بسم الله الرّحمن الرّحيم
الحمد لله الّذي اُنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، والصلاة على من جعله شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، وعلى آله الّذين أذهب عنهم الرجس أهل البيت وطهرّهم تطهيراً.
( مقدمه)
نعرِّف فيها مسلك البحث عن معاني آيات القرآن الكريم في هذا الكتاب بطريق الاختصار.
التفسير (وهو بيان معاني الآيات القرآنيّة والكشف عن مقاصدها ومداليلها) من أقدم الاشتغالات العلميّة الّتي تعهد من المسلمين، فقد شرع تاريخ هذا النوع من البحث والتنقير المسمّى بالتفسير من عصر نزول القرآن كما يظهر من قوله تعالى وتقدّس :( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) الآية البقرة - ١٥١.
وقد كانت الطبقة الاُولى من مفسّري المسلمين جماعة من الصحابة (والمراد بهم غير عليّ عليه السلام، فإنّ له وللأئمّة من ولده نبأ آخر سنتعرّض له) كابن عبّاس وعبدالله بن عُمَر واُبي وغيرهم اعتنوا بهذا الشأن، وكان البحث يومئذ لا يتجاوز عن بيان ما يرتبط، من الآيت بجهاتها الادبيّة وشأن النزول وقليلٍ من الاستدلال بآية على آية وكذلك قليلٌ من التفسير بالروايات المأثورة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في القصص ومعارف المبدء والمعاد وغيرها.
وعلى هذا الوصف جرى الحال بين المفسّرين من التابعين كمجاهد وقتادة وابن أبي ليلى والشعبيّ والسديّ وغيرهم في القرنين الأوّلين من الهجرة، فإنّهم لم يزيدوا على طريقة سلفهم من مفسّري الصحابة شيئاً غير أنّهم زادوا من التفسير بالروايات، (وبينها روايات دسّها اليهود أو غيرهم)، فأوردوها في القصص والمعارف الراجعة إلى
الخلقة كابتداء السماوات وتكوين الأرض والبحار وإرم شدّاد وعثرات الأنبياء و تحريف الكتاب واشياء اُخَر من هذا النوع، وقد كان يوجد بعض ذلك في المأثور عن الصحابة من التفسير والبحث.
ثم استوجب شيوع البحث الكلاميّ بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في زمن الخلفاء باختلاط المسلمين بالفرق المختلفة من اُمم البلاد المفتوحة بيد المسلمين وعلماء الاديان والمذاهب المتفرّقة من جهة.
ونقل فلسفة يونان إلى العربيّة في السلطنة الاُمويّة أواخر القرن الأوّل من الهجرة، ثمّ في عهد العبّاسيّين، وانتشار البحث العقليّ الفلسفيّ بين الباحثين من المسلمين من جهة اُخرى ثانية.
وظهور التصوّف مقارناً لانتشار البحث الفلسفيّ وتمايل الناس إلى نيل المعارف الدينيّة من طريق المجاهدة والرياضة النفسانيّة دون البحث اللفظيّ والعقليّ من جهة اُخرى ثالثة.
بقاء جمع من الناس وهم أهل الحديث على التعبّد المحض بالظواهر الدينيّة من غير بحث إلّا عن اللفظ بجهاتها الادبيّة من جهة اُخرى رابعة.
أن اختلف الباحثون في التفسير في مسالكهم بعد ما عمل فيهم الانشعاب في لمذاهب ما عمل، ولم يبقى بينهم جامع في الرأي والنظر إلّا لفظ لا إله إلّا الله ومحمّدٌ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم واختلفوا في معنى الأسماء والصفات والأفعال والسماوات وما فيها الأرض وما عليها والقضاء والقدر والجبر والتفويض والثواب والعقاب وفي الموت وفي البرزخ والبعث والجنّة والنار، وبالجملة في جميع ما تمسّه الحقائق والمعارف الدينيّة ولو بعض المسّ، فتفرّقوا في طريق البحث عن معاني الآيات، وكلّ يَتحفّظُ على متن ما اتّخذه من المذهب والطريقة.
فأمّا المحدّثون، فاقتصروا على التفسير بالرواية عن السلف من الصحابة والتابعين فساروا وجدّوا في السير حيث ما يسير بهم المأثور ووقفوا فيما لم يؤثر فيه شئ ولم يظهر المعنى ظهوراً لايحتاج إلى البحث أخذاً بقوله تعالى:( وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ) الآية آل عمران - ٧. وقد أخطاؤا في ذلك فإنّ الله سبحانه
لم يُبطل حجّة العقل في كتابه، وكيف يعقل ذلك وحجيّته إنّما تثبت به ! ولم يجعل حجيّة في أقوال الصحابة والتابعين وأنظارهم على اختلافها الفاحش، ولم يدعُ إلى السفسطة بتسليم المتناقضات والمتنافيات من الأقوال، ولم يندب إلّا إلى التدبّر في آياتة، فرفع به أيّ اختلاف يترائى منها، وجعله هدىً و نوراً و تبياناً لكلّشئ، فما بال النور يستنير بنور غيره ! وما شأن الهدى يهتدى بهداية سواه ! وكيف يتبيّن ما هو تبيان كلّشئ بشئٍ دون نفسه !.
وأمّا المتكلّمون فقد دعاهم الأقوال المذهبيّة على اختلافها أن يسيروا في التفسير على ما يوافق مذاهبهم بأخذ ما وافق وتأويل ما خالف، على حسب ما يجّوزه قول المذهب.
واختيار المذاهب الخاصّة واتخاذ المسالك والآراء المخصوصة وإن كان معلولا لاختلاف الاُنظار العلميّة أو لشئٍ آخر كالتقاليد والعصبيّات القوميّة، وليس هيهنا محلّ الاشتغال بذلك، إلّا أنّ هذا الطريق من البحث أحرى به أن يُسمّى تطبيقاً لا تفسيراً.
ففرقٌ بين أن يقول الباحث عن معنى آية من الآيات: ما ذا يقول القرآن ؟ أو يقول: ما ذا يجب ان نحمل عليه الآية ؟ فانّ القول الأوّل يوجب ان ينسى كلّ أمر نظريّ عند البحث، وأن يتّكى على ما ليس بنظريّ ، والثاني يوجب وضع النّظريّات في المسألة وتسليمها وبناء البحث عليها، ومن المعلوم أنّ هذا النحو من البحث في الكلام ليس بحثاً عن معناه في نفسه.
وأمّا الفلاسفة، فقد عرض لهم ما عرض للمتكلّمين من المفسّرين من الوقوع في ورطة التطبيق وتأويل الآيات المخالفة بظاهرها للمسلّمات في فنون الفلسفة بالمعنى الأعمّ أعني: الرياضيّات والطبيعيّات والآلهيّات والحكمة العمليّة، وخاصّة المشّائين، وقد تأولّوا الآيات الواردة في حقائق ما وراء الطبيعة وآيات الخلقة وحدوث السموات والأرض وآيات البرزخ وآيات المعاد، حتّى أنّهم ارتكبوا التأويل في الآيات الّتي لا تلائم الفرضيّات والاُصول الموضوعة الّتى نجدها في العلم الطبيعيّ: من نظام الأفلاك الكلّية والجزئية وترتيب العناصر والأحكام الفلكيّة والعنصريّة إلى غير ذلك، مع أنّهم
نصّوا على أنّ هذه الأنظار مبتنية على اُصول موضوعة لا بيّنة ولا مبيّنة.
وأما المتصوّفة، فإنّهم لاشتغالهم بالسير في باطن الخلقة واعتنائهم بشأن الآيات الأنفسيّة دون عالم الظاهر وآياته الآفاقيّة اقتصروا في بحثهم على التأويل، ورفضوا التنزيل، فاستلزم ذلك اجتراء الناس على التأويل، وتلفيق جمل شعريّة والإستدلال من كلّ شئ على كلّ شئ، حتّى آل الأمر إلى تفسير الآيات بحساب الجمل وردّ الكلمات إلى الزبر والبينات والحروف النورانيّة والظلمانيّة إلى غير ذلك.
ومن الواضح أنّ القرآن لم ينزل هدى للمتصوّفة خاصّة، ولا أنّ المخاطبين به هم أصحاب علم الأعداد والأوفاق والحروف، ولا أنّ معارفه مبنيّةٌ على أساس حساب الجُمل الّذي وضعه أهل التنجيم بعد نقل النجوم من اليونانيّة وغيرها إلى العربيّة.
نعم قد وردت روايات عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمّه أهل البيتعليهمالسلام كقولهم: انّ للقرآن ظهراً وبطناً ولبطنه بطناً إلى سبعة ابطن أو إلى سبعين بطناً الحديث.
لكنّهمعليهمالسلام إعتبروا الظهر كما اعتبروا البطن، واعتنوا بأمر التنزيل كما اعتنوا بشأن التأويل، وسنبيّن في أوائل سورة آل عمران إن شاء الله: أنّ التأويل الّذي يراد به المعنى المقصود الّذي يخالف ظاهر الكلام من اللغات المستحدثة في لسان المسلمين بعد نزول القرآن وانتشار الإسلام، وأنّ الّذي يريده القرآن من لفظ التأويل فيما ورد فيه من الآيات ليس من قبيل المعنى والمفهوم.
وقد نشأ في هذه الأعصار مسلك جديد في التفسير وذلك أنّ قوماً من منتحلي الإسلام في أثر توغّلهم في العلوم الطبيعيّة وما يشابهها المبتنية على الحسّ والتجربة، والاجتماعيّة المبتنية على تجربة الإحصاء، مالوا إلى مذهب الحسّيين من فلاسفة الاُروبة سابقاً، أو إلى مذهب أصالة العمل (لا قيمة للادراكات الاترتب العمل عليها بمقدارٍ يعيّنه الحاجة الحيويّة بحكم الجبر).
فذكروا: أنّ المعارف الدينيّة لا يمكن أن تخالف الطريق الّذي تصدّقه العلوم وهو أن: (لا أصالة في الوجود إلّا للمادّة وخواصّها المحسوسة) فما كان الدين يخبر عن وجوده ممّا يكذّب العلوم ظاهره كالعرش والكرسي واللوح والقلم يجب أن يؤلّ تأويلاً.
وما يُخبر عن وجوده ممّا لا تتعرّض العلوم لذلك كحقائق المعاد يجب أن يوجّه بالقوانين المادّيّة.
وما يتّكي عليه التشريع من الوحي والملك والشيطان والنبوّة والرسالة والإمامة وغير ذلك، إنّما هي اُمور روحيّة، والروح ماديّة ونوع من الخواصّ الماديّة، والتشريع نبوغ خاصّ اجتماعي يُبني قوانينه على الأفكار الصالحة، لغاية إيجاد الاجتماع الصالح الراقي.
ذكروا: أنّ الروايات، لوجود الخليط فيها لا تصلح للاعتماد عليها، إلّا ما وافق الكتاب، وأمّا الكتاب فلا يجوز أن يُبنى في تفسيره على الآراء والمذاهب السابقة المبتنية على الاستدلال من طريق العقل الّذي أبطله العلم بالبناء على الحسّ والتجربة، بل الواجب أن يستقلّ بما يعطيه القرآن من التفسير إلّا ما بيّنه العلم.
هذه جمل ما ذكروه أو يستلزمه ما ذكروه، من اتّباع طريق الحسّ والتجربة، فساقهم ذلك إلى هذا الطريق من التفسير، ولا كلام لنا هيهنا في اُصولهم العلميّة والفلسفيّة الّتي اتّخذوها اصولاً وبنوا عليها ما بنوا.
وإنّما الكلام في أنّ ما اُوردوه على مسالك السلف من المفسّرين (أنّ ذلك تطبيق وليس بتفسير) وارد بعينه على طريقتهم في التفسير، وإن صرّحوا أنّه حقّ التفسير الّذي يفسّر به القرآن بالقرآن.
ولو كانوا لم يحملوا على القرآن في تحصيل معاني آياته شيئاً، فما بالهم يأخذون الأنظار العلميّة مسلّمة لا يجوز التعدّي عنها ؟ فهم لم يزيدوا على ما أفسده السلف اصلاحاً.
وأنت بالتأمّل في جميع هذه المسالك المنقولة في التفسير تجد: انّ الجميع مشتركة في نقص وبئس النقص، وهو تحميل ما أنتجهُ الابحاث العلميّة أو الفلسفيّة من خارج على مداليل الآيات، فتبدّل به التفسير تطبيقاً وسمّي به التطبيق تفسيراً، وصارت بذلك حقائق من القرآن مجازاتٍ، وتنزيل عدّة من الآيات تأويلات.
ولازم ذلك (كما أومأنا إليه في أوائل الكلام) أن يكون القرآن الّذي يعرّف
نفسه (بأنّه هدىً للعالمين ونور مبين وتبيان لكلّ شئ) مهديّاً إليه بغيره ومستنيراً بغيره ومبيّناً بغيره، فما هذا الغير ! وما شأنه ! وبماذا يهدي إليه ! وما هو المرجع والملجاُ إذا اختلف فيه ! وقد اختلف واشتدّ الخلاف.
وكيف كان فهذا الاختلاف لم يولده اختلاف النظر في مفهوم (مفهوم اللفظ المفرد أو الجملة بحسب اللغة والعرف العربيّ) الكلمات أو الآيات، فإنّما هو كلام عربيّ مبين لا يتوّقف في فهمه عربيّ ولا غيره ممّن هو عارف باللغة وأساليب الكلام العربيّ.
وليس بين آيات القرآن (وهي بضع آلاف آية) آيةٌ واحدة ذات اغلاق وتعقيد في مفهومها بحيث يتحيّر الذهن في فهم معناها، وكيف ! وهو أفصح الكلام ومن شرط الفصاحة خلوّ الكلام عن الاغلاق والتعقيد، حتّى أن الآيات المعدودة من متشابه القرآن كالآيات المنسوخة وغيرها، في غاية الوضوح من جهة المفهوم، وإنّما التشابه في المراد منها وهو ظاهر.
وإنّما الاختلاف كلّ الاختلاف في المصداق الّذي ينطبق عليه المفاهيم اللفظيّة من مفردها ومركّبها، وفي المدلول التصوّريّ والتصديقيّ.
توضيحه: أنّ الاُنس والعادة (كما قيل) يوجبان لنا أن يسبق إلى أذهاننا عند استماع الألفاظ معانيها المادّيّة أو ما يتعلّق بالمادّة فإنّ المادّة هي الّتي تتقلّب فيها اُبداننا وقوانا المتعلّقة بها ما دمنا في الحيوة الدنيويّة، فإذا سمعنا ألفاظ الحيوة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والرضا والغضب والخلق والأمر كان السابق إلى أذهاننا منها الوجودات المادّيّة لمفاهيمها.
وكذا إذا سمعنا ألفاظ السماء والأرض واللوح والقلم والعرش والكرسيّ والملك واجنحته والشيطان وقبيله وخيله ورجله إلى غير ذلك، كان المتبادر إلى افهامنا مصاديقها الطبيعيّة.
وإذا سمعنا: أنّ الله خلق العالم وفعل كذا وعلم كذا وأراد أو يريد أو شاء وأو يشاء كذا قيّدنا الفعل بالزمان حملا على المعهود عندنا.
وإذا سمعنا نحو قوله:( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) الآية وقوله:( لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا ) الآية
وقوله:( وَمَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ ) الآية وقوله:( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) الآية قيدّنا معنى الحضو بالمكان.
وإذا سمعنا نحو قوله:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) الآية. أو قوله:( وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ) الآية أو قوله:( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ) الآية فهمنا: أنّ الجميع سنخ واحد من الارادة، لما أنّ الأمر على ذلك فيما عندنا، وعلى هذا القياس.
وهذا شأننا في جميع الألفاظ المستعملة، ومن حقّنا ذلك، فإنّ الّذي أوجب علينا وضع ألفاظ إنّما هي الحاجة الاجتماعيّة إلى التفهيم والتفّهم، والاجتماع إنّما تعلّق به الانسان ليستكمل به في الأفعال المتعلّقة بالمادة ولواحقها، فوضعنا الألفاظ علائم لمسميّاتها الّتي نريد منها غايات واغراضا عائدة إلينا.
وكان ينبغي لنا أن نتنبّه: أنّ المسميّات المادّيّة محكومة بالتغيّر والتبدّل بحسب تبدّل الحوائج في طريق التحوّل والتكامل كما أن السراج أوّل ما عمله الانسإن كان إنآء فيه فتيلة وشئٌ من الدهن تشتعل به الفتيلة للاستضائة به في الظلمة، ثمّ لم يزل يتكامل حتّى بلغ اليوم إلى السراج الكهربائيّ ولم يبق من أجزاء السراج المعمول أوّلا الموضوع بإزائه لفظ السراج شئٌ ولا واحدٌ.
وكذا الميزان المعمول أوّلاً ، والميزان المعمول اليوم لتوزين ثقل الحرارة مثلاً. والسلاح المتّخذ سلاحاً أوّل يوم، السّلاح المعمول اليوم إلى غير ذلك.
فالمسميّات بلغت في التغيّر إلى حيث فقدت جميع أجزائها السابقة ذاتاً وصفة والاسم مع ذلك باق، وليس إلّا لأنّ المراد في التسمية إنّما هو من الشئ غايتة، لا شكله وصورته، فما دام غرض التوزين اوالأستضائة أو الدفاع باقياً كان اسم الميزان والسراج والسلاح وغيرها باقياً على حاله.
فكان ينبغي لنا أن نتنبّه بأنّ المدار في صدق الاسم اشتمال المصداق على الغاية والغرض، لا جمود اللفظ على صورة واحدة، فذلك ممّا لا مطمع فيه البتّة، ولكنّ العادة والاُنس منعانا ذلك، وهذا هو الّذي دعى المقلّدة من أصحاب الحديث من الحشويّة والمجسّمة أن يجمدوا على ظواهر الآيات في التفسير وليس في الحقيقة جموداً على الظواهر بل هو جمود على العادة والانس في تشخيص المصاديق.
لكن بين هذه الظواهر أنفسها اُمور تبيّن: أنّ الاتّكاء والاعتماد على الاُنس والعادة في فهم معاني الآيات يشوّش المقاصد منها ويختّل به أمر الفهم كقوله تعالى:( ليس كمثله شئ ) الآية. وقوله:( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) . وقوله:( سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) .
وهذا هو الّذي دعى الناس أن لا يقتصروا على الفهم العاديّ والمصداق المأنوس به الذهن في فهم معاني الآيات كما كان غرض الاجتناب عن الخطاء والحصول على النتائج المجهولة هو الّذي دعى الإنسان إلى أن يتمسّك بذيل البحث العلميّ، وأجاز ذلك للبحث أن يداخل في فهم حقائق القرآن وتشخيص مقاصدة العالية، وذلك على أحد وجهين، أحدهما: أن نبحث بحثاً علميّاً أو فلسفيّاً أو غير ذلك عن مسألة من المسائل الّتي تتعرّض له الآية حتّى نقف على الحقّ في المسألة، ثمّ نأتي بالآية ونحملها عليه، وهذه طريقة يرتضيها البحث النظريّ، غير أنّ القرآن لا يرتضيه كما عرفت، وثانيهما: أن نفسّر القرآن بالقرآن ونستوضح معنى الآية من نظيرتها بالتدبّر المندوب إليه في نفس القرآن، ونشخّص المصاديق ونتعرّفها بالخواصّ الّتي تعطيها الآيات، كما قال تعالى:( إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ) تبياناً لكّلشئ الآية. وحاشا أن يكون القرآن تبياناً لكّلشئ ولا يكون تبياناً لنفسه، وقال تعالى:( هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ) الآية. وقال تعالى:( إنّا أنزلنا اليكم نوراً مبيناً ) الآية. وكيف يكون القرآن هدىً وبيّنة وفرقاناً ونوراً مبينا للناس في جميع ما يحتاجون ولا يكفيهم في احتياجهم إليه وهو اشدّ الاحتياج ! وقال تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) الآية. وأيّ جهاد أعظم من بذل الجهد في فهم كتابه ؟ وأيّ سبيل أهدى إليه من القرآن ؟.
والايات في هذا المعنى كثيرة سنستفرغ الوسع فيها في بحث المحكم والمتشابه في أوائل سورة آل عمران.
ثمّ إنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الّذي علّمه القرآن وجعله معلّماً لكتابه كما يقول تعالى:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ) الآية. ويقول:( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) الآية. ويقول:( يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) الآية. وعترته واهل بيته الّذين اقامهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا المقام في الحديث المتّفق
عليه بين الفريقين (إنى تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض). وصدّقه الله تعالى في علمهم بالقرآن، حيث قال عزّ من قائل:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . وقال:( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) الآية قد كانت طريقتهم في التعليم والتفسير هذه الطريقة بعينها على ما وصل إلينا من أخبارهم في التفسير. وسنورد ما تيسّر لنا ممّا نقل عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمّه أهل بيتهعليهمالسلام في ضمن أبحاث روائيّة في هذا الكتاب، ولا يعثر المتتّبع الباحث فيها على مورد واحد يستعان فيه على تفسير الآية بحجّة نظريّة عقليّة ولا فرضيّة علميّة.
وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : {فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع وما حلٌّ مصدّق، من جعله امامه قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدلّ على خير سبيل، وهو كتاب تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكمة وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له نجوم وعلى نجومه نجوم، لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرع رجل بصره، وليبلغ الصفة نظره ينجو من عطب ويخلص من نشب، فإنّ التفكر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور، يحسن التخلّص ويقلّ التربص}. وقال عليّ عليه السلام: (يصف القرآن على ما في النهج) {ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض الخطبة}. هذا هو الطريق المستقيم والصراط السويّ الّذي سلكه معلّموا القرآن وهداته صلوات الله عليهم.
وسنضع ما تيسّر لنا بعون الله سبحانه من الكلام على هذه الطريقة في البحث عن الآيات الشريفة في ضمن بيانات، قد اجتنبنا فيها عن أن نركن إلى حجّة نظريّة فلسفيّة أو إلى فرضيّة علميّة، أو إلى مكاشفة عرفانيّة.
واحترزنا فيها عن أن نضع إلّا نكتة ادبيّة يحتاج إليها فهم الاُسلوب العربيّ أو مقدّمة بديهية أو عمليّة لا يختلف فيها الأفهام.
وقد تحصّل من هذه البيانات الموضوعة على هذه الطريقة من البحث استفراغ الكلام فيما نذكره:
(١) المعارف المتعلّقة بأسماء الله سبحانه وصفاته من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والوحدة وغيرها، وأمّا الذات فستطلّع أنّ القرآن يراه غنيّاً عن البيان.
(٢) المعارف المتعلّقة بأفعاله تعالى من الخلق والأمر والإرادة والمشيّة والهداية والإضلال والقضاء والقدر والجبر والتفويض والرضا والسخط، إلى غير ذلك من متفرّقات الأفعال.
(٣) المعارف المتعلّقة بالوسائط الواقعة بينه وبين الانسان كالحُجُب واللوح والقلم والعرش والكرسيّ والبيت المعمور والسماء والأرض والملائكة والشياطين والجنّ وغير ذلك.
(٤) المعارف المتعلّقة بالانسان قبل الدنيا.
(٥) المعارف المتعلّقة بالانسان في الدنيا كمعرفة تاريخ نوعه ومعرفة نفسه ومعرفة اصول اجتماعه ومعرفة النبوّة والرسالة والوحي والإلهام والكتاب والدين والشريعة، ومن هذا الباب مقامات الأنبياء المستفادة من قصصهم المحكيّة.
(٦) المعارف المتعلّقة بالانسان بعد الدنيا، وهو البرزخ والمعاد.
(٧) المعارف المتعلّقة بالأخلاق الإنسانيّة، ومن هذا الباب ما يتعلّق بمقامات الاُولياء في صراط العبوديّة من الإسلام والإيمان والإحسان والإخبات والاخلاص وغير ذلك.
وأمّا آيات الأحكام، فقد اجتنبنا تفصيل البيان فيها لرجوع ذلك إلى الفقه.
وقد أفاد هذه الطريقة من البحث ارتفاع التأويل بمعنى الحمل على المعنى المخالف للظاهر من بين الآيات، وأمّا التأويل بالمعنى الّذي يثبته القرآن في مواضع من الآيات، فسترى أنّه ليس من قبيل المعاني.
ثمّ وضعنا في ذيل البيانات متفرّقات من ابحاث روائيّة نورد اما تيسّر لنا ايراده من الروايات المنقولة عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأئمّة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين من طرق العامّة والخاصّة، وأمّا الروايات الواردة عن مفسري الصّحابة والتابعين.
فإنّها على ما فيها من الخط والتناقض لا حجّة فيها على مسلم.
وسيطلّع الباحث المتدبّر في الروايات المنقولة عنهمعليهمالسلام ، أنّ هذه الطريقة الحديثة الّتي بنيت عليها بيانات هذا الكتاب، أقدم الطرق المأثورة في التفسير الّتي سلكها معلّموه سلام الله عليهم.
ثمّ وضعنا ابحاثاً مختلفة، فلسفيّة وعلميّة وتأريخيّة واجتماعيّة وأخلاقية، حسب ما تيسّر لنا من البحث، وقد أثرنا في كلّ بحث قصر الكلام على المقدّمات المسانخة له، من غير تعدّ عن طور البحث.
نسئل الله تعالى السداد والرشاد فانّه خيرمعين وهاد
الفقير إلى الله: محمّد حسين الطباطبائي
( سورة الحمد وهي سبع آيات)
( سورة الحمد الآيات ١ – ٥)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( ١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ( ٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ( ٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ( ٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ( ٥)
( بيان)
قوله تعالى: ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) الناس ربّما يعملون عملاً أو يبتدؤن في عمل ويقرنونه باسم عزيز من أعزّتهم أو كبير من كبرائهم، ليكون عملهم ذاك مباركاً بذلك متشرّفاً، أو ليكون ذكرى يذكّرهم به، ومثل ذلك موجود أيضاً في باب التسمية فربّما يسمّون المولود الجديد من الإنسان، أو شيئاً ممّا صنعوه أو عملوه كدار بنوها أو مؤسّسة أسسّوها باسم من يحبّونه أو يعظّمونه، ليبقى الاسم ببقاء المسمّى الجديد، ويبقى المسمّى الأوّل نوع بقاء ببقاء الاسم كمن يسمّى ولده باسم والده ليحيى بذلك ذكره فلا يزول ولا ينسى.
وقد جرى كلامه تعالى هذا المجرى، فابتدأ الكلام باسمه عزّ إسمه، ليكون ما، يتضمنّه من المعنى معلّماً باسمه مرتبطاً به، وليكون أدباً يؤدّب به العباد في الاعمال والافعال والأقوال، فيبتدؤا باسمه ويعملوا به، فيكون ما يعملونه معلّماً باسمه منعوتاً بنعته تعالى مقصوداً لأجله سبحانه فلا يكون العمل هالكاً باطلاً مبتراً، لأنّه باسم الله الّذي لا سبيل للهلاك والبطلان إليه.
وذلك أنّ الله سبحانه يبيّن في مواضع من كلامه: أنّ ما ليس لوجهه الكريم هالك باطل، وأنّه: سيقدم إلى كلّ عمل عملوه ممّا ليس لوجهه الكريم، فيجعله هبائاً منثوراً، ويحبط ما صنعوا ويبطل ما كانوا يعملون، وأنّه لا بقاء لشئٍ إلّا وجهه الكريم فما عمل لوجهه الكريم وصنع باسمه هو الّذي يبقى ولا يفنى، وكلّ أمر من الاُمور إنّما نصيبه من البقاء بقدر ما لله فيه نصيب، وهذا هو الّذي يفيده ما رواه الفريقان عن
النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّه قال: { كلّ أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر الحديث }. والأبتر هو المنقطع الآخر، فالأنسب أنّ متعلّق الباء في البسملة ابتدء بالمعنى الّذي ذكرناه وقد ابتدء بها الكلام بما أنّه فعل من الأفعال، فلا محالة له وحدة، ووحدة الكلام بوحدة مدلوله ومعناه، فلا محالة له معنى ذا وحدة، وهو المعنى المقصود إفهامه من إلقاء الكلام، والغرض المحصّل منه.
وقد ذكر الله سبحانه الغرض المحصّل من كلامه الّذي هو جملة القرآن إذ قال تعالى:( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ ) الآية المائدة ١٥ - ١٦. إلى غير ذلك من الآيات الّتي أفاد فيها: أنّ الغاية من كتابه وكلام هداية العباد، فالهداية جملة هي المبتدئة باسم الله الرّحمن الرحيم، فهو الله الّذي إليه مرجع العباد، وهو الرحمن يبيّن لعباده سبيل رحمته العامّة للمؤمن والكافر، ممّا فيه خيرهم في وجودهم وحياتهم، وهو الرحيم يبيّن لهم سبيل رحمته الخاصّة بالمؤمنين وهو سعادة آخرتهم ولقاء ربّهم وقد قال تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) . الاعراف - ١٥٦. فهذا بالنسبة إلى جملة القرآن.
ثمّ إنّه سبحانه كرّر ذكر السورة في كلامه كثيراً كقوله تعالى:( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ) يونس - ٣٨. وقوله:( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) هود - ١٣. وقوله تعالى:( وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ ) التوبة - ٨٦. وقوله:( سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ) النور - ١. فبان لنا من ذلك: أنّ لكلّ طائفة من هذه الطوائف من كلامه ( الّتي فصّلها قطعاً قطعاً، وسمّى كلّ قطعة سورة ) نوعاً من وحدة التأليف والتمام، لا يوجد بين أبعاض من سورة ولا بين سورة وسورة، ومن هنا نعلم: أنّ الأغراض والمقاصد المحصّلة من السور مختلفة، وأنّ كلّ واحدة منها مسوقة لبيان معنى خاصّ ولغرض محصّل لا تتمّ السورة إلّا بتمامه، وعلي هذا فالبسملة في مبتدإ كلّ سورة راجعة إلى الغرض الخاصّ من تلك السورة.
فالبسملة في سورة الحمد راجعة إلى غرض السورة و المعنى المحصّل منه، والغرض الّذي يدلّ عليه سرد الكلام في هذه السورة هو حمد الله باظهار العبوديّة له سبحانه بالافصاح
عن العبادة والاستعانة وسؤال الهداية، فهو كلام يتكلّم به الله سبحانه نيابة عن العبد، ليكون متأدّباً في مقام إظهار العبوديّة بما أدبّه الله به.
وإظهار العبوديّة من العبد هو العمل الّذى يتلبّس به العبد، والأمر ذو البال الّذي يقدم عليه، فالابتداء باسم الله سبحانه الرحمن الرحيم راجع إليه، فالمعنى بإسمك أظهر لك العبوديّة.
فمتعلّق الباء في بسملة الحمد الابتداء ويراد به تتميم الإخلاص في مقام العبوديّة بالتخاطب. وربّما يقال : انّه الاستعانة ولا بأس به ولكنّ الابتداء أنسب لإشتمال السورة على الاستعانة صريحا في قوله تعالى:( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
وأمّا الاسم، فهو اللفظ الدالّ على المسمّى مشتقٌ من السمة بمعنى العلامة أو من السمّو بمعنى الرفعة وكيف كان فالّذي يعرفه منه اللّغة والعرف هو اللفظ الدالّ ويستلزم ذلك، أن يكون غير المسمّى، وأمّا الاسم بمعنى الذات مأخوذاً بوصف من أوصافه فهو من الأعيان لا من الألفاظ وهو مسمّى الاسم بالمعنى الأوّل كما انّ لفظ العالم (من اسماء الله تعالى) اسم يدلّ على مسمّاه وهو الذات ماخوذة بوصف العلم وهو بعينه إسم بالنسبة إلى الذات الّذي لا خبر عنه الّا بوصف من اوصافه ونعت من نعوته والسبب في ذلك أنهم وجدوا لفظ الاسم موضوعاً للدالّ على المسمّى من الألفاظ، ثمّ وجدوا أنّ الأوصاف المأخوذة على وجه تحكي عن الذات وتدلّ عليه حالها حال اللفظ المسمّى بالاسم في أنّها تدلّ على ذوات خارجيّة، فسمّوا هذه الأوصاف الدالّة على الذوات أيضاً أسماء فانتج ذلك انّ الاسم كما يكون أمراً لفظيّاً كذلك يكون أمراً عينيّاً، ثمّ وجدوا انّ الدالّ على الذّات القريب منه هو الاسم بالمعنى الثاني المأخوذ بالتحليل، وانّ الاسم بالمعنى الأوّل إنّما يدلّ على الذات بواسطته، ولذلك سمّوا الّذي بالمعنى الثاني إسماً، والّذي بالمعنى الأوّل اسم الاسم، هذا ولكن هذا كلّه أمر أدّى إليه التحليل النظريّ ولا ينبغي أن يحمل على اللغة، فالاسم بحسب اللّغة ما ذكرناه.
وقد شاع النزاع بين المتكلّمين في الصدر الأوّل من الاسلام في أنّ الاسم عين المسمّى أو غيره وطالت المشاجرات فيه، ولكن هذا النوع من المسائل قد اتّضحت اليوم إتّضاحاً يبلغ إلى حدّ الضرورة ولا يجوز الاشتغال بها بذكر ما قيل وما يقال فيها
والعناية بإبطال ما هو الباطل وإحقاق ما هو الحقّ فيها، فالصفح عن ذلك اُولى.
وأمّا لفظ الجلالة فالله أصله الإله، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وإله من أله الرجل ياُله بمعني عبد، أو من أله الرجل أو وله الرجل أي تحيّر، فهو فعال بكسر الفاء بمعنى المفعول ككتاب بمعنى المكتوب سمّي إلهاً لأنّه معبود أو لأنّه ممّا تحيّرت في ذاته العقول، والظاهر أنّه علم بالغلبة، وقد كان مستعملاً دائراً في الألسن قبل نزول القرآن يعرفه العرب الجاهليّ كما يشعر به قوله تعالى:( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) الزخرف - ٨٧، وقوله تعالى:( فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ) الانعام - ١٣٦.
وممّا يدلّ على كونه علماً أنّه يوصف بجميع الأسماء الحسنى وسائر أفعاله المأخوذة من تلك الأسماء من غير عكس، فيُقال: ألله الرّحمن الرّحيم ويقال: رحم الله وعلم الله، ورزق الله، ولا يقّع لفظ الجلالة صفة لشئ منها ولا يؤخذ منه ما يوصف به شئٌ منها.
ولمّا كان وجوده سبحانه، وهو إله كلّ شئ يهدي إلى إتّصافه بجميع الصفات الكماليّة كانت الجميع مدلولاً عليها به بالالتزام، وصحّ ما قيل إنّ لفظ الجلالة اسم للذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال وإلّا فهو علم بالغلبة لم تعمل فيه عناية غير ما يدلّ عليه مادّة إله.
واما الوصفان: الرحمن الرحيم، فهما من الرّحمة، وهي وصف انفعالي وتأثّر خاصّ يلمّ بالقلب عند مشاهدة من يفقد أو يحتاج إلى ما يتمّ به أمره فيبعث الانسان إلى تتميم نقصه ورفع حاجته، إلّا انّ هذا المعنى يرجع بحسب التحليل إلى الإعطاء والإفاضة لرفع الحاجة وبهذا المعنى يتّصف سبحانه بالرحمة.
والرحمن، فعلان صيغة مبالغة تدلّ على الكثرة، والرحيم فعيل صفة مشبّهة تدلّ على الثبات والبقاء ولذلك ناسب الرحمن ان يدلّ علي الرحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن والكافر وهو الرّحمة العامّة، وعلى هذا المعنى يستعمل كثيراً في القرآن، قال تعالى:( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) طه - ٥. وقال( قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ) مريم - ٧٥. إلى غير ذلك، ولذلك أيضاً ناسب الرحيم أن يدلّ على النعمة الدّائمة والرّحمة الثّابتة الباقية الّتي تقاض على المؤمن كما قال تعالى:
( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) الاحزاب - ٤٣. وقال تعالى:( إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) التوبة - ١١٧. إلى غير ذلك، ولذلك قيل: ان الرّحمن عامّ للمؤمن والكافر والرّحيم خاصّ بالمؤمن.
وقوله تعالى: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ ) ، الحمد على ما قيل: هو الثناء على الجميل الاختياريّ والمدح اعمّ منه، يقال: حمدت فلاناً أو مدحته لكرمه، ويقال: مدحت اللؤلؤ علي صفائه ولايقال: حمدته على صفائه، واللّام فيه للجنس أو الإستغراق والمال هيهنا واحد.
وذلك انّ الله سبحانه يقول:( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) غافر - ٦٢. فأفاد أنّ كلّ ما هو شئٌ فهو مخلوق لله سبحانه، وقال:( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) السجدة - ٧ فأثبت الحسن لكلّ شئٍ مخلوق من جهة أنّه مخلوق له منسوب إليه، فالحسن يدور مدار الخلق وبالعكس، فلا خلق إلّا وهو حسن جميل بإحسانه ولا حسن إلّا وهو مخلوق له منسوب إليه، وقد قال تعالى:( هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) الزمر - ٤. وقال:( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) طه - ١١١. فأنباء أنّه لم يخلق ما خلق بقهر قاهر ولا يفعل ما فعل بإجبار من مجبر بل خلقه عن علم واختيار فما من شئ إلّا وهو فعل جميل اختياريّ له فهذا من جهة الفعل، وأمّا من جهة الاسم فقد قال تعالى:( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) طه - ٨. وقال تعالى:( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ) الاعراف - ١٨٠. فهو تعالى جميل في أسمائه وجميل في أفعاله، وكلّ جميل منه.
فقد بان انّه تعالى محمود على جميل اسمائه ومحمود على جميل أفعاله، وأنّه ما من حمدٍ يحمده حامد لأمر محمود إلّا كان لله سبحانه حقيقه لأنّ الجميل الّذي يتعلّق به الحمد منه سبحانه، فللّه سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كلّ حمد.
ثمّ إنّ الظاهر من السياق وبقرينة الالتفات الّذي في قوله:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) الآية أنّ السورة من كلام العبد، وأنّه سبحانه في هذه السورة يلّقن عبده حمد نفسه وما ينبغي ان يتأدّب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبوديّة، وهو الّذي يؤيّده قوله:( الْحَمْدُ لِلَّهِ )
وذلك إنّ الحمد توصيف، وقد نزّه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده حيث قال:( سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) الصافّات ١٥٩ - ١٦٠. والكلام مطلق غير مقيّد ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره إلّا ما حكاه عن عدّة من أنبيائه المخلصين، قال تعالى في خطابه لنوحعليهالسلام :( فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) المؤمنون-٢٨. وقال تعالى حكاية عن إبراهيمعليهالسلام :( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) ابراهيم - ٣٩. وقال تعالى لنبيّه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في بضعة مواضع من كلامه:( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) النمل - ٩٣. وقال تعالى حكاية عن داود وسليمانعليهالسلام :( وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ ) النمل - ١٥. وإلّا ما حكاه عن أهل الجنّة وهم المطهّرون من غلّ الصدور ولغو القول والتأثيم كقوله:( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يونس - ١٠.
وأمّا غير هذه الموارد فهو تعالى وإن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم، كقوله تعالى:( وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ) الشورى - ٥ وقوله :( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ) الرعد-١٣.
وقوله :( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ) الاسراء - ٤٤. إلّا أنّه سبحانه شفّع الحمد في جميعها بالتسبيح بل جعل التسبيح هو الأصل في الحكاية وجعل الحمد معه، وذلك أنّ غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه الّتي منها جمال الأفعال، قال تعالى:( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) طه - ١١٠ فما وصفوه به فقد أحاطوا به وصار محدوداً بحدودهم مقدرّاً بقدر نيلهم منه، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء إلّا من بعد أن ينزهّوه ويسبحّوه عن ما حدّوه وقدّروه بافهامهم، قال تعالى:( إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) النحل - ٧٤، وأمّا المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده ووصفهم وصفه حيث جعلهم مخلصين له، فقد بان أنّ الّذي يقتضيه أدب العبوديّة أن يحمد العبد ربّه بما حمد به نفسه ولا يتعدّى عنه، كما في الحديث الّذي رواه الفريقان عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : { لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك الحديث } فقوله في أوّل هذه السورة: الحمد لله، تأديب بأدب عبوديّ، ما كان للعبد
أن يقوله لولا أنّ الله تعالى قاله نيابة وتعليماً لما ينبغي الثناء به.
وقوله تعالى: ( رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ِمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) (وقرا الأكثر ملك يوم الدين) فالرب هو المالك الّذي يدبّر أمر مملوكه، ففيه معنى الملك، ومعنى الملك (الّذي عندنا في ظرف الاجتماع) هو نوع خاصّ من الاختصاص وهو نوع قيام شئ بشئ يوجب صحّة التصرّفات فيه، فقولنا العين الفلانيّة ملكنا معناه: أنّ لها نوعاً من القيام والاختصاص بنا يصحّ معه تصرّفاتنا فيها ولولا ذلك لم تصحّ تلك التصرّفات وهذا في الاجتماع معنى وضعيّ اعتباريّ غير حقيقي وهو مأخوذ من معنى آخر حقيقي نسمّيه أيضاً ملكاً، وهو نحو قيام اجزاء وجودنا وقوانا بنا فإنّ لنا بصراً وسمعاً ويداً ورجلا، ومعنى هذا الملك أنّها في وجودها قائمة بوجودنا غير مستقلّة دوننا بل مستقلّة باستقلالنا ولنا أن نتصرّف فيها كيف شئنا وهذا هو الملك الحقيقيّ.
والّذي يمكن انتسابه إليه تعالى بحسب الحقيقة هو حقيقة الملك دون الملك الاعتباريّ الّذى يبطل ببطلان الاعتبار والوضع، ومن المعلوم أنّ الملك الحقيقيّ لا ينفكّ عن التدبير فإنّ الشئ إذا افتقر في وجوده إلى شئ فلم يستقلّ عنه في وجوده لم يستقلّ عنه في آثار وجوده، فهو تعالى ربّ لما سواه لأنّ الربّ هو المالك المدبّر وهو تعالى كذلك.
واما العالمين: فهو جمع العالم بفتح اللام بمعنى ما يُعلَم به كالقالب والخاتم والطابع بمعنى ما يقلب به وما يختم به، وما يطبع به يطلق على جميع الموجودات وعلى كلّ نوع مؤلّف الأفراد والاجزاء منها كعالم الجماد وعالم النبات وعالم الحيوان وعالم الانسان وعلى كلّ صنف مجتمع الأفراد أيضاً كعالم العرب وعالم العجم وهذا المعنى هو الأنسب لما يؤل إليه عدّ هذه الاسماء الحسنى حتّى ينتهي إلى قوله مالك يوم الدين على أن يكون الدين وهو الجزاء يوم القيمة مختصّا بالانسان أو الإنس والجنّ فيكون المراد بالعالمين عوالم الإنس والجنّ وجماعاتهم ويؤيّده ورود هذا اللفظ بهذه العناية في القرآن كقوله تعالى :( وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) آل عمران - ٤٢. وقوله تعالى :( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ) فرقان - ١، وقوله تعالى:( أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ
الْعَالَمِينَ ) الاعراف - ٨٠.
وأمّا مالك يوم الدين: فقد عرفت معنى المالك وهو المأخوذ من الملك بكسر الميم، وامّا المَلِك وهو مأخوذ من المُلك بضمّ الميم، فهو الّذي يملك النظام القوميّ وتدبيرهم دون العين، وبعبارة اُخرى يملك الأمر والحكم فيهم.
وقد ذكر لكلّ من القرائتين، ملك ومالك، وجوه من التأييد غير أنّ المعنيّين من السلطنة ثابتان في حقّه تعالى، والّذي تعرفه اللغة والعرف أنّ الملك بضمّ الميم هو المنسوب إلى الزمان يقال: ملك العصر الفلانيّ، ولا يقال مالك العصر الفلانيّ إلّا بعناية بعيدة، وقد قال تعالى: ملك يوم الدين فنسبه إلى اليوم، وقال ايضاً:( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) غافر - ١٦.
( بحث روائي)
في العيون والمعاني عن الرّضاعليهالسلام في معنى قوله: بسم الله قالعليهالسلام : يعني أسم نفسي بسمةٍ من سمات الله وهى العبادة، قيل له: ما السمة ؟ قال العلامة. اقول وهذا المعنى كالمتولّد من المعنى الّذي أشرنا إليه في كون الباء للابتداء فانّ العبد إذا وسم عبادته باسم الله لزم ذلك أن يسم نفسه الّتي ينسب العبادة إليها بسمة من سماته.
وفي التهذيب عن الصادقعليهالسلام وفي العيون وتفسير العيّاشيّ عن الرّضاعليهالسلام : أنّها أقرب الى اسم الله الأعظم من ناظر العين إلى بياضها.
اقول: وسيجئ معنى الرواية في الكلام على الاسم الاعظم.
وفي العيون عن امير المؤمنينعليهالسلام : أنّها من الفاتحة وأنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يقرؤها ويعدّها آية منها، ويقول فاتحة الكتاب هي السبع المثاني.
اقول: وروي من طرق اهل السنّة والجماعة نظير هذا المعنى فعن الدار قطني عن ابي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنّها اُمّ القرآن والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها.
وفي الخصال عن الصادقعليهالسلام قال: ما لهم ؟ قاتلهم الله عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها.
وعن الباقرعليهالسلام : سرقوا أكرم آية في كتاب الله، بسم الله الرحمن الرحيم، وينبغي الإتيان به عند افتتاح كلّ أمر عظيم أو صغير ليبارك فيه.
اقول: والروايات عن أئمّة أهل البيت في هذا المعنى كثيره، وهي جميعاً تدلّ على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة إلّا سورة البرائة، وفي روايات أهل السنّة والجماعة ما يدلّ على ذلك.
ففي صحيح مسلم عن أنس قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : انزل عليّ آنفا سورة فقرا: بسم الله الرحمن الرحيم.
وعن أبي داود عن ابن عبّاس (وقد صحّحوا سندها) قال: انّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان لا يعرف فصل السورة، (وفي رواية انقضاء السورة) حتّى ينزل عليه، بسم الله الرحمن الرّحيم.
اقول: وروي هذا المعنى من طرق الخاصّة عن الباقرعليهالسلام وفي الكافي والتوحيد والمعاني وتفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام في حديث: والله إله كلّ شئ، الرحمن بجميع خلقه، الرحيم بالمؤمنين خاصّة.
وروي عن الصادقعليهالسلام : الرّحمن اسم خاصّ بصفة عامّة والرحيم اسم عامٌ بصفة خاصّة.
اقول: قد ظهر ممّا مرّ وجه عموم الرحمن للمؤمن والكافر واختصاص الرحيم بالمؤمن، وأمّا كون الرحمن اسماً خاصّاً بصفة عامّة والرحيم اسماً عامّاً بصفة خاصّة فكأنّه يريد به أنّ الرحمن خاصّ بالدنيا ويعمّ الكافر والمؤمن والرّحيم عامّ للدنيا والآخرة ويخصّ المؤمنين، وبعبارة اُخرى: الرحمن يختصّ بالافاضة التكوينيّة الّتي يعمّ المؤمن والكافر، والرحيم يعمّ التكوين والتشريع الّذي بابه باب الهداية والسعادة، ويختصّ بالمؤمنين لأنّ الثبات والبقاء يختصّ بالنعم الّتي تفاض عليهم والعاقبة للتقوي.
وفي كشف الغمّة عن الصادقعليهالسلام قال: فُقِد لأبيعليهالسلام بغلة فقال لئن ردّها الله عليّ لأحمدنّه بمحامد يرضيها فما لبث أن أتى بها بسرجها ولجامها - فلمّا استوى وضمّ إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال الحمد لله ولم يزد، ثمّ قال ما تركت ولا أبقيت
شيئا جعلت أنواع المحامد لله عزّوجلّ، فما من حمد إلّا وهو داخل فيها.
قلت: وفي العيون عن عليّعليهالسلام : أنّه سئل عن تفسيرها فقال: هو أنّ الله عرّف عباده بعض نعمه عليهم جملاً إذ لا يقدرون على معرفة جميعها بالتفصيل لأنّها أكثر من أن تحصى أو تعرف، فقال: قولوا الحمد لله على ما أنعم به علينا.
اقول: يشيرعليهالسلام إلى ما مرّ من أنّ الحمد، من العبد وإنّما ذكره الله بالنيابة تأديباً وتعليماً.
( بحث فلسفي)
البراهين العقليّة ناهضة على أنّ استقلال المعلول وكلّ شأن من شئونه إنّما هو بالعلّة، وأنّ كلّ ما له من كمال فهو من أظلال وجود علّته، فلو كان للحسن والجمال حقيقة في الوجود فكماله واستقلاله للواجب تعالى لأنّه العلّة الّتي ينتهي إليه جميع العلل، والثناء والحمد هو إظهار موجود مّا بوجوده كمال موجود آخر وهو لا محالة علّته، وإذا كان كلّ كمال ينتهي إليه تعالى فحقيقة كلّ ثناء وحمد تعود وتنتهى إليه تعالى، فالحمد لله ربّ العالمين.
قوله تعالى: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين الآية، العبد هو المملوك من الانسان أو من كلّ ذي شعور بتجريد المعنى كما يعطيه قوله تعالى:( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) مريم - ٩٣. والعبادة مأخوذة منه وربّما تفرّقت اشتقاقاتها أو المعاني المستعملة هي فيها لاختلاف الموارد، وما ذكره الجوهريّ في الصحاح أنّ أصل العبوديّة الخضوع فهو من باب الأخذ بلازم المعنى وإلّا فالخضوع متعدّ باللام والعبادة متعديّة بنفسها.
وبالجملة فكأنّ العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام المملوكيّة لربّه ولذلك كانت العبادة منافية للاستكبار وغير منافية للاشتراك فمن الجائزأن يشترك أزيد من الواحد في ملك رقبة أو في عبادة عبد، قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر - ٦٠ وقال تعالى:( وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا )
الكهف - ١١٠ .فعدّ الإشراك ممكنا ولذلك نهى عنه، والنهى لا يمكن إلّا عن ممكن مقدور بخلاف الاستكبار عن العبادة فإنّه لا يجامعها.
والعبوديّة إنّما يستقيم بين العبيد ومواليهم فيما يملكه الموالي منهم، وامّا ما لا يتعلّق به الملك من شئون وجود العبد ككونه ابن فلان أو ذا طول في قامته فلا يتعلّق به عبادة ولا عبوديّة، لكن الله سبحانه في ملكه لعباده على خلاف هذا النعت فلا ملكه يشوبه ملك ممّن سواه ولا أنّ العبد يتبعّض في نسبته إليه تعالى فيكون شئ منه مملوكاً وشئٌ ، آخر غير مملوك، ولا تصرّفٌ من التصرّفات فيه جائز وتصرّف آخر غير جائز كما أنّ العبيد فيما بيننا شئٌ منهم مملوك وهو أفعالهم الاختيارية وشئٌ غير مملوك وهو الاوصاف الاضطراريّة، وبعض التصرّفات فيهم جائزٌ كالاستفادة من فعلهم وبعضها غير جائز كقتلهم من غير جرم مثلاً، فهو تعالى مالك على الاطلاق من غير شرط ولا قيد وغيره مملوك على الإطلاق من غير شرط ولا قيد فهناك حصر من جهتين، الربّ مقصور في المالكيّة، والعبد مقصور في العبوديّة، وهذه هي الّتي يدلّ عليه قوله: إيّاك نعبد حيث قدّم المفعول وأطلقت العبادة.
ثمّ إنّ الملك حيث كان مقتوم الوجود بمالكه كما عرفت ممّا مرّ، فلا يكون حاجباً عن مالكه ولا يحجب عنه، فإنّك إذا نظرت إلى دار زيد فإن نظرت إليها من جهة أنّها دار أمكنك أن تغفل عن زيد، وإن نظرت إليها بما أنّها ملك زيد لم يمكنك الغفلة عن مالكها وهو زيد.
ولكنّك عرفت أنّ ما سواه تعالى ليس له إلّا المملوكيّة فقط وهذه حقيقتة فشئٌ منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى، ولا النظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى، فله تعالى الحضور المطلق، قال سبحانه:( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) فصلت ٥٣ - ٥٤ وإذا كان كذلك فحقّ عبادته تعالى أن يكون عن حضور من الجانبين.
امّا من جانب الربّ عزّوجلّ، فان يعبد عبادة معبودٍ حاضر وهو الموجب للالتفات (المأخوذ في قوله تعالى إيّاك نعبد) عن الغيبة إلى الحضور.
وأمّا من جانب العبد، فأن يكون عبادته عبادةً عبد حاضر من غير أن يغيب في عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى وجسداً من غير روح، أو يتبعّض فيشتغل بربّه وبغيره، امّا ظاهراً وباطناً كالوثنيّين(١) في عبادتهم لله ولاصنامهم معاً، أو باطناً فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والأغراض، كأن يعبدالله وهمّه في غيره، أو يعبدالله طمعاً في جنّة أو خوفاً من نار فإنّ ذلك كلّه من الشرك في العبادة الّذي ورد عنه النهي، قال تعالى:( فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ) الزمر - ٢، وقال تعالى:( أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ) ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) الزمر - ٣.
فالعبادة إنّما تكون عبادة حقيقة، إذا كان على خلوص من العبد وهو الحضور الّذي ذكرناه، وقد ظهر أنّه إنّما يتمّ إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد أعطاه الشركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلّق قلبه في عبادته رجائاً أو خوفاً هو الغاية في عبادته كجنّة أو نار فيكون عبادته له لا لوجه الله، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافياً لمقام العبوديّة الّتي لا تلائم الإنيّة والاستكبار، وكأنّ الإتيان بلفظ المتكلّم مع الغير للايماء إلى هذه النكتة فانّ فيه هضماً للنفس بالغاء تعيّنها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الإنيّة والاستقلال بخلاف إدخالها في الجماعة وخلطها بسواد الناس فإنّ فيه إمحاء التعيّن وإعفاء الأثر فيؤمن به ذلك.
وقد ظهر من ذلك كلّه: أنّ إظهار العبوديّة بقوله: إيّاك نعبد، لا يشتمل على نقص من حيث المعنى ومن حيث الاخلاص الّا ما في قوله: إيّاك نعبد من نسبة العبد العبادة إلى نفسه المشتمل بالاستلزام على دعوى الاستقلال في الوجود والقدرة والارادة مع أنه مملوك والمملوك لا يملك شيئاً، فكأنّه تدورك ذلك بقوله تعالى وإيّاك نستعين، أي إنّما ننسب العبادة إلى انفسنا وندّعيه لنا مع الاستعانة بك لا مستقلّين بذلك مدّعين ذلك دونك، فقوله: إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، لإبداء معنى واحد وهو العبادة عن اخلاص، ويمكن أن يكون هذا هو الوجه في اتّحاد الاستعانة والعبادة في السياق الخطابيّ حيث قيل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين من دون أن يقال: إيّاك نعبد أعنّا وإهدنا الصراط المستقيم
____________________
(١) التشريك في العبادة كان من دابّ عوامّ الوثنيّين من العرب و غيرهم و امّا الخواصّ منهم فما كانو يعبىون إلا الأصنام منه
وامّا تغيير السياق في قوله: اهدنا الصراط الآية. فسيجئ الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
فقد بان بما مرّ من البيان في قوله، إيّاك نعبد وإيّاك نستعين الآية، الوجه في الالتفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه في الحصر الّذي يفيده تقديم المفعول، والوجه في اطلاق قوله: نعبد اه، والوجه في اختيار لفظ المتكلّم مع الغير، والوجه في تعقيب الجملة الاولى بالثانية، والوجه في تشريك الجملتين في السياق، وقد ذكر المفسّرون نكات اُخرى في اطراف ذلك من أرادها فليراجع كتبهم وهو الله سبحانه غريم لا يقضى دينه.
( سورة الحمد الآيات ٦ – ٧)
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ( ٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ( ٧)
( بيان)
قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) الخ، امّا الهداية فيظهر معناها في ذيل الكلام على الصراط وأمّا الصراط فهو والطريق والسبيل قريب المعنى، وقد وصف تعالى الصراط بالاستقامة ثمّ بيّن أنّه الصراط الّذي يسلكه الّذين أنعم الله تعالى عليهم، فالصراط الّذي من شأنه ذلك هو الّذي سئل الهداية إليه وهو بمعنى الغاية للعبادة أي: أنّ العبد يسئل ربّه أن تقع عبادته الخالصة في هذا الصراط.
بيان ذلك: أنّ الله سبحانه قررّ في كلامه لنوع الانسان بل لجميع من سواه سبيلاً يسلكون به إليه سبحانه فقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ) الانشقاق - ٦ وقال تعالى:( وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) التغابن - ٣، وقال:( أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) الشورى - ٥٣، إلى غير ذلك من الآيات وهي واضحة الدلاله على أنّ الجميع سالكوا سبيل، وأنّهم سائرون إلى الله سبحانه.
ثمّ بيّن: أنّ السبيل ليس سبيلاً واحداً ذا نعت واحد بل هو منشعب إلى شعبتين منقسم إلى طريقين، فقال:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) يس - ٦١.
فهناك طريق مستقيم وطريق آخر ورائه، وقال تعالى( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة - ١٨٦، وقال تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر - ٦٠، فبيّن تعالى: انه قريب من عباده وأن الطريق الأقرب إليه تعالى طريق عبادته ودعائه، ثمّ قال تعالى في وصف الّذين لا يؤمنون:( أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ) فصلت - ٤٤ فبيّن: أنّ غاية الّذين لا يؤمنون في مسيرهم وسبيلهم بعيدة.
فتبيّن: أن السّبيل إلى الله سبيلان: سبيل قريب وهو سبيل المؤمنين وسبيل
بعيد وهو سبيل غيرهم فهذا نحو اختلاف في السبيل وهناك نحو آخر من الاختلاف، قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ) الاعراف - ٤٠ ولو لا طروق من متطرّق لم يكن للباب معنى فهناك طريق من السفل إلى العلو، وقال تعالى:( وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ) طه - ٨١. والهويّ هو السقوط إلى أسفل، فهناك طريق آخر آخذ في السفالة والانحدار، وقال تعالى:( وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) البقرة - ١٠٨، فعرّف الضلال عن سواء السبيل بالشرك لمكان قوله: فقد ضلّ، وعند ذلك تقسّم الناس في طرقهم ثلثه أقسام: من طريقه إلى فوق وهم الّذين يؤمنون بآيات الله ولا يستكبرون عن عبادته، ومن طريقه إلى ألسفل، وهم المغضوب عليهم، ومن ضلّ الطريق وهو حيران فيه وهم الضالّون، وربّما أشعر بهذا التقسيم قوله تعالى:( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) .
والصراط المستقيم لا محالة ليس هو الطريقين الآخرين من الطرق الثلاث اعني: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالّين فهو من الطريق الأوّل الّذي هو طريق المؤمنين غير المستكبرين إلّا أنّ قوله تعالى:( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة - ١١. يدلّ على أنّ نفس الطريق الأوّل أيضاً يقع فيه انقسام.
وبيانه: أنّ كلّ ضلال فهو شرك كالعكس على ما عرفت من قوله تعالى:( وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) البقرة - ١٠٨. وفي هذا المعنى قوله تعالى( أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا ) يس - ٦٢. والقرآن يعدّ الشرك ظلماً وبالعكس، كما يدلّ عليه قوله تعالى حكايةً عن الشيطان لما قضي الأمر:( إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ابراهيم - ٢٢. كما يعدّ الظلم ضلالاً في قوله تعالى( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) الانعام - ٨٢ وهو ظاهر من ترتيب الاهتداء والامن من الضلال أو العذاب الّذي يستتبعه الضلال، على ارتفاع الظلم ولبس الإيمان به، وبالجملة الضلال والشرك والظلم أمرها واحد وهي متلازمة مصداقاً، وهذا هو المراد من قولنا: إنّ كلّ واحد منها معرّف بالآخر أو
هو الآخر، فالمراد المصداق دون المفهوم.
إذا عرفت هذا علمت أنّ الصراط المستقيم الّذي هو صراط غير الضالّين صراطٌ لا يقع فيه شرك ولا ظلم البتّة كما لا يقع فيه ضلال البتّة، لا في باطن الجنان من كفر أو خطور لا يرضى به الله سبحانه، ولا في ظاهر الجوارح والأركان من فعل معصية أو قصور في طاعة، وهذا هو حقّ التوحيد علماً وعملاً إذ لا ثالث لهما وماذا بعد الحقّ إلّا الضلال ؟ وينطبق على ذلك قوله تعالى:( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) الانعام - ٨٢، وفيه تثبيت للأمن في الطريق ووعد بالاهتداء التامّ بناءً على ما ذكروه: من كون اسم الفاعل حقيقة في الاستقبال فليفهم فهذا نعت من نعوت الصراط المستقيم.
ثمّ انّه تعالى عرّف هؤلاء المنعم عليهم الّذين نسب صراط المستقيم إليهم بقوله تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء - ٦٩، وقد وصف هذا الإيمان والإطاعة قبل هذه الآية بقوله( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًاوَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ) النساء٦٥ - ٦٦. فوصفهم بالثبات التامّ قولاً وفعلاً وظاهراً وباطناً على العبوديّة لا يشذّ منهم شاذّ من هذه الجهة ومع ذلك جعل هؤلاء المؤمنين تبعاً لاُولئك المنعم عليهم وفي صفّ دون صفّهم لمكان مع ولمكان قوله:( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) ولم يقل: فاُولئك من الّذين.
ونظير هذه الآية قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) الحديد - ١٩. وهذا هو إلحاق المؤمنين بالشهداء والصدّيقين في الآخرة، لمكان قوله: عند ربهم، وقوله: لهم اجرهم.
فاؤلئك (وهم اصحاب الصراط المستقيم) أعلى قدراً وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الّذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم من الضلال والشرك والظلم، فالتدبّر
في هذه الآيات يوجب القطع بأنّ هؤلاء المؤمنين و (شأنهم هذا الشأن) فيهم بقيّة بعد لو تمّت فيهم كانوا من الّذين أنعم الله عليهم، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلّه نوعٌ من العلم بالله، ذكره في قوله تعالى:( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة - ١١. فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي أرفع النعم قدراً، يربو على نعمة الايمان التامّ، وهذا ايضاً نعتٌ من نعوت الصراط المستقيم.
ثمّ إنّه تعالى على أنّه كررّ في كلامه ذكر الصراط والسبيل، لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد، وعدّ لنفسه سبلاً كثيرة فقال عزّ من قائل:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) العنكبوت - ٦٩. وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلّا ما في هذه الآية (صراط الّذين انعمت عليهم الآية) ولكنّه نسب السبيل إلى غيره من خلقه، فقال تعالى:( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ ) يوسف - ١٠٨. وقال تعالى( سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ) لقمان - ١٥. وقال:( سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) النساء - ١١٥. ويعلم منها: أنّ السبيل غير الصراط المستقيم فإنّه يختلف ويتعدّد ويتكثّر باختلاف المتعبّدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير إليه قوله تعالى:( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) المائدة - ١٦، فعدّ السبل كثيرةً والصراط واحداً وهذا الصراط المستقيم إمّا هي السبل الكثيرة وإمّا أنّها تؤدّي إليه باتّصال بعضها إلى بعض واتّحادها فيها.
وأيضاً قال تعالى:( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) يوسف - ١٠٦. فبيّن أنّ من الشرك (وهو ضلال) ما يجتمع مع الايمان وهو سبيل، ومنه يعلم أنّ السبيل يجامع الشرك، لكنّ الصراط المستقيم لا يجامع الضلال كما قال: ولا الضالّين.
والتدبّر في هذه الآيات يعطى أنّ كلّ واحد من هذه السبل يجامع شيئاً من النقص أو الامتياز، بخلاف الصراط المستقيم، وأنّ كلاً منها هو الصراط المستقيم لكنه
غير الآخر ويفارقه لكنّ الصراط المستقيم يتّحد مع كلّ منها في عين أنّه يتحدّ مع ما يخالفه، كما يستفاد من بعض الآيات المذكورة وغيرها كقوله:( وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) يس - ٦١. وقوله تعالى:( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) الانعام - ١٦١. فسمّى العبادة صراطاً مستقيماً وسمّى الدين صراطاً مستقيماً وهما مشتركان بين السبل جميعاً، فمثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى سبل الله تعالى كمثل الروح بالنسبة إلى البدن، فكما أنّ للبدن اطواراً في حيوته هو عند كلّ طور غيره عند طور آخر، كالصّبي والطفوليّة والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم لكنّ الروح هي الروح وهي متّحدة بها والبدن يمكن أن تطرء عليه أطوار تنافي ما تحبّه وتقتضيه الروح لو خلّيت ونفسها بخلاف الروح فطرة الله الّتي فطر الناس عليها والبدن مع ذلك هو الروح أعني الإنسان، فكذلك السبيل إلى الله تعالى هو صراط المستقيم إلّا أنّ السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المنيبين وسبيل المتّبعين للنبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) أو غير ذلك من سبل الله تعالى، ربّما اتّصلت به آفةٌ من خارج أو نقصٌ لكنّهما لا يعرضان الصراط المستقيم كما عرفت أنّ الايمان وهو سبيل ربّما يجامع الشرك والضلال لكن لا يجتمع مع شئ من ذلك الصراط المستقيم، فللسبيل مراتب كثيرة من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده، والجميع على الصراط المستقيم أو هي هو.
وقد بيّن الله سبحانه هذا المعنى، أعني: اختلاف السبل إلى الله مع كون الجميع من صراطه المستقيم في مثل ضربه للحقّ والباطل في كلامه، فقال تعالى:( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ ) الرعد - ١٧. فبيّن: أنّ القلوب والأفهام في تلقّي المعارف والكمال مختلفة، مع كون الجميع متكئةً منتهيةً إلى رزق سماويّ واحد، وسيجئ تمام الكلام في هذا المثل في سورة الرعد، وبالجملة فهذا أيضاً نعتٌ من نعوت الصراط المستقيم.
وإذا تأملّت ما تقدّم من نعوت الصراط المستقيم تحصّل لك أنّ الصراط المستقيم
مهيمنٌ على جميع السبل إلى الله والطرق الهادية إليه تعالى، بمعنى أنّ السبيل إلى الله إنّما يكون سبيلا له موصلاً إليه بمقدار يتضمّنه من الصراط المستقيم حقيقةً، مع كون الصراط المستقيم هادياً موصلا إليه مطلقاً ومن غير شرط وقيد، ولذلك سماه الله تعالى صراطاً مستقيماً، فانّ الصراط هو الواضح من الطريق، مأخوذ من سرطت سرطاً إذا بلعت بلعاً، كأنّه يبلع سالكيه فلا يدعهم يخرجوا عنه ولا يدفعهم عن بطنه، والمستقيم هو الّذي يريد أن يقوم على ساق فيتسلّط على نفسه وما لنفسه كالقائم الّذي هو مسلّط على أمره، ويرجع المعنى إلى أنّه الّذي لا يتغيّر أمره ولا يختلف شأنه فالصراط المستقيم ما لا يتخلّف حكمه في هدايته وإيصاله سالكيه إلى غايته ومقصدهم قال تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) النساء - ١٧٤. اي لا يتخلّف أمر هذه الهداية، بل هي على حالها دائماً، وقال تعالى:( فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ) الانعام - ١٢٦. أي هذه طريقته الّتي لا يختلف ولا يتخلّف، وقال تعالى:( قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) الحجر - ٤٢. أي هذه سنّتي وطريقتي دائماً من غير تغيير، فهو يجري مجرى قوله:( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا ) الفاطر - ٤٣.
وقد تبيّن ممّا ذكرناه في معنى الصراط المستقيم اُمور.
احدها: أنّ الطرق إلى الله مختلفة كمالاً ونقصاً وغلائاً ورخصاً، في جهة قربها من منبع الحقية والصراط المستقيم كالاسلام والايمان والعبادة والاخلاص والاخبات، كما ان مقابلاتها من الكفر والشرك والجحود والطغيان والمعصية كذلك، قال سبحانه( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) الاحقاف - ١٩.
وهذا نظير المعارف الالهيّة الّتى تتلقّاها العقول من الله فإنّها مختلفة باختلاف الاستعدادات ومتلوّنة بألوان القابليّات على ما يفيده المثل المضروب في قوله تعالى:
( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) الآية
وثانيها: أنّه كما أنّ الصراط المستقيم مهيمنٌ على جميع السبل، فكذلك اصحابه الّذين مكنّهم الله تعالى فيه وتولّى أمرهم وولّاهم أمر هداية عباده حيث قال:( وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء - ٦٩. وقال تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) المائدة - ٥٥. والآية نازلة في أمير المؤمنين عليعليهالسلام بالاخبار المتواترة وهوعليهالسلام اوّل فاتحٍ لهذا الباب من الاُمّة وسيجئ تمام الكلام في الآية.
وثالثها: إنّ الهداية إلى الصراط يتعيّن معناها بحسب تعيّن معناه، وتوضيح ذلك أنّ الهداية هي الدلالة على ما في الصحاح، وفيه أنّ تعديتها لمفعولين لغة أهل الحجاز، وغيرهم يعدّونه إلى المفعول الثاني بإلى، وقوله هو الظاهر، وما قيل: إنّ الهداية إذا تعدّت إلى المفعول الثاني بنفسها، فهي بمعنى الإيصال إلى المطلوب، وإذا تعدّت بإلى فبمعنى إرائة، الطريق مستدلّا بنحو قوله تعالى:( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) القصص - ٥٦. حيث إنّ هدايته بمعنى إرائة الطريق ثابتة فالمنفىّ غيرها وهو الإيصال إلى المطلوب قال تعالى:( وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) النساء - ٦٨. وقال تعالى:( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) الشورى - ٥٢.
فالهداية بالإيصال إلى المطلوب تتعدّى إلى المفعول الثاني بنفسها، والهداية بإرائة الطريق بإلى، وفيه أنّ النفي المذكور نفي لحقيقة الهداية الّتي هي قائمة بالله تعالى، لا نفي لها أصلاً، وبعبارة اُخرى هو نفي الكمال دون نفي الحقيقة، مضافاً إلى أنّه منقوض بقوله تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون:( يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) غافر - ٣٨. فالحق انّه لا يتفاوت معنى الهداية باختلاف التعدية، ومن الممكن أن يكون التعدية إلى المفعول الثاني من قبيل قولهم دخلت الدار.
وبالجملة فالهداية هي الدلالة وارائة الغاية بارائة الطريق وهي نحو إيصال إلى المطلوب، وإنّما تكون من الله سبحانه، وسنته سنّة الأسباب بإيجاد سبب ينكشف به المطلوب ويتحقّق به وصول العبد إلى غايته في سيره، وقد بيّنه الله سبحانه بقوله:( فَمَن
يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ) الانعام - ١٢٥. وقوله:( ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللهِ ذَٰلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ) الزمر - ٢٣. وتعدية قوله تلين بإلى لتضمين معنى مثل الميل والاطمينان، فهو إيجاده تعالى وصفاً في القلب به يقبل ذكر الله ويميل ويطمئن إليه، وكما أنّ سبله تعالى مختلفة، فكذلك الهداية تختلف باختلاف السبل الّتي تضاف إليه فلكّل سبيل هداية قبله تختصّ به.
وإلى هذا الاختلاف يشير قوله تعالى:( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) العنكبوت - ٦٩. إذ فرق بين أن يجاهد العبد في سبيل الله، وبين أن يجاهد في الله، فالمجاهد في الأوّل يريد سلامة السبيل ودفع العوائق عنه بخلاف المجاهد في الثّاني فانّه إنّما يريد وجه الله فيمدّه الله سبحانه بالهداية إلى سبيل دون سبيل بحسب استعداده الخاصّ به، وكذا يمدّه الله تعالى بالهداية إلى السبيل بعد السبيل حتّى يختصّه بنفسه جلت عظمته.
ورابعها: ان الصراط المستقيم لما كان أمرا محفوظاً في سبل الله تعالى على اختلاف مراتبها ودرجاتها، صحّ أن يهدي الله الانسان إليه وهو مهديّ فيهديه من الصراط إلى الصراط، بمعنى أن يهديه إلى سبيل من سبله ثمّ يزيد في هدايته فيهتدي من ذلك السبيل إلى ما هو فوقها درجة، كما أنّ قوله تعالى: إهدنا الصراط (وهو تعالى يحكيه عمّن هداه بالعبادة) من هذا القبيل، ولا يرد عليه: أنّ سؤال الهداية ممّن هو مهتد بالفعل سؤال لتحصيل الحاصل وهو محال، وكذا ركوب الصراط بعد فرض ركوبه تحصيل للحاصل ولا يتعلّق به سؤال، والجواب ظاهر.
وكذا الإيراد عليه: بأن شريعتنا أكمل وأوسع من جميع الجهات من شرائع الاُمم السابقة، فما معنى السؤال من الله سبحانه أن يهدينا إلى صراط الّذين أنعم الله عليهم منهم ؟ وذلك أنّ كون شريعة أكمل من شريعة أمر، وكون المتمسك بشريعة أكمل من المتمسك بشريعة أمر آخر ورائه، فإنّ المؤمن المتعارف من مؤمني شريعة محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) (مع كون شريعته اكمل وأوسع) ليس بأكمل من نوح وابراهيمعليهمالسلام مع كون شريعتهما أقدم وأسبق، وليس ذلك إلّا انّ حكم الشرائع والعمل بها غير حكم
الولاية الحاصلة من التمكّن فيها والتخلّق بها، فصاحب مقام التوحيد الخالص وإن كان من أهل الشرائع السابقة أكمل وأفضل ممّن لم يتمكّن من مقام التوحيد ولم تستقرّ حياة المعرفة في روحه ولم يتمكّن نور الهداية الإلهيّة من قلبه، وإن كان عاملا بالشريعة المحمّديّة (صلّي الله عليه و آله و سلّم) الّتي هي أكمل الشرائع وأوسعها، فمن الجائز أن يستهدي صاحب المقام الداني من أهل الشريعة الكاملة ويسأل الله الهداية إلى مقام صاحب المقام العالي من أهل الشريعة الّتي هي دونها.
ومن أعجب ما ذكر في هذا المقام، ما ذكره بعض المحقّقين من أهل التفسير جواباً عن هذه الشبهة: أنّ دين الله واحد وهو الاسلام، والمعارف الاصليّة وهو التوحيد والنبوّة والمعاد وما يتفرّع عليها من المعارف الكلية واحد في الشرائع، وإنّما مزيّة هذه الشريعة على ما سبقها من الشرائع هي أنّ الأحكام الفرعيّة فيها أوسع وأشمل لجميع شئون الحياة، فهي اكثر عناية بحفظ مصالح العباد، على أنّ أساس هذه الشريعة موضوع على الاستدلال بجميع طرقها من الحكمة والموعظة والجدال الأحسن، ثمّ إنّ الدين وإن كان ديناً واحداً والمعارف الكلّيّة في الجميع على السواء غير أنّهم سلكوا سبيل ربّهم قبل سلوكنا وتقدّموا في ذلك علينا، فأمرنا الله النظر فيما كانوا عليه والاعتبار بما صاروا إليه هذا.
أقول: وهذا الكلام مبنى على اصول في مسلك التفسير مخالفة للاصول الّتي يجب أن يبتني مسلك التفسير عليها، فإنّه مبني على أنّ حقائق المعارف الاصلية واحدة من حيث الواقع من غير اختلاف في المراتب والدرجات، وكذا سائر الكمالات الباطنيّة المعنويّة، فأفضل الأنبياء المقرّبين مع أخسّ المؤمنين من حيث الوجود وكماله الخارجيّ التكوينيّ على حدّ سواء، وإنّما التفاضل بحسب المقامات المجعولة بالجعل التشريعيّ من غير أن يتّكي على تكوين، كما أنّ التفاضل بين الملك والرعيّة إنّما هو بحسب المقام الجعليّ الوضعيّ من غير تفاوت من حيث الوجود الانسانيّ هذا.
ولهذا الأصل أصل آخر يبنى عليه، وهو القول باصالة المادّة ونفى الاصالة عما ورائها والتوقّف فيه إلّا في الله سبحانه بطريق الاستثناء بالدليل، وقد وقع في هذه
الورطة من وقع لأحد أمرين: إمّا القول بالاكتفاء بالحسّ اعتماداً على العلوم المادّيّة وإمّا إلغاء التدبّر في القرآن بالاكتفاء بالتفسير بالفهم العاميّ.
وللكلام ذيل طويل سنورده في بعض الابحاث العلميّة الآتية إن شاء الله تعالى.
وخامسها: انّ مزيّة اصحاب الصراط المستقيم على غيرهم، وكذا صراطهم على سبيل غيرهم، إنّما هو بالعلم لا بالعمل، فلهم من العلم بمقام ربّهم ما ليس لغيرهم، إذ قد تبيّن ممّا مرّ: انّ العمل التامّ موجود في بعض السبل الّتي دون صراطهم، فلا يبقى لمزيّتهم إلّا العلم، واما ما هذا العلم ؟ وكيف هو ؟ فنبحث عنه إن شاء الله في قوله تعالى:( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ) الرعد - ١٧.
ويشعر بهذا المعنى قوله تعالى:( يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) المجادلة - ١١، وكذا قوله تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) الفاطر - ١٠، فالّذي يصعد إليه تعالى هو الكلم الطيّب وهو الاعتقاد والعلم، وأمّا العمل الصالح فشأنه رفع الكلم الطيّب والإمداد دون الصعود إليه تعالى، وسيجئ تمام البيان في البحث عن الآية.
( بحث روائي)
في الكافي عن الصادقعليهالسلام في معنى العبادة قال: العبادة ثلاثة: قوم عبدوا الله خوفاً، فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب، فتلك عبادة الاًُجراء، وقوم عبدوا الله عزّوجلّ حبّاً، فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة.
وفي نهج البلاغة: إنّ قوماً عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وانّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار.
وفي العلل والمجالس والخصال، عن الصادقعليهالسلام : انّ الناس يعبدون الله على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبةً في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء وهو الطمع، وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد، وهي رهبة، ولكنّي أعبده حبّاً له عزّوجلّ فتلك عبادة الكرام، لقوله عزّوجلّ:( وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ ) . ولقوله عزّوجلّ
( قل إن كنتم تحبّون الله فاتّبعوني يحببكم الله ) ، فمن احبّ الله عزّوجلّ احبّه، ومن احبّه الله كان من الآمنين، وهذا مقام مكنون لا يمسّه إلّا المطهّرون.
اقول: وقد تبيّن معنى الروايات ممّا مرّ من البيان، وتوصيفهم عليهم السلام عبادة الأحرار تارة بالشكر وتارة بالحبّ، لكون مرجعهما واحداً، فانّ الشكر وضع الشئ المنعم به في محلّه، والعبادة شكرها ان تكون لله الّذي يستحقها لذاته، فيعبدالله لأنّه الله، اي لأنّه مستجمع لجميع صفات الجمال والجلال بذاته، فهو الجميل بذاته المحبوب لذاته، فليس الحبّ إلا الميل إلى الجمال والانجذاب نحوه، فقولنا فيه تعالى هو معبود لأنّه هو، وهو معبود لأنّه جميل محبوب، وهو معبود لأنّه منعم مشكور بالعبادة يرجع جميعها إلى معنى واحد.
وروي بطريق عاميّ عن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى: إيّاك نعبد الآية، يعني: لا نريد منك غيرك ولا نعبدك بالعوض والبدل: كما يعبدك الجاهلون بك المغيّبون عنك.
اقول: والرواية تشير إلى ما تقدّم، من استلزام معنى العبادة للحضور وللإخلاص الّذي ينافي قصد البدل.
وفي تحف العقول عن الصادقعليهالسلام في حديث: ومن زعم أنّه يعبد بالصفة لا بالادراك فقد أحال على غائب، ومن زعم انّه يعبد الصفة والموصوف فقد أبطل التوحيد لأن الصفة غير الموصوف، ومن زعم انّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغّر بالكبير، وما قدروا الله حق قدره. الحديث.
وفي المعاني عن الصادقعليهالسلام في معنى قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم يعني : أرشدنا إلى لزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتك، والمبلغ إلى جنّتك، والمانع من أن نتبّع اهواءنا فنعطب، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك.
وفي المعاني أيضاً عن عليّعليهالسلام : في الآية، يعني، أدم لنا توفيقك الّذي اطعناك به في ماضي أيّامنا، حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا.
اقول: والروايتان وجهان مختلفان في الجواب عن شهبة لزوم تحصيل الحاصل من سؤال الهداية للمهديّ، فالرواية الاُولى ناظرة إلى اختلاف مراتب الهداية مصداقاً والثانية إلى اتّحادها مفهوماً.
وفي المعاني أيضاً عن عليّعليهالسلام : الصراط المستقيم في الدنيا ما قصر عن الغلوّ، وارتفع عن التقصير واستقام، وفي الآخرة طريق المؤمنين إلى الجنّة.
وفي المعاني أيضاً عن عليّعليهالسلام : في معنى صراط الّذين الآية: اي: قولوا: اهدنا صراط الّذين أنعمت عليهم بالتّوفيق لدينك وطاعتك، لا بالمال والصحّة، فإنّهم قد يكونون كفّاراً أو فسّاقاً، قال: وهم الّذين قال الله: ومن يطع الله والرّسول فاؤلئك مع الّذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، وحسن اولئك رفيقاً.
وفي العيون عن الرّضاعليهالسلام عن آبائه عن أمير المؤمنينعليهالسلام قال: لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: قال الله عزّوجلّ: قسّمت فاتحة الكتاب بيني وبين عبدي فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: بسم الله الرحمن الرحيم قال الله جلّ جلاله بدء عبدي باسمي، وحقّ عليّ أن أتمّم له اُموره، وابارك له في احواله، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله جلّ جلاله: حمدني عبدي، وعلم أنّ النعم الّتي له من عندي وأنّ البلايا الّتي دفعت عنه بتطوّلي، أشهدكم أنّي اُضيف له إلى نعم الدنيا نعم الآخرة وأدفع عنه بلايا الآخرة كما دفعت عنه بلايا الدنيا، وإذا قال الرحمن الرحيم، قال الله جلّ جلاله: شهد لي عبدي أنّي الرحمن الرحيم اُشهدكم لأوفّرنّ من رحمتي حظّه ولأجزلنّ من عطائي نصيبه، فإذا قال: مالك يوم الدين قال الله تعالى: أشهدكم، كما اعترف بأنّي أنا المالك يوم الدين، لأسهّلنّ يوم الحساب حسابه، ولأتقبّلنّ حسناته ولا تجاوزنّ عن سيّئاته، فإذا قال: إيّاك نعبد، قال الله عزّوجلّ: صدق عبدي، إيّاى يعبد اشهدكم لاثيبنّه على عبادته ثواباً يغبطه كلّ من خالفه في عبادتة لي، فإذا قال: وإيّاك نستعين قال الله تعالى: بي استعان عبدي وإليّ التجأ، اشهدكم لاُعيننّه على أمره، ولاُغيثنّه في شدائده ولآخذنّ بيده يوم نوائبه، فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم إلى آخر السورة، قال الله عزّوجلّ: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل، وقد استجبتُ لعبدي وأعطيته ما أمّل وآمنته ممّا منه وجل.
اقول: وروى قريباً منه الصدوق في العلل عن الرّضاعليهالسلام ، والرواية كما ترى
تفسّر سورة الفاتحة في الصلاة فهي تؤيّد ما مرّ مراراً أنّ السورة كلام له سبحانه النيابة عن عبده في ما يذكره في مقام العبادة واظهار العبوديّة من الثناء لربّه وإظهار عبادته، فهى سورةٌ موضوعةٌ للعبادة، وليس في القرآن سورة تناظرها في شأنها واعنى بذلك:
اوّلاً: أنّ السورة بتمامها كلام تكلّم به الله سبحانه في مقام النيابة عن عبده فيما يقوله إذا وجه وجهه إلى مقام الربوبيّة ونصب نفسه في مقام العبوديّة.
وثانيا: أنّها مقسّمة قسمين، فنصف منها لله ونصف منها للعبد.
وثالثا: أنّها مشتملة على جميع المعارف القرآنيّة على ايجازها واختصارها فأنّ القرآن على سعته العجيبة في معارفه الاصليّة وما يتفرّع عليها من الفروع من اخلاق وأحكام في العبادات والمعاملات والسياسات والاجتماعيّات ووعد ووعيد وقصص وعبر، يرجع جمل بياناتها إلى التوحيد والنبوّة والمعاد وفروعاتها، وإلى هداية العباد إلى ما يصلح به اولاهم وعقباهم، وهذه السورة كما هو واضح تشتمل على جميعها في أوجز لفظٍ وأوضح معنى.
وعليك أن تقيس ما يتجلّى لك من جمال هذه السورة الّتي وضعها الله سبحانه في صلاة المسلمين بما يضعه النصارى في صلاتهم من الكلام الموجود في انجيل متّى: (٦ - ٩ - ١٣) وهو ما نذكره بلفظه العربي، (أبانا الّذي في السموات، ليتقدّس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيّتك كما في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا، أعطنا اليوم، واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا، ولا تدخلنا في تجربة ولكن نجنّا من الشرير آمين).
تأمّل في المعاني الّتي تفيدها ألفاظ هذه الجمل بعنوان أنّها معارف سماويّة، وما يشتمل عليه من الادب العبوديّ، إنّها تذكر أوّلاً: أنّ أباهم (وهو الله تقدّس اسمه) في السموات !! ثمّ تدعو في حقّ الاب بتقدّس اسمه واتيان ملكوته ونفوذ مشيّتة في الأرض كما هي نافذة في السماء، ولكن من الّذي يستجيب هذا الدعاء الّذي هو بشعارات الاحزاب السياسيّة أشبه ؟ ثمّ تسئل الله إعطاء خبز اليوم ومقابلة المغفرة بالمغفرة، و
جعل الإغماض عن الحقّ في مقابل الإغماض، وما ذا هو حقّهم لو لم يجعل الله لهم حقّاً ؟ وتسأله ان لا يمتحنهم بل ينجيهم من الشرير، ومن المحال ذلك، فالدار دار الامتحان والاستكمال وما معنى النجاة لولا الابتلاء والامتحان ؟ ثمّ اقضّ العجب ممّا ذكره بعض المستشرقين(١) من علماء الغرب وتبعه بعض من المنتحلين: أنّ الاسلام لا يربو على غيره في المعارف، فإنّ جميع شرائع الله تدعو إلى التوحيد وتصفية النفوس بالخلق الفاضل والعمل الصالح، وإنّما تتفاضل الأديان في عراقة ثمراتها الاجتماعيّة!!
( بحث آخر روائي)
في الفقيه وتفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام قال: الصراط المستقيم أمير المؤمنينعليهالسلام .
وفي المعاني عن الصادقعليهالسلام قال: هي الطريق إلى معرفة الله، وهما صراطان صراط في الدنيا وصراط في الآخرة، فأمّا الصراط في الدنيا فهو الإمام المفترض الطاعة، من عرفه في الدنيا واقتدا بهداه مرّ على الصراط الّذي هو جسر جهنّم في الآخرة، ومن لم يعرفه في الدنيا زلّت قدمه في الآخرة فتردى في نار جهنّم.
وفي المعاني أيضاً عن السجادعليهالسلام قال: ليس بين الله وبين حجّته حجاب، ولا لله دون حجته ستر، نحن أبواب الله ونحن الصراط المستقيم ونحن عيبة علمه، ونحن تراجمة وحيه ونحن أركان توحيده ونحن موضع سرّه.
وعن ابن شهر آشوب عن تفسير وكيع بن الجّراح عن الثوريّ عن السّديّ، عن اسباط ومجاهد، عن ابن عبّاس في قوله تعالى: اهدنا الصراط المستقيم، قال: قولوا معاشر العباد ! أرشدنا إلى حبّ محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم واهل بيتهعليهالسلام .
اقول: وفي هذه المعاني روايات اُخر، وهذه الاخبار من قبيل الجري، وعدّ المصداق للآية، واعلم أنّ الجري و (كثيراً ما نستعمله في هذا الكتاب) اصطلاحٌ مأخوذ من قول أئمّة أهل البيتعليهالسلام .
ففي تفسير العيّاشيّ عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن هذه الرواية،
____________________
(١) القسّيس الفاضل كوستار لبون في تاريخ تمدّن الاسلام.
ما في القرآن آية إلّا ولها ظهر وبطن وما فيها حرف إلّا وله حدّ، ولكل حدّ مطلّعٌ، ما يعنى بقوله : ظهر وبطن ؟ قال : ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر، كلّما جاء منه شئٌ وقع الحديث.
وفي هذا المعنى روايات أخر، وهذه سليقة أئمّه أهل البيت فأنّهمعليهالسلام يطّبقون الآية من القرآن على ما يقبل أن ينطبق عليه من الموارد وإن كان خارجاً عن مورد النزول، والاعتبار يساعده، فإنّ القرآن نزل هدىً للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخلق وواجب العمل، وما بيّنه من المعارف النظريّة حقائق لا تختصّ بحالٍ دون حالٍ ولا زمانٍ دون زمانٍ، وما ذكره من فضيلة أو رذيلة أو شرعه من حكم عمليّ لا يتقيّد بفردٍ دون فردٍ ولا عصرٍ دون عصر لعموم التشريع.
وما ورد من شأن النزول (وهو الامر أو الحادثة الّتي تعقّب نزول آية أو آيات في شخص أو واقعة) لا يوجب قصر الحكم على الواقعة لينقضي الحكم بانقضائها ويموت بموتها لأن البيان عامّ والتعليل مطلق، فانّ المدح النازل في حقّ أفراد من المؤمنين أو الذمّ النازل في حقّ آخرين معلّلا بوجود صفات فيهم، لا يمكن قصرهما على شخص مورد النزول مع وجود عين تلك الصفات في قوم آخر بعدهم وهكذا، والقرآن أيضاً يدلّ عليه، قال تعالى:( يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ) المائدة - ١٦ - وقال:( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) فصلت - ٤٢. وقال تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر - ٩.
والروايات في تطبيق الآيات القرآنيّة عليهمعليهالسلام أو على أعدائهم أعني: روايات الجري، كثيرة في الابواب المختلفة، وربّما تبلغ المئين، ونحن بعد هذا التنبيه العامّ نترك إيراد أكثرها في الابحاث الروائيّة لخروجها عن الغرض في الكتاب، إلّا ما تعلّق بها غرض في البحث فليتذكّر.
( سورة البقرة وهي مائتان وستّ وثمانون آية)
( سورة البقرة الآيات ١ - ٥)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم( ١) ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ( ٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ( ٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ( ٤) أُولَئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ٥)
( بيان)
لما كانت السورة نازلةً نجوما لم يجمعها غرض واحد إلّا أنّ معظمها تنبئ عن غايةٍ واحدةٍ محصّلةٍ وهو بيان أنّ من حقّ عبادة الله سبحانه أن يؤمن عبده بكل ما أنزله بلسان رسله من غير تفرّقة بين وحيٍ ووحيٍ ولا بين رسول ورسول ولا غير ذلك، ثمّ تقريع الكافرين والمنافقين وملامة أهل الكتاب بما ابتدعوه من التفرّقة في دين الله والتفريق بين رسله، ثمّ التخلّص إلى بيان عدّة من الأحكام كتحويل القبلة وأحكام الحجّ والارث والصوم وغير ذلك.
قوله تعالى : ( ألم ) ، سيأتي بعض ما يتعلّق من الكلام بالحروف المقطّعة الّتي في اوائل السور، في أوّل سورة الشورى إن شاء الله، وكذلك الكلام في معنى هداية القرآن ومعنى كونه كتاباً.
وقوله تعالى: ( هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ) الخ، المتّقون هم المؤمنون، وليست التقوى من الاوصاف الخاصّة لطبقة من طبقاتهم أعني: لمرتبة من مراتب الإيمان حتّى تكون مقاماً من مقاماته نظير الإحسان والإخبات والخلوص، بل هي صفة مجامعةٌ لجميع مراتب الإيمان إذا تلبّس الإيمان بلباس التحقّق، والدليل على ذلك أنّه تعالى لا يخصّ بتوصيفه طائفةً خاصّة من طوائف المؤمنين على اختلاف طبقاتهم ودرجاتهم والّذي أخذه تعالى من الأوصاف المعرّفة للتقوى في هذه الآيات التسع عشرة الّتي
يبيّن فيها حال المؤمنين والكفّار والمنافقين، خمس صفات، وهي الإيمان بالغيب، واقامة الصلاة، والانفاق ممّا رزق الله سبحانه، والإيمان بما انزله على أنبيائه، والإيقان بالآخرة، وقد وصفهم بأنّهم على هدى من ربّهم فدلّ ذلك على ان تلبسهم بهذه الصفات الكريمة بسبب تلبّسهم بلباس الهداية من الله سبحانه، فهم انّما صاروا متّقين اُولي هذه الصفات بهداية منه تعالى، ثمّ وصف الكتاب بأنّه هدى لهؤلاء المتّقين بقوله تعالى:( ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ) فعلمنا بذلك: أنّ الهداية غير الهداية، وأنّ هؤلاء وهم متّقون محفوفون بهدايتين، هداية اولى بها صاروا متّقين، وهداية ثانية اكرمهم الله سبحانه بها بعد التقوى وبذلك صحّت المقابلة بين المتّقين وبين الكفّار والمنافقين، فإنّه سبحانه يجعلهم في وصفهم بين ضلالين وعمائين، ضلال أوّل هو الموجب لاوصافهم الخبيثة من الكفر والنفاق، وضلال ثان يتأكّد به ضلالهم الأوّل، ويتّصفون به بعد تحقق الكفر والنفاق كما يقوله تعالى في حق الكفّار:( خَتَمَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ) البقرة - ٧، فنسب الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إلى أنفسهم، وكما يقوله في حق المنافقين:( فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا ) البقرة - ١٠ فنسب المرض الأوّل إليهم والمرض الثاني إلى نفسه على حدّ ما يستفاد من قوله تعالى:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) البقرة - ٢٦، وقوله تعالى:( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) الصف - ٥.
وبالجملة المتّقون واقعون بين هدايتين، كما أنّ الكفّار والمنافقين واقعون بين ضلالين.
ثمّ إنّ الهداية الثانية لما كانت بالقرآن فالهداية الاُولى قبل القرآن وبسبب سلامة الفطرة، فإنّ الفطرة إذا سلمت لم تنفكّ من أن تتنبّه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى امر خارج عنها، وكذا احتياج كلّ ما سواها ممّا يقع عليه حسّ أو وهم أو عقل إلى امر خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنة مذعنة بوجود موجود غائب عن الحسّ منه يبدء الجميع وإليه ينتهي ويعود، وأنّه كما لم يهمل دقيقة من دقائق ما يحتاج إليه الخلقة كذلك لا يهمل هداية الناس إلى ما ينجيهم من مهلكات الاعمال والاخلاق، وهذا هو
الإذعان بالتوحيد والنبوّة والمعاد وهي ُصول الدين، ويلزم ذلك استعمال الخضوع له سبحانه في ربوبيّتة، واستعمال ما في وسع الإنسان من مال وجاه وعلم وفضيلة لإحياء هذا الإمر ونشره، وهذان هما الصلاة والإنفاق.
ومن هنا يعلم: إنّ الّذي أخذه سبحانه من إوصافهم هو الّذي يقضي به الفطرة إذا سلمت وإنّه سبحانه وعدهم إنّه سيفيض عليهم إمرً سمّاه هداية، فهذه الاعمال الزاكية منهم متوسّطة بين هدايتين كما عرفت، هداية سابقة وهداية لاحقة، وبين الهدايتين يقع صدق الاعتقاد وصلاح العمل، ومن الدليل على أنّ هذه الهداية الثانية من الله سبحانه فرع الُولى، آيات كثيرة كقوله تعالى:( يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ) ابراهيم - ٢٧. وقوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ) الحديد - ٢٨. وقوله تعالى:( إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم - ٧. وقوله تعالى:( وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الصف - ٧. وقوله تعالى:( وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) الصفّ - ٥. إلى غير ذلك من الآيات.
والإمر في ضلال الكفّار والمنافقين كما في المتّقين على ما سيأتي إنشاء الله.
وفي الآيات إشارة إلى حياة ُخرى للانسان كامنة مستبطنة تحت هذه الحيإة الدنيويّة، وهي الحياة الّتي بها يعيش الإنسان في هذه الدار و بعد الموت وحين البعث، قال تعالى:( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) الانعام - ١٢٣ وسيأتي الكلام فيه إنشاء الله.
وقوله سبحانه : يؤمنون الإيمان، تمكّن الاعتقاد في القلب ماخوذ من الإمن كأنّ المؤمن يعطي لما امن به الإمن من الريب والشكّ وهو آفة الاعتقاد، والإيمان كما مرّ معنى ذو مراتب، إذ الإذعان ربّما يتعلّق بالشئ نفسه فيترتّب عليه إثره فقط، وربّما يشتدّ بعض الاشتداد فيتعلّق ببعض لوازمه، وربّما يتعلّق بجميع لوازمه فيستنتج منه إنّ للمؤمنين طبقات على حسب طبقات الإيمان.
وقوله سبحانه : ( بِالْغَيْبِ ) ، الغيب خلاف الشهادة وينطبق على ما لا يقع عليه
الحسّ، وهو الله سبحانه وآياته الكبرى الغائبة عن حواسّنا، ومنها الوحي هو الّذي اشير إليه بقوله:( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ) فالمراد بالإيمان بالغيب في مقابل الإيمان بالوحي والإيقان بالآخرة، هو الإيمان بالله تعالى ليتمّ بذلك الإيمان بالاصول الثلاثة للدين، والقرآن يؤكّد القول على عدم القصر على الحسّ فقط ويحرّص على اتّباع سليم العقل وخالص اللبّ.
وقوله سبحانه : ( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) ، العدول في خصوص الاذعان بالاخرة عن الإيمان إلى الإيقان، كأنّه للإشارة إلى أنّ التقوى لا تتمّ إلّا مع اليقين بالاخرة الّذي لا يجامع نسيانها، دون الإيمان المجرّد، فإنّّ الإنسان ربّما يؤمن بشئ ويذهل عن بعض لوازمه فيأتي بما ينافيه، لكنّه إذا كان على علم وذكر من يوم يحاسب فيه على الخطير واليسير من اعماله لا يقتحم معه الموبقات ولا يحوم حوم محارم الله سبحانه البتّة قال تعالى:( وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ص - ٢٦. فبيّن تعالى: أنّ الضلال عن سبيل الله إنّما هو بنسيان يوم الحساب، فذكره واليقين به ينتج التقوى.
وقوله تعالى : ( أُولَئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ) ، الهداية كلّها من الله سبحانه، لا ينسب إلى غيره البتّة الّا على نحو من المجاز كما سيأتي إن شاء الله، ولمّا وصفهم الله سبحانه بالهداية وقد قال في نعتها:( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ) : لانعام - ١٢٥، وشرح الصدر سعته وهذا الشرح، يدفع عنه كلّ ضيق وشحّ، وقد قال تعالى:( وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الحشر - ٩، عقّب سبحانه ههنا أيضاً قوله: اُولئك على هدىً من ربّهم، بقوله: واُولئك هم المفلحون الآية.
( بحث روائي)
في المعاني عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى: الّذين يؤمنون بالغيب، قال: من آمن بقيام القائمعليهالسلام أنّه حقّ.
اقول: وهذا المعنى مروّي في غير هذه الرّواية وهو من الجرى.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى:( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) قال: وممّا علّمنا هم يبثّون.
وفي المعاني عنهعليهالسلام : في الآية: وممّا علّمناهم يبثّون، وما علّمناهم من القرآن يتلون.
اقول: والرّوايتان مبنيّتان على حمل الإنفاق على الاعمّ من إنفاق المال كما ذكرناه.
( بحث فلسفي)
هل يجوز التعويل على غير الإدراكات الحسّيّة من المعاني العقليّة ؟ هذه المسألة من معارك الآراء بين المتأخرين من الغربيّين، وإن كان المعظم من القدماو حكماء الاسلام على جواز التعويل على الحسّ والعقل معا، بل ذكروا أنّ البرهان العلميّ لا يشمل المحسوس من حيث إنّه محسوس، لكنّ الغربيّين مع ذلك اختلفوا في ذلك، والمعظم منهم وخاصّة من علماء الطبيعة على عدم الاعتماد على غير الحسّ، وقد احتجّوا على ذلك بأنّ العقليّات المحضة يكثر وقوع الخطأ والغلط فيها مع عدم وجود ما يميّز به الصواب من الخطأ وهو الحسّ والتجربة المماسّان للجزئيّات بخلاف الإدراكات الحسّيّة فإنّا إذا أدركنا شيئاً بواحد من الحواسّ اتبعنا ذلك بالتجربة بتكرار الأمثال، ولا نزال نكرّر حتّى نستثبت الخاصّة المطلوبة في الخارج ثمّ لا يقع فيه شكّ بعد ذلك، والحجّة باطلة مدخولة.
أوّلاً: بأنّ جميع المقدّمات المأخوذة فيها عقليّة غير حسّيّة فهي حجّة على بطلان الاعتماد على المقدّمات العقليّة بمقدّمات عقليّة فيلزم من صحة الحجّة فسادها.
وثانياً: بأنّ الغلط في الحواسّ لا يقصر عدداً من الخطأ والغلط في العقليّات، كما يرشد إليه الأبحاث الّتي أوردوها في المبصرات وسائر المحسوسات، فلو كان مجرّد وقوع الخطأ في باب موجباً لسدّه وسقوط الاعتماد عليه لكان سدّ باب الحسّ أوجب وألزم.
وثالثاً: أنّ التميّز بين الخطأ والصواب ممّا لا بدّ منه في جميع المدركات غير أنّ التجربة وهو تكرّر الحسّ ليست آلة لذلك التميّز بل القضيّة التجربيّة تصير إحدى
المقدّمات من قياس يحتجّ به على المطلوب، فإنّا إذا اُدركنا بالحسّ خاصّة من الخواصّ ثمّ اتبعناه بالتجربة بتكرار الأمثال تحصل لنا في الحقيقة قياس على هذا الشكل: إنّ هذه الخاصّة دائميّ الوجود أو أكثريّ الوجود لهذا الموضوع، ولو كانت خاصّة لغير هذا الموضوع لم يكن بدائميّ أو أكثريّ، لكنّه دائميّ أو اكثريّ وهذا القياس كما ترى يشتمل على مقدّمات عقليّة غير حسّيّة ولا تجربيّة.
ورابعاً: هب إنّ جميع العلوم الحسّيّة مؤيّدة بالتجربة في باب العمل لكن من الواضح ان نفس التجربة ليس ثبوتها بتجربة اُخرى وهكذا إلى غير النهاية بل العلم بصحّته من طريق غير طريق الحسّ، فالاعتماد على الحسّ والتجربة اعتمادٌ على العلم العقليّ اضطراراً.
وخامساً: أنّ الحسّ لا ينال غير الجزئيّ المتغيّر والعلوم لا تستنتج ولا تستعمل غير القضايا الكليّة وهي غير محسوسة ولا مجرّبة، فإنّّ التشريح مثلاً إنّما ينال من الإنسان مثلاً أفراداً معدودين قليلين أو كثيرين، يعطي للحسّ فيها مشاهدة أنّ لهذا الإنسان قلباً وكبداً مثلاً، ويحصل من تكرارها عدد من المشاهدة يقلّ أو يكثر وذلك غير الحكم الكليّ في قولنا: كلّ انسان فله قلب أو كبد، فلو اقتصرنا في الاعتماد والتعويل على ما يستفاد من الحسّ والتجربة فحسب من غير ركون على العقليّات من رأس لم يتمّ لنا إدراك كلّي ولا فكر نظريّ ولا بحث علميّ، فكما يمكن التعويل أو يلزم على الحسّ في مورد يخصّ به كذلك التعويل فيما يخصّ بالقوّة العقليّة، ومرادنا بالعقل هو المبدأ لهذه التصديقات الكليّة والمدرك لهذه الأحكام العامّة، ولا ريب أنّ الإنسان معه شئ شأنه هذا الشأن، وكيف يتصوّر أن يوجد ويحصل بالصنع والتكوين شئ شأنه الخطأ في فعله رأساً ؟ أو يمكن أن يخطئ في فعله الّذي خصّه به التكوين ؟ والتكوين إنّما يخصّ موجوداً من الموجودات بفعل من الافعال بعد تثبت الرابطة الخارجيّة بينهما، وكيف يثبت رابطة بين موجود وما ليس بموجود أي خطأ وغلط ؟
وأمّا وقوع الخطأ في العلوم أو الحواسّ فلبيان حقيقة الأمر فيه محلّ آخر ينبغي الرجوع إليه والله الهادي.
( بحث آخر فلسفي)
الإنسان البسيط في أوائل نشأته حين ما يطأ موطأ الحياة لا يرى من نفسه إلّا انّه ينال من الأشياء اُعيانها الخارجيّة من غير أن يتنبّه أنّه يوسّط بينه وبينها وصف العلم، ولا يزال على هذا الحال حتّى يصادف في بعض مواقفه الشكّ أو الظنّ، وعند ذلك يتنبّه: أنّه لا ينفكّ في سيره الحيويّ ومعاشه الدنيويّ عن استعمال العلم لا سيّما وهو ربّما يخطئ ويغلط في تمييزاته، ولا سبيل للخطأ والغلط إلى خارج الاعيان، فيتيقّن عند ذلك بوجود صفة العلم (وهو الإدراك المانع من النقيض) فيه.
ثمّ البحث البالغ يوصلنا أيضاً إلى هذه النتيجة، فإنّّ إدراكاتنا التصديقيّة تحلّل إلى قضيّة أوّل الأوائل (وهى أنّ الايجاب والسلب لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً) فما من قضيّة بديهيّة أو نظريّة إلّا وهي محتاجة في تمام تصديقها إلى هذه القضيّة البديهيّة الأوّليّة، حتّى أنّا لو فرضنا من انفسنا الشّك فيها وجدنا الشّك المفروض لا يجامع بطلان نفسه وهو مفروض، وإذا ثبتت هذه القضيّة على بداهتها ثبت جمٌّ غفيرٌ من التصديقات العلميّة على حسب مساس الحاجة إلى اثباتها، وعليها معوّل الإنسان في أنظاره وأعماله.
فما من موقف علميّ ولا واقعة عمليّة إلّا ومعوّل الإنسان فيه على العلم، حتّى أنّه إنّما يشخّص شكّه بعلمه أنّه شّك، وكذا ظنّه أو وهمه أو جهله بما يعلم أنّه ظنّ أو وهم أو جهل هذا.
ولقد نشأ في عصر اليونانيّين جماعة كانوا يسمّون بالسو فسطائيّين نفوا وجود العلم، وكانوا يبدون في كلّ شئ الشّك حتّى في أنفسهم وفي شّكهم، وتبعهم آخرون يسمون بالشكّاكين قريبوا المسلك منهم نفوا وجود العلم عن الخارج عن أنفسهم وأفكارهم (إدراكاتهم) وربّما لفّقوا لذلك وجوها من الاستدلال.
منها: أنّ أقوى العلوم والإدراكات (وهي الحاصلة لنا من طرق الحواسّ) مملوّة
خطأ وغلطاً فكيف بغيرها ؟ ومع هذا الوصف كيف يمكن الاعتماد على شئ من العلوم والتصديقات المتعلّقة بالخارج منّا ؟
ومنها: أنّا كلّما قصدنا نيل شئ من الأشياء الخارجيّة لم ننل عند ذلك إلّا العلم به دون نفسه فكيف يمكن النيل لشئ من الأشياء ؟ إلى غير ذلك من الوجوه.
والجواب عن الأوّل: أنّ هذا الاستدلال يبطل نفسه، فلو لم يجز الاعتماد على شئ من التصديقات لم يجز الاعتماد على المقدّمات المأخوذة في نفس الاستدلال، مضافاً إلى أن الاعتراف بوجود الخطأ وكثرته اعتراف بوجود الصواب بما يعادل الخطأ أو يزيد عليه، مضافاً إلى أنّ القائل بوجود العلم لا يدّعي صحّة كلّ تصديق بل إنّما يدّعيه في الجملة، وبعبارة اُخرى يدّعي الايجاب الجزئيّ في مقابل السلب الكلّي والحجّة لا تفي بنفي ذلك.
والجواب عن الثاني: أن محلّ النزاع وهو العلم حقيقته الكشف عن ماورائه فإذا فرضنا أنّا كلّما قصدنا شيئاً من الأشياء الخارجيّة وجدنا العلم بذلك إعترفنا بأنّا كشفنا عنه حينئذ، ونحن إنّما ندّعي وجود هذا الكشف في الجملة، ولم يدّع احد في باب وجود العلم: أنّا نجد نفس الواقع وننال عين الخارج دون كشفه، وهؤلاء محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافا اضطراريّاً في أفعال الحياة الاختياريّة وغيرها، فإنّهم يتحرّكون إلى الغذاء والماء عند إحساس ألم الجوع والعطش، وكذا إلى كلّ مطلوب عند طلبه لاعند تصوّره الخالي، ويهربون عن كلّ محذور مهروب عنه عند العلم بوجوده لا عند مجرّد تصوّره، وبالجملة كلّ حاجة نفسانيّة ألهمتها إليهم احساساتهم أوجدوا حركة خارجيّة لرفعها ولكنّهم عند تصوّر تلك الحاجة من غير حاجة الطبيعة إليها لا يتحرّكون نحو رفعها، وبين التصوّرين فرق لا محالة، وهو أنّ احد العلمين يوجده الإنسان باختياره ومن عند نفسه والاخر إنّما يوجد في الإنسان بايجاد أمر خارج عنه مؤثّر فيه، وهو الّذي يكشف عنه العلم، فإذن العلم موجود وذلك ما اردناه.
واعلم: أنّ في وجود العلم شكّاً قويّاً من وجه آخر وهو الّذي وضع عليه اساس العلوم المادّيّة اليوم من نفي العلم الثابت (وكل علم ثابت)، بيانه: أنّ البحث العلميّ
يثبت في عالم الطبيعة نظام التحوّل والتكامل، فكلّ جزء من أجزاء عالم الطبيعة واقعٌ في مسير الحركة متوجّه إلى الكمال، فما من شئ إلّا وهو في الآن الثاني من وجوده غيره وهو في الآن الأوّل من وجوده، ولا شكّ أنّ الفكر والإدراك من خواصّ الدماغ فهي خاصّة مادّيّة لمركّب مادّيّ، فهي لا محالة واقعة تحت قانون التحوّل والتكامل، فهذه الإدراكات (ومنها الإدراك المسمّى بالعلم) واقعة في التغيّر والتحوّل فلا معنى لوجود علم ثابت باق وإنّما هو نسبيّ، فبعض التصديقات أدوم بقاء وأطول عمراً أو أخفى نقيضاً ونقضاً من بعض آخر وهو المسمّى بالعلم فيما وجد.
