الانوار البهية في تواريخ الحجج الالهية
الشيخ عباس القمي
( إنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنكمُ الرجسَ أهلَ البَيتِ وَيُطهركُم تطهيراً )
قرآن كريم سورة الأحزاب آية ٣٣
( قُل لا أَسأَلُكُم عَلَيهِ أَجراً إلا المَوَدّةَ في القُربى )
قرآن كريم سورة الشورى آية ٢٣
«إنَّما مَثَلُ أَهلِ بِيتي فيكُم كَمثَلِ سَفينَةِ نُوحٍ مَن دَخَلَهَا نجا وَمَن تَخَلفَ عَنهَا هَلَكَ »
حديث شريف
المستدرك ج ٣ ص ١٥٠ حديث ٥٥
بِسم اللّه الرحمن الرحيم
كلمة لا بدَّ منها
«الأنوار البهيَّة» في تواريخ الحجج الإِلهية، اسم على مسمَّى من حيث إنه يحمل نوراً للقلوب ينبعث من أربع عشرة مشكاةً هي التي أنارت سُبل المعاش والمعاد لسائر العباد، يوم أن اختارها اللّه على العالمين لإِخراج الناس من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان حتى يوم الدِّين.
هو كتاب لم يكن الأول في بابه، ولا الأشمل والأكمل في محتواه، ولا هو ذو موضوع قلَّما تناولته الأقلام وحامت حوله الأفهام، لأن ثقات الشيعة وجهابذة سلفهم الصالح قد أشبعوا موضوعه درساً وبحثاً وتدقيقاً منذ القرن الثالث الهجري حتى أيامنا هذه، لأنه يتناول خلاصة سيرة سيد المرسلين، وسير فاطمة سيدة نساء العالمين والأئمة الاثني عشر الأبرار المطهَّرين صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، ورضوان اللّه على صحبه المنتجبين وأصحابهم الميامين.
وهذا الموضوع الكريم تحفل به امهات الكتب وأعاظم الأسفار، وقد أشبعه العلماء والادباء والمؤرخون كلاماً وتفصيلاً، ولكن الذي دعانا الى نشره بالذات، هو أنه خلاصة طريفة لطيفة، ورسالة وجيزة فخمة، تحمل خلاصة هذه السِّير الشريفة بأخصر عبارة وأوضح بيان، وبأسلوب سهل قريب التناول. فهو يغني عن الكتب الضخمة لما فيه من روحية مؤلفه الجليل، ومن حسن اختياره الجميل اللذين ان دلاَّ فإنما يدلاَّن على براعة الانتقاء وسلامة النيَّة، وعلى الإِيمان الراسخ الذي تقرأه بين سطور كاتبه رضي اللّه عنه وأرضاه.
ودارنا - إذ تقدِّمه إلى القرَّاء الكرام مدققاً منقحاً في طبعته الأنيقة - يسرُّها أن تُتحف به المكتبة الإِسلامية وروَّاد الحقيقة من قرَّاء العربية، راجيةً بذلك القربى ورضاء اللّه سبحانه، ومستمدَّة منه العون على ما يخدم الاسلام والمسلمين، ويظهر فضل خاتم النبيين صلى اللّه عليه وآله وسلم، وفضل بضعته الطاهرة وأبنائها الأئمة المعصومين الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجس وطهَّرهم تطهيراً، سلام اللّه عليها وعليهم، وعلى اللّه وحده - التِّكلان أولاً وأخيراً.
الناشر
بيروت: ذو الحجة سنة ١٤٠٣ هجرية
أيلول سنة ١٩٨٣ ميلادية
(حياة المؤلف)
بسم اللّه الرحمن الرحيم
هو الحبر النحرير. والعالم البصير. والمحدث الخبير. الشيخ عباس بن محمد رضا بن أبي القاسم القمي. من أفاضل علماء العصر الحاضر، ولد في سنة ١٢٩٤ هجري ببلدة قم ونشأ فيها. واشتغل بالتعليم الى أوان سنة ١٣١٦ هجري. ففيها هاجر الى العراق لتكميل تحصيلاته، فقدم النجف والتزم مصاحبة استاذه في الحديث والرجال العلامة النوري (الحاج ميرزا حسين الطبرسي) وأخذ منه الحديث والرجال، فبرع فيهما، وأجازه أستاذه العلامة، وكان اجتماعه به في سنة ١٣١٤ هجري، وذلك بعد مهاجرة العلامة المذكور، من سامراء الى النجف بسنتين، فاستفاد منه بقية حياته، وعاضده في تآليفه، حتى قبض شيخه في سنة ١٣٢٠ هجري فرجع جنابه الى موطنه الأصلي (بلدة قم) وبقي هناك مستقلاً بالبحث والتنقيب. فأفاد بدرسه وتأليفه. وفي عام ١٣٢٢ هجري هاجر الى خراسان وتشرف بمشهد مولانا الرضا واستوطنه، وبقي الى أواخر عمره في ذلك المشهد الشريف. ولم يزل في أثناء اقامته بهذه البلدة مشتغلاً بالافادة: تدريساً والقاء في منابرها، وكتابةً في مؤلفاته، حتى أن جمعاً من محصلي العلوم الدينية طلبوا منه تدريس الأخلاق، فقبل جنابه، وكان يلقي دروسه الأخلاقية في مدرسة ميرزا جعفر بجوار البقعة الشريفة فاغتنم الطُّلاب محضره، وكان يحضر مجلسه زهاء ألف طالب، فتمتد افاداته الى مقربة من ثلاث ساعات متوالية، والحاضرون يستمعون بياناته الشريفة باقبال تام بلا سأم وكسل. فأنذر جنابه وبشَّر، وتتبَّع في نقل الزاجرات وتبحَّر. وكان من دأْبه نقل الروايات مسندةً، احتياطاً في النقل، وفي خلال إقامته بإيران، تشرف ثلاث مرات بزيارة بيت اللّه الحرام، ولم يترك
الاشتغال بالمطالعة والتأليف في أثناء رحلاته. فكان آيةً في صيانة أوقاته عن التضييع والبطالة. حتى نقل لنا أحد الأعلام: أنه رآه في البرية أثناء سفره (حين مكْثِ سيارته لاصلاح ما ضاع منها) مشغولاً بالكتابة، إغتناماً للفرصة. ومن عاداته الشريفة تنقيح الأخبار المباركة من الغث، وعدم نقله (حتى الامكان) من المصادر الضعاف. وكان مولعاً بجمع الاحاديث وترتيبها ترتيباً يسهل معه التناول. والانصاف ان تآليفه آية في حسن الترتيب والتأليف ولأجل ذلك شاع وذاع جل تأليفاته. وقد طُبع كثير منها غير مرّة وما من مكتبة بل بيت من الشيعة إلا وعنده آثار من هذا الحبر المؤيَّد. وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء ولا شك ان لروحياته الشريفة، ومجاهداته النفسية، أثراً في أن يحظى من اللّه تعالى بذاك التوفيق المستوعب. وفي تخليد اسمه بتلك المآثر القيمة. وقد قال اللّه تبارك اسمه، (ومن يُرد حَرثْ الآخرة نَردْ لَه في حَرثِه) صدق اللّه العلي العظيم. فقد زاده اللّه تعالى في حرثه وأيّ حرثٍ أعظم من هذه الصدقات الجارية المبقية لاسمه ما شاء اللّه، والموجبة للترحُّم والدعاء له في كل يوم وليلة، بل وفي كل ساعة، حيث لا يخلو مشهد من مشاهد الأئمة على ساكنيها السلام من كتابه المفاتيح. وقل من صعد منبر الوعظ والارشاد الا واستفاد من تآليفه القيمة. فجزاه اللّه تعالى عن الإِسلام خير الجزاء وزاده شرفاً وحباه. وشرفه بمحضر مواليه الكرماء. آمين رب العالمين.
(مؤلفاته)
مؤلفاته تزهو عن الستين بين مطبوع - وهو الأكثر - ومخطوط نسأل اللّه تعالى توفيق أحفاده بنشره. واستفادة المؤمنين من بركته. وهذه قائمة أسماء كتبه على ما ضبطه جنابه في تأليفه القيم (الفوائد الرضوية) (ص ٢٢١ ج ١) مع تغيير يسير لناشره فضيلة ولد المؤلف حين طبع ذلك الكتاب.
فالمطبوعة منها:
١ - فوائد الرجبية في ما يتعلق بالشهور العربية: هو أول ما ألفه وكانت نسخته المطبوعة أيضاً بخطه الشريف (بالفارسية).
٢ - الدرة اليتيمة في تتمات الدرة الثمنية: كتبه تتميماً لشرح الفاضل اليزدي على النصاب.
٣ - مختصر الأبواب. في السنن والآداب: وهو مختصر حلية المتقين. للعلامة المجلسيرحمهالله .
٤ - هدية الزائرين: يشتمل على الزيارات الواردة للأئمة الطاهرين وفوائد متفرقة من تعيين قبور العلماء والصلحاء في مشاهدهم الشريفة. وغير ذلك من أعمال السنة.
٥ - اللآلئ المنثورة: وجيزة كثيرة الفائدة في الأذكار والأحراز.
٦ - الفصول العلية في المناقب المرتضوية: جمع نبذة من مناقب مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام أغلبها من كتب أهل السنة.
٧ - سبيل الرشاد: في أُصول الدين.
٨ - حكمة بالغة ومئة كلمة جامعة: من الكلمات القصار لمولانا أمير المؤمنينعليهالسلام .
٩ - ذخيرة الأبرار في منتخب أنيس التجار (بالفارسية).
١٠ - الغاية القصوى في ترجمة العروة الوثقى: ترجمة فارسية للرسالة العملية المزبورة. تأليف فقيه عصره السيد محمد كاظم اليزدي.
١١ - رسالة في المعاصي الصغيرة والكبيرة (بالفارسية).
١٢ - ١٣ - مفاتيح الجنان والباقيات الصالحات: في الأدعية والزيارات والأذكار والأحراز(١) .
____________________
(١) قد تهيأ لدار الأضواء للنشر ان توفق في طبعه طباعة حديثة أنيقة.
١٤ - التحفة الطوسية والنفحة القدسية (بالفارسية).
١٥ - رسالة (دستور العمل) بالفارسية.
١٦ - نفس المهموم في مقتل مولانا أبي عبد اللّه الحسين المظلوم (بالعربية).
١٧ - نفثة المصدور: مجالس فيما يتعلق بفاجعة كربلاء ومصائب الآل.
وقد طبع بضميمة هذا الكتاب (اي الأنوار البهية) في الطبعة الأولى (بالعربية).
١٨ - النوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية: هو هذا السفر الجليل.
١٩ - منازل الآخرة (بالفارسية).
٢٠ - ترجمة لمصباح المتهجد: لِمَا كان عناوين الأدعية وفضائلها المذكورة فيه كأصل الادعية بالعربية. ترجمة في الحواشي. نظراً الى استفادة أبناء اللغة الفارسية.
٢١ - نزهة النواظر في ترجمة معدن الجواهر: وأصله العربي للشيخ الأجل الكراجكي.
٢٢ - المقامات العلية: اختصره من معراج السعادة للفاضل النراقي.
٢٣ - ترجمة جمال الأسبوع لابن طاوس بالفارسية (طبعت في حواشي الأصل).
٢٤ - منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل.
٢٥ - ترجمة للمسلك الثاني من كتاب اللهوف لابن طاوس.
٢٦ - تتميم تحية الزائر لأستاذه النوريرحمهالله (بالفارسية).
٢٧ - (جهل حديث) الأربعون حديثاً مختلف المضامين (بالفارسية).
٢٨ - الكنى والألقاب في ذكر مشاهير العلماء والشعراء والأصحاب وغيرهم (بالعربية).
٢٩ - هدية الاحباب: في اختصار الكتاب المتقدم.
٣٠ - سفينة البحار ومدينة الحكم والآثار: اختصار لبحار الأنوار (لمؤلفه العلامة المجلسي) رتبه على ترتيب الحروف الهجائية. فذكر ما يتعلق بكل حرف مع الاشارة الى مصادره من أبواب الأصل. وهو كتاب شريف كثير الفوائد لا بد منه لِمُراجع البحار وكان مع ذلك كتاباً مستقلاً مفيداً جدّاً.
٣٢ - بيت الأحزان في مصائب سيدة النسوان (بالعربية) وقد طبع بعد وفاته وترجمه الى الفارسية بعض الأفاضل.
٣٣ - تحفة الأحباب في تراجم الأصحاب: مشتملة على تراجم كبار أصحاب النبي والأئمةعليهمالسلام (بالفارسية) وهذه أيضاً قد طبعت بعد وفاته.
(القسم الثاني: ما لم يطبع بعد)
١ - فيض العلام في وقائع الشهور وعمل الأيام.
٢ - هداية الأنام الى وقائع الأيام: مختصر فيض العلام (المتقدم ذكره).
٣ - كلمات لطيفة.
٤ - كتاب الكشكول.
٥ - الدر النظيم في لغات القرآن العظيم.
٦ - كتاب نقد الوسائل ( يتعلق بوسائل الشيعة للشيخ الأجل الشيخ الحر العامليرحمهالله ).
٧ - تتميم بداية الهداية للشيخ الحر العالميرحمهالله .
٨ - شرح الوجيزة (كتاب الأصل للشيخ الأجل شيخنا البهائي وهو أخصر كتاب في علم الدراية).
٩ - فيض القدير فيما يتعلق بحديث الغدير: وهو اختصار مطالب (عبقات الأنوار) للسيد حامد حسين الهندي التي ألفها الحبر البارع في ضمن مجلدات، شارحاً لبعض الاحاديث الواردة في موضوع الولاية. منها مجلدان ضخمان فيما يتعلق بحديث الغدير.
١٠ - علم اليقين (في اختصار حق اليقين لمؤلفه العلامة المجلسيرحمهالله ).
١١ و ١٢ - مقاليد الفلاح في عمل اليوم والليلة. ومقلاد النجاح (في اختصار الكتاب المتقدم).
١٣ - اختصار المجلد الحادي عشر من مجلدات البحار.
١٤ - شرح حكم مولانا أمير المؤمنين الواردة في القسم الثالث من نهج البلاغة.
١٥ - مختصر الشمائل (اختصره بالفارسية من أصله العربي المرشح من قلم الإِمام الترمذي من كبار علماء العامة).
١٦ - كحل البصر في سيرة سيد البشر (قد طبع بقم).
١٧ - قوة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة (وهذه الرسالة بمنزلة الأصل للكتاب الحاضر).
(القسم الثالث: ما لم يوفق باتمامه في أيام حياته)
١- ضيافة الإِخوان.
٢ - صحائف النور في عمل الأيام والسنة والشهور.
٣ - ذخيرة العقبى في مثالب أعداء الزهراءعليهاالسلام .
٤ - مسلِّي المصاب بفقد الأعزة والأحباب.
٥ - الآيات البينات في أخبار أمير المؤمنينعليهالسلام عن الملاحم والغائبات (ذكر المؤلف أن نسخة هذا الكتاب قد فقدت).
٦ - شرح للصحيفة السجادية.
٧ - غاية المرام (تلخيص لدار السلام فيما يتعلق بالرؤيا والمنام لشيخه العلامة النوري).
٨ - شرح الأربعين حديثاً.
٩ و ١٠ - تعريب زاد المعاد وتحفة الزائر (كلاهما للعلامة المجلسي).
١١ - فوائد الطوسية.
(رحلته وأحفاده)
فاضت نفسه الزكية في ليلة ٢٣ من ذي الحجة الحرام سنة ١٣٥٩ هجري، وقد بلغ عمره خمساً وستين سنة وبقي من جنابه أربعة أولاد:
١ و ٢ - جناب فضيلة الشيخ ميرزا علي آقا وجناب فضيلة الشيخ ميرزا محسن سلمهما اللّه تعالى وكانا من أفاضل العصر وأخياره.
٣ و ٤ - مخدرتان صالحتان، وفقهم اللّه جميعاً لمرضاته وجعل في أعقابهم الصالحين. آمين رب العالمين.
(موضوع هذا الكتاب)
من أهم مواضيع التاريخ ترجمة صلحاء الأمة وعلمائهم المماثلين للأنبياء. لأن أهم منافعه تذكار من مضى لاعتبار من يأتي. وفي ذكر الأخبار من العلماء الأبرار أعلى مراتب الاعتبار. حيث أوقفوا أنفسهم على سبيل الخيرات ولم يأخذهم في اللّه لومة لائم فسلكوا نهج الحق باقدام راسخة، وأيَّدوا الدين تارة بالألسن وأخرى بالأقلام وثالثة بتعريض أنفسهم للشهادة
حفاظاً لحرمة الدين وخدمة للمؤمنين وإرشاداً للسالكين، فحياتهم درس كله لمن ألقى السمع وهو شهيد. فالناظر يستفيد منهم حياً وميتاً.
وفي رأس قائدي الدين وحُفّاضه وعلمائه، من وسمه اللّه بوسمة العصمة وأيده بروح منه، هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، حيث شرَّفهم اللّه تعالى بتشريف الإِمامة وقمصهم قميص الولاية. فحياتهم كلها درس شهامة وحرية وأخلاق وفضيلة.
فمن الشقاء للمرء المسلم عدم عثوره على حالاتهم وأخلاقهم وسيرتهم. ولما لم يتمكن لعامة الناس ذلك شمَّر عن قميص الجد رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وتذكير الناس بأية وسيلة من الوسائل ففحصوا ونقبوا واستعلموا باحثين عن أحوالهم وسيرهم الشريفة. واثبتوا ما عثروا عليه. فجدير بنا أن نذكر جملة منها، تذكرة لمن لم يعلم وشكراً لمؤلفيه ومجمِّعيه.
فأول ما بأيدينا من كتب سير الأئمة ولو في طي حالات نفر آخر: تاريخ اليعقوبي (لابن واضح الاخباري المتوفي ٢٩٢ هجري وهو تاريخ سنوي عام من بدء هبوط آدم الى عام ٢٥٩ هجري وقد أدرج في مطاويه أحوال الأئمة ونقل بعض كلماتهم القصار الحكمية.
ثم الكافي لمؤلفه ثقة المحدثين جناب محمد بن يعقوب الكليني الرازي المتوفى سنة ٣٢٩ هجري. وهذا السفر الشريف وان كان موضوعاً لابداع الأخبار المروية عنهم ولكن في مطاويه عقد أبواباً لمواليدهم ووفياتهم.
ثم مروج الذهب. والتنبيه والأشراف. وإثبات الوصية. كلها تأليف المؤرِّخ البارع. علي بن الحسين المسعودي المتوفى سنة ٣٣٣ هجري.
ثم الارشاد للشيخ الأجل شيخنا المفيد قُدِّس سرَّه المتوفى سنة ش ٤١٣ هجري.
وهذا السفر أقدم كتاب وصل الينا يختص ببيان حياة الأئمة وفضائلهم. والمؤلف وان كان غرضه إثبات الإِمامة لهم من طريق العقل والنقل ولكن لما
كانت حياتهم من اوّل الدلائل على ذلك أثبت تاريخهم وما صدر منهم من الكرامات، فكتابه هذا حقيق بأن يكون معقد الدراسة والبحث.
ثم إعلام الورى(١) للشيخ الأجل أمين الإِسلام الطبرسي المتوفى سنة ٥٤٨ هجري. وهو أنفع كتاب في ذلك من المتقدمين. ويشتمل على تاريخ النبي وأجداده وأمير المؤمنينعليهالسلام والزهراء سلام اللّه عليها وذريتها المعصومينعليهمالسلام .
ثم المناقب لابن شهرآشوب السروري المازندراني المتوفى سنة ٥٨٨ هجري. وكشف الغمة للشيخ المتبحر علي بن عيسى الإِربلي المتوفى سنة ٦٧٨ هجري، وهذان الكتابان، أجل كتابين في بابهما إذ مؤلفاهما المتتبعان أكثرا النقل عن المخالف والمؤالف وجمعا ما شرد في مطاوي كتابيهما. ولما كانا ثقتين ثبتين عند الفريقين، ومع ذلك يسميان من ينقلان عنه، أثبت ذلك كله لهذين السفرين جلالة ووثاقة عند الكل.
كل ذلك من آثار ثقات الشيعة ومحدثيهم ومؤرخيهم. وأما علماء السنة فحيث إنهم مقرون بفضائل الأئمة وشرف انتسابهم بالرسول ذكروا أيضاً تواريخهم منفردة وضمن الوقائع، فقلَّ تاريخ عام إلا وقد ذكرهم في مطاويه وأثنى عليهم. ولذا أغمضنا عن ذكر التواريخ العامة السنوية كتاريخ الطبرسي وابن كثير وابن الأثير وابي الفداء وغيرها. ولكن لم نر بدّاً من ذكر ما أفرده بعض كبارهم في حياة أئمتنا المعصومين، تذكرة لمن أراد الوقوف على أقوال غير الشيعة فيهمعليهمالسلام .
فمنهما: مطالب السُّؤول في مناقب آل الرسول لكمال الدين بن طلحة الشافعي المتوفي سنة ٦٥٢ هجري.
____________________
(١) ولم نذكر كتاب التهذيب لشيخ الطائفة ورئيسها، شيخنا الطوسي قدس سره وسائر كتب الزيارات كالمصباحين له وللكفعمي وكذا بعض كتب الفقه كالسرائر للشيخ ابن ادريس والدروس لشيخنا الشهيد، للاختصار ولأنهم لا يزيدون عن إثبات المواليد والوفيات.
ومنها (وفيات الاعيان) الموضوع لتراجم مشاهير الإِسلام لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هجري وان كان فيه اشتباهات وزلات في تراجم أئمتنا.
ومنها (حلية الأولياء) الموضوع لترجمة الصلحاء والزهاد للحافظ ابي نعيم (مصغرا) الاصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هجري.
ومنها الفصول المهمة في معرفة الأئمة لنور الدين بن صباغ المالكي المتوفى سنة ٨٥٥ هجري.
هذا مضافاً الى ما دوَّنه المؤرخون في سِير النبي والخلفاء والأصحاب حيث ذكروا في أقرباء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واحفاده، مولانا امير المؤمنين وسيدتنا فاطمة الزكية وابنيهما الحسن والحسينعليهمالسلام جميعاً.
وكذا ما صنفوا في المقاتل حيث إنهم قد أفردوا للحسين مقاتل استوفت وقائع خروجه وشهادته.
فمن سير النبي المشتملة لذكر السيدة فاطمة الشريفة ومولانا ابي الحسن وابنيهما، سيرة ابن هشام لأبي محمد عبد الملك بن هشام المتوفى سنة ٢١٨ هجري.
والسيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي الشافعي المتوفى سنة ١٠٤٤ هجري. وغير ذلك من السير.
ومن سير الاصحاب وتراجمهم الشاملة لذكر مولاتنا وبعلها وبنيها: طبقات الصحابة والتابعين لأبي عبد اللّه بن سعد المتوفى سنة ٢٣٠ هجري. الاستيعاب في اسماء الاصحاب، للحافظ ابي عمرو بن عبد البر القرطبي المالكي المتوفى سنة ٤٦٣ هجري.
وأسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير عز الدين علي بن أبي الكرم المتوفى سنة ٦٣٠ هجري.
وميزان الاعتدال للذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هجري.
والاصابة في تمييز الصحابة لشيخ الإِسلام شهاب الدين بن حجر العسقلاني الشافعي المتوفى سنة ٨٥٢ هجري.
ومن المقاتل الشاملة لمقتل الوصي وشبليه، مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني المتوفى سنة ٣٥٦ هجري.
ومما أفرد في مقتل الحسين، مقتل أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي المتوفى سنة ١٥٧ هجري. ومقتل الخوارزمي.
هذه جملة من المدارك القديمة الموثوق بها. وللمتأخرين مصنفات قيمة في تواريخهم خصوصاً بعض اعلام التشيع في عاصمة إيران بظهور الدولة الصفوية ورفع التقية من الشيعة: ففي ذلك العصر المشعشع قد وفق علماء الشيعة لتأليف مجلدات ضخمة في حالاتهم ومعجزاتهم وأخلاقهم كبحار الأنوار (ج ٩ - ١٠ - ١١ - ١٢ - ١٣) وعوالم العلوم وغيرهما.
ولكن في عصرنا يحسُّ الاحتياج الى تدوين كتاب صغير الحجم جامع لشتات أحوالهم، مشتمل لنبذُ من مكارم أخلاقهم وكراماتهم وكلماتهم القصار الحكيمة، بعبارات واضحة وطرق صحيحة. فصنِّف جناب المؤلف هذا السفر الجليل ففاز بالمراد بل فاق ما أراد. والمشاهدة تكفي عن المبالغة ونحن نشكره على هذه الخدمة القيمة وان كان (ر حمه الله) لا يريد منا جزاء ولا شكوراً. فنسأل اللّه تعالى أن يحشره معهم في الدرجات الآخرة وأن يوفق العلماء بما وفَّقهرحمهالله لخدمة الدين بأفكارهم وأقلامهم إنه قريب مجيب. آمين رب العالمين تحريراً في ١١ من ذي القعدة الحرام وأنا أقل خدمة العلم والدين محمد كاظم الخراساني الشانه جي.
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي أوضح عن دينه القويم بأئمة الهدى من أهل بيت النبوِّة، وأبلج(١) بأنوار آثارهم عن الصراط المستقيم، واستبان بهم المحجة(٢) والصلاة والسلام على نبيه هادي الأمة، وإمام الأئمة وعلى آله الأنوار المضيئة، وبدور الليالي المدلهمة(٣) .
وبعد: فيقول راجي عفو ربه الغني عباس بن محمد رضا القمي عفى عنهما: انه قد سألني بعض الإِخوان من أهل الإِيمان، أن أكتب له ما هو المختار عندي من تواريخ أيام ولادة الحجج الطاهرة سادات الدنيا والآخرة، وأيام وفاتهم صلوات اللّه عليهم فكتبت له وجيزة سمَّيتها (قرة الباصرة في تاريخ الحجج الطاهرة). ثم عنَّ(٤) لي أن اكتب رسالة أخرى اذكر فيها مختصراً من كيفية ولادتهم ووفاتهم، وأشير الى قليل من مناقبهم، فجمعت هذه الرسالة الشريفة وسميتها الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإِلهية، واوردت فيها أربعة عشر نوراً، وأسأل اللّه تعالى ان يوفقني لاتمامها ويفوزني بسعادة اختتامها إنه جواد كريم.
____________________
(١) أي أشرق وأضاء.
(٣) أي شديد السواد.
(٢) أي وسط الطريق.
(٤) أي ظهر واعترض.
النور الأول.. (سيِّدنا ونبيُّنا وشفيع ذنوبنا رسول اللّه أبو القاسم)
محمد سيد الكونين والثقلين والفريقين من عرب(١) ومن عجمصلىاللهعليهوآلهوسلم :
أما نسبه الشريف فهو:
ابن عبد اللّه(٢) : الذي أمه فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومي، توفي والده بالمدينة وله خمس(٣) أو ثمان وعشرون سنة قبل أن يولد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ودفن(٤) في دار النابغة الجعدي.
ابن عبد المطلب: اسمه (شيبة الحمد) وسمي بذلك لأنه كان في رأسه لما ولد شيبة(٥) . أمه سلمى بنت عمرو الخزرجية النجارية(٦) وكان وجهه
____________________
(١) بضم العين وهو خلاف العجم.
(٢) وكان عبد اللّه أصغر ولد أبيه. فكان هو وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة وعاتكة واميمة وبرة ولد عبد المطلب أمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو بن عائذ.
(٣)و (٤) كامل التواريخ لابن الاثير (ص ٥ - ج ٢).
(٥) شاب شيبة: ابيض شعره. واليبة اسم من شاب.
(٦) إنما قيل له عبد المطلب لأن اباه هاشماً شخص في تجارة الى الشام فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي من بني النجار وتزوج ابنته وشرط عليه أبوها أن لا تلد الا في أهلها فمضى هاشم الى الشام ورجع. فبنى بها في اهلها. ثم حملها الى مكة فلما حملت وأثقلت ردها الى اهلها التزاماً بالشرط ومضى الى الشام فمات بغزة فولدت له سلمى عبد المطلب. فمكث بالمدينة سبع سنين ولم يعلم به أعمامه فلما علم به المطلب. سافر الى المدينة وأخذه وأركبه على عجز ناقته وسار الى مكة. فقدمها صحوةً والناس في مجالسهم. فجعلوا يقولون من وراءك؟ فيقول هذا عبدي حتى أدخله منزله. ثم خرج به العشي الى مجلس بني عبد مناف. فأعلمهم أنه ابن أخيه. فكان بعد ذلك يطوف بمكة ويقال هذا عبد المطلب.
يضيء في الليلة المظلمة وكان يقال له: مطعم طير السماء، وكانت إليه السقاية والرفادة، وهو الذي حفر زمزم وسن خمس سنن أجراها اللّه تعالى في الإِسلام. ومات(١) بمكة وقبره بالحجون مزار مشهور ومعهُ قبر ابي طالبعليهالسلام .
ابن هاشم:
عمرو العلى هشم(٢) الثريد(٣) لقومه |
ورجال مكة مسنتون(٤) عجاف(٥) |
أمه عاتكة بنت مرة السلمية ولدته(٦) وعبد شمس توأمين وكانت إصبع(٧) أحدهما ملتصقة بجبهة صاحبه فنحيت فسال الدم فقيل يكون بينهما دم وكانت اليه السقاية(٨) والرفادة. مات(٩) بغزة(١٠) (بفتح المعجمتين كبرَّة) وهي مدينة في أقصى الشام بينها وبين عسقلان فرسخان، بها ولد الشافعي ودفن بها هاشم ورثاه مطرد الخزاعي بقوله:
مات الندى بالشام لما أن ثوى(١١) |
أودى(١٢) بغزة هاشم لا يبعد |
|
فجفانُه(١٣) ورم(١٤) لمن ينتابه(١٥) |
والنصر أولى باللسان وباليد |
____________________
(١) وله مئة وعشرون سنة وكان قد عمي (ابن الاثير).
(٢) أي كسر الخبز وبلّه بالمرق فهو هاشم.
(٣) أي الخبز المفتوت المبلول بالمرق.
(٤) أي أصابهم القحط.
(٥) أي غير ممطورين. أو تاركي طعام لقلّة أو هزال.
(٦) كان هاشم أكبر ولد عبد مناف والمطلب أصغرهم.
(٧) ابن الأثير (ص ٦ - ج ٢).
(٨) وهذا سبب خصومته مع عبد شمس.
(٩) ابن الأثير.
(١٠) وله عشرون سنة وقيل خمس وعشرون سنة وهو أول من مات من بني عبد مناف.
(١١) ثوى المكان وفيه وبه: أقام. ثوى الرجل: مات.
(١٢) أودى الرجل: هلك.
(١٣) الجفنة: القصعة الكبيرة، جمعها: جفان.
(١٤) الورم - مصدر بمعنى الفاعل. أي مراوم.
(١٥) انتابهم. أي اتاهم مرة بعد أخرى: من النوب.
ابن عبد مناف: اسمه المغيرة(١) ويقال(٢) له القمر لجماله، أُمه حُبى بنت حُليل (بالمهملة المضمومة وفتح اللام) وقبره بمكة عند عبد المطلب وفيه يقول الشاعر:
كانت قريش بيضة فتَفَلّقَتْ |
فالمخُّ خالصُهُ لعبدِ منافِ |
ابن قُصَي: مصغراً اسمه(٣) زيد وأمه فاطمة بنت سعد. وقصي هو الذي أجلى خزاعة عن البيت وجمع قومه الى مكة من الشعاب والأودية والجبال فسمي مجمعاً. قال الشاعر:
أبوكم قصي كان يدعى مجمِّعاً |
به جمع اللّه القبائل من فِهْر(٤) |
وكانت اليه(٥) الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء فحاز شرف قريش كله، وقسم مكة أرباعاً بين قومه وتيمَّنت قريش بأمره فما تنكح، ولا يُتشاور، ولا يُعقد لواء الا في داره، وكان أمره في قومه كالدين المتَّبع في حياته وبعد موته، فاتَّخذ دار الندوة وبابها في المسجد، وفيها كانت قريش تقضي أمورها. ولما توفي قُصي دفن بالحجون فكانوا يزرون قبره ويعظمونه.
ابن كلاب(٦) : وأمه هند بنت سرير، وهو أخو تيم من أبيه، وتيم هو الذي ينتهي اليه نسب أبي بكر.
____________________
(١) وكنيته أبو عبد شمس. وسبب تسميته بعبد مناف أن أمه لما ولدته، دفعته الى مناف (صنم بمكة) تديناً به.
(٢) ابن الأثير.
(٣) ابو المغيرة.
(٤) هو ابو القبائل.
(٥) أي حجابة البيت وسقاية الحاج ورفادة الضيوف و مركزية دار الشورى وعقد ألوية الحروب العامة.
(٦) ويكنى أبا زهرة.
ابن مرة(١) : (بضم الميم وشد الراء) وأمه محشية بنت شيبان، وأخوه عدي جد عمر بن الخطاب.
ابن كعب(٢) : وامه مارية بنت كعب القضاعية وكان عظيم القدر عند العرب وأرخوا(٢) لموته الى عام الفيل وكان بينهما خمسمئة وعشرون سنة.
ابن لؤي(٣) : تصغير اللأي وهو النور: وأمه عاتكة(٤) بنت يخلد بن النضر.
ابن غالب(٥) : وأمه ليلى بنت الحرث.
ابن فهر(٦) : (بالكسر) أمه جذلة بنت عامر الجرهمية وكان فهر رئيس الناس بمكة، وكان جمَّاع قريش.
ابن مالك: أمه عاتكة بنت عدوان.
ابن النضر: (بفتح النون وسكون الضاد المعجمة) سُمي بذلك لنضارة وجهه، قيل: كان اسمه(٧) قريش (فكل من ولد من النضر فهو قرشي ومن لم يلده النضر فليس بقرشي) أمه برة بنت مر بن اد بن طابخة.
ابن كنانة: امه عوانة بنت سعد.
ابن خزيمة: (تصغير خزمة) امه سلمى بنت أسلم.
____________________
(١) ويكنى أبا يقظة.
(٢) ابن الأثير (ص٩ - ج ٢).
(٣) ويكنى أبا كعب.
(٤)وهي أول العواتك التي ولدن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من قريش.
(٥) ويكنى أبا تيم.
(٦) ويكني أبا غالب.
(٧) قيل لما جمعهم قصي قيل لهم قريش. والتقرش: التجمع. وقيل لاجتماع خصال الخير فيه.
ابن مدركة: سمي بمدركة لأنه أدرك كل ما كان في آبائه. أمه خندف(١) .
ابن الياس: امه الرباب قيل لما توفي إلياس حزنت عليه خندف حزناً شديداً فلم تقم حيث مات ولم يظلها سقف حتي هلكت فضرب بها المثل، وكانت تبكي كل خميس، من غدوته الى الليل، لأن الياس توفى يوم الخميس، وكان إلياس يدعى كبير قومه وسيد عشيرته ولا يقطع أمرُ ولا يقضى مهمُّ دونه، ولم تزل العرب تعظم الياس تعظيم اهل الحكمة كلقمان وأشباهه.
ابن مضر: (بضم وفتح)، معدول عن ماضر، وهو اللبن قبل أن يروب، واسمه عمر، وامه سودة بنت عك، وإخوته إياد وربيعة وأنمار، ولهم قصة(٢) لطيفة في تقسيم اموال أبيهم ورجوعهم الى حكم الافعى الجرهمي في ذلك. وكان مضر أحسن الناس صوتاً، و هو أول من حدا.
ابن نزار: (بكسر النون) من النزر أي القليل سمي بذلك لأن اباه حين ولد له ونظر الى النور الذي بين عينيه، وهو نور النبوة فرح فرحاً شديداً ونحر واطعم وقال: إن هذا كله نزر في حق هذا المولود، فسُمِّيَ نزازاً، وأمه معانة بنت(٣) حوشم.
ابن معد: كمرد أمه مهدة.
ابن عدنان: روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: اذا بلغ نسبي إلى عدنان فأمسكوا(٤) . أمهصلىاللهعليهوآلهوسلم آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة.
____________________
(١) اسمها ليلى، قيل لها خندف لمشيتها تخندفاً. والخندفة، ضرب من المشي.
(٢) ذكرها ابن الجوزي في الأذكياء والدميري في حياة الحيوان في الافعى (منه) أقول وذكرها أيضاً ابن الأثير في تاريخه (ص ١١ ج ٢) وفيها غرابة.
(٣) في تاريخ ابن الاثير (بالجيم المعجمة).
(٤) لعله لاختلاف النسّابين فيمن بعد عدنان اختلافاً عظيماً لا يحصل منه على غرض. فبعضهم=
ولد:صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الجمعة السابع عشر(١) من شهر ربيع الأول بعد طلوع الفجر في عام الفيل بمكة المعظمة، في زمن الملك العادل أنوشيروان في الدار المعروف(٢) بدار محمد بن يوسف، وكان للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فوهبه لعقيل بن ابي طالب فباعه أولاده لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، فأدخله في داره. فلما كان زمن هارون اخذته خيزران امه فأخرجته وجعلته مسجداً، وهو الآن معروف يزار ويصلَّى فيه، وبُعثصلىاللهعليهوآلهوسلم بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب.
روى الشيخ الصدوق عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: كان إبليس لعنه اللّه يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسىعليهالسلام حُجب عن ثلاث سماوات وكان يخترق أربع سموات فلما ولد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حُجب عن السبع كلها، ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتاب يذكرونه، وقال عمرو بن امية وكان من أزجر أهل الجاهلية، أنظروا هذه النجوم التي يُهتدى بها ويُعرف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رُمي بها فهو هلاك كل شيء وإن كان ثبتت ورُمي بغيرها فهو أمر حدث، وأصبحت الأصنام كلها صبيحة ولد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس منها صنم الا وهو منكب على وجهه، وارتجس(٣) في تلك الليلة إيوان كسرى وسقطت منه أربعة عشر شرفة وغاضت(٤) بحيرة ساوة، وفاض(٥) وادي السماوة(٦) وخمدت نيران
____________________
= يجعل بين عدنان وإسماعيلعليهالسلام أربعة آباء ويجعل آخر بينهما أربعين أباً.
(١) في قول مشهور بين الشيعة ولكن أكثر العامة وبعض الشيعة قالوا بولادته في اثني عشر منه وفيها أقوال أخر غير مشهورة.
(٢) لما كانت لفظة الدار من المؤنثات السماعية كان الأولى إرجاع ضمائر المؤنثة اليها.
(٣) الارتجاس الاضطراب والتزلزل الذي يسمع منه الصوت الشديد (منه).
(٤) غاضت بحيرة ساوة أي غار ماؤها وذهب (منه).
(٥) وفاض الوادي أي كثر ماؤه حتى سال (منه).
(٦) والسماوة بادية بين الكوفة والشام (منه).
فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان(١) في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانسربت(٢) في بلادهم وانفصم طاق الملك كسرى من وسطه وانخرقت(٣) عليه دجلة العوراء وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطال حتى بلغ المشرق، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا الا أصبح منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة وبطل سحر السحرة ولم تبق كاهنة في العرب إلا حُجبت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب وسُمُّوا آل اللّه، قال أبو عبد اللّه الصادقعليهالسلام انما سموا آل اللّه لأنهم في بيت اللّه الحرام.
وقالت آمنة: إن ابني، واللّه سقط، فاتَّقى الأرض بيده ثم رفع رأسه الى السماء فنظر اليها، ثم خرج مني نور أضاء كل شيء فسمعت في الضوء قائلاً يقول: انك قد ولدت سيد الناس فسمِّيه محمداً. وأتي به عبد المطلب لينظر اليه وقد بلغه ما قالت أمه، فأخذه ووضعه في حجره، ثم قال: الحمد للّه الذي أعطاني هذا الغلام الطيب الأردان قد ساد في المهد على الغلمان ثم عوذه بأركان الكعبة، وقال فيه أشعاراً، قال: وصاح إبليس لعنه اللّه في أبالسته فاجتمعوا اليه فقالوا:ما الذي أفزعك يا سيدنا؟ فقال لهم: ويلكم لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريمعليهالسلام فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث. فافترقوا ثم اجتمعوا اليه فقالوا: ما وجدنا شيئاً. فقال إبليس لعنه اللّه: أنا لهذا الأمر. ثم صار مثل الصرّ وهو العصفور فدخل من قبل حراء(٤) فقال له جبرئيلعليهالسلام
____________________
(١) والموبذان بضم الميم وفتح الباء فقيه الفرس وحاكم المجوس (منه).
(٢) وانسربت أي دخلت.
(٣) وانخرقت عليه دجلة العوراء يظهر أن كسرى كان سكن بعض دجلة وبنى عليها بناء فلعله لذلك وصفوا دجلة بعد ذلك بالعوراء لأنه عور وطم بعضها فانخرقت عليه وانهدم بنيانه (منه).
(٤) حراء بالكسر والتخفيف والمد: جبل من جبال مكة على ثلاثة أميال (منه).
وراءك(١) لعنك اللّه فقال له: حرف اسألك عنه يا جبرئيل، ما هذا الحدث الذي حدث منذ الليلة في الأرض، فقال له: ولد محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: هل لي فيه نصيب؟ قال: لا. قال: ففي امته؟ قال: نعم. قال رضيت.
بدا بمولده المسعود طالعُهُ |
بدرَ الهدى واختفت فيه الأضاليلُ |
|
وزال عن رأس كسرى التاجُ |
من فوق بهرام للايمان إكليلُ |
|
بخاتمِ الرُّسل قد زالت(٢) أساورُهُ |
فعرشهُ بعد كرسي الملك مشلولُ |
|
سبحانَ من خص بالإِسراء رتبته |
بقربه حيث لا كيف وتمثيلُ |
|
بالجسم أسرى به والروح(٣) خادمه |
له من اللّه تعظيم وتبجيلُ |
|
له البراق حواد والسما طُرق |
مسلوكةُ ودليل السير جبريلُ |
|
له شريعة حقٍّ للهدى وله |
شريعة في الندى من دونها النيلُ |
|
وجاءه الروح بالقرآن ينسخ منْ |
شريعةِ الروح(٤) ما يحويه إنجيلُ |
|
وكل أسفار توراة الكليم لها |
من بعد إِسفار(٥) صبح الذكر تعطيلُ |
|
لولاه ما كان لا علم ولا عمل |
ولا كتاب ولا نصّ وتأويلُ |
|
ولا وجود ولا إنس ولا ملَك |
ولا حديث ولا وحي وتنزيل |
|
له الخوارق فالعُرجون في يده |
مهند(٦) من سيوف اللّه مسلولُ(٧) |
|
حروبه ومغازية لها سِيَر |
بها يحدِّث جيل بعده جيلُ |
وقال الشيخ الأزري:
ما عسى أن أقول في ذي معالٍ |
علة الكون كله إحداها |
____________________
(١) أي ارجع الى ورائك.
(٢) السوار: حلية كالطوق تلبسه المرأة في زندها جمعه: أساور وأساورة.
(٣) يعني به جبرئيل.
(٤) وهو المسيحعليهالسلام (منه).
(٥) أي الإِشراق.
(٦) أي سيف هندي.
(٧) أي خارج عن الغمد.
بشّرت أمة به الرسل طراً |
طرباً باسمه فيا بشراها |
|
نوهت(١) باسمه السماوات والأرض |
كما نوهت بصبح ذكاها(٢) |
|
طربت لاسمه الثرى(٣) فاستطالت |
فوق(٤) عُلوية السما سُفلاها |
|
لا تُجلْ(٥) في صفات احمد (ص) فكراً |
فهي الصورة التي لن تراها |
|
تلك نفس عزَّت على اللّه قدراً |
فارتضاها لنفسه واصطفاها |
|
ما تناهت عوالم العلم إلا |
والي كُنه احمد منتهاها |
|
حاز قدسية العلوم وإن لَمْ |
يُؤْتَها أحمدُ فَمن يؤتاها |
|
علَم اقسمت جميع المعالي |
أنه ربُّها الذي ربَّاها |
|
فاض للخلق منه علم وحلم |
أخذت عنهما العقول نهاها(٦) |
|
وسمت باسمه سفينةُ نوحٍ |
فاستقرت به على مجراها |
|
وبه نال خلة اللّه ابرا |
هيم والنار باسمه أطفاها |
|
وبسرِّ سَرى له في ابنِ عِمْرا |
ن أطاعت تلك اليمين عصاها |
|
وبه سخر المقابر عيسى |
فاجابت نداءه موتاها |
|
وهو سر السجود في الملاء الأع |
لى ولولاه لم تعفِّر جباها |
|
لم تكن هذه العناصر إلا |
من هيولاه حيث كان أباها |
قال أمير المؤمنينعليهالسلام في وصف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولقد قرن اللّه تعالى به من لدن كان فطيماً، أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طريق المكارم ومحاسن اخلاق العالم ليله ونهاره ولقد كنت معه أتِّبعه اتِّباع الفصيل إثر أمه يرفع لي في كل يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء(٧) فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإِسلام غير رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشم ريح النبوة.
____________________
(١) أي أظهرت ورفعت.
(٢) الذكاء بالضم: علم للشمس.
(٣) الثرى: التراب.
(٤) علو الشيء: نقيض سفله.
(٥) من الجولان.
(٦) النهى: العقل.
(٧) كهف قرب مكة.
(قال البوصيري(١) )
فاق النبيين في خلق وفي خلق |
ولم يدانوه في علم ولا كرم |
|
وكلهم من رسولِ اللّه ملتمس |
غَرفاً(٢) من البحر أو رشفاً(٣) من الديمِ(٤) |
|
فهو الذي تم معناه وصورته |
ثم اصطفاه حبيبا بارئ النسيمِ |
|
منزَّه عن شريك في محاسنه |
فجوهر الحسن فيه غير منقسمِ |
|
دع ما ادَّعته(٥) النصارى في نبيهم |
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم |
|
فانسبْ الى ذاته ما شئت من شرف |
وانسب الى قدره ما شئت من عظمِ |
|
فان فضل رسول اللّه ليس له |
حدّ فيعرف عنه ناطق بقمِ |
|
وكيف يدرك في الدنيا حقيقته |
قوم نيام تسلوا(٦) منه بالحلُمِ(٧) |
|
فمبلغ العلم فيه أنّه بشر |
وأَنه خير خلق اللّه كلهمِ |
|
وكل آيٍ اتى الرسل الكرام بها |
فانما اتصلت من نوره بهمِ |
|
فانه شمس فضل هم كواكبُها |
يظهرن انوارها للناس في الظُّلَم |
|
يا خير من(٨) يمم العافون ساحته |
سعياً وفوق متون الأينق(٩) الرُّسمِ |
|
سَرَيْتَ من حَرَم ليلا الى حرم |
كما سرى البدر في داج(١٠) من الظلَمِ |
|
فَظِلْتَ ترقى الى ان نلتَ منزلة |
من قاب قوسين لم تدرك(١١) ولم تُرَمِ |
____________________
(١) البوصيري هو شرف الدين ابو عبد الله محمد بن سعيد الدلاصي المتوفى سنة ٦٩٤ صاحب القصيدة المعروفة بالبردة الموسومة بالكواكب الدرية في مدح خير البرية عليه وآله آلاف التسليم والتحية اولها:
أمِن تذكر جيران بذي سلم |
مزجت دمعاً جرى من مقلة بدم (منه). |
(٢) اغترف الماء بيده: اخذه بها.
(٣) أي نداوة.
(٤) أي المطر الشديد.
(٥) أي يدعون انه ابن الله تعالى عن ذلك.
(٦) أي انكشف عنهم.
(٧) النومة الطيبة.
(٨) أي قصد.
(٩) جمع ناقة.
(١٠) اسم فاعل من دجى الليل أي اظلم.
(١١) أي لم تقصد.
وقَدَّمتك جميع الأنبياء بها |
والرسل تقديم مخدوم على خَدَمِ |
|
وانت تحترق السبعَ الطباقَ بهم |
في موكب كنت فيه صاحبَ العلمَ |
|
حتى إذا لم تدع شأواً(١) لمنسبق |
من الدنوّ ولا مرقى لمستنم(٢) |
|
خفضت كلَّ مقام بالاضافة اذ |
نوديتَ بالرفع مثل المفردِ العلمِ |
وقال الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثيرحمهالله
محمد المصطفى الهادي البشير رسو |
ل اللّه افضل خلق اللّه كلهم |
|
لولا هداه لكان الناس كلهم |
كاحرف ما لها معنى من الكلم |
|
ولو تفرق بعض من خلائقه |
في الناس لم يبق ذو جهل ولا غَرَم(٣) |
|
لو لم تطأ رجله فوق التراب لما |
غدا طهوراً وتسهيلاً على الامم |
|
لو لم يكن سجد البدر المنير له |
ما اثر التُربُ في خدية بالوسمِ |
|
فيا نجوم السما طوفوا بكعبته |
سَعِدْتُمُ إذ له صرتم من الخدم |
|
ولو تكلف صُمُّ فوق طاعته |
سعت اليه جبال الحلِ والحرمِ |
|
زاكي الفعال ومحمود الخصال ومب |
ذول النوال ومختار من القدم |
|
نصرت بالرعب حتى كاد سيفك ان |
يسطو(٤) بغير انسلال في رقابهم |
|
البدر يخبر أنّ النور مكتسبُ |
فيه ونورك أصليُّ وذو شمم(٥) |
|
كفاك فخراً كمالات خَصِصْت بها |
اخاك حتى دَعَوه بارئ النسيمِ |
وقال الصفي الحلي في مدحه صلى اللّه عليه وآله في قصيدته البديعية
شخص هو العالم الكليُّ في شرفٍ |
ونفسه الجوهر القدسيُّ في عِظَمِ |
|
هو النبيُّ الذي آياتهُ ظهرت |
من قبل مظهره للناس في القدَمِ |
|
صلى عليه اله العرش ما طلعت |
شمس وما لاح نجم في دجى الظُّلمِ |
|
وآله امناء اللّه من شهدت |
لقدرهم سورة الاحزاب في العِظَمِ |
____________________
(١) مصدر شأى القوم: أي سبقهم او اسم بمعنى الغاية.
(٢) أي الماشي الى العلو.
(٣) أي الخسران.
(٤) أي يهجم.
(٥) أي ذو علو وبعد.
فصل في وفاته صلى اللّه عليه وآله
روي عن علي بن الحسينعليهالسلام قال: سمعت ابيعليهالسلام يقول: لما كان قبل وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بثلاثة ايام هبط عليه جبرائيلعليهالسلام فقال: يا أحمد ان اللّه ارسلني اليك اكراماً وتفضيلاً لك وخاصة يسألك عما هو اعلم به منك، يقول كيف تجدك يا محمد قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اجدني يا جبرائيل مكروباً. فلما كان اليوم الثالث هبط جبرئيل وملك الموت ومعهما ملك يقال له اسماعيل في الهواء على سبعين الف ملك فسبقهم جبرائيل فقال: يا احمد ان اللّه عز وجل ارسلني اليك اكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصة يسألك عما هو أعلم به منك فقال: كيف تجدك يا محمد قال: أجدني يا جبرائيل مغموماً وأجدني يا جبرائيل مكروباً. فاستأذن ملك الموت، فقال جبرائيل: يا احمد هذا ملك الموت يستأذن عليك، لم يستأذن على احد قبلك ولا يستأذن على احد بعدك، قالصلىاللهعليهوآلهوسلم ائذن له فأذن له جبرائيل، فاقبل حتى وقف بين يديه فقال: يا احمد ان اللّه تعالى ارسلني إليك وأمرني ان اطيعك فيما تأمرني، ان امرتني بقبض نفسك قبضتها وان كرهت تركتها، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اتفعل ذلك يا ملك الموت؟ فقال: نعم بذلك أمرت ان اطيعك فيما تأمرني، فقال له جبرائيل: يا احمد ان اللّه تبارك وتعالى قد اشتاق الى لقائك، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا ملك الموت امضِ لما امرت به.
ورُوي في المناقب عن ابن عباس انه أُغمي على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في مرضه، فدُقّ بابه، فقالت فاطمةعليهاالسلام : من ذا؟ قال: انا رجل غريب اتيت اسأل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اتأذنون لي في الدخول عليه فأجابت امض رحمك اللّه، فرسول اللّه عنك
مشغول، فمضى ثم رجع، فدق الباب وقال: غريب يستأذن على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اتأذنون للغرباء، فأفاق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غشيته وقال: يا فاطمة اتدرين من هذا؟ قالت: لا يا رسول اللّه قال: هذا مفرق الجماعات ومنغض اللذات، هذا ملك الموت ما استأذن واللّه على احد قبلي ولا يستأذن على احد بعدي. استأذن عليّ لكرامتي على اللّه ائذني له فقالت: ادخل رحمك اللّه فدخل كريح هفافة وقال: السلام على اهل بيت رسول اللّه، فاوصى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الى عليعليهالسلام بالصبر عن الدنيا وبحفظ فاطمةعليهاالسلام وبجمع القرآن وبقضاء دينه وبغسله وان يعمل حول قبره حائطاً ويحفظ الحسن والحسينعليهماالسلام .
وروي عن ابي رافع مولى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: لما كان اليوم الذي توفّي فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم غشي عليه فاخذت بقدميه اقبلهما وأبكي فاقاق وانا اقول: من لي ولولدي بعدك يا رسول الّه، فرفع رأسه وقال: اللّه بعدي ووصيي صالح المؤمنين.
وروي في حديث عن جابر الأنصاري رحمه اللّه انه قال: كانت فاطمة عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهي تقول: واكرباه لكربك يا ابتاه، فقال لها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا كرب على ابيك بعد اليوم يا فاطمة انّ النبي لا يشق عليه الجيب ولا يخمش عليه الوجه ولا يدعى عليه بالويل ولكن قولي كما قال ابوك على ابراهيم(١) : تدمع العينان وقد يوجع القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا بك يا ابراهيم محزنون.
وعن ابي جعفر الباقرعليهالسلام قال في قوله تعالى: (ولا يعصينك في معروف) ان رسول اللّه (صلى لاللّه عليه وآله وسلم) قال لفاطمةعليهاالسلام : اذا أنا متُّ فلا تخمشي عليّ وجهاً ولا ترخي عليّ شَعْراً عليّ شَعْراٌ ولا تنادي
____________________
(١) أي لا يخدش الوجه عليه يعني به ابنه (ص).
بالويل ولا تقيمي عليَّ نائحة ثم قال: هذا المعروف الذي قال اللّه عز وجل.
قال المفيد ثم ثقلصلىاللهعليهوآلهوسلم وحضره الموت وامير المؤمنينعليهالسلام حاضر عنده فلما قرب خروج نفسه قال له: ضع يا عليّ رأسي في حجرك فقد جاء امر اللّه فاذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك ثم وجّهني الى القبلة وتولَّ امري وصلِّ عليَّ أول الناس ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي واستعن باللّه تعالى، فأخذ عليّ رأسه فوضعه في حجره فاغمي عليه فأكبت فاطمةعليهاالسلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول:
وأَبيض يستسقى الغمامَ بوجهه |
ثمال اليتامى عصمة للأرامل |
ففتح رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عينيه وقال بصوت ضئيل(١) : يا بنية هذا قول عمك ابي طالب لا تقوليه ولكن قولي: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات او قتل انقلبتم على اعقابكم) فبكت طويلاً فأومى اليها بالدنو منه فدنت منه فأسرَّ اليها شيئاً تهلل وجهها له فجاءت الرواية: انه قيل لفاطمةعليهاالسلام ما الذي اسر اليك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسرى(٢) عنك به ما كنت عليه من الحزن والقلق بوفاته قالت: انه أخبرني انني اول اهل بيته لحوقاً به وانه لن تطول المدة بي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عني.
وفي رواية الصدوق عن ابن عباس: فجاء الحسن والحسينعليهماالسلام يصيحان ويبكيان حتى وقعا على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأراد عليعليهالسلام ان ينحيهما عنه فأفاق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم قال: يا عليّ دعني اشمهما ويشمّاني واتزود منهما ويتزودان مني أما انهما سيظلمان بعدي ويقتلان ظلماً، فلعنة اللّه على من يظلمهما يقول ذلك ثلاثاً ثم مد يده الى علي فجذبه اليه حتى ادخله تحت ثوبه الذي كان عليه
____________________
(١) يعني الخفيف.
(٢) أي فذهب وانكشف.
ووضع فاه على فيه وجعل يناجيه مناجاة طويلة حتى خرجت روحه الطيبة صلوات اللّه عليه وآله فانسل(١) عليّ من تحت ثيابه وقال اعظم اللّه أجوركم في نبيكم فقد قبضه اللّه اليه فارتفعت الأصوات بالضجة والبكاء.
وقال الطبرسي وغيره ما ملخصه أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لملك الموت: امض لما أمرت(٢) له فقال جبرائيل: يا محمد هذا آخر نزولي الى الدنيا انما كنت انت حاجتي منها فقال له: يا حبيبي جبرائيل ادن مني فدنا منه فكان جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وملك الموت قابض لروحه المقدسة فقضى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه ففاضت نفسه فيها فرفعها الى وجهه فمسحه بها ثم وجَّهه(٣) وغمضه ومد عليه ازاره واشتغل بالنظر في أمره.
قال الراوي: وصاحت فاطمةعليهاالسلام وصاح المسلمون وهم يضعون التراب على رؤوسهم.
قال الشيخ في التهذيب: قبض مسموماً(٤) يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة احدى عشرة من الهجرة، وفي المناقب وكان بين قدومه المدينة ووفاته عشر سنين وقبض قبل ان تغيب الشمس وهو ابن ثلاث وستين سنةصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعن الثعلبي انه قبض حين زاغت(٥) الشمس فلما قبض رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جاء الخضر فوقف على باب البيت وفيه عليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام ورسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد سجِّي(٦) بثوب فقال: السلام عليكم يا اهل البيت، كل نفس
____________________
(١) أي انطلق.
(٢) والصحيح امرت به.
(٣) أي الى القبلة.
(٤) وذلك من أثر كتف الشاة المسمومة التي قدمتها له اليهودية في الطعام.
(٥) أي مالت.
(٦) أي مد عليه الثوب.
ذائقة الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة، ان في اللّه خلفا من كل هالك وعزاء من كل مصيبة ودركاً(١) من كل فائت فتوكلوا عليه وثقوا به وأستغفر اللّه لي ولكم، واهل البيت يسمعون كلامه ولا يرونه فقال امير المؤمنينعليهالسلام هذا اخي الخضر جاء يعزيكم بنبيكم.
فصل في وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم
ان كنت اردت ان تعلم مقدار تأثير مصيبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على امير المؤمنين وعلى اهل بيته فاسمع ما قال امير المؤمنينعليهالسلام في ذلك، قال: فنزل بي من وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما لم اكن اظن الجبال لو حملته عنوة(٢) كانت تنهض به فرأيت الناس من اهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ولا يضبط نفسه ولا يقوى على حمل فادح(٣) ما نزل به قد اذهب الجزع صبره واذهل عقله وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع وسائر(٤) الناس من غير بني عبد المطلب بين معزٍّ يأمر بالصبر وبين مساعد باك لبكائهم جازع لجزعهم، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته، بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ووضعه في حفرته، وجمع كتاب اللّه(٥) وعهده الى خلقه لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هائج زفرة ولا لادغ حرقة ولا جزيل مصيبة حتى أدّيت في ذلك الحق الواجب اللّه عز وجل ولرسوله عليَّ وبلغت منه الذي أمرني به واحتملته صابراً محتسباً.
____________________
(١) أي تداركا.
(٢) أي قهراً وقسراً.
(٣) أي المصيبة النازلة.
(٤) أي ورأيت.
(٥) عطف بيان لكتاب اللّه (منه).
وروى الكليني عن ابي جعفرعليهالسلام قال لما قبض رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بات آل محمدعليهمالسلام بأطول ليلة حتى ظنوا ان لا سماء تظلهم ولا أرض تُقِلُّهم(١) لأن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتر(٢) الأقربين والابعدين في اللّه، فبينا هم كذلك أذ أتاهم آت لا يرونه ويسمعون كلامه فقال: السلام عليكم يا اهل البيت ورحمة اللّه وبركاته، ان في اللّه عزاء من كل مصيبة ونجاة من كل هلكة ودركا لما فات، كل نفس ذائقةُ الموت وانما توفون اجوركم يوم القيامة فمن زحزح(٣) عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور، ان اللّه اختاركم وفضلكم وطهّركم وجعلكم أهل بيت نبيه واستودعكم علمه وأورثكم كتابه.
وقال ابو عبد اللّهعليهالسلام ان اللّه لما قبض نبيه دخل على فاطمة عليها السلام من الحزن ما لا يعلمه الا اللّه عز وجل، فأرسل اليها ملكاً يسلّي غمَّها ويحدثها فشكت ذلك الى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال لها: اذا احسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته ذلك وجعل امير المؤمنينعليهالسلام يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً قالعليهالسلام : اما انه ليس فيه شيء من الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون.
وفي رواية اخرى انه كان جبرائيلعليهالسلام يأتيها فيحسن عزاءها على ابيها ويطيب نفسها.
وروي انه اجتمعت نسوة بني هاشم وجعلن يذكرن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالت فاطمةعليهاالسلام : اتركن التعداد وعليكنَّ بالدعاء وقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا عليّ من اصيب بمصيبة
____________________
(١) أي ترفعهم فوقها.
(٢) أي جعل شفعهم وترا. يعني افرادهم.
(٣) أي ابعد.
فليذكر مصيبته بي فانها من اعظم المصائب وانشأ امير المؤمنينعليهالسلام :
الموت لا والدا يبقي ولا ولدا |
هذا السبيل إلى ان لا ترى احدا |
|
هذا النبي ولم يخلد لأمته |
لو خلد اللّه خلقا قبله خلدا |
|
للموت فينا سهام غير خاطئة |
من فاته اليوم سهم لم يفته غدا |
فصل في غسله صلى اللّه عليه وآله
فلما اراد امير المؤمنينعليهالسلام غسل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم استدعى الفضل بن العباس فأمره ان يناوله الماء لغسله بعد ان عصب(١) عينيه ثم شق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به الى سرته وتولى غسله وتحنيطه والفضل يعاطيه الماء ويعينه عليه والملائكة كانت اعوانه ايضاً فغسل في قميصه.
روى الشيخ في التهذيب عن الحرث بن يعلي بن مرة عن أبيه عن جده قال: قبض رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فستر بثوب، ورسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خلف الثوب وعليعليهالسلام عند طرف ثوبه قد وضع خديه على راحته والريح يضرب طرف الثوب على وجه عليعليهالسلام قال: والناس على الباب وفي المسجد ينتحبون(٢) ويبكون واذا(٣) سمعنا صوتاً في البيت ان نبيكم طاهر مطهر فادفنوه ولا تغسلوه قال فرأيت علياًعليهالسلام حين رفع راسه فزعاً فقال: اخسأ عدو اللّه فانه أمرني بغسله وكفنه ودفنه وتلك سنة قالعليهالسلام نادى مناد آخر غير تلك النغمة يا علي بن ابي طالب استر عورة نبيك ولا تنزع القميص.
____________________
(١) أي جعل على عينيه عصابة.
(٢) أي يبكون شديداً.
(٣) لفظة اذا فجائية.
وفي نهج البلاغة من كلام لهعليهالسلام قاله وهو يلي غسل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتجهيزه: بأبي أنت وامي لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء واخبار السماء وخصصت(١) حتى صرت مسلياً عمن سواك وعممت(٢) حتى صار الناس فيك سواء ولولا انك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لانفدنا(٣) عليك ماء الشؤون(٤) ولكان الداء مماطلاً(٥) والكمد(٦) محالفاً(٧) وقلا لك(٨) ولكنه(٩) ما لا يملك رده ولا يستطاع دفعه بأبي انت وأمي اذكرنا عند ربك واجعلنا من بالك(١٠) .
وفي رواية الشيخ قال: لما فرغ من غسله كشف الأزار عن وجهه ثم أكبَّ عليه فقبل وجهه ومد الأزار عليه.
وعن فقه الرضا ان علياًعليهالسلام لما ان غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليهما وآلهما وسلم) وفرغ من غسله نظر في عينيه فرأى فيهما شيئاً فانكب عليه فادخل لسانه فمسح ما كان فيهما فقال بأبي وأمي يا رسول اللّه، (صلى اللّه عليك) طبت حياً وطبت ميتاً، قاله العالم(١١) .
وعن بصائر الدرجات عن ابي رافع قال: ان اللّه ناجى علياً يوم غسل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
____________________
(١) أي في مصيبتك خصوصية. حتى ان غيرها من المصائب يسلى بها لشدة تأثيرها علينا.
(٢) أي مع ذلك تكون مصيبتك عامة لكل مسلم.
(٣) أي لأفنينا على فراقك ومصيبتك ماء عيوننا.
(٤) من الشؤونة وهي منابع الدمع من الرأس.
(٥) أي مسامحاً في الشفاء والبرء.
(٦) أي الحزن.
(٧) أي ملازما.
(٨) تثنية (قل) أي مماطلة الداء ومخالفة الكمد قليلان في جنب مصيبتك.
(٩) نقطة (ما) موصولة بمعنى الموت.
(١٠) أي في خاطرك عند ورودك الجنة.
(١١) يعني رواها الإِمامعليهالسلام .
قال الراوي: فلما فرغ عليعليهالسلام من غسل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتحنيطه كفنه في ثلاث أثواب، ثوبين ابيضين صحاريين، وبرد احمر حبرة(١) (وصحار قرية باليمن نسب الثوب اليها).
وروى القطب الراوندي عن عليعليهالسلام انه قال: امرني رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اذا توفي ان استسقي سبع قرب(٢) من بئر غرس فاغسله بها فاذا غسلته وفرغت من غسله اخرجت من في البيت، قال: فاذا اخرجتهم فضع فاك على فيَّ ثم سلني عما هو كائن الى ان تقوم الساعة من امر الفتن، قال عليعليهالسلام : ففعلت ذلك فأنبأني بما يكون الى ان تقوم الساعة وما من فئة تكون الا وانا اعرف اهل ضلالها من اهل حقها.
فصل في دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
روى سليم(٣) عن سلمان (رضي اللّه عنه) انه قال: اتيت علياًعليهالسلام وهو يغسل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد كان أوصى ان لا يغسله غير عليٍّعليهالسلام وأخبر عنه انه لا يريد ان يقلب منه عضوا الا قلب له وقد قال امير المؤمنينعليهالسلام لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من يعينني على غسلك يا رسول اللّه قال جبرائيل فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسناً وحسيناًعليهمالسلام فتقدم وصففنا خلفه وصلى عليه والمرأة(٤) في الحجرة لا تعلم، قد اخذ جبرائيل ببصرها، قال المفيد: فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى
____________________
(١) ضرب من برود اليمن.
(٢) جمع قربة.
(٣) سليم (بضم السين) بن قيس الهلالي الكوفي. صاحب امير المؤمنين له كتاب.
(٤) يعني بها عائشة.
عليه وحده لم يشركه معه احد في الصلاة عليه وكان المسلمون في المسجد يخوضون فيمن يؤمهم في الصلاة عليه واين يدفن فخرج اليهم امير المؤمنينعليهالسلام وقال لهم: ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم امامنا حياً وميتاً فيدخل عليه فوج بعد فوج منكم فيصلون عليه بغير امام وينصرفون، وان اللّه لم يقبض نبياً في مكان الا وقد ارتضاه لرمسه(١) فيه وانّي لدافنه في حجرته التي قبض فيها فسلم القوم لذلك ورضوا به.
روى الكليني عن أبي مريم الانصاري قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : كيف كانت الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: لما غسله امير المؤمنينعليهالسلام وكفنه سجاه(٢) ، ثم ادخل عليه عشرة فداروا حوله، ثم وقف امير المؤمنينعليهالسلام في وسطهم فقال: ان اللّه وملائكته يصلون على النبي، يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً، فيقول القوم كما يقولعليهالسلام حتى صلى عليه أهل المدينة والعوالي(٣) .
وروى ابو جعفرعليهالسلام : انهم صلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء حتى صلى عليه الاقرباء والخواص ولم يحضر أهل السقيفة وكان عليّعليهالسلام انفذ اليهم بريدة(٤) وانما تمت بيعتهم بعد دفنه ( صلى الله عليه وآله وسلم) وروي عن القسم الصقيل أنه كتب إلى الناحية المقدسة جعلت فداك هل اغتسل امير المؤمنين حين غسل رسول اللّه (صلي اللّه عليه وآله وسلم) عند موته فاجابه: النبي ٠صلي اللّه عليه وآله): طاهر مطهر ولكن امير المؤمنينعليهالسلام فعل وجرت به السند.
____________________
(١) أي لتربته وقبره.
(٢) سجى الميت: مد عليه ثوباً.
(٣) نواحي في اطراف المدينة.
(٤) هو بريدة الاسلمي من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنين.
قال المفيد: ولما صلى المسلمون عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم انفذ العباس بن عبد المطلب برجل الى ابي عبيدة بن الجراح وكان يحفر لأهل مكة ويصرح وكان ذلك عادة اهل مكة وانفذ الى زيد به سهل وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد فاستدعاهما وقال اللهم خر(١) لنبيك فوجد ابو طلحة زيد بن سهل وقيل له: احفر لرسول اللّه فحضر له لحداً ودخل امير المؤمنين والعباس بن عبد المطلب والفضل بن العباس واسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فنادت الانصار من وراء البيت يا علي انا نذكرك اللّه وحقنا اليوم من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ان يذهب، ادخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : فقال: ليدخل اوس بن خولي وكان بدرياً فاضلاً من بني عوف من الخزرج فلما دخل قال له عليعليهالسلام : انزل القبر فنزل ووضع امير المؤمنين رسول اللّه (صلى اللّه عليهما وآلهما) على يديه ودلاه في حفرته فلما حصل في الأرض قال له اخرج فخرج ونزل علي القبر فكشف عن وجه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووضع خده على الأرض موجهاً الى القبلة على يمينه ثم وضع عليه اللبن(٢) واهال عليه التراب (انتهى). وروي انه ربَّع قبره.
وعن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال القى شقران مولى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في قبره القطيفة وقال: جعل عليّعليهالسلام على قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لبناً وقال: قبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم محصب(٣) حصباء حمراء.
وروى الحميري(٤) : ان قبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم
____________________
(١) من الخيرة وهي الصلاح.
(٢) جمع لبنة بكسر الأول.
(٣) أي مجعول فيه الحصى.
(٤) هو عبد اللّه بن جعفر. كذا في الرجال الكبير.
رفع من الأرض قدر شبر وأربع اصابع ورش عليه الماء قال عليعليهالسلام : والسنة ان يرش على القبر ماء.
ورُوي عن بصائر الدرجات عن ابي عبد اللّهعليهالسلام انه لما قبض رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هبط جبرائيلعليهالسلام ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون في ليلة القدر، قال: ففتح لأمير المؤمنين بصره فرآهم في منتهى السماوات الى الأرض يغسلون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم معه ويصلون معه عليه ويحفرون له واللّه ما حفر له غيرهم، حتى اذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل فوضعوه، فتكلم وفتح لأمير المؤمنينعليهالسلام سمعه، فسمعهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوصيهم به، فبكى، وسمعهم يقولون: لا نألوه(١) جهداً وإنما هو صاحبنا بعدك الا أنه ليس يعايننا ببصره بعد مرتنا هذه.
قال في نهج البلاغة من خطبة لهعليهالسلام : و لقد علم المستحفظون من اصحاب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم إنِّي لم ارد على اللّه سبحانه ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته في المواطن التي تنكص(٢) فيها الابطال وتتأخر الاقدام نجدة(٣) أكرمني اللّه ولقد قبض رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وان رأسه لعلى صدري، وقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي ولقد وُلِّيت غسله والملائكة أعواني فضجت الدار والافنية(٥) ملأ يهبط وملأ يعرج وما فارقت سمعي هينمة (اي الكلام الخفي) منهم يصلّون عليه حتى واريناه في ضريحه فمن ذا احق به منّي حياً وميتاً.
____________________
(١) ألا. يألو في الأمر: قصر. يعني انا لننصره على مقدار طاقتنا ولا نقصر في حقه.
(٢) أي رجعوا على اعقابهم.
(٣) أي الشجاعة والبأس.
(٤) جمع فناء (بالكسر) وهو الساحة.
اقول: قد يقال ان المراد بسيلان النفس هبوب النفس عند انقطاع الانفاس وقيل اراد بنفسه دمهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقال ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قاء عند وفاته دما يسيراً وأن علياً عليه السلام) مسح بذلك وجهه واللّه العالم.
قال المفيد: لم يحضر دفن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اكثر الناس لما جرى بين المهاجرين والانصار من التشاجر في أمر الخلافة وفات اكثرهم الصلاة عليه لذلك، وأصبحت فاطمةعليهاالسلام تنادي، واسوء صباحاه فسمعها ابو بكر فقال لها: ان صباحك لصباح سوء.
وروى ابن عبد ربه في العقد الفريد عن انس بن مالك قال: لما فرغنا من دفن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اقبلت علي فاطمة فقالت: يا انس كيف طابت انفسكم ان تحثوا(١) على وجه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم التراب، ثم بكت ونادت يا ابتاه اجاب رباً دعاه يا أبتاه، من ربه ما ادناه.
____________________
(١) أي أن تصبُّوا.
النور الثاني.. سيدة نساء العالمين وبضعة خاتم النبيين وام الأئمة الطاهرين فاطمة الزهراء
مشكاة نور اللّه جل جلاله |
زيتونة عمَّ الورى بركاتها |
صلوات اللّه عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.
ولدت في جمادى الآخرة يوم العشرين منها سنة خمس واربعين من مولد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان بعد مبعثه بخمس سنين كما رُوي عن الصادقينعليهماالسلام .
(البحار) بينا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جالس بابطح(١) ومعه عمار بن ياسر والمنذر بن الضحضاح وابو بكر وعمر وعلي بن ابي طالبعليهالسلام والعباس بن عبد المطلب وحمزة بن عبد المطلبرحمهالله اذ هبط عليه جبرائيلعليهالسلام في صورته العظمى قد نشر أجنحته حتى اخذت من المشرق الى المغرب فناداه يا محمد، العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام وهو يأمرك ان تعتزل(٢) عن خديجة اربعين صباحاً، فشق ذلك على
____________________
(١) كل مسيل فيه دقاق الحصى فهو ابطح قال ابو زيد الابطح اثر المسيل والابطح يضاف الى مكة والى منى لأن مسافته منهما واحدة وربما كان الى منى أقرب وهو المحصب وهي خيف بني كنانة وقيل انه ذو طوى وليس به (مراصد الاطلاع).
(٢) لعل اعتزال النبيصلىاللهعليهوآله عن خديجة (رضي اللّه عنها) اربعين يوماً كان للتأهب لتحية رب العالمين وتحفته والمراد بها فاطمة (صلوات اللّه عليها) كما اشير الى ذلك في زيارتها فاطمة بنت رسولك وبضعة لحمه وصميم قلبه وفلذة كبده والتحية منك له والتحفة وفي هذا الاعتزال دليل على جلالة فاطمةعليهاالسلام سيدة النسوان بما لا يطيق بتحرير بيانه البنان (منه).
النبي (صلى اللّه عليه واله وسلم) وكان محبّاً لها وبها وامقاً(١) قال: فأقام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اربعين يوماً يصوم النهار ويقوم الليل حتى اذا كان في آخر ايامه تلك بعث الى خديجة بعمار بن ياسر وقال: قل لها يا خديجة لا تظني ان انقطاعي عنك هجرة ولا قلى(٢) ولكن ربي عز وجل امرني بذلك لينفذ امره فلا تظني يا خديجة الا خيراً فان اللّه عز وجل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مراراً فاذا جنك الليل فاجيفي(١) الباب وخذي مضجعك من فراشك فإني في منزل فاطمة بنت اسد رضي اللّه عنها فجعلت خديجة تحزن في كل يوم مراراً لفقد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلما كان في كمال الاربعين هبط جبرائيلعليهالسلام فقال: يا محمد العليّ الأعلى يقرئك السلام وهو يأمرك ان تتأهب لتحيته وتحفته قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يا جبرائيل وما تحفة رب العالمين وما تحيته قال: لا علم لي، قال: فبينا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كذلك اذ هبط ميكائيل ومعه طبق مغطى بمنديل سندس(٤) او قال: استبرق، فوضعه بين يديْ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واقبل جبرائيل على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا محمد يأمرك ربك ان تجعل الليلة افطارك على هذا الطعام، فقال عليّ بن أبي طالبعليهالسلام : كان النبي (صلى اللّه عليه وآله ولم) اذا أراد أن يفطر أمرني ان افتح الباب لمن يرد الى الإِفطار فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم على باب المنزل وقال يا ابن ابي طالب انه طعام محرم الا عليَّ. قال عليّعليهالسلام : فجلست على الباب وخلا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بالطعام وكشف الطبق فاذا عذق من رطب(٥) وعنقود من عنب فأكل النبي
____________________
(١) أي محباً. يقال ومقه: أي احبه.
(٢) قلى الرجل: ابغضه.
(٣) اجيفوا ابوابكم: أي ردّوها (منه).
(٤) للترديد من الراوي (منه).
(٥) لعل تخصيص الرطب والعنب لكثرة بركتهما وما يتولد منهما من المنافع فانه ليس في الاشجار ما يبلغ نفعهما.
صلىاللهعليهوآلهوسلم منه شبعاً، وشرب من الماء رياً، ومد يده للغسل فافاض الماء عليه جبرائيل وغسل يده ميكائيلعليهالسلام وتمندله(١) اسرافيلعليهمالسلام فارتفع فاضل الطعام مع الاناء الى السماء، ثم قام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ليصلّي فأقبل عليه جبرائيل فقال الصلاة(٢) محرمة عليك في وقتك حتى تأتي الى منزل خديجة فتواقعها فان اللّه عز وجل آلى(٣) على نفسه ان يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة فوثب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الى منزل خديجة قالت خديجة رضوان اللّه عليها: وكنت قد الفت الوحدة فكان اذا(٤) جنّني الليل غطيت رأسي وأسجفت(٥) ستري وغلقت بابي وصليت وردي وأطفأت مصباحي وأويت الى فراشي فلما كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة ولا بالمنتبهة اذ جاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقرع الباب فناديت من هذا الذي يقرع حلقةً لا يقرعها الا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم قالت خديجة: فنادى النبي (صلي اللّه عليه وآله وسلم) بعذوبة كلامه وحلاوة منطقه، افتحي يا خديجة فانِّي محمد، قالت خديجة: فقمت فرحة مستبشرة بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وفتحت الباب ودخل النبي المنزل، وكان اذا دخل المنزل دعا بالاناء فتطهر للصلاة ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما ثم يأوي الى فراشه فلما كان في تلك الليلة لم يدع بالاناء ولم يتأهب للصلاة غير انه اخذ بعضدي وأقعدني على فراشه وداعبني ومازحني وكان بيني وبينه ما يكون بين المرأة وبعلها فلا والذي سمك(٦) السماء وأنبع الماء ما تباعد عني النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى حسست بثقل فاطمةعليهاالسلام في بطني.
____________________
= مع انهما خلقتا من فضلة طينة آدم عليه السلام ولا يبعد ان يكون في ذلك اشارة الى كثرة نفع هذه النسلة الطاهرة المباركة وكثرة ذريتها وبركاتها (سلام اللّه عليها) (منه).
(١) أي وضع على يده المنديل.
(٢) الظاهر انها الصلاة النافلة دون الفريضة فانه كان يقدمها على الافطار (منه).
(٣) أي حلف.
(٤) أي اظلم.
(٥) أي ارسلت (منه).
(٦) أي رفع.
وروى الشيخ الصدوق رضي اللّه عنه في الأمالي بسنده عن المفضل بن عمر قال: قلت لأبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام كيف كانت ولادة فاطمةعليهاالسلام فقال نعم ان خديجة (رضي اللّه عنها) لما تزوّج بها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هجرتها(١) نسوان مكة فلم يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك وكان جزعها وغمّها حذراً عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلما حملت بفاطمة (سلام اللّه عليها) كانت فاطمة تحدثها من بطنها وتصبِّرها(٢) ، وكانت تكتم ذلك من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فدخل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً فسمع خديجة رضي اللّه عنها تحدث فاطمةعليهاالسلام ، فقال لها: يا خديجة هذا جبرائيل يخبرني أنها أنثى وأنها النسلة الطاهرة الميمونة وان الله تبارك و تعالى سيجعل نسلي منها و سيجعل من نسلها الأئمة ويجعلهم خلفاء في ارضه بعد انقضاء وحيه. فلم تزل خديجة على ذلك الى ان حضرت ولادتها، فوجهت الى نساء قريش وبني هاشم ان تعالين(٣) لتلين مني ما تلي النساء من النساء، فأرسلن اليها، انت عصيتينا ولم تقبلي قولنا وتزوجت محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم يتيم ابي طالب، فقيراً لا مال له فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً، فاغتمت خديجة لذلك فبينا هي كذلك اذ دخل عليها اربع نسوء سمر(٤) طوال كأنهن من نساء بني هاشم ففزعت منهن لما رأتهن فقالت احداهن، لا تحزني يا خديجة فانّا رسل ربك اليك ونحن اخواتك: أنا سارة وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران وهذه كلثم أخت موسى بن عمران، بعثنا اللّه اليك لنلي منك ما يلي النساء فجلست واحدة
____________________
(١) أي ابعدتها.
(٢) أي تحثُّها على الصبر.
(٣) أي أَقبِلنَ
(٤) جمع سمراء وهو اللون المائل الى السواد.
عن يمينها واخرى عن يسارها والثالثة بين يديها والرابعة من خلفها فوضعت فاطمةعليهاالسلام طاهرة مطهرة، فلما سقطت الى الأرض اشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، ولم يبق في شرق الأرض وغربها موضع الا أشرق فيه ذلك النور ودخل عشر من الحور العين، كل واحدة منهن معها طست من الجنة وابريق من الجنة، وفي الابريق ماء من الكوثر، واخرجت خرقتين بيضاءتين أشد بياضاً من اللّبن واطيب ريحاً من المسك والعنبر فلفتها بواحدة وقنعتها بالثانية ثم استنطقتها فنطقت فاطمةعليهاالسلام بالشهادتين وقالت: اشهد ان لا اله إلا اللّه وان ابي رسول اللّه، سيد الأنبياء، وان بعلي سيد الأوصياء وولدي سادة الاسباط، ثم سلمت عليهن وسمت كل واحدة منهن باسمها، واقبلن يضحكن اليها وتباشرت الحور العين وبشر أهل السماء بعضهم بعضاً بولادة فاطمةعليهاالسلام وحدث في السماء نور زاهر(١) لم تره الملائكة قبل ذلك وقالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة، بورك فيها وفي نسلها فتناولتها فرحة مستبشرة والقمتها(٢) ثديها فدر عليها، فكانت فاطمةعليهاالسلام تنمو في اليوم كما ينمو الصبي في الشهر وتنمو في الشهر كما ينمو الصبي في السنة(٣) .
