بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( ذكر ترددات كتاب النكاح )

قالرحمه‌الله : وأكل ما ينثر في الاعراس جائز ، ولا يجوز أخذه الا باذن أربابه نطقا أو بشاهد الحال ، وهل يملك بالاخذ؟ الاظهر نعم.

أقول : يمكن أن يقال : ان الاذن في الاخذ يفيد إباحة التصرف لا التملك ، وهو ظاهر كلام المتأخر ، والفرق بين الاباحة والتملك أن الاباحة يجوز الرجوع فيها ما دامت العين باقية ، سواء كانت لاجنبي ، أو الذي رحم يصرف فيها ، أو لا بخلاف التمليك فانه لا يجوز الرجوع فيه وان كانت العين باقية.

قالرحمه‌الله : والعبارة عن الايجاب لفظان : زوجتك وأنكحتك. وفي متعتك تردد ، وجوازه أرجح.

أقول : منشؤه : النظر الى أن النكاح عصمة مستفادة من الشرع ، فتقف صحتها على ما دل الشرع على الانعقاد به قطعا في الدائم ، وليس الا لفظي الزواج والنكاح


وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(١) ، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن الله تعالى قد عبر عن عقد النكاح بهذه الالفاظ الثلاثة ، فيكون موضوعة له ، اذ الاصل في الاطلاق الحقيقة ، وهذا الدليل ذكره المصنف في المسائل الكمالية ، وهو ظاهر كلام الشيخ في النهاية(٢) .

قالرحمه‌الله : ولو قال : زوجت بنتك من فلان ، فقال : نعم ، فقال الزوج : قبلت ، صح ، لان نعم يتضمن اعادة السؤال ولو لم يعد اللفظ ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن النكاح عصمة شرعية ، فيقف انعقاده على وجود اللفظ الذي جعله الشارع دليلا عليه ، وليس الا الزواج والنكاح ، أو المتعة على خلاف فيها.

والالتفات الى لفظة « نعم » تقتضي اعادة السؤال ، فيكون تقدير الكلام حينئذ : نعم زوجت بنتي ، ولا خلاف في الانعقاد لو أتى بذلك ، فكذا الاتيان بمعناه ، اذ المقصود بالذات انما هو المعنى ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٣) .

ونمنع كون المعنى مقصودا فقط ، بل المقصود المعنى واللفظ معا ، كما في الطلاق وغيره من ألفاظ العقود والايقاعات ، ولعل الاول أقرب ، وهو ظاهر كلام المتأخر.

قالرحمه‌الله : لا عبرة بعبارة الصبي ايجابا وقبولا ، ولا بعبارة المجنون ، وفي السكران الذي لا يعقل تردد ، أظهره أنه لا يصح ولو أفاق فأجاز.

أقول : منشؤه : النظر الى أن السكران الذي لا يعقل مساو للمجنون ، فيكون حكمه حكمه.

__________________

(١) المبسوط ٤ / ١٩٣.

(٢) النهاية ص ٤٥٠.

(٣) المبسوط ٤ / ١٩٣.


والالتفات الى الرواية المروية عن أبي الحسنعليه‌السلام (١) . وهي التي أشار إليها المصنف.

قالرحمه‌الله : ولا ولاية للوصي وان نص الموصى على النكاح على الاظهر.

أقول : ذهب الشيخرحمه‌الله في الخلاف(٢) الى ان ولاء النكاح مستفاد بالوصية ، اذا كان الموصي من له ولاية على الموصى عليه ، محتجا بالاصل ، ولانه لا مانع منه ، وبعموم قوله تعالى «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ »(٣) .

وأيضا فلا خلاف أن له أن يوصي بالنظر في مالهما(٤) ، فكذلك في التزويج والجامع بينهما ثبوت الولاية له عليهما. وضعف هذه الادلة جميعا ظاهر ، فلا حاجة بنا الى ابانته.

قالرحمه‌الله : اذا زوجها الولي بدون مهر المثل ، هل لها أن تعترض؟ فيه تردد ، والاظهر أن لها الاعتراض.

أقول : منشؤه : النظر الى أن في التزويج بدون مهر المثل ضررا على الزوجة وربما لحقها بذلك عار ، فيكون لها الاعتراض ، عملا بقولهعليه‌السلام « لا ضرر ولا اضرار »(٥) ولان تصرف الولي مشروط بالغبطة ، ولا غبطة في التزويج بدون مهر المثل.

والالتفات الى أن عقد الولي مأذون فيه شرعا ، فلا يكون لها الاعتراض فيه.

قالرحمه‌الله : لا ولاية للام على الولد ، فلو زوجته فرضي لزم العقد ، وان

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٧ / ٣٩٢ ، ح ٤٧.

(٢) الخلاف ٢ / ١٤٢ مسألة ٩.

(٣) سورة البقرة : ١٨١.

(٤) فى « س » : ماله.

(٥) عوالى اللئالى ١ / ٣٨٣ و ٢٢٠ و ٢ / ٧٤ و ٣ / ٢١٠.


كره لزمها المهر ، وفيه تردد ، وربما حمل على دعوى الوكالة فيه.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة ذمة الام ، فمن شغلها بشي‌ء فعليه الدلالة ، ولان الام لا ولاية لها في غير النكاح عندنا ، فهي كالاجنبي سواء ، فان رضي بعقدها صح ولزمه المهر والا فلا ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه سأله رجل زوجته أمه وهو غائب ، قال : النكاح جائز ، ان شاء الزوج قبل وان شاء ترك ، فان ترك الزوج تزويجه ، فالمهر لازم لامه(١) . وبها أفتى الشيخ في النهاية(٢) .

وضعف هذه الرواية ينشأ من مخالفتها الاصل أولا ، ومن جهالة حال بعض رجالها ثانيا.

وقال المصنفرحمه‌الله : يمكن حمل الرواية على أن الام ادعت الوكالة عن الولد ، فيلزمها المهر حينئذ ، لانها غارة ومدعية عقدا مأذونا فيه ، فيترتب عليه ثبوت المهر ، ان أوجبناه على الوكيل.

قالرحمه‌الله : اذا زوج الاجنبي امرأة ـ الى آخره.

أقول : أشار بقوله « على القولين » الى الاختلاف في أن عقد النكاح هل يقف على الاجازة أم لا؟ قال بعض الاصحاب : انه يقف على الاجازة ، وبعضهم منع من ذلك ، وقيل : ان عقد الاجنبي يقع باطلا ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف(٣) .

قالرحمه‌الله : لو طلق زوجته فوطئت بالشبهة ـ الى قوله : وان احتمل أن يكون منهما استخرج بالقرعة ، على تردد ، أشبهه أنه للثاني.

أقول : منشؤه : النظر الى أن مع تساوي الاحتمالين تنتفي الاولوية ، فيجب الاستخراج بالقرعة ، فمن خرج اسمه فهو له ، والا لزم الترجيح من غير مرجح

__________________

(١) فروع الكافى ٥ / ٤٠١ ـ ٤٠٢.

(٢) النهاية ص ٤٦٧.

(٣) الخلاف ٢ / ١٤٣.


وهو خيرة الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى أن الزوجة فراش للثاني حينئذ ، فيكون الولد له ، عملا بعموم قولهعليه‌السلام « الولد للفراش وللعاهر الحجر »(٢) .

قالرحمه‌الله : انتشار الحرمة بالرضاع يتوقف على شروط : الاول ـ أن يكون اللبن عن نكاح ، فلو در أو كان عن زنا لم يثبت حرمة ، وفي نكاح الشبهة تردد ، أشبهه تنزيله على النكاح الصحيح.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الاصحاب لم يفصلوا بين النكاح الفاسد وبين نكاح الشبهة ، الا في الحاق الولد ورفع الحد ، فمن ادعى ثالثا فعليه الدليل ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(٣) وتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن نكاح الشبهة يثبت معه النسب الصحيح الشرعي ، فكذلك الرضاع الشرعي ، عملا بقولهعليه‌السلام « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب »(٤) فجعله أصلا للنسب ، وهو الذي قواه الشيخ والمتأخر ، الا أن المتأخر قال بعد ذلك : ولي في ذلك نظر وتأمل.

وأقول : بعد منشأ هذا النظر المنع من دلالة الخبر على محل النزاع ، اذ المفهوم منه غير ذلك.

قالرحمه‌الله : ولو ارتضع من ثدي الميتة ، أو رضع بعض الرضعات وهي حية ثم أكملها [ ميتة ] لم ينشر الحرمة ، لانها خرجت بالموت عن التحاق الاحكام فهي كالبهيمة المرتضعة ، وفيه تردد.

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٠٩.

(٢) مسند أحمد بن حنبل ٦ / ١٢٩.

(٣) المبسوط ٥ / ٢٩١.

(٤) عوالى اللئالى ١ / ٤٤ ، برقم : ٥٥.


أقول : منشؤه : النظر الى انتشار الحرمة بالرضاع تعبد شرعي ، فيقف على الدليل الشرعي ، وحيث لا دلالة فلا حكم ، ولانها خرجت بالموت عن التكليف وانتشار الحرمة بالرضاع تكليف ، والمقدمتان ظاهرتان ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(١) والخلاف(٢) ، عملا بأصل الاباحة ، ولقوله تعالى «وَأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ »(٣) وهذه ما أرضعت ، وقوله تعالى «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ »(٤) وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « حرمة الميت كحرمة الحي »(٥) والمراد بلفظ الميت الذكر والانثى ، ومن جملة الحرمة انتشار التحريم بالرضاع ، فيحرم عليه ميتة مع اكماله الرضعات المعتبرة شرعا جميع من يحرم عليه لو كانت حية ، وهو قول أبي حنيفة ومالك والاوزاعي ، والاول عندي أقوى.

قالرحمه‌الله : الشرط الثالث ـ أن يكون الرضاع في الحولين ، ويراعى ذلك في المرتضع ، لقولهعليه‌السلام « لا رضاع بعد فطام »(٦) وهل يراعى في ولد المرضعة؟ الاصح أنه لا يعتبر.

أقول : مراعاة ذلك في المرتضع متفق عليه بين علمائنا وفتواهم على أنه لا يعتبر في ولد المرضعة ، فلو أرضعت صبيا بلبن ولدها الرضعات الشرعية ولولدها لصلبها أكثر من حولين نشر الحرمة.

وشرط أبو الصلاح في انتشار الحرمة أن يكون الرضاع واقعا في الحولين

__________________

(١) المبسوط ٥ / ٢٩٦.

(٢) الخلاف ٢ / ٣٢٣ مسألة ١٤.

(٣) سورة النساء : ٢٣.

(٤) سورة النساء : ٢٤.

(٥) تهذيب الاحكام ١ / ٤١٩ ، ح ٤٣.

(٦) عوالى اللئالى ١ / ٧٢ و ٢ / ١٢٨ و ٢٧٠ و ٣ / ٣٢٤.


من غير المرتضع وولد المرضعة ، فلو حصل بعد أن مضى لهما أو لاحدهما حولان أو أكمل بعد مضيهما من عمرهما أو عمر أحدهما لم ينشر حرمة.

لنا ـ عموم قوله تعالى «وَأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ »(١) واصالة عدم الاشتراط ترك العمل بها في الصورة الاولى ، فيبقى معمولا بها في الثانية.

قالرحمه‌الله : لو كان له أمة يطأها ، فأرضعت زوجته الصغيرة ، حرمتا جميعا ويثبت مهر الصغيرة ، ولا يرجع به على الامة ، لانه لا يثبت للمولى مال في ذمة مملوكته ، نعم لو كانت موطوءة بالعقد يرجع به عليها ويتعلق برقبتها ، وعندي في ذلك تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن هذا الرضاع جار مجرى الجناية ، اذ فيه تفويت منفعة البضع على الزوج ، وجناية الامة تتعلق برقبتها اجماعا منا ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٢) .

والالتفات الى أصالة براءة الذمة ، وهي دليل قطعي ، فيتمسك بها الى حين ظهور الناقل قطعا أو ظاهرا. ونمنع كون منفعة البضع مضمونة ، وحملها على الجناية قياس ، وهو باطل عندنا في الشرعيات ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف(٣) .

فرع :

القائل بالضمان أوجب بيعها فيه مع امتناع المولى عن الفك ، كما في الجناية وسيأتي ، والمصنفرحمه‌الله قال : ولو قلنا بوجوب العود لم نقل ببيع المملوك فيه ، بل تتبع به اذ تحررت.

فالمصنفرحمه‌الله أجراه مجرى الدين الذي يستدينه المملوك بغير اذن

__________________

(١) سورة النساء : ٢٣.

(٢) المبسوط ٥ / ٢٩٨ ـ ٢٩٩.

(٣) الخلاف ٢ / ٣٢٤ مسألة ١٨.


مولاه ، والشيخرحمه‌الله أجراه مجرى الجناية.

قالرحمه‌الله : وأما الوطي بالشبهة ، فالذي خرجه الشيخرحمه‌الله أنه ينزل منزلة النكاح الصحيح ، وفيه تردد ، أظهره أنه لا ينشر ، لكن يلحق معه النسب.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الوطي الصحيح ينشر حرمة المصاهرة ، فكذا ما هو في حكمه ، أعني : وطئ الشبهة وعقد الشبهة ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى أن حمله على النكاح الصحيح والزنا قياس ، والاصل عدم التحريم ، فلا يصار إليه الا بدليل ، وهو اختيار المتأخر.

فرع :

الوطي المباح بغير عقد الشبهة والوطي بملك اليمين ، ينشر تحريم المصاهرة ويثبت به حرمة المحرم. وأما الوطي الحرام ، فلا يثبت به حرمة المحرم اجماعا ولا ينشر تحريم المصاهرة على الاقوى.

والمراد بانتشار الحرمة المنع من نكاح أم الزوجة مطلقا ، وابنتها اذا كان قد دخل بها معا على سبيل الدوام ، ومن نكاح اختها على سبيل الجمع.

والمراد بثبوت حرمة المحرم جواز النظر الى من حرم عليه نكاحهن بالمصاهرة تحريم تأبيد.

وأما الوطي بالشبهة ، فهل ينشر حرمة المصاهرة؟ سلف البحث فيه ، لكن لا خلاف أنه لا يثبت به حرمة المحرم.

قالرحمه‌الله : وأما النظر فيما يسوغ لغير المالك ، كنظر الوجه ولمس الكف ، لا ينشر الحرمة. وما لا يسوغ لغير المالك ، كنظر الفرج والقبلة ومس

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٠٣.


باطن الجسد بشهوة ، فيه تردد ، أظهره أنه يثمر كراهية. ومن نشر به الحرمة ، قصر التحريم على أب اللامس والناظر وابنه خاصة ، دون أم المنظورة والملموسة وبنتها.

أقول : منشؤه : النظر الى أصل الاباحة ، ويؤيده عموم قوله تعالى «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ »(١) وعموم قوله تعالى «أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ »(٢) وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى رواية محمد بن علي قال : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن الرجل يكون له الجارية يقبلها هل يحل لولده؟ فقال : بشهوة ، قلت : نعم ، فقال : ما ترك شيئا اذا قبلها بشهوة ، فقال ابتداءً منه ان جردها فنظر إليها بشهوة حرمت على أبيه وابنه(٣) .

وفي معناها رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) . وهو اختيار الشيخ في النهاية(٥) .

واعلم أن الشيخ المفيد قدس الله روحه قصر التحريم على منظورة الأب دون منظورة الابن ، وتبعه أبو الصلاح ، عملا بروايتي محمد بن مسلم وجميل بن دراج عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٦) .

وحكاه سلار رواية ، وقال الشيخ في المبسوط : النظر الى الفرج ينشر حرمة المصاهرة ، حكاه عنه صاحب كشف الرموز.

__________________

(١) سورة النساء : ٣.

(٢) نفس الآية.

(٣) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٠٩.

(٤) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٠٨ ـ ٢٠٩ ، ح ٤٦.

(٥) النهاية ص ٤٩٦.

(٦) تهذيب الاحكام ٧ / ٢٨٢ ، ح ٢٩.


قالرحمه‌الله : اذا دخل بصبية لم تبلغ تسعا فأفضاها ، حرم عليه وطؤها ولم تخرج من حباله ، ولو لم يفضها لم يحرم على الاصح.

أقول : ظاهر كلام الشيخ في النهاية(١) يقتضي التحريم مطلقا ، سواء حصل الافضاء بالدخول أو لم يحصل ، وهو ظاهر كلام المتأخر ، ولعله اعتماد على رواية سهل بن زياد عن يعقوب بن يزيد عن بعض أصحابنا قال : اذا خطب الرجل المرأة ، فدخل بها قبل أن يبلغ تسع سنين فرق بينهما ولا تحل له أبدا(٢) .

لكن الرواية ضعيفة ، وسهل ضعيف ، وهي مع ذلك معارضة بالاصل وعمومات الآيات الدالة على إباحة الزوجات والمشهور من الروايات ، فهي اذن ساقطة.

والمراد بالتفريق في الخبر تحريم الوطي لا فسخ العقد ، ولا تحريم امساكها زوجة. وهذا التفسير ذكره المتأخر في تفسير كلام النهاية ، وهو حسن.

قالرحمه‌الله : من زنا بامرأة لم تحرم عليه نكاحها ، وكذا لو كانت مشهورة بالزنا ، وكذا لو زنت امرأته وان أصرت ، على الاصح.

أقول : لا خلاف أن مع عدم الاصرار لا تحرم الزوجة. وانما الخلاف لو حصل الاصرار ، فذهب الشيخ وأتباعه والمتأخر الى أنها لا تحرم ، عملا باصالة الاباحة ، تمسكا بعموم الآية. وقال المفيد : يحرم امساكها مع الاصرار ، الا أن تظهر التوبة ، وأطلق سلار القول بالتحريم.

قالرحمه‌الله : لو أسلم وعنده أربع حرائر وثنيات ، فأسلم معه اثنتان ، ثم اعتق ولحق به من بقي ، لم يزد على اختيار اثنتين ، لانه كمال العدد المحلل له ، ولو أسلمن [ كلهن ] ثم أعتق ثم أسلم ، أو أسلمن بعد عتقه واسلامه في العدة ، ثبت نكاحه عليهن ، لاتصافه بالحرية المبيحة للاربع ، وفي الفرق اشكال.

__________________

(١) النهاية ص ٤٥٣.

(٢) تهذيب الاحكام ٧ / ٣١٢ ، ح ٥٠.


أقول : منشؤه : النظر الى وجود الحرية المبيحة للاربع في الصورتين ، فيكون له اختيار الاربع جميعا في الصورة الاولى ، عملا بالمقتضي.

والالتفات الى أن الاعتبار بحال ثبوت الاختيار ، والاختيار انما ثبت له حال العبودية ، فاذا أعتق لم يتغير قدر ما ثبت له بعتقه ، كما أنه لو أسلم الحر موسرا وعنده أربع زوجات إماء ، فلم يتخير حتى أعسر ، لم يكن له أن يختار واحدة منهن ، اعتبارا بحال ثبوت الاختيار.

ولو كان معسرا حين أسلم معه ، فأيسر بعد ذلك ، كان له أن يختار واحدة ، اعتبارا بحال ثبوت الاختيار ، ولا ينظر الى تغير الحال فيما بعد ، وهو اختيار الشيخ محتجا بعين هذا الدليل.

فاذا تقرر هذا ، فله اختيار أي الاثنتين شاء السابقتين على عتقه ، أو المتأخر عنه ، وله أن يتزوج بأخريين ، أو يستأنف العقد على الاثنتين اللاحقتين.

قالرحمه‌الله : اختلاف الدين فسخ لا طلاق ـ الى قوله : ولو كان المهر فاسدا ، وجب به مهر المثل مع الدخول ، وقبله نصفه ان كان الفسخ من الرجل. ولو لم يسم مهرا والحال هذه ، كان لها المتعة كالمطلقة ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن ارتداد الزوج قبل الدخول فسخ ، حصل قبل الدخول فأشبه الطلاق ، فتجب لها المتعة ، كالمطلقة التي لم يسم لها مهرا صحيحا ولا فاسدا ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى أصالة براءة الذمة ، ولان حملها على المطلقة قياس ، وهو عندنا باطل ، فلا يجب لها شي‌ء. ويحتمل وجوب نصف مهر المثل. أما لو حصل الارتداد بعد الدخول ولم يسم لها مهرا وجب مهر المثل قطعا.

قالرحمه‌الله : نكاح الشغار باطل ، وهو أن تتزوج امرأتان برجلين على أن

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٢٥.


يكون مهر كل واحدة نكاح الاخرى. أما لو زوج الوليان كل منهما صاحبه وشرط لكل واحدة مهرا معلوما ، فانه يصح.

ولو زوج أحدهما الاخر وشرط أن بزوجه الاخرى بمهر معلوم ، صح العقدان ويبطل المهر ، لانه شرط مع المهر تزويجا ، وهو غير لازم ، والنكاح لا يدخله الخيار ، فيكون لها مهر المثل ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى تطرق الجهالة في المهر ، فيكون باطلا. أما المقدمة الاولى ، فلانه جعل تزويج كل واحدة منهما شطر صداق الاخرى ، فالبضع لم يشرك فيه اثنان حتى يكون شغارا ، فيبطل النكاح.

وانما قلنا انه جعل تزويج كل واحدة شطر صداق الاخرى ـ لانه ما رضي لبنته مهرا الا بشرط أن يحصل له نكاح بنت زوجها ، وهو شرط باطل لا يلزم الوفاء به فيبطل صداق المائة.

أما أولا ، فلان التزويج بعض الصداق هنا وقد بطل ، فيبطل جميع الصداق اذ بطلان الجزء يستلزم بطلان الكل ، لاستحالة وجوده من حيث أنه كل بدونه.

وأما ثانيا ، فلانه على تقدير عدم الوفاء بالشرط الذي هو التزويج يجب أن يرد الى المائة ما نقص من الصداق لاجل الشرط ، وذلك القدر مجهول ، فيبطل الصداق واذا بطل سقط ووجب مهر المثل والنكاح بحاله ، لان النكاح لا يفسد بفساد الصداق. هذا خلاصة كلام الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى أنه شرط سائغ ، فيكون لازما. أما الاولى ، فلان تزويج كل واحد من الرجلين بنت الاخر مشروع اجماعا. وأما الثانية ، فلقولهعليه‌السلام « المؤمنون عند شروطهم »(٢) ولانه شرط وقع في عقد لازم ، فيكون لازما بالاغلبية.

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٤٤.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٩٣ ، برقم : ١٧٣.


قالرحمه‌الله : لا يقع بالمستمتع بها ايلاء ولا لعان على الاظهر.

أقول : مذهب الشيخرحمه‌الله أنه لا يقع ، وتبعه أبو الصلاح والمتأخر ، وقال المرتضى وشيخنا المفيد : انه يقع.

لنا ـ الروايات المشهورة المنقولة عن أهل البيتعليهم‌السلام .

قالرحمه‌الله : وفي الظهار تردد ، أظهره أنه يقع.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم الآية فيقع ، وبه أفتى المفيد والمرتضى وابن أبي عقيل وأبو الصلاح.

والالتفات الى أن المتمتع بها ليس لها اجبار الزوج على النكاح ، فلا يقع بها الظهار ، لعدم الفائدة ، وبه أفتى ابن بابويه والمتأخر ، عملا برواية علي بن فضال(١) . واعتبار فائدة الظهار في المطالبة بالوطء ممنوع ، والرواية مرسلة فليست حجة.

قالرحمه‌الله : وتعتد من الوفاة ولو لم يدخل بها ، بأربعة أشهر وعشرة أيام ان كانت حائلا ، وبأبعد الاجلين ان كانت حاملا ، على الاصح.

أقول : هذا هو المشهور بين الاصحاب ، ومستنده عموم آية الوفاة ، وبه روايات كثيرة عن أهل البيتعليهم‌السلام قال المفيد وسلار : وعدتها شهران وخمسة أيام وهو ظاهر كلام المرتضى ، واختاره القاضي عبد العزيز بن البراج ، ومستنده رواية الحلبي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل تزوج متعة ثم مات عنها ما عدتها؟ قال : خمسة وستون يوما(٢) . وحملها الشيخرحمه‌الله على كون الزوجة مملوكة ، توفيقا بين الروايات ، وهو حسن.

قالرحمه‌الله : لو باع أمة وادعى أن حملها منه ، فانكر المشتري ، لم يقبل

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٥٣٤.

(٢) تهذيب الاحكام ٨ / ١٥٨ ، ح ١٤٦.


قوله في افساد البيع ، ويقبل في التحاق الولد ، لانه اقرار لا يتضرر به الغير ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قولهعليه‌السلام « اقرار العقلاء على أنفسهم جائز »(١) فيكون مقبولا ، ولانه اقرار لا يتضرر به المشتري ، سواء باعه الامة بحملها أو منفردة عنه.

والالتفات الى أن في هذا الاقرار اضرارا بالغير ، فلا يكون مسموعا. أما الصغرى ، فلوجوب فكه من تركة أبيه مع القول بالتحاقه بتقدير الموت ولم يخلف وارثا سواه ، وهو اضرار عظيم بالمشتري. وأما الكبرى ، فلقولهعليه‌السلام « لا ضرر ولا اضرار في الاسلام »(٢) ولانعقاد الاجماع عليها.

قالرحمه‌الله في فصل العيوب : والجنون سبب لتسلط الزوجة على الفسخ ، دائما كان أو أدوارا. وكذا المتجدد بعد العقد وقبل الوطي ، أو بعد العقد والوطي وقد يشترط في المتجدد أن لا يعقل أوقات الصلاة ، وهو في موضع التردد.

أقول : الاشتراط ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٣) والخلاف(٤) ، وقال في النهاية : ان اختارت فراقه كان على وليها طلاقه(٥) .

وأما منشأ التردد : فالنظر الى أصالة لزوم العقد ، فلا يتسلط على فسخه الا بدليل ولم يثبت في غير المستغرق لاوقات الصلاة.

والالتفات الى ظاهر رواية القاسم بن محمد عن علي بن أبي حمزة قال : سئل أبو ابراهيمعليه‌السلام المرأة تكون لها الزوج قد أصيبت في عقله من بعد ما تزوجها أو

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٣ و ٢ / ٢٥٧ و ٣ / ٤٤٢.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٠ و ٣٨٣ و ٢ / ٧٤ و ٣ / ٢١٠.

(٣) المبسوط ٤ / ٢٥٠.

(٤) الخلاف ٢ / ١٨٣.

(٥) النهاية ص ٤٨٦.


عرض له جنون ، قال : لها أن تنزع نفسها منه ان شاءت(١) .

فشرع لها الفسخ مطلقا ، ولم يعتبر الاستغراق وعدمه ، ولا طلاق الولي أيضا ، لكن الرواية ضعيفة ، فان القاسم بن محمد وعلي بن أبي حمزة واقفيان.

والمعتمد في الاستدلال على ثبوت الفسخ مطلقا أن يقال : لا جرم أن الجنون سبب مانع من الاستمتاع كما ينبغي ، وتستضر به المرأة ضررا عظيما ، فيسوغ لها الفسخ ، دفعا للضرر الناشئ من فوات ثمرة العقد.

قالرحمه‌الله : والعنن مرض يضعف معه القوة عن نشر العضو ـ الى قوله : فلو وطأها ولو مرة ، ثم عن أو أمكنه وطؤ غيرها مع عننه عنها لم يثبت لها الخيار على الاظهر.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٢) : اذا كان له أربع نسوة ، فعن عن واحدة دون الثلاث ، لم يحكم لها بحكم العنة عند أصحابنا ، وقال المخالف : لها حكم نفسها ويضرب لها المدة.

وبمعناه قال في الخلاف(٣) ، ونسب القول الاخر الى الشافعي ، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم.

قالرحمه‌الله : ولو حدث الجب لم يفسخ به ، وفيه قول آخر.

أقول : قال الشيخ في المبسوط(٤) والخلاف(٥) : لا ترد الرجل من عيب يحدث به الا الجنون الذي لا يعقل معه أوقات الصلاة ، وقال المخالف : اذ احدث واحد من الاربعة : الجنون والجذام والبرص والجب ، فلها الخيار ، وعندنا أنه لا خيار

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٧ / ٤٢٨ ـ ٤٢٩ ، ح ١٩.

(٢) المبسوط ٤ / ٢٥٠.

(٣) الخلاف ٢ / ١٨٣.

(٤) المبسوط ٤ / ٢٥٢.

(٥) الخلاف ٢ / ١٨٣.


في ذلك ، واحتج في الخلاف بأن العقد قد صح شرعا ، وثبوت الرد يحتاج الى دليل ، وحيث لا دلالة فلا رد.

قالرحمه‌الله : أما الجنون ، فهو فساد العقل ـ الى قوله : مع غلبة المرة.

أقول : قال صاحب الصحاح : المرة احدى الطبائع الاربع ، والمرة القوة وشدة العقل أيضا ، ورجل مرير أي : قوي ذو مرة(١) .

قالرحمه‌الله : وأما العرج ، ففيه تردد ، أظهره دخوله في أسباب الفسخ اذا بلغ الاقعاد.

أقول : منشؤه : النظر الى التمسك بمقتضى العقد ، وهو اللزوم وعدم التسلط على الفسخ ، وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٢) والخلاف(٣) .

والالتفات الى أن في ذلك عضاضة على الزوج ، وربما نفرت نفسه منه وتضرر به ، فيسوغ له الفسخ دفعا لمضرته ، وهو اختيار الشيخ في النهاية(٤) . والذي ذكره المصنف توسط بين القولين ، ولا بأس به.

قالرحمه‌الله : العيوب الحادثة بالمرأة قبل العقد مبيحة للفسخ ، وما يتجدد بعد العقد والوطي لا يفسخ به ، وفي المتجدد بعد العقد وقبل الدخول تردد ، أظهره أنه لا يبيح الفسخ ، تمسكا بمقتضى العقد السليم عن معارض.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة لزوم العقد ، ترك العمل بها في الصورة الاولى ، للاخبار والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى عموم الاخبار الواردة بثبوت الرد مع وجود هذه العيوب ، ولم يفصلوا بين العيب السابق على العقد أو المتأخر عنه ، وهو اختيار الشيخ في

__________________

(١) صحاح اللغة ٢ / ٨١٤.

(٢) المبسوط ٢ / ٢٥٠.

(٣) الخلاف ٢ / ١٨٢.

(٤) النهاية ص ٤٨٥.


المبسوط(١) والخلاف(٢) .

قالرحمه‌الله في المهور : وهل يجب تعيين الحرف.

أقول : المراد بالحرف هنا القراءة ، يقال قرأت بحرف أبي عمرو ، أي : بطريقته.

قالرحمه‌الله : قيل : اذا لم يسم [ لها ] مهرا وقدم لها شيئا ثم دخل ، كان ذلك مهرها ـ الى قوله : واستنادا الى قول مشهور.

أقول : هذه المسألة أفتى بها الشيخان وابن البراج وسلار ، وتبعهم المتأخر ، مدعيا للاجماع عليها محتجا به.

والمراد بالرواية ما روي عن الباقرعليه‌السلام في رجل تزوج امرأة فدخل بها فأولدها ثم مات عنها ، فادعت شيئا من صداقها على ورثة زوجها ، فجاءت تطلبه منهم وتطلب الميراث ، قال فقال : أما الميراث فلها أن تطلبه ، وأما الصداق فان الذي أخذت من قبل أن يدخل عليه ، فهو الذي حل للزوج به فرجها ، قليلا كان أو كثيرا ، اذ هي قبضته منه وقبلته ودخلت عليه ، فلا شي‌ء لها بعد ذلك(٣) .

ولا جرم أن هذه الرواية مطلقة ، فتأولها الشيخان وأتباعهما بما ذكروه ، جمعا بين الادلة ، وهو حسن.

قالرحمه‌الله : ولو نقصت عين المهر أو صفته ، مثل عور الدابة أو نسيان الصنعة ، قيل : كان لها نصف القيمة [ سليما ] ولا يجبر على أخذ نصف العين وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المفروض مهرا انما هو العين دون القيمة ،

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٥١.

(٢) الخلاف ٢ / ١٨٣.

(٣) تهذيب الاحكام ٧ / ٣٥٩ ، ح ٢٢.


فيجب أخذ نصف الموجود منها ونصف قيمة التالف ، عملا بظاهر قوله تعالى «وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ »(١) أي : فلكم نصف ما فرضتم ، لانه تعالى جعل النصف مستحقا بالطلاق ، ولا يجوز أن يكون المستحق للنصف بالطلاق الزوجة ، لانها كانت مالكة لجميع المهر بالعقد ، فتعين أن يكون الزوج ، وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٢) والخلاف(٣) .

والالتفات الى أن المفروض انما هو العين سليمة من جميع العيوب ، فيكون بالخيار بين أخذ نصف الموجود ونصف قيمة التالف ، وبين أخذ نصف قيمتها معا ، دفعا للضرر الناشي من وجوب أخذ نصف العين معيبا ، وهو القول الاخر للشافعي ، واختاره الشيخ في المبسوط أولا.

قالرحمه‌الله : ولو زاد بكبر أو سمن ، كان له نصف قيمته من دون الزيادة ولا تجبر المرأة على دفع العين ، على الاظهر.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٤) بعد أن خير المرأة في هذه الصورة بين دفع نصف العين ، وأوجب على الزوج القبول حينئذ ، وبين دفع القيمة من دون الزيادة ، ويقوى في نفسي أن له الرجوع في نصفه مع الزيادة التي لا تتميز ولقوله تعالى «فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ »(٥) وان كان الاول قويا.

والاول عند المتأخر أولى ، لانه نماء حدث في ملكها ، فيكون لها. والمقدمتان اجماعيتان.

قالرحمه‌الله : ولو أصدقها تعليم سورة ثم طلقها قبل الدخول والتعليم ،

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٣٧.

(٢) المبسوط ٤ / ٢٧٧.

(٣) الخلاف ٢ / ١٩١.

(٤) المبسوط ٤ / ٢٧٧ ـ ٢٧٨.

(٥) سورة البقرة : ٢٣٧.


قيل : يعلمها النصف من وراء الحجاب ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة الجواز ، ولان التعليم حق لها ، فيجوز توفيتها اياه كغيره من الحقوق ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(١) والخلاف(٢) ، محتجا بأن الذي وجب عليه واستقر تعليم نصف ما سمي ، فإيجاب غيره يحتاج الى دليل.

والالتفات الى أن تعليم نصف السورة يستدعي سماع صوت المرأة الاجنبية وهو غير جائز. أما أولا ، فلان صوت المرأة عورة. وأما ثانيا ، فلانه لا يؤمن من الافتنان بها ، وهو الوجه الاخر للشافعي ، ولعله الاقرب.

قالرحمه‌الله : ولو شرط لامرأته مهرا ان أبقاها في بلده وأريد منه ان أخرجها فأخرجها الى بلد الشرك ، لم يجب اجابته. وان أخرجها الى بلاد الاسلام ، كان الشرط لازما ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى رواية علي بن رئاب عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال : سئل وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن يخرج بها الى بلاده ، فان لم تخرج معه ، فمهرها خمسون دينارا ، أرأيت ان لم تخرج معه الى بلاده ، قال فقال : ان أراد أن يخرج بها الى بلاد الشرك ، فلا شرط له عليها في ذلك ، ولها مائة دينار التي أصدقها اياها. وان أراد أن يخرج بها الى بلاد المسلمين ودار الاسلام ، فله ما اشترط عليها ، والمسلمون عند شروطهم ، وليس له أن يخرج بها الى بلاده حتى يؤدي إليها صداقها وترضى من ذلك بما رضيت به وهو جائز(٣) .

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٧٥.

(٢) الخلاف ٢ / ١٩٠.

(٣) تهذيب الاحكام ٧ / ٣٧٣ ، ح ٧٠.


وهذه الرواية حسنة ، وعليها فتوى الشيخ في النهاية ، بناء على أنه اذا شرط لامرأته أن لا يخرجها من بلدها ، كان الشرط لازما.

والالتفات الى مقتضى العقد تسلط الزوج على الزوجة استمتاعا واسكانا ، والشرط المذكور مناف لمقتضاه(١) ، فيكون مخالفا للكتاب والسنة ، فلا يثبت المشترط ، وبه أفتى المتأخر ، بناء على أنه اذا شرط لها أن لا يخرجها من بلدها كان الشرط باطلا ، ونقل عن الشيخرحمه‌الله أنه رجع عن ذلك في الخلاف(٢) في مسألة اذا أصدقها ألفا وشرط أن لا يسافر بها ، فالشرط باطل والنكاح والصداق صحيحان.

واعلم أن بين المسألتين فرقا بعيدا ، على أنا نمنع بطلان هذا الشرط ، عملا بعموم قولهعليه‌السلام « المؤمنون عند شروطهم »(٣) .

قالرحمه‌الله : الصداق يملك بالعقد على أشهر الروايتين ، ولها التصرف فيه قبل القبض على الاشبه.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في الخلاف : ليس للمرأة أن تتصرف في الصداق قبل القبض ، محتجا بأن جواز التصرف بعد القبض مجمع عليه ولا دليل على جواز تصرفها قبله وبأنه روي عن النبيعليه‌السلام أنه نهى عن بيع ما لم يقبض(٤) . والحق الجواز.

لنا ـ عموم قولهعليه‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم »(٥) والمنع عن بعض التصرفات ، وهو البيع على تقدير تسليمه لا يستلزم المنع عن باقي التصرفات ،

__________________

(١) فى « س » : لمقتضاها.

(٢) الخلاف ٢ / ١٩٩ مسألة ٣٢.

(٣) عوالى اللئالى ١ / ٢٩٣ و ٢ / ٢٧٥ و ٣ / ٢١٧.

(٤) الخلاف ٢ / ١٩١ مسألة ٧.

(٥) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٢ و ٤٥٧ و ٢ / ١٣٨ و ٣ / ٢٠٨.


وهو ظاهر.

قالرحمه‌الله : واذا عفت المرأة عن نصيبها ، أو عفى الزوج عن نصيبه ـ الى قوله : ولا يفتقر الى القبول على الاصح.

أقول : قد مر بحث أن القبول هل هو شرط في صحة الابراء أم لا؟

قالرحمه‌الله : اذا زوج ولده الصغير ، فان كان له مال ، فالمهر على الولد وان كان فقيرا ، فالمهر في عهدة الولد. ولو مات الولد ، أخرج المهر من أصل تركته ، سواء بلغ الولد وأيسر أو مات قبل ذلك.

فلو دفع الأب المهر وبلغ الصبي وطلق قبل الدخول ، استعاد الولد النصف دون الوالد ، لان ذلك يجري مجرى الهبة.

ثم قال : لو أدى المهر عن ولده الكبير تبرعا ، ثم طلق الولد ، رجع الولد بنصف المهر ، ولم يكن للوالد انتزاعه لعين ما ذكرناه في الصغير ، وفي المسألتين تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن أداء المهر عن الولد بمنزلة الهبة له ، فلا يجوز الرجوع فيه.

أما الصغرى ، فلان المهر عوض البضع ، وهو ملك للولد اجماعا ، فيكون عوضه وهو المهر واجبا عليه كغيره من الاثمان ، واذا ثبت أن المهر يتعلق بذمة الولد بنفس العقد ، تبين أن أداء الوالد للمهر جار مجرى الهبة له.

وأما الكبرى ، فاجماعية عندنا ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) . ولقائل أن يمنع الصغرى ، سلمنا لكن لم قلت أن المنزل منزلة الشي‌ء يكون حكمه حكم ذلك الشي‌ء ، هذا هو القياس بعينه ، وهو عندنا باطل.

والالتفات الى أصالة بقاء الملك على مالكه وعدم انتقاله عنه ، ترك العمل بها

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٩٢.


في الصورة الاولى ، فيبقى معمولا بها في الثانية.

قالرحمه‌الله : ولو بات عند الامة ليلة ، ثم اعتقت قبل استيفاء الحرة ، قيل : يقضي للامة ليلة ، لانها ساوت الحرة ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أنها ساوت الحرة قبل توفية حقها عليها ، فينبغي أن يكون حقها مثل حق الحرة ، لانها حرة مثلها ، ويؤيده عموم قوله تعالى «وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ »(١) أي : التي لا زوج لها ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) .

والالتفات الى أنها انما صارت حرة بعد استيفاء حقها ، فلا تجب لها شي‌ء آخر ، بل يبتدئ ، بالقسمة بعد توفية الزوجة الاخرى حقها ، وهذا عندي أقوى.

قالرحمه‌الله : ويستحب أن يقرع بين الزوجات اذا أراد استصحاب بعضهن في السفر ، وهل يجوز العدول عن من خرج اسمها الى غيرها؟ قيل : لا ، لانها تعينت للسفر ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة الجواز ، ولان القسم في السفر حق للزوج فقط ، فجاز له تركه ، اما بأن يعدل الى غيرها من الزوجات أولا يستصحب معه واحدة منهن.

والالتفات الى أن القرعة قد عينتها للسفر ، فلا يجوز العدول عنها الى غيرها ، والا لم يكن للقرعة فائدة ، فيكون الامر بها عبثا ، وهو باطل ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(٣) .

قالرحمه‌الله : وهل بعث الحكمين على سبيل التحكيم أو التوكيل؟ الاظهر

__________________

(١) سورة النساء : ١٢٩.

(٢) المبسوط ٤ / ٣٣٢.

(٣) المبسوط ٤ / ٣٣٣.


أنه تحكيم.

أقول : ذهب الشيخ في الخلاف(١) الى أنه تحكيم ، محتجا بوجوه :

الاول : قوله تعالى «فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها »(٢) وظاهر الآية دالة على التحكيم ، لانه لم يقل فابعثوا وكيلا.

الثاني : الخطاب الشرعي اذا ورد مطلقا انصرف الى الائمة والقضاة ، وهذا من جملة ذاك.

الثالث : لو توجه الخطاب الى الزوجين لقال : فابعثا ، والتالي باطل فالمقدم مثله ، والشرطية ظاهرة اذ هما اثنان.

الرابع : قوله تعالى «إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما »(٣) فأضاف تعالى الإرادة الى الحكمين ، ولو كانا وكيلان(٤) لم يضف إليهما.

الخامس : روى الاصحاب أنهما يمضيان(٥) ما اتفق رأيهما عليه الا الفرقة ، فانهما يستأدياهما ، فدل أنه على سبيل التحكيم ، لان التوكيل لا يجوز فيه انفاذ شي‌ء الا باذن الموكل ، وعليه المتأخر ، وما عرفت من الاصحاب فيه خلافا ، بل من الجمهور.

قالرحمه‌الله : ولو وطئ أمته ، ووطأها آخر فجورا ، ألحق الولد بالمولى. ولو حصل مع ولادته أمارة يغلب بها الظن أنه ليس منه ، قيل : لم يجز له الحاقة ولا نفيه عنه ، بل ينبغي أن يوصي له بشي‌ء ولا يورثه ميراث الاولاد ، وفيه تردد.

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٢١١.

(٢) سورة النساء : ٣٥.

(٣) سورة النساء : ٣٥.

(٤) فى « م » : ولو كان توكيلا.

(٥) فى « س » : يصيبان.


أقول : منشؤه : النظر الى الرواية(١) ، وعليها فتوى الشيخ في النهاية(٢) .

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « الولد للفراش »(٣) وهذا فراش ، فيكون لاحقا إليه ما لم ينفه ، فان نفاه فلا لعان. وهو اختيار المتأخر ، ولعله الاقرب.

قالرحمه‌الله : فرع ـ لو ادعى الأب وجود متبرعة وأنكرت الام ، فالقول قول الأب ، لانه يدفع عن نفسه وجوب الاجرة ، على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى كون الام منكرة ، فيكون القول قولها ، عملا بقولهعليه‌السلام « البينة على من ادعى واليمين على من أنكر »(٤) ولان ارضاع الولد حق لوالديه ، وهو مدع لاسقاطه بوجود متبرعة ، فيكون القول قولها الا أن يقيم البينة بذلك.

والالتفات الى أن انكار الام لوجود المتبرعة يتضمن دعوى شغل ذمة الأب بايجاب الاجرة عليه ، والاصل براءة الذمة ، فمن ادعى شغلها بشي‌ء من الاشياء فعليه البينة وعلى المنكر اليمين ، للخبر المذكور ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط.

قالرحمه‌الله : لو فقد الابوان ، فالحضانة لاب الأب ، فان عدم قيل : كانت الحضانة للاقارب ، ويترتبون ترتب الارث ، نظرا الى الآية ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى قوله تعالى «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ »(٥) قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٦) والخلاف : وهذا عام في كل

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ١٨٣ ، ح ٦٥.

(٢) النهاية ص ٥٠٦.

(٣) تهذيب الاحكام ٨ / ١٨٣ ، ح ٦٤.

(٤) عوالى اللئالى ١ / ٢٤٤ و ٤٥٣ و ٢ / ٢٥٨.

(٥) سورة الانفال : ٧٥.

(٦) المبسوط ٦ / ٤٢.


شي‌ء الا ما خصه الدليل(١) .

والالتفات الى أن اثبات الحضانة لغير الأب والام والجد للاب حكم شرعي ، فيفتقر الى الدليل الشرعي ، وحيث لا دلالة فلا حكم ، ونمنع دلالة الآية على موضع النزاع.

قال المتأخر بعد أن أورد معظم ما ذكره الشيخرحمه‌الله في الخلاف في هذا المعنى : هذا من تخريجات المخالفين ومعظمه قول الشافعي ، وناؤهم على القول بالعصبية ، وذلك عندنا باطل ، ولا حضانة عندنا الا للام والأب. أما غيرهما ، فليس له ولاية سوى الجد من قبل الأب خاصة.

