السقيفة
تأليف:
العلامة المجدد الشيخ محمد رضا المظفر
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم : الدكتور محمود المظفر
الاستاذ في كلية الفقة بالنجف الاشرف
يعد موضوع (السقيفة) الذي يدور البحث حوله في هذا الكتاب: من اهم الموضوعات وابعدها اثرا في تاريخنا الاسلامي حيث تشابكت حوله آراء المؤرخين والباحثين العقائديين، وامتد فيها الجدل واسعا بينهم.. باعتباره (فتنة) وقى الله المسلمين شرها - على حد قول بعض اطرافها او باعتباره (انقلابا) تطبيقا لما جاء في قوله تعالى:( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) .
ولذلك كان لهذا الموضوع الخطير الذي عالجه عمنا الراحل (الرضا) قدس الله نفسه الزكية في كتابه الفريد المذكور آثاره وصداه البعيد في حينه بحيث صار محورا للنقد والتعليق ومثارا للمناظرات:
فقد صدر على اثره عن مطابع مصر كتاب (رد على السقيفة) منسوبا الى عبد الله الحضرمي.. تناول فيه بالرد على كتاب (السقيفة) بشكل جانب فيه الموضوعية واصول البحث والمناظرة.
ثم صدر ردا عليه الكتاب الموسوم بـ (رد على السقيفة ) لمؤلفه السيد القزويني احد اعلام البصرة الذي تولى فيه باسهاب مناقشة الرد المذكور ومعالجة موضوعاته المختلفة.
كما ظهر بعدئذ (كراس) بعنوان (على هامش السقيفة) وهو الذي احتوى ما قدمه السيد عبد الله الملاح البحاثة الموصلي الى الشيخ المؤلف من اسئلة وملاحظات، وما توفر عليه المؤلف من اجابات وايضاحات لها.
لقد كان من رغبتنا ان نقوم بجمع الاصل والردود المذكوره مع ما كتب من ايضاحات او تعليقات رددتها بعض الكراريس والمجلات في مجلد ضخم واحد، يعرض المشكلة محررة باقلام اطرافها.. بيد ان محاولة تستر مؤلف كتاب (رد على السقيفة) وراء اسم عبد الله الحضرمي المذكور الذي لاواقع له فيما ظهر لنا، الامر الذي يتطلب استجازة صاحبه الحقيقي في اعادة نشره، مضافا الى ان المؤلف نور الله ضريحه لم يشأ في حينه ان يعلق على واحد من تلك الردود او التعليقات خلا تلك الاسئلة والاستفسارات التي وجهها اليه الاستاذ الملاح والتي اثرنا الحاقها مع اجوبتها في آخر الكتاب.
ان هذا ونحوه دعانا بالفعل الى العدول عن تحقيق فكرة المجمع هذه، مفضلين اعادة نشر الكتاب ملحوقا به الهامش المذكور وحده لما احتواه هذا الهامش من اسئلة واجوبة قد تساعد كثيرا على توضيح وتعميق بعض مسائل الكتاب.
على اني لا اجد في هذا الحين اكثر ثمرة وعطاءا من التوسع في نشر هذا الكتاب نفسه وتعميمه بين الفئات المتطلعة الى هذا النوع من الدراسات التحليلية والموضوعية لذلك بودر باعطاء الاجازة لنشره هذه المرات العديدة التي جاوزت السبع بما فيها هذه الطبعة.. سواء ما نشر منه في لغته الاصلية او فيما ترجم الى اللغات الاخرى من فارسية واوردية.
هدانا الله تعالى جميعا سواء السبيل وشد من أزرنا كامة اسلامية واحدة تسعى وراء الحقيقة.
النجف الاشرف
١٧ ربيع الاول ١٤٠٠ هـ .
محمود الشيخ محمد حسن المظفر
مقدمة
كان المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر قد اشرف
على نشر الكتاب في طبعته الثانية، وقد سجل هذه
الكلمة القيمة التي نعيد نشرها في هذه الطبعة معتزين
بها.
-١-
موضوع هذا البحث قديم جدا وقد سبق ان عالجته عشرات الاقلام في مختلف العصور وكان مسرحاً لكثير من عواطف الكتاب تلاعبت فيه بأساليبها الخطابية التي لايراد بها غير تركيز عقيدة اصحابها من طريق اللف والدوران ولم يسلم من آفاتها الا القليل.
وعلى كثرة من كتب فيه في عصرنا الحاضر لم اجد في الغالب من اخضعه للتطور فغير في مناهج البحث، وجدد في طريقة الاستنتاج وبدل في اساليب العرض الى ما يلائم
اذواق العصر فكانت حاجته كبيرة الى من يعالجه معالجة موضوعية مجردة من ناحية، ويأخذ بيده الى حيث يرجى له من التطور الذي تقتضيه مناهجنا العلمية الحديثة من ناحية اخرى.
واشتدت الحاجة قبل عدة من سنين حين كثر البحث في هذا الموضوع كثرة تلفت اليها الانظار وحين ازدحمت عليه العواطف فأساءت استغلاله وتركته عرضة لاحداث ومشاكل اجتماعية يذكر الكثير من القراء مدى مفعولها في هذه الاوساط وكان لابد لهذا الطغيان العاطفي من احداث رد فعل في نفوس بعض الباحثين المجردين ممن تهمهم رسالتهم العلمية قبل كل شيء.
وكان سماحة شيخنا العلامة المظفر- مؤلف هذا الكتاب في طليعة اولئك الباحثين كما كان كتابه هذا نتيجة لرد الفعل الذي احدثه ذلك الطغيان.
-٢-
اما الكتاب فقد وفق في عدة نواحي وُفق في نظرته لبحثه نضرة موضوعية خالصة لا يلمس فيها للمؤلف أية عاطفة ولا يدرك فيها أي تحيز واذا قدر له ان ينتهي في بحثه الى حيث تنتهي عقيدته المذهبية فليس ذلك الا لان منهجه العميق انتهى به الى هذه النهاية، ووفق في منهجه العلمي الدقيق القائم على التماس ملابسات شتى القت كثيرا من الاضواء على هذه الحادثة التاريخية بالاضافة الى ما عرض من النصوص الواردة فيها خاصة ناقدا لها جميعا نقدا دلاليا دقيقا مجليا مفاهيمها
على حسب ما يقتضيه الفن معتمدا في ذلك اصح الطرق الموصلة اليها مختارا من الاحاديث ما اتفق عليه الثقات من ائمة الحديث لدى الطائفتين المسلمتين، ووفق اخيرا في اسلوبه في العرض وتنظيمه لبحثه تنظيما فنيا ينتهي بك الى نتائجه من اقرب الطرق وايسرها ببيان رائع جذاب.
والحق ان الكتاب يعتبر مرحلة تطورية مهمة اوصل بها المؤلف هذا البحث الى عصره الذي يعيش فيه وهو من الكتب القلائل في هذا الموضوع التي ادت وظيفتها كاملة.
-٣-
ولعل القاريء الكريم يود ان يعرف مدى اثر هذا الكتاب في نفوس الباحثين والمعنيين بهذه الشؤون وكيف استقبلوا بحوثه الحرة والى أي مدى كان اقبالهم عليه او اعراضهم عنه، والحقيقة ان الناس لم يتفقوا عليه بحال فقد انقسموا حوله طائفتين رضيت عنه اولاهما وحمدت لمؤلفه اسلوبه المجرد واطرته اطراء عاطرا وخير من يمثلها من الاعلام سيد هذا الفن في عصرنا الحاضر سماحة اية الله العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين مؤلف كتاب المراجعات وغيره مما يعتبر فتحا في البحوث الكلامية التي خضعت للمنهج العلمي في عصرنا الحاضر فقد كتب حفظه الله الى مؤلفه كتابا يعرب فيه عن رأيه فيه وفي مؤسسته التي يرأسها، نذكره هنا بنصه اعتزازا بثقته بالكتاب واكبارا لرأيه
بالمؤسسة التي احتضنها المؤلف واعتبر بحق، رائدها الاول وحافظ سيرها وتوازنها منذ تأسيسها حتى اليوم وهذا نص الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام على امير المؤمنين وسيد الوصيين ورحمة الله وبركاته
ايد الله شيخنا العلامة البحاثة المجاهد الشيخ محمد رضا المظفر واعز اقطاب مجمعه الثقافي الديني لمنتدى النشر وسلام الله عليه وعليهم وحي الله منهم ارواحا طيبة طاهرة تصدع بالحق في منتداه الكريم.
وبعد فقد اخذت هديتكم القيمة كتاب (السقيفة) بعين الشكر ثم استشففت فيه اثر الجهد النبيل الجدير بالمؤسسة العلمية الطالعة بما انتظمه من سلامة البحث وسمو التفكير وحسن الأداء على وجه سد فراغا في المطبعة النجفية.
وكنا فيمن عقد الامل (بالمنتدى) يوم تأسيسه وناط به الرجاء ان يكون له الاثر المحمود في توجيه الناشئة الدينية وبناء الجيل الطالع وتجديد ميراث النجف في بعث يلائم التطور الحاضر ويماشيه في مداه الطويل ووسائله المنوعة وذلك اني رايت من قديم ان الهدى لا ينتشر الا من حيث ينتشر الضلال وعلى هذا رجوت ان تكون المطبعة وتنويع المنهج
الدراسي واحياء العلوم الاسلامية المذخورة كل هذا من رسالة منتداكم المرجو ولم تخلفوا الظن ولله الحمد فان الذي يبلغنا من اخباركم السارة واثاركم النافعة يثلج الصدر وينعش الامل وليس شيء كأثركم الاخير هذا السفر الجليل داعيا الى الاطمئنان والاستبشار بمستقبل نير يضع النجف الاشرف في مكانه الاسمى ومحله الارفع والسلام عليك ورحمة الله
عبد الحسين شرف الدين
ولهذا الكتاب الكريم نظائر من الكتب من اعلام الباحثين الذين يألفون هذا النمط من التفكير تركنا ذكرها الان اكتفاء بهذه الرسالة الجليلة. أما الطائفة الاخرى التي لم يبد انها ارتاحت لهذا الاسلوب من البحث واعتادت على مواجهة مثله بأعصاب متوترة توجهها العاطفة حسبما تريد فخير من يمثلها مؤلف كتاب (رد على السقيفة) وهذا الرد اذا استثنينا منه ما حشد فيه مؤلفه من الفاظ السباب الخارجة على اداب البحث والتي يفزع اليها العاطفيون عادة اذا اعوزتهم الحجة لم يخلص لنا منه الا القليل.
وهذا القليل وضع في حضرته للنقد والجدل مقياسا لا نتفق عليه معه بوجه وما ادري الى أي حد يتفق معه الاخرون من باحثي قومه عليه فهو يرى كما يبدو من مجمع الكتاب ان المقياس لديه في كل شيء يتعلق بالموضوع هو
ميوله الخاصة، فالاحاديث التي لا تتفق معها احاديث موضوعة وان اجمع ثقات المحدثين من الطرفين على تصحيح اسانيدها مع ان بعضها متواتر لا يشك بصدوره عن النبي صلى الله عليه وآله بحال، والاحاديث التي توافق هواه صحيحة وان حكم ارباب الجرح والتعديل من قومه بوضعها وشخصوا الواضع وعينوه، ومداليل الاحاديث يجب ان تصرف عن ظواهرها اذا لم تؤيده وان خرج الكلام على الاصول الموضوعة في هذا الفن الى اخر ما هنالك مما لا يقتضي التعرض له في صدور هذا الكتاب على ان هذا ليس غريبا على حضرته ما دام يواجه التأريخ بهذه الذهنية، ولكن الغريب من مجلة مصرية تنطق بلسان هيئة محترمة قرأ محرروها الرد ولم يقرؤا الاصل فاستعاروا منه اسلوبه في الشتم ونحوا على الكتاب وصاحبه باللوم والتقريع مع ان (التبين) كان اليق بهم وبمكانتهم العلمية لئلا يصيبوا قوما بجهالة فيصبحوا على ما فعلوا نادمين.
-٤-
وعلى أي حال فأن لجنة المجمع الثقافي الديني لمنتدى النشر لم تجد ما يصلح للرد على هذا وامثاله اكثر من السماح للناشر الفاضل الشيخ محمد كاظم الكتبي باعادة طبعته للمرة الثانية وتمكين القاريء الذي لم يقدر له الحصول على نسخة منه من الاطلاع عليه تاركة للقراء وحدهم حق الحكم له او عليه، ولا يفوتنا ان نشكر الناشر على ما بذل في
نشره من جهد ونسأله تعالى اخيرا ان يلهمنا جميعا الصواب والسداد.
٥ رمضان سنة ١٣٧٢ هـ
١ - تأثير العقيدة على المؤرخ
بسم الله الرحمن الرحيم
وله الحمد على سوابغ آلائه. والصلاة والسلام على نبيه وآله وصحبه النجباء.
من اشق الفروض على المؤرخ ان نفض عن ردائه غبار التعصب لنزعاته الشخصية من دينية أو قومية أو وطنية ونحوها. بل لعله من شبه المستحيل ان ينزع من قلمه لحاء عقائده وأهوائه. فان النفس تلهم عقل صاحبها التصديق بميولها وعواطفها، وكثيرا ما تقف سدا منيعا بين بصيص عقله والحقيقة، وإن حاول ان يخرج من نفسيته التي ورثها ونشأ عليها. ويتحلل فكره من أسرها وسجنها ليحلق في جو الحق الطليق. واذا رأيت طائرا أسعده الحظ فتحرر من سجنه فالحقه اذا كنت حرا مثله، فستجد ان جناحه مثقل بغبار
السجن، وارجله لا تزال متأثرة بالقيود، فيختلج في رفيفه ويتثاقل في طيرانه، وقد يهوي أحيانا الى الهوة غير مختار.
هذا من حاول ان يتحرر من شخصيته الاعتقادية وتأثيرها عليه. اما من يؤرخ لأجل غذاء عقيدته، أو يؤلف ارضاء نفسه أو محيطه، فاقرأه ألف سلام! وأرجو من الله تعالى ان يؤفقني لئلا أكونه.
وأظنني غير مبالغ اذا قلت: إن المؤرخين من السلف على الأكثر وأقول (على الاكثر) اذا أردت الاحتياط في القول كانوا من النوع الثاني. بل حتى المؤرخين النوع الثاني. بل حتى المؤرخين في عصرنا لا يخرجون عن هذه الطريقة على الغالب. وإن تظاهروا بحرية الرأي وانصاف الواقع والحق، فظهر جليا بالرغم على المؤرخ نزعته على قلمه ويتماشى تأريخه وتأليفه مع الروح التي يحملها، فيختار من الاحاديث مالا يفسد عليه رأيه، ولا يصدق إلا بما يجري على هواه. فكم يكون الرجل عنده كذابا وضاعا، لأنه نقل مالا يتفق ومبادءه، وكم يكون عنده صدوقا لأنه لم يرو إلا أحاديث تؤيد طريقته.
٢ - اضطراب التاريخ
وهناك بلاء مني به التاريخ الاسلامي خاصة حماه
بالغموض والشك عن الباحثين المنصفين. ذلك كثرة ما لفقه الوضاعون والدساسون في القرون الاولى من الهجرة، لا سيما القرن الاول فاشاحوا بوجه الحقائق وقلبوها رأسا لعقب.
وليس أدل على ذلك من التناقض والاضطراب الموجود في اكثر احاديث الوقائع التاريخية، فضلا عن الاحكام الشرعية، ما عدا الاختلاف في خصوصيات الحوادث والاحكام مما يذهب بالاطمئنان الى كل حديث. ولا اظن ناظرا في التاريخ لا يصطدم بهذه الحقيقة المرة. ولا يمكن ان يحمل كل ذلك على الغلط في النقل والغفلة في الرواية.
ولنعتبر بأهم حادثة يجب اتقانها عادة، مثل يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فانك تعلم كيف وقع الاختلاف في تعيين اليوم من الشهر بل في تعيين الشهر. وهذا أمر شهده جميع المسلمين وهزهم هزا عنيفا فلا يمكن ان يفرض فيه النسيان او الغفلة. فماذا ننتظر بعد هذا من تاريخ حروبه واحواله، ومن نقل اقواله واحاديثه لا سيما فيما يتعلق بالشئون التي اختلف فيها المسلمون فتحاربوا عليها، او تشاتموا لاجلها فكفر بعضهم بعضا.
ولعل اسباب الوضع ثلاثة اشياء:
١ - حب تأييد النزاعات والعقائد، فيغري على الكذب ولعل ذلك يخدعه بأن الرأي الذي يعتقده حقا يسوغ له الوضع، ما دام الموضوع في اعتقاده هو او شبيه به.
٢ - حب الظهور والتفوق فقد كان للمحدث في العصور الاولى المنزلة العظيمة بين العامة، وبالحديث كان التفاخر والتقدم، ويمتاز من كان عنده من الحديث ما ليس عند الناس، فأغرى ذلك ضعفاء العقول وعبدة الجاه، فاحتالوا للحديث من كل سبيل، حتى من طريق الوضع والتزوير.
٣ - ما بذله الامويون واشياعهم من كل غال ورخيص للمحدثين على وضع ما يؤيد دستهم وملكهم واهواءهم، ولا سيما فيما يحط من كرامة آل البيت، وفيما يرفع من شأن اعدائهم وخصومهم، فكثرت القالة يومئذ واتسع الخرق، حتى طعن الاسلام طعنة نجلاء لم يبرأ منها الى يوم الناس هذا.
٣ - خطة الكتاب
فلذا وذاك أصبحت، وانا كثير الشك والتحفظ في جملة مما ينقله المؤرخون والمحدثون، وأقف حائرا عند كل حديث يتعلق بالخلافات المذهبية خاصة.
فكيف بي، وانا اقحمت نفسي في البحث عن اول حادث في الاسلام نشب فيه الخلاف بعد الرسول وانشق فيه المسلمون طائفتين ذلك حادث(السقيفة)!.
كيف بي، وقد وقفت بين نفس تطالبني بأن ارضيها في عقيدتها، وبين تأريخ هذا حاله قد احيط بالشكوك والشبهات وقد كتب في الحادثة الطرفان، فشرقت طائفة وغربت اخرى.
ولكني اريد الآن ان أتحرر من عقيدتي واتمرد على نفسي فأقف حرا على نشز من الانصاف والتروي، وأمسح عن عيني غبار التعصب لارى تلك الحقيقة الواحدة وهي واحدة في كل شيء فهل اراني استطيع علاج ما بي؟ هذا ما أشكه في نفسي وواجب علي الا اثق بها، فما السبيل إذن؟ ثم ماذا سأصنع في علاج الناحية الاخرى: ناحية التاريخ المظلم؟
انها لمزلة للقدم، ولها ما بعدها؟.
دعني أرجع ادراجي؟.
لكنه الهوى في النفس وعزيمة صحت من عهد المعمي من عهد ليس بالقريب لا كشف لنفسي، او لغيري اذا جاء لي ذلك اللغز المعمى، ومن يستطيع ان يدافع ذلك من نفسه.
على اني اجد في بحثي سلوة ومتعة يلذ لي فيه ان المس بعض الحقائق عن بصيرة ومتعة اخرى ان اسجله انتاجا باقيا للناس.
وايضا لما كنت احاول ان صدقتني المحاولة ان احيط باسرار الحادثة وفلسفتها ونتائجها، فلا يكون ما اكتبه تأريخا مجردا جافا واحدوثة خالية من ذوق، فان ذلك يستحثني على
المضي في البحث ويشجعني على اخراجه للناس. وان كان فيه صعوبة اخرى قد تقحمتها وجب الي عبؤها الثقيل.
وبعد التفكير والمحاولات مدة طويلة هديت الى شيء واحد بالاخير ارجو ان ابتعد بسببه عن تأثير العواطف ولعبها بالعقول واقترب من الحق والصدق، هو ان اكثر من مراجعاتي لمؤلفات من اخالفه في الرأي من ناحية مذهبية، بل اجعلها هي المصدر في البحث وظني ان بهذا سيحصل التفاعل من الجانبين: عقيدتي وهذه المصادر، لينتج ما قد يسمونه (الوسط في الرأي) او تكون الحقيقة قد اهتديت اليها بهذه الحيلة، إن طاوعتني .
وقد اخذت على نفسي في هذا الكتاب ان اسجل خلاصة مطالعاتي ومحاكماتي التاريخية، بعد ان سبرت كثيرا من المصادر القديمة التي اشرت اليها آنفا، فاذا كنت اذكر حديثا او حادثا تأريخيا توافرت المصادر على ذكره وتوثيقه، فاني لا اذكر معه تلك المصادر توفيرا على القاريء خشية إعناته بدون جدوى، الا بعض الاحاديث التي ينفرد بها مصدر او مصدران، فاني اضطر اضطرارا الى ذكر المصدر في التعليقة تنويرا لذهن القارئ غير المتتبع.
وكل جهدي ان اضع بين يدي القراء صورة مصغرة مما اهتديت اليه من افكار، ارجو ان تكون خالصة من تأثير
العواطف والنزعات حرة هي الحق كله او قريبة من الحق، وبالله التوفيق ومنه التسديد.
شهر رمضان ١٣٥٣ هجرية
المؤلف
محمد رضا المظفر
تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
في عام ١١ للهجرة يفعل الدهر فعلته الأولى، فيقلب صفحة من صفحات التاريخ الاسلامي المجيدة كتبت بأحرف من النور الالهي. كلها ايمان وصدق، جهاد وتضحية، فخر وقوة، عز ومجد، عدل ورحمة، اخوة وانسانية.
يقلب الدهر هذه الصفحة الناصعة بالخيرات والفضائل، بأفول ذلك النور المقدس من الأرض، فيستقبل بالمسلمين صفحة من كتابه التكويني مشوشة الخط قال عنها الكتاب التشريعي:( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) . لا شك عند من يعترف بالقرآن الكريم وحيا إلهيا لا ينطق صاحبه عن الهوى، في ان هذا الحادث التاريخي العظيم بموت منقذ الأنسانية، كان حدا فاصلا بين عهدين يختلفان كل الاختلاف: ذاك اقبال بالنفس والنفيس على الحق تعالى، وهذا انقلاب عنه على الأعقاب. إذن نحن الآن أمام أمر واقع:
مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم!
ولا بد أن يكون المسلمون ( - كلهم؟ لا أدري الآن) قد انقلبوا على اعقابهم.
ولكن... بأي حادث كان مظهر هذا الانقلاب؟.
***
اعطني من نفسك أيها القارئ وفكر بحرية، والتمس لي حادثا ذا بال وقع بعد وفاة صاحب الرسالة مباشرة، فنضح برذاذه جميع المسلمين، فهل تجد غير حادث (السقيفة)؟ ما أعظمه من حادث! وهل تدري ان الشيعة تفسر الآية الكريمة به؟.
فاذا اردنا الآن أن نبحث عن (السقيفة)، فإنما نبحث عن اعظم حدث في الاسلام، واول حوادثه بعد الوفاة، له علاقته الخاصة بالآية الكريمة، أتفسر به أو لا؟.
وعلى هذا الاساس قلت في المقدمة شرق فيها قوم وغرب آخرون فدخلت العقائد والأهواء في سرد الحادثة، فكانت ذات ألوان ووجوه يكد فيها الباحث، ويجهد مستهدف الحقيقة.
***
وما علي لو أدعي قبل الدخول في بحث السقيفة ان الآية الكريمة تفسر بحوادث الردة التي وقعت في خلافة ابي بكر.
ولكني لا اطمئن الى هذا الاحتمال، ما دامت الآية تشعرنا بأن الانقلاب يقع بعد موت النبي مباشرة، وما دامت هي خطاباً لجميع المسلمين، واهل الردة كيفما فرضناهم هم اقل القليل من المسلمين، بل في العدوة القصوى منهم.
وفوق ذلك نجد ان عمدة من نسميهم بأهل الردة هم المتنبؤن واشياعهم، كمسيلمة واتباعه، وطليحة واوليائه. وهؤلاء كانوا في عهد النبي واستغلظ امرهم بعده، ما عدا سجاح التميمية، وما كان لها كبير شأن وقد اندمجت بمسيلمة. اما الأسود العنسي فقد قتل في حياة الرسول ولازم انصاره طريقته بعده. وعلقمة بن علاثة ارتد في زمانه صلى الله عليه وآله. ومثله ام رفل سلمى بنت مالك وتابعوها.
أفيصح ان نقول: إن هؤلاء انقلبوا على الاعقاب بعد النبي، وكان الخطاب بالاية لهم؟ اللهم ان هذا يأبى الانصاف ان يصدق به، عند من كان له شيء من حرية الرأي وصحة التفكير.
ومالك بن نويرة(١) .
مالك وادع سجاح (والموادعة. المتاركة والمسالمة على ترك الحرب كما كان كعب القرضي موادعا لرسول الله). وليست الموادعة من الردة في شيء واكثر من ذلك إنما كانت
______________________________
(١) وبه يضرب المثل المشهور: (فتىً ولا كمالك).
منه لمصلحة المسلمين، ليرد سجاح عن غزوهم في تلك الأصقاع النائية عن مركز المسلمين. وكان الذي أراد.
وإن كانت تلك الموادعة ذنباً، فقد اظهر هو وقومه التوبة بعد ذلك، كما صنع وكيع وسماعة، وهما وادعا سجاح ايضا، وقبل المسلمون المحاربون توبتهما.
وهذا ابو بكر يدين مالكا إذ قتله خالد بن الوليد وخلا بزوجته ليلة قتله، فهل تفسر بهذا آية الانقلاب؟.
ولا ذنب لمالك إذ عد من اهل الردة إلا أن قاتله بطل المسلمين يومئذ وقائدهم. وحقيق عليهم ان يدافعوا عن فعلته ويبرروا عمله. فليكن مالك مرتدا يستحق القتل! وما يهمنا ان نشين مالكا بما يستحق وبما لا يستحق، ما دامت كرامة خالد محفوظة مصونة من النقد!.
عمر بن الخطاب يريد ان يؤخذ خالد بقتله لمالك ونزوه على زوجته وابو بكر يعتذر عنه (انه اجتهد فأخطأ). وما الخطأ على المجتهدين بعزيز. وهذا من اوليات ابي بكر. إذ يجعل الاجتهاد عذرا للمخالفة الصريحة للقانون الاسلامي.
وابو بكر لم يقل لمتمم اخي مالك انه ارتد فقتل بل قال له: ما دعوته وما قتلته، لما قال له متمم من ابيات:
ادعوته بالله ثم قتلته |
لوهو دعاك بذمة لم يغدر |
نعم! التاريخ ينزه مالكا. وقضى الدفاع عن خالد ان يحكم بعض الكتاب في هذا العصر بكفر مالك وارتداده!.
***
ومن هم أهل الردة غير هؤلاء؟.
مانعوا الزكاة.
مانعوا الزكاة؟. من هؤلاء بأسمائهم وقبائلهم! ليت احدا يرشدني اليهم! فقد وجدت التأريخ يجمجم في ذكرهم فيحصر، ويروح ويغدو فلا يجد غير المتنبئين واشياعهم. وأبو بكر لما قال كلمته المشهورة: (لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه)، فانما قالها عندما جاء وفد طليحة المتنبئ المتقدم ذكره يطلبون الموادعة على الصلاة وترك الزكاة، لافي قوم غير المتنبئين.
واذا كانوا وربما كانت بعض القبائل المجهولة امتنعت عن الزكاة فهل العصيان بترك واجب، وهم يقيمون الصلاة يكون كفرا وارتدادا؟ بأي مذهب وبأي دين؟ فليتأول المتأولون ما شاؤوا.
ولم يعرف عنهم انهم أنكروا وجوب الزكاة بقول، حتى يكونوا من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين. وأكثر ما عرف عنهم اذا كان لهم من منكري ضروريات الدين الذين يعدون في الكافرين المرتدين.
وأكثر ما عرف عنهم اذا كان لهم وجود غير المتنبئين انهم امتنعوا عن أدائها.
وتغلق دعوى المدعي أن هؤلاء أنكروا بيعة ابي بكر التي كانت عن غير مشورة من المسلمين كما صرح به عمر بن الخطاب، فلم يعترفوا له بامامة وولاية حتى يؤدوا له الزكاة. ولعلهم كانوا يطالبون بخلافة من كان النص من النبي على خلافته، فأهمل مطالبتهم التأريخ.
هذه احتمالات لا يفندها التأريخ والاعتبار وادعتها الشيعة فيهم، فما لنا بتكذيبها من برهان، فالأحسن لنا ألا نعترف بوجودهم كما أهمل التأريخ أسماءهم وقبائلهم.
ومهما كان الامر، فان استطاع الكاتب ان يثبت الانقلاب بأول حدث في الاسلام، فلا يهمه ماذا سيكون شأن الحوادث اللاحقة، بل يستعين على تفسيرها بتفسير الحادث الأول، وكفى!
وأجدني مضطرا قبل كل شيء الى ان اقف مع القاريء على ما صنعه النبي صلى الله عليه وآله، من حل للخلاف بعده: إما في وصية باستخلاف أحد، او في قاعدة مضبوطة يرجعون اليها، او انه اهمل الأمر وتركهم وشأنهم، لأن هذا البحث له علاقة قوية في موضوع بحثنا، يتوقف عليه تفسير كثير من الحوادث.
إذن سنعقد الكتاب على اربعة فصول:
الفصل الاول في موقف النبي تجاه الخلافة
الفصل الثاني في تدبيره لمنع الخلاف
الفصل الثالث في بيعة السقيفة
الفصل الرابع موقف علي بن ابي طالب.
الفصل الاول: مَوقِفْ النَّبي تجَاه الخَلافَة
(١ هل كان يعلم بأمر الخلافة؟)
هل تجد من نفسك الميل الى الاعتقاد بأن النبي صلى الله عليه وآله كان لا يعلم بما سيجري بعده: من خلافات وحوادث من اجل الخلافة؟ وهل تراه كان غافلا عما يجب في هذا السبيل؟.
إذا كان لك هذا الميل فلا كلام لي معك، وارجو منك ياقارئي العزيز علي أن تلقي الكتاب عندئذ عنك ولا تتعب نفسك بالاستمرار معي الى اخر الحديث، لاني افرض قارئي مسلما يؤمن بالنبي ورسالته، ويعرف من تأريخه ما يكفيه في طرد هذا الوهم.
فان من يمت الى الاسلام بصلة العقيدة لابد ان يثبت عنده على الاقل ان صاحبه صرح في مقامات كثيرة بما ستحدثه امته من بعده فقد قال غير مرة: (ستفترق امتي على ثلاث وسبعين فرقة فرقة ناجية والباقون في النار).
واكثر من ذلك انه لم يستثن من اصحابه إلا مثل همل النعم، ثم هم يدخلون النار بارتدادهم بعده على ادبارهم القهقري، او يردون عليه الحوض فيختلجون بما احدثوا
بعده. وفي بعض الاحاديث: (فيقال لي: إنهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم)(١)
واخبرهم انهم يتبعون سنن من قبلهم شبراً بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعوهم.
و (الخلافة) امر كانت تحدثه به نفسه الشريفة، ويشير اليها انها ستكون ملكا عضوضا بعد الثلاثين سنة. وثبت انه قال: (هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش). وقال: ( من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية). وقال... وقال... الى مالا يحصى.
وسيرته والأحاديث عنه وما اكثرها تشهد شهادة قطعية على ما كان من اختلاف امته، وعلى أن الخلافة والامامة من اولى القضايا التي كانت نصب عينيه.
٢ - هل وضع حلا للخلاف؟
إذن كان صلى الله عليه وآله وسلم عالما بأن الدهر سيقلب لأمته صفحة مملوءة بالحوادث والفتن، والخلافات والمحن، وان لابد لهم من خلافة وإمارة.
______________________________
(١) صحيح مسلم ٨: ١٠٧ وغيره
فلا بد ان نفرض انه قد وضع حلا مرضيا لهذا الامر يكون حدا للمنازعات وقاعدة يرجع اليها الناس، لتكون حجة على المنافقين والمعاندين، وسلاحا للمؤمنين، ما دمنا نعتقد انه نبي مرسل جاء بشيرا ونذيرا للعالمين الى يوم يبعثون، فلم يكن دينه خاصا بعصره، ليترك امته من بعده سدى من غير راع او طريقة يتبعونها، مع علمه بافتراق امته في ذلك.
ولا يصح من حاكم عادل ان يحكم بنجاة فرقة واحدة على الصدفة من دون بيان وحجة تكون سببا لنجاتهم باتباعها، وسببا لهلاك باقي الفرق بتركها.
لنفرض ان الحديث والتأريخ لم يسجلا لنا الحل الذي نطمئن اليه، فهل يصح ان نصدقهما بهذا الاهمال، ونوافقهما على ان النبي ترك امته سدى، وفي فوضوية لاحد لها يختلفون ويتضاربون، ثم يتقاتلون، وتراق آلاف آلاف الدماء المسلمة، ساكتا عن اعظم امر مُني به الاسلام والمسلمون، مع انه كان على علم به؟.
ولو كنا نصدقها مستسلمين لكذبنا عقولنا وتفكيرنا، فان الاسلام جاء رحمة لينقذ العالم الاسلامي من الهمجية والجاهلية الأولى ، فكيف يقر تلك المجازر البشرية في اقصى حدودها، تلك المجازر التي لم يحدث التأريخ عن مثلها ولا عن بعض منها في عصر الجاهليين.
فما علينا إلا ان نتهم التأريخ والحديث بالكتمان وتشويه الحقيقة بقصد او بغير قصد. ولئن لم يكن محمد نبياً مرسلا يعلم عن وحي ويحكم بوحي فليكن على الاقل اعظم سياسي في العالم كله لا اعظم منه، فكيف يخفى عليه مثل هذا الأمر العظيم لصلاح الأمة بل العالم بأسره مدى الدهر، او يعلم به ولا يضع له حدا فاصلا؟.
وهل يرضى لنفسه عاقل يتولى شئون بلده فضلاً عن امة، ان يتركها تحت رحمة الاهواء واختلاف الآراء ولو لأمد محدود، وهو قادر على اصلاحها او التنويه عن اصلاحها، إلا ان يكون مسلوبا من كل رحمة وانسانية؟ حاشا نبينا الاكرم من جاء رحمة للعالمين ومتمما لمكارم الاخلاق وخاتما للنبيين! وقد قال الله تعالى على لسانه بعد حجة الوداع: (اليوم اكملت لكم دينكم).
وقد وجدناه نفسه لا يترك حتى المدينة المنورة، اذا خرج لحرب او غزاة ، من غير امير يخلفه عليها، فكيف نصدق عنه انه اهمل امر هذه الامة العظيمة بعده الى اخر الدهر، من دون وضع قاعدة يرجعون اليها او تعيين خلف بعده.
٣ - ايكال الامر الى اختيار الأمة
لنختار الان لحل هذه المشكلة انه صلى الله عليه واله
وسلم أوكل امته الى اختيارهم، او الى اختيار اهل الحل والعقد منهم خاصة في تقرير شئون الخلافة. فهل يصح هذا الفرض للحل؟.
اما انا ايها القارئ لا استطيع ان اقتنع بأن هذا الفرض يكون حلا مرضيا لهذه المشكلة، ولعلك انت ترى مع من يرى ان تعيين الرئيس بالانتخاب من ارقى التشريعات الحديثة وقد سبق اليه الاسلام، فهذا من مفاخره.
