه عليه فبكى بكاءً عظيماً، ثمّ قال: إنّ لهذا القول باطناً عظيماً، وهو أنّ اللعنة الإبعاد. فمعنى قوله: لعنه الله، أي: باعده الله عن العذاب والنار، والآن قد عرفت منزلتي! ومرّغ خدّيه على التراب، وقال: عليكم بالكتمان

____________________

= كتاباً. (للاطّلاع على ترجمتهم، انظر: رجال النجاشيّ ٢٥-٢٦، ٥٩، ١٨١، ١٨٣، ورجال الكشّيّ: ٣١٩ وغيرهما).

١- الغيبة: ٢٥٤.

٢ - كانت أُسرة بسطام من الأسر القديمة، تولّوا بعض الأعمال الكتابيّة والديوانيّة في البلاط العبّاسيّ وحكومات المناطق المجاورة. ومن هذه الأُسرة أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بسطام وابناه أبو القاسم عليّ وأبو الحسن محمّد، وكانت لهم صلة بآل الفرات. وكان أبو الحسين محمّد صهراً لحامد بن العبّاس الوزير. وكانت هذه الأسرة في البداية تنحاز إلى الإماميّة كآل الفرات، لكنّها مالت إلى الشلمغانيّ بعد ظهور أمره. من هنا أصدر القاهر العبّاسيّ أمراً بمراقبة دارَي أبي القاسم عليّ وأبي الحسين محمّد من قبل مفرزة خاصة سنة ٣٢١هـ.


لهذا الأمر).

قالت أمّ كلثوم رضي الله عنها: وقد كنت أخبرتُ الشيخ أبا القاسم أنّ أمّ أبي جعفر بن بسطام قالت لي يوماً، وقد دخلنا إليها فاستقبلتني وأعظمتني وزادت في إعظامي حتّى انكبّت على رِجلي تقبّلها، فأنكرتُ ذلك، وقلتُ لها: مَهلاً يا سِتّي؛ فإنّ هذا أمر عظيم. وانكببتُ على يدها، فبكت، ثمّ قالت: كيف لا أفعل بكِ هذا وأنتِ مولاتي فاطمة؟ فقلتُ لها: وكيف ذاك يا ستّي؟ فقالت لي: إنّ الشيخ أبا جعفر محمّد بن عليّ خرج إلينا بالسّر. قالت: فقلتُ لها: وما السرّ؟ قال: قد أخذ علينا كتمانه وأفزع إن أنا أذعتهُ عُوقبتُ. قالت: وأعطيتها مَوثِقاً أنّي لا أكشفه لأحد، واعتقدتُ في نفسي الاستثناء بالشيخ - (رضي الله عنه) - يعني أبا القاسم الحسين بن روح - قالت: إنّ الشيخ أبا جعفر قال لنا: إنّ روح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انتقلت إلى أبيك - يعني: أبا جعفر محمّد بن عثمان (رضي الله عنه)، وروح أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام انتقلت إلى بدن الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وروح مولاتنا فاطمةعليها‌السلام انتقلت إليكِ، فكيف لا أُعظّمك يا سِتَّنا؟! فقلتُ لها: مهلاً لا تفعلي، فإنّ هذا كذبٌ يا ستّنا. فقالت لي: سرّ عظيم، وقد أخذ علينا لا نكشف هذا لأحد؛ فالله الله فيَّ لا يحلّ لي العذاب. ويا ستّي لو أنّك حملتيني على كشفه ما كشفته لك ولا لأحدٍ غيركِ. قالت الكبيرة أمّ كلثوم - رضي الله عنها -: فلمّا انصرفت من عندها، دخلتُ على الشيخ أبي القاسم بن روح - (رضي الله عنه) - فأخبرتُه بالقصّة - وكان يثق بي ويركن إلى قولي - فقال لي: يا بُنيّة إيّاكِ أن تمضي إلى هذه المرأة بعد ما جرى منها، ولا تقبلي لها رقعةً إن كاتَبتكِ ولا رسولاً إن أنفذته إليك ولا تلقيها بعد قولها؛ فهذا كفرٌ بالله تعالى وإلحاد قد أحكمه هذا الرجل الملعون في قلوب هؤلاء القوم ليجعله طريقاً إلى أن يقول لهم بأنّ الله تعالى اتّحد به وحلّ فيه كما يقول النصارى في المسيحعليه‌السلام ، ويعدو إلى قول الحلاّج لعنه الله. قالت: فهجرتُ بني بسطام وتركتُ المضيّ إليهم ولم أقبل لهم عذراً ولا لقيتُ أُمّهم بعدها. وشاع في بني


نوبخت الحديث، فلم يَبقَ أحد إلاّ وتقدّم إليه الشيخ أبو القاسم، وكاتبه بلعن أبي جعفر الشلمغانيّ والبراءة منه وممّن يتولاّه ورضي بقوله أو كلّمه فضلاً عن موالاته. ثمّ ظهر التوقيع من صاحب الزمانعليه‌السلام بلعن أبي جعفر محمّد بن عليّ والبراءة منه وممّن تابعه وشايعه ورضي بقوله، وأقام على تولّيه بعد المعرفة بهذا التوقيع)(١) .

