الذات الإلهية
وفق المفهوم الفلسفي
إعداد
مالك مهدي خلصان
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أمَّا بعد، فلم يكن هذا الكتاب بحثاً عن الصفات الإلهية، سواء الثبوتية منها أم السلبية فحسب، ولا إحاطة بالإلوهية وما يتعلق بها، وما يشكل عليها مِن الدور والتسلسل؛ لأنَّنا لسنا بصدى تفصيل العقيدة الإسلامية، ولا بخصوص دين معيَّن، بل ندخل بعمق إلى خواص وماهية الذات الإلهية دون التعرض لكُنهها، وفقاً لما تصدَّت له الفلسفة الإسلامية لأهل بيت النبوة (صلوات الله عليهم أجمعين).
(الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادُّون، ولا يؤدِّي حقَّه المجتهدون. الذي لا يُدركه بُعْد الهمم، ولا يناله غوص الفطن. الذي ليس لصفته حدٌّ محدود ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتّد بالصخور ميدان أرضه.
أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلِّ صفة أنَّها غير الموصوف، وشهادة كلِّ موصوف أنَّه غير الصفة، فمَن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومَن قرنه فقد ثنَّاه، ومَن ثنَّاه فقد جزَّأه، ومَن جزأه فقد جهله، ومَن جهله فقد أشار إليه، ومَن أشار إليه فقد حدَّه، ومَن حدَّه فقد عدّه. ومَن قال: فيم؟ فقد ضمنّه، ومَن قال: علام؟ فقد أخلى منه.
كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كلِّ شيء لا بمقارنة، وغير كلِّ شيء لا بمزايلة. فاعل لا بمعنى الحركات والآلة. بصير إذ لا منظور إليه مِن خلقه. متوحِّد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده. أنشأ الخلق إنشاءً، وابتدأه ابتداءً، بلا روية أحالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها.
أحال الأشياء لأوقاتها، ولاءم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، وألزمها أشباحها، عالماً بها قبل ابتدائها، محيطاً بحدودها وانتهائها، عارفاً بقرائنها وأحنانها).
الفصل الأول
المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة
إنَّ الإنسان لا يستطيع الإحاطة بحقيقة الله والوقوف على كنهه؛ لأنَّ تصوُّره مستحيل، لكون الذات الإلهية لا يحاط بها ولا يعرف كنهها، لا في الذهن ولا في الخارج؛ لأنَّه مطلق وما يرد في ذهن الإنسان محدود، حيث لا يمكن لللا متناهي أنْ يحيط به محدود أو محاط؛ لقوله تعالى:( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) (طه: ١١٠). وقال أيضاً( ... وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ ... ) (آل عمران: ٠٣)؛ إذ لا يمكن لأحد بلوغ تلك المعرفة لاكتناه الذات، لأنَّها مغلقة أمام الإنسان. قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (لم يُطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته) (الخطبة ٤٩).
لكنْ ذهب المعطِّلة إلى عدم معرفة ذات الله والتوصُّل إلى كنهه بواسطة العقل، وربَّما نجد بعض الأحاديث تقارب ما يدعون إليه، إذا لم نفهم المراد منها، كقول الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): قال: (إيَّاكم والتفكر في الله! ولكنْ إذا أردتم أنْ تنظروا إلى عظمة الله فانظروا إلى عِظم خلقه)(١) .
وعن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، قال: (تكلَّموا في خلق الله، ولا تكلَّموا في الله؛ فإنَّ الكلام في الله لا يزيد إلاَّ تحيُّراً)(٢) .
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): (إنَّ الله يقول:( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) [ النجم: ٤٢ ] قال: (إذا انتهى الكلام إلى الله عز وجل، فامسكوا)(٣) .
وعن أبو عبد الله (عليه السلام): (مَن نظر في الله كيف هو هلك)(٤) .
____________________
(١) الكافي كتاب التوحيد – في النهي عن الكلام عن الكيفية.
(٢) توحيد الصدوق ص ٤٥٤، ٦٧ – باب النهي في الكلام والمراء في الله عز وجل.
(٣) توحيد الصدوق ص ٤٥٦ – ٩ – باب.
(٤) حق اليقين ص ٤٦.
وقول الإمام علي (عليه السلام): (الذي لا يُدركه بُعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن) الخُطبة الأُولى.
وقوله أيضاً: (وإنَّك أنت الله الذي لم يتناه في العقول، فتكون في مهبِّ فكرها مكيَّفاً، ولا في رويات خواطرها فتكون محدوداً مصرفاً) الخطبة ٨٩.
وبذات الوقت يقول الإمام علي (عليه السلام) - بما يسدُّ الطريق على المعطِّلة قوله الآنف الذكر -: (لم يُطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته) الخطبة ٤٩.
فإذا كانت عقولنا قاصرة عن كنه ذات الله، فهناك مقدار واجب مِن المعرفة الممكنة لابدَّ منه.
أمَّا تصوُّرنا لله المطلق، فمِن الواضح أنَّه لا يتمُّ حسب إدراكنا العادي؛ لأنَّنا مُحاطون بظواهر جسمانية وقيود زمانية ومكانية، وأفكارنا محصورة بنوع مِن التفكير، يستحيل علينا إدراك موجود خال مِن قيد أو شرط.
فالمعرفة ممكنة والاكتناه محال، فباب المعرفة مفتوح أيْ معرفة الله بوجه، لا مِن جميع الوجوه؛ لأنَّها إذا كانت مِن جميع الوجوه صارت اكتناهية، وهي ممتنعة، فلا يمكن أنْ نقف على ذاته وكنهه وحقيقته(يا مَن لا يعرف ما هو إلاَّ هو) ، كما نذكر لكم ما ينسب إلى أفلاطون قوله:
فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلا
أنت حيَّرت ذوي اللب وبلبلت العقولا
كلَّما قدم فكري فيك شبراً فرَّ ميلا
ناكصاً يخبط في عمياء لا يهدي سبيلا
الفصل الثاني
إثبات واجب الوجود لذاته
كلُّ معقول إمَّا أنْ يكون واجب الوجود في الخارج لذاته، وإمَّا ممكن الوجود لذاته، وإمَّا ممتنع الوجود لذاته.
تقريرها: إنَّ كلَّ معقول - وهو الصورة الحاصلة في العقل - إذا نسبنا إليه الوجود الخارجي، فإمَّا أنْ يصحُّ اتِّصافه به لذاته أو لا، فإنْ لم يصحَّ اتِّصافه به لذاته فهو ممتنع الوجود لذاته، كشريك الباري، فإنْ صحَّ اتَّصافه به، فإمَّا أنْ يجب اتَّصافه به لذاته أو لا.
الأول: هو الواجب الوجود لذاته، وهو الله تعالى لا غير.
الثاني: هو ممكن الوجود لذاته، وهو ما عدا الواجب مِن الموجودات، وإنَّما قيَّدنا الممتنع أيضاً بكونه لذاته احترازاً مِن الممتنع لغيره، كامتناع وجود المعلول عند عدم علَّته، كامتناع النار عند عدم وجود الوقود أو أسباب الاحتراق، وهذان القسمان داخلان في قسم الممكن. وإمَّا الممكن، فلا يكون وجوده لغيره، فلا فايدة في تقييده لذاته، إلاَّ لبيان أنَّه لا يكون إلاَّ كذلك، وللاحتراز عن غيره.
العدم المطلق: وهو المقابل للوجود المطلق.
العدم المقيَّد: هو الذي يكون بعد الوجود وبينه.
معنى الوجوب: أنْ يكون الوجود له ضرورياً.
معنى الامتناع: أنْ يكون العدم له ضرورياً.
معنى الإمكان: أنْ لا يكون الوجود له ضرورياً، ولا العدم له ضرورياً.
في إثبات واجب الوجود لذاته
قال السبزواري - في منظومة الحكمة ١٨ - غرر في المواد الثلاثة:
إنَّ الوجود رابط ورابطي ثمَّت نفسيٌّ فهاك واضبط
لأنَّه في نفسه ولاوم في نفسه إمَّا لنفسه سم
وغيره والحق نحو أيسه في نفسه لنفسه بنفسه
قد كان ذا الجهات في الأذهان وجوب امتناع وإمكان
وهي غنيَّة عن الحدود ذات تأسى فيه بالوجود
(انَّ الوجود رابط) أيْ ثبوت الشيء مشيئاً (ورابطي ثمَّت نفسي)، قد يلحق التاء المتحركة بثمَّ العاطفة، ومنه قوله: فمضيت ثمَّت قلت: لا يعنيني. والمعنى: المشترك بين الرابطي والنفسي ثبوت الشيء (فهاك) أيْ خذ (واضبط لأنَّه) أيْ الوجود مطلقاً، أمَّا أنْ يكون وجوداً (في نفسه) ويقال له: الوجود المحمولي، وهو مفاد كان التامة المتحقِّق في الهلِّيات البسيطة، (أو) يكون وجوداً (لا) في نفسه، وهو مفاد كان الناقصة المتحقِّق في الهلِّيات المركبة، ويقال له في المشهور: الوجود الرابطي.
والأولى على ما في المتن أنْ يسمَّى بالوجود الرابط، على ما اصطلح عليه السيد المحقِّق الداماد في الأفق المبين، وصدر المتألهين (قدس سره) في الأسفار؛ ليفرَّق بينه وبين وجود الأعراض؛ حيث أطلقوا عليه الوجود الرابطي، وقول المحقِّق اللاهيجي في بعض تأليفاته: إنَّ وجود العرض مفاد كان الناقصة وهْمٌ؛ لأنَّه محمولي، يقع في الهلِّية البسيطة، كقولك: البياض موجود. بخلاف مفاد كان الناقصة، أعني: الرابط؛ فإنَّه دائماً ربط بين الشيئين لا ينسلخ عن هذا الشأن.
(وما) أيْ وجود (في نفسه إمَّا لنفسه)، كوجود الجواهر (سما) إمَّا مؤكَّد بالنون الخفيفة وماضٍ بمعنى علا.
(وغيره)، يعني: ووجود في نفسه لغيره كوجود العرض؛ حيث يقال: وجود العرض في نفسه عين وجوده لغيره. فله وجود في نفسه، لكونه محمولاً وله ماهية تامَّة ملحوظة بالذات في العقل، ولكنْ ذلك الوجود في غيره لأنَّه في الخارج نعت للموضوع.
ثمَّ النفسي قسمان؛ لأنّ الوجود في نفسه لنفسه، إمَّا بغيره كوجود الجوهر؛ فإنَّه ممكن معلول، وإمَّا بنفسه وهو وجود الحق تعالى كما قلنا. (والحق) جلّ شأنه (نحو أيسه) أيْ وجوده (في نفسه) لا كالرابط؛ حيث إنَّه وجود لا في نفسه (لنفسه)، لا كالرابطي؛ فإنَّه
في نفسه لغيره (بنفسه)، لا كوجود الجوهر؛ فإنَّه وإنْ كان لنفسه لكنْ ليس بنفسه.
وجَعْلُ العرض موجوداً في نفسه لغيره، والجوهر موجوداً في نفسه لنفسه بغيره، لا ينافي ما حقِّق في موضعه مِن أنَّ وجود ما سوى الواحد الأحد رابط محض؛ لأنَّ ما ذُكِر ها هنا إنَّما هو فيما بين الممكنات أنفسها، وإلاَّ فالكل روابط صرفه لا نفسية لها بالنسبة إليه. إنْ هي إلاَّ تمويهات وتماثيل وبأنفسها أعدام وأباطيل.
(قد كان) أيْ الوجود مطلقاً (ذا الجهات) أي صاحب الجهات، وهو خبر كان (في الأذهان) هذا إشارة إلى أنَّها في الخارج موادّ، وفي الأذهان جهات (وجوب) بالجر بدل مِن الجهات، لا بالرفع ليتوافق الرويان و(امتناع وإمكان) كلمة وللتنويع (وهي) أيْ الجهات (غنيَّة عن الحدود)؛ لكون معانيها ممَّا ترتسم في النفس ارتساماً أوَّلياً. فمن أراد أنْ يعرِّفها تعريفاً حقيقاً لا لفظياً لم يأت إلاَّ بتعريفات دوريَّة، مثل أنَّ الواجب: ما يلزم مِن فرض عدمه محال. والممكن: ما لا يلزم مِن فرض وجوده وعدمه محال. والممتنع: ما ليس بممكن وما يجب أنْ لا يكون غير ذلك. فهي (ذات تأسى فيه) أيْ صاحبة إقتداء في الغناء عن التحديد (بالوجود).
الفصل الثالث
خصائص الواجب والممكن
واجب الوجود له خصائص خمس:
١- أنْ لا يكون وجوده واجباً لذاته ولغيره معاً، وإلاَّ لكان وجوده مرتفعاً عند ارتفاع وجود ذلك الغير، فلا يكون واجباً لذاته، وهذا خلف.
أيْ لا يمكن أنْ يكون واجباً بالذات وواجباً بالغير؛ لأنَّ الواجب بالذات لا يمكن أنْ يكون واجباً بالغير؛ لأنَّه إذا ارتفع ذلك الغير ترتفع الذات، وإذا عُدمت العلَّة عُدم المعلول، وإذا فرضنا أنَّ الواجب بالذات واجباً بالغير أيْ يمكن عليه العدم، والواجب بالذات يمتنع عليه العدم، ولا يكون وجوبه واجباً لذاته ولغيره معاً؛ وإلاَّ لو كان واجب الوجود بالذات وواجباً بالغير أيضاً لكان وجوبه مرفوعاً عند ارتفاع ذلك الغير، فلا يصحُّ لأنَّه واجب بالذات ويستحيل عليه العدم.
٢- أنَّه لا يكون وجوده ووجوبه زايدين عليه؛ وإلاَّ لافتقر إليهما، فيكون ممكناً.
أي أنَّه عندما نقول: الله موجود. الله واجب. فهل أنَّ الوجود والوجوب زايدين على ذات الواجب؟ أو أنَّهما عين الواجب؟ الوجود والوجوب هذا ليس زائداً على ذات الواجب، كما أنَّ الوجود على ذات الممكن زائداً عليه. فلا يكونا زائدين عليه؛ وإلاَّ لزم أنَّ هذه الذات تكون مفتقرة إلى الوجود لكي توجد، ومفتقرة إلى الوجوب لكي تكون واجبة، والافتقار مِن صفات الممكن( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء ... ) ، والواجب لا يوجد فيه أيُّ مجال للفقر والاحتياج؛ كونه غنيَّاً( ... وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ) . وحقيقة الماهية هي الوجوب خلافه بالممكن؛ حيث إنَّ وجوده زائد على ذاته.
٣- أنَّه لا يكون صادقاً عليه التركيب؛ لأنَّ المركَّب مفتقر إلى أجزائه المغايرة له، فيكون ممكناً، والممكن لا يكون واجباً لذاته. أيْ أنَّه ليس مركباً مِن أجزاء، فالماء مركب مِن عنصر الأوكسجين وعنصر الهيدروجين. أمَّا الواجب بسيط مِن كلِّ جهة، لا يوجد فيه أيُّ مجال للتركيب؛ لأنَّ كل مركب يحتاج إلى الأجزاء كي يتحقَّق ذلك المركب، فعدم وجود الأوكسجين لا يحقِّق وجود الماء.
لو فرضنا أنَّ الواجب مركب ويفتقر إلى أجزائه، وقلنا: إنَّ الافتقار والاحتياج مِن خواص الممكن، فالواجب بسيط مِن كلِّ جهة، ولا يكون مركب بأيِّ نحو مِن الأنحاء التركيبية؛ لأنَّ المركب مفتقر بوجوده إلى وجود أجزاءه كي يتحقَّق، وهذه الأجزاء مغايرة للمركب، فالماء شيء والأوكسجين شيء آخر.
٤- أنَّه لا يكون جزءاً مِن غيره؛ وإلاَّ لكان منفعلاً عن ذلك الجزء فيكون ممكناً.
فإنَّه لا يكون جزءاً مِن غيره - أيْ مِن مركب آخر - لأنَّه يحتاج لذلك المركب. لكي يتحقَّق الماء، الأوكسجين يحتاج إلى الهيدروجين ليتركب معه لتكوين الماء، فيقع بينه وبين الجزء الآخر انفعال، والانفعال ينافي الوجوب بالذات، وإذا كان منفعلاً فيكون فيه قوة واستعداد مِن الفعل فيكون ممكناً.
٥- أنَّه لا يكون صادقاً على اثنين؛ لأنَّهما حينئذ يشتركان في وجوب الوجوب، لا يخلو إمَّا أنْ يتميَّزا أو لا، فإنْ لم يتميَّزا لم تحصل الاثنينية، وإنْ تميَّزا لزم تركيب الواحد منهما مَن به المشاركة ومَن به الممايزة، وكلُّ مركب ممكن وعليه لا يكون واجباً لذاته.
ولو كان معه شريك لزم فساد نظام الوجود وهو باطل. بيان ذلك: أنَّه لو تعلَّقت إرادة أحدهما بإيجاد جسم متحرك، فلا يخلو إمَّا أنْ يكون للآخر إرادة سكونه أولا، فإنْ أمكن فلا يخلو إمَّا أنْ يقع مرادهما؛ فيلزم اجتماع المتنافيين، أو لا يقع مرادهما؛ فيلزم خلوُّ الجسم عن الحركة والسكون، أو يقع مراد أحدهما ففيه فسادان:
أحدهما: الترجيح بلا مرجح.
وثانيهما: عجز الآخر.
وإنْ لم يكن للآخر إرادة سكونه فيلزم عجزه؛ إذ لا مانع إلاَّ تعلُّق إرادة ذلك الغير، لكنْ عجز الإله باطل والترجيح بلا مرجِّح مُحال؛ فيلزم فساد النظام وهو مُحال أيضاً.
