بين يَدي الرسُول الأعظم صلى الله عليه وآله - القِسم الأول

تأليف: محمَّد بحر العُلوم



بسِم اللّهِ الرحمنِ الرّحيِم

« مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » .

(القرآن الكريم)



مَع الِكتاب

لم تكن فصول هذا الكتاب قصصاً، أحاول فيها تسلية القارئ الكريم، كما لم يكن الأساس منها التعريف بأبطالها، فهم أشهر من التعريف، خلدوا التاريخ الإسلامي، وصوروا جوانب السيرة بأحلى صوره.. إنما الواقع هي فصول من السيرة النبوية الشريفة. رأيت أن أعرضها بهذا الأسلوب بعيدة عن التعقيد والإطالة، وبطريقة - أحسب أن القارئ الذي أكتب له - يمكن أن ينشدَّ اليها، ويبقى على اتصال معها.

ونحن اليوم بحاجة لهذه الصور الحية، وتذكر هؤلاء الأبطال الذين عاشوا قضيتهم الأساسية بكل وعي، وأدركوا بعمق مفهوم الدعوة التي آمنوا بها، فأخلصوا لها، وتفانوا في سبيلها وضحوا من أجلها.. فكانوا اللبنة الأولى لصرح الإيمان والعقيدة والطليعة الفذة للمجد الإسلامي، المتسلق شاهق السنين والممتد عبر الأيام، لن تبلى خضرته، ولن تغرب شمسه.



ورجائي من الحق أن يساعدني على كتابة كل السيرة النبوية وألحقها بسيرة آل البيت، الأئمة الميامين، وأكون بذلك قد أرضيت ضميري، وأديت واجباً دينياً..

ولا أُبالغ إذا قلت: إن دافعي لكتابة هذه الفصول - وإن كانت الفكرة تدور في ذهني منذ زمن - نتيجة عاملين:

الأول: قناعتي الشخصية بضرورة ارتباط الفرد المسلم على الدوام بسيرة الرسول الأعظم، والأئمة الطاهرين، والشخصيات الرائدة في الإسلام، وهذه الصلة المستمرة تحفظ عقيدته من الإنزلاق.

الثاني: إصرار أخي العزيز السيد مهدي - صاحب دار الزهراء - بأن أسهم في مشروعه، وخاصة هو في بداية الطريق وليس من باب الأخوة فقط أن أبادر إلى الإستجابة له، وتنفيذ طلبه، بل إيماني بأنه اختط لنفسه طريقاً - في عمله - إسلامياً واضحاً في دعم الجانب الاعلامي في معركة المصير.. وهذا ما يدعو إلى التفاؤل له بالموفقية والاستمرار.

وأخيراً:

أملي باللّه سبحانه أن يحقق آمال (دار الزهراء) في خدمة


الفكر الإسلامي ويجند صاحبها في ميدان العقيدة، ويساعدني على إتمام هذه السلسلة، ويشق للكتاب طريقه بما يرضي القراء وهو من وراء القصد..

محمد السيد علي بحر العلوم

بيروت في:

١ / ١١ / ١٣٩٢

٨ / ١٢ / ١٩٧٢



في البدَاية

رغم أن فترة من الزمن تمر على مكة والمدينة بعد غزو الجيش الأموي لهما بقيادة مسلم بن عقبة المري، فإن ذكرى الحوادث المريرة، وصور المآسي القاسية كانت تطغى على كل ناد ومجلس سمر.

وكانت جراج مدينة الرسول - على الخصوص - لم تلتئم بعد. فقد غزاها الجيش الأموي بأمر من يزيد بن معاوية، وبعد أن خلعت بيعته، وأمرت عليها والياً جديداً - هو عبد اللّه بن حنظلة بن أبي عامر - وفعل الجيش الغازي ما فعل بوحي من شعوره المجرم وحقده الطويل، ولم يقف بوجهه أي رادع ديني أو إنساني.

ولم يكن نصيب مكة بأقل مما أصاب المدينة، فقد حرقت الكعبة المشرفة ولم يبقَ بيت منها - عدا بيوت الأمويين - إلا سلب ونهب.

وكانت حلقات السمر، ومجالس الليل تعج بأخبار هذه


الحوادث وفظاعتها بما يعصر القلوب حزناً، ويرهق العيون تأثراً.

ومرة امتد السهر بإحدى الحلقات المنتثرة في فناء المسجد النبوي حتى كادت تحاذي السحر في سهرتها، أو تتجاوزه بقليل وهي تعيد ألماً على ألم، وتجتز حزناً على حزن.

ويلتفت أحد الجالسين إلى صاحبه - وهو متضايق من الحديث الذي يجدد الذكرى المؤلمة، ويعيد عليهم صورة المأساة الفظيعة - قائلاً وهو يقطع الكلمات من الأسى: أما آن لنا أن نطوي حديث الأمويين وفجائعهم، ونحاول أن نخفف عن مصائبنا بما يساعدنا على تحمل مشاكل حياتنا.

ولم يكن الزميل بأقل منه ضيقا ً وبرماً بهذه الأحاديث المروعة، وما أن سمع هذا الرأي حتى استجاب له.

وتسرب الإقتراح للباقين، وكأنه أيقظهم من سبات، ونبههم إلى شيء كان قد غاب عن أذهانهم.. وقالوا: ولنا عند الشيخ أبي معاذ ما نبتغيه، فهو محدث رائع، عذب الأسلوب، حلو الكلمة، ورجل مسنّ جاوز عتبة الثمانين، رافق الأيام فكان فيها عيناً لا تغمض، وعاش الحوادث فحفظ من أخبارها الشيء الكبير.

ولم يلقَ القوم من أبي معاذ أي امتناع، فقد استجاب للطلب وصادف في نفسه قبولاً.

وصار يحدث أصدقاءه في لياليه بما سيمر علينا..



حمزة بن عَبد المطلب


أقبل الليل، وأخذ الشيخ أبو معاذ طريقه إلى ندوته واستقبله القوم بالترحاب، وحيّاهم ببسمته الهادئة، وأدار عينيه الذابلتين في وجوه الجالسين، كأنه يتفحصهم، ويتعرف عليهم وبدَتْ لهم من خلال نظراته العميقة رفة حب، وتصاعدت من بين أنفاسه المتعبة هزة حنان.

وبقي الشيخ صامتاً شيئاً من الوقت، ولعله يستجلي ذاكرته في صور الماضي وأحداث الأمس.. ثم تكلم، وهو يصوغ حديثه بأسلوبه الجميل..

ذكَّرتني جلستنا هذه بمجالسنا الماضية، يوم كانت الحلقات تنتشر في فناء الكعبة، وكنت - حينذاك - أرافق أبي في سهراته.. وكان حديث الطارق الجديد يدور فيها، وهو السائد عليها.. فقد أقضَّ مضاجع قريش، وأطار نومها من عيونها وشتت صوابها.. حديث محمد ودعوته.

ولم يكن رسول اللّه ببعيد عن قريش، ومكة.. فهو:


حفيد عبد المطلب، سيد بني هاشم.. وهاشم، عمرو بن عبد مناف ينتهي إلى عدنان، وهو الذي ما طعمت مكة ولا سقيت من يدين أبسط من كفيه، وأندى من راحتيه، وأجمل من خلقه..

وما أن نامت عين هذا الانسان العظيم: على هذه الجوانب الانسانية الرائعة، حتى فتحتها على ولده عبد المطلب، شيبة الحمد..

وكان هذا الرجل قد بلغ في قريش خاصة، والعرب عامة منزلة لم يكد يبلغها أحد.. وحتى قالت العرب فيها قولتها المعروفة: «لو كان نبي على عهد عبد المطلب لكان هو نبي العرب».

وهو: ابن (عبد اللّه) أحد أولاد عبد المطلب العشرة الذين إذا طافوا بالبيت أخذوا بالأبصار، وجمعوا القلوب الطيبة حولهم.

وهو: ذلك اليتيم الذي لم يعرف من حنان الأبوة ما يشدُّ به عظمه، فقد مات عنه أبوه، بعد زواجه من أمه آمنة بنت وهب بفترة قصيرة، فتركه حملاً، أو رضيعاً على اختلاف في الروايات.

فتعهّده جده عبد المطلب - زعيم الهاشميين، وكبير قريش وشخصية مكة، وسيد العرب - فنشأ في ظله موفور الكرامة عزيز الجانب.. حتى كان يفرش له بفناء الكعبة، فلا يقرب من فراشه أحد من أولاده، أو كبار قريش، يهابونه ويحترمونه.


أما محمد فقد كان يأتي - وهو صبي - يتخطى رقاب الكل حتى يصل إلى يده، فيزاحمه على فراشه. ويحاول الأعمام أن يمنعوه، فيقول لهم عبد المطلب:

«دعوا ابني هذا، إن له شأناً عظيماً يغبطه عليه الناس».

ولم يكن هذا فحسب من الجد نحو حفيده، بل أكثر من هذا، ولماذا لا يكون كذلك، وهو يتكهن لحفيده مستقبلاً خطيراً، وشروقاً لن يغرب؟..

وما أن شعر السيد الكبير بدنوِّ أجله حتى طلب ولده (عبد مناف، أبو طالب)، فخفَّ اليه مسرعاً، وعيون الأولاد، والاسرة ترقب الأب العظيم، وهو على فراش الموت.. وبيد ملؤها المحبة والحنان، يأخذ يد محمد فيضعها بيد أبي طالب ثم يقول له، وهو يصارع الموت:

«يا عبد مناف: خلفت في يدك الشرف العظيم الذي تطاول به رقاب الناس».

وتجفُّ الكلمة على ثغر زعيم الهاشميين، وابتسامة الرضا والاطمئنان تطفو مكانها لتزهر وتورق وسط جفاف الأيام.

وبدأ محمد يكبر، وتكبر معه الآمال، وكلما تدرج فتى الدعوة في العمر تضخمت مسؤولية العم الحنون في الاهتمام به


والحفاظ عليه.. حتى لم يكن له من قريب او بعيد بأكثر حناناً وأشد إشفاقاً عليه من أبي طالب.

ولم يكن كل أولاد عبد المطلب مثل ما كان له أبو طالب حامياً، وناصراً، ومدافعاً، نعم كان حمزة أقرب الأعمام له بعد أخيه عبد مناف.

وحمزة تربطه بابن أخيه أكثر من صلة، فقد كان أخاً له بالرضاعة، وكان له ترب الصبا، يكبره بأربع سنوات، وكان يتعهده في كثير من الأحيان، وكانت هذه بمجموعها عاملاً يقرب بين القلبين، ويؤلف بين الروحين.

لقد كان يضمر له من الحب والوفاء أجمله وأحسنه، ويقدر لأخيه أبي طالب موقفه الرائع من وديعة أبيه، بما كان يبذل له من العناية والاهتمام، حتى قال محمد صلى الله عليه وآله:

«كانت فاطمة بنت أسد - زوجة عمي - تجيع أولادها وتشبعني، وتتركهم شعثاً وتدهنني، ولم يكن لدى عمي أبي طالب همّ إلا حمايتي، والاهتمام بأمري».

وامتدّ الزمن، وعلى امتداده توسعت شخصية (فتى عبد المطلب)، كلّ شيء فيه يدلُّ على أنه شخصية المستقبل ولم تغب عن ذهن حمزة كلمة أبيه - وهو على فراش الموت -: «إن له شأناً عظيماً يغبطه عليه الناس».


وكان حمزة يسرّ ويفرح عندما يلمح ابن أخيه، ويكتم سروره ولا يتظاهر بفرحه، كان هذا الميل النفسي ينمو مع نمو محمد، ولا يستطيع تفسيره ولا بد أن يعثر على تفسير ولو بعد حين. ذلك هو الإيمان الذي تولد في أعماقه وازدهر بعد زمان.

ومرت بالنبي أحداث كانت لها الأثر في رفع الستارة عن شخصيته، وكان حمزة يتابع هذه القضايا بشيء من الإهتمام..

ومن أبرزها حينما اختلفت قريش فيما بينها، على وضع الحجر الأسود في مكانه بعد بنيان الكعبة، فكانت كل قبيلة تود أن تحظى بهذا الشرف الكبير، وكاد النزاع يؤدي إلى معركة واتفق الجميع على أن أول قادم عليهم سيكون هو الحكم في ذلك، ولم تنطو لحظات حتى كان المقبل عليهم هو محمد بن عبد اللّه واستبشرت الوجوه به، فهو المعروف عندهم ب(الصادق الأمين) وبسط الرسول رداءه، ووضع فيه الحجر في وسطه، وأمر كل زعيم قبيلة أن يحمل جانباً من الرداء، وإذا ما رفعوه، أخذه ووضعه في مكانه.

ولم يهن ذلك على طغاة قريش، فقال قائلهم: وا عجباً لقوم أهل شرف ورياسة، وشيوخ وكهول، عمدوا إلى أصغرهم سناً وأقلهم مالاً، فجعلوه عليهم رئيساً وحاكماً!! أما واللات والعزى ليفوقهم سبقاً، وليقسمن بينهم حظوظاً وجدوداً وليكونن له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم..


وكان حمزة في خضم هذه الأحداث ذلك الإنسان الذي يعيشها ويعيها ويحكم نفسه فيها تحكيماً منصفاً، فيزداد إيماناً وحباً وتفانياً لابن أخيه، ويقف إلى جانب أخيه أبي طالب كافله ومحاميه..

ومرت الأيام، وأعلن محمد دعوته، ولم يستجب لها في بادئ الأمر إلا خديجة وعلي بن أبي طالب، ثم استمرت الدعوة، رغم قلة الناصر، وجدّت قريش في عرقلة حركتها، وكان من أشد الناس عليه عمه أبو لهب، يتحين الفرص، فإذا ما ظفر به وحيداً صب عليه جام غضبه، وسخر منه، وآذاه بأنواع الأذى.

لكن ذلك كله لم يثنه عن رسالته، وإلى جانبه أبو طالب وحمزة يقفان له في كل نازلة يصدّان عنه عدوان الناقمين، ويدفعان عنه ظلم الحاقدين..

ومرة جاء محمد إلى عمه أبي طالب يشكو له أذى قريش فقد ألقوا عليه سلى ناقة فقال محمد لعمه: «عم كيف ترى حسبي فيكم»؟! فقال له: وما ذاك يا ابن أخي؟ فأخبره بالأمر فدعا أبو طالب حمزة، وقد توشح كل منهما بسيفه، وقال لحمزة: خذ السلى معك وتوجها إلى القوم، وهم في فناء الكعبة، فلما شاهد القوم المقبلين توسموا في وجوههم الشر وإذا ما وقفا على رؤوسهم قال أبو طالب لأخيه حمزة: مرّ السلى عليهم، ومن يعارض


اقتله، فامتثل حمزة حتى أتى على آخرهم، فالتفت أبو طالب إلى ابن أخيه قائلاً:

هذا حسبك فينا!.

برغم هذا فلم تكف قريش عن أذى محمد كلما ساعدتها الفرصة وتقسو معه حيث أمكنتها القسوة.. وكان هو بنفسه لا يرد عليها أذاها، يحتمل منهم الألم، ويطويه بين أضلاعه، اللهم إلا أن يعلم أحد الثلاثة بما أصابه، فيكون الانتقام حامياً، وهم: أبو طالب، وحمزة، وعلي، فيردون الصاع صاعين على المعتدي.

وذات يوم يمر النبي عند الصفاة، فإذا بأبي جهل هناك ونفسه الحاقدة تغلي في صدره، فيلتفت يمنة ويسرة، فلا يرى من يخشى صولته وغضبه، ليس معه أبو طالب، ولا على مقربة منه حمزة، ولا إلى جنبه علي، وحيد يلقاه، وهي فرصة سنحت له، فليستغلها.

وينهال الرجل المريض القلب على محمد دون خشية وخوف يشتمه فيجرحه بالكلام، ويسبُّه ببذيء القول، ويفرغ كل حقده الجاهلي، ويظهر كل كوامن حسده.. ورسول اللّه لم يفتح شفتيه ليردَّ عليه، إنه لعلى خلق عظيم، ويأنف أن يقابل هذا الأحمق الجاهل، وإن امتدَّ به العمر.

وينصرف بعد ان يسمع منه ما لم يسمع، ويتألم ويحزن ويطوي في نفسه أحزانه وآلامه.


ويسري الخبر اإلى حلقات قريش يقطع أوصال مكة كالعاصفة، ويسبق وصول ابي جهل اليها، ويفرح من يفرح ويحزن من يحزن، ومن يرد عليه؟ والفاعل ابو جهل الشرس الفض، وكثير منهم يرغب بأذى محمد؟ ولا يرغب ان يباشره بنفسه خوفاً من نقمة ابي طالب وبطش آله.

وأقبل ابو جهل على قومه يفخر بما عمله، ويزهو بما بدر منه فقد أرقه محمد، وسلب النوم من عينه، فما باله - وقد غنم به - ان لا يسكب كل ما في نفسه من لؤم كلاماً لا هوادة فيه، إذا لم يتمكن من مهاجمته بالسيف.

وكانت عادة حمزة ان لا يعود الى بيته من سفره إلا إذا طاف بالبيت سبعاً. ولا يدخل بيته إلا إذا مرَّ على أندية قريش ومجالسها، مسلماً، ومتحدثاً، ومداعباً، وكان مهاباً مرموقاً ولماذا لا يكون كذلك، وهو من أعز فتيان قريش، وأشرفها وأقواها شكيمة، يعدّ من أبطال الهاشميين، مزهواً بقوته معتداً ببطولته.

وانه لفي ذلك اليوم وقد عاد من سفر له، متوشحاً قوسه كعادته توجه إلى الكعبة ليؤدي طوافه، ويقف على أندية قريش يشارك جلاسها أحاديثهم، فينتهي إلى حلقه امرأة، وهي مولاة لعبد اللّه بن جدعان، واستقبلته وقد بدا على وجهها ظل من الحزن، ثم لفت خمارها، وقالت له - ولعل دموعها سبقتها إلى الحديث -:


يا أبا عمارة، لو رأيت ما لاقى ابن اخيك محمد قبل قليل من أبي جهل لجزعت، فقد ظفر به، ولم يكن معه أحد، فصب عليه وابلاً من السب الفظيع، والشتم القاسي، وبلغ منه ما يكره ولم يكلمه محمد بشيء..

لم يكن هذا الخبر بأقل من وقع الصاعقة على بطل الهاشميين ومادت الأرض به.. شيء لا يطاق، وكبير جداً على بني هاشم أن تنال مخزوم ما نالت.

وغلى الغضب في قلبه، ودارت الدنيا في عينيه.. يا للعار.

حفيد عبد المطلب وسيد قومه يصاب بمكروه، وعين لبني هاشم تطرف، الموت خير من الحياة..

ولمحت المرأة الغضب يجول على وجه حمزة، ويكاد يقطع أنفاسه، فأدار وجهه، ومضى نحو البيت، وهو يخسف الأرض بمشيته، وعيناه تلقف كل من يلقاه في طريقه لعله المتطاول على كرامته فيهجم عليه.

والمرأة خلفه تهرول، وفي قلبها أكثر من فرحة، فقد ضاقت ذرعاً من شر أبي جهل، إنه الرجل الشرس الفض، الذي يعتدي على الناس، ويرى انه المتفضل في اعتدائه، ويشاكس الكثير من الضعفاء، ويصيبهم بسوء، ولا رادع يردعه، ولا راد يرده.

وهي بهذاالتفكير لمحت حمزة قد وصل إلى المسجد، وتخطى


الجالسين واحداً بعد الآخر حتى وقف على رأس أبي جهل وانفجر بوجهه صارخاً، والغضب يتطاير من عينيه: أتشتم محمداً يا حقير، ورفع قوسه، وأنزله بعنف على رأسه فشجه، ووقع على الأرض، وكاد يثني بها، لولا بعض الجالسين فقد حالوا دون ذلك، ثم قال له: أتشتمه يا أبا جهل؟ وتهينه، وأنا على دينه وأقول ما يقول، رد عليّ إن امكنك القول، وتكلم إن ملكت الكلام؟

ولم يهن على بني مخزوم ما أُصيب به زعيمهم، فتواثبوا من هنا وهناك ليأخذوا بثأرهم، ولم يتزحزح حمزة، ولم ترهبه جعجعة السيوف، وقف يتحداهم، وهو يرفع قوسه استعداداً لكل خطب، لم يهب شخصاً، ولم يطأطئ رأسه لأحد.

ويخشى أبو جهل العاقبة إذا توسع الأمر، فيطلب منهم أن يخلدوا إلى الهدوء والسكينة، ويتركوا أبا عمارة، لأنه ألحَّ في سب ابن اخيه سباً قبيحاً.

ووصل الخبر إلي النبي صلى الله عليه وآله وهو في بيته، فتنكشف الغمة عنه، ويشكر لعمه حمزة موقفه.

كانت هذه الحادثة سبباً لكشف إسلام بطل الهاشميين أسد اللّه، وأسد رسوله، وفي الوقت نفسه كانت بداية انطلاقة جديدة للدعوة، وقوة داعمة.. فأزداد اطمئنان أبي طالب، فقد كان يعمد


إلى حماية ابن أخيه حماية مباشرة، ويخشى عليه حتى من ظله، لذا كانت فرحته كبيرة بإعلان حمزة إسلامه.. وهو، وولداه: علي وجعفر، وحمزة قوة لا يستهان بها، ويعرف قوة أخيه وبطولته أكثر من غيره، وجرّب شجاعته وإقدامه أكثر من مرة..

ولم يكن هيناً على قريش إسلام حمزة وإعلان إسلامه، فقد كانت تهابه وتخشاه، ولامت أبا جهل على تهوُّره الذي يسبب لها الأزمات، ويدفع بأصحاب محمد إلى الصلابة والصمود.

وإذا كانت الهجرة إلى المدينة، وغادر الأصحاب متخفين متسللين، فقد شدَّ حمزة ركبه دون خشية، او خوف من طغاة مكة، وهاجر إلى المدينة المنورة ليكون إلى جنب نبيه.

وأخلص حمزة لقضيته، ووفى لها، وعقد له النبي أول راية رفت في الاسلام، فقد أرسله مع سرية له إلى سيف البحر ليقاتل المشركين، وقبل أن يلتحم القتال حلّت بالمعاهدة والاتفاق وكان النبي يحرص دوماً ان يتجنب القتال.

وراحت الأيام تحصد الشوامخ من المواقف المشرفة لبطل الهاشميين كلها تعبر عن شرف العقيدة، والإخلاص المتناهي.

وحلَّ يوم بدر..

وتوقف الشيخ ابو معاذ عن الكلام، ومسح بكمه قطرات من


العرق انتثرت على جبينه، ثم غام في هدوء عارض لم يطاول أكثر من لحظات بعدها عاود الحديث، وقد أشرق وجهه:

كان يوم بدر عظيماً، فقد تجلت فيه البسالة الهاشمية والبطولة الرائعة، ابو عمارة يجول ويصول، لم يرجع سيفه خائباً يغمده في صدر ذاك، ويجندل ذلك، ويصيح بأعلى صوته: أين ابن ابي طالب، أين ابن أخي؟ فيجيبه علي من وسط المعركة: ملتقانا آخر الجيش، ويفريان الحشد المتراكم أمامهما، هذا من جانب، وذاك من جانب، وهما يكبران، حتى يلتقيا في مؤخرته، وأسيافهما تقطر دماً.

ويحث حمزة المسلمين على القتال، وهو يصيح:

قال رسول اللّه: والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابراً محتسباً، مقبلاً غير مدبر، إلا أدخله اللّه الجنة..

ثم أردف الشيخ ابو معاذ، بعد صمت قليل استرد أنفاسه في خلاله:

وكنا قد اجتمعنا يوماً في مسجد الرسول نستعرض بدراً وميدانها، فكان الأصحاب يتبارون في ذكر من قتل بسيف حمزة، وعلي بن ابي طالب، وكيف جندلاً الأبطال، وهدّا


العمالقة، حتى استغاثت قريشاً من بطولتي: أسد اللّه ورسوله وفتى ابي طالب، وما أوقعا فيها من خسائر فادحة.

وبقي هذا الخزي يلاحق قريش وأعوانها، وكان طعم الهزيمة علقماً، وثقل الخسارة مجهداً يقض المشركين في ليلهم ونهارهم. وصمموا على الثأر، تصميم الموتور، وإصرار المغبون وكان التجاوب فيما بينهم - وخاصة قريش - مساعداً لجمع فلولهم، وكيف لا تكون كذلك، وكل قبيلة أصابها ما أصابها من عار الخسارة الشنعاء عاراً لا يشابهه عار، وخسارة لا تضاهيها خسارة.. ولم يطفأ لهب قريش، ولم يكشف حزنها إلا قتل أحد الثلاثة: محمد، وحمزة، وعلي.

ودارت رحى الحرب بين المسلمين والمشركين حامية في (أُحد) تارة على المسلمين، وأُخرى على المشركين، كر وفر..

وأبو سفيان يجول في وسط أصحابه يذكرهم بعار (بدر) وقتلاهم، فيها ومجدهم المندثر، ويصرخ ملء شدقيه: لا بدَّ من جولة تطيح فيها الرؤوس، وتزهق بها الأرواح، وتعتلي السيوف القمم، عند ذاك أما: الثأر أو الموت..

وكل موتور يتصيد واتره، لعله يخفف من حزنه بما أُصيب.

وكان جبير بن مطعم موتوراً من حمزة بقتله عمه طعيم بن عدي يوم بدر، وكانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان موتورة


من حمزة بقتله عمها يوم بدر، وهناك البيوتات الكثيرة من قريش وغير قريش موتورة من علي، وحمزة.