ذكر الطبرسيّ في كتاب الاحتجاج، والطوسيّ في كتاب الغيبة(٢) - باختلافٍ في الرواية - عين هذا التوقيع الذي أصدره الحسين بن روح في ذي الحجّة سنة ٣١٢هـ - وهو سجين في بلاط المقتدر - بإيعاز من الإمام المهديّعليه‌السلام ، وأنفذه إلى أبي عليّ محمّد بن همّام الإسكافيّ البغداديّ لنشره بين الإماميّة، وفيما يأتي نصّه:

«عَرِّفْ - أطال اللهُ بقاك وعرّفك الله الخير كلّه وختم به عملك - مَنْ تثق بدِينه وتسكن على نيّته من إخواننا، أدام الله سعادتهم، بأنّ محمّد بن عليّ المعروف بالشلمغانيّ - عجّل الله له النقمة ولا أمهله - قد ارتدّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادّعى ما كفر معه بالخالق جلّ وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً، وإنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعنّاه، عليه لعائن الله تترى في الظاهر منّا والباطن في السرّ والجهر وفي كلّ وقتٍ وعلى كلّ حالٍ، وعلى كلّ مَن شايَعَه وتابَعَه وبلغه هذا القول منّا فأقام على تولِّيهِ بعده. وأعْلِمْهُم - تولاّكَ الله - أنّنا في التوقّي والمُحاذَرة منه على

____________________

١ - الغيبة ٢٦٣-٢٦٥.

٢ - الاحتجاج ٢٤٥؛ الغيبة ٢٦٨-٢٦٩. مع أنّ هذا التوقيع صدر في ذي الحجّة سنة ٣١٢هـ متزامناً مع الأيّام الأولى لحبس الحسين بن روح، بَيد أنّ القرائن تفيد أنّ الإذن بنشره قد صدر قبل نجاته من الحبس سنة ٣١٧هـ بقليل. (الغيبة ٢٦٨).


مثل ما كنّا عليه ممّن تقدّمه من نظرائه من الشريعيّ (١) ، والنميريّ (٢) ، والهلاليّ (٣) ، والبلاليّ (٤) ، وغيرهم. وعادة الله جلّ ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة. وبه نثق وإيّاه نستعين وهو حسبنا في كلّ أُمورنا ونعم الوكيل» .

عندما صدر لعن الشلمغانيّ على يد الحسين بن روح ابتعد عنه شيعة بغداد، ونقلوا حكاية لعنه في المجالس والمحافل. وجهد الشلمغانيّ لإثبات أحقّيّته، ومعارضة الحسين بن روح، وإقناع الشيعة الموالين له. وصنّف كتاب الغيبة في تلك البرهة، وعرّض فيه بالحسين بن روح، وزعم أنّه شريك الشيخ أبي القاسم النوبختيّ في التمهيد للوكالة والنيابة، بَيْد أنّ معظم الإماميّة لم يُصغُوا إلى دعاواه، وسعوا في لعنه(٥) .

وتقارنت حادثة قتل الشلمغانيّ مع اجتماع رؤساء الشيعة في دار الوزير أبي عليّ بن مقلة، وكانوا يتناقلون لعنه الذي أظهره الحسين بن روح، فقال لهم: اجمعوا

____________________

١ - كان أبو محمّد الحسن الشريعيّ من أصحاب الإمام العاشر والحادي عشرعليهما‌السلام , وهو أوّل من أدّعى البابيّة بعد الإمام الحادي عشر، وظهر منه القول بالكفر والإلحاد، وخرج التوقيع بلعنه، يقال لأتباعه: الشريعيّة، وهم من الغلاة والحلوليّة (انظر: الغيبة ٢٤٨؛ مقالات الإسلاميّين ١٤-١٥؛ الفَرق بين الفِرَق ٢٣٩؛ تبصرة العوامّ ٤١٩؛ الاحتجاج ٢٤٤).