١- أنَّه لا يكون أحد الطرفين، أعني: الوجود والعدم أولى به مِن الآخر، بلْ هما معاً متساويان بالنسبة إليه، ككفتي الميزان، فإنْ ترجَّح أحدهما، فإنَّه إنَّما يكون بالسبب الخارجي عن ذاته؛ لأنَّه لو كان أحدهما أولى به مِن الآخر، فإمَّا أنْ يمكن وقوع الآخر أو لا، فإنْ كان الأول لم تكن الأولوية كافية، وإنْ كان الثاني كان المفروض أولى به واجباً له، فيصير الممكن إمَّا واجباً أو ممتنعاً، وهو مُحال.
إنَّ الممكن متساوي النسبة للوجود والعدم، لا الوجود أولى له ولا العدم أولى له، بل خارجان عن أولوية الممكن فيحتاج لمرجِّح، فلا يكون أحد الطرفين - سواء طرف الوجود أم طرف العدم - أولى بالممكن مِن الآخر، بل الوجود والعدم متساويان بالنسبة للممكن، فإنَّ ترجيح أحدهما الوجود ترجَّح للممكن فصار موجوداً، أو العدم ترجَّح للممكن فيصبح معدوماً، هذا يحتاج لعلة خارجية. فالترجيح لا يكون منشأه نفس الذات، فإنْ ترجَّح أحدهما بالسبب خارجي عن ذات الممكن لا بنفس ذات الممكن؛ لأنَّه إذا كان ذات الممكن هو السبب للوجود أو العدم، أو كان أحدهما أولى مِن الآخر، هذه الأولوية تجعل الطرف الآخر ممتنع التحقُّق أو وجوب التحقُّق، مع وجوب الأولوية يكون الممكن واجباً أو ممتنعاً، لأنَّ الإمكان هو تساوي النسبة للوجود والعدم. أمَّا إذا كانت هذه الأولوية كافية لوجود الأول وانعدام الآخر يوجب الوجوب أو الامتناع؛ فيصير الممكن إمَّا واجباً أو ممتنعاً.
٢- أنَّ الممكن محتاج إلى المؤثِّر؛ لأنَّه لمَّا استوى الطرفان - أعني الوجود والعدم - بالنسبة إلى ذاته استحال ترجيح أحدهما على الآخر إلاَّ لمرجِّح، والعلم به بديهي. وحيث إنَّ الذات لا يمكن احتياجها لمؤثِّر خارجي لاستواء طرفيّ الوجود والعدم، فيستحيل ترجيح أحدهما على الآخر؛ لاستحالة الترجيح بلا مرجِّح.
٣- أنَّ المَّمكن الباقي محتاج إلى المؤثِّر. وإنَّما قلنا ذلك، لأنَّ الإمكان لازم لماهية الممكن، ويستحيل رفعه عنه، وإلاَّ لزم انقلابه مِن الإمكان إلى الوجوب أو الامتناع. وقد ثبت أنَّ الاحتياج لازم للإمكان، والإمكان لازم لماهية الممكن، ولازم اللازم لازم، فيكون الاحتياج لازماً لماهية الممكن وهو المطلوب.
لمّا كان الممكن في حدوثه يحتاج إلى الواجب، كذا ببقائه يحتاج للواجب أيْ للمؤثِّر، وما له ماهية وجوده زائداً على ذاته كالإنسان. والله وجوده عين ذاته، لأنَّ ماهيته أنيَّته كما سنبيِّن لاحقاً.
(قال: (ولا يتَّحد بغيره لامتناع الإتحاد مطلقاً).
أقول: الاتِّحاد يقال على معنيين: مجازي، وحقيقي.
أمَّا المجازي: فهو صيرورة الشيء شيئاً آخر بالكون والفساد، أمَّا مِن غير إضافة شيء آخر كقولهم: صار الماء هواء، وصار الهواء ماء، أو مع إضافة شيء آخر كما يقال: صار التراب طيناً بانضياف الماء إليه.
وأمَّا الحقيقي: فهو صيرورة الشيئين الموجودين شيئاً واحداً موجوداً.
إذا تقرَّر هذا فاعلم: أنَّ الأول مستحيل عليه تعالى قطعاً؛ لاستحالة الكون والفساد عليه.
وأمَّا الثاني، فقد قال بعض النصارى: إنَّه اتَّحد بالمسيح، فإنَّهم قالوا: اتَّحدت لاهوتية الباري مع ناسوتية عيسى (عليه السلام).
وقالت النصيرية: إنَّه اتَّحد بعلي (عليه السلام).
وقال المتصوفة: إنَّه اتَّحد بالعارفين. فإنْ عنوا غير ما ذكرناه فلا بدَّ مِن تصوُّره أولاً ثمَّ يُحكم عليه، وإنْ عنوا ما ذكرناه فهو باطل قطعاً؛ لأنَّ الاتِّحاد مستحيل في نفسه، فيستحيل إثباته لغيره.
أمَّا استحالته، فهو إنَّ المتَّحدين بعد إتحادهما إنْ بقيا موجودين فلا اتِّحاد؛ لأنَّهما اثنان لا واحد، وإنْ عُدما معاً، فلا اتِّحاد أيضاً بلْ وجِد ثالث، وإنْ عُدم أحدهما وبقي الآخر فلا اتِّحاد أيضاً؛ لأنَّ المعدوم لا يتَّحد بالموجود)(١) .
____________________
(١) الباب الحادي عشر للمقداد السيوري، صفحة ٥٦.
الفصل الرابع
في الموادِّ الثلاث
(إنَّ الأشياء تنقسم بحسب الحصر العقلي إلى ثلاثة أنواع: الوجود، الماهية، والعدم. وبعبارة أخرى: إلى النور، والظلِّ، والظلمة. وكلُّ ممكن الوجود فهو مركب مِن الماهية، وهي أمر لا يأبى الوجود ولا العدم، ومِن الوجود الذي لا يأبى بذاته العدم، وبعبارة أخرى: فكلُّ ممكن الوجود مركب مِن النور والظلمة، غير أنَّه يجب أنْ يكون مِن قبال هذا النور المحض، حيث لا ظلمة تعتريه وهو واجب الوجود الذي يأبى بذاته العدم، وكما قيل، فإنَّ (الحق ماهيَّته أنيَّته) أيْ أنَّ الخالق مَن به ماهية نفس وجوده؛ والسبب في ذلك أنَّ جهتي الوجود والعدم متساويتان بالنسبة إلى الممكن، وما لم يتدخل الأمر الخارجي، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر، وحيث نشاهد الممكنات موجودة خارجة عن نقطة الاستواء بين الوجود والعدم، نعلم أنَّ أمراً خارجياً أعطاها الوجود، فإنْ كان ذلك الأمر الخارجي واجب الوجود فهو، وإلاَّ كان محتاجاً إلى علَّة، فإمَّا الدور أو التسلسل. وإمَّا أنْ تنتهي إلى واجب الوجود، وحيث ثبت في المنطق بطلان الدور والتسلسل تعيَّن الشقُّ الآخر، وهو ثبوت واجب الوجود.
ويكفي التعبير عن هذا النوع مِن الاستدلال، فإنَّه قابل للانحلال إلى العدم، ويمكن إسناد التغيُّر وفقدان الوجود منه، فالوجود بالنسبة إلى هذه الموجودات ليس ذاتياً بلْ اكتسابي؛ لذلك فهي تحتاج إلى علَّة تعطيها الوجود وتمنحه إيَّاها، فإنْ كان وجود العلة ذاتياً لها ثبت المطلوب، وهو واجب الوجود لذاته)(١) .
الماهيَّة:
كلمة (ماهية) مصدر صناعي مأخوذ مِن عبارة (ما هو؟) أو (ما هي؟)، التي تقال في السؤال عن حقيقة الشيء. ومِن هنا عرّفها الحكماء: بأنَّها (ما يقال في جواب ما هو)(٢) ، واستخلص الجرجاني مِن تعريف الحكماء المذكور تعريفاً آخر هو أنَّ ماهية الشيء: ما به الشيء هو هو)(٣) .
____________________
(١) أسرار الحكم ٢٦ للسبزراوي.
(٢) بداية الحكمة ٧٥.
(٣) التعريفات: مادَّة ماهية.
وتوضيح ذلك - بالمثال نقول -: إنَّنا عندما نسأل عن حقيقة الإنسان بقولنا: ما هو الإنسان؟ نجاب: الإنسان حيوان ناطق. فعبارة (حيوان ناطق) المقولة في جواب سؤالنا: ما هو الإنسان، هي ماهية الإنسان. وبتعبير آخر: إنَّ المعنى الذي تدلُّ عليه هذه العبارة هو ماهية الإنسان. فماهية الشيء حقيقته.
الوجود:
مفهوم الوجود هو أوضح وأجلى المفاهيم الموجودة في ذهن الإنسان؛ ولهذا لا يمكن تعريفه تعريفاً علمياً؛ لأنَّ شرط التعريف أنْ يكون أجلى وأوضح مِن المعرَّف، ولا أقل مِن مساواته له في الوضوح، وكلُّ ما ذكر ويذكر مِن تعريف للوجود هو أخفى منه؛ لأنَّ الوجود – كما أسلفت – لا شيء أعرف وأجلى منه؛ إذ لا يوجد معنى أعم منه؛ وعلى هذا فأيُّ تعريف للوجود لا يضيف لمعلوماتنا عنه معلومة جديدة؛ مضافاً إليه أنَّه لا جنس ولا فصل أو خاصة للوجود؛ لأنَّه بسيط، وهذه – كما هو معلوم منطقياً – عناصر التعريف ومقوماته، وعند عدمها لا نستطيع التعريف تعريفاً منطقياً؛ ومِن هنا يكون ترك تعريفه هو الصواب.
فمفهوم الوجود هو ما نفهمه وندركه مِن معنى لهذه الكلمة.
وبتعبير آخر: هو ما يتبادر إلى أذهاننا مِن معنى عند سماع كلمة (وجود).
العلاقة بين الماهية والوجود:
١- لا خلاف بينهم في أنَّ الوجود والماهية في الخارج هما شيء واحد وذات واحدة. وإنَّما الخلاف بينهم في نوعية العلاقة بينهما في عالم التصوُّر والتعقل الذهني، وهو على قولين هما:
أ- أنَّ العلاقة بين الماهية والوجود علاقة اتِّحاد.
ب- أنَّ العلاقة بينهما علاقة تغاير.
والقول الأول مذهب أبي الحسن الأشعري ومشايعيه، قال: (وجود كلِّ شيء عين ماهيته)(١) . وفسّر قوله هذا: بأنَّه يذهب إلى اتِّحاد الوجود والماهية، أيْ عدم زيادة
____________________
(١) التحقيق التام ٢٨.
الوجود على الماهية، واستدلَّ له بأنَّ الماهية – في واقعها – إمَّا موجودة أو معدومة. فإنْ كانت موجودة قبل عروض الوجود عليها، يكون الوجود العارض عليها قائماً في ماهية موجودة. وهذا يلزم منه اجتماع المثلين، وهما: المثل الأول، وجود الماهية المفروض قبل عروض الوجود عليها، والمثل الثاني، الوجود العارض عليها. واجتماع المثلين باطل؛ لأنَّه محال.
وعليه يبطل القول بزيادة الوجود على الماهية، ويثبت اتِّحادهما، ويكون وجود الماهية هو نفس الماهية. وإنْ كانت الماهية معدومة قبل عروض الوجود عليها، يكون الوجود العارض عليها قائماً في ماهية معدومة، فيجتمع النقيضان وهما عدم الماهية المفروض قبل عروض الوجود عليها، والوجود العارض عليها. واجتماع النقيضين باطل؛ لأنَّه محال؛ فيبطل القول بزيادة الوجود على الماهية، ويثبت اتِّحادهما فيكون وجود الماهية هو نفس الماهية، وردَّ هذا الاستدلال مِن قِبل أصحاب القول الثاني: بأنَّ الماهية مِن حيث هي وفي واقعها لا موجودة ولا معدومة. فعروض الوجود عليها إنَّما كان بما هي في واقعها، أيْ بما هي غير متَّصفة بالوجود أو العدم؛ وعليه لا يلزم مِن عروضه عليها اجتماع المثلين أو اجتماع النقيضين. والدليل على أنَّ الماهية مِن حيث هي لا موجودة ولا معدومة، أنَّ الماهية لمَّا كانت تقبل الاتِّصاف بأنَّها موجودة أو معدومة، أو واحدة أو كثيرة، أو كلية أو مفردة. وكذا سائر الصفات المتقابلة، كانت في حدِّ ذاتها مسلوبة عنها الصفات المتقابلة(١) .
وذهب الآخرون إلى القول الثاني. وفسِّر: بأنَّ الوجود زائد على الماهية عارض لها. ومقصودهم مِن هذا: بأنَّ العقل يستطيع (أنْ يجرِّد الماهية عن الوجود فيعتبرها وحدها فيعقلها، ثمَّ يصفها بالوجود وهو معنى العروض. فليس الوجود عيناً للماهية)(٢) ، والتغاير بين الماهية والوجود يتحقَّق في أنَّ كلاَّ ًمنهما له مفهوم غير مفهوم الآخر. واستدلَّ لهذا القول بأدلَّة منها:
أ - صحة الحمل:
وتقريره: إنَّا نحمل الوجود على الماهية، فنقول (الماهية موجودة)، فنستفيد منه فائدة معقولة، لم تكن حاصلة لنا قبل الحمل، وإنَّما تتحقَّق هذه الفائدة على تقدير المغايرة في المفهوم بين الماهية والوجود.
____________________
(١) بداية الحكمة ٧٥.
(٢) بداية الحكمة ١٣.
إذ لو كان الوجود نفس الماهية لكان قولنا: (الماهية موجودة) بمنزلة (الماهية ماهية) أو (الموجودة موجودة)؛ والتالي باطل فكذا المقدَّم(١).
ب - صحة السلب:
وتقريره: إنَّا قد نسلب الوجود عن الماهية فنقول: (الماهية معدومة) أو الماهية ليست موجودة، فلو كان الوجود نفس الماهية لزم التناقض، ولو كان جزء منها لزم التناقض أيضاً؛ لأنَّ تحقُّق الماهية يستدعي تحقُّق أجزائها التي مِن جملتها الوجود، فيستحيل سلبه عنها؛ وإلاَّ لزم اجتماع النقيضين، فتحقَّق انتفاء التناقض يدلُّ على الزيادة.
وصحة الحمل وكذلك صحة السلب دليل التغاير في المفهوم، كما هو مقرَّر في محلِّه، ويلخِّص صاحب المنظومة المسألة على القول الثاني ببيته:
إنَّ الوجود عارض الماهية تصوُّراً واتَّحدا هوية
ويقول: إنَّ عروض الوجود على الماهية هو في عالم التصوُّر والتعقُّل فقط، وهو ما عبَّرنا عنه بالتغاير في المفهوم. أمَّا في عالم الواقع الموضوعي، الذي عبِّر عنه بالهوية وهي حقيقة الشيء مِن حيث تميُّزه عن غيره، فهما متَّحدان، أيْ هما ذات واحدة.
الخلاصة:
ونلخِّص مِن كلِّ هذا إلى أنَّ الوجود والماهية، متغايران مفهوماً متَّحدان مصداقاً.
٢- ويُنسق على مسألتنا المتقدِّمة مسألة أخرى مِن مسائل العلاقة بين الوجود والماهية، هي مسألة الأصالة والاعتبارية. فبعد الفراغ مِن ثبوت تغاير الوجود والماهية مفهوماً، يتساءل أيُّهما الأصيل وأيُّهما الاعتباري؟ فهذه المسألة تقوم على ما تقدَّم مِن أنَّ العقل يستطيع أنْ ينتزع مِن الأشياء الموجودة في الواقع الموضوعي مفهومين متغايرين هما: مفهوم الوجود، ومفهوم الماهية. فمثلاً: الإنسان الموجود في الواقع الخارجي يقوى العقل على أنْ ينتزع منه: أنَّه إنسان، وأنَّه موجود. فالإنسانية هي الماهية. والموجودية هي الوجود.
____________________
(١) كشف المراد.
فأيُّ هذين المفهومين هو الأصيل؟ وأيُّهما الاعتباري؟ وكما اختُلف في المسألة السابقة على قولين اختُلف في هذه المسألة على قولين أيضاً هما:
أ- الوجود هو الأصيل والماهية اعتبارية.
ب- الماهية هي الأصيلة والوجود اعتباري.
قال بالرأي الأول المشَّاؤون، ونسب القول الثاني إلى الإشراقيين.
واستُدلَّ للقول الأول بأدلَّة منها: أنَّ الماهية مِن حيث هي مستوية النسبة إلى الوجود والعدم، ولا تخرج مِن هذا الاستواء إلى مستوى الوجود إلاَّ بالوجود، وبواسطته تترتب عليها آثارها، التي هي قوام حقيقتها وكمال شيئيتها، نحو الجنس والفصل والخاصة كالحيوانية والناطقية والضاحكية للإنسان؛ ولأنَّ الوجود هو المخرج لها مِن حدِّ الاستواء المشار إليه كان هو الأصيل.
واستُدلَّ للقول الثاني: بأنَّ دعوى أصالة الوجود تستلزم أنْ يكون الوجود الموجود في الخارج موجوداً بوجود آخر؛ وعليه يلزم أنْ يكون لوجوده وجود، ولوجود وجوده وجود وهكذا. فتسلسل الوجودات إلى غير نهاية، وهو مُحال.
