من مدرسة الإمام علي (عليه السلام)

محمّد بحر العلوم



السيرة والتأريخ (٢)

مِنْ مَدْرَسَةِ الإمَامِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَلامُ)

مُحَمّد بَحْر العلوم

دار الزهراء (عليها السلام)

للطباعة والنشر والتوزيع

بيروت - لبنان


الطبعة الأولى

طبعت في بيروت - لبنان

١٣٩٣هـ - ١٩٧٣م

حقوق الطبع محفوظة للناشر


رنة عطرٍ ودنيا نورٍ

لمْ تكنْ هذه الصفوة المـُجاهِدة - التي أتَحَدَّثُ عنْها في هذا الكتاب - بحاجةٍ لأَنْ أكشفَ سرَّاً عنْها، كيف قدَّمتْ نفسَها قُرباناً في مِحراب العقيدة، فتأريخُها شامخٌ في حياة الإسلام.

ولمْ يكنْ عرضي لِسيْرتِهم العَطِرة، الغرض مِنْه التعريف بشخصيَّاتِهم الفَذَّة، والتمجيد بمآثرهم الخالدة، فقد سجَّلوا لأنْفِسِهم صفحة شَرَفٍ مُشْرِقَةً، لا تَبْلَى مدى الأيّام.

ولمْ يكنْ حديثي عَن الحُقْبة الزاخرة بالمآسي المحزنة، والأحداث الدامية التي عاشَهَا المـُخْلِصون لعقيدتهم بالشيء الجديد، على أسماع القُرَّاء، فقد كُتِبَ عَنْهم الكثير.

إنّما الحقيقةُ أبْعدُ مِنْ هذا كلِّه..

الصراع العنيف الذي يدور بين الخير والشر في العالم الإسلامي، يُهدِّد الأُمَّةَ بالفناء.

والتياراتُ الوافدة على الفكر الإسلامي - بِكُلِّ مآسِيها


وآلامِها وما تَعْقبَها مِنْ نتائجَ وخِيْمَةٍ - لها أَثَرُها الكبير على تَضْلِيْل الإنْسان المـُسْلِم وتَمْزيقِهِ.

والمدنيَّةُ الحديثةُ التي تزحف على المسلمين، لِتَمْتَصَّ قِيَمَهُم الأخلاقيَّة ومُثلهم العُلْيا، تُنْذِرُ بكثفات الخطر الزاحِف ومدى تأثيرِهِ في روحيّة الفَرْد والمـُجْتَمَع.

هذه العوامِلُ تَحمِلُ في طَيَّاتِها أكثرَ مِنْ خطرٍ وشرٍّ على المـُجتمع الإنْساني، في الوطن الإسلاميِّ الكبير.

وفي هذه الحال لابُدَّ مِن العمل الفعّال الجَمَاعِي، في مُحاولةٍ جَريْئةٍ لإخراج أنْفسِنا كمسلمين أوّلاً، وكأفْرادٍ للمـُجْتمع الإسلاميِّ ثانياً، مِنْ هذه الدوَّامَة وهذا الخطر.

وشيءٌ طبيعيٌّ، أنْ يكونَ العملُ غيرُ المنظّم، الذي لا يَبْتَنِي على إيمانٍ وصِدقٍ، وتَضْحيةٍ وفِداءٍ للقضيّة التي يعملُ مِنْ أَجْلِها، لا ينتهي إلى نتيجةٍ مَرْضِيَّةٍ.

وإذا كنَّا مُصَمِّمِيْنَ على حَمْل راية العمل، والزَحْف في المسيرة المقدَّسَةِ لمـُقابَلةِ الأعداء، فَلْتَكُنْ سيرةُ هذه الصفوة مِقْيَاسَاً لنا في أعمالِنا. ومتى استطعنا أَنْ نكونَ كما كانُوا، مِنْ صِدْقٍ وإيْمَانٍ لعقيدتِهم، ونَقِفَ كما وقفوا في سبيل قَضِيَّتِهم المـُقدَّسة، ونُضَحِّيَ كما ضَحَّوا بإخلاص مِنْ أجْلِ عقيدتِهم، فَحَتْمَاً سَنَصِلُ إلى غايتِنا المـُقَدَّسَة.

ولهذا فحديثي عَنْ هذه الصفوةِ المجاهدةِ، وعَرْضِي لسيرتِهم


العَطِرَة، ما هو إلاّ رسمٌ بَيَانِيٌّ للأُمَّةِ في حياتها الجهادية ومسؤوليّة أفرادِها القياديّة، وإذا وجَدْنا أنفسَنا على اسْتِعْدادٍ كاملٍ لنكونَ كهؤلاء، فَعِنْدَ ذاك يُمْكِنُ أَنْ نكونَ دعاةً صالِحِين في رسالةِ الدعوةِ المقدَّسَةِ، والعملِ الصالحِ، والتسديد مِن الله سبحانه.

بَعْدَ هذا:

أَمَلِي أَنْ أَكُونَ مَعَ القُرَّاء الكِرَام خفيفُ الظِل، وقد قَدَّمْتُ لهم - بالإضافةِ إلى ما سَبَقَ - نَمَاذِجَ حَيَّةً للأبطال، الذين كان لهم شَرَفُ الانتماء إلى (مدرسةِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام)). فَبَقِيَتْ ذِكْرَاُهم خالدةً، بِرَنَّة عِطْرٍ، ودُنْيَا نُورٍ.

ورجائي مِن العليِّ القدير أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِي لإتمام هذه السِلْسِلَةِ، ويساعد (دَارُ الزَهْرَاءِ) الغرّاء على مُواكَبَةِ المـَسِيْرَة الإسلاميّة، ويُوفِّق صاحبَها لتحقيق أَمَانِيْهِ، وهو مِنْ وراء القَصْد.

١/ ربيع الأول/ ١٣٩٣هـ

مُحَمَّد السيِّد عَلِي بَحْر العُلُوْمِ



عَمَّار بْن يَاسِر



- لِمَاذا يُعَذَّبُ هؤلاء يا أبتاه؟!

- إنَّ هؤلاء حَادُوا عَنْ آلهتِنا، ودَانُوا بغير دينِنا، واتبعوا محمّداً.

- محمّد.. ومَنْ هو محمّد يا أبتاه؟!.

- محمّد: فتى عبد المـُطَّلِب، يَتِيْمُ أبيه، فقيرُ قومِهِ. كَفَلَهُ عَمُّهُ أبو طالب، وتولَّى تربِيَتَه بَعْد جَدِّهِ، جَدُّهُ عبد المـُطَّلِب.

- وَلِمَ ذلك؟.

- لأَنَّ والدَهُ عبدالله تُوُفِّيَ عَنْه، وهو بَعْد لَمَّا تَكْتَحِل عَيْنَاه بِنَعِيْم الحياة.

- أبتاه، ماذا يريد هذا اليتيم؟ وبِمَاذا جَاءَ؟

- يُقَال: إنّه دعا إلى دينٍ: يُوجِبُ عبادةَ الله وحده، لا شريك له.

- وماذا في ذلك؟.

- ماذا في ذلك؟!، ذلك يعني أَنّ أصنامَنا يجب أَنْ تزولَ، حيث لا مبرِّرَ لوجودِها بَعْد.

- ثُمَّ ما يُرِيد بَعْدَ هذا ؟

- لا أدري، أراك كثيرَ الكلام، أُسْكُتْ، ولا تَتَحَدَّثْ


بهذا الحديث، بل تَنَاسَاه، نَعَمْ تَنَاسَاه يا بُنَي، فإنِّي أخشى عليك مِنْ عذابِ قُرَيْشٍ.

- يا أبتاه دَعْنِي أَتَقَدَّمُ لهذه الزمرة التي أخذَتْ بيدها مَكَاوِيَ الحديد؛ لِتَطْعَنَ بِحَرِّ نارها جلودَ هذه الأجساد الهَزِيْلَة، التي تَضَوَّرَتْ مِنَ الألم بين أيديها.

- حَذَارِ... حَذَارِ.

أُتْرُكْهُم يا ولدي، دَعْنَا وشَأْنَنَا، مَاَلَنا وهذه الأُمور؟.

هَيَّا بِنَا، هَيَّا... هَيَّا.

- لماذا لَمْ يتركوهم وشَأْنَهم، لِيَعْبُدُوا ما يَعْبُدُونَ؟

- أَجُنِنْتَ؟! كيف ترضى قُرَيْشٌ أنْ تُصَابَ آلِهَتُها بِالْبَوَار؟.

بني، إنّ خطر الإسلام على الجاهليّة عظيمٌ.

- يا أبتاه. رُحْمَاكَ، لي رَغْبَةٌ مُلِحَّةٌ في أَنْ أَذْهَبَ إلى محمّدٍ فَأَسْمَع مِنْهُ ما يُريد.

- لا.. لا... قالَها الأبُ، وهو يَزْأَرُ مِنَ الغضب، وَكَمَّ فَمَ وَلَدِهِ؛ كي لا يَسْتَمِرّ في الحديث.

ثم الْتَفَتَ يُمْنَةً ويُسْرَةً، وهو يخشى أنْ يَقِفَ أحدٌ على حَدِيْثَهُمَا.

ثم حاول أنْ يتحدّث، فَمَاتَتْ الكلماتُ على شَفَتَيْهِ، وهو يَرْتَعِدُ خوفاً ودهشةً.

- ما بِكَ يا أبتاه؟.


وغابَ الوالدُ في تفكيرٍ عميقٍ، وبَدَتْ عَلائِمُ الاستفهام جَلِيَّةً على قَسَمَاتِ وَجْهِهِ، تُرَى ماذا أصاب والدَه؟ فقد بدا في حالةٍ عصبيّةٍ لِلْغَايَةِ.

وَفَضَّلَ السكوت رَيْثَمَا تَهْدَأ حالةُ الشيخِ. ما إنْ رأى والَده قد عاد إلى صوابِهِ، واسْتَرْجَعَ وَضْعَهُ الاعتيادي، حتّى الْتَفَتَ إليه ثانِيَةً قائلاً:

أبتاه: هل تَعِدُنِي أنْ أَذْهَبَ إلى محمّد، أبتاه: يَحْدُونِي مَيْلٌ شديدٌ لأَنْ أعرفَ أهدافَ دعوتِه، ولأتَبَيَّنَ حقيقة خطرها على آلهة قُرَيش.

انتفض الأب مِنْ مكانه، وهو يضطرب مِنَ الخوف والوَجَلِ وصَاحَ بِوَلَدِهِ: دَعْنَا نسير، دَعْنَا نَذْهَب إلى البيت، لنستريح مِنْ شَرِّ هذا اليوم.

وفي طريق عودتِهِما إلى البيت مَرَّا على جماعةٍ تَحْمِلُ السياطَ وتَلْهَبُ بها ظهورَ ثلاثةِ أشخاصٍ مِنْ بينهم امرأةٌ واحدةٌ، وقد تَجَمْهَرَ عليهم جمعٌ يَتَضاحكون ويَتَصايَحون.

يا عمّار: أينَ رَبُّ محمّد لِيُنْجِيْكَ مِنْ هذا العذاب؟... قالها أحدُهم ساخِرَاً، وكان أحدُ الجَلاوِزَةِ المـَوْكُولِيْنَ بالتعذيب.

وعمّارٌ كالحديد يَتَدَرَّع بالإيمان، ويتحلّى بالصبر، عيناه شاخِصَتَان إلى السماء، وشَفَتَاهُ تَلْهَجَان( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) .


وما أنْ سَمِعَ أبو جَهْلٍ هذه الكلمات، تَرُفّ على شفاه عمّار، حتّى هَجَمَ عليه ثانِيَةً - والغضب يتطاير شرره مِنْ عينيه - وانْقَضَّ على عمّار يفتحُ فَكَّيْهِ لِيَقْطَعَ لسانَه، لقد هَالَهُ أنْ يسمعَ مِنْهُ هذه الكلماتِ.

فيَسْتَقْبِلُهُ بعضُ أصحابه، وهم يتضاحكون...

وتقبل الرجلُ مِنْ زمرته شكرَهم، وعيناه لا يرفَعُها عَنْ هذه الأجساد الثلاثة المطروحة بين أيدي جلاوزته، تَلْهَبُهَا سِيَاطُهُم المـَحْمُومَةُ، وتُمَزِّقَهُم حِرَابُهُم الحاقِدةُ.

ويَلْتَمُّ شملُ الصفوة الخَيِّرَة مِنَ المسلمين في حَلَقَةٍ تضمُّ نبيِّ الرحمة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو يُعِيد على أسماعهم آياتٍ مِنْ كتاب الله المجيد.

كانَ العددُ لا يتجاوزُ الأصابِعَ، وقد تعذَّر حضورُ ياسر وزوجتِهِ، وَوَلَدِهِمَا عمّار، حيثُ أنَّ عذاب المشركين كان لا يزالُ يَنْصَبُّ عليهم صَبَّاً، دون رحمةٍ ولا شَفَقَةٍ.

ويَعْلَمُ الرسولُ بِكُلِّ ما يجري على هذا النَّفَر المـُسْتَضْعَف مِنْ أصحابِهِ، فَلَمْ يملِكُ لهم مِنَ الأمرِ إلاّ أنْ يرفعَ يدَه للدعاء ((مَنْ عَادَى عَمَّارَاً عَادَاهُ اللهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارَاً أَبْغَضَهُ اللهُ)).

ولمْ يَقِفْ عذابُ القوم عِنْد حَدٍّ، فقد فاقَ كلَّ وَصْفٍ، وكانَ عمّار سابِعُ مَنْ أَسْلَمَ وآمَنَ بدعوة محمّد، وكان عذابُ الجاهليّة يتفاقمُ عليه، كُلَّما رأتْ أَنَّ هذا الرجل قد تَدَرَّعَ بالصبر.


ولكنّ عمّاراً كان ولا يزال فوق هذه الهَمَجِيَّة مِنَ العذاب، فقد تحدّاها بِقُوّة أعلى مِنْ أَنْ تَنْهَار على دَكَّة المشركين، إنّما هي صلابة الإسلام، وإيمانُ محمّد، تَبْعَثَانِهِ على التفاني في سبيل عَقِيْدَتِهِ.

كان عمّارٌ حليفاً لبني مخزومٍ، وكان يرجو أَنْ ينالَ مِنْ محالَفَتِهِ هذه بعضَ الراحةِ والطمأنينةِ، ولكنّ بني مخزومٍ هي التي قَدَّمَتْهُ قُرْبَانَاً مُقَيَّدَاً إلى بِسَاط التعذيب على يد المشركين مِنْ أمثالِ أبي سُفْيَان، وَعُتْبَة، وأبي جَهْلٍ، وغيرهم.

ونادى مُنَادِي المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، فقد أصبح شبحُ الموتِ أقربُ مِنَ الظِّلِّ إلى أصحاب رسول الله، وكانَ عمَّارٌ أحدَ أفراد هذه القافِلَة الصغيرة مِنْ رجال الإسلام.

وَرَمَقَ الركبَ - وهو يَجِدُّ سيرَه حثيثاً؛ ليبعد عَنْ واقعِ الظالمين - أحدُ أعوان الزمرة والطاغية، فَذَهَبَ وأشاعَ النبأَ لدى القومِ، وَهُمْ في فَنَاءِ البيت:

أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَكْبَاً - مِنْ أَصحاب محمّد - قد غادرَ أبوابَ مَكَّةَ، وسوف يَهْرُبُ ويَفْلِتْ مِنْ بينِ أَيْدِيْنَا، وحاول البعضُ أنْ يقوم بما يلزم مِنْ عَرْقَلَةِ سَفَر هذه الصفوة، وَلَكِنْ هيهاتَ فقد سَلِمَ الركبُ بنفسه مِنْ أَنْ يَقَعَ فَرِيْسَةً لدى الأعداء.

وفي مساءٍ رائعٍ - رائعٌ بعبير التضحيات - وَدَّعَ عمّارٌ البقِيَّةَ الباقِيَةَ مِنْ أهل بيته بعد أنْ قُتِلَ أبواه في ساحة التعذيب وترك المدينةَ.

ترك المدينةَ بُرْهَةً مِنَ الزمَنِ، ولكنّ ذِكْرَى إِنْسَانِيَّة محمّد


لَمْ تُبَاِرحْ مُخَيَّلَتِه، وآياتُ الله البيِّنات تَمُورُ في أجواء نفسه وتنطوي الأيّام عَجْلَى، وانْطَوَتْ معها الصفحةُ مِنَ الذكريات ولكنّها عادتْ حيّةً مَنْشُورةً بعد زمانٍ، زمانٍ قليلٍ، بعد أنْ عاد أصحابُ الرسول مِنَ الحبشة إلى يثرب، مدينةِ الرسولِ.

عادوا وأكاليلَ الغارِ تُتَوِّجُ حياتَهم، وأَعْلام النصر تَرَكَّزَتْ في رُبُوْعِهِم.

وعمّارٌ... ذلك الرجل الذي استمرّ طيلةَ حياتهِ يُدافِعُ ويُنَافِحُ عَنِ الإسلام، ويَذُبُّ عَنْ كيانِهِ بجهادٍ متواصلٍ، ينتظرُ - وهو على موعد -.

ينتظرُ اللحظةَ الحاسمةَ - التي خَلّدَتْ وجودَه - مِنْ حياته وهو يردِّدُ دائماً قولَ الرسول:

((يَا عَمَّارُ آخِرُ شَرَابٍ لَكَ مِنَ الدُنْيَا ضَيَاحٌ مِنَ اللَبَنِ)).

وترتبِطُ حياةُ الصحابيِّ الجليل بعليّ بنِ أبي طالبٍ ارتباطاً وثيقاً، فقد كانتْ كلماتُ الرسولِ الأعظم خالدةً في ابن عَمِّهِ وَرَفِيْقُ دَعْوَتِهِ، وهي تَنْفُذُ إلى أعماق الإنسان كَنُوْرِ الفجرِ وَسَحَرِ المـَطَرِ..

((يَا عَلِيُّ: لا يَعْرِفُ اللهَ إلاّ أنَا وَأَنْتَ، وَلا يَعْرِفُنِيْ إلاّ اللهُ وأَنْتَ، ولا يعرفك إِلاّ اللهُ وَأَنَا)).

وتَرُفُّ هذه الكلماتُ الزاهرةُ نَدِيَّةً في أُذُنَيْهِ، وَيَسْتَوْعِبُ تفكيرُه النَيِّرُ هذا القول: ((وَلا يَعْرِفُكَ - يا علي - إِلاّ اللهُ وأَنَا)).

ولماذا لا يكونُ مِنْ عليٍّ بمنزلة العِطْرِ للوَرْدِ، والشروق


للأمل.. وهو الذي تقول عَنْهُ عائشةٌ: (ما مِنْ أَحَدٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشاءُ أَنْ أَقُوْلَ فيه إِلاّ قُلْتُ، إِلاّ عمّار بن ياسر، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: ((مُلِئَ عمَّارٌ إِيْمَانَاً إِلَى أَخْمَصَ قَدَمَيْهِ)) ).

ولم تكنْ هذه الصِلَةُ بِالْحَدِيْثَةِ بعد رسولِ اللهِ، كلا، فَعَمَّارٌ كانَ مع رسول الله في كلِّ حُرُوْبِهِ، وفي كلِّ أيَّامِهِ، وكانَ يسمعُ عندما يقولُ كلمةً عَنْ عَلِيٍّ فيحفظها، وعندما يَشْهَدُ عليَّاً وهو يخوضُ غِمَارَ الموت في سبيل الدعوة بإيمانٍ وعقيدةٍ، فَتَنْسَابُ الشهادةُ مِنَ الرسولِ في حَقِّهِ، فَيَلْقَفُهَا عمّارٌ وِسَامَاً لا يعلوه وسامٌ.

وعليٌّ لمْ يكنْ أقلَّ مَعْرِفَةٍ بِعَمَّارٍ مِنْ غيره.. فقد مَلَئَ هذا الرجلُ المـُجَاهِد الصابِر المـُمْتَحَن قلبَه وإعْجابَه.. وليس بالغريب أنْ يُصْبِحَ أبو اليقظان مِنْ أصحابه أكثرَ قُرْبَاً، وأَشَدَّ الْتِصَاقَاً لعليٍّ، وصيِّ رسول الله، وإمام المسلمين..

واقتطعتْ السنون مِنْ أيّامِها حُلْوِهَا وَمُرِّهَا، خيرِها وشرِّها، وعمّارٌ في خِضَمِّهَا صَلْدَاً لا تَهُزُّهُ الأحداث، ولمْ تَجْرُفْهُ الإغراء، وإذا مَرَّتْ به أيّام محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صَعْبَةُ المِرَاس لاقى في سبيل الدعوة كلّ أنواعِ التعذيب والأذى، حتّى ذَكَرَ أنَّه: (كان يُعَذَّبُ حتّى لا يَدْرِي ما يقول). فإنّ أيّامَ عليٍّ (عليه السلام) لَمْ تَكُنْ أقلَّ مِنْهَا مِحْنَةً. مِنْ يَومِ أَنْ غَمِضَتْ فيه عينُ الرسولِ، حتّى يوم استشهد في ساحةِ صِفِّيْن. وكان مع هذا كلِّه يُمَثِّلُ الإنسانَ المـُجَرِّبَ


والفكر الوقّاد، والشخصيّة الفذَّة، لا تأخُذُهُ في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.. وقد وقف فيها إلى جانِب إمامه؛ يفتح في نفسه أُفُقَاً رائِعاً لأَبْعَادِهِ الكريمة، ومِنْ فِكْرِهِ، رَأْيَاً صائِبَاً لِمَا تقتضيه مصلحةُ الإسلام..

إنّه امتحانٌ عسيرٌ تَمُرُّ به الصفوةُ الطيبة مِنْ هؤلاء الأَفْذَاذ، الذين اتخذوا مِنْ عليٍّ - بعد الرسول الأعظم - مدرسةً تُنِيْرُ لهم الطريقَ، وتُبَدِّدُ لهم حُلْكَةَ المسيرة..

وإذا زهدَ عليٌّ في هذه الدنيا، بحيث لم يُعْطِها مِنْ نفسه قُلامَةَ ظِفْرِهِ، فقد كان عمّارٌ على هذا الخطِّ، عندما وُلِّيَ الكوفة في عهد عمر بن الخطاب، سار فيها سَيْرَاً لنْ تَجِدَهُ إلاّ عند أمير المؤمنين (عليه السلام) مِنَ العدل، وإحقاق الحق، ومكافحةِ الباطلِ وعدم الاهتمام بِمَظْهَرِ الدنيا، حتّى يقول الراوي، وهو مِنْ أهل الكوفة: (رَأَيْتُ عَمَّارَ بن ياسر، وهو أَمِير الكوفة يشتري مِنْ قِثَّائِهَا، ثُمّ يربِطُهَا بِحَبْلٍ ويَحْمِلُهَا فوق ظهره، ويمضي بها إلى داره)!!!.

ولَمْ يَكُنْ عسيرٌ على عمّار أنْ يَتَجَبَّرَ وَيَتَكَبَّرَ، ويمشي خلفه الخَدَمُ والحَشَمُ في الكوفة وهو والي الكوفة، وأمير الجيش، ومُقَرِّبُ الخلفاء، لكنْ لَمْ يكنْ هذا أبداً.. فهو مِنْ مدرسةِ ذلك الإمام الذي يقول للدنيا غُرِّي غَيْرِي، أَمَّا هو فَفِيْ ذاتِ الله خَشِنٌ.. ويعملُ ويأكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، ولا تَطْمَعُ نفسُهُ إلى بيضاء وصفراء..


وطلعتْ شمسٌ، وغَرُبَتْ شمسٌ، وعلى الشفاهِ أكثرُ مِنْ سُؤَال؟ مَتَى تَتَحَقَّقُ نبوءةُ الصادقِ الأمينِ، وهو( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى‏* ) .

((وَيْحَ ابْنَ سُمَيَّة، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَةُ)).

وتبقى هذه الكلمةُ الخالِدةُ في آذان المسلمين حَيَّةً، تنتظر اللحظةَ الحاسمة.. وعمّار قد ذَرَفَ على التسعين مِنْ عُمُرِهِ، أو تجاوزها بِقَلِيْلٍ. والأيّام حافلةٌ بالحوادث، وكلّ يومٍ له فيه حسابٌ.

ولكنّه يومٌ ولا كالأيّام، يَزْخَرُ بالأَحداث ويمطر بالمآسي.. فمعاوية بن أبي سفيان قد دفعتْه الغيرةُ المـُفْتَعَلَةُ للأَخْذِ بِثْأرِ عثمان ولمْ تكنْ الحقيقةُ، إنّما هو التضليلُ للسُذَّجِ مِنَ الناس.

ولمْ يكنْ الواقعُ إلاّ ما قَالَهُ أبوه بالأمس، حينما تولَّى الخلافةَ عثمان، وَالْتَفَّ حوله مِنَ الأَمويين: يَخْضِمُونَ مالَ اللهِ خَضْمَ الإبِل، فَيَلْتَفِتُ أبو سفيان، وقد أرهقتْه السنون وأتْعَبَهُ الحقدُ، يقول لآله المجتمعين حول الخليفة: فوالّذي يَحْلِفُ به أبو سفيان لا جَنَّةَ ولا نَارَ، تلاقفوها يا بَنِي أُمَيَّة.

ومعاوية على هذا الأساس خطَّطَ، وفي هذا الضوء سار.. واليوم قد حان فيه الانقضاض، وعليٌّ بيده الخلافةُ، وهو يعلمـُ أَنّ ابن أبي طالبٍ صَعْبُ المِرَاس لمْ يخضع للعاطِفَة، ولا يَنْقاد للمـُقْتَضَيَات، والناس لا يسعدهم هذا اللون مِنَ المسيرة، فَلْيَقْتَطِفْ المناسبةَ، ويَسْتَغِلْ الفرصةَ، وَوَقْتَهَا حَانَ.


وَلْيرفع شعارَ (يا لِثَأْر عثمان) وليكنْ مِنْ قميصه المـُدْمَى ما يُعْلِنُ الحربَ ويُلْهِبُ الفتنةَ، ويُثِيْرُها عِجَاجَةً تأكلُ الأخضرَ واليابسَ.

وفِعْلاً كانَ مَا أَرَاد..

وعمّار، وأَمْثَال عمّار لمْ يكونوا بالسُذَّج ولا المـُغَفَّلِيْنَ، فقد عَرِفُوا الحقيقةَ الكامِنَةَ وراء ثورةِ طاغِيَةِ الأَمَوِيِّيْنَ، فالحقد الدفِيْن بين الهاشميين والأمويين لمْ تخمدْهُ الأَيّامُ، فهي جذوةٌ تأْكُلُ قلوبَ الحاقِدِين، وتَمْتَصُّ رُؤَاهُ.

وإذا كانتْ (صفينٌ) بعد حَفْنَةٍ مِنَ الأيّام، مرّت ثقيلةَ السير مَكْدُودَةَ الضوء، فقد تَفَتَّحَتْ الجِرَاحُ شموخاً، وَتَعَمْلَقَ الجِهاد عُنْفَاً.. وليس غير السيف بين هذين المـُعَسْكَرَيْنِ حَكَمَاً.

ويَقِفُ عمَّارٌ - وهو الرجل الذي واكَبَ الأحداث، وعرف مقاصِدَها بِكُلِّ رَوِيَّةٍ - وسط قومه خاطِبَاً، ومُوَجِّهَاً:

(انهضوا معي عباد الله إلى قومٍ يزعمون أنّهم يطلبون بِدَمِ ظالمٍ، إنّما قتله الصالحون المـُنْكِرُونَ للعُدْوَان، الآمرون بالإحسان. فقال هؤلاء الذين لا يُبَالُونَ إِذا سَلُمَتْ لهم دنياهم ولو دُرِسَ هذا الدين: لِمَ قَتَلْتُمُوه؟ فقلنا: لإحداثه، فقالوا: إنّه يُحْدِثُ شيئاً، وذلك لأنّه مَكَّنَهُم مِنَ الدنيا، فهم يأكلونها ويَرْعَوْنَهَا ولا يُبَالون لو انْهَدَمَتْ الجبالُ.

والله ما أظنُّهم يطلبون بِدَمٍ، ولكنّ القومَ ذاقوا الدنيا فاسْتَحَلُّوْهَا، واستمرؤها وعلموا أنّ صاحب الحق لو وَلِيَهُم لَحَالَ بَيْنَهُم وبين ما يأكلون ويَرْعَونَ مِنْها.


إنّ القوم لمْ يَكُنْ لهم سابقةٌ في الإسلام يستحِقُّون بها الطاعةَ والولايةَ، فَخَدَعُوا أتباعهم بأَنْ قالوا: قُتِلَ إمامُنَا مَظْلُومَاً، لِيَكُوْنُوا بِذلك جَبَابِرَةً وملوكاً، تلك مكيدةٌ قد بَلَغُوا بها ما تَرَوْنَ، ولولاها ما بَاَيَعُهم مِنَ الناس رجلٌ..

اللهمَّ إنْ تَنْصُرْنَا فَطَالَمَا نَصَرْتَ، وإنْ تَجْعَل لَهُمُ الأَمْرَ فَادَّخِرْ لهم بِمَا أَحْدَثُوا لِعِبَادِك العذابَ الأَليم...

ثمّ سَكَتَ بُرْهَةً، وَدَنَا مِنْ عمرو بن العاص، فقال: يا عمرو بِعْتَ دِيْنَك بمصر، فَتَبَّاً لَكَ! وطالما بَغَيْتَ للإسلام عِوَجَاً..

ثمّ قال: (اللهُمَّ إنّك تَعْلَمُ أَنِّي لو أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاكَ في أَنْ اقْذِفَ بنفسي في هذا النهرِ لَفَعَلْتُ..

اللهمّ إنَّك تعلمـُ أَنّي لو أعلم أَنَّ رِضَاك أنْ أَضَعَ ظُبَةَ سيفي في بَطْني، ثمّ انْحَنِي عليه حتّى يخرج مِنْ ظَهري لَفَعَلْتُ..

اللهمّ إنِّي أعلمـُ مِمَّا عَلَّمْتَنِي أَنِّي لا أَعْمَلُ عَمَلاً صالِحاً هذا اليوم هو أرضى مِنْ جِهاد هؤلاء الفاسِقين، ولو أَعْلَمُ اليوم عملاً هو أَرْضَى لك مِنْهُ لَفَعَلْتُه)..

ثمّ صَفّ جيشّه، ورفع رايتَه، وهو يُرْسِلُ نَظَرَاتِهِ في جيش الشام، والقوم حولَه مُنْصِتُونَ، ويَهُزُّ رَايَتَه، وَيَصِيْحُ ، وكَرِيْمَتُهُ البيضاء تَزِيْدُ في هَيْبَتِهِ:

(والّذِي نفسي بِيَدِهِ.. لقد قَاتَلْتُ بهذه الراية مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وها أَنَا ذَا أُقَاتِلُ بِهَا اليوم...

والّذي نفسي بِيَدِهِ.. لو ضربونا بِأَسْيَافِهِم، حتّى يَبْلُغُوْنَا سَعَفَاتِ هَجَرٍ، لَعَلِمْنَا أَنّا على حَقٍّ، وأنَّهُم على بَاطِلٍ).


وزَحَفَ إلى الحرب، يَرِفُّ بِرَايَتِهِ، وهو يجول وسطَ المعارِك، ويقول: إنَّ يومي لَقَرِيْبٌ..

ولَمْلَمَتْ الشمسُ أبْرَادَهَا على صورةٍ عنيفةٍ مِنَ الجهاد بين الحق والباطل في صِفِّيْن، ويسقط عمّارٌ مُضَرَّجَاً بدمائه، مُتَوَّجاً بجراحِهِ، وهو يطلب الماء، وَقُدِّمَ إليه ضَيَاحٌ مِنْ لَبَنٍ..

فصاح عمّارٌ، وهو في غَمْرَةِ الفرحة - وَإنْ كانَ يُصَارِعُ المـَوتَ - :

(صدق حبيبي رسولُ الله، آخر شرابي مِنَ الدنيا ضَيَاحٌ مِنْ لَبَنٍ، ما أسعدني، وأنا أموتُ على الحقِّ، وعدوِّي على الباطِل).

وتَقِفُ أَنْفَاسُ البطلِ المجاهدِ في ساحةِ الجهادِ. ويَخْتِمُ الجُنْدِيُّ الباسِلُ حياتَه بينَ يَدَي العقيدة، رَبَطَ حاضِرَهَا بِمَاضِيهَا وطَرَّزَ سِلْسِلَتَهَا الزمنيّة بِكُلِّ ما يُشَرِّفُهَا.

بالأَمْسِ بَدَأَ الكفاحُ بين يَدَيْ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويختم اليوم البطولةَ بين يَدَيْ عَلِيٍّ (عليه السلام).. وهكذا تلتقي السلسلة، وهي وحدةٌ تُمَثِّلُ رائِعَ البطولةِ، وصدقَ الفِدَاءِ.

وتبقى ذِكْرَاهُ الغاليةُ - في البطولة والتضحية - نورٌ يستضيءُ به السائرون في رَكْبِ الكفاح عَنِ العقيدةِ.

( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ ) . صدق الله العلي العظيم.


مَالِكُ الأَشْتَر



كانَ مَجْلِسُ معاوية في هذه الليلة على غيرِ انتظامٍ، فقد كانتْ تسودُهُ الكآبةُ، ويبدو على معاوية شيءٌ مِنَ الاضْطِرَاب، وحَوْلَه أشياعُهُ وَمُرْتَزِقَتُهُ، وقد طفح عليهم الوُجُوْمُ، لقد أَحْكَمُوا الخُطَّةَ في إثارة الناس في مصر على وَالِي الإمام عَلِيٍّ (عليه السلام) محمّد بن أَبي بكر، بِحُجَّةِ الثأْرِ إلى دَمِ عثمان، حتماً سينتهي الأَمرُ بِقَتْلِ الوالي.

لكنَّ النتيجةَ لمْ تُسْعِدْ معاويةُ بِقَدَرِ مَا أَرْبَكَتْهُ، فهو وإنْ كان قد خَطَّطَ لِقَتْلِ أَحَدَ السواعِد الشامِخَة لِعَلِيٍّ (عليه السلام) محمَّد بن أبي بَكْر، لكنْ ما ترامى إليه مِنَ الخبر أَخَذَ يَقَضُّ مَضْجَعَهُ.

فقد عرف أَنّ عليّاً (عليه السلام) قَرَّرَ إرسال مالك الأَشتر إلى مصر ليحميها مِنْ سَطْوَةِ مُعَاوِيَةَ وكتب إليه كتاباً جاء فيه:

((أَمَّا بَعْدُ فَإنَّكَ مِمَّنْ أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّيْنِ، وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الأَثِيْمِ وَأَسُدُّ بِهِ الثَغْرَ المـَخُوْفَ، وَقَدْ كُنْتُ وَلَّيْتُ مُحَمَّد ابْنَ أَبِيْ بَكْرٍ مِصْرَ (فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ خَوَارِجٌ..)).

ضَاقَ معاويةُ بِهَذَا البِنَاءِ؛ وَجَمَعَ أَهْلَ الرأْي مِنْ أَصْحَابِهِ؛ لِيُوَحِّدُوا رَأْيَهُم في هذا الموضوع، فإنَّ تَوْلِيَةَ الأشتر أَهَمُّ بكثير مِنْ أَمْرِ محمّد.. وهو بَعْد لَمْ يَغْرُبْ عَنْ بَالِه مَوْقِفُهُ أَمْس في صِفِّيْن وبلاءُه، وتضحيتُهُ، وتَفَانِيْهِ في سبيل الحقِّ.

كما لَمْ تَغْرُبْ عَنْه خطبتُهُ في ذلك اليوم، وهو على فَرَسٍ أَدْهَم


وقد استعد للقتال، وَبَعْدَ أَنْ حَمَدَ اللهَ وأَثْنَى عليه قال:

(ثُمَّ قد كانَ مِمَّا قضى اللهُ سبحانَهُ وقَدَّرَ، أَنْ سَاقَتْنَا المـَقَادِيْرُ إلى أهلِ هذه البلدةِ مِنَ الأرض، فَلِفْتَ بيننا وبينَ عدوَّ اللهِ وعدوِّنَا، فنحنُ بحمدِ اللهِ ونِعَمِهِ وَمَنِّهِ وَفَضْلِهِ، قريرةَ أَعْيُنِنَا، طيِّبَةً أَنْفُسِنَا، نرجو بقتالهم حُسْنَ الثواب، والأمنَ والعِقَابَ، مَعَنَا ابنُ عَمِّ نَبِيِّنَا، وسيفٌ مِنْ سيوفِ اللهِ عَلِي بن أبي طالبٍ، صلى مع رسول الله، لمْ يسبِقْه إلى الصلاة ذِكْرٌ، حتّى كانَ شيْخَاً لمْ تكنْ له صَبْوَةٌ، ولا نبوةٌ، ولا هَفْوَةٌ، ولا سِقْطَةٌ. فقيهٌ في دينِ اللهِ تعالى، عالِمٌ بحدودِ اللهِ، ذو رأي أَصِيْلٍ، وصبرٍ جميلٍ، وعفافٍ قديمٍ. فاتَّقُوا اللهَ، وعليكم بالحَزْمِ والجِدِّ. واعلَمُوا أَنَّكم على الحقِّ، وأَنَّ القومَ على الباطل، إِنَّمَا تُقَاتِلُوْنَ معاويةَ، وأَنْتُمْ مع البَدْرِيِّيْنَ، وقريبٌ مِنْ مِائة بَدْرِي سِوَى مَنْ حولَكم مِنْ أَصْحَابِ محمّد، أكثرُ ما مَعَكُمْ راياتٌ قد كانتْ مع رسولِ اللهِ، فما يَشُكُّ في قِتَالِ هؤلاء إلاّ مَيِّتُ القلبِ، أنْتُمْ على إحْدَى الحُسْنَيَيْن: أَمَّا الفتحُ، وأَمَّا الشهادةُ، عَصَمَنَا اللهُ وَإِيّاكُمْ بِمَا عَصَمَ به مَنْ أَطَاعَهُ واتقَاهُ، وأَلْهَمَنَا وإيّاكُم طاعتَه وتَقْوَاهُ، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم).