والجواب عنه: أن الحجّة مبنية على كون العلم مادّيّاً غير مجرّد في وجوده وليس ذلك بيّنا ولا مبيّناً بل الحقّ أنّ العلم ليس بمادّيّ البتّة، وذلك لعدم إنطباق صفات المادّة وخواصّها عليه.
(١) فإنّّ المادّيّات مشتركة في قبول الانقسام وليس يقبل العلم بما أنّه علم الانقسام البتّة.
(٢) والمادّيّات مكانيّة زمانيّة والعلم بما أنّه علم لا يقبل مكاناً ولا زماناً، والدليل عليه إمكان تعقّل الحادثة الجزئيّة الواقعة في مكان معيّن وزمان معيّن في كل مكان وكلّ زمان مع حفظ العينيّة.
(٣) والمادّيّات بأجمعها واقعة تحت سيطرة الحركة العموميّة فالتغيّر خاصّة عموميّة فيها مع أن العلم بما أنه علم لا يتغيّر، فإنّّ حيثيّة العلم بالذات تنافي حيثيّة التغيّر والتبدّل وهو ظاهر عند المتأمّل.
(٤) ولو كان العلم ممّا يتغيّر بحسب ذاته كالمادّيّات لم يمكن تعقّل شئ واحد ولا حادثة واحدة فوقتين مختلفين معاً ولا تذكّر شئ أو حادثة سابقة في زمان لاحق، فإنّّ الشئ المتغيّر وهو في الآن الثاني غيره في الآن الأوّل، فهذه الوجوه ونظائرها دالة على أنّ العلم بما أنّه علم ليس بمادّيّ البتّة، وأمّا ما يحصل في العضو الحسّاس أو الدماغ من تحقّق عمل طبيعيّ فليس بحثنا فيه أصلاً ولا دليل على أنّه هو العلم، ومجرّد تحقّق عمل عند تحقّق أمر من الاُمور لا يدلّ على كونهما أمراً واحداً، والزائد على هذا المقدار من البحث ينبغي أن يطلب من محلّ آخر.
( سورة البقرة الآيات ٦ – ٧)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( ٦ ) خَتَمَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِم وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٧ )
( بيان)
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، هؤلاء قوم ثبتوا على الكفر وتمكّن الجحود من قلوبهم، ويدلّ عليه وصف حالهم بمساواة الإنذار وعدمه فيهم، ولا يبعد أن يكون المراد من هؤلاء الّذين كفروا هم الكفّار من صناديد قريش وكبراء مكّة الّذين عاندوا ولجّوا في أمر الدين ولم يألوا جهداً في ذلك ولم يؤمنوا حتّى أفناهم الله عن آخرهم في بدر وغيره، ويؤيّده أنّ هذا التعبير وهو قوله:( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) ، لا يمكن استطراده في حقّ جميع الكفّار وإلّا انسدّ باب الهداية القرآن ينادي على خلافه، وأيضاً هذا التعبير إنّما وقع في سورة يس (وهي مكّية) وفي هذه السورة (وهي سورة البقرة أوّل سورة نزلت في المدينة) نزلت ولم تقع غزوة بدر بعد، فالأشبه أن يكون المراد( مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، هيهنا وفي ساير الموارد من كلامه تعالى: كفّار مكّة في أوّل البعثة إلّا أن تقوم قرينة على خلافه، نظير ما سيأتي أنّ المراد من قوله تعالى:( الَّذِينَ آمَنُوا ) ، فيما اُطلق في القرآن من غير قرينة هم السابقون الأوّلون من المسلمين، خُصُّوا بهذا الخطاب تشريفاً.وقوله تعالى: ( خَتَمَ اللهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ) الخ يشعر تغيير السياق: (حيث نسب الختم إلى نفسه تعالى والغشاوة إليهم أنفسهم) بأنّ فيهم حجاباً دون الحقّ في أنفسهم وحجاباً من الله تعالى عقيب كفرهم وفسوقهم، فأعمالهم متوسّطة بين حجابين: من ذاتهم ومن الله تعالى، وسيأتي بعض ما يتعلّق بالمقام في قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا ) .
واعلم : أنّ الكفر كالإيمان وصف قابل للشدّة والضعف فله مراتب مختلفة الآثار كالإيمان.
( بحث روائي)
في الكافي عن الزبيريّ عن الصادقعليهالسلام قال: قلت له: أخبرني عن وجوه الكفر في كتاب الله عزّوجلّ، قال: الكفر في كتاب الله على خمسة أوجه، فمنها كفر الجحود، والجحود على وجهين، والكفر بترك ما أمر الله، وكفر البرائة، وكفر النعم. فأمّا كفر الجحود فهو الجحود بالربوبيّة وهو قول من يقول: لا ربّ ولا جنّة ولا نار، وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم الدهريّة وهم الّذين يقولون وما يهلكنا إلّا الدهر وهو دين وضعوه لأنفسهم بالإستحسان منهم ولا تحقيق لشئ ممّا يقولون: قال عزّوجلّ: إن هم إلّا يظنّون، أنّ ذلك كما يقولون، وقال: إنّ الّذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون، يعني بتوحيد الله، فهذا أحد وجوه الكفر.
وأمّا الوجه الآخر فهو الجحود على معرفة، وهو أن يجحد الجاحد وهو يعلم أنّه حقّ قد استقرّ عنده، وقد قال الله عزّوجلّ:( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) ، وقال الله عزّوجلّ: وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين، فهذا تفسير وجهى الجحود، والوجه الثالث من الكفر كفر النعم وذلك قوله سبحانه يحكي قول سليمان: هذا من فضل ربّي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن يشكر فإنّما يشكر لنفسه ومن يكفر فإنّ الله غنيّ كريم، وقال: لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد، وقال: فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون.
والوجه الرابع من الكفر ترك ما أمر الله عزّوجلّ به، وهو قول عزّوجلّ:( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ) فكفّرهم بترك ما أمر الله عزّوجلّ به ونسبهم إلى الإيمان
ولم يقبله منهم ولم ينفعهم عنده فقال: فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلّا خزىٌ في الحياة الدنيا ويوم القيمة يردّون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل عمّا تعملون.
والوجه الخامس من الكفر كفر البرائة وذلك قول الله عزّوجلّ يحكي قول إبراهيم:( كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) ، يعني تبرّأنا منكم، وقال: ( يذكر ابليس وتبرّيه من أوليائه من الإنس يوم القيامة ) إنّي كفرت بما أشركتمون من قبل، وقال: إنّما اتّخذتم من دون الله أوثاناً مودّة بينكم في الحياة الدنيا ثمّ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً، يعني يتبرّأ بعضكم من بعض.
اقول: وهي في بيان قبول الكفر الشدّة والضعف كما مرّ.
( سورة البقرة الآيات ٨ – ٢٠)
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ( ٨ ) يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ( ٩ ) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( ١٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ( ١١ ) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ ( ١٢ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ ( ١٣ ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( ١٤ ) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( ١٥ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( ١٦ ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ( ١٧ ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ( ١٨ ) أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ( ١٩ ) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ٢٠ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ) إلى آخر الآيات، الخدعة نوع من المكر، والشيطان هو الشرير ولذلك سمّي إبليس شيطاناً.
وفي الآيات بيان حال المنافقين، وسيجئ إن شاء الله تفصيل القول فيهم في سورة المنافقين وغيرها.
وقوله تعالى: ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) (الخ) مثل يمثل به حالهم، أنّهم كالّذي وقع في ظلمة عمياء لا يتميّز فيها خير من شر ولا نافع من ضار فتسبّب لرفعها بسبب من أسباب الإستضائة كنار يوقدها فيبصر بها ما حولها فلمّا توقدّت وأضائت ما حولها أخمدها الله بسبب من الأسباب كريح أو مطر أو نحوهما فبقى فيما كان عليه من الظلمة وتورّط بين ظلمتين: ظلمة كان فيها وظلمة الحيرة وبطلان السبّب.
وهذه حال المنافق، يظهر الإيمان فيستفيد بعض فوائد الدين باشتراكه مع المؤمنين في مواريثهم ومناكحهم وغيرهما حتّى إذا حان حين الموت وهو الحين الّذي فيه تمام الإستفادة من الإيمان ذهب الله بنوره وأبطل ما عمله وتركه في ظلمة لا يدرك فيها شيئاً ويقع بين الظّلمة الأصليّة وما أوجده من الظلمة بفعاله.
وقوله تعالى: ( أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ ) الخ، الصيّب هو المطر الغزير، والبرق معروف، والرعد هو الصوت الحادث من السحاب عند الإبراق، والصاعقة هي النازلة من البروق.
وهذا مثل ثان يمثّل به حال المنافقين في إظهارهم الإيمان، أنّهم كالّذي أخذه صيّب السماء ومعه ظلمة تسلب عنه الإبصار والتمييز، فالصيّب يضطرّه إلى الفرار والتخلّص، والظلمة تمنعه ذلك، والمهوّلات من الرعد والصاعقة محيطة به فلا يجد مناصاً عن أن يستفيد بالبرق وضوئه وهو غير دائم ولا باق متّصل كلّما أضاء له مشى وإذا أظلم عليه قام.
وهذه حال المنافق فهو لا يحبّ الإيمان ولا يجد بدّا من إظهاره، ولعدم المواطأة بين قلبه ولسانه لا يستضئ له طريقه تمام الإستضائة، فلا يزال يخبط خبطاً بعد خبط ويعثر عثرة بعد عثرة فيمشي قليلا ويقف قليلا ويفضحه الله بذلك ولو شاء الله لذهب بسمعه وبصره فيفتضح من أوّل يوم.
( سورة البقرة الآيات ٢١ – ٢٥)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ٢١ ) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٢٢ ) وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ٢٣ ) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( ٢٤ ) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٢٥ )
( بيان)
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا ) الخ، لما بيّن سبحانه: حال الفرق الثلاث: المتّقين والكافرين، والمنافقين، وأنّ المتّقين على هدى من ربّهم والقرآن هدى لهم، وأنّ الكافرين مختوم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة وأنّ المنافقين مرضى وزادهم الله مرضاً وهم صمّ بكم عمى (وذلك في تمام تسع عشرة آية) فرّع تعالى على ذلك أن دعى الناس إلى عبادته وأن يلتحقوا بالمتّقين دون الكافرين والمنافقين بهذه الآيات الخمس إلى قوله: خالدون. وهذا السياق يعطي كون قوله:( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) متعلّقاً بقوله: اعبدوا، دون قوله خلقكم وإن كان المعنى صحيحاً على كلا التقديرين.
وقوله تعالى: ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ، الأنداد جمع ندّ كمثل،
وزناً ومعنى وعدم تقييد قوله تعالى: وانتم تعلمون بقيد خاصّ وجعله حالاً من قوله تعالى:( فَلَا تَجْعَلُوا ) ، يفيد التأكيد البالغ في النهي بأنّ الإنسان وله علم مّا كيفما كان لا يجوز له أن يتّخذ لله سبحانه أنداداً والحال أنّه سبحانه هو الّذي خلقهم والّذين من قبلهم ثمّ نظم النظام الكونيّ لرزقهم وبقائهم.
وقوله تعالى: ( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ) أمر تعجيزيّ لإبانة إعجاز القرآن، وأنّه كتاب منزّل من عند الله لا ريب فيه، إعجازاً باقياً بمرّ الدّهور وتوالي القرون، وقد تكرّر في كلامه تعالى هذا التعجيز كقوله تعالى:( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) الاسراء - ٨٨، وقوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) هود - ١٣. وعلى هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى: ممّا نزّلنا، ويكون تعجيزاً بالقرآن نفسه وبداعة أسلوبه وبيانه.
ويمكن أن يكون الضمير راجعاً إلى قوله: عبدنا، فيكون تعجيزاً بالقرآن من حيث أنّ الّذي جاء به رجل اُمّي لم يتعلّم من معلّم ولم يتلّق شيئاً من هذه المعارف الغالية العالية والبيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فيكون الآية في مساق قوله تعالى:( قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) يونس - ١٦، وقد ورد التفسيران معاً في بعض الأخبار.
واعلم: ان هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة الكوثر وسورة العصر مثلاً، وما ربّما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة كسورة البقرة أو سورة يونس مثلاً يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من يرمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى إنّما يرميه جميعاً ولا يخصّص قوله ذاك بسورة دون سورة، فلا معنى لردّه بالتحدّي بسورة البقرة أو بسورة يونس لرجوع المعنى حينئذ إلى مثل قولنا: وإن كنتم في من سورة الكوثر أو الإخلاص مثلاً فأتوا بسورة مثل سورة يونس وهم بيّن الإستهجان هذا.
( الإعجاز وماهيّته)
اعلم: أنّ دعوى القرآن أنّها آية معجزة بهذا التحدّي الذى أبدتها هذه الآية تنحّل بحسب الحقيقة إلى دعويين، وهما دعوى ثبوت أصل الإعجاز وخرق العادة الجارية ودعوى أنّ القران مصداق من مصاديق الإعجاز ومعلوم أنّ الدعوى الثانية تثبت بثبوتها الدعوى الاُولى، والقرآن أيضاً يكتفى بهذا النمط من البيان ويتحدّى بنفسه فيستنتج به كلتا النتيجتين غير أنّه يبقى الكلام على كيفيّة تحقّق الإعجاز مع اشتماله على ما لا تصدّقه العادة الجارية في الطبيعة من إستناد المسبّبات إلى أسبابها المعهودة المشخّصة من غير استثناء في حكم السببيّة أو تخلّف واختلاف في قانون العلّيّة، والقرآن يبيّن حقيقة الأمر ويزيل الشبهة فيه.
فالقرآن يشدق في بيان الأمر من جهتين.
الاولى: أنّ الإعجاز ثابت ومن مصاديقه القران المثبت لأصل الإعجاز ولكون منه بالتحدّي.
الثانية: أنّه ما هو حقيقة الإعجاز وكيف يقع في الطبيعة أمر يخرق عادتها وينقض كلّيّتها.
( إعجاز القرآن)
لا ريب في أنّ القرآن يتحدّى بالإعجاز في آيات كثيرة مختلفة مكّية ومدنيّة تدلّ جميعها على أنّ القرآن آية معجزة خارقة حتّى أنّ الآية السابقة أعني قوله تعالى:( وإن كنتم في ريب ممّا نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ) الآية، اي من مثل النبيّ (صلى إليه عليه وآله وسلم) إستدلال على كون القرآن معجزة بالتحدّي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا أنّه إستدلال على النبوّة مستقيماً وبلا واسطة، والدليل عليه قوله تعالى في أوّلها:( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ) ولم يقل وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا، فجميع التحديّات الواقعة في القرآن نحو استدلال
على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، والآيات المشتملة على التحدّي مختلفة في العموم والخصوص ومن أعمّها تحدّيا قوله تعالى:( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) الأسراء - ٨٨، والآية مكّية وفيها من عموم التحدّي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة.
فلو كان التحدّي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعدّ التحدّي قوماً خاصّاً وهم العرب العرباء من الجاهليّين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده، وقد قرع بالآية أسماع الإنس والجنّ.
وكذا غير البلاغة والجزالة من كلّ صفة خاصّة إشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقيّة والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعيّة والأخبار المغيّبة ومعارف اُخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كلّ واحد منها ممّا يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدّي على الثقلين ليس إلّا في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات.
فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته، وللعالم في علمه وللاجتماعيّ في اجتماعه، وللمقنّنين في تقنينهم وللسياسيّين في سياستهم، وللحكّام في حكومتهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان.
ومن هنا يظهر أنّ القرآن يدّعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازاً لكلّ فرد من الإنس والجنّ من عامّة أو خاصّة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لبّ يشعر بالقول، فإنّ الإنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها، فلكلّ إنسان أن يتأمّل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثمّ يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة، فهل يتأتّى القوّة البشريّة أن يختلق معارف إلهيّة مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة ؟ وهل يمكنها أن تأتّي بأخلاق مبنيّة على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة ؟ وهل يمكنها
أن يشرّع أحكاما تامّة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدّي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كلّ حكم ونتيجته، وسريان الطهارة في أصله وفرعه ؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الإحصاء العجيب والإتقان الغريب من رجل ُمّي لم يتربّ إلّا في حجر قوم حظّهم من الإنسانيّة على مزإياها الّتي لا تحصى وكمالاتها الّتي لا تغيّا أن يرتزقوا بالغارات الغزوات ونهب الاموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الإولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الإمّهات ويتباهوا بالفجور ويذمّوا العلم ويتظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميّتهم الكاذبة إذّلاء لكلّ مستذلّ وخطفة لكل خاطف فيوما لليمن ويوما للحبشة ويوما للروم ويومً للفرس ؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهليّة.
وهل يجتري عاقل على أن يأتي بكتاب يدّعيه هدى للعالمين ثمّ يودعه أخبارً في الغيب ممّا مضى ويستقبل وفيمن خلت من الُمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والإثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيّبات المستقبلة ثمّ لا يتخلّف شئ منها عن صراط الصدق ؟.
وهل يتمكّن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادّيّة، والدار دار التحوّل والتكامل، أن يداخل في كلّ شأن من شئون العالم الإنسانيّ ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوما وقوانين وحكما ومواعظ وأمثالا وقصصً في كلّ ما دقّ وجلّ ثمّ لا يختلف حاله في شئ منها في الكمال والنقص وهي متدرجّة الوجود متفرّقة الالقاء وفيها ما ظهر ثمّ تكرّر وفيها فروع متفرّعة على أصولها ؟ هذا مع ما نراه أنّ كلّ إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة.
فالإنسان اللبيب القادر على تعقّل هذه المعاني لا يشكّ في أنّ هذه المزايا الكلّيّة وغيرها ممّا يشتمل عليه القرآن الشريف كلّها فوق القوّة البشريّة ووراء الوسائل الطبيعيّة المادّيّة وان لم يقدر على ذلك فلم يضلّ في إنسانيّته ولم ينس ما يحكم به وجدإنه الفطريّ أن يراجع فيما لا يحسن إختباره ويجهل مأخذه إلى أهل الخبرة به.
فإن قلت: ما الفائدة في توسعة التحدّي إلى العامّة والتعدّي عن حومه الخاصّة
فإنّ العامّة سريعة الانفعال للدعوة والإجابة لكل صنيعة وقد خضعوا لإمثال الباب والبهاء والقاديانيّ والمسيلمة على أنّ ما أتوا به واستدلّوا عليه أشبه بالهجر والهذيان منه بالكلام.
قلت: هذا هو السبيل في عموم الإعجاز والطريق الممكن في تمييز الكمال والتقدّم في أمر يقع فيه التفاضل والسباق، فإنّ أفهام الناس مختلفة اختلافً ضروريّاً والكمالات كذلك، والنتيجة الضروريّة لهاتين المقدّمتين أن يدرك صاحب الفهم العالي والنظر الصائب ويرجع من هو دون ذلك فهما ونظرا إلى صاحبه، و الفطرة حاكمة والغريزة قاضية.
ولا يقبل شئ ممّا يناله الانسان بقواه المدركة ويبلغه فهمه العموم والشمول لكلّ فرد في كلّ زمان ومكان بالوصول والبلوغ والبقاء إلّا ما هو من سنخ العلم والمعرفة على الطريقة المذكورة، فإنّ كلّ ما فرض آية معجزة غير العلم والمعرفة فإنّما هو موجود طبيعيّ أو حادث حسّيّ محكوم بقوانين المادّة محدود بالزمان والمكان فليس بمشهود إلّا لبعض أفراد الانسان دون بعض ولو فرض محالا أو كالمحال عمومه لكلّ فرد منه فإنّما يمكن في مكان دون جميع الإمكنة، ولو فرض اتّساعه لكلّ مكان لم يمكن اتّساعه لجميع الإزمنة والإوقات.
فهذا ما تحدّى به القرآن تحدّيً عامًّ لكلّ فرد في كلّ مكان في كلّ زمان.
( تحدّيه بالعلم)
وقد تحدّى بالعلم والمعرفة خاصّة بقوله تعالى:( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) النحل - ٨٩، وقوله( وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) الانعام - ٥٩، إلى غير ذلك من الآيات، فإنّ الإسلام كما يعلمه ويعرفه كلّ من سار في متن تعليماته من كلّيّاته الّتي أعطاها القرآن وجزئيّاته الّتي أرجعها إلى النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم)، بنحو قوله:( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) الحشر - ٧، وقوله تعالى:( لِتَحْكُمَ
بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ ) النساء - ١٠٤، وغير ذلك متعرّض للجليل والدقيق من المعارف الإلهيّة (الفلسفيّة) والأخلاق الفاضلة والقوانين الدينيّة الفرعيّة من عبادات ومعاملات وسياسات واجتماعيّات وكلّ ما يمسّه فعل الإنسان وعمله، كلّ ذلك على أساس الفطرة وأصل التوحيد بحيث ترجع التفاصيل إلى أصل التوحيد بالتحليل، ويرجع الأصل إلى التفاصيل بالتركيب.
وقد بيّن بقائها جميعاً وانطباقها على صلاح الإنسان بمرور الدهور وكرورها بقوله تعالى:( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) حم سجدة - ٤٢. وقوله تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر - ٩، فهو كتاب لا يحكم عليه حاكم النسخ ولا يقضي عليه قانون التحوّل والتكامل.
فإن قلت: قد إستقرّت أنظار الباحثين عن الاجتماع وعلماء التقنين اليوم على وجوب تحوّل القوانين الوضعيّة الاجتماعيّة بتحوّل الاجتماع وإختلافها بإختلاف الأزمنة والأوقات وتقدّم المدنيّة والحضارة.
قلت: سيجئ البحث عن هذا الشأن والجواب عن الشبهة في تفسير قوله تعالى( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) الآية البقرة - ٢١٣.
وجملة القول وملخّصه أنّ القرآن يبني أساس التشريع على التوحيد الفطريّ والأخلاق الفاضلة الغريزيّة ويدّعي أنّ التشريع يجب أن ينمو من بذر التكوين والوجود. وهؤلاء الباحثون يبنون نظرهم على تحوّل الاجتماع مع إلغاء المعنويّات من معارف التوحيد وفضائل الأخلاق، فكلمتهم جامدة على سير التكامل الاجتماعيّ المادّيّ العادم لفضيلة الروح، وكلمة الله هي العليا.
( التحدّي بمن اُنزل عليه القرآن)
وقد تحدّى بالنبيّ الاُمّيّ الّذي جاء بالقرآن المعجز في لفظه ومعناه، ولم يتعلّم عند معلّم ولم يتربّ عند مربّ بقوله تعالى:( قُل لَّوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُم
بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) يونس - ١٦، فقد كان (صلّي الله عليه و آله و سلّم) بينهم وهو أحدهم لا يتسامى في فضل ولا ينطق بعلم حتّى لم يأت بشئ من شعر أو نثر نحواً من أربعين سنة وهو ثلثا عمره لا يحوز تقدّماً ولا يرد عظيمة من عظائم المعالي ثمّ أتى بما اتى به دفعة فأتى بما عجزت عنه فحولهم وكلّت دونه ألسنة بلغائم، ثمّ بثّه في أقطار الأرض فلم يجترئ على معارضته معارض من عالم أو فاضل أو ذي لبّ وفطانة.
وغاية ما أخذوه عليه: أنّه سافر إلى الشام للتجارة فتعلّم هذه القصص ممّن هناك من الرهبان ولم يكن أسفاره إلى الشام إلّا مع عمّه أبي طالب قبل بلوغه وإلّا مع ميسرة مولى خديجة وسنه يومئذ خمسة وعشرون وهو مع من يلازمه في ليله ونهاره، ولو فرض محالا ذلك فما هذه المعارف والعلوم ؟ ومن أين هذه الحكم والحقائق ؟ وممّن هذه البلاغة في البيان الّذي خضعت له الرقاب وكلّت دونه الألسن الفصاح ؟
وما أخذوه عليه أنّه كان يقف على قين بمكّة من أهل الروم كان يعمل السيوف ويبيعها فأنزل الله سبحانه:( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) النحل - ١٠٣.
وما قالوا عليه أنّه يتعلّم بعض ما يتعلّم من سلمان الفارسيّ وهو من علماء الفرس عالمٌ بالمذاهب والأديان مع أنّ سلمان إنّما آمن به في المدينة وقد نزل أكثر القرآن بمكّة وفيها من جميع المعارف الكلّيّة والقصص ما نزلت منها بمدينة بل أزيد، فما الّذي زاده ايمان سلمان وصحابته ؟
على أنّ من قرأ العهدين وتأمّل ما فيهما ثمّ رجع إلى ما قصه القرآن من تواريخ الأنبياء السالفين واُممهم رأى أنّ التاريخ غير التاريخ والقصّة غير القصّة ففيهما عثرات وخطايا لأنبياء الله الصالحين تنبو الفطرة وتتنفّر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم، والقرآن يبرّئهم منها وفيها اُمور اُخرى لا يتعلّق بها معرفة حقيقيّة ولا فضيلة خلقيّة ولم يذكر القرآن منها إلّا ما ينفع الناس في معارفهم وأخلاقهم وترك الباقي وهو الأكثر.
( تحدّي القرآن بالإخبار عن الغيب)
وقد تحدّى بالإخبار عن الغيب بآيات كثيرة، منها إخباره بقصص الأنبياء السالفين وأممهم كقوله تعالى:( تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا ) الآية هود - ٤٩، وقوله تعالى بعد قصّة يوسف:( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ) يوسف - ١٠٢ وقوله تعالي في قصّة مريم:( ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) آل عمران - ٤٤ وقوله تعالى:( ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَم قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) مريم - ٣٤ إلى غير ذلك من الآيات.
ومنها الإخبار عن الحوادث المستقبلة كقوله تعالى:( غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) الروم - ٢ - ٣، وقوله تعالى في رجوع النبيّ إلى مكّة بعد الهجرة:( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) القصص - ٨٥ ، وقوله تعالى( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ) الآية الفتح - ٢٧، وقوله تعالى:( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) الفتح - ١٥، وقوله تعالى:( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) المائدة -٦٧، وقوله تعالى:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر- ٩، وآيات اُخر كثيرة في وعد المؤمنين وعيد كفّار مكّة ومشركيها.
ومن هذا الباب آيات اُخر في الملاحم نظير قوله تعالى:( وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ ) الأنبياء - ٩٥، ٩٧، وقوله تعالى:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) النور - ٥٥، وقوله تعالى( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ ) الانعام - ٦٥، ومن هذا الباب قوله تعالى:( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )
الحجر - ٢٢، وقوله تعالى( وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ) الحجر - ١٩، وقوله تعال:( وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ) النباء - ٧، ممّا يبتني حقيقة القول فيها على حقائق علميّة مجهولة عند النزول حتّى اكتشف الغطاء عن وجهها بالأبحاث العلميّة الّتي وفق الإنسان لها في هذه الأعصار.
ومن هذا الباب (وهو من مختصّات هذا التفسير الباحث عن آيات القرآن باستنطاق بعضها ببعض واستشهاد بعضها على بعض) ما في سورة المائدة من قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) الآية المائدة - ٥٤. وما في سورة يونس من قوله تعالى:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ) إلى آخر الآيات يونس - ٤٧، وما في سورة الروم من قوله تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) الآية الروم - ٣٠، إلى غير ذلك من الآيات الّتي تنبئ عن الحوادث العظيمة الّتي تستقبل الاُمّة الإسلاميّة أو الدنيا عامّة بعد عهد نزول القرآن، وسنورد انشاء الله تعالى طرفاً منها في البحث عن سورة الاسراء.
( تحدّي القرآن بعدم الإختلاف فيه)
وقد تحدّى أيضاً بعدم وجود الإختلاف فيه، قال تعالى:( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) النساء - ٨٢، فإنّ من الضروريّ أنّ النشأة نشأة المادّة والقانون الحاكم فيها قانون التحوّل والتكامل فما من موجود من الموجودات الّتي هي أجزاء هذا العالم الّا وهو متدرّج الوجود متوجّه من الضعف إلى القوّة ومن النقص إلى الكمال في ذاته وجميع توابع ذاته ولواحقه من الافعال والآثار ومن جملتها الإنسان الّذي لا يزال يتحوّل ويتكامل في وجوده وأفعاله وآثاره الّتي منها آثاره الّتي يتوسّل إليها بالفكر والإدراك، فما من واحد منّا إلّا وهو يرى نفسه كلّ يوم أكمل من أمس ولا يزال يعثر في الحين الثاني على سقطات في أفعاله وعثرات في أقواله الصادرة منه في الحين الأوّل، هذا أمر لا ينكره من نفسه إنسان ذو شعور.
وهذا الكتاب جاء به النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) نجوما وقرأه على الناس قطعاً قطعاً في مدّة ثلاث وعشرين سنة في أحوال مختلفة وشرائط متفاوتة في مكّة والمدينة في الليل والنهار والحضر والسفر والحرب والسلم في يوم العسرة وفي يوم الغلبة ويوم الأمن ويوم الخوف، ولإلقاء المعارف الإلهيّة وتعليم الأخلاق الفاضلة وتقنين الأحكام الدينيّة في جميع أبواب الحاجة، ولا يوجد فيه أدنى إختلاف في النظم المتشابه، كتاباً متشابها مثانى ولم يقع في المعارف الّتي ألقاها والاُصول الّتي أعطاها إختلاف يتناقض بعضها مع بعض وتنافي شئ منها مع آخر، فالآية تفسّر الآية والبعض يبيّن البعض، والجملة تصدّق الجملة كما قال عليعليهالسلام : (ينطق بعضه ببعض ويشهد بعضه على بعض) (نهج البلاغة). ولو كان من عند غير الله لاختلف النظم في الحسن والبهاء والقول في الشداقة والبلاغة والمعنى من حيث الفساد والصحّة ومن حيث الإتقان والمتانة.
فإن قلت: هذه مجرّد دعوى لا تتّكي على دليل وقد اُخذ على القرآن مناقضات وإشكالات جمّة ربّما ألف فيه التأليفات، وهى إشكالات لفظيّة ترجع إلى قصوره في جهات البلاغة ومناقضات معنويّة تعود إلى خطأه في آرائه وأنظاره وتعليماته، وقد أجاب عنها المسلمون بما لا يرجع في الحقيقة إلّا إلى التأويلات الّتي يحترزها الكلام الجاري على سنن الاستقامة وإرتضاء الفطرة السليمة.
قلت: ما اُشير إليه من المناقضات والإشكالات موجودة في كتب التفسير وغيرها مع أجوبتها ومنها هذا الكتاب، فالإشكال أقرب إلى الدعوى الخالية عن البيان.
ولا تكاد تجد في هذه المؤلّفات الّتي ذكرها المستشكل شبهة أوردوها أو مناقضة أخذوها إلّا وهي مذكور في مسفورات المفسّرين مع أجوبتها فأخذوا الإشكالات وجمعوها ورتّبوها وتركوا الأجوبة وأهملوها، ونعم ما قيل: لو كانت عين الحبّ متّهمة فعين البغض أولى بالتهمة.
فإن قلت: فما تقول في النسخ الواقع في القرآن وقد نصّ عليه القرآن نفسه في قوله:( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ) البقرة - ١٠٦ وقوله:( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ) النحل - ١٠١، وهل النسخ إلّا إختلاف في
النظر لو سلّمنا أنه ليس من قبيل المناقضة في القول ؟.
قلت: النسخ كما أنّه ليس من المناقضة في القول وهو ظاهر كذلك ليس من قبيل الإختلاف في النظر والحكم وإنّما هو ناش من الإختلاف في المصداق من حيث قبوله إنطباق الحكم يوماً لوجود مصلحته فيه وعدم قبوله الانطباق يوما آخر لتبدّل المصلحة من مصلحة اُخرى توجب حكما آخر، ومن أوضع الشهود على هذا أنّ الآيات المنسوخة الأحكام في القرآن مقترنة بقرائن لفظيّة تؤمي إلى أنّ الحكم المذكور في الآية سينسخ كقوله تعالى:( وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) النساء - ١٥، (انظر إلى التلويح الّذي تعطيه الجملة الأخيرة)، وكقوله تعالى:( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا ) إلى أن قال( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) البقرة - ١٠٩، حيث تمّم الكلام بما يشعر بأنّ الحكم مؤجّل.
( التحدّي بالبلاغة)
وقد تحدّى القرآن بالبلاغة كقوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ ) هود - ١٣، ١٤. والآية مكّية، وقوله تعالى:( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) يونس - ٣٨، ٣٩. والآية أيضاً مكّية وفيها التحدّي بالنظم والبلاغة فإنّ ذلك هو الشأن الظاهر من شؤون العرب المخاطبين بالآيات يومئذ، فالتاريخ لا يرتاب أنّ العرب العرباء بلغت من البلاغة في الكلام مبلغا لم يذكره التاريخ لواحدة من الاُمم المتقدّمة عليهم والمتأخّرة عنهم و وطئوا موطئا لم تطأه أقدام غيرهم في كمال البيان وجزالة النظم ووفاء اللفظ ورعاية المقام وسهولة المنطق. وقد تحدّى عليهم القرآن بكلّ تحدّ ممكن ممّا يثير الحميّة ويوقد نار الأنفة والعصبيّة. وحالهم في الغرور
ببضاعتهم والاستكبار عن الخضوع للغير في صناعتهم ممّا لا يرتاب فيه، وقد طالت مدّة التحدّي وتمادى زمان الاستنهاض فلم يجيبوه إلّا بالتجافي ولم يزدهم إلّا العجز ولم يكن منهم إلّا الاستخفاء والفرار، كما قال تعالى:( أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) هود - ٥.
وقد مضى من القرون والأحقاب ما يبلغ أربعة عشر قرنا ولم يأت بما يناظره آت ولم يعارضه أحد بشئ إلّا أخزى نفسه وافتضح في أمره.
وقد ضبط النقل بعض هذه المعارضات والمناقشات، فهذا مسيلمة عارض سورة الفيل بقوله: ( الفيل ما الفيل وما أدريك ما الفيل له ذنب وبيل وخرطوم طويل ) وفي كلام له في الوحي يخاطب السجاح النبيّة (فنولجه فيكنّ إيلاجا، ونخرجه منكن إخراجاً) فانظر إلى هذه الهذيانات واعتبر، وهذه سورة عارض بها الفاتحة بعض النصارى (الحمد للرحمن. ربّ الأكوان الملك الديّان. لك العبادة وبك المستعان اهدنا صراط الايمان) إلى غير ذلك من التقوّلات.
فإن قلت: ما معنى كون التأليف الكلاميًّ بالغا إلى مرتبة معجزة للإنسان ووضع الكلام ممّا سمحت به قريحة الإنسان ؟ فكيف يمكن أن يترشّح من القريحة ما لا تحيط به والفاعل أقوى من فعله ومنشأ الاثر محيط بأثره ؟ وبتقريب آخر الإنسان هو الّذي جعل اللّفظ علامة دالّة على المعنى لضرورة الحاجة الاجتماعيّة إلى تفهيم الإنسان ما في ضميره لغيره فخاصّة الكشف عن المعنى في اللفظ خاصّة وضعيّة اعتباريّة مجعولة للإنسان، ومن المحال أن يتجاوز هذه الخاصّة المترشّحة عن قريحة الإنسان حدّ قريحته فتبلغ مبلغا لا تسعه طاقة القريحة، فمن المحال حينئذ أن يتحقّق في اللفظ نوع من الكشف لا تحيط به القريحة وإلّا كانت غير الدلالة الوضعيّة الاعتباريّة، مضافا إلى أنّ التراكيب الكلاميّة لو فرض أنّ بينها تركيباً بالغا حدّ الإعجاز كان معناه أن كلّ معنى من المعاني المقصودة ذو تراكيب كلاميّة مختلفة في النقص والكمال والبلاغة وغيرها، وبين تلك التراكيب تركيب هو أرقاها وابلغها لا تسعها طاقة البشر، وهو التركيب المعجز، ولازمه أن يكون في كلّ معنى مطلوب تركيب واحد إعجازيّ، مع أنّ القرآن
كثيراً ما يورد في المعنى الواحد بيانات مختلفة وتراكيب متفرّقة، وهو في القصص واضح لا ينكر، ولو كانت تراكيبه معجزة لم يوجد منها في كلّ معنى مقصود إلّا واحد لا غير.
قلت: هاتان الشبهتان وما شاكلهما هي الموجبة لجمع من الباحثين في إعجاز القرآن في بلاغته أن يقولوا بالصرف، ومعنى الصرف أنّ الإتيان بمثل القرآن أو سور أو سورة واحدة منه محال على البشر لمكان آيات التحدّي وظهور العجز من أعداء القرآن منذ قرون، ولكن لا لكون التأليفات الكلاميّة الّتي فيها في نفسها خارجة عن طاقة الإنسان وفائقة على القوّة البشريّة، مع كون التأليفات جميعاً أمثالا لنوع النظم الممكن للإنسان، بل لأنّ الله سبحانه يصرف الإنسان عن معارضتها والإتيان بمثلها بالإرادة الإلهيّة الحاكمة على إرادة الإنسان حفظا لآية النبوّة ووقاية لحمى الرسالة.
وهذا قول فاسد لا ينطبق على ما يدلّ عليه آيات التحدّي بظاهرها كقوله( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللهِ ) الآية هود - ١٣ و ١٤، فإنّ الجملة الأخيرة ظاهرة في أنّ الاستدلال بالتحدّي إنّما هو على كون القرآن نازلاً لا كلاماً تقوله رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وأنّ نزوله إنّما هو بعلم الله لا بإنزال الشياطين كما قال تعالى( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) الطور - ٣٤، وقوله تعالى:( وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ) الشعراء - ٢١٢، والصرف الّذي يقولون به إنّما يدلّ على صدق الرسالة بوجود آية هي الصرف، لا على كون القرآن كلاما لله نازلا من عنده، ونظير هذه الآية الآية الاُخرى، وهي قوله:( قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ) الآية يونس - ٣٩، فإنّها ظاهرة في أنّ الّذي يوجب إستحالة إتيان البشر بمثل القرآن وضعف قواهم وقوى كلّ من يعينهم على ذلك من تحمّل هذا الشأن هو أنّ للقرآن تأويلا لم يحيطوا بعلمه فكذّبوه، ولا يحيط به علماً إلّا الله فهو الّذي يمنع المعارض عن أن يعارضه، لا أن الله سبحانه يصرفهم عن ذلك مع تمكّنهم منه لولا الصرف بإرادة من الله تعالى.
وكذا قوله تعالى:( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) الآية النساء - ٨٢، فإنّه ظاهر في أنّ الّذي يعجز الناس عن الإتيان بمثل القرآن إنّما هو كونه في نفسه على صفة عدم الإختلاف لفظاً ومعنى ولا يسع لمخلوق أن يأتي بكلام غير مشتمل على الإختلاف، لا أن الله صرفهم عن مناقضته بإظهار الإختلاف الّذي فيه هذا، فما ذكروه من أن إعجاز القرآن بالصرف كلام لا ينبغي الركون إليه.
وأما الإشكال باستلزام الاعجاز من حيث البلاغة المحال، بتقريب أن البلاغه من صفات الكلام الموضوع ووضع الكلام من آثار القريحة الإنسانيّة فلا يمكن أن يبلغ من الكمال حدّا لا تسعه طاقة القريحة وهو مع ذلك معلول لها لا لغيرها، فالجواب عنه أنّ الّذي يستند من الكلام إلى قريحة الإنسان إنّما هو كشف اللّفظ المفرد عن معناه، وأمّا سرد الكلام ونضد الجمل بحيث يحاكي جمال المعنى المؤلّف وهيئته على ما هو عليه في الذهن بطبعه حكاية تامّة أو ناقصة وإرائة واضحة أو خفيّة، وكذا تنظيم الصورة العلميّة في الذهن بحيث يوافق الواقع في جميع روابطه ومقدّماته ومقارناته ولواحقه أو في كثير منها أو في بعضها دون بعض فإنّما هو أمر لا يرجع إلى وضع الألفاظ بل إلى نوع مهارة في صناعة البيان وفنّ البلاغة تسمح به القريحة في سرد الألفاظ ونظم الأدوات اللفظيّة ونوع لطف في الذهن يحيط به القوّة الذاهنة على الواقعة المحكيّة بأطرافها ولوازمها ومتعلّقاتها.
فهيهنا جهات ثلاث يمكن أن تجتمع في الوجود أو تفترق فربّما أحاط إنسان بلغة من اللّغات فلا يشذّ عن علمه لفظ لكنّه لا يقدر على التهجّي والتكلّم، وربما تمهّر الإنسان في البيان وسرد الكلام لكن لا علم له بالمعارف والمطالب فيعجز عن التكلّم فيها بكلام حافظ لجهات المعنى حاك لجمال صورته الّتي هو عليها في نفسه، وربّما تبحّر الإنسان في سلسلة من المعارف والمعلومات ولطفت قريحته ورقّت فطرته لكن لا يقدر على الإفصاح عن ما في ضميره، وعىّ عن حكاية ما يشاهده من جمال المعنى ومنظره البهيج.
فهذه اُمور ثلاثة: أوّلها راجع إلى وضع الإنسان بقريحته الاجتماعيّة، والثانى والثالث راجعان إلى نوع من لطف القوّة المدركة، ومن البيّن أن إدراك القوى المدركة
منّا محدودة مقدّرة لا نقدر على الإحاطه بتفاصيل الحوادث الخارجيّة والاُمور الواقعيّة بجميع روابطها، فلسنا على أمن من الخطأ قطّ في وقت من الأوقات، ومع ذلك فالإستكمال التدريجيّ الّذي في وجودنا أيضاً يوجب الإختلاف التدريجيّ في معلوماتنا أخذاً من النقص إلى الكمال، فأيّ خطيب اشدق وأي شاعر مفلق فرضته لم يكن ما يأتيه في أوّل أمره موازنا لما تسمح به قريحته في أواخر أمره ؟ فلو فرضنا كلاماً إنسانيّاً أيّ كلام فرضناه لم يكن في مأمن من الخطأ لفرض عدم إطّلاع متكلّمه بجميع أجزاء الواقع وشرائطه (أوّلاً) ولم يكن على حدّ كلامه السابق ولا على زنة كلامه اللّاحق بل ولا أوّله يساوي آخره وإن لم نشعر بذلك لدقّة الأمر، لكن حكم التحوّل والتكامل عامّ (ثانياً)، وعلي هذا فلو عثرنا على كلام فصل لا هزل فيه (وجدّ الهزل هو القول بغير علم محيط) ولا إختلاف يعتريه لم يكن كلاما بشريّا، وهو الّذي يفيده القرآن بقوله:( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) الآية النساء - ٨٢، وقوله تعالى:( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) الطارق - ١٤. أنظر إلى موضع القسم بالسماء والأرض المتغيّرتين والمعنى المقسم به في عدم تغيّره واتّكائه على حقيقة ثابتة هي تأويله (وسيأتي ما يراد في القرآن من لفظ التأويل)، وقوله تعالى:( بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ ) البروج - ٢٢، وقوله تعالى:( وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) الزخرف - ٤. وقوله تعالى:( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) الواقعة - ٧٩، فهذه الآيات ونظائرها تحكى عن إتّكاء القرآن في معانيه على حقائق ثابتة غير متغيّرة ولا متغيّر ما يتكّي عليها.
إذا عرفت ما مرّ علمت أن إستناد وضع اللّغة إلى الإنسان لا يقتضي أن لا يوجد تأليف كلاميّ فوق ما يقدر عليه الإنسان الواضع له، وليس ذلك إلّا كالقول بان القين الصانع للسيوف يجب أن يكون أشجع من يستعملها وواضع النرد والشطرنج يجب أن يكون امهر من يلعب بهما ومخترع العود يجب أن يكون أقوى من يضرب بها.
فقد تبيّن من ذلك كلّه أنّ البلاغة التامّة معتمدة على نوع من العلم المطابق للواقع من جهة مطابقة اللّفظ للمعني ومن جهة مطابقة المعنى المعقول للخارج الّذي يحكيه الصورة الذهنيّة. أمّا اللّفظ فإن يكون الترتيب الّذي بين أجزاء اللفظ بحسب الوضع مطابقاً للترتيب الّذي بين أجزاء المعنى المعبّر عنه باللّفظ بحسب الطبع فيطابق الوضع الطبع كما قال الشيخ عبد القاهر الجرجانيّ في دلائل الإعجاز.
وأما المعنى فإن يكون في صحّته وصدقه معتمداً على الخارج الواقع بحيث لا يزول عمّا هو عليه من الحقيقة، وهذه المرتبة هي الّتي يتكّى عليها المرتبة السابقة، فكم من هزل بليغ في هزليّته لكنّه لا يقاوم الجدّ، وكم من كلام بليغ مبنىّ على الجهالة لكنّه لا يعارض ولا يسعه أن يعارض الحكمة، والكلام الجامع بين عذوبة اللفظ وجزالة الاُسلوب وبلاغة المعنى وحقيقة الواقع هو أرقى الكلام.
وإذا كان الكلام قائما على أساس الحقيقة ومنطبق المعنى عليها تمام الانطباق لم يكذّب الحقائق الاُخر ولم تكذّبه فإنّ الحقّ مؤتلف الأجزاء ومتّحد الأركان، لا يبطل حقّ حقّاً، ولا يكذّب صدق صدقا، والباطل هو الّذي ينافي الباطل وينافي الحقّ، أنظر إلى مغزى قوله سبحانه وتعالى:( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ) يونس - ٣٢، فقد جعل الحقّ واحدا لا تفرّق فيه ولا تشتّت. وانظر إلى قوله تعالى:( وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ) الانعام - ١٥٣. فقد جعل الباطل متشتّتا ومشتّتا ومتفرّقا و مفرّقا.
وإذا كان الأمر كذلك فلا يقع بين أجزاء الحقّ إختلاف بل نهاية الايتلاف، يجرّ بعضه إلى بعض، وينتج بعضه البعض كما يشهد بعضه على بعض ويحكي بعضه البعض.
وهذا من عجيب أمر القرآن فإنّ الآية من آياته لا تكاد تصمت عن الدلالة ولا تعقم عن الإنتاج، كلّما ضمّت آية إلى آية مناسبة أنتجت حقيقة من أبكار الحقائق ثمّ الآية الثالثة تصدّقها وتشهد بها، هذا شأنه وخاصّته، وستري في خلال البيانات في هذا الكتاب نبذا من ذلك، على أنّ الطريق متروك غير مسلوك ولو أنّ المفسرين ساروا هذا المسير لظهر لنا إلى اليوم ينابيع من بحاره العذبة وخزائن من أثقاله النفيسة.
فقد اتّضح بطلان الإشكال من الجهتين جميعاً فإنّ أمر البلاغة المعجزة لا يدور مدار اللفظ حتّى يقال إنّ الإنسان هو الواضع للكلام فكيف لا يقدر على أبلغ الكلام وأفصحه وهو واضح أو يقال إنّ ابلغ التركيبات المتصوّرة تركيب واحد من بينها فكيف يمكن التعبير عن معنى واحد بتركيبات متعدّدة مختلفة السياق والجميع فائقة قدرة البشر بالغة حدّ الإعجاز بل المدار هو المعنى المحافظ لجميع جهات الذهن والخارج.
( معنى الآية المعجزة في القرآن وما يفسر به حقيقتها)
ولا شبهة في دلالة القرآن على ثبوت الآية المعجزة وتحقّقها بمعنى الأمر الخارق للعادة الدّال على تصرّف ما وراء الطبيعة في عالم الطبيعة ونشأة المادّة لا بمعنى الأمر المبطل لضرورة العقل.
وما تمحّله بعض المنتسبين إلى العلم من تأويل الآيات الدالّة على ذلك توفيقاً بينها وبين ما يترائى من ظواهر الأبحاث الطبيعيّة (العلميّة) اليوم تكلّف مردود إليه.
والّذي يفيده القرآن الشريف في معنى خارق العادة وإعطاء حقيقتة نذكره في فصول من الكلام.
( ١ - تصديق القرآن لقانون العليّة العامّة)
إنّ القرآن يثبت للحوادث الطبيعيّة أسباباً ويصدّق قانون العليّة العامّة كما يثبته ضرورة العقل وتعتمد عليه الأبحاث العلميّة والأنظار الاستدلاليّة، فإنّ الإنسان مفطور على أن يعتقد لكلّ حادث مادّيّ علّة موجبة من غير تردّد وإرتياب. وكذلك العلوم الطبيعيّة وساير الأبحاث العلميّة تعلّل الحوادث والاُمور المربوطة بما تجده من اُمور اُخرى صالحة للتعليل، ولا نعني بالعلّة إلّا أن يكون هناك أمر واحد أو مجموع اُمور إذا تحقّقت في الطبيعة مثلا تحقّق عندها أمر آخر نسمّيه المعلول بحكم التجارب كدلالة التجربة على أنّه كلّما تحقّق إحتراق لزم أن يتحقّق هناك قبله علّة موجبة له من نار أو حركة أو اصطكاك أو نحو ذلك، ومن هنا كانت الكلّيّة وعدم التخلّف من أحكام العلّيّة والمعلوليّة ولوازمهما.
وتصديق هذا المعنى ظاهر من القرآن فيما جرى عليه وتكلّم فيه من موت وحيوة ورزق وحوادث اُخرى علويّة سماويّة أو سفليّة أرضيّة على أظهر وجه، وإن كان يسندها جميعاً بالاخرة إلى الله سبحانه لفرض التوحيد.
فالقرآن يحكم بصحّة قانون العليّة العامّة بمعنى أنّ سبباً من الأسباب إذا تحقّق مع ما يلزمه ويكتنف به من شرائط التّأثير من غير مانع لزمه وجود مسبّبه مترتّباً عليه بإذن الله سبحانه وإذا وجد المسبّب كشف ذلك عن تحقّق سببه لا محالة.
( ٢ - اثبات القرآن ما يخرق العادة)
ثمّ إنّ القرآن يقتصّ ويخبر عن جملة من الحوادث والوقائع لا يساعد عليه جريان العادة المشهودة في عالم الطبيعة على نظام العلّة والمعلول الموجود، وهذه الحوادث الخارقة للعادة هي الآيات المعجزة الّتي ينسبها إلى عدّة من الأنبياء الكرام كمعجزات نوح وهود وصالح وابراهيم ولوط وداود وسليمان وموسى وعيسى ومحمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) فإنّها امور خارقة للعادة المستمرّة في نظام الطبيعة.
لكن يجب أن يعلم أنّ هذه الاُمور والحوادث و إن انكرتها العادة واستبعدتها إلّا أنّها ليست أمورا مستحيلة بالذات بحيث يبطلها العقل الضروريّ كما يبطل قولنا : الايجاب والسلب يجتمعان معاً ويرتفعان معاً من كلّ جهة وقولنا الشئ يمكن أن يسلب عن نفسه وقولنا: لواحد ليس نصف الإثنين وأمثال ذلك من الاُمور الممتنعة بالذات كيف ؟ وعقول جمّ غفير من الملّيّين منذ أعصار قديمة تقبل ذلك وترتضيه من غير إنكار وردّ ولو كانت المعجزات ممتنعه بالذات لم يقبلها عقل عاقل ولم يستدلّ بها على شئ ولم ينسبها أحد إلى أحد.
على أنّ أصل هذه الاُمور أعني المعجزات ليس ممّا تنكره عادة الطبيعة بل هي ممّا يتعاوره نظام المادّة كل حين بتبديل الحىّ إلى ميّت والميّت إلى الحىّ وتحويل صورة إلى صورة وحادثة إلى حادثة ورخاء إلى بلاءٍ وبلاءٍ إلى رخاء، وإنّما الفرق بين صنع العادة وبين المعجزة الخارقة هو أنّ الأسباب المادّيّة المشهودة الّتي بين أيدينا
إنّما تؤثر أثرها مع روابط مخصوصة وشرائط زمانيّة ومكانيّة خاصّة تقضي بالتدريج في التأثير، مثلا العصا وإن أمكن أن تصير حيّة تسعى والجسد البالى وإن أمكن أن يصير إنسانا حيّا لكنّ ذلك إنّما يتحقّق في العادة بعلل خاصّة وشرائط زمانيّة ومكانيّة مخصوصة تنتقل بها المادّة من حال إلى حال وتكتسي صورة بعد صورة حتّى تستقرّ وتحلّ بها الصورة الأخيرة المفروضة على ما تصدّقه المشاهدة والتجربة لا مع أيّ شرط إتّفق أو من غير علّة أو بإرادة مريد كما هو الظاهر من حال المعجزات والخوارق الّتي يقصها القرآن.
وكما أنّ الحسّ والتجربة الساذجين لا يساعدان على تصديق هذه الخوارق للعادة كذلك النظر العلميّ الطبيعيّ، لكونه معتمدا على السطح المشهود من نظام العلّة والمعلول الطبيعيّين، اعني به السطح الّذى يستقر عليه التجارب العلميّ اليوم والفرضيّات المعلّلة للحوادث المادّيّة.
إلّا أنّ حدوث الحوادث الخارقة للعادة إجمالا ليس في وسع العلم إنكاره والستر عليه، فكم من أمر عجيب خارق للعادة يأتي به أرباب المجاهدة وأهل الإرتياض كلّ يوم تمتلي به العيون وتنشره النشريّات ويضبطه الصحف والمسفورات بحيث لا يبقى لذي لبّ في وقوعها شكّ ولا في تحقّقها ريب.
وهذا هو الّذي ألجأ الباحثين في الآثار الروحيّة من علماء العصر أن يعلّلوه بجريان أمواج مجهولة الكتريسية مغناطيسيّة فافترضوا أن الإرتياضات الشاقّة تعطي للإنسان سلطة على تصريف أمواج مرموزة قويّة تملكه أو تصاحبه إرادة وشعور وبذلك يقدر على ما يأتي به من حركات وتحريكات وتصرّفات عجيبة في المادّة خارقة للعادة بطريق القبض والبسط ونحو ذلك.
وهذه الفرضيّة لو تمّت وأطّردت من غير انتقاض لأدّت إلى تحقّق فرضيّة جديدة وسيعة تعلّل جميع الحوادث المتفرّقة الّتي كانت تعلّلها جميعاً أو تعلّل بعضها الفرضيّات القديمة على محور الحركة والقوّة ولساقت جميع الحوادث المادّيّة إلى التعلّل والارتباط بعلّة واحدة طبيعيّة.
فهذا قولهم والحقّ معهم في الجملة إذ لا معنى لمعلول طبيعيّ لا علّة طبيعيّة له مع فرض كون الرابطة طبيعيّة محفوظة، وبعبارة اُخرى إنا لا نعني بالعلّة الطبيعيّة إلّا أن تجتمع عدّة موجودات طبيعيّة مع نسب وروابط خاصّة فيتكوّن منها عند ذلك موجود طبيعيّ جديد حادث متأخّر عنها مربوط بها بحيث لو انتقض النظام السابق عليه لم يحدث ولم يتحقّق وجوده.
وأما القرآن الكريم فإنّه وإن لم يشخّص هذه العلّة الطبيعيّة الأخيرة الّتي تعلّل جميع الحوادث المادّيّة العاديّة والخارقة للعادة (على ما نحسبه) بتشخيص إسمه وكيفيّة تأثيره لخروجه عن غرضه العامّ إلّا أنّه مع ذلك يثبت لكلّ حادث مادّيّ سبباً مادّيّاً بإذن الله تعالى، وبعبارة اُخرى يثبت لكلّ حادث مادّيّ مستند في وجوده إلى الله سبحانه و (الكلّ مستند) مجرى مادّيّاً وطريقاً طبيعيّاً به يجري فيض الوجود منه تعالى إليه. قال تعالى:( وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) الطلاق - ٣، فإنّ صدر الآية يحكم بالإطلاق من غير تقييد أن كل من اتّقى الله وتوكّل عليه وإن كانت الأسباب العاديّة المحسوبة عندنا أسباباً تقضي بخلافه وتحكم بعدمه فإنّ الله سبحانه حسبه فيه وهو كائن لا محالة، كما يدلّ عليه أيضاً اطلاق قوله تعالى:( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) البقرة - ١٨٦، وقوله تعالى:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) غافر- ٦٠، وقوله تعالى:( أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) الزمر - ٣٦. ثمّ الجملة التالية وهي قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ) الطلاق - ٣، يعلّل إطلاق الصدر، وهذا المعنى قوله:( وَاللهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) يوسف - ٢١. وهذه جملة مطلقة غير مقيّدة بشئ البتّة فللّه سبحانه سبيل إلى كلّ حادث تعلّقت به مشيّته وإرادتة وإن كانت السبل العاديّة والطرق المألوفة مقطوعة منتفية هناك.
وهذا يحتمل وجهين: أحدهما أن يتوسّل تعالى إليه من غير سبب مادّيّ وعلّة طبيعيّة بل بمجرّد الإرادة وحدها، وثانيهما أن يكون هناك سبب طبيعيّ مستور عن
علمّنا يحيط به الله سبحانه ويبلغ ما يريده من طريقه إلّا أنّ الجملة التالية من الآية المعلّلة لما قبلها أعني قوله تعالى( قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) تدلّ على ثاني الوجهين فإنّها تدلّ على أنّ كلّ شئ من المسبّبات أعمّ ممّا تقتضيه الإسباب العاديّة أو لا تقتضيه فإنّ له قدرا قدّره الله سبحانه عليه، وإرتباطات مع غيره من الموجودات، واتّصالات وجوديّة مع ما سواه، لله سبحانه أن يتوسّل منها إليه وإن كانت الإسباب العاديّة مقطوعة عنه غير مرتبطة به إلّا أنّ هذه الإتّصالات والإرتباطات ليست مملوكة للإشياء أنفسها حتّى تطيع في حال وتعصى في إخرى بل مجعولة بجعله تعالى مطيعة منقادة له.
فالآية تدلّ على أنّه تعالى جعل بين الإشياء جميعها إرتباطات واتّصالات له إن يبلغ إلى كلّ ما يريد من أيّ وجه شاء وليس هذا نفيً للعليّة والسببيّة بين الأشياء بل إثبات أنّها بيد الله سبحانه يحوّلها كيف شاء وأراد. ففي الوجود علية وارتباط حقيقيّ بين كلّ موجود وما تقدّمه من الموجودات المنتظمة غير أنّها ليست على ما نجده بين ظواهر الموجودات بحسب العادة (ولذلك نجد لفرضيّات العلميّة الموجودة قاصرة عن تعليل جميع الحوادث الوجوديّة) بل على ما يعلمه الله تعالى وينظمه.
وهذه الحقيقة هي الّتي تدلّ عليها آيات القدر كقوله تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) الحجر - ٢١، وقوله تعالى:( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) القمر - ٤٩، وقوله تعالى:( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) الفرقان - ٢، وقوله تعالى:( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ) الاعلى - ٣. وكذا قوله تعالى:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ) الحديد - ٢٢، وقوله تعالى:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) التغابن - ١١. فإنّ الآية الُولى وكذا بقيّة الآيات تدلّ على أنّ الأشياء تنزّل من ساحة الاطلاق إلى مرحلة التعيّن والتشخّص بتقدير منه تعالى وتحديد يتقدّم على الشئ ويصاحبه، ولا معنى لكون الشئ محدودً مقدّرً في وجوده إلّا أن يتحدّد ويتعيّن بجميع روابطه الّتي مع سائر الموجودات والموجود المادّيّ مرتبط بمجموعة من الموجودات المادّيّة الاخرى الّتي هي كالقالب الّذي يقلب به الشئ ويعيّن وجوده ويحدّده
ويقدّره فما من موجود مادّيّ إلّا وهو متقدّر مرتبط بجميع الموجودات المادّيّة الّتي تتقدّمه وتصاحبه فهو معلول لآخر مثله لا محالة.
ويمكن أن يستدلّ أيضاً على ما مرّ بقوله تعالى:( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ - إلي أن قال -خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الأنعام - ١٠٢، وقوله تعالى:( مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) هود - ٥٦. فإنّ الآيتين بانضمام ما مرّت الاشارة إليه من أن الآيات القرآنيّة تصدّق قانون العلّيّة العامّ تنتج المطلوب.
وذلك أنّ الآية الُولى تعمّم الخلقة لكلّ شئ فما من شئ إلّا وهو مخلوق لله عزّ شأنه، والآية الثانية تنطق بكون الخلقة والايجاد على وتيرة واحدة ونسق منتظم من غير إختلاف يؤدّي إلى الهرج والجزاف.
والقرآن كما عرفت يصدّق قانون العلّيّة العامّ في ما بين الموجودات المادّيّة ينتج أن نظام الوجود في الموجودات المادّيّة سواء كانت على جري العادة أو خارقة لها على صراط مستقيم غير متخلّف ووتيرة واحدة في إستناد كلّ حادث فيه إلى العلّة المتقدّمة عليه الموجبة له.
ومن هنا يستنتج أنّ الأسباب العاديّة الّتي ربما يقع التخلّف بينها وبين مسبّباتها ليست بأسباب حقيقيّة بل هناك أسباب حقيقيّة مّطردة غير متخلّفة الأحكام والخواصّ كما ربّما يؤيّده التجارب العلميّ في جراثيم الحيإة وفي خوارق العادة كما مر.
( ٣ - القرآن يسند ما أسند إلى العلّة المادّيّة إلى الله تعالى)
ثمّ إنّ القرآن كما يثبت بين الأشياء العلّيّة والمعلوليّة ويصدّق سببيّة البعض للبعض كذلك يسند الإمر في الكلّ إلى الله سبحانه فيستنتج منه أنّ الأسباب الوجوديّة غير مستقلّة في التأثير والمؤثّر الحقيقيّ بتمام معنى الكلمة ليس إلّا الله عزّ سلطانه. قال تعالى:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) الاعراف - ٥٤، وقال تعالى( لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) البقرة - ٢٨٤، وقال تعالى:( لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الحديد - ٥، وقال تعالى:( قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ ) النساء - ٧٨. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالّة على أنّ كلّ شئ مملوك محض لله
لا يشاركه فيه إحد، وله أن يتصرّف فيها كيف شاء وأراد وليس لإحد أن يتصرّف في شئ منها إلّا من بعد أن يأذن الله لمن شاء ويملّكه التصرّف من غير إستقلال في هذا التمليك أيضاً، بل مجرّد إذن لا يستقل به المأذون له دون أن يعتمد على إذن الآذن، قال تعالى:( قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ ) آل عمران - ٢٦، وقال تعالى:( الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) طه - ٥٠، إلى غير ذلك من الآيات، وقال تعالى أيضاً:( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) البقرة - ٢٥٥، وقال تعالى:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس - ٣.
فالأسباب تملّكت السببيّة بتمليكه تعالى، وهي غير مستقلّة في عين أنّها مالكة. وهذا المعنى هو الّذي يعبّر سبحانه عنه بالشفاعة والإذن، فمن المعلوم أنّ الاذن إنّما يستقيم معناه إذا كان هناك مانع من تصرّف المأذون فيه، والمانع أيضاً إنّما يتصوّر فيما كان هناك مقتض موجود يمنع المانع عن تأثيره ويحول بينه وبين تصرّفه.
فقد بان أنّ في كل السبب مبدئً مؤثّرً مقتضيًّ للتأثير به يؤثّر في مسبّبه، والإمر مع ذلك لله سبحانه.
( ٤ - القرآن يثبت تأثيرً في نفوس الأنبياء في الخوارق)
ثمّ أنّه تعالى قال:( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) غافر- ٧٨.
فأفاد إناطة اتيان أية آية من أيّ رسول بإذن الله سبحانه فبيّن أن إتيان الآيات المعجزة من الأنبياء وصدورها عنهم إنّما هو لمبدأ مؤثّر موجود في نفوسهم الشريفة متوقّف في تأثيره على الإذن كما مرّ في الفصل السابق.
قال تعالى:( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) البقرة - ١٠٢. ولآية كما أنّها تصدّق صحّة السحر في الجملة كذلك تدلّ على إنّ السحر أيضاً كالمعجزة في كونه عن مبدأ
نفسانيّ في الساحر لمكان الإذن.
وبالجملة جميع الُمور الخارقة للعادة سواء سمّيت معجزة أو سحرً أو غير ذلك ككرامات الإولياء وسائر الخصال المكتسبة بالارتياضات والمجاهدات جميعها مستندة إلى مباد نفسانيّة ومقتضيات إراديّة على ما يشير إليه كلامه سبحانه إلّا إنّ كلامه ينصّ على إنّ المبدأ الموجود عند الأنبياء والرسل والمؤمنين هو الفائق الغالب على كلّ سبب وفي كلّ حال، قال تعالى:( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) الصافات - ١٧٣، وقال تعالى:( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) المجادلة - ٢١، وقال تعالى:( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) غافر - ٥١. والآيات مطلقة غير مقيّدة.
ومن هنا يمكن أن يستنتج أنّ هذا المبدأ الموجود المنصور أمر وراء الطبيعة وفوق المادّة. فإنّ الُمور المادّيّة مقدّرة محدودة مغلوبة لما هو فوقها قدرً وحدّا عند التزاحم والمغالبة، والُمور المجرّدة إيضاً وإن كانت كذلك إلا أنّها لا تزاحم بينها ولا تمانع إلّا إن تتعلّق بالمادّة بعض التعلّق، وهذا المبدأ النفسانيّ المجرّد المنصور بإرادة الله سبحانه إذا قابل مانعً ماديًّ إفاض إمدادً على السبب بما لا يقاومه سبب مادّيّ يمنعه فافهم.
( ٥ - القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر الله تعالى)
ثمّ إنّ الجملة الإخيرة من الآية السابقة في الفصل السابق أعني قوله تعالى:( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ ) الآية، تدلّ على إن تأثير هذا المقتضي يتوقّف على أمر من الله تعالى يصاحب الإذن الّذي كان يتوقّف عليه أيضاً فتأثير هذا المقتضى يتوقّف على مصادفته الامر أو اتّحاده معه. وقد فسّر الُمر في قوله تعالى( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) يس - ٨٢، بكلمة الايجاد وقول: كن. وقال تعالى:( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ ) الدهر: ٢٩ - ٣٠ وقال:( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) التكوير -
٢٧، ٢٨، ٢٩، دلّت الآيات على أنّ الأمر الّذي للإنسان أن يريده وبيده زمام اختياره لا يتحقّق موجوداً إلّا أن يشاء الله ذلك بأن يشاء أن يشاء الإنسان ويريد إرادة الإنسان فإنّ الآيات الشريفة في مقام أنّ أفعال الإنسان الإراديّة وإن كانت بيد الإنسان بإرادته لكن الإرادة والمشيّة ليست بيد الإنسان بل هي مستندة إلى مشيّة الله سبحانه، وليست في مقام بيان أنّ كلّ ما يريده الإنسان فقد اراده الله فإنّه خطأ فاحش ولازمه أن يتخلّف الفعل عن إرادة الله سبحانه عند تخلّفه عن إرادة الإنسان، تعالى الله عن ذلك. مع أنّه خلاف ظواهر الآيات الكثيرة الواردة في هذا المورد كقوله تعالى:( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) السجدة - ١٣. وقوله تعالى:( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ) يونس - ٩٩، إلى غير ذلك فإرادتنا ومشيئاتنا إذا تحقّقت فينا فهي مرادة بإرادة الله ومشيّتة لها وكذا أفعالنا مرادة له تعالى من طريق إرادتنا ومشيّتنا بالواسطة. وهما أعني الارادة والفعل جميعاً متوقّفان على أمر الله سبحانه وكلمة كن.
فالاُمور جميعاً سواء كانت عاديّة أو خارقة للعادة وسواءٌ كان خارق العادة في جانب الخير والسعادة كالمعجزة والكرامة، أو في جانب الشرّ كالسحر والكهانة مستندة في تحقّقها إلى أسباب طبيعيّة، وهي مع ذلك متوقّفة على ارادة الله، لا توجد إلّا بأمر الله سبحانه أي بأن يصادف السبب أو يتّحد مع أمر الله سبحانه.
وجميع الأشياء وإن كانت من حيث إستناد وجودها إلى الأمر الإلهيّ على حدّ سواء بحيث إذا تحقّق الإذن والأمر تحقّقت عن أسبابها، وإذا لم يتحقّق الإذن والأمر لم تتحقّق، أي لم تتمّ السببيّة إلّا أنّ قسماً منها وهو المعجزة من الأنبياء أو ما سأله عبد ربّه بالدعاء لا يخلو عن إرادة موجبة منه تعالى وأمر عزيمة كما يدلّ عليه قوله:( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ) الآية المجادلة - ٢١، وقوله تعالى:( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) الآية البقرة - ١٨٦، وغير ذلك من الآيات المذكورة في الفصل السابق.
( ٦ - القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب)
فقد تبيّن من الفصول السابقة من البحث أنّ المعجزة كسائر الاُمور الخارقة للعادة لا تفارق الأسباب العاديّة في الاحتياج إلى سبب طبيعيّ وأن مع الجميع أسبابا باطنيّة وأن الفرق بينها أن الاُمور العاديّة ملازمة لأسباب ظاهريّة تصاحبها الأسباب الحقيقيّة الطبيعيّة غالباً أو مع الأغلب ومع تلك الأسباب الحقيقيّة إرادة الله وأمره، والاُمور الخارقة للعادة من الشرور كالسحر والكهانة مستندة إلى أسباب طبيعيّة مفارقة للعادة مقارنة للسبب الحقيقيّ بالإذن والإرادة كإستجابة الدعاء ونحو ذلك من غير تحدّ يبتني عليه ظهور حقّ الدعوة وأن المعجزة مستندة إلى سبب طبيعيّ حقيقيّ بإذن الله وأمره إذا كان هناك تحدّ يبتنى عليه صحّة النبوّة والرسالة والدعوة إلى الله تعالى وأنّ القسمين الآخرين يفارقان سائر الأقسام في أنّ سببهما لا يصير مغلوبا مقهورا قطّ بخلاف سائر المسبّبات.
فإن قلت: فعلى هذا لو فرضنا الإحاطة والبلوغ إلى السبب الطبيعيّ الّذي للمعجزة كانت المعجزة ميسورة ممكنة الإتيان لغير النبيّ أيضاً ولم يبق فرق بين المعجزة وغيرها إلّا بحسب النسبة والإضافه فقط فيكون حينئذ أمر ما معجزة بالنسبة إلى قوم غير معجزة بالنسبة إلى آخرين، وهم المطّلعون على سببها الطبيعيّ الحقيقيّ، وفي عصر دون عصر، وهو عصر العلم. فلو ظفر البحث العلميّ على الأسباب الحقيقيّة الطبيعيّة القصوى لم يبق مورد للمعجزة ولم تكشف المعجزة عن الحق. ونتيجه هذا البحث أن المعجزة لا حجيّة فيها إلّا على الجاهل بالسبب فليست حجّة في نفسها.
قلت: كلّا فليست المعجزة معجزة من حيث أنّها مستندة إلى سبب طبيعيّ مجهول حتّى تنسلخ عن إسمها عند إرتفاع الجهل وتسقط عن الحجيّة، ولا أنّها معجزة من حيث إستنادها إلى سبب مفارق للعادة، بل هي معجزة من حيث أنها مستندة إلى أمر مفارق للعادة غير مغلوب السبب قاهرة العلة البتّة، وذلك كما أنّ الأمر الحادث من جهة إستجابة الدعاء كرامة من حيث إستنادها إلى سبب غير مغلوب كشفاء المريض مع أنّه يمكن أن يحدث من غير جهته كجهة العلاج بالدواء غير أنّه حينئذ أمر عاديّ يمكن أن يصير سببه مغلوبا مقهورا بسبب آخر أقوى منه.
( ٧ - القرآن يعدّ المعجزة برهاناً على صحّة الرّسالة لا دليلاً عاميّاً)
وهيهنا سؤال وهو أنّه ما هي الرابطة بين المعجزة وبين حقيّة دعوى الرسالة مع أنّ العقل لا يرى تلازماً بين صدق الرسول في دعوته إلى الله سبحانه وبين صدور أمر خارق للعادة عن الرسول على أنّ الظاهر من القرآن الشريف، تقرير ذلك فيما يحكيه من قصص عدّة من الأنبياء كهود وصالح وموسى وعيسى ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّهم على ما يقصّه القرآن حينما بثّوا دعوتهم سئلوا عن آية تدلّ على حقّيّة دعوتهم فأجابوهم فيما سألوا وجاؤا بالآيات.
وربّما أعطوا المعجزة في أول البعثة قبل أن يسألهم أممهم شيئاً من ذلك كما قال تعالى في موسىعليهالسلام وهارون( اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ) طه - ٤٢، وقال تعالى في عيسىعليهالسلام :( وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) آل عمران - ٤٩، وكذا إعطاء القرآن معجزة للنبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وبالجملة فالعقل الصريح لا يرى تلازما بين حقيّة ما أتى به الأنبياء والرسل من معارف المبدأ والمعاد وبين صدور أمر يخرق العادة عنهم.
مضافاً إلى أنّ قيام البراهين الساطعة على هذه الاُصول الحقّة يغنى العالم البصير بها عن النظر في أمرالإعجاز، ولذا قيل إنّ المعجزات لإقناع نفوس العامّة لقصور عقولهم عن إدراك الحقائق العقليّة وأمّا الخاصّة فإنّهم في غنى عن ذلك.
والجواب عن هذا السؤال أنّ الأنبياء والرسلعليهمالسلام لم يأتوا بالآيات المعجزة لاثبات شئ من معارف المبدأ والمعاد ممّا يناله العقل كالتوحيد والبعث وأمثالها وإنّما اكتفوا في ذلك بحجّة للعقل والمخاطبة من طريق النظر والاستدلال كقوله تعالى:( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) : إبراهيم - ١٠ في الإحتجاج على التوحيد قوله تعالى:( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا
مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) ص - ٢٨ في الإحتجاج على البعث. وإنّما سئل الرسل المعجزة وأتوابها لإثبات رسالتهم وتحقيق دعواها.
وذلك أنّهم ادّعوا الرسالة من الله بالوحى وأنّه بتكليم إلهيّ أو نزول ملك ونحو ذلك وهذا شئٌ خارق للعادة في نفسه من غير سنخ الإدراكات الظاهرة والباطنة الّتي يعرفها عامّة الناس ويجدونها من أنفسهم، بل إدراك مستور عن عامّة النفوس لو صحّ وجوده لكان تصرّفاً خاصّاً من ماوراء الطبيعة في نفوس الأنبياء فقط، مع أنّ الأنبياء كغيرهم من أفراد الناس في البشريّة وقواها، ولذلك صادفوا إنكاراً شديداً من الناس ومقاومة عنيفة في ردّه على أحد وجهين:
فتارة حاول الناس إبطال دعواهم بالحجّة كقوله تعالى:( قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ) إبراهيم - ١٠، إستدلّوا فيها على بطلان دعواهم الرسالة بأنّهم مثل سائر الناس والناس لا يجدون شيئاً ممّا يدّعونه من أنفسهم مع وجود المماثلة، ولو كان لكان في الجميع أو جاز للجميع هذا، ولهذا أجاب الرسل عن حجّتهم بما حكاه الله تعالى عنهم بقوله:( قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ) إبراهيم - ١١، فردّوا عليهم بتسليم المماثلة وأنّ الرسالة من منن الله الخاصّة، والإختصاص ببعض النعم الخاصّة لا ينافي المماثلة فللناس إختصاصات، نعم لو شاء أن يمتنّ على من يشاء منهم فعل ذلك من غير مانع فالنبوّة مختصّة بالبعض وإن جاز على الكلّ.
ونظير هذا الإحتجاج قولهم في النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم على ما حكاه الله تعالى:( أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ) ص - ٨، وقولهم كما حكاه الله:( لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ) الزخرف - ٣١.
ونظير هذا الإحتجاج أو قريب منه ما في قول تعالى:( وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ ) الفرقان - ٨، ووجه الإستدلال أنّ دعوى الرسالة توجب
أن لا يكون بشرا مثلنا لكونه ذا أحوال من الوحي وغيره ليس فينا فلم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لاكتساب المعيشة ؟ بل يجب أن ينزل معه ملك يشاركه في الإنذار أو يلقي إليه كنز فلا يحتاج إلى مشي الأسواق للكسب أو تكون له جنّة فيأكل منها لا ممّا نأكل منه من طعام، فرد الله تعالى عليهم بقوله:( انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) إلى أن قال:( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) الفرقان - ٢٠، وردّ تعالى في موضع آخر مطالبتهم مباشرة الملك للإنذار بقوله:( وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ ) الانعام - ٩.
وقريب من ذلك الإحتجاج أيضاً ما في قوله تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ) الفرقان - ٢١، فأبطلوا بزعمهم دعوى الرسالة بالوحي بمطالبة أن يشهدوا نزول الملك أو رؤية الربّ سبحانه لمكان المماثلة مع النبيّ، فرّد الله تعالى عليهم ذلك بقوله:( يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ) الفرقان - ٢٢، فذكر أنّهم والحال حالهم لا يرون الملائكة إلّا مع حال الموت كما ذكره في موضع آخر بقوله تعالى:( وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ ) الحجر - ٨، ويشتمل هذه الآيات الأخيرة على زيادة في وجه الإستدلال، وهو تسليم صدق النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) في دعواه إلّا أنّه مجنون وما يحكيه ويخبر به أمر يسوّله له الجنون غير مطابق للواقع كما في موضع آخر من قوله:( وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ) القمر - ٩.
وبالجملة فأمثال هذه الآيات مسوقة لبيان إقامتهم الحجّة على إبطال دعوى النبوّة من طريق المماثلة.
وتارة أخري أقاموا أنفسهم مقام الإنكار وسؤال الحجّة والبيّنة على صدق الدعوة لاشتمالها على ما تنكره النفوس ولا تعرفه العقول (على طريقة المنع مع السند بإصطلاح فنّ المناظرة) وهذه البيّنة هي المعجزة، بيان ذلك أنّ دعوى النبوّة والرسالة من كلّ
نبيّ ورسول على ما يقصّه القرآن إنّما كانت بدعوى الوحى والتكليم الإلهيّ بلا واسطة أو بواسطة نزول الملك، وهذا أمر لا يساعد عليه الحسّ ولا تؤيّده التجربة فيتوجّه عليه الإشكال من جهتين: أحداهما من جهة عدم الدليل عليه، والثانية من جهة الدليل على عدمه، فإنّ الوحى والتكليم الإلهيّ وما يتلوه من التشريع والتربية الدينيّة ممّا لا يشاهده البشر من أنفسهم، والعادة الجارية في الأسباب والمسبّبات تنكرة فهو أمر خارق للعادة، وقانون العليّة العامّة لا يجوّزه، فلو كان النبيّ صادقا في دعواه النبوّة والوحى كان لازمه أنّه متّصل بما وراء الطبيعة، مؤيّد بقوّة إلهيّة تقدر على خرق العادة وأنّ الله سبحانه يريد بنبوّته والوحى إليه خرق العادة، فلو كان هذا حقّا ولا فرق بين خارق وخارق كان من الممكن أن يصدر من النبيّ خارق آخر للعادة من غير مانع وأن يخرق الله العادة بأمر آخر يصدّق النبوّة والوحى من غير مانع عنه فإنّ حكم الأمثال واحد فلئن أراد الله هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوّة والوحى فليؤيّدها وليصدّقها بخارق آخر وهو المعجزة.
وهذا هو الّذي بعث الاُمم إلى سؤال المعجزة على صدق دعوى النبوّة كلّما جائهم رسول من أنفسهم بعثا بالفطرة والغريزة وكان سؤال المعجزة لتأييد الرسالة وتصديقها لا للدلالة على صدق المعارف الحقّة الّتي كان الأنبياء يدعون إليها ممّا يمكن أن يناله البرهان كالتوحيد والمعاد، ونظير هذا ما لو جاء رجل بالرسالة إلى قوم من قبل سيدّهم الحاكم عليهم ومعه أوامر ونواه يدّعيها للسيّد فإنّ بيانه لهذه الأحكام وإقامتة البرهان على أنّ هذه الأحكام مشتملة على مصلحة القوم وهم يعلمون أن سيّدهم لا يريد إلّا صلاح شأنهم، إنّما يكفي في كون الأحكام الّتي جاء بها حقّة صالحة للعمل ولا تكفى البراهين والأدّلة المذكورة في صدق رسالتة وأن سيّدهم أراد منهم بإرساله إليهم ما جاء به من الأحكام بل يطالبونه ببيّنة أو علامة تدلّ على صدقه في دعواه ككتاب بخطّه وخاتمه يقرئونه، أو علامة يعرفونها، كما قال المشركون للنبيّ:( حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ) أسرى - ٩٣. فقد تبيّن بما ذكرناه أوّلاً: التلازم بين صدق دعوى الرسالة وبين المعجزة
وأنّها الدليل على صدق دعواها لا يتفاوت في ذلك حال الخاصّة والعامّة في دلالتها وإثباتها، وثانياً أنّ ما يجده الرسول والنبيّ من الوحي ويدركه منه من غير سنخ ما نجده بحواسّنا وعقولنا النظريّة الفكريّة، فالوحي غير الفكر الصائب، وهذا المعنى في كتاب الله تعالى من الوضوح والسطوع بحيث لا يرتاب فيه من له أدنى فهم وأقلّ إنصاف.
وقد إنحرف في ذلك جمع من الباحثين من أهل العصر فراموا بناء المعارف الإلهيّة والحقائق الدينيّة على ما وصفه العلوم الطبيعيّة من اصالة المادّة المتحوّلة المتكاملة فقد رأوا أنّ الإدراكات الإنسانيّة خواصّ مادّيّة مترشّحة من الدماغ وأنّ الغايات الوجوديّة وجميع الكمالات الحقيقيّة إستكمالات فرديّة أو اجتماعيّة مادّيّة.
فذكروا أنّ النبوّة نوع نبوغ فكريّ وصفاء ذهني يستحضر به الإنسان المسمّى نبيّاً كمال قومه الإجتماعيّ ويريد به أن يخلّصهم من ورطة الوحشيّة والبربريّة إلى ساحة الحضارة والمدنيّة فيستحضر ما ورثه من العقائد والآراء ويطبّقها على مقتضيات عصره ومحيط حياته، فيقنّن لهم أصولا اجتماعيّة وكليّات عمليّة يستصلح بها أفعالهم الحيويّة ثمّ يتمّم ذلك بأحكام واُمور عباديّة ليستحفظ بها خواصّهم الروحيّة لافتقار الجامعة الصالحة والمدنيّة الفاضلة إلى ذلك ويتفرّع على هذا الافتراض:
أوّلاً: أنّ النبيّ إنسان متفكّر نابغ يدعو قومه إلى صلاح محيطهم الاجتماعيّ.
وثانياً: أنّ الوحي هو إنتقاش الأفكار الفاضلة في ذهنه.
وثالثاً: أنّ الكتاب السماويّ مجموع هذه الأفكار الفاضلة المنزّهة عن التهوسات النفسانيّة والأغراض النفسانيّة الشخصيّة.
ورابعاً: أنّ الملائكة الّتي أخبر بها النبيّ قوى طبيعيّة تدبّر اُمور الطبيعة أو قوى نفسانيّة تفيض كمالات النفوس عليها، وأنّ روح القدس مرتبة من الروح الطبيعيّة المادّيّة تترشّح منها هذه الأفكار المقدّسة، وأنّ الشيطان مرتبة من الروح تترشّح منها الأفكار الرديّة وتدعو إلى الأعمال الخبيثة المفسدة للاجتماع، وعلى هذا الأسلوب فسرّوا الحقائق الّتي أخبر بها الأنبياء كاللوح والقلم والعرش والكرسيّ والكتاب والحساب والجنّة والنار بما يلائم الاُصول المذكورة.
وخامساً: أنّ الأديان تابعة لمقتضيات أعصارها تتحوّل بتحوّلها.
وسادساً: أنّ المعجزات المنقولة عن الأنبياء المنسوبة إليهم خرافات مجعولة أو حوادث محرّفة لنفع الدين وحفظ عقائد العامّة عن التبدّل بتحوّل الأعصار أو لحفظ مواقع أئمّة الدين ورؤساء المذهب عن السقوط والاضمحلال إلى غير ذلك ممّا أبدعه قوم وتبعهم آخرون.
هذه جمل ما ذكروه والنبوّة بهذا المعنى لأن تسمّي لعبة سياسيّة أولى بها من أن تسمّى نبوّة إلهيّة والكلام التفصيليّ في أطراف ما ذكروه خارج عن البحث المقصود في هذا المقام.
والّذي يمكن أن يقال فيه هيهنا أنّ الكتب السماويّة والبيانات النبويّة المأثورة على ما بأيدينا لا توافق هذا التفسير لا تناسبه أدنى مناسبة، وإنّما دعاهم إلى هذا النوع من التفسير إخلادهم إلى الأرض وركونهم إلى مباحث المادّة فاستلزموا إنكار ماوراء الطبيعة وتفسير الحقائق المتعالية عن المادّة بما يسلخها عن شأنها وتعيدها إلى المادّة الجامدة.
وما ذكره هؤلاء هو في الحقيقة تطّور جديد فيما كان يذكره آخرون فقد كانوا يفسّرون جميع الحقائق المأثورة في الدين بالمادّة غير أنّهم كانوا يثبتون لها وجودات غائبة عن الحسّ كالعرش والكرسيّ واللوح والقلم والملائكة ونحوها من غير مساعدة الحسّ والتجربة على شئ من ذلك، ثمّ لما أتّسع نطاق العلوم الطبيعيّة وجرى البحث على أساس الحسّ والتجربة لزم الباحثين على ذلك الأسلوب أن ينكروا لهذه الحقائق وجوداتها المادّيّة الخارجة عن الحسّ أو البعيدة عنه وأن يفسّروها بما تعيدها إلى الوجود المادّيّ المحسوس ليوافق الدين ما قطع به العلم ويستحفظ بذلك عن السقوط.
فهاتان الطائفتان بين باغ وعاد، أمّا القدماء من المتكلّمين فقد فهموا من البيانات، الدينيّة مقاصدها حقّ الفهم من غير مجاز غير أنّهم رأوا أنّ مصاديقها جميعاً اُمور مادّيّة محضة لكنّها غائبة عن الحسّ غير محكومة بحكم المادّة أصلاً و الواقع خلافه، وأما المتأخّرون من باحثي هذا العصر ففسّروا البيانات الدينيّة بما أخرجوها به عن مقاصدها البيّنة الواضحة، وطبّقوها على حقائق مادّيّة ينالها الحسّ وتصدّقها التجربة مع أنّها
ليست بمقصودة، ولا البيانات اللفظيّة تنطبق على شئ منها.
والبحث الصحيح يوجب أنّ تفسّر هذه البيانات اللفظيّة على ما يعطيها اللفظ في العرف واللّغة ثمّ يعتمد في أمر المصداق على ما يفسّر به بعض الكلام بعضا ثمّ ينظر هل الأنظار العلميّة تنافيها أو تبطلها ؟ فلو ثبت فيها في خلال ذلك شئ خارج عن المادّة وحكمها فإنّما الطريق إليه إثباتاً أو نفياً طور آخر من البحث غير البحث الطبيعيّ الّذي تتكفّلة العلوم الطبيعيّة، فما للعلم الباحث عن الطبيعة وللأمر الخارج عنها ؟ فإنّ العلم الباحث عن المادّة وخواصّها ليس من وظيفته أن يتعرّض لغير المادّة خواصّها لا إثباتاً ولا نفياً.
ولو فعل شيئاً منه باحث من بحّاثه كان ذلك منه شططا من القول، نظير ما لو أراد الباحث في علم اللغة أن يستظهر من علمه حكم الفلك نفياً أو إثباتاً، ولنرجع إلى بقيّة الآيات.
وقوله تعالى: ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) . سوق الآيات من أوّل السورة وإن كانت لبيان حال المتّقين والكافرين والمنافقين (الطوائف الثلاث) جميعاً لكنّه سبحانه حيث جمعهم طرّاً في قوله:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) ، ودعاهم إلى عبادته تقسّموا لا محالة إلى مؤمن وغيره فإنّ هذه الدعوة لا تحتمل من حيث إجابتها وعدمها غير القسمين: المؤمن والكافر وأمّا المنافق فإنّما يتحقّق بضمّ الظاهر إلى الباطن، واللّسان إلى القلب فكان هناك من جمع بين اللّسان والقلب إيماناً أو كفراً ومن أختلف لسانه وقلبه وهو المنافق، فلمّا ذكرنا (لعلّه) أسقط المنافقون من الذكر، وخصّ بالمؤمنين والكافرين ووضع الايمان مكان التقوى.
ثمّ إن الوقود ما توقد به النار وقد نصّت الآية على أنّه نفس الإنسان، فالإنسان وقود وموقود عليه، كما في قوله تعالى أيضاً:( ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) غافر - ٧٢. وقوله تعالى:( نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ) اللّمزة - ٧، فالإنسان معذّب بنار توقده نفسه، وهذه الجملة نظيرة قوله تعالى:( لَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ) البقرة - ٢٥، ظاهرة في أنّه ليس للإنسان
هناك إلّا ما هيّأه من هيهنا، كما عن النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم):( كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون) الحديث. وإن كان بين الفريقين فرق من حيث أنّ لأهل الجنّة مزيداً عند ربّهم. قال تعالى:( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ق - ٣٥.
والمراد بالحجارة في قوله:( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) الأصنام الّتي كانوا يعبدونها ويشهد به قوله تعالى:( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) الآية الأنبياء - ٩٨، والحصب هو الوقود.
وقوله تعالى: ( لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ) ، قرينة الأزواج تدلّ على أنّ المراد بالطهارة هي الطهارة من أنواع الأقذار والمكاره الّتي تمنع من تمام الإلتيام والألفة والأنس من الأقذار والمكاره الخلقيّة والخُلقيّة.
( بحث روائي)
روى الصدوق، قال: سئل الصادقعليهالسلام عن الآية فقال: الأزواج المطهّرة اللّاتي لا يحضن ولا يحدثن.
أقول: وفي بعض الروايات تعميم الطهارة للبرائة عن جميع العيوب والمكاره.
( سورة البقرة الآيات ٢٦ - ٢٧)
إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ( ٢٦ ) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٢٧ )
( بيان)
قوله تعالى: ( إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ ) ، البعوضة الحيوان المعروف وهو من أصغر الحيوانات المحسوسة وهذه الآية والّتي بعدها نظيرة ما في سورة الرعد( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ) الرعد - ١٩، ٢٠، ٢١.
وكيف كان فالآية تشهد على أنّ من الضلال والعمى ما يلحق الإنسان عقيب أعماله السيّئة غير الضلال والعمى الّذي له في نفسه ومن نفسه حيث يقول تعالى:( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) فقد جعل إضلاله في تلو الفسق لا متقدّماً عليه هذا.
ثمّ إنّ الهداية والإضلال كلمتان جامعتان لجميع أنواع الكرامة والخذلان الّتي ترد منه تعالى على عباده السعداء والاشقياء، فإنّ الله تعالى وصف في كلامه حال السعداء من عبادة بأنّه يحييهم حياة طيّبة، ويؤيّدهم بروح الايمان، ويخرجهم من الظلمات إلى النور ويجعل لهم نوراً يمشون به، وهو وليّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهو معهم يستجيب لهم إذا دعوه ويذكرهم إذا ذكروه، والملائكة تنزّل عليهم بالبشرى والسلام إلى غير ذلك.
ووصف حال الاشقياء من عباده بأنّه يضلّهم ويخرجهم من النور إلى الظلمات و
يختم على قلوبهم، وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، ويطمس وجوههم على أدبارهم ويجعل في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان فهم مقمحون، ويجعل من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فيغشيهم فهم لا يبصرون، ويُقيّض لهم شياطين قرناء يضلّونهم عن السبيل ويحسبون أنّهم مهتدون، ويزيّنون لهم أعمالهم، وهم أولياؤهم، ويستدرجهم الله من حيث لا يشعرون، ويملي لهم إنّ كيده متين، ويمكربهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون.
فهذه نبذة ممّا ذكره سبحانه من حال الفريقين وظاهرها أنّ للإنسان في الدنيا وراء الحياة الّتي يعيش بها فيها حياة اُخرى سعيدة أو شقيّة ذات اصول وأعراق يعيش بها فيها، وسيطّلع ويقف عليها عند إنقطاع الأسباب وإرتفاع الحجاب، ويظهر من كلامه تعالى أيضاً أنّ للإنسان حياة اُخرى سابقة على حيوته الدنيا يحذوها فيها كما يحذو حذو حياته الدنيا فيما يتلوها. وبعبارة اُخرى إنّ للإنسان حياة قبل هذه الحياة الدنيا وحياة بعدها، والحياة الثالثة تتبع حكم الثانية والثانية حكم الاُولى، فالإنسان وهو في الدنيا واقع بين حياتين: سابقة ولاحقة، فهذا هو الّذي يقضي به ظاهر القرآن.
لكنّ الجمهور من المفسّرين حملوا القسم الأوّل من الآيات وهي الواصفة للحياة السابقة على ضرب من لسان الحال وإقتضاء الاستعداد، والقسم الثاني منها وهي الواصفة للحياة اللّاحقة على ضروب المجاز والاستعارة هذا، إلّا أنّ ظواهر كثير من الآيات يدفع ذلك. أمّا القسم الأوّل وهي آيات الذرّ والميثاق فستأتي في مواردها، وأمّا القسم الثاني فكثير من الآيات دالّة على أنّ الجزاء يوم الجزاء بنفس الأعمال وعينها كقوله تعالى:( لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) التحريم - ٧، وقوله تعالى:( ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ) الآية البقرة - ٢٨١، وقوله تعالى:( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) البقرة - ٢٤. وقوله تعالى:( فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ) العلق - ١٨، وقوله تعالى:( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ) آل عمران - ٣٠، وقوله تعالى:( مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ) البقرة - ١٧٤، وقوله:( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) النساء - ١٠، إلى غير ذلك من الآيات.
ولعمري لو لم يكن في كتاب الله تعالى - إلّا قوله:( لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا
فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق - ٢٢، لكان فيه كفاية إذ الغفلة لا تكون إلّا عن معلوم حاضر، وكشف الغطاء لا يستقيم إلّا عن مغطّى موجود فلو لم يكن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجوداً حاضراً من قبل لما كان يصحّ أن يقال للإنسان إنّ هذه أمور كانت مغفولة لك، مستورة عنك فهي اليوم مكشوف عنها الغطاء، مزالة منها الغفلة.
ولعمري أنّك لو سألت نفسك أن تهديك إلى بيان يفي بهذه المعاني حقيقة من غير مجاز لما أجابتك إلّا بنفس هذه البيانات والأوصاف الّتي نزل بها القرآن الكريم.
ومحصل الكلام أن كلامه تعالى موضوع على وجهين:
أحدهما: وجه المجازاة بالثواب والعقاب، وعليه عدد جمّ من الآيات، تفيد: أن ما سيستقبل الإنسان من خير أو شرّ كجنّة أو نار إنّما هو جزاءٌ لما عمله في الدنيا من العمل.
وثانيهما: وجه تجسّم الأعمال وعليه عدّة اُخرى من الآيات، وهي تدلّ على أنّ الأعمال تُهيّئ بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أموراً مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيراً أو شرّاً هي ألتّي سيطّلع عليه الإنسان يوم يكشف عن ساق. وإيّاك أن تتوهّم أنّ الوجهين متنافيان فإنّ الحقائق إنّما تقرب إلى الأفهام بالأمثال المضروبة كما ينصّ على ذلك القرآن.
وقوله تعالى: ( إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) الفسق كما قيل من الألفاظ الّتي أبدع القرآن إستعمالها في معناها المعروف، مأخوذ من فسقت التمرة إذا خرجت عن قشرها وجلدها ولذلك فسّر بعده بقوله تعالى:( الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) الآية، والنقض إنّما يكون عن إبرام، ولذلك أيضاً وصف الفاسقين في آخر الآية بالخاسرين والإنسان إنّما يخسر فيما ملكه بوجه، قال تعالى:( إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) الشورى - ٤٥، وإيّاك أن تتلقّى هذه الصفات الّتي أثبتها سبحانه في كتابه للسعداء من عباده أو الأشقياء مثل المقرّبين والمخلصين والمخبتين والصالحين والمطهّرين وغيرهم، ومثل الظالمين والفاسقين والخاسرين والغاوين والضالّين وأمثالها أوصافاً مبتذلة أو مأخوذة لمجرّد تزيين اللّفظ، فتضطرب بذلك قريحتك في فهم كلامه
تعالى فتعطف الجميع على واد واحد، وتأخذها هجائً عاميًّ وحديثً ساذجً سوقيًّ بل هي أوصاف كاشفة عن حقائق روحيّة ومقامات معنويّة في صراطي السعادة والشقإوة، كلّ واحد منها في نفسة مبدأ لآثار خاصّة ومنشأ لأحكام مخصوصة معيّنة، كما أنّ مراتب السنّ وخصوصيّات القوى وأوضاع الخلقة في الإنسان كلّ منها منشأ ٌلأحكام وآثار مخصوصة لا يمكننا أن نطلب واحدً منها من غير منشأه ومحتده، ولئن تدبّرت في مواردها من كلامه تعالى وأمعنت فيها وجدت صدق ما إدّعيناه.
( بحث الجبر والتفويض)
وإعلم: أنّ بيانه تعالى أنّ الإضلال إنّما يتعلّق بالفاسقين يشرح كيفيّة تأثيره تعالى في أعمال العباد ونتائجها (وهو الّذي يراد حلّه في بحث الجبر والتفويض).
بيان ذلك: أنّه تعالى قال:( لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) البقرة - ٢٨٤، وقال:( لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) الحديد - ٥، وقال:( لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ) التغابن - ١، فأثبت فيها وفي نظائرها من الآيات الملك لنفسه على العالم بمعنى أنّه تعالى مالك على الإطلاق ليس بحيث يملك على بعض الوجوه ولا يملك على بعض الوجوه، كما أنّ الفرد من الإنسان يملك عبدً أو شيئً آخر فيما يوافق تصرّفاته أنظار العقلاء، وأمّا التصرّفات السفهيّة فلا يملكها، وكذا العالم مملوك لله تعالى مملوكيّة على الإطلاق، لا مثل مملوكيّة بعض أجزاء العالم لنا حيث أن ملكنا ناقص إنّما يصحّح بعض التصرّفات لا جميعها، فإنّ الإنسان المالك لحمار مثلً إنّما يملك منه أن يتصرّف فيه بالحمل والركوب مثلً وإمّا أن يقتلة عطشا أو جوعً أو يحرقه بالنار من غير سبب موجب فالعقلاء لا يرون له ذلك، أي كلّ مالكيّة في هذا الإجتماع الإنسانيّ مالكيّة ضعيفة إنّما تصحّح بعض التصرّفات المتصوّرة في العين المملوكة لا كلّ تصرّف ممكن، وهذا بخلاف ملكه تعالى للأشياء فإنّها ليس لها من دون الله تعالى من ربّ يملكها وهي لا تملك لنفسها نفعً ولا ضرًّ ولا موتً ولا حيإة ولا نشورا فكلّ تصرّف متصوّر فيها فهو له تعالى، فأيّ تصرّف تصرّف به في عباده وخلقه فله ذلك من غير أن يستتبع قبحً ولا ذمّاً
ولا لوماً في ذلك، إذ التصرّف من بين التصرّفات إنّما يستقبح ويذّم عليه فيما لا يملك المتصرّف ذلك لإنّ العقلاء لا يرون له ذلك، فملك هذا المتصرّف محدود مصروف إلى التصرّفات الجائزة عند العقل، وأمّا هو تعالى فكل تصرّف تصرّف به فهو تصرّف من مالك وتصرّف في مملوك فلا قبح ولا ذمّ ولا غير ذلك وقد أيّد هذه الحقيقة بمنع الغير عن أيّ تصرّف في ملكه إلّا ما يشائه أو يأذن فيه وهو السائل المحاسب دون المسؤل المأخوذ، فقال تعالى:( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) البقرة - ٢٥٥، وقال تعالى:( مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس - ٣، وقال تعالى:( لَّوْ يَشَاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ) الرعد - ٣١، وقال:( يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) النحل - ٩٣، وقال تعالى:( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ ) الدهر - ٣٠، وقال تعالى( لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) الأنبياء - ٢٣، فالله هو المتصرّف الفاعل في ملكه وليس لشئ غيره شئ من ذلك إلّا بإذنه ومشيّته، فهذا ما يقتضيه ربوبيّته.
ثمّ إنّا نرى أنّه تعالى نصب نفسه في مقام التشريع وجرى في ذلك على ما يجري عليه العقلاء في المجتمع الإنسانيّ، من إستحسان الحسن والمدح والشكر عليه وإستقباح القبيح والذمّ عليه كما قال تعالى:( إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ) البقرة - ٢٧١، وقال:( بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ ) الحجرات - ١١، وذكر أن تشريعاته منظور فيها إلى مصالح الإنسان ومفاسده مرعيّ فيها أصلح ما يعالج به نقص الإنسان فقال تعالى:( إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) الانفال - ٢٤، وقال تعالى:( ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) الصف - ١١، وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ - إلى أن قال-وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ) النحل - ٩٠، وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) الاعراف - ٢٨، والآيات في ذلك كثيرة، وفي ذلك إمضاءٌ لطريقة العقلاء في المجتمع، بمعني أن هذه المعاني الدائرة عند العقلاء من حسن وقبح ومصلحة ومفسدة وأمر ونهي وثواب وعقاب أو مدح وذمّ وغير ذلك والأحكام المتعلّقة بها كقولهم: الخير يجب أن يؤثر والحسن يجب أن يفعل، والقبيح يجب أن يجتنب عنه إلى غير ذلك، كما أنّها هي الإساس للأحكام العامّة العقلائيّة كذلك الأحكام الشرعيّة الّتي شرّعها الله تعالى لعباده مرعىّ فيها ذلك، فمن
طريقة العقلاء أنّ أفعالهم يلزم أن تكون معلّلة بأغراض ومصالح عقلائيّة ومن جملة أفعالهم تشريعاتهم وجعلهم للأحكام والقوانين، ومنها جعل الجزاء ومجازاة الإحسان بالإحسان والإسائة بالإسائة أن شاؤا فهذه كلّها معلّلة بالمصالح والإغراض الصالحة، فلو لم يكن في مورد أمر أو نهي من الإوامر العقلائيّة ما فيه صلاح الاجتماع بنحو ينطبق على المورد لم يقدم العقلاء على مثله، وكلّ المجازاة إنّما تكون بالمسانخة بين الجزاء وأصل العمل في الخيريّة والشريّة وبمقدار يناسب وكيف يناسب، ومن أحكامهم أنّ الإمر والنهي وكلّ حكم تشريعيّ لا يتوجّه إلّا إلى المختار دون المضطرّ والمجبر على الفعل وإيضاً إنّ الجزاء الحسن أو السّئ أعنى الثواب والعقاب لا يتعلّقان إلّا بالفعل الاختياريّ إللّهم إلّا فيما كان الخروج عن الاختيار والوقوع في الاضطرار مستندا إلى سوء الاختيار كمن أوقع نفسه في اضطرار المخالفة فإنّ العقلاء لا يرون عقابه قبيحا، ولا يبالون بقصّة إضطراره.
فلو أنّه سبحانه أجبر عباده على الطاعات أو المعاصي لم يكن جزا المطيع بالجنّة والعاصي بالنار إلّا جزافا في مورد المطيع، وظلما في مورد العاصي، والجزاف والظلم قبيحان عند العقلاء ولزم الترجيح من غير مرجّح وهو قبيح عندهم أيضاً ولا حجّة في قبيح وقد قال تعالى:( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) النساء - ١٦٥، وقال تعالى:( لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ) الانفال - ٤٢، فقد اتّضح بالبيان السابق أمور:
أحدها: أنّ التشريع ليس مبنيّا على أساس الإجبار في الإفعال، فالتكاليف مجعولة على وفق مصالح العباد في معاشهم ومعادهم أوّلً، وهي متوجّهة إلى العباد من حيث أنّهم مختارون في الفعل والترك ثانيا، والمكلّفون إنّما يثابون أو يعاقبون بما كسبت أيديهم من خير أو شرّ إختيارا.
ثانيها: أنّ ما ينسبه القرآن إليه تعالى من الإضلال والخدعة والمكر والإمداد في الطغيان وتسليط الشيطان وتوليته على الإنسان وتقييض القرين ونظائر ذلك جميعها منسوبة إليه تعالى على ما يلائم ساحة قدسه ونزاهته تعالى عن ألواث النقص والقبح و
المنكر، فإنّ جميع هذه المعاني راجعة بالآخرة إلى الإضلال وشعبه وأنواعه، وليس كلّ إضلال حتّى الإضلال البدويّ وعلى سبيل الإغفال بمنسوب إليه ولا لائق بجنابه، بل الثابت له الإضلال مجازاة وخذلانا لمن يستقبل بسوء إختياره ذلك كما قال تعالى:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) الآية البقرة - ٢٦، وقال:( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) الصف - ٥، وقال تعالى:( كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ ) المؤمن - ٣٤.
ثالثها: أنّ القضاء غير متعلّق بأفعال العباد من حيث أنّها منسوبة إلى الفاعلين بالانتساب الفعليّ دون الانتساب الوجوديّ وسيجئ لهذا القول زيادة توضيح في التذييل الآتي وفي الكلام على القضاء والقدر إن شاء الله تعالى.
رابعها: أنّ التشريع كما لا يلائم الجبر كذلك لا يلائم التفويض، إذ لا معنى للإمر والنهي المولويّين فيما لا يملك المولى منه شيئً، مضافً إلى أنّ التفويض لا يتمّ إلّا مع سلب إطلاق الملك منه تعالى عن بعض ما في ملكه.
( بحث روائي)
إستفاضت الروايات عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام أنّهم قالوا: (لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين الحديث).
وفي العيون بعدّة طرق لما إنصرف أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام من صفّين قام إليه شيخ ممّن شهد الواقعة معه فقال يا أميرالمؤمنين أخبرنا من مسيرنا هذا أبقضاء من الله وقدر، فقال له أميرالمؤمنين: أجل يا شيخ فو الله ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلّا بقضاء من الله وقدر، فقال الشيخ عند الله احتسب عنائي يا أميرالمؤمنين فقال: مهلا يا شيخ لعلّك تظنّ قضاء حتما وقدرً لازما، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب والإمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسئٍ لائمة ولا لمحسن محمّدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب والمذنب أولى بالإحسان من المحسن، تلك مقالة عبدة الاوثان وخصماء الرحمن وقدريّة هذه الإمّة ومجوسها. يا شيخ إنّ الله
كلّف تخييرا ونهى تحذيرا، وأعطى على القليل كثيرا ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكروهً ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا. ذلك ظن الّذين كفروا فويل للذين كفروا من النار الحديث.
أقول: قوله: بقضاء من الله وقدر إلى قوله:( عندالله أحتسب عنائي) . ليعلم أن من أقدم المباحث الّتي وقعت في الإسلام موردا للنقض والإبرام، وتشاغبت فيه الإنظار مسألة الكلام ومسألة القضاء والقدر وإذ صوّروا معنى القضاء والقدر وإستنتجوا نتيجتة فإذا هي أن الإرادة الإلهيّة الإزليّة تعلّقت بكلّ شئ من العالم فلا شئ من العالم موجود على وصف الإمكان، بل إن كان موجودً فبالضرورة، لتعلّق الإرادة بها واستحالة تخلّف مرادة تعالى عن إرادتة، وإن كان معدوما فبالامتناع لعدم تعلّق الإرادة بها وإلّا لكانت موجودة، وإذا اطّردت هذه القاعدة في الموجودات وقع الإشكال في الافعال الاختياريّة الصادرة منّا فإنّا نرى في بادي النظر أنّ نسبة هذه الافعال وجودا وعدما الينا متساوية، وإنّما يتعيّن واحد من الجانبين بتعلّق الإرادة به بعد إختيار ذلك الجانب فأفعالنا اختياريّة، والإرادة مؤثّرة في تحقّقه سبب في إيجاده، ولكن، فرض تعلّق الإرادة الإلهيّة الازليّة المستحيلة التخلّف بالفعل يبطل اختياريّة الفعل أوّلً، وتأثير إرادتنا في وجود الفعل ثانيً وحينئذ لم يكن معنى للقدرة قبل الفعل على الفعل، ولا معنى للتكليف لعدم القدرة قبل الفعل وخاصّة في صورة الخلاف والتمرّد فيكون تكليفا بما لا يطاق، ولا معنى لإثابة المطيع بالجبر لأنّه جزاف قبيح، ولا معنى لعقاب العاصي بالجبر لأنّه ظلم قبيح إلى غير ذلك من اللّوازم، وقد إلتزم الجميع هؤلاء الباحثون فقالوا القدرة غير موجودة قبل الفعل، والحسن والقبح أمران غير واقعيّين لا يلزم تقيّد أفعاله تعالى بهما بل كلّ ما يفعله فهو حسن ولا يتّصف فعله تعالى بالقبح، فلا مانع هناك من الترجيح بلا مرجّح، ولا من الإرادة الجزافيّة، ولا من التكليف بما لا يطاق، ولا من عقاب العاصي وإن لم يكن النقصان من قبله إلى غير ذلك من التوالي تعالى عن ذلك.
وبالجملة كان القول بالقضاء والقدر في الصدر الإوّل مساوقا لارتفاع الحسن والقبح والجزاء بالاستحقإق ولذلك لما سمع الشيخ منهعليهالسلام كون المسير بقضاء وقدر قال وهو في مقام التأثّر واليأس: عند الله أحتسب عنائي أي إنّ مسيري وإرادتي فاقدة الجدوى من
حيث تعلّق الإرادة الإلهيّة بها فلم يبق لي إلّا العناء والتعب من الفعل فأحتسبه عند ربّي فهو الّذي أتعبني بذلك فأجاب عنه الإمامعليهالسلام بقوله:( لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب) الخ، وهو أخذ بالُصول العقلائيّة الّتي أساس التشريع مبنيّ عليها واستدلّ في آخر كلامهعليهالسلام بقوله:( ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلا ) الخ، وذلك لإنّ صحّة الإرادة الجزافيّة الّتي هي من لوازم ارتفاع الاختيار يوجب إمكان تحقّق الفعل من غير غاية وغرض وهو يوجب امكان إرتفاع الغاية عن الخلقة والايجاد، وهذا الامكان يساوق الوجوب، فلا غاية على هذا التقدير للخلقة والايجاد، وذلك خلق السموات والأرض وما بينهما باطلا، وفيه بطلان المعاد وفيه كلّ محذور، وقوله :( ولم يعص مغلوبا ولم يطع مكروها) كإنّ المراد لم يعص والحال أنّ عاصيه مغلوب بالجبر ولم يطع والحال أن طوعه مكروه للمطيع.