وعندما تبطل دعوى أصالة الوجود يتعيَّن القول باعتبارية وأصالة الماهية.
وردَّ: بأنَّ الوجود في الخارج موجود بنفس ذاته لا بوجود آخر، فلا تسلسل.
للماهية عند الاستعمال - وبلحاظ ما يقصده المستعمل منها - مِن حيث الإطلاق والتقييد ثلاثة أقسام، تسمَّى في الحكمة، اعتبارات الماهية. وذلك كالتالي:
تنقسم الماهية باعتبار ما أشرت إليه على قسمين: مطلقة، ومقيَّدة.
١- الماهية المطلقة:
وهي التي تُلحظ أثناء الاستقلال بذاتها، أيْ لا مع شيء زائد عليها. وبتعبير آخر: تؤخذ مطلقة مِن التقييد بشيء، سواء كان ذلك الشيء وجودياً أم عدميَّاً. واصطُلح عليها فلسفياً (الماهية لا بشرط)، أيْ غير المقيدة باشتراط شيء فيها، ولا باشتراط لا شيء فيها. مثل (اعتق رقبة) فالرقبة – وهي الماهية هنا – غير مقيدة لا بوصف وجودي ولا بوصف عدمي.
٢- الماهية المقيَّدة:
وهي التي تقيَّد أثناء الاستعمال بشيء.
ولأنَّ الشيء الذي نقيّد به قد يكون وجوديا وقد يكون عدمياً، قسمت على قمسين، هما:
أ- الماهية بشرط شيء:
وهي المقيدة بشيء وجودي مثل (اعتق رقبة مؤمنة)، فالرقبة هنا مقيدة بوصف وجودي وهو الإيمان.
ب - الماهية بشرط لا شيء:
وقد تنحصر تسميتها فيقال: (الماهية بشرط لا)، وهي المقيدة بشيء عدمي، مثل: (اعتق رقبة غير كافرة)، فالرقبة هنا مقيدة بوصف عدمي وهو عدم الكفر(١).
الخلاصة:
الوجود الذهني:
اتَّفقوا في أنَّ للماهيات وجوداً خارجياً، وعرَّفوه: بأنَّه الوجود الذي تترتَّب على الماهية فيه آثارها المقوِّمة لحقيقتها والمكملة لشيئيَّتها، ولكنْ اختلفوا في أنَّه هل هناك وجود آخر للماهية وراء الوجود الخارجي؟ أو أنَّه ليس للماهية إلاَّ هذا الوجود الخارجي؟
والمشهور بينهم أنَّ للماهية وجوداً آخر وراء هذا الوجود الخارجي، وهو الوجود الذهني، وعرّفوه: بأنَّه الوجود الذي لا تترتَّب فيه على الماهية آثارها. بمعنى أنَّ الموجود في الذهن ليس الماهية بلوازمها وأحكامها التي هي مترتِّبة عليها في الوجود الخارجي.
وإنَّما الموجود صورتها ومثالها المجردان عن حالها مِن آثار ولوازم، واحتجَّ المشهور على ما ذهبوا إليه مِن الوجود الذهني بوجوه:
الأول: إنَّا نحكم على المعدومات بأحكام إيجابية، كقولنا: (بحر مِن زئبق كذا) وقولنا: (اجتماع النقيضين غير اجتماع الضدين) إلى غير ذلك. والإيجاب إثبات، وإثبات شيء لشيء فرع ثبوت المثبت له؛ (إذن) فلهذه الموضوعات المعدومة وجود؛ إذ ليس في الخارج، ففي موطن آخر، ونسمِّيه الذهن.
____________________
(١) عدلت عن المجرَّدة ممثِّلاً بالمثال المذكور؛ لأنَّ المجرَّدة لا موطن لها إلاَّ الذهن، والقسمة – كما رأينا – قائمة على استعمال له واقع يعايشه الناس.
والثاني: إنَّا نتصوَّر أمور تتَّصف بالكلية والعموم كالإنسان الكلِّي، والحيوان الكلِّي. والتصوُّر إشارة عقلية لا تتحقَّق إلاَّ بمشار إليه موجود؛ وإذ لا وجود للكلِّي التلاقي كلي في الخارج فهي موجود في موطن آخر، ونسمِّيه الذهن.
الثالث: إنَّا نتصوَّر الصرف مِن كلِّ حقيقة، وهو الحقيقة محذوفاً عنها ما يكثرها بالخلط والانضمام، كالبياض المتصوَّر بحذف جميع الشوائب الأجنبية.
وصرف الشيء لا يتثنَّى ولا يتكرَّر، فهو واحد وحدة جامعة لكلِّ ما هو مِن سنخه، والحقيقة بهذا الوصف غير موجودة في الخارج، فهي موجودة في موطن آخر نسمِّية الذهن(١) انتهى ما قاله الفضلي.
____________________
(١) كتاب خلاصة علم الكلام – الدكتور عبد الهادي الفضلي.
الفصل الخامس
غرر في أنَّ الحق تعالى إنِّيَّته صرفة
والحق ماهيته أنيته إذ مقتضى المعروض معلولية
فسابق مع لاحق قد اتحد ولم تصل سلسلة الكون لحد
المنظومة (والحق) تعالى شأنه، قال المعلم الثاني: يقال: حق للقول المطابق للمخبر عنه إذا طابق القول.
ويقال: حق للموجود الحاصل بالفعل.
ويقال: حق للموجود الذي لا سبيل للبطلان إليه.
والأول تعالى حق مِن جهة المخبر عنه، حقٌّ مِن جهة الوجود، حقٌّ مِن جهة أنَّه لا سبيل للبطلان إليه، لكنَّا إذا قلنا: إنَّه حقٌّ؛ فلأنه الواجب الذي لا يخالطه بطلان، وبه يجب وجود كلِّ باطل (ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل) انتهى.
(ماهيته) أيْ ما به هو هو (إنِّيَّته) إضافة الإنِّيَّة إليه تعالى، إشارة إلى أنَّ المراد عينيَّة وجود الخاص الذي به موجوديته، لا الوجود المطلق المشترك فيه؛ لأنَّه زائد في الجميع عند الجميع، فهو صرف النور وبحت الوجود، الذي هو عين الوحدة الحقَّة والهوية الشخصية (إذ مقتضى العروض) لو كان وجوده عرضياً لماهيته، بأنْ يكون شيئاً ووجوداً كما أنَّ الممكن ماهية ووجود (معلوليته) أيْ معلولية الوجود العارض؛ لأنَّ كلَّ عرضي معلَّل، حتَّى إنَّه عرِّف الذاتي بما لا يعلَّل، والعرضي بما يعلَّل، فوجوده إمَّا معلول لمعروضه والعلَّة متقدِّمة بالوجود على المعلول، وذلك الوجود الذي هو ملاك التقدم إمَّا عين ذلك الوجود المعول (فسابق) هو وجود المعروض (مع لاحق) هو الوجود العارض (قد اتَّحد)؛ فيلزم تقدُّم الشيء على نفسه وأمَّا غير ذلك الوجود المعلول، فحينئذ ننقل الكلام إليه والفرض أنَّ الوجود عارض، وهو أيضاً معلول للمعروض وهكذا، وإليه أشرنا بقولنا: (أو لم تصل سلسلة الكون) أيْ الوجود (لحدٍّ) أيْ إلى حدِّ فيلزم التسلسل، وإمَّا معلول لغير المعروض فيلزم إمكانه؛ إذ المعلولية للغير ينافي الواجبية. وإنَّما لم نتعرَّض له لظهور بطلانه، ولك أنْ تدرجه في النظم؛ لأنَّ ذلك الغير إمَّا ممكن فيدور، ومفسدة الدور تقدُّم الشيء على نفسه، وإمَّا واجب آخر فيتسلسل؛ لأنَّ الكلام فيه كالكلام في الأول؛ حيث إنَّ عينية الوجود للذات مِن خواص الواجب.
كما ذكر مثله في شرح التجريد في المسألة السادسة والثلاثون، في أنَّ وجود واجب الوجود نفس حقيقته قال: ولا يزيد وجوده ونسبته عليه، وإلاَّ لكان ممكناً.
أقول: هذه المسألة تشتمل على بحثين:المبحث الأول: في أنَّ وجود واجب الوجود نفس حقيقته، وتقريره - أنْ نقول -: لو كان وجود واجب الوجود لذاته زائداً على حقيقته لكان صفة لها، فيكون ممكناً؛ فيفتقر إلى علَّة. فتلك العلَّة إمَّا أنْ تكون نفس حقيقته أو شيئاً خارجاً عن حقيقته، والقسمان باطلان. أمَّا الأول؛ فلأن تلك الحقيقة إمَّا أنْ تؤثِّر فيه وهي موجودة، أو تؤثِّر فيه وهي معدومة. فإنْ أثرت فيه وهي موجودة، فإنْ كانت موجودة بهذا الوجود لزم تقدُّم الشيء على نفسه وهو محال، وإنْ كان بغير هذا الوجود عاد البحث إليه؛ ويلزم وجود الماهية مرَّتين والجمع باطل. وإنْ أثَّرت فيه وهي معدومة كان المعدوم مؤثراً في الوجود، وهو باطل بالضرورة، وأمَّا الثاني فيلزم منه افتقار واجب الوجود في وجوده إلى غيره، فيكون ممكناً وهو محال. وهذا دليل قاطع على هذا المطلوب.والمبحث الثاني: في أنَّ الواجب نفس حقيقته، وقد تقدَّم بيان ذلك.
لأنَّ كلَّ جسم لا ينفك عن الأكوان الأربعة، وهي الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق. وهي حادثة لتغيرها وتبدُّلها، وما لا ينفك عن الحوادث يكون محدَثاً؛ فيلزم حدوث الله وقد ثبت أنَّه واجب الوجود لذاته، فلا يجوز أنْ يكون جسماً؛ ولأنَّ الجسم مركب وهو محتاج إلى أبعاضه وإلى فاعل يركبه؛ فيكون واجب الوجود محتاجاً ومفعولاً ويكون ممكناً، وقد ثبت بالضرورة أنَّه واجب فلا يجوز أنْ يكون جسماً.
والمراد مِن الحيِّز عند الإشراقيين هو المكان، وعند المشَّائين أنَّه عبارة عن وضع خاص للجسم بالنسبة إلى غيره، وهذا الاختلاف ناشئ عن اختلافهم في حقيقة المكان. فعند المشَّائين: أنَّه عبارة عن السطح الباطن مِن الجسم الحاوي المماس للسطح الظاهر مِن الجسم المحوي. وعند الإشراقيين: أنَّه عبارة عن البُعد المجرَّد عن المادة الذي ينفذ فيه بعد الجسم؛ فإنَّ مِن البعيد ما هو مادي يحلُّ في الأجسام ويمانع بما يماثله، وهذا هو الجسم التعليمي، ومنه ما هو مفارق كلِّي فيه بعد الجسم ويلاقيه
بجملته بحيث ينطبق على بعد الجسم ويتَّحد به.
وهذا هو مختار المتكلِّمين، إلاَّ أنَّه عندهم عدم محض وصرف يمكن أنْ لا يشغله مشاغل، ويسمَّى بالفراغ المتوهم، والجهة عندهم في طرف الامتداد الحاصل في مأخذ الإشارة، والمراد مِن الامتداد ما يتوهم مِن الامتداد بين المشير والمشار إليه. والمحل هو المادة المحتاجة في وجودها إلى الحال فيها، أعني الصورة.
فالمادة محل للصورة، كما أنَّ الجوهر موضوع للعرض، وقد يطلق المادة بالمعنى الأعم منها ومِن البدن بالنسبة إلى النفس(١).
وإنَّه تعالى لا يحويه مكان وهو في كل مكان، يعني أنَّه لو كان في مكان لاحتاج إليه وكان مسبوقاً به، وقد ثبت قدمه وغناه، فلا يجوز أنْ يكون محتاجاً ومسبوقاً بغيره. ومعنى أنَّه في كلِّ مكان أنَّه عالم بكلِّ كائن محيط بكلِّ شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو بكلِّ شيء محيط؛ ولأنَّ ذلك يقتضي حصره وتناهيه؛ ويلزم أنْ يكون في حيِّز فيكون في جهة، ولا يكون في جهة إلاَّ جسم أو بعض جسم أو عرض أو ما في حكم العرض، وقد ثبت أنَّ الخالق ليس بجسم ولا عرض ولا في حكمها، فلا يجوز أنْ يحلَّ في مكان أو في غيره مِن مخلوقاته.
____________________
(١) كشف المراد، مسألة ١ ومسألة ٩.
الفصل السادس
البساطة
اعلم أنَّ التركيب على أقسام:
١- التركيب مِن الأجزاء العقلية فقط.
٢- التركيب منهما ومِن الأجزاء الخارجية، كالمادة والصورة، والأجزاء العنصرية.
٣- التركيب من ِالأجزاء المقدارية، كأجزاء الخط والسطح. والمدَّعى أنَّ ذاته تعالى بسيط وليس بمركب مِن الأجزاء مطلقاً؛ والدليل على أنَّه ليس مركباً مِن الأجزاء الخارجية والمقدارية، أنَّه سبحانه منزَّه عن الجسم والمادة. والبرهان على عدم كونه مركباً مِن الأجزاء العقلية؛ هو أنَّ واجب الوجود بالذات لا ماهية له، وما لا ماهية له ليس له أجزاء عقلية، التي هي الجنس والفصل. والوجه في انتفاء الماهية عنه تعالى بهذا المعنى؛ هو أنَّ الماهية مِن حيث هي هي، مع قطع النظر عن غيرها، متساوية النسبة إلى الوجود والعدم. إنَّ كلَّ ماهية مِن حيث هي، تكون ممكنة فما ليس بممكن لا ماهية له، والله تعالى بما أنَّه واجب الوجود بالذات لا يكون ممكناً بالذات فلا ماهية له(١) .
والواجب بسيط لا ماهية له فليس له حدٌّ، وإذا لا حدَّ له فلا أجزاء حدِّية له، مِن الجنس والفصل، وإذا لا جنس ولا فصل له فلا أجزاء خارجية له، مِن المادة والصورة الخارجيتين؛ لأنَّ المادة هي الجنس بشرط لا والصورة هي الفصل بشرط لا.
وكذا لا أجزاء ذهنية له مِن المادة والصورة العقليتين، وهي الجنس والفصل المأخوذان بشرط لا مِن البسائط الخارجية كالأعراض وبالجملة، لا أجزاء حدِّية له مِن الجنس والفصل ولا خارجية مِن المادة والصورة الخارجيتين ولا ذهنية عقلية مِن المادة والصورة العقليتين. ولو كان له جزء لكان متقدِّماً عليه في الوجود وتوقَّف الواجب عليه في الوجود؛ ضرورة تقدُّم الجزء على الكلِّ في الوجود، وتوقّف الكلِّ فيه عليه ومسبوقية الواجب وتوقّف بالشيء وهو واجب الوجود لا محال.
____________________
(١) كشف المراد، مسألة ١ ومسألة ٩.
لو تركَّبت ذات الواجب مِن أجزاء لم يخلُ، إمَّا أنْ تكون جميع الأجزاء واجبات بذواتها، وإمَّا أنْ يكون بعضها واجب بالذات وبعضها ممكن، وإمَّا أنْ تكون جميعها ممكنات. إذنْ ذاته منزهة غير متناهية؛ لقوله تعالى:( هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (الحديد: ٤).
وقوله:( ... وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (ق: ١٦).
وقوله:( هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الحديد: ٣).
إنَّنا نعتقد أنَّ وجوده غير متناهٍ، مِن حيث العلم والقدرة والحياة الأبدية؛ ولهذا لا يمكن حصره في الزمان والمكان؛ لأنَّهما محدودان، وإنَّما هو حاضر في كلِّ زمان ومكان؛ لأنَّه فوقهما( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) (الزخرف: ٨٤).
( ... وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (الحديد: ٤).
(إنه أقرب إلينا مِن أنفسنا وهو في كلِّ مكان ومع ذلك فهو لا يحدُّه مكان).
بسيط الحقيقة كلُّ الأشياء:
(يعود هذا البرهان إلى صدر الدين الشيرازي، الذي ذكره في كتابه الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، الجزء الرابع الصفحة أربعون، ويقوم على القاعدة الفلسفية المعروفة بقاعدة بسيط الحقيقة كلُّ الأشياء وليس بشيء منها، التي برهن الشيرازي على إثباتها خلال بحوثه، وأكَّدها في كتابه الأسفار الأربعة، وينطلق في إثبات القاعدة مِن نفي التركيب، فكلُّ هويته صحَّ أنْ يسلب عنها شيء فهي متحصلة مِن إيجاب وسلب، وكلُّ ما كان كذلك فهو مركب مِن إيجاب وسلب، وبعكس النقيض: فإنَّ كلَّ ذات بسيطة الحقيقة لا يسلب عنها شيء، وقد ثبت أنَّ الله بسيط الحقيقة، فإذن بسيط الحقيقة كلُّ الأشياء. أنَّ الهوية البسيطة الإلهية لو لم يكن كلُّ الأشياء لكانت ذات متحصلة القوام مِن كون شيء ولا كون شيء آخر، فيتركب ذاته ولو يحسب اعتبار العقل وتحليله مِن حيثيتين مختلفتين، وقد فرض وثبت أنَّه بسيط الحقيقة، هذا خلف. فالمفروض أنَّه بسيط إذا كان شيئاً دون شيء آخر، كأنْ يكون (أ) دون (ب) فحيثية
كون (أ) ليس بعينها حيثية كونه (ليس ب) وإلاَّ لكان مفهوم (أ) ومفهوم (ليس ب) شيئاً واحداً، واللازم باطل.