فوجب علينا ان نبحث هذه الناحية العلمية بدقة، واملي كما هو مفروض انك تعطيني من نفسك النصف وتفكر معي تفكيرا حرا، بعيدا عن تأثير العاطفة التي تقضي علينا ان نتمسك بهذه المفخرة للاسلام.
ولا ينبغي لنا ان نحاول هذه المحاولة، فربما نلصق به ما ليس له، ولعلها لا تثبت للبحث مفخرة يمتدح بها، فنكون قد نقضنا غرضنا الذي نريده من إثبات الفضيلة للاسلام بالسبق الى هذا التشريع.
والذي ادعيه الآن ان إرجاع الأمة مدى الدهر الى اختيارها في تعيين الرئيس لها هو عين الفوضوية التي اردنا التخلص منها في البحث السابق، وليس معناه إلا إلقاء الأمة في اعظم هوة من الخلاف لاحد لها ولا قعر.
وسر ذلك ان الناس مختلفون متباينون، ليس بينهم اثنان يتفقان في فكر أو عاطفة أو ذوق أو عادة أو عمل، حتى التوءمين، إلا من التشابه القريب أو البعيد من غير اتفاق حقيقي، كاختلافهم في أجسامهم وسحنات وجوههم، وتشابههم في ذلك. بل الناس مختلفون في كل شيء من دقائق أجسادهم وأخلاقهم ونفوسهم وعاداتهم فلم يتفق لشخصين أن يتفقا تحقيقا حتى في بصمة الأصابع، حتى قيل ان كل فرد من الانسان نوع برأسه.
وعليه، فيستحيل أن تتفق أهل بلدة واحدة على حكم واحد أو عمل واحد، فضلا عن أمة كبيرة كالأمة الأسلامية على توالي الزمان. وبالأخص اذا كان الحكم مسرحا للعواطف والأغراض الشخصية والتحيزات كالحكم في الزعامة العامة.
ومن هذا نستنتج ان الرأي العام الحقيقي غير موجود أبدا، بل يستحيل وجوده لأية امة في العالم، ومن خطل الرأي أن يطلب الانسان تكوين الرأي العام، وتوحيد اختيار الأمة بأسرها لأمر من الأمور، على ان محاولة ذلك يستحيل أن تسلم من منازعات دموية واضطرابات شديدة اذا كان تكوينه يراد لأمر ذي شأن، إلا أن يكون هنا حاكم يفصل بين المتنازعين بما له من القوة القاهرة لمخالفيه، كما هو موجود فعلا في الانتخابات الجارية عند الأمم المتمدنة، فان تحكيم الأكثرية ذات القوة الطبيعة خير علاج على منازعاتهم في الامور العامة.
وتحكيم الاكثرية في الحقيقة فرار من محاولة تكوين الرأي العام الحقيقي، بل هو اعتراف باستحالته، ومع ذلك لم يستغن غالبا الرجوع الى الأكثرية ليكون لها الفصل عن ملطفات ومؤثرات اخرى تنضم الى قوته الطبيعية، أهمها سلطة الحكومة والقانون العام القاضي بتحكيم الأكثرية الذي أصبح بحكم التقليد لا مسيطرا على معتنقيه.
وبتوسيط أمثال هذه الأمور تمكن التسوية بين الأكثرية على راي متوسط، وإلا فالاتفاق الحقيقي على تفاصيل الأمور يستحيل حتى في الأكثرية.
وهذا الرجوع الى الأكثرية اخر ما توصل اليه الأنسان بعد العجز عن تحصيل الاتفاق الحقيقي وبعد أن فشل البشر على ممر تلك القرون الطويلة التي انهكته بالتجارب القاسية، فوجد ذلك خير ضمان للسلام في الأمم. وليس معنى ذلك ان الأكثرية لا تخطأ، كيف والجماعات دائما تفكر بأحط فكرة فيها، ومن مزاياها انها خاضعة لسلطان العاطفة، فهي علاج لفض المنازعات ليس إلا، لا لضمان تحصيل الرأي المصيب.
وبهذا البيان نخرج الى فكرة ان تعيين الرئيس أو غيره بالانتخاب الذي هو من أرقى التشريعات الحديثة معناه الرجوع الى الأكثرية دائما التي أصبحت من التقاليد المرعية عند الناس في هذا العصر، وهذا لم يسبق اليه الاسلام، ومن يدعي ان النبي صلى الله عليه وآله أوكل أمته الى اختيارهم
في تقرير شئون الخلافة لا يدعي انه شرع قانون الاكثرية لأنه ليس لهذه الدعوى شاهد في زبر الأولين، على انه كما ذكرنا لا يسلم من الخطأ، فلا يسوغ لنا أن ننسبه الى من لا ينطق إلا عن وحي ولا يريد إلا الحق.
وإذا ادعى انه أوكل الأمر الى اتفاق أمته واختيارهم جميعا، فمن خطل الرأي، إلا اذا جوزنا عليه ان يطلب المستحيل او تعمد ايقاع أمته في منازعات دائمية تفضي الى ازهاق النفوس واضعاف القوى المادية والأدبية، ثم الى ضعف كلمة الاسلام في الارض.
فتلخص ان هذا التشريع أعني تشريع تعيين الامام بالانتخاب لا يصح لنا ان ننسبه الى منقذ البشرية من الضلالة الى الهدى الذي لا ينطق إلا عن وحي، سواء فسرناه بالأكثرية او باتفاق الجميع.
***
ومهما حاولنا اصلاح هذا التشريع بتفسير الأمة بأهل الحل والعقد منها خاصة، فلا اجد هذه المحاولة تسلم من ذلك النقص البارز فان اهل الحل والعقد وكبار الأمة هم بؤرة الخلاف والنزاع. فان الخاصة مع اختلاف نفوسهم وتباين نزعاتهم كسائر الناس، لا ينفكون عن تحيزات فيهم اعظم منها في غيرهم. ويندر ان يتجردوا من اهواء نفسية واغراض
شخصية، تجعل كل فرد يشرئب الى هذا المنصب الرفيع ما هيئ له ووجد مجالا لأرتقائه، ولو عن غير قصد، بل عن رغبة نفسية كامنة هي غريزية لا يفطن لها صاحبها او لا يعدها باطلا وخروجا عن محجة الصواب. بل حب النفس قد يحمله على الأعتقاد بأن زعامته اصلح للأمة واجدى، فيوحي الهوى للنفس البرهان المقنع على صحة رأيه.
وللمعتقد ان يعتقد ان الخليفة ابا بكر تفطن الى سوء عواقب هذا التشريع، فأسرع الى تعيين الخليفة من بعده، بالرغم على جدة هذا التشريع الذي به كان خليفة، وعلى تركزه في النفوس تتوقف صحة خلافته. كيف لا وقد شاهد هو الموقف في بيعته يوم السقيفة، وكان أدق من سم الخياط، مع غفلة الناس يومئذ عن الامر، وانشغالهم بفاجعة نبيهم.
وهكذا حذا حذوه خليفته، فاخترع طريقة الشورى من ستة اشخاص، وهي تبعد كل البعد عن قاعدة الرجوع الى اختيار اهل الحل والعقد، على ان وجدنا هؤلاء وهم ستة لا غير لم يتفقوا على رأي واحد، فلعبت دورها التحيزات والعواطف، فصغى رجل لضغنه، ومال الاخر لصهره، على حد تعبير الامام علي بن ابي طالب.
ولا شك لم يخف على الخليفة عمر استحالة حتى اتفاق الجماعة الصغيرة، فحكم فيها الأكثرية، وعند التساوي فالكفة الراجحة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. ومع ذلك
حدد لهم الوقت بثلاثة ايام، واعطى السلطة التنفيذية لغيرهم، ليقهرهم على تنفيذ خطته.
لماذا كل هذه القيود التي وضعها، مع تهديدهم بالقتل إن تأخروا عن الموعد ولم يبرموا العهد؟ لا شك انها كانت لقصد الابتعاد عن الخلاف والنزاع الطبيعي لمثل هذا الامر. اذا القى حبله على غاربه.
وهنا وجدنا كيف أحكم عمر بن الخطاب وضع هذه الخطة، اتقاء للخلاف والنزاع على الامارة الذي لا ينفك عادة عن اراقة الدماء، في وقت اراد ألا يتحمل تبعة تعيين شخص الخليفة بعده، او انه في الأصح لم يجد نفسه تميل كل الميل إلا لتعيين احد الثلاثة الذين قد ماتوا يومئذ، وهم ابو عبيدة بن الجراح، وسالم مولى ابي حذيفة، ومعاذ بن جبل.
***
ولا اعجب ان يكون ابو بكر وعمر تفطنا الى مافي تشريع إلقاء الامر على عاتق اختيار الامة من فساد، وما ينجم منه من جدال وجلاد. ولكن عجبي ممن يتسرع فينسب ذلك التشريع الى النبي الحكيم الذي لا يفعل إلا عن وحي ولا يحكم الا بوحي. ومع ذلك يدعي الاسلام وعرفان الرسول العظيم.
ولو كان للخليفة عثمان كلمة تسمع ورأي يطاع يوم
حوصر وأيس من الحياة؛ لما تأخر عن تعيين من يخلفه قطعا. ولكن الموقف كان ابعد من ان يتحكم عليه بمثل ذلك، وهو محاط به ليخلع.
ومما يزيدنا اعتقادا بعقم هذا الحل لمشكلتنا الاجتماعية الخطيرة، انا لم نعرف خليفة تعين بهذه الطريقة إلا ابا بكر وعلي بن ابي طالب، وابو بكر كانت بيعته فتنة او فلتة وقى الله شرها على حد تعبير عمر عنها وهو نفسه الذي شيد اركانها، ومع ذلك قال عنها: (فمن دعا الى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه)(١) .
اما علي عليه السلام، فبعد تمام البيعة له (الشرعية بنظر اصحاب هذا الرأي) قد وجدنا كيف انتفض عليه نفس اهل الحل والعقد، والأسلام بعدُ لم يرث والعهد قريب، وهؤلاء المنتقضون هم جلة الصحابة. فكانت حرب الجمل فحرب صفين اللتان اريقت بهما الاف الدماء المحرمة هدراً، وانتهكت فيهما حرمات الشريعة، وشلت بهما حركة الدين الاسلامي.
ولم نعرف بعد ذلك خليفة تعين إلا بتعيين من قبله أو بحد السيف، ولقد لعب السيف دورا قاسيا جعل العالم الأسلامي يمخر في بحر من الدماء. ولم يجرئ الطامعين بالخلافة على
______________________________
(١) كنز العمال ج٣ رقم ٢٣٢٦ وغيره.
خوض غمار الحروب إلا سن هذا القانون. قانون الاختيار، فمهد السبيل لطلحة الزبير ان يشعلا نار حرب الجمل، ومهد لمعاوية ما اجترم، ولابن الزبير تطاوله للخلافة وهو القصير، وللعباسيين ثورتهم على الامويين ولغيرهم ما شئت ان تحدث والحديث ذو شجون.
الى هنا اجد من نفسي القناعة والأطمئنان الى القول بفساد تشريع تعيين الامام باختيار اهل الحل والعقد. وهيهات ان يكون من النبي الحكيم مثل هذا التشريع.
وكيف يخفى عليه ضرر هذا التشريع، ولا يخفى على عائشة ام المؤمنين يوم تقول لعمر على لسان ابنه عبد الله:
(لاتدع امة محمد بلا راع. استخلف عليهم ولا تدعهم بعدك هملا فاني اخشى عليهم الفتنة).
وما ادري لماذا لم يشر احد على محمد عليه افضل التحيات ان يستخلف او يبين على الاقل طريقة الأستخلاف حتى لا يفتتنوا، كما اشارت عائشة على عمر؟ ولماذا لم يسأله احد عن هذا الأمر، وهم يسألونه عن الكبيرة والصغيرة لماذا...؟
والمرجح انه سئل فأجاب، ولكن التأريخ هو المتهم في اهمال مثل هذه القضايا. على ان تأريخ الشيعة لم يهمل مثل هذا السؤال والجواب الصريح عليه.
٤ - لا نص في قاعدة الاختيار
لنتنازل الان عن جميع ما قلناه في البحث السابق من فساد تشريع قاعدة الاختيار، ولكن ألا يجب علينا ان نسأل مدعي صدور هذا التشريع من النبي عن الدليل عليه في كتاب أو سنة.
وبودي ان يدلني احد على قول الرسول في هذا الشأن، فما سمعنا عنه انه قال يوما: ان الاختيار في تعيين الأمام لأهل الحل والعقد، او انه امر الأمة باختيار الأمام بعده، لا تصريحا ولا تلويحا. على ان الدواعي جد متوفرة لنقل مثل هذا القول، والقوة والحول في صدر الاسلام الى ما بعده في يد من يرتئي هذا الرأي ويدافع عنه، فليس لأحد ان يدعي ان هذا الاثر قد خفي علينا او امتنع الرواة عن نقله.
أجل! إلا ان الله تعالى قال في كتابه العزيز:( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ) .
إذن لم يثبت عن النبي قول وتصريح في هذا الأمر من الاتكال على اختيار الأمة، بل قال تعالى:( مَا كَانَ لَهُمُ
الْخِيَرَةُ ) . فلنذهب الان من طريق ثانية الى إثبات صحة هذا التشريع، فنقول:
(أليس النبي كان غير غافل عن امر الخلافة! ولكنه سكت عن الحل لمشكلتها بطريق النص على احد من اصحابه، فلا بد انه أوكل ذلك الى اختيار أمته، فيكون سكوته إذن دليلا على هذا الايكال).
وهذا يقرب من التفكير الصحيح لأول وهلة، اذا استطعنا التصديق بسكوته عن النص فلذلك لا يصح إلا اذا ثبت لنا ان لا نص هناك، فوجب ان ننظر فيما تقوله اهل السنة والشيعة من النص على ابي بكر او علي بن ابي طالب. وسيأتي في البحث (٧)و(٨).
ولكن لو فكرنا قليلا، فلا نرضى لمصلح عاقل فضلا عن النبي الكريم ان يرمز لهذا الأمر العظيم الذي وقع فيه اعظم خلاف في الامة بمثل هذا الرمز الخفي. وما الذي يلجئه الى مثل هذا الدليل الصامت إن صح هذا التعبير مع علمه بما سيقع بعده من انشقاق وخلاف تتسع شقته هذا الاتساع، وتتخلله فتن وحروب أنهكت المسلمين وأفسدت روحية الاسلام؟!.
أما كان الجدير اذا لم يكن قد نص على احد ان يصرح لامته بايكال الأمر الى اختيارهم؟ ثم يحدده باختيار اهل الحل والعقد منهم، او يحدده بخصوص اهل المدينة او
اهل عاصمة الخلافة، ثم يكتفي باختيار الواحد والاثنين منهم (على ما يذهب اليه جماعة من علماء اهل السنة)، ثم يذكر شروط الامام حتى يعرفوا من يجب ان يختاروه!
أكل هذه الامور والقيود نستقيها من هذا الدليل الصامت ويكون هذا السكوت حجة على من يشكك في واحد من هذه الشئون فيستحق عقاب الخالق الجبار، ثم مع ذلك يخرج عن ربقة الاسلام ويدخل في زمرة الكافرين؟!.
اللهم اشهد علي اني لا أستطيع ان أؤمن بصحة دليل صامت يدل هذه الدلالة الواسعة على اعظم الشئون العامة التي يعم بلاؤها جميع الخلق في كل زمان ومكان، في وقت الحاجة الى دليل ناطق وحجة واضحة.
اللهم اشهد اني لا استطيع ان أؤمن بذلك إلا اذا فقدت حرية التفكير ومسكة العقل.
٥ - اختلاف امتي رحمة
وأخشى الآن أن أكون قد أخذت بقلمي النعرة المذهبية في بحثي السابق، فبالغت في تشويه تلك الدعوى وخرجت عن خطتي التي رسمتها لنفسي.
وهل تراني اخفف وطأة من تلك السورة، فأطمئن الى
تعليل مقبول لذلك الصمت، بأن أقول: إن الرسول إنما ترك بيان هذا الأمر ليوقع الخلاف بين امته رحمة بهم لما روى عنه: (اختلاف أمتي رحمة)؟.
ولكن هيهات! إن لم تؤول الكلمة بما يتفق ومبادئ الاسلام(١) فانها الكذب الصراح على داعية الوحدة ومقاتل نزعات الجاهلية الاولى بسيف من الاخوة الاسلامية انتشل العرب من هوة عميقة للتفرق والنزاع والنزال.
إن أكبر ظاهرة للاسلام بل من أعظم أعماله، تلك الدعوة الى الوحدة المطلقة بأوسع معانيها وتحطيم الفروق حتى بين الشعوب والامم المختلفة. ألا (إنما المؤمنون إخوة).
______________________________
(١) هذه الكلمة مروية من طرق الطرفين. والوارد في تفسيرها عن آل البيت غيرما يتخيل من ظاهرها ففي علل الشرايع: (انه قيل للامام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: ان قوما يروون أن رسول الله قال: (اختلاف امتي رحمة)، فقال : صدقوا، فقيل: اذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب، قال ليس حيث تذهب وذهبوا انما أراد قول الله عز وجل( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ) واختلاف أهل البلدان الى نبيهم ثم من عنده الى بلادهم رحمة... ) الخبر. ومثله في معاني الأخبار للصدوق، وفيه: (انما أراد اختلافهم من البلدان لا اختلافا في دين الله، انما الدين واحد).
وليس هناك شئ في الاسلام غني عن البرهان بل عن البيان مثل دعوته الى الوحدة والعمل لها بكل الوسائل، ليكون المؤمنون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا. وقد تجلى ذلك ظاهرا في كثير من الأحكام العملية: في وجوب الحج وصلاة الجمعة والجماعة وحرمة الغيبة واللمز والغمز والقذف... وما الى ذلك مما لا يحصى، وبعد هذا أيمكننا ان نجرأ فندعي ان الرسول يدعو الى الخلاف! وأكثر من ذلك يسعى الى التفرقة، وأية تفرقة هي؟ إن هذا لبهتان عظيم وزور مبين! اللهم اني استجير بك من شطحات القلم والتفكير.
٦ - الاجماع على قاعدة الاختيار
وهنا لا بد أن ننصف في القول فلا نجري الكلام على عواهنه، فأني لم أعرف عن اخواننا أهل السنة أنهم فسروا هذا الصمت المدعى بذلك التفسير إلا من قل. وعلى الاقل انهم لم يجعلوه وحده دليلا على ايكال أمر الخلافة لاختيار أهل الحل والعقد، وإما يستدلون باجماع أهل الصدر الاول على كفاية اختيار أهل الحل والعقد، بدليل بيعة أبي بكر يوم السقيفة. وعندهم الاجماع حجة لما روي عنه عليه الصلاة والسلام، (لا تجتمع أمتي على الخطأ) و (لا تجتمع أمتي على ضلال).
ولكن الشيعة لا يعتبرون مثل هذا الاجماع. وإنما يعتبرون الاجماع اذا كشف عن رضى امام معصوم حيث يكون داخلا في أحد المجمعين. وبيعة أبي بكر لم تقترن بموافقة الامام وهو علي بن أبي طالب فلم يتم عندهم الاجماع الذي يكون حجة.
ويذهبون الى أكثر من ذلك، فيقولون إن الاجماع بكل معانيه لم ينعقد على صحة بيعة أبي بكر، لمخالفة علي الذي يدور معه الحق حيثما دار ومخالفة قومه بني هاشم وسعد بن عبادة وابنه وجماعة من كبار الصحابة كسلمان وابي ذر والمقداد وعمار والزبير وخالد بن سعيد وحذيفة اليمان وبريدة وغيرهم. ولم يبايع من بايع منهم بعد ذلك إلا قهرا واضطرارا حفظا لبيضة الاسلام وتوحيدا لكلمة المسلمين. ولا يصح بحال ان يدعي ان هؤلاء ليسوا من اهل الحل والعقد، وهم من تعرف. ويقول الشيعة ايضا: لم يتكرر بعد ذلك تعيين الامام باختيار أهل الحل والعقد، حتى نؤمن بحصول الاجماع على صحة الاختيار في تعيينه، لان كل خليفة تعين إنما تعين بنص السابق عليه أو بحد السيف والقوة، ما عدا علي بن ابي طالب عليه السلام، وهو امام بالنص من النبي صلى الله عليه وآله ولا شأن لاختيار الامة في امامته.
* * *
هكذا اختلف الطرفان، وأجدني الآن حائرا إزاء أدلة
الطرفين. واذا اردت ان اعالج في بحثي حادث السقيفة فانما اعالجه من عدة نواح هذه أهمها، فهل استطيع ان استنتج الحكم الفاصل لاحدى الطائفتين؟ هذا ما قد يكشفه مستقبل البحث، وكل آت قريب ولا أتنبأ بالنتيجة قبل وقتها.
وكنت راغبا في بحثي هنا أن احصل على نتيجة حاسمة قبل الدخول في تفسير حوادث السقيفة، بل قبل الدخول في البحث عن النص على الامام بعد النبي في هذا الفصل، ولكني هنا وجدت هذه المسائل متداخلة بعضها آخذ برقاب بعض.
ومع ذلك أجد بامكاني أن أضع تقريرا يقرب من التفكير الصحيح مع الاعراض عما يقوله الطرفان في هذا الشأن، مستعينا بما تقدم في الابحاث السابقة، فهل تعيرني تفكيرك لحظة.
لاحظ انك لا تشك وانا معك ان النبي ما فاه ولا ببنت شفة عن قاعدة انعقاد الامامة باختيار أهل الحل والعقد، مع ان الواجب يدعو للبيان الصريح، كما قلنا آنفا، فلماذا سكت عن ذلك؟.
أكان إهمالا وتوريطا للمسلمين في الخلاف والنزاع، او أنه لم يشرع مثل هذا التشريع؟ والثاني هو الاقرب للصحة. وعليه فما قيمة الاجماع إن تم مع علمنا بان هذا الامر ليس من الدين ولم يشرعه الله على لسان نبيه، على أنا وجدنا في
ابحاثنا السالفة ان البرهان الصحيح يقودنا الى الاعتراف بفساد هذا التشريع، فنعلم بنتيجة ان النبي لم يشرعه لأمته، فلا بد ان نتهم الاجماع المدعى باحدى التهم المتقدمة.
هذا من جهة ومن جهة اخرى، انا لا أدري أن هؤلاء الذين اقدموا على الاجتماع في السقيفة لعقد البيعة بدون مشورة من جميع الموجودين في المدينة وغيرهم على أي سناد استندوا وبأية حجة اجتمعوا.
والمفروض ان لاحجة إلا الاجماع، وهو على فرضه بعد لم ينعقد على صحة عملهم؟ فهذا العمل من أساسه كان بغير حجة قائمة ولا بينة واضحة، ولذا قال عمر لسعد بن عبادة: (اقتلوه قتله الله إنه صاحب فتنة).
فلأي شيء استحق القتل ولم يكن يدعو إلا الى نفسه كما دعا غيره؟ ولماذا كان صاحب فتنة؟ ليس إلا لأن دعوته من غير حجة قائمة. وإذا كان قد ثبت من النبي صحة انعقاد الخلافة بأختيار أهل الحل والعقد، ويكتفي بمثل القوم الذين اجتمعوا في السقيفة يومئذ فلم يكن قد دعا سعد إلا الى ما هو مشروع لا يستحق عليه قتلا ولا غضباً.
أما النص المروي: (الأئمة من قريش) فلم يكن معروفاً عند المهاجرين يومئذ او أنهم لم يريدوا ان يعرفوه، ولذا لم يستدلوا له ذلك اليوم، بناء على ما هو الصحيح وإنما
استدل الخليفة أبو بكر بالقرابة من الرسول وان العرب لا تعرف هذا الأمر إلا بهذا الحي من قريش.
٧ - النص على أبي بكر
لم نتوقف فيما مضى للاعتقاد بأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو كل نصب الامام الى اختيار الامة، أو أهل الحل والعقد منهم خاصة... وهنا نبحث عما إذا كان قد عين شخص الامام بعده، فمن هو هذا الامام؟
أصحيح انه هو (أبو بكر)؟ يقطع الباحث ان الأحاديث المروية في النص عليه موضوعة إذا كان يفهم منها النص المدعي وليس أدل على ذلك مما ثبت من تصريحاته نفسه، ولا سيما عندما تمنى قبيل موته ان يسأل عن أشياء ثلاثة ترك السؤال عنها، أحدها أمر الخلافة انه فيمن حتى لا ننازع أهله. ثم من تصريحات خليفته عمر بن الخطاب لا سيما عندما دنت منه الوفاة فصرح ان النبي لم يستخلف. ثم من تصريحات عائشة (وهي المدافعة والمنفحة عن أبيها وقد قامت بقسط وافر من تأييده وتثبيت خلافته) فنفت الاستخلاف لما سئلت من كان رسول الله مستخلفاً لو استخلف.(١)
______________________________
(١) ومن الغريب اعتذار ابن حزم: (ان هذا الأثر خفي على عمر كما خفي عليه كثير من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله كالاستيذان وغيره، أو أنه أراد استخلافا بعهد مكتوب، ونحن نقر ان استخلافه لم يكن بعهد مكتوب. وأما الخبر في ذلك عن عائشة فكذلك ايضاً... ). ولئن خفي هذا الأمر على عمر وعائشة فعلى غيرهما اخفى واخفى، على ان جمله ارادتها للعهد المكتوب فابعد وابعد.
ويكفينا لعدم الوثوق بهذا النص المدعى أن نطلع على مجرى حادث السقيفة، ونعرف استدلال من استدل على صحة بيعته بالاجماع. أولا تراه نفسه يوم السقيفة كيف قدم للبيعة عمر وأبا عبيدة، فقال : (قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين). أتراه كان لا يعلم بالنص عليه، أو كان عالماً به ولكنه أعرض عنه؟ لا شيء منهما يصح أن يقال.
ولا شيء أوضح من خطبته يومئذ إذ يقول فيها: (ان العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش أوسط العرب داراً ونسباً).
بل لو كان نص عليه لما كانت العرب تعرف هذا الأمر إلا لشخصه بنص صاحب الرسالة. وليس المقام مقام حياء من الدعوة الى نفسه.
وعندي لا شيء أوضح من وضع الأحاديث في النص
عليه وأجد ان الذي ألجأ الى وضعها ان من وضعوها بعد ان ضاقوا ذرعاً بالاستدلال على خلافته بالاجماع، مما وجدوه من مخالفة من خالف ممن لا يمكن اهمال شأنهم. وهذا هو التعصب الذي يحمل صاحبه على الكذب والاختراع، فيقف حجر عثرة دون وصول طالب الحقيقة الى هدفه، ويجعل النفس لا تثق بكل ما يرويه هذا المتعصب فيما يخص معتقده، بل في كل شيء.
* * *
أما قضية تقديمه للصلاة فان صحت (وهي صحيحة بمعنى انه صلى بالمسلمين)، فليس فيها اية اشارة الى تعيينه للخلافة، فضلا عن النص، لأن الامامة في الصلاة ليست بالأمر الخطير الشأن الذي لا يكون إلا لمن له الامامة، ولا سيما على مذهب اهل السنة، وكان ائمام المسلمين بعضهم ببعض مما اعتادوا عليه، وشاع يومئذ بينهم بترغيب النبي فيه، فقد ورد(١) ان ابا بكر صلى بالناس من دون إذن النبي صلى الله عليه وآله لما ذهب الى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.
ولا اعتقد بصحة ما يروى ان النبي هو الذي قدمه للصلاة وانه صلى أياما، لأن ابا بكر كان من جيش اسامة من غير شك وسيأتي وقد نهى النبي عن التخلف عنه،
______________________________
(١) راجع صحيح البخاري ١ : ٨.
وشدد في الاسراع بانفاذه، فكيف يجتمع هذا مع تقديم النبي له للصلاة مدة مرضه؟
نعم الثابت انه صلى صلاة واحدة وهي صلاة الغدير يوم الأثنين يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، وقبل ان يتمها خرج صاحب الرسالة يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض من الوجع فصلى بالناس صلاتهم وتأخر ابو بكر. فان عائشة هي التي روت امر النبي بتقديمه لا غيرها، وانها راجعته في ذلك حتى قال لها غاضبا: (انكن لأنتن صواحب يوسف) وهي نفسها تروي خروجه في نفس تلك الصلاة(١) . وكان خروجه بهذه الحال الى الصلاة يوم وفاته وهو يوم الأثنين.
ولو ان النبي كان قدمه للصلاة اشارة الى خلافته، فلماذا خرج بهذه الحال المؤلمة، وصلى بالناس صلاة المضطرين جالسا؟
ولا معنى ما يقال: (انه صلى ابو بكر بصلاة النبي وصلى الناس بصلاة ابي بكر) فمن هو الامام اذن ؟ ان كان أبا بكر فلم يكن قد صلى بصلاة النبي، وان كان النبي فلم تكن الناس قد صلت بصلاة أبي بكر، وتأويله ان صح ان النبي جالسا فلا يرون شخصه وكان مريضا فلا يسمعون
______________________________
(١) صحيح البخاري (١ : ٧٨و٨٤ في حديثين). وصحيح مسلم في باب استخلاف الامام اذا عرض له من كتاب الصلاة.
صوته، فكانت الناس تعرف ركوعه وسجوده بصلاة أبي بكر الذي كان بازائه لما تأخر عن مقامه.
والأحاديث مضطربة في هذا الباب ، مع أن أكثرها عن عائشة ام المؤمنين واختلافها الجوهري في ستة امور:
١ - (في علاقة عمر بالصلاة) فيذكر بعضها ان النبي قال: (مروا عمر) بعد مراجعة عائشة عن أبيها فأبي عمر وتقدم أبو بكر وبعضها ذكر انه أبتداء أمر عمر، فقال عمر لبلال قل له ان أبا بكر على الباب. وحينئذ أمر أبا بكر. وبعضهم ذكر انه اول من صلى عمر بغير اذن النبي فلما سمع صوته قال : (يأبى الله ذلك والمؤمنون) وفي بعضها انه أمر أبا بكر ان يصلي نفس الصلاة التي صلاها عمر بالناس، وفي بعضها صلى عمر وكان ابو بكر غائبا. وفي بعضها ان النبي أمر أبا بكر وأبو بكر قال لعمر صل بالناس فامتنع.
٢ - (في من أمره النبي ليأمر ابا بكر)، فبعضها تذكر عائشة ، وبعضها بلالا، وبعضها عبد الله بن زمعة.
٣ - (فيمن راجعه في أمر أبي بكر)، فبعضها تذكر عائشة وحدها راجعته ثلاث مرات أو أكثر، وبعضها تذكر عائشة راجعته ثم خالت لحفصة فراجعته مرة أو مرتين ، فلما زجرها النبي قالت لعائشة: ( ما كنت لأصيب منك خيراً).
٤ - ( في الصلاة المأمور بها)، فبعضها يخصها بصلاة العصر وبعضها بصلاة العشاء، والثالث بصلاة الصبح.
٥ - (في خروج النبي)، فبعضها تذكر انه خرج وصلى ، واخرى تقول أخرج رأسه من الستار والناس خلف ابي بكر ثم القى الستار ولم يصل معهم.
٦ - (وفي كيفية صلاة النبي بعد الخروج)، فيذكر بعضها انه ائتم بأبي بكر بعد أن دفع في ظهره ومنعه من التأخر. وبعضها ان أبا بكر تأخر وائتم بالنبي. وبعضها ان ابا بكر صلى بصلاة النبي والناس بصلاة ابي بكر. وبعضها ان النبي ابتدأ بالقراءة من حيث انتهى ابو بكر.
٧ - (في جلوس النبي الى جنب ابي بكر) فبعضها تذكر جلوسه الى يساره، وبعضها الى يمينه.
٨ - (في مدة صلاة ابي بكر)، فبعضها تجعلها طيلة مرض النبي، واخرى تخصها بسبع عشر صلاة، وثالثة بثلاثة أيام، ورابعة بستة، ويظهر من بعضها انه صلى صلاة واحدة.
٩ - (في وقت خروج النبي الى الصلاة)، فبعضها صريحة في انه خرج لنفس الصلاة التي امر بها ابا بكر، وبعضها صريحة في انه خرج لصلاة الظهر بعد صلاة ابي بكر اماما، وبعضها صريحة في خروجه لصلاة الصبح.
وهذه الاختلافات كما رأيت في جوهر الحادثة. ولم يظهر من الأخبار تعدد امر النبي له بالصلاة ولا تعدد خروجه. وهذا كله يذهب بالاطمئنان بتصديقها في خصوصيات الحادثة لا سيما فيما يتعلق بأمر النبي له، نعمُ يعلم منها شيء واحد على الاجمال هو صلاة ابي بكر بالناس قبل خروج النبي.
ولعل أبا بكر كان مخدوعا في تبليغه أمر النبي، كما جاء في الحديث ان عبد الله بن زمعة خدع عمر بن الخطاب فبلغه أمر النبي له بالصلاة.
واحسب ان اصل الواقعة ان النبي صلى الله عليه وآله أمر الناس بالصلاة لما تعذر عليه الخروج من دون ان يخص احداً بالتقديم، فتصرف متصرف ، وتأول متأول. ولما بلغ ذلك اسماع النبي التجأ ان يخرج يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان الأرض من الوجع، فصلى بالناس جالسا صلاة المضطرين، ليكشف للناس هذا التصرف الذي استبد به عليه.
واستغرب توبيخه لعائشة لما راجعته عن أبيها إذ قال لها: (انكن لأنتن صواحب يوسف). لماذا هذا التوبيخ القارص؟ وأي شيء صنعته تستحق به هذا اللوم؟ ألا أنها ضنت على أبيها بهذه الكرامة، فلئن لم تستحق المدح فعلى الأقل لا تستحق مثل هذا التوبيخ.
ومن هنا يتطرق الشك ايضا في صحة تقديم النبي لأبي
بكر، ويبدو أنه كان من أمرها وتدبيرها، فلذا وجهت اليها هذه الكلمة اللاذعة، لا لمراجعة هناك. ولا شك انها ترغب لأبيها كل فضيلة وتلزه لزاً. ولذا التجأت ان تعتذر عن مراجعتها المستغربة منها التي ادعتها بانها انما كانت تحب ان يصرف عن أبيها لأنها رأت ان الناس لا يحبون رجلا قام مقام النبي ابداً وانهم سيتشأمون به في كل حدث كان.
ألا تراها كيف بعثت الى ابيها تدعوه لما بعث النبي الى علي يدعوه ليوصيه، وكذلك صنعت حفصة لأبيها، ولكن النبي لما رآهم قد اجتمعوا أمرهم بالانصراف وقال: (فإن تك لي حاجة ابعث اليكم)(١) وهذا قول من عنده ضجر وغضب باطن.
والنتيجة: انه ليس هناك ما يستحق ان يسمى نصا ، ولا اشارة الى خلافة ابي بكر.
٨ - النص على علي بن أبي طالب
اذن، أفصحيح ما تقوله الشيعة من النص على علي عليه السلام؟ ايها القارئ! بودي ان يكون حياديا، فلا تنظر الى ما تقوله الشيعة عن هذا الرجل إلا بتقزز، حتى لا اكلفك
______________________________
(١) الطبري (٣ : ١٩٥).
بالرجوع الى كتبهم واخبارهم. وانا معك الان سأطرحها جانبا. وما يدرينا لعل حبهم وتعصبهم لصاحبهم يسوقانهم الى القول عنه بما لم يكن، كما ساق أهل السنة الى رواية النص على أبي بكر. فلنأخذ حذرنا من الان.