وفي التوحيد والعيون عن الرّضاعليهالسلام قال: ذكر عنده الجبر والتفويض فقال: ألا أعلّمكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه ولا يخاصمكم عليه أحد إلّا كسّرتموه ؟ قلنا إن رأيت ذلك، فقال إنّ الله عزّوجلّ لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة ولم يهمل العباد في ملكة، هو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه فإن إئتمر العباد بطاعته لم يكن الله منها صادّا، ولا منها مانعً وان إئتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل فعلوه فليس هو الّذي أدخلهم فيه ثمّ قالعليهالسلام من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه.
اقول: قد عرفت أنّ الّذي ألزم المجبّرة أن قالوا بما قالوا هو البحث في القضاء والقدر وإستنتاج الحتم واللّزوم فيهما وهذا البحث صحيح وكذلك النتيجة إيضاً نتيجة صحيحة غير أنّهم اخطؤا في تطبيقها، واشتبه عليهم أمر الحقائق والاعتباريّات، واختلط عليهم الوجوب والإمكان، توضيح ذلك أنّ القضاء والقدر على تقدير ثبوتهما ينتجان أنّ الأشياء في نظام الايجاد والخلقة على صفة الوجوب واللّزوم فكلّ موجود من الموجودات وكلّ حال من أحوال الموجود مقدّرة محدودة عند الله سبحانه، معيّن له جميع ما هو معه من الوجود وأطواره واحواله لا يتخلّف عنه ولا يختلف، ومن الواضح أن الضرورة والوجوب
من شؤون العلّة فإنّ العلة التامّة هي الّتي إذا قيس إليها الشئ صار متّصفا بصفة الوجوب وإذا قيس إلى غيرها أي شئ كان لم يصر إلّا متّصفا بالإمكان، فانبساط القدر والقضاء في العالم هو سريان العلّيّة التامّة والمعلوليّة في العالم بتمامه وجميعه، وذلك لا ينافي سريان حكم القوّة والامكان في العام من جهة أخرى وبنظر آخر فالفعل الاختياريّ الصادر عن الإنسان بإرادته إذا فرض منسوبا إلى جميع ما يحتاج إليه في وجوده من علم وإرادة وأدوات صحيحة ومادّة يتعلّق بها الفعل وسائر الشرائط الزمانيّة والمكانيّة كان ضروريّ الوجود، وهو الّذي تعلّقت به الإرادة الإلهيّة الازليّة لكن كون الفعل ضروريّاً بالقياس إلى جميع أجزاء علّته التامّة ومن جهتها لا يوجب كونه ضروريّاً إذا قيس إلى بعض أجزاء علّته التامّة كما إذا قيس الفعل إلى الفاعل دون بقيّة أجزاء علّته التامّة فإنّه لا يتجاوز حد الامكان، ولا يَبلغ البتّة حد الوجوب فلا معنى لما زعموه أنّ عموم القضاء وتعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل يوجب زوال القدرة وارتفاع الاختيار، بل الإرادة الإلهيّة إنّما تعلّقت بالفعل بجميع شؤونه وخصوصيّاته الوجوديّة ومنها إرتباطاته بعلله وشرائط وجوده، وبعبارة إخرى تعلّقت الإرادة الإلهيّة بالفعل الصادر من زيد مثلً لا مطلقا بل من حيث أنّه فعل إختياريّ صادر من فاعل كذا في زمان كذا ومكان كذا فإذن تأثير الإرادة الإلهيّة في الفعل يوجب كون لفعل إختياريّا وإلّا تخلّف متعلّق الإرادة الإلهيّة عنها فإذن تأثير الإرادة الإلهيّة في صيرورة الفعل ضروريّاً يوجب كون الفعل إختياريّا أي كون الفعل ضروريّاً بالنسبة إلى الإرادة الإلهيّة ممكنً إختياريًّ بالنسبة إلى الإرادة الإنسانيّة الفاعليّة، فالإرادة في طول الإرادة وليست في عرضها حتّى تتزاحما، ويلزم من تأثير الإرادة الإلهيّة بطلان تأثير الإرادة الإنسانيّة فظهر أن ملاك خطأ المجبّرة فيما أخطأوا فيه عدم تمييزهم كيفيّة تعلّق الإرادة الإلهيّة بالفعل، وعدم فرقهم بين الإرادتين الطوليّتين وبين الإرادتين العرضيتّين وحكمهم ببطلان تأثير إرادة العبد في الفعل لتعلّق إرادة الله تعالى به.
والمعتزلة وإن خالفت المجبّرة في اختياريّة افعال العبإد وسائر اللوازم إلّا أنّهم سلكوا في إثباته مسلكا لا يقصر من قول المجبّرة فسادا، وهو أنّهم سلّموا للمجبّرة أنّ
تعلّق إرادة الله بالفعل يوجب بطلان الاختيار، ومن جهة أخرى أصرّوا على اختياريّة الافعال الاختياريّة فنفوا بالإخرة تعلّق الإرادة الإلهيّة بالافعال فلزمهم إثبات خالق آخر للإفعال وهو الإنسان، كما أنّ خالق غيرها هو الله سبحانه فلزمهم محذور الثنويّة، ثمّ وقعوا في محاذير إخرى أشدّ ممّا وقعت فيه المجبّرة، كما قالعليهالسلام : مساكين القدريّة أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه الحديث.
فمثل هذا مثل المولى من الموالي العرفيّة يختار عبدا من عبيده و يزوّجه إحدى فتياته ثمّ يقطع له قطيعة ويخصّه بدار وأثاث وغير ذلك ممّا يحتاج إليه الإنسان في حيإته إلى حين محدود وأجل مسمّى، فإن قلنا إنّ المولى وإن اعطى لعبده ما أعطى وملكه ما ملّك فإنّه لا يملك وأين العبد من الملك كان ذلك قول المجبّرة، وإن قلنا إن إلمولى باعطائه المال لعبده وتمليكه جعله مالكا وإنعزل هو عن المالكيّة وكان المالك هو العبد كان ذلك قول المعتزلة، ولو جمعنا بين الملكين بحفظ المرتبتين وقلنا: إن المولى مقامه في المولويّة وللعبد مقامه في الرّقيّة وإنّ العبد إنّما يملك في ملك المولى، فالمولى مالك في عين أنّ العبد مالك فهنا ملك على ملك كان ذلك القول الحقّ الّذى رآه أئمّة أهل البيتعليهالسلام ، وقام عليه البرهان هذ.
وفي الاحتجاج فيما سأله عباية بن ربعيّ الاسديّ عن أميرالمؤمنين علىّعليهالسلام في معنى الاستطاعة، فقال أميرالمؤمنينعليهالسلام : تملكها من دون الله أو مع الله ؟ فسكت عباية بن ربعيّ فقال له قل يا عباية، قال: وما أقول يا أميرالمؤمنين ؟ قال: تقول تملكها بالله الّذي يملكها من دونك فإنّ ملّككها كان ذلك من عطائه وإن سلبكها كان ذلك من بلائه وهو المالك لما ملّكك والقادر على ما عليه أقدرك الحديث.
أقول: ومعنى الرواية واضح ممّا بيّناه آنفا.
وفي شرح العقائد للمفيد قال: وقد روى عن أبي الحسن الثالثعليهالسلام إنّه سئل عن أفعال العباد أهي مخلوقة لله تعالى ؟ فقالعليهالسلام : لو كان خالقا لها لما تبرء منها وقد قال سبحانه: إن الله برئ ٌمن المشركين ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنّما تبرء من شركهم وقبائحهم.
أقول: للأفعال جهتان: جهة ثبوت ووجود، وجهة الانتساب إلى الفاعل، وهذه الجهة الثانية هي الّتي تتّصف بها الأفعال بأنّها طاعة أو معصية أو حسنه أو سيّئة فإنّ النكاح والزنا لا فرق بينهما من جهة الثبوت والتحقّق، وإنّما الفرق الفارق هو أن النكاح موافق لأمر الله تعالى، والزنا فاقد للموافقة المذكورة، وكذا قتل النفس بالنفس وقتل النفس بغير نفس، وضرب اليتيم تأديباً وضربه ظلماً، فالمعاصي فاقدة لجهة من جهات الصلاح أو لموافقة الأمر أو الغاية الاجتماعيّة بخلاف غيرها، وقد قال تعالى:( اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الزمر - ٦٢، والفعل شئ بثبوته ووجوده، وقد قالعليهالسلام : (كلّ ما وقع عليه اسم شئ فهو مخلوق ما خلا الله الحديث) ثمّ قال تعالى:( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) السجدة - ٧، فتبيّن أنّ كلّ شئ كما أنّه مخلوق فهو في أنّه مخلوق حسن، فالخلقة والحسن متلازمان متصاحبان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر أصلا، ثمّ إنّه تعالى سمّى بعض الافعال سيّئة فقال:( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ) الانعام - ١٦٠، وهي المعاصي الّتي يفعلها الإنسان بدليل المجازاة، وعلمنا بذلك أنّها من حيث أنّها معاص عدميّة غير مخلوقة وإلّا كانت حسنة، وقال تعالى:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ) الحديد - ٢٢، وقال:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) التغابن - ١١، وقال:( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) الشورى - ٣٠، وقال:( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) النساء - ٧٩، وقال:( وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) النساء - ٧٨، علمنا بذلك أن هذه المصائب إنّما هي سيّئات نسبيّة بمعنى أنّ الإنسان المنعم بنعمة من نعم الله كالأمن والسلامة والصحّة والغنى يعد واجداً فإذا فقدها لنزول نازلة وإصابة مصيبة كانت النازلة بالنسبة إليه سيّئة لأنّها مقارنة لفقد مّا وعدم مّا، فكلّ نازلة فهى من الله وليست من هذه الجهة سيّئة وإنّما هي سيّئة نسبيّة بالنسبة إلى الإنسان وهو واجد، فكلّ سيّئة فهي أمر عدمي غير منسوب من هذه الجهة إلى الله
سبحانه البتّة وإن كانت من جهة اُخرى منسوبة إليه تعالى بالإذن فيه ونحو ذلك.
وفي قرب الأسناد عن البزنطيّ، قال: قلت: للرضاعليهالسلام إنّ أصحابنا بعضهم يقول: بالجبر، وبعضهم بالاستطاعة فقال لي: (أكتب، قال الله تبارك وتعالى يا بن آدم بمشيّتي كنت أنت الّذي تشاء لنفسك ما تشاء وبقوّتي أدّيت إلي فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي جعلتك سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذلك أنّي أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي، وذلك أنّي لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، فقد نظمت لك كلّ شئ تريد الحديث) وهو أو ما يقربه مرويّ بطرق عاميّة وخاصّية اُخرى وبالجملة فالّذي لا تنسب إلى الله سبحانه من الأفعال هي المعاصي من جهة أنّها معاص خاصّة، وبذلك يعلم معنى قولهعليهالسلام في الرواية السابقة، لو كان خالقاً لها لما تبرّء منها إلى قوله وإنّما تبرّء من شركهم وقبائحهم الحديث.
وفي التوحيد: عن أبي جعفر وأبي عبداللهعليهماالسلام (قالا: إن الله عزّوجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمرً فلا يكون) قال: فسئلاعليهماالسلام هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قال: نعم أوسع ممّا بين السماء والأرض.
وفي التوحيد عن محمّد بن عجلان، قال قلت: لإبي عبداللهعليهالسلام فوّض الله الإمر إلى العباد ؟ قال: (الله أكرم من أن يفوّض إليهم) قلت: فأجبر الله العباد على أفعالهم فقال: (الله أعدل من أن يجبر عبدً على فعل ثمّ يعذّبه عليه).
وفي التوحيد أيضاً عن مهزم، قال قال أبوعبداللهعليهالسلام أخبرني عمّا اختلف فيه من خلفك من موالينا، قال: قلت: في الجبر والتفويض ؟ قال: فاسألني قلت: أجبر الله العباد على المعاصي ؟ قال: (الله أقهر لهم من ذلك) قلت: ففوّض إليهم ؟ قال الله أقدر عليهم من ذلك، قال قلت : فأيّ شئ هذا، أصلحك الله ؟ قال: فقلّب يده مرّتين أو ثلاثً ثمّ قال: (لو أجبتك فيه لكفرت).
اقول: قولهعليهالسلام :( الله أقهر لهم من ذلك) ، معناه أنّ الجبر إنّما هو لقهر من المجير
يبطل به مقاومة القوّة الفعلّة، وأقهر منه وأقوى أن يريد المريد وقوع الفعل الاختياريّ من فاعله من مجرى إختياره فيأتي به من غير أن يبطل إرادته وإختياره إو ينازع إرادة الفاعل إرادة الآمر.
وفي التوحيد أيضاً عن الصادقعليهالسلام قال: قال: (رسول الله: من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أنّ الخير والشرّ بغير مشيّة الله فقد أخرج الله من سلطانه)
وفي الطرائف: روي أن الحجّاج بن يوسف كتب إلى الحسن البصريّ وإلى عمرو بن عبيد وإلى واصل بن عطاء وإلى عامر الشعبيّ أن يذكروا ما عندهم وما وصل إليهم في القضاء والقدر، فكتب إليه الحسن البصريّ أن إحسن ما انتهى إليّ ما سمعت أميرالمؤمنين عليّ بن ابيطالبعليهالسلام ، أنّه قال: أتظن إنّ الّذي نهاك دهاك ؟ وإنّما دهاك أسفلك وأعلاك، والله برئ من ذاك). وكتب إليه عمرو بن عبيد أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالبعليهالسلام (لو كان الزور في الاصل محتوما لكان المزوّر في القصاص مظلومً). وكتب إليه واصل بن عطاء أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالبعليهالسلام (إيد لّك على الطريق ويأخذ عليك المضيق ؟ وكتب إليه الشعبيّ أحسن ما سمعت في القضاء والقدر قول أميرالمؤمنين عليّ بن أبيطالبعليهالسلام (كلّما استغفرت الله منه فهو منك، وكلّما حمدت الله عليه فهو منه) فلمّا وصلت كتبهم إلى الحجّاج ووقف عليها قال: لقد أخذوها من عين صافية.
وفي الطرائف أيضاً روى أنّ رجلا سأل جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام عن القضاء والقدر فقال: (ما إستطعت أن تلوم العبد عليه فهو منه، وما لم تستطع أن تلوم العبد عليه فهو من فعل الله) يقول الله للعبد: لِمَ عصيت، لِمَ فسقت، لِمَ شربت الخمر، لِمَ زنيت ؟ فهذا فعل العبد، ولا يقول له لِمَ مرضت، لِمَ قصرت، لِمَ إبيضضت، لِمَ إسوددت ؟ لأنّه من فعل الله تعالى.
وفي النهج سئلعليهالسلام عن التوحيد والعدل فقال: (التوحيد أن لا تتوّهمه، والعدل أن لا تتّهمه).
اقول: والإخبار فيما مرّ متكاثرة جدًّ غير أن الّذي نقلناه حاو لمعاني ما تركناه ولئن تدبّرت فيما تقدّم من الإخبار وجدتها مشتملة على طرق خاصّة عديدة من الاستدلال.
منها: الاستدلال بنفس الإمر والنهي والعقاب و الثواب وأمثالها على تحقّق الاختيار من غير جبر ولا تفويض، كما في الخبر المنقول عن أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام فيما أجاب به الشيخ، وهو قريب المأخذ ممّا استفدناه من كلامه تعالى.
ومنها: الاستدلال بوقوع ُمور في القرآن لا تصدق لو صدق جبر أو تفويض، كقوله تعالى:( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) وقوله:( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) ، وقوله تعالى:( قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) الآية، ويمكن أن يناقش فيه بأنّ الفعل إنّما هو فاحشة أو ظلم بالنسبة إلينا وأمّا إذا نسب إليه تعالى فلا يسمّى فاحشة ولا ظلما فلا يقع منه تعالى فاحشة ولا ظلم، ولكن صدر الآية بمدلولها الخاصّ يدفعها فإنّه تعالى يقول:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ) الآية، فالإشارة بقوله بهذا يوجب أن يكون النفي اللّاحق متوجّها إليه سواءٌ سمّي فحشاء أولم يسمّ.
ومنها: الاستدلال من جهة الصفات وهو أنّ الله تسمّى بأسماء حسنى وإتّصف بصفات عليا لا تصدق ولا تصحّ ثبوتها على تقدير جبر أو تفويض فإنّه تعالى قهّار قادر كريم رحيم، وهذه صفات لا تستقرّ معانيها إلّا عند ما يكون وجود كلّ شئ منه تعالى ونقص كلّ شئ وفساده غير راجع إلى ساحة قدسه كما في الروايات الّتي نقلناها عن التوحيد.
ومنها: الاستدلال بمثل الاستغفار وعروض اللّوم فإنّ الذنب لو لم يكن من العبد لم يكن معنى لاستغفاره ولو كان الفعل كلّه من الله لم يكن فرق بين فعل وفعل في عروض اللّوم على بعضها وعدم عروضه على بعض آخر.
وهيهنا روايات أخر مرويّة فيما ينسب إليه سبحانه من معنى الاضلال والطبع والإغواء وغير ذلك.
ففى العيون عن الرّضاعليهالسلام في قوله تعالى:( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ) قالعليهالسلام (إنّ الله لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه لكنّه متى علم أنّهم لا يرجعون عن
الكفر والضلال منعهم المعاونة و اللطف وخلّى بينهم وبين اختيارهم).
وفي العيون أيضاً عنهعليهالسلام في قوله تعالى: ختم الله على قلوبهم، قال: الختم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة على كفرهم، كما قال الله تعالى: بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلّا قليلا.
وفي المجمع عن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي ) الآية، هذا القول من الله ردّ على من زعم إنّ الله تبارك وتعالى يضلّ العباد ثمّ يعذّبهم على ضلالتهم إلحديث.
أقول: قد مرّ بيان معناها.
( بحث فلسفي)
لا ريب إنّ الُمور الّتي نسمّيها أنواعا في الخارج هي الّتي تفعل الإفاعيل النوعيّة، وهي موضوعاتها، فإنّا إنّما أثبتنا وجود هذه الإنواع ونوعيّتها الممتازة عن غيرها من طريق الآثار والإفاعيل، بأن شاهدنا من طرق الحواسّ أفاعيل متنوّعة وآثارً مختلفة من غير أن تنال الحواسّ في إحساسها امرً وراء الآثار العرضيّة، ثمّ أثبتنا من طريق القياس والبرهان علّة فعلّة لها وموضوعً يقوّمها ثمّ حكمنا بإختلاف هذه الموضوعات أعني الانواع لإختلاف الآثار والافاعيل المشهودة لنا، فالإختلاف المشهود في آثار الإنسان وساير الانواع الحيوانيّة مثلا هو الموجب للحكم بأنّ هناك انواعً مختلفة تسمّى بكذا وكذا ولها آثار وأفاعيل كذا وكذا، وكذا، الإختلافات بين الإعراض والإفاعيل إنّما نثبتها ونحكم بها من ناحية موضوعاتها أو خواصّها.
وكيف كان فالإفاعيل بالنسبة إلى موضوعاتها تنقسم بانقسام أوّلى إلى قسمين:الإوّل: الفعل الصادر عن الطبيعة من غير دخل للعلم في صدوره كأفعال النشوء والنموّ والتغذّي للّنبات والحركات للإجسام، ومن هذا القبيل الصحّة والمرض وأمثال ذلك فإنّها وإن كانت معلومة لنا وقائمة بنا إلّا أنّ تعلّق العلم بها لا يؤثّر في وجودها وصدورها شيئً وإنّما هي مستندة تمام الاستناد إلى فاعلها الطبيعي.والثاني: الفعل الصادر عن الفاعل من حيث أنّه معلوم تعلّق به العلم كما في الإفعال الإراديّة للإنسان وساير ذوات الشعور
من الحيوان، فهذا القسم من الفعل إنّما يفعله فاعله من حيث تعلّق العلم به وتشخيصه وتمييزه، فالعلم فيه إنّما يفيد تعيينه وتمييزه من غيره، وهذا التمييز والتعيين إنّما يتحقّق من جهة انطباق مفهوم يكون كمالا للفاعل انطباقً بواسطة العلم، فإنّ الفاعل أيّ فاعل كان إنّما يفعل من الفعل ما يكون مقتضى كماله وتمام وجوده فالفعل الصادر عن العلم إنّما يحتاج إلى العلم من جهة أن يتميّز عند الفاعل ما هو كمال له عن ما ليس بكمال له.
ومن هنا ما نرى أنّ الإفعال الصادرة عن الملكات كصدور أصوات الحروف منظّمة عن الإنسان المتكلّم، وكذا الإفعال الصادرة عنها مع اقتضاء مّا ومداخلة من الطبيعة كصدور التنفّس عن الإنسان، وكذا الإفعال الصادرة عن الإنسان بغلبة الحزن أو الخوف أو غير ذلك كلّ ذلك لا يحتاج إلى تروّ من الفاعل، إذ ليس هناك إلّا صورة علميّة واحدة منطبقة على الفعل والفاعل لاحالة منتظرة لفعلّة، فيفعل البتّة، وإمّا الإفعال الّتي لها صور علميّة متعدّدة تكون هي من جهة بعضها مصداق كمال الإنسان حقيقة أو تخيّلا، ومن جهة بعضها غير مصداق لكماله الحقيقيّ أو التخيليّ كما أن الخبز بالنسبة إلى زيد الجائع كذلك فإنّه مشبع رافع لجوعه ويمكن أن يكون مال الغير ويمكن أن يكون مسمومً ويمكن إن يكون قذرً يتنفّر عنه الطبع، وهكذا والإنسان إنّما يتروّى فيما يتروّى لترجيح أحد هذه العناوين في انطباقه على الخبز مثلا، فإذا تعيّن أحد العناوين وسقطت بقيّتها وصار مصداقً كمال الفاعل لم يلبث الفاعل في فعله أصلا،والقسم الاول: نسمّيه فعلا إضطراريًّ كالتأثيرات الطبيعيّة.والقسم الثاني: نسمّيه فعلا إراديًّ كالمشي والتكلّم.
والفعل الاراديّ: الصادر عن علم وإرادة ينقسم ثانيً إلى قسمين: فإن ترجيح إحد جانبي الفعل والترك إمّا مستند إلى نفس الفاعل من غير أن يتأثّر عن آخر كالجائع الّذي يتروّى في أكل خبز موجود عنده حتّى رجّح أن يبقيه ولا يأكله لأنّه كان مال الغير من غير إذن منه في التصرّف فانتخب الحفظ واختاره أو رجّح الإكل فأكله إختيارً، وإمّا أن يكون الترجيح والتعيين مستندً إلى تأثير الغير كمن يجبره جبّار على فعل بتهديده بقتل أو نحوه ففعله إجبارً من غير أن يكون متعيّنا بانتخابه واختياره
والقسم الاوّل يسمّى فعلً اختياريًّ، والثاني فعلا إجباريًّ هذا، وإنت تجد بجودة التأمّل أنّ الفعل الاجباريّ وإن أسندناه إلى إجبار المجبر وأنّه هو الّذي يجعل أحد الطرفين محالا وممتنعً بواسطة الإجبار فلا يبقى للفاعل إلّا طرف واحد، لكنّ الفعل الإجباريّ إيضاً كالإختياريّ لا يقع إلّا بعد ترجيح الفاعل المجبور جانب الفعل على الترك وإن كان الّذي يجبره هو المتسبّب إلى الفعل بوجه، لكنّ الفعل ما لم يترجّح بنظر الفاعل وإن كان نظره مستندا بوجه إلى اجبار المجبر وتهديده لم يقع، والوجدان الصحيح شاهد على ذلك، ومن هنا يظهر أن تقسيم الإفعال الإراديّة إلى اختياريّة وجبريّة ليس تقسيمً حقيقيًّ ينوّع المقسم إلى نوعين مختلفين بحسب الذات والآثار، فإنّ الفعل الإراديّ إنّما يحتاج إلى تعيين وترجيح علميّ يعيّن للفاعل مجرى فعله، وهو في الفعل الإختياريّ والجبريّ على حدّ سواء، وأمّا أن ترجيح الفاعل في أحدهما مستند إلى رسله وفي آخر إلى آخر فلا يوجب إختلافً نوعيًّ يؤدّي إلى إختلاف الآثار. ألا ترى أن المستظلّ تحت حائط إذا شاهد أنّ الحائط يريد أن ينقضّ، فخرج خائفً عدّ فعله هذا إختياريًّ ؟ وأمّا إذا هدّده جبّار بأنّه لو لم يقم لهدم الحائط عليه، فخرج خائفً عدّ فعله هذا اجباريًّ من غير فرق بين الفعلين والترجيحين أصلا غير أن أحد الترجيحين مستند إلى إرادة الجبّار.
فإن قلت: كفى فرقً بين الفعلين أن الفعل الاختياريّ يوافق في صدوره مصلحة عند الفاعل وهو فعل يترتّب عليه المدح والذمّ ويتبعه الثواب والعقاب إلى غير ذلك من الآثار، وهذا بخلاف الفعل الاجباريّ فإنّه لا يترتّب عليه شئ من ذلك.
قلت: الإمر على ما ذكر، غير أنّ هذه الآثار إنّما هي بحسب اعتبار العقلاء على ما يوافق الكمال الإخير الاجتماعيّ، فهي آثار اعتباريّة غير حقيقيّة، فليس البحث عن الجبر والاختيار بحثً فلسفيًّ لإنّ البحث الفلسفيّ إنّما ينال الموجودات الخارجيّة وآثارها العينيّة، وأمّا الُمور المنتهية إلى أنحاء الاعتبارات العقلائيّة، فلا ينالها بحث فلسفي ولا يشملها برهان إلبتّة، وإن كانت معتبرة في بابها، مؤثّرة أثرها، فالواجب، أن نرد البحث المزبور من طريق آخر، فنقول: لا شكّ أن كلّ ممكن حادث مفتقر إلى علّة،
والحكم ثابت من طريق البرهان، ولا شكّ إيضاً أنّ الشئ ما لم يجب لم يوجد إذ الشئ ما لم يتعيّن طرف وجوده بمعيّن كان نسبته إلى الوجود والعدم بالسويّة، ولو وجد الشئ وهو كذلك لم يكن مفتقرا إلى علّة وهف، فإذا فرض وجود الشئ كان متّصفً بالضرورة مادام موجودً، وهذه الضرورة إنّما إكتسبها من ناحية العلّة، فإذا أخذنا دار الوجود بأجمعها كانت كسلسلة مؤلّفة من حلقات مترتّبة متوالية كلّها واجبة الوجود، ولا موقع لإمر ممكن الوجود في هذه السلسلة.
ثمّ نقول: هذه النسبة الوجوبيّة إنّما تنشأ عن نسبة المعلول إلى علّتها التامّة البسيطة أو المركّبة من ُمور كثيرة كالعلل الإربع والشرائط والمعدّات. وأمّا إذا نسب المعلول المذكور إلى بعض أجزاء العلّة أو إلى شئ آخر لو فرض كانت النسبة نسبة الإمكان بالضرورة، بداهة أنّه لو كانت بالضرورة كانت العلّة التامّة وجودها مستغنى عنه وهي علّة تامّة هف، ففي عالمنا الطبيعي نظامان: نظام الضرورة ونظام الإمكان، فنظام الضرورة منبسط على العلل التامّة ومعلولاتها ولا يوجد بين أجزاء هذا النظام أمر إمكانيّ إلبتّة لا ذات ولا فعل ذات ونظام الإمكان منبسط على المادّة والصور الّتي في قوّة المادّة التلبّس بها والآثار الّتي يمكنها أن تقبلها، فإذا فرضت فعلا من أفعال الإنسان الاختياريّة ونسبتها إلى تمام علّتها، وهي الإنسان والعلم والإرادة ووجود المادّة القابلة وتحقّق الشرائط المكانيّة والزمانيّة وإرتفاع الموانع، وبالجملة كلّ ما يحتاج إليه الفعل في وجوده كان الفعل واجبً ضروريّاً، وإذا نسب إلى الإنسان فقط، ومن المعلوم أنّه جزء من أجزاء العلّة التامّة كانت النسبة بالإمكان.
ثمّ نقول: سبب الاحتياج والفقر إلى العلّة كما بيّن في محلّه كون الوجود (وهو مناط الجعل) وجودً إمكانيّا، أي رابطا بحسب الحقيقة غير مستقلّ بنفسه، فما لم ينته سلسلة الربط إلى مستقلّ بالذات لم ينقطع سلسلة الفقر والفاقة.
ومن هنا يستنتجّإوّلا: أن المعلول لا ينقطع بواسطة استناده إلى علّته عن الاحتياج إلى العلّة الواجبة الّتي إليها تنتهي سلسلة الإمكان.
وثانيً: إنّ هذا الاحتياج حيث كان من حيث الوجود كان الاحتياج في الوجود
مع حفظ جميع خصوصيّاته الوجوديّة وارتباطاته بعلله وشرائطه الزمانيّة والمكانيّة إلى غير ذلك.
فقد تبيّن بهذا أمرانالأوّل: أنّ الإنسان كما أنّه مستند الوجود إلى الإرادة الإلهيّة على حدّ سائر الذوات الطبيعيّة وأفعالها الطبيعيّة فكذلك أفعال الإنسان مستنده الوجود إلى الإرادة الإلهيّة على حدّ سائر الذوات الطبيعيّة وأفعالها الطبيعيّة فكذلك أفعال الإنسان مستندة الوجود إلى الإرادة الإلهيّة، فما ذكره المعتزلة من كون الإفعال الإنسانيّة غير مرتبطة الوجود بالله سبحانه وإنكار القدر ساقط من إصله، وهذا الاستناد حيث أنّه إستناد وجوديّ فالخصوصيّات الوجوديّة الموجودة في المعلول دخيلة فيه، فكلّ معلول مستند إلى علّته بحده الوجوديّ الّذي له، فكما أنّ الفرد من الإنسان إنّما يستند إلى العلّة الُولى بجميع حدوده الوجوديّة من أب وأمّ وزمان ومكان وشكل وكمّ وكيف وعوامل إخر مادّيّة، فكذلك فعل الإنسان إنّما يستند إلى العلّة الُولى مأخوذا بجميع خصوصيّاته الوجوديّة، فهذا الفعل إذا إنتسب إلى العلّة الُولى والإرادة الواجبة مثلا لا يخرجه ذلك عمّا هو عليه ولا يوجب بطلان الإرادة الإنسانيّة مثلً في التأثير، فإنّ الإرادة الواجبيّة إنّما تعلّقت بالفعل الصادر من الإنسان عن إرادة وإختيار، فلو كان هذا الفعل حين التحقّق غير إراديّ وغير إختياريّ لزم تخلّف إرادته تعالى عن مراده وهو محال، فما ذهب إليه المجبّرة من الإشاعرة من أن تعلّق الإرادة الإلهيّة بالافعال الإراديّة يوجب بطلان تأثير الإرادة والاختيار فاسد جدًّ، فالحقّ الحقيق بالتصديق أنّ الإفعال الإنسانيّة لها نسبة إلى الفاعل ونسبة إلى الواجب، وإحدى النسبتين لا توجب بطلان الُخرى لكونهما طوليّتين لا عرضيّتين.
الثاني: أنّ الإعال كما أنّ لها إستنادا إلى عللها التامّة (وقد عرفت أنّ هذه النسبة ضروريّة وجوبيّة كسائر الموجودات المنسوبة إلى عللها التامّة بالوجوب) كذلك لها إستناد إلى بعض إجزاء عللها التامّة كالإنسان مثلا، وقد عرفت أن هذه النسبة بالامكان فكون فعل من الإفعال ضروريّ الوجود بملاحظة علّته التامّة الضروريّة لا يوجب عدم كون هذا الفعل ممكنا بنظر آخر، إذ النسبتان ثابتتان وهما غير متنافيتين كما مرّ فما
ذكره جمع من المادّيّين من فلاسفة العصر الحاضر من شمول الجبر لنظام الطبيعة وإنكار الاختيار باطل جدًّ بل الحقّ أنّ الحوادث بالنسبة إلى عللها التامّة واجبة الوجود بالنسبة إلى موادّها وأجزاء عللها ممكنة الوجود، وهذا هو الملاك في أعمال الإنسان وأفعاله فبنائه في جميع مواقف عمله على أساس الرجاء والتربية والتعليم ونحو ذلك، ولا معنى لابتناء الواجبات والضروريّات على التربية والتعليم، ولا الركون إلى الرجاء فيها وهو ظاهر.
( سورة البقرة الآيات ٢٨ - ٢٩)
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ٢٨ ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( ٢٩ )
( بيان)
رجوع ثان إلى ما في بدء الكلام فإنّه تعالى بعد ما بيّن في أوّل السورة ما بيّن أوضحة بنحو التلخيص بقوله: يا أيّها الناس أعبدوا ربّكم إلى بضع آيات، ثمّ رجع إليه ثانيً وأوضحه بنحو البسطو التفصيل بقوله: كيف تكفرون إلى إثنتي عشرة آية، ببيان حقيقة الإنسان وما أودعه الله تعالى فيه من ذخائر الكمال وما تسعه دائرة وجوده وما يقطعه هذا الموجود في مسير وجوده من منازل موت وحيإة ثمّ موت ثمّ حيإة ثمّ رجوع إلى الله سبحانه وإنّ إلى ربّك المنتهي وفيه ذكر جمل ما خصّ الله تعالى به الإنسان من مواهب التكوين والتشريع، أنّه كان ميتً فأحياة ثمّ لا يزال يميته ويحييه حتّى يرجعه إليه، وقد خلق له ما في الأرض وسخّر له السموات وجعله خليفته في الأرض وأسجد له ملائكته وأسكن أباه الجنّة وفتح له باب التوبة وأكرمه بعبادته وهدايته، وهذا هو المناسب لسياق قوله:( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) الخ، فإنّ السياق سياق العتبى والامتنان.
قوله تعالى: ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا ) . الآية قريبة السياق من قوله تعالى:( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) المؤمن - ١١، وهذه من الآيات الّتي يستدلّ بها على وجود البرزخ بين الدنيا والآخرة، فإنّها تشتمل على إماتتين، فلو كان إحديهما الموت الناقل من الدنيا لم يكن بدّ في تصوير الإماتة الثانية من فرض حيإة بين الموتين وهو البرزخ، وهو إستدلال تامّ اعتني به في
بعض الروايات إيضاً، وربّما ذكر بعض المنكرين للبرزخ أنّ الآيتين أعني قوله:( كَيْفَ تَكْفُرُونَ ) الآية، وقوله:( قَالُوا رَبَّنَا ) الآية، متّحدتا السياق، وقد اشتملتا على موتين وحيإتين، فمدلولهما واحد، والآية الُولى ظاهرة في أنّ الموت الإوّل هو حال الإنسان قبل ولوج الروح في الحياة الدنيا، فالموت والحياة الإوليان هما الموت قبل الحيإة الدنيا والحيإة الدنيا والموت والحيإة الثانيتان هما الموت عن الدنيا والحيإة يوم البعث، والمراد بالمراتب في الآية الثانية هو ما في الآية الُولى، فلا معنى لدلالتها على البرزخ، وهو خطأ فإنّ الآيتين مختلفتان سياقً إذا المأخوذ في الآية الُولى، موت واحد وإماتة واحدة وإحيائان، وفي الآية الثانية إماتتان وإحيائان، ومن المعلوم أن الاماتة لا يتحقّق لها مصداق من دون سابقة حيإة بخلاف الموت، فالموت الاوّل في الآية الُولى غير الإماتة الُولى في الآية الثانية، فلامح في قوله تعالى:( أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) ، الإماتة الُولى هي الّتي بعد الدنيا والإحياء الإوّل بعدها للبرزخ والإماتة والإحياء الثانيتان للإخرة يوم البعث، وفي قوله تعالى:( وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) إنّما يريد الموت قبل الحيإة وهو موت وليس بإماتة والحيإة هي الحياة الدنيا، وفي قوله تعالى:( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) حيث فصّل بين الاحياء والرجوع بلفظ ثمّ تأييد لما ذكرنا هذا.
قوله تعالى: ( وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا ) ، بيان حقيقة الإنسان من حيث وجوده فهو وجود متحوّل متكامل يسير في مسير وجوده المتبدّل المتغيّر تدريجً ويقطعه مرحلة مرحلة، فقد كان الإنسان قبل نشأته في الحياة الدنيا ميّتً ثمّ حيي بإحياء الله ثمّ يتحوّل بإماتة وإحياء وهكذا وقد قال سبحانه:( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ) السجدة - ٩، وقال تعالى:( ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) المؤمنون - ١٤، وقال تعالى:( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) السجدة - ١١، وقال تعالى:( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ) طه - ٥٥. والآيات كما ترى (وسنزيدها توضيحا في محالّها) تدلّ على أن الإنسان جزء من الأرض غير مفارقها ولا مباين معها، إنفصل منها ثمّ شرع في التطوّر بأطواره حتّى
بلغ مرحلة إنشئ فيها خلقً آخر، فهو المتحوّل خلقً آخر والمتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث، ثمّ يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ يستوفيه ثمّ يرجع إلى الله سبحانه، فهذا صراط وجود الإنسان.
ثمّ إنّ الإنسان صاغه التقدير صوغا يرتبط به مع سائر الموجودات الأرضيّة والسماويّة من بسائط العناصر وقواها المنبجسة منها ومركّباتها من حيوان ونبات ومعدن وغير ذلك من ماء أو هواء وما يشاكلها، وكلّ موجود من الموجودات الطبيعيّة كذلك، أي إنّه مفطور على الارتباط مع غيره ليفعل وينفعل ويستبقي به موهبة وجوده غير أنّ نطاق عمل الإنسان ومجال سعية أوسع، كيف ؟ وهذا الموجود الإعزل على أنّه يخالط الموجودات الُخر الطبيعيّة بالقرب والبعد والاجتماع والافتراق بالتصرّفات البسيطة لغاية مقاصده البسيطة في حياته، فهو من جهة تجهيزة بالادراك والفكر يختصّ بتصرّفات خارجة عن طوق سائر الموجودات بالتفصيل والتركيب والإفساد والإصلاح، فما من موجود إلّا وهو في تصرّف الإنسان، فزمانً يحاكي الطبيعة بالصناعة فيما لا يناله من الطبيعة وزمانً يقاوم الطبيعة بالطبيعة، وبالجملة فهو مستفيد لكلّ غرض من كلّ شئ، ولا يزال مرور الدهور على هذا النوع العجيب يؤيّده في تكثير تصرّفاته وتعميق أنظاره ليحقّ الله الحقّ بكلماته، وليصدق قوله:( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ) الجاثية - ١٣، وقوله:( ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ ) البقرة - ٢٩، وكون الكلام واقعً موقع بيان النعم لتمام الإمتنان يعطي أن يكون الإستواء إلى السماء لإجل الإنسان فيكون تسويتها سبعً أيضاً لإجله، وعليك بزيادة التدبّر فيه.
فذاك الّذي ذكرناه من صراط الإنسان في مسير وجوده، وهذا الّذي ذكرناه من شعاع عمله في تصرّفاته في عالم الكون هو الّذي يذكره سبحانه من العالم الإنسانيّ ومن أين يبتدي وإلى أين ينتهي.
غير أنّ القرآن كما يعدّ مبدأ حياته الدنيويّة آخذة في الشروع من الطبيعة الكونيّة ومرتبطة بها (أحيانً) كذلك يربطها بالربّ تعالى وتقدس، فقال تعالى:( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ) مريم - ٩، وقال تعالى:( إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ) البروج
- ١٣، فالإنسان وهو مخلوق مربّى في مهد التكوين مرتضع من ثدي الصنع والايجاد متطوّر بأطوار الوجود يرتبط سلوكه بالطبيعة الميّتة، كما أنّه من جهة الفطر والإبداع مرتبط متعلّق بأمر الله وملكوته، قال تعالى:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) يس - ٨٢، وقال تعالى:( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) النحل - ٤٠، فهذا من جهة البدء وأمّا من جهة العود والرجوع فيعدّ صراط الإنسان متشعّبا إلى طريقين طريق السعادة وطريق الشقإوة، فإمّا طريق السعادة فهو أقرب الطرق يأخذ في الإنتهاء إلى الرفيع الإعلى ولا يزال يصعد الإنسان ويرفعه حتّى ينتهي به إلى ربه، وأما طريق الشقاوة فهو طريق بعيد يأخذ في الانتهاء إلى اسفل السافلين حتّى ينتهي إلى ربّ العالمين، والله من ورائهم محيط، وقد مرّ بيان ذلك في ذيل قوله تعالى:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) من سورة الفاتحة.
فهذا إجمال القول في صراط الإنسان، وإمّا تفصيل القول في حياته قبل الدنيا وفيها وبعد الدّنيا فسيأتي كلّ في محلّه، غير إنّ كلامه تعالى إنّما يتعرّض لذلك من جهة ارتباطه بالهداية والضلال والسعادة والشقاء، ويطوي البحث عمّا دون ذلك إلّا بمقدار يماسّ غرض القرآن المذكور.
وقوله تعالى: ( فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) ، سيأتي الكلام في السماء في سورة حم السجدة إنشاء الله تعالى.
( سورة البقرة الآيات ٣٠ - ٣٣)
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٣٠ ) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ٣١ ) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( ٣٢ ) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ( ٣٣ )
( بيان)
اليت تنبئ عن غرض إنزال الإنسان إلى الدنيا وحقيقة جعل الخلاقة في الأرض وما هو آثارها وخواصّها، وهي على خلاف سائر قصصه لم يقع في القرآن إلّا في محلّ واحد وهو هذا المحلّ.
قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ ) الخ، سيأتي الكلام في معنى القول منه تعالى وكذا القول من الملائكة والشيطان انشاء الله.(١)
قوله تعالى: ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) ، إلى قوله: ونقدّس لك مشعر بأنّهم إنّما فهموا وقوع الإفساد وسفك الدماء من قوله سبحانه:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، حيث أنّ الموجود الأرضيّ بما أنّه مادّيّ مركّب من القوى الغضبيّة والشهويّة، والدار دار التزاحم، محدودة الجهات، وافرة المزاحمات، مركّباتها في معرض الإنحلال، وإنتظاماتها وإصلاحاتها في مظنّة الفساد ومصبّ البطلان، لا تتمّ الحياة فيها إلّا بالحياة النوعيّة، ولا يكمل البقاء فيها إلّا بالاجتماع والتعاون، فلا تخلو من الفساد وسفك الدماء، ففهموا من هناك أنّ الخلافة المرادة لا تقع في الأرض إلّا بكثرة من الأفراد ونظام اجتماعيّ بينهم يفضي بالاخرة إلى الفساد والسفك و، الخلافة وهي قيام شئ مقام آخر لا تتمّ إلّا بكون الخليفة حاكيً للمستخلف في جميع شؤنه الوجوديّة وآثاره وأحكامه وتدابيره
____________________
(١) ج ٢ ص ٣٢٩
بما هو مستخلف، والله سبحانه في وجوده مسمّى بالإسماء الحسنى متّصف بالصفات العليا، من إوصاف الجمال والجلال، منزّه في نفسه عن النقص ومقدّس في فعله عن الشرّ والفساد جلّت عظمته، والخليفة الأرضيّ بما هو كذلك لا يليق بالإستخلاف ولا يحكي بوجوده المشوب بكلّ نقص وشين الوجود الإلهيّ المقدّس المنزّه عن جميع النقائص وكلّ الإعدام، فأين التراب وربّ الإرباب، وهذا الكلام من الملائكة في مقام تعرّف ما جهلوه واستيضاح ما أشكل عليهم من أمر هذا الخليفة، وليس من الاعتراض والخصومة في شئ والدليل على ذلك قولهم فيما حكاه الله تعالى عنهم: إنّك أنت العليم الحكيم حيث صدّر الجملة بأنّ التعليليّة المشعرة بتسلّم مدخولها فافهم، فملّخص قولهم يعود إلى إنّ جعل الخلافة إنّما هو لإجل إن يحكي الخليفة مستخلفه بتسبيحه بحمده وتقديسه له بوجوده، والأرضيّة لا تدعه يفعل ذلك بل تجرّه إلى الفساد والشرّ، والغاية من هذا الجعل وهي التسبيح والتقديس بالمعنى الّذي مرّ من الحكاية حاصلة بتسبيحنا بحمدك وتقديسنا لك، فنحن خلفاؤك أو فاجعلنا خلفاء لك، فما فائدة جعل هذه الخلافة الأرضيّة لك ؟ فردّ الله سبحانه ذلك عليهم بقوله: إنّي أعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الإسماء كلّها.
وهذا السياق: يشعرأوّل: بأنّ الخلافة المذكورة إنّما كانت خلافة الله تعالى، لا خلافة نوع من الموجود الأرضيّ كانوا في الأرض قبل الإنسان وانقروضوا ثمّ أراد الله تعالى أن يخلّفهم بالإنسان كما إحتمله بعض المفسّرين، وذلك لإنّ الجواب الّذي اجاب سبحانه به عنهم وهو تعليم آدم الإسماء لا يناسب ذلك، وعلى هذا فالخلافة غير مقصورة على شخص آدمعليهالسلام بل بنوه يشاركونه فيها من غير إختصاص، ويكون معنى تعليم الإسماء إيداع هذا العلم في الإنسان بحيث يظهر منه آثاره تدريجً دائمً ولو اهتدى إلى السبيل أمكنه أن يخرجه من القوّة إلى الفعل، ويؤيّد عموم الخلافة قوله تعالى( إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) الاعراف - ٦٩، وقوله تعالى( ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ) يونس - ١٤، وقوله تعالى( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ) النمل - ٦٢.
وثانيا: أنّه سبحانه لم ينف عن خليفة الأرض الفساد وسفك الدماء، ولا كذّب الملائكة في دعوإهم التسبيح والتقديس، وقرّرهم على ما ادّعوا، بل إنّما أبدا شيئا آخر
وهو أنّ هناك أمرً لا يقدر الملائكة على حمله ولا تتحّمله ويتحّمله هذا الخليفة الأرضيّ فإنّه يحكي عن الله سبحانه أمرا ويتحمّل منه سرًّ ليس في وسع الملائكة، ولا محالة يتدارك بذلك أمر الفساد وسفك الدّماء، وقد بدّل سبحانه قوله: قال إنّى أعلم مالا تعلمون. ثانيً بقوله: ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض، والمراد بهذا الغيب هو الإسماء لا علم آدم بها فإنّ الملائكة ما كانت تعلم أنّ هناك أسماء لايعلمونها، لا أنّهم كانوا يعلمون وجود أسماء كذلك ويجهلون من آدم أنّه يعلمها، وإلّا لما كان لسؤاله تعالى إيّاهم عن الاسماء وجهٌ وهو ظاهرُ بل كان حقّ المقام أن يقتصر بقوله: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم حتّى يتبيّن لهم أنّ آدم يعلمها لا أن يسئل الملائكة عن ذلك، فإنّ هذا السياق يعطي أنّهم ادّعوا الخلافة وأذعنوا بإنتفائها عن آدم وكان اللّازم أن يعلم الخليفة بالإسماء فسئلهم عن الإسماء فجهلوها وعلمها آدم، فثبت بذلك لياقته لها وإنتفاؤها عنهم، وقد ذيل سبحانه السؤال بقوله: إن كنتم صادقين، وهو مشعرٌ بأنّهم كانوا إدّعوا شيئً كان لازمه العلم بالإسماء.
وقوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ ) ، مشعرٌ بأنّ هذه الإسماء أو أنّ مسميّاتها كانوا موجودات أحياء عقلاء، محجوبين تحت حجاب الغيب وأنّ العلم بأسمائهم كان غير نحو العلم الّذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلّا كانت الملائكة بانباء آدم إيّاهم بها عالمين وصائرين مثل آدم مساوين معه، ولم يكن في ذلك اكرام لآدم ولا كرامة حيث علّمه الله سبحانه أسماء ولم يعلّمهم، ولو علمهم أيّإها كانوا مثل آدم أو أشرف منه، ولم يكن في ذلك ما يقنعهم أو يبطل حجّتهم، وأيّ حجّة تتمّ في أن يعلّم الله تعالى رجلً علم اللّغة ثمّ يباهي به ويتمّ الحجّة على ملائكة مكرّمين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون بأنّ هذا خليفتي وقابل لكرامتي دونكم؟ ويقول تعالى: أنبئوني باللّغات الّتي سوف يضعها الآدميّون بينهم للإفهام والتفهيم إن كنتم صادقين في دعوإكم أو مسئلتكم خلافتي، على أنّ كمال اللّغة هو المعرفة بمقاصد القلوب والملائكة لا تحتاج فيها إلى التكلّم، وإنّما تتلّقى المقاصد من غير واسطة، فلهم كمالٌ فوق كمال التكلّم، وبالجملة فما حصل لملائكة من العلم بواسطة إنباء آدم لهم بالإسماء هو غير
ما حصل لآدم من حقيقة العلم بالإسماء بتعليم الله تعالى فأحد الإمرين كان ممكنً في حقّ الملائكة وفي مقدرتهم دون الآخر، وآدم إنّما استحقّ الخلافة الإلهيّة بالعلم بالإسماء دون إنبائها إذ الملائكة إنّما قالوا في مقام الجواب:( سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ) ، فنفوا العلم.
فقد ظهر ممّا مرّ إنّ العلم بأسماء هؤلاء المسميّات يجب أن يكون بحيث يكشف عن حقائقهم وأعيان وجوداتهم، دون مجرّد ما يتكفّله الوضع اللّغوي من اعطاء المفهوم فهؤلاء المسميّات المعلومة حقائق خارجيّة، ووجودات عينية وهى مع ذلك مستورة تحت ستر الغيب غيب السموات والأرض، والعلم بها على ما هي عليها كان اوّلً ميسورً ممكنً لموجود أرضيّ لا مَلَك سماويّ، وثانيً: دخيلا في الخلافة الإلهيّة.
والإسماء في قوله تعالى: ( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ، جمع محلّى باللّام وهو يفيد العموم على ما صرّحوا به مضافً إلى أنّه مؤكّد بقوله: كلّها، فالمراد بها كلّ اسم يقع لمسمّى ولا تقييد ولا عهد، ثمّ قوله:( عَرَضَهُمْ ) ، دالّ على كون كلّ اسم أي مسمّاه ذا حياة وعلم وهو مع ذلك تحت حجاب الغيب، غيب السموات والأرض. واضافة الغيب إلى السموات والأرض وإن إمكن أن يكون في بعض الموارد اضافة من، فيفيد التبعيض لكنّ المورد وهو مقام اظهار تمام قدرته تعالى وإحاطته وعجز الملائكة ونقصهم يوجب كون اضافة الغيب إلى السموات والأرض اضافة اللّام، فيفيد أنّ الإسماء امور غائبة عن العالم السماويّ والأرضيّ، خارج محيط الكون، و إذا تأمّلت هذه الجهات إعني عموم الإسماء وكون مسميّاتها أولي حياة وعلم وكونها غيب السموات والأرض قضيت بإنطباقها بالضرورة على ما اشير إليه في قوله تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُوم ٍ) الحجر - ٢١، حيث أخبر سبحانه بأنّ كلّ ما يقع عليه اسم شئ فله عنده تعالى خزائن مخزونةٌ بإقيةٌ عنده غير نافده، ولا مقدّرةٌ بقدر، ولا محدودةٌ بحدّ، وأن القدر والحدّ في مرتبة الإنزال والخلق، وأنّ الكثرة الّتي في هذه الخزائن ليست من جنس الكثرة العدديّة الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدّد المراتب والدرجات، وسيجئ بعض الكلام فيها في سورة الحجر انشاء الله تعالى.
فتحصّل إنّ هؤلاء الّذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى، محجوبة بحجب الغيب، أنزل الله سبحانه كلّ اسم في العالم بخيرها وبركتها واشتقّ كلّ ما في السموات والأرض من نورها وبهائها، وأنّهم على كثرتهم وتعدّدهم لا يتعدّدون تعدّد الأفراد، ولا يتفاوتون تفاوت الإشخاص، وإنّما يدور الامر هناك مدار المراتب و الدرجات ونزول الاسم من عند هؤلاء إنّما هو بهذا القسم من النزول.
وقوله تعالى: ( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) وكان هذان القسمان من الغيب النسبيّ الّذي هو بعض السموات والأرض، ولذلك قوبل به قوله:( أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، ليشمل قسمي الغيب أعني الخارج عن العالم الأرضىّ والسماويّ وغير الخارج عنه.
وقوله تعالى: ( كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) ، تقييد الكتمان بقوله: كنتم، مشعر بأنّ هناك امرً مكتومً في خصوص آدم وجعل خلافته، ويمكن أن يستظهر ذلك من قوله تعالى في الآية التالية:( فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) .
فيظهر أن إبليس كان كافرً قبل ذلك الحين، وأن إبائه عن السجدة كان مرتبطُ بذلك فقد كان أضمره هذا.
ويظهر بذلك أنّ سجدة الملائكة وإباء إبليس عنها كانت واقعة بين قوله تعالى: قال إنّي أعلم ما لا تعلمون وبين قوله:( أَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) ، ويظهر السرّ أيضاً في تبديل قوله:( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ثانيً بقوله: إنّي أعلم غيب السموات والأرض.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام ، قال: ما علم الملائكة بقولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، لو لا أنّهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدماء
اقول: يمكن أن يشير بها إلى دورة في الأرض سابقة على دورة بني آدم هذه كما وردت فيه الإخبار ولا ينافي ذلك ما مرّ أن الملائكة فهمت ذلك من قوله تعالى:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، بل لا يتمّ الخبر بدون ذلك، وإلّا كان هذا القول قياسً من الملائكة مذمومً كقياس ابليس.
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً عنهعليهالسلام قال زرارة: دخلت علىّ أبي جعفر (عليه إلسلام) فقال: أيّ شئ عندك من احاديث الشيعة فقلت: إنّ عندي منها شيئً كثيرً فقد هممت أن اوقد لها نارً فإحرقها فقالعليهالسلام : وارها تنس ما أنكرت منها فخطر على بالي الآدميّون فقال: ما كان علم الملائكة حيث قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ قال: وكان يقول أبوعبداللهعليهالسلام : إذا حدّث بهذا الحديث هو كسرٌ على القدريّة، ثمّ قال أبوعبداللهعليهالسلام : إنّ آدمعليهالسلام كان له في السماء خليل من الملائكة، فلمّا هبط آدم من السماء إلى الأرض استوحش الملك وشكى إلى الله تعالى وسأله أن يأذن له، فأذن له فهبط عليه فوجده قاعدً في قفرة من الأرض، فلمّا رآه آدم وضع يده على رأسه وصاح صيحة، قال أبوعبداللهعليهالسلام : يروون إنّه أسمع عامّة الخلق فقال له الملك: يا آدم ما أراك إلّا وقد عصيت ربّك وحملت على نفسك ما لا تطيق، إتدري ما قال لنا الله فيك فرددنا عليه ؟ قال: لا، قال: قال:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، قلنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟ فهو خلقك أن تكون في الأرض أيستقيم أن تكون في السماء ؟ قال أبوعبداللهعليهالسلام والله عزّى بها آدم ثلثً.
أقول: ويستفاد من الرواية إنّ جنّة آدم كانت في السماء وسيجئ فيه روايات أخر أيضاً.
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً عن أبي العبّاس عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال: سألته عن قول الله:( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ، ما ذا علّمه ؟ قال: الأرضين والجبال والشعاب والإودية، ثمّ نظر إلى بساط تحته، فقال وهذا البساط ممّا علّمه.
وفي التفسير إيضاً عن الفضيل بن العبّاس عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: سألته عن قول الله:( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ، ما هي ؟ قال: أسماء الإودية والنبات والشجر والجبال من الأرض.
وفي التفسير أيضاً عن داود بن سرحان العطّار، قال: كنت عند أبي عبداللهعليهالسلام فدعا بالخوان فتغذّينا ثمّ دعا بالطست والدست سنانه فقلت: جعلت فداك، قوله:( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) ، الطست والدست سنانه منه، فقالعليهالسلام : الفجاج والإودية وأهوى بيده كذا وكذا.
وفي المعاني عن الصادقعليهالسلام : إنّ الله عزّوجلّ علّم آدم أسماء حججه كلّها ثمّ عرضهم وهم أرواح على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين بأنّكم أحقّ بالخلافة في الأرض لتسبيحكم وتقديسكم من آدم فقالوا: سبحانك لا علم لنا إلّا ما علّمتنا إنّك أنت العليم الحكيم. قال الله تبارك وتعالى: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبئهم بأسمائهم وقفوا على عظيم منزلتهم عند الله عزّ ذكره، فعلموا أنّهم أحقّ بأن يكونوا خلفاء الله في أرضه وحججه على بريّته، ثمّ غيبهم عن أبصارهم واستعبدهم بولايتهم ومحبّتهم، وقال لهم: ألم أقل لكم إنّي أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون.
أقول: وبالرجوع إلى ما مرّ من البيان تعرف معنى هذه الروايات وأن لا منافاة بين هذه وما تقدّمها، إذ قد تقدّم أنّ قوله تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ ) تعطي أنّه مامن شئ إلّا وله في خزائن الغيب وجود، وإنّ هذه الأشياء الّتي قبلنا إنّما وجدت بالنزول من هناك، وكلّ اسم وضع بحيال مسمّى من هذه المسميّات فهى اسم لما في خزائن الغيب، فسواء قيل: إنّ الله علّم آدم ما في خزائن غيبه من الأشياء وهي غيب السموات والأرض، أو قيل: أنّه علّم آدم أسماء كلّ شئ وهي غيب السموات والأرض كان المؤدي والنتيجة واحداً وهو ظاهر.
ويناسب المقام عدّة من أخبار الطينة كما رواه في البحار عن جابر بن عبدالله قال: قلت لرسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم): أوّل شئ خلق الله ما هو ؟ فقال نور نبيّك يا جابر خلقه الله ثمّ خلق منه كلّ خير، ثمّ أقامه بين يديه في مقام القرب ما شاء الله، ثمّ جعله أقساماً، فخلق العرش من قسم، والكرسيّ من قسم، وحملة العرش وسكنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحبّ ما شاء الله، ثمّ جعله أقساماً، فخلق القلم من قسم، واللّوح من قسم، والجنّة من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الخوف ما شاء الله، ثمّ جعله أجزاءً فخلق الملائكة من جزء، والشمس من جزء والقمر من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الرجاء ما شاء الله، ثمّ جعله أجزاءً، فخلق العقل من جزء والعلم والحلم من جزء، والعصمة والتوفيق من جزء، وأقام القسم الرابع في مقام الحياء ما شاء الله، ثمّ
نظر إليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور وقطرت منه مائة ألف وأربعة وعشرون ألف قطرة، فخلق الله من كلّ قطرة روح نبيّ ورسول، ثمّ تنفّست أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسها أرواح الاولياء والشهداء والصالحين.
أقول: والأخبار في هذه المعاني كثيرة، متظافرة وأنت إذا أجلت نظرة التأمّل والإمعان فيها وجدتها شواهد على ما قدّمناه، وسيجئ شطرٌ من الكلام في بعضها. وإيّاك أن ترمي أمثال هذه الأحاديث الشريفة المأثورة عن معادن العلم ومنابع الحكمة بأنّها من اختلاقات المتصوّفة وأوهامهم فللخلقة أسرارٌ، وهو ذا العلماء من طبقات أقوام الإنسان لا يألون جهداً في البحث عن أسرار الطبيعة، منذ أخذ البشر في الانتشار، وكلّما لاح لهم معلوم واحدٌ بان لهم مجاهيل كثيرة، وهي عالم الطبيعة أضيق العوالم وأخسّها فما ظنّك بما ورائها، وهي عوالم النور والسعة؟
( سورة البقرة الآية ٣٤)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ( ٣٤)
( بيان)
قد عرفت أنّ قوله تعالى:( وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) ، فيه دلالة على وقوع أمر مكتوم ظاهر بعد أن كان مكتوماً، ولا يخلو ذلك عن مناسبة مع قوله:( أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) حيث لم يعبّر أبي واستكبر وكفر. وعرفت أيضاً أنّ قصّه السجدة كالواقعة أو هي واقعة بين قوله تعالى:( إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ، وقوله:( وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ) ، فقوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ، كالجملة المستخرجة من بين الجمل ليتخلّص بها إلى قصّة الجنّة، فإنّ هذه الآيات كما عرفت إنّما سيقت لبيان كيفيّة خلافة الإنسان وموقعه وكيفيّة نزوله إلى الدنيا وما يؤول إليه أمره من سعادة وشقاء، فلا يهمّ من قصّة السجدة هيهنا إلّا إجمالها المؤدّي إلى قصّة الجنّة وهبوط آدم هذا. فهذا هو الوجه في الإضراب عن الإطناب إلى الإيجاز، ولعلّ هذا هو السرّ أيضاً في الالتفات من الغيبة إلى التكلّم في قوله تعالى:( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا ) ، بعد قوله:( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ ) . وعلى ما مرّ فنسبة الكتمان إلى الملائكة وهو فعل إبليس بناء على الجري على الدأب الكلاميّ من نسبة فعل الواحد إلى الجماعة إذا اختلط بهم ولم يتميّز منهم، ويمكن أن يكون له وجه آخر، وهو أن يكون ظاهر قوله تعالى:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، إطلاق الخلافة حتّى على الملائكة كما يؤيّده أيضاً أمرهم ثانياً بالسجود، ويوجب ذلك خطوراً في قلوب الملائكة، حيث أنّها ما كانت تظنّ أنّ موجوداً أرضيّاً يمكن أن يسود على كلّ شئ حتّى عليهم، ويدلّ على هذا المعنى بعض الروايات كما سيأتي.
وقوله تعالى: ( اسْجُدُوا لِآدَمَ ) ، يستفاد منه جواز السجود لغير الله في الجملة إذا كان تحيّة وتكرمة للغير وفيه خضوع لله تعالى بموافقة أمره، ونظيره قوله تعالى في
قصّة يوسفعليهالسلام ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجداً قال:( يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ) يوسف - ١٠٠، وملخّص القول في ذلك أنّك قد عرفت في سورة الفاتحة أنّ العبادة هي نصب العبد نفسه في مقام العبوديّة وإتيان ما يثبت ويستثبت به ذلك فالفعل العباديّ يجب أن يكون فيه صلاحية إظهار مولويّة المولى أو عبديّة العبد كالسجود والركوع والقيام أمامه حينما يقعد، والمشي خلفه حينما يمشي وغير ذلك، وكلّما زادت الصلاحية المزبورة إزدادت العبادة تعيّناً للعباديّة، وأوضح الأفعال في الدلالة على عزّ المولويّة وذلّ العبوديّة السجدة، لما فيها من الخرور على الأرض، ووضع الجبهة عليها، وامّا ما ربّما ظنّه بعض: من أنّ السجدة عبادة ذاتيّة، فليس بشئ، فإنّ الذاتيّ لا يختلف ولا يتخلّف. وهذا الفعل يمكن أن يصدر بعينه من فاعله بداع غير داع التعظيم والعبادة كالسخريّة والإستهزاء فلا يكون عبادة مع إشتماله على جميع ما يشتمل عليه وهو عبادة نعم معنى العبادة أوضح في السجدة من غيرها، وإذا لم يكن عبادة ذاتيّة لم يكن لذاته مختصّاً بالله سبحانه، بناء على أنّ المعبود منحصر فيه تعالى، فلو كان هناك مانع لكان من جهة النهي الشرعيّ أو العقليّ والممنوع شرعاً أو عقلاً ليس إلّا إعطاء الربوبيّة لغيره تعالى، وأما تحيّة الغير أو تكرمته من غير إعطاء الربوبيّة بل لمجرّد التعارف والتحيّة فحسب، فلا دليل على المنع من ذلك، لكنّ الذوق الدينيّ المتّخذ من الاستيناس بظواهره يقضي باختصاص هذا الفعل به تعالى، والمنع عن استعماله في غير مورده تعالى، وإن لم يقصد به إلّا التحيّة والتكرمة فقط، وأما المنع عن كلّ ما فيه إظهار الإخلاص لله، بإبراز المحبّة لصالحي عباده أو لقبور أوليائه أو آثارهم فممّا لم يقم عليه دليل عقليّ أو نقليّ أصلا، وسنعود إلى البحث عن هذا الموضوع في محلّ يناسبه إن شاء الله تعالى.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: لما أن خلق الله آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له فقالت الملائكة في أنفسها: ما كنّا نظنّ أنّ الله خلق خلقاً أكرم عليه منّا
فنحن جيرانه ونحن أقرب الخلق إليه، فقال الله: ألم أقل لكم إنّي أعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، فيما أبدوا من أمر بني الجانّ وكتموا ما في أنفسهم، فلاذت الملائكة الّذين قالوا ما قالوا بالعرش.
وفي التفسير أيضاً عن عليّ بن الحسينعليهالسلام : ما في معناه وفيه: فلمّا عرفت الملائكة أنّها وقعت في خطيئة لاذوا بالعرش، وأنّها كانت عصابة من الملائكه وهم الّذين كانوا حول العرش، لم يكن(١) جميع الملائكة إلى أن قال: فهم يلوذون حول العرش إلى يوم القيامة.
اقول: يمكن أن يستفاد مضمون الروايتين من قوله حكاية عن الملائكة: ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك إلى قوله:( سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) .
وسيجئ أنّ العرش هو العلم، وبذلك وردت الروايات عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام فافهم ذلك، وعلى هذا كان المراد من قوله تعالى:( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) ، قوم إبليس من الجانّ المخلوقين قبل الإنسان. قال تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ ) الحجر - ٢٧، وعلى هذه الرواية فنسبة الكتمان إلى جميع الملائكة لا تحتاج إلى عناية زائدة، بل هي على حقيقتة، فإنّ المعنى المكتوم خطر على قلوب جميع الملائكة، ولا منافاة بين هذه الرواية وما تفيد أنّ المكتوم هو ما كان يكتمه إبليس من الإباء عن الخضوع لآدم، والاستكبار لو دعي إلى السجود، لجواز استفادة الجميع كما هو كذلك.
وفي قصص الأنبياء عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : سجدت الملائكة ووضعوا أجباههم على الأرض ؟ قال: نعم تكرمة من الله تعالى.
وفي تحف العقول قال: إنّ السجود من الملائكة لآدم إنّما كان ذلك طاعة لله ومحبّة منهم لادم.
وفي الاحتجاج عن موسى بن جعفر عن آبائه: إنّ يهوديّاً سأل أميرالمؤمنينعليهالسلام عن معجزات النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في مقابلة معجزات الأنبياء، فقال: هذا آدم أسجد الله له
____________________
(١) و الرّواية لا تخلو من شيء بالّنظر الا عموم الأمر بالسّجدة في الآية و استثناء إبليس فقط و في موضع آخر من كلامه (فسجد الملائكة كلّهم اجمعون)
ملائكته، فهل فعل بمحمّد شيئاً من هذا ؟ فقال عليّ: لقد كان ذلك، ولكن أسجد الله لآدم ملائكتة، فإنّ سجودهم لم يكن سجود طاعة أنّهم عبدوا آدم من دون الله عزّوجلّ، ولكن اعترافاً لآدم بالفضيلة ورحمة من الله له ومحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم اُعطي ما هو أفضل من هذا، إنّ الله جلّ وعلا صلّى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبّد المؤمنون بالصلاة عليه فهذه زيادة له يا يهوديّ.
وفي تفسير القمّيّ: خلق الله آدم فبقي أربعين سنة مصوّراً، وكان يمرّ به إبليس اللّعين فيقول: لأمر ما خلقت ؟ فقال: العالم، فقال إبليس: (لئن أمرني الله بالسجود لهذا لعصيته) إلى أن قال: ثمّ قال الله تعالى للملائكة: اُسجدوا لآدم فسجدوا فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد فأبى أن يسجد.
وفي البحار عن قصص الأنبياء عن الصادقعليهالسلام قال: أمر إبليس بالسجود لآدم فقال: يا ربّ وعزّتك إن أعفيتني من السجود لآدم لاعبدنّك عبادة ما عبدك أحد قطّ مثلها، قال الله جل جلاله: إنّي أحبّ أن اُطاع من حيث أريد وقال: إنّ إبليس رنّ أربع رنّات: أوّلهنّ يوم لعن، ويوم اُهبط إلى الأرض، ويوم بعث محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم على فترة من الرُّسل، وحين اُنزلت أمّ الكتاب، ونخر نخرتين: حين أكل آدم من الشجرة، وحين اُهبط من الجنّة، وقال في قوله تعالى: فبدت لهما سوآتهما: وكانت سوآتهما لا ترى فصارت ترى بارزة، وقال الشجرة الّتي نهى عنها آدم هي السنبلة.
اقول: وفي الرّوايات - وهي كثيرة - تأييد ما ذكرناه في السجدة.
( سورة البقرة الآيات ٣٥ - ٣٩)
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( ٣٥ ) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ( ٣٦ ) فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ٣٧ ) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( ٣٨ ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٣٩ )
( بيان)
قوله تعالى:( قلنا يا آدم أسكن ) ، على أنّ قصّة سجود الملائكة لآدم تكرّرت في عدّة مواضع من القرآن الكريم. لم يقع قصّة الجنّة إلّا في ثلاث مواضع:
أحدهما: هيهنا من سورة البقرة.
الثاني: في سورة الأعراف. قال الله تعالى:( وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ. فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّوَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) الآيات ١٩ - ٢٥.
والثالث: في سورة طه. قال الله تعالى:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا. وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ ) . الآيات. وسياق الآيات وخاصّة قوله تعالى في صدر القصّة:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) يعطي أنّ آدمعليهالسلام إنّما خلق ليحيى في الأرض ويموت فيها وإنّما أسكنهما الله الجنّة لاختبارهما ولتبدو لهما سوآتهما حتّى يهبطا إلى الأرض، وكذا سياق قوله تعالى في سورة طه: فقلنا يا آدم، وفي سورة الأعراف:( وَيَا آدَمُ اسْكُنْ ) حيث سبك قصّة الجنّة مع قصّة إسجاد الملائكة كلتيهما كقصّة واحدة متواصلة، وبالجملة فهوعليهالسلام كان مخلوقا ليسكن الأرض، وكان الطريق إلى الإستقرار في الأرض هذا الطريق، وهو تفضيله على الملائكة لإثبات خلافته، ثمّ أمرهم بالسجدة، ثمّ إسكان الجنّة. والنهي عن قرب الشجرة المنهيّة حتّى يأكلا منها فيبدو لهما سوآتهما فيهبطا إلى الأرض، فآخر العوامل للإستقرار في الأرض، وانتخاب الحياة الدنيويّة ظهور السوآة، وهي العورة بقرينة قوله تعالى:( وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ) فهو التمايل الحيوانيّ ويستلزم التغذّي والنموّ إيضاً فما كان لإبليس همّ إلّا إبداء سوآتهما، وآدم وزوجته وإن كانا قد سواهما الله تعالى تسوية أرضيّة بشريّة ثمّ أدخلهما الجنّة لم يمكثا بعد التسوية، ولم يمهلا كثيراً، ليتمّ في الدنيا إدراكهما لسوآتهما ولا لغيرها من لوازم الحياة الدنيا واحتياجاتها حتّى أدخلهما الله الجنّة، وأنّه إنّما أدخلهما الله الجنّة حين أدخلهما ولمّا ينفصلا ولمّا ينقطع إدراكهما عن عالم الروح والملائكة، والدليل على ذلك قوله تعالى:( لِيُبْدِيَ لَهُمَا
مَا وُورِيَ عَنْهُمَا ) ولم يقل ما كان ووري عنهما، وهو مشعر بأنّ مواراة السوآة ما كانت ممكنة في الحياة الدنيا إستدامة وإنّما تمشّت دفعة مّا واستعقب ذلك، إسكان الجنّة فظهور السوآة كان مقضيّاً محتوماً في الحياة الأرضيّة ومع أكل الشجرة، ولذلك قال تعالى:( فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ) ، وقال تعالى:( فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ) وأيضاً هو تعالى غفر خطيئتهما بعد ما تابا ولم يرجعهما إلى الجنّة بل أهبطهما إلى الدنيا ليحييا فيها ولو لم تكن الحياة الأرضيّة مع أكل الشجرة وظهور السوآة حتماً مقضيّاً، والرجوع إلى الجنّة مع ذلك محالاً، لرجعا إليها بعد حطّ الخطيئة، فالعامل في خروجهما من الجنّة وهبوطهما هو الأكل من الشجرة وظهور السوآة، وكان ذلك بوسوسة الشيطان اللّعين، وقد قال تعالى في سورة طه في صدر القصّة:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) . ثمّ ساق تعالى القصّة. فهل هذا العهد هو قوله تعالى: لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ؟ أو أنّه قوله تعالى:( إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ) أو أنّه العهد بمعني الميثاق العموميّ المأخوذ من جميع الإنسان، ومن الأنبياء خاصّة بوجه آكد وأغلظ.
والاحتمال الأوّل غير صحيح لقوله تعالى:( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) الآيتان فهما قد كانا حين اقتراف الخطيئة واقتراب الشجرة على ذكر من النهي، وقد قال تعالى:( فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) فالعهد المذكور ليس هو النهى عن قرب الشجرة وأمّا الاحتمال الثاني (وهو أن يكون العهد المذكور هو التحذير عن اتّباع إبليس) فهو وإن لم يكن بالبعيد كلّ البعيد، لكنّ ظواهر الآيات لا تساعد عليه فإنّ العهد مخصوص بآدمعليهالسلام كما هو ظاهر الآية.
مع أنّ التحذير عن إبليس كان لهما معاً، وأيضاً ذيل الآيات وهو على طبق صدرها في سورة طه يناسب العهد بمعنى الميثاق الكلّيّ، لا العهد بمعنى التحذير عن إبليس، قال تعالى:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ) الآيات فبحسب التطبيق
ينطبق قوله تعالى:( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ) على نسيان العهد وهو كما ترى مع العهد بمعنى الميثاق على الربوبيّة والعبوديّة أنسب منه مع التحذير من إبليس، إذ لا كثير مناسبة بحسب المفهوم بين الإعراض عن الذكر واتّباع إبليس، وأما الميثاق على الربوبيّة فهو له انسب، فإنّ الميثاق على الربوبيّة هو أن لا ينسى الإنسان كونه تعالى ربّاً له أي مالكاً مدبّراً أي لا ينسى الإنسان أبداً ولا في حال أنّه مملوك طلق لا يملك لنفسه شيئاً لا نفعاً وضرّاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، أي لا ذاتاً ولا وصفاً ولا فعلاً.
والخطيئة الّتي تقابله هو إعراض الإنسان عن ذكر مقام ربّه والغفلة عنه بالالتفات إلى نفسه أو ما يعود ويرجع إلى نفسه من زخارف الحياة الدنيا الفانية البالية هذا. لكنّك إذا أمعنت النظر في الحياة الدنيا على إختلاف جهاتها وتشتّت أطرافها وأنحائها ووحدتها واشتراكها بين المؤمن والكافر وجدتها بحسب الحقيقة والباطن مختلفة في الموردين بحسب ذوق العلم بالله تعالى والجهل به فالعارف بمقام ربّه إذا نظر إلى نفسه وكذلك إلى الحياة الدنيا الجامعه لأقسام الكدورات وأنواع الآلام وضروب المكاره : من موت وحياة، وصحّة وسقم، وسعة وإقتار، وراحة وتعب، ووجدان وفقدان. على أنّ الجميع (أعم ممّا في نفس الإنسان أو في غيره) مملوكة لربّه، لا استقلال لشئ منها وفيها، بل الكلّ ممّن ليس عنده إلّا الحسن والبهاء والجمال والخير على ما يليق بعزّتة وجلاله، ولا يترشّح من لدنه إلّا الجميل والخير، فإذا نظر إليها وهي هكذا لم ير مكروها يكرهه ولا مخوفاً يخافه، ولا مهيبا يهابه، ولا محذوراً يحذره، بل يرى كلّ ما يراه حسناً محبوباً إلّا ما يأمره ربّه أن يكرهه ويبغضه، وهو مع ذلك يكرهه لأمره، ويحبّ ما يحبّ ويلتذّ ويبتهج بأمره، لا شغل له إلّا بربّه، كلّ ذلك لما يرى الجميع ملكاً طلقاً لربّه لا نصيب ولا حظّ لشئ غيره في شئ منها، فما له ولمالك الأمر وما يتصرّف به في ملكه ؟ من إحياء وإماتة، ونفع وضرّ وغيرها. فهذه هي الحياة الطيّبة الّتي لا شقاء فيها ألبتّة وهي نور لا ظلمة معه، وسرور لا غمّ معه، ووجدان لا فقد معه، وغنى لا فقر معه كلّ ذلك بالله سبحانه. وفي مقابل هذه الحياة حياة الجاهل
بمقام ربّه، إذ هذا المسكين بانقطاعه عن ربّه لا يقع بصره على موجود من نفسه وغيره إلّا رآه مستقلّا بنفسه ضارّاً أو نافعاً خيراً أو شرّاً فهو يتقلّب في حياته بين الخوف عمّا يخاف فوته، والحذر عمّا يحذر وقوعه، والحزن لما يفوته، والحسرة لما يضيع عنه من جاه أو مال أو بنين أو أعوان وساير ما يحبّه ويتّكل ويعتمد عليه ويؤثره.
كلّما نضج جلده بالإعتياد بمكروه والسكون ألى مرارة بدّل جلداً غيره، ليذوق العذاب بفؤاد مضطرب قلق، وحشى ذائب محترق، وصدر ضيّق حرج، كأنّما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الّذين لا يؤمنون.
إذا عرفت هذا علمت: أنّ مرجع الأمرين أعني نسيان الميثاق وشقاء الحياة الدنيا واحدٌ، وأنّ الشقاء الدنيويّ من فروع نسيان الميثاق.
وهذا هو الّذي يشعر به كلامه سبحانه حيث أتى بالتكليف الجامع لأهل الدنيا في سورة طه فقال تعالى:( فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ ) . وبدّل ذلك في هذه السورة من قوله:( فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
ومن هنا تحدس إن كنت ذا فطانة أنّ الشّجرة كانت شجرة في اقترابها تعب الحياة الدنيا وشقائها، وهو أن يعيش الإنسان في الدنيا ناسياً لربّه، غافلاً عن مقامه، وأنّ آدمعليهالسلام كأنّه أراد أن يجمع بينها وبين الميثاق المأخوذ عليه، فلم يتمكّن فنسي الميثاق ووقع في تعب الحياة الدنيا، ثمّ تدورك له ذلك بالتوبة.
قوله تعالى: ( وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا ) الرغد الهناء وطيب العيش وأرغد القوم مواشيهم تركوها ترعى كيف شاءت، وقوم رغدٌ، ونساء رغد، أي ذووا عيش رغيد.
وقوله تعالى: ( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) وكأنّ النهي إنّما كان عن أكل الثمرة وإنّما تعلّق بالقرب من الشجرة إيذاناً بشدّة النهى ومبالغة في التأكيد ويشهد بذلك قوله تعالى( فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) الأعراف - ٢٢.
وقوله تعالى: ( فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ) طه - ١٢١، فكانت المخالفة
بالأكل فهو المنهىّ عنه بقوله:( وَلَا تَقْرَبَا ) .
قوله تعالى: ( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) ، من الظلم لا من الظلمة على ما إحتمله بعضهم وقد إعترفا بظلمهما حيث قالا على ما حكاه الله تعالى عنهما:( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا ) .
إلّا أنّه تعالى بدّل في سورة طه هذه الكلمة أعني قوله:( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) من قوله:( فَتَشْقَىٰ ) والشقاء هو التعب ثمّ فسّر التعب وفصّله، فقال:( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ) الآيات.
ومن هنا يظهر أن وبال هذا الظلم إنّما كان هو الوقوع في تعب حياة هذه الدنيا من جوع وعطشٍ وعراء وعناء وعلى هذا فالظلم منهما إنّما هو ظلمهما لأنفسهما، لا بمعنى المعصية المصطلحة والظلم على الله سبحانه. ومن هنا يظهر أيضاً أنّ هذا النهى أعني قوله:( وَلَا تَقْرَبَا ) ، إنّما كان نهيا تنزيهيّاً إرشاديّاً يرشد به إلى ما فيه خير المكلّف وصلاحه في مقام النصح لا نهياً مولويّاً.
فهما إنّما ظلماً أنفسهما في ترك الجنّة على أنّ جزاء المخالفة للنهى المولويّ التكليفيّ يتبدّل بالتوبة إذا قبلت ولم يتبدّل في موردهما، فإنّهما تابا وقبلت توبتهما ولم يرجعا إلى ما كانا فيه من الجنّة ولو لا أنّ التكليف إرشادىّ ليس له إلّا التبعة التكوينيّة دون التشريعيّة لاستلزام قبول التوبة رجوعهما إلى ما كانا فيه من مقام القرب وسيأتي لهذا الكلام بقيّة فيما سيأتي إن شاء الله.(١)
قوله سبحانه: ( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ) ، الظاهر من هذه الجملة كنظائرها وإن لم يكن أزيد من وسوسة الشيطان لهما مثل ما يوسوس لنا (بني آدم) على نحو إلقاء الوسوسة في القلب من غير رؤية الشخص.
لكنّ الظاهر من أمثال قوله تعالى في سورة طه:( فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ) يدلّ على أنّه تعالى أراهما الشيطان وعرفهما إيّاه بالشخص والعين دون الوصف وكذا قوله تعالى حكاية عن الشيطان: يا آدم هل أدلّك على شجرة الخلد الآية حيث أتى بالكلام في صورة حكاية الخطاب، ويدلّ ذلك على متكلّم مشعور به.
____________________
(١) ص ١٣٧
وكذا قوله تعالى في سورة الأعراف:( وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) والقسم إنّما يكون من مقاسم مشعور به.
وكذا قوله تعالى:( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) ، كلّ ذلك يدلّ على أنّه كان يترآى لهما وكانا يشاهدانه. ولو كان حالهماعليهمالسلام مثل حالنا من عدم المشاهدة حين الوسوسة لجاز لهما أن يقولا: ربّنا إنّنا لم نشعر وخلنا أنّ هذه الوساوس هي من أفكارنا من غير استشعار بحضوره، ولا قصد لمخالفة ما وصيّتنا به من التحذير من وسوسته.
وبالجملة فهما كانا يشاهدانه ويعرفانه، والأنبياء وهم المعصومون بعصمة الله كذلك يعرفونه ويشاهدونه حين تعرّضه بهم لو تعرّض على ما وردت به الروايات في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى وأيوب وإسمعيل ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وعليهم) هذا.
وكذا ظاهر هذه الآيات كظاهر قوله تعالى:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ ) حيث ينبئ عن كونهما معه لعنه الله بحيال الشجرة في الجنّة، فقد كان دخل الجنّة وصاحبهما وغرّهما بوسوسته. ولا محذور فيه إذ لم تكن الجنّة جنّة الخلد حتّى لا يدخلها الشيطان. والدليل على ذلك خروجهم جميعاً من هذه الجنه.
وأمّا قوله تعالى خطاباً لإبليس:( فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ ) الأعراف - ١٣، فيمكن أن يكون المراد به الخروج من الملائكة، أو الخروج من السماء من جهة كونها مقام قرب وتشريف.
قوله تعالى: ( وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) الآية، ظاهر السياق أنّه خطاب آدم وزوجته وإبليس وقد خصّ إبليس وحده بالخطاب في سورة الأعراف حيث قال:( فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) الآية، فقوله تعالى:( اهْبِطُوا ) كالجمع بين الخطابين وحكاية عن قضاء قضى الله به العداوة بين إبليس لعنه الله وبين آدم وزوجته وذرّيّتهما، وكذلك قضى به حياتهم في الأرض وموتهم فيها وبعثهم منها.
وذريّة آدم مع آدم في الحكم كما ربّما يستشعر من ظاهر قوله:( فِيهَا تَحْيَوْنَ
وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) الآية وكما سيأتي في قوله تعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) الآية، من سورة الأعراف.
إنّ إسجاد الملائكة لآدمعليهالسلام إنّما كان من جهة أنّه خليفة أرضيٌّ، فكان المسجود له آدمعليهالسلام وحكم السجدة لجميع البشر، فكان إقامة آدمعليهالسلام مقام المسجود له معنوناً بعنوان الأنموذج والنائب.
وبالجملة يشبه أن تكون هذه القصّة الّتي قصّها الله تعالى من إسكان آدم وزوجته الجنّة، ثمّ إهباطهما لأكل الشجرة كالمثل يمثّل به ما كان الإنسان فيه قبل نزوله إلى الدنيا من السعادة والكرامة بسكونة حظيرة القدس، ومنزل الرفعة والقرب، ودار نعمة وسرور، وأنس ونور، ورفقاء طاهرين، وأخلّاء روحانيّين، وجوار ربّ العالمين.
ثمّ إنّه يختار مكأنّه كلّ تعب وعناء ومكروه وألم بالميل إلى حياة فانية، وجيفة منتنة دانية، ثمّ إنّه لو رجع بعد ذلك إلى ربّه لأعاده إلى دار كرامته وسعادته ولو لم يرجع إليه وأخلد إلى الأرض واتّبع هواه فقد بدّل نعمة الله كفراً وأحلّ بنفسه دار البوار، جهنّم يصلاها وبئس القرار.
قوله تعالى: ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) ، التلقّي هو التلقّن، وهو أخذ الكلام مع فهم وفقه وهذا التلقّى كان هو الطريق المسّهل لآدمعليهالسلام توبته.
ومن ذلك يظهر أنّ التوبة توبتان: توبة من الله تعالى وهي الرجوع إلى العبد بالرحمة، وتوبة من العبد وهي الرجوع إلى الله بالاستغفار والانقلاع من المعصية.
وتوبة العبد، محفوفة بتوبتين: من الله تعالى، فإنّ العبد لا يستغني عن ربّه في حال من الأحوال، فرجوعه عن المعصية إليه يحتاج إلى توفيقه تعالى وإعانته ورحمته حتّى يتحقّق منه التوبة، ثمّ تمسّ الحاجة إلى قبوله تعالى وعنايته ورحمته، فتوبة العبد إذا قبلت كانت بين توبتين من الله كما يدلُّ عليه قوله تعالى:( ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ) التوبة - ١١٨.
وقراءة نصب آدم ورفع كلمات تناسب هذه النكتة، وإن كانت القراءة الاُخرى (وهي قراءة رفع آدم ونصب كلمات) لا تنافيه أيضاً.
وأمّا أنّ هذه الكلمات ما هي ؟ فربّما يحتمل أنّها هي ما يحكيه الله تعالى عنهما في سورة الأعراف بقوله:( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الأعراف - ٢٣، إلّا أنّ وقوع هذه الكلمات أعني قوله:( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا ) الآية قبل قوله:( قُلْنَا اهْبِطُوا ) في سورة الأعراف ووقوع قوله :( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ ) الآية بعد قوله:( قُلْنَا اهْبِطُوا ) ، في هذه السورة لا يساعد عليه.
لكن ههنا شئ: وهو أنّك عرفت في صدر القصّة أن الله تعالى حيث قال:( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ، قالت الملائكة:( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) الآية وهو تعالى لم يردّ عليهم دعواهم على الخليفة الأرضي بما رموه به ولم يجب عنه بشئ إلّا أنّه( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ) .
ولو لا أنّه كان فيما صنعه تعالى من تعليم الأسماء ما يسدّ باب إعتراضهم ذلك لم ينقطع كلامهم ولا تمّت الحجّة عليهم قطعاً. ففي جملة ما علّمه الله تعالى آدم من الأسماء أمر ينفع العاصي إذا عصى والمذنب إذا أذنب، فلعلّ تلقّيه من ربّه كان متعلّقا بشئ من تلك الأسماء فافهم ذلك.
وإعلم أنّ آدمعليهالسلام وإن ظلم نفسه في إلقائها إلى شفا جرف الهلكة ومنشعب طريقي السعادة والشقاوة أعني الدنيا، فلو وقف في مهبطة فقد هلك، ولو رجع إلى سعادتة الاُولى فقد أتعب نفسه وظلمها، فهوعليهالسلام ظالم لنفسه على كلّ تقدير، إلّا أنّهعليهالسلام هيّأ لنفسه بنزوله درجة من السعادة ومنزلة من الكمال ما كان ينالها لو لم ينزل وكذلك ماكان ينالها لو نزل من غير خطيئة.
فمتى كان يمكنه أن يشاهد ما لنفسه من الفقر والمذلّة والمسكنة والحاجة والقصور؟ وله في كلّ ما يصيبه من التعب والعناء والكدّ روح وراحة في حظيرة القدس وجوار ربّ العالمين، فللّه تعالى صفات من عفو ومغفرة و رآفة و توبة وستر وفضل ورأفة ورحمة لا ينالها إلّا المذنبون، وله في أيّام الدهر نفحات يرتاح بها إلّا المتعرّضون.
فهذه التوبة هي الّتي استدعت تشريع الطريق الّذي يتوقّع سلوكه وتنظيف المنزل الّذي يرجى سكونه، فورائها تشريع الدين وتقويم الملّة.
ويدلُّ على ذلك ما تراه أن الله تعالى يكرّر في كلامه تقدّم التوبة على الإيمان. قال تعالى:( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ) هود - ١١٢، وقال:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ ) طه - ٨٢، إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى: ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ) . وهذا أوّل ما شرّع من الدين لآدمعليهالسلام وذرّيّته، أوجز الدين كلّه في جملتين لا يزاد عليه شئ إلى يوم القيامة.
وأنت إذا تدبّرت هذه القصّة (قصّة الجنّة) وخاصّة ما وقع في سورة طه وجدت أنّ المستفاد منها أنّ جريان القصّة أوجب قضائين منه تعالى في آدم وذرّيّته، فأكل الشجرة أوجب حكمه تعالى وقضائه بالهبوط والإستقرار في الأرض والحياة فيها تلك الحياة الشقيّة الّتي حذّرا منها حين نهيا عن إقتراب الشجرة هذا.
وأنّ التوبة ثانياً: تعقّب قضاءً وحكماً ثانياً منه تعالى بإكرام آدم وذرّيّته بالهداية إلى العبوديّة فالمقضيّ أوّلاً كان نفس الحياة الأرضيّة، ثمّ بالتوبة طيّب الله تلك الحياة بأن ركّب عليها الهداية إلى العبوديّة، فتألّفت الحياة من حياة أرضيّة، وحياة سماويّة.
وهذا هو المستفاد من تكرار الأمر بالهبوط في هذه السورة حيث قال تعالى:( وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) الآية وقال تعالى:( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ) الآية.
وتوسيط التوبة بين الأمرين بالهبوط مشعر بأنّ التوبة وقعت ولمّا ينفصلا من الجنّة وإن لم يكونا أيضاً فيها كإستقرار هما فيها قبل ذلك.
يشعر بذلك أيضاً قوله تعالى:( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) الآية بعد ما قال لهما:( لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) فأتى بلفظة تلكما وهي إشارة إلى البعيد بعد ما أتى بلفظة هذه وهي إشارة إلى القريب وعبّر بلفظة نادى وهي للبعيد بعد ما أتى بلفظة قال وهي للقريب فافهم.
وأعلم أن ظاهر قوله تعالى:( وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) الآية وقوله تعالى:( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ )
الآية أنّ نحوه هذه الحياة بعد الهبوط تغاير نحوها في الجنّة قبل الهبوط، وأن هذه حياة ممتزجة حقيقتها بحقيقة الأرض ذات عناء وشقاء يلزمها أن يتكوّن الإنسان في الأرض ثمّ يعاد بالموت إليها ثمّ يخرج بالبعث منها.
فالحياة الأرضيّة تغاير حياة الجنّة فحياتها حياة سماويّة غير أرضيّة.
ومن هنا يمكن أن يجزم أن جنّة آدم كانت في السماء، وإن لم تكن جنّة الآخرة جنّة الخلد الّتي لا يخرج منها من دخل فيها.
نعم يبقي الكلام في معنى السماء ولعلّنا سنوفّق لاستيفاء البحث منه. إنشاء الله تعالى.
بقى هنا شئ وهو القول في خطيئة آدم فنقول ظاهر الآيات في بادي النظر وإن كان تحقّق المعصية والخطيئة منهعليهالسلام كما قال تعالى:( فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) ، وقال تعالى:( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) الآية، وكما إعترف به فيما حكاه الله عنهما:( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الآية.
لكنّ التدبُّر في آيات القصّة والدقّة في النهي الوارد عن أكل الشجرة يوجب القطع بأنّ النهي المذكور لم يكن نهياً مولويّاً و إنّما هو نهي إرشاديّ يراد به الإرشاد والهداية إلى ما في مورد التكليف من الصلاح والخير لا البعث والإرادة المولويّة.
ويدلّ على ذلكأوّلاً: أنّه تعالى فرّع على النهى في هذه السورة وفي سورة الأعراف أنّه ظلم حيث قال:( لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) ثمّ بدّله في سورة طه من قوله:( فَتَشْقَىٰ ) مفرّعاً إيّاه على ترك الجنّة. ومعنى الشقاء التعب ثمّ ذكر بعده كالتفسير له:( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ) الآيات.
فأوضح أنّ المراد بالشقاء هو التعب الدنيويّ، الّذي تستتبعه هذه الحياة الأرضيّة من جوع وعطش وعراء وغير ذلك.
فالتوقّي من هذه الاُمور هو الموجب للنهي الكذائيّ لا جهة اُخرى مولويّة فالنهى إرشاديّ. ومخالفة النهى الإرشاديّ لا توجب معصية مولويّة، وتعدّيا عن طور العبوديّة وعلى هذا فالمراد بالظلم أيضاً في ما ورد من الآيات ظلمهما على أنفسهما في إلقائها في التعب والتهلكة دون الظلم المذموم في باب الربوبيّة والعبوديّة وهو ظاهر.
وثانياً: أنّ التوبة، وهي الرجوع من العبد إذا استتبع القبول من جانب المولى أوجب كون الذنب كلا ذنب، والمعصية كأنّها لم تصدر، فيعامل مع العاصي التائب معاملة المطيع المنقاد، وفي مورد فعله معاملة الامتثال والانقياد.
ولو كان النهى عن أكل الشجرة مولويّاً وكانت التوبة توبة عن ذنب عبوديّ ورجوعاً عن مخالفة نهى مولويّ كان اللّازم رجوعهما إلى الجنّة مع أنّهما لم يرجعا.
ومن هنا يعلم أنّ استتباع الأكل المنهىّ للخروج من الجنّة كان إستتباعاً ضروريّاً تكوينيّاً، نظير إستتباع السمّ للقتل والنار للإحراق كما في وارد التكاليف الإرشاديّة لا استتباعاً من قبيل المجازاة المولويّة في التكاليف المولويّة، كدخول النار لتارك الصلاة. وإستحقاق الذمّ واستيجاب البعد في المخالفات العموميّة الاجتماعيّة المولويّة.
وثالثاً: أنّ قوله تعالى:( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ، الآيات.
وهو كلمة جامعة لجميع التشريعات التفصيليّة الّتي أنزلها الله تعالى في هذه الدنيا من طرق ملائكته وكتبه ورسله، يحكى عن أوّل تشريع شرّع للإنسان في هذه الدنيا الّتي هي دنيا آدم وذرّيّته، وقد وقع على ما يحكيه الله تعالى بعد الأمر الثاني بالهبوط ومن الواضح أنّ الامر بالهبوط أمرٌ تكوينيٌّ متأخّرٌ عن الكون في الجنّة واقتراف الخطيئة، فلم يكن حين مخالفة النهي واقتراب الشجرة لا دينٌ مشروع ولا تكليف مولويّ فلم يتحقّق عند ذلك ذنبٌ عبوديٌّ، ولا معصيةٌ مولويّة.
ولا ينافي ذلك كون خطاب اسجدوا للملائكة ولإبليس وهو قبل خطاب لا تقربا، خطاباً مولويّاً لأنّ المكلّف غير المكلّف.
فإن قلت: إذا كان النهى نهياً إرشاديّاً لا نهيّاً مولويّاً فما معنى عدّه تعالى فعلهما ظلماً وعصياناً وغواية؟
قلت: أمّا الظلم فقد مرّ أنّ المراد به ظلمهما لأنفسهما في جنب الله تعالى، وأمّا العصيان فهو لغة عدم الانفعال أو الانفعال بصعوبة كما يقال: كسرته فانكسر وكسرته
فعصى، والعصيان وهو عدم الانفعال عن الأمر أو النهى كما يتحقّق في مورد التكاليف المولويّة كذلك يتحقّق في مورد الخطابات الإرشاديّة.
وأمّا تعيّن معنى المعصية في هذه الأزمنة عندنا جماعة المسلمين في مخالفة مثل صلّ، أم صُم، أو حجّ، أو لا تشرب الخمر، أو لا تزن ونحو ذلك فهو تعيّنٌ بنحو الحقيقة الشرعيّة أو المتشرّعة لا يضرّ بعموم المعنى بحسب اللّغة والعرف العامّ هذا.
وأمّا الغواية فهو عدم إقتدار الإنسان مثلاً على حفظ المقصد وتدبير نفسه في معيشته بحيث يناسب المقصد ويلائمه.
وواضحٌ أنّه يختلف بإختلاف الموارد من إرشاد ومولويّة.
فإن قلت: فما معنى التوبة حينئذ وقولهما:( وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ؟.
قلت: التوبة كما مرّ هي الرجوع، والرجوع يختلف بحسب إختلاف موارده.
فكما يجوز للعبد المتمرّد عن أمر سيّده وإرادته أن يتوب إليه، فيردّ إليه مقامه الزائل من القرب عنده كذلك يجوز للمريض الّذي نهاه الطبيب نهياً إرشاديّاً عن أكل شئ معيّن من الفواكه والمأكولات، وانّما كان ذلك منه مراعاة لجانب سلامته وعافيته فلم ينته المريض عن نهيه فاقترفه فتضرّر فأشرف على الهلاك.
يجوز أن يتوب إلى الطبيب ليشير إليه بدواء يعيده إلى سابق حاله وعافيته، فيذكر له أنّ ذلك محتاجٌ إلى تحمّل التعب والمشقّة العناء والرياضة خلال مدّة حتّى يعود إلى سلامة المزاج الاُولي بل إلى أشرف منها وأحسن، هذا.
وأمّا المغفرة والرحمة والخسران فالكلام فيها نظير الكلام في نظائر ها في إختلافها بحسب إختلاف مواردها، هذا.
( بحث روائي)
في تفسير القمّيّ عن أبيه رفعه قال: سئل الصادقعليهالسلام عن جنّة آدم أمن جنّات الدنيا كانت أم من جنان الآخرة ؟ فقالعليهالسلام : كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر، ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبداً، قالعليهالسلام : فلمّا أسكنه الله الجنّة وأباحها له إلّا الشجرة، لأنّه خلق خلقة لا يبقى إلّا بالأمر والنهى والغذاء واللّباس
والاكتنان والنكاح، ولا يدرك ما ينفعه ممّا يضرّه إلّا بالتوفيق، فجائه إبليس فقال له: إنّكما إن أكلتما من هذه الشجرة الّتي نهاكما الله عنها صرتما ملكين، وبقيتما في الجنّة أبداً، وإن لم تأكلا منها أخرجكما الله من الجنّة، وحلف لهما أنّه لهما ناصح كما قال الله عزّوجلّ حكاية عنه:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) فقبل آدم قوله فأكلا من الشجرة فكانا كما حكى الله، فبدت لهما سوأتهما، وسقط عنهما ما ألبسهما الله من الجنّة، وأقبلا يستتران من ورق الجنّة، وناداهما ربّهما: ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إنّ الشيطان لكما عدوٌّ مبين، فقالا كما حكى الله عنهما:( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) فقال الله لهما:( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) ، قال: أي يوم القيامة، قال: فهبط آدم على الصفا، وإنّما سمّيت الصفا لأنّ صفيّ الله أنزل عليها، ونزلت حوّاء على المروة وإنّما سمّيت المروة لأنّ المرئة أنزلت عليها، فبقي آدم أربعين صباحاً ساجداً يبكي على الجنّة، فنزل عليه جبرئيل، فقال أليس خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته ؟ قال: بلى، وأمرك أن لا تأكل من الشجرة فعصيته ؟ قال آدم: إنّ إبليس حلف لي بالله كاذباً.
اقول: وفي كون جنّة آدم من جنان الدنيا روايات أخر من طريق أهل البيت وإن اتّحد بعضها مع هذه الرواية في إبراهيم بن هاشم.
والمراد بكونها من جنان الدنيا كونها برزخيّة في مقابل جنان الخلد، كما يشير إليه بعض فقرات الرواية كقوله:( فهبط آدم على الصفا) ، وكقوله:( ونزلت حوّاء على المروة) ، وكقوله: إنّ المراد بحين يوم القيامة فيكون المكث في البرزخ بعد الموت مكثاً في الأرض طبقا لما في آيات البعث من القرآن من عدّ المكث البرزخيّ مكثاً في الأرض كما يشير إليه قوله تعالى:( قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) المؤمنون - ١١٤، وقوله تعالى:( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ
فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) الرّوم - ٥٦، على أن عدّة من الروايات المنقولة عن اهل البيت تدلّ على أنّ الجنّة كانت في السماء، وأنّهما نزلا من السماء، على أنّ المستأنس بلسان الروايات لا يستوحش من كون الجنّة المذكورة في السماء والهبوط منها إلى الأرض مع كونهما خلقتا في الأرض وعاشا فيها كما ورد في كون الجنّة في السماء ووقوع سؤال القبر فيه وكونه روضة من رياض الجنّة أو حفرة من حفر النّار وغير ذلك وأرجو أن يرتفع هذا الإشكال وما يشاكله من الإشكالات فيما سيأتي من البحث في السماء انشاء الله العزيز.
وأمّا كيفيّة مجئ إبليس اليهما، وما إتّخذه فيه من الوسيلة فالصحاح والمعتبرة من الروايات خاليةٌ عن بيانها.
وفي بعض الأخبار ذكر الحيّة والطاووس عونين لإبليس في إغوائه إيّاهما لكنّها غير معتبرة، أضربنا عن ذكرها وكأنّها من الأخبار الدخيلة، والقصّة مأخوذه من التوراة وهاك لفظ التوراة في القصّة بعينه.
قال في الفصل الثّاني من السفر الأوّل وهو سفر الخليقة: وإنّ الله خلق آدم تراباً من الأرض، نفخ في أنفه الحيات، فصار آدم نفساً ناطقاً، وغرس الله جناناً في عدن شرقيّاً، وصيّر هناك آدم الّذي خلقه، وأنبت الله من الأرض كلّ شجرة، حسن منظرها وطيّب مأكلها، وشجرة الحياة في وسط الجنان، وشجرة معرفة الخير والشرّ، وجعل نهراً يخرج من عدن ليسقى الجنان، ومن ثمّ يفترق فيصير أربعة أروس، إسم أحدها النيل، وهو المحيط بجميع بلد ذويلة الّذي فيه الذهب، وذهب ذلك البلد جيّدٌ، ثمّ اللّؤلؤ وحجارة البلّور، وإسم النهر الثاني جيحون، وهو المحيط بجميع بلد الحبشة، وإسم النهر الثالث دجلة، وهو يسير في شرقيّ الموصل، واسم النهر الرابع هو الفرات، فأخذ الله آدم وأنزله في جنان عدن ليفلحه وليحفظه وأمر الله آدم قائلاً من جميع شجر الجنان جائزٌ لك أن تأكل، ومن شجرة معرفة الخير والشرّ لا تأكل، فإنّك في يوم أكلك منها تستحقّ أن تموت، وقال الله لا خير في بقاء آدم وحده، أصنع له عونا حذاه، فحشر الله من الأرض جميع وحش الصحراء وطير السماء وأتى بها إلى آدم ليريه ما يسمّيها،
فكلّ ما سمّى آدم من نفس حيّة بإسم هو إسمه إلى الآن.
فأسمي آدم أسماء لجميع البهائم وطير السماء وجميع وحش الصحراء ولم يجد آدم عونا حذاه، فأوقع سباتاً على آدم لئلّا يحسّ فنام، فاستلّ إحدى أضلاعه وسدّ مكانها اللحم، وبنى الله الضلع الّتي أخذ إمرأة، فأتى بها إلى آدم، وقال آدم هذه المرّة شاهدت عظماً من عظامي، ولحماً من لحمى، وينبغي أن تسمّى إمرأة لأنّها من أمري أخذت، ولذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلزم زوجته، فيصيران كجسد واحد.
وكانا جميعاً عريانين آدم وزوجته ولا يحتشمان من ذلك.
الفصل الثالث: والثعبان صار حكيماً من جميع حيوان الصحراء الّذي خلقه الله فقال للمرأة أيقيناً قال الله لا تأكلا من جميع شجر الجنان ؟ قالت المرأة للثعبان من ثمر شجر الجنان نأكل، لكن من ثمر الشجرة الّتي في وسطه قال الله لا تأكلا منه، ولا تدنوا به كيلا تموتا، قال لهما لستما تموتان، إنّ الله عالم أنّكما في يوم أكلكما منه تنفتح عيونكما وتصيران كالملائكة عارفي الخير والشرّ بزيادة، فلمّا رأت المرأة أنّ الشجرة طيّبة المأكل شهيّة المنظر، مُنى للعقل، أخذت من ثمرها فأكلت، وأعطت بعلها فأكل معها، فانفتحت عيونهما فعلما أنّهما عريانان فخيطا من ورق التين ما صنعا منه مأزر، فسمعا صوت الله مارّاً في الجنان برفق في حركة النهار، فاستخبأ آدم وزوجته من قبل صوت الله خباءً فيما بين شجر الجنان، فنادى الله آدم، وقال له مقرّراً: أين أنت ؟ قال: إنّي سمعت صوتك في الجنان فاتّقيت إذ أنا عريان فاستخبأت، قال: من أخبرك أنّك عريان ؟ أمن الشجرة الّتي نهيتك عن الأكل منها أكلت ؟ قال آدم المرأة الّتي جعلتها معي أعطتني من الشجرة فأكلت، قال الله للمرأة: ماذا صنعت ؟ قالت: الثعبان أغراني فأكلت قال الله للثعبان: إذ صنعت هذا بعلم فأنت ملعون من جميع البهائم وجميع وحش الصحراء وعلى صدرك تسلك وتراباً تأكل طول أيّام حياتك، وأجعل عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها، وهو يشدخ منك الرأس وأنت تلذعه في العقب، وقال للمرأة: لأكثرنّ مشقّتك وحملك، وبمشقّة تلدين الأولاد، وإلى بعلك يكون قيادك، وهو يتسلّط عليك.
وقال لآدم: إذ قبلت قول زوجتك فأكلت من الشجرة الّتي نهيتك قائلا لا تأكل منها ملعونة الأرض بسببك بمشقّة تأكل منها طول حياتك، وشوكا ودردراً تنبت لك، وتأكل عشب الصحراء، بعرق وجهك تأكل الطعام إلى حين رجوعك إلى الأرض الّتي أخذت منها لأنّك تراب وإلى التراب ترجع، وسمّى آدم زوجته حوّاء لأنّها كانت أمّ كلّ حيّ ناطق، وصنع الله لآدم وزوجته ثياب بدن وألبسهما، ثمّ قال الله، هو ذا آدم قد صار كواحد منّا يعرف معرفة الخير والشرّ، والآن فيجب أن يخرج من الجنان لئلّا يمدّ يده فيأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل فيحيي إلى الدهر، فطرده الله من جنان عدن ليفلح الأرض الّتي اُخذ منها، ولمّا طرد آدم اُسكن من شرقيّ جنان عدن الملائكة، ولمع سيف متقلّب ليحفظوا طريق شجرة الحياة. إنتهى الفصل (من التوراة العربيّة المطبوعة سنة ١٨١١ مسيحيّة). وانت بتطبيق القصّة من الطريقين أعني طريقي القرآن والتوراة ثمّ التأمّل في الروايات الواردة من طريقي العامّة و الخاصّة تعثر بحقائق من الحال غير أنّا أضربنا عن الغور في بيانها والبحث عنها لأنّ الكتاب غير موضوع لذلك.
وأمّا دخول إبليس الجنّة وإغوائه فيها وهي (أوّلاً) مقام القرب والنزاهة واللطهارة وقد قال تعالى:( لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ) الطور - ٢٣، وهي (ثانياً) في السماء وقد قال تعالى خطاباً لإبليس حين إبائه عن السجدة لآدم:( فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ) الحجر - ٣٤، وقال تعالى:( فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) الأعراف - ١٢.
فالجواب عن الأوّل كما ربّما يقال إنّ القرآن إنّما ما نفى من وقوع اللّغو وتأثيم في الجنّة عن جنّة الخلد الّتي يدخلها المؤمنون في الآخرة وجنّة البرزخ الّتي يدخلونها بعد الموت والارتحال عن دار التكليف، وأما الجنّة الّتي اُدخل فيها آدم وزوجته ومذالك قبل إستقرار الإنسان في دار التكليف وتوجّه الأمر والنهى فالقرآن لم ينطق فيه بشئ من ذلك، بل الأمر بالعكس وناهيك في ذلك ما ذكر من وقوع عصيان آدم فيه على أنّ اللّغو والتأثيم من الاُمور النسبيّة الّتي لا تتحقّق إلّا بعد حلول الإنسان الدنيا وتوجّه الأمر والنهى إليه وتلبّسه بالتكليف.
والجواب عن الثانيأولا: أنّ رجوع الضمير في قوله:( فَاخْرُجْ مِنْهَا ) ، وقوله:( فَاهْبِطْ
مِنْهَا ) إلى السماء غير ظاهر من الآية لعدم ذكر السماء في الكلام سابقاً وعدم العهد بها، فمن الجائز أن يكون المراد الخروج من الملائكة والهبوط منها ببعض العنايات، أو الخروج والهبوط من المنزلة والكرامة.
وثانياً: أنّه يجوز أن يكون الأمر بالهبوط والخروج كناية عن النهى عن المقام هناك بين الملائكة، لا عن أصل الكون فيها بالعروج والمرور من غير مقام وإستقرار كالملائكة، ويلوح إليه بل يشهد به ما ربّما يظهر من الآيات من إستراق السمع وقد روي أنّ الشياطين كانوا يعرجون قبل عيسى إلى السماء السابعة فلمّا ولد عيسى منعوا من السماء الرابعة فما فوقها، ثمّ لما ولد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم منعوا من جميع السماوات وخطفوا بالخطفة.
وثالثاً: أنّ كلامه تعالى خال عن دخول إبليس الجنّة فلا مورد للاستشكال، وإنّما ورد ما ورد من حديث الدخول في الروايات وهي آحاد غير متواترة مع إحتمال النقل بالمعنى من الراوي.