ويوم عزمت قريش على الخروج لقتال المسلمين عاهد جبير بن مطعم عبده وحشي - وكان عبداً قوياً - إذا قتل حمزة فقد عتقه..

ومالت اليه هند بنت عتبة تمنيه وترغبه على ذلك، وهي لا تقل عن صاحبها جبير حقداً وغيظاً، كما لا تتضاءل عنه سخاءً وكرماً، تقول له: نفذ ما قاله لك سيدك، ولك مني ما تريد وكررتها ثلاثاً.

قال العبد: سأبذل قصارى جهدي، فإن مت خلصت من حياة الرق، وإن فزت تحررت، وفي كلا الأمرين لي خلاص..

ودقت طبول الحرب، المشركون بعدتهم وأبطالهم، والمسلمون بعددهم القليل، وعدتهم الضئيلة.

وعين وحشي ترقب حركات البطل وتنقله بين الصفوف وهو مثل الجمل الأورق(١) ، يحصد المحاربين بسيفه، ويتمايل الأبطال عن طريقه، تخشى بطشه، وتخاف بأسه، فلم يخرج اليه

___________________________

(١) هكذا وصفه وحشي: ويريد بالجمل الأورق، الذي لونه بين الغبرة والسواد، سماه كذلك لما عليه من الغبار.


مبارز إلا ولاقى مصرعه، ولم يتصدَّ له أحد إلا وعاد مهزوماً أسد اللّه، وأسد رسوله.. كرّار غير فرّار.

يقول وحشي: كنت أتهيأ له، اريده، وأستتر منه بشجرة او حجر ليدنو مني، وأنتظر اللحظة التي أرميه فيها بحربتي.

والفارس المغوار في غفلة عن عدوه، لا يلتفت، ولا يعرف من أمره شيئاً، حتى إذا ما قرب منه، اندفع اليه، ورماه بحربته، فأصابت منه مقتلاً، ووقع صريعاً.. ولما تأكد من موته ذهب اليه، وأخرج حربته، وجرى مسرعاً لجبير يبشره ليملك حريته، ويخبر هنداً فيتمنى عليها ما يريد.

وسرى الخبر يمض في قلوب المسلمين، ويبعث السرور في نفوس المشركين، هذا حمزة بطل الاسلام، وأسد اللّه، وساعد محمد، مجندَل في الميدان، يا لفرحة الشامتين..

وخفت أوار الحرب، وطافت نساء مكة بين القتلى تسبقهن هند، وهن يرقصن فرحاً، ويجدعن أُنوف قتلى المسلمين، ويبقرن بطونهم، ويقطعن آذانهم.

ولم يشفِ غليل هند كل هذا، أين حمزة؟ فقد أخبرها وحشي بأمره، وإنها لتخوض في الدماء والجثث إذ تعثر بحمزة وهو يتوسد التراب.

أصحيح أن بطل الهاشميين صريع في الميدان؟ إنه بغيتها


وتجلس على صدره - وفرحتها تكاد تقضي عليها - بماذا تبدأ وكيف تعمل؟ تقطع أوصاله، لا لا يهدأ خاطرها، تسمل عينيه، لا يطفي لهب حقدها، تقطع لسانه، لم يجدها.. أكثر من هذا تريد.. لتستخرج كبده فتأكله. وفعلت، ولكن لم تتمكن من أكله، لفظته مقهورة، جازعة، ثم لتعمل قلادة من أجزائه: أنفه، اذنيه، لسانه، عينيه، ثم بقرت بطنه، وقطعت أوصاله.. ولم يبقَ لديها ما تفعله، فتركته وهي تتهادى نشوانة بفعلتها حتى قال المشاهدون عنه: ما مُثل بأحد كما مثل بحمزة..

وانسابت دموع الشيخ أبي معاذ، فأمسك عن الكلام قليلاً كي يمسح ما علق في أجفانه من حبات الوفاء، فقد تذكر الشيخ المنظر المروع، فهاجت أحزانه، وضايقته عبرته، ثم عاد بعد هنيهة يواصل حديثه:

واستقبل أبو سفيان زوجته وهي ترقص، وفي صدرها قلادة من أعضاء إنسان، والتفت الرجل لزوجته متسائلاً فأخبرته فضحك ضحكة طويلة، وصاح: أين تركتيه؟ قالت: على مقربة من العين.

وانطلق يعدو، ولا يدري كيف يطوي طريقه، حتى وقف عليه وشاهده مقطعاً، ولم يكتف بذلك بل أخذ يمزق شدقي الصريع برمحه وهو يضحك، فمر عليه أحد الاعراب، ورآه في موقفه المخزي، فقال لصاحبه، أنظر يا أبا عروة سيد بني عبد شمس يصنع بإبن عمه ما ترى، إنه يجهز على ميت.


فالتفت اليه أبو سفيان قائلاً: ويحك اكتمها عني، ولا تفضحني عند العرب.

كان منظر حمزة، وهو مقطع الأوصال، أوجع منظر أثر في قلب النبي، ثم سجاه بغطاء، وقسم من حشيش الأرض.

ومع كل ما أصابه من حزن في هذا الموقف الدقيق، فقد أبّن بطل الاسلام بقوله - وهو يصارع احزانه -:

«رحمك اللّه يا عم، فلقد كنت وصولاً للرحم، فعولاً للخيرات، فو اللّه لئن ظفرت بهم لأمثلن بسبعين منهم».

إنها الحميّة والثأر دفعت بالرسول الأعظم ان يتعهد بهذا الثأر لعمه المؤمن الشهيد، بعد ان هزَّه الموقف هزاً.. لكن اللّه سبحانه أراد غير ذلك، فقد نزلت الآية الكريمة:

« وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ * وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ » .

وهكذا انتهت حياة بطل الاسلام حمزة بن عبد المطلب صفحة مشرقة تنير للأجيال دروب العقيدة والكفاح، والصمود والبطولة...



ياسر بن عَامِر



واجتمع القوم إلى محدثهم في ليلتهم، ولم يكن شوقهم إلى أحاديث الشيخ أبي معاذ بأقل مما مضى، إنما كان يزداد ارتباطهم بمحدثهم على مرور الليالي.

واستعد للحديث، وهدأت الأنفاس، وارهفت الآذان وانشدت العيون اليه، وقال:

رحم اللّه آل ياسر، فقد كان لهم شأن كبير في الإسلام..

قال صديق العمر لياسر: هل لك - يا أبا عامر - أن تعدل عن رأيك؟.

قال ياسر: لا.. لا فائدة لي في البقاء هنا، فلا بد من الرحيل إلى الحجاز، علني أتمكن هناك من العيش في رخاء.

ماذا دهاك! أتراك نسيت أن البلد الذي عركت خيره وشره وعرفت سراءه وضراءه، خير لك من بلد لم تعرف عنه شيئاً!!


ثم ان مكة اليوم ليس من السهل أن ترى فيها الظل الوارف والعيش الرغيد.

ومع ذلك - يا زفر - فإن البعد عن اليمن هو وحده كافٍ لاستقرار البال.

وإلى هنا انقطع الحديث بين الصديقين، وابتعد كل عن الآخر وفي نفس (زفر) شيء كثير من عدم القناعة والرضا على سفر صديقه ياسر بن عامر، ترب الصبا، وحبيب الشباب، وكلما حاول أن يثنيه عن تحقيق فكرة الرحيل لم يتمكن، فإن ياسراً قد سأم العيش في اليمن، وضاق ذرعاً بها، فقرر الرحيل مهما كلفه الأمر.

وقبل أن تسرج الشمس أضواءها شد ياسر على راحلته ووطدها لسفر طويل وتهيأ للسير، ولم يكن في وداعه إلا خله الحميم زفر، وجار له كان يرفق به.

وجدَّ السير يطوي الفيافي والقفار، حتى لاحت له مشارف مكة من بُعد، فطابت نفسه، وقرَّت عينه لتحقيق رغبته.

واستراح عند تلعة من تلاع الصحراء المنتثرة قرب مكة وهومت عيناه، وطافت به سنة عابرة، أيقظته حركة قافلة صغيرة مارة، وما ان فتح عينيه، ولمح أمرها قام واستعد


مقتفياً أثرها ليتمكن بواسطتها من معرفة الطريق الذي يوصله إلى البيت الحرام، فهو غريب لم يلج هذه الأرض من قبل.

ووصل إلى البيت الحرام، واتخذ من فنائه ملجأ يقيه ظهيرة الحجاز المرهقة، وقبل أن تلملم الشمس أطرافها، بدأ القوم يتوافدون - كعادتهم - إلى الكعبة، ففي أرجاء هذا المكان تنتشر مجالس السمر، وتعقد حلقات الأدب.

وأخذ الطارق الغريب يتفرَّس في وجوه الجالسين، فلم يجلب انتباهه أحد إلا أبو حذيفة بن المغيرة، فهو رجل بدت عليه مظاهر الكياسة والخلق والطيبة.

ولمح أبو حذيفة تطلع الغريب اليه، فقام مرحباً به، وهو يسأله: أغريب أنت يا أخا العرب؟

- نعم وحق هذا البيت.

- إذاً فأنت ضيفي.

- شكراً لك يا سيدي..

وهكذا ابتدأت صلة ياسر بأبي حذيفة، ويأخذ مكانه في تلك الحلقة، حتى إذا حان وقت الإنصراف صحبه مضيفه إلى داره ليحل فيها ضيفاً مكرماً عزيزاً.

وعلى مر الأيام تتوطد صلة ياسر بصاحبه، حتى بات لا يفارقه


كالظل، فقد لمس أبو حذيفة في صديقه وفاء لا مثيل له، وصدقاً متناهياً، واندفاعاً قوياً للعمل والإخلاص له.

واشتدت أواصر الصداقة والمحبة بينهما.. فيخلص كل منهما للآخر إخلاصاً عجيباً، بحيث بات أبو حذيفة يفكر في أمر ياسر ويهتم لزواجه.

فيزوجه أمته (سمية بنت خباط)، ويعمل جاداً في مساعدته لتكوين دار له، بعد أن أصبح رب بيت له زوجة، وولدين ويبقى حليفاً لأبي حذيفة ووفياً له، فهو صاحب فضل عليه..

وتدور في أندية مكة أحاديث تكاد تلتهمه عائلة آل ياسر بإيمان وعمق.. حديث دعوة محمد صلى الله عليه وآله إلى الإسلام.

وراحت قريش تبذل الغالي والنفيس في إخماد هذه الدعوة التي تهدد مصالحها، وتقبر آمالها وأطماعها، وتضع كل ما في وسعها من عرقلة لإبعاد الناس عنها..

وتسرب النبأ همساً، لكنه كوقع الصاعقة على طغاة مكة يا لهول ما يسمعون، إنه شيء كبير جداً، وغريب جداً، ومستحيل جداً.. حتى هذه الأسرة الضعيفة صبت لهذا الدين الجديد.

ثم يقول قائلهم: لنتأكد من هذا الأمر، وإذا صح فلنحسب له حساباً.. إن هؤلاء المستضعفين من هذه الديار هم يشكلون


الخطر الأكبر على ديننا، وآلهتنا، وان محمداً يسحرهم بأقواله إذ يدس لهم بأنه «لا فرق لأبيض على أسود إلا بالتقوى» وهذا موضع الخطر.

وينتفض الحانق الغاضب كأنه أصابه مَسّ من جنون: أنا لكم، سوف أكتشف أمر هؤلاء.

نعم ما تصنع يا ابا جهل، ولا تكن متهوراً في بادئ الأمر.

ويرسل ابو جهل عيناً خفية إلى دار الأرقم - مركز التجمع المحمدي - ليرصد أحداً من آل ياسر هل تضمه تلك الدار كما تضم العديد من أولاد الأسر وغيرهم.

وإذا كان الحانقون على هذه الدعوة لم يتمكنوا من معاقبة أولاد الأسر والذوات والمتنفذين، فليلقنوا هذه الأسر الضعيفة درساً قاسياً، ليكونوا عبرة لمن اعتبر.

ويعود الرقيب إلى حلقة ابي جهل، وهو يهتز ويرعد، لقد هاله ما رأى.. وبين الغضب والحنق يقول: لا واللات والعزى لا يكون هذا، كفى سخرية وهزءاً.. عائلة دخيلة على مكة أحسنت وفادتها بنو مخزوم، وعاشت على فتات موائدها، تخرج علينا، فتقابل بالإساءة.. يا ويل لهم من غضبنا!.

وغامت الدنيا في عين ابي جهل، وهو يسمع حديث صاحبه ويضرب كفاً بكف، ويصك على أسنانه حقداً وغيظاً، ويصرخ


كالوحوش: هذا ما كسبناه من ابي حذيفة.. لا كان ذلك ابداً.. سوف أقتلهم جميعاً، وأطفئ بهم غضبنا.

ويخطو عمرو بن هشام خطوات، حتى صادف ابا حذيفة مقبلاً عليه، ولم يكن بركان حقده قد خمد بعد، وقبل ان يبادره بالكلام، صرخ في وجهه ابو جهل:

- يا ابا حذيفة، لا نحتمل منك هذه الإهانة، رد صاحبك اليماني عن كيده، وإلا رددناه بسيوفنا، وأنت تعلم انها مسلولة في وجه أعدائنا.

وغارت عينا ابي حذيفة من الغضب، ولم يتحمل من هذا الطائش ثورته، فامتشق حسامه، وكاد يهجم عليه، وهو يقول له: أتهددني بالقتل؟ سوف لن يكون جوابي لك إلا السيف إن عدت لمثلها.

وانسحب ابو جهل وهو يتلعثم في المشي، وتأزم الجو بسبب هذه الحادثة، مما اضطر المشركين ان يعقدوا اجتماعاً عاجلاً يضم رجالات قريش، وزعماء القبائل المناوئة للدعوة الجديدة وقرروا: ان كل من تصبو نفسه لدعوة محمد ويساعدها وينخرط فيها، يستحق التعذيب والتأديب، وإذا تمادى فجزاؤه القتل ودمه هدر بين القبائل.

وما كاد الاجتماع ينتهي حتى نهض ابو جهل الى مضارب آل ياسر، يسومها الأذى والعذاب.. ولم ينتهِ عمر تلك الليلة حتى


كانت هذه الأسرة كلها في قبضة الجلاوزة الغلاظ من قريش وممن أعمت بصائرهم الدعوة الاسلامية، كمداً وحنقاً.

وسرى الخبر في الحلقات ان ابا جهل ألقى القبض على هذه الأسرة، وتقاطرت الناس على حي بني مخزوم ليشهدوا حساب ياسر وأهل بيته.

وخيّمت فترة صمت مزقتها أصوات مقبلة، فاتجهت الأنظار اليها. كان بعض أفرادها مقيَّدين بالحديد، تنهال عليهم السياط وسط مجموعة من الأشداء يتقدمهم رجل بني مخزوم: ابو جهل.

وكان من بينهم رجل قد تخطى عتبة الكهولة، هدمته الأيام وخلفه امرأة لا تختلف عنه بالسن كثيراً، وإن كان الضعف والهزال قد ألمَّ بها أكثر من زوجها، وفتى يافع في ريعان الفتوة ونضارة الشباب يسير من ورائهما.

أقبلت هذه الأسرة وقد بان عليها الجهد، الحديد أثقلها والعذاب أتعبها، خلفها عدد من الجلاوزة، بأيديهم الحراب والسياط، يطبعون بها أسراهم كلما تراخوا في السير، والعصي تلقف أجسادهم، كلما لذ لهم أن يتضوروا، والحجارة تنهال عليهم من الأطفال والنساء كلما أقبلوا على جماعة.

وتقف الأسرة الصامدة أمام حشد من طواغيت قريش وهالهم ان كل هذا العذاب والتعذيب لم يؤثر في معنوياتهم.


وكان أبو سفيان من تلك الشلة التي قدمت لتشهد تعذيب هذه الأسرة، وقد امتقع لونه، وجثمت على وجهه عتمة شوهت سحنته، وهو يطحن بأضراسه الكلمات التي يتفوه بها.

ايه يا حليف مخزوم، هل صبوت إلى سحر محمد؟

وبقلب ثابت لم يزعزعه العذاب، ولم يهدّه التنكيل يتهادى الرد عليه من هذا الرجل المثقل بالحديد، كأنه السهم يقطع أوصاله دون ما رحمة.

- لا تقل يا أبا سفيان - سحر محمد - بل نوَّر اللّه قلبي بدين محمد، وهداني بهديه إلى صراطه القويم.

وضج القوم، وطارت عيونهم من الهلع، وانفتحت أفواههم تعجباً، وخفقت قلوبهم رعباً، ماذا يقول هذا الرجل الدخيل على ديارهم. إن جوابه لا يطاق، ويهتز أبو جهل، ويرتعد بحيث لا يسيطر على السوط الذي بيده من شدة الغضب، ويحاول أن يهجم عليه فيقطعه بأسنانه، فيمسكه أُمية بن خلف، ولم يكن هو بأقل من أبي جهل غضباً وحنقاً، ولكنه يتظاهر بالهدوء والسكينة ويخاطب ياسراً:

اما كفاك أن تصبو أنت لسحر محمد، حتى أخذت معك هذه المرأة وهذا الفتى تقربهم من نبيك، وتعلمهم على دينه وتنفث فيهم من سحره وتتجاهرون بالخروج على آلهتنا..


وكأن الأسرة كانت على موعد لجواب موحد، فقد ردوا عليه مرة واحدة غير هيابة للنتائج والعواقب المترتبة عليه:

- صه يا حقير، لا تتهم رسول اللّه بالشعوذة والسحر، انه لم ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه ربه شديد القوى، ولقد هدى قلوبنا بكتابه، وأنقذنا من عمى الجهالة بنور دينه..

وعلا الضجيج من جديد، وجن جنون الطغمة الفاسدة وانهالت السياط والحراب على أجسادهم دون شفقة.

وبكل إيمان يلتفت ياسر إلى أهل بيته يصبرهم، ويشد من معنوياتهم، قوّى الإيمان عزيمتهم، وشدَّت العقيدة أطرافهم. وتتلاقى العيون بعضها ببعض، فتبتسم الشفاه ابتسامة الرضا والقبول، كل ذلك في سبيل اللّه، وكل ما كان في سبيله فهو بسيط ومقبول، وهذا ما بشرهم به نبيهم محمد.

وكلما تجسدت الصلابة في هذه الاسرة، ازداد ابو جهل وجلاوزته حدة في عذابهم، وعنفاً وقسوة في معاملتهم.

ويقول لقومه - في مجلس سمرهم -: شد ما يعذبني من ياسر وأهل بيته صمودهم وصبرهم، نذيقهم انواع العذاب فلا يتضورون ونصبُّ عليهم غضبنا فلا يبكون.. لقد تاقت نفسي ان أسمع بكاءهم، أو اشاهد تضورهم، فأشفي بذلك غليلي.


ثم يلتفت زعيم بني مخزوم إلى احد أعوانه يأمره ان يأتي بالأسرى لتنعم عيونهم ساعة بتعذيبهم.

ولم يمر وقت حتى كانت الاسرة أمامهم، فطرحوهم في الرمضاء اشبه بالعراة، وبدأت مكاوي النار تصهر أجسادهم وتخمش جروحهم، والسياط تتلوّى على أجسادهم المنهوكة فتحيلها إلى خطوط زرقاء، وتنهال الحراب بكل قسوتها تمزق ظهورهم، ولم تنبس شفاههم بكلمة، وعيونهم نحو السماء شاخصة.

ورغم كل هذه الأنواع التي يلقاها آل ياسر من هذه الطغمة كانت في الوقت نفسه تتعملق فيهم روح الإيمان، وتضرى في أعماقهم الصلابة والصمود، بحيث تصبح صلدة تمزق ظلم المشركين وتتحدى طغيانهم.

ويقف الرسول الأعظم على حال هذه الاسرة، ويحز في نفسه ما يعانيه ياسر وأهل بيته من طغمة الأشرار، ويرفع طرفه إلى السماء ويدعو اللّه من أعماقه: «اللهم اشدد على آل ياسر بالصبر. إن موعدكم الجنة»... فتشرق الوجوه المعذبة، وتهلهل العيون المرهقة، إن لدعاء الرسول أثره العظيم في تقوية معنويات هؤلاء الأسرى.. فلقد خفف عنهم هول العذاب، وأزاح عنهم كابوس الألم والوحشة.

وماتت سمية من التعذيب أمام ياسر وعمار، وهي تلهج بذكر


اللّه، ولم يزعزع هذا المنظر موقف الأسيرين.. بالعكس، إنما ازدادا إيماناً وصلابة.

وفي ليلة ثقيلة الظل هومت عين ياسر، ثم انتفض، وهو يبتسم، ويزحف لولده المتظاهر بالنوم.

ويلتفت اليه عمار، فيهمس بصوت أتعبه الألم: ماذا بك يا أبتاه؟ ويطبع على شفتيه الذابلتين بسمة مضيئة، كأنها فرحة العطر، وصحوة الورد.

وبين الفرحة والثناء تنساب الكلمات من فم الأب المضرج بالدماء: يا عمار، رأيت حلماً ما أجمله. كأن هذه الصحراء روضة غنّاء، في وسطها امك تلف خمارها على رأسها تبتسم لي وتقول: إننا بانتظارك يا أبا عمار!!

وقطع عليهما الحديث شبح يقترب منهما.. مَن هذا القادم في سكون هذا الليل؟ ولم يتمكنا ان يميزا الصورة لتجمد الدم على عيونهما.

ودوت ضحكة مزقت سكون المساء، عرفا منها صوت ابي جهل الوحش، فتعوّذا باللّه من شره.

ووصل اليهما، وهو يتخابث، ويراوغ: لعلّي روعتكما وأقلقت عليكما نومكما، أحسب انكما كنتما في نجوة.


- لا يا ابا جهل، لم تذقْ عيوننا طعم النوم.

- لقد علمت بأنكما عدتما إلى رشدكما، ونبذتما سحر محمد ودينه.

وتلوّى ياسر، وكأنه أُصيب بعمود على رأسه، وصرخ - وإن كانت صرخته لم تبلغ مسامع الظالم إلا بمشقة -:

- يا ابا عكرمة، والذي نفسي بيده لن اترك دين محمد مهما أوغلتم بتعذيبي وقاسيت منكم ما قاسيت، وسوف أحاسبكم بين يدي جبار السماوات والأرضين، وأقتص منك - يا لكع الرجال يا وغد، يا جبان - ساعة الحساب.

وهاج ابو جهل، وهو يسمع من هذا الأسير ما لا يرضاه وجنَّ جنونه، فهجم عليه، لا يدري كيف يهدم سكون الليل على هذا الرجل المتطاول العنيد. ولم تشرق شمس ذلك اليوم حتى كلَّت يد السفاك الأثيم مما أنزله من عقاب على هذين الجسدين. وعاد إلى بيته، وهو يعض على شفتيه تأثراً.. لقد كلَّت يداه ولم يشبع نفسه من تعذيب ياسر وولده. له كرّة اخرى، في ظهيرة اليوم.

ولم يكد يفرغ ابو جهل من عملية التعذيب، حتى يشعر ياسر بأن شيئاً غير طبيعي يجثم على صدره، ويأخذ عليه مسارب أنفاسه، فيجهد نفسه للتحدث مع ولده، فتخرج الكلمات مجهدة


مقطعة، وتغور عيناه، وتذبل شفتاه، ويجف ريقه. إنها حتماً ساعة الخلاص.

في نفس ياسر ان يوصي ولده عماراً. ويزحف، ولكن المحاولة تفشل فقد ثقل جسمه، ولم يعد يمكنه الحراك.

وعمار ليس ببعيد عن حال أبيه، إنه يرقب كل هذه الطوارئ عليه، ويزحف اليه، وصدى الحديد في جسم الابن يناغي حشرجات الأب المسجى، وفي عينيه دمعتان تجولان: دمعة فرح، ودمعة حزن.

فراق أبيه عزيز عليه، لم يمض على فراق أمه إلا أيام معدودة وهذا الموكب الثاني يلحق به، ما أقسى القدر.

والشهادة في سبيل الحق فخر كبير، أُمه أول شهيدة في الإسلام، وأبوه ثاني شهيد من الرجال.

وبين حشرجات الموت، وومضات السعادة تنبعث الكلمات من الفم الطاهر:

عمار: لا تمل عن دين محمد، واقرأ رسول اللّه عني السلام وليدعُ لي، ولأمك بالرحمة..

وينطفئ السراج، وتنتهي المناجاة بين الأب والإبن، ويشاهد الجلاد هذا المنظر فيطير منتشياً فرحاً، ويهرول لأصحابه، وهم في حلقة السمر يخبرهم عن نهاية ياسر.


وتعلو القوم سحابة دكناء، وينتفض أبو حذيفة وقد هزَّه المصاب، ويصيح في وجه الطاغي: حسبك يا أبا عكرمة من القتل، كفاك ما أصاب سمية وياسراً، وإياك أن تعمل بعمار ما عملت، عذاب دون الموت.

وفي دار الأرقم ينتشر النبأ، ورسول اللّه قد ألمَّ به التأثر وهو يردد: «صبراً يا آل ياسر، إن موعدكم الجنة، اللهم احفظ عماراً من شر الطغمة الحاقدة، وأخذ بثأره».



سَلمان الفَارسي


وأقبل الشيخ أبو معاذ في ليلته مشرق الوجه، واستقبل مستمعيه برحابة وتكريم وانعقد المجلس، وكل من الحاضرين في شوق لحديثه.. وقال:

إن سلمان الفارسي - يا قوم - ما سجد لمطلع الشمس - كما يفعل المجوس وإنما كان يسجد للّه عز وجل، وكان أبواه يظنان أنه يسجد كهيئتهم.. وممن ضرب في الأرض يطلب الحجة، فلم يزل يتنقل من بلد إلى آخر، ومن كنيسة إلى مثلها، ويبحث عن الأسرار، ويستطلع الأخبار، ينتظر أن يحظى بالنبي الذي أخبر عنه فهو ضالته، وأخيراً عثر على ما يريد، وأتم حياته كأحسن مسلم تفهماً للدين، وتفانياً في سبيله.