وبعد هذا اترانا نحذر من مؤلفات اهل السنة وصحاحهم في حق علي، وهم ان تعصبوا فعليه، لا له؟ كلا؟ فان الكثير من محدثيهم يحذرون كل الحذر من رواة مدحه وفضائله، فيقدح المؤلف منهم في الراوي الذي تشم منه رائحة الميل اليه، ويرسلون الطعن في الحديث ارسالا فيقولون: (وفي متنه غرابة شديدة)، وليس إلا لأنه لا يتفق وعقيدته ويكفي في الثقة بالمحدث ان يكون ممن يميل عنه كأبي هريرة والمغيرة بن شعبة وعمران بن حطان وامثالهم.
وقبل ذلك نجد سيوف بني أمية مسلولة على رؤس الرواة لئلا ينسبوا فضيلة لهذا الذي ناصبوه العداء وسنّوا سبّه على المنابر والمعابر. ونجدهم كيف كانوا يغدقون بالاعطيات على الطاعنين فيه والمنحرفين عنه.
ولذا تراني اطمئن كل الاطمئنان وانت معي لا شك الى كل حديث خلص من هذه العقبات، واستطاع ان يطلع رأسه من بين الأحاديث ظافرا بالصحة والتأييد، فسجلته كتب اهل السنة وصحاحهم في فضل علي والنص على خلافته، ومع هذا فستجدني لا اعتمد إلا على بعض
الصحيح الثابت عند اهل الحديث منهم الذي بلغ حد التواتر أو كالمتواتر.
والحق ان لعلي منزلة كبرى عند اخيه وابن عمه، يغبطه عليهما كل مسلم بل حسدوه عليها، ولا ينكرها إلا مكابر، حتى ان ام المؤمنين عائشة (على ما بينها وبين علي ما هو معروف)قالت فيه: (ما رأيت رجلا احب الى رسول الله منه ولا رأيت امرأة كانت احب اليه من امرأته).
وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يمجد ويرحب بصهره عند كل مناسبة من يوم ولد صهره قبل البعثة بعشر سنين الى يوم فاضت نفسه الزكية في حجره. وهذا مما لا يشك فيه مسلم، وإنما الشأن فيما يدل على العهد اليه بالخلافة فلنقرأ بعض الأحاديث الصحيحة المتواترة او المشهورة، ولننظر ماذا سنفهم منها:
١ - لما نزلت الآية الكريمة( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) جمع النبي صلى الله عليه وآله من اهل بيته اربعين رجلا في قصة معروفة - وكان ذلك في مبدأ البعثة فعرض عليهم الاسلام وضمن لمن يؤازره وينصره منهم الاخوة له والوراثة والوزارة والوصاية والخلافة من بعده فأمسكوا كلهم الا عليا، فقد اجابه وحده، فأخذ برقبته، وقال : (ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم او من بعدي على اختلاف الروايات فاسمعوا له واطيعوا). فقام القوم يضحك بعضهم الى بعض استهزاء)،
ويقولون لأبي طالب قد امرك ان تسمع وتطيع لهذا الغلام. يعنون ابنه(١) .
٢ - وفي غزوة الخندق لما برز علي الى عمرو بن عبد ود قال صلى الله عليه وآله فيه: برز الايمان كله الى الشرك كله). وذلك سنة ٥ هـ.
٣ - وفي غزوة خيبر باهى به الذين تراجعوا بالراية فقال: (أني دافع الراية غدا الى رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار) فتطاولوا لها، ولكنه دفعها الى علي، وذلك سنة ٧ هـ.
٤ - ولما آخى بين المهاجرين قبل الهجرة وبين المهاجرين والأنصار بعدها بخمسة اشهر، اصطفى عليا لنفسه فآخاه، وقال له: (انت مني بمنزلة هرون من موسى غير انه لا نبي بعدي). ثم لم يزل يكرر هذه الكلمة في مناسبات كثيرة، منها لما سد الابواب الشارعة الى المسجد إلا باب علي، ومنها غزوة تبوك لما خلفه على المدينة سنة ٩ هـ. وفي رواية ابن عباس زيادة (انه لا ينبغي ان اذهب إلا وانت خليفتي)(٢) .
______________________________
(١) من الغريب ما صنعه الاستاذ محمد حسين هيكل. اذ يذكر هذه الحادثة في كتابه (حياة محمد) في الطبعة الاولى ويهملها في الطبعات الاخرى من غير تنبيه.
(٢) وصححها الحاكم في المستدرك والذهبي في تلخيصه.
٥ - وقال له: (لايحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق). وبعد ذلك كان يعرف المنافق ببغضه لعلي.
٦ - وقال: (ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله). وبعد ان نفى ذلك عن ابي بكر وعمر قال: (ولكنه خاصف النعل) وكان علي يخصف نعل رسول الله ساعتئذ في الحجرة عند فاطمة.
٧ - وكان عند النبي طاير طبخ له ، فقال: (اللهم آتني بأحب الناس اليك يأكل معي) فجاء علي فأكل معه.
٨ - وقال: (أنا مدينة العلم وعلي بابها).
٩ - وقال: (أقضاكم علي).
١٠ - وقال: (علي مع الحق والحق مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
١١ - وأثبت له غير مرة الوراثة والوصاية ، وأوضح انهما وراثة ووصاية نبوة، فقال مرة: (لكل نبي وصي ووارث وإن وصيي ووارثي علي بن ابي طالب)(١) . وقال له علي مرة:
______________________________
(١) راجع ميزان الاعتدال في ترجمة شريك. وقال عن راوية محمد بن حميد الرازي ليس بثقة مع أنه قد وثقه احمد بن حنبل وابو القاسم البغوي والطبري وابن معين وغيرهم. ونقل هذا الحديث عن السيوطي في اللآلئ وعن الحاكم.
(ما أرث منك). قال صلى الله عليه وآله وسلم: ( ما ورث الأنبياء من قبل كتاب ربهم وسنة نبيهم)(١) .
١٢ - وقال سنة ٨هـ :( إن عليا مني وأنا من علي لا يؤدي عني إلا أنا وعلي).
١٣ - وقال:( إن عليا مني وأنا من علي، وهو ولي كل مؤمن بعدي).
١٤ - وقال:( انت ولي كل مؤمن بعدي).
١٥ - وسد ابواب المسجد غير باب علي، فكان يدخل المسجد جنبا، وهو طريقه ليس طريق غيره. قال عمر بن الخطاب:( لقد اعطى علي بن ابي طالب ثلاثا لئن تكن لي واحدة منها أحب الي من حمر النعم: زوجته فاطمة بنت رسول الله، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له ما يحل فيه، والراية يوم خيبر). وكذلك روي عن ابن عمر. ولما روجع النبي في فتح باب علي قال:( إنما أنا عبد مأمور ما امرت به فعلت إن اتبع إلا ما يوحى إلي).
١٦ - ولما آخى النبي بين كل اثنين من المهاجرين، وذلك قبل الهجرة اصطفاه لنفسه فآخاه وقال له فيما قال:( أنت أخي ووارثي. أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا انه لا نبي بعدي). وكذلك صنع وقال لما آخى بين المهاجرين والانصار،
______________________________
(١) راجع كنز العمال(٤١:٥).
فاصطفاه لنفسه مع ان كلا منهما من المهاجرين وذلك بعد الهجرة بخمسة اشهر. ولا يزال يدعوه أخي في مناسبات لا تحصى.
١٧ - ويوم الغدير، بعد الرجوع من حجة الوداع سنة ١٠هـ أمر بالصلاة، فصلاها بهجير، وقام خطيبا على مائة الف أو يزيدون، حيث تفترق قبائل العرب. وبعد أن نعى نفسه اليهم ذكر الثقلين كتاب الله وعترته وانهما لن يفترقا ولن يضلوا بالتمسك بهما أبدا، أخذ بيد علي وقال:
أيها الناس ألست أولى منكم بأنفسكم؟
قالوا: بلى يا رسول الله! وكرر السؤال عليهم واجابوا.
ثم قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه( وفي أحاديث كثيرة: من كنت مولاه فعلي وليه). اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار (فلقيه عمر بن الخطاب فقال له: هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة)(١) أو( أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة)(٢) .
______________________________
(١) مسند أحمد (٢٨١:٤) وعن تفسير الثعلبي. وفي الصواعق المحرقة في الشبهة ١١ عن ابي بكر وعمر معا.
(٢) تفسير الرازي في قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ. )
هذه هي الاحاديث التي أخذناها من الصحيحة، اكتفاء بهذا القليل عن كثير لاتسعه هذه الرسالة. أما الآيات فقد قال ابن عباس:( نزلت في علي ثلثمائة آية من كتاب الله تعالى) ولم يعرف من طريق اهل السنة إلامائة، ونختار منها ثلاث آيات:
١ - آية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) . وقد نزلت فيه إذ تصدق بخاتمه وهو راكع قي الصلاة، فاثبت الولاية له كولاية الله ورسوله على الناس. وهي مثل الأحاديث التي جعلت له تلك الولاية الالهية.
٢ - آية التطهير، إذ جمع النبي صلى الله عليه وآله عليا وزوجه وابنيهما معه في كساء واحد، فنزلت الآية باذهاب الرجس عنهم وتطهيرهم، وهذه العصمة التي تشترط في الامامة.
٣ - آية المباهلة، إذ باهل بأهل بيته اولئكم، نصارى نجران في قصة مشهورة، وجعل علي بنص الآية نفسه.
ونحن لما اعتقدنا ان طريقة الاختيار لايصح ان يقال ان النبي عول عليها في تعيين الخليفة من بعده، فمن الضروري ان ينص على واحد من اصحابه، ولكن لم يكن أبا بكر فمن هو إذن؟
ليس هناك شخص ورد فيه ما ورد في علي يصح ان
يكون نصا كهذه الأحاديث مع الآيات التي يؤيد بعضها بعضا ويفسر بعضها بعضا: فقد نصت على انه وارث النبي وراثة نبوة، ووصيه، وأخوه، ونفسه، وولي المؤمنين بعده، واولى بهم من انفسهم، ومنزلته منه منزلة هرون من موسى عدا منزلة النبوة، وخليفته من بعده، ويدور معه الحق كيفما دار لن يفترقا، وهو أقصى الأمة، وباب مدينة علمه، المطهر من الرجس.
وهذه صفات لا تكون إلا لامام معصوم وخليفة للنبي يختاره الله ورسوله للأمة. وهل يمكن أن يكون شخص أولى بالمؤمنين من أنفسهم ووليهم بعد النبي وهو سوقة كسائر الناس تجب عليه طاعة غيره والسمع له؟ هيهات!
ولكن كل واحدة من هذه الكلمات التمس لها بعض الباحثين في الامامة تأويلا، احتفاظا بكرامة الصحابة واتقاء من نسبة مخالفة نص النبي اليهم. ونحن نقول لهؤلاء المؤولين إذا كنتم قد عرفتم حسن نوايا هؤلاء الصحابة، وهم في الوقت نفسه مجتهدون على رايكم فلا استغراب في مخالفة الصريح من كلام النبي صلى الله عليه وآله وليس الخطا على المجتهدين بعزيز. ثم انا عرفنا عنهم عدم تعبدهم بالنصوص في كثير من الامور التي تفوت الحصر، كتوقفهم في بعث جيش اسامة وتأميره حتى أغضبوا النبي فقال ما قال وبالأخير امتنعوا عن الخروج حتى قبض، وكاعتراض عمر على صلح
الحديبية، وكمنعه من املاء الكتاب الذي قال عنه النبي لن تضلوا بعده ابدا. وما الى ذلك.
فنحن الان بين أمرين إما أن نؤول هذه الأحاديث بما يصح وبما لا يصح واما ان نقول إن اولئك الصحابة قد تأولها لأمر ما. ولا شك ان الثاني أقرب الى البحث العلمي والتفكير الحر المستقيم، لأنا وجدناهم قد تأولوا في حياة النبي النصوص الصريحة التي لاتقبل التأويل كما سمعت بعضها. وهل لمن يحسن الظن بهم إلا ان يعتقد انهم لم يقصدوا مخالفة النبي عصيانا، وانما كانوا يظنون المصلحة فيما ينقدح لهم من رأي، وقد اعتادوا أن يشاورهم في الامور اتباعا لأمر الله تعالى( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) فانسوا التدخل حتى في الشؤن العامة التي يأمر بها النبي ويعقدها.
ومن جهة ثانية نرى امتناع دخول التأويلات التي تسمعها من الباحثين على بعض هذه الأحاديث، منها(حديث الغدير) وهو آخر النصوص وآية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ ) وحديث (ولي كل مؤمن بعدي). فقد اولوا المولى والولي في كل ذلك بالناصر أو المحب.
وهذا بعيد كل البعد في حديث الغدير، لأن أهل اللغة ان فسرت المولى والولي بالناصر والمحب فقد فسروها بمالك التصرف. وهل تفهم معاني الألفاظ المشتركة إلابقرائنها؟ والقرينة الحالية واللفظية صريحة في هذا المعنى الأخير:
فان النبي قام خطيبا على مائة الف او يزيدون بحّر الهجير، وهل يصح عند العقل ان يقف هذا الموقف الخطير وهو يريد أن يفهم الناس أن عليا ناصر للمؤمنين أو محب لهم؟ وأية حكمه في بيان هذا الامر الواضح فتسترعي هذا الاهتمام من النبي الحكيم.
وايضا وبعد ان ينعي نفسه ويذكر الثقلين يأخذ بيد علي ويرفعه اليه حتى يبين بياض ابطيهما. ويستنشدهم: (ألست اولى منكم بأنفسكم). فما هذه التوطئة؟ أكانت كلاما مطروحا لا فائدة فيه ام انها لتوضيح ما سيفرغ عليها فقال:( فمن كنت مولاه فعلي مولاه)؟
لاشك انها قرينة لفظية صريحة في بيان ان عليا مثله اولى من المؤمنين بأنفسهم. والمولى كما قلنا هو(مالك التصرف) أو(الاولى بالشيء منه)، كما تقول: السيد مولى العبد، أي مالك لتصرفه، او انه اولى بالتصرف في شئونه منه.
ولا حاجة الى دعوى ان المولى بمعنى كلمة( الأولى) فقط، حتى يعترض عليها المعترض فيقول: لا يصح أن يقال (مولى منه) كما تقول (اولى منه). بل ان معنى كلمة (المولى) معنى مجموع هذه العبارة ( الاولى بالشيء منه) الذي يساوق معنى مالك التصرف .
ومنها وهو اول النصوص الحديث:( ان هذا أخي
ووصي وخليفتي فيكم أو من بعدي فاسمعوا له واطيعوا). وهو حديث ثابت لاشك فيه، فهل تجد عبارة هي أصرح من هذه العبارة للنص على الخليفة والامام؟
ولو قرأنا نص ابي بكر على خليفته لم نر إلا عبارة (إني أمرت عليكم عمر بن الخطاب). وهذه لاتشبه تلك في صراحتها ولا تقاس عليها في قياس، فأين صراحة الامارة من صراحة الخلافة؟ والامارة تكون في الجيش وتكون في كل شىء، والخلافة لفظ كان يجري على لسان النبي والمسلمين ولا يراد منه إلا هذا المعنى فعندما تسمع قوله صلى الله عليه واله وسلم: ( هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش) لانشك في المراد بكلمة (خليفة) كما لا نشك في كلمة قريش. فلماذا لا نفهم من كلمة (خليفتي) هذا المعنى؟ وهل استعملها في يوم من الايام في معنى آخر؟
والفرق بين نص النبي ونص ابي بكر ان ابا بكر لم يحدث بعده ما ياخذ بالاعناق الى التأويل والتشكيك، لأنه قد عمل به وانتهى كل شىء. اما نص النبي فقد بقى قولا في صدور الرجال وصحائف الكتب ولم يعمل به، فسلبت صراحته وأدخل عليه التأويل احتياطا في حمل الصحابة على أحسن الأعمال. ولئن درىء الطعن عنهم فلا يجلون عن الخطأ، وما هو بعزيز على مثلهم.
على انا لا نريد ان ندخل في البحث عما يجب أن يقال في عذر الأصحاب، وانما الغرض أن نفهم مدى دلالة هذا الحديث في نفسه قاطعين النظر عن كل ما صدر عن الاصحاب، فلا نجد كلمة هي أوضح وأصرح من كلمة (وصيي) وكلمة (خليفتي)، ثم تعقيبهما بالأمر بالسمع والطاعة.
وينسق عليه حديث رقم(١١): (لكل نبي وصي ووارث وان وصيي ووارثي علي بن أبي طالب). ويعلم من هذا بصراحة انها وصاية نبوة لا وصاية اعتيادية، ووراثة نبوة على نسق الوصاية لا وراثة مال أو عقار، فان عليا ابن عمه وابن العم لا يرث مع البنت، ولا معنى لوراثة النبي لأنه نبي غير ان يكون بمنزلته في الولاية العامة ووجوب السمع والطاعة، أما العلم فكل المسلمين ورثوه منه فلا اختصاص لعلي إلا أن يراد من العلم معنى آخر لا يشترك فيه الناس، وهو الذي يكون من مختصات النبوة، فيكون على المقصود أدل وأدل.
أما باقي الأحاديث فلو لم يكن كل واحد منها نصا على امامته، فعلى الاقل انها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا على امامته، فعلى الأقل انها بمجموعها مع ما تقدم من النصوص تكون نصا لا يقبل الاحتمال والتأويل، لاسيما بعد أن بينا فساد القول بتشريع ايكال الأمر الى اختيار الأمة
وقلنا انه لا بد ان يكون واحد من الأصحاب قد نص على خلافته النبي صلى الله عليه وآله .
لاتزال هناك شبهة مستعصية على الباحثين، ولا يزال يكررها الكتاب حتى يومنا هذا. وهي: ان هذه الأحاديث لو كانت للنص على خلافته، كما تقوله الشيعة، فلماذا لم يتمسك بها هو، ويحتج بها على القوم لو كانوا قد اخذوا حقه؟ ولماذا لم يحتج بها اصحابه أو باقي المسلمين في اجتماع السقيفة؟
والحق انها شبهة قوية هي أقوى متمسك لأنكار النص، بل ليس شىء غيرها يستحق ان يذكر في معارضة تلك النصوص، فيلجىء الى تأويلها وتفسيرها على غير وجهها.والباحثون اجابوا عنها بعدة امور يطول علينا استقصاؤها، ولكن الذي يرضي نفسي وادين به ربي ان اقرر ما يلي:
ان مولانا امير المؤمنين لما انتهى الأمر بالناس الى مبايعة ابي بكر خليفة، فهو قد أمسى بين أمرين لا ثالث لهما: اما ان يستسلم للأمر الواقع، فيترك كل مطالبة علنية صريحة ابقاء لكلمة الاسلام. واما ان يجاهد حتى يثبت حقه، وهو نفسه قال:( وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء). ولما اختار الأمر الاول وهو أعرف بما اختار إذ يقول:( فرأيت ان الصبر على هاتا احجى) فلم يبق وجه لمطلبته العلنية بالخلافة، وقد طوى عنها كشحا
وأسدل دونها ثوبا. ولو انه كان يعلن بالمطلبة فلا بد ان يتبعها بالسعي الى تنفيذها مهما أوتي من حول وقوة، وفي ذلك تطويح بكلمة الاسلام وبنائه السامق وسيأتي تمام البحث في الفصل الرابع. اما اصحابه فله تبع، وفي السقيفة قال الانصار كلهم أو بعضهم:(لا نبايع إلا عليا) ولكنها كلمة ذهبت في فضاء التأريخ منسية وقد عالجناها في غير موضع من هذا الكتاب كما يأتي.
الفصل الثاني : تدبير النبي لمَنع الخِلاَف
(أ - بعث اسامة)
-١-
مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرضه الذي انتقل به الى الرفيق الأعلى، فوجس منه خيفة الفراق، وهو يعلم ان امته على شفا جرف هار من بحر للفتن متلاطم، والعرب مغلوبة على أمرها تحرق الارم عليه وعلى قومه واهل بيته، وتنتهز الفرصة للوثوب لأخذ ثأرها وهو على حذر منهم، والمنافقون بالمرصاد بين ظهراني المسلمين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ويعدون من اصحابه وهو على المسلمين منهم احذر، وليس عهد دحرجة الدباب في العقبة ببعيد. واكثر من ذلك هذه الأخبار ترد بخروج الأسود العنسي ومسيلمة يدعيان النبوة فتتكاثر أتباعهما.
ما أشد حال النبي وحزنه، وهو يستدبر امة هذه حالها وهي تستقبل الفتن كقطيع الليل المظلم كما في الحديث. وقد رأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر في حديث آخر(١) .
ولكنه في هذا الموقف الدقيق مع ذلك يرمي بجيشه
______________________________
(١) صحيح مسلم ١٦٨:٨ باب نزول الفتن.
اللجب الى مكان سحيق، إذ يعقد اللواء بيده للشاب اسامة بن زيد أميرا على الجيش بعد يوم واحد من ابتداء شكاته، بعد ان كان امرهم بالبعث قبل ابتداء مرضه. ثم يضم تحت لوائه شيوخ المهاجرين والانصار وجلتهم ووجوههم منهم ابو بكر(١) وعمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وابو عبيدة وسعد بن ابي وقاص واسيد بن حضير وبشر بن سعد وغيرهم، ليحارب بهم اهل أبي بناحية البلقاء من ارض الشام اولئك قتلة ابي اسامة زيد من الروم.
ثم يشدد في الخروج ويلعن المتخلف منهم ويغضب ذلك الغضب لتباطؤ القوم ولغطهم حول تأمير فتى يافع على
______________________________
(١) صرح بدخول ابي بكر في البعث اكثر المؤرخين، منهم ابن سعد في طبقاته (٤٦:٤)و(١٣٦:٤) وابن عساكر في التهذيب (٣٩١:٢)و(٢١٥:٣) وصاحب كنز العمال (٣١٢:٥). وصاحب تاريخ الخميس (١٧٢:٢) واليعقوبي في تاريخه (٩٣:٢) وابن ابي الحديد (٢١:٢) ومحمد حسين هيكل من المتأخرين في حياة محمد (٤٦٧) وغيرهم مما لا يحصى ولم نجد تصريحا ولا تلويحا لأحد من المؤرخين بخروجه من جيش اسامة وانما يكتفي بعضهم بقول (وجوه المهاجرين) وما يؤذي هذا المعنى بدون تصريح باسم أحد، ولكن بعض المؤلفين الجدليين حاول انكار دخوله من غير حجة ظاهرة.
شيوخ المسلمين، فيقول:( ان تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة ابيه من قبل وإيم الله ان كان لخليقاً للامارة وان ابنه من بعده لخليق للامارة).
-٢-
لشد ما يعتلج العجب في نفوس المتفكرين من هذا الحادث، فيعجب الانسان.
(اولا) ان تسند قيادة اعظم جيش اسلامي يومئذ، في ذلك الظرف الدقيق الذي وصفناه، في مرض النبي، الى شاب يافع لم يتجاوز العشرين من سنيه(على جميع التقادير)، وهو لم يجرب الحروب بعد وبالأصح لم تسند اليه قيادة من هذا النوع ولا من نوع آخر. والجيش معبأ لجهاد اقوى اعداء الاسلام في ذلك الموقع البعيد عن العاصمة الاسلامية.
(ثانيا)- أن يؤمر هذا الفتى، مع ذلك، على شيوخ المسلمين الذين فيهم قواد الحروب ورؤساء القبائل واصحاب النبي الذين يرون لأنفسهم مقاما اسمى ومنزلة رفيعة. ويرشحون انفسهم لمنصب هو أعظم كثيرا من منصب قائدهم الصغير هذا.
(ثالثا)- ان يتباطأ المسلمون عن الالتحاق بهذا البعث بالرغم على اصرار النبي وتشديده النكير على المتخلفين ولعنه
اياهم. ويكفي ان نعرف ان البعث وقع قبيل شكاته أو في أولها وقد استدامت علته اربعة عشر يوما (على اوسط التقادير). وفي كل هذه المدة الطويلة يثاقل القوم عن الخروج. وقد عسكر قائدهم الفتى بالجرف، وهو عن المدينة بفرسخ واحد (بعد ان عقد النبي له الراية بيده الشريفة) ينتظر جيشه المتمرد ان يجتمع اليه، فتخلق الاشاعات عن حال النبي فيرجع اسامة الى المدينة برايته فيركزها على باب النبي، ولكن الرسول في كل مرة يأمره بالعودة ويحث القوم على الالتحاق به. ولكنه في اليوم الاخير يرجع مرتين في المرة الاولى يأمره النبي بالسير قائلا:( اغد على بركة الله تعالى) فيودعه ويخرج، وفي المرة الثانية يرجع ومعه عمر وأبو عبيدة فيجد النبي يجود بنفسه، ثم يلتحق بالرفيق الاعلى.
فماذا دهى المسلمين حتى خالفوا الصريح من أمر النبي هذه المدة الطويلة من غير حياء منه ولا خجل ولا خوف من الله ورسوله وتوطنوا على غضبه ولعنهم جهارا، أتراهم استضعفوا النبي وهو مريض شاك فتمردوا عليه، أم ماذا؟
(رابعا)- ان ينكر هؤلاء المسلمون على نبيهم تأميره لهذا الفتى، ثم لا يرتدعون ان نهاهم عن ذلك. وليس لهم على كل حال حق هذا الانكار اذا كانوا حقا قد تغذوا بتعالَيم
الأسلام وعرفوا ان النبي لاينطق عن الهوى وما كان لهم الخيرة.
(خامسا)- ان النبي قد علم بقرب أجله ويعلم ان الفتن قد أقبلت كقطع الليل المظلم، فكيف يبعد جيشه وقوته عن العاصمة ومركز الدعوة، بل كيف يخلي المدينة من شيوخ المهاجرين والانصار وزعمائهم واهل الحل والعقد منهم.
فلا بد أن يكون كل ذلك لأمر ما عظيم، اكثر من هذه الظواهر التي يتصورها الناس.
-٣-
فهل نجد حلا لهذه المشاكل تطمئن اليه النفس الحرة، بعد عرفاننا للنبي وعظمته وانه لا يفعل ولا يقول إلا عن وحي وسر إلهي.
لم يصح عندنا تفسير لمشاكل هذا الحادث إلا بأن نقول انه صلى الله عليه وآله اراد:
(اولا)- ان يهيىء المسلمين لقبول (قاعدة الكفاية) في ولاية امورهم، من ناحية، عملية، فليست الشهرة ولا تقدم العمر هما الأساس لاستحقاق الامارة والولاية، فاذا قال عن اسامة مؤ كدا جدارته بالقسم ولام التأكيد:( وايم الله ان كان لخليقا للامارة يعني زيدا- وان ابنه لخليق للامارة).
وإذا علمنا ان علي بن ابي طالب هو المهيأ لولاية امور المسلمين بعد النبي على الأقل ان فرض انه لم يكن هو المنصوص عليه، أفلا يثبت لنا ان قضية اسامة كانت لقبول الناس امارة علي على صغر سنه يومئذ بالقياس الى وجوه المسلمين وكان إذ ذاك لا يتجاوز الثلاثين؟ وهذا ما يفسر به المشكل الأول والثاني في هذا البعث.
و(ثانيا)- ان يبعد عن المدينة ساعة وفاته من يطمع في الخلافة خشية ان يزيحوها عن صاحبها الذي نصبه لها في الخلافة. وقد ثبت عنه انه كان يتوجس خيفة على اهل بيته ولا سيما على علي، فوصفهم بأنهم المظلومون من بعده. ولذا نراه اوعب في هذا الجيش كل شخصية معروفة تتطاول الى الرئاسة، ولم يدخل فيه عليا ولا احدا ممن يميل اليه الذين كانوا له بعد ذلك شيعة ووافقوه على ترك البيعة لأبي بكر، فلم يذكر واحد منهم في البعث، وهم ليسوا اولئك النكرات الذين لا يذكرون.
وهذا ما يفسر تباطؤ القوم عن البعث وعرقلتهم له بخلق الاشاعات في المعسكر عن وفاة الرسول، مع اصراره صلى الله عليه وآله ذلك الاصرار العظيم ولم يمكنهم ان يصرحوا بما في نفوسهم، فاعتذروا بصغر قائدهم، وفي هذا كل معنى التهجين لرأي النبي وعصيان أمره الصريح.
فكان الغرض اخلاء المدينة من المزاحمين لعلي ليتم الأمر
له، بعد ان اتضح للنبي ان التصريحات بخلافته لا تكفي وحدها للعمل بها عندهم، كما امتنعوا عن السير تحت لواء اسامة وهو لايزال في قيد الحياة، فقدر أن القوم إذا ذهبوا في بعثهم هذا يرجعون وقد تم كل شىء لخليفته المنصوب من قبله، فليس يسعهم إلا ان ينضووا حينئذ تحت جماعة المسلمين ورايتهم.
و(ثالثا)- ان يقلل من نزوع المتوثبين للخلافة، ليقيم الحجة لهم وللناس بأن من يكون مامورا طائعا لشاب يافع ولا يصلح لامارة غزوة موقته كيف يصلح لذلك الأمر العظيم وهو ولاية امور جميع المسلمين العامة، وهي في مقام النبوة وصاحبها اولى بالمؤمنين من انفسهم.
وزبدة المخض ان بعث اسامة لايصح أن يفسر إلا بأنه تدبير لاتمام أمر علي بن أبي طالب بمقتضى الظروف المحيطة به من تقدم النص على علي وقرب أجل النبي صلى الله عليه وآله وعلمه بأن هناك من لايروق له ولاية ابن عمه، وبمقتضى الدلائل الموجودة في الواقعة نفسها: من تأمير فتى يافع وتكديس وجوه القوم وقوادهم في البعث وعدم دخول علي ومن يميل اليه وامتناع جماعة عن الالتحاق بالجيش وحث النبي على تنفيذه وغضبه من اعتراضهم وتخلفهم، وهو في مرض الفراق والظرف دقيق على المسلمين.
فهذا البعث في الوقت الذي كان تدبيرا لاخلاء المدينة
لعلي وحزبه كان حجة على المستصغرين لسنة ودليلا على عدم صلاح غيره لهذا المنصب العظيم. فاذا كان الاخلاء لم يتم لتمانع القوم وعرقلتهم للبعث فان الحجة ثابتة مع الدهر.
ولايصح للباحث ان يدعي إنَ السبب الحقيقي لتخلف القوم هو ما تظاهروا به من عدم الرضى بامارة قائدهم الصغير، وان تذرعوا به من عذرا لاخفاء تلك الشنشنة التي عرفها النبي من اخزم، لأنا نرى ان لو كان هذا هو السبب الحقيقي، لما تنفذ البعث بعد أن تم أمر الخلافة الذي به زال المانع الحقيقي، والمسلمون الى النبي اطوع منهم الى ابي بكر لو كان يمنعهم صغر القائد. ولم يتأب عمر نفسه بعد ذلك ان يخاطب اسامة بالامير طيلة حياته اعترافا بامارته.
اما الشفقة على النبي ان لم تكن عذرا آخر تذرعوا به فلا يصح ان تكون سببا حقيقيا، إذ ينبغي أن يكونوا عليه أشفق بالتحاقهم بالبعث، وقد غضب أشد الغضب من تأخرهم على ما فيه من حال ومرض. ولئن ذهبوا يسألون عنه الركبان كان أكثر براً بنبيهم من أن يعصوا امره ويغضبوه ذلك الغضب المؤلم له.
ولو ان القوم كانوا قد امتثلوا الأمر لأصابوا خيرا كثيرا ولتبدل سير التأريخ ومجرى الحوادث تبدلا قد لا يحيط به حتى الخيال( ولو ان أهل القرى لآمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)
ولما وقع ما وقع بعد ذلك من خلاف بين المسلمين وتطاحن وحروب دموية انهكت قوى الاسلام واضعفت روحية الدين حتى انفصمت عرى الجامعة الاسلامية سريعا وانتهكت حرمات الأحكام الدينية، فعاد الاسلام كما نشاهد اليوم غريبا كما بدىء.
أي أمر عظيم وتدبير حازم صنعه النبي لسد باب كل خلاف يحدث؟( وكل أفعاله عظيمة) لو تم ما اراد. ولكن لا امر لمن لايطاع.
ب - ائتوني بكتف ودواة
قد شاهد النبي صلى الله عليه وآله ما كان من أمر عرقلة بعث اسامة، وهؤلاء القوم المتباطؤن لم ينفع معهم صعوده المنبر عاصبا رأسه في أشد حال لا تقله رجلاه مما به من لغوب، مشددا عليهم النكير على مقالتهم في حق اسامة وتخلفهم عن البعث.
وهي اول حادثة من نوعها تمر على النبي في المدينة، لا يطاع امره ويتجاهل حكمه، ويتساهل في غضبه، ثم لا يستطيع ان ينفذ هذا الأمر وهو مصر على تنفيذه الى آخر يوم من حياته إذ دخل عليه اسامة راجعا من الجرف فأمره بالسير غاديا.
لاشك ان مثل هذا الحادث يدعو الى تدبير آخر سريع
لاتمام الامر لعلي، ومنه يتأكد للنبي جليا ما عليه القوم من التواطؤ على عدم التقيد بالنص على علي. وهم إذ كانوا في حياته لايطيعون أمره في هذا السبيل فكيف اذن بعد وفاته. فلم يجد بعد هذا من خيرا من ان يكتب لهم كتابا فاصلا لا يضلون بعده ابدا، لأنه سيكون امرا ثابتا لا يقبل التأويل والنكران والتناسي، لا كالكلام الذي لا يحفظ الا في الصدور وهي لاتسلم من دخل.
ما أعظمه من كتاب؟
أهم لايضلون بعده ابدا؟
ما أعظمها من نعمة!
بالله أباللّه أهكذا قال النبي؟
نعم! لما اشتد المرض به(يوم الخميس) وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال صلى الله عليه وآله : (هلموا اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا).
فأية فرصة غالية هذه يجب ان يقتنصها الحاضرون لهم ولجيلهم للأجيال اللاحقة حتى الأبد؟ وأية نعمة كبرى هذه لا تعادلها نعمة!... أما كان على المسلمين ان يستغلوها اعظم غنيمة فيسرعوا الى تلبية هذا الطلب ليخلد لهم الهدى ما بقوا؟ فأي شىء كان يؤخرهم عن اقتناص هذه النعمة؟
او ليس عمر بن الخطاب حال دون هذا التدبير، فأوهى
منه عقدته المحكمة، فقال:( ان رسول الله قد غلبه الوجع أو ليهجر وعندكم القرآن وحسبنا كتاب الله)!. فاختلف الحضور واكثروا اللغط والنقاش، منهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لاتضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قال عمر.
فما ترى نبي الرحمة صانعا بعد هذا؟ أيكتب الكتاب وهو في زعم بعضهم على حال مرض غالب( حاشا النبي الذي لاينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى)، فكيف إذن يهتدون به ولايضلون بعده ابدا، وقد وقع فيه الخلاف من الآن، وطعن بتلك الطعنة النجلاء التي لاسبرلها ولا غور. فلم يجد روحي فداه إلا ان ينهرهم وينبههم على خطأهم فقال: (قوموا. ولا ينبغي عند نبي نزاع) لتبقى هذه الحادثة حجة على مرور القرون.
حقا انها لرزية من أعظم الرزايا سببت كل ضلال وقع ويقع بعد النبي. وحق لإبن عباس حبر الأمة ان يبكي عند تذكرها حتى يخضب دمعه الحصباء ويقول:( ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب).