قالرحمه‌الله : اذا طلبت الام للرضاع أجرة زائدة عن غيرها ، فله تسليمه الى الاجنبية ، وفي سقوط حضانة الام تردد ، والسقوط أشبه.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الحضانة هل هي تابعة للرضاع أم لا؟ فان قلنا بالاول سقطت والا فلا ، والحق أنها لا تسقط.

لنا ـ أنهما شيئان متغايران ، وتداخلهما على خلاف مقتضى الاصل ، فلا يصار إليه إلا لدليل. أما أنهما شيئان متغايران ، فلانه يصح استئجار المرأة للحضانة دون الرضاع وبالعكس ، ولو لا التغاير لما صح ذلك. وأما الكبرى فظاهرة ، وهو اختيار المتأخررحمه‌الله . فاذا ثبت أنها لا تسقط وجب على الام تسليمه الى المرضعة كل ما احتاج الى الرضاع ، ثم اذا روي لبنا أخذته منها بحق الحضانة ثم هكذا.

قالرحمه‌الله : وفي وجوب نفقة الزوجة بالعقد أو بالتمكين تردد ، أظهره بين الاصحاب وقوف الوجوب على التمكين.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب الانفاق ، ترك العمل بها في صورة حصول التمكين من الاستمتاع ، للاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٣٣٦.


عداها ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى اطلاق الروايات الدالة على وجوب الانفاق على الزوجات.

قالرحمه‌الله : وفي وجوب الانفاق على آباء الابوين وأمهاتهم تردد ، أظهره الوجوب.

أقول : منشؤه : النظر الى أنه هل يطلق على هؤلاء الاباء والامهات اسم الأب والام أم لا؟ فان قلنا بالاول نظرا الى العرف ، أوجبنا النفقة لورود النص بوجوب النفقة على الابوين. وان لم نقل به نظرا الى الوضع اللغوي ، لم نوجب شيئا ، تمسكا بأصالة براءة الذمة السالمة عن معارضة النص وفتوى الاصحاب طرا على الاول. وأما الثاني ، فمذهب مالك من الجمهور.


فصل

( ذكر الترددات المذكورة فى القسم الثالث فى الايقاعات )

قالرحمه‌الله : وتجوز الوكالة في الطلاق للغائب اجماعا وللحاضر على الاصح.

أقول : قد سبق البحث في هذه المسألة مستوفى ، فلا معنى لاعادته.

قالرحمه‌الله : ولو نظر الى زوجته وأجنبية ، فقال : احداكما طالق ، ثم قال : أردت الاجنبية قبل. ولو كان له زوجة وجارة وكل منهما سعدى ، فقال : سعدى طالق ، ثم قال : أردت الجارة لم يقبل ، لان « احداكما » يصلح لهما ، وايقاع الطلاق على الاسم لا يصرف الى الاجنبية ، وفي الفرق نظر.

أقول : منشؤه : النظر الى أن « احداكما » لفظ متواط يقع على الزوجة والاجنبية وقوعا متساويا ، فيقبل قول الزوج في التخصيص ، لانه أبصر بقصده ونيته.

وليس كذلك المسألة الثانية ، لان العلم في أصل اللغة انما وضع لشي‌ء بعينه غير متناول ما أشبهه ، فاذا أطلق على آخر كان بنوع من الاشتراك ، فاذا ثبت أنه مشترك لم يكن حمله على كلي مفهوميه على سبيل الحقيقة ، لما بين في أصول الفقه بل على سبيل المجاز ، وهو غير نافع هنا.

واذا لم يجز حمله على كلي مفهوميه ، افتقر في دلالته علي أحدهما الي قرينة


وإلا لزم الترجيح من غير مرجح ، وهو باطل ، والقرينة هنا من طرفنا ، اذ العادة أن الطلاق لا يواجه به الا الزوجة.

والالتفات الى أن « احداكما » كما يصلح أن يواجه به الزوجة وغيرها ، فكذلك سعدى على تقدير أن يكون موضوعا لهما. وجميع ما ذكرتموه في المسألة الاولى آت هنا ، فاما أن تنوره في الصورتين أو تمنعوا قبول قوله في الصورتين ، والا فقبول النية في احدى الصورتين ومنعها في الصورة الاخرى مع تساويهما ترجيح من غير مرجح ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

وقول « احداكما » لفظ متواط ممنوع ، اذ المتواطي يتناول الاشخاص المندرجة تحته على سبيل الجمع ، وليس كذلك أحدهما. واعلم أن الجمهور مطبقون على الفرق بين الصورتين.

قالرحمه‌الله : وفي ثبوت الارث مع سؤالها الطلاق تردد ، أشبهه أنه لا إرث ، وكذا لو خالعته أو بارأته.

أقول : هذه المسألة مبتنية على أن التوريث هل هو لمكان التهمة أم هو حكم معلق على طلاق المريض؟ كيف ما كان فان قلنا بالاول ، كما هو مذهب الشيخ في المبسوط(٢) ، لم يكن لها الميراث هنا ، لانتفاء التهمة بسؤالها.

وان قلنا بالثاني ، كما هو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف(٣) ، عملا بعموم الاخبار الدالة على ثبوت الارث مع حصول الطلاق في حال المرض من غير تفصيل كان لها الميراث.

واعلم أن المتأخر أفتى بما اختاره الشيخ في الخلاف ، ونقل عن الشيخ

__________________

(١) المبسوط ٥ / ٩٠.

(٢) المبسوط ٥ / ٨٠.

(٣) الخلاف ٢ / ٢٤١ مسألة ٥٥.


رحمه‌الله أنه أفتى في الجزء الثالث من الاستبصار بما أفتى به في المبسوط ، عملا بما رواه زرعة عن سماعة قال : سألتهعليه‌السلام عن رجل طلق زوجته وهو مريض ، قال : ترثه ما دامت في عدتها ، فان طلقها في حال اضرار ، فهي ترثه الى سنة ، فان زاد عن السنة يوم واحد لم ترثه ، وتعتد أربعة أشهر وعشرا عدة المتوفى عنها زوجها(١) .

ثم قال : ومن العجب : انه تخصيص العموم في استنصاره بخبر سماعة الذي رواه زرعة ، وهما فطحيان ، فان كان يعمل بأخبار الآحاد ، فلا خلاف بين من يعمل بها ان شرط العمل بذلك أن يكون راوي الخبر عدلا ، والفطحي كافر ، فكيف يعمل بخبره؟ ويخصص به العموم المعلوم ، والمخصص يكون دليلا معلوما كالمخصص فهذا لا يجوز عند الجميع.

قالرحمه‌الله : ويعتبر في الزوج الذي يحلل المرأة شروط أربعة : أن يكون الزوج بالغا ، وفي المراهق تردد ، أشبهه أنه لا يحلل.

أقول : منشؤه : النظر الى قولهعليه‌السلام « رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم »(٢) وفي رفع القلم عنه دليل على أنه لا حكم لجميع أفعاله ، ومن جملتها تحليل الزوجة بوطئه ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى عموم قوله تعالى «حتى ينكح زوجا غيره »(٣) فعلق الحل بنكاح الزوج ، ولا جرم أن المراهق يسمى زوجا ، ويؤيده قولهعليه‌السلام « حتى تذوق عسيلتها وتذوق عسيلته »(٢) ولا ريب أن المراهق أعني : الصبي الذي قارب البلوغ

__________________

(١) الاستبصار ٣ / ٣٠٧ ح ١٤.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٠٩.

(٣) سورة البقرة : ٢٣٠.


له عسيلة. أي : لذة الجماع ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(١) والخلاف ، قال : ولا يلزم عليه غير المراهق ، لانه لا يعرف العسيلة(٢) .

قالرحمه‌الله : ولو قال : راجعتك اذا شئت أو ان شئت لم يقع ، ولو قالت : شئت ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أنه علق الرجعة بشرط وقد وجد ، فيوجد المشروط عملا بالشرط ، ولقولهعليه‌السلام « المؤمنون عند شروطهم »(٣) وهذا خبر في معنى الامر.

والالتفات الى أن الرجعة حق للزوج فقط ، فلا اعتبار بمشيتها ، فيكون وجود هذا الشرط كعدمه ، فلا تصح الرجعة ، ولانه ايقاع فلا يصح معلقا على شرط أو صفة ، قياسا على الطلاق ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٤) .

قالرحمه‌الله : ولو ادعى أنه راجع زوجته الامة في العدة فصدقته ، وأنكر المولى وادعى خروجها قبل الرجعة ، فالقول قول الزوج. وقيل : لا يكلف اليمين لتعلق حق النكاح بالزوجين ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الرجعة استباحة بضع تتعلق بالزوجين فقط ، فمع تصادقهما على صحتهما يحكم بصحتها شرعا ، عملا بقولهعليه‌السلام « اقرار العقلاء على أنفسهم جائز »(٥) .

ولا يفتقر في الحكم بصحة قوله الى يمين ، اذ فائدة اليمين : اما اسقاط دعوى

__________________

(١) المبسوط ٥ / ١٠٩ ـ ١١٠.

(٢) الخلاف ٢ / ٢٤٩ ـ ٢٥٠.

(٣) عوالى اللئالى ١ / ٢٩٣ ، برقم : ١٧٣.

(٤) المبسوط ٥ / ١٠٦.

(٥) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٣ و ٢ / ٢٥٧ و ٣ / ٤٤٢.


المدعي ، أو اثبات ما يدعيه ، وهي منتفية هنا ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى أن الرجعة اثبات لنوع تسلط وسلطنة على الامة ، فيقف ثبوتها على اذن المالك لانها ماله ، والنبيعليه‌السلام قال : لا يحل مال امرئ مسلم الا عن طيب نفس منه(٢) . ومع دعواه لانقضاء العدة وانكاره وقوع الرجعة قبل خروجها من العدة لم يحصل الاذن ، فلا يحكم بصحة الرجعة ، ونمنع تعلق حق النكاح بالزوجين فقط ، بل انما نقول بذلك اذا كانا حرين فحسب. ويحتمل أن يكون القول قول الزوج مع اليمين ، لانه يدعي الظاهر.

قالرحمه‌الله : ولا تجب العدة بالخلوة منفردة عن الوطي على الاشهر.

أقول : ذهب الشيخ في النهاية(٣) الى وجوبها ، بناء على أن المهر يستقر بمجرد الخلوة ، فتجب العدة ، للحكم بثبوت الوطي المترتب عليه العدة ، وأنكره الباقون بناء على أنه لا يستقر الا بالدخول ، لان العدة تترتب على الوطي ، فحيث لا وطئ فلا عدة. ولما كان الحق أن المهر لا يستقر الا بالدخول ، لا جرم كان القول بوجوب العدة بمجرد الخلوة ضعيفا لضعف أصله.

قالرحمه‌الله : ويلزم المتوفى عنها [ زوجها ] الحداد ، وهو ترك ما فيه ريبة ـ الى قوله : وفي الامة تردد ، أظهره أنه لا حداد عليها.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب الحداد ، ترك العمل بها في الحرة ، للاتفاق عليه ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو ظاهر كلام المتأخر.

والالتفات الى عموم الاحاديث الدالة على وجوب الاحداد على الزوجات ، وطريقة الاحتياط قاضية بذلك ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(٤) ، لقولهعليه‌السلام « لا تحل

__________________

(١) المبسوط ٥ / ١٠٧.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٢ ، برقم : ٩٨.

(٣) النهاية ص ٥١٢.

(٤) المبسوط ٥ / ٢٦٣.


لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال الا على زوج أربعة أشهر وعشرا(١) . فشرع الاحداد على الزوجة أربعة أشهر وعشرا ، ولم يفرق في ذلك بين الامة والحرة.

قالرحمه‌الله : لا نفقة على الغائب في زمان العدة ، ولو حضر قبل انقضائها نظرا الى حكم الحاكم بالفرقة ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن نفقة الزوجة تابعة لبقاء زوجيتها ، ومع حكم الحاكم بالفرقة تنقطع الزوجية ، فتنقطع معلولها وهو النفقة ، عملا بالعلية ، وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٢) .

والالتفات الى أنها في حكم الزوجة ما دامت في العدة ، فتجب لها النفقة لو حضر قبل انقضائها.

أما الصغرى ، فلانه أملك بها مع حضوره قبل خروجه من عدتها ، ولو لا أنها زوجته لما صح له ذلك الا بعقد جديد ومهر مستأنف.

وأما الكبرى فاجماعية ، ولانها محبوسة عليه في هذه الحال ، فتجب لها النفقة عليه.

أما لو حضر بعد انقضاء العدة قبل التزويج أو بعده ، ففي وجوب نفقتها عليه في زمان اعتدادها منه اشكال ، ينشأ : من انقطاع العصمة بينهما ، ومن أنها حال الاعتداد في حكم زوجته ، لما ذكرناه.

قالرحمه‌الله : ولو طلقت في مسكن دون مستحقها ، جاز لها الخروج عند الطلاق الى مسكن يناسبها ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم النهي عن اخراج المعتدة من بيتها ، ولا

__________________

(١) المبسوط ٥ / ٢٦٥.

(٢) المبسوط ٦ / ١٢.


ريب في صدق اسم البيت هنا على المسكن الذي طلقت فيه مطلقا ، اذا المراد بالبيت المذكور في قوله تعالى «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ »(١) المسكن الذي يسكنها الزوج فيه وليس بمملوك لها ، بدليل أنه يقال : يسوغ اخراجها منه مع الاتيان بالفاحشة ، ولو كان ملكا لها لما ساغ اخراجها منه على كل حال.

والالتفات الى أن على الزوجة في ذلك عضاضة ، وربما لحقها باعتباره عار وضرر ، فيشرع لها الانتقال الى مسكن يناسبها ، دفعا للضرر ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) .

__________________

(١) سورة الطلاق : ١.

(٢) المبسوط ٥ / ٢٥٤.


فصل

( ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الخلع )

قالرحمه‌الله : لو طلبت منه طلاقا بعوض ، فخلعها مجردا عن لفظ الطلاق لم يقع على القولين ، ولو طلبت منه خلعا بعوض ، فطلق به لم يلزم البذل ، على القول بوقوع الخلع بمجرده فسخا ، ويلزم على القول بأنه طلاق ، أو أنه يفتقر الى الطلاق.

أقول : اعلم أن الذي يلوح في أول النظر عدم الفرق بين المسألتين في هذا التفصيل ، اذ لقائل أن يقول : لا يخلو اما أن يكون المعتبر في استحقاق البذل الاتيان بالصيغة أو بمرادفها ، فان كان الاول لم يقع الخلع على القولين في الصورة الاولى ، لايقاعه غير ملتمسها. ويقع الطلاق في الصورة الثانية رجعيا ، ولا يستحق باعتباره البذل ، لما قلناه أولا على القولين أيضا.

وان كان المعتبر هو الثاني يأتي التفصيل في المسألتين ، فالفرق تحكم ، لكن الشيخرحمه‌الله في المبسوط قال : لو قالت : خالعني على ألف مثلا ، ونوت به الطلاق ، فقال : طلقتك ، صح عندنا وعندهم. فأما ان قالت : طلقني على ألف ، فقال : خلعتك عليها ناويا الطلاق ، فعلى ما اخترناه لا يقع ، وعلى ما


يذهب إليه بعض أصحابنا من أن تلفظ الخلع يقع الفرقة ينبغي الوقوع.

ثم قال بعد أن ذكر أن القائل بالوقوع من الاصحاب ينبغي له الاقتصار على لفظ الخلع. واذا اثبت هذا فعلى ما اخترناه من طلبت منه طلاقا بعوض فخلعها به ، لم يصح على المذهبين جميعا ، أعني : مذهبي أصحابنا ، لانه أجابها الى غير ملتمسها ، لانها طلبت منه فراقا يقع به نقصان الطلاق ، فأجابها بما لا ينقص الطلاق فأما ان طلبت منه فسخا بعوض فطلقها به ، ينبغي أن يقول من أجاز من أصحابنا ذلك أنه لا يقع ، لاعطائها غير مطلوبها ، وحكى عن بعض الوقوع(١) . فأتبع المصنف تفصيله الاخر ، وليس بجيد.

قوله « لانه أجابها الى غير ملتمسها » قلنا متى يكون كذلك اذا جعلنا الخلع فسخا أو طلاقا ، الاول مسلم والثاني ممنوع ، لان صيغة الطلاق والخلع عند هذا القائل مترادفتان ، وقد مر في أصول الفقه صحة اقامة كل من المترادفين مقام صاحبه.

ومن العجب أن الشيخ والمصنفرحمهما‌الله ذكرا أن فائدة الخلاف الاعتداد به في عدد الطلقات على الثاني دون الاول ، ثم قالا هذه المقالة. واذا تقرر ما قلناه فالتفصيل الذي ذكرناه جيد.

قالرحمه‌الله : ويصح بذل الفداء منها ومن وكيلها وممن يضمنه باذنها ، وهل يصح من المتبرع؟ فيه تردد ، والاشبه المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى أن وقوع الخلع الشرعي بهذا النوع من البذل حكم شرعي ، فيقف على الدلالة الشرعية ، فحيث لا دلالة فلا شرع ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(٢) والخلاف(٣) ، محتجا بقوله تعالى «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٣٤٨.

(٢) المبسوط ٤ / ٣٦٨.

(٣) الخلاف ٢ / ٢٢٢.


فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ »(١) .

فأضاف تعالى الفداء إليها ، وفي اضافته إليها دليل على أنه لا يصح بذله من غيرها ، وبأصالة بقاء العقد ، فيتمسك بها الى حين ظهور المزيل قطعا ، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى الاصل الدال على الجواز ، وبه قال جميع الفقهاء الا الثوري.

قالرحمه‌الله : أما لو قال : طلقها على ألف من مالها وعلي ضمانها ، أو على عبدها هذا وعلي ضمانه صح ، فان لم ترض بدفع البذل صح الخلع وضمن المتبرع وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أنه أجنبي ، فلا يصح بذل الفداء منه ، لما قدمناه ، ولانه ضمان ما لم يجب ، فلا يكون لازما.

والالتفات الى أن في ذلك مصلحة عامة مقصودة للعقلاء ، وهو مما يمس الحاجة إليه ، فيكون مشروعا لمساس الحاجة إليه ، كما لو قال عند خوف الغرق : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه ، وان كانا جميعا ضمان ما لم يجب ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(٢) .

وفي الجمع بين قوله في هذه المسألة والتي قبلها تضاد ظاهر ، لان المصلحة الداعية الى مشروعيتهما واحدة ، فالعمل بها في احدى المسألتين الغاؤها في الاخرى ترجيح من غير مرجح ، وهو باطل.

قالرحمه‌الله : وفي وقوع الظهار موقوفا على الشرط تردد ، أظهره الجواز.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم الروايات الدالة على الوقوع ويؤيده عموم

__________________

(١) سورة البقرة : ٢٢٩.

(٢) المبسوط ٤ / ٣٦٧.


الآية(١) ، وبه أفتى الشيخ في النهاية(٢) والخلاف(٣) .

والالتفات الى أن الظهار ايقاع ، فلا يصح موقوفا على شرط كالطلاق ، ويؤيده أصالة براءة الذمة ، وحل الزوجة ممن حرم وطؤها بهذا النوع من الظهار ، وأوجب الكفارة به فعليه الدلالة ، وبه أفتى المتأخر ، محتجا بهذه الادلة ، ونقل ذلك عن شيخنا المفيد وعلم الهدى وجلة المشيخة من أصحابنا.

وبما قاله روايتان : احداهما عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام (٤) ، والثانية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٥) .

لكن المتأخر لا يرضى بهما استدلالا ، لانهما مع كونهما من أخبار الآحاد ، فيهما ضعف ، لان في طريق الرواية الاولى أبا سعيد الادمي ، وقد طعن فيه الشيخرحمه‌الله وجماعة من أصحابنا ، وفي طريق الثانية ابن فضال ، وهو فطحي ، ومع ذلك فروايته مرسلة.

وأما الدلائل التي استدل بها فضعيفة جدا : أما الاول ، فلانه قياس محض ، وهو عندنا باطل. وأما الثاني ، فلان الاصالة تخالف لقيام الدلالة وقد بيناها.

لا يقال : لا خلاف بين الاصحاب أن الظهار حكمه حكم الطلاق ومن جملة أحكام الطلاق أن لا يقع موقوفا على الشرط.

قلنا : هذه الدعوى ممنوعة ، وهي منقوضة بمسائل كثيرة لا حاجة بنا الى تعدادها وانما هذا شي‌ء ادعاه المتأخر واما نقله ذلك عن أكثر الاصحاب.

قالرحمه‌الله : وهل يقع الظهار بالموطوءة بالملك؟ فيه تردد ، والمروي

__________________

(١) سورة المجادلة : ٢.

(٢) النهاية ص ٥٢٥.

(٣) الخلاف ٢ / ٢٦٠.

(٤) تهذيب الاحكام ٨ / ١٣ ، ح ١٧.

(٥) تهذيب الاحكام ٨ / ١٣ ، ح ١٨.


أنه يقع كما يقع بالحرة.

أقول : منشؤه : النظر الى رواية اسحاق بن عمار قال : سألت أبا ابراهيمعليه‌السلام عن الرجل يظاهر من جاريته ، فقال : الحرة والامة في هذا سواء(١) . وفي معناها رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٢) .

ورواية محمد بن مسلم عن أحدهماعليهم‌السلام قال : سألته عن الظهار يقع على الحرة والامة؟ فقال : نعم(٣) . وعليها فتوى الشيخ في النهاية(٤) والخلاف(٥) ، محتجا بالاجماع ، وعموم آية الظهار ، واختاره ابن أبي عقيل في المتمسك.

والالتفات الى أصالتي الاباحة وبراءة الذمة من وجوب الكفارة ، فمن ادعى تحريم المملوكة وشغل الذمة بالكفارة ، فعليه الدلالة. وهو اختيار المفيد وعلم الهدى في بعض مسائلة وسلار وأبي الصلاح والمتأخر.

ويؤيده الرواية المروية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في رجل جعل جاريته عليه كظهر أمه قال : يأتيها وليس عليه شي‌ء(٦) .

والارجح الاول ، لان رواياته أصح طريقا ، ومع ذلك فهي مؤيدة بعموم القرآن. وأما الرواية الدالة على عدم الوقوع ، فضعيفة لان في طريقها علي بن فضال ، وهو فاسد العقيدة ، وفي طريقها ابن بكير وهو أيضا كذلك ، وحمزة بن حمران وهو مجهول الحال.

لا يقال : ففي طريق روايتكم الاولى عمار ، وهو فطحي.

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٤ ، ح ٥١.

(٢) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٤ ، ح ٥٢.

(٣) تهذيب الاحكام ٨ / ١٧ ، ح ٢٨.

(٤) النهاية ص ٥٢٧.

(٥) الخلاف ٢ / ٢٥٩.

(٦) تهذيب الاحكام ٨ / ١٠ ، ح ٧.


لانا نقول : عمار وان كان فطحيا ، لكن الشيخ وثقه وعمل بمفرداته ، ومع ذلك فهي مؤيدة بروايات أخر.

واعلم أن المتأخر قال : ان المملوكة ليست من النساء ، فلا يدخل تحت الآية وليس بشي‌ء وأن ذلك دعوى مجردة.

قالرحمه‌الله : ولو ظاهر من واحدة مرارا ، وجب عليه بكل مرة كفارة ، فرق الظهار أو تابعه ، ومن فقهائنا من فصل.

أقول : قال الشيخ في المبسوط : اذا ظاهر من امرأته مرارا لم يحل. اما أن يوالي أو يفرق ، فان والى بأن قال : أنت علي كظهر أمي مرارا ، فان نوى بالثاني والثالث التأكيد لم يلزمه إلا كفارة واحدة بلا خلاف ، وان لم ينو التأكيد ولا الاستيناف ، فانه يلزمه كفارة واحدة اجماعا أيضا ، وان نوى الاستيناف لزمه بكل واحدة كفارة عندنا وعند قوم. وقال بعضهم : يلزمه واحدة.

وأما ان فرق فانه ينظر ، فان كفر عن الاول ثم تلفظ بالثاني ، وجب عليه بالثاني كفارة مجددة بلا خلاف ، وان لم يكفر عن الاول فالحكم كما لو والى ذلك ونوى به الاستيناف عندنا وعند الاكثر بكل لفظ كفارة ، وقال بعضهم : كفارة واحدة(١) .

وقال في الخلاف(٢) : يلزم بكل مرة كفارة اذا نوى الاستيناف بها ، ولم يفرق بين المتتابع والمتفرق ، محتجا باجماع الفرقة والاحتياط وعموم الآية.

وقال المتأخر : واذا كرر كلمة الظهار ، لزمه بكل دفعة كفارة ، فان وطئ التي كرر القول لها قبل أن يكفر ، لزمته كفارة واحدة عن الوطي وكفارات التكرار ولعله الاقرب.

__________________

(١) المبسوط ٥ / ١٥٢.

(٢) الخلاف ٢ / ٢٦٢.


لنا ـ عموم الآية ، ولا ريب في صدق اسم الظهار على كل مرة مرة وما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام عن رجل ظاهر من امرأته خمس مرات أو أكثر قال : عليه بكل مرة كفارة(١) . وفي معناها رواية أبي بصير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٢) وقد روى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في رجل ظاهر من امرأته أربع مرات في كل مجلس واحدا ، قال : عليه كفارة واحدة(٣) .

فالشيخرحمه‌الله لما نظر الى اختلاف الروايتين جمع بينهما بالتفصيل الذي نقلناه عنه ، وهو حسن ، لكن هذه الرواية ضعيفة السند ، فلا اعتماد عليها.

قالرحمه‌الله : وكذا كفارة الحنث في العهد ، وفي النذر على تردد.

أقول اختلف الاصحاب في كفارة خلف النذر والعهد ، فذهب الثلاثة وسلار الى أنها مثل كفارة رمضان ، عملا برواية أبي بصير عن أحدهماعليهما‌السلام قال : من جعل عليه عهد الله وميثاقه في أمر فيه طاعة فحنث ، فعليه عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين ، أو اطعام ستين مسكينا(٤) . وفي معناها رواية جميل بن دراج عن عبد الملك عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٥) .

وذهب ابن بابويه الى أنها كفارة يمين ، عملا برواية حفص بن غياث قال سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن كفارة النذر ، فقال : كفارة يمين(٦) ، وهي ضعيفة ، فان حفص بن غياث بتري. وفي طريقها سليمان بن داود المنقري ، وقد طعن فيه ابن الغضائري وضعفه جدا.

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٢ ، ح ٤٥.

(٢) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٢ ، ح ٤٦.

(٣) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٣ ، ح ٤٨.

(٤) تهذيب الاحكام ٨ / ٣١٥ ، ح ٤٧.

(٥) تهذيب الاحكام ٨ / ٣١٤ ، ح ٤٢.

(٦) تهذيب الاحكام ٨ / ٣١٦ ، ح ٥٢.


وقال المتأخر : ان كان النذر صوما معينا ، فكفارته كفارة رمضان ، وان كان غير الصوم فكفارة خلفه كفارة يمين. والمصنفرحمه‌الله اختار أن كفارة خلف النذر كفارة يمين ، عملا برواية جميل بن صالح عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام قال : من عجز عن نذر نذره ، فكفارة يمين(١) . وكفارة خلف العهد كفارة رمضان ، عملا بما ذكرناه من الروايات.

قالرحمه‌الله : ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف : الوصف الاول ـ الايمان وهو معتبر في كفارة القتل اجماعا ، وفي غيرها على التردد ، والاشبه اشتراطه.

أقول : ذهب الشيخرحمه‌الله في الخلاف(٢) والمبسوط(٣) الى أن الايمان في الرقبة غير معتبر ، الا في كفارة القتل ، دون ما عداها من سائر الكفارات محتجا بوجهين :

الاول : أصالة براءة الذمة تنفي وجوب ذلك مطلقا ، ترك العمل بها في كفارة القتل ، للنص والاجماع ، فيعمل بها فيما عداها.

الثاني : القرآن ورد بوجوب هذه الكفارات على من وجد منه سببها ، ولم يشترط في الرقبة الايمان ، بل أطلق ذلك اطلاقا ، وانما قيدها بالايمان في قتل الخطأ خاصة ، فحمل غيرها عليها يحتاج الى دليل ، ولا دليل في الشرع يوجب ذلك.

وقال المتأخر : اختلف أصحابنا في ذلك ، فالاظهر الذي يقتضيه أصول المذهب أن في جميع الرقاب في الكفارات وغيرها لا تجزئ الا المؤمنة ، أو بحكم المؤمنة ولا تجزئ الكافرة ، محتجا بقوله تعالى «وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ »(٤)

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٣٠٦ ، ١٤.

(٢) الخلاف ٢ / ٤٢٠.

(٣) المبسوط ٦ / ٢١٢.

(٤) سورة البقرة : ٢٦٧.


والاستدلال بها يتوقف على مقدمات.

الاولى : أن النهي المجرد يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات ، وقد ثبت ذلك جميعا في أصول الفقه.

الثانية : أن الكافر يسمى خبيثا ، فيدخل تحت الآية ، وقد ادعي الاجماع على اجراء هذا الاسم عليه.

الثالثة : أن العتق يسمى انفاقا والحق ذلك ، اذ الانفاق عبارة عما أخرج لوجه الله تعالى ، عتقا كان أو غيره. وهو اختيار الشيخ في التبيان(١) .

واذا تقرر ذلك فنقول : نهى تعالى عن انفاق الخبيث ، وعتق الكافر انفاق خبيث ، فيكون منهيا عنه ، واذا كان منهيا عنه لم يكن مجزئا ، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه ، وبأن طريقة الاحتياط قاضية بذلك ، لان الذمة مشغولة بالكفارة بغير خلاف ، ولا تبرأ بيقين الا اذا كفر بالمؤمنة ، لوقوع الخلف في اجزاء ما سواها وللاتفاق على اجزائها ، وهو اختيار علم الهدى وغيره من المشيخة ، واختاره الشيخرحمه‌الله في التبيان ، وبه قال الشافعي ومالك والاوزاعي وأحمد واسحاق.

قالرحمه‌الله : ولو أسلم المراهق لم يحكم باسلامه ، على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قولهعليه‌السلام « رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يبلغ »(٢) وارتفاع القلم عنه يدل على أنه لا حكم لقوله ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٣) .

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « اقرار العقلاء على أنفسهم جائز »(٤) ولان

__________________

(١) التبيان ٢ / ٣٤٤.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٠٩.

(٣) المبسوط ٦ / ٢١٢.

(٤) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٣ و ٢ / ٢٥٧ و ٣ / ٤٤٢.


المراهق ـ أعني : الذي ناهز البلوغ ـ غير عاقل ولقائل أن يمنع ذلك ، اذ العقل انما يتحقق مع البلوغ أما قبله فلا.

قالرحمه‌الله : ويعتبر نية التعيين ان اجتمعت أجناس مختلفة ، على الاشبه.

أقول : قال الشيخ في المبسوط : اذا وجبت عليه كفارات من جنس واحد أو من أجناس ، فأعتق عنها أو صام ، فان الواجب عليه أن ينوي التكفير ، بحيث لا يفتقر الى تعيين النية عن كفارة بعينها.

قال وقال قوم : ان كانت من جنس واحد ، كفاه نية التكفير ولم يحتج الى نية التعيين. وان كانت من أجناس ، فلا بد فيها من نية التعيين ، فان لم يعين لم يجزئه وهذا عندي أقوى(١) .

والحق ما قواه الشيخ أخيرا ، وهو اختياره في الخلاف ، واختاره المتأخر.

قالرحمه‌الله : ولو كانت الكفارات من جنس واحد ، قال الشيخ : يجزي نية التكفير مع القربة ، ولا يفتقر الى التعيين ، وفيه اشكال.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قولهعليه‌السلام « الاعمال بالنيات »(٢) وجه الاستدلال أنهعليه‌السلام علق حصول الاعمال بانضمام النيات إليها ، فمهما لم تحصل النية مع العمل لم يقع العمل مشروعا.

اذا تقرر هذا فنقول : كل واحدة من هذه الكفارات يسمى عملا ، وان كانت من جنس واحد ، فمهما لم ينوه بانفراده لم يقع مشروعا ، فلا يكون مجزئا ، فيجب حينئذ نية التعيين ، تحصيلا للاتيان بالمأمور شرعا.

والالتفات الى أن نية التكفير مشتملة على نية كل فرد فرد من الكفارات ، لكون

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٠٩.

(٢) تهذيب الاحكام ٤ / ١٨٦.


التكفير مصدرا ، والمصدر جنس مندرج على جميع ما تحته من الجزئيات ، فتكون مجزية ، وهو الاقوى ، واختاره المتأخر ، وادعى الشيخ في الخلاف الاجماع عليه ، والظاهر أنه أراد اجماع فقهاء العامة.

قالرحمه‌الله : ولو قال له قائل : أعتق مملوكك عن كفارتك ولك علي كذا فاعتقه لم يجز عن الكفارة ، وفي وقوع العتق تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن العتق ايقاع صدر من أهله في محله ، فكان صحيحا. وانما لم يجز عن الكفارة لانه قصد بعتقه العوض. اما الصغرى ففرضية اذ التقدير أنه وقع من المالك البالغ العاقل في حق مملوكه. وأما الكبرى فاجماعية.

وهو اختيار الشيخ في المبسوط ، محتجا بأن العتق أوقع عن أمرين ، فاذا لم يقع عن أحدهما وقع عن الاخر ، ويستحق حينئذ العوض على الباذل ويقع العتق عنه ، ويكون ولاؤه له دون مولاه.

والالتفات الى أن المالك انما قصد اعتاقه على أن يكون مجزيا عن الكفارة ولم يحصل ، فبطل عتقه.

قالرحمه‌الله : ومع تحقق العجز عن العتق ـ الى قوله : وهل يأثم مع الافطار؟ فيه تردد ، أشبهه عدم الاثم.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المتابعة بين الشهرين واجبة اجماعا فالمخل بها من غير عذر آثم ، وان جاز له البناء على صومه ، الا اذا كان قد صام من الشهر الثاني شيئا ، اذ لا منافاة بين حصول الاثم بالاخلال بالتتابع وبين جواز البناء ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى اطلاق الروايات الدالة على جواز التفريق مع صيام شي‌ء من

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢١٤.


الشهر الثاني ، وفي جواز التفريق دليل على عدم الاثم ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف.

قالرحمه‌الله : اذا كان له مال يصل إليه بعد مدة غالبا لم ينتقل فرضه بل يجب الصبر ، ولو كان مما يتضمن المشقة بالتأخير كالظهار ، وفي الظهار تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الانتقال عن احدى خصال الكفارة المرتبة مشروط بالعجز عن الخصلة المتقدمة عليها ، وهو غير متحقق هنا ، فلا يجوز الانتقال بل يجب الصبر الى أن يصل الى موضع يساره ويعتق ، وهو الاقوى عند الشيخ في المبسوط(١) لانه حق لا يفوت بالتأخير.

والالتفات الى أن عليه في التأخير ضررا ومشقة وحرجا ، فيكون سفها ، عملا بظاهر الآيات والمشهور من الروايات.

قالرحمه‌الله : وفي صحة الايلاء من المجبوب تردد ، أشبهه الجواز ، ويكون فئته كفئة العاجز.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم الآية(٢) ، وبه أفتى الشيخ في المبسوط(٣) .

والالتفات الى أن الايلاء عبارة عن قصد الاضرار بالزوجة بالامتناع من وطئها بصفة يمين ، ولا ريب أن المجبوب الذي لم يبق له شي‌ء بحال غير قادر على الوطي ، بل هو ممتنع بغير يمين.

قالرحمه‌الله : وفي وقوعه بالمستمتع بها تردد ، أظهره المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى رواية العلاء بن رزين عن عبد الله بن أبي يعفور

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢١١.

(٢) سورة البقرة : ٢٢٦.

(٣) المبسوط ٥ / ١٤٢.


عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : لا ايلاء على الرجل من المرأة التي يتمتع بها(١) . وعليها فتوى الشيخ وعلم الهدى وابن أبي عقيل والمتأخر.

واحتج علم الهدى بقوله تعالى «فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » وجه الاستدلال أن يقال : المراد من النساء في الآية الدائمات ، لتعقيبها بالطلاق في من لم يفي‌ء ، ولما كان الطلاق بالمستمتع بها منفيا ، لا جرم كان الايلاء كذلك.

وفيه نظر ، فانه من باب تخصيص العام باللفظ الخاص ، وقد بين ضعفه في أصول الفقه.

والالتفات الى عموم آية الايلاء ، وبه قال أبو الصلاح ، وحكى ذلك عن المفيد في بعض مسائله ، والمعتمد الاول.

قالرحمه‌الله : واذا وافقته فهو مخير بين الطلاق والفئة ، فان طلق فقد خرج عق حقها ، وتقع الطلقة رجعية على الاشهر.

أقول : ذهب أكثر الاصحاب الى أن طلاق المولى يقع رجعيا ، وخالف شاذ منهم في ذلك وقال : انه يقع بائنا. لنا ـ الاصل.

قالرحمه‌الله : ولو تجددت أعذارها في أثناء المدة ، قال في المبسوط : تنقطع الاستدامة عدا الحيض ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الحيض أمر معتاد للمرأة ، فلا يعد عذرا مانعا من جهتها ، اذ العذر هنا عبارة عن الامر النادر المانع من الوطي ، كالمرض والجنون وما شاكلهما في المنع من الوطي.

ولان الحيض لو قطع الاستدامة لزم أن لا يتم تربص واحد في غالب العرف فان العرف أن تحيض المرأة في كل شهر حيضة ، فيفضي الى منع التربص بكل

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٨ ، ح ٢٢.


حال ، وهذا الدليل ذكره الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) ، محتجا به على هذا المطلوب.

والالتفات الى أنه عذر ، فتنقطع الاستدامة كغيره من الاعذار.

فرع :

قال في المبسوط : لو كانت أعذارها موجودة حين الايلاء ، لم يضرب لها المدة ما دامت الاعذار موجودة ، لان المدة انما تضرب اذا امتنع من جماعها بعقد يمين ، وهاهنا قد حصل المنع بغير يمين.

ثم قالرحمه‌الله : هذا في جميع الاعذار الا الحيض ، فانه لو آلى منها وهي حائض لم يمنع الحيض من ابتداء المدة(٢) .

وأقول : البحث هنا في الحيض ، كالبحث في كونه قاطعا للاستدامة أم لا ، والتردد التردد والبيان البيان.

قالرحمه‌الله : قال في المبسوط : المدة المضروبة بعد الترافع لا من حين الايلاء ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى اطلاق الروايات الدالة على مدة التربص أربعة أشهر من غير تقييد بالمرافعة أو غيرها ، ويؤيده عموم الآية ، وبه قال أكثر الاصحاب.

والالتفات الى أن التربص حكم شرعي ، والاحكام الشرعية اذا وردت مطلقة انصرفت الى أهل الشرع ، فتكون مدة التربص موقوفة على اذن الشارع ، وهو المراد بالمرافعة ، وبه قال الشيخ وأتبعه المتأخر.

قالرحمه‌الله : ولا يلحق الخصي المجبوب على تردد.

__________________

(١) المبسوط ٥ / ١٣٦.

(٢) المبسوط ٥ / ١٣٥ ـ ١٣٦.


أقول : منشؤه : النظر الى أن العادة قاضية بأن مقطوع الذكر والانثيين معا لا يولد ، فلا يلحق به الولد قضاء للعادة ، اذ الشرعيات مبنية على الظواهر ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « الولد للفراش وللعاهر الحجر »(٢) فالحق الولد بمجرد الفراش ، وامرأة الخصي المجبوب يسمى فراشا ، فيكون الولد الذي يلده امرأته لاحقا به ، ولا ينفى عنه الا باللعان ، ولعله الاقرب عملا بالاحتياط.

قالرحمه‌الله : ولو اعترفت المرأة بعد اللعان لم يجب عليها الحد ، الا أن تقر أربع مرات ، وفي وجوبه معها تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى قوله تعالى «وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ »(٣) فجعل الاثنان بذلك دارئا للعذاب الذي هو عبارة عن الحد هنا عنها وقد حصل ، فيسقط الحد عملا بالمقتضي السالم عن المعارض.

والالتفات الى أن موجب الحد هنا شي‌ء متجدد غير الاول ، وهو الاقرار أربعا ، فيجب الحد عملا بالمقتضي أيضا ، وعليه فتوى الشيخ في النهاية(٤) والمبسوط(٥) والخلاف(٦) ، وأتبعه المتأخر ، وهو قوي.

قالرحمه‌الله : اذ قذفها فأقرت قبل اللعان ، قال الشيخرحمه‌الله : لزمها الحد ان أقرت أربعا وسقط عن الزوج. ولو أقرت مرة ، فان كان هناك نسب ، لم ينتف الا باللعان ، وكان على الزوج أن يلاعن لنفيه ، لان تصادق الزوجين على الزنا لا ينفي

__________________

(١) المبسوط ٥ / ١٨٦.

(٢) عوالى اللئالى ٢ / ١٣٢ و ٢٧٥.

(٣) سورة النور : ٨.

(٤) النهاية ص ٥٢١.

(٥) المبسوط ٥ / ٢٠١.

(٦) الخلاف ٢ / ٢٨٨.


السبب ، اذ هو ثابت بالفراش ، وفي اللعان تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن اللعان انما يجب على نفي الفراش ، ثم يتبعه انتفاء النسب ، وليس كذلك هنا ، اذ اللعان هنا ينفرد بنفي النسب ، فلم يكن للزوج ذلك ، وهو مذهب أبي حنيفة.

والالتفات الى أن النسب لم ينتف باعترافها بالزنا. أما أولا ، فلعدم التنافي بين ثبوت الزنا والنسب ، اذ هو ممكن الاجتماع. وأما ثانيا ، فلان النسب لاحق بالفراش ، فاحتاج في نفيه الى اللعان ، وهذا الدليل الاخير احتج به الشيخ في المبسوط(١) .

واحتج في الخلاف(٢) بقوله تعالى «وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ »(٣) الآية ، فشرع اللعان عند حصول الرمي المطلق الشامل للقذف بالزنا منفردا عن انكار الولد ومنضما إليه نطقا أو معنى ، ولم يفرق بين أن تعترف المرأة بالزنا أو تنكره ، وهو قوي ونمنع انحصار اللعان فيما ذكر أولا ، وانما هو مذهب أبي حنيفة فقط.

قالرحمه‌الله : أما العتق ، فعبارته الصريحة : التحرير ، وفي الاعتاق تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة بقاء الملك على مالكه ، فلا ينتقل عنه الا بأحد الاسباب المحررة قطعا ، وليس إلا لفظة التحرير ، لوقوع الاجماع على صحة العتق مع التلفظ بها ، وحصول الخلف في وقوع مع اللفظ بغيرها.

وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف ، محتجا باجماع الفرقة وأخبارهم ، وبأن الاصل بقاء الرق ، وايجاب العتق بما قالوه يحتاج الى دليل ، وما ذكرناه مجمع

__________________

(١) المبسوط ٥ / ٢٠٢.

(٢) الخلاف ٢ / ٢٨٨ ـ ٢٨٩.

(٣) سورة النور : ٦.


على وقوع العتق به(١) وهو الظاهر من كلام المتأخر.

والالتفات الى أن أهل اللغة يستعملون لفظة العتق في التحرير استعمالا ظاهرا ، بحيث لا يفهم منها عند الاطلاق الا التحرير ، وسبق المعنى الى الذهن دليل الحقيقة وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٢) وابن أبي عقيل ، ويؤيده اتفاق علمائنا رضوان الله عليهم على حصول العتق بقول القائل : اعتقتك وجعلت مهرك عتقك ، الى غير ذلك من المسائل المشهورة.

قالرحمه‌الله : ولو قال لامته : يا حرة وقصد العتق ، ففي تحريرها تردد ، والاشبه عدم التحرير لبعده عن شبه الانشاء.

أقول : منشؤه : النظر الى أن التحرير حكم شرعي ، فيقف ثبوته على اللفظ الذي وضعه الشارع دليلا على وقوعه ، وليس إلا قوله : أنت حر أو حرة ، ولان لفظ النداء بعيد عن شبه الانشاء والعتق انما يقع بصيغة الانشاء فقط ، اذ هو ايقاع فيستحيل وقوعه بلفظ الاخبار أو غيرها وان قصد بها العتق ، لان النية لا تستقل بوقوع العتق ما لم يكن اللفظ الصريح كغيره من الايقاعات.

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « الاعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى »(٣) وهذا قد نوى العتق ، فيجب أن يكون حاصلا له ، عملا بظاهر الخبر.

قالرحمه‌الله : اذا أعتق ثلث عبيده وهم ستة ، استخرج الثلث بالقرعة ، وصورتها : أن يكتب في ثلاث رقاع اسم اثنين في كل رقعة ، ثم يخرج على الحرية أو الرقية ، فان أخرج على الحرية كفت الواحدة ، وان أخرج على الرقية أفتقر الى اخراج اثنين.

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٦٥٣ مسألة ١٤.

(٢) المبسوط ٦ / ٥١.

(٣) تهذيب الاحكام ٤ / ١٨٦.


واذا تساووا عددا وقيمة أو اختلفت القيمة مع امكان التعديل أثلاثا فلا بحث وان اختلفت القيمة ولم يمكن التعديل أخرج ثلثهم قيمة وطرح اعتبار العدد ، وفيه تردد. ولو تعذر التعديل عددا وقيمة ، أخرجنا على الحرية حتى يستوفي الثلث قيمة ، فلو قصرت قيمة المخرج أكملنا الثلث ولو بجزء من آخر.