٢ - كان محمّد بن نُصير النُّميريّ من أصحاب الإمام الحادي عشرعليه‌السلام . فلمّا توفّي الإمام ادّعى مقام أبي جعفر العمريّ، وزعم أنّه رسولٌ نبيّ. سُمّي أتباعه: النّميريّة، وهم من الغلاة والحلوليّة. (انظر: رجال الكشّيّ ٣٢٣؛ الغيبة ٢٥٩-٢٦٠؛ مقالات الأشعريّ ١٥؛ تبصرة العوامّ ٤١٩؛ الفَرق بين الفِرَق ٢٣٩؛ الاحتجاج ٢٤٤؛ وص١٧٦-١٧٩ من هذا الكتاب).

٣ - أبو جعفر أحمد بن هلال العَبَرتائي الكرخيّ (١٨٠-٢٦٧هـ) من الغلاة ومن أصحاب الإمام العسكريّعليه‌السلام . أنكر وكالة أبي جعفر العمريّ بعد وفاة الإمام (للاطّلاع على ترجمته انظر: الغيبة ٢٦٠؛ رجال الكشّيّ ٣٣٢-٣٣٣؛ رجال النجاشيّ ٦٠-٦١؛ الفهرست للطوسيّ ٥٠؛ الاحتجاج ٢٤٥).

٤ - أبو طاهر محمّد بن عليّ بن بلال من أصحاب الإمام العسكريّعليه‌السلام . أنكر وكالة أبي جعفر العمريّ وسمّى نفسه وكيل الإمام الغائب مكانه. (انظر: الغيبة ٢٦٠-٢٦١؛ الاحتجاج ٢٤٥).

٥ - الغيبة ٢٥٥.


بيني وبينه حتّى آخذ يده ويأخذ بيدي، فإن لم تنزل عليه نار من السماء تحرقه، وإلاّ فجميع ما قاله فيّ حقٌّ. ورُقي في ذلك إلى الراضي فأمر بالقبض عليه وقتله(١) .

بَيْد أنّ القبض عليه لم يتحقّق بسهولة؛ لأنّ أبا عليّ بن مقلة كان يلاحقه مدّة بأمر السلطان. ولمـّا كان يعيش متخفّياً ويفرّ من نقطة إلى أُخرى، لم يفلح شرطة الوزير والسلطان بالقبض عليه وظلّ كذلك حتّى ظفروا به في شوّال سنة ٣٢٢هـ. فسجنه ابن مقلة وكبس داره فوجد فيها رقاعاً وكتباً ممّن يدّعي عليه أنّه على مذهبه كالحسين بن القاسم بن عبيد الله بن وهب، وإبراهيم بن محمّد بن أبي عون، وابن شبيب الزيّات، وأحمد بن محمّد بن عبدوس. وقد خاطبه فيها هؤلاء بما يليق بشأن الله تعالى. وعُرضت هذه الخطوط على الناس بمحضر السلطان. وثبتت صحّتها، فأقرّ الشلمغانيّ أنّها خطوطهم، وأنكر مذهبه وأظهر الإسلام، وتبرّأ ممّا يقال فيه.

واستدعى السلطان العبّاسيّ أحمدَ بن محمّد بن عبدوس، وإبراهيمَ بن أبي عون، والشلمغانيّ حاضر، فأمرهما بصفع ربّهما، فامتنعا. فلمّا أُكرها، مدّ ابن عبدوس يده وصفعه. أمّا ابن أبي عون فإنّه مدّ يده إلى لحيته ورأسه، فارتعدت يده، فقبّل لحية الشلمغانيّ ورأسه. ثمّ قال: إلهي، وسيّديّ، ورازقي! فقال له الراضي: قد زعمتَ أنّك لا تدّعي الإلهيّة، فما هذا؟ فقال: وما علَيّ من قول ابن أبي عون والله يعلم أنّني ما قلتُ له: إنّني إله قطّ! فقال ابن عبدوس: إنّه لم يدَّعِ الإلهيّة، وإنّما ادّعى أنّه الباب إلى الإمام المنتظر مكان ابن روح(٢) .

حوكم الشلمغانيّ وأتباعه بأمر السلطان عدّة مرّات، بحضور القضاة والفقهاء والكتّاب ورؤساء الجيش(٣) . وأجمع الحاضرون على قتله. وقبل تنفيذ الحكم

____________________

١ - الغيبة ٢٦٥.

٢ - الكامل في التاريخ، وقائع سنة ٣٢٢.

٣ - للاطّلاع على تفصيل محاكمته، انظر: كتاب الفرق بين الفِرَق ٢٥٠، وهو لا يخلو من بعض الأخطاء التاريخيّة.