لاستحالة كون الوجود والعدم أمراً واحداً، فالملزوم مثله، فثبت أنَّ البسيط كلُّ الأشياء. إذا كان الله واجداً لشيء وفاقداً لشيء آخر يلزم التركيب، وحيث ثبت أنَّ الله سبحانه ليس مركباً بل هو بسيط مِن كلِّ جهة؛ إذاً بسيط الحقيقة كلُّ الأشياء وليس بشيء منها. فعلم الواجب بالأشياء تفصيلاً قبل الإيجاد وهو المبدأ الفياض بجميع الحقائق والماهيات، فيجب أنْ يكون ذاته تعالى مع بساطته وأحدِّيته كلُّ الأشياء. وعلمنا أنَّ البسيط الحقيقي مِن الوجود يجب أنْ يكون كلَّ الأشياء.
فإذنْ؛ لمَّا كان وجوده تعالى وجود كلِّ الأشياء، فمَن عقل ذلك الوجود عقل جميع الأشياء، وذلك ولوجود هو بعينه عقل لذاته وعاقل.
فواجب الوجود عاقل لذاته بذاته، فعقله لذاته عقل لجميع ما سواه، وعقله لذاته مقدَّم على وجود جميع ما سواه، فعقله لجميع ما سواه سابق على جميع ما سواه؛ فثبت أنَّ علمه تعالى بجميع الأشياء حاصل في مرتبة ذاته بذاته، قبل وجود ما عداه، سواء كانت صورة عقلية قائمة بذاته أم خارجية منفصلة عنها، فهذا هو العلم الكمالي التفصيلي بوجه والإجمالي بوجه؛ وذلك لأنَّ المعلومات على كثرتها وتفصيلها بحسب المعنى موجودة بوجود واحد بسيط)(١) .
____________________
(١) الأسفار الأربعة لصدر الدين الشيرازي، ج ٦، ص ٢٦٩.
كما هو الواحد أنه الأحد ليس له الأجزاء لا أجزاء حد
ومدة وصورة عينية ذهنية كذا ولا كمية
لو وجبت خلف بلا التباس إذ بينها الأمكان بالقياس
واحتاج في الوجود أو تقوم كما إذا أمكنت أيضا لزما
المنظومة غرر في بساطته تعالى (كما هو الواحد) أيْ لا شريك له مطلقاً، ولا فرد لطبيعته الوجوب سواه، كذلك (أنَّه الأحد)، وبيانه: أنَّه (ليس له الأجزاء) مطلقاً تفصيله (لا أجزاء حدٍّ) أيْ الجنس والفصل (و) لا (مدَّة وصورة عينية) كما في المركبات الخارجية (ذهنية كذا) أيْ ولا مادَّة وصورة ذهنية كما في الأعراض (ولا) أجزاء (كمية) أيْ مقدارية.
ووجه الضبط في تقسيم الأشياء إلى أقسامها الأربعة، يقال: الأجزاء إمَّا موجودة بوجود واحد في العين، وإمَّا موجودة بوجودات متعدِّدة. وعلى الأول، إمَّا أنْ تعتبر في الذهن لا بشرط، فهي الأجزاء الحملية والأُولى التعبير عنها بالأجزاء الحدية لوقوعها أجزاء لحد المركب وإما التسمية بالأجزاء الحملية فعنوان الجزئية ينافي الحمل، وإمَّا أنْ تعتبر في الذهن بشرط لا فهي الأجزاء الوجودية الذهنية، أعني: المادة والصورة الذهنيتين. وعلى الثاني، إمَّا أنْ تكون متبانية في الوضع فهي الأجزاء المقدارية أو لا، فهي الأجزاء الخارجية أعني المادة والصورة الخارجيتين.
ثمَّ أشرنا إلى البرهان بقولنا: (لو وجبت) الأجزاء على تقدير ثبوتها للواجب تعالى، فذلك (خلف بلا التباس) مِن حيث إنَّا فرضنا واحداً ذا أجزاء، وإذا كانت الأجزاء واجبات لزم تعدُّد الواجب، وكون كلِّ واحد بسيطاً (إذ بينها الإمكان بالقياس) والصحابة الاتِّفاقية، فهذا بيان للملازمة بما تقرَّر أنَّه إذا فرض واجبان لم يكن بينهما تلازم، وإلاَّ لزم معلوليتهما أو معلولية أحدهما، وحينئذ لم يكن تركيب حقيقي مؤدٍّ إلى الوحدة؛ لعدم الافتقار فيما بين الأجزاء، وهذا ما ادَّعيناه مِن اللازم (واحتاج) الواجب (في الوجود). هذا إذا كانت الأجزاء وجودية فعلية (أو) احتاج (تقوماً) أي في التقوُّم، هذا إذا كانت حدية تحليلية، وذلك محذور آخر يلزم على تقدير وجوبها (كما إذا أمكنت) الأجزاء على تقدير ثبوتها للواجب تعالى (أيضاً لزما) أيْ لزم ذلك الاحتياج؛ لأنَّ الاحتياج مِن لوازم التركيب، فكلُّ مركب محتاج إلى أجزائه ويمكن أنْ يكون الألف للتثنية أيْ لزم الخلف والاحتياج جميعاً على تقدير أمكان الأجزاء لكن لزم
الخلف على وجه آخر، وهو صيرورة الغني المحض مشوباً بالحاجة، والحق الصرف ملتئماً مِن الباطلات الصرفة، والواجب البحت مختلطاً بالممكنات العدمية.
ما جاء في الباب الحادي عشر للمقداد السيوري، قوله: والتركيب بمعانيه.
أقول: هذا عطف مِن الزائد بمعنى أنَّ وجوب الوجود يقتضي نفس التركيب أيضاً؛ والدليل على ذلك أنَّ كلَّ مركب مفتقر إلى أجزائه لتأخره وتعليله بها، وكلُّ جزء مِن المركب فإنَّه مغاير له، وكلُّ مفتقر إلى الغير ممكن، فلو كان الواجب تعالى مركباً كان ممكناً هذا خلف، فوجوب الوجود يقتضي نفي التركيب.
وأعلم أنَّ التركيب قد يكون عقلياً وهو التركيب مِن الجنس والفصل، وقد يكون خارجياً كتركيب الجسم مِن المادة والصورة، وتركيب المقادير وغيرها، والجميع منتفٍ عن الواجب تعالى؛ لاشتراك المركبات في افتقارها إلى الأجزاء، فلا جنس ولا فصل له ولا غيرهما مِن الأجزاء الحسِّية والعقلية.
لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلا بدَّ مِن تميُّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك؛ وذلك يستلزم تركيب كلُّ واحد منهما مِن شيئين، أحدهما يرجع إلى ما به الاثنين والآخر إلى ما به الامتياز، وقد عرفت أنَّ واجب الوجود بالذات بسيط - كما بيَّنا - ليس مركباً، لا مِن الأجزاء العقلية ولا الخارجية.
قد تبيَّن أنَّ واجب الوجود بالذات لا ماهية له، فهو صرف الوجود، ولا يخلط وجوده نقص وفقدان. ومِن الواضح أنَّ كلَّ حقيقة مِن الحقائق إذا تجرَّدت عن أيِّ خليط، وصارت صرف الشيء لا يمكن أنْ تثنَّى وتعدَّد.
وعلى هذا؛ فإذا كان سبحانه حكم أنَّه لا ماهية له وجوداً صرفاً لا يتطرق إليه التعدد؛ ينتج أنَّه تعالى واحد لا ثاني له ولا نظير وهو المطلوب.
الفصل السابع
إنَّ المعدوم ليس بشيء
ما ليس موجوداً يكون ليس قد ساوق الشيء لدينا الأيس
وجعل المعتزل الثبوت عم مِن الوجود ومِن النفي العدم
في النفي والثبوت ينفي وسط وقولهم بالحال كان شطط
بصفة الموجود لا موجودة كانت ولا معدودة محدودة
نفي ثبوت معهما مرادفه وشبهات خصمنا مزيفه
(المنظومة ١) وشروع في بعض أحكام العدم، والمعدوم (ما) أيْ ماهية (ليس موجوداً يكون ليساً) صرفاً، فليس ثابتاً قبل وجوده أيضاً، خلافاً للمعتزلة؛ حيث يقولون: إنَّ الماهية في حال العدم ثابتة، وليست موجودة بوجه مِن الوجود (قد ساوق الشيء) أيْ الماهية (لدينا) معاشر الحكماء (الأيسا)، الألف للإطلاق والأيس هو الوجود (و) لكن (جعل المعتزلي الثبوت عم) أيْ أعم (مِن الوجود ومِن النفي العدم) أيْ وجعل العدم أعم مِن النفي. فالمعدوم أيْ الماهية الممكنة عنده ثابت، وليس بموجود وكذا ليس بمنفي.
والمعدوم الممتنع عنده منفي وليس بثابت، والفطرة السليمة تكفي في مؤونة إبطال هذا القول. ثمَّ إنَّ بعض المعتزلة قال بتحقق الواسطة بين الموجود والمعدوم، وسماها حالاً.
وأطلق عليها الثابت وبنفي الواسطة بين الثابت والمنفي، كما قلنا (في النفي والثبوت ينفي) المعتزلي (وسطاً وقولهم: بالحال كان شططاً) أيْ عدولاً عن الصراط المستقيم. (بصفة الموجود لا موجودة كانت) تلك الصفة (ولا معدومة) كانت (محدودة) به يتعلق قولنا: بصفة. أي الحال محدودة ومعرّفة عندهم بصفة كذا وكذا.
فقولهم: صفة. أرادوا بها المعنى الانتزاعي القائم بالغير، مثل العالمية والقادرية، والأبوة وسائر الإضافات، لا المعنى القائم بالغير مطلقاً، كما هو معناها المتعارف عند المتكلمين. فالذات المقابلة للمعنيين أيضاً له معنيان. واحترزوا بإضافة الصفة إلى
الموجود عن صفات المعدوم؛ فإنَّها صفة للثابت لا للموجود، وبقولهم: لا موجودة. عن الصفات الوجودية للموجود، وبقولهم: لا معدومة. عن الصفات السلبية. فبقي في الحدِّ مثل الانتزاعيات الغير المعتبر في مفهومها السلب مِن صفات الموجودات. واعترض الكاتبي على هذا الحدِّ: بأنَّه لا يصحُّ على مذهب المعتزلة؛ لأنَّهم جعلوا الجوهرية مِن الأحوال مع أنَّها حاصلة للذات في حالتي الوجود والعدم.
وأجاب عنه شارح المواقف: بأنَّ المراد بكونه صفة للموجود، أنْ يكون صفة له في الجملة، لا أنَّه يكون صفة له دائماً. وأيضاً هذا على مذهب مَن قال: بأنَّ المعدوم ثابت ومتَّصف بالأحوال حال العدم. وأمَّا على مذهب مَن لم يقل: المعدوم ثابت. وقال به ولم يقل باتِّصافه بالأحوال فالاعتراض ساقط عن أصله. ثمَّ أشرنا إلى بطلان هذا القول بقولنا: (نفي ثبوت) إمَّا مِن قبيل التعداد وإمَّا مِن قبيل إسقاط العاطف للضرورة (معهما) أي مع العدم والوجود (مرادفه) عقلاً واصطلاحاً، كما هما كذلك لغة وعرفاً.
إفراده على تقدير العطف باعتبار كلِّ واحد، وتأنيثه باعتبار أنَّ المصدر جائزاً لوجهين، ويحتمل أنْ يكون المرادفة مصدراً، أيْ النفي والثبوت يصاحبهما المرادفة مع العدم والوجود. والحاصل أنَّه كما أنَّ الواسطة بين المنفي والثابت غير معقولة، كذلك بين المعدوم والموجود للترادف (وشبهات خصمنا) في باب الحال في باب ثبوت المعدوم (مزيفة) مردودة.فمِن شبهات ثبوت المعدوم: أنَّه مخبَر عنه، وكلُّ مخبر عنه فهو شيء.والجواب: أنَّ المراد بالموضوع في الصغرى إنْ كان المعدوم المطلق فلا يخبر عنه، وإنْ كان المعدوم في الخارج فالإخبار عنه لوجوده في الذهن.
ومِن شبهات إثبات الحال: أنَّ الوجود ليس بموجود، وإلاَّ لساوى غيره في الوجود، فيزيد وجوده عليه ويتسلسل، ولا بمعدوم، وإلاَّ اتَّصف بنقيضه. والجواب مِن وجوه:الأول: أنَّ الوجود موجود ولكنْ بنفس ذاته.والثاني: أنَّه معدوم بمعنى أنَّه ليس بذي وجود، ولا يتَّصف بنقيضه؛ لأنَّ نقيض الوجود هو العدم، واللا وجود لا المعدوم واللا موجود.والثالث: النقض بوجود الواجب تعالى.والرابع: قلب الدليل عليهم؛ لأنَّه الوجود لو كان حالاً، والحال صفه للموجود لزم أنْ يكون الماهية قبل الوجود موجودة ويتسلسل. اللهمَّ، إلاَّ أنْ يقال: إنَّه صفة للموجود بهذا الوجود، ويقال: الوجود عندهم انتزاعي والحال صفة انتزاعية، والاتصاف بالصفة الانتزاعية لا يستلزم للموصوف تقدَّماً بالوجود.ومنها: أنَّ الكلي الذي له جزئيات متحقِّقة في الخارج - كالإنسان - ليس بموجود، وإلاَّ لكان مشخَّصاً.قلنا: الطبيعي لا كلياً ولا بمعدوم، وإلاَّ لما كان جزءاً لموجود كزيد.
والجواب: أنَّ الكلي موجود، قولكم: فيكون مشخصاً. لا يأبى عن الشخصية؛ فإنَّه نفس الطبيعة التي يعرضها الكلية في نشأة الذهن، ولا سيما أنَّه اللا بشرط، الذي هو مقسم المطلقة والمخلوطة والمجردة.ونقول: إنَّه معدوم ولا يلزم تقوّم الموجود بالمعدوم؛ لأنَّه ليس جزءاً له في الخارج.ومنها: أنَّ جنس الماهيات الحقيقية العرضية - كلونية السواد - ليس بمعدوم، وإلاَّ لتقوّم الموجود بالمعدوم، ولا بموجود وإلاَّ لزم قيام العرض بالعرض؛ لأنَّ التركيب الحقيقي على قيام الأجزاء بعضها ببعض،والجواب: أنَّ الأعراض بسائط خارجية، فلا تقوّم فيها في الخارج، حتى لو كانت اللونية معدومة في الخارج، لزم تقوّم الموجود بالمعدوم. وأيضاً قيام العرض بالعرض جائز.
إنَّ الله سبحانه مطلق، غير محدود بحدٍّ ولا بقيد ولا بشرط؛ لأنَّه واحد بالوحدة الحقَّة الحقيقية؛ ولأنَّه يستحيل سلب إحاطته الوجودية. سبحانه يأبى وجود أو موجود مفروض؛ لانطوائه في مقام الذات المطلقة على كلِّ كمال موجودة. فوجوب الوجود بالذات؛ إذ كلُّ وجود موجود مفروض يستحيل سلب إحاطته تعالى الوجودية عنه، فهو واجد في مقام ذاته المطلقة غير المحدود، كلُّ كمال وجودي وذات حاضرة عند ذاته؛ إذ لا غيبة هناك لشيء عن شيء، للوحدة الحقَّة وهو العلم، فعلمه بذاته عين علمه بكلِّ شيء.
الفصل الثامن
الذات الإلهية
عندما نتحدَّث عن الذات الإلهية، نريد إبانة ما ورد إلينا مِن الكتاب ومِن سنَّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته المعصومين، وما حكمه العقل بإمضاء وتأييد الشارع المقدَّس.
إنَّ الله تعالى لا يُرى بحاسة البصر، لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ وذلك لأنَّ الذي نراه لا بدَّ أنْ يكون جسماً(١) ويشار إليه، وفي جهة المقابلة، وله صورة وشكل ومكان. والله سبحانه منزَّه عن جميع ذلك؛ ولأنَّ المرئي محاط بالنظر ضرورة، والله محيط، فلا يكون محاطاً، وكلُّ ذلك مِن لوازم الجسمية، والله أظهر الموجودات وأجلاها، فلو تأمَّلت حواس الإنسان، تجدها قاصرة، فحاسة البصر لا ترى النمل على بعد أميال مثلا، إلاَّ أنَّها تستطيع الرؤية لغاية منظورها. ولكنْ نستطيع ذلك باستعمال الناظور لرؤية الأماكن البعيدة.
كذلك الحيوانات الصغيرة في برك الماء، والجراثيم، فإنَّنا لا نستطيع رؤيتها إلاَّ بالمجهر.
وتطلَّع إلى السمع تجده قاصراً؛ لأنَّ الأذن تسمع الهزَّات مِن خمس إلى عشرين ألف، فالذي ينقص عن ذلك لا تسمعه، وما زاد يشقُّ طبلة الأذن.
والإنسان لا يشمُّ رائحة السكر، مع أنَّ الذباب والنمل يشمها ويسرع إليها عن بُعد.
وكذلك العقل، لا يستطيع أنْ يرسم أكثر مِن صورة واحدة فيه بآنٍ واحد وحتى الخيال، فلا تستطيع تخيُّل شيء، وليس له وجود في الكون؛ فإنَّنا لا نستطيع تخيل رائحة حمراء، والسمك في البحر لا يستطيع تخيل عالم البر إلاَّ إذا أخرج في حوض ماء مثلاً، والإنسان لا يستطيع تخيل صوراً ليس لعالمها وجود. فالثور المجنَّح تشكيل في الكون، فالجناح موجود، والثور موجود في الكون ولا شيء جديد قد قام بتوسُّعه الخيال.
