التوابون
تأليف: الدكتور ابراهيم بيضون
الاهداء
الى روح ابي
التي لا تزال مصدر الهام لي ومنبع عطاء..
اقدم هذا الكتاب الذي هو نفحة من ذلك الالهام وبعض من ذلك العطاء.
ابراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم
«اللهم انا قد خرجنا من الديار والاموال. وفارقنا الاهلين والاولاد، نريد جهاد الفاسقين المحلين الذين قتلوا ابن بنت نبيك فتب علينا وارزقنا الشهادة يا أرحم الراحمين.
اللهم انّا نعلم انه لو كان الجهاد منهم بمطلع الشمس أو بمغرب القمر أو بمنقطع التراب لكان حقيقاً علينا أن نطلبه حتى نناله فان ذلك هو الفوز العظيم والشهادة التي ثوابها الجنة».
عن الفتوح لابن الاعثم الكوفي
المقدمة
ان تاريخنا العربي حافل بالكثير من الشخصيات الفذة التي ساهمت بمواقفها البطولية وتضحياتها الرائعة في صنع هذا التاريخ. بيد أن فئة غير قليلة من هؤلاء، لم نجد لها محلاً لائقاً في مجالات التقييم والنشر، فظل بعضها مطموساً في صفحات الكتب القديمة، والآخر تناولته الاقلام بشكل عابر، فما زادت القارئ الا فضولاً والا تشويقاً لمعرفة المزيد.
وسليمان بن صُرد الخزاعي موضوع كتابنا، هو من تلك الفئة التي تكاد تكون شبه مجهولة حتى للقارئ التاريخي في كثير من الاحيان. ويرتبط اسم سليمان بثورة التوّابين التي قامت كردة فعل عفوية لمصرع الحسين في كربلاء، وانبثاقاً من الشعور بالذنب الذي غمر الكوفة حينئذ، ومحاولة للتكفير عنه بأية وسيلة.
والواقع ان حركة التوابين التي قامت بزعامة سليمان ورفاقه من قادة الحزب الشيعي، هي طراز فريد بين
الحركات السياسية العديدة التي شهدتها تلك الفترة المهمة من التاريخ العربي، ذلك انها لم تتضمن شيئاً من برنامج الحركة الشيعية السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي على غرار ما ظهر قبل ذلك في ثورة الحسين او ما ظهر من ملامح فيما بعد في حركة المختار الثقفي، وانما انحصرت في ظل اطار التكفير عن الذنب واتخذت من الثأر للحسين شعاراً رئيسياً لها، وانعكس عليها سلوك زعمائها المثالي وشخصياتهم المرتفعة التي زهدت بالمناصب ورفضت المساومات، ونبذت كل موقف لا يتلاءم مع المبدأ العام للحركة، الذي لخصه سليمان بالعبارة الآتية : «انه لا يغسل عنهم ذلك الجرم الا قتل من قتله او القتل فيه»(١) .
وانطلاقاً من هذا المفهوم نجد أن حركة التوابين كثورة سياسية لا تبتعد بذلك عن الخط المبدأي لحركة المعارضة الشيعية اثناء مراحلها النضالية المتلاحقة من أجل استلام الحكم. فالتخلي عن هذا المطلب - كان بنظرهم - تخلياً عن حق شرعي وخرقاً لعهد الهي. ونتيجة لذلك لم يكن طلب السلطة عندهم للتحكّم، وانما لتنفيذ مبدأ هو الاسلام. ولا ريب في أن وجود مثل هذه الافكار المثالية
_____________________
(١) المسعودي : مروج الذهب ٣ / ٣٧ - ٣٨.
كان سبباً لاخفاق الحركات الشيعية وعاملاً ساعد الامويين على تصفيتها بسهولة.
وفي هذا الكتاب عن ثورة التوابين وزعيمها سليمان بن صرد، رأينا انه من المفيد البحث في جذور المشكلة التي كانت دافعاً لكل تحرك شيعي ضد النظام الاموي، وهي مشكلة الحكم. ورغم أن ثورة التوابين لا تدخل ضمن هذا التحرك، ولكنها تتصل به بصورة غير مباشرة باعتبارها ردة فعل لثورة الحسين، باكورة التحرك الشيعي المنظم.
ولكي نوفر لهذا البحث المعطيات اللازمة والاساسية لكل بحث موضوعي، عالجنا مشكلة الحكم في الاسلام بعد النبي وخلفياتها في مجتمع شمالي شبه الجزيرة العربية، وظهور منصب الخلافة ثم تطور مفهومه من الناحية السياسية البحتة الى الامامة. بعد ذلك تطرقنا بشيء من الاختصار الى ثورة الحسين قبل أن نتوسع في تفاصيل الحركة التوابية موضوع بحثنا.
أما المنابع التي استقينا منها عناصر هذا البحث فكانت بصورة أولية مخطوطة الفتوح لابن الاعثم الكوفي من رجالات القرن الثالث للهجرة وبعض المصادر القديمة المعروفة، فضلاً عن عدد غير قليل من المراجع الحديثة.
وأخيراً فأرجو أن أكون قد وُفقت في القاء ضوء على شخصيات لم تنل حقها العادل في مجال التقييم، وأن أكون قد أسهمت بدور متواضع في خدمة الفكر التاريخي للعرب.
بيروت ١٧/٩/١٩٧٤
ابراهيم بيضون
البابُ الأول الحكم بعد محمد
كان موت الرسول بعد سنوات قليلة من وضعه الاسس الاولى لدولة الاسلام، مفاجأة أذهلت، ربما الشخصيات التاريخية التي عاصرته وعاشت قريبة منه. فبموته شغر مركز الحكم الاول دون اعداد للرجل الذي يمكن أن يشغله، من الناحية الرسمية على الاقل، لان أكثر من مرشح في الواقع اتجهت اليهم الانظار بعد الخروج من هول المفاجأة، بعضهم كان يطرح نفسه مدفوعاً باعتبارات قبلية، وبعضهم لسابقته في الاسلام والجهاد في سبيله. وهكذا وجد المسلمون أنفسهم بعد وفاة الرسول مباشرة في مهب أزمة سياسية كادت تعصف بالبنيان الذي كان لا يزال حديث العهد. فالحكم في الدولة الاسلامية الناشئة ارتبط ارتباطاً وثيقاً بشخصية الرسول، وعلى ذلك لم تطرح في حياته مسألة الخلافة، حتى اذا غاب المؤسس حدث فراغ كبير في جهاز الحكم وأخذت تباشير لازمة تنذر بالانفجار والرسول لا زال مسجى في بيته.
هل كانت هناك وصية من الرسول حول خلافته ؟
انه تساؤل أثار كثيراً من الجدل ولا زال... ورغم
ان البعض يؤكد وجود مثل هذه الوصية(١) التي تشير الى أن الرسول كان يعد علياً لخلافته فان هذا برأيهم ورأي آخرين غيرهم، أقل ما تفرض الاعتقاد به تصرفات النبي اذ كان من غير المعقول الا يعالج مسألة الحكم قبل موته او ألا يجلو عنها الغموض على الاقل.
والواقع ان عدة مؤشرات يمكن أن تضيء لنا الطريق في بحثنا لهذه المسألة، وكلها توحي بأن الاعداد للخلافة كان لا ينفصل عن تصرفات النبي واجراءاته النظرية والتطبيقية، وان ثمة مخططاً واضحاً كان يرمي الى اختيار علي بمعرفة الزعماء الكبار من المسلمين. وقد أدى ذلك الى ظهور أول تكتل سياسي في المدينة، اتخذ موقفاً موحداً من الخلافة، ضم أبا بكر وعمر وأبا عبيدة.
ويبدو أن النبي كان يسمع اعتراضات هؤلاء وغيرهم بشأن اعداده لعلي تتناول أكثر ما تتناول تأخره عنهم في السن كثيراً. فيأتي جواب النبي في تركيبة الجيش الذي أرسله لغزو الاطراف الجنوبية من بلاد الشام(٢) وضم عدداً من كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وابي عبيده وسعد بن ابي وقاص وغيرهم من شيوخ المسلمين والمهاجرين والانصار،
_____________________
(١) صحيح البخاري ٥/١٣٧.
(٢) ابن هشام : ٢/٦٠١.
وكان هؤلاء جميعاً تحت قيادة اسامة بن زيد الحدث السن والاقل شأناً بينهم في مركزه السياسي ومكانته القبلية(١) .
وليست من قبيل الصدفة أن يُستثنى علي من الدخول في هذا الجيش وما كان بقاؤه الى جانب النبي - وهو في آخر أيامه - الا تحسبا للظروف.
وقد حدث بعد اشتداد وطأة المرض على النبي ما أكد اصراره على خروج اسامة بالجيش مع انه لم يكن هناك ضرورة ملحة لهذا الاصرار، سوى أن ذلك كان محاولة أخيرة لا يصال علي الى الخلافة بابعاد كبار الطامحين اليها عن المدينة. وقد أدرك هؤلاء هدف النبي فترددوا في تنفيذ أوامره وآثروا عدم الابتعاد عن المسرح السياسي في ظل ظروف دقيقة كهذه(٢) .
ونحن لن نتوغل هنا في تفاصيل أحداث الازمة السياسية التي سيطرت على المدينة، وتطاحن الاحزاب فيها من أجل الاستيلاء على السلطة، فأمر ذلك معروف ومتداول بين مختلف فئات الناس. ذلك أن غايتنا هي البحث في جذور حركة التشيع سياسياً ثم ظهور الحزب
_____________________
(١) اليعقوبي : ٢/١١٣.
(٢) اليعقوبي : ٢/١٢٧، الطبري : ٣/٢١١.
الشيعي الذي قاد معظم حركات المعارضة في الاسلام، وفجر أشد الثورات عنفاً ضد النظام الاموي ثم العباسي.
ان الفراغ الذي أحدق بالدولة الفتية أثناء مرض النبي لم يشل الحركة السياسية في المدينة التي غدت دون حكومة وبلا امام. ففي حين لازم علي بيت الرسول مطمئناً على ما يبدو بأن سير الامور سيتجه لمصلحته(١) ، نشط السياسيون الذين كانوا يترصدون الاحداث عن كثب وبدأوا يتحركون بسرعة، ولعلهم أدركوا ان السرعة هي التي تقرر الامور في مثل هذه المواقف.
وعندما مات النبي كان الوضع شديد التوتر، والناس موزعة بين تكتلات ثلاثة :
١ - أسرة النبي وجمهور المسلمين وبعض كبار الصحابة أمثال : الزبير وسلمان وابو ذر والمقداد فضلاً عن شخصيات أخرى كأبي سفيان وخالد بن سعيد الاموي والبراء بن عازب الانصاري(٢) . وكان علي مرشحهم للخلافة.
_____________________
(١) الطبري : ٣/٢٠٤.
(٢) مرتضى العسكري : عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى : ٨٧.
٢ - بعض زعماء الانصار الذين اجتمعوا في سقيفة بني ساعده مع نفر قليل بزعامة كبير الخزرج سعد بن عبادة الذي كان يحاول اعلان ترشيحه للخلافة.
٣ - تكتل (أبو بكر، عمر، ابو عبيدة) من المهاجرين وكانوا جميعاً مرشحين للخلافة.
ولقد كان تكتل الانصار في الواقع سبّاقاً في اثارة المشكلة حين سارع الى التجمع في سقيفة بني ساعدة فور العلم باحتضار الرسول، وكان ابرزهم سعد بن عبادة الذي جيء به وهو مريض، وصوته يتهدج الى درجة أن ابنه كان ينقل ما يقوله الى الحاضرين(١) . وهنا تحرك تكتل المهاجرين الثاني (ابو بكر، عمر، ابو عبيدة) وخطط بذكاء مستفيداً من الظروف الى أبعد الحدود، ومعتمداً على سلبية تكتل المهاجرين الاول المنشغلين بموت الرسول، وعلى ضرب اتفاق القبيلتين(٢) التي يتألف منها تكتل الانصار خاصة وأن ترشيح سعد الخزرجي لم يلق تجاوباً لدى زعماء الأوس(٣) ، وأوجد بعض المزاحمة في قبيلة الخزرج نفسها من جانب بشير بن سعد الانصاري، فضلاً
_____________________
(١) طبري : ٣/٢٠٧.
(٢) الاوس والخزرج.
(٣) اسيد بن حضير وعويم بن ساعدة. طبري : ٣/٢٠٩ ابن قتيبة : الامامة والسياسة ١/٩.
عن ان بعض «الانصار قالت لا نبايع الا علياً»(١) .
وما لبث التصدع أن أصاب جبهة الانصار بظهور أول موقف تراجعي أعلنته طائفة منهم بقولها : «منا أمير ومنكم أمير». وكان ذلك أول الوهن كما عبّر عنه سعد بن عبادة(٢) ، وهو لا شك قد لامس الحقيقة، لان جدلاً عنيفاً تفجر في السقيفة حينئذ، ولم يخفف من حدته الا محاولات عمر لاشغال الرأي العام بقضية موت النبي(٣) ، ثم ظهور أبي بكر(٤) حيث ألقى خطبة عرض فيها دور المهاجرين في نصرة الرسول وسابقتهم في الاسلام(٥) وأعلن انه ورفاقه الجماعة التي ينبغي ان يكون لها هذا الأمر(٦) ، دون أن يتجاهل دور الانصار ونصيبهم في الدولة الناشئة(٧) .
_____________________
(١) طبري : ٣/١٩٨.
(٢) طبري : ٣/٢٠٨.
(٣) طبري : ٣/١٩٧.
(٤) طبري : ٣/١٩٥.
(٥) ابن قتيبة : الامامة والسياسة : ١/٦.
(٦) لن تعرف العرب هذا الامر الا لهذا الحي من قريش : ابن هشام.
(٧) ابن قتيبة : الامامة والسياسة : ١/٦.
ويبدو ان خطبة ابي بكر فعلت فعلها في نفوس المجتمعين في السقيفة، وكان حينذاك عمر بذكائه الشديد وشخصيته القوية يبذل جهداً فائقاً في استغلال الموقف الذي بدأ يتحول تدريجياً لصالح المهاجرين. فقد أصبح الآن باستطاعة ابي بكر ان يطرح رجلاً من تكتله للخلافة وفعل ذلك حين قال : «هذا عمر وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا»(١) . ولكن عمر أبى الاستجابة لدعوة ابي بكر وأصر على أن يكون هذا الاخير هو الخليفة. وثار الجدل من جديد، وفي غمرة ذلك تقدم عمر من أبي بكر قائلاً : «من ذا ينبغي له أن يتقدمك أو يتولى الامر عليك، ابسط يدك نبايعك»(٢) . وبذلك خرج ابو بكر من السقيفة أول خليفة في الاسلام حائزاً على تأييد الانصار واثنين من زعماء المهاجرين الكبار.
وكانت خلافة ابي بكر أشبه ما تكون بانقلاب سياسي ناجح، فجّره تمرد الانصار في السقيفة، وحوّله تكتل المهاجرين الى مصلحته، دون أن يتاح لفئة مهمة من المسلمين في أن تمارس حقها المشروع في عملية الاختيار. فالظروف التي تمت فيها البيعة، لم تكن في مطلق الاحوال ملائمة
_____________________
(١) الطبري : ٣/٢٠٩.
(٢) الطبري : ٣/٢٠٩.
لتقرير مسألة خطيرة كالخلافة، حين تمخض عنها تشريع عرفي، بأن السلطان لمن غلب، وكان لا بد من أن تعكس سلبياتها طويلاً على تلك المؤسسة.
كانت حادثة السقيفة، برغم الاجماع الذي حظي به أبو بكر، وبيعة مختلف الاحزاب له فيما بعد، نقطة البداية في تاريخ الحركة الشيعية(١) . ذلك أن اختيار ابي بكر وابعاد علي لم تستسيغهما جماعة هذا الاخير والمؤيدين له.. وقد ترك أعمق الاثر في نفوس هؤلاء الذين التفوا منذ ذلك الحين حول علي وأيدوا قضيته في الخلافة، ثم تحولوا الى حزب سياسي عرف بالحزب الشيعي (لمشايعته علياً) او العلوي نسبة اليه.
_____________________
(١) احمد صبحي : نظرية الامامة عند الشيعة الاثني عشرية، ٢٨ - ٢٩.
قيام مؤسسة الخلافة وتطورها السياسي
ليس من السهل أن نبحث في مسألة نشوء الخلافة وتطور أسسها والتحول في مفاهيمها السياسية والعقائدية. فذلك يحتاج أولاً التعرض الى المنطلقات السياسية مع أصول الادارة والسلطة عند العرب قبل قيام الاسلام، ثم تطور هذه الاصول والمنطلقات بعد انتصار الاسلام وتأسيس دولته.
ولا بد للباحث، عند الشروع بمثل هذا العمل، أن يجد نفسه ملزماً في التعرف الى أحوال مكة ومجتمعها بشكل أساسي، ثم أحوال بقية شبه الجزيرة حاضرها وباديها. لم تعرف مكة قبل قيام الاسلام الحكومة بأي شكل من اشكالها وحدود سلطاتها، بل أديرت شؤونها من قبل كبار التجار وممثلي كبار الاسرة القرشية. وكان للمدينة عدد من الشعب الوظائفية وزعت كل واحدة منها على أسرة من الأسر، دون أن يكون هنالك اية هيئة حاكمة تتمتع بصفة من صفات الشرعية. كذلك لم تعرف المدينة
أي نوع من أنواع القوة المسلحة، او يوجد فيها جماعات كهنة لهم نفوذ وسلطات، بل كان زعماؤها يجتمعون أحياناً للتداول في القضايا والمشاكل، وكان مكان اجتماعهم يدعى (دار الندوة). غير أن القرارات التي كانت تتخذ في هذه الاخيرة، لم يكن لها صفة الالزام، وانما كان الاخذ بها اختيارياً وفردياً... وكان اجماع زعماء المدينة على أمر من الامور متعذراً في كثير من الاحيان، وكثيراً ما كانت تنقسم المدينة في مواقفها من القضايا وتعقد التحالفات المتضادة داخلها، وفي النهاية يكون النصر غالباً للحلف الأقوى. وفي كتب الاخبار والسيرة أحاديث طويلة حول بعض القضايا التي واجهها مجتمع مكة وحول أحلاف هذا المجتمع، ويستفاد من بعض الاخبار انه وجد لدى المكيين مفهوم واحد للشرعية الواجب الالتزام بأوامرها مهما كانت، وهذا المفهوم ارتبط بالكعبة التي كانت موضع اجلالهم وقداستهم. فعندما كان يجمع غالبية الزعماء المكيون على أمر من الأمور كانوا يدونون ما أجمعوا عليه في صحيفة ويقومون بتعليقها في جوف الكعبة، وهنا يأخذ الامر صفة الشرعية. ولدينا مثال واضح حول هذا : ما عمله المكيون حين أعلنوا صحيفة مقاطعة بني هاشم التي اضطرت هؤلاء الالتزام بها، فتركوا مكة وأقاموا محصورين في شعب ابي طالب، وعاشوا في ظل المقاطعة حتى مزقت الصحيفة(١) .
_____________________
(١) سهيل زكار : التاريخ عند العرب، ٩٥ - ١١٥.
هذا وقد استمرت عادة تعليق صحف المعاهدات والوصايا وغيرها في الكعبة. ومن أوضح الامثلة على ذلك ما فعله هارون الرشيد حين قام بتولية اولاده العهد من بعده.
ان أمر الالتزام بشرعية الاوامر المعلقة في جوف الكعبة مرتبط بقدسيتها، حيث اعتبرها القرشيون بيت الله. وهكذا فالامر المعلق في جوفها تصبح له صفات الهية، وهو أمر في غاية الاهمية، وقد تطور بعد ذلك تطوراً كبيراً.
وبعد قيام الاسلام، ومع بداية التبشير به لم يحدث تغيير جوهري فيما كان سائداً في مكة، ذلك أن النبي لم يمارس أية سلطات على الذين آمنوا برسالته، ولكنه مع ذلك فقد غدا مسموع الكلمة، محترماً ومتبع الرأي بين أتباعه.
وقد تبدل هذا الحال كلياً بانقضاء الفترة المكية وهجرة المسلمين الى المدينة، حين عمل النبي الذي أصبح بالاضافة الى صفة النبوة يتحلى بصفة زعيم أمة وحاكمها المطلق النابعة أحكامه من ارادة الله، عمل هذا النبي على انشاء أمة جديدة ذات تقاليد وقواعد جديدة. ولاول مرة في حياة مجتمع شمالي شبه الجزيرة العربية، لا بل في مجتمع الجزيرة كله، قامت تجربة جديدة للحكم، مركزية السلطة،
حاكمها يملك الحق في التشريع وفي نفس الوقت يقع عليه واجب تنفيذ الاحكام. ولم يكن تطبيق هذا والقبول به من قبل العرب من الامور السهلة، لكن النبي نجح الى أبعد الحدود في ارساء قواعد لحكم الامة الجديدة التي أقامها وان كان لم يأت بنظرية للحكم ذات أسس ومنطلقات ثابتة.
هذا وقد تناول بعض الناس هذه القضية حيث يرون بأن النبي قد أتى بنظرية خاصة في الحكم والسياسة، هي نظرية الشورى، معتمدين على ما جاء في القرآن الكريم( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) أو «وشاورهم بالامر». ومع الاقرار بما ترمي اليه هذه الآيات، فان القرآن لم يبيّن قواعد الشورى هذه وحدودها وطرق تطبيقها، كما لم يبين الى أي حد كان على النبي الاخذ برأي أصحابه وأتباعه. وعندما يعود المرء الى كتب السيرة يجد أن مفهوم هذه القضية لم يكن واضحاً عند أحد من الصحابة، كما لم تتوضح معالمه في الممارسات زمن النبي.
لقد ملك النبي وحده جميع فروع السلطة من تشريع وقضاء وادارة وجباية وأعمال حربية، وذلك بالاضافة الى صفته الاساسية وهي النبوة. وهكذا امتزجت مفاهيم السلطات الزمنية بمفاهيم السلطات الدينية في الاسلام، وصار كل أمر في الدولة العربية الناشئة مزدوج الصفات
زمنياً ودينياً. وكان النبي أحياناً ينتدب بعض أصحابه فيكلفهم ببعض الوظائف حين يبتعد عن المدينة، أو يرسلهم لتنفيذ بعض المهام مثل جباية الصدقات أو تفقية الناس بالاسلام وامامتهم بالصلوات او تنفيذ مهمات عسكرية. وكان الذي ينوُب عن النبي في امامة الصلوات يدعى خليفة النبي، وكان قائد الحملة العسكرية يسمى أمير. ولما كانت القوات التي يقودها هذا الاخير قواتاً مؤمنة تقوم بتنفيذ مهمة ضد جماعات غير مؤمنة، فقد كان بعض القادة العسكريين يُميزون عن قادة الاعداء بلفظة «أمير المؤمنين !»(١) .
وكان الخليفة على الصلوات يؤدي الصلاة كما يؤديها النبي دونما زيادة او نقصان، ذلك أن الخليفة هو النائب عن الأصيل الملتزم كلياً بما عهد اليه من أوامر وتعاليم. وكانت صلاحيات أمير الجيش أوسع من صلاحيات الخليفة، ذلك أن قيادة العساكر تستوجب الطاعة المبرمة، وتعطي القائد فرص التصرف وابداع الحلول واصدار ما يراه ضرورياً من أوامر وتعليمات. ففي حين حُرم الخليفة من السلطات التشريعية مُنح ذلك للامير وتمتع به.
ومع اتساع رقعة الدولة الجديدة، وتعاظم
_____________________
(١) التراتيب الادارية : ١/٢ - ٨.
المسؤوليات فيها، تقدم النبي بالسن وأخذت آثار المرض وما عاناه تظهر عليه، وهنا - كما يُستخلص من الاخبار - أخذ بعض المسلمين يفكرون في مستقبل العقيدة وفي شؤون الحكم في الدولة ومع مرض النبي الاخير أصبحت هذه المسألة هاجساً جثم على صدور المسلمين، وأثيرت هذه القضية قبل موت النبي، ويبدو انه حاول وضع الحل لهذه المسألة ولكن مرضه وأموراً أخرى حالت بينه وبين ذلك(١) .
وبعدما توفي النبي تمّ استلام أبي بكر لمقاليد الحكم في الدولة الجديدة في ظروف سبق شرحها، وأصبح منصب الخلافة منذ ذلك الحين رسمياً وأساسياً في الحياة السياسية للامة الاسلامية، بينما لم تكن له في البداية أية هوية واضحة المعالم والاسس.
وحاول ابو بكر تحديد معالم منصبه الجديد منطلقاً من مفهوم «الخلافة» اللغوي، أي أن الخليفة نائب ملتزم بأوامر المنيب وأفعاله. وقد ظهر ذلك في قوله «انما أنا متبع ولست بمبتدع»، وظل أبو بكر يعرف طيلة حكمه بخليفة رسول الله، ذلك انه لم يحتج الى تبديل لقبه، لان
_____________________
(١) انظر صحيح البخاري : ٥/١٣٧ - ١٤١.
مدة حكمه كانت قصيرة، لم يحدث فيها مشاكل جديدة تحتاج الى تشريع. وهكذا ظل ابو بكر يعتبر نفسه نائباً عن النبي منفذاً لكل ما جاء به، ويرى نفسه انه لا يملك اية صلاحيات تشريعية، كما انه لا يملك اجبار المسلمين على ركوب خطة لم يحدد معالمها النبي والقرآن الكريم.
ومات ابو بكر والحالة من حيث الجوهر كما هي، سوى ان رقعة الدولة قد اتسعت فشملت أراضي خارج شبه الجزيرة، كما انه تجمع في الاقاليم المفتوحة قوات عربية مسلحة لا ريب انها أخذت تتطلع نحو اسماع صوتها ورأيها في السلطة. وقبيل وفاته قام ابو بكر بتعيين عمر بن الخطاب لتولي شؤون الحكم من بعده. وقبل الناس بهذا التعيين، الامر الذي يدل على حدوث تغييرات في مفاهيم الناس السياسية.
واستلم عمر السلطة والدولة الناشئة تجتاز مرحلة حاسمة وتواجه مشاكل خطيرة تحتاج الى حلول، ومثل هذه الحلول تطلبت ممارسة الخليفة صلاحيات تشريعية، ذلك أن الكثير من المشاكل كان جديداً ليس له نظير بين مشاكل العصر النبوي، ومن الامثلة على ذلك قضيتا السواد ونصارى تغلب، حيث قضت الاحكام الاسلامية بتقسيم الغنائم التي يحصل عليها المسلمون وفقاً لقواعد
حددها القرآن، كما قضى الاسلام بأن يدفع أهل الذمة من نصارى وسواهم من غير المسلمين الجزية دونما استثناء.
فبعد الاستيلاء على سواد العراق وفتح الجزيرة اقتضت الاحكام تقسيم أرض السواد، ودفع قبيلة تغلب العربية للجزية اسوة ببقية سكان الجزيرة النصارى، لكن هؤلاء رفضوا دفع الجزية. ولقد أدرك عمر ما يمكن أن يلحقه تقسيم السواد من مضار، فما كان منه الا ان ترك قسمته، ولجأ الى مضاعفة الصدقة على نصارى تغلب، بدفع ضريبة من نفس النوع الذي يدفعه المسلم انما الكمية مضاعفة(١) .
ان في اقدام عمر على مثل هذا العمل، يعني انه قد منح نفسه صلاحيات تشريعية الامر الذي لم يفعله ابو بكر، فهو بذلك لم يعد خليفة بمعنى النائب بل تصرف كتصرف أمير الجيش. وهكذا تخلى عمر عن لقب خليفة ليكتسب لقب «أمير المؤمنين»(٢) ، وفي هذا التعبير مؤشرات تدل على تبدل جوهري في المفاهيم السياسية للدولة الاسلامية، خاصة وأن العرب المسلمين اختلطوا بشعوب كانت خاضعة لفارس وبيزنطه قبل خضوعها للعرب فتركت بعض التأثير.
_____________________
(١) أبو يوسف : الخراج، ٢٨ - ٤٧.
(٢) الطبري : ٥/٢٢.
ومع امتداد الايام واتساع رقعة الدولة وبروز مشاكل جديدة أصبح الناس أكثر قبولاً لاعطاء الخليفة صلاحيات أوسع في التشريع، ويبدو أن عمر كان متنبهاً لذلك، فأخذ يبحث عن قاعدة يُرتكز اليها في المستقبل، غير أن اغتياله المفاجئ جاء ليمنعه من اتمام هذا الامر. وبينما هو على فراش الموت يعاني من آلام جراحه، لم يشغله ذلك عن هاجس الحكم ومستقبل زمام السلطة في الدولة الاسلامية الناشئة. نظر عمر حوله، فرأى ستة من اصحاب النبي كل واحد منهم يمثل فرعاً بارزاً من أسرة الزعامة القرشية. وكان أبرز هؤلاء الستة، علي بن ابي طالب ممثل بني هاشم، اسرة النبي، آل البيت في الاسلام، وأبرز أسر الزعامة قبل الاسلام منجهة، ومن جهة ثانية عثمان بن عفان ممثل أسرة بني أمية، أسرة المال والزعامة الاولى قبل الاسلام، والتي تسلم العديد من أفرادها أخطر مناصب الولايات بعد فتح مكة وأيام الفتوح زمن أبي بكر وعمر نفسه. ويبدو أن هذا الاخير رأى في تعيين علي مقدمة لقيام حكم الاسرة المقدسة، ورأى في تعيين عثمان تمهيداً لتمكين بني أمية من التسلط الكلي على الدولة وتسييرها بعقلية الارستقراطية التجارية المؤثرة.
لهذا آثر عمر عدم تحمل مثل هذه المسؤولية فتكون آخر أعماله وأخطرها، فكان أن ترك هذا الامر للستة الباقين من أصحاب النبي، ليقوموا باختيار أحدهم خليفة.