وأقصى ما يدلّ من كلامه تعالى على دخوله الجنّة قوله تعالى حكاية عن إبليس( وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) الأعراف - ٢٠ حيث أتى بلفظة هذه وهي للإشارة من قريب، لكنّها لو دلّت هيهنا على القرب المكانيّ لدلّ في قوله تعالى:( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ) الأعراف - ١٩، على مثله فيه تعالى.
وفي العيون عن عبدالسلام الهرويّ قال: قلت للرّضاعليهالسلام : يابن رسول الله أخبرني عن الشجرة الّتي أكل منها آدم وحوّاء ما كانت ؟ فقد إختلف الناس فيها فمنهم من يروي أنّها الحنطة، ومنهم من يروي أنّها شجرة الحسد، فقال كلّ ذلك حقّ. قلت: فما معنى هذه الوجوه على إختلافها ؟ فقال: يا بن الصلت إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعاً، وكانت شجرة الحنطة وفيها عنب وليست كشجرة الدنيا، وأنّ آدم لما أكرمه الله تعالى بإسجاد ملائكته له، وبإدخاله الجنّة، قال: هل خلق الله بشراً أفضل منّي ؟ فعلم الله عزّوجلّ ما وقع في نفسه فناداه ارفع رأسك يا آدم وأنظر إلى ساق العرش، فنظر إلى ساق العرش فوجد عليه مكتوبا لا إله إلّا الله ومحمّد رسول الله عليّ ابن أبيطالب أميرالمؤمنين وزوجته
فاطمة سيّدة نساء العالمين والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، فقال آدم: يا ربّ من هؤلاء ؟ فقال عزّوجلّ يا آدم هؤلاء ذريّتك، وهم خيرٌ منك ومن جميع خلقي، ولولاهم ما خلقتك ولا الجنّة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فإيّاك أن تنظر إليهم بعين الحسد فاُخرجك عن جواري، فنظر إليهم بعين الحسد وتمنّى منزلتهم فتسلّط عليه الشيطان حتّى أكلت من الشجرة كما أكل آدم فأخرجهما الله تعالى من جنّته وأهبطهما من جواره إلى الأرض.
أقول: وقد ورد هذا لمعنى في عدّة روايات بعضها أبسط من هذه الرواية وأطنب وبعضها أجمل وأوجز.
وهذه الرواية كما ترى سلّمعليهالسلام فيها أنّ الشجرة كانت شجرة الحنطة وشجرة الحسد وأنّهما أكلا من شجرة الحنطة ثمرتها وحسدا وتمنّيا منزلة محمّد وآله (صلّي الله عليه و آله و سلّم)، ومقتضى المعنى الأوّل أنّ الشجرة كانت أخفض شأناً من أن يميل إليها ويشتهيها أهل الجنّة ومقتضى الثاني أنّها كانت ارفع شأناً من أن ينالها آدم وزوجته كما في رواية اُخرى أنّها كانت شجرة علم محمّد وآله.
وبالجملة لهما معنيان مختلفان، لكنّك بالرجوع إلى ما مرّ من أمر الميثاق تعرف أنّ المعنى واحدٌ وأنّ آدمعليهالسلام أراد أن يجمع بين التمتّع بالجنّة وهو مقام القرب من الله وفيها الميثاق أن لا يتوجّه إلى غيره تعالى وبين الشجرة المنهيّة الّتي فيها تعب التعلّق بالدنيا فلم يتيسّر له الجمع بينهما فهبط إلى الأرض ونسي الميثاق فلم يجتمع له الأمران وهو منزلة النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم)، ثمّ هداه الله بالاجتباء ونزعه بالتوبة من الدنيا، وألحقه بما كان نسيه من الميثاق فإفهم.
وقولهعليهالسلام :( فنظر إليهم بعين الحسد وتمنّى منزلتهم) فيه بيان أنّ المراد بالحسد تمنّى منزلتهم دون الحسد الّذي هو أحد الأخلاق الرذيلة.
وبالبيان السابق يرتفع التنافي الّذي يترآى بين ما رواه في كمال الدين عن الثماليّ عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال: إنّ الله عزّوجلّ عهد إلى آدم أن لا يقرب الشجرة فلمّا بلغ الوقت
الّذي في علم الله أن يأكل منها نسي فأكل منها وذلك قول الله عزّوجلّ:( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) ، الحديث.
وبين ما رواه العيّاشيّ في تفسيره عن أحدهما وقد سئل كيف أخذ الله آدم بالنسيان، فقال: إنّه لم ينس وكيف ينسى وهو يذكر ويقول له إبليس:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) الحديث. والوجه فيه واضح.
وفي أمالي الصدوق عن أبي الصلت الهرويّ، قال: لما جمع المأمون لعليّ بن موسى الرّضاعليهالسلام : أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وسائر أهل المقالات فلم يقم أحد حتّى الزم حجّته كأنّه ألقم حجراً فقام إليه عليّ بن محمّد بن الجهم فقال له: يا بن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء ؟ قال: بلى، قال: فما تعمل بقول الله عزّوجلّ:( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) ؟ إلى أن قال: فقال مولانا الرّضاعليهالسلام : ويحك يا عليّ إتّق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأوّل كتاب الله عزّوجلّ برأيك فإنّ الله عزّوجلّ يقول:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) . أمّا قوله عزّوجلّ في آدم:( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) فإنّ الله عزّوجلّ خلق آدم حجّة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنّة، وكانت المعصية من آدم في الجنّة لا في الأرض لتتمّ مقادير أمر الله عزّوجلّ فلمّا اُهبط إلى الأرض وجعل حجّة وخليفة عصم بقوله عزّوجلّ:( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) الحديث.
أقول: قوله: وكانت المعصية في الجنّة الخ إشارة إلى ما قدّمناه أنّ التكليف الدينىّ المولويّ لم يكن مجعولاً في الجنّة بعد، وإنّما موطنه الحياة الأرضيّة المقدّرة لآدمعليهالسلام بعد الهبوط إلى الأرض، فالمعصية إنّما كانت معصية لأمر إرشاديّ غير مولويّ فلا وجه لتعسّف التإويل في الحديث على ما ارتكبه بعض.
وفي العيون عن علىّ بن محمّد بن الجهم، قال: حضرت مجلس المأمون وعنده عليّ بن موسى فقال له المأمون: يا إبن رسول الله أليس من قولك أنّ الأنبياء معصومون ؟ فقال بلى، قال فما معنى قول الله تعالى: فعصى آدم ربّه فغوى ؟ قال: إنّ الله تعالى قال لآدم: اُسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة وأشار
لهما إلى شجرة الحنطة فتكونا من الظالمين، ولم يقل لهما: لا تأكلا من هذه الشجرة ولا ممّا كان من جنسها فلم يقربا تلك الشجرة ولم يأكلا منها وإنّما أكلا من غيرها لما أن وسوس الشيطان إليهما وقال: ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة وإنّما نها كما أن تقربا غيرها ولم ينهكما أن تأكلا منها إلّا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إنّي لكما لمن الناصحين ولم يكن آدم وحوّاء شاهدا قبل ذلك من يحلف بالله كاذباً فدلّاهما بغرور فأكلا منها ثقة بيمينه بالله، وكان ذلك من آدم قبل النبوّة ولم يكن ذلك بذنب كبير إستحقّ به دخول النار، وإنّما كان من الصغائر الموهوبة الّتي تجوز على الأنبياء قبل نزول الوحي إليهم، فلمّا إجتباه الله وجعله نبيّاً كان معصوماً لا يذنب صغيرة ولا كبيرة، قال الله عزّوجلّ:( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ) وقال عزّوجلّ:( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) الحديث.
أقول: قال الصدوق رحمه الله بعد نقل الحديث على طوله: والحديث عجيب من طريق علىّ بن محمّد بن الجهم مع نصبه وبغضه وعداوته لأهل البيتعليهمالسلام إنتهى.
وما أعجبه منه إلّا ما شاهده من إشتماله على تنزيه الأنبياء من غير أن يمعن النظر في الأصول المأخوذة فيه، فما نقله من جوابهعليهالسلام في آدم لا يوافق مذهب أئمّة أهل البيت المستفيض عنهم من عصمة الأنبياء من الصغاير والكبائر قبل النبوّة وبعدها.
على أنّ الجواب مشتمل على تقدير في قوله تعالى:( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا ) إلى مثل قولنا: ما نهاكما ربّكما عن هذه الشجرة وإنّما نها كما عن غيرها وما نهاكما عن غيرها إلّا أن تكونا إلخ. على أنّ قوله تعالى :( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ) ، وقوله تعالى :( قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ ) الآية، يدلّ على أنّ إبليس إنّما كان يحرّضهما على الأكل من شخص الشجرة المنهيّة تطميعاً في الخلود والملك الّذي حجب عنه بالنهي، على أنّ الرجل أعني عليّ بن محمّد بن الجهم قد أخذ الجواب الصحيح التامّ بنفسه في مجلس المأمون كما رويناه في الحديث السّابق، فالرواية لا تخلو عن شئ وإن كان بعض هذه الوجوه ممكن الاندفاع هذا.
وروى الصدوق، عن الباقرعليهالسلام عن آبائه عن علي عن رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم)، قال: إنّما كان لبث آدم وحوّاء في الجنّة حتّى أخرجا منها سبع ساعات من أيّام الدنيا حتّى أهبطهما الله في يومهما.
وفي تفسير العيّاشيّ عن عبدالله بن سنان، قال: سئل أبوعبداللهعليهالسلام وأنا حاضر: كم لبث آدم وزوجته في الجنّة حتّى أخرجهما منها خطيئة ؟ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى نفخ في آدم روحه بعد زوال الشمس من يوم الجمعة ثمّ برء زوجته من أسفل أضلاعه ثمّ أسجد له ملائكته وأسكنه جنّته من يومه ذلك، فو الله ما إستقرّ فيها إلّا ستّ ساعات من يومه ذلك حتّى عصى الله تعالى، فأخرجهما الله منها بعد غروب الشمس وصُيّرا بفناء الجنّة حتّى أصبحا فبدت لهما سوآتهما وناداهما ربّهما: الم أنهكما عن تلكما الشجرة فاستحيى آدم فخضع وقال: ربّنا ظلمنا أنفسنا وإعترفنا بذنوبنا فاغفر لنا. قال الله لهما إهبطا من سماواتي إلى الأرض، فإنّه لا يجاورني في جنّتي عاص ولا في سماواتي.
أقول: ويمكن أن يستفاد ما يشتمل عليه الرواية من كيفيّة خروجهما وأنّه كان أوّلاً من الجنّة إلى فنائها ومن فنائها إلى الأرض من تكرّر الأمر بالهبوط في الآية مع كونه أمراً تكوينيّاً غير قابل التخلّف، وكذا من تغيير السياق في قوله تعالى:( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ، إلى أن قال:( وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ) الآية، وقوله تعالى:( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) ،الآية، حيث عبّر في الأوّل بالقول وبالإشارة القريبة وفي الثاني بالنداء والإشارة البعيدة، غير أنّ الرواية مشتملة على خلق حوّاء من أسفل اضلاع آدم كما إشتملت عليه التوراة. والروايات عن أئمّة أهل البيت تكذّبه كما سيجئ في البحث عن خلقة آدم، وإن أمكن أن يحمل علي خلقها من فاضل طينة آدم ممّا يلي أضلاعه هذا. وأمّا ساعات مكثه في الجنّة، وأنّها ستّة أو سبعة فالأمر فيها هيّن فإنّما هو تقريب.
وفي الكافي: عن أحدهماعليهالسلام في قوله تعالى: فتلقّى آدم من ربّه كلمات، قال: لا إله إلّا أنت، سبحانك اللّهمّ وبحمدك، عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفرلي وأنت خير الغافرين. لا إله إلّا أنت. سبحانك اللّهمّ وبحمدك، عملت سوءً وظلمت نفسي فارحمني
وأنت خير الغافرين. لا إله إلّا أنت سبحانك اللّهمّ وبحمدك عملت سوءً وظلمت نفسي فارحمني وأنت خير الراحمين، لا إله إلّا أنت سبحانك اللّهمّ وبحمدك عملت سوءً وظلمت نفسي فاغفرلي وتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم.
أقول: وروى هذا المعنى الصدوق والعيّاشيّ والقمّيّ وغيرهم. وعن طرق أهل السنّة والجماعة أيضاً ما يقرب من ذلك. وربّما استفيد ذلك من ظاهر آيات القصّة.
وقال الكليني في الكافي: وفي رواية اُخرى في قوله: فتلقّى آدم من ربّه كلمات قال: سأله بحقّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين.
أقول: وروى هذا المعنى أيضاً الصدوق والعيّاشيّ والقمّيّ وغيرهم. وروي ما يقرب من ذلك من طرق اهل السنّة والجماعة أيضاً كما رواه في الدرّ المنثور عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: لما أذنب آدم الذنب الّذي أذنبه رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحقّ محمّد إلّا غفرت لي فأوحى الله إليه، ومن محمّد ؟ قال: تبارك إسمك لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذاً فيه مكتوب لا إله إلّا الله محمّد رسول الله. فعلمت أنّه ليس أحد عندك أعظم قدراً ممّن جعلت إسمه مع اسمك فأوحى الله إليه يا آدم إنّه آخر النبيّين من ذريّتك ولولاه ما خلقتك.
أقول: وهذا المعنى وإن كان بعيداً عن ظاهر الآيات في بادي النظر لكن إشباع النظر والتدبّر فيها ربّما قرّب ذلك تقريباً، إذ قوله:( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ ) ، يشتمل على معنى الأخذ مع الاستقبال، ففيه دلالة على أخذ آدم هذه الكلمات من ربّه، ففيه علم سابق على التوبة، وقد كانعليهالسلام تعلّم من ربّه الأسماء كلّها إذ قال تعالى للملائكة: إنّي جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك ؟ قال: إنّي أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلّها، فهذا العلم كان من شأنه إزاحة كلّ ظلم ومعصية لا محالة ودواء كلّ داء وإلّا لم يتمّ الجواب عمّا أورده الملائكة ولا قامت الحجّة عليهم لأنّه سبحانه لم يذكر قبال قولهم: يفسد فيها ويسفك الدماء شيئاً ولم يقابلهم بشئ دون أن علّم آدم الأسماء كلّها ففيه إصلاح كلّ فاسد، وقد عرفت ما حقيقة هذه الأسماء، وأنّها موجودات عالية مغيّبة في غيب السماوات والأرض، ووسائط
فيوضاته تعالى لما دونها، لا يتمّ كمال لمستكمل إلّا ببركاتها. وقد ورد في بعض الأخبار أنّه رأى أشباح أهل البيت وأنوارهم حين علّم الأسماء. وورد أنّه رآها حين أخرج الله ذرّيّته من ظهره. وورد أيضاً أنّه رآها وهو في الجنّة فراجع والله الهادي. وقد أبهم الله أمر هذه الكلمات في قوله:( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ ) الآية حيث نكّرها. وورد في القرآن: إطلاق الكلمة على الموجود العينيّ صريحاً في قوله:( بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) آل عمران - ٤٥.
وأمّا ما ذكره بعض المفسّرين: أنّ الكلمات الّتي حكاها الله عنهما في سورة الأعراف بقوله:( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) الآية، ففيه: أنّ التوبة كما يدلّ عليه الآيات في هذه السورة أعني سورة البقرة وقعت بعد الهبوط إلى الأرض. قال تعالى:( وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) إلى أن قال:( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) الآيات وهذه الكلمات تكلّم بها آدم وزوجته قبل الهبوط وهما في الجنّة كما في سورة الأعراف. قال تعالى:( وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) إلى أن قال:( قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ) إلى أن قال:( قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) الآيات، بل الظّاهر أنّ قولهما:( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ) ، تذلّل منهما وخضوع قبال ندائه تعالى وإيذان بأنّ الأمر إلى الله سبحانه كيف يشاء بعد الاعتراف بأنّ له الربوبيّة وأنّهما ظالمان مشرفإنّ على خطر الخسران.
وفي تفسير القمّيّ عن الصادقعليهالسلام قال: إنّ موسى سأل ربّه أن يجمع بينه وبين آدم، فجمع فقال له موسى: يا أبت ألم يخلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك الملائكة وأمرك أن لاتأكل من الشجرة ؟ فلِمَ عصيته ؟ قال: يا موسى بكم وجدت خطيئتي قبل خلقي في التورية ؟ قال بثلثين ألف سنة. قال: فقال: هو ذاك، قال الصادقعليهالسلام فحجّج آدم موسى.
أقول: وروى ما يقرب من هذا المعنى العلّامة السيوطيّ في الدرّ المنثور بعدّة طرق عن النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم).
وفي العلل: عن الباقرعليهالسلام : والله لقد خلق الله آدم للدنيا، وأسكنه الجنّة ليعصيه
فيردّه إلى ما خلقه له.
أقول: وقد مرّ رواية العيّاشيّ عن الصّادقعليهالسلام في خليل كان لآدم من الملائكة الحديث في هذا المعنى.
وفي الاحتجاج: في احتجاج عليّ مع الشاميّ حين سأله: عن أكرم وادٍ على وجه الأرض، فقالعليهالسلام : وادٍ يقال له سرانديب سقط فيه آدم من السماء.
أقول: وتقابلها روايات مستفيضة تدلّ على سقوطه في أرض مكّة وقد مرّ بعضها ويمكن التوفيق بينها بإمكان نزوله أوّلاً بسرانديب ثمّ هبوطه إلى أرض مكّة وليس بنزولين عرضيّين هذا.
وفي الدرّ المنثور عن الطبرانيّ وأبي الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي ذّر قال: قلت: يا رسول الله أرأيت آدم أ نبيّاً كان ؟ قال: نعم كان نبيّاً رسولاً، كلّمه الله قبلاً، قال له: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة.
أقول: وروى أهل السنّة والجماعة قريباً من هذا المعنى بعدّة طرق.
( سورة البقرة الآيات ٤٠ - ٤٤)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( ٤٠ ) وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( ٤١ ) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٤٢ ) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ( ٤٣ ) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ٤٤ )
( بيان)
أخذ سبحانه في معاتبة اليهود وذلك في طيّ نيّف ومإة آية يذكر فيها نعمه الّتي أفاضها عليهم، وكراماته الّتي حباهم بها، وما قابلوها من الكفر والعصيان ونقض الميثاق والتمرّد والجحود، يذكّرهم بالإشارة إلى اثنتي عشرة قصّة من قصصهم، كنجاتهم من آل فرعون بفرق البحر، وغرق فرعون وجنوده، ومواعدة الطور، واتّخاذهم العجل من بعده وأمر موسى إيّاهم بقتل أنفسهم واقتراحهم من موسى أن يريهم الله جهرة فأخذتهم الصاعقة ثمّ بعثهم الله تعالى، إلى آخر ما أشير إليه من قصصهم الّتي كلّها مشحونة بألطاف إلهيّة وعنايات ربّانيّة، ويذكّرهم أيضاً المواثيق الّتي أخذ منهم ثمّ نقضوها ونبذوها وراء ظهورهم، ويذكّرهم أيضاً معاصي ارتكبوها وجرائم اكتسبوها وآثامً كسبتها قلوبهم على نهي من كتابهم، وردع صريح من عقولهم، لقساوة قلوبهم، وشقاوة نفوسهم، وضلال سعيهم.
قوله تعالى: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِي ) ، أصل العهد الحفاظ، ومنه اشتقّت معانيه كالعهد بمعنى الميثاق واليمين والوصيّة واللقاء والمنزل ونحو ذلك.
قوله تعالى: ( فَارْهَبُونِ ) ، الرهبة الخوف، وتقابل الرغبة.
قوله تعالى: ( وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) ، أي من بين أهل الكتاب، أو من بين قومكم ممّن مضى وسيأتي فإنّ كفّار مكّة كانوا قد سبقوهم إلى الكفر به.
( سورة البقرة الآيات ٤٥ - ٤٦)
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( ٤٥ ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( ٤٦ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ) ، الاستعانة وهي طلب العون إنّما يتمّ فيما لا يقوى الإنسان عليه وحده من المهمّات والنوازل، و إذ لا معين في الحقيقة إلّا الله سبحانه فالعون على المهمّات مقاومة الإنسان لها بالثبات والاستقامة والاتّصال به تعالى بالانصراف إليه، والإقبال عليه بنفسه، وهذا هو الصبر والصلاة، وهما أحسن سبب على ذلك، فالصّبر يصغّر كلّ عظيمة نازلة، وبالإقبال على الله والالتجاء إليه تستيقظ روح الإيمان، وتتنبّه: أنّ الإنسان متّك على ركن لا ينهدم، وسبب لا ينفصم.
قوله تعالي: ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ، الضمير راجع إلى الصلاة، وأمّا إرجاعه إلى الاستعانة لتضمُّن قوله:( اسْتَعِينُوا ) ذلك فينافيه ظاهراً قوله:( إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) ، فإنّ الخشوع لايلائم الصبر كثير ملائمة. والفرق بين الخشوع والخضوع مع أنّ في كليهما معنى التذلّل والانكسار أنّ الخضوع مختصّ بالجوارح والخشوع بالقلب.
قوله تعالي: ( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ ) هذا المورد، أعني مورد الاعتقاد بالآخرة على أنّه مورد اليقين لا يفيد فيه الظنّ والحسبان الّذي لا يمنع النقيض. قال تعالى:( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) البقرة - ٤، ويمكن أن يكون الوجه فيه الأخذ بتحقّق الخشوع فإنّ العلوم التدريجيّة الحصول من أسباب تدريجيّة تتدرّج فيها النفس المدركة من تنبّه وشكّ ثمّ ترجُّح أحد طرفي النقيض ثمّ انعدام الإحتمالات المخالفة شيئاً فشيئاً حتّى يتمّ الإدراك الجازم وهو العلم. وهذا النوع من العلم إذا تعلّق بأمر هائل موجب لاضطراب النّفس وقلقها وخشوعها إنّما تبتدي الخشوع الّذي معه من حين شروع الرجحان قبل حصول الإدراك العلميّ وتمامه، ففي وضع الظنّ
موضع العلم إشارة إلى أنّ الإنسان لا يتوقّف على زيادة مؤنة على العلم إن تنبّه بأنّ له ربّاً يمكن أن يلاقيه ويرجع إليه وذلك كقول الشاعر:
فقلت لهم ظنّوا بألفي مذحّج |
سراتهم في الفارسيّ المسرّد |
و إنّما يخوف العدوّ باليقين لا بالشكّ ولكنّه أمرهم بالظنّ لأنّ الظنّ يكفيهم في الانقلاع عن المخالفة، بلا حاجة إلى اليقين حتّى يتكلّف المهدّد إلى ايجاد اليقين فيهم بالتفهيم من غير اعتناء منه بشأنهم، وعلى هذا فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى:( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ) الكهف - ١١٠، وهذا كلّه لو كان المراد باللّقاء في قوله تعالى:( ملاقوا ربّهم ) ، يوم البعث ولو كان المراد به ما سيأتي تصويره في سورة الأعراف إنشاء الله فلا محذور فيه أصلاً.
( بحث روائي)
في الكافي عن الصادقعليهالسلام قال: كان عليّ إذا أهاله أمر فزع قام إلى الصلاة ثمّ تلا هذه الآية: واستعينوا بالصبر والصلاة.
وفي الكافي : أيضاً عنهعليهالسلام في الآية، قال: الصبر الصيام، وقال: إذا نزلت بالرجل النازلة الشديدة فليصم. إنّ الله عزّوجلّ يقول: واستعينوا بالصبر يعنى الصيام.
أقول: وروى مضمون الحديثين العيّاشيّ في تفسيره. وتفسير الصبر بالصيام من باب المصداق والجري.
وفي تفسير العيّاشيّ: عن أبي الحسنعليهالسلام : في الآية قال: الصبر الصوم، إذا نزلت بالرّجل الشدّة أو النازلة فليصم، إنّ الله يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة وأنّها لكبيرة إلّا على الخاشعين.
والخاشع الذليل في صلاته المقبل عليها، يعني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأميرالمؤمنينعليهالسلام .
أقول: قد إستفادعليهالسلام إستحباب الصوم والصلاة عند نزول الملمّات والشدائد، وكذا التوسّل بالنبيّ والوليّ عندها، وهو تأويل الصوم والصلاة برسول الله وأميرالمؤمنين.
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً: عن عليّعليهالسلام : في قوله تعالى:( الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ ) الآية يقول: يوقنون أنّهم مبعوثون، والظنّ منهم يقين.
أقول: ورواه الصدوق أيضاً.
وروى إبن شهر آشوب عن الباقرعليهالسلام : أنّ الآية نازلة في عليّ وعثمان بن مظعون وعمّار بن ياسر وأصحاب لهم.
( سورة البقرة الآيات ٤٧ - ٤٨)
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ( ٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ( ٤٨)
( بيان)
قوله تعالى: ( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي ) الملك والسلطان الدنيويّ بأنواعه وأقسامه وبجميع شؤونه، وقواه المقنّنة الحاكمة والمجرية مبتنية على حوائج الحياة وغايتها رفع الحاجة حسب ما يساعد عليه العوامل الزمانيّة والمكانيّة، فربّما بدّل متاع من متاع أو نفع من نفع أو حكم من حكم من غير ميزان كلّي يضبط الحكم ويجري ذلك في باب المجازاة أيضاً فإنّ الجرم والجناية عندهم يستتبع العقاب، وربّما بدّل الحاكم العقاب لغرض يستدعي منه ذلك كان يلحّ المحكوم الّذي يرجى عقابه على القاضي ويسترحمه أو يرتشيه فينحرف في قضائه فيجزي أي يقضي فيه بخلاف الحقّ، أو يبعث المجرم شفيعاً يتوسّط بينه وبين الحاكم أو مجري الحكم أو يعطي عدلاً وبدلاً إذا كانت حاجة الحاكم المريد للعقاب إليه أزيد وأكثر من الحاجة إلى عقاب ذالك المجرم، أو يستنصر فومه فينصروه فيتخلّص بذالك عن تبعة العقاب ونحو ذلك. تلك سنّة جارية وعادة دائرة بينهم ، و كانت الملل القديمة من الوثنيّين و غيرهم تعتقد أنّ الحياة الآخرة نوع حياة دنيويّة يطرّد فيها قانون الأسباب ويحكم فيها ناموس التأثير والتأثّر المادّيّ الطبيعيّ، فيقدّمون إلى آلهتم أنواع القرابين والهدايا للصفح عن جرائمهم أو الإمداد في حوائجهم، أو يستشفعون بها، أو يفدون بشئ عن جريمة أو يستنصرون بنفس أو سلاح حتّى أنّهم كانوا يدفنون مع الأموات أنواع الزخرف والزينة، ليكون معهم ما يتمتّعون به في آخرتهم، ومن أنواع السلاح ما يدافعون به عن أنفسهم، وربّما ألحدوا معه من الجواري من يستأنس بها، ومن الأبطال من يستنصر به الميّت، وتوجد اليوم
في المتاحف بين الآثار الأرضيّة عتائق كثيرة من هذا القبيل، ويوجد عقائد متنوّعة شبيهة بتلك العقائد بين الملل الإسلاميّة على إختلاف ألسنتهم والوانهم، بقيت بينهم بالتوارث، ربّما تلوّنت لوناً بعد لون، جيلاً بعد جيل، وقد أبطل القرآن جميع هذه الآراء الواهية، والأقاويل الكاذبة، فقد قال عزّ من قائل:( وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ ) ، الإنفطار - ١٩، وقال:( وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ) البقرة - ١٦٦، وقال:( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) الأنعام - ٩٤، وقال:( هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) يونس - ٣٠، إلى غير ذلك من الآيات الّتي بيّن فيها: أنّ الموطن خال عن الأسباب الدنيويّة، وبمعزل عن الارتباطات الطبيعيّة، وهذا أصل يتفرّع عليه بطلان كلّ واحد من تلك الأقاويل والأوهام على طريق الإجمال، ثمّ فصّل القول في نفي واحد واحد منها وإبطاله فقال:( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ) البقرة - ٤٨، وقال:( يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ) البقرة - ٢٥٤، وقال:( يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا ) الدخان - ٤١، وقال:( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ ) المؤمن - ٣٣، وقال:( مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ) الصافات - ٢٦، وقال:( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) يونس - ١٨، وقال:( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) المؤمن - ١٨، وقال:( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) الشعراء - ١٠١، إلى غير ذلك من الآيات الكريمة النافية لوقوع الشفاعة وتأثير الوسائط والأسباب يوم القيامة هذا.
ثمّ إنّ القرآن مع ذلك لا ينفي الشفاعة من أصلها، بل يثبتها بعض الاثبات. قال تعالى:( اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ) السجدة - ٤، وقال تعالى:( لَيْسَ لَهُم
مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ) الانعام - ٥١، وقال تعالى:( قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) الزمر - ٤٤، وقال تعالى:( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) البقرة - ٢٥٥، وقال تعالى:( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس - ٣، وقال تعالى:( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء - ٢٨، وقال:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، وقال:( لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) مريم - ٨٧، وقال تعالى:( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) طه - ١١٠، وقال تعالى:( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) السبأ - ٢٣، وقال تعالى:( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلّا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) النجم - ٢٦، فهذه الآيات كما ترى بين ما يحكم باختصاص الشفاعة بالله عزّ اسمه كالآيات الثلثة الأول وبين ما يعمّمها لغيره تعالى بإذنه وارتضائه ونحو ذلك. وكيف كان فهي تثبت الشفاعة بلا ريب، غير أنّ بعضها تثبتها بنحو الأصالة لله وحده من غير شريك، وبعضها تثبتها لغيره بإذنه وارتضائه، وقد عرفت أنّ هناك آيات تنفيها فتكون النسبة بين هذه الآيات كالنسبة بين الآيات النافية لعلم الغيب عن غيره، وإثباته له تعالى بالاختصاص ولغيره بارتضائه. قال تعالى:( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ ) النمل - ٦٥، وقال تعالى:( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ) الانعام - ٥٩ وقال تعالى:( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ) الجنّ - ٢٧، وكذلك الآيات الناطقة في التوفّي والخلق والرزق والتأثير والحكم والملك وغير ذلك فإنّها شائعة في أسلوب القرآن، حيث ينفي كلّ كمال عن غيره تعالى، ثمّ يثبته لنفسه، ثمّ يثبته لغيره بإذنه ومشيّته، فتفيد أنّ الموجودات غيره تعالى لا تملك ما تملك من هذه الكمالات بنفسها وإستقلالها، وإنّما تملكها بتمليك الله لها أيّاها، حتّى أنّ القرآن
تثبت نوعاً من المشيّة في ما حكم فيه وقضى عليه بقضاء حتم، كقوله تعالى:( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود - ١٠٨. فقد علّق الخلود بالمشيّة وخاصّة في خلود الجنّة مع حكمه بأنّ العطاء غير مجذوذ، إشعاراً بأنّ قضائه تعالى بالخلود لا يخرج الأمر من يده ولا يبطل سلطانه وملكه عزّ سلطانه كما يدلّ عليه قوله:( إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ) هود - ١٠٧، وبالجملة لا إعطاء هناك يخرج الأمر من يده ويوجب له الفقر، ولا منع يضطرّه إلى حفظ ما منعه وإبطال سلطانه تعالى.
من هنا يظهر أنّ الآيات النافية للشفاعة، إن كانت ناظرة إلى يوم القيامة فإنّما تنفيها عن غيره تعالى بمعنى الاستقلال في الملك، والآيات المثبتة تثبتها لله سبحانه بنحو الأصالة، ولغيره تعالى بإذنه وتمليكه، فالشفاعة ثابتة لغيره تعالى باذنه فلننظر ماذا يفيده كلامه في معنى الشفاعة ومتعلّقها ؟ وفيمن تجري ؟ وممن تصحّ ؟ ومتى تتحقّق ؟ وما نسبتها إلى العفو والمغفرة منه تعالى ؟ ونحو ذلك في أمور:
( ١ - ما هي الشفاعة ؟)
الشفاعة على ما تعرف من معناها إجمالاً بالقريحة المكتسبة من الاجتماع والتعاون و (هي من الشفع مقابل الوتر كأنّ الشفيع ينضمُّ إلى الوسيلة الناقصة الّتي مع المستشفع فيصير به زوجاً بعد ما كان فرداً فيقوى على نيل ما يريده، لو لم يكن يناله وحده لنقص وسيلته وضعفها وقصورها) من الأمور الّتي نستعلمها لإنجاح المقاصد، ونستعين بها على حوائج الحياة. وجلّ الموارد الّتي نستعملها فيها إمّا مورد يقصد فيها جلب المنفعة والخير، وإمّا مورد يطلب فيها دفع المضرّة والشرّ، لكن لا كلّ نفع وضرر، فإنّا لا نستشفع فيما يتضمنّه الأسباب الطبيعيّة والحوادث الكونيّة من الخير والشرّ والنفع والضرّ، كالجوع والعطش والحرّ والبرد والصحّة والمرض، بل نتسبّب فيها بالأسباب الطبيعيّة، ونتوسّل إليها بوسائلها المناسبة لها كالأكل والشرب واللّبس والاكتنان
والمداواة، وإنّما نستشفع في الخيرات والشرور والمنافع والمضارّ الّتى تستدعيها أو تستتبعها أوضاع القوانين الأحكام الّتي وضعتها واعتبرتها وقرّرتها وأجرتها حكومة الاجتماع بنحو الخصوص أو العموم، ففي دائرة المولويّة والعبوديّة وعند كلّ حاكم ومحكوم، وأحكام من الأمر والنهي إذا عمل بها وإمتثلها المكلّف بها استتبع ذلك تبعة الثّواب من مدح أو نفع، من جاه أو مال، وإذا خالفها وتمرّد منها استتبع ذلك تبعة العقاب من ذمّ أو ضرر مادّيّ، أو معنويّ، فإذا أمر المولى أو نهي عبده، أو كلّ من هو تحت سيادته وحكومته بأمر أو نهى مثلاً فامتثله كان له بذلك أجر كريم، وإن خالف كان له عقاب أو عذاب فهناك نوعان من الوضع والاعتبار، وضع الحكم ووضع تبعة الحكم، يتعيّن به تبعة الموافقة والمخالفة.
وعلى هذا الأصل تدور جميع الحكومات العامّة بين الملل والخاصّة بين كل إنسان ومن دونه.
فإذا أراد الإنسان أن ينال كمالاً وخيراً مادّيّاً أو معنويّاً وليس عنده ما يستوجب ذلك بحسب ما يعيّنه الاجتماع، ويعرف به لياقتة، أو أراد أن يدفع عن نفسه شرّاً متوجّهاً إليه من عقاب المخالفة وليس عنده ما يدفعه، أعني الامتثال والخروج عن عهدة التكليف، وبعبارة واضحة إذا أراد نيل ثواب من غير تهيئة أسبابه، أو التخلّص من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجّة إليه فذلك مورد الشفاعة، وعنده تؤثّر لكن لا مطلقاً فإنّ من لا لياقة له بالنسبة الي التلبّس بكمال، أو لا رابطة له تربطها إلى المشفوع عنده أصلاً، كالعاميّ الأمّي الّذي يريد تقلّد مقام علميّ، أو الجاحد الطاغي الّذي لا يخضع لسيّده أصلاً لا تنفع عنده الشفاعة، فإنّما الشفاعة متمّمة للسبب لا مستقلّة في التأثير.
ثمّ إنّ تأثير الشفيع عند الحاكم المشفوع عنده لا يكون تأثيراً جزافيّاً من غير سبب يوجب ذلك بل لا بدّ أن يوسّط أمراً يؤثّر في الحاكم، ويوجب نيل الثواب، أو التخلّص من العقاب. فالشفيع لا يطلب من المولى مثلاً أن يبطل مولويّة نفسه وعبوديّة عبده فلا يعاقبه، ولا يطلب منه أن يرفع اليد عن حكمه وتكليفه المجعول،
أو ينسخه عموماً أو في خصوص الواقعة فلا يعاقبه، ولا يطلب منه أن يبطل قانون المجازاة عموماً أو خصوصاً فلا يعاقب لذلك رأساً، أو في خصوص الواقعة، فلا نفوذ ولا تأثير للشفيع في مولويّة وعبوديّة، ولا في حكم ولا في جزاء حكم، بل الشفيع بعد ما يسلّم جميع الجهات الثلاث المذكورة إنّما يتمسّك : إمّا بصفات في المولى الحاكم توجب العفو والصفح كسودده، وكرمه، وسخائه، وشرافة محتده، وإمّا بصفات في العبد تستدعي الرأفة والحنان وتثير عوامل المغفرة كمذلّته ومسكنته وحقارته وسوء حاله، وإمّا بصفات في نفسه أعني نفس الشفيع من قربه إلى المولى وكرامته وعلوّ منزلته عنده فيقول: ما أسألك إبطال مولويّتك وعبوديّته، ولا أن تبطل حكمك ولا أن تبطل الجزاء، بل أسألك الصفح عنه بأنّ لك سودداً ورأفة وكرماً لا تنتفع بعقابه ولا يضرّك الصفح عن ذنبه أو بأنّه جاهل حقير مسكين لا يعتني مثلك بشأنه ولا يهتمّ بأمره أو بأنّ لي عندك من المنزلة والكرامة ما يوجب إسعاف حاجتي في تخليصه والعفو عنه.
ومن هنا يظهر للمتأمّل أن الشفيع إنّما يحكّم بعض العوامل المربوطة بالمورد المؤثّرة في رفع العقاب مثلاً من صفات المشفوع عنده أو نحوها على العامل الآخر الّذي هو سبب وجود الحكم وترتّب العقاب على مخالفته، ونعني بالحكومة أن يخرج مورد الحكم عن كونه مورداً بإدخاله في مورد حكم آخر، فلا يشمله الحكم الأوّل لعدم كونه من مصاديقه لا أن يشمله فيبطل حكمه بعد الشمول بالمضادّة كإبطال الأسباب المتضادّة في الطبيعة بعضها حكم بعض بالمعارضة والغلبة في التأثير. فحقيقة الشفاعة التوسّط في إيصال نفع أو دفع شرّ بنحو الحكومة دون المضادّة.
ومن هنا يظهر أيضاً أنّ الشفاعة من مصاديق السببيّة فهي توسيط السبب المتوسّط القريب بين السبب الأوّل البعيد ومسبّبه. هذا ما يتحصّل من تحليل معنى الشفاعة الّتي عندنا.
ثمّ إنّ الله سبحانه يمكن أن يقع مورد النظر في السببيّة من جهتين:
إحداهما: أنّه يبتدي منه التأثير، وينتهي إليه السببيّة، فهو المالك للخلق والايجاد على الإطلاق، وجميع العلل والأسباب أمور متخلّلة متوسّطة بينه وبين غيره لنشر رحمته الّتي لا تنفد ونعمته الّتي لا تحصى إلى خلقه وصنعه.
والثانية: أنّه تعالى تفضّل علينا بالدنوّ في حين علوّه فشرع الدين ووضع فيه أحكاماً من أوامر ونواهي وغير ذلك وتبعات من الثواب والعقاب في الدار الآخرة وأرسل رسلاً مبشّرين ومنذرين فبلّغوه أحسن تبليغ وقامت بذلك الحجّة وتمّت كلمة ربّك صدقاً وعدلاً لا مبدّل لكلماته.
أمّا من الجهة الاُولى وهي النظر إليه من جهة التكوين فانطباق معنى الشفاعة على شأن الأسباب والعلل الوجوديّة المتوسّطة واضح لا يخفى، فإنّها تستفيد من صفاته العليا من الرحمة والخلق والإحياء والرزق وغير ذلك إيصال أنواع النعم والفضل إلى كلّ مفتقر محتاج من خلقه، وكلامه تعالى أيضاً يحتمل ذلك، كقوله تعالى:( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) البقرة - ٢٥٥، وقوله( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس - ٣، فإنّ الشفاعة في مورد التكوين ليست إلّا توسّط العلل والأسباب بينه وبين مسبّباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها فهذه شفاعة تكوينيّة.
وأمّا من الجهة الثانية وهى النظر إليه من جهة التشريع فالّذي ينبغي أن يقال: أنّ مفهوم الشفاعة على ما سبق من التحليل يصحّ صدقه في مورده ولا محذور في ذلك وعليه ينطبق قوله تعالى:( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) طه - ١٠٩، وقوله:( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) السبأ - ٢٣، وقوله( لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ) النجم - ٢٦، وقوله:( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) الأنبياء - ٢٨، وقوله:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، فإنّ الآيات كما ترى تثبت الشفاعة بمعنى الشافعيّة لعدّة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء، فهو تمليك ولله الملك وله الأمر فلهم أن يتمسّكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبدا من عباده سائت حاله بالمعصية، وشملته بليّة العقوبة، فيخرج عن كونه مصداقاً للحكم الشامل، والجرم العامل على ما عرفت أنّ تأثير الشفاعة
بنحو الحكومة دون التضادّ وهو القائل عزّ من قائل:( فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ) الفرقان - ٧٠، فله تعالى أن يبدّل عملاً من عمل كما أنّ له أن يجعل الموجود من العمل معدوماً. قال تعالى:( وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ) الفرقان - ٢٣، وقال تعالى:( فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) محمّد - ٩، وقال تعالى:( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) النساء - ٣١، وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) النساء - ٤٨، والآية في غير مورد الإيمان والتوبة قطعاً فإنّ الإيمان والتوبة يغفر بهما الشرك أيضاً كسائر الذّنوب وله تكثير القليل من العمل. قال تعالى:( أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ ) القصص - ٥٤، وقال:( مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) الانعام - ١٦٠، وله سبحانه أن يجعل المعدوم من العمل موجوداً ، قال تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور - ٢١، وهذا هو اللحوق والإلحاق وبالجملة فله تعالى أن يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
نعم إنّما يفعل لمصلحة مقتضية، وعلّة متوسّطة ولتكن من جملتها شفاعة الشافعين من أنبيائه وأوليائه والمقرّبين من عباده من غير جزاف ولا ظلم.
ومن هنا ظهر أنّ معنى الشفاعة بمعنى الشافعيّة، صادق بحسب الحقيقة في حقّه تعالى فإنّ كلّاً من صفاته متوسّطة بينه وبين خلقه في إفاضة الجود وبذل الوجود فهو الشفيع في الحقيقة على الإطلاق. قال تعالى:( قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ) الزمر - ٤٤، وقال تعالى:( مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ) السجدة - ٤، وقال تعالى:( لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ ) الانعام - ٥١. وغيره تعالى لو كان شفيعاً فإنّما هو بإذنه وتمليكه. فقد ثبت بما مرّ صحّة تحقّق الشفاعة عنده تعالى في الجملة فيما لا يوجب محذوراً لا يليق بساحة كبريائه تعالى.
( ٢ - إشكالات الشفاعة)
قد عرفت: أنّ الشفاعة ثابتة في الجملة لا بالجملة، وستعرف أنّ الكتاب وكذلك السنّة لا يثبتان أزيد من ذلك، بل التأمّل في معناها وحده يقضي بذلك، فإنّ الشفاعة كما مرّ يرجع بحسب المعنى إلى التوسّط في السببيّة والتأثير، ولا معنى للإطلاق في السببيّة والتأثير فلا السّبب يكون سبباً لكلّ مسبّب من غير شرط ولا مسبّب واحد يكون مسبّباً لكلّ سبب على الإطلاق فإنّ ذلك يؤدّي إلى بطلان السببيّة وهو باطل بالضرورة. ومن هنا اشتبه الأمر على النافين للشفاعة حيث توهّموها مطلقة من غير شرط فاستشكلوا فيها بأمور وبنوا عليها بطلان هذه الحقيقة القرآنيّة من غير تدبّر فيما يعطيه كلامه تعالى وهاك شطراً منها:
الإشكال الأوّل: أنّ رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة بعد ما أثبته الله تعالى بالوعيد إمّا أن يكون عدلاً أو ظلماً. فإن كان عدلاً كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلماً لا يليق بساحته تعالى وتقدّس، وإن كان ظلماً كان شفاعة الأنبياء مثلاً سؤالاً للظلم منه وهو جهل لا يجوز نسبته إليهم صلوات الله عليهم.
والجواب عنه أوّلا: بالنقض فإنّه منقوض بالأوامر الامتحانيّة فرفع الحكم الامتحانيّ ثانياً وإثباته أوّلاً كلاهما من العدل: والحكمة فيها اختبار سريرة المكلّف أو إظهار باطن أمره أو إخراج ما في قوّته إلى الفعل، فيقال في مورد الشفاعة أيضاً يمكن أن تكون النجاة مكتوبة لجميع المؤمنين، ثمّ يوضع الأحكام وما لمخالفتها من أنواع العقاب ليهلك الكافرون بكفرهم. وأمّا المؤمنون فيرتفع بالطاعة درجات المحسنين منهم ويبقى السميئون فينالون بالشفاعة النجاة المكتوبة لهم ولو بالنسبة إلى بعض أنواع العذاب أو أفراده مع مقاساة البعض الآخر كأحوال البرزخ وأهوال يوم القيامة، فيكون بذلك أصل وضع الحكم وعقابه أوّلاً عدلاً ورفع عقابه ثانياً عدلاً.
وثانياً: بالحلّ، فإنّ رفع العقاب أوّلاً بواسطة الشفاعة إنّما يغاير الحكم الأوّل فيما ذكر من العدل والظلم لو كان رفع العقاب بالشفاعة نقضاً للحكم الأوّل أو نقضاً
للحكم باستتباع العقوبة وقد عرفت أنّه ليس كذلك بل أثر الشفاعة بالحكومة لا بالمضادّة فيها إخراج المجرم عن كونه مصداقاً لشمول العقاب بجعله مصداقاً لشمول الرحمة من صفات اُخرى له تعالى من رحمةٍ وعفو ومغفرة، ومنها إفضاله للشافع بالإكرام والإعظام.
الإشكال الثاني: أنّ سنّة الله تعالى جرت على صون أفعاله من التخلّف والإختلاف، فما قضى وحكم به يجريه على وتيرة واحدة من غير استثناء، وعلى هذا جرت سنّة الأسباب. قال تعالى:( هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ) الحجر - ٤٣، وقال تعالى:( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ ) الانعام - ١٥٣، وقال تعالى:( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلًا ) الفاطر - ٤٣، وتحقّق الشفاعة موجب للإختلاف في الفعل فإنّ رفع العقاب بالشفاعة عن جميع المجرمين في جميع جرائمهم موجب لنقض الفرض المحال، ولعب ينافي الحكمة قطعاً، ورفعة عن بعض المجرمين أو في بعض جرائمهم وذنوبهم إختلاف في فعله تعالى وتغيّر وتبدّل في سنّته الجارية وطريقته الدائمة، إذ لا فرق بين المجرمين في أنّ كلّ واحد منهم مجرم ولا بين الذنوب في أنّ كلّا منها ذنب وخروج عن زيّ العبوديّة فتخصيص بعضهم أو بعض من أعمالهم بالصفح والإغماض دون بعض بواسطة الشفاعة محال، وإنّما تجري الشفاعة وما يشبهها في سنّة هذه الحياة من إبتناء الأعمال والأفعال على الأهواء والأوهام الّتي ربّما تقضي في الحقّ والباطل على السواء، وتجري عن الحكمة وعن الجهالة على نسق وأحد.
والجواب أنّه لا ريب في أنّ صراطه تعالى مستقيم وسنّته واحدة لكن هذه السنة الواحدة الغير المختلفة ليست قائمة على أصل صفة واحدة من صفاته تعالى كصفة التشريع والحكم مثلاً حتّى لا يتخلّف حكم عن مورده ولا جزاء حكم عن محلّه قطّ بل هي قائمة على ما يستوجبه جميع صفاته المربوطة علّت صفاته. توضيح ذلك: أنّ الله سبحانه هو الواهب المفيض لكلّ ما في الوجود من حياة أو موت أو رزق أو نعمة أو غير ذلك. وهي أمور مختلفة لا ترتبط به سبحانه على السواء ولا لرابطة واحدة كيف كانت، فإنّ فيه بطلان
الارتباط والسببيّة، فهو تعالى لا يشفي مريضاً من غير سبب موجب ومصلحة مقتضية ولا يشفيه لأنّه الله المميت المنتقم شديد البطش بل لأنّه الله الرؤوف الرحيم المنعم الشافي المعافي مثلاً ولا يهلك جبّاراً مستكبراً من غير سبب، لأنّه رؤوف رحيم به، بل لأنّه الله المنتقم الشديد البطش القهّار مثلاً وهكذا. والقرآن بذلك ناطق فكلّ حادث من الحوادث بما يشتمل عليه من جهات الوجود يسند إليه من جهة صفة أو أكثر من صفاته العليا تتسبّب إليه بالتلائم والايتلاف الواقع بينها والاقتضاء المستنتج من ذلك. وإن شئت قلت: كلّ أمر من الاُمور يرتبط به تعالى من جهة ما يتضمّنه من المصالح والخيرات. إذا عرفت هذا علمت: أنّ استقامة صراطه وعدم تبدّل سنّته وعدم إختلاف فعله إنّما هي بالنسبة إلى ما يفعله بجميع صفاته المربوطة لا بالنسبة إلى مقتضي صفة واحدة وإن شئت قلت: بالنّسبة إلى ما يتحصّل من الفعل والانفعال والكسر والانكسار الواقع بين الحكم والمصالح المرتبطة بالمورد لا بالنسبة إلى مقتضى مصلحة واحدة. فلو كان هناك سبب الحكم المجعول فقط لم يتغيّر ولم يختلف في برّ ولا فاجر ولا مؤمن ولا كافر. لكنّ الأسباب كثيرة ربّما استدعى توافق عدّة منها غير ما يقتضيه بعضها فافهم ذلك.
فوقوع الشفاعة وارتفاع العقاب - وذلك أثر عدّة من الأسباب كالرحمة والمغفرة والحكم والقضاء وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه والفصل في القضاء - لا يوجب إختلافاً في السنّة الجارية وضلالاً في الصراط المستقيم.
الإشكال الثالث: أنّ الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك أراد غيره حكم به أو لا فلا تتحقّق الشفاعة إلّا بترك الإرادة ونسخها لأجل الشفيع فأمّا الحاكم العادل فإنّه لا يقبل الشفاعة إلّا إذا تغيّر علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن أخطأ ثمّ عرف الصواب ورأى أنّ المصلحة أو العمل في خلاف ما كان يريده أو حكم به وأمّا الحاكم المستبدّ الظالم فإنّه يقبل شفاعة المقرّبين عنده في الشئ وهو عالم بأنّه ظلم وأنّ العدل في خلافه ولكنّه يفضّل مصلحة إرتباطه بالشافع المقرّب عنده على العدالة، وكلّ من النوعين محال على الله تعالى لأنّ إرادته على حسب علمه وعلمه أزليّ لا يتغيّر.
والجواب أنّ ذلك منه تعالى ليس من تغيّر الإرادة والعلم في شئ وإنّما التغيّر في المراد والمعلوم، فهو سبحانه يعلم أنّ الإنسان الفلانيّ سيتحوّل عليه الحالات فيكون في حين كذا على حال كذا لاقتران أسباب وشرائط خاصّة فيريد فيه بإرادة، ثمّ يكون في حين آخر على حال آخر جديد يخالف الأوّل لاقتران أسباب وشرائط أخر فيريد فيه بإرادة اُخرى وكلّ يوم هو في شأن، وقد قال تعالى:( يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) الرعد - ٣٩، وقال( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) المائدة - ٦٤، مثال ذلك: أنّا نعلم أنّ الهواء ستغشاه الظلمة فلا يعمل أبصارنا والحاجة إليه قائمة ثمّ تنجلي الظلمة بإنارة الشمس فتتعلّق إرادتنا عند إقبال اللّيل بالاستضائة بالسراج وعند إنقضائه بإطفائه والعلم والإرادة غير متغيّرتان وإنّما تغيّر المعلوم والمراد، فخرجا عن كونهما منطبقاً عليه للعلم والإرادة، وليس كلّ علم ينطبق على كلّ معلوم، ولا كلّ إرادة تتعلّق بكلّ مراد، نعم تغيّر العلم والإرادة المستحيل عليه تعالى هو بطلان إنطباق العلم على المعلوم والإرادة على المراد مع بقاء المعلوم والمراد على حالهما وهو الخطأ والفسخ، مثل أن ترى شبحاً فتحكم بكونه إنساناً ثمّ يتبيّن أنّه فرس فيتبدّل العلم، أو تريد أمراً لمصلحة ما ثمً يظهر لك أنّ المصلحة في خلافه فتنفسخ إرادتك، وهذان غير جائزين في مورده تعالى، والشفاعة ورفع العقاب بها ليس من هذا القبيل كما عرفت.
الإشكال الرابع: أنّ وعد الشفاعة منه تعالى أو تبليغها من الأنبياءعليهمالسلام مستلزم لتجرّي الناس على المعصية واغراء لهم على هتك محارم الله تعالى وهو مناف للغرض الوحيد من الدين من سوق الناس إلى العبوديّة والطلاعة فلا بدّ من تأويل ما يدلّ عليه من الكتاب والسنّة بما لا يزاحم هذا الأصل البديهيّ.
والجواب عنه،أوّلاً: بالنقض بالآيات الدّالة على شمول المغفرة وسعة الرحمة كقوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) النساء - ٤٨، والآية - كما مرّ - في غير مورد التوبة بدليل إستثنائه الشرك المغفور بالتوبة.
وثانياً: بالحلّ: فإنّ وعد الشفاعة أو تبليغها إنّما يستلزم تجرّي الناس على المعصية وإغرائهم على التمرّد والمخالفة بشرطين:
أحدهما: تعيين المجرم بنفسه ونعته أو تعيين الذنب الّذي تقع فيه الشفاعة تعييناً لا يقع فيه لبس بنحو الإنجاز من غير تعليق بشرط جائز.
وثانيهما: تأثير الشفاعة في جميع أنواع العقاب وأوقاته بأن تقلعه من أصله قلعاً.
فلو قيل: إنّ الطائفة الفلانيّة من الناس أو كلّ الناس لا يعاقبون على ما أجرموا ولا يؤاخذون فيما أذنبوا أبداً، أو قيل إنّ الذنب الفلانيّ لا عذاب عليه قطّ كان ذلك باطلاً من القول ولعباً بالأحكام والتكاليف المتوجّهة إلى المكلّفين، وأمّا إذا أبهم الأمر من حيث الشرطين فلم يعيّن أنّ الشفاعة في أيّ الذنوب وفي حقّ أي المذنبين أو أنّ العقاب المرفوع هو جميع العقوبات وفي جميع الأوقات والأحوال، فلا تعلم نفس هل تنال الشفاعة الموعودة أو لا فلا تتجرّى على هتك محارم الله تعالى، غير أنّ ذلك توقظ قريحة رجائها فلا يوجب مشاهدة ما يشاهدها من ذنوبها وآثامها قنوطاً من رحمة الله، ويأساً من روح الله، مضافاً إلى قوله تعالى:( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) النساء - ٣١، فإنّ الآية تدلّ على رفع عقاب السيّئآت والمعاصي الصغيرة على تقدير اجتناب المعاصي الكبيرة فإذا جاز أن يقول الله سبحانه: إن إتّقيتم الكبائر عفونا عن صغائركم، فليجز أن يقال: إن تحفّظتم على إيمانكم حتّى أتيتموني في يوم اللقاء بإيمان سليم قبلت فيكم شفاعة الشافعين، فإنّما الشأن كلّ الشأن في حفظ الإيمان والمعاصي تضعّف الإيمان وتقسي القلب وتجلب الشرك، وقد قال تعالى:( فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ) الأعراف - ٩٩، وقال:( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) المطفّفين - ١٤، وقال:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ ) الروم - ١٠، وربّما أوجب ذلك إنقلاعه عن المعاصي، وركوبه علي صراط التقوى، وصيرورته من المحسنين، واستغنائه عن الشفاعة بهذا المعنى، وهذا من أعظم الفوائد، وكذا إذا عيّن المجرم المشفوع له أو الجرم المشفوع فيه لكن صرّح بشمولها على بعض جهات العذاب أو بعض أوقاته فلا يوجب تجرّي المجرمين قطعاً.
والقرآن لم ينطق في خصوص المجرمين وفي خصوص الذنب بالتعيين ولم ينطق في رفع العقاب إلّا بالبعض كما سيجئ فلا إشكال أصلاً.
الإشكال الخامس: أنّ العقل لو دلّ فإنّما يدلّ على إمكان وقوع الشفاعة لا على فعليّة وقوعها على أنّ أصل دلالته ممنوع، وأمّا النقل فما يتضمّنه القرآن لا دلالة فيه على وقوعها فإنّ فيها آيات دالّة على نفي الشفاعة مطلقاً كقوله:( لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ) البقرة - ٢٥٤، واُخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله تعالى:( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) المدّثر - ٤٨، واُخرى تفيد النفي بمثل قوله تعالى:( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) البقرة - ٢٥٥ وقوله:( إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس - ٣، وقوله تعالى:( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) الأنبياء - ٢٨، ومثل هذا الاستثناء أي الاستثناء بالإذن والمشيّة معهود في اُسلوب القرآن في مقام النفي القطعيّ للإشعار بأنّ ذلك بإذنه ومشيّته سبحانه كقوله تعالى:( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ) الاعلى - ٧، وقوله تعالى:( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) هود - ١٠٧، فليس في القرآن نصّ قطعيّ على وقوع الشفاعة وأمّا السنّة فما دلّت عليه الروايات من الخصوصيّات لا تعويل عليه: وأما المتيقّن منها فلا يزيد على ما في الكتاب دلالة.
والجواب: أمّا عن الآيات النافية للشفاعة فقد عرفت أنّها لا تنفي مطلق الشفاعة بل الشفاعة بغير إذن الله وارتضائه، وأمّا عن الآيات النافية لمنفعة الشفاعة على زعم المستشكل فإنّها تثبت الشفاعة ولا تنفيه فإنّ الآيات واقعة في سورة المدّثر وإنّما تنفي الانتفاع عن طائفة خاصّة من المجرمين لا عن جميعهم، ومع ذلك فالشفاعة مضافة لا مجرّدة مقطوعة عن الإضافة، ففرق بين أن يقول القائل: فلا تنفعهم الشفاعة وبين أن يقول: فلا تنفعهم شفاعة الشافعين فإنّ المصدر المضاف يشعر بوقوع الفعل في الخارج بخلاف المقطوع عن الإضافة. نصّ عليه الشيخ عبد القاهر في دلائل الإعجاز فقوله: شفاعة الشافعين يدلّ على أنّ شفاعة ما ستقع غير أنّ هؤلاء لا ينتفعون بها على أنّ الإتيان بصيغة الجمع في الشافعين يدلّ على ذلك أيضاً كقوله:( كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) وقوله:( وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ) وقوله:( فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) وقوله:( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) وأمثال ذلك، ولو لا ذلك لكان الإتيان بصيغة الجمع وله مدلول زائد على مدلول المفرد لغواً زائداً في الكلام فقوله: فما تنفعهم شفاعة الشافعين من الآيات المثبتة للشفاعة دون النافية.
وأمّا عن الآيات المشتملة على استثناء الإذن والارتضاء فدلالة قوله:( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وقوله:( إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) على الوقوع وهو مصدر مضاف ممّا لا ينبغي أن ينكره عارف بأساليب الكلام وكذا القول: بكون قوله:( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وقوله:( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) بمعنى واحد وهو المشيّة ممّا لا ينبغي الإصغاء إليه. على أنّ الاستثناء واقع في مورد الشفاعة بوجوه مختلفة كقوله:( إِلَّا بِإِذْنِهِ ) و( إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) وقوله:( إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) ، وقوله:( إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) إلى غير ذلك. فهب: أنّ الإذن والإرتضاء واحد وهو المشيّة فهل يمكن التفوّه بذلك في قوله:( إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) . فهل المراد بهذا الاستثناء استثناء المشيّة أيضاً ؟ هذا وأمثاله من المساهلة في البيان ممّا لا يصحّ نسبته إلى كلام سوقيّ فكيف بالكلام البليغ ! وكيف بأبلغ الكلام ! وأمّا السنّة فسيأتي الكلام في دلالتها على ما يحاذي دلالة الكتاب.
الإشكال السادس: أنّ الآيات غير صريحة في رفع العقاب الثابت على المجرمين يوم القيامة بعد ثبوت الجرم ولزوم العقاب بل المراد بها شفاعة الأنبياء بمعنى توسّطهم بما هم أنبياء بين الناس وبين ربّهم بأخذ الأحكام بالوحي وتبليغها الناس وهدايتهم وهذا المقدار كالبذر ينمو وينشأ منه ما يستقبله من الأقدار والأوصاف والأحوال فهمعليهمالسلام شفعاء المؤمنين في الدنيا وشفعاؤهم في الآخرة.
والجواب: أنّه لا كلام في أنّ ذلك من مصاديق الشفاعة إلّا أنّ الشفاعة غير مقصورة فيه كما مرّ بيانه، ومن الدليل عليه قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) النساء - ٤٨، وقد مرّ بيان أنّ الآية في غير مورد الإيمان والتوبة، والشفاعة الّتي قرّرها المستشكل في الأنبياء إنّما هي بطريق الدعوة إلى الإيمان والتوبة.
الإشكال السابع: أنّ طريق العقل لا يوصل إلى تحقّق الشفاعة. وما نطق به القرآن آيات متشابهة تنفيها تارة وتثبتها اُخرى، وربّما قيّدتها وربّما أطلقتها، والأدب الدينيّ الإيمان بها، وإرجاع علمها إلى الله تعالى.
والجواب عنه: أنّ المتشابهة من الآيات تصير بإرجاعها إلى المحكمات محكمات
مثلها، وهو أمر ميسور لنا غير مضروب دونه الستر، كما سيجئ بيانه عند قوله تعالى:( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) آل عمران - ٧.
( ٣ - فيمن تجري الشفاعة ؟)
قد عرفت أنّ تعيين المشفوع لهم يوم القيامة لا يلائم التربية الدينيّة كلّ الملائمة إلّا أن يعرفوا بما لا يخلو عن شوب إبهام وعلى ذلك جرى بيان القرآن. قال تعالى:( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) المدّثر - ٤٨، بيّن سبحانه فيها أنّ كلّ نفس مرهونة يوم القيامة بما كسبت من الذنوب ، مأخوذه بما أسلفت من الخطايا إلّا أصحاب اليمين فقد فكّوا من الرهن واُطلقوا واستقرّوا في الجنان، ثمّ ذكر أنّهم غير محجوبين عن المجرمين الّذين هم مرهونون بأعمالهم، مأخوذ عليهم في سقر، يتساءلون عنهم سلوكهم في النار، وهم يجيبون بالإشارة إلى عدّة صفات ساقتهم إلى النار، فرّع على هذه الصفات بأنّه لم ينفعهم لذلك شفاعة الشافعين.
ومقتضى هذا البيان كون أصحاب اليمين غير متّصفين بهذه الصفات الّتي يدلّ الكلام على كونها هي المانعة عن شمول الشفاعة، وإذا كانوا غير متّصفين بهذه الصفات المانعة عن شمول الشفاعة وقد فكّ الله تعالى نفوسهم عن رهانة الذنوب والآثام دون المجرمين المحرومين عن الشفاعة، المسلوكين في سقر، فهذا الفكّ والإخراج إنّما هو بالشفاعة فأصحاب اليمين هم المشفّعون بالشفاعة. وفي الآيات تعريف أصحاب اليمين بإنتفاء الأوصاف المذكورة عنهم. بيان ذلك: أنّ الآيات واقعة في سورة المدّثر وهي من السور النازلة بمكّة في بدء البعثة كما ترشد إليه مضامين الآيات الواقعة فيها، ولم يشرع يومئذٍ الصلاة والزكوة بالكيفيّة الموجودة اليوم، فالمراد بالصلاة في قوله لم نك من المصلّين التوجّه إلى الله تعالى بالخضوع العبوديّ، وبإطعام المسكين مطلق الإنفاق على المحتاج في سبيل الله، دون الصلاة والزكاة المعهودتين في الشريعة
الإسلاميّة والخوض هو الغور في ملاهي الحياة وزخارف الدّنيا الصارفة للإنسان عن الإقبال على الآخرة وذكر الحساب يوم الدين، أو التعمّق في الطعن في آيات الله المذكّرة ليوم الحساب المبشّرة المنذرة، وبالتلبّس بهذه الصفات الأربعة، وهي ترك الصلاة لله وترك الانفاق في سبيل الله والخوض وتكذيب يوم الدين ينهدم أركان الدين، وبالتلبّس بها تقوم قاعدته على ساق فإنّ الدين هو الاقتداء بالهداة الطاهرين بالإعراض عن الإخلاد إلى الأرض والاقبال إلى يوم لقاء الله وهذان هما ترك الخوض وتصديق يوم الدّين ولازم هذان عملاً التوجّه إلى الله بالعبوديّة، والسعي في رفع حوائج جامعة الحياة وهذان هما الصلاة والانفاق في سبيل الله، فالدين يتقوّم بحسب جهتي العلم والعمل بهذه الخصال الأربع، وتستلزم بقيّة الأركان كالتوحيد والنبوّة إستلزاماً هذا. فأصحاب اليمين هم الفائزون بالشفاعة، وهم المرضيّون ديناً وإعتقاداً سواء كانت أعمالهم مرضيّة غير محتاجة إلى شفاعة يوم القيامة أو لم تكن، وهم المعنّيون بالشفاعة، فالشفاعة للمذنبين من اصحاب اليمين، وقد قال تعالى:( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ) النساء - ٣١، فمن كان له ذنب باق إلى يوم القيامة فهو لا محالة من أهل الكبائر، إذ لو كان الذنب من الصغائر فقط لكان مكفّراً عنه، فقد بان أنّ الشفاعة لأهل الكبائر من أصحاب اليمين، وقد قال النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) : إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل، الحديث.
ومن جهة اُخرى إنّما سمىّ هؤلاء بأصحاب اليمين في مقابل أصحاب الشمال وربّما سمّوا أصحاب الميمنة في مقابل أصحاب المشئمة، وهو من الألفاظ الّتي اصطلح عليه القرآن مأخوذ من إيتاء الإنسان يوم القيامة كتابه بيمينه أو بشماله. قال تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) أسرى - ٧٢، وسنبيّن في الآيه إن شاء الله تعالى أنّ المراد من إيتاء الكتاب باليمين اتّباع الامام الحقّ، ومن إيتائه بالشمال إتّباع إمام الضلال كما قال تعالى في فرعون:( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ) هود - ٩٨. وبالجملة مرجع التسمية بأصحاب اليمين أيضاً إلى إرتضاء الدين
كما أنّ إليه مرجع التوصيف بالصفات الأربعة المذكورة هذا.
ثمّ إنّه تعالى قال في موضع آخر من كلامه:( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) الأنبياء - ٢٨، فأثبت الشفاعة على من إرتضي، وقد أطلق الارتضاء من غير تقييد بعمل ونحوه، كما فعلّة في قوله:( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) طه - ١٠٩، ففهمنا أنّ المراد به إرتضاء أنفسهم أي إرتضاء دينهم لا إرتضاء عملهم، فهذه الآية أيضاً ترجع من حيث الإفادة إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة ثمّ إنّه تعالى قال :( يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا لَّا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) فهو يملك الشفاعة ( أي المصدر المبنيّ للمفعول ) وليس كلّ مجرم بكافر محتوم له النار، بدليل قوله تعالى:( إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ ) طه - ٧٥، فمن لم يكن مؤمناً قد عمل صالحاً فهو مجرم سواء كان لم يؤمن، أو كان قد آمن ولم يعمل صالحاً، فمن المجرمين من كان على دين الحقّ لكنّه لم يعمل صالحاً وهو الّذي قد اتّخذ عند الله عهداً لقوله تعالى:( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) يس - ٦١ فقوله تعالى:( وَأَنِ اعْبُدُونِي ) عهد بمعنى الأمر وقوله تعالى:( هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) ، عهد بمعنى الالتزام لاشتمال الصراط المستقيم على الهداية إلى السعادة والنجاة، فهؤلاء قوم من أهل الإيمان يدخلون النار لسوء أعمالهم، ثمّ ينجون منها بالشفاعة، وإلى هذا المعنى يلوّح قوله تعالى:( وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا ) البقرة - ٨٠، فهذه الآيات أيضاً ترجع إلى ما ترجع إليه الآيات السابقة. والجميع تدلّ على أنّ مورد الشفاعة أعني المشفوع لهم يوم القيمة هم الدائنون بدين الحقّ من أصحاب الكبائر، وهم الّذين إرتضى الله دينهم.
( ٤ - من تقع منه الشفاعة ؟)
قد عرفت أنّ الشفاعة منها تكوينيّة، ومنها تشريعيّة، فأمّا الشفاعة التكوينيّة فجملة الأسباب الكونيّة شفعاء عندالله بما هم وسائط بينه وبين الأشياء. وأمّا الشفاعة التشريعيّة، وهي الواقعة في عالم التكليف والمجازات:فمنها ما يستدعي في الدنيا مغفرة من الله سبحانه أو قرباً وزلفى، فهو شفيع متوسّط بينه وبين عبده. ومنه التوبة كما قال تعالى:( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ ) الزمر - ٥٤، ويعمّ شموله لجميع المعاصي حتّى الشرك. ومنه الإيمان قال تعالى:( آمِنُوا بِرَسُولِهِ - إلى قوله -وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) حديد - ٢٨. ومنه كلّ عمل صالح. قال تعالى:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) المائدة - ٩، وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) المائدة - ٣٥، والآيات فيه كثيرة. ومنه القرآن لقوله تعالى:( يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) المائدة - ١٦.
ومنه كلّ ما له إرتباط بعمل صالح، والمساجد والأمكنة المتبرّكة والأيّام الشريفة، ومنه الأنبياء والرسل بإستغفارهم لأممهم. قال تعالى:( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) النساء - ٦٤. ومنه الملائكة في إستغفارهم للمؤمنين، قال تعالى:( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) المؤمن - ٧، وقال تعالى:( وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الشوري - ٥، ومنه المؤمنون بإستغفارهم لأنفسهم ولإخوانهم المؤمنين. قال تعالى حكاية عنهم( وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَانَا ) البقرة - ٢٨٦
ومنها الشفيع يوم القيمة بالمعنى الّذي عرفت فمنهم الأنبياء. قال تعالى:( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ) إلى أن قال:( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ )
الأنبياء - ٢٨، فإنّ منهم عيسى بن مريم وهو نبيّ، وقال تعالى:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، والآيتان تدلّان على جواز الشفاعة من الملائكة أيضاً لأنّهم قالوا إنّهم بنات الله سبحانه. ومنهم الملائكة. قال تعالى:( وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ) النجم - ٢٦، وقال تعالى:( يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ) طه - ١١٠، ومنهم الشهداء لدلالة قوله تعالى:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، على تملّكهم للشفاعة لشهادتهم بالحقّ، فكلّ شهيد فهو شفيع يملك الشهادة غير أنّ هذه الشهادة كما مرّ في سورة الفاتحة وسيأتي في قوله تعالى :( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) البقرة - ١٤٣، شهادة الأعمال دون الشهادة بمعنى القتل في معركة القتال. ومن هنا يظهر أنّ المؤمنين أيضاً من الشفعاء فإنّ الله عزّوجلّ أخبر بلحوقهم بالشهداء يوم القيامة قال تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ ) الحديد - ١٩، كما سيجئ بيانه.
( ٥ - بماذا تتعلّق الشفاعة ؟)
قد عرفت أنّ الشفاعة منها تكوينيّة تتعلّق بكلّ سبب تكوينيّ في عالم الأسباب ومنها شفاعة تشريعيّة متعلّقة بالثواب والعقاب فمنها ما يتعلّق بعقاب كلّ ذنب، الشرك فما دونه كشفاعة التوبة والإيمان قبل يوم القيامة ومنها ما يتعلّق بتبعات بعض الذنوب كبعض الأعمال الصالحة، وأما الشفاعة المتنازع فيها وهى شفاعة الأنبياء وغيرهم يوم القيامة لرفع العقاب ممّن إستحقّه بالحساب، فقد عرفت في الأمر الثالث أنّ متعلّقها أهل المعاصي الكبيرة ممّن يدين دين الحقّ وقد ارتضى الله دينه.
( ٦ - متى تنفع الشفاعة ؟)
ونعني بها أيضاً الشفاعة الرافعة للعقاب. والّذي يدلّ عليه قوله سبحانه:( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ
فِي سَقَرَ ) المدّثر - ٤٢، فالآيات كما مرّ دالة على توصيف من تناله الشفاعة ومن يحرم منها غير أنّها تدلّ على أنّ الشفاعة إنّما تنفع في الفكّ عن هذه الرهانة والإقامة والخلود في سجن النار، وأمّا ما يتقدّم عليه من أهوال يوم القيامة وعظائمها فلا دليل على وقوع شفاعة فيها لو لم تدلّ الآية على انحصار الشفاعة في الخلاص من رهانة النار.
واعلم أنّه يمكن أن يستفاد من هذه الآيات وقوع هذا التساؤل بعد إستقرار أهل الجنّة في الجنّة واهل النار في النار وتعلّق الشفاعة بجمع من المجرمين بإخراجهم من النار. وذلك لمكان قوله:( فِي جَنَّاتِ ) ، الدالّ على الإستقرار وقوله:( مَا سَلَكَكُمْ ) فإنّ السلوك هو الإدخال لكن لا كلّ إدخال بل إدخال على سبيل النضد والجمع والنظم ففيه معنى الإستقرار وكذا قوله:( فَمَا تَنفَعُهُمْ ) ، فإنّ ما لنفي الحال، فافهم ذلك.
وأمّا نشأة البرزخ وما يدلّ على حضور النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) والائمّةعليهمالسلام عند الموت وعند مسائلة القبر وإعانتهم إيّاه علي الشدائد كما سيأتي في قوله تعالى:( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ) النساء - ١٥٩، فليس من الشفاعة عند الله في شئ وإنّما هو من سبيل التصرّفات والحكومة الموهوبة لهم بإذن الله سبحانه. قال تعالى:( وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) إلى أن قال:( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) الأعراف - ٤٦، ٤٨، ٤٩، ومن هذا القبيل من وجه قوله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ) أسرى - ٧١، فوساطة الامام في الدعوة، وإيتاء الكتاب من قبيل الحكومة الموهوبة فإفهم.
فتحصّل أنّ المتحصّل من أمر الشفاعة وقوعها في آخر موقف من مواقف يوم القيامة بإستيهاب المغفرة بالمنع عن دخول النار، أو إخراج بعض من كان داخلاً فيها، بإتّساع الرحمة أو ظهور الكرامة.
( بحث روائي)
في أمالي الصدوق: عن الحسين بن خالد عن الرّضا عن آبائه عن أميرالمؤمنينعليهالسلام قال: قال رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم): من لم يؤمن بحوضي فلا أورده الله حوضي ومن لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله شفاعتي ثمّ قال (صلّي الله عليه و آله و سلّم): إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي، فأمّا المحسنون منهم فما عليهم من سبيل. قال الحسين بن خالد: فقلت للرّضاعليهالسلام يا بن رسول الله فما معنى قول الله عزّوجلّ:( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) قالعليهالسلام : لا يشفعون إلّا لمن إرتضى الله دينه.
أقول: قوله (صلّي الله عليه و آله و سلّم):( إنّما شفاعتي) ، هذا المعنى رواه الفريقان بطرق متعدّدة عنه (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وقد مرّ إستفادة معناه من الآيات.
وفي تفسير العيّاشيّ: عن سماعة بن مهران عن أبي ابراهيم عليه السلام): في قول الله: عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً، قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين عاماً ويؤمر الشمس، فيركب على رؤوس العباد، ويلجمهم العرق، ويؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئاً فيأتون آدم فيستشفعون منه فيدلّهم على نوح، ويدلّهم نوح على إبراهيم، ويدلّهم إبراهيم على موسى، ويدلّهم موسى على عيسى، ويدلّهم عيسى فيقول: عليكم بمحمّد خاتم البشر فيقول محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم): أنا لها فينطلق حتّى يأتي باب الجنّة فيدقّ فيقال له: من هذا ؟ والله أعلم فيقول : محمّد، فيقال: افتحوا له فإذا فتح الباب استقبل ربّه فخرّ ساجداً فلا رفع رأسه حتّى يقال له: تكلّم وسل تعط وإشفع تشفّع فيرفع رأسه ويستقبل ربّه فيخرّ ساجداً فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتّى أنّه ليشفع من قد اُحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الاُمم أوجه من محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وهو قول الله تعالى: عسى أن يبعثك ربّك مقاماُ محموداُ.
أقول: وهذا المعنى مستفيض مرويّ بالاختصار والتفصيل بطرق متعدّدة من العامّة والخاصّة، وفيها دلالة على كون المقام المحمود في الآية هو مقام الشفاعة، ولا
ينافي ذلك كون غيرهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الأنبياء، وغيرهم جائز الشفاعة لإمكان كون شفاعتهم فرعاً لشفاعته فافتتاحها بيدهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً: عن أحدهماعليهالسلام : في قوله تعالى: عسى أن يبعثك ربّك مقاماً محموداً، قال: هي الشفاعة.
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً: عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبوعبداللهعليهالسلام عن المؤمن هل له شفاعة ؟ قال: نعم فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) يومئذ ؟ قال: نعم إنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً وما من أحد إلّا يحتاج إلى شفاعة محمّد يومئذ. قال: وسأله رجل عن قول رسول الله: أنا سيّد ولد آدم ولا فخر. قال: نعم. قال: يأخذ حلقة باب الجنّة فيفتحها فيخرّ ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك إشفع تشفّع أطلب تُعط فيرفع رأسه ثمّ يخرّ ساجداً فيقول الله: إرفع رأسك إشفع تّشفّع واطلب تُعط ثمّ يرفع رأسه فيشفع فيشفّع ويطلب فيعطى.
وفي تفسير الفرات: عن محمّد بن القاسم بن عبيد معنعناً عن بشر بن شريح البصريّ قال: قلت لمحمّد بن عليّعليهالسلام ، أيّة آية في كتاب الله أرجى ؟ قال: فما يقول فيها قومك ؟ قلت: يقولون:( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ ) ، قال: لكنّا أهل بيت لا نقول ذلك. قال: قلت: فأيّ شئ تقولون فيها ؟ قال: نقول: ولسوف يعطيك ربّك فترضى، الشفاعة والله الشفاعة والله الشفاعة.
أقول: أما كون قوله تعالى:( عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) ، الآية مقام الشفاعة فربّما ساعد عليه لفظ الآية أيضاً مضافاً إلى ما استفاض عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه مقام الشفاعة فإنّ قوله تعالى:( أَن يَبْعَثَكَ ) ، يدلّ على أنّه مقام سيناله يوم القيامة. وقوله :( مَّحْمُودًا ) مطلق فهو حمد غير مقيّد يدلّ على وقوعه من جميع الناس من الأوّلين والآخرين، والحمد هو الثناء على الجميل الاختياريّ ففيه دلالة على وقوع فعل منهصلىاللهعليهوآلهوسلم ينتفع به ويستفيد منه الكلّ فيحمده عليه، ولذلك قالعليهالسلام : في رواية عبيد بن زرارة السابقة وما من أحد إلّا يحتاج إلى شفاعة محمّد يومئذ الحديث. وسيجئ بيان هذا المعنى بوجه آخر وجيه.
وأمّا كون قوله تعالى:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) ، أرجى آية في كتاب الله دون قوله تعالى: يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا الآية، فإنّ النهي عن القنوط وإن تكرّر ذكره في القرآن الشريف إلّا أن قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حكاية عن ابراهيمعليهالسلام : قال:( وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) الحجر - ٥٦، وقوله تعالى حكاية عن يعقوبعليهالسلام :( إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) يوسف - ٨٧، ناظرتان إلى اليأس والقنوط من الرحمة التكوينيّة بشهادة المورد.
وأمّا قوله تعالى:( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ ) الزمر - ٥٤، إلى آخر الآيات فهو وإن كان نهياً عن القنوط من الرحمة التشريعيّة بقرينة قوله تعالى :( أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ) الظاهر في كون القنوط في الآية قنوطاً من جهة المعصية، وقد عمّم سبحانه المغفرة للذنوب جميعاً من غير استثناء، ولكنّه تعالى ذيّله بالأمر بالتوبة والإسلام والعمل بالاتّباع فدلّت الآية على أنّ العبد المسرف على نفسه لا ينبغي له أن يقنط من روح الله مادام يمكنه إختبار التوبة والإسلام والعمل الصالح.
وبالجملة فهذه رحمة مقيّدة أمر الله تعالى عباده بالتعلّق بها، وليس رجاء الرحمة المقيّدة كرجاء الرحمة العامّة والإعطاء، والإرضاء المطلقين الّذين وعدهما الله لرسوله الّذي جعله رحمة للعالمين ذلك الوعد يطيّب نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله تعالى:( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ) الآية.
توضيح ذلك: أنّ الآية في مقام الامتنان وفيها وعد يختصّ به رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) لم يعد الله سبحانه بمثله أحداً من خلقة قطّ، ولم يقيّد الاعطاء بشئ فهو إعطاء مطلق وقد وعد الله ما يشابه ذلك فريقاً من عباده في الجنّة فقال تعالى:( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ) الشوري - ٢٢، وقال تعالى:( هُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ق - ٣٥، فأفاد أنّ لهم هناك ما هو فوق مشيّتهم، والمشيّة تتعلّق بكلّ ما يخطر ببال الإنسان من السعادة والخير، فهناك ما لا يخطر على قلب بشر كما قال تعالى:( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) السجدة - ١٧، فإذا كان هذا قدر ما إعطاه الله على عباده
الّذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو أمر فوق القدر كما عرفت ذلك فما يعطيه لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم في مقام الامتنان أوسع من ذلك وأعظم فافهم.
فهذا شأن إعطائه تعالى، وأمّا شأن رضى رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) فمن المعلوم أنّ هذا الرضا ليس هو الرضا بما قسم الله، الّذي هو زميل لأمر الله. فإنّ الله هو المالك الغنيّ على الإطلاق وليس للعبد إلّا الفقر والحاجة فينبغي أن يرضي بقليل ما يعطيه ربّه وكثيره وينبغي أن يرضى بما قضاه الله في حقّه، سرّه ذلك أو سائه، فإذا كان هذا هكذا فرسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) أعلم وأعمل، لا يريد إلّا ما يريده الله في حقّه، لكنّ هذا الرضا حيث وضع في مقابل الاعطاء يفيد معنى آخر نظير إغناء الفقير بما يشكو فقده، و إرضاء الجائع بإشباعه فهو الإرضاء بالاعطاء من غير تحديد، وهذا أيضاً ممّا وعد الله ما يشابهه لفريق من عباده. قال عزّ من قائل:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) البيّنة - ٨، وهذا أيضاً لموقع الامتنان و الاختصاص يجب أن يكون أمراً فوق ما للمؤمنين وأوسع من ذلك، وقد قال تعالى: في حقّ رسوله:( بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) التوبة - ١٢٨، فصدّق رأفته وكيف يرضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويطيب نفسه أن يتنعّم بنعيم الجنّة ويرتاض في رياضه وفريق من المؤمنين متغلغلون في دركات السعير، مسجونون تحت أطباق النار وهم معترفون لله بالربوبيّة، ولرسوله بالرسالة، ولما جاء به بالصدق، وإنّما غلبت عليهم الجهالة، ولعب بهم الشيطان، فاقترفوا معاصي من غير عناد وإستكبار. والواحد منّا إذا راجع ما أسلفه من عمره ونظر إلى ما قصّر به في الاستكمال والارتقاء يلوم نفسه بالتفريط في سعيه وطلبه ثمّ يلتفت إلى جهالة الشباب ونقص التجارب فربّما خمدت نار غضبه وانكسرت سورة ملامته لرحمة ناقصة أودعها الله فطرته، فما ظنّك برحمة رب العالمين في موقف ليس فيه إلّا جهالة إنسان ضعيف وكرامة النبيّ الرؤوف الرحيم ورحمة أرحم الراحمين. وقد رأى ما رأى من وبال أمره من لدن نشبت عليه أظفار المنيّة إلى آخر مواقف يوم القيامة ؟.
وفي تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ) الآية، عن
أبي العبّاس المكبّر قال: دخل مولى لامرأة عليّ بن الحسين يقال له: أبو أيمن فقال: يا أبا جعفر تغرّون النّاس وتقولون: شفاعة محمّد، شفاعة محمّد، فغضب أبو جعفر حتّى تربّد وجهه، ثمّ قال: ويحك يا أبا أيمن أغرّك أن عفّ بطنك وفرجك ؟ أما لو قد رأيت أفزاع القيمة لقد احتجت إلى شفاعة محمّد، ويلك فهل يشفع إلّا لمن وجبت له النار ؟ قال: ما من أحد من الأوّلين والآخرين إلّا وهو محتاج إلى شفاعة محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) يوم القيامة، ثمّ قال أبو جعفر: إنّ لرسول الله الشفاعة في اُمّته، ولنا شفاعة في شيعتنا، ولشيعتنا شفاعة في أهاليهم، ثمّ قال: وإنّ المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر، وإنّ المؤمن ليشفع لخادمه ويقول: يا ربّ حقّ خدمتي كان يقيني الحرّ و البرد.
أقول: قولهعليهالسلام : ما من أحد من الأوّلين والآخرين إلّا وهو محتاج إلى شفاعة محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) ظاهره أنّ هذه الشفاعة العامّة غير الّتي ذكرها بقوله:( ويلك فهل يشفع إلّا لمن وجبت له النّار) ، وقد مرّ نظير هذا المعني في رواية العيّاشيّ عن عبيد بن زرارة عن الصادقعليهالسلام . وفي هذا المعنى روايات اُخر روتها العامّة والخاصّة، ويدلّ عليه قوله تعالى:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، حيث يفيد أنّ الملاك في الشفاعة هو الشهادة، فالشهداء هم الشفعاء المالكون للشفاعة، وسيأتي إن شاء الله في قوله تعالى :( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) البقرة - ١٤٣، أنّ الأنبياء شهداء وأنّ محمّداً (صلّي الله عليه و آله و سلّم) شهيد عليهم، فهو (صلّي الله عليه و آله و سلّم) شهيد الشهداء فهو شفيع الشفعاء ولو لا شهادة الشهداء لما قام للقيامة أساس.
وفي تفسير القمّيّ أيضاً: في قوله تعالى : ولا تنفع الشفاعة عنده إلّا لمن أذن له. قالعليهالسلام : لا يشفع أحد من أنبياء الله ورسله حتّى يأذن الله له إلّا رسول الله فإنّ الله أذن له في الشفاعة قبل يوم القيامة، والشفاعة له وللأئمّة من وُلده ثمّ من بعد ذلك للأنبياء.
وفي الخصال: عن عليّعليهالسلام قال: قال رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم): ثلاثة يشفعون إلى الله عزّوجلّ فيشفّعون، الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء.
أقول: الظاهر أنّ المراد بالشهداء، شهداء معركة القتال كما هو المعروف في لسان الأئمّة في الأخبار لا شهداء الأعمال كما هو مصطلح القرآن.
وفي الخصال في حديث الأربعمأة: وقالعليهالسلام : لنا شفاعة ولأهل مودّتنا شفاعة.
أقول: وهناك روايات كثيرة في شفاعة سيّدة النساء فاطمةعليهالسلام وشفاعة ذرّيّتها غير الأئمّة وشفاعة المؤمنين حتّى السقط منهم.ففي الحديث المعروف عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : تناكحوا تناسلوا فإنّي اُباهي بكم الاُمم يوم القيامة ولو بالسقط يقوم محبنطأً على باب الجنّة فيقال له: اُدخل فيقول: لا حتّى يدخل أبواي الحديث.
وفي الخصال: عن أبي عبدالله عن أبيه عن جده عن عليّعليهالسلام قال: إنّ للجنّة ثمانية أبواب، باب يدخل منه النبيّون والصدّيقون، وباب يدخل منه الشهداء والصالحون، وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبّونا، فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو وأقول: ربّ سلّم شيعتي و محبّيّ وأنصاري ومن تولّاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش، قد أجيبت دعوتك، وشفّعت في شيعتك، ويشفع كلّ رجل من شيعتي ومن تولّاني ونصرني وحارب من عاداني بفعل أو قول في سبعين ألفاً من جيرانه وأقربائه، وباب يدخل منه ساير المسلمين ممّن يشهد أن لا إله إلّا الله ولم يكن في قلبه مقدار ذرّةٍ من بُغضنا أهل البيت.
وفي الكافي: عن حفص المؤذّن عن أبي عبداللهعليهالسلام في رسالته إلى أصحابه قالعليهالسلام : واعلموا أنّه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ولا من دون ذلك من سرّه أن ينفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه.
وفي تفسير الفرات: بإسناده عن الصادقعليهالسلام قال: قال جابر لأبي جعفرعليهالسلام : جعلت فداك يا بن رسول الله حدّثني بحديث في جدّتك فاطمة وساق الحديث يذكر فيه شفاعة فاطمة يوم القيامة إلى أن قال: قال أبو جعفرعليهالسلام : فو الله لا يبقى في الناس إلّا شاك أو كافر أو منافق، فإذا صاروا بين الطبقات نادوا كما قال الله تعالى : فما لنا من شافعين لا صديق حميم فلو أنّ لنا كرّة فنكون من المؤمنين، قال أبو جعفرعليهالسلام : هيهات هيهات منعوا ما طلبوا ولو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه وإنّهم لكاذبون.
أقول: تمسّكهعليهالسلام بقوله تعالى:( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ) يدلّ على إستشعار دلالة
الآيات على وقوع الشفاعة وقد تمسّك بها النافون للشفاعة على نفيها وقد إتّضح ممّا قدّمناه في قوله تعالى:( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) وجه دلالتها عليها في الجملة، فلو كان المراد مجرّد النفي لكان حقّ الكلام أن يقال: فما لنا من شفيع ولا صديق حميم، فالإتيان في حيّز النفي بصيغة الجمع يدلّ على وقوع شفاعة من جماعة وعدم نفعها في حقّهم، مضافاً إلى أنّ قوله تعالى:( فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) بعد قوله:( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) المسوق للتحسّر تمن واقع في حيّز التحسّر ومن المعلوم أنّ التمني في حيّز التحسّر إنّما يكون بما يتضمّن ما فقده ويشتمل على ما تحسّر عليه فيكون معنى قولهم:( فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً ) ، معناه يا ليتنا نردّ فنكون من المؤمنين حتّى ننال الشفاعة من الشافعين كما نالها المؤمنون، فالآية من الآيات الدالّة على وقوع الشفاعة.
وفي التوحيد: عن الكاظم عن أبيه عن آبائه عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إنّما شفاعتي لأهل الكبائر من اُمّتي فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل. قيل: يا بن رسول الله كيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر والله تعالى يقول: ولا يشفعون إلّا لمن إرتضى ومن إرتكب الكبيرة لا يكون مرتضى ؟ فقالعليهالسلام : ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلّا سائه ذلك وندم عليه. وقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : كفي بالندم توبة، وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم من سرّته حسنة وسائته سيّئة فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالماً والله تعالى ذكره يقول: ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع. فقيل له: يا بن رسول الله وكيف لا يكون مؤمناً من لا يندم على ذنب يرتكبه فقال: ما من أحد يرتكب كبيرة من المعاصي وهو يعلم أن سيعاقب عليه إلّا ندم على ما ارتكب، ومتى ندم كان تائباً مستحقّاً للشفاعة، ومتى لم يندم عليها كان مصرّاً والمصرّ لا يغفر له، لأنّه غير مؤمن بعقوبة ما ارتكب، ولو كان مؤمناً بالعقوبة لندم وقد قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار، وأمّا قول الله عزّوجلّ: ولا يشفعون إلّا لمن ارتضى فإنّهم لا يشفعون إلّا لمن ارتضى الله دينه، والدّين الإقرار بالجزاء على الحسنات والسيّئآت، فمن ارتضى دينه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة.
أقول: قولهعليهالسلام وكان ظالماً، فيه تعريف الظالم يوم القيامة وإشارة إلى ما عرّفه به القرآن حيث يقول:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ ) الأعراف - ٤٤ و ٤٥، وهو الّذي لا يعتقد بيوم المجازاة فلا يتأسّف على فوت أوامر الله تعالى ولا يسوئه إقتحام محارمه إمّا بجحد جميع المعارف الحقّة والتعاليم الدينيّة وإمّا بالاستهانة لأمرها وعدم الاعتناء بالجزاء والدين يوم الجزاء والدين فيكون قوله به إستهزاءً بأمره وتكذيباً له، وقولهعليهالسلام : فتكون تائباً مستحقّاً للشفاعة، أي راجعاً إلى الله ذا دين مرضيّ مستحقّاً للشفاعة، وأمّا التوبة المصطلحة فهي بنفسها شفيعة منجية، وقولهعليهالسلام : وقد قال النبيّ لا كبيرة مع الاستغفار، الخ تمسّكهعليهالسلام به من جهة أن الإصرار وهو عدم الانقباض بالذنب والندم عليه يخرج الذنب عن شأنه الّذي له إلى شأن آخر وهو تكذيب المعاد والظلم بآيات الله فلا يغفر لأنّ الذنب إنّما يغفر إمّا بتوبة أو بشفاعة متوقّفة على دين مرضيّ ولا توبة هناك ولا دين مرضيّاً.
ونظير هذا المعنى واقع في رواية العلل عن أبي إسحق الليثي قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقرعليهالسلام : يا بن رسول الله أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني ؟ قال: اللّهمّ لا، قلت: فيلوط ؟ قال اللّهمّ لا، قلت فيسرق ؟ قال لا، قلت: فيشرب الخمر ؟ قال لا، قلت: فيأتي ؟ بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش ؟ قال: لا، قلت: فيذنب ذنباً ؟ قال: نعم وهو مؤمن مذنب مسلم، قلت: ما معنى مسلم ؟ قال: المسلم لا يلزمه ولا يصرُّ عليه الحديث.
وفي الخصال: بأسانيد من الرضا عن آبائهعليهمالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا كان يوم القيامة تجلّى الله عزّوجلّ لعبده المؤمن فيوقفه على ذنوبه ذنباً ذنباً ثمّ يغفر الله له لا يطلع الله له ملكاً مقرّباً ولا نبيّاّ مرسلاً ويستر عليه أن يقف عليه أحد، ثمّ يقول لسيّئآته كوني حسنات.
وعن صحيح مسلم مرفوعاً إلى أبى ذرّ قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يؤتي بالرجل يوم القيامة فيقال: أعرضوا عليه صغار ذنوبه ونحّوا عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا وكذا وهو مقرّ لا ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال: اعطوه مكان كلّ سيّئة حسنة فيقول: إنّ لي ذنوباً ما أراها هيهنا، قال: ولقد رايت رسول الله ضحك حتّى بدت نواجذه.
وفي الأمالي: عن الصادقعليهالسلام : إذا كان يوم القيامة نشر الله تبارك وتعالى رحمته حتّى يطمع إبليس في رحمتة.
أقول: والروايات الثلاث الأخيرة من المطلقات والأخبار الدالّة على وقوع شفاعة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة من طرق أئمّة أهل البيت وكذا من طرق أهل السنّة والجماعة بالغة حدّ التواتر، وهي من حيث المجموع إنّما تدلّ على معنى واحد وهو الشفاعة على المذنبين من أهل الإيمان إمّا بالتخليص من دخول النار وإمّا بالإخراج منها بعد الدخول فيها، والمتيّقن منها عدم خلود المذنبين من أهل الإيمان في النار وقد عرفت أنّ القرآن أيضاً لا يدلّ على أزيد من ذلك.
( بحث فلسفي)
البراهين العقليّة وإن قصرت عن إعطاء التفاصيل الواردة كتاباً وسنّة في المعاد لعدم نيلها المقدّمات المتوسّطة في الاستنتاج على ما ذكره الشيخ إبن سينا لكنّها تنال ما يستقبله الإنسان من كمالاته العقليّة والمثاليّة في صراطي السعادة والشقاوة بعد مفارقة نفسه بدنه من جهة التجرّد العقليّ والمثاليّ الناهض عليهما البرهان.
فالإنسان في بادئ أمره يحصل له من كلّ فعل يفعله هيئة نفسانيّه وحال من احوال السعادة والشقاوة، ونعني بالسعادة ما هو خير له من حيث أنّه إنسان، وبالشقاوة ما يقابل ذلك، ثمّ تصير تلك الاحوال بتكرّرها ملكة راسخة، ثمّ يتحصّل منها صورة سعيدة أو شقيّة للنفس تكون مبدءً لهيآت وصور نفسانيّة، فإن كانت سعيدة فآثارها وجوديّة ملائمة للصورة الجديدة، وللنفس الّتي هي بمنزلة المادّة القابلة لها، وإن كانت شقيّة فآثارها أمور عدميّة ترجع بالتحليل إلى الفقدان والشرّ، فالنفس السعيدة تلتّذ بآثارها بما هي إنسان، وتلتذّ بها بما هي إنسان سعيدٌ بالفعل، والنفس الشقيّة وإن كانت آثارها مستأنسة لها وملائمة بما أنّها مبدأ لها لكنّها تتألّم بها بما أنّها إنسان، هذا بالنسبة إلى النفوس الكاملة في جانب السعادة والشقاوة، أعني الإنسان السعيد ذاتاً والصالح عملاً والإنسان الشقىّ ذاتاً والطالح عملا. وأمّا الناقصة في سعادتها وشقاوتها
فالإنسان السعيد ذاتاً الشقىّ فعلا بمعنى أن يكون ذاته ذات صورة سعيدة بالاعتقاد الحقّ الثابت غير أنّ في نفسه هيئآت شقيّة ردّية من الذنوب والآثام إكتسبتها حين تعلّقها بالبدن الدنيويّ وارتضاعها من ثدي الاختيار، فهي اُمور قسريّة غير ملائمة لذاتة، وقد اُقيم البرهان على أنّ القسر لا يدوم، فهذه النفس سترزق التطهّر منها في برزخ أو قيامة على حسب قوّة رسوخها في النفس، وكذلك الأمر فيما للنفس الشقيّة من الهيآت العارضة السعيدة فإنّها ستسلب عنها وتزول سريعاً أو بطيئاً، وأمّا النفس الّتي لم تتمّ لها فعليّة السعادة والشقاوة في الحياة الدنيا حتّى فارقت البدن مستضعفة ناقصة فهي من المرجئين لأمر الله عزّوجلّ، فهذا ما يقتضيه البراهين في المجازاة بالثواب والعقاب المقتضية لكونها من لوازم الاعمال ونتائجها، لوجوب رجوع الروابط الوضعيّة الاعتباريّة بالآخرة إلى روابط حقيقيّة وجوديّة هذا.
ثمّ إنّ البراهين قائمة على أنّ الكمال الوجوديّ مختلف بحسب مراتب الكمال والنقص والشدّة والضعف وهو التشكيك خاصّة في النور المجرّد فلهذه النفوس مراتب مختلفة في القرب والبعد من مبدأ الكمال ومنتهاه في سيرها الارتقائيّ وعودها إلى ما بدأت منها وهي بعضها فوق بعض، وهذه شأن العلل الفاعليّة (بمعنى ما به) ووسائط الفيض، فلبعض النفوس وهي النفوس التامّة الكاملة كنفوس الأنبياءعليهمالسلام وخاصّة من هو في أرقي درجات الكمال والفعليّة وساطة في زوال الهيآت الشقيّة الرديّة القسريّة من نفوس الضعفاء، ومن دونهم من السعداء إذا لزمتها قسراً، وهذه هي الشفاعة الخاصّة بأصحاب الذنوب.
( بحث اجتماعي)
الّذي تعطيه اُصول الإجتماع أنّ المجتمع الإنسانيّ لا يقدر على حفظ حياته وادامة وجوده إلّا بقوانين موضوعة معتبرة بينهم، لها النظارة في حاله، الحكومة في أعمال الأفراد وشؤونهم، تنشأ عن فطرة المجتمع وغريزه الأفراد المجتمعين بحسب الشرائط الموجودة، فتسير بهدايتها جميع طبقات الاجتماع كلّ على حسب ما يلائم
شأنه ويناسب موقعه فيسير المجتمع بذلك سيراً حثيثاً ويتولّد بتألّف أطرافه وتفاعل متفرّقاته العدل الاجتماعيّ وهي موضوعة على مصالح ومنافع مادّيّة يحتاج إليها إرتقاء الاجتماع المادّيّ، وعلى كمالات معنويّة كالأخلاق الحسنة الفاضلة الّتي يدعو إليها صلاح الاجتماع كالصدق في القول والوفاء بالعهد والنصح وغير ذلك، وحيث كانت القوانين والأحكام وضعيّة غير حقيقيّة احتاجت إلى تتميم تأثيرها، بوضع أحكام مقرّرة اُخرى في المجازاة لتكون هي الحافظة لحماها عن تعدّي الأفراد المتهوّسين وتساهل آخرين، ولذلك كلّما قويت حكومة (أيّ حكومة كانت) على إجراء مقرّرات الجزاء لم يتوقّف المجتمع في سيره ولا ضلّ سائره عن طريقه ومقصده. وكلّما ضعفت إشتدّ الهرج والمرج في داخله وانحرف عن مسيره فمن التعاليم اللازمة تثبيتها في الاجتماع تلقين أمر الجزاء، وإيجاد الإيمان به في نفوس الأفراد، ومن الواجب الاحتراز من أن يدخل في نفوسهم رجاء التخلّص عن حكم الجزاء، وتبعة المخالفة والعصيان، بشفاعة أو رشوة أو بشئ من الحيل والدسائس المهلكة، ولذلك نقموا على الديانة المسيحيّة ما وقع فيها أنّ المسيح فدى الناس في معاصيهم بصلبه، فالناس يتّكلون عليه في تخليصهم من يد القضاء يوم القيامة ويكون الدين إذ ذاك هادما للإنسانيّة، مؤخّراً للمدنيّة، راجعاً بالإنسان القهقرى كما قيل. وأنّ الإحصاء يدلّ علي أنّ المتديّنين أكثر كذباً وأبعد من العدل من غيرهم وليس ذلك إلّا أنّهم يتّكلون بحقيّة دينهم، وادّخار الشفاعة في حقّهم ليوم القيامة، فلا يبالون ما يعملون بخلاف غيرهم، فإنّهم خلّوا وغرائزهم وفطرهم ولم يبطل حكمها بما بطل به في المتديّنين فحكمت بقبح التخلّف عمّا يخالف حكم الإنسانيّة والمدنيّة الفاضله.
وبذلك عوّل جمع من الباحثين في تأويل ما ورد في خصوص الشفاعة في الإسلام وقد نطق به الكتاب وتواترت عليه السنّة.
ولعمري لا الإسلام تثبت الشفاعة بالمعنى الّذي فسّروها به، ولا الشفاعة الّتي تثبتها تؤثّر الأثر الّذي زعموه لها، فمن الواجب أن يحصّل الباحث في المعارف الدينيّة وتطبيق ما شرّعه الإسلام على هيكل الاجتماع الصالح والمدنيّة الفاضلة تمام ما رامه الإسلام من الاُصول والقوانين المنطبقة على الاجتماع كيفيّة ذلك التطبيق، ثمّ يحصّل ما هي الشفاعة الموعودة وما هو محلّها وموقعها بين المعارف الّتي جاء بها.
فيعلمأوّلاً: أنّ الّذي يثبته القرآن من الشفاعة هو أنّ المؤمنين لا يخلّدون في النار يوم القيامة بشرط أن يلاقوا ربّهم بالإيمان المرضيّ والدين الحقّ فهو وعد وعده القرآن مشروطاً ثمّ نطق بأنّ الإيمان من حيث بقائه على خطر عظيم من جهة الذنوب ولاسيّما الكبائر ولا سيّما الإدمان منها والإمرار فيها، فهو شفا جرف الهلاك الدائم، وبذلك يتحصّل رجاء النجاة وخوف الهلاك، ويسلك نفس المؤمن بين الخوف والرجاء فيعبد ربّه رغبة ورهبة، ويسير في حياته سيراً معتدلاً غير منحرف لا إلى خمود القنوط، ولا إلى كسل الوثوق.
وثانياً: أنّ الإسلام قد وضع من القوانين الاجتماعيّة من مادّيّاتها ومعنويّاتها ما يستوعب جميع الحركات والسكنات الفرديّة والاجتماعيّة، ثمّ إعتبر لكلّ مادّة من موادّها ما هو المناسب له من التبعة والجزاء من دية وحدّ وتعزير إلى أن ينتهي إلى تحريم مزايا الاجتماع واللوم والذمّ والتقبيح، ثمّ تحفّظ على ذلك بعد تحكيم حكومة أولياء الأمر، بتسليط الكلّ على الكلّ بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ثمّ أحيى ذلك بنفخ روح الدعوة الدّينيّة المضمّنة بالإنذار والتبشير بالعقاب والثواب في الآخرة، وبنى أساس تربيتة بتلقين معارف المبدء والمعاد على هذا الترتيب.
فهذا ما يرومه الإسلام بتعليمه، جاء به النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وصدّقه التجارب الواقع في عهده وعهد من يليه حتّى اثبت به أيدي الولاة في السلطنة الاُمويّة ومن شايعهم في إستبدادهم ولعبهم بأحكام الدين وإبطالهم الحدود والسياسات الدينيّة حتّى آل الأمر إلى ما آل إليه اليوم وارتفعت أعلام الحرّيّة وظهرت المدنيّة الغربيّة ولم يبق من الدين بين المسلمين إلّا كصبابة في إناء فهذا الضعف البين في سياسة الدين وارتجاع المسلمين القهقرى هو الموجب لتنزّلهم في الفضائل والفواضل وانحطاطهم في الأخلاق والآداب الشريفة وإنغمارهم في الملاهي والشهوات وخوضهم في الفواحش والمنكرات، هو الّذي أجراهم على انتهاك كلّ حرمة وإقتراف كلّ ما يستشنعه حتّى غير المنتحل بالدين لا ما يتخيّله المعترض من إستناد الفساد إلى بعض المعارف الدينيّة الّتي لا غاية لها وفيها إلّا سعادة الإنسان في آجله وعاجله والله المعين. والإحصاء الّذي ذكروها إنّما وقع على جمعيّة المتديّنين وليس عليهم قيّم ولا حافظ قويّ وعلى جمعيّة غير المنتحلين. والتعليم والتربية الاجتماعيّان قيّمان عليهم حافظان لصلاحهم الاجتماعيّ فلا يفيد فيما أراده شيئاً.
( سورة البقرة الآيات ٤٩ - ٦١)
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ( ٤٩ ) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ( ٥٠ ) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ( ٥١ ) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٥٢ ) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( ٥٣ ) وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ٥٤ ) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ( ٥٥ ) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٥٦ ) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ٥٧ ) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ( ٥٨ ) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( ٥٩ ) وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ( ٦٠ ) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ( ٦١ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ) ، أي يتركونهنّ أحياء للخدمة من غير أن يقتلوهنّ كالأبناء فالاستحياء طلب الحياة ويمكن أن يكون المعنى ويفعلون ما يوجب زوال حيائهنّ من المنكرات، ومعنى( يَسُومُونَكُمْ ) يولّونكم.
قوله تعالى: ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ) الفرق مقابل الجمع كالفصل والوصل. والفرق في البحر الشقّ والباء للسببيّة أو الملابسة أي فرقنا لإنجائكم البحر أو لملابستكم دخول البحر.
قوله تعالى: ( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) وقصّ تعالى القصّة في سورة الأعراف بقوله:( وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) الأعراف - ١٤٢، فعدّ المواعدة فيها أربعين ليلة إمّا للتغليب أو لأنّه كانت العشرة الأخيرة بمواعدة اُخرى فالأربعون مجموع المواعدتين كما وردت به الرواية.
قوله تعالى: ( فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ ) البارئ من الأسماء الحسنى كما قال تعالى:( هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) الحشر - ٢٤، وقع في ثلاث مواضع من كلامه تعالى: إثنان منها في هذه الآية ولعلّه خصّ بالذكر هيهنا من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد لأنّه قريب المعنى من الخالق والموجد، من برء يبرء برائاً إذا فصل لأنّه يفصل الخلق من العدم أو الإنسان من الأرض، فكأنّه تعالى يقول: هذه التوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشقّ ما يكون من الأاوامر لكنّ الله الّذي أمركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الّذي برئكم فالّذي أحبّ وجودكم وهو خير لكم هو يحبّ الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم وكيف لا يحبّ خيركم وقد برئكم، فاختيار لفظ البارئ باضافته إليهم في قوله: إلى بارئكم، وقوله :( عِندَ بَارِئِكُمْ ) للإشعار بالاختصاص لإثارة المحبّة.
قوله تعالى: ( ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ) ظاهر الآية وما تقدّمها أنّ هذه الخطابات وما وقع فيها من عدّ أنواع تعديّاتهم ومعاصيهم إنّما نسبت إلى الكلّ مع كونها صادرة عن البعض لكونهم جامعة ذات قوميّة واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض،
وينسب فعل بعضهم إلى آخرين. لمكان الوحدة الموجودة فيهم، فما كلّ بنى اسرائيل عبدوا العجل، ولا كلّهم قتلوا الأنبياء إلى غير ذلك من معاصيهم وعلى هذا فقوله تعالى:( فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ) ، إنّما يعني به قتل البعض وهم الّذين عبدوا العجل كما يدلّ عليه أيضاً قوله تعالى:( إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ ) ، وقوله تعالى:( ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ ) تتمّة الحكاية من قول موسى كما هو الظاهر. وقوله تعالى:( فَتَابَ عَلَيْكُمْ ) يدلّ على نزول التوبة وقبولها. وقد وردت الرواية أنّ التّوبة نزلت ولمّا يقتل جميع المجرمين منهم.
ومن هنا يظهر أنّ الأمر كان أمراً إمتحانيّاً نظير ما وقع في قصّة رؤيا إبراهيمعليهالسلام وذبح إسمعيل( يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ) لصافات - ١٠٥، فقد ذكر موسىعليهالسلام فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم، وأمضى الله سبحانه قولهعليهالسلام وجعل قتل البعض قتلاً للكلّ وأنزل التوبة بقوله:( فَتَابَ عَلَيْكُمْ )
قوله تعالى: ( رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ ) ، الرجز العذاب.
قوله تعالى: ( وَلَا تَعْثَوْا ) ، العيث والعثى أشدّ الفساد.
قوله تعالى: ( وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا ) ، القثّاء الخيار والفوم الثوم أو الحنطة.
قوله تعالى: ( وَبَاءُوا بِغَضَبٍ ) ، أي رجعوا.