أبداً لَمْ تَغْرُبْ عَنْ ذهن معاويةَ هذه الخطبة، وأمثالها، تلك التي هَدَرَ بها ابن الأَشتر مَحَرِّضَاً المسلمين، على معاويةَ ودافِعَاً على قِتَالِهِ، لأَنّه يعتقد جازِمَاً أنّه على الحقِّ، وأَنّ مَنْ يُعَادِي إمامَه على الباطلِ.


مالِكُ الأشتر مِنْ الأَفراد القلائل الذين حملوا رايةَ الجهاد بإخلاصِ عقيدةٍ ضدَّ معاويةَ، ولمْ يكنْ بالجديد هذا مِنْه. فهو مِمَّنْ شايَعَ عَلِيَّاً، وصَاحَبَهُ، واختَصَّ بِهِ مِنْ يومِهِ الأَوّل.

وهو الذي يتحدّث في يومٍ مع أخيه، في عقيدة عمّارٍ بنِ ياسرٍ في فضل عليٍّ، وَيَذْكُر قَوْلَ الرسولِ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه.

((يَا عَلِيُّ: لا يَعْرِفُ اللهَ إلاّ أَنَا وَأَنْتَ، وَلا يَعْرِفُنِيْ إِلاّ اللهُ وَأَنْتَ، وَلا يَعْرِفُكَ إِلاّ اللهُ وَأَنَا)).

وهذان المؤمنان هما خَيْرُ مَنْ وَعَى، وأدركا هذا الحديث وتَفَهَّمَا حقيقتَه، وآمَنَا به.

وهو إلى جانب هذا كما وَصَفَهُ الواصفون:

فارِسٌ لا يُقَابَل، وشجاعٌ أَرْهَقَ مُبَارِزِيْهِ، ومُحَنّكٌ يَخضعُ له أهلُ الرأي، وجَلَدٌ لا يُدَانِيْه جَلَدٌ، ومؤمنٌ بأمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) إلى درجةِ الوثوقِ، وشديدُ التَحَقُقِ بِوَلائِهِ ونَصْرِهِ لَهُ.. حتّى أَنّ الإمام نفسَه قال بعد موته:

((رَحِمَ اللهُ مَالِكَاً، فَلَقَدْ كَانَ لِيَ كَمَا كُنْتُ لِرَسُوْلِ اللهِ ))(صلّى الله عليه وآله وسلّم)..

وهو كما وصفه الإمامُ لأَهْلِ مصر:

((فَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَبْدَاً مِنْ عِبَادِ اللهِ، لا يَنَامُ أَيّامَ الْخَوْفِ وَلا يَنْكَلُ عَنِ الأَعْدَاءِ سَاعَاتِ الرَوْعِ، أَشَدُّ عَلَى الفُجَّارِ مِنْ حَرِيْقِ النَّارِ.. فَاسْمَعُوْا لَهُ وَأَطِيْعُوا أَمْرَهُ، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوْفِ اللهِ، لا كَلِيْل الظبة، وَلا نَابِيَ الضَرِيْبَة، فَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ


تَنْفُرُوا فَانْفُرُوا، وَإِنْ أَمَرَكُمْ أَنْ تُقِيْمُوا فَأَقِيْمُوْا، فَإنَّهُ لا يُقَدِّمُ وَلا يَحْجُمُ، وَلا يُؤَخِّرُ، وَلا يَقْدِمُ إِلاّ عَنْ أَمْرِيْ، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِ عَلَى نَفْسِيْ لِنَصِيْحَتِهِ لَكُمْ، وَشِدَّةِ شَكِيْمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُمْ..)).

وأَقْبَلَ السَّحَرَ، وَعَيْنَا معاويةَ لَمْ تغمضْ، يرتاعُ كُلَّمَا مرَّ على ذِهْنِهِ شيءٌ مِنْ أقوال عليٍّ في حقِّ الأَشْتَر، ويَلْتَاعُ، كلَّما تذكّر قولاً للأَشتر في حَقِّ عليٍّ، وهو ما بين هذا وهذا قَلْبٌ جَازِعٌ وفِكْرٌ مُتَمَزِّقٌ.

وكلّما حاول السِّمَارُ أَنْ يُخفِّفُوا مِنْ قَلَقِهِ، فَشِلَتْ المحاولاتُ وتبدَّدَتْ الخططُ، لا شيءَ يُخفِّفُ مِنْ لَوْعَةِ أَبي يزيد إلاّ أَنْ يدفعَ عَنْه هذا الخطر، ويُبْعِد الأَشتر عَنْ مِصْرَ، فله في تلك الدنيا مطامعٌ، وله فيها مآربٌ.. وكيف السبيل ولابُدَّ مِنْ إيجاد السبيل، ولماذا لا يشري ضمائرَ المـُرْتَزَقَةِ، والذين يعمدون للباطل فَيَغْتَرِفُوا مِنْهُ.

والْتَفِتْ إلى ابن العَاص، وهذا لا يَقُلُّ طمعاً بولاية مِصْر وَخِرَاجِ مصر، وحُكْمِ مصر، وإذا كان أَمر الأشتر قد أقَضَّ مَضْجَعَ معاويةَ، ففي الوقتِ نفسهِ أَرَّقَ ابنَ العاص، فقد بذل جُهْداً لدى معاوية، حتّى دَفَعَهُ على إثارةِ مصر على ابن أَبِي بَكْر، صاحبِ عليٍّ وَأَحَدَ سَوَاعِدِهِ.

أمّا الآنَ، فإنّ ابن الأَشتر الغايةُ القصوى. الرجل الذي لا تُلْوَى له شَكِيْمَةٌ في المواقف العارِمة، والقائدُ الذي لا يَلِيْنُ في سبيل عقيدته، فلابُدَّ مِنْ حَزْمٍ وَجِدٍّ.

والْتَقَتْ الغايتان، أو بالأَصح: مَطَامِحُ الرَجُلَيْنِ. ولابُدَّ


مِنْ حَزْمٍ وَجِدٍّ لِيَكُوْنَ الأَشتر، وإمامه أَبي تُرَاب ومحمّد بن أَبي بَكْر في ظُلْمَةٍ مِنْ أَمْرِ مِصْرَ.

وَصَرَخَ معاويةُ في ابن العاص، وهو يمسحُ عَرَقَهُ مِنْ على جَبْهَتِهِ الْمُثْقَلَةُ بالهمومِ: تكلّم يا أبا محمّد، هل انتهيتَ إلى رأيٍ؟ أينَ دَهَاءُكَ، يحْسِدُنِيْ الناسُ عليك، وأَنتَ في الزَخَمِ لا حس..

ويُزْعِجُ هذا التأنيب ابن العاص، أَبداً لمْ يكنْ في يومٍ لمعاويةَ في مَعْزِلٍ، إنّما معه على طولٍ.. وليس له في غير معاوية ملجأٌ.. فَعَلِيّ لا يجمع مَنْ حَوْلَهُ إلاّ الذين أَخلصوا لدينهم، وبذلوا نفوسهم لعقيدتهم. أمّا الذين لا دين لهم فلا مجالَ لهم عِنْدَ عَلِيٍّ.

وابن العاص لا دينَ له كما يقولُ هو نفسه، فقد نَقَلَتْ الروايةُ: إنّ ابنَ العاص لمـّا حضرتْه الوفاةُ أَخَذَ يبكي، فقال له ابنُهُ: لِمَ تبكي أَجَزَعَاً مِنَ الموت؟ قال: لا واللهِ، ولكنْ لِمَا بَعْدَهُ، قال: قد كُنْتَ على خيرٍ فجعل يُذَكِّرُهُ صُحْبَةَ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَفُتُوْحَهُ الشام، فقال عمرو: تَرَكْتُ أَفْضَلَ مِنْ ذلك كُلِّهِ، شهادةَ أَنْ لا إله إلاّ اللهُ(١) .

ولَمْ يكنْ هذا فقط، فقد دَخَلَ عليه ابنُ عَبَّاس، وهو مريضٌ فقال له: كيف أَصْبَحْتَ؟ قال: أَصْبَحْتُ وقد أَصْلَحْتُ مِنْ دُنْيَايَ قليلاً، وأفْسَدْتُ مِنْ ديني كثيراً، فلو كان ما أَصْلَحْتُ هو ما أَفْسَدْتُ لَفُزْتُ، ولو كان ينفعني أَنْ أَطْلُبُ طَلَبْتُ، ولو كانَ يُنْجِنِيْ أَنْ أَهْرُبُ هَرَبْتُ..(٢) .

____________________

(١ - ٢) نقل هذا الذهبي في تأريخ الإسلام: ١/٢٣٩ وأبو يوسف الكندي في الولاة والقضاة: ٣٣.


وكلَّ شَيْءٍ يهونُ إلاّ الأَشتر، فإنّه معروفٌ عِنْدَهُمْ، قوَّةُ هذا المـُخْلِص، وجُرْأَتُهُ في ذات الله، ولو وَصَلَ مصر، ووضع فيها قَدَمَهُ، لمْ يَبْقَ لآلِ أبي سفيان أيُّ أَمَلٍ فيها..

وعمرو خيرُ مَنْ يَعْرِفُ أُسْلُوبَ المـُؤَامَرَاتِ، وَطُرُقَهَا.. وقد شدّ معاويةُ آمالَهُ على ما ينتهي إليه فِكْرُ هذا الرجل.

ومعاويةُ يَخْطِبُ: أَيُّهَا الناس، إنَّ عليّاً قد وجَّهَ الأشتر إلى مِصْرَ، فادعوا اللهَ أَنْ يَكْفِيْكُمُوْهُ، فكانوا يًدْعُونَ عليه في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ حتّى ماتَ الأشتر.

وَمَرَّ السَّحَرُ، وأقبلَ الفجرُ، وكؤوسُ الخَمْرَةِ تَلْعَبُ في رأَْسِ الرَّجُلَيْنِ، وَكُلَّمَا تَوَغَّلا في أَمْرِ هذا الوالي الجَدِيْدِ ازدادا احْتِسَاءً وَوُلُوْغَاً بِالخَمْرَةِ..

وأخيراً اهتدى ابنُ العاص لرأيٍ وصاح بِفَرَحٍ، والخمرةُ تَدْأَبُ في رَأْسِهِ قال: إِنّ فلاناً وهو صاحبُ حاجةٍ عِنْدَكَ احْمِلْهُ على اغْتِيَالِهِ.

ولمْ يَمْضِ حتّى كانَ رسولُ معاويةَ على وَشَكِ الانطِلاق يَحْمِلُ معه رسالتَه إلى ذلك الشخص، يقول فيه:

إنّ الأشتر قد وُلِّيَ مِصْرَ، فإنْ كَفَيْتَنِيْهِ لَمْ آخُذْ مِنْكَ خِرَاجَاً ما بَقِيْتَ، فَاحْتَلْ في هلاكِهِ مِا قَدِرْتَ عليه.

وأكَّدَ على الرسول أَنْ يَجِدَّ السيرَ، ولا يَضَعَ رَحْلَهُ إلاّ في دارِ صاحبِهِ.

وساعةُ الانتظارِ عُمْرٌ - كما يقولون -: ولكنّ ابنَ العاص كانَ مُتَأَكِّدَاً أَنَّ الذي اختاره لِلْمُهِمَّةِ يقوم بتنفيذها مهما كَلَّفَهُ


الأَمر، ففي بعض الروايات إنّ الذي دَسَّ السُّمَّ للأَشتر هو مولى عَمْرو.

ولَمْ تَمُرُّ الأَيَّامُ دون أنْ تَحْمِلُ البشائرَ لمعاويةَ، والعزاءَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) فقد سُمَّ الأَشتر، بِأَيِّ لَوْنٍ كَانَ. واحتضنتْ مدينةُ (القَلْزَم) في مصر جِثْمَان التابِعِيِّ العظيم، في عام ٣٧ مِنَ الهجرة.

وبَلَغَ الخبرُ أَسْمَاعَ معاويةَ، فَنَادَى بالناس، واجتمعوا إليه، فقامَ فِيْهِمْ خَطِيْبَاً، وقال فِيْمَا قال:

أَمّا بَعْدُ: فإنَّه كانَتْ لِعَلِيٍّ بن أَبي طالبٍ يَدَانِ، قُطِعَتْ إِحْدَاهَا يَوْمَ صِفِّيْن وهو عمّارٌ بنُ ياسر، وقُطِعَتْ الأُخْرَى اليوم وهو مَالِكُ الأَشتر..

كما بلغ الخبرُ أَسْمَاعَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فقال:

((إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِيْنَ، اللَّهُمَّ إِنِّيْ احْتَسَبْتُهُ عِنْدَكَ، فَإِنَّ مَوْتَهُ مِنْ مَصَائِبِ الدَّهْرِ..

ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللهُ مَالِكَاً، فَقَدْ كَانَ وَفِيٌّ بِعَهْدِهِ، وَقَضَى نَحْبَهُ، وَلَقِيَ رَبَّهُ، مَعَ إِنّا قَدْ وَطَّنَّا أَنْفُسَنَا أَنْ نَصْبِرَ عَلَى كُلِّ مُصِيْبَةٍ بَعْدَ مُصَابِنَا بِرَسُوْلِ اللهِ (صَلَّى اللهَ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ)، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَم المـَصَائِبِ)).

ذكرتْ الروايةُ: دخل جماعةٌ على الإمام حينَ بَلَغَهُ مَوْتُ الأَشتر فَوَجَدُوْهُ يَتَلَهَّفُ وَيَتَأَسَّفُ عليه، ثُمَّ قال:

((لِلَّهِ دَرُّ مَالِك، وَمَا مَالِكٌ لَوْ كَانَ مِنْ جَبَلٍ لَكَانَ فِنْدَا(١) وَلَوْ كَانَ مِنْ حَجَرٍ لَكَانَ صَلْدَا، أَمَا وَاللهِ لَيَهُدَّنَّ مَوْتُكَ عَالَمَاً

____________________

(١) الفِنْد، بالكسر: القطعة العظيمة من الجبل.


وَلَيَفْرَحَنَّ عَالَمَاً، عَلَى مِثْلِ مَالِكٍ فَلْيَبْكِ البَوَاكِي وَهَلْ مَوْجُوْدٌ كَمَالِكٍ؟)).

يقولُ عَلْقَمَةُ بنُ قيس النَخْعِي: فما زالَ عليٌّ يَتَلَهَّفُ، وَيَتَأَسَّفُ حتّى ظَنَنَّا أَنَّه المصابُ دوننا، وعرف ذلك في وجهه أيّاماً..

وإِذا كان مالك قد طوى القبرُ أَضلاعَه عليه، وَرَقَصَ معاويةُ جَذْلانَاً، وَفَرِحَاً؛ بِمَا نَالَهُ مِنْ بُغْيَتِهِ، وَتَعَمْلَقَتْ أَطماعُ ابن العاصِ تركضُ إلى مصر لِتَتَرَبَّعَ على عرش حُكْمِهِ.

لكنّه لمْ يُخْمَدُ ذِكْرُهُ، ولمْ يَهْدَأُ عِطْرَ سيرتِهِ، فقد استمرَّ يَشُقُّ السنينَ كالقمر، لا تُغَيِّبُ أَنْوارَه حَفْنَةُ سَحَابٍ.

وانْطَمَرَ ذِكْرُ معاويةَ، بطل آل أَبي سفيان، وانْمَحَتْ آثَارُهُمْ، ولمْ يَبْقَ لهمْ إلاّ السبُّ واللعْنُ.

فرَحِمَ اللهُ مالِكَاً، ورفعَ ذِكراه نوراً يضيءُ دروبَ الحريّةِ والصمود والعقيدة.


حِجْرُ بنُ عَدِيٍّ



اشتدَّتْ المعارضةُ ضدّ الحكم الأمويّ في الكوفة، وباتَ اللَغَطُ يَعُمُّ حتّى القصر الأمويّ فيها، ولمْ يَسْلَم الوالي مِنْ رِذَاذ هذا الحديث، وحتّى مِنْ أقرب مُجَالِسِيْهِ، وكان المـَغِيْرَة بن شُعْبَة - وهو والٍ لمعاوية عليها حينذاك - قد بلغ به الضعف، حتّى لمْ يتمكّنْ مِنْ إدارة القصر فَضْلاً عَنِ المدينة..

وكانتْ المعارضةُ قد تمثَّلَتْ بصحابةِ عليٍّ (عليه السلام)، أولئك النفر الذين لا تَأْخُذُهُمْ في الله لَوْمَةُ لائِمٍ.

إذْ كان مِنَ الصعب عليها أَنْ ترى أَنَّ أَموالَ المسلمين تُجْبَى لِسَدِّ نَهَمَ معاويةَ، الذي يوزِّعها على الباطل كَيْفَمَا شاء.

وكان مِنَ الصعب عليها أنْ ترى أَنَّ الأحكامَ المـُرْتَجَلَةَ الجائِرة تُنَفَّذُ في حقِّ المسلمين، لا تستنِد في أُصولِها على القرآن، أو السنّة.

وكان مِنَ الصعبِ عليها أنْ ترى الخلافةَ الإسلاميّةَ، في طريقِهَا إلى مَلِكٍ عَضُوْضٍ، يتقلّبُ به معاوية وآله مِنْ دونِ مُنَازِعٍ.

وكان مِنَ الصعب عليها أنْ ترى دولةَ الإسلام الفَتِيَّةَ، تنقلَّبُ إلى حُكْمٍ قَبَلِيٍّ بَحْت، تتحكَّمُ فيه أَهواءُ (أُسرةٍ مُعَيَّنَةٍ) ما كانتْ في يوم من الأيّام تعرفُ اللهَ، وتَخْلُصُ لرسوله، وتَفِي لأُمَّتِهِ، وقد قالها صريحةٌ سيِّدُهَا وَزَعِيْمُهَا أبو سفيان، يوم صارتْ الخلافةُ لعثمان:


صارتْ إليك بعد تيمٍ وعديٍّ، فَأَدِرْهَا كالكرةِ، واجْعَل أَوْتَادَهَا بَنِي أُمَيَّة فإنَّمَا هو المـُلْك، ولا أَدْرِي ما جنّة ولا نار.

كانتْ المعارضةُ ترى كلَّ هذا، وتجد كلَّ هذه المـُفَارَقَاتِ، وهي التي بين جَنْبَيْهَا روحُ عليٍّ وعدالتُهُ، فكانتْ لا تتمكَّنُ أَنْ تَغْضِي على الباطل، فصمَّمَتْ على المـُجَاهَرَة بذلك مهما كلَّفَهَا الأمرُ، وفعلاً اتَّقَدَتْ أوَّلُ شَرَارَةٍ للمعارضة بصورتها الواضحة، عندما أمر معاويةُ المغيرةَ بأَنْ يُرْسِلْ لَهُ أموالاً مِنْ خِراجِ العراق، وحاول أنْ ينفّذ الوالي أمر سيّدَه، فشمّرتْ المعارضة سواعدَها له، ومسكتْ القافلةُ التي تحمِل الأموال، وهي بعدُ لمْ تغادر الكوفة إلاّ قليلاً. وعلم المغيرةُ بذلك، ولكنَّ المعارضةَ أبتْ أنْ تلينَ لطلب الوالي، سواءً كان بالقوة، أو بالتوسل، لا بعد أنْ أرجعَ الأموال إلى الكوفة، ووزَّعها على الناس.

وبلغ معاويةَ هذه التظاهرةُ عليه، وموقفُ المعارضة منه وإفلاسه مِنْ خِراج العراق، وخاصةً الكوفة، وكَتَمَ في نفسه أمراً، وإنْ كان لمْ يتمكّنْ مِنْ تبديد سحابةَ الغيظ والحنق، التي ظهرتْ على سِحْنَتِهِ فقد لازمتْه أيَّاماً طويلةً، وهو يفكِّر في اجتثاث الخطر عنه مهما كلّفه الأمر.

أمّا المعارضة فكانتْ تضمُّ جمعاً من المسلمين يتزعَّمهم عشرةُ رجالٍ مِنْ خيرة صحابة الإمام عليٍّ (عليه السلام)، وكانَ المـُبْرَزُ فيهم هو حِجْر بن عَدِي.


وحِجر ذلك الصحابي الجريء، الذي وفد على الرسول مع أخيه فأسْلَمَ وحَسُنَ إسلامه، وتقرّب مِنَ الدعوة حتّى كانَ مِنْ أفاضل الصحابة.

وحِجْرٌ ذلك الإنسان الذي قال عنه الإمام أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام):

((يَا أَهْلَ الْكُوْفَةِ: سَيُقْتَلُ مِنْكُمْ سَبْعَةَ نَفَرٍ، هُمْ مِنْ خِيَارِكُمْ بِعَذْرَاء، مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ أَصْحَابِ الأُخْدُوْدِ، وَمَا نَقَمُوْا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوْا بِاللهِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ)).

وقال عنه الإمام الحسن (عليه السلام) مخاطِبَاً معاويةَ:

((أَلَسْتَ قَاتِلَ حِجْر وَأَصْحَابِهِ الْعَابِدِيْنَ الْمُجْتَبِيْنَ؟ الَّذِيْ كَانُوْا يَسْتَفْظَعُوْنَ الْبِدَعَ، وَيَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَتَلْتَهُمْ ظُلْمَاً وَعُدْوَانَا مَنْ بَعْدِ مَا أَعْطَيْتَهُمْ الْمَوَاثِيْقَ الْغَلِيْظَةَ وَالْعُهُوْدَ الْمُؤَكَّدَةَ جُرْأَةً عَلَى اللهِ، وَاسْتِخْفَافَاً بِعَهْدِهِ)).

وتقول عائشةٌ لمعاويةَ بعد أنْ قُتِلَ حِجْر وأصحابه: (يا معاوية، قتلتَ حِجْراً وأصحابه، أَمَا واللهِ لقد بلغني أنَّه سَيُقْتَل بِعَذْرَاء سبعةُ رجال، يغضب اللهُ، وأهلُ السماء لهم).

وَلَعَلَّنَا لو تَتَبَّعْنَا ما قيل عَنْ مَكَانَةِ حِجْر وصلاحه وحسن إسلامه لضاق بِنَا المجال.

وهو إلى جانب هذا مِنْ كبار كِنْدَة، تلك القبيلة العظيمة الضاربة أطنابها في أرض العراق، وفي الكوفة خاصةً، وكانتْ الكوفةُ تتحدّث عَنْ حِجْرٍ، لأنَّهُ أحدُ رِجَالِهَا، ومِنَ المـَرْمُوْقِيْنَ


بالجمال فيها، فقد كانوا يقولون: إنّ الجمال ينتهي في الكوفة إلى أربعة: أحدهم حِجْر، والى الخير والصلاح، وهو أحد أقطابه.

والكوفة عندما أفاقتْ على أصوات المعارضة للحكم الأموي، تهامستْ مَنْ تكون هذه الجماعة التي ألقت بنفسها في أُتُوْنٍ مِنْ نَارٍ؟ وتهادى إلى سماعها أَنّ حِجْراً، ورفقائه هم أقطاب المعارضة فحسبوا لهم ألْفَ حِسَاب.

وفي مرَّةٍ والمغيرة يخطب الناس في مسجد الكوفة فقال: مَنْ الإمامُ عليّ، ثمّ لَعَنَهُ، ولَعَنَ شيعتَه.

فقام إليه زيدٌ بن أَرْقَم قائلاً: يا مغيرة أَلَمْ تعلم أَنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نهى عَنْ سَبِّ الأَمْوَات، فَلِمَ تَسُبُّ عّلِيَّاً، وقد ماتَ.

وقدم عليه مرةً خطباءُ الكوفة، فقام صعصعة بن صوحان ومدح عليّاً، فأمر المغيرة أنْ يُخْرِجُوْهُ ويقيموه على المصطبة؛ لِيَلْعَنَ عليّاً. فقال صعصعة: لعنَ اللهُ مَنْ لعنَ الله ولعنَ عليَّ ابن أبي طالبٍ. فأَخْبَرَ الجلاوزةُ المغيرةَ بذلك، فقال: أُقْسِمُ بالله لَتُقَيِّدُنَّهُ، فخرج صعصعة فقال: إنَّ هذا يأبى إلاّ علي بن أبي طالب، فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه.

وكان المغيرة يقول: إنّ عليًا لمْ يُنْكِحْهُ رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابنَته حبّاً، ولكنّه أراد أنْ يُكافئ بذلك إحسان أبي طالب إليه.

وكأنّ الروايات الكثيرة الصحيحة لمْ تطرق آذان المغيرة ومَنْ على شاكلته، فقد قال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):


((مَنْ سَبَّ عَلِيَّاً فَقَدْ سَبَّنِيْ، وَمَنْ سَبَّنِيْ فَقَدْ سَبَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ سَبَّ اللهَ، كَبَّهُ اللهُ عَلَى مَنْخَرَيْهِ فِيْ النَّارِ)).

وقال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

((مَنْ أَحَبَّ عَلِيَّاً أَحَبَّنِيْ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيَّاً فَقَدْ أَبْغَضَنِيْ)).

وقال رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

((يَا عَلِيُّ، لا يُحِبُّكَ إلاّ مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُكَ إلاّ مُنَافِقٌ))(١) .

وكان حِجْرٌ وغيرُ حِجْرٍ مِنْ أقطاب المعارضة في المجلس، وكان هذا الموقف ثقيلاً عليهم لا يُطاق، فما كان مِنْه إلاّ أَنْ وقف بين الجماهير، وصرخ في وجه المغيرة غاضِباً، بحيث لَفَتَ انتباه الحاضرين أجمع، قال:

(إنَّك لا تدري أَيُّها الإنسان بِمَنْ تُوْلَعُ أَوَ هَرِمْتَ؟ مُرْ لنا بأعْطِيَاتِنَا وأرزاقنا، فإنَّك قد حَبِسْتَهَا عنّا، ولَمْ يكنْ ذلك لك، ولَمْ يكنْ يطمعُ في ذلك مَنْ كانَ قَبْلَكَ، وقد أصبحتَ مُوْلَعَاً بِذَمِّ أمير المؤمنين، وتقريظ المجرمين).

وكثُر اللَغَطُ وصاح الناسُ مِنْ كلّ جانبٍ حتّى اضطرّ المغيرةُ أنْ يهرب إلى القصر؛ ليستر نفسه فيه.

ويسمع معاوية بهذا كله، ويَحْرِقُ الأرمَ مِنْ هذه المعارضة، وصمَّم على مكافحتها، خشيةَ أنْ يسري الأمرُ في غير الكوفة، فأرسل زيادُ ابن أبيه ذلك الرجل القاسي الذي ما دَخَلَ اللينُ قلبَه، ولا عَرِفَ الرحمةَ يوماً.

____________________

(١) راجع عَنْ مصادر هذه الروايات الغدير: ١٠/٦٧٨ - ٢٨٠.


وفي اليوم الذي وضع فيه زيادٌ قدمَه في الكوفة، أرسل خلف حِجْر بن عَدِي، وكان صديقه مِنْ قبل، وعندما قابله قال له: قد بلغني ما كنتَ تفعله بالمغيرة فيحمله منك، وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبداً.. أرأيت ما كنتَ تعرفني به مِنْ حُبّ عليٍّ وَوُدَّهُ، فإنّ الله قد سلخه مِنْ صدري، فصيّره بغضاً وعداوةً، وما كنتَ تعرفني به مِنْ بغض معاوية وعداوته، فإنّ الله قد سَلَخَهُ مِنْ صدري فصيّره حبّاً ومودّةً..

وقام حِجْر وخرج مِنْ عِنْدِهِ، وهو يحسب لهذا المجلس ألف حسابٍ، لِمَا يتضمّن مِنْ تهديدٍ وَوَعِيْدٍ مخفيٍّ مِنْ قِبَل الأمير الجديد، الفظّ الغليظ.

واجتمع حِجْر بإخوانه المؤمنين، وبدأوا يضعون خطةً لمحاسبة التيّار الأموي المـُتَمَثِّل في الوالي وبِطَانَتِهِ، رغم الكابوس المـُرْعِب الذي فَرَضَهُ زيادٌ على الكوفة.

وانتظرتْ المعارضةُ اللحظةَ المناسِبة التي تُعْلنها حرباً شعواء على هذا الوالي القاسي، وتهيّأتْ تلك اللحظة في أصيل يوم الجمعة، والناس مجتمعون في مسجد الكوفة، والأمير لا يَدَعُ مُناسَبةً، أو غير مناسبة إلاّ وشتم فيها عليّاً، وحِجْر ورفاق حِجْر يتحرقون غيظاً، وطالتْ الخطبة، وطال الحديث، والناس بين خائفٍ لا يريد أنْ يُحرِّك ساكِناً، أو مرتزِق يخشى قطع الأمل عنه.

ولكنّ حِجْراً ذلك الرجل الصلِب، الذي لا يهابُ الموتَ


دَفَعَهُ واجِبُهُ الديني لأنْ يُنَبِّهَ الرجلَ إلى وقت الفريضة بأنّه قد مَرَّ، وتأخَّرتْ الصلاةُ أكثر مِنْ عادتها.

فقام ووقف وأشار إلى زيادٍ أنّ الصلاة قد تأخّر موعدُها، فلا تَسْتَرْسِل في الخطبة، وتترك الواجب. ولكنّ زياداً لمْ يَعِرْ لحديثه أيَّ أهمِّيّة، بل استمرّ في الخُطبة، ولمْ ينفع معه تذكرةٌ مرّةً وثانيةً، بل استمرّ في الخطبة مِمّا اضطرَّه أنْ يأخُذ حَفْنَةً مِنْ حصى المسجد ويضرب بها وجهَ زيادٍ، ويلتفتُ إلى القوم ويصيح: شاهتْ الوجوه ذُلاًّ، يمنعكم زيادٌ صلاتَكم.

وكان هذا القدر كافياً في إثارة الناس وهياجهم، فقد وقف حِجْر وصلّى، وصلّى الناسُ معه، مِمّا اضطرّ زيادٌ أنْ ينزل مِنَ المنبر ويصلّي خائِباً فاشِلاً.

والى هنا، وقد توسعت الشُقّة بين الطرفين، وكانتْ هذه الحركة كافيةً لإثارة هذا الوالي القاسي، على مُعاقبة هذه المعارضة السافرة، التي يتزعَّمُهَا حِجْرٌ وجماعته.

وشمَّرَ زيادٌ عَنْ ساعديه لِكَبْح جِمَاح حِجْر وجماعته، لِيَقْبُرَها قبل أنْ يستفحِل أمرُها، فأخذ يُطارِد المعارضة، ويتّبع آثارها، وكان في مقدمة المطارَدِيْن حِجْر.

ودعا زيادٌ محمّدَ بن الأشعث، وقال له: لتأتِنِّي به، أو لأقطعنَّ كلّ نخلةٍ لك، وأهدم دورَك، ثُمّ لا تَسلم مِنّي، حتّى أُقطِّعُكَ إرْباً إرْباً.

وَجَدَّ الأشعث وصحبُه في طلب المعارضة، حتّى قبض عليهم، ومنهم حِجْر، وكانَ عددهم اثني عشر رجلاً، وأودعهم بالسجن


مُثْقَلِيْنَ بالحديد، ومُصَفَّدِيْنَ بالسلاسل.

ولم تَنْتَهِ الخطةُ إلى هذا الحدّ، فلا ينفع حقد الأمويين أنْ يبقى حِجْر وجماعته رهن السجن فحسب، بل لابُدّ لهم مِنْ صورةٍ ظاهريّةٍ، تبرز عليهم القتل والتلف.

وأشار زيادٌ إلى بعض جلاوزته؛ بأنْ يُنظّموا محضراً يتضمّن موقفَ حِجْرٍ وجماعته مِنَ العهد.

وكان ما أراد، فقد نظّم هذا المحضر بالسرعة، تلبيةً لعواطِف الأمير، وضمّ شهادة الكثير مِنْ وجوه الكوفة، الذين شرى ضميرهم بالمال، وعقيدتهم بالجاه، فتهالكوا على المـَحضَر مُوَقِّعِيْنَ؛ لينالوا جزائهم مِنْ زيادٍ، والرضا عنهم مِنْ معاوية.

وألقى زيادٌ نظرةً على المـَحضَر، فلمْ يعجبْه، فالتفتَ إلى مستشاره عمرو بن حريث قائلاً:

ما أظنُّ هذه شهادةً قاطعةً، وأُحب أنْ تكون الشهادة أقوى وأشد.

لقد كتبوا المـَحضَر، وماذا كتبوا؟ فقد خَطَّتْ أقلامُهم ما نَصُّهُ:

(إنّ حِجْراً جمع إليه الجموع، وأظهر شَتْم الخليفة، وعَيْب زيادٍ، ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أنّ هذا الأمر لا يصح إلاّ في آل أبي طالب، ووثب بالمصر، وأخرج عاملَ أمير المؤمنين، وأظهر عُذْرَ أبي تراب، ومنع الذمَّ عليه، والبراءة مِنْ عدوِّه وأهل حربه، وإنّ هؤلاء الذين معه همْ رؤوس أصحابه، وعلى مثل رأيه).


كانتْ هذه الشهادة. ولكنّ زياداً لمْ يرَ في هذه الكلمات كفايةً لتحقيق مأربه. وأظهر الغضب في وجه أحد مرتزقته، وهو أبو بردة بن أبي موسى، وتَلَكَّأَ الرجلُ وتَلَعْثَمَ، واضطرب مثل السعفة في مهبِّ الريح، وتقدّم لسيِّدِهِ يكسب رضاه، فكتب:

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

(هذا ما شَهَدَ عليه أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين، شَهَدَ أنّ حِجْر بن عَدِي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب، والفتنة، وجمع إليه الجموع؛ يدعوهم إلى نكث البيعة، وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله).

والى هنا قفزتْ البسمةُ على وجه زيادٍ، لقد رضا بهذا الأُسلوب وتهافتْ الموقِّعون يرسمون تواقيعهم على هذا المـَحْضَر الخطير، حتّى بلغ عددهم ما يزيد على السبعين وفي طليعتهم: عمر بن سعد بن أبي وقّاص وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس، وكلهم مِنْ أعيان الكوفة.

كان زياد يعتقد أنّ هذا المحضر يَحدّ مِنْ نشاط حِجْر، ويوقف ثورته على الحكم الأموي، وعرف غير حِجْر قصةَ المـَحضَر وخطورته، ولكنّ هذا العبد الطاهر كان كالحديد، لا يلين ولا يتأثّر مِنْ كلّ هذه الأساليب، التي ستكون له - بعد زمانٍ - حبلَ المـَقْصَلَةِ.

ولا نستغرب مِنْ حِجْر صموده في وجه الطغيان، ولا نستعظِم


عليه صلابته، فقد سجل التأريخ له حياةً ملؤها البطولة، وهو الذي وقف في يوم الجمل، وصفّين، والنهروان، كما أنّه كان مع الجيش الإسلامي الذي فتح الشام إلى جانب المسلمين.

ودبّ اليأس إلى زياد عنْ استمالة حِجْر، وصمّم على تنفيذ خُطّته التي رسمها، فقد قبض على مجموعةٍ تضمُّ حِجْر وأُخوته في الجهاد، وأرسلهم إلى معاوية، ومعهم المـَحضَر الذي يُثبِت نَكْث البيعة للخليفة الأموي.

وكان زياد قد رحَّل هذه الصفوة إلى الشام على جِمالٍ غير موطَدة، وأوصى المـُكلّفين بهم أنْ يَصُبّوا على هذه المجموعة أنواع التعذيب، ووصلتْ القافلة إلى (مرج عذراء) في الشام، وقد أنهك السير أجسامهم.

وعلم معاوية بقدومهم: وكان في مجلسه، فداخله شيءٌ مِنَ الزهو، ولكنْ سرعان ما طفتْ على وجهه ظِلال غَيْمَة حُزْنٍ، تُرى ماذا خالج الطاغية؟. ولمـّ جبهته بتأثّرٍ، وهو لا يرفع نظره عَنِ الكتاب ومَحضَر الشهود، وطال به التفكير، فحاول أحد البِطانة الذي رافق الأسرى مِنَ الكوفة تبديد هذه السحابة مِنْ وجه سيِّده فالتفتَ اليه قائلاً، وهو يَفْتَعِل ظِلّ ابتسامةٍ:

يا أمير المؤمنين لقد أوصانا واليك زياد بأنْ نُضَيِّق الخناق على هؤلاء المسجونين، الذين خلعوا طاعة سيِّدنا معاوية في الطريق فأريناهم أنواع العذاب، وأثقلناهم بالحديد، وأتعبنا أجسامهم بالسفر، أَتُرِيدُ يا أبا يزيد أنْ تراهم، وقد أنزلناهم في خَرِبَة لا تقيهم مِنْ حَرٍّ أو بَرْدٍ، وسنذهب لجلبهم وإدخالهم عليك.


وهنا أفاق معاوية مِنْ شِبْهِ ذُهُولٍ، والتفتَ إلى الكوفيّ وهو يَهْذر على هذا الجمع، لِيُدَلِّل كيف أدّى أمر سيِّده زياد، وصاح به كفى. كفى. لا أُريد أَنْ أرى حِجْر أو جماعته، دعوهم في سجنهم وأبعدوهم عَنْ وجهي لأرى فيهم رأيي.