____________________
(١) أي مشرق.
(٢) أي جعلت في فمها.
(٣) هذا كناية عن سرعة نموها والا فالمناسب لنموه في اليوم قدر الاسبوع نموه في الشهر قدر سبعة اشهر.
فصل في مناقب فاطمة عليها السلام
كانت فاطمة (صلوات اللّه عليها) من اهل العباء والمباهلة والمهاجرة في اصعب وقت، وكانت فيمن نزلت فيهم آية التطهير، وافتخر جبرائيلعليهالسلام بكونه منهم وشهد اللّه لهم بالصدق ولها أمومة الأئمة وعقب الرسول (صلى اللّه عليه واله وسلم) الى يوم القيامة، وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين واحد الركبان الأربعة يوم القيامة ولها المصحف الذي كان عند الأئمةعليهمالسلام ، وكانت اشبه الناس كلاماً وحديثاً برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، تحكي شيمتها(١) شيمته وما تخرم(٢) مشيتها مشيته، وكانت اذا دخلت عليه رحّب بها وقبّل يديها واجلسها في مجلسه، فاذا دخل عليها قامت اليه فرحبت به وقبّلت يديه. وكانصلىاللهعليهوآلهوسلم يكثر تقبيلها وكلما اشتاق الى رائحة الجنة يشم رائحتها، وكان يقول: فاطمة بضعة مني، من سرَّها فقد سرّني ومن ساءها فقد ساءني، فاطمة اعز الناس اليَّ، الى غير ذلك مما يكشف عن كثرة محبتهصلىاللهعليهوآلهوسلم لها(٣) .
روى الشيخ الكليني عطر اللّه مرقده عن محمد بن سنان قال: كنت عند ابي جعفر الثانيعليهالسلام فأجريت اختلاف الشيعة، فقال: يا محمد ان اللّه تبارك وتعالى لم يزل متفردا بوحدانيته ثم خلق محمدا وعليّاً وفاطمة صلوات اللّه عليهم فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها وأجرى طاعتهم عليها وفوّض(٤) أمورها اليهم فهم يحلّون ما يشاءون ويحرمون ما يشائون ولن يشاءوا الا ان يشاء اللّه تبارك وتعالى ثم قال: يا محمد هذه الديانة من تقدمها مرق(٥) ومن تخلّف عنها محق(٦) ومن لزمها لحق(٧) خذها اليك يا محمد.
____________________
(١) أي خلقها (بالضم).
(٢) أي لا تعدل.
(٣) كندائهصلىاللهعليهوآلهوسلم اياها يا حبيبة ابيها اقول قد كتبنا في احوال مولاتنا فاطمة (صلوات اللّه عليها) رسالة سميناها بيت الاحزان في مصائب سيدة النسوان.
(٤) اقول قد ذهب بعض الى تفويض الاحكام الى الأئمة بمعنى ان لهم بحسب ما يرون من المصالح والمفاسد جعل الاحكام التكليفية الخمسة ولكن قد عدهم المحقق البهبهاني في تعليقته على الرجال من غلاة الشيعة فعليه لا بد من حمل الرواية على انهم أوعية مشيئة اللّه فما حرمه اللّه تعالى حرموه وما احله احلوه ولذا استدركعليهالسلام في هذه الرواية الشريفة: يقول: (ولن يشاءوا الا ان يشاء اللّه تبارك و تعالى).
(٥) أي خرج من الدين.
(٦) أي هلك.
(٧) أي كان ملازماً للدين.
فصل في وفاة فاطمةعليهاالسلام
قبضت فاطمة صلوات اللّه عليها بعد وفاة النبي (صلي اللّه عليه وآله وسلم) في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منها(١) سنة احدى عشرة من الهجرة. روى ذلك الطبرسي عن ابي عبد اللّهعليهالسلام .
وعن روضة الواعظين(٢) وغيره مرضت فاطمة (صلوات اللّه عليها) مرضاً شديداً ومكثت اربعين ليلة في مرضها الى ان توفيت فلما نعيت(٣) اليها نفسها دعت ام أيمن(٤) واسماء(٥) بنت عميس ووجهت خلف عليّعليهالسلام واحضرته فقالت: يا ابن عم انه قد نعيت الي نفسي وانني لا ارى ما بي الا انني لاحقة بابي ساعة بعد ساعة وأنا اوصيك باشياء في قلبي قال لها عليعليهالسلام : اوصيني بما احببت يا بنت رسول اللّه، فجلس عند رأسها واخرج من كان في البيت ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال: معاذ اللّه، انت أعلم باللّه وأبرّ وأتقى وأكرم وأشد خوفاً من اللّه ان أوبخك بمخالفتي، قد عز عليَّ مفارقتك وفقدك، الا انه أمر لا بد منه، والله جُدِّدت عليَّ مصيبة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد عظمت وفاتك وفقدك، فانا للّه وانا اليه راجعون
____________________
(١) وقيل لخمسة وسبعين من وفاة رسول اللّه وقيل لاربعة اشهر منه وفيها اقوال أُخر شاذة بين الشيعة.
(٢) للشيخ الأجل ابن فتال النيشابوري من اعاظم المحدثين.
(٣) أي اخبرت بموتها.
(٤) هي مولاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وحاضنته كانت لأمهصلىاللهعليهوآلهوسلم فاعتقها وزوجها من عبيد بن زيد فولدت له (ايمن) فاستشهد يوم خيبر فزوجها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من زيد بن حارثة فولدت له اسامة بن زيد وهي من المنقطعين الى فاطمةعليهاالسلام .
(٥) هي اسماء بنت عميس الخثعمية. من المهاجرات الى ارض الحبشة مع زوجها الأول جعفر بن ابي طالب وتزوجها بعده ابو بكر فولدت له محمد بن ابي بكر. ثم مات عنها فتزوجها علي بن ابي طالب فولدت له يحيى بن ابي طالب (انتهى ملخصاً من الاستيعاب).
من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها(١) وأحزنها هذه واللّه مصيبة لا عزاء لها، ورزية لا خلف لها، ثم بكيا جميعاً ساعة واخذ عليّعليهالسلام رأسها وضمها الى صدره ثم قال: اوصيني بما شئت، فانك تجدينني امضي فيها كما أمرتني به وأختار أمرك على امري، ثم قالت: جزاك اللّه عني خير الجزاء يا ابن عم رسول اللّه ثم أوصته بان يتزوج بعدها امامة بنت اختها وأن يتخذ لها نعشاً(٢) وان لا يشهد احد جنازتها من الذين ظلموها وأخذوا حقها وان لا يصلي عليها احد منهم، ولا من أتباعهم، وان يدفنها بالليل اذا هدأت(٣) العيون ونامت الابصار.
وعن مصباح الانوار عن ابي عبد اللّه عن آبائهعليهمالسلام قال: ان فاطمةعليهاالسلام لما احتضرت اوصت علياً(٤) فقالت: اذا أنا مت فتول انت غسلي، وجهزني، وصلِّ عليَّ وانزلني في قبري وألحدني وسوّ التراب عليَّ واجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن والدعاء فانها ساعة محتاج الميت الى أنس الاحياء، وأنا استودعك اللّه تعالى وأوصيك في وُلدي خيراً، ثم ضمت اليها ام كلثوم فقالت له: اذا بلَغَتْ فلها ما في المنزل، ثم اللّه لها، فلما توفيت فعل ذلك أمير المؤمنينعليهالسلام .
ورُوي انه لما حضرت فاطمةعليهاالسلام الوفاة، بكت فقال لها امير المؤمنينعليهالسلام : يا سيدتي ما يبكيك قالت: ابكي لما تلقى بعدي، قال لها: لا تبكي فواللّه ان ذلك لصغير عندي في ذات اللّه.
ورُوي عن ام سلمى امرأة ابي رافع(٤) قالت: اشتكت فاطمةعليهاالسلام شكواها التي قبضت فيها وكنت امرضها فاصبحت يوماً اسكن ما
____________________
(١) من مضَّ الجرح فلاناً آلمه وأوجعه.
(٢) ولم يكن قبل معمولاً لحمل الجنائز.
(٣) أي سكنت.
(٤) لعله مولى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو الذي اعتقه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اذ بشره باسلام عمه العباس.
كانت، فخرج عليّعليهالسلام الى بعض حوائجه فقالت اسكبي(١) لي غسلاً(٢) فسكبت، فقامت واغتسلت احسن ما يكون من الغسل ثم لبست اثوابها الجدد(٣) ثم قالت: افرشي لي فراشي وسط البيت ثم استقبلت القبلة ونامت، وقالت: انا مقبوضة وقد اغتسلت فلا يكشفني احد ثم وضعت خدها على يدها، وماتت (صلوات اللّه عليها).
وفي رواية اخرى قالت لأسماء بنت عميس انتظريني هنيهة(٤) ، ثم ادعيني فان اجبتك، والا فاعلمي أني قد قِدمت على ابي، قال الراوي: فانتظرتها اسماء هنيهة ثم نادتها فلم تجبها فنادت يا بنت محمد المصطفى، يا بنت اكرم من حملته السماء، يا بنت خير من وطأ الحصى، يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى، فلم تجبها فكشفت الثوب عن وجهها فاذا بها قد فارقت الدنيا، فوقعت عليها تقبلها وهي تقول يا فاطمة اذا قدمت على ابيك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأقرئيه من اسماء بنت عميس السلام، ثم شقت اسماء جيبها وخرجت فتلقاها الحسن والحسينعليهماالسلام فقالا: اين أمنا فسكتت، فدخلا البيت فاذا هي ممتدة فحركها الحسينعليهالسلام فاذا هي ميتة فقال: يا اخاه آجرك اللّه في الوالدة فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلميني قبل ان يفارق روحي بدني قالت: واقبل الحسينعليهالسلام يقبل رجلها ويقول يا أماه انا ابنك الحسين كلميني قبل ان ينصدع(٥) قلبي فأموت قالت لهما اسماء: يا ابني رسول اللّه انطلقا الى ابيكما عليّعليهالسلام فاخبراه بموت أمكما، فخرجا يناديان يا محمداه يا احمداه، اليوم جدد لنا موتك، اذ ماتت أمنا، ثم أخبرا عليَّاعليهالسلام وهو في المسجد فغشي عليه عليه حتى رش(٦) عليه الماء ثم
____________________
(١) أي صبي.
(٢) الغسل بالضم والكسر ما يغتسل به (منه).
(٣) جدد جمع جديد.
(٤) أي مقداراً قليلاً من الوقت.
(٥) أي ينشق.
(٦) رش عليه: أي نفض الماء وفرقه عليه.
أفاق وكانعليهالسلام يقول: بمن العزاء يا بنت محمد، كنت بك اتعزى ففيم العزاء من بعدك. قال الراوي: فحمل الحسنينعليهماالسلام حتى ادخلهما بيت فاطمةعليهاالسلام وعند رأسها اسماء تبكي وتقول: وايتامى محمد كنا نتعزى بعدك. فكشف عليعليهالسلام عن وجهها فاذا برقعة عند رأسها فاذا فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أوصت، وهي تشهد ان لا إله الا اللّه، وأن محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور، يا عليّ انا فاطمة بنت محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم زوجني اللّه منك لأكون لك في الدنيا والآخرة أنت أولى بي من غيري، حنطني(١) وغسّلني بالليل، وصلّ علي وادفني بالليل ولا تعلم احدا، واستودعك اللّه واقرأ على وُلدي السلام الى يوم القيامة.
قال الراوي فصاحت اهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة ان تزعزع لصراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه يا بنت رسول اللّه، وأقبل الناس مثل عرف(٢) الفرس الى عليّعليهالسلام وهو جالس والحسن والحسينعليهماالسلام بين يديه يبكيان فبكى الناس لبكائهما وخرجت ام كلثوم وعليها برقعة(٣) وتجر ذيلها متجللة بردائها غلبها نشيجها وهي تقول: يا ابتاه يا رسول اللّه الان حقاً فقدناك فقداً لا لقاء بعده ابداً.
واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون ان تخرج الجنازة فيصلون عليها فخرج ابو ذر (رضي اللّه عنه)، وقال: انصرفوا فان ابنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أُخر اخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا.
____________________
(١) أي اجعل عليَّ الحنوط.
(٢) بالضم هو الشعر النابت في محدب رقبة الفرس.
(٣) أي النقاب.
فلما جنّ الليل غسلها امير المؤمنينعليهالسلام ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وام كلثومعليهمالسلام وفضة جاريتها واسماء بنت عميس (رضي اللّه عنها)(١) .
وفي رواية ورقة قال عليعليهالسلام : واللّه لقد اخذت في امرها وغسلتها في قميصها ولم اكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكفنتها وادرجتها في اكفانها فلما هممت ان اعقد الرداء ناديت يا ام كلثوم يا زينب يا سكينة يا فضة يا حسن ويا حسين هلموا تزودوا من امكم فهذا الفراق، واللقاء في الجنة فاقبل الحسن والحسينعليهماالسلام وهما يناديان واحسرة لا تنطفئ ابداً من فقد جدنا محمد المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم وامنا فاطمة الزهراء يا ام الحسن يا ام الحسين اذا لقيت جدنا محمداً المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا، فقال امير المؤمنين عليّعليهالسلام : إني أُشهد اللّه انها قد حنَّت(٢) وأنت ومدَّت يديها وضمتهما الى صدرها ملياً واذا بهاتف من السماء ينادي يا ابا الحسن ارفعهما عنها فلقد ابكيا واللّه ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب الى المحبوب قال: فرفعتهما عن صدرها.
وروي ان كثير بن عباس كتب على اطراف كفن سيدة النساء، تشهد ان لا إله لا اللّه وان محمداصلىاللهعليهوآلهوسلم رسول اللّه.
فلما ان هدأت(٣) العيون ومضى شطر من الليل اخرجها عليّ والحسن والحسينعليهمالسلام وعمار والمقداد وعقيل والزبير وابو ذر وسلمان وبريدة(٤) ونفر من بني هاشم وخواصه، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى عليّعليهالسلام قبوراً مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها.
____________________
(١) وفي رواية سليمان ونفر آخر سيأتي ذكرهم.
(٢) حنين وانين بمعنى تأوهت.
(٣) أي سكنت.
(٤) بريدة الاسلمي من السابقين الذين رجعوا الى امير المؤمنينعليهالسلام .
ورُوي انهعليهالسلام لما دفن فاطمة (صلوات اللّه عليها) وعفَّى موضع قبرها ونفض يده من تراب القبر، هاج به الحزن فارسل دموعه على خديه، وحوّل وجهه الى قبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: السلام عليك يا رسول اللّه عني وعن ابنتك النازلة في جوارك والسريعة اللحاق بل قلّ يا رسول اللّه عن صفيتك صبري ورقَّ عنها تجلُّدي(١) إلا أن لي في التأسي بعظيم فرقتك وفادح(٢) مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك(٣) في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك انا لله وانا اليه راجعون فلقد استرجعت(٤) الوديعة واخذت الرهينة اما حزني فسرمد واما ليلي فمسهد(٥) الى ان يختار اللّه لي دارك التي انت بها مقيم وستنبئك ابنتك بتظافر(٦) امتك على هضمها(٧) فاحفها(٨) السؤال واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد ولم يخل منك الذكر والسلام عليكما سلام مودع لا قال(٩) ولا سئم فإن انصرف فلا عن ملالة وان أقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين.
روى الشيخ عن يزيد بن عبد الملك عن أبيه عن جده قال: دخلت على فاطمةعليهاالسلام فبدأتني بالسلام، ثم قالت: ما إذ بك(١٠) قلت: طلب البركة قالت: أخبرني وهوذا:(١١) هو أنه من سلَّم عليه وعليّ ثلاثة أيام أوجب اللّه له الجنة قلت لها في حياته وحياتك قالت نعم وبعد موتنا.
____________________
(١) تجلد: أي تكلف الجلد وصبر.
(٢) أي الصعب المثقل. الفادحة: النازلة.
(٣) أي صيرت اللحد لك وسادة.
(٤) هذا كناية عن كونها قليلة المكث عنده لان مبنى الوديعة على فورية الفك ولعله لهذه النكتة قال له الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حين زوجها منه هذه وديعتي عندك. ومعنى اخذت الرهينة كناية عن جلالة مقامها لأن الرهينة تطلق على الشيء الغالي. يقال ارهنه في السلقة: أي غالى بها.
(٥) سهد وتسهد: ارق ولم ينم. قل نومه.
(٦) أي بتعاونهم.
(٩) أي مبغض.
(٨) أي اكثر السؤال عن حالها.
(٧) الضمير راجع الى الخلافة.
(١٠) أي ما سبب مجيئك إليَّ.
(١١) أي أن ما اخبرني هو ذات الذي سأخبرك به.
البحار، عن مصباح الأنوار، عن امير المؤمنينعليهالسلام ، عن فاطمةعليهاالسلام قالت: قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من صلى عليك غفر اللّه له وألحقه بي حيث كنت من الجنة.
النور الثالث.. الامام الأول ابو الحسن امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات اللّه عليه
ولدعليهالسلام بمكة في البيت الحرام في يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة.
امه فاطمة بنت اسد بن هاشم بن عبد مناف وهو واخوته اول هاشمي ولد بين هاشميين ولم يولد في البيت الحرام قبله احد وهي فضيلة خصه اللّه تعالى بها اجلالاً له واعلاء لمرتبته واظهارا لكرامته.
وروي عن علي بن الحسينعليهالسلام قال ان فاطمة بنت اسد ضربها الطلق(١) وهي في الطواف فدخلت الكعبة فولدت امير المؤمنينعليهالسلام فيها.
وروى الصدوق عن سعيد بن جبير قال: قال يزيد بن قعنب: كنت جالساً مع العباس بن عبد المطلب وفريق من عبد العزى، بأزاء بيت اللّه الحرام إذ اقبلت فاطمة بنت اسد أم أمير المؤمنينعليهالسلام وكانت حاملة به لتسعة اشهر وقد اخذها الطلق فقالت: ربِّ اني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسلٍ وكتب واني مصدقة بكلام جدّي ابراهيم الخليلعليهالسلام وانه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسَّرْت عليَّ ولادتي، قال يزيد بن قعنب: فرأينا البيت وقد
____________________
(١) الطلق بفتح الأول: وجع الولادة.
انفتح عن ظهره ودخلت فاطمة فيه وغابت عن ابصارنا والتزق(١) الحائط فرمنا ان ينفتح لنا قفل الباب فلم ينفتح، فعلمنا ان ذلك أمر من أمر اللّه عز وجل. ثم خرجت بعد الرابع وبيدها امير المؤمنينعليهالسلام ، ثم قالت: اني فُضِّلت على من تقدمني من النساء لأن آسية بنت مزاحم عبدت اللّه عز وجل سرّاً في موضع لا يحب ان يعبد اللّه فيه الا اضطراراً وان مريم بنت عمران هزت النخلة اليابسة بيدها حتى أكلت منها رطباً جنيّاً واني دخلت بيت اللّه الحرام فأكلت من ثمار الجنة وأوراقها، فلما اردت ان اخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة سميه علياً، فهو عليّ، واللّه العلي الاعلى، يقول اني شققت اسمه من اسمي وأدبته بأدبي ووقفته على غامض علمي وهو الذي يكسر الاصنام في بيتي وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي ويقدسني ويمجدني فطوبى لمن احبه واطاعه وويل لمن ابغضه وعصاه.
[فضائل أمير المؤمنين عليه السلام]
فاما فضائلهعليهالسلام : فهي كما قال ابن ابي الحديد قد بلغت من العظم والجلال والانتشار والاشتهار، مبلغاً يسمج(٢) معه التعرض لذكرها، والتصدي لتفصيلها، فصارت كما قال ابو العيناء لعبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل والمعتمد، وانني فيما اتعاطى من وصف فضلك كالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر. فايقنت اني حيث انتهى بي القول منسوب الى العجز، مقصر عن الغاية. فانصرفت عن النثاء عليك الى الدعاء لك، وكانت الاخبار عنك الى علم الناس بك، وما أقول في رجل اقر له اعداؤه وخصومه بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله، فقد علمت انه استولى بنو امية على سلطان الإِسلام في شرق الأرض وغربها، واجتهدوا بكل حيلة في اطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له
____________________
(١) أي التصق.
(٢) أي يقبح.
فضيلة، او يرفع له ذكراً حتى حظروا ان يسمى احد باسمه، فما زاده ذلك الا رفعة وسمّواً، وكان كالمسك كلما ستر انتشر عرفه(١) ، وكلما كتم تضوع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح(٢) ، وكضوء النهار ان حجبت عنه عيناً واحدة ادركته عيون كثيرة، وما اقول في رجل تُعْزى(٣) اليه كل فضيلة، وتنتهي اليه كل فرقة، وتتجاذبه كل طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها، وابو عذرها(٤) وسابق مضمارها(٥) ، ومجلّي(٦) حلبتها، كل من بزغ(٧) فيها بعده، فمنه اخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى(٨) ، الى آخر ما قال في ذلك.
وقال صاحب مدينة المعاجز(٩) : واما ما جاء في فضل عليّ امير المؤمنينعليهالسلام ، فاحاديثه لا تحصى، وآثاره لا تستقصى، فمن طريق المخالفين ما ذكر صاحب ثاقب المناقب، عن محمد بن عمر الواقدي قال: كان هارون الرشيد يقعد للعلماء في يوم عرَّفه(١٠) ، فقعد ذات يوم وحضره الشافعي وكان هاشمياً يقعد الى جنبه وحضر محمد بن(١١) الحسين وابو يوسف(١٢) فقعدا بين يديه، وغص(١٣) المجلس بأهله، فيهم سبعون رجلاً من اهل العلم، كل منهم يصلح ان يكون امام صقع(١٤) من الاصقاع،
____________________
(١) أي رائحته الطيبة.
(٢) جمع راحة وهي باطن اليد.
(٣) أي انتسب.
(٤) أي اول من اقتضبها.
(٥) المضمار: غاية الفرس في السباق، او الفتحة الواسعة لسباق الخيل.
(٦) بالتشديد (كالمعلم) أي الفرس السابق. والجلة هي الخيل تجمع للسباق.
(٧) أي طلع.
(٨) أي اقتدى.
(٩) هو المحدث البحراني صاحب تفسير البرهان.
(١٠) أي سماه لهم.
(١١) هو محمد بن الحسن الشيباني راجع ترجمته من وفيات الاعيان.
(١٢) يعقوب بن ابراهيم الكوفي تلميذ ابي حنيفة راجع ترجمته ص ١٨٠ ج ١ من الكنى والالقاب.
(١٣) أي امتلأ وضاق.
(١٤) الصقع: الناحية.
قال الواقدي: فدخلت في آخر الناس، فقال الرشيد لم تأخرت، فقلت: ما كان لاضاعة حق، ولكني شغلت بشغل عاقني، قال: فقربني حتى اجلسني بين يديه، وقد خاض الناس في كل فن من العلم، فقال الرشيد للشافعي: يا ابن عمّي كم تروي في فضائل علي بن ابي طالب، فقال: اربعمئة حديث واكثر فقال له: قل ولا تخف، قال: تبلغ خمسمئة وتزيد ثم قال لمحمد بن الحسن: كم تروي يا كوفي من فضائله، قال: الف حديث او اكثر فاقبل على ابي يوسف، فقال: كم تروي انت يا كوفي من فضائله اخبرني ولا تخشَ، قال: يا امير المؤمنين لولا الخوف لكانت روايتنا في فضائله اكثر من ان تحصى، قال: مم تخاف؟ قال: منك ومن عمالك واصحابك، قال: انت آمن، فتكلم واخبرني كم فضيلة تروى فيه، قال: خمسة عشر الف خبر مسند وخمسة عشر الف حديث مرسل، قال الواقدي فاقبل عليَّ، فقال: ما تعرف في ذلك؟ فقلت مثل مقالة ابي يوسف. قال الرشيد: لكني اعرف له فضيلة رأيتها بعيني وسمعتها باذني، اجلّ من كل فضيلة تروونها انتم الى آخر ما ذكره من الفضيلة.
وروى الصدوق عن الطبري عن الحسن بن محمد عن الحسن بن يحيى الدهان قال: كنت ببغداد عند قاضي بغداد، واسمه سماعة، اذ دخل عليه رجل من كبار اهل بغداد، فقال له: اصلح اللّه القاضي، اني حججت في السنين الماضية فمررت بالكوفة فدخلت في مرجعي الى مسجدها، فبينا انا واقف في المسجد اريد الصلاة اذا امامي امرأة اعرابية بدوية مرخية الذوائب، عليها شملة وهي تنادي وتقول: يا مشهوراً في السماوات، يا مشهوراً في الأرضيين، يا مشهوراً في الآخرة، يا مشهوراً في الدنيا، جهدت الجبابرة والملوك على اطفاء نورك، واخماد ذكرك، فابى اللّه لذكرك الا علواً ولنورك الا ضياءً وتماماً ولو كره المشركون، قال: فقلت: يا امة اللّه ومن هذا الذي تصفينه بهذه الصفة قالت: ذاك امير المومنين، قال فقلت لها: أي امير المؤمنين هو، قالت عليّ بن أبي طالب الذي لا يجوز التوحيد الا به وبولايته. قال فالتفت اليها فلم أر أحداً.
وحكى عن الشافعي، انه قيل له ما تقول في عليّعليهالسلام قال: ما تقول في حقّ من أخفى اولياؤه فضائله خوفاً، وأخفى أعداؤه فضائله حسداً، وشاع من بين ذين ما ملأ الخافقين.
ولقد اجاد مادح اهل البيت الشيخ الازري (قدس سره) في قوله:
لا فتى في الجود الا علي |
ذاك شخص بمثله اللّه باها |
|
لا ترم وصفه ففيه معانٍ |
لم يصفها الا الذي سوّاها |
|
ما حوى الخافقان انس وجن |
قَصَبَات السبق الّتي قد حواها |
|
انما المصطفى مَدينةُ علم |
وهو البابُ من اتاه أتاها |
|
وهما مقلتا العوالم يسرا |
ها عليّ واحمد يمناها |
|
هل أتى هل أتى بمدح سواه |
لا ومولى بذكره حلاها |
|
فتأمل بعمَّ(١) تُنْبئك عنه |
نبأً كل فرقة أعياها |
|
وبمعنى أحبّ(٢) خلقك فانظر |
تجد الشمس قد أزاحت دجاها |
|
وتفكر بانت منِّي(٣) تجدها |
حكمة تورث الرقود(٤) انتباها |
|
او ما كان بعد موسى اخوه |
خير اصحابه واعظم جاهَا |
|
ليس(٥) تخلو إلا النبوة منه |
ولهذا خير الورى استثناها |
|
وهي في آية(٦) التباهل نفس |
المصطفى ليس غيره اياها |
|
ثم سل انما وليكم اللّه |
ترى الاعتبار في معناها |
|
آية خصّت الولاية للّه |
وللطهر حيدراً بعد طه |
____________________
(١) أي بسورة عم وهي سوة النبأ.
(٢) اشارة الى حديث الطير المشوي حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم اللهم ائتني باحب خلقك اليك يأكل معي.
(٣) اشارة الى حديث المنزلة حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم انت مني بمنزلة هارون من موسى.
(٤) الرقود جمع راقد.
(٥) يعني انهصلىاللهعليهوآلهوسلم استثنى من تنزيله في ذاك الحديث النبوة والاستثناء دليل تعميم المماثلة.
(٦) اية المباهلة هي قوله تعالى قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم الخ.
لك في مرتقى العلى والمعالي |
درجات لا يرتقى أدناها |
|
يا اخا المصطفى لدي ذنوب |
هي عين القذى(١) وانت جلاها |
|
كيف تخشى العصاة بلوى المعاصي |
وبك اللّه منقذ مبتلاها |
وقال سبط بن الجوزي في التذكرة سمعت جدي ينشد في مجالس وعظه ببغداد (سنة ٥٩٢هجري) بيتين ذكرهما في كتاب تبصرة المبتدي وهما:
اهوى علياً وإيماني محبتُه |
كم مشرك دمُه من سيفه وكفا |
|
ان كنت ويحك لم تسمع فضائله |
فاسمع مناقبه من هل أتى وكفى |
(وقال غيره)
بآل محمد عُرِفَ الصَّوابُ |
وفي ابياتهم نزلَ الكتابُ |
|
وهم حججُ الإِله على البرايا |
بهم وبجدّهم لا يسترابُ |
|
ولا سيما ابو حسن عليّ |
له في الحرب مرتبة تهابُ |
|
طعامُ سيوفه مهجُ(٢) الاعادي |
وفيضُ دمِ الرقاب لهُ شرابُ |
|
وضرْبَتُهُ كبيعتِهِ بخمّ |
معاقدهُا من القومِ الرِّقابُ |
|
عليُّ الدرّ والذهب المصفَّى |
وباقي الناس كلهمُ ترابُ |
|
هو البكّاء في المحراب ليلاً |
هو الضحاك اذا اشتد الضّراب |
|
هو النبأ العظيم وفلك(٣) نوح |
وباب اللّه وانقطع الخطاب |
____________________
(١) القذى ما سقط على العين.
(٢) جمع مهجة وهي الدم.
(٣) اشارة الى الحديث الوارد عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث قال فيه مثل اهل بيتي كمثل سفينة نوح.
فصل في قتل أمير المؤمنين عليه السلام
قبض سلام اللّه عليه ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان سنة اربعين، ضربه ابن ملجم الملعون بالسيف المسموم على رأسه في مسجد الكوفة، وقت التنوير(١) ليلة الجمعة لتسع عشرة ليلة مضين من الشهر فبقي يومين الى نحو الثلث الأول من الليل ثم قضى نحبه شهيداً ولقي ربه تعالى مظلوماً وله يومئذ ثلاث وستون سنة.
قال المسعودي في مروج الذهب في ذكر مقتله: وفي سنة اربعين اجتمع بمكة جماعة من الخوارج، فتذاكروا الناس وما هم فيه من الحرب والفتنة، وتعاهد ثلاثة منهم على قتل عليّعليهالسلام ومعاوية وعمرو بن العاص وتواعدوا واتفقوا على ان لا ينكص(٢) رجل منهم عن صاحبه الذي يتوجه اليه، حتي يقتله او يقتل دونه: وهم عبد الرحمن بن ملجم، (لعنه اللّه) وكان من تجيب(٣) . وكان عدادهم في مراد فنسب اليهم، وحجاج بن عبد اللّه الصريمي ولقبه البرك، وزادويه مولى بني العنبر، فقال ابن ملجم: أنا اقتل علياً وقال البرك: انا اقتل معاوية وقال زادويه انا أقتل عمرو بن العاص. واتَّعدوا ان يكون ذلك ليلة(٤) تسع عشرة من شهر رمضان، وقيل، ليلة احدى وعشرين، فخرج عبد الرحمن بن ملجم المرادي الى عليّعليهالسلام فلما قدم الكوفة اتى قطام بنت عمه وكان عليّعليهالسلام قتل اباها واخاها يوم النهروان وكانت أجمل أهل زمانها فخطبها،
____________________
(١) وقت التنوير أي وقت صيرورة الليل منوراً بالشفق.
(٢) أي يرجع.
(٣) قال الجوهري في الصحاح وتجوب قبيلة من حمير حلفاء المراد ومنهم ابن ملجم قال الكميت الا ان خير الناس بعد ثلاثة قتيل التجوبي الذي جاء من مصر وتجيب بطن من كندة انتهى ولصاحب القاموس هنا كلام لا يهمنا ايراده (منه).
(٤) كان في النسخة سبع عشرة والظاهر انه تصحيف تسع عشرة (منه).
فقالت: لا اتزوج حتى تسمي(١) لي قال: لا تسأليني شيئاً الا اعطيته، فقالت: ثلاثة آلاف، وعبداً وقينة وقتل عليّعليهالسلام ، فقال: ما سألت هو لك مهر، الا قتل عليّعليهالسلام فلا اراك تدركينه، قالت: فالتمس غرته(٢) فان اصبته شفيت نفسي ونفعك العيش معي، وان هلكت فما عند اللّه خير لك من الدنيا، فقال: والله ما جاء بي الى هذا المصر، وقد كنت هارباً منه الا ذلك، وقد اعطيتك ما سألت وخرج من عندها وهو يقول:
ثلاثة آلاف وعبد وقينة |
وقتل علي (ع) بالحسام المصمم |
|
فلا مهر اغلى من علي وان علا |
ولا فتك الا دون فتك ابن ملجم |
فلقيه رجل من اشجع، يقال له شبيب بن بجرة من الخوارج، فقال له: هل لك في شرف الدنيا والآخرة، فقال: وما ذاك قال: تساعدني على قتل علي قال: ثكلتك امك، لقد جئت شيئاً إدّاً(٣) قد عرفت عناءه في الإِسلام وسابقته مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال ابن ملجم: ويحك اما تعلم انه قد حكَّم الرجال في كتاب اللّه وقتل اخواننا المصلين فنقتله ببعض اخواننا، فأقبل معه حتى دخل على قطام وهي في المسجد الأعظم، وقد ضربت كلة بها، وهي معتكفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة مضت من شهر رمضان، فاعلمته ان مجاشع بن وردان بن علقمة قد انتدب لقتله معهما، فدعت لهما بحرير وعصبتهما واخذوا أسيافهم وقعدوا مقابلين لباب السدة التي يخرج منها عليّعليهالسلام للمسجد، وكان عليّ يخرج كل غداة اول الأذان للصلاة وقد كان ابن ملجم مر بالاشعث(٤) وهو في
____________________
(١) تسمي لي: أي تجعل لي المهر المسمى.
(٢) الغرة: الغفلة.
(٣) الإدّ بالكسر: الامر الفظيع. الداهية.
(٤) وهو ابن قيس الكندي. رأس منافقي اصحابهعليهالسلام . وكان من مرتدي زمن ابي بكر وهو في الواقع سبب التحكيم في صفين.
المسجد فقال له: فضحك الصبح فسمعها حجر بن(١) عدي فقال: قتلته يا اعور قتلك اللّه، وخرج عليعليهالسلام ينادي: ايها الناس الصلاة فشد عليه ابن ملجم واصحابه، وهم يقولون: الحكم للّه لا لك، وضربه ابن ملجم على رأسه بالسيف في قرنه، واما شبيب فوقعت ضربته بعضادة(٢) الباب واما ابن وردان فهرب، وقال عليّعليهالسلام لا يفوتنكم الرجل وشد الناس على ابن ملجم يرمونه بالحصباء ويتناولونه ويصيحون، فضرب ساقه رجل من همدان برجله، وضرب المغيرة بن نوفل الحرث بن عبد المطلب وجهه فصرعه، واقبل به الى الحسنعليهالسلام ودخل شبيب بين الناس فنجا بنفسه، وهرب، حتى أتى رحله، فدخل عليه عبد اللّه بن بحرة، وهو احد بني ابيه فرآه ينزع الحرير عن صدره، فسأله عن ذلك فخبّره خبره، فانصرف عبد اللّه الى رحله واقبل اليه بسيفه فضربه حتى قتله.
وقيل: ان عليّاًعليهالسلام لم ينم تلك الليلة، وانه لم يزل يمشي بين الباب والحجرة، وهو يقول: واللّه ما كذَبت ولا كُذبت وانها الليلة التي وعدت، فلما صرخ بط (كان للصبيان) صاح بهن بعض من في الدار فقال عليّعليهالسلام : ويحك دعن فانهن نوائح.
وقال المسعودي: أنهعليهالسلام قد خرج الى المسجد وقد عسر عليه فتح باب داره، وكان من جذوع النخل فاقتلعه، وجعله ناحية، وانحل ازاره فشده وجعل ينشد:
أشدُدْ حيازيمك(٣) للموتفان الموت لاقيكا |
ولا تجزع من الموت إذا حل بواديكا(٤) |
____________________
(١) هو من خيار اصحابه.
(٢) أي خشبة من جانبه.
(٣) الحيزوم وسط الصدر. وشد الحيازيم كناية عن الصبر.
(٤) أي بساحتك.
وروى الشيخ المفيد انه لما دخل شهر رمضان كان امير المؤمنينعليهالسلام يتعشى ليلة عند الحسن، وليلة عند الحسين،عليهماالسلام ، وليلة عند عبد اللّه بن العباس، وكان لا يزيد على ثلاث لقم فقيل له ليلة من تلك الليالي في ذلك، فقال: يأتيني امر اللّه وانا خميص(١) انما هي ليلة او ليلتان فاصيب اخر الليل.
ورُويَ عن ام موسى خادمة عليّعليهالسلام وهي حاضنة(٢) فاطمة ابنته، قالت: سمعت عليّاًعليهالسلام يقول لابنته ام كلثوم: يا بنية اني أراني قلَّ ما أصحبكم، قالت: وكيف ذلك يا أبتاه، قال: إني رأيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في منامي، وهو يمسح الغبار عن وجهي، ويقول: يا عليّ لا عليك قضيت ما عليك. قال(٣) : فما مكثنا الا ثلاثاً حتى ضُرب تلك الضربة، فصاحت ام كثلوم، فقال: يا بنية لا تفعلي فانّي أرى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يشير الي بكفه ويقول: يا عليّ هلم الينا فان ما عندنا هو خير لك.
وروى صاحب قرب الاسناد عن جعفر بن محمد عن ابيهعليهمالسلام ان علي بن أبي طالبعليهالسلام خرج يوقظ الناس لصلاة الصبح فضربه عبد الرحمن بن ملجم (لعنه اللّه) بالسيف على ام رأسه، فوقع على ركبتيه واخذه فالتزمه، حتى أخذه الناس، وحُمل عليّ حتى افاق ثم قال للحسن والحسينعليهماالسلام : احبسوا هذا الاسير واطعموه واسقوه وأحسنوا آثاره، فان عشت فانا اولى بما صنع بي، ان شئت استقدت(٤) وان شئت عفوت، وان شئت صالحت، وان مت فذلك اليكم، فان بدا لكم ان تقتلوه فلا تمثلوا به(٥) .
____________________
(١) خميص البطن: أي خاليه.
(٢) أي مربيتها.
(٣) والظاهر (قالت) بدل (قال).
(٤) أي اخذت منه القَود.
(٥) والمثلة ان يقطع بعض اعضاء الرجل.
وروى ابن شاذان عن الاصبغ قال: لما ضرب امير المؤمنينعليهالسلام الضربة التي كانت وفاته فيها، اجتمع اليه الناس بباب القصر وكان يراد قتل ابن ملجم، لعنه اللّه، فخرج الحسنعليهالسلام فقال: معاشر الناس ان ابي اوصاني ان اترك امره الى وفاته، فان كان له الوفاة، وإلا نظر هو في حقه فانصرفوا يرحمكم اللّه، قال: فانصرف الناس ولم أنصرف، فخرج ثانية وقال لي: يا اصبغ اما سمعت قولي عن قول امير المؤمنينعليهالسلام ، قلت: بلى ولكني رأيت حاله فاحببت ان انظر اليه، فاسمع منه حديثاً، فاستأذن لي رحمك اللّه، فدخل ولم يلبث ان خرج، فقال لي: ادخل فدخلت فاذا امير المؤمنينعليهالسلام معصب بعصابة، وقد علت(١) صفرة وجهه على تلك العصابة، واذا هو يرفع فخذاً ويضع اخرى، من شدة الضربة وكثرة السم، فقال لي: يا اصبغ اما سمعت قول الحسن عن قولي قلت: يا امير المؤمنين ولكني رأيتك في حالة فاحببت النظر اليك، وان أسمع منك حديثاً، فقال لي: اقعد فما أراك تسمع مني حديثاً بعد يومك هذا، اعلم يا اصبغ اني أتيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عائداً كما جئت الساعة، فقال: يا ابا الحسن اخرج فناد في الناس الصلاة جامعة واصعد المنبر وقم دون مقامي مرقاة وقل للناس ألا من عق(٢) والديه، فلعنة اللّه عليه، ألا من ابق من مواليه، فلعنة اللّه عليه ألا من ظلم اجيراً اجرته، فلعنة اللّه عليه، يا اصبغ، ففعلت ما أمرني به حبيبي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقام من اقصى المسجد رجل فقال: يا ابا الحسن تكلمت بثلاث كلمات وأوجزتهن فاشرحهن لنا فلم ارد جواباً حتى أتيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقلت ما كان من الرجل، قال الاصبغ: ثم اخذ بيدي وقال ابسط يدك فبسطت يدي، فتناول اصبعا من اصابع يدي وقال: يا اصبغ كذا تناول رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اصبعا من اصابع يدي، كما تناولت اصبعا من
____________________
(١) أي غلبت.
(٢) أي عصاهما وترك الشفقة عليهما والاحسان اليهما واستخفّ بهما.
اصابع يدك، ثم قال: مه يا ابا الحسن الا وأني وأنت أبوا هذه الأمة، فمن عقنا فلعنة اللّه عليه، ألا وإني وانت موليا هذه الأمة فعلى من أبق عنا لعنة اللّه، ألا وإني وأنت أجيرا هذه الأمة، فمن ظلمنا اجرتنا فلعنة اللّه عليه، ثم قال: آمين فقلت: آمين.
قال الاصبغ: ثم اغمي عليه ثم افاق فقال لي: اقاعد انت يا اصبغ قلت: نعم يا مولاي قال: ازيدك حديثاً آخر، قلت: نعم زادك اللّه من مزيدات الخير، قال: يا اصبغ لقيني رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بعض طرقات المدينة و أنا مغموم قد تبين الغم في وجهي، فقال لي: يا ابا الحسن أراك مغموماً ألا احدثك بحديث لا تغتم بعده ابداً؟ قلت: نعم، قال: اذا كان يوم القيامة نصب اللّه منبراً يعلو منابر النبيين والشهداء ثم يأمرني اللّه، اصعد فوقه، ثم يأمرك اللّه ان تصعد دوني بمرقاة، ثم يأمر اللّه ملكين فيجلسان دونك، بمرقاة، فاذا استقللنا على المنبر، لا يبقى احد من الاولين والآخرين الا حضر فينادي الملك الذي دونك بمرقاة، معاشر الناس، ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا اعرفه بنفسي: انا رضوان خازن الجنان الا ان اللّه بمنه وكرمه وفضله وجلاله، أمرني ان ادفع مفاتيح الجنة الى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وان محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أمرني ان ادفعها الى علي بن ابي طالبعليهالسلام . فاشهدوا لي عليه، ثم يقوم ذلك الذي تحت ذلك الملك بمرقاة مناديا، يسمع اهل الموقف: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فانا اعرفه بنفسي: انا مالك خازن النيران الا ان اللّه بمنه وفضله وكرمه وجلاله، قد أمرني ان ادفع مفاتيح النار الى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم وان محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أمرني ان ادفعها الى علي بن أبي طالبعليهالسلام فاشهدوا لي عليه، فاخذ مفاتيح الجنان والنيران ثم قال: يا عليّ فتأخذ بحجزتي(١) واهل بيتك يأخذون بحجزتك
____________________
(١) الحجزة: مقعد الازار موضع التكة من السراويل.
وشيعتك يأخذون بحجزة اهل بيتك، قالعليهالسلام : فصفقت بكلتا يدي والى الجنة يا رسول اللّه، قال: اي وربّ الكعبة قال الاصبغ: فلم اسمع من مولاي غير هذين الحديثين ثم توفي صلوات اللّه عليه.
قال ابو الفرج ثم جمع له اطباء الكوفة فلم يكن منهم اعلم بجرحه من اثير بن عمرو بن هاني السلولي، وكان متطبباً(١) صاحب الكرسي، يعالج الجراحات وكان من الاربعين غلاما الذين كان ابن الوليد اصابهم في عين التمر(٢) فسباهم، فلما نظر أثير إلى جرح امير المؤمنينعليهالسلام ، دعا برئة شاة حارة، فاستخرج منها عرقاً ثم نفخه، ثم استخرجه واذا عليه بياض الدماغ، فقال: يا امير المؤمنين اعهد عهدك فان عدو اللّه قد وصلت ضربته الى أم رأسك.
روى الشيخ يوسف بن حاتم الشامي في الدر النظيم عن الاصبغ بن نباتة قال: دعا أمير المؤمنين الحسن والحسينعليهمالسلام لمّا ضربه ابن ملجم (لعنه اللّه) فقال: اني مقبوض في ليلتي هذه ولاحق برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاسمعا قولي، وعياه(٣) : أنت يا حسن وصيّي والقائم بالامر بعدي، وانت يا حسين شريكه في الوصية، فانصت(٤) ما نطق وكن لامره تابعاً ما بقي، فاذا خرج من الدنيا فأنت الناطق بعده والقائم بالامر، وعليكما بتقوى اللّه الذي لا ينجو الا من اطاعه، ولا يهلك الا من عصاه، واعتصما بحبله، وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ثم قال للحسنعليهالسلام : انك ولي الأمر بعدي، فان عفوت عن قاتلي فذاك، وان قتلت فضربة مكان ضربة، واياك والمثلة، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه
____________________
(١) صيغة التفعل هنا للمبالغة.
(٢) عين التمر: بلدة في طرف البادية في غربي الفرات (منه).
(٣) من الوعي وهو الحفظ.
(٤) الانصات هو السكوت للاستماع.
وآله وسلم) نهى عنها ولو بكلب عقور، واعلم ان الحسين وليّ الدم معك، يجري فيه مجراك وقد جعل اللّه تبارك وتعالى له على قاتلي سلطاناً كما جعل لك وان ابن ملجم ضربني ضربة فلم تعمل فثناها فعملت، فان عملت فيه ضربتك فذاك، وان لم تعمل فمر اخاك الحسين، وليضربه اخرى بحق ولايته، فانها ستعمل فيه فان الإِمامة له بعدك وجارية في ولده الى يوم القيامة، واياك ان تقتل بي غير قاتلي، فان اللّه عز وجل يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى (الوصية).
روى الشيخ المفيد وغيره عن مولى لعلي بن أبي طالبعليهالسلام قال لما حضرت امير المؤمنينعليهالسلام الوفاة قال للحسن والحسينعليهماالسلام : اذا أنا مت فاحملاني على سريري ثم اخرجاني، ثم احملا مؤخر السرير فانكما تكفيان مقدمه ثم اتيا بي الغريّ(١) فانكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نوراً فاحتفرا فيها فانكما تجدان فيها ساجة، فادفناني فيها، قال فلما مات (صلوات اللّه عليه) اخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير ونكفى مقدمه وجعلنا نسمع دويا(٢) وحفيفاً حتى اتينا الغريين فاذا صخرة بيضاء تلمع نورها فاحتفرنا فاذا ساجة مكتوب عليها هذه مما ادخرها نوح لعلي بن ابي طالبعليهالسلام فدفناه فيه وانصرفنا، ونحن مسرورن باكرام اللّه تعالى لأمير المؤمنينعليهالسلام ، فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فاخبرناهم بما جرى وباكرام اللّه لامير المؤمنينعليهالسلام ، فقالوا نحب ان نعاين من امره ما عاينتم فقلنا لهم ان الموضع قد عفى أثره بوصية منهعليهالسلام ، فمضوا وعادوا الينا فقالوا انهم احتفروا فلم يجدوا شيئاً.
____________________
(١) هو ارض النجف.
(٢) الدويُّ هو صدى الأصوات كدويِّ النحل.
ورُوى عن جابر بن(١) يزيد، قال: سألت ابا جعفر محمد بن عليّ الباقرعليهالسلام اين دفن امير المؤمنينعليهالسلام ، قال: دفن بناحية الغريين ودفن قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين ومحمد بنو عليّعليهمالسلام وعبد اللّه بن(٢) جعفر، (رضي اللّه عنهما).
قال الشيخ المفيد فلم يزل قبرهعليهالسلام مخفياً حتى دل عليه الصادق جعفر بن محمدعليهماالسلام ، في الدولة العباسية، وزاره عند وروده إلى أبي جعفر، وهو بالحيرة، فعرفته الشيعة واستأنفوا اذ ذاك زيارته، عليه وعلى ذريته الطاهرين السلام وكانت سنه يوم وفاته ثلاثاً وستين سنة.
قال محمد بن بطوطة، في رحلته التي سماها تحفة النظار في غرائب الامصار، وقد فرغ منها سنة ٧٥٦ هجري ستة وخمسين وسبعمائة في ذكر وروده من مكة الى مشهد مولانا عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
ذكر الروضة والقبور التي بها، ويدخل من باب الحضرة الى مدرسة عظيمة يسكنها الطلبة والصوفية(٣) من الشيعة ولكل وارد ضيافة ثلاثة ايام من الخبز واللحم والتمر، مرتين في اليوم، ومن تلك المدرسة يدخل الى باب القبة، وعلى بابها الحجاب والنقباء والطواشية(٤) ، فعندما يصل الزائر يقوم اليه احدهم او جميعهم، وذلك على قدر الزائر فيقفون معه على العتبة، ويستأذنون له، ويقولون عن امركم يا امير المؤمنين، هذا العبد الضعيف يستأذن على دخوله للروضة العلية، فان أذنتم له، والا رجع، وان لم يكن اهلا لذلك، فانتم اهل المكارم والستر ثم يأمرونه بتقبيل العتبة، وهي من الفضة، وكذلك العضادتان، ثم يدخل القبة وهي مفروشة بانواع البسط
____________________
(١) الظاهر انه الجعفي وهو من خواص اصحاب الصادقعليهالسلام وقد سمع منه احاديث وله كرامات. راجع ترجمته في الرجال الكبير وغيره.
(٢) هو زوج زينب (سلام اللّه عليها). وهو من الأجواد، وله حكايات في السخاء.
(٣) أي العرفاء والزهاد والنساك (منه).
(٤) جمع طاش وهو ذو منصب خاص.
من الحرير وسواه وبها قناديل الذهب والفضة منها الكبيرة والصغيرة وفي وسط القبة مسطبة(١) مربعة مكسوة بالخشب عليها صفائح الذهب المنقوشة المحكمة العمل مسمرة بمسامير(٢) الفضة، قد غلبت على الخشب بحيث لا يظهر منه شيء وارتفاعها دون القامة، وفوقها ثلاثة من القبور، يزعمون ان احدها قبر آدم (عليه الصلاة والسلام) والثاني قبر نوح (عليه الصلاة والسلام) والثالث قبر علي (رضي اللّه عنه) وبين القبور طسوت(٣) ذهب وفضة، فيها ماء الورد والمسك، وانواع الطيب، يغمس الزائر يده في ذلك، ويدهن به وجهه تبركاً، وللقبة باب آخر، عتبته ايضاً من الفضة وعليه ستور من الحرير الملون، يفضي الى مسجد مفروش بالبسط الحسان، مستورة حيطانه وسقفه بستور الحرير، وله اربعة ابواب، عتبتها فضة وعليها ستور الحرير، وأهل هذه المدينة كلهم رافضية، وهذه الروضة ظهرت لها كرامات ثبت بها عندهم، ان بها قبر علي (رضي اللّه عنه)، فمنها: ان في ليلة السابع والعشرين من رجب ويسمى عندهم ليلة المحيا يؤتى الى تلك الروضة بكل مقعد(٤) من العراقين وخراسان وبلاد فارس والروم، فيجتمع منهم الثلاثون والاربعون ونحو ذلك فاذا كان بعد العشاء الآخرة جعلوا عند الضريح المقدس، والناس ينتظرون قيامهم، وهم ما بين مصلّ وذاكر وتال ومشاهد للروضة، فاذا مضى من الليل نصفه، او ثلثاه او نحو ذلك، قام الجميع اصحاء من غير سوء، وهم يقولون لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه عليّ وليّ اللّه، وهذا امر مستفيض عندهم سمعته من الثقات، ولم أحضر تلك الليلة، لكني رأيت بمدرسة الضياف ثلاثة من الرجال احدهم من ارض الروم، والثاني من اصبهان، والثالث من خراسان، وهم مقعدون فاستخبرتهم على شأنهم، فاخبروني انهم لم يدركوا ليلة المحيا، وانهم ينتظرون.
____________________
(١) بفتح الميم وكسرها: مكان ممهد مرتفع قليلاً يقعد عليه.
(٢) جمع مسمار وهو الوتد من الحديد.
(٣) جمع طست وهو معرب طشت.
(٤) من لا يستطيع المشي على قدميه.
أوانها من عام آخر، وهذه الليلة يجتمع لها الناس من البلاد ويقيمون سوقاً عظيمة، مدة عشرة ايام. الخ.
وقال ايضاً ورأيت بغربي جبانة الكوفة موضعاً مسوداً، شديد السّواد، في بسيط ابيض، فاخبرت انه قبر الشقي، ابن ملجم، وان أهل الكوفة يأتون كل سنة بالحطب الكثير، فيوقدون النار على موضع قبره سبعة ايام، وعلى قرب منه قبة، اخبرت انها على قبر المختار بن ابي عبيد (انتهت الحاجة من كلامه).
والاحاديث في فضل زيارة امير المؤمنينعليهالسلام أكثر من أن تذكر.
رُوي عن ابن مارد انه قال لأبي عبد الله ( عليه السلام ): ما لمن زار جدك امير المؤمنينعليهالسلام ، فقال يا ابن مارد، من زار جدي عارفاً بحقه كتب اللّه له بكل خطوة حجة مقبولة، وعمرة مبرورة، واللّه يا ابن مارد ما يطعم اللّه النار قدماً اغبرت(١) في زيارة امير المؤمنينعليهالسلام ماشياً او راكباً، يا ابن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب.
____________________
(١) صارت مغبرة أي ذات غبار.
النور الرابع.. الإِمام الثاني السيد الزكي ابو محمد الحسن بن علي بن ابي طالب سيد شباب اهل الجنة عليه السلام
ولدعليهالسلام بالمدينة يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة اثنتين او ثلاث من الهجرة.
روى الشيخ الصدوق باسناده عن الرضا عن آبائه عن علي بن الحسينعليهمالسلام ، عن اسماء بنت عميس، قالت قَبَلتُ(١) جدتك فاطمةعليهاالسلام الحسن والحسينعليهماالسلام فلما ولد الحسن جاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: يا اسماء هاتي ابني فدفعته اليه في خرقة صفراء فرمى بها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: يا اسماء الم اعهد اليكم ان لا تلفوا المولود في خرقة صفراء، فلففته في خرقة بيضاء فدفعته إليه فأذّن في اذنه اليمنى، واقام في اليسرى، ثم قال لعليّ: بأي شيء سميت ابني قال: ما كنت اسبقك باسمه يا رسول اللّه، قد كنت احب ان اسميه حرباً، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : و لا اسبق انا باسمه ربي ثم هبط جبرائيل فقال: يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ويقول: علي منك بمنزلة هارون من موسى، ولا نبي بعدك، سم ابنك هذا باسم ابن هارون. قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وما اسم ابن هارون قال شبر، قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لساني عربيّ قال جبرئيل سمه الحسن، فسماه الحسنعليهالسلام ، فلما كان يوم سابعه عق النبي
____________________
(١) أي كنت القابلة عند ولاتها.
صلىاللهعليهوآلهوسلم عنه بكبشين املحين(١) واعطى القابلة فخذاً وديناراً فحلق رأسه وتصدق بوزن الشعر ورقاً(٢) وطلى رأسه بالخلوق(٣) ثم قال: يا اسماء الدم فعل الجاهلية. الخ.
وروى ايضاً عن جابر، قال: لما حملت فاطمةعليهاالسلام بالحسنعليهالسلام فولدت وقد كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أمرهم ان يلفوه في خرقة بيضاء فلفوه في صفراء وقالت فاطمة: يا عليّ سمّه، فقال: ما كنت لاسبق باسمه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخذه وقبله وأدخل لسانه في فيه فجعل الحسنعليهالسلام يمصه، ثم قال لهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الم اتقدم اليكم ان لا تلفّوه في خرقة صفراء فدعا بخرقة بيضاء فلفه فيها فرمى بالصفراء، واذّن في اذنه اليمنى واقام في اليسرى، ثم قال لعليّعليهالسلام : ما سميته، قال: ما كنت لاسبقك باسمه، قال: فأوحى اللّه عز ذكره الى جبرائيل، انه قد ولد لمحمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ابن، فاهبط اليه فأقرئه السلام وهنئه مني ومنك، وقل له: ان علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون قال: ما كان اسمه قال شبر، قال: لساني عربي قال: سمه الحسن فسمّاه الحسن، فلما ولد الحسينعليهالسلام جاء اليهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ففعل به كما فعل بالحسن، وهبط جبرائيل على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال: ان اللّه عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: ان علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون، قال: وما كان اسمه، شبير، قال: لساني عربي، قال فسمه الحسين، فسماه الحسين.
وفي كشف الغمة، ورُوي مرفوعاً الى عليعليهالسلام ، قال: لما حضرت ولادة فاطمةعليهاالسلام ، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله
____________________
(١) الاملح هو ما خالط شعره الأسود شعر أبيض.
(٢) أي فضة مسكوكة.
(٣) طيب مركب متخذ من الزعفران، وغيره.
وسلم) لاسماء بنت عميس وام سلمة احضراها، فاذا وقع ولدها واستهل، فأذنا في اذنه اليمنى، وأقيما في اذنه اليسرى، فانه لا يفعل ذلك بمثله الا عصم من الشيطان، ولا تحدثا شيئاً حتى آتيكما، فلما ولدت فعلتا ذلك فأتاه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فسرّه ولبّاه بريقه، وقال اللهم اني اعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم.
فصل في مناقب الإِمام الحسن عليه السلام
كان الحسن بن علي بن ابي طالبعليهالسلام ، أعبد الناس في زمانه وازهدهم وافضلهم، وكان اذا حج، حج ماشياً وربما مشى حافياً، وكان اذا ذكر الموت بكى، واذا ذكر القبر بكى، واذا ذكر البعث والنّشور بكى، واذا ذكر الممر على الصراط بكى، واذا ذكر العرض على اللّه تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها، وكان اذا قام في صلاة ترتعد فرائصه(١) بين يدي ربه عز وجل، وكان اذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل اللّه الجنة، وتعوذ باللّه من النار، وكان لا يقرأ من كتاب اللّه عز وجل: يا ايها الذين آمنوا الا قال لبيك اللهم لبيك، ولم ير في شيء من احواله الا ذاكراً للّه سبحانه. وكان اصدق الناس لهجة، وكان اذا توضّأ ارتعدت مفاصله واصفر لونه، فقيل له في ذلك، فقال: حقّ على كل من وقف بين يدي رب العرش ان يصفر لونه وترتعد مفاصله. وكان اذا بلغ باب المسجد رفع رأسه، ويقول: الهي ضيفك ببابك، يا محسن قد اتاك المسيء فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، يا كريم. وكان اذا فرغ من الفجر لم يتكلم، حتى تطلع الشمس. ولقد حج خمساً وعشرين حجة ماشياً وان النجائب لتقاد معه، وقاسم اللّه تعالى ماله مرتين، وروي ثلاث مرات، حتى انه كان يعطي من ماله نعلاً ويمسك خفاً.
____________________
(١) جمع الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف ترعد عند الفزع.
وروُي انهعليهالسلام كان يحضر مجلس رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ابن سبع سنين، فيسمع الوحي فيحفظه، فيأتي امه فيلقي اليها ما حفظه، كلما دخل عليّعليهالسلام وجد عندها علماً بالتنزيل، فسألها عن ذلك فقالت: من ولدك الحسنعليهالسلام فتخفى يوماً في الدار وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي فأراد أن يلقيه اليها، فارتج(١) فعجبت امّه من ذلك فقال: لا تعجبي يا امّاه، فان كبيراً يسمعني، واستماعه قد أوقفني، فخرج عليّعليهالسلام فقبّله، وفي رواية، يا اماه قلَّ بياني وكلَّ لساني، لعل سيداً يرعاني(٢) .
وعن انس بن مالك قال لم يكن احد اشبه برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الحسن بن عليعليهالسلام .
وعنه قال: حيَّت(٣) جارية للحسن بن عليعليهالسلام بطاقة(٤) ريحان فقال لها: انت حرة لوجه اللّه، فقلت له في ذلك، فقال: ادبنا اللّه تعالى، فاذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردُّوها، وكان احسن منها اعتاقها.
وروي انه لم يسمع قط منهعليهالسلام كلمة فيها مكروه، الا مرة واحدة، فانه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة في ارض، فقال له الحسنعليهالسلام : ليس لعمرو عندنا الا ما يرغم انفه.
ومن حلمه ما روى المبرد(٥) وغيره أن شامياً رآه راكباً فجعل يلعنه، والحسنعليهالسلام لا يرد، فلما فرغ أقبل الحسنعليهالسلام
____________________
(١) أي فاضطرب.
(٢) أي يراقبني.
(٣) من التحية.
(٤) يعني باقة من زهر الريحان.
(٥) هو ابو العباس محمد بن يزيد البصري من كبار النحويين واللغويين. وكان امامي المذهب. مقبول القول عند الفريقين وله الكامل والمقتضب ومعاني القرآن توفي سنة ٢٨٥ ببغداد.
فسلم عليه وضحك، فقال: أيها الشيخ اظنك غريباً، ولعلك شبهت، فلو اشبعتنا اعتبناك(١) ، ولو سألتنا اعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وان كنت جائعاً أشبعناك، وان كنت عرياناً كسوناك، وإن كنت محتاجاً أغنيناك، وان كنت طريداً آويناك، وان كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك الينا وكنت ضيفنا الى وقت ارتحالك، كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً، فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة اللّه في أرضه اللّه اعلم حيث يجعل رسالته، وكنت انت وابوك ابغض خلق اللّه الي، وحول رحله اليه وكان ضيفه الى ان ارتحل وصار معتقداً لمحبتهم.
وروي انه لما مات الحسنعليهالسلام اخرجوا جنازته فحمل مروان بن الحكم سريره، فقال له الحسينعليهالسلام : تحمل اليوم جنازته وكنت بالامس تجرعه الغيظ، قال مروان: نعم كنت افعل ذلك، بمن يوازن حلمه الجبال.
فصل في وفاة الإِمام الحسن عليه السلام
توفي الحسن بن عليعليهالسلام بالسّم، يوم الخميس السابع من صفر سنة تسع واربعين، وكان ابن سبع واربعين، وقيل في الثامن والعشرين منه، وقيل في آخر صفر، ودفن بالبقيع من المدينة.
الكليني، عن ابي بكر الخضرمي، قال: ان جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي سمَّت الحسن بن عليّعليهالسلام وسمَّت مولاة له، فأما
____________________
(١) أي ازلنا عنك العتبة (اي الشدائد).
مولاته فقاءت السم، واما الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط(١) به، فمات.
قلت: جعدة بنت الأشعث بن قيس، كانت ابنة ام فروة، اخت ابي بكر بن ابي قحافة.
رُوي ان معاوية بذل لها عشرة آلاف دينار، واقطاع عشرة ضياع من سقي سوراء(٢) وسواد الكوفة على ان تسم الحسنعليهالسلام .
وقال الشيخ المفيد ضمن معاوية ان يزوجها بابنه يزيد، وأرسل اليها معاوية الف درهم، فسقته جعدة السم، فبقي اربعين يوماً مريضاً، ومضى لسبيله في صفر.
وذكر ابو الفرج في مقاتل الطالبيين ان الحسن بن عليّعليهالسلام بعد صلحه لمعاوية انصرف الى المدينة، فأقام بها وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيء اثقل عليه من امر الحسن بن عليعليهالسلام ، وسعد بن(٣) أبي وقاص، فدس اليهما سما فماتا منه.
الاحتجاج، عن الاعمش، عن سالم بن ابي الجعد، قال: حدثني رجل منا قال: اتيت الحسن بن عليعليهالسلام ، فقلت: يا ابن رسول اللّه اذللت رقابنا وجعلتنا معشر الشيعة عبيداً، ما بقي معك رجل، قال: ومم ذاك قال: قلت: بتسليمك الأمر لهذا الطاغية(٤) قال: واللّه ما سلّمت الأمر اليه الا أني لم اجد انصاراً، ولو وجدت انصاراً لقاتلته ليلي ونهاري حتى
____________________
(١) نفط القدر (بالكسر) أي غلت، نفط يده: قرحت او تجمع فيها بين الجلد واللحم.
(٢) سوراء: بالمد والضم: موضع. قيل في جنب بغداد و يروى بالقصر (مراصد الاطلاع).
(٣) من اصحاب رسول اللّه. وكان من العشرة المبشرة بالجنة بزعمهم وكان فاتح فارس على عهد عمر. والرجل وان لم يبايع علياً الا انه لم يسبه وقد دعاه اليه معاوية مراراً. فخالفه واعلن بفضائل أمير المؤمنينعليهالسلام .
(٤) يعني به معاوية.
يحكم اللّه بيني وبينه. ولكني عرفت اهل الكوفة وبلوتهم(١) ، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسداً، انهم لا وفاء لهم، ولا ذمة(٢) في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون، ويقولون لنا: ان قلوبهم معنا وان سيوفهم لمشهورة(٣) علينا، قال: وهو يكلمني: اذ تنخع الدم فدعا بطست، فحمل من بين يديه ملآن مما خرج من جوفه من الدم، فقلت له: ما هذا يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اني لأراك وجعاً قال أجل، دسّ إليّ هذا الطاغية من سقاني سمّاً، فقد وقع على كبدي فهو يخرج قطعاً كما ترى، قلت له: افلا تتداوى قال: قد سقاني مرتين وهذه الثالثة لا اجد لها دواء.
وروى الثقة الجليل عليّ بن محمد الخزاز القمي بسنده عن جنادة بن أبي اميّة، قال: دخلت على الحسن بن عليّ بن ابي طالبعليهالسلام في مرضه الذي توفّي فيه، وبين يديه طست يقذف عليه الدم، ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي اسقاه معاوية، فقلت: يا مولاي مالك لا تعالج نفسك فقال: يا عبد اللّه بماذا اعالج الموت، قلت: انا للّه وإنا اليه راجعون. ثم التفت اليّ فقال: واللّه لقد عهد الينا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ان هذا الامر يملكه اثنا عشر اماماً من ولد عليّ وفاطمة، ما منا الا مسموم او مقتول. ثم رُفعت الطست وبكى قال، فقلت له: عظني يا ابن رسول اللّه قال: نعم استعد لسفرك وحصّل زادك قبل حلول اجلك، واعلم انك تطلب الدنيا والموت يطلبك، ولا تحمل هم يومك الذي لم يأت على يومك الذي انت فيه، وساق الكلام في ذكر موعظتهعليهالسلام الى أن قال: ثم انقطع نفسه واصفر لونه حتى خشيت عليه ودخل الحسينعليهالسلام ، والاسود بن ابي الاسود، فانكب(٤) ، عليه حتى قبّل رأسه وعينيه، ثم قعد عنده فتسارا جميعاً، فقال ابو الأسود: إنا للّه ان الحسن قد نُعَيت اليه نفسه، وقد أوصى الى الحسينعليهالسلام ، وتوفّي يوم
____________________
(١) أي امتحنتهم.
(٢) أي الامان والعهد.
(٣) شهر سيفه: أي اخرجه من الغمد.
(٤) أي لزمه.
الخميس في آخر صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبعة واربعون سنة ودفن بالبقيع انتهى.
قلت: ومما اوصىعليهالسلام الى اخيه الحسينعليهالسلام ان قال: اذا انا متُّ فهيئني ثم وجهني الى قبر جدّي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأجدّد به عهداً، ثم ردني الى قبر جدتي فاطمة(١) فادفني هناك، وستعلم يا ابن امي ان القوم يظنون انكم تريدون دفني عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيجلبون(٢) في ذلك ويمنعونك منه، وباللّه اقسم عليك ان تهرق في امري محجمة(٣) دم، ثم وصى اليه باهله وولده، وتركاته، وما كان وصى اليه أمير المؤمنينعليهالسلام ، حين استخلفه، فلما قبض (سلام اللّه عليه) غسله(٤) الحسينعليهالسلام وكفنه وحمله على سريره وانطلق به الى مصلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلى عليه ولم يشك مروان ومن معه من بني امية انهم سيدفنونه عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتجمعوا ولبسوا السلاح فلما توجه به الحسينعليهالسلام الى قبر جده رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ليجدد به عهداً، اقبلوا اليه في جمعهم ولحقتهم الحميراء، على بغل، وهي تقول: مالي ولكم تريدون ان تدخلوا بيتي من لا أحبُّ، نحُّوا ابنكم عن بيتي فانه لا يدفن فيه شيء ولا يهتك على رسول اللّه حجابه:
منعته عن حرم النَّبي ضلالةً |
وهو ابنهُ فلأيِّ امر يمنعُ |
|
فكأنه روحُ النبَّي وقد رأت |
بالبعد بينهما العلائق تقطعُ |
____________________
(١) أي فاطمة بنت الاسد يعني ام ابيه أمير المؤمنين.
(٢) أي يتوعدون بالشر.
(٣) الة الحجامة وهي شيء كالكأس يفرغ من الهواء ويوضع على الجلد فيحدث فيه تهيجاً ويجذب الدم بقوة.
(٤) وفي كشف الغمة ولي غسله الحسين عليه السلام ومحمد والعباس واخوته وصلى عليه سعيد بن العاص.
فقال لها الحسينعليهالسلام : قديما هتكت انت وابوك حجاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأدخلت بيته من لا يحب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قربه، وان اللّه تعالى يسألك عن ذلك، وجعل مروان يقول: يا رب هيجاء هي خير من دعة ايدفن عثمان في اقصى المدينة، ويدفن الحسن مع النبي، لا يكون ذلك ابدا، وانا(١) احمل السيف، وكادت الفتنة ان تقع بين بني هاشم وبين بني امية، فبادر ابن عباس الى مروان فقال له: ارجع يا مروان من حيث جئت فإنّا ما نريد دفن صاحبنا عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكنا نريد ان نجدد به عهداً بزيارته ثم نرده الى جدته فاطمة فندفنه عندها بوصيته بذلك، ولو كان اوصى بدفنه مع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلمت انك اقصر باعاً من ردنا عن ذلك لكنه كان أعلم باللّه وبرسوله وبحرمة قبره من ان يطرق عليه هدما كما طرق ذلك غيره، ودخل بيته بغير اذنه، وفي المناقب ورموا(٢) بالنبال جنازته حتى سل(٣) منها سبعون نبلاً.
وفي زيارة امير المؤمنين: وانتم بين صريع في المحراب قد فلق السيف هامته(٤) وشهيد فوق الجنازة قد شكت بالسهام اكفانه وقتيل بالعراء(٥) قد رفع فوق القناة رأسه ومكبل(٦) في السجن قد رضّت(٧) بالحديد اعضاؤه ومسموم قد قطعت بجرعة السم امعاؤه.
(اقول شكت بالشين بعدها الكاف أي خرقت وشبكت بالموحدة بينهما تصحيف، ففي الحديث ان رجلا دخل بيته فوجد حية فشكها بالرمح أي خرقها وانتظمها به).
____________________
(١) لفظ الواو هنا للحال.
(٢) الواو للعطف على ما سبق.
(٣) سل الشيء من الشيء: انتزعه واخرجه برفق.
(٤) الهامة: راس كل شيء وتطلق على الجثة.
(٥) العراء: الفضاء لا يستتر بشيء.
(٦) أي مقيد. والكبل بالفتح او الكسر: القيد، او اعظم ما يكون من القيد.
(٧) أي دقت.
«وقال الشاعر في رثاء الحسنعليهالسلام »:
نعش له الروحُ الأمينُ مشيِّع |
وغدت به زمرُ الملائكِ تخضعُ |
|
نَثَلوا له حقد الصدورِ فما يُرى |
منها لِقوس بالكنانةِ منزعُ |
|
ورموا جنازتَه فعادَ وجسمُهُ |
غرض لراميةِ السهامِ وموقعُ |
|
شكّوة حتى اصبحت من نعشهِ |
تستلُّ غاشيةُ النبالِ وتنزعُ |
روى المسعودي في مروج الذهب عن أهل البيتعليهمالسلام ، انه لما دفن الحسنعليهالسلام ، وقف محمد بن الحنفية اخوه على قبره فقال: ابا محمد لئن طابت حياتك، لقد فجع مماتك، وكيف لا تكون كذلك وانت خامس اهل الكساء، وابن محمد المصطفى، وابن عليّ المرتضى، وابن فاطمة الزهراء، وابن شجرة طوبى ثم انشأ يقول:
ءأدَهن رأسي ام تطيب مجالسي |
وخدك معفور(٣) وأنت سليبُ(٤) |
|
ءاَشرب ماءَ المزنِ(٥) من غير مائِهِ |
وقد ضمن الاحشاءَ منكَ لهيبُ |
|
سأبكيكَ ما ناحتْ حمامةُ ايكةٍ(٦) |
وما اخضرّ في دوح(٧) الحجازِ قضيبُ(٨) |
|
غريب(٩) واكناف الحجازِ تحوطهُ |
الا كلّ من تحت الترابِ غريبُ |
وفي المناقب، وقال الحسينعليهالسلام لما وضع الحسنعليهالسلام في لحده:
ءَاَدهن رأسي ام اطيب محاسني |
ورأسك معفور وأنت سليب |
____________________
(١) أي مجعول عليه التراب ومغبرة به.
(٢) أي مأخوذ عنا.
(٣) أي السحاب.
(٤) الشجر الكثير الاغصان.
(٥) الشجرد العظيمة او البيت الضخم. والمراد هنا الروض.
(٦) الشجرة الرطبة.
(٧) أي انت غريب.
الحميري عن جعفر عن ابيهعليهماالسلام ، قال: ان الحسين بن عليّعليهالسلام كان يزور قبر الحسنعليهالسلام في كل عشية جمعة.
وروى الشيخ في يَب، انه قال الحسن بن عليّعليهالسلام : يا رسول اللّه ما لمن زارنا، قال: من زارني حياً او ميتاً او زار اباك حيّاً او ميتاً او زار اخاك حياً او ميتاً او زارك حيّاً او ميتاً كان حقاً عليَّ ان استنقذه يوم القيامة، الى آخره.
النور الخامس.. الامام الثالث الشهيد المظلوم ابو عبد اللّه الحسين بن علي بن ابي طالب امام الانس والجن سيد شباب اهل الجنة عليه السلام
ولدعليهالسلام بالمدينة آخر شهر ربيع الاول سنة ثلاث من الهجرة كما اختار ذلك المفيد في المقنعة، والشيخ(١) في يب، والشهيد(٢) في الدروس، والبهائي في تاريخه(٣) وصاحب(٤) كشف الغطاء وغيرهم، وهذا يوافق ما رواه الكليني عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: كان بين الحسن والحسين طهر وكان بينهما في الميلاد ستة اشهر وعشراً حيث اراد بالطهر مقدار اقل زمان الطهر، وهو عشرة ايام، وروى ايضاً لم يكن بين الحسن والحسينعليهماالسلام الا طهر واحد، وان مدة حمل الحسينعليهالسلام ستة اشهر، ولكن المشهور انه ولدعليهالسلام في ثالث شعبان واختاره الشيخان(٥) في مسار الشيعة، والمصباح، وهو يوافق التوقيع الشريف.
____________________
(١) أي شيخ الطائفة. محمد بن الحسن الطوسيرحمهالله في التهذيب.
(٢) كلما ذكر الشهيد مطلقتً او بقيد الأول فهو الشهيد الأول ابو عبد اللّه محمد بن المكي العالمي المتوفى سنة ٧٨٦ هجري. راجع ترجمته في الكنى والالقاب.
(٣) المسمى بتوضيح المقاصد. وقد طبع بمصر منضماً الى شرح القصيدة الذهبية.
(٤) هو الشيخ الكبير الشيخ جعفر ابن الشيخ خضر النجفي. فقيه زمانه. توفيرحمهالله سنة ١٢٢٨ هجري. وقد ذكر في مقدمة كتابه كشف الغطاء مواليد الأئمة ووفياتهم.
(٥) أي الشيخ المفيد والشيخ الطوسي (رحمهما اللّه).
وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم انه صلى الظهر يوماً، فرأى جبرائيلعليهالسلام فقال: اللّه اكبر، فاخبره جبرائيل برجوع جعفر من ارض الحبشة، فكبر ثانياً، فجاءت البشارة بولادة الحسينعليهالسلام فكبر ثالثاً، اورده صاحب جواهر الكلام في اواخر مبحث التعقيب.
وروي ان اللّه تعالى هنأ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بحمل الحسين وولادته وعزّاه بقتله فعرفت فاطمةعليهاالسلام فكرهت ذلك، فنزلت حملته امه كرهاً ووضعته كرهاً وحمله وفصاله ثلاثون شهراً.
اقول الذي يظهر لي من بعض اخبار اللوح، ان مولاتنا فاطمةعليهاالسلام لما اغتمت بولادة الحسينعليهالسلام اعطاها ابوها اللوح ليسرها بذلك، والخبر هذا:
روى الصدوق عن ابي بصير عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: قال ابي لجابر بن عبد اللّه الانصاري: ان لي اليك حاجة فمتى يخف عليك ان اخلو بك فاسألك عنها، قال له جابر في أي الاوقات شئت، فخلا به ابيعليهالسلام فقال له يا جابر: اخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي امي فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما اخبرتك به امي، ان في ذلك اللوح مكتوباً قال جابر: اشهد باللّه اني دخلت على امك فاطمة (صلوات اللّه عليها) في حياة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اهنئها بولادة الحسينعليهالسلام ، فرأيت في يدها لوحاً اخضر ظننت انه زمرد ورأيت فيه كتاباً ابيض شبه نور الشمس فقلت لها، بأبي انت وامي، يا بنت رسول اللّه، ما هذا اللوح فقالت: هذا اللوح اهداه اللّه عز وجل، الى رسوله، فيه اسم ابي واسم بعلي واسم ابنيّ واسماء الاوصياء من ولدي، فاعطانيه ليسرني بذلك، قال جابر: فاعطتنيه امك فاطمة فقرأته وانتسخته فقال ابيعليهالسلام : فهل لك يا جابر ان تعرضه عليّ قال نعم فمشى معه ابيعليهالسلام حتى انتهى الى منزل جابر، فاخرج الى ابي صحيفة
من رق، قال جابر فأشهد باللّه أني هكذا رأيته في اللوح مكتوباً: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من اللّه العزير العليم لمحمد نوره وسفيره(٥) الى آخره ...
ورُوى انه لما ولد الحسينعليهالسلام امر اللّه تعالى جبرائيل ان يهبط في ملأ من الملائكة فيهنئ محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهبط فمر بجزيرة فيها ملك يقال له فطرس، بعثه اللّه في شيء فأبطأ فكسر جناحه، فالقاه في تلك الجزيرة فعبد اللّه سبعمئة عام، فقال فطرس لجبرائيل، الى اين فقال: الى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم قال احملني معك لعله يدعو لي، فلما دخل جبرائيل واخبر محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم بحال فطرس قال له النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : قل له يتمسح بهذا المولود فتمسح فطرس بمهد الحسينعليهالسلام فاعاد اللّه عليه في الحال جناحه، ثم ارتفع مع جبرائيل الى السماء. وفي بعض الروايات ان الملك كان اسمه صلصائيل فلما قصوا على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قصته، قام رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فدخل على فاطمة صلوات اللّه عليها) فقال: ناوليني ابني الحسين فأخرجته اليه مقموطاً يناغي(٢) جده رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فخرج به الى الملائكة فحمله على بطن كفه فهللوا وكبروا وحمدوا اللّه تعالى واثنوا عليه، فتوجه به الى القبلة نحو السماء فقال: اللهم اني اسألك بحق ابني الحسين ان تغفر لصلصائيل خطيئته وتجبر كسر جناحه، وترده الى مقامه مع الملائكة المقربين، فتقبل اللّه تعالى من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما أقسم به عليه، وغفر لصلصائيل خطيئته وجبر كسره، ورده الى مقامه مع الملائكة المقربين.
____________________
(١) والخبر مذكور بتمامه في البحار ج ١٣. وفي الكافي.
(٢) ناغى الرجل للصبي أي كلمه بما يعجبه ويسره.
وفي مدينة المعاجز قال ولم يبق ملك في السماء الا ونزل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعزيه بولده الحسينعليهالسلام ، ويخبرونه بثواب ما يعطى من الزلفى والأجر والثواب يوم القيامة ويخبرونه بما يعطى من الاجر زائره والباكي عليه والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مع ذلك يبكي ويقول اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تمتعه بما أمَّله في الدنيا، واصله(١) حر نارك في الآخره.
فصل في مواعظ مولانا الامام الحسين عليه السلام
في ذكر موعظة من كلامهعليهالسلام ، قالعليهالسلام : اوصيكم بتقوى اللّه واحذركم ايامه، وارفع لكم اعلامه، فكأنّ المخوف قد أفل بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق(٢) مهجكم وحال بين العمل وبينكم، فبادوا بصحة الاجسام، ومدة الاعمار، كأنكم نبعات(٣) طوارقه، فتنقلكم من ظهر الارض الى بطنها، ومن علوها الى أسفلها، ومن انسها(٤) الى وحشتها ومن روحها وضوئها الى ظلمتها، ومن سعتها الى ضيقها، حيث لا يزار حميم ولا يعاد سقيم، ولا يجاب صريخ، أعاننا اللّه واياكم على اهوال ذلك اليوم ونجانا واياكم من عقابه، واوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه، عباد اللّه فلو كان ذلك قصر
____________________
(١) أي ادخله في النار واذقه منها.
(٢) أي احبها.
(٣) وطوارقه أي حوادثه والضمير يرجع الى المخوف (منه).
(٤) مقابل الوحشة.
مرماكم(١) ومدى(٢) مظعنكم، كان حسب(٣) العامل شغلاً يستفرغ عليه احزانه ويذهله(٤) عن دنياه، ويكثر نصبه(٥) لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذٍ لاينفع نفسا ايمانها، لم تكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيراً. قل انتظروا، انّا منتظرون، اوصيكم بتقوى اللّه فان اللّه قد ضمن لمن اتقاه ان يحوله عما يكره الى ما يحب، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فايّاك ان تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه، فان اللّه تبارك وتعالى لا يخدع عن جنته، ولا ينال ما عنده، الا بطاعته ان شاء اللّه.
وفي وصية موسى بن جعفرعليهالسلام لهشام، قال وقال الحسين بن عليعليهماالسلام : ان جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الارض ومغاربها، بحرها وبرها وسهلها وجبلها، عند وليّ من اولياء اللّه وأهل المعرفة بحق اللّه، كَفَيء(٦) الظلال، ثم قالعليهالسلام ألا حُرّ(٧) يدع هذه اللُّماظة(٨) لأهلها، يعني الدنيا، ليس لانفسكم ثمن الا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فانه من رضي من اللّه بالدنيا فقد رضي بالخسيس.
ونقل السيد الاجلّ السيد علي خان، من كتاب خلق الانسان، للفاضل النيسابوري انه قال: كان الحسين بن عليّ سيد الشهداء (عليه
____________________
(١) مرماكم. أي مقصدكم.
(٢) أي غاية مسيركم.
(٣) أي كفاه.
(٤) أي ينسبه الشغل ويصرفه عنه.
(٥) أي بلاءه وتعبه.
(٦) الفيء هو الظل اذا رجع.
(٧) أي ليس رجل حر الخ.
(٨) اللماظة كتمامه ما يلاك في الفم وهو تافه.