وتوفي عمر، واجتمع هؤلاء فوضحت منذ البداية معالم الصراع، حيث أعلن أربعة من المرشحين عزفهم عن ترشيح أنفسهم مع احتفاظهم بحق التصويت. وبذلك انحصرت المعركة بين علي وعثمان، وأوكلت الامور الى عبد الرحمن بن عوف لاختيار واحد منهما. وقام هذا الاخير باستطلاع آراء الناس، فكان أن واجه تيارين : أحدهما ملّ قسوة نظام عمر ورقابته المركزية الشديدة وعدم تساهله، ورأى في استلام علي للحكم استمراراً، لا بل تطويراً لنظام الخليفة السابق، وتطبيقاً أشد لقوانين الاسلام. ذلك ان علياً كان ابن الاسلام وربيب البيت النبوي وعارفاً بأمور الدين وعلومه أكثر من سواه، فقد شرب من ينابيعه الاولى منذ البداية وحتى نهاية حياة النبي بلا انقطاع أو توقف، كما رأى اتباع هذا التيار ان في استلام علي للسلطة انتصاراً دائماً للتيار الهاشمي الذي انتصر بنجاح النبي وطعن يوم السقيفة. ولقد كان اتباع هذا التيار أقل قوة من التيار الآخر، غير انه كان أكثر مرونة وأوسع دهاء وأقل مثالية وأبرع في اعداد الانقلابات وخلق المواقف المحرجة(١) .
_____________________
(١) جاء في تاريخ الطبري ان عبد الرحمن بن عوف بعث في صبيحة اليوم الثالث لوفاة عمر «الى من حضره من المهاجرين وأهل السابقة والفضل من الأنصار، والى اُمراء الاجناد فاجتمعوا حتى التج المسجد بأهله فقال : ايها الناس، ان الناس قد احبوا ان يلحق اهل الامصار بأمصارهم وقد علموا من أميرهم، فقال سعيد بن زيد : انا نراك لها أهلاً، فقال : أشيروا علي بغير هذا. فقال عمار : ان أردت الا يختلف المسلمون فبايع علياً، فقال المقداد بن الاسود : صدق عمار، ان بايعت علياً =
لقد رفض علي القبول بشروط عبد الرحمن بن عوف
_____________________
= قلنا سمعنا واطعنا. قال ابن ابي سرح : ان أردت الا تختلف قريش فبايع عثمان : فقال عبيد الله بن ابي ربيعة : صدق أن بايعت عثمان قلنا سمعنا وأطعنا. فشتم عمار ابن أبي سرح وقال : متى كنت تنصح المسلمين. فتكلم بنو هاشم وبنو امية فقال عمار : أيها الناس أن الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ! فقال رجل من بني مخزوم : لقد عدوت طورك يا ابن سمية، وما انت وتأمير قريش لانفسها. فقال سعد بن أبي وقاص : يا عبد الرحمن افرغ قبل ان يفتتن الناس، فقال عبد الرحمن : اني قد نظرت وشاورت فلا تجعلن أيها الرهط على انفسكم سبيلاً. ودعا علياً فقال : عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده ؟ قال : أرجو أن أفعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال : نعم، فبايعه، فقال علي : حبوته حبو دهر ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان الا ليرد الامر اليك والله كل يوم هو في شأن. فقال عبد الرحمن : يا علي لا تجعل على نفسك سبيلاً فاني قد نظرت وشاورت الناس فاذا هم لا يعدلون بعثمان، فخرج علي وهو يقول : سيبلغ الكتاب أجله، فقال المقداد : يا عبد الرحمن أما واللّه لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال : يا مقداد والله لقد اجتهدت للمسلمين. فقال المقداد : ما رأيت مثل ما أوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم، أني لاعجب من قريش انهم تركوا رجلاً ما أقول أن أحداً أعلم ولا أقضى منه بالعدل. فقال عبد الرحمن : يا مقداد اتق الله فأني خائف عليك الفتنة، فقال علي : أن الناس ينظرون الى قريش وقريش تنظر الى بيتها فتقول : أن ولي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبداً، وما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم» - الطبري : ٥/٣٧ - ٣٨.
وأصر على أن يعمل بمبلغ علمه وطاقته، ذلك انه أتسم بالعلم والمعرفة الواسعة بالاسلام، والى هذه الناحية الاساسية أشار المقداد بن الاسود، واتسام علي بالعلم والمعرفة صار فيما بعد، أي بعد نشوء الحزب الشيعي وتطوره حجر أساس في العقيدة الشيعية.
وبعدما صار عثمان أميراً للمؤمنين تمهد السبيل امام بني أمية للسيطرة على مقاليد السلطة للأمة الجديدة والتحكم بها، على ان ذلك لم يحدث دون ردات فعل، ودونما ثمن باهظ كان على عثمان أن يدفعه بدمه. وجاءت خلافة علي،
فكانت أشبه بفترة انتقال انتهت معها فترة الخلافة لتحل محلها على الصعيد الرسمي والعملي، حكم الاسرة الاموية الملكي، وعلى صعيد المعارضة الامامة.
ولن أحاول هنا التأريخ لما واجهه عثمان أيام حكمه او الاسهاب عن خلافة علي والمشاكل التي اعترضتها، فلذلك مكان آخر ومناسبة خاصة، وانما سأكتفي بالاشارة الى ان استلام علي للحكم واتخاذه من الكوفة عاصمة له، جعل حزبه الذي تكوّن مع الايام يمارس السلطة وينظم نفسه بعض الشيء. هذا وقد نظر هذا الحزب مع الذين آمنوا بأحقية علي بالخلافة الى هذا الاخير بعد استلامه الحكم، نفس نظرتهم السابقة : رجل له من المؤهلات ثم القرابة ما يجعله أجدر الناس وأحقهم بالقيادة، أي أن القرابة كانت مزية من المزايا، انما لم تكن بحال من الاحوال المنطلق والقاعدة الاساسية.
وبعد اغتيال علي، ووصول معاوية الى أن يكون «أمير المؤمنين» كما كان أبوه «سيد أهل الجاهلية» حرمت شيعة علي (حزبه) من الحكم، وغدا أفرادها رجال المعارضة الملاحقون من قبل السلطة. وقامت جماعة الشيعة بمبايعة الحسن بن علي خليفة بعده، لكن الحسن تنازل لمعاوية ثم ما لبث أن أغتيل، فتوجه الشيعة بأبصارهم نحو أخيه الحسين. وفي خلال هذا الوقت ثبت في أذهان الناس
أن الخلافة حق لعلي وأولاده، فبعد فاجعة كربلاء لم ير بعض الشيعة غضاضة بالاعتراف بمحمد بن الحنفية كصاحب حق في الخلافة، وكان هذا شعار المختار وأتباعه. وبعد اخفاق ثورة هذا الاخير أجمع غالبية الشيعة على حصر الحق الخلافي في أولاد علي من زوجته فاطمة بنت النبي، ذلك أن تطوراً كبيراً قد ألم بالفكر الشيعي من كافة الجوانب، وغدت القرابة هي العمود الفقري لحق الحكم والقيادة، وهذا الحق ثابت بالنص والتعيين، ومحاط بخصائص ومزايا. فالنبي كان خاتم الانبياء وهو عند وفاته لم يورّث النبوة وانما ورّث قيادة الامة لعلي، وهذا ورّثها لأولاده من بعده. ومع وفاة النبي انقطع الوحي لكن النبي كان قد تدارك ذلك بأن أعطى علياً علماً خاصاً، وعلي - الذي وصف دائماً بالعلم - ورّث هذا العلم لابنه وهكذا.
وعلى هذا نجد انه بعد استيلاء معاوية على السلطة حدث تطور كبير في الخلافة وامرة المؤمنين، فقد أصبح رأس السلطة ملكاً أو أشبه بالملك، مع احتفاظه بلقب «أمير المؤمنين» دون سواه من أصحاب السلطة، وصار زعيم المعارضة اماماً. كذلك تطورت فكرة الامامة تطوراً كبيراً، فقد حدث انشقاق بين صفوف الحزب الشيعي، بحيث طورت كل جماعة فكرة الامامة تطويراً خاصاً وحددتها بما شاءت وبما اقتضت الاحوال.
علي والخلافة
بعد مصرع عثمان، الذي أخفق في تحمل مسؤوليات الحكم بعد خليفة قوي هو عمر بن الخطاب، شغر مركز الحكم مرة أخرى، وعادت الازمة من جديد تفجر صراعات وتثير تناقضات لا حد لها، وهي أزمة فاقت كثيراً في خطورتها وأبعادها الازمة الاولى التي انتهت في السقيفة. ذلك ان مقتل الخليفة في أعقاب ثورة دموية قام بها الجند العرب في الامصار، لم يكن حدثاً عادياً يمكن أن يمر دون أن يخلّف رواسب ستصبح متأصلة في جسم الدولة الناشئة، فتهدد وحدتها بين الحين والآخر، فهو حدث ترك تأثيره العميق على مجرى التاريخ الاسلامي كله، وجعل للسيف الكلمة الفاصلة في امور الحكم(١) . ولعل ما ينسب الى عثمان بعد اشتداد وطأة المحاصرين على داره يعبّر عن هذه الحقيقة حين قال : «فو الله لئن قتلوني لا
_____________________
(١) فلهوزن : تاريخ الدولة العربية، ٥٠.
يتحابون بعدي أبداً ولا يصلون بعدي جميعاً، ولا يقاتلون بعدي عدواً»(١) .
واذا كان هدف الثوار الذين قادوا انقلابهم على عثمان تحرير الخلافة من طغيان العائلية والاحتكار لمغانم الحكم، فانهم قضوا بحركتهم دون قصد على آخر ما تبقى من نظام الشورى الذي تحول الى ملكية مطلقة في عهد معاوية(٢) .
ظلت عاصمة الخلافة تعيش في غليان لعدة أيام، بانتظار من يخلف عثمان في الخلافة.. ولم تكن المسألة بسيطة في ظروف حرجة كهذه لان مسؤوليات ضخمة ومهمات خطيرة كانت تنتظر الحاكم الجديد وكان لا بد ان يبت بها سريعاً قبل أن يحترق بنار الحكم. وعلى ذلك لم يكن مستغرباً أن يبتعد بعض كبار السياسيين عن المدينة بعدما أدركوا خطورة الوضع، تاركين معالجة الازمة لعلي المرشح الاوفر حظاً حينئذ للخلافة والذي كان قد بدأ يمارس بعض اعمالها قبل مقتل عثمان(٣) . وتردد عليّ نفسه في قبول هذا المنصب حين توجه اليه الثوار وعرضوه
_____________________
(١) ابن كثير : ٧/١٨٠.
(٢) بيضون - زكار : تاريخ العرب السياسي، ٧٦.
(٣) ابن كثير : ٧/١٧٧.
عليه بعدما رأوا ميل الغالبية العظمى اليه. ولكن تردده زال أمام اصرار الثوار على بيعته وربما لشعوره بأن التهرب من الحكم في مثل هذه الظروف خيانة للامة، وللعقيدة، فقد كانت فترة حاسمة في تاريخ الاسلام، فترة في أشد الحاجة الى رجل قوي كعلي، ارتبط تاريخياً بالاسلام منذ ظهوره. وثمة شيء آخر هو ان علياً كان السياسي الذي يحظى بتأييد الغالبية في المدينة والزعيم الذي يمكن ان يتفق عليه بقية الزعماء.
اجتازت الازمة بعض خطورتها بتولية علي مهام الخلافة، ولكن الامور في عهد الخليفة الجديد سارت في اتجاه أكثر تعقيداً وأخذت الاحداث تتلاحق بصورة عجيبة. فقد كان هناك أكثر من عائق يعترض هذا الخليفة ويمنعه من القيام بمهماته لا سيما في مجال التغييرات التي كان لا بد من اجرائها لازالة رواسب الحكم السابق. فقد كان عليه أن يوجد حلاً لجميع المشاكل التي أثيرت في عهد عثمان وأدت الى مقتله.. وهذا معناه الاصطدام بعدد من كبار الصحابة ورجالات الاسلام الذين اصابوا حداً بعيداً من الثراء زمن الخليفة السابق، ومن الطبيعي أن تتعارض مصالحهم مع الخليفة الجديد المعروف عنه المثالية وشدة التصلب في الرأي.
والحقيقة ان مهمة الخليفة الجديد كانت على جانب كبير من الخطورة، ذلك أنه لم يكن يحظى بتأييد كل القوى السياسية في الدولة يضاف الى ذلك ان بعض الذين بايعوه أخذوا يرفضّون عنه ويتطلعون كل بدوره الى الافادة من الظروف والوصول الى مكاسب معينة. ومن المدهش حقاً أن نرى اثنين من الصحابة الكبار هما الزبير وطلحة اللذين ما انفكا يكيدان ضد الخليفة السابق، أول من ينقلب على علي، ويصل الامر بهما الى اتهامه بالوقوف وراء مقتل عثمان.
بدأ علي أولى مهماته الكبيرة، بعزل ولاة الاقاليم وكانوا موضع السخط والتذمر ووضع مكانهم مجموعة جديدة تتمتع بثقة وتنسجم مع سياسته(١) . وقد نفّذ الجميع أوامره الخليفة باستثناء والي الشام معاوية الذي اتخذ من قضية الخليفة المقتول عثمان ذريعة لعدم الاعتراف بعلي، فافتتح بذلك صفحة جديدة دامية في تاريخ الحرب الاهلية التي شهدها حينئذ العالم الاسلامي.
وكان علي بدوره يدرك جيداً أبعاد المشكلة ويعرف ان القضاء على خصمه القوي المتمرس في المنطقة الشامية
_____________________
(١) اليعقوبي : ٢/١٥٥.
ليس بالامر السهل. ولكن الشام لم تكن كل هموم الخليفة الجديد، فقد كان هناك أكثر من منتحل لقضية عثمان، تصدى لعلي وراح يزرع في دربه المتاعب. ففي الحجاز ناوءه الزبير وطلحة وكانا أصلاً من أصحاب الطموح للخلافة، وقد أيدا علياً أول الامر ثم ثاراً عليه بعد تعيين ولاة الاقاليم الجدد دون أن يكون لاي منهما نصيب(١) . وانضمت عائشة التي كانت تحقد على علي منذ أيام النبي الى فريق الساخطين بزعامة طلحة والزبير(٢) وكانت غير بعيدة عن مجرى الاحداث التي أودت بالخليفة السابق، ثم انسحبت الى مكة، بعد شعورها بأن علياً سيكون الخليفة، تعمل على تجميع القوى ضده، وتستغل في نفس الوقت لعبة التشكيك بموقف الخليفة الجديد من قتلة عثمان. واجتمع الساخطون الثلاثة في مكة، ثم غادروها الى العراق بعد أن أدركوا صعوبة مناجزة الخليفة في الحجاز ونجحوا في اقناع البصرة بالانضمام الى حركتهم. ولكن هذه الحركة لم تكلف الخليفة كبير عناء، فسرعان ما خرجت قواته من المدينة (٣٦ هجري / ٦٥٦م) وتمكنت من إخضاع الثائرين دونما صعوبة في معركة الجمل التي سميت
_____________________
(١) ابن قتيبة : الامامة والسياسة ١/٤٩.
(٢) Perier Vie Dal - Hadjajadj ibn yousof, P١٠
بهذا الاسم نسبة الى الجمل الذي كانت تمتطيه عائشة اثناء المعركة(١) .
على ان هذه الحركة برغم فشلها السريع، نجم عنها نتائج على جانب من الاهمية. ذلك ان معركة الجمل أدت الى انتهاء مدينة الرسول كعاصمة سياسية وتحويلها الى مدينة ذات مركز ديني بحت واصبحت الكوفة عاصمة الدولة الجديدة خلال الفترة القصيرة التي قضاها علي في الحكم ومن ثم المركز الاول لنشاط الحزب الشيعي طوال أجيال عديدة. كما كانت معركة الجمل أول معركة في الاسلام يقودها خليفة بنفسه ضد اخوان له في العقيدة(٢) . وكان على علي وهو الشديد الايمان أن يوجد حلاً لذلك ويستن تشريعاً خاصاً عرف فيما بعد بتشريع قتال أهل القبلة جاء فيه : «ليس على الموحدين سبي ولا يغنم من أموالهم الا ما قاتلوا به وعليه»(٣) .
واذا كانت حركة المعارضة الحجازية قد لاقت الفشل سريعاً في البصرة، فان حركة أشد خطورة كان على الخليفة
_____________________
(١) قدوره : عائشة ٢٥٥ - ٢٦٠.
(٢) لويس : العرب في التاريخ ٨٤.
(٣) الدينوري : الاخبار الطوال ١٤٤ - ١٤٥.
محاربتها في الشام حيث معاوية العامل القوي والولاية المنضبطة والجيش المنظم.
فبعد فراغه من موقعة الجمل وجه علي من مركزه الجديد في الكوفة، الدعوة الى معاوية لمبايعته واعلان الولاء له مع التهديد بأنه سيلجأ الى قتاله اذا ما استمر في مخالفته والخروج على ارادته(١) . ولكن هذه الدعوة كما توقع الخليفة نفسه ومعه كبار معاونيه(٢) اصطدمت بتصلب من معاوية واصرار منه على تسليم المسؤولين عن مقتل عثمان. ولم يكن هذا الاصرار سوى تبريراً لخروجه على الطاعة واخفاء لما يخطط له من وراء هذه الحملة، وهو منطق كان من الطبيعي أن يرفضه علي أو أي حاكم آخر، فهو الخليفة والمسؤول الاول، واليه يرجع المتخاصمون فيحكم ما بينهم.
وبدأت الحرب أخيراً في صيف ٣٦ هجري / ٦٥٧ م وكان سهل صفين، المدينة الفراتية القديمة مسرحاً لها، وقد شهدت عدة معارك طاحنة كان يرافقها حملات دعائية مركزة من الطرفين فضلاً عن الحرب النفسية التي كان الهدف
_____________________
(١) الطبري : ٥/٢١٥.
(٢) ابن الاثير : ٣/١٤٠.
منها تدعيم المعنويات واكتساب أكبر عدد ممكن من عناصر الجيش الآخر. وكان سير المعارك الاولى يتجه لصالح العراقيين الذين اصبحوا على وشك الانتصار الى أن جابهتهم المصاحف مرفوعة على أسنة الرماح، وطرح شعار التحكيم للنظر في مسألة الخلاف بين الطرفين. فاستجاب علي وهو مكره(١) ، وتوقف القتال بعد جدل عنيف بين كبار قواده. وكان التحكيم مسرحية لتمييع الموقف أخرجها عمرو بن العاص أحد كبار البارزين في معسكر معاوية. والحق ان استعدادات معاوية لم تتم في الاطار العسكري فقط، وانما في الاطار السياسي أيضاً حيث أحاط نفسه بمجموعة من الرجالات الذين عرف عنهم الدهاء والبراعة في تغيير المواقف، ومن هؤلاء عمرو بن العاص الذي انضم الى معاوية بعد مساومات طويلة جرت بين الرجلين(٢) .
وأرغم علي على القبول تحت ضغط الاكثرية في صفوف جيشه التي كان يعوزها الانضباط وتفتقر الى روح الحماسة، فالجبهة العراقية كانت غير متماسكة وتتفجر بالتناقضات بينما كان الامر على عكس ذلك في الجبهة
_____________________
(١) Perier Vie Dal - Hadjajadj ibn yousof, P١٢
(٢) الطبري : ٥/٢٣٢
الشامية، حيث كان وقف القتال انتصاراً للشاميين دفع عنهم الهزيمة وجعل من زعيمهم معاوية في مركز الند والمنافسة لعلي في الخلافة.
وكما أرغم علي على القبول بمبدأ التحكيم، أرغم على اختيار ممثله في المفاوضات وهو ابو موسى الاشعري. بينما كان ممثل معاوية بطل عملية رفع المصاحف عمرو بن العاص، الذي أوصاه معاوية بقوله : «ان أهل العراق أكرهوا علياً على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وقد ضُم اليك رجل طويل اللسان قصير الرأي، فأخر الحزّ، وطبق المفصل ولا تلقه برأيك كله»(١) . والتقى الحكمان بأذرح في دومة الجندل (٣٧ هجري /٦٥٩ م) ووضح منذ بدء المفاوضات انعدام التكافؤ بينهما، وما لبث الاجتماع ان ارفضّ دون نتيجة، وعادت الامور الى ما كانت عليه قبل التحكيم مع فارق واحد ان مركز علي أصبح أكثر تضعضعاً حيث خرج من معسكره مجموعة من اثني عشر ألفاً محتجة على مبدأ التحكيم، رافعة شعار «لا حكم الا لله». وهي المجموعة التي عُرفت بالخوارج وكان لثوراتها فيما بعد تأثيراً كبيراً في التاريخ الاسلامي. ولقد أحدث تمرد هؤلاء ارباكاً في جيش علي اضطر هذا
_____________________
(١) المسعودي : مروج الذهب ٢/٣٩٢.
الاخير ان يوقف الزحف الى الشام من أجل القضاء عليهم. وقد أدى هذا الاقتتال الجانبي الى هدر طاقات الجيش العراقي في الوقت الذي اتاح الفرصة لمعاوية ان يستفيد بتعزيز مواقعه التي تعدت الدفاع الى الهجوم.
.. وفجأة انهارت الجبهة العراقية بعد ان دأب عليّ على ترميمها واستكمالها بعناصر متجانسة موحدة الولاء لوضع الامور في نصابها.
ولكن مشاريع الحرب التي أريد لها ان تفتح مرة أخرى أبواب الصراع بين الشام والعراق، احبطها معاوية قبل ان تخرج الى النور. وفي غمار ذلك تسقط ولاية مصر المهمة بيد عمرو بن العاص - أحد أبرز المتحالفين مع معاوية في صفين - ويقتل علي غيلة في مسجد الكوفة (٤٠ هجري - ٦٦١ م)، فكانت الضربة القاتلة للحزب الشيعي بغياب قائده المؤسس. وليس من العسير على أي متتبع لشريط الاحداث حينئذ ان يلمح شبح معاوية وراء تلك المؤامرة وقد تلوثت أصابعه بالدماء. واذ أصبحت الصورة أكثر وضوحاً، تحدّد الموقف بصورة شبه نهائية لمصلحة الحزب الاموي.
الباب الثاني الاحوال السياسية منذ اغتيال علي إلى كربلاء ...
بين الحسن ومعاوية
بويع الحسن بالخلافة بعد اغتيال ابيه. وكأي حاكم جديد يتولى السلطة، أعلن برنامجه السياسي في مسجد الكوفة، وكانت أبرز خطوطه مشكلة الصراع مع معاوية، ذلك الصراع الذي وجد الحسن نفسه منقاداً اليه تلقائياً لاعتبارات عقائدية وسياسية.
وعلى عكس ما يعتقد البعض من أن هذا الخليفة كان عازفاً عن استئناف الحرب مع معاوية، وأنه حين سار لقتال هذا الاخير كان تحت ضغوط من جماعته الكوفيين(١) . فالحقيقة الثابتة أن الحسن واجه هذا الامر بمنتهى الجدية والحزم، وكان أول ما فعله بعد وصوله الى الحكم هو الاهتمام بجيشه، فدفع رواتب جنوده(٢) وعمل على اعدادهم اعداداً لائقاً لحرب مصيرية مقبلة. وهذا الجيش
_____________________
(١) الخربوطلي : تاريخ العراق في ظل الحكم الاموي ٦٨.
(٢) الاصفهاني : مقاتل الطالبيين ٣٤.
هو نفسه الذي أعده علي قبل اغتياله للزحف به الى الشام. ولعل بعض المؤرخين قد خلطوا بين ما اشاروا اليه من تردد الحسن في مجابهة هذه المشكلة وبين حذره الذي غلب على تصرفاته. فالتردد شيء والحذر شيء آخر. وهذا الموقف كان نابعاً في المقام الاول من عدم ثقته بالزمرة السياسية التي حاطت به وكان لا بد من الاعتماد عليها في مطلق الاحوال(١) . فهي مركز الثقل في الكوفة بما تمتلكه من رجال وأموال، وهي في الواقع تقرر الموقف الذي تريد(٢) على ضوء ما تراه منسجماً مع مصالحها وامتيازاتها في المدينة.
فالحسن كما نعرف عاش عن كثب تجربة الحرب في صفين وما صاحبها من مؤامرات، وخبر جيداً أساليب معاوية في امتلاك قلوب هذا النوع من الرجال(٣) الذي كانت مصالحه فوق المبادئ وفوق المثل. ولم يكن
_____________________
(١) راجع صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين ٨٣ وما بعدها.
(٢) راجع صلح الامام الحسن للسيد محمد جواد فضل الله ٥١ وما بعدها.
(٣) كان من أبرز هؤلاء : الاشعث بن قيس، عمرو بن حريث، معاوية بن خديج، المنذر بن الزبير، شبث بن ربعي، اسحق بن طلحة، وعمر بن سعد.
مفاجئاً أن يتحول هؤلاء الذين عرفوا بالاشراف فيما بعد الى مطية للنظام الاموي يقاتلون في صفوفه، نفس الحزب الذي كانوا من أركانه أيام علي والحسن.
فالحسن اذا لم يساوره أدنى تردد او تخاذل في موقفه من الحرب مع معاوية، ولكنه كان شديد الحذر من جماعته، غير واثق من ولائهم واقتناعهم بفكرة الحرب. ولا بد لنا هنا من أن نتصور أية مهمة مستحيلة كانت بانتظار الحسن ليخوضها بجيش مفكك العناصر، مضطرب الولاء، موزع الانتماءات قبلياً وعشائرياً.
بهذه التركيبة العجيبة من المقاتلين التي لم يدخلها سوى قلة مؤمنة ومخلصة، سار الحسن لقتال الجيش الشامي القوي والانضباطي - الذي وصف معاوية عناصره يوماً بأنهم «أطوع جند وأقلهم خلافاً»(١) . وهو يدرك جيداً ان المتاعب لن تأتيه من أعدائه فقط، بل من الانتهازيين داخل جيشه أيضاً الذين يظهرون غير ما يسرون(٢) ، فكان ذلك يزيد من شجونه ويزيد الامور تعقيداً.
_____________________
(١) راجع كتاب تاريخ العرب السياسي (بيضون - زكار) : ٨٢.
(٢) السيد محسن الامين : أعيان الشيعة ٤/٢٢.
وكان معاوية قد أدرك بدوره نقطة الضعف هذه في جيش الحسن فاستغلها ببراعة وأخذت مناوراته ودسائسه تفعل فعلها في أوساط المترددين وهم كثرة، وتمكن من تأليب كبار القواد عليه وتخذليهم عنه بشتى المغريات.
ولعل من أقسى ما تعرض له الحسن تواطؤ قائده وابن عمه عبيد الله بن عباس مع معاوية وتسلله الى معسكره ليلاً ومعه القوة الاساسية من الجيش(٢) . وأخذت الأوضاع تتحرج اكثر فأكثر في جبهة الحسن الممزقة حتى وصل الامر الى حد بأن تجرأ عليه بعض جنده فهاجموه في فسطاطه(٣) ، وكمن له رجل متطرف من بني أسد اسمه الجراح بن سنان فأصابه بجرح بليغ في فخذه(٤) . فتراجع الحسن حينئذ الى المدائن لينشغل في مداواة جراحة. كل هذا في الوقت الذي كان فيه معاوية ناشطاً في محاولة استقطاب المزيد من رجالات الحسن(٥) وفي تصعيد حملاته النفسية في صفوف أعدائه.
_____________________
(١) الطبري : ٦/٩٢.
(٢) الاصفهاني : مقاتل الطالبيين : ٤٠ - ٤٢.
(٣) الدينوري : الاخبار الطوال : ٢٣.
(٤) اليعقوبي : ٢/٢٥١.
(٥) أعيان الشيعة : ٤/٤٢.
وتحت تأثير هذه الظروف المأساوية المؤلمة، ولما آل اليه وضع الجيش العراقي، وفي غمرة هذا الجو المشحون بالتشاؤم في امكانية الصمود والامل بالنصر، استجاب الحسن أخيراً وهو مرغم لعروض معاوية من أجل الصلح بعد أن أبدى هذا الاخير استعداده للموافقة على جميع ما اشترط عليه(١) .
أثارت قضية الحسن ولا تزال الكثير من الجدل. فمن مبالغ متطرف في تقدير مواقفه واجلالها، الى منتقد ظالم اكتفى بالنظرة السطحية الى مجريات الاحداث وتغاضى عن كل الايجابيات. وبالنتيجة كانت شخصية الحسن عرضة لتقويم خاطئ وغير منصف. والحق أنه وجدت هناك أسباب لا ينبغي لأحد تجاهلها في هذا المجال لأنه كان لها الدور المؤثر في عملية الصراع الذي دار بين الحسن ومعاوية او بين العراق والشام باتخاذه بعداً اقليمياً بدأ في صفين وتركز بعد تنازل الحسن ثم تعمق في كربلاء وتحول الى صراع تقليدي على مدى بعيد من الزمن. ومن هذه الاسباب :
١ - فقدان القيادات الشعبية المخلصة التي برزت
_____________________
(١) الطبري : ٦/٩٣.
مع علي، القادرة على تحريك الجماهير وضبطها، ابتداء بعمار بن ياسر وانتهاء بالاشتر النخعي، فقد أفلت الزمام في جيش الحسن لافتقاده الى القيادات الفعلية، وهذا الشيء نفسه سيتكرر مع مسلم بن عقيل في الكوفة.
٢ - أدرك الحسن ان موازين القوى غير متكافئة بينه وبين أعدائه خاصة بعد التخلخل الذي أصاب جيشه وظهور الانتهازية فيه. من هنا رجّح خسران المعركة عسكرياً ووجد ان المخاطرة بجيش ضعيف وممزق ستؤدي الى ضرب الحزب الشيعي بكامله وانهيار البقية الباقية من رجالاته المخلصين. وكان هذا بدون شك تقديراً سليماً وبعد نظر من جانب الحسن. وعلى ذلك سنجد ضمن ما اشترطه على معاوية بعد توقيع الصلح اعلان العفو العام، لانه لم يشأ أن يدع تلك النخبة(١) من الحزب في مواجهة معاوية دون أية ضمانات.
_____________________
(١) كان من ابرزها : حجر بن عدي الكندي، وقيس بن سعد بن عبادة، وسليمان بن صرد وغيرهم.