كان معاوية يتمتّع بشيءٍ مِنَ الدهاء والتفكير، وكان يعلم مكانةَ حِجْر، وصحابته عند المسلمين، وهو مِنْ أفاضل صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما هي مكانته كانتْ عند الإمام علي (عليه السلام)، وما يتمتّع به مِنْ منزلةٍ عند المسلمين، وهو إذا أقدم على قَتْله فَمِنَ المؤكّد أنّ عملَه هذا سيُحدِث ردّ فعلٍ عكسيٍّ عند عامّة الناس، عَدَى المرتزِقة مِنْ حوالَيه التي تُحَبِّبُ له فعلته؛ لتغنم منه بالكثير مِنَ المال.

والتفتَ إلى مُقَرَّبيه، والغضب بادٍ على قسماته، وقال: لقد فعلها ابن مرجانة، تخلّص مِنْ أمرهم، وألقاهم علينا.. وعاد إلى تفكيره ووجومه، وفجأةً انتفض، وكأنّه أفاق مِنْ غَفْوَةٍ وصاح بِكَاتِبِهِ: خُذْ القلم والقِرطَاس واكتب لزياد:

(أمّا بعد فهمتُ ما ذكرتَ مِنْ أمر حِجْر وأصحابه، والشهادة عليهم، فأحياناً أرى أنّ قتلهم أفضل، وأحياناً أرى أنّ العفو عنهم أفضل مِنْ قَتْلِهِم، فماذا ترى والسلام).؟

ووصل الكتاب إلى والي الكوفة، وكاد يُصْعَق مِنْ هول الدهشة، لقد أرسلهم ليتخلّصَ منهم، ويأبى معاوية أنْ ينفذ فيهم أمره، كان ينتظر أنْ يُفْضَّ فيهم أمره، كان ينتظر أنْ يفضّ الكتاب، ويقرأ خبرهم فإذا


بمعاوية يقول: أنا في حَيرة مِنْ أمرهم، فكتب إلى معاوية عاجلاً:

(أمّا بعد: فقد قرأتُ كتابك، وفهمتُ رأيك في حِجْر وأصحابه، فعجبتُ لاشتباه الأمر عليك فيهم، مع شهادة أهل مصرهم عليهم، وهم أعلم بهم، فإنْ كانتْ لك حاجةٌ في هذا المصر، فلا تَرُدَّنَّ حِجْراً وأصحابه إليّ، والسلام).

وقد لمس زيادٌ نقطة الضعف في معاوية، فثبّت في كتابه قوله (فإنْ كانتْ لك حاجةٌ في هذا المصر) ويكفي أنّ معاوية إذا قرأ هذه العبارة سينهار، وينفذ فيهم أمره..

وكان كما اعتقد، فما أنْ وقع نظر معاوية على هذه الفقرة مِنْ كتاب زيادٍ حتّى اربَدّ وجهُه واضطرب، ثمّ صاح لا حاجة بالإطالة في أمرهم اقتلوهم، اقتلوهم إلاّ أنْ يتبرّأوا مِنْ أبي تُراب.

وهرعتْ الجلاوزة إلى (مرج عذراء)، واستقبلهم القوم بقلوبٍ كلها الإيمان، وعقيدةٍ صادقةٍ يبعثها الإخلاص.

أُخِذ حِجْر وجماعته إلى (مرج عذراء) وسيوف البغي مسلولةً على رؤوسهم، حتّى وصلوا تلك القرية، فالتَفَتَ حِجْر إلى الأشجار الباسقِة، والخضرة اليانِعَة، التي تحيط بهذه القرية فحدثتْه نفسه بأشياء وأشياء، وسأل عنها فقالوا له: (مرج عذراء) فالتَفَتَ إلى أصحابه، وقد ارْتَسَمَ عليهم العَجَبُ وقال: الحمد لله، أَمَا والله إنّي لأَوّلُ مُسلمٍ ذَكَرَ اللهَ فيها وسبَّحَهُ، وأَوّلُ مُسلِمٍ


نَبَحَ عليه كلابُها في سبيل الله، ثمّ أنا اليوم أُحْمَل إليها أيضاً مُصَفَّداً بالحديد.

ثم قال لإخوانه: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((يَا حِجْرُ تُقْتَلُ فِيْ مَحَبَّةِ عَلَيٍّ صَبْرَاً، فَإذَا وَصَلَ رَأْسُكَ إِلَى الأَرْضِ مَادَتْ وَأَنْبَعَتْ عَيْنُ مَاءٍ، فَغَسَلَتْ الرَّأْسَ)).

ومضى حِجْر يُحدّث إخوانه في العقيدة، عَنْ فضيلة الجهاد والصبر على الموت، والمثابرة على المجاهرة في الحقِّ، واسْتَمَعَ الصفوةُ الطيِّبون حديثَ حِجْر، وقلوبهم تشعُّ بالإيمان، وتنبضُ بالعقيدة، وهم لا يبالون أنْ وقعوا على الموت، أو وقع الموت عليهم، ما داموا على الحقِّ.

وأقبل جلاوزة معاوية، وسيوفهم مسلولةٌ، تقطُرُ حِقداً وبُغضاً، واستقبلهم القوم بصدورٍ رَحِبَةً، ووجوهٍ ضاحكةً مستبشِرةً.

وهلعتْ عيونُ الحاقدين، وهم يرَونَ هذه الصفوة لا يرهبها نذيرُ الموت، ولا يأخذ بِلُبِّهِمْ لَمْعُ السيوف، وإذا كان الكبار مِنْهم لا يهابون القتل في سبيل العقيدة والكرامة، فهذا أمرٌ غيرُ مُسْتَغْرَبٍ، ولكنَّ الذي يجلب الأنظار هو التفاني الرائع، الذي تجسّد في هذه المجموعة، وحتّى في الصغار أيضا، وتَقَبُّلُهُمْ للموت وهم في عُمْرِ الورود، تَعْبِقُ أشذاؤهم وتَشُعُّ أوراقهم.

فقد كان مع هذه الصفوة التي أرسلها زياد لقمةً لسيوف الأمويين، شابٌّ قد لَمّعَتْ وجْنَتَيْهِ حمرةُ الشباب ونضارةُ الصبا، ذلك هو (همام) فَلَذَة كَبِد حِجْر، فقد لازم أباه بأمرٍ مِنْ زياد، أصابه قسطٌ مِنَ العذاب مِمّا أصاب أباه وإخوانه. وقابل الفتى


هذه الأيام القاسية كما يتحمّلها أيّ رجلٍ كبيرٍ، يحمِل في جَنْبَيه عقيدةً وإيماناً.

وعرض الجلاوزة المرتزِقة أمر معاوية بالقتل على هذه الصفوة، فلم تطفوا على قسماتهم علائم الدهشة والاستغراب، وكأنّهم على موعدٍ مع الحديث، ثم عرض الجلاوزة عَرْضَ معاوية عليهم أَنْ يعفيهم عَنِ القتل، إنْ تَبَرَّؤوا مِنْ موالاة عليّ بن أبي طالبٍ.

إنّ معاوية لا يهمّه أمر الدين، بِقَدْرِ ما يهمّه البراءةُ مِنْ موالاة عليٍّ، فحقده على بيت رسول الله حقدٌ قديمٌ، تثيره نعرات الجاهليّة؛ لذا قرّر أنْ يطلق سراح كلَّ مَنْ يتبرّأ مِنْ عليٍّ، إذْ جعل المقياس الديني هو البراءة مِنْ ابن عمِّ رسول الله وسبِّه، والنيل منه ومِنْ آله. وكأنّه تناسى معاوية ما رُوِيَ عَنِ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ كلَّ مَنْ شَتَمَ واحداً مِنْ أصحابه، فهو دجّال، وعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين.

ولكنّ هذا الرجل الحاقِد، كان لا يستقر حتّى يَبُح في شتم عليٍّ (عليه السلام) لأَنّه لا يطيق اسم عليٍّ، وذِكْرَهُ.

فقد نقلتْ المصادر: أنّ معاوية سمع مرّة أَنّ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قد رُزِقَ ولداً، فهنَّاه، وسأله عَنِ اسمه وكنيته؟

فقال له: سَمَّيْتُهُ عليّاً، وكنيته أبو الحسن..

فأَرْبَدَ وجه معاوية، وغضب غضباً شديداً، والتفتَ إلى عبد الله بن العبّاس، وهو يصيح، لا تجمع علينا الاسم والكنية، إنْ كان ولابدّ، فاحذف أحدها.


هكذا كان برغم الأمويين مع عليٍّ وآل عليّ، وهو يقول: حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير.

فعرض الجلاوزة طلبهم على هؤلاء المحكومين بالإعدام وخابتْ الظنون، وتهشّمتْ الآمال، فقد أنكر حِجْر وجماعته هذا الطلب منهم، وأمطروهم بوابلٍ مِنْ شتْمِ الأمويين.

ولكن رُسُل معاوية قد تعلّموا مِنْ سيِّدهم المباغتةَ والمجامَلةَ، فلمـّا لمْ يَرَوا بُدَّاً مِنْهم أمروا حِجْراً، وإخوانه بأنْ يحفروا لأنفسهم قبوراً.

وطفحتْ البشرى على وجه هذا العبد الصالح، وشكر الله على هذه النعمة، وما أنْ أَتَمّ الجميع عملهم مِنْ حفر قبورهم، اعتقد جماعةُ معاوية أنّ هذا الأمر سيبعث فيهم حبّ البقاء، فكرّروا عليهم عرض معاوية بالبراءة مِنْ عليٍّ فسخِروا مِنْهم، وضحكوا عليهم.

وقدّموا لحِجْرٍ، وصحبه، وولده أكفانهم فلبسوها استعداداً للموت، وصلّوا ركعتين، وما أنْ أتمَّ حِجْرٌ حتّى تقدّم له السيّاف - وولده يقف قبالته - لا يدريان مِنْ سيكون أوّلهما ضحيةً، الأب، أم الابن، وقبل أنْ يرفع السيّاف يدَه أشار إليه حِجْر، فسأله أحدهم عمّا يريد؟ قال له حِجْر: إذا كنتَ قد أمرتَ بقتل ولدي أمْ لا.. قال: نعم إلاّ إذا تبرّأ مِنْ عليٍّ، فالتفتَ حِجْر إلى السيّاف، طالِبَاً أنْ يُنفِّذ الحكم بولده قبله، وكان ما أراد.

كلُّ شيءٍ يمكن التغلّب عليه إلاّ العاطفة، وكلُّ عاطفةٍ يمكن السيطرة عليها، إلاّ عاطفة الأُبوّة والبنوّة. ليس مِنَ السهل أنْ


يرى الأَبُ فَلَذَةَ كَبِدِهِ يَلْتَهِمُهُ السيف، وهو راضٍ بهذا، ولكنّ حِجْر فضّل هذا الموقف، وسيطر على أعصابه، وتغلب على عاطفتِهِ في سبيل عقيدته. لماذا؟

لقد سُئِلَ حِجْر، وهو في خِضَمّ الصراع النفسي عَنْ هذا الدافع الداخلي الذي حدا به إلى مثل هذا الطلب العنيف، فأجاب بكلّ صلابةٍ وإيمانٍ: (خفتُ أنْ يرى ولدي هولَ السيف على عنقي، فيرجع عَنْ ولاية عليٍّ (عليه السلام) فلا نجتمع في دار المـُقام، التي وعد الله بها الصابرين).

وتدحرج رأس الفتى أمام عين والده، وتلوّى الجسد اليافِع يبحث في الأرض مِنْ ثُقْل المأساة، والأب الصابر يرمق هذا المنظَر المؤلِم، ويرفع يديه للسماء شاكِراً هذه النعمة. نعمةَ الجهاد والصبر.. إنّ ولده ذَهَبَ، ولمْ يتقاعس عَنْ عقيدته، ويزحَف المـُثْقَل بالحديد إلى الرأس، ينفض عنه الترابَ والدمَ، ويطبع على جبينه قبلةً، يُوْدِعُهَا كَلِمَاً في أعماق الإنسان مِنْ لوعةٍ (بيّض الله وجهك كما بيّضتَ وجهي عِنْد رسول الله).

ما أثبت العقيدة عند حِجْر، وما أركزها في نفسه. منظرٌ داميٌّ تنهار أمامه العواطفُ البشرية، ويتهادى على عتبته الكبرياء، ولكنّ حِجْراً مِنْ نوعٍ آخر، يتمتّع بقابليّةٍ عاليةٍ تكاد تكون فريدةً، لمْ يتمتّع بها إلاّ الصالحون مِنْ عباد الله، واطمأنّ الرجل بعد هذا، وقفزتْ على ثغره ابتسامة الإيمان، وانجابتْ عَنْ صدره ظلمةٌ، كانتْ تنخَر في أعماقه. وجلاوزة معاوية على


مَقْرُبَةٍ مِنْ هذا المنظر، ينظرون وفي أعماقهم إكبارٌ وتعظيمٌ لهذه التضحية الغالية. وتقدّم أحدهم مِنْ حِجْر، اعتقاداً منه بأنّ الوقت غَيّر مِنْ نفسه شيئاً، وقال له:

ابرأ مِنْ عليٍّ وقد أَعِدُ لك معاوية جميع ما تريد إنْ فعلتَ، ولكنْ هيهات، فنفسيّة حِجْر أعظم مِنْ أنْ تزعزعها أهوالٌ وأهوالٌ.

ثم التفتَ إلى أصحابه فقال: إذا قُتِلْتُ فلا تفكّوا عنِّي قيودي، ولا تغسِّلوا دمي، وادفنوني في ثيابي، فإنّي أرغب أنْ أُلاقِي معاوية غداً عند الحساب على حالتي.

وتقدم إليه الجلاوزة ونفّذوا فيه أمر طاغيتهم.

وانتهتْ حياة هذا العبد الصالح المجاهد في سبيل عقيدته.

وأُخْبِرَ معاوية بذلك، فَغَمَّ وَعَلَتْهُ موجةُ حُزْنٍ، وتَمْتَمَ: ما أنا وحِجْر لولا أمر زيادٍ، وبقيتْ في نفسه لوعةٌ كانتْ تظهر عليه فيردِّد: (يومي مِنْ حِجْر بن عَدِي يومٌ طويلٌ)، وهكذا تأسفُ الطواغيتُ، ولكنْ حين لا ينفع الندم.

وانعقد مجلس معاوية. وتوافد إليه الناس، فرحين مستبشرين، أو في الحقيقة يحاولون إظهار الفرحة وتصنع الاستبشار أمام معاوية بنصره الكبير، فقد تمكّنَ مِنْ سَحْق العناصر الكبيرة مِنْ مُعارِضيه في الكوفة، بقتل حِجْر وأصحابه.

يا أمير المؤمنين: أَرَأَيْتَ صُنْع الله بأعدائك.

وكتم معاويةُ في نفسه اللوعة، وطبع على شفتيه ظل ابتسامة، ولمْ يحاول أنْ يُجيب.


فتقدّم آخرٌ إليه، يا معاوية: أصحاب أبي تراب لمْ يبقَ منهم بعد إلاّ النَزْر القليل، ولابدّ لزيادٍ أنْ يقتصَّ آثارهم، ويريح آل أبي سفيان مِنْ ظلهم. ولمْ يُجِبْ معاويةُ، فالصراع في أعماقه كبيرٌ وكبيرٌ.

ويَلحُّ عليه قومُه بالحديث، وهو يحاوِل أنْ يلوذ بالصمتِ، وأخيراً قال: لقد أخبرني الجلاّدون بأنّ حِجْراً لمْ يطمئن حتّى قدّم ولدَه إلى القتل، وشاهد رأسه يتدحرج، هنالك تقدّم السيّاف بنفسه، أتعرفون لماذا فعل الرجل هذا الفعل وأقدم على هذا الأمر الخطير؟

ووَجَمَ الجالسون عن الجواب. إنّه لإقدامٌ كبيرٌ جدّاً.

ونظرات معاوية تدور عليهم، تكاد تعصرهم عصراً، ولمـّا رأى أنّ الجواب خَمَدَ على أفواههم، قال: إنّه فعل ذلك؛ خشية أنْ تأخذَ الرقةُ الطفلَ ويسيطر الخوفُ على مشاعره، فنتمكّن من الاستيلاء عليه، والاستفادة مِنْ معلوماته، لأنّه كان واسطة الارتباط بين أقطاب المعارضة على صغر سِنّه.

هذه هي التضحية في سبيل العقيدة.

ثم التفت إلى جُلاّسِهِ وقال: ولمْ يكنْ هذا هو كلّ الموقف، لقد أخبرني الجلاّدون بِأنّ حِجْراً، وأصحابه حفروا بأنفسهم قبورهم ولبسوا أكفانهم، وتقدّموا للموت بقلوبٍ ثابتةٍ، إيماناً منهم بأنّهم وصاحبهم على الحقّ، وأنّ غيرهم على الباطل.

وسكت معاوية عَنِ الحديث فقد عَلَتْه صفرةٌ داكِنةٌ، ثمّ زفرةٌ، وقال: لو كنتُ أملِك أمثال حِجْر في صحابتي عدداً


لتمكّنْتُ أنْ أفرض سيطرة الأمويين مِنْ أول الدنيا إلى آخرها، ولكنْ هيهاتَ وهيهاتَ.

أينَ لي حِجْر وأمثال حِجْر يُضحّون بأنفسهم في سبيل عقيدتهم بكلّ صلابةٍ، كما نراهم يُضحّون.

ثمّ يُغَيِّمُ في موجةِ حزنٍ، ويُتَمْتِم طويلاً يكاد لا يُسمَع، حتّى القريب منه، ثمّ يتعالى ذلك الصدى، وإذا به يقول: (إنّ يومي مِنْ حِجْر بن عَدِي يومٌ طويلٌ).



عَبْدُ اللهِ بْن بديل



ونشر الليلُ أبراده، واجتمعتْ مجالس السحر تطوي وحشةَ المساء بحلوِ الحديث، وأهمّ الأخبار.. وكانتْ رَحْبَةُ الكوفة لمْ تَنْسَ بعد حلقاتِ الماضين، وقد جُمِعَتْ عليه الصحابة والتابعين وقد حَصَرَتْ أكثرهم حروب الأيّام، وصراع الحق والباطل، وحقد الأمويين على العلويين.

ولمْ يكنْ ذلك الحِقد بالشيء البسيط الذي يمكنُ أنْ يُقتَلع فتخبو جذوتُه، إنّما عمقه أكثر ممّا يتصوّر، ويمكنُ أنْ نقف على مدى عمقِهِ، عندما نستمع إلى مطرف بن المغيرة بن شعبة - وأبوه أحد أعوان معاوية الأشدّاء - يقول:

(وفدتْ مع أبي - المغيرة - إلى معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدّث عنده، ثمّ ينصرف إلَيّ، فيَذْكُرُ معاويةَ، ويَذْكُرُ عَقْلَهُ، ويعجب مِمّا يرى مِنْه.. حتّى إذا جاء ذات ليلة فأمسَكَ عَنِ العشاء، فرأيتُهُ مُغْتَمَّاً، فانتظرتُهُ ساعةً، وظننتُ أنّه لشيءٍ حَدَثَ فينا، أو في عملنا. فقلتُ له: مالي أراك مُغْتَمَّاً منذ الليلة؟ قال: يا بني إنّي جئتُ مِنْ عِنْد أخبث الناس، قلتُ له: وما ذاك؟ قال: ذهبتُ لمعاوية وقلتُ له وقد خلوتُ به: إنّك قد بلغتَ مُنَاك يا أمير المؤمنين، فلو أظهرتَ عَدْلاً، وبَسَطْتَ خيراً، فإنّك قد كَبُرْتَ، ولو نظرتَ إلى إخوانك مِنْ بني هاشم، فوصلتَ


أرحامهم، فو الله ما عندهم اليوم شيءٌ تخافه. فقال لي: (هيهات هيهات، مَلَكَ أخو تَيْمٍ فَعَدَلَ، وفعل ما فعل، فو الله ما عدا أنْ هلك، فهلك ذِكْرُهُ، إلاّ أنْ يقول قائلٌ: أبو بكرٍ. ثمّ مَلَكَ أخو عَدِيّ، فاجتهد، وشَمّرَ عشر سنين فو الله ما عدا أنْ هلك، فهلك ذِكْرُهُ إلاّ أنْ يقول قائلٌ: عُمَر.. ثمّ مَلَكَ أخونا عثمان، فَمَلَكَ رجلٌ لمْ يكنْ أحدٌ في مثل نَسَبِهِ، فَعَمِلَ ما عَمِل، وعُمِلَ به، فو الله ما عدا أنْ هلك، فهلك ذِكْرُهُ، وذِكْرُ ما فُعِلَ بِهِ.. وإنّ أخا هاشم يُصرَخ به في كلّ يومٍ خمسُ مراتٍ أشهد أنّ محمداً رسولُ الله. فأيُّ عَمَلٍ يبقى مع هذا، لا أمّ لك، والله إلاّ دَفْنَاً، دَفْنَاً)..

هكذا كان حقد البيت الأموي بالنسبة لآل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين فضّلهم اللهُ على العالمين، وجعلهم مِنْ أهل بيتٍ، أذْهَبَ عنه الرِجْسَ، وطَهَّرَهُ تَطْهِيْرَاً..

وسَكَتَ المـُتَحَدِّثُ قليلاً، وهو كأنّه يستعرِض الأحداث في ذهنه، ويتذكرها وينتقي أكثرها عِبرةً..

وضمّتْ الحلقة فيمنْ ضمّتْ عدداً يهمُّهم أخبار الأمجاد مِنْ مدرسة الإمام عليٍّ (عليه السلام) أولئك الذين بلغ بهم الإيمان بهذا البيت الطاهر إلى حدِّ التفاني.. وكان المتحدِّث يقطع أوصال الليل بالحكايات والعِبَر.

وقال: ولْيكنْ حديثنا الليلة عَنْ بطل مِنْ الأبطال، ومؤمِنٍ رائعِ الإيمان ومجاهدٍ بين يَدَي الإمام عليٍّ (عليه السلام) سجّل تأريخه بأنصع صفحةٍ.


هو: عبد الله بن بديل بن ورقاء بن عبد العزيز بن ربيعة الخزاعي..

سيّدٌ مِنْ سادات خزاعة، وبطلٌ مِنْ صفّين، وصحابيٌّ رافق القائد الأوّل، رسولَ الله في بعض غزواته: كحُنَيْن، والطائف وتبوك..

وهو لمْ يتخطَّ عتبة الشباب إلاّ بقليلٍ، فقد حمل السلاح مجاهداً بين يدي الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثُمّ انحاز إلى ابن عمِّه عليّ بن أبي طالبٍ، يُتَابِعُهُ متابعةَ الظلّ.

حتّى كان يوم صفّين، وابن بديل فارسٌ مُعلَّم لا يخفى أثره، فإنّ إيمانه بقضيته كانتْ أكبر مِنْ كلِّ شيءٍ لديه، فلا يَهُمّ إذنْ لو تعرّض لمخاطر الحرب، أو تعرّض للموت، ما دام هو الحقّ.

وقبل أنْ تَلتَحِم الجيوش، وتلمع السيوف، وقف هذا الرجل المجاهد خطيباً في قومه، وسيفه مشهورٌ في يده:

(ألا إنّ معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الأمر أهلَه، ومَنْ ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحقّ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب، وزيّنَ لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حبّ الفِتنة، ولبّس عليهم الأُمور، وزادهم رِجساً إلى رِجسهم، وأنتم والله على نورٍ، وبرهانٍ مبينٍ.. قاتِلوا الطغاة الجفاة، قاتلوهم ولا تَخْشَوهم، وكيف تخشوهم، وفي أيديكم كتابُ ربِّكم ظاهرٌ مبينٌ:( أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ ) ..


لقد قاتَلْتُهُم مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والله ما همْ في هذه بأزكى ولا أتقى، ولا أَبَرَّ، انهضوا إلى عدوِّ الله، وعدوِّكم..).

كانَ معاوية وصَحْب معاوية، وفي مقدَّمتهم عمرو بن العاص، على علمٍ أنّهم على الباطل، ولكنّ الدنيا، وعليها يتكالب المتكالِبون.

فقد نقلتْ الرواية: إنّ معاوية طلب إلى ابن العاص أنْ يُسَوِّي صفوفَ أهل الشام، فقال له عمرو: على أنَّ لي حكمي، إنْ قَتَلَ اللهُ ابن أبي طالب، واستوثقت لك البلاد. فقال معاوية: أليس حكمك في مصر؟ قال ابن العاص: وهل مصر تكون عِوَضَاً عَنِ الجنّة، وقتل ابن أبي طالب ثمناً لعذاب النّار، الذي( لاَ يُفَتّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) ؟ فقال معاوية: إنّ لك حُكْمَكَ أبا عبد الله إنْ قُتِلَ ابن أبي طالب، رويداً لا يسمع أهل الشام كلامك).

وهذا الحوار الذي يحتوي المقايضة بين معاوية وابن العاص، ويعطينا صورةً واضحةً عَنْ مدى إيمان الرجلين بقضيَّتِهم المـُفْتَعَلَةِ، ألا وهي الثأر لعثمان، فلم يكنْ موضوع عثمان إلاّ جسراً نَصَبَهُ معاويةُ وبِطَانَتُهُ، مِنْ أجل البلوغ إلى أهدافهم، ومطامعهم الدنيويّة.

في حين أنّنا نلمـَسُ في أصحاب الإمام عليٍّ الإيمانَ الصحيح، والصدق والإخلاص في أقوالهم، وأفعالهم، وهمْ مِنْ أجل هذا لا يبالون، أَوَقَعَ الموتُ عليهم، أَمْ وقعوا على الموتِ..


وابن بديل، عندما يندفع هذا الاندفاع لم يكنْ إلاّ مثلاً حياً لأصحاب عليٍّ (عليه السلام) الذي عَرَفوا أبا الحسنين حقّ معرفتِه، وأنّ القتال إلى جانبه واجبٌ، لأنّه إمامُ زمانِهِم، وبيعتُهُ في رَقَبَتِهِم.

بالإضافة إلى أنّ هذه الصفوة مِنْ أصحاب عليٍّ (عليه السلام) كانوا - في الحقيقة - مِثالاً رائعاً في وفائهم، وإيمانهم، ونستطيعُ أنْ نلمسَ الصورةَ الرائعةَ، التي أبرزها أحد أصحاب عليٍّ - وأيضاً - في صِفّين.

ذلك هو: أثال بن حجل بن عامر المذحجي، فقد نادى الأشتر يوماً مِنْ أيّام صِفِّين في أصحابه: أَمَا مِنْ رجلٍ يَشْرِي نفسَه لله؟. فخرج أثال بن حجل بن عامر، فنادى بين العسكريين: هل مِنْ مُبَارِز؟.

فدعا معاوية - وهو لا يعرفه - أباه حجل بن بن عامر - وكان مِنْ أصحابه، فقال: دونك الرجل.. فبرز كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فبدره الشيخُ بِطَعْنَةٍ، وطعنه الغلامُ، وانتسبا فإذا هو ابنه، فنزلا، فاعتنق كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه وبَكَيَا، فقال له الأبُ: يا بُنَي، هَلُمَّ إلى الدنيا ؟ فقال له الغلام: يا أبي هَلُمَّ إلى الآخرة.. ثُمّ قال: يا أبتِ، والله لو كان مِنْ رأيي الانصراف إلى أهل الشام، لوجب عليك أنْ يكون مِنْ رأيك لي أنْ تَنْهاني، وَاسَوْأَتَاه. فماذا أقول لعليٍّ وللمؤمنين الصالحين ؟ كُنْ على ما أنت عليه، وأنا على ما أنا عليه.


فانصرف حجل إلى صفِّ الشام، وانصرف ابنُه أثال إلى أهل العراق، فَخَبَّرَ كلُّ واحدٍ منهما أصحابه.

وقال حجل في ذلك:

إنّ حجل بنَ عامِرٍ وأثالا

أصبحا يُضْرَبَانِ في الأمثالِ

أقْبَلَ الفارسُ المـُدَجَّجُ في النقع

أثالُ يدعو يُريد نِزَالي

دونَ أهلِ العراقِ يَخْطُرُ كالفَحْلِ

على ظَهْرِ هَيْكَلٍ ذيال

فَدَعَانِيْ لَهُ ابنُ هندٍ ومازَالَ

قَلِيْلاً في صَحْبِهِ أَمْثَالِي

فَتَنَاوَلْتُهُ بِبَادِرَةِ الرُمْحِ

وَأَهْوَى بأسمر عسال

فأطعنا وذاك مِنْ حَدَثِ الدهر

عظيمٌ، فتىً بشيخ بجال(١)

شَاجِراً بالقناةِ صدر أبيه

وعزيزٌ عَلَيَّ طعن أثال

لا أُبالي حينَ اعترضتُ أثالا

وأثال كذاك ليس يُبَالِي

فافترقْنا على السلامة

والنفسُ يَقِيْهَا مؤخّرُ الآجالِ

لا يراني على الهدى وأراه

مِنْ هُدَاي على سبيل ضَلالِ

وانتهى الشعرُ إلى أصحاب عليٍّ (عليه السلام) فردّ عليه ولدُهُ أثال قائلاً:

إنَّ طَعْنِيْ وَسْطَ العَجَاجَةِ حِجْلاً

لمْ يكنْ في الذي نَوَيْتُ عقوقا

كنتُ أرجو به الثواب مِنْ الله

وكَوْنِي مَعَ النبيِّ رفيقا..

لمْ أزل أنصر العراق على الشا

م أراني بِفْعْلِ ذاك حقيقا

قال أهلُ العراقِ إذْ عَظُمَ الخطبُ

ونقّ المبارزون نقيقاً

مِنْ فتىً يَسْلُكُ الطريقَ إلى الله

فكنْتُ الذي سَلَكْتُ الطريقا

حاسرُ الرأسِ لا أُريد سوى المو

ت أرى الأعظمَ الجليلَ دقيقا

____________________

(١) البجال: الكبير.


فإذا فارسٌ تَقَحَّمَ في الرو

ع حذباً مثل السحوق عَتِيْقَا(١)

فبداني حجلٌ ببادرة الطعن

وما كنتُ قبلها مسبوقا

فتلقّيتُهُ بِعَالِيَة الرمْحِ

كلانا يُطَاوِلُ العيُّوقا

أَحْمُدُ الله ذا الجلالة والقدرة

حمداً يُزيدُني توفيقا

إذ كففتُ السنانَ عنه ولمْ اد

ن فتيلاً منه، ولا تفروقا(٢)

قلت للشيخ: لستُ أكفر نعما

ك لطيف الغذاء والتفنيقا(٣)

غيرَ أَنِّي أخافُ أنْ تدخل النا

ر، فلا تعصني، وكُنْ لي رَفِيْقَا

وكذا قال لي فغرّب تغريباً

وشرّقتُ راجِعاً تشريقا(٤)

ولعلّنا لَمَسْنَا في أبيات أثال مدى الإيمان بعقيدته، وهو مُطْمَئِنٌ تمام الاطمئنان أنّه على الحقّ، ويرجو الثواب مِنْ وراء جهاده هذا.

وكلّ أصحاب عليٍّ (عليه السلام) على وتيرةٍ واحدةٍ، لا فرق بين الصغير والكبير منهم، فإذا ما رأينا أثال، وهو غلام يافع، كما تشير الرواية إلى ذلك، فلا نستغرب بعد ذلك على ابن بديل - وهو الصورة المثلى للإنسان المجاهد، وهو القائد لجيش المشاة لعليٍّ (عليه السلام) - أنْ يضجر مِنْ طول الانتظار للقتال، وأخوه عبد الرحمن إلى جانبه، فيُكَلِّم الإمام في البراز فيوافق، وبرز وزحف ومَنْ مَعَهُ مِنْ جيشه، وعليه درعان، ويحمِلُ سَيْفَيْنِ، وهو يُنْشِدُ:

____________________

(١) الحذب: الضخم. السحوق: النخلة الطويلة.

(٢) التفروق: قمع التمر.

(٣) التفنيق: التنعيم.

(٤) راجع شرح النهج - ابن أبي الحديد: ٢/٤٤٨ - ٤٤٩ .


لمْ يبقَ غير الصبر والتوكّل

والتِّرس، والرمح، وسيف مصقل

تم التمشّي في الرعيل الأوّل

مَشْيَ الجمال في حياض المنهل

وحمل ابن بديل ومعه الأبطال الذين بايعوه على الموت يشقون الصفوف يطلبون معاوية، وهو يدفع بإخوانه المقاتلين إلى حيث معاوية، يبغي قتله، وشعر ابنُ أبي سفيان بالخطر فصاح بالجموع المحتشِّدة حوله: ويْلَكُم، الصخر والحجارة إذا عجزتم عَنِ السلاح. فَرَضَخَهُ الناسُ بالصخر والحجارة، حتّى أثخنوه فسقط ، فأقبلوا عليه بسيوفهم فقتلوه.

وجاء معاوية ووقف عليه، وأراد أنْ يُمثِّل به، ومنعه بعضُ مَنْ رافقه، فقال: اكشفوا عَنْ وجهه،فأنّا لا نُمثِّل به قد وهبناه، فكشفوا عَنْ وجهه، فقال معاوية: هذا كبش القوم وربِّ الكعبة، اللهمّ اظفرني بالأشتر، والله ما مَثَل هذا إلاّ كما قال الشاعر:

أَخُوْ الحَرْب إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا

وإنْ شَمَّرتْ عَنْ سَاقِهَا الحربُ شَمّرَا

وَيَحْمِي إذَا مَا المـَوْتُ كانَ لِقَاؤُهُ

قَدَى الشِّبْر يَحْمِي الأنف أنْ يَتَأَخّرا

كليثٍ هِزَبْرٍ كانَ يَحْمِي ذِمَارُهُ

رَمَتْهُ المنايا قَصْرهَا فَتَقَطَّرَا..

وَمَسْحَةٌ مِنْ إعجابً وذهولً رَفَّتْ على سُحْنَة معاوية، وعيناه مَشْرُوْدَتَانِ إلى ابن بديل، وقد مزّقَتْهُ السيوف والحجارة، ثمّ


انكفأ، وهو يقول: إنّ نساء خزاعة، لو قدرتْ على أنْ تقاتلني - فضلاً عن رجالها - لفعلت، فكيف بهذا البطل!!

وبلغ النبأ إلى الإمام علي (عليه السلام)، فأسرع إلى ساحة المعركة يكشف المحاربين عَنْ طريقه، حتّى وصل إلى جثمان ابن بديل ووقف عليه متاثِّراً، وهو يشدّ جراحه، واحدةً تلو الأُخرى ثمّ قال:

(جَزَاكُمْ اللهُ خَيْرَاً، أَدَّيْتُمْ مَا عَلَيْكُمْ، وَبَقِيَ مَا عَلَيْنَا).

وإلى جانب آخر مِنَ المعركة كان أخوه عبد الرحمن بن بديل قد وقع قتيلاً في تلك الحملة.

وهكذا تلاقتْ أرواحهما، متعانِقةً تصعد إلى بارئها راضيةً مرضيَةً، وهو جزاء المجاهدين..

وسكتَ المتحدِّث، حيث انقضى مِنَ الليل أكثره، وتعرف السامرون، ولكنّ ذكرى ابن بديل بقِيَتْ كضوء القمر، ينعش الليل بأنواره مِنَ الدهور



مَيْثًمُ التمَّار



في مساءٍ ضاحِكٍ مِنْ ليالي الكوفة العامِرة، والناس تتحدّث عَنْ أيّامها وحروبها، وفي مجلسٍ لبني أسد، وقد احتشد القوم فيه يقضون عمر النهار، مرّ فارسٌ وقورٌ عليه طهارة الصالحين وسيماء الزعماء، فاستَقْبله زعيم بني أسد حبيب بن مظاهر، حتّى التقتْ أعناق فرسيهما، وتحدّثا طويلاً، وكأنّ الفراق قد زادهما شوقاً للاجتماع، وتساءلتْ العيون عَنِ القادم؟ فقيل:

إنّه ميثم بن يحيى التمّار صاحب أمير المؤمنين ومِنْ مدرسته الخالدة (عليه السلام) وأمينه على أسراره، يلتقي بزميله في الولاء حبيب بن مظاهر، فزحفتْ الأسماع لهما تَسْتَرِق حديثهما، وكلّها لهفةٌ؛ لمعرفة ما يدور بينهما.

قال حبيبٌ وابتسامة هادئة تتهادى على شفتيه:

(لكأنِّي بشيخٍ أصلع، ضخم البطن، يبيع البطِّيخ عند دار الرزق، قد صلب في حبّ أهل بيت نَبِيِّه، وتُبْقَر بطنُه على الخشبة).

وأشرق وجه ميثم، وهو يستمِع إلى حديث صاحبه وقال:

(وكأنِّي برجلٍ أحمر له ضفيرتان، يخرج لنصرة ابن بنت نَبِيِّه فَيُقْتَل ويُجَال برأسه بالكوفة).


وافترق الفارِسان كلّ إلى جِهَةٍ.

وحملق الجالسون، وزموا شفاههم، وحبسوها على بسمةٍ ساخِرَةٍ كادتْ تنطلق لولا احترامهم للزعيم، وضيفه.

وانطلقتْ البسمة الساخرة واضحةً، بعد أنْ غابا عَنِ المجلس وتَهَامَسَ القوم، وقالوا فيما قالوا: (ما رأينا أحداً أكذب مِنْ هذين الفارِسَيْن).

وبينما هم يتحدّثون بهذا ونحوه إذْ أقبل عليهم شيخٌ وقورٌ ذو هيبةٍ وجلالةٍ، فطلب صاحبيه ميثماً وحبيباً، فقيل له إنّهما افترقا وأعادا عليه حديثهما بالتفصيل فضحك، وقال:

(رحم الله ميثماً إنّه نسي أنْ يقول ويزداد في عَطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم) ثمُّ ترك المجلس وذَهَبَ.