السلام) كثيراً ما ينشد هذه الابيات، وتزعم الرواة انها مما أملته(١) نفسه الطاهرة على لسان مكارمه الوافرة:
لِئن كانت الافعالُ يوماً لأهلها |
كمالاً فحسنُ الخلقِ ابهى(٢) وأكملُ |
|
وان كانت الارزاقُ رزقاً مقدراً |
فقِلَّةُ جهدِ المرءِ في الكسب اجملُ |
|
وان كانت الدنيا تعدُّ نفيسةً |
فدارُ ثوابِ اللّه أعلى وانبلُ(٣) |
|
وان كانت الأبدان للموتِ أُنشِئَتْ |
فقتلُ امرئ بالسيفِ في اللّه افضلُ |
|
وان كانت الاموالُ للتركِ جمعُها |
فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ |
ورُويَ انهعليهالسلام لما نزل كربلاء أقبل على اصحابه فقال: الناس عبيد الدنيا، والدين لعق(٤) على النستهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فاذا محصوا(٥) بالبلاء قلَّ الديّانون.
____________________
(١) أي أنشأتهعليهالسلام .
(٢) أي اجمل.
(٣) اسم تفضيل من النبل (بالضم) وهو الذكاء والنجابة.
(٤) أي ملصق بها. يقال لعق العسل: أي تناوله بلسانه ولحسه.
(٥) أي اختبروا وابتلوا.
فصل في استشهاد الامام الحسين وفضل زيارته عليه السلام
قال شيخنا المفيد رضي اللّه عنه في الارشاد: مضى الحسينعليهالسلام في يوم السبت العاشر من المحرم، سنة احدى وستين من الهجرة بعد صلاة الظهر منه، قتيلاً مظلوماً، ظمآن صابراً، محتسباً على ما شرحناه، وسنه يومئذ ثمان وخمسون سنة، اقام منها مع جده رسول اللّه (صلى اللّه عليه واله وسلم) سبع سنين، ومع ابيه امير المؤمنينعليهالسلام سبعاً وثلاثين سنة، ومع اخيه الحسنعليهالسلام سبعاً واربعين سنة، وكانت مدة خلافته بعد اخيه احدى عشرة سنة، وكان يخضب بالحناء والكتم وقتُلعليهالسلام وقد نصل الخضاب من عارضيه، وقد جاءت روايات كثيرة، في فضل زيارتهعليهالسلام بل في وجوبها:
فرُويَ عن الصادق جعفر بن محمدعليهماالسلام ، انه قال: زيارة الحسين بن عليّعليهماالسلام واجبة على كل من يعتقده ويقر للحسينعليهالسلام بالامامة من اللّه عز وجل.
وقالعليهالسلام زيارة الحسينعليهالسلام تعدل مئة حجة مبرورة ومئة عمرة متقبَّلة.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من زار الحسين بعد موته فله الجنة والاخبار في هذا الباب كثيرة، انتهى.
وقال في المقنعة، وروى يونس بن ظبيان قال: قلت لابي عبد اللّهعليهالسلام ، جعلت فداك، إني كثيراً ما اذكر الحسينعليهالسلام فاي شيء اقول، قال: قل صلى اللّه عليك يا ابا عبد اللّه، تعيد ذلك ثلاثاً فان التسليم يصل الينا من قريب ومن بعيد.
وقال شيخنا الشهيد، قدس سره في الدروس، وثواب زيارته لا يحصى، حتى رُويَ ان زيارته فرض على كل مؤمن وان ترْكَها تركُ حقٍّ للّه تعالى ولرسوله وان تركَها عقوقُ رسول اللّه وانتقاص في الايمان والدين، وانه حق على الغني زيارته في السنة مرتين، والفقير في السنة مرة وان من أتى عليه حول ولم يات قبرَهُ نقص من عمره حول، وانها تطيل العمر، وأن أيام زيارته لا تعد من الاجل، وتفرج الهم وتمحص الذنوب(١) ولكل خطوة حجة مبرورة وله بزيارته اجر عتق الف نسمة(٢) وحمل على ألف فرس،
____________________
(١) أي تبعد الذنوب وتنقِّي منها.
(٢) أي ذي الروح والمراد به مطلق الرق.
في سبيل اللّه، وله بكل درهم انفقه عشرة آلاف درهم، وان من أتى قبره عارفاً بحقه غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، الى أن قال: ومَن بَعُدَ عنه وصعد على سطحه ورفع رأسه الى السماء ثم توجه الى قبرهعليهالسلام ، كتب اللّه له زورة، والزورة حجة وعمرة ولو فعل ذلك في كل يوم خمس مرات كتب اللّه له ذلك.
النور السادس.. الامام الرابع ابو محمد عليّ بن الحسين زين العابدين سيّد الساجدين ومصباح المتهجّدين وقدوة المتقين عليه السلام
ولدعليهالسلام بالمدينة المعظمة، يوم النصف من جمادى الاولى سنة ٣٦ هجري ست وثلاثين يوم فتح البصرة ونزول النصر على امير المؤمنينعليهالسلام وغلبته على اصحاب الجمل وقيل في الخامس من شعبان سنة ٣٨ ثمان وثلاثين وامه ذات العلى والمجد، شاه زنان بنت يزد جرد:
وهو ابن شهريار بن كسرى |
ذو سؤددٍ ليس يخاف كسرى |
وقيل كان اسمها شهر بانويه وفيه يقول ابو الاسود:
وان غلاماً بين كسرى وهاشمٍ |
لأكرمُ من نيطتْ(١) عليه التمائمُ(٢) |
كان يقال له ذو الثفنات (جمع ثفنة بكسر الفاء) وهي من الانسان الركبة ومجتمع الساق والفخذ لان طول السجود اثر في ثفناته.
قال الزهري: ما رأيت هاشمياً افضل من عليّ بن الحسينعليهالسلام .
____________________
(١) أي علقت.
(٢) التميمة ما علق على العضد من الاحراز والجواهر.
وعن ابي جعفرعليهالسلام قال: كان عليّ بن الحسينعليهالسلام يصلّي في اليوم والليلة الف ركعة، ورُويَ انه كانعليهالسلام له خمسمئة نخلة وكان يصلّي عند كل نخلة ركعتين وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة، وكان اذا توضأ للصلاة يصفرّ لونه فيقول له اهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء، فيقول: تدرون بين يدي من أريد أن اقوم.
وعن ابن عائشة قال: سمعت اهل المدينة يقولون فقدنا صدقة السرّ حين مات علي بن الحسينعليهالسلام .
ولما مات وجردوه للغسل، جعلوا ينظرون الى آثار في ظهره، فقالوا ما هذا، قيل: كان يحمل جربان(١) الدقيق على ظهره ليلاً ويوصلها الى فقراء المدينة سراً وكان يقول ان صدقة السرّ تطفئ غضب الرب.
وعن علي بن ابراهيم عن ابيه قال: حج عليُّ بن الحسينعليهالسلام ماشياً فسار من المدينة الى مكة عشرين يوماً وليلة.
وعن زرارة بن(٢) اعين قال: سمع سائل في جوف الليل وهو يقول: اين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة، فهتف به هاتف من ناحية البقيع يسمع صوته ولا يرى شخصه، ذاك عليّ بن الحسينعليهالسلام .
وفي تذكرة السبط حكى الزهري عن عائشة قالت: رأيت عليّ بن الحسينعليهالسلام ساجداً في الحجرّ وهو يقول: عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فما دعوت بها في كرب الا وفرّج عني.
وعن طاوس اني لفي الحِجز ليلة، اذ دخل علي بن الحسينعليهالسلام فقلت: رجل صالح من اهل بيت النبوة لاسمعن دعاءه، فسمعته
____________________
(١) أي الأوعية من الجلد.
(٢) زرارة بن اعين الشيباني. شيخ اصحابنا في زمانه ومتقدمهم وكان قارئاً فقيهاً. متكلماً. اديباً. قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين. ثقة فيما يرويه. راجع ترجمته ص ١٤٢من الرجال الكبير وغيره.
يقول: عبدك بفنائك، فقيرك بفنائك، قال: فما دعوت بهن في كرب الا فرّج عني.
وعن ربيع الابرار للزمخشري، انه قال: لما وجه يزيد بن معاوية مسلم بن عقبة لاستباحة اهل المدينة ضم عليّ بن الحسينعليهالسلام الى نفسه اربعمأة منانية (كذا) بحشمهن يعولهن الى أن تقوض(١) جيش مسلم فقالت امرأة منهن: ما عشت واللّه بين ابويّ بمثل ذلك الشريف.
وكان يقال له آدم بني حسين لانه الذي تشعبت منه افنانهم وتفرعت عنه اغصانهم.
وكانعليهالسلام اذا حضرت الصلاة اقشعر(٢) جلده واصفر لونه وارتعد كالسعفة(٣) ، وكان اذا قام في صلاته غشيَ لونه لون آخر وكان في قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل كانت اعضاؤه ترتعد من خشية اللّه.
وكان يصلي صلاة مودّع.
وكان في الصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء الا ما حركت الريح منه، واذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفضّ(٤) عَرَقاً، واذا كان شهر رمضان لم يتكلم الا بالدعاء والتسبيح والاستغفار والتكبير، وكان له خريطة فيها تربة الحسينعليهالسلام ، وكان لا يسجد الا على التراب.
وكانعليهالسلام يقول: لو مات من بين المشرق والمغرب لَمَا استوحشت بعد ان يكون القرآن معي.
وكان اذا قرأ (مالك يوم الدين) يكررها حتى كاد أن يموت.
____________________
(١) أي ترك الاستقرار.
(٢) أي اخذته القشعريرة: أي الرعدة.
(٣) أي جريدة النخل.
(٤) ارفضاضاً أي يتقطّر منه العرَق.
وكان اذا صلى يبرز الى موضع خشن فيصلّي فيه ويسجد على الارض فاتى الجبان(١) يوماً، ثم قام على حجارة خشنة محرقة، فأقبل يصلي وكان كثير البكاء، فرفع رأسه من السجود وكأنما غمس في الماء من كثرة دموعه.
وكانت شدة اجتهادهعليهالسلام في العبادة، بحيث اتت فاطمة بنت عليّعليهالسلام الى جابر الانصاري وقالت له: ان لنا عليكم حقوقاً من حقنا عليكم اذا رأيتم احدنا يهلك نفسه اجتهاداً، ان تذكروه وتدعوه الى البقيا(٢) على نفسه، وهذا عليّ بن الحسين بقية ابيه قد انحزم(٣) انفه وثفنت(٤) جبهته وركبتاه وراحتاه أدأب(٥) نفسه في العبادة، فاتى جابر الى بابه واستأْذن، فلما دخل عليه وجده في محرابه قد انضته(٦) العبادة، فدعاه الى البقيا على نفسه فقال: يا جابر لا ازال على منهاج ابويّ متأسياً بهما حتى ألقاهما.
ورُويَ انهعليهالسلام كان اذا وقف في الصلاة لم يسمع شيئاً لشغله بالصلاة، فسقط بعض ولده في بعض الليالي فانكسرت يده فصاح اهل الدار، واتاهم الجيران وجيء بالمجبر(٧) فجبر الصبي وهو يصيح من الالم وكل ذلك لا يسمعه فلما اصبح راى الصبي يده مربوطة الى عنقه فقال: ما هذا فاخبروه.
ووقع حريق في بيت هو فيه ساجد، فجعلوا يقولون يا ابن رسول اللّه النار النار، فما رفع رأسه حتى اطفئت، فقيل له بعد قعوده ما الذي ألهاك(٦) عنها، قال ألهتني عنها النار الكبرى.
____________________
(١) والجبان في الاصل الصحراء والجبانة موضع بالمدينة.
(٢) أي الابقاء والمحافظة.
(٣) أي شق وترة انفه.
(٤) أي غلظت من السجود.
(٥) أي اتعب.
(٦) نضى الثوب: ابلاه.
(٧) أي الذي يُصلح كسر العظم.
ورُوي انهعليهالسلام كان في الصلاة فسقط محمد ابنهعليهالسلام في البئر فلم يثن(١) عن صلاته، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر، فلما فرغ من صلاته مدَّ يده الى قعر البئر، فأخرج ابنه وقال: كنت بين يدي جبار لو ملت(٢) بوجهي عنه لمال بوجهه عني، وكان حضور قلبه في العبادة بحيث تمثل ابليس بصورة افعى ليشغله فما شغله.
ورُوي عن حماد بن حبيب العطار الكوفي قال: خرجنا حجاجاً فرحلنا من زبالة(٣) ليلاً فاستقبلتنا ريح سوداء مظلمة، فتقطعت القافلة فتهت(٤) في تلك الصحارى والبراري، فانتهيت الى واد قفر فلما ان جن الليل أويت الى شجرة عادية، فلما ان اختلط الظلام، اذا أنا بشاب قد اقبل عليه اطمار(٥) بيض، تفوح منه رائحة المسك، فقلت في نفسي هذا وليّ من اولياء اللّه، متى ما احسن بحركتي خشيت نفاره، وأن امنعه عن كثير مما يريد فعاله فاخفيت نفسي ما استطعت فدنا الى الموضع فتهيأ للصلاة ثم وثب قائماً وهو يقول، يا من حاز كل شيء ملكوتاً وقهر كل شيء جبروتاً أولج(٦) قلبي فرح الاقبال عليك، والحقني بميدان المطيعين لك، قال ثم دخل في الصلاة فلما ان رأيته قد هدأت أعضاؤه وسكنت حركاته قمت الى الموضع الذي تهيأ للصلاة فاذا بعين تفيض بماء ابيض فتهيأْ للصلاة ثم قمت خلفه، فاذا انا بمحراب كأَنه مثل في ذلك الوقت، فرأيته كلما مر بآية فيها ذكر الوعد والوعيد يرددها باشجان(٧) الحنين، فلما أن تقشع(٨) الظلام وثب قائماً وهو يقول: يا
____________________
(١) أي لم يعطف ولم ينصرف.
(٢) أي لو انعطفت عنه.
(٣) بضم اوله، موضع معروف بطريق مكة قرب الثعلبية بها بركتان.
(٤) بصيغة المتكلم. أي ضللت فيها.
(٥) اطمار: جمع طمر بكسر الطاء وهو الثوب البالي.
(٦) اولج: بصيغة الاستدعاء: أي ادخل في قلبي.
(٧) اشجان: جمع الشجن بفتحتين بمعنى الهم والحزن.
(٨) أي انكشف.
من قصده الطالبون فاصابوه مرشداً، وأَمَّه(١) الخائفون فوجدوه متفضلاً، ولجأ اليه العابدون فوجدوه موئلاً(٢) ، متى راحة من نصب لغيرك بدنه، ومتى فرج من قصد سواك بنيته، إلهي قد تقشع الظلام ولم اقض من خدمتك وَطَرا، ولا من حياض مناجاتك صدرا، صلّ على محمد وآله وافعل بي اولى الامرين بك، يا ارحم الراحمين، فخفت ان يفوتني شخصه، وان يخفى عليَّ اثره، فتعلقت به فقلت له: بالذي اسقط عنك ملال التعب ومنحك شدة شوق لذيذ الرغب(٣) الا لحقتني منك جناح رحمة، وكنف رقة، فإني ضال وبغيتي كلما صنعت، ومناي كلما نطقت، فقال لو صدق توكلك ما كنت ضالاً، ولكن اتبعني واقفُ اثري فلما ان صار بجنب الشجرة اخذ بيدي فخيل الى ان الارض تمد من تحت قدمي، فلما انفجر عمود الصبح، قال لي: ابشر فهذه مكة، قال فسمعت الضجة، ورأيت المحجة، فقلت بالذي ترجوه يوم الآزفة(٥) ويوم الفاقة، من انت فقال: اما اذا قسمت، فأنا عليّ بن الحسين بن عليّ بن ابي طالبعليهالسلام .
وفي اثبات الوصية رُويَ عن سعيد بن المسيب قال: قحط الناس يميناً وشمالاً، فمددت عيني فرأيت شخصاً اسود على تل قد انفرد، فقصدت نحوه فرأيته يحرك شفتيه، فلم يتم دعاءه حتى اقبلت غمامة، فلما نظر اليها حمد اللّه وانصرف وادركنا المطر حتى ظنناه الغرق، فاتبعته حتى دخل دار عليّ بن الحسينعليهالسلام فدخلت اليهعليهالسلام فقلت لهعليهالسلام يا سيدي في دارك غلام اسود تفضل عليَّ ببيعه، فقال: يا سعيد ولم لا يوهب لك، ثم أمر القيم على غلمانه يعرض كل من في الدار عليه فجمعوا فلم ارَ صاحب بينهم، فقلت: فلم أَره، فقال: انه لم يبق الا
____________________
(١) أي قصده.
(٢) أي ملجأ.
(٣) الرغب: المرغوب المحبوب.
(٤) أي ان ما فعلته كان مبتغاي.
(٥) من ازف: بمعنى اقترب او بمعنى عجل.
فلان السائس(١) فأمر به، فاحضر فاذا هو صاحبي، فقلت لهعليهالسلام هذا هو فقال له: يا غلام ان سعيداً قد ملكك فامض معه، فقال لي الاسود ما حملك عليَّ ان فرقت بيني وبين مولايَ، فقلت له انّي رأيت ما كان منك على التل، فرفع يده الى السماء مبتهلاً، ثم قال: ان كانت سريرة بينك وبيني فاذن قد اذعتها عليّ فاقبضني اليك، فبكى عليّ بن الحسينعليهالسلام وبكى من حضره، وخرجت باكياً فلما صرت الى منزلي وافاني رسوله فقال لي: ان اردت ان تحضر جنازة صاحبك فافعل فرجعت معه ووجدت العبد قد مات بحضرته.
فصل في مكارم اخلاق الامام زين العابدين عليه السلام
كان علي بن الحسينعليهالسلام ، ليخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب على ظهره وفيه الصرر(٢) من الدنانير والدراهم، وربما حمل على ظهره الطعام او الحطب، حتى يأتي باباً باباً، فيقرعه ثم يناول من يخرج اليه، وكان يغطي وجهه لئلا يعرفه الفقير، ولما وضع على المغتسل نظروا الى ظهره، وعليه مثل ركب الابل، وكان يعول مئة اهل بيت من فقراء المدينة، وكان يعجبه ان يحضر طعامه اليتامى والزمنى والمساكين، وكان يناولهم بيده ويحمل الطعام لمن كان له عيال الى عياله، وكان اذا جنَّه الليل وهدأَت(٤) العيون، قام الى منزله، فجمع ما يبقى فيه عن قوت اهله، وجعله في جراب ورمى به على عاتقه، وخرج الى دور الفقراء وهو متلثم، ويفرق عليهم.
____________________
(١) السائس: رائض الدواب والقائم عليها.
(٢) الصرر. جمع صرة.
(٣) جمع زمن ككتف: المقعد.
(٤) أي سكنت ونامت.
وروي عن علي بن يزيد قال: كنت مع عليّ بن الحسينعليهالسلام عندما انصرف من الشام الى المدينة، فكنت احسن الى نسائه واقضي حوائجه فلما نزلوا المدينة، بعثن الي بشيء من حليهن فلم آخذه فقلت: فعلت هذا للّه تعالى، فأخذ علي بن الحسينعليهالسلام حجراً اسود صماً(١) فطبعه بخاتمه ثم قال لي خذه وسل كل حاجة لك منه فوالذي بعث محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحق لقد كنت اسأَله الضوء في البيت فيسرج في الظلماء وأضعه على الاقفال فتنفتح وآخذه بيدي وأقف بين يدي السلاطين فلا أرى منهم شراً.
قال شيخنا الحر العاملي مشيراً الى هذه المعجزة:
والحجرُ الاسودُ لما طَبَعه |
أرى عجيباً الذي كان مَعَه |
|
وكم له من معجزٍ وفضلٍ |
وشرفٍ بادٍ وقولٍ فصلِ |
وروى معتب(٢) عن الصادقعليهالسلام قال كان عليّ بن الحسينعليهالسلام شديد الاجتهاد في العبادة، نهاره صائم وليله قائم، فأضر بجسمه فقلت له: يا ابه كم هذا الدؤب(٣) فقال له: أتحبب الى ربي لعله يزلفني.
وعن دعوات الراوندي عن الباقرعليهالسلام قال: قال عليّ بن الحسينعليهماالسلام مرضت مرضاً شديداً، فقال لي ابيعليهالسلام : ما تشتهي، فقلت: اشتهي ان اكون ممن لا اقترح على اللّه ربي ما يدبره لي، فقال لي احسنت، ضاهيت(٤) ابراهيم الخليلعليهالسلام حيث قال جبرائيل: هل من حاجة، فقال: لا اقترح على ربّي بل حسبي اللّه ونعم الوكيل، (اقول الاقتراح الاجتباء والاختيار والتحكم وارتجال الكلام).
____________________
(١) أي شديد الصلابة.
(٢) كمؤيد.
(٣) جمع دأب وهو الحالة الخاصة.
(٤) أي شابهته.
ورُويَ انه ضرب غلاماً له، قرعه بسوط، ثم بكى وقال لابي جعفرعليهالسلام : اذهب الى قبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فصلّ ركعتين ثم قل: اللهم اغفر لعليّ بن الحسين خطيئته يوم الدين، ثم قال للغلام اذهب فانت حر لوجه اللّه.
ورُويَ انه قيل لهعليهالسلام انك أبرّ الناس ولا تأكل مع امك في قصعة، وهي تريد ذلك، قال اكره ان تسبق يدي الى ما سبقت اليه عينها فاكون عاقّاً لها.
اقول الظاهر ان المراد من امه هي هنا ام ولد كانت تحضنه فكان يسميها اماً، واما امه شاه زنان فقد توفيت في نفاسها.
وعنهعليهالسلام كان يدعو خدمه كل شهر ويقول اني قد كبرت ولا اقدر على النساء فمن اراد منكن التزويج زوجتها، او البيع بعتها، او العتق اعتقتها، فاذا قالت احداهن: لا قال: اللهم اشهد حتى يقول ثلاثاً وان سكتت واحدة منهن قال لنسائه سلوها ما تريد، وعمل على مرادها، وكان اذا اتاه السائل قال: مرحباً بمن يحمل زادي الى الآخرة.
قال ابن الاثير في الكامل، لما سير يزيد مسلم بن عقبة الى المدينة قال: فاذا ظهرت عليهم فابحها ثلاثاً، فكل ما فيها من مال او دابة او سلاح او طعام فهو للجند، فاذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس وانظر عليّ بن الحسين فاكفف عنه، واستوص به خيراً فانه لم يدخل مع الناس وانه قد اتاني كتابه.
وقد كان مروان بن الحكم، كلَّم ابن عمر لما اخرج اهل المدينة عامل يزيد وبني امية في ان يغيب اهله عنده فلم يفعل، فكلم علي بن الحسينعليهالسلام فقال ان لي حرماً وحرمي يكون مع حرمك، فقال: افعل، فبعث بامرأته وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان، وحرمه الى علي بن الحسينعليهالسلام ، فخرج عليعليهالسلام بحرمه وحرم مروان الى
ينبع(١) ، وقيل بل ارسل حرم مروان وارسل معهم ابنه عبد اللّه بن علي الى الطائف.
وروي عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: كان بالمدينة رجل بطّال يضحك اهل المدينة من كلامه، فقال: يوماً لهم: قد اعياني هذا الرجل يعني عليّ بن الحسينعليهالسلام ، فما يضحكه مني شيء ولا بد من ان احتال في ان اضحكه، قال فمر علي بن الحسينعليهالسلام ذات يوم ومعه موليان له فجاء ذلك البطَّال حتى انتزع رداءه من ظهره واتبعه الموليان فاسترجعا الرداء منه والقياه عليه وهو مخبت(٢) لا يرفع طرفه من الارض ثم قال لمولييه ما هذا فقالا له رجل بطّال يضحك اهل المدينة ويستطعم منهم بذلك، قال فقولا له يا ويحك ان للّه يوماً يخسر فيه البطّالون.
فصل في ذكر نبذ من كلامه عليه السلام
رُويَ عنهعليهالسلام انه كان يقول: ان بين الليل والنهار روضة يرتعي في رياضها الابرار، ويتنعم في حدائقها المتّقون فادأبوا(٣) رحمكم اللّه في سهر هذا الليل، بتلاوة القرآن في صدره، وبالتضرع والاستغفار في آخره، واذا ورد النهار فاحسنوا قراه(٤) بترك التعرض لما يرديكم من محقّرات الذنوب، فانها مشرفة بكم على قباح العيوب، وكأن الرحلة قد أظلتكم وكأَن الحادي(٥) قد حدا بكم جعلنا اللّه واياكم ممن اغبطه فهمه ونفعه علمه.
____________________
(١) ينبع. بفتح اوله وضم الثالث حصن وقرية على يمين رضوى لمن كان منحدراً من اهل المدينة الى البحر وهي لبني الحسن بن عليعليهالسلام وفيها عيون عذاب.
(٢) أي متخشع ومطمئن الى الأرض.
(٣) دأب في العمل جد واستمر عليه.
(٤) مصدر قرى الضيف: اضافه.
(٥) الحادي من يغني للابل والمراد هنا المنذر.
وقالعليهالسلام في جملة كلامه، واياك والابتهاج بالذنب، فان الابتهاج بالذنب اعظم من ركوبه.
وعن الباقرعليهالسلام قال: كان أبي زين العابدينعليهالسلام اذا نظر الى الشباب الذين يطلبون العلم، ادناهم اليه وقال مرحباً بكم انتم ودائع العلم ويوشك اذا انتم صغار قوم، ان تكونوا كبار آخرين.
ورُويَ انه جاء رجل الى علي بن الحسين يشكو اليه حاله فقال: مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن ولو اعتبر هانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فاما المصيبة الاولى فاليوم الذي ينقص من عمره، قال وان ناله نقصان في ماله اغتم به والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شيء، والثانية انه يستوفي رزقه فان كان حلالاً حوسب عليه وان كان حراماً عوقب، قال: والثالثة اعظم من ذلك، قيل وما هي، قال ما من يوم يمسي الا وقد دنا من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنة ام على النار، وقال: اكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من امّه، قالت الحكماء: ما سبقه الى هذا احد.
وقال الكفعمي في البلد الامين ندبة مولانا زين العابدينعليهالسلام رواية الزهري، يا نفس حتام الى الحياة سكونك، والى الدنيا وعمارتها ركونك، اما اعتبرت بمن مضى من اسلافك(١) ومن وارته الارض من أُلاَّفك(٢) ، ومن فجعت به من اخوانك، ونقلت الى دار البلى من اقرانك،
فهمْ في بطون الارضِ بعد ظهورِها |
محاسنهُم فيها بوالٍ(٣) دواثرُ(٤) |
|
خلت دورُهُم منهم واقوتْ عراصهمْ |
وساقهم نحو المنايا المقادرُ |
|
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها |
وضمتهم تحت التراب الحفائر(٦) |
____________________
(١) أي آبائك المقدمين (منه).
(٢) بصيغة الجمع. بمعنى الاصدقاء.
(٣) أي الدواثر. يقال بلي الثواب أي رث ودرس.
(٤) الدثور: الدروس (منه).
(٥) أي خلت عرصات دارهم منهم (منه).
(٦) جمع حفير وهو القبر (منه).
كم اخترمت(١) ايدي المنون(٢) من قرون بعد قرون، وكم غيرت الارض ببلاها(٣) وغيّبت في ثراها، ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتهم الى الأرماس(٤) .
وانت على الدنيا مكبّ منافس(٥) |
لخطابها فيها حريص مكاثِرُ |
|
على خطر(٦) تمسي وتصبحُ لاهياً |
اتدري بماذا لو عقلتَ تخاطرُ |
|
وإن امرءأً يسعى لدنياهُ جاهداً |
ويذهل(٧) عن اخراه لا شك خاسرُ |
فحتَّام على الدنيا اقبالك، وبشهوتها اشتغالك وقد وحظك(٨) لقتير ووفاك النذير(٩) وانت عما يراد بك ساه، وبلذة يومك لاه.
وفي ذكر هولِ الموتِ والقبرِ والبِلى |
عن اللهو واللّذاتِ للمرءِ زاجرُ |
|
أبعد اقترابِ الاربعين تربص |
وشيب القذال منذ ذلك ذاعر(١٠) |
|
كأنك معني(١١) بما هو ضائر |
لنفسِكَ عمداً(١٢) او عن الرشدِ جائرُ(١٣) |
انظر الى الامم الماضية، والقرون الفانية، والملوك العاتية(١٤) كيف انتسفتهم(١٥) الايام فافناهم الحمام(١٦) فامتحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها اخبارهم.
____________________
(١) أي اقتطعت واستأصلت (منه).
(٢) المنون: المنية أي الموت.
(٣) أي قديمها البالي.
(٤) جمع رمس أي تراب القبر (منه).
(٥) أي راغب (منه).
(٦) الخطر: الاشراف على الهلاك (منه).
(٧) أي ينسى.
(٨) أي خلطك الشيب (منه).
(٩) أي اتاك نذير الموت (منه).
(١٠) أي خائف.
(١١) انا بها معني على مفعول أي اهتممت بها.
(١٢) أي منتظر (منه).
(١٣) أي مائل (منه).
(١٤) من العتو (منه).
(١٥) انتسفت الريح التراب: قلعته وفرقته.
(١٦) بكسر الأول: الموت.
واضحوا رميماً في الترابِ واقفرَتْ(١) |
مجالسُ منهمُ عُطّلتْ ومقاصرُ(٢) |
|
وحلّوا بدارٍ لا تزاوُرَ بينهمْ |
وأنّى لسكانِ القبورِ التزاوُرُ |
|
فما إن ترى الاجثىً(٣) قد ثروا بها |
مسنمةً(٤) تسفى(٥) عليها الأَعاصرُ(٦) |
كم عاينت من ذي عز وسلطان، وجنود واعوان، تمكن من دنياه، ونال منها مناه، فبنى الحصون والدساكر(٧) وجمع الاعلاق(٨) والذخائر.
فما صرَفتْ كفُّ المنيةِ إذ أتت |
مبادرةً تهوى اليهِ الذخائرُ |
|
ولا دفعتْ عنهُ الحصونُ التي بَنَى |
وحفّ بها انهارها والدساكِرُ |
|
ولا قارَعت(٩) عنهُ المنيةَ خيلُهُ |
ولا طمِعَتْ في الذبّ عنه العساكِرُ |
اتاه من امر اللّه ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى الملك الجبار المتكبر القهار، قاصم الجبارين ومبير المتكبرين.
مليك عزيز ما يردُّ قضاؤهُ |
عليم حكيم نافذُ الامرِ قاهرُ |
|
عنا كل ذي عزٍّ لعزّةِ وجههِ |
فكلُّ عزيزِ للمهيمنِ صاغرُ(١٠) |
|
لقد خَشَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ وتضاءَلَتْ |
لعزةِ ذي العرشِ الملوكُ الجبابرُ(١١) |
____________________
(١) اقفرت. أي صارت قفراً.
(٢) المقاصر: اصول الشجر. والمقاصير: جمع مقصورة وهي الدار الواسعة او الحجلة.
(٣) أي تربة مجموعة (منه).
(٤) أي مرتفعة (منه).
(٥) أي تذر (منه).
(٦) أي ريح تثير الغبار (منه).
(٧) الدساكر: جمع دسكرة وهي بناء شبه القصر حواليه بيوت تكون للملوك (منه).
(٨) الاعلاق: جمع علق بالكسر وهو النفيس من كل شيء (منه).
(٩) مقارعة الابطال: قرع بعضهم بعضاً (منه).
(١٠) أي ذليل.
(١١) أي شراكها وآلات صيدها.
فالبدار(١) البدار، والحذار الحذار من الدنيا ومكائدها، وما نصبت لك من مصائدها، وتجلى لك من زينتها، واستشرف لك من فتنتها:
وفي دونِ ما عاينتَ من فَجَعاتِها |
الى رفضِها داع وبالزهد آمرُ |
|
فجدَّ ولا تغفل فَعَيْشُكَ زائِل |
وانتَ الى دارِ المنيةِ صائرُ |
|
ولا تطلبِ الدنيا فإنّ طِلابَهَا |
وان نلت منها غِبُّهُ لكَ ضائرُ |
فهل يحرص عليها لبيب، او يسر بلذتها اريب، وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، ام كيف تنام عين من يخشى البيات او تسكن نفس من يتوقع الممات.
ألا لا ولكنّا تَغُر نفوسَنا |
وتشغلُنا اللذّاتُ عما نحاذِرُ |
|
وكيف يلذُ العيشُ من هو موقن |
بموقف عدلٍ حين تُبلى السرائرُ |
|
كأنَّا نرى ألا نشورَ وانَّنا |
سدى(٢) ما لنا بعد الفناء مصائر(٣) |
وما عسى ان ينال طالب الدنيا من لذتها، ويتمتع به من بهجتها مع فنون مصائبها، واصناف عجائبها، وكثرة تعبه في طلابها، وفي اكتسابها وما يكابد من اسقامها واوصابها(٤) .
وما ان بنى في كل يوم وليلة |
يروح عليها صرفها ويباكر |
|
تعاوره(٥) آفاتها وهمومها |
وكم ما عسى يبقى لها المتعاور |
|
فلا هو مغبوط بدنياه آمن |
ولا هو عن تطلابها النفس غادر(٦) |
____________________
(١) البدار: المسارعة.
(٢) السدى: المهمل (منه).
(٣) مصائر: جمع مصير (منه).
(٤) الاوصاب: جمع الوصب وهو المرض (منه).
(٥) عاوره الشيء: اعطاه اياه عارية.
(٦) اسم فاعل من غدر اصحابه: أي تخلف. يعني ليس بمتخلف او من غدر بمعنى مكر: أي ليس له حيلة.
كم غرّت من مخلد(١) اليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه(٢) من صرعته، ولم تقله من عثرته، ولم تداوه من سقمه ولم تشفه من المه.
بلى اوردته بعد عز ومنعة |
موارد سوء ما لهنَّ مصادر |
|
فلما رأى الا نجاة وأنه |
هو الموت لا ينجيه منه المؤازر(٣) |
|
تندم لو يغنيه طول ندامة |
عليه وابكته الذنوب البكائر |
بكى على ما اسلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه حيث لا ينفعه الاستعبار(٤) ولا ينجيه الاعتذار من هول المنية، ونزول البلية.
احاطت به آفاته وهمومه |
واُبْلسَ(٥) لما اعجزته المعاذر |
|
فليس له من كربة الموت فارج |
وليس له مما يحاذر ناصر |
|
وقد جشأت(٦) خوف المنية نفسه |
ترددها دون اللهاة(٧) الحناجر |
هنالك خف عنه عوّاده، واسلمه اهله واولاده، وارتفعت الرنة(٨) والعويل، ويئسوا من برء العليل، غمَّضوا بأيديهم عينيه، ومدوا عند خروج نفسه رجليه.
فكم موجع يبكى عليه تفجعاً |
ومستنجد(٩) صبراً وما هو صابر |
|
ومسترجع داع له اللّه مخلص |
يعدد منه خير ما هو ذاكر |
|
وكم شامت مستبشر بوفاته |
وعما قليل كالذي صار صائر |
____________________
(١) اخلد اليه: ركن اليه.
(٢) لم تنعشه: أي لم ترفعه.
(٣) أي المعاون.
(٤) الاستعبار: البكاء وارسال الدمع.
(٥) أي يئس (منه).
(٦) جاشت النفس: ارتفعت من خوف او فزع (منه).
(٧) اللهاة بالفتح: اللحمة في أعماق الحلق.
(٨) الرنة: الانين.
(٩) الاستنجاد: الاستعانة (منه).
شق جيوبها نساؤه، ولطم خدودها اماؤه، واعول(١) لفقده جيرانه، وتوجع لرزئه(٢) اخوانه ثم اقبلوا على اجهازه وتشمروا(٣) لابرازه:
فظل احب القوم كان لقربه |
يحث على تجهيزه ويبادر |
|
وشمر من قد احضروه لغسله |
ووجه لما(٤) فاض(٥) للقبر حافر |
|
وكفّن في ثوبين فاجتمعت له |
مشيعة اخوانه والعشائر |
فلو رأيت الاصغر من اولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، فغشي من الجزع عليه، وقد خضبت الدموع خديه، ثم افاق وهو يندب اباه، ويقول بشجو(٦) واويلاه:
لأبصرت من قُبحِ المنية منظراً |
يهال(٧) لمرآه ويرتاع(٨) ناظر |
|
اكابر اولاد يهيج اكتئابهم |
اذا ما تناساه البنون الاصاغر |
|
ورنة نسوان عليه جوازع |
مدامعها فوق الخدود غزائر(٩) |
ثم اخرج من سعة قصره، الى ضيق قبره، فحثوا بايديهم التراب واكثروا التلدد والانتحاب(١٠) وقفوا ساعة عليه، وقد يئسوا من النظر اليه.
فولوا عليه معولين(١١) وكلهم |
لمثل الذي لاقى اخوه محاذر |
|
كشاء رتاع(١٣) آمنات بدا لها |
بمدية باد الذراعين حاسر(١٢) |
|
فراعت ولم ترتع قليلاً وأجفلت(١٤) |
فلما انتحى منها الذي هو حاذر |
____________________
(١) العويل: رفع الصوت بالبكاء (منه).
(٢) الرزء: المصيبة العظيمة.
(٣) أي تهيأوا لاخراجه واظهاره (منه).
(٤) أي ارسل (منه).
(٥) أي مات (منه).
(٦) أي بحزن.
(٧) من الهول (منه).
(٨) من الروع وهو الاخافة (منه).
(٩) جمع الغزيرة: أي الكثيرة.
(١٠) التلدد: الالتفات يميناً وشمالاً. والانتحاب: رفع الصوت بالبكاء (منه).
(١١) أي باكين باصوات عالية.
(١٢) والرتاع: جمع راتع كنائم ونيام (منه).
(١٣) بمدية باد للذراعين حاسر (خ د) والمدية بالضم: الشفرة أي السكين العظيم (منه).
(١٤) أي اسرعت وجدت في الهرب (منه).
عادت الى مرعاها، ونسيت ما في اختها دهاها، افبافعال البهائم اقتدينا، وعلى عادتها جرينا، عد الى ذكر المنقول الى الثرى، والمدفوع الى هول ما ترى.
هوى مصرعاً في لحده وتوزّعت(١) |
مواريثه ارحامه والاواصر(٢) |
|
وانخوا على امواله يخضمونها(٣) |
فما حامد منهم عليها وشاكر |
|
فيا عامر الدنيا ويا ساعياً لها |
ويا آمناً من أن تدور الدوائر |
كيف امنت هذه الحالة، وانت صائر اليها لا محالة، ام كيف تتهنأ بحياتك وهي مطيتك(٤) الى مماتك، ام كيف تسيغ طعامك وانت تنتظر حمامك(٥) .
ولم تتزود للرحيل وقد دنا |
وانت على حال وشيكاً مسافر(٦) |
|
فيا ويح نفسي كم اسوف توبتي |
وعمريَ فانٍ والرّدى لي ناظر(٧) |
|
وكل الذي اسلفت في الصحف مثبت |
يجازي عليه عادل الحكم قاهر |
فكم ترقع بدينك دنياك، وتركب في ذلك هواك، إني لأراك ضعيف اليقين يا راقع الدنيا بالدين، ابهذا امرك الرحمن، ام على هذا دلك القرآن.
تُخرِّبُ ما يبقى وتَعْمر فانياً |
فلا ذاك موفور ولا ذاك عامرُ |
|
وهل لك ان وافاك حتفك(٨) بغتة |
ولم تكتسب خيراً لدى اللّه عاذر |
|
اترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي |
ودينك منقوص ومالك وافر |
____________________
(١) توزِّعت: تقسِّمت
(٢) جمع آصره كصاحبه يعني أقرباؤه.
(٣) قال امير المؤمنينعليهالسلام يخضمون مال اللّه خضم الابل نبتة الربيع(منه).
(٤) المطية: الدابة التي تركب.
(٥) الحمام بالكسر: الموت.
(٦) أي سريعاً (منه).
(٧) الردى: الهلاك (منه).
(٨) أي موتك.
فبك إلهنا نستجير يا عليم يا خبير، من نؤمل لفكاك رقابنا غيرك ومن نرجو لغفران ذنوبنا سواك، وانت المتفضل المنَّان، القائم الدّيان العائد علينا بالإحسان، بعد الاساءة منا والعصيان. يا ذا العزة والسلطان والقوة والبرهان، اجرنا من عذابك الاليم، واجعلنا من سكان دار النعيم، يا ارحم الراحمين.
فصل في مدحه واستلامه الحجر الأسود عليه السلام
روى الشيخ الكشي وغيره عن ابن عائشة ان هشام بن عبد الملك حج في خلافة عبد الملك، وطاف بالبيت فأراد ان يستلم الحجر فلم يقدر عليه من الزحام فنصب له منبر فجلس، واطاف به اهل الشام، فبينا هو كذلك اذ أقبل عليّ بن الحسينعليهالسلام وعليه ازار ورداء من احسن الناس وجهاً واطيبهم رائحة، و بين عينيه سجادة كأنها ركبة عنز فجعل يطوف بالبيت فاذا بلغ الحجر تنحى الناس عنه حتى يستلمه هيبة له واجلالاً، فغاظ ذلك هشاماً، فقال رجل من اهل الشام لهشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة فافرجوا له عن الحجر، فقال هشام: لا اعرفه لئلا يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكني أعرفه، وقال الشامي: ومن هذا يا ابا فراس فقال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته |
والبيت يعرفه والحلُّ والحرمّ |
|
هذا ابن خير عباد اللّه كلهمُ |
هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلمُ |
|
هذا عليّ رسولُ اللّه والدُهُ |
امست بنورِ هداهُ تهتدي الاممُ |
|
اذا رأته قريش قال قائلُها |
الى مكارمِ هذا ينتهي الكرَمُ |
|
ينمى الى ذروة العز التي قَصرتْ |
عن نيلها عربُ الإِسلامِ والعجم |
يكاد(١) يمسكهُ عرفانُ راحتِهِ |
ركنَ الحطيمِ اذا ما جاء يستلِمُ |
|
ينشقُّ نورُ الهدى عن نورِ غرّتِهِ |
كالشمس تنجابُ في اشراقها الظلمُ |
|
بكفهِ خيزران ريحها عَبِق |
من كف اروَع من عرنينه شمَمُ |
|
مشتقة من رسول اللّه نبعته |
طابت عناصره والخيم والشيمُ |
|
هذا ابنُ فاطمة قدْماً وشرّفَهُ |
جرى بذاكَ له في لوحهِ القلَمُ |
|
وليسَ قولُك من هذا بضائِرِهِ |
العربُ تعرفُ من انكرت والعَجَمُ |
|
لا يخلف الوعدَ ميمون نقيبته |
رحب الفناء اريب حين يعتزمُ(١) |
|
عم الرية بالاإِحسان فانقعشت |
عنها الغيابة والاملاق والعدم |
|
من معشرٍ حبهمّ دين وبغضهم |
كفر وقربهم منجى ومعتصم |
|
ان عد اهل التقى كانوا ائمتهم |
او قيل من خير اهل الأرض قيل همُ |
|
يستدفع السوء والبلوى بحبهم |
ويسترب به الاحسان والنعمُ |
|
مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهم |
في كل بدء ومختوم به الكلم |
|
لا يستطيع جواد بعد غايتهم |
ولا يدانيهم قوم وان كرموا |
|
لا يقبض العسر بسطاً من اكفهم |
سيان ذلك ان اثروا وان عدموا |
|
أي الخلائق ليست في رقابهم |
لأولية هذا أو له نعم |
|
من يعرف اللّه يعرف اولوية ذا |
فالدين من بيت هذا ناله الامم |
|
ما قال لا قطُّ الا في تشهده |
لولا التشهد كانت لاؤه نعم |
ولم اذكر تمامها رعاية للاختصار، فغضب هشام وأمر بحبس الفرزدق فحبس بعسفان(٢) بين مكة والمدينة، وبلغ ذلك علي بن الحسينعليهالسلام فبعث اليه باثني عشر الف درهم (الخبر).
____________________
(١) الخرائج روى ان الحجاج بن يوسف لما خرب الكعبة بسبب مقاتلة عبد اللّه بن الزبير ثم عمروها فلما اعيد البيت وارادوا ان ينصبوا الحجر الأسود فكلما نصبه عالم من علمائهم او قاض من قضاتهم او زاهد من زهادهم ينزلزل ويضطرب ولا يستقر الحجر في مكانه فجاءه علي بن الحسينعليهالسلام واخذه من ايديهم وسمى اللّه ونصبه فاستقر في مكانه وكبر الناس ولقد أسلم الفرزدق في قوله يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم اذا ما جاء يستلم، (منه).
(٢) أي يقصد كعثمان إسم لبلدة أكل ما يستر.
قال الاستاذ الاكبر المحقق البهبهانيرحمهالله قال جدي وذكر عبد الرحمان الجامي في سلسلة الذهب هذه القصيدة منظومة بالفارسية، وذكر ان كوفية رأت في النوم الفرزدق وقالت له: ما فعل اللّه بك، قال: غفر اللّه لي بقصيدة علي بن الحسينعليهالسلام ، قال الجامي وبالحري ان يغفر اللّه للعالمين بهذه القصيدة، مع اشتهاره بالنصب والعداوة.
فصل في حلم علي بن الحسين وعفوه عليه السلام
روى شيخنا المفيد في الارشاد أنه وقف على عليّ بن الحسينعليهالسلام رجل من اهل بيته، فاسمعه وشتمه فلم يكلمه فلما انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وانا احب ان تبلغوا معي اليه حتى تسمعوا مني ردي عليه، قال: فقالوا له نفعل، ولقد كنا نحب ان تقول له ويقول، قال فاخذ نعليه ومشى وهو يقول، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، واللّه يحب المحسنين، فعلمنا انه لا يقول له شيئاً، قال فخرج الينا متوثباً للشر وهو لا يشك انه انما جاءه مكافياً له على بعض ما كان منه، فقال له عليّ بن الحسينعليهالسلام يا اخي انك كنت قد وقفت عليّ آنفاً وقلت وقلت، فان كنت قد قلت ما فيّ فأنا استغفر اللّه منه، وان كنت قلت ما ليس فيّ فغفر اللّه لك، قال: فقبل الرجل بين عينيه وقال بلى بل قلت فيك ما ليسك فيك، وانا احق به، قال الراوي للحديث: والرجل هو الحسن بن الحسن (رضي اللّه عنه)، قلت ويقرب منه ما روى عن مشكاة الانوار لسبط الشيخ الطبرسي عن حماد اللحام، قال: اتى رجل ابا عبد اللّهعليهالسلام فقال ان فلاناً ابن عمك ذكرك، فما ترك شيئاً من الوقيعة والشتيمة الا قاله فيك، فقال ابو عبد اللّهعليهالسلام للجارية ايتيني بوضوء فتوضأ ودخل فقلت في نفسي: يدعو عليه، فصلى ركعتين، فقال يا رب هو حقي قد وهبته له وانت اجود مني وأكرم فهبه لي ولا تؤاخذه ولا تقايسه، ثم رق فلم يزل يدعو فجعلت اتعجب.
وقال الشيخ المفيدرحمهالله وقد روى عنه فقهاء العامة من العلوم ما لا يحصى كثرة، وحفظ عنه من المواعظ والادعية وفضائل القرآن والحلال والحرام والمغازي والايام ما هو مشهور بين العلماء، ولو قصدنا الى شرح ذلك لطال به الخطاب وتقضى به الزمان، وقد روت الشيعة له آيات ومعجزات وبراهين واضحات لم يتسع لذكرها هذا المكان. انتهى.
فصل في وفاة الإِمام زين العابدين عليه السلام
توفيعليهالسلام بالمدينة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت او مضت من المحرّم سنة (٩٥ هجري) خمس وتسعين من الهجرة، وله يومئذ سبع وخمسون سنة، سمّه هشام بن عبد الملك وكان في ملك الوليد بن عبد الملك.
وقال الشيخان انه توفي (سلام اللّه عليه) في اليوم الخامس والعشرين من المحرّم سنة ٩٤ هجري اربع وتسعين من الهجرة.
اقول سُمّيت سنة وفاته سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من العلماء والفقهاء.
قال السبط في التذكرة: وكانعليهالسلام سيد الفقهاء مات في اولها وتتابع الناس بعده سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وسعيد بن جبير وعامة فقهاء المدينة، وقبره بالبقيع في القبة التي فيها العباس وعمه الحسن بن عليّعليهالسلام .
روى الكليني عن ابي جعفرعليهالسلام قال: لما حضر عليّ بن الحسينعليهالسلام الوفاة ضمّني الى صدره وقال يا بنيّ: اوصيك بما اوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، وبما ذكر ان اباه اوصاه به، قال: يا بنيّ اياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً الا اللّه.
وعن ابي الحسنعليهالسلام قال: ان عليّ بن الحسين لما حضرته الوفاة اغمي عليه ثم فتح عينيه وقرأ، (اذا وقعت الواقعة وانا فتحنا لك)، وقال: الحمد للّه الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوّأ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين، ثم قبض من ساعته ولم يقل شيئاً.
وروى انه لما مات عليّ بن الحسينعليهالسلام كانت له ناقة وقد حج عليها اثنتين وعشرين حجة ما قرعها بمقرعة قط فجاءت، فأتت عليّ بن الحسينعليهالسلام وضربت بجرانها على القبر وتمرغت عليه ورغت(١) وهملت عيناها، فأتى محمد بن عليعليهالسلام فقيل: ان الناقة قد خرجت الى القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت فأتاها، فقال مه الآن قومي، بارك اللّه فيك، فثارت ودخلت موضعها، فلم تلبث ان خرجت حتى اتت القبر فضربت بجرانها ورغت وهملت عيناها، فأتى محمد بن عليعليهالسلام فقيل له ان الناقة قد خرجت، فأتاها فقال مه الآن قومي فلم تفعل، قال دعوها فانها مودعة فلم تلبث الا ثلاثة حتى نفقت (اي ماتت).
وقال الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي في الدر النظيم: كان سبب وفاة علي بن الحسينعليهالسلام ، ان الوليد بن عبد الملك سمَّه ولما دفن ضربت امرأته على قبره فسطاطاً.
تتميم: روي انهعليهالسلام كان يقول في دعائه اللهم من انا حتى تغضب علي، فوعزتك ما يزين ملكك احساني ولا يقبحه اسائتي، ولا ينقص من خزائنك غنائي ولا يزيد فيها فقري.
ومن دعائهعليهالسلام كما في الصحيفة الكاملة التي هي من منشآته (صلوات اللّه عليه)، فاسألك اللهم بالمخزون من اسمائك وبما وارته الحجب من بهائك، الا رحمت هذه النفس الجزوعة وهذه الرِّمة الهلوعة التي
____________________
(١) أي صاحت.
لا تستطيع حرَّ سمشك فكيف تستطيع حرَّ نارك، والتي لا تستطيع صوت وعدك فكيف تستطيع غضبك، فارحمني اللهم فاني امرؤ حقير وخطري يسير وليس عذابي مما يزيد في ملكك مثال ذرة، الى آخر الدعاء.
فانظر ايدك اللّه في اخباره، والمح بعين الاعتبار عجائب آثاره، وفكر في زهده وتعبده وخشوعه وتهجده وادعيته وصلاته وصدقاته وملازمة عباداته وتوسلاته وادعيته ومناجاته التي تدل مع فصاحته وبلاغته على خشوعه لربه وضراعته، ووقوفه موقف العصاة مع شدة طاعته، واعترافه بالذنوب مع براءة ساحته، وبكائه ونحيبه وخفوق قلبه من خشية اللّه ووجيبه وانتصابه، وقد ارخى الليل سدوله(١) وجر على الأرض ذيوله، مناجياً ربِّه، ملازماً بابه، ممثلاً نفسه بين يديه، معرضاً عن كل شيء مقبلاً عليه، قد انسلخ من الدنيا الدنيَّة، وتعرَّى من الجثة البشرية، فجسمه ساجد في الثرى، وروحه متعلقة بالملأ الأعلى، يتململ اذا مر بآية من آيات الوعيد حتى كأنه المقصود بها مع انه عنها بعيد. تجد اموراً عجيبة واحوالاً غريبة ونفساً من اللّه سبحانه قريبة، فلنقطع الكلام في هذا المقام ان ينتهي الى آخره، فان العبارة تعجز عن وصف فضله وعدّ مفاخره، (صلوات اللّه عليه) وعلى آبائه وابنائه.
____________________
(١) جمع السدل بضم السين وهو الستر.
النور السابع.. الإِمام الخامس ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر علم النبيين صلوات اللّه عليهم اجمعين
ولد بالمدينة يوم الاثنين الثالث من صفر سنة ٥٧ سبع وخمسين من الهجرة، وقيل غرة رجب.
امهعليهالسلام ام عبد اللّه فاطمة بنت الحسن بن علي بن ابي طالبعليهمالسلام ، وهو هاشمي من هاشميين وعلويّ من علويين.
روي عن ابي جعفرعليهالسلام قال كانت أمي قاعدة عند جدار، فتصدع الجدار، وسمعنا هدّة شديدة فقالت بيدها لا وحق المصطفى (صلوات اللّه عليه وآله) ما اذن اللّه لك في السقوط فبقي معلقاً حتى جازته، فتصدق عنها ابي بمئة دينار.
وذكرها الصادقعليهالسلام يوماً فقال: كانت صديقة لم يدرك في آل الحسن مثلها.
سمي ابو جعفرعليهالسلام باقراً لأنه بقر العلم بقراً أي شقه شقاً واظهره اظهاراً.
وقال السبط بن الجوزي سمِّي الباقر من كثرة سجوده(١) بقر السجود جبهته، أي فتحها ووسعها، وقيل لغزارة علمه.
قال الجوهري في الصحاح: التبقر التوسع في العلم.
وكان يتختمعليهالسلام بخاتم جده الحسينعليهالسلام ونقشه: ان اللّه بالغ امره.
ورُوي في وصف علمهعليهالسلام عن عبد اللّه بن عطا المكي قال: ما رأيت العلماء عند احد قط اصغر منهم عند ابي جعفر محمد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام ، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه كأنّه صبيّ بين يدي معلمه، وكان جابر بن يزيد الجعفي اذا روى عن محمد بن عليّعليهالسلام شيئاً يقول: حدثني وصيُّ الاوصياء ووارث علوم الانبياء محمد بن عليّ بن الحسين (صلوات اللّه عليهم).
وعن محمد بن مسلم قال ما شجر في دائي(٢) شيء قط الا سألت عنه ابا جعفرعليهالسلام حتى سألته عن ثلاثين الف حديث وسألت ابا عبد اللّهعليهالسلام عن ستة عشر الف حديث.
وروي في حديث عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: اذا مضى الحسينعليهالسلام قام بالأمر بعده عليّ ابنهعليهالسلام وهو الحجة والإِمام ويخرج اللّه من صلب عليّ ولداً سميي واشبه الناس بي، علمه علمي وحكمه حكمي، وهو الإِمام والحجة بعد ابيه.
وروي عن الباقرعليهالسلام قال: لو وجدت لعلمي لنشرت التوحيد والإِسلام والدين والشرائع من الصمد، وكيف لي ولم يجد جدّي امير المؤمنينعليهالسلام حَمَلَةً لعلمه.
____________________
(١)اذ. ظ.
(٢) أي ما خلج في خاطري وبالي.
وبالجملة اظهرعليهالسلام من مخبآت(١) كنوز المعارف وحقائق الاحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى الا على منطمس البصيرة، وفاسد الطوية والسريرة ومن ثم قيل هو باقر العلوم وشاهرها.
وكانت الشيعة قبل ان يكون ابو جعفرعليهالسلام وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان ابو جعفرعليهالسلام ففتح لهم وبيّن لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى صار الناس يحتاجون اليهم من بعد ما كانوا يحتاجون الى الناس.
قال الشيخ المفيد ولم يظهر عن احد من ولد الحسن والحسينعليهماالسلام من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الادب ما ظهر عن ابي جعفرعليهالسلام وروى عنه معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين وصار بالفضل علماً لأهله تضرب به الامثال، وتصير بوصفه الآثار والأشعار، وفيه يقول القرطبي:
يا باقر العلم لأهل التّقى |
وخير من لبّى على الاجبُلِ(٢) |
وروى عن ميمون القداح عن جعفر بن محمد عن ابيهعليهماالسلام قال: دخلت على جابر بن عبد اللّه الانصاريرحمهالله فسلمت عليه فرد عليَّ السلام ثم قال لي: من انت وذلك بعد ما كفّ بصره، فقلت محمد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام فقال يا بنيّ ادن مني فدنوت منه فقبل يدي ثم اهوى الى رجلي يقبلهما، فتنحيت عنه، ثم قال لي ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقرئك السلام، فقلت وعلى رسول اللّه السلام ورحمة اللّه
____________________
(١) أي المختفيات.
(٢) وقال ابن حجر مع نصبه وشدة عداوته في الصواعق في حقهعليهالسلام هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه صفا قلبه وذكا علمه وعمله وطهرت نفسه وشرف خلقه وعمرت اوقاته بطاعة اللّه وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة. انتهى كلام ابن حجر (منه).
وبركاته، وكيف ذلك يا جابر، فقال كنت معه ذات يوم فقال لي يا جابر لعلك تبقى حتى تلقى رجلاً من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسينعليهالسلام يهب اللّه له النور والحكمة فأقرئه مني السلام.
وروى الشيخ الكليني في كتاب الاطعمة من الكافي عن أبي حمزة الثمالي قال: كنت جالساً في مسجد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم اذ اقبل رجل فسلم فقال: من انت يا عبد اللّه، قلت: رجل من اهل الكوفة فقلت ما حاجتك فقال لي: اتعرف ابا جعفر محمد بن عليعليهالسلام فقلت نعم، فما حاجتك اليه قال هيأت له اربعين مسألة اسأله عنها، فما كان من حق اخذته وما كان من باطل تركته، قال ابو حمزة، فقلت له: هل تعرف ما بين الحق والباطل، قال نعم فقلت له فما حاجتك اليه، اذا كنت تعرف ما بين الحق والباطل فقال لي: يا اهل الكوفة انتم قوم ما تطاقون اذا رأيت ابا جعفر فاخبرني فما انقطع كلامي معه حتى اقبل ابو جعفرعليهالسلام وحوله اهل خراسان وغيرهم يسألونه عن مناسك الحج، فمضى حتى جلس مجلسه وجلس الرجل قريباً منه، قال ابو حمزة فجلست حيث اسمع الكلام وحوله عالم من الناس، فلما قضى حوائجهم وانصرفوا التفت الى الرجل، فقال له من انت قال: انا قتادة بن دعامة(١) البصري فقال له ابو جعفرعليهالسلام انت فقيه اهل البصرة، قال نعم، فقال أبو جعفرعليهالسلام ويحك يا قتادة ان اللّه جل وعز خلق خلقاً من خلقه، فجعلهم حججاً على خلقه، فهم اوتاد في ارضه، قوام بأمره، نجباء في علمه، اصطفاهم قبل خلقه اظلة عن يمين عرضه، قال فسكت قتادة طويلاً، ثم قال: اصلحك اللّه واللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء وقدام ابن عباس، فما اضطراب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك، قال له ابو جعفرعليهالسلام ويحك تدري اين انت، انت بين يدي بيوت أذِنَ اللّه ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبّح له فيها بالغدو والآصال، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر
____________________
(١) بكسر الدال (منه).
اللّه، واقام الصلاة وايتاء الزكاة، فانت ثم(١) ونحن اولئك، فقال له قتادة صدقت واللّه جعلني اللّه فداك واللّه ما هي بيوت حجارة ولا طين، قال قتادة فاخبرني عن الجبن فتبسم ابو جعفرعليهالسلام ، ثم قال رجعت مسائلك الى هذا قال ضلت عليّ فقال لا بأس به. الحديث.
فصل في احوال الإِمام ابي جعفر الباقر عليه السلام
روي عن الزهري(٢) قال دخلت على عليّ بن الحسينعليهالسلام في مرضه الذي توفي فيه فدخل عليه محمد ابنهعليهالسلام فحدثه طويلاً بالسر فسمعته يقول فيما يقول، عليك بحسن الخلق.
وعن ابي بكر الحضرمي، قال: لما حمل ابو جعفرعليهالسلام الى الشام الى هشام بن عبد الملك وصار ببابه قال هشام لاصحابه اذا سكتُّ من توبيخ محمد بن علي فلتوبخوه، ثم امر ان يؤذن له فلما دخل عليه ابو جعفرعليهالسلام قال بيده: السلام عليكم فعمهم بالسلام جميعاً ثم جلس فازداد هشام عليه حنقاً بتركه السلام عليه بالخلافة، وجلوسه بغير اذن، فقال يا محمد بن علي لا يزال الرجل منكم قد شق عصا المسلمين ودعا الى نفسه وزعم انه الإمام سفهاً وقلة علم وجعل يوبخه فلما سكت أقبل القوم عليه رجل بعد رجل يوبخه، فلما سكت القوم نهضعليهالسلام قائماً، ثم قال: ايها الناس اين تذهبون واين يراد بكم، بنا هدى اللّه اوَّلكم، وبنا يختم آخركم، فان يكن لكم ملك معجل فان لنا ملكاً مؤجّلاً وليس بعد ملكنا ملك لأنّا اهل العاقبة، يقول اللّه عز وجل والعاقبة للمتقين، فامر به
____________________
(١) بفتح الثاء.
(٢) الزهري: بضم الزاء وسكون الهاء. ابو بكر محمد بن مسلم ينتهي نسبه الى زهرة بن كلاب. كان من فقهاء المدينة من طبقة التابعين وقد ذكره الجمهور واثنوا عليه راجع ترجمته من الكنى والالقاب.
الى الحبس فلما صار في الحبس تكلم فلم يبق في الحبس رجل الا ترشفه(١) وحنّ عليه فجاء صاحب الحبس الى هشام واخبره بخبره فأمر به، فحمل على البريد هو واصحابه ليردوا الى المدينة، وامر ان لا تخرج لهم الاسواق وحال بينهم وبين الطعام والشراب، فساروا ثلاثاً لا يجدون طعاماً ولا شراباً حتى انتهوا الى مَدْين(٢) : فاغلق باب المدينة دونهم، فشكا اصحابه العطش والجوع قال: فصعد جبلاً اشرف عليهم فقال باعلى صوته: يا اهل المدينة الظالم اهلها، انا بقية اللّه، يقول اللّه بقية اللّه خير لكم ان كنتم مؤمنين وما انا عليكم بحفيظ، قال وكان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال يا قوم هذه واللّه دعوة شعيبعليهالسلام واللّه لئن لم تخرجوا الى هذا الرجل بالاسواق لتؤخذون من فوقكم ومن تحت ارجلكم فصدقوني هذه المرة واطيعوني وكذبوني فيما تستأنفون فاني ناصح لكم، قال فبادروا واخرجوا الى ابي جعفر واصحابه الأسواق(٣) .
اقول، قال العلامة المجلسيرحمهالله في شرح الخبر: فلم يبق في الحبس رجل الا ترشّفه ( الترشف المص والتقبيل مع اجتماع الماء في الفم وهو كناية عن مبالغتهم في اخذ العلم عنهعليهالسلام او عن غاية الحبّ ولعله تصحيف ترسفه بالسين المهملة يعني مشى اليه مشي المقيد يتحامل رجله مع القيد) انتهى.
وروى عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال ان محمد بن(٤) المنكدر كان
____________________
(١) سيأتي تفسيره.
(٢) مدين: بالفتح ثم السكون وفتح الياء. مدينة قوم شعيب وهي تجاه تبوك على بحر القلزم بينهما ست مراحل.
(٣) وفي الكافي فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ فبعث اليه فحمله فلم يدر ما صنع به (منه).
(٤) الظاهر ان محمد بن المنكدر كان من متصوفة العامة كطاوس وشقيق وابن ادهم وامثالهم حكى صاحب المستطرف عن محمد بن المنكدر انه جزأ عليه وعلى امه وعلى اخته الليل اثلاثاً فماتت اخته فجزأ عليه وعلى امه فماتت امه فقام الليل كله اقول لو صح هذا من ابن المنكدر فقد اخذ هذا من =
يقول ما كنت ارى ان مثل عليّ بن الحسينعليهالسلام يدع خلفاً لفضل عليّ بن الحسينعليهماالسلام حتى رأيت ابنه محمد بن عليّعليهالسلام فأردت ان اعظه فوعظني فقال له اصحابه باي شيء وعظك قال: خرجت الى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيت محمد بن عليّعليهالسلام وكان رجلاً بديناً وهو متكئ على غلامين له اسودين او موليين له، فقلت في نفسي شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، واللّه لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه فسلم عليّ بنهر وقد تصبَّب عرقاً فقلت: اصلحك اللّه، شيخ من اشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت وانت على هذه الحال، قال فخلى عن الغلامين من يده ثم تساند وقال: لو جاءني واللّه الموت وانا في هذه الحال جاءني وانا في طاعة من طاعات اللّه، اكف بها نفسي عنك وعن الناس، وانما كنت اخاف الموت لو جاءني وانا على معصية من معاصي اللّه، فقلت: يرحمك اللّه اردت ان اعظك فوعظتني.
وروي انهعليهالسلام خرج حاجاً فلما دخل المسجد ونظر الى البيت بكى حتى علا صوته ثم طاف بالبيت وصلّى عند المقام فرفع رأسه من سجوده، فاذا موضع سجوده مبتل من كثرة دموع عينيه، وكانعليهالسلام اذا ضحك قال اللهم لا تمقتني، وكان يقول في جوف الليل في تضرعه: أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم انزجر فها انا ذا عبدك بين يديك ولا اعتذر.
وروي عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: كان ابيعليهالسلام اذا احزنه امر جمع النساء والصبيان ثم دعا، وأمنوا.
وقال ابو عبد اللّهعليهالسلام كان أبي كثير الذكر لقد كنت امشي معه وانه ليذكر اللّه ولقد كان يحدث القوم وما يشغله ذلك عن ذكر
____________________
= آل داود فقد روي ان داودعليهالسلام جزّأ ساعات الليل والنهار على اهله فلم يكن ساعة الا وانسان من اولاده في الصلاة فقال تعالى اعملوا آل داود شكراً (منه).
اللّه، وكنت ارى لسانه لازقاً(١) بحنكه يقول لا اله الا اللّه وكان يجمعنا فيأمرنا بالذكر حتى تطلع الشمس، ويأمر بالقراءة من كان يقرأ منّا ومن كان لا يقرأ منّا امره بالذكر.
فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام
كان ابو جعفر الباقرعليهالسلام مع ما وصف من الفضل في العلم والسؤدد(٢) والرياسة والإِمامة ظاهر الجود في الخاصة والعامة، مشهور الكرم في الكافة، معروفاً بالتفضل والاحسان مع كثرة عياله وتوسط حاله.
قال ابو عبد اللّهعليهالسلام : كان أبي أقل اهل بيته مالاً واعظمهم مؤونة وكان يتصدق كل جمعة بدينار وكان يقول الصدقة يوم الجمعة تضاعف، لفضل يوم الجمعة على غيره من الايام.
وروي عن الحسن بن كثير قال: شكوت الى ابي جعفر محمد بن عليّعليهالسلام الحاجة وجفاء الاخوان، فقال بئس الاخ اخاً يرعاك غنياً ويقطعك فقيراً ثم أمر غلامه فاخرج كيساً فيه سبعمئة درهم وقال استنفق هذه فاذا نفدت فاعلمني.
روي انهعليهالسلام كان يجير(٣) الخمسمئة درهم الى الستمئة الى الالف درهم وكان لا يملّ من صلة الاخوان وقاصديه ومؤمليه وراجيه.
وروي عنه عن آبائهعليهمالسلام ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقول: اشد الاعمال ثلاثة، مواساة الاخوان في المال وانصاف الناس من نفسك وذكر اللّه على كل حال.
____________________
(١) أي لاصقاً.
(٢) أي السيادة والرفعة.
(٣) اجار فلاناً: اغاثه.
ورُوي عنهعليهالسلام قوله ما شيب(١) شيء بشيء احسن من حلم بعلم.
وعن الجاحظ في كتاب البيان والتبيين، قال: قد جمع محمد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام ، صلاح حال الدنيا بحذافيرها(٢) في كلمتين، فقال صلاح جميع المعايش والتعاشر، ملء مكيال، ثلثان فطنة، وثلث تغافل.
وقال له نصراني: انت بقر، قال لا، انا باقر، قال انت ابن الطباخة قال: ذاك حرفتها، قال انت ابن السوداء الزنجية البذية(٣) ، قال ان كنت صدقت غفر اللّه لها، وان كنت كذبت غفر اللّه لك قال فأسلم النصراني.
اقول ولقد اقتدى به سلام اللّه عليه في هذا الخلق الشريف افضل الحكماء والمتكلمين سلطان العلماء والمحققين الوزير الاعظم الخواجة نصير الملة والدين (قدس اللّه روحه) فقد ذكرنا في ترجمته في الفوائد الرضوية، ان ورقة حضرت اليه من شخص من جملة ما فيها، يا كلب ابن كلب فكان الجواب اما قوله يا كذا فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع وهو نابح(٤) طويل الأظفار، واما انا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الاظفار ناطق ضاحك فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص، واطال في نقض كل ما قال، وهكذا رد عليه بحسن طوية(٥) وتأنٍ غير منزعج(٦) ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة، قلت ليس هذا ببدع ممن قال في حقه العلامة في اجازته الكبيرة، وكان هذا الشيخ افضل عصره في العلوم العقلية والنقلية، وله مصنفات كثيرة في العلوم الحكمية، والاحكام الشرعية على
____________________
(١) من الشوب وهو المزج.
(٢) حذافير: جمع حذفار (بكسر الحاء) وهو الجانب. يقال بحذافيرها أي بجوانبها وبأسرها.
(٣) البذاء: الفحش والسفاهة.
(٤) النبح: صوت الكلب.
(٥) الطوية: النية والضمير.
(٦) انزعج: قلق.
مذهب الإِمامية، وكان اشرف من شاهدناه في الاخلاق، نور اللّه مضجعه، قرأت عليه إلهيات الشفا لأبي علي بن سينا وبعض التذكرة في الهيئة، تصنيفه، ثم ادركه الموت المحتوم (قدس اللّه روحه). انتهى.
فصل في كلماته وحِكَمِه عليه السلام
ومن كلمات مولانا الباقرعليهالسلام في الحكم.
قال: الكمال كل الكمال التفقه في الدين والصبر على النائبة(١) وتقدير المعيشة.
وقالعليهالسلام : من لم يجعل اللّه له في نفسه واعظاً فان مواعظ الناس لن تغني عنه شيئاً.
وقالعليهالسلام كم رجل قد لقي رجلاً فقال له: كبتَ اللّه عدوك وما له عدو الا اللّه.
وقالعليهالسلام : ما عرف اللّه من عصاه وانشد:
تعصي الإِله وانت تُظهر حبَّهُ |
هذا لعمرك في الفعالِ بديعُ |
|
لو كان حبُّك صادقاً لأَطعتَهُ |
ان المحبّ لمِن أحبَّ مُطيعُ |
وقال في وصيته لجابر الجعفي: يا جابر اغتنم من اهل زمانك خمساً: ان حضرت لم تعرف(٢) وان غبت لم تفتقد، وان شهدت لم تشاور، وان قلت لم يقبل قولك، وان خطبت لم تتزوج.
____________________
(١) النائبة: المصيبة الواردة.
(٢) لم تعرف: بصيغة المبني للمفعول وكذا ما بعده.
وقال: مثل الحاجة الى من اصاب ماله حديثاً كمثل الدرهم في فم الافعى انت اليه محوج(١) وانت منها على خطر.
وقالعليهالسلام الحياء والايمان مقرونان في قرن فاذا ذهب احدهما تبعه صاحبه.
وقال لبعض شيعته وقد اراد سفراً، فقال لهعليهالسلام : أوصني، فقال: لا تسيرن سيراً وانت حاف، ولا تنزلن عن دابتك ليلاً الا ورجلاك في خف، ولا تبولن في نفق ولا تذوقن بقلة(٢) ولا تشمها حتى تعلم ما هي، ولا تشربن من سقاء(٣) حتى تعرف ما فيه ولا تسيرن الا مع من تعرف، واحذر من لا تعرف.
وقال من اعطي الخلق والرفق فقد اعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته ومن حرم الخلق والرفق كان ذلك سبيلاً الى كل شر وبلية الا من عصمه اللّه.
اقول قد وردت روايات كثيرة في مدح الرفق وكفى في ذلك ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال لجابر (رضي اللّه عنه): ان هذا الدين لمتين، فاوغل فيه برفق ولا تبغض الى نفسك عبادة اللّه فان المنبتَّ لا ارضاً قطع ولا ظهراً أبقى.
بيان: يقال للرجل اذا انقطع في سفره وعطب راحلته قد انبَتَّ من البت (اي القطع)، يريد انه بقي في طريقه عاجزاً عن مقصده لم يقض وطره وقد اعطب ظهره، والظهر الابل التي يحمل عليها وتركب.
قال المحقق الطوسي في آداب المتعلم: ويغتنم ايام الحداثة وعنفوان الشباب ولا يجهد نفسه جهداً يضعف النفس وينقطع عن العمل بل يستعمل الرفق في ذلك والرفق اصل عظيم في جميع الأشياء.
____________________
(١) اسم مفعول من الحاجة.
(٢) المراد بها كلما نبت من الأرض لأن فيها مظنة التسمم.
(٣) السقاء: وعاء من جلد للماء واللبن.
فصل في وفاة الإِمام محمد بن علي الباقر عليه السلام
توفي ابو جعفر محمد بن علي بن الحسينعليهمالسلام بالمدينة يوم الاثنين سابع ذي الحجة سنة ١١٤ هجري اربع عشرة ومئة وله سبع وخمسون سنة.
قيل سمَّه ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك فتكون وفاته في ايام هشام بن عبد الملك، وقبره بالبقيع في القبر الذي فيه ابوه وعم ابيه الحسنعليهمالسلام في القبة التي فيها العباس، وأوصى الى ابنه جعفرعليهالسلام وامره ان يكفنه في برده الذي كان يصلّي فيه يوم الجمعة وان يعمّمه بعمامته وان يربع قبره ويرفعه اربع اصابع وان يحل عنه اطماره عند دفنه.
ورُوي عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال كتب ابي في وصيته، ان اكفنه في ثلاثة اثواب احدها رداء له حبرة، كان يصلي فيه يوم الجمعة وثوب آخر وقميص، فقلت لأبي: لِمَ تكتب هذا؟ فقال: اخاف ان يغلبك الناس وان قالوا كفّنه في اربعة او خمسة فلا تفعل، وعمّمني بعمامة، وليس تعد العمامة من الكفن انما يعد ما يلف به الجسد.
وعنهعليهالسلام ايضاً قال لي ابي: يا جعفر اوقف لي من مالي كذا وكذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى، ايام منى.
ورُوي انّه اوصى بثمانمئة درهم لمأتمه، وكان يرى ذلك من السنة، لأن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال اتخذوا لآل جعفر طعاماً فقد شغلوا.
وعن ابي عبد اللّهعليهالسلام ان رجلاً كان على اميال من المدينة فرأى في منامه، فقيل له انطلق فصلّ على ابي جعفرعليهالسلام فان الملائكة تغسله في البقيع فجاء الرجل، فوجد ابا جعفر قد توفّي (صلوات اللّه وسلامه عليه).
النور الثامن.. الإِمام السادس مولانا ابو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق الامين ينبوع العلم ومعدن الحكمة واليقين صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وابنائه الطاهرين
ولدعليهالسلام بالمدينة يوم الاثنين سابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ٨٣ هجري ثلاث وثمانين من الهجرة، وهو اليوم الذي ولد فيه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو يوم شريف عظيم البركة ولم يزل الصالحون من آل محمدعليهمالسلام من قديم الايام يعظمون حقّه، ويرعون حرمته وفي صومه فضل كبير وثواب جزيل ويستحب فيه الصدقة وزيارة المشاهد المشرّفة والتطوع بالخيرات وادخال المسرّة على اهل الايمان.
امّهعليهالسلام النجيبة الجليلة المكرمة فاطمة المعروفة بأم فروة بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر، وامّها اسماء بنت عبد الرحمان بن ابي بكر. قال ابو عبد اللّهعليهالسلام : كانت امّي ممّن آمنت واتقت واحسنت، واللّه يحب المحسنين.
وعن عبد الأعلى، قال: رأيت ام فروة تطوف بالكعبة، عليها كساء، متنكرة، فاستلمت الحجر بيدها اليسرى فقال لها رجل يا امَةَ اللّه اخطأت السّنة فقالت إنّا لأغنياء من علمك(١) .
____________________
(١) الذي يظهر لي من الروايات ان سعيدة المعروفة بالفضل وبالعبادة كانت مولاة أم فروة وهي التي قالل لها الصادقعليهالسلام اسأل اللّه الذي عرفنيك في الدنيا ان يزوجنيك في الجنة (منه).
اقول الظاهر ان الرجل كان من فقهاء العامة وكان المعروف(١) بابن خَرَّبوذ يعبِّر عن الصادقعليهالسلام بابن المكرمة.
قال المسعودي في اثبات الوصية: وكان ابوها القاسم من ثقات اصحاب عليّ بن الحسينعليهالسلام ، وكانت من اتقى نساء زمانها، وروت عن علي بن الحسينعليهالسلام احاديث:
منها قوله لها: يا امّ فروة اني لادعو لمذنبي شيعتنا في اليوم والليلة مئة مرة يعني الاستغفار، لأنا نصبر على ما نعلم وهم يصبرون على ما لايعلمون انتهى.
ولأم فروة اخت تعرف بأم حكيم كانت زوجة اسحاق العريضي بن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب، ولدت له القاسم وهو رجل جليل كان اميراً على اليمن، وهو ابو داود بن القاسم المعروف(٢) بابي هاشم الجعفري البغدادي، العالم الورع، الثقة الجليل، الذي ادرك الرضا وبقية الأئمةعليهمالسلام ، وكان من وكلاء الناحية المقدّسة، ولم يكن في آل ابي طالب مثله في علو النسب فانه ينتهي الى عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالب بأبوين، القاسم بن اسحاق، توفي في جمادى الاولى سنة ٢٦١ مئتين واحدى وستين وكان قبره مشهوراً يزار على ما صرح به المسعودي. ولابن عياش كتاب في اخبار ابي هاشم الجعفري، يروي عنه الطبرسي في اعلام الورى.
____________________
(١) معروف بن خرّبوذ (بتشديد الراء) من اصحاب الباقرينعليهماالسلام وكان حليف السجدة الطويلة وهو ممن اجتمعت العصابة على تصديقهم وممن انقادوا له بالفقه. راجع ترجمته من الرجال الكبير، ولا يخفى انه غير المعروف بابن فيروز الكرخي العارف المشهور المتوفى سنة (٢٠٠) ببغداد.
(٢) المعروف: صفة داود (منه).
فصل في احوال الإِمام جعفر الصادق عليه السلام
قال السيد الشبلنجي الشافعي في نور الابصار في احوال ابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام ما هذا لفظه: ومناقبه كثيرة تكاد تفوت عند الحاسب ويحار(١) في انواعها فهم اليقظ الكاتب، وروى عنه جماعة من اعيان الأئمة واعلامهم، كيحيى بن سعيد، وابن جريح، ومالك بن انس، والثوري، وابن عيينة، وابي أيوب السجستاني، وغيرهم، قال ابو حاتم: جعفر الصادقعليهالسلام ثقة لا يسأل عن مثله. قال ابن قتيبة في كتاب ادب الكاتب وكتاب الجفر: كتبه الإِمام جعفر الصادق بن محمد الباقر، فيه كل ما يحتاجون الى علمه الى يوم القيامة والى هذا الجفر اشار ابو العلاء المعري بقوله:
لقد عجبوا لآل البيت لما |
اتاهم علمهم في جلد جَفْرِ |
|
ومرآةُ المنجمِ وهي صغرى |
تريهِ كل عامرة وقَفْرِ |
والجفر من اولاد المعز، ما بلغ اربعة اشهر، وانفصل عن امه.
وفي الفصول المهمة، نقل بعض اهل العلم، ان كتاب الجفر الذي بالغرب يتوارثه بنو عبد المؤمن بن عليّ من كلام جعفر الصادقعليهالسلام وله فيه المنقبة السّنية والدرجة التي في مقام الفضل علية، انتهى.
وقال شيخنا المفيدرحمهالله : وكان الصادق جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسينعليهمالسلام من بين اخوته خليفة ابيه محمد بن عليّعليهالسلام ووصيه والقائم بالامامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل وكان أنْبههم(٢) ذكراً واعظمهم قدراً واجلهم في العامة والخاصة، ونقل
____________________
(١) أي يضل ويجهل وجه الصواب.
(٢) أي اشرفهم واشهرهم.
الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلاد ولم ينقل عن احد من اهل بيته العلماء ما نقل عنه ولا لقي احد منهم من اهل الآثار ونقلة الاخبار، ولا نقلوا عنهم كما نقلوا عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، فان اصحاب الحديث قد جمعوا اسماء الرواة عنه من الثقات، على اختلافهم في الآراء والمقالات فكانوا اربعة آلاف رجل وكان لهعليهالسلام من الدلائل الواضحة في امامته ما بهرت(١) القلوب واخرست(٢) المخالف عن الطعن فيها بالشبهات، انتهى.
ورُوي انهعليهالسلام كان يجلس للعامة والخاصة ويأتيه الناس من الاقطار يسألونه عن الحلال والحرام، وعن تأويل القرآن وفصل الخطاب فلا يخرج احد منهم الا راضياً بالجواب، وبالجملة نقل عنهعليهالسلام من العلوم ما لم ينقل عن احد.
وذكر عن بعض علماء المخالفين انهم كانوا من تلامذته ومن خدمه واتباعه والآخذين عنه كأبي حنيفة(٣) ومحمد بن الحسن وان ابا يزيد(٤) طيفور السقّاء خدمه وسقاه وابراهيم(٥) بن ادهم ومالك بن دينار، كانا من غلمانه.
وروي عنهعليهالسلام قال: اني اتكلم على سبعين وجهاً لي من كلها المخرج.
____________________
(١) أي غلبت او اضاءت.
(٢) أي رمته بالخرس (بفتحتين) وهو انعقاد اللسان عن الكلام.
(٣) ابي حنيفة: النعمان بن ثابت الكوفي احد الأئمة الاربعة لأهل السنة. وكان صاحب الرأي والقياس وقد قيل فيه مدحاً وذماً ما قيل في احد توفى سنة ١٥٠ وقبره ببغداد معروف (راجع ترجمته في تاريخ بغداد وغيره).
(٤) ابا يزيد. هو طيفور بن عيسى البسطامي الصوفي المشهور وكان من الزهاد. قيل كان سقاء للإِمام الصادق وبعده انهعليهالسلام مات سنة ١٤٨ وهو مات سنة ٢٦١ فالتفاوت ما بين وفاتيهما ١١٣ سنة مع انهم لم يذكروا عمر ابي يزيد اكثر من الثمانين؟
(٥) هو والمالك من كبار الزهاد وقد ذكر لهما كرامات. راجع ترجمتهما من تذكرة الشيخ العطار.