لقد كان سلمان في السابق من أهل أصبهان، وأبوه دهقان قريته، يحبه بشكل يعجز عنه الوصف، ومن جراء هذا كان يخشى عليه، فيحبسه في بيته تماماً، كما يفعل بالجواري.. وكان أهله مجوساً يعبدون الشمس، ويوقدون لها النار، وصادف أن


مر سلمان على كنيسة فدخل بها، ولمح أهلها يصلون، ويتضرعون إلى اللّه، فأعجب بهذا اللون من العبارة، وفضلها على طريقة أهله، لأنه في أعماقه لم يؤمن بالصلاة للشمس..

وكانت هذه الانطلاقة منه - في التحقيق عن الدين - قد جرّته لأن يجول في البلدان، يطلب دين اللّه، فقيل له بالشام فقصدها، وعاش في كنيستها برهة من الزمن ثم انتقل إلى الموصل يخدم ويتعبد في كنيستها، ومنها إلى نصيبين، وأخيراً قيل له: إن في كنيسة عمورية من بلاد الروم رجلاً صالحاً يدله علي الحقيقة فشدّ اليه الرحال وبقي ملازماً لكاهنها مدة طويلة، يتلمس فيه الإيمان، والطيب، والوفاء ولما دنت من الرجل الوفاة - وكان يحفظ لسلمان اخلاصه - دنا منه، وطلب أن يرشده على الحقيقة وإلى أين ينتقل من بعده؟ - وبين لحظات الموت والحياة - قال الكاهن: أي بني، والله ما أعلم أنه بقي أحد يستحق أن آمرك بالذهاب له، ولكن سيبعث نبي في هذا الزمان، يأتي بدين إبراهيم عليه السلام، يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين(١) بينهما نخل، به علامات لا تخفى: يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة وبين كتفيه خاتم النبوة.. فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل.. وانقطع نفس الكاهن، وذبل النور في عينيه.

وهز الحديث سلماناً، وأخذ منه مآخذاً، وبقي ينتظر اللحظة

___________________________

(١) الحرة: كل أرض ذات حجارة سوداء.


التي تساعده على السفر إلى تلك الديار ساعة بعد ساعة، يتحين الفرصة، ويتطلب القافلة.

وانتشر الخبر في عمورية أن قافلة من العرب تعمل بالتجارة وصلت البلد وهرع اليها سلمان يتعرف على حالها.. إنها من قبيلة (كلب) احدى قبائل العرب ومرت أيام ولملمت القافلة أمرها وأعلنت عن سفرها، فاتفق معها على أن يعطيها كل ما يملك من بقرات، وأغنام، مقابل وصوله إلى (مكة). وتم الاتفاق وسافرت القافلة تطوي القفار، ولم تبلغ أطراف مكة، حتى عمد أصحاب القافلة عليه، وأسروه، وباعوه الى يهودي، فأخذه الى قريته يخدمه..

ومرَّ على سلمان عهد في خدمة هذا اليهودي، ولكنه لم يقطع الأمل في نفسه، فقد رأى القرية يكثر فيها النخل، فرجا أن تكون هو المكان الذي يطلبه من وصف الكاهن وبينما هو عند صاحبه إذ أقبل ابن عم له من بني قريظة يسكن المدينة فأعجب به فابتاعه واحتمله اليها.. وسرَّ سلمان بهذا العمل، وكتم في نفسه فرحة عظيمة، عندما عرف المدينة، وانها التي وصفها له صاحبه، والمكان الذي سيلتقي فيه بالنبي.

وكانت الأيام تدور في مسيرتها، لكنها ثقيلة الظل على هذا المتلهف لمعرفة الحقيقة.. وفي صباح ترهق الشمس ساعاته، أخذ سلمان عدته، وذهب لإصلاح بعض النخيل، وجاء صاحبه


واستقر تحتها، وهو يرقب عمله، وأقبل عليه أحد أقربائه وجلس الى جنبه، وأخذ يحدثه، وهو لا يعلم ان هذا الحديث يهم سلمان قبل كل أحد، قال اليهودي لقريبه: قاتل اللّه «بني قيلة»، إنهم الآن مجتمعون بقباء(١) على رجل قدم عليهم من مكة اليوم، يزعمون انه نبي..

وتهادى النبأ الى أسماع سلمان، فتأخذه الرعدة، ويكاد يسقط من أعلى النخلة، ويشدّ على نفسه من الانزلاق، وينزل وهو مضطرب، ويهرع الرجل فيلح عليه بالأسئلة، يستطلع منه جلية الخبر، فيغضب صاحبه منه، ويلكمه لكمة قوية يكاد يسقط من شدتها، فيتمالك، ويصمت، ويبقى واقفاً أمامه فيصرخ في وجهه مالكه: إذهب الى عملك، ما لك والدخول في مثل هذا الحديث.

ويطوي سلمان أسئلته وشوقه، ويتجه لعمله، فيتشاغل به ريثما ينفذ أمراً كان قد قرره لحظة تصميمه على إجلاء الحقيقة.

وأقبل المساء، وانتشر الظلام في المدينة، وحمل سلمان أكلاً معه، وتسلل الى رسول اللّه في قباء.. ودخل عليه، وتطلع فيه ثم قال له: بلغني انك رجل صالح، ومعك أصحاب غرباء

________________________________

(١) قباء: قرية على ميلين من المدينة.


وهذه صدقة عندي، أنتم أحق بها من غيركم، ويقدمها للرسول فيقبلها منه ويدعو أصحابه لأكلها، ويمتنع هو عن الأكل.

ويقول سلمان في نفسه، ان هذه إحدى العلامات،فقد أخبره صاحبه الكاهن انه لا يأكل الصدقة.. وينصرف ويعود بعد ليال، ومعه حاجات اخرى، ويدخل على النبي، ويقول له: هذه هدية أرجو قبولها، فيأخذها، ويشكره على ذلك.. وتطفو على سلمان إشراقة الفرحة، انها العلامة الثانية، لا يقبل الصدقة، ويأخذ الهدية.

ولم يدر سلمان كيف تنقضي الأيام انه يحسبها دقائق وثواني لكي تسنح له الفرصة، وتشاء الصدف ان تواتيه، فيتبع النبي ببقيع الغرقد - وهي مقبرة المدينة - ويدخل عليه، ولم يستقر به المكان حتى يستدير بنظره الى خلف الرسول، فيلتفت ماذا يريد، ويلقي الرداء عن متنه، ويظهر خاتم النبوة. فشهق سلمان، وسقط على كفي النبي يقبلهما، ويبكي فرحاً، وقص عليه قصته..

وبقي ملازماً له، يتفانى في إخلاصه، وإن كان لم يخرج معه لمعركة بدر واحد، لأنه رقّ، ثم لم يمكث ان قال له الرسول كاتب صاحبك، واتفق معه على تحريره من العبودية، وطلب منه صاحبه أن يغرس له ثلاثمائة نخلة، وهذا المطلب كبيراً بالنسبة لسلمان الذي لا يملك قيمة هذا النخل ليؤديها له، وعرف الرسول


ذلك، فالتفت الى أصحابه طالباً منهم أن يعينوا أخاهم سلمان على فكاك رقبته، فجمع له المقدار المطلوب، وشريت النخيل وغرست، وأصبح حراً بعدها.

ولازم سلمان النبي في المدينة، وآخى بينه وبين أبي الدرداء وكان بعد ذلك إذا نزل الشام حلّ عند أبي الدرداء.

وأطلَّت السنة الخامسة، وقد مرَّ على «أُحد» سنتان واقتضت مصلحة الرسول أن يُجلي بني النضير الى خيبر لنقضهم العهد. ولم يهن ذلك عليهم، وبيَّتوا على النبي أمراً خطيراً فقد عمدوا الى القبائل من قريش وغيرها يحرضونها على قتال محمد.. وصادف ذلك قبولاً في نفوس قريش وغيرها.. فلم تكن ثارات بدر قد أخمدتها أُحد، ولم تكن أُحد نصراً ضد النبي لتخمد أحقاد الجاهلية.

وإذا كانت المعركتان «بدر وأُحد» قد أدارتها قريش ومن تبعها من أعوانها، فان في هذه المرة قد شدَّت سواعدها اليهود، وصارت تثير اللهب وتجمع الناس، ولم يمر زمان حتى صار عدد الجيش المحارب يقدر بعشرة آلاف يقودهم (ابو سفيان).

ولم تكن قريش، وغطفان، وجيوش اليهود، إلا حركة موحدة تجمعت من هنا وهناك لترفع راية القتال على رسول اللّه وتهدم الدعوة الجديدة في مهدها وقد وصلت أخبارها الى مسامع


المسلمين، فدبَّ فيهم الذعر والرهبة، وخاصة في النفوس الضعيفة، مما اضطر النبي أن يجمع أهل الرأي من أصحابه ليتشاور معهم في الرأي.

كان سلمان أحد اولئك الأشخاص الذين جمعهم الرسول للمشورة والرأي، وطال الحديث في ذلك، وسلمان ساكت لم يتكلم، فيلتفت اليه النبي قائلاً:

- ولماذا لم تتكلم يا سلمان؟

- يا رسول اللّه: أفكر في أمر يمنع الأعداء من الوصول الينا.

- وكيف ذلك؟.

- يا رسول اللّه: نحفر خندقاً حول المدينة، فلا يستطيع العدو الوصول اليها.

- وكم تقدر المدة التي تستغرق لحفر هذا الخندق؟

- لا يزيد على الأسبوع.. ومسير الجيش بهذا العدد الذي نسمعه يحتاج إلى مسير عشرة أيام يقطعها بين مكة والمدينة. هذا إذا لم يصادف تأخر الركب، أو بعض القبائل، فيتأخر مسير الجيش يوماً أو أكثر عن موعده.

واستصوب الجميع رأي سلمان.. وأمر النبي بالعمل.. ولم يبق أحد من المسلمين إلا واشترك في الحفر.

وكانت المدينة حينذاك مشبكة بالبنيان والنخيل من سائر


جوانبها إلا جانباً واحداً مفتوحاً، وهو الذي حفر فيه الخندق وما ان تم حتى خرج النبي بعسكره، وهو لا يتجاوز الثلاثة آلاف، وتمركز في سفح جبل المدينة وصار الخندق بينه وبين القوم.

وعندما وقف على الخندق أبو سفيان ومعه عدد من أصحابه قال: إن هذه المكيدة ما كانت العرب تكيدها من قبل، وهي من عمل الفارسي - ويعني به سلمان - .

ثم سكت قليلاً الشيخ أبو معاذ، وقد ندت عنه آهة كادت تمزق هدوء الليل.. وقال:

لقد ابتلى محمد باليهود.. وان خطرهم كان أشد عليه من خطر قريش وأتباعها وما كانت القبائل اليهودية تهدأ من نسج المؤامرات واثارة الحروب على المسلمين فالدعوة الإسلامية كانت في مرحلة خطر من كيد اليهود، ولولا لطف اللّه لكان ما كان.. فلقد كانت القبائل اليهودية - حينذاك - ثلاثة، وقد دخلت مع النبي في عهد، وهي: بنو قينقاع، وبنو النضير، وقريظة.. وكانت المدينة تضم من المسلمين: المهاجرين، والأنصار، وبها من المشركين من الأوس والخزرج ممن لم يسلم، ومن اليهود بنو قينقاع في داخلها، وبنو قريظة في فدك، وبنو النضير على مقربة منها، ويهود خيبر في شمالها..

وظن اليهود أول هجرة الرسول إلى المدينة انهم يستطيعون


التحالف مع الإسلام على النصرانية، والتي كانوا يضمرون لها حقداً دفيناً، فلما لم يستطيعوا ذلك جهروا بعدائهم للإسلام ونقضوا عهودهم، وانتهى عندما احتدم الصراع بجلاء يهود بني النضير عن المدينة في السنة الرابعة من الهجرة. وكان بنو قينقاع قد نقضوا العهد أيضاً، ولم يبق إلا بنو قريظة. ثم عندما تألبت الأحزاب على رسول اللّه في السنة الخامسة، وقاد أبو سفيان جيشاً لحرب محمد كان يهتم لاستمالة بني قريظة له، طالما وأن قبيلتين من اليهود انضمت إلي الجيش المحارب.

وفكر أبو سفيان بادئ الأمر بمن يقوم بهذه المهمة، فلم يرَ أليق من يحيى بن أخطب فهو رجل معروف بالدس والدهاء والمكر. وفعلاً توجه الرجل إلى كعب بن أسيد - زعيم بني قريظة - ولم يعد لأبي سفيان، حتى حمل معه رضاه بنقض العهد.

وعرف المسلمون الخبر، فعظم الأمر عليهم، واشتد فيهم الخوف والهلع، وأمعن الغزاة بالحصار على المدينة حتى وصل قرابة الشهر، مما أثر على معنوية قسم من المسلمين ودب الجزع في نفوس المنافقين، والضعفاء من المسلمين، ويقول أحدهم:

كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب لحاجته..

وآخر يستأذن الرسول بالسماح له ليذهب فيحفظ بيته، إذ يقول:


- يا رسول اللّه، إن بيوتنا عورة من العدو، فأذن لنا ان نخرج فنرجع الى دورنا فليس فيها من يحرسها.

وعلى هذا اللون بدأ الانجراد النفسي يتحكم في نفوس البعض مما اضطر النبي ان يراسل قبيلة غطفان - وهي القوة الرئيسية الثانية، العربية، والتي تقابل قريشاً - على اتفاق ومصالحة يتم بينهما فيعطيهم ثلث ثمار المدينة مقابل عودتهم بدون حرب فوافقوا مبدئياً على الأمر، وقبل ان يبرم العهد أرسل النبي الى سيدي الأوس والخزرج: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة يعرض عليهما فكرة الاتفاق، ويأخذ رأيهما في ذلك..

وأجاب الزعيمان، بما يعبر عن واقع الإنسان المسلم الذي يعيش قضيته في أحرج ظروفها: يا رسول اللّه، أمراً تحبه فتصنعه، أم شيئاً أمرك اللّه به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟.

ويقول الرسول: «بل شيء أصنعه لكم.. واللّه ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، وكالبوكم (أي اشتدوا عليكم) من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم الى أمر ما».

فقال له سعد بن معاذ: يا رسول اللّه، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك باللّه وعبادة الأوثان، لا نعبد اللّه، ولا نعرفه


وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى ( ما يصنع للضيف من الطعام)، او بيعاً. أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام، وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! واللّه ما لنا بهذا من حاجة واللّه لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم.

قال رسول اللّه: فأنتم وذاك..

هذان الموقفان المتناقضان لدى أصحاب الرسول كانا يتعاظمان يوماً بعد يوم.. فالذين آمنوا وأخلصوا لدينهم - كما رأينا من حديث شيخي الأوس والخزرج - لم يهمهم إن طال الحصار أو قصر، وكثر عدد المحاربين أو قل، وهم يؤكدون لنبيهم وقوفهم الى جانبه مهما ضاقت السبل وتطورت الأحوال، ولم يمدوا للعدو يداً ذليلة.. أما الذين دخلوا الإسلام كرهاً ومصلحة، أخذوا يتذرعون بشتى الطرق للهرب من القتال..

مرّت حالة لا حرب ولا سلم على الطرفين طويلاً. المدة تصل قرابة الشهر، ولم يكن بينهما غير الحصار والترامي بالنبل والحصى، مما أثار الجزع في نفوس الطرفين، وخاصة لدى المشركين، فإن أبا سفيان أخذ يخشى هبوب العاصفة، وتفرق القبائل من حوله، فالسأم والضجر بدا على جيشه.. أما المسلمون، فإنهم وإن ضاقوا ذرعاً بالحصار لكنهم على مقربة من عوائلهم وبيوتهم، وهذا ما يساعد على التمنع والصمود..

وصمم ابو سفيان على التحرك ضد المسلمين، فحرّض عدداً


من فرسان قريش، على الاصطدام المباشر بالمسلمين، واختار لهذه الغاية: عمرو بن عبد ود بطل بني عامر - وهو من مشاهير العرب - وعكرمة بن ابي جهل، وهبيرة بن ابي وهب بطلي بني مخزوم، وضرار بن الخطاب، أخا بني محارب، وأمثالهم ممن لهم دويّ وسمعة، ودفع هؤلاء ان يمروا على خيام أصحابهم ليدفعوهم على الاستعداد للقتال.. ثم أقبلوا تسرع بهم خيولهم وجالوا حول الخندق، حتى تلمسوا فيه ثغرة فاقتحموا..

وكانت هذه المبادرة قد أرعبت المسلمين. ووقف عمرو بن عبد ود وحوله جماعته يصرخ في المسلمين: هل من مبارز؟

وقف قبالته عدد من المسلمين، ولكن الوجوم خيم عليهم فلم يجبه أحد، وقام علي يطلب من النبي أن يأذن له في مبارزته فيمنعه، وكرر عمرو النداء ثلاثاً، وصار يقول: أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها أفلا يبرز إلي رجل؟.

فأذن النبي إلى علي ليخرج له، وما ان برز اليه، وعينه الكريمة مشدودة إلى ابن عمه، وهو يقول: «برز الإيمان كله إلى الشرك كله».

وتقابل البطلان، علي بن أبي طالب بكل بساطته، يقف في وسط الميدان، وعمرو بن عبد ود لم يترك شيئاً من لباس الحرب إلا وارتداه، وبرز كأنه جبل معلم.


وبادر بطل المشركين علياً بالسؤال: مَن المبارز؟

- فتى عبد مناف علي بن أبي طالب.

ويهز الفارس المغوار ويرد بصوته الأجش: ولم يا ابن أخي تقتل نفسك ألم يكن لابن عمك غيرك يخرجه لمبارزتي، فواللّه ما أحب أن تكون طعمه لسيفي.

وبكل بطولة وإصرار يقول علي: ولكني واللّه أحب أن أقتلك.

ويشتد الغضب بعمرو، ويهم بالانقضاض على (فتى أبي طالب) فتصدى له أبو الحسن قائلا: يا عمرو إنك كنت تقول لا يدعوني أحد إلى واحدة من ثلاث إلا أخذت واحدة منها.. قال عمرو: أجل. قال علي: فإني أدعوك إلى الإسلام، قال عمرو: لا أريد هذا، فقال علي: أو ترجع إلى بلادك فإن يك محمد صادقاً كنت أسعد الناس به، وإن يك كاذباً كان الذي تريد، قال عمرو: لا اريد هذا أيضاً، فما هي الثالثة؟ قال علي: أدعوك الى النزال راجلاً، فأنت فارس وأنا راجل.. فما كان من عمرو إلا أن عقر فرسه، وضرب وجهه، وأقبل عليه شاهراً سيفه وتقابلا في صراع حامي الوطيس..

وعلى مقربة من المعركة تقف كتلتان: من جهة جماعة عمرو بن عبد ود، وهم ينتظرون انكشاف الغبار، ولا يشكون ان النصر لصاحبهم.. وقبالتهم وقف آخرون، فيهم الخلَّص من


أصحاب النبي يتوسطهم سلمان، وأبصارهم شاخصة الى ميدان المعركة، وكلمة الرسول الخالدة ترنُّ في آذانهم، وتملأ آفاقهم «برز الإيمان كله إلى الشرك كله»..

وانكشفت المعركة، وإذا بعلي فوق صدر عمرو يحز رأسه.. روّع المنظر الطرفين ولم يتمالك عكرمة بن ابي جهل إلا أن ألقى رمحه وهرب خائفاً، وتبعه بقيه أصحابه. وكان لهذا الموقف الخاسر أثره الكبير في تضعضع معنويات المهاجمين، وتحطم قوتهم ودب الذعر والخوف مما اضطر أن يفكر أبو سفيان - خوفاً من فرار أصحابه - في المبادرة بالتراجع، أو القتال، فأرسل إلى بني قريظة يقول لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر (الإبل والخيل) فاغدوا للقتال، حتى نناجز محمداً ونفرغ ما بيننا وبينه.. ولكن بني قريظة لم ترغب في إثارة الحرب، بعد أن تحسست تضعضع الجيش المحارب. ولما شعر أبو سفيان بذلك وقف وسط جيشه قائلاً: يا معشر قريش إنكم واللّه ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، لا يطمئن منها قدر، ولا تقوم لنا نار، فارتحلوا فإني مرتحل.. ثم قام إلى جمله، وهو معقول، فجلس عليه، وضربه فوثب به على ثلاث، فواللّه ما أطلق عقاله إلا وهو قائم.

ولم يكد يبصر به الجيش الغازي حتى تفكك، وأخذ كل


يركب دابته ويعود، ولا يلتفت لصاحبه، ولم يمس المساء حتى بدت الصحراء خالية منهم..

وعاد رسول اللّه وأصحابه إلي المدينة، ويلتفت بعض الصحابة لسلمان قائلاً: جزاك اللّه خيراً يا سلمان، لقد حفظت المدينة وجيشنا بالخندق.

وتنازع المهاجرون والأنصار، كل يقول سلمان منا، شخصية فذة (بحر لا ينزف) كما قال عنه علي بن أبي طالب.. لكن الرسول الأعظم ينهي النزاع عن هذا الأمر فيقول:

«لا تقولوا سلمان الفارسي، بل سلمان المحمدي.. وهو منا أهل البيت».

وسام رفيع يناله سلمان من رسول اللّه، ذلك يقول عنه النبي مرة:

«أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه سبحانه يحبهم: علي، وأبو ذر، وسلمان والمقداد».

ويقول النبي: «لو كان الدين في الثريا لناله سلمان».

واستمرت هذه الشخصية الكريمة في ظل رسولها العظيم تستمد من أخلاقه، ما يرفع مجدها، وتعبّ من غيرها بما يبني شخصيتها الإسلامية على أساس متين وصارت لها مكانة في قلب النبي يغبطها عليها الكثير من الصحابة.. تقول عائشة: «كان


لسلمان مجلس من رسول اللّه يتفرد به بالليل، حتى كاد يغلبنا على رسول اللّه».

لقد دخل عليه قوم، وهو أمير على المدائن، وكان يعمل الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا، وأنت أمير يجري عليك رزق يبلغ خمسة آلاف دينار، فتتصدق به، فقال: إني أحب أن آكل من عمل يدي..

ثم توقف الشيخ أبو معاذ قليلاً، وكفكف دمعة حزن، واستأنف حديثه قائلاً:

رحمك اللّه يا أبا عبد اللّه، فقد قيل له مرة ابن من أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام من بني آدم: كان قوياً في إسلامه، صامداً لعقيدته، مخلصاً لنبيه وآله، وكان واقعياً زهد في الدنيا، يعمل الخوص، ويبيعه فيأكله، ويفترش عباءته لينام، ويباهي بأخلاقه.

وفي العقد الرابع من الهجرة يلبي نداء ربه. وخلف بعده ذكراً خالداً ما دام الزمان.



الحباب بن عبد اللّه بن أبي


وانتشر الظلام في سماء المدينة، وتوافد رواد مجلس الشيخ أبي معاذ الى مجلسهم كالعادة، وهم في شوق لما سيحدثهم في ليلتهم هذه.

وفي تلك اللحظات أقبل الرجل، يحييهم بأحسن السلام والبسمة الهادئة، وبعد استراحة قصيرة بدأ حديثه..

دعا داعي الاسلام في مكة المكرمة، واستقبل الناس - خصوصاً في الجزيرة العربية - هذه الدعوة بكثير من التعصب فقد شقَّ عليهم أن يدعو صبي يتيم لنظام يطيح بكيان آلهتم وينفي جميع مبررات وجودها، فكان من جراء ذلك أن بقي قسم كبير من هذه الزمرة معلنين الحرب الشعواء على المسلمين يسومونهم سوء العذاب، وينكلون بهم أشد التنكيل بدافع من روح عدائية حاقدة، ولاقى المسلمون المخلصون في إسلامهم كل الأذى من هذه الطغمة القاسية التي صهرتها دوافع الضغينة وقسوة المصير.


ولكن رغم هذه الصعوبات فالدعوة أخذت بالازدهار وأخذت الجموع تلتف حولها، تؤمن برسالة الاسلام تلك الرسالة التي جاءت لإنقاذ البشرية، مما اضطر البعض من تلك الشراذم أن يسلموا في ظاهرهم، وهم يكتمون في سرهم غير ما يعلنون.

ومن هؤلاء النفر الذين نافقوا في الدين، هو عبد اللّه بن أبيّ بن سلول الانصاري، ذلك الرجل الذي كان سيد الخزرج وكبيرها وشريفها- طبعاً في قاموس الجاهلية - وقد اجتمعت قبيلته على أن يكون زعيمهم ويسندوا اليه أمرهم، ويكون عليهم ملكاً - وذلك قبل بعثة الرسول الأعظم- .

وعندما صرح الرسول بالدعوة، والتف الناس حوله، تهدمت آمال عبد اللّه بن أبي، لقد كانت آمال هذا الرجل واسعة، فقد كان يأمل أن ينال ملك (يثرب) بعد أن دانت له قبيلته وأمرته عليها.

والخزرج: قبيلة يعتد بها، فاذا ما دانت له، واقتنعت بإمرته فلا بد أن يخضع له مما حولها كرهاً أو رضا.