وتعالتْ التمتمات، والابتسامات مِنْ جديدٍ، وقال بعضهم: هذا والله أكذبهم.. وتساءل مَنْ يعرفه؟ فقيل له إنّه: رشيد الهجري.

وتفرّق المجلس على حديث هؤلاء الثلاثة، والشكُّ يُخَامِر مَنْ يخامر منهم، وموجةٌ مِنْ استهزاءٍ تطفو على وجوه البعض، مِنْ أُولئك الذين لا يعرفون علاقة هذه الصفوة بالإمام، أو يعرفونها ولا يعرفون واقع الإمام، وتجسّد هذا اللغط حتّى انقلب إلى سؤالٍ واستفهامٍ، قال احدهم يخاطِبُ صاحبه: أرأيتهم كيف أصبحوا يُخْبِرُون بالمـُغَيّبات؟ وكأنِّي بهم عَنْ قريب يدّعون النبوّةَ.

ودارتْ ضِحْكَةٌ ساخِرةٌ وسط القوم، وعلا صوت مِنْ


زاوية المجلس - يَنُم عَنْ حقدٍ دفينٍ -: هؤلاء هم أصحاب أبي تراب.

ولكنّ جذور الإيمان لمْ تنعدِم عند بعض الجالسين، مهما انصهروا في دوّامة الزمن، وهم مِمَّنْ صَحِبوا الإمام، ونَهَلُوا مِنْ بعض معارفه، فقد ثقلت عليه هذه السخرية اللاذِعَة، وهذا الأُسلوب النابِي من ان تُلاك به هذه الصفوة مِنْ حواريِّ الإمام فالتفتَ إلى المتكلِّم، وفي نظراته سيلٌ مِنْ عِتَابٍ وقال:

على مَهْلَكَ، لقد ذهبتْ بك الظنون بعيداً بحقِّ هؤلاء. أَمَا كانَ الأجْدَرُ بك أنْ تفكِّر، قليلاً ثُمّ تَحْكُم. إنّي لا اشكّ أَنَّ ما تحدّثَ به ميثم، وحبيب، ورشيد هي أشياء سوف تَحْدُثُ بعد، والإخبار بالمـُغَيّبات مِنْحَةٌ إلهيّةٌ مَنَحَهَا اللهُ أنبيائه، ورسله، والإمام عليٌّ أكثر الناس صِلَةً بابن عمّه رسول الله، وكاتِم سِرّه وأمِيْنه. وأيّ مانِعٍ لرسول الله أنْ يُوقِف عليّاً على أحوال صحابته، ويكشِف له عَنْ هذه الأُمور وأمثالها، وقد رأينا الكثير مِنَ الوقائع التي أشار إليها في كلامه قد تحقَّقَتْ بعد زمانٍ، وعَهْدنا ليس ببعيدٍ بِقصّة (ذي الثدية مِنْ يوم النهروان) وإخباره عَنِ ابن عمّه بأنّ (عمّاراً تقتُلُهُ الفئةُ الباغِيَة) وغير هذا كثيرٌ، فلا تكنْ قاسِيَاً على الصالحين مِنْ عباد الله.. وأشاح الرجل بوجهه عنه حياءً، ودُفِنَتْ الضحكة بين طيّات وجهه المـُتَجَعِّدَة.

وانتشر الحديث، فَنَسِيَهُ قوم، وحَفِظَهُ آخرون، وتَطلَّعوا إلى نتائجه يرقبون ما وراء الأحداث، وما يخبِّئُهُ الغدُ المظلِم، لأمثال هؤلاء مِنْ صحابة عليٍّ، ومشايعيه.


ومضى زمانٌ، وأقبل زمانٌ، ومرّتْ أحداثٌ، وتَلَتْهَا أحداثٌ، وكان مِنْ أَشَقِّهَا أنْ يتولّى إمارةَ الكوفة عبيدُ الله بن زيادٍ، وكان مِنْ أهمِّ ما تبنّاه هو القضاء على البقيّة الباقية مِنَ الصفوة المـُعَارِضة لسياستهم الأمويّة، بعد أنْ تولّى أبوه مهمّة القضاء على أكثرهم في الكوفة - مهد الإسلام وعاصمة الإمام - وكان لسان البقيّة الباقية ميثم التمّار.

وما كان لميثم، وأصحاب ميثم أنْ يصبروا على أساليب القوم في الحُكْم، ويسكتوا على التلاعب بالأحكام الإسلاميّة، وبمقدَّرات الأُمّة؛ لذا فقد سار ميثم على رأس تظاهرةٍ كبيرةٍ مِنَ المؤمنين، لِيُبَلِّغُوا الوالي مفارقاتِ حُكْمِهِ، وكان هو لسان القوم، وتحدّث ما شاء له الحديث - بصبرٍ وصلابةٍ - وقد أغاظ حديثُه خصمَه اللدود عمرو بن حُرَيْث، فأدنا رأسه مِنْ أميره - والحقد يَنزُّ مِنْ عَيْنَيْهِ - ليهمسَ في أُذُنِهِ:

أصلح الله الأمير أتعرف هذا المـُتَكَلِّم؟

قال ابنُ زيادٍ: لا.

فقال ابنُ حريث: هذا ميثم التمّار، الكذّاب، مولى الكذاب علي بن أبي طالبٍ.

دُهِشَ الأمير الأموي، وشدّ على أسنانه، واستوى جالِسَاً والتَفَتَ إلى ميثم قائلاً: ما يقول؟ وأشار إلى ابن حريث.

قال ميثم: كذب هذا الرجل، بل أنا الصادِق، مولى الصادِق عليّ بن أبي طالبِ، أمير المؤمنين حقّاً، فاحمرّتْ عَيْنَا


ابن زيادٍ مِنَ الألم، وصاح بميثم: قُمْ واصعد المِنْبَر، وتبرَّأْ مِنْ عليٍّ واذكر مَسَاوِئُهُ، وإلاّ قطعتُ يديك، ورِجْلَيْك، وصَلَبْتُكَ. فانسابتْ دموعُ ميثم مُنْهَمِرَةً على لِحْيَتِهِ الطاهرة.

وظنّ زيادٌ أنّ هذه الدموع وليدة الخوف والجزع، فالتَفَتَ إليه قائلاً: بَكِيْتَ مِنَ القول دون الفعل؟

فقال: والله ما بكيتُ مِنَ القول، ولا مِنَ الفعل، ولكنْ بكيتُ مِنْ شَكّ ٍخامرني يوم أخبرني سيِّدي ومولاي.

فافتعل ابنُ زيادٍ ابتسامةً وقال: وما قال لك صاحِبُك؟

قال ميثم: قال إمامي عليٌّ (عليه السلام): ((وَاللهِ لَيُقْطَعَنَّ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ، وَلِسَانُكَ، وَلَتُصْلَبَنَّ عَاشِرَ عَشْرَةٍ، أَقْصَرُهُمْ خَشَبَة وَأَقْرَبُهُمْ مِنَ المـُطَهَّرَةِ، وَتُعَلَّقُ عَلَى بَابِ عَمْرو بْنَ حُرَيْث))، فقلتُ: ومَنْ يفعل ذلك بي يا أمير المؤمنين؟ قال: ((يَأْخُذُكَ العُتُلُّ الزَّنِيْمُ ابْنُ الأَمَةِ الفَاجِرَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ)).

واستشاط ابن زيادٍ غضباً، واحتَقَنَ وجهه، ونَطَّتْ عروقُهُ، وصرخ قائلاً: لِنُخَالِفُهُ ونُكذِّب صاحبَك. قال ميثم: كيف تخالفه؟ والله ما أخبرني إلاّ عَنِ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولقد عرفتُ الموضع الذي أصلب فيه، وأنّي أوّل خّلْقِ الله أُلْجَمُ في الإسلام.

فقال عبيد الله: والله لأَقْطَعَنَّ يديك، ورجليك، ولأَدَعَنَّ لسانَك؛ حتّى أُكذِّبُكَ، وأُكذِّبُ مولاك، وزحف عبيد الله مِنْ على سريره، وهو يهدر من الغضب، وصاح بجلاّدِيْه اقطعوا يَدَيْه ورجلَيْه وأَرِيْحُوْنِي مِنْه، وكان ما أراد.


ثُمّ أمر بإخراجه وصَلْبِهِ على باب عمرو بن حريث، واحتشد الناس على ميثم، وهو يعالِج جِرَاحه، وطافتْ في نفسه أُمْنِيَاتٌ كما دارتْ برأسه أفكارٌ، وأفكارٌ، وتصارع في نفسه عامِلان: حَقّ وباطل. لقد لاقى كلَّ هذا الضيم؛ لأنّه مِنْ شيعة عليٍّ.. وبولائه نال هذا الجزاء الصارِم، والآنَ وقد وصل إلى هذا الحدِّ، والموتُ قد تجسّد له، وقد أَنْشَبَ أنيابه فيه، وبَيْنَهُ وبين النهاية المـُظْلِمَة كلمةٌ تُنِيْرُ الدنيا، في خِضَمِّ الحياة الأمويّة السوداء، وإنْ كان قد فقد يديه ورجليه، ولكنّ إيمان الرجل بعقيدته، وإخلاصه لإمامه، وصدقه في موقفه.. كلّ هذه العوامِل كانتْ أقوى مِنْ وَسَاوِس لَمْ تَلْقَ مكاناً في نفس هذا الإنسان المتفاني في حبّ آل البيت.

ولمس في نفسه بقايا مِنْ عزمٍ، فصمَّمَ أنْ لا يدعها تذهب سُدَى، وقرَّرَ أنْ يختِمَها بذكر فضائل الإمام عليٍّ (عليه السلام)، وهَدَرَ كالبُرْكَان يُحَدِّثُ الناس عَنْ فضائل عليٍّ وعدلِه، ما وسعه البيان، والناس تستمع وتودِّعُهُ بكلّ إكبارٍ وتقديرٍ.

وسمع عمرو بن حريث هذا الموقف الصارِخ - والذي بطبيعته يجلب انتباه المستمعين - فاضطرب، وهرول عائداً إلى مجلس أميره، وقد عَلَتْ وجهَهُ صُفْرَةٌ باهِتَةٌ، ووقف قِبَالَة ابن زيادٍ، يَلْهَثُ مِنَ الإعياء، ودهش الطاغيةُ لأمْرِهِ، وما ارتسم عليه مِنْ خوفٍ، واضطرابٍ، وصاح به: مالك يابن حريث، هل وقعتْ الواقعة؟ ماذا وراءك قل ولا تنتظر؟

وتدحرجتْ الكلماتُ مِنْ فَمِ ابن حريث ساهِمَةً وَاجِمَةً:


أصلح الله الأمير، بَادِرْ إلى ميثم، مَنْ يقطعُ لِسَانَهُ ويُرِيْحُ بني أُميّة منه، فإنِّي لستُ آمناً أنْ تتغيّر قلوبُ أهل الكوفة فينقلبوا عليك، لقد أخذ يتحدّث عَنْ فضائل عليٍّ، ويذكِّر الناسَ بِعَدْلِه، وحُكْمه وقُرْبِهِ مِنْ رسول الله.

وهال ابنُ زيادٍ هذا الأمر، وجَنَّ جُنُونَهُ، وأمر بسيّاف أنْ يُبَادر لِقَطْعِ لِسَانه، وبعد لأي قصير وصل السيّاف إلى ميثم والناس تبتعد عَنْه رُعْباً، وعيونهم تهرع خلفه تطلُّعاً، ووقف قبالة ميثم، وغرق في تفكيرٍ، وتَمْتَمَ في نفسه:

ماذا يخيفك يا أمير مِنْ هذا الجريح الذي سيلفظ أنفاسه بعد قليلٍ.

ولَمْ يُطِلْ التفكيرَ بالجلاّد. بل تقدّم إليه، وألقى عليه أمر ابن زيادٍ، فأشرق وجهُ ميثم، وتَهَلَّلَتْ أساريرُه، وأعجب الحاضرون منه، فشعر الجريح بهذا المعنى، فقال: لا تعجبوا لقد زعم ابن الأَمَة الفاجِرة عبيد الله أنْ يُكَذِّبَنِي، ويكذِّب مولاي، لقد خاب ظنُّه، وتاه فأله، هاك لساني يا سيّاف ونفِّذْ فيه أمر أميرك، وسيجزي الله الصابرين.

ونُفِّذَ ما أراد.

ومرّتْ على ميثم ساعةٌ يعالِجُ نفسه، ورغم آلامِهِ لَمْ يتغيَّر في صلابته، ثُمّ أسلم نفسه إلى ربِّه شاكِيَاً ظلمـَ الأمويين وجور طُغَاتِهِم.

ونَشَرَ الليلُ أبرادَه حزينةً كئيبةً قد اتَّشَحَتْ أبرادها بحمرة الدم، وتحدّث القوم في مجالس الكوفة، لقد صدق زعيم بني أسد،


حبيب بن مظاهر بقوله: (لَكأَنِّي بشيخٍ أصلع، ضخم البطن يبيع البطِّيخ عند دار الرزق، قد صُلِبَ في حبِّ أهل بيت نبيه، تُبْقَر بطنُه على الخشبة).

وحسب القوم أنّ ميثماً مات، وانتهتْ أخباره. وخاب ظنُّهم، فإنّ ذكرى ميثم باقيةٌ مع الشمس لا تبلى، لأنّ صاحبها مِمَّنْ أخلص لعقيدته، وجاهد في سبيلها، ووقف في وجه الظالمين دون خشيةٍ ورهبةٍ، آثر الآخرةَ على الدنيا، فقال كلمتَه بصدقٍ ووفاءٍ، وعَزْمٍ..


عَمْرو بْن الحَمِق



كانتْ صفوةٌ مِنَ الكوفة قد عاهدتْ الله أنْ تَخْلُصَ في إسلامها، وتحفظَ لرسوله غَيْبَتَه في أهل بيته، تُدَافِعُ عَنْ كرامتهم مهما كلَّفهم الأمر.

واجتمع سمَّار الكوفة يوماً في جُنْحِ الليل، يتّخِذون مِنْ رُحْبَة مسجدها مكاناً لسمرهم، يقطعون به ثُقْلَ الليل الجاثِم بِرَهْبَتِهِ وسوادِه.

وكانَ الحُكْمَ حينذاك قد آل لمعاوية بعد صُلْحِ الحسن (عليه السلام) وأعلنَ زعيمُ الأمويين ابن أبي سفيان عَمّا يُكِنُّهُ مِنْ روحٍ حاقِدةٍ تَحْمِلُ كلَّ معاني الحِقْد تجاه عليٍّ، وأهل بيته (عليهم السلام).

وينعقدُ مجلسٌ يضمُّ صفوةً مِنَ الكوفيين في ليلةٍ داكِنَةٍ، يتصيَّدون بها أخبار معاوية، وأحداثه الجديدة، وظلّ مِنْ وجومٍ لا يفارق ذلك المجلس.

ماذا عندك يا أبا عبد الرحمن مِنْ جديدٍ؟.

ويَلتفِتُ حِجْر بن عَدِي إلى سائله عمرو بن الحَمِق الخُزاعي قائلاً له:

لقد علمتُ اليوم أنّ معاوية وَلَّى على الكوفة المغيرةَ بن شعبة، وأوصاه بمطاردتنا والتنكيل بِنَا، وإنْزال أقسى العقوبات في حَقِّنَا.


وضحك الجميع، وغمز كلٌّ للآخر يذكِّره، بأنّ يومَه لَقريبٌ.

وتَمُرُّ أيّام ليستْ بالطويلة المديدة، وإذا بالوالي الجديد يَصِل الكوفة، ويُسَلِّم عليه الناس، وهو يُحَدِّقُ في القادِمِين، وشِلَّةٌ مِنْ حَوْلِهِ تُعَرِّفُهُ بالقَوم، وتزوِّدُهُ بالمعلومات، وإنْ كانتْ كَذِبَاً، وهو يَهِزُّ رأسَه علامةَ القبول والتصديق.

وفي زَحْمَةِ المـُرَحِّبِين تدخلُ جماعةٌ، وعلى وجوهها شيءٌ مِنَ الضيق، وتُسَلِّمُ على الوالي، ولمْ تَزِدْ في التملُّق له، ولمْ تَطُلْ المـَكْثَ عنده، وغادروا مَجْلِس المغيرة، وعيون المرتزِقَة مِنْ حوله، وحاشيته تُمَهِّدُ أطماعها، فتسيل في أَخْيِلَتِهَا ذهباً وهّاجاً تَدَّخِرُهُ على أجداث هذه الصفوة الطاهِرَة.

ويَقِفُ كوفيٌّ، وهو يحاول أن يَظْهَرَ بمظهرِ الجدِّ والرَّزَانَةِ، ويهمس في أُذُنِ المغيرة: أَعَرَفْتَهُمْ يا أمير؟ إنّ هؤلاء هُمْ صحابة أبي ترابٍ، ولا تَنْسَ وصيةَ معاوية فيهم. وقبل أنْ يَتِمَّ كلامه حتّى وقف إلى جانبه عمرو بن حريث، يَحْمِلُ المغيرةَ على هذه الصحابة بأُسلوبٍ آخر، ولونٍ أَشَد.

ويمتدُّ الزمنُ قليلاً بحياة الوالي، وتبدأُ الخطوط الأُولى مِنَ المعارضة لسياسته، فهو لا يفتأ أنْ يُنَفِّذَ أمر سيِّده معاوية، في كلِّ مناسبةٍ يَسُبّ عليّاً وأصحابَه، إرضاءاً لابن آكلة الأكباد. ومِنْ جانبٍ آخر أخذ دُعاةُ الإسلام وصحابتُهُ تَجْهَرُ بالمعارضة له، وتقابله بنكران أعمال معاوية والأمويين.

حتّى كانتْ ليلةٌ، اجتمعوا فيها، فأخبرهم عمرو بن الحَمِق:


بأنّ معاوية طلب مِنَ المغيرة مالاً، والمغيرة يهم بإرسال المال له في عشيَّة غدٍ.

فالتَفَتَ حِجْر بن عَدِي إلى إخوانه قائلاً: لقد آنَ أنْ نَضَعَ حَدَّاً لأمر هذا الطاغية، فهل إنّ أموال الشام قد نَفَدَتْ حتّى أرسل على أموال المسلمين هنا؟ أَيُرِيْدُ أنْ يَقْضِمَ حقوقَ إخواننا؟ لا كان ذلك أبداً..

وباتوا على فِكْرَةٍ، وترقَّبوا بريدَ المغيرة، وعرفوا أنّ الأموال سَتُرْسَلُ في عشيَّةِ الليلة، فاستعدتْ الجماعة، وزحفتْ إلى عَرْضِ الطريق، حتّى إذا مرَّتْ القافِلَةُ كَبَسَتْ الأموال، وأعلَنَتْهَا مظاهرةً صاخبةً في وجه الرُسُل، وعادوا خائبين إلى المغيرة يُخبِرونه بالخبر. وَيَهْرَعُ بِعِدَّةٍ مِنْ مُنافِقِيْهِ إلى محلِّ الحادِث، فيرى حِجْر وعَمْرو وبقيَّة الصحابة مِنْ شِيْعَةِ الحقِّ قَدْ أوقفوا المال، فَسَأَلَهُم عَنْ سبب هذا العمل، فقالوا له:

لا تذهبُ الأموال إلى الشام، إنّ هذه أموالنا، فاصرفها علينا، وأعطِ كلّ ذي حقٍّ حقَّه، إنّ معاوية تكفيه أموالُ الشام، وسائرُ الأقطار. واضطرَّ المغيرةُ أمام هذه الموجة الصاخِبَة أنْ يُعِيْدَ الأموال إلى قصر الإمارة، ويوزِّعها على المسلمين، ويتدارك الأمرَ بالحُسْنَى، ويطلب المـُتَمَلِّقون منه مُعاقبةَ حِجْر وجماعته. ويعرِضُ عنهم لِئَلاّ يتفاقم الأمر.

ويصل الخبر إلى معاوية، ويتأثّر ويغضب على المغيرة، لأنّه فَلَسَ مِنَ المال، ثُمّ لَمْ يستجب لطلب المـُنادِين بِعِقَاب حِجْر وجماعته، ويشتدُّ به الغضبُ، فيكتب كتابه بِعَزْل المغيرة، ونَصَبَ زياد ابن أبيه على الكوفة.


وينتشر الخبر في أرجاء الكوفة، يُحيطه شيءٌ مِنَ الرعب. إنّ أهالي الكوفة قد عرفوا في هذا الوالي الجديد كيف يحمل في جنبيه حِقْداً عارِماً على البشر عامّةً، وعلى الإمام عليٍّ ودعاة الإسلام خاصّةً. وإنّ بغضه وحقده ناشئان مِنْ عُقَدٍ نفسيّة قد اختمرتْ في أعماقه تعود إلى الشكوك في نَسَبِهِ، وعدم معرفة الناس بأبيه مَنْ يَكُوْنُ؟!

وكانتْ مِنَّةُ معاوية عليه أنْ نَسَبَهُ لأبيه، وزيادٌ لابُدَّ أنْ يقبل هذه المِنَّة، ويقابلها بالجزاء الأوفى.. لهذا كلِّه فهو ما أنْ أوصاه معاوية بالتشديد على مطاردة أصحاب خليفة رسول الله (عليه السلام) فحمل الناس على شَتْمِهِ، حتّى ألزم نفسه لتنفيذها أمراً أمراً، وأهالي الكوفة يعرفون قسوته، ويعرفون صلفه، ويعرفون تهوُّرَه. إذنْ لتستعد الكوفة إلى هذا الوالي، وتجاهِد أمرها في عهده.

أمّا حزب المعارضة لسياسة الأمويين، فقد نشطوا في الأيّام الأخيرة قبل مجيئه، وعقدوا عِدَّة اجتماعات، يضعون فيها الخطط لمعارضته، ولمْ يبقَ أملٌ في التسوية، بعد أنْ أعلنَ عَنْ نصب زيادٍ للولاية، فهو جاء مِنْ أجلهم، وتصفِيَتِهِم.

ووصل زيادٌ إلى الكوفة، واستقبله الناس إلاّ صحابة عليٍّ فقد أعرضتْ عَنْ ذلك، ولَمْ تُكلِّف نفسها مشقّةَ الاستقبال، أو أيّ إجراءٍ آخر يدل على اهتمامها له، وكاد ينْسَى زيادٌ هذه الحوادث لولا أفاعيل الحاشية حوله، يذكِّرونه بمعارِضِيْه والمؤمنين بالذات، ويثيرونه بكلّ ألوان الإثارة على هؤلاء.


ومع الأيّام اتضحتْ المعارضة بأجلى صُوَرِهَا، يتحدّون زياداً وهو على المنبر، ويعلنون محاربته جِهَاراً، ولكنّ زياداً لَمْ يكنْ مِنْ الحَمِق إلى درجةٍ أنْ يُفْسَد عليه الأمر، وهو بعد لَمْ يتركّز في الكوفة.

أمّا بالنسبة إلى أعداء هذه الصفوة، فقد بلغ مَبْلَغَاً كبيراً، بحيث صمَّمُوا على التخلُّص مِنْ مُعارِضِيْهِم، وخصوصاً أصحاب الحق مهما كلَّفَهُم الأمر؛ لأنّ وجودهم أصبح خَطَرَاً عليهم، وسدّاً دونَ أطماعهم المادِّيّة، ومنزلتهم عند الوالي.

وفي مكانٍ مِنَ الكوفة عقدتْ الحاشية اجتماعها، يَتَوسَّطهم عمرو بن حريث، يفكّرون في أمر هؤلاء، فكانَ أَنْ اتفقوا على رأيٍ وخطّةٍ.

وقَدِمُوا على زيادٍ صباح اليوم التالي، فوقف أمامه عمارةُ بن عقبة بن أبي مَعِيْط قائلا: إنّ عمرو بن الحَمِق يجتمع إليه مِنْ شيعة أبي تُرَاب، ويعمل على تقويض الحكم الأمويّ.

ويسكُتُ زيادٌ ويُطيلُ التفكير، ويُبَدِّدُ عمرو بن حريث هذا الصمتَ بأَنْ يستمرَّ في غرضه، فيخاطِبُ زياداً: يا أمير ارفع هذا الأمر إلى معاوية إنْ كنتَ لا تحبُّ أنْ تَصْدُرَ في حقِّ أعداء آبائك حُكْمَاً.

وتكلّم ثالثٌ مِنْ زاوية المجلس، وأيَّده رابعٌ. وكاد الهرج يسود المجلس، كلّ ذلك حَسْب الخطّة المرسومة، واعتقد زيادٌ أَنّ الزمام سَيَفْلِتُ مِنْه إنْ لَمْ يتداركْه بشيءٍ، فأمر رسوله أنْ يذهب إلى عمرو بن الحَمِق يبلِّغه بأَنّه عَلِمَ بأمر الاجتماعات التي تَتِمُّ عنده


كلّ يومٍ، ومِنَ الآن فصاعداً، مَنْ أراد الاجتماع به، وأراد أنْ يجتمع بِأَحَدٍ، لا يجوز له ذلك إلاّ في رَحُبَةِ المسجد، على مرأى ومَسْمَع مِنْ عيون الأمويين، وآذانهم.

ورضي عمرو بن حريث بذلك، مُعتَقِدَاً أَنّ هذه البادِرَة هي الشرارة الأُولى لِحَرْقِ دُعَاةِ الله.

وقصد بعض الشيوخ، الذين يرغبون أن يكون البلد بمعزل عن المشاكل، إلى عمرو بن الحمق وحجر وجماعتهما، وطلبوا منهم الخلود إلى الهدوء والسكينة، لتبقى البلاد في دعة المشاكل.

ولكنّ عمرو، ذلك الرجل الذي ما عرف المهادنة يوماً ما، لا يمكنه السكوت، والإغضاء عن الباطل مهما اقتضى الأمر، فهو عنيف في إيمانه لا تأخذه في الله لومة لائم.

والتفتَ كوفي إلى صاحبه، وهما في زاوية من المسجد يتحدّثان عن موقف زياد والمعارضة.

اعتقد - يا أبا الوليد - إنّ عمرو بن الحمق سيجبُن عن مقابلة الأمير زياد.

فيرُدُّ عليه صاحبه قائلاً:

كلاّ إنّ الرجل صلبٌ في إيمانه لا يخشى الموت، أليس هو أحد الأربعة الداخلين على عثمان داره؟ وقد جابهه وجهاً لوجهٍ بأغلاطه، وموقفه العاطفي مع الأمويين المنافي للإسلام.

نعم هكذا يتحدّث المتحدِّثون، وتدل الوقائع بأنّ عثمان أعطى مرّةً لأبي سفيان مائتي ألف دينار ذهباً، كما أعطى لمروان بن الحكم مائة ألف من بيت مال المسلمين.


- وحجر ما رأيك فيه؟

- أليس هو الذي امتنع عن الصلح مع معاوية بعد صلح الحسن (عليه السلام)، إلاّ بعد مماطلةٍ وإصرار.

إنّ هذه الصلابة بالمبدأ هي طبيعة جميع شيعة علي، دعاة الإسلام ومخلصيه.

أتعْلم يا أبا الوليد: إنّ هذا الخزاعي الذي يمثّل المعارضة لسياسة الأمير هو من أولئك الموالين لعليٍّ (عليه السلام)، والمتفانين في محبّته. ولقد قال لأبي الحسن مرةً: (والله ما جئتك لمالٍ من الدنيا تعطيها، ولا لالتماس سلطانٍ يرفع به ذكري، إلاّ لأنّك ابن عمِّ رسول الله، وأولى الناس بالناس، وزوج فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين، وأبو الذرية التي هي بقية رسول الله، وأعظم سهماً للإسلام من المهاجرين والأنصار، والله لو كلَّفْتني بنقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي أبداً حتى يأتي عَلَيّ يَوْمِي، وفي يدي سيفي أهزُّ به عدوَّك، وأُقوِّي به وَلِيَّك، ويُعَلِّي به الله كَعْبَك، ويُفْلِح به حُجَّتك، ما ظننتُ أنّي أَدَّيتُ من حقِّك كلّ الحقّ الذي يجب لك عَلَيَّ) فما سمع منه عليٌّ (عليه السلام) هذا القول حتى رفع يديه للدعاء وقال:

((اللهم نوّر قلبه، واهده إلى الصراط المستقيم، ليت أنّ في شيعتي مائة مثلك)).

وسمع أبو الوليد من صاحبه هذه الكلمات، التي ألقاها عمرو بن الحمق بين يدي إمامه في يوم من الأيّام، وهو غارق في بحرٍ من التفكير: وهزَّ رأسه دليل الإعجاب، ثمّ أردف إليه أبو


الوليد قائلاً: أَتَعْتقد مثل هذا المـُخْلِص سيجْبُن أمام تهديدات زياد، أبداً، والذي نفسي بيده..

ولم ينتهِ كلامهما حتى أطلَّ عمرو على المسجد، وزحف إليه الرجلان، وسَلّمَاَ عليه، ثمّ قال له أبو الوليد: ما ضرّك يا عمرو لو تهادنْتَ مع الأمير، وأمِنْتَ على حياتك من بطشه وجبروته، فإنّه ظلومٌ غشومٌ. وليس مِنْ قتلك ما يمنعه في جاهليته..

غير أنّ عمرو التفت إليه، وضحك ضحكةً عاليةً فيها كلّ علائم السخرية، وقال: يا أبا الوليد لقد أتيتُ يوماً إلى رسول الله، وهو في المسجد الحرام. فقال لي: ((يا عمرو هل تريد أنْ أُرِيك رجلاً مِن أهل الجنّة، ورجلاً مِن أهل النار)). فقلتُ: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله أرينيهما. فجلسْنا هُنَيْهة حتى دخل علينا علي بن أبي طالب فَسَلّم وجلس، فالتفتَ إليَّ رسول الله وقال: ((يا عمرو هذا وقومه آية أهل الجنة))، ومضتْ هنيهة فدخل علينا معاوية، ثم أقبل فسلّم وجلس، فقال رسولُ الله: ((يا عمرو هذا وقومه آية أهل النار)).

أتريد يا أبا الوليد أنْ أتَغَاضَى عن بغض معاوية، وهو آية أهل النار؟ وأنْ أَتَهاون في حبّ عليٍّ، وهو آية أهل الجنة؟ لا والذي نفسي بيده، لا أسكتُ عن الحق، ولا أكون عوناً للباطل.

وساد الجميع سكونٌ عميق، ووقف عمرو يصلِّي لِرَبِّه ركعتين


بينما العيون لا تفارقه، وهو ينقطع لخالقه يرجوه القوّة والعزم؛ لمجابهة الظالمين.

وضاق زياد ذرعاً بالمعارضة، واستشار سيِّده معاوية بأمرهم، فطلب منه أنْ يقبض عليهم ويقتلهم جميعاً.. وأرسل زيادٌ في طلب عمرو وبعض إخوانه في الجهاد، ودارتْ معاركٌ خفيفة بين القوم، ورجال زيادٍ، وتمكّن عمرو أنْ يفلتَ من أيدي الجنود، وهرب إلى خارج الكوفة، وأخبر زياداً بذلك. فثار غاضِباً، وصاح بجُنْدِه أنْ يأتوه بالخزاعي، ولا يرضى عنه بديلاً، ولو هدَّموا الكون داراً داراً.

ولكنَّ محاولات الجنود باءت بالفشل، وعادوا لأميرهم خائبين، وتألَّمَ كثيراً، وقضى يومه، لمْ تظهر البسمة على شَفَتَيْهِ غضباً وحَنَقَاً، وتقدّم إليه عمارة بن عقبة وقال: لي رأيٌ بواسطته ستتمكّن من إلقاء القبض على طَلِبَتِكَ عمرو بن الحمق.

فصاح به زيادٌ: قل ولا تُطِل الحديث، إنّي أكاد أجْزع.

قال: عليك بزوجته فاحبِسْها، وشدِّد عليها النكير، وأعْلِن ذلك فسيسمع بهذا النبأ، وسيضْطر إلى التسليم، وتكشَّفَتْ أسارير جاهليّة زيادٍ، فرحاً لهذا الرأي، وصاح بجلاوزته: أسرعوا إلى دار عمرو بن الحمق، وأْتُونِي بزوجته (آمنة بنت الشريد) وفعلاً نفَّذوا ما أراد، وأحضروها، وساءلها عن زوجها فقالتْ: لا علم لي به، شَرَّدَهُ أمرُ معاوية.

فصاح زياد بِجُنْده، وأَمَرَهم بِحَجزها ريثما يحصل على ضالَّته. والْتقى أبو الوليد في رَحُبَةِ المسجد، والليل في عنفوان


شبابه، وأنواره زاهيةٌ، وهواءه عَذِبٌ، سوى ظِلٍ مِنْ رَهْبَةٍ ورُعْبٍ، تُخَيِّمان على المكان، وحديثٌ خافتٌ يطفو على الشفاه يدور حول مصير هذا الأسير، الذي وقع في يَدَي والي الموصل بعد قتالٍ عنيفٍ.

وارتسم على وجه الكوفي أكثرُ مِنْ سؤالٍ، فَغَرَّ فاهُ: عجيبٌ هل قَبَضَ عبد الرحمن بن عثمان الثقفي على عمرو بن الحمق؟ فأجابه صاحبُه، والوجوم مسيطرٌ عليه: نعم، لقد قبض عليه بعد قتالٍ عنيفٍ.

ماذا سيعمل فيه. أَيَقتُله، أمْ سيبقِيه حيّاً. إنّ هذا العامل الذي يُعرف بابن أمِّ الحَكَم، قد وَلَغَ من حقد الأمويين ما يُهدِّد مصير هذا العبد الصالح على يده.

- ولماذا يا أبا الوليد؟

- لأنّه ابن أخت معاوية، ومُتَفَانٍ في حُبِّهِ.

وتحدَّثَ الكلُّ عن مصير عمرو، إنّ معاوية لنْ يتورّع عن إصدار الأمر بالقتل في حقِّه، والتمثيل به. وبات أكثر سُكّان الكوفة ينتظرون أخبار الموصل، ماذا تَحْمِل لهم، فقد كتب ابنُ أُمِّ الحَكَم إلى زيادٍ يسأله رأيه في عمرو، وقام هذا بدوره ليُسائل معاوية، وعمرو في سجنه يَلْقَى أعنفَ ألوان العذاب، ويُعاني من ظلم هذا العامِل ما يعجز عنه الحديث.

لقد كان عبد الرحمن يخرجه أغلب الأيّام، وهو يَرْسِفُ في قيوده إلى مجلسه، ويطلب منه البراءة من عليٍّ، والولاء لمعاوية، فما كان جوابه إلاّ السخرية والاستهزاء بسيِّده معاوية، وأميره


زيادٍ، وكان يَلْقَى جزاء هذه السُّخْرِيَة المـُرَّة من هذا الطاغي. الضربَ والحَرْقَ، ونَتْفَ الشعر، وإعادته إلى السجن.

ومر عليه يوماً في سجنه صديقٌ له قد تعرّف عليه من أيّام الرسول الأعظم وقال له:

يا عمرو ما ضرَّك لو تُسالم هذا الطاغية، وتَحْقِن دَمَك، ودم زوجتك السجينة في دمشق.

فقال له عمرو: وماذا تريد أَأُسَالِمُ معاوية؟ إنّه يريد أنْ أتبرأ منْ رمز الدعاة إلى الله، وأنا الذي سمعتُ من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قولَه: ((إنّ علياً وقومه في الجنّة، ومعاوية وصحبه في النار)). لقد جاهدتُ مع عليٍّ في جميع وقائعه: الجمل، والنهروان، وصفِّين، عِلْمَاً مِنِّي بأنّه على الحقِّ، وكنتُ أتمنَّى الشهادة على يده، وما حصلتُ ذلك، وبقيتُ انتظر هذا اليوم، وتولّى معاوية الحُكْم، وجاهر بكلِّ ما يخالِفُ الإسلام. أَتَرَانِي أسكتُ على الباطل؟ وأغضي على هذه المخالفات التي يرتكِبُها معاوية وعامِلُه؟ إنّه خالَفَ القرآن، والعدالة في أحكامه، وأعماله. بماذا يُفسِّر المسلمون سكوتي، لا، والذي نفس عمرو بيده لا أسكُتُ عن ذلك حتى لو قُتِلْتُ، ثم حُييت، ثمّ قُتلتُ، وهكذا يُفْعَل بي عِدَّة مرّات، فأنا لا أمنعُ لساني عن المجاهرة بِنَقْدِهِم، ولا أُعطي من نفسي مجالاً للطعن بأمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام). كيف وهي قتلةٌ واحدةٌ ؟..

ودبَّ اليأس إلى وجه الرجل، وغادر السجن، وترك عمرو يُعاني عذاب الأمويين، حتى ورد أمر معاوية لهذا الطاغي


فعقد المجلس له، وأُتِيَ به، وهو يَجُرُّ نَفْسَه جرّاً؛ لثقل الحديد الذي كُبِّلَ به، وأوقفه في حرارة الشمس، وهو الشيخ الذي ذَرَفَ على الثمانين، والناس مُحْتشِدون، كأَنّ على رُؤوسهم الطير، يستمِعون إلى حكم معاوية.

وارتقى عاملُ الموصل عبد الرحمن بن عثمان المِنْبَرَ، وأعلن أنّه سيقرأ كتاب معاوية، وامتدّتْ الأعناق إليه تتطلّع إلى الحكم، وأَرْهَفَتْ الآذان، وظلَّلَتْ المجلسَ سحابةُ حزنٍ قاتِمَة، ثُمّ قرأ الكتاب:

إلى عبد الرحمن بن عثمان الثقفي عامل أمير المؤمنين معاوية في الموصل: لقد أمر معاوية أنْ أكتب لك في أمر عمرو بن الحَمِق الخزاعي، الخارج على طاعة الأمويين، والموالي لأبي ترابٍ، فقد أمر بأنْ تُخَيِّرَهُ: إمّا أنْ يتبرَّأ من عليٍّ، ويسبَّه ويمدح الأمويين ويذكر مَحَاسِنَهم، وإمّا أنْ تَطْعَنَهُ تِسْعَ طعناتٍ؛ لأنّه زعم أنّه طعن عثمان تسع طعناتٍ بمشاقص معه، وابعث إلَيّ َبرأسه؛ لأُرسله إلى معاوية والسلام.