أقول : اعلم أن هذه المسألة تفرض على ستة أقسام.

الاول : أن يكونوا على صفة يمكن تعديلهم أثلاثا بالقيمة والعدد معا ، بأن يكونوا ستة قيمة كل واحد ألف ، فيكون كل عبدين ثلث ، فيستخرج بالقرعة ، كما ذكر في المتن.

الثاني أن يمكن(١) تعديلهم بالقيمة والعدد معا ، لكن اختلفت قيمتهم اختلافا لا يمنع من ذلك ، كان يكونوا ستة قيمة اثنين ألفان وقيمة اثنين أربعة آلاف وقيمة اثنين ستة آلاف ، فتكون التركة اثنا عشر ألفا ، فيضم من قيمته ألف الى من قيمته ثلاثة آلاف ، فيصير كل عبدين ثلثا ويستخرج بالقرعة كما قلنا.

الثالث : أن يكونوا على صفة بحيث يمكن تعديلهم ، اما بالعدد دون القيمة أو بالقيمة دون العدد قبل أن يكونوا ستة ، قيمة عبد ألف وقيمة عبدين ألف وقيمة ثلاثة ألف ، فان اعتبرت القيمة لم يمكن التعديل بالعدد ، وان اعتبرت العدد وجعلت كل عبدين ثلثا اختلفت القيمة ، وما الذي يصنع؟

قال الشيخرحمه‌الله : قال قوم : يعتبر القيمة ويترك العدد ، كما أن قيمة الدار اذ لم يمكن بالمساحة والاجزاء عدلت بالقيمة.

وقال آخرون : يعتبر العدد ويترك القيمة ، فيضم الى من قيمته ألف واحدا من الثلاثة الذين قيمتهم ألف ، فيكون عبدان بأكثر من ألف وعبدان بأقل من ألف ، لان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل كل عبدين جزءا.

__________________

(١) فى « س » : يكون.


وعنى بذلك ما رواه عمران بن الحصين أن رجلا من الانصار أعتق ستة أعبد عند موته لم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال قولا سديدا ودعاهم فجزاهم ثلاثة أجزاء فاقرع بينهم فاعتق اثنين وأرق أربعة.

ثم قالرحمه‌الله : والاول أصح عندنا. وانما اعتبر النبيعليه‌السلام العدد ليساوي القيمة ، فحينئذ جعل واحدا ثلثا واثنين ثلثا وثلاثة ثلثا ، وتقرع بينهم على ما مضى(١) .

وأما المصنفرحمه‌الله ، فقد تردد في القولين ، ومنشأ تردده : النظر الى ظاهر الخبر ، فانه دال على اعتبار العدد مطلقا. والالتفات الى أن في ذلك ضررا على الورثة ، فتعتبر القيمة كما في قسمة الدار الغير متساوية الاجزاء.

الرابع أن يمكن التعديل بالقيمة دون العدد ، مثل أن كانوا(٢) خمسة قيمة عبد ألف وقيمة آخرين ألف وقيمة الآخرين ألف ، فالتعديل هنا بالقيمة ، ومن خالف في الاولى وافق هنا ، اذ التعديل بالعدد غير ممكن هنا ، فلا بد من اعتبار القيمة.

الخامس : أن يعتذر التعديل عددا وقيمة ، مثل أن يكونوا خمسة ، قيمة واحد أربعة آلاف ، وقيمة اثنين ألفان ، وقيمة اثنين ألف ، فما الذي نصنع؟ فيه قولان أحدهما ـ لا يراعى قيمة ولا عددا ، لكن يكتب اسم كل واحد في رقعة ويخرج على الرقبة أو الحرية حتى يستوفي الثلث ، لانه اذا لم يمكن واحد منهما استوفينا الثلث على ما يمكن.

والقول الثاني : أن يجعل اثنان سهما واثنان سهما والخامس بينهما ويقرع ، فمن خرج اسمه من الاقسام الثلاثة كان حرا ، لانه أقرب الى ما فعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من التعديل بالعدد. قال الشيخرحمه‌الله : والقولان معا قريبان.

السادس : أن يكون كل ماله عبدين ، فانا نقرع بينهما ، فان خرجت قرعة

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٥٩.

(٢) فى « س » : يكونوا.


الحرية على أحدهما ، فان كانت قيمته وفق الثلث بجزء من الاخر وان كانت أكثر عتق بقدر الثلث ، واسترق باقيه والاخر.

واعلم أن هذه الفروض الاخيرة خارجة عن قانون المسألة التي ذكرها المصنف في المتن ، لكن لما الم بذكر بعضها ، وذكرها الشيخ في المبسوط(١) أحببنا إيضاحها ، وفي هذه الاقسام تداخل.

قالرحمه‌الله : اذا أعتق مملوكه عن غيره باذنه ، وقع العتق عن الامر ، وينتقل الى الامر عند الامر بالعتق ، ليتحقق العتق في الملك ، وفي الانتقال تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى انعقاد الاجماع على اجزاء العتق عن الامر ان لو كان عليه عتق واجب ، ووقوعه عنه أن لو كان تطوعا وفي انعقاد الاجماع على ذلك دليل على انتقاله الى الامر قبل العتق ، لقولهعليه‌السلام « لا عتق الا في ملك »(٢) ولحصول الاتفاق على أن سبق الملك على العتق شرط في صحة وقوع العتق.

واعلم أن الحكم بالانتقال هنا مستفاد من اجماعين ، وهو من جملة ضروب الاستدلال بالخطاب.

والالتفات الى أن انتقال ملك الغير الى غيره يفتقر الى صريح اللفظ الدال عليه ، وهو غير موجود هنا ، ولان أسباب الانتقال محصورة معدودة ، وليس هنا شي‌ء منها.

فرعان :

الاول : اعلم أن القائلين بالانتقال اختلفوا في وقته ، فذهب طائفة الى أنه يملكه بشروعه في لفظ الاعتاق ، وذهب آخرون الى أنه ينتقل عند الامر بالعتق مع حصول الاعتاق عند الامر بالعتق بلا فصل. وقال قوم : يملكه عند قول المعتق « اعتقت

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٥٨ ـ ٦٠.

(٢) عوالى اللئالى ٢ / ٢٩٩ و ٣ / ٤٢١.


هذا العبد عنك » وينعتق عليه بعد ذلك بلا فصل ، وهو الذي قواه الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) ، وليس بعيدا من الصواب.

الثاني : اعلم أن المتأخر قد نازع في وقوع العتق عن الاذن ، وقال : الذي يقتضيه مذهبنا أن العتق لا يقع الا عن المالك للعبد دون الاذن الذي ليس بمالك لانه لا خلاف في قولهعليه‌السلام « لا عتق قبل ملك »(٢) و « لا طلاق قبل نكاح »(٣) والاذن لم يملك العبد ، وانما هو على ملك المباشر للعتق الى حين اعتاقه ، وانما هذا الذي ذكره شيخنارحمه‌الله فهو قول المخالفين ، دون أن يكون في أخبارنا ، أو أجمع أصحابنا عليه.

قالرحمه‌الله : اذا أعتق ثلاث إماء في مرض الموت ولا مال له سواهن ، أخرجت واحدة بالقرعة ، فان كان بها حمل تجدد بعد الاعتاق ، فهو حر اجماعا وان كان سابقا على الإعتاق قيل : هو حر أيضا ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالتي بقاء الرق والملك ، فيتمسك بهما الى حين ظهور المزيل قطعا ، ولان الاعتاق يفتقر الى صريح اللفظ ، وهو غير موجود هنا ولان اللفظ انما يتناول الام فقط ، وليس الحمل جزءا منها ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى أن الحمل تابع لامه في البيع ، فكذا في العتق ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٤) ، والمقدمة الاولى ممنوعة.

قالرحمه‌الله : ويعتق حصة الشريك بأداء القيمة لا بالاعتاق ، وقال الشيخ : هو مراعى.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : قيل في هذه المسألة ثلاثة أقوال

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٧١.

(٢) عوالى اللئالى ٢ / ٢٩٩ ، ٣ / ٤٢١.

(٣) عوالى اللئالى ١ / ٢٣٣ ، ٣ / ٢٠٥.

(٤) المبسوط ٦ / ٦٥.


أحدهما : أنه يعتق كله باللفظ وتثبت القيمة في ذمة الشريك ، وعليه تسليمها الى شريكه.

والثاني : أنه ينعتق نصيبه باللفظ ودفع القيمة فان دفع القيمة الى شريكه عتق نصيب شريكه ، وان لم يدفع لم يعتق.

والثالث : أن يكون مراعى ، فان دفع القيمة الى شريكه عتق نصيبه ، وان لم يدفع لم يعتق ، فان أدى تبينا أنه عتق وقت العتق ، وان لم يؤد شيئا تبينا أن العتق في نصيب شريكه لم يقع ، قال : وهذا هو الاقوى عندي(١) .

وقال في الخلاف : انه يعتق بالاداء ، محتجا بما رواه سالم عن أبيه عن النبيعليه‌السلام أنه قال : اذا كان العبد بين اثنين ، فأعتق أحدهما نصيبه. فان كان موسرا يقوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط ، ثم يعتق(٢) . فجعل العتق مترتبا على الاداء الآن ثم يقتضي المهلة والتراخي.

قالرحمه‌الله : والوجه في الخبرين أن قوله « انه عتيق وعتق كله » معناه سيعتق ، لان العرب يعبر عن الشي‌ء بما يؤول إليه ، قال الله تعالى« إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً (٣) .

وعنى بذلك ما رواه نافع عن ابن عمر أن النبيعليه‌السلام قال : من أعتق شركا من عبد وكان له مال يبلغ ثمنه فهو عتيق »(٤) .

وما رواه ابن عمر أيضا أن النبيعليه‌السلام قال : اذا كان العبد بين رجلين ، فأعتق أحدهما نصيبه وكان له مال ، فانه ينعتق النصيب الاخر في الحال(٥) . واختار المتأخر

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٥١ ـ ٥٣.

(٢) الخلاف ٢ / ٦٤٩.

(٣) سورة يوسف : ٣٦.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ / ٨٤٤ ، برقم : ٢٥٢٨.

(٥) سنن ابن ماجة ٢ / ٨٤٥.


أنه ينعتق بنفس اللفظ ، عملا بظاهر الخبرين السابقين.

فرع :

لو تصرف الشريك في نصيبه قبل أخذ القيمة ، بأن أعتقه أو باعه ، قيل : يصح لمصادقته الملك ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(١) ، وأفتى به في موضع من الخلاف(٢) ، وقيل : يبطل لانه قد استحق في حق شريكه العتق ، وبه أفتى الشيخ في موضع آخر من الخلاف مستدلا بما ذكرناه ، ويلزم المتأخر القول بالبطلان لانعتاقه بنفس اللفظ عنده.

قالرحمه‌الله : واذا دفع المعتق قيمة نصيب شريكه ، هل ينعتق عند الدفع أو بعده؟ فيه تردد ، والاشبه أنه بعد الدفع ، ليقع العتق عن ملك ، ولو قيل بالاقتران كان حسنا.

أقول : منشؤه : النظر الى الحكم بثبوت الولاء له ، وفي الحكم بثبوته له دليل على انعتاق النصيب منذ الدفع ، لان الولاء الثابت له هنا عن عتق ، والعتق لا يقع الا في ملك ، فيحتاج الى تملك سابق على العتق ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٣) .

والالتفات الى أن القول بانعتاقه بعد الدفع ليس أولى من القول بانعتاقه عنده لتساوي الاحتمالين ، فيحكم بوقوع الملك والعتق معا في شأن واحد ، لان القول باشتراط الملك في صحة العتق مع القول بالاقتران ممكن الاجتماع ، فيحكم بهما.

واعلم أن هذا الفرع انما يتمشى على قول من يقول ان حصة الشريك ينعتق بشرطين : اللفظ ودفع القيمة ، أو على من يقول : انه مراعى ، أما على قول من

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٥٢.

(٢) الخلاف ٦ / ٦٤٨ ـ ٦٤٩.

(٣) المبسوط ٦ / ٥٢.


يقول انه ينعتق بنفس اللفظ فلا.

قالرحمه‌الله : واذا ملك شقصا ممن ينعتق عليه لم يقوم عليه ان كان معسرا وكذا لو ملكه بغير اختياره. ولو ملكه اختيارا وكان موسرا ، قال الشيخ : يقوم عليه ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب التقويم ، ترك العمل بها في صورة عتق نصيبه من العبد المشترك ، للنص والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداها.

والالتفات الى أن تملكه بعضه مع العلم بأنه ينعتق عليه بمنزلة مباشرة عتقه وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

قالرحمه‌الله : وفي عتق من مثل به مولاه تردد ، والمروي أنه ينعتق.

أقول : منشؤه النظر الى أصالتي بقاء الرق والملك ، فلا يحكم بانتقالهما الا مع ظهور الناقل قطعا ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى ظواهر الاخبار الدالة على انعتاقه مع حصول ذلك من مولاه وبه أفتى الشيخ في النهاية(٢) .

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٦٩.

(٢) النهاية ص ٥٤٠.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب التدبير )

قالرحمه‌الله تعالى : التدبير هو عتق العبد بعد وفاة المولى ، وفي صحة تدبيره بعد وفاة غيره ، كزوج المملوكة ووفاة من يجعل له خدمته تردد ، أظهره الجواز ، ومستنده النقل.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل القاضي بالجواز ، ويؤيده رواية يعقوب ابن شعيب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل يكون له الخادم ، فيقول : هي لفلان تخدمه ما عاش ، فاذا مات فهي حرة ، فتأبق الامة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست سنين ، ثم تجدها ورثته ، ألهم أن يستخدموها بقدر ما أبقت؟ فقال : لا اذا مات الرجل فقد عتقت(١) . وعليها فتوى الشيخ في النهاية(٢) .

والالتفات الى أن هذا النوع حكم شرعي ، فيقف ثبوته على الدليل الشرعي ولا دليل عليه الا هذه الرواية ، وهي من أخبار الآحاد ، فلا يعمل بها.

أما أولا ، فلان العمل بخبر الواحد غير جائز ، لما بيناه في أصول الفقه.

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٦٤ ، ح ٢٨.

(٢) النهاية ص ٥٥٤.


وأما ثانيا ، فلانها مخالفة لاصول المذهب ، ولان التدبير في عرف الشرع عتق العبد بعد وفاة المولى ، والمجعول له غير المولى.

وأما ثالثا ، فلان الا باق يبطل التدبير اتفاقا منا ، والرواية تتضمن أنه غير مبطل له ، وهو اختيار المتأخر محتجا بعين ما ذكرناه.

وهو ضعيف ، أما الاول فلوجود الدليل الشرعي ، وهو التمسك بالاصل والرواية التي ذكرناها. قوله « الرواية من أخبار الآحاد » قلنا : مسلم.

قوله « فلا يجوز العمل بها لما ذكرناه في أصول الفقه » قلنا : قد استدللنا على وجوب العمل بأخبار الآحاد هناك ، وأبطلنا حجة المخالف في ذلك لما فيه مقنع.

قوله « ولانها مخالفة لاصول المذهب » قلنا : ممنوع.

قوله « لان التدبير في عرف الشرع عبارة عن عتق العبد بعد موت مولاه » قلنا : ذلك باطل ، أما أولا فلعدم دليل التخصيص ، وأما ثانيا فللرواية.

قوله « وأما ثالثا فلان الإباق يبطل التدبير » قلنا : التدبير المعلق بموت المولى أو غيره ، الاول مسلم والثاني ممنوع.

قالرحمه‌الله : وفي اشتراط نية القربة في التدبير تردد ، والوجه أنه غير شرط.

أقول : منشؤه : النظر الى أن التدبير نوع من العتق ، فاشترط فيه نية القربة كالعتق ، وهو اختيار المتأخر ، قال بعد هذا : تدبير الكافر غير جائز.

والالتفات الى أن التدبير بمنزلة الوصية ، فلا يشترط فيه القربة كالوصية ، ولعله الاشبه ، ويدل عليه الروايات بالتدبير.

قالرحمه‌الله : ولو دبر المسلم ثم ارتد لم يبطل تدبيره. ولو مات في حال ردته عتق المدبر ، هذا اذا كان ارتداده لا عن فطرة ، ولو كان عن فطرة لم ينعتق المدبر بوفاة المولى ، لخروج ملكه عنه ، وفيه تردد.


أقول : منشؤه : النظر الى أن السبب المقضي وهو موت المولى قد وجد ، فيوجد معلوله ، وهو العتق عملا بالعلية ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(١) ، بناء على القول بأن ملكه باق عليه ، وأنه لا يزول عنه بمجرد ارتداده.

والالتفات الى أن التدبير وصية فلا ينفذ فيه شي‌ء وحيث لم يحصل شي‌ء لم ينفذ العتق. أما المقدمة الاولى فاجماعية ، وأما المقدمة الثانية ، فلزوال ملكه عن جميع أمواله حالة ارتداده ، وانتقالها الى وارثه في تلك الحالة ، وهو أقرب ، فيلزم على هذا القول انعتاق ثلثه.

قالرحمه‌الله : ولو ارتد لا عن فطرة ثم دبر ، صح على تردد.

أقول : منشأ التردد : الشك في اشتراط القربة في التدبير ، فان قلنا باشتراطه لم يصح لتعذرها في جنبه ، وان لم نقل به وهو الاقوى صح التدبير ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف(٢) ، وحكم في المبسوط(٣) بالبطلان ، لانه نوع تصرف ، والمرتد ممنوع من التصرف اذ هو محجور عليه.

قالرحمه‌الله : ولو كان على الميت دين يستوعب التركة ، بطل التدبير وبيع المدبرون فيه ، وإلا بيع منهم بقدر الدين وتحرر ثلث من بقي ، سواء كان التدبير سابقا على الدين أو لاحقا على الاصح.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في النهاية : واذا دبر عبده وعليه دين فرارا به من الدين ثم مات ، كان التدبير باطلا ، وبيع العبد في الدين وان كان التدبير سابقا واقعا في حال صحة المولى ، لم يكن لصاحب الدين على المدبر سبيل ، عملا برواية وهب بن حفص عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٤) . ومثله رواية الحسن بن يقطين عن

__________________

(١) المبسوط ٦ / ١٧٣.

(٢) الخلاف ٢ / ٦٦٩.

(٣) المبسوط ٦ / ١٧٣.

(٤) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٦١ ، ح ١٢.


أبي الحسنعليه‌السلام (١) .

وقال المتأخر : هذا غير واضح ، لانه لا خلاف بيننا أن التدبير بمنزلة الوصية فيخرج من الثلث ، ولا يصح الا بعد قضاء الديون ، فعلى هذا التحرير والتقرير يباع العبد في الدين ويبطل التدبير على كل حال ، سواء دبره في حال السلامة أو فرارا من الدين وانما هذا خبر واحد ذكره وأورده شيخنا ايرادا لا اعتقادا. والحق ما قاله المتأخر ، وعليه الفتوى.

قالرحمه‌الله : ولو دبر الشريكان ثم أعتق أحدهما ، لم يقوم عليه حصة الاخر ، ولو قيل : يقوم كان وجها. ولو دبر أحدهما ثم أعتق ، وجب عليه فك حصة الاخر. ولو أعتق صاحب الحصة القن ، لم يجب عليه فك الحصة المدبرة ، على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة البراءة ، ترك العمل بها في بعض الصور فيبقى معمولا بها فيما عداها ، ولان التقويم على خلاف مقتضى الدليل ، فلا يصار إليه الا بدليل ناقل ، ولان التقويم حكم شرعي ، فيقف على الدليل الشرعي ، وحيث لا دلالة فلا حكم ، وهو خيرة الشيخ في الخلاف(٢) ، وقواه في المبسوط(٣) . ويؤيده أن الحصة المدبرة معرضة للحرية ، فلا حاجة الى تقويمها اذ لا ثمرة مهمة فيه.

والالتفات الى عموم الاخبار الدالة على وجوب التقويم على من أعتق شركا له من عبد ، وقد تقدم بعضها ، وهو الاقوى عندي ، وهو القول الاخر للشافعي.

قالرحمه‌الله : ولو دبره ثم كاتبه كان نقضا للتدبير ، وفيه اشكال.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الاصل عدم النقض ، فلا يصار إليه الا عند وجود

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٦١ ، ح ١٣.

(٢) الخلاف ٢ / ٦٧٠.

(٣) المبسوط ٦ / ١٧٩.


اللفظ الدال عليه صريحا ، وهو غير موجود هنا ، ولانه لا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها الا تقدم الكتابة على التدبير فى المسألة الاولى ، وتأخرها عنه في المسألة الثانية.

وليس ذلك صريحا في الرجوع في التدبير ، لانه كما يمكن الجمع بين الكتابة والتدبير مع تقدمها ، بأن يعتق بالكتابة مع أداء المال قبل موت المولى أو بالتدبير مع تأخر الاداء حتى يموت المولى ، فيكون عتقه متوقفا على أسبق الشيئين أداء المال أو موت المولى ، كذلك يمكن الجمع بين التدبير والكتابة مع تأخرها عنه بما ذكرناه حرفا حرفا ، فالحكم بأن احدى المسألتين مبطلة للتدبير والاخرى غير مبطلة له مع تساويهما في المنافاة له وامكان الاجتماع معه على الوجه الذي لخصناه تحكم محض.

واعلم أن الشيخ حكم في الخلاف بأن ذلك ابطال للتدبير ، ثم قال : دليلنا انا قد دللنا على أنه وصية ، واذا ثبت ذلك يثبت ما قلناه ، لان أحدا لا يخالف فيه مع ثبوته(١) .

وقال في المبسوط : اذا دبر عبده أولا ثم كاتبه ، فمن قال : التدبير وصية ، قال : يكون رجوعا لانه وصية ، فهو كما لو أوصي بعبده ثم كاتبه. ومن قال : عتق بصفة قال : هو عتق بصفة ، قال : يصير مكاتبا مدبرا ، والحكم فيه كما لو كاتبه أو لا ثم دبره ، وقد مضى حرفا بحرف(٢) .

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٦٦٩ ـ ٦٧٠.

(٢) المبسوط ٦ / ١٧٥.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى فصل المكاتبة )

قالرحمه‌الله . ويعتبر في الموجب البلوغ وكمال العقل والاختيار وجواز التصرف ، وهل يعتبر الاسلام؟ فيه تردد ، والوجه عدم الاشتراط.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله تعالى «فَكاتِبُوهُمْ »(١) ويؤيده أن الكتابة عقد معاوضة ، فيصح ايقاعها من المسلم وغيره ، كغيرها من عقود المعاوضات ، وهو خيرة الشيخ في المبسوط(٢) .

والتفات الى أن الكتابة نوع ازالة رق ، فيشترط في موجبها الاسلام كالعتق ، ونمنع اشتراط الاسلام في العتق ، سلمنا لكن الذي ذكرتموه قياس ، وهو عندنا باطل ، سلمنا لكن الوصف الجامع بين المقيس عليه والمقيس وصف سلبي ، والاوصاف السلبية لا يوجب التماثل ، لما مر في هذا الكتاب.

قالرحمه‌الله : وفي كتابة الكافر تردد ، أظهره المنع ، لقوله تعالى « فكاتبوهم ان علمتم فيهم خيرا ».

__________________

(١) سورة النور : ٣٣.

(٢) المبسوط ٦ / ١٣٠.


أقول : منشؤه : اختلاف التفسير في قوله تعالى «فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً (١) » فقال الشيخ في المبسوط(٢) والخلاف(٣) : المراد بالخير هنا الامانة والكسب وبه قال الشافعي. وقال ابن عباس وصاحباه مجاهد وعطا : هو الفقه والامانة فقط.

وقال الحسن البصري والثوري : هو الاكتساب فحسب. فعلى هذه الاقوال جميعا تصح مكاتبة الكافر ، اللهم الا أن يقال : ان الكافر ليس محلا للامانة.

وقيل : هو الدين والايمان. واختاره الراوندي والمتأخر ، فعلى هذا لا تصح مكاتبة الكافر ، ولعله الاقرب ، اذ لا يقال للكافر عرفا وان كان مكتسبا أن فيه خير.

واعلم أن الشيخرحمه‌الله في المبسوط قوى القول بالبطلان للآية السابقة ، ولقوله تعالى «وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللهِ الَّذِي آتاكُمْ »(٤) أمر الله تعالى باتيانهم من الصدقة الذي هو عبارة عن مال الله ، وليس الكافر من أهلها.

قالرحمه‌الله : وفي اعتبار اتصال الاجل بالعقد تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز ، ولان الكتابة نوع معاوضة ، فلا يشترط فيها الاتصال كغيرها ، وهو قوي.

والالتفات الى أنه عقد معاوضة ، فيشترط فيها اتصال الاجل بالعقد كالاجارة وهو اختيار الشيخ في المبسوط ، ونمنع اشتراط الاتصال ، سلمنا لكنه قياس وهو باطل عندنا.

قالرحمه‌الله : ولو قال : علي خدمة شهر بعد هذا الشهر ، قيل : بطل على القول باشتراط اتصال المدة بالعقد ، وفيه تردد.

__________________

(١) سورة النور : ٣٣.

(٢) المبسوط ٦ / ١٣٠.

(٣) الخلاف ٢ / ٦٥٥ ـ ٦٥٦.

(٤) سورة النور : ٣٣.


أقول : هذا الفرع مبني على هذه المسألة السابقة ، فكل من اعتبر الاتصال قال بالبطلان ، كما هو مذهب الشيخ في المبسوط(١) ، ومن لم يعتبر ذلك قال بالصحة.

قالرحمه‌الله : اذا مات المكاتب وكان مشروطا بطلت الكتابة ، وكان ما تركه لمولاه وأولاده رقا. وان لم يكن مشروطا ، تحرر منه بقدر ما أداه وكان الباقي رقا ولمولاه من تركته بقدر ما فيه من رق ، ولورثته بقدر ما فيه من حرية ، ويؤدي الوارث من نصيب الحرية ما بقي من مال الكتابة.

وان لم يكن له مال سعى الاولاد فيما بقي على أبيهم ، ومع الاداء ينعتق الاولاد وهل للمولى اجبارهم على الاداء؟ فيه تردد ، وفيه رواية أخرى تقتضي أداء ما تخلف من أصل التركة ، وتحرر الاولاد وما يبقى فلهم ، والاول أشهر.

أقول : منشؤه النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب السعي ، فلا يصار إليه الا لدليل أقوى ، ولان ثبوت الاجبار على خلاف مقتضى الاصل ، فيقف ثبوته على الدليل الشرعي ، وهو قوي ، ويؤيده ما رواه ابن عطية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، وهو خيرة الشيخ في التهذيب(٢) .

والالتفات الى أن حكم ولد المكاتب حكم أبيه في أنه يسترق منه مولى أبيه بقدر ما بقي على أبيه ، ويتحرر منه بقدر ما تحرر من أبيه ،

اذا تقرر هذا فنقول : هؤلاء الاولاد بعضهم حر لا سبيل للمولى عليه ، وبعضهم مملوك له فيثبت له الولاية عليه ، فيشرع له الاجبار على السعي ، دفعا للضرر الناشي من تشقيصهم المقتضي لنقصان الولاية الثابتة له عليهم والمانع من الانتفاع الكلي بهم ، وعليه دلت ظاهر الرواية المروية عن الصادقعليه‌السلام ، وهو ظاهر كلام المتأخر

قالرحمه‌الله : اذا كان للمكاتب على مولاه مال ـ الى قوله : واذا تراضيا

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٧٥.

(٢) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٧٣ ، ح ٢٩.


كفى ذلك ، ولو لم يقبض الذي له ثم يعيده عوضا ، سواء كان المال أثمانا أو أعواضا وفيه قول آخر بالتفصيل.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : لا يخلو مال الحقين من ثلاثة أحوال ، وعنى بذلك المال الذي للمكاتب على سيده والمال الذي للسيد على مكاتبه من ثلاثة أحوال : اما أن يكونا نقدين أو عرضين أو نقدا وعرضا ، فان كانا نقدين ، فلا يحتاج الى قبض الحقين معا ، بل يقبض أحدهما ماله من صاحبه ، ثم يرده عليه عوضا عماله في ذمته ، لان دفع العوض عن الدراهم والدنانير التي في الذمة يجوز.

وان كانا عوضين ، فلا بد أن يقبض أحدهما ثم يرد ما قبضه على الاخر عوضا عماله ، لان هذا العوض الذي في الذمة ثابت في أحد الحقين عن سلم ، فان المكاتب لا يجوز له أن يعوض ما في يده من المال وأخذ المال عن العوض الثابت في الذمة عن كتابه ، أو سلم غير جائز.

ثم قالرحمه‌الله : فاما اذا كان أحدهما نقدا والاخر عوضا ، فانه ان قبض صاحب النقد حقه ، لم يجز أن يدفعه عوضا عن العوض الذي في ذمته ، بل عليه تسليمه واقباضه. وان قبض صاحب العوض حقه ، جاز أن يدفعه بدلا عن النقد وعوضا عنه ، لما ذكرناه من التعليل(١) .

وأقول : معنى هذه الجملة أن المكاتب لا يجوز له أن يبيع بالثمن المؤجل لما فيه من التغرير بالمال ، ويجوز أن يبتاع بالمؤجل لانتفاء التغرير حينئذ.

اذا تقرر هذا فنقول : هذا العوض الثابت في ذمة مولاه لا يجوز أن يكون ثمن مبيع باعه اياه ، اذ هو بيع بمؤجل ، فتعين أن يكون مبيعا حالا لم يقبضه المكاتب من سيده ، وبيع ما لم يقبض غير جائز عند هذا الشيخرحمه‌الله ، ولهذا

__________________

(١) المبسوط ٦ / ١٢٤ ـ ١٢٥.


أوجب أن يقبض كل واحد منهما ماله قبل صاحبه.

قالرحمه‌الله : اذا جنى عبد المكاتب ، لم يكن له أن يفكه بالارش ، الا أن يكون فيه الغبطة له ، ولو كان المملوك أبا للمكاتب ، لم يكن له افتكاكه بالارش ولو قصر عن قيمة الأب ، لانه يتعجل باتلاف مال له التصرف فيه ، ويستبقى ما لا ينتفع به ، لانه لا يتصرف في أبيه ، وفي هذا تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن صحة تصرفات المكاتب مشروطة بوجود الغبطة في كل نوع منها ، ولا غبطة في هذا النوع من التصرف ، فيكون باطلا. أما المقدمة الاولى فاجماعية.

وأما المقدمة الثانية ، فلانه ممنوع من التصرف في أبيه لو جاء أن يؤدي مال الكتابة ، فينعتق أبوه مع عتقه ، فلو سوغتا له الفك تعجلنا باتلاف مال موجود صالح للتكسب بالتصرف فيه ، واستبقينا ما لا ينتفع به عاجلا ، وفي ذلك ضرر عظيم للمولى والمكاتب أيضا ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) .

والالتفات الى أنه ربما حصل في ذلك غبطة للسيد بتقدير أن يعجز المكاتب عن أداء ما عليه ، فيسترق ويسترق أبوه معه ، فيكون له الافتكاك ، ترجيحا لهذه المصلحة الظاهرة ، ولانا انما نمنعه من بعض التصرفات لتضرر المولى بها ، ولا ضرر على المولى هنا ، ولانه ان عجز عن الاداء استرقهما ، وان أدى حصل المقصود وهذا أقرب من القول الاول.

__________________

(١) المبسوط ٦ / ١٣٦.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الاقرار )

قالرحمه‌الله : ولو قال : له درهم بل درهم ، لزمه واحد.

أقول : هذا القول ذكره الشيخ في المبسوط(١) ، واحتج عليه بأن الظاهر من حال المتكلم بذلك أنه أمسك ليستدرك ، ثم تذكر أنه ليس عليه الا ذلك فيثبت عليه.

أقول : والاقوى لزوم درهمين ، لاستدعاء الاضراب المغايرة ، وهو بنص من أهل العلم أقوالهم.

قالرحمه‌الله : ولو قال : له عندي مال عظيم قبل تفسيره ولو بالقليل. وكذا لو قال : عظيم جدا كان كقوله عظيم ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن لفظة « جدا » موضوعة في اللغة للمبالغة في الكثرة ، فلا يقبل تفسيره لها الا بأقل ما يمكن حملها عليه لغة ، وللفقهاء في حد ذلك خلاف ، فبعضهم قال : أقل ذلك ثلاثة دراهم وبعضهم ستمائة درهم وبعضهم اثنان وسبعون درهما.

والالتفات الى أن الاصل براءة الذمة ، ولا دليل على قدر معين مقطوع به بحيث

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٧.


يرجع إليه ، فلم يبق الا تفسيره ، وإلا لزم التحكم المنهي عنه شرعا ، وهو اختيار الشيخ في كتابه والمتأخر.

قالرحمه‌الله : ولو قال : غصبتك شيئا وقال : أردت نفسك لم يقبل.

أقول : انما لم يقبل تفسير المقر لكلامه في هذه الصورة لما فيه من المنافاة لاقراره ، لان ذلك ليس بغصب في الحقيقة ، اذ الحر لا يثبت عليه يد الغاصب ، فقد فسر الغصب بما ليس بغصب ، فلاجل ذلك لم يقبل منه.

قالرحمه‌الله : ولو قال : أليس لي عليك كذا؟ فقال : بلى كان اقرارا. ولو قال : نعم لم يكن اقرارا ، وفيه تردد من حيث يستعمل الامران استعمالا ظاهرا.

أقول : منشؤه : وضع أهل اللغة « نعم » مخففة للكلام السابق نفيا أو اثباتا ، فعلى هذا لا يكون الجواب بها هنا اقرارا بل انكارا ، لانها يفيد تحقيق النفي ، وتحقيق النفي انكار بالضرورة ، اذ معناه : نعم ليس لك علي شي‌ء.

ولهذا قيل في قوله تعالى « ألست بربكم قالوا بلى » انهم لو قالوا نعم لكفروا ، اذ معناه حينئذ نعم لست بربنا ، وهذا اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) .

والالتفات الى أن أهل العرف يستعملونها للايجاب في الحالين ، فيكون الجواب بها اقرارا ، اذ تقدير الكلام نعم لك عندي كذا ، فالشيخرحمه‌الله نظر الى الحقيقة اللغوية بأنها بعد « أليس » لا يقبل الاقرار بل تحقيق النفي ، والمصنفرحمه‌الله رجح الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية ، فحكم بافادتها الاقرار.

والحق ما قاله المصنفرحمه‌الله ، لان اللفظ اذا دار بين الحقيقة اللغوية والعرفية ، فالترجيح للعرفية ، اللهم الا أن يكون هناك قرينة حالية أو مقالية ، فيجب العمل بمقتضاها.

قالرحمه‌الله : الاستثناء من الجنس جائز ، ومن غير الجنس على تردد.

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٢٣.


أقول : منشؤه : النظر الى أن قبول الاستثناء في الاقرار على خلاف الاصل بمقتضى الدليل ، لما فيه من الانكار بعد الاقرار ، ترك العمل به في سماع الاستثناء من الجنس لدليل أقوى ، فيبقى معمولا به فيما عداه.

ولان الاستثناء من غير الجنس لو صح ، لصح اما من اللفظ أو من المعنى ، والقسمان باطلان ، فالقول بصحة الاستثناء من غير الجنس باطل.

أما الاول ، فلان اللفظ الدال على شي‌ء بعينه غير دال على ما يخالف جنس مسماه ، واللفظ اذا لم يدل على مسماه لا يحتاج الى صارف يصرفه عنه ، لاستحالة تحصيل ما هو حاصل.

وأما الثاني ، فلانه لو جاز حمل اللفظ على المعنى المشترك بين مسماه وبين المستثنى ليصح الاستثناء ، لجاز استثناء كل شي‌ء من كل شي‌ء ، لان كل شيئين لا بدّ أن يشتركا من بعض الوجوه ، فاذا حمل المستثنى على ذلك المشترك صح الاستثناء.

ولما عرفنا أن العرب لم يجوزوا استثناء كل شي‌ء من كل شي‌ء علمنا بطلان هذا القسم ، وهو اختيار فخر الدين الرازي من الاصوليين وأكثر الفقهاء والنحاة.

والالتفات الى أن في القرآن والشعر والمعقول ما يدل على جواز ذلك.

أما الاول ، فآيات خمس :

الاول : «وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّا خَطَأً »(١) .

الثاني : «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلّا إِبْلِيسَ »(٢) ولم يكن من الملائكة بل من الجن.

الثالث : «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ

__________________

(١) سورة النساء : ٩٢.

(٢) سورة الحجر : ٣٠.


مِنْكُمْ »(١) .

الرابع : «ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ »(٢) والظن ليس من جنس العلم.

الخامس : «لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً* إِلّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً »(٣) والسلام ليس من جنس اللغو.

وأما الثاني ، فقول الشاعر وهو النابغة :

وبلدة ليس بها أنيس

الا اليعافير والا العيس

وقول الاخر :

وقفت بها اصلالا أسائلها

أعيت جوابا وما بالدار من أحد

وأما الثالث ، فلان الاستثناء تارة يقع عما يدل عليه اللفظ دلالة المطابقة والتضمن ، وتارة عما يدل عليه دلالة الالتزام ، فاذا قال : لفلان علي ألف دينار الا ثوبا ، فمعناه : قيمة الثوب. والحق الاول لما ذكرناه ، والآيات مؤولات.

واعلم أن المانعين اختلفوا على قولين ، منهم من منع من ذلك مطلقا ، وهو غلط ، لانه واقع ومنهم من منع من ذلك حقيقة وجوزه مجازا ، وهو الحق ، واختاره فخر الدين والشيخ أبو جعفر.

أما المجوزون حقيقة ، فمنهم من ذهب الى أن الاستثناء مقول بالتواطؤ على المتصل والمنفصل دفعا للاشتراك ، وذهب آخرون الى أنه مشترك بينهما اشتراكا لفظيا ، لان المتصل اخراج والمنقطع يختص بالمخالفة من غير اخراج ، فلا اشتراك معنوي هنا.

وانما طولنا الكلام في هذه المسألة هنا ، لكونها من المسائل المهمة ، وان كانت خارجة عن هذا العلم.

__________________

(١) سورة النساء : ٢٩.

(٢) سورة النساء : ١٥٧.

(٣) سورة الواقعة : ٢٥.


قالرحمه‌الله : اذا قال : له علي عشرة الا درهما ، كان اقرارا بتسعة ونفيا للدرهم ولو قال : إلا درهم ، كان اقرارا بالعشرة.

أقول : الفرق بين الصورتين أن « الا » في الصورة الاولى حرف استثناء ، ولهذا كان ما بعدها منصوبا ، اذ الاستثناء من الموجب يجب أن يكون منصوبا في الاحوال الثلاث ، وان اختلف في ناصبه ، والاستثناء من الاثبات نفي كما قرره ، فيكون قد أقر بتسعة وأنفى درهما.

وأما في الصورة الثانية ، فانها وصف لا حرف استثناء ، ولهذا كان ما بعدها مرفوعا ، فيكون قد أقر بعشرة ، اذ المعنى : له عندي عشرة غير درهم.

قالرحمه‌الله : ولو قال : ما له عندي شي‌ء ، كان اقرارا بدرهم. وكذا لو قال : ماله عندي عشرة الا درهم ، كان اقرارا بدرهم. ولو قال : الا درهما ، لم يكن اقرارا بشي‌ء.

أقول : اذا كان الاستثناء من بعد حرف النفي وأردت أن تقر بما بعد الا رفعته ، لانك اذا رفعته فانما رفعته ، بأن جعلته بدلا من العشرة ، فكانك قلت : ما له عندي الا درهم ، وان لم يرد الاقرار فانصبه ، ليصير تعبير الكلام : ما له علي تسعة ، وانما لم يكن ذلك اقرارا لان « عندي » لم يرفع شيئا ، فيثبت له عندك ، فكانك قلت : ما له عندي تسعة ، وهذا الفرق ذكره الشيخ في المبسوط(١) وأتبعه المتأخر.

قالرحمه‌الله : ويقبل اقرار المفلس ، وهل يشارك المقر له الغرماء أو يأخذ حقه من الاصل؟ فيه تردد.

أقول : ذهب الشيخرحمه‌الله الى أن اقرار المفلس مقبول ، سواء أقر بدين في ذمته أو بعين من أعيان ماله ، محتجا بعموم قولهعليه‌السلام « اقرار العقلاء على أنفسهم

__________________

(١) المبسوط ٤ / ١١.


جائز »(١) وهذا عاقل ، فيسمع اقراره.

وقال المتأخر : الاولى عندي أنه لا يصح اقراره في أعيان ماله بعد الحجر عليه ويصح اقراره بدين في ذمته ، وهو حسن لتعلق حق الغرماء بأعيان أمواله.

اذا عرفت هذا فنقول : منشأ التردد النظر الى تعلق حق الغرماء بما هو وجود في يده ، فيعطى دينه من الفاضل عن دين غرمائه ، وهو أحد قولي الشافعي.

والالتفات الى أن المقر له قد صار غريما بظاهر اقراره ، فتكون له المشاركة عملا بظواهر الاخبار ، وهو اختيار الشيخ في كتابيه المبسوط(٢) والخلاف(٣) والمتأخر والقول الاخر الشافعي.

قالرحمه‌الله : لو شهد الاخوان وكانا عدلين بابن للميت ، ثبت نسبه وميراثه ولا يكون ذلك دورا.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : كل موضع يثبت النسب بالاقرار يثبت بالمال ، الا في موضع واحد ، وهو اذا كان اثبات الميراث يؤدي الى اسقاطه مثل أن يقر الاخوان بابن للموروث ، فان نسبه يثبت ، ولا يثبت الميراث ، لانه لو ورث حجب الاخوان وخرجا عن كونهما وارثين ، فيبطل الاقرار بالنسب ، اذ هو اقرار من غير وارث ، واذا بطل النسب بطل الميراث ، فلما أدى اثبات الميراث الى اسقاطه أسقط ، فيثبت النسب دونه.

ثم قالرحمه‌الله : ولو قلنا بثبوت الميراث أيضا كان قويا ، لانه قد ثبت نسبه بشهادتهما ، فتبعه الميراث لا بالاقرار. هذا في المقر الذي يثبت النسب باقراره ،

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٣ و ٢ / ٢٥٧ و ٣ / ٤٤٢.

(٢) المبسوط ٣ / ٤.

(٣) الخلاف ١ / ٦٢٢.


وهو اذا كانا عدلين(١) .

والمصنفرحمه‌الله اختار ما قواه الشيخ أخيرا ، وهو المعتمد ، واختاره المتأخر في الجزء الثالث من كتابه.

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٣٩.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الأيمان )

قالرحمه‌الله : ولو قال : وقدرة الله وعلم الله ، فان قصد المعاني الموجبة للحال لم ينعقد اليمين ، ولو قصد كونه قادرا عالما جرى مجرى القسم بالله القادر العالم. وكذا تنعقد بقوله : وجلال الله ، وعظمة الله ، وكبرياء الله ، وفي الكل تردد.

أقول : اعلم أن المتكلمين اختلفوا في صفات الله تعالى ، فذهب جمهورهم الى أن صفاته تعالى ذاتية ، فهو تعالى عالم لذاته قادر لذاته ، لا بمعنى قائم به ، وكذلك باقي الصفات ، والاشاعرة أنكرت ذلك وزعموا أنه عالم بالعلم قادر بالقدرة حي بالحياة ، الى غير ذلك من الصفات ، وتحقيق القولين مذكور في كتب الاصول.

فمن قال بالاول قال : اذا حلف بهذه الصفات لم ينعقد يمينه ، لان الله عالم بذاته ، فاذا قال. وعلم الله ، كان معناه ومعلوم الله ، فلا يكون يمينا بالله.

وقال الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) والخلاف(٢) : ان قصد الحالف المعاني التي أثبتها الاشعري لم ينعقد يمينه ، وان قصد به كونه قادرا عالما كان يمينا ، فان

__________________

(١) المبسوط ٦ / ١٩٦.

(٢) الخلاف ٢ / ٥٥٢ مسألة ١٠.


ذلك قد يعبر به عن كونه عالما وقادرا ، وأتبعه المتأخر.

والمصنفرحمه‌الله تردد في ذلك ، ومنشأ تردده : النظر الى أن انعقاد اليمين حكم شرعي يقف ثبوته على اللفظ الذي وضعه الشارع دليلا على الانعقاد ، وليس الا الحلف به تعالى ، أو باسمائه المختصة به تعالى ، أو الذي ينصرف اطلاقها إليه وليس هنا شي‌ء منها بموجود.

والالتفات الى أن ذلك قد يعبر به عن كونه قادرا عالما ، ولو حلف بذلك انعقدت يمينه اجماعا ، وكذا بما هو في معناه ، ولقائل أن يمنع انعقاد اليمين مع الحلف بالقادر العالم.

قالرحمه‌الله : الاستثناء بالمشيئة يقف اليمين عن الانعقاد ، اذا اتصل باليمين أو انفصل ، بما جرت العادة أن الحالف لم يستوف غرضه ، ولو تراخى عن ذلك من غير عذر حكم باليمين ولغى الاستثناء ، وفيه رواية مهجورة.

أقول : أشار بذلك الى ما رواه الحسين القلانسي أو بعض أصحابه عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : للعبد أن يستثني في اليمين ما بينه وبين أربعين يوما اذا نسي(١) .

وفي رواية الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام في قوله تعالى «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ »(٢) قال : اذا حلف الرجل فنسي أن يستثني فليستثن اذا ذكر(٣) . وعمل الاصحاب على الاول.