استمهل القضاة ثلاثة أيّام لينزل حكم تبرئته من السماء أو يُبتلى أعداؤه بالعذاب. ولكنّ الفقهاء طلبوا من السلطان العبّاسيّ التعجيل في قتله، فأمر في يوم الثلاثاء ٢٩ من ذي القعدة سنة ٣٢٢هـ بجلد الشلمغانيّ وابن أبي عون، وضرب عنقيهما وصلبهما وحرقهما وإلقاء رمادهما في ماء دجلة(١) . وقتل الحسين بن قاسم في آخر ذي القعدة من السنة نفسها في مدينة الرقّة، وأُتي برأسه إلى بغداد(٢) .

لم يَرعُ العزاقريّة عن دعاواهم بعد قتل الشلمغانيّ بخاصّة أنّهم كان لهم أنصار في أُسرة بني بسطام. وبعد قتل الشلمغانيّ ادّعى رجل يعرف بالبصريّ نيابته، وزعم أنّ روح الشلمغانيّ حلّت فيه، وأنّ له مقام الأُلوهيّة. ولمّا مات سنة ٣٤٠هـ، خلّف مالاً كثيراً كان يجبيه من العزاقريّة. ورُفع إلى أبي محمّد الحسن بن محمّد المهلّبيّ وزير معز الدولة الديلميّ موت البصريّ وما كان يملكه، فأمر المهلّبيّ بالختم على التركة، والقبض على أصحابه، والذي قام بأمرهم بعده فلم يجد إلاّ مالاً يسيراً، ورأى دفاتر فيها أشياء من مذاهبهم. وكان فيهم غلام شابٌّ يدّعي أنّ روح عليّ بن أبي طالب حلّت فيه، وامرأة يقال لها فاطمة تدّعي أنّ روح فاطمة حلّت فيها، وخادم لبني بسطام يدّعي أنّه ميكائيل، فأمر بهم المهلّبيّ فضّربوا ونالهم مكروه. ثمّ إنّهم توصّلوا بمن ألقى إلى معزّ الدولة أنّهم من شيعة عليّ بن أبي طالب، فأمر بإطلاقهم. وخاف المهلّبيّ أن يقيم على تشدّده في أمرهم فيُنسب إلى ترك التشيّع، فسكت عنهم(٣) .

____________________

١ - معجم الأُدباء ١: ٢٩٧؛ الفَرقُ بين الفِرَق ٢٥٠.

٢ - الكامل في التاريخ، وقائع سنة ٣٢٢هـ. وذكر عامّة المؤرّخين كياقوت، وابن الأثير، والذهبيّ أنّ الشلمغانيّ قُتل سنة ٣٢٢هـ، لكن الشيخ الطوسيّ أورد في كتاب الغيبة أنّه قتل سنة ٣٢٣هـ، ويبدو أنّه غير صحيح.

٣ - الكامل في التاريخ ٨: ٤٩٥، وقائع سنة ٣٤٠هـ.



الفصل الثاني عشر

أبو الحسن موسى بن كبرياء

(النصف الأوّل من القرن الرابع)

موسى بن حسن بن محمّد بن عبّاس بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت المعروف بابن كبرياء النوبختيّ من العلماء والمنجّمين، وممّن عاش في أيّام الغيبة الصغرى وعاصر الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح. روى عنه أبو نصر هبة الله بن محمّد الكاتب الذي كان ينقل أخبار الوكلاء الأربعة أخبارَ النائب الثالث الحسين بن روح. ونلحظ في كتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ ثلاث فقرات من هذه الأخبار(١) .

وذكر النجاشيّ أنّ ابن كبرياء كان ملمّاً بالنجوم. وأُثر عنه كلام كثير في هذا الباب. ومع علمه وعقيدته بالنجوم، كان رجلاً متديّناً حسن العقيدة، وله كتب في النجوم منها: كتاب الكافي في أحداث الأزمنة(٢) .

ويستبين ممّا نقله أبو نصر هبة الله الكاتب مباشرةً، أو بواسطة أُمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ عن أبي الحسن موسى بن كبرياء، أنّ هذا الرجل كان من معاصري أمّ كلثوم والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وظلّ على قيد الحياة بعد وفاة ابن روح.

____________________

١ - ص١٩٠، ٢٤٣، ٢٥١.

٢ - رجال النجاشيّ ٢٩٠؛ بحار الأنوار ١٤: ١٤٣ نقلاً عن فرج المهموم.