قوله تعالى: ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ ) ، تعليل لما تقدّمه.
قوله تعالى: ( ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا ) ، تعليل للتعليل فعصيأنّهم ومداومتهم للإعتداء هو الموجب لكفرهم بالآيات وقتلهم الأنبياء كما قال تعالى:( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) الروم - ١٠، وفي التعليل بالمعصية وجه سيأتي في البحث الآتي
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ: في قوله تعالى:( وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) عن أبي جعفرعليهالسلام قال: كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة ثمّ بدا منه فزاد عشراً فتمّ ميقات ربّه الأوّل والآخر أربعين ليلة.
أقول: والرواية تؤيّد ما مرّ أن الأربعين مجموع المواعدتين.
وفي الدرّ المنثور: عن عليّعليهالسلام : في قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم ) الآية، قال: قالوا لموسى: ما توبتنا ؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً فأخذوا السكّاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وإبنه والله لا يبالى من قتل حتّى قتل منهم سبعون ألفاً فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقى.
وفي تفسير القمّيّ: قالعليهالسلام : أنّ موسى لما خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم موسى: يا قوم إنّكم ظلمتم أنفسكم بأتّخذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فأقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فقالوا له: كيف نقتل أنفسنا فقال لهم موسى: اُغدوا كلّ واحد منكم إلى بيت المقدّس ومعه سكّين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني اسرائيل فكونوا أنتم ملتثمين لا يعرف أحد صاحبه فأقتلوا بعضكم بعضاً، فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممّن كان عبدوا العجل إلى بيت المقدّس فلمّا صلّى بهم موسى وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضاً حتّى نزل جبرئيل فقال: قل لهم: يا موسى إرفعوا القتل فقد تاب الله لكم، فقتل منهم عشرة آلاف وأنزل الله: ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنّه هو التوّاب الرحيم
أقول: والرواية كما ترى تدلّ على كون قوله تعالى: ذلكم خير لكم عند بارئكم مقولاً لموسى ومقولاً له سبحانه فيكون إمضائاً لكلمة قالها موسى وكشفاً عن كونها تامّة على خلاف ما يلوح من الظاهر من كونها ناقصة فإنّ الظاهر يعطي أنّ موسى جعل قتل الجميع خيراً لهم عند بارئهم، وقد قتل منهم البعض دون الجميع فجعل سبحانه، ما وقع من القتل هو الخير الّذي ذكره موسىعليهالسلام كما مرّ.
وفي تفسير القمّيّ أيضاً: في قوله تعالى: وظلّلنا عليكم الغمام الآية أنّ بني اسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا في مفازة فقالوا: يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظلّ، ولا شجر، ولا ماء. وكانت تجئ بالنهار غمامة تظلّهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المنّ فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشيّ يأتيهم طائر مشويّ يقع على موائدهم فإذا أكلوا وشربوا طار ومرّ وكان مع موسى حجر
يضعه وسط العسكر ثمّ يضربه بعصاه فتنفجر منها إثنتا عشرة عيناً كما حكى الله فيذهب إلى كلّ سبط في رحله وكانوا اثنى عشر سبطاً.
وفي الكافي: في قوله تعالى:( وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ، عن أبي الحسن الماضيعليهالسلام قال: إنّ الله أعزّ وأمنع من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى الظلم ولكنّه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته، ثمّ أنزل الله بذلك قرآناً على نبيّه فقال: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. قال الراوي قلت: هذا تنزيل، قال: نعم.
أقول: وروى ما يقرب منه أيضاً عن الباقرعليهالسلام وقولهعليهالسلام :( أمنع من أن يظلم) بالبناء للمفعول تفسير لقوله تعالى: وما ظلمونا. وقوله: أو ينسب نفسه إلى الظلم بالبناء للفاعل:وقوله: ولكنّه خلطنا بنفسه أي خلطنا معاشر الأنبياء والاوصياء والأئمّة بنفسه،وقوله: قلت: هذا تنزيل قال: نعم وجهه أنّ النفي في هذه الموارد وأمثالها إنّما يصحّ فيما يصحّ فيه الإثبات أو يتوهّم صحّته، فلا يقال للجدار: أنّه لا يبصر أو لا يظلم إلّا لنكتة وهو سبحانه أجل من أن يسلّم في كلامه توهّم الظلم عليه، أو جواز وقوعه عليه فالنكتة في هذا النفي الخلط المذكور لأنّ العظماء يتكلّمون عن خدمهم وأعوانهم.
وفي تفسير العيّاشيّ: في قوله تعالى:( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ ) الآية عن الصادقعليهالسلام أنّه قرأ هذه الآية: ذلك بأنّهم كانوا يكفرون بأيات الله ويقتلون النبيّين بغير الحقّ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فقال: والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فكان قتلاً واعتداءً ومصيبة.
أقول: وفي الكافي عنهعليهالسلام مثله وكأنّهعليهالسلام استفاد ذلك من قوله تعالى:( ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ) فإنّ القتل وخاصّة قتل الأنبياء والكفر بآيات الله لا يعلّل بالعصيان بل الأمر بالعكس على ما يوجبه الشدّة والأهّميّة لكنّ العصيان بمعنى عدم الكتمان والتحفّظ ممّا يصحّ التعليل المذكور به.
( سورة البقرة الآية ٦٢)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ( ٦٢)
( بيان)
تكرار الإيمان ثانياً وهو الاتّصاف بحقيقتة كما يعطيه السياق يفيد أنّ المراد بالّذين آمنوا في صدر الآية هم المتّصفون بالإيمان ظاهراً المتسمّون بهذا الاسم فيكون محصّل المعنى أنّ الاسماء والتسمّي بها مثل المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين لا يوجب عند الله تعالى أجراً ولا أمناً من العذاب كقولهم: لا يدخل الجنّة إلّا من كان هوداً أو نصارى، وإنّما ملاك الأمر وسبب الكرامة والسعادة حقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح. ولذلك لم يقل من آمن منهم بإرجاع الضمير إلى الموصول اللازم في الصلة لئلّا يكون تقريراً للفائدة في التسمّي على ما يعطيه النظم كما لا يخفى وهذا ممّا تكرّرت فيه آيات القرآن أنّ السعادة والكرامة تدور مدار العبوديّة، فلا إسم من هذه الاسماء ينفع لمتسمّيه شيئاً، ولا وصف من أوصاف الكمال يبقى لصاحبه وينجيه إلّا مع لزوم العبوديّة، الأنبياء ومن دونهم فيه سواء، فقد قال تعالى في أنبيائه بعد ما وصفهم بكلّ وصف جميل:( وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الانعام - ٨٨، وقال تعالى في أصحاب نبيّه ومن آمن معه مع ما ذكر من عظم شأنهم وعلوّ قدرهم:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) الفتح - ٢٩، فأتى بكلمة منهم وقال في غيرهم ممّن اوتي آيات الله تعالى:( ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه ) الأعراف - ١٧٦، إلى غير ذلك من الآيات الناصة على أنّ الكرامة بالحقيقة دون الظاهر.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور: عن سلمان الفارسيّ قال: سألت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عن أهل دين كنت معهم، فذكر من صلاتهم وعبادتهم فنزلت:( إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا) الآية.
أقول: وروي أيضاً نزول الآية في أصحاب سلمان بعدّة طرق اُخرى.
وفي المعاني: عن إبن فضّال قال: قلت للرضاعليهالسلام لم سمّي النصاري نصارى قال: لأنّهم كانوا من قرية اسمها ناصرة من بلاد الشام نزلتها مريم وعيسى بعد رجوعهما من مصر.
أقول: وفي الرواية بحث سنتعرّض له في قصص عيسىعليهالسلام من سورة آل عمران إنشاء الله.
وفي الرواية أنّ اليهود سمّوا باليهود لأنّهم من ولد يهودا بن يعقوب.
وفي تفسير القمّيّ: قال: قالعليهالسلام : الصابئون قوم لا مجوس ولا يهود ولا نصارى ولا مسلمون وهم يعبدون النجوم والكواكب.
أقول: وهي الوثنيّة، غير أنّ عبادة الأصنام غير مقصورة عليهم بل الّذي يخصّهم عبادة أصنام الكواكب.
( بحث تاريخي)
ذكر أبوريحان البيرونيّ في الآثار الباقية ما لفظه: وأوّل المذكورين منهم يعني المتنبّئين يوذاسف وقد ظهر عند مضيّ سنة من ملك طهمورث بأرض الهند وأتي بالكتابة الفارسيّة، ودعا إلى ملّة الصابئين فأتّبعه خلق كثير، وكانت الملوك البيشداديّة وبعض الكيانيّة ممّن كان يستوطن بلخ يعظّمون النيّرين والكواكب وكليّات العناصر ويقدّسونها إلى وقت ظهور زرادشت عند مضيّ ثلاثين سنة من ملك بشتاسف، وبقايا اُؤلئك الصابئين بحرّان ينسبون إلى موضعهم، فيقال لهم: الحرّانيّة وقد قيل: إنّها نسبة إلى هادان بن ترخ اخى ابراهيمعليهالسلام وأنّه كان من بين رؤسائهم اوغلهم في الدين
واشدّهم تمسّكا به، وحكى عنه ابن سنكلا النصرانيّ في كتابه الّذي قصد فيه نقض نحلتهم، فحشاه بالكذب والأباطيل، أنّهم يقولون إنّ ابراهيمعليهالسلام إنّما خرج عن جملتهم لأنّه خرج في قلفته برص وأنّ من كان به ذلك فهو نجس لا يخالطونه فقطع قلفته بذلك السبب يعني اختتن، ودخل إلى بيت من بيوت الاصنام فسمع صوتاً من صنم يقول له: يا ابراهيم خرجت من عندنا بعيب واحد، وجئتنا بعيبين، أخرج ولا تعاود المجئ الينا فحمله الغيظ على أن جعلها جذاذاً، وخرج من جملتهم ثمّ إنّه ندم بعد ما فعله، وأراد ذبح إبنه لكوكب المشتري على عادتهم في ذبح أولادهم، زعم فلمّا علم كوكب المشتري صدق توبته فداه بكبش.
وحكى عبد المسيح بن إسحق الكنديّ عنهم في جوابه عن كتاب عبدالله بن اسماعيل الهاشميّ، أنّهم يعرفون بذبح الناس ولكن ذلك لا يمكنهم اليوم جهراً ونحن لا نعلم منهم إلّا أنّهم اُناس يوحّدون الله، وينزّهونه عن القبائح، ويصفونه بالسلب لا الإيجاب كقولهم: لا يحدّ، ولا يرى، ولا يظلم، ولا يجور ويسمّونه بالأسماء الحسنى مجازاً، إذ ليس عندهم صفة بالحقيقة، وينسبون التدبير إلى الفلك وأجرامه، ويقولون بحياتها نطقها وسمعها وبصرها، ويعظمون الأنوار، ومن آثارهم القبّة الّتي فوق المحراب عند المقصورة من جامع دمشق، وكان مصلّاهم، كان اليونانيّون والروم على دينهم، ثمّ صارت في أيدي اليهود، فعملوها كنيستهم، ثمّ تغلب عليها النصارى، فصيّروها بيعة إلى أن جاء الإسلام وأهله فأتّخذوها مسجداً، وكانت لهم هياكل وأصنام بأسماء الشمس معلومة الأشكال كما ذكرها أبو معشر البلخيّ في كتابه في بيوت العبادات، مثل هيكل بعلبك كان لصنم الشمس، وقران فإنّها منسوبة إلى القمر، وبنائها على صورته كالطيلسان، وبقربها قرية تسمّى سلمسين، وإسمها القديم صنم سين، أي صنم القمر، وقرية اُخرى تسمّى ترع عوز أي باب الزهرة ويذكرون أنّ الكعبة وأصنامها كانت لهم، وعبدتها كانوا من جملتهم، وأنّ اللّات كان باسم زحل، والعزّى باسم الزهرة ولهم أنبياء كثيرة أكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصريّ وأغاذيمون وواليس وفيثاغورث وباباسوار جدّ أفلاطون من جهة اُمّه وأمثالهم، ومنهم من حرّم عليه السمك خوفاً
أن يكون رغاوة والفرخ لأنّه أبداً محموم، والثوم لأنّه مصدّع محرق للدّم أو المنيّ الّذي منه قوام العالم، والباقلاء لأنّه يغلظ الذهن ويفسده، وأنّه في أوّل الأمر إنّما نبت في جمجمة إنسان، ولهم ثلاث صلوات مكتوبات.
أولها: عند طلوع الشمس ثماني ركعات.
والثانية: عند زوال الشمس عن وسط السماء خمس ركعات، وفي كلّ ركعة من صلاتهم ثلاث سجدات، ويتنفّلون بصلاة في الساعة الثانية من النهار، واُخرى في التاسعة من النهار.
والثالثة: في الساعة الثالثة من الليل، ويصلّون على طهر ووضوء، ويغتسلون من الجنابة ولا يختتنون إذ لم يؤمروا بذلك زعموا وأكثر أحكامهم في المناكح والحدود مثل أحكام المسلمين، وفي التنجّس عند مسّ الموتى، وأمثال ذلك شبيهة بالتوراة، ولهم قرابين متعلّقة بالكواكب واصنامها وهياكلها، وذبائح يتولّاها كهنتهم وفاتنوهم، ويستخرجون من ذلك علم ما عسى يكون المقرّب وجواب ما يسأل عنه، وقد يسمّى هرمس بإدريس الّذي ذكر في التوراة أخنوخ، وبعضهم زعم أنّ يوذاسف هو هرمس.
وقد قيل: إنّ هؤلاء الحرّانيّة ليسوا هم الصابئة بالحقيقة، بل هم المسمّون في الكتب بالحنفاء والوثنيّة، فإنّ الصابئة هم الّذين تخلّفوا ببابل من جملة الاسباط الناهضة في أيّام كورش وأيّام ارطحشست إلى بيت المقدّس، ومالوا إلى شرائع المجوس فصبوا إلى دين بختنّصر، فذهبوا مذهباً ممتزجاً من المجوسيّة واليهوديّة، كالسامرة بالشام، وقد توجد أكثرهم بواسط وسواد العراق بناحية جعفر والجامدة ونهرى الصلة منتمين إلى أنوش بن شيث، ومخالفين للحرّانيّة، عائبين مذاهبهم، لا يوافقونهم إلّا في أشياء قليلة، حتّى أنّهم يتوجّهون في الصلاة إلى جهة القطب الشماليّ والحرّانيّة إلى الجنوبيّ، وزعم بعض أهل الكتاب أنّه كان لمتوشلخ ابن غير ملك يسمّى صابي. وأنّ الصابئة سمّوا به، وكان الناس قبل ظهور الشرائع وخروج يوذاسف شمينين سكّان الجانب الشرقيّ من الأرض وكانوا عبدة أوثان، وبقاياهم الآن بالهند والصين و
التغزغز ويسمّيهم أهل خراسان شمنان، وآثارهم وبهاراتهم وأصنامهم وفرخاراتهم ظاهرة في ثغور خراسان المتّصلة بالهند، ويقولون: بقدم الدهر، وتناسخ الأرواح وهوي الفلك في خلاء غير متناه، ولذلك يتحرّك على استدارة فإنّ الشئ المستدير إذا أزيل ينزل مع دوران، زعموا ومنهم من أقرّ بحدوث العالم، وزعم أنّ مدّته ألف ألف سنة إنتهى موضع الحاجة.
أقول: وما نسبه إلى بعض من تفسير الصائبة بالمذهب الممتزج من المجوسيّة واليهوديّة مع أشياء من الحرّانيّة هو الأوفق بما في الآية فإنّ ظاهر السياق أن التعداد لأهل الملّة.
( سورة البقرة الآيات ٦٣ - ٧٤)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ٦٣ ) ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ( ٦٤ ) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ( ٦٥ ) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ( ٦٦ ) وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( ٦٧ ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ( ٦٨ ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ( ٦٩ ) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ( ٧٠ ) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ( ٧١ ) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ( ٧٢ ) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( ٧٣ ) ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ٧٤ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) ، الطور هو الجبل كما بدّله منه في قوله تعالى:( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ) الأعراف - ١٧١، والنتق هوالجذب والإقتلاع، وسياق الآية حيث ذكر أخذ الميثاق أوّلاً والأمر بأخذ ما اُوتوا وذكر ما فيه أخيراً
ووضع رفع الطور فوقهم بين الأمرين مع السكوت عن سبب الرفع وغايتها يدلّ على أنّه كان لإرهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون لإجبارهم وإكراههم على العمل بما أوتوه وإلّا لم يكن لأخذ الميثاق وجه، فما ربّما يقال: إنّ رفع الجبل فوقهم لو كان على ظاهره كان آية معجزة وأوجب إجبارهم وإكراههم على العمل. وقد قال سبحانه:( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة - ٢٥٦، وقال تعالى:( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) يونس - ٩٩، غير وجيه فإنّ الآية كما مرّ لا تدلّ على أزيد من الإخافة والإرهاب ولو كان مجرّد رفع الجبل فوق بني اسرائيل إكراهاً لهم على الإيمان أو العمل، لكان أغلب معجزات موسى موجبة للإكراه، نعم هذا التأويل وصرف الآية عن ظاهرها، والقول بأنّ بني إسرائيل كانوا في أصل الجبل فزلزل وزعزع حتّى أظلّ رأسه عليهم، فظنّوا أنّه واقع بهم فعبّر عنها برفعه فوقهم أو نتقه فوقهم، مبنىّ على أصل إنكار المعجزات وخوارق العادات، وقد مرّ الكلام فيها ولو جاز أمثال هذه التأويلات لم يبق للكلام ظهور، ولا لبلاغة الكلام وفصاحتة أصل تتّكي عليه وتقوم به.
قوله تعالى: ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) لعلّ كلمة ترجّ واللازم في الترجّي صحّتة في الكلام سواء كان قائماً بنفس المتكلّم أو المخاطب أو بالمقام، كأن يكون المقام مقام رجاء وإن لم يكن للمتكلّم والمخاطب رجاء فيه وهو لا يخلو عن شوب جهل بعاقبة الأمر فالرجاء في كلامه تعالى إمّا بملاحظة المخاطب أو بملاحظة المقام. وأمّا هو تعالى فيستحيل نسبة الرجاء إليه لعلمه بعواقب الاُمور، كما نبّه عليه الراغب في مفرداته.
قوله تعالى: ( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) أي صاغرين.
قوله تعالى: ( فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا ) أي عبرة يعتبر بها. والنكال هو ما يفعل من الإذلال والإهانة بواحد ليعتبر به آخرون.
قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) الخ، هذه قصّة بقرة بني إسرائيل، وبها سمّيت السورة سورة البقرة. والأمر في بيان القرآن لهذه القصّة عجيب فإنّ القصّة فصّل بعضها عن بعض حيث قال تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ) إلى آخره ثمّ قال:( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) ثمّ إنّه اُخرج فصل منها من وسطها
وقدّم أوّلاً ووضع صدر القصّة وذيلها ثانياً، ثمّ إنّ الكلام كان مع بني إسرائيل في الآيات السابقة بنحو الخطاب فانتقل بالالتفات إلى الغيبة حيث قال:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ) ثمّ التفت إلى الخطاب ثانياً بقوله:( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) .
أمّا الالتفات في قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) ، ففيه صرف الخطاب عن بني إسرائيل، وتوجيهه إلى النبيّ في شطر من القصّة وهو أمر ذبح البقرة وتوصيفها ليكون كالمقدّمة الموضحة للخطاب الّذي سيخاطب به بنو إسرائيل بقوله:( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ، الآيتان في سلك الخطابات السابقة فهذه الآيات الخمس من قوله:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ إلى قوله:وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ) ، كالمعترضة في الكلام تبيّن معنى الخطاب التالي مع ما فيها من الدلالة على سوء أدبهم وإيذائهم لرسولهم، برميه بفضول القول ولغو الكلام، مع ما فيه من تعنّتهم وتشديدهم وإصرارهم في الاستيضاح والاستفهام المستلزم لنسبة الإبهام إلى الأوامر الإلهيّة وبيانات الأنبياء مع ما في، كلامهم من شوب الإهانة والاستخفاف الظاهر بمقام الربوبيّة فانظر إلى قول موسىعليهالسلام لهم:( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) وقولهم:( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ) ، وقولهم ثانياً:( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ) ، وقولهم ثالثاً:( ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ) ، فأتوا في الجميع بلفظ ربّك من غير أن يقولوا ربّنا، ثم كرّروا قولهم:( مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا ) فادّعوا التشابه بعد البيان، ولم يقولوا: إنّ البقرة تشابهت علينا بل قالوا: إنّ البقر تشابه علينا كأنّهم يدّعون أنّ جنس البقر متشابه ولا يؤثّر هذا الأثر إلّا بعض أفراد هذا النوع وهذا المقدار من البيان لا يجزي في تعيين الفرد المطلوب وتشخيصه، مع أنّ التأثير لله عزّ إسمه لا للبقرة، وقد أمرهم أن يذبحوا بقرة فأطلق القول ولم يقيّده بقيد، وكان لهم أن يأخذوا بإطلاقه، ثمّ انظر إلى قولهم لنبيّهم:( أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ) ، المتضمّن لرميهعليهالسلام بالجهالة واللّغو حتّى نفاه عن نفسه بقوله:( أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) ، وقولهم أخيراً بعد تمام البيان الإلهيّ:( الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ) ، الدالّ على نفي الحقّ عن البيانات
السابقة المستلزم لنسبة الباطل إلى طرز البيان الإلهىّ والتبليغ النبوي.
وبالجملة فتقديم هذا الشطر من القصّة لإبانة الأمر في الخطاب التالي كما ذكر مضافاً إلى نكتة اُخرى، وهي أنّ قصّة البقرة غير مذكورة في التوراة الموجودة عند اليهود اليوم فكان من الحريّ أن لا يخاطبوا بهذه القصّة أصلاً أو يخاطبوا به بعد بيان ما لعبت به أيديهم من التحريف، فأعرض عن خطابهم أوّلاً بتوجيه الخطاب إلى النبيّ ثمّ بعد تثبيت الأصل، عاد إلى ما جرى عليه الكلام من خطابهم المتسلسل، نعم في هذا المورد من التوراة حكم لا يخلو عن دلالة ما على وقوع القصّة وهاك عبارة التوراة:
قال في الفصل الحادي والعشرين من سفر تثنيه الاشتراع: إذا وجد قتيل في الأرض الّتي يعطيك الربّ إلهك لتمتلكها واقعاً في الحقل لا يعلم من قتله يخرج شيوخك وقضاتك ويقيسون إلى المدن الّتي حول القتيل فالمدينة القريبة من القتيل يأخذ شيوخ تلك المدينة عجلة من البقر لم يحرث عليها لم تجر بالغير وينحدر شيوخ تلك المدينة بالعجلة إلى واد دائم السيلان لم يحرث فيه ولم يزرع ويكسرون عنق العجلة في الوادي ثمّ يتقدّم الكهنة بني لاوي لأنّه إيّاهم اختار الربّ إلهك ليخدموه ويباركوا بإسم الربّ وحسب قولهم تكون كلّ خصومة وكلّ ضربة ويغسل جميع شيوخ تلك المدينة القريبين من القتيل أيديهم على العجلة المكسورة العنق في الوادي ويصرخون ويقولون أيدينا لم تسفك هذا الدم وأعيننا لم تبصر إغفر لشعبك إسرائيل الّذي فديت يا ربّ ولا تجعل دم برئ في وسط شعبك إسرائيل فيغفر لهم الدم إنتهى.
إذا عرفت هذا على طوله، علمت أنّ بيان هذه القصّة على هذا النحو ليس من قبيل فصل لقصّة، بل القصّة مبينّة على نحو الإجمال في الخطاب الّذي في قوله:( وإذ قتلتم نفساً ) الخ وشطر من القصّة مأتيّة بها ببيان تفصيليّ في صورة قصّة اُخرى لنكتة دعت إليه.
فقوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه خطاب للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو كلام في صورة قصّة وإنّما هي مقدّمة توضيحيّة للخطاب التالي لم يذكرمعها السبب الباعث على هذا الأمر والغاية المقصودة منها بل اُطلقت إطلاقاً ليتنبّه بذلك نفس السامع وتقف موقف التجسّس، وتنتشط إذا سمعت أصل القصّة، ونالت الارتباط بين الكلامين، ولذلك
لمّا سمعت بنو إسرائيل قوله: إنّ الله يأمركم أن تذبحوا بقرة تعجّبوا من ذلك ولم يحملوه إلّا على أنّ نبيّ الله موسى يستهزء بهم لعدم وجود رابطة عندهم بين ذبح البقرة وما يسألونه من فصل الخصومة والحصول على القاتل قالوا أتتّخذنا هزواً وسخريّة.
وإنّما قالوا ذلك لفقدهم روح الإطاعة والسمع وإستقرار ملكة الاستكبار والعتوّ فيهم، وقولهم: إنّا لا نحوم حول التقليد المذموم، وإنّما نؤمن بما نشاهده ونراه كما قالوا لموسى: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة وإنّما وقعوا فيما وقعوا من جهة استقلالهم في الحكم والقضاء فيما لهم ذلك، وفيما ليس لهم ذلك، فحكموا بالمحسوس على المعقول فطالبوا معاينة الربّ بالحسّ الباصر وقالوا:( يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) الأعراف - ١٣٨، وزعموا أنّ نبيّهم موسى مثلهم يتهوّس كتهوّسهم، ويلعب كلعبهم، فرموه بالاستهزاء والسفه والجهالة حتّى ردّ عليهم، وقال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين، وإنّما استعاذ بالله ولم يخبر عن نفسه بأنّه ليس يجاهل لأنّ ذلك منهعليهالسلام أخذ بالعصمة الإلهيّة الّتي لا تتخلّف لا الحكمة الخلقيّة الّتي ربّما تتخلّف.
وزعموا أن ليس للإنسان أن يقبل قولاً إلّا عن دليل، وهذا حقّ لكنّهم غلطوا في زعمهم أنّ كلّ حكم يجب العثور على دليله تفصيلاً ولا يكفي في ذلك الاجمال ومن أجل ذلك طالبوا تفصيل أوصاف البقرة لحكمهم أنّ نوع البقر ليس فيه خاصّة الاحياء، فإن كان ولا بدّ فهو في فرد خاصّ منه يجب تعيينه بأوصاف كاملة البيان ولذلك قالوا ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي، وهذا تشديد منهم على أنفسهم من غير جهة فشدّد الله عليهم، وقال موسى : إنّه يقول إنّها بقرة لا فارض، أي ليست بمسّنة انقطعت ولادتها ولا بكر أي لم تلد عوان بين ذلك، والعوان من النساء والبهائم ما هو في منتصف السنّ أي واقعة في السنّ بين ما ذكر من الفارض والبكر، ثمّ ترحم عليهم ربّهم فوعظهم أن لا يلحّوا في السؤال، ولا يشدّدوا على أنفسهم ويقنعوا بما بيّن لهم فقال: فافعلوا ما تؤمرون، لكنّهم لم يرتدعوا بذلك بل قالوا أدع لنا ربّك يبيّن لنا ما لونها، قال إنّه يقول إنّها بقرة صفراء فاقع شديد الصفرة في صفاء لونها تسرّ الناظرين وتمّ بذلك
وصف البقرة بياناً، واتّضح أنّها ما هي وما لونها وهم مع ذلك لم يرضوا به، وأعادوا كلامهم الأوّل، من غير تحجّب وانقباض وقالواأدع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي إنّ البقر تشابه علينا وإنّا إنشاء الله لمهتدون، فأجابهم ثانياً بتوضيح في ماهيّتها ولونها وقال إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول أي غير مذلّلة بالحرث والسقي تثير الأرض بالشيار ولا تسقي الحرث فلمّا تمّ عليهم البيان ولم يجدوا ما يسألونه قالوا الآن جئت بالحقّ قول من يعترف بالحقيقة بالالزام والحجّة من غير أن يجد إلى الردّ سبيلاً، فيعترف بالحقّ إضطراراً، ويعتذر عن المبادرة إلى الانكار بأنّ القول لم يكن مبيّناً من قبل، ولا بيّناً تامّاً. والدليل على ذلك قوله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون.
قوله تعالى: ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ) ، شروع في أصل القصّة والتدارء هو التدافع من الدرء بمعنى الدفع فقد كانوا قتلوا نفساً - وكلّ طائفة منهم يدفع الدم عن نفسها إلى غيرها - وأراد الله سبحانه إظهار ما كتموه.
قوله تعالى: ( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) ، أوّل الضميرين راجع إلى النفس بإعتبار أنّه قتيل، وثانيهما إلى البقرة وقد قيل: إنّ المراد بالقصّة بيان أصل تشريع الحكم حتّى ينطبق على الحكم المذكور في التوراة الّذي نقلناه، والمراد بإحياء الموتى العثور بوسيلة تشريع هذا الحكم على دم المقتول، نظير ما ذكره تعالى بقوله:( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) البقرة - ١٧٩، من دون أن يكون هناك إحياء بنحو الإعجاز هذا، وأنت خبير بأنّ سياق الكلام وخاصّة قوله تعالى:( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَىٰ ) يأبى ذلك.
قوله تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) القسوة في القلب بمنزلة الصلابة في الحجر وكلمة أو بمعنى بل، والمراد بكونها بمعنى بل إنطباق معناه على موردها، وقد بيّن شدّة قسوة قلوبهم بقوله:( وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ) وقوبل فيه بين الحجارة والماء لكون الحجارة يضرب بها المثل في الصلابة ككون الماء يضرب به المثل في اللين فهذه الحجارة على كمال صلابتها يتفجّر منها الأنهار على لين مائها وتشقّق فيخرج منها الماء على لينه وصلابتها، ولا يصدر من قلوبهم حال يلائم الحقّ، ولا
قول حقّ يلائم الكمال الواقع.
قوله تعالى: ( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ) ، وهبوط الحجارة ما نشاهد من إنشقاق الصخور على قلل الجبال، وهبوط قطعات منها بواسطة الزلازل، وصيرورة الجمد الّذي يتخلّلها في فصل الشتاء ماءاً في فصل الربيع إلى غير ذلك، وعدّ هذا الهبوط المستند إلى أسبابها الطبيعيّة هبوطاً من خشية الله تعالى لأنّ جميع الأسباب منتهية إلى الله سبحانه فانفعال الحجارة في هبوطها عن سببها الخاصّ بها إنفعال عن أمر الله سبحانه أيّاها بالهبوط، وهي شاعرة لأمر ربّها شعوراً تكوينيّاً، كما قال تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) أسرى - ٤٤، وقال تعالى:( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) البقرة - ١١٦، والانفعال الشعوريّ هو الخشية فهي هابطة من خشية الله تعالى، فالآية جارية مجرى قوله تعالى:( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) الرعد - ١٣: وقوله تعالى:( وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ) الرعد - ١٥، حيث عدّ صوت الرعد تسبيحاً بالحمد وعدّ الظلال ساجدة لله سبحانه إلى غير ذلك من الآيات الّتي جرى القول فيها مجرى التحليل كما لا يخفى.
وبالجملة فقوله:( وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ ) ، بيان ثان لكون قلوبهم أقسى من الحجارة فإنّ الحجارة تخشى الله تعالى، فتهبط من خشيتة، وقلوبهم لا تخشى الله تعالى ولا تهابه.
( بحث روائي)
في محاسن: عن الصادقعليهالسلام : في قول الله : خذوا ما آتيناكم بقوّة، أقوّة الأبدان أو قوّة القلب ؟ قالعليهالسلام : فيهما جميعاً.
أقول: ورواه العيّاشيّ أيضاً في تفسيره.
وفي تفسير العيّاشيّ: عن الحلبيّ في قوله تعالى:( وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ) ، قال: قال أذكروا ما فيه وأذكروا ما في تركه من العقوبة.
أقول: وقد استفيد ذلك من المقام من قوله تعالى:( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ) .
وفي الدرّ المنثور: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لو لا أنّ بني إسرائيل
قالوا وإنّا إنشاء الله لمتهدون ما أعطوا أبداً ولو أنّهم إعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنّهم شدّدوا فشدّد الله عليهم.
وفي تفسير القمّيّ: عن إبن فضّال قال: سمعت أباالحسنعليهالسلام يقول: إنّ الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة وإنّما كانوا يحتاجون إلى ذنبها فشدّد الله عليهم.
وفي المعاني وتفسير العيّاشيّ: عن البزنطيّ قال: سمعت الرضاعليهالسلام يقول: إنّ رجلاً من بني إسرائيل قتل قرابة له ثمّ أخذه وطرحه على طريق أفضل سبط من أسباط بني إسرائيل ثمّ جاء يطلب بدمه فقالوا لموسى إنّ سبط آل فلان قتلوا فلاناً فأخبر من قتله قال: ايتوني ببقرة قالوا: أتتّخذنا هزواً ؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم، قالوا أدع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي ؟ قال إنّه يقول إنّها بقرة لا فارض ولا بكر يعني لا صغيرة ولا كبيرة عوان بين ذلك ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم قالوا أدع لنا ربّك يبيّن لنا ما لونها قال إنّه يقول إنّها بقرة صفراء فاقع لونها تسرّ الناظرين ولو أنّهم عمدوا إلى بقرة أجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم قالوا أدع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي انّ البقر تشابه علينا وإنّا إنشاء الله لمهتدون. قال: إنّه يقول إنّها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها. قالوا الآن جئت بالحقّ فطلبوها فوجدوها عند فتى من بني إسرائيل فقال لا أبيعها إلّا بملؤ مسك ذهباً، فجاءوا إلى موسى وقالوا له ذلك قال إشتروها فاشتروها وجاؤا بها فأمر بذبحها ثمّ أمر أن يضربوا الميّت بذنبها فلمّا فعلوا ذلك حيي المقتول وقال يا رسول الله إنّ إبن عمّي قتلني، دون من إدّعى عليه قتلي، فعلموا بذلك قاتله فقال لرسول الله موسى بعض أصحابه إنّ هذه البقرة لها نبأ فقال وما هو ؟ قال إنّ فتى من بني إسرائيل كان بارّاً بأبيه وإنّه اشترى بيعاً فجاء إلى أبيه والأقاليد تحت رأسه فكره أن يوقظه فترك ذلك البيع فاستيقظ أبوه فأخبره فقال أحسنت، هذه البقرة فهي لك عوضاً ممّا فاتك فقال له رسول الله موسى أنظر إلى البرّ ما بلغ بأهله.
أقول: والرّوايات كما ترى منطبقة على إجمال ما استفدناه من الآيات الشريفة.
( بحث فلسفي)
السورة كما ترى مشتملة على عدّة من الآيات المعجزة، في قصص بني إسرائيل وغيرهم، كفرق البحر وإغراق آل فرعون في قوله تعالى:( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ) الآية، وأخذ الصاعقة بني إسرائيل وإحيائهم بعد الموت في قوله تعالى:( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ) الآية، وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى عليهم في قوله تعالى:( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ ) الآية، وإنفجار العيون من الحجر في قوله تعالى:( وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ) الآية، ورفع الطور فوقهم في قوله تعالى:( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ) الآية، ومسخ قوم منهم في قوله تعالى:( فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً ) الآية، وإحياء القتيل ببعض البقرة المذبوحة في قوله:( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ) الآية، وكإحياء قوم آخرين في قوله :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ ) الآية، وكإحياء الّذي مرّ على قرية خربة في قوله :( أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا ) الآية، وكإحياء الطير بيد إبراهيم في قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ) الآية، فهذه إثنتا عشرة آية معجزة خارقة للعادة جرت أكثرها في بني إسرائيل - ذكرها القرآن - وقد بيّنا فيما مرّ إمكان وقوع المعجزة وأنّ خوارق العادات جائزة الوقوع في الوجود وهي مع ذلك ليست ناقضة لقانون العلّية والمعلوليّة الكلّيّ، وتبيّن به أن لا دليل علي تأويل الآيات الظاهرة في وقوع الإعجاز، وصرفها عن ظواهرها ما دامت الحادثة ممكنة، بخلاف المحالات كإنقسام الثلثة بمتساويين وتولّد مولود يكون أباً لنفسه، فإنّه لا سبيل إلى جوازها.
نعم تختصّ بعض المعجزات كإحياء الموتى والمسخ ببحث آخر، فقد قيل: إنّه قد ثبت في محلّه أنّ الموجود الّذي له قوّة الكمال والفعليّة إذا خرج من القوّة إلى الفعل فإنّه يستحيل بعد ذلك رجوعه إلى القوّة ثانياً، وكذلك كلّ ما هو أكمل وجوداً فإنّه لا يرجع في سيره الاستكماليّ إلى ما هو أنقص وجوداً منه من حيث هو كذلك. والإنسان بموته يتجرّد بنفسه عن المادّة فيعود موجوداً مجرّداً مثاليّاً أو عقليّاً، وهاتان
الرتبتان فوق مرتبة المادّة، والوجود فيهما أقوى من الوجود المادّيّ، فمن المحال أن تتعلّق النفس بعد موتها بالمادّة ثانياً، وإلّا لزم رجوع الشئ إلى القوّة بعد خروجه إلى الفعل، وهو محال، وأيضاً الإنسان أقوى وجوداً من سائر أنواع الحيوان، فمن المحال أن يعود الإنسان شيئاً من سائر أنواع الحيوان بالمسخ.
أقول: ما ذكره من إستحاله رجوع ما بالقوّة بعد خروجه إلى الفعل إلى القوّة ثانياً حقّ لا ريب فيه، لكن عود الميّت إلى حياته الدنيا ثانياً في الجملة وكذا المسخ ليسا من مصاديقه. بيان ذلك: أنّ المحصّل من الحسّ والبرهان أن الجوهر النباتيّ المادّيّ إذا وقعت في صراط الاستكمال الحيوانيّ فإنّه يتحرّك إلى الحيوانيّة، فيتصوّر بالصورة الحيوانيّة وهي صورة مجرّدة بالتجرّد البرزخيّ، وحقيقتها إدراك الشئ نفسه بإدراك جزئي خياليّ وهذه الصورة وجود كامل للجوهر النباتيّ وفعليّة لهذه القوّة تلبّس بها بالحركة الجوهريّة ومن المحال أن ترجع يوماً إلى الجوهر المادّيّ فتصير إيّاه إلّا أن تفارق مادّتها فتبقى المادّة مع صورة مادّيّة كالحيوان تموت فيصير جسداً لا حراك به، ثمّ إنّ الصورة الحيوانيّة مبدأ لأفعال إدراكيّة تصدر عنها، وأحوال علميّة تترتّب عليها، تنتقش النفس بكلّ واحد من تلك الأحوال بصدورها منها، ولا يزال نقش عن نقش، وإذا تراكمت من هذه النقوش ما هي متشاكلة متشابهة تحصّل نقش واحد وصار صورة ثابتة غير قابلع للزوال، وملكة راسخة، وهذه صورة نفسانيّة جديدة يمكن أن يتنوّع بها نفس حيوانىّ فتصير حيواناً خاصّاً ذا صورة خاصّة منوعة كصورة المكر والحقد والشهوة والوفاء والافتراس وغير ذلك وإذا لم تحصل ملكة بقي النفس على مرتبتها الساذجة السابقة، كالنبات إذا وقفت عن حركتها الجوهريّة بقي نباتاً ولم يخرج إلى الفعليّة الحيوانيّة، ولو أن النفس البرزخيّة تتكامل من جهة أحوالها وأفعالها بحصول الصورة دفعة لانقطعت علقتها مع البدن في أوّل وجودها لكنّها تتكامل بواسطة أفعالها الإدراكيّة المتعلّقة بالمادّة شيئاً فشيئاً حتّى تصير حيواناً خاصّاً إن عمّر العمر الطبيعيّ أو قدراً معتداً به، وإن حال بينه وبين استتمام العمر الطبيعيّ أو القدر المعتدّ به مانع كالموت الاختراميّ بقي على ما كان عليه من سذاجة الحيوانيّة، ثمّ إنّ الحيوان إذا وقعت في صراط الإنسانيّة وهي الوجود
الّذي يعقل ذاته تعقّلاً كليّاً مجرّداً عن المادّة ولوازمها من المقادير والألوان وغيرهما خرج بالحركة الجوهريّة من فعليّة المثال الّتي هي قوّة العقل إلى فعليّة التجرّد العقليّ، وتحقّقت له صورة الإنسان بالفعل، ومن المحال أن تعود هذه الفعليّة إلى قوّتها الّتي هي التجرّد المثاليّ على حدّ ما ذكر في الحيوان.
ثمّ إنّ لهذه الصورة أيضاً أفعالاً وأحوالاً تحصل بتراكمها التدريجيّ صورة خاصّة جديدة توجب تنوّع النوعيّة الإنسانيّة على حدّ ما ذكر نظيره في النوعيّة الحيوانيّة.
إذا عرفت ما ذكرناه ظهر لك أنّا لو فرضنا إنساناً رجع بعد موته إلى الدنيا وتجدّد لنفسه التعلّق بالمادّة وخاصّة المادّة الّتي كانت متعلّقة نفسه من قبل لم يبطل بذلك أصل تجرّد نفسه فقد كانت مجرّدة قبل انقطاع العلقة ومعها أيضاً وهي مع التعلّق ثانياً حافظة لتجرّدها، والّذي كان لها بالموت أنّ الأداة الّتي كانت رابطة فعلها بالمادّة صارت مفقودة لها فلا تقدر على فعل مادّيّ كالصانع إذا فقد آلات صنعته والأدوات اللازمة لها، فإذا عادت النفس إلى تعلّقها الفعليّ بالمادّة أخذت في استعمال قواها وأدواتها البدنيّة ووضعت ما اكتسبتها من الأحوال والملكات بواسطة الأفعال فوق ما كانت حاضرة وحاصلة لها من قبل واستكملت بها استكمالاً جديداً من غير أن يكون ذلك منه رجوعاً قهقرى وسيراً نزوليّاً من الكمال إلى النقص، ومن الفعل إلى القوّة.
فإن قلت: هذا يوجب القول: بالقسر الدائم مع ضرورة بطلانه، فإنّ النفس المجرّدة المنقطعة عن البدن لو بقي في طباعها إمكان الاستكمال من جهة الأفعال المادّيّة بالتعلّق بالمادّة ثانياً كان بقاؤها على الحرمان من الكمال إلى الأبد حرماناً عمّا تستدعيه بطباعها، فما كلّ نفس براجعة إلى الدنيا بإعجاز أو خرق عادة. والحرمان المستمرّ قسر دائم.
قلت: هذه النفوس الّتي خرجت من القوّة إلى الفعل في الدنيا واتّصلت إلى حدّ وماتت عندها لا تبقى على إمكان الاستكمال اللاحق دائماً بل يستقرّ على فعليّتها الحاضرة بعد حين أو تخرج إلى الصورة العقليّة المناسبة لذلك وتبقى على ذلك وتزول الإمكان المذكور بعد ذلك فالإنسان الّذي مات وله نفس ساذجة غير أنّه فعل أفعالاً
وخلط عملاً صالحاً وآخر سيّئاً لو عاش حيناً أمكن أن يكتسب على نفسه الساذجة صورة سعيده أو شقيّة وكذا لو عاد بعد الموت إلى الدنيا وعاش أمكن أن يكتسب على صورته السابقة صورة خاصّة جديدة وإذا لم يعد فهو في البرزخ مثاب أو معذّب بما كسبته من الافعال حتّى يتصوّر بصورة عقليّة مناسبة لصورته السابقة المثاليّة وعند ذلك يبطل الامكان المذكور ويبقى إمكانات الاستكمالات العقليّة فإنّ عاد إلى الدنيا كالأنبياء والاولياء لو عادوا إلى الدنيا بعد موتهم أمكن أن يحصل صورة أخرى عقليّة من ناحية المادّة والافعال المتعلّقة بها ولو لم يعد فليس له إلّا ما كسب من الكمال والصعود في مدارجه، والسير في صراطه، هذا.
ومن المعلوم أنّ هذا ليس قسراً دائماً ولو كان مجرّد حرمان موجود عن كماله الممكن له بواسطة عمل عوامل وتأثير علل مؤثّرة قسراً دائماً لكان أكثر حوادث هذا العالم الّذي هو دار التزاحم، وموطن التضادّ أو جميعها قسراً دائماً، فجميع أجزاء هذا العالم الطبيعيّ مؤثّرة في الجميع، وإنّما القسر الدائم أن يجعل في غريزة نوع من الانواع إقتضاء كمال من الكمالات أو إستعداد ثمّ لا يظهر أثر ذلك دائماً إمّا لأمر في داخل ذاته أو لأمر من خارج ذاته متوجّه إلى إبطاله بحسب الغريزة فيكون تغريز النوع المقتضي أو المستعدّ للكمال تغريزاً باطلاً وتجبيلاً هباءً لغواً فافهم ذلك. وكذا لو فرضنا إنساناً تغيّرت صورته إلى صورة نوع آخر من أنواع الحيوان كالقرد والخنزير فإنّما هي صورة على صورة، فهو إنسان خنزير أو إنسان قردة، لا إنسان بطلت إنسانيّته وحلّت الصورة الخنزيريّة أو القرديّة محلّها، فالإنسان إذا كسب صورة من صور الملكات تصوّرت نفسه بها ولا دليل على استحالة خروجها في هذه الدنيا من الكمون إلى البروز على حدّ ما ستظهر في الآخرة بعد الموت، وقد مرّ أنّ النفس الإنسانيّة في أوّل حدوثها على السذاجة يمكن أن تتنوّع بصورة خاصّة تخصّصها بعد الإبهام وتقيّدها بعد الإطلاق والقبول فالممسوخ من الإنسان إنسان ممسوخ لا أنّه ممسوخ فاقد للإنسانيّة هذا. ونحن نقرء في المنشورات اليوميّة من أخبار المجامع العلميّة بأروبا وإمريكا ما يؤيّد جواز الحياة بعد الموت، وتبدّل صورة الإنسان بصورة المسخ، وإن لم نتّكل في هذه المباحث على
أمثال هذه الأخبار، لكن من الواجب على الباحثين من المحصّلين أن لا ينسوا اليوم ما يتلونه بالأمس.
فإن قلت: فعلى هذا فلا مانع من القول بالتناسخ.
قلت: كلّا فإنّ التناسخ وهو تعلّق النفس المستكملة بنوع كمالها بعد مفارقتها البدن ببدن آخر محال، فإنّ هذا البدن إن كان ذا نفس استلزم التناسخ تعلّق نفسين ببدن واحد، وهو وحدة الكثير، وكثرة الواحد، وإن لم تكن ذا نفس استلزم رجوع ما بالفعل إلى القوّة، كرجوع الشيخ إلى الصبا، وكذلك يستحيل تعلّق نفس إنسانيّ مستكملة مفارقة ببدن نبأتيّ أو حيوانيّ بما مرّ من البيان.
( بحث علمي وأخلاقي)
أكثر الاُمم الماضية قصّة في القرآن اُمّة بني إسرائيل، وأكثر الأنبياء ذكراً فيه موسى بن عمرانعليهالسلام ، فقد ذكر إسمه في القرآن، في مائة وستة وثلاثين موضعاً ضعف ما ذكر إبراهيمعليهالسلام الّذي هو أكثر الأنبياء ذكراً بعد موسى، فقد ذكر في تسعة وستين موضعاً على ما قيل فيهما، والوجه الظاهر فيه أنّ الإسلام هو الدين الحنيف المبنيّ على التوحيد الّذي أسّس أساسه إبراهيمعليهالسلام وأتمّه الله سبحانه وأكمله لنبيّه محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم قال تعالى:( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ) الحج - ٧٨، وبنو إسرائيل أكثر الاُمم لجاجاً وخصاماً، وأبعدهم من الانقياد للحقّ، كما أنّه كان كفّار العرب الّذين ابتلى بهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على هذه الصفة، فقد آل الأمر إلى أن نزل فيهم:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) البقرة - ٦. ولا ترى رذيلة من رذائل بني إسرائيل في قسوتهم وجفوتهم ممّا ذكره القرآن إلّا وهو موجود فيهم، وكيف كان فأنت إذا تأمّلت قصص بني إسرائيل المذكورة في القرآن، وأمعنت فيها، وما فيها من أسرار أخلاقهم وجدت أنّهم كانوا قوماً غائرين في المادّة مكبّين على ما يعطيه الحسّ من لذائذ الحياة الصوريّة، فقد كانت هذه الاُمّة لا تؤمن بما وراء الحسّ، ولا تنقاد إلّا إلى اللذّة والكمال المادّيّ وهم اليوم كذلك. وهذا الشأن هو الّذي صيّر عقلهم وإرادتهم تحت انقياد الحسّ والمادّة، لا يعقلون إلّا ما يجوّزانه، ولا يريدون إلّا ما
يرخّصان لهم ذلك فانقياد الحسّ يوجب لهم أن لا يقبلوا قولاً إلّا إذا دلّ عليه الحسّ، وإن كان حقّاً وانقياداً المادّة اقتضى فيهم أن يقبلوا كلّ ما يريده أو يستحسنه لهم كبراؤهم ممّن أوتي جمال المادّة,. وزخرف الحياة وإن لم يكن حقّاً، فأنتج ذلك فيهم التناقض قولاً وفعلاً، فهم يذمّون كلّ اتّباع باسم أنّه تقليد وإن كان ممّا ينبغي إذا كان بعيداً من حسّهم، ويمدحون كلّ اتّباع باسم أنّه حظّ الحياة، وإن كان ممّا لا ينبغي إذا كان ملائماً لهوساتهم المادّيّة، وقد ساعدهم على ذلك وأعانهم على مكثهم الممتدّ وقطونهم الطويل بمصر تحت إستذلال المصريّين، واسترقاقهم، وتعذيبهم، يسومونهم سوء العذاب ويذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم وفي ذلك بلاء من ربّهم عظيم.
وبالجملة فكانوا لذلك صعبة الانقياد لما يأمرهم به أنبيائهم، والربّانيّون من علمائهم ممّا فيه صلاح معاشهم ومعادهم (تذكّر في ذلك مواقفهم مع موسى وغيره) وسريعة اللحوق إلى ما يدعوهم المغرضون والمستكبرون منهم.
وقد ابتليت الحقيقة والحقّ اليوم بمثل هذه البليّة بالمدنيّة المادّيّة الّتي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنيّة القاعدة على الحسّ والمادّة فلا يقبل دليل فيما بعد عن الحسّ ولا يسأل عن دليل فيما تضمّن لذّة مادّيّة حسّيّة، فأوجب ذلك إبطال الغريزة الإنسانيّة في أحكامهاو ارتحال المعارف العالية والاخلاق الفاضلة من بيننا فصار يهدّد الإنسانيّة بالانهدام، وجامعة البشر بأشدّ الفساد وليعلمنّ نبأه بعد حين.
واستيفاء البحث في الاخلاق ينتج خلاف ذلك، فما كلّ دليل بمطلوب، وما كلّ تقليد بمذموم، بيان ذلك: أنّ النوع الإنسانيّ بما أنّه إنسان إنّما يسير إلى كماله الحيويّ بأفعاله الإراديّة المتوقّفة على الفكر والإرادة منه مستحيلة التحقّق إلّا عن فكر، فالفكر هو الاساس الوحيد الّذي يبتني عليه الكمال الوجودي الضروريّ فلا بد للإنسان من تصديقات عمليّة أو نظريّة يرتبط بها كماله الوجوديّ ارتباطاً بلا واسطة أو بواسطة، وهي القضايا الّتي نعلّل بها أفعالنا الفرديّة أو الاجتماعيّة أو نحضرها في أذهاننا، ثمّ نحصّلها في الخارج بأفعالنا. هذا.
ثمّ إنّ في غريزة الإنسان أن يبحث عن علل ما يجده من الحوادث، أو يهاجم
إلى ذهنه من المعلومات، فلا يصدر عنه فعل يريد به إيجاد ما حضر في ذهنه في الخارج إلّا إذا حضر في ذهنه علّته الموجبة، ولا يقبل تصديقاً نظريّاً إلّا إذا اتّكى على التصديق بعلّته بنحو. وهذا شأن الإنسان لا يتخطّاه ألبتّة، ولو عثرنا في موارد على ما يلوح منه خلاف ذلك فبالتأمّل. والإمعان تنحلّ الشبهة، ويظهر البحث عن العلّة، والركون والطمأنينة إليها فطريّ، والفطرة لا تختلف ولا يتخلّف فعلها، وهذا يؤدّي الإنسان إلى ما فوق طاقته من العمل الفكريّ والفعل المتفرّع عليه لسعة الاحتياج الطبيعيّ، بحيث لا يقدر الإنسان الواحد إلى رفعه معتمداً على نفسه ومتّكئاً إلى قوّة طبيعتة الشخصيّة فإحتالت الفطرة إلى بعثه نحو الاجتماع وهو المدنيّة والحضارة و وزّعت أبواب الحاجة الحيويّة بين أفراد الاجتماع، ووكلّ بكلّ باب من أبوابها طائفة كأعضاء الحيوان في تكاليفها المختلفة المجتمعة فائدتها وعائدتها في نفسه، ولا تزال الحوائج الإنسانيّة تزداد كمّيّة واتّساعاً وتنشعب الفنون والصناعات والعلوم، ويتربّى عند ذلك الأخصّائيّون من العلماء والصنّاع، فكثير من العلوم والصناعات كانت علماً أو صنعة واحدة يقوم بأمرها الواحد من الناس، واليوم نرى كلّ باب من أبوابه علماً أو علوماً أو صنعة أو صنائع، كالطبّ المعدود قديماً فنّاً واحداً من فروع الطبيعيّات وهو اليوم فنون لا يقوم الواحد من العلماء الاخصائيّين بأزيد من أمر فنّ واحد منها.
وهذا يدعو الإنسان بإلهام الفطريّ، أن يستقلّ بما يخصّه من الشغل الإنسانيّ في البحث عن علّته ويتّبع في غيره من يعتمد على خبرته ومهارته.
فبناء العقلاء من أفراد الاجتماع على الرجوع إلى أهل الخبرة وحقيقة هذا الاتّباع، والتقليد المصطلح والركون إلى الدليل الاجماليّ فيما ليس في وسع الإنسان أن ينال دليل تفاصيله كما أنّه مفطور على الاستقلال بالبحث عن دليله التفصيليّ فيما يسعه أن ينال تفصيل علّته و دليله، وملاك الأمر كلّه أنّ الإنسان لا يركن إلى غير العلم، فمن الواجب عند الفطرة الاجتهاد، وهو الاستقلال في البحث عن العلّة فيما يسعه ذلك والتقليد وهو الاتّباع ورجوع الجاهل إلى العالم فيما لا يسعه ذلك. ولمّا استحال أن يوجد فرد من هذا النوع الإنسانيّ مستقلّا بنفسه قائماً بجميع شؤن الأصل الّذي يتّكي عليه
الحياة أستحال أن يوجد فرد من الإنسان من غير اتّباع وتقليد. ومن ادّعى خلاف ذلك أو ظنّ من نفسه أنّه غير مقلّد في حياته فقد سفه نفسه.
نعم: التقليد فيما للإنسان أن ينال علّته وسببه كالاجتهاد فيما ليس له الورود عليه والنيل منه، من الرذائل الّتي هي من مهلكات الاجتماع، ومفنيات المدنيّة الفاضلة ولا يجوز الاتّباع المحض إلّا في الله سبحانه لأنّه السبب الّذي إليه تنتهي الأسباب.
( سورة البقرة الآيات ٧٥ - ٨٢)
أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( ٧٥ ) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ( ٧٦ ) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ( ٧٧ ) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ( ٧٨ ) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ( ٧٩ ) وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ٨٠ ) بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٨١ ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( ٨٢ )
( بيان)
السياق وخاصّة ما في ذيل الآيات يفيد أنّ اليهود عند الكفّار، وخاصّة كفّار المدينة: لقرب دارهم منهم كانوا يعرفون قبل البعثة ظهيراً لرسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وعندهم علم الدين والكتاب، ولذلك كان الرجاء في إيمانهم أكثر من غيرهم، وكان المتوقّع أن يؤمنوا به أفواجاً فيتأيّد بذلك ويظهر نوره، وينتشر دعوته. ولمّا هاجر النبيّ إلي المدينة وكان من أمرهم ما كان تبدّل الرّجاء قنوطاً، والطمع يأساً، ولذلك يقول سبحانه:( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) الخ، يعني أنّ كتمان الحقائق وتحريف الكلام من شيمهم، فلا ينبغي أن يستبعد نكولهم عمّا قالوا ونقضهم ما أبرموا.
قوله تعالى: ( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ ) ، فيه التفات من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب النبيّ والّذين آمنوا ووضعهم موضع الغيبة وكأنّ الوجه فيه أنّه لما قصّ قصّة البقرة وعدل فيها من خطاب بني إسرائيل إلى غيبتهم لمكان التحريف الواقع فيها بحذفها من التوراة كما مرّ، أريد إتمام البيان بنحو الغيبة بالإشارة إلى تحريفهم كتاب الله تعالى فصرف لذلك وجه الكلام إلى الغيبة.
قوله تعالى: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا ) الخ، لا تقابل بين الشرطين وهما مدخولا إذا في الموضعين كما في قوله تعالى:( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) البقرة - ١٤، بل المراد بيان موضعين آخرين من مواضع جرائمهم وجهالتهم.
أحدهما: أنّهم ينافقون فيتظاهرون بالإيمان صوناً لأنفسهم من الإيذاء والطعن والقتل.
وثانيهما: أنّهم يريدون تعمية الأمر وإبهامه على الله سبحانه العالم بسرّهم وعلانيتهم وذلك أنّ العامّة منهم، وهم أولوا بساطة النفس ربّما كانوا ينبسطون للمؤمنين، فيحدّثونهم ببعض ما في كتبهم من بشارات النبيّ أو ما ينفع المؤمنين في تصديق النبوّة، كما يلوح من لحن الخطاب فكان أولياؤهم ينهونهم معلّلا بأنّ ذلك ممّا فتح الله لهم، فلا ينبغي أن يفشى للمؤمنين، فيحاجّوهم به عند ربّهم كأنّهم لو لم يحاجّوهم به عند ربّهم لم يطّلع الله عليه فلم يؤاخذهم بذلك ولازم ذلك أنّ الله تعالى إنّما يعلم علانية الأمر، دون سرّه وباطنه وهذا من الجهل بمكان، فردّ الله سبحانه عليهم بقوله:( أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) الآية فإنّ هذا النوع من العلم - وهو ما يتعلّق بظاهر الأمر دون باطنه - إنّما هو العلم المنتهي إلى الحسّ الّذي يفتقر إلى بدن مادّيّ مجهّز بآلات مادّيّة مقيّد بقيود الزمان والمكان مولود لعلل اُخرى مادّيّة وما هو كذلك مصنوع من العالم لا صانع العالم.
وهذا أيضاً من شواهد ما قدّمناه آنفاً أنّ بني إسرائيل لاذعانهم بأصالة المادّة كانوا يحكمون في الله سبحانه بما للمادّة من الأحكام، فكانوا يظنّونه موجوداً فعّالاً
في المادّة مستعلياً قاهراً عليه، ولكن بعين ما تفعل علّة مادّيّة وتستعلي وتقهر على معلول مادّيّ. وهذا أمر لا يختصّ به اليهود، بل هو شأن كلّ من يذعن بأصالة المادّة من المليّين وغيرهم، فلا يحكمون في ساحة قدسه سبحانه إلّا بما يعقلون من أوصاف المادّيّات من الحياة والعلم والقدرة والاختيار والإرادة والقضاء والحكم وتدبير الأمر وإبرام القضاء إلى غير ذلك. وهذا داء لا ينجع معه دواء، وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يعقلون، حتّى آل الأمر إلى أن استهزأ بهم من لا مسكة له في دينهم الحقّ ولا قدم له في معارفهم الحقّة، قائلاً إنّ المسلمين يروون عن نبيّهم أنّ الله خلق آدم على صورته وهم معاشر اُمّته يخلقون الله على صورة آدم، فهؤلاء يدور أمرهم بين أن يثبتوا لربّهم جميع أحكام المادّة، كما يفعله المشبّهة من المسلمين أو من يتلو تلوهم وإن لم يعرف بالتشبيه، أو لا يفهموا شيئاً من أوصاف جماله، فينفوا الجميع بإرجاعها إلى السلوب قائلاً أن ما يبيّن أوصافه تعالى من الألفاظ إنّما يقع عليه بالاشتراك اللفظيّ فلقولنا: إنّه موجود ثابت عالم قادر حيّ معان لا نفهمها ولا نعقلها، فاللازم إرجاع معانيها إلى النفي، فالمعنى مثلاً أنّه ليس بمعدوم، ولا زائل، ولا جاهل، ولا عاجز ولا ميّت فاعتبروا يا أولي الأبصار فهذا بالاستلزام زعم منهم بأنّهم يؤمنون بما لا يدرون، ويعبدون ما لا يفهمون، ويدعون إلى ما لا يعقلون، ولا يعقله أحد من الناس، وقد كفتهم الدعوة الدينيّة مؤنة هذه الأباطيل بالحقّ فحكم على العامّة أن يحفظوا حقيقة القول ولبّ الحقيقة بين التشبيه والتنزيه فيقولوا: إن الله سبحانه شئ لا كالأشياء وأنّ له علما لا كعلومنا، وقدرة لا كقدرتنا وحياة لا كحياتنا، مريد لا بهمامة، متكلّم لا بشقّ فم، وعلى الخاصّة أن يتدبّروا في آياته ويتفقّهوا في دينه فقد قال الله سبحانه:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) الزمر - ٩، والخاصّة كما لا يساوون العامّة في درجات المعرفة، كذلك لا يساوونهم في التكاليف المتوجّهة إليهم، فهذا هو التعليم الدينيّ النازل في حقّهم لو أنّهم كانوا يأخذون به.
قوله تعالى: ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ) ، الاُمّيّ من لا يقرأ ولا يكتب منسوب إلى الاُمّ لأنّ عطوفة الاُمّ وشفقتها كانت تمنعها أن ترسل ولدها إلى
المعلّم وتسلّمه إلى تربيته، فكان يكتفي بتربية الاُمّ، والأمانيّ جمع اُمنيّة، وهي الأكاذيب، فمحصّل المعنى أنّهم بين من يقرأ الكتاب ويكتبه فيحرّفه وبين من لا يقرأ ولا يكتب ولا يعلم من الكتاب الّا أكاذيب المحرّفين.
قوله تعالى: ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) ، الويل هو الهلكة والعذاب الشديد والحزن والخزى والهوان وكلّ ما يحذره الإنسان أشدّ الحذر والاشتراء هو الابتياع.
قوله تعالى: ( فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم ) الخ. الضمائر إمّا راجعة إلى بني إسرائيل أو لخصوص المحرّفين منهم ولكلّ وجه وعلى الأوّل يثبت الويل للاُميّين منهم أيضاً.
قوله تعالى: ( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) الخ. الخطيئة هي الحالة الحاصلة للنفس من كسب السيّئة، ولذلك أتي باحاطة الخطيئة بعد ذكر كسب السيّئة وإحاطة الخطيئة توجب أن يكون الإنسان المحاط مقطوع الطريق إلى النجاة كأنّ الهداية لإحاطة الخطيئة به لا تجد إليه سبيلاً فهو من أصحاب النار مخلّداً فيها ولو كان في قلبه شئ من الإيمان بالفعل، أو كان معه بعض ما لا يدفع الحقّ من الاخلاق والملكات، كالإنصاف والخضوع للحقّ، أو ما يشابههما لكانت الهداية والسعادة ممكنتي النفوذ إليه، فإحاطة الخطيئة لا تتحقّق إلّا بالشرك الّذي قال تعالى فيه:( إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) النساء - ٤٨، ومن جهة اُخرى إلّا بالكفر وتكذيب الآيات كما قال سبحانه:( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة - ٣٩، فكسب السيّئة وإحاطة الخطيئة كالكلمة الجامعة لما يوجب الخلود في النار.
واعلم أنّ هاتين الآيتين قريبتا المعنى من قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ ) الخ البقرة - ٦٢، وانّما الفرق أنّ الآيتين أعني قوله:( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ) ، في مقام بيان أنّ الملاك في السعادة انّما هو حقيقة الإيمان والعمل الصالح دون الدعاوي والآيتان المتقدّمتان أعني قوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ) الخ. في مقام بيان أنّ الملاك فيها هو حقيقة الإيمان والعمل الصالح دون التسمّي بالأسماء.
( بحث روائي)
في المجمع: في قوله:( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ) الآية، عن الباقرعليهالسلام قال: كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين إذا لقوا المسلمين حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) فنهى كبراؤهم عن ذلك وقالوا لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم فيحاجّوهم به عند ربّهم فنزلت هذه الآية.
وفي الكافي عن أحدهماعليهماالسلام : في قوله تعالى:( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ) ، قال: إذا جحدوا ولآية أميرالمؤمنين فاُؤلئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
أقول: وروي قريباً من هذا المعنى الشيخ في أماليه عن النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم). والروايتان من الجرى والتطبيق على المصداق، وقد عدّ سبحانه الولاية حسنة في قوله:( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) الشوري - ٢٣، ويمكن أن يكون من التفسير لما سيجئ في سورة المائدة أنّها العمل بما يقتضيه التوحيد وإنّما نسب إلى عليّعليهالسلام لأنّه أوّل فاتح من هذه الاُمّة لهذا الباب فإنّتظر.
( سورة البقرة الآيات ٨٣ - ٨٨)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ( ٨٣ ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ( ٨٤ ) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ٨٥ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ( ٨٦ ) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ( ٨٧ ) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ( ٨٨ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) ، الآية في بديع نظمها تبتدئ أوّلاً بالغيبة وتنتهي إلى الخطاب حيث تقول:( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ) ، ثمّ إنّها تذكّر أوّلاً الميثاق وهو أخذ للعهد، ولا يكون إلّا بالقول، ثمّ تحكي ما أخذ عليه الميثاق فتبتدئ فيه بالخبر، حيث تقول:( لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ ) ، وتختم بالإنشاء حيث تقول :( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) إلخ. ولعلّ الوجه في ذلك كلّه أنّ الآيات المتعرّضة لحال بني إسرائيل لما بدأت بالخطاب لمكان إشتمالها على التقريع والتوبيخ وجرت عليه كان سياق
الكلام فيها الخطاب ثمّ لما تبدّل الخطاب بالغيبة بعد قصّة البقرة لنكتة داعية إليها كما مرّ حتّى انتهت إلى هذه الآية، فبدئت أيضاً بالغيبة لكنّ الميثاق حيث كان بالقول وبنى على حكايته حكي بالخطاب فقيل:( لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ ) إلخ، وهو نهى في صورة الخبر. وإنّما فعل ذلك دلالة على شدّة الاهتمام به، كأنّ الناهي لا يشكّ في عدم تحقّق ما نهى عنه في الخارج، ولا يرتاب في أنّ المكلّف المأخوذ عليه الميثاق سوف لا ينتهي عن نهيه، فلا يوقع الفعل قطعاً وكذا قوله:( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ ) ، كلّ ذلك أمر في صورة الخبر.
ثمّ إنّ الانتقال إلى الخطاب من قبل الحكاية أعطى فرصة للانتقال إلى أصل الكلام، وهو خطاب بني إسرائيل لمكان الاتصال في قوله:( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ) الخ وانتظم بذلك السياق.
قوله تعالى: ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) . أمر أو خبر بمعنى الأمر والتقدير: وأحسنوا بالوالدين إحساناً، وذي القربى واليتامى والمساكين، أو التقدير: وتحسنون بالوالدين إحساناً الخ، وقد رتّب موارد الإحسان أخذاً من الأهمّ والأقرب إلى المهمّ والأبعد فقرابة الإنسان أقرب إليه من غيرهم، والوالدان وهما الأصل الّذي تتّكي عليه وتقوم به شجرة وجوده أقرب من غيرهما من الأرحام وفي غير القرابة أيضاً اليتامى أحقّ بالإحسان لصغرهم وفقدهم من يقوم بأمرهم من المساكين. هذا وقوله:( وَالْيَتَامَىٰ ) ، اليتيم من مات أبوه ولا يقال لمن ماتت اُمّه يتيم. وقيل اليتيم في الإنسان إنّما تكون من جهة الأب وفي غير الإنسان من سائر الحيوان من جهة الاُمّ وقوله تعالى:( وَالْمَسَاكِينِ ) ، جمع مسكين وهو الفقير العادم الذليل. وقوله تعالى:( حُسْنًا ) مصدر بمعنى الصفة جئ به للمبالغة. وفي بعض القراءآت حسناً، بفتح الحاء والسين صفة مشبّهة. والمعنى قولوا للناس قولاً حسناً، وهو كناية عن حسن المعاشرة مع الناس، كافرهم، ومؤمنهم ولا ينافي حكم القتال حتّى تكون آية القتال ناسخة له لأنّ مورد القتال غير مورد المعاشرة فلا ينافي الأمر بحسن المعاشرة كما أنّ القول الخشن في مقام التأديب لا ينافي حسن المعاشرة.
قوله تعالى: ( لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ ) ، خبر في معنى الإنشاء نظير ما مرّ في قوله:( لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ ) ، والسفك الصبّ.
قوله تعالى: ( تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم ) ، المظاهرة هي المعاونة، والظهير العون مأخوذ من الظهر لأنّ العون يلي ظهر الإنسان.
قوله تعالى: ( وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ) ، الضمير للشأن والقصّة كقوله تعالى:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) .
قوله تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ ) ، أي ما هو الفرق بين الاخراج والفدية حيث أخذتم بحكم الفدية وتركتم حكم الاخراج وهما جميعاً في الكتاب، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟
قوله تعالى: ( وَقَفَّيْنَا ) ، التقفية الإتباع وإتيان الواحد قفأ الواحد.
قوله تعالى: ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ) ، سيأتي الكلام فيه في سورة آل عمران.
قوله تعالى: ( وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) جمع أغلف من الغلاف أي قلوبنا محفوظة تحت لفائف وأستار وحجب، فهو نظير قوله تعالى:( وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ) حم سجدة - ٥، وهو كناية عن عدم امكان استماع ما يدعون إليه.
( بحث روائي)
في الكافي عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله تعالى:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) الآية. قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال فيكم.
وفي الكافي أيضاً عن الصادقعليهالسلام قال: قولوا للناس ولا تقولوا إلّا خيراً حتّى تعلموا ما هو.
وفي المعاني عن الباقرعليهالسلام قال: قولوا للناس أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، فإنّ الله عزّوجلّ يبغض السبّاب اللعّان الطعّان على المؤمنين الفاحش المفحش السّائل ويحبّ الحيّي الحليم العفيف المتعفّف.
أقول: وروي مثل الحديث في الكافي بطريق آخر عن الصادقعليهالسلام وكذا العيّاشيّ عنهعليهالسلام ومثل الحديث الثّاني في الكافي عنه. ومثل الحديث الثالث العيّاشيّ عن الباقرعليهالسلام
وكأنّ هذه المعاني اُستفيدت من إطلاق الحسن عند القائل وإطلاقه من حيث المورد.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام قال: إنّ الله بعث محمّداً (صلّي الله عليه و آله و سلّم) بخمسة أسياف فسيف على أهل الذمّة. قال الله: وقولوا للناس حسناً، نزلت في أهل الذمّة ثمّ نسختها اُخرى قوله:( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ) الحديث.
أقول: وهو منهعليهالسلام أخذ بإطلاق آخر للقول وهو شموله للكلام ولمطلق التعرّض. يقال لا تقل له إلّا حسناً وخيراً أي لا تتعرّض له إلّا بالخير والحسن، ولا تمسسه إلّا بالخير والحسن. هذا إن كان النسخ في قولهعليهالسلام هو النسخ بالمعنى الأخصّ وهو المصطلح ويمكن أن يكون المراد هو النسخ بالمعنى الأعمّ، على ما سيجئ في قوله تعالى:( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ) البقرة - ١٠٦، وهو الكثير في كلامهم عليهم السلام فتكون هذه الآية وآية القتال غير متّحدتين مورداً.
( سورة البقرة الآيات ٨٩ - ٩٣)
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ( ٨٩ ) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ( ٩٠ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ٩١ ) وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ( ٩٢ ) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ( ٩٣ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ ) الخ. السياق يدلّ على أنّ هذا الكتاب هو القرآن.وقوله: ( وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، على وقوع تعرّض لهم من كفّار العرب، وأنّهم كانوا يستفتحون أي يطلبون الفتح عليهم ببعثة النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وهجرته وأنّ ذلك الاستفتاح قد استمرّ منهم قبل الهجرة، بحيث كان الكفّار من العرب أيضاً يعرفون ذلك منهم لمكان قوله:( كَانُوا ) ، وقوله:( فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا ) ، أي عرفوا أنّه هو بإنطباق ما كان عندهم من الأوصاف عليه كفروا.
قوله تعالى: ( بِئْسَمَا اشْتَرَوْا ) بيان لسبب كفرهم بعد العلم وأنّ السبب الوحيد في ذلك هوالبغي والحسد، فقوله:( بَغْيًا ) ، مفعول مطلق نوعيّ. وقوله:( أَن يُنَزِّلَ اللهُ ) ، متعلّق به، وقوله تعالى:( فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ) ، أي رجعوا بمصاحبته أو بتلبّس غضب بسبب كفرهم بالقرآن على غضب بسبب كفرهم بالتوراة من قبل، والمعنى أنّهم كانوا قبل البعثة والهجرة ظهيراً للنبي (صلّي الله عليه و آله و سلّم) ومستفتحاً به وبالكتاب النازل عليه، ثمّ لما نزل
بهم النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) ونزل عليه القرآن وعرفوا أنّه هو الّذي كانوا يستفتحون به وينتظرون قدومه هاج بهم الحسد، وأخذهم الاستكبار، فكفروا وأنكروا ما كانوا يذكرونه كما كانوا يكفرون بالتوراة من قبل، فكان ذلك منهم كفراً على كفر.
قوله تعالى: ( وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ) ، أي يظهرون الكفر بما ورائه، وإلّا فهم بالّذي اُنزل إليهم وهو التوراة أيضاً كافرون.
قوله تعالى: ( قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ) ، الفاء للتفريع. والسؤال متفرّع على قولهم:( نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا ) ، أي لو كان قولكم: نؤمن بما أنزل علينا حقّاً وصدقاً فلِم تقتلون أنبياء الله، ولِمَ كفرتم بموسى باتّخاذ العجل، ولِمَ قلتم عند أخذ الميثاق ورفع الطور:( سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) .
قوله تعالى: ( وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ ) ، الإشراب هو السقى، والمراد بالعجل حبّ العجل، وضع موضعه للمبالغة كأنّهم قد اُشربوا نفس العجل وبه يتعلّق قوله:( فِي قُلُوبِهِمُ ) ، ففي الكلام استعارتان أو استعارة ومجاز.
قوله تعالى: ( قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ ) ، بمنزلة أخذ النتيجة ممّا أورد عليهم من قتل الأنبياء والكفر بموسى، والاستكبار بإعلام المعصية، وفيه معنى الاستهزاء بهم.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ ) الآية قالعليهالسلام : كانت اليهود تجد في كتبهم أنّ مهاجر محمّد رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) ما بين عير واُحد فخرجوا يطلبون الموضع، فمرّوا بجبل يقال له حّداد فقالوا حّداد وأحد سواء، فتفرّقوا عنده، فنزل بعضهم بتيما، وبعضهم بفدك، وبعضهم بخيبر، فاشتاق الّذين بتيما إلى بعض إخوانهم، فمرّ بهم أعرابيّ من قيس فتكاروا منه، وقال لهم أمرّ بكم ما بين عير وأحد، فقالوا له إذا مررت بهما فآذنّا لهما، فلمّا توسّط بهم أرض المدينة، قال: ذلك عير وهذا اُحد فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا له: قد أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك فاذهب حيث شئت وكتبوا إلى إخوانهم الّذين بفدك وخيبر أنّا قد أصبنا
الموضع فهلمّوا إلينا فكتبوا إليهم إنّا قد إستقرّت بنا الدار وأتّخذنا بها الأموال وما أقربنا منكم فإذا كان ذلك أسرعنا إليكم، واتّخذوا بأرض المدينة، أموالاً فلمّا كثرت أموالهم بلغ ذلك تبّع فغزاهم فتحصّنوا منه فحاصرهم ثمّ آمنهم فنزلوا عليه فقال لهم إنّي قد إستطبت بلادكم ولا أراني إلّا مقيماً فيكم، فقالوا: ليس ذلك لك إنّها مهاجر نبيّ، وليس ذلك لأحدٍ حتّى يكون ذلك، فقال لهم فإنّي مخلّف فيكم من اُسرتي من إذا كان ذلك ساعده ونصره فخلّف حيّين تراهم: الأوس والخزرج، فلمّا كثروا بها كانوا يتناولون أموال اليهود، فكانت اليهود تقول لهم أما لو بعث محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) لنخرجنّكم من ديارنا وأموالنا فلمّا بعث الله محمّداً آمنت به الأنصار وكفرت به اليهود وهو قوله تعالى:( وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى آخر الآية.
وفي الدرّ المنثور أخرج ابن إسحاق وإبن جرير وإبن المنذر وإبن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل عن إبن عبّاس أنّ اليهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه، فلمّا بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن أبي البراء وداود بن سلمة يا معشر اليهود إتّقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمّد ونحن أهل شرك وتخبرونا بأنّه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن مشكم أحد بني النضير ما جاءنا بشئ نعرفه وما هو بالّذي كنّا نذكر لكم فأنزل الله:( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ ) الآية.
وفي الدرّ المنثور أيضاً أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء والضحّاك عن إبن عبّاس قال كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يبعث محمّد (صلى الله عليه و آله و سلّم) يستفتحون الله، يدعون على الّذين كفروا ويقولون: اللّهمّ إنّا نستنصرك بحقّ النبيّ الاُمّيّ إلّا نصرتنا عليهم فينصرون فلمّا جائهم ما عرفوا يريد محمّداً (صلّي الله عليه و آله و سلّم) ولم يشكوا فيه كفروا به.
أقول: وروي قريباً من هذين المعنيين بطرق اُخرى أيضاً. قال بعض المفسّرين بعد الإشارة إلى الرواية الأخيرة ونظائرها: إنّها على ضعف رواتها ومخالفتها للروايات المنقولة شاذّة المعنى بجعل الاستفتاح دعاءً بشخص النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وفي بعض الروايات بحقّه وهذا غير مشروع ولا حقّ لأحدٍ على الله فيدعى به إنتهى.
وهذا ناشٍ من عدم التأمّل في معنى الحقّ وفي معنى القِسَم. بيانه: أنّ القسَم هو تقييد الخبر أو الإنشاء بشئ ذي شرافة وكرامة من حيث أنّه شريف أو كريم فتبطل شرافته أو كرامته ببطلان النسبة الكلاميّة، فإن كان خبراً فببطلان صدقه وإن كان إنشاءً أمراً أو نهياً فبعدم إمتثال التكليف. فإذا قلت: لعمري إنّ زيداً قائم فقد قيّدت صدق كلامك بشرافة عمرك وحياتك وعلّقتها عليه بحيث لو كان حديثك كاذباً كان عمرك فاقداً للشرافة، وكذا إذا قلت افعل كذا وحياتي أو قلت أقسمك بحياتي أن تفعل كذا فقد قيّدت أمرك بشرف حياتك بحيث لو لَم يأتمر مخاطبك لذهب بشرف حياتك وقيمة عمرك.
ومن هنا يظهرأوّلاً: أنّ القسم أعلى مراتب التأكيد في الكلام كما ذكره أهل الأدب.
وثانياً: أنّ المقسم به يجب أن يكون أشرف من متعلّقه فلا معنى لتأكيد الكلام بما هو دونه في الشرف والكرامة. وقد أقسم الله تعالى في كتابه باسم نفسه ووصفه كقوله:( وَاللهِ رَبِّنَا ) وكقوله:( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ ) وقوله:( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ ) وأقسم بنبيّه وملائكته وكتبه وأقسم بمخلوقاته كالسماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار واليوم والجبال والبحار والبلاد والإنسان والشجر والتين والزيتون. وليس إلّا أنّ لها شرافة حقّة بتشريف الله وكرامة على الله من حيث أنّ كلّاً منها إمّا ذو صفة من أوصافه المقدّسة الكريمة بكرامة ذاته المتعالية أو فعل منسوب إلى منبع البهاء والقدس - والكلّ شريف بشرف ذاته الشريفة - فما المانع للدّاعي منّا إذا سأل الله شيئاً أن يسأله بشئ منها من حيث إنّ الله سبحانه شرّفه وأقسم به ؟ وما الّذي هوّن الأمر في خصوص رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) حتّى أخرجه من هذه الكلّيّة وإستثناء من هذه الجملة ؟.
ولعمري ليس رسول الله محمّد (صلّي الله عليه و آله و سلّم) بأهون عند الله من تينه عراقيّة، أو زيتونة شاميّة، وقد أقسم الله بشخصه الكريم فقال:( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) الحجر - ٧٢.
ثمّ إنّ الحقّ - ويقابله الباطل - هو الثابت الواقع في الخارج من حيث إنّه كذلك كالأرض والإنسان وكلّ أمر ثابت في حدّ نفسه ومنه الحقّ الماليّ وسائر الحقوق الاجتماعيّة حيث أنّها ثابتة بنظر الاجتماع وقد أبطل القرآن كلّ ما يدعي حقّاً إلّا ما حقّقه الله وأثبته سواء في الايجاد أو في التشريع فالحقّ في عالم التشريع وظرف
الاجتماع الدينيّ هو ما جعله الله حقّاً كالحقوق الماليّة وحقوق الإخوان والوالدين على الولد وليس هو سبحانه محكوماً بحكم أحد فيجعل عليه تعالى ما يلزم به كما ربّما يظهر من بعض الاستدلالات الاعتزاليّه غير أنّه من الممكن أن يجعل على نفسه حقّاً، جعلا بحسب لسان التشريع - فيكون حقّاً لغيره عليه تعالى كما قال تعالى:( كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ ) يونس - ١٠٣، وقال تعالى:( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) الصافّات - ١٧١ و ١٧٢ و ١٧٣.
والنصر كما ترى مطلق، غير مقيّد بشئ فالإنجاء حقّ للمؤمنين على الله، والنصر حقّ للمرسل على الله تعالى وقد شرّفه الله تعالى حيث جعله له فكان فعلاً منه منسوباً إليه مشرّفاً به فلا من القسم به عليه تعالى وهو الجاعل المشرّف للحقّ والمقسم بكلّ أمر شريف.
إذا عرفت ما ذكرناه علمت أن لا مانع من إقسام الله تعالى بنبيّه (صلّي الله عليه و آله و سلّم) أو بحقّ نبيّه وكذا إقسامه بأوليائه الطاهرين أو بحقّهم وقد جعل لهم على نفسه حقّاً أن ينصرهم في صراط السعادة بكلّ نصر مرتبط بها كما عرفت.
وأمّا قول القائل: ليس لأحد على الله حقّ فكلام واه.
نعم ليس على الله حقّ يثبته عليه غيره فيكون محكوماً بحكم غيره مقهوراً بقهر سواه. ولا كلام لأحد في ذلك ولا أنّ الداعي يدعوه بحقّ ألزمه به غيره بل بما جعله هو تعالى بوعده الّذي لا يخلف. هذا.
( سورة البقرة الآيات ٩٤ - ٩٩)
قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ٩٤ ) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( ٩٥ ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ( ٩٦ ) قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ( ٩٧ ) مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ( ٩٨ ) وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ( ٩٩ )
( بيان)
قوله تعالى: ( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ) إلخ، لما كان قولهم:( لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ) ، و قولهم: نؤمن بما أنزل علينا في جواب ما قيل لهم:( آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللهُ ) يدلّان بالالتزام على دعواهم أنهم ناجون في الآخرة دون غيرهم وأنّ نجاتهم وسعادتهم فيها غير مشوبة بهلاك وشقاء لأنّهم ليسوا بزعمهم بمعذّبين إلّا أيّاماً معدودة وهي أيّام عبادتهم للعجل، قابلهم الله تعالى خطاباً بما يظهر به كذبهم في دعواهم وأنّهم يعلمون ذلك من غير تردّد وإرتياب فقال تعالى لنبيّه:( قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ) أي سعادة تلك الدار فإنّ من ملك داراً فإنّما يتصرّف فيها بما يستحسنه ويحبّه ويحلّ منها بأجمل ما يمكن وأسعده وقوله تعالى:( عِندَ اللهِ ) أي مستقرّاً عنده تعالى وبحكمه وإذنه، فهو كقوله تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران - ١٩ وقوله تعالى:( خَالِصَةً ) أي غير مشوبة بما تكرهونه من عذاب أو هوان لزعمكم أنّكم لا تعذّبون فيها إلّا أيّاماً معدودة،
قوله تعالى: ( مِّن دُونِ النَّاسِ ) وذلك لزعمكم بطلان كلّ دين إلّا دينكم، وقوله تعالى:( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) وهذا كقوله تعالى:( قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) الجمعة - ٦، وهذه مؤاخذه بلازم فطريّ بيّن الأثر في الخارج بحيث لا يقع فيه أدنى الشكّ وهو أنّ الإنسان بل كلّ موجود ذي شعور إذا خيّر بين الراحة والتعب إختار الراحة من غير تردّد وتذبذب وإذا خيّر بين حياة وعيشة مكدّرة مشوبة واُخرى خالصة صافية إختار الخالصة الهنيئة قطعاً ولو فرض إبتلاؤه بما كان يميل عنه إلى غيره من حياة شقيّة رديّة أو عيشة منغصّة لم يزل يتمنّى الاُخرى الطيّبة الهنيئة فلا ينفكّ عن التحسّر له في قلبه وعن ذكره في لسانه وعن السعي إليه في عمله.
فلو كانوا صادقين في دعواهم أنّ السعادة الخالصة الاُخرويّة لهم دون غيرهم من الناس وجب أن يتمنّوه جناناً ولساناً أركاناً ولن يتمنّوه أبداً بما قدّمت أيديهم من قتل الأنبياء والكفر بموسى ونقض المواثيق والله عليم بالظالمين.
قوله تعالى: ( بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ) كناية عن العمل فإنّ معظم العمل عند الحسّ يقع بواسطة اليد فيقدّم بعد ذلك إلى من ينتفع به أو يطلبه ففيه عنايتان نسبة التقديم إلى الأيدي دون أصحاب الأيدي وعدّ كلّ عملاً للأيدي.
وبالجملة أعمال الإنسان وخاصّة ما يستمرّ صدوره منه أحسن دليل على ما طوى عليه ضميره وارتكز في باطنه والأعمال الطالحة والأفعال الخبيثه لا يكشف إلّا عن طويّة خبيثة تأبى أن تميل إلى القاء الله والحلول في دار أوليائه.
قوله تعالى: ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ ) ، كالدليل المبيّن لقوله تعالى:( وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ) أي ويشهد على أنّهم لن يتمنّوا الموت، أنّهم أحرص الناس على هذه الحياة الدّنيا الّتي لا حاجب ولا مانع عن تمنّي الدار الآخرة إلّا الحرص عليها والإخلاد إليها، والتنكير في قوله تعالى: على حياة للتحقير كما قال تعالى:( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) . العنكبوت - ٦٤.
قوله تعالى: ( وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ) الظاهر أنّه عطف على الناس والمعنى ولتجدنّهم أحرص من الّذين أشركوا.
قوله تعالى: ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ) ، الظاهر أنّ ما نافية وضمير هو إمّا للشأن والقصّة وأن يعمّر مبتدأ خبره قوله: بمزحزحه أي بمبّعده، وإمّا راجع إلى ما يدلّ عليه قوله:( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ ) ، أي وما الّذي يودّه بمزحزحه من العذاب، وقوله تعالى: أن يعمّر بيان له ومعنى الآية ولن يتمنّوا الموت وأقسم لتجدنّهم أحرص الناس على هذه الحياة الحقيرة الرديّة الصارفة عن تلك الحياة السعيدة الطيّبة بل تجدهم أحرص على الحياة من الّذين أشركوا الّذين لا يرون بعثاً ولا نشوراً يودّ أحدهم لو يعمّر أطول العمر وليس أطول العمر بمبعّده من العذاب لأنّ العمر وهو عمر بالاخرة محدود منتهٍ إلى أمد وأجل.
قوله تعالى: ( يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ) ، أي أطول العمر وأكثره، فالألف كناية عن الكثرة وهو آخر مراتب العدد بحسب الوضع الإفراديّ عند العرب والزائد عليه يعبّر عنه بالتكرير والتركيب كعشرة آلاف ومائة الف وألف ألف.
قوله تعالى: ( وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ، البصير من أسمائه الحسنى ومعناه العلم بالمبصرات فهو من شعب إسم العليم.
قوله تعالى: ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ) الخ. السياق يدلّ على أنّ الآية نزلت جواباً عمّا قالته اليهود وأنّهم تأبّوا واستنكفوا عن الإيمان بما أنزل على رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم)، وعلّلوه بأنّهم عدوّ لجبريل النازل بالوحي إليه. والشاهد على ذلك أنّ الله سبحانه يجيبهم في القرآن وفي جبريل معاً في الآيتين وما ورد من شأن النزول يؤيّد ذلك فأجاب عن قولهم: إنّا لا نؤمن بالقرآن لعداوتنا لجبريل النازل بهأوّلاً: أن جبريل إنّما نزل به على قلبك بإذن الله لا من عند نفسه فعداوتهم لجبريل لا ينبغي أن يوجب إعراضهم عن كلام نازل بإذن الله،وثانياً: أنّ القرآن مصدّق لما في أيديهم من الكتاب الحقّ ولا معنى للإيمان بأمر والكفر بما يصدّقه.وثالثاً: أنّ القرآن هدىً للمؤمنين به،ورابعاً: أنّه بشرى وكيف يصحّ لعاقل أن ينحرف عن الهداية ويغمض
عن البشرى ولو كان الآتي بذلك عدوّاً له.
وأجاب عن قولهم: إنّا عدوّ جبريل أنّ جبريل ملك من الملائكة لا شأن له إلّا إمتثال ما أمره به الله سبحانه كميكال وسائر الملائكة وهم عباد مكرمون لا يعصون الله فيما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وكذلك رسل الله لا شأن لهم إلّا بالله ومن الله سبحانه فبغضهم وإستعداؤهم بغض وإستعداء لله ومن كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإنّ الله عدوّ لهم، وإلى هذين الجوابين تشير الآيتان.
قوله تعالى: ( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ ) ، فيه إلتفات من التكلّم إلى الخطاب وكان الظاهر أن يقال على قلبي ، لكن بدّل من الخطاب للدلالة على أنّ القرآن كما لا شأن في إنزاله لجبريل وإنّما هو مأمور مطيع كذلك لا شأن في تلّقيه وتبليغه لرسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) إلّا أنّ قلبه وعاء للوحي لا يملك منه شيئاً وهو مأمور بالتبليغ.
واعلم أنّ هذه الآيات في أواخرها، أنواع الالتفات وإن كان الاساس فيها الخطاب لبني إسرائيل، غير أنّ الخطاب إذا كان خطاب لوم وتوبيخ وطال الكلام صار المقام مقام إستملال للحديث مع المخاطب وإستحقار. لشأنه فكان من الحريّ للمتكلّم البليغ الإعراض عن المخاطبة تارة بعد اُخرى بالالتفات بعد الالتفات للدلالة على أنّه لا يرضى بخطابهم لردائة سمعهم وخسّة نفوسهم ولا يرضى بترك خطابهم إظهاراً لحقّ القضاء عليهم.
قوله تعالى: ( عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ) ، فيه وضع الظاهر موضع المضمر والنكتة فيه الدلالة على علّة الحكم كأنّه قيل: فإنّ الله عدوّ لهم لأنّهم كافرون والله عدوّ للكافرين.
قوله تعالى: ( وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ ) ، فيه دلالة على علّة الكفر وأنّه الفسق فهم لكفرهم فاسقون ولا يبعد أن يكون اللام في قولة : الفاسقون للعهد الذكريّ، ويكون ذلك إشارة إلى ما مرّ في أوائل السورة من قوله تعالى:( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ ) الآية.
وأمّا الكلام في جبريل وكيفيّة تنزيله القرآن على قلب رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) وكذا الكلام في ميكال والملائكة فسيأتي فيما يناسبه من المحلّ إن شاء الله.
( بحث روائي)
في المجمع في قوله تعالى: قل من كان عدوا لجبريل الآيتان، قال إبن عبّاس كان سبب نزول الآية ما روي أنّ ابن صوريا وجماعة من يهود أهل فدك لما قدم النبيّ (صلّي الله عليه و آله و سلّم) المدينة سألوه فقالوا: يا محمّد كيف نومك ؟ فقد أخبرنا عن نوم النبيّ الّذي يأتي في آخر الزمان.
فقال تنام عيناي وقلبي يقظان. قالوا: صدقت يا محمّد فأخبرنا عن الولد يكون من الرجل أو المرأة ؟ فقال أمّا العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأمّا اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة. قالوا: صدقت يا محمّد فما بال الولد يشبه أعمامه وليس له من شبه أخواله شئ ؟ أو يشبه أخواله وليس فيه من شبه أعمامه شئ ؟ فقال أيّهما علا مائه كان الشبه له قالوا صدقت يا محمّد فأخبرنا عن ربّك ما هو ؟ فأنزل الله سبحانه:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) إلى آخر السورة. فقال له إبن صوريا خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك واتّبعتك. أيّ ملك يأتيك بما ينزّل الله عليك ؟ قال: فقال جبرئيل. قال: ذاك عدوّنا ينزّل بالقتال والشدّة والحرب وميكائيل ينزل باليسر والرخاء فلو كان ميكائيل هو الّذي يأتيك لآمنّا بك.
أقول: قوله: تنام عيناى وقلبي يقظان، قد استفاض الحديث من العامّة والخاصّة أنّه كان رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) تنام عينه ولا ينام قلبه ومعناه أنّه كان لا يغفل بالنوم عن نفسه فكان وهو في النوم يعلم أنّه نائم وأنّ ما يراه رؤياً يراها ليس باليقظة، وهذا أمر ربّما يتّفق للصّالحين أحياناً عند طهارة نفوسهم وإشتغالها بذكر مقام ربّهم وذلك أنّ إشراف النفس على مقام ربّها لا يدعها غافلة عمّا لها من طور الحياة الدنيويّة ونحو تعلّقها بربّها. وهذا نحو مشاهدة يبيّن للإنسان أنّه في عالم الحياة الدنيا على حال النوم سواء معه النوم الّذي يراه الناس نوماً فقطّ وكذا اليقظة الّتي يراها الناس يقظة وأنّ الناس وهم معتكفون على باب الحسّ مخلدون إلى أرض الطبيعة، رقود وان عدوّا أنفسهم أيقاظاً. فعن عليّعليهالسلام : الناس نيام فإذا ماتوا إنتبهوا الحديث. وسيأتي زيادة استيفاء لهذا البحث وكذا الكلام في سائر فقرات هذا الحديث في مواضع مناسبة من هذا الكتاب إنشاء الله.
( سورة البقرة الآيات ١٠٠ - ١٠١)
أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ( ١٠٠ ) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( ١٠١ )
( بيان)
قوله تعالى: ( نَّبَذَهُ ) ، النبذ الطرح.
قوله تعالى: ( وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ ) ، المراد به رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) لا كلّ رسول كان يأتيهم مصدّقاً لما معهم، لعدم دلالة قوله: ولمّا جائهم على الاستمرار بل إنّما يدلّ على الدفعة، والآية تشير إلى مخالفتهم للحقّ من حيث كتمانهم بشارة التوراة وعدم إيمانهم بمن يصدّق ما معهم.
( سورة البقرة الآيات ١٠٢ - ١٠٣)
وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( ١٠٢ ) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( ١٠٣ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ ) ، الخ، قد اختلف المفسّرون في تفسير الآية إختلافاً عجيباً لا يكاد يوجد نظيره في آية من آيات القرآن المجيد، فاختلفوا في مرجع ضمير قوله:( اتَّبَعُوا ) ، أهم اليهود الّذين كانوا في عهد سليمان، أو الّذين في عهد رسول الله (صلّي الله عليه و آله و سلّم) أو الجميع ؟ واختلفوا في قوله:( تَتْلُو ) ، هل هو بمعنى تتّبع الشياطين وتعمل به أو بمعنى تقرأ، أو بمعنى تكذب ؟ واختلفوا في قوله:( الشَّيَاطِينُ ) ، فقيل هم شياطين الجنّ وقيل شياطين الإنس وقيل هما معاً. واختلفوا في قوله:( عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) ، فقيل معناه في ملك سليمان، وقيل معناه في عهد ملك سليمان، وقيل معناه على ملك سليمان بحفظ ظاهر الاستعلاء في معنى على، وقيل معناه على عهد ملك سليمان، واختلفوا في قوله:( وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ) ، فقيل إنّهم كفروا بما إستخرجوه من السحر إلى الناس وقيل إنّهم كفروا بما نسبوه إلى سليمان من السحر، وقيل إنّهم سحروا فعبّر عن السحر بالكفر. واختلفوا في قوله:( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) ، فقيل إنّهم ألقوا السحر
إليهم فتعلّموه، وقيل إنّهم دلّوا الناس على إستخراج السحر وكان مدفوناً تحت كرسيّ سليمان فاستخرجوه وتعلّموه، واختلفوا في قوله:( وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) فقيل ما موصولة والعطف على قوله:( مَا تَتْلُو ) ، وقيل ما موصولة والعطف على قوله: السحر أي يعلمونهم ما أنزل على الملكين، وقيل ما نافية والواو إستينافيّة أي ولم ينزل على الملكين سحر كما يدّعيه اليهود. واختلفوا في معنى الإنزال فقيل إنزال من السماء وقيل بل من نجود الأرض وأعاليها. واختلفوا في قوله:( الْمَلَكَيْنِ ) ، فقيل كانا من ملائكة السماء، وقيل بل كانا إنسانين ملكين بكسر اللّام إن قرأناه، بكسر اللّام كما قرئ كذلك في الشواذّ، أو ملكين بفتح اللّام أي صالحين، أو متظاهرين بالصلاح. إن قرأناه على ما قرأ به المشهور. وإختلفوا في قوله:( بِبَابِلَ ) ، فقيل هي بابل العراق وقيل بابل دماوند، وقيل، من نصيبين إلى رأس العين، وإختلفوا في قوله:( وَمَا يُعَلِّمَانِ ) ، فقيل علّم بمعناه الظاهر، وقيل علّم بمعنى أعلم، واختلفوا في قوله:( فَلَا تَكْفُر ) ، فقيل لا تكفر بالعمل بالسحر، وقيل لا تكفر بتعلّمه، وقيل بهما معاً، و اختلفوا في قوله:( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ) ، فقيل أي من هاروت وماروت، وقيل أي من السحر والكفر، وقيل بدلاً ممّا علّماه الملكان بالنهي إلى فعله. واختلفوا في قوله:( مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) ، فقيل أي يوجدون به حبّاً وبغضاً بينهما، وقيل إنّهم يغرّون أحد الزوجين ويحملونه على الكفر والشرك فيفرّق بينهما إختلاف الملّة والنحلة وقيل إنّهم يسعون بينهما بالنميمة والوشاية فيؤل إلى الفرقة، فهذه نبذة من الإختلاف في تفسير كلمات ما يشتمل على القصّة من الآية وجملة، وهناك إختلافات اُخر في الخارج من القصّة في ذيل الآية وفي نفس القصّة. وهل هي قصّة واقعة أو بيان على سبيل التمثيل ؟ أو غير ذلك ؟ وإذا ضربت بعض الأرقام الّتي ذكرناها من الاحتمالات في البعض الآخر، إرتقى الاحتمالات إلى كمّيّة عجيبة وهي ما يقرب من ألف ألف ومأتين وستّين ألف إحتمال ( ٤ + ٣ + ٢ )!.
وهذا لعمر الله من عجائب نظم القرآن تتردّد الآية بين مذاهب وإحتمالات تدهش العقول وتحيّر الألباب، والكلام بعد مُتّكٍ على أريكة حسنه متجمّل في أجمل جماله متحلّ بحليّ بلاغته وفصاحته وستمزّ بك نظيرة هذه الآية وهي قوله تعالى:( أَفَمَن
كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ) هود - ١٧.
والّذي ينبغي أن يقال: أنّ الآية بسياقها تتعرّض لشأن آخر من شئون اليهود وهو تداول السحر بينهم، وأنّهم كانوا يستندون في أصله إلى قصّة معروفة أو قصّتين معروفتين عندهم فيها ذكر من أمر سليمان النبيّ والملكين ببابل هاروت وماروت. فالكلام معطوف على ما عندهم من القصّة الّتي يزعمونها إلّا أنّ اليهود كما يذكره عنهم القرآن أهل تحريف وتغيير في المعارف والحقائق فلا يؤمنون ولا يؤمن من أمرهم أن يأتوا بالقصص التأريخيّة محرّفة مغيّرة على ما هو دأبهم في المعارف يميلون كلّ حين إلى ما يناسبه من منافعهم في القول والفعل وفيما يلوح من مطاوي جمل الآية كفاية. وكيف كان فيلوح من الآية أنّ اليهود كانوا يتناولون بينهم السحر ينسبونه إلى سليمان زعماً منهم أنّ سليمانعليهالسلام إنّما ملك الملك وسخّر الجنّ والإنس والوحش والطير، وأتى بغرائب الاُمور وخوارقها بالسحر الّذي هو بعض ما في أيديهم، وينسبون بعضه الآخر إلى الملكين ببابل هاروت وماروت فردّ عليهم القرآن بأنّ سليمانعليهالسلام لم يكن يعمل بالسحر، كيف والسحر كفر بالله وتصرّف في الكون على خلاف ما وضع الله العادة عليه وأظهره على خيال الموجودات الحيّة وحواسّها ؟ ولم يكفر سليمانعليهالسلام وهو نبيّ معصوم، وهو قوله تعالى:( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) وقوله تعالى:( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) فسليمانعليهالسلام أعلى كعباً وأقدس ساحة من أن ينسب إليه السحر والكفر وقد استعظم الله قدره في مواضع من كلامه في عدّة من السور المكّية النازلة قبل هذه السورة كسورة الأنعام والأنبياء والنمل وسورة ص وفيها أنّه كان عبداً صالحاً ونبيّاً مرسلاً آتاه الله العلم والحكمة ووهب له من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده فلم يكن بساحر بل هو من القصص الخرافيّة والأساطير الّتي وضعتها الشياطين وتلوها وقرأوها على أوليائهم من الإنس وكفروا بإضلالهم الناس بتعليم السحر. وردّ عليهم القرآن في الملكين ببابل هاروت وماروت بأنّه وإن أنزل عليهما ذلك ولا ضير في ذلك لأنّه فتنة وامتحان إلهيّ كما ألهم قلوب
بني آدم وجوه الشرّ والفساد فتنة وامتحاناً وهو من القدر، فهما وإن أنزل عليهما السحر إلّا أنّهما ما كانا يعلّمان من أحد إلّا ويقولان له إنّما نحن فتنة فلا تكفر باستعمال ما تتعلّمه من السحر في غير مورده كإبطال السحر والكشف عن بغي أهله وهم مع ذلك يتعلّمون منهما ما يفسدون به أصلح ما وضعه الله في الطبيعة والعادة، فيفرّقون به بين المرء وزوجه إبتغاءاً للشرّ والفساد ويتعلّمون ما يضرّهم ولا ينفعهم. فقوله تعالى: واتبعوا أي اتّبعت اليهود الّذين بعد عهد سليمان بتوارث الخلف عن السلف ما تتلوا، أي تضع وتكذب الشياطين من الجنّ على ملك سليمان والدليل على أنّ تتلوا بمعنى تكذب تعديه بعلى وعلى أنّ الشياطين هم الجنّ كون هؤلاء تحت تسخير سليمان ومعذّبين بعذابه، وبذلك كانعليهالسلام يحبسهم عن الإفساد، قال تعالى:( وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ ) الأنبياء - ٨٢، وقال تعالى:( فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) السبأ - ١٤
قوله تعالى: ( وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ) ، أي والحال أنّ سليمان لم يسحر حتّى يكفر ولكنّ الشياطين كفروا، والحال أنّهم يضلّون الناس ويعلّمونهم السحر.
قوله تعالى: ( وَمَا أُنزِلَ ) ، أي واتّبعت اليهود ما أنزل بالإخطار والإلهام على الملكين ببابل هاروت وماروت، والحال أنّهما ما يعلمان السحر من أحد حتّى يحذّراه العمل به ويقولا إنّما نحن فتنة لكم وامتحان تمتحنون بنا بما نعلّمكم فلا تكفر باستعماله.
قوله تعالى: ( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ) أي من الملكين وهما هاروت وماروت، ما يفرّقون به أي سحراً يفرّقون بعمله وتأثيره بين المرء وزوجه.
قوله تعالى: ( وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ ) ، دفع لما يسبق إلى الوهم أنّهم بذلك يفسدون أمر الصنع والتكوين ويسبقون تقدير الله ويبطلون أمره فدفعه بأنّ السحر نفسه من القدر لا يؤثّر إلّا بإذن الله فما هم بمعجزين، وإنّما قدّم هذه الجملة على قوله:( وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ) ، لأنّ هذه الجملة أعني:( فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا
مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ) ، وحدها مشتملة على ذكر التأثير فأردفت بأنّ هذا التأثير بإذن الله.
قوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ) ، علموا ذلك بعقولهم لأنّ العقل لا يرتاب في أنّ السحر أشأم منابع الفساد في الاجتماع الإنسانيّ وعلموا ذلك أيضاً من قول موسى فإنّه القائل:( وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ) طه - ٦٩.
قوله تعالى: ( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ، اي إنّهم مع كونهم عالمين بكونه شرّاً لهم مفسداً لآخرتهم غير عالمين بذلك حيث لم يعملوا بما علموا فإنّ العلم إذا لم يهد حامله إلى مستقيم الصراط كان ضلالاً وجهلاً لا علماً. قال تعالى:( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ) الجاثية - ٢٣.
فهؤلاء مع علمهم بالأمر ينبغي أن يتمنّى المتمنّي لهم العلم والهداية.
قوله تعالى: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ) ، الخ أي اتّبعوا الإيمان والتقوى، بدّل اتّباع أساطير الشياطين، والكفر بالسحر، وفيه دليل على أنّ الكفر بالسحر كفر في مرتبة العمل كترك الزكاة، لا كفر في مرتبة الاعتقاد، ولو كان السحر كفراً في الاعتقاد لقال تعالى:( وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ ) ، الخ، وإقتصر على الإيمان ولم يذكر التقوى فاليهود آمنوا ولكن لما لم يتقّوا ولم يرعوا محارم الله، لم يعبأ بإيمانهم فكانوا كافرين.
قوله تعالى: ( لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ، أي من المثوبات والمنافع الّتي يرومونها بالسحر ويقتنونها بالكفر هذا.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ والقمّيّ في قوله تعالى:( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ) عن الباقرعليهالسلام في حديث: فلمّا هلك سليمان وضع إبليس السحر وكتبه في كتاب ثمّ طواه وكتب على ظهره، هذا ما وضع آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود من ذخائر كنوز العلم من أراد كذا وكذا فليعمل كذا وكذا ثمّ دفنه تحت سريره ثمّ استتاره
لهم فقرأه فقال الكافرون: ما كان يغلبنا سليمان إلّا بهذا، وقال المؤمنون: بل هو عبدالله ونبيّه، فقال الله جلّ ذكره: وإتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان.
أقول: إسناد الوضع والكتابة والقرائة إلى إبليس لا ينافي استنادها إلى سائر الشياطين من الجنّ والإنس لانتهاء الشرّ كلّه إليه وإنتشاره منه لعنه الله، إلى أوليائه بالوحي والوسوسة وذلك شائع في لسان الأخبار. وظاهر الحديث أنّ كلمة تتلوه من التلاوة بمعنى القرائة وهذا لا ينافي ما استظهرناه في البيان السابق: أنّ تتلو بمعنى تكذب لأنّ إفادة معنى الكذب من جهة التضمين أو ما يشبهه، وتقدير قوله: تتلوا الشياطين على ملك سليمان يقرؤنه كاذبين على ملك سليمان والأصل في معنى تلا يتلو رجوعه إلى معنى ولى يلى ولاية وهو أن يملك الشئ من حيث الترتيب ووقوع جزءٍ منه عقيب جزء آخر. وسيأتي الكلام فيه في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ ) المائدة - ٥٥.
وفي العيون: في حديث الرّضاعليهالسلام مع المأمون وأمّا هاروت وماروت فكانا ملكين علّما الناس السحر ليتحرّزوا به عن سحر السحرة ويبطلوا كيدهم وما علّما أحداً من ذلك شيئاً إلّا قالا له إنّما نحن فتنة فلا تكفر فكفر قوم باستعمالهم لما اُمروا بالاحتراز عنه وجعلوا يفرّقون بما يعملونه بين المرء وزوجه، قال الله تعالى: وما هم بضارّين به من أحد إلّا بإذن الله.
وفي الدرّ المنثور أخرج إبن جرير عن إبن عبّاس، قال: كان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يأتي شيئاً من شأنه أعطى الجرادة وهي إمرأته خاتمه فلمّا أراد الله أن يبتلى سليمان بالّذي ابتلاه به أعطى الجرادة ذلك اليوم خاتمه فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي فاخذه ولبسه فلمّا لبسه دانت له شياطين الجنّ والإنس فجائها سليمان فقال: هاتي خاتمي فقالت كذبت لست سليمان فعرف أنّه بلاء اُبتلى به فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيّام كتباً فيها سحر وكفر ثمّ دفنوها تحت كرسيّ سليمان ثمّ أخرجوها فقرأوها على الناس فقالوا إنّما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب فبرء الناس من سليمان وأكفروه حتّى بعث الله محمّداً وأنزل عليه: وما كفر سليمان ولكنّ الشياطين كفروا.
أقول: والقصّة مرويّة في روايات اُخرى وهي قصّة طويلة من جملة القصص الواردة في عثرات الأنبياء مذكورة في جملتها.