قالرحمه‌الله : ولا يدخل الاستثناء في غير اليمين ، وهل يدخل في الاقرار؟ فيه تردد ، والاشبه أنه لا يدخل.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الاقرار اخبار عن حق واجب في الذمة ، فلا يقبل

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٨١ ح ٢٠.

(٢) سورة الكهف : ٢٤.

(٣) تهذيب الاحكام ٨ / ٢٨١ ، ح ١٩.


التعليق على الشرط. أما الصغرى فاجماعية.

وأما الكبرى فلوجوب كون المشروط متوقع الوجود ، واستحالة كون الاقرار كذلك ، ولان قبول الاستثناء على خلاف مقتضى الاصل ، لما فيه من المناقضة للكلام السابق ، فلا نحكم بجوازه الا مع وجود الدليل الدال عليه ، وبه قال مالك من الجمهور ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف(١) محتجا بما ذكرناه أخيرا ، وهو خيرة المتأخر ، وهو غير موجود هنا.

والالتفات الى أن الاقرار ايقاع ، فيدخل فيه الاستثناء كاليمين ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٢) وأبي حنيفة ، ولما كان هذا الدليل ضعيفا لكونه مجرد قياس وهو عندنا باطل ، لا جرم كان القول الاول أقوى.

فرع :

قال الشيخ في المبسوط : يدخل الاستثناء في العتق والنذور(٣) وهو مذهب أبي حنيفة ، والبحث فيه كما تقدم.

قالرحمه‌الله : والحروف التي يقسم بها الباء والتاء والواو ، وكذا لو خفض ونوى القسم من دون النطق بحروف القسم على تردد ، أشبهه الانعقاد :

أقول : منشؤه : النظر الى أن الانعقاد حكم شرعي ، فيقف ثبوته على اللفظ الذي وضعه الشارع دليلا عليه ، وليس الا هذه مع النطق بها ، اذ القسم لا يكون الا بحرف القسم ، وهو خيرة الشيخ في الخلاف(٤) ، وحكاه عن جميع الفقهاء الا أبا جعفر الأسترآبادي.

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٥٥٨.

(٢) المبسوط ٦ / ١٩٩.

(٣) المبسوط ٦ / ٢٠٠.

(٤) الخلاف ٢ / ٥٥٦ مسألة ١٨.


والالتفات الى أن أهل اللغة أجازوا ذلك واستعملوه اختصارا لكثرة الاستعمال ولعلم المحذوف هنا يقينا فيكون جائزا ومستعملا شرعا ، اذ الشرعي غالبا تابع للغوي.

فائدة :

اذا كان المقسوم به اسم الله تعالى جاز نصبه وجره مع حذف حرف القسم القسم ، فأما من نصب فانه يقول : انتصابه بفعل محذوف ، تقديره : ألزم يمين الله وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، أو يكون التقدير : أقسم الله ، أي بالله فلما حذف الحرف وصل الفعل إليه بنفسه فنصبه ، ولا يجوز الجر بعد الحذف الا في اسم الله خاصة لكثرة استعماله في القسم وقال الكوفيون : يجوز مطلقا ، واحتج كل من الفريقين بأدلة ليس هذا موضع ذكرها ، لكن القول الاول أقرب في المقامين.

قالرحمه‌الله : ولو قال : ها الله كان يمينا ، وفي أيمن الله تردد ، من حيث هو جمع يمين ، ولعل الانعقاد أشبه ، لانه موضوع للقسم بالعرف ، وكذا أيم الله وم الله.

أقول : منشؤه : اختلاف النحاة في هذه اللفظة ، فقال البصريون : هي مفردة واشتقاقها من اليمن أي البركة ، فعلى هذا يكون يمينا قطعا.

واحتج البصريون على صحة مذهبهم بأنها قد يكسر همزتها في بعض اللغات ، ولو كانت جمع يمين لما كسرت ، وبأن همزتها همزة وصل ، بدليل حذفها في قول الشاعر :

فقال فريق القوم لما نشدتهم

نعم وفريق أيمن الله لا ندري

وهمزة الجمع ليست بهمزة وصل.

وقال الكوفيون : هي جمع يمين ، فعلى هذا لا يكون قسما ، لان اليمين ليس


بقسم ، فكذلك جمعه ، اذ هو عبارة عن تضعيف الواحد ، وهو ضعيف ، فانه لا يلزم من كون اليمين حالة الانفراد ليست قسما أن لا يكون حالة الجمع قسما ، لانها هنا موضوعة للقسم بالعرف ، والوضع تابع للاصطلاح ، كما بين في أصول الفقه ، فلهذا قال المصنف : ولعل الانعقاد أشبه.

واحتج الكوفيون على صحة مطلوبهم بقول الشاعر :

*يبري لها من أيمن وأشمل*

فلو لم يكن جمعا لما قابلها بالاشمل ، ولان في جمعها في القسم زيادة توكيد.

وأجاب البصريون عن ذلك بأجوبة ليس هذا موضع ذكرها.

وعلى الوجه الذي لخصناه لا يظهر للخلاف فائدة في هذه المسألة ، لاتفاق الفريقين على كونها موضوعة للقسم ، وان اختلفوا في كونها مفردة أو جمعا.

وأما أيم الله ، فأصلها أيمن الله ، فحذف النون منها لكثرة استعمالها وتكسر همزتها وتفتح.

و « م الله » أصلها أيم الله ، فحذفوا الألف اختصارا واصل ايم الله أيم الله وكسروها ، لانها صارت حرفا واحدا فاشبهت الباء. وأما من الله ، ففيها لغات : ضم الميم والنون وفتحهما وكسرهما ، حكاه الجوهري في الصلاح(١) ، وأصلها أيمن الله أيضا ، فحذفت الهمزة تخفيفا ، فبقيت الياء ساكنة ، والابتداء بالساكن محال فحذفت أيضا وبقيت الهمزة والنون.

قالرحمه‌الله : وتصح اليمين من الكافر ، وقال في الخلاف : لا تصح ، وفي صحة التكفير منه تردد ، منشؤه الالتفات الى اعتبار القربة.

أقول : وجه الصحة النظر الى التمسك بالعمومات الدالة على وجوب الكفارة مع الحنث.

__________________

(١) صحاح اللغة ٦ / ٢٢٢١.


واعلم أن الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) حكم بصحة اليمين منه في حال كفره ، ولم يحكم بصحة تكفيره حالة كفره. وحكم في الخلاف(٢) ببطلانهما ، وهو قول أبي حنيفة ، الا أنه قال بعد ذلك : واستدل الشافعي بظواهر الاخبار وحملها على عمومها ، وهو قوي يمكن اعتماده.

والتحقيق أن يقال : موجبات الكفر مختلفة ، فقد يكون انكار مؤثر مختار أو وحدانيته وما في معناهما ، وقد يكون نبوة محمدعليه‌السلام ، وقد يكون انكار إمامة من يقوم مقامه ، فالاول لا يصح منه التكفير ، لكونه غير عارف بالله ، ولا يلزم مثله في الثاني والثالث.

قالرحمه‌الله : اذا حلف لا يأكل طعاما اشتراه زيد ، لم يحنث بأكل ما يشتريه زيد وعمرو ، ولو اقتسماه على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من وجوب التكفير ، ترك العمل بها في صورة الاكل من الطعام الذي يختص بشرائه زيد ، لتحقق الحنث حينئذ ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، ولان اليمين انما تناولت الطعام الذي يستقل باشترائه زيد ، وهو غير موجود هاهنا ، أما قبل القسمة فظاهر ، وأما بعد القسمة فلانه وان كان قد صار هذا القدر المقسوم مختصا بزيد ، فهو غير مختص بشرائه ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى أن الطعام قد اشترياه صفقة واحدة ، فيكون كل واحد قد اشترى بصفة ، بدليل أنه يلزم كل واحد ثمن النصف ، واذا ثبت ذلك وأكل من الطعام حنث ، لانه قد أكل من طعام يصدق عليه أنه اشتراه زيد ، كما لو حلف لا أكلت رغيف زيد ، فأطبق عليه رغيف عمرو فأكلهما حنث ، لانه قد أكل رغيف زيد وان

__________________

(١) المبسوط ٦ / ١٩٤.

(٢) الخلاف ٢ / ٥٥٢.


كان معه رغيف عمرو فكذا هنا ، لانه قد أكل من طعام اشتراه زيد وان كان مع غيره وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، وليس بجيد.

قوله « هذا طعام اشترياه معا فيكون لكل واحد نصفه » قلنا : مسلم ، فيحنث ، لانه أكل من طعام اشتراه زيد قلنا حقيقة أو مجازا ، الاول ممنوع لصدق النفي الذي هو من علامات المجاز على كل جزء جزء منه ، الثاني مسلم لكنه غير نافع في المطلوب ، اذ اللفظ حالة اطلاقه انما ينصرف الى حقيقته دون مجازه.

قوله « كما لو حلف لا أكلت رغيف زيد » الى آخره ، قلنا : الفرق بين الصورتين ظاهر ، لان كل واحد من الرغيفين يشار إليه أنه لزيد بالخصوصية ، ونمنع سلبه عنه والاخر لعمرو كذلك ، بخلاف الصورة الاولى ، بدليل أنه لو أشار الى جزء منه وقال : هذه اشتراها زيد ، لصح الجواب بـ « لا » وانما اشتراها زيد وعمرو.

قالرحمه‌الله : اذا حلف لا أكلت رءوسا ، انصرف الى ما جرت العادة بأكله غالبا ، كرءوس البقر والغنم والابل ، ولا يحنث برءوس الطير والسمك والجراد ، وفيه تردد ، ولعل الاختلاف عادي.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الرءوس حقيقة في جميع ذلك ، فيحنث بأكل أيها كان ، عملا بظاهر اللفظ ، وهو خيرة المتأخر.

والالتفات الى أن الرءوس المأكولة عرفا وعادة انما هي هذه الثلاثة ، فيتعلق اليمين بها ، اذ الاظهر في الاستعمال انما هو العرفي ، واللفظ اذا دار بين الحقيقة العرفية واللغوية ، فالترجيح للعرفية ، كما مر في أماكنه ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) والخلاف ومذهب الشافعي ، وقال في الخلاف : انما أخرجنا ذلك بالاجماع(٢) .

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٣٨.

(٢) الخلاف ٢ / ٥٧٣ ، مسألة ٧٢.


فرع :

قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : هذا الحكم انما يكون اذا لم يكن له نية فأما اذا كان له نية حنث وبر على نيته(١) . وما قالهرحمه‌الله حسن.

قالرحمه‌الله : لو حلف لا يأكل لحما فأكل ألية ، لم يحنث وهل يحنث بأكل القلب والكبد ، فيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة البراءة ، ولان اليمين انما تناولت اللحم ، وليس الكبد والقلب لحما ، وهو اختيار الشيخ في كتابيه ومذهب الشافعي.

والالتفات الى أن ذلك يسمى لحما لغة وان لم يسم به عرفا فيحنث بأكله ، اذ الحقيقة السابقة انما هي اللغوية ، وهو اختيار المتأخر في القلب خاصة ، ولم يذكر حكم الكبد ، واختار أبو حنيفة الحنث بأكل الكبد والطحال ، لانهما يباعان معا مع اللحم.

فرع :

قال الشيخرحمه‌الله : حكم الطحال حكم الكبد والقلب.

قالرحمه‌الله : لو حلف لا يأكل بسرا فأكل منصفا ، أو لا يأكل رطبا فأكل منصفا ، حنث ، وفيه قول آخر ضعيف.

أقول : المراد بالمنصف هنا ما نصفه بسر والنصف الاخر رطب.

اذا عرفت هذا فنقول : قال في الخلاف : اذا حلف لا يأكل رطبا أو لا يأكل بسرا ، حنث بأكل المنصف فيهما ، مستدلا بأن أكل المنصف يستلزم أكل ما تعلقت اليمين به من أي النوعين كان وزيادة(٢) .

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٣٩.

(٢) الخلاف ٢ / ٥٧٤.


وقال في المبسوط : ان أكل الرطب من المنصف حنث ، وان أكل منه البسر لم يحنث ، وان أكله على ما هو به حنث ، لانه قد أكل الرطب. ثم قال : وهكذا لو حلف لا يأكل بسرا فأكل منصفا ، فعلى ما فصلناه(١) .

والظاهر أنه أراد في الخلاف ما فصله في المبسوط ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه.

وقال ابن ادريس : الذي يقوى في نفسي أنه لا يحنث للعرف ، لان السيد اذا قال لعبده : اشتر لنا رطبا فاشترى منصفا لم يعد ممتثلا لامره. وكذا لو أمره شراء البسر فاشترى المنصف ، وانما العرف العادي أن الرطب هو الذي جميعه قد نضج والبسر هو الذي جميعه لم ينضج.

وما قاله الشيخ أحسن ، وما اختاره ابن ادريس مذهب أبي سعيد الاصطخري. والظاهر أن المصنف أراد بالقول الضعيف ما ذكره ابن ادريس ، لا ما قاله الشيخرحمه‌الله .

قالرحمه‌الله : اسم الفاكهة يقع على الرمان والعنب والرطب ، فمتى حلف لا يأكل فاكهة حنث بأكل واحدة من ذلك ، وفي البطيخ تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن للبطيخ نضجا ، كنضج الرطب يحلو اذا نضج ويؤكل كالعنب والرطب ، فلهذا كان من الفاكهة ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى أن ذلك لا يسمى فاكهة عرفا.

قالرحمه‌الله : اذا حلف لا آكل خلافا فاصطبغ به حنث.

أقول : المراد بالاصطباغ هنا الايتدام ، قال الله تعالى «وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ »(٢) .

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٤١.

(٢) سورة المؤمنون : ٢٠.


قالرحمه‌الله : أما لو قال : لاسكنت هذه الدار وهو ساكن بها ـ الى قوله : أما التطيب ففيه التردد ، ولعل الاشبه أنه لا يحنث بالاستدامة.

أقول : ينشأ : من النظر الى اصالتي براءة الذمة وعدم الحنث ، ترك العمل بها في صورة اللبس والركوب والسكنى والاسكان للاجماع ، ولان هذه الافعال تصح اضافتها الى المدة ، كما تصح اضافتها الى الابتداء ، فيقال : لا لبستهما شهرا لا ركبتها شهرا ، وكذلك السكنى والمساكنة فيه.

وليس كذلك التطيب ، اذ لا تصح اضافته الى المدة ، كما تصح اضافته الى الابتداء ، فلا يقال : لا تطيب شهرا ، بل انما يقال : منذ شهر فاقترفا ، ولان الشرع قد جعل استدامة اللبس كابتدائه ، ولم يجعل استدامة الطيب كابتدائه ، بدليل أنه لو أحرم لابسا فاستدامه فعليه الفدية ، كما لو ابتدأه بعد الاحرام.

ولو أحرم متطيبا فلا شي‌ء عليه ، وان كان ممنوعا من ابتدائه حال احرامه. قال في المبسوط : وعندنا في الاحرام مثل ذلك ، غير أنه يجب عليه ازالة الطيب عنه(١) . وهو اختيار الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى أن التطيب في عرف الشرع يصح نسبته الى الاستدامة كما يصح نسبته الى الابتداء ، فيقع الحنث باستدامته.

أما المقدمة الصغرى ، فلان الشارع أوجب على المتطيب دم شاة ، سواء ابتداء الطيب في حال احرامه أو استدامته ، ولو لا أن هذا الفعل يمكن نسبته إليهما لما صح ذلك. وأما الكبرى فظاهرة مع تسليم الصغرى ، ولقائل أن يمنع الصغرى كما هو مذهب الشيخ في المبسوط.

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٢٢.


فرع :

قال الشيخرحمه‌الله : والبحث في التطهر والنكاح كالبحث في التطيب ، وهو حسن.

قالرحمه‌الله : ولو قال : لا ضربت ، فأمر بالضرب لم يحنث ، وفي السلطان تردد ، أشبهه أنه لا يحنث الا بالمباشرة.

أقول : منشؤه : النظر الى أن اضافة الضرب الى الحالف يقتضي مباشرته له حقيقة ، فلا يحنث بالامر بالضرب ، لانه انما تصح اضافة ضرب المأمور إليه على سبيل المجاز لصحة نفيه ، واللفظ عند اطلاقه انما يحمل على حقيقته دون مجازه ولاصالتي براءة الذمة من وجوب الكفارة وعدم الحنث ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف(١) ، واختاره المتأخر.

والالتفات الى أن العادة والعرف قاضيين بنسبة هذا الفعل إليه وان لم يصدر عنه ، فيحنث به. أما الصغرى فلانه يقال : باع الخليفة ، وان كان البائع وكيله ، وكما قيل زنا ماعز فرجمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وانما أمر برجمه ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(٢) أولا ، ثم قوى القول الاول أخيرا. وأما الكبرى فظاهرة حينئذ.

قالرحمه‌الله : ولو حلف لا بعت أو لا شريت ، فتوكل لغيره في البيع أو الشراء ، ففيه تردد ، والاقرب الحنث لتحقق المعنى المشتق منه.

أقول : منشؤه : النظر الى أن البائع شي‌ء صدر منه البيع ، وهذا المعنى متحقق في الوكيل البائع عن غيره ، فيحنث لايجاده الفعل الذي تعلقت به اليمين

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٥٧٦.

(٢) المبسوط ٦ / ٢٤٣.


وهو البيع. وكذا البحث في الشراء.

والالتفات الى أن اطلاق اليمين ينصرف الى البيع عن نفسه عرفا لا عن غيره فلا يحنث ، وهو قوي لاصالة البراءة.

قالرحمه‌الله : اذا حلف لا ركبت دابة العبد ، لم يحنث بركوبها ، لانها ليست له حقيقة ، وان أضيفت إليه فعلى المجاز ، أما لو قال : لا ركبت دابة المكاتب ، حنث بركوبها ، لان تصرف المولى ينقطع عن أمواله ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ من النظر الى أصالتي براءة الذمة وعدم الحنث ، ولان المكاتب وان انقطع تصرف المولى عن أمواله ، فهو عبده ، فلا يحنث بركوب دابته ، اذ ليست له حقيقة بدليل أنه ممنوع من التصرف فيها وفي باقي أمواله ، الا مع مراعات الغبطة.

والالتفات الى أنها وان لم يكن ملكه ، فهي في حكم ملكه ، بدليل أنه هو المتصرف فيها دون سيده ، والسيد لا يملك بيعها ولا هبتها ولا التصرف فيها بوجه من الوجوه ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) .

والحق أنه ان ركب دابة المكاتب المطلق حنث ، وان ركب دابة المكاتب المشروط لم يحنث ، والفرق بينهما أن الاضافة الحقيقية يكفي في تحققها ثبوت الملكية في المضاف ، كلية كانت أو جزئية ، وهذا المعنى متحقق في دابة المكاتب المطلق فيحنث.

وانما قلنا انه متحقق لانه اما أن يؤدي جميع ما عليه أولا ، فان أدى فلا بحث لاستقرار ملكه للجميع حينئذ ، وان لم يؤد الجميع بل البعض فالاضافة متحققة أيضا ، لتحقق الملكية الجزئية.

قالرحمه‌الله : التسري هو وطئ الامة ، وفي اشتراط التحذير نظر.

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٤٤.


أقول : اختلف العلماء في حقيقة التسري ، فذهب أبو حنيفة ومحمد الى أنه عبارة عن الوطي والتحذير ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف(١) ، محتجا بأن الجارية ضربان : سرية وخادمة ، فاذا حذرها ووطئ فقد ترك الاستخدام وتسرى وقواه في المبسوط ، واختاره المتأخر ، وهو أحد أقوال الشافعي.

وذهب في قوله الثاني الى أنه عبارة عن الوطي فقط ، وذهب في القول الثالث الى أنه عبارة عن الوطي مع الانزال ، وبه قال أبو يوسف ، وهو المذهب عند ، وقواه في المبسوط(٢) أيضا.

اذا عرفت هذا فنقول : منشأ نظر المصنف الالتفات الى أصالتي براءة الذمة وعدم الحنث ، ترك العمل بها في تحنيثه اذا وطئ وحذر ، لانعقاد الاجماع على أنه تسر ، اذ لا خلاف بين هؤلاء طرا أنه لو فعل ذلك كان متسريا ، وانما الخلاف في أنه لو حصل الوطي فقط ، أو الوطي والانزال هل يكون متسريا أم لا؟.

والالتفات الى أن الاحتياط يقتضي تحنيثه مع الوطي فقط ، أما أو لا فلتحصيل البراءة بيقين. وأما ثانيا فلان مع الاختلاف لا يأمن أن يكون الحق في أحد الاقوال لا بعينه ، واذا كفر مع حصول الوطي فقط كان عاملا بالاقوال جميعها ، فيجب عليه سلوك هذه الطريقة ، لقضاء العقل بوجوب سلوك الطريق المأمون دون غيره.

واعلم أن هذه المسألة فرضها الشيخرحمه‌الله في صورتين : احداهما فيما اذا حلف ألا يتسرى ، ذكر ذلك في الخلاف(٣) الصورة الثانية فيما اذا قال : كل جارية تسريت بها فهي حرة ، ذكر ذلك في المبسوط.

ثم قال : فاذا قال ذلك نظرت ، فان لم يكن له جارية لم يتعلق به حكم ، فان

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٥٨١.

(٢) المبسوط ٦ / ٢٥١.

(٣) الخلاف ٢ / ٥٨١ مسألة ١٠٦.


ملك جارية بعد هذا فيسري بها لم يحنث ، بلا خلاف بيننا وبين جماعة ، لانه عقد اليمين قبل وجود الملك ، وان كان له جارية فتسرى بها حنت ، لان العقد والصفة وجدا معا في ملكه كالطلاق(١) .

قالرحمه‌الله : ولو أذن المولى لعبده في ايقاع اليمين انعقدت ، فلو حنث باذنه فكفر بالصوم ، لم يكن للمولى منعه ، ولو حنث بغير اذنه كان له منعه ، ولو لم يكن الصوم مضرا ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن صوم العبد تصرف في نفسه ، فلا يسوغ له فعله الا باذن مولاه ، ويكون له منعه منه ، والمقدمتان ظاهرتان ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٢) .

والالتفات الى أن الاذن له في ايقاع اليمين يستلزم الاذن له في الصوم مع الحنث ، فيكون له التكفير بالصوم ولا يشرع للمولى منعه.

أما المقدمة الاولى ، فلان الاذن في الشي‌ء اذن في توابع ذلك الشي‌ء ، ولقائل أن يمنع كون الصوم من توابع اليمين ، اذ مقتضاها المنع من الحنث لا وجوب الصيام ، بل هو من توابع الحنث ، وهو غير مأذون فيه ، كما لو أذن له في التزويج فانه يلزمه مهر زوجته ونفقتها ، لانه من توابع النكاح ، ولا شك أن الصوم مع الحنث مع توابع اليمين ، فيكون الاذن فيها اذنا فيه.

وأما المقدمة الثانية فظاهرة وهو الاقوى.

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٥١.

(٢) المبسوط ٦ / ٢١٧.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب النذر )

قالرحمه‌الله : وكذا يتوقف نذر المملوك على اذن المالك ، فلو بادر لم ينعقد وان تحرر ، لانه وقع فاسدا ، وان أجاز المالك ففي صحته تردد ، أشبهه اللزوم.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قولهعليه‌السلام « من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه »(١) ولان المانع من الانعقاد انما هو عدم اذن السيد في الايقاع ، وهو منتف هنا ، ولان المقتضي للانعقاد موجود والمعارض هنا منتف فيجب القول بالانعقاد.

أما المقتضي فهو اللفظ الصريح الدال على الالتزام بالمنذور الصادر من البالغ العاقل المسلم.

وأما انتفاء المعارض ، فلان المعارض المذكور هنا ليس الا ثبوت سلطنة المولى عليه المقتضية لاستيلائه على منافعه المانعة من الانعقاد ، وهي هنا منتفية ، لوجود الاجازة الدالة على الرضا بذلك النذر.

__________________

(١) عوالى اللئالى ٣ / ٤٤٨.


والالتفات الى أن النذر ايقاع ، فلا يقع موقوفا كغيره ، والمعتمد الاول.

قالرحمه‌الله : ولو نذر أن يحج ولم يكن له مال ، فحج عن غيره ، أجزأ عنهما على تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى الرواية(١) الدالة على الاجزاء ، وقد ذكرناها في كتاب الحج ، وهو اختيار الشيخ في النهاية(٢) .

والالتفات الى أن اطلاق نذر الحج ينصرف الى الاتيان به عن نفسه لا عن غيره ، ولان الحج عن الغير مستحق بالاستئجار ، فلا يكون مجزيا عن النذر أيضا أما أولا ، فلاصالة عدم التداخل. وأما ثانيا ، فلاستحالة اجتماع العلل على معلول واحد.

والحق أن نقول : ان قصد الناذر ذلك اجزاء عنهما ، وان أطلق ولم يقصد ذلك لم يجزه الحج عن غيره ووجب عليه الاتيان بالحج عن نفسه.

قالرحمه‌الله : ولا ينعقد نذر الصوم اذا لم يكن ممكنا ، كما لو نذر صوم يوم قدوم زيد لم ينعقد نذره ، سواء قدم ليلا أو نهارا ، أما ليلا فلعدم الشرط ، وأما نهارا فلعدم التمكن من صيام اليوم المنذور ، وفيه وجه آخر.

أقول : ذهب الشيخ في الخلاف(٣) والمبسوط الى أن هذا النذر غير منعقد محتجا بوجهين :

الاول : اصالة براءة الذمة قاضية بعدم الوجوب ، فيتمسك بها الى حين ظهور الناقل.

الثاني : أن صوم هذا اليوم مستحيل ، وكل أمر مستحيل لا يصح نذره ، فهذا

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٨ / ٣١٥ ، ح ٥٠.

(٢) النهاية ص ٥٦٧.

(٣) الخلاف ٢ / ٥٨٥ مسألة ١٣.


لا يصح نذره.

أما الصغرى فلان المسافر اما أن يقدم ليلا أو نهارا ، ودليل الحصر ظاهر ، فان قدم ليلا لم يلزم الصوم أصلا ، لانه لم يوجد الشرط وهو القدوم نهارا ، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء كافة ، وان قدم نهارا لم يلزم الصوم ، لانه حينئذ يكون قد مضى جزء من النهار ، وهو بحكم المفطر ، واذا كان ذلك لم يصح صومه ، لان الصوم لا يتبعض ، لان بعض يوم لا يكون صوما ، وهو اختيار المتأخر أيضا وأحد قولي الشافعي ، واختاره أبو حامد من الجمهور أيضا.

وأما الكبرى فاجماعية ، وذهب الشافعي في القول الثاني الى انعقاد النذر واختاره المزني ، فحينئذ نقول : اما أن يقدم نهارا أو ليلا ، فان قدم ليلا لم يكن الفضاء له ، اذ لم يوجد شرط النذر لكن يستحب. وان قدم نهارا ، فهنا مسائل :

الاول : ورد الخبر بقدومه يوم كذا ، فنوى من ليلة ذلك اليوم أن يصوم غدا عن نذره ، فقدم من غده ، أجزأ صومه ولا قضاء عليه ، لانه قد صامه عن نذره ناويا له من الليل.

الثاني : قدم المسافر والناذر مفطر ، فعليه القضاء ، لانه ما صامه عن نذره.

الثالث : أن يقدم والناذر صائم تطوعا ، فانه يكمل بقية يومه ، ويقضيه اذا لم يثبت منه النذر من الليل. وهذه المسائل ساقطة عنا ، لما بيناه من عدم الانعقاد.

اذا عرفت هذا فنقول : يمكن أن يكون المصنف أشار بقوله « وفيه وجه آخر » الى ما ذكرناه عن الشافعي.

ويحتمل أن يكون أراد بذلك أن المسافر ان قدم قبل الزوال ولم يكن قد تناول الناذر شيئا من المفطرات ، وجب عليه إنشاء نية الصوم عن نذره وأجزأ عنه ، لان وقت نية الصوم يمتد الى الزوال عندنا ، ولهذا يجوز إنشاء النية ما لم يزل الشمس.

هذا في غير صوم رمضان ، فأما صوم رمضان فلا بد من اختصار النية فيه عند أول جزء من الصوم أو نيتها مستمرا علي حكمها.


واعلم أن هذا الاحتمال ذكره الشيخ في المبسوط(١) في كتاب الصوم ، وقال في كتاب النذر منه بعد ذكر هذه المسألة بلا فصل : فان فرضنا قدوم زيد مع طلوع الفجر ، لم يجب عليه قضاء أيضا ، لان عند حصول الشرط يجب عليه ، فيحتاج أن ينوي فيما بعد الصوم عما وجب عليه ، وهذا لا يصح هاهنا ، لانه قد مضى جزء من اليوم وهو بحكم المفطر.

وهذا القول يدل على أن نية الصوم لا بدّ من احضارها عند أول جزء الصيام ، أو نيتها مستمرا على حكمها ، والمشهور بين علمائنا الاول.

قالرحمه‌الله : لو نذر الصيام في بلد معين ، قال الشيخ : صام اين شاء ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من الوجوب ، ترك العمل بها في وجوب الصوم ، للاجماع ، ولعموم النصوص الدالة على وجوب الوفاء بالمنذور فيبقى معمولا بها فيما عداها.

والالتفات الى ان نذر الصيام في بلد معين طاعة ، فيجب الوفاء به ، ولا يجزي الصوم في غيره ، والمقدمتان ظاهرتان ، وهو ظاهر كلام المتأخر في كتاب الصوم.

ولقائل أن يمنع كون المجموع ـ أعني : الصوم وكونه في بلد معين ـ طاعة بل الطاعة انما هي الصوم فقط ، فيجوز ايقاع الصوم حينئذ في أي موضع شاء المكلف.

واعلم أن هذا المنع انما يتمشى اذا لم يكن الموضع الذي قد نذر فيه الصيام من الاماكن المشرفة. أما اذا كان من الاماكن المشرفة ، كالمسجد الحرام ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وما شاكلهما ، فالاقوى ايقاع الصوم في الموضع المنذور.

قالرحمه‌الله : ولو نذر الصلاة في مسجد معين أو مكان معين من المسجد

__________________

(١) المبسوط ١ / ٢٧٨.


لزم ، لانه طاعة. أما لو نذر الصلاة في مكان لا مزيّة فيه للطاعة على غيره ، قيل : لا يلزم ، وتجب الصلاة ويجزي ايقاعها في كل مكان ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ من النظر الى الاصالة الدالة على براءة الذمة من لزوم الصلاة في الموضع المعين ، ولان المنذور يشترط أن يكون طاعة ولا طاعة في الصلاة في هذا المكان ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى عموم قوله تعالى «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ »(١) وعموم قولهعليه‌السلام « من نذر أن يطيع الله فليطعه »(٢) وهو الذي قواه الشيخ أخيرا.

فرعان :

الاول : اعلم أن الشيخرحمه‌الله قال في المبسوط : اذا نذر أن يصلي ركعتين في أحد هذين المسجدين ، وعنى مسجد النبيعليه‌السلام والاقصى ، انعقد نذره بالصلاة وهل يتعين عليه المكان بالنذر؟ قال قوم : يتعين عليه. وقال قوم : لا يتعين وله ايقاع الصلاة حيث شاء ، والاول أقوى.

واحتج على ذلك بأنه طاعة فيجب الوفاء به ، عملا بالخبر الذي ذكرناه نحن أولا ، ولان أبا سعيد الخدري روى أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الاقصى ، ومسجدي هذا.

ثم قال : واذ انذر اتيان غيره هذه ، فمسجد الكوفة والبصرة ونحو هذا ، فلا ينعقد نذره. وكذا لو نذر الصلاة فيها ، بل يصلي حيث شاء. ثم قال : ويقوى في نفسي أنه متى نذر الصلاة في هذه المساجد لزمه.

وأقول : والاول أقوى عندي ، عملا بظاهر رواية الخدري.

الثاني : قالرحمه‌الله في المبسوط أيضا : اذا نذر اتيان هذين المسجدين

__________________

(١) سورة النحل : ٩١.

(٢) عوالى اللئالى ٢ / ١٢٣.


أعني : مسجد النبيعليه‌السلام والاقصى ، وجب ويلزمه عند الوصول صلاة ركعتين ، لان المقصود بالاتيان الطاعة والقربة ، وانما يحصلان بالصلاة فيه لا بقصده ، ولقائل أن يمنع المقدمة الثانية ، اذ نفس قصد أحدهما طاعة.

قالرحمه‌الله : اذا نذر أن يصوم أول يوم من شهر رمضان ، لم ينعقد نذره لان صيامه مستحق بغير النذر ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن صوم هذا اليوم واجب بأصل الشرع ، فلا يصح نذره أما أولا ، فلاستحالة تحصيل الحاصل. وأما ثانيا فلاشتماله على العيب ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط ، وأتبعه المتأخر.

والالتفات أنه ربما تحققت في هذا النذر فائدة ، وهو وجوب كفارة خلف النذر مع تعمد المخالفة بالافطار ، فيصح النذر لتحقق هذه الفائدة ، وهو اختيار شيخنا في المختلف(١) .

تمت الترددات المذكورة في قسم الايقاعات ، والله المشكور على ما أسبغ من أنعمه السنيات.

__________________

(١) مختلف الشيعة ص ١١١ من كتاب الايمان.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الصيد )

قالرحمه‌الله : ويؤكل ما قتله المعراض اذا خرق.

أقول : المعراض السهم الذي لا ريش فيه ، ذكر ذلك الجوهري في الصحاح(١) .

قالرحمه‌الله : اذا عض الكلب صيدا ، كان موضع العضة نجسا يجب غسله على الاصح.

أقول : ذهب الشيخرحمه‌الله في الخلاف(٢) الى أن موضع العضة ليس بنجس ، فلا يجب غسله ، مستدلا بقوله تعالى «فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ »(٣) فأباح تعالى الاكل ولم يأمر بالغسل ، ولان الاخبار كلها دالة على ذلك ، اذ لم يؤمر فيها بغسل الموضع ، وهو أحد قولي الشافعي.

والحق الوجوب ، وهو اختيار المتأخر ، والقول الثاني للشافعي.

لنا ـ أنه نجس فيجب غسل الموضع الذي لاقاه بفمه ، أو غيره من سائر جسده

__________________

(١) صحاح اللغة ٣ / ١٠٨٣.

(٢) الخلاف ٢ / ٥١٧.

(٣) سورة المائدة : ٤.


والمقدمتان ظاهرتان اجماعيتان عندنا ، والآيات والاخبار متروكتا(١) الظاهر ، للاجماع المقدم ذكره. وقال في المبسوط : القول بعدم التنجيس أقوى ، والثاني أحوط(٢) .

قالرحمه‌الله في فصل الذباحة : فان نحر المذبوح أو ذبح المنحور فمات لم يحل أكله. ولو أدرك ذكاته فذكى حل ، وفيه تردد ، اذ لا استقرار للحياة بعد الذبح أو النحر.

أقول : منشؤه : النظر الى أصل الاباحة ، ولان المقضي للاباحة وهو التذكية موجود ، فيحكم بها عملا بالمقتضي ، وهو اختيار الشيخ في النهاية(٣) ، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن التحليل حكم شرعي ، فيقف ثبوته على الدليل الشرعي ، ولم يوجد دليل دال على تحليل المنحور اذا ذبح أو المذبوح اذا نحر ، والتذكية انما تؤثر الاباحة اذا صادفت محلا قابلا لها ، وهو غير موجود هنا ، اذ المحل القابل انما هو ذو الحياة المستقرة اجماعا ، ونحن نمنع استقرار الحياة مع الذبح أو النحر ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف(٤) .

قالرحمه‌الله : وتكره الذباحة ليلا إلا مع الضرورة ، وبالنهار يوم الجمعة قبل الزوال ، وأن ينخع الذبيحة.

أقول : المراد بالنخع هنا ابانة الرأس من الجسد وقطع النخاع ، وهو الخيط الابيض الذي في جوف الفقار ، وهي منظومة فيه ، وهي من الرقبة ممدود عجب الذنب ، هذا تفسير الشيخرحمه‌الله وابن ادريس.

__________________

(١) فى « س » : متركتى.

(٢) المبسوط ٦ / ٢٥٩.

(٣) النهاية ص ٥٨٣.

(٤) الخلاف ٢ / ٥٢٩.


وقال الجوهري : يقال ذبحه فنخعه ، أي : جاوز منتهى الذبح الى النخاع ، ومنه دابة منخوعة(١) .

قالرحمه‌الله : ذكاة الجنين ذكاة أمه ان تمت خلقته ، وقيل : ولم تلجه الروح ولو ولجته ، لم يكن بد من تذكيته ، وفيه اشكال. ولو لم يتم خلقته لم يحل أصلا ومع الشرطين يحل بذكاة أمه. وقيل : لو خرج حيا ولم يتسع الزمان لتذكيته حل أكله ، والاول أشبه.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في النهاية : واذا ذبح شاة أو غيرها ، ثم وجد في بطنها جنين ، فان كان قد أشعر أو أوبر ولم يلجه الروح فذكاته ذكاة أمه. وان لم يكن تاما لم يحل أكله على حال ، وان كان فيه روح وجب تذكيته ، والا فلا يجوز أكله(٢) . وتبعه ابن ادريس.

وبمضمونه قال في الخلاف(٣) والمبسوط ، الا أنه قال في المبسوط : وان خرج حيا نظرت ، فان عاش بقدر ما لا يتسع الزمان لذبحه فهو حلال ، وان عاش ما يتسع الزمان لذبحه ثم مات قبل الذبح فهو حرام ، سواء تعذر ذبحه لتعذر الآلة أو لغيرها(٤) . وهو مذهب الشافعي وجماعة من قدماء الجمهور.

وقال المصنف في نكت النهاية حيث سئل هل أراد الشيخرحمه‌الله بقوله « ولم يلجه الروح » أصلا أم وقت خروجه لم يكن فيه روح؟ وبما ذا يكون(٥) تاما؟ هل بعدم الاشعار أم بشي‌ء آخر؟ أراد بالذي ليس بتام ما لم يكن أشعر أو أوبر ،

__________________

(١) صحاح اللغة ٣ / ١٢٨٨.

(٢) النهاية ص ٥٨٤ ـ ٥٨٥.

(٣) الخلاف ٢ / ٥٤٢.

(٤) المبسوط ٦ / ٢٨٢.

(٥) فى « م » : لا يكون.


وأراد عدم ولوج الروح فيه أصلا ، بحيث لو ولجته الروح فيه أصلا ، بحيث لو ولجته الروح في جوف أمه لم يحل ما لم يذك.

ثم قال : هذا مقصودهرحمه‌الله في كتبه كلها ، وتابعه المتأخرون على ذلك ، وعندي هذا في موضع المنع.

أما اشتراط تمام الخلقة ، فانا نسلمه اتفاقا ، ولرواية محمد بن مسلم عن أحدهما(١) ، ورواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (٢) ، ورواية جراح المدائني عنهعليه‌السلام (٣) ، ورواية ابن مسكان عن أبي جعفرعليه‌السلام (٤) .

وأما اشتراط عدم ايلاج الروح مع اشتراط الاشعار والايبار ، فبعيد. أما أولا فلعدم النقل ، وأما ثانيا فلقضاء العادة بخلافه. وما قاله المصنف سديد في موضعه.

قالرحمه‌الله : الثاني ـ الحشرات ، كالفأر وابن عرس والضب ، ففي وقوع الذكاة عليها تردد ، أشبهه أنه لا يقع.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الوقوع حكم من أحكام الشريعة ، فيقف ثبوته على الخطاب الشرعي ، وهو مفقود هنا.

والالتفات الى أنها طاهرة ، فيصح ذكاته. وانما كان عدم الوقوع أشبه ، لان ذبح الحيوان محظور الا بالشرع ، لما فيه من التعذيب المستقبح عقلا ولا شرع هنا.

قالرحمه‌الله : الرابع ـ السباع ، كالاسد والنمر والفهد والثعلب ، ففي وقوع الذكاة عليها تردد ، والوقوع أشبه.

أقول : ينشأ : من النظر الى ما ذكرناه في التردد السابق على هذا بلا فصل. وانما كان الوقوع هنا أشبه ، لما في تسويغه من المنفعة المقصودة للعقلاء ، وهي

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٩ / ٥٨ ، ح ٢٤٤.

(٢) تهذيب الاحكام ٩ / ٥٩ ، ح ٢٤٦.

(٣) تهذيب الاحكام ٩ / ٥٩ ، ح ٢٤٥.

(٤) تهذيب الاحكام ٩ / ٥٨ ، ح ٢٤٣ ، وفيه ابن سنان.


الانتفاع بجلود ما ذكرناه : أما مع الذكاة فقط ، أو مع الدبغ أيضا على الخلاف.

قالرحمه‌الله : ولو اتخذ موحلة للصيد ، فنشب بحيث لا يمكنه التخلص ، لم يملكه بذلك ، لانها ليست آلة معتادة ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن الموحلة ليست آلة في العادة ، فلا يحصل بها ملك الصيد ، بل يفيد الاولوية ، فان تخطاها أحد وأخذ الصيد ملكه وان كان مسيئا وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى ان اتخاذ الموحلة للصيد يجري مجرى الحيازة يملك بها الصيد اذ هو مباح والمباح يملك بالحيازة ، ولان ذلك يسمى آلة لغة.

قالرحمه‌الله : ولو أغلق عليه بابا ولا مخرج له ، أو في مضيق لا يتعذر قبضه ملكه ، وفيه أيضا اشكال ، ولعل الاشبه أنه لا يملك هنا الا مع القبض باليد أو الآلة.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن ذلك ليس آلة معتادة للاصطياد ، ولان الملك حكم شرعي فيقف على موضع الدلالة ، وحيث لا دلالة فلا حكم.

والالتفات الى أن ذلك حيازة فيقع به الملك. وانما كان عدم الملك أشبه ، لدلالة الاصل عليه.

قالرحمه‌الله : ولو أطلق الصيد من يده لم يخرج عن ملكه ، فان نوى اطلاقه وقطع نيته عن ملكه ، هل يملكه غيره باصطياده؟ الاشبه لا ، لانه لا يخرج عن ملكه بنية الاخراج ، وقيل : يخرج ، كما لو وقع منه شي‌ء حقير فأهمله ، فانه يكون كالمبيح له ، ولعل بين الحالين فرقا.

أقول : أشار بالفرق الى أن الاهمال هنا انما أفاد الاباحة على تقدير تسليمها ، وهو غير المتنازع فيه ، اذ النزاع انما وقع في افادة الملك وهو غير الاباحة.

قالرحمه‌الله في كتاب الاطعمة والاشربة : الاول ـ في حيوان البحر ، ولا يؤكل منه الا ما كان سمكا له فلس ، سواء بقي عليه كالشبوط والبياح ، أو لم يبق كالكنعت.

أقول : الكنعت ضرب من السمك ، ويقال أيضا : كنعد بالدال غير المعجمة ،


نقل ذلك المتأخر في كتابه.

قالرحمه‌الله : ما ليس له قانصة ولا حوصلة ولا صيصية فهو حرام.

أقول : المراد بالصيصية هنا الجارحة من كف الطائر ، فانها بمنزلة الابهام من بني آدم ، وكل ما يحصن به صيصة بغير همز ، لانها مشتقة من الصياص ، وهي الحصون ، وقد يراد بها القرون أيضا ، ذكر ذلك جميعه المتأخر.

قالرحمه‌الله : المحرمات من الذبيحة خمسة : الطحال ، والقضيب ، والفرث ، والدم ، والانثيان ، وفي المثانة والمرارة والمشيمة تردد ، أشبهة التحريم لما فيها من الاستخباث.

أقول : منشؤه : النظر الى قضاء الاصالة بالإباحة ، وهو خيرة شيخنا المفيد وسلار.

والالتفات الى أن هذه الاشياء مستخبثة عرفا ، فتكون محرمة شرعا. أما المقدمة الاولى ، فظاهرة لكونها وجدانية.

وأما الكبرى ، فلقولهعليه‌السلام « كل ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن »(١) ولا شك أن استخباث هذه الاشياء حسن عند المسلمين ، فيكون حسنا عند الله تعالى ، عملا بظاهر الخبر ، وهو المراد بالتحريم هنا ، وهو اختيار الشيخ وأتباعه.

والمثانة بالثاء المنقطة بثلاث نقط موضع البول ومخففة ، ذكر ذلك الجوهري(٢) والمتأخر.

والمشيمة الغرس وأصلها مفعلة فسكنت الياء والجمع مشائم على مثال معايش ، ذكر ذلك الجوهري في صحاحه(٣) . وعنى بالغرس بكسر الغين ما

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٣٨١.

(٢) صحاح اللغة ٦ / ٢٢٠٠.

(٣) صحاح اللغة ٥ / ١٩٦٣.


يخرج مع الولد كأنه مخاط ويقال : جليدة يكون على وجه الفصيل ساعة يولد فان تركت قتلته. قال الراجز :

يتركن في كل مناخ أبس

كل جنين مشعر في غرس(١)

قالرحمه‌الله : أما الفرج والنخاع والعلباء والغدد وذات الاشاجع ـ الى آخره.

أقول : قد مر تفسير النخاع ، وفيه لغتان : ضم النون وكسرها ، ومن العرب من يفتحها أيضا.

والعلباء بكسر العين عصبتان عريضتان صفراوان ممدودان من الرقبة على الظهر الى عجب الذنب.

والاشاجع أصول الاصابع التي تتصل بعصب ظاهر الكف ، الواحد أشجع ، قال لبيد :

وأنه يدخل فيها إصبعه

يدخلها حتى تواري أشجعه

قال الجوهري : وناس يزعمون أنه اشجع مثال اصبع ، ولم يعرفه أبو الغوث(٢) .