واصفرتْ الوجوه، وبلغتْ القلوب الحَنَاجِر، وراقبتْ العيون هذا الشيخ الأسير الذي يسمع الحُكْم على نفسه، وهو يقابله بمعنويّة عالية، أصْلَبُ من الحديد، فَلَمْ يُبْدِ عليه أيُّ اضطرابٍ.

ويصيح ابن أُمِّ الحَكَم بعمرو: أَجِبْ أَيَّ الأمرَيْن تختار؟.

ردَّ عمرو وهو ثابِتُ الجِنَان، قويُّ الشَكِيْمَة -: لقد خابتْ ظُنُونُكُم، وماتتْ آمالُكم: أمّا البراءة من عليٍّ فلا


لأَنِّي أعلم أنّه على الحقّ، وأنّ معاوية وصَحْبَه على الباطل، وأمّا القتل فأنا مُستعِدٌ له ومُتَقَبِّلُهُ، وسَأقِفُ غداً بين يدي الله ورسوله وعليٍّ، اقتصُّ ظُلامَتِي من طاغية الأمويين معاوية.

وتقدّم الجلاد إلى عمرو بن الحَمِق لينفّذ فيه أمر سيّده والمشاهدون يُكْبِرُوْنَ بطولتَه، فطلب منه أنْ يُمْهِلُهُ دقائق؛ كي يصلّي ركعتين. ولكنّ عبد الرحمن أمر جلاّده بأنْ يُنفِّذ أمره ولا يَدَعه يصلي، وكان ما أراد، ولفظ عمرو بن الحمق أنفاسه في الطعنة الثانية، وقفز هو مِنْ على سريره، وحزَّ رأسه، وأرسله إلى زيادٍ، ثمّ أرسل زيادٌ الرأسَ إلى معاوية.

وبلغ البريدُ معاويةَ، وهو في مجلسه، وَوُضِعَ رأسُ عمرو بن الحمق بين يديه، وقرأ كتاب زياد:

(لقد امتنع عمرو من البراءة من عليٍّ، فنفَّذْنا فيه أمرك).

ورمق معاويةُ الرأس طويلاً، وَرِعْدَةٌ خفيفةٌ مَشَتْ في أوصاله ثمّ تَمْتَمَ وقال: إنّي أخاف حتى أشباحهم، وأمر بأنْ يُحْمَل الرأس إلى السجن ليوضع أمام زوجته آمنة.

وهكذا تنتهي حياة هذا الصحابي الجليل الذي وقف مع النبي في بعض غزواته، ووقف إلى جنْب عليٍّ (عليه السلام) في جميع وقائعه، ورثاه الإمام الحسين وهو يكتب إلى معاوية. ((أَوَلَسْتَ قاتِل عمرو بن الحَمِق، صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العبد الصالح الذي أبْلَتْهُ العبادة، فنحل جسمُه، واصفر لونُه، بعد ما آمنْتَه، وأعطيتَه من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيتَه طائراً


لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلْتَه جُرْأةً على ربّك، واستِخْفَافَاً بذلك العهد)).

رحمك الله يا عمرو، فقد أدّيتَ واجبك تجاه عقيدتك، ودافعتَ عنها دفاع الأبطال، وكان موقفك الرائع درساً للأجيال، تُعَرِّفُهُمْ كيف تكون التضحية عند الفدائي أَيْسَرَ من اليسير.


رَشِيْدُ الْهُجَرِي



وانتفض أبو أراكة فزعاً ورعباً، وعلتْ الدهشة وجهه وجفّ ريقُه، وخَفَتَ صوتُه، ثم أخذ يُدير طرفه في الجالسين كأنّه يستَنْجِد بهم، وحاول أنْ يصيح، ولكنّ الكلمات ماتتْ على شَفَتَيه. ماذا يرى وأيّ مصيبة حلّتْ به، وشدّ عينه بخطوات هذا القادِم، وهو يَقترب منه، ثمّ لمْ يَلبث أنْ وقف على رأسه، ولمْ يطقْ أبو أراكة الحديث، بل لاذَ بالصمت وعيناه قد تَسَمَّرَتْ بِخُطَى الطارق الجديد، وسرتْ في جسمه رعشةٌ خفيفة عندما لمح هذا الشخص المطارَد مِنْ قِبَلِ الوالي الأموي يَلِجُ دارَه.

ونهض أبو أراكة من مجلسه، والأرض تَمِيْدُ به، ودخل على زوجته، وأسنانه تَصْطَكُّ مِنَ الرعب، والصُفْرة قد غطّتْ وجهه المـَتَجَعِّد، وهو يسحب رجلَيه سَحْبَاً.

وخفتْ إليه زوجته مندهِشة من حاله لتسأله عمّا دهاه؟.

ويَجذِب أنفاسه المـُتَهَرِّئَة، وكأنّه يجمعها من هنا وهناك، ويحاوِل أنْ يُجيب زوجته فيخونه التعبيرُ، ويُتَمْتِمُ ثمّ يَبْلَع رِيْقَه ويستعيد أنفاسه مرةً ثانيةً، وثالثةً، ويبحثُ عن الكلمات الجامدة في جوفه، ثمّ يلتفتُ يمنةً ويسرةً، وهو يخشى عليها من الرقيب أنْ يختطفها، ويرسلها إلى حاكم الكوفة العنيد.


وتمدُّ زوجتُه أُذُنُهَا المشدوهة إلى فَمِ زوجها المرعوب فيهمس فيها، وهو يشدّ عليها بأطراف أصابعه قائلا: (إنّ رشيد الهجري) دخل بيتنا ليختفي فيه عن عيون الذين ضايقوه في الطريق.

وتفغر الزوجة فاها مدهوشةً ذاهِلَةً، ثمّ تلطُم خدَّها، وتحاول أنْ تصرخ، فَيَكُمُّ زوجُها فمَها، ويهدّئ من خاطرها، وبعد لأْيً تستردّ أنْفاسها ويجلسان معاً للتفكير بتدبير الأمر بِحِنْكَةٍ وحَزمٍ، ويرسمان الخطة وينهض الزوج إلى رشيد يقول له وقد تحامل على نفسه:

ويحك - يا رشيد - قتلْتني، وأيتمتَ ولدي وأهلكتَ عائلتي.

قال رشيد: وما ذاك؟

قال أبو أراكة والغيظ يكاد يخنقه : لا تتجاهل ما صنعتَ بي؟ ألستَ مطلوباً لزيادٍ وإلى الأمويين، وعيونه تبحث عنك في كل مكان، فكيف تدخل عَلَيَّ في وَضَحِ النهار؟

قال رشيد: أرجو لا يكون قد رآني أحد يُخشى منه.

وحَمْلَقَ صاحب البيت في وجهه متعجِّباً، وغَمَزَ زوجته، وقال: وتسخر بي أيضاً.

ثمّ حملا عليه وأمسكاه، وأُدخِل بيتاً بعيداً عن الأنظارْ وأُغْلِقَ عليه بابُه خشيةَ أنْ يخرج فيفسد عليه أمره.

وعاد أبو أراكة إلى أصحابه في مجلسهم في رَحُبَة داره، والاضطراب بادٍ عليه، والتفتَ إليهم قائلا:


خُيِّلَ لي أنّ رجلاً شيخاً قد دخل داري آنفاً.

ولكنّ جُلاّسه أنكروا ذلك، وقالوا ما رأينا أحداً.

وكرر ذلك عليهم مرة ومرتين، وجُلاّسه يَنْفُون أنّهم رأوا أحداً يدخل داره.

ولكنّ هذا لم يكن كافياً لراحة أبي أراكة، فقام وجرَّ نفسه جرَّاً - والفزع يأخذ منه - إلى مجلس يتصيَّد فيه الأنباء؛ ليتعرَّف هل سبقه الخبرُ، فإذا علم بأنَّ النبأ طرق سمْعَ زيادٍ، يخبره بأنّه قادمٌ عليه ليُعَلِّمه بأنّ طَلِبَتَهُ في بيته، أوثقه كِتَافَاً وأنّه بانتظار مَنْ يَتَسَلَّمُهُ منه.

وطال الجلوس بالرجل في مجلس زيادٍ، ودبَّ الاطمئنان إليه بأنّ أحداً لمْ يعرف عن أمره شيئاً، ورغم هذا لمْ تتركْهُ أشباح الخوف، وغادر المجلس وفارقه، والاضطراب لم يفارقْهُ. وعاد أبو أراكة إلى بيته، وفي نفسه وجلٌ مُخَيِّمٌ رغم أنّه لمْ يرَ في مجلس الأمير ما يبعث على الخوف، واستقبلتْه زوجته، وهي تفتعل الابتسامة؛ لِتُخَفِّفَ مِن حزن زوجها، وخفّ إليها، وهو يردّ على ابتسامتها بابتسامةٍ ثقيلةٍ وقال لها:

قضيتُ وقتاً طويلاً في مجلس الأمير، فما شعرت بشيء يدل على وصول نبأ رشيد له.

وتقفز الفرحة على بسمات الزوجة، وترفع طرفاً إلى السماء، شاكرةً لها هذا اللطف. وسارع أبو أراكة الى مَخدَع رشيد - وهو يحاول أنْ يخفي خجله منه - والتقى به هاشّاً، خلافاً لعادته وابتدره.


- طاب يومك يا رشيد.

- وسعد يومك يا أبا أراكة.

وأحسّ رشيدٌ بأنّ ظِلاً من الطمأنينة قد ألمـّ بصاحبه، وإنْ كانت سحابةٌ من التفكير تُخيِّم عليه، وحاول أنْ يبدِّد هذه السحابة بالاعتذار له عن مضايقته لهم، وموقفه معهم فقال: يا أبا أراكة أعتذر منك كثيراً لقد نغصَّتُ عليكم حياتكم اليوميّة وعرَّضتُكم لخطرٍ كبيرٍ، أمَا كفاني أنْ أكون أنا في خطرٍ، حتى أُشرك معي أحداً بهذا الأمر، أعتذِر منك يا أبا أراكة، وأُكرِّر اعتذاري.

وكأنّ أبا أراكة على رغبةٍ من هذا الحديث، وهذا الاعتذار فالتفتَ إليه قائلاً:

يا رشيد.. أمَا كان الأجدر بك أنْ لا تُلْقِي بنفسك في هذه المآزِق، وهذه المـَهلكة، فما أنت ومعارضة الأمويين، وأنت تعلم أنّ معاوية لا يترك الأمر بالْهَيِّن، وهو لا يهمُّه أنْ يَقتل نصف المسلمين في سبيل استقامة الحُكْم له، وإنّي أنصحك أنْ تُقلِع عن هذا الأمر، وتعود إلى بيتك ترعى أطفالك وتَحْتَضِن أهل بيتك، وتُكَحِّل عيونهم بسلامتك.

وسكت عن الحديث - كما سكت رشيد أيضاً - وشعر أبو أراكة بأنّ سكوتَ رشيد دليلُ قبول كلامه، فالتفتَ إليه وقال: أَتَعِدُنِي بأنْ تُقْلِع عن معارضة معاوية يا رشيد.؟

وضحك رشيدٌ في قرارة نفسه مِن سذاجة هذا الشخص الذي يكيل له النصائح، وهو لا يعلم - أو يعلم ويتغابى -


بأنّ على الرجال المخلصين واجباً لا يمكن الفرار منه، ذلك هو الواجب الديني، وكلمة الحق تُقَال مهما كلّفتْ قائلها.

والتفتَ رشيدٌ إلى مُضِيْفِهِ، وهو يتصنّع الهدوء وقال:

يا أبا أراكة: جزاك الله خيراً عن نصيحتك، ولكنْ أَمَا تشعر معي أنّ هذا الحكم الأموي القائم غَيَّرَ جميعَ معالمنا الإسلامية، وأفقدنا العدالة الاجتماعية، التي ضَحّى مِن أجلها - الغالي والنفيس - الرسولُ الأعظم، وابنُ عمِّه عليُّ بنُ أبي طالب، والكثيرُ من قادة المسلمين.

أَتَنْكُر - يا أبا أراكة - أنّ العهد الأموي هذا عندما مَدّ جِنَاحه على المسلمين، ضرب بالإسلام وأحكامه عَرْض الحائط، وأصدر قوانين تنسجم وأهواء هذا البيت المعارِض لرسول الله مِن يومه الأوّل، ثمّ لا يرعوي عن ترك جميع ما نصَّ عليه القرآن، وما دلَّتْ عليه السُّنَّة، حتى صارتْ المصالح النَفْعِيَّة هي الأساس لإدارة أمور المسلمين..

وكان قد بلغ الحماس برشيد مَبْلَغاً، ارتفع صوتُه بحديثه وضاق أبو أراكة بهذا الحديث، وأخذ يَلْتَفِتُ يمنةً ويسرةً، ثمّ أشار إلى ضيفه بأنْ يُخْفِضُ صوته، لأنّه يخشى الرُقَبَاء، وقد اكتسى وجهُهُ بصفرةٍ فاقِعَةٍ.

وبصوت متقطِّع قال أبو أراكة:

هذا صحيحٌ، وقد أكون مؤيِّداً لك في بعضه - وقد فَاهَ بهذه الجملة همساً - ولكنْ ما أنت والدخول في هذا الأمر، أمَا كان في البلد غيرك يحمِلُ راية المعارضة بوجه الأمويين


أَمِنَ المـُسْتَحْسَن أنْ تَجْلب اليُتْم - بفعلك هذا - على بيتك وأولادك؟ فهل يتواني زيادٌ - وهو الوالي القاسي - مِن صبِّ غضبه عليك، وتخسر حياتك وتُفْسِد أمر عائلتك؟!

وأشفق رشيدٌ على هذا المخلوق الضعيف الذي مَلَكَهُ حبُّ الدنيا، فسكتَ على الباطل، وحاول أنْ يُسَكِّتَ غيرَه.

ما أكثر أمثال أبي أراكة مِن ضِعَاف القلوب، يكتمون الواقع خشيةَ غضب السلطان، وهم على علمٍ مِنْ بُطْلانه وَزَيْفِه.

واعتقد صاحِبُنا: أنَّ سكوت رشيد يدل على تقبّل حديثه، فتشجَّع على الاسترسال، وعاد للحديث ثانيةً قائلا:

يا رشيد أَعَلِمْتَ أنَّ معاوية كتب إلى وُلاتِهِ في سائر الأقطار يأمرهم بأنْ لا يجيزوا أَحَداً مِن شيعة عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأهل بيته شهادةً، وإنّ مَنْ قامتْ عليه البيِّنة بِمَحبّته له، يُمْحَى اسمه مِنَ الديوان، ويسقط عطاؤه، ورزقه، ويُنَكَّل به، وَيَهْدُم داره.. وعلى هذا الأساس أخذ زيادٌ وأضْرَابُهُ الناس على الظن والتهمة، ووضع في رقابهم السيف، وشدَّد النكير عليهم، بحيث أصبح الفرد يخشى حتى مِنْ ظِلِّه، ثمّ في هذا الجو المحفوف بالمخاطر تُعْلِنُ معارضتك بهذه اللهجة الصريحة؟!.. بالله عليك إلاّ ما تركتَ هذا الأمر، وانْزَوَيْتَ في قَعْرِ دارك ترعى أطفالك، وتحتضن بيتك، وبذلك تريح نفسك، ومُحِبِّيْكَ.

وضاق رشيدٌ ذرعاً بهذا البيت، وانحبستْ أنفاسه من هذا الرجل، وتأكّد له، أنّ بقاءه فيه، سَيُمِيْتُ الرجولة في قلب مُجِيْرِهِ


خوفاً وفزعاً، ولا يمكنه الصمود للحوادث، وربّما انهار أمام عيون الوالي الطاغية، فصمَّمَ على مغادرة البيت.

وحدَّثَ أبا أراكة بفكرة مغادرته، فانكشفتْ أساريره، وارتاح لهذا النبأ، وما أنْ مالتْ الشمس للمغيب حتى وقف أبو أراكة أمامه وكأنّه يذكِّره بفكرته:

رشيد لا تظن أنِّي أَمْسِكُ عليك هذا البيت، لو لا قسوة زيادٍ، وأَخْذُهُ الناسَ على الظن والتهمة، وإنّي أخشى على عِيَالِي مِنَ اليُتْمِ.

ومع الظلام ترك رشيدٌ البيت، وبَقِيَتْ صورته متجسِّمة في ذهن أبي أراكة، كلّما خطرتْ - في يقظةٍ وحلمٍ - تزحفُ معها أشباح الموت، فَيَلْتَاعُ ويَضطرِب. وكان يتجنَّب أنْ يجالس أصحابه، خشيةَ أنْ تَفْلِتُ مِن لسانه كلمةً تدلُّ على أَنَّ هذا المطلوب للوالي الأموي قد اختفى عنده، بُرْهَةً وَجِيْزَةً مِنَ الوقت.

ومضيتْ أيّام وتَبِعَتْهَا أيّام، وزيادٌ لا يلين عَن مطالبة شَرِطَتِهِ بالقبض على هذا الإنسان الخَطِرِ على الحكم الأموي، وأخيراً وفي غسق الليل انْقَضَّتْ عليه أيْدِي الجلاوزة، حين كان يحاوِلُ فيه رشيدٌ أنْ يغيِّر مكانه، وانتشر الخبر، وتسابق الناس إلى مجلس زيادٍ مع إشراقة الشمس؛ لتعرف ما يكون أمر هذا المعارِض العنيف.

وأُدْخِلَ رشيدًٌ مقيداً وامتدّتْ الأعناق، وزحفتْ الأبصار تستقبل هذا الإنسان، وهو يَرْسِفُ في وثاقة بين يدي زيادٍ، وسادَ سكونٌ عميق، كان له رهبةٌ في نفوس الجالسين.


ونطق زيادٌ، وهو يكاد يَبْلَعُهُ مِن التحديق فيه. ثمّ نَطَقَ، وهو يَصُكُّ على أسنانه مِنَ الغيظ.

إيهٍ يا رشيد، قُمْ واخطب الناس، واذكر فضائل بني أُميّة، أعْلِنْ براءتك من عليٍّ، ومن معارضتك لآل أبي سفيان، وإلاّ فبيْني وبيْنك السيف.

وطفرتْ ضحكةٌ ساخِرَةٌ على ثَغْرِ رشيدٍ، امْتَعَضَ منها زيادٌ واستشاط غضباً، وصرخ به: ما يضحكك يا كافر؟

وبكلّ جُرأةٍ وصَبْرٍ قال:

يضحِكُني - يا زياد - طلبُك مِنِّي أنْ أتبرّأ من عليِّ بن أبي طالب، ابن عمّ الرسول، وزوج بضعته الطاهرة، والكاشِف عن وجهه الكُرْبَة، والحاكِم بالسويّة والعدالة.

وقَطَبَ زيادٌ، وصرخ مُحْتَدِمَاً: كفى لا تُثْقِلْ أسماعنا بذكر مَنْ لا نحب، إذا كنتَ مُصِرَّاً على قولك، فسوف تُقْتَلُ.

فأمْعَنَ رشيدٌ في ضِحكةٍ ساخِرَةٍ، مزّقتْ قلب زيادٍ حِقْداً، ثمّ التَفَتَ إليه رابط الجأش، ثابت الجنان قائلا:

زياد، إنّ الذي يبلغ به هذا الحد مِنَ المعارضة، يَحْسِبُ لموقفه معكم ألف حساب، وإنّ العقاب الذي ستُنْزِلُهُ بي مِن قَتْلٍ وتعذيبٍ، قد وضعْتُهُ نُصْبَ عَيْنَيَّ، مِنَ الساعة التي رأيتُ فيها معاوية يتربّع على دَسْتِ الحُكْم، فيمسخ معالم الإسلام ويشوِّه حقائقه، بأحكامه التي لا تستنِد إلى قرآنٍ، أو سُنَّةٍ، فالموت أهون عليّ - يا بن مرجانة - مِنْ أنْ أرى هذا الوضع الفاسد تتحكَّمون به، وسنقِفُ غداً بين يدي الله، ونَرَى وتَرَوْن.


ويملأ كلام رشيد أسماع زيادٍ، ويضيق به، ويسأم، وترتَسِمُ على ملامحه صُوَر من الحقد والغيظ، ويلتفتُ إلى أحدِ جَلاّديه وبلهجةٍ كلُّها القَسْوة والشماتة، يأمر بقطع يَدَي الأسير، ورجليه. ليَنْعَمَ بتعذيبه.

ثمّ يلتفتُ إلى جُلاّسه مُتَشَفِّيَاً - وعلى شَفَتَيه يلصق ظِلَّ ضِحكةٍ صفراء عارضةٍ - قائلاً: لا أُريد هذا الرجل يموت براحةٍ، فَلْيَتَعَذَّب، وأُشْفِي قلبي بأَنِيْنِهِ، أليس كذلك؟.

وترتفع الأصوات الناقِمة باهتةً مُثْقلةً بالخِزْي مِنْ هنا وهناك، مِنْ أطراف مجلس الأمير، وتهتزُّ الرؤوس المـُنْحَنِيَة بِذُلِّ العبوديّة مُؤَيِّدَةَ الظلم والغَدر، وتنطلِقُ الأفواه المـُكَهْرَبَة بِتَيَّارِ الطمع، وهي تَتَلَعْثَمُ خجلاً: فعلاً يا أمير، فلْيُعَذَّب مُحِب أبي ترابٍ كما تشاء، ولْنَفْْرح بِفَرَحِكَ، أطال الله بقاك!!!

ويرميهم حبيبُ أبي ترابٍ، وأسيرُ زيادٍ رشيدُ الهجري بنظرةٍ كلها سُخْرِيَة وازدراء.. ولقد عرف رشيد، وعرف من هو قبله، ومن هو بعده طبيعةَ جُلاّس السلطان، وآكلة خوانه والمستفيدين منه، والمنتفِعِين في حكمه، إنّهم يسبِّحون بحمده ويهلِّلُون بذكره، ويكبِّرون بأعماله، ولو أنّها تمثِّل الظلم والحقد والعَداء.

ولمْ يبقَ خفيّاً على أحدٍ، أنّ أمثال هؤلاء - لا أكثر - مِنْ شِفَاهٍ تُردِّد ما يقوله الحاكم، وأَيْدٍ تُنَفِّذ مآربه، طمعاً في دنيا، ورغبةً في جاهٍ وحرصاً على نفعٍ.

أبداً، لم يتعجّب رشيدٌ من مَنْظر هذه الطبقة التي تَحُفُّ بزيادٍ


وهي هي، كانتْ تحفُّ بالولاة مِن أعداء زيادٍ قبل هذا اليوم، ولمْ يكنْ عليه بالجديد هذا اللون مِن النفاقْ فهم يَنْعَقُوْنَ مع كلِّ نَاعِقٍ.. أداةٌ طَيِّعَةٌ لكلّ والِيّ وكلّ أمير، وكلّ زعيم.. وهو مِن أُولئك الذين عرفوا المجتمع، ووقفوا على حقيقة تكوينه العقائدي، ولمْ يستغرِب أبداً مطاردة القوم له، لأنّه مِن مدرسة الإمام عليٍّ (عليه السلام) الذي ما عرف الباطل إليه طريقاً، ولا طرفة عينٍ..

ولهذا لمْ يتأثَّر رشيدٌ عندما يسمع الأصوات ترتَفِع في مجلس زيادٍ، وهي تُردِّد رغبتَه. نعم يا أمير، فلْيُعَذَّب شيعة أبي ترابٍ كما تشاء، ونفرح بِفَرَحِكَ..

وضاق الوالي الغاضِب بِرَشِيْدٍ، وخاف أنْ يُمَزِّق هذا الأسير الجوَّ الإرهابي الذي اصْطَنَعَهُ في مَجْلسه؛ ليبعثَ الرعبَ والخوفَ في نفوس أهل الكوفة، فَيَنْهَدِم تخطيطه، فأشار إلى الجلاّد أَنْ يقطع رأسَه؛ لِيُرِيْحَ نفسَه مِن شَرِّه.

ولكنَّ شيخاً طاعِنَا في السنِّ - مِمَّنْ يجلس على مّقْرُبَةٍ مِنَ الأمير - قام وهو يتوكّأ على عصاه، حتّى إذا وقف قِبَالة زيادٍ، التَفَتَ إليه بكلماته المـُرْتَعِشَة: سَلَّمَ اللهُ الأميرَ، لا تقتلْ الرجل فيستريح، دعْه يعاني الألمـَ والشقاء، اتركه بهذه الحالة زَمَنَاً عَلَنَاً؛ نشفي غَلِيْلَنَا منه كما تَعَذَّبَ عثمان..

ولمْ يسكتْ رشيد. كل ما يَلُمّ به من أذى، وتعذيب، بل يستقبِلُ كلّ ذلك بصبرٍ وثباتٍ، واستمرّ يُمَزّقُ الأمويين، ويَذْكُرُ مَثَالِبَهُم وحقدهم على آل محمّد، وعدائهم الصارخ للإسلام.


وعلى مقربة مِن هذا المـَنْظَر المـُفْجِع، تَقِفُ فتاةٌ، وهي لمْ تتجاوز الثلاثين مِن عمرها تشاهد مع المشاهدين حُكْم الأمير الجائر، يَنْصَبُّ على أبِيْهَا، واللوعة لا تفارقها، وقد ماتتْ في وجهها إشراقةُ الحياة، ونظراتها الحانية مُسَلَّطَة على هذا الجريح، ولكنّ الموقف أضفى عليها كثيراً مِن الحياء، وكثيراً مِن الاحترام، وقطراتٌ مِنَ الدموع تَنْسَابُ مِنْ مَآقِيْهَا، وهي تشدّ جرحَها على هذا المـَنْظر المؤْلِم، الذي يُمَزِّقُ قلبها.

وتقدّمتْ الفتاة بخطى ثابِتَة، وَرَزَانَةٍ لمْ يُزَعْزِعْهَا هولُ المصاب، ولمْ تُذْهِلْهَا جسامةُ الحادِثَة، تَخَطَّتْ الفتاة بقلبٍ صابرٍ، وأقدامٍ صامِدَةٍ إلى أبيها، بعد أنْ تفرّق الجمع مِن المجلس، وقد طُبِعَتْ على شَفَتَيْهَا ابتسامةٌ مُشْرِقَةٌ، فقبَّلتْ رأسَه، ثمّ هَوَتْ تَلُمُّ تلك القِطَع التي فَرَّقَهَا زيادٌ، عن هذا الجسد الطاهر، تُزِيْح عنها التراب، ورشيدٌ لا يرفع عنها طرفَه، وابتسامةُ الإيمان يُخَالِطُهَا شيءٌ مِن الأَلَمِ تطفو على مُحَيَّاهُ، ثمّ قالتْ له: يا أبتاه هل تَجِدُ أَلَمَاً مِمَّا أصابك؟.

فيجيب الأبُ المـُؤمِنُ الذي يعاني مَشَقَّةَ الجِرَاح: لا يا بُنَيَّة أبداً إلاّ كالزحام بين الناس.

ثمّ حملتْ قربان العقيدة وغادرتْ قصرَ الطاغية..

وما إنْ وقعتْ أبصار الناس عليه، حتّى تجمّعوا حوله ينظُرون إليه، فقالتْ له فتاتُهُ:

إنّ الناس حولك في انتظار حديثك، فهل ترغب في الكلام معهم؟


فقال: يا بنتاه إنّ فِيَّ رغبةً للحديث، سأحدّثهم ما استطعتُ قَبْل الرحيل.

وتحدّث الجريحُ ما شاء له الزمان وهو يلهث بدمائه، فكشف حقيقة الأمويين، وأساليب حكمهم، ومروقَهم عَنِ الدين. ووصل الخبر إلى زيادٍ، وشقَّ عليه ذلك، وبَدَتْ على سِحْنَتِهِ غمامةُ حزنٍ، فأشار عليه أعوانه أنْ يقطع لسانه؛ ليزيد في عذابه ويمنعه مِنَ الحديث، وكان ما أراد.

سُلَّ لِسَانُ رشيدٍ على مرأى ومسمَع مِنَ المشاهدين، وبين يدي ابنته البطلة، وهي تعتبِر أنّها الشهادة في سبيل العقيدة والتي ينالها الأبطال، وفيها الشرف والخلود، ولمْ يبق طويلاً فقد فاضتْ نفسه الزكيّة شهيداً صابراً.

وتقدّمتْ الفتاة الطيبة إلى جثمان أبيها، خاشِعَةَ الطرف داميةَ القلب، تُوَسِّدُ شهيدَ العقيدة، بلوعةٍ وأَسَى، وتَرمَق السماء، بعينٍ دامِعَةٍ، وترفعُ كفّها - المضرّجة بدماء الشهادة - للدعاء.

اللهمّ يا رب تقبّل مِنْ أبي هذه التضحية مِنْ أجل دينك، ومحبّة نبيِّك، ووفائه لوصيِّه، اللهمّ عَوِّضه الجزاء الوفير.. ثُمّ انكفأتْ إلى دارها، وإكليل الفخر يُتوِّج رأْسها بهذه التضحية الغالية.


مُحَمَّدُ بْنُ أَبِيْ بَكْر



اجتمع المجلسُ في رحبة الكوفة، ضمّ عدداً مِمَّنْ صهرتْهم الأيّام بِشدّتها، وأرهقهم بِآلامها، وهم يترقّبون أخبار مصر وواليها.

وخَيَّم عليهم صمْتٌ، وغاب كلٌّ منهم في فكرٍ، شيءٌ غير طبيعيٍّ، الوجوم، والارتباك، والوحشة.. إنّ معاويةَ أخذ يُعْلِنُها حرباً شَعواء على الإمام عليٍّ (عليه السلام)، ويُطارِد أصحابه ويفعل الأفاعيل، والقوم لمْ يحركْهم قولٌ، ولمْ يدفعْهم ثأرٌ..

لمْ يكنْ عليٌّ بالثائر اليوم اعتباطاً، عندما خطب فيهم، بعدما بَلَغَهُ التكالب الأموي على محمّد بن أبي بكر، وَالِيْهِ على مصر، وقال فيما قال:

(أمّا بعد: فهذا صريخُ محمّد بن أبي بكر، وإخوانكم مِنْ أهل مصر، قد سار إليهم ابن النابغة(١) ، عدوَّ الله، وعدوَّ

____________________

(١) المقصود به عمرو بن العاص، أُمّه النابغة، وقد طعن في سلوكها، وذكرتْ المصادرُ ذلك. نقل أبو العباس المبرّد في (الكامل: ٣/٨٠٤ - ٨٠٥) أنه (جعل لرجلٍ ألف درهم على أنْ يسأل عمرو بن العاص عَنْ أُمِّهِ، ولمْ تكنْ في موضِعٍ مُرْضٍ، فأتاه الرجل، فوقف عليه، وهو بمصر أميرٌ عليها، فقال: أردتُ أنْ أعرف أُمّ الأمير؟ فقال: نعم كانتْ امرأةً مِنْ عنزة، ثم مِنْ بني جلان تُسمّى ليلى، وتلقّب بالنابغة، اذهب وخُذْ ما جُعِلَ لك).

راجع تعليق الأُستاذ مصطفى محمود في (الأدب العربي وتأريخه: ١/٦٥ هامش١).


مَنْ وَالاهُ، ووليّ مَنْ عادى، الله فلا يكونُ أهلُ الضلال إلى باطلهم، والركون إلى سبيل الطاغوت أشدّ اجتماعاً على باطلهم وضلالتهم مِنْكم على حَقِّكم..).

إنّما كان الإمام مُتأثِّراً مِنْ وَضْعِ أصحابه، بحيث إنّ القِوَى الباطلة، أَخَذَتْ تَغْزوهم في عُقْر دارهم، وهم في مَعْزِل عَنْ الأمر، ورغْم أنّ الهجوم الأموي مُستمرّ في كلِّ الجبهات، فهم سكوتٌ ولا مُتَحرِّك، ولمْ يكنْ هذا الخطاب منه إلاّ لتثبيت الحُجّة عليهم، فهو يقول لهم، مُعَاتِبَاً:

(أَلاَ دين يجمعكم! أَلاَ حميّة تُغْضِبُكم! أَلاَ تسمعون بعدوِّكم يَنْتقِص بلادَكم، ويشنُّ الغارة عليكم، أَوَليس عجباً أنّ معاوية يدعو الجُفاة الطغام الظلمة؛ فيتبعونه على غير عَطاءٍ ولا مَعُونةٍ، ويُجيبونه في السَنَةِ المـَرَّةَ، والمـَرَّتين، والثلاث، إلى أي وجْهٍ شاء، ثُمّ أنا أدعوكم - وأنتم أُولوا النهي، وبقيّة الناس - تختلِفُون وتفترِقون عَنِّي، وتَعْصُونَنِي، وتُخالِفون عَلَيَّ..).

ومع هذا فقد انْشَدَّتْ الكوفةُ إلى أخبار مصر، والجيش الزاحف عليها مِنْ قِبَلِ معاوية بقيادة عمرو بن العاص، وما سيكون مصير وَالِيْهَا محمّد بن أبي بكر.

مصر كانتْ حُلْم ابن العاص أنْ يستَوْلِي عليها الجيش الأموي فإنّه يطمع بها وليس له، إلاّ عنْ طريق معاوية. فكلٌّ مِنْهُمَا مُتَمِّم للآخر.. ولمْ يكنْ هذا بالجديد، فقد ورد عَنِ الرسول الأعظم عَنْ طريق زيد بن أَرْقَم، وعُبَادَة بن الصامت، مرفوعاً:


((إذا رأيتم معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين، ففرِّقوا بينهما فإنّهما لنْ يجتمِعَا على خَيْرٍ)).

فكّر معاوية كثيراً في مصر؛ لأَنّ فيها خَرَاجاً مُهِمَّاً، ومنفعةً بالِغَةً، وعرف أنّ فيها استعداداً لإعْلانِ العصيان على الإمام عليٍّ(عليه السلام) فقد كان قومٌ فيها ساءَهم قَتْلُ عثمان، وحمّلوا عليّاً تلك المسؤوليّة، ولمْ تكنْ تلك إلاّ مِنْ تأثيرات معاوية، فجمع عدداً مِنْ أصحابه مِنْ أمثال عمرو بن العاص، وبُسْر بن ارطأة، وغيرهما، مِمَّنْ جمعتْهم - من معاوية - وحدةُ الطلب. وعندما تكامل العدد، قال معاوية: أتدرون لماذا دعوتُكم؟ قالوا: لا، قال: فإنّي دعوتكم لأمرٍ، هو لي مُهِمٌّ، وأرجو أنْ يكون الله عزّ وجلّ قد أعان عليه، فقال له القومُ: إنّ الله لمْ يُطْلِعْ على غَيْبِهِ أَحَدَاً، ولَسْنَا ندري ما تُريد!

فقال عمرو بن العاص: أرى، والله، أنّ أمر هذه البلاد المصريّة لكثرة خِرَاجِها، وعدد أهلِها؛ قد أهمّك، فَدَعَوْتَنَا تَسْأَلنَا عَنْ رَأْيِنَا في ذلك. فإنْ كنتَ لذلك دعوْتَنَا، وله جمعْتَنَا فأعْزَمَ وأَصْرَمَ، ونِعْمَ الرأي ما رأيتَ! إنّ في افتتاحها عِزَّك، وعِزَّ أصحابك، وذُلَّ عدوّك، وكبْتَ أهل الخلاف عليك..

قال معاوية: أَهَمَّكَ ما أَهَمّكَ يا بن العاص!.. وذلك أنّ عمرو كان قد بايع معاوية على قِتال عليٍّ، تكنْ مصر له طُعْمَةً ما بقي. فأقْبَل معاوية على أصحابه، وقال إنّ هذا - ويعني ابن العاص - قد ظنَّ، وحقَّقَ ظنَّه، قالوا: ولكنَّا لا ندري


أبا عبد الله قد أصاب، فقال عمرو: وأنا أبو عبد الله، إنّ أفضل الظنون ما شابَهَ اليقين..

وبعد صمْتٍ خيَّمَ على المجلس، قَطَعَهُ معاويةُ قائلاً: رأيتُ أنْ أُحاول حرب مصر فماذا تَرَوْن؟

فقال عمرو بن العاص قد أخبرتُك عمّا سألتَ، وأشرتُ عليك بما سمعتَ.

فقال معاوية لبقيّة الصَّحْب: ما تَرَوْن؟.

قالوا: نرى ما رأى عمرو بن العاص.

فقال معاوية: إنّ عمرواً قد عزم وصرم بما قال، ولمْ يُفَسِّر بكيف ينبغي أنْ نصنع!

وتمّ الاتفاق بين القوم على غزو مصر، وجَهّز لها جيشاً بقيادة ابن العاص، وخرج معاوية يُوَدِّعه، وقلبه يركض معه لِيَبْلُغ مصر، وهو يقول: أَنْظِرْهُ، فإنْ تاب، وأنَابَ قَبِلْتُ منه، وإنْ أبى، فإنّ السطوة بعد المعرفة أبلغُ في الحجّة وأحسنُ في العاقبة.

كانتْ الأخبار من مصر تَصِل للإمام عليٍّ سريعةً، فيَقِف منها على بَيِّنَة. وكان أمر محمّد يهمُّ عليّاً كثيراً، فقد كان يُثني عليه ويُفضِّله، لأنّه كانتْ له عبادة، واجتهاد.