وليفكر المفكر أي شىء كان يدعو عمر ليقول هذه المقالة القارصة في حق النبي المختار، وما ضره لو كان يكتب هذا
الكتاب ليعصم الخلق عن الضلالة ابد الدهور وسجيس الليالي؟
أكان لايحب أن يبقى الخلق على هدى لا يضلون؟
أم كان يعتقد حقيقة ان النبي ليهجر. ولكن لا يعتقد هذا الاعتقاد إلا من كان يجهل حقيقة النبي وما جاء به القرآن من الآيات التي ندد بها على المشركين. وليس ذلك عمر. وما باله لم يعتقد بهجر ابي بكر( وليس شأنه شأن النبي) لما أوصى بالخلافة، وكان قد أغمى عليه اثناء تحرير الاستخلاف، فأتم ذلك عثمان بالنص على عمر من دون علم ابي بكر، خشية ان يدركه الموت قبل الوصية، فأمضى ما كتبه عثمان لما استفاق.
أم ماذا؟
ليتني أستطيع أن افهم غير انه علم بما سيكتبه النبي من النص على علي، وقد سبق للنبي ان عبر مثل هذا التعبير في العترة يوم الغدير إذ ذكر الثقلين كتاب الله وعترته اهل بيته ووصفهما بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ثم قال: (لن تضلوا ان اتبعتموها)(١) أو على المشهور( لن تضلوا ما ان تمسكتم بهما ابدا) ففهم عمر من قوله:( لا تضلوا بعده ابدا) ماذا سيريد ان يكتب الرسول. ويشهد لتنبه عمر
______________________________
(١)مستدرك الحاكم(١٠٦:٣).
لذلك قوله: (حسبنا كتاب الله) إذ فهم ان غرض النبي ان يقرن الثقلين احدهما بالآخر فكأنه قال: يكفينا واحد منهما وهو الكتاب ولا حاجة لنا بالآخر، وإلا فما كان معنى لقوله حسبنا... وهو يدعي هجر النبي صلى الله عليه وآله
فكانت هذه المقالة من عمر والمقالة بمشهد النبي للحيلولة دون الكتاب لعلي، اقداما جريئا جاء في وقته المناسب له قبل أن تفوت الفرصة. ولا يشبهه أي موقف آخر منه على كثرة مواقفه في اتمام البيعة لأبي بكر، كما سنرى في انكاره موت النبي وموقفه في السقيفة وبعدها فانه هو الذي شيد(١) بيعة ابي بكر وكافح المخالفين. ولولاه لم يثبت لأبي بكر امر ولا قامت له قائمة: فقد كسر سيف الزبير، ودفع في صدر المقداد، ووطأ سعد بن عبادة وقال: اقتلوه فانه صاحب فتنة، وحطم انف الحباب بن المنذر، وتوعد من لجأ الى بيت فاطمة عليها السلام وكان بيده عسيب نحل(٢) بعد خروجهم من السقيفة يدعو الناس الى البيعة...
ولا يستطيع الباحث ان ينكر من عمر بن الخطاب تمالؤه على علي بن ابي طالب ويقظته فيما يخص استخلافه. وكذلك جماعته الذين شاهدنا منهم التعاضد والتكاتف في اكثر
______________________________
(١) راجع شرح ابن ابي الحديد(٥٨:١).
(٢) راجع كنز العمال(ج٣ رقم ٢٣٤٦ و٢٣٦٣).
الحوادث كأبي بكر وابي عبيدة سالم مولى حذيفة ومعاذ بن جبل واضرابهم. وكذا علي نفسه ظاهر عليه جليا ميله عن هؤلاء في جميع مواقفه معهم حتى انه لم يبايع ابا بكر حتى ماتت فاطمة فبايع مقهورا، ولم يدخل في حرب قط على عهد الخلفاء الثلاثة، وهو ابن بجدتها وقطب رحاها. وكان يتهم عمر انه لم يشد أزر ابي بكر إلا ليجعلها له بعده فقال له مرة:(احلب حلبا لك شطرة اشدد له اليوم أمره ليرده عليك غدا)(١) وقد صدقت فيه مقالته فاستخلف من قبل ابي بكر.
وهل يخفى على أحد ما كان في القلوب من تنافر؟ ويكفي شاهدا أن نسمع المحاورة التي دارت بين عمر بن الخطاب وابن عباس كما رواها ابن عباس(٢) .
عمر (لابن عباس): أتدري مامنع قومكم منكم بعد محمد؟
ابن عباس:( وهو يكره أن يجيبه) ان لم أكن أدري فأمير المؤمنين يدريني.
-: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا
______________________________
(١) السياسة والامامة: باب امامة ابي بكر. وشرح النهج (٥:٢).
(٢) الطبري (٣١:٥) وابن الأثير (٣١:٣) وشرح النهج (١٨:٢).
على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت.
-: يا أمير المؤمنين إن تأذن لي في الكلام وتمط عني الغضب تكلمت.
-: تكلم:
-: اما قولك: (اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفقت) فلو ان قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ومحسود. واما قولك:( انهم كرهوا ان تكون لنا النبوة والخلافة) فان الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال: (ذلك بأنهم كرهوا ما انزل الله فأحبط اعمالهم).
-: هيهات! والله يا إبن عباس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره ان افرك عنها فتزيل منزلتك مني.
-: وما هي؟ فان كانت حقاً فما ينبغي ان تزيل منزلتي منك وان كنت باطلا فمثلي اماط الباطل عن نفسه.
-: بلغني انك تقول انما صرفوها حسداً وظلماً.
-: اما قولك (ظلما) فقد تبين للجاهل والحليم. واما قولك (حسداً) فإن إبليس حسد آدم فنحن ولده المحسودون.
-: هيهات! ابت والله قلوبكم يا بني هاشم إلا حسداً ما يحول وضغنا وغشا ما يزول.
-: مهلا! لاتصف قلوب قوم اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد والغش، فان قلب رسول الله من بني هاشم.
-: اليك عني؟
* * *
نقلنا هذه المحاورة بطولها لانها تجلي كثيرا من الغوامض في بحثنا، فهي تكشف لنا:
(اولا) عما في نفوس الطرفين من نزوان بغضاء كامنة يستطير شرارها. وهذا ما أردنا استكشافه الآن وسقنا لأجله المحاورة.
و(ثانيا)- عن ان القوم كانوا قد تعمدوا منع الأمر عن آل البيت، وان منعهم كان عاطفيا كراهة اجتماع النبوة والخلافة فيهم خشية تبجحهم، وقد فسر ابن عباس هذه الخشية بالحسد وانها من الظلم. واستشعر الألم الكامن من تأكيد هذه الكلمة (بجحا بجحا).
و(ثالثا)- عن ان الامامة انما هي باختيار الله، وأن الخلافة في آل البيت مما انزله الله، وليست تابعة لاختيار قريش وكراهتهم.
و(رابعا) عن ان ظلمهم لآل البيت بأخذها منهم مشهور يعرفه كل احد.
وهذان الامران الأخيران صرح بهما ابن عباس على شدة تحفظه واتقائه غضب عمر الذي لم يسلم منه بالأخير. ولم يرد عليه عمر الرد الذي يكذب هذا التصريح اكثر من الطعن فيه وفي بني هاشم ثم الزجر له بقوله: (اليك عني). وهذا الزجر ينطق صريحا بالعجز عن الجواب، فختمت به المحاورة.
والغرض من كل ذلك ان اقدام عمر الجرىء ، على نسبة الهجر الى النبي المعصوم، وعلى دعوى ان كتاب الله وحده كاف للناس بلا حاجة الى شىء آخر على عكس تصريح النبي، لايستغرب منه ما دام القصد منع الأمر عن علي. وقد اتضح ان بينهما مالا يستطيع التأريخ نكرانه والتمويه فيه.
واما اعتذار بعض الناس عنه بأنه ظهر له ان الأمر ليس للوجوب فهو اعتذار بارد لايقره العلم. فمن اين ظهر ذلك؟ أمن قول النبي( لا تضلوا بعده أبدا) وهل هناك أمر اعظم مصلحة في الحكم الشرعي تجعله للوجوب من هداية الخلق اجمعين الى أبد الدهور ام من وقوع النزاع وغضب النبي وزجرهم بالانصراف. واذا كان قد فهم الاستحباب فلماذا يرده بأشنع كلمة لا يواجه بمثلها الرجل العادي من
الناس لاسيما عند المرض، أعني كلمة الهجر والهذيان، مهما لطف العبارة بتحويلها الى كلمة( قد غلبه الوجع). ثم أي معنى حينئذ لقوله:( حسبنا كتاب الله)، وهو رد على النبي وتدخل في مصلحة الحكم واساسه، وكان يغنيه ان يقول لا يجب علينا امتثال الأمر.
* * *
والخلاصة إن الكتاب الذي أراد أن يكتبه النبي صلى الله عليه وآله من نفس وصفه له:( لاتضلوا بعده أبداً) ومن نفس رد عمر( حسبنا كتاب الله) ومن قرائن الأحوال المحيطة بالقصة بعد سبق توقف البعث عن الذهاب نعرف ان المقصود منه النص على خليفته من بعده وهو علي بن أبي طالب، لاسيما ان كل خلاف بين المسلمين وكل ضلال وقع ويقع في الأمة هو ناشيء من الخلاف في أمر الخلافة فهو أسّ كل ضلالة. ولو تركوا النبي يكتب التصريح بالخلافة من بعده لما كان مجال للشك والخلاف الا بالخروج رأسا عن الاسلام.
وليس بالبعيد انه صلى الله عليه وآله امتنع عن التصريح شفاها أو كتبا بعد هذه القصة بالنص على خليفته لئلا يأخذ اللجاج بالبعض الى الخروج على الاسلام، فتكون المصيبة أعظم على الاسلام والمسلمين وهذا ما حدا بعلي عليه السلام الىالمجاراة والمماشاة، فلذا قال في خطبته الشقشقية:( فطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء أو أصبر على طخية عمياء...
فرأيت ان الصبر على هاتا أحجى...). وسيأتي في الفصل الرابع الكلام عن موقفه مع الخلفاء تفصيلا.
الفصل الثالث : بيعَة السقيفة
(١- الدوافع لاجتماع السقيفة(١) )
تصور الأنصار انهم الذين آووا ونصروا يوم عز الناصر، وأسلموا يوم قحط المسلمين، فبذلوا للاسلام نفوسهم واموالهم، فكانوا بحق (انصاراً) كما سماهم النبي صلى الله عليه وآله، و(حضنة الاسلام واعضاد الملة) كما دعتهم الزهراء عليها السلام في خطبتها الشهيرة عند مطالبتها بالنحلة.
اذن، لابد أن يروا لأنفسهم حقا في الأسلام لايغمط وسابقة ليست لغيرهم لاتنكر، ولهم في تشييده يد مشهورة وذكر جميل.. وهذا ما يطمعهم في امارة المسلمين كجزاء
______________________________
(١) السقيفة: الصفة والظلة، وهي شبه البهو الواسع الطويل السقف. وكان لبني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهم حي من الأنصار ومنهم سعد بن عبادة نقيبهم ورئيس خزرج ظلة يجلسون تحتها هي دار ندوتهم لفصل القضايا اشتهرت (بسقيفة بني ساعدة). اجتمع فيها الأنصار اوسهم وخزرجهم ليبايعوا سعد بن عبادة خليفة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
لتضحيتهم في سبيل الاسلام وكنتيجة لنجاحهم وتفوقهم على العرب في النصرة والايواء.
ومن جهة ثانية: انهم كانوا قد وتروا قريشا والعرب؛ وأية ترة هي؟ آووا ونصروا من سفه أحلامهم، وهم يحرقون الارم عليه ليقتلوه، فتمنع عن جبروتهم باولئك المستضعفين في نظر (أهل النواضح) واكثر من ذلك انهم قتلوا صناديدهم واسروا رجالهم وجعجعوا بهم حتى دانت بأسيافهم العرب. فكانت الأنصار والحال هذه تتخوف هؤلاء الذين وتروهم اذا خلصت اليهم الامارة ان يأخذوهم بترتهم، وهم عندئذ المغلوبون على أمرهم سوقة لايملكون لأنفسهم قوة ولا دفاعا، وكفاهم ما سمعوه من النبي صلى الله عليه وآله مخاطا لهم: (ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). والمناظرة التي وقعت يوم السقيفة كانت تشير الى تخوفهم هذا، بل صرح الحباب بن المنذر إذ يقول: ( ولكنا نخاف ان يليها بعدكم من قتلنا ابناءهم وآباءهم واخوانهم). وقد صدقت فراسته فتولى الأمر بنو أمية وكان ما كان منهم في وقفة (الحرة) المخزية التي يندى منها جبين الشرف والانسانية، ويبرأ منها الاسلام وأهله.
وشيء ثالث هناك: إذا كان صاحب الأمر هو علي بن أبي طالب، فلم يخف عليهم حسد العرب له وتمالؤها عليه،
وهي موتورة له اكثر من أي شخص آخر من المسلمين بعد النبي، فلا تمكنه العرب وقريش خاصة من امورهم. وليس بعيدا عهد تأخر جيش اسامة والحيلولة دون كتاب النبي. ولا بد انهم علموا بمؤامرات هناك وتفكيرات احسوها عيانا في جماعة من الناس. فالأنصار والحال هذه قد لايرون كبير إثم في تطاولهم لمنصب الخلافة، مادامت خارجة عن معدنها، ولا يأمنون أن يتولاها من لا يحمدون مغبة أمره، ولا يجدون غيرهم ممن يتطاولون لها اولى بها في نصرة وخدمة وتضحية، ولعلهم لأجل هذا لما يئسوا من الأمر بعد محاولتهم الفاشلة ورأوه قد خرج من أيديهم ايضا قال كلهم أو بعضهم: (لانبايع إلا عليا)(١) ولكن بعد خراب البصرة.
هذه أسباب قد تقنع النفوس الاعتيادية على تنفيذ رغباتها، وتحملها على الاعتقاد بصحة ما يوحي اليها أهواؤها بقصد أو بغير قصد من جراء تأثير العاطفة، فتعمى العين عن أوضح ما يقوم في طريقها من نور للحق ودليل على فساد ايحاء النفس بنزعاتها، وهذا ما يؤيده علم النفس.
وإذا نحن تفهمنا هذه الحقائق وتدبرناها جيداً استطعنا ان نعرف السر في استباق الأنصار بهذه العجالة الى عقد
______________________________
(١) الطبري(١٩٨:٣) وابن الأثير(١٥٧:٢) وغيرهما.
اجتماعهم سراً في سقيفتهم، واستطعنا ان نعرف لماذا كان سرياً بلا مشورة لمهاجرين ولا باقي المسلمين.
أجل! ما هو إلا لأنهم طلبوا الغرة من أصحاب الرسول واهل بيته، فانتهزوا فرصة انشغالهم بفادحهم العظيم وبجهازهم نبيهم، ليحكموا البيعة لأحد نقبائهم وسيد الخزرج، أو لأي شخص آخر منهم قبل ان يفرغ أهلها أو طالبوها. وحينئذ ظنوا ان سيتم لهم كل شيء.
٢ - نفسية الأنصار
حاولنا في البحث السابق ان نتشبث بما يرفع الأنصار عن سوء النية والقصد، ولكنا نؤمن بأن ما قلنا عنهم لا يخرج عن عده من الوساوس التي لا تبرر عمل المرء من الناحية الدينية. على انا نرجو ان يكونوا معذورين فيما عملوا لئلا نخسر عدداً وفيراً من الصحابة.
اما نفس عملهم سواء كانوا بسوء نية أم لا فلا يسعنا ان نحكم بصحته، فإنا مهما فرضنا الحقيقة من جهة النص على الامام فان استبدادهم هذا وتسرعهم في عقد اجتماعهم لنصب خليفة منهم لايخرج عن عدة خيانة للاسلام وتفريطاً في حقوق المسلمين بلا مبرر، وفي وقت قد دهمت الاسلام فيه هذه الفاجعة
الدهيماء، والمسلمون كالمذهولين بمصابهم لايعلمون ماذا سيلاقون من العرب واعداء الاسلام.
ولا نريد الآن ان نجلس في دست القضاء لنحكم لهم أو عليهم، ولعل هناك من يرى صحة عملهم فلا نضايقه، وإنما مهمتنا ان ندرس الاسباب التي دعتهم إلى عملهم هذا، وأن ندرس نفسياتهم.
في البحث السابق رأينا ان خدمتهم للاسلام الممتازة هي التي خيلت لهم الحق في الخلافة أو في سلطان المسلمين. وهذا نعرفه من حجتهم على لسان المرشح منهم للخلافة سعد بن عبادة في خطبته ذلك اليوم، ينضم الى ذلك تخوفهم من ان يخلص الأمر الى من قتلوا أبناءهم وآباءهم واخوانهم، مع اعتقادهم بخروج الأمر عن أهله، ويدل على هذا الأخير كما تقدم طلبهم مبايعة علي بعد اليأس.
هذه الأسباب التي استطعنا عرفانها. وكل ذلك تقدم وفيها قبس نسير على ضوئه لمعرفة نفسياتهم.
فانا نعرف مجموعها انهم في محاولتهم كانوا مدافعين اكثر منهم مهاجمين، والدفاع دائما يكون عن الشعور بالضعف والانخذال وهذا الشعور من أعظم الأدواء النفسية لمن أراد الظفر في الحياة، إذ ينشأ منه الوهن في العزيمة والضعف في
الارادة والاضطراب في الرأي والتدبير. وكل ذلك كان ظاهراً على الأنصار في اجتماعهم بالسقيفة.
والشاهد على ذلك: انقسامهم على انفسهم وانسحابهم امام خصومهم كما سترى، وأعظم من ذلك تنازلهم الى الشركة في الأمر من قبل أن ينازعهم منازع، اعني قبل مجيء جماعة المهاجرين اليهم، إذ قال قائلهم:( فانا نقول إذن أي عندما ينازعوننا منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا أبداً)، فقال لهم سعد: (هذا اول الوهن). والحق انه اول الوهن وآخره. ثم يستمر معهم هذا التنازل حتى مجيء المهاجرين، فكرروا هذه الكلمة بالرغم على تنبيه سعد لهم انها من الوهن.
وهذا يكشف ايضا عن سماحة في نفوسهم ولين في طباعهم، ويصدق ما قلناه انهم مدافعون اكثر منهم مهاجمين، فلم يطلبوا الامارة ليملكوا مقدرات الأمة وشئونها بل ليدفعوا ضرر من يخافون ضرره، فاكتفوا بالشركة التي يحصل بها الغرض من الدفاع.
والانصاف ان الأنصار لا ينكر ما هم عليه من استكانة واستخذاء وقصر الرأي والتدبير، وضعف في العزائم، ولا سيما امام دهاء قريش وقوتها، وان حاول بعضهم وهو الحباب بن المنذر ان يسترهذا الضعف. إذ قال في خطابه
ذلك اليوم:( يا معشر الأنصاراملكوا عليكم أمركم فان الناس في فيئكم وفي ظلكم ولن يجترئ مجترئ على خلافهم ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم. وأنتم اهل العزة والثروة...).فاطرد خطبته على هذا الاسلوب زاعما ان سيرفع من منعتهم وبأسهم ويسد خللهم، ونهاهم عن الاختلاف وحذرهم عواقبه حتى قال:( فان أبى هؤلاء فمنعكم أمير ومنهم أمير). ولكنه كما ترى بينا هو محلق في السماء رفعه وتعاظما ويملي ارادته قوة إذا به يهبط الى الحضيض ضعفا، إذ يقول:( فان ابى هؤلاء ..) ونقول له: فان ابى هؤلاء الشركة ايضا فما أنتم صانعون؟ لاشك ان ذلك الضعف الذي يملي عليه التنازل هو ذلك الضعف عينه موجود ايضا سيملي عليه التنازل عن جميع الامر، كما وقع.
وهذا من تنازل الخائر المغلوب على امره وتدبيره. وكانت عليه بذلك الحجة الظاهرة، فقال له عمر بن الخطاب:( هيهات لايجتمع اثنان في قرن) أو ما ينسق على هذا المعنى، على ان الحباب هذا من أقوى من وجدنا يومئذ واشجعهم قلباً وأجرأهم لسانا، وأغلظهم على المهاجرين، لولا سعد بن عبادة.
الى هنا لعلنا لمسنا شيئا من نفسية الأنصار ادركنا مقدار الضعف في نفوسهم، والوهن في عزائمهم، والاضطراب في
تدبيرهم. كيف وقد تجلى ذلك في الحباب لسانهم المفوه وخطيبهم المصقع ذلك اليوم، وهو أقوى شكيمة واكثرهم إعتداداً بنفسه وقومه، وكان يدعى بينهم( ذا الرأي).
بقي علينا ان ندرك لماذا كل هذا الحذر من الحباب من اختلافهم إذ يقول:( ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم وينتقض عليكم أمركم)؟ لابد انه كان يحس بشرارة الخلاف تقدح، ويتوجس خيفة من الانتقاض وهذا ما سنبحث عنه في الاتي.
٣ - الأنصار حزبان
إذ قيل الأنصار أرادوا البيعة لسعد، فانما هم الخزرج فقط دون الاوس(١) . وإذا كان الاوس اجتمعوا في السقيفة مع الخزرج فانما هو على ظاهر الحال، ولحس مشترك بالخوف ممن قتلوا آباءهم وابناءهم أن ينالوا الامارة، وهم يبطنون في نفس الوقت للخزرج كمين أحن تتغلغل في صدورهم، فان بين الحيين دماء مطلولة ما زال نضخها على سيوفهم وجروحاً
______________________________
(١) ولذا يقول المؤرخون عند ذكرهم لبيعة الاوس: (فانكسر على الخزرج ما كانوا اجمعوا عليه).
بالغة لايلأم صدعها ولا يرجى رأبها. وكان آخر أيام حروبهم يوم (بُعاث) المشهور وهو قبل الهجرة بست سنين، وهو سبب اسلامهم على ما قيل إذ جاء أحد القبيلين بعد يوم بعاث الى مكة يستنجد قريشا على الفريق الثاني، فالتقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وهداهم الله تعالى الى الاسلام.
وكان رئيس الاوس يوم بعاث حضير الكتائب ابو اسيد بن حضير هذا الذي أفسد الأمر على سعد وبايع أبا بكر ومعه الاوس. وكان رئيس الخزرج عمرو بن النعمان، ابو النعمان صاحب راية المسلمين يوم احد(١) .
ولم يلطف الاسلام كثيراً من تنافسهم وتحاسدهم، وان اطفأ بينهم نار الحروب، فقد كانا يتصاولان تصاول الفحلين، لاتصنع الأوس شيئا إلا قالت الخزرج نفاسة: لايذهبون بهذا فضلا علينا. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثله. وكذلك اذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مقالتهم وصنعت صنعهم(٢) .
ومن منافساتهم التي بلغت حد الافراط يوم استعذر رسول الله من عبد الله بن ابي سلول المنافق الشهير وهو من الخزرج فقال:( يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد
______________________________
(١) راجع العقد الفريد(٢٥٠:٢).
(٢) الطبري(٧:٣) وابن الأثير(٦٦:٢).
بلغني عنه اذاه في أهلي.) الى آخر ما قال، فقام سعد بن معاذ رئيس الاوس فقال:( يا رسول الله انا والله اعذرك منه ان كان الاوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك) فترى سعداً كيف تجاهل الشخص المعنى وتحفظ عند ذكر الخزرج مما يدل على شديد تنافسهم فقام سعد بن عبادة سيد الخزرج فقال لابن معاذ:( كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك لما أحببت ان يقتل) فقام اسيد بن حضير ابن عم سعد بن معاذ فقال لابن عبادة:(كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين). فثار الحيان الاوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت(١) .
هكذا هم الاوس والخزرج حزبان متنافسان متحاسدان وانما سعد بن عبادة بادئ بدء يوم السقيفة أراد ان يستميل الاوس باسم الأنصار، وهم حزب واحد امام حزب المهاجرين وقريش، فقال معرضا بخصومهم في خطبته على الأنصار-:( يا معشر الأنصار ان لكم سابقة في الدين وفضيلة ليست لقبيلة من العرب.) ويقصد المهاجرين. وهكذا مضى في خطبته يضرب على هذا الوتر الى ان اجابوه جميعا:(أن
______________________________
(١) راجع البخاري(٦:٢و٢٤:٣).
وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما أمرت، نوليك هذا الأمر، فأنت لنا مقنع ولصالح المؤمنين رضى).
ثم انهم ترادوا الكلام فيما إذا أبت المهاجرين من قريش بيعتهم، فقالت طائفة: (اذن نقول منا امير ومنكم امير). فقال سعد: (هذا اول الوهن) وقد سبقت الاشارة اليه. وفي الحقيقة انه اول الوهن وتنازل منهم عرفنا فيما سبق دلالته على مبلغ ضعف ارادتهم امام ارادة قريش حتى قبل مواجهتهم، بل يدل ايضا على تخلخل صفوفهم ووجود خلاف كامن كمون النار في الرماد، فلم يتأثروا بدعوة سعد، وأبطأوا عليه حتى داهمهم المهاجرون، وهم إنما اسرعوا الى عقد هذا الاجتماع ليسبقوا الحوادث، وإلا فقد كانت الفرصة الكافية لبيعته من قبل ان يعلم جماعة المهاجرون باجتماعهم فتكبسه عليهم. لولا انهم اضاعوها باختلافهم وتباطؤهم حتى مضى الوقت. ومثل هذه الامور بعرف الساسة لاتقبل الاناة والابطاء.
والحق ان الاوس كانوا غير مرتاحين لبيعة سعد، وهم يتنافسون مع الخزرج في أتفه الأشياء وادناها، وكأنهم كانوا لايريدون ان يبدأوها بالخلاف خشية أن يقال:(اوس وخزرج)، وفي هذه الكلمة ما فيها من معان لاتتفق وروحية الاسلام، فيبتعدون عنها ما استطاعوا ان المجاملة محفوظة
بين الطرفين. ولذلك لما رأوا المجال للوثبة واسعا نقضوا أمر سعد وما اجتمعت عليه الخزرج، وهذا عندما رأوا ان الخلاف جاء من الخزرج انفسهم بمقالة بشير بن سعد الخزرجي، وستأتي، وباسراعه الى بيعة ابي بكر، وقد كان اول المبايعين. وايضا رأوا ان الدعوة ضد سعد أنما جاءت من قبل غيرهم وهم المهاجرين.
فظهرت منهم حسيكة الخلاف والتناقس، وقال بعضهم لبعض وفيهم اسيد بن حضير زعيمهم: (لئن وليتموها سعداً عليكم مرة واحدة لازالت لهم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم فيها نصيبا أبداً فقوموا فبايعوا ابا بكر) فقام اسيد فبايع ومعه الاوس، وليسأل السائل هل جُعل لهم نصيب فيها بمبايعتهم لأبي بكر؟ ولكنه التنافس هو الذي أملى عليهم هذا القول ومنافسة القرابة ابعد أثراً واعظم مفعولا.
هذا ولا ينكر ما لأبي بكر من كبير أثر في استمالة الاوس الى جانب المهاجرين، فقد وقف موقفا مؤثراً وكان يعرف من اين تؤكل الكتف فلم يفته ما كان يعلمه من التنافس بين الحيين، حتى استغله لانقاذ الموقف وبرع في هذا الاستغلال، فقد قال في ذلك اليوم: (ان هذا الأمر ان تطاولت اليه الخزرج لم تقصر عنه الاوس وان تطاولت اليه الاوس لم تقصر عنه الخزرج، وقد كانت بين الحيين قتلى لا تنسى وجراح لا
تداوى، فان نعق منكم ناعق جلس بين لحيي اسد يضغمه المهاجري ويجرحه الأنصاري)(١) .
فانظر الى كلمة(لم تقصر) وما لها من بليغ اثر في القلوب المتحاسدة وما بها من تحريض لأحد المتناظرين على نظيره المتطاول.
نعم! انها لتجعل لكل من الحيين الكفاية تجاه الحي الآخر، فان تطاول احدهما وهم الخزرج الآن فحقيق بالآخر ان يتطاول لها ككفتي ميزان، من غير فضيلة يختص بها المتطاول. فلا تسل كيف أشرأبت اعناق الاوس لهذا الأمر؟
وبعدها انظر كيف ذكر الترات السابقة ونبش الدفائن. وهذا ما يثير بالحفائظ ويوقظ الضغائن. وهنا راح يستدل على خطأ تولى أحد الحيين لهذا الأمر، لأنه يقع بين خصمين ألدين: فرماهم بالمسكنة كما يقول ابن دأب عيسى بن زيد.
استطعنا في هذا البحث أن نلمس التنافس بين الاوس والخزرج لنعرف مدى تأثيره على مجرى حادث السقيفة، كما عرفنا ان اهل الدعوة عند التحقيق انما هم الخزرج فقط، ولم تشاركهم الاوس مشاركة جدية.
______________________________
(١) البيان والتبيين (١٨١:٣).
فلنترك الأنصار الآن مجتمعين في السقيفة يتبارون الخطب ويتحمسون لجهادهم وتضحيتهم، وسعد بن عبادة قد ترأس حفلهم يخطبهم ويقول في آخر خطبته:( استبدوا بالأمر دون الناس فانه لكم دون الناس) ولنذهب ميممين المهاجرين وباقي المسلمين حول دار النبي في المسجد، لنراهم ماذا هم صانعون!
٤ - هل مات النبي محمد ...؟
نعم! كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد خرج في آخر فجر من حياته الى الصلاة، فصلى بالمسلمين الغداة. وكان هذا آخر عهدهم برؤية تلك الطلعة المحبوبة وذلك النور الالهي.
ولم تزل شمس السماء إلا وقد آذنت شمس الأرض بالمغيب من افقها الى افق الحق الدائم، وها هو ذا النبي مسجى بين اهله ينتدبون فيه حظهم، والباب مغلق دون الناس.
انه يوم...! وأي يوم هو على اهل المدينة والمسلمين!.
فقدوا...؟ وأية نعمة فقدوا...؟
فقدوا الرحمة والانسانية. فقدوا الأخلاق الالهية. فقدوا
حياتهم وعزهم ومجدهم. فقدوا طريق الحق اللاحب وصراط الله المستقيم ونوره المشرق بآياته الباهرة...!
فقدوا نبيهم العظيم وأباهم الكريم...!
فاعظم بيومه يوما! واعظم به فقيدا!
انه يوم كان للمسلمين مضرب المثل فاذا بالغوا في يوم مصيبة قالوا:( انه كيوم مات فيه رسول الله).
وما تنتظر من المسلمين ساعة يسمعون الواعية والباب مغلق على من فيه، إلا ان يُهرعوا فيجتمعوا في مسجدهم والطرقات، نكسا ابصارهم مطأطئي رؤسهم. ولم تبق عين لم تدمع؛ ولا قلب لم يجزع، ولانفس لم يتقطع.
وما ينتظرون هم...؟
لاشك ليس هناك ما يدعوهم الى تكذيب النعاة. وإذ علموا آنئذ أن مجرى حياتهم قد تبدل راحوا ولا شك يتطلعون الى ما يظهر لهم على مسرح العالم الاسلامي من حوادث ومفاجآت، فتطيش لذلك عقولهم، ويقوى حسهم بمستقبل هذا الدين الجديد الذي أخذ بأطراف الجزيرة، والمنافقون يتحينون به الفرص، فتنهد عزائمهم، ويستشرفون على الأكثر على خليفة النبي الذي سيقود الأمة لينقذ الموقف، فيضربون اخماسا في اسداس.
كل هذه الأفكار وأكثر منها بغير شك كانت تمر على
رؤس ذلك الجمع الحاشد الطائش اللب الحائر الفكر، الذي يحوم حول دار النبوة والوحي، يرقب منها على عادته ان تبعث له بما يطمن خاطره ويهدئ روعه ويعرفه مستقبل أمره، حتى اصبح الناس كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية( كما في الحديث).
ولكن ولكن عمر بن الخطاب صاحب رسول الله ذلك الرجل الحديدي أبى على الناس تصديقهم بموت نبيهم؛ إذ طلع صارخا مهددا( وقد قطع عليهم تفكيرهم وهواجسهم) وراح يهتف بهم:( ما مات رسول الله ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله. وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن ارجف بموته. لااسمع رجلا يقول مات رسول الله إلا ضربته بسيفي).
اتراك( لو خلوت بنفسك وأنت هادئ الأفكار) تقتنع بوحي هذه الفكرة من هذا الذي لايقعقع له بالشنان، وأنت لا تدري لماذا رسول الله يقطع أيدي وأرجل من أرجف بموته، أو بالأصح من قال بموته؟ ولأي ذنب يستحق الضرب بالسيف هذا القائل؟ ومن أين علم ان رسول الله لايموت حتى يظهر دينه على الدين كله؟ وما هو هذا الرجوع؟ أرجوع بعد الموت او بعد غيبة( كغيبة موسى بن عمران كما يدعيها عمر بن الخطاب في بعض الحديث) ولكنها أية غيبة هذه وهو مسجى بين اهله لا حراك فيه؟
إلا اني اعتقد انك لو كنت ممن ضمه هذا الاجتماع
لذهبت بتياره ولتأثرت بهذا القول الى أبعد حد كسائر من معك ما دام الاجتماع بتلك الحال التي وصفناها، والخطيب هو عمر بن الخطاب، وقد جاء بتلك الدعوة الثائرة، في صرامة ارادة ورأي بلغا أقصى درجات الصرامة، وقد استعمل المغريات الخلابة للجماعات: فمن أمل بحياة الرسول وباظهار دينه على الدين كله الى توعيد بقطع رسول الله أيدي وأرجل المرجفين بموته، وتهديد منه(اعني عمر) بقتل من يقول مات رسول الله.
انهما الخوف والأمل إذا اجتمعا مع هذا الرأي القاطع والارادة الصارمة لهما التأثير العظيم الذي لا يوصف على افكار الجماعة الاجتماعية وأي تخدير بهما لأعصاب المجتمعين. ومن وراء ذلك أن شأن المحبين يتعللون في موت حبيبهم إذا نعي بالأوهام ولا يرضون لأنفسهم التصديق بموته لاسيما مثل فقيدهم هذا العظيم الذي يجوز عليه ما لايجوز على البشر.
ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة في الاجتماع الفجائي المضطرب الأفكار المتأثر بهذا الحدث العظيم المتحفر للحوادث المجهولة والمفاجآت المنتظرة. ومن البديهي ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو تتكون منه روح واحدة مشتركة حساسة تتغلب على نفسيات أفراده الشخصية، وتكون هذه الروح خاضعة
لمؤثرات لا حكم لها غالبا على روحية الفرد لو كان خارج الاجتماع. وأهم خواص هذه الروح انها تكون عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويبطل فيها حكم العقل وسلطانه ويقوى سلطان المحاكاة والتقليد الأعمى. ولذلك لا تفكر الجماعات إلا بأحط فكرة فيها، وتقبل ايضا كل فكرة تعرض عليها إذا اقترنت بالمؤثرات الخلابة وان خرجت عن حدود المعقول. ومن أقوى المؤثرات شخصية الخطيب وصرامة رأيه.
فلا نستغرب قناعة المسلمين يومئذ برأي عمر بقدر ما نستغرب منه نفسه هذا الرأي، وإن لم ينقل لنا صريحا قبولهم له، كما لم ينقل في الوقت نفسه اعتراض أحد عليه سوى ابي بكر وقد جاء متأخرا. وإذا أبيت فعلى الأقل شككهم في موت النبي وألهاهم عن التفكير فيما يجب أن يكون بعده وفيما سيحدث من حوادث منتظرة، لأنهم لاشك التفوا حوله عجبين مستغربين وهو مستمر يبرق ويرعد مهددا حتى ( ازبد شدقاه).