في الدرّ المنثور أيضاً وأخرج سعيد بن جرير والخطيب في تاريخه عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر فلمّا كان في آخر اللّيل، قال يا نافع: اُنظر هل طلعت الحمراء ؟ قلت لا، مرّتين أو ثلثاً ثمّ قلت: قد طلعت. قال: لا مرحباً بها ولا أهلاً. قلت: سبحان الله نجم مسخّر سامع مطيع. قال ما قلت لك إلّا ما سمعت من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قال: إنّ الملائكة. قالت: يا ربّ كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال: إنّي أبليتهم وعافيتهم. قالوا: لو كنّا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم، فلم يألوا جهداً أن يختاروا فاختاروا هاروت وماروت فنزلا، فألقى الله عليهما الشبق. قلت: وما الشبق ؟ قال: الشهوة فجائت امرأة يقال لها الزهرة فوقعت في قلوبهما فجعل كلّ واحد منهما يخفى عن صاحبه ما في نفسه ثمّ قال أحدهما للآخر هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي ؟ قال: نعم، فطالباها لأنفسهما فقالت لا أمكّنكما حتّي تعلّماني الاسم الّذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان فأبيا ثمّ سألاها أيضاً فأبت. ففعلا فلمّا استطيرت طمسها الله كوكباً وقطع أجنحتهما ثمّ سألا التوبة من ربّهما فخيّرهما فقال إن شئتما رددتكما إلى ما كنتما عليه، فإذا كان يوم القيامة عذّبتكما، وإن شئتما عذّبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما إلى ما كنتما عليه، فقال أحدهما لصاحبه إنّ عذاب الدنيا ينقطع ويزول فاختارا عذاب الدنيا على عذاب الآخرة فأوحى الله اليهما أن ائتيا بابل فانطلقا إلى بابل فخسف بهما فهما منكوسان بين السماء والأرض معذّبان إلى يوم القيامة.
أقول: وقد روي قريب منه في بعض كتب الشيعة مرفوعاً عن الباقرعليهالسلام وروي السيوطيّ فيما يقرب من هذا المعنى في أمر هاروت وماروت والزهرة نيّفاً وعشرين حديثاً، صرّحوا بصحّة طريق بعضها. وفي منتهى أسنادها عدّة من الصحابة كابن عبّاس وابن مسعود وعليّ وأبي الدرداء وعمر وعائشة وابن عمر. وهذه قصّة خرافيّة تنسب إلى الملائكة المكرّمين الّذين نصّ القرآن على نزاهة ساحتهم وطهارة وجودهم عن الشرك والمعصية أغلظ الشرك وأقبح المعصية، وهو: عبادة الصنم والقتل والزنا وشرب
الخمر وتنسب إلى كوكبة الزهرة أنّها امرأة زانية مسخت - وإنّها اُضحوكة - وهي كوكبة سماويّة طاهرة في طليعتها وصنعها أقسم الله تعالى عليها في قوله:( الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ) التكوير - ١٦، على أنّ علم الفلك أظهر اليوم هويّتها وكشف عن عنصرها وكميّتها وكيفيّتها وسائر شئونها.
فهذه القصّة كالّتي قبلها المذكورة في الرواية السابقة تطابق ما عند اليهود على ما قيل: من قصّة هاروت وماروت، تلك القصّة الخرافيّة الّتي تشبه خرافات يونان في الكواكب والنجوم.
ومن هيهنا يظهر للباحث المتأمّل: أنّ هذه الأحاديث كغيرها الواردة في مطاعن الأنبياء وعثراتهم لا تخلو من دسّ دستّه اليهود فيها وتكشف عن تسرّ بهم الدقيق ونفوذهم العميق بين أصحاب الحديث في الصدر الأوّل فقد لعبوا في رواياتهم بكلّ ما شاؤا من الدسّ والخلط وأعانهم على ذلك قوم آخرون.
لكن الله عزّ إسمه جعل كتابه في محفظة إلهيّة من هوسات المتهوّسين من أعدائه كلّما استرق السمع شيطان من شياطينهم إتبعه بشهاب مبين، فقال عزّ من قائل:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر - ٩، وقال و( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) فصّلت - ٤٢، وقال:( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ) الاسراء - ٨٢، فأطلق القول ولم يقيّد، فما من خلط أو دسّ إلّا ويدفعه القرآن ويظهر خسار صاحبه بالكشف عن حاله وإقراء صفحة تاريخة، وقال رسول الله فيما رواه الفريقان: ما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فاتركوه. فأعطى ميزاناً كلّياً يوزن به المعارف المنقولة منه ومن أوليائه. وبالجملة فبالقرآن يدفع الباطل عن ساحة الحقّ ثمّ لا يلبث أن يظهر بطلانه ويمات عن القلوب الحيّة كما اُميت عن الأعيان. قال تعالى:( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ ) الأنبياء - ١٨، وقال تعالى:( وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) الأنفال - ٧، وقال تعالى:( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) الأنفال - ٨ ولا معنى لإحقاق الحقّ ولا لإبطال الباطل إلّا إظهار صفتهما.
وبعض الناس وخاصّة من أهل عصرنا من المتوغّلين في الأبحاث المادّيّة والمرعوبين من المدنيّة الغربيّة الحديثة استفادوا من هذه الحقيقة المذكورة سوءً وأخذوا بطرح جميع ما تضمّنته سنّة رسول الله واشتملت عليه جوامع الروايات فسلكوا في ذلك مسلك التفريط، قبال ما سلكه بعض الأخباريّين وأصحاب الحديث والحروريّة وغيرهم مسلك الإفراط والأخذ بكلّ رواية منقولة كيف كانت. وكما أنّ القبول المطلق تكذيب للموازين المنصوبة في الدين لتميّز الحقّ من الباطل ونسبة الباطل واللغو من القول إلى النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) كذلك الطرح الكلّيّ تكذيب لها وإلغاء وإبطال للكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو القائل جلّ ثنائه:( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) الحشر - ٧، وقوله تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) النساء - ٦٤، إذ لو لم يكن لقول رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) حجّية أو لما ينقل من قوله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) إلينا معاشر الغائبين في عصره أو الموجودين بعد ارتحاله من الدنيا حجّية لما إستقرّ من الدين حجر على حجر، والركون على النقل والحديث ممّا يعتوره البشر ويقبله في حياتة الاجتماعيّة قبولاً يضطرّ إليه بالبداهة ويهديه إلى ذلك الفطرة الإنسانيّة لا غنى له عن ذلك، وأمّا وقوع الدسّ والخلط في المعارف المنقولة الدينيّة فليس ببدع يختصّ بالدين كيف ورحى الاجتماع بجميع جهاتها وأركانها تدور على الأخبار الدائرة اليوميّة العامّة والخاصّة، ووجوده الكذب والدسّ والخلط فيها أزيد وأيدي السياسات الكلّيّة والجزئيّة بها ألعب ؟ ونحن على فطرتنا الإنسانيّة لا نجري على مجرّد قرع السمع في الأخبار المنقولة إلينا في نادي الاجتماع بل نعرض كلّ واحد واحد منها على ما عندنا من الميزان الّذي يمكن أن يوزن به فإن وافقه وصدّقه قبلناه وإن خالفه وكذّبه طرحناه وإن لم يتبيّن شئ من أمره ولم يتميّز حقّه من باطله وصدقه من كذبه توقّفنا فيه من غير قبول ولا ردّ على الاحتياط الّذي جبّلنا عليه في الشرور والمضارّ.
هذا كلّه بشرط الخبرة في نوع الخبر الّذي نقل إلينا، وأمّا ما لا خبرة للإنسان فيه من الأخبار بما يشتمل عليه من المضمون فسبيل العقلاء من أهل الاجتماع فيه الرجوع
إلى أهل خبرته والأخذ بما يرون فيه ويحكمون به هذا.
فهذا ما عليه بناؤنا الفطريّ في الاجتماع الإنسانيّ، والميزان الدينيّ المضروب لتمييز الحقّ من الباطل وكذا الصدق من الكذب، لا يغاير ذلك بل هو هو بعينه، وهو العرض على كتاب الله فإن تبيّن منه شئ أخذ به وإن لم يتبيّن لشبهة فالوقوف عند الشبهة. وعلى ذلك أخبار متواترة عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة من أهل بيته. هذا كلّه في غير المسائل الفقهيّة وأمّا هي فالمرجع في البحث عنها فنّ اُصول الفقه.
( بحث فلسفي)
من المعلوم وقوع أفعال خارقة للعادة الجارية للمشاهدة والنقل، فقلّما يوجد منّا من لم يشاهد شيئاً من خوارق الأفعال أو لم ينقل إليه شئٌ من ذلك - قليل أو كثير- إلّا أنّ البحث الدقيق في كثير منها يبيّن رجوعها إلى الأسباب الطبيعيّة العاديّة، فكثير من هذه الأفعال الخارقة يتقوّى بها أصحابها بالاعتياد و التمرين كأكل السموم وحمل الأثقال والمشي على حبل ممدود في الهواء إلى غير ذلك، وكثير منها تتّكي على أسباب طبيعيّة مخفيّة على الناس مجهولة لهم كمن يدخل النار ولا يحترق بها من جهة طلاية الطلق ببدنه أو يكتب كتاباً لا خطّ عليه ولا يقرأه إلّا صاحبه، وإنّما كتب بمايع لا يظهر إلّا إذا عرض الكتاب على النار إلى غير ذلك. وكثير منها يحصل بحركات سريعة تخفي على الحسّ لسرعتها فلا يرى الحسّ إلّا أنّه وقع من غير سبب طبيعيّ كالخوارق الّتي يأتي بها أصحاب الشعبذة. فهذه كلّها مستندة إلى أسباب عاديّة مخفيّة على حسّنا أو غير مقدورة لنا، لكنّ بعض هذه الخوارق لا يحلّل إلى الأسباب الطبيعيّة الجارية على العادة كالإخبار عن بعض المغيّبات، وخاصّة ما يقع منها في المستقبل وكأعمال الحبّ والبغض والعقد والحلّ والتنويم والتمريض وعقد النوم والإحضار والتحريكات بالإرادة ممّا يقع من أرباب الرياضات وهي اُمور غير قابلة للإنكار، شاهدنا بعضاً منها ونقل إلينا بعض آخر نقلاً لا يطعن فيه، وهو ذا يوجد اليوم من أصحابها بالهند وايران والغرب جماعة يشاهد منهم أنواع من هذه الخوارق والتأمّل التامّ في طرق الرياضات المعطية
لهذه الخوارق والتجارب العمليّ في أعمالهم وإرادتهم يوجب القول بأنّها مستندة ألى قوّة الإرادة والإيمان بالتأثير على تشتّت أنواعها، فالإرادة تابعة للعلم والاذعان السابق عليه، فربّما توجد على إطلاقها وربّما توجد عند وجود شرائط خاصّة ككتابه شئ خاصّ بمداد خاصّ في مكان خاصّ في بعض أعمال الحبّ والبغض، أو نصب المرآة حيال وجه طفل خاصّ عند إحضار الروح أو قراءة عوذة خاصّة إلى غير ذلك، فجميع ذلك شرائط لحصول الإرادة الفاعلة، فالعلم إذا تمّ علماً قطعاً أعطى للحواسّ مشاهدة ما قطع به. ويمكنك أن تختبر صحّة ذلك بأن تلقّن نفسك أنّ شيئاً كذا أو شخصاً كذا حاضر عندك تشاهده بحاسّتك ثمّ تتخيّله بحيث لا تشكّ فيه ولا تلتفت إلى عدمه ولا إلى شئ غيره فإنّك تجده أمامك على ما تريد. وربّما توجد في الآثار معالجة بعض الأطبّاء الأمراض المهلكة بتلقين الصحّة على المريض.
وإذا كان الأمر على هذا فلو قويت الإرادة أمكنها أن تؤثّر في غير الإنسان المريد نظير ما توجده في نفس الإنسان المريد إمّا من غير شرط وقيد أو مع شئ من الشرائط.
ويتبيّن بما مرّ اُمور:أحدها: أنّ الملاك في هذا التأثير تحقّق العلم الجازم من صاحب خرق العادة وأمّا مطابقة هذا العلم للخارج فغير لازم كما كان يعتقده أصحاب تسخير الكواكب من الأرواح المتعلّقة بالأجرام الفلكيّة، ويمكن أن يكون من هذا القبيل الملائكة والشياطين الّذين يستخرج أصحاب الدعوات والعزائم أسمائهم ويدعون بها على طرق خاصّة عندهم، وكذلك ما يعتقده أصحاب إحضار الارواح حضور الروح فلا دليل لهم على أزيد من حضورها في خيالهم أو حواسّهم دون الخارج وإلّا لرآه كلّ من حضر عندهم و للكلّ حسّ طبيعيّ. وبه تنحلّ شبهة اُخرى في إحضار روح من هو حيّ في حال اليقظة مشغول بأمره من غير أن يشعر به والواحد من الإنسان ليس له إلّا روح واحدة. وبه تنحلّ أيضاً شبهة اُخرى وهي: أنّ الروح جوهر مجرّد لا نسبة له إلى زمان ومكان دون زمان ومكان. وبه تنحلّ أيضاً شبهة ثالثه، وهي: أنّ الروح الواحدة ربّما تحضر عند أحد بغير الصورة الّتي تحضر بها عند آخر. وبه تنحلّ أيضاً شبهة رابعة، وهي: أنّ الأرواح ربّما تكذب عند الإحضار في أخبارها و
ربّما يكذّب بعضها بعضاً. فالجواب عن الجميع: أنّ الروح إنّما تحضر في مشاعر الشخص المحضر لا في الخارج منها على حدّ ما نحسّ بالأشياء المادّيّة الطبيعيّة.
ثانيها: أنّ صاحب هذه الإرادة المؤثّرة ربّما يعتمد في إرادته على قوّة نفسه وثبات إنيّته كغالب أصحاب الرياضات في إرادتهم فتكون لا محالة محدودة القوّة مقيّدة الأثر عند المريد وفي الخارج، وربّما يعتمد فيه على ربّه كالأنبياء والأولياء من أصحاب العبوديّة لله وأرباب اليقين بالله فهم لا يريدون شيئاً إلّا لربّهم وبربّهم، وهذه إرادة طاهرة لا استقلال للنفس الّتي تطلع هذه الإرادة منها بوجه ولم تتلوّن بشئ من ألوان الميول النفسانيّة ولا اتّكاء لها إلّا على الحقّ فهي إرادة ربّانيّة غير محدودة ولا مقيّدة.
والقسم الثاني: إن أثّرت في مقام التحدّي كغالب ما ينقل من الأنبياء سميّت آية معجزة وإن تحقّقت في غير مقام التحدّي سميّت كرامة أو استجابة دعوة إن كانت مع دعاء، والقسم الأوّل إن كان بالإستخبار والإستنصار من جنّ أو روح أو نحوه سمّي كهانة وإن كان بدعوة أو عزيمة أو رقية أو نحو ذلك سمّي سحراً.
ثالثها: أنّ الأمر حيث كان دائراً مدار الإرادة في قوّتها وهي على مراتب من القوّة والضعف أمكن أن يبطل بعضها أثر البعض كتقابل السحر والمعجزة أو أن لا يؤثّر بعض النفوس في بعض إذا كانت مختلفة في مراتب القوّة وهو مشهود في أعمال التنويم والإحضار، هذا وسيأتي شطر من الكلام في ذلك.
( بحث علمي)
العلوم الباحثة عن غرائب التأثير كثيرة والقول الكلّي في تقسيمها وضبطها عسيرة جدّاً، وأعرف ما هو متداول بين أهلها ما نذكره:منها: السيمياء، وهو العلم الباحث عن تمزيج القوى الإراديّة مع القوى الخاصّة المادّيّة للحصول على غرائب التصرّف في الأمور الطبيعيّة، ومنه التصرّف في الخيال المسمّى بسحر العيون وهذا الفنّ من أصدق مصاديق السحر،ومنها الليمياء وهو العلم الباحث عن كيفيّة التأثيرات الإرادية باتّصالها بالأرواح القويّة العالية كالأرواح الموكّلة بالكواكب والحوادث وغير ذلك بتسخيرها
أو باتّصالها واستمدادها من الجنّ بتسخيرهم، وهو فنّ التسخيرات،ومنها: الهيمياء: وهو العلم الباحث عن تركيب قوى العالم العلويّ مع العناصر السفليّة للحصول على عجائب التأثير وهو الطلسمات، فإنّ للكواكب العلويّة والأوضاع السّماويّة ارتباطات مع الحوادث المادّيّة كما أنّ العناصر والمركّبات وكيفيّاتها الطبيعيّة كذلك. فلو ركّبت الأشكال السماويّة المناسبة لحادثة من الحوادث كموت فلان، وحياة فلان، وبقاء فلان مثلاً مع الصورة المادّيّة المناسبة أنتج ذلك الحصول على المراد وهذا معنى الطلسم.ومنها: الريمياء، وهو العلم الباحث عن استخدام القوى المادّيّة للحصول على آثارها بحيث يظهر للحسّ أنّها آثار خارقه بنحو من الأنحاء وهو الشعبذة. وهذه الفنون الأربعة مع فنّ خامس يتلوها وهو الكليميا الباحث عن كيفيّة تبديل صور العناصر بعضها إلى بعض كانت تسمّى عندهم بالعلوم الخمسة الخفيّة. قال شيخنا البهائيّ : أحسن الكتب المصنّفة الّتي في هذه الفنون كتاب رأيته ببلدة هرات إسمه (كلّه سرّ) وقد ركّب إسمه من أوائل إسماء هذه العلوم، الكيميا، والليميا، والهيميا، والسيميا، و الريميا، إنتهى ملخّص كلامه.
ومن الكتب المعتبرة فيها خلاصة كتب بليناس ورسائل الخسر وشاهيّ والذخيرة الإسكندريّة والسرّ المكتوم للرازيّ والتسخيرات للسكّاكيّ وأعمال الكواكب السبعة للحكيم طمطم الهنديّ.
ومن العلوم الملحقة بما مرّ علم الأعداد والأوفاق وهو الباحث عن ارتباطات الأعداد والحروف للمطالب ووضع العدد أو الحروف المناسبة للمطلوب في جداول مثلّثة أو مربّعة أو غير ذلك على ترتيب مخصوص،ومنها: الخافية وهو تكسير حروف المطلوب أو ما يناسب المطلوب من الأسماء واستخراج أسماء الملائكة أو الشياطين الموكّلة بالمطلوب والدعوة بالعزائم المؤلّفة منها للنيل على المطلوب ومن الكتب المعتبرة فيها عندهم كتب الشيخ أبي العبّاس التوّنيّ والسيد حسين الأخلاطيّ وغيرهما.
ومن الفنون الملحقة بها الدائرة اليوم التنويم المغناطيسيّ وإحضار الأرواح وهما كما مرّ من تأثير الإرادة والتصرّف في الخيال وقد ألّف فيها كتب ورسائل كثيرة، واشتهار أمرها يغني عن الإشارة إليها هينها، والغرض ممّا ذكرنا على طوله إيضاح انطباق ما ينطبق منها على السحر أو الكهانة.
( سورة البقرة الآيات ١٠٤ - ١٠٥)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١٠٤ ) مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( ١٠٥ )
( بيان)
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) ، أوّل مورد في القرآن ورد فيه خطاب المؤمنين بلفظة يا أيّها الّذين آمنوا، وهو واقع في القرآن خطاباً في نحو من خمسة وثمانين موضعاً والتعبير عن المؤمنين بلفظة الّذين آمنوا بنحو الخطاب أو بغير الخطاب ممّا يختصّ بهذه الاُمّة، وأمّا الاُمم السابقة فيعبّر عنهم بلفظة القوم كقوله:( قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ ) وقوله:( قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ ) الآية و قوله:( أَصْحَابِ مَدْيَنَ ) ( وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ) ، وبني إسرائيل، ويا بني إسرائيل، فالتعبير بلفظة الّذين آمنوا ممّا يختصّ التشرّف به بهذه الاُمّة، غير أن التدبّر في كلامه تعالى يعطي أنّ التعبير بلفظة الّذين آمنوا يراد به في كلامه تعالى غير ما يراد بلفظة المؤمنين كقوله تعالى:( وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ ) النور - ٣١، بحسب المصداق. قال تعالى:( الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ، رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) المؤمن - ٧ و ٨، فجعل استغفار الملائكة وحملة العرش أوّلاً للّذين آمنوا ثمّ بدله ثانياً من قوله: للّذين تابوا واتّبعوا، والتوبة هي الرجوع، ثمّ علّق دعائهم بالّذين آمنوا وعطف عليهم آبائهم وذرّيّاتهم ولو كان هؤلاء المحكيّ عنهم بالّذين آمنوا هم أهل الإيمان برسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم)، كيف ما كانوا، كان الّذين آمنوا شاملاً للجميع من الآباء والأبناء والأزواج ولم يبق للعطف والتفرقة محلّ وكان الجميع في عرض واحد ووقعوا في صفّ واحد.
ويستفاد هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) الطور - ٢١، فلو كان ذرّيّتهم الّذين اتّبعوهم بإيمان مصداقاً للّذين آمنوا في كلامه تعالى لم يبق للإلحاق وجه، ولو كان قوله :( وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم ) قرينة على إرادة اشخاص خاصّة من الّذين آمنوا وهم كلّ جمع من المؤمنين بالنسبة إلى ذرّيّتهم، المؤمنين لم يبق للإلحاق أيضاً وجه، ولا لقوله، وما ألتناهم من عملهم من شئ، وجه صحيح إلّا في الطبقة الأخيرة الّتي لا ذريّة بعدهم يتّبعونهم بإيمان فهم يلحقون بآبائهم، وهذا وإن كان معنى معقولاً إلّا أنّ سياق الآية وهو سياق التشريف يأبى ذلك لعود المعنى على ذلك التقدير إلى مثل معنى قولنا: المؤمنون بعضهم من بعض أو بعضهم يلحق ببعض وهم جميعاً في صفّ واحد من غير شرافة للبعض على البعض ولا للمتقدّم على المتأخّر فإنّ الملاك هو الإيمان وهو في الجميع واحد وهذا مخالف لسياق الآية الدالّ على نوع كرامة وتشريف للسابق بإلحاق ذرّيّته به، فقوله:( وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ ) ، قرينة على إرادة أشخاص خاصّة بقوله:( الَّذِينَ آمَنُوا ) ، وهم السابقون الأوّلون في الإيمان برسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من المهاجرين والأنصار في يوم العسرة فكلمة الّذين آمنوا كلمة تشريف يراد بها هؤلاء. ويشعر بذلك أيضاً قوله تعالى:( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ - إلى أن قال -وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ - إلى أن قال -وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) الحشر - ١٠، فلو كان مصداق قوله: الّذين آمنوا، عين مصداق قوله: الّذين سبقونا بالإيمان، كان من وضع الظاهر موضع المضمر من غير وجه ظاهر.
ويشعر بما مرّ أيضاً قوله تعالى:( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا - إلى أن قال -وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) الفتح - ٢٩.
فقد تحصّل أنّ الكلمة كلمة تشريف تختصّ بالسابقين الأوّلين من المؤمنين، ولا يبعد جريان نظير الكلام في لفظة الّذين كفروا فيراد به السابقون في الكفر برسول
الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من مشركي مكّة وأترابهم كما يشعر به أمثال قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) البقرة - ٦.
فإن قلت: فعلى ما مرّ يختصّ الخطاب بالّذين آمنوا بعدّة خاصّة من الحاضرين في زمان النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) مع أنّ القوم ذكروا أنّ هذه خطابات عامّة لزمان الحضور وغيره والحاضرين الموجودين في عصر النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وغيرهم وخاصّة بناءً على تقريب الخطاب بنحو القضيّة الحقيقيّة.
قلت: نعم هو خطاب تشريفيّ يختصّ بالبعض لكنّ ذلك لا يوجب اختصاص التكاليف المتضمّن لها الخطاب بهم فإنّ لسعة التكليف وضيقه أسباباً غير ما يوجب سعة الخطاب وضيقه من الأسباب، كما أنّ التكاليف المجرّدة عن الخطاب عامّة وسيعة من غير خطاب، فعل هذا يكون تصدير بعض التكاليف بخطاب يا أيّها الّذين آمنوا من قبيل تصدير بعض آخر من الخطابات بلفظ يا أيّها لنبيّ، ويا أيّها الرسول مبنيّاً على التشريف، والتكليف عامّ، والمراد وسيع، ومع هذا كلّه لا يوجب ما ذكرناه من الاختصاص التشريفيّ عدم إطلاق لفظة الّذين آمنوا على غير هؤلاء المختصّين بالتشريف أصلاً إذا كانت هناك قرينة تدلّ على ذلك كقوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ ) النساء - ١٣٧، وقوله تعالى: حكاية عن نوح:( وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ ) هود - ٢٩.
قوله تعالى: ( لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا ) ، أي بدّلوا قول (راعنا) من قول (انظرنا) ولئن لم تفعلوا ذلك كان ذلك منكم كفراً وللكافرين عذاب أليم ففيه نهى شديد عن قول راعنا وهذه كلمة ذكرتها آية اُخرى وبيّنت معناها في الجملة وهي قوله تعالى:( مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ) النساء - ٤٦، ومنه يعلم أنّ اليهود كانت تريد بقولهم للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم راعنا نحواً من معنى قوله: اسمع غير مسمع ولذلك ورد النهي عن خطاب رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بذلك وحينئذ ينطبق على ما نقل: أنّ المسلمين كانوا يخاطبون النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بذلك إذا ألقى إليهم كلاماً يقولون راعنا يا رسول الله - يريدون أمهلنا وانظرنا حتّى
نفهم ما تقول - وكانت اللّفظة تفيد في لغة اليهود معنى الشتم فاغتنم اليهود ذلك فكانوا يخاطبون النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بذلك يظهرون التأدّب معه وهم يريدون الشتم ومعناه عندهم اسمع لا اُسمعت فنزل: من الّذين هادوا يحرّفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا، الآية ونهى الله المؤمنين عن الكلمة وأمرهم أن يقولوا ما في معناه وهو انظرنا فقال: لا تقولوا راعنا وتقولوا أنظرنا.
قوله تعالى: ( وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يريد المتمرّدين من هذا النهى وهذا أحد الموارد الّتي أطلق فيها الكفر على ترك التكاليف الفرعيّة.
قوله تعالى: ( مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) ، لو كان المراد بأهل الكتاب اليهود خاصّة كما هو الظاهر لكون الخطابات السابقة مسوقة لهم فتوصيفهم بأهل الكتاب يفيد الإشارة إلى العلّة، وهو أنّهم لكونهم أهل كتاب ما يودون نزول الكتاب على المؤمنين لاستلزامه بطلان اختصاصهم بأهليّة الكتاب مع أنّ ذلك ضنّة منهم بما لا يملكونه، ومعارضة مع الله سبحانه في سعة رحمته وعظم فضله، ولو كأنّ المراد عموم أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهو تعميم بعد التخصيص لاشتراك الفريقين في بعض الخصائل، وهم على غيظ من الإسلام، وربّما يؤيّد هذا الوجه بعض الآيات اللاحقة كقوله تعالى:( وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ) البقرة - ١١١، وقوله تعالى:( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) البقرة - ١١٣.
( بحث روائي)
في الدرّ المنثور أخرج أبونعيم في الحلية عن إبن عبّاس قال : قال رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم): ما أنزل الله آية فيها، يا أيّها الّذين آمنوا إلّا وعلي رأسها وأميرها.
أقول: والرواية تؤيّد ما سننقله من الروايات الواردة في عدّة من الآيات أنّها في علّى أو في أهل البيت نظير ما في قوله تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) آل عمران - ١١٠، وقوله تعالى:( لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) البقرة - ١٤٣، وقوله تعالى:( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، التوبة - ١١٩.
( سورة البقرة الآيات ١٠٦ - ١٠٧)
مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٠٦ ) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( ١٠٧ )
( بيان)
الآيتان في النسخ ومن المعلوم أنّ النسخ بالمعنى المعروف عند الفقهاء وهو الإبانة عن انتهاء أمد الحكم وانقضاء أجله اصطلاح متفرّع على الآية مأخوذ منها ومن مصاديق ما يتحصّل من الآية في معنى النسخ على ما هو ظاهر إطلاق الآية.
قوله تعالى: ( مَا نَنسَخْ ) ، النسخ هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظلّ إذا أزالته وذهبت به. قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ) الحج - ٥٢، ومنه أيضاً قولهم: نسخت الكتاب إذا نقل من نسخة إلى اُخرى فكأنّ الكتاب اُذهب به واُبدل مكانه ولذلك بدّل لفظ النسخ من التبديل في قوله تعالى:( وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) النحل - ١٠١، وكيف كان فالنسخ لا يوجب زوال نفس الآية من الوجود وبطلان تحقّقها بل الحكم حيث علّق بالوصف وهو الآية والعلامة مع ما يلحق بها من التعليل في الآية بقوله تعالى:( أَلَمْ تَعْلَمْ ) ، إلخ أفاد ذلك أنّ المراد بالنسخ هو إذهاب أثر الآية، من حيث إنّها آية، أعني إذهاب كون الشئ آية وعلامة مع حفظ أصله فبالنسخ يزول أثره من تكليف أو غيره مع بقاء أصله وهذا هو المستفاد من اقتران قوله: ننسها بقوله:( مَا نَنسَخْ ) ، والإنساء إفعال من النسيان وهو الإذهاب عن العلم كما أنّ النسخ هو الإذهاب عن العين فيكون المعنى ما نذهب بآية عن العين أو عن العلم نأت بخير منها أو مثلها.
ثمّ إنّ كون الشئ آية يختلف بإختلاف الأشياء والحيثيّات والجهات، فالبعض
من القرآن آية لله سبحانه باعتبار عجز البشر عن إتيان مثله، والأحكام والتكاليف الإلهيّة آيات له تعالى باعتبار حصول التقوى والقرب بها منه تعالى، والموجودات العينيّة آيات له تعالى باعتبار كشفها بوجودها عن وجود صانعها وبخصوصيّات وجودها عن خصوصيّات صفاته وأسمائه سبحانه، وأنبياء الله وأولياؤه تعالى آيات له تعالى باعتبار دعوتهم إليه بالقول و الفعل وهكذا، ولذلك كانت الآية تقبل الشدّة والضعف. قال الله تعالى:( لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ) النجم - ١٨.
ومن جهة اُخرى الآية ربّما كانت في أنّها آية ذات جهة واحدة وربّما كانت ذات جهات كثيرة، ونسخها وإزالتها كما يتصوّر بجهته الواحدة كإهلاكها كذلك يتصوّر ببعض جهاتها دون بعض إذا كانت ذات جهات كثيرة، كالآية من القرآن تنسخ من حيث حكمها الشرعيّ وتبقى من حيث بلاغتها وإعجازها ونحو ذلك.
وهذا الّذي استظهرناه من عموم معنى النسخ هو الّذي يفيده عموم التعليل المستفاد من قوله تعالى:( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، وذلك أنّ الإنكار المتوهّم في المقام أو الإنكار الواقع من اليهود على ما نقل في شأن نزول الآية بالنسبة إلى معنى النسخ يتعلّق به من وجهين:
أحدهما: من جهة أنّ الآية إذا كانت من عند الله تعالى كانت حافظة لمصلحة من المصالح الحقيقيّة لا تحفظها شئ دونها، فلو زالت الآية فاتت المصلحة ولن تقوم مقامها شئٌ تحفظ به تلك المصلحة، ويستدرك به ما فات منها من فائدة الخلقة ومصلحة العباد، وليس شأنه تعالى كشأن عباده ولا علمه كعلمهم بحيث يتغيّر بتغيّر العوامل الخارجيّة فيتعلّق يوماً علمه بمصلحة فيحكم بحكم ثمّ يتغيّر علمه غداً ويتعلّق بمصلحة اُخرى فاتت عنه بالأمس، فيتغيّر الحكم، ويقضي ببطلان ما حكم سابقاً، وإتيان آخر لاحقاً، فيطلع كلّ يوم حكم، ويظهر لون بعد لون، كما هو شأن العباد غير المحيطين بجهات الصلاح في الأشياء، فكانت أحكامهم وأوضاعهم تتغيّر بتغيّر العلوم بالمصالح والمفاسد زيادة ونقيصة وحدوثاً وبقاءً، ومرجع هذا الوجه إلى نفي عموم القدرة وإطلاقها.
وثانيهما: أنّ القدرة وإن كانت مطلقة إلّا أنّ تحقّق الإيجاد وفعليّة الوجود
يستحيل معه التغيّر، فإنّ الشئ لا يتغيّر عمّا وقع عليه بالضرورة وهذا مثل الإنسان في فعله الاختياريّ فإنّ الفعل اختياريّ للإنسان ما لم يصدر عنه فإذا صدر كان ضروريّ الثبوت غير اختياريّ له، ومرجع هذا الوجه إلى نفي إطلاق الملكيّة و عدم جواز بعض التصرّفات بعد خروج الزمام ببعض آخر كما قالت اليهود: يد الله مغلولة: فاشار سبحانه إلى الجواب عن الأوّل بقوله: ألم تعلم أنّ الله على كلّ شئ قدير أي فلا يعجز عن إقامة ما هو خير من الفائت أو إقامة ما هو مثل الفائت مقامه وأشار إلى الجواب عن الثاني بقوله: ألم تعلم أنّ الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من وليّ ولا نصير، أي إنّ ملك السماوات والأرض لله سبحانه فله أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء وليس لغيره شئ من الملك حتّى يوجب ذلك انسداد باب من ابواب تصرّفه سبحانه، أو يكون مانعاً دون تصرّف من تصرّفاته، فلا يملك شئ شيئاً، لا ابتداءً ولا بتمليكه تعالى، فإنّ التمليك الّذي يملّكه غيره ليس كتمليك بعضنا بعضاً شيئاً بنحو يبطل ملك الأوّل ويحصل ملك الثاني، بل هو مالك في عين ما يملّك غيره ما يملك. فإذا نظرنا إلى حقيقة الأمر كان الملك المطلق والتصرّف المطلق له وحده، وإذا نظرنا إلى ما ملّكنا بملكه من دون استقلال كان هو الوليّ لنا وإذا نظرنا إلى ما تفضّل علينا من ظاهر الاستقلال - وهو في الحقيقة فقر في صورة الغنى، وتبعيّة في صورة الاستقلال - لم يمكن لنا أيضاً أن ندبّر اُمورنا من دون إعانته ونصره، كان هو النصير لنا.
وهذا الّذي ذكرناه هو الّذي يقتضيه الحصر الظاهر من قوله تعالى:( أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) فقوله تعالى:( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، مرتّب على ترتيب ما يتوهّم من الاعتراضين. ومن الشاهد على كونهما اعتراضين إثنين الفصل بين الجملتين من غير وصل. وقوله تعالى:( وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ) ، مشتمل على أمرين هما كالمتمّمين للجواب أي وإن لم تنظروا إلى ملكه المطلق بل نظرتم إلى ما عندكم من الملك الموهوب فحيث كان ملكا موهوباً من غير انفصال واستقلال فهو وحده وليّكم، فله أن يتصرّف فيكم وفي ما عندكم ما شاء من التصرّف، وإن لم تنظروا إلى عدم إستقلالكم في الملك بل نظرتم
إلى ظاهر ما عندكم من الملك والاستقلال وانجمدتم على ذلك فحسب، فإنّكم ترون أنّ ما عندكم من القدرة والملك والاستقلال لا تتمّ وحدها، ولا تجعل مقاصدكم مطيعة لكم خاضعة لقصودكم وإرادتكم وحدها بل لا بدّ من معها إعانة الله ونصره فهو النصير لكم فله أن يتصرّف من هذا الطريق فله سبحانه التصرّف في أمركم من أيّ سبيل سلكتم هذا، وقوله:( وما لكم من دون الله ) ، جئ فيه بالظاهر موضع المضمر نظراً إلى كون الجملة بمنزلة المستقلّ من الكلام لتماميّة الجواب دونه.
فقد ظهر ممّا مرّ:أوّلا، أنّ النسخ لا يختصّ بالأحكام الشرعيّة بل يعمّ التكوينيّات أيضاً.
وثانياً: أنّ النسخ لا يتحقّق من غير طرفين ناسخ ومنسوخ.
وثالثاً: أنّ الناسخ يشتمل على ما في المنسوخ من كمال أو مصلحة.
ورابعاً: أنّ الناسخ ينافي المنسوخ بحسب صورته وإنّما يرتفع التناقض بينهما من جهة إشتمال كليهما على المصلحة المشتركة فإذا توفّى نبيّ وبعث نبىّ آخر وهما آيتان من آيات الله تعالى أحدهما ناسخ للآخر كان ذلك جرياناً على ما يقتضيه ناموس الطبيعة من الحياة والموت والرزق والأجل وما يقتضيه إختلاف مصالح العباد بحسب إختلاف الأعصار وتكامل الأفراد من الإنسان، وإذا نسخ حكم دينيّ بحكم دينيّ كان الجميع مشتملاً على مصلحة الدين وكلّ من الحكمين أطبق على مصلحة الوقت، أصلح لحال المؤمنين كحكم العفو في أوّل الدعوة وليس للمسلمين بعد عدّة ولا عدّة. وحكم الجهاد بعد ذلك حينما قوي الإسلام وأعدّ فيهم ما استطاعوا من قوّة وركز الرعب في قلوب الكفّار والمشركين. والآيات المنسوخة مع ذلك لا تخلو من إيماء وتلويح إلى النسخ كما في قوله تعالى:( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) البقرة - ١٠٩، المنسوخ بأية القتال وقوله تعالى:( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) النساء - ١٥، المنسوخ بأية الجلد فقوله: حتّى يأتي الله بأمره وقوله:( أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ) لا يخلو عن إشعار بأنّ الحكم موقّت مؤجّل سيلحقه نسخ.
وخامساً: أنّ النسبة الّتي بين الناسخ والمنسوخ غير النسبة الّتي بين العامّ والخاصّ
وبين المطلق والمقيّد وبين المجمل والمبيّن، فإنّ الرّافع للتنافي بين الناسخ والمنسوخ بعد إستقراره بينهما بحسب الظهور اللّفظيّ هو الحكمة والمصلحة الموجودة بينهما، بخلاف الرافع للتنافي بين العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد والمجمل والمبيّن فإنّه قوّة الظهور اللّفظيّ الموجود في الخاصّ والمقيّد والمبيّن، المفسّر للعامّ بالتخصيص، وللمطلق بالتقييد، وللمجمل بالتبيين على ما بيّن في فنّ أصول الفقة، وكذلك في المحكم والمتشابه على ما سيجئ في قوله:( مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) آل عمران - ٧.
قوله تعالى: ( أَوْ نُنسِهَا ) ، قرء بضمّ النون وكسر السّين من الإنساء بمعنى الإذهاب عن العلم والذكر وقد مرّ توضيحه، وهو كلام مطلق أو عامّ غير مختصّ برسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بل غير شامل له أصلاً لقوله تعالى:( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ ) الاعلى - ٧، وهي آية مكيّة وآية النسخ مدنيّة فلا يجوز عليه النسيان بعد قوله تعالى:( فَلَا تَنسَىٰ ) وأمّا اشتماله على الاستثناء بقوله: إلّا ما شاء الله فهو على حدّ الاستثناء الواقع في قوله تعالى:( خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود - ١٠٨، جئ بها لإثبات بقاء القدرة مع الفعل على تغيير الأمر، ولو كان الاستثناء مسوقاً لبيان الوقوع في الخارج لم يكن للامتنان بقوله:( فَلَا تَنسَىٰ ) معنى، إذ كلّ ذي ذكر وحفظ من الإنسان وسائر الحيوان كذلك يذكر وينسى وذكره نسيانه كلاهما منه تعالى وبمشيّته، وقد كان رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) كذلك قبل هذا الإقراء الامتنانيّ الموعود بقوله:( سَنُقْرِئُكَ ) يذكر بمشيّة الله وينسى بمشيّة الله تعالى فليس معنى الاستثناء إلّا إثبات إطلاق القدرة أي سنقرئك فلا تنسى أبداً والله مع ذلك قادر على إنسائك هذا. وقرء قوله:( نُنسِهَا ) بفتح النون والهمزة من نسئ نسيئاً إذا أخّر تأخيراً فيكون المعنى على هذا: ما ننسخ من آية بإزالتها أو نؤخّرها بتأخير إظهارها نأت بخير منها أو مثلها ولا يوجب التصرّف الإلهيّ بالتقديم والتأخير في آياته فوت كمال أو مصلحة والدليل على أنّ المراد بيان أنّ التصرّف الإلهيّ يكون دائماً على الكمال والمصلحة هو قوله: بخير منها أو مثلها فإنّ الخيريّة إنّما يكون في كمال شئ موجود أو مصلحة حكم مجعول ففي ذلك يكون موجود مماثلاً لآخر في الخيريّة أو أزيد منه في ذلك فافهم.
( بحث روائي)
قد تكاثرت روايات الفريقين عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) والصحابة وعن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام : أنّ في القرآن ناسخاً ومنسوخاً.
وفي تفسير النعمانيّ عن أميرالمؤمنينعليهالسلام : بعد ذكر عدّة آيات من الناسخ والمنسوخ قالعليهالسلام : ونسخ قوله تعالى: وما خلقت الجنّ والإنس إلّا ليعبدون قوله عزّوجلّ: ولا يزالون مختلفين إلّا من رحم ربّك ولذلك خلقهم أي للرحمة خلقهم.
أقول: وفيها دلالة على أخذهعليهالسلام النسخ في الآية أعمّ من النسخ الواقع في التشريع فالآية الثانية تثبت حقيقة توجب تحديد الحقيقة الّتي تثبتها الآية الاُولى، وبعبارة واضحة: الآية الاُولى تثبت للخلقة غاية وهي العبادة، والله سبحانه غير مغلوب في الغاية الّتي يريدها في فعل من أفعاله غير أنّه سبحانه خلقهم على إمكان الإختلاف فلا يزالون مختلفين في الاهتداء والضلال فلا يزالون مختلفين إلّا من أخذته العناية الإلهيّة، وشملته رحمة الهداية ولذلك خلقهم أي ولهذه الرحمة خلقهم، فالآية الثانية تثبت للخلقة غاية، وهو الرحمة المقارنة للعبادة والاهتداء ولا يكون إلّا في البعض دون الكلّ والآية الاُولى كانت تثبت العبادة غاية للجميع فهذه العبادة جعلت غاية الجميع من جهة كون البعض مخلوقاً لأجل البعض الآخر وهذا البعض أيضاً لآخر حتّى ينتهي إلى أهل العبادة وهم العابدون المخلوقون للعبادة فصحّ أنّ العبادة غاية للكلّ نظير بناء الحديقة وغرس الشجرة لثمرتها أو لمنافعها الماليّة فالآية الثانية تنسخ إطلاق الآية الاُولى. وفي تفسير النعمانيّ أيضاً عنهعليهالسلام : قال: ونسخ قوله تعالى:( وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) قوله:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ) .
أقول: و ليست الآيتان من قبيل العامّ والخاصّ لقوله تعالى:( كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ) ، والقضاء الحتم غير قابل الرفع ولا ممكن الإبطال ويظهر معنى هذا
النسخ ممّا سيجئ إنشاء الله في قوله:( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) الأنبياء - ١٠١.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الباقرعليهالسلام : إنّ من النسخ البداء المشتمل عليه قوله تعالى: يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده اُمّ الكتاب، ونجاة قوم يونس.
أقول: والوجه فيه واضح.
وفي بعض الأخبار عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام موت إمام وقيام إمام آخر مقامه من النسخ.
أقول: وقد مرّ بيانه، والأخبار في هذه المعاني كثيرة مستفيضة.
وفي الدرّ المنثور أخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة قال: كانت الآية تنسخ الآية وكان نبيّ الله يقرأ الآية والسورة وما شاء الله من السورة ثمّ ترفع فينسيها الله نبيّه فقال الله: يقصّ على نبيّه ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها، يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهى.
أقول: وروى فيه أيضاً في معنى الإنساء روايات عديدة وجميعها مطروحة بمخالفة الكتاب كما مرّ في بيان قوله:( أَوْ نُنسِهَا ) .
( سورة البقرة الآيات ١٠٨ - ١١٥)
أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ( ١٠٨ ) وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٠٩ ) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ١١٠ ) وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ( ١١١ ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( ١١٣ ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ١١٤ ) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( ١١٥ )
( بيان)
قوله تعالى: ( أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ ) ، سياق الآية يدلّ على أنّ بعض المسلمين - ممّن آمن بالنبيّ - سأل النبيّ اُموراً على حدّ سؤال اليهود نبيّهم موسىعليهالسلام
والله سبحانه وبّخهم على ذلك في ضمن ما يوبّخ اليهود بما فعلوا مع موسى والنبيّين من بعده، والنقل يدلّ على ذلك.
قوله تعالى: ( سَوَاءَ السَّبِيلِ ) أي مستوى الطريق.
قوله تعالى: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) ، نقل أنّه حيّ بن الأخطب وبعض من معه من متعصّبي اليهود.
قوله تعالى: ( فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ) ، قالوا: إنّها آية منسوخة بآية القتال!.
قوله تعالى: ( حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ ) ، فيه كما مرّ إيماء إلى حكم سيشرّعه الله تعالى في حقّهم، ونظيره قوله تعالى: في الآية الآتية( أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ) ، مع قوله تعالى:( إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ) التوبة - ٢٨، وسيأتي الكلام في معنى الأمر في قوله تعالى:( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ألاسراء - ٨٥.
قوله تعالى: ( وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ ) ، شروع في إلحاق النصارى باليهود تصريحاً وسوق الكلام في بيان جرائمهم معاً.
قوله تعالى: ( بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) ، هذه كرّة ثالثة عليهم في بيان أن السعادة لا تدور مدار الاسم ولا كرامة لأحد على الله إلّا بحقيقة الإيمان والعبوديّة. اُولاها قوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا ) البقرة - ٦٢،وثانيتها ، قوله تعالى:( بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ) البقرة - ٨١،وثالثتها ، هذه الآية ويستفاد من تطبيق الآيات تفسير الإيمان بإسلام الوجه إلى الله وتفسير الإحسان بالعمل الصالح.
قوله تعالى: ( وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ) ، أي وهم يعملون بما أوتوا من كتاب الله لا ينبغي لهم أن يقولوا ذلك والكتاب يبيّن لهم الحقّ والدليل على ذلك قوله:( كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ) فالمراد بالّذين لا يعلمون غير أهل الكتاب من الكفّار ومشركي العرب قالوا: إنّ المسلمين ليسوا على شئٍ أو أنّ أهل الكتاب ليسوا على شئ.
قوله تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ ) ، ظاهر السياق أنّ هؤلاء كفّار مكّة قبل الهجرة فإنّ هذه الآيات نزلت في أوائل ورود رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) المدينة.
قوله تعالى: ( أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ) ، يدلّ على مضىّ الواقعة وإنقضائها لمكان قوله، كان، فينطبق على كفّار قريش وفعالهم بمكّة كما ورد به النقل أنّ المانعين كفّار مكّة، كانوا يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والمساجد الّتي اتّخذوها بفناء الكعبة.
قوله تعالى: ( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) ، المشرق والمغرب وكلّ جهة من الجهات حيث كانت فهي لله بحقيقة الملك الّتي لا تقبل التبدّل والانتقال، لا كالملك الّذي بيننا معاشر أهل الاجتماع، وحيث أنّ ملكه تعالى مستقرّ على ذات الشئ محيط بنفسه وأثره، لا كملكنا المستقرّ على أثر الأشياء ومنافعها، لا على ذاتها، والملك لا يقوم من جهة أنّه ملك إلّا بمالكه فالله سبحانه قائم على هذه الجهات محيط بها وهو معها، فالمتوجّه إلى شئ من الجهات متوجّه إليه تعالى.
ولمّا كان المشرق والمغرب جهتين إضافيّتين شملتا ساير الجهات تقريباً إذ لا يبقى خارجاً منهما إلّا نقطتا الجنوب والشمال الحقيقيّتان ولذلك لم يقيّد إطلاق قوله :( فَأَيْنَمَا ) ، بهما بأن يقال: أينما تولّوا منهما فكأنّ الإنسان أينما ولّى وجهه فهناك إمّا مشرق أو مغرب، فقوله: ولله المشرق والمغرب بمنزلة قولنا: ولله الجهات جميعاً وإنّما أخذ بهما لأنّ الجهات الّتي يقصدها الإنسان بوجهه إنّما تتعيّن بشروق الشمس وغروبها وسائر الأجرام العلويّة المنيرة.
قوله تعالى: ( فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) ، فيه وضع علّة الحكم في الجزاء موضع الجزاء، والتقدير - والله أعلم - فأينما تولّوا جاز لكم ذلك فإنّ وجه الله هناك ويدلّ على هذا التقدير تعليل الحكم بقوله تعالى:( إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ، أي إنّ الله واسع الملك والإحاطة عليم بقصودكم أينما توجّهت، لا كالواحد من الإنسان أو سائر الخلق الجسمانيّ لا يتوجّه إليه إلّا إذا كان في جهة خاصّة، ولا أنّه يعلم توجّه القاصد إليه إلّا من جهة خاصّة كقدّامه فقط، فالتّوجّه إلى كلّ جهة توجّه إلى الله، معلومٌ له سبحانه.
واعلم أنّ هذا توسعة في القبلة من حيث الجهة لا من حيث المكان، والدّليل عليه قوله: ولله المشرق والمغرب.
( بحث روائي)
في التهذيب عن محمّد بن الحصين قال: كتب إلى عبد صالح الرّجل يصلّي في يوم غيم في فلات من الأرض ولا يعرف القبلة فيصلّى حتّى فرغ من صلاته بدت له الشمس فإذا هو صلّى لغير القبلة يعتدّ بصلاته أم يعيدها ؟ فكتب يعيد ما لم يفت الوقت، أو لم يعلم أنّ الله يقول: - وقوله الحقّ - فأينما تولّوا فثمّ وجه الله.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الباقرعليهالسلام : في قوله تعالى:( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) إلخ، قالعليهالسلام : أنزل الله هذه الآية في التطوّع خاصّة فأينما تولّوا فثمّ وجه الله إنّ الله واسع عليم، وصلّى رسول الله إيماءً على راحلته أينما توجّهت به حين خرج إلى خيبر، وحين رجع من مكّة، وجعل الكعبة خلف ظهره.
أقول: وروى العيّاشيّ أيضاً قريباً من ذلك عن زرارة عن الصادقعليهالسلام ، وكذا القمّىّ والشيخ عن أبي الحسنعليهالسلام ، وكذا الصدوق عن الصادقعليهالسلام .
وأعلم إنّك إذا تصفّحت أخبار أئمّة أهل البيت حقّ التصفّح، في موارد العامّ والخاصّ والمطلق والمقيّد من القرآن وجدتها كثيراً ما تستفيد من العامّ حكماً، ومن الخاصّ أعني: العامّ مع المخصّص حكماً آخر، فمن العامّ مثلاً الاستحباب كما هو الغالب ومن الخاصّ الوجوب، وكذلك الحال في الكراهة والحرمة، وعلى هذا القياس. وهذا أحد اُصول مفاتيح التفسير في الأخبار المنقولة عنهم، وعليه مدار جمّ غفير من أحاديثهم. ومن هنا يمكنك أن تستخرج منها في المعارف القرآنيّة قاعدتين:
أحداهما: أنّ كلّ جملة وحدها، وهي مع كلّ قيد من قيودها تحكي عن حقيقة ثابتة من الحقائق أو حكم ثابت من الأحكام كقوله تعالى:( قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ) الانعام - ٩١، ففيه معان أربع: الأوّل: قل الله، والثاني: قل الله ثمّ ذرهم، والثالث: قل الله ثمّ ذرهم في خوضهم، والرابع: قل الله ثمّ ذرهم في خوضهم يلعبون. واعتبر نظير ذلك في كلّ ما يمكن.
والثانية: أنّ القصّتين أو المعنيين إذا اشتركا في جملة أو نحوها، فهما راجعان إلى مرجع واحد. وهذان سرّان تحتهما أسرار والله الهادي.
( سورة البقرة الآيات ١١٦ - ١١٧)
وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ( ١١٦ ) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ( ١١٧ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا ) يعطي السياق، أنّ المراد بالقائلين بهذه المقالة هم اليهود والنصارى: إذ قالت اليهود: عزيز ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فإنّ وجه الكلام مع أهل الكتاب، وإنّما قال أهل الكتاب هذه الكلمة أعني قولهم: اتّخذ الله ولداً أوّل ما قالوها تشريفاً لأنبيائهم كما قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه ثمّ تلبّست بلباس الجدّ والحقيقة فردّ الله سبحانه عليهم في هاتين الآيتين فأضرب عن قولهم بقوله:( بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ ) إلخ، ويشتمل على برهانين ينفي كلّ منهما الولادة وتحقّق الولد منه سبحانه، فإنّ اتّخاذ الولد هو أن يجزّئ موجود طبيعيّ بعض أجزاء وجوده، ويفصّله عن نفسه فيصيّره بتربية تدريجيّة فرداً من نوعه مماثلاً لنفسه، وهو سبحانه منزّه عن المثل، بل كلّ شئ ممّا في السماوات والأرض مملوك له، قائم الذات به، قانت ذليل عند ذلّة وجوديّة، فكيف يكون شئ من الأشياء ولداً له مماثلاً نوعيّاً بالنسبه إليه ؟ وهو سبحانه بديع السماوات والأرض، إنّما يخلق ما يخلق على غير مثال سابق، فلا يشبه شئ من خلقه خلقاً سابقاً، ولا يشبه فعله فعل غيره في التقليد والتشبيه ولا في التدريج، والتوصّل بالأسباب إذا قضى أمراً فإنّما يقول له كن فيكون من غير مثال سابق ولا تدريج، فكيف يمكن أن ينسب إليه اتّخاذ الولد ؟ وتحقّقه يحتاج إلى تربية وتدريج، فقوله:( لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) برهان تامّ، وقوله:( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) برهان آخر تامّ، هذا. ويستفاد من الآيتين:
أوّلاً: شمول حكم العبادة لجميع المخلوقات ممّا في السماوات والأرض.
وثانياً: أنّ فعله تعالى غير تدريجيّ، ويستدرج من هنا، أنّ كلّ موجود تدريجيّ فله وجه غير تدريجيّ، به يصدر عنه تعالى كما قال تعالى:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) يس - ٨٢، وقال تعالى:( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر - ٥٠، وتفصيل القول في هذه الحقيقة القرآنيّة، سيأتي إنشاء الله في ذيل قوله:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا ) يس - ٨٢، فانتظر.
قوله تعالى: ( سُبْحَانَهُ ) مصدر بمعنى التسبيح وهو لا يستعمل إلّا مضافاً وهو مفعول مطلق لفعل محذوف أي سبّحته تسبيحاً، فحذف الفعل وأضيف المصدر إلى الضمير المفعول وأقيم مقامه. وفي الكلمة تأديب إلهيّ بالتنزيه فيما يذكر فيه ما لا يليق بساحة قدسة تعالى و تقدّس.
قوله تعالى: ( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) ، القنوت العبادة والتذلّل.
قوله تعالى: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ ) ، بداعة الشئ كونه لا يماثل غيره ممّا يعرف ويؤنس به.
قوله تعالى: ( فَيَكُونُ ) ، تفريع على قول كن وليس في مورد الجزاء حتّى يجزم.
( بحث روائي)
في الكافي والبصائر، عن سدير الصيرفيّ، قال: سمعت عمران بن أعين يسأل أباجعفرعليهالسلام عن قول الله تعالى:( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، فقال أبوجعفرعليهالسلام : إنّ الله عزّوجلّ ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله، فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهنّ سماوات ولا أرضون أما تسمع لقوله: وكان عرشه على الماء ؟.
أقول: وفي الرواية إستفادة اُخرى لطيفة، وهي أنّ المراد بالماء في قوله تعالى: وكان عرشه على الماء غير المصداق الّذي عندنا من الماء بدليل أنّ الخلقة مستوية على البداعة وكانت السلطنة الإلهيّة قبل خلق هذه السماوات والأرض مستقرّة مستوية على الماء فهو غير الماء وسيجئ تتمّة الكلام في قوله تعالى:( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) هود - ٧.
( بحث علمي وفلسفي)
دلّ التجارب على افتراق كلّ موجودين في الشخصيّات وإن كانت متّحدة في الكلّيّات حتّى الموجودان اللّذان لا يميّز الحسّ جهة الفرقة بينهما فالحسّ المسلّح يدرك ذلك منهما، والبرهان الفلسفيّ أيضاً يوجب ذلك، فإنّ المفروضين من الموجودين لو لم يتميّز أحدهما من الآخر بشئ خارج عن ذاته، كان سبب الكثرة المفروضة غير خارج من ذاتهما فيكون الذات صرفة غير مخلوطة، وصرف الشئ لا يتثنّى ولا يتكرّر، فكان ما هو المفروض كثيراً واحداً غير كثير هف. فكلّ موجود مغاير الذات لموجود آخر، فكلّ موجود فهو بديع الوجود على غير مثال سابق ولا معهود، والله سبحانه هو المبتدع بديع السماوات والأرض.
( سورة البقرة الآيات ١١٨ - ١١٩)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( ١١٨ ) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ( ١١٩ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) هم المشركون غير أهل الكتاب ويدلّ عليه المقابلة السابقة في قوله تعالى: وقالت اليهود ليست النصارى على شئ، وقالت النصارى ليست اليهود على شئ، وهم يتلون الكتاب كذلك، قال الّذين لا يعلمون مثل قولهم الآية. ففي تلك الآية ألحق أهل الكتاب في قولهم بالمشركين والكفّار من العرب، وفي هذه الآية ألحق المشركين والكفّار بهم، فقال:( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم ) - وهم أهل الكتاب واليهود من بينهم - حيث اقترحوا بمثل هذه الأقاويل على نبيّ الله موسىعليهالسلام ، فهم والكفّار متشابهون في أفكارهم وآرائهم، يقول هؤلاء ما قاله أولئك وبالعكس، تشابهت قلوبهم.
قوله تعالى: ( قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) جواب عن قول الّذين لا يعلمون إلخ، والمراد أنّ الآيات الّتي يطالبون بها مأتيّة مبينّة، ولكن لا ينتفع بها إلّا قوم يوقنون بآيات الله، وأمّا هؤلاء الّذين لا يعلمون، فقلوبهم محجوبة بحجاب الجهل، مؤفة بآفات العصبيّة والعناد، وما تغني الآيات عن قوم لا يعلمون. ومن هنا يظهر وجه توصيفهم بعدم العلم، ثمّ أيّد ذلك بتوجيه الخطاب إلى رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) والإشعار بأنّه مرسل من عند الله بالحقّ بشيراً ونذيراً، فلتطب به نفسه، وليعلم أنّ هؤلاء أصحاب الجحيم، مكتوب عليهم ذلك، لا مطمع في هدايتهم ونجاتهم.
قوله تعالى: ( وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) ، يجري مجرى قوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) البقرة - ٦.
( سورة البقرة الآيات ١٢٠ - ١٢٣)
وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ( ١٢٠ ) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ١٢١ ) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ( ١٢٢ ) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ( ١٢٣ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ ) ، رجوع إلى الطائفتين بعد الالتفات إلى غيرهم، وهو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرّقها وتشتّتها، فكأنّه بعد هذه الخطابات والتوبيخات هم يرجع إلى رسوله ويقول له: هؤلاء ليسوا براضين عنك، حتّى تتّبع ملّتهم الّتي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم، ثمّ أمره بالردّ عليهم بقوله:( قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىٰ ) أي إنّ الاتّباع إنّما هو لغرض الهدى ولا هدى إلّا هدى الله والحقّ الّذي يجب أن يتّبع وغيره - وهو ملّتكم - ليس بالهدى، فهي أهواؤكم ألبستموها لباس الدين وسمّيتموها بإسم الملّة، ففي قوله: قل إنّ هدى الله إلخ، جعل الهدى كناية عن القرآن النازل، ثمّ أضيف إلى الله فأفاد صحّة الحصر في قوله:( إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىٰ ) على طريق قصرالقلب، وأفاد ذلك خلوّ ملّتهم عن الهدى، وأفاد ذلك كونها أهوائاً لهم، واستلزم ذلك كون ما عند النبيّ علماً، وكون ما عندهم
جهلاً، واتّسع المكان لتعقيب الكلام بقوله: ولئن اتّبعت أهوائهم بعد الّذي جائك من العلم، ما لك من الله من وليّ ولا نصير، فانظر إلى ما في هذا الكلام من أصول البرهان العريقة، ووجوه البلاغة على إيجازه، وسلاسة البيان وصفائه.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ) يمكن أن تكون الجملة بقرينة الحصر المفهوم من قوله: أولئك يؤمنون به جواباً للسؤال المقدّر الّذي يسوق الذهن إليه قوله تعالى:( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ ) إلخ، وهو أنّهم إذا لم يكن مطمع في إيمانهم، فمن ذا الّذي يؤمن منهم ؟ وهل توجيه الدعوة إليهم باطل لغو ؟ فأجيب بأنّ الّذين آتيناهم الكتاب والحال أنّهم يتلونه حقّ تلاوته، اُؤلئك يؤمنون بكتابهم فيؤمنون بك، أو أنّ اُؤلئك يؤمنون بالكتاب، كتاب الله المنزل أيّاما كان، أو أنّ اُؤلئك يؤمنون بالكتاب الّذي هو القرآن. و عليهذا: فالقصر في قوله: اُؤلئك يؤمنون به قصر أفراد والضمير في قوله: به على بعض التقادير لا يخلو عن استخدام. والمراد بالّذين اوتوا الكتاب قوم من اليهود والنصارى ليسوا متّبعين للهوى من أهل الحقّ منهم، وبالكتاب التوراة والإنجيل، وإن كان المراد بهم المؤمنين برسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وبالكتاب القرآن، فالمعنى: إنّ الّذين آتيناهم القرآن، وهم يتلونه حقّ تلاوته اُؤلئك يؤمنون بالقرآن، لا هؤلاء المتّبعون لأهوائهم، فالقصر حينئذ قصر قلب.
قوله تعالى: ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا ) ، إلى آخر الآيتين إرجاع ختم الكلام إلى بدئه، وآخره إلى أوّله، وعنده يختتم شطر من خطابات بني إسرائيل.
( بحث روائي)
في إرشاد الديلميّ عن الصادقعليهالسلام : في قوله:( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ) ، قال: يرتّلون آياته ويتفقّهون به ويعملون بأحكامه، ويرجون وعده ويخافون وعيده، ويعتبرون بقصصه، ويأتمرون بأوامره، وينتهون بنواهيه، ما هو والله حفظ آياته، ودرس حروفه، وتلاوة سوره، ودرس أعشاره وأخماسه، حفظوا حروفه وأضاعوا حدوده، وإنّما هو تدبّر آياته والعمل بأحكامه، قال الله تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبّروا آياته.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : في قول الله عزّوجلّ: يتلونه حقّ تلاوته قالعليهالسلام الوقوف عند الجنّة والنار.
أقول: والمراد به التدبّر.
وفي الكافي عنهعليهالسلام : في الآية قالعليهالسلام هم الأئمّة.
أقول: وهو من باب الجرى والانطباق على المصداق الكامل.
( سورة البقرة الآية ١٢٤)
وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( ١٢٤ )
( بيان)
شروع بجمل من قصص إبراهيمعليهالسلام وهو كالمقدّمة والتوطئة لآيات تغيير القبلة وآيات أحكام الحجّ، وما معها من بيان حقيقة الدين الحنيف الإسلاميّ بمراتبها: من أصول المعارف، والأخلاق، والأحكام الفرعيّة الفقهيّة جملاً، والآيات مشتملة على قصّة اختصاصه تعالى إيّاه بالإمامة وبنائه الكعبة ودعوته بالبعثة.
فقوله تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ) إلخ، إشارة إلى قصّة إعطائه الإمامة وحبائه بها، والقصّة إنّما وقعت في أواخر عهد إبراهيمعليهالسلام بعد كبره وتولّد إسماعيل، وإسحق له وإسكانه إسماعيل وأمّه بمكّة، كما تنبّه به بعضهم أيضاً، والدليل على ذلك قولهعليهالسلام على ما حكاه الله سبحانه بعد قوله تعالى له: إنّي جاعلك للناس إماماً، قال:( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) ، فإنّهعليهالسلام قبل مجئ الملائكة ببشارة إسماعيل وإسحق، ما كان يعلم ولا يظنّ أن سيكون له ذرّيّة من بعده حتّى أنّه بعد ما بشرّته الملائكة بالأولاد خاطبهم بما ظاهره اليأس والقنوط كما قال تعالى:( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ) ، الحجر - ٥٥، وكذلك زوجته على ما حكاه الله تعالى في قصّة بشارته أيضاً إذ قال تعالى:( وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ) هود - ٧٣، وكلامهما كما ترى يلوح منه. آثار اليأس والقنوط ولذلك قابلته الملائكة بنوع كلام فيه تسليتهما وتطييب أنفسهما فما كان هو ولا
أهله يعلم أن سيرزق ذرّيّة، وقولهعليهالسلام :( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) ، بعد قوله تعالى:( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، قول من يعتقد لنفسه ذرّيّة، وكيف يسع من له أدنى دربة بأدب الكلام وخاصّة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربّه الجليل أن يتفوّه بما لا علم له به ؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول: ومن ذرّيّتي إن رزقتني ذرّيّة أو ما يؤدّى هذا المعنى فالقصّة واقعة كما ذكرنا في أواخر عهد إبراهيم بعد البشارة.
على أنّ قوله تعالى:( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال:( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، يدلّ على أن هذه الإمامة الموهوبة إنّما كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه الله به من الامتحانات وليست هذه إلّا أنواع البلاء الّتي ابتلىعليهالسلام بها في حياته، وقد نصّ القرآن على أنّ من أوضحها بلاء قضيّة ذبح إسمعيل. قال تعالى:( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ - إلى ان قال -إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ) الصافات - ١٠٦.
والقضيّة إنّما وقعت في كبر إبراهيم، كما حكى الله تعالى عنه من قوله:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) إبراهيم - ٣٩.
ولنرجع إلى ألفاظ الآية فقوله:( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ) ، الابتلاء والبلاء بمعنى واحد تقول: ابتليته وبلوته بكذا أي امتحنته واختبرته، إذا قدّمت إليه أمراً أو أوقعته في حدث فاختبرته بذلك واستظهرت ما عنده من الصفات النفسانيّة الكامنة عنده كالإطاعة والشجاعة والسخاء والعفّة والعلم والوفاء أو مقابلاتها، ولذلك لا يكون الابتلاء إلّا بعمل فإنّ الفعل هو الذى يظهر به الصفات الكامنة من الإنسان دون القول الّذي يحتمل الصدق والكذب. قال تعالى:( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) ن - ١٧، وقال تعالى:( إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ) البقرة - ٢٤٩.
فتعلّق الابتلاء، في الآية بالكلمات إن كان المراد بها الأقوال إنّما هو من جهة تعلّقها با لعمل وحكايتها عن العهود والأوامر المتعلّقة بالفعل كقوله تعالى:( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) البقرة - ٨٣، أي عاشروهم معاشرة جميلة وقوله :( بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) ، الكلمات وهي جمع كلمة وإن أطلقت في القرآن على العين الخارجيّ دون اللفظ والقول، كقوله تعالى:( بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ) آل عمران - ٤٥، إلّا أنّ ذلك بعناية إطلاق
القول كما قال تعالى:( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) آل عمران - ٥٩.
وجميع ما نسب إليه تعالى من الكلمة في القرآن أريد بها القول كقوله تعالى:( وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ) الأنعام - ٣٤، وقوله:( لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ) يونس - ٦٤، وقوله:( يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ ) الانفال - ٧، وقوله:( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ) يونس - ٩٦، وقوله:( وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ ) الزمر - ٧١، وقوله:( وَكَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) المؤمن - ٦، وقوله:( وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) الشورى - ١٤، وقوله:( وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا ) التوبة - ٤١، وقوله:( قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ) ص - ٨٤، وقوله:( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) النحل - ٤٠، فهذه ونظائرها اُريد بها القول بعناية أنّ القول توجيه ما يريد المتكلّم إعلامه المخاطب ما عنده كما في الأخبار أو لغرض تحميله عليه كما في الإنشاء ولذلك ربّما تتّصف في كلامه تعالى بالتمام كقوله تعالى:( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) الأنعام - ١١٥، وقوله تعالى:( وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) الأعراف - ١٣٧ كأنّ الكلمة إذا صدرت عن قائلها فهي ناقصة بعد، لم تتمّ، حتّى تلبس لباس العمل وتعود صدقاً.
وهذا لا ينافي كون قوله تعالى فعله، فإنّ الحقائق الواقعيّة لها حكم، وللعنايات الكلاميّة اللفظيّة حكم آخر، فما يريد الله سبحانه إظهاره لواحد من أنبيائه، أو غيرهم بعد خفائه، أو يريد تحميله على أحد قول وكلام له لاشتماله على غرض القول والكلام وتضمّنه غاية الخبر والنبأ، والأمر والنهي، وإطلاق القول والكلمة على مثل ذلك شائع في الاستعمال إذا اشتمل على ما يؤدّيه القول والكلمة. تقول: لأفعلنّ كذا وكذا، لقول قلته وكلمة قدّمتها، ولم تقل قولاً، ولا قدّمت كلمة، وإنّما عزمت عزيمة لا تنقضها شفاعة شفيع أو وهن إرادة، ومنه قول عنترة:
وقولي كلّما جشأت وجاشت |
مكانك تحمدى أو تستريحي |
يريد بالقول توطين نفسه على الثبات والعزم، على لزومها مكانها لتفوز بالحمد إن قتل، وبالاستراحة إن غلب.
إذا عرفت ذلك ظهر لك أنّ المراد بقوله تعالى:( بِكَلِمَاتٍ ) ، قضايا ابتلى بها وعهود إلهيّة أريدت منه، كابتلائه بالكواكب والأصنام، والنار والهجرة وتضحيته بابنه وغير ذلك ولم يبيّن في الكلام ما هي الكلمات لأنّ الغرض غير متعلّق بذلك. نعم قوله:( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، من حيث ترتّبه على الكلمات تدلّ على أنّها كانت أموراً تثبت بها لياقته، عليه السلام لمقام الإمامة.
فهذه هي الكلمات وأمّا إتمامهنّ فإن كان الضمير في قوله تعالى: أتمّهنّ راجعاً إلى إبراهيم كان معنى إتمامهنّ إتيانه عليه السلام ما أريد منه، وامتثاله لما أمر به، وإن كان الضمير راجعاً إليه تعالى كما هو الظاهر كان المراد توفيقه لما أريد منه، ومساعدته على ذلك، وأمّا ما ذكره بعضهم: أنّ المراد بالكلمات قوله تعالى:( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، إلى آخر الآيات فمعنى لا ينبغي الركون إليه إذ لم يعهد في القرآن إطلاق الكلمات على جمل الكلام.
قوله تعالى: ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، أي مقتدى يقتدى بك الناس، ويتّبعونك في أقوالك وأفعالك، فلإمام هو الّذي يقتدي ويأتمّ به الناس، ولذلك ذكر عدّة من المفسّرين أنّ المراد به النبوّة، لأنّ النبيّ يقتدي به اُمّته في دينهم، قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) النساء - ٦٤، لكنّه في غاية السقوط.
أمّاأولا: فلأنّ قوله: إماماً، مفعول ثان لعامله الّذي هو قوله: جاعلك واسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، وإنّما يعمل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال فقوله،( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ، وعدلهعليهالسلام بالإمامة في ما سيأتي، مع أنّه وحي لا يكون إلّا مع نبوّة، فقد كان (ع) نبيّاً قبل تقلّده الإمامة فليست الإمامة في الآية بمعنى النبوّة (ذكره بعض المفسّرين).
وأمّاثانياً: فلأنّا بيّنا في صدر الكلام: أنّ قصّة الإمامة، إنّما كانت في أواخر عهد إبراهيمعليهالسلام بعد مجئ البشارة له بإسحق وإسماعيل، وإنّما جائت الملائكة
بالبشارة في مسيرهم إلى قوم لوط وإهلاكهم، وقد كان إبراهيم حينئذ نبيّاً مرسلاً، فقد كان نبيّاً قبل أن يكون إماماً، فإمامته غير نبوّته.
ومنشأ هذا التفسير وما يشابهه الابتذال الطاري على معاني الألفاظ الواقعة في القرآن الشريف في أنظار الناس من تكرّر الاستعمال بمرور الزمن ومن جملة تلك الألفاظ لفظ الإمامة، ففسرّه قوم: بالنبوّة والتقدّم والمطاعيّة مطلقاً، وفسّره آخرون بمعنى الخلافة أو الوصاية، أو الرئاسة في اُمور الدين والدنيا - وكلّ ذلك لم يكن - فإنّ النبوّة معناها: تحمّل النبأ من جانب الله، والرسالة معناها تحمّل التبليغ. والمطاعيّة والإطاعة قبول الإنسان ما يراه أو يأمره غيره وهو من لوازم النبوّة والرسالة، والخلافة نحو من النيابة، وكذلك والوصاية، والرئاسة نحو من المطاعيّة وهو مصدريّة الحكم في الاجتماع وكلّ هذه المعاني غير معنى الإمامة الّتي هي كون الإنسان بحيث يقتدى به غيره بأن يطّبق أفعاله وأقواله على أفعاله وأقواله بنحو التبعيّة. ولا معنى لأن يقال لنبيّ من الأنبياء مفترض الطاعة إنّي جاعلك للناس نبيّاً، أو مطاعاً فيما تبلّغه بنبوّتك، أو رئيساً تأمر وتنهى في الدين، أو وصيّاً، أو خليفة في الأرض تقضي بين الناس في مرافعاتهم بحكم الله.
وليست الإمامة تخالف الكلمات السابقة وتختصّ بموردها بمجرّد العناية اللّفظيّة فقط، إذ لا يصحّ أن يقال لنبيّ - من لوازم نبوّته كونه مطاعاً بعد نبوّته - إنّي جاعلك مطاعاً للناس بعد ما جعلتك كذلك، ولا يصحّ أن يقال له ما يؤل إليه معناه وإن اختلف بمجرّد عناية لفظيّة، فإنّ المحذور هو المحذور، وهذه المواهب الإلهيّة ليست مقصورة على مجرّد المفاهيم اللفظيّة، بل دونها حقائق من المعارف الحقيقيّة، فلمعنى الإمامة حقيقة وراء هذه الحقائق.
والّذي نجده في كلامه تعالى: أنّه كلّما تعرّض لمعنى الإمامة تعرّض معها للهداية تعرّض التفسير. قال تعالى في قصص إبراهيمعليهالسلام :( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) الأنبياء - ٧٣، وقال سبحانه:( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) السجدة - ٢٤، فوصفها بالهداية وصف تعريف، ثمّ قيدها بالأمر، فبيّن أنّ الإمامة ليست مطلق
الهداية، بل هي الهداية الّتي تقع بأمر الله، وهذا الأمر هو الّذي بيّن حقيقته في قوله:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يس - ٨٣، وقوله:( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر - ٥٠، وسنبيّن في الآيتين أنّ الأمر الإلهيّ وهو الّذي تسمّيه الآية المذكورة بالملكوت وجهٌ آخر للخلق، يواجهون به الله سبحانه، طاهرٌ مطهّر من قيود الزمان والمكان، خال من التغيّر والتبدّل وهو المراد بكلمة - كن - الّذي ليس إلّا وجود الشئ العينيّ، وهو قبال الخلق الّذي هو وجهٌ آخر من وجهي الأشياء فيه التغيّر والتدريج والانطباق على قوانين الحركة والزمان، وليكن هذا عندك على إجماله حتّى يأتيك تفصيله إنشاء الله العزيز.
وبالجملة فلإمام هاد يهدي بأمرٍ ملكوتيّ يصاحبه، فلإمامة بحسب الباطن نحو ولاية للناس في أعمالهم، وهدايتها إيصالها إيّاهم إلى المطلوب بأمر الله دون مجرّد إرائة الطريق الّذي هو شأن النبيّ والرسول وكلّ مؤمن يهدي إلى الله سبحانه بالنصح والموعظة الحسنة، قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) إبراهيم - ٤، وقال تعالى: في مؤمن آل فرعون( وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ) مؤمن - ٣٨، وقال تعالى:( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) التوبة - ١٢٢، وسيتّضح لك هذا المعنى مزيد إتضاح.
ثمّ إنّه تعالى بيّن سبب موهبة الإمامة بقوله:( لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) الآية فبيّن أنّ الملاك في ذلك صبرهم في جنب الله - وقد أطلق الصبر - فهو في كلّ ما يبتلي ويمتحن به عبدٌ في عبوديّته، وكونهم قبل ذلك موقنين، وقد ذكر في جملة قصص إبراهيمعليهالسلام قوله:( وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) الانعام - ٧٥، والآية كما ترى تعطي بظاهرها: أنّ إرائة الملكوت لإبراهيم كانت مقدّمة لإفاضة اليقين عليه، ويتبيّن به أنّ اليقين لا ينفكّ عن مشاهدة الملكوت كما هو ظاهر قوله تعالى:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) التكاثر - ٦ وقوله تعالى:( كَلَّا بَل رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ
- إلى أن قال -كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) المطفّفين - ٢١، وهذه الآيات تدلّ على أنّ المقرّبين هم الّذين لا يحجبون عن ربّهم بحجاب قلبيّ وهو المعصية والجهل والريب والشكّ، فهم أهل اليقين بالله، وهم يشهدون علّيّين كما يشهدون الجحيم.
وبالجملة فلإمام يجب أن يكون إنساناً ذايقين مكشوفاً له عالم الملكوت - متحقّقاً بكلمات من الله سبحانه - وقد مرّ أنّ الملكوت هو الأمر الّذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم، فقوله تعالى:( يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ، يدلّ دلالة واضحة على أنّ كلّ ما يتعلّق به أمر الهداية - وهو القلوب والأعمال - فللإمام باطنه وحقيقتة، ووجهه الأمري حاضر عنده غير غائب عنه، ومن المعلوم أنّ القلوب والأعمال كسائر الأشياء في كونها ذات وجهين، فلإمام يحضر عنده ويلحق به أعمال العباد، خيرها وشرّها، وهو المهيمن على السبيلين جميعاً، سبيل السعادة وسبيل الشقاوة. وقال تعالى أيضاً:( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) الاسراء - ٧١، وسيجئ تفسيره بالإمام الحقّ دون كتاب الأعمال، على ما يظنّ من ظاهرها، فلإمام هو الّذي يسوق الناس إلى الله سبحانه يوم تبلى السرائر، كما أنّه يسوقهم إليه في ظاهر هذه الحياة الدنيا وباطنها، والآية مع ذلك تفيد أنّ الإمام لا يخلو عنه زمانٌ من الأزمنة، وعصر من الأعصار، لمكان قوله تعالى :( كُلَّ أُنَاسٍ ) ، على ما سيجئ في تفسير الآية من تقريبه.
ثمّ إنّ هذا المعنى أعني الإمامة، على شرافته وعظمته، لا يقوم إلّا بمن كان سعيد الذات بنفسه، إذ الّذي ربّما تلبّس ذاته بالظلم والشقاء، فإنّما سعادته بهداية من غيره، وقد قال الله تعالى:( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ) يونس - ٣٥. وقد قوبل في الآية بين الهادي إلى الحقّ وبين غير المهتدي إلّا بغيره، أعني المهتدي بغيره، وهذه المقابلة تقتضي أن يكون الهادي إلى الحقّ مهتدياً بنفسه، وأنّ المهتدي بغيره لا يكون هادياً إلى الحقّ البتّة.
ويستنتج من هنا أمران:أحدهما: أنّ الإمام يجب أن يكون معصوماً عن الضلال و المعصية، وإلّا كان غير مهتد بنفسه، كما مرّ كما، يدلّ عليه أيضاً قوله تعالى:
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء - ٧٣ فأفعال الأمام خيرات يهتدى إليها لا بهداية من غيره بل باهتداء من نفسه بتأييد إلهيّ، وتسديد ربّانيّ. والدليل عليه قوله تعالى:( فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) بناءً على أنّ المصدر المضاف يدلّ على الوقوع، ففرقٌ بين مثل قولنا: وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات فلا يدلّ على التحقّق والوقوع، بخلاف قوله:( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) فهو يدلّ على أن ما فعلوه من الخيرات إنّما هو بوحى باطنيّ وتأييد سماويّ.الثاني: عكس الأمر الأوّل وهو أنّ من ليس بمعصوم فلا يكون إمامً هاديً إلى الحقّ البتّة.
وبهذا البيان يظهر: أنّ المراد بالظالمين في قوله تعالى:( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) مطلق من صدر عنه ظلمٌ ما، من شرك أو معصية، وإن كان منه في برهة من عمره، ثمّ تاب وصلح.
وقد سئل بعض أساتيدنا رحمة الله عليه: عن تقريب دلالة الآية على عصمة الأمام.
فأجاب: أنّ الناس بحسب القسمة العقليّة على أربعة أقسام: من كان ظالمً في جميع عمره، ومن لم يكن ظالمً في جميع عمره، ومن هو ظالمٌ في أوّل عمره دون آخره، ومن هو بالعكس هذا. وإبراهيمعليهالسلام أجلّ شأنً من أن يسأل الأمامة للقسم الأوّل والرابع من ذرّيّته، فبقي قسمان وقد نفى الله أحدهما، وهو الّذي يكون ظالمً في أوّل عمره دون آخره، فبقي الآخر، وهو الّذي يكون غير ظالم في جميع عمره إنتهى وقد ظهر ممّا تقدّم من البيان أمور.
الأوّل: أنّ الأمامة لمجعولة.
الثاني: أنّ الأمام يجب أن يكون معصومً بعصمة إلهيّة.
الثالث: أنّ الأرض وفيه الناس، لا تخلو عن إمام حقّ.
الرابع: أنّ الأمام يجب أن يكون مؤيّدً من عند الله تعالى.
الخامس: أنّ أعمال العباد غير محجوبة عن علم الأمام.
السادس: أنّه يجب أن يكون عالمً بجميع ما يحتاج إليه الناس في امور
معاشهم ومعادهم.
السابع: أنّه يستحيل أن يوجد فيهم من يفوقه في فضائل النفس.
فهذه سبعة مسائل هي أمّهات مسائل الأمامة، تعطيها الآية الشريفة بما ينضمّ إليها من الآيات والله الهادي.
فإن قلت: لو كانت الأمامة هي الهداية بأمر الله تعالى، وهي الهداية إلى الحقّ الملازم مع الاهتداء بالذات كما استفيد من قوله تعالى:( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ ) الآية كان جميع الأنبياء أئمّة قطعاً، لوضوح أنّ نبوّة النبيّ لا يتمّ إلّا باهتداء من جانب الله تعالى بالوحى، من غير أن يكون مكتسبً من الغير، بتعليم أو إرشاد ونحوهما، حينئذٍ فموهبة النبوّة تستلزم موهبة الأمامة، وعاد الإشكال إلى أنفسكم.
قلت: الّذي يتحصّل من البيان السابق المستفاد من الآية أنّ الهداية بالحقّ وهي الأمامة تستلزم الاهتداء بالحقّ، وأمّا العكس وهو أن يكون كلّ من اهتدى بالحقّ هاديً لغيره بالحقّ، حتّى يكون كلّ نبيّ لاهتدائه بالذات إمامً، فلم يتبيّن بعد، وقد ذكر سبحانه هذا الاهتداء بالحقّ، من غير أن يقرنه بهداية الغير بالحقّ في قوله تعالى:( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ. وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ذَٰلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) الانعام - ٩٠، وسياق الآيات كما ترى يعطي أنّ هذه الهداية أمرٌ ليس من شأنه أن يتغيّر ويتخلّف، وأنّ هذه الهداية لن ترتفع بعد رسول الله عن أمّته، بل عن ذرّيّة إبراهيم منهم خاصّة، كما يدلّ عليه قوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي
بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) الزخرف - ٢٨، فأعلم قومه ببرائته في الحال وأخبرهم بهدايته في المستقبل، وهي الهداية بأمر الله حقً، لا الهداية الّتي يعطيها النظر والاعتبار، فإنّها كانت حاصلة مدلولً عليها بقوله:( إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي ) ، ثمّ أخبر الله: أنّه جعل هذه الهداية كلمة بأقية في عقب إبراهيم، وهذا أحد الموارد الّتي أطلق القرآن الكلمة فيها على الأمر الخارجيّ دون القول، كقوله تعالى:( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا ) الفتح - ٢٦.
وقد تبيّن بما ذكر: أنّ الأمامة في ولد إبراهيم بعده، وفي قوله تعالى:( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) إشارة إلى ذلك، فإن إبراهيمعليهالسلام إنّما كان سأل الأمامة لبعض ذرّيّته لا لجميعهم، فأجيب: بنفيها عن الظالمين من ولده، وليس جميع ولده ظالمين بالضرورة حتّى يكون نفيها عن الظالمين نفيً لها عن الجميع، ففيه إجابةٌ لما سأله مع بيان أنّها عهد، وعهده تعالى لا ينال الظالمين.
قوله تعالى: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ، في التعبير إشارة إلى غاية بعد الظالمين عن ساحة العهد الألهيّ، فهي من الاستعارة بالكناية.
( بحث روائي)
في الكافي عن الصادقعليهالسلام : إنّ الله عزّوجلّ اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً، وإنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً، وأنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً، فلمّا جمع له الأشياء قال:( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) قالعليهالسلام : فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ومن ذرّيّتي قال لا ينال عهدي الظالمين قال: لا يكون السفيه إمام التقيّ.
أقول: وروي هذا المعنى أيضاً عنه بطريق آخر وعن الباقرعليهالسلام بطريق آخر، ورواه المفيد عن الصادقعليهالسلام .
قوله: إنّ الله اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتّخذه نبيّاً، يستفاد ذلك من قوله
تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ - إلى قوله -مِّنَ الشَّاهِدِينَ ) الأنبياء - ٥٦، وهو اتّخاذٌ بالعبوديّة في أوّل أمر إبراهيم.
واعلم أنّ اتّخاذه تعالى أحداً من الناس عبداً غير كونه في نفسه عبداً، فإنّ العبديّة من الوازم الايجاد والخلقة، لا ينفكّ عن مخلوق ذي فهم وشعور، ولا يقبل الجعل والاتّخاذ وهو كون الإنسان مثلاً مملوك الوجود لربّه، مخلوقاً مصنوعاً له، سواء جرى في حياته على ما يستدعيه مملوكيّته الذاتيّة، واستسلم لربوبيّة ربّه العزيز، أو لم يجر على ذلك، قال تعالى:( إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ) مريم - ٩٤، وإن كان إذا لم يجر على رسوم العبوديّة وسنن الرقيّة استكباراً في الأرض وعتوّاً كان من الحرّي أن لا يسمّى عبداً بالنظر إلى الغايات، فإنّ العبد هو الّذي أسلم وجه لربّه، وأعطاه تدبير نفسه، فينبغي أن لا يسمّى بالعبد إلّا من كان عبداً في نفسه وعبداً في عمله، فهو العبد حقيقة، قال تعالى:( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ) الفرقان - ٦٣. وعلي هذا فاتّخاذه تعالى إنساناً عبداً - وهو قبول كونه عبداً والإقبال عليه بالربوبيّة - هو الولاية وهو تولّي أمره كما يتولّى الربّ أمر عبده، والعبوديّة مفتاح للولاية، كما يدلّ عليه قوله تعالى:( إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) الأعراف - ١٩٦، أي اللائقين للولاية، فإنّه تعالى سمّى النبيّ في آيات من كتابه بالعبد. قال تعالى:( الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ ) الكهف - ١، وقال تعالى:( يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) الحديد - ٩، وقال تعالى:( قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ) الجن - ١٩، فقد ظهر أنّ الإتّخاذ للعبوديّة هو الولاية.
وقولهعليهالسلام :( وإنّ الله اتّخذه نبيّاً قبل أن يتّخذه رسولاً ) ، الفرق بين النبيّ الرسول على ما يظهر من الروايات المرويّة عن أئمّة أهل البيت: أنّ النبيّ هو الّذي يرى في المنام ما يوحي به إليه، والرسول هو الّذي يشاهد الملك فيكلمّه، والّذي يظهر من قصص إبراهيم هو هذا الترتيب، قال تعالى:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ) مريم - ٤٢، فظاهر الآية أنّهعليهالسلام كان صدّيقاً نبيّاً حين يخاطب أباه بذلك، فيكون
هذا تصديقاً لما أخبر به إبراهيمعليهالسلام في أوّل وروده على قومه:( إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) الزخرف - ٢٧، وقال تعالى:( وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ ) هود - ٦٩، والقصّة - وهي تتضمّن مشاهدة الملك وتكليمه - واقعة في حال كبر إبراهيمعليهالسلام بعد مفارق أباه وقومه.
وقولهعليهالسلام :( إنّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً) ، يستفاد ذلك من قوله تعالى:( وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ) النساء - ١٢٥، فإنّ ظاهره أنّه إنّما اتّخذه خليلاً لهذه الملّة الحنيفيّة الّتي شرعها بأمر ربّه إذ المقام مقام بيان شرف ملّة إبراهيم الحنيف الّتي تشرّف بسببها إبراهيمعليهالسلام بالخلّة والخليل أخصّ من الصديق فإنّ أحد المتحابّين يسمّى صدّيقاً إذا صدق في معاشرته ومصاحبته ثمّ يصير خليلاً إذا قصّر حوائجه على صديقه، والخلّة الفقر والحاجة.
وقولهعليهالسلام : وإنّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً، الخ يظهر معناه ممّا تقدّم من البيان.
وقوله: قال لا يكون السفيه إمام التّقى إشارة إلى قوله تعالى:( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقره - ١٣١، فقد سمّى الله سبحانه الرغبة عن ملّة إبراهيم وهو الظلم سفهاً، وقابلها بالاصطفاء، وفسّر الاصطفاء بالإسلام، كما يظهر بالتدبّر في قوله:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ) ثمّ جعل الإسلام والتقوى واحداً أو في مجرى واحد في قوله:( اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) آل عمران - ١٠٢، فافهم ذلك.
وعن المفيد عن درست وهشام عنهم (ع) قال: قد كان إبراهيم نبيّاً وليس بإمام، حتّى قال الله تبارك وتعالى:( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ) فقال الله تبارك وتعالى: لا ينهال عهدي الظالمين، من عبد صنما أو وثناً أو مثالاً، لا يكون إماماً.
أقول: وقد ظهر معناه ممّا مرّ.
وفي أمالي الشيخ مسنداً، وعن مناقب ابن المغازليّ مرفوعاً عن ابن مسعود عن النبيّ
(صلّي الله عليه وآله وسلّم) في الآية عن قول الله لإبراهيم: من سجد لصنم دوني لا أجعله إماماً. قال (ع) وانتهت الدعوة إلىّ وإلى أخي عليّ، لم يسجد أحدنا لصنم قطّ.
وفي الدرّ المنثور: أخرج وكيع وابن مردويه عن عليّ بن أبي طالبعليهالسلام عن النبيّ في قوله:( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) قال: لا طاعة إلّا في المعروف.
وفي الدرّ اللمنثور أيضاً: أخرج عبد بن حميد عن عمران بن حصين سمعت النبيّ يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الله.
أقول: معانيها ظاهرة ممّا مرّ.
وفي تفسير العيّاشيّ، بأسانيد عن صفوان الجمّال قال: كنّا بمكّة فجرى الحديث في قول الله:( وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ) قال: فأتمّهنّ بمحمّد وعليّ والأئمّة من ولد عليّ في قول الله:( ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
أقول: والرواية مبنيّة على كون المراد بالكلمة الإمامة كما فسرّت بها في قوله تعالى:( فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) الآية فيكون معنى الآية: واذ ابتلى إبراهيم ربّه بكلمات هنّ إمامته، وإمامة إسحق وذرّيّته، وأتمّهنّ بإمامة محمّد، والأئمّة من أهل بيته من ولد إسماعيل ثمّ بين الأمر بقوله: قال إنّي جاعلك للناس إماماً إلى آخر الآية.
( سورة البقرة الآيات ١٢٥ - ١٢٩)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ( ١٢٥ ) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( ١٢٦ ) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٢٧ ) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١٢٨ ) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ١٢٩ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا ) ، إشارة إلى تشريع الحجّ والأمن في البيت، والمثابة هي المرجع، من ثاب يثوب إذا رجع.
قوله تعالى: ( وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) كأنّه عطفٌ على قوله:( جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ) ، بحسب المعنى، فإنّ قوله:( جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ) ، لما كان إشارة إلى التشريع كان المعنى وإذ قلنا للناس ثوبوا إلى البيت وحجّوا إليه، واتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّيً وربّما قيل إنّ الكلام على تقدير القول والتقدير: وقلنا اتّخذوا من مقام إبراهيم مصلّى، والمصلّى اسم مكان من الصلاة بمعنى الدعاء أي اتّخذوا من مقامهعليهالسلام مكاناً
للدعاء والظاهر أنّ قوله:( جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً ) إلخ بمنزلة التوطئة أشير به إلى مناط تشريع الصلاة ولذا لم يقل: وصلّوا في مقام إبراهيم، بل قال:( وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) ، فلم يعلّق الأمر بالصلاة في المقام، بل علّق على اتّخاذ المصلّى منه.
قوله تعالى: ( وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا ) ، العهد هو الأمر والتطهير إمّا تخليص البيت لعبادة الطائفين، والعاكفين، والمصلّين، ونسكهم فيكون من الاستعارة بالكناية، وأصل المعنى: أن خلّصا بيتي لعبادة العبّاد، وذلك تطهير وإمّا تنظيفه من الأقذار والكثافات الطارئة من عدم مبالات الناس، والركّع السجود جمعا راكع وساجد وكأنّ المراد به المصلّون.
قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ ) ، هذا دعاء دعا به إبراهيم يسأل به الأمن على أهل مكّة والرزق وقد أجيبت دعوته، وحاشا لله سبحانه أن ينقل في كلامه دعاء لا يستجيبه ولا يردّه في كلامه الحقّ فيشتمل كلامه على هجاء لغو لغى به لاغ جاهل، وقد قال تعالى:( وَالْحَقَّ أَقُولُ ) ص - ٨٤، وقال تعالى:( إنّه لقول فصل وما هو بالهزل ) الطارق - ١٤.
وقد نقل القرآن العظيم عن هذا النبيّ الكريم دعوات كثيرة دعابها، وسألها ربّه كدعائه لنفسه في بادئ أمره، ودعائه عند مهاجرته إلى سوريّة ودعائه ومسألته بقاء الذكر الخير، ودعائه لنفسه وذرّيّته ولوالديه وللمؤمنين والمؤمنات، ودعائه لأهل مكّة بعد بناء البيت، ودعائه ومسألته بعثة النبيّ من ذرّيّته، ومن دعواته ومسائله الّتي تجسّم آماله وتشخّص مجاهداته ومساعيه في جنب الله وفضائل نفسه المقدّسة، وبالجملة تعرّف موقعه وزلفاه من الله عزّ اسمه، وسائر قصصه وما مدحه به ربّه، يستنبط شرح حياته الشريفة وسنتعرّض للميسور من ذلك في سورة الانعام.
قوله تعالى: ( مَنْ آمَنَ مِنْهُم ) ، لما سألعليهالسلام لبلد مكّة الأمن، ثمّ سأل لأهلة أن يرزقوا من الثمرات، استشعر: أنّ الأهل سيكون منهم مؤمنون، وكافرون ودعائه للأهل بالرزق يعمّ الكافر والمؤمن، وقد تبرّا من الكافرين وما يعبدونه، قال تعالى:( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ) التوبة - ١١٤، فشهد تعالى له: بالبرائة والتبرّي عن كلّ
عدوّ لله، حتّى أبيه، ولذلك لما استشعر ما استشعره من عموم دعوته قيّدها بقوله من آمن منهم - وهو يعلم أنّ رزقهم من الثمرات لا يتمّ من دون شركة الكافرين، على ما يحكم به ناموس الحياة الدنيويّة الاجتماعيّة - غير أنّه خصّ مسئلته - والله أعلم - بما يحكم لسائر عباده، ويريد في حقّهم، فأجيب (ع) بما يشمل المؤمن والكافر، وفيه بيان أن المستجاب من دعوته ما يجري على حكم العادة وقانون الطبيعة من غير خرق للعادة، وإبطال لظاهر حكم الطبيعة، ولم يقل: وارزق من آمن من أهلة من الثمرات لأنّ المطلوب استيهاب الكرامة للبلد الكرامة البيت المحرّم، ولا ثمرة تحصل في وادٍ غير ذي زرع، وقع فيه البيت، ولو لا ذلك لم يعمّر البلد، ولا وجد أهلاً يسكنونه.
قوله تعالى: ( وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ) ، قرئ فاُمتعه من باب الإفعال والتفعيل والإمتاع والتمتيع بمعنى واحد.
قوله تعالى: ( ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ) الخ، فيه إشارة إلى مزيد إكرام البيت وتطييب لنفس إبراهيم (ع)، كأنّه قيل: ما سألته من إكرام البيت برزق المؤمنين من أهل هذا البلد إستجبته وزيادة، ولا يغترّ الكافر بذلك أنّ له كرامة على الله، وإنّما ذلك إكرام لهذا البلد، وإجابة لدعوتك بأزيد ممّا سألته، فسوف يضطرّ إلى عذاب النار، وبئس المصير.
قوله تعالى: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ) ، القواعد جمع قاعدة وهي ما قعد من البناء على الأرض، واستقرّ عليه الباقي، ورفع القواعد من المجاز بِعَدّ ما يوضع عليها منها، ونسبة الرفع المتعلّق بالمجموع إلى القواعد وحدها. وفي قوله تعالى: من البيت تلميح إلى هذه العناية المجازيّة.
قوله تعالى: ( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ، دعاء لإبراهيم وإسماعيل، وليس على تقدير القول، أو ما يشبهه، والمعنى يقولان: ربّنا تقبّل منّا الخ، بل هو في الحقيقة حكاية المقول نفسه، فإنّ قوله: يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل حكاية الحال الماضية، فهما يمّثلان بذلك تمثيلاً كأنّهما يشاهدان وهما مشتغلان
بالرفع، والسامع يراهما على حالهما ذلك ثمّ يسمع دعائهما بألفاظهما من غير وساطة المتكلّم المشير إلى موقفهما وعملهما، وهذا كثير في القرآن، وهو من أجمل السياقات القرآنيّة - وكلّها جميل - وفيه من تمثيل القصّة وتقريبه إلى الحسّ ما لا يوجد ولا شئ من نوع بداعته في التقبّل بمثل القول ونحوه.
وفي عدم ذكر متعلّق التقبل - وهو بناء البيت - تواضع في مقام العبوديّة، واستحقار لِما عملا به و المعنى ربّنا تقبّل منّا هذا العمل اليسير إنّك أنت السميع لدعوتنا، العليم بما نويناه في قلوبنا.
قوله تعالى: ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) ، من البديهيّ أنّ الإسلام على ما تداول بيننا من لفظه، ويتبادر إلى أذهاننا من معناه أوّل مراتب العبوديّة، وبه يمتاز المنتحل من غيره، وهو الأخذ بظاهر الاعتقادات والأعمال الدينيّة أعمّ من الإيمان والنفاق، وإبراهيمعليهالسلام - وهو النبيّ الرسول أحد الخمسة أولي العزم، صاحب الملّة الحنيفيّة - أجلّ من أن يتصوّر في حقّه أن لا يكون قد ناله إلى هذا الحين، وكذا ابنه إسماعيل رسول الله وذبيحه، أو يكونا قد نالاه ولكن لم يعلما بذلك، أو يكونا علما بذلك وأرادا البقاء على ذلك، وهما في ما هما فيه من القربى والزلفى، والمقام مقام الدعوة عند بناء البيت المحرّم، وهما أعلم بمن يسألانه، وأنّه من هو، وما شأنه، على أنّ هذا الإسلام من الأمور الاختياريّة الّتي يتعلّق بها الأمر والنهى كما قال تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقرة - ١٣١، ولا معنى لنسبة ما هو كذلك إلى الله سبحانه أو مسألة ما هو فعل اختياريّ للإنسان من حيث هو كذلك من غير عناية يصحّ معها ذلك.
فهذا الإسلام المسئول غير ما هو المتداول المتبادر عندنا منه، فإنّ للإسلام مراتب والدليل على أنّه ذو مراتب قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ ) الآية حيث يأمرهم إبراهيم بالإسلام وقد كان مسلماً، فالمراد بهذا الإسلام المطلوب غير ما كان عنده من الإسلام الموجود، ولهذا نظائر في القرآن.
فهذا الإسلام هو الّذي سنفسّره من معناه، وهو تمام العبوديّة وتسليم العبد كلّ
ما له إلى ربّه، وهو إن كان معنى اختياريّاً للإنسان من طريق مقدّماته إلّا أنّه إذا أضيف إلى الإنسان العاديّ وحاله القلبيّ المتعارف كان غير اختياريّ بمعنى كونه غير ممكن النيل له - وحاله حاله - كسائر مقامات الولاية ومراحله العالية، وكسائر معارج الكمال البعيدة عن حال الإنسان المتعارف المتوسّط الحال بواسطة مقدّماته الشاقّة، ولهذا يمكن إن يعدّ أمراً إلهيّاً خارجاً عن اختيار الإنسان، ويسأل من الله سبحانه أن يفيض به، وأن يجعل الإنسان متّصفاً به.
على أنّ هنا نظراً أدقّ من ذلك، وهو أنّ الّذي ينسب إلى الإنسان ويعدّ اختياريّاً له، هو الأفعال، وأمّا الصفات والملكات الحاصلة من تكرّر صدورها فليست اختياريّة بحسب الحقيقة، فمن الجائز أو الواجب أن ينسب إليه تعالى، وخاصّة إذا كانت من الحسنات والخيرات الّتي نسبتها إليه تعالى، أولى من نسبتها إلى الإنسان، وعلى ذلك جرى ديدن القرآن، كما في قوله تعالى:( رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي ) إبراهيم - ٤٠، وقوله تعالى:( وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) الشعراء - ٨٣، وقوله تعالى:( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ) النمل - ١٩، وقوله تعالى:( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) الآية، فقد ظهر أنّ المراد بالإسلام غير المعنى الّذي يشير إليه قوله تعالى:( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) الحجرات - ١٤، بل معنى أرقي وأعلى منه سيجئ بيانه.
قوله تعالى: ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) ، يدلّ على ما مرّ من معنى الإسلام أيضاً، فإنّ المناسك جمع منسك بمعنى العبادة، كما في قوله تعالى:( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا ) الحج - ٣٤، أو بمعنى المتعبّد، أعني الفعل المأتيّ به عبادة وإضافة المصدر يفيد التحقّق، فالمراد بمناسكنا هي الأفعال العباديّة الصادرة منهما والأعمال الّتي يعملانها دون الأفعال، والأعمال الّتي يراد صدورها منهما، فليس قوله: أرنا بمعنى علّمنا أو وفّقنا، بل التسديد بارائة حقيقة الفعل الصادر منهما، كما أشرنا إليه في قوله تعالى:( وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ ) الأنبياء - ٧٣،
وسنبيّنه في محلّه: أنّ هذا الوحي تسديد في الفعل، لاتعليم للتكليف المطلوب، وكأنّه إليه الإشارة بقوله تعالى:( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) ص - ٤٦.
فقد تبيّن أنّ المراد بالإسلام والبصيرة في العبادة: غير المعنى الشائع المتعارف، وكذلك المراد بقوله تعالى: وتب علينا، لأنّ إبراهيم وإسماعيل كانا نبيّين معصومين بعصمة الله تعالى، لا يصدر عنهما ذنب حتّى يصحّ توبتهما منه، كتوبتنا من المعاصي الصادرة عنّا.
فإن قلت: كلّ ما ذكر من معنى الإسلام وإرائة المناسك والتوبة ممّا يليق بشأن إبراهيم وإسماعيلعليهمالسلام ، لا يلزم أن يكون هو مراده في حقّ ذرّيّته فإنّه لم يشرك ذرّيّته معه ومع ابنه إسماعيل إلّا في دعوة الإسلام وقد سأل لهم الإسلام بلفظ آخر في جملة اُخرى، فقال: ومن ذرّيّتنا اُمّة مسلمة لك ولم يقل: واجعلنا ومن ذرّيّتنا مسلمين، أو ما يؤدّي معناه فما المانع أن يكون مراده من الإسلام ما يعمّ جميع مراتبه حتّى ظاهر الإسلام، فإنّ الظاهر من الإسلام أيضاً له آثار جميلة، وغايات نفيسة في المجتمع الإنسانيّ، يصحّ أن يكون بذلك بغية لإبراهيمعليهالسلام يطلبها من ربّه كما كان كذلك عند النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) حيث اكتفى (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من الإسلام بظاهر الشهادتين الّذي به يحقن الدماء، ويجوز التزويج، ويملك الميراث، وعلى هذا يكون المراد بالإسلام في قوله تعالى:( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) ، ما يليق بشأن إبراهيم وإسماعيل، وفي قوله:( وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) ما هو اللائق بشأن الاُمّة الّتي فيها المنافق، وضعيف الإيمان وقويّه، والجميع مسلمون.
قلت: مقام التشريع ومقام السؤال من الله مقامان مختلفان، لهما حكمان متغايران لا ينبغي أن يقاس أحدهما على الآخر، فما اكتفى به النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من اُمّته بظاهر الشهادتين من الإسلام، إنّما هو لحكمة توسعة الشوكة والحفظ لظاهر النظام الصالح، ليكون ذلك كالقشر يحفظ به اللبّ الّذي هو حقيقة الإسلام، ويصان به عن مصادمة الآفات الطارئة.
وأمّا مقام الدعاء والسؤال من الله سبحانه فالسلطة فيها للحقائق والغرض متعلّق هناك بحقّ الأمر، وصريح القرب والزلفى ولا هوى للأنبياء في الظاهر من جهة ما هو ظاهر ولا هوى لإبراهيمعليهالسلام في ذرّيّته ولو كان له هوى لبدء فيه لأبيه قبل ذرّيّته ولم يتبرّء منه لما تبيّن أنّه عدوّ لله، ولم يقل في ما حكى الله من دعائه( وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) الشعراء - ٨٩، ولم يقل( وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) الشعراء، - ٨٤، بل اكتفى بلسان ذكر في الآخرين إلى غير ذلك.
فليس الإسلام الّذي سأله لذرّيّته إلّا حقيقة الإسلام، وفي قوله تعالى:( أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) ، إشارة إلى ذلك فلو كان المراد مجرّد صدق اسم الإسلام على الذرّيّة لقيل: اُمّة مسلمة، وحذف قوله:( لَّكَ ) هذا.
قوله تعالى: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ ) الخ دعوة للنبيّعليهالسلام وقد كان (صلّي الله عليه وآله وسلّم) يقول:( أنا دعوة إبراهيم) .
( بحث روائي)
في الكافي عن الكتانيّ، قال: سألت أباعبداللهعليهالسلام عن رجل نسي أن يصلّي الركعتين عند مقام إبراهيم في طواف الحجّ والعمرة، فقالعليهالسلام : إن كان بالبلد صلّى الركعتين عند مقام إبراهيم، فإنّ الله عزّوجلّ يقول: واتّخذوا من مقام إبراهيم: مصلّى وإن كان قد ارتحل، فلا آمره أن يرجع.
أقول: وروى قريباً منه، الشيخ في التهذيب، والعيّاشيّ في تفسيره بعدّة أسانيد وخصوصيّات الحكم - وهو الصلاة عند المقام أو خلفه، كما في بعض الروايات ليس لأحد أن يصلّي ركعتي الطواف إلّا خلف المقام، الحديث - مستفادة من لفظة من، ومصلّى من قوله تعالى:( وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) الآية.
وفي تفسير القمّيّ عن الصادق (ع) في قوله تعالى:( أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ) الآية يعني( نحّ عنه المشركين) .
وفي الكافي عن الصادق (ع) قال: إنّ الله عزّوجلّ يقول في كتابه: طهّرا بيتى للطائفين والعاكفين، والركّع السجود، فينبغي للعبد أن لا يدخل مكّة إلّا وهو طاهر قد غسل عرقه، والأذى، وتطهّر.
أقول: وهذا المعنى مرويّ في روايات أخر، واستفادة طهارة الوارد من طهارة المورد، ربّما تمّت من آيات أخر، كقوله تعالى( وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) النور - ٢٦، ونحوها.
وفي المجمع عن ابن عبّاس قال: لما أتي إبراهيم بإسماعيل وهاجر، فوضعهما بمكّة وأتت على ذلك مدّة، ونزلها الجرهميّون، وتزوّج إسماعيل امرأه منهم، وماتت هاجر، واستأذن إبراهيم سارة، فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته أين صاحبك ؟ قالت له: ليس هو هيهنا، ذهب يتصيّد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم يتصيّد ويرجع، فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة ؟ فقالت ليس عندي شئ، وما عندي أحد، فقال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك، فاقرئيه السلام وقولي له: فليغيّر عتبة بابه وذهب إبراهيم فجاء إسماعيل، ووجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد ؟ قالت: جاءني شيخ صفته كذا وكذا، كالمستخفّة بشأنه، قال: فما قال لك ؟ قالت: قال لى: اقرأي زوجك السلام، وقولي له: فليغيّر عتبة بابه، فطلّقها وتزوّج أخرى، فلبث إبراهيم ماشاءالله أن يلبث، ثمّ استأذن سارة: أن يزور إسماعيل وأذنت له، واشترطت عليه: أن لا ينزل فجاء إبراهيم، حتّى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك ؟ قالت: ذهب يتصيّد وهو يجئ الآن إنشاء الله، فأنزل، يرحمك الله، قال لها: هل عندك ضيافة ؟ قالت: نعم فجاءت باللبن واللحم، فدعا لها بالبركة، فلو جائت يومئذ بخبز أو بُرّ أو شعير أو تمر لكان أكثر أرض الله بُرّاً وشعيراً وتمراً، فقالت له انزل حتّى أغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقّه فوضع قدمه عليه، فبقى أثر قدمه عليه، فغسلت شقّ رأسه الأيمن ثمّ حوّلت المقام إلى شقّه الأيسر فغسلت شقّ رأسه الأيسر فبقي أثر قدمه عليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام، وقولي له: قد استقامت عتبة
بابك فلمّا جاء إسماعيل (ع) وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جائك أحد ؟ قالت: نعم شيخ أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً، فقال لي: كذا وكذا وقلت له: كذا وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه على المقام، فقال إسماعيل لها: ذاك إبراهيم.
أقول: وروى القمّيّ، في تفسيره: ما يقرب منه.