ودخل اليه سفيان الثوري يوماً فسمع منه كلاماً اعجبه فقال: هذا واللّه يا ابن رسول اللّه الجوهر، فقال له: بل هذا خير من الجوهر، وهل الجوهر الا الحجر. وروي عن سفيان ايضاً انه قال للصادقعليهالسلام : يا ابن رسول اللّه لم جعل الموقف من وراء الحرم ولم يصر في المشعر فقال: الكعبة بيت اللّه والحرم حجابه والموقف بابه فلما قصدوه وقفهم بالباب يتضرّعون، فلما اذن لهم بالدخول ادناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة فلما نظر الى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم امرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم وقضوا تفثهم(١) وتطهّروا من الذنوب، امرهم بالزيارة لبيته، فقال له سفيان: فلم كره الصوم ايام التشريق، قال: لأنهم في ضيافة اللّه ولا يحب للضيف ان يصوم قال سفيان: جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهي خرق لا تنفع شيئاً فقال: ذلك مثل رجل بينه وبين آخر جرم، فهو يتعلق به ويطوف حوله رجاء ان يهب له جرمه.
وروى ابن شهرآشوب عن مسند ابي حنيفة قال الحسن بن زياد: سمعت ابا حنيفة وقد سئِل من افقه من رأيت، قال: جعفر بن محمدعليهالسلام ، لما اقدمه المنصور، بعث اليّ، فقال: يا ابا حنيفة ان الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك الشداد، فهيأت له اربعين مسألة، ثم بعث اليّ ابو جعفر وهو بالحيرة فاتيته فدخلت عليه وجعفرعليهالسلام جالس عن يمينه فلما بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لابي جعفر، فسلمت عليه، فأومأ اليّ فجلست، ثم التفت اليه فقال: يا ابا عبد اللّه هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثم التفت إليَّ فقال: يا ابا حنيفة الق على ابي عبد اللّه من مسائلك، فجعلت القي عليه فيجيبني فيقول انتم تقولون كذا واهل المدينة يقولون كذا فربما تابعنا وربما تابعهم وربما خالفنا جميعاً حتى اتيت على الأربعين مسألة فما اخلّ منها بشيء ثم قال ابو حنيفة: اليس ان اعلم الناس اعلمهم باختلاف الناس.
____________________
(١) التفث محركة: قيل هو التنظيف من الوسخ وقيل ما يفعله المحرم عند احلاله كقص الشارب والظفر.
فصل في نبذ من كلامه عليه السلام
قال لحمران: يا حمران انظر الى من هو دونك ولا تنظر الى من هو فوقك في المقدرة فان ذلك أقنع لك بما قسم لك، واحرى ان تستوجب الزيادة من ربك، واعلم ان العمل الدائم القليل على اليقين افضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين واعلم انه لا ورع أولى من تجنب محارم اللّه والكف عن اذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال انفع من القنوع باليسير المجزي، ولا جهل اضر من العجب.
وقالعليهالسلام : ان قدرت على أن لا تخرج من بيتك فافعل، فان عليك في خروجك ان لا تغتاب ولا تكذب ولا تحسد ولا ترائي(١) ولا تتصنع ولا تداهن، ثم قال: نعم صومعة المسلم، بيته، يكفُّ فيه بصره ولسانه ونفسه وفرجه.
أقول: حثعليهالسلام فيه على الاعتزال عن الناس والانس باللّه تعالى (قال الشاعر):
رغيف خبز يابس تأكله في زاوية |
وكف ماء بارد تشربه في ساقية |
|
وغرفة ضيقة نفسك فيها خالية |
او مسجد بمعزل عن الورى في ناحية |
|
تتلو به صحيفة مستدثراً ببادية |
خير من التيجان في قصر ودار عالية |
|
يا حسنها موعظة |
فاين اذن واعية |
وقالعليهالسلام لفضيل بن عثمان: اوصيك بتقوى اللّه وصدق الحديث واداء الأمانة وحسن الصحابة لمن صحبك، واذا كان قبل طلوع
____________________
(١) من الرياء وهو من حبال الشيطان لمنتحلي العلم اعاذنا اللّه منه.
الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء، واجتهد ولا تمتنع من شيء تطلبه من ربك، ولا تقل هذا ما لا أُعطاه، وادع فان اللّه يفعل ما يشاء.
وقيل لهعليهالسلام : على ماذا بنيت أمرك، فقال: على أربعة اشياء علمت ان عملي لا يعمله غيري فاجتهدت، وعلمت ان اللّه عز وجل مطلع عليّ فاستحييت، وعلمت ان رزقي لا يأكله غيري فاطمأننت، وعلمت ان آخر امري الموت فاستعددت.
وقالعليهالسلام في وصيته لعبد اللّه بن جندب: يا ابن جندب أقلّ النوم بالليل والكلام بالنهار، فما في الجسد شيء اقل شكراً من العين واللسان، فان ام سليمان قالت لسليمان: يا بنيّ ايّاك والنوم فانه يفقرك يوم يحتاج الناس الى اعمالهم.
وقال له: واقنع بما قسمه اللّه لك، ولا تنظر إلا ما عندك، ولا تتمن ما لست تناله، فإنّ من قنع شبع، ومن لم يقنع لم يشبع، وخذ حظك من آخرتك، ولا تكن بطراً في الغنى ولا جزعاً في الفقر، ولا تكن فظّاً غليظاً يكره الناس قربك، ولا تكن واهناً يحقّرُك من عرفك، ولا تشارّ(١) من فوقك، ولا تسخر بمن هو دونك، ولا تنازع الامر اهله، ولا تطع السفهاء، ولا تكن مهيناً(٢) تحت كل احد، ولا تتكلنَّ على كفاية احد، وقفْ عند كل امر حتى تعرف مدخله من مخرجه قبل ان تقع فيه فتندم..
قوله:عليهالسلام : وقف عند كل امر الخ (فيه الأمر بالتدبر في عاقبة كل امر اهتم به) كما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لمن طلب منه وصية: اوصيك اذا انت هممت بأمر فتدبر عاقبته، فان يك رشداً فامضه، وان يك غياً فانته منه.
____________________
(١) أي لا تخاصم (منه).
(٢) أي ذليلاً.
عن كتاب ربيع الأبرار ان يهودياً سأل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم مسألة، فمكث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ساعة ثم اجابه عنها.
وقالعليهالسلام لداود الرقّي، تدخل يدك في فم التنين(١) الى المرفق خير لك من طلب الحوائج الى من لم يكن له فكان.
وعن كنز الفوائد قال: جاء في الحديث ان أبا جعفر المنصور خرج في يوم جمعة متوكئاً على يد الصادق جعفر بن محمدعليهالسلام فقال رجل يقال له رزام مولى خالد بن عبد اللّه: من هذا الذي بلغ من خطره ما يعتمد امير المؤمنين على يده؟ فقيل له: هذا أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ، فقال إنّي واللّه ما علمت لوددت ان خد ابي جعفر نعل لجعفر ثم قام فوقف بين يدي المنصور، فقال له: سل يا امير المؤمنين فقال له المنصور: سل هذا، فالتفت رزام الى الإِمام جعفر بن محمدعليهالسلام فقال: اخبرني عن الصلاة وحدودها، فقال له الصادقعليهالسلام ، للصلاة اربعة آلاف حدّ لست تؤاخذ بها، فقال اخبرني بما لا يحل تركه ولا تتم الصلاة إلا به، فقال أبو عبد اللّهعليهالسلام : لا تتم الصلاة الا لذي طهر سابغ(٢) واهتمام بالغ غير نازغ ولا زائغ عرف فوقف، واخبت(٣) فثبت، فهو واقف بين اليأس والطمع والصبر والجزع، كأن الوعد له صنع، والوعيد به وقع، بذل عرضه وتمثل غرضه، وبذل في اللّه المهجة(٤) وتنكب غير الحجة مرتغماً(٥) بارغام، يقطع علائق الاهتمام، يعين من له قصد واليه وفد، ومنه استرفد، فإذا اتى بذلك كانت هي الصلاة التي بها أَمَرَ، وعنها أَخْبَرَ، وانها هي الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر،
____________________
(١) أي الافعى.
(٢) أي الوافي التام.
(٣) اخبت الى اللّه: اطمأن اليه تعالى وتخشع امامه.
(٤) أي الدم.
(٥) رغم انفه للّه: ذل وخضع.
فالتفت المنصور الى أبي عبد اللّهعليهالسلام فقال له: يا ابا عبد اللّه لا نزال من بحرك نغترف، واليك نزدلف(١) تبصر من العمى، وتجلو بنورك الطّخياء فنحن نعوم في سبحات قدسك، وطامي بحرك، قولهعليهالسلام غير نازغ ولا زائغ، النزغ الظن والاغتياب والافساد والوسوسة، والزيغ الميل، والطخياء في قول المنصور الظلمة، ونعوم أي نسبح، ففي الخبر علّموا صبيانكم العوم أي السباحة وسبحات وجه ربنا جلاله وعظمته وقيل نوره وطما البحر، امتلأ) فانظر الى اعدائهم أقروا بفضلهم هل فوق ذاك فخر.
فصل في مكارم اخلاقه عليه السلام واقرار المخالفين بفضله
الصدوق عن مالك بن انس فقيه المدينة، قال: كنت أدخل على الصادق جعفر بن محمدعليهالسلام فيقدم لي مخدّة ويعرف لي قدراً، ويقول: يا مالك اني كنت احبك، فكنت أسرَّ بذلك واحمد اللّه عليه وكانعليهالسلام رجلاً لا يخلو من احدى ثلاث خصال، اما صائماً واما قائماً واما ذاكراً.
وكان من عظماء العباد واكابر الزهاد والذين يخشون اللّه عزَّ وجل.
وكان كثير الحديث طيِّب المجالسة كثير الفوائد فاذا قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اخضر مرة واصفر اخرى حتى ينكره من كان يعرفه.
ولقد حججت معه سنة، فلما استوت به راحلته عند الاحرام كان لكما همَّ بالتلبية انقطع الصوت في حلقه وكاد ان يخرَّ من راحلته، فقلت: قل يا ابن رسول اللّه، ولا بدّ لك من ان تقول، فقال: يا ابن ابي عامر كيف اجسر ان اقول لبيك اللهم لبيك، واخشى ان يقول عز وجل لا لبيك ولا سعديك.
____________________
(١) أي نتقرب.
وفي توحيد المفضل انه لما سمع المفضل من ابن ابي العوجاء، بعض كفرياته، لم يملك غضبه فقال، يا عدو اللّه أَلَحدتَ في دين اللّه، وانكرت الباري جل قدسه، الى آخر ما قال له، فقال ابن ابي العوجاء: يا هذا ان كنت من اهل الكلام كلمناك، فان ثبتت لك الحجة تبعناك وان لم تكن منهم فلا كلام لك، وان كنت من اصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا اكثر مما سمعت فما افحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وانه للحليم الرزين(١) العاقل الرصين(٢) لا يعتريه خرق ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا ويصغي الينا ويستغرق(٣) حجتنا حتى اذا استفرغنا ما عندنا وظننا انا قد قطعناه ادحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه رداً، فان كنت من اصحابه فخاطبنا بمثل خطابه.
في تذكرة السبط، قال: ومن مكارم اخلاقهعليهالسلام ما ذكره الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار عن الشّقراني مولى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: خرج العطاء ايام المنصور وما لي شفيع، فوقفت على الباب متحيراً، واذا بجعفر بن محمدعليهالسلام قد أقبل، فذكرت له حاجتي فدخل وخرج واذا بعطائي في كمِّه، فناولني اياه وقال ان الحسن من كل احد حسن وانه منك احسن لمكانك منا، وان القبيح من كل احد قبيح وانه منك اقبح لمكانك منا، وانما قال له جعفرعليهالسلام ذلك: لأن الشّقراني كان يشرب الشراب، فمن مكارم اخلاق جعفرعليهالسلام انه رحب به وقضى حاجته مع علمه بحاله ووعظه على وجه التعريض، وهذا من اخلاق الانبياء عليهم السلام.
____________________
(١) أي الوقور (منه).
(٢) الرصين: أي محكم ثابت، والخرق: ضد الرفق: والنزق: الخفة عند الغضب (منه).
(٣) أي يستقصيها ويحيط بها.
رُوي انه كان يأكل الخل والزيت، ويلبس قميصاً غليظاً خشناً تحت ثيابه، وفوقه جبة صوف وفوقها قميص غليظ، ودخل عليه بعض اصحابه فرأى عليه قميصاً فيه قب قد رقعه، فجعل ينظر اليه، فقال ابو عبد اللّهعليهالسلام : ما لك تنظر، فقال قب يلقى في قميصك قال، فقال: اضرب يدك الى هذا الكتاب فاقرأ ما فيه، وكان بين يديه كتاب او قريب منه، فنظر الرجل فيه فإذا فيه، لا إيمان لمن لا حياء له، ولا مال لمن لا تقدير له ولا جديد لمن لا خلق له (قال في القاموس القبُّ ما يدخل في جيب القميص من الرقاع).
وكانعليهالسلام يختضب بالحناء خضاباً قانياً، وكان يحفي شاربه حتى يلصقه بالعسيب (اي منبت الشعر).
ودخل الحمام يوماً، فقال لصاحب الحمام اخليه لك، فقال لا حاجة لي في ذلك، المؤمن اخف من ذلك.
وكان يتصدق بالسُّكر لأنه احب الاشياء عنده، وأُتي له بطعام حار فجعل يكرر: نستجير باللّه من النار نعوذ باللّه من النار نحن لا نقوى على هذا فكيف النار، حتى امكنت القصعة فوضع يده فيها.
ورُئي عليه قميص شبه الكرابيس كانه مخيط عليه من ضيقه وبيده مسحاة يفتح بها الماء، وقال احب ان يتأذّى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة.
وكان يأمر باعطاء اجور العَمَلَةِ قبل ان يجف عرقهم، وروي انهعليهالسلام كان يتلو القرآن في صلاته فغشي عليه، فسئل عن ذلك فقال: ما زلت اكرر آيات القرآن حتى بلغت الى حال كأنني سمعتها مشافهة ممن أنزلها، وروي انه كان يتمثل (بابيات ظ) لأبي ذر الغفاريرحمهالله .
انت في غفلةٍ وقلبك ساه |
نفد العمر والذنوب كما هي |
|
جمة حصِّلت عليك جميعاً |
في كتاب وانت عن ذاك ساهي |
|
لم تبادر بتوبةٍ منك حتى |
صرت شيخاً وعظمك اليوم واهي |
|
عجباً منك كيف تضحك جهلاً |
وخطاياك قد بدت لإِلهي |
|
فتفكر في نفسك اليوم جهداً |
وانفِ عن نفسك الكرى(١) يا مناهي |
وروي ان المنصور سهر ليلة، فدَعا الربيع وارسله الى الصادقعليهالسلام ان يأتي به، قال الربيع فصرت الى بابه فوجدته في دار خلوته، فدخلت عليه من غير استئذان، فوجدته معفراً خديه، مبتهلاً بظهر يديه، قد اثر التراب في وجهه وخديه.
وروى الكليني عن المفضل بن عمر قال: وجه ابو جعفر المنصور الى الحسن بن زيد، وهو واليه على الحرمين، ان احرق على جعفر بن محمد داره فالقى النار في دار ابي عبد اللّهعليهالسلام فأخذت النار في الباب والدهليز، فخرج ابو عبد اللّهعليهالسلام يتخطى النار ويمشي فيها، ويقول: انا ابن اعراق الثرى(٢) انا ابن ابراهيم خليل اللّه.
فصل في احوال ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام
روي أنه سُعِيَ بابي عبد اللّه الصادقعليهالسلام عند المنصور، بانه بعث مولاه المعلّى بن خنيس بجباية الاموال من شيعته، وأنه كان يمد بها محمد بن عبد اللّه، فكاد المنصور ان يأكل كفه على جعفر غيظاً، وكتب الى عمه داود، وهو اذ ذاك أمير المدينة، ان يسيّر اليه جعفر بن محمدعليهالسلام ، ولا يرخص له في التلوّم(٣) والمقام، فبعث اليه داود بكتاب
____________________
(١) الكرى: الشدة في المشي ويمكن ان يكون بمعنى الاكراء وهو السهر في الليل.
(٢) الاعراق جمع عرق وهو اصل كل شيء. والثرى: الأرض: يعني نحن أوتاد الأرض.
(٣) التلوم: التمكث.
المنصور، وقال: اعمل في المسير الى أمير المؤمنين في غد، ولا تتأخر، قال صفوان الجمال: وكنت يومئذ بالمدينة فأنفذ الي ابو عبد اللّهعليهالسلام فصرت اليه فقال لي: تعهد راحلتنا فانّا غادون في غد ان شاء اللّه الى العراق، ونهض من وقته وانا معه الى مسجد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وركع فيه ركعات ثم رفع يديه ودعا بدعاء، قال صفوان سألتهعليهالسلام ان يعيد الدعاء عليّ فأعاده وكتبته، فلما اصبح ابو عبد اللّهعليهالسلام رحلت له الناقة وسار متوجهاً الى العراق حتى قدم مدينة ابي جعفر، واقبل حتى استأذن فأذن له وقربه وادناه، ثم اسند قصة الرافع على ابي عبد اللّهعليهالسلام ونحن نوردها برواية الشيخ الكليني، فروى مسنداً عن صفوان الجمال قال حملت ابا عبد اللّهعليهالسلام الحملة الثانية الى الكوفة، وابو جعفر المنصور بها، فلما أشرفعليهالسلام على الهاشمية مدينة ابي جعفر اخرج رجله من غرز(١) الرحل ثم نزل ودعا ببغلة شهباء ولبس ثياباً بيضاً وتكة بيضاء، فلما دخل عليه قال له ابو جعفر: لقد تشبهت بالانبياء، فقال ابو عبد اللّهعليهالسلام : وأنَّى تبعدني من ابناء الأنبياء، قال لقد هممت ان ابعث الى المدينة من يعقر(٢) نخلها ويسبي ذريتها، فقال: ولم ذاك يا امير المؤمنين، فقال رفع اليّ ان مولاك المعلى بن خنيس يدعو اليك ويجمع لك الأموال، فقال واللّه ما كان، فقال لست ارضى منك الا بالطلاق والعتاق والهدي والمشي، فقال أبالأنداد من دون اللّه تأمرني أن أحلف؟ انه من لم يرض باللّه فليس من اللّه في شيء، فقال اتتفقه عليّ، فقال وانى تبعدني من التفقه وانا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: فانّي اجمع بينك وبين من سعى بك، قال فافعل، قال فجاء الرجل الذي سعى به فقال ابو عبد اللّهعليهالسلام : ما هذا قال: فقال نعم واللّه الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة الرحمان الرحيم لقد
____________________
(١) غرز: ركاب (منه).
(٢) أي يقطع.
فعلت، فقال له ابو عبد اللّهعليهالسلام يا ويلك تبجل اللّه تعالى فيستحيي من تعذيبك، ولكن قل برئت من حول اللّه وقوته والتجأتُ الى حولي وقوتي، فحلف بها الرجل فلم يستتمها حتى وقع ميتاً، قال له ابو جعفر لا اصدق بعدها عليك ابداً، واحسن جائزته وردّه.
اقول قد ظهر من هذه الرواية ومن روايات اُخر أن مجيء الصادقعليهالسلام من المدينة الى العراق كان اكثر من مرة واحدة، ويظهر من روايات كثيرة ان المنصور احضرهعليهالسلام مرات عديدة ليقتله فدعا اللّه تعالى لكفاية شرِّ المنصور فكفاه اللّه تعالى شرَّه، فكان من دعائه مرة لما احضره ليقتله وطرح له سيفاً ونطعاً، حسبي الرب من المربوبين، وحسبي الخالق من المخلوقين، وحسبي الرازق من المرزوقين، وحسبي اللّه رب العالمين، حسبي من هو حسبي، حسبي من لم يزل حسبي، حسبي اللّه لا اله الا هو، عليه توكلت وهو ربّ العرش العظيم.
وكان من دعائهعليهالسلام ، لما اخذه صاحب المدينة ووجّه به الى المنصور وكان المنصور استعجله واستبطأ قدومه حرصاً منه على قتله، يا من لا يضام(١) ولا يرام، وبه تواصل الارحام، صلِّ على محمد وآله واكفني شره بحولك وقوتك.
وكان من دعائهعليهالسلام ايضاً، اللهم انت تكفي من كل شيء، ولا يكفي منك شيء، فاكفنيه.
وكان من دعائهعليهالسلام حين امر المنصور باحضاره، فلما بصر به قال قتلني اللّه ان لم اقتلك، اتلحد في سلطاني وتبغيني(٢) الغوائل. قال الربيع: وكنت رأيت جعفر بن محمدعليهالسلام حين دخل على المنصور يحرك شفتيه، وكلما حركهما سكن غضب المنصور، حتى أدناه منه وقد رضي
____________________
(١) لا يضام: أي لا يقهر ولا ينتقص.
(٢) الغوائل: ولكن الظاهر ان معناه الاحقاد الباطنة والشرور والخرق في السلطنة.
عنه، فلما خرجعليهالسلام اتبعته وقلت له بأي شيء كنت تحرك شفتيك حتى سكن غضبه، قال بدعاء جدي الحسين بن عليّعليهالسلام ، قلت: جعلت فداك وما هذا الدعاء، قال: يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي في كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام. قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء فما نزلت بي شدة قط الا دعوت به ففرج.
فصل فيما جرى عليه عليه السلام من المنصور
ونقل السيد بن طاوس عن كتاب عتيق باسناده فيه عن محمد بن الربيع الحاجب، قال: قعد المنصور يوماً في قصره في القبة الخضراء، وكانت قبل قتل محمد وابراهيم تدعى الحمراء، وكان له يوم يقعد فيه يسمى ذلك اليوم، يوم الذبح، وكان أشخص جعفر بن محمدعليهالسلام من المدينة، فلم يزل في الحمراء نهاره كله حتى جاء الليل، ومضى اكثره، قال: ثم دعا ابي، الربيع فقال له: يا ربيع، انك تعرف موضعك مني، وأنّي يكون لي الخبر ولا تظهر عليه امهات الأولاد وتكون انت المعالج له. فقال: قلت يا أمير المؤمنين ذلك من فضل اللّه عليّ، وفضل امير المؤمنين، وما فوقي في النصح غاية، قال: كذلك انت، سر الساعة الى جعفر بن محمد بن فاطمة، فأتني به على الحال الذي تجده عليه، لا تغيّر شيئاً مما هو عليه فقلت انا للّه وانا اليه راجعون، هذا واللّه هو العطب(١) ان اتيت به على ما اراه من غضبه قتله وذهبت الآخرة، وان لم آت به وادهنت في امره قتلني وقتل نسلي واخذ اموالي، فخيرت بين الدنيا والآخرة فمالت نفسي الى الدنيا، قال محمد بن الربيع، فدعاني ابي وكنت افظ ولده واغلظهم قلباً،
____________________
(١) العطب: الهلاك.
فقال لي: امض الى جعفر بن محمد بن علي فتسلّق(١) على حائطه ولا تستفتح عليه باباً، فيغير بعض ما هو عليه، ولكن انزل عليه نزولاً فأت به على الحال التي هو فيها، قال: فأتيته وقد ذهب الليل الا أقله، فامرت بنصب السلاليم، وتسلقت عليه الحائط فنزلت عليه داره، فوجدته قائماً يصلّي وعليه قميص ومنديل قد ائتزر به، فلما سلم من صلاته قلت له: اجب امير المؤمنين، فقال: دعني ادعو والبس ثيابي، فقلت ليس الى تركك وذلك سبيل، قال: وأدخل المغتسل فاتطهر، قال: قلت وليس الى ذلك سبيل، فلا تشغل نفسك فانّي لا ادعك تغّير شيئاً، قال فأخرجته حافياً حاسراً(٢) في قميصه ومنديله، وكان قد جاوز السبعين، فلما مضى بعض الطريق ضعف الشيخ، فرحمته فقلت له اركب فركب بغلاً شاكرياً(٣) كان معنا، ثم صرنا الى الربيع فسمعته وهو يقول له: ويلك يا ربيع قد ابطأ الرجل، وجعل يستحثه استحثاثاً شديداً، فلما ان وقعت عين الربيع على جعفر بن محمدعليهالسلام وهو بتلك الحال، بكى وكان الربيع يتشيع، فقال له جعفرعليهالسلام يا ربيع انا اعلم ميلك الينا، فدعني أصلّي ركعتين وادعو، قال: شأنك وما تشاء، فصلّى ركعتين خففهما، ثم دعا بعدهما بدعاء لم افهمه الا أنه دعاء طويل، والمنصور في ذلك كله يستحث الربيع فلما فرغ من دعائه، على طوله، اخذ الربيع بذراعيه فأدخله على المنصور، فلما صار في صحن الايوان وقف ثم حرك شفتيه بشيء لم ادر ما هو، ثم ادخلته فوقف بين يديه فلما نظر اليه قال: وانت يا جعفر ما تدع حسدك وبغيك وافسادك على اهل هذا البيت من بني العباس وما يزيدك اللّه بذلك الا شدة حسد ونكد ما تبلغ به ما تقدره، فقال له: واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئاً من هذا ولقد كنت في ولاية بني امية وأنت تعلم انهم اعدى الخلق لنا
____________________
(١) أي اصعد عليه.
(٢) أي منكشفاً.
(٣) أي المستخدم والاجير.
ولكم، وأنهم لا حق لهم في هذا الأمر فواللّه ما بغيت عليهم، ولا بلغهم عنّي سوء مع جفائهم الذي كان بي، وكيف يا أمير المؤمنين أصنع الآن هذا وانت ابن عمي وامس الخلق بي رحماً واكثرهم عطاء وبراً، فكيف افعل هذا، فاطرق المنصور ساعة وكان على لبدٍ وعن يساره رفقة(ْ١) جرمقانية، وتحت لبده سيف ذو فقار، كان لا يفارقه اذا قعد في القبة، قال: ابطلت(٢) واثمت، ثم رفع ثني الوسادة، فأخرج منها اضبارة كتب فرمى بها اليه، وقال هذه كتبك الى اهل خراسان تدعوهم الى نقض بيعتي وان يبايعوك دوني، فقال واللّه يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا استحل ذلك ولا هو من مذهبي، وإني لممن يعتقد طاعتك على كل حال وقد بلغت من السن ما قد اضعفني عن ذلك لو اردته، فصيّرني في بعض حبوسك حتى يأتيني الموت، فهو مني قريب، فقال لا ولا كرامة، ثم اطرق وضرب يده الى السيف فسل منه مقدار شبر واخذ بمقبضه، فقلت: انا للّه ذهب واللّه الرجل، ثم رد السيف وقال: يا جعفر اما تستحيي مع هذه الشيبة ومع هذا النسب ان تنطق بالباطل، وتشق عصا المسلمين، تريد ان تريق الدماء وتطرح الفتنة بين الرعية والاولياء، فقال: لا واللّه يا امير المؤمنين ما فعلت ولا هذه كتبي ولا خطي ولا خاتمي فانتضى من السيف ذراعاً، فقلت انا للّه مضى الرجل، وجعلت في نفسي ان امرني فيه بامر ان اعصيه، لأنني ظننت انه يأمرني ان آخذ السيف فاضرب به جعفر فقلت ان أمرني ضربت المنصور وان أتى ذلك عليَّ وعلى ولدي، وتبت الى اللّه عز وجل مما كنت نويت فيه أولاً فأقبل يعاتبه، وجعفر يعتذر، ثم انتضى السيف الا شيئاً يسيراً منه، فقلت انا للّه مضى واللّه الرجل ثم اغمد السيف واطرق ساعة، ثم رفع رأسه وقال: اظنك صادقاً، يا ربيع هات العيبة(٣) من موضع كانت فيه في القبة، فاتيته بها فقال: ادخل يدك فيها فكانت مملوءة غالية وضعها في لحيته وكانت بيضاء فاسودت، وقال لي احمله على فاره(٤) من دوابي التي
____________________
(١) الظاهر انها مرفقة كمكنسة وهي المخدة.
(٢) أي جئت بالباطل(منه).
(٣) العيبة: ما يجعل فيه الثياب كالصندوق.
(٤) أي سمين حاذق ذي نشاط.
اركبها، واعطه عشرة آلاف درهم، وشيعه الى منزله مكرّماً، وخيره اذا اتيت به الى المنزل بين المقام عندنا فنكرمه، والانصراف الى مدينة جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرجنا من عنده وانا مسرور فرح بسلامة جعفر، ومتعجب مما اراد المنصور وما صار اليه من أمره، الخبر، اقول: ما ذكر في هذا الخبر أنهعليهالسلام قد جاوز السبعين لا يوافق ما ذكره العلماء وارباب السير من تاريخ عمره الشريف.
قال الشيخ الكليني والشيخ المفيد في ذكر وفاتهعليهالسلام ، ومضى في شوال من سنة ثمان واربعين ومئة، وله خمس وستون سنة، وقال الشهيد في الدروس، وقبض في شوال، وقيل في منتصف رجب يوم الاثنين سنة ١٤٨ ثمان واربعين ومئة، عن خمس وستين سنة، ومثله في اعلام الورى بأدنى تفاوت.
وعن ابن الخشاب عن محمد بن سنان قال مضى أبو عبد اللّهعليهالسلام وهو ابن خمس وستين سنة ويقال ثمان وستين سنة.
فعلى هذا إنّي احتمل قوياً ان يكون لفظ السبعين مصحف الستين وان كان قولاً ضعيفاً انهعليهالسلام توفي وهو ابن احدى وسبعين سنة، نقله صاحب كشف الغمة عن محمد بن سعيد وسبط بن الجوزي عن الواقدي.
وروى الشيخ باسناده عن محمد بن ابراهيم قال: بعث ابو جعفر المنصور إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمدعليهالسلام ، وامر بفرش فطرحت الى جانبه فاجلسه عليها، ثم قال: عليّ بمحمد عليّ بالمهدي يقول ذلك مراراً، فقيل له: الساعة الساعة يأتي يا أمير المؤمنين ما يحسبه الا انه يتبخر، فما لبث ان وافى وقد سبقته رائحته، فاقبل المنصور على جعفرعليهالسلام فقال يا ابا عبد اللّه حديث حدثته في صلة الرحم، اذكره يسمعه المهدي، قال نعم حدثني ابي عن ابيه عن جدّه عن عليعليهالسلام قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ان الرجل ليصل
رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها اللّه عز وجل ثلاثين سنة ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة يصيرها اللّه ثلاث سنين، ثم تلاعليهالسلام : يمحو اللّه ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب، قال هذا حسن يا ابا عبد اللّه وليس اياه اردت، قال ابو عبد اللّهعليهالسلام نعم، حدثني أبي عن أبيه عن جدّه عن عليّعليهالسلام ، قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الاعمار وان كان أهلها غير أخيار، قال هذا حسن يا ابا عبد اللّه وليس هذا اردت فقال ابو عبد اللّه (عليه السلام ): نعم حدثني ابي عن ابيه عن جده عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، صلة الرحم تهون الحساب وتقي ميتة السوء قال المنصور: نعم هذا أردت.
فصل بأمر المنصور بالصادق عليه السلام
روى الشيخ ابن شهرآشوبرحمهالله عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر أن المنصور قد كان همّ بقتل ابي عبد اللّهعليهالسلام غير مرة فكان اذا بعث اليه ودعاه ليقتله فاذا نظر اليه هابه ولم يقتله، غير أنه منع الناس عنه، ومنعه من القعود للناس، واستقصى عليه أشد الاستقصاء، حتى انه كان يقع لاحدهم مسألة في دينه في نكاح او طلاق او غير ذلك فلا يكون علم ذلك عندهم ولا يصلون اليه، فيعتزل الرجل وأهله، قلت ويؤيد هذا الخبر ما رواه القطب الراوندي عن هارون بن خارجة، قال: كان رجل من اصحابنا طلق امرأته ثلاثاً، فسأل أصحابنا، فقالوا: ليس بشيء، فقالت امرأته: لا ارضى حتى تسأل ابا عبد اللّه، وكان بالحيرة اذ ذاك ايام ابي العباس، قال: فذهبت الى الحيرة ولم اقدر على
كلامه، اذ منع الخليفة الناس من الدخول على ابي عبد اللّهعليهالسلام ، وانا انظر كيف التمس لقاءه، فاذا سواديّ عليه جبة صوف يبيع خياراً، فقلت له بكم خيارك هذا كله، قال بدرهم، فاعطيته درهماً وقلت له اعطني جبتك هذه فاخذتها ولبستها وناديت من يشتري خياراً ودنوت منهعليهالسلام ، فاذا غلام من ناحية ينادي يا صاحب الخيار، فقالعليهالسلام لي لما دنوت منه ما أجود ما احتلت، أي شيء حاجتك، قلت اني ابتليت فطلقت اهلي في دفعة ثلاثاً فسألت اصحابنا فقالوا: ليس بشيء، وان المرأة قالت لا ارضى، حتى تسأل ابا عبد اللّهعليهالسلام ، فقال ارجع الى اهلك فليس عليك شيء.
وروى كش(١) عن عنبسة قال سمعت ابا عبد اللّهعليهالسلام يقول: اشكو الى اللّه وحدتي وتقلقلي(٢) من اهل المدينة حتى تقدموا وأراكم واسرّ بكم، فليت هذه الطاغية اذن لي فاتخذت قصراً فسكنته واسكنتكم معي، واضمن له ان لا يجيء من ناحيتنا مكروه ابداً.
اقول: لما منع الصادق من القعود للناس شقّ ذلك على شيعته، وصعب عليهم، حتى القى اللّه عز وجل في روع المنصور ان يسأل الصادقعليهالسلام ليتحفه بشيء من عنده لا يكون لاحد مثله، فبعث اليه بمخصرة(٣) كانت للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم طولها ذراع، ففرح بها فرحاً شديداً، وامر ان تشق له اربعة ارباع، وقسمها في اربعة مواضع ثم قال: ما جزاؤك عندي الا ان اطلق لك ونُفشي علمك لشيعتك، ولا اتعرض لك ولا لهم، فاقعد غير محتشم وافت الناس، ولا تكن في بلد أنا فيه، ففشا العلم عن الصادقعليهالسلام .
____________________
(١) كش: رمز للكشي وهو الشيخ ابو عمر ومحمد بن عمر الكشي. ثقة. بصير بالاخبار والرجال. له كتاب الرجال الذي اختصره شيخ الطائفة وسماه اختيار الرجال. والموجود بايدينا هو ذاك الاختيار.
(٢) تقلقل في البلاد: تقلب فيها.
(٣) المخصرة: شيء كالسوط: او ما يتوكأ عليه كالعصا.
اقول: ويظهر من رواية المحاسن، ان الناس اجتمعوا عنده وتداكوا(١) عليه حتى يأخذوا من علمهعليهالسلام ، والرواية هذه عن معاوية بن ميسرة بن شريح، قال: شهدت ابا عبد اللّهعليهالسلام في مسجد الخيف وهو في حلقة فيها نحو من مئتي رجل، وفيهم عبد اللّه بن(٢) شبرمة فقال يا أبا عبد اللّه انّا نقضي بالعراق فنقضي من الكتاب والسنّة، وترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي قال: فانصت الناس جميع من حضر للجواب واقبل ابو عبد اللّهعليهالسلام على من يمينه، يحدثهم، فلما رأى الناس ذلك اقبل بعضهم الى بعض، وتركوا الانصات، ثم تحدثوا ما شاء اللّه، ثم ان ابن شبرمة قال يا أبا عبد اللّه، انّا قضاة العراق، وانّا نقضي بالكتاب والسنة، وانه ترد علينا اشياء ونجتهد فيها بالرأي، قال: فأنصت جميع الناس للجواب، واقبل ابو عبد اللّهعليهالسلام على من على يساره يحدثهم، فلما رأى الناس ذلك اقبل بعضهم على بعض وتركوا الانصات، ثم ان ابن شبرمة سكت ما شاء اللّه ثم عاد لمثل قوله، فاقبل ابو عبد اللّهعليهالسلام فقال: أي رجل كان عليّ بن ابي طالبعليهالسلام فقد كان عندكم بالعراق ولكم فيه خبر، قال فأطراه(٣) ابن شبرمة وقال فيه قولاً عظيماً، فقال له ابو عبد اللّهعليهالسلام فان عليّاً أبى ان يدخل في دين اللّه الرأي، وان يقول في شيء من دين اللّه بالرأي والمقاييس.
____________________
(١) أي ازدحموا.
(٢) عبد اللّه بن شبرمة بالشين المعجمة وبعدها باء منقطة تحتها نقطة والراء قبل الميم من اصحاب علي بن الحسينعليهالسلام كان قاضياً لابي جعفر على سواد الكوفة مات سنة ١٤٤ اربع واربعين ومئة (صه) في القسم الثاني وكان كوفياً شاعراً (منه).
(٣) اطرى فلاناً: احسن الثناء عليه وبالغ في مدحه.
فصل في وفاته ووصيته عليه السلام
قبض ابو عبد اللّهعليهالسلام في شوّال من سنة ١٤٨ ثمان واربعين ومئة مسموماً، في عنب سمّه المنصور، وله خمس وستون سنة، وقد عيّن بعض المتتبعين يوم وفاتهعليهالسلام في الخامس والعشرين منه، وقيل يوم الاثنين لنصف من رجب كما اشرنا الى ذلك سابقاً.
نقل عن مشكاة الانوار انه دخل بعض اصحاب ابي عبد اللّهعليهالسلام في مرضه الذي توفي فيه اليه وقد ذبل(١) فلم يبق الا رأسه، فبكى فقال: لأي شيء تبكي، فقال كيف لا أبكي وانا أراك على هذه الحال؟ قال: لا تفعل فان المؤمن تعرض (عليه ظ) كل خير ان تقطع أعضاؤه كان خيراً له، وان ملك ما بين المشرق والمغرب كان خيراً له.
وروى الشيخ عن سالمة مولاة ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قالت: كنت عند ابي عبد اللّه جعفر بن محمدعليهالسلام حين حضرته الوفاة واغمي عليه، فلما افاق قال: أعطي الحسن بن علي بن علي بن الحسينعليهالسلام وهو الافطر، سبعين ديناراً وأَعطي فلاناً كذا، وفلاناً كذا، فقلت اتعطي رجلاً حمل عليك بالشفرة(٢) يريد أن يقتلك، قال تريدين ان لا أكون من الذين قال اللّه عز وجل: والذين يصلون ما أمر اللّه به ان يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، نعم يا سالمة ان اللّه تعالى خلق الجنة فطيبها وطيب ريحها، وان ريحها يوجد في مسيرة ألفي عام، ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم.
____________________
(١) ذبل النبات: ذهبت نضارته. ضمر.
(٢) الشفرة: السكين العظيم. حد السيف.
وروى الشيخ الصدوق عن ابي بصير قال دخلت على ام حميدة اعزيها بابي عبد اللّهعليهالسلام ، فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت يا ابا محمد لو رأيت ابا عبد اللّهعليهالسلام عند الموت لرأيت عجباً، فتح عينيه ثم قال: اجمعوا لي كل من بيني وبينه قرابة، قالت: فلم نترك احداً الا جمعناه، قالت فنظر اليهم ثم قال: ان شفاعتنا لا تنال مستخفّاً بالصلاة.
روى القطب الراوندي عن داود بن كثير الرقّي، قال، وفد من خراسان وافد يكنى ابا جعفر، واجتمع اليه جماعة من اهل خراسان فسألوه ان يحمل لهم اموالاً ومتاعاً ومسائلهم في الفتاوى والمشاورة، فورد الكوفة ونزل وزار امير المؤمنينعليهالسلام ، ورأى في ناحية رجلاً حوله جماعة، فلما فرغ من زيارته قصدهم فوجدهم شيعة فقهاء، يسمعون من الشيخ، فسألهم عنه، فقالوا: هو ابو حمزة الثمالي، قال: فبينا نحن جلوس اذ اقبل اعرابي، فقال جئت من المدينة وقد مات جعفر بن محمدعليهالسلام ، فشهق ابو حمزة ثم ضرب بيده الأرض ثم سأل الاعرابي هل سمعت له بوصية، قال اوصى الى ابنه عبد اللّه والى ابنه موسىعليهالسلام والى المنصور، فقال الحمد للّه الذي لم يضلّنا، دل على الصغير وبيَّن على الكبير وستر الامر العظيم، ووثب الى قبر امير المؤمنينعليهالسلام فصلى وصلينا، ثم اقبلت عليه وقلت له: فسِّر لي ما قلته، قال: بيَّن ان الكبير ذو عاهة، ودل على الصغير، بان ادخل يده مع الكبير، وستر الامر العظيم بالمنصور حتى اذا سأل المنصور من وصيه، قيل: انت.
قال المسعودي: ودفنعليهالسلام بالبقيع مع ابيه وجده، وله خمس وستون سنة، وقيل انه سمَّ، وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة، عليها مكتوب: بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه مبيد الامم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن ابي طالب، وعلي بن الحسين بن
علي بن ابي طالب، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد رضي اللّه عنهم انتهى.
وانا اقول صلوات اللّه عليهم، فقد رفعهم اللّه من ان يقال فيهم رحمهم اللّه واما فاطمة التي دفنت الأئمةعليهمالسلام معها فهي فاطمة بنت اسد أم امير المؤمنينعليهالسلام ، واما فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليها) فالظاهر انها دفنت في بيتها كما حقق ذلك في محله.
ورُوي عن عيسى بن داب، قال لما حُمِل ابو عبد اللّه جعفر بن محمدعليهالسلام على سريره واخرج الى البقيع ليدفن قال ابو هريرة(١) :
اقول وقد راحوا به يحملونه |
على كاهل(٢) من حامليه وعاتق |
|
اتدرون ماذا تحملون الى الثرى |
ثبيرا(٣) ثوى(٤) من رأس علياء شاهق |
|
غداة حثى(٥) الحاثون فوق ضريحه |
تراباً وأولى كان فوق المفارق |
قال شيخنا المفيدرحمهالله في المقنعة، باب فضل زيارة علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد،عليهمالسلام :
رُوي عن الصادقعليهالسلام انه قال: من زارني غُفرت له ذنوبه ولم يمت فقيراً.
وروي عن ابي محمد الحسن بن علي العسكريعليهالسلام انه قال: من زار جعفراً وأباه، لم يشتك عينه، ولم يصبه سقم، ولم يمت مبتلى.
____________________
(١) ليس هذا أبا هريرة الصحابي المعروف بالكذب، بل هو ابو هريرة العجلي الذي عد في شعراء اهل البيتعليهمالسلام المجاهرين، رُويَ عن ابي بصير قال: قال ابو عبد اللّهعليهالسلام ينشدنا شعر ابي هريرة، قلت جعلت فداك انه كان يشرب، فقال لهرحمهالله وما ذنب الا ويغفره اللّه لولا بغض عليعليهالسلام (منه).
(٢) أي اعلى الظهر مما يلي العنق.
(٣) اسم لأربعة جبال قرب مكة. احدها ثبير الاعرج والثاني ثبير المنى.
(٤) أي اقام.
(٥) حثا: أهال التراب.
قال الصادقعليهالسلام من زار اماماً من الأئمة وصلى عنده اربع ركعات، كتبت له حجة وعمرة.
وقيل للصادقعليهالسلام ما حكم من زار احدكم، قال: يكون كمن زار رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقال الرضاعليهالسلام ان لكل امام عهداً في اعناق شيعته وأوليائه، وان من تمام الوفاء بالعهد وحسن الاداء زيارة قبورهم، فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه، كانوا شفعاءه يوم القيامة وللّه در السيد صالح القزويني في قوله من قصيدة بائية:
وللّه(١) افلاك البقيع فكم بها |
كواكب من آل النبي غوارب(٢) |
|
حوت منهم ما ليس تحويه بقعة |
ونالت بهم ما لم تنله الكواكب |
|
فبوركت ارضاً كل يوم وليلة |
تطوف من الاملاك فيك كتائب(٣) |
|
وفيك الجبال الشم(٤) حلماً هوامد(٥) |
وفيك البحور الفعم جوداً نواضب(٦) |
|
مناقبهم مثل النجوم كأنها |
مصائبهم لم يحصها الدهر حاسب |
|
وهم للورى امّا نعيم مؤبدُ |
واما عذابُ في القيامة واصب(٧) |
____________________
(١) أي للّه دره يعني له من اللّه خير كثير.
(٢) جمع غارب بمعنى الآفل والمراد هنا افولهم تحت التراب.
(٣) جمع كتيبة وهي القطعة من الخيل.
(٤) أي المرتفعة.
(٥) جمع هامد وهو الساكن.
(٦) نضب الماء: جفَّ وقلَّت مادته
(٧) أي دائم (منه).
النور التاسع.. الإِمام السابع، ابو الحسن موسى بن جعفر الكاظم باب الحوائج الى اللّه تعالى العبد الصالح عليه السلام
قال كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي في حقّه: هو الإِمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكثير التهجد، الجاد في الاجتهاد، المشهور بالعبادة، المواظب على الطاعات، المشهود بالكرامات، يبيت الليل ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدقاً وصائماً، ولفرط حلمه وتجاوزه عن المعتدين عليه، دُعي كاظماً، كان يجازي المسيء باحسانه اليه، ويقابل الجاني عليه بعفوه عنه، ولكثرة عباداته كان يسمى بالعبد الصالح، ويعرف في العراق بباب الحوائج الى اللّه، لنجح المتوسلين الى اللّه تعالى به، كراماته تحار منها العقول، وتقضي بان له عند اللّه تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول. انتهى.
ولدعليهالسلام بالابواء منزل بين مكة والمدينة، يوم الاحد(١) لسبع خلون من صفر سنة ١٢٨ هجري(٢) ثمان وعشرين ومئة.
امه:عليهالسلام حميدة المصفاة البربرية، وكانت من اشراف الأعاجم، قال الصادقعليهالسلام : حميدة مصفاة من الادناس كسبيكة
____________________
(١) وقيل في الثلاثاء.
(٢) وقيل سنة ١٢٩ في خلافة ابراهيم بن وليد.
الذهب، ما زالت الاملاك تحرسها، حتى أدَّت اليّ كرامة من اللّه لي، والحجّة من بعدي، ويظهر من بعض الروايات ان الصادقعليهالسلام كان يأمر النساء في اخذ الاحكام اليها.
روي عن ابي بصير قال: كنت مع ابي عبد اللّهعليهالسلام في السنة التي ولد فيها ابنه موسىعليهالسلام فلما نزلنا الابواء، وضع لنا ابو عبد اللّهعليهالسلام الغداء ولأصحابه، وكان عليه السلام إذا وضع الطعام لاصحابه اكثره واطابه، فبينا نحن نتغدى اذ اتاه رسول حميدة: ان الطلق قد ضربني، وقد امرتني ان لا اسبقك بابنك هذا، فقام ابو عبد اللّهعليهالسلام فرحاً مسروراً فلم يلبث ان عاد الينا حاسراً عن ذراعيه، ضاحكاً سنّهُ، فقلنا اضحك اللّه سنك، واقر عينك ما صنعت حميدة، فقال: وهب اللّه لي غلاماً، وهو خير من برأ اللّه(١) ولقد خبرتني بأمر كنت اعلم به منها، قلت: جعلت فداك وما خبرتك عنه حميدة، قال ذكرت انه لما وقع من بطنها وقع واضعاً يديه على الأرض، رافعاً رأسه الى السماء، فأخبرتها ان تلك امارة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وامارة الإِمام من بعده، الخ.
روى البرقي عن منهال القصاب، قال: خرجت من مكة وانا أريد المدينة فمررت بالابواء وقد ولد لأبي عبد اللّهعليهالسلام ، فسبقته الى المدينة ودخلعليهالسلام بعدي بيوم فأطعم الناس ثلاثاً، فكنت آكل فيمن يأكل، فما أكل شيئاً الى الغد حتى اعود فآكل، فكنت بذلك ثلاثاً اطعم حتى أرتفق ثم لا اطعم شيئاً الى الغد، قال الفيروزآبادي ارتفق (اتكأ على مرفق يده او على المخدة وامتلأ).
وروى انه قيل لأبي عبد اللّه الصادقعليهالسلام ما بلغ بك من حبك ابنك موسىعليهالسلام ، فقال: وددت ان ليس لي ولد غيره حتى لا يشاركه في حبّي له احد.
____________________
(١) أي خلق اللّه من العدم.
فصل في معاجز طفولته عليه السلام
روى الشيخ المفيد عن يعقوب السراج قال دخلت على ابي عبد اللّهعليهالسلام وهو واقف على رأس ابي الحسن موسىعليهالسلام وهو في المهد، فجعل يساره طويلاً، فجلست حتى فرغ، فقمت اليه، فقال ادنُ الى مولاك، فسلم عليه، فدنوت فسلمت عليه، فرد عليَّ بلسان فصيح، ثم قال لي: اذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها امس، فانه اسم يبغضه اللّه، وكانت ولدت لي بنت فسميتها بالحميراء، فقال ابو عبد اللّهعليهالسلام : انته الى امره ترشد، فغيرت اسمها.
وفي ثاقب المناقب، قال اشتهر عند الخاص والعام من حديث ابي حنيفة حين دخل دار الصادقعليهالسلام فرأى موسىعليهالسلام في دهليز داره وهو صبيّ، فقال في نفسه: ان هؤلاء يزعمون انهم يعطون العلم صبية وانا اسبر(١) ذلك، فقال له يا غلام اذا دخل الغريب بلدة، اين يحدث، فنظر اليه نظر مغضب وقال: يا شيخ اسأت الأدب، فاين السلام، قال: فخجلت ورجعت حتى خرجت من الدار وقد نَبُلَ(٢) في عيني، ثم رجعت اليه وسلمت عليه وقلت: يا ابن رسول اللّه، الغريب اذا دخل بلدة اين يحدث، فقال (صلوات اللّه عليه)، يتوقى شطوط البلد (الانهار خ د) ومشارع الماء، وفيء(٣) النُزَّال، ومسقط الثمار، وافنية(٤) الدور، وجاد الطرق، ومجاري المياه ورواكدها، ثم يحدث اين شاء، قال، قلت: يا ابن رسول اللّه ممن المعصية، فنظر الي وقال: اما أن تكون من اللّه
____________________
(١) أي امتحن (منه).
(٢) أي كبر وعظم، والنبالة: النجابة والفضل.
(٣) أي الظل الذي يستريح فيه الواردون.
(٤) جمع فناء وهو الساحة او امام البيت.
او من العبد او منهما معاً، فان كانت من اللّه فهو اكرم ان يؤاخذه بما لم يجنه، وان كانت منهما فهو اعدل من ان يأخذ العبد بما هو شريك فيه، فلم يبق الا أن يكون من العبد، فان عفا فبفضله، وان عاقب فبعدله، قال ابو حنيفة فاغرورقت عيناي وقرأت: ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم.
وروى الصدوق وغيره عن هشام بن الحكم ان جاثليقاً من جثالقة النصارى يقال له بريهة، قد مكث في النصرانية سبعين سنة، فكان يطلب الإِسلام ويطلب من يحتج عليه ممن يقرأ كتبه، ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته، قال: وعرف بذلك حتى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود والمجوس، حتى افتخرت به النصارى وقالت: لو لم يكن في دين النصرانية إلاّ بريهة لأجزأنا، وكان طالباً للحق والإِسلام مع ذلك، وكانت معه امرأة تخدمه طال مكثها معه، وكان يستر ضعف النصرانية وضعف حجتها، قال: فعرفت ذلك منه، فضرب بريهة الامر ظهراً لبطن واقبل يسائل عن ائمة المسلمين وعن صلحائهم وعن علمائهم واهل الحجى منهم، وكان يستقرئ فرقة فرقة لا يجد عند القوم شيئاً، وقال لو كانت ائمتكم ائمة على الحق لكان عندكم بعض الحق، فوصفت له الشيعة ووصف له هشام بن الحكم، فقال يونس بن عبد الرحمان: فقال لي هشام: بينما انا على دكاني على باب الكرخ جالس، وعندي قوم يقرأون عليَّ القرآن، فاذا انا بفوج من النصارى، ما بين القسيسين الى غيرهم من نحو مئة رجل، عليهم السوار والبرانس، والجاثليق الاكبر فيهم بريهة، حتى بركوا (نزلوا خد) حول دكاني، وجعل لبريهة كرسي يجلس عليه، فقامت الاساقفة والرهابنة على عصيهم(١) وعلى رؤوسهم برانسهم فقال بريهة: ما بقي للمسلمين احد ممن يذكر بالعلم بالكلام الا وقد ناظرته في النصرانية فما عندهم شيء فقد جئت اناظرك الإِسلام ثم ذكر مناظرته معه وغلبة هشام عليه في حديث طويل،
____________________
(١) جمع عصا وهي ما يتوكأ عليها.
حتى افترق النصارى وهم يتمنون ان لا يكونوا رأوا هشاماً ولا اصحابه، ورجع بريهة مغتماً مهتماً حتى صار الى منزله، فقالت امرأته التي تخدمه: مالي اراك مهتماً مغتماً، فحكى لها الكلام الذي بينه وبين هشام، فقالت لبريهة: ويحك اتريد أن تكون على حق او باطل، قال بريهة بل على الحق، فقالت له: اينما وجدت الحق فمل اليه، واياك واللجاجة فان اللجاجة شك، والشك شؤم، واهله في النار، قال: فصوَّب قولها وعزم على الغدو على هشام، قال: فغدا اليه وليس معه احد من اصحابه، فقال: يا هشام الك من تصدر عن رأيه، فترجع الى قوله وتدين بطاعته، قال هشام: نعم يا بريهة، ثم سأله بريهة عن صفته فوصف له هشام الإِمامعليهالسلام ، فاشتاق بريهة اليهعليهالسلام ، فارتحلا حتى أتيا المدينة، والمرأة معهما، وهما يريدان ابا عبد اللّهعليهالسلام ، فلقيا موسى بن جعفرعليهالسلام في الدهليز، وفي رواية ثاقب المناقب: فسلم هشام عليه وسلم بريهة عليه، ثم اخبرهما بما جاءا له، وكان (صلوات اللّه عليه) صبياً، وفي رواية الصدوق: فحكى له هشام الحكاية، قال موسى بن جعفرعليهالسلام يا بريهة كيف علمك بكتابك؟ قال: انا به عالم، قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال ما اوثقني بعلمي به، قال: فابتدأ موسىعليهالسلام يقرأ الأنجيل، قال بريهة: والمسيح لقد كان يقرأ هكذا، وما قرأ هذه القراءة الا المسيح، قال بريهة اياك كنت اطلب منذ خمسين سنة او مثلك، قال: فآمن وحسن ايمانه وآمنت المرأة وحسن ايمانها، قال: فدخل هشام وبريهة والمرأة على أبي عبد اللّهعليهالسلام ، فحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسىعليهالسلام وبريهة، فقال ابو عبد اللّهعليهالسلام : ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم، قال بريهة: جعلت فداك أنَّى لكم التوراة والانجيل وكتب الانبياء، قال: هي عندنا وراثة من عندهم، نقرأها كما قرأوها ونقولها كما قالوها، ان اللّه لا يجعل حجة في ارضه يسأل عن شيء فيقول لا ادري، فلزم بريهة ابا عبد اللّه حتى مات ابو عبد اللّهعليهالسلام ، ثم لزم موسىعليهالسلام حتى مات في زمانه، فغسله
عليهالسلام بيده وكفّنه بيده ولحده بيده، وقال هذا حواري من حواريي(١) المسيحعليهالسلام ، يعرف حق اللّه عليه فتمنى اكثر اصحابه ان يكونوا مثله.
فصل في ذكر نُبذ من كلام موسى بن جعفر عليه السلام
قال لبعض شيعته: أي فلان اتق اللّه وقل الحق وان كان فيه هلاكك، فان فيه نجاتك، أي فلان، اتق اللّه ودع الباطل وان كان فيه نجاتك، فان فيه هلاكك.
وقالعليهالسلام عند قبر حضره: ان شيئاً هذا آخره لحقيق ان يزهد في اوله، وان شيئاً هذا اوله لحقيق ان يخاف آخره.
اقول: هذا مثل ما روي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال البراء بن عازب: بينا نحن مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم اذ أبصر جماعة، فقال على ما اجتمع هؤلاء؟ فقيل: على قبر يحفرونه، قال: فبدر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين يديه أصحابه مسرعاً حتى اتى القبر، فجثا عليه، قال فاستقبلته من بين يديه لانظر ما يصنع، فبكى حتى بل التراب من دموعه، ثم اقبل علينا فقال: اخواني، لمثل هذا فأعدّوا.
وقالعليهالسلام : من تكلم في اللّه هلك، ومن طلب الرئاسة هلك ومن دخله العجب هلك، وقال اشتدت مؤونة الدنيا والدين، فاما مؤونة الدنيا فانك لا تمد يدك الى شيء منها الا وجدت فاجراً قد سبقك اليه، واما مؤونة الآخرة فانك لا تجد اعواناً يعينونك عليه.
____________________
(١) حواري: ناصر الانبياء والمراد به انصار عيسىعليهالسلام واصحابه.
وقال لعلي بن يقطين: كفارة عمل السلطان الاحسان الى الاخوان.
وقالعليهالسلام : كلما احدث الناس من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون احدث اللّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعدّون.
وقال: تَعجُّبُ الجاهل من العاقل اكثر من تعجّب العاقل من الجاهل.
وقال: المصيبة للصابر واحدة، وللجازع اثنتان.
وقال: يعرف شدة الجور من حكم به عليه.
وقال: واللّه ينزل المعونة على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة، ومن اقتصد وقنع بقيت عليه النعمة، ومن بذر واسرف زالت عنه النعمة، واداء الامانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق، وإذا أراد اللّه بالنملة شراً أنبت لها جناحين، فطارت فأكلها الطير.
قولهعليهالسلام : ومن بذر واسرف الخ، (التبذير التفريق واصله القاء البذر وطرحه فاستعير لكل مضيع لماله، فتبذير البذر تضييع في الظاهر لمن لا يعرف مآل ما يلقيه، والسرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الانسان وان كان ذلك في الانفاق اشهر ويكون تارة اعتباراً بالقدر وتارة بالكيفية، كذا قال الراغب).
وقالعليهالسلام : أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل الا به، واوجب العمل عليك ما انت مسؤول عن العمل به، والزم العلم لك ما دلك على صلاح قلبك واظهر لك فساده، واحمد العلم عاقبة ما زاد في علمك العاجل، فلا تشغلن بعلم ما لا يضرك جهله ولا تغفلن عن علم ما يزيد في جهلك تركه.
روى السيد بن طاوس انه كان جماعة من خاصة ابي الحسن موسىعليهالسلام من اهل بيته وشيعته يحضرون مجلسه، ومعهم في كمامهم الواح ابنوس لطاف واميال، فاذا نطق أبو الحسنعليهالسلام بكلمة وافتى في نازلة اثبت القوم ما سمعوا منه في ذلك.
أقول: ولهعليهالسلام وصية لهشام طويلة جمعت فيها حكم جليلة، وبأيدينا مسائل علي بن جعفرعليهالسلام وهي سؤالات سأل عنها علي اخاه موسىعليهالسلام فأجاب عنها، يرجع اليها فقهاؤنا (رضوان اللّه عليهم) في الأحكام (اوردها العلامة المجلسيرحمهالله في المجلد الرابع من البحار).
فصل في عبادته وفقهه وكرمه عليه السلام
كان ابو الحسن موسىعليهالسلام أعبد أهل زمانه وأفقههم وأسخاهم كفاً وأكرمهم نفساً.
وروي انه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ثم يعقب حتى تطلع الشمس ويخر للّه ساجداً فلا يرفع رأسه من السجود والتحميد حتى يقرب زوال الشمس.
وكان يدعو كثيراً فيقول: اللهم اني اسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب ويكرر ذلك.
وكان من دعائهعليهالسلام : عظم الذنب من عبدك(١) فليحسن العفو من عندك.
وكان يبكي من خشية اللّه حتى تخضل لحيته بالدموع.
____________________
(١) قيل في اعترافهم بالذنب مع عصمتهمعليهمالسلام وخلوهم عن المعاصي ان حسنات الابرار سيئات المقربين. حيث ان انعطافهم عنه تعالى ذنب عندهم، وقيل ان ذلك كناية عن دنو مقامهم في جنب عظمة اللّه ونحو من التذلل، وقيل ان ذلك صدر عنهم تعليماً للعباد في التضرع والاستكانة وقيل ان معنى الذنب هو الفقر الذاتي المعبر عنه بالامكان الذي لا يخلو منه غيره تعالى، ولكن في غير الوجهين الأولين ما لا يخفى على العارف بحالاتهم ومقالاتهمعليهمالسلام .
وكان اوصل الناس لأهله ورحمه، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل فيحمل اليهم الزبيل فيه العين والورق والادقة والتمور فيوصل اليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو، وكان كريماً بهياً وعتق الف مملوك.
وانه قد حضره فقير مؤمن يسأله سد فاقته فضحكعليهالسلام في وجهه فقال اسألك مسألة فان أصبتها اعطيتك عشرة اضعاف ما طلبت، وكان قد طلب منه مئة درهم يجعلها في بضاعة يتعيش بها، فقال الرجل سل، فقال موسىعليهالسلام لو جعل اليك التمني لنفسك في الدنيا ماذا كنت تتمنى؟ قال: كنت اتمنى ان ارزق التقية في ديني وقضاء حقوق اخواني، قالعليهالسلام : وما لك لم تسأل الولاية لنا اهل البيت، قال ذلك قد اعطيته وهذا لم اعطه، فانا اشكر على ما اعطيت وأسأل ربي ما منعت، فقال احسنت اعطوه الفي درهم، وقال اصرفها في كذا يعني في العفص فانه متاع يابس.
وقد روى الناس عنه فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب اللّه وأحسنهم صوتاً بالقرآن، وكان اذا قرأه يحزن ويبكي السامعون بتلاوته وكان الناس بالمدينة يسمونه زين المجتهدين وسمي الكاظم لما كظمه من الغيظ وصبر عليه من فعل الظالمين حتى مضى قتيلاً في حبسهم ووثاقهم. وكان يقول: اني استغفر اللّه في كل يوم خمسة آلاف مرة.
وروى الصدوق انه كانت لأبي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام بضع عشرة سنة كل يوم سجدة بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال، قال: فكان هارون ربما صعد سطحاً يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه ابا الحسنعليهالسلام فكان يرى أبا الحسنعليهالسلام ساجداً، فقال للربيع ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟ قال يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وانما هو موسى بن جعفر له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال قال الربيع: فقال لي هارون اما ان هذا من رهبان بني هاشم، قلت فما لك فقد ضيقت عليه في الحبس، قال هيهات لا بد من ذلك.
وعن أبيه عن علي بن ابراهيم عن اليقطيني عن احمد بن عبد اللّه القزويني عن ابيه، قال: دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالس على سطح فقال لي: ادن مني فدنوت حتى حاذيته، ثم قال لي اشرف الى البيت في الدار فأشرفت، فقال ما ترى في البيت، قلت: ثوباً مطروحاً، فقال انظر حسناً فتأملت ونظرت فتيقنت فقلت: رجل ساجد، فقال لي تعرفه قلت لا، قال: هذا مولاك، قلت: ومن مولاي، فقال: تتجاهل عليَّ، فقلت: ما اتجاهل ولكني لا اعرف لي مولى، فقال هذا ابو الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام اني اتفقده في الليل والنهار فلم اجده في وقت من الاوقات الا على الحال التي اخبرك بها، انه يصلي الفجر فيقف ساعة في دبر صلاته الى ان تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس، وقد وكل من يترصد له الزوال، فلست ادري متى يقول الغلام قد زالت الشمس اذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير ان يجدد وضوءاً فاعلم انه لم ينم في سجوده ولا اغفى(١) فلا يزال كذلك الى ان يفرغ من صلاة العصر، فاذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجداً الى ان تغيب الشمس، فاذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلى المغرب من غير ان يحدث حدثاً ولا يزال في صلاته وتعقيبه الى ان يصلي العتمة(٢) فاذا صلى العتمة افطر على شوى يؤتى به، ثم يجدد الوضوء ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة، ثم يقوم فيجدِّد الوضوء ثم يقوم فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست أدري متى يقول الغلام ان الفجر قد طلع اذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حوّل اليّ.
وروي عن الخطيب البغدادي، وهو من اعاظم اهل السنة وثقات المؤرخين وقدمائهم، انه قال: كان موسىعليهالسلام يدعى العبد الصالح من شدة عبادته واجتهاده.
____________________
(١) غفى الرجل: نعس، نام نومة خفيفة، يقال اغفيت وقل ما يقال غفيت.
(٢) العتمة: ظلمة الليل او الثلث الأول منه وقد استعير لصلاة العشاء.
روي انه دخل مسجد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فسجد سجدة في اول الليل فسمع وهو يقول عظم الذنب من عبدك فليحسن العفو من عندك، يا اهل التقوى ويا أهل المغفرة فجعل يرددها حتى اصبح.
قلت وفي حديث طويل عن المأمون يصف فيه موسى بن جعفرعليهالسلام ويذكر وروده على أبيه الرشيد بالمدينة يقول: اذ دخل شيخ مسخّد(١) قد انهكته العبادة كأنه شنُّ بال قد كلم(٢) السجود وجهه وانفه.
وبالجملة كانعليهالسلام حليف السجدة الطويلة والدموع الغزيرة(٣) وكان له غلام اسود بيده مقص(٤) يأخذ اللحم من جبينه وعرنين انفه من كثرة سجوده:
طالت(٥) لطول سجود منه ثفنته |
فقرحت جبهةً منه وعرنينا |
|
رأى فراغته في السجن منيته |
ونعمةً شكر الباري بها حينا |
وحُكي انه توفي (صلوات اللّه عليه) في حال السجود للّه تعالى.
اقول: ولقد اقتدى بهعليهالسلام في ذلك جماعة ممن لقيه ورآه، منهم محمد بن ابي عمير الثقة الجليل الاواه.
روي عن الفضل بن شاذان، قال: دخلت العراق فرأيت احداً يعاتب صاحبه ويقول له: انت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكتسب عليهم وما آمن من ان تذهب عيناك لطول سجودك، فلما اكثر عليه قال: اكثرت عليَّ، ويحك لو ذهب عين احد من السجود لذهبت عين ابن ابي عمير، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما رفع رأسه الا الى زوال الشمس.
____________________
(١) اصبح فلان مسخداً بالخاء المعجمة والدال المهملة اذا اصبح مصفراً ثقيلاً مورماً (منه).
(٢) أي جرح.
(٣) أي الكثيرة (منه).
(٤) مقراض (منه).
(٥) اولها: يا ساجداً عدوة للّه مبتهلاً الى الزوال بضيق السجن مرهوناً.
وقال الفضل اخذ يوماً شيخي بيدي وذهب بي الى ابن ابي عمير فصعدنا اليه في غرفة وحوله مشائخ له يعظمونه ويبجلونه، فقلت لأبي: من هذا، قال هذا ابن ابي عمير قلت: الرجل الصالح العابد؟ قال نعم.
وروى ان هارون الرشيد انفذ الى موسى بن جعفرعليهالسلام جارية حصيفة(١) لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن، وانفذ الخادم اليه ليستفحص عن حالها فرآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها تقول: قدوس قدوس سبحانك سبحانك سبحانك، فأتى بها وهي ترعد شاخصة الى السماء بصرها، واقبلت في الصلاة، فاذا قيل لها في ذلك، قالت هكذا رأيت العبد الصالح فما زالت كذلك حتى ماتت.
فصل فيما جرى عليه عليه السلام من الرشيد
قبض الرشيد على موسى بن جعفرعليهالسلام سنة ١٧٩ تسع وسبعين ومئة في سفره إلى مكة المعظمة، وهو عند رأس النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قائماً يصلي، فقطع عليه صلاته وحمل وهو يبكي ويقول اليك أشكو يا رسول اللّه ما القى، واقبل الناس من كل جانب يبكون ويضجون، فلما حمل الى بين يدي الرشيد سلم على الرشيد فلم يرد عليه السلام وشتمه وجفاه وقيده، فلما جن عليه الليل امر بقبتين فهيِّئتا له فحمل موسى بن جعفرعليهالسلام الى إحداهما في خفاء ودفعه الى حسان السروي وامره ان يسير به في قبة الى البصرة فيسلمه الى عيسى بن جعفر بن ابي جعفر، وهو اميرها، ووجه قبة اخرى علانية نهاراً الى الكوفة معها جماعة ليعمى على الناس امر موسى بن جعفر، فقدم حسان البصرة قبل التروية
____________________
(١) بمهملتين (منه) يعني مُحكمة العقل.
بيوم فدفعه الى عيسى بن جعفر بن ابي جعفر نهاراً علانية حتى عرف ذلك وشاع امره، فحبسه عيسى في بيت من بيوت المحبس الذي كان يحبس فيه، واقفل عليه وشغله عنه العيد، فكان لا يفتح عنه الباب الا في حالتين، حال يخرج فيها الى الطهور وحال يدخل اليه فيها الطعام، قال نصراني من كتاب عيسى: لقد سمع هذا الرجل الصالح في ايامه في هذه الدار التي هو فيها من ضروب الفواحش والمناكير ما اعلم ولا اشك انه لم يخطر بباله، وروي انه حبسه عنده سنة ثم كتب الى الرشيد ان خذه مني وسلمه الى من شئت والا خليت سبيله، فقد اجتهدت بان اجد عليه حجة فما اقدر على ذلك، حتى اني لأتسمَّع عليه اذا دعا لعله يدعو عليَّ او عليك فما اسمعه يدعو الا لنفسه يسأل الرحمة والمغفرة، فوجّه من تسلمه منه وحُمل سراً الى بغداد وروي انه لما حمل الى بغداد كان ذلك في رجب يوم المبعث سنة تسع وسبعين ومئة.
قال الراوي: ولما حمل الى بغداد حبسه الرشيد عند الفضل بن الربيع، فبقَي عنده مدة طويلة، واراده الرشيد على شيء من أمره، فابى، فكتب بتسليمهعليهالسلام الى الفضل بن يحيى فتسلمه منه وأراد ذلك منه فلم يفعل وبلغه انه عنده في رفاهية وسعة وهو حينئذ بالرقة، فكتب الى العباس بن محمد والسندي بن شاهك في ذلك على يد مسرور الخادم، فدعا العباس بسياط وعقابين وامر بالفضل فجرِّد وضربه السنّدي بين يديه مئة سوط، وكتب مسرور بالخبر الى الرشيد، فأمر بتسليم موسىعليهالسلام الى السندي بن شاهك، فلم يزل (سلام اللّه عليه) ينقل من سجن الى سجن حتى نقل الى حبس السندي بن شاهك الملعون.
وفي الدر النظيم قال: قال السندي بن شاهك: وافى خادم من قبل الرشيد الى ابي الحسنعليهالسلام وهو محبوس عندي، فدخلت معه وقد كان قال له تعرف خبره، فوقف الخادم فقال: ما لك، فقال: بعثني الخليفة لأعرف خبرك، قال، فقال: قل له يا هارون ما من يوم ضراء انقضى عني الا انقضى عنك من السراء مثله حتى نجتمع انا وانت في دار يخسر فيها المبطلون، قال الفضل بن الربيع عن ابيه، قال: بعثني هارون الى
ابي الحسنعليهالسلام برسالة وهو في حبس السندي بن شاهك، فدخلت عليه وهو يصلّي فهبته ان اجلس، فوقفت متكئاً على سيفي فكانعليهالسلام اذا صلى ركعتين وسلم واصل بركعتين أخراوَين، فلما طال وقوفي وخفت ان يسأل عني هارون وحانت منه تسليمة فشرعت في الكلام فامسك، وقد كان قال لي هارون لا تقل بعثني امير المؤمنين اليك ولكن قل بعثني اخوك وهو يقرئك السلام ويقول لك انه بلغني عنك اشياء اقلقتني فاقدمتك اليّ وفحصت عن ذلك فوجدتك نقيَّ الجيب بريئاً من العيب مكذوباً عليك فيما رميت به ففكرت بين اصرافك الى منزلك ومقامك ببابي فوجدت مقامك ببابي ابرأ لصدري وأكذب لقول المسرعين فيك ولكل انسان غذاء قد اغتذاه والفت عليه طبيعته، ولعلك اغتذيت بالمدينة اغذية لا تجد من يصنعها لك ها هنا وقد امرت الفضل ان يقيم لك من ذلك ما شئت فمره بما احببت وانبسط فيما تريده، قال فجعلعليهالسلام الجواب في كلمتين من غير ان يلتفت اليّ فقال: لا حاضر مالي فينفعني ولم اخلق سؤولاً، اللّه اكبر، ودخل في الصلاة، قال فرجعت الى هارون فاخبرته فقال لي: فما ترى في أمره، فقلت: يا سيدي لو خططت في الأرض خطة فدخل فيها ثم قال لا اخرج منها ما خرج منها، قال هو كما قلت ولكن مقامه عندي احب الي.
وروى غيره قال: قال هارون: اياك ان تخبر بهذا أحداً، قال فما اخبرت به احداً حتى مات هارون.
وروى الشيخ عن محمد بن غياث في خبر، قال: قال هارون ليحيى بن خالد انطلق اليهعليهالسلام واطلق عنه الحديد وابلغه عني السلام وقل له يقول لك ابن عمك انه قد سبق مني فيك يمين انّي لا اخليك حتى تقر لي بالإِساءة وتسألني العفو عما سلف منك وليس عليك في اقرارك عار ولا في مسألتك اياي منقصة وهذا يحيى بن خالد هو ثقتي ووزيري وصاحب أمري، فسله بقدر ما اخرج من يميني وانصرف راشداً، قال محمد بن غياث فاخبرني موسى بن يحيى بن خالد ان ابا ابراهيم قال
ليحيى: يا ابا عليّ انا ميت وانما بقي من اجلي اسبوع. الخ.
قال الراوي وجلس الرشيد مجلساً حافلاً، وقال: ايها الناس ان الفضل بن يحيى قد عصاني وخالف طاعتي ورأيت ان ألعنه فالعنوه، فلعنه الناس من كل ناحية حتى ارتج البيت والدار بلعنه، وبلغ يحيى بن خالد فركب الى الرشيد ودخل من غير الباب الذي يدخل الناس منه حتى جاءه من خلفه وهو لا يشعر، ثم قال التفت اليّ يا امير المؤمنين فاصغى اليه فزعاً، فقال له: ان الفضل حدث وانا اكفيك ما تريد، فانطلق وجهه وسر واقبل على الناس، فقال: ان الفضل كان عصاني في شيء فلعنته وقد تاب واناب الى طاعتي فتولوه، فقالوا نحن اولياء من واليت واعداء من عاديت، وقد توليناه، ثم خرج يحيى بن خالد بنفسه على البريد حتى اتى بغداد فماج(١) الناس وارجفوا(٢) بكل شيء، فاظهر انه ورد لتعديل السواد والنظر في امر العمال وتشاغل ببعض ذلك ودعا السنديَّ فامره فيه بامره فامتثله، وروى انه بعث يحيى بن خالد الى موسى بن جعفرعليهالسلام بالرطب والريحان المسمومين، وفي رواية انه سمه في ثلاثين رطبة، قال الراوي: ثم ان السندي بن شاهك احضر القضاة والعدول وذلك قبل وفاة موسىعليهالسلام بايام واخرجهعليهالسلام اليهم وقال ان الناس يقولون ان ابا الحسن موسى في ضنك(٣) وضر وها هوذا لا علة به ولا مرض ولا ضر، فالتفتعليهالسلام فقال لهم: اشهدوا عليّ أني مقتول بالسم منذ ثلاثة ايام، اشهدوا أني صحيح الظاهر لكني مسموم وساحمر في آخر هذا اليوم حمرة شديدة منكرة واصفر غداً صفرة شديدة وابيض بعد غد وأمضي الى رحمة اللّه ورضوانه.
____________________
(١) ماج القوم دخل بعضهم في بعض.
(٢) أي خاضوا فيه.
(٣) أي ضيق.
وروى الصدوق عن الحسن بن محمد بن بشار قال: حدثني شيخ من اهل قطيعة الربيع من العامة ممن كان يقبل قوله، قال: قال لي قد رأيت بعض من يقرون بفضله من اهل هذا البيت فما رأيت مثله قط في نسكه وفضله، قال: قلت من وكيف رأيته؟ قال: جمعنا ايام السندي بن شاهك ثمانين رجلاً من الوجوه ممن ينسب الى الخير، فادخلنا على موسى بن جعفرعليهالسلام ، فقال لنا السندي يا هؤلاء انظروا الى هذا الرجل هل حدث به حدث فان الناس يزعمون انه قد فُعِلَ مكروه به ويكثرون في ذلك وهذا منزله وفرشه موسَّع عليه غير مضيق ولم يرد به امير المؤمنين سوءاً وانما ينتظره ان يقدم فيناظره امير المؤمنين، وها هو ذا صحيح موسع عليه في جميع امره، فاسألوه، قال ونحن ليس لنا هم الا النظر الى الرجل والى فضله وسمته(١) ، فقالعليهالسلام اما ما ذكر من التوسعة وما اشبه ذلك فهو على ما ذكر غير اني اخبركم ايها النفر اني قد سقيت السم في تسع تمرات، واني احتضر غداً وبعد غد أموت، قال: فنظرت الى السندي بن شاهك يرتعد ويضطرب مثل السعفة، قال الحسن وكان هذا الشيخ من خيار العامة، شيخ صدوق مقبول القول ثقة جداً عند الناس.
وروي انه لما كان من الغد جاء به الطبيب، فقال له ما حالك، فتغافل عنه، فلما اكثر عليه عرض عليه خضرة في بطن راحته، وكان السم الذي سم به قد اجتمع في ذلك الموضع ثم قال له هذه علّتي، فانصرف الطبيب اليهم وقال واللّه لهو اعلم بما فعلتم به منكم، ثم توفيعليهالسلام .
وروى القطب الراوندي عن محمد بن الفضل الهاشمي قال: اني اتيت موسى بن جعفرعليهالسلام قبل وفاته بيوم واحد فقال اني ميت لا محالة فاذا واريتني في لحدي فلا تقيمنَّ، وتوجه الى المدينة بودائعي هذه وأوصلها الى عليّ بن موسىعليهالسلام فهو وصيي وصاحب الأمر بعدي ففعلت ما أمرني به وأوصلت الودائع اليه.
____________________
(١) السمت: الطريق والخلق.
قال الشيخ المفيد وروي انه لما حضرته الوفاة سأل السندي بن شاهك ان يحضره مولى له مدنيا ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه ففعل ذلك، قال السندي فكنت سألته في الاذن لي ان اكفنه، فأبى وقال: انّا اهل بيت، مهور نسائنا وحج صرورتنا(١) واكفان موتانا من طاهر اموالنا وعندي كفن اريد ان يتولّى غسلي وجهازي مولاي فلان فتولى ذلك منه.
فصل في وفاته عليه السلام
قبض موسى بن جعفرعليهالسلام مسموماً ببغداد، في حبس السندي بن شاهك في الخامس والعشرين من رجب(٢) سنة ١٨٣ هجري ثلاث وثمانين ومئة(٣) .
روي عن عمر بن واقد، قال: أرسل الي السندي بن شاهك في بعض الليل وانا ببغداد يستحضرني فخشيت ان يكون ذلك لسوء يريده بي فاوصيت عيالي بما احتجت اليه وقلت: انا للّه وانا اليه راجعون. ثم ركبت اليه فلما رآني مقبلاً قال يا ابا حفص لعلنا ارعبناك وافزعناك قلت: نعم. قال: فليس هنا إلا خير، قلت فرسول تبعثه الى منزلي يخبرهم خبري، قال نعم ثم قال يا ابا حفص اتدري لم ارسلت اليك، فقلت: لا، قال: اتعرف
___________________________________________
(١) الصرورة: الذي لم يتزوج. والمراد هنا من لم يحج قبل سفره هذا.
(٢) وقيل في خامسه وقيل في اربع وعشرين منه. اقول يمكن ان يكون لفظة خمس مضين تصحيف خمس بقين.
(٣) في تذكرة السبط حملهعليهالسلام الرشيد معه الى بغداد فحبسه بها سنة سبع وسبعين ومات فأقام في حبسه الى ثمان وثمانين ومئة فتوفي في رجب بها (منه).
موسى بن جعفر فقلت اي واللّه اني لأعرفه وبيني وبينه صداقة منذ دهر، فقال: من ها هنا ببغداد تعرفه ممن يقبل قوله؟ فسميت له اقواماً ووقع في نفسي انهعليهالسلام قد مات، قال فبعث وجاء بهم كما جاء بي، فقال: هل تعرفون قوماً يعرفون موسى بن جعفر فسموا له قوماً فجاء بهم فاصبحنا ونحن في الدار نيف وخمسون رجلاً ممن يعرف موسى بن جعفرعليهالسلام وقد صحبه، قال: ثم قام فدخل وصلينا فخرج كاتبه ومعه طومار فكتب اسماءنا ومنازلنا واعمالنا وخلانا، ثم دخل الى السندي قال فخرج السندي فضرب يده الي فقال لي: قم يا ابا حفص فنهضت ونهض اصحابنا ودخلنا، فقال لي يا ابا حفص اكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر فكشفته فرأيته ميتاً، فبكيت واسترجعت، ثم قال للقوم: انظروا اليه فدنا واحد بعد واحد فنظروا اليه، ثم قال: تشهدون كلكم ان هذا موسى بن جعفر بن محمد، ثم قال يا غلام اطرح على عورته منديلاً واكشفه، فقال ففعل، فقال: اترون به اثراً تنكرونه فقلنا لا ما نرى به شيئاً ولا نراه الا ميتاً، قال فلا تبرحوا حتى تغسلوه واكفنه وادفنه، قال فلم نبرح حتى غسل وكفّن وحمل فصلى عليه السندي بن شاهك.
اقول: وفي الخبر المروي عن المسيب قال: فواللّه لقد رأيتهم بعيني وهم يظنون انهم يغسلونه فلا تصل ايديهم اليه ويظنون انهم يحنطونه ويكفنونه وأراهم لا يصنعون به شيئاً ورأيت شخصاً اشبه الاشخاص به يتولى غسله وتحنيطه وتكفينه وهو يظهر المعاونة لهم وهم لا يعرفونه فلما فرغعليهالسلام من أمره، قال لي ذلك الشخص: يا مسيب مهما شككت فيه فلا تشكن فيّ فإنّي امامك ومولاك وحجة اللّه عليك بعد أبي، يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديقعليهالسلام ومثلهم مثل اخوته حين دخلوا عليه فعرفهم، وهم له منكرون.
قال الراوي: فحملعليهالسلام على نعش ونودي عليه هذا امام الرافضة فاعرفوه، ثم أتيَ به الى السوق فوضع هناك ثم نودي عليه هذا
موسى بن جعفر قد مات حتف انفه، الا فانظروا اليه، فحف به الناس وجعلوا ينظرون اليه، لا اثر به من جراحة ولا خنق(١) وكان في رجله اثر الحناء ثم امروا العلماء والفقهاء ان يكتبوا شهادتهم في ذلك فكتبوا جميعاً الا احمد بن حنبل فكلما زجروه لم يكتب شيئاً(٢) .