فالوهم قاصر أيضاً، فكيف تستطيع عقولنا القاصرة أنْ تدرك الله سبحانه. إنَّ السبب يعود لشيئين:
____________________
(١) الجسم يفتقر للمكان، والعرض يفتقر للجسم، كاللون يفتقر للجسم ليعرض عليه لأنه ممكن.
١- خفائه في نفسه، أو غموضه، وهذا الادِّعاء غير مقنع أنْ يختفي بلا سبب.
٢- ما يتناهى وضوحه بحيث إنَّ هذا الوضوح هو الذي حجبه عنَّا. والحقيقة تقرُّ بذلك؛ لأنَّنا إذا تأملنا الخفاش وهو يبصر في الليل، ولا يبصر في النهار، ليس لأنَّ النهار غامض وغير واضح أو معدوم، لكنَّ السبب هو شدَّة وضوح النهار وجلائه.
ولكنَّ حقيقة طبيعة الخفاش هو انسجامه مع الليل، وعدم انسجامه في النهار، بعكس أحداق العيون البشرية، فإنَّ بصر الخفاش ضعيف، يبهره نور الشمس، فإذا ظهر النور قوي، فمع سبب ضعف بصره جعل مِن ذلك سبباً لامتناع رؤية الضوء النهاري، فلا يرى شيئاً. إلاَّ إذا امتزج الظلام بالنور، وضعف ظهور الضوء، مع العلم أنَّ الرؤية تتمُّ تحت شروط وهي الضوء، أو عدم وجود الحاجب والشفافية. فكذلك الحال بالنسبة إلى عقولنا وأبصارنا، وإنَّ جمال الحضرة الإلهية - كما بين بعض العلماء - في نهاية الإشراق والاستنارة. وفي غاية الاستغراق والشمول، حتى صار ظهوره ووضوحه سبباً لخفائه.
١- قال تعالى:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (شورى: ١١) أيْ أنَّه موجود مجرَّد مِن المادة.
٢- عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، قال: "لا جسم ولا صورة وهو مجسم الأجسام ومصور الصور لم يتجرأ ولم يتناه، ولم يتزايد ولم يتناقص."(١)
٣- وعن الصادق (عليه السلام)، إنَّه قال للزنديق - حين سأله ما هو؟ - قال (عليه السلام): (هو شيء بخلاف الأشياء). أرجع بقولي: (شيء) إلى إثبات معنى وأنَّه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنَّه لا جسم ولا صورة.(٢)
٤- وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (مَن زعم أنَّ الله في شيء ومِن شيء فقد أشرك، ولو كان الله عز وجل على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصوراً، ولو كان مِن شيء لكان محدثاً)(٣) .
____________________
(١) توحيد الصدوق ص ٩٨ – ٧ باب أنَّه ليس جسم ولا صورة.
(٢) توحيد الصدوق ص ١٤٠ – باب تبارك وتعالى شيء.
(٣) توحيد الصدوق ص ١٧٨ – ٩ باب نفي الزمان والمكان والحركة عنه تعالى.
الفصل التاسع
ذات الله بُهر برهانه
ما ذاته بذاته لذاته موجود الحق العلي صفاته
إذا الوجود كان واجبا فهو ومع الإمكان قد استلزمه
وقس عليه كل ما ليس امتنع بلا تجسم على الكون وقع
ثم ارجعن ووحدنها جمع في الذات فالتكثير في ما انتزع
ثم الطبيعي طريق الحركة يأخذ للحق سبيلا سلكه
من في حدوث العالم قد انتهج فإنه عن منهج الصدق خرج
(المنظومة ١)
المقصد الثالث، في الإلهيات بالمعنى الأخص، الفريدة الأول في أحكام ذات الواجب بهر برهانه، الغرر ٥٨، في إثباته تعالى، وأمَّا إثبات صفاته هنا فهو استطرادي، ولمَّا كان مطلب ما الشارحة مقدَّماً على مطلب هل البسيطة قلنا: (ما ذاته بذاته لذاته). قولهم: بذاته ولذاته. كالظرف والمجرور إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا. فالمراد بالأول نفي الحيثية التقييدية، كما في موجودية الماهية الإمكانية، وبالثاني نفي الحيثية التعليلية كما في موجودية الوجودات الخاصة الإمكانية.
أو المراد بأحدهما، نفي الواسطة في العروض، كما في وساطة الوجود الخاص في تحقُّق الماهية، وبالآخر نفي الواسطة في الثبوت، كما في وساطة وجود الحق لتحقق الوجود الخاص الإمكاني.
والواسطة في العروض: أنْ تكون منشأ لاتِّصاف ذي الواسطة بشيء ولكنْ بالعرض، كوساطة حركة السفينة لحركة جالسها.
والواسطة في الثبوت: أنْ يكون منشأ للاتِّصاف بشيء بالذات، وهي قسمان:
أحدهما: أنْ يكون نفسه متَّصفاً به، كالنار الواسطة لحرارة الماء.
وثانيهما: أنْ لا يكون، كالشمس الواسطة لها أو لاسوداد وجه القصَّار وابيضاض الثوب (موجود) ومستحق لحمل مفهومه، وهو (الحق العلي صفاته) مِن قبيل إضافة الصفة إلى معمولها كالحسن وجهه
لأنَّ الروي في المصراع الأول على الكسر
. (إذا) شرطية (الوجود) المراد به حقيقة الوجود الذي ثبت أصالته، وأنَّ به حقيقة كلِّ ذي حقيقة (كان واجباً فهو) المراد (ومع الإمكان) بمعنى الفقر والتعلق بالغير، لا بمعنى سلب ضرورة الوجود والعدم؛ لأنَّ ثبوت الوجود لنفسه ضروري ولا بمعنى تساوي نسبتي الوجود والعدم؛ لأن نسبة الشيء إلى نفسه ليست كنسبة نقيضه إليه؛ لأن الأُولى مكيَّفة بالوجوب والثانية بالامتناع. (قد استلزمه)، على سبيل الخلف لأنَّ تلك الحقيقة لا ثاني لها حتى تتعلَّق به وتفتقر إليه بل كلُّ ما فرضته ثانياً لها فهو هي لا غير، والعدم والماهية حالهما معلومة أو على سبيل الاستقامة، بأنْ يكون المراد بالوجود مرتبة مِن تلك الحقيقة، فإذا كان هذه المرتبة مفتقرة إلى الغير استلزم الغنى بالذات دفعاً للدور والتسلسل، والأول أوثق وأشرف وأخصر. (وقس عليه) أي على الوجود (كلَّ ما) مِن الصفات (ليس امتنع) أيْ ممكن بالإمكان العام و(بلا) لزوم (تجسم على الكون) أي الوجود (وقع)، حاصله: أنَّه قس عليه الصفات الكمالية، فقل: إذا كان حقيقة العلم مثلاً واجبة فهو، وإلاَّ استلزمته، كما قال المعلم الثاني: يجب أنْ يكون في الحياة حياة بالذات، وفي الإرادة إرادة بالذات، وفي الاختيار اختيار بالذات حتى تكون هذه في شيء لا بالذات، وإنَّما عبَّرنا عن الصفات الكمالية بذلك، للإشارة إلى معيار لمعرفة الكمال، وهو كلُّ ما يمكن بالإمكان العام للوجود، ولا يستلزم عروضه للوجود تخصص استعداد كالعلم لا كالبياض، فكلُّ ما هو كذلك يجب إثباته للواجب. ولمَّا كان لقائل أنْ يقول: فيلزم تكثر الواجب بالذات. دفعناه: بأنَّه (ثمَّ ارجعن ووحدنها) أيْ الصفات (جمعاً) تأكيد (في الذات) والمصداق (فالتكثير في ما) أي في مفاهيم (انتزعا) مِن وجودها، لا في وجودها وانتزاع مفاهيم كثيرة مِن ذات واحدة سائغ لا ينثلم به وحدتها.
ولمَّا فرغنا مِن طريقة الإلهيين - بلْ المتألِّهين - في إثبات الحق علت صفاته، تعرَّضنا لطريقة غيرهم، فقلنا: (ثمَّ) الحكيم (الطبيعي) الناظر في الجسم بما هو واقع في التغير، وهو موضوع علمه (طريق الحركة) الإضافية بيانية (يأخذ للحق) تعالى، أي لإثباته (سبيلاً سلكه)، فربَّما يسلك طريق الحركة نفسها بأنَّ الحركة لا بدَّ لها مِن محرِّك، والمحرِّك لا محال ينتهي إلى محرِّك غير متحرِّك أصلاً؛ دفعاً للدور والتسلسل. وربَّما يسلك طريق حركة الأفلاك: بأنَّها ليست طبيعية بلْ نفسانية، فهي لغاية ليست شهوية أو غضبية لبراءتها عنها، ولا إيصال نفع إلى ما دونها؛ إذ لا وقع له عندها ولا بعضها لبعض، وإلاَّ لم ينته عدد الأجسام إلى حدٍّ فيجب أنْ يكون غايتها أمراً غير جسماني، إمَّا واجب أو منتهٍ إليه. وربَّما يسلك طريق حركة النفس: بأنَّها في الأمر بالقوة ففي
خروجها مِن القوة إلى الفعل لا بدَّ لها مِن مخرِج فاعلي، وهو إمَّا الواجب أو منتهٍ إليه.
وكذا لا بدَّ لها مِن مخرِج غائي. فإنَّ الحركة طلب، والطلب لا بدَّ له مِن مطلوب وكلُّ مطلوب تناله النفس لا تقف عنده ولا تطمئن دونه حتَّى تفد على باب الله وترد على جنابه، فلا بدَّ أنْ ينتهي المطالب إلى مطلوب به تطمئن القلوب، وهو المطلوب، وإمَّا (مَن في) طريق (حدوث العالم) لإثبات صانعه (قد انتهج) مِن المتكلمين (فإنَّه عن منهج الصدق خرج)؛ لأنَّ مناط الحاجة إلى العلَّة هو الإمكان فقط، لا الحدوث ولا الإمكان مع الحدوث، ولا الإمكان بشرط الحدوث.
قال تعالى:( ... أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) (فصِّلت / السجدة: ٥٤).
وقال أيضا:( ... وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً ) (النساء: ١٢٦).
وقال كذلك:( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) . (النور: ٣٥).
وقال الإمام علي (عليه السلام) في خطبته، وفي حديث ذعلب اليماني: (داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج عنها لا كشيء في شيء خارج)(١) .
وقال أيضاً: (هو في الأشياء على غير مُمازجة، خارج منها على غير مباينة)(٢) .
وقال علي (عليه السلام): (مع كلِّ شيء لا بمقارنة، وغير كلِّ شيء لا بمزايلة)(٣) .
وقال أمير المؤمنين أيضاً: (قريب مِن الأشياء غير ملامس، بعيد عنها غير مباين)(٤) .
__________________
(١) توحيد الصدوق ص ٣٠٦، حديث ذعلب.
(٢) توحيد الصدوق، حديث ذعلب.
(٣) حق اليقين، عبد الله شبّر.
(٤) حديث ذعلب المشهور.
توضيح ذلك يحتاج قليلاً مِن التأمُّل؛ لأنَّنا كما نعلم بأنَّ الحركة هي خروج الشيء مِن القوة إلى الفعل تدريجاً، أي: بإعانة الحساب أو بعبارة أُخرى: الحركة هي الحصول الأول في المكان الثاني، أو حصول الجسم في مكان بعد مكان آخر.
فالحركة: هي كون الجسم في حيِّز بعد كونه في حيِّز آخر، أيْ انتقال الجسم مِن مكان إلى مكان آخر.
السكون: كون الجسم في حيِّز بعد كونه في ذلك الحيِّز، أيْ استمرار بقاء الجسم في مكانه.
أو بتعبير آخر: هو الحصول الثاني في المكان الأول. أيْ حصول ثانٍ في مكان واحد.
الآن: هو اللحظة بالنسبة إلى الزمان، كالنقطة بالنسبة إلى المكان، لا امتداد لها ولا مدَّة، إنَّما هي المشترك بين مدَّتين متعاقبتين.
الزمان: موجود وماهيته أنَّه مقدار متَّصل غير قارٍّ عارض للحركة.
الجوهر: هو المتحيِّز بذاته، والموجود لا في موضوع.
العرض: هو الموجود القائم بغيره، كالألوان القائمة في الأجسام.
لمَّا عرفنا هذا يجب أنْ نميِّز بين المحدود (المتناهي) واللا محدود، أي (اللا متناهي) فنقول: الحركة خروج الشيء مِن القوَّة إلى الفعل، ويحتاج لتدرُّج الأحداث كون بعد كون، وجود بعد وجود. فالمادة بجوهرها كون بعد كون، كلُّ كون يحدُّ الكون السابق ابتداءً، فالمادة محدودة والحركة جوهرية في المادة، كما قلنا: إنَّها عارضة. إذاً داخلة بذاتها فهي كون بعد كون، والمادة مِن السابق يحدُّ اللاحق إذن مبتدأ بدء أو انتهاء لما قبله وجوه، فيكون محدود والمحدود لا يكون موجداً ومصدراً للوجود بأسره، أيْ هنالك محرِّكاً للعالم وهو غير متحرِّك.
المحدود لا يكون السابق بعد اللاحق
موجداً (خالقاً) وهي عارضة عليه
كون بعد كون
وإنَّ الله سبحانه وتعالى واجب الوجود، يأبى بذاته العدم (الحق ماهيته إنِّيَّته) أيْ: أنَّ الخالق ماهيته نفس وجوده - كما ذكرناه في قول الحكيم السبزواري في منظومته الفلسفية - وبما أنَّه غير متناهٍ غير محدود، والكون متناهٍ ومحدود والكون محيط، والله سبحانه محاط، فليس بإمكان المحيط أنْ يدرك المحاط أو المحدود أنْ يدرك اللا محدود، وقوله: داخل في الأشياء خارج عنها. أي محيط بالأشياء؛ فإنَّك إذا لاحظت البحر أو حوض الأسماك فستجد الماء محيط بالحيوانات أو الأسماك. فالماء داخل في هذه الأشياء، ولكنْ خارج عنها، وهذا بالنسبة للماديات مع الفارق؛ لأنَّ الله تعالى ليس مادِّياً والعالم مادِّي. أيْ أنَّ الماء خارج عن جوفها وليس بداخلها، وإحاطة الله كلِّية بكلِّ ذرَّة منها، حتى الجراثيم والميكروبات، وأجزاء الذرة، والله فيض وكمال، وهو أفاض الوجود إلى الكائنات، والماء محيط بها فقط، ولا يدخل في باطنها؛ لأنَّك لو فتحت باطن السمكة لا تراها مملوءة بالماء؛ لأنَّ الماء خارج عنها أو محيط بها فقط، بلْ ترى في باطنها الأمعاء، وما إليه مِن محتويات. هذا بالنسبة للماديات، مثَّلنا بالسمكة لتقريب الفهم؛ لعدم استحضار شيء بسيط للإيضاع الصوري، أمَّا الله فإنَّه محيط إحاطة تامَّة بكلِّ دقائق الكون وأجزاءه وجزئياته.
أظنَّ هنا المثال واضح للفكر، لأجل التشبيه بالله؛ لأنَّ الله ليس صفة وموصوف، لكي يعرض على شيء، أو هو جسم ليحل بمكان أو يحويه ويستوعبه، كالظرف والمظروف لا بلْ ذات (قائم بذاته)، ولم يكن قائماً بغيره ليحلَّ فيه. كذلك الآية الكريمة مصداقاً؛ لذلك نرى المصباح داخلاً في الزجاجة، إذا ما نظرنا إليه مِن الخارج. لكنَّه ليس داخل فيها بلْ هو خارج عنها أيضا، كما بيَّنا في سورة النور، وبنفس الوقت فهو في باطنها، لكنْ لا بملامسة وخارج عنها لا بمزايلة.
إنَّ علم الله موجود في كلِّ ذرَّة مِن المادَّة، وقدرته في الممكنات كلِّها، وفيضه عليها بالتساوي؛ لأنَّ مرتبة الممكنات بالنسبة له بدرجة واحدة، وإلاَّ لكان ترجيح بلا مرجِّح، وكونه كامل والمادة ناقصة، فتسبِّح له لتنزِّهه عن النقص، كقوله لا بمقارنة أيْ لا نقارنه معها: بأنَّه جسم ومادة وممكن أو هو مادة، لأنَّه موجود والمادة موجودة، ولا بمزايلة كون هذا التجرُّد لا يخرجه عن الإحاطة بها.
قال الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) لبعض الزنادقة: (إنَّ الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم، فأمَّا هو فلا تخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار).
قال: فلم لا تدركه حاسة البصر؟
قال: (للفرق بينه وبين خلقه، الذين تُدركهم حاسة الأبصار ثمَّ هو أجلُّ مِن أنْ تُدركه الأبصار أو يُحيط به وهم أو يضبطه عقل).
قال: فحدّه لي؟
قال: (إنَّه لم يحدَّ).
قال: ولِمَ؟
قال: (لأنَّ كلَّ محدود متناهٍ إلى حدٍّ، فإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزايد، ولا متجزِّئ، ولا متوهم)(١) .