ولقد قيل للإمام عليٍّ (عليه السلام): لقد جزعتَ على محمّد بن أبي بكر يا أمير المؤمنين، فقال: (( ما يمنعني؟ إنّه كان لي ربِيْبَاً، وكان لبني أخاً، وكنتُ له والِدَاً، أَعُدُّهُ وَلَدَا ً)).

محمد ذلك الرجل الذي قضى شبابه في مدرسة الإمام علي (عليه السلام)


ينتهل مِنْ نَمِيْرِها، وحتى أصبح له ساعِدَاً شامِخاً، وصاحِبَاً بصيراً، لا يَحِيد عنه في أحْلَكِ الظروف. وقف إلى جانبه في كلّ أدوار حياته.

ولو كان محمّداً لا يحْمِل في جنبَيْه نفسيّة الرجل المؤمن المجاهد، الذي أخلص لدينه وعقيدته، لكانَ مِنَ الممكن لمعاوية أنْ يتسلَّل إلى روحيّة ابن أبي بكر، ويتسلّط عليها بأيّ لونٍ كان، من الإغراء، كما فعل مع الكثير مِنَ الصحابة والتابعين، مِمَّنْ هم أقدمُ صِلَة بالرسول، وأكبر سنّاً مِنْ هذا الفتى المؤمن.

لكان المقياس في واقعيّة الرجل، هي مقدار ما يحمله من الإيمان والوفاء ومحمّد مِنْ تلك الطبقة التي عاشتْ الحقيقة فركنَ إليها، وانْصَهَر بحرارتها، ونَالَ ما نال جزاء إيمانه.

فقد عَمَدَ معاوية بكلِّ السُّبُلِ المعروفة لديه، ولدى أصحابه المرتزِقَة أمثال ابن العاص، ومروان، وبسر وسمرة بن جُنْدُب وغيرهم مِمَّنْ باعوا ضمائرهم ودينهم، وشرفهم بمال معاوية، وجاه بني أميّة.. عمد معاوية إلى إغراء ابن أبي بكر، فلمْ تجدِ معه كلّ تلك الوسائل، فَيَئِسَ منه، وهَمَّ على التخلُّص منه، ولا يهمّه أنْ يكون ابن الخليفة، وصاحب خليفةٍ، وله عند الله مكانةٌ، وجاهٌ عظيمٌ.

قال له ابن العاص مرةً: يا معاوية، لا تفكِّر في محمّد بن أبي بكر، فإنّ حبّ عليٍّ أعمى بَصَرَهُ، وهدّ عقلَه..

وما تطلب يا رجل مِنْ إنسانٍ تَرَبَّى في حِجْرِ عليٍّ إمام


العدل والفضيلة حتّى أصبح منه كأَحَد أولاده، وتحلّى بأخلاقه، وكيف يَلِيْنُ في دينه، ويتهاون في الباطل.

وانفضَّ مجلس السَّمَر، ولمْ يَغْرُبْ ذكرُ محمّد بن أبي بكر عن الأذهان، فهو لمْ يكنْ الإنسان المتخاذِل أمام العساكر، وهو الذي لا تأخذه في الله لومة لائم. فقد خرج يوم الجمل مع عليٍّ، وهو على الرجّالة، ولا يَهُمُّه أنْ يكون محارِباً لأُخته عائشة.. فالعاطفة ليس لها موقع في الدين، ومهما كان فقد عرف في قرارة نفسه أنّه على الحقّ، وأنّ مُحَارِبَهُ على غير الحقّ، فحمل راية الجهاد في يوم الجمل.

وهكذا كان في صفّين يجول في وسط الميدان إلى جانب عليٍّ، وهو لا يَبْغِي مِنْ دنياه إلاّ رضا الله ورضا رسوله، ورضا إمامه عليٍّ.

ووصل ابن العاص إلى مصر يَخُبّ السير بجيشه الجبّار، واستعدّ له ابن أبي بكر، استعداد البطل الصامد، وخطب في قومه:

(أمّا بعد، يا معاشِر المسلمين، فإنّ القوم الذين كانوا يَنْتَهِكون الحرمة، ويُنْعِشُون الضلالة، ويُشِبُّون نار الفتنة، قد نصبوا لكم العداوة، وساروا إليكم بالجنود، فمَنْ أراد الجنّة والمغفرة فَلْيَخْرُج إلى هؤلاء القوم، فَلْيجاهدهم في الله..).

وتقدّم كِنَانَة بن بِشْر، قائداً على جيش محمد بن أبي بكر، وتقدّم قائد الجيش الأموي معاوية بن خديج السكوني.


وتصاول الجيشان برهةً مِنَ الزمن، ولكنّ القوات الشاميّة برئاسة ابن العاص، كانتْ اكثر عِدَّةً وعَدَدَاً.

ولمـّا رأى كنانةُ بن بشر أنّ الجيش الأموي قد طوّقه مِنْ كلّ جانبٍ، نزل عَنْ فرسه ونزل أصحابه، أخذوا يحارِبون رجالَه وهو يقول:

( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتَابَاً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ) .

فلمْ يَزَلْ يُضَاربهم بسيفه، حتّى استشهد رَحِمَه الله.

ووصلتْ الأخبار إلى محمّد بن أبي بكر - وهو في جانبٍ مِنَ الميدان يدير المعركة - تفيد عَنْ مَقْتل كنانة، وتفرّق القوم مِنْ حوله، ولمْ تَمُرْ عليه برهةٌ، حتّى بَقِيَ وحيداً؛ مِمَّا اضْطَرّ أنْ ينتهي إلى خَرِبَة، فآوى إليها، ودخل ابن العاص الفِسْطاط وأكّد على معاوية بن حديج أنْ يقبض على محمّد، وفعلاً عَثَرَ عليه وهو يكاد يموت مِنَ العطش، فقاتَلَهم قتال الأبطال ولكنّهم تمكّنوا مِنَ القبض عليه وانتزعوا منه سيفَه وأقبلوا به إلى الفسطاط، حيث استقرّ فيها ابنُ العاص.

ووقف الأسير في وسط المجلس، ولكنْ بِقُوّةٍ وصبْرٍ وثَبَاتٍ، رغم ما أصابه مِن العطش. فطلب قليلاً مِن الماء، فقال له معاوية بن حديج: لا سقاني الله إنْ سقيتُك قطرةً أبداً، والله لأَقْتُلَنَّكَ يا بن أبي بكر وأنت ظمآن، ويُسْقِيْك الله مِن الجحيم والغِسْلِيْن.


وانتفض محمّد، وهو البطل صارِخاً في وجهه: يا بن اليهوديّة النسَّاجَة، ليس ذلك اليوم إليك، إنّما ذلك الله يُسقِي إلى أولياءه ويُظمِي أعداءه، وهُمْ أنت وقُرَنَاؤُكَ، ومَنْ تَوَلاّك، وتَوَلَّيْتَه.. والله لو كان سيفي في يدي ما بَلَغْتُمْ مِنِّي ما بلغتم.

فقال معاوية: أتدري ما نصنع بك؟ نُدْخِلُكَ في جوف حِمَارٍ مَيِّت، ثُمّ نُحْرِقُهُ عليك بالنار.

قال محمّد: إنْ فعلتُم ذاك بي فطالما فعلتم ذاك بأولياء الله، وَأَيْمُ الله إنّي لأَرْجُو أنْ يجعل الله هذه النار التي تُخوِّفُنُي بها - يا معاوية - برداً وسلاماً، كما جعلها الله على إبراهيم خَلِيْلِهِ، وأنْ يجعلها عليك وعلى أوليائك كما جعلها على نمرود وأوليائه، وإنّي لأرجو أنْ يحرقك الله وإمامك معاوية بن أبي سفيان، وهذا - وأشار إلى عمرو بن العاص - بنارٍ تلظّى، كلّما خَبَتْ زادها الله عليكم سعيراً.

فغضب معاوية، والتفتَ إلى ابن العاص، يطلب منه الإذن، فأشار إليه بذلك، ثمّ سبّ عليّاً، وقَدّمَ الصابر المجاهد فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وقَطَعَ رأسه، وأَدْخَلَ جُثَّتَهُ - هو وابن العاص - في جوفِ حِمَار وأحرقوه بالنار.

وأَرْسَلَ ابنُ العاص رأسَه إلى الشام لمعاوية، فَطِيْفَ بدمشق بعد أنْ زَيَّنَ المدينة.

وجُلَل مجالس السمر بالكوفة شبه ذهول، فقد بلغها قتل محمّد، وحزن عليه عليٌّ (عليه السلام) حزناً عميقاً، ثمّ رثى محمّداً وابنه


وقلبه يتفطّر أسى ولوعةً، وقال فيما قال:

((ألاَ وإنّ مصر قد افْتَتَحها الفجرةُ أولياءُ الجَور والظلم، الذين صَدُّوا عنْ سبيل الله، وبَغوا الإسلام عِوَجَاً، ألاَ وإنّ محمّد بن أبي بكرٍ قد استشهد رحمة الله عليه، وعند الله نحتسِبُه، أَمَا والله إنْ كان ما عَلِمْتُ لَمِمَّنْ ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويبغض شكل الفاجر، ويحب هدى المؤمن..)).

ولَمْلَمَ عليٌّ (عليه السلام) جِراحَه، وأضاف إليها جُرحاً جديداً، فقد اصطدم بعزيزٍ مِنْ أصحابه، حيث يقول فيه:

((فما جزعتُ على هالِكٍ منذ دخلتُ هذه الحرب جزعي عليه، كان لي ربِيْبَاً وكنتُ أَعُدُّهُ ولداً، وكان بي بِرَّاً، فعلى مثل هذا نَحْزَنُ، وعند الله نحتَسِبُه)).

وأطَلَّ النبأُ الحزين على المدينة، وفي طيّاته أكثر مِنْ ذكرى، وماجَ فيها مصابٌ، ولَوْعُهَا مَا قُدِّرَ، وَرُوِّعَتْ عائشةٌ زوجُ الرسول الأعظم وأُخته، وجَزعتْ عليه جزعاً شديداً، وكانتْ في دُبُرِ كلّ صلاةٍ تدعو على معاوية، وابن العاص. ثمّ حلفتْ أنْ لا تأكل شواء أبداً بعد قَتْلِ محمّد، حتّى لحقتْ بالله - كما يحدِّثنا المؤرِّخون - وما عثرتْ قط إلاّ قالتْ: تَعُسَ معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن حديج.

وإنّ أُمَّهُ أسماء بنت عُمَيْس لمـّا نُعِيَ إليها ولدها، وما صُنِعَ به، قامتْ إلى مسجدها، وكظمتْ غيظَها حتّى تَشَخَّبَتْ دَمَاً..

أسرع المبشِّرون إلى معاوية يحمِلُون له كتابَ ابن العاص


يخبره فيه عنْ مقتل ابن أبي بكر، وكنانة بن بشر، فَأَذَّنَ معاوية بقتله على المِنْبَر، وسُرَّ سروراً عظيماً.

يقول الراوي للإمام عليٍّ (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، ما رأيتُ يوماً قط سروراً مثل سرور رأيْتُهُ بالشام، حين قُتِلَ محمّد بن أبي بكر.

قال الإمام:

((إنّ حزننا على قتله، على قَدَرِ سرورهم به، لا، بل يزيد أضعافاً).

وكما يقول المـَثَل: (والفضل ما شَهِدَتْ به الأعداء).

فقد استولى ابنُ العاص على كتابِ الإمام عليٍّ، الذي وجَّهَهُ إلى محمّد بن أبي بكر حين وَلاّهُ مصر، وبعث به إلى معاوية، فكان يَنظر إليه ويَتَعجّب، فقال له الوليد بن عقبة، وهو عند معاوية، وقد رأى إعجابه به: مُرْ بهذه الأحاديث أنْ تُحرَق، فقال معاوية: مَهْ، لا رأيَ لك! فقال الوليد: أَفَمِنَ الرأْي أنْ يَعْلَمَ الناسُ أَنَّ أحاديث أبي ترابٍ عندك تتعلّم مِنْها؟ قال معاوية: وَيْحَكَ أَتَأْمُرُنِي أنْ أحرُقَ عِلْمَاً مِثْلَ هذا، والله ما سَمِعْتُ بِعِلْمٍ هو أجمع مِنْهُ، ولا أَحْكَم. فقال الوليد: إنْ كنتَ تعجب مِنْ عِلْمِهِ وقضائه، فعلام تُقَاتِلُهُ؟ فقال: لو لا أنّ أبا ترابٍ قتل عثمانَ، ثُمّ أفْتَانَا لأَخَذْنَا عنه.. ثُمَّ سَكَتَ هُنَيْهَة، ونظر إلى جُلَسَائِهِ، فقال: إنّا لا نقول إنّ هذه مِنْ كُتُبِ عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكنْ نقول: هذه مِن كتب أبي بكرٍ الصدِّيق، كانتْ عند ابنه محمّد، فنحنُ ننظر فيها، ونأخذ منها.


وانْطوى الزمنُ، وبَقِيَتْ ذكرى محمّد بن أبي بكرٍ كالعِطر لا يَجُف، وكالنور لا يَخْمَد، وانْطَمَرَ ذكرُ معاوية الجبّار، وصدى ابن العاص الحاقِد، وكلّ مَنْ لَفَّهُم الحكمُ الأموي؛ ذلك لأنّ محمّداً، وأمثال محمّد على الحقّ، ومعاوية وأَضْرَابَ معاوية على الباطل. وَصَوْلَةُ الباطل لَنْ تدوم. ونُوْر الحقِّ باقٍ ما دامتْ الشمسُ..



هَاشِمُ الْمِرْقَال



وماج بيت عتبة بن أبي وقاص في يوم من الأيّام، وازدحم بالنساء، ينتظرون ساعة المخاض، فهي زوجة سيِّدهم، وكبيرة بيتهم، ووضعتْ الزوجة طفلها بين زغردات الحاضرات، وتهليل الأقرباء، واستقبل عتبة وليدَه وبقلبٍ باسمٍ، وعين ملؤها الطمأنينة والرضا.

وأطال النظر في وجهه، وهو بين يديه، مستسلِمَا قد سَمَرَ عينه ينظر في عين أبيه، وأفترتْ شفتاه عن بسمةٍ ساذِجَةٍ بريئةٍ، بدَّدتْ جميع ما ارتسم على وجه الأب من غيومٍ، وذهولٍ.

وزحفتْ إليه جدَّتُه، تطلب من ولدها أنْ يطلق عليه اسماً يُعْرَف به الوليد من الآن، ويغيب الأب في موجةٍ من تفكيرٍ تحيطُ به دنيا من أحلام، ثمّ يقفز إلى ذهنه اسم هاشم بن عبد مناف، مجد الفضيلة، وباني كيانها، ويحلو للأب المعتز بوليده أنْ يُطلِق عليه هذا الاسم تيمُّناً بذلك المجد الشامخ، وتبرُّكاً بهذا الإنسان الذي خلق الكرامة لهذه القبيلة الكبيرة.

وكما ينمو الزهر في الربيع الندِيّ، نَمَا صاحبنا يطوي الأيّام يبشِّر عن مستقبلٍ رائعٍ، نظراً لِمَا يتمتَّع به من مؤهِّلات، كانتْ جليَّةً واضحةً، يتوسَّم فيها العارِف أسمى المعاني الإنسانيّة العالية.

ومَرَّ الزمن، وبين أحضانه هاشم بن عتبة، يقفز للحياة


وتفتح أكمامه للشباب اليانِع، يرسم له دنياً من آمال، واستقبلتْه النوادي، ومجالسُ السمر، كأحسن شاب قد تَحَلَّى بالبطولة والفتوَّة، والخُلُق والكرم، وجميع الخصال الحميدة.

وإذا ما نهض الفجر من غفوته، وأطلّتْ أضواء الحياة على يومٍ جديدٍ، كان هاشم رجلاً تتحدَّث حلقاتُ مكةَ عمَّا تحلَّى به من صفاتٍ، وإنْ كان في قرارة المـَكِّيِّيْن منه شيء؛ ذلك لأنّه لمْ يَعُدْ ذلك الرجل الذي يهتمُّ لأصنامهم وآلِهَتِهِم، وهو بعيدٌ عنها بعض الشيء، لأسباب عميقةٍ. ربّما لها علاقةٌ بهذا الطارق الجديد.

فقد سمع كما يَسمع غيره حديثَ المتحدِّثين عنْ أمر محمّد وهو يدعو الناس إلى دينٍ جديدٍ، ويَدْهَشُ للنبأ كما يدهش غيره، ويَجُوْسُ أعماقَه شيءٌ، لعلّ له أثراً في مستقبله، ولكنْ لَمْ يشارك الناس سُخْرِيَتَهم للدعوة، فهو يسمع أحاديثهم في فناء البيت - وهم بين حاقدٍ وناقِمٍ - ويختزِنُ ويفكِّر، لعلّ له وقتاً قريباً سوف يُثمر به ذلك التفكير، وتتفتَّح أكمام ذلك الشعور.

ويلتفِتُ أبو سفيان إليه، وهو يُلقي إليه بضحكةٍ عاليةٍ طويلةٍ: يا هاشم نراك لا تشارِكُنَا حديثنا عنْ محمّد، وعنْ بِدْعَتِهِ الجديدة، وكأنّك راضٍ بما يريد!!..

ويَهتزُّ الرجل لهذا الحديث المـُر، وهذه التلميحات الخبيثة ولكنّ أعصابه أقوى مِنْ أنْ تنهار أمام سُخرية أبي سفيان، فطوى وجهه عن اجتماعات هؤلاء، ولمْ يَعِر لأقولهم أيّ اهتمام.

وبقي هاشم في مَعِزلٍ عنْ قومه لا يشاركهم مجالسهم، وإنْ


كان لم يذهب إلى محمد بعد، ليَمُد يده إليه مؤمِنَاً بدينه. فإنّ قلبه ما كان يُضمِر لأصنام قبيلته الاحترام والحب، ولكنّ التقاليد جرتْ، ولابدّ أنْ يكون لها في قلبه، ولو شيء ضئيل من التَرَيُّث.

وعلا نهار الإسلام، وفتح الله على نبيِّه مكَّةَ، وكان ذلك اليوم أملاً يُرَاوِد هذا الرجل، الذي بقي حَفْنَةً من الأيّام يُصارع في أعماقه عامِلَيْنِ: حقّاً، وباطلاً. ولكنّه بعد أيّامٍ خَفّ إلى رسول الله يُعلِن إسلامه بصدقٍ وإخلاصٍ، ويستقبله الرسول وكأنّه قد أسلم من زمانٍ بعيدٍ، يُحسِن استقباله، ويَحرِص على مجالسته، وما تَمُرُّ الأيّام حتّى يكون هاشم ذا شأنٍ عند رسول الله يعتمد عليه في كثيرٍ من شؤون: علميّة، وسياسيّة، واجتماعيّة.

ويُعْرَف هذا الإنسان الصادق في إسلامه بالمقدرة العسكرية، أكثر من باقي النواحي، والخصائص المتوفِّرة لديه، ويُساهِم في كثيرٍ من غزوات المسلمين، يَشهد له المسلمون ببطولته وموقفه، ويتمكَّنُ مِنْ جَلْب أنْظار الناس له، وشَجَّعَ فيه النبيُّ هذه الموهبة النادِرَة، والروح العسكريّة العالية إذْ كان يُريدُها مهيَّأة لمواقف، لها شأنٌ في حياة الإسلام من بعد.

ويَطِلُّ (في ضِفاف بَرَدَى) صباح يومٍ، والمسلمون قد ضمّدوا جراحهم على وفاة الرسول الأعظم، ولم يستسلموا لحزنٍ يُعِيْقُ تقدّم المسلمين، وإنْ كانت الأحداث التي مرّتْ بالمسلمين، بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تستلزم أنْ يَغُطَّ المسلمون في ذهولٍ، ولكنّ موقف الدعاة كان أقوى من هذه الأحداث بالنسبة للدعوة


وتَسَنَّمَ الأمر أبو بكر، والتفَّ الجميع حول رفع راية الإسلام فصمَّموا على غزو الإمبراطورية الرومانيّة، وكان مركز ثِقْلها مُتَمَثِّلاً في الشام.

وأعلن الجهاد لغزو الشام، وتهيّأَ جيشٌ كبير بقيادة أبي عبيدة الجرّاح، للقيام بهذه المهمّة، وكان قادة المسلمين قد عقدوا اجتماعاً لاختيار عسكريين، مرَّنَتْهُم الأيّام على مقاومة وطْأةِ الحرب.

وتداولوا على أسماءٍ، وكَثُر حولهم اللَغَط، وطال فيهم النقاش. وكانتْ الأسماء المنثورة مَعْرضاً للأخذ والرد.. وما أنْ يأتي اسمٌ حتّى تَنْهَال عليه علامات الاستفهام، وتمرُّ فوق اسمه ما تحلّى به من صفاتٍ وهكذا... وطال التفكير بأحدهم والتفتَ إليه أصحابه ويسألونه:

- يا أبا الحسن، لماذا لم تشترِك معنا في اختيار القادة لهذه الغزوة؟!

 - أسْمَعُ منكم فأستفيد..

 - لا يا أبا الحسن إنّ رأيك لسديدٌ، قد مارستَ الحروب وخِبْرَتها، وعمل تحت إمْرَتِكَ الكثيرون، وإنّك أعرف الناس بهم، فمَنْ تختار مساعِداً لأبي عُبَيْدَة؟..

 - لقد ذكرتم الكثير، ولم تذكروا (أرقل ليمون)، ذلك الذي كان يعدو أمام النبي في ساحات الجهاد!!

وكأن القوم قد تنبّهوا إلى هذا الاسم، فصاح الكثير منهم: إي والله هاشم المِرقَال؟ ابنُ بَجْدَتِهَا، وفارس الميدان!!


وهاشمُ واحد من أولئك الذين اختصّو بالإمام علي (عليه السلام) وعرفوا بِصِلَتهم القويّة به وعُدّ من أقطاب مدرسته الفَذَّة، كما هو شأن عمّار والأشتر، ومحمّد بن أبي بكر وغيرهم. لذا فإنّ كلام علي (عليه السلام) عن هذه الشخصيّة مَبْنِيٌّ على المعرفة التامّة.

وانكشفت أسارير أبي عبيدة، فقد دبَّ إلى نفسه الرضا، بهذا المساعِد البطل.. فالكلّ لا ينسى موقف هذا الشجاع الذي طالما ذبَّ عنْ وجه رسول الله في حروبه وساعات الكَرْب.

وودّع المسلمون جيشهم العظيم، يزحف نحو الشام، يتقدّمه أبو عبيدة، وعلى يمينه هاشم بن عتبة، قد امتطى جواده، وعلى قسماته تشعُّ روائع الفروسيّة والبطولة.

وأطَلَّ الجيش على الشام، وسار يفتح المدينة تِلْوَ المدينة، حتّى حطّ الجيش إلى جوار مدينة (الرستن).. كانت هذه المدينة حصينة للغاية، وكأنّها هي الحصن الأوّل والأخير للشام، فإذا سقطتْ بيد المسلمين، هانَ أمر بقيّة الحصون بعدها.. وكان هذا الحصن على أتَمِّ استعداد، وعلى أحسن ذخيرة.

بقي المسلمون حِيَال هذه المدينة، وقد ضيَّقوا عليها الحصار، ولكنْ لمْ ينفع معها أيُّ شيء، وغاظ ذلك المسلمين، وضاقوا ذرعاً بهذه الحال.. فعقد أبو عبيدة اجتماعاً لكبار قادته؛ يستشيرهم بذلك، وطال الاجتماع وكثر الحديث، وكلٌّ منهم يُبدِي رأيه، لكنّ أبا عبيدة لمْ يقتنع بكلِّ ما قيل.

وكان هاشم يستمِع، وقد غاب في شبه تفكير، ولمْ يُشارِك


الجالسين في رأي، حتّى إذا ما طال بهم المقام، التَفَتَ إليه أبو عبيدة قائلاً:

ما بالك يا أبا عمر لا تشارِكُنا الرأي؟! هل وضعتَ لنفسك مُخَطَّطَاً تُنْقِذ به جيشك؟..

إنّ أبا عبيدة، وهو الرجل الشيخ الذي علَّمَتْهُ التجاربُ، عرف عن هاشم المرقال الشيء الكثير؛ لذا التفتَ يلحُّ عليه أنْ يُدْلِي برأْيه..

وتكلّم البطل بعد صمتٍ طويلٍ، وسكتَ الجميعُ يَنْصِتُوْنَ إليه قال:

(تعلمون إنّ الحرب فَذْلَكَةٌ، أكثر مِنْ كونها حرباً سِجَالاً، وخديعة أكثر من كونها واقعيّة، وإنّ هذا الحصن الذي يربض أمامنا قد فكّرتُ فيه طويلاً، فلمْ أرَ فيه مَجَالاً لمقاومته بالحرب، وإنّ إمْكَاِنيَّة العدو فيه متوفِّرة، لا يَعُوزهم شيءٌ، ومعنويّاتهم عالية، ولا شكّ أنّ سقوط هذا الحصن بِيَدِنا معناه سقوط الشام بأجْمَعِهَا، فلابدّ من اقتحامه بأيّ ثَمَنٍ كان، ولابدّ فيه مِنَ التضحية، فهل نحن على استعدادٍ لذلك)؟.

فالتفت إليه الجالسون جميعاً قائلين: لا.. وربِّ محمّد الذي أنقذ البشر.. لا نرجع من هنا حتّى نفتح، أو نَفْنَى عن آخرنا.

وقفزتْ على ثغر المِرْقال ابتسامةٌ، تَحْمِل في طيّاتها كلّ معاني الطمأنينة والقبول، ثمّ قال لهم: لديّ خطّة، سَأَشْرَحُهَا


لكم ليلة غدٍ، وأُطْلِعُكُم عليها، فإذا ما اتفقنا عليها بدأْنَا بتنفيذها في الحال.

وتفرّق القادة بانتظار موعدهم المرتَقَب، وهم يعلمون إنّ هاشم بن عتبة من أُولئك الأبطال الذين خبروا الحرب ومارَسوا، وكانت له مواقف ومواقف في ساحات الجهاد.. وبات قادة المسلمين على أحرٍّ من الجَمْرِ، وأطلَّ الليل، وتوافدوا على مجلس قائدهم، وتمّتْ الحلقةُ العسكرية، وكلُّهم انتظار لحديث هاشم.. والْتَفَتَ إليه أبو عبيدة، وعلى قسماته ظِلَّ كآبَةٍ قائلاً: تكلّم يا أبا عمر.. واشرح لنا خطّتُكَ، عسى أنْ تكون بها الفرج..

وسكت الجميع، وهَلَعُوا بعيونهم إلى هاشم، وبأسماعهم إلى حديثه.

وقال: لقد فكَّرتُ في فتح هذا الحصن كثيراً، فلم أجد طريقاً إلاّ ودرسته حتّى توصّلتُ إلى: أنّ خير وسيلةٍ لفتحه هي الخطّة التي أرسمها لكم، وهي: أنْ نُهيّأ عشرين صندوقاً خشبيّاً، يَكمُنُ فيه عشرون بطلاً مِن أبطالنا بكامل معدّاتهم، فنتركها في معسكرنا، ونترك عِنْدَها نفرين من المسلمين حَرَسَاً عليها، ونتظاهر بمغادرة المكان، وكأنَّنا تراجعنا عَن فتْح الحصن، ويزحف الجيش إلى أقرب قريةٍ فيه وذلك قبل الغروب، وما أن يختلط الظلام تعود كوكبةٌ من الفرسان إلى مَقْربةٍ من الحصن، تكْمنُ عنده في ظلام الليل، وعندما يعرف أهل الحصن أنّ المعسكر قد ترك موقعه، وترك صناديقَ، فسيهرعون


إلى أخْذها، ونقْلها إلى قائدهم، وعند ذاك تكون المعركة، فإذا ما أُدْخِلَتْ الصناديق والأسيران إلى القائد، يُكَبِّر الأسيران فيَنْتفِض الأبطال مِن صناديقهم، ويُكَبّرون، فيجيبهم المسلمون من الخارج، ويفتحون الحصن.

وسكت هاشمٌ بعد ذلك، وخيّم على المجلس صمتٌ عميق، إنّها خطّةٌ عظيمة، ولكنّها خطيرة في نفس الوقت، ومَنِ الذي سيُضحِّي بنفسه بهذه الصورة.

ولكنّ أبا عبيدة لمس هذا الوجوم من الجميع، فخَشِيَ أنْ يدبّ الضعف في نفوس ضُبَّاطِهِ، فصرخ فيهم: عظيمٌ يا هاشم خطّة مدروسة، أشْرِفْ على تنفيذها في الحال.

وتهيّأتْ الصناديق، ووُضِعَتْ أمام خيمة القائد أبي عبيدة، وصاح الشيخ في ضُبَّاطه: مَنْ يبذل نفسه لهذه المهمّة. وردَّد صدى نِداءه الفضاءُ، وكان هدوءٌ، وكان سكونٌ، وكاد المشروع يَفْشَل لولا يقظة هاشم، وحِنْكَته، وبطولته فقد اختار إحدى الصناديق، وتوارَى فيه.

وأُعْجِبَ القومُ بهذه البسالة والشجاعة، وصاح أبو عبيدة: يا أبا عمر مَنْ لي غيرك في هذا المقام؟! أهكذا تهون النفس في سبيل الله؟!

وابتسم له هاشم، وقال: مَنْ يضع خطّة لابدّ أنْ ينفّذها بنفسه وإلاّ فالفشل حَلِيفها.

فأجابه القائد بكلّ إكبارٍ: بارك الله فيك، وفتح على يدك حصن كُفَّارِهِ.


وما أنْ رأى القادة هاشماً، وهو يتوارى في أحد الصناديق حتّى امتلأتْ، وأُحْكِمَ إقفالها، وتبرّع اثنان مِن شُجعان المسلمين أنْ يكونا حَرَسَاً عليها، وإذا ما تمّتْ هذه العملية، والشمس قد مالتْ للمغيب تظاهر المسلمون بمغادرة المكان، وأبو عبيدة جِدّ قلق، وأشعر قائد الأعداء بأنّ المسلمين رحلوا عَنِ الحصن فأرسلوا عيوناً إلى معسكرهم، فرأوا صناديق وحارِسَين.

وتقدّم ضابِطٌ من الأعداء: مُسْتَفْسِرَاً من الحرّاس، ما هذه الصناديق؟

وأجاب الحارسان: عِتادٌ وذخيرة، أُمِرْنَا بحفظها، وستعود ثُلّةٌ من الجيش الليلة لِنَقْلها، ريثما يتمّ بهم المقام.

وبهت العدو: وما في هذه الصناديق؟

وقال الحارسان: لا علم لنا فيها، وليس مِنْ حقّنا أنْ نسأل.

وضحك العدو: ما أغباكما؟ وأحمق قائدكما؟! يترك هذه الذخيرة بحراستكما، وأنتم على مرأى منّا ومَسمع، أمَا يخشى عليكما من سيوفنا؟؟..

وصاح الضابط: يا جنود أسِّرُوا هذين المسلمين، واحمِلوا هذه الصناديق معهما إلى (نقيطاس) قائدهم الأعلى.. وكان ما أراد، ونقل الحارسان والصناديق إلى الحصن، حيث مَقَر القائد عند باب الحصن، ووُضِعَتْ هذه الغنيمة بين يديه.

وامتدّ الليل والقائد يسأل من الحارِسَين المسلِمَيْن عن أمور المسلمين وعدتهم واتّجاههم، وهما مرةً يُصدِّقانه وأخرى، يراوِغَانه مُتَقَصِّدَيْنِ إطالة المقام معه.. حتّى إذا اعتقدا أنّه لم يبقَ مع القائد إلاّ ثُلّة من


العسكر، كَبّر الحارسان، فضحك القائد، وكانتْ الصناديق قد وُضِعَتْ في ساحةٍ بمقرِّ القيادة، وما أنْ استمع المختبئون صدى التكبير حتّى انتفض الجميع بسيوفهم، مكبِّرين مرّةً واحدةً، بحيث أرتجّ المكان له، وهجم عشرةٌ منهم على مقرّ القائد، وعشرةٌ على باب الحصن، ردَّدَ المسلمون من الخارج صدى التكبير، وكان قتالٌ أعْقبه تخاذلٌ من الكفّار، فقد اضطربوا وماجوا، وفُوجِئُوا بالهجوم، وحاول القائد الفرار، ولكنْ دخل عليه هاشم فعاجله بضربةٍ، أرْدَتْه صريعاً، وسقط الحصن وانتهتْ المعركة مع الفجر, وما أنْ قفز النور إلى السماء، حتّى كان المسلمون قد تمّ لهم فتح الحصن، وتهاوتْ الشام بعد ذلك بيد المسلمين.

وكانتْ معركةٌ حامِيَةُ الوطيس مع (هرقل) ملك الروم، ولكنّ هاشم هو بطل ذلك اليوم، وهو الذي كان يصول بين الجيوش بزهوٍ وبعقيدةٍ لا تَعْرِفُ المـَلَلَ ولا الكَلَلَ، حتّى عرف عنه المسلمون الشيء الكثير، ورأتْ القيادة الإسلاميّة البطولة المتجسِّمة في المِرْقَال، فسلّمتْ له إمْرَة المـُشاة في جيش المسلمين، وجيش المشاة أساس الحرب، ومدار القتال.

وما أنْ تَسلّم هاشم مركزه الجديد، حتى صمّم على أنْ يضرب مثلاً أعلى للبطولة في ذلك اليوم، وكان ما أراد، فقد زحف بِعِدَّته نحو جيش هِرَقْل، يَرْقُلُ براية الإسلام، وينتقل بين الصفوف، وصار على مقربة من سُرَادِق قائد الكفّار.. فاضطرب وخرج هارباً مُضطرِباً، يصيح بالروم، ويشجّع بهم، وكانتْ


لحظاتٌ حاسِمةٌ، تَزْأَرُ فيها العقيدة، وتصرخ في وسطها البطولة، وتهافَتَ المسلمون وراء هاشم، وهو المِقْدام، وانتفض الروم وهم في حملتهم الأخيرة، ودارتْ رحى الحرب قاسيةً جداً.

وفي حملة واحدة من الجانبين، وجّه جيش الروم نبالَهم يرشقون أبطال المسلمين، فما هي إلاّ جولة حتّى أُصيب سبعمائة مسلم، من قائدٍ وزعيم بأعينهم، وشاع في الناس الذعر، حتّى قيل عن ذلك اليوم (يوم التعوير).

ولكنّ هاشم، وهو القائد المِغْوار لم تُلْهَهُ دماؤه التي تسيل من عينه، ولا تلك الظلمة التي أحاطت بدنياه، فما هي إلاّ برهة حتّى تحسَّس أنّ إحدى عينيه سالمة، فشدّ على نفسه، وطاف بصَحْبه، وهو يشجّع بهم، ويمنّيهم بقرب النصر، وإنّها الجولة الأخيرة، ثم هجم على الروم بقوةٍ، لا تَعْرِفُ السَّأَمَ ولا الضَجَر، ولم يرجع إلاّ وهو متوّج بالنصر في معركة (اليرموك) فقد اندحرتْ أمامه جيوشُ الأعداء.

واستقبله أبو عبيدة، وكِبار القادة، يَطْبعون على جبينه قُبَلَ النصر، ويعلّقون على صدره أَوْسِمَةَ الفخر والإكْبار.. وهكذا وقعتْ الشام بيد المسلمين، بفضل موقف المرقال وحِنْكَتِهِ العسكريّة.

ولم يستقر المرقال من أتعاب هذه الحرب، حتّى ورد عليه كتابُ عمر بن الخطّاب، يطلب فيه أنْ يتوجّه فوراً إلى القادسيّة؛ ليساعد عمّه سعد في حَرْبِها القاسية مع الفرس.

وانتقل هاشِم بجيشٍ كثير العدد، من الشام إلى العراق


وكان له في فتح القادسيّة، ومَنْ بعدها مِنْ مراكز العراق الأثر التام.

وكان في كل حروبه يُذَكِّر جيشه الباسل بما سَمِعَه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو الصادق القول:

(أيُّها الناس، سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: ((يظهر المسلمون على جزيرة العرب، وعلى فارس، والروم))، فإلى الجهاد.. إلى الجهاد، لقد صدق رسول الله، وموعدنا الجنّة لا رجعة لنا إلى خيامنا، فأمّا الموت، وأمّا الفتح والنصر، وهو قريب لنا إنْ شاء الله).

وبهذا الإيمان الرائع كان المرقال يستقبل أعداء الإسلام في الشام والقادسيّة، والمدائن، وجَلَوْلاَء، ويقود كتيبته الباسِلَة، والتي عُرِفَتْ بكتيبة الأبطال.. وتمّ الفتح، وأشرق النصر. وعاد إلى عمّه سعد، وقد أدّى واجبَه الديني كأحسن قائدٍ في ميادين الشرف ومواقف البطولة.

واعتزل هاشم الحرب، ورضي الولاة باعتزاله، وإنْ عزّ عليهم أنْ يُفارق الحرب، ولكنّ هذه المواقف الجبّارة التي أظهرها في الشام والعراق، من حربٍ إلى حربٍ، كان من الضروري له أنْ يخلد إلى الراحة.

وسكن الكوفة، فقد ساعَدَتْه ظروفٌ لأنْ يختار الكوفة على المدينة، وخاصةً إنّ عمّه ووالد زوجته، سعد، والِيَاً عليها.