معاوية وتحويل الخلافة الى ملك وراثي
بعد تنازل الحسن، سقطت آخر معاقل الخلافة الراشدية، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ الاسلام مختلفة تماماً في أبعادها ومناهجها عن المرحلة السابقة. وغدت دمشق مركز الحكم وعاصمة الخلافة الاموية التى أرسى قواعدها معاوية. ولقد كان هذا الاخير يمتلك طموحاً بعيداً، فانصرف بكل ما أوتي من جهود الى بناء مجتمع جديد، مطبوع بشخصيته المكيافيلية، ومتأثر برواسبه القبلية الى أبعد حدود التأثر.
كانت مشكلة الحكم من أهم ما التفت اليه معاوية، ولم يقعده بلوغ الخلافة وتحقيق أحلامه في السلطة عن التفكير بها ومحاولة الوصول الى حل جذري لها. وقد رأى في تجارب الخلفاء الذين سبقوه، والازمات التي مرت بها الخلافة، مسوغاً لاحداث تغييرات أساسية في نظام الحكم، بتحويله من نظام قائم على الشورى الى ملكي أوتوقراطي أو بمعنى آخر من حكم اسلامي ديني الى سياسي دنيوي(١) .
وكانت أبرز جوانب هذه المشكلة برأي معاوية، ما
_____________________
(١) لويس : العرب في التاريخ ٨٩.
يمكن ان يتمخض عن هذه التغييرات من معارضة، ربما تؤدي الى حرب أهلية. فالحسن منافسه لا زال في المدينة ووراؤه حزب كبير، لن يقبل بأي اجراء يجعل من الخلافة ملكاً متوارثاً لبني أمية، فضلاً عن ان ذلك مناقض للمعاهدة التي عقدت بين الحسن ومعاوية(١) . وكذلك فان الاحزاب الاخرى ستنفر من هذه الفكرة وستقابلها بالرفض.
ولكن معاوية لا تقلقه كثيراً هذه التصورات فهو يعرف جيداً ماذا يريد، ولديه من اخلاص جنوده الشاميين ما يدفعه لتنفيذ مخططاته مهما كان السبيل الى ذلك. بدأ أولاً بتصفية الحسن فأزاح بهذا منافساً رئيسياً من طريقه(٢) . وانتشر رجاله في أقاليم الدولة يبشرون بفكرة الوراثة ويمهدون لقبول الناس بيزيد خليفة بعد أبيه. وكانت مهمة صعبة أمام هؤلاء، لم تقتصر على الاقناع بالمبدأ فقط، ولكن أيضاً حول صلاحية الشخصية المرشحة لولاية العهد التي لم تكن بنظر الناس مؤهلة لتولي منصب حساس كالخلافة.
_____________________
(١) كان من بنودها : ان يكون الامر للحسن بعد معاوية. فان حدث شيء للحسن فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية ان يعهد به الى احد : صلح الحسن ٢٥٣ - ٢٥٤. خالد محمد خالد : ابناء الرسول في كربلاء ٨٧.
(٢) المسعودي : مروج الذهب ٢/٤٢٧.
على أن ولاية العهد رغم ما أثارته من استهجان في أوساط المسلمين، فقد تمكن معاوية بواسطة أجهزته من أخذ البيعة ليزيد بغير صعوبة فيما عدا اقليمين كان يعرف هو سلفا موقفهما وهما : العراق والحجاز. الاول لرفضه الخلافة الاموية أساساً والتزامه بقضايا مختلفة تماماً، تحركها عوامل سياسية واقليمية واضحة. والثاني كانت لديه نفس الاعتبارات تقريباً مع فارق واحد يعطي له أهمية خاصة بالنسبة لمعاوية. فهو مهد الاسلام ومركز العاصمة الاولى للخلافة وملتقى كبار رجالات الاسلام الذين تمتعوا بالاحترام والتأييد الشعبي الواسع.
واذا كان العراق الذي افتقر حينئذ الى القيادات الفعلية، قد أرغم بمعظمه على البيعة تحت وطأة السلطة الحديدية التي كان على رأسها زياد بن أبيه، فان الحجاز كان له موقفاً أشد صلابة عندما رفض ثلاثة من زعمائه الكبار البيعة ليزيد وهم : الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير(١) .
كان هؤلاء - وهم جميعاً أبناء صحابيين كبار، تولى اثنان منهم (عمر وعلي) الخلافة والثالث (الزبير) نازع علياً عليها وقتل في معركة الجمل - يحظون بمكانة عالية
_____________________
(١) ابن الاثير : ٢/٢٥٢.
في الحجاز لا سيما الحسين الذي كان اكثرهم قدرة على تحريك الناس ضد معاوية والامويين. ومن أجل ذلك قرر معاوية أن يجابه الموقف بنفسه في الحجاز ويخوض معركة ولاية العهد مباشرة، فذهب الى المدينة على رأس ألفي فارس وألقى في مسجدها خطبة أشاد فيها بشخصية يزيد المؤهلة - بنظره - لتولي الخلافة، ثم غادرها الى مكة حيث انتقل اليها الزعماء الثلاثة ليبحث معهم مسألة ولاية العهد وليأخذ البيعة منهم طوعاً أو كرهاً. وكان هؤلاء قد كلفوا ابن الزبير محاورته باسمهم فرد عليه وأنكر محاولاته في خرق الشرعية والخروج على سنة الأوائل من الخلفاء. وكان معاوية حاداً في جوابه لابن الزبير اذ قال له مهدداً «أقسم باللّه لئن رد علي أحد منكم كلمة في مقالي هذا لا ترجع اليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه فلا يبقين رجل الا على نفسه»(١) . وكان أيضاً مناوراً كعادته حيث جمع الناس في المسجد وخطب فيهم : «ان هؤلاء - ويقصد بهم الثلاثة الممتنعين - قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله»(٢) .
وكانت مداهمة معاوية لهؤلاء الزعماء واحراجهم
_____________________
(١) الخضري : محاضرات في تاريخ الامم الاسلامية ١/٨٩.
(٢) ابن الأثير : ٢/٢٥٢.
باعلان بيعتهم دون أن يأخذ منهم تصريحاً بذلك نهاية المطاف بالنسبة للجدل الذي أثير حول ولاية العهد. ولم يكن أمام زعماء الحجاز الا التسلح بالصبر والانضمام الى فريق الساخطين الذي أخذ حجمه يزداد يوماً بعد آخر، بانتظار الظروف الملائمة للتعبير بالوسائل السلبية عن الرفض المطلق لنظام الوراثة في الحكم الذي ابتدعه معاوية.
الاحوال السياسية داخل العراق
لنعد الى الوراء قليلاً، الى بدايات التحرك الشيعي في العراق بعد استسلام هذا الأخير الى معاوية. وهو استسلام لم يكن في جوهره أكثر من استجابة للامر الواقع واعتراف اكراهي بالخلافة الاموية. فقد كانت هذه التغييرات السياسية تحمل في صميمها، الكارثة للعراقيين الذين التزموا مصيرياً بالقضية العلوية ووقفوا الى جانب علي الذي جعل من عراقهم مركز الحكم في الاسلام، بما يعنيه ذلك من أهمية سياسية واقتصادية وما يعكسه من شعور بالتفوق، أصبح الآن أكثر وضوحاً من قبل.
واذ ينقلب الموقف وتتحطم الاحلام وتنهار المكاسب، كان لا بد من تقويم لما جرى ووضع الامور في نصابها. وفي غمرة ذلك وجد العراقيون أنفسهم يتحملون وزر هذا المصير الذي آلوا اليه، ويتتبعون بأسى الصورة القاتمة
لمستقبلهم السياسي في ظل السيادة الاموية. ولم يكن هنالك ادنى ريب في أن أية مقارنة بين النظام السابق والنظام الجديد ليست في بال على الاطلاق. فمعاوية ما كاد يستتب له الامر في العراق، حتى انهارت تلك الصورة الزائفة التي اقترنت بها شخصيته، القائمة على الحنكة والدهاء.. فاذا به في العراق انساناً آخراً ونموذجاً مختلفاً.
وكان معاوية يعرف جيداً أن أقلية ضئيلة فقط بايعته ربما على قناعة أو سعياً وراء مصلحة خاصة. أما الغالبية فقد بايعته مكرهة وتحت التهديد. وكان يعرف أيضاً أن هذه الفئة الرافضة بمختلف فصائلها ستنقلب عليه، ان لم يكن اليوم فغداً.
أخذت ملامح السياسة الجديدة للخليفة الاموي، القائمة على التحدي والاستفزاز والمبادرة بالعنف، تتبلور بالنسبة للعراق وتوحي بأن أحداثاً خطيرة سيشهدها هذا الاقليم. فقد أرسل معاوية أحد البارزين في نظامه وهو المغيرة بن شعبة، والياً على الكوفة ومعه صلاحيات مطلقة، وتوجيهات بشتم علي من فوق منبر المسجد، ومراقبة تحركات زعماء الشيعة وملاحقة المتحمسين منهم للقضية العلوية(١) . ولقد نفذ المغيرة باخلاص تعليمات سيده،
_____________________
(١) فلهوزن : الخوارج والشيعة ١٤٩.
ولكن بأسلوبه المرن الذي عرف عنه. فشغل الكوفيين بحرب الخوارج ودفع بصفوة زعمائهم الى أتونها، ليصرفهم عن مقارعة السلطة واثارة المشاكل ضدها. وقد لاقت سياسته نجاحاً نسبياً في هذا المجال، ولكن التجرؤ على مهاجمة الخليفة الراشدي لم يستسغه الكوفيون ووجدوا فيه اهانة صريحة لهم وانتهاكاً لقيمهم ومعتقداتهم. وكان أن اصطدم المغيرة بعدد من زعمائهم كحجر بن عدي أحد أبرز رجالات قبيلة كندة الشهيرة وأول من ثار بشدة على سياسة التجريح بالخليفة السابق، وصعصعة بن صوحان من بني عبد القيس(١) الذي نفي بأمر من المغيرة - بعد أن ضاق بمعارضته - ومات في منفاه(٢) .
ورغم ما أظهره المغيرة من براعة في حكم مدينة تعج بالمتطرفين من أعداء النظام الذي يمثله، فان ذلك لم يعجب معاوية، الذي أخذ عليه تساهله مع العلويين وبشكل خاص موقفه ازاء حجر بن عدي(٣) . ويحلل المغيرة هذا الموقف أمام منتقديه من أقاربه وامام معاوية(٤) بأنه تقدم في السن ولا يجب أن يبتدأ عمله في الكوفة بسفك دماء رجالها وقتل زعمائها(٥) .
_____________________
(١) الطبري : ٦/١٠٦.
(٢) ثابت الراوي : العراق في العصر الاموي ١٤٠.
(٣) الدينوري : الاخبار الطوال ٢٣٦.
(٤) فلهوزن : الخوارج والشيعة ١٤٩ - ١٥٠.
(٥) الطبري : ٦/١٤٢.
ولم يكن شأن البصرة بمختلف عن الكوفة، فهي رغم عدم مماشاتها هذه الاخيرة بنفس الحماسة في قضاياها السياسية، فان موقفها من النظام الاموي كان معروفاً ولم يتعد حدود التسليم بالامر الواقع. لذلك لم يكن عبد الله بن عامر، الوالي المعين في البصرة، الشخصية المؤهلة، بنظر معاوية، لتنفيذ سياسته العراقية. وأخذ حينئذ يبحث عن شخصية قوية يعهد اليها بحكم العراق بكامله حيث ضاق ذرعاً بسلوك المغيرة في الكوفة، فوجد أن أفضل من يقوم بهذا الدور هو زياد بن أبيه عامل علي السابق على فارس، وكان لا يزال يحتفظ بمنصبه ويرفض الاعتراف بمعاوية. واستطاع معاوية اقناعه بالانضمام اليه وذلك بعدما استلحقه بأسرته(١) . وقد شغل المغيرة دوراً بارزاً في اقناع زياد بالتخلي عن رفضه للنظام الاموي والانقلاب الى التعاون معه.
ولم يلبث زياد أن صار أميراً على البصرة (٤٥ هجري) فنجح في مهمته الى حد كبير، وأدى لمعاوية فوق ما يتطلبه من خدمات. وكانت خطبته الشهيرة (البتراء) التي فاجأ بها أهل البصرة مؤشراً لسلوكه الجديد وبرنامجاً واضحاً لسياسته العراقية المقبلة التي ستمتد على كل العراق بعد وفاة المغيرة(٢) وانتقال الكوفة اليه.
_____________________
(١) تاريخ خليفة ١/٢٤١.
(٢) تاريخ خليفة ١/٢٤٧، سنة خمسين للهجرة.
والامر الذي يثير الاستغراب بالنسبة لزياد، ذلك التحول المذهل من نقيض الى آخر. فبعد ان كان من أشد المؤيدين لعلي - الذي اختاره، لكفاءاته الادارية والسياسية، حاكماً على فارس دون الالتفات الى تصنيفه الاجتماعي - أصبح من أشد المتعصبين تطرفاً ضد العلويين، ومنسجماً الى أبعد حدود الانسجام مع معاوية في أساليبه الانتهازية(١) . ففي نفس السنة(٢) التي جمعت فيها الكوفة لزياد افتتح نشاطه المعادي للشيعة بالقبض على حجر بن عدي(٣) وارساله الى دمشق حيث جرت له تصفية جسدية مع عدد من رفاقه على يد معاوية(٤) .
لم يمر استشهاد حجر - دفاعاً عن مبادئه والتزاماً بمواقفه التي رفض أية مهادنة على حسابها - دون أن يثير موجات شديدة من الغضب في صفوف الشيعة، خاصة في الكوفة. ولم تستطع قبضة زيادة الحديدية اسكات المعارضة التي أخذت في التبلور حينئذ. وعلى عكس ذلك
_____________________
(١) ابراهيم الابياري : معاوية ٢٤٤.
(٢) ٥١ للهجرة.
(٣) محمد جواد فضل الله : حجر بن عدي الكندي، ١٢١ وما بعدها.
(٤) تاريخ خليفة : ١/٢٥١.
فقد أدى مقتل الزعيم الكوفي الى ولادة الحزب الشيعي، بأبعاد جديدة ومفاهيم سياسية وعقائدية خاصة. وفي خلال عشر سنوات أتيح لهذا الحزب أن يعبر هذه المحنة بصبر، وأن يجتاز هذا المناخ الارهابي وهو أكثر صلابة وأقوى ايماناً.
خلافة يزيد وتحرك الحسين
مات معاوية في العام الستين للهجرة، وفي نفسه شيء من الملك، بعد أن تربع على رأس السلطة أربعين عاماً كاملة نصفها كأمير والآخر كخليفة. ولعله شعر بالاطمئنان في قرارة نفسه الى دوام الملك واستمرارية الخلافة في أسرته بانتقال الامر من بعده الى يزيد. ولكن هذا الاطمئنان كان مشوباً بالقلق على مصير البنيان الذي شيده بالقوة وبنفاذ الصبر. فلم يكن هناك أي مجال للمقارنة بين الاب، السياسي الذكي وبين الابن، الأرعن الغارق في العبث واللهو والمجون. وشاء معاوية أن يغير هذه الصورة التي التصقت بابنه، فأقحمه في غمار مسؤوليات أثبتت الايام انه عاجز كل العجز عن تحملها. فقد أرسله حاجاً الى مكة(١) ووضعه على رأس حملة القسطنطينية الضخمة. ولكن لا فريضة الحج صبغته بالوقار، ولا قيادة الحملة
_____________________
(١) خالد محمد خالد : ابناء الرسول في كربلاء ٩٠
جعلت منه قائداً عسكرياً لامعاً. فالصورة التي في أذهان الناس ظلت كما هي تأبى أن تتغير.
تسلم يزيد الخلافة اذاً، ومعها ميراثاً ثقيلاً من المشاكل، كان معاوية قد نجح في تجميدها أو تأخير انفجارها. ومن أبرز هذه المشاكل، مشكلة الخلافة نفسها. فهناك أكثر من طامح يتحين الفرصة المناسبة للوثوب في سبيلها. ففي مكة اعتكف عدد من زعماء العرب من أبناء الخلفاء السابقين وغيرهم، احتجاجاً على خلافة يزيد وتكريساً لعدم اعترافهم بها. وفي الكوفة، مركز الحزب الشيعي الذي سار شوطاً مهماً في عملية البناء التنظيمي، اتخذت الامور بعداً آخراً تعدى الاحتجاج والرفض الى الثورة الشعبية.
والواقع ان ملامح التحرك في الكوفة بدأت في وقت سابق أيام معاوية. فقد ذهب أكثر من وفد من الحزب الى المدينة وبحث مع الحسن في شأن الثورة. وها هو سليمان بن صرد الخزاعي يخاطبه باسم أحد الوفود : «فان شئت فاعد الحرب جذعة، وأذن لي في تقدمك الى الكوفة. فأخرج عنها عاملها وأظهر خلعه، وتنبذ اليهم على سواء ان الله يحب الخائنين»(١) .
_____________________
(١) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية ٢/٤٥.
ولكن الحسن كان يرى حينئذ أن الاسباب التي دفعته الى التنازل لازالت قائمة، والظروف نفسها لازالت مهيمنة وسط جو من الارهاب أكثر ما يصيب العراق، الخزان البشري الاول لاية ثورة شيعية مرتقبة.
ولنستمع الى قول الحسن امام ممثلي الحزب :
«ما أردت بمصالحتي معاوية ألا أن أدفع عنكم القتل عندما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب»(١) .
أو قوله :
«... فصالحت بقيا على شيعتنا خاصة من القتل، ورأيت دفع هذه الحرب الى يوم ما(٢) .
كان الحسن صادقاً في تصوير الموقف الى حد كبير. فهو كزعيم لهذا الحزب يتحمل مسؤولية أي تحرك قبل غيره. وأي فشل في ظل هذه الظروف قد يؤدي الى تدمير الحزب والقضاء عليه نهائياً.
وكان هذا رأي الحسين أيضاً حين تسلم زعامة الحزب فآثر عدم الثورة في عهد معاوية، والانصراف الى تنظيم الحزب واعداد عناصره اعداداً جيداً بحيث يصبحون
_____________________
(١) الدينوري : الاخبار الطوال ٢٢١.
(٢) الدينوري : الاخبار الطوال ٢٢٠.
على قدر من النضج والوعي قبل القيام بأي نشاط علني.
ولا بد من الاعتراف بأن مهمة الحسين لم تكن سهلة أبداً. لان أجهزة معاوية كانت على جانب كبير من الخبرة والحذر الامر الذي كان يجعل من اتصالات الحسين أمراً عسيراً للغاية، خاصة في الفترة التي خضعت فيها الكوفة لزياد بن أبيه. وكان العامل الجغرافي يزيد الامور تعقيداً، بابتعاد قواعد الحزب عن قياداته بحيث سيكون لهذا العامل الاثر الاكثر أهمية في اخفاق ثورة الحسين وغيرها من الثورات الشيعية فيما بعد.
بعد تسلم يزيد زمام الحكم أحس الجميع أن ثوب الخلافة فضفاضاً عليه، حيث كان ينقصه الكثير من ذكاء أبيه وحساباته الدقيقة للامور، وكان ذلك فرصة مناسبة للحزب الشيعي في الكوفة بأن يتحرك.. فجرت اتصالات مع زعيم الحزب في الحجاز، وكان حينئذ يتعرض لمجابهة من قبل ممثل السلطة الاموية في المدينة الوليد بن عتبة، الذي تلقى أوامر الخلافة بالسعي الى انتزاع الحسين ورفاقة الرافضين بأي ثمن.
ولا يتَخلى الحسين عن فطنته وبعد نظره، وهو ذاهب لمقابلة الوليد على رأس مجموعة مسلحة من أتباعه تحسباً لاي طارئ(١) . وبجرأة متناهية رد على الوالي
_____________________
(١) الطبري : ٦/١٨٩.
بحضور شيخ بني أمية مروان بن الحكم : «ان مثلي لا يعطي بيعته سراً، ولا أراك تجتزيء بها مني سراً دون أن تظهرها على رؤوس الناس علانية»(١) .
أدرك الوليد ما وراء كلمات الحسين من اصرار على الرفض، ولم يشأ أن يتمادى في الحوار معه أكثر من ذلك، متجاهلاً نصيحة مروان الذي أشار عليه : «احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه»(٢) . وفي صباح اليوم التالي كان الحسين قد رحل الى مكة.
وهناك شعر بوطأة السلطة تخف عن كاهله قليلاً، ولكن رحلته لم تقف عند هذا الحد.. فلم تكن هرباً من البيعة وانما مواجهة مصيرية لمسؤولياته ولقاء حاسماً مع دوره التاريخي الذي كان في انتظاره.
في مكة عاش الحسين مستغرقاً في أفكاره وتأملاته لتكوين صورة واضحة للموقف النهائي. وفي الكوفة كان أركان الحزب الشيعي يجتمعون في منزل سليمان بن صُرد الخزاعي حينما تناهى اليهم خروج زعيم الحزب الى
_____________________
(١) الطبري : ٦/١٨٩.
(٢) الطبري : ٦/١٨٩.
مكة(١) ، فقرروا أن الظروف مواتية للتحرك. فكتبوا الى الحسين يطلبون منه القدوم وتسلم قيادة الثورة.
أخذت الرسائل تتوالى على الحسين - وأكثرها من زعماء اليمانية البارزين - وفيها الحاح بعدم التأخر. وانتظر الحسين وقتاً ريثماً يستكمل دراسته للموقف، ولم يكن ذلك تردداً وانما تحسباً لا بد منه. فخروجه على النظام الاموي بات أمراً لا جدال فيه، لان يزيداً لن يدعه الا اذا بايع له، وقراره بشأن البيعة لا عدول عنه فالمصادمة بينهما اذاً واقعة وحتمية.
وانطلاقاً من هذا الشعور قرر الحسين ارسال أحد معاونيه وثقاته وهو مسلم بن عقيل الى الكوفة ليطلع عن كثب على الموقف ويمهد له الطريق. وأرسل أيضاً مندوباً آخر الى البصرة حمّله صورة عن البرنامج السياسي للثورة ورسائل الى زعمائها أمثال الأحنف بن قيس والمنذر بن الجارود ومسعود بن عمرو وقيس بن الهيثم(٢) بهدف توسيع رقعة الثورة وفتح أكثر من جبهة ضد الامويين.
ولكن الامور لم تسر في البصرة كما في الكوفة، فقد وصل مسلم هذه الاخيرة وحل في منزل المختار بن أبي عبيد الثقفي وهو أحد زعماء الحزب الشيعي(٣) .
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٨ - ٩.
(٢) خالد محمد خالد : ابناء الرسول في كربلاء ١٠٩.
(٣) الطبري : ٦/١٦٩.
ومن هناك أخذ يجري اتصالاته مع بقية الزعماء بسرية تامة، حتى اذا استكمل هذه الاتصالات وضمن التأييد الكافي للتحرك كتب الى الحسين يطلب منه القدوم.
غير أن استخبارات السلطة وقفت على نشاط مسلم ورفعت تقريراً عنه الى أمير الكوفة النعمان بن بشير الانصاري، وكان معروفاً باعتداله، فرفض أن ينساق مع زبانية النظام باتخاذ أي اجراء ضد مسلم. فرفع هؤلاء تقريرهم مباشرة الى يزيد وفيه تحذير من نشاط مسلم ورغبة باستبدال واليهم الضعيف، بآخر قوي قادر على العنف ولا يرتبك من سفك الدماء.
وكان ذلك أول امتحان لخلافة يزيد، أثبت صحة ما قيل في شخصيته الانفعالية وفي كفاءته المحدودة في عالم السياسة. فقد سارع الى عزل النعمان بن بشير فوراً، وتسمية واليه على البصرة عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة بالاضافة الى منصبه. وكان هذا ما تمناه زبانية النظام والمستفيدين من خيراته، فهذا الرجل خريج بارز من مدرسة العنف التي كان أبوه زياد أول مؤسسيها في العراق، ولعله كان أكثر تطرفاً وأشد عنفاً من أبيه.
أثبت عبيد الله أنه على استعداد دائم لاية مهمة يكلفه بها الخليفة، وكان هو على علم بتحركات الحزب الشيعي
عن طريق أحد الذين راسلهم الحسين(١) . وكان هذا كافياً لاجهاض أية مبادرة من البصرة للمشاركة في التحرك. وبعد أن غادر هذه الاخيرة الى الكوفة عين عليها نائباً عنه هو أخوه عثمان بن زياد(٢) وأوصاه باستعمال الشدة والحزم.
وفي الكوفة، حيث انتقل اليها عبيد الله ملثماً وعلى رأسه عمامة سوداء، أخذت الامور تنعقد على جبهة الحزب الشيعي وتلاحقت الاحداث فيها بسرعة مذهلة. فقد كان الناس حينئذ يترقبون وصول الحسين بين لحظة وأخرى، حتى انهم اعتقدوه ذلك الملثم الذي ظهر في الكوفة. وبعد وصوله الى قصر الامارة أحاط ابن زيادة نفسه بالشرطة، ومن هناك أخذ يخطط لانقلابه، مستفيداً من البلبلة التي خلقها ظهوره في الكوفة. بدأ أولاً بنشر جواسيسه في المدينة لمعرفة مكان مسلم بن عقيل، حتى علم أخيراً انه في منزل هاني بن عروة(٣) أحد الزعماء الشيعيين، فاستدعى هذا الاخير وسأله عن مسلم، فأنكر وجوده في بيته. غير أن ابن زياد فاجأه بالجاسوس الذي شاهده في داره(٤) ،
_____________________
(١) المنذر بن الزبير، ابن الاثير : ٤/١٠.
(٢) ابن الاثير : ٤/١٠.
(٣) الطبري : ٦/٢٠٢.
(٤) ابن الاثير : ٤/١٢.
فاعترف هاني حينئذ ولكنه رفض تسليمه وأصر على ذلك رغم السجن والتعذيب «والله لو لم أكن الا واحداً ليس لي ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه»(١) .
وفي تلك الاثناء كان ابن زياد يقوم بحملة اعلامية واسعة لاستعادة زمام الموقف الذي أفلت، وفق مخطط ذكي وتكتيك بارع. فأوهم رؤساء القبائل بأن جيوشاً عظيمة من الشام تشق طريقها الى العراق(٢) ، ونثر رجاله في شوارع الكوفة لتخذيل الناس عن مسلم ومحاولة التأثير عليهم نفسياً باشاعة جو من الذعر والخوف(٣) . وقد أعطت هذه الحملة نتائجها الايجابية، ووجد رسول الحسين نفسه أخيراً في قلة قليلة جداً من الانصار(٤) وفوجئ بشرطة ابن زياد يقودها محمد بن الاشعث تلقي عليه الحصار، فقاوم ببطولة ولكن دول جدوى. وسيق أخيراً الى قصر الامارة ليواجه مصيره بنفس الشجاعة البطولية(٥) . ثم جيء برفيقه هاني بن عروة من سجنه وقد أنهكوه تعذيباً، وحمل الى السوق حيث أعدم أمام
_____________________
(١) الطبري : ٦/٢٠٦.
(٢) الطبري : ٦/٢٠٨.
(٣) مقاتل الطالبيين : ٦٧.
(٤) الطبري: ٦/٢٠٨.
(٥) الطبري : ٦/٢١٣، مقاتل الطالبيين : ٧١.
جمهور من الناس(١) . وقبل أن ينبلج صباح اليوم التالي كان رأساً مسلم وهاني أول شهيدين في ثورة الحسين، مغروسين على أسنة الرماح في طريقهما الى دمشق.
سارع ابن زياد الى تطويق ذيول ما يمكن أن يحدثه مصرع الزعيمين الشيعيين من ردة فعل في الكوفة، فأبعد عنها عدداً من المتعاونين مع مسلم وقبض على أشدهم خطورة وزج بهم في السجن من أمثال المختار بن ابي عبيد الثقفي وسليمان بن صُرد الخزاعي والمسيّب بن نجبه الفزاري وغيرهم(٢) . واختفت فئة من هؤلاء، فلم تتمكن منها شرطة ابن زياد وجواسيسه.. وأما الذين استهوتهم اغراءات أمير الكوفة، فقد انضموا الى جانب السلطة وأصبحوا جزءاً من النظام الحاكم وصاروا يشكلون طبقة لها امتيازاتها الخاصة عرفت بطبقة الاشراف.
والواقع ان الانقلاب الذي قاده ابن زياد ضد مسلم في الكوفة لم يكن يخلو من مغامرة. وقد ساعدته عدة عوامل على نجاح انقلابه وافشال حركة مسلم أهمها شخصيته السياسية الصارمة التي شابهت الى حد كبير شخصية أبيه، ثم التركيب القبلي في الكوفة ونجاح
_____________________
(١) الطبري : ٦/٢١٣.
(٢) احمد البراقي : تاريخ الكوفة : ٢٨٩.
أميرها في شق الوحدة السياسية لاكثر من قبيلة واستقطابه عدد غير قليل من رؤساء القبائل. وأخيراً فان التزام مسلم بخط اخلاقي واضح، هو خط الثورة التي كان يبشر بها جاء في مصلحة ابن زياد الذي استغل الظروف بأسلوب مناقض تماماً، في وقت كانت فيه المبادرة في يد مسلم، وكان بامكانه أن يبطش بعدوه(١) ولكن اخلاقيته واطمئنانه الى موقف الكوفة دفعاه الى اضاعة هذه الفرصة المهمة من يده.
وبذلك انطوت الصفحة الاولى من المأساة التي توّجها الحسين بسقوطه في كربلاء دون أن تتم فصولاً. وفي تلك الاثناء كان الحسين قد غادر الحجاز (في الثامن من ذي الحجة سنة ٦٠ هجري) متجهاً الى الكوفة ومعه نفر قليل من أهله الاقربين، وهو لا يعلم من تفاصيل ما جرى في المدينة سوى أخبار الثمانية عشر ألفا الذين بايعوا مسلماً على الموت(٢) . وقد يقول قائل أن خروجه تم قبل جلاء الصورة تماماً في الكوفة، ولكن ألم تكن تكفي الاحتياطات التي اتخدها والضمانات التي حصل عليها ؟. وهل كان بامكانه أن يسلك طريقاً آخراً حينئذ طالما أصر
_____________________
(١) الطبري : ٦/٢٠٤.