وفي تفسير القمّيّ، عن الصادقعليهالسلام قال: إنّ إبراهيم كان نازلاً، في بادية الشام فلمّا ولد له من هاجر إسماعيل اغتمّت سارة من ذلك غمّا شديداً، لأنّه لم يكن لها ولد، وكانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمّه، فشكى إبراهيم ذلك إلى الله عزّوجلّ، فأوحى الله إليه:( مثل المرأة مثل الضلع العوجاء، إن تركتها استمتعت بها، وإن أقمتها كسرته ) ثمّ أمره: أن يخرج إسماعيل واُمّه، فقال: يا ربّ إلى أيّ مكان ؟ فقال إلى حرمى وأمنى، وأوّل بقعة خلقتها من الأرض، وهي مكّة فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم وكان إبراهيم لا يمرّ بموضع حسن فيه شجر وزرع ونخل إلّا وقال إبراهيم: يا جبرئيل إلى هيهنا، إلى هيهنا، فيقول جبرئيل لا امض، امض، حتّى وافى مكّة فوضعه في موضع البيت، وقد كان إبراهيم عاهد سارة أن لا ينزل حتّى يرجع إليها، فلمّا نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها، فاستظلّوا تحته، فلمّا سرّحهم إبراهيم ووضعهم أراد الانصراف عنهم إلى سارة، قالت له هاجر: يا إبراهيم أتدعنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع ؟ فقال إبراهيم: الله الّذي أمرني، أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم ثمّ انصرف عنهم، فلمّا بلغ، كداء، (وهو جبل بذي طوى) التفت إبراهيم، فقال: ربّ إنّى أسكنت من ذرّيّتي بواد غير ذي زرع، عند بيتك المحرّم، ربّنا ليقيموا الصلاة، فاجعل أفئده من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات، لعلّهم يشكرون، ثمّ مضى وبقيت هاجر، فلمّا ارتفع النهار عطش إسماعيل، فقامت هاجر في موضع السعي فصعدت على الصفا، ولمع لها السراب في الوادي، فظنّت أنّه ماء، فنزلت في بطن الوادي، وسعت فلمّا بلغت المروة غاب عنها إسماعيل، عادت حتّى بلغت الصفاء، فنظرت حتّى فعلت ذلك سبع مرّات فلمّا كان في الشوط السابع، وهي على المروة نظرت إلى
إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجليه فعادت حتّى جمعت حوله رملاً، فإنّه كان سائلاً، فزمّته بما جعلت حوله، فلذلك سمّيت زمزم وكانت جرهم نازلة بذي المجاز وعرفات، فلمّا ظهر الماء بمكّة عكفت الطير والوحش على الماء، فنظرت جرهم إلى تعكّف الطير والوحش على ذلك المكان فأتبعتها، حتّى نظروا إلى امرأة وصبّي نازلين في ذلك الموضع، قد استظلّا بشجرة، وقد ظهر الماء لهما، فقالوا لهاجر: من أنت وما شأنك وشأن هذا الصبيّ ؟ قالت: أنا أمّ ولد إبراهيم خليل الرحمن، وهذا إبنه، أمره الله أن ينزلنا هيهنا، فقالوا له: أتأذنين لنا أن نكون بالقرب منكم ؟ فقالت لهم: حتّى يأتي إبراهيم، فلمّا زارهم إبراهيم في اليوم الثالث قالت هاجر: يا خليل الله إنّ هيهنا قوماً من جرهم يسألونك: أن تأذن لهم، حتّى يكونوا بالقرب منّا، أفتأذن لهم في ذلك ؟ قال إبراهيم: نعم فأذنت هاجر لهم، فنزلوا بالقرب منهم، وضربوا خيامهم، فأنست هاجر وإسماعيل بهم، فلمّا زارهم إبراهيم في المرّة الثانية نظر إلى كثرة الناس حولهم فسرّ بذلك سروراً شديداً، فلمّا تحرك إسماعيل وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كلّ واحد منهم شاة، وشاتين فكانت هاجر وإسماعيل، يعيشان بها فلمّا بلغ إسماعيل مبلغ الرجال، أمر الله إبراهيم: أن يبني البيت إلى أن قال: فلمّا أمر الله إبراهيم أن يبني البيت لم يدر في أيّ مكان يبنيه، فبعث الله جبرئيل، وخطّ له موضع البيت إلى أن قال فبنى إبراهيم البيت، ونقل إسماعيل من ذي طوى فرفعه في السماء تسعة اذرُع، ثمّ دلّه على موضع الحجر فاستخرجه إبراهيم، ووضعه في موضعه الّذي هو فيه الآن، فلمّا بنى جعل له بابين باباً إلى الشرق، وباباً إلى الغرب، والباب الّذي إلى الغرب، يسمّى المستجار، ثمّ ألقى عليه الشجر والأذخر، وألقت هاجر على بابها كسائاً كان معها وكانوا يكونون تحته، فلمّا بنى وفرغ منه، حجّ إبراهيم وإسماعيل، ونزل عليهما جبرئيل يوم التروية، لثمان من ذي الحجّة فقال: يا إبراهيم قم وارتو من الماء، لأنّه لم يكن بمنى وعرفات ماء، فسمّيت التروية لذلك ثمّ أخرجه إلى منى فبات بها ففعل به ما فعل بآدم، فقال إبراهيم لما فرغ من بناء البيت:( رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم ) الآية قالعليهالسلام : من ثمرات القلوب، أي حبّبهم إلى الناس، ليستأنسوا بهم، و
يعودوا إليهم.
أقول: هذا الّذي لخّصناه من أخبار القصّة هو الّذي تشتمل عليه الروايات الواردة في خلاصه القصّة، وقد اشتملت عدّة منها، وورد في أخبار اُخر: أن تاريخ بناء البيت يتضمّن اُموراً خارقة للعادة، ففي بعض الأخبار، أن البيت أوّل ما وضع كان قبّة من نور: نزلت على آدم، واستقرّت في البقعة الّتي بنى إبراهيم عليها البيت، ولم تزل حتّى وقع طوفان نوح، فلمّا غرقت الدنيا رفعه الله تعالى، ولم تغرق البقعة، فسمّى لذلك البيت العتيق.
وفي بعض الأخبار: أن الله أنزل قواعد البيت من الجنّة.
وفي بعضها: أنّ الحجر الأسود نزل من الجنّة - وكان أشدّ بياضاً من الثلج - فاسودّت: لما مسّته أيدي الكفّار.
وفي الكافي أيضاً عن أحدهماعليهالسلام قال: إنّ الله أمر إبراهيم: ببناء الكعبة، وأن يرفع قواعدها، ويرى الناس مناسكهم، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت كلّ يوم ساقاً، حتّى انتهى إلى موضع الحجر الأسود، وقال أبوجعفرعليهالسلام : فنادى أبوقبيس: إنّ لك عندي وديعة، فأعطاه الحجر، فوضعه موضعه.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الثوريّ عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال سألته عن الحجر، فقال: نزلت ثلاثة أحجار من الجنّة، الحجر الأسود استودعه إبراهيم، ومقام إبراهيم، وحجر بني إسرائيل.
وفي بعض الأخبار: إنّ الحجر الأسود كان ملكاً من الملائكة.
أقول: ونظائر هذه المعاني كثيرة واردة في أخبار العامّة والخاصّة، وهي وإن كانت آحاداً غير بالغة حدّ التواتر لفظاً، أو معنى، لكنّها ليست بعادمة النظير في أبواب المعارف الدينيّة ولا موجب لطرحها من رأس.
أما ما ورد من نزول القبّة على آدم، وكذا سير إبراهيم إلى مكّة بالبراق، ونحو ذلك، ممّا هو كرامة خارقة لعادة الطبيعة، فهي اُمور لا دليل على استحالتها، مضافاً إلى أن الله سبحانه خصّ أنبيائه بكثير من هذه الآيات المعجزة، والكرامات الخارقة، والقرآن يثبت موارد كثيرة منها.
وأمّا ما ورد من نزول قواعد البيت من الجنّة ونزول الحجر الأسود من الجنّة، ونزول حجر المقام - ويقال: أنّه مدفون تحت البناء المعروف اليوم بمقام إبراهيم - من الجنّة وما أشبه ذلك، فذلك كما ذكرنا كثير النظائر، وقد ورد في عدّة من النباتات والفواكه وغيرها: أنّها من الجنّة، وكذا ما ورد: أنّها من جهنّم، ومن فورة الجحيم، ومن هذا الباب أخبار الطينة القائلة: إنّ طينة السعداء من الجنّة، وأنّ طينة الأشقياء من النار، أو هما من علّيّين، وسجّين، ومن هذا الباب أيضاً ما ورد: إنّ جنّة البرزخ في بعض الاماكن الأرضيّة، ونار البرزخ في بعض آخر، وأنّ القبر إمّا روضة من رياض الجنّة، أو حفرة من حفر النار، إلى غير ذلك، ممّا يعثر عليه المتتبّع البصير في مطاوي الأخبار، وهي كما ذكرنا بالغة في الكثرة حدّاً ليس مجموعها من حيث المجموع بالّذى يطرح أو يناقش في صدوره أو صحّة انتسابه وإنّما هو من إلهيّات المعارف الّتي سمح بها القرآن الشريف، وانعطف إلى الجري على مسيرها الأخبار. الّذي يقضى به كلامه تعالى: إنّ الأشياء الّتي في هذه النشأه الطبيعيّة المشهودة جميعاً نازلة إليها من عندالله سبحانه، فما كانت منها خيراً جميلاً، أو وسيلة خير، أو وعاءً لخير، فهو من الجنّة، وإليها تعود، وما كان منها شرّاً، أو وسيلة شرّ، أو وعاءً لشرّ، فهو من النار، وإليها ترجع، قال تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) الحجر - ٢١، أفاد: أنّ كلّ شئ موجودٌ عنده تعالى وجوداً غير محدود بحدّ، ولا مقدّر بقدر، وعند التنزيل - وهو التدريج في النزول - يتقدّر بقدره ويتحدّد بحدّه، فهذا على وجه العموم، وقد ورد بالخصوص أيضاً أمثال قوله تعالى:( وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ) الزمر - ٦، وقوله تعالى:( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ ) الحديد - ٢٥، وقوله تعالى:( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) الذاريات - ٢٢، على ما سيجئ من توضيح معناها إنشاء الله العزيز، فكلّ شئ نازل إلى الدنيا من عند الله سبحانه، وقد أفاد في كلامه: أنّ الكلّ راجع إليه سبحانه، فقال:( وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ ) النجم - ٤٢، وقال تعالى:( إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ ) العلق - ٨، قال:( إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) المؤمن - ٣، وقال تعالى:( أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) الشورى - ٥٣، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.
وأفاد: أنّ الأشياء - وهي بين بدئها وعودها - تجري على ما يستدعيه بدؤها، ويحكم به حظّها من السعادة والشقاء، والخير والشرّ، فقال تعالى:( كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ ) أسراء - ٨٤، وقال:( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ) البقرة - ١٤٨، وسيجئ توضيح دلالتها جميعاً. والغرض هيهنا مجرّد الإشارة إلى ما يتمّ به البحث، وهو أنّ هذه الأخبار الحاكية عن كون هذه الأشياء الطبيعيّة، من الجنّة، أو من النار، إذا كانت ملازمة لوجه السعادة أو الشقاوة لا تخلو عن وجه صحّة، المطابقتها لاُصول قرآنيّة ثابتة في الجملة، وإن لم يستلزم ذلك كون كلّ واحد واحد صحيحاً، يصحّ الركون إليه، فافهم المراد.
وربّما قال القائل: إنّ قوله تعالى:( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ) الآية ظاهر في أنّهما، هما اللّذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنيّة، ولكنّ القصّاصين ومن تبعهم من المفسّرين، جاؤنا من ذلك بغير ما قصّه الله تعالى علينا، وتفنّنوا في رواياتهم، عن قدم البيت، وعن حجّ آدم، وعن ارتفاعه إلى السماء وقت الطوفان وعن كون الحجر الأسود من أحجار الجنّة، وقد أراد هؤلاء القصّاصون أن يزيّنوا الدين ويرقّشوه برواياتهم هذه، وهذه التزيينات بزخارف القول، وإن أثّرت أثرها في قلوب العامّة، لكن أرباب اللبّ والنظر من أهل العلم يعلمون أنّ الشرف المعنويّ الّذي أفاضه الله سبحانه، بتكريم بعض الأشياء على بعض، فشرف البيت إنّما هو بكونه بيتاً لله، منسوباً إليه، وشرف الحجر الأسود بكونه مورداً للاستلام بمنزلة يد الله سبحانه، وأما كون الحجر في أصله ياقوتة، أو درّة، أو غير ذلك، فلا يوجب مزيّة فيه، وشرفاً حقيقيّاً له، و ما الفرق بين حجر أسود، وحجر أبيض، عند الله تعالى في سوق الحقائق، فشرف هذا البيت بتسميته الله تعالى إيّاه بيته، وجعله موضعاً لضروب من عبادته، لا تكون في غيره - كما تقدّم - لا بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، ولا بكون موقعه تفضل سائر المواقع، ولا بكونه من السماء، وعالم الضياء وكذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزيّة في أجسامهم، ولافي ملابسهم، وإنّما هو لاصطفاء الله تعالى إيّاهم، وتخصيصهم بالنبوّة، الّتي هي أمر معنويّ، وقد كان أهل الدنيا أحسن
زينة، وأكثر نعمة منهم.
قال: وهذه الروايات فاسدة، في تناقضها وتعارضها في نفسها، وفاسدة في عدم صحّة أسانيدها، وفاسدة في مخالفتها لظاهر الكتاب.
قال: وهذه الروايات خرافاتٌ إسرائيليّة، بثّها زنادقة اليهود في المسلمين، ليشوّهوا عليهم دينهم، وينفّروا أهل الكتاب منه.
أقول: ما ذكره لا يخلو من وجه في الجملة، إلّا أنّه أفرط في المناقشة، فاعترضه من خبط القول ما هو أردى وأشنع.
أمّا قوله: إنّ هذه الروايات فاسدةأولاً من جهة التناقض والتعارض وثانياً من جهة مخالفة الكتاب،ففيه أنّ التناقض أو التعارض إنّما يضرّ لو أخذ بكلّ واحد واحد منها، وأمّا الأخذ بمجموعها من حيث المجموع بمعنى أن لا يطرح الجميع لعدم اشتمالها على ما يستحيل عقلاً أو يمنع نقلاً فلا يضرّه التعارض الموجود فيها وإنّما نعني بذلك: الروايات الموصولة إلى مصادر العصمة، كالنبىّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) والطاهرين من أهل بيته، وأمّا غيرهم من مفسّري الصحابة، والتابعين، فحالهم حال غيرهم من الناس وحال ما ورد من كلامهم الخالي عن التناقض، حال كلامهم المشتمل على التناقض وبالجملة لا موجب لطرح رواية، أو روايات، إلّا إذا خالفت الكتاب أو السنّة القطعيّة، أو لاحت منها لوائح الكذب والجعل، كما لا حجيّة إلّا للكتاب والسنّة القطعيّة، في أصول المعارف الدينيّة الإلهيّة.
فهناك ما هو لازم القبول، وهو الكتاب والسنّة القطعيّة وهناك ما هو لازم الطرح، وهو ما يخالفهما من الآثار، وهناك مالا دليل على ردّه، ولا على قبوله، وهو ما لا دليل من جهة العقل على استحالته، ولا من جهة النقل أعني: الكتاب والسنّة القطعيّة على منعه.
وبه يظهر فساد إشكاله بعدم صحّة أسانيدها، فإنّ ذلك لا يوجب الطرح ما لم يخالف العقل أو النقل الصحيح.
وأمّا مخالفتها لظاهر قوله: وإذ يرفع إبراهيم القواعد الآية فليت شعري: أنّ
الآية الشريفة كيف تدلّ على نفى كون الحجر الأسود من الجنّة ؟ أم كيف تدلّ على نفى نزول قبّة على البقعة في زمن آدم، ثمّ ارتفاعها في زمن نوح ؟ وهل الآية تدلّ على أزيد من أنّ هذا البيت المبنيّ من الحجر والطين بناء إبراهيم ؟ وأيّ ربط له إثباتاً أو نفياً بما تتضمّنه الروايات الّتي أشرنا إليها، نعم لا يستحسنه طبع هذا القائل، ولا يرتضيه رأيه لعصبيّة مذهبيّة توجب نفى معنويّات الحقائق عن الأنبياء، واتّكاء الظواهر الدينيّة على أصول وأعراق معنويّة، أو لتبعيّة غير إراديّة للعلوم الطبيعيّة المتقدّمة اليوم، حيث تحكم: أنّ كلّ حادثة من الحوادث الطبيعيّة، أو ما يرتبط بها أيّ ارتباط من المعنويّات يجب أن يعلّل بتعليل مادّيّ أو ما ينتهي إلى المادّة، الحاكمة في جميع شؤون الحوادث كالتعليمات الاجتماعيّة.
وقد كان من الواجب: أن يتدبّر في أن العلوم الطبيعيّة شأنها البحث عن خواصّ المادّة وتراكيبها وارتباط الآثار الطبيعيّة بموضوعاتها ذاك، الارتباط الطبيعيّ وكذا العلوم الاجتماعيّة إنّما تبحث عن الروابط الاجتماعيّة بين الحوادث الاجتماعيّة فقط.
وأمّا الحقائق الخارجة عن حومة المادّة وميدان عملها، المحيطة بالطبيعة وخواصّها وارتباطاتها المعنويّة غير المادّيّة مع الحوادث الكونيّة وما اشتمل عليه عالمنا المحسوس فهي أمور خارجة عن بحث العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّه، ولا يسعها أن تتكلّم فيها أو تتعرّض لإثباتها، أو تقضي بنفيها العلوم الطبيعيّة إنّما يمكنها أن تقضي أنّ البيت يحتاج في الطبيعة إلى أجزاء من الطين والحجر، وإلى بان يبنيه ويعطيه بحركاته وأعماله هيئة البيت أو كيف تتكوّن الحجرة من الأحجار السّود وكذا الأبحاث الاجتماعيّة تعيّن الحوادث الاجتماعيّة الّتي أنتجت بناء إبراهيم للبيت، وهي جمل من تاريخ حياته، وحياة هاجر، وإسماعيل، وتاريخ تهامة، ونزول جرهم، إلى غير ذلك، وأمّا أنّه ما نسبة هذا الحجر مثلاً إلى الجنّة أو النّار الموعودتين فليس من وظيفة هذه العلوم أن تبحث عنه، أو تنفى ما قيل، أو يقال فيه، وقد عرفت أنّ القرآن الشّريف هو الناطق بكون هذه الموجودات الطبيعيّة المادّيّة نازلة إلى مقرّها ومستقرّها من عند الله سبحانه ثمّ راجعة إليه متوجّهة نحوه( أيما إلى جنّة أيما إلى نار ) ، وهو
الناطق بكون الأعمال صاعدةً إلى الله، مرفوعةً نحوه، نائلة إيّاه، مع أنّها حركات وأوضاع طبيعيّة، تألّفت تألّفاً اعتباريّاً اجتماعيّاً من غير حقيقة تكوينيّة، قال تعالى:( وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ) الحجّ - ٣٧، والتقوى فعل، أو صفة حاصلة من فعل، وقال تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) الفاطر - ١٠، فمن الواجب على الباحث الدّينيّ أن يتدبّر في هذه الآيات فيعقل أنّ المعارف الدّينيّة لا مساس لها مع الطبيعيّات والاجتماعيّات من جهة النظر الطبيعيّ والاجتماعيّ على الاستقامة وإنّما اتّكاؤها وركونها إلى حقائق ومعان وراء ذلك.
وأمّا قوله: إنّ شرف الأنبياء والمعاهد والاُمور المنسوبة إليهم كالبيت والحجر الأسود ليس شرفاً ظاهريّاً بل شرف معنويّ ناش عن التفضيل الإلهيّ فكلام حقّ، لكن يجب أن يفهم منه حقّ المعنى الّذي يشتمل عليه، فما هذا الأمر المعنويّ الّذي يتضمّن الشرافة ؟ فإن كان من المعاني الّتي يعطيها الاحتياجات الاجتماعيّة لموضوعاتها وموادّها نظير الرتب والمقامات الّتي يتداولها الدول والملل كالرّئاسة والقيادة في الإنسان وغلاء القيمة في الذّهب والفضّة وكرامة الوالدين وحرمة القوانين والنواميس فإنّما هي معان يعتبرها الاجتماعات لضرورة الاحتياج الدنيويّ، لا أثر منها في خارج الوهم والاعتبار الاجتماعيّ، ومن المعلوم أنّ الاجتماع الكذائيّ لا يتعدّي عالم الاجتماع الّذي صنعته الحجّة الحيويّة، والله عزّ سلطانه أقدس ساحة من أن يتطرّق إليه هذه الحاجة الطارقة على حياة الإنسان، ومع ذلك فإذا جاز أن يتشرّف النبيّ بهذا الشرف غير الحقيقيّ فليجز أن يتشرّف بمثله بيت أو حجر، وإن كان هذا الشرف حقيقيّاً واقعيّاً من قبيل النسبة بين النور والظلمة، والعلم والجهل، والعقل والسفه بأن كان حقيقة وجود النبيّ غير حقيقة وجود غيره وإن كانت حواسّنا الظاهريّة لا تنال ذلك وهو اللائق بساحة قدسه من الفعل والحكم، كما قال الله تعالى:( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) الدخان - ٣٩، وسيجئ بيانه كان ذلك عائداً إلى نسبة حقيقيّة معنويّة غير مادّيّة إلى ماوراء الطبيعة فإذا جاز تحقّقها في الأنبياء بنحو فليجز تحقّقها في غير الأنبياء كالبيت والحجر ونحوهما وإن وقع
التعبير عن هذه النسب الحقيقيّة المعنويّة بما ظاهره المعاني المعروفة عند العامّة الّتي اصطلحت عليه أهل الاجتماع.
وليت شعري: ما ذا يصنعه هؤلاء في الآيات الّتي تنطق بتزيين الجنّة وتشريف أهلها بالذهب والفضّة، وهما فلزّان ليس لهما من الشرف إلّا غلاء القيمة المستندة إلى عزّة الوجود ؟ فماذا يراد من تشريف أهل الجنّة بهما ؟ وما الّذي يؤثّره معنى الثروة في الجنّة ولا معنى للاعتبار الماليّ في الخارج من ظرف الاجتماع ؟ فهل لهذه البيانات الإلهيّة والظواهر الدينيّة وجهٌ غير أنّها حجب من الكلام وأستار وراءها أسرار ؟ فلئن جاز أمثال هذه البيانات في أمور نشأة الآخرة فليجز نظيرتها في بعض الاُمور نشأه الدنيا.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الزبيريّ عن أبى عبداللهعليهالسلام قال: قلت له: أخبرني عن أمّة محمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من هم ؟ قال أمّة محمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بنو هاشم خاصّة قلت: فما الحجّة في أمّة محمّد أنّهم أهل بيته الّذين ذكرت دون غيرهم ؟ قال: قول الله: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منّا، إنّك أنت السّميع العليم ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيّتنا أمّة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا وتب علينا إنّك أنت التوّاب الرحيم، فلمّا أجاب الله إبراهيم وإسماعيل وجعل من ذرّيّتهما أمّة مسلمة وبعث فيها رسولاً منهم يعني من تلك الاُمّة يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وردف دعوته الاُولى دعوته الاُخرى فسأل لهم تطهيراً من الشرك ومن عبادة الأصنام ليصحّ أمره فيهم ولا يتّبعوا غيرهم، فقال: واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام ربّ إنّهن أضللن كثيراً من الناس، فمن تبعني فإنّه منّي ومن عصاني فإنّك غفور رحيم، ففي هذا دلالة على أنّه لا يكون الأئمّة والاُمّة المسلمة، الّتي بعث فيها محمّداً إلّا من ذرّيّة إبراهيم لقوله: أجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام.
أقول: استدلالهعليهالسلام في غاية الظهور، فإنّ إبراهيمعليهالسلام إنّما سأل اُمّة مسلمة من ذرّيّته خاصّة، ومن المعلوم من ذيل دعوته: ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم اه: أنّ هذه الاُمّة المسلمة هي أمّة محمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) لكن لا أمّة محمّد بمعنى الّذين بعث (صلّي الله عليه وآله وسلّم) إليهم ولا أمّة محمّد بمعنى من آمن بنبوّته فإنّ هذه الاُمّة أعمّ من ذرّيّة إبراهيم وإسماعيل بل اُمّة مسلمة هي من ذرّيّة إبراهيمعليهالسلام ثمّ سأل ربّه أن يجنب ويبعدّ ذرّيّته
وبنيه من الشرك والضلال وهي العصمة، ومن المعلوم أن ذرّيّة إبراهيم وإسماعيل - وهم عرب مضر أو قريش خاصّة - فيهم ضالّ ومشرك فمراده من بنيه في قوله: وبنيّ، أهل العصمة من ذرّيّتة خاصّه، وهم النبيّ وعترته الطاهرة، فهؤلاء هم أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في دعوة إبراهيمعليهالسلام ، ولعلّ هذه النكتة هي الموجبة للعدول عن لفظ الذرّيّة إلى لفظ البنين، ويؤيّده قولهعليهالسلام : فمن تبعني فإنّه منّي، ومن عصاني فإنّك غفور رحيم الآية. حيث أتى بفاء التفريع وأثبت من تبعه جزءاً من نفسه، وسكت عن غيرهم كأنّه ينكرهم ولا يعرفهم، هذا.
وقولهعليهالسلام : فسأل لهم تطهيراً من الشرك ومن عبادة الأصنام، إنّما سأل إبراهيمعليهالسلام التطهير من عبادة الأصنام إلّا أنّهعليهالسلام علله بالضلال فأنتج سؤال التطهير من جميع الضلال من عبادة الأصنام ومن أيّ شرك حتّى المعاصي، فإنّ كلّ معصية شركٌ كما مرّ بيانه في قوله تعالى:( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فاتحة الكتاب - ٦.
وقولهعليهالسلام : وفي هذا دلالة على أنّه لا يكون الأئمّة والاُمّة المسلمة، إلخ أي إنّهما واحد، وهما من ذرّيّة إبراهيم كما مرّ بيانه.
فإن قلت: لو كان المراد بالاُمّة في هذه الآيات ونظائرها كقوله تعالى:( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) آل عمران - ١١٠، عدّة معدودة من الاُمّة دون الباقين كان لازمه المجاز في الكلام من غير موجب يصحّح ذلك ولا مجوّز لنسبة ذلك إلى كلامه تعالى، على أنّ كون خطابات القرآن متوجّهة إلى جميع الاُمّة ممّن آمن بالنبيّ ضروريّ لا يحتاج إلى إقامة حجّة.
قلت: إطلاق أمّة محمّد وإرادة جميع من آمن بدعوته من الاستعمالات المستحدثة بعد نزول القرآن وانتشار الدّعوة الإسلاميّة وإلّا فالاُمّة بمعنى القوم كما قال تعالى:( عَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ) هود - ٤٨، وربّما اُطلق على الواحدة كقوله تعالى:( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ ) النحل - ١٢٠، وعلى هذا فمعناها من حيث السعة والضيق يتبع موردها الّذي استعمل فيه لفظها، أو اُريد فيه معناها.
فقوله تعالى:( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) الآية –
والمقام مقام الدعاء بالبيان الّذي تقدّم - لا يراد به إلّا عدّة معدودة ممّن آمن بالنبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وكذا قوله: كنتم خير اُمّة خرجت للناس وهو في مقام الامتنان وتعظيم القدر وترفيع الشأن لا يشمل جميع الاُمّة، وكيف يشمل فراعنة هذه الاُمّة دجاجلتها الّذين لم يجدوا للّدين أثراً إلّا عفوه ومحوه، ولا لأوليائه عظماً إلّا كسروه وسيجئ تمام البيان في الآية إنشاء الله فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل :( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) البقرة - ٤٧، فإنّ منهم قارون ولا يشمله الآية قطعاً، كما أنّ قوله تعالى:( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) الفرقان - ٣٠، لا يعمّ جميع هذه الاُمّة وفيهم أولياء القرآن ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى.
وأمّا قوله تعالى:( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) البقرة - ١٣٤، فالخطاب فيه متوجّة إلى جميع الاُمّة ممّن آمن بالنبيّ، أو من بعث إليه.
( بحث علمي)
إذا رجعنا إلى قصّة إبراهيمعليهالسلام وسيره بولده وحرمته إلى أرض مكّة، وإسكانهما هناك، وما جرى عليهما من الأمر، حتّى آل الأمر، إلى ذبح إسماعيل وفدائه من جانب الله وبنائهما البيت، وجدنا القصّة دورة كاملة من السير العبودي الّذي يسير به العبد من موطن نفسه إلى قرب ربّه، ومن أرض البعد إلى حظيرة القرب بالإعراض عن زخارف الدنيا، وملاذّها، وأمانيّها من جاه، ومال، ونساء وأولاد، والانقلاع والتخلّص عن وساوس الشياطين، وتكديرهم صفو الإخلاص والإقبال والتوجّه إلى مقام الربّ ودار الكبرياء.
فها هي وقائع متفرّقة مترتّبة تسلسلت وتألّفت قصّة تاريخيّة تحكي عن سير عبوديّ من العبد إلى الله سبحانه وتشمل من أدب السير والطلب والحضور ورسوم الحبّ والوله والإخلاص على ما كلّما زدت في تدبّره إمعاناً زادك استنارة ولمعانا.
ثمّ: إنّ الله سبحانه أمر خليله إبراهيم: أن يشرع للناس عمل الحجّ، كما قال:( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) إلى آخر الآيات الحجّ - ٢٧، وما شرعهعليهالسلام وإن لم يكن معلوما لنا بجميع خصوصيّاته، لكنّه كان شعاراً دينيّاً عند العرب في الجاهليّة إلى أن بعث الله النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وشرع فيه ما شرع ولم يخالف فيه ما شرعه إبراهيم إلّا بالتكميل كما يدلّ عليه قوله تعالى:( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) الانعام - ١٦١، وقوله تعالى:( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ) الشورى - ١٣.
وكيف كان فما شرعه النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من نسك الحجّ المشتمل على الإحرام والوقوف بعرفات ومبيت المشعر والتضحية ورمى الجمرات والسعى بين الصفا والمروة والطواف والصلاة بالمقام تحكي قصّة إبراهيم، وتمثل مواقفه ومواقف أهله ومشاهدهم ويا لها من مواقف طاهرة إلهيّة القائد إليها جذبة الربوبيّة والسائق نحوها ذلّة العبوديّة.
والعبادات المشروعة - على مشرّعيها أفضل السلام - صور لمواقف الكمّلين من الأنبياء من ربّهم، وتماثيل تحكي عن مواردهم ومصادرهم في مسيرهم إلى مقام القرب والزلفى، كما قال تعالى:( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الاحزاب - ٢١، وهذا أصل.
وفي الأخبار المبيّنة لحكم العبادات وأسرار جعلها وتشريعها شواهد كثيرة على هذا المعنى، يعثر عليها المتتبّع البصير.
( سورة البقرة الآيات ١٣٠ - ١٣٤)
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( ١٣٠ ) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( ١٣١ ) وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ( ١٣٢ ) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( ١٣٣ ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٣٤ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) ، الرغبة، إذا عدّيت بعن أفادت: معنى الإعراض والنفرة، وإذا عدّيت بفي أفادت: معنى الشوق والميل، وسفه يأتي متعدّيا ولازماً، ولذلك ذكر بعضهم أنّ قوله: نفسه مفعول لقوله: سفه، وذكر آخرون أنّه تمييز لا مفعول، والمعنى على أيّ حال: أنّ الإعراض عن ملّة إبراهيم من حماقة النفس، وعدم تمييزها ما ينفعها ممّا يضرّها ومن هذه الآية يستفاد معنى ما ورد في الحديث: أنّ العقل ما عبد به الرحمن.
قوله تعالى: ( وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ) ، الاصطفاء أخذ صفوة الشئ وتمييزه عن غيره إذا اختلطا، وينطبق هذا المعنى بالنظر إلى مقامات الولاية على خلوص العبوديّة وهو أن يجري العبد في جميع شؤونه على ما يقتضيه مملوكيّته وعبوديّته من التسليم الصرف لربّه، وهو التحقّق بالدين في جميع الشؤون فإنّ الدين لا يشتمل إلّا على مواد العبوديّة في اُمور الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضاه الله لعبده في جميع اُموره كما قال
الله تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران - ١٩، فظهر: أنّ مقام الاصطفاء هو مقام الإسلام بعينه ويشهد بذلك قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) الآية فإنّ الظاهر أن الظرف متعلّق بقوله: اصطفيناه، فيكون المعنى أنّ إصطفائه إنّما كان حين قال له ربّه: أسلم، فأسلم لله ربّ العالمين فقوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، بمنزله التفسير لقوله: اصطفيناه.
وفي الكلام التفات من التكلّم إلى الغيبة في قوله: إذ قال له ربّه أسلم، ولم يقل إذ قلنا له أسلم، والتفات آخر من الخطاب إلى الغيبة في المحكيّ من قول إبراهيم: قال أسلمت لربّ العالمين، ولم يقل: قال أسلمت لك امّاالأوّل ، فالنكتة فيه: الإشارة إلى أنّه كان سرّا استسرّ به ربّه إذ أسرّه إليه فيما خلى به معه فإنّ للسامع المخاطب اتّصالاً بالمتكلّم فإذا غاب المتكلّم عن صفة حضوره انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلّم من الشأن والقصّة ستر مضروب، فأفاد: أنّ القصّة من مسامرات الأنس وخصائص الخلوة.
وأمّاالثاني: فلأنّ قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ ) ، يفيد معنى الاختصاص باللطف والاسترسال في المسارّة لكن أدب الحضور كان يقتضى من إبراهيم وهو عبد عليه طابع الذلّة والتواضع أن لا يسترسل، ولا يعدّ نفسه مختصّا بكرامة القرب متشرّفا بحظيرة الأنس، بل يراها واحداً من العبيد الأذلّاء المربوبين، فيسلم لربّ يستكين إليه جميع العالمين فيقول: أسلمت لربّ العالمين.
الإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد، من السلّم، وأحد الشيئين إذا كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلّم واستسلم له، قال تعالى:( بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) البقرة - ١١٢، وقال تعالى:( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ) الانعام - ٧٩، ووجه الشئ ما يواجهك به، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام وجود الشئ فإسلام الإنسان له تعالى هو وصف الانقياد والقبول منه لما يرد عليه من الله سبحانه من حكم تكوينيّ، من قدر وقضاء، أو تشريعيّ من أمر أو نهى أو غير ذلك، ومن هنا كان له مراتب بحسب ترتّب الواردات بمراتبها.
الاولى: من مراتب الإسلام، القبول لظواهر الأوامر والنواهي بتلقّي
الشهادتين لساناً، سواء وافقه القلب، أو خالفه، قال تعالى:( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) الحجرات - ١٤، ويتّعقب الإسلام بهذا المعنى أوّل مراتب الإيمان وهو الإذعان القلبّي بمضمون الشهادتين إجمالاً ويلزمه العمل في غالب الفروع.
الثانيه: مايلي الإيمان بالمرتبة الاُولى، وهو التسليم والانقياد القلبّي لجلّ الاعتقادات الحقّة التفصيليّة وما يتبعها من الأعمال الصالحة وإن أمكن التخطّي في بعض الموارد. قال الله تعالى في وصف المتّقين:( الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ) الزخرف - ٦٩، وقال أيضاً:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) البقرة - ٢٠٨، فمن الإسلام ما يتأخّر عن الإيمان محقّقاً فهو غير المرتبة الاُولى من الإسلام ويتعقّب هذا الإسلام المرتبة الثانية من الإيمان وهو الاعتقاد التفصيليّ بالحقائق الدينيّة. قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الحجرات - ١٥، وقال أيضاً:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ) الصّف - ١١، وفيه إرشاد المؤمنين إلى الإيمان، فالإيمان غير الإيمان.
الثالثه: مايلي الإيمان بالمرتبة الثانية فإنّ النفس إذا أنست بالإيمان المذكور وتخلّقت بأخلاقه تمكّنت منها وانقادت لها سائر القوى البهيميّة والسُبعيّة، وبالجملة القوى المائلة إلى هوسات الدنيا وزخارفها الفانية الداثرة، وصار الإنسان يعبدالله كأنّه يراه فإن لم يكن يراه فإنّ الله يراه، ولم يجد في باطنه وسرّه ما لا ينقاد إلى أمره ونهيه أو يسخط من قضائه وقدره، قال الله سبحانه:( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء - ٦٥، ويتعقّب هذه المرتبة من الإسلام المرتبة الثالثة من الإيمان، قال الله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) إلى أن قال:( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) المؤمنون - ٣، ومنه قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) إلى غير ذلك، وربّما عدّت المرتبتان
الثانية والثالثة مرتبة واحدة.
والأخلاق الفاضلة من الرضاء والتسليم، والحسبة والصّبر في الله، وتمام الزهد والورع، والحبّ والبغض في الله من لوازم هذه مرتبة.
الرابعة مايلي، المرتبة الثالثة من الإيمان فإنّ حال الإنسان وهو في المرتبة السابقة مع ربّه حال العبد المملوك مع مولاه، إذ كان قائماً بوظيفة عبوديّته حقّ القيام، وهو التسليم الصرف لما يريده المولى أو يحبّه ويرتضيه، والأمر في ملك ربّ العالمين لخلقة أعظم من ذلك وأعظم وإنّه حقيقة الملك الّذي لا استقلال دونه لشئ من الأشياء لا ذاتاً ولا صفة، ولا فعلاً على ما يليق بكبريائه جلّت كبريائه.
فالإنسان - وهو في المرتبة السابقة من التسليم - ربّما أخذته العناية الربّانيّة فأشهدت له أنّ الملك لله وحده لا يملك شئ سواه لنفسه شيئاً إلّا به لا ربّ سواه، وهذا معنى وهبيّ، وإفاضة إلهيّة لا تأثير لإرادة الإنسان فيه، ولعلّ قوله تعالى: ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيّتنا اُمّة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، الآية، إشارة إلى هذه المرتبة من الإسلام فإنّ قوله تعالى: إذ قال له ربّه أسلم، قال أسلمت لربّ العالمين الآية ظاهره أنّه أمر تشريعي لا تكوينيّ، فإبراهيم كان مسلماً باختياره، إجابة لدعوة ربّه وامتثالا لأمره، وقد كان هذا من الأوامر المتوجّهة إليهعليهالسلام في مبادئ حاله: فسؤاله في أواخر عمره مع ابنه إسماعيل الإسلام وإرائة المناسك سؤال لأمر ليس زمامه بيده أو سؤال لثبات على أمر ليس بيده فالإسلام المسئول في الآية هو هذه المرتبة من الإسلام ويتعقّب الإسلام بهذا المعنى المرتبة الرابعة من الإيمان وهو استيعاب هذا الحال لجميع الأحوال والأفعال، قال تعالى:( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) يونس - ٦٢، فإنّ هؤلاء المؤمنين المذكورين في الآية يجب أن يكونوا على يقين من أن لا استقلال لشئ دون الله، ولا تأثير لسبب إلّا بإذن الله حتّى لا يحزنوا من مكروه واقع، ولا يخافوا محذورا محتملا، وإلّا فلا معنى لكونهم بحيث، لا يخوّفهم شئ ولا يحزنهم أمر، فهذا النوع من الإيمان بعد الإسلام المذكور فافهم.
قوله تعالى: ( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) ، الصلاح، وهو اللّياقة بوجه
ربّما نسب في كلامه إلى عمل الإنسان وربّما نسب إلى نفسه وذاته، قال تعالى:( فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ) الكهف - ١١٠، وقال تعالى:( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) النّور - ٣٢.
وصلاح العمل وإن لم يرد به تفسير بيّن من كلامه تعالى غير أنّه نسب إليه من الآثار ما يتّضح به معناه.
فمنها: أنّه صالح لوجه الله. قال تعالى:( صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) الرعد - ٢٢، وقال تعالى:( وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ ) البقرة - ٢٧٢.
ومنها: أنّه صالح لأن يثاب عليه. قال تعالى:( ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) القصص - ٨٠.
ومنها: أنّه يرفع الكلم الطيّب الصاعد إلى الله سبحانه قال تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) فاطر - ١٠، فيستفاد من هذه الآثار المنسوبة إليه: أنّ صلاح العمل معنى تهيّؤه ولياقته لأن يلبس لباس الكرامة ويكون عوناً وممدّاً لصعود الكلام الطيّب إليه تعالى. قال تعالى:( وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ) الحج - ٣٧، وقال تعالى:( كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الاسراء - ٢٠، فعطاؤه تعالى بمنزلة الصورة، وصلاح العمل بمنزله المادّة.
وأمّا صلاح النفس والذات فقد قال تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النّساء - ٦٩، وقال تعالى:( وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ ) الأنبياء - ٨٦، وقال تعالى حكاية عن سليمان:( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) النمل - ١٩، وقال تعالى:( وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا - إلى قوله- وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) الأنبياء - ٧٥، وليس المراد الصلاح لمطلق الرحمة العامّة الإلهيّة الواسعة لكلّ شئ ولا الخاصّة بالمؤمنين على ما يفيده قوله تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الأعراف - ١٥٦، إذ هؤلاء القوم وهم الصالحون، طائفة خاصّة من المؤمنين المتّقين، ومن الرحمة ما يختصّ ببعض دون بعض، قال تعالى
( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ) البقرة - ١٠٥، وليس المراد أيضاً مطلق كرامة الولاية، وهو تولّي الحقّ سبحانه أمر عبده، فإنّ الصالحين وإن شرّفوا بذلك وكانوا من الأولياء المكرّمين على ما بيّناه سابقاً في قوله تعالى:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) فاتحة الكتاب - ٦ وسيجئ في تفسير الآية لكنّ هذه أعني الولاية صفة مشتركة بينهم وبين النبيّين، والصدّيقين، والشهداء فلا يستقيم إذن عدّهم طائفة خاصّة في قبالهم.
نعم الأثر الخاصّ بالصلاح هو الإدخال في الرحمة، وهو الأمن العامّ من العذاب كما ورد المعنيان معاً في الجنّة، قال تعالى:( فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ) الجاثية - ٣٠، أي في الجنّة، وقال تعالى:( يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ) الدخان - ٥٥، أي في الجنّة.
وأنت إذا تدبّرت قوله تعالى:( وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ) الأنبياء - ٧٥، وقوله:( وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) الأنبياء - ٧٢ - حيث نسب الفعل إلى نفسه تعالى لا إلى العبد - ثمّ تأمّلت أنّه تعالى قصّر الأجر والشكر على ما بحذاء العمل والسعي قضيت بأنّ الصلاح الذّاتيّ كرامة ليست بحذاء العمل والإرادة وربّما تبيّن به معنى قوله تعالى:( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا ) - وهو ما بالعمل - وقوله:( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) - وهو أمر غير ما بالعمل على ما سيجئ بيانه إنشاء الله في تفسير قوله تعالى:( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا ) ق - ٣٥-.
ثمّ إنك إذا تأمّلت حال إبراهيم ومكانته في أنّه كان نبيّاً مرسلاً وأحد اُولي العزم من الأنبياء، وأنّه إمام، وأنّه مقتدى عدّة ممّن بعده من الأنبياء والمرسلين وأنّه من الصالحين بنصّ قوله تعالى:( وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) الأنبياء - ٧٢، الظاهر في الصلاح المعجل على أنّ من هو دونه في الفضل من الأنبياء أكرم بهذا الصلاح المعجّل وهوعليهالسلام مع ذلك كلّه يسأل اللّحوق بالصالحين الظاهر في أنّ هناك قوماً من الصالحين سبقوه وهو يسأل اللّحوق بهم فيما سبقوه إليه، واُجيب بذلك في الآخرة كما يحكيه الله تعالى في ثلاثة مواضع من كلامه حيث قال تعالى:( وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) البقره - ١٣٠، وقال تعالى:( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) العنكبوت - ٢٧، وقال تعالى:( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ
الصَّالِحِينَ ) النّحل - ١٢٢، فإذا تأمّلت ذلك حقّ التأمّل قضيت بأنّ الصلاح ذو مراتب بعضها فوق بعض ولم تستبعد لو قرع سمعك أنّ إبراهيمعليهالسلام سأل اللّحوق بمحمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وآله الطاهرينعليهالسلام فاُجيب إلى ذلك في الآخرة لا في الدنيا فإنّهعليهالسلام يسأل اللّحوق بالصالحين ومحمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) يدعيه لنفسه. قال تعالى:( إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) الأعراف - ١٩٦ فإنّ ظاهر الآية أنّ رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) يدّعي لنفسه الولاية فالظاهر منه أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو المتحقّق بالصلاح الّذي يدّعيه بموجب الآية لنفسه وإبراهيم كان يسأل الله اللّحوق بعدّة من الصالحين يسبقونه في الصّلاح فهو هو.
قوله تعالى: ( وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ) ، إي وصّى بالملّة.
قوله تعالى: ( فَلَا تَمُوتُنَّ ) ، النّهي عن الموت وهو أمر غير اختياريّ للإنسان، والتكليف إنّما يتعلّق بأمر اختياريّ إنّما هو لرجوعه إلى أمر يتعلّق بالاختيار، والتّقدير احذروا أن يغتالكم الموت في غير حال الإسلام، أي داوموا وألزموا الإسلام لئلّا يقع موتكم إلّا في هذا الحال، وفي الآية إشارة إلى أنّ الدين هو الإسلام كما قال تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران - ١٩.
قوله تعالى: ( وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) ، في الكلام إطلاق لفظ الأب على الجدّ والعمّ والوالد من غير مصحّح للتغليب، وحجّة فيما سيأتي إنشاء الله تعالى في خطاب إبراهيم لآزر بالأب.
قوله تعالى: ( إِلَهًا وَاحِدًا ) ، في هذا الإيجاز بعد الإطناب بقوله: إلهك وإله آبائك إلخ دفع لإمكان إيهام اللّفظ أن يكون إلهه غير إله آبائه على نحو ما يتّخذه الوثنيّون من الآلهة الكثيرة.
قوله تعالى: ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ، بيان للعبادة وأنّها ليست عبادة كيفما اتّفقت بل عبادة على نهج الإسلام وفي الكلام جملة أنّ دين إبراهيم هو الإسلام والموروث منه في بني إبراهيم كإسحق ويعقوب وإسماعيل، وفي بني إسرائيل، وفي بني إسماعيل من آل إبراهيم جميعاً هو الإسلام لا غير، وهو الّذي أتى به إبراهيم من ربّه فلا حجّة لأحد في تركه والدّعوة إلى غيره.
( بحث روائي)
في الكافي عن سماعة عن الصادقعليهالسلام الإيمان من الإسلام بمنزلة الكعبة الحرام من الحرم قد يكون في الحرم ولا يكون في الكعبة ولا يكون في الكعبة حتّى يكون في الحرم.
وفيه عن سماعة أيضاً عن الصادقعليهالسلام قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام.
أقول: وفي هذا المضمون روايات اُخر وهي تدلّ على ما مرّ بيانه من المرتبة الاُولى من الإسلام والإيمان.
وفيه عن البرقيّ عن عليّعليهالسلام : قال الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين.
وفيه عن كاهل عن الصادق لو أنّ قوماً عبدوا الله - وحده لا شريك له - وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان ثمّ قالوا لشئ صنعه الله أو صنعه رسول الله ألّا صنع بخلاف الّذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين الحديث.
أقول: والحديثان يشيران إلى المرتبة الثالثة من الإسلام والإيمان.
وفي البحار عن إرشاد الديلميّ - وذكر سندين لهذا الحديث، وهو من أحاديث المعراج - وفيه: قال الله سبحانه: يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهني وأيّ حياة أبقي ؟ قال: اللّهمّ لا، قال: أمّا العيش الهنئ فهو الّذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي، ولا يجهل حقّي، يطلب رضائي في ليله ونهاره، وأمّا الحياة الباقية، فهي الّتى يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا، وتصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي، ويعظّم حقّ نعمتي، ويذكر عملي به، ويراقبني باللّيل والنهار عند كلّ سيّئة أو معصية، وينقّي قلبه عن كلّ ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً وسبيلاً، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّاً حتّى أجعل قلبه وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة الّتي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي وأفتح عين قلبه وسمعه، حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي، و
أضيّق عليه الدنيا، واُبغّض إليه ما فيها من اللّذات، واُحذّره من الدنيا وما فيها كما يحذّر الراعى على غنمه مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفرّ من الناس فرارا، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن، يا أحمد ولاُزيّننّه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنئ والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين فمن عمل برضاي ألزمة ثلاث خصال أعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته وأفتح عين قلبه إلى جلالي، ولا اُخفى عليه خاصّة خلقي واُناجيه في ظُلَم اللّيل ونور النهار، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين، ومجالسته معهم، واُسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأعرّفه السرّ الّذي سترته عن خلقي، واُلبسه الحياء، حتّى يستحيي منه الخلق كلّهم، ويمشي على الأرض مغفوراً له، واجعل قلبه واعياً وبصيراً ولا اُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار، واُعرّفه ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول والشدّة وما اُحاسب به الأغنياء والفقراء والجهّال والعلماء، واُنوّمه في قبره، واُنزل عليه منكراً ونكيراً حتّى يسألاه، ولا يرى غمّ الموت، وظلمة القبر واللّحد، وهول المطّلع، ثمّ أنصب له ميزانه، وأنشر ديوانه، ثمّ أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشوراً، ثمّ لا أجعل بيني وبينه وترجماناً فهذه صفات المحبّين، يا أحمد اجعل همّك همّا واحداً واجعل لسانك لساناً واحداً واجعل بدنك حيّاً لا يغفل أبداً من يغفل عنّي لم اُبال في أيّ واد هلك.
وفي البحار عن الكافي و المعاني ونوادر الرّاوندي بأسانيد مختلفة عن الصادق والكاظمعليهالسلام - و اللّفظ المنقول هيهنا للكافي - قال: استقبل رسول الله: حارثة بن مالك بن النعمان الانصاريّ فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك النعمانيّ ؟ فقال: يا رسول الله مؤمن حقّاً، فقال له رسول الله: لكلّ شئ حقيقة فما حقيقة قولك ؟ فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت هواجرى، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد وضع للحساب، وكأنّي أنظر إلى اهل الجنّة يتزاورون في الجنّة وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : عبد نوّر الله قلبه أبصرت فاثبت.
أقول: والروايتان تحومان حوم المرتبة الرابعة من الإسلام والإيمان
المذكورتين وفي خصوصيّات معناهما روايات كثيرة متفرّقة سنورد جملة منها في تضاعيف الكتاب إنشاء الله تعالى والآيات تؤيّدها على ما سيجئ بيانها، واعلم أنّ لكلّ مرتبة من مراتب الإسلام والإيمان معنى من الكفر والشرك يقابله. ومن المعلوم أيضاً أنّ الإسلام والإيمان كلّما دقّ معناهما ولطف مسلكهما، صعب التخلّص ممّا يقابلهما من معنى الكفر أو الشرك. ومن المعلوم أيضاً أنّ كلّ مرتبة من مراتب الإسلام والإيمان الدانية، لا ينافي الكفر أو الشرك من المرتبة العالية، وظهور آثارهما فيها. وهذان أصلان.
ويتفرّع عليهما: أن للآيات القرآنيّة بواطن تنطبق على موارد لا تنطبق عليها ظواهرها وليكن هذا عندك على إجماله حتّى يأتيك تفصيله.
وفي تفسير القمّيّ في قوله تعالى: ولدينا مزيد. قالعليهالسلام النظر إلى رحمة الله.
وفي المجمع عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم): يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا اُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
أقول: والروايتان قد اتّضح معناهما عند بيان معنى الصلاح، والله الهادي.
وفي تفسير العيّاشيّ في قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت الآية، عن الباقرعليهالسلام أنّها جرت في القائم.
أقول: قال في الصافي: لعلّ مراده أنّها في قائم آل محمّد فكلّ قائم منهم يقول: ذلك حين موته لبنيه، ويجيبونه بما أجابوا به.
( سورة البقرة الآيات ١٣٥ - ١٤١)
وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٣٥ ) قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( ١٣٦ ) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٣٧ ) صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( ١٣٨ ) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( ١٣٩ ) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ١٤٠ ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٤١ )
( بيان)
قوله تعالى: ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ) ، لما بيّن تعالى أنّ الدين الحقّ الّذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده كان هو الإسلام الّذي كان عليه إبراهيم حنيفا، استنتج من ذلك أنّ الإختلافات والانشعابات الّتي يدعو إليها فرق المنتحلين من اليهود والنصارى، أمور إخترعتها هوساتهم، ولعبت بها أيديهم لكونهم في شقاق، فتقطّعوا بذلك طوائف وأحزاباً دينيّة، وصبغوا دين الله سبحانه وهو دين التوحيد ودين الوحدة، بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، مع أنّ الدّين
واحد كما أنّ الإله المعبود بالدين واحد وهو دين إبراهيم. وبه فليتمسّك المسلمون وليتركوا شقاق أهل الكتاب.
فإنّ من طبيعة هذه الحياة الأرضيّة الدنيويّة التغيّر والتحوّل في عين الجرى والاستمرار كنفس الطبيعة الّتي هي كالمادّة لها ويوجب ذلك أن تتغيّر الرسوم والآداب والشعائر القوميّة بين طوائف الملل وشعباتها، وربّما يوجب ذلك تغييراً وانحرافاً في المراسم الدينيّة، وربّما يوجب دخول ما ليس من الدين في الدين، أو خروج ما هو منه والأغراض والغايات الدنيويّة ربّما تحلّ محلّ الأغراض الدينيّة الإلهيّة (وهي بليّة الدين)، وعند ذلك ينصبغ الدين بصبغة القوميّة فيدعو إلى هدف دون هدفه الأصليّ ويؤدّب الناس غير أدبه الحقيقيّ، فلا يلبث حتّى يعود المنكر (وهو ما ليس من الدين) معروفاً يتعصّب له الناس لموافقته هوساتهم وشهواتهم والمعروف منكراً ليس له حامٍ يحميه ولا واقٍ يقيه ويؤل الأمر إلى ما نشاهده اليوم من...
وبالجملة فقوله تعالى:( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ) ، إجمال تفصيل معناه وقالت اليهود كونوا هوداً تهتد، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا، كلّ ذلك لتشعّبهم وشقاقهم.
قوله تعالى: ( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، جواب عن قولهم أي قل، بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً فإنّها الملّة الواحدة الّتي كان عليها جميع أنبيائكم، إبراهيم، فمن دونه، وما كان صاحب هذه الملّة وهو إبراهيم من المشركين ولو كان في ملّته هذه الانشعابات، وهي الضمائم الّتي ضمّها إليها المبتدعون، من الإختلافات لكان مشركاً بذلك، فإنّ ما ليس من دين الله لا يدعو إلى الله سبحانه، بل إلى غيره وهو الشرك، فهذا دين التوحيد الّذي لا يشتمل على ما ليس من عند الله تعالى.
قوله تعالى: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ) ، لما حكى ما يأمره به اليهود والنصارى من اتّباع مذهبهم، ذكر ما هو عنده من الحقّ (والحقّ يقول) وهو الشهادة على الإيمان بالله والإيمان بما عند الأنبياء، من غير فرق بينهم، وهو الإسلام وخصّ
الإيمان بالله بالذكر وقدّمه وأخرجه من بين ما أنزل على الأنبياء لأنّ الإيمان الله فطريّ، لا يحتاج إلى بيّنة النبوّة، ودليل الرسالة.
ثمّ ذكر سبحانه ما أنزل إلينا وهو القرآن أو المعارف القرآنيّة وما اُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثمّ ذكر ما أوتي موسى وعيسى وخصّهما بالذكر لأنّ المخاطبة مع اليهود والنصارى وهم يدعون إليهما فقط ثمّ ذكر ما أوتي النبيّون من ربّهم، ليشمل الشهادة جميع الأنبياء فيستقيم قوله بعد ذلك: لا نفرّق بين أحد منهم.
وإختلاف التعبير في الكلام، حيث عبّر عمّا عندنا وعند إبراهيم وإسحاق ويعقوب بالإنزال وعمّا عند موسى وعيسى والنبيّين بالإيتاء وهو الإعطاء، لعلّ الوجه فيه أنّ الأصل في التعبير هو الإيتاء، كما قال تعالى بعد ذكر إبراهيم، ومن بعده ومن قبله من الأنبياء في سورة الأنعام:( أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الانعام - ٨٩، لكن لفظ الإيتاء ليس بصريح في الوحي والإنزال كما قال تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) لقمان - ١٢، وقال:( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الجاثية - ١٦، ولما كان كلّ من اليهود والنصارى يعدّون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من أهل ملّتهم، فاليهود من اليهود، والنصاري من النصارى، واعتقادهم أن الملّة الحقّ من النصرانيّة، أو اليهوديّة، هي ما أوتيه موسى وعيسى، فلو كان قيل: وما اُوتي إبراهيم وإسماعيل لم يكن بصريح في كونهم بأشخاصهم صاحب ملّة بالوحي والإنزال وإحتمل أن يكون ما أوتوه، هو الّذي أوتيه موسى وعيسىعليهمالسلام نسب إليهم بحكم التبعيّة كما نسب إيتاؤه إلى بني إسرائيل، فلذلك خصّ إبراهيم ومن عطف عليه باستعمال لفظ الإنزال وأما النبيّون قبل إبراهيم فليس لهم فيهم كلام حتّى يوهم قوله: وما أوتي النبيّون شيئاً يجب دفعه.
قوله تعالى: ( وَالْأَسْبَاطِ ) ، الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل والسبط كالقبيلة الجماعة يجتمعون على أب واحد، وقد كانوا اثنتي عشرة أسباطاً اُمماً وكلّ واحدة منهم تنتهي إلى واحد من أولاد يعقوب وكانوا اثنى عشر، فخلف كلّ واحد منهم اُمّة من الناس.
فإن كان المراد بالأسباط الاُمم والأقوام فنسبة الإنزال إليهم لاشتمالهم على أنبياء من سبطهم، وإن كان المراد بالأسباط الأشخاص كانوا أنبياء أنزل إليهم الوحي وليسوا بإخوة يوسف لعدم كونهم أنبياء، ونظير الآية قوله تعالى:( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ ) النساء - ١٦٣.
قوله تعالى: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ) ، الإتيان بلفظ المثل مع كون أصل المعنى، فإن آمنوا بما آمنتم به، لقطع عرق الخصام والجدال، فإنّه لو قيل لهم أن آمنوا بما آمنّا به أمكن أن يقولوا كما قالوا، بل نؤمن بما اُنزل علينا ونكفر بما ورائه، لكن لو قيل لهم، إنّا آمنّا بما لا يشتمل إلّا على الحقّ فآمنوا أنتم بما يشتمل على الحقّ مثله، لم يجدوا طريقاً للمراء والمكابرة، فإنّ الّذي بيدهم لا يشتمل على صفوة الحقّ.
قوله تعالى: ( فِي شِقَاقٍ ) ، الشقاق النفاق والمنازعة والمشاجرة والافتراق.
قوله تعالى: ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ) ، وعدٌ لرسول الله بالنصرة عليهم، وقد أنجز وعده وسيتمّ هذه النعمة للاُمّة الإسلاميّة إذا شاء، واعلم: أنّ الآية معترضة بين الآيتين السابقة واللاحقة.
قوله تعالى: ( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) ، الصبغة بناء نوع من الصبغ أي هذا الإيمان المذكور صبغة إلهيّة لنا، وهي أحسن الصبغ لا صبغة اليهوديّة والنصرانيّة بالتفرّق في الدين، وعدم إقامته.
قوله تعالى: ( وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) ، في موضع الحال، وهو كبيان العلّة لقوله: صبغة الله ومن أحسن.
قوله تعالى: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ ) ، إنكار، لمحاجّة أهل الكتاب، المسلمين في الله سبحانه وقد بيّن وجه الإنكار، وكون محاجّتهم لغواً وباطلاً، بقوله وهو ربّنا وربّكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون، وبيانه: أنّ محاجّة كلّ تابعين في متبوعهما ومخاصمتهما فيه إنّما تكون لأحد أمور ثلاث: إمّا لاختصاص كلّ من التابعين بمتبوع دون متبوع الآخر، فيريدان بالمحاجّة كلّ تفضيل متبوعه وربّه على
الآخر، كالمحاجّة بين وثنيّ ومسلم، وإمّا لكون كلّ واحد منهما أو أحدهما يريد مزيد الاختصاص به، وإبطال نسبة رفيقه، أو قربه أو ما يشبه ذلك، بعد كون المتبوع واحداً، وإمّا لكون أحدهما ذا خصائص وخصال لا ينبغي أن ينتسب إلى هذا المتبوع وفعاله ذاك الفعال، وخصاله تلك الخصال لكونه موجباً، لهتكه أو سقوطه أو غير ذلك، فهذه علل المحاجّة والمخاصمة بين كلّ تابعين، والمسلمون وأهل الكتاب إنّما يعبدون إلهاً واحداً، وأعمال كلّ من الطائفتين لا تزاحم الاُخرى شيئاً والمسلمون مخلصون في دينهم لله، فلا سبب يمكن أن يتشبّث به أهل الكتاب في محاجّتهم، ولذلك أنكر عليهم محاجّتهم أوّلاً ثمّ نفى واحداً واحداً من أسبابها الثلاثة، ثانياً.
قوله تعالى: ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ) ، وهو قولّ كل من الفريقين، إنّ إبراهيم ومن ذكر بعده منهم، ولازم ذلك كونهم هوداً أو نصارى أو قولهم صريحاً إنّهم كانوا هوداً أو نصارى، كما يفيده ظاهر قوله تعالى:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) آل عمران - ٦٥.
قوله تعالى: ( قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ ) ، فإنّ الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب أنّ موسى وعيسى وكتابيهما بعد إبراهيم ومن ذكر معه.
قوله تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ ) ، أي كتم ما تحمّل شهادة أنّ الله أخبر بكون تشريع اليهوديّة أو النصرانيّة بعد إبراهيم ومن ذكر معه، فالشهادة المذكورة في الآية شهادة تحمّل، أو المعنى كتم شهادة الله على كون هؤلاء قبل التوراة والإنجيل، فالشهادة شهادة أداء، المتعيّن هو المعنى الأوّل.
قوله تعالى: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) ، أي إنّ الغور في الأشخاص وأنّهم ممّن كانوا لا ينفع حالكم، ولا يضرّكم السكوت عن المحاجّة والمجادلة فيهم، والواجب عليكم الاشتغال بما تسألون غداً عنه، وتكرار الآية مرّتين لكونهم يفرطون في هذه المحاجّة الّتى لا تنفع لحالهم شيئاً، وخصوصاً مع علمهم بأنّ إبراهيم كان قبل اليهوديّة والنصرانيّة، وإلّا فالبحث عن حال الأنبياء، والرسل بما ينفع البحث فيه كمزايا رسالاتهم وفضائل نفوسهم الشريفة ممّا ندب إليه القرآن حيث يقصّ قصصهم ويأمر بالتدبّر فيها.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ في قوله تعالى قل: بل ملّة إبراهيم حنيفاً الآية، عن الصادقعليهالسلام قال إنّ الحنيفيّة في الإسلام.
وعن الباقرعليهالسلام ما أبقت الحنيفيّة شيئاً، حتّى أنّ منها قصّ الشارب وقلم الأظفار والختان.
وفي تفسير القمّيّ، أنزل الله على إبراهيم الحنيفيّة، وهي الطهارة، وهي عشرة: خمسة في الرأس وخمسة في البدن، فأمّا الّتي في الرأس فأخذ الشارب وإعفاء اللحى وطمّ الشعر والسواك والخلال، وأمّا الّتي في البدن فأخذ الشعر من البدن والختان وقلم الأظفار والغسل من الجنابة، والطهور بالماء وهي الحنيفيّة الطاهرة الّتي جاء بها إبراهيم فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
أقول: طمّ الشعر، جزّه، وتوفيره وفي معنى الرواية أو ما يقرب منه أحاديث كثيرة جدّاً روتها الفريقان في كتبهم.
وفي الكافي وتفسير العيّاشيّ عن الباقرعليهالسلام في قوله تعالى: قولوا آمنّا بالله الآية، قال إنّما عنى بها عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وجرت بعدهم في الأئمّة الحديث.
أقول: ويستفاد ذلك من وقوع الخطاب في ذيل دعوة إبراهيم ومن ذرّيّتنا أمّة مسلمة لك الآية ولا ينافي ذلك توجيه الخطاب إلى عامّة المسلمين وكونهم مكلّفين بذلك، فإنّ لهذه الخطابات عموماً وخصوصاً بحسب مراتب معناها على ما مرّ في الكلام على الإسلام والإيمان ومراتبهما.
وفي تفسير القمّيّ عن أحدهما، وفي المعاني عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى: صبغة الله الآية، قال الصبغة هي الإسلام.
أقول: وهو الظاهر من سياق الآيات.
وفي الكافي والمعاني عن الصادقعليهالسلام قال صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق.
أقول: وهو من باطن الآية على ما سنبيّن معناه ونبيّن أيضاً معنى الولاية ومعنى الميثاق إن شاء الله العزيز.
( سورة البقرة الآيات ١٤٢ - ١٥١)
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( ١٤٢ ) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١٤٣ ) قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( ١٤٤ ) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ( ١٤٥ ) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( ١٤٦ ) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( ١٤٧ ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٤٨ ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ١٤٩ ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( ١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ( ١٥١)
( بيان)
الآيات مترتّبة متّسقة منتظمةٌ في سياقها على ما يعطيه التدبّر فيها وهي تنبئي عن جعل الكعبة قبلة للمسلمين فلا يصغى إلى قول من يقول إنّ فيها تقدّماً وتأخّراً أو أنّ فيها ناسخاً ومنسوخاً، وربّما رووا فيها شيئاً من الروايات، ولا يعبأ بشئ منها بعد مخالفتها لظاهر الآيات.
قوله تعالى: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) ، هذا تمهيد ثانياً لما سيأمر تعالى به من اتّخاذ الكعبة قبلة وتعليم للجواب عمّا سيعترض به السفهاء من الناس وهم اليهود تعصّباً لقبلتهم الّتي هي بيت المقدّس ومشركوا العرب الراصدون لكلّ أمرٍ جديد يحتمل الجدال والخصام، وقد مهّد لذلك أوّلاً بما ذكره الله تعالى من قصص إبراهيم وأنواع كرامته على الله سبحانه وكرامة ابنه إسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكّة وللنبيّ والاُمّة المسلمة وبنائهما البيت والأمر بتطهيره للعبادة، ومن المعلوم أنّ تحويل القبلة من بيت المقدّس إلى الكعبة من اعظم الحوادث الدينيّة وأهمّ التشريعات الّتي قوبل به الناس بعد هجرة النبيّ إلى المدينة وأخذ الإسلام في تحقيق اُصوله ونشر معارفه وبثّ حقائقه، فما كانت اليهود وغيرهم تسكت وتستريح في مقابل هذا التشريع، لأنّهم كانوا يرون أنّه يبطل واحداً من اعظم مفاخرهم الدينيّة وهو القبلة واتّباع غيرهم لهم فيها وتقدّمهم على من دونهم في هذا الشعار الدينيّ، على أنّ ذلك تقدّم باهر في دين المسلمين، لجمعه وجوههم في عباداتهم ومناسكهم الدينيّة إلى نقطة واحدة يخلّصهم من تفرّق الوجوه في الظاهر وشتات الكلمة في الباطن واستقبال الكعبة أشدّ تأثيراً وأقوى من أمثال الطهارة والدعاء وغيرهما في نفوس المسلمين، عند
اليهود ومشركي العرب وخاصّة عند اليهود كما يشهد به قصصهم المقتصّة في القرآن، فقد كانوا اُمّة لا يرون لغير المحسوس من عالم الطبيعة أصالة ولا لغير الحسّ وقعاً، إذا جائهم حكم من أحكام الله معنويّ قبلوه من غير تكلّم عليه وإذا جاءهم أمر من ربّهم صوريّ متعلّق بالمحسوس من الطبيعة كالقتال والهجرة والسجدة وخضوع القول وغيرها قابلوه بالإنكار وقاوموا عليه ودونه أشدّ المقاومة.
وبالجملة فقد أخبر الله سبحانه عمّا سيعترضون به على تحويل القبلة وعلّم رسوله ما ينبغي أن يجابوا ويقطع به قولهم.
أمّا اعتراضهم: فهو أنّ التحوّل عن قبلة شرعها الله سبحانه للماضين من أنبيائه إلى بيت، ما كان به شئ من هذا الشرف الذاتيّ ما وجهه ؟ فإن كان بأمر من الله فإنّ الله هو الّذي جعل بيت المقدّس قبلة فكيف ينقض حكمه وينسخ مشرعه، واليهود ما كانت تعتقد النسخ (كما تقدّم في آية النسخ) وإن كان بغير أمر الله ففيه الانحراف عن مستقيم الصراط والخروج من الهداية إلى الضلال وهو تعالى وإن لم يذكر في كلامه هذا الاعتراض، إلّا أنّ ما أجاب به يلوّح ذلك.
وأمّا الجواب: فهو أنّ جعل بيت من البيوت كالكعبة، أو بناء من الأبنية أو الأجسام كبيت المقدّس، أو الحجر الواقع فيه قبلةً ليس لاقتضاء ذاتيّ منه يستحيل التعدّي عنه أو عدم إجابة اقتضائه حتّى يكون البيت المقدّس في كونه قبلةً لا يتغيّر حكمه ولا يجوز إلغاؤه، بل جميع الأجسام والأبنية وجميع الجهات الّتي يمكن أن يتوجّه إليه الإنسان في أنّها لا تقتضي حكماً ولا يستوجب تشريعاً على السواء وكلّها لله يحكم فيها ما يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء، وما حكم به من حكم فهو لهداية الناس على حسب ما يريد من صلاحهم وكمالهم الفرديّ والنوعيّ، فلا يحكم إلّا ليهدى به ولا يهدي إلّا إلى ما هو صراط مستقيم إلى كمال القوم وصلاحهم.
قوله تعالى: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ) ، أراد بهم اليهود والمشركين من العرب ولذلك عبّر عنهم بالناس وإنّما سفّههم لعدم استقامة فطرتهم وثقوب رأيهم في أمر التشريع. والسفاهة عدم استقامة العقل وتزلزل الرأي.
قوله تعالى: ( مَا وَلَّاهُمْ ) ، تولية الشئ أو المكان جعله قدّام الوجه وأمامه كالاستقبال. قال تعالى فلنولّينّك قبلة ترضيها الآية، والتولية عن الشئ صرف الوجه عنه كالاستدبار ونحوه، والمعنى ما الّذي صرفهم أو صرف وجههم عن القبلة الّتي كانوا عليها وهو بيت المقدّس الّذي كان يصلّي إليه النبيّ والمسلمون أيّام إقامته بمكّة وعدّة شهور بعد هجرته إلى المدينة وإنّما نسبوا القبلة إلى المسلمين مع أنّ اليهود أقدم في الصلاة إليها ليكون أوقع في إيجاد التعجّب وأوجب للاعتراض، وإنّما قيل ما ولّيهم عن قبلتهم ولم يقل ما ولّى النبيّ والمسلمين لما ذكرنا من الوجه، فلو قيل ما ولّى النبيّ والمسلمين عن قبلة اليهود لم يكن التعجّب واقعاً موقعه وكان الجواب عنه ظاهراً لكلّ سامع بأدنى تنبّه.
قوله تعالى: ( قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) ، اقتصر من بين الجهات بهاتين لكونهما هما المعنيّتين لسائر الجهات الأصليّه والفرعيّة كالشمال والجنوب وما بين كلّ جهتين من الجهات الأربعة الأصليّه، والمشرق والمغرب جهتان إضافيّتان تتعيّنان بشروق الشمس أو النجوم وغروبهما، يعمّان جميع نقاط الأرض غير نقطتين موهومتين هُما نقطتا الشمال والجنوب الحقيقيّتان، ولعلّ هذا هو الوجه في وضع المشرق والمغرب موضع الجهات.
قوله تعالى: ( يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ، تنكير الصراط لأنّ الصراط يختلف بإختلاف الاُمم في استعداداتها للهداية إلى الكمال والسعادة.
قوله تعالى: ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ، الظاهر أنّ المراد كما سنحوّل القبلة لكم لنهديكم إلى صراط مستقيم كذلك جعلناكم اُمّة وسطاً (هو كما ترى)، وأمّا المراد بكونهم اُمّة وسطاً شهداء على الناس فالوسط هو المتخلّل بين الطرفين لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك الطرف، وهذ الاُمّة بالنسبة إلى الناس - وهم أهل الكتاب والمشركون - على هذا الوصف فإنّ بعضهم - وهم المشركون والوثنيّون - إلى تقوية جانب الجسم محضاً لا يريدون إلّا الحياة الدنيا والاستكمال بملاذّها وزخارفها وزينتها، لا يرجون بعثاً ولا نشوراً، ولا يعباؤن بشئٍ من الفضائل المعنويّة والروحيّة، وبعضهم كالنصارى إلى تقوية جانب الروح لا يدعون
إلّا إلى الرهبانيّة ورفض الكمالات الجسميّة الّتي أظهرها الله تعالى في مظاهر هذه النشأة المادّيّة لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان، فهؤلاء أصحاب الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها واُؤلئك أصحاب الجسم أبطلوا النّتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليها، لكنّ الله سبحانه جعل هذه الاُمّة وسطاً بأن جعل لهم ديناً يهدي منتحليه إلى سواء الطريق وسط الطرفين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل يقوّي كلّاً من الجانبين - جانب الجسم وجانب الروح - على ما يليق به ويندب إلى جمع الفضيلتين فإنّ الإنسان مجموع الروح والجسم لا روح محضاً ولا جسم محضاً، ومحتاج في حياته السعيدة إلى جمع كلا الكمالين والسعادتين المادّيّة والمعنويّة، فهذه الاُمّة هي الوسط العدل الّذي به يقاس ويوزن كلّ من طرفي الإفراط والتفريط فهي الشهيدة على سائر الناس الواقعة في الأطراف والنبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وهو المثال الأكمل من هذه الاُمّة - هو شهيد على نفس الاُمّة فهو (صلّي الله عليه وآله وسلّم) ميزان يوزن به حال الآحاد من الاُمّة، والاُمّة ميزان يوزن به حال الناس ومرجع يرجع إليه طرفا الإفراط والتفريط، هذا ما قرّره بعض المفسرين في معنى الآية وهو في نفسه معنى صحيح لا يخلو عن دقّة إلّا أنّه غير منطبق على لفظ الآية فإنّ كون الاُمّة وسطاً إنّما يصحّح كونها مرجعاً يرجع إليه الطرفان، وميزاناً يوزن به الجانبان لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين، أو يشاهد الطرفين، فلا تناسب بين الوسطيّة بذاك المعنى والشهادة وهو ظاهر، على أنّه لا وجه حينئذ للتعرّض بكون رسول الله شهيداً على الاُمّة إذ لا يترتّب شهادة الرسول على الاُمّة على جعل الاُمّة وسطاً، كما يترتّب الغاية على المغيّى والغرض على ذيه.
على أنّ هذه الشهادة المذكورة في الآية، حقيقة من الحقائق القرآنيّة تكرّر ذكرها في كلامه سبحانه، واللائح من موارد ذكرها معنى غير هذا المعنى، قال تعالى:( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) النساء - ٤١، وقال تعالى:( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) النحل - ٨٤، وقال تعالى:( وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) الزمر - ٦٩، والشهادة فيها مطلقة وظاهر الجميع على إطلاقها هو الشهادة على اعمال الاُمم، وعلى تبليغ الرسل أيضاً، كما
يومي إليه قوله تعالى:( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف - ٦، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة يوم القيامة لكن تحمّلها في الدنيا على ما يعطيه قوله تعالى - حكاية عن عيسىعليهالسلام -( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المائدة - ١١٧، وقوله تعالى:( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) النساء - ١٥٩. ومن الواضح أن هذه الحواسّ العاديّة الّتي فينا، والقوى المتعلّقة بها منّا لا تتحمّل إلّا صور الأفعال والأعمال فقط، وذلك التحمّل أيضاً، إنّما يكون في شئ يكون موجوداً حاضراً عند الحسّ لا معدوماً ولا غائباً عنه وأمّا حقائق الأعمال والمعاني النفسانيّة من الكفر والإيمان والفوز والخسران، وبالجملة كلّ خفيّ عن الحسّ ومستبطن عند الإنسان - وهي الّتي تكسب القلوب، وعليه يدور حساب ربّ العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى:( وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) البقرة - ٢٢٥ - فهي ممّا ليس في وسع الإنسان إحصاؤها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلاً عن الغائبين إلّا رجل يتولّى الله أمره ويكشف ذلك له بيده. ويمكن أن يستفاد ذلك من قوله تعالى:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، فإنّ عيسى داخل في المستثنى في هذه الآية قطعاً - وقد شهد الله تعالى في حقّه بأنّه من الشهداء - كما مرّ في الآيتين السابقتين، فهو شهيد بالحقّ وعالم بالحقيقة.
والحاصل أنّ هذه الشهادة ليست هي كون الاُمّة على دين جامع للكمال الجسمانيّ والروحانيّ فإنّ ذلك على أنّه ليس معنى الشهادة خلاف ظاهر الآيات الشريفة.
بل هي تحمّل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء، وردّ وقبول، وانقياد وتمرّد، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله من كلّ شئ، حتّى من أعضاء الإنسان، يوم يقول الرسول يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجوراً.
ومن المعلوم أنّ هذه الكرامة ليست ينالها جميع الاُمّة، إذ ليست إلّا كرامة خاصّة للأولياء الطاهرين منهم، وأمّا من دونهم من المتوسّطين في السعادة، والعدول من أهل
الإيمان فليس لهم ذلك، فضلاً عن الأجلاف الجافية، والفراعنة، الطاغية من الاُمّة، وستعرف في قوله تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء - ٦٩، أنّ أقلّ ما يتّصف به الشهداء - وهم شهداء الأعمال - أنّهم تحت ولاية الله ونعمته وأصحاب الصراط المستقيم، وقد مرّ إجمالاً في قوله تعالى:( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فاتحة الكتاب - ٧.
فالمراد بكون الاُمّة شهيدة أنّ هذه الشهادة فيهم، كما أنّ المراد بكون بني إسرائيل فضلّوا على العالمين، أنّ هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتّصف به كلّ واحدٍ منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكلّ لكون البعض فيه ومنه، فكون الاُمّة شهيدة هو أنّ فيهم من يشهد على الناس ويشهد الرسول عليهم.
فإن قلت: قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ ) الحديد - ١٩، يدلّ على كون عامّة المؤمنين شهداء.
قلت: قوله( عِندَ رَبِّهِمْ ِمْ ِمْ ِمْ ) ، يدلّ على أنّه تعالى سيلحقهم بالشهداء يوم القيامة، ولم ينالوه في الدنيا، نظير ذلك قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور - ٢١، على أنّ الآية مطلقة تدلّ على كون جميع المؤمنين من جميع الاُمم شهداء عند الله من غير اختصاص بهذه الاُمّة فلا ينفع المستدلّ شيئاً(١) .
فإن قلت: جعل هذه الاُمّة اُمّة وسطاً بهذا المعنى لا يستتبع كونهم أو كون بعضهم شهداء على الأعمال ولا كون الرسول شهيداً على هؤلاء الشهداء فالإشكال وارد على هذا التقريب كما كان واردا على التقريب السابق.
قلت: معنى الشهادة غاية متفرّعة في الآية على جعل الاُمّة وسطاً فلا محالة تكون الوسطيّة معنى يستتبع الشهادة والشهداء، وقد قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا
____________________
(١) ولو كان المراد بالّذين آمنوا السابقون الأوّلون من المؤمنين لم ينفع في كون جميع الاُمة شهداء أيضاً منه
بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الحجّ - ٧٨، جعل تعالى كون الرسول شهيداً عليهم وكونهم شهداء على الناس غاية متفرّعة على الاجتباء ونفي الحرج عنهم في الدين ثمّ عرّف الدين بأنّه هو الملّة الّتي كانت لأبيكم إبراهيم الّذي هو سمّيكم المسلمين من قبل، وذلك حين دعا لكم ربّه وقال:( وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) فاستجاب الله دعوته وجعلكم مسلمين، تسلمون له الحكم والأمر من غير عصيان واستنكاف، ولذلك ارتفع الحرج عنكم في الدين، فلا يشقّ عليكم شئ منه ولا يحرج، فأنتم المجتبون المهديّون إلى الصراط، المسلمون لربّهم الحكم والأمر، وقد جعلناكم كذلك ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس، أي تتوسّطوا بين الرسول وبين الناس فتّتصلوا من جهة إليهم، وعند ذلك يتحقّق مصداق دعائهعليهالسلام فيكم وفي الرسول حيث قال:( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ) البقرة - ١٢٩، فتكونون أمّة مسلمة أودع الرسول في قلوبكم علم الكتاب والحكمة، ومزكّين بتزكيته، والتزكية التطهير من قذرات القلوب، وتخليصها للعبوديّة، وهو معنى الإسلام كما مرّ بيانه، فتكونون مسلمين خالصين في عبوديّتكم، وللرسول في ذلك القدم الأوّل والهداية والتربية، فله التقدّم على الجميع، ولكم التوسّط باللحوق به، والناس في جانب وفي أوّل الآية وآخرها قرائن تدلّ على المعنى الّذي استفدناه منها غير خفيّة على المتدبّر فيها سنبيّنها في محلّه إنشاء الله.
فقد تبيّن بما قدّمناه:أوّلا: أنّ كون الاُمّة وسطاً مستتبع للغايتين جميعاً، وأنّ قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً الآية جميعاً لازم كونهم وسطاً.
وثانياً: أنّ كون الاُمّة وسطاً إنّما هو بتخلّلها بين الرسول وبين الناس، لا بتخلّلها بين طرفي الإفراط والتفريط، وجانبي تقوية الروح وتقوية الجسم في الناس.
وثالثاً: أنّ الآية بحسب المعنى مرتبطة بآيات دعوة إبراهيمعليهالسلام وأنّ الشهادة من شئون الاُمّة المسلمة.
واعلم: أنّ الشهادة على الأعمال على ما يفيده كلامه تعالى لا يختصّ بالشهداء
من الناس، بل كلّ ما له تعلّق ما بالعمل كالملائكة والزمان والمكان والدين والكتاب والجوارح والحواسّ والقلب فله فيه شهادة.
ويستفاد منها أنّ الّذي يحضر منها يوم القيامة هو الّذي في هذه النشأة الدنيويّة وأنّ لها نحواً من الحياة الشاعرة بها، تتحمّل بها خصوصيّات الأعمال، وترتسم هي فيها، وليس من اللّازم أن تكون الحياة الّتي في كلّ شئ، سنخاً واحداً كحياة جنس الحيوان، ذات خواصّ وآثار كخواصّها وآثارها، حتّى تدفعه الضرورة فلا دليل على انحصار أنحاء الحياة في نحو واحد. هذا إجمال القول في هذا المقام وأمّا تفصيل القول في كلّ واحد واحد منها فموكول إلى محلّه اللّائق به.
قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ) ، المراد بقوله لنعلم: إمّا علم الرسل والأنبياء مثلاً، لأنّ العظماء يتكلّمون عنهم وعن أتباعهم، كقول الأمير، قتلنا فلاناً وسجنّا فلاناً، وإنّما قتله وسجنه أتباعه لانفسه، وإمّا العلم العينيّ الفعليّ منه تعالى الحاصل مع الخلقة والإيجاد، دون العلم قبل الإيجاد.
والانقلاب على العقبين كناية عن الإعراض، فإنّ الإنسان - وهو منتصب على عقبيه - إذا انقلب من جهة إلى جهة، انقلب على عقبيه، فجعل كناية عن الإعراض نظير قوله:( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) الأنفال - ١٦، وظاهر الآية أنّه دفع لما يختلج في صدور المؤمنين: من تغيير القبلة ونسخها، ومن جهة الصلوات الّتي صلّوها إلى القبلة، ما شأنها ؟
ويظهر من ذلك أنّ المراد بالقبلة الّتي كان رسول الله عليها، هو بيت المقدّس دون الكعبة، فلا دليل على جعل بيت المقدّس قبلة مرّتين، وجعل الكعبة قبلة مرّتين، إذ لو كان المراد من القبلة في الآية الكعبة كان لازم ذلك ما ذكر.
وبالجملة كان من المترقّب أن يختلج في صدور المؤمنين:أولا: أنّه لما كان من المقدّر أن يستقرّ القبلة بالآخرة على الكعبة فما هو السبب، أوّلاً: في جعل بيت المقدّس قبلة ؟ فبيّن سبحانه أنّ هذه الأحكام والتشريعات ليست إلّا لأجل مصالح تعود إلى
تربية الناس وتكميلهم، وتمحيص المؤمنين من غيرهم، وتمييز المطيعين من العاصين، والمنقادين من المتمردين، والسبب الداعي إلى جعل القبلة السابقة في حقّكم أيضاً هذا السّبب بعينه، فالمراد بقوله إلّا لنعلم من يتّبع الرسول: إلّا لنميّز من يتّبعك، والعدول من لفظ الخطاب إلى الغيبة لدخالة صفة الرّسالة في هذا التميّز، والمراد بجعل القبلة السابقة: جعلها في حقّ المسلمين، وإن كان المراد أصل جعل بيت المقدّس قبلة فالمراد مطلق الرسول، والكلام على رسله من غير التفاتٍ، غير أنّه بعيد من الكلام بعض البعد.
وثانياً: أنّ الصلوات الّتي كان المسلمون صلّوها إلى بيت المقدّس كيف حالها، وقد صلّيت إلى غير القبلة ؟ والجواب: أنّ القبلة قبله ما لم تنسخ، وأنّ الله سبحانه إذا نسخ حكماً رفعه من حين النسخ، لا من أصله، لرأفته ورحمته بالمؤمنين، وهذا ما أشار إليه بقوله: وما كان الله ليضيع اعمالكم، إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم. والفرق بين الرأفة والرحمة، بعد اشتراكهما في أصل المعنى، أنّ الرأفة يختصّ بالمبتلى المفتاق، والرحمة أعمّ.
قوله تعالى: ( قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) ، الآية تدلّ على أنّ رسول الله قبل نزول آية القبلة - وهي هذه الآية - كان يقلّب وجهه في آفاق السماء، وأنّ ذلك كان انتظاراً منه، أو توقّعاً لنزول الوحي في أمر القبلة، لما كان يحبّ أن يكرمه الله تعالى بقبلة تختصّ به، لا أنّه كان لا يرتضى بيت المقدّس قبلة، وحاشاً رسول الله من ذلك، كما قال تعالى: فلنولّينّك قبلة ترضيها، فإنّ الرضا بشئ لا يوجب السخط بخلافه بل اليهود على ما في الروايات الواردة في شأن نزول الآية كانوا يعيّرون المسلمين في تبعيّة قبلتهم، ويتفاخرون بذلك عليهم، فحزن رسول الله ذلك، فخرج في سواد اللّيل يقلّب وجهه إلى السماء ينتظر الوحي من الله سبحانه، وكشف همّه فنزلت الآية، ولو نزلت على البقاء بالقبلة السابقة لكانت حجّة له (صلّي الله عليه وآله وسلّم) على اليهود، وليس ولم يكن لرسول الله ولا للمسلمين عارفي استقبال قبلتهم، إذ ليس للعبد إلّا الإطاعة والقبول، لكن نزلت بقبلة جديدة، فقطع تعييرهم وتفاخرهم، مضافاً إلى تعيين التكليف، فكانت حجّة ورضى.
قوله تعالى: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) . الشطر البعض، وشطر المسجد الحرام هو الكعبة، وفي قوله تعالى شطر المسجد الحرام دون أن يقال: فولّ وجهك الكعبة، أو يقال: فولّ وجهك البيت الحرام، محاذاة للحكم في القبلة السابقة فإنّها كانت شطر المسجد الأقصى، وهي الصخرة المعروفة هناك، فبدّلت من شطر المسجد الحرام - وهي الكعبة - على أنّ اضافة الشطر إلى المسجد وتوصيف المسجد، بالحرام يعطي مزاياً للحكم تفوت لو قيل: الكعبة أو البيت الحرام.
وتخصيص رسول الله بالحكم أوّلاً بقوله فولّ وجهك، ثمّ تعميم الحكم له ولغيره من المؤمنين بقوله وحيث ما كنتم يؤيّد أنّ القبلة حوّلت، ورسول الله قائم يصلّي في المسجد - والمسلمون معه - فاختصّ الأمر به، أوّلاً في شخص صلاته ثمّ عقب الحكم العامّ الشامل له ولغيره، ولجميع الأوقات والأمكنة.
قوله تعالى: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ) ، وذلك لاشتمال كتابهم على صدق نبوّة رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم)، أو كون قبلة هذا النبيّ الصادق هو شطر المسجد الحرام، وأيّاماً كان فقوله: اوتوا الكتاب، يدلّ على اشتمال كتابهم على حقّيّة هذا التشريع، إمّا مطابقة أو تضمّناً، وما الله بغافل عمّا يعملون من كتمان الحقّ، واحتكار ما عندهم من العلم.
قوله تعالى: ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ) ، تقريع لهم بالعناد واللجاج، وأنّ إباؤهم عن القبول ليس لخفاء الحقّ عليهم، وعدم تبيّنه لهم، فإنّهم عالمون بأنّه حقّ علماً لا يخالطه شكّ، بل الباعث لهم على بثّ الاعتراض وإثارة الفتنة عنادهم في الدين وجحودهم للحقّ، فلا ينفعهم حجّة، ولا يقطع إنكارهم آية فلو أتيتهم بكلّ آية ما تبعوا قبلتك لعنادهم وجحودهم، وما أنت بتابع قبلتهم، لأنّك على بيّنة من ربّك ويمكن أن يكون قوله: وما أنت نهياً في صورة خبر، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، وهم اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدّس أينما كانوا، والنصارى يستقبلون المشرق أينما كانوا، فلا هذا البعض يقبل قبلة ذاك البعض، ولا ذاك يقبل قبلة هذا اتّباعاً للهوى.
قوله تعالى: ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) ، تهديد للنبيّ، والمعنى متوجّه إلى اُمّته، وإشارة إلى أنّهم في هذا التمرّد إنّما يتّبعون أهوائهم وأنّهم بذلك ظالمون.
قوله تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) ، الضمير في قوله يعرفونه، راجع إلى رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) دون الكتاب، والدليل عليه تشبيه هذه المعرفة بمعرفة الأبناء، فإنّ ذلك إنّما يحسن في الإنسان، ولا يقال في الكتاب، إنّ فلاناً يعرفه أو يعلمه، كما يعرف ابنه، على أنّ سياق الكلام - وهو في رسول الله، وما أوحي إليه من أمر القبلة، اجنبيّ عن موضوع الكتاب الّذي اُوتيه أهل الكتاب، فالمعنى أنّ أهل الكتاب يعرفون رسول الله بما عندهم من بشارات الكتب كما يعرفون أبنائهم، وأنّ فريقاً منهم ليكتمون الحقّ وهم يعلمون.
وعلي هذا ففي الكلام التفات من الحضور إلى الغيبة في قوله يعرفونه، فقد أخذ رسول الله غائباً، ووجه الخطاب إلى المؤمنين بعد ما كان (صلّي الله عليه وآله وسلّم) حاضراً، والخطاب معه، وذلك لتوضيح: أنّ أمره (صلّي الله عليه وآله وسلّم) واضح ظاهر عند أهل الكتاب، ومثل هذا النظم كمثل كلام من يكلّم جماعة لكنّه يخصّ واحداً منهم بالمخاطبة إظهاراً لفضله، فيخاطبه ويسمع غيره، فإذا بلغ إلى ما يخصّ شخص المخاطب من الفضل والكرامة، عدل عن خطابه إلى مخاطبة الجماعة، ثمّ بعد الفراغ عن بيان فضله عدل ثانياً إلى ما كان فيه أوّلاً من توجيه الخطاب إليه وبهذا يظهر نكتة الالتفات.
قوله تعالى: ( الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) ، تأكيد للبيان السابق وتشديد في النهى عن الامتراء، وهو الشكّ والارتياب، وظاهر الخطاب لرسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) ومعناه للاُمّة.
قوله تعالى: ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) ، الوجهة ما يتوجّه إليه كالقبلة، و هذارجوع إلى تلخيص البيان السابق، وتبديل له من بيان آخر يهدي الناس إلى ترك تعقيب أمر القبله، والإكثار من الكلام فيه، والمعنى أنّ كلّ قوم فلهم قبلة مشرّعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكماً تكوينيّاً ذاتيّاً لا يقبل التغيير
والتحويل، فلا يهمّ لكم البحث والمشاجرة فيه، فاتركوا ذلك واستبقوا الخيرات وسارعوا إليها بالاستباق، فإنّ الله سيجمعكم إلى يوم لا ريب فيه، وأينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إنّ الله على كلّ شئ قدير.
واعلم أنّ الآية كما أنّها قابلة الانطباق على أمر القبلة لوقوعها بين آياتها كذلك تقبل الانطباق على أمر التكوين، وفيها إشارة إلى القدر والقضاء، وجعل الأحكام والآداب لتحقيقها وسيجئ تمام بيانه فيما يخصّ به من المقام إنشاء الله.
قوله تعالى: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ، ذكر بعض المفسّرين أنّ المعنى ومن أيّ مكان خرجت، وفي أيّ بقعة حللت فولّ وجهك وذكر بعضهم أنّ المعنى ومن حيث خرجت من البلاد، ويمكن أن يكون المراد بقوله ومن حيث خرجت، مكّة، الّتي خرج رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) منها كما قال تعالى:( من قريتك الّتي أخرجتك ) محمّد - ١٣، ويكون المعنى أنّ استقبال البيت حكم ثابت لك في مكّة وغيرها من البلاد والبقاع وفي قوله وأنّه للحقّ من ربّك وما الله بغافل عمّا تعملون تأكيد و تشديد.
قوله تعالى: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ، تكرار الجملة الاُولى بلفظها لعلّه للدلالة على ثبوت حكمها على أيّ حال، فهو كقول القائل، اتّق الله إذا قمت واتّق الله إذا قعدت، واتّق الله إذا نطقت، واتّق الله إذا سكتّ، يريد: التزم التقوى عند كلّ واحدة من هذه الأحوال ولتكن معك، ولو قيل اتّق الله إذا قمت وإذا قعدت وإذا نطقت وإذا سكّت فاتت هذه النكتة، والمعنى استقبل شطر المسجد الحرام من الّتي خرجت منها وحيث ما كنتم من الأرض فولّوا وجوهكم شطره.
قوله تعالى: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) ، بيان لفوائد ثلاث في هذا الحكم الّذي فيه أشدّ التأكيد على ملازمة الامتثال والتحذّر عن الخلاف:
أحداها: أنّ اليهود كانوا يعلمون من كتبهم أنّ النبيّ الموعود تكون قبلته الكعبة
دون بيت المقدّس، كما قال تعالى: وإنّ الّذين اُوتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقّ من ربّهم الآية، وفي ترك هذا الحكم الحجّة لليهود على المسلمين بأنّ النبيّ ليس هو النبيّ الموعود لكن التزام هذا الحكم والعمل به يقطع حجّتهم إلّا الّذين ظلموا منهم، وهو استثناء منقطع، أي لكنّ الّذين ظلموا منهم باتّباع الأهواء لا ينقطعون بذلك فلا تخشوهم لأنّهم ظالمون باتّباع الأهواء، والله لا يهدي القوم الظالمين و اخشوني.
وثانيتها: أن ملازمة هذا الحكم يسوق المسلمين إلى تمام النعمة عليهم بكمال دينهم، وسنبيّن معنى تمام النعمة في الكلام على قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) المائدة - ٣.
وثالثتها: رجاء الاهتداء إلى الصراط المستقيم، وقد مرّ معنى الاهتداء في الكلام على معنى قوله تعالى:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) فاتحة الكتاب - ٦.
وذكر بعض المفسّرين أن اشتمال هذه الآية - وهي آية تحويل القبلة - على قوله وليتمّ نعمته عليكم ولعلّكم تهتدون، مع اشتمال قوله تعالى في سورة الفتح في ذكر فتح مكّة على هاتين الجملتين، إذ قال تعالى:( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) الفتح - ٢ يدلّ على كونها مشتملة على البشارة بفتح مكّة.
بيان ذلك أنّ الكعبة كانت مشغولة في صدر الإسلام بأصنام المشركين وأوثانهم وكان السلطان معهم، والإسلام لم يقو بعد بحيث يظهر قهره وقدرته، فهدى الله رسوله إلى استقبال بيت المقدّس، لكونه قبلة لليهود، الّذين هم أقرب في دينهم من المشركين إلى الإسلام، ثمّ لما ظهر أمر الإسلام بهجرة رسول الله إلى المدينة، وقرب زمان الفتح وتوقّع تطهيرالبيت من أرجاس الأصنام جاء الأمر بتحويل القبلة وهي النعمة العظيمة الّتي اختصّ به المسلمون، ووعد في آية التحويل إتمام النعمة والهداية وهو خلوص الكعبة من أدناس الأوثان، وتعيّنها لأن تكون قبله يعبدالله إليها، ويكون المسلمون هم المختصّون بها، وهي المختصّة بهم، فهي بشارة بفتح مكّة. ثمّ لما ذكر فتح مكّة حين فتحت أشار إلى ما وعدهم به من إتمام النعمة والبشارة بقوله ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً الآية.
وهذا الكلام وإن كان بظاهره وجيها لكنّه خال عن التدبّر، فإنّ ظاهر الآيات لا يساعد عليه، إذ الدالّ على وعد إتمام النعمة في هذه الآية: ولأتمّ نعمتي عليكم ولعلّكم تهتدون، الآية إنّما هو لام الغاية، وآية سورة الفتح الّتي أخذها أنجازً لهذا الوعد ومصداقً لهذه البشارة أعني قوله تعالى:( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) ، مشتملة على هذه اللّام بعينها، فالآيتان جميعاً مشتملتان على الوعد الجميل بإتمام النعمة، على أنّ آية الحجّ مشتملة على وعد إتمام النعمة لجميع المسلمين، وآية الفتح على ذلك لرسول الله خاصّة فالسياق في الآيتين مختلف.
ولو كان هناك آية تحكي عن أنجاز الوعد الّذي تشتمل عليه الآيتان لكان هو قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة - ٣، وسيجئ الكلام في معنى النعمة و تشخيص هذه النعمة الّتي يمتنّ بها الله سبحانه في الآية.
ونظير هاتين الآيتين في الاشتمال على عدة إتمام النعمة قوله تعالى:( وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة - ٦، وقوله تعالى:( كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) النحل - ٨١، وسيجئ إنشاء الله شئ من الكلام المناسب لهذا المقام في ذيل هذه الآيات.
قوله تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ ) ، ظاهر الآية أنّ الكاف للتشبيه وما مصدريّة، فالمعنى: أنعمنا عليكم بأن جعلنا لكم البيت الّذي بناه إبراهيم ودعا له بما دعا من الخيرات والبركات قبلة كما أرسلنا فيكم رسولً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويزكّيكم مستجيبين لدعوة إبراهيم، إذ قال هو وابنه إسماعيل ربّنا وابعث فيهم رسولً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم، وفيهم امتنانٌ عليهم بالأرسال كالامتنان بجعل الكعبة قبلة. ومن هنا يظهر أنّ المخاطب بقوله فيكم رسولً منكم، هو الُمّة المسلمة، وهو أولياء الدين من الُمّة خاصّة بحسب الحقيقة، والمسلمون جميعاً من آل إسماعيل، - وهم عرب مضر - بحسب الظاهر، وجميع العرب بل جميع المسلمين بحسب الحكم.
قوله تعالى: ( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) ، ظاهرة آيات القرآن لمكان قوله يتلوا، فإنّ العناية في التلاوة إلى اللفظ دون المعنى. والتزكية هي التطهير، وهو إزالة الأدناس والقذارات، فيشمل إزالة الاعتقادات الفاسدة كالشرك والكفر، وإزالة الملكات الرذيلة من الأخلاق كالكبر والشحّ، وإزالة الأعمال والأفعال الشنيعة كالقتل والزنا وشرب الخمر وتعليم الكتاب والحكمة وتعليم مالم يكونوا يعلمونه يشمل جميع المعارف الأصليّه والفرعيّة.
واعلم: أنّ الآيات الشّريفة تشتمل على موارد من الالتفات، فيه تعالى بالغيبة ولتكلّم وحده ومع الغير، وفي غيره تعالى أيضاً بالغيبة والخطاب والتكلّم، والنكتة فيها غير خفيّة على المتدبّر البصير.
( بحث روائي)
في المجمع عن القمّيّ في تفسيره في قوله تعالى سيقول السفهاء الآية، عن الصادقعليهالسلام قال تحوّلت القبلة إلى الكعبة، بعد ما صلّى النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بمكّة ثلث عشرة سنة إلى بيت المقدّس، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلّى إلى بيت المقدّس سبعة أشهر، قال ثمّ وجهه الله إلى مكّة، وذلك أنّ اليهود كانوا يعيرون على رسول الله يقولون أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا، فاغتمّ رسول الله من ذلك غمّاً شديداً، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء، ينتظر من الله في ذلك أمراً، فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بنى سالم، وقد صلّى من الظهر ركعتين فنزل جبرئيل فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة وأنزل عليه:( قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فكان قد صلّى ركعتين إلى بيت المقدّس وركعتين إلى الكعبة، فقالت اليهود والسفهاء ما ولّاهم عن قبلتهم الّتي كانوا عليها ؟
أقول: والروايات الواردة من طرق العامّة والخاصّة كثيرة مودعة في جوامع الحديث قريبة المضامين، وقد اختلف في تاريخ الواقعة، وأكثرها - وهو الأصحّ - أنّها كانت في رجب السنة الثانية من الهجرة الشهر السابع عشر منها وسيجئ بعض ما يتعلّق بالمقام في بحث على حدة إنشاالله.
وعن طرق أهل السنّة والجماعة في شهادة هذه الاُمّة على الناس، وشهادة النبيّ عليهم أنّ الاُمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبيّنة على أنّهم قد بلّغوا - وهو أعلم - فيؤتي بأمّة محمّد، فيشهدون، فتقول الاُمم من أين عرفتم ؟ فيقولون عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيّه الصادق، فيؤتى بمحمّد، ويسأل عن حال أمّته، فيزكّيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد.
أقول: ما يشتمل عليه هذا الخبر - وهو مؤيّد بأخبار اُخر نقلها السيوطيّ في الدرّ المنثور وغيره - من تزكية رسول الله لاُمّته، وتعديله إيّاهم، لعلّه يراد به تعديله لبعضهم دون جميعهم، وإلّا فهو مدفوع بالضرورة الثابتة من الكتاب والسنّة، وكيف تصحّح أو تصوّب هذه الفجائع الّتي لا تكاد توجد، ولا أنموذجة منها في واحدة من الاُمم الماضية ؟ وكيف يزكّى ويعدّل فراعنة هذه الاُمّة وطواغيتها ؟ فهل ذلك إلّا طعن في الدين الحنيف ولعب بحقائق هذه الملّة البيضاء، على أنّ الحديث مشتمل على إمضاء الشهادة النظريّة دون شهادة التحمّل.
وفي المناقب في هذا المعنى عن الباقرعليهالسلام ولا يكون شهداء على الناس إلّا الأئمّة والرسل، وأمّا الاُمّة فغير جايز أن يستشهدها الله وفيهم من لا تجوز شهادته على حزمة بقل.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً الآية، فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمرّ يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الاُمم الماضية ؟ كلّا ! لم يعن الله مثل هذا من خلقة، يعني الاُمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم كنتم: خير أمّة أخرجت للناس وهم الاُمّة الوسطى وهم خير اُمّة أخرجت للناس.
أقول: وقد مرّ بيان ذلك في ذيل الآية بالاستفادة من الكتاب.
وفي قرب الأسناد عن الصادقعليهالسلام عن أبيه عن النبيّ قال ممّا أعطى الله أمّتي و
فضلهم على سائر الاُمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلّا نبيّ - إلى أن قال - وكان إذا بعث نبيّاً جعله شهيداً على قومه، وإنّ الله تبارك وتعالى جعل اُمّتي شهيداً على الخلق، حيث يقول ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس الحديث.
أقول: والحديث لا ينافي ما مرّ، فإنّ المراد بالاُمّة الاُمّة المسلمة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أميرالمؤمنينعليهالسلام : في حديث يصف فيه يوم القيامة، قالعليهالسلام يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق، فلا يتكلّم أحد إلّا من أذن له الرحمن وقال صواباً، فيقام الرسول فيسأل فذلك قوله لمحمّد فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، وهو الشهيد على الشهداء، والشهداء هم الرسل.
وفي التهذيب عن أبي بصير عن أحدهماعليهمالسلام ، قال قلت له أمره أن يصلّي إلى بيت المقدّس ؟ قال نعم ألا ترى أنّ الله تبارك وتعالى يقول وما جعلنا القبلة الّتي كنت عليها إلّا لنعلم من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه الآية؟
أقول: مقتضى الحديث كون قوله تعالى الّتي كنت عليها وصفاً للقبلة، والمراد بها بيت المقدّس، وأنّه القبلة الّتي كان رسول الله عليها، وهو الّذي يؤيّده سياق الآيات كما تقدّم.
ومن هنا يتأيّد ما في بعض الأخبار عن العسكريّعليهالسلام : أنّ هوى أهل مكّة كان في الكعبة فأراد الله أن يبيّن متّبع محمّد من مخالفيه باتّباع القبلة الّتي كرهها، ومحمّد يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدّس أمرهم بمخالفتها والتوجّه إلى الكعبة ليبيّن من يتّبع محمّداً فيما يكرهه - فهو مصدّقه وموافقه الحديث، وبه يتّضح أيضاً فساد ما قيل: إنّ قوله تعالى الّتي كنت عليها مفعول ثانٍ لجعلنا، والمعنى: وما جعلنا القبلة، هي الكعبة الّتي كنت عليها قبل بيت المقدّس، واستدلّ عليها بقوله تعالى إلّا لنعلم من يتّبع الرسول، وهو فاسد، ظهر فساده ممّا تقدّم.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الزبيريّ عن الصادقعليهالسلام قال: قلت له ألا تخبرني عن الإيمان، أقولٌ هو وعمل أم قولٌ بلا عمل ؟ فقال الإيمان عمل كلّه والقول بعض ذلك العمل، مفروض من الله، مبيّن في كتابه، واضح نوره ثابت حجّته، يشهد له بها الكتاب ويدعو إليه.
ولمّا أن صرف الله نبيّه إلى الكعبة عن بيت المقدّس قال المسلمون: للنبيّ أرأيت صلاتنا الّتي كنّا نصلّي إلى بيت المقدّس، ما حالنا فيها وما حال من مضى من أمواتنا، وهم كانوا يصلّون إلى بيت المقدّس ؟ فأنزل الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إنّ الله بالناس لرؤوفٌ رحيمٌ، فسمّى الصّلاة إيماناً، فمن اتّقى الله حافظاً لجوارحه موفياً كلّ جارحةٍ من جوارحه بما فرض الله عليه لقي الله مستكملاً لإيمانه من أهل الجنّة، ومن خان في شئ منها أو تعدّى ما أمر الله فيها لقي الله ناقص الإيمان.
أقول: ورواه الكلينيّ أيضاً، واشتماله على نزول قوله وما كان الله ليضيع إيمانكم الآية، بعد تغيير القبلة لا ينافي ما تقدّم من البيان.
وفي الفقيه أنّ النبيّ صلّى إلى بيت المقدّس ثلاث عشرة سنة بمكّة وتسعة عشر شهراً بالمدينة، ثمّ عيّرته اليهود فقالوا إنّك تابع لقبلتنا، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً، فلمّا كان في بعض الليل خرج يقلّب وجهه في آفاق السماء، فلمّا أصبح صلّى الغداة، فلمّا صلّى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام الآية، ثمّ أخذ بيد النبيّ فحولّ وجهه إلى الكعبة، وحوّل من خلفه وجوههم حتّى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال، فكان أوّل صلاتة إلى بيت المقدّس وآخرها إلى الكعبة فبلغ الخبر مسجداً بالمدينة وقد صلّى أهله من العصر ركعتين فحوّلوا نحو القبله، فكان أوّل صلاتهم إلى بيت المقدّس وآخرها إلى الكعبة فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
أقول: وروى القمّيّ نحواً من ذلك، وأن النبيّ كان في مسجد بني سالم.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الباقرعليهالسلام في قوله تعالى فولّ وجهك شطر المسجد الحرام الآية، قال استقبل القبلة، ولا تقلّب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ الله يقول لنبيّه في الفريضة فولّ وجّهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره.
أقول: والأخبار في نزول الآية في الفريضة واختصاصها بها كثيرة مستفيضة.
وفي تفسير القمّيّ عن الصادقعليهالسلام في قوله تعالى الّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه
الآية، قال: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، يقول الله تبارك وتعالى: والّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه يعني يعرفون رسول الله كما يعرفون أبنائهم لأنّ الله عزّوجلّ قد أنزل عليهم في التوراة والإنجيل والزبور صفة محمّد وصفة أصحابه ومهاجرته، وهو قوله تعالى: محمّد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تريهم ركّعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، وهذه صفة رسول الله في التوراة وصفة أصحابه، فلمّا بعثه الله عزّوجلّ عرفه أهل الكتاب كما قال جلّ جلاله: فلمّا جائهم ما عرفوا كفروا به.
أقول: وروى نحوا منه في الكافي عن عليّعليهالسلام .
وفي أخبار كثيرة من طرق الشيعة أنّ قوله تعالى: أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً الآية في أصحاب القائم، وفي بعضها أنّه من التطبيق والجرى.
وفي الحديث من طرق العامّة في قوله تعالى: ولاُتمّ نعمتي عليكم، عن عليّ تمام النعمة الموت على الإسلام.
وفي الحديث من طرقهم أيضاً تمام النعمة دخول الجنّة.
( بحث علمي)
تشريع القبلة في الإسلام، واعتبار الاستقبال في الصلاة - وهى عبادة عامّة بين المسلمين - وكذا في الذبائح، وغير ذلك ممّا يبتلى به عموم الناس أحوج الناس إلى البحث عن جهة القبلة وتعيينها وقد كان ذلك منهم في أوّل الأمر بالظنّ والحسبان ونوع من التخمين، ثمّ استنهض الحاجة العموميّة الرياضيّين من علمائهم أن يقرّبوه من التحقيق، فاستفادوا من الجداول الموضوعة في الزيجات لبيان عرض البلاد وطولها، واستخرجوا انحراف مكّة عن نقطة الجنوب في البلد، أي انحراف الخطّ الموصول بين البلد ومكّة عن الخطّ الموصول بين البلد ونقطة الجنوب (خطّ نصف النهار) بحساب الجيوب والمثلّثات ثمّ عيّنوا ذلك في كلّ بلدة من بلاد الإسلام، بالدائرة الهنديّة المعروفة المعيّنة لخطّ نصف النهار، ثمّ درجات الانحراف وخطّ القبلة.