ويشرق نور الاسلام، وتزحف الخزرج الى رسول اللّه، تمد يدها مسلمة لدعوة الحق، ويحسن إسلامها، ويتفرق العدد المرصود من حول هذا الرجل الطامع، فلم يبق له إلا أنفار يستنشق بواسطتهم ريح ملكه المنهار، وسطوته المتداعية على


عتبة الاسلام، ويضطر أن يمد يده طائعاً ضامراً الكره الى محمد صلى الله عليه وآله، يبايعه على الاسلام، ولكنه يكتم في قلبه أكثر من موجدة على (فتى هاشم) ودعوته، ولا بد أن ينتقم لمجده السليب.

وعبد اللّه بن أبي - كما تقدم - شريف الخزرج، وكان معروفاً لدى الجميع، وكانوا يعلمون موقفه من الاسلام، لهذا لا نستغرب إذا رأينا داره تصبح بعد زمان قصير موئلاً للمنافقين، والحاقدين على الاسلام، يجتمعون فيها آناء الليل، وأطراف النهار يتهامسون في أمر الدعوة الجديدة، ووضع الحواجز والأشواك في طريقها.

وتجمعت أجهزة السوء يوماً تتداول أمرها وتستعرض الموقف وإذا بابن أبي يطلّ عليها. طلع عبد اللّه بن أبي على جماعته، وهو يأكله الحسد، ويجلجله النفاق، يطوى نفسه على صرخة مكبوتة ولوعة كامنة في أعماقه، ويتحرق ألماً وغيظاً، ويعود الى داره ملتاع الجانب فتستقبله زمرته تخفف منه المأساة.

- أهلاً بأبي الحباب، ماذا وراءك؟

وُيحتقن وجه الرجل، فتغور نظراته، ويتصبب عرقاً وتعلوه صفرة، ويجاهد كتمان صرخة تحاول ان تنطلق من بين أسنانه فيشد عليها بقوة.

وزمرته تلحظ عليه كل هذا، فتتهامس فيما بينها، وتبحث


عن السبب، ولكن محاولتهم تذهب سدى، ويلتفت اليه بعضهم يخاطبه:

- ما حلّ بك يا أبا الحباب؟

فيمتعض الرجل، ويزداد ضيقاً، ثم يلتفت اليهم، وصفرة وجهه قد مالت الى الكدرة:

- لا تدعوني بهذا الإسم بعد هذا، لقد هدم شموخي الحباب وخابت آمالي فيه، فلا أرغب به.

وتعلو على الوجه مسحة من تساؤل، لماذا يا ابن أبي؟

- لقد صبا الحباب لدين محمد، وخلص له، وأبدل اسمه بعبد اللّه.

أتريدون أن أعتز بهذا الولد بعد هذه المصيبة؟

وخرست الألسن، وكفوا عن الحديث.

وامتد الزمن، والولد يحظى بالعطف عند الرسول، ويزداد كرهاً لأبيه، الذي ما فتأ يحارب رسول اللّه، ويعلن المعصية عليه في كل مناسبة، وعجز الولد في محاولاته المتكررة لتوجيه والده إلى طريق الصواب، ولم يترك طريقة توصله إلى مرماه إلا وسلكها، ولكن مع الأسف كانت النتيجة الفراق مما اضطر الابن أن يهجر أباه، ويترك داره.

والأب متمادي في غيه لا يرتدع عن عقد الاجتماعات المشبوهة


- في داره، ضد الإسلام، ولم يرض لنفسه أن يخضع للحقيقة لحظة دون أن يثير المشاكل في طريق المسلمين.

وهاجر رسول اللّه من مكة إلى المدينة، وكان الحباب (عبد اللّه) من جملة الذين لازموا النبي في هجرته، فقد ثقل عليه موقف أبيه، فتركه ولزم نبيه، وكأنه لم يعرف هذا الأب المنكِر والمتنكر للاسلام مما زاد كره عبد اللّه لولده، وأخذ ينتظر الساعة التي يفرغ فيها حقده.

وتبقى في نفس كل من الأب والولد لوعة، ومرارة على الآخر. لقد عز على الولد الذي .سلم فأحسن إسلامه أن يكون أبوه من أشد الحاقدين على الإسلام، وأن يكون مصدراً للأذى والشغب، وسبباً قوياً في عذاب النبي. وكانت هذه الأزرار تثير في نفسه خواطر فتدفعه على الإقدام على قتله وإراحة الاسلام والمسلمين منه، غير أن رسول اللّه - وهو ممثل الانسانية - كان يخفف من برم الحباب إزاء والده، ويطلب منه أن يعامله بالحسنى، وأمر رسول اللّه مطاع ممتثل على كل حال، ويسكت المؤمن على مضض.

ويشرق الاسلام، ويبسط جناحيه على المدينة ويضطر الرجل الحاقد ان يمد يداً غير مخلصة لمحمد، فيسلم ظاهراً، ويعود بعدها لزمرته، فيقول لبعض أصحابه:

- مادت الأرض بي، وأنا أمد يداً لمحمد فأبايعه مكرهاً.


ويرد الرجل عليه: وما يضرك منها، ومصلحتك الشخصية اقتضتها.

ويعرف الكل أن ابن أبي مسلم في لسانه، كافر في قلبه.. يتربص الفرصة ليوقع بالاسلام وأتباعه ما يروي حقده الجاهلي.

حتى كانت وقعة بدر فخرج المسلمون، وتخلف (عبد اللّه بن أبي) عن مساندة جيش المسلمين متمارضاً، لقد كان - كما يقولون - مسلماً في لسانه، أما في عمله فهو على الاسلام، ولكن موقف الولد المعتز بالاسلام كان الامثولة الحية، فقد أبلى بلاءً حسناً في ذلك اليوم، وانتهت بدر، وزادت هذه الوقعة والمسلمون منتصرون، من غلواء (عبد اللّه الأب)، وبقي مستمراً في غيِّه وتعنته ضد الاسلام.

وبعد أيام خرج المسلمون لأحُد، والموقف صارم، والحرب على الأبواب، ولاحظ (ابن أبي) الظرف فرآه مناسباً لأحد الثأر من رسول اللّه، فأخد يجول على المسلمين يخذلهم، وتمكن بخبثه من إرجاع الكثير من المسلمين القريبي العهد بالاسلام عن نصرة رسول اللّه حتى حددها البعض بالثلث.

ولوى الحباب - ذلك الرجل المؤمن - رأسه حياءً من هذه الحادثة أمام رسول اللّه، و شهر سيفه في وجه الخزرج، وقاتلهم قتالاً شديداً، مما جلب انتباه النبي فرعاه، وأحسن رعايته وإن كانت صورة أبيه، وموقفه المخزي لم تفارق مخيلته أبداً.


وأعلن الرسول صلى الله عليه وآله سنة ست، أو خمس - على اختلاف في التاريخ - عزمه على غزو بني المصطلق، وهم من خزاعة بعد أن وصلت الأخبار، بأنهم عقدوا العزم على قتاله بقيادة الحارث بن ابي ضرار: سيد هذه القبيلة، وكبيرهم.

وبادرهم الرسول، وهم يتوجهون اليه، وكان (المريسيع) - وهو موضع فيه ماء - مركزاً لتقابلهم، وقتالهم.

ولم تمضِ ليلة على العسكرين، حتى أمر الرسول علياً أن يزحف بالراية عليهم، واشتبك الجيشان، ولم تقع خسائر بالأرواح فيها كثيرة، فقد شعر بنو المصطلق بضعفهم فاستسلموا ونقل رسول اللّه أبناءهم وأموالهم، فأفاءهم عليهم.

وكان ابن أبي مع المسلمين الذين خرجوا في هذه الغزوة خرج لا ليدافع، بل ليغنم شيئاً.

ووضعت الحرب أوزارها، وتفرق المسلمون يخففون عن أنفسهم ثياب الحرب وعدّتها، بينما البعض منهم ذهب الى بئر ماء تجمع عليها نفر من المسلمين ليملأوا جرارهم وقرَبهم بما يحتاجون اليه من الماء.

وفي هذه الأثناء يحدث بين شخصين من المسلمين نزاع على الماء وكان أحدهم من المهاجرين، والآخر من الأنصار، وإذا ما


اشتد النزاع بينهما، نادى كل منهما أصحابه، وكادت تقع الواقعة بين المسلمين.

وسمع ابن أبي بهذا النبأ فيضطرب ويولول، ثم يصرخ في وجوه الجالسين حوله من الخزرج:

«أوقد فعلوها، قد نافرونا وكاثرونا في بلانا، واللّه ما أعدنا وجلابيب(١) قريش هذه إلا كما قال القائل: (سمن كلبك يأكلك) أما واللّه لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضر مجلسه من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم، لتحوَّلوا الى غير بلادكم، لقد قلت لكم لا تنفقوا عليهم، لو تركتموهم ما وجدوا ما يأكلون ويخرجوا أو يهربوا».

ثم سكت والحقد يغلي في صدره كأنه المرجل، وانتشر الخبر حتى بلغ مسمع رسول اللّه فتأثر منه غاية التأثر، وطلب البعض من رسول اللّه أن يسمح بقتله، ولكن الوفاء الاسلامي المتجسد في رسول اللّه أبى أن يفعل ذلك بل أراد أن يضرب مثلاً أعلى للإنسانية جمعاء فأجابهم: «إني أكره أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه».

__________________________________

(١) كان المنافقون يسمون المهاجرين: بالجلابيب.


واضطر نبي الرحمة وهو بعد لم ينفض يديه من غبار الحرب وفي تلك الظهيرة القاسية، أن يعلن الرحيل، ولم يثنه عن أمره توسل المسلمين بأن يتأخر عن أمره. فإنه صلى الله عليه وآله حاول بأن يسير ليطوي هذا الحديث عن اسماع الناس، ويشغلهم عن التحدث به، والحيلولة دون التمهيد للنتائج الوخيمة المرتبة عليه ان انتشر.

ولملم المسلمون أمتعتهم امتثالاً لأمر رسول اللّه بالسفر، وتقدم اليه شيخ من المسلمين هو أسيد بن خضير يلتمس من النبي أن يؤخر سفره في هذه الساعة التي يصعب بها المشي، وشمس الظهيرة تلفح وجوههم.

ولكن رسول اللّه التفت اليه وقال: أوَ ما بلغك ما قاله صاحبكم؟

- وأي صاحب يا رسول اللّه؟

- عبد اللّه بن أُبيّ.

- وما قال؟

- زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل.

- يا رسول اللّه أرفق به. فواللّه: لقد جاء اللّه بك، وأن صحبه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، وانه ليرى أنك قد سلبته ملكاً.

ولكن رسول اللّه أصرّ على المسير، ليشغل الناس عن حديث


ابن أُبيّ، وأمر الرسول المسلمين بالتوجه إلى المدينة عائدين.

ويتألم الحباب لهذا النبأ، وكاد يصعق لهول ما سمع، ويهرع إلى الرسول، ودموعه تتقاطر على خديه، ويقف قبالته، والألم يعصره عصراً ويقول: يا رسول اللّه بأبي أنت وأمي، أنت واللّه الاعز وهو الأذل، أما واللّه لقد قدمت المدينة يا رسول اللّه وأهل يثرب ليعلمون: ما بها أحد أبر مني، ولئن كان يرضي اللّه ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي فأقتله فأقتل مؤمناً بكافر فأدخل النار.

فقال رسول اللّه: بل نرفق به ونحسن صحبته معنا.

ولكن عبد اللّه الابن لم يقتنع بهذا، وبقيت كلمة أبيه القاسية تصرخ في أعماقه، وشق عليه هذا الأمر، ولا بد أن يثأر لنبيه وللّه، فكتم في نفسه أمراً، وصمم على تنفيذه.

وفي صباح مشرق كانت فلول المتخلفين تدخل المدينة، وكان شيخ المنافقين ابن أبيّ معهم، وشاهد الناس الحباب بن عبد اللّه ممتشقاً حسامه يقف على عتبة المدينة، والناس لا تعرف من أمره شيئاً، غير أن مظاهر الغضب كانت تثير في المشاهدين أن شيئاً يكتمه الحباب، وسوف ينفجر.

وأقبل ركب المتخلفين تتقدمهم ناقة شيخ المنافقين، فوصل باب المدينة يحاول أن يلجها.


فتقدم الحباب وضرب وجه ناقة أبيه بالسيف، فأثناها عن سيرها، وتعجب الناس من هذا الفعل، وصدوره من الابن البار، وصاح به أبوه، ولكن الولد الذي دفعه اخلاصه لدينه لم يأبه لصراخ أبيه، وإنما وقف أمامه وقد شهر سيفه وقال له:

ألست القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل؟

أما واللّه لسوف تعرفن العزة لك، أم لرسول اللّه، واللّه لا يأويك سقف إلا بإذن من رسول اللّه.

واصفرَّ وجه الأب، وكاد يغشى عليه، ماذا يرى، إن ولده يمنعه من دخول المدينة بدافع من إيمانه وعقيدته، وأدار عينيه فيمن حوله فوجد القوم في حيرة وذهول، فصاح مشدوهاً: يا للخزرج ابني يمنعني من بيتي.

وكرر النداء، وصدى النداء يكر راجعاً اليه.

فقد شده الناس هول المنظر، فقال الحباب لأبيه: واللّه لا تأويه أبداً إلا بإذن من رسول اللّه.

وزحف المشاهدون إلى الحباب يلتمسون منه أن يسمح لأبيه بالدخول، فأبى وقال: واللّه لا يدخله إلا بإذن من اللّه ورسوله.

وفشلت جميع المحاولات والتوسلات، فقد أصر الحباب أن يضرب أباه بسيفه لو حاول أن يخطو خطوة واحدة باتجاه المدينة.


والأب المنكسر يقف على عتبة البلد، والذل قد كساه خزياً وعاراً، كل شيء كان ينتظره شيخ المنافقين، إلا هذا الموقف لم يحسب له حساباً.

وطال به المقام، كما طال بالمشاهدين الوقوف، ولما أعيتهم الحيلة ولم تنفع التوسلات مع الحباب ركض نفر إلى رسول اللّه ونقلوا له موقف الحباب من أبيه - رأس المنافقين - ذلك الذي نزلت في حقه سورة المنافقين كلها وانزاحت غمامة حزن، كانت قد ألمت بمحيا رسول اللّه، وقال: اذهبوا اليه، فقولوا له: إن رسول اللّه يأمرك بأن تترك أباك ليذهب إلى بيته.

وأخبروه بأمر الرسول. فقال بفخر واعتزاز:

- أما إذا جاء أمر النبي فنعم..

وأرجع حسامه إلى غمده، ورمق أباه بنظرة طويلة فيها كل معاني التحدي والصرامة، وقال له:

- لولا أمر رسول اللّه لما تركتك تدخل بيتك، ولو اجتمعت عليَّ الخزرج برمتها، إلا أن يفل صارمي ويسكت نفسي.

وغض الأب عينيه على حديث ولده، وأرخى عنان ناقته، وسار مخذول الجانب إلى بيته ليتقي فيه عيون الناس التي لاحقته من باب المدينة حتى بيته، وهي كسهام المنية توغر صدره


وتذكره بموقفه المخزي، وبطولة ولده في الدفاع عن عقيدته ودينه تلك التي سيمجدها التاريخ مهما طال وامتد.

واستقبل الرسول الحباب مبتسماً، ثم يلتفت الى أصحابه الملتفين حوله فيقول:

«لقد وقف الحباب موقفاً من الاسلام تجلى فيه صدق العقيدة والإيمان. وفق اللّه الحباب، وجزاه عن الاسلام خيراً».



سعد بن الربيع



جزاك اللّه يا سعد، فقد أخلصت لدينك، ووفيت لنبيك.

هكذا افتتح حديثه الشيخ أبو معاذ في ليلته هذه.. وسكت قليلاً، وبدأت أنامله تلعب بلحيته، وكأنه يستعرض ذكريات الماضي بشيء من التفكير.. ثم قال:

كان سعد بن الربيع من كبار الخزرج، وزعمائها. وقد سمع - كما سمع غيره - حديث الدعوة، وما يحيطها من أحداث في مكة، وكان يشعر في أعماقه برغبة خاصة لسماع أحاديث وأنباء الدعوة. ولكنه لم يجرأ أن يحدث بذلك أحداً.

وتشاء المقادير أن يخرج عدد من الخزرج الى موسم الحج وكان رسول اللّه من عادته أن يذهب لزيارة الحجاج والقادمين كلما طرق مكة حاج أو قادم، يعرض عليه الاسلام، ويقرأ له آيات من القرآن، وهكذا كان يبلغ رسالته المقدسة.

وعرف النبي أن عدداً من الخزرج وصلوا مكة، فاستقبلهم


وأحسن بهم الترحاب، وتحدث لهم ما جلب نفوسهم اليه، ثم أخبرهم عن رسالته ودعوته.. فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلموا واللّه إنه النبي الذي توعدكم به اليهود، فلا تسبقنكم اليه.. فأجابوه إلى ما دعاهم. وأخبروه بأن لهم قوماً كثيراً سوف يخبرونهم بذلك، وعسى أن يستجيبوا له.

وعاد الركب الى المدينة، واجتمعوا بقبائلهم وتحدثوا لهم عن دعوة محمد، وأهدافها القويمة، ولم يمرّ وقت طويل حتى كانت غالبية الخزرج قد دخلت الاسلام. كما استجابت لها وجوه من الأوس..

وحلَّ الموسم الجديد للحج، وقصد مكة (اثنا عشر رجلاً) من الخزرج والأوس، والتقوا بالنبي ب«العقبة» فبايعوه على كل شيء عدا القتال.. وسميت «العقبة الاولى».

قال الراوي: «وكنا اثني عشر رجلاً، فبايعنا رسول اللّه صلى الله عليه وآله على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك باللّه شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف...».

وعادت القافلة الى المدينة، ومعها رسول محمد «مصعب بن عمير» أمره أن يُقرئهم القرآن، ويعلمهم الاسلام، ويفقههم في


الدين.. عادت القافلة، وهي تحمل من مسؤولية العقيدة ما يخفف عنها وحشة الطريق، ويحدوها شوق متناهي على الحفاظ والوفاء لهذه الدعوة الجديدة.

وطوى العام أوراقه الخضراء والصفراء، وأجدبت أرض وأمرعت أرض، وقرب الموسم الذي يقصد الناس فيه مكة.. وعاد مصعب الى مسقط رأسه ليجدد عهداً برسول اللّه، وكان معه عدد كبير من المسلمين.. وتم الإتفاق على أن يكون الموعد هو: (العقبة).

وفي ليلة مشرقة، وبعد أن مضى منها جذوتها الأولى، وهدأت الأنفاس، وهوّمت العيون تسلل عدد من الأوس والخزرج ممن صحبوا مصعباً إلى مكان التلاقي، واجتمعوا في الشعب عند العقبة وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً، وامرأتان هما: نسيبة بنت كعب، أم عمارة، وأسماء بنت عمرو، أم منيع..

ولم ينتصف الليل حتى أقبل محمد، ومعه العباس بن عبد المطلب - وهو يومئذ لم يدخل الإسلام -، لكنه أراد أن يستوثق من أمر ابن أخيه، فلما تكامل المجلس، قام العباس خطيباً: يا معشر الخزرج(١) إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه أبى إلا الإنحياز

_____________________________________

(١) يشير ابن هشام الى هذا المصطلح كان يقصد من الخزرج: الخزرج والأوس.


اليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون انكم وافون له بما دعوتموه اليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به اليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه ومن بلده.

فقام أحد الزعماء، وقال للعباس: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول اللّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت..

واستعد رسول اللّه للحديث، وسكت الكل، فكأن على رؤوسهم الطير، وعيونهم تعبُّ من نور النبوة ما يقوي عزيمتهم ويشد إيمانهم.

وتكلم رسول اللّه صلى الله عليه وآله، وتلا القرآن، ودعا إلى اللّه ورغب في الإسلام.. ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه عوائلكم وأبنائكم.

فأخذ البراء بن معرور - وهو من كبار الشخصيات - بيده وقال: نعم، والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا(١) فبايعنا يا رسول اللهّ، فنحن واللّه ابناء الحروب، وأهل الحلقة ورثناها كابراً عن كابر..

_____________________________

(١) الازر: النساء. والمرأة قد يكنى عنها بالازار، كما يكنى أيضاً بالازار عن النفس.


وتكلم أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول اللّه، إن بيننا وبين الرجال حبالاً، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟

فتبسم رسول اللّه، وقال: «بل الدم بالدم، والهدم بالهدم(١) أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» وانتهت بيعة (العقبة الثانية).

ثم قال الرسول: اخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً فأخرجوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس..

ثم ان رسول اللّه صلى الله عليه وآله قال للنقباء: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي - يقصد المسلمين - قالوا: نعم..

وقبل أن تمد الأيدي للبيعة، وقف أحد الأصحاب، وهو يخاطب اخوانه قائلاً: يا معشر الخزرج، هل تدرون علامَ تبايعون محمداً؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نُهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن

_________________________________

(١) كانت العرب تقول عند عقد الحلف والجوار: دمي دمك، وهدمي هدمك، أي ما هدمت من الدماء هدمته أنا.


اتركوه، فهو واللّه إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه، على نهكة الأموال وقتل الأشراف، فخذوه، فهو واللّه خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال، وقتل الأشراف، فما لنا يا رسول اللّه إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: أبسط يدك، فبسط يده فبايعوه..

وتسرَّب النبأ لقريش، وحاولت ان تستقصي الحقيقة لكنها فشلت، ولم تتحقق منه إلا بعد فوات الأوان، وعاد الركب الى المدينة.

ثم سكت ابو معاذ قليلاً ريثما يستريح، وبعدها عاد للحديث قائلاً:

وكان سعد بن الربيع أحد النقباء الاثني عشر، الذين اختارهم الأنصار ليكونوا فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم.. ولا أنساه وقد خرج مع من خرج لاستقبال رسول اللّه، وقد أطلَّ ركبه الكريم على المدينة كل يود أن يحل محمد ضيفاً عليه يُشرّف بيوتهم. ويقول سعد له:

يا رسول اللّه، هلم الينا، الى العدد والمنعة.. ولكن النبي الكريم، يقول له ولأصحابه: خلوا سبيل ناقتي، فانها مأمورة.. وبعد لحظات تقف على باب دار ابي أيوب الانصاري.. وكان


سعد أحد اولئك الأشخاص الذين لازموا الرسول، واعتنوا بأمره، واهتموا بدعوته.

وقويت شوكة المسلمين، وأعلن الرسول عن عزمه على غزو قافلة المشركين العائدة من الشام بقيادة ابي سفيان.. وعلمت قريش بهذا النبأ، فزحفت بقوتها وعدتها متجهة نحو المدينة.. ولم يقف الجيش الزاحف إلا ببدر، وبين عشية وضحاها دارت الحرب قوية عنيفة بين الحق والباطل، وكان نصيب سعد بن الربيع نصيب الأبطال في هذه المعركة، وعاد الى المدينة يرفل بالنصر والمجد.

ثم كانت أُحد، وهرعت قريش بكل إمكاناتها لعلها تنال ثأرها.. وبلغت الأخبار رسول اللّه، وعرضها على أصحابه ليقطعوا برأي فيها، واحتدم الجدال، وطال النقاش، بين مصرّ على مجابهة الأعداء بالعنف، ومقارعتهم بالسيف، وبين من يختار العافية، ويفضل السلم، إلا إذا غزوا في عقر بيوتهم..

وكان سعد بن الربيع حريصاً على مواجهة الموقف بالحزم والشجاعة، طالما وانهم على الحق، ولا يهم البطل القتال، خاصة وانهم عاهدوا رسول اللّه في العقبة ان يكونوا سيوفاً مسلولة على أعدائه، لم تغمد إلا في صدورهم، ولم ترد عن نحورهم..

ولاحظ الرسول ان الوقت امتد في الجدل والنقاش، ولا بد


أن يضع حداً لذلك، فقام ودخل داره ولبس لامته، وتعمم بعمامته، وخرج على قومه معلناً «ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل». وكان هذا التصميم من النبي انذاراً لأن يضع حداً للقيل والقال، وما ان يشاهد الأصحاب نبيهم على هذا اللون من العزم والتصميم، حتى تراكضوا لبيوتهم استعداداً للرحيل..

وزحف محمد صلى الله عليه وآله بجيشه الذي ناهز الألف بين راجل وفارس، وقد علمتهم بدر ان النصر لم يكن مقروناً بالكثرة والعدد الوافر، وإنما هو من اللّه يمنحه من يشاء، ولمصلحة ما..

وتقابل الطرفان، وقد حمي الوطيس بينهما، ودارت المعركة ضارية، وقد اتسمت بالبطولة والوفاء من جهة، والحقد والعصبية من جهة أخرى.. وتساقط الأبطال من كل فريق، وألحت سيوف المسلمين المغاوير تحصد من حشود الكفار ما شاءت، يلفها ابن أبي طالب، ويفريها أسد اللّه حمزة بن عبد المطلب، ويشتت شملها مصعب بن عمير، ويصول عليها سعد بن الربيع، وكاد النصر يرف على المسلمين، لولا طمع الطامعين وأصحاب النفوس الضعيفة يتركون مؤخرة الجيش، فيوقع فيهم خالد بن الوليد - قائد الجيش المعادي حينذاك - يقول الراوي:

واللّه لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل أو كثير. إذ مالت


الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه، وخلوا ظهورنا للجبل فأتونا من خلفنا، وصرخ صارخ: ألا أن محمداً قد قتل، فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء..