(٢) الطبري : ٦/٢٠٧.
على عدم الاعتراف بخلافة يزيد ؟ ثم هل كان خروجه مجرد حدث طارئ أو انفعال عفوي دون برنامج سياسي محدد وأهداف اجتماعية واضحة ؟. ألم يأتي ذلك كله في وصيته الى أخيه محمد بن الحنفية ؟ حين قال له : «اني لم أخرج اشراً ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وانهي عن المنكر. فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين»(١) .
وفي الطريق كان أول تقرير عن الكوفة قد وصله من الفرزدق(٢) حيث وضع أمامه الحقائق بكل مرارتها. ثم انجلت الصورة أكثر بلقاء عبد الله بن مطيع وكان قادماً من العراق حيث تشبث به وناشدة العودة(٣) . ولكن جواب الحسين لم يتعد الآية الكريمة «قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا»(٤) .
وتابعت قافلة الشهادة الصغيرة طريقها عبر الصحراء دون تردد حتى أصبحت على بعد نحو عشرين ميلاً من
_____________________
(١) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية ٢/٤٨.
(٢) ابن الاثير : ٤/١٨.
(٣) خالد محمد خالد : ابناء الرسول في كربلاء ١٢٧.
(٤) الطبري : ٦/٢٢٤.
الكوفة، وبلغ ذلك عبيد الله بن زياد فأخذ كافة احتياطاته للحؤول بين الحسين والكوفيين، بفرضه حصاراً محكماً على المدينة لمنع خروج أحد منها وبارساله حملة استطلاعية من ألف رجل بقياد الحر بن يزيد لقطع الطريق على الحسين(١) والتضييق عليه ومنعه من الاقتراب من الكوفة.
وفي نفس الوقت كان يعد للحملة الاساسية التي عهد اليها بتصفية الامر.. وكانت معدة بذكاء ومكر، وفوجئ القائد الذي وقع عليه الاختيار لقيادة الحملة وهو عمر بن سعد القرشي وابن الصحابي الشهير سعد بن أبي وقاص. وحاول أن يتخلص من المهمة الثقلية ولكن عبثاً، فقد أصر الامير على رأيه لاسباب لم تغب عن بال القائد المعين. ولم يكن بامكان ابن سعد الذي ذاق طعم السلطة وانغمس في بؤرة السياسة أن يصمد في موقفه، وقبل المهمة خوفاً من ضياع الولاية التي وُعد بها(٢) .
وفي اليوم الثاني من محرم سنة ٦١ هجري، وصل ابن سعد الى كربلاء(٣) على رأس أربعة آلاف فارس(٤) .
_____________________
(١) مقاتل الطالبيين : ٧٣.
(٢) مقاتل الطالبيين : ٧٤.
(٣) المكان الذي نزل فيه الحسين.
(٤) ابن الاثير : ٤/٢٢.
ومعه تعليمات مشددة من سيده بدعوة الحسين الى الاستسلام والبيعة ليزيد، والا فالحرب.
وفي خلال اسبوع من الحوار، لم يطرأ على الموقف أي تغيير، فقد أصر الحسين على رفضه لشروط القائد الاموي، وان كان قد طلب بأن تتاح له فرصة العودة الى الحجاز(١) ولكن طلبه لم يجاب.
وكان ابن سعد في وضع لا يخلو من الحرج، فاذا ما تودد في حواره مع الحسين كانت نظرات خبيثة تحدق فيه من شمر بن ذي الجوشن، الرجل الثاني في الحملة، فيتذكر المهمة والولاية التي تنتظره(٢) .
وفي العاشر من محرم حدث ما كان متوقعاً دون اية مفاجآت، سوى انضمام الحر بن يزيد الى جبهة الحسين التي لم تتجاوز السبعين بين فارس وراجل(٣) . وكانت تلك النهاية المأساوية لثورة الحسين التي لم يقدر لها الوصول الى قاعدتها في الكوفة، فاجهضت في كربلاء، وكان ذلك المصرع البطولي الذي سجله الحسين ورفاقه، الذي هز ضمائر الناس ولا زال.. وابتدأ تاريخاً جديداً في حركة النضال الشيعي سيستمر لآماد طويلة يُكتب بالتضحيات ويُسطر بالفداء.
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٢٤.
(٢) الطبري : ٦/٢٣٧.
(٣) الطبري : ٦/٢٤٤ - ٢٤٥.
تضعضع الاحوال السياسية في نهاية عهد يزيد
كان لسقوط الحسين بهذه الصورة المأساوية نتائج خطيرة في تاريخ العراق والدولة الاموية عامة. فقد عاش الحزب الشيعي عقدة الذنب مثقلاً بمرارة الموقف الانهزامي الذي وقفه ازاء كربلاء. وتحرج النظام الاموي الذي لم يقدر فظاعة المأساة، وكان عليه ان يجابه نتائجها السريعة والمستقبلية التي اخذت تنعكس منذ ذلك الحين على بنية هذا النظام. وليس ثمة شك ان يزيد كان المسؤول الاول عن مجزرة كربلاء، وكان مسوقاً الى ارتكابها بدافع من قصر النظر وعدم صحة الرؤية، فقد اثبت فشله الذريع في تبؤ مركز خطير كالخلافة ذلك المركز الذي بذل في سبيله معاوية كل امكانياته وصرف كل جهوده من اجل الحفاظ عليه. ها هو يزيد يكاد يقضي بتصرف ارعن على كل انجازات ابيه برغم توصيات هذا الاخير له بعدم الصدام مع الحسين.
والواقع ان الدولة الاموية، لم تلبث ان اخذت تجتني ثمرة كربلاء بصورة غير متوقعة وبدت عاجزة عن صد تيار الثورة الذي عم مختلف مناطق الدولة.
ففي الحجاز، كانت المدينة مسرحاً لاول انتفاضة ضد السيادة الاموية تحركها عوامل مختلفة اهمها ما يتعلق بالعزلة السياسية التي فرضها معاوية على الحجاز منذ انتقال الخلافة الى البيت الاموي، وبنوعية العمال الذين انتدبتهم الدولة لحكم المدينة لا سيما عثمان بن محمد بن ابي سفيان وهو من عناصر البيت الاموي كان صغير السن، قليل التجربة(١) . وهكذا فان عوامل التحلل والنقمة كانت متوافرة في الحجاز، ولكنها تنتظر المحرك والوقت الملائم.. فجاءت حادثة كربلاء تفجر المواقف وتطلق النفوس من عقالها.
وقد حاول يزيد ان يتدارك الامر في المدينة عن طريق التلويح باغداق الاموال عليها حيناً، وبالتهديد احياناً اخرى. ولكن موقف المدينة كان حاسماً ووصل قرارها في الثورة على النظام الاموي نقطة اللارجوع. ففي المؤتمر الذي عقده زعماؤها في المسجد، اتخذ قرار بالاجماع، بخلع يزيد ومبايعة عبد الله بن حنظلة الانصاري الذي اصبح زعيم الثورة(٢) والمسؤول عن تنفيذ مقررات المؤتمر وكان اولها
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٤٤.
(٢) الطبري : ٧/٤.
الهجوم على عناصر البيت الاموي في المدينة، وكانوا مجتمعين بدورهم في منزل كبيرهم مروان بن الحكم، فطردوهم من المدينة كما طردوا عاملها الاموي، وبذلك غدت عاصمة الاسلام الاولى خارج اطار السيادة الاموية.
ولم يقف يزيد الذي اصطبغت يداه بدم الحسين، موقف المتفرج على احداث المدينة، وانما كان متصلباً، ومصمماً على ضرب الثورة بمنتهى الشدة والقسوة، ويبدو ذلك واضحاً من خلال شخصية القائد العسكري الذي أوكل اليه مهمة القضاء على ثورة الحجاز، وهو مسلم بن عقبة الذي يصفه المؤرخون، بأنه أحد جبابرة العرب(١) لصلافته وقسوته. ولم يخيّب مسلم أمل الخليفة به، فسرعان ما وصل بجيشه الى المدينة وضرب حولها الحصار. ولكن أهلها جابهوا الموقف بشجاعة وحفروا خندقاً(٢) حول مدينتهم استعداداً لحرب طويلة وقاسية. غير أن استعدادات المدينة لم تكن كافية للوقوف أمام جيش متفوق في العدد والتنظيم والقيادة، فانتهت أحلامها الاستقلالية بالسقوط في موقعة الحرة (٦٣ هجري /٦٨٣ م) وبانتهاك مسلم حرمتها باباحتها لجنوده أياماً ثلاثة : «يقتلون الناس ويأخذون الأموال»(٣) .
_____________________
(١) البلاذري : انساب الاشراف ٤/٤٣.
(٢) اليعقوبي : تاريخ اليعقوبي ٢/٢٥٠.
(٣) الطبري : ٧/٢٥٨.
وهكذا كان تحرك المدينة، استنكاراً مباشراً لمقتل الحسين ورفضاً للسيادة الاموية التي حادت برأيهم عن الشرعية وانحرفت عن روح الاسلام. ولم يكن اخضاع المدينة معناه القضاء على الثورة في الحجاز، لان رايتها انتقلت الى مكة التي شهدت تحركاً أكثر عنفاً وضراوة.
وفي مكة بلغ التحرك بعداً أشد خطورة، باعلان عبد الله بن الزبير ثورته ورفضه الاعتراف بخلافة يزيد. وقد جاء توقيت هذه الثورة بعد سقوط الحسين في كربلاء، ليضعها في اطار التحرك العام الذي شمل المنطقة بكاملها استنكاراً للمأساة ورد فعل مباشر لها. والحق انه برغم ما كان لمقتل الحسين من تأثيرات على هذه الثورة، الا اننا لا نستطيع أن نربطها بثورة الحسين والثورات الاخرى التي كانت امتداداً لها. ذلك ان ابن الزبير كان يعد نفسه للثورة بمعزل عن الحسين وقبل أن يتحرك هذا الاخير الذي وقف عائقاً أمام طموحه الى السلطة، لان المكانة العظيمة التي احتلها الحسين في نفوس الجماهير، لم تدع أي مجال للمنافسة. ونتيجة لذلك كان على ابن الزبير أن يتسلح بالصبر وأن يتصرف بذكاء الى أن يتبلور الموقف وتتوضح الامور وهو في نفس الوقت لا يألو جهداً في دفع الحسين للاستجابة الى نداء الكوفيين في الذهاب الى العراق واعلان الثورة من هناك على خلافة يزيد.
على اننا نخطئ اذا انزلقنا في تصورنا لمدى تأثير
الحملة النفسية التي قام بها ابن الزبير ازاء منافسه الرئيسي الحسين لدفعه على الخروج، لان هذا الاخير كان يعمل وفق خطة مرسومة وفي اطار من الحذر(١) وسلامة الرؤية. وكان يدرك جيداً ما وراء هذا التشجيع(٢) لتحديد موقفه والاسراع في مغادرة الحجاز «لو كان لي في الكوفة مثل شيعتك ما عدلت عنها»(٣) . فوجوده في هذا الاقليم كان ثقيلاً على ابن الزبير الذي «عرف ان أهل الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه أبداً ما دام الحسين بالبلد وأن حسيناً أعظم في أعينهم وأنفسهم منه وأطوع في الناس منه»(٤) . انها حقيقة أدركها الحسين بكل أبعادها، ومع ذلك اتخذ الطريق الى العراق للقيام بمسيرته التاريخية، وهي الثورة على «الظلم ودك صروح الطغيان»، واقامة مجتمع عادل متحرر من الطبقية والقهر والاستغلال(٥) .
_____________________
(١) الطبري ٦/١٨٩.
(٢) ابن كثير : البداية والنهاية ٨/١٦٣.
(٣) ابن كثير : البداية والنهاية ٨/١٦٠.
(٤) الطبري : ٦/١٦٩ - ١٩٧.
(٥) جاء في وصية الحسين لاخيه محمد بن الحنفية : «اني لم اخرج اشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وانما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي، اريد ان آمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».
وفي نفس الوقت لم تكن الحجاز بنظر الحسين الارض الصالحة لحركة سياسية ناجحة، فقد أفسدها تطاحن الاحزاب وشراء الضمائر، واصرار معاوية على ابقائها معزولة عن الاحداث، فعاشت في الظل نحو ربع قرن من الزمن، فضلاً عن قلة مواردها الاقتصادية(١) وعدم اكتفائها الذاتي الامر الذي كان يجعل من استمراريتها وحيدة في التصدي للنظام الاموي أمراً في غاية الصعوبة. لذلك كان العراق بضخامة موارده البشرية والاقتصادية، الارض الصلبة التي توفر الطمأنينة، وتجعل فرص النجاح أقرب الى التحقيق.
لبث ابن الزبير معتصماً في المدينة المقدسة، يرقب من بعيد سير الاحداث، حتى جاءته الاخبار تنقل اليه مصرع الحسين في كربلاء، فلم يتردد في اتخاذ الموقف الذي كان يتوق الى اتخاذه وهو اعلان الثورة على النظام الاموي والاستقلال بالحجاز، مستغلاً كما حدث في المدينة بشاعة المجزرة في تكتيل الجماهير الغاضبة حوله وتحريكها بشكل عاصف ضد الامويين قتلة الحسين، ولكن ثورته اختلفت عن ثورة المدينة بأن هذه الاخيرة انعكست عليها كربلاء بكل ما فجرته من غضب وحقد، بينما كان الطموح الشخصي
_____________________
(١) الخربوطلي : عبد الله بن الزبير ٩٢.
فقط هو جوهر الثورة التي قام بها ابن الزبير وأكثر سماتها بروزاً.
واذا كانت قوات الخلافة الاموية قد تمكنت من حسم الموقف سريعاً في موقعة الحرّة التي انتهت بفشل ثورة المدينة، فان الموقف كان أشد حراجة في مكة قاعدة ابن الزبير التي أخذت تتوسع بعدئذ لتشمل الحجاز كله، ثم العراق ومصر. ذلك ان هذه القوات فقدت في الطريق قائدها الصلف متأثراً بشدة المرض وتقدم السن. فخلفه في القيادة بناء على وصية من يزيد أحد معاونيه والمتفانين في خدمة النظام الاموي هو الحصين بن نمير السكوني(١) .
وصل الحصين بن نمير بقواته الى مكة وضرب حولها الحصار، وأثبت في صلافته انه تلميذ متفوق لمسلم بن عقبة. أما ابن الزبير فقد تحصن في الكعبة وسد منافذ المدينة، وكان قد قوي مركزه حينئذ بما انضم اليه من الحلفاء كبعض الهاربين من موقعة الحرّة، وجماعة الخوارج النجدية(٢) والازارقة(٣) فضلاً عن المختار الثقفي الذي بدأ يبرز كشخصية قوية أثر التطورات السياسية التي رافقت كربلاء وتمخضت عنها. وازداد مركز ابن الزبير
_____________________
(١) ابن قتيبة : الامامة السياسة : ٢/١٠.
(٢) الشهرستاني : الملك والنحل ١/١٦٥.
(٣) ابن كثير : البداية والنهاية ٨/٢٣٩.
قوة، حين أصبح المعارض الاول للنظام الاموي والرجل الذي يحظى بتأييد غالبية المسلمين، التي استنكرت اقدام جيش يزيد على غزو مكة، واشتد سخطها حين أخذت مجانيق هذا الجيش ترمي بقذائفها الكعبة(١) مرتكبة أول عمل جريء من هذا النوع، سيظل يستثير حفيظة المسلمين على مر الايام(٢) .
وفي غمرة هذه الاحداث، تأتي الانباء ناعية يزيد، الذي ترك الخلافة الاموية لمصيرها الغامض. واذ ذاك توقفت العمليات الحربية في المدينة المقدسة (٦٤ هجري)، ودخل القائد الاموي في مفاوضات مع ابن الزبير انتهت باجتماع الرجلين في (الأبطح)(٣) لمناقشة الوضع السياسي العام. وقد حاول الحصين اقناع ابن الزبير بالذهاب الى الشام ومبايعته بالخلافة. ويبدو ان القائد الاموي أدرك ان الامور تتجه لمصلحة ابن الزبير، فأراد ان يخوض به معركة الخلافة في دمشق. ولكن هذا الاخير رفض عروض الحصين الذي سارع بالعودة الى عاصمة الخلافة ليكون على مقربة من تطورات الاحداث فيها.
والواقع ان استنكاف ابن الزبير عن الاستماع لنصيحة
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٥٢.
(٢) GABRIELI Les ARABES ٩١
(٣) الطبري : ٧/١٦ - ١٧.
الحصين في الذهاب الى دمشق، قد فوّت عليه فرصة عظيمة من فرص الوصول الى الخلافة. فقد شغر هذا المنصب بوفاة يزيد، واحتدم الصراع عليه بين أفراد الاسرة الحاكمة، والعاصمة الاموية في غمرة ذلك تبحث عن رجلها القوي دون جدوى لفترة غير قصيرة.
ولا ريب ان غياب يزيد المفاجئ، قد أحدث بلبلة في مختلف أقاليم الدولة الاموية، وأخذ التحرك فيها يتصاعد ويحمل بعداً جديداً، ستحدد على ضوئه موقفها من مسألة الخلافة بصورة عامة. وكان من الطبيعي في غمرة هذا الفراغ السياسي وهذا الجو المشحون بالتناقضات، أن يتبارى الطامحون الى السلطة في استغلال المواقف وانتهاز الفرض لاستقطاب اكبر عدد من الناس حول قضيتهم. وكان العراق، الذي ما قبل يوماً السيادة الاموية الا مرغماً، المسرح الذي تمثلت فيه صورة الرفض لهذه السيادة وما تمخضت عنه من أحداث عنف واضطرابات متواصلة. فالبصرة التي عرف عنها بعض التحفظ في مواقفها العدائية من الحكم الاموي كان عليها هذه المرة أن تأخذ قرارها بسرعة، أما الاعتراف بخلافة ابن الزبير، الرجل الذي اتجهت اليه الانظار حينئذ كأقوى شخصية في العالم الاسلامي، واما المضي في خضوعها للسيادة الاموية التي يمثلها عبيد الله بن زياد. وقد اغتنم هذا الاخير
الفرصة فحاول أخذ البيعة لنفسه باسم الامويين، بانتظار ما يسفر عنه الموقف في دمشق، ولكن محاولاته فشلت وأرغم على الخروج مطروداً من المدينة(١) .
بايعت البصرة بعد ذلك، أحد رجالها، وهو عبد الله بن الحارث بن نوفل(٢) ولكنه فشل في مهمته، لان المدينة تحولت الى مسرح للفوضى، تعاني من التطاحن القبلي واشتداد ضغط الخوارج، وفشل أيضاً الذين جاءوا بعده(٣) ، فكتب أهلها الى ابن الزبير يبايعونه ويطلبون اليه انتداب رجل يتولى الامر فيهم ويدفع عنهم خطر الخوارج(٤) . والواقع ان تدهور الموقف في البصرة وصل الى مرحلة بالغة الخطورة، الامر الذي دفع سكانها الى توحيد كلمتهم والاحتكام الى خليفة الحجاز، فلبى هذا الاخير طلبهم وبعث اليهم الحارث بن عبد الله بن ربيعة(٥) فساعد كثيراً في اقرار السلام في تلك المنطقة، حتى اذا جاء مصعب بن الزبير بعد ذلك بقليل عاد الهدوء تماماً الى البصرة وتحدد موقفها بصورة واضحة.
_____________________
(١) ابن كثير : البداية والنهاية ٨/٢٣٨.
(٢) الطبري : ٧/٢٤، ابن كثير : ٨/٢٣٨.
(٣) الطبري : ٧/٣٢ وما بعدها. ابن كثير : ٨/٢٣٨.
(٤) الدينوري : الاخبار الطوال ٢٨٠.
(٥) ابن كثير : البداية والنهاية ٨/٢٣٩.
وفي الكوفة، التي عاشت تحت وطأة التقصير والخذلان في أعقاب مصر الحسين، كان الموقف يزداد غلياناً، خاصة وأن الاسلوب الاموي التقليدي القائم على الضغط والارهاب، نحو هذه المدينة المعروفة بميولها العلوية المتطرفة، لم يتغير ولم يطرأ عليه تعديل. فقد استمر التنكيل الاموي يتصاعد بعد كربلاء، وكان الأداة التنفيذية له، نائب عبيد الله بن زياد في الكوفة، عمرو بن حريث. ومن البديهي القول ان هذه المدينة، كقاعدة أساسية للحركة الشيعية، اختلفت في موقفها من النظام الاموي عن البصرة، فاذا كان موقف هذه الاخيرة قد امتزج ببعض التحفظ قبل أن تعلن قرارها الحاسم، فان الكوفة لم تكن بحاجة الى التردد، فقد اتخذت قرارها سريعاً وهو طرد عاملها عمرو بن حريث ممثل النظام الاموي فيها، وتولية عامر بن مسعود مكانه، ثم كتب أهلها الى ابن الزبير بشأن ذلك فأقر ابن مسعود في منصبه(١) ، وبذلك خرج العراق بكامله من السيادة الاموية وانضم الى ابن الزبير.
اما في دمشق فان وضع الخلافة الاموية ازداد تحرجاً بتنازل خليفة يزيد، معاوية الثاني، عقب ظروف غامضة، مسدياً - دونما قصد - خدمة كبيرة لخلافة ابن الزبير.
_____________________
(١) الطبري : ٧/٣٠.
فأدى ذلك الى نشوب أزمة سياسية عنيفة في دمشق واجهت النظام الاموي وكادت ان تقضي عليه(١) . وتفاقم التطاحن بين القبائل حتى بلغ مرحلة من الخطورة بعيدة(٢) فقد أيدت القبائل القيسية بزعامة الضحاك بن قيس الفهري وزفر بن الحارث الكلابي ابن الزبير، بينما ايدت القبائل اليمانية بزعامة حسان بن بحدل الكلبي(٣) ، مروان بن الحكم الذي طرح نفسه كمرشح للخلافة والتف حوله المؤيدون لبني أمية وبايعوه(٤) في مؤتمر الجابية سنة ٦٤ هجري /٦٨٤ م الذي عالج مسألة الخلافة والانقسامات في البيت الاموي. وكان هذا المؤتمر خطوة أولى ومهمة لاجتياز المحنة وخروج الخلافة من مأزقها. ثم كانت الخطوة الثانية والحاسمة عندما التقت جيوش المتنافسين في مرج راهط في معركة طاحنة انتهت بانتصار مروان وحلفائه من القبائل اليمانية، وهزيمة قاسية للقبائل القيسية، حلفاء ابن الزبير، ومقتل زعيمها الضحاك وثلاثة من أبناء زفر بن الحارث(٥) .
_____________________
(١) فلهوزن : تاريخ الدولة العربية ١٦٦
(٢) بيضون - زكار : تاريخ العرب السياسي ١٣٩.
(٣) فلهوزن : تاريخ الدولة العربية ١٧٥.
(٤) تاريخ خليفة : ١/٣٢٦.
(٥) تاريخ خليفة : ١/٣٢٦.
وهكذا قدر للامويين الاحتفاظ بالخلافة وانتزاعها مرة ثانية بالقوة، بعد أن اوشكت على الضياع والانتقال الى الحجاز. غير أن فرعاً آخراً أمسك بزمامها، هو الفرع المرواني الذي تقلدها حتى سقوط الخلافة الاموية(١) .
_____________________
(١) F. GABRIELI LES Arabes ٩١
البابُ الثالث التوابون (الشعور بالدنب والتقصير)
عاد ابن زياد، المنفذ الرئيسي لمجزرة كربلاء، الى الكوفة يحمل في كفيه وزر الجريمة النكراء دون أن يرتعش لهولها او يدخل في روعه الندم. فقد كان مستعداً للسير في خدمة النظام الاموي، وهو أحد أركانه، بلا حدود، بعيداً عن أي التزام يتعدى المصلحة الخاصة أو المكاسب الشخصية. لذلك نجده يدخل الى المدينة التي كانت تمثل القاعدة الجماهيرية الاولى للحسين، والارض التي كان ينبغي أن تشتعل فوقها الثورة، متحدياً شامخاً، وكأنه ينتظر وسام البطولة. ألم يصل به الامر ذروة التحدي حين وقف على منبر الكوفة في محاولة منه لتسويغ ما جرى في كربلاء متهجماً على الحسين وواصفاً اياه بالكذاب ابن الكذاب، وحين أمر بقتل أحد الكوفيين الذي انتقض عليه ورد على التحدي بمثله(١) .
وكانت الكوفة حينئذ أشبه ببركان عشية الانفجار، فهي أكثر من غيرها تتحسس ثقل الذنب ومرارة الندم، باعتبارها طرفاً مباشراً ومسؤولاً في قضية الحسين. فهي
_____________________
(١) البلاذري : انساب الاشراف ٤/٦٤.
التي ألحت عليه بالخروج الى ارض الثورة التي تتعطش الى قائدها المنتظر، ثم تقاعست في أحرج الظروف عن الالتزام بما وعدت به والوفاء بالعهد الذي قطعته على نفسها. واذا كانت الاحداث التي تلاحقت بصورة مفاجئة بُعيد تحرك الحسين من الحجاز، قد حالت دون القيام بواجبها وتنفيذ مخططها المرسوم، فان ذلك لم يكن ليخفف عنها عمق المأساة لانها افتقدت بمصرع الحسين الشخصية الاكثر جدارة التي وضعت فيها الشيعة كل آمالها وطموحها للوصول الى الحكم.
والواقع انه ليس من الصعوبة أن يتصور المرء وضع الكوفة في تلك الفترة القلقة من تاريخها، فقد كانت تتفاعل بالغضب ويحدق بها شعور بضخامة الاثم الذي غرقت فيه. وكان لابد من مخرج لهذه المحنة وتصحيح للموقف المتخاذل بآخر يجلو عنها بعض العار، ويخفف عن كاهلها شيئاً من فداحة الذنب. فالمدينة كانت معبأة بالحقد وتتفجر بالثورة ضد النظام الاموي، المسؤول عن مقتل الحسين. وعلى ذلك لم يكن صعباً على أي زعيم او مغامر ان يكتّل المدينة بمعظمها ويقودها الى الثورة ورفع راية العصيان على الامويين. ولكن الكوفة حينئذ برغم موجة السخط والتذمر التي شملت مختلف فئاتها، كانت تفتقر الى الموقف
المتجانس والرأي الموحد. فالتركيب البشري والسياسي للمدينة كانت تتوزعه ثلاث قوى رئيسية :
١ - أنصار الثورة الذين يشددون على اتخاذ موقف سريع وحاسم.
٢ - أنصار الثورة غير الايجابيين، وهؤلاء برغم حقدهم على النظام الاموي، فان موقفهم كان متردداً وتعوزه الجدية.
٣ - أنصار السلطة القائمة، الذين كانوا على استعداد للتعاون مع أي شكل من أشكال النظام السياسي في حدود حرصه على مصالحهم وحمايته لها، وكان هؤلاء يمثلون طبقة ارستقراطية لها نفوذها التقليدي ومصالحها الخاصة وهم أساساً من كبار رؤساء القبائل او الاشراف كما كانوا يعرفون.
تلك هي التركيبة البشرية والسياسية للمجتمع الكوفي كما كانت تبدو في أعقاب عودة ابن زياد وجنده من معسكره في النخيلة(١) بعد ارتكابه المجزرة، وكان ذلك مأساوياً بكل ما تعنيه هذه الكلمة، ومشهداً مؤثراً لم تستطع جماعة الحسين التي كان مقدراً لها أن تشارك في ثورته، تحمله او السكوت عنه، ولذلك كان لا بد من التحرك والانتقام.
_____________________
(١) الطبري : ٧/٤٧.
أخذ زعماء تلك الفئة المخلصة التي أطلقنا عليها «أنصار الثورة» وكان معظمهم من أصل يماني يجتمعون بعد مقتل الحسين مباشرة في اطار من السرية التامة ويعقدون مناقشات أشبه ما تكون بالنقد الذاتي لمحاسبة أنفسهم على التقصير الذي أظهروه ازاء الحسين والتشاور على كيفية التكفير عن الذنب وغسل العار الذي لحق بهم نتيجة هذا التخاذل. فقد جاء في الطبري : «لما قتل الحسين بن علي تلاقت الشيعة بالتلاوم والتندم، ورأت انها قد أخطأت خطأ كبيراً بدعائهم الحسين الى النصرة وتركهم اجابته، ومقتله الى جانبهم ولم ينصروه. ورأوا انه لا يغسل عارهم والاثم عنهم في مقتله الا بقتل من قتله او القتل فيه»(١) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٤٧.
مؤتمر الزعماء الخمسة
تزعّم التحرك الشيعي حينئذ خمسة من كبار الزعماء الكوفيين، المتقدمين في السن(١) الذين ارتبطوا تاريخياً بالحركة الشيعية وهم : سليمان بن صُرد الخزاعي، والمسيّب بن نجبه(٢) الفزاري، وعبد الله بن سعد بن نفيل الازدي، وعبد الله بن وال التميمي، ورفاعه بن شداد البجلي(٣) . وكانوا جميعاً رفاق علي ومن أشد المؤيدين له(٤) . ومن خلال انتماءات هؤلاء الزعماء القبلية نلاحظ أنهم يتحدرون جميعاً من أصل يماني، علماً بأن القبائل اليمانية لم تنتظم بكاملها في هذه الحركة اذ غاب عنها عدد من أقطاب اليمانية مثل كندة ومذحج وهمدان، وقد عرف عن هذه الاخيرة بصورة خاصة تعصبها الشديد للقضية العلوية.
_____________________
(١) فلهوزن : الخوارج الشيعة ١٨٩، الطبري ٧/٤٨.
(٢) ورد في البداية والنهاية : ابن نجيه ٨/٢٤٧.