ولكلمة( الارجاف) هنا التأثير البليغ في اقلاع أفكار الجماعات عن الدعوى التي يدعونها لأنها من الألفاظ الخلابة التي تتضمن التهجين الشنيع للدعوى والاشمئزاز منها الى أبعد حد، إذ تشعر هنا ان مدعيها من المنافقين الذين لهم غرض مع النبي والاسلام، فقال:(... ممن ارجف بموته)
ولم يقل ممن ادعى أو قال. وهذا كاف للتأثير على الجماعات وتكوين الشعور بكراهية دعواها.
ويشهد لتأثير كلامه على سامعيه التجاء ابي بكر لما جاء من السنج(١) أن يكشف عن وجه النبي ليتحقق موته، ثم يخرج الى الناس مفندا مزاعم عمر، وعمر مستمر يحلف انه لم يمت. وطلب اليه ان يجلس فلم يجلس ثلاث مرات، فقال له: (أيها الحالف على رسلك).. ثم قام خطيبا في ناحية اخرى وقد اجتمع حوله الناس فتشهد وقال وعمر مستمر وقد تركه الناس -:
(من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لايموت...). ثم تلا هذه الآية الكريمة:( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ )
و(شاهد ثان): أن الناس لما سمعوا كلام ابي بكر اصبحوا كأنما اخرجوا من مأزق أو اطلقوا ما عقال، فانهم تلقوا الآية وكلهم وراحوا يلهجون بها( فما تسمع بشرا من الناس إلا يتلوها). أما عمر فقد صعق الى الأرض وصدق
______________________________
(١) وهو يبعد عن المسجد بميل واحد (وفي الرواية عن عائشة) وكذا في معجم البلدان ولعله اعتمد على هذه الرواية. ولكن السنح هو عالية من عوالي المدينة وأدنى العوالي بتقدير نفس المعجم يبعد أربعة أميال أو ثلاثة.
حينئذ بموت النبي بعد ان تحقق ان الآية من القرآن، كما يقول.
* * *
لله ابوك يابن الخطاب! ما أدهشني بك، وأنت وأنت، إذ تقف ذلك الموقف الرهيب حالفا مهددا، لتنكر أمرا واضحا، ألم يعلمك الاسلام حقيقة محمد فتنكر انه يموت؟ ثم تسمي مدعي موته(مرجفا)؟
لا؟
لا؟ ولكنك تحاول ان تقنع الناس انه غاب كموسى بن عمران، فيرجع ليقطع الأيدي والأرجل. إلا انه بالله عليك أية غيبة هذه؟
وأنت أعجب وأعجب حين تسرع مصدقا وتنقاد طائعا لقول قاله ابو بكر لايكذبك ولا يصدقك، بعد ذلك التوعيد والتهديد. أولست أنت كنت تعترف انه يموت بعد ان يظهر دينه على الدين كله؟ فأي دليل كان في الآية ناقض قولك فأقنعك حتى صعقت الى الأرض. والآية تدل على انه يموت يوم مات!...؟
واعجب من ذلك وقوفك بعد يوم معتذرا فتقول: (فاني قلت بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده الي رسول الله. ولكن كنت
ارجو ان يعيش رسول الله فيدبرنا ويكون آخرنا موتا)(١) . فأين هذا الرجاء الفاتر من تلك الصرخة المعلنة وذلك الحلف والتهديد وطعن القائل بموته بالارجاف؟ واين هذا الاعتذار الهادئ من تلك الدعوى الثائرة؟
إن لك لسرا عظيما!
يبدو لي ان عمر كان أبعد من أن يظهر بهذه السهولة لقارئي هذه الحادثة. ومن البعيد جدا وفوق البعد ان يعتقد مثله ان النبي لايموت يوم مات، وهو الذي قال في مرضه كما سبق بكل رباطة جأش:( ان النبي قد غلبه الوجع... حسبنا كتاب الله). فأي معنى تراه لقوله(حسبنا) لرد الكتاب الذي أراده النبي لأمته بعد موته، لو لم يكن معتقدا انه سيموت وان كتاب الله يغني عن أي شئ آخر يريد ان يقرنه النبي به.
وهل تراه قال ما قال دهشة بالمصيبة؟ فما باله لم يعتذر بذلك بعد يوم وقد سمعت اعتذاره! بل ما باله لم يزد دهشة
______________________________
(١) اقتبسنا مجموع هذه العبارة من كنز العمال(١٢٩:٣و٥٣:٤) ومن تاريخ الطبري وابن الأثير والبخاري (١٥٢:٤) والسيرة الدخلانية (٣٤٧:٢) ولفظ (كنت أرجو ان يعيش...) في الصحيح والسيرة. والمروي في هذه الكتب وغيرها بألفاظ متقاربة جداً وتختلف بما لا يضر بالمعنى.
لما تحقق انه قد مات! هيهات ان يكون قد دهش فيخفى عليه موت النبي وهو هو من نعرف.
وبعض الناس قد جهّلوا عمر بهذا وابعدوا، فقالوا: من يجهل مثل هذا الأمر الواضح المعلوم بالاضطرار جدير بألا يكون إماما راعيا للأمة...
والتجأ بعضهم الآخر ان يعتذر عنه بأن ذلك من فرط دهشته.
وفيما عندي ان الطرفين لم يعرفاه حق عرفانه ولم يصلا الى غوره وتدبيره في هذا الحادث المدهش. فان من يعتقد ان النبي قد غاب فيحلف لايقنعه مثل حجة ابي بكر فيرتدع ومن خبل بالمصيبة فهو عند اليقين بها ادهش وادهش.
* * *
ويكفي المتدبر في مجموع نقاط هذه الحادثة ان يفهم هذا الذي لايختل بالحرش، فيعرف ان وراء الاكمة ما وراءها، ولايضعه حيث وضعه الناس.
ألا تعتقد معي انه كان يخشى ان يحدث القوم ما لايريد، وقد اشرأبت الأعناق بطبيعة الحال الى من سيخلف النبي، وهذه ساعة طائشة، وابو بكر بالسنح غائب، وهو خدنه وساعده، وهما اينما كانا هما. ولعلهما
وحدهما قد تفاهما في هذا الأمر... فأراد ان يصرف القوم عما هم فيه، ويحول تفكيرهم الى ناحية اخرى، ان لم يجعلهم يعتقدون غياب النبي. حتى لا يحدثوا بيعة لأحد من الناس قبل وصول صاحبه. وليس هناك من تحوم حوله الأفكار إلا عليا للنص عليه كما نعتقد او لأنه اولى الناس، ما شئت فقل ( حتى كان عامة المهاجرين وجل الأنصار لايشكون ان عليا هو صاحب الأمر بعد رسول الله)(١) .
وكانوا يلاحظون في علي بن ابي طالب صغر سنّه(٢) وحسد العرب وقريش خاصة إياه، وتمالؤها عليه، ولا تعصب الدماء التي اراقها الاسلام إلا به،لأنه الأمثل، في عشيرة الرسول على عادة العرب وبسيفه قتل اكثر ابطالهم. ويلاحظون (رابعا) كراهة قريش لاجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم فيبجحون على قومهم بجحا بجحا كما يراه عمر فيما سبق في الفصل الثاني من محاورته مع ابن عباس. ويلاحظون (خامسا) انه سيحملهم إذا ولي الأمر على الحق الأبلج والمحجة البيضاء وان كرهوا (على حد تعبير عمر نفسه)، والحق مر في الأذواق.
ويظهر أن عمر كان بطل المعارضة في إمارة علي كما
______________________________
(١) شرح النهج لابن أبي الحديد (٨:٢).
(٢) راجع الامامة والسياسة.
شاهدنا موقفه في قصة الكتاب الذي أراد ان يكتبه النبي وفي مواقفه التي أشرنا اليها في الفصل الثاني، فلا نعجب إذا رأيناه يقف هذا الموقف ليلهي الناس عما يخشاه من استباق احد الى بيعة علي قبل مجئ ابي بكر.
اما انه هل كان يدري كيف سيخرج من هذا المأزق الذي ادخل نفسه فيه فاغلب الظن انه غامر بنفسه ليقف الناس عند حدهم. وعلى صاحبه إذا جاء ان يدبر الأمر حينئذ.
واقوى الشواهد على هذا التعليل ما قلناه من سرعة قناعته بقول صاحبه ابي بكر، وهو لايمس دعواه تكذيبا... وليس إلا ان جاء ابو بكر ووقف خطيبا والتف حوله الناس وهو يعلم من ابو بكر فقد انتهت مهمته وانقلب الدور، ولم يبق إلا ان يخرج من موقفه الحرج بلباقة، لئلا يحسوا بهذا التدبير فينتقض الغرض، فصعق الى الأرض كأنما تحقق موت النبي من جديد مظهرا القناعة بقول صاحبه. ثم لم يلبث ان راح يشتد معه لعملهما كأنما نشط من عقال ولم يقل ما قال، ولم يظهر ما أظهر من الدهشة والاضطراب، حتى رُمى بالخبل وهو عنه بعيد، فقد ذهب بعد ذلك الى السقيفة مع ابي بكر حينما علما باجتماع الأنصار السري ووقفا ذلك الموقف العجيب، وسنحدثك:
٥ - وصول النبأ باجتماع الأنصار
لم يهدنا التأريخ الى أن أبا بكر وعمر أي شئ صنعا مباشرة بعد حادثة انكار موت النبي واجتماعهما، واين كانا قبل ذهابهما الى السقيفة فهل دخلا الى دار النبي معا والباب مغلق دون الناس، او انهما وقفا على الباب، او ان ابا بكر وحده دخل الدار؟ كل واحد من هذه الاحتمالات يستشعر فيه حدث وجائز وقوعها جميعا.
ولكن مثلهما جدير به إلا يبارح دار النبي صلى الله عليه وآله في مثل هذه الساعة، وإذا كان شئ يحدث فانما يحدث ها هنا، ومحوره هذا المشغول بجهاز النبي (علي بن ابي طالب)، ومن كان يتهم ان الأنصار تستبد بهذا الأمر على آل البيت والمهاجرين وتطمع فيه دونهم فتبادر إلى إجتماعها معرضة عمن لهم شأن لا ينكر في هذا الأمر.
واغلب الظن انه لم يطل الزمن على وصولهما الى الدار حتى جاء اثنان من الأوس مسرعين الى دار النبي، وهما(١) معن بن عدي وعويم بن ساعدة، وكان بينهما وبين
______________________________
(١) ذكر ذلك في العقد الفريد(٦٣:٣) وفي الجزء الثاني من شرح النهج ولم نر غيرهما يصرح باسم الشخص المخبر. ولكن عمر بن =
سعد الخزرجي المرشح للخلافة موجدة قديمة، فأخذ معن بيد عمر بن الخطاب، ولكن عمر مشغول بأعظم امر، فلم يشأ ان يصغي اليه، لولا ان يبدو على معن الاهتمام إذ يقول له:(لابد من قيام)، فأسر اليه باجتماع الأنصار ففزع اشد الفزع، وهو الآخر يصنع بأبي بكر ما صنع معن معه، فيسر الى ابي بكر بالأمر، وهو يفزع ايضا اشد الفزع. فذهبا يتقاودان مسرعين الى حيث مجتمع الأنصار، وتبعهما ابو عبيدة بن الجراح، فتماشوا الى الأنصار ثلاثتهم(١) .
اما علي واما من في الدار وفي غير الدار من بني هاشم وباقي المهاجرين والمسلمين، فلم يعلموا بكل الذي حدث وبما عزم عليه ابو بكر وعمر.
ولماذا؟ ألم تكن هذه الفتنة التي فزعا لها اشد الفزع تعم
______________________________
= الخطاب نفسه يحدثنا أنه صادفها في ذهابها الى السقيفة، فأشار عليهم بالرجوع ليقضوا أمرهم بينهم. واحسب ان عمر أراد أن يحفظ لهما هذه اليد، فيكتم عليهما غايتهما هذه على قومهما دفاعا عنهما، لأن الأنصار اجتمعت بعد بيعة ابي بكر في محفل فدعوهما وعيروهما بانطلاقهما الى المهاجرين واكبوا فعلهما فخطبا فردت عليهما الأنصار وأغلظوا وفحشوا عليهما وكل منهما قال شعرا: (راجع شرح النهج ١١:٢ نقلا عن كتاب الموفقيات للزبير بن بكار).
(١) الطبري (٢٠٨:٣).
جميع المسلمين بخيرها وشرها وأخص ما تخص عليا ثم بني هاشم؟ أو ليس من الجدير بهما ان يوقفاهم على جلية الأمر ليشاركوهما على اطفاء نار الفتنة الذي دعاهما الى الذهاب الى مجتمع الأنصار مسرعين؟ ثم لماذا يخص عمر ابا بكر دون الناس ثم أبا عبيدة؟
ليس من السهل الاحاطة بأسرار ذلك التكتم وهذا التخصيص، وهو موضوع بكر لم يقرع بابه الباحثون. ولكنا إذا علمنا ان الجماعة كانوا يلاحظون في علي تلك الامور التي ذكرناها في البحث السابق فيحذرون ان يستبق الى بيعته مستبق، نجد منفذا الى خبايا هذا التكتم ونطمئن الى انهم رأوا الأصلح لهم ان يتداركوا الأمر بأنفسهم من دون ان يشيع الخبر وحينئذ يستطيعون ان يهيمنوا على الوضع ولا يقع ما يحذرون، إذ يكسبون على الأنصار اجتماعهم السري في جو هادئ ممن يتحمس لعلي. وهذا التخصيص من عمر يشجعنا على ان ندرك التفاهم السري بينه وبين ابي بكر بل بينهما وبين ابي عبيدة في هذا الشأن بل بينهم وبين سالم مولى ابي حذيفة. ولذلك وجدنا عمر بي الخطاب يأسف عند الموت الا يكون واحد من هذين(ابي عبيدة وسالم) حيا حتى يجعل الخلافة فيه من بعده، مع ان سالما ليس من قريش.
وإذا كانوا لم يلاحظوا في علي ما قلناه، فمن هو أجدر منه بالاخبار بهذا الأمر ومن أجدر من قومه بني هاشم، وعلي
ليس ذلك الرجل الذي يستهان بشأنه ويستصغر قدره حتى لا يستشار ولا يخبر بمثل هذا الأمر الخطير، وهو ان لم يكن منصوصا عليه بالخلافة فان مؤاخاة النبي له مرتين دون سائر الخلق وجعله منه بمنزلة هرون من موسى وهو أحب الناس اليه ومولى كل من كان مولاه وولي كل مؤمن بعده ووارثه ووصيه ويدور الحق معه كيفما دار... كل هذا وغيره ما شئت ان تحدث يجعل له المنزلة الأولى في هذا الشأن ليستشار على الأقل.
ولئن كان مشغولا عنهم بجهاز النبي صلى الله عليه وآله فجدير بأن يكون على خبر من ذلك ليكون ردا لهم عند حدوث ما يكره، وهم مقدمون على أمر عظيم، وعلي من لا ينكر في شجاعته وبطولته وايمانه وتفانيه في سبيل نصرة الاسلام. ولكنه بالرغم من ذلك كله لم يعلم بالحادث إلا بعد ان سمع التكبير من المسجد عاليا، وقد فرغوا من اجتماع السقيفة وجاءوا بأبي بكر يبايعونه البيعة العامة.
ولست في تعليلي هذا أدعي الاحاطة بأسرار هذا التكتم وإنما ذكرت ما يبدو لي عند البحث مقتنعا انه أهم أسراره وعسى ان يكون هناك من يستطيع ان يشبع الموضوع بحثا، فيزيدنا علما على علم أو يكشف لنا انا على جهل.
٦ - تأثير دخول المهاجرين في اجتماع الأنصار
لنجيء الآن مع ابي بكر وعمر وابي عبيدة الى السقيفة، فنرى الأنصار مجتمعين يتداولون الحديث، وسعد بن عبادة بينهم مزّمل وجع يخطب فيهم وقد ترأس حفلهم مرشحا للخلافة. ولانشك ان الأنصار الآن في لغط وحماس، قد اخذت الأنانية والفخر بأطرافهم معدين للوثبة عدتها، يريدون في اجتماعهم السري هذا ان يقبضوا على ناصية هذا الامر العظيم، وليس امامهم من يطاولهم.
وإذ يدخل عليهم وجوه المهاجرين فجأة لا بد ان يسقط ما في أيديهم بافتضاح امرهم قبل ابرامه، وبتخوفهم من خروجه من ايديهم بعدما قالوا وصنعوا. ولابد ان يرتبكوا لذلك ويقوى فيهم شعور الخذلان. وقد عرفنا نفسياتهم التي يتغلب عليها الضعف، فيتغير عليهم مجرى الحادثة. وهنا ينقلب الدور فيتهيئون لمواجهة هذا الحادث الجديد بما يقتضيه: فمن كان يبغض الامارة لسعد وجد الفرصة قد حانت للانتقاض عليه، وبالعكس اصحابه الذين يوادونه لابد ان ينقلبوا مدافعين. وهذا أول تبدل في حالهم وانخذال في اجتماعهم.
وبعد دخول جماعة المهاجرين هذا الاجتماع وسؤالهم عن
هذا المزمل من هو؟ وما شأنه؟ نرى عمر يذهب ليبتدئ النطق، وقد زور في نفسه مقالة في الطريق ليقولها بين يدي ابي بكر، وكان يخشى جد ابي بكر أو حدته، وكان ذا جد كما يقول هو. ومن الواضح ان الموقف دقيق جدا يدعو الى كثير من اللين واللباقة رعاية لهذه العواطف الثائرة المتحفزة، ولكن ابا بكر يمنع عمر من ابتداء الكلام، وكأنه هو ايضا يرقب شدته وغلظته المعروفتين فيه فانطلق يتكلم، وما شيء كان زوره عمر إلا أتى به أو بأحسن منه على ما يحدثنا عمر نفسه.
ولقد كان ابو بكر يحسن المعرفة بما يتطلب هذا الوضع من الرفق والسياسة، أولا ترى لما كادوا ان يطأوا سعدا قال قائل: قتلتم سعدا.. فقال عمر وهو مغضب:( اقتلوا سعداً قتله الله انه صاحب فتنة) فالتفت اليه ابو بكر قائلا:( مهلا يا عمر! الرفق هنا ابلغ).
ولا اعتقد مع ذلك ان عمر كان يجهل ضرورة الموقف، ولكني اخاله وقد تمت البيعة لأبي بكر لم يجد حاجة لكثير من هذا اللين والمداراة، وقد أخذ بموافقة الأنصار إلا القليل، وتحقق فشل سعد وانخذاله. فهو اذن يعرف موضعي اللين والشدة. ولعله وهو رجل الساعة بعد أبي بكر أراد ان يظهر بالغلظة لينطق ابا بكر بكلمة اللين.
٧ - تأثير خطب أبي بكر على المجتمعين
من المتيقن ان الرجال الذين سادوا الأمم والجماعات فأحسنوا سيادتهم هم من ابرع الناس في علم الاجتماع وهم لايشعرون. وإنما جبلوا على معرفة فطرية تشحذها التجارب التي تخلق في النفس الملكة على تطبيق النظريات عند الحاجة. وابو بكر وعمر هما من اولئك الناس الذين عرفوا خواص نفسية الجماعات وكيف يمكن التأثير عليها قي الوقت المناسب كما دلت الحوادث المتكررة على ذلك.
ولا شك ان مميزات الجماعة المقصودة لعلماء الاجتماع كانت متوفرة ايضا هنا أتم من توفرها في اجتماع المسجد غب موت النبي الذي أشرنا اليه سابقا: فقد كان الاجتماع حافلا التجأ فيه سعد بن عبادة أن ينيب عنه ابنه أو بعض بني عمه في إلقاء كلامه، فيرفع به صوته ليسمع المجتمعين. وقد اجتمعوا لغرض واحد حساس اعني تأمير من يخلف ذلك النبي العظيم، ليكون على رأس هذه الامة الكبيرة القوية المستجدة، وهم على ما هم عليه من الحال التي وصفناها من التوثب والشعور بالاستحقاق والتكتم.
وأظنك عرفت في البحث الأسبق ان الاجتماع الذي يتألف على هذا النحو كيف يطلع فيه قرن العاطفة ويأزر
رأس العقل والتفكير في المجتمعين فيصبح عرضة للتقلبات والانقلابات الفجائية ويقوى فيه سلطان المحاكاة والتقليد الأعمى. بل تظهر عليه الأعراض المتناقضة، فبينا تجده قد يقوم بأعمال وحشية جبارة تدل على شجاعة افراده البالغة حدها تجده مرة اخرى يجبن من الصفير. وبينا تراه يأتي بأعمال صبيانية مضحكة تراه تارة اخرى يحكم التدبير والتنظيم. وما ذلك إلا من سجية المحاكاة الموجودة في كل انسان فتسود على المجتمع عندما يبطل حكم العقل وحينئذ يكون تابعا مسخرا لكل من يحسن تسخيره بالمؤثرات التي تهيمن على العاطفة كالمنوم تنويما مغناطيسيا.
ونحن إذ فهمنا جيدا هذه البديهيات عن روحية الجماعات، ولاحظنا توفر شروط الجماعة الاجتماعية في جماعة السقيفة، نفهم معنى تلك الأساليب التي اتبعها ابو بكر وصاحبه كما سترى للتأثير على المجتمعين يومئذ ونفهم سر تأثر جماعة الأنصار وانقلابهم الفجائي على انفسهم، فأخذ ابو بكر وعمر الأمر من أيديهم باختيارهم. على انهما في جنب قوة الأنصار واعتزازهم بجمعهم تلك الساعة لا يعدان شيئا، وليس من المهاجرين معهما إلا أبو عبيدة بن الجراح كما سبق وسالم مولى أبي حذيفة على رواية. فاسمع الآن الى الأساليب التي قلنا عنها:
لقد رأينا سابقا كيف حرش ابو بكر بين الأنصار، وأثار
عواطف الأوس على الخزرج. وقد صادف منهم نفوسا متهيئة الوثبة على سعد. حتى استمالهم الى جانبه وهم يشعرون أو لا يشعرون. في حين انهم يعلمون ان الأمر إذا كان للأنصار وان تولاه رئيس الخزرج فهو الى حيازتهم أقرب والى سلطانهم أدنى. ولكن للعاطفة هنا سلطانها القاهر على النفس لا يقف في وجهها أي سور محكم من النطق والتفكير.
ولنفحص الآن (خطبته) التي واجههم بها في أول الملاقاة وقال عنها عمر:( ما شئ كان زورته في الطريق إلا اتى به أو بأحسن منه) فانه ذكر فيها اولاً ما للمهاجرين من فضل وسابقة في الأسلام بأنهم أول من عبد الله في الارض وآمن بالله وبالرسول وانهم اولياؤه وعشيرته واحق اناس بهذا الأمر(أي الخلافة) من بعده. وأن العرب لاتدين إلا لهذا الحي من قريش، وانهم لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم...! ثم خاطب الانصار فلم يغمط حقهم وسابقهم وجهادهم، لكن... لكن من غير استحقاق لهذا الأمر، وإذا استحقوا شيئا فانما هي(الوزارة)... ولغيرهم...(الامارة)، فقال:
(... وأنتم يامعشر الأنصار من لا ينكر فضلكم في الدين ولا سابقتكم العظيمة في الاسلام. رضيكم الله انصارا لدينه ولرسوله وجعل اليكم هجرته، وفيكم جلة أزواجه
وأصحابه، فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء)(١) .
وفي هذا البيان الشيء المدهش من اطفاء نار عواطفهم المتأججة ضد المهاجرين، واشباع نهمة نفوسهم الفخورة المتطاولة بفضلهم، وجهادهم ونصرتهم، وتقريبها الى المهاجرين للاعتراف بفضلهم عليهم، لأنه ليس اقوى على تخدير أعصاب الجماعة الهائجة من الذهاب مع تيار روحهم المندفعين بها، فأعطى لهم ما يسألون بلسان حالهم من الاعتراف بالفضل والجهاد وكل فخر يشعرون به متطاولين.
حقاً لقد صدق وصدقوا، فان لهم الفضل الذي لا ينكر، ولكنهم أخطأوا بزعمهم ان لهم بذلك حق الامارة، وهنا نجد أبا بكر يريد أن يحولهم عن هذا الزعم، فيحذر أن يخدش عواطفهم بما ينقص منزلتهم ويحط من مقامهم، فعدل عن التصريح بكلمة الخطأ أو ما ينسق عليها من معناها، واتبع اسلوبا آخر من البيان وانه لمن السحر المأثور فلم يزد على كلمة:( فليس بعد المهاجرين الاولين عندنا بمنزلتكم فنحن الامراء وأنتم الوزراء). وفيها تنبيه على خطأهم من طرف خفي من دون التجاء الى الكلمة التي بها تجرح عواطفهم وتثير الحزازات مع الثناء عليهم في نفس الوقت ثم اثبات الوزارة لهم
______________________________
(١) الطبري (٢٠٨:٣).
وإذا أردت التدقيق في هذه الكلمة ترى الشئ الأعجب: فهو الآن يريد أن يفضل المهاجرين الأولين (الأولين بالخصوص!) عليهم، ليثبت لهم استحقاق الخلافة، ولو كان وضعهما في طرفين وفضل المهاجرين لأثار ذلك بحفيظتهم وحرش بين خصمين متطاولين من القديم، فعدل عن منطوق مقصوده والتاف اليهم من طريق تفضيل الأنصار أنفسهم على الناس والقى في الطريق كلمة( بعد المهاجرين الأولين)، فتظاهر انه يريد ان يقول: ليس أحد بمنزلة الأنصار. وأن مقصوده ليس غير، وإنما استثنى المهاجرين كأمر ثابت مقرر لا يتطرق اليه الشك وليس محلا للنقاش لا لأنه المقصود في البيان.
هنا إذ تهدأ تلك النفوس الجامحة في الجماعة راضية بما قيل فيها وفق شعورها تتفكك أوصالها وترجع من حيث جاءت كأنما حصل لها كل ما تصبو اليه. وهذا من انحطاط نفسية الجماعات، فلا تشعر بالنتيجة التي يراد أخذها منها وان خالفت تفكيرها عند التأمل، لأن عادة الجماعة في الأفكار ان تقبلها جملة أو تردها جملة، ولا طاقة لها على التأمل والتفكيك بين الأفكار ولاصبر لها على التمييز.
مضافا الى ان الوعد بجعلهم الوزراء لا يفتاتون بمشورة ولا تقضي الامراء دونهم الامور يطمن من رغباتهم واطماعهم، ويذهب بخوفهم من الاستبداد عليهم وأخذ الثأر منهم،
ويسدل على ما حاولوه ستارا كثيفا من النسيان. وبعبارة أصح، يأخذ أثره الوقتي وتلهو الجماعة عن صدق الوفاء ولا تحتاج الى التدليل عليه، ولا يكلف قائله إلا الوعد وبهرجة الكلام.
وهناك كلمتان أخريان في تلك العبارة التي حللناها لا يفوتنا أن نتعرف اليهما والى ما فيهما من معنى أخاذ.
الاولى كلمة(الأولين) فأبعدهم بها عن شعور الخصومة الموجودة للمهاجرين عامة. والمهاجرين والأنصار حزبان متطاولان وقد كان تنافسهما أمرا واضحا للعيان في زمن الرسول وبعده حتى قال لهم النبي يوما:( ما بال دعوى اهل الجاهلية)، وذلك عندما قال الأنصاري:( يا للأنصار!) وقال المهاجرين:( يا للمهاجرين -) فأقبل جمع من الجيشين وشهروا السلاح حتى كاد ان تكون فتنة عظيمة، في قصة مشهورة(١) فتجد ابا بكر بتخصيص المهاجرين بالأولين كيف اتقى شعور الأنصار بخصومتهم لعامة المهاجرين، وهم لاينكرون ما للأولين من فضل وقد سبقوهم الى الاسلام وعبادة الرحمن على انه بهذا التخصيص قرب نفسه وصاحبيه الى هذا الأمر.
الثانية كلمة(عندنا) فانظر الى ما فيها من قوة
______________________________
(١) راجع البخاري (١٦٥:٢ و١٢٦:٣).
سحرية إذ رفع بها عن مقام القرن المنازع للأنصار، وأخرجها عن الحزبين: الأنصار والمهاجرين، ونصب نفسه بها كحكم بينهما يفضل هذا على ذاك ثم يختار لهم ما فيه الصلاح. وهذا له الأثر البليغ في اخماد نار عاطفة التعصب عليه، ويعطيه ايضا منزلة في نفوسهم هي أعلى وأرفع تجعل له نفوذ الحكم المستشار والزعيم للفريقين وعلى العكس فيما لو نصب نفسه مزاحما لهم مطالبا بحق يعود له ولحزبه. وشأن الجماهير انها لاتنتظر الدليل على الدعاوي البراقة المبهرجة. لأن التصوير ولو بالألفاظ له الحكم الفصل على نفسياتها.
فارجع الآن الى تلك العبارة ودققها! وهي جعجعة تسحن الجماعات من غير طحن، وإلا فمن المقصود بضمير(عندنا) يتكلم عنه ابو بكر غير جماعة المهاجرين وهو منهم، وعلى تقديره فمن الذي خوله ان يمثل المهاجرين بشخصه؟... ولكنه جرد من نفسه( ومعه غيره) حكما مفضلا، عنده المهاجرين أفضل من الأنصار وليس بمنزلة الأنصار أحد بعدهم.
فلا نعجب بعد عرفاننا هذه الاساليب التي لها القوة السحرية على الجماعات ان يأخذ ابو بكر بناصية الحال، ويستهوي المجتمعين لينظروا اليه بقلوبهم لا بعقولهم، فيصرفهم كيف يريد. فانتظر نتيجة تأثيره عليهم.
٨ - نقاش المهاجرين والأنصار
قرأنا في الفصل السابق خطبة ابي بكر وما فيها من الأساليب فلنر مدى تأثيرها على المجتمعين وكيف كانت النتيجة؟:
لم يردّ عليه إلا الحباب بن المنذر في كلامه المتقدم في البحث رقم(٢) وقد رأيناه لم يأت بشئ وكان اول منخذل امام المهاجرين وإن ظهر بالقوة التي تلاشت في آخر كلامه كما شرحناه، ففتح على نفسه باب الحجة الظاهرة إذ قال:(فمنكم أمير ومنهم أمير)، على انه ظهر جليا بمظهر المتعصب المغالب، فاستهل كلامه بقوله:( املكوا عليكم أمركم....) وهذا مردود عليه معكوس الاثر، وسيأتي.
وهنا. جاء دور عمر بن الخطاب فقال:( هيهات! لايجتمع اثنان في قرن. والله لاترضى العرب ان يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لاتمتنع ان تولي أمرها من كانت النبوة فيهم وولي امورهم منهم. ولنا بذلك من أبى من العرب الحجة الظاهرة والسلطان المبين. من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن اولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل أو متجانف لا ثم أو متورط في هلكة).
فتجد كلام عمر هذا وان كان هادئاً لايبلغ كلام ابي
بكر، إذ ظهر بمظهر الخصم المدعي بحق الامارة. وكأن ابا بكر فسح له المجال لأن يكون هو المدعي العام عن المهاجرين بعد ان نصب نفسه كحكم للمتنازعين. كما نلاحظ ايضا انه لم يشر الى قضية النص على قريش أو على خصوص واحد منهم، وإنما القضية قضية رضى العرب وابائها وان المهاجرين اولياء محمد وعشيرته. ولذا قال علي عليه السلام بعد ذلك:( احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة).
فقام الحباب بعد عمر فقال: (يامعشر الانصار املكوا عليكم امركم ولا تسمعوا مقالة هذا واصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر، فان ابوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الامور، فأنتم والله احق بهذا الامر منهم فانه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين. انا جذيلها المحك وعذيقها المرجب. انا شبل في عرينة الأسد. اما والله لو شئتم لنعيدنها جذعة. والله لايرد أحد على ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف).
وهذه عصبية جاهلية وسوء قصد ظاهر. فقال له عمر:( إذاً يقتلك الله) فانتحى به الناحية الدينية إذ نسب القتل الى الله تعالى ولم يقل يقتلك الناس. وهذا اسلوب من الرد فيه التهديد والتنديد على تلك دعوى الجاهلية منه. فقال الحباب:( بل إياك يقتل).
وهذه مهاترة يلتجأ اليها ضعف الحجة وشدة الغضب، فترى الحباب في كل ذلك كان قلق الوضين يرسل من غير سدد، وتتضوع من فمه رائحة نفسه، ولا يعرف ان يسر حسوا في ارتغاء فاقتحم في الميدان بجنان الفارس المدله المدل بقوته ونفسه، ومن سيفه ولسانه تنطف دعوى الجاهلية الاولى البشعة في الاسلام، تأباها عليه الصبغة الدينية المصطبغ بها المجتمع يومئذ، وهو في الدرجة الاولى متأثر بالإسلام وتعاليمه وللشعور الديني الأول في تأثر الجماعات الدينية وانفعالاتها، فما لم يستخدم هذا الشعور لا يرجى ان يحدث في الجماعة التعصب الذي يجعل الانسان يرى سعادته في التضحية بنفسه وبكل عزيز فداء للمقصد الذي يوجه اليه.
فالحباب ان تولى الدفاع عن سعد وقومه نصرة لهم فهو الذي أفسد عليهم أمرهم اكثر من أي شخص آخر من حيث يظن الصلاح وبدلا من ان يقود المجتمعين للغرض الذي إجتمعوا لأجله قد خسرهم واعطى القيادة من حيث لايشعر لغيره الذي عرف كيف تؤكل الكتف في استمالتهم واستعمال نفوذه فيهم. وكان اول ظهور هذه الخسارة قيام ابن عمه بشير بن سعد الخزرجي، فنقض على الخزرج ما اجمعوا عليه فقال:
( يا معشر الأنصار انا والله لئن كنا اولى فضيلة في جهاد
المشركين وسابقة في هذا الدين ما اردنا إلا رضى ربنا ونبينا والكدح لأنفسنا، فما ينبغي لنا ان نستطيل على الناس بذلك ولا نبتغي من الدنيا عرضا فان الله ولي المنة علينا بذلك. ألا إن محمداً من قريش وقومه أحق به وأولى. وايم الله لا يراني الله انازعهم هذا الأمر ابداً فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم).
انظر الى الشعور الديني كيف أخذ بأطراف كرم هذا الرجل، متأثراً بدعوة ابي بكر وصاحبه، خارجا على قومه بل على نفسه، وكان بعد ذلك اول مبايع من القوم. ولا اعتقد ان ذلك كله عن نفاسة لسعد كما رماه به الحباب لما مد يده للبيعة فناداه: (يابشير بن سعد عققت عقاق! ماأحوجك الى ما صنعت؟ أنفست على ابن عمك الامارة!). فقال بشير: (لاوالله ولكن كرهت ان انازع قوما حقاً جعله الله لهم).
بل اعتقد انه كان صادقا بعض الصدق أو كله فيما ادعاه عن نفسه فان سير الحادثة كما وصفناه يدل دلالة واضحة على تأثر الجماعة بكلام ابي بكر وانقيادها الى دعوته ولا سيما بعد ما صدر من الحباب ما يبعد النفوس عن دعوة قومه. نعم! وإنما كان مبدأ ظهور ذلك التأثر في بشير بن سعد، فيصح ان نجعله ممثلاً لشعور قومه تلك الساعة.