وروي ان السوق الذي وضع فيه النعش الشريف سمّي سوق الرياحين وبني على الموضع بناء وجعل عليه باب لئلا يطأه الناس باقدامهم بل يتبركون به وبزيارته.
وقد حكى عن المولى اولياء اللّه صاحب تاريخ مازندران، انه قال في كتابه: اني مررت به مرات عديدة وقبلت الموضع الشريف منه.
قال الشيخ المفيد واخرج فوضع على الجسر ببغداد ونودي هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا اليه فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت. انتهى.
____________________
(١) الخنق كالضرب: الشد على الحلق حتى يموت.
(٢) اقول ولعل ذلك لما استفاد منهعليهالسلام في حياته وشاهد من دلائله وآياته، روى صاحب الدر النظيم عنه قال: دخلت في بعض الأيام على الإِمام موسى بن جعفرعليهالسلام حتى اقرأ عليه اذا ثعبان قد وضع فمه على اذن موسى بن جعفرعليهالسلام كالمحدث له فلما فرغ حدثه موسى بن جعفرعليهالسلام حديثاً لم افهمه ثم انساب الثعبان فقالعليهالسلام يا احمد هذا رسول من الجن قد اختلفوا في مسألة جاءني يسألني فاخبرته بها باللّه عليك يا احمد لا تخبر بهذا احداً الا بعد موتي فما اخبرت به احداً حتى ماتعليهالسلام (منه)، وفي كتاب التتمة في تاريخ الأئمةعليهمالسلام للسيد تاج الدين العاملي ونقله الشيخ الحر العاملي نور اللّه مضجعه في اثبات الهداة ايضاً قال: في تاريخ احوال موسى بن جعفرعليهالسلام ولما مات امر السندي بوضعه على الجسر واظهر للناس انه مات بقضاء اللّه تعالى فكان الناس ينظرون اليه وليس به جرح، وروي ان بعض المخلصين من الإِمامية جاء حينئذ والناس مجتمعون وهم يقولون مات بغير قتل لهم انا استخبر منه بماذا مات، فقالوا: انه ميت، فكيف يخبرك فدنا منه وقال يا ابن رسول اللّه انت صادق وابوك صادق فاخبرنا مضيت موتاً او قتلاً؟ فنطقعليهالسلام وقال قتلاً قتلاً قتلاً، ثم غسل وكفن وكان المتولي لذلك ذلك الرجل وصى اليه ودفن بالزوراء في مقابر قريش من باب التين. قال ابن حجر في الصواعق: في احوال موسى بن جعفرعليهالسلام وحمله الرشيد معه الى بغداد وحبسه فلم يخرج من حبسه الا ميتاً مقيداً (منه).
قال الراوي: فلما اتى بهعليهالسلام مجلس الشرطة اقام اربعة نفر فنادوا الا من أراد أن يرى موسى بن جعفر فليخرج، وخرج سليمان بن جعفر من قصره الى الشط فسمع الصياح والضوضاء(١) فقال لولده وغلمانه ما هذا قالوا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفرعليهالسلام على نعش فقال لولده وغلمانه: يوشك ان يفعل هذا به في الجانب الغربي فاذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من ايديهم فان مانعوكم فاضربوهم وخرقوا ما عليهم من السواد، فلما عبروا به نزلوا اليهم فاخذوه من ايديهم وضربوهم وخرقوا ما عليهم من سوادهم ووضعوه في مفرق اربعة طرق واقام المنادون ينادون الا من أراد أن يرى الطيب ابن الطيب موسى بن جعفرعليهالسلام فليخرج، وحضر الخلق وغسل وحنط بحنوط فاخر وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين وخمسمائة دينار عليها القرآن كله واحتفى ومشى في جنازته متسلباً(٢) مشقوق الجيب حاسر الرأس الى مقابر قريش في باب التين، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والاشراف من الناس قديماً فدفنه هناك وكتب بخبره إلى الرشيد فكتب الى سليمان بن ابي جعفر وصلتك رحم يا عم واحسن اللّه جزاءك واللّه ما فعل السندي بن شاهك لعنه اللّه ما فعله عن أمرنا.
فصل في دفنه عليه السلام
قال الشيخ الأجلُّ الاقدم ابو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الفرق: ولد موسى بن جعفرعليهالسلام في سنة ثمان وعشرين ومئة وقال بعضهم سنة تسع وحمله الرشيد من المدينة لعشر ليال بقين من شوال
____________________
(١) أي الغوغاء.
(٢) أي منتزعاً ثوبه.
سنة تسع وسبعين ومئة وقد قدم هارون الرشيد المدينة منصرفاً من عمرة شهر رمضان ثم شخص هارون الى الحج وحمله معه ثم انصرف على طريق البصرة فحبسه عند عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور ثم أشخصه الى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك فتوفي في حبسه ببغداد لخمس ليال بقين من رجب سنة ١٨٣ ثلاث وثمانين ومئة وهو ابن خمس او اربع وخمسين سنة ودفن في مقابر قريش.
ويقال في رواية اخرى: انه دفن بقيوده وانه اوصى بذلك فكانت امامته خمساً وثلاثين سنة وشهوراً.
وفي الدّر النظيم، ودفن ببغداد في مقابر قريش في بقعة كان قبل وفاته قد ابتاعها لنفسه(١) وروى الشيخ الكليني عن علي بن ابراهيم عن محمد بن عيسى عن مسافر قال امر ابو ابراهيمعليهالسلام حين اخرج به ابا الحسنعليهالسلام ان ينام على بابه في كلّ ليلة ابداً ما كان حياً الى ان يأتيه خبره قال: فكنا في كل ليلة نفرش لأبي الحسنعليهالسلام في الدهليز ثم يأتي بعد العشاء فينام فاذا اصبح انصرف الى منزله قال فمكث على هذه الحال اربع سنين فلما كانت ليلة من الليالي ابطأ عنا وفرش له فلم يأت كما كان يأتي فاستوحش العيال وذعروا(٢) ودخلنا امر عظيم من ابطائه فلما كان من الغد اتى الدار ودخل الى العيال وقصد الى ام احمد فقال لها: هاتي الذي اودعك أبي، فصرخت ولطمت وجهها وشقت جيبها وقالت مات واللّه سيدي فكفّها وقال لها: لا تتكلمي بشيء حتى يجيء الخبر الى الوالي فاخرجت اليه سفطاً(٣) والفي دينار واربعة آلاف دينار فدفعت ذلك اجمع اليه
____________________
(١) وعن الخطيب صاحب تاريخ بغداد المتوفى سنة ٤٦٣ ثلاث وستين واربعمائة وهو من اعاظم علماء الجمهور قال فيهعليهالسلام توفّيعليهالسلام بالحبس ودفن في مقابر الشونيز خارج البقعة وقبره مشهور يزار، عليه مشهد عظيم فيه من قناديل الذهب والفضة وانواع الآلات والفرش مالاً يحد وهو في الجانب الغربيعليهالسلام جعلنا اللّه من المحبين له ولآبائه الكرام وكان الموكل به ايام حبسه ابن شاهك السندي جد كشاجم الشاعر المشهور واللّه اعلم واحكم (منه).
(٢) أي دهشوا وخافوا.
(٣) السفط: وعاء كالصندوق.
دون غيره وقالت انه قال فيما بيني وبينه، وكانت(١) اثيرة عنده، احتفظي بهذه الوديعة عندك لا تطلعي عليها احداً حتى اموت فاذا مضيت فمن أتاك من وُلدي فطلبها منك فادفعيها اليه واعلمي اني قد متُّ وقد جاءتني واللّه علامة سيدي فقبض ذلك منها وامرهم بالامساك جميعاً الى ان ورد الخبر وانصرف فلم يعد بشيء من المبيت كما كان يفعل. فما لبثنا الا اياماً يسيرة حتى جاءت الخريطة بنعيه فعددنا الايام وتفقدنا الوقت فاذا هو قد مات في الوقت الذي فعل ابو الحسنعليهالسلام ما فعل من تخلّفه عن المبيت وقبضه لما قبض.
فصل في استحباب زيارته عليه السلام
يستحب زيارة ابي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام ببغداد وورد أن لزائره الجنة وقال الرضاعليهالسلام من زار قبر ابي ببغداد كان كمن زار رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبر امير المؤمنين (عليه السلام ) الا أن لرسول اللّه وامير المؤمنينعليهماالسلام فضلهما وعن الخطيب في تاريخه عن علي بن الخلال قال: ما همني امر فقصدت قبر موسى بن جعفرعليهالسلام وتوسلت به إلا سهل اللّه لي ما أحب، ورأى في بغداد امرأة تهرول فقيل: الى أين؟ قالت: الى موسى بن جعفرعليهالسلام فانه حُبس ابني، فقال حنبلي انه قد مات في الحبس فقالت: بحق المقتول في الحبس ان تريني القدرة، فاذا بابنها قد اطلق واخذ ابن المتهزئ بجنايته. انتهى.
وروي عن الرضاعليهالسلام انه سئل عن اتيان قبر ابي الحسنعليهالسلام فقال صلوا في المساجد حوله.
____________________
(١) جملة معترضة (منه).
وروي ايضاً ولا تصل عند رأس موسىعليهالسلام فانه يقابل قبور قريش ولا يجوز اتخاذها قبلة وتقول في زيارته ما رواه ابن قولويه باسناده عن ابي الحسنعليهالسلام :
(السلام عليك يا ولي اللّه، السلام عليك يا حجة اللّه، السلام عليك يا نور اللّه في ظلمات الأرض، السلام عليك يا من بدا للّه في شأنه، اتيتك زائراً عارفاً بحقك، معادياً لأعدائك، فاشفع لي عند ربك يا مولاي.
قال وادع اللّه واسأل حاجتك.
اقول: وذكر السيد بن طاوسرحمهالله الصلاة عليه صلى اللّه عليه:
اللهم صل على محمد واهل بيته، وصل على موسى بن جعفر وصي الابرار، وامام الاخيار، وعيبة الانوار، ووارث السكينة والوقار، والحكم والآثار، الذي كان يحيي الليل بالسهر(١) الى السحر بمواصلة الاستغفار، حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، والضراعات المتصلة، ومقر النهى والعدل والخير والفضل والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذب في قعر السجون وظلم المطامير(٢) ذي الساق المرضوض(٣) بحلق القيود والجنازة(٤) المنادى عليها بذلِّ الاستخفاف، والوارد على جدّه المصطفى وابيه المرتضى وامه سيدة النساء، بإرث مغصوب، وولاء مسلوب، وامر مغلوب، ودم مطلوب، وسمّ مشروب، اللهم وكما صبر على غليظ المحن، وتجرع غص(٥)
____________________
(١) أي عدم النوم في الليل.
(٢) جمع مطمورة وهي الحفرة تحت الأرض وتستعمل في الحبس.
(٣) أي المدقوق.
(٤) تستعمل في الميت في عرف المتقدمين.
(٥) جمع غصة وهي الحزن والهم.
الكرب واستسلم لرضاك واخلص الطاعة لك، ومحض الخشوع، واستشعر الخضوع، وعادى البدعة واهلها، ولم يلحقه في شيء من اوامرك ونواهيك لومة لائم، صل عليه صلاة نامية(١) منيفة زاكية، توجب له بها شفاعة امم من خلقك، وقرون من براياك(٢) ، وبلغه عنا تحية وسلاماً، وآتنا من لدنك في موالاته فضلاً واحساناً، ومغفرة ورضواناً، إنك ذو الفضل العميم، والتجاوز العظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين).
____________________
(١) أي الشامخة الشريفة المرتفعة الشأن.
(٢) جمع برية وهي الخلق.
النور العاشر.. الإِمام الثامن مولانا ابو الحسن علي بن موسى الرضا الضامن المأمول المرتجى بضعة سيد الورى صلوات اللّه عليه وعلى آبائه واولاده ائمة الهدى
ولدعليهالسلام في حادي عشر من ذي القعدة يوم الخميس او يوم الجمعة(١) بالمدينة سنة ١٤٨ ثمان واربعين ومائة(٢) بعد وفاة جده الصادقعليهالسلام بايام قليلة وكان الصادقعليهالسلام يتمنى ادراكه، ففي الخبر عن موسى بن جعفرعليهالسلام قال سمعت ابي جعفر بن محمدعليهالسلام غير مرة يقول لي: ان عالم آل محمدعليهالسلام لفي صلبك وليتني ادركته فانه سميّ امير المؤمنينعليهالسلام .
وروي عن يزيد بن سليط قال: لقينا ابا عبد اللّهعليهالسلام في طريق مكة ونحن جماعة، فقلت له: بأبي انت وامي انتم الأئمة المطهرون والموت لا يعرى منه احد فاحدث اليّ شيئاً القيه الى من يخلفني فقال لي: نعم هؤلاء ولدي وهذا سيدهم واشار الى ابنه موسىعليهالسلام وفيه علم الحكم والفهم والسخاء والمعرفة بما يحتاج الناس اليه فيما اختلفوا فيه من امر دينهم وفيه حسن الخلق وحسن الجوار وهو باب من ابواب اللّه عز وجل وفيه اخرى هي خير من ذلك كله، فقال له ابي: وما هي بابي انت وامي، قال:
____________________
(١) او يوم الثلاثاء.
(٢) وقيل في ١٥ من ذي القعدة او ذي الحجة وقيل في سنة ولادته انها سنة ثلاث وخمسون ومئة نقله الطبرسي في اعلام الورى.
يخرج اللّه تعالى منه غوث هذه الأمة وغياثها وعلمها ونورها وفهمها وحكمها خير مولود وخير ناشئ يحقن اللّه به الدماء(١) ويصلح به ذات البين ويلم به الشعث(٢) ويشعب به الصدع(٣) ويكسو به العاري ويشبع به الجائع ويؤمن به الخائف وينزل به القطر ويأتمر له العباد، خير كهل وخير ناشئ يبشر به عشيرته قبل أوان حلمه قوله حكم وصمته(٤) علم يبين للناس ما يختلفون فيه الخ(٥) .
امهعليهالسلام ام ولد يقال لها ام البنين، واسمها نجمة ويقال لها تكْتمُ ايضاً، اشترتها حميدة المصفاة ام موسىعليهالسلام وكانت من افضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها.
روي ان حميدة رأت في المنام رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لها: يا حميدة هبي نجمة لابنك موسىعليهالسلام فانه سيولد له منها خير اهل الأرض فوهبتها له فلما ولدت له الرضاعليهالسلام سماها الطّاهرة.
وفي الدر النظيم لجمال الدين يوسف بن حاتم العاملي تلميذ المحقق (رحمهما اللّه) قال في ذكر الرضاعليهالسلام : امه ام ولد يقال لها تكتم قال(٦) ابو الحسن موسىعليهالسلام : (لما ابتاع هذه الجارية) لجماعة من اصحابه: واللّه ما اشتريت هذه الجارية الا بأمر اللّه ووحيه، فسئل عن
____________________
(١) لأن قبل توليهعليهالسلام ولاية العهد لم يزل يخرج رجل بعد رجل من بني عليعليهالسلام على بني العباس ويسفك دماء الفريقين. وذلك لما يرى بنو علي لأنفسهم من التقدم على بني العباس في امرة المؤمنين. وبعد ولايته (وهو مقبول الفضل على من عداه) لم يبق مستمسك لبني علي في الخروج.
(٢)اي يسد به الخلل.
(٣) أي يجمع به الشق والفرقة.
(٤) الصمت كالضرب: السكوت.
(٥) اقول يأتي في النور الرابع عشر في فصل فضل انتظار الفرج حديث يناسب هذا المقام (منه).
(٦) ذكر هذا الخبر المسعودي في اثبات الوصية ايضاً (منه).
ذلك فقال: بينا انا نائم اذ أتاني جدي وابيعليهماالسلام ومعهما شقة حرير فنشراها فاذا قميص وفيه صورة هذه الجارية فقالا يا موسى: ليكونن لك من هذه الجارية خير اهل الأرض بعدك ثم أمراني اذا ولدته ان اسميه علياً، وقالا: ان اللّه عز وجل سيظهر به العدل والرأفة والرحمة طوبى لمن صدقه وويل لمن عاداه وجحده.
روى الشيخ الصدوق عن نجمة ام الرضاعليهالسلام تقول: لما حملتُ بابني عليّ لم اشعر بثقل الحمل وكنت اسمع في منامي تسبيحاً وتهليلاً وتمجيداً من بطني فيفزعني ذلك ويهوّلني، فاذا انتبهت لم اسمع شيئاً فلما وضعته وقع على الأرض واضعاً يده على الأرض رافعاً رأسه الى السماء يحرك شفتيه كأنه يتكلم فدخل الي ابوه موسى بن جعفرعليهماالسلام فقال لي: هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربك، فناولته اياه في خرقة بيضاء فأذن في أذنه الايمن واقام في الايسر ودعا بماء الفرات فحنكه ثم رده الي وقال: خذيه فانه بقية اللّه في ارضه، وروى عن البزنطي قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : ان قوماً من مخالفيكم يزعمون ان اباك انما سماه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده، فقال كذبوا واللّه وفجروا بل اللّه تبارك وتعالى سماه الرضا لأنه كان رضيّ اللّه عز وجل في سمائه ورضي لرسوله والأئمة بعدهعليهمالسلام في ارضه، قال: فقلت له: الم يكن كل واحد من آبائك الماضينعليهمالسلام رضي اللّه عز وجل ولرسوله والأئمة بعدهعليهمالسلام ؟ فقال بلى، فقلت: فلم سمِّي ابوكعليهالسلام من بينهم الرضا؟ قال لأنه رضي به المخالفون من اعدائه كما رضي به الموافقون من اوليائه ولم يكن ذلك لأحد من آبائهعليهمالسلام فذلك سمّى من بينهم الرضاعليهالسلام . وروي ان نقش خاتم الرضاعليهالسلام كان: ما شاء اللّه لا قوة الا باللّه.
فصل في عبادته ومكارم اخلاقه ومعالي اموره عليه السلام
روي انه كان جلوس الرضاعليهالسلام في الصيف على حصير وفي الشتاء على مسح ولبسه الغليظ من الثياب حتى اذا برز للناس تزيَّن لهم، وكانعليهالسلام اذا صلى الغداة وكان يصليها في اول وقت ثم يسجد فلا يرفع رأسه الى ان ترتفع الشمس، ثم يقوم فيجلس للناس او يركب ولم يكن احد يقدر أن يرفع صوته في داره كائناً من كان، وكانت قيمة(١) في داره تنبه النساء بالليل وتأخذهن بالصلاة وكان ذلك من اشد ما عليهن حتى ان بعض الجواري تمنت الخروج من داره، وكانعليهالسلام يكلم الناس قليلاً وكان كلامه وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختمه في كل ثلاث ويقول لو اردت ان اختمه في اقرب من ثلاث لختمتٍ ولكنِّي ما مررت بآية قط الا فكرت فيها وفي أي شيء انزلت وفي أي وقت فلذلك صرت اختم في كل ثلاثة ايام.
وروي عن ابي الصلت قال: جئت إلى باب الدار التي حبس فيها الرضاعليهالسلام بسرخس وقد قيد فاستأذنت عليه السجان فقال لا سبيل لكم اليه فقلت: ولم قال: لأنه ربما صلى في يومه وليلته الف ركعة انما ينفتل في صلاته ساعة في صدر النهار وقبل الزوال وعند اصفرار الشمس فهو في هذه الاوقات قاعد في مصلاه يناجي ربه قال: فقلت له فاطلب لي في هذه الأوقات اذناً عليه فاستأذن لي عليه فدخلت عليه وهو قاعد في مصلاه متفكر، الخبر.
وعن ابراهيم بن العباس قال: ما رأيت ابا الحسن الرضاعليهالسلام جفا احداً بكلامه قط، ولا اتكى بين يدي جليس له قط، ولا رأيته شتم احداً من مواليه ومماليكه قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قط بل
____________________
(١) أي متولية.
كان ضحكه التبسم، وكان اذا خلا ونصبت مائدته اجلس معه على مائدته مماليكه حتى البواب والسائس، وكانعليهالسلام قليل النوم بالليل كثير السهر يحيي اكثر لياليه من اولها الى الصبح، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة ايام في الشهر ويقول ذلك صوم الدهر، وكانعليهالسلام كثير المعروف والصدقة في السر وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه، اقول ومن أراد أن يقف على ما كان يعملعليهالسلام في يومه وليله من العبادات فعليه ان يلاحظ الخبر المشهور المروي من رجاء بن ابي الضحاك الحميري عن ابيه عن معمر بن خلاد قال: كان ابو الحسن الرضاعليهالسلام اذا اكل أُتي بصحفة فتوضع قرب مائدته فيعمد الى اطيب الطعام مما يؤتى به فيأخذ من كل شيء شيئاً فيوضع في تلك الصحفة ثم يأمر بها للمساكين ثم يتلو هذه الآية، فلا اقتحم العقبة، ثم يقول: علم اللّه عز وجل ان ليس كل انسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم سبيل الى الجنة(١) -.
الكليني عن اليسع بن حمزة قال: كنت انا في مجلس أبي الحسن الرضاعليهالسلام احدثه وقد اجتمع اليه خلق كثير يسألونه عن الحلال والحرام اذ دخل عليه رجل طوال آدم فقال له: السلام عليك يا ابن رسول اللّه، رجل من محبيك ومحبيّ آبائك واجدادكعليهمالسلام ، مصدري من الحج، وقد افتقدت نفقتي وما معي ما ابلغ به مرحلة، فان رأيت ان تنهضني الى بلدي وللّه عليّ نعمة فاذا بلغت بلدي تصدقت بالذي توليني عنك فلست موضع صدقة، فقال له اجلس رحمك اللّه واقبل على الناس يحدثهم حتى تفرقوا وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وانا فقال اتأذنون لي في الدخول فقال له سليمان قدم اللّه امرك، فقام فدخل الحجرة وبقي ساعة ثم خرج ورد الباب واخرج يده من اعلى الباب وقال اين الخراساني؟ فقال ها أنذا
____________________
(١) اذ انه تعالى جعل شكر الايادي، اقتحام العقبة وفسره بقوله عتق رقبة او اطعام في يوم ذي مسغبة (اي مجاعة) فاشارعليهالسلام الى عدم امكان الأول لأكثر الناس وقدرتهم للثاني.
فقال خذ هذه المئتي دينار واستعن بها في مؤونتك ونفقتك وتبرك بها ولا تتصدق بها عني واخرج فلا اراك ولا تراني، ثم خرج، فقال سليمان: جعلت فداك لقد اجزلت ورحمت فلماذا سترت وجهك عنه، فقال: مخافة ان أرى ذل السؤال في وجهه لقضاء حاجته اما سمعت حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة والمذيع بالسيئة مخذول والمستتر بها مغفور له، اما سمعت قول الأول:
متى آتِه يوماً لأطلب حاجة |
رجعت الى اهلي ووجهي بمائه |
قال السبط في التذكرة وكانعليهالسلام من الفضلاء الاتقياء الاجواد وفيه يقول ابو نواس(١) :
قيل لي: انت اوحد الناس في |
كل كلام من المقال بديه |
|
لك في جوهر الكلام فنون |
ينثر الدر في يدي مجتنيه |
|
فعلى ما تركت مدح بن موسى |
والخصال التي تجمعن فيه |
|
قلت: لا اهتدي لمدح امام |
كان جبريل خادماً لأبيه |
ابن شهرآشوب عن موسى بن سيار قال: كنت مع الرضاعليهالسلام وقد اشرف على حيطان طوس وسمعت واعية فاتبعتها فاذا نحن بجنازة فلما بصرت بها، رأيت سيدي وقد ثنى رجله عن فرسه ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة(٢) بامها ثم اقبل عليّ وقال يا موسى بن سيار، من شيع جنازة وليٍّ من اوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه لا ذنب عليه، حتى اذا وضع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد اقبل فافرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت فوضع يده على صدره ثم قال: يا فلان بن فلان ابشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة فقلت جعلت فداك هل تعرف الرجل فواللّه انها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا، فقال لي:
____________________
(١) له ظرف وملاميح. راجع ترجمته في الكنى والالقاب وغيره.
(٢) ولد الشاة.
يا موسى بن سيار اما علمت انا معاشر الأئمة تعرض علينا اعمال شيعتنا صباحاً ومساء فما كان من التقصير في اعمالهم سألنا اللّه الشكر لصاحبه.
روي عن ياسر الخادم قال، كان الرضاعليهالسلام اذا خلا جمع حشمه كلهم عنده الصغير والكبير فيحدثهم ويأنس بهم ويؤنسهم، وكانعليهالسلام اذا جلس على المائدة لم يدع صغيراً ولا كبيراً حتى السائس(١) والحجام الا اقعده معه على مائدته. وقال: قال لنا ابو الحسن ان قمت على رؤوسكم وانتم تأكلون فلا تقوموا حتى تفرغوا ولربما دعا بعضنا، فيقال: هم يأكلون فيقول: دعوهم حتى يفرغوا.
وروى الشيخ الكليني عن رجل من اهل بلخ قال: كنت مع الرضاعليهالسلام في سفره الى خراسان فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة فقال: مه ان الرب تبارك وتعالى واحد والأم واحدة والاب واحد والجزاء بالاعمال.
اقول: هذا حالهعليهالسلام مع الفقراء والرعايا ولكن لما دخل عليه الفضل بن سهل ذو الرياستين وقف بين يديه ساعة ثم رفع الرضاعليهالسلام رأسه إليه فقال له: ما حاجتك قال الفضل: يا سيدي هذا كتاب كتبه(٢) امير المؤمنين وأنت اولى ان تعطينا مثل ما اعطى امير المؤمنين اذ كنت وليّ عهد المسلمين، فقال له الرضاعليهالسلام : اقرأه وكان كتاباً في اكبر جلد فلم يزل قائماً حتى قرأه فلما فرغ قال له ابو الحسنعليهالسلام : يا فضل لك علينا هذا ما اتقيت اللّه عز وجل، فنقض عليه امره في كلمة واحدة فخرج من عنده.
روى عن ياسر الخادم قال: اكل الغلمان يوماً فاكهة فلم يستقصوا
____________________
(١) أي رائض الدواب والمتولي لها.
(٢) كان هو كتاب الحبوة فيه ما اعطاه المأمون وحباه كلما احب من الاموال والضياع والسلطان وبسط له من الدنيا امله (منه).
اكلها، ورموا بها، فقال لهم ابو الحسنعليهالسلام سبحان اللّه ان كنتم استغنيتم فان أناساً لم يستغنوا اطعموه من يحتاج اليه. وروى انهعليهالسلام رأى اسود يعمل مع غلمانه فقال لهم: قاطعتموه على أجرته فقالوا لا هو يرضى منا بما نعطيه فضربهم بالسوط وغضب لذلك غضباً شديداً.
وعن محمد بن سنان قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليهالسلام في ايام هارون انك شهرت نفسك بهذا الأمر وجلست مجلس ابيك وسيف هارون يقطر الدم، قال جرأني على هذا ما قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ان اخذ ابو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا اني لست بنبي وانا اقول لكم ان اخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا اني لست بامام.
فصل في علمه عليه السلام
روي عن محمد بن عيسى اليقطيني انه جمع من مسائلهعليهالسلام مما سأل عنه واجاب عنه خمسة عشر الف مسألة، وفي رواية اخرى ثمانية عشر الف مسألة.
الشيخ الطبرسي عن ابي الصلت قال: ما رأيت اعلم من عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ولا رآه عالم الا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الاديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي احد منهم الا اقر له بالفضل واقر على نفسه بالقصور، ولقد سمعت علي بن موسى الرضاعليهالسلام يقول: كنت اجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون فاذا اعيى الواحد منهم عن مسألة اشاروا اليّ باجمعهم وبعثوا الي بالمسائل فاجيب (فاجبت. ظ) عنها قال ابو الصلت: ولقد حدثني محمد بن اسحاق بن موسى بن جعفر عن ابيه ان موسى بن جعفرعليهالسلام كان يقول لبنيه: هذا اخوكم عليّ بن موسى
عالم آل محمدعليهمالسلام فاسألوه عن اديانكم واحفظوا ما يقول لكم، فانّي سمعت ابي جعفر بن محمدعليهالسلام غير مرة يقول لي: ان عالم آل محمدعليهالسلام لفي صلبك وليتني ادركته فانه سميُّ امير المؤمنين عليّعليهالسلام .
قال شيخنا الصدوقرحمهالله كان المأمون يجلب إلى (علي ظ) الرضاعليهالسلام من متكلمي الفرق واهل الاهواء المضلّة كل من سمع به، حرصاً على انقطاع الرضاعليهالسلام عن الحجة مع واحد منهم وذلك حسداً منه له ولمنزلته من العلم فكان لا يكلمه احد الا اقر له بالفضل وألزم الحجة له عليه.
وروي عن علي بن محمد بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسىعليهالسلام ، فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه اليس من قولك ان الانبياء معصومون، قال: بلى قال: فما معنى قول اللّه عز وجل وعصى آدم ربه فغوى فاجابهعليهالسلام ثم سأله عن آية اخرى فاجابه فلم يزل يسأله ويجيبهعليهالسلام الى ان قال عليّ بن محمد بن الجهم، فقام المأمون الى الصلاة واخذ بيد محمد بن جعفر بن محمدعليهالسلام وكان حاضراً المجلس وتبعتهما قال له المأمون كيف رأيت ابن اخيك، فقال: عالم ولم نره يختلف الى أحد من اهل العلم، فقال المأمون: ان ابن اخيك من اهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الذين قال فيهم: الا ان ابرار عترتي واطايب ارومتي(١) احلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً لا تعلّموهم فانهم اعلم منكم، لا يخرجونكم من باب هدى ولا يدخلونكم في باب ضلال وانصرف الرضاعليهالسلام الى منزله، فلما كان من الغد غدوت عليه واعلمته ما كان من قول المأمون وجواب عمه محمد بن جعفر له فضحك ثم قال: يا ابن الجهم لا يغرنك ما سمعته منه فانه سيغتالني(٢) واللّه ينتقم لي منه.
____________________
(١) الارومة: اصل الشجرة.
(٢) أي سيفتك بي ويقتلني غيلة.
وفي الدر النظيم عن يحيى بن اكثم قال كنت يوماً عند المأمون وعنده عليّ بن موسى الرضاعليهالسلام ودخل الفضل بن سهل ذو الرياستين فقال للمأمون: قد وليت الثغر الفلاني فلاناً التركي فسكت المأمون، فقال الرضاعليهالسلام : ما جعل اللّه تعالى لإِمام المسلمين وخليفة رب العالمين القائم بامور الدين ان يولي شيئاً من ثغور المسلمين احداً من سبي ذلك الثغر، لأن الانفس تحن الى اوطانها، وتشفق على اجناسها، وتحب مصالحها وان كانت مخالفة لاديانها، فقال المأمون: اكتبوا هذا الكلام بماء الذهب.
اقول: من أراد أن يقف على بعض ما يخبر عن علمهعليهالسلام فعليه بان يراجع الخطب المروية عنهعليهالسلام واحتجاجهعليهالسلام مع الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر واصحاب الزردشت ونسطاس الرومي والمتكلمين في مجلس المأمون وجوابهعليهالسلام لاسئلة عمران الصابيء واسلام عمران ببركته، وكان عمران جدلاً لم يقطعه عن حجته احد قط واحتجاجهعليهالسلام على سليمان المروزي واحد خراسان وغير ذلك(١) .
ومن كلماتهعليهالسلام ، صديق كل امرئ عقله وعدوه جهله. وقالعليهالسلام : التودد الى الناس نصف العقل.
وقال: ان اللّه تعالى يبغض القيل والقال واضاعة المال وكثرة السؤال. وقال: إنا اهل بيت نرى ما وعدنا علينا ديناً كما صنع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وقال: يأتي على الناس زمان تكون العافية فيه عشرة اجزاء تسعة منها في اعتزال الناس وواحد في الصمت.
وقال عونك للضعيف افضل من الصدقة وقال الصمت باب من ابواب الحكمة ان الصمت يكسب المحبة، انه دليل على كل خير.
____________________
(١) راجع الاحتجاج للشيخ الطبرسي وبحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ١٢ و٤.
وقال ان العابد من بني اسرائيل لم يكن عابداً حتى يصمت عشر سنين فاذ صمت عشر سنين كان عابداً.
وقال من رضي عن اللّه تعالى بالقليل من الرزق رضي اللّه منه بالقليل من العمل. وقال الاسترسال بالانس يذهب المهابة.
عن عبد العظيم الحسني (رضي اللّه عنه) عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام قال: يا عبد العظيم ابلغ عنّي اوليائي السلام وقل لهم ان لا يجعلوا للشيطان على انفسهم سبيلاً، ومرهم بالصدق في الحديث واداء الامانة، ومرهم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم واقبال بعضهم على بعض والمزاورة فان ذلك قربة إليَّ ولا يشغلوا انفسهم بتمزيق(١) بعضهم بعضاً فانّي آليت على نفسي انه من فعل ذلك واسخط وليّاً من اوليائي دعوت اللّه ليعذبه في الدنيا أشد العذاب وكان في الآخرة من الخاسرين.
فصل في ذكر طلب المأمون ابا الحسن الرضا عليه السلام من المدينة إلى المرو
روى الشيخ الصدوق عن محول السجستاني قال لما ورد البريد بإشخاص الرضاعليهالسلام الى خراسان كنت انا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مراراً، كل ذلك يرجع الى القبر ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت اليه وسلمت عليه فرد السلام وهنأته. فقال: ذرني فاني اخرج من جوار جدّيعليهالسلام فأموت في غربة وادفن في جنب هارون قال: فخرجت متبعاً لطريقه حتى مات سلام اللّه عليه بطوس ودفن الى جنب هارون.
____________________
(١) أي بشق اعراضهم والطعن فيها.
وفي الدر النظيم روى جماعة من اصحاب الرضاعليهالسلام انه قال: لما اردت الخروج من المدينة الى خراسان جمعت عيالي فامرتهم أن يبكوا علي حتى اسمع بكاءهم(١) ثم فرقت فيهم اثني عشر الف دينار ثم قلت لهم: اني لا ارجع الى عيالي ابداً، ثم اخذت ابا جعفر فادخلته المسجد ووضعت يده على حافة القبر والصقته به واستحفظته برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فالتفت اليّ ابو جعفر فقال لي: بأبي أنت واللّه تذهب الى اللّه، وامرت جميع وكلائي وحشمي له بالسمع والطاعة وترك مخالفته وعرفتهم انه القيم مقامي.
وروى الشيخ الاربلي عن دلائل الحميري عن امية بن علي قال: كنت مع ابي الحسنعليهالسلام بمكة في السنة التي حج فيها ثم صار الى خراسان ومعه ابو جعفرعليهالسلام وابو الحسنعليهالسلام يودع البيت، فلما قضى طوافه عدل الى المقام، فصلى عنده، فصار ابو جعفرعليهالسلام على عنق موفق يطوف به فصار ابو جعفرعليهالسلام الى الحجر فجلس فيه فأطال فقال له موفق: قم جعلت فداك فقالعليهالسلام ما اريد ان ابرح من مكاني هذا الا ان يشاء اللّه واستبان في وجهه الغم فأتى موفق ابا الحسنعليهالسلام فقال: جعلت فداك قد جلس ابو جعفرعليهالسلام في الحجر وهو يأبى ان يقوم فقام ابو الحسنعليهالسلام فاتى ابا جعفرعليهالسلام فقال له قم يا حبيبي، فقال: ما أريد أن ابرح من مكاني هذا، قال بلى يا حبيبي. ثم قال: كيف اقوم وقد ودعت البيت وداعاً لا ترجع اليه فقال: قم يا حبيبي، فقام معه وروى ذلك المسعودي باختلاف في الالفاظ وفيه ان لأبي جعفرعليهالسلام في ذلك الوقت سنة.
____________________
(١) وقد اشير الى ذلك في زيارته: السلام على من امر اولاده وعياله بالنياحة عليه قبل وصول القتل اليه (منه).
قال السيد عبد الكريم بن طاوس ان الرضاعليهالسلام لما طلبه المأمون من خراسان توجهعليهالسلام من المدينة الى البصرة ولم يصل الكوفة ومنها توجه على طريق الكوفة إلى بغداد ثم الى قم ودخلها وتلقاه اهلها وتخاصموا فيمن يكون ضيفه منهم، فذكرعليهالسلام ان الناقة مأمورة(١) فما زالت حتى بركت على باب وصاحب ذلك الباب رأى في منامه أن الرضاعليهالسلام يكون ضيفه في غد. فما مضى الا يسيراً حتى صار ذلك الموضع مقاماً شامخاً، وهو في اليوم مدرسة مطروقة، ثم منها الى فريومد(٢) . وقال: في حالهم الخبر المشهور، ثم وصل الى مرو وعاد الى سناباد وتوفي بها واتفق لي زيارتهعليهالسلام في جمادى الأولى سنة ثمانين وستمائة انتهى.
اقول: قد ظهر من هذا الكلام ان بلدتنا الطيبة دار الايمان قم المحمية التي كانت حرم اهل البيت وعش آل محمدعليهمالسلام وموضع قدم جبرائيل، قد تشرفت باقدام مولانا ابي الحسن الرضا عليه آلاف التحية والتحف، وزادها الشرف فوق الشرف، وان ورودهعليهالسلام اشبه بورود جده رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة الطيبة، فقد روي عن سلمان (رضي اللّه عنه) قال: لما قدم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة تعلق الناس بزمام الناقة فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يا قوم دعوا الناقة فانها (فهي: خ د) مأمورة، فعلى باب من بركت، فانا
____________________
(١) قد ظهر من هذا الخبر انهعليهالسلام كان راكباً ناقة في سفره الى الخراسان ويؤيد ذلك ما رواه الراوندي في الدعوات ان رجلاً من اهل كرمند قرية من اصفهان كان جمالاً لمولانا أبي الحسنعليهالسلام عند توجهه الى خراسان فلما اراد الانصراف قال له يا ابن رسول اللّه شرفني بشيء من خطك اتبرك به وكان الرجل من العامة فاعطاه مكتوباً فيه كن محباً لآل محمدعليهمالسلام وان كنت فاسقاً ومحباً لمحبيهم وان كانوا فاسقين وانا احب ان اتمثل ها هنا بهذين البيتين:
وتحمله الناقة الأدماءُ معتجرا |
بالبرد كالبدر جلى ليلة الظلم |
|
وفي عِطافَيْهِ او اثناء بردته |
ما يعلم اللّه من دين ومن كرم |
(٢) الظاهر ان هذه الكلمة تصحيف فربوند وهي قرية بقرب عباس آباد ومزينان على ما سمعت (منه).
عنده، فاطلقوا زمامها وهي تهف(١) في السير حتى دخلت المدينة فبركت على باب أبي ايوب الانصاري(٢) (رضي اللّه عنه) ولم يكن في المدينة افقر منه فانقطعت قلوب الناس حسرة على مفارقة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا غرو في ذلك من مولانا الرضاعليهالسلام فانه بضعة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ووضع اللّه عز وجل عليه اعباء(٣) النبوة ومنحه الاضطلاع بها وكان صلوات اللّه عليه شبيهاً به تحكي شيمتّه شيمتَه ما تخرم(٤) مشيتُه مشيتَه، بل روي أنه ( عليه السلام ) كان؟شبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم)، وكل من رأى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المنام رآه على صورتهعليهالسلام .
الصدوق، عن ابن المتوكل، عن علي عن ابيه عن يوسف بن عقيل، عن اسحاق بن راهويه، قال: لما وافى ابو الحسن الرضاعليهالسلام نيسابور وأراد أن يرحل منها الى المأمون اجتمع اليه اصحاب الحديث فقالوا له يا ابن رسول اللّه ترحل عنا ولا تحدثنا بحديث فنستفيده منك، وقد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه وقال: سمعت ابي موسى بن جعفر، يقول: سمعت ابي جعفر بن محمد، يقول: سمعت ابي محمد بن علي يقول: سمعت ابي علي بن الحسين، يقول: سمعت ابي الحسين بن علي يقول: سمعت ابي أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهمالسلام ، يقول: سمعت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يقول: سمعت جبرائيلعليهالسلام يقول: سمعت اللّه عز وجل، يقول: لا اله الا اللّه حصني، فمن دخل حصني امن عذابي فلما مرت الراحلة نادانا بشروطها وانا من شروطها.
____________________
(١) الهفيف: سرعة السير والخفة (منه).
(٢) هو زيد بن خالد الخزرجي من بني النجار. شهد القعبة وبدراً وسائر المشاهد وشهد مع امير المؤمنين مشاهده كلها وكان من خواص اصحابه. ولما غزا يزيد بن معاوية الروم اخذ معه ابا ايوب (تبركاً) وكان شيخاً هرماً فتوفي عند القسطنطنية فامر يزيد ان يدفن بالقرب من سورها وكانت وفاته سنة ٥٠ خمسين.
(٣) جمع عبء وهو الثقل.
(٤) أي لا تعدل عنها.
وروى الصدوق ايضاً عن ابي الصلت الهروي، قال: لما خرج الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام من نيسابور إلى المأمون، فبلغ قرب القرية الحمراء، قيل له: يا ابن رسول اللّه قد زالت الشمس افلا تصلي فنزلعليهالسلام فقال: إيتوني بماء فقيل ما معنا ماء فبحثعليهالسلام بيده الأرض فنبع من الماء ما توضأ به هو ومن معه، واثره باق الى اليوم فلما دخل سناباد اسند الى الجبل الذي ينحت منه القدور، فقال: اللهم انفع به وبارك فيما ينحت منه ثم امر فنحت له قدور من الجبل، وقال لا يطبخ ما آكله الا فيها، وكانعليهالسلام خفيف الأكل قليل الطعم(١) فاهتدى الناس اليه من ذلك اليوم وظهرت بركة دعائهعليهالسلام فيه.
ثم دخل دار حميد بن قحطبة الطائي ودخل القبة التي فيها قبر هارون الرشيد ثم خط بيده الى جانبه، ثم قال: هذه تربتي وفيها ادفن وسيجعل اللّه هذا المكان مختلف شيعتي واهل محبتي واللّه ما يزورني منهم زائر، ولا يسلّم عليّ منهم مسلم، الا وجب له غفران اللّه ورحمته بشفاعتنا اهل البيت، ثم استقبل القبلة وصلّى ركعات ودعا بدعوات، فلما فرغ سجد سجدة طال مكثه فيها، فاحصيت له فيها خمسمائة تسبيحة ثم انصرف.
مهج الدعوات عن ياسر الخادم، قال: لما نزل ابو الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام قصر حميد بن قحطبة نزع ثيابه وناولها حميداً فاحتملها وناولها جارية له لتغسلها فما لبثت ان جاءت ومعها رقعة فناولتها حميداً، وقالت: وجدتها في جيب ابي الحسن ( عليه السلام) فقلت: جعلت فداك، ان الجارية وجدت رقعة في جيب قميصك فها هي، قال: يا حميد: هذه عوذة لا نفارقها فقلت لو شرفتني بها، فقال: هذه عوذة من امسكها في جيبه كان البلاء مدفوعاً عنه وكانت له حرزا من الشيطان الرجيم ثم املى على الحميد العوذة، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه اني اعوذ بالرحمن منك الخ.
____________________
(١) كالخبز وزنا: الطعام.
فصل في ذكر ولاية العهد من المأمون للرضا عليه السلام
قال صاحب نور الابصار ذكر جماعة من اصحاب السير ورواة الاخبار بأيام الخلفاء ان المأمون لما اراد ولاية العهد للرضاعليهالسلام وحدث نفسه بذلك وعزم عليه احضر الفضل بن سهل واخبره بما عزم عليه وأمره بمشاورة اخيه الحسن في ذلك فاجتمعا وحضرا عند المأمون فجعل الحسن يعظم ذلك عليه ويعرفه ما في خروج الامر عن اهل بيته فقال المأمون اني عاهدت اللّه تعالى اني ان ظفرت بالمخلوع(١) سلمت الخلافة الى افضل بني طالب وهو افضلهم ولا بد من ذلك فلما رأيا تصميمه وعزيمته الى ذلك امسكا عن معارضته فقال تذهبان الآن اليه وتخبرانه بذلك عني وتلزمانه به فذهبا الى عليّ الرضاعليهالسلام واخبراه بذلك وألزماه فامتنع فلم يزالا به حتى اجاب على انه لا يأمر ولا ينهى ولا يعزل ولا يولي ولا يتكلم بين اثنين في حكومة ولا يغير شيئاً مما هو قائم على اصله فاجابه المأمون الى ذلك، ثم ان المأمون جلس مجلساً خاصاً لخواص اهل دولته من الامراء والوزراء والحجاب والكتاب واهل الحل والعقد وكان ذلك في يوم الخميس لخمس خلون من شهر رمضان سنة احدى ومئتين واحضرهم فلما حضروا قال للفضل بن سهل: اخبر الجماعة الحاضرين، برأي امير المؤمنين، في الرضا عليّ بن موسىعليهالسلام ، وأنه ولاه عهده وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الثاني فحضروا وجلسوا على مقادير طبقاتهم، ومنازلهم، كل في موضعه، وجلس المأمون، ثم جيء بالرضاعليهالسلام فجلس بين وسادتين عظيمتين، وضعتا له وهو لابس الخضرة وعلى رأسه عمامة، متقلداً بسيف، فامر المأمون ابنه العباس بالقيام اليه ومبايعته اول الناس فرفع الرضاعليهالسلام يده وجعلها من فوق، فقال له المأمون
____________________
(١) المراد من المخلوع اخوه محمد الامين (منه).
ابسط يدك فقال له الرضاعليهالسلام : هكذا كان يبايع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يده فوق ايديهم، فقال افعل ما ترى ثم وضعت بدر(١) الدراهم والدنانير وبقج الثياب والخلع، وقام الخطباء والشعراء وذكروا ما كان من أمر المأمون، من ولاية عهده للرضاعليهالسلام ، وذكروا فضل الرضاعليهالسلام ، وفرقت الصّلات والجوائز على الحاضرين على قدر مراتبهم، واول من بدئ به العلويون، ثم العباسيون، ثم باقي الناس على قدر منازلهم ومراتبهم، ثم ان المأمون قال للرضاعليهالسلام : قم فاخطب الناس فقام، فحمد اللّه وأثنى عليه وثنى بذكر نبيه محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فصلى عليه وقال: ايها الناس ان لنا عليكم حقاً برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكم علينا حق به فاذا اديتم الينا ذلك وجب لكم علينا الحكم (الحق(٢) ظ) والسلام ولم يسمع منه في هذا المجلس غير هذا، وخطب للرضاعليهالسلام بولاية العهد في كل بلد وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول اللّه (صلى الللّه عليه وآله وسلم) بالمدينة فقال في الدعاء للرضاعليهالسلام ، وهو على المنبر: ولي عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليعليهمالسلام وانشد:
ستة آباء همُ ما همُ |
أفضل من يشرب صوب الغمام |
ذكر المدائني قال: لما جلس الرضاعليهالسلام ذلك المجلس وهو لابس تلك الخلع، والشعراء والخطباء يتكلمون، وتلك الالوية يخفف على رأسه، نظر الرضاعليهالسلام الى بعض مواليه الحاضرين ممن كان يختص به وقد داخله من السرور ما لا مزيد عليه، وذلك لِما رأى، فاشار اليه الرضاعليهالسلام فدنا منه فقال له في اذنه سراً: لا تشغل قلبك بشيء مما ترى من هذا الامر ولا تستبشر به فانه لا يتم.
____________________
(١) جمع بدرة وهو الكيس الموضوع فيه الدراهم. وقد يطلق على عشرة آلاف درهم او كمية عظيمة منه.
(٢) حرف ظ بعد كلمة الحق وما أشبه هذا، معناه: الحق بحسب الظاهر.
اقول: لما جعل المأمون أبا الحسن الرضاعليهالسلام وليَّ عهده وان الشعراء قصدوه ومدحوه وصوبوا رأي المأمون في الاشعار كان فيمن ورد عليه من الشعراء دعبل بن علي الخزاعي، فلما دخل عليه، قال: اني قد قلت قصيدة فجعلت على نفسي ان لا انشدها على احد قبلك، فأمره بالجلوس حتى خف مجلسه، ثم قال له هاتها، فانشده قصيدته التي أولها(١) :
مدارس آياتٍ خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات |
وكان مع دعبل ابراهيم بن العباس فانشده:
ازالت عزاء القلب بعد التجلد |
مصارع اولاد النبي محمد (ص) |
فوهب الرضاعليهالسلام لهما عشرين الف درهم من الدراهم التي عليها اسمه، كان المأمون امر بضربها في ذلك الوقت، فأما دعبل فصار بالعشرة آلاف التي حصته الى قم فباع كل درهم بعشرة دراهم فتخلصت له مئة الف درهم، واما ابراهيم فلم تزل عنده بعد ان اهدى بعضها وفرق بعضها على اهله الى ان توفيرحمهالله فكان كفنه وجهازه منه. قلت: ولابراهيم مدائح كثيرة في الرضاعليهالسلام ، وكان شعره في مدحهعليهالسلام معروفاً، ينتسخ الى زمان المتوكل، فجمعه ابراهيم فاحرقه من خوف المتوكل. وكان له ابنان اسمهما الحسن والحسين فلما ولي المتوكل سمّاهما اسحاقاً وعباساً فزعاً منه.
وروي عن علي بن ابراهيم عن ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعاً قالوا: لما حضر العيد وكان قد عقد للرضاعليهالسلام الامر بولاية العهد بعث المأمون اليه في الركوب الى العيد والصلاة بالناس والخطبة لهم فبعث اليه الرضاعليهالسلام قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الامر فاعفني من الصلاة بالناس، فقال له المأمون انما اريد بذلك ان تطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضلك، ولم تزل الرسل تتردد بينهما في
____________________
(١) وقد شرحها بعض العلماء وطبع ذاك الشرح بإيران.
ذلك فلما الحّ عليه المأمون ارسل اليه ان اعفيتني، فهو احب الي وان لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وامير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام ، فقال له المأمون: اخرج كيف شئت، وأمر القواد والحجاب والناس ان يبكروا الى باب الرضاعليهالسلام . قال فقعد الناس لأبي الحسنعليهالسلام في الطرقات والسطوح واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه وصار جميع القواد والجند إلى بابه، فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس فاغتسل ابو الحسنعليهالسلام ولبس ثيابه وتعمم بعمامة بيضاء من قطن القى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه ومس شيئاً من الطيب واخذ بيده عكازاً(١) وقال لمواليه افعلوا مثل ما فعلت فخرجوا بين يديه وهو حاف قد شمر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلاً ورفع رأسه إلى السماء وكبّر، وكبّر مواليه معه، ثم مشى حتى وقف على الباب فلما رآه القواد والجند على تلك الصورة، سقطوا كلهم عن الدواب الى الأرض، وكان احسنهم حالاً من كان معه سكين قطع بها شرابة حاجليته(٢) ونزعها، وتحفَّى، وكبَّر الرضاعليهالسلام على الباب وكبر الناس معه فخيل الينا أن السماء والحيطان تجاوبه، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج، لما رأوا ابا الحسنعليهالسلام وسمعوا تكبيره، قلت ويحق ان انشد في هذا المقام:
ذكروا بطلعتك النبي فهللوا |
لما خرجت الى الصلاة وكبروا |
|
ومشيت مشية خاضع متواضع |
للّه لا يزهى ولا يتكبر |
|
فافتن فيك الناظرون فاصبع |
يومى اليك بها وعين تنظر |
|
يجدون رؤيتك التي فازوا بها |
من أنعم اللّه التي لا تكفر |
لكن المأمون كفر بهذه النعمة الجزيلة لما بلغه ذلك وخاف إن بلغعليهالسلام المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فبعث اليه: قد كلفناك
____________________
(١) كطلاب وزنا: عصا ذات زج في اسفلها يتوكأ عليها الرجل.
(٢) الحاجلية: يقصد بها الحذاء المشدود برباط.
شططاً(١) واتعبناك، ولسنا نحب ان تلحقك مشقة، فارجع وليصلِّ بالناس من كان يصلي بهم على رسمه، فدعا ابو الحسنعليهالسلام بخفه فلبسه وركب ورجع واختلف امر الناس في ذلك اليوم، ولم ينتظم في صلاتهم.
روى الصدوق عن عليّ بن ابراهيم عن ياسر الخادم قال: كان الرضاعليهالسلام اذا رجع يوم الجمعة من الجامع وقد اصابه العرق والغبار رفع يديه قال: اللهم ان كان فرجي مما أنا فيه بالموت فعجّل لي الساعة، ولم يزل مغموماً مكروباً الى أن قبض (صلوات اللّه علّيه).
فصل في وفاة الرضا عليه السلام وسببها
روي ان المأمون لما ندم من ولاية عهد الرضاعليهالسلام بإشارة الفضل بن سهل خرج عن مرو منصرفاً الى العراق، واحتال على الفضل بن سهل، حتى قتله غالب خال المأمون في حمام سرخس مغافصة(٢) ، واحتال على عليّ بن موسى الرضا حتى سمّ في علّة كانت اصابته.
روي عن الحسن بن عباد، وكان كاتب الرضاعليهالسلام قال: دخلت عليه وقد عزم المأمون بالمسير الى بغداد، فقال الرضاعليهالسلام يا ابن عباد ما ندخل العراق ولا نراه، فبكيت وقلت فآيستني ان آتي اهلي، وولدي، قالعليهالسلام : اما انت فستدخلها وانما عنيت نفسي، فاعتل وتوفي بقرية من قرى طوس، وقد كان تقدم في وصيته ان يحفر قبره مما يلي الحائط بيته وبين قبر هارون ثلاث اذرع، وقال ياسر الخادم، لما كان بيننا وبين طوس سبعة منازل اعتل ابو الحسنعليهالسلام فدخلنا طوس وقد اشتدت به العلة فبقينا بطوس اياماً فكان المأمون يأتيه في كل يوم مرتين.
____________________
(١) أي جوراً وتجاوزاً عن الحد.
(٢) أي مفاجأة واخذاً على غرة (منه).
وقال الشيخ المفيد: إن الحسن والفضل ابني سهل قلبا رأي المأمون في الرضاعليهالسلام فعمل على قتله فاتفق انه أكل هو والمأمون يوماً طعاماً، فاعتل منه الرضاعليهالسلام واظهر المأمون تمارضاً، فذكر محمد بن عليّ بن حمزة عن منصور بن بشير عن اخيه عبد اللّه بن بشير قال: أمرني المأمون ان اطول اظفاري على العادة فلا اظهر لاحد ذلك، ففعلت ثم استدعاني فاخرج الي شيئاً شبه التمر الهندي وقال لي اعجن هذا بيدك جميعاً، ففعلت ثم قام وتركني، فدخل عليّ الرضاعليهالسلام فقال له: ما خبرك قال ارجو ان اكون صالحاً، قال: انا اليوم بحمد اللّه ايضاً، صالح، فهل جاءك احد من المترفقين في هذا اليوم، قال: فلا فغضب المأمون وصاح على غلمانه ثم قال: خذ ماء الرمان الساعة فانه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني، فقال: ائتنا برمان فاتيته به فقال اعصره بيديك ففعلت وسقا المأمون الرضاعليهالسلام بيده، فكان ذلك سبب وفاته ولم يلبث الا يومين حتى ماتعليهالسلام .
ورواه الصدوق بتفاوت وفيه كان الرمان في شجرة في بستان في دار الرضاعليهالسلام وقال المأمون للرضاعليهالسلام مص منه شيئاً، فقال: حتى يخرج امير المؤمنين فقال: لا واللّه الا بحضرتي ولولا خوفي ان يرطب معدتي لمصصته معك، فمص منه ملاعق وخرج المأمون فما صليت العصر حتى قام الرضاعليهالسلام خمسين مجلساً وزاد الأمر في الليل، قلت قد اشير الى ذلك في زيارة ائمة المؤمنين في هذه الفقرة، ومسموم قد قطعت بجرع السم امعاؤه.
وفي اللوح السماوي مشيراً اليهعليهالسلام وعلى وليي وناصري ومن اضع عليه اعباء النبوة وامنحه بالاضطلاع(١) بها، يقتله عفريت مستكبر يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح، الى جنب شر خلقي.
____________________
(١) اضطلع بحمله: نهض به وقوي عليه.
وفي تذكرة السبط قيل: انهعليهالسلام دخل الحمام ثم خرج فقدم اليه طبق فيه عنب مسموم قد ادخلت فيه الابر المسمومة من غير ان يظهر اثرها فاكله فمات، وله خمس وخمسون سنة.
وذكر ابو الفرج والشيخ المفيد عن محمد بن الجهم، انه يقول: ان الرضاعليهالسلام كان يعجبه العنب فاخذ له عنب وجعل في موضع اقماعه(١) الابر فتركت اياماً فاكل منه في علته فقتله، وذكر ان ذلك من لطيف السموم.
روي عن ياسر الخادم قال لما كان في آخر يومه الذي قبضعليهالسلام فيه، كان ضعيفاً في ذلك اليوم، فقال لي بعدما صلّى الظهر: يا ياسر أكل الناس شيئاً، قلت: يا سيدي من يأكل ها هنا مع ما انت فيه، فانتصبعليهالسلام ثم قال هاتوا المائدة ولم يدع من حشمه احداً الا اقعده معه على المائدة، يتفقد واحداً واحداً، فلما اكلوا قال: ابعثوا إلى النساء بالطعام فحمل الطعام إلى النساء، فلما فرغوا من الأكل أغمي عليه، وضعف، فوقعت الصيحة وجاءت جواري المأمون ونساؤه حافيات حاسرات، ووقعت الوجبة(٤) بطوس وجاء المأمون، حافياً حاسراً، يضرب على رأسه ويقبض على لحيته، ويتأسف ويبكي، وتسيل الدموع على خديه، فوقف على الرضاعليهالسلام وقد افاق، فقال: يا سيدي واللّه ما ادري أي المصيبتين اعظم علي فقدي لك وفراقي اياك او تهمة الناس لي اني اغتلتك وقتلتك؟ قال فرفععليهالسلام طرفه اليه ثم قال: احسن يا امير المؤمنين معاشرة ابي جعفر فان عمرك وعمره هكذا وجمع بين سبابتيه قال: فلما كان من تلك الليلة قضى عليه بعدما ذهب من الليل بعضه.
وروي انه كان آخر ما تكلم به: قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل الى مضاجعهم وكان امر اللّه قدراً مقدوراً فلما اصبح اجتمع
____________________
(١) جمع قمع كضرب وحبر وعنب: ما التصق باسفل التمر ونحوه.
(٢) الوجبة: السقطة مع الهدة او صوت الساقط.
الخلق وقالوا: هذا قتله واغتاله يعني المأمون وقالوا: قتل ابن رسول اللّه واكثروا القول والجلبة(١) وكان محمد بن جعفر بن محمد استأمن الى المأمون وجاء الى خراسان وكان عم ابي الحسن، فقال له المأمون: يا ابا جعفر اخرج الى الناس واعلمهم ان ابا الحسن لا يخرج اليوم وكره ان يُخرجه فتقع الفتنة فخرج محمد بن جعفر الى الناس، فقال: أيها الناس تفرقوا فان ابا الحسن اليوم لا يخرج، فتفرق الناس وغسل ابو الحسن في الليل ودفن.
وروى السيد الشبلنجي في نور الابصار عن هرثمة بن اعين، وكان من خدم الخليفة عبد اللّه المأمون وكان قائماً بخدمة الرضاعليهالسلام ، قال: طلبني سيدي ابو الحسن الرضاعليهالسلام في يوم من الايام، وقال لي: يا هرثمة اني مطلعك على امر يكون سرّاً عندك لا تظهره لاحد مدة حياتي فاذا اظهرته مدة حياتي، كنت خصماً لك عند اللّه، فحلفت له انّي لا اتفوه بما يقوله لي لأحد مدة حياته، فقال لي: اعلم يا هرثمة انه قد دنا رحيلي ولحوقي بآبائي واجدادي وقد بلغ الكتاب اجله واني اطعم عنباً ورماناً مفتوتاً فاموت ويقصد الخليفة ان يجعل قبري خلف قبر ابيه هارون الرشيد وان اللّه لا يقدره على ذلك وان الأرض تشد عليهم فلا تعمل فيها المعاول(٢) ولا يستطيعون حفرها، فاعلم يا هرثمة ان مدفني في الجهة الفلانية من اللحد الفلاني للموضع(٣) عينه فاذا أنا مت وجهزت فاعلمه بجميع ما قلت لك لتكونوا على بصيرة من امري وقل له اذا انا وضعت في نعشي واراد الصلاة عليّ، فلا يصلي علي، وليتأن قليلاً، يأتكم رجل عربي، متلثم على ناقة له، مسرع من جهة الصحراء فينيخ ناقته، وينزل عنها، ويصلّي عليّ فصلوا معه عليّ فاذا فرغتم من الصلاة علي وحملت الى مدفني الذي عينته لك، فاحفر شيئاً يسيراً من وجه الأرض تجد قبراً مطبقاً معموراً، في قعره
____________________
(١) أي الشدة في القول.
(٢) جمع معول وهو اداة الحفر.
(٣) كلام متعرض من هرثمة بين كلامهعليهالسلام (منه).
ماء ابيض، فاذا كشفت عنه الطبقات نضب الماء فهذا مدفني فادفنوني فيه، ثم ذكر وقوع جميع ما قالعليهالسلام .
وعن دلائل الحميري عن معمر بن خلاد قال: قال ابو جعفرعليهالسلام يا معمر اركب، قلت: الى اين، قال: اركب كما يقال لك، قال: فركبت فانتهيت الى واد او وهدة فقال لي قف ها هنا فوقفت فأتاني، فقلت له: جعلت فداك اين كنت، قال: دفنت ابي الساعة وكان بخراسان.
وروى ابو الفرج عن ابي الصلت، انه لما مات الرضاعليهالسلام ، حضره المأمون قبل ان يحفر قبره وأمر ان يحفر الى جانب ابيه، ثم اقبل علينا فقال حدثني صاحب هذا النعش انه يحفر له قبر فيظهر فيه ماء وسمك احفروا فحفروا فلما انتهوا الى اللحد نبع ماء وظهر فيه سمك ثم غاض(١) الماء فدفن فيه الرضاعليهالسلام .
اقول: الذي أفيض عليَّ ببركة مولانا ابي الحسن الرضاعليهالسلام في ظهور السمك والماء في قبره الشريف، لعل هو تنبيه المأمون بانتقام اللّه تعالى منه، بزوال ملكه وحلول الغضب عليه، وهلاكه بالسمك والماء، لاغتياله الرضاعليهالسلام .
قال الدميري(٢) في تعبير السم، وربما دلت رؤيته على الغم والنكد وزوال المنصب، وحلول الغضب، لأن اللّه تعالى حرّم على اليهود صيدهم يوم السبت، فخالفوا امره واستوجبوا اللعن. انتهى.
واما هلاك المأمون بالسمك والماء فقد حكى المسعودي في مروج الذهب في اخبار المأمون وغزاته ارض الروم، ما هذا ملخصه: وانصرف في غزاته فنزل على عين البديدون المعروفة بالقشيرة، فأقام هنالك فوقف على العين
____________________
(١) أي نقص او غار واختفى.
(٢) الدميري هو كمال الدين محمد بن موسى بن عيسى المصري الشافعي تلميذ اسنوي صاحب كتاب حياة الحيوان وغيره توفي سنة ٨٠٨ نسب الى دميرة كسفينة (منه).
فاعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع، وكثرة الخضرة، فأمر بقطع خشب طوال فبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالازج من الخشب، وورق الشجر، وجلس تحت الكنيسة التي قد عقدت له، والماء تحته، وطرح في الماء درهماً صحيحاً فقرأ كتابته وهو في قرار الماء، لصفاء الماء، ولم يقدر احد أن يدخل يده في الماء من شدة برده، فبينا هو كذلك اذ لاحت سمكة نحو الذراع كانها سبيكة فضة، فجعل لمن يخرجها سيفه فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد، فلما صارت على حرف(١) العين، او على الخشب الذي عليه المأمون، اضطربت وافلتت(٢) من يد الفراش، فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره، وترقوته، فبلت ثوبه ثم انحدر الفراش ثانية، فأخذها ووضعها بين يدي المأمون، في منديل، تضطرب فقال المأمون: تقلى الساعة ثم اخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر أن يتحرك من مكانه، فغطى باللحف والدواويج(٣) وهو يرتعد كالسعفة ويصيح البرد البرد، ثم حول الى المغرب ودثر وأوقد النيران حوله، وهو يصيح البرد البرد، ثم اتى بالسمكة وقد فرغ من قليها، فلم يقدر على الذوق منها، وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها، ولما اشتد به الأمر، سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسويه(٤) في ذلك الوقت عن المأمون، وهو في سكرات الموت، وما الذي يدل عليه علم الطب من أمره، وهل يمكن برؤه وشفاؤه؟ فتقدم ابن ماسويه وأخذ احدى يديه وبختيشوع الأخرى
____________________
(١) يعني جانب وكنار وطرف (منه).
(٢) أي سقطت.
(٣) الدواج: اللحاف (منه).
(٤) اثنان من الاطباء يسميان بهذا الاسم. والكبير منهما هو الذي التحق بخدمة هارون الرشيد واشتهر بالدربة في صناعته. وقصده الناس من كل مكان وكان قبل ذلك بجند يشابور. واما الصغير فهو ابن جبرائيل بن بختيشوع الكبير وكان معاصراً للمتوكل. ومعنى بختيشوع عبد عيسى.
اما ابن ماسويه فالمسمون به من الاطباء اربعة. والمراد به هنا يوحنا الطبيب المشهور. لازم المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل توفي (٢٤٣ هجري) وقد تلمذ عليه حنين بن اسحاق الذي ترجم كتب ابقراط وجالنيوس من اللغة اليونانية.
وأخذ المجسة من كلتا يديه فوجدا نبضه خارجاً عن الاعتدال، منذراً بالفناء، والانحلال، والتزقت ايديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه، من سائر جسده، كالزيت او كلعاب بعض الافاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك فانكرا معرفته، وانهما لم يجداه في شيء من الكتب، وانه دال على انحلال الجسد، فاحضر المعتصم الاطباء حوله يؤمل خلاصه مما هو فيه، فلما ثقل قال: اخرجوني اشرف على عسكري وانظر الى رحالي، واتبين ملكي، وذلك في الليل، فأخرج فاشرف على الخيم والجيش وانتشاره وكثرته، وما قد وقد من النيران، فقال يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه، ثم رد الى مرقده واجلس المعتصم رجلاً يشهده، لما ثقل فرفع الرجل صوته ليقولها، فقال له ابن ماسويه: لا تصح فواللّه ما يفرق بين ربه وبين ما بي(١) ، في هذا الوقت، ففتح عينيه من ساعته وبهما من العظم والكبر والاحمرار ما لم ير مثله قط، واقبل يحاول البطش(٢) بيديه بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك، وقضى عن ساعته وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثماني عشرة ومئتين وحمل الى طرسوس فدفن بها.
فصل في استشهاد الرضا عليه السلام وثواب زيارته
قبض ابو الحسن علي بن موسى الرضاعليهالسلام في آخر صفر كما اختاره ابن الاثير والطبرسي والسيد الشبلنجي وغيرهم من سنة ٢٠٣ ثلاث ومئتين وهو ابن خمس وخمسين سنة، وتوفي بطوس في قرية يقال لها سناباد من نوقان على دعوة(٣) ودفن بها (صلوات اللّه عليه)، وكتب المأمون الى اهل
___________________________________________
(١) يعني انه في حالة الاغماء ولا يفهم ما تقول ولا يتميز الاشخاص.
(٢) أي يريد ان يضربه بشدة وقصد ان يخاطبه بما يسوؤه.
(٣) أي فاصلتها من نوقان على مسيرة صوت واع.
بغداد وبني العباس والموالي يعلمهم بموتهعليهالسلام وانهم نقموا ببيعته وقد مات وسألهم الدخول في طاعته، فكتبوا اليه اغلظ جواب.
وروي عن امية، بن علي، قال: كنت بالمدينة وكنت اختلف إلى أبي جعفرعليهالسلام وابو الحسن بخراسان وكان اهل بيته وعمومة ابيه يأتونه ويسلمون عليه فدعا يوماً الجارية، فقال: قولي لهم يتهيأون للمأتم فلما تفرقوا قالوا ما سألناه مأتم من؟ فلما كان من الغد فعل مثل ذلك فقالوا مأتم من؟ قال مأتم خير من على ظهرها، فأتانا خبر أبي الحسن بعد ذلك.
روى الصدوق عن دعبل بن علي، قال: جاءني خبر موت الرضاعليهالسلام وانا بقم فقلت قصيدتي الرائية:
ارى امية معذورين ان قتلوا |
ولا أرى لبني العباس من عذر |
|
اولاد حرب ومروان واسرتهم |
بنو معيط ولاة الحقد والوغر(١) |
|
قوم قتلتم على الإِسلام اولهم |
حتى اذا استمسكوا جازوا على الكفر |
|
اربعْ(٢) بطوس على قبر الزكي به |
ان كنت تربع من دين على وطر |
|
قبران في طوس خير الناس كلهم |
وقبر شرهم هذا من العبر |
|
ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما |
على الزكي بقرب الرجس من ضرر |
|
هيهات كل امرئ رهن بما كسبت |
له يداه فخذ ما شئت او فذر |
وقال(٣) الصدوق: ولعلي بن ابي عبد اللّه الخوافي يرثي الرضاعليهالسلام افضل الصلوات واكمل التحيات:
يا ارض طوس سقاك اللّه رحمته |
ماذا حويت من الخيارت يا طوس |
|
طابت بقاعك في الدنيا وطاب بها |
شخص(٤) ثوى بسناباد ومرموسُ(٥) |
____________________
(١) الوغر: الغيظ.
(٢) ربَعَ ربعاً بالمكان اقام واطمأن.
(٣) أي الصدوق (منه).
(٤) أي اقام.
(٥) أي مدفون.
شخص عزيز على الإِسلام مصرعه |
في رحمة اللّه مغمور ومغموس |
|
يا قبره انت قبر قد تضمنه |
حلم وعلم وتطهير وتقديس |
|
فخراً بأنك مغبوط بجثته |
وبالملائكة الأبرار محروس |
وثواب زيارتهعليهالسلام اكثر من ان يذكر، قال الشيخ الشهيد في الدروس عن الكاظمعليهالسلام : من زار قبر ولدي عليّ كان عند اللّه كسبعين حجة مبرورة، قال له يحيى المازني سبعين حجة مبرورة قال نعم وسبعين الف حجة.
وقيل لأبي جعفر محمد بن علي الجوادعليهالسلام زيارة الرضاعليهالسلام افضل ام زيارة الحسينعليهالسلام ؟ فقال زيارة ابي افضل لأنه لا يزوره الا الخواص من الشيعة.
وعنهعليهالسلام انها أفضل من الحج، وافضلها رجب.
وروى البزنطي قال: قرأت كتاب ابي الحسن الرضاعليهالسلام بخطه: ابلغ شيعتي ان زيارتي تعدل عند اللّه الف حجة، والف عمرة، متقبلة كلها. قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام : الف حجة قال إي واللّه والف الف حجة(١) لمن يزوره عارفاً بحقه.
وقال الرضاعليهالسلام من زارني على بعد داري ومزاري اتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى اخلصه من اهوالها، اذا تطايرت الكتب يميناً وشمالاً وعند الصراط و(عند ظ) الميزان.
وروى الصدوق عن ابي الحسن الهاديعليهالسلام يقول، من كانت له الى اللّه عز وجل حاجة، فليزر قبر جدي الرضاعليهالسلام
____________________
(١) قد ظهر عن هذه الفقرة الشريفة ان الاختلاف الوارد في قدر الفضل والثواب محمولة على اختلاف الاشخاص واختلاف مراتب الاخلاص والمعرفة والتقوى وغير ذلك (منه) اقول والاظهر ان ذلك من باب المبالغة في الاجر لا التحديد الواقعي حتى احتيج الى ذلك التوجيه.
بطوس وهو على غسل، وليصل عند رأسه ركعتين، وليسأل اللّه تعالى حاجته، في قنوته، فانه يستجيب له، ما لم يسأل في مأثم او قطيعة رحم، فان موضع قبره لبقعة من بقاع الجنة لا يزورها مؤمن الا اعتقه اللّه تعالى من النار واحله دار القرار.
قال الشيخ المفيد في المقنعة باب مختصر زيارتهعليهالسلام تقف على قبره بعد ان تغتسل لزيارته وتلبس اطهر ثيابك وتقول:
(السلام عليك يا ولي اللّه وابن وليه، السلام عليك يا حجة اللّه وابن حجته، السلام عليك يا امام الهدى والعروة الوثقى ورحمة اللّه وبركاته. اشهد انك مضيت على ما مضى عليك آباؤك الطاهرون، صلوات اللّه عليهم، لم تؤثر عمى على هدى، ولم تمل من حق الى باطل، وانك نصحت للّه ولرسوله، واديت الامانة، فجزاك اللّه عن الإِسلام واهله خير الجزاء، أتيتك بأبي وأمي زائراً عارفاً بحقك موالياً لأوليائك معادياً لاعدائك، فاشفع لي عند ربك).
ثم انكب على القبر وضع خديك عليه ثم تحول الى عند الرأس فقل:
( السلام عليك يا مولاي يا ابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته اشهد انك الإِمام الهادي والولي المرشد، ابرأ الى اللّه تعالى من اعدائك، واتقرب الى اللّه بولايتك، صلى اللّه عليك ورحمة اللّه وبركاته).
ثم صل ركعتي الزيارة وصل بعدهما ما بدا لك وتحول الى عند الرجلين فادع بما شئت ان شاء اللّه.
قال السيد بن طاوس في الاقبال: ورأيت في بعض تصانيف اصحابنا العجم (رضوان اللّه عليهم)، انه يستحب ان يزار مولانا الرضاعليهالسلام يوم ثالث وعشرين من ذي القعدة من قرب او بعد ببعض زياراته المعروفة او بما يكون كالزيارة من الرواية بذلك.
قلت وروى العلامة المجلسيرحمهالله عن صاحب كتاب العدد القوية انه قال: ان وفاة الرضاعليهالسلام كانت في ذلك اليوم، واللّه العالم.
قال السيد الداماد قدس سره في رسالة اربعة ايام في ذكر اعمال يوم دحو الأرض، يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، ان زيارة الرضاعليهالسلام فيه افضل الاعمال المستحبة وآكد الآداب المسنونة.
«ختام»
قال شيخنا الطبرسيرحمهالله في اعلام الورى بعد ذكر جملة من دلائل الرضا ومعجزاتهعليهالسلام وأمّا ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس وعلاماته والعجائب التي شاهدها الخلق فيه واذعن العام والخاص له واقر المخالف والمؤالف به الى يومنا هذا فكثير خارج عن حد الاحصاء والعد، ولقد اُبرئ فيه الاكمه(١) والابرص، واستجيبت الدعوات، وقضيت ببركته الحاجات وكشفت الملمَّات وشاهدنا كثيراً من ذلك وتيقناه الخ.
قال شيخنا الحر العاملي (قدس سره) في اثبات الهداة بعد نقل هذا الكلام من الاعلام، يقول محمد بن الحسن الحر، مؤلف هذا الكتاب: ولقد رأيت وشاهدت كثيراً من ذلك وتيقنته كما شاهده الطبرسي وتيقنه في مدة مجاورتي لمشهد الرضاعليهالسلام ، وذلك ستة وعشرون سنة، وسمعت من الأخبار في ذلك ما يجاوز حد التواتر وليس في خاطري اني دعوت في هذا المشهد وطلبت منه(٢) من اللّه تعالى حاجة الا وقضيت لي، والحمد للّه، وتفصيل ذلك يضيق عنه المجال ويطول فيه المقال فلذلك اكتفيت بالاجمال ومن ذلك(٣) ان بنتاً من جيراننا كانت خرساء ثم زارت قبر
____________________
(١) أي الاعمى والاعشى.
(٢) به. ظ.
(٣) ومن ذلك. ظ.
الرضاعليهالسلام يوماً فرأت عند القبر، رجلاً حسن الهيئة ظنت انه الرضاعليهالسلام فقال لها: ما لك لا تتكلمين تكلمي، فنطقت في الحال وزال عنها الخرس بالكلية، فقلت فيها هذه الأبيات:
يا كليم الرضاعليهالسلام |
وعليك السلام والاكرام |
|
كلميني عسى اكون كليماً |
لكليم الرضاعليهالسلام |
(انتهى).
يقول عباس بن محمد الرضا القمّي مؤلف هذا الكتاب ولقد رأيت وشاهدت في مدة مجاورتي لهذا المشهد المقدس خصوصاً في هذا التاريخ وهو شوال سنة ١٣٤٣ ثلاث واربعين بعد الف وثلاثمائة كثيراً من ذلك وتيقنته وعلمت علماً لا يخالج الشك والريب في معناه، فلو ذهبت للخوض في ايراد ذلك لخرجت عن الغرض في هذا(١) الكتاب ولقد صدق شيخنا العاملي في قوله:
وما بدا من بركات مشهده |
في كل يوم امسه مثل غده |
|
وكشفاء العمي(٢) والمرضى به |
اجابة الدعاء في اعتابه(٣) |
|
سلام على آل طه ويس |
سلام على آل خير النبيين |
|
سلام على روضة حل فيها |
امام يباهي به الملك والدين |
روي عن ابي عبد اللّه الحافظ انه قال: كنت في الروضة الرضوية (صلوات اللّه على مشرفها) ليلة جمعة احييتها فغلبني النوم في آخرها وكنت بين النوم واليقظة فرأيت في تلك الحالة ملكين نزلا من السماء وكتبا بخط اخضر على جدار القبة هذين البيتين.
اذا كنت تأمل او ترتجي |
من اللّه في حالتيك الرضا |
|
فلازم مودة آل الرسول |
وجاور علي بن موسى الرضا |
وروى الشيخ الصدوق بإسناده عن ابي الحسن على المعدل قال: رأى رجل من الصالحين فيما يرى النائم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له يا رسول اللّه من ازور من اولادك؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم ان من اولادي من اتاني مسموماً وان من اولادي من اتاني مقتولاً قال: فقلت له من ازور منهم يا رسول اللّه، مع تشتت اماكنهم، او قال مشاهدهم، قال من هو اقرب منك يعني بالمجاورة وهو مدفون بارض الغربة، قال: فقلت يا رسول اللّه: تعني الرضاعليهالسلام فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قل (صلى اللّه عليه قل صلى اللّه عليه قل صلى اللّه عليه) (منه).
____________________
(١) وقد ذكر شطراً منها، الشيخ الصدوق في كتابه عيون اخبار الرضا. واما ما وضع لايداع جل المعجزات الصادرة عنهمعليهمالسلام في كتابي (الخرائج للقطب الراونديرحمهالله ) و(مدينة المعاجز. للسيد البحراني) فراجعهما.
(٢) العمى كقفل وزنا: جمع اعمى. (٣) ولقد اجاد من قال:
النور الحادي عشر الإِمام التاسع ابو جعفر الثاني محمد بن علي التقي امام كل عاكف وباد وحجة اللّه على جميع العباد صلوات اللّه عليه وعلى آبائه واولاده الامجاد
ذكر ابن عياش ان ولادتهعليهالسلام كانت يوم العاشر من رجب ولكن المشهور بين العلماء والمشائخ انه ولد بالمدينة في ٩ من شهر رمضان من سنة ١٩٥ خمس وتسعين ومئة(١.
امه ام ولد يقال لها سبيكة وسماها الرضاعليهالسلام الخيزران وكانت نوبية من اهل بيت مارية القبطية ام ابراهيم ابن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكانت من افضل نساء زمانها واشار اليها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: بأبي ابن خيرة الاماء النوبية الطيِّبة.
____________________
(١) وقيل في ١٥ من ذلك الشهر وقيل في ١٨ منه وقيل في ١٧ منه في سلطنة هارون الرشيد.
وفي خبر يزيد بن سليط وملاقاته موسى بن جعفرعليهالسلام في طريق مكة وهم يريدون العمرة قال: ثم قال ابو ابراهيمعليهالسلام اني أوخذ في هذه السنة والأمر الى ابني عليّ سميّ عليّ وعليّ، فاما عليّ الأول فعليّ بن ابي طالبعليهالسلام واما عليّ الآخر فعليّ بن الحسين اعطي فهم الأول وحكمته وبصره وودّه ودينه ومحنة الآخر وصبره على ما يكره وليس له ان يتكلم الا بعد هارون باربع سنين ثم قال يا يزيد فاذا مررت بالموضع ولقيته وستلقاه فبشره انه سيولد له غلام امين مأمون مبارك وسيعلمك انك لقيتني فاخبره عند ذلك ان الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من اهل بيت مارية القبطية جارية رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وان قدرت ان تبلغها مني السلام فافعل ذلك.
قلت: وكفى في جلالة هذه المعظمة الجليلة ما في هذا الخبر المعتبر من امر موسى بن جعفرعليهالسلام يزيد بن سليط ان يبلغها منه السلام كما ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أمر جابر بن عبد اللّه ان يبلغ ابا جعفر الباقرعليهالسلام سلامه (وسيأتي خبر عن عيون المعجزات فيه ما يدل على فضلها).
روى ابن شهرآشوب عن حكيمة بنت ابي الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام قالت: لما حضرت ولادة الخيزران ام ابي جعفرعليهالسلام دعاني الرضاعليهالسلام فقال: يا حكيمة احضري ولادتها وادخلني واياها والقابلة بيتاً ووضع لنا مصباحاً واغلق الباب علينا فلما اخذها الطلق طفيء المصباح وبين يديها طست واغتمت بطفء المصباح فبينا نحن كذلك اذ بدر ابو جعفرعليهالسلام في الطست واذا عليه شيء رقيق كهيئة الثوب يسطع نوره حتى اضاء البيت فابصرناه، فاخذته فوضعته في حجري ونزعت عنه ذلك الغشاء فجاء الرضاعليهالسلام وفتح الباب وقد فرغنا من أمره فاخذه ووضعه في المهد وقال لي: يا حكيمة الزمي مهده، قالت: فلما كان في اليوم الثالث رفع بصره الى السماء ثم نظر يمينه ويساره ثم قال: اشهد ان
لا اله الا اللّه واشهد ان محمداً رسول اللّه فقمت ذعرة(١) فزعة فأتيت ابا الحسنعليهالسلام فقلت سمعت من هذا الصبي عجباً فقال: وما ذاك، فاخبرته الخبر، فقال: يا حكيمة ما ترون من عجائبه اكثر.
وفي الدر النظيم بالاسناد عن حكيمة بنت ابي الحسن موسىعليهالسلام قالت: كتبت لما علقت ام ابي جعفرعليهالسلام به الى ابي الحسن الرضاعليهالسلام خادمتك قد علقت، فكتب الي علقت يوم كذا من شهر كذا فاذا هي ولدت فالزميها سبعة ايام، قالت: فلما ولدته قال: اشهد ان لا اله إلا اللّه فلما كان يوم الثالث عطس فقال الحمد للّه وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى الأئمة الراشدين.