(٣) الطبري ٧/٤٧، ابن كثير ٨/٢٤٧
(٤) ابن كثير : ٨/٢٤٧
بدأ الزعماء الخمسة يمارسون نشاطهم في الخفاء ويبشرون بدعوتهم الانتقامية في أوساط الحزب الشيعي، بعيداً عن مراقبة السلطة وجواسيسها المنتشرين في كل مكان، فكان ان أثمرت جهودهم وشكلوا منظمة سرية نواتها نحو مائة(١) من العناصر المتطرفة، لم تلبث أن تحولت الى منظمة كبرى تحمل اسم التوابين، وقد صارت هذه التسمية هي الغالبة على حركة سليمان ورفاقه، وهي أصلاً منبثقة عن الآية الكريمة التي أصبحت الشعار الرئيسي لهم وهي :( فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (٢) .
وكان الاجتماع الاول الذي ضم هؤلاء قد عقد في منزل سليمان بن صُرد الذي وصف بأنه صحابي جليل(٣) وهذا يعطينا فكرة بأنه كان متقدماً في السن رفيع المكانة في مجتمعه، وربما كان لذلك اثر في تصدره هذه الحركة واحتلاله مركز الزعامة فيها. لان المناقشات التي جرت في هذا الاجتماع أظهرت أن المسيّب كان من أبرز الخمسة وألمعهم تفكيراً وأكثرهم عمقاً. وكان سليمان يعرف في
_____________________
(١) الطبري : ٧/٤٨.
(٢) القرآن الكريم : ٥٤ البقرة ٢، اليعقوبي ٢/٢٥٧.
(٣) ابن كثير : ٨/٢٤٧
الاصل باسم يسار، ويقال ان النبي هو الذي أطلق عليه اسم سليمان بعد اعتناقه الاسلام(١) وقد هاجر في وقت مبكراً الى الكوفة وشارك في القتال الى جانب علي لا سيما في حروب صفين، وان كان قد تخلف عنه في يوم الجمل لاسباب غير واضحة تماماً، الامر الذي جعل علياً يلومه بشدة ثم يقبل عذره فيما بعد. ومما يثير الاهتمام ان علاقة سليمان بعلي وايمانه بقضيته كانت أكثر من مجرد تحالف عادي او مرحلي. فقد كان من أقرب أعوانه وأشدهم اخلاصاً. ويُستخلص هذا من المحاورة التي جرت بينهما اثر انتهاء معركة الجمل حين بادره علي بقوله : «تربصت وتنأنأت فكيف ترى صنع الله ؟ فأجابه سليمان : الشوط بطين وقد بقي من الامور ما تعرف به صديقك من عدوك»(٢) . وبعد وفاة علي ظل على ولائه له حيث أظهر حماسة شديدة للحسين وكان من أوائل الذين كتبوا اليه من اجل التوجه الى الكوفة وتزعم ثورتها ضد النظام الاموي(٣) .
كان الاتجاه العام للمناقشات يدور حول التكفير عن الذنب والمخطط الانتقامي الذي يمكن أن يزيل عنهم الشعور بالاثم، وذلك في جو من الانفعال الشديد. والواقع انه لم يكن هناك شيء من برنامج الحركة الشيعية
_____________________
(١) دائرة المعارف الاسلامية ١٢/١٧١.
(٢) البلاذري : انساب الاشراف، ٢/٢٧٢.
(٣) الطبري : ٦/١٩٧.
السياسي او الاجتماعي او الاقتصادي على غرار ما ظهر قبل ذلك في ثورة الحسين او ما ظهر فيما بعد من ملامح في حركة المختار الثقفي. وكان أول المتكلمين في الاجتماع المسيّب بن نجبه الذي قال : (اما بعد، فانا قد ابتلينا بطول العمر والتعرض لانواع الفتن فنرغب الى ربنا الا يجعلنا ممن يقول له غداً أو لم نعمركم يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فان أمير المؤمنين قال العمر الذي اعذر الله فيه الى ابن آدم ستون سنة. وليس فينا رجل الا وقد بلغه. وقد كنا مغرمين بتزكية أنفسنا وتقريظ شيعتنا حتى بلا الله أخيارنا فوجدنا كاذبين في موطنين من مواطن ابن بنت نبينا. وقد بلغتنا كتبه، وقدمت علينا رسله، واعذر الينا يسألنا نصره عوداً وبدءاً، وعلانية وسراً. فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل الى جانبنا، لا نحن نصرناه بأيدينا، ولا جادلنا عنه بألسنتنا، ولا قويناه بأموالنا، ولا طلبنا له النصرة الى عشائرنا فيما عذرنا الى ربنا وعند لقاء نبينا صلى الله عليه وسلم وقد قتل فينا ولده وحبيبه وذريته ونسله ؟ لا والله لا عذر دون ان تقتلوا قاتله والموالين عليه، أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك وما أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن)(١) . ثم أنهى كلامه بتشديده على توحيد الصفوف ودعوة رفاقه الى انتخاب رئيس يفزعون اليه ويأخذون برأيه(٢) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٤٨.
(٢) الطبري : ٧/٤٨.
وتكلم بعد ذلك زعيم آخر هو رفاعة بن شداد، فأثنى على ما جاء في خطبة المسيّب وأوصى باتخاذ سليمان بن صُرد زعيماً للحركة، مؤكداً في الوقت نفسه على الموضوع الرئيسي للاجتماع وهو التكفير عن الذنب اذ قال :
(أما بعد فان الله قد هداك لاصوب القول ودعوت الى أرشد الامور والى جهاد الفاسقين والى التوبة من الذنب العظيم، فمسموع منك، مستجاب لك، مقبول قولك. قلت ولوا رجلاً منكم تفزعون اليه وتحفون برايته وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت، فان تكن أنت الرجل عندنا مرضياً وفينا منتصحاً وفي جماعتنا محباً وان رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة والقدم سليمان بن صرد المحمود في بأسه ودينه والموثوق بحزمه أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم)(١) .
وتعاقب على الكلام عبد الله بن وال وعبد الله بن سعد فأيدا اقتراح رفاعة بتأمير سليمان الذي فاز بزعامة الحركة من منافسة المسيّب الذي بدا كأبرز المجتمعين في المؤتمر وظهر ميله الى تزعم الحركة حين كان الوحيد بين الخطباء الذي أغفل اسم سليمان بشأن الزعامة.
وتكلم سليمان بن صُرد وكان قد أصبح زعيماً
_____________________
(١) الطبري : ٧/٤٨.
للحركة مشيراً الى عظم الرزء وضخامة المأساة، ومشدداً على النهوض لغسل الاثم والتكفير عن فداحة الذنب والسعي في طلب الشهادة «انا كنا نمد أعناقنا الى قدوم آل نبينا، ونمنيهم بالنصر، ونحثهم على القدوم. فلما قدموا ونينا، وعجزنا، وأدهنا، وتربصنا، وانتظرنا ما يكون، حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وبضعة من لحمه ودمه... الا انهضوا، فقد سخط ربكم، ولا ترجعوا الى الحلائل والابناء حتى يرضى الله وما أظنه راضياً حتى تناجزوا من قتله او تبيروا. الا لا تهابوا الموت فوالله ما هابه امرؤ قط الا ذل. كونوا كالاول من بني اسرائيل، اذ قال لهم نبيهم : انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم»(١) .
والواقع ان هذه الخطبة الخطيرة وضعت الحركة موضع التنفيذ وجاءت بمثابة برنامج عام لها حيث تناولت النقاط التالية :
١ - الشعور بهول المأساة وفداحة الاثم.
٢ - الاسراع باتخاذ موقف انتقامي من المسؤولين عن مقتل الحسين سواء الامويين ام المتواطئين معهم.
٣ - تجسيد فكرة الاستشهاد بالتنازل عن الاملاك واعتزال النساء.
_____________________
(١) الطبري : ٧/٤٩.
٤ - الالحاح في طلب التوبة عن طريق التضحية بالنفس.
ومن خلال هذه المناقشات التي شهدها مؤتمر الزعماء الخمسة، تلاحظ انها دارت حول فكرة رئيسية هي التكفير عن الذنب، وهذه الفكرة لها جذورها البعيدة في المجتمعات العراقية الغابرة، وأصولها القديمة في ديانات ما بين النهرين، فضلاً عن الديانة المسيحية التي تسربت الى هذه المنطقة قبل مجيء العرب اليها. ولا ندري اذا كان التوابون قد تأثروا في هذا المجال بهذه الجذور التاريخية، ام ان ذلك شيء أصيل وذاتي فيهم، زاده بلورة تلك التجربة المريرة التي عاشوها في أعقاب مصرع الحسين.
انتهى المؤتمر ملتزماً بهذه المقررات الحاسمة، وملتزماً بزعامة سليمان بن صُرد أكبر الزعماء الخمسة سناً وأسبقهم في الاسلام وأوثقهم علاقة بعلي وأسرته، وكذلك أرفعهم شأناً في مكانته القبلية. وليس ثمة شك ان هذا الاختيار كان موفقاً وفي صالح الحركة، لان سليمان كان طرازاً فريداً بين رجالات الكوفة، شديد الايمان بالقضية التي رفع شعارها، مقتنعاً بضرورة الاخذ بمبدأ العنف لتصعيد حركة النضال الشيعي ضد أعدائها الامويين. «اتخذوا السيوف وركبوا الاسنة واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل حين تدعوا وتستنفروا»(١) .
_____________________
(١) من خطاب سليمان في المؤتمر، الطبري ٧/٤٩.
فلم يكن هو، أو أحد من رفاقه ساعياً وراء مطلب خاص او مكسب شخصي، وانما كانوا طلاب قضية عامة هدفها اولاً الانتقام للحسين رأس الحركة الشيعية ورائدها في تحقيق أمانيها السياسة، وثانياً ازاحة الامويين من السلطة في الكوفة وتحويلها الى قاعدة للحكم الشيعي الذي ينبغي أن يسود مختلف أقاليم الدولة. وهذا يظهر بكل وضوح أن جماعة التوابين لم يطلبوا السلطة للتحكم، بل لتنفيذ مبدأ عام هو الاسلام. وكان بنظرهم السكوت عن ذلك وتخليهم عنه، يعتبر خيانة لقضيتهم، وتخلياً عن حق شرعي، وخرقاً لعهد الهي. ومن المهم هنا أن نشير الى ان هذه المبالغة في نكران الذات، وطرح هذه الافكار المثالية، كانا بدون شك سبب ذلك الاخفاق المتواصل للحركات الشيعية والعامل الذي ساعد النظام الاموي على تصفيتها بكل سهولة.
وليس من باب الصدفة فقط ان يتولى قيادة هذه الحركة خمسة من الشيوخ اصغرهم قد نيف على الستين(١) . ولعل الباحث هنا يجد مدخلاً للتعرف الى جمهور الحركة ولتحديد الجيل الذي استمدت منه عناصرها بشكل عام. والارجح ان التوابين - لا سيما الذين تابعوا الشوط حتى آخره - قطعوا خريف العمر او كادوا. وهؤلاء تتجسد لديهم فكرة التوبة عادة اكثر من العناصر الشابة. ثم ان حركة من هذا النوع، اقتصر مضمونها على التضحية والغفران الا تجتذب جمهور الشبان الملتزمين بخط سياسي واضح والمؤمنين بالتغيير. وهذا ما يفسر انصراف عدد من الزعماء الشبان في الكوفة عن هذه الحركة، كابراهيم الاشتر مثلاً الذي وجد فيها مضموناً ساذجاً وتحركاً في غير أوانه.
ولا شك ان هذا التجانس النوعي في صفوف التوابين كان له بعداً خاصاً كرس أكثر فأكثر مفهوم التضحية والفداء. فهؤلاء لم يجزعوا كثيراً على ما تبقى من العمر بعد ان بلغوا الارذل منه وقطعوا حبل سنواته العجاف.
_____________________
(١) الطبري ٧/٤٨.
الاتصالات
سارت الحركة في اتجاه عملي، محافضة على سريتها التامة التي استمرت طيلة خلافة يزيد الاول(١) ، وهي فترة حاسمة دأب فيها التوابون بكل امكاناتهم على تعبئة المقاتلين وجمع الاسلحة واستمالة الناس(٢) ، واتفقوا على ان يعقدوا لقاءات دورية لتقويم النشاطات التي قاموا بها والانجازات التي حققوها، ومن ثم لتحديد موعد للخروج واعلان الثورة. واستقر الرأي أخيراً على أن يكون التجمع في النخيلة(٣) في نهاية ربيع الآخر من سنة ٦٥ للهجرة(٤) .
كانت أولى الخطوات التنفيذية التي قام بها سليمان، هي محاولة استقطاب زعماء الكوفة واستمالة أكبر عدد من جماهيرها، والكتابة الى رجالات الحزب الشيعي في البصرة والمدائن وسواهما من المدن العراقية. وكانت هذه
_____________________
(١) الطبري : ٧/٥١.
(٢) الخربوطلي : تاريخ العراق في ظل الحكم الاموي ١٣٣
(٣) النخيلة : مكان بالقرب من الكوفة.
(٤) ابن كثير : ٨/٢٤٧، الطبري : ٧/.
الاتصالات تتضمن المفاهيم العامة للحركة ومنطلقاتها، ثم الدعوة الى المشاركة في مؤتمر النخيلة المذكور(١) . فقد كتب أمير التوابين الى عامل المدائن، سعد بن حذيفة بن اليمان :
«اما بعد، فان الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفاً، وأقبل منها ما كان منكراً وأصبحت قد تشنأت الى ذوي الالباب وأزمع بالترحال منها عباد الله الاخيار وباعوا قليلاً من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند الله لا يفنى. ان أولياء الله من اخوانكم وشيعة آل نبيكم نظروا لانفسهم فيما ابتلوا به من أمر ابن بنت نبيهم الذي دُعي فأجاب ودعا فلم يُجب، وأراد الرجعة فحبس وسأل الامان فمنع وترك الناس فم يتركوه وعدوا عليه فقتلوه ثم سلبوه وجردوه ظلماً وعدواناً وغرة بالله وجهلاً... فلما نظروا اخوانكم وتدبروا عواقب ما استقبلوا رأوا أن قد خطئوا بخذلان الزكي واسلامه وترك مواساته والنصر له خطأ كبيراً ليس منه مخرج ولا توبة دون قتل قاتليه او قتلهم حتى تفنى على ذلك أرواحهم»(٣) .
كان وقع هذا الكتاب مؤثراً جداً على شيعة المدائن، خاصة وأن عدداً من الكوفيين قد نزحوا اليها(٣) ، وهؤلاء
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٤٧.
(٢) الطبري : ٧/٥٠.
(٣) الطبري : ٧/٥٠.
ظهروا شديدي الحماس للاستجابة الفورية الى دعوة التوابين. وما لبث ان جاء الرد ايجابياً من عامل المدائن وشيعتها والاستعداد الكامل للتحرك في اليوم الموعود الى النخيلة «اما بعد، فقد قرأنا كتابك وفهمنا الذي دعوتنا اليه من الامر الذي عليه رأى الملأ من اخوانك، فقد هُديت لحظك ويُسرت لرشدك، ونحن جادون، مجدون، معدون، مسرجون، ملجمون ننظر الامر ونستمع الداعي فاذا جاء الصريخ أقبلنا ولم نعرج ان شاء الله»(١) .
وكان سليمان قد أرسل نسخة ثانية من كتابه الى المثنى بن محربة العبدي في البصرة لكسب تأييده مع الشيعة هناك(٢) فأجابوا جميعاً الى دعوته. وقد جاء في رد المثنى «قرأت كتابك وأقرأته على اخوانك فحمدوا رأيك واستجابوا لك، فنحن موافوك ان شاء الله للاجل الذي ضربت وفي الموطن الذي ذكرت»(٣) . وبذلك أخذت دعوة التوابين تتسع في أوساط الناقمين على الحكم الاموي والمطالبين بدم الحسين، وتستجيب لها الجماهير بحماسة ملتهبة «فكان يجيبهم القوم بعد القوم، والنفر بعد النفر من الشيعة وغيرها»(٤) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٥١.
(٢) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية ٢/٥٧.
(٣) الطبري : ٧/٥١.
(٤) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية : ٢/٥٨.
بدء التحرك وظهور المختار
ظلت هذه الحركة تعمل في اطار من السرية، كما أشرنا، حتى جاء الخبر بوفاة الخليفة يزيد وبعده بقليل ابنه معاوية الثاني في ظروف لازالت غير واضحة تماماً. وقد سبب ذلك أزمة حكم قاسية في عاصمة الخلافة الاموية لم تخرج منها الاسرة الحاكمة الا بصعوبة... (وقد ذكرنا ذلك في فصل سابق وتطرقنا الى الظروف المحلية والخارجية التي عصفت بالحكم الاموي وكادت أن تطيح به). وبوصول أخبار التطورات السياسية في دمشق الى الكوفة غمر هذه الاخيرة جو من الارتياح، نابع عن التشفي بموت الخليفة المسؤول الاول والرئيسي عن مقتل الحسين، وعن شعور متفائل باحداث بعض التغييرات في صورة الحكم، فضلاً عما توفر من امكانيات أمام التوابين للقيام بنشاطهم العلني وخروج دعوتهم الى حيز التنفيذ والمباشرة. حتى أن بعضهم نصح باستغلال الموقف المتدهور في الشام(١) .
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٤٧. ينفرد البلاذري في انساب الاشراف بقوله أن التوابين قدّموا موعد الخروج الى سنة ٦٤ هجري حين علموا بوفاة يزيد.
واستباق الموعد الذي حددوه للتحرك. غير أن حكمة سليمان وبُعد نظره حالاً دون تنفيذ هذه الرغبة، لان الدعوة لم تكن قد رسخت جذورها بعد، لا سيما في الكوفة التي افتقرت الى التجانس ووحدة الموقف. ويبدو ان أكثر ما كان يخشاه سليمان ويتحسب له، هي تلك الفئة الانتهازية من الكوفيين، الممالئة دائماً للنظام الحاكم، التي عرفت بالاشراف(١) حتى أننا نجد ان سليمان كان يصورها بأنها العدو الشرس للثورة والخصم الذي يجب التعامل معه بمنتهى الحيطة والحذر. «رويداً لا تعجلوا، اني قد نظرت فيما تذكرون فرأيت ان قتلة الحسين هم أشراف أهل الكوفة وهم المطالبون بدمه، ومتى علموا ما تريدون وعلموا انهم المطلوبون كانوا أشد عليكم»(٢) .
وكان الابقاء على موعد التحرك بدون شك في صالح الحركة التوابية، اذ أن الاستجابة البشرية تضاعفت بعد موت يزيد(٣) وما أحدثه من ارباك في نظام الحكم، وساعد على ذلك انتقال الحركة من مرحلة السرية والعمل تحت جنح الظلام الى دور النشاط العلني والمجاهرة الصريحة.
_____________________
(١) ابن كثير ٤/٦٨.
(٢) الطبري : ٧/٥٢.
(٣) ابن كثير : ٧/٥٣.
ولقد تحولت الكوفة حينئذ الى مركز حيوي للنشاط السياسي بمختلف مظاهره وأبعاده. وما لبثت الاحداث أن أخذت تتلاحق بسرعة مذهلة لتترك بصماتها على المجتمع الكوفي بصورة عامة. ففي خلال السنة التي امتدت من وفاة يزيد الى اعلان التوابين ثورتهم في النخيلة، تمخضت الكوفة عن أمور في غاية الخطورة، لابد من التوقف عندها لنشير باختصار الى أكثرها فاعلية وأشدها تأثيراً في تاريخ تلك الفترة.
والواقع ان الكوفة سارعت الى تحديد موقفها من النظام الاموي والخروج عليه كما سبق أن ذكرنا. فقد أعلنت الثورة في المدينة وهاجم الكوفيون دار الامارة وطردوا ممثل ابن زياد(١) الذي كان يقيم في البصرة وتعرض بدوره لحركة مماثلة. وقد أعقب ذلك فترة قصيرة من الفراغ في السلطة الى أن جرى تسليم الحكم الى رجل اتفق عليه أشراف الكوفة وزعماؤها، وهو عامر بن مسعود(٣) الذي ما لبث ان دان بالولاء لعبد الله بن الزبير حيث تمكن في تلك الاثناء من توطيد مركزه في العراق. ولم يكن هذا الاجراء عائداً الى اقتناع الكوفيين بسلامة هذا الموقف، وانما كان ضرورة اقتضتها المصلحة ليس أكثر. فالاشراف من جهة
_____________________
(١) فلهوزن : الخوارج والشيعة ١٩٠.
(٢) ابن كثير : ٨/٢٤٨.
هم الذين يبدو أنهم شغلوا دوراً بارزاً(١) في حركة التمرد هذه، بعد أن أدركوا ان رياح الثورة الحجازية بدأت تهب بشكل عاصف على العراق، فسارعوا الى التودد لابن الزبير ابتغاء لضمان مصالحهم السياسية والاقتصادية، واستمراراً لها. وأظهر زعماء الحزب الشيعي من جهة ثانية استنكافهم عن تسلم الحكم برغم توفر فرص النجاح حينئذ، لان عناصر الثورة أرادت المسير وفقاً للخطة التي تم وضعها وتدور حول هدف محدد وثابت هو الانتقام، وكان في ذلك تأكيداً على التجرد والمثالية والالتزام بالمبدأ.. هذه الافكار تشربها التوابون بكل عمق الايمان، وانعكست على حركتهم، فطبعتها بطابع مميز وفريد.
وبسرعة غير متوقعة انتقل العراق الى سيادة الحزب الزبيري وغدت الكوفة مرتبطة بثورة الحجاز التي انتفضت على النظام الاموي وهزت دعائمه بعنف، وتقبّل شيعة الكوفة هذه السيادة الجديدة، ولكن بفتور وبشيء من التحفظ. فهي بنظرهم انقلاب على النظام الذي مجوه وعارضوه طويلاً.. غير أن العداوة المشتركة التي وحدت مشاعر الطرفين ضد الامويين، لم تمنع الحركة التوابية من رفض الاعتراف بالحزب الزبيري كبديل مثالي للسيادة الاموية.
_____________________
(١) فلهوزن : الخوارج والشيعة ١٩٠.
وفي تلك الاثناء كان ابن الزبير يعمل على تأكيد سلطته في الاقاليم التي خضعت له بعد أن أصبح الرجل القوي في العالم الاسلامي. وأخذ عماله الذين انتدبهم لادارة هذه الاقاليم يصلون تباعاً. ففي الكوفة التي يهمنا الوقوف على التطورات السياسية فيها عشية خروج التوابين، أرسل اليها اثنين من عماله أحدهما اختص بشؤون السياسية والحرب هو عبد الله بن يزيد الانصاري(١) ، وثانيهما انصرف الى شؤون الادارة والخراج وهو ابراهيم ابن محمد بن طلحة(٢) ، حفيد الصحابي المعروف طلحة بن عبيد الله. وانتهت بذلك تلك الفترة الانتقالية التي تولاها باسم الحزب الزبيري، عامر بن مسعود، لتصبح الكوفة احدى ولايات الخلافة الزبيرية.
ولم تقتصر أحداث الكوفة على هذه التغييرات السياسية المهمة، وانما شهدت أحداثاً أخرى على قدر كبير من الخطورة، كادت أن تمزق الجبهة الشيعية، وان تبعثر قواها، وذلك بظهور أحد المغامرين بصورة فجائية في الكوفة حينئد، هو المختار بن ابي عبيد الثقفي(٣) . وكان هذا الاخير شخصية مثيرة دار حولها كثير من الجدل،
_____________________
(١) الطبري : ٧/٥٣، ابن كثير : ٨/٢٤٨.
(٢) الطبري : ٧/٥٣، ابن كثير : ٨/٢٤٨.
(٣) الطبري : ٧/٥٣.
فقد ارتبط منذ نشأته بالحركة الشيعية وتربى في وسط شيعي مشبع بالاخلاص والحب لعلي وأبنائه(١) ، ثم أعد نفسه ليكون أحد أركان الثورة التي كان مقدراً أن يقودها الحسين، حيث سبق هذا الاخير الى الكوفة ليشارك في تهيئة المناخ الملائم للثورة، ولكن عامل العراق الاموي قبض عليه وأودعه السجن مع عدد من الزعماء الشيعيين(٢) . وظل في سجنه حتى أفرج عنه بعد توسط صهره عبد الله بن عمر لدى الخليفة يزيد(٣) . فغادر الكوفة الى الحجاز وفي نفسه حقد لا يوصف ضد الامويين وعاملهم ابن زياد(٤) . ولهذا لم يتردد في الاشتراك مع ابن الزبير في ثورته التي وجد فيها بعض أهدافه وهي العمل على مقاومة النظام الاموي بدون هوادة. غير أن الانجسام لم يستمر طويلاً بين الرجلين، فالمختار كانت له مطامحه السياسية واحلامه الاستقلالية، لذلك ما لبث ان زهد بدور التابع لابن الزبير وقفل عائداً الى الكوفة بعد أن سمع بطرد ابن زياد من العراق، فقد كانت الكوفة على الدوام قبلة طموحه ووجد انها الارض الملائمة لتحقيق هذا الطموح.. وقد بلغ من اهتمامه بها انه كان يستفسر عن احوالها من الوافدين الى
_____________________
(١) بيضون : زكار : تاريخ العرب السياسي ١١٤ - ١١٥
(٢) فلهوزن : للخوارج والشيعة ١٩٨.
(٣) اليعقوبي : ٢/٢٥٨، ابن كثير :٨/٢٤٩.
(٤) ابن كثير : ٢/٢٤٩.
الحجاز، حيث حدثه أحدهم(١) عن أهلها بقوله : «انهم في صلاح واتساق على طاعة ابن الزبير، الا ان طائفة من الناس اليهم عدد أهل مصر لو كان لهم رجل يجمعهم على رأيهم أكل بهم الارض الى يوم ما(٢) . فأجابه المختار : «أنا ابو اسحق، أنا والله لهم، أنا أجمعهم على مر الحق، وأنفي بهم ركبان الباطل وأقتل بهم كل جبار عنيد»(٣) .
وهكذا جاء المختار الى الكوفة، تتجاذبه أحلام السيادة والتحكم على المدينة بسهولة ويسر، معتمداً على تردد شيعتها من حكومة ابن الزبير، ومحاولة استقطابهم عن طريق شعار الثأر للحسين وهو نفس الشعار الذي طرحه التوابون، وتبعتهم جماهير الكوفة الشيعية من أجله. ولكن المختار اختلف عنهم بأنه ذهب الى أبعد من الانتقام والتكفير عن الذنب، الى السعي لاستلام الحكم(٤) وهو أمر رفضه التوابون. ولكي يزيد حجته تسويغاً، ويضفي على حركته نوعاً من الشرعية، زعم أن
_____________________
(١) هاني بن ابي حية الوادعي، الطبري ٧/٦٣.
(٢) الطبري : ٧/٦٣.
(٣) الطبري : ٧/٦٣.
(٤) J. Perier vie Dal-hadjdadj ٢٥
أحد زعماء الاسرة العلوية(١) أرسله للدعوة باسمه في الكوفة.
ولكن محاولات المختار لاستقطاب شيعة الكوفة تحت زعامته لم تصادف ما كان يتوقع لها من نجاح، لان فئة قليلة فقط استهوتها شخصية المختار واقتنعت بدعوته، بينما ظلت الاغلبية على تأييدها لابن صُرد(٢) ، ولم تتأثر بالحملة الدعائية الواسعة التي أحاط بها نفسه وهو في طريقه الى الكوفة وبعد وصوله اليها حتى انها شككت بصحة ادعائه عن علاقته بمحمد بن الحنفية(٣) . ولما أدرك ان معركته مع سليمان معركة خاسرة أخذ يصعد حملات التشهير ضد هذا الاخير متهماً اياه بقصر النظر وعدم الكفاءة لقيادة الثورة الشيعية الهادفة الى الانتقام من قتلة الحسين «ان سليمان ليس له بصر بالحرب، ولا تجربة بالامور، وانما يريد أن يخرجكم فيقتلكم ويقتل نفسه، وأنا أعمل على مثال قد مثل لي، وأمر قد بين لي، فيه عز وليكم وقتل عدوكم وشفاء صدوركم، فاسمعوا قولي وأطيعوا أمري»(٤) .
_____________________
(١) يتفق معظم المؤرخين على ان المختار خرج من الحجاز باسم الدعوة لمحمد بن الحنفية، اليعقوبي ٢/٢٥٨، الطبري ٧/٦٤.
(٢) ابن كثير : ٨/٢٥٠.
(٣) فلهوزن : الخوارج والشيعة ٢٠٤.
(٤) ابن الاثير : ٤/٧٢.
هذه الحملة النفسية التي قام بها المختار، لم يكن لها كبير أثر على جماعة التوابين الذين بلغوا من الاندفاع حداً بعيداً، وأصبح من المستحيل عليهم، التراجع أو التوقف عن الهدف الذي اقتنعوا به وآمنوا كل الايمان. وعلى العكس من ذلك فان نشاط المختار انقلب عليه، واشتدت مخاوف السلطة وأنصارها من تحركاته، حتى أن زبانية الحكم التي انتقل ولاؤها بسرعة مذهلة من النظام الاموي الى نظام ابن الزبير، ثقل عليها وجود المختار في الكوفة فشكا نفر(١) منها خطورة هذا الرجل الى عاملي المدينة بقوله : «ان المختار أشد عليكم من سليمان بن صُرد. ان سليمان انما خرج يقاتل عدوكم ويذله لكم وقد خرج عن بلادكم، وان المختار انما يريد أن يثبت في مصركم، فسيروا اليه واوثقوه في الحديد وخلدوه في السجن حتى يستقيم أمر الناس»(٢) .
وهكذا انتهى أمر المختار سجيناً في الكوفة، ينتظر مرة أخرى من وراء قضبان السجن ما تؤول اليه الامور وما تسفر عنه الاحداث.. ولعله أدرك ان الفرصة ستلوح له من جديد بعد التخلص من منافسة زعيم التوابين، حيث
_____________________
(١) عمر بن سعد بن ابي وقاص، شبث بن ربعي، يزيد بن الحارث بن رويم. طبري ٧/٦٥، ابن الاثير ٤/٧٣.
(٢) طبري : ٧/٦٥، ابن الاثير : ٤/٧٣.