قالرحمه‌الله : القسم الخامس في المائعات ، والمحرم منها خمسة : الخمر وكل مسكر كالنبيذ والبتع والفضيخ ، والنقيع والمزر.

أقول : البتع بكسر الباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة وسكون التاء المنقطة من فوقها بنقطتين شراب يتخذ من العسل.

والنقيع : شراب يتخذ من الزبيب. والمزر : شراب من الذرة. وأما الفضيخ ، فهو شراب يتخذ من تمر وسر ، ويقال : هو أسرع ادراكا.

__________________

(١) صحاح اللغة ٢ / ٩٥٢.

(٢) صحاح اللغة ٣ / ١٢٣٦.


قالرحمه‌الله : ودواخن الاعيان النجسة عندنا طاهرة ، وكذا كل ما أحالته النار فصيرته رمادا أو دخانا على تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن ايجاب الاصحاب الاستصباح بالدهن النجس تحت السماء دون الظلال يؤذن بنجاسة دخان الاعيان النجسة ورمادها ، وهو أصح وجهي الشافعي.

والالتفات الى أن الاصحاب رووا جواز السجود على جص أو قد عليه بالنجاسات ، وذلك يدل على أن دواخن الاعيان النجسة ورمادها ظاهران ، والا لزم السجود على النجس ، وهو باطل اجماعا ، وهذا الدليل عول عليه الشيخ في المبسوط(١) والمتأخر.

واحتج في الخلاف(٢) بأصالتي الطهارة وبراءة الذمة ، وبأن الحكم بالنجاسة وشغل الذمة يحتاج الى دليل ، ولقائل أن يمنع جواز السجود على الجص ، فيسقط حينئذ الاستدلال به.

ونمنع دلالة ايجاب الاستصباح بالنجس تحت السماء فحسب على النجاسة ولم لا يقال ان ذلك تعبد شرعي تعبدنا به؟ كما هو مذهب ابن ادريس والمصنف أو نمنع وجوب الاستصباح به تحت السماء دون السقف ، بل هو جائز ، أي : الاستصباح به تحت الظلال على كراهية ، كما هو مذهب الشيخ في المبسوط(٣) ، وبالجملة فتردد المصنف هنا ضعيف بالمرة.

قالرحمه‌الله : لا يجوز أن يأكل الانسان من مال غيره الا باذنه ، وقد رخص مع عدم الاذن في التناول من بيوت من تضمنته الآية اذا لم يعلم منه الكراهية ،

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٨٣.

(٢) الخلاف ٢ / ٥٤٤ مسألة ٢٠.

(٣) المبسوط ٦ / ٢٨٣.


ولا يحمل منه ، وكذا ما يمر به الانسان من النخل ، وكذا الزرع والشجر على تردد.

أقول : ينشأ من النظر الى أن جواز ذلك في النخل ثبت على خلاف مقتضى الدليل ، للاجماع والنص ، فيبقى الباقي من الزرع والشجر على أصالة التحريم ، وهو اختيار الشيخ في الحائريات.

والالتفات الى الروايتين المرويتين عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) دالتان على جواز الاكل من جميع ذلك ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) والخلاف(٣) وكتابي الاخبار ، واختاره المتأخر ، الا أن المتأخر جوز التناول ما لم ينه المالك ، والشيخ أطلق القول بالجواز وخص الجواز في النهاية(٤) بالفواكه.

واعلم أنه قد روى علي بن يقطين عن أبي الحسنعليه‌السلام ما يضاد ذلك ظاهرا قال : سألته عن الرجل يمر بالثمرة من النخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر ، أيحل أن يتناول ويأكل بغير اذن صاحبه؟ وكيف حاله ان نهاه صاحب الثمرة؟ وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه؟ قال : لا يحل له أن يأخذ منه شيئا(٥) . وحمل الشيخ ذلك على النهي عن الاخذ دون الاكل.

قالرحمه‌الله في أحكام المضطر : ولو وجد ميتة وطعام الغير ـ الى قوله : فان كان صاحب الطعام ضعيفا لا يمنع أكل الطعام وضمنه ولم تحل الميتة ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الضرورة المبيحة لاكل الميتة منفية هنا ، فلا

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٦ / ٣٨٣.

(٢) المبسوط ٦ / ٢٨٨.

(٣) الخلاف ٢ / ٥٤٦.

(٤) النهاية ص ٤١٧.

(٥) تهذيب الاحكام ٧ / ٩٢ ، ح ٣٥.


يسوغ له أكلها ، وانما قلنا انها منفية لانه قادر على أكل طعام مستطاب حلالا ، بأن يقومه على نفسه ويؤدي ثمن مثله فيجب عليه ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى عموم النهي عن التصرف في مال الغير ، ترك العمل به في ما اذا لم يجد الاطعام الغير فقط ، للاجماع عليه ، ولتحقق الاضطرار إليه ، وحصول الضرر العظيم مع تركه ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، وهو الاقوى.

__________________

(١) المبسوط ٦ / ٢٨٧.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الغصب )

قالرحمه‌الله : ولو استخدم الحر لزمته الاجرة. ولو حبس صانعا لم يضمن أجرته ما لم ينتفع به ، لان منافعه في قبضته. ولو استأجره لعمل ، فاعتقله ولم يستعمله فيه تردد ، والاقرب أن الاجرة لا تستقر لمثل ما قلناه.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة من الاجرة ، ولان المنافع انما تضمن بالغصب ولا غصب هنا.

والالتفات الى أن عقد الاجارة اقتضى وجوب الاجرة للاجير على المستأجر كما اقتضى وجوب العمل للمستأجر عليه من أول زمان الامكان ، فاذا لم يستعمله في ذلك الزمان استقرت عليه الاجرة لتفريطه.

قالرحمه‌الله : ويضمن الخمر بالقيمة عند المستحل لا بالمثل ، ولو كان المتلف ذميا على ذمي ، وفي هذا تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الخمر من ذوات الامثال ، ونعني بالمثلي ما يتساوى أجزاؤه قيمة فيضمن بالمثل. أما المقدمة الاولى ، فظاهرة مع معرفة تفسير المثلي.


وأما المقدمة الثانية ، فاجماعية ولقوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ »(١) ولان المقتضي للضمان بالمثل موجود والمعارض مفقود ، فيجب القول بضمان المثل.

أما المقتضي للضمان بالمثل ، فهو تلف العين المغصوبة التي من ذوات الامثال ولا شك في وجوده هنا.

وأما المعارض ، فهو عدم ملكية الخمر المانع من أدائها بدلا ، وذلك انما يتأتى في حق المسلم ، أما الذمي فلا ، وهو مذهب أبي حنيفة.

والالتفات الى أنه قول مشهور لعلمائنا ، فيجب تلقيه بالقبول ، اذ الكثرة أمارة الرجحان ، خصوصا وقد استدل الشيخ في الخلاف(٢) عليه باجماع الفرقة وأخبارهم.

فرع :

قال الطحاوي : لو أسلم المتلف وكان ذميا قبل أن يؤخذ منه مثل الخمر سقط عن ذمته. وهذا انما يتأتى على القول الاول. أما على قول الشيخ فلا ، بل تجب القيمة سواء أسلم المتلف أولا. ولما كان هذا الدليل ضعيفا ، لا جرم كان القول الاول أقوى.

قالرحمه‌الله : لو غصب شاة فمات ولدها جوعا ، ففي الضمان تردد. وكذا لو حبس مالك الماشية عن حراستها فاتفق تلفها. وكذا التردد لو غصب دابة فتبعها الولد.

أقول : منشأ التردد في هذه المسائل الثلاث من النظر الى أصالة براءة الذمة وهي دليل قطعي ، فيتمسك بها الى حين ظهور الدليل الناقل عنها ، وهو غير موجود هنا.

__________________

(١) سورة البقرة : ١٩٤.

(٢) الخلاف ١ / ٦٧٩ ، مسألة ٢٨ من كتاب الغصب.


ومن الالتفات الى أن سبب الاتلاف في هذه الصور صدر منه ، فيلزم الضمان ولعله الاقوى.

قالرحمه‌الله : أما لو فتح رأس الظرف ، فقلبته الريح أو ذاب بالشمس ، ففي الضمان تردد ، ولعل الاشبه أنه لا يضمن ، لان الريح والشمس كالمباشر ، فيبطل حكم السبب.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة البراءة ، ولان الريح والشمس مستقلان بالاتلاف هنا ، فينتفي الضمان عنه ، بدليل أن المباشر للتلف أولى بالضمان من ذي السبب ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

والالتفات الى أن المباشر هنا ضعيف ، فيبطل حكمه ، والاول أقوى.

فائدة :

قال الشيخ في المبسوط : أصل هذا الباب وما في معناه كل من فعل فعلا بيده كان الضمان عليه ، كما لو باشر القتل وان كان بسبب ، فان كان مباحا كمن حفر بئرا فوقع فيها انسان في ظلمة كان عليه الضمان ، وان حصل منه سبب وحدث بعده فعل سقط حكم السبب ، ثم ينظر في المباشر ، فما يتعلق به الضمان ضمن ، كالحافر والدافع والممسك والذابح ، وان كان مما لا يضمن فعله سقط حكمه ، كالطائر بعد وقوفه عندهم ، وقد قلنا ما عندنا فيه(٢) .

قالرحمه‌الله : وان لم يكن مثليا ضمن قيمته يوم غصبه ، وهو اختيار الاكثر. وقال في الخلاف : يضمن أعلى القيم من حين الغصب الى حين التلف ، وهو حسن. ولا عبرة بزيادة القيمة ولا بنقصانها بعد ذلك على تردد.

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٨٩ ـ ٩٠.

(٢) المبسوط ٣ / ٩٠.


أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة ، ترك العمل بها في صورة الزامه بالقيمة يوم غصبه ، أو أعلى القيم من حين يوم الغصب الى حين التلف ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو خيرة الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) .

والالتفات الى أن الغاصب مأمور برد المغصوب في كل زمان يأتي عليه وهو في يده ، واذا ثبت أنه مأمور بذلك في كل أوان وجب عليه أعلى القيم من حين الغصب الى حين الرد ، ولان الغصب عقوبة وايجاب أعلى القيم مناسب لتلك العقوبة.

قالرحمه‌الله : وكل جناية [ ديتها ] مقدرة في الحر ، فهي مقدرة في المملوك بحساب قيمته ، وما ليست مقدرة في الحر ففيها الحكومة. ولو قيل : يلزم الغاصب أكثر الامرين من المقدر والارش ، كان حسنا.

أقول : القول الاول للشيخرحمه‌الله في المبسوط(٢) والخلاف(٣) ، واحتج عليه في الخلاف باجماع الفرقة وأخبارهم ، وأتبعه المتأخر ، ويؤيده الاصالة.

والقول الثاني للمصنفرحمه‌الله ، وربما كان أشبه لما فيه من تغليظ العقوبة على الغاصب.

قالرحمه‌الله : ولو استغرقت قيمته ، قال الشيخرحمه‌الله : كان المالك مخيرا بين تسليمه وأخذ القيمة وبين امساكه ولا شي‌ء له ، تسوية بين الغاصب في الجناية وغيره ، وفيه التردد.

أقول : ايجاب القيمة مع تسليمه إليه للاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداها

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٦٠.

(٢) المبسوط ٣ / ٦٢.

(٣) الخلاف ١ / ٦٧٢.


وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) والخلاف(٢) ، محتجا باجماع الفرقة وأخبارهم.

والالتفات الى أن تغليظ العقوبة يقتضي الزامه بأرش الجناية مع رد المملوك الى سيده.

قالرحمه‌الله : ولو غصب شيئين ينقص قيمة كل واحد منهما اذا انفرد عن صاحبه كالخفين ـ الى قوله : أما لو أخذ فردا من خفين يساويان عشرة ، فتلف في يده وبقي الاخر في يد المالك ناقصا عن قيمته بسبب الانفراد ، رد قيمة التالف ان لو كان منضما الى صاحبه ، وفي ضمان ما نقص من قيمة الاخر تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن أصالة براءة الذمة تنفي وجوب ذلك ، ولان سبب الضمان في هذه الصورة انما هو تلف المغصوب أو الغصب ، وهو مفقود هنا اذ المغصوب انما هو التالف دون غيره ، بخلاف ما لو غصبها معا ، وهو قوي.

والالتفات الى أن التفرقة جناية منه ، فيلزم ما نقص بها ، وهو ظاهر كلام الشيخ والمتأخر.

قالرحمه‌الله : ولو أغلا الزيت فنقص ضمن النقصان ، ولو أغلا عصيرا فنقص وزنه ، قال الشيخ : لا يلزمه ضمان النقيصة ، لانها نقيصة الرطوبة التي لا قيمة لها بخلاف الاولى ، وفي الفرق تردد.

أقول : اعلم أن الشيخرحمه‌الله فرق في المبسوط(٣) بين المسألة الاولى وهذه بأن النار لا يفقد أجزاء الزيت ، فاذا ذهب بعض العين كان كالمتلف للزيت عينه وذاته ، فلهذا كان عليه ما نقص ، وليس كذلك العصير لان فيه ماء ، فالنار يأكل منه الماء وبعض الاجزاء ، ألا تراه يثخن ويزيد حلاوته ، فكأن الذي ذهب منه لا قيمة له ، فلهذا لم يضمن نقصان الكيل.

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٦٤.

(٢) الخلاف ١ / ٦٧٣.

(٣) المبسوط ٣ / ٨١.


والمصنفرحمه‌الله منع الفرق بين الصورتين ، اذ هما متساويتان ، فيخصص احداهما بحكم ليس للاخرى ترجيح من غير مرجع. قوله « ألا تراه يثخن ويزيد حلاوته » قلنا : وكذلك الزيت يثخن.

قالرحمه‌الله : ولو أولدها المشتري كان حرا وعزم قيمة الولد ويرجع بها على البائع ، وقيل في هذه : له مطالبة أيهما شاء ، لكن لو طالب المشتري رجع على البائع ، ولو طالب البائع لم يرجع على المشتري ، وفيه احتمال آخر.

أقول : القائل هو الشيخرحمه‌الله في المبسوط قال : أما المشتري فلانه وجب بفعله ، وأما البائع الغاصب فلانه سبب يد المشتري(١) . والمتأخر قصر الرجوع على المشتري فقط لانه مباشر ، وهو ضعيف بغرور البائع اياه ، فيكون السبب أقوى ، ويجي‌ء على قول هذا القول الزام الغاصب البائع فقط.

وأما الاحتمال الذي أشار المصنفرحمه‌الله إليه فهو ما ذكر الشيخرحمه‌الله والمتأخر ، من أنه اذا رجع المالك على البائع الغاصب ، فكل موضع قلنا لو رجع على المشتري رجع به المشتري على الغاصب ، كما يغرمه فيما لم يحصل له في مقابلته يقع كالولد ، فالغاصب هنا لا يرجع بشي‌ء ، وكل موضع قلنا لو رجع على المشتري لم يرجع على الغاصب ، كما يغرمه في ما حصل له في مقابلته نفع فالغاصب هنا يرجع على المشتري لاستقرار الضمان عليه.

قالرحمه‌الله : اذا غصب مملوكة فوطأها ـ الى قوله : ولو سقط ميتا قال الشيخرحمه‌الله : لم يضمنه ، لعدم العلم بحياته ، وفيه اشكال ينشأ من تضمين الاجنبي ، وفرق الشيخ بين وقوعه بالجناية وبين وقوعه بغير الجناية.

أقول : اعلم أن الشيخرحمه‌الله ذكر ذلك في المبسوط(٢) ، محتجا بوجهين :

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٦٨.

(٢) المبسوط ٣ / ٦٦.


الاول : أن الموجب لضمان قيمة الولد هنا انما هو الحيلولة بين مولى الامة وبين التصرف فيه ، والحيلولة انما يتحقق أن لو وضعته حيا ، أما ميتا فلا ، لانا نعلم حياته قبل هذا.

الثاني : أصالة البراءة تنفي وجوب أداء القيمة مطلقا ، ترك العمل بها في صورة وضعه حيا ، للاجماع على ذلك ، فيبقى معمولا بها فيما عداه.

والمصنف استشكل ذلك ، ومنشأ اشكاله أن القول بتضمين الاجنبي القاؤها الجنين ميتا مع ضربه بطنها ، يقتضي وجوب الضمان مطلقا ، لان السبب المقتضي للضمان هناك انما هو القاء جنين بظن حياته ، وهذا المعنى بعينه موجود في صورة ما اذا وضعته ميتا من غير ضربه ، فيجب القول بضمان قيمته أن لو سقط حيا عملا بالمقتضي.

والشيخرحمه‌الله فرق بين هذه الصورة والاولى ، بأنها لما ألقته عقيب الضرب كان الظاهر أنه سقط بحياته ، وليس كذلك اذا وضعته ميتا من غير ضرب ، لان الاصل الموت حتى يعلم غيره ، ولعله الاقرب.

قالرحمه‌الله : ولو كان الغاصب والامة عالمين بالتحريم ـ الى قوله : ولو مات ولدها في يد الغاصب ضمنه ، ولو وضعته ميتا قيل : لا يضمن ، لانا لا نعلم حياته قبل ذلك ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : ما ذكر في الاشكال السابق على هذا بلا فصل.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الشفعة )

قالرحمه‌الله : وفي ثبوت الشفعة في النهر والطريق والحمام وما تضر قسمته تردد ، أشبهه أنها لا تثبت.

أقول : منشؤه : النظر الى أن ثبوت الشفعة على خلاف مقتضى الدليل ، لما فيها من منع المالك من التصرف في ملكه ، فلا يحكم بثبوتها الا لدليل أقوى ، وهو اختيار الشيخ في الخلاف ، محتجا بما رواه أبو هريرة وجابر أن النبيعليه‌السلام أنه قال : الشفعة في كل ما لم يقسم ، فاذا وقعت الحدود وصرفت الحدود فلا شفعة.

قال : فوجه الدلالة أنه ذكر الشفعة بالالف واللام وهما للجنس ، فكان تقدير الكلام : جنس الشفعة فيما لم يقسم. يعني ما يصح قسمته شرعا وما لا يصح قسمته لا يدخل تحته ، وبأن اثبات الشفعة حكم شرعي ، فيفتقر الى الدليل الشرعي ، وبقولهعليه‌السلام « انما الشفعة فيما لم يقسم » ولفظة « انما » تفيد معنى « لا » فكأنه قال : لا شفعة فيما لم يقسم.

فاذا ثبت هذا فان تقدير الدلالة أن قوله « فيما لم يقسم » يفيد ما يقسم الا أنه لم


يفعل فيه القسمة ، لانه لا يقال فيما لم يقسم ، وانما يقال فيما لا يقسم : ما لم ، وانما يقال فيه القسمة ، فلما قال « فيما لم يقسم » دل على ما قلناه(١) .

وأقول : انما كان كذلك ، لان لفظة « لم » يفيد نفي الماضي ، فلهذا يصح دخولها على ما يصح قسمته ، وفي معناها « لما » وأما لفظة « لا » فانها يفيد نفي الابد ، فلهذا صح دخولها على ما لا يصح قسمته شرعا ، وفي معناها « الا » وهو اختياره في المبسوط(٢) وفي موضع من النهاية(٣) ومذهب الشافعي ومالك وربيعة ، وبه قال عثمان بن عفان.

والالتفات الى أن الشفعة انما شرعت لازالة الضرر عن الشفيع الحاصل بالشركة ، وهذا المعنى متحقق في سائر المبيعات المشتركة ، فيجب القول بثبوت الشفعة فيها عملا بالمقتضي ، وهو اختيار المتأخر ، ونقله عن السيد المرتضى وغيره من المشيخة ، واختاره الشيخ في الموضع الثاني من النهاية.

قالرحمه‌الله : وفي دخول الدولاب والناعورة في الشفعة اذا بيع مع الارض تردد ، اذ ليس من عادته أن ينقل.

أقول : ينشأ من النظر الى أن الدولاب والناعورة مما يمكن نقله ، فلا يثبت فيه الشفعة ، للدليل الدال على انتفاء الشفعة عن المبيعات المنقولة.

والالتفات الى أن ذلك لا ينقل عادة ، وان كان ممكنا ، فيثبت فيه الشفعة للدليل الدال على ثبوت الشفعة في هذا النوع من المبيعات.

واعلم أن هذا التردد انما يتمشى على قول من لا يثبت الشفعة في المنقولات ، أما على القول بعموم الشفعة في المبيعات فلا.

__________________

(١) الخلاف ١ / ٦٩٠ مسألة ١٦.

(٢) المبسوط ٣ / ١١٩.

(٣) النهاية ص ٤٢٤.


قالرحمه‌الله : فروع على القول بثبوت الشفعة مع كثرة الشفعاء وهي عشرة : الاول ـ لو كان الشفعاء أربعة ، فباع أحدهم وعفى الاخر ، فللآخرين أخذ المبيع. ولو اقتصر في الاخذ على حقهما لم يكن لهما ، لان الشفعة لازالة الضرر ، وبأخذ البعض يتأكد.

أقول : هذا التعليل غير واضح ، بل الحق أن يقال : انما منعا من ذلك لما فيه من الاضرار بالمشتري ، وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(١) ، اذ الاضرار لا يتحقق هنا على تقدير تجويز أخذ حقهما فقط الا بالمشتري ، أما بهما فلا ، ولو أمكن تحققه لا يندفع(٢) باختيارهما.

والظاهر أن مراد المصنف بالضرر هنا ضرر الشفعاء ، ولا جرم أن يأخذ بعض المشفوع يتأكد ضررهما ، باعتبار ثبوت حق للمشتري بسبب الحصة المتخلفة ، فيمنعان من ذلك ، اذ هو سفه ، كما لو اتفقا على قسمة اللؤلؤة والجوهرة ، فان الحاكم يمنعهما لازالة الضرر عنهما.

قالرحمه‌الله : لو قال الحاضر : لا آخذ حتى يحضر الغائب لم تبطل شفعته لان التأخير لغرض لا يتضمن الترك ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن حق الشفعة يجب المطالبة به على الفور ، فيسقط بكل ما يعد تقصيرا وتوانيا ، ولا شك أن تأخير الاخذ مع التمكن منه توان فيسقط به.

والالتفات الى أن التأخير هنا لعذر ، فلا يبطل به الشفعة ، وهذا الذي قواه الشيخ في المبسوط(٣) .

__________________

(١) المبسوط ٣ / ١١٤.

(٢) فى « م » : لا يدفع.

(٣) المبسوط ٣ / ١١٥.


واعلم أن هذا التردد انما يتأتى على قول من يقول : ان حق الشفعة على الفور ، وهو الشيخرحمه‌الله وأتباعه. أما على قول من لا يقول بذلك ـ وهو السيد المرتضى قدس الله روحه وأتبعه المتأخر ـ فلا اشكال في عدم البطلان.

قالرحمه‌الله : اذا كانت الارض مشغولة بزرع يجب تبقيته ، فالشفيع بالخيار بين الاخذ بالشفعة في الحال وبين الصبر حتى يحصد ، لان له في ذلك غرضا ، وهو الانتفاع بالمال ، وتعذر الانتفاع بالارض المشغولة ، وفي جواز التأخير مع بقاء الشفعة تردد.

أقول : منشؤه : ما ذكر في التردد السابق عليه بلا فصل.

قالرحمه‌الله : الشفعة تورث كالمال ، فلو ترك زوجة وولدا ، فللزوجة الثمن وللولد الباقي. ولو عفا أحد الوراث عن نصيبه لم يسقط ، وكان لمن لم يعف أن يأخذ الجميع ، وفيه تردد ضعيف.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الوراث يقومون مقام ورثهم. ولو عفا المورث عن بعض ، سقطت الشفعة كلها اجماعا ، فتسقط الشفعة كلها هنا بعفو أحد الوراث عن نصيبه تحقيقا للمشابهة.

والالتفات الى أنها شفعة لعدة من الشركاء ، فلا تسقط بعفو البعض ، كما لو وجب لهم بالبيع. وأما المورث فالمستحق واحد ، فاذا عفا عن نصف حقه سقط كله ، بخلاف هذه الصورة ، فان الشريك هنا انما عفا عن كل حقه ، فلهذا لم يسقط حق شريكه ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) ، ولهذا كان التردد ضعيفا.

قالرحمه‌الله : إذا تبايعا شقصا ، فضمن الشفيع الدرك عن البائع ، أو عن المشتري ، أو شرط المتبايعان الخيار للشفيع ، لم تسقط بذلك الشفعة ، وكذا لو كان وكيلا لاحدهما ، وفيه تردد لما فيه من أمارة الرضا بالبيع.

__________________

(١) المبسوط ٣ / ١١٣.


أقول : منشؤه : النظر الى عدم التنافي بين ثبوت الشفعة هنا وصحة هذه الاحكام وهو اختيار الشيخ في الخلاف(١) ، محتجا على الجواز بعدم المانع منه ، وعلى عدم السقوط بعدم الدليل الدال عليه ، وهو مذهب الشافعي ، واختاره المتأخر في الوكالة خاصة.

والالتفات الى أن ذلك دلالة على الرضا بالبيع ، فتسقط الشفعة كما لو رضي بالبيع ولان البيع انما يتم به ، كما اذا باع بعض حقه لم يجب الشفعة على المشتري وبه قال أهل العراق.

قالرحمه‌الله : اذا باع الشقص بعوض معين لا مثل له كالعبد ـ الى قوله : ولو كانت قيمة الشقص والحال هذه أقل من قيمة العبد ، هل يرجع الشفيع بالتفاوت؟ فيه تردد ، الاشبه لا ، لانه الثمن الذي اقتضاه العقد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الشفيع انما يجب عليه أداء ما استقر ثمنا وليس إلا قيمة الشقص ، فلو كانت قيمة العبد أكثر من قيمة الشقص رجع بالتفاوت ، لانا بينا أنه أدى أكثر مما وجب عليه أداؤه ، فيكون الزائد باقيا على ملكه ، فيجوز له ارتجاعه ، عملا بقولهعليه‌السلام « الناس مسلطون على أموالهم »(٢) .

والالتفات الى أن الشفيع انما يأخذ بالثمن الذي استقر عليه العقد ، وانما استقر على أن العبد هو الثمن ، فاذا تعذر دفعه لتعذر المثلية ، وجب دفع قيمته ، ونمنع أن الواجب الاخذ بما استقر ثمنا ، بل الواجب الاخذ بما انعقد عليه العقد ثمنا ، وهو اختيار المتأخر ، وحكى الشيخ في المبسوط(٣) الوجهين ولم يرجح.

قالرحمه‌الله : لو كانت دارا لحاضر وغائب ـ الى قوله : ويرجع بالاجرة

__________________

(١) الخلاف ١ / ٦٩٣.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٢ و ٤٥٧ و ٢ / ١٣٨ و ٣ / ٢٠٨.

(٣) المبسوط ٣ / ١٣٢.


ان شاء على البائع ، لانه سبب الاتلاف ، أو على الشفيع لانه المباشر للاتلاف ، فان رجع على مدعي الوكالة ، لم يرجع الوكيل على الشفيع لانه غره ، وفيه قول آخر هذا أشبه.

أقول : أشار بالقول الاخر الى ما ذكره في المبسوط(١) ، من أنه اذا رجع على الشفيع لم يرجع الشفيع على الوكيل ، لان الشي‌ء تلف في يده فاستقر الضمان عليه ، وان رجع على الوكيل رجع الوكيل على الشفيع ، لان الضمان قد استقر عليه.

ثم حكى القول الذي اختاره المصنفرحمه‌الله ، وقوى الاول فقط ، والثاني أشبه عند المصنف ، لان المباشرة ضعيف بالغرور ، فكان السبب أقوى.

قالرحمه‌الله : ولو ترك عن الشفعة قبل البيع ، لم تبطل مع البيع ، لانه اسقاط ما لم يثبت ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن حق الشفعة انما يثبت بعد عقد البيع ، فاذا عفا قبل البيع كان عفوه باطلا ، فيكون له المطالبة بالشفعة مع وقوع البيع وانما قلنا ان عفوه باطل ، لانه لم يصادف مستحقا ، وهو اختيار المتأخر.

والالتفات الى أن الشفعة مشروعة لمصلحة الشريك ودفع الضرر عنه ، فاذا لم يرده دل على عدم التضرر ، فلا تثبت الشفعة لانتفاء السبب.

قال المصنف في النكت ، وليس ذلك من باب الاسقاط ، فيتوقف على الاستحقاق ، كالابراء من الدين ، وهو ظاهر كلام الشيخ في النهاية(٢) ، وقد استدل كثير ممن ذهب الى ذلك بما روي عن النبيعليه‌السلام أنه قال : لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه ، فاذا باع ولم يأذن به فهو أحق(٣) . وجه الاستدلال أنه علق

__________________

(١) المبسوط ٣ / ١٤٥.

(٢) النهاية ص ٤٢٥.

(٣) عوالى اللئالى ٣ / ٤٧٩ ، برقم : ١٤.


الاستحقاق على عدم الاستيذان ، فلا يثبت معه.

قالرحمه‌الله : وكذا لو شهد على البيع ، أو بارك للمشتري أو للبائع ، أو أذن للمشتري في الابتياع ، فيه تردد ، لان ذلك ليس بأبلغ من الاسقاط قبل البيع.

أقول : البحث في هذه المسائل كالبحث في السابقة وقد سلف.

قالرحمه‌الله : ولو بان الثمن مستحقا بطلت الشفعة ـ الى قوله : وكذا لو تلف الثمن المعين قبل قبضه لتحقق البطلان ، على تردد في هذا.

أقول : ينشأ من النظر الى أن الشفعة تابعة لصحة البيع ، والبيع هنا بطل لتلف عوضه ، فتبطل الشفعة تحقيقا للتبعية ، ولان البائع لا يملك مطالبة المشتري بالثمن لانه معين تلف قبل القبض ، فلا يجوز المطالبة ببدله ، لعدم تناول العقد له.

فاذا تعذر تسليم الثمن بطلت شفعة الشفيع ، لانه انما يأخذ الشفعة بالثمن الذي يلزم المشتري ، والمشتري ما لزمه الثمن ولا بدل الثمن ، فوجب أن تبطل الشفعة ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى أن الثمن مضمون على المشتري ، فاذا تلف لزمه بدله ويصح البيع وتثبت الشفعة حينئذ لكونها تابعة له.

قالرحمه‌الله : قال في الخلاف : اذا ادعى أنه باع نصيبه من أجنبي وأنكر الاجنبي ، قضى بالشفعة للشريك بظاهر الاقرار ، وفيه تردد ، من حيث وقوف الشفعة على ثبوت الابتياع ، والاول أشبه.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخرحمه‌الله في الخلاف(١) والمبسوط ، وحكم فيهما بثبوت الشفعة ، وهو مذهب جمهور الشافعية ، وهو تفريع المزني.

واحتج على ذلك في الكتابين بأن البائع أقر بحقين : أحدهما للمشتري والثاني للشفيع ، فاذا رد أحدهما ثبت حق الاخر ، كما لو أقر بدار لرجلين ،

__________________

(١) الخلاف ١ / ٦٩٥ مسألة ٣٤.


فرد أحدهما ثبت للآخر حصته.

ومنع المتأخر من ذلك ، نظرا الى أن الشفعة تابعة لثبوت الابتياع ، وحيث لا ثبوت فلا شفعة ، وذكر بعد ذلك كلاما طويلا لا فائدة في ايراده ، وهو مذهب أبي العباس ، والمصنف تردد في ذلك ، ومنشأ تردده النظر الى الوجهين ، فانهما قويان.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب احياء الموات )

قالرحمه‌الله : ولو كان النهر في ملك الغير فادعى الحريم ، قضي له به ، لانه يدعي ما يشهد به الظاهر ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الظاهر قاض له بذلك ، فيحكم له به ، عملا بظاهر قولهعليه‌السلام « أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ».

والالتفات الى أنه خارج عن ملكه ولا يدل عليه ، فلا يحكم له الا ببينة ، عملا بقولهعليه‌السلام « البينة على المدعي »(١) .

قالرحمه‌الله : في شروط التملك بالاحياء : الخامس(٢) ـ أن لا يكون مما أقطعه امام الاصل ، ولو كان مواتا خاليا من تحجير ، كما أقطع النبيعليه‌السلام الدور وأرضا بحضر موت وحضر فرس الزبير ، فانه يفيد اختصاصا مانعا من المزاحمة فلا يصح رفع هذا الاختصاص بالإحياء.

أقول : المراد بالدور هنا الدور التي أقطعها النبيعليه‌السلام بالمدينة ، واختلف

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٢٤٤ و ٤٥٣ و ٢ / ٢٥٨ و ٣٤٥.

(٢) فى الشرائع المطبوع : الرابع.


الناس في ذلك ، فمنهم من قال : أقطع الخراب الذي أرادوا أن يبنوا فيه دورا ، فسماه دورا بما يؤول إليه من العمارة. وقال آخرون : كانت تلك الخرابة من ديار عاد ، فسماها باسم ما كانت عليه ، وكلاهما مجاز.

والحضر بضم الحاء وفتحها العدو ، والمراد به هنا ما روي من أن النبيعليه‌السلام أقطع الزبير حضر فرسه ، فأجرى فرسه حتى قام فرمى بسوطه ، فقال النبيعليه‌السلام : اقطعوا له. فوفى بشرطه.

قالرحمه‌الله : والتحجير هو أن ينصب عليها المروز.

أقول : المروز جمع مرز ، وهو معروف. وأصل المرز القرص بأطراف الاصابع قرصا رفيقا ليس بالاظفار ، فاذا أوقع المرز فهو حينئذ قرص عند أبي عبيد.

قالرحمه‌الله : وأما المدارس والربط ، فمن سكن بيتا ممن له السكنى ـ الى قوله : ولو فارق لعذر قيل : هو أولى عند العود ، وفيه تردد ، ولعل الاقرب سقوط الاولوية.

أقول : منشؤه : النظر الى أن سبب الاختصاص هنا منتف ، فينتفي الاختصاص عملا بالعلية.

أما المقدمة الاولى ، فلان السبب المقتضي للاختصاص ليس الا شغل الخير : اما بالجلوس فيه ، أو كون رحله باقيا فيه ، ولا شك في انتفائهما هنا. وأما المقدمة الثانية ، فظاهرة حينئذ.

والالتفات الى أن الاصل هنا الاولوية ، للاتفاق على أنها كانت حاصلة قبل المفارقة ، ترك العمل بها في صورة ما لو فارق من غير عذر ، للاجماع فيبقى معمولا بها فيما عداها.

قالرحمه‌الله : الطرف الرابع في المعادن الظاهرة ، وهي التي لا تفتقر الى اظهار ، كالملح والنفط والقار ، لا تملك بالاحياء ولا يختص بها المحجر ، وفي


جواز اقطاع السلطان المعادن والمياه تردد ، وكذا في اختصاص المقطع بها.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز.

والالتفات الى أن ذلك لا يملك على الخصوص ، بل الناس كلهم فيه شرع يأخذون منه حاجتهم ، فلا يصح اقطاعه.

وروي أن الابيض بن حماد المازني استقطع رسول الله ملح مازن ، فروي أنه أقطعه ، وروي أنه أراد أن يقطعه ، فقال له رجل ـ وقيل انه الاقرع بن حابس ـ : أتدري يا رسول الله ما الذي تقطعه ، انما هو الماء المعد قال : فلا اذا والماء الدائم الذي لا ينقطع(١) .

وعنى بذلك أن الملح بمنزلة الماء الدائم لا ينقطع ولا يحتاج الى عمل واستجذاب شي‌ء ، ولا خلاف أن أقطاع مشارع الماء غير جائز ، فكذا المعادن الظاهرة. وطعن في الخبر بأن ذلك يؤدي الى تخطئة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الاقطاع.

وأجيب عنه بأنه ما أقطع وانما أراد ولم يفعل ، فنقل الراوي الفعل ، ولانهعليه‌السلام أقطع على ظاهر الحال ، فلما انكشف رجع. وأما اختصاص المقطع بها ، فهو فرع صحة الاقطاع ، فان جوزناه ثبت الاختصاص والا فلا.

قالرحمه‌الله : لو أحيا انسان أرضا ميتة على مثل هذا الوادي ، لم يشارك السابقين ، وقسم له ما يفضل عن كفايتهم ، وفيه تردد.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في المبسوط(٢) ، محتجا على الاختصاص بأن هذا الماء من مرافق ملكهم ، فكانوا أحق به من غيرهم مع حاجتهم إليه.

والتردد من المصنف ، ومنشؤه : النظر الى ما استدل به الشيخرحمه‌الله . والالتفات الى أنه بالاحياء ملك الارض. أما أولا ، فالاجماع اذ النزاع انما وقع

__________________

(١) نحوه سنن ابن ماجة ٢ / ٨٢٧. والمبسوط ٣ / ٢٧٤.

(٢) المبسوط ٣ / ٢٨١.


في غيره. وأما ثانيا ، فلقولهعليه‌السلام « من أحيا أرضا ميتة فهي له »(١) قضاء من الله ورسوله ، فيكون له في الماء نصيب معهم ، لعين ما ذكره الشيخرحمه‌الله .

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٢٦٨.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب اللقطة )

قالرحمه‌الله : ولا ريب في تعلق الحكم بالتقاط الطفل غير المميز ، وسقوطه في حق البالغ وفي الطفل المميز تردد ، أشبهه جواز التقاطه وعجزه عن دفع ضرورته.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المصلحة المقتضية ، لجواز التقاط الطفل غير المميز موجودة في التقاط الصبي المميز ، فيكون التقاطه جائزا عملا بالمقتضي.

والالتفات الى أن المميز قادر على الاستقلال بحفظ نفسه ، فلا يجوز التقاطه ولان جواز ذلك حكم شرعي ، وحيث لا دلالة فلا شرع.

قالرحمه‌الله : واذا وجد الملتقط سلطانا ينفق عليه استعان به ، والا استعان بالمسلمين وبذل النفقة عليهم واجب على الكفاية ، لانه دفع ضرورة مع التمكن وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن هذا النوع من النفقة احسان ومعاونة على البر فتكون واجبة ، عملا بظاهر قوله تعالى «وَأَحْسِنُوا »(١) وقوله تعالى «وَتَعاوَنُوا عَلَى

__________________

(١) سورة المائدة : ٩٣.


الْبِرِّ وَالتَّقْوى »(١) وانما خصصنا الوجوب بكونه على الكفاية ، لما في كونه واجبا على الاعيان من المشقة والحرج والضرر والعسر المنفيات شرعا ، الا عند وجود الدليل الدال على ذلك قطعا.

والالتفات الى أن وجوب ذلك حكم شرعي ، فيقف على الدلالة الشرعية ، ولا دلالة قاطعة هنا على وجوب ذلك ، ولان الاصل براءة الذمة من الوجوب.

قالرحمه‌الله : اللقيط يملك كالكبير ـ الى قوله : وفيما يوجد بين يديه أو الى جانبه تردد ، أشبهه أنه لا يقضى له به. وكذا البحث لو كان على دكة عليها متاع وعدم القضاء له هنا أوضح ، خصوصا اذا كان هناك يد متصرفة.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المقتضي للملك هنا منتف ، فيجب القول بانتفائه أما المقدمة الاولى ، فلان المقتضي له ليس الا اليد ، ولا شك في انتفائها هنا ، اذ اليد يدان : يد مشاهدة ويد حكمي ، فيد المشاهدة ما كان متمسكا به وتمسك بيده ويد الحكمي ما يكون في نيته ومتصرفا فيه ، وليس هنا شي‌ء منها بموجود.

والالتفات الى أن العادة قاضية بأن ما يكون بين يديه أو الى جانبه ، فان يده عليه كالبنيكة بين يدي الطواف والميزاب وغيرهما فان يده عليه. قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : وهذا أقوى(٢) .

والبحث فيما هو موضوع على الدكة التي وجد عليها كالبحث فيما وجد بين يديه أو الى جانبه ، وقد سلف.

قالرحمه‌الله : الخامسة ـ اذا اختلف كافر ومسلم ، أو حر وعبد ، في دعوى بنوة اللقيط ، قال الشيخ : يرجح المسلم على الكافر والحر على العبد ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : الى أن الترجيح يحتاج الى شرع ، وهو ، غير موجود هنا

__________________

(١) سورة المائدة : ٢.

(٢) المبسوط ٣ / ٣٣٧.


وهو خيرة الشيخ في الخلاف(١) ومذهب الشافعي ، واحتج الشيخ في الخلاف بعموم الاخبار الواردة في من ادعى النسب ، ولم يخصوا كافرا من مسلم ولا عبدا من حر.

والالتفات الى أن المسلم أشرف من الكافر ، فيكون دعواه أرجح ، وكذلك الحر أشرف من العبد ، فيرجح دعواه على دعوى العبد ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(٢) ، وهو مذهب أبي حنيفة ونمنع كون الاشرفية مؤثرة في أولوية الدعوى.

قالرحمه‌الله : وحكم الدابة حكم البعير ، وفي البقرة والحمار تردد ، أظهره المساواة ، لان ذلك فهم من فحوى المنع من أخذ البعير.

أقول : منشؤه : النظر الى أن العلة المقتضية للمنع ، وهي قدرته على الامتناع عما يهلكه ، موجودة في هاتين الصورتين ، فلا يجوز أخذهما عملا بالعلية ، وهي خيرة الشيخ في الخلاف ، محتجا بأن جواز ذلك يحتاج الى دليل ، وبما روي عن النبيعليه‌السلام أنه قال حين سأله السائل عن الابل والضوال ، فقال : ما لك وما لها ومعها حذاؤها وسقاؤها حتى يأتي ربها. يعني خفها وكرشها(٣) واختاره المتأخر وهو مذهب الشافعي.

والالتفات الى أن النبيعليه‌السلام انما ورد في أخذ البعير ، والحاق غيره به مجرد قياس ، وهو عندنا باطل ، وبه قال أبو حنيفة ، سلمنا لكن نمنع تحقق العلة المقتضية للمنع من الاخذ في البقرة والحمار ، وهو ظاهر ، اذ البعير أكثر صبرا على الجوع والعمل وأقوى على الامتناع مما يؤذيه.

قالرحمه‌الله : والشاة ان وجدت في الفلاة ، أخذها الواجد ، لانها لا تمتنع

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٢٨.

(٢) المبسوط ٣ / ٣٤٩.

(٣) الخلاف ٢ / ٢٢ مسألة ٢ من كتاب اللقطة.


من صغير السباع ، فهي معرضة للتلف ، والاخذ بالخيار ان شاء ملكها ويضمن على تردد ، وان شاء احتبسها أمانة في يده لصاحبها ولا ضمان عليه ، وان شاء دفعها الى الحاكم ليحفظها أو يبيعها ويوصل ثمنها الى المالك.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة براءة الذمة ، ولان الاخبار الدالة على جواز أخذ الشاة خالية من وجوب الضمان ، روى هشام بن سالم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : جاء رجل الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا رسول الله اني وجدت شاة ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هي لك أو لاخيك أو للذئب(١) . واللام يقتضي الملكية. وفي معناها روايات كثيرة.

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « على اليد ما أخذت حتى يؤدي »(٢) ولان الاصل بقاء الملك ، فلا يحكم بانتقاله عنه الا لدليل قاطع ، وهو غير موجود هنا ، وهو اختيار الشيخ ، وأتبعه المتأخر ، وهو قوي.

والاصل يخالف للدليل وقد بيناه ، والاخبار الدالة على الملكية لا ينافي ما قلناه ، لانا نحكم بملكية الشاة لواجدها ، عملا بمقتضى هذه الاخبار ويوجب عليه ضمان قيمتها لمالكها ، عملا بظواهر الاخبار الدالة على وجوب ضمان مال الغير مع حصوله في يد آخر.

قالرحمه‌الله : وفي حكمها كل ما لا يمتنع من صغار السباع ، كأطفال الابل والبقر والخيل والحمير ، على تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى المشاركة في العلة المقتضية لجواز الاخذ ، وهي عدم القوة على الامتناع من صغار السباع ، والاشتراك في العلة يقتضي الاشتراك

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٦ / ٣٩٤ ، ح ٢٤.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٢٤ و ٣٨٩ و ٢ / ٣٤٥.


في موجبها ، وهو خيرة الشيخ في المبسوط(١) ، وأتبعه المتأخر.

والالتفات الى أن التعدي قياس ، والاصل عصمة مال المسلم ، فلا يتسلط على أخذه الا لدليل أقوى وليس.

قالرحمه‌الله : ويصح أخذ الضالة لكل بالغ عاقل ـ الى قوله : وفي العبد تردد ، أشبهه الجواز ، لان له أهلية الحفظ.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة الجواز ، ولان للعبد أهلية الاحتفاظ ، وأخذ الضالة نوع احتفاظ ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) والخلاف(٣) ، عملا بعموم الاخبار الواردة في هذا الباب ، فمن ضعفها فعليه الدليل.

والالتفات الى أن ذلك نوع تعرض للتملك ، وليس للعبد أهلية التملك ، ويؤيده ما رواه أبو خديجة عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سأله ذريح عن المملوك يأخذ اللقطة ، فقال : وما للمملوك وما للقطة المملوك لا يملك من نفسه شيئا ، فلا يعرض لها المملوك(٤) . واختاره ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه(٥) .

قالرحمه‌الله : وفي جواز التقاط النعلين والاداوة خلاف ، أظهره الجواز مع كراهية.

أقول : الاداوة المطهرة ، والجمع ، الاداوى على مثال المطايا ، قال الراجز :

*اذ الاداوى ماؤها تصبصبا*

وكان قياسة اذا أدائى مثل رسالة ورسائل فتجنبوه وفعلوا به ما فعلوا بالمطايا

__________________

(١) المبسوط ٣ / ٣٢٠.