الفصل الثالث عشر

أبو محمّد الحسن بن الحسين

(٣٢٠-٤٠٢هـ)

كان لأبي عبد الله الحسين بن عليّ بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت المارّ ذكره وذكر أبيه أبي الحسين عليّ في الفصل العاشر، وَلَد يُدعى أبا محمّد الحسن. وُلِد سنة ٣٢٠هـ، أي: قبل وفاة أبيه بستّ سنين. وكان من محدّثي الإماميّة ورواة أخبارهم كأبيه، كما كان أحد الكتّاب ورواة الأخبار، وقد روى طرفاً من أخبار أبي نواس وشعره(١) . وروى عنه أبو الحسين هلال بن محسّن الصابي الكاتب (٣٥٩-٤٤٨هـ) بعض الوقائع(٢) .

صرّح الخطيب البغداديّ أنّ أبا محمّد كان يروي الحديث أكثر من أبي الحسن عليّ بن عبد الله المبشّر القصّاب الواسطيّ، وأبي عبد الله حسين بن إسماعيل بن محمّد الضبّيّ البغداديّ (٢٣٥-٣٣٠هـ) المشهور بالقاضي المَحامليّ، وكان له طلاّب كُثرٌ. وأشهر من كان يروي عنه هم:

١ - أبو بكر أحمد بن محمّد البرقانيّ الخوارزميّ (٣٣٦-٤٢٥هـ).

____________________

١ - تاريخ بغداد ٧: ٤٤٣.

٢ - عيون الأنباء ١: ٢٢٩.


٢ - أبو الفرج الحسن بن عليّ الطَّناجيريّ (٣٥٠-٤٣٩هـ).

٣ - أبو القاسم عبد الله بن أحمد الصيرفيّ الأزهريّ (٣٥٥-٤٣٥هـ).

٤ - القاضي أبو القاسم عليّ بن محسن التنوخيّ (٣٦٥-٤٤٧).

٥ - أبو القاسم بن الخلاّل.

٦ - أبو الحسن أحمد بن محمّد العتيقيّ (٣٦٧-٤٤١هـ).

ويعدّ الثلاثة الأُوّل من مشايخ الحافظ أبي بكر أحمد بن عليّ الخطيب البغداديّ (٣٩٢-٤٦٣هـ) صاحب تاريخ بغداد المعروف؛ من هنا كان الخطيب تلميذ أبي محمّد الحسن بن الحسين بواسطةٍ واحدة. ولجأ الخطيب إلى تلامذة أبي محمّد النوبختيّ الذين كانوا أساتذته من أجل التعرّف على عقيدته الحقيقيّة، وقد سأل أبا القاسم الأزهريّ وأبا بكر البرقانيّ في هذا الشأن، فقال الأزهريّ: هو رافضيّ مردود المذهب. وقال البرقانيّ: هو معتزليّ مع مَيلٍ فيه إلى التشيّع، ومع ذلك كلّه فهو صدوق في روايته. وذكر أبو الحسن العتيقيّ أنّه ثقة في الحديث يميل إلى الاعتزال(١) وصحّح الخطيب البغداديّ نفسه سماعَه(٢) . ونقل كلام الخطيب في النوبختيّ كلّ من السمعانيّ في الأنساب، وابن الجوزيّ في المنتظم، وابن كثير في البداية والنهاية. وعلى الرغم من أنّ القاضي نور الله التُّستريّ عدّ أبا محمّد شيعيّاً مائلاً إلى الاعتزال لكنه تهجّم عليه قائلاً: (لمّا كان أهل السُّنّة لا يفرّقون بين الحقّ والباطل، فإنّهم ذهبوا إلى أنّ الشيعة والمعتزلة فرقة واحدة داعين كلاّ منهما باسم الأُخرى، وإلاّ فالفرق بينهما فرق ما بين الفَرقِ والقَدَم، والوجود والعدم)(٣) .

هذا الكلام ينمّ عن تعصّب القاضي نور الله الذي كان يسعى في نسبة بعض الأشخاص إلى التشيّع في حين لم يُعرَفوا بذلك. وكان مشهوراً بهذه السِّمة، وإلاّ

____________________

١ - المنتظم، مخطوط.

٢ - تاريخ بغداد ٧: ٢٩٩.

٣ - مجالس المؤمنين، المجلس الخامس.


فقد ذكرنا سابقاً أنّه لا مانع من أن يكون الإنسان شيعيّاً مائلاً إلى الاعتزال أو معتزليّاً مائلاً إلى التشيّع. ولهذا نظائر كثيرة في تاريخ علم الكلام، فقد عُرف به من آل نوبخت رجل أو رجلان، وكذلك عُرف به كثير من معتزلة بغداد كأبي جعفر الإسكافيّ، وأبي عبيد الله المرزبانيّ، والقاضي أبي القاسم التنوخيّ، وأبي القاسم الكعبيّ البلخيّ؛ فقد كان هؤلاء قريبين من الشيعة في بعض عقائدهم، وعُدّوا من متشيّعة المعتزلة(١) . وبلغ الأمر أنّ الذهبيّ سمّى أبا سهل إسماعيل بن عليّ النوبختيّ كاتباً معتزليّاً مع أنّه عدّه من رؤوس متكلّمي الشيعة(٢) .