اقول: وحج ابو الحسن الرضاعليهالسلام بعد ذلك بسنة ومعه ابو جعفرعليهالسلام فكان من امر البيت والحجر وجلوسه فيه ما قد ذكرناه في تاريخ ابي الحسن الرضاعليهالسلام .
وروي عن عيون المعجزات عن كليم بن عمران قال: قلت للرضاعليهالسلام : ادع اللّه ان يرزقك ولداً فقال: انما ارزق ولداً واحداً وهو يرثني، فلما ولد ابو جعفرعليهالسلام قال الرضاعليهالسلام لاصحابه: قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار وشبيه عيسى بن مريم، قدست ام ولدته، قد خلقت طاهرة مطهرة ثم قال الرضاعليهالسلام : يقتل غصباً فيبكي له(٢) وعليه اهل السماء ويغضب اللّه على عدوه وظالمه فلا يلبث الا يسيراً حتى يعجل اللّه به الى عذابه الاليم وعقابه الشديد، وكان طول ليلته يناغيه(٣) في مهده.
وروى عن ابي يحيى الصنعاني قال كنت عند ابي الحسنعليهالسلام
____________________
(١) أي خائفة متفرقة الحواس.
(٢) أي يرثيه ويبكي عليه اهل السماء (منه).
(٣) أي يكلمه بما يعجبه ويسره.
فجيء بابنه ابي جعفرعليهالسلام وهو صغير فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود اعظم، على شيعتنا، بركة منه.
روى الشيخ الكلينيرحمهالله عن محمد بن الحسن بن عمار قال: كنت عند علي بن جعفر بن محمدعليهالسلام جالساً بالمدينة وكنت اقمت عنده سنتين اكتب عنه ما سمع من اخيه يعني ابا الحسنعليهالسلام اذ دخل عليه ابو جعفر محمد بن علي الرضاعليهالسلام المسجد، مسجد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فوثب علي بن جعفررحمهالله بلا حذاء ولا رداء فقبل يده وعظَّمه فقال له ابو جعفرعليهالسلام : يا عم اجلس رحمك اللّه فقال: يا سيدي كيف اجلس وانت قائم فلما رجع علي بن جعفر الى مجلسه جعل اصحابه يوبخونه ويقولون: انت عم ابيه وانت تفعل به هذا الفعل فقال: اسكتوا اذا كان اللّه عز وجل، وقبض على لحيته، لم يؤهل هذه الشيبة واهَّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه أأُنكر فضله؟ نعوذ باللّه مما تقولون بل انا له عبد.
اقول: علي بن جعفر هذا، هو السيد الجليل الذي كان راوية للحديث سديد الطريق شديد الورع كثير الفضل. وكان (رضي اللّه عنه) شديد التمسك باخيه موسىعليهالسلام والانقطاع اليه، والتوفر على اخذ معالم الدين منه، ولو مسائل مشهورة عنه، وجوابات رواها سماعاً منه، وكان ملازماً لاخيهعليهالسلام ، حتى في اربع عمر(١) يمشي اخوه فيها الى مكة بعياله واهله. وروي: انه كان عند ابي جعفرعليهالسلام ودنا الطبيب ليقطع له العرق فقام علي بن جعفر قال: يا سيدي تبدأ بي لتكون حدّة الحديد فيّ(٢) قبلك ولما اراد ابو جعفرعليهالسلام النهوض قام علي بن جعفرعليهالسلام فسوى له نعليه حتى يلبسهما.
____________________
(١) جمع عمرة.
(٢) بتشديد الياء.
فصل في طرف من الاخبار عن مناقب ابي جعفر الثاني عليه السلام ودلائله ومعجزاته
الكشي عن محمد بن مرزبان عن ابن سنان قال: شكوت الى الرضاعليهالسلام وجع العين فاخذ قرطاساً فكتب الى ابي جعفرعليهالسلام وهو اقل من ثلاث(١) ودفع الكتاب الى الخادم وأمرني ان اذهب معه وقال: اكتم، فأتيناه وخادم قد حمله، قال ففتح الخادم الكتاب بين يدي ابي جعفرعليهالسلام قال فجعل ابو جعفرعليهالسلام ينظر في الكتاب ويرفع رأسه الى السماء ويقول: بأح(٢) ففعل ذلك مراراً فذهب كل وجع في عيني وابصرت بصراً لا يبصره احد. قال فقلت لأبي جعفرعليهالسلام جعل اللّه(٣) شيخاً على هذه الأمة كما جعل عيسى بن مريم شيخاً على بني اسرائيل، قال: ثم قلت يا شبيه صاحب فطرس، قال فانصرف وقد امرني الرضاعليهالسلام ان اكتم، فما زلت صحيح البصر حتى أذعت ما كان من ابي جعفرعليهالسلام في امر عيني فعاودني الوجع.
قال: قلت لمحمد بن سنان ما عنيت بقولك يا شبيه صاحب فطرس، قال فان اللّه عز وجل غضب على ملك من الملائكة يدعى فطرس فدق جناحه ورمى به في جزيرة من جزائر البحر فلما ولد الحسينعليهالسلام بعث اللّه عز وجل جبرائيل الى محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ليهنئه بولادة الحسينعليهالسلام وكان جبرائيل صديقاً لفطرس فمر به وهو في الجزيرة مطروح فخبّره بولادة الحسينعليهالسلام وما أمر اللّه به، فقال له: هل لك ان احملك على جناح من اجنحتي وامضي بك الى محمد (صلى اللّه عليه
____________________
(١) أي من الذين لهم ثلاث سنين.
(٢) (تاج. راح. خ د).
(٣) جعلك اللّه.
وآله وسلم) يشفع فيك؟ قال فقال له فطرس نعم، فحمله على جناح من اجنحته حتى اتى به محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم فبلغه تهنئة ربِّه تعالى ثم حدّثه بقصة فطرس فقال محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم لفطرس امسح جناحك على مهد الحسينعليهالسلام وتمسح به ففعل ذلك فطرس، فجبر اللّه تعالى جناحه ورده الى منزله مع الملائكة.
وروى القطب الراوندي ان المعتصم دعا جماعة من وزرائه فقال: اشهدوا لي على محمد بن علي بن موسىعليهالسلام زوراً واكتبوا انه أراد أن يخرج، ثم دعاه، فقال: انك أردت أن تخرج علي فقال: واللّه ما فعلت شيئاً من ذلك قال: ان فلاناً وفلاناً شهدوا عليك، فاحضروا فقال: نعم هذه الكتب اخذناها من بعض غلمانك، قال وكان جالساً في بهو(١) فرفع ابو جعفرعليهالسلام يده وقال اللهم ان كانوا كذبوا عليّ فخذهم، قال فنظرنا الى ذلك البهو كيف يرجف ويذهب ويجيء وكلما قام واحد وقع، فقال المعتصم يا ابن رسول اللّه اني تائب مما قلت فادع ربك ان يسكنه، فقال: اللهم سكنه انك تعلم انهم اعداؤك واعدائي، فسكن.
قال الشيخ المفيد في الارشاد وكان المأمون قد شغف بابي جعفرعليهالسلام لما رأى من فضله مع صغر سنه وبلوغه في العلم والحكمة والادب وكمال العقل ما لم يساوه احد من مشائخ اهل الزمان فزوجه ابنته ام الفضل وحملها معه الى المدينة وكان متوفراً على اكرامه وتعظيمه واجلال قدره.
اخبرني الحسن بن محمد بن سليمان عن علي بن ابراهيم بن هاشم عن ابيه عن الريان بن شبيب قال: لما اراد المأمون ان يزوج ابنته ام الفضل ابا جعفر محمد بن عليعليهماالسلام ، بلغ ذلك العباسيين فغلظ عليهم واستكبروه (استنكروه) وخافوا ان ينتهي الامر معه الى ما انتهى اليه مع
____________________
(١) البهو: البيت المقدم امام البيوت (منه).
الرضاعليهالسلام فخاضوا في ذلك واجتمع منهم اهل بيته الأدنون منه فقالوا: ننشدك اللّه يا امير المؤمنين ان تقيم على هذا الأمر الذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فأنا نخاف ان تخرج به عنا امراً قد ملّكناه اللّه، وتنزع منا عزّاً قد البسناه اليك، قد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت حتى كفانا اللّه المهم من ذلك فاللّه اللّه ان تردنا الى غم قد انحسر(١) عنا واصرف رأيك عن ابن الرضا واعدل الى من تراه من اهل بيتك يصلح لذلك دون غيره، فقال لهم المأمون: اما ما بينكم وبين آل أبي طالب فانتم السبب فيه، ولو انصفتم القوم لكانوا اولى بكم، واما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان به قاطعاً للرحم واعوذ باللّه من ذلك، واللّه ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا، ولقد سألته ان يقوم بالامر وانزعه عن نفسي فابى وكان امر اللّه قدراً مقدوراً، واما ابو جعفر محمد بن علي قد اخترته لتبريز على كافة اهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنه، والاعجوبة فيه بذلك. وانا ارجو أن يظهره للناس ما قد عرفته منه فيعلموا ان الرأي ما رأيت فيه، فقالوا ان هذا الفتى وان راقك منه هديه فانه صبي لا معرفة له ولا فقه، فامهله ليتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما تراه بعد ذلك، فقال لهم: ويحكم اني أعرف بهذا الفتى منكم، وان هذا من اهل بيت علمهم من اللّه ومواده والهامه(٢) ، لم يزل آباؤه اغنياء في علم الدين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فان شئتم فامتحنوا ابا جعفر بما تبين لكم به ما وصفت من حاله، قالوا له قد رضينا لك يا امير المؤمنين ولأنفسنا بامتحانه، فحل بيننا وبينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء، من فقه الشريعة فان اصاب الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في امره وظهر للخاصة والعامة سديد رأي امير المؤمنين، وان عجز عن ذلك فقد كفينا الخطب في معناه، فقال لهم المأمون
____________________
(١) أي انكشف ورفع عنا.
(٢) وبارادته. ظ.
شأنكم وذاك متى أردتم، فخرجوا من عنده واجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن اكثم وهو يومئذ قاضي الزمان (القضاة. خ - د) على ان يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها، ووعدوه باموال نفيسة على ذلك، وعادوا الى المأمون فسألوه ان يختار لهم يوماً للاجتماع، فاجابهم الى ذلك، فاجتمعوا في اليوم الذي اتفقوا عليه وحضر معهم يحيى بن اكثم، فأمر المأمون ان يفرش لأبي جعفرعليهالسلام دست(١) ويجعل له فيه مسورتان(٢) ففعل ذلك، وخرج ابو جعفرعليهالسلام وهو يومئذ ابن سبع سنين واشهر، فجلس بين المسورتين وجلس يحيى بن اكثم بين يديه وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست ابي جعفرعليهالسلام ، فقال يحيى بن اكثم للمأمون تأذن لي يا امير المؤمنين ان اسأل ابا جعفر؟ فقال له المأمون استأذنه في ذلك، فاقبل عليه يحيى بن اكثم فقال: اتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ قال له ابو جعفر سل ان شئت، قال يحيى ما تقول، جعلني اللّه فداك، في محرم قتل صيداً؟ فقال له ابو جعفرعليهالسلام قتله في حل او حرم؟ عالماً كان المحرم ام جاهلاً؟ قتله عمداً او خطأ؟ حراً كان المحرم ام عبداً؟ صغيراً كان او كبيراً؟ مبتدئاً بالقتل ام معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد ام من غيرها؟ من صغار الصيد كان ام من كباره مصراً على ما فعل او نادماً؟ في الليل كان قتله للصيد ام نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة او بالحج؟ فتحير يحيى بن اكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة اهل المجلس امره، فقال المأمون الحمد للّه على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر الى اهل بيته وقال لهم اعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟ ثم اقبل على ابي جعفرعليهالسلام فقال له اتخطب يا ابا جعفر؟ قال نعم يا امير المؤمنين، فقال له المأمون اخطب جعلت فداك لنفسك؟ فقد رضيتك لنفسي، وانا مزوجك ام الفضل ابنتي
____________________
(١) يمكن ان يكون بمعنى صدر المجلس.
(٢) المسور والمسورة: متكأ من جلد.
فقال ابو جعفرعليهالسلام : الحمد للّه اقراراً بنعمته، ولا إله الا اللّه اخلاصاً لوحدانيته، وصلى اللّه على محمد سيد بريته، والاصفياء من عترته، اما بعد، فقد كان من فضل اللّه على الانام ان اغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه: وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم، ان يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله، واللّه واسع عليم، ثم ان محمد بن علي بن موسى يخطب ام الفضل بنت عبد اللّه المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمدعليهماالسلام ، وهو خمسمائة درهم جياداً فهل زوجته يا امير المؤمنين بها على هذا الصداق المذكور؟ قال المأمون: نعم زوجتك يا ابا جعفر ام الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ فقال ابو جعفرعليهالسلام قد قبلت ذلك ورضيت به فأمر المأمون ان يقعد الناس على مراتبهم في الخاصة والعامة، قال الريّان ولم نلبث ان سمعنا اصواتاً تشبه اصوات الملاحين في محاوراتهم، فاذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من الفضة يشبه الجبال (مشدودة بالحبال خ د) من الابريسيم على عجلة(١) مملوءة من الغالية فأمر المأمون ان يخضب لحاء الخاصة من تلك الغالية، ثم مدت الى دار العامة فطيبوا منها، ووضعت الموائد، تأكل الناس وخرجت الجوائز الى كل قوم على قدرهم الخ.
فصل في ذكر بعض اخباره وبراهينه وبيناته عليه السلام
روي عن زكريا بن آدم قال: اني لعند الرضاعليهالسلام اذ جيء بابي جعفرعليهالسلام وسنه اقل من اربع سنين، فضرب بيديه الى الأرض ورفع رأسه الى السماء فاطال الفكر، فقال له الرضاعليهالسلام
____________________
(١) العجلة: بالتحريك أي الآلة التي تحمل عليها الاثقال أي تجري عليها. او بمعنى الاستعجال، أي تجرون على الاستعجال.
بنفسي فلم طال فكرك؟ فقال فيما صنع بامي فاطمةعليهاالسلام ، اما واللّه لأخرجنهما ثم لأحرقنهما ثم لأذرينهما(١) ثم لأنسفنهما في اليم نسفاً(٢) فاستدناه وقبل بين عينيه، ثم قال بأبي انت وامي انت لها (يعني الامامة).
الشيخ الكلينيرحمهالله عن محمد بن ابي العلا قال: سمعت يحيى بن اكثم قاضي سامراء بعدما جاهدت به وناظرته وحاورته وراسلته وسألته عن علوم آل محمدعليهمالسلام ، فقال: بينا انا ذات يوم دخلت اطوف بقبر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ورأيت محمد بن علي الرضاعليهالسلام يطوف به، فناظرته في مسائل عندي فاخرجها اليّ فقلت له: واللّه اني اريد ان اسألك مسألة واحدة واني واللّه لأستحيي من ذلك، فقال لي: انا اخبرك قبل ان تسألني، تسألني عن الإِمام، فقلت هو واللّه هذا، فقال انا هو، فقلت علامة، فكان في يده عصا فنطقت، فقالت: ان مولاي امام هذا الزمان وهو الحجة.
وفي الدر النظيم قال ابراهيم بن سعيد رأيت محمد بن علي أي الجوادعليهالسلام يضرب بيده الى ورق الزيتون فيصير في كفه وَرِقاً(٣) فاخذت منه كثيراً وانفقته في الاسواق فلم يتغير.
وقال محمد بن يحيى لقيت محمد بن علي الرضاعليهالسلام على دجلة فالتقى له طرفاها حتى عبر، ورايته بالانبار على الفرات فعل مثل ذلك.
عن كتاب الاختصاص عن علي بن ابراهيم عن ابيه قال لما مات ابو الحسن الرضاعليهالسلام حججنا فدخلنا على ابي جعفرعليهالسلام وقد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا الى ابي جعفرعليهالسلام ، فدخل عمه عبد اللّه بن موسى وكان شيخاً كبيراً نبيلاً عليه ثياب
____________________
(١) ذري ذرواً وذرى تذرية واذرى اذراء الريح التراب: اطارته وفرقته.
(٢) أي لنطيرنه ونذرينه في البحر.
(٣) أي نقداً مسكوكاً.
خشنة وبين عينيه سجادة فجلس وخرج ابو جعفرعليهالسلام من الحجرة وعليه قميص قصب ورداء قصب ونعل حذو بيضاء، فقام عبد اللّه واستقبله وقبل بين عينيه وقامت الشيعة، وقعد ابو جعفرعليهالسلام على كرسي، ونظر الناس بعضهم الى بعض تحيراً لصغر سنه فانتدب رجل من القوم فقال لعمه اصلحك اللّه ما تقول في رجل أتى بهيمة؟ فقال يقطع يمينه ويضرب الحد، فغضب ابو جعفرعليهالسلام ثم نظر اليه فقال: يا عم اتق اللّه، اتق اللّه انه لعظيم ان تقف يوم القيامة بين يدي اللّه عز وجل فيقول لك لِمَ أفتيت الناس بما لا تعلم؟ فقال عمه يا سيدي اليس قال هذا ابوك صلوات اللّه عليه، فقال ابو جعفر: انما سئل ابي عن رجل نبش قبر امرأة، فنكحها فقال ابي: تقطع يمينه للنبش ويضرب حد الزنا، فان حرمة الميتة كحرمة الحية، فقال صدقت يا سيدي وانا استغفر اللّه، فتعجب الناس، فقالوا يا سيدنا اتأذن لنا ان نسألك؟ فقال نعم: فسألوه في مجلس عن ثلاثين الف مسألة فاجابهم فيها وله تسع سنين.
وعن عيون المعجزات لما قبض الرضاعليهالسلام كان سن ابي جعفرعليهالسلام نحو سبع سنين، فاختلفت الكلمة من الناس ببغداد وفي الامصار، واجتمع الريان بن الصلت وصفران بن يحيى ومحمد بن حكيم وعبد الرحمان بن الحجاج ويونس بن عبد الرحمان (رضوان اللّه عليهم اجمعين) وجماعة من وجوه الشيعة وثقاتهم في دار عبد الرحمان بن الحجاج في بركة ذلول، يبكون ويتوجعون، من المصيبة، فقال لهم يونس بن عبد الرحمان(١) ، دعوا البكاء، من لهذا الأمر؟ والى من نقصد بالمسائل الى ان
____________________
(١) يونس بن عبد الرحمان مولى علي بن يقطين كان وجيهاً في اصحابنا مقدماً عظيم المنزلة. روى عن ابي الحسن موسى والرضا وكان الرضا يشير اليه في العلم والفتيا وكان وكيلاً له وكان بذل له على الوقف مال جليل فامتنع من اخذه وثبت على الحق وقال فيه ابو محمد صاحب العسكر.
حين عرض عليه ابو هاشم كتاب يوم وليلة ليونس: اعطاه اللّه بكل حرف نوراً يوم القيامة وذكر له المحقق الاسترآبادي في رجاله الكبير نيفاً وعشرين مصنفاً، مات سنة ثمان وماتين.
يكبر هذا يعني ابا جعفرعليهالسلام ؟ فقام اليه الريان بن الصلت(١) ووضع يده في حلقه ولم يزل يلطمه ويقول له انت تظهر الايمان لنا وتبطن الشك والشرك(٢) ان كان أمره من اللّه جل وعلا فلو انه كان ابن يوم واحد لكان بمنزلة الشيخ العالم وفوقه، وان لم يكن من عند اللّه فلو عمر الف سنة فهو واحد من الناس، هذا مما ينبغي ان يكفر فيه فاقبلت العصابة عليه تعذله وتوبخه وكان وقت الموسم فاجتمع من فقهاء بغداد والامصار وعلمائهم ثمانون رجلاً فخرجوا الى الحج وقصدوا المدينة ليشاهدوا ابا جعفرعليهالسلام فلما وافوا أتوا دار جعفر الصادقعليهالسلام لأنها كانت فارغة ودخلوها وجلسوا على بساط كبير وخرج اليهم عبد اللّه بن موسى فجلس في صدر المجلس، وقام مناد وقال هذا ابن رسول اللّه فمن اراد السؤال فليسأله، فسئل عن اشياء اجاب عنها بغير الواجب فورد على الشيعة ما حيرهم وغمهم واضطربت الفقهاء وقاموا وهموا بالانصراف وقالوا في انفسهم لو كان ابو جعفرعليهالسلام يكمل لجواب المسائل لما كان من عبد اللّه ما كان، ومن الجواب بغير الواجب، ففتح عليهم باب من صدر المجلس ودخل موفق وقال هذا ابو جعفرعليهالسلام فقاموا اليهم بأجمعهم واستقبلوه وسلموا عليه، فدخلعليهالسلام وعليه قميصان وعمامة بذؤابتين وفي رجليه نعلان وجلس وامسك الناس كلهم، فقام صاحب المسألة فسأله عن مسائل فاجاب عنها بالحق ففرحوا ودعوا له واثنوا عليه وقالوا له ان عمك عبد اللّه افتى بكيت وكيت فقال: لا إله الا اللّه يا عم، انه عظيم عند اللّه ان تقف غداً بين يديه فيقول لك لم تفتي عبادي بما لم تعلم؟ وفي الامة من هو اعلم منك.
____________________
(١) ريان صلت البغدادي القمي. خراساني الأصل روى عن الرضاعليهالسلام وكان ثقة صدوقاً وقد اعطاه الرضاعليهالسلام ثوباً من ثيابه وثلاثين درهماً من دراهمه.
(٢) فيه ان يونسرحمهالله اجل شأناً من ان لا يعرف امامه. وقد صحب قبل ذلك ابا الحسن موسى والرضاعليهالسلام وكان من ثقاتهما واسامي الائمة غير خفية عن مثله. وعليه لو كان الحديث صحيحاً لعله صدر منه اختباراً او تقية من بعضهم حيث ان الريان نفسه (مع وثاقته) كان من خواص المعتصم.
وروى عن عمر بن فرج الرخجي(١) قال قلت لأبي جعفرعليهالسلام ان شيعتك تدعي انك تعلم كل ماء في دجلة ووزنه، وكنا على شاطئ دجلة فقال لي: يقدر اللّه تعالى ان يفوض علم ذلك الى بعوضة من خلقه ام لا؟ قلت نعم يقدر فقال: انا اكرم على اللّه تعالى من بعوضة ومن اكثر خلقه.
الشيخ الكليني عن رجل من بني حنيفة، من اهل بست(٢) وسجستان(٣) قال رافقت ابا جعفرعليهالسلام في السنة التي حج فيها في اول خلافة المعتصم، فقلت له وانا معه على المائدة وهناك جماعة من أولياء السلطان، ان والينا جعلت فداك، رجل يتولاكم اهل البيت، ويحبكم وعليَّ في ديوانه خراج، فان رأيت، جعلني اللّه فداك ان تكتب اليه بالاحسان اليّ، فقال لا اعرفه، فقلت: جعلت فداك انه على ما قلت من محبيكم، اهل البيت، وكتابك ينفعني عنده فاخذ القرطاس وكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم اما بعد فان موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهباً جميلاً، وان مالك من عملك ما احسنت فيه، فاحسن الى اخوانك واعلم ان اللّه عز وجل سائلك عن مثاقيل الذر والخردل، قال فلما وردت سجستان سبق الخبر الى الحسين بن عبد اللّه النيسابوري وهو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة، فدفعت اليه الكتاب فقبله ووضعه على عينيه، وقال لي: حاجتك؟ فقلت خراج عليَّ في ديوانك، قال: فامر بطرحه عني وقال لا تؤد خراجاً ما دام لي عمل ثم سألني عن عيالي فاخبرته بمبلغهم فامر لي ولهم بما يقوتنا وفضلاً(٤) فما اديت في عمله خراجاً ما دام حياً ولا قطع عني صلته حتى مات.
____________________
(١) كورة ومدينة من نواحي كابل.
(٢) بست بالضم: مدينة بين سجتان وغزنين وهراة كثيرة الانهار والبساتين.
(٣) سجستان بكثر الأولين: ناحية كبيرة وهي في جنوب هراة وارضها كلها رملة ويسمى الآن سيستان.
(٤) أي زائداً عما يقوتهم.
وروى عن موسى بن القاسم قال: قلت لأبي جعفر الثانيعليهالسلام قد اردت ان اطوف عنك وعن ابيك فقيل لي ان الاوصياء لا يطاف عنهم، فقال لي بل طف ما امكنك فان ذلك جائز، ثم قلت له بعد ذلك بثلاث سنين اني كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن ابيك فاذنت لي في ذلك، فطفت عنكما ما شاء اللّه، ثم وقع في قلبي شيء فعملت به، قال وما هو؟ قلت طفت يوماً عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال ثلاث مرات صلى اللّه على رسول اللّه ثم اليوم الثاني عن امير المؤمنينعليهالسلام وثم طفت اليوم الثالث عن الحسنعليهالسلام والرابع عن الحسينعليهالسلام والخامس عن علي بن الحسينعليهالسلام والسادس عن ابي محمد بن عليعليهالسلام واليوم السابع، عن جعفر بن محمدعليهالسلام واليوم الثامن عن ابيك موسىعليهالسلام واليوم التاسع عن ابيك عليعليهالسلام واليوم العاشر عنك يا سيدي وهؤلاء الذين ادين اللّه بولايتهمعليهمالسلام ، فقال اذن واللّه تدين اللّه بالدين الذي لا يقبل من العباد غيره، قلت وربما طفت عن امك فاطمة (صلوات اللّه عليها) وربما لم اطف، فقال استكثر من هذا فانه افضل ما انت عامله ان شاء اللّه تعالى.
الصدوق عن البزنطي(١) قال قرأت كتاب ابي الحسن الرضا إلى ابي جعفرعليهالسلام : يا ابا جعفر بلغني ان المووالي اذا ركبت اخرجوك من الباب الصغير وانما ذلك من بخل لهم، لئلا ينال منك احد خيراً فاسألك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك الا من الباب الكبير، واذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا يسألك احد الا أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبرَّه(٢) فلا تعطه اقل من خمسين ديناراً، والكثير اليك، ومن
____________________
(١) هو احمد بن محمد بن ابي نصر الكوفي البزنطي. ممن اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه واقروا له بالفقه وكان ممن لقي الرضا والجواد وكان من الواقفة فاستبصر وحسن ايمانه. توفي سنة ٢٢١ هجري.
(٢) ان حين تقصد له الاحسان.
سألك من عماتك فلا تعطها اقل من خمسة وعشرين ديناراً والكثير اليك، اني انما اريد ان يرفعك اللّه فانفق ولا تخش من ذي العرش إقتاراً.
قال شيخنا الحر العاملي في اثبات الهداة قال الشيخ ابو الصلاح الحلبي في كتاب تقريب المعارف عند ذكر بعض معجزات الأئمةعليهمالسلام ومن ذلك توضأ ابو جعفر محمد بن عليعليهالسلام في مسجد ببغداد يعرف موضعه بدار المسيب في اصل نبقة يابسة فلم يخرج من المسجد حتى اخضرت واينعت حدثني الشيخ ابو الحسن محمد بن محمد قال حدثنا الشيخ ابو عبد اللّه محمد بن محمد المفيد (رضي اللّه عنه) انه اكل من نبقها وهو لا عجم له(١) .
بيان: (النبق بفتح النون وكسر الباء وقد تسكن ثمر السدر واحدته نبقة واشبه شيء به العناب قبل ان تشتد حمرته).
فصل في ذكر بعض كلامه عليه السلام
قال من استفاد اخا في اللّه فقد استفاد بيتاً في الجنة وقال: القصد الى اللّه تعالى بالقلوب ابلغ من اتعاب الجوارح بالاعمال. وقال: من اطاع هواه اعطى عده مناه. وقال: راكب الشهوات لا يقال(٢) عثرته. وقال: بالثقة باللّه تعالى ثمن لكلِّ غالٍ وسلَّم الى كل عال. وقال: عز المؤمن غناه عن الناس. وقال: لا تكن ولي اللّه في العلانية عدوَّاً له في السر. وقال: اصبر على ما تكره فيما يلزمك الحق واصبر عما تحب فيما يدعوك الى الهوى(٣)
____________________
(١) أي لا نواة فيه.
(٢) من الاقالة وهي الفسخ والمراد به الاغماض.
(٣) يقول: التزم الصبر فيما كان حقا وان شق عليك، واعرض عما تحبه ولكن يدعوك الى اتباع الشيطان.
وقال: كيف يضيع مَن اللّه كافله وكيف ينجو من اللّه طالبه ومَن انقطع الى غير اللّه وكله اللّه اليه ومَن عمل على غير علم افسد اكثر مما يصلح وقال: مَن استغنى كرم على اهله، فقيل له وعلى غير اهله؟ قال: لا الا ان يكون يجدي عليهم نفعاً، وقال: قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعاً لما يهواه. وقالعليهالسلام : اياك ومصاحبة الشرير فانه كالسيف المسلول يحسن منظره ويقبح آثاره. وقالعليهالسلام : كفى بالمرء خيانة ان يكون اميناً للخونة(١) .
فصل في وروده الى بغداد وشهادته عليه السلام
قبض ابو جعفر الجوادعليهالسلام مسموماً ببغداد في آخر ذي(٢) القعدة سنة ٢٢٠ عشرين ومئتين وهو ابن خمس وعشرين سنة ودفن بمقابر قريش في ظهر جده موسى بن جعفرعليهالسلام .
وعن ابي الحسن الهاديعليهالسلام في جواب من سأله عن فضل زيارة الحسين وزيارتهماعليهمالسلام : ابو عبد اللّه المقدم، وهذان اجمع واعظم اجراً.
وكان سبب وروده بغداد، إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد اليها لليلتين بقيتا من المحرم سنة عشرين ومئتين.
روى الشيخ المفيد عن اسماعيل بن مهران قال: لما خرج ابو جعفرعليهالسلام من المدينة الى بغداد في الدفعة الأولى من خرجته(٣) قلت له
____________________
(١) أي الخائنين.
(٢) وقيل في سادس ذي الحجة سنة ٢٢٠ ويؤيد ذلك قولهعليهالسلام الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً. وقد توفي المأمون في رجب سنة ٢١٨ واللّه العالم (منه) اقول وقيل في اول ذي القعدة وقيل في خامس ذي الحجة.
(٣) الخرجة: المرة من الخروج.
عند خروجه: جعلت فداك اني اخاف عليك في هذا الوجه، فالى من الأمر بعدك؟ قال فكرَّ اليّ(١) بوجهه ضاحكاً وقال لي: ليس حيث كما ظننت في هذه السنة، فلما استدعى به المعتصم صرت اليه فقلت له: جعلت فداك انت خارج فالى من هذا الأمر من بعدك؟ فبكى حتي اخضلَّت(٢) لحيته، ثم التفت اليّ فقال عند هذه(٣) تخاف عليّ، الأمر من بعدي الى ابني عليّ وروى ان زوجته ام الفضل سمته.
وفي البحار، عن تفسير العياشي، عن زرقان صاحب ابن ابي داود(٤) وصديقه بشدة، قال رجع ابن ابي داود ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم، فقلت له في ذلك، فقال وددت اليوم انّي قد مت منذ عشرين سنة، قال قلت له ولم ذاك؟ قال لما كان من هذا الاسود، أبو جعفر محمد بن علي بن موسى اليوم بين يدي امير المؤمنين، قال: قلت له وكيف كان ذلك؟ قال ان سارقاً اقر على نفسه بالسرقة وسأل الخليفة تطهيره باقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد احضر محمد بن عليعليهالسلام ، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب ان يقطع؟ قال فقلت من الكرسوع قال وما الحجة في ذلك؟ قال قلت لأن اليد هي الاصابع والكف الى الكرسوع، لقول اللّه في التيميم (فامسحوا بوجوهكم وايديكم) واتفق معي في ذلك قوم، وقال آخرون بل يجب القطع من المرفق، قال وما الدليل على ذلك؟
____________________
(١) أي رجع وعطف اليه.
(٢) خضل الشيء: ندى وابتل.
(٣) أي السنة (منه).
(٤) اقول الظاهر ان داود تصحيف والصحيح ابن دؤاد. فان الذي سعى في قتل ابي جعفر الجوادعليهالسلام هو ابن ابي دؤاد كسعال. واسمه احمد وكان قاضياً في عهد المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل وكان هلذه السعاية سبباً لأن ابتلى في آخر عمره بنكبة الزمان والفلج وتوفي بعد ثكله بولده محمد بعشرين يوماً سنة ٢٤٠ ببغداد.
لدغته افعاله أي لدغ |
رب نفس افعاله أفعاها |
(منه)
قالوا لأن اللّه لما قال: (وايديكم الى المرافق) في الغسل دل ذلك على ان حد اليد هو المرفق، قال فالتفت الى محمد بن عليّعليهالسلام قال ما تقول في هذا يا ابا جعفر؟ فقال قد تكلم القوم فيه يا امير المؤمنين، قال دعني مما تكلموا به، أي شيء عندك؟ قال اعفني عن هذا يا امير المؤمنين، قال اقسمت عليك باللّه لما اخبرت بما عندك فيه، فقال اما إذ أقسمت عليّ باللّه اني اقول انهم اخطأوا فيه السنة، فان القطع يجب ان يكون من مفصل اصول الأصابع فيترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك؟ قال قول رسول اللّه السجود على سبعة اعضاء الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فاذا قطعت يده من الكرسوع او المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال اللّه تبارك وتعالى: (وان المساجد للّه) يعني بها هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها: (فلا تدعوا مع اللّه احداً) وما كان للّه لم يقطع قال: فاعجب المعتصم ذلك وأمر بقطع يد السارق من مفصل الاصابع دون الكف، قال ابن ابي داود قامت قيامتي وتمنيت اني لم اك حياً، قال زرقان، قال ابن ابي داود: صرت الى المعتصم بعد ثلاثة فقلت ان نصيحة امير المؤمنين علي واجبة وانا اكلمه بما اعلم اني ادخل به النار، قال وما هو؟ قلت اذا جمع امير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لامر واقع من امور الدين، فسألهم عن الحكم فيه فاخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه اهل بيته وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه ثم يترك اقاويلهم كلهم، لقول رجل يقول شطر هذه الأمة بامامته، ويدعون انه اولى منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء، قال فتغير لونه وانتبه لما نبهته له، وقال جزاك اللّه عن نصيحتك خيراً، قال: فأمر اليوم الرابع فلاناً من كتاب وزرائه بان يدعوه الى منزله، فدعاه فأبى ان يجيبه وقال قد علمت اني لا احضر مجالسكم، فقال انّي انما ادعوك الى الطعام واحب ان تطأ ثيابي وتدخل منزلي فاتبرك بذلك، فقد احب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك، فصار اليه، فلما طعم منها احس السم فدعا بدابته فسأله رب المنزل ان يقيم، قال خروي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك
وليله في حلقه(١) حتى قبضعليهالسلام .
وفي اثبات الوصية قال لما انصرف ابو جعفرعليهالسلام الى العراق لم يزل المعتصم وجعفر بن المأمون يدبِّران ويعملان الحيلة في قتلهعليهالسلام ، فقال جعفر لأخته ام الفضل (وكانت لأمه وابيه) في ذلك، لأنه وقف على انحرافها عنه وغيرتها عليه لتفضيله ام ابي الحسن ابنهعليهالسلام عليها مع شدة محبتها له ولانها لم ترزق منه ولداً، فاجابت اخاها جعفراً وجعلوا سماً في شيء من عنب رازقي وكان يعجبه العنب الرازقي، فلما اكل منه ندمت وجعلت تبكي، فقال لها ما بكاؤك؟ واللّه ليضربنك بفقر لا ينجي (لا ينجبر ظ) وبلاء لا يتستر (لا يستتر ظ) فبليت بعلة في اغمض المواضع في جوارحها صار ناسوراً(٢) ينتقض عليها في وقت، فانفقت ما لها وجميع ملكها على العلة، حتى احتاجت الى رفد الناس، ويروى ان الناسور كان في فرجها، وترّدى جعفر بن المأمون في بئر فاخرج ميتاً، وكان سكراناً.
____________________
(١) أي احس السم او جراحته في حلقه. والا فالسم ان لم يخالط الدم لا يؤثر الموت.
(٢) نسر الجرح اللحم: نقضه. والناسور: العرق الغبر في باطنه فساد. وهي علة تكون في حوالي المقعدة.
النور الثاني عشر.. الإِمام العاشر ابو الحسن الثالث عليُّ بن محمد النقي الهادي والبدر الباهر ذو الشرف والكرم والمجد والايادي صلوات اللّه عليه
ولد بصريا من المدينة للنصف من ذي الحجة سنة ٢١٢ اثنتي عشرة ومئتين وقيل يوم الجمعة ثاني رجب وقيل خامسه من تلك السنة.
امه المعظمة الجليلة سمانة المغربية. وفي الدر النظيم هي تعرف بالسيدة وتكنى ام الفضل، قال: قال محمد بن الفرج بن ابراهيم بن عبد اللّه بن جعفر: دعاني ابو جعفر الجواعليهالسلام فاعلمني ان قافلة قد قدمت فيها نخاس معه جواري ودفع الي ستين ديناراً وامرني بابتياع جارية، وصفها، فمضيت فعملت ما أمرني به، فكانت تلك الجارية ام ابي الحسن الهاديعليهالسلام .
وروى محمد بن الفرج وعلي بن مهزيار عن السيد(١) عليهالسلام انه قال: امي عارفة بحقي وهي من اهل الجنة، لا يقربها شيطان مارد، ولا ينالها كيد جبار عنيد، وهي مكلوءة(٢) بعين اللّه لا تنام، ولا تختلف عن امهات الصديقين والصالحين. انتهى.
وكان نقش خاتمه: اللّه ربّي وهو عصمتي من خلقه، وله ايضاً خاتم نقشه حفظ العهود من اخلاق المعبود.
____________________
(١) أي ابو الحسن.
(٢) أي محفوظة ومحروسة.
فصل في ذكر طرف من دلائل ابي الحسن الهادي عليه السلام واخباره وبراهينه وبيناته
روى الطبرسي عن ابن عياش بسنده عن ابي هاشم الجعفري، قال: كنت بالمدينة حين مر بها بغا(١) ايام الواثق في طلب الاعراب، فقال ابو الحسنعليهالسلام : اخرجوا بنا حتى ننظر الى تعبئة هذا التركي، فخرجنا فوقفنا فمرت بنا تعبئته، فمر بنا تركي فكلمه ابو الحسنعليهالسلام بالتركية فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته، قال فحلفت التركي وقلت له: ما قال لك الرجل؟ قال هذا نبي؟ قلت ليس هذا بنبي، قال دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك، ما علمه احد الى الساعة.
وعنه ايضاً عن ابي هاشم الجعفري، قال: دخلت على ابي الحسنعليهالسلام فكلمني بالهندية، فلم احسن ان ارد عليه، وكان بين يديه ركوة ملئت حصىً، فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها ملياً ثم رمى بها اليَّ فوضعتها في فمي، فواللّه ما برحت من عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لساناً اولها الهندية.
وروى الشيخ عن كافور الخادم قال: قال لي الإِمام علي بن محمدعليهماالسلام ، اترك لي السطل الفلاني في الموضع الفلاني لأتطهَّر منه للصلاة، وانفذني في حاجة، وقال اذا عدت فافعل ذلك ليكون معدّاً اذا تاهبت للصلاة، واستلقىعليهالسلام لينام، ونسيت ما قال لي، وكانت ليلة باردة فأحسست به وقد قام الى الصلاة، وذكرت انني لم اترك السطل، فبعدت عن الموضع خوفاً من لومه وتألمت له حيث يشقى بطلب
____________________
(١) بغا: اسم لقائدين كبيرين من قواد الترك في سلطنة بني العباس اولهما مشهور ببغا الكبير والثاني بالشرابي وهو من الذين هجموا على المتوكل وقتلوه.
الإناء فناداني نداء مغضب، فقلت إنا للّه ايش(١) عذري ان اقول نسيت مثل هذا، و لم اجد بداً من اجابته فجئت مرعوباً، فقال: يا ويلك اما عرفت رسمي انني لا اتطهر الا بماء بارد فسخنت لي ماء فتركته في السطل، فقلت و اللّه يا سيدي ما تركت السطل ولا الماء، قال الحمد للّه واللّه لا تركنا رخصته و لا رددنا منحه، الحمد للّه الذي جعلنا من اهل طاعته، ووفقنا للعون على عبادته، ان النبي (صلى اللّه عليه و آله وسلم) يقول: ان اللّه يغضب على من لا يقبل رخصته.
الشيخ الصدوق عن ابي هاشم الجعفري: قال اصابتني ضيقة شديدة، فصرت الى ابي الحسن بن علي بن محمد (عليه السلام ) فاذن لي، فلما جلست قال: يا أبا هاشم أي نعم اللّه عز وجل عليك تريد ان تؤدي شكرها؟ قال ابو هاشم فوجمت فلم ادر ما اقول له، فابتدأعليهالسلام فقال: رزقك الايمان فحرم به بدنك على النار، ورزقك العافية فاعانتك على الطاعة، ورزقك القنوع فصانك عن التبذل، يا ابا هاشم انما ابتدأتك بهذا لأني ظننت انك تريد ان تشكو لي من فعل بك هذا، و قد امرت لك بمئة دينار فخذها.
الطبرسي عن محمد بن الحسن الاشتر العلوي: قال كنت مع ابي على باب المتوكل وانا صبّي في جمع من الناس ما بين طالبي الى عباسي و جعفري، و نحن وقوف اذ جاء ابو الحسنعليهالسلام ترجل الناس كلهم حتى دخل، فقال بعضهم لبعض لِمَ نترجل لهذا الغلام؟ وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا ولا باسنِّنا، والله لا ترجلنا له، فقال ابو هاشم الجعفري والله لتترجلن له صغرة اذا رأيتموه، فما هو الا ان اقبل وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم فقال لهم ابو هاشم اليس زعمتم انكم لا تترجلون له فقالوا له واللّه ما ملكنا انفسنا حتى ترجلنا.
وروي ان ابا هاشم شكا الى مولانا ابي الحسن علي بن محمدعليهالسلام ما يلقى من الشوق اليه اذا انحدر من عنده الى بغداد، وقال له:
____________________
(١) أي ايُّ شيء (منه).
يا سيدي ادع اللّه لي فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه، فقال قواك اللّه يا ابا هاشم وقوى برذونك، قال فكان ابو هاشم يصلّي الفجر ببغداد ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سُرَّ من رأى ويعود من يومه الى بغداد اذا شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من اعجب الدلائل التي شوهدت.
اقول: ابو هاشم الجعفري هو داود بن القاسم بن اسحاق بن عبد اللّه بن جعفر بن ابي طالبعليهالسلام البغدادي الثقة الجليل الذي ادرك الرضا والجواد والهادي والعسكري وصاحب الأمر عليهم السلام). وقد اشرنا اليه عند ولادة الصادقعليهالسلام ، وكان عظيم المنزلة عندهمعليهمالسلام . وقد روى عنهم كلهم، وله اخبار ومسائل، وله شعر جيد فيهم، ومن شعره في ابي الحسن الهاديعليهالسلام وقد اعتل:
مادت(١) الأرض بي وآدت(٢) فؤادي |
واعترتني موارد العرواء |
|
حين قيل الإِمام نضو(٣) عليل |
قلت نفسي فدته كل الفداء |
|
مرض الدين لاعتلالك واعتـ |
ـل وغارت(٤) له نجوم السماء |
|
عجباً ان منيت بالداء والسقـ |
ـم وانت الامام حسم الداء |
|
انت آسي(٥) الادواء(٦) في الدين |
والدنيا ومحيي الأموات والاحياء |
القطب الراوندي عن جماعة من اهل الصفهان، قالوا: كان باصفهان رجل يقال له عبد الرحمان وكان شيعياً، قيل له ما السبب الذي وجب عليك القول بامامة علي النقيعليهالسلام دون غيره من الزمان؟ قال شاهدت ما اوجب ذلك عليَّ وهو أنّي كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة فأخرجني
____________________
(١) مادت أي اضطربت (منه) (٢) اد ت أي ثقلت (منه).
(٣) نضو يعني مقلّ هزيل (منه). (٤) أي انخسفت.
(٥) يعني طبيب وجراح (منه).
(٦) بفتح الهمزة جمع داء وبالكسر: مصاحبة المريض.
اهل اصفهان سنة من السنين (فخرجت خ) مع قوم آخرين الى باب المتوكل متظلمين، فكنا بباب المتوكل يوماً اذ خرج الأمر باحضار علي بن محمد بن الرضاعليهالسلام ، فقلت لبعض من حضر من هذا الرجل الذي قد امر باحضاره؟ فقيل هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته، ثم قال ويقدَّر ان المتوكِّل يحضره للقتل، فقلت لا ابرح من ها هنا حتى انظر الى هذا الرجل، أيّ رجل هو، قال فأقبل راكباً على فرس وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها صفين ينظرون اليه، فلما رأيته وقع حبه في قلبي، فجعلت ادعو له في نفسي بان يدفع اللّه عنه شر المتوكل، فاقبل يسير بين الناس وهو ينظر على عرف(١) دابته لا ينظر يمنة ولا يسرة وانا اكرر في نفسي الدعاء له، فلما صار بازائي اقبل بوجهه اليَّ (علي خ د ) وقال: قد استجاب اللّه دعاءك وطوَّل عمرك وكثر مالك وولدك، قال فارتعدت من هيبتته ووقعت بين اصحابي فسألوني وهم يقولون ما شأنك؟ فقلت خيراً ولم اخبر بذلك مخلوقاً، فانصرفنا بعد ذلك الى اصفهان، ففتح اللّه عليّ بدعائه وجوهاً من المال حتى انا اليوم أغلق بابي على ما قيمته الف الف درهم سوى مالي خارج داري، ورزقت عشرة من الاولاد، وقد بلغت الآن من عمري نيفاً و سبعين سنة، وانا اقول بامامة الرجل على الذي علم ما في قلبي واستجاب اللّه دعاءه في امري.
وروي عن هبة اللّه بن ابي منصور الموصولي انه قال: كان بديار ربيعة كاتب نصراني وكان من اهل كفر توثا(٢) يسمى يوسف بن يعقوب وكان بينه وبين والدي صداقة، قال: فوافانا فنزل عند والدي، فقلت (فقال د) له ما شأنك قدمت في هذا الوقت، قال دعيت الى حضرة المتوكل ولا ادري ما
____________________
(١) أي الشعر النابت علي مقدم عتق الفرس.
(٢) كفر توثا: قرية كبيرة من اعمال الجزيرة بينها وبين دارا خمسة فراسخ وكفر توثا ايضاً من قرى فلسطين. والجزيرة اسم للبلاد التي بين دجلة والفرات من امهات مدنها الموصل وحران ونصيبين وآمد.
يراد مني الا أنّي اشتريت نفسي من اللّه بمئة دينار قد حملتها لعلي بن محمد بن الرضا (عليهم
السلام) معي، فقال له والدي: قد وفقت في هذا، قال: وخرج الى حضرة المتوكل وانصرف الينا بعد ايام قلائل فرحاً مستبشراً، فقال له والدي: حدثني حديثك، قال صرت الى سر من رأى وما دخلتها قط، فنزلت في واد وقلت احب ان اوصل المئة الدينار الى ابن الرضاعليهالسلام قبل مصيري الى باب المتوكل وقبل ان يعرف احد قدومي، قال فعرفت ان المتوكل قد منعه من الركوب وانه ملازم لداره، فقلت كيف اصنع؟ رجل نصراني يسأل عن دار ابن الرضاعليهالسلام ؟ لا آمن ان يبدر بي فيكون ذلك زيادة فيما احاذره، قال: ففكرت ساعة في ذلك، فوقع في قلبي ان اركب حماري واخرج في البلد ولا امنعه من حيث يذهب لعلي اقف على معرفة داره من غير ان أسأل احداً، قال فجعلت الدنانير في كاغذة وجعلتها في كمي وركبت، فكان الحمار يتخرق الشوارع والاسواق يمر حيث يشاء الى ان صرت الى باب دار فوقف الحمار، فجهدت ان يزول فلم يزل، فقلت للغلام سل لمن هذه الدار، فقيل هذه دار ابن الرضاعليهالسلام ، فقلت: اللّه اكبر دلالة مقنعة، قال واذا خادم اسود قد خرج فقال: أنت يوسف بن يعقوب؟ قلت نعم، قال انزل، فنزلت فاقعدني في الدهليز فدخل، فقلت في نفسي: هذه دلالة اخرى، من اين عرف هذا الغلام اسميُ وليس في هذا البلد من يعرفني ولا دخلته قط، فخرج الخادم فقال مئة دينار التي في كمك في الكاغذة هاتها، فناولته اياها، قلت وهذه ثالثة، ثم رجع اليَّ، و قال: ادخل فدخلت اليه، وهو في مجلسه وحده فقال يا يوسف ما ان لك؟ فقلت يا مولاي قد بان لي من البرهان ما فيه كفاية لمن اكتفى، فقال هيهات انك لا تسلم ولكن سيسلم ولدك فلان وهو من شيعتنا، يا يوسف ان اقواما يزعمون ان ولايتنا لا تنفع امثالكم، كذبوا، واللّه انها لتنفع امثالك، امض فيما وافيت له فانك سترى ما تحب وسيولد لك ولد مبارك، قال فمضيت الى باب المتوكل فنلت كل ما اردت فانصرفت، قال هبة اللّه: فلقيت ابنه بعد هذا (يعني بعد موت والده) وهو مسلم حسن
التشيع، فاخبرني ان اباه مات على النصرانية وانه اسلم بعد موت ابيه، و كان يقول انا بشارة
مولايعليهالسلام .
روى السيد بن طاوس في امان الاخطار عن ابي محمد القاسم بن العلا، قال: حدثنا خادم لعلي بن محمدعليهالسلام قال استأذنته في الزيارة الى طوس، فقال لي: يكون معك خاتم فصه عقيق اصفر عليه ما شاء اللّه لا قوة الا باللّه استغفر اللّه وعلي الجانب الآخر محمد وعليّ فانه امان من القطع واتم للسلامة واصون لدينك، قال: فخرجت واخذت خاتماً على الصفة التي امرني بها ثم رجعت اليه، فقال يا صافي قلت لبيك يا سيدي، قال ليكن معك خاتم آخر فيروزجفانه يلقاك في طريقك اسد بين طوس و نيسابور فيمنع القافلة من المسير فتقدم اليه وأره الخاتم وقل له: مولاي يقول لك تنح عن الطريق، ثم قال ليكن نقشه اللّه الملك وعلى الجانب الآخر الملك للّه الواحد القهار فأنه خاتم امير المؤمنين عليعليهالسلام كان عليه: اللّه الملك، فلما ولي الخلافة نقش على خاتمه الملك للّه الواحد القهار و كان فصه فيروزج وهو امان من السباع خاصة وظفر في الحروب، قال الخادم فخرجت في سفري فلقيني واللّه السبع ففعلت ما امرت ورجعت وحدثته، فقال لي: بقيت عليك خصلة لم تحدثني بها ان شئت حدثتك بها، فقلت يا سيدي لعلي نسيتها، فقال: نعم، بت ليلة بطوس عند القبر. فصار الى القبر قوم من الجن لزيارته فنظروا الى الفص في يدك فقرأوا نقشه فأخذوه من يدك وصاروا الى عليل لهم وغسلوا الخاتم بالماء وسقوه ذلك الماء فبرئ وردوا الخاتم اليك، وكان في يدك اليمنى فصيروه في يدك اليسرى، فكثر تعجبك من ذلك ولم تعرف السبب فيه، ووجدت عند رأسك حجر ياقوت فاخذته وهو معك فاحمله الى السوق فانك ستبيعه بثمانين ديناراً، فحملته الى السوق وبعته بثمانين ديناراً كما قال سيدي (منه) في الحاشية.
وعن زرارة حاجب المتوكل، قال: وقع رجل مشعبذ من ناحية الهند الي المتوكل يلعب بالحق لم ير مثله، وكان المتوكل لعاباً(١) فاراد ان يخجل علي
____________________
(١)اي كثير اللعب.
ابن محمد بن الرضاعليهالسلام ، فقال لذلك الرجل: ان انت اخجلته اعطيتك الف دينار ركنية قال: تقدم بان يخبز دقاق خفاف واجعلها على المائدة واقعدني الى جنبه، ففعل واحضر عليّ بن محمدعليهماالسلام ، وكانت له مسورة عن (على خ د) يساره كان عليها صورة اسد، وروي انه كان على باب من الابواب ستر وعليه صورة اسد، وجلس اللاعب الى جانب المسورة وقدم الطعام، فمد علي بن محمدعليهالسلام يده الى دقاقة فطيرها المشعبذ في الهواء، فمدعليهالسلام يده الى اخرى فطيرها، فتضاحك الناس، فضرب علي بن محمدعليهالسلام يده على تلك الصورة التي على المسورة وقال خذ عدو اللّه، فوثبت تلك الصورة من المسورة فابتلعت الرجل اللاعب وعادت في المسورة كما كانت، فتحيَّر الجميع، فنهض علي بن محمدعليهالسلام ليمضي، فقال المتوكل سألتك الا جلست ورددته، فقال واللّه لا يرى بعدها، اتسلط اعداء اللّه على اولياء اللّه، وخرج من عنده فلم ير الرجل بعد ذلك.
وروي ان المتوكل امر العسكر وهم تسعون الف فارس من الاتراك الساكنين بسر من رأى ان يملأ كل واحد مخلاة فرسه من الطين الأحمر ويجعل ( ويجعلوا خ د) بعضه على بعض في وسط برية واسعة هناك، فلما فعلوا ذلك صار مثل جبل عظيم واسمه تل المخالي، صعد فوقه واستدعى ابا الحسنعليهالسلام واستصعده وقال استحضرتك لنظارة خيولي، وقد كان امرهم ان يلبوا التجافيف(١) ، ويحملوا الاسلحة، وقد عرضوا باحسن زينة وأتم عدد وعظم هيبة، وكان غرضه ان يكسر قلب كل من يخرج عليه، و كان خوفه من ابي الحسنعليهالسلام ان يأمر احدا من اهل بيته ان يخرج على الخليفة، فقال له ابو الحسن (صلوات اللّه عليه) وهل (تريد ان) اعرض عليك عسكري؟ قال نعم فدعا اللّه سبحانه فإذا بين السماء والأرض من المشرق والمغرب ملائكة مدججون(٢) فغشي على
____________________
(١) جمع تجفاف بالكسر وهو آلة للحرب يلب الفرس والحيوان ليقيه في الحرب (منه).
(٢) فلان مدجج كمعظم أي شاك في السلاح (منه).
الخليفة، فلما افاق قال له ابو الحسنعليهالسلام نحن لا ننافسكم في الدنيا، نحن مشتغلون بأمر الآخرة، فلا عليك مني مما تظن بأس.
الدر النظيم، قال محمد بن يحيى، قال: يحيى بن اكثم: في مجلس الواثق و الفقهاء بحضرته، من حلق رأس آدمعليهالسلام حين حج؟ فتعايى القوم(١) عن الجواب، فقال الواثق انا احضركم من ينبئكم بالخبر، فبعث الى علي بن محمد الهاديعليهالسلام فاحضره، فقال له يا ابا الحسن من حلق رأس آدم حين حج؟ فقال سألتك يا امير المؤمنيين إلا أعفيتني، قال اقسمت لتقولن، قال: اما اذا ابيت فان ابي حدثني عن جدي، عن ابيه عن جدَّه قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمر جبرائيل ان ينزل بياقوتة من الجنة فهبط بها فمسح بها رأس آدم فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرماً.
روى الاربلي ان ابا الحسنعليهالسلام خرج يوماً من سر من رأى الى قرية، لمهّم عرض له، فجاء رجل من الاعراب يطلبه، فقيل له: قد ذهب الى الموضع الفلاني، فقصده، فلما وصل اليه قالعليهالسلام له: ما حاجتك؟ فقال انا رجل من اعراب الكوفة المتمسكين بولاء جدِّك عليّ بن ابي طالبعليهالسلام وقد ركبني دين فادح(٢) اثقلني حمله، ولم أر من اقصده لقضائه سواك، فقال له ابو الحسنعليهالسلام طب نفساً وقر عيناً، ثم انزله فلما اصبح ذلك اليوم قال له ابو الحسنعليهالسلام : اريد منك حاجة، اللّه اللّه ان تخالفني فيها، فقال الأعرابي لا أخالفك، فكتب ابو الحسنعليهالسلام ورقة بخطه معترفاً فيها ان عليه للاعرابي مالاً عينه فيها يرجح على دينه، وقال خذا هذا الخط فاذا وصلت الى سر من رأى احضر الي وعندي جماعة، فطالبني به واغلظ القول علي في ترك ابقائك اياه، اللّه اللّه في مخالفتي، فقال افعل واخذ الخط، فلما وصل ابو
____________________
(١) أي عجزوا. من العي وهو ظهور العجز (بسكون الجيم).
(٢) أي عظيم ثقيل.
الحسنعليهالسلام الي سر من رأى وحضر عنده جماعة كثيرون من اصحاب الخليفة، وغيرهم، حضر ذلك الرجل واخرج الخط وطالبه، وقال: كما أوصاه، فألان(١) ابو الحسنعليهالسلام له القول ورفقه وجعل يعتذر اليه ووعده بوفائه وطيبة نفسه، فنقل ذلك الى الخليفة المتوكل فامر ان يحمل الى ابي الحسنعليهالسلام ثلاثون الف درهم، فلما حملت اليه تركها الى ان جاء الرجل، فقال: خذ هذا المال فاقض منه دينك، وانفق الباقي على عيالك واهلك، واعذرنا فقال له الاعرابي: ياابن رسول اللّه و اللّه ان أملي كان يقصر عن ثلث هذا ولكن الّله اعلم حيث يجعل رسالته، واخذ المال و انصرف، وهذه منقبة من سمعها حكم له بمكارم الاخلاق، قلت ويشبه هذا ما روي عن الديلمي في كتاب اعلام الورى عن ابي امامة: ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ذات يوم لاصحابه الا احدثكم عن الخضر؟ قالوا بلى يا رسول اللّه، قال بينا هو يمشي في سوق من اسواق بني اسرائيل، اذ بصر به مسكين فقال تصدق عليَّ بارك اللّه فيك، قال الخضر آمنت باللّه، ما يقضي اللّه يكون، ما عندي من شيء اعطيكه، قال المسكين بوجه اللّه لما تصدقت عليَّ، اني رأيت الخير في وجهك ورجوت الخير عندك، قال الخضرعليهالسلام آمنت باللّه، انك سألتني بامر عظيم، ما عندي من شيء اعطيكه الا ان تأخذني فتبيعني، قال المسكين و هل يستقيم هذا، قال: الحق اقول لك، انك سألتني بأمر عظيم، سألتني بوجه ربي عز وجل، اما اني لا اخيبك في مسألتي بوجه ربّي، فبعني، فقدمه الى السوق فباعه باربعمئة درهم فمكث عند المشتري زماناً لا يستعمله في شيء، فقال الخضرعليهالسلام انما ابتعتني التماس خدمتي فمرني بعمل، قال: اني اكره ان اشق عليك، انك شيخ كبير، قال: لست تشق عليَّ، قال فقم فانقل هذه الحجارة، قال وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم، فقام فنقل الحجارة في ساعته، فقال له احسنت
____________________
(١) ألان له أي اخذه بالملاطفة واللينة: ضد الخشونة.
واجملت واطقت ما لم يطقه احد، قال: ثم عرض للرجل سفر فقال إنِّي احسبك أميناً فاخلفني في أهلي خلافة حسنة، وانِّي اكره ان اشق عليك، قال: لست تشق عليَّ، قال: فاضرب من اللبن شيئاً حتى ارجع اليك، قال فخرج الرجل لسفره ورجع و قد شيد بناء فقال له الرجل اسألك بوجه اللّه ما حسبك و ما أمرك؟ قال إنّك سألتني بامر عظيم، بوجه اللّه عز وجل، ووجه اللّه اوقعني في العبودية، و سأخبرك من انا، انا الخضر الذي سمعت به، سألني مسكين صدقة ولم يكن عندي شيء اعطيه، فسألني بوجه اللّه(١) عز وَجل فراد سائله و هو قادر على ذلك وقف يوم القيامة ليس لوجهه جلد و لا لحم و لا دم الا عظم يتقعقع(٢) قال الرجل شققت عليك ولم اعرفك، قال لا بأس اتقيت واحسنت، قال: بأبي انت وامّي احكم في اهلي ومالي بما أراك اللّه عز وجلّ، ام اخيرك فاخلي سبيلك، قال احب اليَّ ان تخلي سبيلي فاعبد اللّه على سبيله، فقال الخضر: الحمد للّه الذي اوقعني في العبودية فأنجاني منها.
فصل في نبذ من كلامه عليه السلام
قال: من رضي عن نفسه كثر الساخطون عليه. و قال: راكب الحرون(٣) اسير نفسه والجاهل اسير لسانه. وقال: الناس في الدنيا بالاموال وفي الآخرة بالاعمال. وقال: المصيبة للصابر واحدة وللجازع اثنتان، وقال: الهزل (الهزء خ د) فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، وقال: السهر الذُّ للمنام والجوع يزيد في طيب الطعام، يريد به الحث على قيام الليل وصيام النهار. وقال: اذكر مصرعك بين يدي اهلك، فلا طبيب يمنعك ولا حبيب ينفعك. وقال: المقادير تريك ما لا يخطر ببالك. وقال لرجل وقد
____________________
(١) فجعلت نفسي عبداً له حتي باعني، ومن سأل اللّه عز وجل الخ ظ.
(٢) أي صوَّت عند التحريك.
(٣) حرن البغل: وقف ولم ينقد فهو وهي حرون.
اكثر من افراط الثناء عليه: اقبل على شأنك، فان كثرة الملق(١) يهجم على الظنة، واذا حللت من اخيك، في محل الثقة فاعدل عن الملق الى حسن النية. وقال: الحكمة لا تنجع(٣) في الطباع الفاسدة. وقال: اذا كان زمان العدل فيه اغلب من الجود فحرام ان تظن باحد سوءاً حتى تعلم ذلك، واذا كان زمان الجور فيه اغلب من العدل فليس لأحد ان يظن باحد خيرا حتى يرى ذلك، منه.
عن سهل بن زياد قال: كتب اليه بعض اصحابنا يسأله ان يعلمه دعوة جامعة للدنيا والآخرة، فكتب اليه: اكثر من الاستغفار و الحمد، فانك تدرك بذلك الخير كله.
وقال للمتوكل في جواب كلام دار بينهما لا تطلب الصفاء ممن كدرت عليه، ولا الوفاء ممن غدرت به، ولا النصح ممن صرفت سوء ظنك اليه فانما قلب غيرك كقلبك له، الى غير ذلك. ومن أراد أن يقف على الكلمات الصادرة عن جنابه فعليه بالزيارة الجامعة الكبيرة المروية عنه (سلام اللّه عليه)، فانها كما قال العلامة المجلسي اصح الزيارات سنداً وافصحها لفظاً وابلغها معنىً واعلاها شأناً.
فصل فيما جرى بين ابي الحسن الهادي عليه السلام وبين بعض خلفاء زمانه
اشخص ابا الحسنعليهالسلام المتوكل من المدينة الى سر من رأى، و كان السبب في ذلك، ان عبد اللّه بن محمد، وكان والي المدينة سعى بهعليهالسلام اليه،فكتب المتوكل اليه كتاباً، يدعو به فيه الى حضور
____________________
(١) ملقه: تودد اليه وتذلل له وابدى له بلسانه ما ليس في قلبه.
(٢) نجع بالنون والجيم أي اثر (منه).
العسكر على جميل من القول، وبعث يحيى بن هرثمة ثلاثمئة رجل لاشخاصه من طريق البادية، وقد رأى يحيى منهعليهالسلام في ايام المصاحبة معه من الدلائل والآيات ما لا يتحملها المقام.
روى المسعودي عن يحيى بن هرثمة، قال وجهني المتوكل الى المدينة لإشخاص علي بن محمدعليهالسلام لشيء بلغه عنه، فلما صرت اليها ضج اهلها، وعجوا ضجيجاً وعجيجاً، ما سمعت مثله، فجعلت أسكنهم وأحلف اني لم أؤمر فيه بمكروه، وفتشت بيته فلم اصب فيه الا مصحفاً(١) ودعاءً وما اشبه ذلك، فاشخصته وتوليت خدمته واحسنت عشرته، فبينا انا في يوم من الايام والسماء صاحية والشمس طالعة اذ ركب وعليه ممطر وقد عقد ذنب دابته، فعجبت من فعله فلم يكن بعد ذلك الا هنيهة حتى جاءت سحابة فارخت عزاليها(٣) ونالنا من المطر امر عظيم جداً، فالتفت اليَّ، وقال: انا اعلم انك انكرت ما رأيت، وتوهمت اني علمت من الامر ما لا تعلمه، وليس ذلك كما ظننت، ولكني نشأت بالبادية فانا اعرف الرياح التي يكون في عقبها المطر، فلما اصبحت هبت ريح لا تخلف، وشممت منها رائحة المطر، فتأهبت لذلك، فلما قدمت مدينة السلام بدأت باسحاق بن ابراهيم الطاطري وكان على بغداد، فقال يا يحيى ان هذا الرجل قد ولده رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والمتوكل من تعلم، وان حرضته على قتله كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خصمك فقلت واللّه ما وقفت منه الا على كل امر جميل، فصرت الى سامراء فبدأت بوصيف التركي، وكنت من اصحابه، فقال: واللّه لئن سقطت من رأس هذا الرجل شعرة لا يكون المطالب بها غيري، فعجبت من قولهما وعرَّفت المتوكل ما وقفت عليه وما سمعته من الثناء عليه، فاحسن جائزته واظهر بره وتكرمته. انتهي.
____________________
(١) وفي تذكرة السبط فلم اجد فيه الا مصاحف وادعية وكتب العلم فعظم في عيني وتوليت خدمته بنفسي الخ (منه).
(٢) عزالي جمع عزلاء امطارها.
وقال في اثبات الوصية حدَّث ابو عبد اللّه محمد بن احمد الحلبي القاضي قال: حدثني الخضر بن محمد البزاز، وكان شيخاً، مستوراً ثقة يقبله القضاة والناس: قال: رأيت في المنام كأني على شاطئ دجلة بمدينة السلام في رحبة الجسر(١) والناس مجتمعون خلقاً كثيراً يزحم بعضهم بعضاً وهم يقولون قد اقبل بيت اللّه الحرام فبينا نحن كذلك اذ رأيت البيت بما عليه من الستائر الديباج والقباطي(٢) قد اقبل ماداً على الأرض يسير حتى عبر الجسر من الجانب الغربي الى الجانب الشرقي والناس يطوفون به وبين يديه حتى دخل دار خزيمة الى ان قال: فلما كان بعد أيام خرجت في حاجة حتى انتهيت الى الجسر، فرأيت الناس مجتمعين، وهم يقولون قد قدم ابن الرضاعليهالسلام من المدينة فرأيته قد عبر من الجسر على شهري تحته كبير، يسير عليه سيراً رفيقاً، والناس بين يديه وخلفه، وجاء حتى دخل دار خزيمة بن حازم فعلمت انه تأويل الرؤيا التي رأيتها، ثم خرج الى سر من رأى انتهى.
وقال الشيخ الطبرسي، (رضي اللّه عنه)، فلما وصل إلى سرَّ من رأى تقدم المتوكل ان يحتجب عنه في منزله، فنزل في خان يعرف بخان الصعاليك(٣) فقام فيه يومه، ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل اليها، ثم روى عن صالح بن سعيد، قال: دخلت على ابي الحسنعليهالسلام في يوم وروده فقلت له جعلت فداك في كل الامور أرادوا اطفاء نورك، والتقصير بك، حتى انزلوك هذا الخان الاشنع، خان الصعاليك، فقال ها هنا انت يا بن سعيد ثم اومأ بيده فاذا بروضات انقات(٤) وانهار جاريات فيها خيرات
____________________
(١) أي محله المتسع.
(٢) القبطية بضم القاف وبكسرها: ثياب من كتان منسوبة الى القبط. جمعها: القباطي.
(٣) صعلوك كعصفور: درويش. صعاليك جمع، وصعاليك العرب: لصوصهم وفقراؤهم (منه).
(٤)اي معجبات مؤثرات على ما سواها.
عطرات وولدان كانهن اللؤلؤ المكنون فحار بصري وكثر عجبي، فقال: حيث كنا فهذا يا ابن سعيد لسنا في خان الصعاليك.
وفي اثبات الوصية روى انهعليهالسلام دخل دار المتوكل فقام يصلي فاتاه بعض المخالفين فوقف حياله فقال له: الى كم هذا الرياء؟ فاسرع الصلاة وسلم، ثم التفت اليه فقال: ان كنت كاذباً سحتك اللّه، فوقع الرجل ميتا فصار حديثاً في الدار.
وروي عنهعليهالسلام قال: اخرجت الى سر من رأى كرهاً ولو أخرجت عنها أخرجت كرهاً، قيل ولم يا سيدي؟ قال لطيب هوائها وعذوبة مائها وقلة دائها.
الشيخ المفيد عن ابن قولويه عن الكليني عن علي بن محمد عن ابراهيم بن محمد الطاهري، قال: مرض المتوكل من خرّاج(١) خرج به فأشرف منه على الموت، فلم يجسر احد ان يسِمه بحديدة، فنذرت أمه إن عوفي ان تحمل الى ابي الحسن علي بن محمدعليهالسلام مالاً جليلاً من مالها وقال له الفتح بن خاقان لو بعثت الى هذا الرجل يعني ابا الحسنعليهالسلام فسألته فإنه ربما كان عنده صفة شيء يفرج اللّه به عنك، فقال ابعثوا اليه فمضى الرسول ورجع، فقال: خذوا كسب(٢) الغنم فديفوه(٣) بماء الورد وضعوه على الخراج فانه نافع، باذن اللّه، فجعل من يحضر المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال، فواللّه اني لأرجو الصلاح به، فاحضر الكسب وديف بماء الورد ووضع على الخراج فانفتح وخرج ما كان فيه وسرّت أم المتوكل بعافيته فحملت الى ابي الحسنعليهالسلام عشرة آلاف دينار تحت ختمها واستقل(٤) المتوكل من
____________________
(١) خراج كغراب: القرحة (منه).
(٢) و(٣) الكسب بالضم عصارة الدهن ولعل المراد ها هنا ما يشبهها مما يتلبد من السرقين تحت ارجل الشاة والدوف الخلط والبل بماء ونحوه (منه).
(٤) الظاهر انه تصحيف والصحيح استبل بالباء مكان القاف قال في منتهى الارب استبل.
علته، فلما كان بعد أيام، سعى البطحائي بأبي الحسنعليهالسلام الى المتوكل، وقال عنده اموال وسلاح فتقدم المتوكل الى سعيد الحاجب، ان يهجم عليه ليلاً ويأخذ ما يجده عنده من الأموال والسلاح ويحمل اليه، قال ابراهيم بن محمد، قال لي سعيد الحاجب: صرت الى دار ابي الحسنعليهالسلام بالليل ومعي سلم فصعدت منه الى السطح ونزلت من الدرجة الى بعضها في الظلمة فلم ادر كيف أصل الى الدار فناداني ابو الحسنعليهالسلام من الدار يا سعيد مكانك، حتى يأتوك بشمعة، فلم ألبث ان آتوني بشمعة فنزلت فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها، وسجادته على حصير بين يديه، وهو مقبل على القبلة، فقال لي: دونك البيوت، فدخلتها وفتشتها فلم اجد فيها شيئاً ووجدت البدرة مختومة بخاتم ام المتوكل، وكيساً مختوماً معها، فقال لي ابو الحسنعليهالسلام : دونك المصلى فرفعته فوجدت سيفاً في جفن ملبوس، فاخذت ذلك، وصرت اليه، فلما نظر الى خاتم امه على البدرة بعث اليها فخرجت اليه فسألها عن البدرة فأخبرني بعض خدم الخاصة انها قالت: كنت نذرت في علتك ان عوفيت ان أحمل اليه من مالي عشرة آلاف دينار فحملتها اليه وهذا خاتمي على الكيس، ما حركه، وفتح الكيس الآخر فاذا فيه أربعمئة دينار فأمر أن يضم الى البدرة بدرة اخرى، وقال لي: احمل ذلك الى ابي الحسنعليهالسلام واردد عليه السيف والكيس بما فيه فحملت ذلك اليه واستحييت منه، فقلت له: يا سيدي عزَّ(١) عليَّ دخولي دارك بغير اذنك، ولكني مأمور، فقال لي وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.
فصل في ذكر ما جرى بين علي الهادي عليه السلام والمتوكل وهجوم الاتراك عليه
كان المتوكل يجتهد في ايقاع حيلة بعلي بن محمدعليهالسلام ، ويعمل على الوضع من قدره في عيون الناس، فلا يتمكن من ذلك، وله معه احاديث يطول بذكرها الكتاب، فيها آيات لهعليهالسلام ودلالات فلا بأس بذكر بعضها رجاء ان يملأ اللّه تعالى به صحائفنا من الحسنات.
منها ما رواه القطب الراوندي عن أبي سعيد سهل بن زياد قال: حدثنا ابو العباس فضل بن احمد بن اسرائيل الكاتب ونحن في داره بسامراء فجرى ذكر ابي الحسنعليهالسلام ، فقال: يا ابا سعيد اني احدثك بشيء حدثني به ابي، قال: كنا مع المعتز وكان ابي كاتبه، فدخلنا الدار واذا المتوكل على سريره قاعد فسلم المعتز ووقف ووقفت خلفه، وكان عهدي به اذا دخل رحب به ويأمره بالقعود فاطال القيام وجعل يرفع رجلا ويضع اخرى، وهو لا يأذن له بالقعود، ونظرت الى وجهه يتغير ساعة ويقبل الفتح بن خاقان ويقول: هذا الذي تقول فيه ما تقول ويردد عليه القول، والفتح مقبل عليه يسكنه ويقول مكذوب عليه يا امير المؤمنين، وهو يتلظّى ويقول: واللّه لاقتلن هذا المرائي وهو الذي يدَّعي الكذب ويطعن في دولتي، ثم قال جئني باربعة من الخزر جلاف(١) لا يفقهون فجيء بهم ودفع اليهم اربعة اسياف وامرهم ان يرطنوا بألسنتهم اذ دخل ابو الحسنعليهالسلام ويقبلوا عليه باسيافهم فيخبطوه وهو يقول واللّه لأحرقنه بعد القتل، وانا منتصب قائم خلف المعتز، من وراء الستر، فما علمت الا بأبي الحسنعليهالسلام قد دخل وقد بادر الناس قدامه وقالوا قد جاء، والتفت فاذا انا به وشفتاه يتحركان وهو غير مكروب ولا جازع، فلما بصر به المتوكل رمى
____________________
(١) جمع جلف وهو الجافي الغليظ والصحيح في جمعها: اجلاف.
بنفسه عن السرير اليه وسبقه وانكب عليه فقبل ما بين عينيه ويديه وسيفه بيده، وهو يقول: يا سيدي يا ابن رسول اللّه يا خير خلق الله، يا ابن عمي، يا مولاي يا ابا الحسن، وابو الحسنعليهالسلام يقول اعيذك يا امير المؤمنين باللّه، اعفني من هذا، فقال ما جاء بك يا سيدي في هذا الوقت؟ قال جاءني رسولك، فقال: المتوكل يدعوك، ثم قال: كذب ابن الفاعلة ارجع يا سيدي من حيث شئت، يا فتح يا عبد اللّه يا معتز شيعوا سيِّدكم وسيِّدي، فلما بصر به الخزر خروا سجَّداً مذعنين(١) فلما خرج دعاهم المتوكل ثم امر الترجمان ان يخبره بما يقولون، ثم قال لهم: لِمَ لم تفعلوا ما امرتكم به؟ قالوا: شدة هيبته، رأينا حوله أكثر من مئة سيف لم نقدر أن نتأملهم فمنعنا ذلك عما أمرت به وامتلأت قلوبنا من ذلك رعباً، فقال المتوكل يا فتح هذا صاحبك، وضحك الفتح في وجهه، فقال: الحمد للّه الذي بيَّض وجهه وأنار حجته.
ومنها ما رواه المسعودي عن محمد بن عرفة النحوي عن المبرد، قال: قال المتوكل لأبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالبعليهمالسلام : ما يقول ولد أبيك في العباس بن عبد المطلب؟ قال: وما يقول ولد ابي يا امير المؤمنين في رجل افترض اللّه طاعه نبيه على خلقه وافترض طاعته على نبيه، فأمر له بمئة الف درهم، وانما أراد ابو الحسنعليهالسلام طاعة اللّه على نبيِّه فعرض، فظن المتوكل انهعليهالسلام أراد من طاعته على نبيه طاعة عمه العباس وانما أرادعليهالسلام طاعة اللّه تعالى لا طاعة عمه.
وقد كان سُعي بأبي الحسن عليّ بن محمدعليهالسلام الى المتوكل وقيل له: ان في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته فوجه اليه ليلاً من الاتراك وغيرهم من هجم عليه في منزله، على غفلة ممن في داره، فوجده في البيت وحده، مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر ولا بساط في البيت الا
____________________
(١) صاغرين، مذعورين (ظ).
الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجهاً الى ربه، يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه وحمل الى المتوكل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلما رآه اعظمه واجلسه الى جنبه، ولم يكن في منزله شيء مما قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الذي في يده، فقال: يا امير المؤمنين ما خامر(١) لحمي ودمي قط، فاعفني منه، فعفاه وقال: انشدني شعراً استحسنه، فقال اني لقليل الرواية للاشعار، فقال لا بد أن تنشدني فانشده:
باتوا على قلل الاجبال تحرسهم |
غلب الرجال فما اغناهم القلل |
|
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم(٢) |
فاودعوا حفراً يا بئس ما نزلوا |
|
ناداهم صارخ من بعدما قبروا |
اين الاسرة(٣) والتيجان والحلل |
|
اين الوجوه التي كانت منعمة؟ |
من دونها تضرب الاستار والكلل(٤) |
|
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم |
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل |
|
قد طال ما اكلوا دهراً وما شربوا |
واصبحوا بعد طول الاكل قد اكلوا |
|
وطالما عمروا دوراً لتحصنهم(٥) |
ففارقوا الدور والاهلين وانتقلوا |
____________________
(١) أي خالط وداخل فيه.
(٢) جمع معقل وهو الملجأ او الجبل المرتفع.
(٣) جمع سرير وهو التخت، ويغلب على تخت الملك.
(٤)كلل: جمع كلة بكسر الكاف وهي الستر الرقيق.
(٥) لتمنعهم وتحميهم.
وطالما كنزوا الاموال وادخروا |
فخلفوها على الاعداء وارتحلوا |
|
اضحت منازلهم قفراً معطلة |
وساكنوها الى الاجداث(١) قد رحلوا |
قال فاشفق من حضر على عليّعليهالسلام وظنوا ان بادرة(٢) تبدر منه اليه، قال واللّه لقد بكى المتوكل بكاءً طويلاً حتى بلت دموعه لحيته، وبكى من حضره، ثم أمر برفع الشراب، ثم قال له يا ابا الحسن اعليك دين؟ قال نعم اربعة آلاف دينار، فأمر بدفعها اليه ورده الى منزله من ساعته مكرَّماً.
ومنها ما عن القطب الراوندي عن زرارة حاجب المتوكل، قال: اراد المتوكل ان يمشي علي بن محمد بن الرضاعليهمالسلام يوم السلام فقال له وزيره: ان في هذا شناعة عليك وسوء قالة(٣) فلا تفعل، قال: لا بد من هذا، قال: فان لم يكن بد من هذا فتقدم بأن يمشي القواد والاشراف كلهم حتى لا يظن الناس انك قصدته بهذا دون غيره، ففعل ومشىعليهالسلام وكان الصيف، فوافى الدهليز وقد عرق، قال فلقيته واجلسته في الدهليز ومسحت وجهه بمنديل وقلت: ابن عمك لم يقصدك بهذا دون غيرك، فلا تجد عليه في قلبك، فقال: ايهاً(٤) عنك، تمتعوا في داركم ثلاثة ايام ذلك وعد غير مكذوب، قال زرارة وكان عندي معلم يتشيع وكنت كثيراً ما امازحه بالرافضي فانصرفت الى منزلي وقت العشاء وقلت تعال يا رافضي حتى احدثك بشيء سمعته اليوم من إمامكم، قال لي وما سمعت؟ فاخبرته بما قال فقال: اقول لك فاقبل نصيحتي، قلت هاتها قال: ان
____________________
(١) اجداث: جمع جدث بفتح الأولين وهو القبر.
(٢) البادرة: ما يبدو من الإِنسان عند حدته. السهم من جهة النصل.
(٣) أي باعث لقول السوء فيك، والقالة: القول الفاشي في الناس خيراً او شراً.
(٤) بكسر الهمزة أي اسكت وكف، واذا اردت التبعيد قلت ايها بفتح الهمزة بمعنى هيهات (منه).
كان علي بن محمدعليهالسلام قال بما قلت فاحترز واخزن كل ما تملكه فان المتوكل يموت او يقتل بعد ثلاثة ايام، فغضبت عليه وشتمته وطردته من بين يديّ، فخرج فلما خلوت بنفسي تفكرت، وقلت: ما يضرني ان آخذ بالحزم، فان كان من هذا شيء كنت قد اخذت بالحزم، وان لم يكن لم يضرّني ذلك، قال فركبت الى دار المتوكل فاخرجت كل ما كان لي فيها، وفرقت كل ما كان في داري الى عند اقوام اثق بهم، ولم اترك في داري الا حصيراً اقعد عليه، فلما كانت الليلة الرابعة قتل المتوكل وسلمت، انا ومالي، وتشيعت عند ذلك فصرت اليه، ولزمت خدمته وسألته ان يدعو لي، وتواليته حق الولاية.
اقول وقصتهعليهالسلام مع زينب الكذَّابة بحضرة المتوكل ونزولهعليهالسلام الى بركة السباع وتذللها له ورجوع زينب عما ادعته مشهورة، اغنانا شهرتها عن ذكرها.
قال القطب الراوندي وأما عليّ بن محمد الهاديعليهالسلام فقد اجتمعت فيه خصال الإَمامة وتكامل فضله وعلمه وخصاله الخيِّرة، وكانت اخلاقه كلها خارقة للعادة كاخلاق آبائه وكان بالليل مقبلا على القبلة لا يفتر ساعة وعليه جبة صوف وسجادته على حصير، ولو ذكرنا محاسن شمائله لطال بها الكتاب. انتهى.
وقد تقدم ما نقلناه عن المسعودي مما يشهد لكلامه، وتقدم ايضاً انه لما دخل دار المتوكل قام يصلّي، فقال بعض المخالفين: الى كم هذا الرياء فوقع الرجل ميتاً.