(٢) المبسوط ٣ / ٣٢٥.

(٣) الخلاف ٢ / ٢٣.

(٤) تهذيب الاحكام ٦ / ٣٩٧ ، ح ٣٧.

(٥) من لا يحضره الفقيه ٣ / ٢٩٤.


والخطايا ، فجعلوا فعائل فعالى(١) .

قالرحمه‌الله : اذا التقط العبد ولم يعلم المولى ، فعوف حولا ثم أتلفها ، تعلق الضمان برقبته ، يتبع بذلك اذا أعتق ، كالقرض الفاسد ، ولو علم المولى قبل التعريف ولم ينتزعها منه ، ضمن لتفريطه بالاهمال ، اذ لم يكن أمينا ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن السيد هنا مفرط ، فيلزمه الضمان. أما الصغرى فلان السيد كان قادرا على انتزاعها من يده ، فاهماله تفريط ظاهر ، كما لو وجدها وسلمها الى فاسق. وأما الكبرى فاجماعية ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) .

والالتفات الى أن العبد هنا مباشر للاتلاف ، فيتعلق الضمان برقبته ، كالدين الذي يلزمه بغير اذن مولاه ، وأروش الجنايات التي يجنيها.

قالرحمه‌الله : لا تدفع اللقطة الا بالبينة ، ولا يكفي الوصف. ولو وصف صفات لا يطلع عليها الا المالك غالبا ، مثل أن يصف وكاءها ومقاصها ونقدها ووزنها.

أقول : الوكاء : الخيط الذي يشد به رأس الخريطة. والعقاص : الجلدة التي فوق ضمامة القارورة. كذا ذكر المتأخر.

__________________

(١) صحاح اللغة ٦ / ٢٢٦٦.

(٢) المبسوط ٣ / ٣٢٥.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الفرائض )

قالرحمه‌الله في موانع الارث : ولو كان للقاتل وارث كافر منعا جميعا ، وكان الميراث للامام. ولو أسلم الكافر ، كان الميراث له والمطالبة إليه ، وفيه قول آخر.

أقول : أشار بالقول الاخر الى التفصيل الذي ذكره في مسألة أنه لو لم يكن للميت المسلم وارث مسلم سوى الامام ، ثم أسلم الوارث الكافر ، فميراثه له لانه أولى من الامام مطلقا ، أو الامام أولى مطلقا ، أو الامام أولى بعد نقل التركة الى بيت ماله ، أما قبله فلا.

قالرحمه‌الله : مسألتان ـ الاولى : يفك الابوان للارث اجماعا ، وفي الاولاد تردد ، أظهره أنهم يفكون.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن الفك ورد على خلاف مقتضى الدليل ، لما فيه من اجبار المالك على أخذ القيمة عن ملكه ، ترك العمل به في صورة وجوب فك الأب ، للاجماع فيبقى معمولا به فيما عداه ، وهو غيرة سلار.

ومن الالتفات الى الاخبار الدالة على وجوب فك الاولاد ، وهي كثيرة صحيحة


فيعمل بها ، وهو اختيار أكثر الاصحاب وادعى المتأخر الاجماع عليه.

قالرحمه‌الله في الحجب : وأما الحجب الاخوة ـ الى قوله : وهل يحجب القاتل؟ فيه تردد ، والظاهر أنه لا يحجب.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قوله تعالى «فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ »(١) وعموم روايات الحجب [ ترك العمل بها في عدم الحجب ](٢) بالكافر والرق ، لروايتي محمد بن مسلم والفضل عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قالا : سألنا أبا عبد اللهعليه‌السلام عن المملوك والمشرك يحجبان اذا لم يرثا؟ قال : لا(٣) . فيبقى معمولا بهما فيما عداهما.

وهو ظاهر كلام الشيخ المفيد قدس الله روحه وابني بابويه ، حيث قالوا : انما يحجب الاخوة للاب ، لانهم عياله وعليه نفقتهم ، وهذه العلة مروية ، فعلى هذا القاتل يحجب ، لان نفقته غير ساقطة.

قال صاحب كشف الرموز : بخلاف الكافر والمملوك.

وأقول : أما قوله « بخلاف المملوك » فجيد ، لان نفقته ساقطة عن أبيه لوجوبها على مولاه. وأما قوله « بخلاف الكافر » فغلط ، اذ الكفر غير مسقط للنفقة ، بل يجي‌ء على ظاهر هذا القول أن الكافر يحجب أيضا.

والالتفات الى أن الاصل عدم الحجب ، فلا يصار إليه الا لدليل ناقل ، ولان القاتل ممنوع من الميراث ، فلا يحجب كالكافر والعبد ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله والمتأخر ، حتى أن الشيخ ادعى عليه الاجماع في الخلاف(٤) .

__________________

(١) سورة النساء : ١١.

(٢) ما بين المعقوفتين من « س ».

(٣) من لا يحضره الفقيه ٤ / ٣٤١.

(٤) الخلاف ٢ / ٣٩.


والقول الاول أقوى عندي ، والاصل يخالف للدليل وقد بيناه.

وأما الثاني فمجرد قياس ، وهو عندنا باطل ، وادعاء الشيخ الاجماع فيه نظر ، اذ هو غير متحقق مع وجود الخلاف من أكابر علمائنا.

قالرحمه‌الله : وفي اشتراط وجودهم منفصلين لا حملا تردد ، أظهره أنه شرط.

أقول : منشؤه : النظر الى أن العلة المقتضية لحجب الام عما زاد على السدس ، وهي وجوب نفقة الاخوة الذين هم أولاد الأب عليه وكونهم عياله منتفية هنا ، اذ لا نفقة للحمل ، فينتفي الحجب عملا بالعلية ، وهو اختيار أكثر الاصحاب.

والالتفات الى عموم آية الحجب.

قالرحمه‌الله : وأما المقاصد فثلاثة : الاول ـ في ميراث الانساب ـ الى قوله : ولو انفرد أولاد الابن وأولاد البنت ، كان لاولاد الابن الثلثان ، ولاولاد البنت الثلث على الاظهر.

أقول : اعلم أن هذه المسألة مبنية على أن ولد الولد هل هو ولد حقيقة أو مجازا ، فان قلنا بالاول ـ كما هو مذهب السيد المرتضى قدس الله روحه وابن أبي عقيل وغيرهما واختاره المتأخر ، أعطيناه نصيب الذكر ان كان ذكرا ، وان كان ابن بنت الميت دون نصيب أبيه.

وان قلنا بالثاني ـ كما هو مذهب الشيخين وابن بابويه وأبي الصلاح وأتباعهم وهو الاقوى ـ كان لكل ولد نصيب من يتقرب به ، فيعطى ولد الابن ثلثي التركة ، ذكورا كانوا أو أناثا ، أو ذكورا وأناثا ، يقتسمونه بينهم للذكر ضعف حظ الانثى ، واحدا كان أو أكثر ، ويعطى ولد البنت ثلث التركة ، سواء كان ذكرا أو أنثى ، وعلى كل حال ، لان كل رحم بمنزلة الرحم الذي يمت به.


فائدة :

هل يقسم نصيب أولاد البنت اذا كانوا ذكورا وأناثا بينهم بالسوية ، أو للذكر مثل حظ الانثيين؟ ذهب في المبسوط(١) الى الاول. قال المصنفرحمه‌الله في النكت : ولم يذكر مستنده فأحكيه ، وذهب في النهاية(٢) وباقي كتبه الى الثاني ، وهو الحق.

لنا ـ قوله تعالى «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ »(٣) وولد البنت ولد ، للنقل والاستعمال.

قالرحمه‌الله : المقصد الثالث في الميراث بالولاء ، ومع عدم الابوين والولد يرثه الاخوة ، وهل ترث الاخوات؟ على تردد ، أظهره نعم ، لان الولاء لحمة كلحمة النسب.

أقول : اعلم أن هذا الفرع مبني على أن الولاء هل ترثه الذكور والاناث ممن يرث تركة المنعم ، أو يختص به الذكور دون الاناث.

فان قلنا بالاول ـ كما هو مذهب الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٤) والخلاف(٥) ـ ورثه الاخوات هنا ، وبه أفتى الشيخرحمه‌الله في المبسوط.

وان قلنا بالثاني ـ كما هو مذهب الشيخ المفيد قدس الله روحه ـ لم ترثه الاخوات. ولما كان القول الاول عندنا أقوى ، لا جرم كان توريثهم قويا أيضا.

قالرحمه‌الله : الثامنة ـ اذا أولد العبد من معتقه ابنا ، فولاء الابن لمعتق

__________________

(١) المبسوط ٤ / ٧٦.

(٢) النهاية ص ٦٣١.

(٣) سورة النساء : ١١.

(٤) المبسوط ٤ / ١٠٨.

(٥) الخلاف ٢ / ٦٤.


أمه ، فلو اشترى الابن عبدا ، فأعتقه كان ولاؤه له ،

ولو اشترى معتقه أب المنعم ، فأعتقه انجر الولاء من مولى الام الى مولى الأب ، وكان كل واحد منهما مولى الاخر. فان مات الابن ، فميراثه لابنه. فان مات الابن ولا مناسب له ، فولاؤه لمعتق أبيه. وان مات المعتق ولا مناسب له ، فولاؤه للابن الذي باشر عتقه. ولو ماتا ولم يكن لهما مناسب ، قال الشيخرحمه‌الله يرجع الى مولى الام ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الحكم يعود الولاء الى مولى الام ، بعد الاتفاق على انتقاله عنه الى مولى الأب الذي هو المعتق ، يفتقر الى دليل وهو مفقود هنا اذ ليس الا النص ولا شك في انتفائه ، فيكون مالهما للامام ، لانه وارث من لا وارث له.

والالتفات الى أن الاصل قاض ببقاء ولاء مولى الام ، ترك العمل به في بعض الصور ، لوجود الدليل الدال على الانتقال ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، وهو اختيار الشيخرحمه‌الله في المبسوط.

قال : ومن هذا قول الفرضيين انه انتقل الولاء ، وقولهم ينجز الولاء من الام الى الأب ، لا يريدون به أنه زال ملكه ، لكن يريدون به أن هذا عصبة ، ومولى الام مولى فعصبة المولى أولى من المولى(١) .

قالرحمه‌الله في ميراث الغرقى والمهدوم عليهم : وفي ثبوت هذا الحكم بغير سبب الهدم والغرق مما يحصل معه الاشتباه تردد ، وكلام الشيخ في النهاية يؤذن بطرده مع أسباب الاشتباه.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الاصل عدم التوارث ، فلا يصار إليه الا لدليل وهو غير موجود هنا ، وهو اختيار ابن بابويه ، اقتصارا بمورد النص.

والالتفات الى أن العلة المقتضية لثبوت هذا الحكم وهو الاشتباه موجود هنا

__________________

(١) المبسوط ٤ / ١٠٧.


فيحكم بوجوده عملا بالعلية ، وهو اختيار الشيخين وأبي الصلاح والمتأخر.

قالرحمه‌الله : اذا ثبت هذا فمع حصول الشرائط يورث بعضهم من بعض ولا يورث الثاني مما ورث منه. وقال المفيدرحمه‌الله : يرث مما ورث منه ، والاول أصح لانه انما يفرض الممكن والتوريث مما ورث يستدعي الحياة بعد فرض الموت وهو غير ممكن عادة ، ولما روي أنه لو كان لاحدهما مال صار المال كمن لا مال له.

أقول : اعلم أن صاحب كشف الرموز قدح في هذا الدليل الاول ، بانه غير وارد ، اذ فرض الشي‌ء لا ينافي الامكان بالعادة ، ثم قال : نعم يرد عليه أن الارث لا يكون الا في تركة الميت ، وما ورثه غير ما خلفه ، فلا إرث فيه ، وأن القول بالتوريث مما ورث منه يستلزم الحكم في منع بعض الورثة ، وتخصيص الاخر بمال كثير بغير سبب شرعي في صورة أخرى بتساوي الاستحقاق بالنسب مختلفي الورثة لو ترك أحدهما ألف دينار والاخر دينارا واحدا ، والاتفاق هنا قائم على جواز التقديم ، فأيهم تقدم يكون ورثة الاخر ممنوعين ، وهذا ممنوع قضية بديهية.

ويرد عليه أيضا ما روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام في قول أهل البيت قال : يورث هؤلاء من هؤلاء ، أو هؤلاء من هؤلاء ولا يرث هؤلاء مما ورثوا من هؤلاء شيئا.

ثم اعترض الاول ما يفرض أن ما ورثه من جملة تركته ، فيورث عنه الثاني بأن كونه ممنوعا في صورة غير مستلزم لكل الصور. واعترض الرواية بأنها مرسلة فلا يعمل بها.

ثم أجاب عن الاول ، بأن فرض الشي‌ء لا يفيد وقوعه في جميع الصور ، فهو ممنوع ، وان أراد أنه لا يفيد في بعض الصور ، فهو مسلم أيضا ، لكنه واقع هنا اذ البحث انما وقع فيه. وعن الثاني بأنه لا قائل بالفصل ، وعن الرواية بأنها منجبرة بعمل أكثر الاصحاب وبما قلناه.

واحتج المتأخررحمه‌الله على أن الثاني مما ورث منه بوجهين :


الاول : أن الارث لا يكون الا مما يملكه الميت قبل موته ، وهذا المعنى غير متحقق هنا فلا إرث ، وهذا الدليل قريب مما استدل به المصنف.

الثاني : لو أنا ورثناه مما ورثه منه ، أبطلت(١) القسمة أبدا.

قالرحمه‌الله : وفي وجوب تقديم الاضعف في التوريث تردد ، قال في الايجاز : لا يجب. وفي المبسوط : لا يتعين به حكم غير انا نتبع الاثر في ذلك. وعلى قول المفيدرحمه‌الله تظهر فائدة التقديم. وما ذكره في الايجاز أشبه بالصواب ، ولو ثبت الوجوب كان تعبدا.

أقول : منشؤه : النظر الى أصالة عدم الوجوب ، ولان تقديم الاضعف في الارث كالزوجة مثلا غير مشتمل على فائدة ، فيكون وجوبه عبثا ، وهو قبيح.

أما الصغرى ، فلان التوريث حاصل من الطرفين ، والتقديم لا يقتضي زيادة سهم المقدم عن فرضه ، فحينئذ لا فائدة في وجوب هذا التقديم.

وأما الكبرى فظاهرة ، اذ الاشياء تابعة للمصالح عندنا.

واعلم أن هذا الدليل انما يتمشى على قول من لا يورث الثاني مما ورث منه أما على قول من يورثه مما ورث منه ، فالفائدة ظاهرة ، وهي اختصاص الثاني بأخذ نصيبه من تركة الاول ومما ورث منه.

والالتفات الى أن الروايات دالة على وجوب التقديم ، فيجب اتباعها دفعا للضرر المظنون الحاصل من مخالفيها ، وهو خيرة الشيخ في المبسوط(٢) ، واستحسنه المتأخر.

وانما كان الأشبه بالصواب ما ذكره في الايجاز(٣) ، وهو استحباب التقديم

__________________

(١) فى « م » : اتصلت.

(٢) المبسوط ٤ / ١١٩.

(٣) الايجاز فى الفرائض ص ٢٧٦.


لما فيه من الجمع بين العمل بالروايات ، والتخلص مما ذكرناه في الدليل الدال على عدم الوجوب.

وانما كان الوجوب بعيدا لوجوه : أما أولا ، فلما فيه من الاصل. وأما ثانيا فلاستلزام العبث. وأما ثالثا ، فلان العامل به قليل جدا.


فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب القضاء )

قالرحمه‌الله : وهل يشترط علمه بالكتابة؟ فيه تردد ـ الى قوله : مع خلوه في أول أمره من الكتابة.

أقول : قد بين المصنفرحمه‌الله منشأ التردد في المتن ، لكن قوله « مع خلوه في أول أمره من الكتابة » يدل على أنهعليه‌السلام كان عالما بالكتابة بعد البعثة ، وهذا شي‌ء قد اختلف فيه ، فذهب الشيخرحمه‌الله الى أن النبيعليه‌السلام انما كان أميا قبل البعثة أما بعدها فلا ، واختاره المتأخر وأتباعه.

وذهب قوم الى أنهعليه‌السلام كان أميا قبل البعثة وبعدها ، عملا بقوله تعالى «وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ »(١) ومعناه : ان المبطل يرتاب لو كان النبيعليه‌السلام عارفا بالكتابة ، ولو كان عالما بها بعد البعثة لبطل هذا المعنى.

وفيه نظر ، لان الريبة من المبطل انما يتحقق لو كان النبيعليه‌السلام عارفا بالكتابة قبل البعثة ، أما مع تجدد علمه بها بعدها فلا.

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٤٨.


قالرحمه‌الله : وفي انعقاد قضاء الاعمى تردد ، أظهره أنه لا ينعقد ، لافتقاره الى التمييز بين الخصوم ، وتعذر ذلك مع العمى الا فيما يقل.

أقول : منشؤه : النظر الى قضاء الاصل بالجواز.

والالتفات الى ما ذكره المصنف من الاستدلال ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) ، محتجا بعين هذا الدليل.

وأما اشتراط الحرية ، ففيه تردد من حيث العمل بالاصل ، ويؤيده قول الصادقعليه‌السلام : من روى أحاديثنا وعرف أحكامنا فاجعلوه قاضيا(٢) . ولفظة « من » تتناول الحر والعبد ، وهو الاقوى عند المصنف. ومن حيث أن القضاء منصب جليل ومرتبة عالية ، والعبد ليس أهلا لهما ، وهو خيرته في المبسوط(٣) ، ونمنع المقدمة الثانية.

قالرحمه‌الله : اذا وجد اثنان متفاوتان(٤) في الفضيلة مع استكمال الشرائط المعتبرة فيهما ، فان قلد الافضل جاز ، وهل يجوز العدول الى المفضول؟ فيه تردد ، والوجه الجواز ، لان خطأه ينجبر بنظر الامام.

أقول : منشؤه : النظر الى أن تقليد المفضول قبيح عقلا ، فلا يجوز اعتماده. أما المقدمة الاولى ، فلما فيه من تقديم المفضول على الفاضل. وأما الثانية ، فلقولهعليه‌السلام « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن »(٥) .

والالتفات الى أن القضاء نيابة ، فيتبع اختيار المنوب عنه ، ولان خلل المفضول

__________________

(١) المبسوط ٨ / ١٠١.

(٢) تهذيب الاحكام ٦ / ٣٠٢.

(٣) المبسوط ٨ / ١٠١.

(٤) فى النسختين : متساويان.

(٥) عوالى اللئالى ١ / ٣٨١.


ينجبر بنظر الامامعليه‌السلام .

قالرحمه‌الله : المقصد الثاني في مسائل متعلقة بالدعوى ، وهي خمس : الاولى ـ قال الشيخ : لا يسمع الدعوى اذا كانت مجهولة ، مثل أن يدعي ثوبا أو فرسا ، ويقبل الاقرار بالمجهول ويلزم تفسيره ، وفي الاول اشكال.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الدعوى لها جواب ، فربما كان بنعم فلا يمكن الحاكم أن يقتضي به عليه ، لانه مجهول ، وليس كذلك الاقرار بالمجهول.

أما أولا ، فلان الدعوى حق المدعي ، والاقرار حق على المقر ، وما كان عليه فهو أغلظ مما كان حقا له ، فلهذا سمعنا المجهول في الثاني ولم يسمع الا المعلوم في الاول ،

وأما ثانيا ، فلانا لو لم نقبل الاقرار المجهول لامكن أن يرجع عن اقراره فلهذا سمعنا مجهوله كما يسمع معلومه ، وليس كذلك الدعوى ، لانا اذا لم نسمعها أمكن أن يدعى دعوى معلومة ، ولان هناك داع بدعوة الى دعواه فافترقا ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) ، محتجا بعين هذا الدليل وأتبعه المتأخر محتجا به أيضا ، وهو قوي.

والالتفات الى أن الدعوى المجهولة دعوى جازمة ، فلا يسقط ، ولان الدعوى المجهولة يصدق على صاحبها أنه مدع وعلى المنسوبة إليه أنه مدعى عليه ، فيكون مسموعة ، عملا بقولهعليه‌السلام « البينة على المدعي واليمين على من أنكر »(٢) .

__________________

(١) المبسوط ٨ / ١٥٦.

(٢) عوالى اللئالى ١ / ٢٤٤ و ٤٥٣ و ٢ / ٢٥٨ و ٣٤٥.

أقول : هنا بياض بقدر ثلاث صفحات فى نسخة « م » وبقدر صفحتين فى نسخة « س » وقال فى هامش نسخة « س » : هكذا وجد بياضا من قوله « من أنكر » الى قوله « اد الامانة الى من ائتمنك ولا تخن من خانك » فى نسخة بخط الشيخ أحمد بن فهد رحمه‌الله .


أد الامانة الى من ائتمنك ولا تخن من خانك ، ثم أجاز أخذ الوديعة يحق له بعد ترك الخبر ، وهو خيرة الشيخ في الخلاف(١) ، محتجا بعين هذا الدليل.

والالتفات الى عموم الاخبار الدالة على جواز الاقتصاص من غير فرق بين الوديعة وغيرها ، وهو ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٢) ، واختاره المتأخر.

قالرحمه‌الله في المقصد الاول ، في الاختلاف في دعوى الاملاك ـ الى قوله : وفي الثاني يقضي بها للخارج دون المتشبث ، ان شهدتا لهما بالملك المطلق ، وفيه قول آخر ذكره في الخلاف بعيد.

أقول : أشار بذلك الى ما ذكره الشيخ في الخلاف من أن البينة بينة المتشبث فيقضى له بها دون الخارج ، واستدلاله بخبر جابر أن رجلين اختصما الى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في دابة أو بعير ، فأقام كل واحد منهما البينة أنها له نتجها فقضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله للذي هي في يده.

وفي معناه خبر غياث بن ابراهيم عن أبي عبد اللهعليه‌السلام عن عليعليه‌السلام ، الا أنه زادعليه‌السلام بأن قال : لو لم تكن في يده جعلها بينهما نصفين(٣) .

غير مفيد لمدعاه ، فان الخبر يرد الآن على أن البينة بينة ذي اليد اذا شهدتا لهما بالسبب لا مطلقا فاعرفه ، على أن الشيخرحمه‌الله قال في هذه المسألة أيضا بعد أن نقل عن أبي حنيفة وأصحابه : ان التداعي ان كان ملكا مطلقا لا يتكرر سببه سمعنا بينة الداخل ، وهو الذي يقتضيه مذهبنا ، وقد ذكرناه في النهاية والمبسوط وفي كتابي الاخبار(٤) . وظاهر هذا الرجوع عما صدره في أول المسألة.

قالرحمه‌الله : الخامسة ـ لو ادعى دارا في يد انسان وأقام بينة أنها كانت

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٦٤٦.

(٢) المبسوط ٨ / ٣١١.

(٣) الخلاف ٢ / ٦٣٦ ، مسألة ٢ من كتاب الدعاوى.

(٤) الخلاف ٢ / ٦٣٥.


في يده أمس أو منذ شهر ، قيل : لا يسمع هذه البينة. وكذا لو شهدت له بالملك أمس ، لان ظاهر اليد الآن الملك ، فلا يدفع ، بالمحتمل ، وفيه اشكال ولعل الاقرب القبول.

أقول : القائل هو الشيخرحمه‌الله في الخلاف ، محتجا بأن المدعي يدعي الملك في الحال والبينة يشهد له بالامس فقد شهدت له بغير ما يدعيه فلم يقبل. ثم قال : فان قالوا : انها شهدت له بالملك أمس ، والملك مستدام الى أن يعلم زواله قلنا : لا نسلم أن الملك يثبت بها حتى يكون مستداما ، على أن زوال الاول موجود فلا يزال الثابت بأمر محتمل(١) . وهو أحد قولي الشافعي.

واعلم أن هذا البحث يبنى على مسألة يجب تحقيقها وبها يتضح وجه الاشكال وهي أن الشهادة بقديم الملك هل هي أولى من الشهادة لحديثه أم لا؟.

فنقول : اختلف قول(٢) الشيخرحمه‌الله في هذه المسألة ، فذهب في الخلاف(٣) الى أن الملك المتنازع فيه ان كان في يد من شهدت له البينة بقديم الملك قضي له به ، لان معه حجتين : بينة قديمة ويد. وان كان في يد من شهدت بحديث الملك فصاحب اليد أولى ، وهو مذهب أبي حنيفة.

وذهب في المبسوط الى أن الشهادة بقديم الملك أولى مطلقا ، سواء حصل معها يد أو لم يحصل ، قال : وهو الذي يدل عليه أخبارنا ، لان البينة أقوى من اليد ، وكذلك ما رجح بالبينة أقوى مما رجح باليد ، ولان صاحب اليد مدعى عليه والمدعي من له البينة بقديم الملك ، فكان أولى للخبر(٤) .

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٦٣٩.

(٢) فى « م » : قولا.

(٣) الخلاف ٢ / ٦٤١.

(٤) المبسوط ٨ / ٢٨٠.


وما ذكره في المبسوط أقوى ، فعلى هذا يسمع البينة في المسألة التي ذكرها المصنف ، لان البينة يشهد له بقديم الملك وبينة الاخرى بحديثه.

قالرحمه‌الله في المقصد الثاني ، في الاختلاف في العقود : اذا اتفقا على استئجار دار معينة شهرا معينا واختلفا في الاجرة ، وأقام كل واحد منهما بينة بما قدره ، فان تقدم تاريخ أحدهما عمل به ، لان الثاني يكون باطلا. وان كان التاريخ واحدا ، تحقق التعارض ، اذ لا يمكن في الوقت الواحد وقوع عقدين متنافيين وحينئذ يقرع بينهما ويحكم لمن خرج اسمه مع يمينه ، هذا اختيار شيخنا في المبسوط.

وقال آخر : يقضى بينة المؤخر ، لان القول قول المستأجر لو لم يكن بينة اذ هو يخالف على ما في ذمة المستأجر ، فيكون القول قوله. ومن كان القول قوله مع عدم البينة كانت البينة في طرف المدعي ، وحينئذ نقول : هو مدع زيادة وقد أقام البينة بها ، فيجب أن يثبت ، وفي القولين تردد.

أقول : القول الاول للشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) ، كما ذكره المصنف. والقول الثاني لبعض الجمهور ، وحكاه الشيخ في المبسوط.

وتردد المصنف في القولين معا ، ومنشأ تردده : النظر الى أن قول الشيخ ضعيف ، فلا يعتمد عليه. أما أولا ، فلان الشيخ حكم بالقرعة مع تحقق التعارض ولم يعتبر أسباب الترجيح من أرجحية العدالة وأكثرية العدد. وأما ثانيا ، فلان القرعة وردت على خلاف مقتضى الاصل ، فيقتصر بها على موردها.

والقول الثاني الذي حكاه الشيخرحمه‌الله عن بعض الجمهور ضعيف أيضا. أما أولا ، فلان كل واحد منها مدع ، فتخصيص أحدهما بسماع بينته دون الاخر ترجيح من غير مرجح ، وهو باطل. وأما ثانيا ، فلان القضاء ببينة الموجر انما

__________________

(١) المبسوط ٨ / ٢٨١.


يسوغ اذا لم يتحقق التعارض بين الشيئين ، لكن التعارض هنا متحقق ، فيبطل القول بتقديم بينة المؤخر.

أما تحقق التعارض ، فلانه اذا كان التاريخ واحدا ، استحال وقوع عقدين متغايرين. وان كان العقد الذي ادعاه الموجر أقدم من تاريخ العقد الذي ادعاه المستأجر ، كان الاول صحيحا والثاني باطلا ، اذ الاجارة عقد لازم ، فمع تحققه يمتنع فسخه. وان كان تاريخ عقد المستأجر هو الاقدم كان صحيحا ، وكان عقد الموجر باطلا ، ولا اشكال في القسمين الآخرين ، اذ لا نزاع فيهما ولا تعارض. وانما النزاع في القسم الاول ، وقد بينا تحقق التعارض فيه.

وأما أن القضاء ببينة الموجر مشروط بعدم تحقق التعارض بين البينتين فلوجهين : الاول اتفاق الفقهاء على أن مع التعارض يجب الترجيح ، ومع انتفائه يحكم بالقرعة وأن الحكم بتقديم بينة الموجر مستلزم للمحال فيكون محالا. أما المقدمة الاولى فلاستلزامه الترجيح من غير مرجح ، ولا شك في استحالته. وأما المقدمة الثانية فظاهرة.

واذ قد بان ضعف هذين القولين وجب اطراحهما والرجوع الى غيرهما ، ومما ذاك(١) الاجود أنه الحكم بالقرعة مع انتفاء أسباب الترجيح ، وبعض القائلين بالتعارض حكم بالتهاتر مع تساوي البينتين ، وحينئذ الاليق به القول بالتحالف فيبطل عقد الاجارة وتجب أجرة المثل مع انقضاء المدة أو بعضها.

ومنهم من قال يوقف ، ومنهم من قال يقسم ، والوقف غير ممكن ، اذ فيه تفويت المنافع ، والقسمة غير ممكنة أما أولا ، فلان القعد لا ينقسم. وأما ثانيا ، فلان الزيادة يدعيها أحدهما وينفيها الاخر ولا يثبتها لنفسه ، فلم يبق الا القرعة ، وهو مذهب الغزالي. وانما طولنا الكلام فيهما لانها مهمة.

__________________

(١) كذا في النسختين مع علامة الاستفهام فيهما.


قالرحمه‌الله : ولو ادعى كل منهما أنه اشترى دارا معينة وأقبض الثمن ـ الى قوله : ولو نكلا عن اليمين قسمت بينهما ، ويرجع كل منهما بنصف الثمن وهل لهما أن يفسخا؟ الاقرب نعم ، لتبعض المبيع قبل قبضه. ولو فسخ أحدهما كان للآخر أخذ الجميع لعدم المزاحم وفي لزوم ذلك تردد ، أقربه اللزوم.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المقتضي اللزوم موجود ، والمعارض لا يصلح للمعارضة ، فيجب القول باللزوم. أما المقتضي ، فهو وجود عقد البيع الصادر عن أهله ، ولا شك في الحكم بثبوته هنا.

وأما انتفاء المعارض ، فلان المعارض المذكور ليس الا تبعض الصفقة المقتضي للفسخ لدفع ضرر الشركة ، وهو منتف هنا ، اذ التقدير أن أحدهما قد فسخ ، فانتفى التبعيض فينتفي معلوله ، وهو خيار الفسخ ، ولعله الاقوى.

واعلم أن الشيخرحمه‌الله فصل تفصيلا ، وهو أن الفسخ ان وقع من أحدهما قبل أن يختار الاخر امساك النصف ، توفر الكل عليه ، اذ لا مزاحم حينئذ. وان وقع بعد الاختيار لم يكن له أخذ النصف الاخر ، لان الحاكم قد قضى له بالنصف الذي أمسكه دون الاخر ، فعوده يحتاج الى دليل.

والالتفات الى أن الخيار ثبت له أولا قبل فسخ المشتري الاخر فكذا بعده ، عملا بالاستصحاب ، ولانه لو توقف ثبوت الفسخ لاحدهما على ثبوته للآخر ، فان انعكس دار ، والا لزم الترجيح من غير مرجح ، وهو ظاهر كلام الشيخ وصاحب الوجيز.

وهذان الدليلان ضعيفان ، أما الاول فلان خيار ثبت لمعنى ، وقد انتفى فينتفي بانتفائه ، عملا بالعلية. وأما الثاني فلجواز التلازم كالمضافين والعلة والمعلول المتساوي.

قالرحمه‌الله في كتاب الشهادات : الثانية ـ لا تقبل شهادة القاذف ، ولو تاب


قبلت. وحد التوبة أن يكذب نفسه وان كان صادقا ويوري باطنا ، وقيل : يكذبها ان كان كاذبا ، ويخطئها في الملأ ان كان صادقا ، والاول مروي.

وفي اشتراط اصلاح العمل زيادة عن التوبة تردد ، والاقرب الاكتفاء بالاستمرار لان بقاءه على التوبة اصلاح ولو ساعة.

أقول : لا خلاف في وجوب القبول مع التوبة ، وانما نشأ الخلاف في حدها فذهب الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) والخلاف(٢) الى الاول ، وبه روايات عن أهل البيتعليهم‌السلام ، وهو اختيار الاصطخري ، وذهب المتأخر الى الثاني.

وقواه الشيخرحمه‌الله في الكتابين أخيرا ، قال : لانه اذا أكذب نفسه ربما كان صادقا في الاول فيما بينه وبين الله تعالى ، فيكون هذا الا كذاب كذبا ، وذلك قبيح ، وهذا مذهب أبي اسحاق المروزي.

واعلم أن المتأخر أورد مع ضد القول في كتابه ، فتوهم صاحب كشف الرموز أنه قال من عنده. وأما اصلاح العمل ، وهو أن يعمل طاعة بعد التوبة ، ففي اعتباره خلاف ، فذهب الشيخرحمه‌الله في المبسوط والخلاف الى اعتباره ، نظرا الى قوله تعالى «إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا »(٣) فاعتبر تعالى التوبة وصلاح العمل.

وذهب الشافعي في أحد قوليه الى أنه غير معتبر ، التفاتا الى أن البقاء على التوبة ولو ساعة طاعة واصلاح ، فلا يعتبر في غير ذلك ، لاصالة البراءة ، والمصنف تردد فيه ، ومنشأ تردده من النظر الى الوجهين.

__________________

(١) المبسوط ٨ / ١٧٦.

(٢) الخلاف ٢ / ٦١٠ ـ ٦١١.

(٣) سورة البقرة : ١٦٠.


تذنيب :

القائلون باشتراط الاصلاح اختلفوا ، فذهب الشافعي في أحد قوليه الى أنه معتبر سنة ، واختاره الشيخ في المبسوط(١) ، وذهب في الخلاف(٢) الى أن ذلك غير معتبر ، بل الطاعة الواحدة كافية في قبول الشهادة ، وهو ظاهر كلام المتأخر.

قالرحمه‌الله : لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم ، ترد به الشهادة ، وفي المتكأ عليه والافتراش له تردد ، والجواز مروي.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم النهي عن استعمال الحرير ، ولان العلة المقتضية لتحريم لبسه موجودة في التكأة عليه والافتراش له ، فيثبت التحريم عملا بالمقتضي.

والالتفات الى أصالة الجواز ، ترك العمل بها في تحريم الملبوس ، للنص والاجماع ، فيبقى معمولا بها فيما عداه ، ولان الجواز مروي عن أهل البيتعليهم‌السلام .

قالرحمه‌الله : قيل : لا تقبل شهادة المملوك أصلا ـ الى قوله : أما المكاتب المطلق اذا أدى من مكاتبته شيئا ، قال في النهاية : تقبل على مولاه بقدر ما تحرر منه ، وفيه تردد ، أقربه المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المكاتب المطلق عبد ، فلا تقبل شهادته على مولاه ، عملا بظاهر الاخبار الدالة على المنع من ذلك ، وهو ظاهر كلام المتأخر.

والالتفات الى أن الحرية التي فيه تقتضي ثبوت المزية له على غيره من العبيد وليس الا قبول شهادته على مولاه بقدر ما تحرر منه ، وهو اختيار الشيخ في النهاية(٣) ، وهذا الدليل اقناعي.

__________________

(١) المبسوط ٨ / ١٧٧.

(٢) الخلاف ٢ / ٦١١.

(٣) النهاية ص ٣٣١.


قالرحمه‌الله : التبرع بالشهادة قبل السؤال يطرق التهمة ، فيمنع القبول. أما في حقوق الله ، أو الشهادة للمصالح العامة فلا يمنع ، اذ لا مدعي لها ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن التهمة المانعة من قبول الشهادة موجودة في الصورتين ، فيمنع القبول عملا بالعلية ، وهو خيرة الشيخ في النهاية(١) ، حكاه عنه صاحب كشف الرموز.

والالتفات الى أن حقوق الله تعالى لا مدعي لها ، فيجوز التبرع بالشهادة فيها قبل السؤال ، لانتفاء التهمة هنا ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) ، على ما حكاه كشف الرموز ، وهو حسن حذرا من سقوط حدود الله الا نادرا.

قالرحمه‌الله في الطرف الثاني فيما يصير به الشاهد شاهدا : وما يكفي فيه السماع ، فالنسب والموت والملك المطلق ، لتعذر الوقوف عليه مشاهدة في الاغلب ويتحقق كل واحد من هذه بتوالي الاخبار من جماعة ، لا بضمهم قيد المواعدة ، أو يستفيض ذلك حتى يتآخم العلم ، وفي هذا عندي تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم النهي عن اتباع الظن ، ولا شك ان الاستفاضة ظن ، فيكون منهيا عن اتباعها ، وهو يقتضي عدم الاجتزاء بها.

لا يقال : ينتقض ذلك ، فان طرق أكثر أحكام الشريعة ظنية.

لانا نقول : الواجب العمل بالعموم حتى يظهر دليل الخصوص ، ولم يوجد هنا دليل دال على وجوب اتباع هذا النوع من الظن بخلاف ما ذكرتموه.

والالتفات الى أنه قول أكثر علمائنا فيكون راجحا ، فيجب اتباعه. أما الاولى فلان الكثرة أمارة الرجحان. وأما الثانية ، فلقضاء العقل بوجوب اتباع الراجح

__________________

(١) النهاية ص ٣٣٠.

(٢) المبسوط ٨ / ١٨٦.


وبقولهعليه‌السلام « دع ما يريبك الى ما لا يريبك »(١) ولان الاقتصار على ما ذكره المصنف مشقة عظيمة وحرجا ظاهرا ، فيكون منفيا عملا بالآية والرواية ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(٢) .

قالرحمه‌الله : أما شهادته على المقبوض فماضية قطعا.

أقول : أشار بذلك الى ما ذكره الشيخرحمه‌الله في المبسوط(٣) من القطع بجواز شهادته ، وذلك في صورتين :

الاولى : اذا كانت يده في يد رجل وهو بصير ، فعمي ويده في يده وهو عارف باسمه ونسبه ، صح أن يحتمل الشهادة عليه وهو أعمى.

الثانية : شهادة المضبوط ، وهو أن يمسك برأس رجل ويقرب فاه الى أذنه فيقر بحق ، فلا يفارقه حتى يأتي به الحاكم ، فيقول : هذا أقر لفلان بكذا وكذا.

قالرحمه‌الله في الطرف الثالث في أقسام الحقوق : وأما حقوق الادمي فثلاثة الى قوله : وفي العتق والنكاح والقصاص تردد ، أظهره ثبوته بالشاهد والمرأتين.

أقول : قد سبق ما يضاهي هذا البحث في الحكم بالشاهد واليمين مستوفى ، فلا وجه لاعادته.

قالرحمه‌الله في الطرف الرابع في الشهادة على الشهادة : وللتحمل مراتب الى قوله : ويليه أن يسمعه يقول : أنا أشهد لفلان بن فلان على فلان بن فلان بكذا ويذكر السبب ، مثل أن يقول : من ثمن ثوب أو عقار ، اذ هي صورة جزم ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى قبول الشهادة على الشهادة على خلاف مقتضى

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٣٩٤ و ٣ / ٣٣٠.

(٢) المبسوط ٨ / ١٨٠.

(٣) المبسوط ٨ / ١٨٤.


الاصالة ، ترك العمل بها في الصورتين : صورة الاسترعاء ، وصورة سماعه ، يشهد بذلك عند الحاكم ، للاجماع فيبقى معمولا بهما فيما عداهما.

والالتفات الى أن الاصل قاص بجوازه ، ولان العلة المقتضية لقبول الشهادة على الشهادة ـ وهي تعذر اثبات الحقوق لو لا شرع ذلك ـ موجودة هنا ، ولان حضور شاهد الاصل عند الحاكم لاداء الشهادة مما يقل غالبا ، فلو كان القبول مشروطا به لزم الحرج والمشقة المنفيين بالآية والرواية. وكذا لو كان مشروطا بالاسترعاء ، لانه مما يقل أيضا الا نادرا ، فمست الحاجة الى شرع مرتبة ثالثة للتحمل ، وليست الا هذه ، اذ هي صورة جزم بثبوت الحق للمشهود عليه ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

واعلم أن المتأخر ذكر أن مراتب التحمل هي هذه الثلاث في كتابه كما ذكر الشيخ في المبسوط ، الا أنه قال بعد ذلك : وهذا جميعه أورده شيخنا في مبسوطه وأوردناه على ما أورده ، ولم يرد في أخبارنا من هذا شي‌ء. وهذا الكلام يدل على تردده فيه.

قالرحمه‌الله : أما لو لم يذكر سبب الحق ، بل اقتصر على قوله : أنا أشهد لفلان على فلان بكذا لم يصر متحملا ، لاعتياد التسامح بمثله ، وفي الفرق بين هذه وبين ذكر السبب اشكال.

أقول : اعلم أن الشيخرحمه‌الله فرق في المبسوط(٢) بين هاتين المسألتين ، بأن قوله في هذه الصورة أشهد بذلك ينقسم الى الشهادة بالحق ، ويحمل العلم به على وجه لا يشهد به ، وهو أن يسمع الناس يقولون لفلان على فلان كذا وكذا واذا احتمل ذلك وقف التحمل بهذا الاحتمال ، وليست كذلك الصورة الاولى ، لانتفاء هذا الاحتمال بذكر السبب ، وعروة الحق إليه.

__________________

(١) المبسوط ٨ / ٢٣١.

(٢) المبسوط ٨ / ٢٣٢.


والمنصف استشكل الفرق ، ومنشؤه تساويهما في الجزم بثبوت الحق ، بقبول أحدهما والغاء الاخرى تخصيص من غير مرجح ، وهو باطل.

قالرحمه‌الله : وتقبل شهادة النساء على الشهادة فيما تقبل فيه منفردات ، كالعيوب الباطنة والاستهلال والوصية ، وفيه تردد ، أشبهه المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى الاصل الدال على الجواز ، ولان قبول شهادتهن في هذه الاشياء أصلا يستلزم أولوية قبولها فرعا ، اذ هي أضعف ، لاستنادها الى شهادة الاصل ، وهو مذهب أبي حنيفة ، الا أنه قبل شهادتهن على الشهادة فيما لهن فيه مدخل أيضا ، وان لم تثبت بهن منفردات ، كالاموال والديون.

ونحن قصرنا الجواز على ما تقبل فيه شهادتهن منفردات ، عملا بالمتفق عليه والشيخ قصر الجواز في الخلاف(١) على شهادتهن على الشهادة في الاملاك والديون والعقود ، محتجا باجماع الفرقة وأخبارهم.

والالتفات الى أن تجويز ذلك حكم شرعي ، فيقف على الدلالة الشرعية وحيث لا دلالة فلا حكم ، وهو اختيار المتأخر.

وقال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : الاول قوي لكن الثاني أحوط(٢) .

واعلم أن في كلام الشيخ في هذه المسألة في النافع اجمالا ومقصوده ما ذكرناه.

قالرحمه‌الله في القسم الثاني في الطوارئ : لو شهدا ثم فسقا قبل الحكم حكم بهما ـ الى قوله : وفي الحكم بحد القذف والقصاص تردد ، أشبهه الحكم لتعلق حق الا دمي به.

أقول : منشؤه النظر الى أن حدوث الفسق قبل الحكم شبهة ، فيسقط القذف

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٦٣٠.

(٢) المبسوط ٨ / ٢٣٣.


والقصاص بهما ، عملا بظاهر قولهعليه‌السلام « ادرءوا الحدود بالشبهات »(١) وهو قوى وحكاه الشيخ عن بعض الفقهاء ، قالوا : لانه كحد الربا.

والالتفات الى أن فيها حقا لآدميّ فيحكم بهما ، وإلا لزم الاضرار به ، وتضييع حقه بعد ثبوته شرعا ، ولانهما كالمال ، وهو اختيار الشيخ محتجا بالدليل الاخر.

قالرحمه‌الله : لو رجعا عن الشهادة قبل الحكم لم يحكم ـ الى قوله : ولو رجعا بعد الحكم وقبل الاستيفاء ، فان كان حدا لله نقض الحكم ، لتحقق الشبهة الموجبة للسقوط. وكذا لو كان الادمي كحد القذف ، أو مشتركا كحد السرقة ، وفي نقض الحكم لما عدا ذلك تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المحكوم به مقطوع بصحته شرعا ، ورجوعهما يحتمل الصدق والكذب ، فلو نقض به ما قد قطع عليه ترك العمل بهذا الدليل في بعض الصور لوجود دليل أقوى ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، وهو ظاهر كلام الشيخ في كتابي الفروع وأتبعهما المتأخر.

والالتفات الى ان الرواية المتضمنة رد الزوجة المشهود بطلاقها على زوجها الاول مع رجوع الشهود عن ذلك يستلزم نقض الحكم في غير الصور الثلاث مع الرجوع قبل الاستيفاء ، وهو ظاهر كلام الشيخ في النهاية(٢) (٣) .

[ قالرحمه‌الله : اذا قتل المرتد مسلما عمدا ، فللولي قتله قودا ويسقط قتل الردة. ولو عفا الولي قتل بالردة. ولو قتل ](٤) خطا كانت الدية في ماله مخففة

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٢٣٦ و ٢ / ٣٤٩ و ٣ / ٥٤٥.

(٢) النهاية ص ٣٣٦.

(٣) أقول : هنا بياض فى النسختين ، وقال فى هامش « س » : هكذا وجد هذا البياض الّذي هو من « النهاية » الى « الخطأ » فى نسخة بخط الشيخ أحمد بن فهدرحمه‌الله .

(٤) ما بين المعقوفتين أثبته من الشرائع المطبوع.