٩ - المهاجرون يربحون الموقف
إن الحقيقة هي التي وصفناها لك. إن القوم قد تكهربوا بدعوة المهاجرين وتهيئوا لبيعة واحد منهم بالرغم من وجود التنافس بين الحزبين كما أشرنا اليه وصرح به ابو بكر في خطبته التي تقدمت في البحث (٣) إذ قال: (فقد جلس بين لحي اسد يقضمه المهاجري ويجرحه الأنصاري) وزاد في تهيئهم هذا منافسة الأوس للخزرج وحسدهم لسعد. وطبيعي ان تنافس القريب اكثر أثراً من منافسة البعيد مهما كانت.
ولذلك نرى ابا بكر لما سمع مقالة بشير لم يتأخر عن تقرير النتيجة من هذا النقاش، فلا بد انه علم بانقلاب الجمع تأثراً بدعوتهم كيف وهو قد هيمن عليهم ونومهم تنويماً مغناطيسيا، فيعرف كيف سخره وقاده فقدم للبيعة أحد الرجلين اللذين معه: عمر بن الخطاب وابي عبيدة الجراح، وقال: (قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فأيهما شئتم فبايعوا).
وقد جرى في هذا الكلام هنا على نفس تلك الطريقة التي سلكها في خطبته المتقدمة في البحث(٧) من ترفعه عن مقام المعارضة، وتجريده من نفسه حكما للحزبين يختار لهما ما هو الصالح باجتهاده، فاختار لهم احد هذين الرجلين.
ولكن الجمهور كما قلنا ضعيف الرأي والاختيار،
لايعرف ان يختار ولا يعرف ان يعين ما يختار، ويبقى في مثل هذا الحال منتظراً اشارة من سخره ونومه التنويم المغناطيسي أو لأي شخص آخر يفاجئه بارادة قوية حازمة، فلو ان احداً من الحاضرين قام فبايع احداً منهما عمر أو أبا عبيدة لبويع وانتهى كل شئ. ولو ان ابا بكر عين واحداً لما تأخروا عن بيعته، ولكن هذا الترديد بين الرجلين يظهر انه كان مقصوداً تمهيداً لارجاع الأمر اليه، ولعله عن تفاهم سابق واتفاق بين الثلاثة ليتعاقبوا هذا الأمر. ولذلك تمنى عمر عند الموت ان يكون ابو عبيدة حيا ليعهد اليه.
اما هما فقد أبيا عليه وقال عمر: (لا والله لا نتولى الأمر عليك ابسط يدك نبايعك!) قال هذا القول ولم يترك فرصة تستغل للرد والحجاج، فحقق القول بالعمل، وأقدم بارادة جازمة لاتعرف التردد يتطلبها الموقف الدقيق، فذهب ليبايع ابا بكر، ولم يتمنع ابو بكر فمد يده، ولكن بشير بن سعد هذا الذي تقدمت خطبته سابق عمر بن الخطاب اليها فوضع يده بين يديهما مبايعا، كأنما اراد بذلك ان يحرز الفضيلة في السبق أو ليبرهن على اخلاصه للمهاجرين، بل هذا من اندفاعات الجمهور المدهشة بنتيجة انفعالهم بالمؤثرات التي تطرأ عليهم.
وهو من ابلغ الشواهد على ما قلنا من تكهرب نفوس جمهور السقيفة بتلك المؤثرات التي استعملها ابو بكر بتلك
الحذاقة واللباقة، فان لبعض الألفاظ والجمل سلطاناً لايضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل. الفاظ وجمل يفوه بها الخطيب خاشعاً امام الجمهور، فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الوجوه هيبتها وتعنو القلوب لها احتراما كأن فيها قوة إلهية أو موجة سحرية، فتثير تارة في النفوس أشد الصواعق من الغضب، وتسكنها تارة إذا جاشت فتمزق اشلاءها وتقودها الى حيث يريد المتكلم راضية قانعة(١) .
ويظهر ان عمر ايضا أدرك حقيقة الموقف وكيف قد ربحه المهاجرين فلم يبق إلا أن يصدر أحدهم. الحكم الفاصل في تعيين من يبايع منهم، فأقدم على بيعة ابي بكر كما رأينا ه غير متردد ولا متخوف ولا مستشير، ومد يده مسرعا. وإلا فان الأمر أعظم من أن يتم بهذه السرعة والسهولة التي كانت: باقدام شخص واحد يعقد البيعة لشخص آخر الظاهر ظهور الشمس انه صاحبه المنحاز اليه في وقت هو احد ثلاثة أو أربعة من الحزب المعارض لقوم في عقر دارهم معتزين بقوتهم يريدون أن يملكوا أعظم سلطان لأعظم امة، وهو لم يأخذ رأيهم وتصديقهم على ما أراد(٢)
______________________________
(١) راجع كتاب( روح الاجتماع) المعرب لغستاف لبون ص١١٣.
(٢) على انه قال بعد ذلك في خلافته:( فمن بايع اميراً من غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة للذي بايعه تغرة يقتلا) راجع كنز العمال الجزء الثالث رقم الحديث٢٣٢٣.
وإنما اقدم كأن الأمر لا يدور إلا بينه وبين ابي بكر كأمر ثابت لاشك فيه. وهذه مغامرة خطيرة لها ما بعدها، ولم تكن منه إلا لأنه أدرك نضج القوم وتهيئهم لبيعة أحد المهاجرين.
ولذلك لم نجد معارضة من القوم، بل الأوس ذهبت جميعها مسرعة للبيعة من غير تردد ولا تلكؤ يقدمها أسيد بن حضير بعد ان قالت ما قالت كما تقدم في البحث(٣). ثم تبعهم جميع الأنصار ما عدا سعداً ومن كان شديد التعصب له كأبنه قيس والحباب. ولا شك ان للعدوى أثرها الفعال في الجماعات فتسري سريان النار في الهشيم، او تيار الكهرباء في سلكه، فقد وجدنا كيف كان هلعهم في تزاحمهم على البيعة وتسابقهم اليها، كأنما تفوت دونها الفرصة، فأقبلوا من كل جانب يبايعون ابا بكر، حتى ازدحموا على سعد بن عبادة السيد المطاع في الخزرج بل الأنصار كلهم، هذا الزعيم الذي كان قبل ساعة مرشحا للبيعة خليفة للنبي وأميراً على جميع المسلمين، وكادوا يطأونه فيقتلونه وهو مزمل وجع، فحمل الى داره صفر اليدين.
وهذا ألطف شئ في تناقض أفعال الجمهور وعدم ثباته وتطرفه في اعماله وآرائه وشدة نزقه، فانه لايعرف الحلم والصبر ولا قمع النفس عن الاسترسال في نزعاتها، ولا المحافظة على الآداب العامة المصطلح عليها، وهو مع ذلك كثير النسيان لأحواله السابقة.
أما الحباب ولا ينبغي أن ننساه لما رأى اقبال الناس على البيعة انتضى سيفه، فحامله عمر فضرب يده، فندر السيف، فأخذ منه. فجعل يضرب بثوبه وجوههم حتى فرغوا من البيعة، ولكن من المعلوم أنه لم يصنع شيئا ولم يستطيع رد جماح أي شخص من قومه حتى تمت البيعة مرغما، وصدق فيه وفي قومه المثل المشهور (ربّ ساعٍ لقاعد). وليتني أراه في تلك الساعة كيف كان حاله فتزبد شدقاه ويتميز غيظا ويعض على أنامله وقد ملكت حواسه سورة الغضب، وماذا كان يقول لقومه ولنفسه بعد ذلك الذي مضى منه من التهديد والوعيد ثم ذهب هباء وخار ضعفا؟ لاشك انه لو كان من ابناء هذه المدينة الحديثة متشبعا بعاداتها، لكان هو على مثل هذه الحال ضحية الإنتحار ليتخلص من شنارها ويستر عارها.
١٠ - النتيجة
نستنتج من سير الحادثة ان طريقة بيعة ابي بكر لم تكن طريقة اختيار بالمعنى الصحيح(١) ويحقق معنى أنها كانت (فلتة) وقى الله شرها على حد تعبير عمر بن الخطاب.
______________________________
(١) فنصدق كلمة الاستاذ محمد فريد أبي حديد في مقاله (نظرة في نظام بيعة الخلفاء) المنشور في مجلة الرسالة المصرية العدد١٠.
وقد رأينا السرعة التي جرت بالحادث لم تبق مجالا للمفكر ان يشحذ فكره ولا للمعارض ان يقيم حجته، فكانت مفاجأة في مفاجأة. مع ان العاطفة العدائية عند الأوس المهيجة من ابي بكر كان لها الأثر الفعال في تقريب النتيجة، وساعدها بل اشعل أوارها ان المجتمعين انطبعت فيهم اوصاف الجماعة الاجتماعية، مما يذهب عنهم صحة الاختيار والحكم.
فلا بدع إذا لم يثق الباحث المفكر باختيار جماعة السقيفة، ولا يغتر به دليلا على صحة هذه الطريقة من البيعة في الاسلام. وقد أشرنا في الفصل الأول الى ان عمر نفسه قال عنها:( فمن دعا الى مثلها فهو الذي لا بيعة له ولا لمن بايعه).
ولا غرابة ايضا إذا لم يدافع احد عن النص على علي بن ابي طالب، وقد اندفع المجتمعون بتيار جارف لا يقف في سبيله شئ، ونحن نعرف رأي المهيمنين على الاجتماع في علي، وهم يبعدون ان يتم له شيء من ذلك. أفتراهم يدعون اليه في هذا المجتمع الذي اسس على الأعراض عن النص فيه، وإذا قال بعد ذلك بعض الأنصار أو كلهم( لا نبايع إلا عليا) كما سبق فقد قلنا ان ذلك بعد خراب البصرة، فان هذا الجمهور اصبح لا يملك اختياره وتفكيره وشعوره بواجبه الديني لما قلناه من تكهربه بتيار تلك القوة السحرية
قوة الاجتماع التي تجعل اعماله اعمالاً لاشعورية، على ان اساس الاجتماع ارتكز على طمع الأنصار من جهة تخوفهم من جهة اخرى( على ما شرحناه فيما تقدم). وهذان لم يتركاهم يفكرون في واجبهم الديني فبعد أن افحموا وغلبوا واندفعوا مع الغالبين، وتلك هي فطرة البشر.
ويشهد على ما نحسه من الضعف الديني في تلك الأحكام العاجلة والقرارات الخاطفة في اجتماع السقيفة، انه مما تقرر في تلك النهزة أمران عامان:
١ - ان الأنصار لا حق لهم في هذا الأمر.
٢ - انهم الوزراء لمن كانت له الامارة.
مع ان الأول شك فيه ابو بكر نفسه بعد ذلك إذ تمنى فيما تمنى لو سأل النبي عنه، والثاني هذا المنصب المزعوم وزارة الخليفة لم يعط لأحد منهم لا في عهد ابي بكر ولا بعده، بل هذا المنصب لم يحدث لأحد إلا في عهد العباسيين.
وبهذه النتيجة التي حصلنا عليها من سير حوادث السقيفة وملابساتها يسهل علينا ان نفسر بها الآيةالكريمة( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ ) . فان الاجتماع كان على كل حال انقلابا على الأعقاب حتى لو لم نؤمن بالنص من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على من سيكون خليفة من بعده، لأن الاجتماع كما قلنا من اصله كان افتياتاً على المسلمين ولم
يكن مستندا الى قاعدة اسلامية أو تصريح من الرسول. وكذلك ما قرره الاجتماع لم يكن إلا قراراً خاطفا تحكمت فيه العواطف في المبدأ والمنتهى، وليس فيه مجال الرجوع الى النص. والى هنا نستطيع ان نرجع الى ما قلناه في التمهيد انه كيف تفسر الآية بحوادث السقيفة وأرجو من القارئ ان يرجع من جديد الى بحث السقيفة ليأخذ بأطراف الموضوع على ضوء هذه النتيجة.
ومن نفس الحادثة نستطيع ايضا ان نؤيد النص على الامام علي عليه السلام، لأن ما ورد فيه من تلك النصوص لو لم تكن لتعيينه خليفة وكانت لمجرد الثناء وبيان فضله ولم يكن الاجتماع لاستغلال الفرصة لمخالفة النص وكان اجتماعا طبيعيا شرعيا لو لم يكن كل ذلك لوجب أن يكون هذا الرجل الذي هو من النبي بمنزلة هارون من موسى في مقدمة المجتمعين وعلى رأسهم ومعه أهل بيته ولما كان ينعقد الاجتماع ولا يقرر فيه شيء من دون مشورته وموافقته ولكن كما سبق كل ذلك لم يقع. بل الحادثة من مبدأها الى منتهاها اخذت على أن تقع على غفلة منه ومن بني هاشم الى آخر لحظة منها واهمل شأنها وكأنهم لم يكونوا من المسلمين أو لم يكونوا من الحاضرين إلا بعد أن تم كل شئ.
ينبغي ان يرسلوا اليه من يخبره بالأمر على الأقل! اما كانوا على حسن نية معه او ثقة بموافقته لهم ورضاه؟
نعم! لقد وجدناهم قد قضوا أمرهم بينهم، ودعوا الناس الى البيعة اشتاتا ومجتمعين، مستشعرين الكفاح والخصومة بل الخوف امام حزب علي. ولذا انتهزوا فرصة انشغاله وانشغال اصحابه وبني هاشم بجهاز سيدهم. ويشهد لهذا قول الطبري في تأريخه:( وجاءت اسلم فبايعت فقوي بهم جانب أبي بكر وبايعه الناس)، تأمل كلمة( فقوي بهم جانب أبي بكر)، لتفهم ان هناك جانبين متخاصمين يقوى احدهما ويضعف الآخر، وليس المراد بالجانب الآخر الأنصار لأنهم قد بايعوا في السقيفة ولم يبق إلا سعد بن عبادة وابنه، وليس له كبير اهتمام وقد اهملت بيعته حسب اشارة بعض ابناء عمه.
أما علي فقد قلنا انه جاءه الخبر عفواً لما سمع تكبير القوم في المسجد وهو حول النبي مشغول بجهازه. ولما بلغته حجتهم على الأنصار لم يكتم نقدها، فقال كما في نهج البلاغة:( احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة).
الفصل الرابع : عَلي مَع الخلفَاء
(١ - الافتيات على الامام)
لايشك التأريخ ان علياً عليه السلام كما قدمنا لم يكن على علم من اجتماع الأنصار في سقيفتهم، حتى بعد ذهاب الثلاثة من حزب المهاجرين متكتمين، وهم ابو بكر وعمر إذ ذهبا يتقاودان على حد تعبير الطبري في تاريخه وتبعهما ابو عبيدة. بل لم يعلم الامام بما تم في السقيفة إلا بعد خروجهم الى المسجد في ضجيجهم( وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وبيده عسيب نخل وهو محتجز يحث الناس على البيعة)، فبلغه تكبيرهم، وهو مشغول لايزال في جهاز النبي. ولم يخرج اليهم إلا في اليوم الثاني.
واول شئ يبدو دليلا على افتيات القوم عليه بالمشورة، وهم يشعرون بأنهم في مقام الخصومية له انهم لم يخبروه بحادث اجتماع الأنصار عندما أسر عمر الى ابي بكر وهو في بيت الرسول بالخبر، وهما ايضا لم يخبرا احدا غير ابي عبيدة الذي تبعهما وحده حيث الاجتماع السري، مع ان مثل الامام اولى الناس بتدارك هذا الموقف الدقيق ان كان في اجتماع الأنصار خطر على الاسلام أو فتنة، والامور جارية على ظواهرها الطبيعية بين الامام وبين هذه الجماعة. ثم الأغرب انهم لم يدعوه للمشاورة بل حتى للبيعة قبل أن يتم كل شئ ينتظر لبيعة ابي بكر. ولا ينتهي التساؤل عما إذا
٢ - رأيه في بيعة السقيفة
قلنا في آخر الفصل الأول انه لماذا لم يطالب الامام
صراحة بالنص عليه بالخلافة، وهنا نقول: انه مع ذلك لم يكتم رأيه في بيعة السقيفة، فان التأريخ لايشك، عند من ينظر اليه نظرة فحص وتمحيص، أنه كان ناقما على ما اسرعوا اليه من بيعة ابي بكر، وكان يعدها غضبا لحقه، فلم يلاق الحادث إلا بالاستغراب والاستنكار كما يبدو من كلمته السابقة التي قرأتها أخيرا، ومن كلمات كثيرة منبثة في نهج البلاغة وغيره وأهمها الخطبة الشقشقية. وأقل ما يقال في انكاره تخلفه عن البيعة حتى ماتت فاطمة الزهراء عليها السلام.
على ان من الظلم نقول: ان الامام تخلف عن البيعة، وهو صاحب الأمر الذي يجب أن يؤتى اليه، وإنما الحق أن نقول: إن الناس هم الذين تخلفوا عنه.
وأول اعلان له عن رأيه كان عند خروجه في اليوم الثاني من السقيفة بعد البيعة العامة كما في مروج الذهب فقال لأبي بكر: (أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا). وهذا القول صرخة في وجه الاستئثار عليه، وتصريح بعدم الرضى بماتم، وليس علي ممن يداجي أو يخاتل ولا ممن تأخذه في الله لومه لائم. ولذلك هم كانوا يفرون من التحرش به قبل تمام البيعة خوف اعلان خصومتهم، فنرى ابا بكر في جواب كلامه السابق يعترف له ويقول: (بلى! ولكن خشيت الفتنة).
ويسكت التأريخ عن ذكر جواب الامام، أفتراه اقتنع
بكلمة ابي بكر أو أغضى عن جوابها أو التأريخ أهمل الجواب. ولكن عليا نفسه يقول من خطبة له عن هذه الحادثة: (فلما قرعته بالحجة في الملأ الحاضرين هب كأنه لا يدري ما يجيبني به).
ولئن فرض انه سكت هذه المرة فانه لم يترك الدعوة الى نفسه واستنكار حادث السقيفة، وان بايع بعد ذلك فلم يبايع عن طيبة خاطر واطمئنان الى الوضع، وهو الذي يقول بالصراحة في الشقشقية:( فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا).
ثم التأريخ يحدثنا انه لم يبايع إلا بعد أن صرفت عنه وجوه الناس بموت فاطمة الزهراء. وكم تذمر وتظلم من دفعه عن حقه مثل قوله من كلام له في النهج: (فوالله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علي منذ قبض نبيه صلى الله عليه وآله وسلم حتى يوم الناس هذا) ويشير بهذا اليوم الى عصره في خلافته.
* * *
هذا هو الصريح الواضح من رأي الامام في بيعة السقيفة وما وقع بعدها. ويكفي النظر في الشقشقية وحدها، غير ان التأريخ قد يحاول ان يكتم هذه الصراحة، لأنه لا ينكر على كل حال ان علياً مع الحق والحق مع علي، فلا
يمكنه ان يتهمه بالحيدة عن طريق الحق إذا اعترف بهذا الرأي منه، وهو أعني التأريخ يريد ان يصحح ما وقع يوم السقيفة الذي لايصح من دون رضى صاحب الحق وموافقته، فيركن الى المداورة.
ولكن في الحقيقة لابد ان تتم على نفسها، فانه جاء في صحيحي البخاري ومسلم عدا كتب التأريخ والسير ما لايخرج عن هذا القول:( ان وجوه الناس كانت اليه وفاطمة باقية فلما ماتت انصرفت وجوه الناس عنه وخرج من بيته فبايع ابا بكر وكانت مدة بقائها بعد أبيها ستة أشهر).
وجاء ما هو أصرح من كل ذلك في جوابه لكتاب لمعاوية، إذ يتهمه معاوية بالبغي على الخلفاء والابطاء عنهم وكراهية أمرهم، فيقول الامام منكراً لبعض التهم ومعترفا بالبعض الآخر:( فأما البغي فمعاذ الله أن يكون واما الابطاء والكراهية لأمرهم فلست اعتذر الى الناس في ذلك)(١) .
٣ - الموقف الدقيق
يظهر للمتتبع ان الامام كان يرى عطفاً على رأيه السابق وجوب مناهضة القوم حتى يأخذ حقه منهم.
______________________________
(١) راجع شرح النهج (٤٠٩:٣).
ويستشعر ذلك من سيرته معهم ومن كثير من أقواله التي منها قوله في الشقشقية عن حربه لأهل الجمل ومعاوية: (أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم؛ لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت أخرها بكأس أولها).
فانظر الى موقع كلمته: (لسقيت آخرها بكأس أولها)، فانه يريد أن يقول: ان زهدي بالدنيا يدعو الى أن أترك حقي في المرة الأخيرة كما تركته في المرة الاولى، ولكن الفرق كبير بين الحالين: ففي الاولى لم تقم علي الحجة في القتال لفقدان الناصر دون هذه المرة، فلا يسعني ان اعرض عنها هذه المرة واسقيها بالكأس الذي سقيت به اولها يوم طويت عنها كشحا وصبرت على القذى.
وأصرح من ذلك ما كان يقوله: (لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم) وهذا ما عده معاوية من ذنوبه، وذلك فيما كتب اليه من قوله: (فمهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت اربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم، فما يوم المسلمين منك بواحد)، ولم ينكر امير المؤمنين عليه السلام هذا القول في جوابه على هذا الكتاب.
وفي التاريخ مقتطفات تؤيد ذلك، كما في تأريخ
اليعقوبي: إن اصحابه الذين كانوا يجتمعون اليه طالبوه بمناهضة القوم وتعهدوا بالنصرة، وكأنهم ظنوا ان قد بلغوا العدد المطلوب (٤٠ ذوي عزم) فقال لهم: اغدوا على هذا محلقي الرؤس، وهو إنما يريد ان يريهم انهم لم يبلغوا المنزلة التي تقام بها الحجة، فلم يعد عليه إلا ثلاثة نفر.
وإذا كان هذا رأيه في المناهضة للقوم يبلغ يا سبحان الله هذه الشدة والصرامة فماذا تراه صانعا؟ لنتركه الآن يحدثنا هو عن نفسه وموقفه الدقيق، إذ يقول من الشقشقية: (وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه).ثم يبين لنا كيف ان يده جذاء من خطبة ثانية (نظرت فاذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على الموت).
فهو إذن بين امرين لا ثالث لهما: اما المغامرة بما عنده من اهل بيته، واما الرضوخ للأمر الواقع، اما الحالة الاولى ففيها خطر على الاسلام لايتدارك فأنه إذا قتل هو وآل بيته ارتفع الثقل الثاني من الأرض (عترة الرسول) وافترق عن عديله القرآن الكريم وهناك الضلالة التي لا هداية معها، وقد قال النبي: (لاتضلوا ما ان تمسكتم بهما ابداً) أو (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) واما الحالة الثانية فان في الصبر على هضم حقوقه اضاعة لوصية النبي، وتعطيل لنصبه اياه اماماً وخليفة من بعده.
فأي الأمرين هو اولى بالرعاية لحفظ بيضة الاسلام؟
وأنى لنا ان نتحكم في ترجيح أحد الأمرين، ونعرف الامام واجبه في هذا الأمر؟!
وما بالنا نذهب بعيداً، فانا نعرف ما صنع الامام، انه استسلم للقوم وبايع كما بايع الناس بالأخير، وقد قرر الرأي الأخير بعد ان طفق يرتئي بين ان يصول بيد جذاء أو يصبر على طخية عمياء عندما قال:( فرأيت الصبر على هاتا احجى) فسدل دونها حينئذ ثوباً وطوى عنها كشحاً.
على انه لايضيع وجه الرأي على الناظر في هذا الأمر ليعرف كيف كان الصبر أحجى، لأنه لو نهض في وجه القوم مع قلة الناصر وحسد العرب له وترات قريش عنده، لكان المغلوب على أمره، وعندئذ يصبح نسياً منسيا، ولربما لا يحفظه التأريخ إلا باغياً بغى على الدين كأولئك اصحاب الردة، فقتل( بسيف الاسلام) واضيع مع ذلك النص على خلافته. وقد رأيناه مع بقائه حيا وانتهاء الأمر اليه بعد ذلك كيف غمط حقه وأعلن سبه وبقي الشك فيه الى يوم الناس هذا
وقد أشار الى ذلك في كلامه لعمه العباس وابي سفيان لما طلبا بيعته، إذ قال لهما: (أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح..ثم قال: ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه).
حقا، لا ينهض في هذا الموقف إلا من لا يبالي إلا بالحرص على الملك ومطاولة الناس مهما كانت النتائج على الدين والصالح العام، وأمير المؤمنين أحرص على الاسلام من ان يغرر به لأمر يقول عنه: (انه ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها). ولا يساوي عنده نعله التي لا تسوى درهما، إلا إذا كان يقيم حقا أو يدحض باطلا. ولذلك، ينصح الناس في كلامه الذي أشرنا اليه مع العباس وابي سفيان، وهما يحثانه على قبول البيعة، فيقول:( شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة وعرجوا عن طريق المناظرة، وضعوا عن تيجان المفاخرة).
وكأنه في كلامه هذا يحس منهما إذ دعواه لهذا الأمر الانفة من الخضوع لأخي تيم، و(تيم) على حد تعبير ابي سفيان أقل حي في قريش، فهما ينظران الى لأمر من ناحيته القبلية، والعصبية الجاهلية. أما فقهه هو فكما قال من كتاب له في جواب معاوية في خصوص هذا الأمر:( وما على المسلم من غضاضة في ان يكون مظلوما ما لم يكن شاكا في دينه)، وهو غير فقههما فان العباس مشى اليه ابو بكر وجماعة ليلا، لما عرفوا موقفه، فأطمع في الخلافة له ولولده، بعد نقاش انتهى بالاعراض عن النزاع. واما ابو سفيان فقد نقل ابن ابي الحديد(٣٠:١) وغيره ان عمر كلم ابا بكر فقال إن ابا سفيان قد قدم وانا لا نأمن شره، فدفع له ما في يده فتركه، وكان أبو سفيان قد بعث قبل وفاة النبي على الصدقات.
ثم لنفترض ثانياً أنه ما كان ليقتل لو ناهض القوم ولكن مع ذلك فالصبر على ترك حقه كان أحجى وأجدر لأن منازعتهم كانت لاشك تجر إلى الفتنة وتبعث على الفرقة، والاسلام بعد لم يتغلغل في نفوس العرب ولم يضرب جرانه في الجزيرة، وقد أشرأبت الاعناق للانتقاض عليه.
فهو إذ وطن نفسه على ما هو أمّر من طعم العلقم كما يقول بالتنازل عن حقه، كان يخاف ويخشى، ولكن لا على الحياة وهو هو إبن أبي طالب في شجاعته واستهانته بالحياة، الذي كان يقول: والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما وليت عنها بل كان خوفه على الدين من التصدع وعلى جامعته من التفرق، فسالم إبقاءً لكلمة الاسلام واتقاء للخلاف والشقاق في صفوف المسلمين فيرتدوا جميعاً على أعقابهم، والمفروض ليس عنده القوة الكافية لاظهار كلمة الحق وإقامة السلطان.
وهو يشير إلى هذا الخوف فيما يقول في هذا الصدد من خطبته في النهج:( ما شككت في الحق مذ رأيته. لم يوجس موسى عليه السلام خيفة على نفسه. أشفق من غلبة الجهال ودول الضلال. اليوم توافقنا على سبيل الحق والباطل من وثق بماء لم يظمأ). فهو في هذه الكلمة يتأسى بموسى عليه السلام إذ رموه بالخيفة ولكّن فرقاً بين الخوف على الحياة والخوف من غلبة الباطل: وهذا أفضل تفسير لقوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة) وفيه تبرئة لنبي الله من الوهن والشك وما أدق
معنى كلمة (من وثق بماء لم يظمأ) بعد تقديم قوله: (ما شككت في الحق مذ رأيته) وقد رأى الحق وهو إبن عشر سنين!.
ويوضح لنا ذلك جوابه المشهور لأبي سفيان لما جاءه مستفزاً على أبي بكروهو يقول:( فوالله لئن شئت لأملؤها خيلاً ورجلاً) وأنت تعرف ما قال له الامام أنه قال: (أنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة وأنك والله طالما بغيت للاسلام شراً لاحاجة لنا في نصيحتك) ما أعظم هذه الصرامة والصراحة منه لمن يريد أن يبذل نفسه وقومه في ظاهر الحال ناصراً ومعيناً على خصومه وهو يشكو فقد الناصر. نعم أن الدين الذي بذل له مهجته كان عنده فوق جميع للاعتبارات، وإن استهان به غيره، وقد رأينا أبا سفيان كيف أسرع في الرجوع عن وعده ووعيده لما تركوا له ما في يده. وأمير المؤمنين قد صرح بغرضه هذا بعد ذلك في جوابه الذي أشرنا إليه عن كتاب معاوية كما في النهج والعقد الفريد إذ قال عن إبائه على أبي سفيان: (حتى كنت أنا الذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام).
٤ - سلوكه مع الخلفاء
اما وقد تركنا الامام يغضي عن حقه ويقرر بالأخير خطة
الصبرعلى ما فيها من قذى وشجى فماذا تراه يتخذ من خطه في سياسته وسلوكه مع الخلفاء: أيستسلم فيسرع الى بيعتهم كسائر الناس ويعمل لهم كما يعمل باق المسلمين أم يسلك بقدر ما تسمح به الضرورة وتقتضيه المصلحة للدين؟
قد ابى بعض المؤرخين من القدماء والمحدثين إلا ان يصور الامام مسالماً الى أبعد حدود المسالمة، فيسرع الى البيعة عن طيبة خاطر ورضى بمن نصب لها، ولكن البحث الصحيح يأبى علينا أن نسلم بهذا التسرع في النقل أو الحكم: فقد ثبت تأريخياً ان عليا لم يبايع ابا بكر إلا بعد موت فاطمة بضعة الرسول، وفي تقدير ابن الأثير في تاريخه والبخاري ومسلم في صحيحهما وغيرهم انه سته اشهر، وفي كل هذه المدة هو جليس بيته لم يشترك في جماعة ولا جمعة ولا أمر ولانهي ولم يسمع له صوت في حروب الردة وغيرها. واكثر من ذلك كان يطرق ابواب الأنصار واهل السوابق ليلا حاملا معه فاطمة والحسنين يدعوهم الى نفسه ويذكرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذا ما جعله معاوية من ذنوبه في كتابه السابق الذكر، ثم انه كان يقرعهم بالحجة وينير لهم طريق المحجة ذلك قوله المتقدم: (فلما قرعته بالحجة).
وهل يظن الظان انه كان يحاول في هذا العمل ان يتحولوا في البيعة وان يتركوا ما ابرموه وهو الذي اسدل دونها
ثوبا وطوى عنها كشحا ورأى الصبر على ذلك احجى وهو الذي يدعوه العباس وابو سفيان الى البيعة فيأبى؟ ان هذا الاباء وذاك الصبر لايجتمعان مع تلكم المحاولة والدعوة الى نفسه ما لم يكن يرمي الامام من وراء ذلك الى غرض أسمى مما يظن، انه كان يقيم الحجة في عمله على اولئك الناس ويفهمهم خطأهم فيما ارتكبوا وتنكبهم عن الحق فيما اسرعوا والى ذلك يشير فيما قال: (اللهم انت تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شئ من فضول الطعام ولكن لنرد المعالم في دينك ونظهر الصلاح في بلادك).
ويؤخذ من طيات التأريخ انه لم تأخذه هوادة في الدعاية والدعوة الى مبدئه اظهاراً لحقه واقامة للحجة على سواه، فلا ينكر التأريخ اجتماع اصحابه عنده طيلة ايام انعزاله، فيعتبره الطرف الآخر كمؤامرة يحاول ابطالها خشية توسعها، فيرسل من يفرق القوم المجتمعين فيجتمعون. ولا ينكر التأريخ ايضا تطوافه على الأنصار واهل السوابق كما قدمنا. ولا ينكر عدم اشتراكه في جمعة ولا جماعة، وهو احرص على الشعائر الدينية والواجبات الالهية من ان يجرأ مجترئ على اتهامه بالمسامحة فيها.
وهذه المقاطعة وما اليها اعلان صريح برأيه فيما عليه القوم ولذا نرى الخليفة ابا بكر يتذمر من موقف الامام
فعرض فيه من خطبة: (يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء كأم طحال احب اهلها اليها البغي إلا اني لو اشاء ان أقول لقلت ولو قلت لبحت. اني ساكت ما تركت) وفي هذا تخوف مما يظن انه سيقع وتهديد باذاعة أمر مكتوم. ما أدري ولا أظن أحد يدري اليوم أي شيء هذا الأمر الذي يهدد الخليفة بافشائه، والظنون تذهب ولا تقف على شيء معين!
وزبدة المخض: انا نفهم كل ذلك ان خطة الامام في حياة فاطمة كانت المقاطعة والدعوة الى مبدئه وان يقعد حجزة الضنين على تعبير فاطمة نفسها معتزاً بوجودها، وقد جاهدت معه في هذا المضمار جهادا له الأثر فيما بعد في تركيز مقام الامام في ذهينة المجتمع الاسلامي. ولاننسى خطبتها البليغة التي يرن صداها الى اليوم.
ولذا نراه بعد وفاتها يبدل خطته، فبايع، ويبايع معه اهل بيته واصحابه، ويدخل فيما يدخل فيه القوم. ولكن الى حد محدود بقدر ما تحكم به الضرورة الدينية للاحتفاظ بالجامعة الاسلامية.
لنسمعه يحدثنا هو عن تبديل خطته في كتابه الى اهل مصر: (فأمسكت يدي، حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد صلى الله عليه وآله،
فخشيت ان لم انصر الاسلام واهله ان أرى فيه ثلماً أو هدما تكون المصيبة به علي اعظم من فوت ولايتكم...).
ولم تكن نصرته للاسلام وأهله إلا بسكوته عن حقه ومتابعته للقوم، ونصيحته لهم في مواقع النصح، وإلا فلم يشترك معهم في طعنة رمح ولا ضربة سيف في جميع المواقف الى يوم بويع بالخلافة.
وماذا يظن الظان في من جاهد وجالد في سبيل الاسلام عشرين عاما، وفي كل هذه المدة كان سيفه يقطر من دماء المشركين، ولم تثر حرب إلا وهو ابن بجدتها، وحامل لوائها ومقطر أبطالها والمقذوف في لهواتها؟ ماذا يظن الظان فيه عندما يجلس جلس البيت عن هذا الدين الذي قام بسيفه، وقد تألبت العرب عليه واشرأبت اعناق النفاق؟ والجهاد فرض من فروض الاسلام، أكان ذلك زهدا في الجهاد وتواكلا عن الواجب، أم ماذا ؟ أهناك غير ما نقول من رأيه في المقاطعة إلا ما تدعو اليها ضرورة المحافظة على الجامعة.
وقد يقول القائل: ان الخلفاء هم الذين لم يدعوه الى الدخول معهم في الحروب والاشتراك في الحكم لمصلحة يرونها، وما كان يجب عليه ان يقدم نفسه متبرعا، كما لم يدع الى ذلك جميع الهاشميين، ولم يسمع ان هاشميا اشترك قائدا في حرب أو حكم في عهد الخلفاء الثلاثة. ويشهد لذلك
المحاورة(١) بين الخليفة عمر بن الخطاب وابن عباس حينما يدعوه الى العمل في حمص، فيقل لأبن عباس:( وفي نفسي شيء لم أره منك وأعياني ذلك) ثم يصرح بذلك الشيء:( اني خشيت ان يأتي علي الذي هو آت وأنت في عملك فتقول: هلم الينا ولا هلم اليكم دون غيركم اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل الناس وترككم).