فصل في تاريخ وفاة ابي الحسن الهادي عليه السلام
قبض ابو الحسن علي بن محمد الهادي (عليه السلام ) مسموماً بسر من رأى في يوم الاثنين ثالث رجب سنة ٢٥٤ اربع وخمسين ومئتين(١) وله يومئذ احدى واربعون سنة واشهر، وكانت مدة امامته ثلاثاً وثلاثين سنة واشهراً، وكان ايام امامته بقية ملك المعتصم ثم ملك الواثق ثم ملك المتوكل ثم ملك المنتصر ثم ملك المستعين ثم ملك المعتز، ودفن في داره بسر من رأى، وخرج ابو محمدعليهالسلام في جنازته وقميصه مشقوق وصلى عليه ودفنه.
وقال المسعودي: وكانت وفاة ابي الحسنعليهالسلام في خلافة المعتز باللّه وذلك في يوم الاثنين لاربع بقين من جمادى الآخرة سنة ٢٥٤ وهو(٢) ابن اربعين سنة وقيل ابن اثنتين واربعين وقيل اكثر من ذلك، و سمع في جنازته جارية، تقول: ماذا لقينا في يوم الاثنين قديماً وحديثاً، وصلى عليه احمد بن المتوكل على اللّه في شارع ابي احمد في داره بسامراء، ودفن هناك. انتهى.
اقول: اشارت الجارية بهذه الكلمة الى يوم وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وجلافة(٣) المنافقين الطغام(٤) والبيعة التي عمّ شؤمها الإِسلام، واخذت الجارية هذه عن عقيلة الهاشميين زينب بنت امير المؤمنين،عليهماالسلام ، في ندبتها على الحسينعليهالسلام : يأبي من اضحى عسكره يوم الاثنين نهباً.
____________________
(١) وقيل ٢٦ من جمادى الآخر. وقيل ثاني الرجب، وقيل خامسة، وقيل ثالث عشره.
(٢) وهذا مختاره في اثبات الوصية.
(٣) مصدر جلف الرجل: كان جلفاً أي جافياً غليظاً.
(٤) بفتح الطاء (للواحد والجمع): اوباش الناس ورذا لهم.
وقال في اثبات الوصية: حدثنا جماعة كل واحد منهم يحكي، انه دخل الدار، أي دار ابي الحسنعليهالسلام ، يوم وفاته وقد اجتمع فيها جل بني هاشم من الطالبيين والعباسيين واجتمع خلق من الشيعة ولم يكن ظهر عندهم، امر ابي محمدعليهالسلام ، ولا عرف خبره الا الثقات الذين نص ابو الحسنعليهالسلام عندهم عليه، فحكوا انهم كانوا في مصيبة وحيرة، فهم في ذلك اذ خرج من الدار الداخلة خادم فصاح بخادم آخر يا رياش خذ هذه الرقعة وامض بها الى دار امير المؤمنين، وادفعها الى فلان، وقل له: هذه رقعة الحسن بن علي، فاستشرف الناس لذلك،ثم فتح من صدر الرواق باب وخرج خادم اسود، ثم خرج بعده ابو محمدعليهالسلام حاسراً مكشوف الرأس مشقوق الثياب وعليه مبطنة ملحم(١) بيضاء وكان وجهه وجه ابيهعليهالسلام لا يخطئ(٢) منه شيئاً وكان في الدار اولاد المتوكل وبعضهم ولاة العهد فلم يبق احد الا قام على رجله، ووثب اليه ابو احمد الموفق، فقصده ابو محمدعليهالسلام فعانقه ثم قال له: مرحباً بابن العم وجلس بين بابي الرواق والناس كلهم بين يديه، وكانت الدار كالسوق بالاحاديث، فلما خرج وجلس امسك الناس فما كنا نسمع شيئاً الا العطسة والسعلة وخرجت جارية تندب ابا الحسنعليهالسلام فقال ابو محمدعليهالسلام ما ها هنا من يكفي مؤونة هذه الجاهلة (الجارية - خ)، فبادر الشيعة اليها فدخلت الدار، ثم خرج خادم فوقف بحذاء ابي محمد فنهض صلى اللّه عليه وأخرجت الجنازة وخرج يمشي حتى اخرج بها إلى الشارع الذي بازاء دار موسى بن بغا، وقد كان ابو محمدعليهالسلام ، صلى عليه، قبل ان يخرج الى الناس، وصلى عليه لما اخرج المعتمد، ودفن صلى اللّه عليه في دار من دوره، الى ان قال: وتكلمت الشيعة في شق ثيابهعليهالسلام وقال بعضهم رأيتم احداً من الأئمة شق ثوبه في مثل هذا
الحال؟ فوقع الي من قال ذلك: يا احمق ما يدريك ما هذا، قد شق موسى على هارونعليهماالسلام . انتهى.
وروى عنهعليهالسلام قال هذا الدعاء كثيراً ما ادعو اللّه به وقد سألت اللّه عز وجل ان لا يخيب من دعا به في مشهدي بعدي وهو:
(يا عدتي عند العُدد (بضم العين) ويا رجائي والمعتمد ويا كهفي والسند ويا واحداً يا احد ويا قل هو اللّه احد، اسألك اللهم بحق من خلقته من خلقك، ولم تجعل في خلقك مثلهم احداً، صلِّ على جماعتهم وافعل بي كذا وكذا).
النور الثالث عشر.. الإِمام الحادي عشر ابو محمد الحسن بن علي العسكري ...
وسبط سيد البشر ووالد الخلف المنتظر السيد الرضي الزكي صلوات الله عليه
وعلى آبائه الكرام وخلفه خاتم الأئمة الاعلام
ولدعليهالسلام بالمدينة الطيبة يوم العاشر او الثامن من شهر ربيع الآخر وقيل في رابعه ٢٣٢ اثنتين وثلاثين ومئتين(١) .
قال شيخنا الحر العاملي في تاريخه:
مولده شهر ربيع الآخر |
وذاك في اليوم الشريف العاشر |
|
في يوم الاثنين وقيل الرابع |
وقيل في الثامن وهو شائع |
امهعليهالسلام تسمى حديث(٢) او سليل، ويقال لها الجدة، وكانت من العارفات الصالحات، وكفى في فضلها انها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة ابي محمدعليهالسلام ، روى الشيخ الصدوق عن احمد بن ابراهيم قال: دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا اخت ابي الحسن صاحب العسكرعليهمالسلام في سنة اثنتين وستين ومئتين فكلمتها من وراء حجاب وسألتها عن دينها فسمت لي من تأتم بهم، ثم قالت: والحجة بن الحسنعليهالسلام ، فسمته الى ان قال: فقلت لها: اين
____________________
(١) وقيل في عاشر رمضان، وقيل في عام ولادته انه سنة ٢٣١ هجري.
(٢) مصغراً (منه).
الولد؟ يعني الحجةعليهالسلام قالت مستور، فقلت: الى من تفرغ الشيعة؟ فقالت الى الجدة ام ابي محمدعليهالسلام ، فقلت لها أَقْتَدِي بمن وصيَّتُه الى امرأة؟ قالت: اقتداء بالحسين بن علي، والحسين بن عليعليهالسلام ، اوصى الى اخته زينب بنت عليعليهماالسلام ، في الظاهر، وكان ما يخرج عن علي بن الحسينعليهالسلام من علم ينسب الى زينب ستراً على علي بن الحسيينعليهالسلام .
قال القطب الراوندي، واما الحسن بن علي العسكريعليهالسلام فقد كانت اخلاقه كأخلاق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان رجلاً اسمر، حسن القامة جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة وهيئة حسنة، يعظمه العامة والخاصة اضطراراً، يعظمونه لفضله، ويقدمونه لعفافه وصيانته وزهده وعبادته وصلاحه واصلاحه، وكان جليلاً نبيلاً فاضلاً كريماً يحمل الاثقال ولا يتضعضع(١) للنوائب، اخلاقه خارقة للعادة على طريقة واحدة.
فصل في ذكر طرف من اخبار ابي محمد عليه السلام ومناقبه وآياته ومعجزاته
ونبدأ بنبذ مما شاهده ابو هاشم الجعفري ورواه الطبرسي من كتاب ابن عياش وغيره من غيره: فمن ذلك، ما روى انه قال ابو هاشم دخلت على ابي محمدعليهالسلام وانا اريد أن اسأله ما اصوغ به خاتماً اتبرك به، فجلست ونسيت ما جئت له، فلما ودعته ونهضت رمى الي بخاتم، فقال: اردت فضة فاعطيناك خاتماً وربحت الفص والكرا، هنأك اللّه يا أبا هاشم، فتعجبت من ذلك فقلت يا سيدي إنك وليّ اللّه وامامي الذي ادين اللّه بفضله
____________________
(١) أي لا يخضع للحوادث والمصائب.
وطاعته، فقال غفر اللّه لك يا ابا هاشم. وعنه ايضاً قال شكوت الى ابي محمدعليهالسلام ضيق الحبس وثقل القيد فكتب اليَّ تصلي الظهر اليوم في منزلك، فاخرجت في وقت الظهر وصليت في منزلي كما قالعليهالسلام ، وقال: كنت مضيقاً فاردت ان اطلب منه دنانير في كتابي، فاستحييت فلما صرت الى منزلي وجه اليَّ مئة دينار وكتب الي اذا كانت لك حاجة فلا تستحيي ولا تحتشم(١) واطلبها فانك ترى ما تحب، قال: وكان ابو هاشم حبس مع ابي محمدعليهالسلام ، كان (المعتمد ظ) حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان وخمسين ومئتين، وروي عنه قال: كنت في الحبس مع جماعة فحبس ابو محمدعليهالسلام واخوه جعفر، قال: وكان الحسنعليهالسلام يصوم فاذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامه اليه في جونة مختومة وكنت اصوم معه، فلما كان ذات يوم ضعفت فافطرت في بيت آخر على كعكة وما شعر بي واللّه احد، ثم جئت فجلست معه، فقال لغلامه اطعم ابا هاشم شيئاً فانه مفطر فتبسمت، فقال: ما يضحكك يا ابا هاشم؟ اذا اردت القوة فكل اللحم فان الكعك لا قوة فيه، فقلت صدق اللّه ورسوله وانتم عليكم السلام، فأكلت، فقال لي: افطر ثلاثاً فان المنة(٢) لا ترجع لمن انهكه(٣) الصوم في اقل من ثلاث. وعنه قال: سأل الفهفكي ابا محمدعليهالسلام ما بال المرأة المسكينة تأخذ سهماً واحداً ويأخذ الرجل سهمين؟ فقال ان المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا معقلة(٤) انما ذلك على الرجال، قال ابو هاشم، فقلت في نفسي: قد كان قيل لي ان ابن ابي العوجاء سأل ابا عبد اللّهعليهالسلام عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب، فأقبل ابو محمدعليهالسلام فقال:
____________________
(١) الاحتشام: الانقباض والاستحياء.
(٢) المنة بالضم: القوة (منه).
(٣) أي أضناه واجهده.
(٤) معقلة، بضم القاف: الدية (منه).
نعم هذه مسألة ابن ابي العوجاء والجواب منها واحد، اذا كان معنى المسألة واحداً جرى لآخرنا ما جرى لأولنا، وأولنا وآخرنا في العلم والامر سواء، ولرسول اللّه وامير المؤمنين (صلوات اللّه عليهما وآلهما) فضلهما.
وعنه (رضي اللّه عنه) قال: سمعت ابا محمدعليهالسلام يقول: من الذنوب التي لا يغفر قول الرجل ليتني لا اؤاخذ الا بهذا، فقلت في نفسي ان هذا لهو الدقيق، وينبغي للرجل ان يتفقد من نفسه كل شيء. فأقبل عليّ ابو محمدعليهالسلام فقال: صدقت يا ابا هاشم الزم ما حدثتك به نفسك، فان الاشراك في الناس اخفى من دبيب الذر(١) على الصفا(٢) في الليلة الظلماء ومن دبيب الذر على المسح(٣) الاسود.
اقول: يعبر عن هذا القسم من الذنوب بالمحقرات، قال ابو عبد اللّهعليهالسلام : ان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نزل بارض قرعاء فقال لاصحابه ائتونا بحطب، فقالوا يا رسول اللّه نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال فليأت كل انسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال إياكم والمحقرات من الذنوب، فان لكل شيء طالباً وان طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء احصيناه في امام مبين.
وحكي عن توبة بن الصمة انه كان محاسباً لنفسه في اكثر اوقات ليله ونهاره، فحسب يوماً ما مضى من عمره فاذا هو ستون سنة فحسب ايامها فكانت احد وعشرين الف يوم وخمسمئة يوم، فقال يا ويلتي القى كذا ما لك باحد وعشرين الف ذنب، ثم صعق صعقة كانت فيها نفسه.
____________________
(١) الذر: صغار النمل.
(٢) الصفا: الحجر الصلب الملس.
(٣) أي اللباس او الكساء من شعر.
وعنه قال: سمعت ابا محمدعليهالسلام يقول ان في الجنة لبابا يقال له المعروف لا يدخله الا اهل المعروف فحمدت اللّه في نفسي وفرحت مما اتكلفه من حوائج الناس فنظر الي ابو محمدعليهالسلام وقال: نعم فدم على ما انت عليه، وان اهل المعروف في الدنيا هم اهل المعروف في الآخرة، جعلك اللّه منهم يا ابا هاشم ورحمك.
وعن ابي هاشم ايضاً انه راكب ابو محمدعليهالسلام يوماً الى الصحراء فركبت معه فبينما يسير قدامي وانا خلفه اذ عرض لي فكر في دين كان عليَّ قد حان أجله، فجعلت افكر في أيّ وجه قضاؤه فالتفت الي وقال: اللّه يقضيه، ثم انحنى على قربوس سرجه فخط بسوطه خطة في الأرض فقال يا ابا هاشم انزل فخذ واكتم، فنزلت فاذا سبيكة(١) ذهب، قال: فوضعتها في خفي وسرنا، فعرض لي الفكر، فقلت: ان كان فيها تمام الدين والا فاني ارضي صاحبه بها ونحب ان ننظر في وجه نفقة الشتاء وما تحتاج اليه فيه من كسوة وغيرها، فالتفت الي ثم انحنى ثانية فخط بسوطه مثل الاولى، ثم قال: انزل وخذ واكتم، قال فنزلت بسبيكة فجعلتها في الخف الاخر وسرنا يسيراً ثم انصرف الى منزله وانصرفت الى منزلي فجلست وحسبت ذلك الدين وعرفت مبلغه، ثم وزنت سبيكة الذهب، فخرج بقسط ذلك الدين وعرفت مبلغه، ثم وزنت سبيكة الذهب، فخرج بقسط ذلك الدين ما زادت ولا نقصت، ثم نظرت ما نحتاج اليه لشتوتي من كل وجه فعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه، على الاقتصاد بلا تقتير(٢) ولا اسراف ثم وزنت سبيكة الفضة، فخرجت على ما قدرته ما زادت ولا نقصت.
وعنه (رضي اللّه عنه) قال دخلت على ابي محمدعليهالسلام وكان يكتب كتاباً فحان وقت الصلاة الأولى فوضع الكتاب من يده وقام الى الصلاة فرأيت القلم يمر على باقي القرطاس من الكتاب ويكتب حتى انتهى. إلى
____________________
(١) السبيكة: القطعة من الفضة او الذهب ذوبت وافرغت في قالب.
(٢) التقتير: ضد الاسراف وهو المماكسة في المعيشة.
آخره، فخررت ساجداً، فلما انصرف من الصلاة اخذ القلم بيده واذن للناس.
اقول: هذا قليل من كثير ما شاهده ابو هاشم من آياته ودلائله فقد روى عنه، رحمه اللّه، قال: ما دخلت على ابي الحسن وابي محمدعليهماالسلام قط الا رأيت منهما دلالة وبرهاناً.
فصل في آيات ابي محمد الحسن العسكري عليه السلام وبراهينه
قال القطب الراوندي في الخرايج حدث فطرس (بطريق خ د) رجل متطبب(١) وقد أتى عليه مئة سنة ونيف(٢) فقال: كنت تلميذ بختيشوع(٣) طبيب المتوكل وكان يصطفيني، فبعث اليه الحسن العسكريعليهالسلام ان يبعث اليه بأخص اصحابه عنده، ليفصده، فاختارني وقال: قد طلب مني الحسنعليهالسلام من يفصده فسر اليه وهو اعلم في يومنا هذا ممن هو تحت السماء فاحذر ان تتعرض عليه فيما يأمرك به فمضيت اليه فامرني الى حجرة، وقال كن ها هنا الى ان اطلبك، قال: وكان الوقت الذي اتيت اليه فيه عندي جيداً محموداً للفصد، فدعاني في وقت غير محمود له فاحضر طستاً كبيراً عظيماً، ففصدت الاكحل، فلم يزل الدم يخرج حتى امتلأ الطست، ثم قال لي اقطع الدم فقطعته وغسل يده وشدها وردني الى الحجرة، وقدم لي من الطعام الحار والبارد شيئاً كثيراً، وبقيت الى العصر ثم
____________________
(١) متطبب ما على بناء الفاعل: التاء فيه للمبالغة.
(٢) نيف بالتشديد والتخفيف: كلما زاد عن العقد الثاني. مثلا يقال عشرة ونيف ومئة ونيف.
(٣) وهو من اشهر اطباء الدولة العباسية. استخدمه الرشيد واشتهر بالدربة في صناعته، وقد استحضره الهادي قبل من جند يشابور لمعالجته وله حكاية مع الرشيد حين امتحنه. وله ولد يسمى بجبرائيل، فاق اقرانه.
دعاني وقال: سرح(١) ودعا بذلك الطست فسرحت وخرج الدم الى ان امتلأ الطست، فقال: اقطع فقطعت وشد يده وردني الى الحجرة فبت فيها، فلما اصبحت وظهرت الشمس دعاني واحضر ذلك الطست وقال: سرح، فسرحت وخرج من يده مثل اللبن الحليب(٢) الى ان امتلأ الطست، ثم قال: اقطع فقطعت وشد يده وتقدم اليَّ بتخت ثياب وخمين ديناراً، وقال: خذ هذا واعذر وانصرف، فاخذت ذلك وقلت يأمرني السيد بخدمة؟ قال نعم، بحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول، فصرت الى بختيشوع فقلت له القصة، فقال اجمعت الحكماء على ان اكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة امنان من الدم وهذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجباً، واعجب ما فيه اللبن، ففكر ساعة ثم مكث ثلاثة أيام بلياليها يقرأ الكتب على ان يجد في هذه القصة ذكراً في العالم، فلم يجد، ثم قال: لم يبق اليوم في النصرانية اعلم بالطب من راهب بدير العاقول(٣) فكتب اليه كتاباً يذكر فيه ما جرى، فخرجت وناديته فاشرف علي وقال: من انت؟ قلت صاحب بختيشوع، قال معك كتابه؟ قلت نعم، فأرخى اليّ زنبيلاً فجعلت الكتاب فيه فرفعه وقرأ الكتاب، فنزل من ساعته، فقال: انت الرجل الذي فصدت؟ قلت نعم، قال طوبى لأمك، وركب بغلاً ومر في فيافي(٤) سر من رأى، وقد بقي من الليل ثلثه، قلت: اين تحب دار استاذنا او دار الرجل؟ فقال دار الرجل فصرنا الى بابه قبل الأذان ففتح الباب، فخرج الينا خادم اسود، وقال: ايكما صاحب دير العاقول؟ فقال الراهب: انا، جعلت فداك، فقال انزل، وقال لي الخادم: احفظ البغلين، واخذ بيده
____________________
(١) يقال سرح اذا اجراه جرياً سهلاً.
(٢) الحليب: اللبن المحلوب، يقال حلب الشاة: اذا اخرج ما في ضرعها من اللبن.
(٣) دير العاقول بين مداين كسرى والنعمانية: موضع بين واسط وبغداد (منه) اقول ولزيادة الايضاح، انظر مراصد الاطلاع.
(٤) جمع فيفاء وهي المفازة لا ماء فيها او المكان المستوي.
ودخلا، فأقمت الى أن اصبحنا وارتفع النهار، ثم خرج الراهب وقد رمى ثياب الرهابين (بثياب الرهبانية خ د) ولبس ثيابا بيضاء وقد اسلم، وقال خذ بي الآن الى دار استاذك، فسرنا الى باب بختيشوع، ولما رآه بادر يعدو اليه، ثم قال: ما الذي ازالك عن دينك؟ قال وجدت المسيح فأسلمت على يده، قال: وجدت المسيح؟ فقال: نعم او نظيره فان هذه الفصدة لم يفعلها في العالم الا المسيح وهذا نظيره في آياته وبراهينه، ثم عاد الى الإِمامعليهالسلام ولزم خدمته الى ان مات.
وروى انه وقع ابو محمدعليهالسلام وهو صغير في بئر الماء وابو الحسنعليهالسلام في الصلاة والنسوان يصرخن، فلما سلم قال: لا بأس، فرأوه وقد ارتفع الماء الى رأس البئر وابو محمدعليهالسلام على رأس الماء يلعب بالماء.
وعن محمد بن (احمد خ د) الاقرع قال كتبت الى ابي محمدعليهالسلام اسأله عن الإِمام هل يحتلم؟ وقلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب: الاحتلام شيطنة وقد أعاذ اللّه اولياءه من ذلك، فورد الجواب حال الأئمة في النوم، حالهم في اليقظة، لا يغير النوم منهم شيئاً، وقد أعاذ اللّه اولياءه من لمة(١) الشيطان، كما حدثتك نفسك.
وعن عيسى بن صبيح قال دخل الحسن العسكريعليهالسلام علينا الحبس وكنت به عارفاً وقال: لك خمس وستون سنة، واشهرا ويوماً، وكان معي كتاب دعاء وعليه تاريخ مولدي وإنني نظرت فيه، فكان كما قالعليهالسلام ، وقال: هل رزقت من مولد (ولد ظ) قلت لا، قال اللهم
____________________
(١) أي المس (منه).
ارزقه ولدا يكون له عضداً، فنعم العضد الولد، ثم تمثلعليهالسلام :
من كان ذا ولد يدرك ظلامته |
ان الذليل الذي ليست له عضد |
قلت الك ولد؟ قال اي واللّه، سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً فأما الان فلا، ثم تمثل:
لعلك يوماً أن تراني كأنّما |
بنيّ حواليّ الاسود اللوابد(١) |
|
فان تميماً قبل ان يلد الحصى(٢) |
اقام زماناً وهو في الناس واحد |
المفيد عن ابن قولويه، عن الكليني، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن اسحاق، عن ابي هاشم الجعفري، قال: قلت لابي محمد الحسن بن عليعليهالسلام جلالتك تمنعني من مسألتك، افتأذن لي أن أسألك؟ فقال سل، فقلت يا سيدي هل لك ولد؟ قال نعم؟ فقلت ان حدث حادث فأين اسأل عنه؟ قال بالمدينة.
الشيخ الكليني، عن علي بن محمد، عن محمد بن ابراهيم المعروف بابن الكردي، عن محمد بن علي بن ابراهيم بن موسى بن جعفرعليهالسلام ، قال: ضاق بنا الأمر فقال لي ابي: امض بنا حتى نصير الى هذا الرجل يعني ابا محمدعليهالسلام فإنه قد وصف عنه سماحة(٣) فقلت: تعرفه؟ قال: ما اعرفه ولا رأيته قط، قال فقصدناه، فقال لي ابي، وهو في
____________________
(١) اللبدة، بالكسر: الشعر المتراكب بين كتفيه (منه).
(٢) أي العدد الكثير (منه).
(٣) السماحة: الجود.
طريقه: ما أحوجنا الى ان يأمر لنا بخمسمئة درهم مئتا درهم للدين (للدقيق. خ د) ومئة للنفقة، فقلت في نفسي ليته امر لي بثلاثمئة درهم مئة اشتري بها حماراً ومئة للنفقة ومئة للكسوة واخرج الى الجبل، قال فلما وافينا الباب خرج الينا غلامه، فقال: يدخل علي بن ابراهيم ومحمد ابنه، فلما دخلنا عليه وسلمنا قال لأبي: يا علي ما خلّفك عنا الى هذا الوقت فقال: يا سيدي استحييت ان القاك على هذه الحال، فلما خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول ابي صرة فقال هذه خمسمئة درهم، مئتان للكسوة ومئتان للدين (للدقيق. خ د) ومئة للنفقة، وأعطاني صرة فقال هذه ثلاثمئة درهم اجعل مئة في ثمن حمار، ومئة للكسوة، ومئة للنفقة، ولا تخرج الى الجبل وصر الى سوراء(١) فصار الى سوراء وتزوج بأمرأة فدخله اليوم الف دينار(٢) ومع هذا يقول بالوقف، فقال محمد بن ابراهيم، فقلت له: ويحك اتريد امراً هو أبين من هذا؟ قال: فقال هذا امر(٣) قد جرينا عليه.
وعن ابي حمزة نصير الخادم قال: سمعت ابا محمدعليهالسلام غير مرة يكلم غلمانه بلغاتهم، ترك وروم وصقالبة، فتعجبت من ذلك وقلت: هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لأحد حتى مضى ابو الحسنعليهالسلام ولا رآه احد، فكيف احدث نفسي بذلك؟ فأقبل عليَّ فقال: ان اللّه تبارك وتعالى بيَّن حجته من سائر خلقه لكل شيء ويعطيه اللغات ومعرفة الانساب والآجال والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق.
وعن اسماعيل بن محمد بن علي بن اسماعيل بن علي بن عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب قال: قعدت لأبي محمدعليهالسلام على ظهر الطريق فلما مر بي شكوت اليه الحاجة، وحلفت له انه ليس عندي درهم،
____________________
(١) سوراء بضم السين و المد ويروى بالقصر:موضع الى جنب بغداد وقيل سوراء موضع بالجزيرة، والجبل: كورة بحمص.
(٢) اربعة آلاف في الإرشاد(منه).
(٣) هذا هو التقليد الذي ذمه اللّه عز وجل في شريف كتابه فقال حكاية عن الكفار انا وجدنا آباءنا على امة وانا على آثارهم مقتدون (منه).
فما فوقه ولا غداء ولا عشاء، قال فقال: تحلف باللّه كاذباً وقد دفنت مئتي دينار. وليس قولي هذا دفعاً لك عن العطية، اعطه يا غلام ما معك، فاعطاني غلامه مئة دينار، ثم أقبل عليَّ فقال لي: إنك تحرمها احوج ما تكون اليها يعني الدنانير التي دفنت، وصدقعليهالسلام وكان كما قال، دفنت مئتي دينار وقلت: تكون ظهراً وكهفاً لنا، فاضطررت ضرورة شديدة الى شيء انفقه وانغلقت عليَّ ابواب الرزق، فنبشت عنها فاذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها علي شيء.
وروى عن احمد بن اسحاق قال: قلت لأبي محمدعليهالسلام جعلت فداك اني مغتم بشيء يصيبني في نفسي وقد أردت أن أسأل اباك فلم يقض لي ذلك، فقال وما هو يا احمد؟ فقلت يا سيدي روي لنا عن آبائكعليهمالسلام ، ان نوم الانبياء على اقفيتهم ونوم المؤمنين على ايمانهم ونوم المنافقين على شمائلهم، ونوم الشياطين على وجوههم، فقالعليهالسلام : كذلك هو، فقلت يا سيدي: فإني اجهد ان أنام على يميني فما يمكنني ولا يأخذني النوم عليها، فسكت ساعة، ثم قال: يا احمد ادن مني، فدنوت منه، فقال: ادخل يدك تحت ثيابك فادخلتها فأخرج يده من تحت ثيابه وادخلها تحت ثيابي، فمسح بيده اليمني على جانبي الايسر وبيده اليسرى على جانبي الايمن ثلاث مرات، قال احمد: فما اقدر ان انام على يساري منذ فعل ذلك بيعليهالسلام وما يأخذني نوم عليها اصلاً.
روى الشيخ المفيد وغيره، أنه دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس ابو محمدعليهالسلام ، فقالوا له ضيق عليه ولا توسع، فقال لهم صالح ما أصنع به وقد وكلت به رجلين، شر من قدرت عليه، (علي بن بارمش وافنامش خ د) فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام على أمر عظيم، ثم أمر باحضار الموكلين، فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا
يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، فاذا نظر الينا ارتعدت فرائصنا(١) وداخلنا ما لا نملكه من انفسنا، فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خاسئين(٢) .
اقول: يظهر من الروايات انهعليهالسلام كان أكثر أوقاته محبوساً وممنوعاً من المعاشرة وكان مشغولاً بالعبادة للّه عز وجل، فروي انه لما حبسه المعتمد في يدي علي بن حزين وحبس جعفر اخاه معه، كان المعتمد يسأل علياً عن اخباره في كل وقت، فيخبره انه يصوم النهار ويصلي الليل، وفي بعض الأدعية اشير اليه بهذه العبارة: (وبحق النقي والسجاد الاصغر، وببكائه ليلة المقام بالسهر).
وعن السيد بن طاوس قال: إعلم أن مولانا الحسن بن علي العسكريعليهالسلام كان قد أراد قتله الثلاثة ملوك الذين كانوا في زمانه حيث بلغهم ان مولانا المهديعليهالسلام يكون من ظهرهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحبسوه عدة دفعات فدعا على من دعا عليه منهم، فهلك في سريع من الأوقات.
وروي انهعليهالسلام سلم الى نحرير، وكان يطبق عليه ويؤذبه فقالت له امرأته: اتق الله فانك لا تدري من في منزلك، وذكرت له صلاحه وعبادته وقالت له: إني اخاف عليك منه، فقال: والله لأرمينه بين السباع. ثم استأذن في ذلك، فاذن له، فرمى به اليها ولم يشكوا في اكلها له، فنظروا الى الموضع ليعرفوا الحال، فوجدوهعليهالسلام قائماً يصلي، وهي حوله فأمر بإخراجه الى داره.
اقول: والى هذه الدلالة الباهرة اشير في التوسل بهعليهالسلام في الساعة الحادية عشر: (وبالامام الحسن بن عليعليهالسلام الذي طرح للسباع فخلصته من مرابضها(٣) وامتحن بالدواب الصعاب فذللت له
____________________
(١) جمع فريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف او بين الثدي والكتف ترتعد عند الفزع.
(٢) أي متركين مطرودين.
(٣) جمع مربض كمسجد: موضع ربض للدواب، يقال ربضت الدابة اذا بركت، والبروك هو ان يلصق صدره بالأرض.
مراكبها)، وفي الفقرة الثانية اشارة إلى ما شاع وذاع من انه كان للخليفة المستعين باللّه بغل صعب شموس(١) لا يقدر أحد على إلجامه ولا إسراجه ولا على ركوبه، فجاء ابو محمدعليهالسلام يوماً الى رؤية الخليفة فقال له التمس منك يا ابا محمد إلجام هذا البغل وإسراجه، وكان غرضه اما يذلل البغل ويركبه او يقتله البغل، فقامعليهالسلام ووضع يده علي كفل البغل فعرق، حتى سال العرق منه، وصار في غاية التذلل له، فاسرجه والجمه ثم ركبه واركضه(٢) في الدار فتعجب الخليفة من ذلك ووهبه لهعليهالسلام .
المناقب، ابو القاسم الكوفي في كتاب التبديل: أن اسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه اخذ في تأليف تناقض القرآن وشغل نفسه بذلك، وتفرد به في منزله، وان بعض تلامذته دخل يوماً على الإِمام الحسن العسكريعليهالسلام ، فقال له ابو محمدعليهالسلام أما فيكم رجل رشيد يردع استاذكم الكندي عما اخذ فيه من تشاغله بالقران؟ فقال التلميذ نحن من تلامذته، كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا، او في غيره؟ فقال له ابو محمدعليهالسلام : اتؤدي اليه ما القيه اليك؟ قال نعم، قال: فسر اليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فاذا وقعت الأنسة في ذلك فقل قد حضرتني مسألة اسألك عنها فإنه يستدعي ذلك منك فقل له: ان أتاك هذا المتكلم بهذا القران هل يجوز ان يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت اليها، فسيقول انه من الجائز لأنه رجل يفهم اذا سمع، فاذا أوجب ذلك فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت انت فيه فتكون واضعاً لغير معانيه، فصار الرجل الى الكندي وتلطف الى ان القى عليه هذه المسألة، فقال له اعد علي فأعاد عليه، فتفكر في نفسه، ورأى ذلك محتملاً في اللغة، وسائغاً في النظر، فقال اقسمت عليك الا اخبرتني من اين لك؟ فقال انه شيء عرض بقلبي
____________________
(١) الشموس بفتح الشين: الدابة التي لا تمكن ابداً من ركوبها.
(٢) ركضه برجليه، استحثه للعدو.
فاوردته عليك، فقال كلا، ما مثلك من اهتدى الى هذا ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من
أين لك هذا؟ فقال أمرني به ابو محمدعليهالسلام ، فقال: الآن جئت به وما كان ليخرج مثل هذا الا من ذلك البيت، ثم انه دعا بالنار واحرق جميع ما ألفه، والروايات في هذه كثيرة، وفيما اثبتناه منها كفاية فيما نحوناه(١) ان شاء اللّه تعالى.
فصل في ذكر بعض كلامه عليه السلام
قال: لا تمار(٢) فيذهب بهاؤك، ولا تمازح فيجترئ عليك. وقال: من التواضع السلام على كل من تمر به والجلوس دون شرف المجلس. وقال: من الجهل الضحك من غير عجب. وقال: أورع الناس من وقف عند الشبهة، اعبد الناس من اقام على الفرائض، ازهد الناس من ترك الحرام اشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب. وقال: المؤمن بركة على المؤمن وحجة على الكافر. وقال: اذا نشطت القلوب فأودعوها واذا نفرت فودعوها(٣) . وقال: قلب الاحمق في فمه وفم الحكيم في قلبه. وقال: لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض. وقال: ليس من الأدب اظهار الفرح عند المحزون. وقال: رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز. وقال: التواضع نعمة لا يحسد عليها. وقال: لا تكرم الرجل بما يشق عليه. وقال: من وعظ اخاه سراً فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه. وقال: ما اقبح بالمؤمن تكون له رغبة تذله. وقال: لو عقل اهل الدنيا خربت. وقال: ان للجود مقدارا فاذا زاد عليه فهو سرف، وللحزم مقداراً
____________________
(١) أي قصدناه.
(٢) من المراء وهو الجدال والنزاع.
(٣) يقول اذا كانت القلوب ذات نشاط فاصرفوها في طلب العلم واقبلوا بها الى العبادة واذا كانت غير نشيطة وذات كدورة فدعوها وذروها ولا تتكلفوا التعلم والعبادة.
فاذا زاد عليه فهو جبن، وللاقتصاد مقدارا فاذا زاد عليه فهو بخل، وللشجاعة مقدارا فاذا زاد عليه فهو تهور، كفاك ادباً لنفسك تجنبك ما تكره من غيرك. وقال: حسن الصورة جمال ظاهر، وحسن العقل جمال باطن. وقال: من أنس باللّه استوحش من الناس. وقال: من أكثر المنام رأى الاحلام، يعني ان طالب الدنيا كالنائم وما يظفر به كالحلم. وقال: جعلت الخبائث في بيت والكذب مفاتيحها. وقال: من كان الورع سجيته والكرم طبيعته والحلم خلته كثر صديقه والثناء عليه وانتصر من اعدائه بحسن الثناء عليه. وقال: ان الوصول الى اللّه عز وجل سفر لا يدرك الا بامتطاء(١) الليل، من لم يحسن ان يمنع لم يحسن ان يعطي.
وكتبعليهالسلام الى الشيخ الجليل، عليّ بن الحسين بن بابويه القمي المدفون بقمرحمهالله بسم اللّه الرحمن الرحيم، الحمد للّه رب العالمين والعاقبة للمتقين والجنة للموحدين، والنار للملحدين، ولا عدوان الا على الظالمين، ولا إله الا اللّه احسن الخالقين، والصلاة على خير خلقه محمد وعترته الطاهرين، اما بعد، اوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي (خ) ابا الحسن علي بن الحسين القمي، وفقك اللّه لمرضاته، وجعل من صلبك اولاداً صالحين برحمته، بتقوى اللّه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإنه لا تقبل الصلاة من مانع (مانعي خ د) الزكاة، واوصيك بمغفرة الذنب، وكظم الغيظ وصلة الرحم، ومواساة الاخوان، والسعي في حوائجهم في العسر واليسر، والحلم عند الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الامور، والتعاهد للقرآن، وحسن الخلق، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال اللّه تعالى: (لا خير في كثير من نجويهم الا من امر بصدقة او معروف او اصلاح بين الناس)، واجتناب الفواحش كلها، وعليك بصلاة الليل، فان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم اوصى عليّاًعليهالسلام فقال: يا علي عليك بصلاة الليل، عليك بصلاة الليل،
____________________
(١) أي بركوب الليل وجعلها مطية لسفره الى اللّه تعالى.
ومن استخف بصلاة الليل فليس منا، فاعمل بوصيَّتي وامُر جميع شيعتي بما امرتك به حتى يعملوا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج، فإن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: افضل اعمال امتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتي يظهر ولدي الذي بشَّر به النبيُّصلىاللهعليهوآلهوسلم : انه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فاصبر يا شيخي ومعتمدي ابا الحسن، وأمر جميع شيعتي بالصبر، (فان الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)، والسلام عليك وعلى جميع شيعتنا ورحمة اللّه وبركاته، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
اقول: قد اكدعليهالسلام التوصية بالصبر لما في الصبر من الفوائد والعوائد(١) ،قال أبو جعفرعليهالسلام الجنة محفوفة بالمكاره والصبر، وقال الصادقعليهالسلام اذ ا أُدخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه، والزكاة عن يساره، والبرُّ مطلّ(٢) عليه ويتنحى الصبر ناحية، فاذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم، فان عجزتم عنه فأنا دونه، وعن امير المؤمنينعليهالسلام قال:
اني وجدت وفي الايام تجربة |
للصبر عاقبة محمودة الأثر |
|
وقلَّ من جد في امر يطالبه |
فاستصحب الصبر الا فاز بالظفر |
حكي عن بعض التواريخ، انه سخط كسرى على بوذرجمهر، فحبسه في بيت مظلم وامر أن يصفد(١) بالحديد، فبقي اياماً على تلك الحال، فأرسل اليه من يسأله عن حاله، فاذا هو منشرح الصدر، مطمئن القلب،
____________________
(١) اقول المراد بالصبر هنا الصبر في انتظار الفرج بقرينة قوله قبل وعليك بالصبر وانتظار الفرج وذكر الآية بعده.
(٢) أي مشرف عليه.
(١) يصفد: أي يقيد ويوثق به.
فقالوا له أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم(١) البال؟ فقال اصطنعت ستة اخلاط، وعجنتها واستعملتها فهي التي ابقتني على ما ترون، فقالوا صف لنا هذه الأخلاط لعلنا تنتفع بها عند البلوى، فقال نعم، اما الخلط الأول: فالثقة باللّه عز وجل، واما الثاني: فكل مقدَّر كائن، واما الثالث: فالصبر خير ما استعمله الممتحن، واما الرابع: فاذا لم اصبر فماذا اصنع؟ ولا اعين على نفسي بالجزع، واما الخامس: فقد تكون اشد مما انا فيه، واما السادس: فمن ساعة الى ساعة فرج، فبلغ ما قاله كسرى فاطلقه واعزه.
فصل في وفاة وإقرار المخالف والمؤالف بفضل ابي محمد الحسن العسكريعليهالسلام
قبض ابو محمدعليهالسلام بسر من رأى يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول(٢) سنة ستين ومئتين في خلافة المعتمد، وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه ابوهعليهالسلام بسر من رأى.
قال شيخنا الطبرسي ذهب كثير من اصحابنا الى انه مضى مسموماً وكذلك ابوه وجده وجميع الأئمةعليهمالسلام ، خرجوا من الدنيا بالشهادة، واسناده في ذلك، بما رُوِيَ عن الصادقعليهالسلام ، ما منا الا مقتول او شهيد، واللّه اعلم بحقيقة ذلك.
اقول: وروي عن ابي محمد الحسن ابن امير المؤمنينعليهالسلام انه قال عند وفاته لجنادة بن ابي امية: ما منا الا مسموم او مقتول.
____________________
(١) أي مرفه الحال: طيب العيش ومتسعه.
(٢) وقيل يوم الاحد. وقيل يوم الأربعاء، وعلى أي تقدير قيل انه توفي في غرة الربيع. والاصح ما ذكره المصنفرحمهالله .
وقال الكفعمي وغيره: سمه المعتمد.
روى الشيخ الصدوق عن ابيه وابن الوليد معاً، عن سعد بن عبد اللّه قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي، بن محمد العسكريعليهمالسلام ، ودفنه ممن لا يوقف على احصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التعاطي بالكذب، وبعد، فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومئتين وذلك بعد مضي ابي محمد الحسن بن علي العسكريعليهالسلام بثمانية عشر سنة او اكثر مجلس احمد بن عبيد اللّه بن خاقان، وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من أنصب خلق اللّه واشدهم عداوة لهم، فجرى ذكر المقيمين من آل ابي طالب بسر من رأى ومذاهبهم وصلاحهم واقدارهم عند السلطان، قال احمد بن عبيد اللّه ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا،عليهمالسلام ، ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند اهل بيته، والسلطان وجميع بني هاشم، وتقديمهم اياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك القواد والوزراء والكتاب وعوام الناس، وإني كنت قائماً ذات يوم على رأس ابي وهو يوم مجلسه للناس، اذ دخل عليه حجابه فقالوا له: ابن الرضا على الباب، فقال بصوت عال ائذنوا له، فدخل رجل اسمر، اعين، حسن القامة، جميل الوجه، جيد البدن، حدث السن، له جلالة وهيبة، فلما نظر اليه ابي قام فمشى اليه خطوات (خطى خ د ) ولا اعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم، ولا بالقواد ولا بأولياء العهد، فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه ومنكبيه، واخذ بيده واجلسه على مصلاه الذي كان عليه، وجلس الى جنبه مقبلاً عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويكنيه ويفديه بنفسه وأبويه، وانا متعجب مما ارى منه، اذ دخل عليه الحجاب، فقالوا الموفّق قد جاء، وكان الموفّق(١) اذا جاء ودخل على ابي،
____________________
(١) الموفق باللّه هو ابو احمد طلحة بن المتوكل اخو المعتمد على اللّه وولي عهده وهو الذي الف باسمه زبير بن بكار الموفقيات وكان يخطب له بلقبين اللهم اصلح الأمير الناصر لدين اللّه ابا احمد طلحة الموفق باللّه ولي عهد المسلمين واخا امير المؤمنين ولقب بالناصر حين فرغ من امر محمد بن علي صاحب الزنج (منه).
تقدم حجابه وخاصة قواده، فقاموا بين مجلس ابي، وبين باب الدار سماطين الى ان يدخل ويخرج، فلم يزل ابي مقبلاً عليه يحدثه حتى نظر الى غلمان الخاصة، فقالرحمهالله اذا شئت فقم، جعلني اللّه فداك، أبا محمد، ثم قال لغلمانه خذوا به خلف السماطين لئلا يراه الامير، يعني الموفّق، وقام ابي فعانقه وقبل وجهه ومضى، فقلت لحجاب ابي وغلمانه ويلكم، من هذا الذي فعل به ابي، هذا الذي فعل؟ فقالوا هذا رجل من العلوية يقال له الحسن بن علي، يعرف بابن الرضا، فازددت تعجباً، فلم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر ابي وما رأيت منه حتى كان الليل، وكانت عادته ان يصلّي العتمة(١) ثم يجلس فينظر فيما يحتاج من المؤامرات وما يرفعه الى السلطان، فلما نظر وجلس جئت فجلست بين يديه، فقال يا احمد الك حاجة؟ قلت نعم يا ابه، ان اذنت سألتك عنها، فقال قد اذنت لك يا بني، فقل ما احببت، فقلت: يا أبه من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت، من الاجلال والاكرام والتبجيل، وفديته بنفسك، وابويك؟ فقال يا بني ذلك ابن الرضا، ذاك امام الرافضة، فسكت ساعة فقال: يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها احد من بني هاشم غير هذا، فان هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل اخلاقه وصلاحه، ولو رأيت أباه، لرأيت رجلا جليلاً نبيلاً خيّراً فاضلاً، فازددت قلقاً وتفكّراً وغيظاً على ابي مما سمعت منه فيه، ولم يكن لي همة بعد ذلك الا السؤال عن خبره، والبحث عن امره، فما سألت عنه احدا من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس الا وجدته عندهم في غاية الاجلال والاعظام والمحل الرفيع، والقول الجميل، والتقديم له، على اهل بيته ومشايخه وغيرهم، وكل يقول: هو امام الرافضة، فعظم قدره عندي، اذ لم أر له ولياً ولا عدواً الا وهو يحسن القول
____________________
(١) العتمة بفتح العين والتاء: صلاة العشاء الاخيرة.
فيه، والثناء عليه فقال له بعض اهل المجلس من الاشعريين: يا ابا بكر: فما حال اخيه جعفر؟ فقال ومن جعفر فيسأل عن خبره او يقرن به؟ ان جعفر معلن بالفسق، ماجن(١) شريب(٢) للخمور، اقلّ من رأيت من الرجال، وأهتكهم لستره، فدم خمار جبار، قليل في نفسه، خفيف واللّه، لقد ورد على السلطان واصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي،عليهماالسلام ، ما تعجبت منه، وما ظننت انه يكون، وذلك انه لما اعتلّ بعث الى ابي ان ابن الرضاعليهالسلام قد اعتل، فركب من ساعته مبادراً الى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم امير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته، فمنهم نحرير، وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي،عليهماالسلام ، وتعرف خبره وحاله، وبعث الى نفر من المتطببين، فأمرهم بالاختلاف اليه، وتعاهده في صباح ومساء فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من اخبره، انه قد ضعف، فركب حتى بكر اليه، ثم امر المتطببين بلزومه وبعث الى قاضي القضاة فاحضره مجلسه، وامره ان يختار من اصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه، فاحضرهم فبعث بهم الى دار الحسنعليهالسلام وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتى توفيعليهالسلام لأيام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومئتين، فصارت سر من رأى ضجة واحدة، مات ابن الرضا، وبعث السلطان الى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا اثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن بالحبل، فدخلن على جواريه، فنظر(٣) اليهن، فذكر بعضهن ان هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة، ووكّل بها نحرير الخادم واصحابه، ونسوة معهم، ثم اخذوا بعد ذلك في تهيئتهعليهالسلام ، وعطلت الاسواق، وركب ابي وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر
____________________
(١) الماجن: من قل حياؤه وكثر مزاحه.
(٢) الشريب: بفتح الأول وتخفيف الراء، او بكسر الاول وتشديد الراء: مبالغة شارب.
(٣) فنظرن. (ظ).
الناس الى جنازتهعليهالسلام ، فكانت سر من رأى يومئذ شبيهة بالقيامة، فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان الى أبي عيسى المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا ابو عيسى منها فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضاعليهمالسلام ، مات حتف انفه، على فراشه، حضر من خدم امير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن المتطببين، فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطى وجهه، وقام، فصلى عليه وكبر عليه خمساً وأمر بحمله، وحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه ابوه،عليهماالسلام ، فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان واصحابه في طلب ولده. وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا على قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل، فقسم ميراثه بين امه واخيه جعفر، وادعت امه وصيته، وثبت ذلك عند القاضي، والسلطان على ذلك، يطلب اثر ولده، فجاء جعفر بعد قسمته الميراث الى ابي، وقال له: اجعل لي مرتبة ابي واخي وأوصل اليك في كل سنة عشرين الف دينار، فزبره(١) أبي واسمعه(٢) وقال له: يا احمق ان السلطان اعزه اللّه جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا ان اباك واخاك ائمة ليردهم عن ذلك، فلم يقدر عليه ولم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما، وجهد ان يزيل اباك واخاك عن تلك المرتبة، فلم يتهيأ له ذلك، فان كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك الى سلطان، يرتبك مراتبهم، ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بها، واستقله عند ذلك واستضعفه، وأمر ان يحجب عنه فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي، وخرجنا والأمر على تلك الحال، والسلطان يطلب اثر ولد الحسن بن علي،عليهماالسلام ، حتى اليوم.
____________________
(١) أي منعه ونهاه.
(٢) أي شتمه (منه).
وصل: روى الشيخ عن ابي سهل اسماعيل بن علي النوبختي قال: دخلت على ابي محمد الحسن بن عليعليهالسلام في المرضة التي مات فيها وانا عنده، اذ قال لخادمه عقيد، وكان الخادم اسود نوبياً قد خدم من قبله علي بن محمد وهو ربي الحسن،عليهالسلام فقال له: يا عقيد اغل لي ماء بمصطكى، فاغلى له، ثم جاءت به صيقل الجارية ام الخلفعليهالسلام ، فلما صار القدح في يديه وهمّ بشربه جعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسنعليهالسلام ،فتركه من يده، وقال لعقيد ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجداً فأتني به، قال ابو سهل قال عقيد: فدخلت اتحرى فاذا انا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلمت عليه، فأوجز في صلاته، فقلت ان سيّدي يأمرك بالخروج اليه اذ جاءت امه صيقل، فاخذت بيده واخرجته الى ابيه الحسنعليهالسلام ، قال ابو سهل فلما مشى الصبي بين يديه سلم، واذا هو دري اللون، وفي شعر رأسه قطط مفلج الاسنان فلما رآه الحسنعليهالسلام بكى، وقال يا سيد أهل بيته، اسقني الماء فإني ذاهب الى ربّي، وأخذ الصبي القدح المغلى بالمصطكي بيده، ثم حرك شفتيه ثم سقاه فلما شربه، قال: هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضاه الصبي واحدة واحدة، ومسح على رأسه وقدميه، فقال له ابو محمدعليهالسلام ابشر يا بنيّ، فانت صاحب الزمان، وانت المهدي، وانت حجة اللّه على ارضه، وانت ولدي ووصيي، وانا ولدتك، وانت م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب،عليهمالسلام ، ولدك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ،
وانت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشر بك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسماك وكناك بذلك، عهد الى أبي عن آبائك الطاهرين، (صلى اللّه على اهل البيت)، ربنا انه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي من وقته، (صلوات اللّه عليهم اجمعين)، انتهى.
وروي انه لما مات الحسن بن عليعليهالسلام ، حضر غسله عثمان بن سعيد (رضي اللّه عنه وأرضاه)، وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره، وقال الشيخ علي السدابادي في المقنع: ان الحسن بن علي نصّ على ولده الخلف الصالحعليهالسلام ، وجعل وكيله ابا محمد عثمان بن سعيد العمري الوسيط بينه وبين شيعته في حياته، فلما ادركته الوفاة امره فجمع شيعتهم واخبرهم ان ولده الخلف صاحب الامر بعده، وان ابا محمد عثمان بن سعيد العمري وكيله، وهو بابه والسفير بينه وبين شيعته، فمن كانت له حاجة قصده كما كان يقصده في حال حياته، وسلم اليه جواريه، فلما قبضعليهالسلام تكلم اخوه جعفر، وادعى الامامة لنفسه، وبذل للمعتمد بذلًا اشاع ذكره، فقال له وزير المعتمد قد كان المتوكل وغيره يروم نسخ ناموس اخيك فلم يصح لهم، فاستمل انت شيعته بما تقدر عليه، فلما لم يبلغ غرضه سعى بجواري اخيه، وقال: في جملة الجواري جارية اذا ولدت ولداً يكون ذهاب دولتكم على يده فانفذ المعتمد الى عثمان بن سعيد وأمره ان ينقلهن الى دار القاضي، او بعض الشهود حتي يستبرئهن بالوضع، فسلمهن الى ذلك العدل، فأقمن عنده سنة، ثم ردهن الى عثمان بن سعيد، لأن الولد المطلوب كان قد ولد قبل ذلك بست سنين، وقيل بخمس، وقيل باربع، واظهره ابو الحسن بخاصة شيعته، وأراهم شخصه، وعرفهم بأنه الذي يقصد اليه منه، فلما تسلم عثمان بن سعيد الجواري وفيهم ام صاحب الأمرعليهالسلام نقلهن الى مدينة السلام، وكانت الشيعة تقصده من كل بلد: بقصص وحوائج، وكانت الاجوبة تخرج اليهم على يده. انتهى.
وروي عن ابي محمدعليهالسلام انه قال يوماً لأمه، تصيبني في سنة ستين ومئتين خزارة اخاف ان انكب منها نكبة فاظهرت الجزع، واخذها البكاء، فقال لابد من وقوع امر اللّه لا تجزعي، وفي رواية انه امرها بالحج في سنة تسع وخمسين ومئتين وعرّفها ما يناله في سنة ستين، وخرجت ام ابي محمدعليهالسلام الى مكة.
وروي عنهعليهالسلام قال: في سنة مئتين وستين تفترق شيعتي، ففيها قبضعليهالسلام فتفرقت شيعته.
قال شيخنا المفيدرحمهالله ومرض ابو محمدعليهالسلام في اول شهر ربيع الأول سنة ستين ومئتين، ومات في يوم الجمعة لثماني ليال خلون من هذا الشهر في السنة المذكورة، وله يوم وفاته ثمان وعشرون سنة ودفن في البيت الذي دفن فيه ابوه من دارهما بسر من رأى، وخلف ابنه المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده، وستر أمره، لصعوبة الوقت وشدة طلب سلطان الزمان، واجتهاده في البحث عن أمره، ولما شاع من مذهب الشيعة الإِمامية فيه، وعرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولدهعليهالسلام في حياته ولا عرفه الجمهور بعد وفاته، وتولى جعفر بن علي، اخو ابي محمدعليهالسلام اخذ تركته، وسعى في حبس جواري ابي محمدعليهالسلام واعتقال(١) حلائله، وشنع على اصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده، والقول بإمامته، واغرى بالقوم حتى اخافهم وشردهم(٢) وجرى على مخلفي ابي محمدعليهالسلام بسبب ذلك كل عظيمة من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذل، ولم يظفر السلطان منهم بطائل(٣) وحاز جعفر ظاهر تركة ابي محمدعليهالسلام ، واجتهد في القيام عند الشيعة مقامه، ولم يقبل احد منهم ذلك، ولا اعتقده فيه، فصار الى سلطان الوقت يلتمس مرتبة اخيه وبذل مالاً جليلاً، وتقرب بكل ما ظن انه يتقرب به، فلم ينتفع بشيء من ذلك، انتهى.
وقال عثمان بن سعيد (قدس اللّه روحه) لعبد اللّه بن جعفر الحميري ان الأمر عند السلطان أن ابا محمدعليهالسلام مضى ولم يخلف ولداً، وقسم ميراثه واخذه من لا حق له، وصبر على ذلك وهو ذا عياله يجولون وليس احد يجسر ان يتعرف اليهم او ينيلهم شيئاً.
____________________
(١) أي حبسهن.
(٢) التشريد: التبعيد.
(٣) الطائل: المنفعة.
وفي الدروس، وروى ابو هاشم الجعفري قال: قال لي ابو محمد الحسن بن عليعليهالسلام : قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين، وقال المفيد (رحمة الله): يزاران من ظاهر الشباك، ومنع من دخول الدار، وقال الشيخ ابو جعفر وهو الاحوط، لأنها ملك الغير فلا يجوز التصرف فيها الا بإذنه، قال ولو أن أحداً دخلها لم يكن مأثوماً. وخاصة اذا تأول في ذلك، ما روي عنهم (عليهم اسلام)، انهم جعلوا شيعتهم في حل من مالهم.
اقول: قال علي بن عيسى الاربليرحمهالله : حكى لي بعض الاصحاب ان الخليفة المستنصر مشى مرة الى سر من رأى وزار العسكريينعليهماالسلام ، وخرج، فزار التربة التي دفن فيها الخلفاء من آبائه، وأهل بيته، وهم في قبة خربة يصيبها المطر وعليها ذرق(١) الطيور، وأنا رأيتها على هذه الحال، فقيل له انتم خلفاء الأرض وملوك الدنيا ولكم الأمر في العالم وهذه قبور آبائكم بهذه الحال؟ لا يزورها زائر ولا يخطر بها خاطر، وليس فيها احد يميط(٢) عنها الاذى، وقبور هؤلاء العلويين كما ترونها بالستور(٣) والقناديل والفروش والزلالي والفراشين والشمع والبخور وغير ذلك، فقال هذا امر سماويّ لا يحصل باجتهادنا ولو حملنا الناس على ذلك ما قبلوه ولا فعلوا، وصدق، فان الاعتقادات لا تحصل بالقهر ولا يتمكن احد من الإِكراه عليها.
____________________
(١) الذرق: السلح وهو فضلة المأكولات بعد الهضم.
(٢) أي يزيل الأوساخ.
(٣) جمع الستر (بكسر السين): ما يستر به.
النور الرابع عشر.. الإِمام الثاني عشر الحجة بن الحسن صاحب الزمان.. حجة اللّه على عباده، وبقيته في بلاده، الغائب عن الأبصار، والحاضر في قلوب الاخيار، كاشف الاحزان، وخليفة الرحمن، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه ما توالت الازمان
صاحب العصر الإِمام المنتظر |
من بما يأباه لا يجري القدر |
|
حجة اللّه على كل البشر |
خير اهل الأرض في كل الخصال |
|
شمس اوج المجد مصباح الظلام |
صفوة الرحمن من بين الانام |
|
الإِمام ابن الإِمام ابن الإِمام |
قطب افلاك المعالي والكمال |
|
فاق اهل الأرض في عز وجاه |
وارتقى في المجد اعلى مرتقاه |
|
لو ملوك الأرض حلوا في ذراه |
كان أعلى صفهم صف النعال |
|
يا أمين اللّه يا شمس الهدى |
يا امام الخلق يا بحر الندى |
|
عجّلن عجّل فقد طال المدى |
واضمحل الدين واستولى الضلال |
ولدعليهالسلام بسر من رأى في ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هجري خمس وخمسين ومئتين.(١)
امهعليهالسلام مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم، وامها من ولد الحواريين، تنسب الى شمعون وصي المسيحعليهالسلام ، ولما أُسرت، سمت نفسها نرجس، لئلا يعرفها الشيخ الذي وقعت اليه، ولما
____________________
(١) وقيل في ١٣ شعبان، وقيل في ١٤ منه، والاصح ما ذكره المصنف وبه جزم الطبرسي والكليني وغيرهما من من الاعاظم.
اعتراه من النور والجلاء بسبب الحمل المنّور سميت صقيلا، (صيقلا. - ظ).
واما كيفية الولادة فروي عن حكيمة بنت ابي جعفر الجوادعليهالسلام قالت، بعث الي ابو محمد الحسن بن عليعليهالسلام فقال: يا عمة اجعلي افطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان، فان اللّه تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة، وهو حجته في ارضه، قالت فقلت له: ومن امه؟ قال لي: نرجس، قلت له واللّه جعلني اللّه فداك ما بها أثر، فقال: هو ما أقول لك، قالت فجئت فلما سلّمت وجلست، جاءت تنزع خفي وقالت لي: يا سيدتي كيف امسيت؟ فقلت بل انت سيدتي وسيدة أهلي، قالت: فانكرت قولي وقالت ما هذا يا عمة؟ قالت فقلت لها: يا بنية ان اللّه تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة، قالت: فجلست واستحت، (استحيت خ د) فلما فرغت من صلاة العشاء الآخرة افطرتُ واخذت مضجعي، فرقدت، فلما ان كان في جوف الليل قمتُ الى الصلاة ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلست معقبة، ثم اضطجعت، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلّت، قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك، فصاح بي ابو محمدعليهالسلام من المجلس، فقال: لا تعجلي يا عمة فان الأمر قد قرب، قالت فقرأت، الم السجدة ويس، فبينما انا كذلك اذ انتبهت فزعة، فوثبت اليها، فقلتُ: اسم اللّه عليك، ثم قلت لها: تحسين شيئاً؟ قالت نعم يا عمة، فقلت لها اجمعي نفسك، واجمعي قلبك، فهو ما قلت لك، قالت حكيمة، ثم اخذتني فترة واخذتها فترة، فانتبهت بحس سيدي، فكشفت الثوب عنه فإذا انا بهعليهالسلام ساجداً يتلقى الأرض بمساجده، فضممته الي فاذا أنا به نظيف منظف، فصاح بي ابو محمدعليهالسلام هلمّي اليّ ابني يا عمة، فجئت به اليه، فوضع يديه تحت اليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم ادلى لسانه في فيه وامر يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثم قال تكلم يا بني، فقال: اشهد ان لا إله
الا اللّه وحده لا شريك له واشهد ان محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم رسول اللّه، ثم صلّى على امير المؤمنينعليهالسلام وعلى الأئمة الى ان وقف على ابيه ثم احجم، قال ابو محمدعليهالسلام يا عمة اذهبي به الى امه ليسلم عليها، وائتيني به فذهبت به فسلم عليها ورددته ووضعته في المجلس، ثم قال يا عمة: اذا كان يوم السابع فأتينا، قالت حكيمة، فلما اصبحت جئت لأسلم على ابي محمدعليهالسلام فكشفت الستر لأفتقد سيدي، فلم اره، فقلت له جعلت فداك، ما فعل سيدي، فقال يا عمة استودعناه الذي استودعته أم موسىعليهالسلام ، قالت حكيمة فلما كان في اليوم السابع جئت وسلمت وجلست، فقال هلمي الي ابني، فجئت بسيدي في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى، ثمن ادلى لسانه في فيه كأنه يغذيه لبناً او عسلاً، ثم قال تكلم يا بني، فقال: اشهد ان لا إله الا اللّه وثنى بالصلاة على محمد وعلى امير المؤمنين والأئمة (صلوات الله عليهم اجمعين) حتى وقف على ابيهعليهالسلام ، ثم تلا هذه الآية (بسم اللّه الرحمن الرحيم ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون).
وفي رواية اخرى فلما كان بعد اربعين يوماً دخلت علي ابي محمدعليهالسلام فاذا مولانا الصاحب يمشي في الدار، فلم ار وجهاً أحسن من وجهه ولا لغة افصح من لغته، فقال ابو محمدعليهالسلام : هذا المولود الكريم على اللّه عز وجل، فقلت: سيدي ارى من أمره ما ارى وله اربعون يوماً، فتبسم وقال يا عمتي اما علمت انا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة، فقمت فقبلت رأسه وانصرفت، ثم عدت وتفقدته فلم اره، فقلت لأبي محمدعليهالسلام ما فعل مولانا؟ فقال: يا عمة استودعناه الذي استودعت ام موسى.
وروي عن محمد بن عثمان العمري(١) (قدس اللّه روحه) قال: لما ولد الخلف المهدي (صلوات اللّه عليه) سطع نور من فوق رأسه الى عنان السماء، ثم سقط ساجداً لربه تعالى ذكره، ثم رفع رأسه وهو يقول: اشهد ان لا إله الا هو، والملائكة اولو العلم، قائماً بالقسط، لا إله الا هو العزيز الحكيم، ان الدِّين عند اللّه الإِسلام.
قال: وكان مولده ليلة الجمعة وقال: ولدعليهالسلام مختوناً، وسمعت حكيمة تقول: لم تر بأمه دماً في نفاسها، وهذا سبيل أمهات الأئمةعليهمالسلام .
وروي عن جارية لأبي محمدعليهالسلام قالت: لما ولد السيد رأيت له نوراً ساطعاً قد ظهر منه وبلغ افق(٢) السماء، ورأيت طيوراً بيضاء تهبط من السماء، وتمسح اجنحتها على رأسه ووجهه وسائر جسده، ثم تطير، فاخبرنا أبا محمدعليهالسلام بذلك، فضحك ثم قال تلك ملائكة السماء نزلت لتتبرك به، وهي انصاره اذا خرج.
وروي عن ابي جعفر العمري (رضي اللّه عنه) قال لما ولد السيد قال ابو محمدعليهالسلام : ابعثوا اليَّ ابا عمرو، فبعث اليه، فقال اشتر
____________________
(١) ابو جعفر العمري بفتح العين هو محمد بن عثمان بن سعيد الاسدي وكيل مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) وابو عمرو كنية والده (سلام اللّه عليهما) ويقال له ابو عمرو والسمان والزيات الاسدي من اصحاب ابي جعفر محمد بن علي الثانيعليهالسلام خدمه وله احدى عشرة سنة وله اليه عهد معروف وهو وكيل ابي محمدعليهالسلام وهو اجل واشهر من ان يذكر روى الشيخ في الصحيح عن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن ابي علي احمد بن اسحاق بن سعد عن ابي محمد الحسن بن عليعليهالسلام انه قال: العمري وابنه ثقتان فما اديا اليك فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما واطعهما فانهما الثقتان المأمومان وكانت توقيعات صاحب الأمر (صلوات اللّه عليه) تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه ابي جعفر (رضي اللّه عنهما) الى شيعته وخواص ابيه ابي محمدعليهالسلام (منه).
(٢) الافق: الناحية. ما ظهر من نواحي الفلك ماساً الأرض.
عشرة آلاف رطل خبزاً وعشرة آلاف رطل لحماً، وفرقها حسبة، على بني هاشم، وعقّ عنه بكذا وكذا شاة.
وعن نسيم الخادم قال: دخلت على صاحب الزمانعليهالسلام بعد مولده بليلة(١) ، فعطست عنده، فقال لي يرحمك اللّه، قال نسيم:ففرحت بذلك، فقال لي الا ابشرك في العطاس؟ فقلت بلى، قال هو امان من الموت ثلاثة ايام.
وروي انه ورد من ابي محمدعليهالسلام على احمد(٢) بن اسحاق كتاب، واذا فيه مكتوب بخط يده الذي كان يرد به التوقيعات عليه، ولد المولود فليكن عندك مستوراً، وعن جميع الناس مكتوماً، فانّا لم نظهر عليه الا الاقرب لقرابته، والمولى لولايته، احببنا اعلامك ليسرك اللّه به كما سرنا، والسلام.
فروي: انه كان بقم منجم يهودي موصوف بالحذق بالحساب، فاحضره احمد بن اسحاق وقال له: قد ولد مولود في وقت كذا وكذا، فخذ الطالع واعمل له ميلاداً، قال فأخذ الطالع ونظر فيه وعمل عملاً له، وقال لأحمد بن اسحاق لست أرى النجوم تدلني (فيما يوجبه الحساب) ان هذا المولود لك، ولا يكون مثل هذا المولود الا نبياً او وصيَّ نبي، وان النظر ليدل على انه يملك الدنيا شرقاً وغرباً وبرّاً وبحراً وسهلاً وجبلاً، حتى لا يبقى على وجه الأرض احد الا دان بدينه، وقال بولايته.
____________________
(١) بعشر ليال في رواية اخرى (منه).
(٢) احمد بن اسحاق بن عبد اللّه بن سعد بن مالك الاشعري القمي ثقة جليل روى عن الجواد و الهاديعليهماالسلام وكان خاصة ابي محمدعليهالسلام وهو شيخ القمِّيين رأى صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) وعن ربيعة الشيعة أنه من الوكلاء وانه من السفراء والأبواب المعروفين الذين لا تختلف الشيعة القائلون بامامة الحسن بن عليعليهالسلام فيهم وروى الصدوق انه توفي بخلوان في منصرفه من عند ابي محمدعليهالسلام وانه كان اخبره بقرب وفاته ويأتي ما يدل على جلالته منه، عفى عنه.
وروي عن طريف ابي نصر الخادم قال دخلت على صاحب الزمانعليهالسلام (وهو في المهد) فقال لي: علي بالصندل الاحمر، فأتيته به، فقال أتعرفني؟ قلت نعم انت سيدي وابن سيدي، فقال ليس عن هذا سألتك فقلت فسر لي(١) ، فقال انا خاتم الاوصياء، وبي يرفع البلاء عن اهلي وشيعتي.
وفي إثبات الوصية، وروي عن ابي محمدعليهالسلام انه قال: لما ولد الصاحبعليهالسلام بعث اللّه عز وجل ملكين فحملاه الى سرادق العرش حتى وقف بين يدي اللّه، فقال له مرحبا بك، وبك أعطي وبك اعفو وبك اعذّب، ثم روى مسنداً عن نسيم ومارية قالتا: لما خرج صاحب الزمانعليهالسلام من بطن امه، سقط جاثياً على ركبتيه(٢) ، رافعاً سبابته نحو السماء، ثم عطس، فقال: الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على محمد وآله، عبد داخر للّه(٣) ، غير مستنكف ولا مستكبر، ثم قال زعمت الظلمة ان حجة اللّه داحضة(٤) ولو اذن لنا في الكلام زال الشك.
فصل في ذكر بعض النصوص عليه صلوات اللّه عليه
الشيخ الصدوق باسناده عن جابر الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد اللّه يقول لما انزل اللّه عز وجل على نبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم (يا ايها الذين آمنوا اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قلت يا رسول اللّه عرفنا اللّه ورسوله، فمن اولو الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟
____________________
(١) استدعاء بصيغة الأمر من التفسير.
(٢) أي جلس على ركبتيه فهو الجاثي.
(٣) أي ذليل حقير.
(٤) داحضة (بالدال) أي باطلة زائلة.
قال هم خلفائي يا جابر وائمة المسلمين بعدي، اولهم عليّ بن ابي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فاذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي(١) حجة اللّه في ارضه وبقيته في عباده، ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته واوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته الا من امتحن اللّه قلبه للإِيمان، قال فقال جابر: يا رسول اللّه فهل ينتفع الشيعة به في غيبته؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم اي والذي بعثني بالنبوة، انهم لينتفعون به ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وان جلَّلها(٢) السحاب، يا جابر هذا مكنون سر اللّه ومخزون علمه فاكتمه الا عن اهله.
وبإسناده عن الصادقعليهالسلام عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لما أسرى(٣) بي الى السماء أوحى اليَّ ربي، جل جلاله، فقال: يا محمد إنّي اطلعت الى الأرض اطلاعة فاخترتك منها فجعلتك نبياً، وشققت لك اسماً من اسمائي، فانا المحمود وانت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها علياً، وجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك، وشققت له اسماً من أسمائي، فأنا العليُّ الاعلى وهو علي، وجعلت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة، فمن قبلها، كان عندي من المقربين، يا محمد لو أن عبداً عبدني حتى ينقطع ويصير كالشنّ(٤) البالي ثم
____________________
(١) فعيل من الكنية أي من كني بكنيتي.
(٢) أي غطتها واخفتها.
(٣) الاسراء: السير في الليل. والمراد به معراجهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
(٤) الشن بفتح الشين: القربة الصغيرة، والبالي: ما أصابه التلف.
أتاني جاحداً لولايتهم ما اسكنته جنتي، ولا اظللته تحت عرشي، يا محمد أتحب ان تراهم، قلت: نعم يا رب قال عز وجل: إرفع رأسك، فرفعت رأسي فاذا أنا بانوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي، والحجة بن الحسن القائم في وسطهم كأنه كوكب دري، قلت يا رب من هؤلاء، قال: هؤلاء الأئمة وهذا القائم الذي يحل حلالي ويحرم حرامي، وبه انتقم من اعدائي، وهو راحة لأوليائي، وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذ اشد من فتنة العجل والسامري.
وروى صاحب كفاية الأثر، عن عبد اللّه بن عباس، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إن اللّه تبارك وتعالى اطلع الى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبياً، ثم اطلع الثانية فاختار منها علياً فجعله إماماً، ثم أمرني ان اتخذه أخاً ووصيّاً وخليفة ووزيراً، فعليّ مني وأنا من عليّ، وهو زوج ابنتي وابو سبطيَّ الحسن والحسين، ألا وإن اللّه تبارك وتعالى جعلني وإياهم حججاً على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي امتي، اشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، ليظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة(١) فيعلي(٢) أمر اللّه، ويظهر دين اللّه، ويؤيّد بنصر اللّه وبنصر بملائكة اللّه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
وبإسناده عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال: كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الشكاة(٣) التي قبض فيها، فاذا فاطمة عند
____________________
(١) أي مزلة للاقدام.
(٢) فيرفعه ويجعله عالياً.
(٣) الشكاة بفتح الشين: المرض.
رأسه، قال فبكت حتى ارتفع صوتها، فرفع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم طرفه إليها، فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي يبكيك؟ قالت أخشى الضيعة(١) من بعدك، قال: يا حبيبتي لا تبكي، فنحن أهل بيت قد اعطانا اللّه سبع خصال لم يعطها احداً قبلنا، ولا يعطيها احداً بعدنا، منا خاتم النبيين وأحب المخلوقين الى اللّه عز وجل، وهو أنا ابوك، ووصينا خير الاوصياء واحبهم وهو بعلك وشهيدنا خير الشهداء واحبهم الى اللّه وهو عمك، ومنا من له جناحان في الجنة يطير بهما مع الملائكة وهو ابن عمك(٢) ، ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، سوف يخرج اللّه من صلب الحسين تسعة من الأئمة، امناء معصومين(٣) ومنا مهدي هذه الأمة، اذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً، وتظاهرت الفتن، وتقطعت السبل، وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيراً، ولا صغير يوقر كبيراً، فيبعث اللّه عز وجل، عند ذلك مهدينا، التاسع من صلب الحسين، يفتح حصون الضلالة، وقلوباً غلفاً، يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في اول الزمان، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً.
وبإسناده عن محمود بن لبيد قال: لما قبض رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت فاطمة (صلوات اللّه عليها) تأتي قبور الشهداء وتأتي قبر حمزة وتبكي هناك، فلما كان في بعض الأيام اتيت قبر حمزةرحمهالله فوجدتها (سلام اللّه عليها) تبكي هناك، فأمهلتها حتى سكنت، فأتيتها وسلمت عليها، وقلت: يا سيدة النساء قد واللّه قطَّعت أنياط(٤) قلبي، من بكائك، فقالت يا أبا عمرو يحق لي البكاء فلقد اصبت بخير الآباء رسول
____________________
(١) الضيعة: بفتح الضاد: التلف والاهمال والهلاك.
(٢) يعني به جعفر بن ابي طالب، شهيد غزوة مؤتة. والجناحان هما اللتان عوضه اللّه بهما عن يديه اللتين قطعتا في الغزو.
(٣) أي منزَّهون عن المعاصي.
(٤) جمع نائط وهو عرق مستبطن الصلب تحت المتن. او ممتد في الصلب.
اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واشوقاه الى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم أنشأت تقولعليهاالسلام :
اذا مات يوماً ميت قل ذكره |
وذكر أبي مذ مات واللّه اكثر |
قلت يا سيدتي إني سائلك عن مسألة تتلجلج في صدري، قالت سل، قلت: هل نص رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل وفاته على علي بالإِمامة؟ قالت واعجباً انسيتم يوم غدير خم؟ قلت قد كان ذلك، ولكن أخبريني بما أشير اليك، قالت أشهد اللّه تعالى لقد سمعته يقول: علي خير من أخلفه فيكم، وهو الإِمام والخليفة بعدي، وسبطاي وتسعة من صلب الحسين أئمة ابرار، لئن اتبعتموهم وجدتموهم هادين مهديين، ولئن خالفتموهم لَيكون الاختلاف فيكم الى يوم القيامة، قلت: يا سيدتي، فما باله قعد عن حقه؟ قالت يا أبا عمر، لقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مثل الإمام مثل الكعبة اذ يؤتى ولا يأتي(١) او قالت(٢) مثل علي، ثم قالت أما والله لو تركوا الحق على أهله واتبعوا عترة نبيه لما اختلف في اللّه اثنان، ولورثها سلف عن سلف وخلف بعد خلف، حتى يقوم قائمنا التاسع من ولد الحسينعليهالسلام ، ولكن قدموا من أخره اللّه، واخروا من قدمه اللّه، حتى اذا لحدوا المبعوث واودعوه الجدث والمجدوث(٣) اختاروا بشهوتهم وعملوا بآرائهم، تبّاً لهم، او لم يسمعوا اللّه يقول: (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة)؟ بل سمعوا ولكنهم كما قال اللّه سبحانه: (فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) هيهات بسطوا في الدنيا آمالهم، ونسوا آجالهم، فتعساً لهم(٤)
____________________
(١) الظاهر تؤتي بدل يؤتى وكذا في قوله يأتي.
(٢) ترديد من الراوي أي قالت فاطمة (ص) قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل الإمام مثل الكعبة او مثل عليعليهالسلام (منه).
(٣) الجدث القبر والمجدوث أي المحفور والظاهر ان الواو زائدة من النساخ (منه) اقول وكذا الهاء من قولها دعوه.
(٤) أي هلاكاً، وشقاوة.
واضل اعمالهم، اعوذ بك يا رب من الحور بعد الكور(١) .
وبإسناده عن محمد بن همام بسنده عن ابي هريرة قال: كنت عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وابو بكر وعمر والفضل بن العباس وزيد بن حارثة وعبد اللّه بن مسعود، اذ دخل الحسين بن عليعليهالسلام فأخذه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقبله، ثم قال حزقَّه حزقّه ترقَّ عين بقة(٢) ووضع فمه، وقال: اللهم إنّي احبه فأحبه وأحب من يحبه، يا حسين أنت الإِمام ابن الإِمام أبو الأئمة، تسعة من ولدك ائمة أبرار، فقال له عبد اللّه بن مسعود: ما هؤلاء الأئمة الذي ذكرتهم في صلب الحسين؟ فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: يا عبد اللّه سألت عظيماً، ولكنّي اخبرك ان ابني هذا، ووضع يده على كتف الحسينعليهالسلام ، يخرج من صلبه ولد مبارك سمي جده عليعليهالسلام يسمي العابد، ونور الزهاد، ويخرج اللّه من صلب عليعليهالسلام ولداً اسمه اسمي، وأشبه الناس بي، يبقر العلم بقراً وينطق بالحق ويأمر الصواب ويخرج اللّه من صلبه كلمة الحق، ولسان الصدق، فقال له ابن مسعود: فما اسمه يا رسول اللّه؟ قال يقال له جعفر، صادق في قوله وفعله، الطاعن عليه كالطاعن علي، والرَّاد عليه كالرّاد علي، ثم دخل حسان بن ثابت وأنشد في رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم شعراً، وانقطع الحديث، فلما كان من الغد، صلى بنا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثم دخل بيت عائشة ودخلنا معه، أنا وعلي بن أبي طالبعليهالسلام وعبد اللّه بن العباس، وكان من دأبه (صلى الّه عليه وآله وسلم) اذا سئل أجاب واذا لم يسأل ابتدأ، فقلت له: بابي
____________________
(١) قال الجوهري نعوذ باللّه من الحور بعد الكور أي من النقصان بعد الزيادة وقيل من فساد امورنا بعد صلاحها (منه).
(٢) الحزقة بفتح الحاء او بضمها. وبضم الزاء المعجمة وتشديد القاف: القصير الذي يقارب الخطوات، والبقة واحد بق (بتشديد القاف) وهو حيوان صغير لذاع، وقوله ترق: امر من الترقي وهو الارتقاء والتعالي، اقول وجه الشبه صغرها وقيل وجه الشبه تشبك عينها فشبهه بها لما اصابهعليهالسلام من اللئام الطغام بأرض كربلاء من تقطيع اعضائه وتشبك بدنه بالنبال.
انت وامي يا رسول اللّه الا تخبرني بباقي الخلفاء من صلب الحسينعليهالسلام ؟ قال نعم يا أبا هريرة، ويخرج اللّه من صلب جعفر مولوداً نقياً طاهراً اسمر ربعة(١) سميُّ موسى بن عمران، ثم قال له ابن عباس ثم من يا رسول اللّه؟ قال يخرج من صلب موسى علي ابنه، يدعى بالرضا، موضع العلم ومعدن الحلم، ثم قال بأبي المقتول في أرض الغربة، ويخرج من صلب علي ابنه محمد المحمود، أطهر الناس خلقاً واحسنهم خلقاً، ويخرج من صلب محمد علي ابنه، طاهر الحسب صادق اللهجة، ويخرج من صلب علي الحسن الميمون النقي الطاهر الناطق عن اللّه وابو حجة اللّه، ويخرج اللّه من صلب الحسن قائمنا اهل البيت، يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، له هيبة موسى وحكم داود وبهاء عيسى، ثم تلاصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ذرية بعضها من بعض واللّه سميع عليم)، فقال له علي بن ابي طالبعليهالسلام بأبي انت وأمي يا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من هؤلاء الذين ذكرتهم؟ قال يا علي اسامي الاوصياء من بعدك، والعترة الطاهرة والذرية المباركة، ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي نفس محمد بيده لو ان رجلاً عبد اللّه ألف عام ثم الف عام ما بين الركن والمقام، ثم أتاني جاحداً لولايتهم لأكبه اللّه(٢) في النار، كائناً من كان.
قال ابو علي محمد بن همام: العجب كل العجب من ابي هريرة انه(٣) يروي مثل هذه الاخبار ثم ينكر فضائل أهل البيتعليهمالسلام .
____________________
(١) ليس بالطويل ولا بالقصير.
(٢) أي طرحه على وجهه.
(٣) هو الصحابي المعروف. المشهور بالاختلاق والجعل تقرباً لامراء زمانه. ومن اراد ان يقف على خصوصيات احواله فليطالع كتاب (ابي هريرة) للعلامة شرف الدين العامليرحمهالله .
وبإسناده عن عبد العظيم الحسني قال: دخلت على سيدي علي بن محمد، فلما بصرني قال: مرحباً يا أبا القاسم أنت ولينا حقاً، قال فقلت له، يا ابن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إني اريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضياً ثبتُّ عليه، حتى ألقى اللّه عز وجل، فقال هات يا أبا القاسم، فقلت: اني أقول أن اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء خارج من الحدين حد الابطال(١) وحد التشبيه، وأنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الاجسام، ومصور الصور، وخالق الأعراض والجواهر، ورب كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه، وان محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، لا نبي بعده الى يوم القيامة، وان شريعته خاتمة الشرائع ولا شريعة بعده الى يوم القيامة، واقول ان الإِمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام ، ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم أنت يا مولاي، فقالعليهالسلام ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قال: وقلت وكيف ذلك يا مولاي؟ قال: لأنه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، قال فقلت اقررت وأقول: إن وليَّهم ولي اللّه وعدوَّهم عدوُّ اللّه وطاعتهم طاعة اللّه ومعصيتهم معصية اللّه، وأقول: ان المعراج حق والمسألة في القبر حق، وإن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها وأن اللّه يبعث من في القبور، وأقول إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال علي بن محمد: يا ابا القاسم هذا واللّه دين اللّه الذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه ثبتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
____________________
(١) حد الابطال هو ان لا تثبت له صفة وحد التشبيه ان تثبت له على وجه يتضمن التشبيه بالمخلوقين (منه).
وعن الصقر بن أبي دلف قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضاعليهالسلام يقول: الإِمام بعدي ابني علي، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي، والإِمام بعده ابنه الحسنعليهالسلام أمره أمر ابيه، وقوله قول أبيه، وطاعته طاعة ابيه، ثم سكت، فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإِمام بعد الحسنعليهالسلام ؟ فبكى بكاء شديداً ثم قال: إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر، فقلت له يا ابن رسول اللّه ولم سمي القائم؟ قال لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد اكثر القائلين بإمامته، فقلت له: ولم سمّي المنتظر؟ قال إن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ به الجاحدون ويكذب فيه الوقاتون(١) ويهلك فيه المستعجلون وينجو فيها المسلِّمون.