مؤجلة ، لانه لا عاقلة له على تردد. ولو قتل أو مات حلت ، كما تحل الاموال المؤجلة

أقول : منشؤه : النظر الى أن المرتد كافر ، فلا تحمل العاقلة عنه شيئا من الدية كغيره.

والالتفات الى أنه متحرم يحرمه الاسلام ، فيعقل عنه ورثته المسلمون لان ميراثه لهم ، وهو اختيار الشيخ في المبسوط(١) .

قالرحمه‌الله تعالى : اذا مات المرتد ، فقتله من يعتقد بقاءه على الردة ، قال الشيخ : يثبت القود ، لتحقق قتل المسلم ظلما ، ولان الظاهر أنه لا يطلق الارتداد الا بعد توبته ، وفي القصاص تردد ، لعدم القصد الى قتل المسلم.

أقول : منشؤه : النظر الى ظاهر الآيات الدالة على ثبوت القود مع حصول القتل العمد العدوان ، ولان الظاهر من حال المرتد اذا أطلق أنه أطلق بعد توبة واسلام وهو خيرة الشيخ في المبسوط(٢) ، محتجا بهذين الدليلين.

والالتفات الى أن اعتقاد البقاء على الردة شبهة مبيحة للقتل ، فيسقط القصاص معها ، عملا بظاهر قولهعليه‌السلام « ادرءوا الحدود بالشبهات »(٣) .

ولا شك أن القصاص حد. أما أولا فللاستعمال. وأما ثانيا فلان الحد هو المنع وهذا المعنى متحقق في القصاص ، فيدخل تحته عملا(٤) بالاشتقاق ، ولانه لم يقصد قتل المسلم ، وهو خيرة المصنفرحمه‌الله ومذهب بعض الفقهاء.

__________________

(١) المبسوط ٨ / ٧٢.

(٢) المبسوط ٨ / ٧٢.

(٣) عوالى اللئالى ١ / ٢٣٦ و ٢ / ٣٤٩ و ٣ / ٥٤٥.

(٤) فى « م » : عموما.


فرع :

قال الشيخ في المبسوط : وكذا البحث لو قتل من يعتقد بقاءه على العبودية فبان حرا أو رأى ذميا فقتله يعتقد أنه على الكفر ، فبان مسلما(١) .

فرع آخر :

ان قلنا بثبوت القود ، فالولي بالخياران شاء قتل وان شاء أخذ الدية. وان قلنا بالعدم ، فالدية عليه مغلطة حالة في ماله ، لانه قتل عمدا ، وانما أسقطنا القود للشبهة.

قالرحمه‌الله في الباب الثالث في الدفاع : من به سلعة اذا أمر بقطعها فمات فلا دية له على القاطع ، ولو كان مولى عليه ، فالدية على القاطع ان كان وليا ، كالاب والجد للاب. وان كان أجنبيا ، ففي القود تردد ، والاشبه الدية في ماله لا القود لانه لم يقصد القتل.

أقول : منشؤه : النظر الى أن قطع السلعة(٢) مما يقتل غالبا ، فيكون القصد الى قطعها قصدا الى القتل وان لم يقصده ، فيجب به القود. وانما أسقطناه عن الأب والجد له ، لانهما لا يقادان به.

والالتفات الى أن القاطع لم يقصد الفعل ، فلا يقاد به ، بل يجب عليه دية العمد ، عملا بأصالة براءة الذمة وحقن الدماء ، الا مع وجود الاسباب المبيحة لها.

قالرحمه‌الله في كتاب القصاص : أما لو حبس نفسه يسيرا لا يقتل مثله غالبا ثم أرسله فمات ، ففي القصاص تردد ، والاشبه القصاص ان قصد القتل ، والدية ان لم يقصد أو اشتبه القصد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن شرط جواز القصاص يحقق القتل العمد ،

__________________

(١) المبسوط ٨ / ٧٢.

(٢) السلعة : عقدة تكون فى الرأس أو البدن.


وهو غير موجود هنا ، للشك في كون العمل حاصلا بهذا النوع من القتل.

والالتفات الى أنه فعل فعلا حصل به الموت ، فيثبت به القصاص. أما الصغرى ففرضية. وأما الكبرى ، فللرواية الدالة على ذلك ، وهي رواية علي بن أبي حمزة عن أبي بصير قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : لو أن رجلا ضرب رجلا بخزفة أو آجرة أو بعود فمات كان عمدا(١) . ولما كان هذا القول ضعيفا لا جرم كان القول الاول أجود.

وأعلم أن هذا البحث انما يتمشى مع جهل قصد الفاعل ، أو العلم بأنه لم يقصد القتل. أما لو علم منه قصد القتل بهذا الفعل ، فالاصح ثبوت القصاص ، وان كان ظاهر كلام الشيخ في المبسوط(٢) يأباه.

قالرحمه‌الله : ولو جعل السم في طعام صاحب المنزل ، فوجده صاحبه فأكله فمات ، قال في الخلاف والمبسوط : عليه القود ، وفيه اشكال.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في الخلاف(٣) ، وأفتى فيها بتحتم القود على الجاعل ، وقواه في المبسوط(٤) لا غير ، محتجا بأنه كالقاتل وبأنه عرضه لاكل الطعام وألجأه إليه بالإباحة لاكله ولم يعلمه ، ألا ترى لو علم أن فيه السم لم يختر شربه ولا أكله.

وهذان الدليلان ذكرهمارحمه‌الله في مسألة من جعل السم في طعام نفسه وقدمه الى الغير ولم يعلم أنه مسموم ، ثم قال في مسألتنا : هذه دليلنا ما قلناه في المسألة الاولى سواء.

والمصنفرحمه‌الله استشكل القول بايجاب القود ، ومنشؤه : النظر الى أن

__________________

(١) تهذيب الاحكام ١٠ / ١٥٦ ، ح ٥.

(٢) المبسوط ٧ / ١٧.

(٣) الخلاف ٢ / ٣٥٣ مسألة ٣١ من كتاب الجنايات

(٤) المبسوط ٧ / ٤٥.


الا كل مستقل باتلاف نفسه بمباشرة الا كل العاري عن اذن الجاعل ، فيسقط القود عن الجاعل ، لانه كالسبب. ولا خلاف في سقوط الضمان عن ذي السبب مع مجامعته المباشر ، وهو أحد قولي الشافعي.

والالتفات الى الدليل الذي ذكره الشيخرحمه‌الله . وفيه نظر ، لاقتران السبب في المسألة الاولى بالالجاء ، وتجرده عنه في الثانية.

فرع :

ظاهر كلام الشيخ المصنفرحمه‌الله يقتضي سقوط الدية أيضا ، وهو مذهب الشافعي ، ومنهم من أوجب الدية ، وهو قول الشافعي أيضا ، وايجاب القود عندي الاقوى.

قالرحمه‌الله : الثاني ـ لو قال : اقتل نفسك ، فان كان مميزا فلا شي‌ء على الملزم ، وإلا فعلى الملزم القود ، وفي تحقق اكراه العاقل هنا اشكال.

أقول : منشؤه : النظر الى أن حقيقة الاكراه الاجبار على الشي‌ء والالجاء إليه ولا شك في تحقق هذا المعنى في العاقل مع الزامه قتل نفسه.

والالتفات الى أن الاكراه على الفعل انما يتحقق اذا كان الاتيان بالفعل المكره عليه مسقطا للضرر الحاصل من جهة المكره ، بتقدير عدم ايقاع الفعل المكره عليه ، ولا شك في انتفاء هذا هنا ، لان قتل هذا المكره لا بدّ منه ، أما في صورة قتل نفسه فظاهر ، وأما في صورة عدم قتله نفسه ، فلان التقدير أن المكره يقتله ثم ان لم يقتل نفسه ، فالقتل حاصل على التقديرين ، فلا اكراه حينئذ ، وفائدة هذا البحث قليلة جدا.

قالرحمه‌الله : لو قطع يده من الكوع وآخر ذراعه ، فهلك قتلا به ، لان سراية الاول لم تنقطع بالثاني ، لشياع ألمه قبل الثانية. وليس كذا لو قطع يده


وقتله الاخر ، لان السراية انقطعت بالتعجيل ، وفي الاول اشكال.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن الثاني قطع سراية الاول ، بدلالة أنه لا يتجدد معه الالم بعد قطع الثاني ، فيكون الاول قاطعا والثاني قاتلا ، فيقطع الاول ولا يقتل ويقتل الثاني ، وهو مذهب أبي حنيفة ، ولعله قوي.

والالتفات الى أن الهلاك حصل وألم القطعين باق ، فليس استناد القتل الى أحدهما أولى من الاخر ، فاما أن لا يستند الى واحد منهما ، أو الى واحد معين أو غير معين أو إليهما ، والاقسام الثلاثة باطلة ، فتعين الرابع.

أما بطلان الاول فبالاجماع ، لاستلزامه اهدار دم المرء المسلم.

وأما الثاني ، فلانه ترجيح من غير مرجح ، وهو محال.

وأما الثالث ، فهو باطل ، وبتقدير صحته فالمقصود حاصل. أما أنه باطل ، فلان ما ليس بمعين معدوم ، والمعدوم يستحيل أن يكون مؤثرا. وأما حصول المقصود على تقدير صحته ، فلاستلزامها وجوب القود على القاتل والقاطع معا ، وهر المطلوب ، فتعين الرابع وهو مذهب الشيخ في الخلاف(١) ، محتجا بعين هذا الدليل ، وبه قال الشافعي.

قالرحمه‌الله : الرابعة ـ اذا اشترك حر وعبد في قتل حر عمدا ، قال في النهاية : للاولياء أن يقتلوهما ويؤدوا الى سيد العبد ثمنه ، أو يقتلوا الحر ويؤدي سيد العبد الى ورثة المقتول خمسة آلاف درهم ، أو يسلم العبد إليهم ، أو يقتلوا العبد ، وليس لمولاه على الحر سبيل ، والاشبه أن مع قتلهما يؤدون الى الحر نصف ديته ، ولا يرد على مولى العبد شي‌ء ما لم تكن قيمته أزيد من نصف دية الحر ، فيرد عليه الزائد.

وان قتلوا العبد وكانت قيمته زائدة عن نصف دية المقتول ، أدى الى مولاه

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٣٦١.


الزائد ، فان استوعب الدية والا كان تمام الدية لاولياء الاول ، وفي هذه اختلاف للاصحاب ، وما ذكرناه أنسب بالمذهب.

أقول : في هذه المسألة أقوال :

الاول : ما حكاه المصنف عن الشيخ في النهاية(١) ، والاعتراض عليه من وجوه :

الاول ـ قوله « وان قتلوهما ردوا على سيد العبد ثمنه » والصواب أنهم يردون على الحر نصف ديته وعلى سيد العبد ما زاد من قيمته على جنايته. ولو كانت مساوية للجناية أو ناقصة عنها ، فلا ردّ.

الثاني : قوله « أو يقتلوا العبد خاصة وليس لسيد العبد على الحر سبيل » وهو على الاطلاق غير مستقيم ، بل هو حق ان كانت قيمته تساوي خمسمائة دينار أو ينقص عنها. أما لو كانت قيمته تزيد عن جنايته رد الحر على مولاه ما فضل عن جنايته ، فان بقي شي‌ء كان لاولياء المقتول أولا.

الثالث : قوله « أو يقتلوا الحر ويؤدي سيد العبد الى ورثة المقتول خمسة آلاف درهم ، أو يسلم العبد إليهم فيكون رقا لهم » والصواب أن يقدر استرقاقه بأن يكون قيمته مساوية لجنايته ، أو ناقصة عنها. أما لو كانت قيمته زائدة عن قدر جنايته ـ وهي خمسمائة دينار ـ استرق منه بقدر الجناية وكان الباقي للمولى. وأما ايجاب أداء خمسة آلاف ، فيتأتى على القول بفكه بأرش الجناية ، لا على القول الاخر.

الثاني : قال أبو الصلاح الحلبي : اذا قتل الحر والعبد حرا ، فاختار وليه الدية ، فعلى الحر النصف ، وعلى سيد العبد النصف الاخر. وان اختاروا قتلهما رد قيمة العبد على سيده وورثة الحر. وان اختاروا قتل الحر ، فعلى سيد العبد نصف

__________________

(١) النهاية ص ٧٤٥.


ديته. وان اختاروا قتل العبد قتله ، ويؤدي الحر الى سيده نصف قيمته(١) .

قال المتأخر : وهذا الذي يقتضي أصول مذهبنا. والاعتراض عليه من وجوه :

الاول : قوله « فان اختار الولي الدية ، فعلى الحر النصف وعلى المولى النصف الاخر » وكان ينبغي تقييد ذلك بتخير المولى بين فديته بنصف الدية ، أو تسليمه ان كانت قيمته نصف الدية أو أقل ، والا كان لهم منه بقدر نصف الدية.

الثاني : قوله « وان اختار قتلهما رد قيمة العبد على المولى وورثة الحر » والحق فيه أن يرد على الحر نصف ديته ، وعلى المولى ما فضل من قيمة العبد عن جنايته ، كما ذكر أولا.

الثالث : قوله « وان اختار قتل الحر ، فعلى سيد العبد نصف ديته لورثته » والماخذ عليه قد ذكر أولا.

الرابع : قوله : « أو يقتل العبد ويؤدي الحر الى المولى نصف قيمته » والحق أن القيمة ان كانت مساوية للجناية أو ناقصة ، فلا شي‌ء للمولى. وان كانت زائدة دفع الى مولاه الزائد ، فان استوعبت الدية والا كان الباقي لاولياء المقتول.

قال المصنف في النكت : ولست أدري أي أصل اقتضاه عنده. عنى بذلك المتأخر.

قال الشيخ في الاستبصار : اذا قتل الولي الحر ، وجب على سيد العبد أن يرد على ورثة المقتول الثاني نصف الدية ، أو يسلم العبد إليهم ، لانه لو كان حرا لكان عليه ذلك على ما بيناه ، فحكم العبد حكمه على السواء(٢) .

قال المتأخر : وهذا رجوع عما ذكره في نهايته ، ونعم الرجوع الى الحق. وما ذكره المصنف في هذا الكتاب حسن.

__________________

(١) الكافى ص ٣٨٦.

(٢) الاستبصار ٤ / ٢٨٤.


قال صاحب كشف الرموز : وما ذكره لحكمة(١) في قتلهم الحر وفي كلامه هنا عقدة ، وفيه اشكال ، فان مع قتل العبد لا يلزم أولياء المقتول الاول شيئا ، بل يرد شريك العبد في القتل وتمام الدية لاولياء المقتول الاول.

وفيه أيضا اشكال ، فانه ليس على الحر الا خمسمائة ، والمولى لا يغرم جناية عبده ، وقيمة العبد لا تفي بجنايته ، فمن يتم الدية للاول.

ثم قال : وأقرب الاقوال ما ذكره شيخنا في هذا الكتاب ـ يعني : المختصر ـ ويبقى الاشكال عليه في اختيار الولي قتل العبد وقيمته ينقص عن خمسمائة ، ومنشؤه تعذر الطريق الى من يتمم الدية للمقتول الاول.

والحق أنه يسقط ولظهور ما ذكره ، وضعف بعض هذا الكلام ظاهر ، فلا حاجة بنا الى ابانته ، وفيه أيضا شي‌ء يدل على أنه لم يفهم كلام الشرائع. وأما قوله « لم يذكر الحكم في قتل الحر » فلان الشيخرحمه‌الله ذكر حكمه في النهاية جيدا ، فلما نقله المصنفرحمه‌الله استغنى بذكره بدا عن ذكره عودا.

واعلم أنه لا تفاوت كثير بين كلام الشرائع والمختصر. وأما استشكاله اختيار الولي قتل العبد مع نقصان قيمته عن جنايته المستلزم لنقصان دية الحر المقتول أولا ، فليس بشي‌ء لقولهعليه‌السلام « لا يجني الجاني على أكثر من نفسه »(٢) ولان ذاك لازم في الحالات الاربع على تقدير نقصان قيمته عن جنايته.

وانما طولنا الكلام في هذه المسألة لكونها من المهمات في هذا العلم.

قالرحمه‌الله في الفصل الثاني ، في الشرائط المعتبرة في القصاص : وتقتل الحرة بالحرة والحر ، ولا يؤخذ منها فضل على الاشهر.

أقول : قوله « على الاشهر » تنبيه على ما روي عن عليعليه‌السلام ان الحرة تقتل

__________________

(١) كذا فى « س » وفى « م » : وما ذكر الحر.

(٢) عوالى اللئالى ٢ / ١٥٩ و ٣ / ٥٨٣. وتهذيب الاحكام ١٠ / ١٨٢ ، ح ٩.


بالحر ويؤخذ منها فاضل ديتها(١) . وهي متروكة لا عمل عليها.

قالرحمه‌الله : ومع القول بعتق المدبر هل يسعى في فك نفسه؟ فيه خلاف ، أشهره أنه يسعى ، وربما قال بعض : يسعى في دية المقتول ، وهو وهم.

أقول : القائل هو الشيخرحمه‌الله في التهذيب(٢) ، وهو غلط. قال المصنف في النكت : واستدل في التهذيب بهذه الرواية ، فان لم تكن حجة سواها ، فانها غير دالة على السعي في دية المقتول.

وأما القول الاول ، فلان الاولياء قد استرقوه ويثبت ملكهم عليه ، فلو لم يوجب عليه عند عتقه السعي في قيمته التي هي عوض عن رقبته ، لزم الاضرار بأولياء المقتول ، وهو ينافي السلطنة ، وعليه دلت الرواية المروية عن أبي الحسنعليه‌السلام (٣) .

قالرحمه‌الله في الشرط الثاني في التساوي في الدين : ولو قتل الذمي مسلما عمدا ، دفع هو وماله الى أولياء المقتول ، وهم مخيرون بين قتله واسترقاقه ، وفي استرقاق ولده الصغار تردد ، أشبهه بقاؤهم على الحرية.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن الولد الاصغر تابع لابيه في أعظم الاشياء ، وهو الاسلام أو الكفر ، فيكون تابعا له في الاسترقاق بطريق الاولى ، وهو مذهب سلار.

والالتفات الى أصالة بقاء الحرية ، فلا يحكم بزوالها الا بدليل أقوى ، وهو مفقود هنا. قال المتأخر : والذي يقتضيه الدلالة أن الاولاد الصغار لا يدفع إليهم ، لان ماله اذا اختاروا استرقاقه ، فهو مال عندهم ومال العبد لسيده وأولاده أحرار قبل القتل أيضا اتفاقا منا ، فكيف يسترق الحر بغير دليل ، فأما استرقاقه هو فاجماعنا منعقد عليه ، وليس كذلك أولاده.

__________________

(١) نحوه تهذيب الاحكام ١٠ / ١٨١.

(٢) التهذيب ١٠ / ١٩٨.

(٣) تهذيب الاحكام ١٠ / ١٩٨ ، ح ٨٢.


فرع :

قال المتأخر : لو اختاروا قتله لم يكن لهم على ماله سبيل ، لانه لا يدخل في ملكهم الا باختيارهم استرقاقه ، وهو حسن على ما قرره أولا ، وان كان ظاهر كلام الشيخ والرواية المروية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام (١) يأباه.

قالرحمه‌الله : اذا قطع المسلم يد مثله ، فسرت مرتدا سقط القصاص ـ الى قوله : أما لو عاد الى الاسلام ، فان كان قبل أن يحصل سرايته ، ثبت القصاص في النفس.

وان حصلت سراية وهو مرتد ، ثم عاد وتمت السراية حتى صارت نفسا ، ففي القصاص تردد ، أشبهه ثبوت القصاص ، لان الاعتبار في الجناية المضمونة بحال الاستقرار. وقيل : لا قصاص ، لان وجوبه مستند الى الجناية وكل السراية وهذه بعضها هدر لانه حصل في حال الردة.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في الخلاف(٢) والمبسوط(٣) ، وحكم في الخلاف بوجوب القود ، متمسكا بعموم الآية ، وبأن الاسلام وجد في الطرفين حال الاصابة وحال استقرار الجناية.

ثم قال : فان قبلت الدية كانت الدية كاملة. وأفتى في المبسوط بعدم القود عملا بالاصل ، ثم قال : وهذه تجب الدية كاملة ، قال قوم : فيه كمال الدية ، وقال آخرون : نصف الدية. والاول أقوى(٤) .

واعلم أن القولين للشافعي. وأما المصنف ، فقد تردد في القصاص ، وبين وجه

__________________

(١) تهذيب الاحكام ١٠ / ١٩٤.

(٢) الخلاف ٢ / ٣٤٩.

(٣) المبسوط ٧ / ٢٦.

(٤) المبسوط ٧ / ٢٧.


التردد جيدا ، فلا حاجة الى اعادته.

قالرحمه‌الله : اذا قتل مرتدا ذميا ، ففي قتله تردد ، منشؤه تحرم المرتد بالاسلام ، ويقوى أنه يقتل للتساوي في الفكر ، كما يقتل النصراني باليهودي ، لان الكفر كالملة الواحدة.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في الخلاف(١) ، وأفتى فيها بتحريم القود على المرتد مع عدم رجوعه الى الاسلام ، محتجا بعموم قوله تعالى «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والْحُرُّ بِالْحُرِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً »(٢) وهذا قتل مظلوما ، اذ التقدير ذلك فيثبت لوليه القصاص عملا بالظاهر.

والمصنف تردد في ايجاب القود ، وقد بين منشأه. وللشافعي قولان ، أحدهما وجوب القود مطلقا ، سواء رجع الى الاسلام أو لا ، والثاني عدم ذلك.

قالرحمه‌الله : اذا قتل ذمي مرتدا قتل به ، لانه محقون الدم بالنسبة الى الذمي. أما لو قتله مسلم ، فلا قود مطلقا ، وفي الدية تردد ، والاقرب أنه لا دية.

أقول : منشؤه : النظر الى أن الدية تقدير شرعي ، فيقف ثبوتها على الدليل الشرعي ، وحيث لا دلالة فلا حكم.

والالتفات الى أنه أجود حالا من الذمي ، ديته كديته على أقل المراتب ، وهذا [ دليل ] اقناعي.

قالرحمه‌الله في الشرط الثالث أن لا يكون القاتل أبا : لو ادعى اثنان ولدا مجهولا ـ الى قوله : ولو ولد مولود على فراش مدعيين له ، كالأمة أو الموطوءة للشبهة في الطهر الواجد ، فقتلاه قبل القرعة ، لم يقتلا لتحقق الاحتمال بالنسبة الى كل واحد منهما. ولو رجع أحدهما ثم قتلاه لم يقتل الراجع ، والفرق أن

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٣٥٣.

(٢) سورة الاسراء : ٣٣.


البنوة هنا تثبت بالفراش لا بمجرد الدعوى ، وفي الفرق تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المانع من الاقتصاص هنا انما هو احتمال البنوة وهذا المعنى قد انتفي عن الراجع بدفعه له ، ولان هذه الصورة مساوية لصورة دفع أحد المدعيين البنوة عن نفسه ، فتخصيص هذه بايجاب القود على الراجع منهما ، وانحطاطه عن الراجع في تلك الصورة ، تخصيص من غير مخصص ، وهو محال.

والالتفات الى أن ثبوت البنوة في هذه الصورة آكد من ثبوتها في تلك الصورة ، فانها تثبت بسببي الدعوى والفراش ، بخلاف الصورة الاولى ، فلهذا لم يوجب القود على الراجع بمجرد رجوعه.

قالرحمه‌الله في الشرط الرابع كمال العقل : ولو قتل البالغ الصبي ، قتل به على الاصح.

هذا تنبيه على أن في المسألة خلافا ، وقد حكاه المتأخر عن بعض الاصحاب وانما كان الاصح الثبوت لظاهر القرآن.

قالرحمه‌الله : وفي ثبوت القود على السكران تردد ، والثبوت أشبه ، لانه كالصاحي في تعلق الاحكام. أما من بنج نفسه أو شرب مرقدا لا لعذر ، فقد ألحقه الشيخرحمه‌الله بالسكران ، وفيه تردد.

أقول : هنا مسألتان : الاولى ـ في ثبوت القود على السكران ، وقد تردد فيه ، ومنشأ تردده : النظر الى أن السكران مساو للمجنون في زوال العقل ، فلا يقتص منه عملا بالمساواة.

والالتفات الى أن الاصحاب أوجبوا عليه الاحكام كالصاحي ، وهذا يدل على مساواته له عندهم. ويضعف الاول بأن الاشتراك في الصفات السلبية لا يوجب التماثل.


وأما المسألة الثانية ، فمنشأ التردد فيها : النظر الى أن الفاعل لذلك مساو للسكران في تعمد ازالة عقله ، فيجب عليه القود تغليظا للعقوبة. والالتفات الى اصالة عدم التعدي.

قالرحمه‌الله : وفي الاعمى تردد أظهره أنه كالمبصر في توجه القصاص بعمده وفي رواية الحلبي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ان جنايته خطا تلزم العاقلة.

أقول : منشؤه : النظر الى هذه الرواية المؤيدة بفتوى الشيخ.

والالتفات الى أنها مخصصة لعموم آي القرآن العزيز فلا يسمع.

قالرحمه‌الله في الفصل الثالث في دعوى القتل : ولو حرر الدعوى بتعيين القاتل وصفة القتل ونوعه سمعت دعواه ، وهل تسمع منه مقتصرا على مطلق القتل؟ فيه تردد أشبهه القبول.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن القتل من الامور التي لا يمكن استدراكها بعد فواتها ، فافتقرت الى الكشف ، وهو المراد بالتعيين ، ولانا لا نعلم صفة القتل ، فيستوفى موجبه مع نكول المدعى عليه وحلف المدعي. وهو اختيار الشيخ في كتاب الدعاوي والبينات ، وظاهر كلامه في الشهادة على الجنايات.

والالتفات الى أن اطلاق القتل ينصرف الى العمد. فيحمل مع نكول المدعى عليه عن الحلف وسكوته عن المطالبة بالتعيين ، أو نقول بحمله عند الاطلاق على أقل مراتبه ، وهو القتل الخطأ ، دفعا للتهجم على الدماء.

قالرحمه‌الله : الثانية ـ اذا ادعى القتل ولم يبين ـ الى آخره.

أقول : هذه المسألة الاولى بعينها مع زيادة إيضاح. وقد بيناها مستوفى.

قالرحمه‌الله : الثالثة ـ لو ادعى على شخص القتل منفردا ، ثم ادعى على آخر ، لم تسمع الثانية برئ الاول أو شركه ، لاكذابه نفسه بالدعوى الاول ، وفيه للشيخ قول آخر.


أقول : صورة المسألة أنه اذا ادعى على رجل القتل وهناك لوث ، فحلف لاثبات دعواه واستوفى ، ثم جاء آخر فأقر أنه القاتل ، فهل للحالف ، أن يدعي عليه أم لا؟.

اذا عرفت هذا فنقول : ذكر الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) في هذه المسألة قولين حكاهما في الخلاف(٢) عن الشافعي :

الاول : سماع الدعوى الثانية ، لان قول الولي قتله فلان وحده لم يقطع به وانما قاله بغالب ظنه ، وهذا المعترف يخبر عن قطع ويقين ، فكان أعرف بما اعترف به ، فلهذا كان له مطالبته به ، ويفارق هذا اذا قال : أنا قتلته ثم قامت البينة أن هذا المعترف كان غائبا عن موضع القتل حين القتل حيث قلنا لا تقبل هذه البينة ، لانه مكذب لها وهاهنا غير مكذب لهذا المعترف ، فبان الفضل منهما ، واختاره في الخلاف.

الثاني : عدم السماع ، لان قول الولي في الابتداء ما قتله الا فلان وحده ، اقرار منه أن هذا المقر ما قتله ، فلا يقبل دعواه عليه.

ثم قال : وهو الاقوى عندي ، لانا بينا أنه لا يجوز أن يحلف الا على علم ، واذا ثبت ذلك فكأنه قال : أنا أعلم أن الثاني ما قتله ، فيكون مكذبا له ، على أنا قد بينا قضية الحسنعليه‌السلام في مثل هذا ، وأن الدية في بيت المال.

فأشار بذلك الى ما ذكره في أول باب القسامة ، فانه قال بعد ذكر بعض هذه المسألة هناك : وقد روى أصحابنا في مثل هذا ، وهي قضية الحسنعليه‌السلام أن الدية تلزم في بيت المال ، ولا تلزم المقر ولا الذي ادعى عليه اللوث ، وأمضاه أمير المؤمنينعليه‌السلام .

قالرحمه‌الله : لو شهدا لمن يرثانه أن زيدا جرحه بعد الاندمال قبلت ،

__________________

(١) المبسوط ٧ / ٢٣٣.

(٢) الخلاف ٢ / ٤١٨ مسألة ١٦.


ولا تقبل قبله لتحقق التهمة على تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن المقتضي لوجوب القبول موجود والمانع لا يصلح للمانعية. أما وجود المقتضي ، فهي العدالة الموجبة للقبول. وأما المانع المذكور ، فليس الا وجود التهمة ، فان الجرح قد يصير نفسا ، فتجب الدية على القاتل ويستحقها الشاهدان ، فلهذا لم يقبل.

وأما عدم صلاحيته للمانعية ، فلانه لو منع ذلك من قبول الشهادة في هذه الصورة لمنع من قبول الشهادة للمريض اذا شهدا له في حالة مرضه عملا بالعلية لكن التالي باطل عند القائل بالبطلان هناك فكذا المقدم.

أما بيان الشرطية ، فلان المقتضي للمنع هناك ليس الاجر النفع باعتبار هذه الشهادة ، على تقدير أن يموت قبل الاندمال ، وهذا المعنى بعينه متحقق في صورة ما اذا شهدا لمن يرثانه وهو مريض ، فان المريض قد يموت ، فيكون المال لهما.

لا يقال : نمنع الملازمة لوجود الفرق بين الصورتين ، لان الحق اذا ثبت هنا ملكه المريض ، فاذا مات ورثاه عن المريض لا عن المشهود عليه ، وليس كذلك اذا قامت الشهادة بالجناية لان متى مات المجني عليه وجبت الدية بموته على القاتل يستحقها الشاهدان على المشهود ، فلهذا ردت.

لانا نقول : لا نسلم أن الدية يستحقها بها ابتداءً ، بل يستحقها بها عن ملك الميت أيضا ، كما في صورة المريض ، بدليل أنه اذا ثبت قضيت منها ديونه وأنفذت وصاياه ، وإليه أومأ الشيخرحمه‌الله قبل هذه المسألة.

والالتفات الى تحقق التهمة المانعة من قبول الشهادة وقد بيناها ، وهو مذهب الشيخرحمه‌الله في المبسوط(١) ، وقد بينا ضعفه ، فالعمل على ما قلناه.

__________________

(١) المبسوط ٧ / ٢٥١.


فرع :

قال الشيخرحمه‌الله : لو اندمل الجرح بعد الاقامة ، لم يحكم بتلك الشهادة لانها وقعت مردودة ، فأما لو أعاداها بعده ، فالصحيح عندنا القبول ، لزوال المانع منه.

قالرحمه‌الله في القسامة : لو قال الشاهد : قتله أحد هذين لم يكن لوثا ، وفي الفرق تردد.

أقول : اعلم أن الشيخرحمه‌الله ذكر هاتين المسألتين في المبسوط(١) وحكم بثبوت اللوث في الاولى دون الثانية ، وفرق بينهما بأن في المسألة الاولى قد ثبت أن القتيل قتله أحدهما ، فهو كما لو وجد بينهما ، وليس كذلك المسألة الثانية لان اللوث أن يغلب على الظن صدق ما يدعيه الولي ، ولكل واحد منهما ولي ولا يعلم أن الشاهد شهد له ، فلا يغلب على الظن صدق ما يدعيه ، فلم يكن لوثا.

والمصنف تردد في الفرق ، ومنشأ تردده النظر الى ما ذكره الشيخرحمه‌الله من الفرق. والالتفات الى أن كل واحد منهما يحتمل أن يكون قاتلا ويحتمل أن لا يكون ، فتنتفي غلبة الظن بصدق ما يدعيه الولي ان لو خص بالقتل أحدهما ، اذ التقدير أن كل واحد يحتمل أن يكون قاتلا على سبيل الخصوص لا على سبيل الشركة ، فلم يغلب على الظن اتجاه القتل الى أحدهما ، فحينئذ لا يثبت اللوث في الصورتين معا.

قالرحمه‌الله : ولا يشترط في اللوث وجود أثر القتل على الاشبه.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : كل موضع حصل اللوث فللولي القسامة ، سواء كان بالقتيل أثر القتل أو لا. ثم قال : وقال قوم : ان كان به أثر القتل

__________________

(١) المبسوط ٧ / ٢٣٧.


فعل(١) هذا وان لم يكن أثرا فلا قسامة ، حتى أنه لو خرج الدم من أنفه فلا قسامة ، لانه يخرج من خنق ويظهر من غير قتل ، وان خرج من أذنه فهو مقتول ، لانه لا يخرج من أذنه الا بخنق شديد وسبب عظيم. ثم قال : وهو الاقوى(٢) .

واختار في الخلاف عدم الاشتراط ، كما هو مذهب الشافعي ، محتجا بأن العادة موت الانسان بالامراض ، وموت الفجأة نادر ، فالظاهر من هذا أنه مقتول ، كما أن من به أثر القتل يجوز أن يكون جرح نفسه ، ولا يترك لذلك القسامة ولا ينبغي أن نحمله على النادر الا بدليل ، وقد يقتل الانسان غيره بأخذ نفسه أو عصر خصيته وان لم يكن هناك أثر(٣) .

وما قالهرحمه‌الله في الخلاف حسن ، وانما كان أشبه لدلالة العموم عليه.

قالرحمه‌الله في كمية القسامة : ولو كان المدعى عليهم أكثر من واحد ففيه تردد ، أظهره أن على كل واحد خمسين يمينا ، كما لو انفرد ، لان كل واحد يتوجه عليه دعوى بانفراده.

أقول : منشؤه : النظر الى أن كل واحد من المدعى عليهم ينفي عن نفسه ما ينفيه الواحد اذا انفرد وهو القود ، فلهذا حلف كل واحد ما يحلف الواحد اذا انفرد وليس كذلك المدعي اذا كان أكثر من واحد ، لان الكل سواء يثبتون ما يثبته الواحد اذا انفرد ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط(٤) ، وهو القول الاصح عند الشافعي.

والالتفات الى أصل البراءة ، ترك العمل به في ايجاب الخمسين عليهم ، للدليل الدال عليه ، فيبقى معمولا به فيما عداه ، وبه أفتى الشيخ في الخلاف ،

__________________

(١) فى المصدر : مثل.

(٢) المبسوط ٧ / ٢١٥.

(٣) الخلاف ٢ / ٤١٥ مسألة ٨.

(٤) المبسوط ٧ / ٢١١.


محتجا باجماع الفرقة وأخبارهم ، وبأن ما قلناه مجمع على لزومه ، وليس على ما قالوه دليل(١) . وهو القول الثاني للشافعي. والمصنف رجح ما رجحه الشيخ في المبسوط.

قالرحمه‌الله : وفي قبول قسامة الكافر على المسلم تردد ، أظهره المنع.

أقول : منشؤه : النظر الى ظواهر الاخبار الدالة على جواز القسامة مع حصول اللوث ، وهو الذي قواه الشيخ في المبسوط ، ثم قال : غير أنه لا يثبت به القود ويثبت به المال(٢) . وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ، لكنهما أثبتا القتل على المسلم.

والالتفات الى أن اثبات حق المدعي بيمينه ورد على خلاف مقتضى الاصل وهو فتوى الشيخ في الخلاف ، محتجا بأصل البراءة ، وبأن اثبات القتل على المسلم بيمين المشرك يفتقر الى دليل ، ولانا لو أوجبنا القتل بيمينهم لوجب أن يقاد به ، وقد بينا أنه لا يقاد مسلم بكافر ، ولو أوجبنا عليه الدية لاوجبنا بيمين الكافر ابتداءً على مسلم مالا ، مع علمنا بأنهم يستحلون أموال المسلمين ودماءهم(٣) . وبه قال مالك.

فائدة :

ظاهر كلام المصنف والشيخرحمه‌الله في المبسوط والخلاف أن هذا الحكم انما هو اذا كان الولي كافرا أيضا. أما لو كان مسلما فلا ، وعندي فيه نظر يعرف مما ذكر في مسألة ما لو شهدا لمن يرثانه.

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٤١٧.

(٢) المبسوط ٧ / ٢١٦.

(٣) الخلاف ٢ / ٤١٦.


قالرحمه‌الله : أما الاعراب ، فان كان من أهله كلف ، والا قنع بما يعرف معه القصد.

أقول : أشار بذلك الى ما ذكره الشيخرحمه‌الله في المبسوط ، فانه قال : فأما اعراب اليمين ، فالصحيح أن يكون اسم الله مخفوضا بحرف القسم ، فنقول : والله ، فان خالف هذا أو لحن فقال : والله رفعا أو نصبا ، قال قوم : يجزيه ، لانه لا يغير معنى. والاقوى عندي أنه ان كان من أهل الاعراب والمعرفة أن لا يجزيه ، وان كان ممن لا يعرف ذلك أجزأه(١) .

وانما ذكرت هذه المسألة وان كانت واضحة ، لانه قد وقع في بعض النسخ « أما الاعتراف » بالفاء ، وهو غلط ظاهر ، وقد نبه عليه صاحب كشف الرموز وفي حاشيته على الشرائع ، وهو عارف بهذا الكتاب ، لانه قرأه على مصنفه.

قالرحمه‌الله : وهل يذكر في اليمين أن النية نية المدعي؟ قيل : نعم ، دفعا لتوهم الحالف ، والاشبه أنه لا يجب.

أقول : قال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : والنية في اليمين نية الحاكم ، والفائدة في اعتبار هذه الصفات أن كل واحد لا يعلم أن الامر هكذا ، فربما يعتقد أن النية نية الحالف ، فيغير اليمين عن جهتها ، فلهذا كانت هذه الاوصاف أقرب(٢) . ولا حاجة الى ذلك ، لان الاعتبار عندنا بنية المحق ، مدعيا كان أو مدعى عليه.

قالرحمه‌الله في الفصل الرابع في كيفية الاستيفاء : اذا كان له أولياء لا يولي عليهم ـ الى قوله : وقال : لو كان الولي صغيرا وله أب أوجد ، لم يكن لاحد أن يستوفي حتى يبلغ ، سواء كان القصاص في النفس أو الطرف ، وفيه اشكال.

أقول : منشؤه : النظر الى أنه حق للصبي ، فلا يجوز لغيره التصرف فيه

__________________

(١) المبسوط ٧ / ٢٣٨.

(٢) المبسوط ٧ / ٢٣٨.


كغيره.

والالتفات الى أن الولي متسلط على استيفاء حقوق المولى عليه مع المصلحة وهذا من ذاك ، وهو الاقوى.

قالرحمه‌الله : وقال : يحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون ، وهو أشد اشكالا من الاول.

أقول : انما كان أشد اشكالا ، لان الحبس زيادة عقوبة لا دلالة عليها ، اذ موجب القتل القصاص أو الدية لا غير ، فيكون منفيا بظاهر قولهعليه‌السلام « لا ضرر ولا اضرار في الاسلام »(١) .

قالرحمه‌الله : اذا قتل جماعة على التعاقب ، ثبت لولي كل واحد منهم القود ، ولا يتعلق حق واحد بالآخر ، فان استوفى الاول سقط حق الباقين لا الى بدل ، على تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن المقتضي لثبوت القود موجود في كل واحد واحد ، فاذا استوفى الاول سقط حق الباقين لا الى بدل ، لفوات محل القصاص ، ولان الدية لا تثبت عندنا الا بالتراضي منهما وقد يعذر ذلك ، وهو فتوى الشيخ في الخلاف(٢) والمبسوط(٣) ، وواقفه الشافعي في ثبوت القود لكل من الاولياء ، وخالفه في سقوط حق الباقين لا الى بدل ، وأوجب بدلا هو كمال الدية في ماله خاصة.

واحتج الشيخ في الخلاف بوجهين : الاول اجماع الفرقة وأخبارهم. الثاني قوله تعالى « فقد جعلنا لوليه سلطانا »(٤) فأثبت تعالى السلطنة للولي ، والقول بالتداخل

__________________

(١) عوالى اللئالى ١ / ٣٨٣ و ٢ / ٧٤ و ٣ / ٢١٠.

(٢) الخلاف ٢ / ٣٤٥.

(٣) المبسوط ٧ / ١٣.

(٤) سورة الاسراء : ٣٣.


ينفي ذلك. وعلى الثاني بأصل البراءة ، وبأن اثبات الدية يحتاج الى دليل.

والالتفات الى أن سقوط حق الباقين يستلزم اهدار الدم المحقون المنفي بظاهر قولهعليه‌السلام « لا يصل دم امرئ مسلم »(١) فيثبت البدل تفصيا من ذلك ، كما هو مذهب الشافعي ، ولو قيل بالتداخل كان وجها ، للتساوي في سبب الاستحقاق ، كما هو مذهب أبي حنيفة ، فان بادر أحدهم بقتله من غير اذن الباقين فقد استوفى حقه.

وهل يسقط حق الباقين لا الى بدل؟ قال أبو حنيفة : نعم ، والاشبه الزام القاتل بحصة باقي المقتولين من دية الجاني ، وقال عثمان التميمي : يقتل بجماعتهم ، فاذا قتل سقط من الديات واحدة وكان ما بقي من الديات في تركته ، يأخذها أولياء القتلى بالحصص ، وهذا القول مناف للمذهب جدا.

قالرحمه‌الله : ولو بادر أحدهم ـ الى آخر المسألة.

أقول : قد سبق البحث في هذه المسألة السابقة عليها.

قالرحمه‌الله : اذا قطع يمينا ، فبذل شمالا فقطعها المجني عليه من غير علم قال في المبسوط : يقتضي مذهبنا سقوط القود ، وفيه تردد. لان المتعين قطع اليمين فلا يجزي اليسرى مع وجودها.

أقول : منشؤه : النظر الى أن اليسار قد يقطع باليمين اذا لم يكن يمين ، فيكون بدلا عنها ، فيسقط القصاص عن اليمين ، اذ لا فرق بين فعل البدل وفعل المبدل عنه وهو حجة الشيخرحمه‌الله .

وفيه ضعف ، فانه لا يلزم من جعلها بدلا عنها في صورة عموم كونها بدلا عنها سلمنا لكن البدل انما يجزئ به اذا كان المبدل عنه مفقودا ، وهنا المبدل موجود فلا يجزئ كغيره.

والالتفات الى أن المعين قطع اليمين ، فلا يجزئ غيرها ، اذ اجزاء أحد

__________________

(١) عوالى اللئالى ٢ / ١٦٠ و ٣ / ٥٨١.


الفعلين المتغايرين عن الاخر خلاف الاصل ، فلا يصار إليه الا لدليل ، وهو مفقود هنا ، وهو اختيار أكثر فقهاء العامة.

فرع :

قال الشيخ في المبسوط : لو وجب عليه قطع اليمين في السرقة وأخرج يساره فقطعت ، سقط عنه القطع في اليمين بلا خلاف ، لان حقوق الله مبنية على تخفيف(١) .

قالرحمه‌الله : ولو اتفقا على بذلها بدلا لم يقع بدلا ، وكان على القاطع ديتها ، وله القصاص في اليمين لانها موجودة ، وفي هذا تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى رضا المجني عليه بقطع اليسار بدلا عن اليمين ، مستلزم للعفو عن قطع اليمين ، فيسقط القصاص عنها ، كما لو عفا عنه صريحا.

ومن الالتفات الى أنه انما رضي بقطع اليسار بدلا عن اليمين على تقدير صحة ذلك ، فاذا لم تصح المبادلة واليمين قائمة ، كان له الرجوع إليها ، كرجل باع عبدا بثمن معين ، فتلف الثمن قبل القبض رجع سيد العبد الى عين ماله حيث لم يسلم الثمن ، فكذا هنا يرجع المقتص الى ما وجب له ، وهو قطع اليمين ، وحكى الشيخ في المبسوط(٢) القولين ولم يرجح.

فائدة :

القائل بثبوت القصاص في اليمين يوجب على المقتص في اليسار ديتها ، وللمقتص قطع اليمين حينئذ ، والنافي لم يوجب دية اليسار على المقتص فيها ويوجب له دية اليمين ، فان كانت الديتان سواء تقاصا وان اختلفا ، كأن يكون أحدهما رجلا والاخر امرأة ، تقاصا بما اتفقا ورجع ذو الفضل بالفضل.

__________________

(١) المبسوط ٧ / ١٠١.

(٢) المبسوط ٧ / ١٠٢.


قالرحمه‌الله : الرابعة : لو قطع يدي رجل ورجليه ـ الى قوله : أما لو قطع يده فمات وادعى الجاني الاندمال وادعى الولي السراية ، فالقول قول الجاني ، ان مضت مدة يمكن فيها الاندمال ، ولو اختلفا فالقول قول الولي ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن الاصل بقاء المدة وعدم مضيها ، فيكون القول قول الولي ، لاستناد دعواه بهذا الاصل ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط(١) ، فالولي في هذه المسألة كالجاني في المسألة السابقة عليها.

والالتفات الى أن الظاهر وجوب نصف الدية ، اذ هو موجب الجناية فقط والولي يدعي زيادة بحصول الموت بالسراية ، والاصل عدمها حتى يثبت قطعا أو ظاهرا ، ولا قطع ولا ظاهر مع حصول الخلاف ، فيكون القول قول الجاني ، لاستناده الى هذا الاصل وأصل البراءة ، أو نقول : احتمال لا انقضاء مساو لاحتمال الانقضاء فتساقطا ، ويرجح قول الجاني بما أن الاصل عدم الضمان ، والاول عندي أقوى.