وانقضتْ الأيّام سِرَاعاً، وجاء عثمان خليفةً على المسلمين، وتربّع على حكم البلدان، آل أبي مَعِيْط، وبنو أميّة، وعاثوا


فساداً، ويَصِلُ الأمر ببعض الولاة كالوليد بن عقبة - وكان حينذاك على الكوفة - أنْ يخرج لصلاة الصبح، وهو في حالة سُكْرٍ شديدةً، فصلّى بالناس أربع ركعات، ثم التفتَ للمصلِّين قائلاً: هل أزيدكم؟، وتقيَّأَ في المحراب، وقرأ بهم في الصلاة وهو رافِعٌ صوتَه:

عَلِقَ القلبُ الربَابَا

بَعْدَ مَا شَابَتْ وَشَابَا

فقام إليه جماعةٌ من المسلمين فانتزعوا خاتمه من يده، وقام إليه ابن مسعود وضرب بنعاله وجهَ الوليد، وحَصَبَهُ الناس فدخل القصر، والحصباء تأخذه وهو مترنِّح.

ولم تكنْ هذه الحادثة إلاّ صورة واضحة لحكم آل أبي معيط وآل أبي سفيان، الذين استَولَوا على الحكم بنفوذ الخليفة عثمان.

وهذه المفارقات كافية لإثارة المخلصين على الإسلام بالكلام القاسي أوّلاً، ثم بالثورة العارِمَة على الخليفة عثمان، الذي قُتِلَ بالنهاية نتيجةً لهذه الأحداث الصَخْبَة التي مرّتْ.

وكان موقف المرقال كموقف غيره من المسلمين المعارضين الأشِدَّاء، وبايع المسلمون عليّاً بالخلافة.

وهاشم، الرجل الذي عَرَفَ عليّاً ومكانته مِن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقد سمع حديثه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذْ يقول: ((أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)) و((عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليٍّ)) و((يا عليّ لا يعرفك إلاّ الله وأنا)).

وإذا أيّد المرقال بيعة الإمام، وهتف بأَحَقِّيَّتِهِ مِنْ غيره،


فهو لا لكونه من صحابته فحسب، إنّما يعرف أنّ عليّ بن أبي طالبٍ سيُقيم العدل، وأنّه خير مَنْ يصلح للأمر، لا تأخذه في الله لائمةٌ، لهذا ما إنْ سمع نبأ خلافته، حتّى هرع إلى أبي موسى الأشعري - وهو في الكوفة من قِبَلِ عثمان - وهجم عليه قائلاً: (بايِعْ يا أبا موسى لخير هذه الأُمّة عليَّ بن أبي طالبٍ).

ولكنّ الأشعري ذلك المراوِغ الذي لا يربطه بعليٍّ حبٌ ولا إيمان، أخذ يَسْتَمْهِل هاشماً، ويراوغه عن البيعة، غير أنّ هاشماً ذلك الرجل الصَلِب المؤمن لعقيدته يقف أمام الأشعري وعيناه تقدحان ناراً، ووضع يده على الأخرى قائلاً: يا أبا موسى هذه لعلي، وهذه لي، وقد بايعتُ عليّاً خير هذه الأُمّة. ثمّ أخذ يَتَغَانَى:

أُبَايِع غيرَ مُكْتَرِثٍ عَلِيَّاً

وَلا أَخْشَى أَمِيْرَاً أَشْعَرِيَّا

أُبَايِعُهُ وَأَعْلَمُ أَنْ سَأُرْضِي

بِذَاكَ اللهَ حَقَّاً وَالنَّبِيَّا

ويبقى في الكوفة، يحث الناس على بيعة عليٍّ، وما إنْ يسمع أنّ إمامه خرج إلى العراق لحرب الجمل، يخفّ إليه، ويلتقي به، ويعتمِد عليه الإمام في مراسلاته وحربه، ويقف إلى جنبه حتّى ينتهي الأمر، ويكسب الإمام النصر.

وعاد مع الإمام ولازمه، وإذا ما تظاهر معاوية بالعصيان ولم تنفع معه مراسلة الإمام، فقد طمع وريثُ الخيانة، وابن آكلة الأكباد بالخلافة.. هناك جمع الإمام صحابته وأخذ يستشيرهم في الأمر، وكان هاشم مِن أولئك النفر الذين اعتمد


عليهم أبو الحسن في مشورته وتثبيت دولته، فهبّ المرقال مُنْدَفِعَاً بإخلاصٍ وعقيدةٍ وقال:

(أمّا بعد يا أمير المؤمنين، فأنا بالقوم جدُّ خبير، هم لك ولأشياعك أعداء، وهُمْ لِمَنْ يطلب حرثَ الدنيا أولياء، وهم مُقاتِلوك، ومُجاهِدوك، لا يبقون جهداً مشاحّةً على الدنيا، وظنّاً بما في أيديهم منها، وليس إربةٌ غيرها، إلاّ ما يخدعون به الجُهّال من الطلب بدم عثمان، كذبوا ليسوا بدمه يثأرون، ولكنّ الدنيا يطلِبون، فَسِرْ بنا، فإنْ أجابوا إلى الحقّ فليس بعد الحقّ إلاّ الضلال، وإنْ أَبَوْ إلاّ الشِقَاق فذلك الظن بهم، والله ما أراهم يُبايِعون وفيهم أحدٌ مِمَّنْ يُطَاع إذا نَهَى، ويُسْمَعُ إذا أُمِر).

بهذه المقالة الصغيرة كشف هاشم لإمامه عن حياة هؤلاء ونَفْسِيَّاتهم وما يُضمِرون.

وزحف الإمام بجيشه إلى قتال أهل الشام، وفي (صفّين) عَسْكَرَ الفريقان: الحقُّ والباطلُ، وحجزتْ الأشهر الحُرُم بين الطرفين، كان في أثنائها يلتَمِسُ الإمام الأملَ بالنُّصْحِ والمراسلة، عسى أنْ يَلِيْنَ معاوية، ولكنْ كانتْ الإجابة بالنهاية له: (السيف بيننا وبينك، أو يهلك الأعجز مِنّا).

ويئس الإمام من عودتهم إلى حظيرة الخير، وصمّم على مُقاتَلَتِهِم، ودَفَعَ رايته العظيمة إلى هاشم المِرْقَال، وصفّ جيشه وتقابل الطرفان، كلّ يومٍ يُخْرِجُ الإمام كتيبته للقتال، وطال المقام، فقرّر الإمام الهجوم العام.. وفي الصباح الباسم من أيّام قتال صِفّين، الْتَحَمَ الجيشان في معركةٍ عنيفةٍ.


وسمع معاوية بهجمات هاشم، فحرّض عمرو بن العاص على مبارزته، فتقدّم إليه يَرْتَجِز قائلاً:

لا عيشَ إنْ لَمْ ألْقَ يَوْمَاً هاشِمَاً

ذاك الذي أجْشَمَنِي المـُجَاشَمَا

ذاك الذي أقامَ لي المـَآتِمَاً

ذاك الذي يَشْتُمُ عَرْضِيْ ظَالِمَا

ذاك الذي إنْ يَنْجُ مِنِّي سَالِمَاً

يَكُنْ شَجَاً حتّى المـَمَات لازِمَا

وتقدّم إليه هاشم بخطى ثابتةٍ، وهو يقول:

لا عيشَ إنْ لَمْ أَلْقَ يَوْمِي عَمْرو

ذاك الذي أحْدَثَ فِيْنَا الغَدْرَا

أوْ يُحْدِثُ اللهُ لأمْرٍ أَمْرَاً

لا تَجْزَعِيْ يَا نَفْسُ صَبْراً صَبْرا

ضَرْبَاً هذاذيك، وطَعْنَاً نَزْرَاً

يا ليتَ مَا تجنى يكونُ قَبْرا

ولكنّ عَمْرو أنَّا له أنْ يقف أمام سيف هاشم، ذلك الذي طالما كشف الكروب عن المسلمين في الحروب، وانْهزم عمرو إلى فِسْطاط معاوية خائفاً وَوَجِلاً.

وضحك معاوية مِلْءُ شَدَقَيْهِ وقال: (ما بالك يا أبا عبد الله. قد مزّق الرعبُ وجهَك).

واغتاظ ابن العاص من هذه السخرية اللاذِعَة، فالتفتَ إليه بغضبٍ قائِلاً: (إذا كنتَ لا تخشاه، فما بالك فررْتَ مِنْ سيف المرقال، ودونك المـُدَجَّجُوْن بالسلاح، وقد جفّ ريقُك وغارتْ عيناك، وفررْتَ من وسط القوم كما يَفِرُّ من منظر السد؟!)..

ومعاوية ذلك الإنسان الداهية، لا يغضب من حديث ابن العاص، وإنْ كان فيه مَغْمَزٌ له.

ولكنْ لمْ يترك لابن العاص سخريته، فَمَا حَمِيَ الوَطِيْسُ


بين الطرفين، وهاشم يَرْقُلُ بالراية إرْقَالاً وسط الأعداء، وهو وعِدَّةٌ من أبطاله، هدفهم معاوية، يدك الصفوف التي وقفتْ دونه ليصل مَحْمَلَهُ، واضطرب معاوية أشد الاضطراب، وأرسل إلى ابن العاص يقول له: (ويْحَك إنّ اللواء اليوم مع هاشم بن عتبة وقد كان من قبل يرقل به إرْقَالاً، وإنّه إنْ زحف به اليوم زحفاً، إنه لليوم الأطول لأهل الشام، وإنْ زحف في عُنُقٍ مِنْ أصحابه، إنّي لأطْمَعُ أنْ تُقْتَطَع. فَلْيبرز إليه كلُّ كَمِّي شديدُ البأس، واجعل عليهم ابنَك عبد الله).

إنّ الحقد الذي يتمتّع به معاوية، يختلِف عن كلّ أنواع الحقد، فالرجل وهو في ساعة المِحْنة لمْ يَغفر لابن العاص سخريته به، فحاول أنْ يأخذ الثأر منه بإرْسال ولده عبد الله، وهو يعلم إنّه لا يقوى على مُقَابلة هذا البطل، ولكنّه الحِقْد، ولكنّه الثأر.

واضطرّ ابن العاص أنْ يُرْسِل هذه الكتيبة بإمرةِ ولده، تَلْبِيَةً لطلب سيِّده، ولكنّه ما كاد يلمح المرقال، يستقبلهم بسيفه ويحصد بهم حتّى اهتزّ واضطرب، وأخَذَ لا يستقرُّ على جواده وهو ينادي: ولدي.. ولدي..

والتفتَ إليه معاوية ضاحِكَاً قائِلاً: اسْكُتْ لا يسمعك الأعداء فَتُشْمِتُهُم بِنَا، وهم على مقربة منك، سيعود ولدك صبراً صبراً، فإنّه لا بأس عليه..

ولكنّ عمرو بن العاص ما كان يعي حديث معاوية، بل التفتَ إليه كالمجنون، وهو يصرخ: لَيْتَهُ كان يزيد، وأراك


كيف تصبر.. يا معاوية تركتَ ولدَك في الشام يَمْرَح، وجِئتَ بأولادنا إلى ساحة الحرب، وتَبِعْنَاك ثم أَتُرِيْد أنْ تُيَتِّمُنَا.

وعاد عبد الله، هارِباً يجرّ أذيال الخيبة والفشل، فقد تمكّن من الفرار من سيف المرقال، واستقبله أبوه وهو يُهدّئ روعه ويُخفي فشله: (لا عليك يا ولدي فقد سبقك أبوك بالهرب من سيف هذا البطل).

وطاف الإمام بين أصحابه يشجّعهم على القتال، ويحرّضهم على الشهادة، ودارتْ الحرب بأشدّ ما شاهدها هاشم في حياته، من قسوةٍ وعُنفٍ، وامتدّ الليل بظلامه، والقتال بعدُ قائم، لم تَخُفُّ سَوْرَتِهَا إلاّ بعد أنْ يتجاوز الليل، ومع الفجر اجتمع الإمام بقادة جيشه: الأشتر، وعمّار، والمرقال، يشرح لهم خطّته العسكريّة، ووجّه هاشماً إلى القلب، وكان ما أراد، لقد صَمَدَ هاشم في القلب وقد فرّ مَنْ فرّ، وجَنْدَلَ مَنْ جَنْدَلَ.

ولحق به الإمام، وهو يصرخ به مِن خلفه ((يا هاشم حتّى متى تأكل الخبز، وتشرب الماء)) والتفتَ هاشم فرأى سيِّده فتوقّف قليلاً؛ ريثما تَسَلَّمَ منه لواءه الخاص، وقال له: ((أُريد هذا أنْ أراه يُرفرف في قلب الأعداء)) فأجابه بكلّ ثِقَة واطمئنان: (والله يا أمير المؤمنين لأجْهُدَنَّ على ألاّ أرْجِع إلَيْكَ أبداً).

وتقدّم إلى الميدان، وهو يقتحِم صفوف أهل الشام، وقف معاوية مشدوهاً، ذاهِلاً بهذا المـَنْظر، وصاح بدون شعور: أعور بني زُهرة قاتله الله.. وهاشم يرقل بالراية إرقالاً نحو معسكر طاغية أهل الشام، والشمس قد مالتْ إلى المغيب.


 وطاف بجيشه يخطب فيهم، ويقول: (ألاَ، مَنْ كان يريد الله والدار الآخرة فَلْيُقْبِل، لا يَهولَنَّكم ما تَرَون مِن صبرهم، فو الله ما ترون منهم إلاّ حميّة العرب وصبرها، تحت راياتها وعند مراكزها، وإنّهم لعلى الضلال، وإنّكم لعلى الحق. يا قوم اصبروا، وصابروا، واجتمعوا، وامشوا بنا على تؤدة رويداً، ثمّ تآسَوا وتصابَروا، واذكروا الله، ولا يُسَلِّمْ رجلٌ منكم أخاه، ولا تكثروا الالتفات، واصمدوا صمدهم، وجالدوهم محتسبين، حتّى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين).

ثم تقدّم وهو يرتَجِز:

أعورٌ يَبْغِي نفسه خلاصا

مِثْلَ الفَنِيْق لايساً ولاصا

قد جرّبَ الحربَ ولا أَنَاصَا

لا دِيَةَ يَخْشَى ولا قِصَاصَا

كلُّ امرئٍ وإنْ كَبَا وَحَاصَا

ليس يَرَى مِنْ مَوْتِه مَنَاصَا

ودبَّ الذُّعْرَ في أهل الشام، وخاف معاوية على أمره فجمع جيشه، وتوجّهتْ النفس المطمئنّة إلى بارئها، راضيةً مرضيّةً، فكانتْ حَوْمَة الميدان، وكان أنْ فَاجَأَ أحدٌ من الشاميين هاشماً بطعنةٍ في بطنه فشقّها، ولكنّ بطولة هاشم طَغَتْ عليه، فقبض على طَعْنته بإحدى يديه، وبيده الأُخرى اللواء، وقاوم أهل الشام مقاومةً عنيفةً، ولمْ يترك فرصةً يَفهم بها الشاميّون بأمره، وبقي على هذا الأمر وقتاً طويلاً من النهار، حتّى وقعتْ عينُه على ولده عبد الله، فَطَلَبَهُ، فقال له ولدُهُ: لماذا لمْ تتقدّم يا أبتاه بالجيش.

وكان جواب المرقال أنْ رفع يده عنْ بطنه، فخرجتْ أمْعَاؤه فسقط، وكادتْ تَحدث المشكلة، لولا موقف ولده


عبد الله، العظيم، فقد تناول الراية، وقفز على أعدائه، وهو يصبّر إخوانه وصحبه، ثمّ وقف فيهم خطيباً قائلاً:

(أيُّها الناس، إنّ هاشماً عبداً من عباد الله الذين قدَّر أرزاقهم، وكتب آثارهم، وأحصى أعمالهم، وقضى آجالهم، فدعاه ربُّه الذي لا يُعْصى فأجابه، وسلّم الأمر لله وجاهد في طاعة ابن عمّ رسول الله، وأوّل مَنْ آمَنَ به، وعرّف دينَ الله المخالِفَ لأعداء الله، المستحلِّين ما حرّم الله، الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد، واسْتَحْوَذَ عليهم الشيطان، فزيّن لهم الإثْم والعدوان، فحقّ عليكم جهادُ مَنْ خالف سُنَّة رسول الله، وعطّل حدود الله، وخالف أولياء الله، فجودوا بِمُهَج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا، تصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى والملك الذي لا يبلى، فلو لمْ يكنْ ثوابٌ ولا عقابٌ، ولا جنّةٌ ولا نارٌ، لكان القتال مع عليٍّ أفضل مِنَ القتال مع معاوية، ابن آكلة الأكباد، فكيف، وأنتم ترجون ما ترجون).

وهكذا قفز عبد الله بن هاشم إلى قِمّة البطولة، يستمِّد مِن جهاد أبيه وإخلاصه، ومن بطولة أبيه وفداءه، ومِن عقيدة أبيه ودعوته، وما دفعه إلى هذا الموقف.

ويقف الولد المثكول على جَسَدِ أبيه المـُمَزَّق، فيرتَجِز:

أهاشم بن عتبة بن مالك

اعْزِزْ بِشَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ هَالِكِ

تَخْبِطُهُ الخَيْلات بالسَّنابِكِ

في أسْوَدٍ مِنْ نَقْعِهِنَّ حَالِكِ

أبْشِرْ بِحُوْرِ العِيْن فِي الأرَائِكِ

والرَّوْح والرَيْحَان عِنْدَ ذَلِكِ

ويدفع بالراية في صفوف أعداء الله بوحيٍ من عقيدته وإيمانه


ولم يتلكَّأْ في الميدان، شعوراً بالموقف الدقيق الذي سينال المسلمين لو عرفوا مقتل أبيه. لهذا اندفع يرقل بالراية في صفوف الأعداء لِيُوْهِم الجيش إنّ هاشماً بالميدان.

وفعلاً كان، ولمْ يَتَضَعْضَعْ الموقف.

ويقف الإمام في النهاية على أشلاء هاشم وصحبه، يودِّعهم بدموعه الحارّة النقيّة، ويرثيهم بعواطفه الكبيرة وهو يقول: ((رحم الله هاشماً وصحبه، رجالٌ عرفوا الحقّ فجاهدوا في سبيله، وماتوا دونه)).

ويُصرَع هاشمٌ في ساحة الميدان، ويذهب عبد الله بعد أبيه، والزمان يدور، ويسجِّل في صفحاته سطوراً خالدة تُشْرِق بالعزّة والكرامة، وتشعّ بالإيمان والإخلاص!!

وهكذا كان أبطال مدرسة الإمام عليٍّ (عليه السلام) أفذاذاً وعَمَالِقَة في جهادهم، وحياتهم.



عَبْدُ الرَّحْمَنْ بْنُ حَسَّان



ودار همسٌ، وانتشر لَغَطٌ، وكثُر حديثٌ.. ثم لمْ يَعُد الخبر مكتوماً، إنّه على لسان الكثيرين، يلوكونه في الصباح وفي المساء، في الشارع، وفي حلقات السمر: إنّ معاوية بن أبي سفيان يوسِّط مروان بن الحكم في تقريب وجْهات النظر بينه وبين زياد ابن أبيه.. فهو بحاجةٍ إلى هذا الإنسان، الشَرِس، الفظ، وليس غيره يستطيع أنْ يستأْصِل أصحاب عليٍّ في العراق، وبقائهم خطرٌ على حكمه..

إنّهم أصحاب عقيدة، يحملون ضمائر حيّةً، في أعناقهم بيعةٌ لأبي ترابٍ، وعلى أكُفِّهم بطولة، لا تَعرِف إلاّ السيف والرمح.. وإذا ما اجتَثّ أُصولهم فسوف يبقى العراق في مَعْزِل عن حكمه..

ومضى السهر في ليلةٍ من ليالي معاوية، فأرسل خلف صاحِبَيْه: مروان بن الحكم، وعمرو بن العاص؛ ليبحث معهما الأمر..

والليل قد ذهب أكثره، وطَرق الباب حُرَّاس معاوية على الرجلين ولبَّيَا الأمر، وكلٌّ يحسب في نفسه ألف حسابٍ..

وفي دقائق متعاقبة، حضرا عند معاوية، وقال مروان وهو يتظاهر بالاهتمام، ما الذي أسْهَرَ أبا يزيد؟.


والتفتَ ابنُ العاص، وهو يتخابث، ويَغْمز بعينيه: أرجو أنْ لا تكون الجارية الروحيّة قد سلبتْ نوم أبي يزيد؟!..

وألْصَقَ معاويةُ ابتسامةً مُتَهَرِّئَةً على شفَتَيْه الغليظَتَين، وبانتْ همومُه الثقيلة تنطُّ من عينيه الزائغتين، وهو يلوي حاجبيه، ويُتَمْتِم، وتكاد الكلمات تجمد على لسانه. مِن شِدّة التأثّر، وهو يحاوِلُ الكلام، فيتعثّر بالحديث.

ويلتفِتُ إليه ابنُ العاص، وقد وجم مِن وضْعِه المـُخيف. تكلّم يا معاوية ماذا بك، أَتَشْكَو شيئاً. إنّ روحك تصعد مع أنفاسك، ماذا بك؟

وتحدّث معاوية، وهو يكادُ يختنق:

أقْلَقَنِي وجود أصحاب عليٍّ، وهم يتنعّمون بالحياة، وليس لهم إلاّ زياد، فهو الذي يتمكّن مِن مَحْو آثارهم، وتشتيتهم، ولم تنفع معه المحاولات.. وهو رجل له مِنَ الدهاء والقدرة، ما لا أجِدُهُ في كثيرٍ من الناس، وهو يُعَدُّ لصغار الأُمور وكِبَارها.

ويلتفتُ مروان إلى معاوية، وقد تظاهر بالجِدِّ قائلاً: إذا كنتَ بحاجةٍ إليه فأَجِبْهُ إلى طَلَبِه، وهو ليس بكثيرٍ عليك.. أعْطِهِ أُمنيّته، ولا تُبالي، وعندها يرضى بما تُريد منه.

وينتفض معاوية، وعلى سِحْنته شيء من الغضب، وهو يصرخ:

تباً لك يا أبا الحكم، أتُريد مِنِّي أنْ أعترف بأُخُوَّتِهِ، وأُرجِع نسبه إلى أبي سفيان، ما أفظع هذا الطلب.. إنّه ابن بَغِيَّة قضى أبي معها وَطَرَاً في حَانَةِ السلولي. لا كان ذلك أبداً.


ويضحك ابن العاص مِلْء شَدَقَيْه، ويقول:

مَنْ أراد شيئاً بذل في سبيله الغالي والنفيس.. وما الضير مِن ذلك، وأبوك الذي قال لعليٍّ: والله إنّي لأَعْرِف الذي وضعه في رَحِم أُمِّهِ، فقال عليٌّ بن أبي طالبٍ: ((ومَنْ هو يا أبا سفيان))؟ قال: أنا، قال: ((مَهْلاً يا أبا سفيان))، فقال أبو سفيان:

أمَا والله لو لا خوف شخص

يَرَانِي بِمَا عَلَيَّ مِنَ الأعَادِي

لأَظْهَرَ أَمْرَهُ صَخْر بنُ حَرْبِ

وَلَمْ تَكُنْ المـَقَالَةُ عَنْ زِيَادٍ

وٍقَدْ طَالَتْ مُجَامَلَتِي ثَقِيْفَاً

وَتَرْكِيْ فِيْهِمْ ثَمَرَ الفُؤَادِ

لم يكن رأي ابن العاص بالجديد في دهاء زيادٍ، فقد قالها مِن قَبْل في حقّه، يوم بعث عمرُ بن الخطاب زياداً في إصلاح فسادٍ وَقَعَ في اليمن، فرجع مِن وجْهه، وخطب خطبةً لمْ يسمع الناس مِثْلها، فقال عمرو بن العاص: أمَا والله لو كان هذا الغلام قَرَشِيّاً، لساق العربَ بعصاه.

وغَامَ معاوية في تفكيرٍ عميقٍ، وخيّم على صاحِبَيْه صمتٌ طويلٌ، كلٌّ يفكِّر في وضع خطّة؛ لجلب زيادٍ لحظيرة معاوية.. وإنّ هذا الرجل يَعرف جيِّداً أصحاب عليٍّ، فقد كان سابقاً مِن شيعة عليٍّ، وكان واليه في القدس، بحيث كتب إليه الإمامُ عليٌّ مَرَّةً يقول: ((وإنّ معاوية يأتي المـَرء مِنْ بين يديه، ومِنْ خلفه، فاحْذَرْه، ثُمَّ احْذَرْهُ. والسلام))..

ولكنّ معاوية كلّما ألَحَّ في التفكير، صَعُبَ عليه قَبول المـُسَاوَمة.. بالأمس القريب، كَتب إلى زيادٍ، وهو عامِلُ عليٍّ (عليه السلام) يقول له:

(أمّا بَعْد فإنّ العِشَّ الذي رَبَيْتَ به معلومٌ عندنا، فلا تدعْ


أنْ تأوي إليه، كما تأوي الطيور إلى أوكارها، ولو لا شيء والله أعلم به، لقلتُ كما قال العبد الصالح: فَلَنَأْتِيَنّهم بجنودٍ لا قِبَلَ لهم بها، وَلَيُخْرِجَنّهم مِنْها أذِلّةً، وهم صاغِرون..

ولم يحتمل زياد الكتاب، فقام في الناس خطيباً قائلاً: (العجب كل العجب مِن ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق، يخوِّفني بقصده إياي، وبيني وبينه ابن عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المهاجرين والأنصار، وأَمَا والله لو أُذِنَ في لقائه، أعرف الناس بضرب السيف).

جالَ كلّ ذلك في فِكر معاوية، والصمتُ مُخيِّم على المجلس.. وأفاق معاوية مِن شبه غفوةٍ طارئةٍ، والتفتَ إلى مروان وهو يحثّه على الحديث.

ولكنّ مروان كان قد التزم بالسكوت، وضاق أبو يزيد بهذا السكوت فقال: وأخيراً يا أبا الحكم هل لك رأي غير هذا؟

فأجاب مروان بالسلب..

والتفتَ معاوية إلى ابن العاص، وهو أشبه بالمتوسّل، وأنت يا أبا محمّد، هل لك في إقناع زياد لِمَا نُريد؟.

إذا خضعتَ للأمر..

ولمـّا يئس معاوية منْ أيّة طريقةٍ، اضطرّ للطريق الذي رَسَمَاهُ له، فالتفتَ إلى صاحبَيه قائلاً: اذهبا إلى زياد، وأعطياه ما يريد، فهو أخي، إذا نفّذ ما أُريد منه.

وانتهتْ المـُساومة، وأصبح زياد بن سميّة، أو زياد ابن أبيه،


زياد بن أبي سفيان، وتحقّق الحلم الذي كان يراوده مِن زمنٍ بعيد.

وتولّى لمعاوية البصرة، ثمّ الكوفة، وهو يشكر لمعاوية صنيعه، وَيَدَهُ، وإذا تقاعس عن الإجابة لمطاليب سيّده، كتب له:

مِن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد.

أمّا بعد: فإنّك عبد قد كفرتَ النعمة، واستدْعَيْتَ النقمة، ولقد كان الشكر أولى بك مِن الكفر، وإنّ الشجرة لَتضرب بِعِرْقها، وتتفرّع مِن أصلها، أنّك لا أمّ لك، بل لا أب لك، يقول فيه أمس عبد واليوم أمير، خطّة ما ارْتقاها مثلك يا ابن سمية، وإذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة وأسْرِعْ الإجابة فإنّك إنْ تفعل، فَدَمَكَ حَقَنْتَ، ونفسك تداركتَ، وإلاّ اختطفتُك بأضعف ريش، ونِلْتُكَ بأهون سعي، وأُقسم قسماً مبروراً أنْ لا أوتي بك إلاّ في زَمّارَةٍ، تمشي حافياً من أرض فارس إلى الشام حتّى أُقيمك في السوق، وأبيعك عبداً وأرُدّك إلى حيث كنتَ فيه، وخرجتَ منه، والسلام.

وتناسى زيادٌ ولائَه لعلي بن أبي طالبٍ، وأصبح أميناً جِدّاً على تنفيذ رغبات سيّده الجديد، وصار أشدّ الناس عداء على آل علي وشيعته..

وجلس يوماً في دار الإمارة، وهو يرسل العيون والرقباء للتعرّف على أخبار أصحاب أبي ترابٍ.


ويترامى النبأ إليه إنّ عبد الرحمن بن حسان العنزي يجمع الناس حوله وينشر فضائل علي (عليه السلام)، ويذكّرهم بعظمة أهل بيته، ويحرِّضهم على كُره معاوية، ويروي مثالِبَهم..

وعظم الأمر لدى زياد، وأرسل مَن يعرف طبيعة الحديث وأشرف الرسول على مجلس العنزي، فسمعه يحدّث جماعته:

(عن ابن عباس، قال: كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في سفرٍ، فسمع رجلين يتغنّيان وأحدهما يجيب الآخر، وهو يقول:

ولا يزال جوادي تَلُوْحُ عِظَامُهُ

ذوي الحرب عنه أنْ يُجَن فيقبرا

فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): انظروا مَن هما. قال: فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول الله يديه فقال: ((اللّهم ارْكسهما رَكْساً، ودَعْهما إلى النّار دعّاً)).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنتُ جالساً عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ((فقال يَطلع عليكم مِن هذا الفَجِّ رجلٌ يموت، يوم يموت على غير مِلَّتي))، قال: وتركتُ أبي يلبس ثيابه فخشِيْتُ أنْ يَطْلَعَ، فَطَلَعَ مُعَاوية.

وأبوه قال مِنْ قَبْل، وهو يُبارك لعثمان بالخلافة:

(صارت إليك بَعْد تَيْمٍ وَعَدِي، فأَدِرْهَا كالكرة، واجعل أوتادها بني أميّة فإنّما هو المـُلك، ولا أدري ما جنّة ولا نار).

واظلمـّتْ الدنيا بعين الرسول ماذا يسمع، أَصَحِيْحٌ هذا العنزي، يُحَدّث الناس بهذا القول الصارِخ. وعاد مسرعاً إلى زياد ينقل إليه الحديث.


واقشعرّ جسد الأمير مِن ذِكْر هذا الرجل، وتطاوله على المجد الأموي، وتقلّصتْ قسماته، وأخذ يتلفّتُ، يمنةً ويسرةً مذعوراً، كأنّه أُصيب بمسٍّ مِن جنونٍ، وصاح صاخِباً: لا تَرَكَنِي الله حيّاً، إنْ لم أقتل العنزي شرّ قَتْلَةٍ.

عليَّ بالرجل الساعة، لا تدعوه يعيش في الكوفة اليوم، ولا يتنسّم ريح الحريّة قبل غروب الشمس، كفى ما ألّب الناس علينا.. أسرعوا إليه، أوْثِقوه كِتافاً، ولْيَذق شديد العذاب مادام يَلْهَجُ بحبّ عليٍّ..

وعبد الرحمن كعادته، يَهْدُرُ كَبُرْهان بين جموع أهل الكوفة، يحرِّضهم على بني أُميّة، ويَذْكر مثالبهم، وتقدّم الحرّاس إليه وعيون المـُتَجَمْهِرِين تَزحف معهم، وطلبوا منه إجابة الأمير.

وسار بخطى ثابتة، وإيمان كبير نحو قصر الإمارة، تتبعه جموعٌ حاشدة من الأهلِين؛ لتشهد نهاية المطاف.

واقتحم المجلس، وزياد وسط جماعة مِن حَفَدَتِهِ، وما كادتْ عيناه تقع عليه حتّى دارتْ الدنيا فيها، إنّ هيئته تدل على صلابةٍ وصمود لا يمكن اقتحامهما، وهمّ أنْ ينقضّ عليه فيقطعه بسيفه، ولكنّ جُلاّسه أشاروا عليه بالتريّث، دون أنْ تَحْدث بَلْبَلَة في البلاد.

وفكّر الأمير الحاقِد بأمر عبد الرحمن، وأخيراً اهتدى إلى حلٍّ: ذلك أنْ يرسله إلى معاوية ليرى أمره فيه، واطمأنّ


لهذه الفكرة، ولم تغرب شمس ذلك اليوم إلاّ وكان هذا العبد الصالح يودّع مسقط رأسه في طريقه إلى الشام.

وتقصّد زياد في إيذاء الرجل طول الطريق، فقد أوصى حُرّاسه بأن يحملوا العنزي على دابّة ليس عليها وطاء، ولا يَدَعُوْهُ يستريح في سفرته البعيدة، كلُّ ذلك ليصل إلى معاوية مُنْهَار الأعصاب، مخذول الجانِب.

وفعلاً فقد مرّت عليه أيّام صعبة المراس، ثقيلة السير، يعاني فيها مر السفر وشِدّته، حتّى وصل الشام وهو منهوك القوى، متعب الأعضاء.

وأطلّ على مجلس معاوية يرفل بقيوده، ويرسف بحديده وأطال معاوية النظر إليه، ثمّ زفر زفرةً عريضَةً، والتفتَ إلى حَفَدَتِهِ المجتمعين حوله قائلاً: لقد ضِقْتَ بهذه الزمرة ذَرْعاً.

ثم خاطب العنزي ووجهه يَكْفَهِر: هل أنت على استعداد أنْ تتبرّأ مِنْ صاحبك علي، بمَشْهَدٍ مِنَ الناس؟.

وكان عبد الرحمن يعتقد مسبقاً ما سيجابهه به معاوية. لذا فهو استقبل الطلب بشيءٍ من الابتسام، وحاول أنْ يتجاهل مقصده.. والحقيقة أراد أنْ يفضحه بصورةٍ علنيّةٍ.

لذا التفتَ إليه وخاطبه، ومَنْ تقصد يا أبا يزيد - من أصحابي؟.


وصرخ معاوية: مقصدي يا رجل علي بن أبي طالب.

فما كان من عبد الرحمن إلاّ أنْ أغْلَظَ لمعاوية في الجواب، وكاد يُصعق لهذه المجابهة العنيفة في مجلسه مِن هذا الأسير الذي ينتظر حكمه فيه.

ولكنّ طبيعة معاوية لمْ يتعجّل الأمور، ولمْ يُحاول أنْ يتحمّل مسؤولية الأشياء - مهما أمْكَن -، وإنّما يُلقي تَبِعَة الأشياء على غيره، في حين، هو الذي يحرّكها، ويرسم خططها.

وبعد ذلك أمر بسجْنِه، فطال بقاؤه في السجن، وأخيراً حاول التخلّص منه، وذلك بإرساله إلى الكوفة؛ ليتولّى أمره زياد، وهو بهذا العمل يقصد أمرين: زيادة الأذى به، وقتله على يد زياد، وفعلاً وصل الكوفة.

وتأفَّفَ زيادٌ، لقد عاد إليه العنزي، فليقطع خبره قبل أنْ يتسرّب إلى أهالي الكوفة، ثمّ التفتَ إلى عبد الرحمن قائلا: هل أنت مُصِرٌّ على رأيك في موالاتك لعلي.

وبكل صلابة قال عبد الرحمن: أرجو أنْ أُوَفّق لذلك.

- إذاً أقتُلُك شرّ قتلة.

- وسآخذ بثأري منك غداً يوم الحساب، وأنا بين يدي رسول الله.

- لا تهدّدني بذلك.

- وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتقين.

وسأم زيادٌ مِنْ هذا الحوار فصاح بجلاوزته أنْ يأخذوا


الرجل، ويلقوه تحت حوافر الخيول حتّى يموت، فعسى تُطْفَى غِلّة الأمويين بهذا الثأر.

ولم تَغُبْ شمس ذلك اليوم، حتّى كانتْ الكوفة تعجّ بمَقتل عبد الرحمن العنزي تحت حوافر الخيول، وهو صامد محتسِب في سبيل عقيدته، مؤمن بأنّه على الحقّ، وغيره على الباطل والله للظالم بالمرصاد.


أَبُو الأَسْوَد الدُّؤَلِي



لمْ يرغب عمرو بن العاص أنْ يسلم أحد مِن صحابة علي (عليه السلام) ورجال مدرسته، فقد كان يكره بيت أبي طالب كُرْها لا هوادةَ فيه. وقد دفعه هذا الحقد أنْ يروي مرةً حديثاً عنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يضعه دون حياء، فيقول: (سمعتُ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: إنّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء، إنّما وليِّيَ الله، وصالح المؤمنين).

ولم يكنْ هذا فحسب، بل كان يتحرّى الفرصة؛ لينقض على أبي الحسن (عليه السلام). ويدخل ذات يوم على عائشة، فيقول لها: (لَوَدَدْتُ أنّك كنتِ قُتِلتِ يوم الجمل، فقالتْ: وَلِمَ ،لا أباً لك، فقال: كنتِ تموتين بأجلك، وتدخلين الجنّة ونَجْعلك أكبر تشنيع على عليٍّ).

وتمادى عمرو في تتبّع أصحاب علي (عليه السلام) لدى معاوية؛ ليقطع آثارهم ويضع الأحاديث، لينقص من شأن علي، ومع هذا وذاك فإنّه يَعرف عليّاً حقّ المعرفة، إذْ يقول مرةً لمعاوية: (أحرقتَ كبدي بقصصك، أترى إنّا خالفنا عليّاً لفضلٍ منّا عليه، لا والله إنْ هي إلاّ الدنيا نتكالب عليها، و أيْمُ الله لَتَقْطَعَنّ لي قطعةً من دُنْياك، أو لأُنَابِذَنَّك) فأعطاه معاوية مصر وسكت..

هكذا كان عمرو، وكان أكثر مِن هذا..

وأرّق ابن العاص أنْ يبقى رجال مِن أصحاب علي (عليه السلام) لم يُصابوا بسوءٍ، ومنهم أبو الأسود الدؤلي، فهو مِن المخلصين لعليٍّ


والمـُتَفَانين بمحبّته، ومِن زعماء شيعته، فرسم له خطّة؛ ليوقعه عند معاوية ويتخلّص منه.

واستأذن على معاوية في غير وقت سَمَرِهِ، ودخل عليه فقال له معاوية: ما أعجلك قبل وقْتِ السمَر.