الشيخ المفيد عن ابي جعفرعليهالسلام عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال: دخلت على فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعليها، وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء والأئمة من ولدها، فعددت اثني عشر اسماً، آخرهم القائم من ولد فاطمةصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثلاثة منهم محمد، وأربعة منهم علي،عليهمالسلام .
فصل في ذكر طرف من دلائل صاحب الزمان عليه السلام وبيناته وآياته
روى الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد الأنصاري قال:وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن إبراهيم المدني إلى ابي محمدعليهالسلام (ليناظره في امرهم خ) قال كامل: فقلت في نفسي أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي، وقال بمقالتي، قال: فلما دخلت على سيدي ابي محمد
____________________
(١) أي الذين عينوا وقتاً لظهوره. لأنه بيد اللّه. ولا يظهر على غيبه احداً.
عليهالسلام نظرت إلى ثياب بيض ناعمة عليه، فقلت في نفسي وليُّ اللّه وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا نحن بمواساة الإِخوان وينهانا عن لبس مثله؟ فقال متبسماً يا كامل وحسر ذراعيه فإذا مسح اسود خشن على جلده، فقال هذا للّه وهذا لكم (فخجلت خ د) فسلمت وجلست الى باب عليه ستر مرخى (مسبل خ د) فجاءت الريح فكشفت طرفه فإذا أنا بفتى كأنه فلقة(١) قمر من أبناء أربع سنين او مثلها، فقال لي يا كامل بن إبراهيم، فاقشعررت(٢) من ذلك وألهمت ان قلت لبيك يا سيدي، فقال جئت الى وليَّ اللّه وحجته وبابه تسأله، هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك، وقال بمقالتك؟ فقلت إي واللّه قال اذن واللّه يقل(٣) داخلها، واللّه انه ليدخلها قوم يقال لهم الحقيِّة، قلت يا سيدي ومن هم؟ قال قوم من حبهم لعليّ يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله (وفي بعض الروايات مكان ثم سكت هذه الجملة: انهم قوم يعرفون ما تجب عليهم معرفته جملاً لا تفصيلاً من معرفة اللّه ورسوله والأئمةعليهمالسلام ونحوها ثم قال (الخ كذا في الحاشية) ثم سكتعليهالسلام عني ساعة، ثم قال وجئت تسأله عن مقالة المفوضة، كذبوا، بل قلوبنا أوعية لمشيئة اللّه فاذا شاء: شئنا، واللّه يقول: وما تشاءون الا ان يشاء اللّه، ثم رجع الستر الى حالته فلم أستطع كشفه، فنظر اليَّ أبو محمدعليهالسلام متبسماً فقال: يا كامل ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي، فقمت وخرجت ولم أعاينه بعد ذلك.
وعن القنبري من ولد قنبر الكبير، مولى أبي الحسن الرضاعليهالسلام ، أنه حدّث عن رشيق صاحب (حاجب خ د) المادراي قال: بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة نفر فأمرنا أن يركب كل واحد منا فرساً ويجنب
____________________
(١) الفلقة بكسر الفاء: القطعة.
(٢) أي اخذني القشعريرة أي الرعدة.
(٣) أي الداخلون قليلون.
آخر ونخرج مخففين لا يكون معنا قليل ولا كثير إلا على السرج مصلى(١) ، وقال لنا الحقوا بسامرة ووصف لنا محلة وداراً وقال: اذا أتيتموها تجدوا على الباب خادماً اسود، فاكبسوا الدار، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه، فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه وفي الدهليز خادم اسود وفي يده تكة(٢) ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها، فقال صاحبها، فواللّه ما التفت إلينا وقل اكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا دارا سرية ومقابل الدار ستر ما نظرت قط الى أنبل منه(٣) كأن الأيدي رفعت عنه في ذلك الوقت(٤) ، ولم يكن في الدار احد، فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كأنَّ بحراً فيه، وفي اقصى البيت حصير قد علمنا أنه على الماء وفوقه رجل من احسن الناس هيئة، قائم يصلي، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من اسبابنا، فسبق أحمد بن عبد اللّه ليتخطى البيت فغرق في الماء وما زال يضطرب حتى مددت يدي اليه فخلصته وأخرجته وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل، فناله مثل ذلك، وبقيت مبهوتاً، فقلت لصاحب البيت المعذرة الى اللّه واليك، فواللّه ما علمت كيف الخبر ولا إلى من اجيء، وأنا تائب الى اللّه، فما التفت الى شيء مما قلنا وما انفتل(٥) عما كان فيه، فهالنا ذلك وانصرفنا عنه، وقد كان المعتضد ينتظرنا، وقد تقدم الى الحجاب اذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان، فوافيناه في بعض الليل، فأدخلنا عليه، فسألنا عن الخبر فحكينا له ما رأينا، فقال ويحكم لقيكم أحد قبلي وجرى منكم الى أحد سبب أو قول؟ قلنا: لا فقال أنا لَغاً(٦) من جدي وحلف بأشد ايمانٍ
____________________
(١) اقول انه اسم لثاني الجياد التي يسابق بها. وهاك اسماؤها:
١ - السابق. ٢ - المصلي. ٣ - التالي. ٤ - البارع. ٥ - المرتاح. ٦ - الحطي. ٧ - العاطف. ٨ - المؤمل (بكسر الميم الثاني). ٩ - اللطيم. ١٠ - السكيت (بضم السين وفتح الكاف)، والقسكل اسم للاخير.
(٢) التكة: رباط السراويل.
(٣) أي افضل واعلى.
(٤) يعني كان جديداً حديثاً.
(٥) أي لم ينصرف عن فعله.
(٦) لغا: سقط، غير معدود.
له، أنه رجل إن بلغه هذا الخبر ليضربن أعناقنا، فما جسرنا أن نحدث به إلا بعد موته.
الصدوق عن اسحاق بن حامد الكاتب قال: كان بقم رجل بزاز مؤمن وله شريك مرجئ فوقع بينهما ثوب نفيس، فقال المؤمن يصلح هذا الثوب لمولاي، فقال شريكه لست اعرف مولاك ولكن افعل بالثوب ما تحب، فلما وصل الثوب شقهعليهالسلام بنصفين طولاً فأخذ نصفه ورد النصف وقال: لا حاجة لي في مال المرجئ.
وقال الصدوق حدثنا الحسين بن علي بن محمد القمي المعروف بأبي علي البغدادي قال كنت
ببخارا فدفع اليّ المعروف بابن جاوشير عشرة سبائك ذهباً وأمرني أن أسلمها بمدينة السلام(١) الى الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح (قدس اللّه روحه)(٢) فحملتها معي فلما بلغت أموية(٣) ضاعت مني سبيكة من تلك السبائك ولم اعلم بذلك حتى دخلت مدينة السلام، فاخرجت السبائك لاسلمها فوجدتها ناقصة واحدة منها، فاشتريت سبيكة مكانها بوزنها واضفتها الى التسع سبائك ثم دخلت على الشيخ ابي القاسم الروحي (قدس اللّه روحه) ووضعت السبائك بين يديه، فقال لي خذ لك تلك السبيكة التي اشتريتها واشار اليها بيده فان السبيكة التي ضيعتها قد وصلت الينا وهوذا هي، ثم اخرج إليّ تلك السبيكة التي كانت ضاعت مني باموية فنظرت اليها وعرفتها.
فقال الحسين بن علي بن محمد المعروف بأبي علي البغدادي، ورأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة تسألني عن وكيل مولاناعليهالسلام من هو؟ فاخبرها بعض القميين انه ابو القاسم الحسين بن روح وأشار لها إليه،
____________________
(١) يعني بغداد (منه).
(٢) نائب إمام الزمانعليهالسلام .
(٣) ويقال لها آمل البط: مدينة مشهورة في غربي جيهون في طريق بخارا من مزو، خربها التتر (منه).
فدخلت عليه وانا عنده فقالت له: ايها الشيخ أي شيء معي؟ فقال ما معك فالقيه في دجلة ثم ائتيني حتى اخبرك قال فذهبت المرأة وحملت ما كان معها فالقته في دجلة ثم رجعت ودخلت الى أبي القاسم الروحي (قدس اللّه روحه)، فقال ابو القاسم (رضي اللّه عنه) لمملوكة له: أَخرجي الي الحقة فاخرجت اليه حقة، فقال للمرأة: هذه الحقة التي كانت معك ورميت بها في دجلة، اخبرك بما فيها او تخبريني؟ فقالت له بل اخبرني فقال في هذه الحقة زوج سوار(١) ذهب وحلقة كبيرة فيها جوهر وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر وخاتمان احدهما فيروزج والآخر عقيق وكان الأمر كما ذكر لم يغادر(٢) منه شيئاً، ثم فتح الحقة فعرض علي ما فيها، ونظرت المرأة اليه، فقالت: هذا الذي حملته بعينه ورميت به في دجلة، فغشي(٣) علي وعلى المرأة فرحاً بما شاهدناه من صدق الدلالة، قال الحسين لي من بعد ما حدثني بهذا الحديث: اشهد باللّه تعالى، ان هذا الحديث كما ذكرته لم ازدد فيه ولم انقص منه وحلف بالأئمة الاثني عشر، (صلوات اللّه عليهم)، لقد صدق فيما حدث به ما زاد فيه ولا نقص منه.
وروى الشيخ عن ابن نوع عن ابي عبد اللّه الحسين بن محمد بن سورة القمي عن جماعة من مشائخ اهل قم، ان علي بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمه محمد بن موسى بن بابويه فلم يرزق منها ولداً، فكتب الى الشيخ ابي القاسم حسين بن روح (رضي اللّه عنه) ان يسأل الحضرة ان يدعو اللّه ان يرزقه اولاداً فقهاء، فجاء الجواب انك لا ترزق من هذه وستملك جارية ديلمية وترزق منها ولدين فقيهين، قال ابو عبد اللّه بن سورة: ولابي الحسن بن بابويهرحمهالله ثلاثة اولاد، محمد(٤) والحسين
____________________
(١) حلية كالطوق تلبسها المرأة في زندها او معصمها.
(٢) أي لم يترك.
(٣) أي ادخل.
(٤) هو الشيخ الصدوق صاحب التصانيف الكثيرة المفيدة كلها كمن لا يحضر الفقيه والخصال والامالي وعلل الشرائع وعيون اخبار الرضا والتوحيد وغير هذه.
فقيهان ماهران في الحفظ يحفظان ما لا يحفظ غيرهما، من اهل قم، ولهما اخ اسمه الحسن هو الاوسط، مشتغل بالعبادة والزهد، لا يختلط بالناس ولا فقه له، قال ابن سورة كلما روى ابو جعفر وابو عبد اللّه ابنا علي بن الحسين شيئاً، يتعجب الناس من حفظهما ويقولون لهما هذا الشأن خصوصية لكما بدعوة الإِمامعليهالسلام لكما، وهذا امر مستفيض في اهل قم.
وقال ابن سورة سمعت سروراً وكان رجلاً عابداً مجتهداً لقيته بالاهواز غير اني نسيت نسبه، يقول: كنت اخرس لا اتكلم فحملني ابي وعمي في صباي، وسني اذ ذاك ثلاث عشرة او اربع عشرة، الى الشيخ ابي القاسم بن روح (رضي اللّه عنه)، فسألاه ان يسأل الحضرة ان يفتح اللّه لساني فذكر الشيخ ابو القاسم الحسين بن روح انكم أُمرتم بالخروج الى الحائر قال سرور فخرجنا انا وابي وعمي الى الحائر فاغتسلنا وزرنا، قال فصاح بي ابي وعمي يا سرور فقلت بلسان فصيح لبيك، فقالا لي ويحك تكلمت؟ فقلت نعم، قال ابو عبد اللّه بن سورة وكان سرور هذا رجلاً ليس بجهوري الصوت.
وفي كتاب الصراط المستقيم(١) ذكر الشيخ الموثوق به عثمان بن سعيد العمري(٢) ان ابن ابي غانم القزويني قال: ان العسكريعليهالسلام لا خلف له فشاجرته الشيعة وكتبوا الي الناحية، وكانوا يكتبون لا بسواد، بل بالقلم الجاف، على الكاغد الابيض ليكون علما(٣) معجزا، فورد جواباً اليهم: بسم اللّه الرحمن الرحيم عافانا اللّه واياكم من الضلال والفتن، انه انتهى الينا شك جماعة منكم في الدين وفي ولاية ولي امرهم، فغمنا ذلك لكم لا لنا، لأن اللّه معنا والحق معنا فلا يوحشنا من بَعُدَ علينا، ونحن صنائع ربنا والخلق صنائعنا(٤) ، ما لكم في الريب تترددون؟ اما علمتم ما
____________________
(١) للمحقق الدامادرحمهالله .
(٢) عثمان بن سعيد العمري الزيات ويقال له السمان. يكنى ابا عمرو، جليل القدر ثقة من اصحاب الهادي والعسكري وكان وكيلاً للصاحبعليهالسلام .
(٣) أي آية وعلامة.
(٤) أي خلقوا لنا وهو مفاد قوله تبارك اسمه: لولاك لما خلقت الافلاك.
جاءت به الآثار من ائمتكم أفرأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون اليها(١) واعلاما تهتدون بها من لدن آدم الى ان ظهر الماضي(٢) عليهالسلام ؟ كلما غاب علم بدا علم، واذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه اللّه اليه ظننتم انه ابطل دينه وقطع السبب بينه وبين خلقه؟ كلا ما كان ذلك ولا يكون حتى تقوم الساعة ويظهر امر اللّه وهم كارهون، فاتقوا اللّه وسلموا لنا وردوا الامر الينا، فقد نصحت لكم واللّه شاهد عليّ وعليكم.
فصل في ذكر من رآه عليه السلام
روى الصدوق بإسناده عن محمد بن معاوية بن حكيم ومحمد بن ايوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري(٣) (رضي اللّه عنهم)، قالوا عرض علينا ابو محمد الحسن بن علي (صلوات اللّه عليه) ابنهعليهالسلام ونحن في منزله وكنا اربعين رجلاً، فقال: هذا امامكم من بعدي وخليفتي عليكم اطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي، فتهلكوا في اديانكم، اما انكم لا ترونه(٤) بعد يومكم هذا، قالوا فخرجنا من عنده فما مضت الا أيام قلائل حتى مضى ابو محمد (صلوات اللّه عليه).
وبإسناده عن يعقوب بن منقوش قال دخلت على ابي محمد الحسن بن عليعليهالسلام وهو جالس علي دكان(٥) في الدار وعن يمينه بيت، عليه
____________________
(١) جمع معقل كمسجد، الملجأ.
(٢) هو ابو محمد الحسن العسكريعليهالسلام (منه).
(٣) هو ابن عثمان المتقدم ذكره. كان وكيلاً للناحية الشريفة بعد ابيه مات سنة خمس او اربع وثلاثمئة وكان يتولى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة وقال عند موته امرت ان اوصي إلى ابي القاسم بن روح واوصى ابو القاسم عند موته الى ابي الحسن علي السمري.
(٤) أي اكثركم او عن قريب فان الظاهر ان محمد بن عثمان رضي اللّه عنه كان يراه في ايام سفارته واللّه العالم (منه).
(٥) الدكان هو الدكة أي المكان المرتفع الذي يقعد عليه الجمع.
ستر مسبل، فقلت له سيدي، من صاحب هذا الأمر؟ فقال ارفع الستر، فرفعته فخرج الينا غلام خماسي له عشر او ثمان او نحو ذلك(١) واضح الجبين ابيض الوجه، دري المقلتين، شثن الكفين(٢) معطوف الركبتين في خده الايمن خال، وفي رأسه ذؤابة(٣) فجلس على فخذ ابي محمدعليهالسلام ، فقال هذا صاحبكم، ثم وثب فقال: يا بني ادخل الى الوقت المعلوم فدخل البيت وانا انظر اليه، ثم قال لي: يا يعقوب انظر في البيت فدخلت فما رأيت احداً.
وعن علي بن عبد اللّه الوراق، عن سعد، عن احمد بن اسحاق، قال: دخلت على ابي محمد الحسن بن عليعليهالسلام وانا اريد ان أسأله عن الخلف بعده، فقال لي مبتدئاً يا احمد بن اسحاق، ان اللّه تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم ولا تخلو الى يوم القيامة من حجة للّه على خلقه (به ظ ) يدفع البلاء عن اهل الأرض وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض، قال فقلت: يا ابن رسول اللّه فمن الإِمام والخليفة بعدك؟ فنهضعليهالسلام فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر من ابناء ثلاث سنين، فقال: يا احمد بن اسحاق لولا كرامتك على اللّه وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، انه سميَّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكنيه(٤) ، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يا احمد بن اسحاق، مثله في هذه الامة مثل الخضرعليهالسلام ومثله كمثل ذي القرنين، واللّه ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة الا من يثبته اللّه على القول بإمامته، ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه، قال احمد بن اسحاق فقلت له: يا مولاي هل من علامة يطمئن اليها قلبي؟
____________________
(١) يعني ان له خمس سنين ولكن له نماء من مضى عليه عشرة او نحوها.
(٢)بمفتوحة فساكنة: أي انهما يميلان الى الغلظ والقصر.
(٣) هي الشعر المجتمع على الرأس.
(٤) على وزن فعيل: أي له كنية رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
فنطق الغلامعليهالسلام بلسان عربي فصيح، فقال: انا بقية اللّه في ارضه، والمنتقم من اعدائه فلا تطلب اثراً بعد عين، يا احمد بن اسحاق، قال احمد بن اسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً، فلما كان من الغد عدت اليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه، لقد عظم سروري بما انعمت علي فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال طول الغيبة يا أحمد، فقلت له: يا ابن رسول اللّه وان غيبته لتطول؟ قال اي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر اكثر القائلين به، فلا يبقى الا من اخذ اللّه عهده بولايتنا وكتب في قلبه الايمان وايده بروح منه، يا احمد بن اسحاق هذا أمر من اللّه وسر من سر اللّه وغيب من غيب اللّه، فخذ ما اتيتك واكتمه، وكن من الشاكرين، تكن معنا. غداً في عليين.
روى الشيخ الطوسي عن احمد بن عبدون، عن ابي الحسن الشجاعي عن ابي عبد اللّه محمد بن ابراهيم النعماني، عن يوسف بن احمد الجعفري، قال حججت سنة ست وثلاثمئة وجاورت بمكة تلك السنة، وما بعدها الى سنة تسع وثلاثمئة، ثم خرجت عنها منصرفاً الى الشام، فبينا أنا في بعض الطريق وقد فاتتني صلاة الفجر فنزلت من المحمل وتهيأت للصلاة فرأيت اربعة نفر في محمل، فوقفت اعجب منهم، فقال احدهم مم تعجب، تركت صلاتك وخالفت مذهبك، فقلت للذي يخاطبني وما علمك بمذهبي؟ فقال تحب ان ترى صاحب زمانك؟ قلت نعم، فأومأ الى احد الأربعة، فقلت ان له دلائل وعلامات، فقال: أيّها احب اليك ان ترى الجمل وما عليه صاعدا الى السماء؟ او ترى المحمل صاعداً الى السماء، فقلت ايهما كان، فهي دلالة، فرأيت الجمل وما عليه يرتفع الى السماء وكان الرجل، أومأ الى رجل به سمرة، وكان لونه الذهب، بين عينيه سجّادة.
عن القطب الراوندي قال: روي ان ابا محمد الدعلجي كان له ولدان وكان من اخيار اصحابنا وكان قد سمع الاحاديث، وكان احد ولديه على
الطريقة المستقيمة، وهو ابو الحسن، كان يغسل الأموات، وولد آخر يسلك مسالك الاحداث، في الاجرام ودفع الى ابي محمد حجة يحج(١) بها عن صاحب الزمانعليهالسلام ، وكان ذلك عادة الشيعة وقتئذ، فدفع شيئاً منها الى ابنه المذكور بالفساد، وخرج الى الحج، فلما عاد حكى انه كان واقفاً بالموقف، فرأى الى جانبه شاباً حسن الوجه، اسمر اللون، بذؤابتين، مقبلاً على شأنه في الابتهال والدعاء، والتضرع وحسن العمل، فلما قرب نَفرُ(٢) الناس التفت الي، فقال: يا شيخ أما تستحيي؟ فقلت من أي شيء يا سيدي؟ قال يدفع اليك حجة عمن تعلم، فتدفع منها الى فاسق يشرب الخمر، يوشك ان تذهب عينك هذه، وأومأ الى عيني، وانا من ذلك الى الآن على وجل ومخافة، وسمع ابو عبد اللّه(٣) محمد بن محمد بن النعمان، ذلك، قال: فما مضى عليه اربعون يوماً بعد مورده حتى خرج في عينه التي اومأ اليها قرحة فذهبت.
عن الشيخ الصدوق، قال سمعنا شيخاً من اصحاب الحديث، يقال له احمد بن فارس(٤) الأديب يقول: سمعت بهمدان حكاية حكيتها، كما سمعتها لبعض اخواني، فسألني ان اثبتها له بخطي ولم اجد الى مخالفته سبيلاً، وقد كتبتها وعهدتها الى من حكاها، وذلك ان بهمدان أناساً يعرفون ببني راشد، وهم كلهم يتشيعون ومذهبهم مذهب اهل الإِمامة، فسألت عن سبب تشيعهم من بين اهل همدان، فقال لي شيخ منهم، رأيت فيه صلاحاً وسمتاً(٥) ، ان سبب ذلك ان جدّنا الذي ننسب اليه خرج حاجاً فقال: انه
____________________
(١) أي الدعلجي (منه).
(٢) أي التهيؤ للرحيل.
(٣) هو شيخنا المفيدرحمهالله (منه).
(٤) احمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي النحوي اللغوي كان اماماً في علوم شتى خصوصاً اللغة فانه اتقنها والف كتاب الجمهرة والجمل وسيرة النبي (صلى اللّه عليه وآله ) وغير ذلك، الظاهر ان لاجل تشيعه لم ينقل الحلبي اسامي كتبه في كشف الظنون اخذ منه بديع الزمان الهمداني وروي عن الخطيب التبريزي والصاحب بن عباد والشيخ الصدوقرحمهالله ( منه).
(٥) اي الهيبة والوقار وزي الاخيار.
لما صدر عن الحج، وساروا منازل في البادية، قال فنشطت في النزول والمشي فمشيت طويلاً حتى اعييت، وتعبت، وقلت في نفسي: انام نومة تريحني، فاذا جاء أواخر القافلة قمت، قال فما انتبهت الا بحرّ الشمس، ولم أر أحداً، فتوحشت ولم ار طريقاً ولا اثراً، فتوكلت على اللّه عز وجل، وقلت: اسير حيث وجّهني، ومشيت غير طويل فوقعت في ارض خضراء نضرة، كأنها قريبة عهد بغيث، واذا تربتها اطيب تربة، ونظرت في سواء(١) تلك الأرض، الى قصر يلوح كأنه سيف، فقلت: يا ليت شعري ما هذا القصر الذي لم اعهده ولم اسمع به؟ فقصدته فلما بلغت الباب رأيت خادمين ابيضين، فسلمت عليهما فرداً عليّ رداً جميلاً، وقالا: اجلس فقد اراد اللّه بك خيراً، وقام احدهما فدخل واحتبس غير بعيد ثم خرج فقال، قم فادخل، فدخلت قصراً لم ار بناءً احسن من بنائه، ولا اضوأ منه، وتقدم الخادم الى ستر على بيت فرفعه، ثم قال لي: ادخل، فدخلت البيت فاذا فتى جالس في وسط البيت، وقد علّق على رأسه من السقف سيف طويل تكاد ظبته(٢) تمس رأسه، والفتى بدر يلوح في ظلام، فسلمت فرد السلام، بألطف الكلام واحسنه، ثم قال لي: اتدري من أنا؟ فقلت لا واللّه، فقال، انا القائم من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، انا الذي اخرج في آخر الزمان بهذا السيف، وأشار اليه فاملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، فسقطت على وجهي وتعفرت(٣) ، فقال: لا تفعل ارفع رأسك أنت فلان من مدينة، بالجبل، يقال لها همدان، قلت صدقت يا سيدي ومولاي، قال فتحب ان تؤوب الى اهلك(٤) ؟ قلت نعم يا سيدي، وابشّرهم بما اتاح اللّه(٥) عز وجل لي، فأومأ الى الخادم، فاخذ بيدي وناولني
____________________
(١) سواء تلك الأرض، أي وسطها.
(٢) أي طرفه (منه).
(٣) أي مسست جبيني بالتراب.
(٤) أي ترجع اليهم.
(٥) اتاح اللّه له الشيء: أي قدره له. صحاح. (منه).
صرة وخرج. ومشى معي خطوات فنظرت الى ظلال واشجار، ومنارة مسجد، فقال: اتعرف هذا البلد، قلت ان بقرب بلدنا بلدة تعرف باستاباد وهي تشبهها، قال: فقال هذه استاباد امض راشداً، فالتفت فلم اره. ودخلت استاباد واذا في الصرة اربعون او خمسون ديناراً، فوردت همدان وجمعت اهلي وبشرتهم بما أتاح اللّه لي ويسّره عز وجل ولم نزل بخير، ما بقي معنا من تلك الدنانير.
(اقول استاباد هي التي تعرف اليوم باسداباد وهي قريب من همدان وبينهما عقبة كئود)(١) وسمعت ان قبر هذا الرجل باسداباد معروف واللّه تعالى العالم.
قال العلامة المجلسي، أخبرني والديرحمهالله قال: كان في زماننا رجل شريف صالح كان يقال له امير اسحاق الاسترابادي، وكان قد حج اربعين حجة ماشياً، وكان قد اشتهر بين الناس انه، تطوى له الأرض، فورد في بعض السنين بلدة اصفهان فأتيته وسألته عما اشتهر فيه، فقال كان سبب ذلك اني كنت في بعض السنين مع الحاج متوجهين الى بيت اللّه الحرام، فلما وصلنا الى موضع كان بيننا وبين مكة سبعة منازل او تسعة، تأخرت وغلبني العطش حتى آيست من الحياة، فناديت يا صالح يا ابا صالح ارشدونا الى الطريق يرحمكم اللّه، فتراءى لي في منتهى البادية، شبح، فلما تأملته حضر عندي في زمان يسير، فرأيته شاباً حسن الوجه نفي الثياب اسمر على هيئة الشرفاء، راكباً على جمل، ومعه الاداوة(٢) فسلمت عليه فرد عليَّ السلام وقال: انت عطشان؟ قلت نعم، فاعطاني الاد واة فشربت، ثم قال: تريد ان تلحق القافلة؟ قلت نعم، فاردفني خلفه وتوجه نحو مكة، وكان من عادتي قراءة الحرز اليماني، في كل يوم، فاخذت في قراءته، فقال
____________________
(١) أي صعبة.
(٢) بالكسر: مطرة (منه).
عليهالسلام في بعض المواضع اقرأ هكذا، قال فما مضى الا زمان يسير حتى قال لي: تعرف هذا الموضع؟ فنظرت فاذا أنا بالابطح(١) فقال انزل، فلما نزلت، رجعت وغاب عني، فعند ذلك عرفت انه القائمعليهالسلام ، فندمت وتأسفت على مفارقته وعدم معرفته، فلما كان بعد سبعة ايام اتت القافلة فرأوني في مكة، بعدما آيسوا من حياتي فلذا اشتهرت بطيّ الأرض.
وحكى صاحب كشف الغمة، قصة اسماعيل الهرقلي والسيد عطوة الحسيني(٢) في كشف الغمة، وانا اذكر من ذلك قصتين قرب عهدهما من زماني، وحدثني بهما جماعة من ثقات اخواني، كان في البلاد الحلية شخص يقال له اسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها هرقل، مات في زماني وما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين قال: حكى لي والدي انه خرج فيه وهو شاب على فخذه الايسر توثة(٣) مقدار قبضة الانسان وكانت في كل ربيع تشقق ويخرج منها دم وقيح ويقطعه ألمها عن كثير من اشغاله، وكان مقيماً بهرقل، فحضر الحلة يوماً ودخل الى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاوس،رحمهالله ، وشكا اليه ما يجده منها وقال اريد ان اداويها، فاحضر له اطباء الحلة وأراهم الموضوع، فقالوا هذه التوثة فوق العرق الاكحل، وعلاجها خطر، ومتى قطعت خيف ان ينقطع العرق، فيموت، فقال له السعيد رضي الدين (قدس اللّه روحه): انا متوجه الى بغداد وربما كان اطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء فاصحبني، فأصعده معه واحضر الاطباء، فقالوا كما قال اولئك، فضاق صدره فقال له السعيد: ان الشرع قد فسح لك في الصلاة في هذه الثياب وعليك الاجتهاد في الاحتراس ولا تغرر بنفسك فاللّه تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله فقال له والدي: اذا كان
____________________
(١) الابطح: مسيل واسع فيه رمل ودقاق الحصى، وموضع قرب مكة.
(٢) هذه القصة بتمامها في الحاشية.
(٣) التوثة الظاهر انها جرح والادرة نفخة في الخصية (منه).
الأمر على ذلك وقد وصلت الى بغداد فاتوجه الى زيارة المشهد الشريف، بسر من رأى على مشرفه السلام، ثم انحدر الى اهلي فحسن له ذلك فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين، وتوجه، قال: فلما دخلت المشهد وزرت الأئمةعليهمالسلام ونزلت السرداب واستغثت باللّه تعالى وبالامامعليهالسلام وقضيت بعض الليل في السرداب وبقيت في المشهد الى الخميس، ثم مضيت الى دجلة واغتسلت ولبست ثوباً نظيفاً وملأت ابريقاً كان معي، وصعدت اريد المشهد فرأيت اربعة فرسان خارجين من باب السور، وكان حول المشهد قوم من الشرفاء، يرعون اغنامهم فحسبتهم منهم فالتقينا فرأيت شابين احدهما عبد مخطوط وكل واحد منهم متقلد بسيف وشيخاً منقباً، بيده رمح والآخر متقلد بسيف وعليه فرجية ملونة، فوق السيف، وهو متحنك بعذبته فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق، ووضع كعب الرمح في الأرض، ووقف الشابان عن يسار الطريق، وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي ثم سلموا عليه فرد عليهم السلام، فقال له صاحب الفرجية، انت غدا تروح الى اهلك، فقال نعم فقال له تقدم حتى ابصر ما يوجعك قال فكرهت ملامستهم، وقلت في نفسي اهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة، وانا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول ثم اني بعد ذلك تقدمت اليه، فلزمني بيده ومدّني اليه، وجعل يلمس جانبي من كتفي الى ان أصابت يده التوثة فعصرها بيده فأوجعني ثم استوى في سرجه كما كان فقال لي الشيخ: افلحت يا اسماعيل فعجبت من معرفته باسمي فقلت افلحنا وافلحتم ان شاء اللّه، قال فقال لي الشيخ: هذا هو الإِمام، قال فتقدمت اليه فاحتضنته وقبلت فخذه، ثم انه ساق وانا أمشي معه محتضنه، فقال ارجع، فقلت لا افارقك ابداً، فقال: المصلحة رجوعك فاعدت عليه مثل القول الأول فقال الشيخ يا اسماعيل ما تستحيي، يقول لك الإِمام مرتين ارجع وتخالفه، فجبهني بهذا القول فوقفت فتقدم خطوات والتفت اليَّ وقال: اذا وصلت بغداد فلا بد ان يطلبك ابو
جعفر، يعني الخليفة المستنصر، رحمه اللّه فاذا حضرت عنده واعطاك شيئاً فلا تأخذه، وقل لولدنا الرضي ليكتب لك الي علي بن عوض، فانني اوصيه يعطيك الذي تريد ثم سار واصحابه معه، فلم ازل ابصرهم الى ان غابوا عنّي وحصل عندي أسف لمفارقته، فقعدت الى الأرض ساعة، ثم مشيت الى المشهد، فاجتمع القوم حولي وقالوا نرى وجهك متغيراً أوجعك شيء قلت لا، قالوا اخاصمك احد؟ قلت لا ليس عندي مما تقولون خبر لكن اسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم، قالوا هم من الشرفاء ارباب الغنم، فقلت لا بل هو الإِمامعليهالسلام فقالوا الإِمام هو الشيخ او صاحب الفرجية، فقلت هو صاحب الفرجية، فقالوا أريته المرض الذي فيك؟ فقلت هو قبضه بيده واوجعني ثم كشفت رجلي، فلم أر لذلك المرض أثراً فتداخلني الشك من الدهش فاخرجت رجلي الاخرى فلم ار شيئاً فانطبق الناس علي ومزقوا قميصي فادخلني القوم خزانة ومنعوا الناس عنّي، وكان ناظر بين النهرين بالمشهد فسمع الضجة وسأل عن الخبر فعرفوه فجاء الى الخزانة، وسألني عن اسمي وسألني منذ كم خرجت من بغداد، فعرفته اني خرجت في اول الاسبوع فمشى عني وبت في المشهد وصلّيت الصبح، وخرجت وخرج الناس معي، الى ان بعدت عن المشهد ورجعوا عني ووصلت إلى (أوانا) فبت بها وبكرت منها اريد بغداد فرأيت الناس مزدحمين على الفطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه ونسبه واين كان، فسألوني عن اسمي ومن اين جئت فعرفتهم فاجتمعوا علي ومزقوا ثيابي، ولم يبق لي في روحي حكم، وكان ناظر بين النهرين كتب الى بغداد وعرفهم الحال، ثم حملوني الى بغداد وازدحم الناس علي وكادوا يقتلونني من كثرة الزحام وكان الوزير القمي (رحمه اللّه تعالى) قد طلب السعيد رضي الدينرحمهالله وتقدم ان يعرفه صحة هذا الخبر، قال: فخرج رضي الدين ومعه جماعة فوافينا باب النوبي، فرد اصحابه الناس عنّي، فلما رآني قال: أعنك يقولون، قلت: نعم فنزل (فترجل خ د) عن دابته وكشف عن فخذي فلم ير شيئاً فغشي عليه ساعة واخذ بيدي وادخلني على الوزير، وهو
يبكي، ويقول: يا مولانا هذا أخي واقرب الناس الى قلبي، فسألني الوزير عن القصة، فحكيت له فاحضر الاطباء الذين اشرفوا عليها وأمرهم بمداواتها فقالوا ما دواؤها الا القطع بالحديد ومتى قطعها مات، فقال لهم الوزير فبتقدير ان تقطع ولا يموت، في كم تبرأ فقالوا في شهرين ويبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسألهم الوزير متى رأيتموه قالوا منذ عشرة ايام فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم وهي مثل اختها ليس فيها أثر اصلاً فصاح احد الحكماء هذا عمل المسيح فقال الوزير حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها ثم انه احضر عند الخليفة المستنصر، (رحمه اللّه تعالى)، فسأله عن القصة فعرفه بها كما جرى فتقدم له بألف دينار فلما حضرت قال: خذ هذه فانفقها فقال ما أجسر اخذ منه حبة واحدة، فقال الخليفة: ممن تخاف، فقال: من الذي فعل معي هذا، قال لا تأخذ من ابي جعفر شيئاً فبكى الخليفة وتكدر، وخرج من عنده، ولم يأخذ شيئاً.
قال افقر عباد اللّه تعالى الى رحمته عليّ بن عيسى عفا اللّه عنه: كنت في بعض الأيام احكي هذه القصة لجماعة عندي وكان هذا شمس الدين محمد، ولده عندي، وانا لا اعرفه فلما انقضت الحكاية قال: انا ولده لصلبه فعجبت من هذا الاتفاق وقلت: هل رأيت فخذه وهي مريضة، فقال: لا لأني اصبو عن ذلك ولكنّي رأيتها بعدما صلحت، ولا أثر فيها، وقد نبت في موضعها شعر، وسألت السيد صفي الدين محمد بن بشر العلوي الموسوي، ونجم الدين حيدر بن الايسر (رحمهما اللّه تعالى)، وكانا من اعيان الناس وسراتهم وذوي الهبات منهم، وكانا صديقين لي وعزيزين عندي، فاخبراني بصحة هذه القصة، وانهما رأياها في حال مرضها وحال صحتها، وحكى لي ولده هذا، أنه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقهعليهالسلام حتى انه جاء الى بغداد وأقام بها في فصل الشتاء، وكان كل ايام يزور سامراء ويعود الى بغداد فزارها في تلك السنة اربعين مرة، طمعاً ان يعود له الوقت الذي مضى او يقضي له الحظ بما قضى ومن الذي اعطاه دهره الرضا، أو ساعده بمطالبه صرف القضا فماترحمهالله بحسرته،
وانتقل الى الآخرة بغصته، واللّه يتولاه وإيانا برحمته، بمنه وكرامته، وحكى لي السيد باقي بن عطوة العلوي الحسيني، ان اباه عطوة، كان به ادرة وكان زيدي المذهب، وكان ينكر على بنيه الميل الى مذهب الامامية، ويقول: لا اصدقكم ولا اقول بمذهبكم حتى يجيء صاحبكم يعني المهدي فيبرئني من هذا المرض، وتكرر هذا القول منه، فبينا نحن مجتمعون عند وقت عشاء الآخرة، اذا ابونا يصيح ويستغيث بنا، فاتيناه سراعا، فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي فخرجنا فلم نر احدا، فعدنا اليه وسألناه فقال: انه دخل اليّ شخص، وقال يا عطوة فقلت من انت؟ فقال انا صاحب بنيك قد جئت لابرئك مما بك، ثم مد يده فعصر قروتي ومشى، ومددت يدي فلم ار لها اثراً، قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قلبة، واشتهرت هذه القصة وسألت عنها غير ابنه فاخبر عنها، فاقرَّ بها. انتهى.
وتشرفهما بخدمة مولانا صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه)، وبرء ما بهما من التوثة والادرة ببركته، ثم قال والاخبار عنهعليهالسلام في هذا الباب كثيرة وأن جماعة قد انقطعوا في طرق الحجاز، وغيرها، فخلصهم وأوصلهم الى حيث ارادوا ولولا التطويل، لذكرت منها حملة، ولكن هذا القدر الذي قرب عهده من زماني كاف انتهى.
فصل في التمحيص والنهي عن التوقيت
روى الشيخ الصدوق باسناده عن ابي علي بن همام، قال: سمعت محمد بن عثمان العمري، (رضي اللّه عنه)، قال: سمعت ابي يقول سئل ابو محمد الحسن بن علي، (صلوات اللّه عليهم)، ان الأرض لا تخلو من حجة اللّه على خلقه، الى يوم القيامة، وان من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية، فقالعليهالسلام ان هذا حق، كما ان النهار حق،
فقيل له يا ابن رسول اللّه فمن الحجة والإِمام بعدك؟ قال ابني (م ح م د) وهو الإِمام والحجة بعدي من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، اما ان له غيبة يحار(١) فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقَّاتون، ثم يخرج فكأني انظر الى الاعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة.
وبإسناده عن منصور، قال قال ابو عبد اللّهعليهالسلام : يا منصور إن هذا الأمر لا يأتيكم الا بعد يأس، لا واللّه حتى تميزوا، لا واللّه حتى تمحصوا، لا واللّه، حتى يشقى من يشقى، ويسعد من يسعد.
وبإسناده عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال ان لصاحب هذا الامر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد(٢) ثم قال هكذا بيده، ثم قال ان لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق اللّه عبد وليتمسك بدينه.
وروى الشيخ الطوسي عن الفضيل، قال: سألت ابا جعفرعليهالسلام هل لهذا الأمر وقت؟ فقال كذب الوقّاتون كذب الوقّاتون.
وعن الصادقعليهالسلام ، في حديث مهزم الاسدي، قال يا مهزم: كذب الوقّاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلِّمون والينا يصيرون.
وعن ابي جعفرعليهالسلام انه قال لتمحصن(٣) يا معشر الشيعة، شيعة آل محمد، كمحيص الكحل في العين لأن صاحب الكحل، يعلم متى يقع في العين، ولا يعلم متى يذهب، فيصبح احدكم وهو يرى، انه على شريعة من امرنا، فيمسي وقد خرج منها، ويمسي وهو على شريعة من امرنا فيصبح وقد خرج منها.
____________________
(١) رجع وتحير.
(٢) القتاد شجر عظيم له شوك كالابر وخرط القتاد يضرب مثلا للامور الصعبة (منه).
(٣) أي لتختبرن وتنقين نقاء الكحل.
النعماني باسناده(١) ، عن ابن نباتة(٢) ، عن امير المؤمنينعليهالسلام انه قال: كونوا كالنحل(٣) في الطير، ليس شيء من الطير الا وهو يستضعفها ولو علمت الطير ما في اجوافها من البركة لم يفعل بها ذلك، خالطوا الناس بالسنتكم وابدانكم وزايلوا بقلوبكم واعمالكم، فوالذي نفسي بيده ما ترون ما تحبون، حتى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتى يسمي بعضكم بعضاً كذابين، وحتى لا يبقى منكم (او من شيعتي إلا) كالكحل في العين والملح في الطعام، وسأضرب لكم مثلاً: وهو مثل رجل كان له طعام فنقاه وطيبه ثم ادخله بيتاً وتركه فيه، ما شاء اللّه، ثم عاد اليه فاذا هو قد اصاب طائفة منه السوس فاخرجه ونقاه وطيبه واعاده ولم يزل كذلك حتى بقيت منه رزمة(٤) كرزمة الاندر(٥) ولا يضره السوس شيئاً، وكذلك انتم تميزون حتى لا يبقى منكم، الا عصابة لا تضرها الفتنة شيئاً.
____________________
(١) هو الشيخ الأجل محمد بن ابراهيم الملكي بابن ابي زينب صاحب كتاب الغيبة يروي عن الكلينيرحمهالله .
(٢) ابن نباتة هو الاصبغ بن نباتة بضم النون المجاشعي كان من خاصة امير المؤمنينعليهالسلام وعمر بعده، وكان يوم صفين على شرطة الخميس وقال لأمير المؤمنينعليهالسلام قدمني في البقية من الناس فانك لا تفقد في اليوم صبراً ولا نصراً، قالعليهالسلام تقدم باسم اللّه والبركة فتقدم واخذ رايته فمضى مرتجزاً وقد خضب سيفه ورمحه دما وكان شيخاً ناسكاً عابداً وكان إذا لقي القوم لا يغمد سيفه وكانرحمهالله من ذخائر عليعليهالسلام ممن قد بايعه على الموت ومن فرسان اهل العراق، وروي عنهعليهالسلام عهد الاشتر ووصيتهعليهالسلام الى محمد ابنه وهو الذي دخل على امير المؤمنينعليهالسلام لما ضربه ابن ملجم لعنه اللّه فراه معصوب الرأس بعصابة صفراء وقد اصفر وجهه بحيث قد غلب صفرة وجهه على تلك العصابة وهو يرفع فخذا ويضع اخرى من شدة الضربة وكثرة السم فطلب منهعليهالسلام ان يحدثه بحديث سمعه من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فحدثهعليهالسلام (منه).
(٣) امر بالتقية: أي لا تظهروا ما في اجوافكم من دين الحق (منه).
(٤) رزمة بالفتح، أي حزمة، باقة.
(٥) الاقل النادر، الصافي.
وبإسناده عن ابي بصير، عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: قلت له: جعلت فداك متي خروج القائمعليهالسلام ؟ فقال يا أبا محمد إنّا اهل بيت لا نوقت، وقد قال محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم : كذب الوقاتون، يا محمد ان قدام هذا الأمر خمس علامات اولهن النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني وقتل النفس الزكية، وخسف بالبيداء، ثم قال يا محمد إنه لا بد ان يكون قدام ذلك الطاعونان، الطاعون الأبيض والطاعون الأحمر، قلت جعلت فداك ايّ شيء الطاعون الأبيض واي شيء الطاعون الأحمر قال الطاعون الأبيض الموت الجارف(١) والطاعون الاحمر السيف، ولا يخرج القائم حتى ينادى باسمه من جوف السماء، في ليلة ثلاث وعشرين، ليلة جمعة، قلت بم ينادى؟ قال باسمه واسم ابيه: الا ان فلان بن فلان قائم آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فاسمعوا له واطيعوا، فلا يبقى شيء خلق اللّه فيه الروح الا سمع الصيحة، فتوقظ النائم، ويخرج الى صحن داره، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم مما يسمع وهي صيحة جبرائيلعليهالسلام .
فصل في فضل انتظار الفرج
روى الصدوق بإسناده عن الباقر، عن آبائهعليهمالسلام ، قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : افضل العبادة انتظار الفرج. وعن عمار الساباطي قال قلت لأبي عبد اللّهعليهالسلام العبادة مع الإِمام منكم المستتر في السرِّ في دولة الباطل افضل، ام العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإِمام الظاهر منكم؟ فقال يا عمار الصدقة في السر واللّه افضل من
____________________
(١) في الحديث الطاعون الجارف سمي جارفاً لأنه كان سريعاً جرفُ الناس كجرف السيل والجرف هو اخذك الشيء عن وجه الأرض بالمجرفة (منه).
الصدقة في العلانية وكذلك عبادتكم في السر مع امامكم المستتر في دولة الباطل، افضل لخوفكم من عدوكم في دولة الباطل.
وروى البرقي عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائمعليهالسلام في فسطاطه، قال: ثم مكث هنيهة ثم قال: لا بل كمن قارع(١) معه بسيفه، ثم قال: لا واللّه الا كمن استشهد مع رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله وسلم).
وروى الشيخ الطوسي عن جابر قال: دخلنا على ابي جعفر محمد بن عليعليهالسلام ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا فودعناه وقلنا له: أَوْصِنا يا ابن رسول اللّه، فقال: ليعن(٢) قويكم ضعيفكم، وليعطف غنيكم على فقيركم، ولينصح الرجل اخاه كنصحه لنفسه، واكتموا أسرارنا ولا تحملوا الناس على اعناقنا(٣) ، وانظروا أمرنا وما جاءكم عنا فان وجدتموه، والقرآن موافقاً فخذوا به، وان لم تجدوه موافقاً فردوه، وان اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردوه النيا، حتى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا، فاذا كنتم كما أوصيناكم، لم تعدوا الى غيره، فمات منكم ميت قبل ان يخرج قائمنا كان شهيداً، ومن ادرك قائمنا فقتل معه كان له اجر شهيدين، ومن قتل بين يديه عدوّاً لنا كان له اجر عشرين شهيداً.
النعماني سنداً عن جابر بن يزيد عن ابي جعفر الباقرعليهالسلام انه قال: اسكنوا(٤) ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على احد فان
____________________
(١) أي ضرب وطعن.
(٢) امر من الاعانة.
(٣) أي لا تقولوا فينا وعنا ما فيه فسحة لاعدائنا في النكاية بنا.
(٤) روى عن الرضاعليهالسلام في تأويله اسكن ما سكنت السماء من النداء باسم القائمعليهالسلام والأرض من الخسف بالجيش (منه).
أمركم ليس به خفاء أَلا انها آية من اللّه عز وجل، ليست من الناس أَلا انها اضوأ من الشمس لا يخفى على بر ولا فاجر، اتعرفون الصبح، فانه كالصبح ليس به خفاء(١) .
الصدوق عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال: يأتي على الناس زمان يغيب عنهم امامهم. فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، ان أدنى ما يكون لهم من الثواب، ان يناديهم الباري عز وجل، عبادي آمنتم بسري وصدقتم بغيبتي فابشروا بحسن الثواب مني فانتم عبادي وامائي حقّاً، منكم أتقبل، وعنكم اعفو، ولكم اغفر، وبكم اسقي عبادي الغيث وادفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي، قال جابر: فقلت يا ابن رسول اللّه فما افضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟ قال حفظ اللسان ولزوم البيت.
وبإسناده عن ابراهيم الكرخي قال دخلت على ابي عبد اللّهعليهالسلام واني لَجالس عنده اذ دخل ابو الحسن موسى بن جعفرعليهالسلام وهو غلام؟ فقمت اليه فقبلته وجلست، فقال ابو عبد اللّه (عليه اسلام) يا ابراهيم أَمَا إنه صاحبك من بعدي، أَمَا ليهلكن فيه قوم ويسعد آخرون، فلعن اللّه قاتله وضاعف على روحه العذاب، أَمَا ليخرجن اللّه من صلبه خير أهل الأرض في زمانه سميَّ جده ووارث علمه واحكامه وفضائله. معدن الامامة ورأس الحكمة، يقتله جبار بني فلان بعد عجائب طريفة حسداً له، ولكن اللّه بالغ امره ولو كره المشركون، يخرج اللّه من صلبه تمام اثني عشر مهديّاً اختصهم اللّه بكرامته واحلهم دار قدسه، المقرّ بالثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يذب
____________________
(١) قال النعمانيرحمهالله انظروا رحمكم اللّه الى هذا التأديب من الأئمةعليهمالسلام والى امرهم ورسمهم في الصبر والكف والانتظار للفرج وذكرهم هلاك المحاضير والمستعجلين وكذب المتمنين ووصفهم نجاة المسلمين ومدحهم الصابرين الثابتين وتشبيهم اياه على الثبات كثبات الحصن على اودتاها فتأدبوا رحمكم اللّه بتأديبهم وسلموا لقولهم ولا تجاوزوا رسمهم الخ (منه).
عنه، قال: فدخل رجل من موالي بني امية، فانقطع الكلام، فعدت إلى أبي عبد اللّهعليهالسلام إحدى عشر مرة اريد ان يستتم الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان قابل السنة الثانية دخلت عليه وهو جالس فقال يا ابراهيم، المفرج لكرب شيعته بعد ضنك(١) شديد، وبلاء طويل، وجزع وخوف، فطوبى لمن ادرك ذلك الزمان، حسبك يا ابراهيم، فما رجعت بشيء أسرَّ من هذا لقلبي ولا اقر لعيني.
فصل في ذكر علة غيبته عليه السلام
روى الصدوق عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين علي بن الحسينعليهالسلام يقول في القائم منا سنن من سنن الأنبياءعليهمالسلام ، سنة من آدم وسنة من نوح وسنة من ابراهيم وسنة من موسى وسنة من عيسى وسنة من ايوب وسنة من محمد (صلى اللّه عليه وآله وعليهم)، فاما من آدمعليهالسلام ومن نوحعليهالسلام فطول العمر، وأما من ابراهيمعليهالسلام فخفاء الولادة واعتزال الناس، واما من موسىعليهالسلام فالحوف والغيبة واما من عيسىعليهالسلام فاختلاف الناس فيه وأما من ايوبعليهالسلام فالفرج بعد البلوى واما من محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم فالخروج بالسيف.
وعن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) يقول: ان لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له ولم جعلت فداك؟ قال لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، قلت فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدمه، من حجج اللّه تعالى ذكره، ان وجه الحكمة
____________________
(١) أي ضيق.
في ذلك لا ينكشف الا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما اتاه الخضرعليهالسلام من خرق السفينة، وقتل الغلام واقامة الجدار لموسى ( عليه السلام) الا وقت افتراقهما. يا ابن الفضل ان هذا الأمر امر من أمرِ اللّه وسر من سر اللّه وغيب من غيب اللّه، ومتى علمنا انه عز وجل حكيم، صدقنا بأن افعاله كلها حكمة، وان كان وجهها غير منكشف لنا.
وعن حنان بن سدير عن ابيه عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال ان للقائم منا غيبة يطول امدها، فقلت له: ولِمَ ذاك يا ابن رسول اللّه؟ قال: ان اللّه عز وجل ابى إلا ان يجري فيه سنن الأنبياءعليهمالسلام في غيباتهم، وإنه لا بد له يا سدير، من استيفاء مدد غيباتهم، قال اللّه عز وجل لتركبن طبقاً عن طبق (اي سنناً عن سنن من كان قبلكم).
وعن ابي عمير(١) عمن ذكره عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال قلت له: ما بال امير المؤمنينعليهالسلام لم يقاتل مخالفيه في الأوّل؟ قال لآية في كتاب اللّه عز وجل (لو تزيلوا لعذّبنا الذين كفروا منهم عذاباً أليماً)، قال قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال ودائع مؤمنون في اصلاب قوم كافرين، فكذلك القائمعليهالسلام ، لن يظهر ابداً حتى تخرج ودائع اللّه عز وجل، فاذا خرجت ظهر على من ظهر من اعداء اللّه عز وجل فقتلهم.
عن الاحتجاج عن اسحاق بن يعقوب انه ورد عليه من الناحية المقدسة على يد محمد بن عثمان (رضي اللّه عنه): واما علة ما وقع من الغيبة فان اللّه عز وجل يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن اشياء ان تُبدَ لكم تسؤكم)، انه لم يكن احد من آبائي الا وقعت في عنقه بيعة لطاغية
____________________
(١) هو الثقة الثبت الورع الذي مراسيله في حكم المسانيد وقد اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه واقروا له بالفقه وكان (رضوان اللّه عليه) حليف السجدة الطويلة راجع ترجمته في مجالس المؤمنين والرجال الكبير.
زمانه، وإني اخرج حين اخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، واما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيَّبها عن الابصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما ان النجوم أمان لأهل السماء، فاغلفوا ابواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فان ذلك فرجكم والسلام عليك يا اسحاق بن يعقوب، وعلى من اتبع الهدى.
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفرعليهماالسلام ، قال: اذا فقد الخامس من ولد السابع فاللّه اللّه في اديانكم، ولا يزيلكم احد عنها، يا بني، انه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، انما هي محنة من اللّه عز وجل امتحن بها خلقه، ولو علم آباؤكم واجدادكم دينا اصح من هذا لاتَّبعوه، فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ قال يا بني عقولكم تصغر عن هذا وأحلاقكم(١) تضيق عن حمله ولكن ان تعيشوا فسوف تدركونه.
فصل علامات الظهور
روى الصدوقرحمهالله باسناده عن محمد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت ابا جعفرعليهالسلام يقول: القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر اللّه عز وجل به دينه ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب الا عمر، وينزل روح اللّه عيسى بن مريمعليهالسلام فيصلي خلفه، قال: فقلت له يا ابن رسول اللّه، متى يخرج قائمكم؟ قال اذا تشبه
____________________
(١) جمع حلق وهو مجرى الطعام وهي كنانة عن عدم سعة صدورهم ودرك عقولهم له.
الرجال بالنساء والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وركب ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور ورُدّت شهادات العدل، واستخف الناس بالدماء وارتُكب الزنا وأكل الربا، وأتّقي(١) الاشرار مخافة السنتهم(٢) وخرج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بان الحق فيه وفي شيعته، فعنذ ذلك خروج قائمنا، فاذا خرج اسند ظهره الى الكعبة واجتمع اليه ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، فاول ما ينطق به هذه الآية: بقية اللّه خير لكم ان كنتم مؤمنين. ثم يقول: انا بقية اللّه وحجته وخليفته عليكم، فلا يسلم عليه مسلم، الا قال السلام عليك يا بقية اللّه في ارضه، فاذا اجتمع اليه العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج فلا يبقى في الأرض معبود دون اللّه، عز وجل، من صنم ووثن وغيره الا وقعت فيه نار فاحترق، وذلك بعد غيبة طويلة ليعلم اللّه من يطيعه بالغيب ويؤمن به.
وبإسناده الى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، في حديث ابي بن كعب، الوارد في فضائل الأئمة،عليهمالسلام ، وصفاتهم واحداً بعد واحد، قال في آخره: وان اللّه جل وعز ركب في صلب الحسن، يعني العسكريعليهالسلام ، نطفة مباركة نامية زكية طيبة طاهرة مطهرة، يرضى بها كل مؤمن ممن قد اخذ اللّه عليه ميثاقه في الولاية، ويكفر بها كل جاحد، فهو إمام تقي نقي بار مرضي هادٍ مهديٍ أوله العدل وآخره، يصدق اللّه عز وجل ويصدقه اللّه في قوله، يخرج من تهامة حين تظهر الدلائل والعلامات، وله بالطالقان(٣) كنوز لا ذهب ولا فضة الا خيول
____________________
(١) بصيغة المفعول.
(٢) اقول الظاهر ان شيوع هذه المنكرات واذاعتها من علامات ظهوره بحيث غلبت هذه الفواحش في الناس لا ما وجدت نادرة.
(٣) طالقان: بفتح اللام. بلدتان، احداهما بخراسان بين مرو روذ وبلخ بينهما وبين مرو روذ ثلاث مراحل، قال الاصطخري اكبر مدينة بخراسان طالقان، والاخرى كورة وبلدة بين قزوين وابهر. بها عدة قرى.
مطهمة ورجال مسومة(١) يجمع اللّه عز وجل له من اقاصي البلدان على عدد اهل بدر ثلاثمئة وثلاث عشر رجلاً، معهعليهالسلام صحيفة مختومة فيها عدد اصحابه باسمائهم وانسابهم وبلدانهم وصنائعهم (طبايعهم خ د) وحلاهم(٢) وكناهم كدادون(٣) مجدون في طاعته، فقال له ابي: وما دلائله وعلاماته يا رسول اللّه؟ قال له: علم اذا حان وقت خروجه، انتشر ذلك العلم من نفسه، وانطقه اللّه تبارك وتعالى، فناداه العلم، اخرج يا ولي اللّه واقتل اعداء اللّه، وهما (خ د) رايتان وعلامتان وله سيف مغمد، فاذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده، وانطقه اللّه عز وجل، فناداه السيف اخرج يا ولي اللّه، فلا يحل لك ان تقعد عن اعداء اللّه، فيخرج ويقتل اعداء اللّه، حيث ثقفهم، ويقيم حدود اللّه، ويحكم بحكم اللّه تعالى، يخرج جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره وشعيب وصالح على مقدمته، سوف تذكرون ما أقول لكم، ولو بعد حين، وأفوض امري الى اللّه عز وجل، يا طوبى لمن لقيه وطوبى لمن احبه وطوبى لمن قال به، به ينجيهم اللّه من الهلكة، وبالإِقرار باللّه وبرسول اللّه وبجميع الأئمة، يفتح اللّه لهم الجنة، مثلهم في الأرض، كمثل المسك الذي يسطح ريحه، فلا يتغير ابداً، ومثلهم في الأرض، كمثل القمر المنير الذي لا يُطفأ نوره ابدا، قال أبي يا رسول اللّه، كيف بيان حال هؤلاء الأئمة، عن اللّه جل وعز؟ قال ان اللّه تبارك وتعالى انزل علي اثني عشر خاتماً واثنتي عشرة صحيفة، اسم كل امام على خاتمه وصفته في صحيفته.
قال شيخنا المفيدرحمهالله في الإِرشاد: قد جاءت الآثار بذكر علامات زمان قيام القائم المهديعليهالسلام وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات.
____________________
(١) أي معلمة بعلامة الايمان والعبادة.
(٢) أي ما اشتهروا به من الزي والحلية.
(٣) أي اتعبوا انفسهم في سبيله واجتهدوا في ارضائه وقبول طاعته.
فمنها: خروج السفياني، وقتل الحسيني، واختلاف بني العباس في الملك الدنيوي، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره، على خلاف العادات، وخسف بالبيداء، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وركود الشمس من عند الزوال الى وسط اوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل نفس زكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم حائط مسجد الكوفة، واقبال رايات سود من قبل خراسان، وخروج اليماني، وظهور المغربي بمصر، وتملكه الشامات ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، وطلوع نجم بالمشرق، يضيء كما يضيء القمر، ثم ينعطف حتى يكاد يلتقي طرفاه، وحمرة تظهر في السماء وتلتبس (تنتشر خ د) في آفاقها، ونار تظهر في المشرق طولاً وتبقى في الجو ثلاثة أيام او سبعة أيام، وخلع العرب اعنتها، وتملكها البلاد وخروجها عن سلطان العجم، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه، ودخول رايات قيس والعرب الى أهل مصر، ورايات كندة الى خراسان، وورود خيل من قبل المغرب حتى تربط بفناء الحيرة، واقبال رايات سود من قبل المشرق نحوها، وبثق في(١) الفرات حتى يدخل الماء ازقة(٢) الكوفة، وخروج ستين كذاباً كلهم يدعي النبوة، وخروج اثني عشر من آل ابي طالب كلهم يدعي الإمامة لنفسه، وإحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العباس بين جلولا وخانقين، وعقد الجسر مما يلي الكرخ بمدينة بغداد، وارتفاع ريح سوداء بها في اول النهار، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها، وخوف يشمل اهل العراق وبغداد، وموت ذريع فيه، ونقص من الأموال والانفس والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلات، وقلة ريع(٣) لما يزرعه الناس واختلاف صنفين من العجم، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم،
____________________
(١) انبثق الماء: أي انفجر وجرى (منه).
(٢) أي اسواقها وشوارعها.
(٣) الريع: الانتاج والمحصول.
وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم وقتلهم مواليهم، ومسخ القوم من اهل البدع حتى يصيروا قردة وخنازير، وغلبة العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء حتى يسمعه اهل الأرض، اهل كل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران من السماء، للناس في عين الشمس، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا الى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون، ثم يختم ذلك باربع وعشرين مطرة تتصل فتحيا بها (به خ د) الأرض بعد موتها وتعرف بركاتها، ويزول بعد ذلك كل عاهة من معتقدي الحق من شيعة المهديعليهالسلام ، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة ويتوجهون نحوه لنصرته كما جاءت بذلك الاخبار، ومن جملة هذه الاحداث محتومة، وفيها مشترطة، واللّه اعلم بما يكون، وانما ذكرناها على حسب ما ثبت في الاصول وتضمنتها الآثار المنقولة وباللّه نستعين واياه نسأل التوفيق.
اخبرني ابو الحسن، علي بن بلال المهلبي، قال: حدثني جعفر المؤدب عن احمد بن ادريس، عن علي بن محمد بن (عن خ د) قتيبة، عن الفضل بن شاذان، عن اسماعيل بن الصباح، قال: سمعت شيخاً من اصحابنا يذكر عن سيف بن عميرة، قال: كنت عند ابي جعفر المنصور فقال لي ابتداءً يا سيف بن عميرة، لا بد من مناد ينادي من السماء، باسم رجل من ولد ابي طالب، فقلت: جعلت فداك يا امير المؤمنين تروي هذا؟ قال إي والذي نفسي بيده لسماع اذني له، فقلت له: يا امير المؤمنين ان هذا الحديث ما سمعته قبل وقتي هذا، قال: يا سيف انه لَحَق، فإذا كان فنحن اول من يجيبه، أَمَا إن النداء لرجل من بني عمنا، فقلت رجل من ولد فاطمةعليهاالسلام ؟ فقال نعم يا سيف، لولا انني سمعت (سمعته خ د) من ابي جعفر محمد بن عليعليهالسلام يحدثني به، وحدثني به اهل الأرض كلهم، ما قبلته منهم، ولكنه محمد بن عليعليهماالسلام .
وروى يحيى بن ابي طالب، عن علي بن عاصم، عن عطا بن السائب، عن ابيه عن عبد اللّه بن عمر، قال: قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي، ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذاباً، كلهم يقول انا نبي.
حدثني الفضل بن شاذان، عمن رواه عن أبي جعفر الثمالي، قال: قلت لأبي جعفرعليهالسلام خروج السفياني من المحتوم؟ قال نعم والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس في الدولة من المحتوم، وقتل النفس الزكية محتوم، وخروج القائم من آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم محتوم، قلت وكيف يكون النداء؟ قال ينادي من السماء اول النهار: أَلا ان الحق مع عليّ وشيعته، ثم ينادى ابليس في آخر النهار الا ان الحق مع عثمان وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون.
فصل في ظهور القائم عليه السلام
فاما السَّنة التي يقوم فيها القائم، عليه وعلى آبائه السلام، واليوم بعينه فقد جاءت فيه آثار رويت عن الصادقَينعليهماالسلام :
روى الحسن بن محبوب عن علي بن ابي حمزة عن ابي بصير عن ابي عبد اللّهعليهالسلام قال لا يخرج القائمعليهالسلام إلا في وتر من السنين، سنة احدى او ثلاث او خمس او سبع او تسع.
الفضل بن شاذان، عن محمد بن علي الكوفي، عن وهيب بن حفض، عن ابي بصير، قال: قال ابو عبد اللّهعليهالسلام ينادى باسم القائمعليهالسلام في ليلة ثلاث وعشرين، ويقوم في يوم عاشوراء (السبت خ د) وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن عليعليهماالسلام ، لكأني به في اليوم العاشر من المحرم، قائماً بين الركن والمقام، جبرائيل عن (على
خ د) يمينه ينادي البيعة للّه فتصير اليه شيعته من اطراف الأرض تطوى لهم طياً حتى يبايعونه فيملأ اللّه به الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
وقد جاء الاثر بانه، عليه وعلى آبائه السلام، يسير من مكة حتى يأتي الكوفة فينزل على نجفها ثم يفرق الجنود منها في الامصار.
وروى الحجال عن ثعلبة عن ابي بكر الحضرمي عن ابي جعفرعليهالسلام قال كأني بالقائمعليهالسلام على نجف الكوفة قد سار اليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله والمؤمنون بين يديه وهو يفرق الجنود في البلاد.
وفي رواية عمرو بن شمر، عن ابي جعفرعليهالسلام ، قال: ذكر المهدي فقال يدخل الكوفة وبها ثلاث رايات قد اضطربت، فتصفو له ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، فاذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس ان يصلي بهم الجمعة، فيأمر ان يخط له مسجد على الغريّ، ويصلي بهم هناك، ثم يأمر من يحفر من ظهر قبر الحسينعليهالسلام نهراً يجري الى الغريين حتى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهته القناطر والارحاء فكأني بالعجوز على رأسها مكتل(١) فيه بر تأتي تلك الارحاء فتطحنه بلا كرى.
وفي رواية صالح بن أبي الاسود، عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: ذكر مسجد السهلة فقال أما انه منزل صاحبنا اذا قدم باهله.
وفي رواية المفضل بن عمر قال سمعت ابا عبد اللّهعليهالسلام يقول اذا قام قائم آل محمدعليهمالسلام بنى في ظهر الكوفة مسجداً له الف باب واتصلت بيوت اهل المكوفة بنهري كربلاء.
____________________
(١) المكتل والمكتلة: زنبيل من خوص.
فصل في صفاته عليه السلام
وقد جاء الاثر بصفة القائمعليهالسلام ، فروى عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، قال: سمعت ابا جعفرعليهالسلام يقول: سأل عمر بن الخطاب امير المؤمنينعليهالسلام ، فقال اخبرني عن المهديّ ما اسمه، فقال اما اسمه فان حبيبيعليهالسلام عهد الي ان لا احدث به حتى يبعثه اللّه، قال اخبرني عن صفته، قال: هو شاب مربوع حسن الوجه حسن الشعر (الثغر خ د) يسيل شعره على منكبيه ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته ورأسه بأبي ابن خيرة الاماء.
فصل سيرته واحكامه عند قيامه عليه السلام
واما سيرتهعليهالسلام عند قيامه وطريقة احكامه وما يبينه اللّه تعالى من آياته، فقد جاءت الآثار به حسب ما قدمناه فروى المفضل بن عمر الجعفي، قال: سمعت ابا عبد اللّه جعفر بن محمدعليهماالسلام ، يقول: اذا أذن اللّه تعالى للقائم في الخروج، صعد المنبر، فدعا الناس الى نفسه وناشدهم باللّه ودعاهم الى حقه، وان يسير فيهم بسنة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث اللّه جل جلاله جبرائيلعليهالسلام حتى يأتيه فينزل على الخطيم يقول الى أي شيء تدعو؟ فيخبره القائمعليهالسلام ، فيقول جبرائيل أنا أول من ابايعك، ابسط يدك فيمسح على يده وقد وافاه ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، فيبايعونه ويقيم بمكة حتى يتم اصحابه عشرة آلاف نفس، ثم يسير منها الى المدينة.
وروى محمد بن عجلان، عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: إذا قام القائمعليهالسلام دعا الناس الى الإِسلام جديداً، وهداهم الى امر قد
دثر(١) فضل عنه الجمهور وانما سمي القائم مهدياً لأنه يهدي الى أمر مضلول عنه ( قد ضلوا عنه خ د) وسمي بالقائم لقيامه بالحق.
وروى عبد اللّه بن المغيرة، عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: اذا قام القائم من آل محمدعليهمالسلام ، اقام خمسمئة من قريش، فضرب اعناقهم ثم أقام خمسمئة اخرى فضرب اعناقهم، ثم خمسمئة اخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات، قلت ويبلغ عدد هؤلاء هذا، قال نعم منهم ومن مواليهم.
وروى ابو بصير، قال: قال ابو عبد اللّهعليهالسلام : اذا قام القائمعليهالسلام هدم المسجد الحرام حتى يرده الى أساسه، وحول المقام الى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها بالكعبة. وكتب عليها هؤلاء سراق الكعبة.
وروى ابو الجارود عن ابي جعفرعليهالسلام ، في حديث طويل، أنه قال: اذا قام القائمعليهالسلام سار الى الكوفة فخرج منها بضعة عشر الف نفس يدعون البترية(٢) ، عليهم السلاح، فيقولون له ارجع من حيث شئت، فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتي يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة، فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها ويقتل مقاتلها، حتى يرضي اللّه عز وعلا.
وروى ابو خديجة، عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: اذا قام القائمعليهالسلام جاء بامر جديد، كما دعا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في بدء الإِسلام الى امر جديد.
____________________
(١) أي اندرس.
(٢) البترية بضم الباء: فرقة من الزيدية قائلون بامامة ابي بكر وعمر وان اخطأت الأمة في البيعة لهما مع وجود عليعليهالسلام لكنه خطأ ليس على درجة الفسق وتوقفوا في عثمان، ولعل المذكورين قوم من اعقابهم يسمون بهم، اذ من عقائد البترية بل مطلق الزيدية الخروج مع من ولده علي بن ابي طالب بادعائه الإِمامة.
وروى علي بن قبة، عن ابيه، قال: اذ قام القائمعليهالسلام حكم بالعدل، وارتفع في أيامه الجور وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، ورد كل حق الى أهله، ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الإِسلام، ويعرفوا بالإِيمان، اما سمعت اللّه سبحانه يقول: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً، وكرهاً، واليه يرجعون)، وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ،، فحينئذ تظهر الأرض كنوزها وتبدي بركاتها، ولا يجد الرجل منكم يومئذ موضعاً لصدقته، ولا لبره، لشمول الغنى جميع المؤمنين، ثم قال: إن دولتنا آخر الدول ولم يبق اهل بيت لهم دولة الا ملكوا قبلنا، لئلا يقولوا اذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا بمثل سيرة (بسيرة خ د) هؤلاء وهو قول اللّه تعالى والعاقبة للمتقين.
وروى ابو بصير، عن أبي جعفرعليهالسلام في حديث طويل، انه قال: اذا قام القائمعليهالسلام سار الى الكوفة، فهدم بها اربعة مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرُف(١) الا هدمها، وجعلها جُمّاً(٢) ووسع الطريق الاعظم، وكسر كل جناح(٣) خارج في الطريق، وابطل الكنف والمآزيب(٤) ولا يترك بدعة الا أزالها ولا سنة الا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين، كل سنة عشر سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل اللّه ما يشاء، قال: قلت له جعلت فداك، فكيف يطول السنين؟ قال يأمر اللّه تعالى الفلك باللبوث(٥) وقلة الحركة فتطول الأيام لذلك والسنون، قال: قلت له انهم يقولون ان الفلك ان تغير فسد قال ذلك قول الزنادقة، فاما المسلمون فلا سبيل لهم الى ذلك،
____________________
(١) جمع شرفة بضم الشين وهو من القصر ما اشرف من بنائه.
(٢) جمع اجم وهو البناء الذي ليس له شرف.
(٣) وهو ما خرج من البناء عن اصوله في الشارع.
(٤)الكنف: جناح الابنية، والمآزيب هي مجاري الماء من السطح.
(٥) أي التوقف.
وقد شق اللّه تعالى القمر لنبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورد الشمس من قبله ليوشع بن نونعليهالسلام ، وأخبر بطول يوم القيامة وأنه كالف سنة مما تعدون.
وروى جابر، عن ابي جعفرعليهالسلام ، انه قال: اذا قام قائم آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ضرب فساطيط(١) لمن يعلّم الناس القرآن، على ما انزل اللّه عز وجل، فاصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنه يخالف فيه التأليف.
وروى المفضل بن عمر، عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: يخرج مع القائمعليهالسلام من ظهر الكوفة سبع وعشرون رجلاً، خمسة عشر من قوم موسىعليهالسلام الذين كانوا يهدون بالحق، وبه يعدلون، وسبعة من اهل الكهف ويوشع بن نون، وسليمان، وابو دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه انصاراً وحكاماً.
وروى عبد اللّه بن عجلان عن ابي عبد اللّهعليهالسلام ، قال: اذا قام قائم آل محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم حكم بين الناس بحكم داودعليهالسلام ، ولا يحتاج الى بينة، يلهمه اللّه تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استنبطوه، ويعرف وليه من عدوه بالتوسم.
قال اللّه سبحانه ان في ذلك لآيات للمتوسمين وانها لَبِسَبيلٍ مقيم. انتهى.
ولنختم الكلام: بهذا الدعاء المروي عن الإِمام الهمام، موسى بن جعفر، صلوات اللّه عليه: (اللهم صل على محمد وآل محمد، وعلى منارك في عبادك، الداعي اليك باذنك القائم بأمرك، المؤدي عن رسولك، عليه وآله السلام، اللهم اذا اظهرته فانجر له ما وعدته، وسق اليه
____________________
(١) جمع فسطاط وهو البيت من شعر.
اصحابه، وانصره وقوّ ناصريه، وبلغه افضل امله واعطه سؤله، وجدد به عن محمد وأهل بيته،عليهمالسلام بعد الذل الذي قد نزل بهم، بعد نبيك فصاروا مقتولين، مطرودين، مشردين، خائفين، غير آمنين، لَقُوا في جنبك الاذى والتكذيب، ابتغاء مرضاتك، وطاعتك، فصبروا على ما اصابهم فيك، راضين بذلك مسلمين لك، في جميع ما ورد عليهم وما يرد اليهم، اللهم عجل فرج قائمهم بأمرك، وانصره وانصر به دينك، الذي غُيِّر وبدل، وجدد به ما امتحى منه وبدل بعد نبيكصلىاللهعليهوآلهوسلم ، اللهم صلِّ على جميع النبيين، والمرسلين الذين بلغوا عنك الهدى واعتقدوا لك المواثيق بالطاعة، اللهم صل عليهم وعلى ارواحهم واجسادهم والسلام عليهم ورحمة اللّه وبركاته).
وفيما رسمناه من موجز تاريخهمعليهالسلام ومختصر من اخبارهم كفاية فيما قصدناه، واللّه ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل. كتبه بيمناه الوازرة عباس بن محمد رضا القمي في ليلة الجمعة الآخر من شهر رمضان سنة ١٣٤٣ في المشهد المقدس على ساكنه السلام.
Contents
كلمة لا بدَّ منها ٣
(حياة المؤلف) ٥
(مؤلفاته) ٦
(رحلته وأحفاده) ١١
(موضوع هذا الكتاب) ١١
النور الأول.. (سيِّدنا ونبيُّنا وشفيع ذنوبنا رسول اللّه أبو القاسم) ١٧
فصل في وفاته صلى اللّه عليه وآله ٢٨
فصل في غسله صلى اللّه عليه وآله ٣٤
فصل في دفن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ٣٦
النور الثاني.. سيدة نساء العالمين وبضعة خاتم النبيين وام الأئمة الطاهرين فاطمة الزهراء ٤١
فصل في مناقب فاطمة عليها السلام ٤٦
فصل في وفاة فاطمة عليهاالسلام.... ٤٧
النور الثالث.. الامام الأول ابو الحسن امير المؤمنين علي بن ابي طالب صلوات اللّه عليه ٥٤
[فضائل أمير المؤمنين عليه السلام] ٥٥
فصل في قتل أمير المؤمنين عليه السلام ٦٠
النور الرابع.. الإِمام الثاني السيد الزكي ابو محمد الحسن بن علي بن ابي طالب سيد شباب اهل الجنة عليه السلام ٧١
فصل في مناقب الإِمام الحسن عليه السلام ٧٣
فصل في وفاة الإِمام الحسن عليه السلام ٧٥
النور الخامس.. الامام الثالث الشهيد المظلوم ابو عبد اللّه الحسين بن علي بن ابي طالب امام الانس والجن سيد شباب اهل الجنة عليه السلام ٨٢
فصل في مواعظ مولانا الامام الحسين عليه السلام ٨٥
فصل في استشهاد الامام الحسين وفضل زيارته عليه السلام ٨٨
النور السادس.. الامام الرابع ابو محمد عليّ بن الحسين زين العابدين سيّد الساجدين ومصباح المتهجّدين وقدوة المتقين عليه السلام ٩٠
فصل في مكارم اخلاق الامام زين العابدين عليه السلام ٩٦
فصل في ذكر نبذ من كلامه عليه السلام ٩٩
فصل في مدحه واستلامه الحجر الأسود عليه السلام ١٠٧
فصل في حلم علي بن الحسين وعفوه عليه السلام ١٠٩
فصل في وفاة الإِمام زين العابدين عليه السلام ١١٠
النور السابع.. الإِمام الخامس ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين باقر علم النبيين صلوات اللّه عليهم اجمعين ١١٣
فصل في احوال الإِمام ابي جعفر الباقر عليه السلام ١١٧
فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام ١٢٠
فصل في كلماته وحِكَمِه عليه السلام ١٢٢
فصل في وفاة الإِمام محمد بن علي الباقر عليه السلام ١٢٤
النور الثامن.. الإِمام السادس مولانا ابو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق الامين ينبوع العلم ومعدن الحكمة واليقين صلوات اللّه عليه وعلى آبائه وابنائه الطاهرين. ١٢٥
فصل في احوال الإِمام جعفر الصادق عليه السلام ١٢٧
فصل في نبذ من كلامه عليه السلام ١٣٠
فصل في مكارم اخلاقه عليه السلام واقرار المخالفين بفضله ١٣٣
فصل في احوال ابي عبد اللّه الصادق عليه السلام ١٣٦
فصل فيما جرى عليه عليه السلام من المنصور ١٣٩
فصل بأمر المنصور بالصادق عليه السلام ١٤٣
فصل في وفاته ووصيته عليه السلام ١٤٦
النور التاسع.. الإِمام السابع، ابو الحسن موسى بن جعفر الكاظم باب الحوائج الى اللّه تعالى العبد الصالح عليه السلام ١٥٠
فصل في معاجز طفولته عليه السلام ١٥٢
فصل في ذكر نُبذ من كلام موسى بن جعفر عليه السلام ١٥٥
فصل في عبادته وفقهه وكرمه عليه السلام ١٥٧
فصل فيما جرى عليه عليه السلام من الرشيد. ١٦١
فصل في وفاته عليه السلام ١٦٦
فصل في دفنه عليه السلام ١٦٩
فصل في استحباب زيارته عليه السلام ١٧١
النور العاشر.. الإِمام الثامن مولانا ابو الحسن علي بن موسى الرضا الضامن المأمول المرتجى بضعة سيد الورى صلوات اللّه عليه وعلى آبائه واولاده ائمة الهدى. ١٧٤
فصل في عبادته ومكارم اخلاقه ومعالي اموره عليه السلام ١٧٧
فصل في علمه عليه السلام ١٨١
فصل في ذكر طلب المأمون ابا الحسن الرضا عليه السلام من المدينة إلى المرو ١٨٤
فصل في ذكر ولاية العهد من المأمون للرضا عليه السلام ١٨٩
فصل في وفاة الرضا عليه السلام وسببها ١٩٣
فصل في استشهاد الرضا عليه السلام وثواب زيارته ١٩٩
«ختام». ٢٠٣
النور الحادي عشر الإِمام التاسع ابو جعفر الثاني محمد بن علي التقي امام كل عاكف وباد وحجة اللّه على جميع العباد صلوات اللّه عليه وعلى آبائه واولاده الامجاد ٢٠٥
فصل في طرف من الاخبار عن مناقب ابي جعفر الثاني عليه السلام ودلائله ومعجزاته ٢٠٩
فصل في ذكر بعض اخباره وبراهينه وبيناته عليه السلام ٢١٣
فصل في ذكر بعض كلامه عليه السلام ٢١٩
فصل في وروده الى بغداد وشهادته عليه السلام ٢٢٠
النور الثاني عشر.. الإِمام العاشر ابو الحسن الثالث عليُّ بن محمد النقي الهادي والبدر الباهر ذو الشرف والكرم والمجد والايادي صلوات اللّه عليه ٢٢٤
فصل في ذكر طرف من دلائل ابي الحسن الهادي عليه السلام واخباره وبراهينه وبيناته ٢٢٥
فصل في نبذ من كلامه عليه السلام ٢٣٤
فصل فيما جرى بين ابي الحسن الهادي عليه السلام وبين بعض خلفاء زمانه ٢٣٥
فصل في ذكر ما جرى بين علي الهادي عليه السلام والمتوكل وهجوم الاتراك عليه ٢٤٠
فصل في تاريخ وفاة ابي الحسن الهادي عليه السلام ٢٤٥
النور الثالث عشر.. الإِمام الحادي عشر ابو محمد الحسن بن علي العسكري ٢٤٨
وسبط سيد البشر ووالد الخلف المنتظر السيد الرضي الزكي صلوات الله عليه ٢٤٨
وعلى آبائه الكرام وخلفه خاتم الأئمة الاعلام ٢٤٨
فصل في ذكر طرف من اخبار ابي محمد عليه السلام ومناقبه وآياته ومعجزاته ٢٤٩
فصل في آيات ابي محمد الحسن العسكري عليه السلام وبراهينه ٢٥٣
فصل في ذكر بعض كلامه عليه السلام ٢٦١
فصل في وفاة وإقرار المخالف والمؤالف بفضل ابي محمد الحسن العسكري عليهالسلام.... ٢٦٤
النور الرابع عشر.. الإِمام الثاني عشر الحجة بن الحسن صاحب الزمان.. حجة اللّه على عباده، وبقيته في بلاده، الغائب عن الأبصار، والحاضر في قلوب الاخيار، كاشف الاحزان، وخليفة الرحمن، صلوات اللّه عليه وعلى آبائه ما توالت الازمان ٢٧٣
فصل في ذكر بعض النصوص عليه صلوات اللّه عليه ٢٧٨
فصل في ذكر طرف من دلائل صاحب الزمان عليه السلام وبيناته وآياته ٢٨٦
فصل في ذكر من رآه عليه السلام ٢٩٢
فصل في التمحيص والنهي عن التوقيت.. ٣٠٢
فصل في فضل انتظار الفرج. ٣٠٥
فصل في ذكر علة غيبته عليه السلام ٣٠٨
فصل علامات الظهور ٣١٠
فصل في ظهور القائم عليه السلام ٣١٥
فصل في صفاته عليه السلام ٣١٧
فصل سيرته واحكامه عند قيامه عليه السلام ٣١٧