أمَّا البساطة: أنَّ الله سبحانه تعالى بسيط وليس بمركب، وللإيضاح نجد أنَّنا إذا نظرنا إلى شيء أو أيَّة مادة في الميكروسكوب، وقطَّعناها لأجزاء أقلِّ حجماً، ثمَّ هذه القطعة المقطعة نقطعها إلى قطعة أصغر ماذا نصل؟
إنَّنا نصل إلى قطعة صغيرة لو قطعناها لم نرَ شيئاً، فهذه الذرَّة الأخيرة نمثِّلها في البساطة أيْ الشيء البسيط كونه إذا قطعنا منه جزءاً سينتفي بأكمله مع الفارق طبعاً؛ لأنَّ الذرَّة نفسها تنقسم إلى النيوترونات والبروتونات والإلكترونات، والعالم كلُّه ينقسم إلى الزوجية، فمع الفارق لكنْ لتقريب ذلك إلى الذهن، ولمَّا كان سبحانه بسيطاً فكيف يقطع جزءاً منه أو يُزيله، وهذه البساطة ماسكة الكون، هذه القوة الخفيَّة الإلهية الكاملة الغنية؛ لأنَّها بسيطة لا جزء لها، وإلاَّ لو كانت مركَّبة لكانت مفتقرة إلى أجزاءها.
____________________
(١) علل الشرائع للصدوق ص ١١٩، باب ٩٨.
الفصل العاشر
لماذا لا نرى الذات الإلهية؟
تُعرف الأشياء بأضدادها، فعند ذهاب النور نرى الظلمة، وعند إزالة الله لقدرته نرى عدمه، أي عدم وجوده، فنستطيع أنْ نميِّزه، والله لا يُعدم، وعلى سبيل الفرض: عندما ينعدم وجود الإله نرى عدم وجوده، فندرك كيفيته وماهيته.
والله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، فلا يوجد له ضدٌّ أو شريك، لو كان له شريك لرأيناه (أيْ رأينا الله).
أقول: ألا ينطبق كلامنا هذا - والله أعلم - على مصداق الآية الكريمة التي تقول:( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأعراف: ١٤٣).
إنَّ الله سبحانه لمَّا كان واحداً وليس له شريك وضدٌّ، وليس كمثله شيء فلكي نستطيع أنْ نراه ونميِّزه عن شريكه؛ لذلك لا يوجد سبيل إلى رؤيته غير تصوُّرنا لمشاهدة أضداده، وهي العدم. أي أنْ يخلو منه ذلك المكان فنحسُّ بالفرق ونميِّزه؛ لأنَّنا بواسطة النظر بعيوننا المبصرة نستطيع أنْ نحدَّ الشيء، فنستطيع حدَّ شيء دون الله، لكي نرى الله؛ ولكي نجد شيئاً دونه يجب أنْ يخلو منه أي يخلو مِن وجود الله، أو يعدم جزءاً منه كي نرى بقيَّة الأجزاء. ولمَّا كان بسيطاً إذا قطع منه جزء قطع كلُّه وانعدم وانتفى.
فإذا كان الله بمكان دون آخر فإنَّا سنراه. لنأخذ - مثلاً - الدفتر كمثال تقريبي على صحَّة ما ادَّعيناه: إذ إنَّه يتكوَّن مِن غلاف لونه أحمر مثلاً. فإذا طوينا جزءاً مِن الغلاف نرى لون الورقة أبيض، على قدر ذلك الجزء المطوي، فنميِّز بين الورقة عن الغلاف الأحمر. ولكنَّنا إذا لم نطوي جزءاً مِن الغلاف فلا يمكن رؤيتنا لأيِّ جزء مِن الورقة؛ لأنَّها محجوبة بالغلاف، فلا تتمُّ الرؤية إلاَّ بانتزاع جزء مِن وجود الغلاف عن الدفتر. كذلك الله سبحانه إذا أراد انتزاع جزء مِن وجوده عن الجبل سينتفي الجبل؛ لأنَّ كلَّ
شيء مُمسك بقدرة الله كما في الآية (فاطر ٤١). وإذا سحب وجوده عنه يصبح عدماً، فانتفت الرؤية مطلقاً، كالماء محيط بالسمك، والهواء يحيط بنا، وكما أنَّ الإناء المملوء بالماء لا نستطيع رؤية الماء الذي فيه، إلاَّ أنْ نفرِّغ جزءاً مِن الماء الذي في القدح، فنميز بين وجود الماء وعدم وجوده، أو وجود الهواء مِن عدم وجوده. أو نأخذ قدحاً نضع فيه ماء ملوَّن، بحيث يسهل علينا التمييز بين الماء والهواء، أو أي جنس آخر مختلف عنه شكلاً لا ذاتاً. فلمَّا سلب تعالى إحاطته بالجبل انعدم وجود الجبل؛ لأنَّ كلَّ شيء قائم به تعالى، وليس لشيء وجود وبقاء دونه؛ لذا لم نستطيع رؤيته تعالى،( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) (فاطر: ٤١).
قال الإمام علي (عليه السلام):( لم يخل منه مكان فيدرك بأينيَّة، ولا له شبه مثال فيوصف بكيفية، ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثية ) (١) .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) بموضع آخر: (لا تحويه الأماكن لعظمته، ولا تدركه المقادير لجلالته، ممتنع عن الأوهام أنْ تكتنهه، وعن الأفهام أنْ تستغرقه، وعن الأذهان أنْ تمثله، قد يئست مِن استنباط الإحاطة به طوامح العقول، ونضبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم).
وقال أيضا: (الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم أنْ لا شبه له)(٢) .
وقوله (عليه السلام): (الحمد لله الذي منع الأوهام أنْ تنال إلى وجوده، وحجب العقول أنْ تتخيَّل ذاته لامتناعها الشبه والتشاكل، بلْ هو الذي لا تتفاوت ذاته ولا تتبعَّض بتجزُّئه العدد في كماله)(٣) .
الله هو الوجود الأكمل، لا بدَّ وأنْ يكون ذاتاً، ولا يصحُّ أنْ يكون عقلاً وفكراً محضاً دون ذات، وذات الله تعالى ليست مادة، إنَّه شيء لا كالأشياء، ولا شبيه له سبحانه، ولا نستطيع إدراك كُنه تلك الذات والإحاطة بها، وذاته موجودة بوجود لا في حسٍّ ولا شعور، فهو ليس مادة كثيفة ولا لطيفة، وليس كمثله شيء ولم يكن له كفوءاً أحد، الكبير المتعال.
____________________
(١) توحيد الصدوق ص ٦٩.
(٢) التكامل في الإسلام، أحمد أمين، ج ٢، ص٩٠.
(٣) تحف العقول، ص ٩٢.
قال علي أمير المؤمنين (عليه السلام): (ليس له صفة تُنال، ولا حدٌّ يضرب له فيه الأمثال، كلٌّ دون صفاته تجير الصفات، وضلَّ هنالك تعاريف الصفات، وحار في مكنونه عميقات مذاهب التفكير، وانقطع دون الرسوخ في علمه جوامع التفسير، وحال دون غيبه المكنون حجاب مِن العيون، وتاهت في أدنى أدانيها طامحات العقول في لطيفات الدهور)(١) .
قال الإمام الصادق (عليه السلام): (إنَّه شيء بحقيقة الشيئية، غير أنَّه لا جسم ولا صورة ولا يُحسُّ ولا يُجسُّ، ولا يدرَك بالحواس الخمس، لا تدركه الأوهام، ولا تنقصه الدهور، ولا يغيره الزمان)(٢) .
____________________
(١) بحار الأنوار، للمجلسي، ج ٤.
(٢) الاحتجاج للطبرسي ج ٢، احتجاج الصادق في شتَّى العلوم.
لعلَّ الذي يتأمَّل في الآيات الكريمة الخاصة بالإحاطة، وكذلك خطبة الإمام علي (عليه السلام): (مع كلِّ شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة)، وقوله:( ... أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) (فاطر: ٤١) وغيرها، يتصوَّر أنَّ ذلك دليلاً حول وحدة الوجود ويتصوَّر أنَّ الله عز وجل مندمجاً في المادة هذه المادة العاجزة الخالية مِن العقل والتفكير. كلاَّ، بل هو منفصل ومستقلٌّ وانفصاله عنها بسيط وظاهر؛ لأنَّ المادة خالية مِن الإرادة والوعي والعلم، والله تعالى عالم والمادة تحتاج إلى مَن ينظِّمها ويوجدها، ويشكلها لتؤلِّف هذا الكون.
ولا تنظِّم نفسها بنفسها ولو ادَّعى أحداً أزليَّتها إنَّما تحتاج إلى مؤثِّر.
قال تعالى:( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ) (فاطر: ٤١).
بعض المصطلحات المنطقية والفلسفية:
لمَّا كان علم الفلسفة يحتاج إلى مقدِّمة كعلم المنطق، وكلاهما فيه مِن المصطلحات التي تحتاج إلى تعريف؛ لذا نلجأ إلى توضيح بعض الاصطلاحات لتتمَّ الفائدة:
الحادث: هو المسبوق بالغير أو المسبوق بالعدم.
المحدَث: هو الذي وجوده مسبوق بالغير، أو المسبوق بالعدم.
القديم والأزلي: هو المصاحب لمجموع الأزمنة المحقّقة والمقدَّرة، بالنسبة إلى جانب الماضي.
الأزلي: ما لا أوَّل له.
الباقي: هو المستمرُّ الوجود المصاحب لجميع الأزمنة.
الأبدي: هو المصاحب، كجميع الأزمنة محقِّقة كانت أو مقدرة بالنسبة إلى الجانب المستقل، أو هو ما لا آخر له.
الإدراك: هو السمع والبصر أيْ هو مدرك. أنَّ الله سامع ليس بآلة وباصر ليس بآلة.
الجوهر: هو المتحيِّز بذاته والموجود لا في موضوع.
العرض: هو الموجود القائم بغيره، كالألوان القائمة بالأجسام.
الهيولى: الجوهر القابل للصورة (وهي قوة محضة، ولا تنتقل إلى الفعل إلاَّ بقيام الصورة بها).
الصورة: هي الجوهر الذي به تتحقَّق فعلية المادة.
الجسم: ما تركب مِن المادة والصورة.
النفس: الجوهر المجرَّد عن المادة ذاتاً والمتعلِّق بها فعلاً، لاحتياجها إلى الآلة في التأثير.
التسلسل: هو ترتُّب العلل إلى ما لا نهاية.
الدور: هو توقُّف وجود الشيء على نفسه.
العقل النظري: إدراك ما ينبغي أنْ يُعلم.
العقل العملي: إدراك ما ينبغي أنْ يُعمل.
العلَّة: ما يؤثِّر في غيره.
المعلول: هو الأثر الحادث عن العلَّة.
الوجود: أوضح المفاهيم الموجودة في ذهن الإنسان.
العقل: هو الجوهر المجرَّد مِن المادة ذاتاً وفعلاً.
اللاهوت: الألوهية وعلم التوحيد.
الناسوت: الإنسان أو العالم السفلي.
النسبة القيدية: في أحكام الجواهر والأعراف.
التماثل: نسبة بين المعقولين المتساويين في تمام الماهية كالبياضين والسوادين.
التخالف: ويقسم إلى التلاقي والتقابل.
التلاقي: يقع بين الشيئين الوجوديين، اللذين يمكن اجتماعهما، إلاَّ أنَّ الافتراق بينهما منشأ بسبب خارج عن الذات (الشيء)، كاحتراق الحلاوة ومواد في السكر والفحم وهما المتخالفين.
التقابل: ويقع بين المتغايرين أحدهما للآخر لذاته ويقسم إلى أقسام أربعة.
التضايف: يقع بين الشيئين الوجوديين، اللذين يعقل كلٌّ منهما بالنسبة إلى الآخر نحو الأبوَّة والنبوَّة.
التضاد: ويقع بين الشيئين الوجوديين، اللذين لا يجتمعان في محلٍّ واحد، ويمكن أنْ يرتفعان عنه كالسواد والبياض.
الملكة وعدمها: ويقعان في الشيئين، اللذين أحدهما وجودي والآخر عدمي مِن شأنه أنْ يتَّصف محلُّه بوجود مقابله، أي فيه قابلية الاتِّصاف بالملكة (كالعمى)، وهما لا يجتمعان في ذات واحدة ولا يرتفعان عنها.
التناقض: ويقع بين الشيئين اللذين أحدهما وجودي والآخر عدمي، يمثِّل الوجودي طرف الإيجاب أو الإثبات، ويمثِّل العدمي السلب أو النفي مثل الوجود والعدم.
الضروري: البديهي وهو ما لا يحتاج في حصوله إلى كسب ونظر وفكر، كتصديقنا بأنَّ الكلَّ أعظم مِن الجزء.
النظري: ما يحتاج حصوله إلى كسب ونظر وفكر، كتصديقنا بأنَّ الأرض متحرِّكة حول نفسها، ويسمَّى الكسبي.
الدلالة المطابقية: دلالة اللفظ على تمام معناه الموضع له ويطابقه، كدلالة لفظ الكتاب على تمام معناه، فيدخل فيه جميع أوراقه وما فيه مِن غلاف.
الدلالة التضمينية: بأنْ يدلَّ اللفظ على جزء معناه الموضوع، الداخل في ذلك الجزء في ضمنه، كدلالة الجزء ضمن الكلِّ، كما لو بعت الكتاب يفهم المشتري دخول الغلاف فيه.
الدلالة الالتزامية: التلازم بين معنى اللفظ والمعنى الخارج اللازم تلازماً ذهنياً، فلا يكفي التلازم في الخارج فقط مِن دون رسوخه في الذهن، ولا لما حصل انتقال الذهن فينتقل إلى لازمة دون حاجة لتوسط، كدلالة لفظ الدواة على القلم، فلو طلب أحداً أنْ تأتيه بدواة ولم ينصَّ على القلم، وأتيته بالدواة لعاتبك بأنَّ طلب الدواة كافٍ في الدلالة على طلب القلم بالالتزام.
الفصل الحادي عشر
ما السبيل لمعرفة كنهه
(لا سبيل إلى معرفة كنه الخالق وحقيقته والإحاطة به كما قال : ( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) (طه: ١١٠).
وقوله :( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... ) (الأنعام: ٩١).
وفي الدعاء : (سبحان الله من لا يعلم ما هو إلا هو) .
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : (لا تقدر عظمة الله على قدر عقلك ، فتكون من الهالكين) .
وقال علي (عليه السلام) : (من قال فيه : لم؟ فقد علله، ومن قال فيه: حتى. فقد وقته، ومن قال: فيم؟ فقد ضمنه، ومن قال: أنى؟ فقد أنهاه، ومن قال: متى؟ فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد ألحد فيه، لا يتغير الله بتغاير المخلوق، ولا يتجدد بتجدد المحدود.
وعن الصادق (عليه السلام): (وكيف أصفه بالكيف، وهو الذي كيف الكيف حتى صار كيف، فعرفت الكيف بما كيّف لنا من الكيف).
وتوضيح ذلك - على ما قاله بعض العارفين -: أن الخلق لم يعرفوا إلا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع، مدبر حي عالم، سميع بصير قادر، وهذه المعرفة لها طرفان:
الأول: يتعلق بالعالم ومعلوم احتياجه إلى مدبر.
الثاني: يتعلق بالله ومعلومه، أسامي مشتقة من صفات غير داخلة في حقيقة الذات ومهيَّته.
وقد ثبت إنه إذا أشار المشير إلى شيء، وقال: ما هو؟ لم يكن ذكر الأسماء المشتقة جواب أصلاً، فلو أشار شخص إلى حيوان، فقال: ما هو؟ فقيل: طويل، أو أبيض، أو بصير. أو أشار إلى ماء فقال: ما هو؟ فجيب: بأنه بارد، أو إلى نار فقال: حار. فكل ذلك ليس
بجواب عن الماهية لحقَّة، والمعرفة بالشيء هو معرفة حقيقته وماهيته لا معرفة الأسامي المشتقة، فإن قولنا: حار. معنه شيء مبهم له وصف الحرارة، وكذلك قولنا: قادر عالم. معناه شيء مبهم له وصف العلم والقدرة.
وأما قولنا: نه واجب الوجود، فهو عبارة عن إستغناءه عن الفاعل، وهذا يرجع إلى سلب السبب عنه. وقولنا: نه يوجد عنه كل موجود يرجع إلى إضافة الأفعال إليه، فإذا قيل له: ما هذا الشيء؟ فقلنا: هو الفاعل. لم يكن جواباً، فكيف قولنا: هو الذي لا سبب له؛ لأن كل الأخبار عن غير ذاته، وعن إضافة له إلى ذاته إما بنفي أو إثبات، وكل ذلك في أسماء وصفات وإضافات، فإنا لما رأينا الوجود والقدرة والعلم فينا، وعلمنا أنها ليست من ذواتنا بل من الفياض الحقيقي، علمنا أنه موجود قادر عالم، ونجد ذلك بلا كيفية لصفاته.
ولما رأينا فينا بعض الكلمات، كالوجود والقدرة، والعلم والحياة، والإدراك ونحوها، وعلمنا أن نقائضها من العدم والعجز، والجهل والموت، وعدم الإدراك نقائض، وصفنا ربنا بالكمالات ونزهناه عن النقائض مع عدم علمنا بكنه ما أثبتناه له تعالى.
فنهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة، ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه حق معرفته، وأنه لا يمكنهم معرفة الحقيقية لبتة، وأنه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفاته الربوبية إلا الله تعالى. فإذا انكشف لهم ذلك انكشافاً برهانياً، فقد عرفوه، أي بلغوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته.