كان يتوقع الفشل الذريع لحركة هذا الاخير، فتخلو له الساحة حينئذ ويصبح الزعيم المنتظر لشيعة الكوفة. ولهذا لم يعد يتورع عن التصريح بين الحين والآخر، مباركاً التحرك الذي يقوده سليمان والحث على اعلان الثورة والخروج من الكوفة. وفي سجنه كان المختار لا ينفك يردد على مسامع زائريه انه لن يتخلى مطلقاً عما سعى اليه وجاء من أجله، أو يتوقف لحظة عن السير في حملته الانتقامية، التي كانت عصب دعوته الرئيسي في معاقبة المسؤولين عن دم الحسين، والمضي في ملاحقتهم أياً كانوا وفي أي أرض ذهبوا اليها «أما ورب البحار، والنخيل والاشجار، والمهامة والقفار، والملائكة الابرار، والمصطفين الاخيار، لاقتلن كل جبار بكل لدن خطار ومهند بتار في جموع من الانصار ليسوا بميل اغمار ولا بعزل أشرار. حتى اذا أقمت عمود الدين وزايلت شعب صدع المسلمين وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت بثأر أولاد النبيين، لم يكبر علي زوال الدنيا ولم أحفل بالموت اذا أتى»(١) .
فاز سليمان اذا في معركة الزعامة الشيعية ضد هذا المغامر الدخيل، الذي قدم من الحجاز باحثاً عن الزعامة ومتعطشاً الى السلطة. وفي تلك الاثناء كانت الحركة التوابية تدخل مرحلتها الحاسمة والصعبة، وكان زعماؤها
_____________________
(١) طبري ٧/٦٦، ابن الاثير ٤/٧٣، ابن كثير ٨/٢٥٠.
يصعّدون الجهود ويركزون الحملات الاعلامية عبر اتجاهين رئيسيين. أولاً : عن طريق التبشير بأفكار الدعوة(١) والمفهوم الحقيقي للتحرك. وثانياً : عن طريق القيام بعروض شبه عسكرية والتجوال في شوارع الكوفة وأسواقها مع سواها من المدن(٢) لاستثارة الجماهير واجتذاب أكبر عدد من المتطوعين للحركة.
كانت سنة خمس وستين للهجرة (٦٨٤م) قد حلّت، وفي هذه السنة خرجت حركة التوابين من محتواها التخطيطي واطارها التبشيري الى مرحلة التنفيذ الحاسم. فلم يعد يفصلها غير شهور قليلة عن موعدها الفاصل الذي حددته لانطلاقتها من (النخيلة). ومعنى ذلك أن الفئات الشيعية التي التزمت مبدئياً بالحركة، كان عليها أن تبادر الى تحمل مسؤوليتها بالسرعة الممكنة. ولكن الذي حدث ان عدد المنتمين فعلياً الى الحركة حينئذ كان لا يزال قليلاً(٣) ،
_____________________
(١) كان من ابرز الدعاة حماسة واندفاعاً عبد الله المري الذي كان يردد : «ويل للقاتل وملامة للخاذل ! ان الله لم يجعل لقاتله حجة، ولا لخاذله معذرة - الا ان يناصح الله في التوبة فيجاهد القاتلين وينابذ القاسطين. فعسى الله عند ذلك أن يقبل التوبة ويقيل العثرة. انا ندعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل بيته، والى جهاد المحلين والمارقين» الطبري : ٧/٥٢.
(٢) الطبري : ٧/٥٥.
(٣) ابن كثير : ٨/٥٥١.
بينهم الكثير ممن يعوزهم الانضباط والقناعة. وكان أشد التوابين ارتباكاً بهذه النتيجة وأكثرهم انزعاجاً هو زعيم الحركة الذي وجد ان هذا العدد(١) لا يتناسب مع حجم القضية التي يقاتلون في سبيلها. وكان لابد من تصعيد لعمليات الدعاية من أجل استقطاب المزيد من المؤيدين.. ومن الشعارات التي كثر تردادها حينئذ : «من أراد الجنة فليلتحق بسليمان في النخيلة».. «من أراد التوبة فليلتحق بسليمان»(٢) الى غير ذلك من الشعارات التي لم تخرج عن اطار الغفران والتكفير عن الذنب.
ولقد أعطت هذه الحملة بعض ثمارها ولاقت قدراً من التجاوب، ولكن المسألة لم تكن في تجمع المؤيدين في أسواق الكوفة(٣) بل فيمن يمتلك القدرة على الصمود والاستمرار عندما ترفع راية الحرب ويتعالى صورت النفير، وهؤلاء لم يتجاوز عددهم في بادئ الامر الالف مقاتل، ثم ارتفع هذا العدد مع تصعيد الحملات الدعائية الى نحو أربعة آلاف مقاتل(٤) كانوا جميعاً مستعدين
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٧٤.
(٢) الفتوح لابن الاعثم الكوفي (مخطوطة).
(٣) قيل ان عدد المتطوعين ارتفع الى نحو عشرين الفاً. ابن كثير ٨/٢٥١.
(٤) ابن كثير : ٨/٢٥١.
للمسير حتى نهاية الشوط والاشتراك الفعلي في حرب الامويين.
واذا أردنا تفسير هذا التجاوب المحدود لحركة التوابين عندما بدأت تحركها الجدي، فانه يعود بدون ريب الى جو الكوفة المشحون حينئذ بالبلبلة والصراعات السياسية بعد خضوعها للحزب الزبيري. فقد كان السواد من الناس في حالة ترقب وانتظار ما تسفر عنه الاحداث.. فضلاً عن خلخلة الموقف على صعيد الجبهة الشيعية بمجيء المختار الى الكوفة وتأثيره على نفر من الشيعة الذين غادروا معسكر سليمان وانضموا اليه(١) . كذلك فان حركة التوابين كحركة مثالية، مجردة من أي هدف سياسي معين، كان هدفها الرئيسي هو الانتقام للحسين والموت في سبيله وهذا ما يمكننا أن نعزو اليه ضعف الاستجابة نوعياً، والقلة العددية التي شاركت بصورة فعالة في حركة التوابين.
ولقد سبق التحرك العسكري، انعقاد مؤتمر لزعماء التوابين لبحث الموقف العام وتوزيع المسؤوليات على العناصر القيادية ومناقشة اقتراحاتها حول كيفية التحرك والخطوات التمهيدية اللازمة. وكان هناك اتجاه على
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٧٤.
رأسه عبد الله بن سعيد بن نفيل(١) نحو القيام بعمليات انتقامية داخل الكوفة تستهدف بعض الاشراف المتهمين بتواطئهم مع النظام الاموي، ولكن سليمان رفض هذا الرأي وأصر على أن الهدف اولاً هو رأس عبيد الله بن زياد(٢) الذي بات المسؤول الاول بعد موت يزيد بن معاوية، ثم تأتي بعد ذلك مسألة الكوفة وأشرافها «ان الذي قتل صاحبكم وعبّى الجنود اليه، وقال لا أمان له عندي دون أن يستسلم فأمضي فيه حكمي هذا الفاسق ابن الفاسق عبيد الله بن زياد، فسيروا الى عدوكم مع الله، فان يظهركم الله عليه رجونا أن يكون من بعده أهون شوكة منه ورجونا أن يدين لكم من وراءكم من أهل مصركم في عافية فتنظرون الى كل من شرك في دم الحسين فتقاتلونه ولا تغشموا، وان تستشهدوا فانما قاتلتم المحلين وما عند الله خير للابرار لأحب أن تجعلوا حدكم وشوكتكم بأول المحلين. ولو قاتلتم أهل مصركم ما عدم رجل ان يرى رجلاً قد قتل أخاه وأباه وحميمه او رجلاً لم يكن يريد قتله. فاستخيروا الله وسيروا»(٣) .
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٦٨.
(٢) الطبري : ٧/٦٨.
(٣) رد سليمان على عبد الله بن سعد بن نفيل، الطبري : ٧/٦٨، ابن الاثير : ٤/٧٤.
ومن الواضح ان المنطق وبعد النظر يتجليان في موقف زعيم التوابين الذي لم يرد لحركته ان تخفق في مكانها في الكوفة، لان ذلك سيثير بدون شك حساسيات قبلية وسيفجر صراعات داخلية، وبالتالي سيؤدي الى استهلاك الحركة بدون طائل.
وبعد تشاور، رأى زعماء الحركة ان قتلة الحسين موزعون في أنحاء الارض، وليس سهلاً أن تطالهم سيوف التوابين كما يتصور البعض. لذلك ارتأوا أخيراً أن تكون الشام (قاعدة الطغيان) هدف حملتهم العسكرية التي يعدّون لها.. فهي مركز السلطة الاموية، المسؤولة قبل أي أحد عن قتل الحسين. وفي رأيهم ان النظام هو الذي ينبغي أن يحاسب وليس الاشخاص(١) لان هؤلاء كانوا فقط الأداة التي نفذت الاوامر وقامت بما طلب منها خير قيام.
_____________________
(١) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية ٢/٥٨.
التحرك
بعد أن توفر للتوابين هذه المعطيات، خطوا خطوتهم العملية الاولى على طريق الانتقام والتكفير عن الذنب، فغادروا الكوفة ليلة الجمعة في الخامس من ربيع الثاني سنة ٦٥ هجري / التاسع عشر من تشرين الثاني سنة ٦٨٤ م، ووجهتهم (النخيلة) المكان الذي ستلتقي فيه وفود المتطوعين الذين تعاهدوا على الالتحاق باخوانهم في الموعد المحدد.
وبعد اقامة سليمان ورفاقه أيام ثلاثة(١) في المعسكر، لم تكن الاستجابة في المستوى المقدر لها، وانخفض العدد الذي التزم بالخروج مع زعيم الحركة الى الربع تقريباً، حيث قدر ان آخر ما وصل اليه تجمع التوابين في النخيلة لم يتجاوز الاربعة آلاف مقاتل(٢) ، وربما انخفض الى ثلاثة آلاف وثلاثمائة مقاتل ابان المعركة الفاصلة(٣) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٦٧.
(٢) الطبري : ٧/٦٧، ابن الاثير : ٨/٢٥٢.
(٣) الفتوح لابن الاعثم الكوفي، نسخة اسطنبول، (مخطوطة).
وكان من أبرز المتخلفين شيعة المدائن والبصرة(١) فضلاً عن تخلف عدد غير قليل من شيعة الكوفة..
وما كان لعزوف الكثيرين عن تلبية دعوة سليمان في (النخيلة) أي تأثير على معنويات زعماء الحركة او أي انعكاس على عزائمهم الثابتة. فقد بلغ بهم الايمان حداً جعلهم لا يفكرون الا بالهدف الذي خرجوا من أجله، ولن يعيقهم عن تحقيقه عائق مهما بدت الطريق اليه صعبة وشائكة. وما أروع ما جاء في خطاب سليمان، في تلك الفترة الحرجة التي لا يصمد فيها سوى اصحاب الايمان، متحدثاً عن محتوى الهدف الذي هم سائرون لتحقيقه : «ايها الناس فان الله قد علم ما تنوون، وما خرجتم تطلبون، وان للدنيا تجاراً وللآخرة تجاراً. فأما تاجر الآخرة فساع اليها منتصب بتطلابها لا يشتري بها ثمناً لا يُرى الا قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، لا يطلب ذهباً ولا فضة، ولا دنيا ولا لذة. واما تاجر الدنيا فمكب عليها راتع فيها لا يبتغي بها بدلاً. فعليكم يرحمكم الله في وجهكم هذا بطول الصلاة في جوف الليل، وبذكر الله كثيراً على كل حال وتقربوا الى الله جل ذكره بكل خير قدرتم عليه حتى تلقوا هذا العدو والمحل القاسط فتجاهدوه، فانكم لن تتوسلوا الى ربكم بشيء هو اعظم
_____________________
(١) الطبري : ٧/٦٩.
ثواباً من الجهاد والصلاة، فان الجهاد سنام العمل جعلنا الله واياكم العباد الصالحين والمجاهدين الصابرين على اللأواء. وانا مدلجون الليلة من منزلنا هذا ان شاء الله فأدلجوا»(١) .
كان لهذه الخطبة تأثيرها الجلي في نفوس التوابين، وفي تهيئة المناخ المثالي والملائم للبدء في عملية التنفيذ... واطمأن سليمان في أعماقه وأيقن ان القوم في (النخيلة) سائرون معه دونما تردد. فغادروا جميعاً المعسكر متخذين طريق كربلاء حيث قبر الحسين حاملين اليه آلامهم بكل تفجعها وذنوبهم وقد بلغت من الثقل حداً لا يطاق... وأي لقاء سيكون أشد ايلاماً وأقسى مرارة من لقاء التوابين بالحسين، لقاء المذنب المستغفر في حضرة صاحب الشفاعة، لقاء المتخاذل عن نصرة الحق في مقام شهيد الحق. كان ذلك مواجهة مباشرة مع الذنوب، مع الخطايا، مع الضمير الذي استفاق.. مواجهة تجلت فيها ضخامة المأساة، وقتلت لديهم كل احساس بالكبرياء ورغبة في العيش، وفوق ذلك كان تجمعهم حول قبر الحسين، جزءاً من التحرك الذي حانت ساعة تنفيذه... فهو لن يقتصر على الانفعالات وطلب الغفران، وانما كانت له
_____________________
(١) الطبري : ٧/٦٩.
أيضاً أبعاده السياسية لتكريس الميثاق الذي التزموا به، ووضع أنفسهم في أجواء الشهادة التي بلغت أسمى درجاتها البطولية مع سقوط الحسين في كربلاء.
وقد يذهب بنا الخيال بعيداً الى ذلك الزمن، وينقلنا الى تلك الارض، فنتصور رهبة اللقاء وضجيج التوابين وهم يدورون حول قبر الحسين، ينشدون بصوت موحد نشيد الغفران والتوبة، ويهزجون بايمان عميق اهزوجة الموت والشهادة : «اللهم انا خذلنا ابن بنت نبينا، وقد أسأنا وأخطأنا، فاغفر لنا ما قد مضى من ذنوبنا، وتب علينا انك أنت التواب الرحيم. اللهم ارحم الحسين، الشهيد ابن الشهيد وارحم اخواننا الذين حصنّوا أنفسهم معه بالشهادة. اللهم ان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين»(١) .
وفي اثناء ذلك، كانت أخبار التحرك والاستعدادات تتسرب الى مسامع أشراف الكوفة، الذين أحدق بهم الخوف والهلع على مصيرهم. وكان أشدهم قلقاً عمر بن سعد الذي التجأ الى قصر الامارة طلباً للحماية والامان(٢) .
_____________________
(١) الفتوح لابن الاعثم الكوفي، (مخطوطة) ١/٢٥٥ - ٢٦٧ - نسخة اسطنبول.
(٢) الطبري : ٧/٦٨، ابن الاثير ٤/٧٤.
ولقد سبق لهؤلاء الاشراف أن ألحوا كثيراً على أمير الكوفة الزبيري(١) لضرب جماعة التوابين قبل أن يقوى أمرهم ويشتد خطرهم. ولكنه لم يتأثر لضغوطهم أو ينساق مع مصالحه السياسية - باعتباره ممثلاً لابن الزبير - المتعارضة مع آمال التوابين وتطلعاتهم. وللحقيقة، فان أمير الكوفة تصرف بموضوعية واخلاص في معالجة مسألة التوابين، وقد ظهر ذلك في جوابه للزمرة من الاشراف : «الله بيننا وبينهم ! ان هم قاتلونا قاتلناهم، وان تركونا لم نطلبهم»(٢) . لِمَ الخوف من التوابين.. أهو الذي قتل الحسين ؟(٣) على حد تعبيره.. فهو لم يتردد من لعن قاتله أمام الاشراف وبعضهم اشترك في الجريمة. وفي نفس الوقت جاهر برأيه في خطبة له في مسجد الكوفة.. «لقد أصبت بمقتله رحمة الله عليه، فان هؤلاء القوم - ويقصد التوابين - آمنون، فليخرجوا ولينتشروا ظاهرين ليسيروا الى من قاتل الحسين فقد أقبل اليهم وأنا لهم على قاتله ظهير»(٤) .
لم يكن هناك اذا تضارب بين أمير الكوفة وبين أمير التوابين، او تنافس بينهما على السلطة. فحركة هذا الاخير
_____________________
(١) عبد الله بن يزيد الانصاري.
(٢) الطبري : ٧/٥٣.
(٣) الطبري : ٧/٥٣.
(٤) الطبري : ٧/٥٤.
وضحت هويتها وتبلورت أهدافها.. وهي في شتى الاحوال تخدم مصالح أمير الكوفة وسيده خليفة الحجاز، فهي كحركة ثورية موجهة ضد النظام الاموي - العدو الرئيسي والمشترك للحزبين الشيعي والزبيري - تؤدي بالنتيجة الى استنزاف طاقات الامويين وتؤخر استعداداتهم الحربية لاسترجاع العراق، ومن ثم الحزب الزبيري في عرينه. هذا المنطق يمكن تفسيره كأساس للعلاقات بين الحزبين التي سبقت ورافقت تحرك التوابين، وهو ما اعتمده بعض المؤرخين(١) في تصويره للموقف في الكوفة عشية التحرك.
وقد يحتوي هذا المؤشر بعض المبالغة، وقد يكون ناتجاً عن تقدير خاطئ. فاذا كان يعبر عن منطق الحزب الزبيري واستراتيجيته، فانه ليس كذلك بالنسبة لممثل الحزب في الكوفة، الذي كانت له نظرته المختلفة في هذا الامر. ومن الانصاف ان لا نغفل دور هذا الرجل الذي شغله بكل مسؤولية، وهو دور الناصح بالتخلي عن هذه الحركة الانتحارية والتسلح بالصبر والتروي.. لان هدفه كان منصباً حول اجتذابهم الى الحزب الزبيري وتشكيل جبهة قوية ضد الامويين(٢) بدل أن تتبعثر القوى،
_____________________
(١) الخربوطلي : تاريخ العراق في ظل الحكم الاموي ١٣٥ - ١٣٦.
(٢) الطبري : ٧/٦٩.
وتنصرف الجهود في غير مواقعها الاساسية.
ولكن سليمان وجماعته، كانوا قد بلغوا نقطة اللارجوع في القرار الحاسم الذي اتخذوه والتزموا مصيرياً بتنفيذه «لقد خرجنا لامر ونحن نسأل الله العزيمة على الرشد والتسديد لاصوبه، ولا ترانا الا شاخصين»(١) .
وبعد خروج التوابين الى قبر الحسين، لم يتكاسل عبد الله بن يزيد (أمير الكوفة) عن اسداء النصيحة مرة أخرى لسليمان، محاولاً باخلاص ان يثنيه عن قراره وطالباً اليه تأخير موعد التحرك، فذلك أسلم عاقبة وأضمن نتيجة لسلامة الحركة وشريكها في مناهضة الامويين، الحزب الزبيري، مصوراً له ضخامة الجيش الاموي الذي بدأ يزحف حينئذ باتجاه العراق، وما يقابله من ضآلة حجم المتطوعين مؤكداً من جديد على ضرورة توحيد الجهود وتكاتف الايدي للوقوف في وجه عدو قوي وعنيد. فقد كتب الى سليمان قائلاً : «أما بعد فان كتابي لكم كتاب ناصح مشفق، تريدون المسير بالعدد اليسير الى الجمع الكثير والجيش الكبير. وقد علمتم انه من أراد أن يقلع الجبال من أماكنها تكل معاوله ولا تظفر بحاجته. فيا قومنا لا تطمعوا عدوكم في أهل بلدكم فانكم خيار قومكم، ومتى ظفر بكم عدوكم طمع في غيركم من أهل
_____________________
(١) الطبري : ٧/٦٩.
مصركم وهلاككم ومن خلفكم. يا قومنا انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم او يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا اذا أبداً، فارجعوا واجعلوا أيدينا وأيديكم اليوم واحدة على عدونا وعدوكم، فانه متى اجتمعت كلمتنا ثقلنا على عدونا فلا تستعيبوا نصحي ولا تخالفوا أمري، واقبلوا حين تقرأون كتابي هذا أقبل بكم الى طاعته وادبر بكم عن معصيته والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(١) .
ان أحداً لا يستطيع أن يرتاب في موقف أمير الكوفة الزبيري نحو التوابين او يشكك في مدى اخلاصه حين دعاهم الى التريث والتراجع، حتى ان سليمان نفسه لم يجد في نصيحة الامير الا الصدق والاخلاص. ولكن المسألة خرجت عن حدود النصيحة وتعدت اطار المنطق، فالتوابون حينئذ كانوا اشبه بمركبة أفلت زمامها وانجرفت في الوادي السحيق، الى درجة استحال معها أن تتوقف او تخفف بعض اندفاعها.. فقد كانوا معبئين لسنوات خمس مضت بشحنات متراكمة من العواطف السخية، بحيث انها خلقت منهم شخصيات مغامرة تطبعت بروح الفداء واستهوتها التضحية. وفي كل الحالات كان
_____________________
(١) الفتوح لابن الاعثم الكوفي (مخطوطة) ٢٦٠ - نسخة اسطنبول.
منطق واحد يوجه تحركاتهم، بدون ضابط، هو منطق العاطفة الجامحة، بما فيه من مثالية وتجرد واندفاع. وكان من الطبيعي ان يتعارض منطقهم هذا مع منطق أمير الكوفة، وان تكون صرخة هذا الاخير في غير محلها ولا تلاقي من يصغي اليها في صفوف التوابين(١) . فقد اعتمدت منطق العقل في تصوير الموقف السياسي في الكوفة وفي تجسيد الخطر الذي يتهددها على يد الامويين اذا ما استمرت جبهتها في التمزق وقواها في التبعثر.
أنهى سليمان قراءة الكتاب الذي وصله من أمير الكوفة بتنهيدة رافقها هذا البيت من الشعر :
أرى لك شكلاً غير شكلي فأقصري |
عن اللوم اذ بُدّلتِ واختلف الشكل(٢) |
وهو لا شك يعبّر بصدق عن التناقض في المواقف والاهداف بين كل من التوابين وبين ممثل ابن الزبير في الكوفة.. فلم يكن هناك - أي رابط مبدئي يربطهم بهذا الاخير، أو يدفعهم الى التعاون معه «انا وهؤلاء مختلفون... ولا أرى الجهاد مع ابن الزبير الا ضلالاً،
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧١ - ٧٢.
(٢) الطبري : ٧/٧٢.
وأنّا ان نحن ظهرنا رددنا هذا الامر الى أهله، وان أصبنا فعلى نياتنا تائبين من ذنوبنا»(١) .
ولعل من المفيد ان نعود قليلاً الى الوراء، لنتلمس انعكاسات الحركة التوابية على الوضع العام في الكوفة، منذ أن خرجت من سريتها الحذرة الى العلنية الجريئة، وأخذ قادتها يصعّدون الموقف بخطبهم الملتهبة بعد موت يزيد بن معاوية. فقد اندفعت الجماهير الى قصر الامارة وأطاحت بالامير الاموي ونصّبت مكانه أميراً آخراً يدين بالولاء للحزب الزبيري. وفي الحقيقة كان فضل التوابين ظاهراً في تهيئة الظروف أمام هذا الحزب لاستلام السلطة، وكان من الممكن لاي حركة سياسية، اضطلعت بهذا الدول، ان تتحول الى شريك رئيسي في الحكم الزبيري حينئذ. ولكن حركة التوابين، كما عرفنا، كانت لها همومها البعيدة كل البعد عن استلام الحكم أو المشاركة فيه، او حتى المباركة في أدنى الاحتمالات. لذلك كان تعاملهم مع نظام ابن الزبير تعاملاً محدوداً، وفي نطاق ما يوفره لهم من حرية التحرك وعدم اثارة المشاكل التي يمكن ان تعيقهم عن تحقيق ما التزموه بتنفيذه وما أخذوه على أنفسهم من ميثاق.
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٢.
وانطلاقاً من هذا المبدأ رفض سليمان دعوة أمير الكوفة الى التراجع برغم ما فيها من اخلاص وتودد. وكان قد وصل الى مكان يقال له (هيت)(١) ومن هناك أجابه برسالة لا تخلو من استحسان ظاهر لموقفه المسؤول وسلامة نواياه : «أما بعد فقد قرأنا كتابك أيها الامير، وفهمنا ما نويت، فنعم أخو العشيرة أنت ما علمناك في المشهد بالمغيب، غير انّا سمعنا الله تعالى يقول في كتابه وقوله الحق( إِنَّ اللَّـهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّـهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (٢) . وأعلمك أيها الامير ان القوم قد استبشروا ببيعهم الذي بايعوه وقد تابوا اليه من عظيم ذنوبهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(٣) .
أدرك أمير الكوفة عبث ندائه الى التوابين بالتراجع، وتأكد له أن القوم سائرون الى أقدارهم بعزيمة ثابتة لملاقاة
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٢.
(٢) القرآن الكريم : التوبة ١١١.
(٣) الفتوح لابن الاعثم الكوفي ٢٦٠. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
موتهم البطولي. فالتفت الى الحاضرين في ديوانه مردداً وكأنه يسّر الى نفسه : «استمات القوم ورب الكعبة، وأول خبر يأتيكم عنهم بأنهم قتلوا بأجمعهم والله لا قُتلوا حتى يكثر القتل بينهم وبين عدوهم»(١) .
فرغت الكوفة حينئذ من زعماء التوابين الذين غادروها وهم في ذروة الحماسة الى (النخيلة)، المعسكر الذي هرع اليه رفاق آخرون، اشتركوا معهم في تلك المسيرة النضالية الرائعة، لخوض معركة الانتقام البطولي ضد النظام الاموي ولضرب ما عبروا عنه بقواعد الطغيان والظلم. وكانت بعض العناصر الشيعية التي استهوتها حركة سليمان قد أخذت بدورها تغادر الكوفة تباعاً وتلتحق بمركز التجمع في (النخيلة)، دونما التزام، أحياناً، بمواقف قبائلها التي لم تقتنع زعاماتها بدعوة سليمان ووجدت فيها مجرد مغامرة انتحارية لا هدف منها سوى تبديد الجهود وهدر الطاقات دون أي نتيجة ايجابية على صعيد حركة النضال الشيعي. وهذه الظاهرة كانت من أبرز سمات الجيش الذي خاض به التوابون معركة
_____________________
(١) الفتوح لابن الاعثم الكوفي ٢٦٠. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
التكفير عن الذنب في (عين الوردة). فقد كان الانفلات من نظام القبيلة كوحدة قتالية أمراً مألوفاً الى حد كبير، على خلاف ما عرفه التقليد العربي بصفة عامة في ميادين الحرب. وكان لهذا الواقع مدلولاً آخراً، هو أن نفراً قليلاً فقط من جمهور الشيعة الكوفيين خرج الى (النخيلة) اما الغالبية، فقد التزم بعضها بقرار القبيلة في معارضة الحركة، وبعض آخر ظل على تردده يترقب انجلاء الامور. اما الاشراف فقد كانوا أكثر الفئات ابتهاجاً بخروج التوابين حيث انزاح عنهم كابوس ظل لفترة يؤرق مضاجعهم، ويفقدهم نعمة الاستقرار. وثمة شخص آخر في الكوفة، لم يكن أقل شعوراً بالفرح من الاشراف هو المختار الثقفي، وكان لا يزال في السجن ينظر من وراء قضبانه فيجد الساحة الشيعية خالية من منافسيه، فاذا به المستفيد الاكبر من غياب التوابين. وبسرعة عاد الى تحركه وأخذ يصعّد نشاطه في أوساط الحزب الشيعي، حتى أصبح بعد قليل من الوقت زعيم هذا الحزب غير المنافس، والى حين زعيم الكوفة بأسرها.
التقدم نحو الشام
بعد يوم وليلة من الابتهالات والتضرع حول قبر الحسين(١) مستغفرين الله وطالبين اليه أن يمنحهم نعمة الشهادة، غادر التوابون كربلاء عبر الفرات الى الانبار ومنها الى القيارة وهيت. ومن هذه الاخيرة كتب سليمان بن صُرد الى أمير الكوفة عبد الله بن يزيد جواباً على رسالته كما سبق ان أشرنا. ولقد تجنب التوابون كما هو واضح السير عبر الصحراء، واتخذوا طريق الجزيرة. ولعل غايتهم من وراء ذلك كانت تزويد جيشهم بقوات اضافية من الجزيرة وبلاد الشام، حيث كانت تتواجد المعارضة القيسية بزعامة الكلابيين أصحاب قرقيسيا(٢) . خاصة وأن بعض العناصر التوابية تراجعت الى الكوفة(٣)
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٧٥.
(٢) البصيرة حالياً في سوريا، عند مصب الخابور على الفرات.
(٣) ابن كثير : ٨/٢٥٢ - ٢٥٣.
بعد أن فتر حماسها وأدركها الخوف عند تواتر الاخبار عن جيش كبير للامويين زاحف من دمشق، فآثرت السلامة والعودة. ويبدو ان عددها كان محدوداً فلم يؤثر على الخطة العامة للتوابين. ولكن هذا لم يمنع حاجة هؤلاء الملحّة الى المساعدات المادية والعسكرية لمجابهة نظام راسخ في دمشق وجيوش على مستوى رفيع من التنظيم. ولهذا جرت اتصالات بين سليمان بن صُرد وبين زفر بن الحارث الكلابي صاحب قرقيسيا عند اقتراب التوابين من أبواب المدينة وكان المسيّب بن نجبه، نائب سليمان والرجل القوي(١) في الحركة رسول سيده الى الامير الكلابي(٢) . وكان هذا الاخير قد أمر باغلاق المدينة تحسباً للظروف، فلما قابله المسيّب وعرّفه بنفسه وشرح له أبعاد تحركهم هذا، أبدى تعاطفاً ملحوظاً معهم واستعداداً للتجاوب مع ما يطلبونه من مساعدات، دون أن ينسى تسويغ موقفه باغلاق الابواب في وجههم : «انا لم نغلق ابواب هذه المدينة الا لنعلم ايانا تريدون ام غيرنا، وما بنا عجز عن الناس وما نحب قتالكم وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة جميلة»(٣) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٤.