كان يوم أُحد يوم بلاء وتمحيص، أكرم اللّه فيه من أكرم من المسلمين بالشهادة، وكان أصل البلاء على المسلمين خالد بن الوليد فقد تربص الفرصة لينقضّ على المسلمين. وفعلاً كان ما أراد وخلص هو وكتيبته إلى النبي، ورمي بالحجارة، فأصيبت رباعيته وشج عتبة بن وقاص وجهه، وأخذ الدم يسيل عليه، وصار يمسح الدم، وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربه».

والتفّ عدد من خلص الصحابة بالنبي فطوقوه من كل جانب ومنهم سعد بن الربيع، ولم يكن علي بن أبي طالب الا ذلك الفارس الذي ينقضّ على الأعداء بجراءة وبطولة لم يشاهد مثلهما في تلك الحرب، يكشف الحشد عن ابن عمه، ويخفف الضغط عنه.

وخط الظلام، ويأس أبو سفيان من النصر، وانه لا سبيل له على قتل محمد، وما دام علي وأمثاله يدافعون عنه ببسالة وموت.. وإن الحرب أكلت السواعد القوية من أبطاله.. وإن أصحابه يفضلون إنهائها، فلا أمل عندهم للغلبة، وكفاهم ما أنزلوه بمحمد من خسائر.. وقتل حمزة خسارة لا تعوض.

ووضعت الحرب أوزارها، وأغمدت السيوف، وغادر


أبو سفيان وصحبه أرض المعركة. بعد ان جمعوا فلولهم، وتركوا قتلاهم.. عند ذاك أمر النبي أصحابه أن يفرغوا لقتلاهم ومداواة المجروحين.

ثم التفت عليه الصلاة والسلام إلى أصحابه قائلاً:

«من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو، أم في الأموات»؟.

وقام أصحاب الرسول بالبحث بين القتلى والجرحى عن سعد فوُجد جريحاً، وهو بين الموت والحياة، فوقف عليه أحد المسلمين وقال له: إن رسول اللّه صلى الله عليه وآله أمرني أن أنظر، أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟.

وتعثرت الكلمات على شفتي الجريح، وهو يصارع الموت وبكل جهد ردّ على صاحبه قائلاً: أنا في الأموات، وأبلغ رسول اللّه عني السلام، وقل له ان سعد بن الربيع يقول لك جزاك اللّه عنا خير ما جزى نبياً عن أُمته.. وسكت الجريح لحظة ريثما يسترد أنفاسه المتقطعة، وهو يشير الى الرجل أن ينتظر قليلاً.. ثم تكلم، وخرجت الكلمات هادئة من فم أثلجه الموت..

وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعداً يقول لكم: انه لا عُذر لكم عند اللّه ان خُلص الى نبيكم، ومنكم عين تطرف..


وتثاقلت حالة سعد، وجحظت عيناه، وشهق، ومات.

وأخبر الأنصاري النبي ما قاله سعد، كما بلَّغ الأنصار مقالته.. ورفع النبي صلى الله عليه وآله يديه الى السماء، وهو يقول:

«اللهم ان سعد بن الربيع في ضيافتك، وقد جاهد من أجل دينك، فنوّر قبره، واقبل منه فداءه».

رحمك اللّه يا سعد وجزاك عن نبيه خير جزاء، فقد ختمت حياتك الشامخة بالتضحية والفداء.



مُصْعَب بن عُمَير



وأقبل الليل، وأقبل معه عشاق حديث الشيخ أبي معاذ الى مجلسهم، وشوقهم اليه لا ينقطع.. وكان في حديثه الليلة متفتحاً يصوغ الكلمات جميلة، وينمق أسلوبه الحلو، بما يجلب به أنظار السامعين.. قال:

لفَّ مكة وشعابها حديث المتسللين في آناء الليل، وأطراف النهار الى دار الأرقم يستمعون الى حديث محمد، وقد تجمع عنده عدد فيهم الكبير والصغير، وفيهم السيد والعبد، وفيهم الذكر والأنثى، وكل يوم آخذ بالتكاثر.

وفكرت قبائل العرب في مكة بأمر هؤلاء، وخطرهم على آلهتهم، وانعقدت الندوات، وازدحمت المجالس للتداول بشأن هذه الدعوة الجديدة، وقد توسع أمرها حتى لم يبد غريباً على الأسماع أن يقال: فلان تبع محمداً، وفلان أصبح من أعضاء بيت الأرقم، ويلوي القوم جباههم متألمين، يكتمون في صدورهم زفرة الخسران، وحسرة الفرقة.


وذات يوم يقبل أبو سفيان على البيت، وقد بدا عليه الغضب ونزَّ الحقد من عينيه، فالتفت القوم اليه، وشيء من الاهتمام قد ظهر عليهم، انهم جميعاً يعرفون أن وراء أبي سفيان حدثاً جديداً وصاح به عتبة:

- ماذا وراءك يا أبا معاوية؟

واجتاز أبو سفيان هذه الحلقة دون أن يلتفت الى السؤال وهو يتعثر في مشيته، فلا يكاد يبصر طريقه من ظلام الحقد.

وأحس شيبة بخواطر صاحبه، فاستقبله وقد افتعل موجة من الحزن، وبدا كأنه يواسيه في بليته:

يا أبا معاوية، لو تجلس معنا قليلاً نتراشد أمر هذه الجماعة التي انداحت لسحر محمد.

وتكشفت أسارير الرجل، ورضي من شيبة هذا الاستقبال وتوسط القوم وأخذ يضحك حتى انقلب على قفاه من الضحك ولم يستغرب الجالسون منه هذا الحال، فقد تعودوا ان يروا منه هذه النوبة كلما طرأ عليه جديد، أو ألح عليه حدث، يدور حول محمد ودعوته.

وأفاق قليلاً قليلاً من حالته، فالتفت الى الجالسين قائلاً: أتعلمون ما حدث اليوم؟ لقد أخبرني عثمان بن طلحة، بأن فتى


عبد الدار (مصعب بن عمير) قد صبا لدين محمد منذ مدة قصيرة وصار يتردد على دار الأرقم كلما جن عليه الليل، ينفث فيه يتيم بني هاشم سحره.

وتعلو الدهشة الجميع، ويصرخ ابو جهل: وحتى هذا الفتى الوسيم الذي يقطر رقة ودلالاً ينحاز الى محمد، ويصبح في عداد أصحابه؟ يا لخسران آلهة قريش.. لا واللات والعزى، لا بد ان نضع لهذه المهزلة حداً.. وتفرق الجمع، وفي تفكير كل واحد منهم مخطط يضعه للوقيعة بمحمد ودعوته.

* * *

كانت مكة تعرف مصعب بن عمير شاباً وسيماً، عليه من هيبة الجمال ما يحببه عند أهل مكة.. يرتدي أغلى الثياب ويتعطر بأحسن العطور، وكانت تشخص اليه العيون كلما مر في شعاب البلد وطرقاتها. تعب من جماله ما تمتلئ به عيون الناظرين، وتستنشق من عبيره ما يبهر الانوف، وكان أكثر من هذا وذاك.

وانتشر حديث مصعب وإسلامه كالبرق بين الناس، وكلهم يتساءل: ما الذي حدا بمصعب ان يصبو الى دين محمد الجديد؟

وهرع الجميع الى بيت عمير يشكون اليه أمر ولده، وفي الطريق يهمس ابو جهل في أذن عتبة: ما رأيك لو قتلنا مصعباً


وأرحنا آلهتنا منه؟.. لقد صبا الرقيق والمستضعفون فسكتنا وقلنا ليس لهم أثر في كياننا، أما الآن فقد انجر الأمر الى بطون العرب، وهذا ما كنا نخشاه، فما ترى لو قتلناه واسترحنا منه؟

فردَّ عليه عتبة وهو يحملق في وجهه: لا سبيل لك على قتله، إن لمصعب محبة في قلوب الناس، فلا يتركوه وحيداً في الميدان.. مضافاً ان لعمير مكانة بين أهله وصحبه، وليس من السهل عليهم ان يتركوك سالماً بعد ان يقتل فتاهم.

وزمَّ ابو جهل شفتيه، وكأنه قنع بما قاله عتبة، فهو على صواب. إن لمصعب محبة في قلوب الناس. وهما بهذا الحديث إذ أشرفا على حي عمير بن هاشم بن عبد مناف سيد قومه، وكبير سراته، فاستقبلهم هاشاً مرحباً.

ولكن أبا جهل لم يطق السكوت ريثما يهدأ الجميع، بل انتفض في وجه عمير، وقد شهر حسامه، والشرر يتطاير من عينيه، وصاح: أعلمت يا أبا زرارة ما كان من أمر ولدك مصعب إنه صبا إلى دين محمد، وخرج على آلهتنا، فإذا لم تردعه عن غيه فإن سيوف قريش أولى بتأديبه من غيرنا.

ولوَّح بسيفه أمام عمير ثم كر راجعاً.

وطافت على وجوه القوم سحابة من تأثر واشمئزاز من تسرع


أبي جهل وتهوره، فلم تكن إهانة عمير بالأمر الهين. فاستشاط غاضباً، وحاول أن يرد عليه بالمثل، ولكن عميراً سمح لأبي جهل إهانته لأنه في بيته، غير أن هذا لم يخفف من غضبه.

وبكل رفق ولين التفت اليه أبو سفيان وقال: رفقاً بابن عمك يا أبا مصعب إن أبا الحكم لم يقصد بك، ولا بولدك سوءاً إنما هي شنشنة هدرت، وحرقة طغت، فاغفر له زلته.

وتفرق القوم إلى مضاربهم، وهم يأخذون على أبي جهل موقفه من عمير.

ويعود عمير إلى الدار ليحدث زوجته عن أمر ولده.

ومع أفول الشمس ينسل الشاب الوسيم من جماعته ليأخذ طريقه تحت جنح الظلام إلى دار الأرقم، ليجتمع بمحمد ويعب من حديثه أنداه وأعذبه.

ويلتفت الفتى يمنة ويسرة، ودقات قلبه تتعالى كلما اقترب من دار الأرقم، وتغوص في أعماقه أفكار وأفكار، وتجتاح ذهنه أكثر من خاطرة، فيدور معها، وكأنما مشدود بها شداً وثيقاً لا يمكن أن يتحرر منها، ومهما حاول أن يقطع سلسلة خواطره، فإن محاولاته تبوء بالفشل.

وعلى عتبة دار الأرقم تجسمت خواطر مصعب، وتصارعت أمامه صور وذكريات، كل منها تأخذ لنفسها إطاراً صاخباً.


طارق جديد على أفكاره يلح عليه بالولوج، وقد أخذ بمجامع قلبه، يدفعه دفعاً حيث يريد.. صوت محمد يرن في أُذنيه، كالنغم الهادي يداعب عقله وحسه، فيعيش في عذوبته طويلاً طويلاً ووجوه مشرقة بالإيمان تنفث إلى أعماقه روحيتها، كخفة الهواء وانسياب العطر.

ثم صورة مكة وسكانها، وصورة أبيه وأُمه، وقومه وموقفهم منه لو عرفوا أمره ماذا يكون مصيره معهم، ويخطر في نفسه خاطر يلتاع له، ويهتز جسمه هزاً خفيفاً. ذلك منظر أبي جهل وحربته يطارد أصحاب محمد يذيقهم ألواناً من عذابه، ويسيمهم أنواع البلاء.. يتصور كل هذا، ويفكر بعواقب كل هذا. وتوشوش له بعض الخواطر بالعودة من حيث أتى ليسهر، ويمرح مع فتيان الحي، اولئك الذين خلفهم في رحبة بيته.

ولكن صدى الإيمان من أعماقه يتعالى، ويدفعه دفعاً رقيقاً الى دنياه الجديدة، وليذيقه أبو جهل وزمرته ما شاؤوا من عذاب وليصنع أبوه به ما يحب، فإن إيمانه ماض به الى حيث دار الأرقم، الى نداء الضمير، الى موعد محمد.

ويلج الدار، ويستقبله الصفوة من الأصحاب مبتسمين يشرق عليهم إيمان الدعوة وتصهرهم عواطف العقيدة، وينساب اليهم الصوت الرزين، يتلو عليهم من آيات اللّه ما شغف بها قلبه وتغور الى أعماقه قوة تلك الكلمات، فتتهلل أساريره إشراقاً


وابتهاجاً، وهكذا كان نصيب مصعب من دعوة محمد في بدء تكوينها.

وفي مساء ليل داكن يعود فتى عمير الى بيته يقطر رقة وعذوبة - كعادته - من مجلسه، وفي عتمة الظلام يلمح ظلاً خفيفاً على باب بيته يقترب منه رويداً كلما اقترب الى داره.

وعن مقربة من بيته، سمع صوت أمه الحنون يزحف اليه بشيء من الحنان والحزن. وهي التي كانت شديدة الولوع به، كما كان والده شديد المحبة اليه، حتى لا يمكنهما مفارقته. ويجمد الدم في عروق مصعب، ما الذي حدا بأمه أن تقف منه هذا الموقف، والليل قد نزع عنه ظله الكبير، ولم يبق منه إلا طرف خفي؟.

ويا لهول ما سمع منها أن أباه على وشك الانفجار من الغضب فقد عرف بكل شيء، واكتشف ما كان يخفيه عنه، وقد أصبح عالة على والده، ومصدراً لأقاويل المتشمتين، كأبي جهل وأبي سفيان وأضرابهما.

ودارت في رأسه أفكار وخواطر هل سيصارح أباه بالحقيقة أو يكذب عليه، هل يعطيه المواثيق بعدم العودة لدار الأرقم أم يصرّ على المضي بأمره، وهكذا دارت في رأسه هذه الأفكار والخواطر وهو يجتاز عتبة الدار، وحاولت أمه أن تثنيه عن


الدخول في هذه الساعة الهوجاء التي فيها أبوه كالبركان من شدة الغضب.

ولكن إيمان الفتى بدعوة محمد دفعه إلى مصارحة والده بالواقع الذي يتبناه.. انه لن يسمح لنفسه بالتراجع، والعودة الى الوراء، فالصراحة هو الحل الوحيد، وليتحمل مواجهة الحقيقة بجنان ثابت ومهما كلف الأمر.

واصطدم بأبيه فلمح موجة من الغضب تطفو على ملامح هذا الشيخ، وارتسمت على قسماته صورة مشوهة للرجل الذي ضاق بدنياه، واسودت أيامه.

ووقف بين يديه، وقد أشاح بنظراته عنه، وحاول عمير أن يتكلم فخانه التعبير، ثم نطق، وفي طيات حديثه شيء ينم عن حزن دفين، ولم يطل التساؤل والاستفسار بينهما، بل انقض عليه أبوه، وأوثقه كتافاً، وصاح بأهله المجتمعين حوله ان يحملوا مصعباً الى البيت الذي أفرده له ليسجن فيه، حتى يعود الى صوابه.

وتمر الأيام، والفتى الوسيم رهين السجن قد طال شعره وذبل ضوءه، وبهت شروقه ويتركه جميع متعلقيه، فلم يتردد عليه سوى والدته، وهي تكاد تموت شفقة على ولدها الذي سرق نوره ثقل السجن وامتص جماله كابوس الهم، وكلما حاولت ان


تثنيه عن عزيمته للدعوة الجديدة لينعم بالحياة السعيدة التي يفرشها له أبوه، كان يزداد صلابة وإيماناً بعقيدته.

وهكذا ديدن أصحاب محمد بين تعذيب وتشريد، وسجن وتبعيد، مما اضطر الرسول الأعظم أن يدعو أصحابه الى الهجرة هرباً من أذى قريش الى مكان بعيد عن عيون الحاقدين ويختار لهم الحبشة.

وتزحف الصفوة الطيبة الى تلك الديار النائية لتتقي بهذا السفر المضني مشقة الأذى، والعذاب من هؤلاء القساة.

ويترامى النبأ الى أسماع مصعب، وهو في سجنه الانفرادي ويفكر في اللحاق بهم، وطال به التفكير. وفي زحمة الخواطر المرة تدخل أمه عليه، وترثي لحاله، ويؤلمها ان ترى حبيب قلبها وهو رهين آلامه.

ويفيق على آهات امه وزفراتها التي نفرت منها دون إرادة وقصد، ويلتفت اليها، وقد طبع على ثغره ابتسامة هادئة وقسماته تنمُّ عن توسل عميق:

- يا أماه، هل لك ان تسدين لولدك خدمة فأنا بحاجة اليها؟

وتهش الأم المنكوبة لطلب ولدها - وإن كانت لا تعرف بعد ماهيته -.


- يا أماه اريد ان تساعديني على الهروب لألتحق بركب محمد الى الحبشة.

وترتسم على وجه الأم كآبة وحزن. إن سجنه بهذه الحالة أهون عليها ان يبعد عنها الى أرض النجاشي.

ولكن مصعباً لم يهدأ من تكرار الطلب عليها. ويوضح لها بأن في هذا العمل سلامته. وأخيراً تخضع الأم لطلب عزيزها وتساعده على الهرب، والتخلص من سجن أبيه، ويلحق بقومه وتضم الصفوة الطاهرة أرض النجاشي عهداً ليس بالطويل.

وتشرق شمس، وتغرب شمس، ونور الاسلام يمتد مع الأيام حتى يقوى ويشتد، وتنهار أمامه حشرجات الظلام.. وعلى ضوء الصباح تعود القافلة المسلمة، توشح طريق الإيمان بالأمل.

ويعود مصعب مع من يعود، وهو في عودته أقوى جناناً من قبل، لا يهاب سطوة قريش، ولا سخط أبيه.

وعلى قارعة الطريق تقف أُم مصعب مع الواقفات يشاهدن موكب المسلمين، وهم يعودون سالمين إلى أوطانهم.. وتحاول الأم الشفيقة أن تتشبث بولدها، ولكن المسلم الجريء يدفع أُمه برفق، ثم يرمقها بنظرات عاطفية، ويتفوه والدمعات تنتثر على وجناته، وهو يخاطب أُمه:


يعز عليّ واللّه أن أمتنع من استقبال أبي وأمي، فليس لمسلم أن يطرق باب المشركين، ولو كانت دار أبيه وأمه.

وتكتم الأم زفرة بين طيات صدرها وتنثني عائدة إلى الدار فتلمح عميراً، وهو على عتبة الباب وقد تسمرت عيناه إلى وضح الطريق، ودمعة تترقرق في مآقيه.

وبين صدى النشيج المنساب، تقول الأم المحزونة:

يا أبا زرارة: إن مصعباً عاد مع القافلة، ومسحة من إشراق تظلله. وهالة من إيمان تحيطه.

فيقاطعها عمير، والثورة تؤز في كيانه: اسكتي، وكأنك ملت إلى هذا الدين الجديد، أخشى أن يسمعك أحد فيصيبنا بسوء..

وتلملم الوالدة الحزينة دمعة نافرة في مآقيها ثم تنثرها مدراراً.

ولا يمسي المساء حتى يزهد مصعب بأمره، ويترك مظاهر الرقة والدلال، ويبعد عن عينيه مظاهر النعيم والترف، فالإسلام يحارب هذه المظاهر الزائفة، ولا بد من أن يواسي اخوانه الفقراء.

ويرمقه الرسول الأعظم، وقد نزع عنه ابراد الحياة الناعمة فيتأثر لذلك، ويدعو له بالخير.

كان مصعب لا يلبس إلا أرق حلة، ولا يتطيب إلا بأحسن


طيب، ويمر الزمن وإذا به يرتدي فروة قد رفعها عن كاهله قليلاً لخشونتها، فيبكي محمد رقة عليه.

وفي ضحوة النهار طلق مصعب دنياه الجملية الضاحكة وأخلص لدينه، وكان بهذه الصفات العالية نال المكانة المرمومة عند النبي صلى الله عليه وآله .

ويقصد النبي مكة في موسم الحج ليبلغ رسالته، ويقدم عليه وفد المدينة من الخزرج والأوس - وهم يشهدون بالتوحيد ورسالته - ويطلبون منه أن يرسل معهم معلماً وموجهاً.. ويرى الرسول أن مصعباً خير من يقوم بهذه المهمة، فيقول له:

- يا مصعب: أترغب في خدمة تؤديها للمسلمين؟.

- لبيك يا رسول اللّه.

- إرحل الى المدينة - وكان ذلك قبل الهجرة بقليل - وعلم المسلمين القرآن، وفقههم في الدين.

- سمعاً وطاعة يا رسول اللّه.

ويرحل مصعب مع الوفد المدني، ليؤدي رسالته المقدسة ويبلغ ويرشد.. ويتخذ من دار أبي أمامة، أسعد بن زرارة مركزاً له.. وتجمع حوله عدد من الذين نوَّر اللّه قلوبهم بالإيمان يعلمهم القرآن، ويفقههم في الدين حتى صار معروفاً في المدينة ب(المقرئ).


وذات ليلة قمراء يحدث أبو أمامة ضيفه مصعباً، فيقول له:

لو ترى أن نخرج غداً لسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير وهما سيدا الأوس، وتعرض عليهما الاسلام، فعسى أن يستجيبا للدعوة وفي ذلك إيمان الأوس.

وفي الصباح قصد الرجلان زعيمي الأوس، ولم يبلغا مضارب الأوس، حتى بلغ خبرهما سماع سعد وأسيد، فضاقا بهما ذرعاً والتفت سعد الى أسيد طالباً منه أن يذهب الى الرجلين، ويطلب منهما أن يعودا من حيث أتيا، فهما لم يقصدا هذه الديار إلا ليسفها ضعفاءنا، ويضعضعا شبابنا، ما لنا ولهم، ولولا أن سعد بن زرارة مني حيث قد علمت، كفيتك ذلك، فهو ابن خالتي ومصعب صاحب محمد ضيفه، ولا أرغب أن أكون قاسياً معه.

وتوجه أسيد اليهما، وما أن وقعت عين أسعد عليه، حتى قال لمصعب: هذا سيد قومه قد أقبل عليك، فاصدق اللّه فيه.

قال مصعب: أرجو أن أوفق في ذلك.

ووقف أسيد عليهما، وهو شاهر حربته، وقال لهما: ما جاء بكما الينا، نحن لا نرغب في قولكما.

وبكل هدوء قال له مصعب: لو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته ذهبنا عنك.

قال: أنصفت.. ثم ركز حربته، وجلس معهما، فكلمه مصعب بالاسلام، وقرأ عليه القرآن.


يسمع أسيد هذا الكلام، ويأخذ لبه، ويسيطر على مشاعره.. وتمر به ساعة، وهو لا يعرف عن نفسه شيئاً، لقد انصهر بالحديث، وأعجب بالآيات الكريمة، ولم يلتفت إلا وهو يميل إلى مصعب قائلاً: وكيف أدخل في الاسلام.. ما أحسن هذا الكلام وأجمله، وما أعظم هذه المثل التي يتبناها دينكم.. أشهد أن لا إله إلا اللّه، وأن محمداً رسوله وعبده..

ووثب دفعة وعاد راجعاً الى صاحبه سعد بن معاذ.. ويدخل عليه، وهو بين قومه في مجلسهم فلما نظر اليه سعد بن معاذ مقبلاً، قال: أحلف باللّه لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم..

فلما وصل أسيد الى المجلس، قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فواللّه ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما، فقال: نفعل ما أحببت، وقد حُدثت أن لهما معك حاجة، فلو أجبتهما.. فقام سعد لهما، ولما أقبل قال أبو أمامة لمصعب: جاءك واللّه سيد من وراءه قومه، إن تبعك لم يتخلف عنك منهم اثنان.

وما أن وقف عليهما حتى بادرهما بقوله: وماذا تريدان مني.. فقال له مصعب: اجلس واسمع، فإن رغبت بما قلنا وإلا تركناك.. فجلس معهما. فتحدث له مصعب عن الاسلام وقرأ عليه القرآن.. وهما في هذه يقول أسعد: عرفت واللّه في


وجهه الاسلام قبل أن يتكلم.. ولم ينته مصعب من حديثه حتى نوَّر اللّه قلب سعد بن معاذ، وأسلم.

وعاد الى قومه، ووقف بينهم، وهو يقول:

كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا باللّه وبرسوله..

ولم يمسِ المساء على أحياء الأوس إلا وأسلموا، ولم تتخلف منهم إلا بيوت بقيت ولم تشمل بالهداية..

وعاد مصعب مع مضيفه أسعد الى مقامهما، وهما سعيدان في هذه الخطوة.

ومرة اخرى يخاطب الرسول مصعباً: كيف تكون لو وقع أحد من أهل بيتك أسيراً في يديك، فهل تأخذك الرقة والعاطفة؟

- يا رسول اللّه لا تأخذني في سبيل اللّه رقة وعاطفة، حتى ولو كان أبي أو أخي.

ويعلن النبي النفير العام بين المسلمين استعداداً لغزوة (بدر) وتزحف جيوش المسلمين لتقابل جيشاً سدَّ الخافقين، ومصعب يحمل لواء المسلمين.

ويلتحم الجيشان، ولم تنحسر المعركة إلا وزرارة بن عمير


أسير بيد أخيه مصعب، والرجل كان يحمل لواء المشركين في بدر.

ونادى منادي المشركين أن زرارة أسير لدى المسلمين.

وتهرع الجموع الى مصعب لتطلب منه صاحب لواء المشركين:

إنه أخوك يا مصعب فارفق به، ولا تعامله بالقسوة. كرامة لأمك اطلق سراح اخيك، ولكن هيهات فلم يسمع الحشد من مصعب إلا السخرية والاستهزاء.. ولما لم ترَ أمه تزعزعاً عن موقفه تضطر هي لتفتدي زرارة بأربعة آلاف درهم فيضيفها لخزانة المسلمين.

ويسمع الرسول بهذا الأمر فيطبع على جبين مصعب قبلة الرضا، ويدعو اللّه له بالموفقية.