وهو الذي أشار إليه من قال: العجز عن الإدراك إدراك. بل هو الذي عناه سيد البشر، ومن حيث قال: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)، ولم يرد به أنه عرض منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة عنه، بل معناه إني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتيك، وإنما أنت المحيط بها وحدك. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وإن الملا العلى يطلبون كما تطلبونه أنتم).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (من نظر في الله كيف هو هلك). وما اتساع المعرفة، فإنما يكون من معرفة أسمائه وصفاته، وبما تتفاوت درجة درجات الملائكة والأنبياء والأولياء في معرفة الله عز وجل، وليس من يعلم أنه قادر عالم على الجملة
كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض، وخلق الأرواح والأجساد وأطلع على بدائع المملكة وغرائب الصفة ممعنا في التفصيل ومستقصياً دقائق الحكم، ومستوفيا لطائق التدبير، ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من الله تعالى نائلا لتلك الصفات نيل إتصافه بها، بل بينهما من البون البعيد ما لا يكاد يحصى وفي تفصيل ذلك ومقاديره. تتفاوت الدرجات فلا تلتفت إلى من يزعم أنه وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة بل أحث التراب في فيه فقد ضل وغوى وكذب وافترى فإن الواقع أرفع وأظهر من أن يتلوث بخواطر البشر، وكلما تصوره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه في التدقيق سبحان من حارت لطائف الأوهام في بيداء كبريائه وعظمته وسبحان من لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
وكما يمتنع على غير الله تعالى معرفة كنه ذات الله فكذلك يمتنع معرفة كنه صفاته لأن صفاته تعالى عين ذاته وكما وصفه به العقلاء فإنما هو على قدرأفهامهم وبحسب وسعهم فإنهم إنما يصفونه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها في أنفسهم مع سلب النقائض الناشئة من إنتسابها إليهم بنوع من المقايسة ولو ذكر لهم من صفاته عز وجل ما ليس لهم ما يناسبه بعض المناسبة لم يفهموه ككونه تعالى لا أول له ولا آخر، ولا جزء له وليس في مكان ولا زمان، كان ولم يكن معه شيء من زمان أو مكان أو ليل أو نهار أو ظلمة أو ضياء، حاروا وتحيروا وعجزوا ولم يفهموا شيئاً فتوصيفهم إياه سبحانه بأشرف طرفي النقيض كالعلم والجهل والقدرة والعجز أو الحياة والموت إنما هو على قدرهم لا قدره، وبحسبهم لا بحسبه، فسبحانه عما يصفون وتعالى شأنه عما يقولون، ولذا قال باقر العلوم عليه السلام (هل سمِّي عالماً قادراً إلاَّ لأنَّه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرون، وكلمَّا ميَّزتموه بأوهامكم في أدقِّ معانيه فهو مخلوق ممنوع، متكلَّم مردود إليكم، والباري تعالى واهب الحياة، ومقدِّر الموت، ولعلَّ النمل الصغار، تتوهَّم أنَّ لله زبانيتين (أي قرنين) فإنهما كمالها، وتتصور أن عدمهما نقصان لمن لا يكونان له، ولعل حال كثير من العقلاء كذلك فيما يصفون الله تعالى به) سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، ولذا أورد النهي عن وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه)(١) .
____________________
(١) حق اليقين.
الفصل الثاني عشر
ماهيته
يعم بحثنا بشرح ما قدمناه وما ذكر في الفصل الثالث، في كتاب نهاية الحكمة للسيد محمد حسين الطباطبائي، وقد شرحه السيد كمال الحيدري (واجب الوجود ماهيته إنيّته، بمعنى أن لا ماهية له وراء وجوده الخاص به؛ وذلك أنه لو كانت له ماهية وذات وراء وجوده الخاص به، لكان وجوده زائداً على ذاته عرضياً لها، وكل عرضي معلل بالضرورة، فوجوده معلل، وعلته إما ماهيته أو غيرها. فإن كانت علته ماهيته - والعلة متقدمة على معلولها بالوجود بالضرورة – كانت الماهية متقدمة عليه بالوجود، وتقدمها عليه إما بهذا الوجود، ولازمه تقدم الشيء على نفسه وهو محال، وإما بوجود آخر وننقل الكلام إليه ويتسلسل. وإن كان علته غير ماهيته، فيكون معلول لغيره، وذلك ينافي وجوب الوجود بالذات.
وقد تبيّن بذلك أن الوجوب بذاته، وصف منتزع من حاق وجود الواجب، كاشف عن كون وجوده بحتاً في غاية الشدّة، غير مشتمل على جهة عدمية؛ إذ لو اشتمل على شيء من الأعدام، حرم الكمال الوجودي الذي في مقابله، فكانت ذاته مقيّدة بعدمه، فلم يكن واجباً بالذات صرفاً له كل كمال.
الشرح: بعد أن ثبت في الفصل الأول أن الموجود ينقسم إلى الواجب والممكن، تعرض المصنف لبيان أحكام الواجب وأحكام الممكن، وبدأ يذكر أهم خواص واجب الوجود، وهو أنه لا ماهية له وراء وجوده الخاص به. وهذا هو موضوع الفصل الثالث، وقبل إيراد الدليل الذي أقامه لإثبات هذه الدعوى لا بأس بالإشارة إلى البحوث التالية:
الأول: تحرير محل النزاع.
الثاني: لنتائج المترتبة على تحقيق هذه المسألة.
الثالث: الأقوال فيها.
البحث الأول: تحرير محل النزاع:
تستعمل الماهية في البحوث الفلسفية على نحوين، فمرة تطلق ويراد بها ما يجاب به عن السؤال بـ (ما هو) وهذا المعنى هو ما يناله العقل من الموجودات الممكنة عند
تصورها تصوراً تاماً، وإن شئت قلت: قالب ذهني كلي للموجودات العينية، أو الحد العقلي الذي ينعكس في الذهن من الموجودات المحدودة، ويقال لها: الماهية بالمعنى الأخص، وتطلق خرى ويراد بها (ما به الشيء هو هو)، ويقال لها: الماهية بالمعنى الأعم؛ لأنها تشمل الماهية بالمعنى الأخص والوجود والعدم أيض؛ لأنه إن كان مصداق الشيء هو الماهية، فحقيقته وما به هو هو هي الماهية، وإن كان هو الوجود فهو الوجود، وإن كان العدم فهو العدم. وهذا الاصطلاح يصدق على ما لا ماهية له بالمعنى الأول، كالواجب (تعالى) على مذاق مشهور الفلاسفة، وما له ماهية كالإنسان والماء والشجر ونحوها.
قال صدر المتألهين في الأسفار: إن الأمور التي تلينا لكل منها ماهية وإنية، والماهية ما به يجاب عن السؤال بـ (ما هو) كما أن الكمية ما به يجاب عن السؤال بـ (كم هو)، وقد يفسر بـ (ما هو الشيء هو هو). وقد علق المصنف على هذا الكلام بقوله: (إن أخذ الجواب عن السؤال في هذا التعريف الأول، يدل على كون المعرّف – بالفتح – أمر معقول جائز الحلول في الذهن، ولا ينطبق هذا إلا على تلك المور الخارجية التي حيثية ماهيتها دون حيثية وجودها، وخارجيتها المقابلة للذهن. وأما قولهم: (ما به الشيء هو هو)، فكما يجوز انطباقه على حيثية ماهية الأشياء، كذلك يجوز صدقه على حيثية وجودها، فيكون التعريف الثاني أعم مطلق).
إذا عرفت ذلك نقول: اختلفت تعبيرات القوم في هذه المسألة، فقد عبّر عنها المصنف في المتن (واجب الوجود ماهيته إنيته)، وعبر عنها في نهاية الحكمة (واجب الوجودة لا ماهية له) وعبر عنها ابن سيناء في (الشفاء): (إن الأول لا ماهية له غير لنية)؛ لذلك قد يشكل على الجمع بين قولهم: (لا ماهية له)، وقولهم: (ماهيته إنيته). وعندئذ يمكن أن يقال – كما ذكر شيخ لشراق –: (إن الماهية قد يعنى بها ما به يكون الشيء هو ما هو) وبهذا المعنى يقولون: للباري ماهيته هي نفس الوجود، وقد تخصّص بما يزيد على الوجود مما به الشيء هو ما هو، فتقتصر على أشياء الوجود من لواحقها، وبهذا الاعتبار يقولون: (الأول لا ماهية له)، أي أمر يعرض له الوجود).
وهذا ما أشار إليه شيخنا حسن زاده آملي بقول: (إنه تعالى إنية صرفة، ووجود بحت وحقيقة محضة، لا تشوبه وصمة الماهية أصل، فلو طلقت الماهية عليه (تعالى) فهي بمعناها الأعم، أي ما به هو هو، فإن الماهية بهذا المعنى يصح إطلاقها على الوجود أيض، فيصح إطلاقها عليه (تعالى)، وأما بمعناها الأخص، أي ما يقال في جواب ما
هو، فهي مسلوبة عنه (تعالى). وربما قيل: يراد بالماهية في قولهم: (ماهيته إنيته)، المعنى الأول كما هو الحال في قولهم: (لا ماهية له)، فيكون هذا التركيب مجازياً للمبالغة في نفي الماهية عن الواجب (تعالى) كما تقول: (حدّه أنه لا حدّ له).
البحث الثاني: النتائج المترتبة على المسألة:
تعد هذه المسألة من أهم الأصول والقواعد، حيث تبتني عليها فروع كثيرة في الإلهيات بالمعنى الأخص، وسيأتي بيان تلك النتائج في المرحلة الأخيرة من الكتاب، وللإشارة تعرض لبعضها:
- إثبات بساطة ذاته (تعالى):
وعدم وجود جنس مشترك بينه وبين سائر الموجودات، وهذه البساطة لا يمكن إثباتها إلا بالالتزام بأن الواجب (تعالى) لا ماهية له، وراء وجوده الخاص به؛ وذلك لأن (كل ما يفصله الذهن إلى معروض وعارض هو الوجود، كان في مرتبة ذاته – مع قطع النظر عن العارض الذي هو الوجود – كلياً بالضرورة، وكل ما له ماهية كلية، فنفس تصورها لا يأبى أن يكون لها جزئيات غير متناهية، إلا لمانع خارجي.
فلو كان المفروض واجباً معنى غير نفس الوجود، يكون معنى كلياً له جزئيات بحسب العقل، فتلك الجزئيات إما أن تكون جميعها ممتنعة لذاتها أو واجبة لذاتها أو ممكنة لذاتها. لا سبيل إلى الأول، وإلا لما تحقق شيء منها، والكلام على تقدير وجود فرد واجب منها، فلا يمتنع شيء منها لماهيتها، ولا إلى الثاني وإلا لوقع الكل وهو محال، ولا إلى الثالث وإلا لكان هذا الواقع ممكناً أيض مع أنه واجب، هذا خلف. فإذن إن كان في الوجود واجب بالذات، فليس له ماهية وراء الوجود بحيث يفصله الذهن إلى أمرين، فهو الوجود الصرف).
- إثبات توحيده (تعالى):
ودفع بعض الشبهات التي أوردت حوله. (وليعلم أن البراهين الدالة على هذا المطلب – يعني توحيده تعالى – الذي هو من أصول المباحث الإلهية كثيرة، لكن تتميم جميعها مما يتوقف على أن حقيقة الواجب (تعالى) هو الوجود البحت القائم بذاته، المعبّر عنه بالوجود المتأكد. وبها يندفع ما تشوشت به طبائع الأكثرين، وتبلدت أذهانهم مما ينسب إلى أبن كمونه، لاشتهاره بإبداع هذه الشبهة العويصة والعقدة العسيرة الحل). وسيأتي تقريرها والجواب عنها في الفصل الثاني من المرحلة الثانية عشرة.
- عدم استطاعة العقل التعرف على كنه ذاته (سبحانه):
لأن العقل إنما يمكنه كتناه الماهيات، وأما ما لا ماهية له فليس للعقل أن يعرف كنهه؛ لذلك قيل: (إن حقيقة الواجب غير معلومة لأحد بالعلم الحصولي الصوري، فهذا مما لا خلاف فيه لأحد من الحكماء والعرفاء، وقد قيم عليه البرهان، كيف وحقيقته ليست إلا نحو وجوده العيني الخاص به، وليس الوجود الخاص للشيء متعدداً بخلاف الماهية، فإنها أمر مبهم لا تأبى تعدد أنحاء الوجود لها، والعلم بالشيء ليس إلا نحواً من أنحاء وجود ذلك الشيء للذات المجردة).
وهذا بالإضافة إلى نتائج خرى سنقف عليها في موضعها المناسب إن شاء الله، وربما قيل أيض: إن هذه المسألة تطرح مرة في الإلهيات بالمعنى الأعم والأمور العامة، وتطرح خرى في الإلهيات بالمعنى الأخص، وهذا ما صنعه صدر المتالهين في كتابه (الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة) وتبعه المصنف في (نهاية الحكمة) وعندئذ هل يعدّ هذا تكرار في البحث؟ أم هناك نكتة فنية توجب ذلك؟
والجواب: أن الذي تثبته البراهين من وجود الواجب (تعالى) في الإلهيات بالمعنى الأخص، هو الموجود الذي لا واسطة في الثبوت لوجوده، أي لا يحتاج في تحقق ذاته إلى غيره، بخلاف الممكن، فإنه يحتاج في وجوده إلى واسطة في ثبوته، وأما نفي الواسطة في العروض، أي أن الواجب تعالى لا يحتاج إلى غيره في عروض الوجود للماهية، باعتبار أنه لا ماهية له وراء وجوده، فهو الذي يثبت من خلال هذا البحث.
قال المصنف في حواشيه على الأسفار: (هذا البحث لا محيص عنه، حتى على تقسيم المصنف – صدر لمتلهين – الموجود إلى الواجب والممكن، بانتزاع الوجود عن ذاته بذاته، وانتزاعه بملاحظة غيره، فإن الممكن على هذا التقسيم يمكن أن يكون موجوداً بالواسطة في الثبوت كالوجود الإمكاني، أو بالواسطة في العروض كالماهية، فالواجب موجود بذاته من غير واسطة خارجة، أعم من الواسطة في الثبوت والواسطة في العروض، إلا أن الذي يثبته نوع البراهين من وجود الواجب هو الموجود الذي لا واسطة في الثبوت لوجوده، فنفي الواسطة في العروض في مورده يحتاج إلى هذا البحث، حتى يتم للواجب مصداق على هذا التقسيم).
البحث الثالث:
الأقوال في المسألة: ذكر الفخر الرازي في كتابه (المطالب العالية من العلم الإلهي)، تحت عنوان (إن وجود الله تعالى نفس ماهيته أو صفة زائدة على ماهيته): (إنه من المعلوم بالضرورة أنا نصف واجب الوجود لذاته بأنه موجود، ونصف أيضاً ممكن الوجود لذاته بأنه موجود. فنقول: إما أن يكون وقوع لفظ الوجود على هذين القسمين بحسب مفهوم مشترك بين هذين القسمين، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون بحسب الاشتراك اللفظي فقط. فإذا كان الحق هو القسم الأول، فنقول: هذا القسم ينقسم إلى قسمين آخرين؛ وذلك لأن ذلك المفهوم المسمى بالوجود، إما أن يقال: إنه في حق واجب الوجود مقارن لماهية خرى، ويكون هذا الوجود صفة لتلك الماهية ولاحقاً من لواحقها، وإما أن يقال: إنه أمر قائم بنفسه مستقل بذاته من غير أن يكون صفة لشيء من الماهيات، ومن غير أن يكون عارضاً لشيء من الحقائق. فيثبت أن القول في وجود الله تعالى لا يمكن أن يخرج من هذه الأقسام الثلاثة:
الأول: قول من يقول: لفظ الموجود الواقع على الواجب لذاته وعلى الممكن لذاته، لا يفيد مفهوماً واحد مشتركاً فيه بين القسمين، بل هو بحسب الاشتراك اللفظي فقط، وهو قول طائفة عظيمة من المتكلمين كأبي الحسن الأشعري وأبي الحسين البصري.
الثاني: قول من يقول: لفظ الموجود يفيد مفهوماً واحداً، إلا أنه في حق واجب الوجود لذاته وجود مجرد، أعني أنه وجود بشرط كونه غير عارض لشيء من الماهيات، بل يكون وجوداً قائماً بنفسه، وبهذا التقدير يكون وجود الله تعالى نفس حقيقته. وهو القول الذي اختاره ابن سينا في جميع كتبه.
الثالث: قول من يقول: إن الوجود صفة من صفات حقيقة الله تعالى ونعت من نعوت ماهيته، وبهذا التقدير فوجود الله غير ماهيته. وهو قول طائفة عظيمة من المتكلمين وهو الذي نصرناه في أكثر كتبنا).
والذي ينبغي الوقوف عنده هما القولان (الأخيران)، وأمَّا الأول، فقد تقدَّم الكلام عنه في الفصل الثاني مِن المرحلة الأولى، وما يرد عليه؛ ولذا سوف نتوقَّر قليلاً على توضيح هذين القولين وما يمكن أنْ يقال فيهما.
القول الأول: وهو الذي اختاره الفخر الرازي، ونسبه إلى طائفة مِن المتكلمين، وتوضيحه: أنَّه بعد أنْ حكم أنَّ الوجود شيء واحد في الجميع بنحو الاشتراك المعنوي، ولا يقع على الموجودات بنحو الاشتراك اللفظي: (صرَّح بأنَّ وجود الواجب مساوٍ لوجود الممكنات. ثمَّ إنَّه لما رأى وجود الممكنات أمراً عارضاً لماهياتها، وكان قد حكم بأنَّ وجود الواجب مساوٍ لوجود الممكنات، حكم بأنَّ وجود الواجب أيضاً عارض لماهيته، فماهيته غير وجوده، وظنّ أنَّه إنْ لم يجعل وجود الواجب عارضاً لماهيته، لزمه إمَّا كون ذلك الوجود مساوياً للوجودات المعلولة، وإمَّا وقوع الوجود على الواجب ووجود غيره بالاشتراك اللفظي).