(٢) الطبري : ٧/٧٢.
(٣) ابن الاثير : ٤/٧٥.
خرج موكب التوابين من قرقيسيا مزوداً بما يلزمه من احتياجات اقتصرت على بعض المواد الغذائية، لان زفر رغم تعاطفه معهم، ورغم عداوته الشرسة للامويين(١) ، لم يمدهم بالمتطوعين ربما لانه وجد في حركتهم من المغامرة والتهور، ما يجعل أي فرصة للنجاح معها مستحيلة، او ربما لخروجه منذ أمد غير بعيد من حرب مدمرة مع الامويين في مرج راهط. ولهذا لم يرد استنفاذ طاقاته مرة أخرى بدون جدوى.
وفي اثناء ذلك، وفي الوقت الذي كان يواكب فيه الزعيم الكلابي جماعة التوابين خارج المدينة(٢) حملت اليه استخباراته معلومات غير سارة عن وجود عبيد الله بن زياد في (الرقّه) على رأس جيش ضخم وبصحبته خمسة من كبار قادة الامويين وأشد أعداء الحزب الشيعي ضراوة وهم : الحصين بن نمير السكوني، شرحبيل بن ذي الكلاع الحميري، أدهم بن محرز الباهلي، ربيعه بن مخارق الغنوي، جبله بن عبد الله الخثعمي(٣) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٣.
(٢) الطبري : ٧/٧٣.
(٣) الطبري : ٧/٧٣، ابن الاثير : ٤/٧٥.
تهيّب زفر الموقف الخطير، وخاف على ضيوفه المتهالكين على الشهادة، والمتدافعين لقتال عدو ليسوا في حجمه. فأخذ يلحّ عليهم بالتروي والرجوع الى قرقيسيا والعمل على تشكيل جبهة واحدة ضد المروانيين من بني أمية(١) «ان شئتم دخلتم مدينتنا وكانت أيدينا واحدة، فاذا جاء هذا العدو قاتلناهم جميعاً»(٢) . ولكن هذه المعلومات عن الجيش الاموي الضخم لم تستثر التوابين الذين أصروا على متابعة المسيرة، ورفضوا نصيحة زفر، كما رفضوا من قبل نصيحة أمير الكوفة عبد الله بن يزيد. فقد رد سليمان على الامير الكلابي قائلاً : «قد أرادنا أهل مصرنا على مثل ما أردتنا عليه وذكروا الذي ذكرت، وكتبوا الينا بعدما فصلنا، فلم يوافقنا ذلك فلسنا فاعلين»(٣) .
ولابد هنا لاي متتبع لاخبار حركة التوابين، الا ان يستوقفه ذلك الصمود الرائع لهذه الحركة العظيمة، ولا بد ان تنتزع اعجابه تلك الشخصيات القيادية المرتفعة،
_____________________
(١) الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
(٢) ابن الاثير : ٤/٧٥.
(٣) الطبري : ٧/٧٣.
بايمانها المثالي، ونضالها الاسطوري الفريد. انها شخصيات من طراز جديد ومن معدن آخر لا نجد لها مثيلاً الا في كتب الاساطير. شخصيات اتقنت جيداً صناعة الموت، وتعدت قوانين الشهادة المعروفة، لتكتب بدمائها شرائع جديدة، ليست لدنياها وانما للتاريخ. أليس مثيراً أن تقوم حركة أساسها المغامرة وعنوانها الفداء، فتمر عليها سنوات خمس - أكثرها كمنظمة سرية تعمل في الخفاء - دون أن يخبو بريقها أو تفقد شيئاً من حماسها المتأجج، حتى في المواجهة المباشرة مع الموت ؟.
غير أن رفض سليمان لرغبة زفر بالانكفاء الى قرقيسيا والتحصن فيها ضد الامويين، واصراره على التقدم لاكمال المهمة التي التزم بها مع رفاقه في مسيرتهم التكفيرية، لم يحولا دون متابعة الامير الكلابي تحذيراته للتوابين من الخطر الداهم الذي يتهددهم، وتقديم نصائحه وخبراته بكل اخلاص لهم.. وهي توجيهات على جانب من الاهمية، خاصة ما يتعلق بجغرافية المنطقة واستراتيجيتها ومواقع الماء فيها.. وكان آخر ما توجه به زفر للتوابين بعد أن أدرك عقم محاولاته في حملهم على التراجع : «اني للقوم (أي الامويين) عدو، وأحب أن يجعل الله عليهم الدائرة، وأنا لكم وادّ أحب أن يحوطكم الله بالعافية».
ان القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم الى عين الوردة(١) فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه. فاطووا المنازل فوالله ما رأيت جماعة قط أكرم منكم، فأني أرجو أن تسبقوهم، وان قاتلتموهم فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنوهم فانهم أكثر منكم ولا آمن أن يحيطوا بكم فلا تقفوا اليهم فيصرعوكم ولا تصغوا اليهم فاني لا أرى معكم رجالة ومعهم الرجالة والفرسان وبعضهم يحمي بعضاً، ولكن ألقوهم في الكتائب والمقانب ثم بثوها فيما بين ميمنتهم وميسرتهم واجعلوا مع كل كتيبة أخرى الى جانبها، فان حُمل على احدى الكتيبتين رحلت الاخرى فنفست عنها. ومتى شاءت كتيبة ارتفعت ومتى شاءت كتيبة انحطت، ولو كنتم صفاً واحداً فزحفت اليكم الرجالة فدفعتم عن الصف انتفض وكانت الهزيمة»(٢) .
_____________________
(١) رأس عين تنبع على بضعة أميال الى الشمال من قرقيسيا على نهر الفرات، ابن الاثير : ٤/٧٦، جون جلوب : امبراطورية العرب ١٣٤.
(٢) الطبري ٧/٧٣ - ٧٤، ابن الاثير : ٤/٧٦.
معركة عين الوردة
تقدم سليمان مع رفاقه في عمق الجزيرة، ونصائح الامير الكلابي لازالت تتردد في أسماعه. فهذا الرجل (زفر) خبر المنطقة جيداً وأكسبته الحرب مهارة عسكرية وتجربة واسعة، فضلاً عما أظهره من تودد ظاهر وتعاطف ملموس ازاء التوابين وقضيتهم. لقد كان لكلماته وقعها المؤثر في نفوس هؤلاء الذين استجابوا لنصيحته وساروا في اتجاه عين الوردة حسب الخطة التي رسمها لهم، حتى اذا وصلوها واستراحوا قليلاً(١) من مشاق الطريق أخذ سليمان في تنظيم المقاتلين ووضع خطط الاشتباك مع الجيش الاموي الذي أخذ يقترب من المعسكر. وكانت أهم معالم التكتيك الذي اتبعته القيادة، تقسيم المقاتلين الى مجموعات صغيرة(٢) مهمتها القيام بهجمات صاعقة على طلائع وأطراف الجيش الاموي، للتأثير على العناصر المقاتلة فيه.
_____________________
(١) ابن الاثير الخ : ٨/٢٥٣.
(٢) الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
وبعد أن استكمل سليمان هذه الترتيبات العامة. وقف بين رفاقه خطيباً، ليضعهم نفسياً في أجواء المعركة التي دنت ساعتها. وكانت بمثابة تحليل لفكرة الخروج والغاية الاساسية التي انطلقوا في سبيلها وهي التوبة والغفران(١) ، وتوضيح لمفهوم الحرب مستقي من تشريع علي، الامام ورأس الحزب الشيعي، الذي وضع مفاهيمه المثالية الاولى. كما أشار فيها الى موضوع القيادة وانتقالها - اذا أصيب - الى نائبه المسيّب ومنه الى عبد الله بن سعد فعبد الله بن وال حتى آخر الخمسة القياديين، رفاعة بن شداد(٢) . وأخيراً فان هذه الخطبة كانت انعكاساً صادقاً لاخلاقية القيادة التوابية، المترفعة والمتمسكة بالمثل العليا حتى في ساحات القتال : «... فقد أتاكم الله بعدوكم الذي دأبتم في المسير اليه آناء الليل والنهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح ولقاء الله معذرين. فقد جاءوكم بل جئتموهم انتم في دارهم وحيزهم. فاذا ألقيتموهم فاصدقوهم واصبروا ان الله مع الصابرين... لا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتكم الا ان يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة اخواننا بالطّف(٣) رحمة الله
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٤.
(٢) الطبري : ٧/٧٤.
(٣) المكان الذي استشهد فيه الحسين ورفاقه في كربلاء.
عليهم، فان هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في أهل الدعوة...»(١) .
وفي هذا الوقت كانت طلائع الجيش الضخم الذي أعده مروان بن الحكم تشق طريقها نحو قرقيسيا بقيادة عبيد الله بن زياد. وكانت مهمة هذا الجيش تصفية جيوب المعارضة في العراق والمشرق ضد النظام الاموي الذي انتقلت فيه السيادة الى المروانيين، وانتقل معها ولاء ابن زياد الذي ظل خادماً أميناً ومخلصاً لهذا النظام، مستعداً لتنفيذ أصعب المهمات في سبيله، بمقدار حرصه على استمرارية مصالحه الخاصة. وقد ساعدت خبرة هذا القائد الطويلة في شؤون العراق، على أن يكون الرجل الاكثر جدارة للقيام بهذه المهمة التي كان سائراً الى تنفيذها بملء الثقة. ولكنها ثقة كانت في غير محلها هذه المرة، فالتغييرات السياسية والعسكرية التي شهدتها الارض العراقية حينئذ فاقت تصوراته، وفاته أن هذه المهمة كانت آخر مهامه في خدمة النظام الاموي، بسقوطه صريعاً على نفس الارض التي كانت لفترة مسرح عملياته الدموية الرهيبة.
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٤، ابن الاثير : ٤/٧٦.
وفي الطريق الى العراق تسربت معلومات الى الجيش الاموي عن تحركات التوابين باتجاه (عين الوردة) فحوّل ابن زياد خط سيره نحو تجمعاتهم ليكونوا أول فريسة له. ولكن تطورات جديدة حدثت في دمشق حينذاك، كان يمكن ان تؤدي الى ارتباك في هذا الجيش، حين تناقلت الاخبار موت الخليفة مروان وتعيين ابنه عبد الملك(١) ، الا ان ذلك لم يترك أي انعكاس في صفوف الجند، أو يحدث أي تعديل في خطط الحملة، ذلك أن الخليفة الجديد سارع الى تأكيد أوامر الخلافة باستئناف المهمة التي أوكلت الى هذه الحملة واقرار قائدها في منصبه. وبدوره كان ابن زياد اكثر تجاوباً مع سيده فأرسل اليه بيعته بالخلافة ومعه جميع عناصر الجند في الحملة.
لم يكن سوى أيام لحسم الموقف الذي أخذ في التأزم، كلما اقترب الجيش الاموي من معسكر التوابين في (عين الوردة)، حيث كان ترقب مثير من جانب هؤلاء الذين وجدوا في اعدائهم تفوقاً عددياً ظاهراً وامكانيات عسكرية مذهلة، بالمقارنة مع جنودهم القلائل وامكانياتهم المحدودة. والواقع ان الصورة كما بدت عشية الالتحام في
_____________________
(١) ٣ رمضان سنة ٦٥ هجري. تاريخ خليفة ١/٣٣١.
المعركة الفاصلة، غير واضحة تماماً. فهناك قوى غير متكافئة ستخوض حرباً هي بالنتيجة غير متكافئة. فالتوابون كما أشرنا قبلاً، لم يطرأ على وضعهم العسكري أي تحسن، وانما افتقدوا بعض العناصر القتالية، فانخفض عددهم الى ما يزيد على الثلاثة آلاف مقاتل بقليل. وعلى العكس من ذلك كان جيش الامويين متفوقاً بصورة ملحوظة، حيث تشير بعض التقديرات الى انه جاوز العشرين الفاً(١) . وهناك تقديرات أخرى لا شك انها احتوت على كثير من المبالغة أشارت الى انه بلغ الستين ألفاً(٢) . ولابد ان الرقم الاول هو الاقرب الى الحقيقة، وكانت عناصره موزعة، وفقاً للنظام الحربي التقليدي، الى خمسة ألوية : مقدمة ومؤخرة وقلب وجناحين. وكان على كل لواء قائد من القواد الخمسة الذين مر ذكرهم. وعقدت القيادة العامة طبعاً لامير الحملة عبيد الله بن زياد. اما التوابون فقد شكلوا خطاً واحداً للتصدي بقيادة سليمان، يعاونه عبد الله بن سعد بن نفيل على الميمنة والمسيب بن نجبه على الميسرة(٣) .
_____________________
(١) الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
(٢) تاريخ خليفة ١/٣٣١.
(٣) الطبري : ٧/٧٥.
ووصل الجيش الاموي أخيراً، وما لبث أن أخذ مواقعه في مواجهة معسكر التوابين في (عين الوردة) وبدأت استعداداته تتم في اطار من السرعة المتناهية لبدء عملية الالتحام فوراً، والتخلص من هؤلاء الذين عرقلوا مسيرة الجيش وأعاقوا مهمته بعض الوقت. ولكن اللقاء بين المتحاربين في (عين الوردة) تأخر قليلاً، ولعل ذلك يعود الى ان الجنود الامويين لم يكونوا قد استكملوا ترتيباتهم العسكرية بشكل نهائي، كما يعود الى محاولات القائد الاموي مفاوضة زعيم التوابين لحمله على الاستسلام والاعتراف بخلافة عبد الملك. وقد قبل سليمان بالمحاورة مع أعدائه وقدم اليهم شروطه للقبول بعدم القتال(١) ، لكنها كانت شروط تعجيزية وغير مقبولة أصلاً لدى الامويين فقط طلب اليهم تسليمه عبيد الله بن زياد (ابن مرجانة حسب تعبيره) وقتله الحسين، والانضمام الى صفوف شيعة آل البيت(٢) .
وكان من البديهي أن يرفض القائد الاموي شروط
_____________________
(١) ثابت الراوي : العراق في العصر الاموي ١٧٠.
(٢) البلاذري : انساب الاشراف ٥/٢١٧. الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
زعيم التوابين المستحيلة، وكان معنى ذلك ان الحرب أصبحت وشيكة الوقوع. وكانت قد وقعت فعلاً واتخذت شكل مناوشات، حقق خلالها التوابون نجاحات أولية على جانب كبير من الاهمية. فقد أرسل سليمان نائبه المسيّب بن نجبه على رأس اربعمائة فارس(١) نحو معسكر الامويين حين علم بتحرك جيش اموي نحو (عين الوردة) بقيادة شرحبيل بن ذي الكلاع والحصين بن نمير السكوني(٢) فأوقع المسيب هزيمة قاسية بالجيش الاموي، افقدته الكثير من القتلى(٣) على الرغم من التفاوت العددي الكبير بين كل من القوتين. وهذا عائد بدون ريب من ناحية الى نجاح مخطط التوابين في الحرب الصاعقة، ومستوى الحماس الملتهب الذي بلغ حداً كبيراً. ومن ناحية أخرى الى تفكك الجبهة الاموية واختلاف شرحبيل والحصين على القيادة العليا(٤) .
وكانت هذه الهزيمة بمثابة تصعيد عنيف للموقف من
_____________________
(١) جاء في البداية والنهاية : خمسمائة فارس، ابن كثير : ٨/٢٥٣.
(٢) الطبري : ٧/٧٥، ابن الاثير ٤/٧٦.
(٣) الطبري : ٧/٧٥، ابن الاثير : ٤/٧٦.
(٤) الطبري : ٧/٧٥، ابن الاثير : ٤/٧٦.
جانب الامويين الذين بادروا بارسال أحد القائدين المهزومين (الحصين بن نمير) الى (عين الوردة) ومعه اثني عشر الفاً من الجنود حيث أصبح وجهاً لوجه مع التوابين.. وكان ذلك ايذاناً بوقوع الحرب فعلياً(١) حين اندفع التوابون من مواقعهم بقيادة سليمان بن صُرد التحموا مع قوات الحصين الاموية التي تفوقهم كثيراً في العدد، وذلك في يوم الاربعاء في الثاني والعشرين من جمادي الاولى سنة ٦٥ هجري /٤ كانون الثاني ٦٨٥ م بعد خمسة أيام من نزولهم في (عين الوردة)(٢) .
ويظهر من سير الاشتباكات الاولية أن وضع التوابين - برغم قلتهم العددية - كان معززاً، ومعنوياتهم في ارتفاع دائم، أما الحماس فقد بلغ حداً لا يوصف، وكانت تستثيره نداءات سليمان في صخب المعركة فتزيده التهاباً وتأججاً : «يا شيعة آل محمد، يا من يطلبوا بدم الشهيد ابن فاطمة، ابشروا بكرامة الله عز وجل، فوالله ما بينكم ودخول الجنة والراحة من هذه الدنيا الا فراق الانفس والتوبة والوفاء بالعهد»(٣) .
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٥٤.
(٢) فلهوزن : الخوارج والشيعة ١٩٥.
(٣) الفتوح لابن الاعتم الكوفي. نسخة اسطنبول. (مخطوطة).
«التوبة والوفاء بالعهد» تلك الصرخة التي أطلقها سليمان في المعركة والشعار الذي طرحه التوابون منذ سنوات طويلة وقاسية، اقترن الآن بالفعل وحانت ساعة تنفيذه. لقد دخلوا حرب التكفير عن الذنب بأهداف مثالية وقلوب تطفح بالايمان، عبّروا عنها ابان المعركة بتكسير أغمدة السيوف(١) والتقدم الى القتال بشجاعة خارقة وحماس منقطع النظير.
دارت المعارك رهيبة، وبلغت في أيامها الثلاثة التالية (وهو الوقت الذي استغرقته الحرب) مرحلة من التصعيد غير متوقعة. فعلى جبهة التوابين الدافقة بالحيوية والنشاط، كانت تحركات المقاتلين تتم في سرعة عجيبة، والوحدات الانتحارية الصاعقة كانت تحقق نجاحات مذهلة على أطراف ومقدمات الجيش الاموي، الامر الذي أحدث ارتباكات في صفوفه وأفقده كثيراً من عناصره المقاتلة. ففي اليوم الاولللمعارك الجدية دار قتال ضاري بين الطرفين حسمه التوابون بهجوم عنيف على طرفي الجيش الاموي فتراجع مهزوماً، تاركاً وراءه الكثير من القتلى والجرحى(٢) . وقد تركت هذه الهزيمة صدى استياء
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٦.
(٢) قدر عدد الجيش الاموي الذي اشترك باثني عشر الفاً، كان على رأسه الحصين بن نمير السكوني. ابن الاثير : ٨/٢٥٤.
عميق عند القائد العام عبيد الله بن زياد وأفقدته السيطرة على أعصابه، حين صب جام غضبه وقذف بشتائمه أحد قواده (شرحبيل بن ذي الكلاع) متهماً اياه بالتخاذل والتقصير(١) .
واستؤنف القتال الضاري في اليوم الثاني. وكان وضع الجيش الاموي قد أصبح أكثر تعزيزاً، بحيث ان التوازن العسكري اختل الى حد كبير وانعدم التكافؤ بين القوتين المتحاربتين بشكل ظاهر. غير ان الروح النضالية المغامرة التي تميزت بها أعمال التوابين، وذلك التسابق الجموح نحو الاستشهاد، نسف كل قواعد التوازن. فقد كان صمودهم بطولياً ورائعاً طوال يوم مثير، أثخن فيه الفريقان قتلاً وجراحاً(٢) ، ولم تكن نتيجته على ما يبدو حاسمة لاي منهما، حتى كان اليوم الثالث(٣) وهو الاكثر اثارة في معارك (عين الوردة) حين أطبق الجيش الاموي بكل امكانياته على التوابين الذين اصبحوا في قلة قليلة بعد أن أفقدتهم اشتباكات اليوم السابق جزءاً كبيراً من مقاتليهم. وقد وجدوا أنفسهم في هذا اليوم محاطين من كل جانب بقوات مكثفة من أعدائهم، انقضّت عليهم
_____________________
(١) الطبري : ٧/٧٦.
(٢) الطبري : ٧/٧٦.
(٣) المسعودي : مروج الذهب ٣/٩٤.
بمنتهى العنف والشراسة. ولكن التوابين، للحقيقة، لم يتخاذلوا ولم يتخلوا مطلقاً عن ايمانهم بالقضية التي يناضلون في سبيلها، وانما ظلوا متماسكين في جبهة واحدة متراصة ويقاتلون قتالاً بطولياً مستميتاً(١) ، حتى أن هجماتهم الانتحارية أوقفت بعض الوقت الجنود الامويين عن التقدم، وجعلتهم يتحاشون الالتحام المباشر معهم، فاعتمدوا النبال كسلاح رئيسي(٢) وتمكنوا بذلك من انزال خسائر جسيمة في صفوف التوابين، مما أدى الى سيطرتهم أخيراً على زمام الموقف.
وكان سليمان ذلك الرجل الاسطوري، يتقدم رفاقه المناضلين، بخطى ثابتة نحو قدره الذي اختاره عن قناعة وايمان. وفي وسط المعمعة كان صوته يخترق الآذان مردداً : «عباد الله من أراد البكور الى ربه والتوبة من ذنبه والوفاء بعهده فاليّ»(٣) . وكانت هذه الكلمات آخر ما وردده القائد التوابي وهو يشق بسيفه صفوف الامويين بكل جرأة ورباطة جأش. ولعله عاش في تلك اللحظات لذة الانتقام وحلم الشهادة الذي أوشك أن
_____________________
(١) الجمعة في ٢٤ جمادي الاول ٦٥ هجري / ٦ كانون الثاني ٦٨٥ م. المسعودي : مروج الذهب : ٣/٩٤.
(٢) جون جلوب : امبراطورية العرب ١٣٥.
(٣) الطبري : ٧/٧٦.
يتحقق. وحدث ذلك فعلاً عندما أدركه سهم ألقى به يزيد بن الحصين، فأوقعه قتيلاً وكان له من العمر ثلاثاً وتسعين سنة(١) . ومن غرائب المصادفات ان تكون نهاية زعيم التوابين - الذي قام بثورته للانتقام من النظام الاموي عبر ممثله والمسؤول الاول عن مقتل الحسين، يزيد بن معاوية - على يد يزيد آخر هو ابن الحصين بن نمير السكوني أحد أركان هذا النظام البارزين، وكأن ذلك جاء ليوحي بأن معركة الانتقام التي يخوضها الحزب الشيعي لم تنته بعد، وستبعث من جديد، ولكن مع وجوه أخرى وبأبعاد مختلفة.
بعد مقتل سليمان، تسلم راية القيادة نائبه المسيّب بن نجبه الذي أثبت انه لا يختلف عن مستوى سليمان في جرأته المتطرفة وفي ايمانه العظيم، وقد وصفه أحد الذين شاركوا في (عين الوردة) بقوله : «ما رأيت أشجع منه انساناً قط، ولا من العصابة التي كان فيهم، ولقد رأيته يقاتل قتالاً شديداً ما ظننت ان رجلاً واحداً يقدر أن يبلى مثل ما أبلى، ولا ينكأ في عدوه مثل ما نكأ»(٢) . وقد سقط المسيّب بدوره صريعاً في المعركة(٣) بعد جهود
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٥٥.
(٢) الطبري : ٧/٧٦ - ٧٧.
(٣) ابن كثير : ٨/٢٥٤.
مستميتة، وتبعه بقية القواد وعدد كبير من المقاتلين، باستثناء رفاعة بن شداد الذي اعترف بالهزيمة وأدرك عدم جدوى القتال، وكانت القيادة قد انتقلت اليه فأصدر أوامره سراً الى البقية الباقية من التوابين بالانسحاب والتراجع. غير أن الاستجابة لم تكن جماعية، لان فئة، قدّر عددها نحو مائة وثلاثين مقاتلاً، رفضت فكرة الانسحاب، وأصرت على الاستشهاد، فظلت تقاتل حتى أبيدت بكاملها(١) . اما الباقون فقد انسحبوا تحت جنح الظلام ممتثلين لاوامر القائد العام. وكانت عملية الانسحاب مدروسة ومنظمة الى حد كبير، ذلك ان رفاعة كان قد أمر بتشكيل فرقة من سبعين فارس، مهمتهاً تغطية الانسحاب واشغال العدو، كما أمر بتهديم الجسور والقناطر وراء المقاتلين لاعاقة أي ملاحقة قد يقوم بها الامويون.
تمت عملية التراجع بنجاح تام، وابتعد التوابون المنسحبون عن ميدان المعركة، واصبحوا في منأى عن مطاردة الجيش الاموي المنتصر الذي استنكف عن محاولة اللحاق بهم(٢) . وفي طريق العودة الى الكوفة عاودتهم ذكريات القتال في (عين الوردة) ورجعت اليهم من جديد عقدة الشعور بالذنب، ففكروا بالرجوع والسير على خطى
_____________________
(١) جون جلوب : امبراطورية العرب ١٣٦.
(٢) ابن كثير : ٨/٢٥٤.
رفاقهم الذين وهبهم الله نعمة الشهادة. ولكن رفاعة تمكن بعد صعوبة من اقناعهم بالتخلي عن هذه الفكرة ومتابعة الانسحاب الى الكوفة(١) .
ولم تقتصر متاعب الانسحاب على التمرد والاصرار على الرجوع الى ساحة القتال، وانما كانت مشاق الرحلة تفوق حدود الاحتمال، وتضفي عليها مسألة الجرحى(٢) وفقدان بعضهم في الطريق، ظلالاً مأساوية قاتمة. وقد حاول زفر بن الحارث الكلابي مواساتهم والتخفيف عنهم عند وصولهم الى (قرقيسيا)، فأرسل اليهم المواد الغذائية، والاطباء لمداواة الجرحى، عارضاً عليهم الاقامة ما شاءوا في مدينته. فأقاموا فيها ثلاثة أيام(٣) انصرفوا بعدها متبعين نفس الطريق الذي حملهم الى (عين الوردة) حتى اذا بلغوا (هيت) تفجرت أحزانهم من جديد بلقاء اخوانهم من جماعة المدائن بقيادة سعد بن حذيفة بن اليمان، وهم في طريقهم الى ساحة القتال(٤) ، فكان مجيئهم متأخراً وفي غير محله. ولكنهم سجلوا على أية حال موقف التضامن
_____________________
(١) جون جلوب : امبراطورية العرب ١٣٦.
(٢) الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
(٢) الطبري : ٧/٨٠.
(٤) ابن الاثير : ٤/٧٨.
السياسي والعقائدي مع رفاقهم التوابين من أجل الغفران والتكفير عن الذنب. كان اللقاء حزيناً بكل ما تعنيه هذه الكلمة، لم يخفف بعض حدته الا افتراقهم، عائدين كل الى مدينته، وقد غمره أسى عميق وحمل في قلبه صورة لن تنسى من الفجيعة.
تابعت فلول التوابين بعد ذلك رحلة العودة الى الكوفة، وكانت أخبار المعارك الانتحارية والبطولات الخارقة التي شهدتها (عين الوردة)، قد بلغت أسماع الكوفيين فهزتهم اعجاباً، كما أن بعضهم آلمه أن تتهاوى تلك النخبة من الحزب الشيعي وتضيع جهودها هباء في غمار حرب غير متكافئة. فلما بلغوا مشارف المدينة، هرع لمواساتهم جمهور من الكوفيين، كان بينهم الامير الزبيري عبد الله بن يزيد الانصاري الذي استقبل قائدهم رفاعة معزياً ومشجعاً، ومشيداً كذلك بالدور البطولي الذي قام به التوابون في مسيرتهم النضالية الرائعة ضد (قوى الطغيان) و(زمرة الجوار)(١) .
وفي الكوفة، اتصل بهم المختار من السجن معزياً : «ابشروا فقد قضيتم ما عليكم وبقي ما علينا، ولن يفوتنا منهم من بقي ان شاء الله»(٢) . وكتب الى زعيمهم رفاعة
_____________________
(١) الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
(٢) الفتوح لابن الاعثم الكوفي. نسخة اسطنبول (مخطوطة).
مبشراً بالنصر القريب، ومعاهداً على اكمال المسيرة التي بدأها سليمان ورفاقه وان كان لا يفوته ان يغمز من قناة هذا الاخير بوصفه انه ليس بالرجل الذي يمكن ان يتحقق على يديه النصر وانما هو - أي المختار - القادر على حمل راية الحزب الشيعي وتنفيذ مخططاته الثأرية وتصفية كل من شارك في مأساة كربلاء، نظاماً كان أم اشخاصاً : «أما بعد فمرحباً بالعصبة الذين عظم الله لهم الاجر ورضي فعلهم حين قتلوا، اما ورب البيت ما خطا خاط منكم خطوة ولا ربا ربوة الا كان ثواب الله أعظم من الدنيا، ان سليمان قضى ما عليه وتوفاه الله وجعل روحه مع أرواح النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولم يكن بصاحبكم الذي به تنصرون، اني أنا الامير المأمور والامين المأمون وقاتل الجبارين والمنتقم من أعداء الدين المقيد من الاوتار، فأعدوا واستعدوا وابشروا. أدعوكم الى كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدم أهل البيت والدفع عن الضعفاء وجهاد المحلين»(١) .
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٧٨.
النتائج
ان ثورة التوابين - كما رأينا - أخفقت عسكرياً، وتحطمت قوتها الاساسية في (عين الوردة). وسبب هذا الاخفاق يعود بدون شك الى عامل رئيسي، هو الاختلال الظاهر في توازن القوى بين الجيشين الاموي والتوابي. فبينما كان الاول، قوياً، انضباطياً ومتفوقاً بشكل بارز في امكانياته البشرية والمادية، كان الآخر ضعيفاً، اقتصر على عدد محدود من المتطوعين، الذين توفر لهم من الحماسة والفروسية والايمان، أكثر مما توفر من التنظيم والعدد والعتاد. وهذا الواقع اعترف به سليمان قبيل المعركة عندما لاحظ هزالة جيشه وقلة امكانياته بالمقارنة مع أعدائه الامويين(١) . وقد أدى هذا الوضع المتباين لدى كل من الفريقين، الى حسم الموقف بسرعة وانهاء المعركة خلال أيام ثلاثة رغم الجهود البطولية التي بذلها التوابون في ساحة القتال(٢) .