وانطوت أحاديث بدر، وتحدث الناس عن غزوة (أُحد) وقد أصدر الرسول أمره بالتأهب لها، ويستعد المسلمون للزحف، وفي صباح اليوم المشهود انتظر القوم موقف النبي لمن يسلّم رايته، ولم يطل التفكير بهم فقد أعطى لواء المسلمين الى مصعب.

وفي ساحة الميدان، وقبل أن تنجلي المعركة يخرّ مصعب صريعاً في رهج الحرب، ويحمله الرسول الأعظم الى حيث ترك أصفيائه، يودعه بدمعة حارة، فيها الكثير من الحزن، وفيها الكثير من الألم.


وفي غنوة الضحى يسكن أريج العطر، وتخمد أضواء الفتوة في ساحة الحرب قضى مصعب شبابه، ومسحة من جمال لم تغادر وجهه المشرق.. ورحل ولا يملك من دنياه إلا ثوباً، فكان إذا غطوا رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطوا رجليه، برز رأسه فقال رسول الله: «اجعلوا على رجليه شيئاً من الاذفر»، وانتهت صفحة هذا الصحابي عن عمر ناهز الأربعين.



الخبّاب بن الأرت



ودارت الأيام، وأعقبتها أيام، وفي خلالها أحداث تطل وأحداث تطوى، ولكن مدينة الرسول لا تنسى موقفين، لهما في أضلاعها أكثر من صرقة وعلى عينيها من أجلهما سيل من دموع تلك هما: واقعة المدينة وما رافقها من مآسي يجزع القلم من وصفها ومأساة كربلاء التي أكلت الأفكار حزناً، وأدمت القلوب تأثراً.

وكان الشيخ أبو معاذ يتجنب إعادة هذين الموضوعين على أصحابه، ومستمعيه ويحاول أن يكرِّس أحاديثه عن ذكريات الماضين في عهد الرسالة الأولى.. ومهما يكن فإن السلسلة واحدة رغم تبدل أصحابها..

فأبو سفيان هو الذي أجج النار، وأشعل الحرب، وأثارها معركة ضارية على النبي محمد، وإذا دفنه الموت، ولم يكمل مخططه فإن معاوية بعده هو البطل الأول لتنفيذ ما رسمه أبوه من مخطط فظيع لهدم الإسلام، وتشتيت المسلمين، وكان أكثر من أبيه قوة ونفوذاً.. وإذا كانت ذرة ضرورة اقتضت - وإن كنت


لا أحسب - ومنعت أبا سفيان صخر بن حرب من التوغل وراء اللاإنسانية، وازدراء الدين، فأسلم متظاهراً وإن كان في قلبه يضمر خلاف ذلك، فهو يقول في موقف حاسم بين الحق والباطل تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الكرة، فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا من نار، إنما هي الدنيا نتكالب عليها..

إذا كان هذا هو موقف الأب، ففي الولد هذا وزيادة، فإن معاوية جاء باسم الإسلام ليقتص من الإسلام والمسلمين، ثارات بدر وحنين - كما يقول المثل -، وهو يصرح دون خشية، وإن كان في مركز الخلافة - يا قوم: ما حاربتكم لتصوموا، ولا لتصلوا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا، وإنما حاربتكم لأتأمر عليكم.. وفعلاً نفَّذ ما أراد، وما أملاه عليه حقده الجاهلي.. ثم كان من بعده الحفيد يزيد، وهو مثال الباطل والسوء، فيضرب الدين عرض الحائط، وهو يصور تماماً الحقيقة عن واقعية هذا البيت نحو الدعوة الإسلامية، وموقفه العدائي من دعائم هذه الدعوة، إذ يقول:

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء، ولا وحي نزل..

ليت أشياخي ببدر عرفوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً

ثم قالوا: يا يزيد لا تشل..

ثم سكت أبو معاذ، وهو يتصور هذه المأساة التي رافقت التاريخ الإسلامي من حين ولادته، وحتى يومه الذي كان يعيشه.


وعاود الشيخ حديثه، فيقول:

لم ينكر أحد على البيت الأموي أعمالهم الفظيعة، فالناس على أقسام: بين مؤيد لهم في أفعالهم، ويحمدون أعمالهم، وهم المنتفعون بمالهم وسلطانهم فكمَّت أفواههم عن القول الحسن والكلمة الطيبة، وصمّت آذانهم عما يدور بين الناس من برم وجزع.

والبعيدون عنهم سواءً في مكة، والمدينة، والكوفة، فلم يسمحوا لأنفسهم بالمجاهرة بالاعتراض، والنهي عن المنكر فالأكثر لهم مع الهاشميين ألف ثار وثار..

ولم يبق من الأمة إلا صبابة - كصبابة الاناء - وهؤلاء طحنهم الزمن، وشتتهم حتى لم يسمع لهم صوت..

ان السلسلة واحدة.. فأبو سفيان هو العصب المحرّك لكل هذه الأحداث.. والباقون من آله وأحفاده على خطه سائرون. إن شرارة هذا البيت الخطير كادت تأتي على الاسلام والمسلمين لولا عناية اللّه بدعوته، وبنبيه، والمسلمين.

لقد كان أبو سفيان في بادئ الأمر يدفع أبا جهل وأمثاله الى الحملات القاسية على المستضعفين من المسلمين، واذا ما استحكم الاسلام، وأصبح في منعة من هؤلاء رسم هذا الطاغية مخططاً جديداً بإثارة النعرات الطبقية بين المسلمين.


فلقد التقى مثلاً - ببعض المسلمين الذين دخلوا الاسلام كرهاً وحفظاً لمصالحهم - فقال لهم بكل خبث ومكر: أرأيتم كيف يعمد صاحبكم محمد الى تحطيم معنوياتكم، وتذويب شخصياتكم بحشركم مع الضعفاء والأذلاء والعبيد، أمثال: عمار، وبلال والخباب وغيرهم..

وكان لحديثه في نفوسهم استجابة ووقع، فهرعوا الى النبي فوجدوه جالساً مع ضعفاء المسلمين، وطافت الصورة القاتمة التي زرعها في أذهانهم صخر بن حرب فانفجروا مع الرسول قائلين: ان وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب قعوداً مع هذه العبيد، فإذا جئناك، فأقمهم عنا.. رضخ النبي على مضض وقال: نعم. قالوا له: فاكتب لنا عليك كتاباً، فدعا بالصحيفة، ودعا علياً ليكتب ونزل جبرئيل يبلغ النبي الآية الكريمة:

« وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ » .

فرمى رسول اللّه بالصحيفة، ودعا هؤلاء الضعفاء من المؤمنين، فقال لهم:

«السلام عليكم».. فدنوا منه حتى وضعوا ركبهم على


ركبته.. وكان النبي يجلس معهم، برهة من الزمن فيتركهم فأنزل اللّه تعالى الآية:

« وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ » فكان بعد ذلك لا يفارقهم، حتى يغادروا مجلسه.

ومن هؤلاء الذين نزلت فيهم هذه الآيات الكريمة.. الخباب بن الارت، أبو عبد اللّه من بني تميم كان قيناً يعمل السيوف في الجاهلية، وكان حليفاً لبني زهرة، أصابه سباء في الجاهلية فبيع بمكة، واشترته أم انمار بنت سباع الخزاعية، وأعتقته بعد زمان.

وفي بادئ أمره بلغ مسمعه نبأ الدعوة، فهشَّ قلبه لها وتصيد أخبارها عن محمد ما جلب قلبه له، وبحث عن موضع لقياه فعرف أنه في دار الأرقم، فانساب اليه سراً ليسمع من الداعي مقالته، وجلس الى رسول اللّه فأعجب بحديثه، ولم يرَ في هذه الشخصية إلا الإنسانية الكاملة، والمنقذ الذي يقصد الناس ليخرجهم من ضلالتهم، ولم يعرف من الآيات الكريمة التي تلاها على أصحابه إلا أنها كانت تجلي قلبه من الظلام الدامس الذي كان يرزح فيه.. ولم يضع رجليه خارج دار الأرقم إلا ويرى نفسه مشدوداً اليها، لا يستطيع الانفصال عنها، ولا يسأم من روادها حديثهم العذب، وجلستهم المحببة.


ويعاود الزيارة مرة بعد اخرى، وكلما امتد به الوقت، كان يصهره محمد في إيمانه، حتى بات يشعر في نفسه - وهو يقدم على رسول اللّه مسلماً - انه غير الذي كان بالأمس، سمواً لا يطاوله سمو، وروحية دونها كل روحية.

ويكون سادس المسلمين، ويوسِّع من تلك الحلقة المؤمنة بإسلامه أفقاً جديداً يلمع مع تاريخ الانسانية على مر الأيام ويصبح ظلاً للنبي يلاحقه أينما يكون، إلا عند الضرورات.

وتسرَّب الخبر الى الطغمة المناوئة إن الخباب بن الارت صبا الى الدين الجديد وإذا كان من أبناء الذوات من قريش وغيرها في مأمن من غضبها وعذابها، فهؤلاء الضعفاء لم يكن لهم سند يُخشى، وقريب يمنع، وجاه يصد.

وينعقد مجلس من أندية قريش، ويدخله صخر بن حرب متجهم الوجه، على سحنته جبل من همّ، وعلى كاهله ليل من سهاد.

ويتبارى المستفسرون عن وضعه، وماذا ألمَّ به، فجعله كتلة من الألم.. ويتصنع الغيظ، ويبعثر الكلمات على شدقيه، ويجهد في إخراج القول: لا أستطيع الكلام يا قوم، وخير لي أن أسكت، إذا كانت العرب لا غيرة لها على آلهتها، شاهت الوجوه ذلا..


ولم تكن الكلمات النارية الجارحة التي قذفها ابو سفيان في وجوه الجالسين إلا إيذاناً بيوم أسود ينصب على هؤلاء المساكين الذين حملوا الدعوة عقيدة ورسالة في أعناقهم.. وساد الهرج من كل جانب، وتعالى الصراخ يشق آفاق المجلس: لا تقل هكذا يا أبا سفيان، سوف نسقي سيوفنا من دماء الخارجين على ديننا..

ويحاول زعيم الطغمة ان يضرم النار على أشدها، فالتفت اليهم قائلاً - وهو يدفع الحسرة تلو الحسرة، والآهة بعد الآهة -: كفى.. كفى، فلا فائدة من مقالتكم، وحماستكم فقد انتهى الأمر بالقلة من عبيدنا وخدمنا ان تتحاز الى محمد وهي لا تخشى قوتنا، ولا تهاب سطوتنا.. وامجداه.. لقد ماتت أيامكم على أقدام يتيم بني هاشم، إذهبوا الى بيوتكم واحتجبوا مع نسائكم، فهو خير لكم من قبول هذا الهوان..

وماج القوم، فقد أرعبتهم هذه الكلمات، وأضرمت في نفوسهم العصبية الجاهلية.. وقفز من جوانب الندوة من طاشت الدنيا في عيونهم، وكان يتقدمهم ابو جهل، وهم يصرخون: اليوم.. اليوم.. الساعة.. الساعة.. ولنا مع هؤلاء حساب وحساب.

وقرب دار الأرقم، وقفت العصابة تنتظر أول من يخرج عليها من هذه الدار لتصفي حسابها معه.. وما هي إلا برهة من الوقت، حتى لمحت شخصاً يتسلل منها، واستعد ابو جهل ليطبق


عليه، لكنه تراجع خائباً عندما عرف انه مصعب بن عمير، فهو من شخصيات بني عبد الدار، ويخشى أن يثير عليه قبيلته، حتى وإن كان ولدهم الخارج على آلهة قريش. والتفت الى جلاوزته يأمرهم ان لا يمسه أحد بسوء.. ومرَّ مصعب بن عمير بسلام، وهو يسخر منهم، ويتهكم عليهم.

ودارت عقارب الوقت سراعاً، وفي أثنائها تسلل آخر منها واستعد ابو جهل للهجوم، وما ان اقترب منه حتى أطبق عليه وعلى ضوء القمر الشاحب عرفه الخباب بن الارت، وكاد يطير من الفرح، إنه بغيته التي يترقبها، وصاح بجلاوزته: إنه هو واللات، جرُّوه من شعره، حليف بني زهرة أمره غير مجهد.

وجرَّ الخباب الى مجلس السمر، وكان ابو سفيان بعد لم يغادره، وبدأ في تعذيبه، يتفنن في ذلك، ويتنوع في أذاه وكان الرجل المؤمن كلما ألحَّ القوم في تعذيبه، ازداد ثباتاً وصموداً..

ولم تُجْدِ كل هذه الأساليب في قمع الدعوة، ولا أوقف حماس المسلمين عذاب ابي سفيان وطغمته الفاسدة، رغم انه كان قاسياً ومؤلماً، ويكفي ان الخباب يحدثنا عما لقيه، فيقول:

واللّه ما أعلم أحداً لقي من البلاء ما لقيت، فقد كويت في بطني سبع كيات مرة واحدة، ولولا أن النبي نهى أن يتمنى أحد الموت، لتمنيته..


ولم يكن هذا فحسب، فقد أغرى أبو سفيان وأمثاله مولاته أم أغاربه، وكانت تكره أن يجلس اليه رسول اللّه، فكانت تأخذ الحديدة المحماة فتضعها على رأسه. فشكا ذلك للنبي فدعا عليها فقال: «اللهم انصر خباباً» فاشتكت من رأسها وكانت تعوي مثل الكلاب، فقيل لها اكتوي، فكان خباب يأخذ الحديدة المحماة فيكوي بها رأسها.

وكان المشركون يحقدون على الأبطال من الصحابة لصمودهم وعدم تراجعهم عن عقيدتهم، مع كل ما يعانون من أذى وعذاب.

ولقد سأله مرة عمر بن الخطاب عن أشد ما قاساه من المشركين، فكشف عن ظهره، فقال عمر: ما رأيت كاليوم فقال: أوقدت لي نار، وسحبت عليها، فما أطفأها إلا شحم ظهري..

وترك الخباب بعد أن يأس أبو سفيان من ردعه، وعاد لحبيبه وسيده رسول اللّهقوي القلب، ثابت الجنان، علمته الأيام كيف يشد عزمه على عقيدته، ودللت له الحقيقة مكانته السامية في نفس النبي، وكان هذا ما جعل الخباب يتفانى في سبيل الدعوة.

وأوكل اليه النبي مهمة خطيرة في بدء الدعوة.. وهي تعليم بعض المسلمين القرآن، ممن لا تساعدهم ظروفهم في الذهاب إلى النبي. وكادت هذه المهمة تنتهي به إلى الموت ولكن الخباب لا يهاب كل شيء في سبيل عقيدته.


ويتحدث المتحدثون أنه كاد يقتل بسيف عمر بسبب مهمته. فقد كان عمر بن الخطاب - في أول أمره، وقبل أن يسلم - شديداً على المسلمين، وفيه من الغلظة والقسوة ما ميزته عن غيره عنفاً، وشدة..

وقد خرج يوماً متوشحاً سيفه يريد رسول اللّه صلى الله عليه وآله ورهطاً من أصحابه، وقد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قرابة أربعين نفراً، من رجال ونساء، ممن كان أقام مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم بن عبد اللّه، من بني عدي - وكان مسلماً يكتم إسلامه خشية من قبيلته -، فقال له: أين تريد يا عمر؟. فقال: أريد محمداً هذا الذي فرق أمر قريش، وسفَّه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله وأريح العرب من شره، فقال نعيم: واللّه لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر. أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض، وقد قتلت محمداً! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم، قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد واللّه أسلما وتابعا محمداً على دينه فعليك بهما، قال: فرجع عمر عامداً إلى أخته وختنه، وكان عندهما الخباب بن الأرت ومعه صحيفة فيها سورة (طه) يقرئهما - وكان النبي قد كلفه أن يذهب اليهما في كل يوم يقرئهما القرآن - فلما سمعوا صوت عمر، غيبت فاطمة الخباب في مخدع لها، وأخذت الصحيفة فجلعتها تحت فخذها


وكان عمر قد سمع - حين دنا من الباب قراءة الخباب عليهما - فلما دخل قال: ما هذه الهيمنة (صوت، كلام لا يفهم)؟ قالا له: ما سمعت شيئاً، قال: بلى، لقد أخبرت أنكما تابعتما محمداً على دينه، ولم يتمكن من ضبط أعصابه، بل أخذ ابن عمه سعيداً وضرب به الارض، فقامت اليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها ولما وصل الأمر الى هذا الحد، قالا له: نعم قد أسلمنا وآمنا باللّه ورسوله، فاصنع ما بدا لك، وأثر في عمر منظر الدم الذي جرى من أخته، وندم، وقال: اعطوني هذه الصحيفة أنظر ما فيها، فامتنعت أخته من ذلك خشية أن يمزقها، فأعطاها المواثيق، وحلف بآلهته أنه ليردها لها، فخرج اليه الخباب من المخدع، فحملق فيه، ثم عاد الى قراءة الصحيفة فما زال به الخباب يحدثه ويقنعه حتى اقتنع بالاسلام.

وبعد ثلاث عشرة سنة قضاها النبي صلى الله عليه وآله في مكة، وهو يعاني من ظلم المشركين وجورهم ما اضطره الى الانتقال للمدينة ليكون هو وأصحابه في مجنب من هذا الخطر.

كانت السنين الثلاث الاولى للدعوة لا تتعدى الأفراد الذين آمنوا بالرسالة وبصورة خفية، وحتى اذا أطلت السنة الرابعة أعلن الرسول الدعوة، وأخذ يدعو الناس الى الاسلام جهراً واستمر على ذلك عشر سنين يوافي الموسم كل عام، يتبع الحجاج في منازلهم بمنى، والموقف يسأل عن القبائل، ويأتي اليهم يعرض عليهم الاسلام، لا يمنعه عنف القوم ولا يرده أذى قريش.


يروي أحد المشاهدين: انه في الموسم بمنى، وإذا برسول اللّه يقف على منازل القبائل من العرب، فيقول: يا بني فلان، اني رسول اللّه اليكم، يأمركم أن تعبدوا اللّه، ولا تشركوا به شيئاً وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد، وأن تؤمنوا وتصدقوا بي وتمنعوني، حتى أبين عن اللّه ما بعثني به.

يقول الراوي: وخلف النبي يتتبع أثره رجل أحول وضيء له غديرتان، عليه حلة عدنية، فإذا فرغ رسول اللّه صلى الله عليه وآله من قوله، قال ذلك الرجل: يا بني فلان، إن هذا يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وتؤمنوا بما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوه، ولا تسمعوا منه قولاً.

قال الراوي: فقلت لأبي: يا أبتِ، من هذا الذي يتبعه ويردّ عليه ما يقول؟ قال: هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب أبو لهب..

لكن هذا وأمثال هذا لم يثن النبي عن عزمه في تبليغ رسالته المقدسة فقد استمر، وكلما اجتمع الناس بالموسم أتاهم يدعوهم الى اللّه، وإلى الاسلام، ويعرض عليهم نفسه وما جاء به من اللّه من الهدى والرحمة، وهو لا يسمع بقادم يصل مكة من العرب، له اسم وشرف إلا تصدى له، ويدعوه الى اللّه والهداية والرحمة ولا يهمه ما يناله من الأذى في سبيل ذلك، حتى قال هو صلى الله عليه وآله: «ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت».


وكان الخباب بن الارت من الأصحاب الذين قلّ ان يفارقوا الرسول، صابراً على كل ما يلاقيه من ضيم، مؤمناً بعقيدته الى درجة الفناء فيها.

ولما تفاقم الأمر، وازداد الضغط على محمد وأصحابه، فقد اضطر النبي أن يطلب من المسلمين ان يهاجروا من مكة الى المدينة.. وتسلل المؤمنون في ظلام الليل من مكة تاركين البلد الذي قضوا فيه وطراً من حياتهم سلامة على أنفسهم، الى المدينة حيث الأمان، والأمل المشرق.

وكان الخباب من المهاجرين الأوائل، ولم تضق يثرب بهذه الصفوة المنتقلة الى رحابها، فقد كانت القاعدة الوفية للدعوة الاسلامية، وفيها استمد الدين شموخه، ومنها امتد الى الجزيرة وفي ربوعها عاش الصفوة في مأمن..

وبقي الخباب جندباً الى جنب النبي في كل معركة، ومعلماً وفياً للدين كلما انتدبه النبي لمهمة.

وإذا وفى الخباب لمحمد، فقد كان وفياً لعلي من بعده، بحيث انتقل معه الى الكوفة، ولم يشأ مفارقته، وحتى في معاركه عدا صفين فقد تخلف لمرضه.

وفي عام ٣٧ هجري لبى الصحابي الجليل دعوة الخالق العظيم.. ويقف علي (ع) على قبره، وهو في ألم شديد، وتأثر عميق.


وانحدرت الكلمات من أعماق الإمام تؤبن هذه الشخصية الفذة:

« رحم اللّه خباباً، لقد أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلى في جسمه أحوالاً، ولن يضيع أجر من أحسن عملاً.. طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف ورضي عن اللّه عز وجل».

وماجت دموع الوفاء في عيني الإمام على هذا الصحابي الذي عانى في سبيل عقيدته من ظلم ابي سفيان وحقد طغمته ما يجزع منه الوصف، وخلد له ذكراً مشرقاً مهما امتدت الأيام بعمرها.



بلال بن رباح الحبشي


ونشر الليل أبراده، وانعقد مجلس الشيخ أبي معاذ، وافتتح حديثه قائلاً: ولنا مع بلال في هذه الأمسية، ما نقطع به وحشة الليل، ووجومه.

فلقد انتشر النبأ في أطراف مكة أن بلال بن رباح الحبشي مولى أمية بن خلف قد أسلم، وعلم مولاه بهذا الخبر، وعظم عليه، وفكر في أمره، وكيف يؤدبه؟ ولقد ثقل عليه أن تلوك العرب بيته، وترميه بتحدي آلهتها.

وفي حمة الغضب أرسل على بلال. ومثل بلال بين يديه.

ماذا يريد مني مولاي؟

لقد هالني ما يتحدث به العرب في مكة من أن بلالاً صبا لدين يتيم قريش أهذا حقاً؟.

ووجم بلال، وطافت على سحنته سحابة حزن ماذا يقول؟


أينكر الحقيقة، أم يجابه مولاه بالصراحة، وعسى اللّه أن يفتح عليه بالفرج.

فصمت بلال دقائق معدودات، وكان سكوته بمثابة جواب صريح لأمية، إنه - جواب العقيدة - واضح في معالمه وقسماته لقد ارتسم الجواب على وجهه جلياً.

واستشاط أمية غضباً فصرخ بوجه بلال أتسكت وفي عينيك الجواب الصريح؟

وشهر السيف في وجهه يلوح له بالقتل، والشر يتطاير من كل جارحة فيه.

ونطق بلال، وفي نطقه رنة إيمان، وصدق عزيمة وتجمل بالصبر.

يا أمية لا ترهقن نفسك آمنت برب محمد، وانخرطت في دعوته وأنا متحمل كل ما يترتب على ذلك.

وكان هذا الجواب بمثابة قنبلة فجرها بلال في كيان مولاه فما أن سمع منه هذه الصراحة المتناهية حتى أخذ يزبد ويرعد ويصرخ ويتوعد، ثم نهض وهجم على عبده ومسكه من شعر رأسه وجلد به الأرض، وهو يجره جراً.

- لا بد يا بلال أن ترجع عن دعوة الاسلام، يا للعار والشنار.


وبلال يقابل هذا العقاب، وقلبه كزبر الحديد، لا يهاب قسوة الوحش، ولا يلين لبطشه، ولا ينهار أمام وعيده.

وبكل هدوء يخاطبه الانسان العبد المضرج بدمه:

- يا أمية لا ترهق نفسك وأنت شيخ كبير، إن كل هذا أتحمله منك ولا أعود عما أنا قادم عليه إن دين اللّه هو الحق وان اللّه وحده لا شريك له وهو للظالمين بالمرصاد.

ويغشى على بلال من شدة التعذيب، فيتركه مولاه جثة تشخب الدماء منها، ونفَسه يكاد يجمد على منخريه فلا يتحرك أي جزء منه إلا نبضات قلب بطيئة الدق سريعة الإيمان.

وفي مجلس من مجالس قريش، وقد ضم الكثير من سراة القوم، يقبل على أمية بن خلف، شيخ قد هدمته السنون ليعانقه ويطبع على جبينه قبلة، ثم يلتفت إلى الجالسين وكأنه شعر بأن الجمع قد أكبر منه هذا الفعل.

يا قوم: إن أمية قد انتصر لآلهتنا اليوم، وردَّ كيد محمد وسحره.

وطافت على وجوه الجالسين علائم الدهشة والاستغراب وتعالت الأسئلة من كل جانب عن موقف هذا الرجل الذي انتصر للات، والعزى.


فسرد عليهم أمية بطولته مع بلال، وكيف تركه جثة أثقلتها الجراح، ويصعب عليه الحراك.

وشق على بعضهم أن يموت بلال، وهو لم يرَ من التعذيب إلا أقله، إن هذه الصفوة التي صبَت لدين محمد تشكل خطراً كلياً على هذه الجموع، وكان المشركون يتفننون في تعذيب هؤلاء المستضعفين ويصبُّون عليهم أقسى التنكيل، ومختلف العذاب. ولكن الأمر صار على العكس، فإن هذه المظاهر العدائية الحاقدة من المشركين كانت تبعث المسلمين الأولين إلى التفاني في مبدئهم وتحمل أنواع التعذيب دون التراجع عن عقيدتهم.