والتأمُّل في كلماته جميعاً توصل إلى أنَّه يريد بيان حقيقة أنَّ وجوده (تعالى) عارض على ماهيته وحقيقته عيناً وخارجاً، وبتعبيره (نعت مِن نعوت ماهيته)، والشاهد على ذلك الحجة التي أقامتها الحكمة المشائية لإبطال هذا القول؛ حيث سيتَّضح أنَّها قائمة على افتراض أنَّ عروض الوجود للماهية وزيادته عليها، إنَّما هي في الواقع الخارجي لا التحليل العقلي؛ إذن فهذا القول يذهب إلى الزيادة العينية للوجود على الماهية فيه (تعالى)، فضلاً عن الزيادة والعروض الذهني له عليها. ولكنْ مِن جهة أُخرى يرى أنَّ ماهيته مجهولة الكُنه بالنسبة إلينا، ولا يمكن الوقوف عليها، كما هو الأمر في الماهيات الإمكانية، التي يمكن التعرُّف عليها وجعلها في جواب السؤال بـ (ما هو).
القول الثاني: إنَّ واجب الوجود لا ماهية له بحسب التحليل العقلي، فضلاً على الواقع الخارجي، وهذا بخلاف الممكن كالإنسان مثلاً، فإنَّ له ماهية هي الحيوان الناطق، ووجوداً هو كونه في الأعيان، وهو الذي اختاره أكثر الحكماء (سواء كانوا قائلين بأصالة الوجود أم لا)، فإنَّهم قائلون - في هذه المسألة -: بأنَّ إنِّيته تعالى ماهيته، بمعنى أنَّه لا ماهية له سوى الوجود الخاص المجرد عن مقارنة الماهية، وكما أنَّهم متَّفقون في أنَّ الوجود أصل فيه تعالى كذلك متَّفقون أنَّ ذلك الوجود الأصيل إنِّيَّة صرفة).
قال الشيخ ابن سينا في إلهيات الشفاء: (إنَّ الأول لا ماهية له وراء الإنِّيَّة) بمعنى أنَّ واجب الوجود لا يصحُّ أنْ يكون له ماهية يلزمها وجوب الوجود، ثمَّ أوضح هذا المدعّى مِن خلال مثال هو أنَّ المبدأ تعالى يتَّصف بأنَّه واحد فقال: (والذي جعله – أي المبدأ – منهم واحداً، فمنهم مَن جعل المبدأ الأول لا ذات الواحد، بلْ شيئاً هو الواحد، مثل ماء أو هواء، أو نار أو إنسان هو واحد، ومنهم مَن جعل المبدأ ذات الواحد مِن حيث هو واحد، لا شيء عرض له الواحد، ففرق - إذن - بين ماهية يعرض لها الواحد والموجود، وبين الواحد الموجود مِن حيث هو واحد وموجود.
فنقول: إنَّ واجب الوجود لا يجوز أنْ يكون على الصفة التي فيها تركيب حتى يكون هناك ماهية ما، وتكون تلك الماهية واجبة الوجود، فيكون لتلك الماهية معنى غير حقيقتها، وذلك المعنى وجوب الوجود، مثلاً إذا كانت تلك الماهية أنَّه إنسان فيكون أنَّه إنسان غير أنَّه واجب الوجود).
القول الثالث: وهو الذي يأخذ مِن كلِّ مَن القولين السابقين شيئاً ويدع شيئاً آخر، أمَّا المأخوذ مِن الأول فهو قبول أنَّ للواجب (تعالى) ماهية ووجوداً بحسب التحليل العقلي؛ وذلك لأنَّ متقضى كونه وجوداً شخصياً ممتازاً عن غيره، كونه واجداً لما به يمتاز عمَّا عداه، وما به امتياز كلِّ موجود عن غيره هو ماهيته التي تقال في جواب السؤال بـ (ماهو)، وإمَّا المتروك منه فهو دعوى الزيادة والعروض بحسب الواقع الخارجي. والمأخوذ مِن الثاني أنَّ الواجب (تعالى) بسيط حقيقة في متن الأعيان، وأنَّ ماهيته عين وجوده الخارجي مِن دون تقدُّم أحدهما على الآخر في الواقع؛ لأنَّ الموجود في الحقيقة هو الوجود، والماهية منتزعة عنه. وإذ جاء في كلمات الأعلام تقدُّم الوجود – بحسب العين – على الماهية، فمعنا أنَّ الوجود هو الأصل في التقرُّر والتحقُّق في الأعيان لكونه نفس التقرر فيها، والماهية مفهومة منه منتزعة عن نحو الوجود الخاص، فتكون فرعاً للوجود بهذا الاعتبار، لا بمعنى المعلولية والتأثر، وليس هذا الأمر مختصَّاً بالواجب (تعالى)، بلْ نعتقد أنَّ ذلك جار في الوجودات الإمكانية أيضاً. قال المحقِّق الطوسي في شرح الإشارات: (إذا صدر عن المبدأ وجود، كان لذلك الوجود هوية مغايرة للأول، ومفهوم كونه صادراً عنه غير مفهوم كونه ذا هوية؛ فإذنْ ها هنا أمران معقولان:
أحدهما: الأمر الصادر عن الأول، وهو المسمَّى بالوجود.
وثانيهما: هو الهوية اللازمة لذلك الوجود، وهي المسمى (بالماهية) وربَّما أشارت بعض كلمات صدر المتألِّهين إلى هذه الحقيقة أيضاً، قال: (وتحقيق الحق، إنَّه كما يوجد في الخارج شخص كزيد مثلاً، ويوجد معه صفاته وأعراضه وذاتياته، كالأبيض والضاحك، والماشي والجالس، والنامي والحيوان والناطق، فهي موجودات توجد بوجود زيد، بلْ عين زيد ذاتاً ووجوداً)، بتعبير آخر: تنتزع الماهية مِن مرتبة هوية الوجود، فهي غير الوجود ذهناً وعينه خارجاً.
وأمَّا المتروك مِن الثاني فهو القول: إنَّه لا يمكن تحليل واجب الوجود عقلاً إلى ماهية ووجود.
أجل، هذه الماهية مجهولة الكُنه لغيره (تعالى)؛ إذ لا يحيطون به علماً.
فأنْ قلت: كيف يصدق على ما به امتيازه مِن غيره الماهية، وهي ما يقال في جواب السؤال بـ (ما هو) ولا يمكننا العلم بماهيته حتَّى نقوله في جواب (ما هو)؟
قلت: ليس معنى كون الشيء له ماهية تقال في جواب (ما هو) هو أنْ نقدر على معرفة تلك الماهية، وإنَّما المراد هو قبوله لذلك وإنْ لم نقدر عليه، فإنَّ عدم علمنا بماهية شيء لا ينافي كونه ذا ماهية.
لقد استدلَّ المصنف في المتن لإثبات مدعَّى الحكماء بهذا البيان: لو كان للواجب (تعالى) ماهية وراء وجوده الخاص به، لكان وجوده زائداً على ذاته عرضياً لها؛ لأنَّ الماهية – كما سيأتي في الفصل الأول مِن المرحلة الخامسة – مِن حيث هي ليست إلاَّ هي لا موجودة ولا معدومة. بمعنى أنَّ الموجودية ونقيضها ليس شيء منهما مأخوذاً في حدِّ ذاتها، بأنْ يكون عينها أو جزؤها، ومِن ثمَّ فهي لا تأبى أنْ تتَّصف بهما؛ إذنْ الوجود لا هو عين الماهية ولا جزؤها، كما هو الأمر في الحيوانية والناطقية بالنسبة إلى الإنسان. وكذلك ليس الوجود لازماً اصطلاحياً للماهية كالزوجية إلى الأربعة، ولا هو لازم ذاتي للماهية كالإمكان بالنسبة إليها. فينحصر الأمر في أنْ يكون عرضاً غريباً للماهية. هذه صغرى القياس. أمَّا الكبرى فهي قاعدة فلسفية مفادها (أنَّ كلَّ عرضي فهو معلَّل)، بمعنى أنَّ الوجود العارض لكي يحمل على الموضوع المعروض له يحتاج إلى علَّة.
قال صدر المتألِّهين: (إنَّ كلَّ ماهية يعرض لها الوجود ففي اتِّصافها بالوجود وكونها مصداقاً للموجود، يحتاج إلى جاعل يجعلها كذلك، فإنَّ كلَّ عرضي معلَّل)، فإذا كان وجوده معلَّلاً فيحتاج إلى علَّة. والعلَّة إمَّا ماهية الواجب أو غيرها ولا ثالث لهما. والثاني محال؛ لأنَّه يلزم أنْ يكون الواجب بالذات واجباً بالغير، وقد تقدَّم اسحالته في الفصل الثاني مِن هذه المرحلة. فينحصر الأمر في أنْ تكون الماهية علَّة لوجوده، وسيأتي في مباحث العلَّة والمعلول أنَّ العلَّة التي تفيض الوجود لابدَّ أنْ تكون متقدِّمة على المعلول وجوداً، لمكان توقُّف وجود الفعل على وجود الفاعل.
إذن؛ فالماهية الموجودة تكون علَّة للوجود العارض عليها. هنا ننقل الكلام إلى الوجود الذي يقع وصفاً للماهية التي هي في رتبة العلَّة، هل هو نفس الوجود الذي يقع في رتبة المعلول أو غيره؟ ثمَّ احتمالان لا ثالث لهما، فإذا كان أحدهما عين الآخر يلزم تقدُّم الشيء على نفسه؛ لأنَّ المعلول متأخِّر وجوداً والعلَّة متقدِّمة وجوداً، وبطلانه ضروري؛ حيث يكون الواجب موجوداً قبل أنْ يحصل له الوجود أيْ في حال العدم، والوجود في حال العدم جمع للنقيضين الذي هو بديهي الاستحالة. أمَّا إذا كان الوجود في رتبة العلَّة غير الوجود في رتبة المعلول، فإنَّه – بالإضافة إلى أنَّ ماهية واحدة توجد بوجودين، وهو غير معقول كما تقدَّم – يلزم التسلسل في الوجودات؛ لأنَّنا ننقل الكلام إلى الوجود الذي في رتبة العلَّة، هل هو عين الماهية أو زائد عليها؟ فإنْ كان زائداً عليها كما هو المفروض، فيأتي البيان السابق، فتسلسل وجودات لا متناهية بالنسبة إلى الواجب سبحانه. (وهذا التسلسل المحال عند الحكماء؛ لأنَّ تلك الإنِّيات مترتبة مِن جهة أنَّ الوجود السابق منشأ للاحق، حيث إنَّ العلَّة بوجودها مفيضة، ومجتمعة في الوجود أيضاً كما هو الظاهر).
قال صدر المتألِّهين: (لو كان وجوده زائداً عليه يلزم تقدُّم الشيء بوجوده على وجوده، وبطلانه ضروري مِن دون الاستعانة بما ذكره صاحب المباحث، مِن أنَّه يفضي إلى وجود الشيء مرَّتين، وإلى التسلسل في الوجودات؛ لأنَّ الوجود المتقدِّم إنْ كان نفس الماهية فذاك، وإنْ كان غيرها عاد الكلام فيه وتسلسل.
وجه اللزوم: إنَّ الموجود حينئذ يحتاج إلى الماهية احتياج العارض إلى المعروض، فيكون ممكناً، ضرورة احتياجه إلى الغير، فيفتقر إلى علَّة هي الماهية لا غير، لامتناع افتقار الواجب في وجوده إلى الغير، وكلُّ علَّة فهي متقدِّمة على معلولها بالضرورة، فتكون الماهية متقدِّمة على وجودها بوجودها).
في قوله: ( ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ) ، فهو تعالى ليس له نظير مِن أيِّ جهة؛ وذلك لأنَّه وجود مستقلٌّ بذاته، ولا نهاية له وغير محدود مِن جميع الجهات، لا في علمه، ولا في قدرته، ولا في حياته، ولا في إرادته. وإمَّا ما سواه مِن الموجودات فهي تابعة ومحدودة ومتناهية وناقصة؛ لذا لا يوجد وجه شبه بين وجوده الذي يمثِّل الكمال المطلق، وبين النقصان المطلق (أي الموجودات) الإمكانية، فهو الغني المطلق، ومَن سواه فقير ومحتاج في كلِّ شيء. وليس كذاته المقدَّسة شيء؛ لأنَّه متنزِّه عن المثيل والشبيه، وهو موجود في كلِّ مكان وليس له كفوءاً أحد، بمعنى ليس له نظير أو ضدٌّ، والله أكبر مِن أنْ يوصف وأعلى مِن الخيال والقياس، والظنِّ والوهم، ولا يقاس بمخلوقاته( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ... ) أيْ المشركون؛ لأنَّهم قاسوه بمخلوقاته. قال أمير المؤمنين في خطبته الأشباح: (وأشهد أنَّ مَن ساواك بشيء مِن خلقك فقد عدل بك، والعادل بك كافر بما تنزَّلت به محكمات آياتك، ونطقت به شواهد صحيح بيناتك، وأنَّك أنت الله الذي لم تتناه في العقول، فتكون في مهبِّ فكرها مكيَّف، ولا في روايات خواطرها فتكون محدوداً مصرفاً).
وفي حديث الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بجوابه لأبي فروة - عند سؤاله عن التوحيد -: أنَّا روينا أنَّ الله عز وجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين فقسم لموسى (عليه السلام) الكلام ولمحمد (صلى الله عليه وآله) الرؤية، فقال أبو الحسن (عليه السلام): (فمَن المبلِّغ عن الله عز وجل إلى الثقلين الجنِّ والإنس،( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ... ) و (يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) و( ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ) أليس محمد (صلى الله عليه وآله)؟). قال: (فكيف يجيئ رجل إلى الخلف جميعاً، ويخبرهم أنَّه جاء مِن عند الله وأنَّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول:( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ... ) ،( ... وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ( ... لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ) ثمَّ يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً وهو على صورة البشر؟! أما تستحيون، ما قدرت الزنادقة أنْ ترميه بهذا أنْ يكون يأتي عن الله بشيء، ثمَّ يأتي بخلافه مِن وجه آخر؟!).
قال أبو فروة: فإنَّه يقول:( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) . فقال أبو الحسن (عليه السلام): (إنَّ بعد هذه الآية ما يدلُّ على ما رأى، حيث قال:( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) يقول: ما كذب فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله) ما رأت عيناه، ثمَّ أخبر بما رأى فقال:( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) ، فآيات الله عز وجل غير الله: وقد قال( ... ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) ، فإذا رأته
الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة).
فقال أبو فروة: فتكذِّب بالروايات؟
فقال أبو الحسن (عليه السلام): (إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذَّبت بها، وما أجمع المسلمون عليه إنَّه لا يُحاط به علم. لا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء).
١٧-آب٠٨-٢٠٠٧
مصادر البحث
١- كتاب كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، شرح الشيخ جمال الدين الحسن بن يوسف العلاَّمة الحلِّي
٢- حق اليقين في معرفة أصول الدين، للعلاَّمة السيد عبد الله شبَّر
٣- التوحيد للسيد كمال الحيدري
٤- النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، للمقداد السيوري
٥- الكافي، للكليني
٦- التوحيد، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي الصدوق
٧- علل الشرائع، للشيخ أبي جعفر محمد بن علي الصدوق
٨- بداية الحكمة، للعلاَّمة السيد محمد حسين الطباطبائي
٩- نهاية الحكمة، للعلاَّمة السيد محمد حسين الطباطبائي
١٠- منظومة الحكمة، للسيد عبد الهادي السبزواري
١١- الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة، لصدر المتألِّهين
١٢- موجز علم الكلام، للدكتور عبد الهادي الفضيل
الفهرس
المقدِّمة: ٢
الخطبة الأولى مِن نهج البلاغة للإمام علي (عليه السلام): ٣
الفصل الأول. ٤
المعرفة الممكنة والمعرفة المستحيلة ٤
الفصل الثاني. ٦
إثبات واجب الوجود لذاته ٦
الفصل الثالث.. ٩
خصائص الواجب والممكن. ٩
خواص الواجب: ٩
خواص الممكن: ١١
استحالة اتِّحاده بالغير: ١٢
الفصل الرابع. ١٣
في الموادِّ الثلاث.. ١٣
الماهيَّة والوجود ١٣
اعتبارات الماهية: ١٧
الفصل الخامس.. ٢٠
غرر في أنَّ الحق تعالى إنِّيَّته صرفة ٢٠
الوجود ووجوبه نفس حقيقته: ٢١
الله ليس بجسم: ٢١
إنَّه تعالى ليس في حيِّز ولا جهة ولا محلّ: ٢١
الفصل السادس. ٢٣
البساطة ٢٣
غرر في بساطته تعالى: ٢٦
إنه تعالى غير مركب: ٢٧
التعدد يستلزم ا لتركيب: ٢٧
صرف الوجود لا يتثنَّى ولا يتكرر: ٢٧
الفصل السابع. ٢٨
إنَّ المعدوم ليس بشيء ٢٨
الإطلاق الوجودي للواجب: ٣٠
الفصل الثامن. ٣١
الذات الإلهية ٣١
الفصل التاسع. ٣٣
ذات الله بُهر برهانه ٣٣
الإحاطة: ٣٥
الفصل العاشر ٣٩
لماذا لا نرى الذات الإلهية؟ ٣٩
وحدة الوجود: ٤٢
بعض المصطلحات المنطقية والفلسفية: ٤٣
الفصل الحادي عشر ٤٦
ما السبيل لمعرفة كنهه ٤٦
الفصل الثاني عشر ٤٩
ماهيته ٤٩
نفي التشبيه: ٥٨
مصادر البحث.. ٦٠