فيقول ابن عباس: فلم نراه فعل ذلك؟
فقال عمر: والله ما أدري اضن بكم عن العمل، فأهل ذلك انتم، أم اخشى ان تبايعوا بمنزلتكم منه، فيقع العقاب ولا بد من عتاب؟
وعندئذ يمتنع ابن عباس عن قبول العمل ويقول: ان اعمل لك وفي نفسك ما فيها لم ابرح قذى في عينيك.
أليست هذه المحاورة شاهدة على ان الخلفاء هم الذين كانوا يمتنعون عن استعمال بني هاشم خوف ان يستغلوا مناصبهم للدعوة الى أنفسهم؟
وللمجيب ان يجيب، فيقول: ان امتناع الخلفاء عن استعمال علي وبني هاشم ان صح فهو دليل آخر على سيرة الامام معهم، واستعماله خطة يخشون معها ان يأخذ وقومه ناصية الأمر ان تولوا عملا من الأعمال. على انا لا
______________________________
(١) راجع مروج الذهب (٤٢٧:١).
نعدم شاهدا على ان عليا هو الذي كان يمتنع عن قبول اعمالهم، فلنستمع الى الحديث الذي جرى بين الخليفتين عمر وعثمان.
يشير عثمان على عمر: (ابعث رجلا أي لحرب فارس له تجربة بالحرب ومضربها.
عمر: من هو؟
عثمان: علي بن ابي طالب!
عمر: فالقه وكلمه وذاكره ذلك، فهل تراه مسرعا اليه؟
( فيخرج عثمان ويلقي عليا، فيذاكره فيأبى علي ذلك ويكرهه).
تأمل استفهام عمر وشكه في قبول علي، ثم امتناع علي وكراهيته للأمر! وما نستنتج من ذلك؟
من هذا وامثاله نعرف ماذا كان علي عليه السلام يتبع في سيرته مع القوم، وما كان يجري عليه في معاملته معهم، حتى كان يخفت صوته في جميع الحروب والمواقف، وكأنه ليس من المسلمين أو ليس موجودا بينهم، وهو منهم في الرعيل الأول، اللهم إلا صوته إذا استشير ونبراس علمه إذا استفتي، حتى اشتهر عن عمر كلمته( لولا علي لهلك عمر) أو( لاكنت لمعضلة ليس لها ابو الحسن).
وتتبع استشاراته واحكامه في كثير من الوقائع يخرج بنا الى موضوع آخر يحتاج الى كتاب آخر.
انتهى
٢٩ جمادي الاولى ١٣٦٨ هـ
على هامش السَّقيفَة
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
بقلم محمد جواد الغبان
تفرض علي الأبوة أن أذهب بين حين وآخر إلى ناحية( الشنافية) لزيارة سيدي الوالد سماحة الشيخ عبد الكاظم الغبان الذي يشغل مركز العالم الديني هناك.
وقبل بضعة أشهر سافرت إلى( الشنافية) فترامى الى سمعي من عامة أهل المدينة مديح وافر وثناء جزيل على مدير جديد في ناحيتهم هو الاستاذ السيد عبد الله الملاح الذي تم نقله الى تلك الناحية قريبا.
وما كان إلا أن اجتمعت بهذا المدير الجديد وتتابعت الاجتماعات بيني وبينه حتى رأيت نفسي منجذبا اليه ومتخذا منه صديقا حميما وأخا كريما لأنني وجدت فيه رجلا متمسكا بالصفات الحميدة والأخلاق الكريمة بالاضافة الى كونه قويا في ادارته نزيها في احكامه ومعاملاته.
ومما لفت نظري من الأخ الاستاذ الملاح أن هوايته المفضلة هي العكوف على العلم والأدب والثقافة فهو لايمضي أوقات فراغه الا بالمطالعة أو البحث والنقاش، وهو في بحثه ونقاشه يمتاز بحرية الرأي وطلب الحقيقة من دون تعصب.
لقد دارت بيني وبينه عدة مباحثات ومناقشات دينية وعلمية وأدبية كان في مقدمتها موضوع ( الامامة) الذي هو نقطة الخلاف بين (السنة والشيعة)، وكنا في بحثنا ومناقشتنا في هذا الموضوع متجردين عن كل عاطفة وتعصب ذميم فوصلنا إلى نتائج حسنة جدا.
وقد أرشدت الاستاذ تتمة لما دار بيننا من المناقشات الى مطالعة كتاب (السقيفة) الذي كتبه استاذنا سماحة العلامة الشيخ محمد رضا المظفر (عميد منتدى النشر).. ذلك الكتاب القيم الذي نفدت طبعته الاولى واعيد طبعه مرة اخرى لأنه الكتاب الوحيد الذي درس موضوع الخلافة الدقيق دراسة مستفيضة على ضوء المنطق المتجرد عن العواطف والمغالطات.
وحين رجعت الى النجف ارسلت نسخة من كتاب (السقيفة) الى الاستاذ الملاح، وبعد بضعة أيام وصلتني منه رسالة يسجل فيها إعجابه بالكتاب وبراعة عرضه وقوة حجته مع إكباره لمؤلفه الكريم، وقد سرد في رسالته المذكورة عدة ملاحظات اعترضته أثناء مطالعته للسقيفة فطلب مني ان
اعرضها على الاستاذ المؤلف ليتفضل بالاجابة عنها، فما كان مني الا أن عرضت الرسالة على استاذنا العميد بعد أن اعطيته لمحة خاطفة عن صديقي الاستاذ الملاح فأبدى الاستاذ المظفر استعداده للجواب عن تلك الملاحظات وتفضل فأفرغ نفسه على كثرة أشغاله ومسؤلياته لكتابة كراس خاص ضمنه أجوبته عنها.
هذا وقد رأيت بملاحظات الاستاذ الملاح وأجوبة استاذنا (العميد) عنها موضوعا رائعا طريفا أهم مميزاته طلب الحقيقة وكشف الواقع عن طريق الدراسة الصحيحة التي يوحيها العقل والمنطق السليم، فوجدت نفسي مدفوعا الى تمثيلها لعالم الطبع والنشر بعد موافقة الطرفين طبعاً خدمة للحقيقة وعرضاً لنماذج من البحث النزيه المتجرد عن الانجراف مع العواطف، لعل اخواننا المسلمين جميعا من سنة وشيعة يسيرون على منوال هذا الكلام البريء والمنطق السليم فيجتمع الشمل وتتوحد الصفوف. وإذا كانوا يرون اجتماع الكلمة ضربا من المستحيل فلا أقل من أن يتركوا التطاحن الذي مزق صفوف الطرفين وأوهى قوى الأسلام الذي يتمثل بكلا الفريقين.
وها أنا ذا الآن أنشر في هذا الكراس نص رسالة الاستاذ الملاح التي تتضمن ملاحظاته مع نص جواب(العميد) عنها. وما أدري عسى الاستاذ الملاح تخطر في ذهنه ملاحظات اخرى بعد ذلك. وإنني أعد القارئ الكريم بعرضها على استاذنا العميد عندما أتلقاها لعلنا نظفر بنشر كراسة ثانية في
هذا الموضوع إكمالا للفائدة المتوخاة والله تعالى من وراء القصد.
النجف الأشرف ٢ رجب ١٣٧٣ هـ
محمد جواد الغبان
نص رسالة الاستاذ عبد الله الملاح حول كتاب السقيفة
أخي الكريم الاستاذ محمد جواد الغبان لا حرمت اخوته تحية وشوقا
دعني أشكر لك قبل كل شيء هذه الاخوة الصادقة وحسن ظنك بي فأنا اعتقد انني لا أستحق منك كل هذا الاطراء إنما هي نفسك النبيلة تريك الناس في صورة نفسك. لوددت اني احقق ظنك في والله المسؤول ان يلهمنا الصواب ويهدينا الى أحسن الأخلاق انه لايهدي لأحسنها إلا هو.
أشكر لك أيها الأخ الكريم هديتك الممتعة كتاب السقيفة فقد أمضيت بقراءته وقتاً سعيداً وكنت أود ان ادون لكم رأيي حوله بعد انتهائي من قراءته ولكن حال دون ذلك ذهابي الى بغداد.
كتاب السقيفة كتاب ممتع جداً يدل على سعة علم مؤلفه الفاضل وتمكنه من الاسلوب العلمي العصري ولو التزم بما جاء في المقدمة لكان خير كتاب أخرج للناس ولكنه آثر ارضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه اولا من الجهاد التام، وكنت أود ان اطلع على كتاب (رد على السقيفة) لأطلع على المآخذ التي أخذها على المؤلف. وسأورد باختصار
كل ما عن لي عند مطالعة الكتاب، ولعل بعض ما أورده لا يخرج عن حدود السؤال الذي لا أحسن الاجابة عنه فاذا كان عندك أو عند المؤلف جواب شاف له فأرجو التفضل بعدم حرماني من فائدته.
١ - يرى المؤلف استبعاد سكوت النبي عن أمر الخلافة وتوكيل ذلك إلى اختيار الأمة. لما في ذلك من توقع حدوث الاختلاف كما حصل فعلا وأنا أسأل فأين النص الصريح إذن على تعيين أحد بالذات؟
ستقول دون شك: أفليس في حديث الغدير كفاية؟
إن حديث الغدير لم يؤمن بصحته كل الناس من المسلمين، وبعض من آمن بصحته فسره على غير تفسير الشيعة مستفيدا من دلالة كلمة المولى على معاني مختلفة، وأنا شخصياً أرى تفسير كلمة المولى بغيرالتفسير الذي فسرته الشيعة في حديث الغدير تمحل وسخف.
ولكن في نفسي شيء كثير من الحديث فان البخاري ومسلم لم يرويا الحديث، وفي سنده من طعن فيه، ولكنني لا أهتم لذلك فان كتب الشيعة ترويه بسند صحيح وهم ليسوا أقل حرصا على دينهم من السنة، ولكني سأطرح النقل هنا وأعتمد على العقل فقط.
يقول القرآن:( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) .
ويعتقد السنة والشيعة ان جميع ما صح عن النبي يجب الأخذ به باعتباره وحيا من الله ولكننا نرى ان النبي أمر بكتابة القرآن علما منه بأن كل ما اعتمد في حفظه على الذاكرة اعتوره النسيان أو التحريف بزيادة أو نقصان ولم نسمع انه أمر أحدا بكتابة الحديث فاذا كان الحديث وحيا من الله كالقرآن فلماذا لم يكن قرآنا؟ وأي فرق بين وحي الحديث ووحي القرآن؟
إن عدم تدوين الحديث أدى إلى الاختلاف الذي نراه الآن فليس من حديث صح عند السنة إلا وجد فيه الشيعة مجالا للطعن والعكس صحيح أفيمكن أن يبنى دين موحد على حديث يصدقه اناس ويكذبه آخرون، ولكن الفرق الاسلامية كلها متفقة على أن القرآن الذي بين أيديها صورة صحيحة للوحي المنزل على رسول الله ولا عبرة ببعض الأقوال المنسوبة إلى اناس زعموا ان القرآن قد حذف منه كل ما كان فيه مدح لآل البيت.
اريد ان اخلص من هذه المقدمة الى القول بأن امر الخلافة وهي من الاهمية بحيث صورها مؤلف السقيفة الفاضل لا يعقل ان يترك أمرها الى حديث كحديث الغدير لا تكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه أكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفه، أفما كان ينبغي والأمر بهذه الأهمية ان ينزل فيها قرآنا. صحيح (ان الله لايسأل عما يفعل وهم
يسألون) ولكن منطق الحوادث يدلنا على ان امراً كهذا لا سيما إذا أخذنا عقيدة اللطف الإلهي بنظر الاعتبار لم يكن ينبغي ان يسكت عنه القرآن وقد نزل في أشياء أقل أهمية من هذا بكثير، أما الآيات التي أوردها المؤلف( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) فلا أظن ان من له أقل المام باسلوب القرآن يرى قصر الذين آمنوا على علي(رض) فإن الله لم يشر الى واحد بلفظ الجمع وقد خاطب النبي بقوله( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) . وبقوله:( وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) . وقال:( إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ الخ ) . ثم شيء آخر لابد من الاشارة اليه وهو لوصح ان النبي جعل عليا عليه السلام نفسه حقيقة في آية المباهلة كيف جازله تزويجه من ابنته.
٢ - إذا صح ان النبي صلى الله عليه وآله قد نص على الائمة الاثنى عشر بعد ان فقد ابنه ابراهيم وحزن عليه حزنا شديدا ترتب على ذلك اتهام النبي بأنه إنما قام بالدعوة لحصر الملك والخلافة في نفسه وفي أحفاده من بعده وهو ما يتناقض الآية القرآنية( قللَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الله ) .
٣ - حديث الغدير وقع بعد منصرف النبي من حجة الوداع ووفاته صلى الله عليه وآله في أواخر صفر أو أوائل ربيع الأول من نفس السنة فيكون بين سماع الحديث والوفاة نحو شهرين وهي مدة قصيرة فاذا كان عدد الذين سمعوا حديث الغدير سبعين
الفا يزيدون أو ينقصون قليلا فلا بد ان يكون الأنصار الذين اجتمعوا في السقيفة من جملة من سمع الحديث وهم لم يكونوا ممن انامهم عمر مغناطيسيا بنفيه الموت عن رسول الله لأنهم ساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة كما يدل على ذلك مجئ معن بن عدي وعويم بن ساعدة إالى عمر وابي بكر في دار النبي صلى الله عليه وآله ولم يكن بين الأنصار وبين علي عليه السلام ترات فإذا كانت قريش لم تشأ أن تجمع لبني هاشم بين النبوة والخلافة وإذا كان علي عليه السلام قد وتر أكثرهم فان الأنصار لم يكونوا يريدون غير رضا رسول الله فما بالهم ولم يمض على سماعهم حديث الغدير غير ايام قليلة لا يقوم واحد منهم وقد تنازعوا أمر الخلافة ورشحوا لها مرشحيها يذكرهم بالحديث وبأن أمر الخلافة قد فرغ منها وقد عين رسول الله لها بأمر ربه عليا.
أما ما أورده المؤلف الفاضل من تطاول الأنصار للخلافة بعد تيقنهم من انصرافها عن مستحقها علي عليه السلام لما يعلمون من حسد العرب له وقريش خاصة فلا يمكن ان يقبله العقل لأن استحالة نصب علي للخلافة للأسباب المذكورة إذا كانت لم تغب عن فطنة الأنصار فقد كان الأولى ان لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر امته بأمر يعلم سلفا انهم لا يطيعون فيه فيعرضهم بذلك الى غضب الله وتذهب جهوده طيلة حياته في هدايتهم سدى.
أما قول أحد الأنصار:( لانبايع إلا عليا) فلا يخرج عن كونه ترشيحا لعلي من قبل أحد المسلمين ولا ينكر أحد أهلية علي عليه السلام لهذا الترشيح إذ ان الرجل لم يحتج بحديث الغدير أو آية قرآنية دالة على وجوب نصب علي.
٤ - استدل المؤلف الفاضل بتأمير اسامة بن زيد وتخلف وجوه المهاجرين وفيهم ابو بكر وعمر وأبو عبيدة عن اللحاق بجيشه على الرغم من تشديد النبي عليهم في الخروج على رغبة الرسول في إبعاد من يطمع في الخلافة عن المدينة وفي تهيئة المسلمين لقبول( قاعدة الكفاية).
إن رسول الله صلى الله عليه وآله لم تكن تأخذه في الحق لومه لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء منه بتدبير الأنبياء فمن كان يدري النبي وقد تمت البيعة لعلي في غياب جيش اسامة ووجوه المهاجرين والأنصار ان القائد وجيشه وقد علموا بوفاة النبي وبالغاية التي ارسلوا من أجلها في ذلك الظرف الحرج وبنفاذ المؤامرة في تعيين علي للخلافة، من كان يدريه انهم لا يولون الخلافة من يريدون وليس في عنقهم بيعة لأحد ثم يحتلون المدينة بالقوة ويعود التدبير الذي ظنه المؤلف الفاضل حكيما شرا على المسلمين جميعاً فان من يخالف أمر النبي وهو في المدينة لا يعجزه ان يخالفه وهو في جيش يؤيده في رأيه.
إن حياة الرسول صلى الله عليه وآله كلها تدل على أنه لم يكن يرهب القوة في سبيل نشر الدعوة وتبليغ أوامر الله فقد كان في مكة
وحيدا وفي قريش أمثال عمر وأبي لهب وأبي جهل فلم يمنعه ذلك من تسفيه أحلامهم والكفر بآلهتهم وفعل كل مامن شأنه استجلاب غضبهم فاذا كان الله قد أمره بقوله:( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) بتعيين علي للخلافة فلا عمر ولا غيره كان يمكن ان يحول بين رسول الله وتنفيذ أمر الله وما كان يمكن أن يترك النبي تنفيذ هذا الأمر الذي فيه صلاح الدين وبقاؤه إلى أحاديث تحمل معاني مختلفة وتدابير يذهب في تأويلها كل واحد مذهبا فأمر الخلافة كما تعتقدون من اسس الدين فكان يجب وقد علم النبي بدنو أجله وعلم كذلك لما ينتظر امته من فتن كقطع الليل المظلم ورأى مواقع الفتن خلال بيوت المدينة كمواقع القطر يجب وقد علم كل ذلك أن يأخذ البيعة لعلي في حياته ويتخذ من التدابير ما يحول بين امته وبين الفتن وهو قد بعث رحمة للعالمين وإلا فليس نبي اضيع جهدا منه فقد اذهب حياته في هدى امة ما لبثت ان أخذت طريقها من بعده الى النار.
٥ - حديث (هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده ابدا). لاشك في وضعه أبدا على الرغم من رواية ائمة الحديث له إذ لايخلو أن يكون ما أراد النبي كتابته حديثا أو قرآنا وقد ظل النبي ثلاثاً وعشرين سنة يتحدث ويوحى اليه بالقرآن فلم نره أمر بكتابة شيء من الحديث أما القرآن فلم يكن النبي يقول( هلموا أكتب لكم) بل كان يخبرهم بنزول
الوحي عليه ويأمر كتبة الوحي بتدوين ما نزل عليه فاذا كان ما أراد يكتبه قرآناً فلماذا لم يدع كتبة الوحي ليضيفوه الى القرآن أو لماذا لم يتله على الحاضرين على انه قرآن كما كان يفعل فيحفظه عنه الصحابة كما كانوا يحفظون عنه القرآن فلا يتأتى لأحد الشك فيه ولم يكن لعمر حق منع الوحي من النزول ولم ينكر أحد جواز نزول الوحي على النبي في مرضه. أما إذا كان حديثا فمتى يا ترى أمر النبي بكتابة الحديث وما الحاجة الى كتابة هذا الكتاب إذا كان كل مافيه هو التأكيد على امامة علي عليه السلام؟ ألم يسبق أنَ نص النبي على امامته يوم الغدير ومن نسى حديث الغدير أو أنكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا.
ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهى ولا يستطيع أحد مخالفته حتى رسول الله يمنعه عمر من أن يرشد المسلمين إلى أهم أمر من أمور الدين بعد التوحيد.
لقد كان عند رسول الله صلى الله عليه وآله علي وعبد الله بن العباس وغيرهما من وجوه بني هاشم ولم يزد عمر على أن رأى رأيا حين قال: (إن الرجل قد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله). فلو كان الأمر من الأهمية بحيث كان ابن عباس يبكي حتى يبل الحصباء كلما ذكر ذلك لكان وجب أن يأمر رسول الله باخراج عمر من عنده ويصر على املاء ما أراد املاءه بمحضر ممن يثق بأمانتهم ولو كان الأمر متعلقا بأمرجوهري من
امور الدين لما جاز الله أن يعدل عن تبيانه لمجرد اعتراض عمر وإلا لترتب على ذلك ان النبي صلى الله عليه وآله كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولا أظن أن مؤمنا يقول بذلك.
٦ - إن ما نسب الى الامام علي عليه السلام بعد تمام البيعة لأبي بكر يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير آنذاك فان قول الامام: (احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة). وقوله لأبي بكر: (أفسدت علينا أمرنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا) لايدل إلا على انه كان يرى نفسه أحق بالخلافة من أبي بكر وليس ذلك بعجيب، فعلي من عرفه المسلمون ربيب رسول الله وزوج الزهراء وأبو الحسنين وأتقى الناس لله فلا غرو إذا رأى نفسه أحق بالخلافة من غيره ولكن اعتقاد الاحقية في الخلافة شيء وعد استخلاف غيره إغتصاباً لحقه ومروقاً من الدين شيء آخر فاننا لازلنا نرى ترأس المفضول على الأفضل في جميع الأزمان والسلطة كالرزق حظوظ وحتى في أيامنا ليس انتخاب نائب عن منطقة على فرض حرية الانتخاب دليلا على ان المنتخب هو خير أهل المنطقة.
ثم ما معنى انصراف وجوه الناس عنه بعد موت الزهراء عليها السلام فاذا كان قد اجتمع اليه قبل موت الزهراء إنما اجتمع لأنه آمن بحديث الغدير واعتقد ان البيعة لغيره ضلال لما جاز أن يتغير بموت الزهراء وإلا لثبت أن إجتماعه
إلى علي عليه السلام لم يكن من أجله هو ولا ايمانا بوجوب امامته بل اكراما للزهراء فلما دعاها ربها الى جواره انتفى السبب الذي كان يربطه بعلي.
ثم انظر رحمك الله إلى قول الامام: (فنظرت فاذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم على الموت). كيف يعقل ان امة قال الله فيها( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) تعلم من أمر دينها ان عليا أمامها لايجوز العدل عنه إلى غيره ولا يتم الايمان إلا بأمامته لا يبقى فيهم من ينهي عن المنكر وأي منكر أعظم من مخالفة صريح أمر النبي والعدول بالخلافة الى غير مستحقها حتى لم يبق منهم من يؤيد عليا غير اهل بيته وليتني اعلم فيم باع كل هؤلاء الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه مرارا وتكرارا دينهم، أمن أجل سواد عيني أبي بكر وعمر فقط أو يكون بغض علي قد بلغ بهم حدا هوٌّن عليهم دخول النار؟
٧ - ألا ترى تناقضا بين قولي الامام: (لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم)، وبين قوله: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله ان ارى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكلم).
فهو عليه السلام يود مرّة لو يجد أربعين ذوي عزم
ليناهض بهم القوم ومرة يرى وجوب نصرهم ويحشرهم مع أهل الاسلام، أو تراه لو وجد أربعين ذوي عزم ثم ناهض بهم القوم أما كان ذلك هدما للاسلام أو ثلما له، إذ من كان يضمن النصر له فالأمة مجمعة على ان جيش يزيد كان مبطلا وكان جيش الحسين محقا ومع ذلك جاء الباطل وزهق الحق. وإذا صح أن مالكا بن نويرة قد رفض بيعة أبي بكر لأنه لم يرى البيعة إلا لعلي أما تكون الحجة قد قامت بوجود الناصر فلا شك ان مالكا كان من ذوي العزم الذين كان الامام يود وجودهم.
ثم كيف يتفق قوله: (فخشيت إن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما)، مع ما ذهب اليه المؤلف الفاضل من تقاعسه عن نصرة الخلفاء وعدم التعاون معهم إلا بمقدار، فان كل معاونة باليد او باللسان نصر للاسلام وأهله وأي تباطؤ عن ذلك ثلم له.
فلو علم الامام عليه السلام ان الاسلام يعزٌّ بالعمل الفلاني أو القول الفلاني ثم احجم عن الفعل أو القول لكان خاذلا للاسلام ولأهله.
ولم أر في عيوب الناس عيبا |
كعيب القادرين على التمام |
لذلك فأنا أشك في صحة نسبة الأقوال المذكورة للامام فأبو الحسن أجل في نفسي من ذلك ليس هو دون خالد بن الوليد حين
قال وقد عزله عمر عن امرة الجيش:( لم أكن احارب من أجل عمر) فلم يكن الاسلام ملكا لأبي بكر وعمر أو غيرهما حتى يتباطأ أبو الحسن عن نصرتهما.
أما عدم ورود ذكره في الحروب التي جرت على عهد الخليفتين الأولين فلا يدل ذلك على عدم تعاونه معهما تعاونا صادقا تاما في كل ناحية من نواحي العمل وإلا فأين الحروب التي اشترك فيها عمر وعثمان وطلحة والزبير في زمن أبي بكر وهل يدل عدم ذكر اسمائهم على عدم معاونتهم له معاونة صادقة.
وبعد فهذه ملاحظات عابرة أحببت أن ادونها تزجية للوقت وقد يكون لها أجوبة مقنعة أنا أجهلها.
وأرجوا أن تتهيأ لي فرصة الاجتماع بالمؤلف الفاضل الذي أرجو أن تبلغه اعجابي وتحياتي فنتوسع فيما اجملته هنا.
واسلم لمحبك
عبد الله الملاح
الشنافية ٣ ربيع الثاني ١٣٧٣
نص رسالة الشيخ المظفر رداًعلى رسالة الاستاذ الملاح
إلى حضرة الأخ الفاضل عبد الله الملاح المحترم
اهدي تحياتي العاطرة
اطلعني الأخ قرة العين (الغبان) على رسالتكم اليه المؤرخة ٣ ربيع الثاني ١٣٧٣ فقرأت فيها الأدب الجم والتواضع المستحب والرغبة في الركون إلى الانصاف في القول. وهذا ما كنت اتوقعه بعد ان كان قد عرفك إلي (الجواد) من قبل.
ولأجل ان لا تفوتني فرصة التعرف اليك فضلت أن احرر بنفسي الجواب عن رسالتك وسامحني إذا تأخرت اياما اقتضتها طبيعة أشغالنا هذه الأيام.
وقبل كل حديث احببت أن أذكر للأخ ان كل بحث وسؤال يمكن ان يعقب ويجاب عنه إذا استعمل الاسلوب الخطابي بمهارة، عندما تكون العاطفة تأخذ أثرها في الجدل، غير اني ارجو من الله تعالى أن يعصمني ويعصمك من ان تطلع رأسها خلال هذه الأبحاث التي يجب ان يتبع فيها الحق للحق.
وعلى ذكر العاطفة فانك رعاك الله بعدما تفضلت من الثناء العاطر على كتاب السقيفة وصاحبه بما يعبر عن سمو نفسك
واخلاقك قلت: (ولكنه آثر ارضاء عقيدته فلم يلتزم بما أوجبه على نفسه اولا من الحياد التام). صحيح إني لم يظهر على بحثي الأخير الحياد التام بل ولا الحياد الناقص، ويجب ان اعترف بذلك، ولكن ما حيلتي إذا كان منطق البحث هو الذي ساقني الى ذلك. فلم أشأ أن اغالط القارئ أو اخادعه فيما توصلت اليه من رأي. ولو كان البحث قد ساقني الى الانحراف عن هذا الطريق لما عدوته. وحينئذ اتبع مسلكا آخر في اسلوب التأليف أو نشره. والله المطلع. على السرائر وهو الشاهد إذا كان ماأمليته بدافع العاطفة ولو بنحو لا شعوري. ولا ابرئ نفسي كما قلت في مقدمة السقيفة إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما عصم الله.
ولا اطيل في المقدمة، فأقول ما عندي باختصار في الأبحاث التي أثرتها
البحث الأول
١ - انك شككت في صحة حديث الغدير، لأن البخاري ومسلماً لم يروياه في كتابيهما. وإني لملتجئ أن اصارحك انه لا يضر هذا الحديث المستفيض بل المتواتر انهما لم يروياه بشخصهما، ولا سيما بعد أن استدركه عليهما الحاكم في المستدرك (١٠٩:٣) و(٣٨١:٤) واكثر من ذلك صححه على شرطهما وكذلك في كنز العمال (٣٩٠:٦).
ثم هل تدري يا أخي كم ترك البخاري ومسلم من احاديث
صحيحة على شرطهما استدركت عليهما؟ ويكفي ان تراجع مستدرك الحاكم. والله اعلم لماذا تركا هذا الحديث ونحوه! وأرجو الاتذهب بك الثقة بصحيحي البخاري ومسلم هذا المذهب. حتى تجعل عدم روايتهما لحديث سببا في الطعن بذلك الحديث. فقد رابني منهما ما يريب كل منصف طالب للحق، فانهما لم يرويا أبدا ولا حديثا واحدا عن جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، ولئن لم يكن اماما فعلى الأقل هو أوثق وأجل وأعلم فقهاء عصره؟ بل لم يرويا عن أبنائه الأئمة كلهم.وماأقل ما روياه عن آبائه حتى عن علي أمير المؤمنين عليه السلام وهو من تعرف.
هذا كله في وقت قد اكثرا من الرواية عن جماعة كثيرة هم محل الريب بل الطعن فضلاً عن المجهولين. ولو وسع الوقت وهذه الرسالة العابرة لذكرت لك العشرات من هؤلاء الرواة. ولا محيص من أن أذكر لك جماعة منهم على سبيل المثال لتعرف اني على حق فيما قلت ولك علي أن لا أنقل إلا من علماء ورجال من أهل السنة لتطمئن إلى قولهم:
فمن هؤلاء الرواة (احمد بن عيسى المصري) فقد ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب والذهبي في ميزان الاعتدال: ان ابن معين حلف عن احمد هذا انه كذاب. ونقل في التهذيب عن أبي زرعة انه انكر على مسلم روايته عن احمد هذا في الصحيح قال:( هؤلاء قوم يعني مسلما ونحوه أرادوا التقدم قبل أوانه فعملوا شيئا يتشرفون به) وقال:( يروي يعني مسلما عن احمد في الصحيح ما رأيت أهل مصر يشكون في انه...) وأشار إلى لسانه يعني انه يقول الكذب.
و (منهم) اسماعيل بن عبد الله بن اويس، فقد نقل في هذين الكتابين المتقدمين اعني التهذيب والميزان: (ان ابن معين قال عنه: لايساوي فلسين. وقال ايضا: هو وأبوه يسرقان الحديث) ونقلا غير هذا من الطعون الشديدة فيه.
و (منهم) عبد الله بن صالح المصري طعن فيه في التهذيب والميزان نقلا عن ثقاة العلماء بأنه يكذب وليس بشيء وليس بثقة، وقال في الميزان:( روى عنه البخاري في الصحيح ولكنه يدلسه فيقول عبد الله ولا ينسبه) فانظر واعجب.
و(منهم) عمران بن حطان السدوسي الخارجي المعروف، وقد روى عنه البخاري وقد أكثر علماء الرجال من الطعن فيه، وهو المادح لابن ملجم بقوله المشهور:
يا ضربة من تقى ما أراد بها |
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
و(منهم) عنبسة بن خالد الذي كان على خراج مصر وكان يعلق النساء بالثدي، فقال عنه يحيى بن كثير كما في التهذيب والميزان:( إنما يحدث عنه مجنون أو أحمق لم يكن موضعا للكتابة عنه).
و(منهم) محمد بن سعيد الكذاب المشهور الذي صلبه أبو جعفر على الزندقة قال في الميزان:( روى عنه ابن عجلان والثوري ومروان الفزاري وابو معاوية والمحاربي وآخرون، وقد غيروا اسمه على وجوه ستراً له وتدليساً لضعفه) إلى أن قال أحد العلماء:( قلبوا اسمه على مائة
اسم وزيادة قد جمعها في كتاب) ثم قال الميزان:( قد اخرج عنه البخاري في مواضع وظنه جماعة).
و(منهم) هشام بن عمار خطيب دمشق ومحدثها وعالمها قيل عنه: انه حدث بأربعمائة حديث لاأصل لها، وقيل عنه غير ذلك.
ومنهم... ومنهم... وما أدري ماذا احصي لك من رواة الصحيحين على هذه الشاكلة. قيل لمسلم كما في التهذيب والميزان بترجمة سويد بن سعيد الهروي -:( كيف استجزت الرواية عن سويد)؟ فقال:( ومن أين آتي بنسخة حفص بن ميسرة!). بالله عليك ايصلح هذا عذرا في الرواية عن الضعفاء ممن اشترط على نفسه انه لا يروي إلا عن ثقة مأمون، وعند جعفر بن محمد الصادق وابنائه وآبائه من العلم والحديث ما طبق الخافقين وما يغنيه عن امثال سويد وحفص؟ أفلا يساوي أهل البيت عنده امثال أولئكم الضعفاء المطعون في صدقهم؟. بالله عليك أيأخذ الانسان المؤمن الموقن دينه من هؤلاء الرواة وأمثالهم ويوثقهم ثم يترك آل البيت! أي عذر يتخذه الانسان يلاقي به ربه يوم الحساب إذا كان ممن يعتقد بالله وبيوم الجزاء ويريد مخلصاً أن يخلص إلى الحق الصريح إلا اذا أراد أن يخادع نفسه أو يداهن في دينه؟
٢ - وأما قولك: (ان في سند الحديث من طعن فيه) فأظن يكفينا مراجعة الجزء الأول من كتاب الغدير لنعرف ان الطعن مهلهل لاسيما بعد أن نعرف ان الحديث ليس له سند واحد يبقى مجال معه للطعن، بل هو مستفيض إن لم يكن متواترأً، على أنه قد روى بسند صحيح على
شرط الشيخين مسلم والبخاري كما نقلت لك عن مستدرك الحاكم وكنز العمال.
٣ - وأما حديثكم عن تدوين الحديث عامة كالقرآن، فان صريح القول فيه عندي الذي ادين به ربي ولا اغالط نفسي انه ثبت من طرق الطرفين الصحيحة(١) التي لاريب فيها ان نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال:( إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً. ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض).
فقد قرن الهداية (ابدا) بالتمسك بهما معاً لا بالتمسك بواحد منهما فكل حديث لا يرجع الى الثقل الثاني لا أجد مجالا للتمسك به إلا إذا كنت لا أفهم الكلام العربي المبين أو أغالط نفسي.
دقق النظر ياأخي في هذا الحديث الجليل تجد ما يدهشك في مبناه ومعناه، فما أبعد المرمى في قوله:( لن تضلوا بعدي ابدا) ولكن بشرط إذا تمسكنا بهما(بهما) لا بواحد منهما فقط. وما أوضح المعنى في قوله:( لن يفترقا) فمن فرق بينهما أيجد الهداية يا تٌرى؟
وعلى هذا نستطيع أن نتنبه لماذا لم يأمر صلى الله عليه وآله بتدوين الحديث كالقرآن، فقد كفاه انه(ترك) لنا الثقل الثاني الذي هو عدل القرآن
______________________________
(١) ومسلم قد رواه في صحيحة في فضائل علي من عدة طرق إذا كنت لا تصدق إلا بمسلم والبخاري.
أما البخاري فلم يروه ولكن الحاكم استدركه عليه (١٠٩:٣).
الكريم حسب تعبيره وأمر بالتمسك به مقروناً بالتمسك بالثقل الأول(القرآن)، فهو الذي يكفل لنا دين النبي وقوانينه من وقوع الضلال فيها أبدا(أبدا) ما إن تمسكنا به مع القرآن، وهو الذي يبين لنا كل ما أجمل في القرآن وما نزل من أحكام وما جاء من قوانين لا( الحديث).