يا أمير المؤمنين إنّ الأمر الذي أتيتُ مِن أجله، أوجعني وأرّقني وغاظني، وهو - من بعد ذلك - نصيحة لك.

وطغى على معاوية شيء من الاهتمام والجِدّ، وحَمْلَقَ في وجه ابن العاص متسائلاً: وماذا ذاك يا عمرو؟.

قال: - وهو يمسح العرق الذي غطّى جبهته، وعلى عينَيه جذوة حِقد؛ يا معاوية، إنّ أبا الأسود رجل مَفُوْهٌ، له عقل وأدب، ومن مثله للكلام يُذْكَر، وقد أذاع بِمِصْرِكَ من الذكر لعلي، والبغض لعدوّه، وقد خشيتُ عليك أنْ يسترسل في ذلك حتّى يؤخذ لِعُنُقِكَ..

وقد رأيتُ أنْ ترسل إليه، وتُرهِبُه، وتُرعبه، وتسيِّره وتُخيِّره، فإنّك من مسألته على أحد أمرين:

أمّا أنْ يبدي حبّه وتشيِّعه لعلي، فينكشف أمره، وترى فيه رأيك.

وأمّا أنْ يجامِلَك، فيقول ما ليس من رأيه، فتستفيد من قوله..

وغام معاوية في تفكيرٍ، فإنّه لا يرغب في إثارة موضوعٍ جديدٍ عليه، وأبو الأسود رجل عُرِفَ بالثبات والجرأة والصمود، فلا تغرّه سيوف السلطان، كما لا تَفُلّ عزيمته أموال بني أميّة.


لكنّ عمرو بن العاص يلحّ على أبي يزيد، ويقول له: أنا صاحبك يوم رفْع المصاحف بصفِّين، وقد عرفتَ رأيي وإخلاصي لك، أقْدِمُ على ذلك، ولا يرهبك الموقف، ولم يبقَ من هذه الزمرة المـُجَافية لمجد بني عبد شمس إلاّ فلولٌ، وسوف تَنْهار عن قريب.. أَلَيْسَ القائل أبوك يوم دخل على عثمان، وهو لا يُبصر طريقه، هل في المجلس مَن يُخْشَى منه، فقيل له: أبدا،ً فقال اللّهم اجعل الأمر أمر جاهليّة، والمـُلك مُلْك غاصِبِيّة، واجعل أوتاد الأرض لبني أُميّة..

فمَن تخشى؟! لقد دانتْ لك القبائل، وأسْكَتَّ الأبطال. وقبرتَ الفُصَحاء، ثم انتهيتَ إلى أبي الأسود فتجنَّبْتَ أَمْرَهُ؟..

ولم يزل به حتّى أقْنَعَهُ، فأرسل خلفه. وجاءتْ الجلاوزة بأبي الأسود، وأُدخِل عليه.

فرحّب به معاوية. وأجلسه منه مَجلِساً لائقاً، ثم التفتَ إليه قائلاً:

يا أبا الأسود، خلوتَ أنا وعمرو فَتَنَاجَزْنَا في أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد أحببتُ أنْ أكون مِن رأْيِك على يقينٍ؟.

فقال أبو الأسود: سل ما بدا لك.

واعتدل معاوية في مجلسه، وقبض ابن العاص على لحيته يسرح بها، وعيناه تقدحان شرراً.

قال معاوية: يا أبا الأسود أيُّهم كان أحبّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟


فقال الدؤلي: أشدُّهم حبّاً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأوقاهم له بنفسه. فنظر معاوية إلى عمرو، وأشار إليه برأْسِه، وعاد إلى سؤاله قائلاً: يا أبا الأسود فأيُّهم كان أفضلهم عندك؟.

قال الدؤلي: أتقاهم لربّه، وأشدّهم خوفاً لِدِيْنِه.

فاغتاظ معاوية، وانتشرتْ على سِحْنَتِهِ كآبةٌ، وسُرّ ابن العاص لذلك، فإنّ الذي كان يتطلّبه، هو أنْ يُوْقِع الدؤلي في الفخّ، وهو منه لقريب.

- ثم التفتَ معاوية إلى أبي الأسود قائلاً: فأيُّهم كان أعلم؟

- قال أبو الأسود: أقْوَلَهُم للصواب، وأفْصَلَهُم للخطاب.

- وأيهم كان أشجع؟

- أعظمهم بلاء، وأحسنهم عناء، وأصبرهم على اللقاء.

- فأيّهم كان أوثق عند الرسول؟.

- مَنْ أوصى إليه فيما بعده.

- فأيّهم كان صديقاً للنبي؟.

- أوّلهم به تصديقاً.

فأقبل معاوية بوجهه إلى عمرو بن العاص، وهو متأثّر قائلاً: لا جزاك الله خيراً، هل تستطيع أنْ تردّ على ما قال شيئاً؟!

وخيّم على المجلس صمتٌ، برهةً من الوقت، ثمّ بدّده صوتُ أبي الأسود يخاطِب معاوية.


يا أبا يزيد، إنّي قد عرفتُ مِن أين أتيتَ، فهل تأذن لي فيه؟.

قال: نعم، فقل ما بدا لك.

فقال: إنّ هذا الذي ترى، هجا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأبياتٍ من الشعر، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): اللهمّ إنّي لا أُحْسِنُ أنْ أقول الشعر، فالْعن عمراً بكلّ بيتٍ لعنة، أفتراه بعد هذا نائلاً فلاحاً، أو مُدْرِكَاً رباحاً؟.. وايْمُ الله إنّ امرءاً لم يُعرف إلا بِسَهْمٍ أُجِيْلَ عليه فجال، لَحَقيقٌ أنْ يكون كليلَ اللسان، ضعيفَ الجِنَان، مُسْتَشْعِراً للاستِكَانَة، مُقارِنَاً للذُلّ والمـَهَانة، غيرَ ولوجٍ فيما بين الرجال، ولا ناظرَ في تسطير المـَقَال، إنْ قالتْ الرجال أصغى، وإنْ قامتْ الكرام أقعى(١) ، متعيص لدينه لعظيم دينه، غيرُ ناظر في أبهة الكرام، ولا منازِع لهم، ثمّ لمْ يزل في دجَّةٍ ظلماء مع قلّة حياء، يعامِل الناس بالمـَكر والخداع، والمـَكر والخداع في النار.

ولم يتمكّن ابن العاص من تحمّل هذا الكلام القارص، بل هاجم أبي الأسود قائلاً: يا أخا بني الدؤل، والله إنّك لأنت الذليل القليل، ولو لا ما تمّت به مِن حسب كنانة لاختطفْتُك من حولك، اختطاف الأجدل الحِدْيَة(٢) غير أنك بهم تطول وبهم تصول، فلقد استَطَبْتَ مع هذا لِسَاناً قوّالاً، سيصير عليك وبالاً.

____________________

(١) أقعى الكلب - جلس على إسته.

(٢) الأجدل: الصقر، والحِداة بكسر الحاء: طائر من الجوارح والعامّة تسمّيه الحدية.


وايْمُ الله إنّك لأعدى الناس لأمير المؤمنين قديماً وحديثاً، وما كنتَ قط بأشدّ عداوةً له منك الساعة، وإنّك لَتوالي عدوّه، وتعادي وليّه وتبغية الغوائل، ولئن أطاعني ليقطعنّ عنه لسانك، ولنُخرجنّ من رأسك شيطانك، فأنت العدو المـُطْرِق له إطراق الأُفعوان(١) في أصل الشجرة.

ونطّتْ عيون ابن العاص، واضطرب المجلس، ثم واصل حديثه قائلا ألستَ أنت القائل:

وإنّ عليَاً لكم مُصْحر

يُمَاثِلُهُ الأسد الأسودِ

أمَا إنّه أولُ العابدين

بمكةَ والله لا يُعْبَدِ

ولاحظ معاوية أنّ الجوّ قد تَكَهْرَبَ، فأسْكَتَ ابن العاص والْتفتَ إلى أبي الأسود قائلاً: أغرقْتَ في النّزْع، ولمْ تدعْ رجعةً لِصُلْحِك.

ثم التفتَ إلى عمرو، مُخاطِبَاً: فلم تُغرق، كما أغرقتَ، ولم تَبلغ ما بَلَغتَ غير أنّه كان من الابتداء، والاعتداء، والباغي أظلم، قوماً غير مطرودين..

فقام ابن العاص، وهو يقول:

لعمري لقد أَعْيَى القرونَ التي مَضَتْ

نَعْشُ ثوى بين الفؤاد كمين

وقام أبو الأسود، وهو يقول:

ألا إنّ عمراً رام ليثَ خَفْيَةٍ

وكيفَ ينالُ الذئبُ ليثَ عرينِ

____________________

(١) الأُفعوان، بضم الأوّل: ذكر الأفعى.


وانفضّ مجلس معاوية، وفي قلب ابن العاص أكثر من حقد يغلي على أبي الأسود، وقد فشل في مخططه، فقد كان يود أنْ يوقع بصاحب عليّ ويفري أوداجه بسيف معاوية.. لكنّ القدر لم يعثر في هذه المرّة، فقد كان لأبي الأسود قلب نابض، وإيمان صلد، فلم يهتم عندما جدّ الجِد أنْ يقول كلمته مهما كلّفه الأمر.

وكلمة الحق في ساعة المِحنة، كلمة الرجل الصادق المؤمن المجاهد في سبيل عقيدته.



جُوَيْرِيّة بْنُ مِسْهِر



سبقت الكوفة أخبار فيها الكثير من التشويش، وفيها الكثير من الرعب، لقد وَلِيَهَا زياد ابن أبيه من قبل معاوية. وهو يحثّ السير نحوها.

واستقبل القوم هذا النبأ بشيء من الوجوم، ماذا سيكون غَدُهُم مع هذا الوالي الجديد؟.

ولم يُطل التفكير بهم، فقد وصل زياد مدينة الكوفة وهو يحمل بين جنبَيه نفسيّة سيّده، حِقدٌ على كل شخص لا يحمل الولاء للأمويين، والطاعة لحكمهم، ومحاربة كل مَن يُظهر المحبة لعلي وآله.

وتجمّع المرتزقة حول زياد يوشون بهذا، ويتملّقون له بذاك وهو يفرش لهم مِن عوده طريقاً ملؤه الرياحين والآمال.

وعلى مقربة مِن القصر، مجلس يأوي إليه كلّ مُخْتَال نِفَاع.

قال واحد من تلك الحلقة: يا أبا طرفة هل لديك جديد للأمير؟.

حتّى الآن يا أبا كثير لم يمر على خاطري اسم جديد.

وقفز رجل مِن بينهم معتدل القامة، وقال: لقد تذكّرت شخصاً وهو ثقيل الظل علينا ما رأيكم، يا قوم في (جويريّة بن مسهر العبدي) فصفّق أصحابه له ارتياحاً.


وفي قصر الإمارة يتربّع زياد على دسّت الحكم، وحوله جمع من أعوانه ومساعديه، ويدخل الحاجب على أميره يستأذن لرجل من أهل الكوفة يطلب مقابلته على عجل.

ويدخل الرجل، وهو في هيئة مُفْتَعلة من الاهتمام، وقد لصق على شفتيه ضحكة متهرِّئة، كادتْ - مِن جرائها - أنيابه الطويلة تنطّ من وراء شعرات شارِبَيْه، ويقف بين يدي زياد.

أصلح الله الأمير: إني لك محب ولمعاوية مشفِق، ولا استطيع أنْ أكتم عنك خبراً يأكل في نفسي، كلّما رأيتُ عدوكم ينعم بالوجود.

ومسح زياد على لحيته، واصطنع بعينيه بعض اللامبالاة، ثم التفتَ إليه مُقْطِب الجبين، ورد عليه بشيء من الغلظة. قل يا رجل ولا تكتم. أنا اعلم إنّك لبني عبد شمس مُحِب، وقد أمرتُ الكاتب أنْ يزيد في عطائك.

وانتشرت على وجه الرجل فرحة تَنُمّ عن الرضا والقبول، لقد نال ما كان يتمنّاه. ومرّتْ عليه لحظات تصوَّرَ فيها زيادة عطائه، ثم أدرك أنّ الأمير على انتظار فقال له:

يا أمير: إنّ في القوم رجلاً لو تتبّعتَ الجميع، وبقي هذا لما فعلت شيئاً، لقد كان يحبّه عليٌّ، ويهواه حتّى قال الناس عنه: أتراه جعله وصياً له، كما يدّعي هو الوصيّة؟.

ولم يتمالك زياد مِن أنْ يتم الرجل الحديث، بل صرخ مُحتدِمَاً، قل: يا رجل ما اسم هذا الشخص.

وأطرق الرجل لحظة، كأنّه يتذكر اسمه جيداً، ثم رفع


رأسه، وقال: أصلح الله الأمير، اسم هذا الرجل (جُوَيْرِيَّة بْن مِسْهِر العَبْدِي) وقبل أنْ تنطبق شفتاه نادى زياد مدير شرطته، والشرر يتطاير من عينيه. وأمر بإحضار الرجل على الفور.

ووقف الواشي بين يدي زياد بِخُيَلاء وقال: لو يسمح سيدي الأمير أنْ أقوم بهذه المهمة، وآتي به الساعة إكراماً لفضل الأمير، وولاءً لسيدي الخليفة.

ولكنّ زياد اكتفى من الرجل بالإخبار، وأردف إليه: قم واذهب، وتعرّف على غيره، أمّا هذا فقد انتهى حسابه وعلينا تأديبه، ونكفيك أمره.

وخرج الرجل ينوء بثقل الوشاية، واستقبله قومه خارج القصر، فخفّوا إليه متسائلين عن جائزته، فقال: - وهو يمضغ الكلمات مضغاً -:

لقد وعد الأمير بزيادة عطائي.

وعرف أهالي الكوفة بطلب الأمير لجويريّة، وتحدّثوا عن مصيره ما شاء لهم الحديث، ورسموا عن مقتله صوراً شتّى، وكلُّ لِغَدِهِ مُرتقب.

وتمّ القبض على الرجل المطارَد، وانعقد المجلس في قصر الإمارة، ومِسْحة من حزنٍ تطفو عليه.

ووقف الرجل بقلب مِلْؤه الإيمان أمام زياد، وهو مشغول عنه يتحدّث مع بعض المقربين له، يعرّفه عَن مكانة جويريّة


لدى الإمام علي (عليه السلام)، وعن موقفه من الأمويين.

لقد سمع الإمام يكرر على مسمع ومرأى من الناس: يا جويريّة ((الْحَقْ بي سريعاً، ألا تعلم أني أهواك، وأُحبّك..)).

وقطب زياد جبينه، وزمّ شفتيه، وطفتْ على سِحنته سحابةٌ دَكْنَاء من غيظ، ورمقَ جويريّة بنظراتٍ طويلة، يتطاير منها الشرر والهَلَع.

ثم صرخ بوجه جويريّة، وهو يَزبد ويَرعد: نعفو عنك يا رجل، لو أعلنتَ براءتك من علي بن أبي طالب، وإنْ امتنعتَ فالسيف ينتظر رقبتك، والعذاب يبلغ أهلك..

وانتفض الأسير من هول ما سمع، ثم التفتَ إلى زياد بكل بطولة قائلاً: أبِالموت تخوّفني يا بن مرجانة، ما أثقل ما طلبتَ لا كان ذلك أبداً.

فالتفتَ إليه زياد قائلاً: إذاً فأنت مستعدّ لأنْ تنال جزائك من القتل، وعن قريب ستنال ذلك. وقبل أنْ يُنهي زيادٌ كلامه، قفز دَعِيٌّ من الجالسين، وخاطب أميره قائلاً: لو أمر الأمير أسيره جويريّة أنْ يذكر كيف اخبره صاحبه علي عن مقتله.

قال جويريّة: قال أبو الحسن: ((والله ليقتلنّك العُتُلّ الزنيم وليقطعنّ يديك، ورجلَيك، وليصلبنّك تحت جذعٍ كافر)).

فضحك زياد وقال: سنحقق قول صاحبك فيك، وإنْ عزّ علينا تصديقه، ولكنّها أبشع قتلة. خذوه يا غلمان ونفّذوا فيه ما أُريد، اقطعوا يديه، ورجليه، زيادة في


تعذيبه، ثم اصلبوه على جذع، واتركوه عاريا؛ لتحرقه الشمس، إلاّ أنْ يتراجع عن قوله، فَيَدِيْن لمعاوية بالطاعة.

وسحبتْه الجلاوزة، وخيّم على المجلس ظلُّ كآبة، ودار همسٌ ثقيل بين بعض الجالسين.

شيء غريب طباع الناس. وإلى هذا الحد يبلغ الحقد في النفوس، لقد أوغل معاوية وولاته في تتبّع أصحاب علي، وقتلهم وتهديدهم..

والتفت رجل ذرف على الشيخوخة، وأضعفتْ صوتَه السنون، وقد سمع بهذه الظاهرة، فحاول أنْ يتقصّى أخبارها ودوافعها. وتحامَلَ على نفسه؛ لينهض فيصل إلى زياد، ويطيل النظر إليه، وعلائم الدهشة تبدو عليه، ويدير عينيه في المحتشدين حول الأمير، يتملّقون إليه، ويسبّحون بكلماته..

هؤلاء القوم كانوا بالأمس مع علي بن أبي طالبٍ، في صفّين وفي حرب النهروان، وفي الجمل. ما الذي أدارهم اليوم، وهم بالأمس يرون القتال في صفّ عليٍّ عبادة.

ثم تمالك على نفسه، وخاطب زياد بكل صرامة:

يا أمير: أمَا اكتفيت بالدماء التي أرقتها ظلماً من أصحاب علي، وهم بين صحابة الرسول، وتابعيه، وإذا كان لبيتِ أبي سفيان حساب مع الهاشميين فماذا ذنب هذه النفوس المؤمنة بالله ورسوله.

والله يا زياد إنّ الحساب لعسير إذا جدّ الجد، والظلم لن يدوم، وإنْ دام دمّر.. اتقِ الله أنت وسيدك في الشام من


الولوغ وراء هذه الروح الحاقدة، وسفك الدماء البريئة..

وضاق زياد بالمتحدّث، والتفتَ إلى أحد زمرته، مستفسراً مِمَّنْ الرجل؟.

ومدَّ الرجلُ عنقَه ليهمس في أُذُنِ الأمير، مِنْ مِذْجَح!! وكاد يفتك به لو لا تَدَخُّل بعض الأشخاص، الذين أشاروا عليه أنْ لا يثيرها مشاكل قبليّة فسكتَ على مضضٍ، وقطب وجهه..

وعاد الجلاد إلى مجلس زياد، وسيفه يقطر من دم الشهيد وهو يضع رأس جويريّة بين يديه، ولم يكنْ عند الوالي إلاّ خاصّته.

ورفتْ وحشةٌ على الجالسين، وأطرق زيادٌ قليلاً، ثم التفتَ إلى جلاّسه، وقال: يعجبني إخلاص أصحاب أبي ترابٍ لصاحبهم.. ليت لنا مثلهم، نُعطي ونُكرم، ونَأمر، ونُغَنِّي، ولم نملك واحداً مثل هؤلاء!!.

وتحدّث الناس في أندية الكوفة عن صمود جويريّة في سبيل عقيدته بكل تقدير وإعجاب، وعن وفاء هذا المؤمن، وما ضربه من أروع الأمثلة على ذلك..

( أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون ) ؟!..

صدق الله العلي العظيم


مُحَمَّد بْنُ أَبِيْ حُذَيْفَة



تعيش الشام زماناً في رَهَجِ الفرحة، هائجة الأعصاب، ثائرة الأطراف، لنْ يهدأ لها ليلٌ، ولا يقرّ لها نهار، تتماوج الناس في مجلس معاوية غادية ورائحة، مهنّئة أبا يزيد بمقتل علي. وقد أمر بهذه المناسبة - إمعاناً في الفرحة، وزيادة في الشماتة - أنْ تظهر عاصمة الأمويين بأحلى حُلّة وأجمل مظهر.

فالتأريخ قد فتح للأمويين، باباً واسعةً يطل منها معاوية وأطماعه تتراقص حوله، بصورة رائعة، ومَنْظر جذّاب.

ولقد تحققتْ أحلام أبي يزيد بعد جُهد جَهِيد، إذ اليوم الذي كان يرْقَبُهُ، أصبح في متناول يده، وسيعمل لأحياء آمال أبي سفيان ما وسعه الجهد، فقد قالها بالأمس، صريحةً دون خجلٍ وهو يدخل على عثمان، ويقوده أحد بطانته، ويلتفتُ للجالسين قائلاً: هل يوجد أحد يختشم فقيل له: لا، فقال: اللهمّ اجعل، الأمر أمر جاهليّة، والملك ملك غاصبيّة، واجعل أوتاد الأرض لبني أُميّة.

وعلى رَبْوَة الشام تنتظِم حَلَقَةٌ، تَلُمُّ مِنْ عِلِّيَةِ القوم شيوخها وكبارها، ويلتفتُ أحدهم إلى أصحابه فيقول لهم: ما ترون هل يسكت معاوية عن الخلافة بعد مقتل علي؟.


ويجيبه أحدهم وهو يلتفتُ يمنةً ويسرةً فكأنّه يُحاذِر أنْ يتصيّد حديثه أحد: إنّ آمال معاوية طويلة عريضة لا تنتهي إلى حدٍ.. إنّه لا يستقر حتّى يجتثَّ الجذور العلويّة المناوِئَة للأمويين، فأحقاد (بدر) لا تزال ريّانة الصدى في أعماقه، وذكريات (حنين) حيّةً ناميةً في ذهنه، تحزّ في نفسه وتثير في دخيلته اللوعة، ألا تراه لا يستقرّ في مجلسه إلاّ ويَغْرَق في الضحك، يصفّق فرحاً، ويرقص جَذَلاً، يأمر بقرع الطبول ونقر الدفوف، ويتمادى في فرحته، فيأمر بنثر الأموال على الجالسين، لقد سل القدر من عينيه سهماً كان يأخذ عليه نورَ حياته.

والتفتَ ثالث من الجالسين إليهم، وقد بدا مذعوراً غاضباً وحاول إن يتكلّم فخانتْه الكلمات، وأخيراً تمكّن من دفع بعض العبارات، مضطربةً تهتزّ من خوفٍ: يا قوم اتركوا هذا الحديث، ما لنا والدخول في أمر معاوية وعلي. أمَا تعلمون أنّ لمعاوية عيوناً، وآذاناً منتشرةً في كلّ مكان، وإنّ سجن الأمويين لا يطاق.

وخيّم على الجالسين صمتٌ ووجومٌ، وكأن المتكلم نقلهم لنفس السجن، وطال الصمتُ. وبدتْ على وجوه البعض منهم خطوط ألم وجزع، لقد أوغل ابن أبي سفيان في عداء علي (عليه السلام) ومحاربة أصحابه، رغم أنّه على علم من مكانة علي (عليه السلام) لكنّ الأسلوب الوحيد الذي اتخذوه في قلب الوضع في صالح الأمويين هو أُسلوب العنف والإرهاب.


فقد كتب معاوية إلى عماله في كل مكان إنْ لا يجيروا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكل من تقوم عليه البينة أنّه يحب عليّاً وأهل بيته يُمحى من الديوان، ويسقط عطائه ورزقه، ومَن اتُّهم بموالاة علي، أو مَنْ يساعد هؤلاء المحبين عليّاً، فيُنَكّل به، وتُهْدَم داره، وتُسْبَى عِيَالُه.

وهذه الحرب النفسيّة من جهةٍ، والمطاردة العنيفة مِن جهةٍ أُخرى كانتْ لها أثر في تقوية مركزهم.

فلقد قيل لمروان بن الحكم: مالكم تسبّون عليّاً على المنابر بهذا الشكل وهذا الأسلوب؟

فيردّ الصَلِفُ بكلّ صراحة: إنّه لا يستقيم لنا الأمر إلاّ بذلك!!

وليس هذا فحسب، بل إنّ ابن العاص يُعَدِّد فضائل علي في كتاب يردّ به على معاوية، فيقول:

(وأمّا ما نسبتَ أبا الحسن، أخا رسول الله، ووصيّه إلى البغي والحسد على عثمان. وسمّيْتَ الصحابة فَسَقَة، فهذا كَذِبٌ وغُوَايَة، ويحك يا معاوية، أمَا علِمْتَ أنّ أبا الحسن بذل نفسه بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبات على فراشه، وهو صاحب السبق إلى الإسلام والهجرة، وقد قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هو منّي وأنا منه، وهو منّي بمنزلة هارون، إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، وقال فيه يوم الغدير: ((ألاَ مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه. اللهمّ والِ مَنْ والاه وعادِ مَن عاداه، وانْصُر مَن نَصَره، واخْذُل مَن خذله)).

لكنّ الملك، ومعاوية يتهالك على المـُلك، ويريدها ملكاً


عضوضاً، ولا يبالي إذا كان الحكم متهرّءاً والإسلام مخذولاً.

وقبل أنْ يتفرّق المجلس، إذْ بصديقٍ أقبل عليهم، يخبرهم أنّ معاوية في مجلسه، وقد طلب محمّد بن أبي حذيفة؛ ليزفّ إليه خبر مقتل إمامه علي..

ورغم أن محمداً لا يبتعد عن معاوية، فهو قريبٌ له، لكنّه مِمّن عرف عليّاً حقّ المعرفة، ولازمه ملازمةَ الظل، وعُدّ من أصحابه الخُلّص، وهو بعد هذا ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ولقد وُلد بأرض الحبشة عند هجرة أبيه أبو حذيفة، من فضلاء المهاجرين، شهد مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّ غزواته، وقُتل يوم اليمامة، واختصّ محمّد بصحبةِ علي، وكان من أشد الناس تأليباً على عثمان، وكان يُنكر عليه جمعه للأمويين، وتوزيع أموال المسلمين عليهم.

وولِيَ محمّد مصر من قبل الإمام علي، وثم وَلِيَها قيس بن عبادة ثم (وليها الأشتر، ثم وليها محمّد بن أبي بكر، ومحمّد ابن أبي حذيفة لم يتغيّر على الإمام علي، بقي في مصر.

وزحف عمرو العاص بِجُنْده على مصر لاحتلالها، وضعفتْ مقاومة ابن أبي بكر أمام قوّة الأمويين الهائلة، وأُلقِي القبض على محمد.

وعمرو بن العاص وبطانته، بلغ بهم الحقد على الإمام علي وصحابته بحيث لم يحفظوا لأَحَدٍ من الصحابة قداسةً، فقد حكموا على محمد بن أبي بكر بالقتل، والحرق، ونفذ ابن العاص - وهو الناقم - حكمَه القاسي دون أنْ يحفظ لأبي بكر حرمةً، فقد قُتل وأُدخِل في جِلد حِمار ثم أُحرق.


وتشتّتَ شمل أصحاب ابن أبي بكر، وكان من بينهم محمد ابن أبي حذيفة.

واضطر الرجل المجاهد أنْ يتسلّل من مصر رغم عيون ابن العاص، الذي كان يعلم وجود ابن أبي حذيفة في الجيش، وإنّ هذا خير هديّة يقدِّمها لمعاوية، لأنّه من صحابة علي، ولا يهمّه أنْ يكون من أقربائه.

ودخل الشام متخفّياً، يُغَيّر من سيمائه ما أمكنه، ومن مشخّصاته ما استطاع. ولكنّ عيون معاوية لا تخفى عليها خافيةٌ، واتصلت بصورة عاجِلَة بمعاوية. فرقص لهذا النبأ وأعطى للمـُخْبِرين جوائزهم.

وتمّ إلقاء القبض على محمد بن أبي حذيفة، وأُحضر بين يدي معاوية.

ولمعاوية رَحِمٌ من محمد - كما تقول الرواة - ولكنّه لا يمنع هذا من كراهية معاوية له، ويعتبره من أنشط المؤلِّبين عليه.

وضحك معاوية ضحكةً طويلة في وجه الأسير، وبسيفه استعرض خدّ محمّد يحاول تهديده. ثم خاطبه:

أمَا آنَ لك أنْ ترعوي عن غيك، وتعود إلى رشدك، وتتخلّى عن حب علي؟ فإنّي اكره أنْ أقتلك لقربي منك.

وأشاح محمد بوجهه عنه، وفضّل أنْ يقابله بالاحتقار والسكوت على الإجابة.

وعجز معاوية عن استمالة محمد. فأمر بسَجْنه. وأوصى السجّان أنْ يكون سِجْنه عسيراً.


وأُودِع سجناً لا يعرف الليل فيه من النهار، قد جلّلَتْ الرطوبة أطرافه، وطال به السجن، كما طال عليه العذاب.

ووصل خبر مقتل علي إلى معاوية، وهو في رهج الفرحة، تذكّر محمدَ بن أبي حذيفة، وهذا وقت الشماتة، فأمر بأنْ يُأْتَى به من السجن إلى مجلسه، وقد تجمّع حوله كل نهّاز نميم.

ودخل محمد إلى المجلس، وهو يتكئ على بعض الحراس إذ لا يكاد يُبصر النور، فقد أثّر فيه السجن، وأطبق أنيابه عليه، بالإضافة إلى طول شعره، ورداءة ثيابه.

وعندما عرف محمد إنّه في مجلس معاوية أفلتَ يديه من حُرّاسه، وزحف بقيوده إلى كرسي الطاغية. فجفل معاوية من هذه المفاجأة، ولو لا شيء من حياءٍ مَنَعَهُ من ذلك، لقفز من عرشه.

وزاغت عيون الملتفّين حول معاوية، وصرخ المتملِّقون: امسكوا الرجل. وامنعوه من التقدم، حِيْلُوا بينه وبين معاوية.

ووقف محمد على مقربة منه، وهو يطيل النظر إليه، يحاول أنْ يقشع عن عينيه ظلمة السجن، ونفرتْ ضحكةٌ ساخرة من هذا المـُكَبّل بالحديد.

وجمع معاوية أطرافه، ودحرج من فمه الكلمات:

يا محمد: ارفق بحالك وبأهلك، أَلَمْ يَأْنِ لك أنْ تتبصّر.

وتترك موالاتك لعلي، فقد قُتل واسترحنا منه؟ وحاول معاوية أنْ يسترسل في حديثه، إلاّ أنّ بعض أصحابه لكزه بإبهامه، وغمز له بعينه.


وفهم معاوية مراده فمسك عن الكلام، وأرخى له عينين ساهمتين.

والتفت محمد إلى معاوية، وقد بدتْ على سِحْنته موجةٌ من السخط: إنّك لتعلم إنيّ أَمَسّ القوم بك رَحِمَاً، وأعرفهم بك.

- أجل. أجل. ثم ماذا.

- إنّك تطالب بدم عثمان. فو الذي لا آله غيره ما أعلم أحداً شُرك في دم عثمان، وألّبَ الناسَ عليه غيرك؛ لمـّا استعملك على الشام، فسأله المهاجرون والأنصار أنْ يعزلك، فأبى، ففعلوا به ما بلغك، وأنت تطلب منّي أنْ أتبرأ من علي، لأنّ عليّاً - كما تدّعي - ساعد في قتل عثمان، فلماذا لا أتبرأ مِمّن كان السبب في ذلك وهو أنت (اللّهم اشهد بأنّي بريء من معاوية، وإنّي لأشهد أنّك منذ عرفتك في الجاهلية، والإسلام على حدٍّ سواء).

وقاطعه معاوية ضاحكاً، وهو يرمقه بنظرات حادّة، تكاد تكون شُعلة من لَهَبٍ.

- يا محمد، لي إليك حاجة، فهل لك أنْ تُجيب؟

- إذا كان فيها ما يرضي الله، ورسوله.

- إنّك رحمي، وأعز الناس لي، وقد رأيتَ من الظلم أنْ أُعذّبك إلى هذا الحد، ورغبتَ أنْ أُسدي لك خدمة تُنسيك ما لاقيته منّا. اخْتَر أيَّ ولايةٍ تشاء نولِّيك عليها، ولك في كل عام ألف ألف دينار ذهبٍ وما تحتاج، دون قيدٍ وشرط.

وصاح محمد، وهو يقطع عليه حديثه: كفى كفى يا معاوية لا أبيع ديني بدنياي، أبْعد الله عنّي ولايتك، وأغناني عن


مالك، وعوّضني عن جاهِك، بما أحب وأصبو إليه.

والتفت إليه أحد جلاوزته: يا محمّد إنّ معاوية بذل لك الذي لا تستحقّه، ولو بذل نصف ما بذله لك لأطعتُه، ولم أعصِ له أمراً.

فأجابه محمد: اخسأ، يا رجل فالنفوس لا تُباع ولا تُشرى، إنّ طاعة الله خيرٌ لي من طاعة إنسان.

وخابتْ ظنون معاوية، وقد انهارتْ أعصابه أمام صلابة هذا الرجل الذي بين يديه، وكأنّه لا يخشى سطوتَه، ولا يهاب قوّته. وألقى نظرةً على الجالسين فرآهم قد ذُهِلُوا بجرأة ابن أبي حذيفة وشجاعته الفائقة. وصراحته التامّة.

والتفت إلى أصحابه المتملّقين، وهو يحرق الأرم من الغيظ، والحنق قلّص وجهَه، والعَرَق يتصبّب من جوانبه، وعيناه قد غامتا في كهوفهما.

فصاح به أحدُهم ما بالك يا أبا يزيد؟

إنّ هذا الذي واقف بين يديك أثارني. إنّ وجوده أصبح خطراً علينا، أمَا ترى العيون تكاد تلتهمه احتراماً وإكباراً ليعود لسجنه، ولعل الليل ينهي أمره فتستريح منه.

وتوجّه إلى محمد قائلاً: إنيّ يا محمد أراك على ضلالك بعد، فَعُد إلى سجنك والموت ينتظرك.

يا حرّاس اذهبوا به إلى أفظع سجنٍ عندنا، ولا تدعوه يستريح.

وضحك محمد وازداد ضحكاً، وهو يرى معاوية في ثورة


عارمة، وقبل أنْ يودّعه التفت إليه، وقال: يا معاوية: إنّ الله لك بالمرصاد، وإنّ حسابك لعسير بين يديه، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون.

خذوه يا حرّاس، وأريحوني منه.

ويلقي ابن أبي حذيفة نظرته الأخيرة على هذه الجموع المـُحْشَدَة في مجلس معاوية، فيها الكثير من الشفقة على هذه النفوس المشدودة إلى معاوية، برباط الذهب والمال والجاه والسلطان.

ويسحب الجلاوزة أسير سيّدهم، ويودّعه الجالسون بإعجاب وإكبار.

ولم يمر زمان حتّى يُعلن السجّانون في مجلس معاوية بأنّ محمد بن أبي حذيفة مات في سجنه، وتطلّ على الجالسين سحابةُ حزنٍ وكآبة، ويتساءل المتسائلون، هل مات محمد حَتْفَ أنْفِه، أم هناك سبب لم يذكره معاوية، ولم يشأ أنْ يذكره. وهذا ما كَتَمَهُ التأريخ؟؟.

ويبقى ابن أبي حذيفة خالداً، رغم اندثار الأمويين؛ لأنّه على الحق، وجاهد ضدّ الباطل، وأرخَصَ حياته في سبيل عقيدته. وهكذا جزاء المخلصين..



مصادر الكتاب

١ - رجال الشيخ الطوسي

٢ - تاريخ الطبري، لابن جرير

٣ - طبقات الكبرى، لابن سعد

٤ - مروج الذهب، للمسعودي

٥ - السيرة النبوية، لابن هشام

٦ - حلية الأولياء، لأبي نعيم

٧ - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد

٨ - الإصابة، لابن حجر

٩ - الاستيعاب، لابن عبد البر

١٠ - أسد الغابة، لابن الأثير الجزري

١١ - صفين، لنصر بن مزاحم

١٢ - الجامع الكبير للسيوطي

١٣ - المستدرك، للحاكم النيسابوري

١٤ - كنز العمال، للمتقي الهندي

١٥ - الغدير، للشيخ الأميني


١٦ - أعيان الشيعة، للسيد محسن الأمين

١٧ - تهذيب التهذيب، لابن حجر

١٨ - لسان الميزان، لابن حجر

١٩ - تاريخ الإسلام، للذهبي

٢٠ - رجال الشيخ عبد الله المامقاني

٢١ - تأريخ ابن عساكر

٢٢ - التذكرة، لابن الجوزي

٢٣ - تاريخ الخلفاء، للسيوطي

٢٤ - الصواعق المحرقة، لابن حجر

٢٥ - تاريخ ابن كثير

٢٦ - بحار الأنوار، للمجلسي

٢٧ - الإرشاد، للشيخ المفيد

٢٨ - تاريخ اليعقوبي

٢٩ - إيمان أبي طالب، لفخار بن معد، تحقيق محمد بحر العلوم

٣٠ - ضحايا العقيدة، محمد بحر العلوم

٣١ - مواقف حاسمة، محمد بحر العلوم

٣٢ - الولاة والقضاة، للكندي


الفهرس

رنة عطرٍ ودنيا نورٍ ٥

عَمَّار بْن يَاسِر ٩

مَالِكُ الأَشْتَر. ٢٣

حِجْرُ بنُ عَدِيٍّ. ٣٣

بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ. ٤٣

عَبْدُ اللهِ بْن بديل. ٥٥

مَيْثًمُ التمَّار ٦٧

عَمْرو بْن الحَمِق. ٧٧

رَشِيْدُ الْهُجَرِي. ٩٣

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِيْ بَكْر ١٠٧

هَاشِمُ الْمِرْقَال. ١٢١

عَبْدُ الرَّحْمَنْ بْنُ حَسَّان. ١٤٥

أَبُو الأَسْوَد الدُّؤَلِي. ١٥٧

جُوَيْرِيّة بْنُ مِسْهِر ١٦٧

مُحَمَّد بْنُ أَبِيْ حُذَيْفَة ١٧٥

مصادر الكتاب.. ١٨٧