_____________________
(١) الطبري : ٧/٦٦.
(٢) المسعودي : مروج الذهب ٣/٩٤.
وعلى الرغم من أن المنطلقات الاولى للحركة التوابية جاءت منسجمة مع ما آلت اليه من نتائج فان التقويم الموضوعي لها هو أبعد من حدود الارتجال والتهور، كما في أذهان بعض المؤرخين. فقد ولدت حركة التوابين في الظلام تحت واقع التكفير عن الذنب الذي أوجده مصرع الحسين في كربلاء، وعاشت كمنظمة سرية تعمل في الخفاء - طوال خلافة يزيد بن معاوية - لتكوين قاعدتها الشعبية في الكوفة، وتحاول ان تستفيد من الظروف التي تمخضت عن وفاة هذا الاخير بخروجها من الاطار السري واعلانها الثورة على النظام الاموي المسؤول المباشر عن مقتل الحسين.
ومع اعترافنا بأن حركة التوابين كانت مجرد حركة تكفيرية التزمت بهدف أساسي هو التوبة، وبأنها كحركة سياسية لم تتضمن أي برنامج اصلاحي سياسياً كان أم اجتماعياً، فلابد لنا أن نعترف ايضاً بأنها كانت حركة منظمة ومدروسة، دأبت بصورة جدية على استقطاب الحزب الشيعي بكل فصائله وتعبئته لخوض معركة الانتقام للحسين. ولكن التمزق الذي أصاب هذا الحزب، بسبب تردد بعض عناصره، واستنكاف البعض الآخر عن المشاركة وانتقاده زعامة الحركة التي لم تضع امامها مخطط الاستيلاء
على السلطة، فضلاً عن ظهور المختار في الكوفة في وقت شارفت فيه هذه الحركة على النضج، فكان لظهوره الاثر الكبير في ارتداد الكثيرين عنها واستمالتهم الى دعوته الاكثر واقعية بمضمونها السياسي والاجتماعي.
ان كل هذه الامور أدت في النهاية الى نتيجة حتمية وهي الاخفاق العسكري المدمر للحركة التوابية، وان كان ينبغي أن نكون حذرين عند استعمالنا صيغة الاخفاق أو الفشل، لان الهزيمة العسكرية لم تكن مفاجئة او غير متوقعة بالنسبة للتوابين، وانما كان هؤلاء يعرفون سلفاً النتائج المترتبة على تحركهم والتي حذرهم منها أكثر من محذر. لذلك توجهوا الى المعركة وهم يشعرون في قرارة أنفسهم انهم متجهين الى نهايتهم المحتومة بكل قناعة وبكل ادراك واقعي للظروف، فحققوا بذلك أهدافهم المرسومة، وكان لهم من النتائج ما أرادوا.
والحقيقة ان أي تقويم موضوعي لحركة التوابين، ينبغي ان لا يبتعد عن المفهوم العام الذي انطلقت منه، وهو الشعور بالذنب ومحاولة التكفير عنه، ذلك الشعور الذي جمع عناصرها القيادية والمتطوعة في تنظيم سري، تحول بعد فترة الى حركة انتحارية، هدفها الاول الانتقام
للحسين او الموت في سبيله(١) . ومن خلال هذا المفهوم نستطيع القول أن فشل الحركة العسكري لا يعني بالضرورة انها فشلت على الصعيد السياسي، ولا يعتبر مبالغة بأية حال اذا اعتبرناها حركة سياسية ناجحة، نفذت خطة موضوعة سلفاً، وقامت بتأدية مهمتها الانتقامية على أكمل وجه. وأخيراً فان أبرز ما حققته الحركة التوابية من نتائج، انها سجلت بعض الايجابيات على صعيد حركة النضال الشيعي، وانعكست تأثيراتها بصورة خاصة على المجتمع الكوفي، فعبأت جماهيره بالثورة، وعمقت في نفوسهم الكراهية والحقد ضد النظام الاموي، الامر الذي جعل من الكوفة فيما بعد مسرح التحرك الدائم للحزب الشيعي وثوراته المتلاحقة، المناهضة للنظام.
والواقع ان الشيعة في الكوفة ظلوا يمارسون النقد الذاتي ازاء موقفهم من الحسين بعد عودة بقايا التوابين من (عين الوردة)، واستمر التعبير عن الندامة والشعور بالاثم يمارس عبر نشاطات وتحركات مختلفة.
ولكن غياب عدد من الشخصيات القيادية في الحزب الشيعي أدى الى فراغ في الزعامة القادرة على تسجيل مواقف سياسية ذات أهمية. حتى رفاعة بن شداد القائد
_____________________
(١) «رأوا انهم لا يغسل عنهم ذلك الجرم، الا قتل من قتله او القتل فيه» مروج الذهب ٣/٩٣.
التوابي المنسحب، لم يكن بمقدوره، وهو المتقدم في السن والمهزوم عسكرياً، أن يتزعم الحزب الشيعي المفكك حينئذ. فهناك فراغ في الزعامة، واختلاف في آراء القادة حول موقف الحزب من التطورات السياسية الجديدة، وهناك تململ في أوساط القاعدة الجماهيرية التي لا تزال تتفجر بالنقمة وتقوم بضغوط على القيادة من اجل استئناف التحرك واتخاذ قرارات أكثر جدية.
وكانت هذه الظروف فرصة نادرة امام الزعيم الشيعي المعتقل آنذاك في سجن الكوفة، المختار الثقفي. فراقبها باهتمام كبير، وكتب الى صهره عبد الله بن عمر موسطاً اياه من جديد لدى عبد الله بن يزيد أمير الكوفة(١) من أجل الافراج عنه. وقد تم له ذلك لقاء عهود قطعها لهذا الاخير(٢) بعدم اثارة المتاعب وتجميد نشاطاته السياسية. ولكن المختار لم يكن بأية حال ذلك الرجل الذي يلتزم بعهود من هذا النوع وهو المحنك والسياسي الطموح، وانما سخر منها، وعجب لسذاجة الذين اعتقدوا انه سيحافظ عليها حيث قال : «ما أحمقهم حين يرون اني أفي لهم بايمانهم هذه، أما حلفي لهم بالله فانه ينبغي لي
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٨٩.
(٢) الطبري : ٧/٩٤.
اذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير وأكفّر يميني، وخروجي عليهم خير من كفي عنهم»(١) .
وتشاء الصدف أن يتحلل المختار تلقائياً من عهوده مع عبد الله بن يزيد، حين غادر هذا الاخير قصر الامارة معزولاً بقرار من سيده ابن الزبير اذ وجد فيه ضعفاً لا يتناسب مع خطورة المرحلة وعيّن مكانه أحد أشد مؤيديه حماسة هو عبد الله بن مطيع القرشي(٢) الذي لم يكن بينه وبين المختار شيئاً من المواثيق.
وهكذا خرج المختار من سجنه، ليجد نفسه في مواجهة أحداث مصيرية وخطيرة، فكان عليه أن يتحرك فوراً وأن لا يتردد في اتخاذ الموقف المناسب بكل جرأة، قبل أن تقوم شرطة الوالي الجديد برصد نشاطاته واعادته من جديد الى السجن(٢) . وبسرعة أعلن برنامجه السياسي باسم محمد بن الحنفية أحد أبناء علي من غير فاطمة، الذي كان يعيش في المدينة، حيث زعم انه اتفق سراً مع هذا الاخير على الدعوة له في الكوفة. وكان على
_____________________
(١) الطبري : ٧/٩٤.
(٢) الطبري : ٧/٩٠ - ٩١.
(٣) فلهوزن : الخوارج والشيعة ٢٠٣ - ٢٠٤.
المختار أن يقنع الكوفيين بصحة زعمه، لان فريقاً كبيراً منهم شكك في هذا الامر، وانتدب وفداً ذهب لمقابلة الزعيم العلوي من أجل الوقوف على حقيقة ما يزعمه المختار. ورغم ان ابن الحنفية لم يعط جواباً حاسماً، وذلك لاعتبارات متعددة أهمها، موقعه في الدعوة العلوية ثم تخوفه من ابن الزبير، سيد الحجاز، الذي وضع ابن الحنفية تحت مراقبة أجهزته المشددة.
ولكن الزعيم العلوي على ما يبدو لم يمانع في مباركة ما يقوم به المختار واستناده في دعوته على العلويين اذ قال للوفد الكوفي : «انا لا نكره أن ينصرنا الله بمن شاء من خلقه»(١) .
ومن المرجح أن المختار، قبل خروجه من الحجاز او بعده، كان قد اتصل بعلي بن الحسين وباحثه بأمر الدعوة له في العراق ولكنه لم يلق استجابة، فانصرف عنه الى محمد بن الحنفية(٢) . وسواء قابل المختار الزعيمين العلويين، أم أنه زعم ذلك ليعطي تسويغاً أقوى لدعوته وبعداً أكثر من مجرد الثأر للحسين والتكفير عن الذنب،
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٦٥.
(٢) المسعودي : مروج الذهب ٣/٧٤.
فان موقف ابن الحنفية من المختار - رغم عدم وضوحه - انعكس على الوضع العام في الكوفة حيث شهد الحزب الشيعي تحولاً نحو ابن الحنفية الذي لم يكن مطروحاً حتى ذلك الحين كامام للدعوة العلوية، وأدى الى نجاح المختار في فرض نفسه على الحزب وتسلم زعامته.
ولقد التف حول المختار بعد خروجه من السجن، نفر من الزعماء الشيعيين الذين وجدوا فيه الشخصية القيادية الصالحة لمتابعة التحرك. وكان من أبرز هؤلاء : رفاعة بن شداد، ويزيد بن انس، وأحمد بن شميط، وعبد الله بن شداد الجشمي، والسائب بن مالك الاشعري. وقد نشط هؤلاء وقاموا بحملات دعائية في أسواق الكوفة وأحيائها لحمل الناس على تأييد المختار والبيعة له(١) . ولكن عقبات عدة جابهت المختار، وأخرت قليلاً سيطرته على الوضع في الكوفة فكان لا بد له من معالجتها بالسرعة الممكنة. ومن هذه العقبات مثلاً، موقف حزب الاشراف منه الذي لم يقل عدائية عن موقفه السابق من التوابين(٢) ، ومنها ايضاً تردد ابراهيم بن الاشتر النخعي أحد كبار الشيعة في الكوفة، في الانضمام الى جانب
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٦٤.
(٢) ابن الاثير : ٤/٨٩.
المختار. وكان ابراهيم - كأبيه الاشتر - شديد الاخلاص في ولائه لعلي وأبنائه، ومتطرفاً الى أبعد حدود التطرف في عدائه للامويين، ولكن مع نظرة خاصة للامور ورؤية مختلفة تماماً عن غيره من زعماء الحزب الشيعي، فهو لم يشترك مثلاً في ثورة التوابين، ووقف موقف الحذر من المختار، لان التحرك الشيعي كان برأيه حينئذ، تحركاً انفعالياً يفتقر الى خطط منظمة واستعدادات طويلة وأهداف واضحة.
ولعل ابراهيم كان يطمح الى أن يقود بنفسه الحزب الشيعي في العراق، خاصة وانه كان على اتصال دائم مع زعماء البيت العلوي ومنهم محمد بن الحنفية نفسه(١) ، وهذا ما دعاه الى التشكيك بمزاعم المختار. غير أن هذا الاخير تمكن بعد الحاح من اقناع ابراهيم بالاعتراف بدعوته والبيعة له. ويبدو ان الموافقة على ذلك كانت بايحاء من زعيم الدعوة محمد بن الحنفية الذي كتب الى ابراهيم بهذا الشأن(٢) .
والواقع ان المختار كسب حليفاً قوياً بانضمام ابن الاشتر اليه، الذي ما لبث ان صار من ألمع رجالات الثورة
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٦٨.
(٢) الطبري : ٧/٩٨ - ٩٩.
وقائدها العسكري الاول، وأصبح يحضر بانتظام الاجتماعات السرية في بيت المختار لتحضير الانقلاب ضد الحكم الزبيري في الكوفة(١) ، واتخاذ قرار بتحديد ساعة الخروج حيث اتفق على أن تكون ليلة الخميس في الرابع عشر من ربيع الاول سنة ست وستين هجري(٢) .
وفي تلك الاثناء كانت التقارير ترد على عبد الله بن مطيع - والي الكوفة - من قائد شرطته(٣) ، محذرة من انقلاب قريب يعده المختار(٤) . فبعث حينذاك ابن مطيع رجاله في أحياء مختلفة من الكوفة في محاولة لافشال خطط المختار، ولكن ذلك لم يؤد الى أي نتيجة سوى المساهمة بتعجيل انفجار الثورة وتقديم موعدها يومين (الثلاثاء ١٢ ربيع الاول ٦٦ هجري). فقد حدث ان كان ابن الاشتر - ومعه مائة من المسلحين - في طريقه ذلك اليوم الى منزل المختار أن اصطدم بصاحب الشرطة اياس بن مضارب الذي اعترض طريقه، فطعنه ابراهيم برمحه طعنة
_____________________
(١) ابن كثير : ٨/٢٦٦.
(٢) ابن كثير ٤/٩١.
(٣) «اياس بن مضارب»، ابن الاثير ٤/٨٩.
(٣) الطبري : ٧/١٠٠.
أودت بحياته(١) . وكانت هذه الحادثة اشارة البدء بالتحرك. وبسرعة مذهلة تم استيلاء المختار وقائده ابن الاشتر على الموقف، وهُزم القائد(٢) الذي أعده الوالي وحزب الاشراف(٣) ، وما لبث ان هرب الوالي نفسه، وغادر قصر الامارة متخفياً ولجأ الى منزل ابي موسى الاشعري(٤) .
وهكذا نجحت ثورة المختار الثقفي، وتحققت معها تطلعات الحزب الشيعي لاستلام الحكم، لاول مرة منذ قيام الخلافة الاموية وتنازل الحسن لمعاوية. وهناك عدة عوامل أسهمت بدون ريب في انجاح هذه الثورة ومهدت لها الطريق لتصل الى السلطة دون أدنى صعوبة. ومن أبرز هذه العوامل :
١ - الاعتماد بشكل أساسي على الفئات الشعبية من العرب وغيرهم الذين ضاقوا بالاضطهاد الاموي ثم الزبيري، ووجدوا في ثورة المختار متنفساً لتحقيق مطالبهم الاصلاحية.
_____________________
(١) الطبري : ٧/١٠٠
(٢) شبث بن ربعي.
(٣) الطبري ٧/١٠٣.
(٤) ابن كثير : ٨/٢٦٧.
٢ - احتواء الحركة لقيادات الحزب الشيعي التي وجدت في المختار سياسياً بارعاً ومناضلاً شديد المراس، واقتنعت به كزعيم للحزب، مفوض من قبل أحد كبار العلويين، محمد بن الحنفية.
٣ - ان الحكم الزبيري لم يقم بأي تغيير سياسي في الكوفة ولم يكن لديه أي برنامج اصلاحي، بل كاد يكون بمناهجه استمراراً للحكم الاموي. وقد جاءت خطبة ممثله في الكوفة حول الخراج تفجر الغضب وتشعل النقمة(١) .
٤ - ان اشراك العامل الزبيري بعض قتلة الحسين في الحكم وفي حرب المختار(٢) ، ترك انطباعاً سيئاً في صفوف المقاتلين معه، وأخذت مجموعات منهم تنصرف الى معسكر المختار.
٥ - ان انضمام ابن الاشتر الى المختار، أدى الى ترجيح كفته وساعده على تحقيق النصر، ذلك ان تأثير ابن الاشتر كان نابعاً من قوته القبلية ومكانته البارزة في الحزب الشيعي، فضلاً عن امكانياته الشخصية كقائد عسكري موهوب ومغامر.
هذه أهم العوامل التي أوصلت المختار الى السلطة
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٩٤.
(٢) دائرة المعارف الاسلامية الشيعية : ٢ / ٥٩.
في الكوفة، عبر انقلاب أبرز ما فيه انه تم دونما اسراف في اراقة الدماء أو جنوح نحو العنف في ملاحقة الذين تم الانقلاب عليهم. فالاشراف طلبوا الامان، فأجيبوا اليه(١) ، والعامل الزبيري المهزوم أخرج من مخبأه، مبعداً الى البصرة ومعه مائة ألف درهم(٣) . وبذلك خضعت الكوفة بكل فئاتها - رسمياً على الاقل - للمختار الذي اعتلى المنبر في المسجد ليعلن برنامجه السياسي والاصلاحي، وكان محوره اقامة حكم علوي يشيع العدل بين الناس ويبعث الطمأنينة في النفوس ويتعايش مع مختلف الاحزاب. ومما جاء فيه : «تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلين والدفاع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلم من سالمنا والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم»(٣) .
على أن المختار اذا كان قد استولى على السلطة بمثل هذه السهولة، فان الاحتفاظ بها وسط تلك الدائرة من الصراعات الخطيرة التي اتخذت من الارض العراقية
_____________________
(١) ابن الاثير : ٤/٩٥.
(٢) ابن كثير : ٨/٢٦٨.
(٣) الطبري : ٧/١٠٨ - ١١٠
مسرحاً لها كان أمراً في منتهى الصعوبة. فهناك أخطار مباشرة تتهدد نظامه الحديث، وتستهدفه مباشرة كلما اقترب الجيش الاموي - الذي فتك بالتوابين - من الكوفة. وهناك في الطرف الآخر ابن الزبير الذي لا زال يحتفظ بسيطرته على جنوب العراق، وكان على المختار أن يتحاشى الاصطدام به، واقناعه بأن حركته ليست ضده، مع ما في هذا الاقناع من استحالة، خاصة بعد أن مُنع الوالي الزبيري الجديد من دخول المدينة(١) .
بالاضافة الى ذلك فان الجبهة الداخلية، لم تكن خالية من المتاعب. فالمختار وصل الى الحكم - كما هو معروف - بواسطة الحزب الشيعي وهو ليس كل الكوفة. فكان من الطبيعي أن يواجه معارضة قوية - لا سيما من الاشراف الذين بايعوا مكرهين - سببت له الكثير من المشاكل وكادت تطيح بسلطانه الحديث العهد.
والواقع ان الاحداث كانت تتلاحق بصورة مثيرة ولا بد من مواجهة الموقف بجرأة وحزم. وكان وصول عبيد الله بن زياد بجيشه الاموي الى الموصل(٢) من أثقل الامور على المختار الذي بدا وكأنه يسابق الزمن في
_____________________
(١) فلهوزن : الخوارج والشيعة : ٢١٥.
(٢) ابن كثير : ٨/٢٦٨.
استعداداته العسكرية لمواجهة أشد أعدائه خصومة وأكثرهم الحاحاً. ولكي يؤخر زحف هؤلاء نحو الكوفة، أرسل المختار جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة يزيد بن انس، المريض والمسن حينئذ(١) فاشتبك مع طلائع الجيش الاموي وتمكن بعد يومين من تحقيق انتصار غير متوقع. ولكن ذلك اقترن بوفاة القائد المنتصر في نفس الليلة، فكان لموته تأثيراً سيئاً على معنويات الجنود الذين تهيبوا ضخامة الجيش الاموي وأخذوا في التراجع الى الكوفة(٢) .
بلغت أخبار الانسحاب، ومعها اشاعات عن هزيمة جيش المختار(٣) . فأسقط في يده، وأمر قائده ابن الاشتر بالتوجه مع سبعة آلاف مقاتل(٤) للحؤول دون توغل ابن زياد في العراق.
غير أن خروج ابن الاشتر من الكوفة ترك مضاعفات خطيرة في المدينة وزاد الموقف حراجة، حين انتفض الاشراف - وكأنهم كانوا ينتظرون خلو الكوفة من ابن الاشتر - وقد كان الحافز وراء ذلك، تضارب مصالحهم
_____________________
(١) الطبري : ٧/١١٣ - ١١٤.
(٢) الطبري : ٧/١١٥.
(٣) فلهوزن : الخوارج والشيعة : ٢١٨.
(٤) ابن كثير : ٨/٢٦٩.
الاقتصادية والسياسية مع وجود حكومة شيعية في الكوفة برئاسة المختار، أبرز اهتماماتها معاقبة المسؤولين عن مقتل الحسين، وبعضهم كان من الاشراف، وانصاف الطبقات المحرومة والفئات المضطهدة لا سيما الموالي، وغير ذلك مما أثار حفيظة هؤلاء ودفعهم الى التآمر على الحكم الشيعي الذي هدد ما تمتعوا به من امتيازات خاصة في ظل الحكومات السابقة(١) .
انطلق الاشراف في زمر مسلحة في الكوفة وحاصروا قصر الامارة، وقد أدى ذلك الى قتال عنيف في الشوارع خاضته الشيعة ببسالة، وصمد المختار، فلم تفقده خطورة الموقف توازنه، وقدرته الفائقة على المناورة، حين لجأ الى المماطلة بالتفاوض مع المتمردين(٢) كسباً للوقت ريثما يصل قائده ابن الاشتر، وكان قد كتب اليه بشأن المؤامرة(٣) .
عاد ابراهيم بسرعة الى الكوفة، وبعودته أتيح للحزب الشيعي - وكانت الحماسة قد بلغت به أقصى درجاتها، يزيدها اشتعالاً صرخات التوابين بقيادة رفاعة ابن شداد مرددة شعارها المعروف «يالثارات
_____________________
(١) بيضون - زكار : تاريخ العرب السياسي ١١٧.
(٢) ابن كثير : ٨/٢٧٠.
(٣) ابن الاثير : ٤/٩٨.
الحسين»(١) - أن يقضي على تمرد الاشراف ويصفي مقاومتهم. وقد أتاح ذلك بدون شك أمام المختار فرصة الاسراع بتنفيذ قراره الانتقامي من قتلة الحسين وتتبعهم في أنحاء العراق، فأوقع بالكثيرين منهم(٢) قتلاً ونفياً وتعذيباً، كان بينهم عمر بن سعد وشمّر بن ذي الجوش(٣) .
وبعد يومين من اخماد تمرد الاشراف، غادر ابراهيم ابن الاشتر الكوفة من جديد في طريقه الى الموصل حيث كان يرابط بجوارها عبيد الله بن زياد مع جيشه الاموي. وعند نهر الخازر(٤) اشتبك الجيشان في ملحمة عظيمة(٥) بذل فيها الشيعة جهوداً عظيمة للسيطرة على زمام الموقف، وقامت فرقة انتحارية منهم باختراق صفوف العدو، مستهدفة عبيد الله بن زياد فتمكنت من الوصول اليه وقتله. ثم قتل غيره من القواد الكبار،
_____________________
(١) الطبري : ٧/١٢٠.
(٢) الطبري : ٧/١٢٠.
(٣) جون جلوب : امبراطورية العرب ١٥٣ - ١٥٤.
(٤) رافد للزاب الكبير.
(٥) في الشهر الاول من سنة ٦٧ للهجرة، ابن الاثير : ٤/١٠٩.
الامر الذي أحدث بلبلة وفوضى وأدى الى هزيمة ساحقة للجيش الاموي(١) .
وهكذا اكتملت الصورة الانتقامية، وغمر الارتياح والفرح نفوس الشيعة بمقتل عبيد الله بن زياد الذي اجتز رأسه وحمل الى الكوفة ليوضع في نفس المكان الذي وضع فيه رأس الحسين يوم كان ابن زياد والياً على المدينة. وحينذاك بلغ المختار قمة مجده السياسي، ولكنه وجد نفسه أيضاً أمام المنحدر، يتهاوى فيه بمثل السرعة التي صعد بها الى القمة. ذلك ان الانتصار الذي حققه سيد الكوفة الجديد على الامويين - أعداء ابن الزبير - لم يخفف من حفيظة هذا الاخير نحو المختار الذي أضر كثيراً بقضيته(٢) . فبعد قليل من الوقت، والمختار لم يفق بعد من سكرة الانتصار، فوجئ بمصعب ابن الزبير يزحف بجيشه نحو الكوفة، وكان قد أرسل من قبل أخيه أميراً على البصرة سنة ٦٧ للهجرة(٣) وقد شغل الاشراف المنفيون في البصرة دورهم البارز في تحريض مصعب وتعجيل الحملة التي أعدها للقضاء على المختار.
وفي الكوفة، بدا كأن المختار لم يفاجأ بأخبار هذه
_____________________
(١) الطبري : ٧/١٤٤.
(٢) الطبري : ٧/٨٠ - ٨١.
(٣) ابن الاثير : ٤/١١٢
الحملة بقدر ما فاجأه التوقيت. فاستعد للامر ودخل المعركة بامكانيات محدودة، خاصة وأن قائده الشجاع ابراهيم بن الاشتر كان لا يزال في الموصل(١) لاسباب غير واضحة تماماً، وربما كانت لابراهيم مسوغاته في الابتعاد عن الكوفة والانشغال عنها بأمور غير أساسية، وأن التزامه في التحالف مع المختار كان مرحلياً ليس أكثر، وكان هذا الاخير يدرك ذلك ويرى في قائده منافساً خطيراً أكثر من مجرد حليف مخلص.
وفي اثناء القتال الذي احتدم في (حروراء)(٢) بين كل من الجيشين، برز تفوق الزبيريين بشكل ملحوظ وازداد ضغطهم على رجال المختار الذين تراجعوا مهزومين، تتبعهم جنود ابن الزبير. وما لبثت أخبار الكارثة ان وصلت الى المختار الذي اعتصم في قصر الامارة بعض الوقت، غير أنه خرج يطلب الموت(٣) - على حد تعبيره - بعد أن اشتدت عليه وطأة المحاصرين، فقتل بعد مقاومة بطولية نادرة، وانطوت فكرة الحكومة الشيعية في الكوفة التي غابت معه وكان غيابها طويلاً جداً.
_____________________
(١) فلهوزن : الخوارج والشيعة : ٢٢٩.
(٢) ابن الاثير : ٤/١١٣.
(٣) قال لاصحابه وهو خارج الى القتال : ان الحصار لا يزيدنا الا ضعفاً، فانزلوا بنا نقاتل حتى الليل ونموت كراماً. ابن الاثير : ٨/٢٨٨.
ان سقوط حكومة المختار في الكوفة لم يؤد الى استسلام حركة المعارضة العراقية، وانما استمرت تتصاعد ولكن بقيادات مختلفة وبأهداف ومناهج متباينة. فبعد المختار تسلم الحزب الزبيري السلطة في العراق بزعامة مصعب، مستفيداً من الظروف التي كانت خير حليف في انهاك قوى العدو وتعبئة القوى الشعبية بالكراهية ضد الامويين.
ولكن الى أي مدى سيحتفظ هذا الحزب بالسلطة ذلك هو السؤال ؟ فقد أصبح النظام الاموي أكثر مناعة واجتاز أزماته العائلية والقبلية بعد وصول عبد الملك بن مروان الى الحكم وتطلع الانظار اليه حينئذ لانقاذ الدولة الاموية من انقساماتها واعادة بنائها من جديد قوية، موحدة.
وبعد أن قضى هذا الخليفة بعض الوقت في تصفية مشاكله الداخلية ومعالجة الوضع العسكري على جبهة البيزنطيين تحول نحو معركته المصيرية مع منافسه في الخلافة وشريكه في اللقب عبد الله بن الزبير. فلما شعر باستقرار الاحوال في عاصمة الخلافة قاد بنفسه حملة عسكرية الى العراق صيف ٧٢ هجري(١) لتوجيه ضربته الاولى
_____________________
(١) ضياء الدين الريس : عبد الملك بن مروان : ٢١٠.
الى مصعب، فاشتبك معه في معركة طاحنة عند (دير الجاثليق) في الجزيرة(١) انتهت بهزيمة الجيش الزبيري وحلفائه من العراقيين ومقتل مصعب وقائده الشهير الذي انضم اليه ابراهيم بن الاشتر. وكان ذلك ايذاناً برجوع العراق مرة اخرى الى السيادة الاموية ليستكين فترة ثم ينقض من جديد معبراً بمختلف الوسائل السلبية عن رفضه للحكم الاموي وتوقه الى التحرر والاستقلال.
وتجدر الاشارة الى أن نضال الحزب الشيعي وهو احدى فصائل المعارضة الاكثر أهمية في العراق مر بفترة من الركود النسبي وذلك لافتقاده الى المغامرين والقادة العظام في صفوفه، وفله في اغتنام الاحداث التي كان من الممكن أن تقوده الى تحقيق طموحاته السياسية لو أحسن استغلالها جيداً. وعلى ذلك ستشهد الفترة المتبقية من الخلافة الاموية تطوراً ملموساً في نظم الحزب الشيعي وعقائده، وتحولاً بارزاً في مسيرته النضالية الدائمة. ولكن هذا لم يؤد بأية حال الى تخلي هذا الحزب عن دوره الريادي في كل الثورات الرافضة التي شهدتها الارض العراقية منذ مصرع الحسين حتى سقوط الدولة الاموية نهائياً على يد احدى الدعوات التي فرزتها الحركة النضالية الشيعية.
_____________________
(١) المسعودي : مروج الذهب : ٣/١٠٧ - ١٠٩.
الفهرس
المقدمة ٧
البابُ الأول الحكم بعد محمد. ١٢
قيام مؤسسة الخلافة وتطورها السياسي. ٢١
علي والخلافة ٣٥
الباب الثاني الاحوال السياسية منذ اغتيال علي إلى كربلاء ٤٧
بين الحسن ومعاوية ٤٨
معاوية وتحويل الخلافة الى ملك وراثي. ٥٤
الاحوال السياسية داخل العراق. ٥٨
خلافة يزيد وتحرك الحسين. ٦٤
تضعضع الاحوال السياسية في نهاية عهد يزيد. ٧٨
البابُ الثالث التوابون (الشعور بالدنب والتقصير) ٩٢
مؤتمر الزعماء الخمسة ٩٨
الاتصالات.. ١٠٨
بدء التحرك وظهور المختار ١١١
التحرك. ١٢٦
التقدم نحو الشام ١٣٩
معركة عين الوردة ١٤٥
النتائج. ١٦٢