فالإيمان بالمبدأ إذا ما تركز في نفس الانسان تحمل في سبيله أي شيء، فلا يخيفه التعذيب، ولا يرهبه التنكيل، إنما العكس كل العكس في ذلك، فقد يزداد المرء صلابة، وثباتاً، ورسوخاً في عقيدته أمام كل هذه المظاهر العذابية.

وهذا ما نراه جلياً في أبطالنا الاسلاميين، أمثال بلال، فقد كان إيمانهم يزداد، وتفانيهم يتوقد كلما تحالفت قوى المشركين على تعذيبهم وإرهابهم، وكلما ساموهم أنواع الألم والأذى.

والتفت أحد الجالسين الى أمية بن خلف، مخاطباً: لو نرسل أحداً الى بلال فيستقصي لنا خبره هل مات، أم لا زال على قيد الحياة؟


وذهب الرسول بحمل آمال القوم في مصير بلال او خيبتهم ويرى الرسول بلالاً بعد حياً، فيسرع يزف البشرى الى أسياده وينفحهم بالخبر كأنه كل آمالهم، ويحفزهم عليه بكل ما يستطيع من لباقة.

لقد رأيته وهو مقوس الظهر في جذوة الشمس، وشفتاه تتمتمان بشيء لم أفهمه، وتقربت منه، وأدنيت أذني اليه، وعيناه لا تبصران من حوله فقد تجمد عليهما الدم. وسمعته يقول ويا لهول ما سمعت!!..

وتصاعدت الوجوه اليه، وحملقت العيون فيه، وامتدت الألسن كأنها تلوكه، ووجم عنترة من هذا المنظر، وماتت الكلمات في فمه.

وصاح به سيده وهو يكاد يتقطع من الغيظ: ماذا بك يا عنترة ولماذا لا تتكلم؟

وانطلق لسانه بعد صمت: لقد سمعته ويا لهول ما سمعت.

سمعته يرتل:

يا اللّه يا رب محمد، يا رب الأرضين والسموات، وحدك وحدك لا شريك لك، ساعد محمداً على دعوته، وانجه من عذاب الظالمين، وقوِّنا على تحمُّل غضب أعدائك.. وما أن سمع عنترة


ذلك حتى انعقد لسانه، وامتد الذهول الى الجالسين، ومرّت بهم لحظات كأنها السنين العجاف في ثقلها.

وأخرج أمية القوم من ذهولهم قائلاً:

- يا إخوان ما رأيكم في هذا الحبشي أأقتله وأستريح؟؟

- لا يا أمية لا تتعجل بقتله. إن في تأديبه لفائدة. تفنن في تعذيبه.

- دونكم الرجل فاعملوا به ما تشاؤون.

- لا نريد ان نتدخل بين العبد وسيده إنما نشير عليك.

فصاح أحدهم: ولماذا لا نتولى نحن مجتمعين تعذيبه بدلاً من أمية؟.. فالتفت اليه أحد الجالسين وهمس في أذنه: دعه يموت على يد صاحبه، كي لا نخسر قيمته.

وامتد بالجالسين الوقت حتى حانت الظهيرة، وقبل أن يتفرقوا اقترح البعض منهم ان يذهبوا مع أمية لمشاهدة بلال فلاقى هذا الطلب من نفس أمية كل الارتياح، ورافق الرجل بعض من القوم حتى إذا أشرفوا على بيوت أمية، ألفوا بلالاً ممدوداً في ظل جدار، مقوس الظهر من الألم.. وأشار أمية اليه. إنه بلال.

وتضاحك المشاهدون، وأكبروا بطولة أمية وحرصه على حفظ مجد آلهتهم.


ودارت الأيام خفافاً وتعقبها أيام، وإذا بأمية بن خلف تكون مهمته أن يخرج بلالاً كل يوم إذا حميت الشمس في الظهيرة ليطرحه على ظهره في رمضاء مكة، ثم يأمر بأن تحمل صخرة كبيرة عنده فتوضع على صدره، ثم يصرخ في جلاوزته: لا ترفعوها عنه حتى يموت او يكفر بمحمد، ويحيد عن دعوة الاسلام.

ويطول الانتظار بالمعذِّبين فلم يسمعوا من بلال الذي ملأ الإيمان قلبه ثقة واطمئناناً إلا هذه الآيات:

« قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ * اللَّـهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ » .

ويزاد غيظ أمية ويتضايق من عبده، وكلما حاول أن يقتحم إيمانه وصموده فيقتله، يطلب منه أصحابه أن لا يعمد على فعلته، إنما يزيد في تعذيبه ليجعله عبرة للباقين.

وهيهات فالمسلمون أخذوا بالازدياد، وأصبح لا يرهبهم العذاب، ولا يخيفهم التنكيل، وأمر الرسول صلى الله عليه وآله بأن يفاتح أمية بن خلف في شرائه.

وتقدم بعض الصحابة المتمكنين الى أمية، واستوهبوه من مولاه إزاء مال وفير.


وأشرقت شمس الحرية على بلال، والرسول الأعظم يتعهده بعطفه وحنانه، وماذا بعد هذا فإذا هو بعد أيام مؤذن رسول اللّه، لا يفارق النبي الكريم في حله وترحاله.

وتزحف جيوش مكة على المدينة، ولم يمر على الهجرة عام ونصف عام فقد سمعت قريش أن محمداً قطع الطريق على قافلة لها عائدة من الشام بقيادة أبي سفيان، وروعهم أن يكون الغازي لمالهم وتجارتهم محمد.

وعلى بئر (بدر) - وهي على مقربة من المدينة - تقابل الجيشان لم تكن النسبة متقابلة بين الطرفين، لا في العدة، ولا في العدد.. فقد كانت قريش بجمعها ما يعد بألف أو يزيد عليه والمسلمون لم يتجاوزوا الثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ويتقدم جيش المسلمين علي بن أبي طالب، وسعد بن معاذ، يحمل الأول راية المهاجرين والثاني راية الأنصار.

والتقى الجمعان في معركة ضارية، تساقط فيها الأبطال من قريش، وتناثرت قوتهم، ودب الذعر فيهم، بحيث لم يبصروا طريقهم من الخوف والهلع. وانتصر المسلمون في المعركة..

وتوزع المسلمون في الميدان يتعرفون على القتلى، وينقذون الجرحى ويمر عبد الرحمن بن عوف يحمل ما سلبه من القوم في طريقه إلى مضارب المسلمين إذ برجلين يلوذان بالقتلى، كي لا يبصر


بهما أحد. ويرتفع نداء متقطع أثقله الهم، وأتعبه الجزع. يا عبد الرحمن، ويلتفت الرجل إلى مصدر الصوت فيلمح الرجلين ويقصدهما، ولما دنا منهما عرفهما: أمية بن خلف، وولده علي بن أمية - وكانت بينهما صداقة في الجاهلية - قال له أمية: هل لك فيَّ، فأنا خير لك من هذه الأنواع التي معك - وكانت بيده أدرع سلبها - قال: نعم، قال: نحن في حمايتك. فطرح ابن العوف الأدرع وأخذ بيد أمية وابنه، ومشينا، وأمية يقول: ما رأيت كاليوم قط.

واسترد أنفاسه، ومسح عينيه من الغبار الذي علق بهما وجال بنظراته الشاردة الى المعركة، ثم التفت إليّ وقال: من الرجل منكم المُعلم بريشة نعامة في صدره؟ قلت: ذاك حمزة بن عبد المطلب، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل.

وهما بهذا الحديث، ووجهتهما مضارب المسلمين، إذ لمحوا بلالاً مقبلاً فاضطرب امية بن خلف، وبانت الصفرة على وجهه. هذا بلال الذي كان بالأمس يعذبه، فيلح في تعذيبه، ويقسو عليه فيتمادى في قسوته. وماذا سيكون مصيره معه الآن، ويعود فيُطَمئن نفسه أنه مع عبد الرحمن بن عوف شخصية له مكانة بين المسلمين فسيدفع عنه الموت.

ويقترب بلال من المقبلين، ويعرف أمية بن حلف وابنه فيصيح في وجهه: رأس الكفر امية بن خلف، لا نجوتُ إن


نجوتَ، فيقول له ابن عوف: يا بلال انه أسيري، وحميته، قال بلال: لا نجوتُ ان نجوتَ. فاحتد عبد الرحمن، وصاح ببلال: أتسمع يا ابن السوداء أنهما في حمايتي، فلم يهتم لحديثه بلال بل صاح:

يا أنصار اللّه، هذا رأس الكفر امية بن خلف. أنسيت أيها الظالم ما كنت تعمله بنا. كنت الى الرمضاء اذا حميت، فتضجعني على ظهري، ثم تأمر أن توضع الصخرة العظيمة على صدري، ثم تقول: هكذا تبقى، حتى تفارق دين محمد.. نسيت هذا يا ظالم، ولذت بابن عوف لينجيك من الموت. لا نجوتُ ان نجوتَ، وأحاط وجماعته بالأسيرين، يقول ابن عوف: وجعلونا في حلقة كالسوار، وأحدقوا بنا وأنا أذب عنهما، وأدفع وأصيح بهم احفظوا من حميتهم، ولكن دون جدوى.

فقد ضرب أحدهم بالسيف علياً فوقعت على رجله، فوقع مضرجاً، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط، قال ابن عوف فالتفتُ إلى أمية وقلت له: أنج بنفسك، فواللّه ما أغني عنك شيئاً، ولكن الرجل ما كان يود مفارقة ابنه وهو يصارع الموت ولم تمض لحظة، حتى رأيت بلالاً يتهوى عليهما بالسيف، ويتناوبه اخوان من كل جانب، حتى قطعوهما، وأنا لا أملك شيئاً، وأمام النبي صلى الله عليه وآله وقف ابن عوف يقول: يرحم اللّه بلالاً ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيري.


ويرمق النبي بلالاً، وهو يرفع يديه إلى السماء ويقول:

«الحمد اللّه الذي ساعد بلالاً على أخذ الثار ممن عذبه».

وبقي بلال مجاهداً مع النبي في حروبه وغزواته.. وبعد أن لبى الرسول نداء ربه، انتقل بلال الى الشام، وبقي فيها حتى فارقت روحه الطيبة بدنه.

وهكذا سجل التاريخ صفحة عن بلال تزهو بالمجد والبطولة الإنسان الذي تحمل في سبيل عقيدته أنواع العذاب والأذى، حتى ازدهر الإسلام، وقويت كلمته، واندحر أعداء اللّه.



المِقداد بن الأسود



وأقبل الشيخ أبو معاذ في هذه الليلة، وهو يحمل لأصحابه حديث (بدر)، وبدأ حديثه بصوته الهادئ الرزين، وأسلوبه الجميل الجذاب، يشدّ المستمعين اليه، قال:

أيها المسلمون: «هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا اليها لعل اللّه ينفلكموها».

وبهذه الفقرة القصيرة، استنفر رسول اللّه الناس على أبي سفيان - زعيم المشركين - وهو عائد بتجارته من الشام.

فقد كفى ما عاناه المسلمون من قريش، وعنتها وبغيها وظلمها. ولماذا يبقى المسلمون في تلكؤ، وقد أصبحت من القوة بما يمكنها من مقابلة المشركين، بعد أن ذاقوا منهم الويلات واضطروا الى هجر مكة، والإقامة بالمدينة.

والرسول الأعظم لم يقم بعمل سلبي تجاه قريش وأحقادها - طيلة هذه المدة - إلا لأنه لم يلمس في أصحابه العدة والعدد


لمقابلة القوم فكان موقفه الدفاع. أما وقد رأى فيهم بعض الإمكانية، فلماذا لا يحرك النفوس، ويمرنهم للهجوم.

وكانت خير مناسبة هي اعتراض قافلة أبي سفيان، وهي بتجارة قريش تؤوب من الشام، اشترك فيها أهل مكة جميعهم بحيث لم يبق رجل ولا امرأة استطاعوا أن يسهموا في هذه القافلة إلا فعلوا، حتى قدرت بخمسين ألف دينار.

ولهذا فقد خف الكثير من المسلمين عند أمر النبي لهم بنهب القافلة كما تثاقل جماعة عن الخروج تحسباً للمشاكل التي تستتبعها.

يا أبا الحارث: أسمعت نداء الرسول، وهل أنت ملبيه؟.

نعم يا أبا معبد.

جزاك اللّه خيراً يا أبا الحارث.

وكان المقداد بن عمرو البهراني، والمقداد بن الأسود، أبو عبد اللّه، يهمه كثيراً أمر صاحبه أبي الحارث عتبة غزوان، فقد كانا مسلمين يتكتمان بإسلامهما في مكة، ولم يتمكنا من التظاهر في الهجرة مع المهاجرين، وبقيا ينتظران الفرصة المناسبة..

وأعلن المشركون أن جيشاً بقيادة (عكرمة بن أبي جهل) يتوجه لغزو محمد، وفي عشية اليوم يزحف القوم.. وقصد عتبة صاحبه المقداد.


يا أبا معبد، مناسبة رائعة لو نخرج معهم، وعندما نصل إلى جيش المسلمين ننحاز لهم.

نعم الرأي ما تقول.. وانضما إلى الجيش الزاحف. وبلغ الرسول الأعظم نبأ هذا الزحف، فأرسل سرية من المسلمين يتراوح عددها بين الستين، والثمانين نفراً وكلهم من المهاجرين وليس فيهم من الأنصار أحد، وأمر عليهم عبيد بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف.

وسار المسلمون حتى بلغوا ماء في (أسفل ثنية المرة)، ولم تقع بينهما حرب إذ انتهت باتفاق، وانصرف المشركون عائدين إلى مكة..

وكانت اللحظة الحاسمة بالنسبة للمقداد وعتبة، فلم يكد ينشغل جيش العدو بأمر عودته، حتى فرَّ المقداد وصاحبه إلى المسلمين.

واستقبلهما المسلمون بكل ترحاب، وعند عودتهم إلى المدينة رحب الرسول بالمقداد فقد كان من أصحابه الأوائل.

واستمر المقداد بصلته، فلم يكن جديد عهد بالإسلام فهو سابع رجل آمن بالدعوة، وكان يروي الرسول أن اللّه أمر بحب أربعة: علي وسلمان وأبي ذر والمقداد، ولهذا عندما وصل إلى المدينة، كان أحد المقربين إلى رسول اللّه، والملازمين له.


وكان المقداد متحمساً - بعد أن وصل الى المدينة - لنهب قافلة قريش، وخاصة أن الرسول صلى الله عليه وآله يريد ذلك.. ولم يخف على أبي سفيان، وهو في طريقه الى مكة، أن رسول اللّه استنصر أصحابه على قافلته، فأرسل رسولاً عاجلاً الى قريش يوقفهم على النبأ، وعلمه كيف يثيرهم.

ودخل الرسول مكة، وقد قطع أذني بعيره، وجدع أنفه وحول رحله، ووقف هو عليه، وقد شق قميصه من قُبل ودُبر وهو يصيح:

يا معشر قريش! اللطيمة اللطيمة، أموالكم مع أبي سفيان وقد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها. الغوث الغوث.

وهزّ هذا الصياح أرجاء مكة، ووقف الناس كلهم على أهبة الاستعداد، لا بغضاً بمحمد، ولا حباً لأبي سفيان، إنما لكل منهم نصيب في هذه العير.

وهذا لم يمنع أبا جهل، وعقبة بن أبي معيط أن يأتيا الى المسجد وبيد عقبة مجمرة فيها بخور، وبيد أبي جهل مكحلة ومرود، وهما يتنقلان بين المتقاعسين من الخروج لنصرة عير ابي سفيان، يقولان له: استجمر فإنما انت من النساء، او اكتحل فإنما انت امرأة..


وتحشدت قريش استعداداً للزحف، ودار في كل بيت حديث لهم. انها المرة الاولى، فلو تم لمحمد ما اراد لم تبق لقريش مهابة بعدها.

ان قريشاً وغير قريش من الذين ضاقوا ذرعاً بهذه الدعوة الفتية، كانوا يخشون هذا اليوم، الذي كانوا يحسبون له كل الحساب.

فهذا محمد الذي تحدثوا عن دعوته كلما جال على لسانهم من بذيء القول وخشن الكلام، وصبّوا على أتباعه وأصحابه كلما في طاقتهم من التعذيب، والتعسف، وإذا بالأيام تدور، وتصبح له القابلية على مقابلتها، فيعتزم مهاجمة عيرها.

وتصل اخبار قريش الى الرسول تباعاً، وهو بالمدينة يتأهب للخروج، ويجمع اصحابه في رحبة المسجد، ليخبرهم بتصميمه على الغزو، ويطلب رأي المهاجرين، وإذ ضعُفت نفوس وتخوفت اخرى بعد ان بلغهم ان قريشاً زحفت بصناديدها وقف المقداد وسط الجمع بكل جرأة يقول:

يا رسول اللّه، إمض لما امرك اللّه فنحن معك، واللّه لا نقول لك، كما قالت بنو اسرائيل لموسى:« فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ » ، ولكن اذهب انت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا الى برك الغماد(١)

_________________________________

(١) برك الغماد: موضع بناحية اليمن، ويقال: هو أقصى هجر.


لجالدنا معك، وقاتلنا من بين يديك، ومن خلفك، وعن يمينك وعن شمالك.

فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله خيراً ودعا له، وأشرق وجهه وسرَّه، وأعجبه.

قال ابن مسعود: تمنيت هذا الموقف من المقداد أن يكون لي هو أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس.

ثم التفت النبي للأنصار، وقال: أشيروا عليَّ أيها الناس.

قال له سعد بن معاذ: واللّه لكأنك تريدنا يا رسول اللّه.

قال النبي: أجل.

قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول اللّه لما أردت، فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصُبر في الحرب، صُدق في اللقاء، لعل اللّه يريك منا ما تقرَّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة اللّه.

وما أن أتمّ سعد كلامه حتى هلهلت امرأة من الطرف الآخر وهي تقول: مرحباً بك يا سيدنا لا فضَّ اللّه فاك.


والتفت القوم كلهم اليها، وبدت عليهم الفرحة، هذه هي النساء والرجال تشدُّ أزر رسولها في عزيمته، والبشرى تطفح على وجوههم، والإيمان يقوي نفوسهم، ويدور همس بين القوم من المستبشرة؟ إنها (ام عمارة) يا رسول اللّه، ومعها لمة من نساء الأنصار يعرضن أنفسهن للنصرة.

جزاهن اللّه خيراً فليرجعن الى أخبيتهن، ففي الرجال الكفاية.

لقد اندفع أصحاب النبي الى الاستعداد، فقد بلغ الأمر أن يتنازع الأب والابن على الخروج، يقول القائلون:

تنازع سعد بن خيثمة مع أبيه أيهما يبقى مع النساء، فقال سعد لأبيه: إنه لو كان غير الجنة آثرتك به، إني لأرجو الشهادة في وجهي هذا، فقال خيثمة: آثرني وقرّ مع نسائك، فأبى سعد، فقال خيثمة: إنه لا بد لأحدنا من أن يقيم فاسهما، فخرج سهم سعد، فقتل ببدر.

ويتحدث المتحدثون - أيضاً -: ان عمير بن ابي وقاص كان صغيراً، فأخذ يتوارى عندما استعرض رسول اللّه أصحابه فقيل له: لماذا تعمل هكذا يا عمير؟ فقال: أخاف أن يراني رسول اللّه صلى الله عليه وآله فيستصغرني، فيردني، وأنا احب الخروج، لعل اللّه يرزقني الشهادة. فعرض على رسول اللّه صلى الله عليه وآله فاستصغره فقال له: ارجع، فبكى عمير، فأجازه. وكان يقصر له حمائل سيفه لصغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة.


وأعلن الرسول ساعة الرحيل في صباح لم تشرق فيه الشمس بعد من أيام رمضان في السنة الثانية للهجرة، وعددهم لم يتجاوز الثلاثمائة وخمسة أشخاص.

قد ملكوا من الإبل سبعين بعيراً، وكانوا يتعاقبونها، حتى رسول اللّه، فقد أردف خلفه علي بن ابي طالب، وزيد بن حارثة وذكر ان المقداد كان فارساً.

وكانت راية المهاجرين بيد علي بن ابي طالب، وراية الأنصار - من الأوس والخزرج - مع سعد بن معاذ.

وبعد قليل صاح رسول اللّه بأعلى صوته:

«سيروا وأبشروا فإن اللّه تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين واللّه لكأني الآن أنظر الى مصارع القوم».

وعلى جانبي الطريق وقفت نساء المهاجرين والأنصار يودعن الركب الراحل بقلوب مفعمة بالإيمان والإجلال، وزغردات تبشر بالنصر والمجد.

ولم تمضِ أيام حتى تقابل الطرفان يستقبلان الحرب ورفع رسول اللّه يديه إلى السماء قائلاً:

«اللهم إنك أنزلت عليَّ الكتاب، وأمرتني بالقتال، ووعدتني إحدى الطائفتين وأنت لا تخلف الميعاد، اللهم هذه قريش قد


أقبلت بخيلائها وفخرها، تخاذل وتكذب رسولك. اللهم نصرك الذي وعدتني به».

ودارت رحى الحرب سجالاً يجول إمام المسلمين علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب وغيرهما من أبطال المسلمين الأشاوس يكشفون الغبرة عن وجه المسلمين، ويجندلون الأبطال من المشركين، وكانوا يكرون على الأعداء وعلي يصيح، وهو يضرب بطلاً من أبطالهم، خذها وأنا ابن أبي طالب، فيجيبه حمزة، وهو يشد على الفارس منهم ويجندله، ويصيح: خذها وأنا ابن عبد المطلب، وهكذا بقية المغاوير.

وما هي إلا فترة من الزمن حتى وضعت الحرب أوزارها وانتصر المسلمون ولاقى من المشركين حتفه كل من أبي جهل وأمية بن حلف، وعتبة وشيبة والوليد بن عتبة، وغيرهم من قادة المشركين.

وانهزمت قريش شر هزيمة، حتى نقل عن عبد اللّه بن عمرو بن أمية قال: أخبرني من انكشف من قريش يومئذ منهزماً وإنه ليقول في نفسه: ما رأيت مثل هذا فر منه إلا النساء.

وقال آخر: شهدت مع المشركين بدراً، واني لأنظر إلى قلة أصحاب محمد في عيني، وكثرة من معنا من الخيل والرّجل فانهزمت فيمن انهزم فلقد رأيتني، وإني لأنظر إلى المشركين في


كل وجه، واني لأقول في نفسي ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء..

وطوت المعركة أنفاس عتبة، وشيبة، والوليد بن عتبة وأبي جهل، وأمية بن خلف وأمثال هؤلاء الطواغيت، ولكن أبا سفيان لم يخمد، وهو رأس الفتنة، وزعيمهم.

وجنَّ الليل، وقد هدأت الأنفاس المتعبة من ثقل الحرب وهوَّمت العيون، التي أرهقت من يوم عسير الحركة، دامي الوجه.. فخرج رسول اللّه، ومن خلفه من اصحابه يحرسونه منهم علي، والمقداد، ووقف على البئر - الذي أمر فطرح به جثث المشركين - وقال:

«يا اهل القليب، يا عُتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة ويا امية بن خلف، ويا ابا جهل، - ثم أتى بأسماء بعض من كان منهم في القليب -: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً.. يا اهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني، وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً؟».

فقال المسلمون: يا رسول اللّه، أتنادي قوماً قد أجيفوا قال: «ما أنتم بأسمع لما اقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون ان يجيبوني».


وعاد المسلمون الى المدينة والنصر يرفرف عليهم، ولكن الأيام لم تدع المسلمين في راحة. فقريش لم تنم على ضيم، وبقيت تلاحق النبي كلما ساعدتها ظروفها من غزوة الى اخرى، والمقداد الذي اخلص لنبيه، وآمن بدعوته، كان لساناً صادقاً له، وسيفاً مخلصاً في وجه أعدائه، لم تمنعه مانعة عن مصاحبة نبيه في غزواته ولا تقاعس عن نصرته لحظة ما.

وآخى الرسول صلى الله عليه وآله بين المقداد، وبين عبد اللّه بن رواحة وقيل بينه وبين ابي ذر الغفاري..

وكان موقفه المشرف يتجلى مع علي بن ابي طالب بعد وفاة الرسول، فقد وفى له، يخوض غمار الموت دونه، ويدفع عنه الأخطار ما استطاع، وشهد فتح مصر ولم يتخلف عن واجبه الديني، فهو جندي في ساحة الميدان، وموجّه في مضمار الدعوة وأمين على الدعوة يوم تزعزع الناس.

رحم اللّه المقداد، فقد كان من الفضلاء النجباء، الكبار الأخيار من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وممن رعاهم بعنايته، حتى روي عنه انه قال أكثر من مرة:

«أمرني ربي يحب اربعة، وأخبرني انه سبحانه يحبهم وهم: علي، وابو ذر، والمقداد، وسلمان».


وفي عام ٣٣ لبى نداء ربه في ارضه بالجرف، وحمل الى المدينة فدفن بها وكان ابن سبعين.

وإذا مرَّت هذه السنين الطوال على وفاة المقداد، فله في أفكار المسلمين ذكرى عطرة، وصفحة مشرقة تمتد مع الأيام وشروق الاسلام.



أبو رافِع


- أسمعت أحاديث مكة وشعابها، يجتاح شيوخها، ويمرّ بكهولها، ذلك حديث فتى عبد المطلب، ودعوته الجديدة.

حديث شيق يا أبا مناف، ينساب إلى قلبي انسياب العطر.

- كفى. كفى يا وليد. أفيك قوى لتحمل سوط قريش ومكاويهم الحديدية. اسكت بحق صاحب هذا البيت. هذا الشيخ أقبل علينا، وأخشى أن يكون أحد من القوم فيصيبنا بسوء.