توفّي أبو محمّد في يوم الجمعة ليومين بَقِيا من ذي القعدة سنة ٤٢٠هـ. وهو آخر من نعرف عنه شيئاً مجملاً من الأسرة النوبختيّة، واختفى بعده أثر هذه الأُسرة الجليلة في ظلمات التاريخ(٣) .

____________________

١ - انظر: الانتصار ١٠٠؛ تاريخ بغداد ٣: ١٣٦؛ فوات الوفيات ٢: ٦٨.

٢ - تاريخ الإسلام f. ٦٠ b، نسخة المكتبة الوطنيّة بباريس.

٣ - للتعرّف على ترجمته انظر: تاريخ بغداد ٧: ٢٩٩ و٤٤٣؛ المنتظم لابن الجوزيّ؛ البداية والنهاية، وقائع سنة ٤٠٢هـ، الأنساب للشمعانيّ f. ٥٦٩ b؛ مجالس المؤمنين، المجلس الخامس؛ ميزان الاعتدال ١: ٢٢٥.



الفصل الرابع عشر

سائر أفراد الأُسرة النوبختيّة

نقرأ في كتب التاريخ أسماء عدد آخر من أفراد هذه السلالة الجليلة مضافاً إلى المشاهير الذين ذكرنا ترجمتهم في الفصول السابقة اعتماداً على المصادر التي في أيدينا. ومن سوء الحظّ أنّنا لا نملك معلومات ذاتَ بالٍ عنهم، حتّى إنّنا لا نستطيع أن نحدّد نسب بعضهم لنقص معلوماتنا عنهم. وفيما يأتي أسماؤهم:

١ - أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن أبي سهل بن نوبخت . حفيد المنجّم المشهور أبي سهل الأوّل. كان من الشعراء الكتّاب، وله ديوان شعر يشمل مائة ورقة(١) .

٢ - الحسن بن إسماعيل بن أبي سهل بن نوبخت. نجل إسماعيل الذي كان نديماً لأبي نواس وجامعاً لأشعاره، وقد مدحه أبو نواس(٢) .

٣ - أحمد بن إبراهيم. وهو من الرجال الذين عاشوا في أواخر الغيبة الصغرى. عمل كاتباً خاصّاً للشيخ أبي القاسم الحسين بن روح. وكان يكتب ما يمليه عليه

____________________

١ - الفهرست ١٦٨.

٢ - ديوان أبي نواس المطبوع ١٠٥-١٠٦ (طبعة ١٣٢٢) وشرح ديوان أبي نواس ج١، f. ١٨٩ b.


الشيخ في جواب المسائل التي كان يوجّهها إليه الشيعة الإماميّة(١) .

زوجته هي أمّ كلثوم بنت أبي جعفر العمريّ النائب الثاني للإمام المهديعليه‌السلام . وهي جدّة الكاتب المشهور أبي نصر هبة الله بن محمّد بن أحمد؛ فأُمّ أبي نصر هبة الله نوبختيّة من جهة أبيها أحمد بن إبراهيم، وعمريّة من جهة أُمّها أمّ كلثوم. كان أبو نصر يروي عن جدّه النوبختيّ أحمد بن إبراهيم(٢) .

٤ - أبو جعفر عبد الله بن إبراهيم ، أخو أحمد بن إبراهيم المذكور آنفاً(٣) .

٥ - أبو إبراهيم جعفر بن أحمد بن إبراهيم ، نجل أحمد بن إبراهيم، وابن أخ أبي جعفر عبد الله خال أبي نصر هبة الله الكاتب(٤) .

٦، ٧، ٨ - الحسن بن إسحاق الكاتب . يبدو أنّه ابن إسحاق بن إسماعيل بن أبي سهل نوبخت أحد أصحاب الإمام الهاديعليه‌السلام . ولداه أحمد ومحمّد كانا من معاصري أبي جعفر العمريّ. وذُكر أنّهما ممّن حظي برؤية الإمام المهديّعليه‌السلام (٥) .