ولا يبقى بعد هذا مجال لمن قال أو يقول:(حسبنا كتاب الله) فانه لو كان( حسبنا) وفيه الكفاية لما قرنه النبي بعدله الثقل الثاني. أليس كذلك يا قرة عيني؟
واستطيع ان اخلص من هذا الكلام الى موافقتك (موافقتك أنت) انه لايصح الاعتماد على(الحديث) لانه ليس بعدل للقرآن وإلا لو كان الحديث المعمول به عند الناس طريقا الى اثبات الوحي الإِلهي لكان النبي يأمر كما قلت بتدوينه كما أمر بتدوين القرآن. بل ازيدك بأنه لم يقرن صلى الله عليه وآله الحديث بالقرآن ولم تأت بذلك رواية معتبرة ولا آية، بل اكثر من ذلك قد اخبر عن كثرة الكذابين عليه بعده وحذرنا منهم، ولم يرو عنه انه شجع على الحديث عنه.
وهنا اعيد كلامك السديد فأقول معك: (أفيمكن ان يبني دين موحد على حديث يصدقه اناس ويكذبه آخرون). إذن فليسقط (الحديث) من اعتبارنا جملة، ولكنا إنما نستدل به لنتخذه حجة على من يراه حجة عنده من باب الزام الخصم بما يعترف به، فان تنازل الخصم عن حجية الحديث وانكره جملة، قلنا له: بماذا تثبت تفاصيل الأحتكام وخصوصياتها فان القرآن فيه المجمل والمبين والمتشابه والمحكم والعام والخاص والناسخ والمنسوخ وليس فيه تفاصيل الأحكام
وخصوصياتها، فهذه الصلاة مثلا من أين تعرف أوقاتها وفرائضها وركعاتها وأجزائها وشرائطها ومقدماتها وما يتصل بها من أحكام لا تحصى؟
فهل ترجع إلى اعتبار الحديث مرة اخرى؟
أم تلتجئ عندئذ إلى الاعتراف بالثقل الثاني الذي أرجعنا اليه النبي صلى الله عليه وآله مع القرآن.
أم ماذا؟
٤ - قولك سدد الله قولك:( لايعقل أن يترك أمرها أي الخلافة إلى حديث كحديث الغدير)، فيا قرة العين ليس الأمر منحصراً بحديث الغدير حتى يتم استغرابك فكم هي الأحاديث والآيات كما قرأت بعضها في السقيفة وهي يؤيد بعضها بعضاً ويفسر بعضها بعضاً إذا كان الواحد منها لايكفيك.
أما وصفك لحديث الغدير بأنه (لاتكاد الصحابة تسمعه حتى ينساه أكثرهم ويذهب في تأويله الآخرون مذاهب مختلفة) فاني أجلك من هذا الكلام فانه ما على النبي من ضير أن تنسى حديثه الصحابة أو تتأوله، بل ترك أمر الخلافة إلى الصريح الفصيح من الكلام وبلغهم وإذا كانوا نسوه فالعيب فيهم لا في الحديث، على أنا لابد أن نقول: انهم تناسوه لانسوه، ومن أين علمنا بأنهم نسوه.
وأما الذين ذهبوا المذاهب المختلفة في تأويله فاولئك قوم من المتأخرين وليس هم الصحابة كما يشعر به قولك وذلك لما ضاقوا
ذرعا في الطعن في سنده فاضطروا لتأويله بالتأويلات التي تعرفها.
٥ - وأما آية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّـهُ ) فصحيح ما قلت فيها على ما اعتقد انه لم يعهد التعبير في الكتاب العزيز عن المفرد بالجمع. وازيدك انه لو كان المراد التعبير بالجمع عن المفرد لقال(الذين أقاموا... وآتوا...) . والتعبير المضارع(يقيمون... ويأتون..) دليل على أن المقصود بها قاعدة كلية. وبتعبير منطقي تعرفه إذا كنت درست علم المنطق ان هذه حقيقة معناها ان كل من فرض فيه انه وقع منه هذا العمل أو يقع فهو ولي للمؤمنين ولاية كولاية الله ورسوله، لاقضية شخصية مشار بها إلى شخص أو أشخاص مخصوصين موجودين في الخارج، وإلا لوجب ان يقول بصيغة الماضي أقاموا وآتوا.
وعليه فالمقصود بالآية الكريمة ان كل مؤمن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة وهو في حال ركوعه فهو له الولاية العامة التي كولاية الله ورسوله. وعلى هذا تكون الآية كبرى كلية لا يتألف منها وحدها القياس المنطقي ولا تنتج شيئا إلا إذا عرفنا الصغرى لها، ولا يمكن الاستبدال بها وحدها مجردة بدون ضم الصغرى لها، وليس منطوقها إلا كمنطوق القوانين العامة مثل ان يقول القانون (كل من يحمل الشهادة الحقوقية له الحق أن يعين حاكما) فإن هذا القانون لا ينفعنا في معرفة الأشخاص الذين يحملون الشهادة بل لابد من الخارج ان نعرفهم بأشخاصهم لنعطي لهم هذا الحق.
وبهذه المقدمة نخلص إلى معرفة وجه الاستدلال بالآية على ولاية
علي، وذلك بضميمة الصغرى أي بضميمة معرفة نزولها، وقد ثبت انها نزلت في علي عندما تصدق بخاتمه وهو في حال ركوعه، فتشخصت هذه القاعدة الكلية فيه باعتبار انها نزلت فيه. ولم يعهد من غيره من الصحابة من آتى الزكاة وهو راكع لاقبله ولابعده، فانحصر هذا الكلي في فرد واحد بحكم نزول الآية فيه.
وأما الحكمة في التعبير بهذه القاعدة الكلية فلبيان ان علياً بالاستحقاق نال هذه المنزلة من الولاية لصدور هذا العمل منه الذي يعطي له هذا الحق، والمفروض انه لم يقع من غيره فتنحصر فيه هذه الولاية من دون باقي الصحابة.
٦ - أما آية(المباهلة) فأظن ان ما ذكرته عنها ستتراجع عنه عندما تعيد التأمل فيه فإنه قول غريب منك مع ذكائك وفطنتك، لأنه واضح ليس المقصود من انه نفسه انه هو على وجه تبطل الاثنينية حتى يترتب عليه انه لايجوز ان يتزوج علي ببنت محمد صلى الله عليه وآله باعتبار انها تكون ابنته ايضا، فان هذا لايتوهمه عاقل ولايتوقف عليه الاستدلال، فان محمداً محمد وعلياً علي هما شخصان اثنان احدهما ابن عم الآخر وأحدهما ولد قبل الآخر ومات قبله، ولكل منهما مميزاته الشخصية التي تختلف عن مميزات شخصية الآخر، بل المقصود انه نفسه تنزيلا أي انه كنفسه وذلك مبالغة في تقاربهما واتحادهما في كثير من الأحكام المنزلة. وذلك يشبه قول الشاعر في مبالغته عن اتحاده مع حبيبه.
أنا من أهوى ومن أهوى أنا |
نحن روحان حللنا بدنا |
فاذا أبصرتني أبصرته |
وإذا أبصرته أبصرتنا |
في البحث الثاني
قلت: (إذا صح أن النبي صلى الله عليه وآله قد نص على الأئمة الاثنى عشر بعد ان فقد ابنه ابراهيم) لايا أخي لم يدع أحد أن النص على الأئمة كان بعد فقد ابراهيم ولم يصح فيه حديث، فمن أين جئت بهذا. ولابأس أن ألفت نظرك إلى ان هناك آية قرآنية اخرى نظير التي ذكرتها وهي قوله تعالى:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) فماذا تقول فيها(١) ؟
وهلا تدري أن النبي لما نزلت هذه الآية( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) جمع عشيرته واستنصرهم وجعل لناصره ان يكون اخاه ووصيه ووارثه وخليفته من بعده وكان علي صبيا فأجابه دونهم فقال في حقه: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له واطيعوا) فخرجوا يتضاحكون من تأميره هذا الغلام على شيوخ قومه وفيهم
______________________________
(١) وما ذكرت انها آية فلا وجود لها بنصها، وإنما بمضمونها آيات نزلت في نوح وهود وصالح وشعيب ولوط عليهم السلام.والنازلة على لسان نبينا إنما هي آية القربى وآية اخرى في سبأ ٤٧( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ ) وهما يفسر
ابوه. بالله عليك كم سبقت هذه الواقعة في الزمن مولد ابراهيم. وتأمل في صبي لم يبلغ الحلم يقال له هذا القول من نبي لايقول إلا عن وحي. أهذا جد أم هزل؟. تأمل في هذا وحكم وجدانك واعرضه على انصافك وأوله ماشئت أن تأوله فانك لامحالة ستجد هذا الصبي أكبر من أن يقاس إلى الناس وقد أمر من يومه ذاك في مبدأ البعثة، ثم فكر في قول من يقول انه لاقيمة لاسلامه يومئذ وهو لم يبلغ الحلم كم يبلغ من درجة الانصاف وقول العدل وقوة الحجة.
في البحث الثالث
١ - ذكرت ان الأنصار ساعة الاحتضار كانوا مجتمعين في السقيفة وجعلت دليلك مجيء معن وعويم إلى دار النبي لاخبار أبي بكر وعمر. ولكن الدعوى منك غريبة لاشاهد لها من التأريخ، والدليل أغرب، لأنه في ساعة الاحتضار كان أبو بكر في السنح وما جاء الى المدينة إلا بعد ان بلغه وفاة النبي فجاء إلى دار النبي فكشف عن وجهه صلى الله عليه وآله وسلم على ما ذكره بعض المؤرخين ثم ذهب إلى المسجد حيث وجد عمراً يخطب الناس بأن النبي لم يمت، ومن المسجد بعد أن هدأت سورة عمر ذهبوا إلى دار النبي ولابد أن الأنصار حينئذ انسلوا إلى سقيفتهم.
٢ - استغربت من الأنصار أن يتنكروا للنص على علي، ولكن
______________________________
احداهما الاخرى، ويدلان على انه صلى الله عليه وآله سأل اجرا هو المودة في القربى، ولكنه للمسلمين أي نفعه لهم.
اعتقد ياعزيزي لو انك رجعت الى ماذكرته في السقيفة عن دوافعهم على تنكيرهم لكان لك مقنعاً كافياً.
وأما قولك: (فقد كان الأولى أن لا تغيب عن فطنة رسول الله وهو المؤيد بالوحي فلا يأمر بأمر امته يعلم سلفاً بأنهم لا يطيعون فيه فيعرضهم بذلك إلى غضب الله...) فاني أقول كيف يغيب عن فطنتك قوله تعالى:( فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) . وقوله:( إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ) . وقوله:( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَـسَرَاتٍ ) وأمثال ذلك في القرآن كثير. وفي الحقيقة ان الرسول عليه ان يبلغ الأمر الإلهي وليس عليه أن لا يطيعه الناس. ولا يصح أن يتنازل عنه لمجرد انه يعلم سلفا انهم لايطيعونه. وإلا لوجب ان يترك كثيرا من الأحكام كلها لأنه يعلم سلفا انهم كلهم أو بعضهم لا فرق لايطيعونه. ومن المواقع التي يعلم سلفا انهم لايطيعونه فيها ومع ذلك بلغها قوله تعالى( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) فانه اجمع المفسرون وأهل الحديث انه لم يعمل بهذا الحكم إلا علي عليه السلام(١)
يا عزيزي إن الله تعالى يقول:( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) ثم يقول عن المؤمنين بالخصوص:( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّـهِ إِلَّا وَهُم مُّـشْرِكُونَ ) فاذا كان تعالى يعلم سلفاً ورسوله يعلم سلفاً ان الناس اكثرهم لا يؤمنون وأن يؤمنون اكثرهم في ايمانهم مشركون، فيكون على قولك ارسال الرسل وتبليغ الأحكام للناس من قبلهم تعريضاً
______________________________
(١) هذا الحديث مما ترك روايته البخاري ومسلم أيضاً واستدركه عليهما =
لاكثر الناس واكثر المؤمنين منهم إلى غضب الله وتذهب جهود الرسل في هدايتهم سدى.
أهذا هو المنطق ياقرة عيني؟ أيترك الله دينه واحكامه لسواد عيون الناس لأنه يعلم سلفاً انهم يعصونه؟ لا يا أخي إن الحق يجب ان يبين والحكم يجب ان يوضح سواء أطاع الناس أم عصوا وما على الرسول إلا البلاغ.
في البحث الرابع
قلت عن بعث اسامة: (ان رسول الله صلى الله عليه وآله لم تكن تأخذه في الحق لومة لائم وهذا التدبير أشبه بتدبير الضعفاء). وأقول: نحن بعد أن تثبت عندنا النصوص على علي فانا نعرف كيف لم تكن تأخذ ه
في الحق لومة لائم، فقد بين وأوضح وكرر وأكد، ولكنه بعد ان اتضح لديه ان كل هذه التأكيدات والبيانات ستخالف على كل حال وان هناك جماعة سوف لاتطيع الأمر في علي فأراد أن يبعدهم عن المدينة بهذه الطريقة. وليس هذا من تدبير الضعفاء بل من التدبير الحكيم بعد أن نعرف ملابسات الواقعة كما أوضحناها في كتاب السقيفة.
نعم نتصوره من تدبير الضعفاء إذا نحن أنكرنا تلك النصوص على علي وتصريحات النبي في حقه وأنكرنا ان المسلمين يوم
______________________________
= الحاكم على شرطهما (٤٨٢:٢) مع الاجماع على نقله فلماذا تركه الشيخان؟
الغدير سلموا عليه بأمرة المؤمنين. نعم إذا انكرنا تلك النصوص جملة وتصورنا أن النبي أراد البيعة لابن عمه سراً فدبر ذلك التدبير الخفي لأبعاد خصومه فلا نتصور النبي حينئذ وحاشاه إلا جباناً ضعيفاً يريد أن يخاتل المسلمين في ابن عمه ولكن ياأخي كل هذا التدبير إنما يكون مقبولا حكيما إذا كان قد وقع بعدما اعلن أمر ابن عمه فلم تنفع معهم كل تلك التوضيحات وعلم اصرارهم على المخالفة فأرسل هذا البعث، وإن لم ينفذوه فقد أقام به الحجة البالغة عليهم، والا فلماذا خالفوا أمره فيه ولماذا تباطؤا واعترضوا على تأمير اسامة؟ وقد بسطنا كل ذلك في كتاب السقيفة.
ولايشك التاريخ في وقوع البعث ولا في تأخر المبعوثين عن تنفيذه ولا في تألم النبي منهم وغضبه عليهم واصراره عليه مرة اخرى. ولا يصح تفسير ذلك بغير ما ذكرنا إلا إذا كنا ننكر النصوص على علي جملة، فهذا أمر آخر ولا كلام لنا مع هذا المنكر فان مثله لايستطيع أن يستسيغ هذا التفسير قطعاً.
أما تقديرك أن جيش اسامة هذا لورجع بعد ان يفتح وقد وجد الأمر قد تم لعلي قد ينتقض فيحارب من في المدينة، فهذا احتمال من الجائزان يقع وأن لا يقع، ولكن لو وقع منهم فانهم يكونون كأهل الردة الخارجين على امام زمانهم يحاربون وتكون الحجة عليهم لاسيما مع سبق النصوص وبيعتهم لعلي يوم الغدير ولم يبق مجال للتأويل أو تجاهل النص على علي بعد تمام البيعة له.
في البحث الخامس
انك تشك في صحة حديث الكتاب الذي أراد النبي أن
يكتبه. وأنا أقول لا مجال لهذا الشك بعد ثبوته برواية أهل الحديث والتاريخ والتفسير. ولابد من التسليم به بعد ان كان متواتر النقل أو في حكم المتواتر. وأما ما ذكرت من سبب الطعن فيه ففيه كثير من فضول القول فيما يتعلق باحتمال انه كان قرآنا فانه ليس مجال لهذا الاحتمال ولا يتصوره أحد بل هو كتاب أراد أن يسجله للمسلمين لئلا يضلوا بعده فأبوا لأنفسهم هذه النعمة. وكونه بادرة لم يسبق لها مثيل منه صلى الله عليه وآله فهو صحيح ولكن لايوجب ذلك انكار للحديث وهل تعجب من النبي ان يصنع شيئا لم يسبق له نظير لاسيما وانها بادرة تقع في اخريات ايامه قصد بها أن يفارق امته عن شئ يسد عليهم باب الخلاف والضلال. ان النبي اعظم من ان تستكثر عليه مثل هذه البادرة.
وأما قولك: (ثم من هو عمر هذا الذي يأمر وينهي ولايستطيع أحد مخالفته) فهذا صحيح ولكن عمر لم يمنعه بقوة سيف أوسيطر على المسلمين أو على النبي وإنما منعه لأنه ألقى شبهة تثير الخلاف مدى الدهر وهي ان النبي كان يهجر أو غلبه الوجع ما شئت فعبر، وأقل الناس يستطيع ان يصنع ذلك لاسيما إذا وجد أعوانا وانصارا وبالفعل قد وجد عمر اولئك الأعوان إذ رأينا المسلمين الحاضرين قد اختلفوا على فرقتين، فبطل مفعول الكتاب الذي كان المقصود منه أن لايضلوا بعده أبدا كيف وقد صار هو نفسه موضوعاً للنزاع والجدال والنبي حاضر بينهم وامام عينيه حتى أغضبوه وقال: (قومواعني ولا ينبغي عند نبي نزاع). ولا يريد النبي أن ينفذ مثل هذا بقوة السيف أو العشيرة فان طبيعة الموضوع تأبى ذلك لأن هذا يزيد في الخلاف ويعقده.
نعم صحيح قولك: (ولم يزد عمر على ان رأى رأيا حين قال: ان الرجل قد غلبه الوجع...) ولكن هذا الرأي لابد أن يحول دون تنفيذ الكتاب لأن طبيعة الموضوع تقتضي أن يحول هذا الرأي دونه كما قلنا، فنعرف السر في عدوله صلى الله عليه وآله عن تنفيذ الكتاب ونعرف كيف جاز له العدول عنه.
وما أدري أي أمر جوهري أعظم من كتاب يؤمن الناس من الضلال ابدا، وهل المقصود من الدين شيء فوق هذا، حتى تقول أنت: (ولو كان الأمر متعلقا بأمر جوهري من امور الدين...)
وبذلك البيان تعرف ياأخي مدى قولك بالأخير (وإلا لترتيب على ذلك ان النبي صلى الله عليه وآله كتم كثيرا مما كان يريد تبليغه خشية عمر وغيره ولاأظن مؤمنا يقول بذلك) فاني اكرر القول بأن النبي انما عدل عنه لاخشية من عمر وغيره ولكن الشبهة التي أثارها وتقبلها بعض الحاضرين بالفعل فاختلفوا بحضوره لاتبقى مجالا للكتاب، لأنه بالعكس سيكون سببا للضلال والخلاف ابدا الدهور بعد ان كان المقصود منه تأمين البشر من الضلال، فلابد أن يعدل عنه روحي فداه، ولاينفع معه التدبير باخراج عمر ولا أي تدبير آخر حتى بقتله كما تقول، لأن الشبهة قد وقعت رضوا أم أبوا، وكل قول وفعل حينئذ من النبي بعد هذا يكون موضعا لهذه الشبهة بأنه من الهجر وغلبة الوجع. وحق لابن عباس وغير ابن عباس بعد هذا أن يبكي ويبكي بل حق له أن تتفطر كبده ألماً لفوات هذه النعمة الكبرى التي لا تعادلها نعمة، مهما كان مقصود
النبي من ذلك البيان الذي لا يضلون بعده أبدا سواء كان هو النص على علي أو على أي شيء آخر.
ونحن رجحنا ان يكون المقصود هو النص على علي للدلائل والاشارات التي ذكرناها في كتاب السقيفة ومن جملتها قول عمر: (حسبنا كتاب الله) الذي هو صريح في ان ما يريد ان يبينه النبي هو عدل للقرآن، ويسرع إلى أذهاننا حينئذ حديث الثقلين وانه هو المستهدف في البيان والمنع منه.
ثم انك تسأل عن الحاجة إلى الكتاب بعد نص الغدير وغيره، فان الحاجة اليه ما كان يستشعره النبي من عزم جماعة على تجاهل تلك النصوص كما وقع فعلا. وأما قولك: (ومن نسي حديث الغدير وانكره على قرب العهد به فهو لما في الكتاب المزمع كتابته أشد نسيانا ونكرانا) فاني لم استطيع فهمه ولم اعرف فيه وجه كون الكتاب أشد نسيانا، فان ما هو مكتوب أثبت مما ينقل على الأفواه وكيف يتطرق اليه النسيان أو النكران وهو حجة ثابته مكتوبة، على انه لو وقع يكون أقرب عهداً إلى الناس من حديث الغدير لو كان بعد العهد هو السبب في النسيان أو النكران كما اردت ان تقول.
في البحث السادس
١ - قلت: (إن ما نسب إلى الامام... يدل دلالة صريحة على عدم ثبوت حديث الغدير) وأنا استميحك عذرا إذا قلت لك: إن كلامك هذا غير فني فان ما ذكرته من قولي الامام: (احتجوا
بالشجرة...) و(افسدت علينا...) لامعنى لان يقال فيه انه يدل دلالة صريحة على نفي الحديث، لأنه لا دلالة لفظية فيه على ذلك، وأقصى ما يمكن ادعاؤه انهما يدلان بالدلالة العقلية على نفيه باعتبار انه ترك الاستدلال بحديث الغدير في موقع كان الأولى أن يستدل به، فعدوله عنه دليل على عدم ثبوته وإلا لاستدل به. وهذه الدلالة لاتسمى دلالة صريحة.
ونحن ننكر عليك حتى هذه الدلالة العقلية لأنه لم يكن في موقع الاستدلال بحديث الغدير حتى يكون تركه دليلا على عدم ثبوته في القول الاول، لانه جاء احتجاجا على من احتج باستحقاق الخلافة بالقرابة من الرسول فقال لهم: إذا كان ذلك سببا للاستحقاق فمن كان اكثر قرابة وأقرب فهو أولى بالاستحقاق. والتشبيه بالشجرة والثمرة من التشبيهات البديعة في الباب فانه لبيان أولوية الاستحقاق للأقرب لأنه هو الثمرة التي هي أولى من أصل الشجرة بالاستفادة منها بل الثمرة هي الغاية المقصودة من الشجرة. وليس هذا موردا لذكر النص لأنه من باب النقض على المستدل بحجته.
وأما القول الثاني فعلى تقدير صحة نقله فان قوله: (لم ترع لنا حقا) كلام عام يجوز ان يراد به النص ويجوز ان يراد مطلق الحق الذي صورته في كلامك. وهذا التصوير الذي ذكرته وأطنبت فيه ليس في كلام الامام دلالة عليه وإنما هو من اجتهاد الكاتب حينما تخيل ان الامام لانص عليه فلا بد أن تكون احتجاجاته وشكواه ناشئة من اعتقاده بالأحقية.
٢ - تحدثت عن قصة انصراف الناس عنه بعد موت فاطمة فانه كلام غريب فانه لاربط له بقصة النص وإنما تلك القصة ترتبط بقصة التجاء الامام إلى مسالمة القوم بعد الانصراف عنه.
٣ - تقارن بين قول الامام: (فنظرت فاذا ليس لي معين...) وبين آية( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ) لتستدل من الآية على تكذيب نسبة هذا القول اليه. وازيدك انك بهذا الاستدلال تستطيع ان تكذب كثير من الأحاديث النبوية مثل احاديث الحوض ونحوها الدالة على ارتداد أصحابه بعده وتبدلهم ورجوعهم القهقرى والمروية في الصحاح.
غير اني احيلك على كتب التفسير لمعرفة مدى دلالة هذه الآية. وما علينا من كتب التفسير! لننظر بأنفسنا إلى مدى دلالة هذه الآية على المقصود:
ان دلالتها تكمن في كلمة (كنتم) فان كانت على ظاهرها من دلالتها على الماضي المنقطع بمعنى انهم كانوا فيما مضى خير امة ثم لم يستمر ذلك لهم فلا ينافيها أن تكون الامة قد انقلبت بعد الرسول على الاعقاب لأنه قال: كنتم خير امة، ولم يقل انتم خير امة أبد الدهر.
ولكن بعض المفسرين أوّل معنى (كنتم) فقال: انها للماضي الاستمراري مثل قوله تعالى:( وَكَانَ اللَّـهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) وأنا شخصياً كذلك أفهم هذا المعنى من الآية، غير ان الذي يشكل علينا ان المسلمين لم يكونوا في جميع عهودهم على ما تصف الآية الكريمة يأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر لاسيما في مثل عهودهم الحاضرة التي لم يبق فيها من المعروف حتى رسمه فضلا عن أن يكون كلهم من الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر. هذا هو الواقع المرير الذي لا سبيل لنا من انكاره والمكابرة فيه فكيف نتصور انطباق الآية على عهودنا وامثالها.
وعليه فليس الاشكال يخص الامة الاسلامية في أول عهودها بعد النبي بل في جميع عهودها الغابرة والحاضرة فكيف نستطيع التوفيق بين واقع امتنا المحزن وبين دلالة الآية على امتداح هذه الامة وتفضيلها على سائر الامم لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ كيف التوفيق ياترى؟
والذي يخطر في بالي من الجواب على ذلك أحد أمرين( الأول) وهو الأرجح عندي ان الآية قد تقدمتها آيات أٌخر ذكرت وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن هذا التشريع كما يبدو منها انه من مختصات المسلمين المخاطبين بهذا الوجوب على أن يتولى بعضهم هذا الأمر ثم ذكرت نهي المؤمنين عن ان يتفرقوا ويختلفوا من بعد ان جاءتهم البينات فتبيض وجوه بعض وتسود وجوه آخرين ثم قال: (كنتم خير امة...) لبيان انه لما كانوا خير الأٌمم لا ينبغي ان يختلفوا وسر انهم خير الأٌمم لأنه قد شرع لهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وليس المقصود الأخبار عن انهم كلهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لاسيما ان المخاطب
بالوجوب بعض المسلمين على نحو الوجوب الكفائي (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف...)
(الثاني) ان المراد انكم تأمرون بالمعروف من حيث مجموعكم ولو بامتثال البعض وان كان ذلك البعض قليلا باعتبار ان ذلك البعض من الامة يعمل باسمها كأنه يقول: انكم خير الامم لأن فيكم من يأمر بالمعروف وليس كذلك باقي الامم. وهذا كما نقول مثلا ان الأمة الانكليزية احتلت العراق، وليس المراد ان جميع الامة احتلته بل بعض جيوشها وذلك باعتبار ان ذلك البعض منها وكان عمله باسمها.
في البحث السابع
١ - تسأل عما إذا كان تناقض بين قول الامام: (لو وجدت اربعين ذوي عزم...) وبين قوله: (فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس...) فاني لم اعرف وجها للتناقض بين القولين فان الامام في الأول يقول: لو وجدت الأربعين على هذه الصفة لناهضت القوم، ومعنى ذلك انه لم يجد الأربعين فلم يناهضهم يعني انه سالمهم، ثم صرح في الثاني بأنه امسك يده عن نصرتهم غير انه لما رأى راجعة الناس عن الاسلام فرأى ان المصيبة في ذلك اعظم من مصيبة فوت الولاية فالتجأ أن ينصر الأسلام لأجل ذلك، لانصرة للامراء ولا لكونهم عنده أهلاً للنصرة كما هو مدلول كلامه. وأنت
ترى ان احد الكلامين يتصل بالآخر ويكون متمماً له، فأين التناقض؟
أما انه لو ناهض القوم بالأربعين عندما يجدهم فانك تحتمل ان تدور عليه الدائرة كالحسين فهذا تكهن لم يعترف به الامام وهو من ظاهر كلامه كان جازما بأن الأربعين على هذه الصفة لو وجدهم لكانوا كافين له في النصرةعلى خصومه. أما انه يكون ذلك ثلما للاسلام لو انتصر عليهم، فمن أين نفهمه إذا فرضنا انه انتصر على غاصبي حقه من الخلافة التي هي بنص النبي وبها حينئذ قوام الاسلام لا هدمه إلا إذا كنا لانعترف بالنص فهذا أمر آخر.
وأما كفاية نصرة مالك بن نويرة فعلى تقديره فهو واحد من ذوي العزم إذا كان هو حقيقة من ذوي العزم الذين يشترطهم الامام فكيف تفرض ان الحجة قد قامت عليه بمالك وحده على انه كونه يعترف بحقه شيء وكونه من ذوي العزم شيء آخر.
وأما سؤالك عن اتفاق قوله عليه السلام: (فخشيت ان لم أنصر الاسلام وأهله ان أرى فيه ثلماً أو هدما) مع ما ذهبتُ اليه من تقاعس الامام عن نصرة الخلفاء إلا بمقدار الضرورة فانه واضح الاتفاق لان الامام في صدر كلامه ذكر انه أمسك يده ولكن ضرورة حفظ بيضة الاسلام دعته إلى النصرة. وهذا صريح بأن الضرورة هي التي دعته الى ذلك
والضرورات تقدر بقدرها لا ان النصرة ابتدائية بدافع نفسي ليناقض ما قلته عنه، بل هذا الكلام مما يؤيد قولي ويؤكده وهو يدل على أن العمل الذي يعلم انه يضر بالاسلام يتركه ويعمل ما يرى عمله ضرورة اسلامية، فكيف كان قوله هذا يدل على انه يحجم عن الفعل أو القول الذي يكون خذلانا للاسلام كما رغبت انت ان تقوله وتتصوره عن هذه الكلمة.
نعم ان الامام اعظم وأجل ان يتقاعس عن عمل يراه واجبا لنصرة الاسلام، ومن اين يدل كلامه المنقول او كلامي المسطور على خلاف ذلك فاذا تباطأ ابو الحسن فانما تباطأ عن شيء يكون فيه نصرة لأبي بكر وعمر ولم يتباطأ عما تدعوه الضرورة الاسلامية الى فعله، وانما لم يشترك في الحروب لأنه حينئذ يكون مأموراً لهم وهذا ما كان يتحاشاه بل يتحاشونه معه. وما ذكرته في السقيفة عن ذلك ففيه الكفاية.
وأما قياسه في الاشتراك في الحروب بعمر وعثمان وطلحة وامثالهم فقياس مع الفارق البعيد، لو كان هناك قياس، وابو الحسن من تعرف في حروبه ايام خلافته ولم يشترك قبله ولا بعده من الخلفاء بنفسه في الحروب، فكيف يقاس غيره به وكيف لا يستغرب عدم اشتراكه في الحروب ايام الخلفاء قبله وكيف لا يدل ذلك على عدم تعاونه معهم معاونة صادقة؟
هذا ما أردت ان اقوله يا قرة العين في جوابات
اسئلتك واعذرني إذا كنت قد رمزت لك رمزاً في كثير من الأبحاث اقتصاداً في الوقت واستعجالاً في الاجابة للشواغل التي دهمتني في خلال تسجيل هذه الرسالة فعاقتني عن الاسراع إلى اتمامها في الوقت المناسب.
وتقبل التحيات من المخلص
محمد رضا المظفر
١٢ جمادي الاولى سنة ١٣٧٣
أهم مصادر الكتاب
١ - صحيح البخاري المطبوع بمصر عام ١٣٢٠ هـ
٢ - صحيح مسلم المطبوع بمصر عام١٣٩٠هـ
وما في ص٥٨ رجعنا فيه الى المطبوع عام ١٣٣٤ هـ
٣ - مسند احمد المطبوع بمصر عام١٣١٣ هـ
٤ - العقد الفريد المطبوع بمصر عام ١٣٥٣ هـ
٥ - مستدرك الحاكم
٦ - الجمع بين الصحيحين
٧ - كنز العمال
٨ - تاريخ الطبري
٩ - تاريخ ابن الأثير
١٠ - تاريخ الخميس
١١ - تاريخ اليعقوبي
١٢ - السياسة والامامة لابن قتيبة
١٣ - تاريخ الخلفاء للسيوطي
١٤ - تاريخ ابن خلدون
١٥ - مروج الذهب
١٦ - السيرة الحلبية
١٧ - سيرة ابن هشام
١٨ - سيرة دحلان
١٩ - طبقات ابن سعد
٢٠ - الاصابة
٢١ - الاستيعاب
٢٢ - اسد الغاية
٢٣ - التهذيب لابن عساكر
٢٤ - ميزان الاعتدال
٢٥ - نهج البلاغة
٢٦ - شرح النهج لابن ابي الحديد
٢٧ - منهاج السنة لابن تيمية
٢٨ - الصواعق المحرقة له
٢٩ - مقالات الاسلاميين لأبي الحسن الأشعري
٣٠ - الملل والنحل للشهر ستاني
٣١ - الفصل في الملل والنحل لابن حزم
٣٢ - البيان والتبين للجاحظ
٣٣ - معجم البلدان
٣٤ - لسان العرب
٣٥ - حياة محمد للدكتور محمد حسين هيكل
الفهرس
مقدمة ٩
١ - تأثير العقيدة على المؤرخ. ١٦
٢ - اضطراب التاريخ. ١٧
٣ - خطة الكتاب.. ١٩
تمهيد. ٢٣
الفصل الاول: مَوقِفْ النَّبي تجَاه الخَلافَة ٣٠
(١ هل كان يعلم بأمر الخلافة؟) ٣١
٢ - هل وضع حلا للخلاف؟ ٣٣
٣ - ايكال الامر الى اختيار الأمة ٣٥
٤ - لا نص في قاعدة الاختيار ٤٤
٥ - اختلاف امتي رحمة ٤٦
٦ - الاجماع على قاعدة الاختيار ٤٨
٧ - النص على أبي بكر ٥٢
٨ - النص على علي بن أبي طالب.. ٥٩
الفصل الثاني : تدبير النبي لمَنع الخِلاَف ٧٥
(أ - بعث اسامة) ٧٥
ب - ائتوني بكتف ودواة ٨٤
الفصل الثالث : بيعَة السقيفة ٩٦
(١- الدوافع لاجتماع السقيفة) ٩٦
٢ - نفسية الأنصار ٩٩
٣ - الأنصار حزبان. ١٠٣
٤ - هل مات النبي محمد ...؟ ١٠٩
٥ - وصول النبأ باجتماع الأنصار ١٢٠
٦ - تأثير دخول المهاجرين في اجتماع الأنصار ١٢٤
٧ - تأثير خطب أبي بكر على المجتمعين. ١٢٦
٨ - نقاش المهاجرين والأنصار ١٣٣
٩ - المهاجرون يربحون الموقف.. ١٣٧
١٠ - النتيجة ١٤١
الفصل الرابع : عَلي مَع الخلفَاء ١٤٧
(١ - الافتيات على الامام) ١٤٧
٢ - رأيه في بيعة السقيفة ١٤٧
٣ - الموقف الدقيق. ١٥٠
٤ - سلوكه مع الخلفاء ١٥٦
على هامش السَّقيفَة ١٦٥
نص رسالة الاستاذ عبد الله الملاح حول كتاب السقيفة ١٧١
نص رسالة الشيخ المظفر رداًعلى رسالة الاستاذ الملاح. ١٨٣
إلى حضرة الأخ الفاضل عبد الله الملاح المحترم ١٨٣
البحث الأول. ١٨٤
في البحث الثاني. ١٩٣
في البحث الثالث.. ١٩٤
في البحث الرابع. ١٩٦
في البحث الخامس.. ١٩٧
في البحث السادس. ٢٠٠
في البحث السابع. ٢٠٤
أهم مصادر الكتاب.. ٢٠٨