وأقبل الشيخ يقترب رويداً رويداً حتى إذا وضح لهما فإذا به (أبو رافع مولى العباس بن عبد المطلب) وقد عَلَت ثغره الأسود ابتسامة مشرقة، وانضم إلى صاحبيه.

كيف أنت يا أبا رافع اليوم، أذهبتَ إلى دار الأرقم، أسمعت من حديث الرسول محمد صلى الله عليه وآله أعذبه وأنداه.

لو أتيت هذه الليلة معنا يا أبا مناف لرأيت من عطف نبي الرحمة الشيء الكثير.


وظهر على القوم دفعة أمية بن خلف، وقد علته موجة من السخط والكراهية، ومر بهذه الحلقة، ويكاد لا يلتفت لها، وخيم الوجوم على الجالسين، ولكن ما ان اجتاز الثلاثة بخطوات حتى عاد وألقى نظرة عليهم، وما إن وقعت على أبي رافع، حتى هجم عليه والشرر يتطاير من عينيه، وأخذ يلعب بسوطه على جسمه دون رحمة وشفقة، وأبو رافع يتلوى بين يديه، وإذا ما كلت يداه من الضرب، وقف وهو يسحب أنفاساً مهترئة، وهي تكاد تلفح وجهه بلهيبها.

والتفت اليه وهو يهذر بصخب: لو عدت لدار الأرقم لكويتك بالحديد.

وزحف ابو رافع وهو يجمع قواه يئن من آلامه ليذهب تواً الى بيته، وعيناه قد شدت الى الكعبة، وهو يتمتم كلمات تكاد تموت على شفتيه لانهيار قواه.

كان ابو رافع يجتمع في بادئ امره بإخوان له من موالي العرب، وكانت احاديث دعوة محمد تلهج بها أندية مكة وحلقات سمرها. وابو رافع يستمع لها بشيء من الاهتمام، وكلما تعرف على جديد من تلك الأخبار، خفق لها قلبه، ونبض صدره، غير انه لا يعرف سر هذا الخفقان، وتلك النبضات المتوالية، وبمرور الزمن انحاز الى اخبار الدعوة الجديدة، وتتبع احاديثها، بكل شوق ولهفة وحتى اصبح يوماً ما من جملة أعضائها.


ولكن ابا رافع ما كان في امكانه - وفي وقته المبكر - ان يجهر بأمره، وان كان في الواقع في منعة من ظلم قريش، لأنه مولى العباس بن عبد المطلب، وللعباس حرمة ومكانة.

وبطبيعة الحال كانت قريش تستأثر بحديث الرسول بالقسط الأوفر، من يومها، لأن الأمر كان يتعلق بهم قبل كل قبيلة فهو ان جلس الى فتيان اسياده، كان يلتهم احاديثهم عن الدعوة وان كان بعضهم لم يمل اليها، أو لم يعلن إسلامه بعد.

حتى كان يوم تحدثت مكة بصراحة عن إسلام العباس نفسه فطار ابو رافع فرحاً بهذه البشارة، وأزاح عن كاهله ثقلاً كبيراً ثقل الكتمان والتستر.

وعرف الناس بعدئذ ان ابا رافع من جملة الذين انضموا الى دعوة محمد رسول اللّه، ودخل يومها ابو جهل الى البيت وهو يحرق الارم، والتقى بزمرته وصاح بغضب متناهي حتى أبي رافع ذلك المولى القبطي صبا لدين فتى عبد اللّه، وحق اللات والعزى ان ظفرت به لأتركه طعمة للوحوش، وأشفي بدمه غليلي. ولكن رجلاً من القوم التفت اليه وقال: مهلاً يا أبا الحكم لا تظهر قواك على الموالي والضعفاء، أما علمت أن العباس نفسه قد تبع محمداً، فلو كنت شجاعاً لذهبت اليه، وتركت جسمه طعمة للوحوش، كما نويت أن تعمله مع ابي رافع؟.

وسكت ابو جهل على مضض، وفي قلبه شعلة من حقد، لقد


ضاق ذرعاً بما يطوي عليه نفسه، وقد أخذ امر المسلمين يشيع وينتشر، ويتلقاه الناس بكل مسرة واستبشار، ويستقبلون كل يوم اسماً جديداً ينداح لحوزة النبي كما ينداح العطر في الروضة الغناء، فتلهج أندية مكة بحديثه، حتى اذا ما أطل اسم جديد لهجت بذكره، ولاكت حديثه، والناس تواقة لكل جديد وهكذا دواليك.

وتحدث العرب عن اسم أبي رافع كشخص جديد لمع اسمه ثم حرره الرسول بشارة لإسلام العباس، واستطال الحديث الى ان هذه الدعوة تحاول تحرير الرق وترك هذه العادة السقيمة وهذا ما يثير الرعب في قلوب الكثيرين، وتكون لأبي رافع مكانة لدى الصفوة الطيبة من المسلمين، وكيف لا تكون كذلك والرسول الأعظم يعطف عليه لأنه من هذه المجموعة المستضعفَة التي اكتوت بعذاب قريش وهي تزداد صلابة كلما تفنن الكافر الأرعن في أساليب التعذيب والإبادة معهم.

فأمس تحدثت مكة عن اسلوب الطغاة في معاقبة ياسر وعمار وأمه، وبعد برهة تحدثت عن تعذيب بلال والخباب، ولقد كانت مكاوي الحديد المجمرة تلمع في أيدي ابي جهل وجلاوزته وهي تترنح على أجسام هؤلاء المستضعفين الذين صبوا الى دعوة الرسول، فلم ترقّ لهم قلوب ولم تلِنْ لهم نفوس.

وهاجر النبي الى المدينة، تاركاً مكة وقريش وحقدها


وضغنها، ولم تمر الأشهر على الطغاة بالشروق والأمل، فقد عزَّ عليهم، أن يسلم محمد وأصحابه، ويتوطد أمر دعوته في يثرب وكانت تتحين المناسبة للهجوم عليه، حتى كانت (بدر).

وكان اجتماعهم في دار الندوة عاجلاً للبتّ في طلب ابي سفيان وقرروا الاستجابة للطلب وكان من بدر ما كان.

وبقي في مكة من بقي يتصيد الأخبار، ويتعرف على المسافرين، علَّهم يحملون من أخبار قريش ما يسعد يومهم وينير ليلهم.. وعاشت مكة ردحاً من الزمن على أعصابها لم يبلغها قدوم أحد، إلا وهرعت اليه.. وانقطعت الأخبار وكادت القلوب المتلهفة لسماع نبأ جيشها تتقطع.. طال الانتظار ودبَّ القلق، وانسابت الوساوس الى الأذهان تحرك المشاعر وتثير العواطف، ولحظة الانتظار أشد ما يعانيها الانسان.

يحدثنا أبو رافع مولى رسول اللّه، فيقول:

كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد فشى فينا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أمُّ الفضل زوجته وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان عدو اللّه أبو لهب قد تخلف عن بدر، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلاً


فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، كبته (ذله) اللّه وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزاً.

قال: وكنت رجلاً ضعيفاً، وكنت أعمل القدَاح، أنحتها في حُجرة زمزم، فواللّه إني لجالس أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل الفاسق أبو لهب بجر رجليه بشرّ، حتى جلس إلى طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهري فبينا هو جالس إذ قال للناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم - وكان شهد مع المشركين بدراً -، فقال أبو لهب: هلم يا ابن أخي فعندك واللّه الخبر قال: فجلس اليه، والناس قيام حوله، فقال: يا ابن أخي، أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: لا شيء، واللّه ان هو إلا لقيناهم فمنحناهم أكتافنا، فقتلونا كيف شاؤوا، وأسرونا كيف شاؤوا وأيم اللّه مع ذلك ما لمت الناس٧ لقينا رجالا بيضاً على خيل بلق بين السماء والأرض، لا واللّه ما تبقي شيئاً، ولا يقوم لها شيء.

قال ابو رافع: فرفعت طنب الحجرة، ثم قلت: تلك واللّه الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة، ثم احتملني فضرب بي الارض، ثم برك عليَّ يضربني وكنت رجلاً ضعيفاً. فقامت ام الفضل الى عمود من عُمد الحجرة فأخذته فضربته على رأسه، فشجته شجة منكرة، وقالت: استضعفته إذ غاب سيده، فقام مولياً ذليلاً، فواللّه ما عاش إلا


سبع ليالي، حتى رماه اللّه بالعدسة(١) فقتله.

هكذا تلقى القرشيون خبر الهزيمة وخسران المعركة.

ويقف ابو سفيان وهو مشدوه بما أصيب من نكبة، يصيح والحقد يغلي في صدره: يا معشر قريش، لا تبكوا على قتلاكم ولا تنح عليهم نائحة، ولا يندبهم شاعر، وأظهروا الجلد والعزاء فإنكم إذا نحتم عليهم وبكيتموهم بالشعر أذهب ذلك غيظكم فأكلّكم ذلك من عداوة محمد وأصحابه، مع أن محمداً إن بلغه وأصحابه ذلك شمتوا بكم فتكون أعظم المصيبتين ولعلكم تدركون ثأركم، فالدهن، والنساء عليّ حرام حتى أغزو محمداً.

وإذ كان ابو سفيان يتنقل في بيوتات قريش، وهو مخذول مهزوم يطلب منهم الجلد والصبر، كانت زوجته هند بنت عتبة من جانب آخر تقول لنساء قريش ذهبن لتعزيتها فقلن لها، ألا تبكين على أبيك وأخيك، وعمك، وأهل بيتك، فقالت: حلأني (منعني) أن أبكيهم، فيبلغ محمداً وأصحابه فيشمتوا بنا وبنساء بني الخزرج، لا واللّه حتى أثأر محمداً وأصحابه. والدهن عليّ حرام ان دخل رأسي حتى نغزو محمداً، واللّه لو أعلم الحزن يذهب عن قلبي لبكيت، ولكن بما لا يذهبه إلا أن

________________________________

(١) العدسة: قرحة كالطاعون قاتلة، شرح النهج: ١٤ - ١٨٢ هجري ١ .


أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبة، تقول الرواية: فمكثت على حالها لا تقرب الدهن، ولا قربت فراش ابي سفيان من يوم حلفت حتى كانت وقعة أُحد.

لقد أخلص ابو رافع للنبي الأكرم، حتى أصبح جزءاً من صفوته، في ركابه بغزواته، وموكلاً على ثقله، وأميناً على ماله فقد قال رسول اللّه يوماً، وهو في جموع حاشدة بين يديه:

«يا أيها الناس، من أحبَّ أن ينظر الى أميني على نفسي وأهلي، فهذا ابو رافع أميني على نفسي».

وكان هذا أرفع وسام يقلده رسول اللّه، وأعظم فخر يناله بشرف الاسلام.

ودخل ذات مرة ابو رافع دار النبي، فوجد رسول اللّه نائماً، وعلى مقربة منه ثعبان عظيم يزحف باتجاه الرسول، وذهل الرجل الشيخ من هذا الأمر، وحاول ان يوقظ النبي صلى الله عليه وآله ولكنه عز عليه ان يقلق على الرسول نومه، وصمم على التضحية وتقدم فاضطجع الى جنب النبي باتجاه الثعبان بحيث فصل بينهما ليكون هو ضحية إذا قدم على الزحف، وكان هذا أعذب ما يدور في خاطره.

واستيقظ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، فألفى أبا رافع الى جانبه مستلقياً، وعلى بضعة أمتار يقف ثعبان، وعرف جلية الأمر


ورفع الرسول طرفاً خاشعاً الى السماء ليدعو اللّه ان يوفق أبا رافع.

وتمر الأيام ثقيلة السير، مليئة بالأحداث، قد لبى الرسول الأعظم نداء ربه، والزمن يطوي خطواته، وأبو رافع قد استقر في خيبر يزرع أرضاً له هناك.

وأعلن الإمام علي (ع) حربه - على معاوية، وفي الشدة تعرف الرجال - وأخذ يجمع أصحابه من حوله ما يقتضيه لتلك الحرب.

وانتشر النبأ يسري كالبرق في أرجاء الجزيرة العربية أن علياً عزم على قتال معاوية، وعلم ابو رافع بجلية الأمر كما سمع غيره.

وعندما أصبح الصباح أعلن ابو رافع بأنه عازم على السفر الى علي (ع).

- يا أبا رافع أنت شيخ طاعن في السن أخذت من العقد التاسع نصفه، وقد سقط التكليف عن الشيوخ، فالجهاد لغيرك.

- لا تتحدث بمثل هذا أبداً، إن القتال مع علي عبادة، لقد أصبحت لا احد بمنزلتي، بايعت البيعتين: بيعة العقبة، وبيعة الرضوان، وصليت القبلتين وهاجرت الهجرات الثلاث: مع


جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ومع رسول اللّه صلى الله عليه وآله إلى المدينة ومع على بن أبي طالب سأهاجر إلى الكوفة.

يا أبا رافع: وأرضك ودارك.

- غداً سأبيعها.

وكان ما أراد، وقف إلى جانب علي في حروبه مجاهداً صابراً ومعاوية لم يتوان عن إغراء أبي رافع بالمال، والمكانة، والسلطان ولكن صلابة هذا الصحابي الجليل، وصموده الحديدي العجيب في خدمة الإسلام، كانا أقوى من أن تنهار أمام أموال معاوية ومواعيده المعسولة.



جَعفر بن أبي طالب


كان الشيخ ابو معاذ مرهقاً في ليلته هذه، أثقله يوم متعب هدَّ من جسمه وأوغل في إيلامه، ورغم هذا فقد جاء الى مجلسه كعادته.. ولمس الجميع عليه بوادر العاصفة الثقيلة على وجه محدثهم.

وقال الشيخ ابو معاذ، وهو يجاهد نفسه مجاهدة على الكلام:

كانت ليلة قاسية جداً على أبي طالب، وهو يرقب عودة ابن أخيه، وقد مرَّ شطر كبير من الليل ولم يعد. نصف الليل انقضى، ومحمد لم يظهر له أي أثر، ومعه علي، ولكن أبا طالب وزوجته لم يهمهما أمر ولدهما علي بقدر ما يهمهما أمر محمد.. وكيف لا يفكر في أمره، وقريش تتحين له الفرص لتُنزلِ به السوء، فقد توسمت فيه خطراً مقبلاً عليها.

ومرّ الثلث الثاني من الليل، ولم يعد محمد، وأقلق الشيخ الوقور هذا الغياب ولا يريد أن يعلن الخبر، وأخذ يسأل عنه


هنا وهناك كالملهوف، لم يتمكن من الهدوء أمر ولده جعفر أن يأخذ سلاحه، ويخرج معه، وبدآ البحث. وطلع عليهما الفجر وهما في بعض جيال مكة، وإذا بمحمد في أعلاه، واقف وعلى يمينه علي يصليان، يركعان ويسجدان.

ودبّت الطمأنينة إلى قلب الرجل الحنون، وهدأت أعصابه واستردّ أنفاسه، وجلس وهو يشد نظراته إلي هذا المنظر، ثم لم يلبث أن أخذ يد ولده جعفر وجعله إلى يسار النبي، وقال له: «صل جناح ابن عمك»، وانساب الفتى اليافع مع ابن عمه وأخيه يركع ويسجد، حتى أكملوا جميعاً صلاتهم، وعادوا إلى شيخ الهاشميين، والسرور يطفح على وجوههم، وهزَّ السرور والاعتزاز الرجل الوقور، فأخذ ينشد:

إن علياً وجعفراً ثقتي

عند ملم الزمان والنوب

لا تخذلا، وانصرا ابن عمكما

أخي لأمي من بينهم وأبي

واللّه لا أخذل النبي ولا

يخذله من بني ذو حسب

ثم التفت محمد إلى جعفر وهو يقول:

«يا جعفر وصلت جناح ابن عمك، إن اللّه يعوضك من ذلك بجناحين تطير بهما في الجنة».

وبقيت هذه الكلمة الكريمة ترنُّ في أعماق فتى أبي طالب وهو لا يحب أن يفارقها في خواطره، عزيزة عليه كفجر ساحر


يمتد في قلب السماء فيزيح عنه الظلام ويشتت منه طيوف المساء القاتم.

ويعيش جعفر في ظل هذه الاشراقة الإيمانية، ويغمض عينيه في كل ليلة على خواطر عذبة تحمل من أماني ابن عمه رسول الإنسانية ما تفعم قلبه بالأمل والخير والازدهار..

وتتوثق الصلة بين الفتى المؤمن، وبين ابن عمه الداعي إلى الحق وكلما امتد الزمن ازدادت العلاقة، حتى يصبح جعفر عضواً في الأسرة المؤمنة، وتعرف قريش بذلك وتثور على هذا النبأ، إن عدد المؤمنين بهذه الرسالة الجديدة بدأ يتضخم شيئاً فشيئاً، ولم يقف في وجهها البطش والعنف، تزداد على مر الأيام.

وجعفر وإن كان في مأمن من عقاب، وأذى الطغمة الحاقدة لأنه محفوظ بقوة أبيه، ولكنه لم يسلم من بقية المشاكل التي لحقت بالصفوة الطيبة من صحابة النبي صلى الله عليه وآله ..

وقررت قريش مقاطعة بني هاشم، كما قاطعت كل أصحاب محمد، وأمعنت في إيذاء من تستطيع إيذاءه، وبكل صورة وكل أسلوب، وتعملق الاضطهاد قاسياً على هذه الطبقة، فقابلوه بصمود عجيب، وكلما تكاترت المجن، وتواترت الخطوب، تقوت العزائم، وتضخم الصبر وتجلى الثبات.. فتحملت الصفوة الطيبة كل أنواع القسوة، فلم يشكو أحدهم إلى النبي ما يعانوه من الظلم كما لم يظهروا السأم أمامه. فكل شيء في ذات اللّه يهون.


وطرق الخبر أسماع قريش. وهالهم النبأ، فقد هاجر الكثير من صحابة محمد حاملين لواء الدين الجديد. وطاش عقلهم فقد ذهلوا من ترويع ما أُصيبوا به.. فلت المستضعفون، والعبيد من بين أيديهم، وبقي الأقوياء الذين لا سبيل لهم على تعذيبهم وسيكون لهم شأن في الخارج، فأخبار الدعوة تنتشر في الخارج بعد ان كانت محصورة بمكة، وسيعطي المهاجرون عنها صورة رائعة المعالم شأن أي مخلص لقضيته.

وانعقد المجلس في دار الندوة يضم زعماء المعارضة، وكلهم أعصاب متفجرة من توسع هذه الدعوة، ويصرخ فيهم ابو جهل: أرأيتم كيف نجا أصحاب محمد، ولو قتلناهم لما امتد شرهم الى الخارج، لما انتشر خطرهم في تلك الأرجاء، وما ندري ما وراء الأكمة لنا.

وغصّ بكلامه، فقد مضَّ به التأثر بحيث انتفخت أوداجه وجحظت عيناه، ثم انبرى له أمية بن خلف، وجبل من الهم يجثم على ملامحه، وهو يعالج الكلام، وماذا نعمل يا أبا الحكم وقد أُخذنا على حين غرة؟.. أخبرني ولا تلح بالتعزير، وارفق بقومك من اللوم، ما العمل الآن؟ لم نقصر في تعذيب المستضعفين ولم نتهاون في شأن من نتمكن عليه بإنزال أقصى العقوبات، حتى مات من مات، ونجا من نجا.

خيم وجوم على الجالسين، وكلهم لاذوا في تفكير عميق..


وكان جل تفكيرهم بالطريقة التي يمكن استرداد هؤلاء المهاجرين من النجاشي.. وأخيراً انتهى بهم التفكير الى حل.. وصاح بهم ابو سفيان: ما هو الحل يا قوم؟ قالوا: نطلبهم من النجاشي فإن لم يجبنا قاتلناه ونأخذهم بالجبر والقوة.. وضحك عالياً صخر بن حرب من هذا الرأي، وقال لهم: وكيف تفكرون بمثل هذا، وهل اننا نستطيع ان نقاوم ملك الحبشة؟ دعونا من الحرب، وفكروا في طريقة اخرى.

ومضت برهة من الزمن والقوم سكوت، وهم يبحثون عن وسيلة يجتثون بها الخطر الذي ربض لهم في الحبشة، يهدد مصالحهم وأمجادهم البالية.

وأدار صخر بن حرب عينيه المشبعتين بالحقد والشرر في وجوه القوم، فلم ير منهم توصلاً الى حل، وتحدث وهو يدحرج الكلمات الملفعة بالألم والحزن، وكأنه يقتطعها من قلبه، قال: الرأي أن نرسل الى النجاشي وفداً يحمل له الهدايا والتحف ويقنعه على ان هؤلاء المهاجرين بغيتنا، ولنا معهم ثأر، فنطلبهم منه.. ثم سكت قليلاً، وعاود الحديث: وطبعاً هذا الأمر يتوقف - الى حد كبير - على قابلية الوفد، ولباقته، وحسن تصرفه..

وكأن هذا الاقتراح أصاب قبولاً من الجالسين، فصاحوا كلهم: هو الرأي، لا عدمناك يا أبا سفيان، فأنت من يستشار ومن هو أولى منك بالعطف على آلهتنا.


«ما أدري بأيهما أنا أشد سروراً: بفتح خيبر، أم بقدم جعفر»؟.

كانت ساعة رائعة عند النبي، وهو يستقبل الصفوة المؤمنة من صحابته الكرام الذين فارقوه منذ زمان حفاظاً على دينهم وأنفسهم.

ثم مع آل أبي طالب فقبل قليل فتح اللّه خيبراً على يد علي بن أبي طالب بعد ما ارتد عن فتحها أبطال وأبطال، ثم لقاء جعفر بن أبي طالب من هجرته منتصراً على الباطل، وهو يحمل مشعل الإسلام، وفي هذا كله ما يبعث على الاعتزاز.

ولم يكن جعفر بعد عودته من الحبشة، قد اعتزل دنياه البطولية، فقد بدأ دوراً جديداً بعد عودته.. دور القائد الذي يكلف بمهام عسكرية لها أثرها البعيد على امتداد الإسلام، وتوسع آفاقه الرحبة.

فلم تطُل السنة الثامنة من الهجرة - ولم يمر على عودته إلا عام واحد - حتى انتدبه الرسول القائد لمحاربة هرقل ملك الروم في بلاد الشام.. واستعد المسلمون وحان يوم الوداع، وتأهب الجيش، وأعلن النبي عن قادة هذا الجيش: جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة، وعبد اللّه بن رواحة، يتناوبون على امارة الجيش..


وفي مؤتة من أرض الشام، دارت الحرب حامية تهز الرجال عنيفة تثير الشهامة، وراية محمد ترف بيد الأبطال الثلاثة، لا يهابون الموت، ولا يخافون القتال. وجعفر من القادة الثلاث بطلاً عرفته البطولة كيف تنحاز اليه خاضعة، وشجاعاً مغواراً تمرَّن على تمثيلها خير تمثيل..

وكلما استمر زمن الحرب، حمي وطيسها، وجعفر يحمل راية الإسلام، ويزحف بجيشه، ويغوص في أعماقه، فيجندل هذا، ويهزم ذاك، حتى ضاقت الفرسان منه وصعب عيها أن تشق طريقها بين جثث القتلى، واضطر هو نفسه أن ينزل عن فرسه ليجول بين القوم - فلم تملك الخيل طريقاً تسلكه في ساحة الميدان - غير هياب، ولا متزعزع.. بطل ولا كالأبطال ومحارب ولا كالمحاربين، ورث البطولة من أب وجد، وتمرَّس على الحروب وهو بعد لم يبلغ سن المحاربين، وفوق هذا وذاك انه محارب من أجل عقيدة، ومجاهد في سبيل دعوة عاش أبعادها ووعى حقيقتها.

وقطعت يده اليمنى في ساحة القتال، ولم يشغله أمرها مهما كان الألم الذي هجم عليه، بل همه أن لا تنكس الراية التي يجول بها، وعيون المسلمين مشدودة اليها. وأخذها بشماله، وخاض غمار الحرب، وطاف في خضمها، ولم يأبه بما أصيب، هكذا شأن الأبطال القادة، إنما جلُّ همه أن لا تسقط الراية فاحتضنها.


في النِهَاية

وأخيراً، وليس آخراً..

نصل بالقارئ الكريم الى الحلقة الأخيرة من القسم الأول من هذا الكتاب، ويسكت محدثنا الشيخ ابو معاذ - ونرجو أن لا يطول سكوته - وهو ينقلنا في آفاق السيرة المباركة..

نستنير بنورها، ونهتدي بهداها، ونحن في خضم الأيام الصعبة من مسيرتنا التأريخية.. ونستجلي الروعة النضالية من حياة أبطالها الأفذاذ ليكونوا لنا خير قدوة في الشوط الذي نقطعه في مضمار الحياة.

والروعة في هؤلاء المجاهدين إخلاصهم لعقيدتهم.. وأروع منه أنهم يتهافتون على الموت عشاقاً من أجل رسالتهم دون ضجة وتهويل.


الفهرس

مَع الِكتاب.. ٥

في البدَاية ١٠

حمزة بن عَبد المطلب.. ١٣

ياسر بن عَامِر ٣٢

سَلمان الفَارسي. ٤٩

الحباب بن عبد اللّه بن أبي. ٦٧

سعد بن الربيع. ٨٢

مُصْعَب بن عُمَير. ٩٦

الخبّاب بن الأرت.. ١١٦

بلال بن رباح الحبشي. ١٣٣

المِقداد بن الأسود ١٤٦

أبو رافِع. ١٦١

جَعفر بن أبي طالب.. ١٧٣

في النِهَاية ١٨١