٩ - أبو عليّ بن جعفر. ورد في كتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ اسم شخص من آل نوبخت يُدعى أبا عليّ بن جعفر النوبختيّ، ويُعرف بابن زهومة (؟). وتدلّ القرائن المذكورة في هذا الكتاب على أنّه كان يعيش في النصف الأوّل من القرن الرابع الهجريّ(٦) . ولم أفهم المقصود من (ابن زهومه)، ولعلّه تصحيف، عِلماً أنّ اسم (زهومة) موجود في أعلام العرب. ونلحظ في كتاب تجارب الأُمم اسم كاتب يدعى (رهرمة) الذي قَبَض عليه بَجْكم سنة ٣٢٩هـ مع وزيره أبي جعفر بن شيرزاد وعدد آخر من كتّابه وعمّاله(٧) . وعسى أن تستبين لنا حقيقة الأمر من بين المعلومات المتفرّقة في المصادر المعنيّة إذا توفّرت.

____________________

١ - الغيبة، للطوسيّ ٢٤٣و٢٤٤.

٢ - نفسه ٢٤٣.

٣ - نفسه ٢٤٣.

٤ - انظر: ص٢١٩-٢١٧ من هذا الكتاب.

٥ - كمال الدين ٢٤٦.

٦ - الغيبة ٢٦٧.

٧ - تجارب الأُمم ٥: ٤١٥.


وذكر محمّد بن عبد الملك الهمدانيّ في تكملة تاريخ الطبريّ الذي يحتوي على قسم من التاريخ، شخصاً يُدعى أبا عليّ النوبختيّ في سياق وقائع سنة ٣٣١هـ. ويُستشفّ منه أنّ أبا عليّ النوبختيّ كان يعدّ من عمّال (عَدْل) الحاجب السابق لبَجْكم، وكان عاملاً على مناطق الفرات العليا ومدينة الرحبة التي كان يحكمها (عَدْل) من قبل محمّد بن طغج الإخشيد. وحينما أُسر (عَدْل) بِيد بطانة ناصر الدولة الحمدانيّ واستأمن أصحابه(١) ، اضطُرّ أبو عليّ النوبختيّ إلى ترك عمله السابق. وأُنيط به منصب أمير الأُمراء في تلك السنة، وأصبح كاتباً له. بَيْد أنّه لم يستمرّ طويلاً؛ إذ عزله توزون بعد فترة قليلة من نفس السنة، وخوّل أبا إسحاق القراريطيّ منصب الكتابة(٢) .

وفي أقرب الاحتمالات أنّ أبا عليّ النوبختيّ هذا هو نفسه أبو عليّ بن جعفر المذكور في كتاب الغيبة للشيخ الطوسيّ. ويبدو أنّه ابن أبي إبراهيم جعفر بن أحمد بن إبراهيم النوبختيّ.

١٠ - الحسن بن جعفر الكاتب . الذي اختفت صَيقل جارية الإمام العسكريّعليه‌السلام في بيته، بعد وفاة الإمام، أكثر من عشرين سنة. وعلى هذا فإنّه كان حيّاً حتّى حوالي سنة ٢٨٥هـ التي أخرج فيها المعتضد العبّاسيّ صَيقلاً من بيته.

١١ - أبو طالب النوبختيّ . كان معاصراً لأبي عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني (المتوفّى بين سنة ٣٥٠هـ و٣٦٠هـ)، وأبي يعقوب إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ (المقتول سنة ٣٢٢هـ). وأخذ حمزة الأصفهاني طرفاً من أخبار أبي نواس (قبل سنة ٣٢٦هـ التي سافر فيها حمزة سفرته الثالثة إلى بغداد لجمع ديوان أبي نواس) من أبي

____________________

١ - حاشية تجارب الأُمم ٦: ٣٩ نقلاً عن تكملة تاريخ الطبريّ.

٢ - نفسه ٦: ٤٥.


طالب النوبختيّ(١) . وهذا الرجل هو الذي نصبه القاهر العبّاسيّ مع أبي يعقوب إسحاق النوبختيّ سنة ٣٢٠هـ وكيلاً لبيع بعض العقارات.

١٢ - محمّد بن روح النوبختيّ. من رواه أخبار أبي نواس لحمزة الأصفهاني(٢) . ولعلّه أخو الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح.

* * *

ذكر ابن خلّكان شاعراً يُدعى أبا الحسن عليّ بن أحمد بن نوبخت الذي توفّي بمصر في شعبان سنة ٤١٦هـ(٣) . ولا يُعلّمُ هل كان هذا الشاعر من أفراد الأُسرة النوبختيّة المشهورة أو كان شخصاً آخر له جدّ يسمّى نوبخت أيضاً.

____________________

١ - شرح ديوان أبي نواس ج٢، f. ٢٧١ b.

٢ - نفسه ج٣، f. ٢٨١ a-b.