قالرحمه‌الله : ولو ادعى الجاني أنه شرب سما فمات ، وادعى الولي موته من السراية ، فالاحتمال فيهما سواء ومثله. الملفوف في الكساء اذاقدس‌سره بنصفين فادعى الولي أنه كان حيا ، وادعى الجاني أنه كان ميتا ، فالاحتمالان متساويان ، فيرجح قول الجاني بما أن الاصل عدم الضمان ، وفيه احتمال آخر ضعيف.

أقول : اعلم أن دعوى كل واحد من الجاني والولي قد استندت الى أصل في الصورتين معا. أما في الصورة الاولى ، فلان الجاني استندت دعواه الى أصل وهو أصالة عدم الموت بالسراية. وأما الولي فلان دعواه مستند الى أصالة عدم الشرب والموت به. واذا تعارض الاصلان تساقطا ووجب الرجوع الى مقتضى الاصل وهو البراءة.

وأما في الصورة الثانية ، فلان دعوى الولي مستندة بأصل بقاء الحياة ، ولانه

__________________

(١) المبسوط ٧ / ١٠٥.


قد تحققت جناية قبل الضرب وشككنا في وجودها حين الضرب ، والاصل الحياة فوجب البناء على اليقين ، كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس ، فانه يبنى على اليقين فيهما.

وأما دعوى الجاني ، فلاستناده الى الاصل ، ولان الظاهر من حال الملفوف في الكساء الموت ، واذا تعارضا تساقطا ووجب الرجوع الى الاصل ، وهو في جنية الجاني ، وهو فتوى الشيخ في المبسوط(١) والخلاف(٢) .

وأما الاحتمال الاخر ، فاعلم أن بعض الفقهاء جعل القول قول الولي ، نظرا الى ما قلناه ، واستضعفه الشيخ في المبسوط ، وهو القول الثاني للشافعي.

قالرحمه‌الله : ولو صرح بالعفو صح فيما كان ثابتا وقت الابراء ، وهو دية الجرح. أما القصاص في النفس أو الدية ، ففيه تردد لانه ابراء مما لم يجب. وفي الخلاف يصح العفو عنها وعما يحدث ، ولو سرت كان عفوه ماضيا من الثلث لانه بمنزلة الوصية.

أقول : اعلم أن الشيخرحمه‌الله ذكر هذه المسألة في الخلاف(٣) ، وأفتى فيها بصحة العفو وحكم بخروج الدية من الثلث فحسب ، لان تصرفات المريض انما يصح عنده من الثلث.

واحتج بعموم قوله تعالى « والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له »(٤) فندب تعالى الى التصدق الذي هو كناية عن الابراء ولم يفرق بين موضع وآخر ، ولان الاصل الجواز ، فالمانع يحتاج الى دليل ، وهو ظاهر كلامه في

__________________

(١) المبسوط ٧ / ٢٥٥.

(٢) الخلاف ٢ / ٤١٧.

(٣) الخلاف ٢ / ٣٧٠.

(٤) سورة المائدة : ٤٥.


المبسوط(١) .

وأما الشافعي ، فانه قال : لا يخلو أن نقول ذلك بلفظ العفو أو بلفظ الوصية ، فان قال بلفظ الوصية ، فهل تصح الوصية للقاتل؟ قولان ، أحدهما تصح لقولهعليه‌السلام « ان الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث »(٢) دل على أن الوصية انما تصح لغير الوارث ، ولا شك أن القاتل غير وارث ، فتصح الوصية له ، عملا بظاهر اللفظ وللاصل. والثاني لا تصح لقولهعليه‌السلام « ليس للقاتل شي‌ء » والنكرة في سياق النفي للعموم ، كما مر بيانه في أول كتابنا هذا.

فان قلنا بالاول كانت الدية كلها له ان خرجت من الثلث ، والا فبمقدار ما يخرج منه. وان قلنا بالثاني ، كانت الدية باقية على الجاني بحالها.

وان قال بلفظ العفو والابراء ، فهل هما من المريض وصية أم لا؟ على قولين فان قيل وصية فهو كالوصية ، وقد سلف البحث فيها. وان قيل انهما اسقاط لا وصية لانه ابراء عما لم يجب ، وذلك لا تصح.

وأما المصنف ، فانه تردد في ذلك ، ومنشأ تردده النظر الى ما احتج به الشيخ في الخلاف. والالتفات الى ما احتج به الشافعي أخيرا.

قالرحمه‌الله : لو جنى عبد على حر جناية تتعلق برقبته ، فان قال : أبرأتك لم يصح ، وان أبرأ السيد صح ، لان الجناية وان تعلقت برقبة العبد ، فانه ملك للسيد ، وفيه اشكال من حيث أن الابراء اسقاط لما في الذمة.

أقول : هذه المسألة ذكرها الشيخ في المبسوط(٣) ، وحكم بصحة ابراء السيد دون العبد. اما الاول. فلان الجناية وان كانت متعلقة برقبة العبد ، فالعبد يعود على

__________________

(١) المبسوط ٧ / ١١١.

(٢) سنن ابن ماجة ٢ / ٩٠٥ ، برقم : ٢٧١٣.

(٣) المبسوط ٧ / ١١١.


السيد فلهذا صح. وأما الثاني فلان الابراء اسقاط لما تعلق بالذمة ولم يتعلق في ذمة العبد شي‌ء.

والمصنف استشكل القول بصحة الاول ، ومنشؤه النظر الى ما ذكره الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى أن الابراء عبارة عن اسقاط ما في الذمة ولم يتعلق بذمة المولى شي‌ء ، فلا يصح ابراؤه ، والمقدمتان ظاهرتان. أما لو عفا مطلقا ، فقال : عفوت عن أرش هذه الجناية صح اجماعا وكان راجعا الى سيده ، اذ هي وصية لغير قاتل فصحت.

قال الشيخرحمه‌الله في كتاب الديات : وله أن يبذل من ابل البلد أو من غيرها أو يعطي من ابله أو ابل أدون ـ الى قوله : وهل تقبل القيمة السوقية مع وجود الابل؟ فيه تردد ، والاشبه لا.

أقول : منشؤه : من أن الواجب الابل ، فلا يعدل عن الواجب الى غيره من غير تراض ، وهو مذهب فقهاء العامة طرا ، ومن أن الاصل الجواز.

قالرحمه‌الله : والذي يقتضيه مذهبنا أنه اذا كان من أهل الابل وبذل القيمة قيمة مثله كان له ذلك ، وان قلنا ليس له ذلك كان أحوط. وأما ان كان من أهلها وطلب الولي القيمة لم يكن له ذلك.

قالرحمه‌الله : فرع ـ لو رمى من الحل الى الحرم فقتل فيه لزم التغليظ ، وهل يغلظ مع العكس؟ فيه التردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن السبب المقتضي للتغليظ انما هو القتل في الحرم ، وهو منتف هنا ، اذ التقدير أن القتل حصل في الحل فينتفي مسببه وهو التغليظ عملا بالعلية ، وهو الاقوى ، ويؤيده أصالة البراءة من وجوب التغليظ مطلقا ، ترك العمل به في ايجابه اذا حصل القتل في الحرم أو الشهر الحرام للاجماع


منا ومن الشافعي وبعض الصحابة والتابعين ، خلافا لابي حنيفة ومالك وبعض التابعين فيبقى الباقي على الاصل.

والالتفات الى أن سبب القتل حصل في الحرم ، اذ التقدير أن الرمي الذي حصل منه القتل كان في الحرم ، فيثبت التغليظ ، كما لو حصل القتل فيه ، لان وجود السبب كوجود المسبب ، وهو الاليق بمذهب الشيخرحمه‌الله ، لانه أوجب على المحل الفداء اذا كان في الحرم فرمى صيدا في الحل فقتل.

وعليه دلت رواية علي بن رئاب عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في رجل في الحرم رمى صيدا خارجا من الحرم فقتله ، فقال : عليه الجزاء ، لان الآفة جاءت الصيد من ناحية الحر(١) .

والألف واللام في التردد لتعريف الماهية ، لا اشارة الى تردد سابق.

قالرحمه‌الله : ويستوي في ذلك كله القن والمدبر ، ذكرا كان أو أنثى ، وفي أم الولد تردد على ما مضى.

أقول : قال صاحب كشف الرموز : اشار بذلك الى ما ذكره في كتاب البيع من أن أم الولد هل يسترق ويباع أو لا؟ وليس بحق ، بل أشار بذلك الى ما ذكره في كتاب المكاتبة والتدبير والاستيلاء من قوله « اذا جنت أم الولد خطا تعلق أرش الجناية برقبتها » الى قوله « وفي رواية مسمع عن أبي عبد الله جنايتها في حقوق الناس على سيدها »(٢) .

واعلم أن هذه الرواية موافقة لمذهب جميع فقهاء العامة ، على ما حكاه الشيخ في الخلاف عنهم ، الا أبا ثور فانه قال : أرش جنايتها يتعلق بذمتها يتبع به بعد العتق وهو خيرة المزني ، ثم قال بعد ذلك : وعندنا أن جنايتها كجناية المملوك سواء وقد

__________________

(١) تهذيب الاحكام ٥ / ٣٦٢ ، ح ١٦٩.

(٢) شرائع الاسلام ٣ / ١٣٩.


تقدم(١) . وكذا قال في المبسوط(٢) ، واستدل باجماع الفرقة وأخبارهم على أنها مملوكة يجوز بيعها.

اذا عرفت هذا فاعلم أن هذا التردد ضعيف ، لان الاجماع اذا انعقد على شي‌ء وجب اتباعه ، وان وردت الرواية بخلافه ، لدلالته على اطراح العمل بمضمونها.

قالرحمه‌الله : من صاح ببالغ فمات فلا دية. أما لو كان مريضا أو مجنونا أو طفلا أو اغتفل البالغ الكامل وفاجأه بالصيحة ، لزمه الضمان ، ولو قيل بالتسوية في الضمان كان حسنا ، لانه سبب الاتلاف ظاهرا.

أقول : القول الاول للشيخرحمه‌الله في المبسوط ، محتجا بالاصل ولان الظاهر أنه لم يسقط من صيحته وانما وافقت سقطته صيحته هذا.

ثم قال : أما لو كان الذي سقط صبيا أو معتوها ، فعلى الصائح الدية والكفارة لان مثل هذا يسقط من شدة الصيحة. وكذا لو كان غافلا فصاح به حالة غفلته.

والشيخ المصنف أوجب الضمان في الصورتين ، بأن الصياح سبب الاتلاف ظاهرا في الصورتين ، فيحكم بكونه سببا لهما شرعا ، بقولهعليه‌السلام : أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

قالرحمه‌الله : قال الشيخ : والدية على العاقلة ، وفيه اشكال من حيث قصد الصائح الى الاخافة ، فهو عمد الخطأ.

أقول : منشؤه : النظر الى أنه فعل خطا ، فتكون الدية المرتبة عليه لازمة للعاقلة كغيره.

والالتفات الى أن الصائح انما قصد بصيحته الاخافة ، فيكون هذا الفعل عمدا شبيه الخطأ ، فتكون الدية فيه على الجاني.

__________________

(١) الخلاف ٢ / ٣٩٨.

(٢) المبسوط ٧ / ١٦٠.


واعلم أن الشيخرحمه‌الله حقق هذه المسألة بعد هذا الكلام بقليل في مسألة من شهر سيفه في وجه انسان ، فقال : ثم تنظر ، فان كان فعله عمدا فالدية مغلظة في ما له عندنا وعندهم على العاقلة ، وان كان انما صاح به خطا ، فالدية محققة على العاقلة بلا خلاف ، وهذا القول سديد في موضعه.

قالرحمه‌الله : اذا مر بين الرماة فأصابه سهم ـ الى قوله : ولو كان مع المارّ صبي ، فقربه من طريق السهم لا قصدا [ فأصابه ] فالضمان على من قربه لا على الرامي ، لانه عرضه للاتلاف ، وفيه تردد.

أقول : ينشأ : من أن الرامي مباشر للاتلاف ، فتكون الدية على عاقلته لكونه خطا. أما الصغرى ففرضية ، وأما الكبرى فاجماعية.

والالتفات الى أن المارّ قد عرضه للاتلاف بتقريبه(١) من طريق السهم ، فيكون الضمان عليه ، وهو ضعيف ، لاتفاق الفقهاء على انه اذا اجتمع المباشر والسبب كان الضمان على المباشر دون ذي السبب ، وفيه نظر ، لان الرامي يسقط عنه الضمان بالتحذير ، فيستقر الضمان على السبب اذا.

قالرحمه‌الله : روى أبو جميلة ـ الى قوله : فقمصت المركوبة.

أقول : قال المتأخر : يقال قمصت الفرس وغيرها يقمص قمصا وقماصا اذا رفعت يديها وطرحهما معا وعجفت برجليها ، يقال : هذه دابة فيها قماص بكسر القاف لا بضمها.

واعلم أن للاصحاب في هذه المسألة خمسة أقوال قد ذكر المصنف منها ثلاثة.

وأما القولان الآخران فأحدهما : قول أبي الصلاح ، وهو أن الراكبة ان كان ركوبها بأجرة فالدية على القامصة والناخسة. وان لم يكن بأجرة فالمختار مذهب

__________________

(١) فى « س » : بتقربه.


المفيد ، قال : وهو قضاء عليعليه‌السلام .

والثاني : أن الراكبة ان كانت صغيرة أو مكرهة ، فالدية نصفان ، وان كانت بالغة مختارة فالدية أثلاث ، كما اختاره المفيد ، قاله الراوندي في الرائع ، وهو حسن ، اذ فيه جمع بين قولي الشيخين قدس الله روحهما.

قالرحمه‌الله : من دعا غيره ، فأخرجه من منزله ليلا ـ الى قوله : وان وجد مقتولا وادعى قتله على غيره ، فأقام بينه فقد برئ. وان عدم البينة ، ففي القود تردد والاصح أن لا قود وعليه الدية في ماله.

أقول : ينشأ : من أن شرط جواز القود تحقق القتل العمد العدوان ، وهو مشكوك فيه هنا ، فيسقط القود ، اذ الشك في الشرط يستلزم الشك في المشروط قطعا ، وهو اختيار أكثر الاصحاب ، واختاره المتأخر.

والالتفات الى أن رواية عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفرعليه‌السلام أن القود(١) والفتوى على الاول.

فرع :

لو لم يدع المخرج أن غيره قتله ، قال المتأخر : كان على الذي أخرجه القود بعد القسامة من أوليائه على ما مضى شرحه ، وعندي فيه اشكال.

قالرحمه‌الله : وان وجد ميتا ، ففي لزوم الدية تردد ، ولعل الاشبه أنه لا يضمن أقول : ينشأ : من النظر الى ظاهر قولهمعليهم‌السلام « من أخرج غيره من بيته فهو له ضامن حتى يرجع »(٢) وهو خيرة الشيخ في النهاية(٣) ، وهو مروي عن أبي

__________________

(١) تهذيب الاحكام ١٠ / ٢٢١.

(٢) تهذيب الاحكام ١٠ / ٢٢٢.

(٣) النهاية ص ٧٥٦.


عبد اللهعليه‌السلام عن أبي جعفر عن رسول اللهعليهما‌السلام (١) .

والالتفات الى أصل البراءة ، فيتمسك به الى حين ظهور الموجب قطعا أو ظاهرا. قال المتأخر : والذي يقتضيه مذهبنا أنه اذا كان غير متهم عليه ولا يعلم بيتهما الاخير ، فلا دية عليه بحال ، وان علم بينهما عداوة ومخاصمة ، فلاوليائه القسامة بما يدعونه من أنواع القتل ، لان اخراجه مع العداوة التي بينهما يقوم مقام اللوث المقدم ذكره ، فليلحظ ذلك. وما قالهرحمه‌الله حسن.

قالرحمه‌الله : وروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في امرأة أدخلت ليلة البناء صديقا الى حجلتها ، فلما أراد الزوج مواقعتها ثار الصديق فاقتتلا فقتله الزوج فقتلته هي ، فقال : تضمن دية الصديق وتقتل بالزوج ، وفي تضمين دية الصديق تردد ، أقربه ان دمه هدر.

أقول : منشؤه : النظر الى أن دم الصديق هدر ، أما أولا فلدخوله دار الزوج من غير اذنه ، وقد تقدم أن للزوج قتل من يجده في داره للزنا(٢) بأهله ، سواء هم بقتل الزوج أو لم يهتم. وأما ثانيا ، فلانه محارب ، فيجوز دفعه بقدر الامكان ، فلو لم يندفع الا بالقتل جاز اعتماده ، دفعا للضرر عن النفس ، وهو متفق عليه.

واذا ثبت أن دمه هدر لم يكن على أحد ضمانه ، وهو اختيار الشيخ في النكت والمتأخر أيضا.

والالتفات الى أن الزوجة غارة للصديق ، فيلزمها ديته ، كمن ألقى رجلا في البحر فابتلعه الحوت ، وهو خيرة الشيخ في النهاية(٣) وللرواية(٤) . والاول أصح وهذه الرواية اشارة الى حكم في واقعة ، والفعل لا عموم له ، لانه يكفي في صحة

__________________

(١) تهذيب الاحكام ١٠ / ٢٢١.

(٢) فى « م » : للبناء.

(٣) النهاية ص ٧٥٦.

(٤) تهذيب الاحكام ١٠ / ٢٠٩ ، ح ٢٩.


الاخبار عنه الاتيان به مرة واحدة ، فيحمل على أنهعليه‌السلام حكم بذلك لعلمه بما يوجب ذلك الحكم ، وان كان الراوي نقله من غير علم السبب المقتضي له ، فلا يعدى.

والحجلة هي الستر والخيمة التي يضرب للنساء في السفر ، قاله المصنف في النكت.

وقال المتأخر : الحجلة بالتحريك واحدة حجال العروس ، وهو بيت يفرش بالثياب والاسرة والنمارق والستور ، هكذا ذكره الجوهري في الصحاح(١) .

فلا يظن ظان أن الحجلة هي السرير ، ويعضد قول الجوهري الحديث المأثور « اعروهن يلزمن الحجال »(٢) والمراد به البيوت دون الاسرة وفاقا ، واذا ثبت استعماله في ذلك امتنع استعماله في غيره ، دفعا للاشتراك والمجاز.

قالرحمه‌الله : في البحث الثاني في الاسباب : وكذا اخراج الرواشن في الطرق المسلوكة اذا لم تضر بالمارة ، فلو قتلت خشبة بسقوطها ، قال الشيخ : يضمن نصف الدية ، لانه هلك عن مباح ومحظور ، والاقرب أنه لا يضمن مع القول بالجواز.

أقول : قال الشيخ في المبسوط عقيب ذكره : فأما قدر الضمان باعتبار حصول الموت بالسقوط ، فان سقطت الخشبة بأجمعها فقتلت ، ضمن نصف الدية ، لانه هلك من فعلين ، واحدهما مباح وهو الساقط الكائن في حد الملك ، فيسقط ما حصل بسببه. والاخر محظور ، وهو الخارج عن حده ، فيضمن ما حصل بسببه.

ثم سوى في الضمان بين ما اذا أصاب المقتول الطرف الخارج أو الاخر ، لحصول القتل باصابته وثقل الاخر ، وأوجب ضمان كل الدية مع وقوع الخارج خاصة ، لتمحض الهلاك من المحظور خاصة.

__________________

(١) صحاح اللغة ٤ / ١٦٦٧.

(٢) عوالى اللئالى ٣ / ٦٢٢.


وحكم المصنف بعدم الضمان مطلقا ، محتجا بأن النصب سائغ فلا يستعقب ضمانا ، أما الاولى ففريضة ، وأما الثانية فاتفاقية.

قالرحمه‌الله : وفي ضمان جناية الهرة المملوكة تردد ، قال الشيخ : يضمن بالتفريط مع الضراوة ، وهو بعيد ، اذ لم تجر العادة بربطها ، نعم يجوز قتلها.

أقول : منشؤه : النظر الى أن السنور الضري مساو للكلب العقور في الاذى فيجب حفظه ، ويضمن مالكه جنايته مع التفريط في حفظه عملا بالمقتضي ، وهو خيرة الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى عموم قولهعليه‌السلام « جرح العجماء جبار »(١) ترك العمل به في ايجاب الضمان على مالك الكلب العقور والدابة الصائلة مع تفريطه في حفظها للاجماع ، ولان هذه الاشياء مما جرت العادة بربطها ، بخلاف الهرة ، وهو قوي.

وأما جواز قتلها والحال هذه ، فمتفق عليه لانعقاد الاجماع على جواز قتل المؤذيات.

قالرحمه‌الله : راكب الدابة يضمن ما يجنيه بيديها ، وفي ضمان ما يجنيه برأسها تردد ، أقربه الضمان لتمكنه من مراعاته وكذا القائد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن المقتضي لضمان ما يجنيه بيديها انما هو التمكن من حفظها عن الجناية على الغير ، وهذا المعنى متحقق هنا ، فيجب القول بثبوت الضمان فيه ، عملا بالعلية ، وهو خيرة الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى أصل البراءة ترك العمل به في ضمان ما يجنيه بيديها ، فيبقى الباقي على الاصل ، وهو ظاهر كلام الشيخ في الخلاف.

قالرحمه‌الله في البحث الثالث في تزاحم الموجبات : ولو جهل المباشر حال السبب ضمن المسبب ، كمن غطى بئرا حفرها في غير ملكه فدفع غيره ثالثا

__________________

(١) تهذيب الاحكام ١٠ / ٢٢٥ ، ح ١٧.


ولما(١) يعلم ، فالضمان على الحافر.

أقول : انما أتى هنا بلفظة « لما » دون « لم » لانها تفيد انتفاء الفعل ممتدا الى وقت حديثك به ، قال تعالى «وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ »(٢) ومعناه : انهم كانوا غير مؤمنين الى وقت الاخبار عنهم ، بخلاف « لم » فانها انما يفيد انتفاء الفعل الماضي خاصة.

فمعنى قولنا « ولما يعلم » أي : ان الجهل بذلك مستمر الى حين الدفع ، وليس ذلك صريحا مع « لم » فلهذا أتى بـ « لما » وهذا فرق حسن ذكره بعض النحاة.

قالرحمه‌الله : ولو قال : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه ، ضمن دفعا لضرورة الخوف. ولو لم يكن خوف فقال : ألقه وعلي ضمانه ، ففي الضمان تردد أقربه أنه لا يضمن.

أقول : هنا مسألتان : أما الاولى ، فلا خلاف بيننا في صحة الضمان فيها ولزومه لما فيه من المصلحة المطلوبة للعقلاء ، وهي دفع خوف الغرق عن النفس ، وعليه فقهاء الجمهور الا أبا ثور قال الشيخ في الخلاف : وأبو ثور شاذ لا يعتد به.

وأما الثانية فقد ادعى الشيخ في المبسوط الاجماع على بطلان الضمان فيها وهو موافق للمذهب ، لانه ضمان ما لم يجب.

والمصنف تردد في ذلك ، ومنشؤه : النظر الى أن هذا الضمان عقد ، فيجب الوفاء به. أما الصغرى ففرضية ، اذ التقدير أن الضامن أوجد الايجاب ، أعني : صيغة الضمان والملقى رضي به ، ولا شك في أن العقد اسم للايجاب والقبول. وأما الكبرى فلقوله تعالى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ »(٣) وهو عام إلا فيما خصه الدليل ، ولا

__________________

(١) فى الشرائع المطبوع : ولم.

(٢) سورة الحجرات : ١٤.

(٣) سورة المائدة : ١.


مخصص قطعا أو ظاهرا هنا.

والالتفات الى أن مقتضى الاصل عدم صحة الضمان في الموضعين ، لكونه ضمان ما لم يجب ، لكن ترك العمل به في الصورة الاولى ، لما في تسويغة من المصلحة الظاهرة الراجحة ، فتبقى الثانية على الاصل لعرائها عن هذه الفائدة ، وهو المعتمد.

واعلم أن هذا التردد ضعيف جدا ، لما فيه من مخالفة الاجماع الذي نقله الشيخ في المبسوط ، والاستدلال الذي ذكرناه على جواز الضمان ضعيف ، اذ العموم لا ينهض معارضا للاجماع.

قالرحمه‌الله في النظر الثالث في الجناية على الاطراف : وفي الحاجبين خمسمائة دينار ، وفي كل واحد نصف ذلك ، وما أصيب منه فعلى الحساب ، وفي الاهداب تردد ، قال في المبسوط والخلاف : الدية ان لم ينبت ، وفيها مع الاجفان ديتان. والاقرب السقوط حالة الانضمام والارش حالة الانفراد.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم قولهمعليهم‌السلام « كل ما في الجسد منه اثنان ففيه الدية ، وكل ما في الجسد منه أربعة ففيه الدية » ولا شك أن الاهداب في الجسد أربعة ، فتجب فيها الدية أرباعا ، وهو خيرة الشيخ في المبسوط والخلاف ، محتجا باجماع الفرقة وأخبارهم.

والالتفات الى أن أصل البراءة ينفي التقدير مطلقا ، ترك العمل به في بعض الصور ، للنص ، والاجماع ، فيبقى الباقي على أصله ، وهو خيره المتأخر ، فانه قال بعد أن أورد كلام الشيخ في المبسوط : والذي يقتضيه مذهبنا أن الاهداب ـ وهو الشعر النابت على الجفن ـ لا دية فيه مقدرة ، لان الاصحاب لم يقدروا في السعر مقدار الا في شعر الرأس واللحية والحاجبين ، فالحاق غيرها بها قياس ، وهو باطل عندنا.


ثم قال بعد كلام : فاذا أعدم ذلك وكان مفردا عن الاجفان كان فيه حكومة ، واذا أعدمه مع الاجفان كان في الجميع دية الاجفان ، لان الاهداب تبع للاجفان ، كما لو قطع اليد وعليها شعر.

وذكر بعد ذلك كلاما طويلا لا فائدة في ايراده ، وإليه صار المصنف ، والاقرب عندي ثبوت الارش حالة الانفراد والدية للاجفان ، والارش لها حالة الانضمام ، لان شعر العينين فيه جمال ومنفعة ، بخلاف شعر البدن ، وإليه صار بعض الجمهور.

قالرحمه‌الله : وفي العين الصحيحة من الاعور الدية كاملة ، ووهم هنا واهم فتوق زلله.

أقول : أشار بذلك الى ما توهمه المتأخر من كلام الشيخ في النهاية ، حيث قال : وفي العين العوراء الدية اذا كانت خلقة ، أو ذهبت بآفة من الله تعالى.

فانه توهم أن المراد بالعوراء الفاسدة ، وزعم أن في الذاهبة بالآفة والخلقة خمسمائة دينار ، ونزل كلام الشيخ على هذا التأويل ، وهو غلط ، فان الشيخ أراد بالعوراء هنا الصحيحة من عين الاعور. وانما سماها بذلك ، لانها ليس لها أخت من جنسها.

وفى الحديث أن أبا لهب اعترض على النبيعليه‌السلام عند اظهار الدعوة ، فقال له أبو طالب : يا أعور ما أنت وهذا ، قال ابن الاعرابي : ولم يكن أبو لهب أعور وانما العرب يقول للذي ليس له أخ من أبيه وأمه : أعور. فالشيخ استعمل ذلك اتساعا وتبعا للفظ الرواية المروية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام .

فأما قول الشيخرحمه‌الله « اذا كانت خلقة » الى آخره ، فانه يريد به الذاهبة أضمرها ولم يجر لها ذكر اتساعا ولدلالة اللفظ عليه.

قال :رحمه‌الله ولو اسودت السن بالجناية ولم تسقط فثلثا ديتها ، وفيها بعد الاسوداد الثلث على الاشهر.

أقول : هذا هو المشهور بين أصحابنا ، واحتج الشيخ في الخلاف عليه باجماع


الفرقة وأخبارهم ، وذهب في النهاية الى أن فيها ربع الدية ، وبه رواية عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ضعيفة ، لضعف رجالها ، ولوجود الرواية الصحيحة الدالة على ما قلناه المتأيدة بعمل أكثر الاصحاب ، خصوصا مع نقل الشيخ الاجماع عليها.

قالرحمه‌الله : والدية في المقلوعة مع سنخها ، وهو الثابت منها في اللثة. ولو كسر ما برز عن اللثة فيه تردد ، والاقرب أن فيه دية السن.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن ذلك يسمى سنا ، فتجب فيه ديته. أما الصغرى فللنقل عن أهل اللغة ، وقد ذكره الشيخ في المبسوط والمتأخر ، فالا السن ما شاهدته زائدا على اللثة والسنخ أصله. وأما الكبرى ، فللاخبار الدالة على وجوب الدية مع قلع السن ، وهو خيرتهما.

والالتفات الى أن أصل البراءة ينفي الوجوب مطلقا ، ترك العمل به في ايجاب الدية مع القلع من السنخ مطلقا ، فيبقى على أصالته ، وهو ضعيف ، اذ الاصالة تخالف لقيام الدلالة وقد بيناها.

قالرحمه‌الله : ولو قطع حلمتي الثديين ، قال في المبسوط والخلاف : فيهما الدية. وفيه اشكال ، من حيث أن الدية في الثديين والحلمتان بعضهما.

أقول : ينشأ : من النظر الى عموم قولهمعليهم‌السلام « كل ما في الجسد منه اثنان ففيه الدية » وهو خيرة المتأخر ، ولانهما من تمام الخلقة ، وبهما الجمال والمنفعة ، وهذا الدليل ذكره الشيخ في المبسوط.

والالتفات الى أن الشارع جعل الدية في الثديين ، ولا جرم أن الحلمتين بعضهما ، وجعل الدية في الكل يقتضي التقسيط على الاجزاء ولعله أقرب لاعتماده على أصالة البراءة.

قالرحمه‌الله : وفي افضاء المرأة ديتها ـ الى قوله : ولو كانت المكرهة بكرا ، هل يجب لها أرش البكارة زائدا عن المهر؟ فيه تردد ، والاشبه وجوبه.


أقول : الافضاء جعل مدخل الذكر ، وهو مخرج المني والحيض والولد ومخرج البول واحدا. واعلم أن مخرج المني أسفل الفرج ، ومخرج البول من ثقبة كالاحليل في أعلى الفرج ، وبين المسلكين حاجز رقيق ، فالإفضاء ازالة ذلك الحاجز ، هذا تفسير الشيخ في المبسوط والمتأخر.

وقال جماعة من أهل العلم : الافضاء جعل مدخل الغرمول ومخرج الغائط واحدا. وهو بعيد ، لان بينهما حاجزا عريضا قويا.

اذا عرفت هذا فنقول : منشأ التردد : من النظر الى أن أرش البكارة والدية والمهر كل واحد منها وجب بمعنى مغاير لما وجب له الاخر ، والتداخل على خلاف الاصل ، فلا يصار إليه الا لدليل ، وحيث لادلالة فلا مصير ، وهو مذهب الشيخ في المبسوط والمتأخر.

والالتفات الى أصالة البراءة ، ترك العمل بها في ايجاب المهر والدية ، ويبقى الباقي على أصله ، ولان الافضاء تدخل فيه البكارة ، فتكون ديته كافية عنهما ، وهو قوي.

فرع :

قال الشيخ في المبسوط والخلاف : لو كان البول مستمسكا ، فلا زيادة على الدية. وان كان مسترسلا ، ففيه الحكومة ، مدعيا للاجماع وهو حسن.

قالرحمه‌الله : ويلزم ذلك في ماله ، لان الجناية اما عمد أو شبيه بالعمد.

أقول : قال الشيخ في المبسوط بعد أن ذكر كيفية تصوير العمد والشبيه به في الافضاء وأحال بعضهم أن يتصور فيه خطأ محض.

وقال بعض المتأخرين : وهو جيد أنه يتصور الخطأ المحض ، وهو اذا كان له زوجة قد وطأها ويعلم أن وطأها لا يفضيها بعد هذا فأصاب على فراشه امرأة


فأفضاها معتقدا أنها زوجته ، فانه خطأ محض ، كما لو رمى حربيا فوقع على مسلم فقتله ، كان خطا محضا بلا اشكال.

اذا عرفت هذا ظهر عندك ضعف حصر الشيخ المصنف.

قالرحمه‌الله في المقصد الثالث في الشجاج والجراح : ولو أوضحه اثنتين وهشمه فيهما واتصل الهشم باطنا ، قال في المبسوط هما هاشمتان ، وفيه تردد.

أقول : منشؤه : النظر الى أن أصالة البراءة تنفي الوجوب مطلقا ، ترك العمل به في ايجاب دية هاشمة واحدة ، لانه مما لا بدّ منه ، فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو قوي ، ولان أهل العرف يسمون ذلك هاشمة واحدة ، ولا معارض له من اللغة ، فيجب اتباعه في ذلك.

والالتفات الى أن طريقة الاحتياط قاضية بذلك ، اذ مع أداء دية هاشميين يحصل يقين البراءة ، بخلاف ما ذكرناه ، وهو ضعيف ، لان الاحتياط ليس بموجب.

قالرحمه‌الله : من لا ولي له ، فالامام ولي دمه ، يقتص له ان قتل عمدا ، وهل له العفو؟ الاصح لا.

أقول : ذهب أكثر الاصحاب الى المنع من ذلك ، ومستنده النقل المستفيض عن أهل البيتعليهم‌السلام . وذهب المتأخر الى جوازه ، تمسكا بأن الامام ولي المقتول ووارثه لو مات ، والدية يرثها من يرث المال الا كلالة الام ، واذا صح ميراثه لها جاز عفوه عن القصاص إليها. وقال : جنايته على الامام ، لانه عاقلته ، فيكون له ميراثه المستلزم لجواز العفو ، وادعى أن الشيخ رجع عن مقالته في بعض مصنفاته ولم يعين. والكل ضعيف.

قوله « الامام ولي المقتول » قلنا : ان عنيت به أن له أن يقتص عنه فمسلم ، لكن لا يلزم منه ثبوت المطلوب. وان عنيت به أعم من هذا ، بحيث أن له الصلح على


الدية والعفو عنها ممنوع ، اذ لا دليل عليه.

وقوله « والامام وارثه لو مات » قلنا : مسلم لكن لا نسلم أنهعليه‌السلام يرث من الدية ككلالة الام ، فان استندت فيها الى الرواية فكذا نحن هنا ، وان استندت فيها الى الاجماع ، فهو ممنوع لوجود الخلاف وقد قدمناه.

ومفهوم قوله « الدية يرثها من يرث المال » أن الدية لا يرثها الا من يرث ، الا ان كل من يرث المال يرث الدية.

وقوله « جنايته على الامام لانه عاقلته فيكون له ميراثه » قلنا : ما الملازمة؟. وأما دعوى النقل عن الشيخ ، فلا يصححا الا الوجود. هذا آخر كلام صاحب كشف الرموز. وفيه نظر.

قالرحمه‌الله في النظر الرابع في اللواحق : ولو عزل المجامع عن الحرة اختيارا ولم تأذن ، قيل : يلزمه عشرة دنانير ، وفيه تردد ، أشبهه أنه لا يجب.

أقول : ينشأ : من النظر الى الاصالة النافية للوجوب ، ولان الاصل براءة الذمة ، فلا يعلق عليها شي‌ء الا مع وجود الدليل الدال عليه قطعا أو ظاهرا ، وهما منتفيان هنا ، لان الدال على ذلك انما هو خبر واحد شاذ ، وأخبار الآحاد لا يقتضي علما ولا عملا خصوصا مع منافاتها الاصل ، وهو خيرة المتأخر محتجا بعين هذا الدليل ، ويؤيد قوله ما رواه ابن بابويه عن محمد بن مسلم قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن العزل ، فقال : الماء للرجل يصرفه حيث يشاء.

ومن الالتفات الى الروايتين المرويتين عن أهل البيتعليهم‌السلام الدالتين على الوجوب ، وهو خيرة شيخنا المفيد والشيخ في النهاية وأبي الصلاح في الكافي وعليه أتباع الشيخ.

قالرحمه‌الله : في الثالثة في كفارة القتل : ولو ظنه كافرا فلا دية وعليه الكفارة.

ولو كان أسيرا قال الشيخ : يضمن الدية والكفارة ، لانه لا قدرة للاسير على التخلص


وفيه تردد.

أقول : ينشأ : من النظر الى أن أصالة البراءة تنفي وجوبها ، ترك العمل بها في ايجاب الكفارة للآية : فيبقى معمولا بها فيما عداها ، وهو أحد قولي الشافعي.

ومن الالتفات الى عموم قوله تعالى « ومن قتل مؤمنا خطا فدية مسلمة الى أهله وتحرير رقبة مؤمنة » وهذا مؤمن فيجبان معا بقتله ، عملا بظاهر الآية ، ولقولهعليه‌السلام « في النفس المؤمنة مائة من الابل » وهذه نفس.

وهذان احتج بهما الشيخ في الخلاف ، واحتج في المبسوط بأن الاسير غير مختار في كونه هناك ، فتجب له الدية.

فرع :

لا فرق بين أن يقصده بعينه ، أو لم يقصده اذا لم يعلم كونه مؤمنا. وقال الشافعي : ان قصده بعينه فعليه الدية والكفارة على أحد القولين والاخر كفارة بلا دية. وان لم يقصد بعينه فالكفارة بلا دية.

قالرحمه‌الله : واذا قبل من العامد الدية ، وجبت الكفارة قطعا. ولو قتل قودا هل تجب في ماله؟ قال في المبسوط : لا تجب ، وفيه اشكال ينشأ من كون الجناية سببا.

أقول : اعلم أن للشيخ في هذه قولين : الوجوب ، وهو ظاهر كلامه في الخلاف محتجا باجماع الفرقة وأخبارهم ، وبأن طريقة الاحتياط تقتضي ذلك والثاني قاله في المبسوط. وهو الذي يقتضيه مذهبنا ولم يبد حجة سوى ذلك ، والمصنف استشكل القول بالسقوط من حيث أن الجناية سبب موجب للقود ، وهي حاصلة من جهته ، فلا يعد عذرا مسقطا للكفارة ، كما لو مات بعد أن أخذت منه الدية.

قالرحمه‌الله في الرابعة في العاقلة : ولا يعقل مولى المملوك جنايته ـ الى


قوله : أو مستولدة على الاشبه.

أقول : قد سبق هذا البحث فيما سلف.

قالرحمه‌الله : وضامن الجريرة يعقل ، ولا يعقل عنه المضمون ـ الى قوله : نعم لا يضمن الامام مع وجوده ويسره على الاشبه.

أقول : هذا هو المشهور بين الاصحاب ، وذكره شيخنا في نهايته ، وأتبعه المتأخر ، وكلام المصنف يدل على وجود مخالف فيه ، ولا يحضرني الآن ذلك وان كان فهو مدفوع بالشهرة.

قالرحمه‌الله : وأما كيفية ، التقسيط ، فان الدية تجب ابتداءً على العاقلة ولا يرجع بها على الجاني على الاصح.

أقول : حكى الشيخ في المبسوط والخلاف والنهاية عن بعض الاصحاب جواز الرجوع على القاتل ، ثم قال في الاولين : ولا أعرف به قضاء ولا قولا ، واحتج في الخلاف بظواهر الاخبار الدالة على لزوم الدية للعاقلة ابتداءً وليس في شي‌ء منها ما يدل على الرجوع على القاتل.

ونسب الشيخ المصنف والمتأخر هذا القول الى شيخنا المفيد في المقنعة ولم يذكر المستند. وربما احتج بأن ذلك غرم لزم العاقلة بسببه ، فكان لها الرجوع عليه ويضعف بأن الجناية لم توجب عليه دركا للمجني عليه ، فأولى بأن لا توجب للعاقلة وفيه نظر.

قالرحمه‌الله : ولو قتل الأب ولده خطا ، فالدية على العاقلة ويرثها الوارث وفي توريث الأب هنا قولان ، ولو لم يكن وارث سوى العاقلة ، فان قلنا الأب لا يرث فلا دية ، وان قلنا يرث ففي أخذه من العاقلة تردد. وكذا البحث لو قتل الولد أباه خطا.

أقول : منشؤه : النظر الى عموم الاخبار الدالة على لزوم العاقلة الدية ويسلمها


الى أولياء المقتول ، ولا شك أن الولي هنا الأب ، فيجب التسليم إليه ، عملا بالعموم والالتفات الى أن ذلك يستلزم ان القاتل يقتل ويأخذ ، وهو بعيد. أما أولا ، فلصيرورة الجناية وسيلة الى تحصيل الاموال. وأما ثانيا ، فلما في ذلك من توفر الدواعي على القتل الخطأ ، وهما ضعيفان ، أما الاول فلانه مجرد استبعاد وليس دليلا. وأما الثاني فلانا لا نوجب الاخذ من العاقلة الا عند تحقق كون القتل خطا.

واعلم أن هذا الاشكال انما يتأتى على قول من يورث القاتل خطا مطلقا. أما من يمنعه مطلقا أو من الدية ، فالاشكال ليس بوارد عليهما.

قالرحمه‌الله : وكذا لو رمى مسلم طائرا ثم ارتد فأصاب مسلما ، قال الشيخ : لم يعقل عنه المسلمون من عصبته ولا الكفار ، ولو قيل : يعقل عنه عصبته المسلمون كان حسنا ، لان ميراثه لهم على الاصح.

أقول : قال الشيخ في المبسوط : انما لم يعقل عنه الكفار ، لانه أرسله وهو مسلم ، فتكون الدية في ماله. والشيخ المصنف أوجب الدية على عاقلة المسلم ، وهو حسن. أما أولا فلان مقتضى الاصل لزوم الدية للعاقلة المسلمين في الصورتين : أعني صورة ما لو رمى وهو ذمي ثم أسلم فقتل السهم مسلما ، وهذه الصورة لكون الميراث لهم فيهما معا ، ترك العمل بها في الصورة الاولى ، للاجماع فيبقى الباقي على أصله. وأما ثانيا فلان المرتد ميراثه لورثته المسلمين ، فتكون ديته عليهم.

وحيث أتينا بما قصدنا اثباته وذكره ، وأوردنا ما أردنا ايراده وسطره ، فلنحمد الله الذي جعلنا من المتمسكين بإهذاب مذهب الائمة الاطهار المنزهين عن الخطل والزيغ والآصار ، الاخذين علومهم عن النبي المختار محمد بن عبد الله ، من أكرم بيت وأشرف الابرار ، المؤيد بالمهاجرين والانصار ، صلى الله عليه وعليهم آناء الليل وأطراف النهار ، ونسأله أن يجعل ما كتبناه حجة لنا يوم القرار ، وعدة نستدفع بها أهوال تلك الدار ، انه هو الكريم الغفار المتطول بالانعم السنية الغزار.


قال في آخر نسخة « م » : تم كتاب إيضاح ترددات الشرائع ، تأليف الشيخ العالم الكامل نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي ، والحمد لله وحده وصلى الله على أكرم المرسلين وسيد الاولياء محمد بن النبي وآله وعترته الطاهرين ، وذلك في يوم ثامن الحرام من سنة خمس خمسين وسبعمائة الهلالية بالحلة ، عمرها الله بالصالحين من عباده ، على يد كاتبه مالكه أضعف الفقير الى رحمته وعفوه علي بن حسن بن أحمد بن ابراهيم بن مظاهر ، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات و رب اختم بالخيرات.

وقال في آخر نسخة « س » : تم الكتاب والحمد لله حق حمده ، وصلى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وسلم تسليما كثيرا ، برحمتك يا أرحم الراحمين. فرغ من تعليقه أفقر عباد الله وأحوجهم الى مغفرته ورحمته ورضوانه علي بن حسن بن علي الحلي محتدا مسكنا ومولدا ، نصف نهار الاربعاء حادي وعشرين من شهر من شهور سنة ست وخمسين وسبعمائة ، وصلى الله على محمد وآله ، غفر الله له ولوالديه ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات ، الاحياء منهم والاموات ، ولجميع من قرأ فيه أو نظر فيه أو نسخ منه أو طالعه وترحم على المؤمنين والمسلمين ولوالديه ودعا له بالمغفرة ...

وقال في هامش « س » : اتفقت المقابلة والتصحيح من أوله الى آخره بنسخة بخط شيخنا العلامة جمال الدين أحمد بن فهد قدس الله روحه. والمفهوم من النسختين أنهما غير مقابلتين ، لكن بحسب ما أمكن وكتب الفقير علي بن قاسم المعروف بابن عدافة عفا الله عنهم.

وتم بحمد الله تعالى استنساخ الجزءين من الكتاب تصحيحا وتحقيقا وتعليقا عليه ، مع تحمل المشاق الشديدة في استنساخهما حيث أن النسختين كانتا بالخط الحلي وهو من أصعب الخطوط المتداولة قراءة ، وكان الفراغ منه في اليوم العاشر


من الرجب المرجب سنة ألف وأربعمائة وثمان هجرية على يد الفقير المحتاج السيد مهدي الرجائي عفي عن جرائمه في بلدة قم حرم أهل البيتعليهم‌السلام .


فهرس مطالب الكتاب

 ذكر ترددات كتاب النكاح ٣

 ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الخلع ٣٦

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب التدبير ٦٠

 فى ذكر الترددات المذكورة فى فصل المكاتبة ٦٥

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الاقرار ٧٠

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الأيمان ٧٧

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب النذر ٩١

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الصيد ٩٧

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الغصب ١٠٧

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الشفعة ١١٤

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب احياء الموات ١٢٢

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب اللقطة ١٢٦

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الفرائض ١٣٢

 فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب القضاء ١٤٠

فهرس مطالب الكتاب.. ٢٠٠