٣ - وفيات الأعيان ١: ٤٩٩ (طبعة باريس).


دليل الموضوعات

مقدّمة المترجم. ٥

المقدّمة ١١

آل نوبخت.. ١٩

الفصل الأوّل: نوبخت جدّ الأُسرة ٢٣

الفصل الثاني: أبو سهل بن نوبخت.. ٢٩

الفصل الثالث: أبناء أبي سهل بن نوبخت.. ٣٣

١ - إسماعيل. ٣٣

٢ - أبو أيّوب سليمان. ٣٧

٣ - داود ٣٧

٤ - إسحاق. ٣٧

٥ و٦ و٧ - أبو الحسين عليّ، وهارون، ومحمّد. ٣٧

٨ - أبو العبّاس الفضل. ٣٨

٩ - عبد الله. ٣٩

١٠ - سهل وابنه حسن. ٣٩

أبو نواس وآل نوبخت.. ٤٠


الفصل الرابع: ظهور علم الكلام والمتكلّمين الأُوَل  ٤٥

المعتزلة ٥٢

علم الكلام ٥٨

الاعتقاد بخلق القرآن. ٦٤

الفصل الخامس: الشيعة ومتكلّموهم الأُوَل. ٧١

فرق الشيعة المختلفة ٧١

الإمامة ٧٦

الإماميّة ومتكلّموهم الأُوَل. ٨٠

١ - أبو جعفر مؤمن الطاق. ١٠٢

٢- هشام بن سالم الجواليقيّ. ١٠٣

٣- هشام بن الحكم. ١٠٣

٤ - أبو الحسن عليّ بن ميثم التمّار ١٠٦

٥ - أبو مالك الحضرميّ. ١٠٦

٦ - أبو جعفر السَّكّاك. ١٠٧

٧ - يونس بن عبد الرحمن القمّيّ. ١٠٨

٨ - عليّ بن منصور ١٠٩

٩ - أبو حفص الحدّاد النيسابوريّ. ١٠٩

١٠ - أبو الأحوَص البصريّ. ١١٠

١١ - أبو عيسى الورّاق. ١١٠

١٢ - ابن الراونديّ. ١١٤

١٣ - أبو جعفر بن قبّة الرازي. ١٢١

الفصل السادس: أبو سهل إسماعيل بن عليّ. ١٢٣

١ - الحياة الإداريّة لأبي سهل النوبختيّ. ١٢٤


٢ - حياته العلميّة والأدبيّة ١٢٨

٣ - تلاميذه ١٣٢

٤ - أبو سهل النوبختيّ وموضوع الغَيبة ١٣٤

٥ - أبو سهل النوبختيّ والحسين بن منصور الحلاّج. ١٤٠

٦ - مؤلّفاته ١٤٤

أبو جعفر محمّد. ١٥٤

الفصل السابع: أبو محمّد الحسن بن موسى. ١٥٥

١ - ترجمة أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختيّ. ١٥٥

٢ - مؤلّفات أبي محمّد النوبختيّ. ١٥٩

كتاب الردّ على الغلاة ١٦٦

كتاب الآراء والديانات.. ١٦٧

كتاب فرق الشيعة ١٧١

هل كتاب (فرق الشيعة) المتداول من تأليف أبي محمّد النوبختي؟ ١٧٥

فرق الشيعة بعد وفاة الإمام العسكريّ عليه‌السلام.... ١٩٢

الفصل الثامن: أبو إسحاق إبراهيم مؤلّف كتاب (الياقوت) ١٩٩

عصر مؤلّف (الياقوت) ٢٠١

كتاب أنوار الملكوت.. ٢٠٤

كتاب الابتهاج. ٢١٣

الفصل التاسع: أبو يعقوب إسحاق بن إسماعيل  ٢١٧

الفصل العاشر: أبو الحسين عليّ بن عبّاس.. ٢٢٩

آل نوبخت والبُحتريّ. ٢٣٣

آل نوبخت وابن الروميّ. ٢٣٤


أبو عبد الله الحسين بن عليّ (نجل أبي الحسين عليّ بن عبّاس) ٢٣٦

الفصل الحادي عشر: الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح  ٢٤٧

الحسين بن روح والشَّلْمغانيّ. ٢٥٧

دعاوى الشلمغانيّ. ٢٦٠

مؤلَّفات الشلمغانيّ. ٢٦٥

الفصل الثاني عشر: أبو الحسن موسى بن كبرياء ٢٧٥

الفصل الثالث عشر: أبو محمّد الحسن بن الحسين  ٢٧٧

الفصل الرابع عشر: سائر أفراد الأُسرة النوبختيّة ٢٨١