ثم استعملوا لتسريع العمل وسهولته الآلة المغناطيسيّة المعروفة بالحكّ، فإنّها بعقربتها تعيّن جهة الشمال والجنوب، فتنوب عن الدائرة الهنديّة في تعيين نقطة الجنوب وبالعلم بدرجة انحراف البلد يمكن للمستعمل أن يشخّص جهة القبلة.
لكن هذا السعي منهم - شكر الله تعالى سعيهم - لم يخل من النقص والاشتباه من الجهتين جميعاً. أمّا من جهة الاُولى: فإنّ المتأخّرين من الرياضيّين عثروا على أنّ المتقدّمين اشتبه عليهم الأمر في تشخيص الطول، واختلّ بذلك حساب الانحراف فتشخيص جهة الكعبة، وذلك أنّ طريقهم إلى تشخيص عرض البلاد - وهو ضبط ارتفاع القطب الشماليّ - كان اقرب إلى التحقيق، بخلاف الطريق إلى تشخيص الطول، وهو ضبط المسافة بين النقطتين المشتركتين في حادثةٍ سماويّة مشتركة كالخسوف بمقدار سير الشّمس حسّاً عندهم، وهو التقدير بالساعة، فقد كان هذا بالوسائل القديمة عسيراً وعلى غير دقّة لكن توفّر الوسائل وقرب الروابط اليوم سهّل الأمر كلّ التسهيل، فلم تزل الحاجة قائمة على ساق، حتّى قام الشيخ الفاضل البارع الشهير، بالسردار الكابلي، - رحمة الله عليه - في هذه الأواخر بهذا الشأن فاستخرج الانحراف القبليّ بالأصول الحديثة، وعمل فيه رسالته المعروفة، بتحفة الأجلّة في معرفة القبلة، وهي رسالة ظريفة بين فيها طريق عمل استخراج القبلة بالبيان الرياضيّ، ووضع فيها جداول لتعيين قبلة البلاد.
ومن ألطف ما وفّق له في سعيه - شكر الله سعيه - ما أظهر به كرامة باهرة للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في محرابه المحفوظ في مسجد النبيّ بالمدينة ٢٥. ٧٥. ٢٠
وذلك: أنّ المدينة على ما حاسبه القدماء كانت ذات عرض ٢٥ درجة وطول ٧٥ درجة ٢٠ دقيقة، وكانت لا توافقه قبلة محراب النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) في مسجده، لذلك كان العلماء لا يزالون باحثين في أمر قبله المحراب وربّما ذكروا في انحرافه وجوهاً لا تصدّقها حقيقة الأمر لكنّه - رحمه الله - أوضح أنّ المدينة على عرض ٢٤ درجة ٥٧ دقيقة وطول ٣٩ درجة ٥٩ دقيقة وانحراف. درجة ٤٥ دقيقة تقريباً. وانطبق على ذلك قبلة المحراب أحسن الانطباق وبدت بذلك كرامة باهرة للنبيّ في قبلته الّتي وجّه وجهه إليها وهو في الصلاة، وذكر أنّ جبرئيل أخذ بيده وحوّل وجهه إلى الكعبة، صدق الله ورسوله.
ثمّ استخرج بعده المهندس الفاضل الزعيم عبد الرزّاق البغائريّ رحمة الله عليه قبلة أكثر بقاع الأرض ونشر فيها رسالة في معرفة القبلة، وهي جداول يذكر فيها ألف وخمسمأة بقعة من بقاع الأرض وبذلك تمّت النعمة في تشخيص القبلة.
وأمّا الجهة الثانية: وهي الجهة المغناطيسيّة، فإنّهم وجدوا أنّ القطبين المغناطيسيّين في الكرة الأرضيّة، غير منطبقين على القطبين الجغرافيّين منها، فإنّ القطب المغناطيسيّ الشماليّ مثلاً على أنّه متغيّر بمرور الزمان، بينه وبين القطب الجغرافيائيّ الشماليّ ما يقرب من ألف ميل، وعلى هذا فالحكّ لا يشخّص القطب الجنوبيّ الجغرافيّ بعينه، بل ربّما بلغ التفاوت إلى ما لا يتسامح فيه، وقد أنهض هذا المهندس الرياضيّ الفاضل الزعيم حسين عليّ رزم آرا في هذه الأيّام وهي سنة ١٣٣٢ هجريّة شمسيّة على حلّ هذه المعضلة، واستخراج مقدار التفاوت بين القطبين الجغرافيّ والمغناطيسيّ بحسب النقاط المختلفة، وتشخيص انحراف القبلة من القطب المغناطيسيّ فيما يقرب من ألف بقعة من بقاع الأرض، واختراع حكّ يتضمّن التقريب القريب من التحقيق في تشخيص القبلة، وها هو اليوم دائر معمول - شكّر الله سعيه -.
( بحث اجتماعي)
لمتأمّل في شئون الاجتماع الإنسانيّ، والناظر في الخواصّ والآثار الّتي يتعقّبها هذا الأمر المسمّى بالاجتماع من جهة أنّه اجتماع لا يشكّ في أنّ هذا الاجتماع إنّما كونّته ثمّ شعبّته وبسطته إلى شعبه وأطرافه الطّبيعة الإنسانيّة، لما استشعرت بإلهام من الله سبحانه بجهات حاجتها في البقاء والاستكمال إلى أفعال اجتماعيّة فتلتجئ إلى الاجتماع وتلزمها لتوفّق إلى أفعالها وحركاتها وسكناتها في مهد تربية الاجتماع وبمعونته. ثمّ استشعرت واُلهمت بعلومٍ (صور ذهنيّة) وإدراكات توقعها على المادّة وعلى حوائجها فيها وعلى أفعالها، وجهات أفعالها تكون هي الوصلة والرابطة بينها وبين أفعالها وحوائجها كاعتقاد الحسن والقبح، وما يجب، وما ينبغي، وسائر الاُصول الاجتماعيّة، من الرئاسة والمرؤسيّة والملك والاختصاص، والمعاملات المشتركة والمختصّة، وسائر القواعد والنواميس العموميّة والآداب والرسوم القوميّة الّتي لا تخلو عن التحوّل والإختلاف
بإختلاف الأقوام والمناطق و الأعصار، فجميع هذه المعاني والقواعد المستقرّة عليها من صنع الطبيعة الإنسانيّة بإلهام من الله سبحانه، تلطّفت بها طبيعة الإنسان، لتمثّل بها ما تعتقدها وتريدها من المعاني في الخارج، ثمّ تتحرّك إليها بالعمل، والفعل والترك، والاستكمال.
والتوجّه العباديّ إلى الله سبحانه، وهو المنزّه عن شئون المادّة، والمقدّس عن تعلّق الحسّ المادّيّ إذا أريد أن يتجاوز حدّ القلب والضمير، وتنزّل على موطن الأفعال - وهي لا تدور إلّا بين الماديّات - لم يكن في ذلك بدّ ومخلص من أن يكون على سبيل التمثيل بأن يلاحظ التوجّهات القلبيّة على إختلاف خصوصيّاتها، ثمّ تمثّل في الفعل بما يناسبها من هيئات الأفعال وأشكالها، كالسجدة يراد بها التذلّل، والركوع يراد به التعظيم، والطواف يراد به تفدية النفس، والقيام يراد به التكبير، والوضوء والغسل يراد بهما الطهارة للحضور ونحو ذلك. ولا شكّ أنّ التوجّه إلى المعبود، واستقباله من العبد في عبوديّته روح عبادته، الّتي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة، وإلى تمثيله تحتاج العبادة في كمالها وثباتها وإستقرار تحقّقها.
وقد كان الوثنيّون، وعبدة الكواكب وسائر الأجسام من الإنسان وغيره يستقبلون معبوداتهم وآلهتهم، ويتوجّهون إليهم بالأبدان في أمكنة متقاربة.
لكن دين الأنبياء ونخصّ بالذكر من بينها دين الإسلام الّذي يصدّقها جميعاً وضع الكعبة قبلة، وأمر باستقبالها في الصّلاة، الّتي لا يعذر فيها مسلم، أينما كان من أقطار الأرض وآفاقها، ونهي عن استقبالها واستدبارها في حالات وندب إلى ذلك في اُخرى فاحتفظ على قلب الإنسان بالتوجّه إلى بيت الله، وأن لا ينسى ربّه في خلوته وجلوته، وقيامه وقعوده، ومنامه ويقظته، ونسكه وعبادته حتّى في أخسّ حالاته وأرداها فهذا بالنظر إلى الفرد.
وأمّا بالنظر إلى الاجتماع، فالأمر أعجب والأثر أجلى وأوقع فقد جمع الناس على إختلاف أزمنتهم وأمكنتهم على التوجّه إلى نقطة واحدة، يمثّل بذلك وحدتهم الفكريّة
وارتباط جامعتهم، والتيام قلوبهم، وهذا ألطف روح يمكن أن تنفذ في جميع شئون الأفراد في حياتها المادّيّة والمعنويّة تعطي من الاجتماع أرقاه، ومن الوحدة أوفاها وأقواها، خصّ الله تعالى بها عباده المسلمين، وحفظ به وحدة دينهم، وشوكة جمعهم، حتّى بعد أن تحزّبوا أحزاباً، وافترقوا مذاهب وطرائق قدداً، لا يجتمع منهم اثنان على رأي، نشكر الله تعالى على آلائه.
( سورة البقرة الآية ١٥٢)
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ( ١٥٢)
( بيان)
لما امتنّ الله تعالى على النبيّ والمسلمين، بإرسال النبيّ الكريم منهم إليهم نعمة لا تقدّر بقدر ومنحه على منحة - وهو ذكر منه لهم - إذ لم ينسهم في هدايتهم إلى مستقيم الصراط، وسوقهم إلى أقصى الكمال، وزيادة على ذلك، وهو جعل القبلة، الّذي فيه كمال دينهم، وتوحيد عبادتهم، وتقويم فضيلتهم الدينيّة والاجتماعيّة فرّع على ذلك دعوتهم إلى ذكره وشكره: ليذكرهم بنعمته على ذكرهم إيّاه بعبوديّته وطاعته، ويزيدهم على شكرهم لنعمته وعدم كفرانهم، وقد قال تعالى:( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) الكهف - ٢٤. وقال تعالى:( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) إبراهيم - ٧. والآيتان جميعاً نازلتان قبل آيات القبلة من سورة البقرة.
ثمّ إنّ الذكر ربّما قابل الغفلة كقوله تعالى:( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ) الكهف - ٢٨، وهي انتفاء العلم بالعلم، مع وجود أصل العلم، فالذكر خلافه، وهو العلم بالعلم، وربّما قابل النسيان وهو زوال صورة العلم عن خزانة الذهن، فالذكر خلافه، ومنه قوله تعالى:( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ) الآية. وهو حينئذ كالنسيان معنى ذو آثار وخواصّ تتفرّع عليه، ولذلك ربّما اُطلق الذكر كالنسيان في موارد تتحقّق فيها آثارهما وإن لم تتحقّق أنفسهما، فإنّك أذا لم تنصر صديقك - وأنت تعلم حاجته إلى نصرك - فقد نسيته، - والحال أنّك تذكره - وكذلك الذكر.
والظاهر أنّ إطلاق الذكر على الذكر اللّفظيّ من هذا القبيل، فإنّ التكلّم عن الشئ من آثار ذكره قلباً، قال تعالى:( قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ) الكهف - ٨٣. ونظائره كثيرة. ولو كان الذكر اللفظيّ أيضاً ذكراً حقيقةً فهو من مراتب الذكر، لا أنّه مقصور عليه ومنحصر فيه، وبالجملة: الذكر له مراتب كما قال تعالى:( أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) الرعد - ٢٨، وقال:( وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ )
الأعراف - ٢٠٥، وقال تعالى:( فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ) البقرة - ٢٠٠، فالشدّة إنّما يتّصف به المعنى دون اللّفظ، وقال تعالى:( وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) الكهف - ٢٤، وذيل هذه الآية تدلّ على الأمر برجاء ما هو أعلى منزلة ممّا هو فيه: فيؤل المعنى إلى أنّك إذا تنزّلت من مرتبة من ذكره إلى مرتبة هي دونها، وهو النسيان، فاذكر ربّك وارج بذلك ما هو أقرب طريقاً وأعلى منزلة، فينتج أنّ الذّكر القلبيّ ذو مراتب في نفسه، وبذلك يتبيّن صحّة قول القائل: إنّ الذكر حضور المعنى عند النفس، فإنّ الحضور ذو مراتب.
ولو كان لقوله تعالى، فاذكروني - وهو فعل متعلّق بياء المتكلّم حقيقة من دون تجوّزٍ - أفاد ذلك، أنّ للإنسان سنخاً آخر من العلم غير هذا العلم المعهود عندنا الّذي هو حصول صورة المعلوم ومفهومه عند العالم، إذ كلّما فرض من هذا القبيل فهو تحديد وتوصيف للمعلوم من العالم، وقد تقدّست ساحته سبحانه عن توصيف الواصفين، قال تعالى:( سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) الصّافّات - ١٦٠، وقال:( وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ) طه - ١١٠، وسيجئ بعض ما يتعلّق بالمقام في الكلام على الآيتين إنشاء الله.
( بحث روائي)
تكاثرت الأخبار في فضل الذكر من طرق العامّة والخاصّة، فقد روي: بطرق مختلفة أنّ ذكر الله حسن على كلّ حالٍ.
وفي عدّة الدّاعي قال: وروي: أنّ رسول الله قد خرج على أصحابه، فقال: ارتعوا في رياض الجنّة، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنّة ؟ قال: مجالس الذكر اغدوا وروّحوا واذكروا، ومن كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنّ الله تعالى ينزّل العبد حيث أنزل العبدالله من نفسه، واعلموا: أنّ خير أعمالكم عند مليككم وأزكاها وأرفعها في درجاتكم، وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله تعالى، فإنّه تعالى أخبر عن نفسه فقال: أنا جليس من ذكرني، وقال تعالى: فاذكروني أذكركم بنعمتي، اُذكروني بالطاعة والعبادة أذكركم بالنعم والإحسان والراحة والرضوان.
وفي المحاسن ودعوات الراونديّ عن الصادقعليهالسلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى يقول: من شغل بذكري عن مسألتي، أعطيه أفضل ما اعطي من سألني.
وفي المعاني عن الحسين البزّاز قال: قال: لي أبوعبداللهعليهالسلام ألا احدّثك بأشدّ ما فرض الله على خلقة ؟ قلت: بلى قال، إنصاف الناس من نفسك، ومواساتك لأخيك، وذكر الله في كلّ موطن، أما إنّي لا أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في كلّ موطن، إذا هجمت على طاعته أو معصيته.
أقول: وهذا المعنى مرويّ بطرق كثيرة عن النبيّ وأهل بيتهعليهمالسلام وفي بعضها وهو قول الله: الّذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون الآية.
وفي عدّة الدّاعي عن النبيّ، قال قال سبحانه: إذا علمت أنّ الغالب على عبدي الاشتغال بي، نقلتُ شهوته في مسألتي ومناجاتي، فإذا كان عبدي كذلك وأراد أن يسهو حلت بينه وبين أن يسهو، أولئك أوليائي، حقّاً، أولئك الأبطال حقّاً، أولئك الّذين إذا أردت أن أهلك أهل الأرض عقوبة زويتها عنهم من أجل أولئك الأبطال.
وفي المحاسن عن الصادقعليهالسلام قال: قال الله تعالى: ابن آدم اذكرني في نفسك أذكرك في نفسي، ابن آدم اذكرني في خلاء أذكرك في خلاء، اذكرني في ملاء أذكرك في ملاء خير من ملائك، وقال: ما من عبد يذكر الله في ملاء من الناس إلّا ذكره الله في ملاء من الملائكة.
أقول: وقد روي هذا المعنى بطرق كثيرة في كتب الفريقين.
وفي الدرّ المنثور أخرج الطبرانيّ وابن مردويه والبيهقيّ في شعب الإيمان عن إبن مسعود قال: قال: رسول الله، من اُعطى أربعاً اُعطي أربعاً، وتفسير ذلك في كتاب الله من اُعطي الذكر ذكره الله، لأنّ الله يقول: اُذكروني أذكركم، ومن أعطى الدعاء اُعطي الإجابة، لأنّ الله يقول: ادعوني أستجب لكم، ومن اُعطي الشّكر اُعطي الزيادة، لأنّ الله يقول: لئن شكرتم لاُزيدنّكم، ومن اُعطي الاستغفار أعطي المغفرة لأنّ الله يقول: استغفروا ربّكم إنّه كان غفّارا.
وفي الدرّ المنثور أيضاً أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقيّ في شعب الإيمان عن خالد بن أبي عمران، قال: قال: رسول الله، من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله، وإن كثرت صلاته وصيامه وتلاوته للقرآن.
أقول: في الحديث إشارة إلى أنّ المعصية لا تتحقّق من العبد إلّا بالغفلة والنسيان فإنّ الإنسان لو ذكر ما حقيقة معصيته وما لها من الأثر لم يقدم على معصيته، حتّى أنّ من يعصي الله ولا يبالي إذا ذكر عند ذلك بالله، ولا يعتني بمقام ربّه هو طاغ جاهل بمقام ربّه وعلوّ كبريائه وكيفيّة إحاطته، وإلى ذلك تشير أيضاً رواية اُخرى، رواها في الدرّ المنثور، عن أبي هند الداري، عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) قال الله: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ومن ذكرني - وهو مطيع - فحقّ عليّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني - وهو عاص - فحقّ عليّ أن أذكره بمقت الحديث، وما اشتمل عليه هذا الحديث من الذكر عند المعصية هو الّذي تسمّيه الآية وسائر الأخبار بالنّسيان لعدم ترتّب آثار الذكر عليه، وللكلام بقايا سيجئ شطر منها.
( سورة البقرة الآيات ١٥٣ - ١٥٧)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( ١٥٣ ) وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ ( ١٥٤ ) وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( ١٥٥ ) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ( ١٥٦ ) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ( ١٥٧ )
( بيان)
خمس آيات متّحدة السياق، متّسقة الجمل، ملتئمة المعاني، يسوق أوّلها إلى آخرها ويرجع آخرها إلى أوّلها، وهذا يكشف عن كونها نازلة دفعة غير متفرّقة وسياقها ينادي بأنّها نزلت قبيل الأمر بالقتال وتشريع حكم الجهاد، ففيه ذكر من بلاء سيقبل على المؤمنين، ومصيبة ستصيبهم، ولا كلّ بلاء ومصيبة، بل البلاء العموميّ الّذي ليس بعاديّ الوقوع مستمرّ الحدوث، فإنّ نوع الإنسان كسائر الأنواع الموجودة في هذه النشأة الطبيعيّة لا يخلو في أفراده من حوادث، جزئيّة يختلّ بها نظام الفرد في حياته الشخصيّة: من موت ومرض وخوف وجوع وغمّ وحرمان، سنّة الله الّتي جرت في عباده وخلقه، فالدار دار التزاحم، والنشأة نشأة التبدّل والتحوّل، ولن تجد لسنّة الله تحويلاً ولن تجد لسنّة الله تبديلاً.
والبلاء الفرديّ وإن كان شاقّاً على الشخص المبتلى بذلك، مكروهاً، لكن ليس مهولاً مهيباً تلك المهابة الّتى تترائى بها البلايا والمحن العامّة، فإنّ الفرد يستمدّ في قوّة تعقّله وعزمه وثبات نفسه من قوى سائر الأفراد، وأمّا البلايا العامّة الشاملة فإنّها تسلب الشعور العموميّ وجملة الرأي والحزم والتدبير من الهيئة، المجتمعة، ويختلّ به نظام الحياة منهم، فيتضاعف الخوف وتتراكم الوحشة ويضطرب عندها العقل والشعور
وتبطل العزيمة والثبات، فالبلاء العامّ والمحنة الشاملة أشقّ وأمرّ، وهو الّذي تلوّح له الآيات.
ولا كلّ بلاءٍ عامّ كالوباء والقحط بل بلاءٌ عامّ قرّبتهم منها أنفسهم، فإنّهم أخذوا دين التوحيد، وأجابوا دعوة الحقّ، وتخلّفهم فيه الدنيا وخاصّة قومهم، وما لهؤلاء همُ إلّا إطفاء نور الله، واستئصال كلمة العدل، وإبطال دعوة الحقّ، ولا وسيلة تحسم مادّة النزاع وتقطع الخلاف غير القتال، فسائر الوسائل كإقامة الحجّة وبثّ الفتنة، وإلقاء الوسوسة والريبة وغيرها صارت بعد عقيمة غير منتجة، فالحجّة مع النبيّ والوسوسة والفتنة والدّسيسة ما كانت تؤثّر أثراً تطمئنّ إليه أعداء الدين فلم يكن عندهم وسيلة إلّا القتال والاستعانة به على سدّ سبيل الحقّ، وإطفاء نور الدين اللّامع المشرق. هذا من جانب الكفر، والأمر من جانب الدين أوضح، فلم يكن إلى نشر كلمة التوحيد، وبثّ دين الحقّ، وحكم العدل، وقطع دابر الباطل وسيلة إلّا القتال، فإنّ التجارب الممتدّ من لدن كان الإنسان نازلاً فيهذه الدار يعطي أنّ الحقّ إنّما يؤثّر إذا أميط الباطل، ولن يماط إلّا بضرب من إعمال القدرة والقوّة.
وبالجملة ففي الآيات تلويحٌ إلى إقبال هذه المحنة بذكر القتل في سبيل الله، وتوصيفه بوصف لا يبقى فيه معه جهة مكروهة، ولا صفة سوء، وهو أنّه ليس بموت بل حياة، وأيّ حياة !
فالآيات تستنهض المؤمنين على القتال، وتخبرهم أنّ أمامهم بلاء ومحنة لن تنالوا مدارج المعالي، وصلاة ربّهم ورحمته، والاهتداء بهدايته إلّا بالصبر عليها، وتحمّل مشاقّها، ويعلّمهم ما يستعينون به عليها، وهو الصبر والصلاة: أمّا الصبر: فهو وحده الوقاية من الجزع واختلال أمر التدبير، وأمّا الصلاة: فهي توجّه إلى الربّ، وانقطاع إلى من بيده الأمر، وأنّ القوّة لله جميعاً.
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) الآية، قد تقدّم جملة من الكلام في الصبر والصلاة في تفسير قوله:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) البقرة - ٤٥، والصبر: من أعظم الملكات
والأحوال الّتي يمدحها القرآن، ويكرّر الأمر به حتّى بلغ قريباً من سبعين موضعاً من القرآن حتّى قيل فيه:( إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) لقمان - ١٧، وقيل:( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) فصّلت - ٣٥، وقيل:( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) الزمر - ١٠.
والصّلاة: من أعظم العبادات الّتي يحثّ عليها في القرآن حتّى قيل فيها:( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) العنكبوت - ٤٥، وما أوصى الله في كتابه بوصايا إلّا كانت الصّلاة رأسها وأوّلها.
ثمّ وصف سبحانه الصبر بأنّ الله مع الصابرين المتّصفين بالصبر، وإنّما لم يصف الصلاة، كما في قوله تعالى:( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) الآية، لأنّ المقام في هذه الآيات، مقام ملاقات الأهوال ومقارعة الأبطال، فالاهتمام بأمر الصبر أنسب بخلاف الآية السابقة، فلذلك قيل: إنّ الله مع الصابرين، وهذه المعيّة غير المعيّة الّتي يدلّ عليه قوله تعالى:( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ) الحديد - ٤، فإنّها معيّة الإحاطة والقيمومة، بخلاف المعيّة مع الصابرين، فإنّها معيّة إعانة فالصبر مفتاح الفرج.
قوله تعالى: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ ) الآية، ربّما يقال: إنّ الخطاب مع المؤمنين الّذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر وأذعنوا بالحياة الآخرة، ولا يتصوّر منهم القول ببطلان الإنسان بالموت، بعد ما أجابوا دعوة الحقّ وسمعوا شيئاً كثيراً من الآيات الناطقة بالمعاد، مضافاً إلى أنّ الآية إنّما تثبت الحياة بعد الموت في جماعة مخصوصين، وهم الشهداء المقتولون في سبيل الله، في مقابل غيرهم من المؤمنين، وجميع الكفّار، مع أنّ حكم الحياة بعد الموت عامّ شاملٌ للجميع فالمراد بالحياة بقاء الاسم، والذكر الجميل على مرّ الدهور، وبذلك فسرّه جمع من المفسّرين.
ويردّهأولا: أنّ كون هذه حياةّ إنّما هو في الوهم فقط دون الخارج، فهي حياة تخيّليّة ليس لها في الحقيقة إلّا الاسم، ومثل هذا الموضوع الوهميّ لا يليق بكلامه، وهو تعالى يدعو إلى الحقّ، ويقول:( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ) يونس - ٣٢، وأمّا
الّذي سأله إبراهيم في قوله:( وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ) الشعراء - ٨٤، فإنّما يريد به بقاء دعوته الحقّة، ولسانه الصادق بعده، لا حسن ثنائه وجميل ذكره بعده فحسب.
نعم هذا القول الباطل، والوهم الكاذب إنّما يليق بحال المادّيّين، وأصحاب الطبيعة، فإنّهم اعتقدوا: مادّيّة النفوس وبطلانها بالموت ونفوا الحياة الآخرة ثمّ أحسّوا بإحتياج الإنسان بالفطرة إلى القول ببقاء النفوس وتأثّرها بالسعادة والشقاء، بعد موتها في معالي اُمور، لا تخلو في الارتقاء إليها من التفديّة والتضحيّة، لا سيّما في عظائم العزائم الّتي يموت ويقتل فيها أقوام ليحيي ويعيش آخرون، ولو كان كلّ من مات فقد فات لم يكن داع للإنسان (وخاصّة إذا اعتقد بالموت والفوت) أن يبطل ذاته ليبقى ذات آخرين، ولا باعث له أن يحرّم على نفسه لذّة الاستمتاع من جميع ما يقدر عليه بالجور ليتمتّع آخرون بالعدل، فالعاقل لا يعطي شيئاً إلّا ويأخذ بدله وأمّا الإعطاء من غير بدل، والترك من غير أخذ، كالموت في سبيل حياة الغير، والحرمان في طريق تمتّع الغير فالفطرة الإنسانيّة تأباه، فلمّا استشعروا بذلك دعاهم جبر هذا النقص إلى وضع هذه الأوهام الكاذبة، الّتي ليس لها موطن إلّا عرصة الخيال وحظيرة الوهم، قالوا إنّ الإنسان الحرّ من رقّ الأوهام والخرافات يجب عليه أن يفدي بنفسه وطنه، أو كلّ ما فيه شرفه، لينال الحياة الدائمة بحسن الذكر وجميل الثناء، ويجب عليه أن يحرّم على نفسه بعض تمتّعاته في الاجتماع ليناله الآخرون، ليستقيم أمر الاجتماع والحضارة، ويتمّ العدل الاجتماعيّ فينال بذلك حياة الشرف والعلاء.
وليت شعري إذا لم يكن إنسان، وبطل هذا التركيب المادّيّ وبطل بذلك جميع خواصّه، ومن جملتها الحياة والشعور، فمن هو الّذي ينال هذه الحياة وهذا الشرف ؟ ومن الّذي يدركه ويلتذّ به ؟ فهل هذا إلّا خرافة. ؟
وثانياً: أنّ ذيل الآية - وهو قوله تعالى: ولكن لا تشعرون، - لا يناسب هذا المعنى، بل كان المناسب له أن يقال: بل أحياء ببقاء ذكرهم الجميل، وثناء الناس عليهم بعدهم، لأنّه المناسب لمقام التسلية وتطييب النفس.
وثالثاً: أنّ نظيرة هذه الآية - وهي تفسّرها - وصف حياتهم بعد القتل بما ينافي هذا
المعنى، قال تعالى:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) آل عمران - ١٦٩، إلى آخر الآيات ومعلوم أنّ هذه الحياة حياة خارجيّة حقيقيّة ليست بتّقديريّة.
ورابعاً: أنّ الجهل بهذه الحياة الّتي بعد الموت ليس بكلّ البعيد من بعض المسلمين في أواسط عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّ الّذي هو نصّ غير قابل للتأويل إنّما هو البعث للقيامة، وأمّا ما بين الموت إلى الحشر - وهي الحياة البرزخيّة - فهي وإن كانت من جملة ما بيّنه القرآن من المعارف الحقّة، لكنّها ليست من ضروريّات القرآن، والمسلمون غير مجمعين عليه بل ينكره بعضهم حتّى اليوم ممّن يعتقد كون النفس غير مجرّدة عن المادّة وأنّ الإنسان يبطل وجوده بالموت وانحلال التركيب، ثمّ يبعثه الله إلى القضاء يوم القيامة، فيمكن أن يكون المراد بيان حياة الشهداء في البرزخ لمكان جهل بعض المؤمنين بذلك، وإن علم به آخرون.
وبالجملة: المراد بالحياة في الآية الحياة الحقيقيّة دون التّقديريّة، وقد عدّ الله سبحانه حياة الكافر بعد موته هلاكاً وبواراً في مواضع من كلامه، كقوله تعالى:( وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ) إبراهيم - ٢٨، إلى غير ذلك من الآيات، فالحياة حياة السعادة، والأحياء بهذه الحياة المؤمنون خاصّة كما قال:( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) العنكبوت - ٦٤، وإنّما لم يعلموا، لأنّ حواسّهم مقصورة على إدراك خواصّ الحياة في المادّة الدنيويّة، وأمّا ما ورأها فإذا لم يدركوه لم يفرّقوا بينه وبين الفناء فتوهّموه فنائاً، وما توهّمه الوهم مشترك بين المؤمن والكافر في الدنيا، فلذلك قال: في هذه الآية، بل أحياء ولكن لا تشعرون أي: بحواسّكم، كما قال في الآية الاُخرى: لهي الحيوان لو كانوا يعلمون، أي باليقين كما قال تعالى:( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) التكاثر - ٦.
فمعنى الآية - والله أعلم - ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، ولاتعتقدوا فيهم الفناء والبطلان كما يفيده لفظ الموت عندكم، ومقابلته مع الحياة، وكما يعين على هذا القول حواسّكم فليسوا بأموات بمعنى البطلان، بل أحياء ولكن حواسّكم لا تنال
ذلك ولا تشعر به، وإلقاء هذا القول على المؤمنين - مع أنّهم جميعاً أو أكثرهم عالمون ببقاء حياة الإنسان بعد الموت، وعدم بطلان ذاته - إنّما هو لإيقاظهم وتنبيههم بما هو معلوم عندهم، يرتفع بالالتفات إليه الحرج عن صدورهم، والاضطراب والقلق عن قلوبهم إذا أصابتهم مصيبة القتل، فإنّه لا يبقى مع ذلك من آثار القتل عند أولياء القتيل إلّا مفارقة في أيّام قلائل في الدنيا وهو هيّن في قبال مرضات الله سبحانه وما ناله القتيل من الحياة الطيّبة، والنعمة المقيمة، ورضوان من الله أكبر، وهذا نظير خطاب النبيّ بمثل قوله تعالى: الحقّ من ربّك فلا تكوننّ من الممترين الآية، مع أنّه (صلّي الله عليه وآله وسلّم) أوّل الموقنين بآيات ربّه، ولكنّه كلام كنّي به عن وضوح المطلب، وظهوره بحيث لا يقبل أيّ خطور نفسانيّ لخلافه.
( نشأة البرزخ)
فالآية تدلّ دلالة واضحة على حياة الإنسان البرزخيّة، كالآية النظيرة لها وهى قوله:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) آل عمران - ١٦٩، والآيات في ذلك كثيرة.
ومن أعجب الأمر ما ذكره بعض الناس في الآية: أنّها نزلت في شهداء بدر، فهي مخصوصة بهم فقط، لا تتعدّاهم إلى غيرهم هذا، ولقد أحسن بعض المحقّقين: من المفسّرين في تفسير قوله: واستعينوا بالصبر والصلاة الآية، إذ سأل الله تعالى الصبر على تحمّل أمثال هذه الأقاويل.
وليت شعري ماذا يقصده هؤلاء بقولهم هذا ؟ وعلى أيّ صفة يتصوّرون حياة شهداء بدر بعد قتلهم مع قولهم: بانعدام الإنسان بعد الموت والقتل، وانحلال تركيبه وبطلانه ؟ أهو على سبيل الإعجاز: باختصاصهم من الله بكرامةٍ لم يكرم بها النبيّ الأكرم وسائر الأنبياء والمرسلين والأولياء المقرّبين، إذ خصّهم الله ببقاء وجودهم بعد الانعدام، فليس ذلك بإعجاز بل ايجاد محال ضروريّ الاستحالة، ولا إعجاز في محال، ولو جاز عند العقل إبطال هذا الحكم على بداهتها لم يستقم حكم ضروريّ فما دونه ؟ ام هو على نحو
الاستثناء في حكم الحسّ بأن يكون الحسّ مخطئاً في أمر هؤلآء الشهداء ؟ فهم أحياء يرزقون بالأكل والشرب وسائر التمتّعات - وهم غائبون عن الحسّ - وما ناله الحسّ من أمرهم بالقتل وقطع الأعضاء وسقوط الحسّ وانحلال التركيب فقد اخطأ في ذلك من رأس، فلو جاز على الحسّ أمثال هذه الأغلاط فيصيب في شئ ويغلط في آخر من غير مخصّص بطل الوثوق به على الإطلاق، ولو كان المخصّص هو الإرادة الإلهيّة احتاج تعلّقها إلى مخصّص آخر، والإشكال - وهو عدم الوثوق بالإدراك - على حاله، فكان من الجائز أن نجد ما ليس بواقع، واقعاً والواقع ليس بواقع وكيف يرضى عاقل أن يتفّوه بمثل ذلك ؟ وهل هو إلّا سفسطة.
وقد سلك هؤلآء في قولهم هذا مسلك العامّة من المحدّثين، حيث يرون أنّ الاُمور الغائبة عن حواسّنا ممّا يدلّ عليه الظواهر الدينيّة من الكتاب والسنّة، كالملائكة وأرواح المؤمنين وساير ما هو من هذا القبيل موجودات مادّيّة طبيعيّة، وأجسام لطيفة تقبل الحلول والنفوذ في الأجسام الكثيفة، على صورة الإنسان ونحوه، يفعل جميع الأفعال الإنسانيّة مثلاً، ولها أمثال القوى الّتي لنا غير أنّها ليست محكومة بأحكام الطبيعة: من التغيّر والتبدّل والتركيب وانحلاله، والحياة والموت الطّبيعيّتين، فإذا شاء الله تعالى ظهورها ظهرت لحواسّنا، وإذا لم يشأ أو شاء أن لا تظهر لم تظهر، مشيّة خالصة من غير مخصّص في ناحية الحواسّ، أو تلك الأشياء.
وهذا القول منهم مبنيّ على إنكار العلّيّة والمعلوليّة، بين الأشياء ولو صحّت هذه الاُمنيّة الكاذبة بطلت جميع الحقائق العقليّة، والأحكام العلميّة، فضلاً عن المعارف الدينيّة ولم تصل النوبة إلى أجسامهم اللّطيفة المكرّمة الّتي لا تصل إليها يد التأثير والتأثّر المادّيّ الطبيعيّ، وهو ظاهر.
فقد تبيّن بما مرّ: أنّ الآية دالّة على الحياة البرزخيّة، وهي المسمّاة بعالم القبر، عالم متوسّط بين الموت والقيامة، ينعّم فيه الميّت أو يعذّب حتّى تقوم القيامة.
ومن الآيات الدالّة عليه - وهي نظيرة لهذه الآية الشريفة - قوله تعالى:( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ
اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران - ١٧١، وقد مرّ تقريب دلالة الآية على المطلوب، ولو تدبّر القائل باختصاص هذه الآيات بشهداء بدر في متن الآيات لوجد أنّ سياقها يفيد اشتراك سائر المؤمنين معهم في الحياة. والتنعّم بعد الموت.
ومن الآيات قوله تعالى:( حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) المؤمنون - ١٠٠، والآية ظاهرة الدلالة على أنّ هناك حياة متوسّطة بين حياتهم الدنيويّة وحياتهم بعد البعث، وسيجئ تمام الكلام في الآية إنشاء الله تعالى.
ومن الآيات قوله تعالى:( وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ ) (ومن المعلوم أنّ المراد به أوّل ما يرونهم وهو يوم الموت كما تدلّ عليه آيات اُخر) لا بشرى يومئذٍ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراً. وقدّمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباء منثوراً. أصحاب الجنّة يومئذٍ خير مستقرّاً وأحسن مقيلاً. ويوم تشقّق السماء الغمام (وهو يوم القيامة) ونزل الملائكة تنزيلاً.( الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ) الفرقان - ٢٦، ودلالتها ظاهرة. وسيأتي تفصيل القول فيها في محلّه إنشاء الله تعالى.
ومن الآيات قوله تعالى:( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ ) المؤمن - ١١، فهنا إلى يوم البعث - وهو يوم قولهم هذا - إماتتان وإحيائان، ولن تستقيم المعنى إلّا بإثبات البرزخ، فيكون إماتة وإحياء في البرزخ وإحياء في يوم القيامة، ولو كان أحد الاحيائين في الدنيا والآخر في الآخرة لم يكن هناك إلّا إماتة واحدة من غير ثانية، وقد مرّ كلام يتعلّق بالمقام في قوله تعالى:( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) البقره - ٢٨، فارجع.
ومن الآيات قوله تعالى:( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) المؤمن - ٤٦، إذ من
المعلوم أنّ يوم القيامة لا بكرة فيه ولا عشىّ فهو يومٌ غير اليوم.
والآيات الّتي تستفاد منها هذه الحقيقة القرآنيّة، أو تؤمي إليها كثيرة، كقوله تعالى:( تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) النحل - ٦٣، إلى غير ذلك.
( تجرّد النفس)
ويتبيّن بالتدبّر في الآية، وسائر الآيات الّتي ذكرناها حقيقة اُخرى أوسع من ذلك، وهي تجرّد النفس، بمعنى كونها أمراً وراء البدن وحكمها غير حكم البدن وسائر التركيبات الجسميّة، لها نحو اتّحاد بالبدن تدبّرها بالشعور والإرادة وسائر الصفات الإدراكيّة، والتدبّر في الآيات السابقة الذّكر يجلّي هذا المعنى فإنّها تفيد أنّ الإنسان بشخصه ليس بالبدن، لا يموت يموت البدن، ولا يفنى بفنائه، وانحلال تركيبه وتبدّد أجزائه، وأنّه يبقى بعد فناء البدن في عيش هنئ دائم، ونعيم مقيم، أو في شقاء لازم، وعذاب أليم، وأنّ سعادته في هذه العيشة، وشقائه فيها مرتبطة بسنخ ملكاتة وأعماله، لا بالجهات الجسمانيّة والأحكام الاجتماعيّة.
فهذه معان تعطيها هذه الآيات الشريفة، وواضح أنّها أحكام تغاير الأحكام الجسمانيّة، وتنافى الخواصّ المادّيّة الدنيويّة من جميع جهاتها، فالنفس الإنسانيّة غير البدن.
وممّا يدلّ عليه من الآيات قوله تعالى:( اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ ) الزمر - ٤٢، والتوفّي والاستيفاء هو أخذ الحقّ بتمامه وكماله، وما تشتمل عليه الآية: من الأخذ والإمساك والإرسال ظاهر في المغايرة بين النفس والبدن.
ومن الآيات قوله تعالى:( وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) السجدة - ١١، ذكر سبحانه شبهة من شبهات الكفّار المنكرين للمعاد، وهو أنّا
بعد الموت وانحلال تركيب أبداننا تتفرّق أعضاؤنا، وتبدّد أجزاؤنا، وتتبدّل صورنا فنضلّ في الأرض، ويفقدنا حواسّ المدركين، فكيف يمكن أن نقع ثانياً في خلق جديد ؟ وهذا استبعاد محض، وقد لقّن تعالى على رسوله: الجواب عنه، بقوله: قل: يتوفّاكم ملك الموت الّذي وكلّ بكم الآية، وحاصل الجواب أنّ هناك ملكاً موكّلاً بكم هو يتوفّاكم ويأخذكم، ولا يدعكم تضلّوا وأنتم في قبضته وحفاظته، وما تضلّ في الأرض إنّما هو أبدانكم لا نفوسكم الّتي هي المدلول عليها بلفظ، كم، فإنّه يتوفّاكم.
ومن الآيات قوله تعالى:( وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ) الآية السجدة - ٩، ذكره في خلق الإنسان ثمّ قال تعالى:( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) الاسراء - ٨٥، فأفاد أنّ الروح من سنخ أمره، ثمّ عرّف الأمر في قوله تعالى:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ) يس - ٨٣، فأفاد أنّ الروح من الملكوت، وأنّها كلمة، كن، ثمّ عرف الأمر بتوصيفه بوصف آخر بقوله:( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر - ٥٠، والتّعبير بقوله: كلمح بالبصر يعطي أنّ الأمر الّذي هو كلمة، كن، موجود دفعيّ الوجود غير تدريجيّة، فهو يوجد من غير اشتراط وجوده وتقييده بزمان أو مكان، ومن هنا يتبيّن أن الأمر - ومنه الروح - شئ غير جسمانيّ ولا مادّيّ، فإنّ الموجودات المادّيّة الجسمانيّة من أحكامها العامّة أنّها تدريجيّة الوجود، مقيّدة بالزمان والمكان، فالروح الّتي للإنسان ليست بمادّيّة جسمانيّة، وإن كان لها تعلّق بها.
وهناك آيات تكشف عن كيفيّة هذا التعلّق، فقد قال تعالى:( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ) طه - ٥٥، وقال تعالى:( خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ) الرحمن - ١٤، وقال تعالى( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ) السجدة - ٨، ثمّ قال: سبحانه وتعالى:( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) المؤمنون - ١٤، فأفاد أنّ الإنسان لم يكن إلّا جسماً طبيعيّاً يتوارد عليه صور مختلفة متبدّلة، ثمّ أنشأ الله هذا الّذي هو جسم جامد خامد خلقاً آخر
ذا شعور وإرادة، يفعل أفعالاً: من الشعور والإردة والفكر والتصرّف في الأكوان، والتدبير في أمور العالم بالنقل والتبديل والتحويل إلى غير ذلك ممّا لا يصدر عن الأجسام والجسمانيّات، فلا هي جسمانيّة، ولا موضوعها الفاعل لها.
فالنفس بالنسبة إلى الجسم الّذي ينتهي أمره إلى إنشائها - وهو البدن الّذي تنشاء منه النفس - بمنزلة الثمرة من الشجرة والضوء من الدهن بوجه بعيد، وبهذا يتّضح كيفيّة تعلّقها بالبدن ابتداعاً، ثمّ بالموت تنقطع العلقة، وتبطل المسكة، فهي في أوّل وجودها عين البدن، ثمّ تمتاز بالإنشاء منه، ثمّ تستقل عنه بالكلّيّة فهذا ما تفيده الآيات الشريفة المذكورة بظهورها: وهناك آيات كثيرة تفيد هذه الحقيقة بالايماء والتلويح، يعثر عليها المتدبّر البصير، والله الهادي.
قوله تعالى: ( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ) ، لما أمرهم الله بالاستعانة بالصبر والصلاة ونهاهم عن القول بموت من يقتل منهم في سبيل الله بل هم أحياءٌ بيّن لهم السبب الّذي من أجله خاطبهم بما خاطب، وهو أنّهم سيبتلون بما لا يتمهّد لهم المعالي ولا يصفو لهم الأمر في الحياة الشريفة والدين الحنيف إلّا به، وهو الحرب والقتال، لا يدور رحى النصر والظفر على مرادهم إلّا أن يتحصّنوا بهذين الحصنين ويتأيّدوا بهاتين القوّتين، وهما الصبر والظفر، ويضيفوا إلى ذلك ثالثاً وهو خصلة ما حفظها قوم إلّا ظفروا بأقصى مرادهم وحازوا الغاية القصوى من كمالهم، واشتدّ بأسهم وطابت نفسهم، وهو الإيمان بأنّ القتيل منهم غير ميّت ولا فقيد، وأنّ سعيهم بالمال والنفس غير ضائع ولا باطل، فإن قتلوا عدوّهم فهم على الحياة - وقد أبادوا عدوّهم وما كان يريده من حكومة الجور والباطل عليهم - وإن قتلهم عدوّهم فهم على الحياة - ولم يتحكّم الجور والباطل عليهم، فلهم إحدى الحسنيين على أيّ حال.
وعامّة الشدائد الّتي يأتي بها هو الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس فذكرها الله تعالى، وأمّا الثمرات فالظّاهر أنّها الأولاد فإنّ تأثير الحرب في قلّة النسل بموت الرجال والشبّان أظهر من تأثيره في نقص ثمرات الأشجار، وربّما قيل: إنّ المراد
ثمرات النخيل، وهي التّمر والمراد بالأموال غيرها وهي الدّوابّ من الإبل والغنم.
قوله تعالى: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ، أعاد ذكر الصابرين ليبشّرهم أوّلاً، ويبيّن كيفيّة الصبر بتعليم ما هو الصبر الجميل ثانياً، ويظهر به حقّ الأمر الّذي يقضي بوجوب الصّبر وهو ملكه تعالى للإنسان - ثالثاً، ويبيّن جزائه العامّ - وهو الصلاة والرحمة والاهتداء - رابعاً، فأمر تعالى نبيّه أوّلاً بتبشيرهم، ولم يذكر متعلّق البشارة لتفخيم أمره فإنّها من الله سبحانه فلا تكون إلّا خيراً وجميلاً، وقد ضمنها ربّ العزّة، ثمّ بيّن أنّ الصابرين هم الّذين يقولون: كذا وكذا عند إصابة المصيبة وهي الواقعة الّتي تصيب الإنسان، ولا يستعمل لفظ المصيبة إلّا في النازلة المكروهة، ومن المعلوم أن ليس المراد بالقول مجرّد التّلفظّ بالجملة من غير حضور معناها بالبال، ولا مجرّد الإخطار من غير تحقّق بحقيقة معناها، وهي أنّ الإنسان مملوك لله بحقيقة الملك، وأنّ مرجعه إلى الله سبحانه وبه يتحقّق أحسن الصبر الّذي يقطع منابت الجزع والأسف، ويغسل رين الغفلة.
بيانه أنّ وجود الإنسان وجميع ما يتبع وجودة، من قواه وأفعاله قائم الّذات بالله الّذي هو فاطره وموجده فهو قائمٌ به مفتقر ومستند إليه في جميع أحواله من حدوث وبقاء غير مستقلّ دونه، فلربّه التصرّف فيه كيف شاء وليس للإنسان من الأمر شئ إذ لا استقلال له بوجه أصلاً فله الملك في وجوده وقواه وأفعاله حقيقةً.
ثمّ إنّه تعالى ملكه بالإذن نسبة ذاته، ومن هناك يقال: للإنسان وجود، وكذا نسبة قواه وأفعاله ومن هناك يقال: للإنسان قوىّ كالسمع والبصر، ويقال: للإنسان أفعال كالمشى والنطق، والأكل والشرب، ولو لا الإذن الإلهيّ لم يملك الإنسان ولا غيره من المخلوقات نسبة من هذه النسب الظاهرة، لعدم استقلال في وجودها من دون الله أصلاً.
وقد أخبر سبحانه: أنّ الأشياء سيعود إلى حالها قبل الإذن ولا يبقي ملكٌ إلّا لله وحده، قال تعالى:( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) المؤمن - ١٦، وفيه رجوع الإنسان بجميع ما له ومعه إلى الله سبحانه.
فهناك ملكٌ حقيقيّ هو لله سبحانه لا شريك له فيه، لا الإنسان ولا غيره، وملك ظاهريّ صوريّ كملك الإنسان نفسه وولده وماله وغير ذلك، وهو لله سبحانه حقيقةً، وللإنسان بتمليكه تعالى في الظاهر مجازاً، فإذا تذكر الإنسان حقيقة ملكه تعالى، ونسبه إلى نفسه فوجد نفسه ملكاً طلقاً لربّه، وتذكّر أيضاً أنّ الملك الظاهريّ فيما بين الإنسان ومن جملتها ملك نفسه لنفسه وماله وولده سيبطل فيعود راجعاً إلى ربّه وجد أنّه بالأخرة لا يملك شيئاً أصلاً لا حقيقةً ولا مجازاً، وإذا كان كذلك لم يكن معنى للتأثّر عن المصائب الموجبة للتأثّر عند إصابتها فإنّ التأثّر إنّما يكون من جهة فقد الإنسان شيئاً ممّا يملكه، حتّى يفرح بوجدانه، ويحزن بفقدانه، وأمّا إذا أذعن واعتقد أنّه لا يملك شيئاً لم يتأثّر ولم يحزن، وكيف يتأثّر من يؤمن بأنّ الله له الملك وحده يتصرّف في ملكه كيف يشاء ؟
( الاخلاق)
إعلم أنّ إصلاح أخلاق النفس وملكاتها في جانبي العلم والعمل، واكتساب الأخلاق الفاضلة، وإزالة الأخلاق الرذيلة إنّما هو بتكرار الأعمال الصالحة المناسبة لها ومزاولتها، والمداومة عليها، حتّى تثبت في النفس من الموارد الجزئيّة علومٌ جزئيّة، وتتراكم وتنتقش في النفس انتقاشاً متعذّر الزوال أو متعسرّها، مثلاً إذا أراد الإنسان إزالة صفة الجبن واقتناء ملكة الشجاعة كان عليه أن يكرّر الورود في الشدائد والمهاول الّتي تزلزل القلوب وتقلقل الأحشاء، وكلّما ورد في مورد منها وشاهد أنّه كان يمكنه الورود فيه وأدرك لذّة الإقدام وشناعة الفرار والتحذّر انتقشت نفسه بذلك انتقاشاً بعد انتقاش حتّى تثبت فيها ملكة الشجاعة، وحصول هذه الملكة العلميّة وإن لم يكن في نفسه بالاختيار لكنّه بالمقدّمات الموصلة إليه كما عرفت اختياريّ كسبيّ.
إذا عرفت ما ذكرناه علمت أنّ الطريق إلى تهذيب الأخلاق واكتساب الفاضلة منها أحد مسلكين:
المسلك الأوّل: تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيويّة، والعلوم والآراء المحمودة عند الناس كما يقال: إنّ العفّة وقناعة الإنسان بما عنده والكفّ عمّا عند الناس توجب العزّة والعظمة في أعيُن الناس والجاه عند العامّة، وإنّ الشرّه يوجب الخصاصة والفقر، وإنّ الطمع يوجب ذلّة النفس المنيعة، وإنّ العلم يوجب إقبال العامّة والعزّة والوجاهة والاُنس عند الخاصّة، وإنّ العلم بصر يتّقى به الإنسان كلّ مكروه، ويدرك كلّ محبوب وإنّ الجهل عمىّ، وإنّ العلم يحفظك وأنت تحفظ المال، وإنّ الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلوّن والحمد من الناس على أيّ تقدير سوآءٌ غلب الإنسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهوّر، وإنّ العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية، وهي الحياة بعد الموت: ببقاء الاسم وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبّة في القلوب.
وهذا هو المسلك المعهود الّذي رتّب عليه علم الأخلاق، والمأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه.
لم يستعمل القرآن هذا المسلك الّذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامّة الناس عن المذموم عندهم، والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه، نعم ربّما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب اُخرويّ أو عقاب اُخرويّ كقوله تعالى:( وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ) البقرة - ١٥٠، دعا سبحانه إلى العزم والثبات، وعلّله بقوله: لئلّا يكون، وكقوله تعالى:( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا ) الأنفال - ٤٦، دعا سبحانه إلى الصبر وعلّله بأنّ تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرئة العدوّ، وقوله تعالى:( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) الشورى - ٤٣، دعا إلى الصبر العفو، وعلّله بالعزم و الإعظام.
المسلك الثاني: الغايات الاُخرويّة، وقد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله سبحانه( إِنَّ اللهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) التوبة - ١١١، وقوله تعالى:( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) الزمر - ١٠، وقوله تعالى:( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ) إبراهيم - ٢٢، وقوله تعالى:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ) البقرة - ٢٥٧، وأمثالها كثيرةٌ على إختلاف فنونها.
ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ ) فإنّ الآية دعت إلى ترك الأسى والفرح بأنّ الّذي أصابكم ما كان ليخطئكم وما أخطأكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضىّ وقدر مقدّر، فالأسى والفرح لغوٌ لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الّذي بيده أزمّة الاُمور كما يشير إليه قوله تعالى:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) فهذا القسم من الآيات أيضاً نظير القسم السابق الّذي يتسبّب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الاُخرويّة، وهي كمالات حقيقيّة غير ظنيّة يتسبّب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالمبادئ السابقة الحقيقيّة من القدر والقضاء والتخلّق بأخلاق الله والتذكّر بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ونحو ذلك.
فإن قلت: التسبّب بمثل القضاء والقدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختياريّة وفي ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة واختلال نظام هذه النشأة الطبيعيّة، فإنّه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات وترك الفرح والأسى كما استفيد من الآية السابقة إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ، ومقضيّة بقضاء محتوم أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق، وكسب كلّ كمال مطلوب، والاتّقاء عن كلّ رذيلة خلقيّة وغير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق، والدفاع عن الحقّ، ونحو ذلك بأنّ الّذي سيقع منه مقضيّ مكتوب، وكذا يجوز أن نترك السعي في كسب كلّ كمال، وترك كلّ نقصٍ بالاستناد إلى حتم القضاء وحقيقة الكتاب، وفي ذلك بطلان كلّ كمالٍ.
قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء، ما يتّضح به الجواب عن هذا الإشكال: فقد ذكرنا ثمّ أنّ الأفعال الإنسانيّة من أجزاء علل الحوادث، ومن المعلوم أنّ المعاليل
والمسبّبات يتوقّف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها، فقول القائل: إنّ الشبع إمّا مقضيّ الوجود، وإمّا مقضيّ العدم، وعلى كلّ حال فلا تأثير للأكل غلطٌ فاحش، فإنّ الشبع فرض تحقّقه في الخارج لا يستقيم إلّا بعد فرض تحقّق الأكل الاختياريّ الّذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطاء أن يفرض الإنسان معلولاً من المعاليل، ثمّ يحكم بإلغاء علله أو شئ من أجزاء علله.
فغير جايز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الّذي عليه مدار حياته الدنيويّة وإليه تنتسب سعادته وشقاؤة، وهو أحد أجزاء علل الحوادث الّتي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال والملكات الحاصلة من أفعاله، غير أنّه كما لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل، وإبطال حكمه في التأثير، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سبباً وحيداً، وعلّة تامّة إليه تستند الحوادث، من غير أن يشاركه شئ آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه الّتي في رأسها الإرادة الإلهيّة فإنّه يتفرّع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل، والفرح والأسى، والغمّ ونحو ذلك.
يقول الجاهل: أنا الّذي فعلت كذا وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله - وهو جاهلٌ بأنّ بقيّة الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص، وهي اُلوف واُلوف لو لم يمهّد له الأمر لم يسدّ اختياره شيئاً، ولا أغني عن شئ - يقول الجاهل: لو أنّي فعلت كذا لما تضرّرت بكذا، أو لما فات عنّي كذا، وهو جاهلٌ بأنّ هذا الفوت أو الموت يستند عدمه - أعني الربح أو العافية، أو الحياة - إلى اُلوف واُلوف من العلل يكفي في انعدامها - أعني في تحقّق الفوات أو الموت - انعدام واحد منها، وإن كان اختياره موجوداً، على أنّ نفس اختيار الإنسان مستندٌ إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان فالاختيار لا يكون بالاختيار.
فإذا عرفت ما ذكرنا وهو حقيقةٌ قرآنيّةٌ يعطيها التعليم الإلهيّ كما مرّ، ثمّ تدبّرت في الآيات الشريفة الّتي في المورد وجدت أنّ القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض.
فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال
حكم الاختيار فإنّ القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كلّ الدفع كقوله تعالى:( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) الأعراف - ٢٨.
وما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التّأثير، وكونه سبباً تامّاً غير محتاج في التأثير، ومستغنياً عن غيره، فإنّه يثبت إستناده إلى القضاء ويهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط الّذي لا يخطئ بسالكه، حتّى ينتفي عنه رذائل الصفات الّتي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلاً، ولا يحزن بما فقده جهلاً كما في قوله تعالى:( وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) النور - ٣٣، فإنّه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى، وكما في قوله تعالى:( وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) البقرة - ٣، فإنّه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنّه من رزق الله تعالى، وكما في قوله تعالى:( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) الكهف - ٧، نهى رسوله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) عن الحزن والغمّ استناداً إلى أن كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه بل ما على الأرض من شئ اُمورٌ مجعولةٌ عليها للابتلاء والامتحان إلى غير ذلك.
وهذا المسلك أعنى الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق طريقة الأنبياء، ومنه شئ كثير في القرآن، وفيما ينقل إلينا من الكتب السماويّة.
وهيهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم لا يوجد في شئ ممّا نقل إلينا من الكتب السماويّة، وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين، ولا في المعارف المأثورة من الحكماء الإلهيّين، وهو تربية الإنسان وصفاً وعلماً باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها موضوع الرذائل، وبعبارة أخرى إزالة الأوصاف الرذيلة بالرفع لا بالدفع.
وذلك كما أنّ كلّ فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إمّا عزّة في المطلوب يطمع فيها، أو قوّة يخاف منها ويحذر عنها، لكنّ الله سبحانه يقول:( إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) يونس - ٦٥، ويقول:( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ) البقرة - ١٦٥، والتحقّق بهذا العلم الحقّ لا يبقى موضوعاً لرياء، ولا سمعة، ولا خوفاً من غير الله، ولا رجاء لغيره، و
لا ركون إلى غيره، فهاتان القصيّتان إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان كلّ ذميمة وصفاً أو فعلاً عن الإنسان وتحلّيان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهيّة من التقوى بالله، والتعزّز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهيّة ربّانيّة.
وأيضاً قد تكرّر في كلامه تعالى: أنّ الملك لله، وأنّ له ملك السماوات والأرض وأنّ له ما في السماوات والأرض وقد مرّ بيانه مراراً، وحقيقة هذا الملك كما هو ظاهر لا تبقى لشئ من الموجودات استقلالاً دونه، واستغناءً عنه بوجه من الوجوه، فلا شئ إلّا وهو سبحانه المالك لذاته ولكلّ ما لذاته، وإيمان الإنسان بهذا الملك وتحقّقه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتاً ووصفاً وفعلاً عنده عن درجة الاستقلال، فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى، ولا أن يخضع لشئ، أو يخاف أو يرجو شيئاً، أو يلتذّ أو يبتهج بشئ، أو يركن إلى شئ أو يتوكّل على شئ أو يسلّم لشئ أو يفوّض إلى شئ، غير وجهه تعالى. وبالجملة لا يريد ولا يطلب شيئاً إلّا وجهه الحقّ الباقي بعد فناء كلّ شئ، ولا يعرض إعراضاً ولا يهرب إلّا عن الباطل الّذي هو غيره الّذي لا يرى لوجوده وقعاً ولا يعبأ به قبال الحقّ الّذي هو وجود باريه جلّ شأنه.
وكذلك قوله تعالى:( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ) طه - ٨، وقوله:( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الأنعام - ١٠٢، وقوله:( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) السجدة - ٧، وقوله:( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) طه - ١١١، وقوله:( كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) البقرة - ١١٦، وقوله:( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) الإسراء - ٢٣، وقوله:( أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) فصّلت - ٥٣، وقوله:( أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ) فصّلت - ٥٤، وقوله:( وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ ) النجم - ٤٢.
ومن هذا الباب الآيات الّتي نحن فيها وهي قوله تعالى:( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) إلى آخرها فإنّ هذه الآيات وأمثالها مشتملة على معارف خاصّة إلهيّة ذات نتائج خاصّة حقيقيّة لا تشابه تربيتها نوع التربية الّتي يقصدها حكيم أخلاقيّ في فنّه. ولا نوع التربية الّتي سنّها الأنبياء في شرائعهم، فإنّ المسلك الأوّل كما عرفت مبنيّ على العقائد العامّة الاجتماعيّة
في الحسن والقبح والمسلك الثاني مبنيّ على العقائد العامّة الدينيّة في التكاليف العبوديّة ومجازاتها، وهذا المسلك الثالث مبنيّ على التوحيد الخالص الكامل الّذي يختصّ به الإسلام على مشرّعه وآله أفضل الصلاة هذا.
فإنّ تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الّذي يبحث فيه عن تمدّن الإسلام وحاصله: أنّ الّذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شؤن المدنيّة الّتي بسطتها الدعوة الدينيّة الإسلاميّة بين الناس من متّبعيها، والمزايا والخصائص الّتي خلّفها و ورّثها فيهم من تقدّم الحضارة وتعالي المدنيّة، وأمّا المعارف الدينيّة الّتي يشتمل عليه الإسلام فهي موادّ أخلاقيّة يشترك فيها جميع النبوّات، ويدعو إليها جميع الأنبياء هذا.
وأنت بالإحاطة بما قدّمناه من البيان تعرف سقوط نظره، وخبط رأيه فإنّ النتيجة فرع لمقدّمتها، والآثار الخارجيّة المترتّبة على التربية إنّما هي مواليد ونتائج لنوع العلوم والمعارف الّتي تلقّاها المتعلّم المتربّي، وليسا سواءً قول يدعو إلى حقّ نازل وكمال متوسّط وقول يدعو إلى محض الحقّ وأقصى الكمال، وهذا حال هذا المسلك الثالث، فأوّل المسالك يدعو إلى الحقّ الاجتماعيّ، وثانيها يدعو إلى الحقّ الواقعيّ والكمال الحقيقيّ الّذي فيه سعادة الإنسان في حياتة لآخرة، وثالثها يدعو إلى الحقّ الّذي هو الله، ويبني تربيته على أنّ الله سبحانه واحدٌ لا شريك له، وينتج العبوديّة المحضة، وكم بين المسالك من فرق !
وقد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الإنسانيّ جمّاً غفيراً من العباد الصالحين، والعلماء الربّانيّين، والأولياء المقرّبين رجالاً ونساء، وكفى بذلك شرفاً للدين.
على أنّ هذا المسلك ربّما يفترق عن المسلكين الأخيرين بحسب النتائج، فإنّ بنائه على الحبّ العبوديّ، وايثار جانب الربّ على جانب العبد. ومن المعلوم أنّ الحبّ والوله والتيم ربّما يدلّ الإنسان المحبّ على اُمور لا يستصوبه العقل الاجتماعيّ الّذي هو ملاك أخلاق الاجتماعيّة، أو الفهم العامّ العاديّ الّذي هو أساس التكاليف العامّة الدينيّة، فللعقل أحكامٌ، وللحبّ أحكام، وسيجئ توضيح هذا المعنى في بعض الأبحاث الآتية إنشاء الله تعالى.
قوله تعالى: ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) الآية. التدبّر في الآية يعطي أنّ الصلاة غير الرحمة بوجه، ويشهد به جمع الصلاة وإفراد الرحمة وقد قال تعالى:( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) الاحزاب - ٤٣، والآية تفيد كون قوله:( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) ، في موقع العلّة لقوله: هو الّذي يصلّي عليكم، والمعنى أنّه إنّما يصلّي عليكم، وكان من اللّازم المترقّب ذلك، لأنّ عادته جرت على الرحمة بالمؤمنين، وأنتم مؤمنون فكان من شأنكم أن يصلّي عليكم حتّى يرحمكم، فنسبة الصلاة إلى الرحمة نسبة المقدّمة إلى ذيها وكالنسبة الّتي بين الالتفات والنظر، والّتى بين الالقاء في النار والإحراق مثلاً، وهذا يناسب ما قيل في معنى الصلاة: أنّها الانعطاف والميل، فالصلاة من الله سبحانه إنعطاف إلى العبد بالرحمة ومن الملائكة إنعطاف إلى الإنسان بالتوسّط في إيصال الرحمة، ومن المؤمنين رجوع ودعاءٌ بالعبوديّة وهذا لا ينافي كون الصلاة بنفسها رحمة ومن مصاديقها، فإنّ الرحمة في القرآن على ما يعطيه التدبّر في مواردها هي العطيّة المطلقة الإلهيّة، والموهبة العامّة الربّانيّة، كما قال تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) الأعراف - ١٥٦، وقال تعالى:( وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) الأنعام - ١٣٣، فالإذهاب لغناه والاستخلّف والإنشاء لرحمتة، وهما جميعاً يستندان إلى رحمته كما يستندان إلى غناه فكلّ خلق وأمر رحمةٌ، كما أنّ كلّ خلق وأمر عطيّة تحتاج إلى غني، قال تعالى:( وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الاسراء - ٢٠، وإن عطيّته الصلاة فهي أيضاً من الرحمة غير أنّها رحمةٌ خاصّة، ومن هنا يمكن أن يوجّه جمع الصلاة وإفراد الرحمة في الآية.
قوله تعالى: ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) كأنّه بمنزلة النتيجة لقوله: أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة، ولذلك جدّد اهتدائهم جملة ثانية مفصولة عن الاُولى، ولم يقل: صلوات من ربّهم ورحمةٌ وهدايةٌ، ولم يقل: واولئك هم المهديّون بل ذكر قبولهم للهداية بالتعبير بلفظ الاهتداء الّذي هو فرع مترتّب على الهداية، فقد تبيّن
أنّ الرحمة هدايتهم إليه تعالى، والصلوات كالمقدّمات لهذه الهداية واهتدائهم نتيجة هذه الهداية، فكلّ من الصلاة والرحمة والاهتداء غير الآخر وإن كان الجميع رحمةً بنظر آخر.
فمثل هؤلاء المؤمنين في ما يخبره الله من كرامته عليهم مثل صديقك تلقاه وهو يريد دارك، ويسأل عنها يريد النزول بك فتلّقاه بالبشر والكرامة، فتورده مستقيم الطريق وأنت معه تسيّره، ولا تدعه يضلّ في مسيره حتّى تورده نُزله من دارك وتعاهده في الطريق بمأكله ومشربه، وركوبه وسيره، وحفظه من كلّ مكروه يصيبه فجميع هذه الاُمور إكرام واحدٌ لأنّك إنّما تريد إكرامه، وكلّ تعاهد تعاهدٌ وإكرامٌ خاصّ والهداية غير الإكرام، وغير التعاهد، وهو مع ذلك إكرامٌ فكلّ منها تعاهد وكلّ منها هداية وكل منها إكرام خاصّ، والجميع إكرامٌ، فالإكرام الواحد العامّ بمنزلة الرحمة والتعاهدات في كلّ حين بمنزلة الصلوات، والنزول في الدار بمنزلة الاهتداء.
والإتيان بالجملة الاسميّة في قوله: واُولئك هم المهتدون، والابتداء باسم الإشاره الدالّ على البعيد، وضمير الفصل ثانياً وتعريف الخبر بلام الموصول في قوله: المهتدون كلّ ذلك لتعظيم أمرهم وتفخيمه - والله أعلم -.
( بحث روائي)
في البرزخ وحياة الروح بعد الموت
في تفسير القمّيّ عن سويد بن غفلة عن أميرالمؤمنينعليهالسلام قال: إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من الدنيا، وأوّل يوم من الآخرة مثّل له ماله وولده وعمله، فيلتفت إلى ماله فيقول: والله إنّي كنت عليك لحريصاً شحيحاً، فما لي عندك ؟ فيقول: خذ منّي كفنك، ثمّ يلتفت إلى ولده فيقول: والله إنّي كنت لكم لمحبّاً، وإنّي كنت عليكم لحامياً، فما ذا لي عندكم ؟ فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك ونواريك فيها، ثمّ يلتفت إلى عمله فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهداً، وإنّك كنت عليّ لثقيلاً، فما ذا عندك ؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم حشرك، حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك، فإن
كان لله وليّاً أتاه أطيب الناس ريحاً وأحسنهم منظراً، وأزينهم رياشاً، فيقول: بشّر بروح من الله وريحان وجنّة نعيم، قد قدمت خير مقدّم، فيقول: من أنت ؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنّة، وإنّه ليعرف غاسلة، ويناشد حامله أن يعجّله. فإذا دخل قبره أتاه ملكان، وهما فتّانا القبر، يحبّران أشعارهما، ويحبّران الأرض بأنيابهما، وأصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فيقولان له: من ربّك، ومن نبيّك ؟ وما دينك ؟ فيقول: الله ربّي، ومحمّد نبيّي، والإسلام ديني، فيقولان: ثبّتك الله فيما تحبّ وترضى، وهو قول الله: يثبّت الله الّذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا الآية، فيفسحان له في قبره مدّ بصره، ويفتحان له باباً إلى الجنّة، ويقولان: نم قرير العين نوم الشابّ الناعم، وهو قوله: أصحاب الجنّة يومئذ خيرٌ مستقرّاً وأحسن مقيلاً.
وإذا كان لربّه عدوّاً فإنّه يأتيه أقبح خلق الله رياشاً، وأنتنه ريحاً، فيقول له أبشر بنزل من حميم، وتصليه جحيم، وأنّه ليعرف غاسله، ويناشد حامله أن يحبسه، فإذا أدخل قبره أتيا ممتحنا القبر، فألقيا عنه أكفانه ثمّ قالا له، من ربّك ؟ ومن نبيّك ؟ وما دينك ؟ فيقول: لا أدري فيقولان له: ما دريت ولا هديت، فيضربانه بمرزبه ضربة، ما خلق الله دابّة إلّا وتذعر لها ما خلا الثقلان، ثمّ يفتحان له باباً إلى النار، ثمّ يقولان له: نم بشّر حال، فيبوّء من الضيق مثل ما فيه القنا من الزّج، حتّى أنّ دماغه يخرج من بين ظفره ولحمه، ويسلّط الله عليه حيّات الأرض وعقاربها وهوامّها تنهشه حتّى يبعثه الله من قبره، وإنّه ليتمنى قيام السّاعة ممّا هو فيه من الشرّ.
وفي منتخب البصائرعن أبي بكر الحضرميّ عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لا يسأل في القبر إلّا من محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً فقلت له: فسائر الناس ؟ فقال: يلهى عنهم.
وفي أمالي الشيخ عن ابن ظبيان قال: كنت عند أبي عبداللهعليهالسلام فقال: ما يقول الناس في أرواح المؤمنين بعد موتهم ؟ قلت: يقولون في حواصل طيور خضر ؟ فقال: سبحان الله، المؤمن أكرم على الله من ذلك ! إذا كان ذلك أتاه رسول الله وعليّ وفاطمة
والحسن والحسينعليهمالسلام ، ومعهم ملائكة الله عزّوجلّ المقرّبون، فإن أنطق الله لسانه بالشهادة له بالتوحيد، وللنبيّ بالنبوّة، والولاية لأهل البيت، شهد على ذلك رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام والملائكة المقرّبون معهم وإن اعتقل لسانه خصّ الله نبيّه بعلم ما في قلبه من ذلك، فشهد به، وشهد على شهادة النبيّ: عليّ وفاطمة والحسن والحسين - على جماعتهم من الله أفضل السّلام - ومن حضر معهم من الملائكة فإذا قبضه الله إليه صيّر تلك الروح إلى الجنّة، في صورة كصورته، فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفهم بتلك الصورة الّتي كانت في الدنيا.
وفي المحاسن عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: ذكر الأرواح، أرواح المؤمنين فقال: يلتقون، قلت: يلتقون ؟ قال: نعم يتسائلون و يتعارفون حتّى إذا رأيته قلت: فلان.
وفي الكافي عن أبي عبداللهعليهالسلام قال: إنّ المؤمن ليزور أهله فيرى ما يحبّ. ويستر عنه ما يكره، وإنّ الكافر ليزور أهله، فيرى ما يكره، ويستر عنه ما يحبّ. قال: منهم من يزور كلّ جمعة، ومنهم من يزور على قدر عمله.
وفي الكافي عن الصادقعليهالسلام : أنّ الأرواح في صفة الأجساد في شجر من الجنّة، تعارف وتسائل، فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول: دعوها، فإنّها قد أقبلت من هول عظيم ثمّ يسألونها ما فعل فلان، وما فعل فلان، فإن قلت لهم: تركته حيّاً ارتجوه، وإن قالت لهم: قد هلك، قالوا: قد هوى هوى.
أقول: والرّوايات في باب البرزخ كثيرةٌ، وإنّما نقلنا ما فيه جوامع معنى البرزخ. وفي المعاني المنقولة روايات مستفيضة كثيرة، وفيها دلالة على نشأة مجرّدة عن المادّة
( بحث فلسفي)
هل النفس مجرّدة عن المادّة ؟ (ونعني بالنفس ما يحكى عنه كلّ واحد منّا بقوله، أنا، وبتجرّدها عدم كونها أمراً مادّيّاً ذا انقسام وزمان ومكان).
إنّا لا نشكّ في أنّا نجد من أنفسنا مشاهدة معنى نحكي عنه: بأنا، ولا نشكّ أنّ
كلّ إنسان هو مثلنا في هذه المشاهدة الّتي لا نغفل عنه حيناً من أحيان حياتنا وشعورنا، وليس هو شيئاً من أعضائنا، وأجزاء بدننا الّتي نشعر بها بالحسّ أو بنحو من الاستدلال كأعضائنا الظاهرة المحسوسة بالحواس الظاهرة من البصر واللمس ونحو ذلك، وأعضائنا الباطنة الّتي عرفناها بالحسّ والتجربة، فإنّا ربّما نغفل عن كلّ واحد منها وعن كلّ مجموع منها حتّى عن مجموعها التامّ الّذي نسمّيه بالبدن، ولا نغفل قطّ عن المشهود الّذي نعبّر عنه: بأنا، فهو غير البدن وغير أجزائه.
وأيضاً لو كان هو البدن أو شيئاً من أعضائه أو أجزائه: أو خاصّة من الخواصّ الموجودة فيها - وهى جميعاً مادّيّة، ومن حكم المادّة التغير التّدريجيّ وقبول الانقسام والتجزّي - لكان مادّيّاً متغيّراً وقابلاً للانقسام وليس كذلك فإنّ كلّ أحد إذا رجع إلى هذه المشاهدة النفسانيّة اللّازمة لنفسه، وذكر ما كان يجده من هذه المشاهدة منذ أوّل شعوره بنفسه وجده معنى مشهوداً واحداً باقياً على حاله من غير أدنى تعدّد وتغيّر، كما يجد بدنه وأجزاء بدنه، والخواصّ الموجودة معها متغيّرة متبدّلة من كلّ جهة، في مادّتها وشكلها، وسائر أحوالها وصورها، وكذا وجده معنى بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، كما يجد البدن، وأجزائه وخواصّه - وكلّ مادّة وأمر مادّيّ كذلك - فليست النفس هي البدن، ولا جزءً من أجزائه، ولا خاصّة من خواصّه، سواء أدركناه بشئ من الحواسّ أو بنحو من الاستدلال، أو لم ندرك، فإنّها جميعاً مادّيّة كيفما فرضت، ومن حكم المادّة التغيّر، وقبول الانقسام، والمفروض أن ليس في مشهودنا المسمّى بالنفس شئ من هذه الأحكام فليست النفس بمادّيّة بوجه.
وأيضاً هذا الّذي نشاهده نشاهده أمراً واحداً بسيطاً ليس فيه كثرة من الأجزاء ولا خليط من خارج بل هو واحد صرف فكلّ إنسان يشاهد ذلك من نفسه ويرى أنّه هو وليس بغيره فهذا المشهود أمرٌ مستقلّ في نفسه، لا ينطبق عليه حدّ المادّة ولا يوجد فيه شئٌ من أحكامها اللازمة: فهو جوهرٌ مجرّدٌ عن المادّة، متعلّق بالبدن نحو تعلّق يوجب اتّحاداً ما له بالبدن وهو التعلّق التدبيريّ وهو المطلوب.
وقد أنكر تجرّد النفس جميع المادّيّين، وجمع من الإلهيّين من المتكلّمين، والظاهريّين
من المحدّثين، واستدلّوا على ذلك، وردّوا ما ذكر من البرهان بما لا يخلو عن تكلّف من غير طائل.
قال المادّيّون: إنّ الأبحاث العلميّة على تقدّمها وبلوغها اليوم إلى غاية الدقّة في فحصها وتجسّسها لم تجد خاصّة من الخواصّ البدنيّة إلّا وجدت علّتها المادّيّه، ولم تجد أثراً روحيّاً لا يقبل الانطباق على قوانين المادّة حتّى تحكم بسببها بوجود روح مجرّدة.
قالوا: وسلسلة الأعصاب تؤدّي الإدراكات إلى العضو المركزيّ وهو الجزء الدماغيّ على التوالي وفي نهاية السّرعة، ففيه مجموعة متّحدة ذات وضع واحد لا يتميّز أجزائها ولا يدرك بطلان بعضها، وقيام الآخر مقامه، وهذا الواحد المتحصّل هو نفسنا الّتي نشاهدها، ونحكي عنها بأنا، فالّذي نرى أنّه غير جميع أعضائنا صحيح إلّا أنّه لا يثبت أنّه غير البدن وغير خواصّه، بل هو مجموعة متّحدة من جهة التوالي والتوارد لا نغفل عنه، فإنّ لازم الغفلة عنه على ما تبيّن بطلان الأعصاب ووقوفها عن أفعالها وهو الموت، والّذي نرى أنّه ثابتٌ، صحيح لكنّه لا من جهة ثباته وعدم تغيّره في نفسه بل الأمر مشتبه على المشاهدة من جهة توالي الواردات الإدراكيّة وسرعة ورودها، كالحوض الّذي يرد عليه الماء من جانب ويخرج من جانب بما يساويه وهو مملوٌّ دائماً، فما فيه من الماء يجده الحسّ واحداً ثابتاً، وهو بحسب الواقع لا واحدٌ ولا ثابت، وكذا يجد عكس الإنسان أو الشجر أو غيرهما فيه واحداً ثابتاً وليس واحداً ثابتاً بل هو كثيرٌ متغيّر تدريجاً بالجريان التّدريجيّ الّذي لأجزاء الماء فيه، وعلى هذا النحو وجود الثبات والوحدة والشخصيّة الّتي نرى في النفس.
قالوا: فالنفس الّتي يقام البرهان على تجرّدها من طريق المشاهدة الباطنيّة هي في الحقيقة مجموعة من خواصّ طبيعيّة، وهي الإدراكات العصبيّة الّتي هي نتائج حاصلة من التّأثير والتّأثّر المتقابلين بين جزء المادّة الخارجيّة، وجزء المركّب العصبيّ، ووحدتها وحدة اجتماعيّة لا وحدة واقعيّة حقيقيّة.
أقول: أمّا قولهم: إنّ الأبحاث العلميّة المبتنية على الحسّ والتجربة لم تظفر في سيرها الدقيق بالروح، ولا وجدت حكماً من الأحكام غير قابل التعليل إلّا بها فهو
كلام حقّ لا ريب فيه لكنّه لا ينتج انتفاء النفس المجرّدة الّتي أقيم البرهان على وجودها، فإنّ العلوم الطبيعيّة الباحثة عن أحكام الطبيعة وخواصّ المادّة إنّما تقدر على تحصيل خواصّ موضوعها الّذي هو المادّة، وإثبات ما هو من سنخها، وكذا الخواصّ والأدوات المادّيّة الّتي نستعملها لتتميم التجارب المادّيّ إنّما لها أن تحكم في الأمور المادّيّة، وأمّا ما وراء المادّة والطبيعة، فليس لها أن تحكم فيها نفياً ولا إثباتاً، وغاية ما يشعر البحث المادّيّ به هو عدم الوجدان، وعدم الوجدان غير عدم الوجود، وليس من شأنه كما عرفت أن يجد ما بين المادّة الّتي هي موضوعها، ولا بين أحكام المادّة وخواصّها الّتي هي نتائج بحثها أمراً مجرّداً خارجاً عن سنخ المادّة وحكم الطبيعة.
والّذي جرّأهم على هذا النفي زعمهم أنّ المثبتين لهذه النفس المجرّدة إنّما أثبتوها لعثورهم إلى أحكام حيويّة من وظائف الأعضاء ولم يقدروا على تعليلها العلميّ، فأثبتوا النفس المجرّدة لتكون موضوعاً مبدئاً لهذه الأفاعيل، فلمّا حصل العلم اليوم على عللها الطبيعيّة لم يبق وجهٌ للقول بها، نظير هذا الزّعم ما زعموه في باب إثبات الصانع.
وهو اشتباه فاسدٌ فإنّ المثبتين لوجود هذه النفس لم يثبتوها لذلك ولم يسندوا بعض الأفاعيل البدنيّة إلى البدن فيما علله ظاهرةٌ، وبعضها إلى النفس فيما علله مجهولة، بل أسندوا الجميع إلى العلل البدنيّة بلا واسطة وإلى النفس بواسطتها، وإنّما اسندوا إلى النفس ما لا يمكن إسناده إلى البدن ألبتّة وهو علم الإنسان بنفسه ومشاهدته ذاته كما مرّ.
وأمّا قولهم: إنّ الإنّيّة المشهودة للإنسان على صفة الوحدة هي عدّة من الإدراكات العصبيّة الواردة على المركز على التوالي وفي نهاية السرعة - ولها وحدة اجتماعيّة - فكلام لا محصّل له ولا ينطبق عليه الشهود النّفسانيّ ألبتّة، وكأنّهم ذهلوا عن شهودهم النفسانيّ فعدلوا عنه إلى ورود المشهودات الحسّيّة إلى الدماغ واشتغلوا بالبحث عمّا يلزم ذلك من الآثار التالية وليت شعري إذا فرض أنّ هناك أموراً كثيرة بحسب الواقع لا وحدة لها ألبتّة، وهذه الاُمور الكثيرة الّتي هي الإدراكات اُمورٌ مادّيّة ليس ورائها شئٌ آخر إلّا نفسها،
وأنّ الأمر المشهود الّذي هو النفس الواحدة هو عين هذه الإدراكات الكثيرة، فمن أين حصل هذا الواحد الّذي لا نشاهد غيره ؟ ومن أين حصلت هذه الوحدة المشهودة فيها عياناً ؟ والّذي ذكروه من وحدتها الاجتماعيّة كلامُ أشبه بالهزل منه بالجدّ فإنّ الواحد الاجتماعيّ هو كثيرٌ في الواقع من غير وحدة وإنّما وحدتها في الحسّ أو الخيال كالدار الواحدة والخطّ الواحد مثلاً، لا في نفسه، والمفروض في محلّ كلامنا أنّ الإدراكات والشعورات الكثيرة في نفسها هي شعورٌ واحد عند نفسها فلازم قولهم إنّ هذه الإدراكات في نفسها كثيرة لا ترجع إلى وحدة أصلاً، وهي بعينها شعور واحد نفسانيّ واقعاً، وليس هناك أمر آخر له هذه الإدراكات الكثيرة فيدركها على نعت الوحدة كما يدرك الحاسّة أو الخيال المحسوسات أو المتخيّلات الكثيرة المجتمعة على وصف الوحدة الاجتماعيّة، فإنّ المفروض أنّ مجموع الإدراكات الكثيرة في نفسها نفس الإدراك النفسانيّ الواحد في نفسه. ولو قيل: إنّ المدرك هيهنا الجزء الدماغيّ يدرك الإدراكات الكثيرة على نعت الوحدة كان الإشكال بحاله، فإنّ المفروض أنّ إدراك الجزء الدماغيّ نفس هذه الإدراكات الكثيرة المتعاقبة بعينها، لا أنّ للجزء الدماغيّ قوّة إدراك تتعلّق بهذه الإدراكات كتعلّق القوى الحسّيّة بمعلوماتها الخارجيّة وانتزاعها منها صوراً حسّيّة، فافهم ذلك.
والكلام في كيفيّة حصول الثبات والبساطة في هذا المشهود الّذي هو متغيّر متجزّ في نفسه كالكلام في حصول وحدته.
مع أنّ هذا الفرض أيضاً - أعني أن يكون الإدراكات الكثيرة المتوالية المتعاقبة مشعورة بشعور دماغيّ على نعت الوحدة - نفسه فرض غير صحيح. فما شأن الدماغ والقوّة الّتي فيه، والشعور الّذي لها، والمعلوم الّذي عندها، وهي جميعاً أمورٌ مادّيّة، ومن شأن المادّة والمادّيّ الكثرة، والتغيّر، وقبول الانقسام، وليس في هذه الصورة العلميّة شئ من هذه الأوصاف والنعوت، وليس غير المادّة والمادّيّ هناك شئ؟
وقولهم: إنّ الأمر يشتبه على الحسّ أو القوّة المدركة، فيدرك الكثير المتجزّي
المتغيّر واحداً بسيطاً ثابتاً غلطٌ واضح، فإنّ الغلط والاشتباه من الاُمور النسبيّة الّتي تحصل بالمقايسة والنسبة، لا من الاُمور النفسيّة، مثال ذلك أنّا نشاهد الأجرام العظيمة السماويّة صغيرة كالنقاط البيض، ونغلط في مشاهدتنا هذه، على ما تبيّنه البراهين العلميّة، وكثيرٌ من مشاهدات حواسّنا إلّا أنّ هذه الأغلاط إنّما تحصل وتوجد إذا قايسنا ما عند الحسّ ممّا في الخارج من واقع هذه المشهودات، وأمّا ما عند الحسّ في نفسه فهو أمرٌ واقعيّ كنقطة بيضآء لا معنى لكونه غلطاً ألبتّة.
والأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ حواسّنا وقوانا المدركة إذا وجدت الأمور الكثيرة المتغيّرة المتجزيّة على صفة الوحدة والثبات والبساطة كانت القوى المدركة غالطة في إدراكها مشتبهة في معلومها بالقياس إلى المعلوم الّذي في الخارج. وأمّا هذه الصورة العلميّة الموجودة عند القوّة فهي واحدة ثابتة بسيطة في نفسها ألبتّة، ولا يمكن أن يقال للأمر الّذي هذا شأنه: إنّه مادّيّ لفقده أوصاف المادّة العامّة.
فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا أنّ الحجّة الّتي أوردها المادّيّون من طريق الحسّ والتجربة إنّما ينتج عدم الوجدان، وقد وقعوا في المغالطة بأخذ عدم الوجود (وهو مدّعاهم) مكان عدم الوجدان، وما صوّروه لتقرير الشهود النفسانيّ المثبت لوجود أمر واحد بسيط ثابت تصويرٌ فاسد لا يوافق، لا الاُصول المادّيّة المسلّمة بالحسّ والتجربة، ولا واقع الأمر الّذي هو عليه في نفسه.
وأمّا ما افترضه الباحثون في علم النفس الجديد في أمر النفس وهو أنّه الحالة المتّحدة الحاصلة من تفاعل الحالات الروحيّة، من الإدراك والإرادة والرضا والحبّ وغيرها المنتجة لحالة متّحدة مؤلّفة فلا كلام لنا فيه، فإنّ لكلّ باحث أن يفترض موضوعاً ويضعه موضوعاً لبحثه، وإنّما الكلام فيه من حيث وجوده وعدمه في الخارج والواقع مع قطع النظر عن فرض الفارض وعدمه، وهو البحث الفلسفيّ كما هو ظاهر على الخبير بجهات البحث.
وقال قوم آخرون من نفاة تجرّد النفس من الملّيّين: إنّ الّذي يتحصّل من الاُمور المربوطة بحياة الإنسان كالتشريح والفيزيولوجي أنّ هذه الخواصّ الروحيّة
الحيويّة تستند إلى جراثيم الحياة والسلولات الّتي هي الاُصول في حياة الإنسان وسائر الحيوان وتتعلّق بها، فالروح خاصّة وأثرٌ مخصوص فيها لكلّ واحد منها أرواح متعدّدة فالّذي يسمّيه الإنسان روحاً لنفسه ويحكي عنه بأنا مجموعة متكوّنة من أرواح غير محصورة على نعت الاتّحاد والاجتماع. ومن المعلوم أنّ هذه الكيفيّات الحيويّة والخواصّ الروحيّة تبطل بموت الجراثيم والسلّولات وتفسد بفسادها فلا معنى للروح الواحدة المجرّدة الباقية بعد فناء التركيب البدنيّ غاية الأمر أنّ الاُصول المادّيّة المكتشفة بالبحث العلميّ لما لم تف بكشف رموز الحياة كان لنا أن نقول: إنّ العلل الطّبيعيّة لا تفي بإيجاد الروح فهي معلولة لموجود آخر وراء الطبيعة، وأمّا الاستدلال على تجرّد النفس من جهة العقل محضاً فشئ لا يقبله ولا يصغي إليه العلوم اليوم لعدم اعتمادها على غير الحسّ والتجربة، هذا.
أقول: وأنت خبيرٌ بأنّ جميع ما أوردناه على حجّة المادّيّين واردٌ على هذه الحجّة المختلقة من غير فرق ونزيدها أنّها مخدوشةأوّلاً: بأنّ عدم وفاء الأصول العلميّة المكتشفة إلى اليوم ببيان حقيقة الروح والحياة لا ينتج عدم وفائها أبداً ولا عدم انتهاء هذه الخواصّ إلى العلل المادّيّة في نفس الأمر على جهل منّا، فهل هذا إلّا مغالطة وضع فيها العلم بالعدم مكان عدم العلم ؟
وثانياً: بأنّ استناد بعض حوادث العالم - وهي الحوادث المادّيّة - إلى المادّة، وبعضها الآخر وهي الحوادث الحيويّة إلى أمر وراء المادّة - وهو الصانع - قولٌ بأصلين في الإيجاد، ولا يرتضيه المادّيّ ولا الإلهيّ، وجميع أدلّة التوحيد يبطله.
وهنا إشكالات اُخر أوردوها على تجرّد النفس مذكورة في الكتب الفلسفيّة والكلاميّة غير أنّ جميعها ناشئة عن عدم التأمّل والإمعان فيما مرّ من البرهان، وعدم التثبّت في تعقّل الغرض منه، ولذلك أضربنا عن إيرادها، والكلام عليها. فمن أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى مظانّها، والله الهادي
( بحث اخلاقي)
علم الأخلاق (وهو الفنّ الباحث عن الملكات الإنسانيّة المتعلّقة بقواه النباتيّة والحيوانيّة والإنسانيّة، وتميّز الفضائل منها من الرذائل ليستكمل الإنسان التحلّي والاتّصاف بها سعادته العلميّة، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العامّ والثناء الجميل من المجتمع الإنسانيّ) يظفر ببحثه أنّ الأخلاق الإنسانيّة تنتهي إلى قوى عامّة ثلاثة فيه هي الباعثة للنّفس على اتّخاذ العلوم العمليّة الّتي تستند وتنتهي إليها أفعال النوع وتهيئتها وتعبيتها عنده، وهي القوى الثلاث: الشهويّة والغضبيّة والنطقيّة الفكريّة، فإنّ جميع الأعمال والأفعال الصادرة عن الإنسان إمّا من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالأكل والشرب واللبس وغيرها، وإمّا من الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرّة كدفاع الإنسان عن نفسه وعرضه وماله ونحو ذلك. وهذه الأفعال هي الصادرة عن المبدء الغضبيّ كما أنّ القسم السابق عليها صادرٌ عن المبدا الشهويّ، وإمّا من الأعمال المنسوبة إلى التّصوّر والتصديق الفكريّ، كتأليف القياس وإقامة الحجّة وغير ذلك وهذه الأفعال صادرةٌ عن القوّة النطقيّة الفكريّة، ولمّا كانت ذات الإنسان كالمؤلّفة، المركّبة من هذه القوى الثلاث الّتي باتّحادها وحصول الوحدة التركيبيّة منها يصدر أفعال خاصّة نوعيّة، ويبلغ الإنسان سعادتة الّتي من أجلها جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع أن لا يدع قوّة من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، وتميل عن حاقّ الوسط إلى طرفي الزيادة والنقيصة، فإنّ في ذلك خروج جزء المركّب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب وفي ذلك خروج المركّب عن كونه ذاك المركّب ولازمه بطلان غاية التركيب الّتي هي سعادة النوع.
وحدّ الاعتدال في القوّة الشهويّة - وهي استعمالها على ما ينبغي كمّاً وكيفاً - يسمّي عفّة، والجانبان في الإفراط والتفريط الشره والخمود. وحدّ الاعتدال في
القوّة الغضبيّة هي الشجاعة والجانبان التهوّر والجبن، وحدّ الاعتدال في القوّة الفكريّة تسمّي حكمة والجانبان الجربزة والبلادة، وتحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكة رابعة هي كالمزاج من الممتزج، وهي الّتي تسمّى عدالة، وهي إعطاء كلّ ذي حقّ من القوي حقّة، ووضعه في موضعه الّذي ينبغي له، والجانبان فيها الظلم والانظلام.
فهذه أصول الأخلاق الفاضلة أعني: العفّة والشجاعة والحكمة والعدالة، ولكلّ منها فروغٌ ناشئة منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الاُصول المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود والسخاء، والقناعة والشكر، والصبر والشهامة، والجرئة والحياء، والغيرة والنصيحة، والكرامة والتواضع، وغيرها، هي فروع الأخلاق الفاضلة المضبوطة في كتب الأخلاق (وهاك شجرة تبيّن أصولها وتفرّع فروعها) وعلم الأخلاق يبيّن حدّ كلّ واحد منها ويميّزها من جانبيها في الإفراط والتفريط، ثمّ يبيّن أنّها حسنة جميلة ثمّ يشير إلى كيفيّة اتّخاذها ملكة في النفس من طريقي العلم والعمل أعنى الإذعان بأنّها حسنة جميلة، وتكرار العمل بها حتّى تصير هيئة راسخة في النفس.
مثاله أن يقال: إنّ الجبن إنّما يحصل من تمكّن الخوف من النفس، والخوف إنّما يكون من أمر ممكن الوقوع وعدم الوقوع، والمساوي الطرفين يقبح ترجيح أحد طرفيه على الآخر من غير مرجّح والإنسان العاقل لا ينبغي له ذلك فلا ينبغي للإنسان أن يخاف.
فإذا لقّن الإنسان نفسه هذا القول ثمّ كرّر الإقدام والورود في المخاوف والمهاول زالت عنه رذيلة الخوف، وهكذا الأمر في غيره من الرذائل والفضائل.
فهذا ما يقتضيه المسلك الأوّل على ما تقدّم في البيان وخلاصته إصلاح النّفس وتعديل ملكاتها لغرض الصفة المحمودة والثناء الجميل.
ونظيره ما يقتضيه المسلك الثاني، وهو مسلك الأنبياء وأرباب الشرائع، وإنّما التفاوت من حيث الغرض والغاية، فإنّ غاية الاستكمال الخلقيّ في المسلك الأوّل الفضيلة المحمودة عند الناس والثناء الجميل منهم، وغايته في المسلك الثاني السعادة الحقيقيّة للإنسان
وهو استكمال الإيمان بالله وآياته، والخبر الاُخرويّ وهي سعادة وكمال في الواقع لا عند الناس فقط. ومع ذلك فالمسلكان يشتركان في أنّ الغاية القصوى والغرض فيها الفضيلة الإنسانيّة من حيث العمل.
وأمّا المسلك الثالث المتقدّم بيانه فيفارق الأوّلين بأنّ الغرض فيه ابتغاء وجه الله لا اقتناء الفضيلة الإنسانيّة ولذلك ربّما اختلف المقاصد الّتي فيه مع ما في المسلكين الأوّلين فربّما كان الاعتدال الخلقيّ فيه غير الاعتدال الّذي فيهما وعلى هذا القياس، بيان ذلك أنّ العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد والازدياد انجذبت نفسه إلى التفكّر في ناحية ربّه، واستحضار أسمائه الحسنى، وصفاتة الجميلة المنزّهة عن النقص والشين ولا تزال تزيد نفسه انجذاباً، وتترقّى مراقبة حتّى صار يعبدالله كأنّه يراه وأنّ ربّه يراه، ويتجلّي له في مجالي الجذبة والمراقبة والحبّ فيأخذ الحبّ في الاشتداد لأنّ الإنسان مفطورٌ على حبّ الجميل، وقد قال تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ) البقرة - ١٦٥، وصار يتّبع الرسول في جميع حركاته وسكناته لأنّ حبّ الشئ يوجب حبّ آثاره، والرسول من آثاره وآياته كما أنّ العالم أيضاً آثاره وآياته تعالى، ولا يزال يشتدّ هذا الحبّ ثمّ يشتدّ حتّى ينقطع إليه من كلّ شئ، ولا يحبّ إلّا ربّه، ولا يخضع قلبه إلّا لوجهه فإنّ هذا العبد لا يعثر بشئ، ولا يقف على شئ وعنده شئ من الجمال والحسن إلّا وجد أنّ ما عنده أنموذج يحكي ما عنده من كمال لا ينفد وجمال لا يتناهى وحسن لا يحدّ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، وكلّ ما كان لغيره فهو له، لأنّ كلّ ما سواه آية له ليس له إلّا ذلك، والآية لا نفسيّة لها، وإنّما هي حكاية تحكي صاحبها، وهذا العبد قد استولى سلطان الحبّ على قلبه، ولا يزال يستولي، ولا ينظر إلى شئ إلّا لأنّه آية من آيات ربّه، وبالجملة فينقطع حبّه عن كلّ شئ إلى ربّه، فلا يحبّ شيئاً إلّا لله سبحانه وفي الله سبحانه.
وحينئذ يتبدّل نحو إدراكه وعمله فلا يرى شيئاً إلّا ويرى الله سبحانه قبله ومعه، وتسقط الأشياء عنده من حيّز الاستقلال فما عنده من صور العلم والإدراك غير ما عند الناس لأنّهم إنّما ينظرون إلى كلّ شئ من ورآء حجاب الاستقلال بخلافه، هذا من جهة
العلم، وكذلك الأمر من جهة العمل فإنّه إذا كان لا يحبّ إلّا لله فلا يريد شيئاً إلّا لله وابتغاء وجهه الكريم، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف، ولا يختار، ولا يترك، ولا ييأس ولا يستوحش، ولا يرضى، ولا يسخط إلّا لله وفي الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض وتتبدّل غاية أفعاله فإنّه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال لأنّه فضيلة إنسانيّة، ويحذر الفعل أو الخلق لأنّه رذيلة إنسانيّه. وأمّا الآن فإنّما يريد وجه ربّه، ولا هم له في فضيلة ولا رذيلة، ولا شغل له بثناء جميل، وذكر محمود، ولا التفات له إلى دنياً أو آخرة أو جنّة أو نار، وإنّما همّه ربّه، وزاده ذلّ عبوديّته، ودليله حبّه.
روت لي أحاديث الغرام صبابة |
بإسنادها عن جيرة العلم الفرد |
|
وحدّثني مرّ النسيم عن الصبا |
عن الدوح عن وادي الغضا عن ربى نجد |
|
عن الدمع عن عينى القريح عن الجوى |
عن الحزن عن قلبي الجريح عن الوجد |
|
بأنّ غرامي والهوى قد تحالفا |
على تلفي حتّى أوسّد في لحدي |
وهذا البيان الّذي أوردناه وإن آثرنا فيه الإجمال والاختصار لكنّك إن أجدت فيه التأمّل وجدته كافياً في المطلوب وتبيّن أنّ هذا المسلك الثالث يرتفع فيه موضوع الفضيلة والرذيلة، ويتبدّل فيه الغاية والغرض أعني الفضيلة الإنسانيّة إلى غرض واحد، وهو وجه الله، وربّما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما هو معدود في غيره فضيلة رذيلة فيه وبالعكس.
بقي هنا شئ وهو أنّ هيهنا نظريّة اُخرى في الأخلاق تغاير ما تقدّم، وربّما عدّ مسلكاً آخر، وهي: أنّ الأخلاق تختلف اُصولاً وفروعاً بإختلاف الاجتماعات المدنيّة لإختلاف الحسن والقبح من غير أن يرجع إلى أصل ثابت قائم على ساق، وقد ادّعى أنّها نتيجة النظريّة المعروفة بنظريّة التحوّل والتكامل في المادّة.
قالوا: إنّ الاجتماع الإنسانيّ مولود جميع الاحتياجات الوجوديّة الّتي يريد الإنسان أن يرفعها بالاجتماع، ويتوسّل بذلك، إلى بقاء وجود الاجتماع الّذي يراه بقاء وجود شخصه، وحيث أنّ الطبيعة محكومة لقانون التحوّل والتكامل كان الاجتماع
أيضاً متغيّراً في نفسه، ومتوجّهاً في كلّ حين إلى ما هو أكمل وأرقى، والحسن والقبح - وهما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال وعدم موافقته له - لا معنى لبقائهما على حال واحد، وجمودهما على نهج فارد، فلا حسن مطلقاً، ولا قبح مطلقاً، بل هما دائماً نسبيّان مختلفان بإختلاف الاجتماعات بحسب الأمكنة والأزمنة، وإذا كان الحسن والقبح نسبيّين متحوّلين وجب التغيّر في الأخلاق، والتبدّل في الفضائل والرذائل، ومن هنا يستنتج أنّ الأخلاق تابعة للمرام القوميّ الّذي هو وسيله إلى نيل الكمال المدنيّ والغاية الاجتماعيّة، لتبعيّة الحسن والقبح لذلك، فما كان به التقدّم والوصول إلى الغاية والغرض كان هو الفضيلة وفيه الحسن، وما كان يدعو إلى الوقوف والارتجاع كان هو الرذيلة، وعلى هذا فربّما كان الكذب و الافتراء والفحشاء والشقاوة والقساوة والسرقة و الوقاحة حسنة وفضيلة إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعيّ، والصدق والعفّة والرحمة رذيلة قبيحة إذا أوجب الحرمان عن المطلوب، هذه خلاصة هذه النظريّة العجيبة الّتي ذهبت إليها الاشتراكيّون من المادّيّين، والنظريّة غير حديثة، على ما زعموا، فقد كان الكلبيّون من قدماء يونان - على ما ينقل - على هذا المسلك، وكذا المزدكيّون (وهم أتباع مزدك الّذي ظهر بإيران على عهد كسرى ودعا إلى الاشتراك) كان عملهم على ذلك، ويعهد من بعض القبائل الوحشيّة بإفريقيّة وغيرهم.
وكيف كان فهو مسلك فاسد والحجّة الّتي اُقيمت على هذه النظريّة فاسدة من حيث البناء والمبنى معاً.
توضيح ذلك: أنّا نجد كلّ موجود من هذه الموجودات العينيّة الخارجيّة يصحب شخصيّة تلازمه، ويلزمها أن لا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر ويفارقه في الوجود، كما أنّ وجود زيد يصحب شخصيّة ونوع وحدة لا يمكن معها أن يكون عين عمرو، فزيد شخص واحد، وعمرو شخص آخر، وهما شخصان اثنان، لا شخص واحد، فهذه حقيقة لا شكّ فيها (وهذا غير ما نقول: إنّ عالم المادّة موجود ذو حقيقة واحدة شخصيّة فلا ينبغي أن يشتبه الأمر).
وينتج ذلك: أنّ الوجود الخارجيّ عين الشخصيّة، لكنّ المفاهيم الذهنيّة يخالف
الموجود الخارجيّ في هذا الحكم فإنّ المعنى كيف ما كان يجوّز العقل أن يصدق على أكثر من مصداق واحد كمفهوم الإنسان ومفهوم الإنسان الطويل، ومفهوم هذا الإنسان القائم أمامنا. وأمّا تقسيم المنطقيّين المفهوم إلى الكلّيّ والجزئيّ، وكذا تقسيمهم الجزئيّ إلى الإضافيّ والحقيقيّ فإنّما هو تقسيم بالإضافة والنسبة، إمّا نسبة أحد المفهومين إلى الآخر وإمّا نسبته إلى الخارج، وهذا الوصف الّذي في المفاهيم - وهو جواز الانطباق على أكثر من واحد - ربّما نسمّيه بالإطلاق كما نسمّي مقابلة بالشّخصيّة أو الوحدة.
ثمّ الموجود الخارجيّ (ونعني به الموجود المادّيّ خاصّة) لما كان واقعاً تحت قانون التغيّر والحركة العموميّة كان لا محالة ذا امتداد منقسماً إلى حدود وقطعات، كلّ قطعة منها تغاير القطعة الاُخرى ممّا تقدّم عليها أو تأخّر عنها، ومع ذلك فهي مرتبطة بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغيّر والتبدّل لأنّ أحد شيئين إذا عدم من أصله، والآخر وجد من أصله لم يكن ذلك تبدّل هذا من ذاك، بل التبدّل الّذي يلازم كلّ حركة إنّما يتحقّق بوجود قدر مشترك في الحالين جميعاً.
ومن هنا يظهر أنّ الحركة أمر واحد بشخصه يتكثّر بحسب الإضافة إلى الحدود، فيتعيّن بكلّ نسبة قطعة تغاير القطعه الاُخرى، وأمّا نفس الحركة فسيلان وجريان واحد شخصيّ، ونحن ربّما سمّينا هذا الوصف في الحركة إطلاقاً في مقابل النسب الّتي لها إلى كلّ حدّ حدّ، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها إلى الحدود. ومن هنا يظهر أن المطلق بالمعنى الثاني أمر واقعيّ موجود في الخارج، بخلاف المطلق بالمعنى الأوّل فإنّ الإطلاق بهذا المعنى وصف ذهنيّ لموجود ذهنيّ، هذا.
ثمّ إنّا لا نشكّ أنّ الإنسان موجود طبيعيّ ذو أفراد وأحكام وخواصّ وأنّ الّذي توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الإنسان دون مجموع الأفراد أعني الاجتماع الإنسانيّ إلّا أنّ الخلقة لما أحسّت بنقص وجوده، واحتياجه إلى استكمالات لا تتمّ له وحده، جهّزه بأدوات وقوىّ تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع وضمن الأفراد المجتمعين، فطبيعة الإنسان الفرد مقصود للخلقة أوّلاً وبالذات والاجتماع مقصود لها ثانياً وبالتبع.
وأمّا حقيقة أمر الإنسان مع هذا الاجتماع الّذي تقتضية وتتحرّك إليه الطبيعة الإنسانيّة (إن صحّ إطلاق الاقتضاء والعلّية والتّحرّك في مورد الاجتماع حقيقة) فإنّ الفرد من الإنسان موجود شخصيّ واحد بالمعنى الّذي تقدّم من شخصيّته ووحدته، وهو مع ذلك واقع في الحركة، متبدّل متحوّل إلى الكمال، ومن هنا كان كلّ قطعة من قطعات وجوده المتبدّل مغايرة لغيرها من القطعات، وهو مع ذلك ذو طبيعة سيّالة مطلقة محفوظة في مراحل التغيّرات واحدة شخصيّة، وهذه الطبيعة الموجودة في الفرد محفوظة بالتوالد والتناسل واشتقاق الفرد من الفرد - وهي الّتي نعبّر عنها بالطبيعة النوعيّة - فإنّها محفوظة بالأفراد وإن تبدّلت وعرض لها الفساد والكون، بمثل البيان الّذي مرّ في خصوص الطبيعة الفرديّة، فالطبيعة الشخصيّة موجوده متوجّهة إلى الكمال الفرديّ، والطبيعة النوعيّة موجودة مطلقة متوجّهة إلى الكمال.
وهذا الاستكمال النوعيّ لا شكّ في وجوده وتحقّقه في نظام الطبيعة، وهو الّذي نعتمد عليه في قولنا: إنّ النوع الإنسانيّ مثلاً متوجّه إلى الكمال، وأنّ الإنسان اليوم أكمل وجوداً من الإنسان الأوّليّ، وكذا ما تحكم به فرضيّة تحوّل الأنواع، فلو لا أنّ هناك طبيعة نوعيّة خارجيّة محفوظة في الأفراد أو الأنواع مثلاً لم يكن هذا الكلام إلّا كلاماً شعريّاً.
والكلام في الاجتماع الشّخصيّ القائم بين أفراد قوم أو في عصر أو في محيط، ونوع الاجتماع القائم بنوع الإنسان المستمرّ باستمراره والمتحوّل بتحوّله (لو صحّ أنّ الاجتماع كالإنسان المجتمع حال خارجيّ لطبيعة خارجيّة !) نظير القول في طبيعة الإنسان الشخصيّة والنوعيّة في التقييد والإطلاق.
فالاجتماع متحرّك متبدّل بحركة الإنسان وتبدّله - وله وحدة من بادئ الحركة إلى أين توجّه بوجود مطلق - وهذا الواحد المتغيّر بواسطة نسبته وإضافته إلى كلّ حدّ حدّ تصير قطعة قطعة، وكلّ قطعة شخص واحد من أشخاص الاجتماع، وأشخاص الاجتماع مستندة في وجودها إلى أشخاص الإنسان، كما أنّ مطلق الاجتماع بالمعنى الّذي تقدّم مستند إلى مطلق الطبيعة الإنسانيّة، فإنّ حكم الشخص شخص الحكم
وفرده، وحكم المطلق مطلق الحكم (لا كلّيّ الحكم، فلسنا نعني الإطلاق المفهوميّ فلا تغفل) ونحن لا نشكّ أنّ الفرد من الإنسان وهو واحد له حكم واحد باق ببقائه، إلّا أنّه متبدّل بتبدّلات جزئيّة بتبع التبدّلات الطارئة على موضوعه الّذي هو الإنسان فمن أحكام الإنسان الطبيعيّ أنّه يتغذّى ويفعل بالإرادة ويحسّ ويتفكّر - وهو موجود مع الإنسان وباق ببقائه - وإن تبدّل طبق تبدّله في نفسه، وكذلك الكلام في أحكام مطلق الإنسان الموجود بوجود أفراده.
ولمّا كان الاجتماع من أحكام الطبيعة الإنسانيّة وخواصّها فمطلق الاجتماع (نعني به الاجتماع المستمرّ الّذي أوجدته الطبيعة الإنسانيّة المستمرّة من حين وجد الإنسان الفرد إلى يومنا هذ) من خواصّ النوع الإنسانيّ المطلق موجود معه باق ببقائه، وأحكام الاجتماع الّتي أوجدها واقتضاها هي مع الاجتماع موجودة بوجوده، باقية ببقائه، وإن تبدّلت بتبدّلات جزئيّة مع انحفاظ الأصل مثل نوعها، وحينئذ صحّ لنا أن نقول: إنّ هناك أحكاماً اجتماعيّة باقية غير متغيّرة، كوجود مطلق الحسن والقبح، كما أنّ نفس الاجتماع المطلق كذلك، بمعنى أنّ الاجتماع لا ينقلب إلى غير الاجتماع كالانفراد وإن تبدّل اجتماع خاصّ إلى آخر خاصّ، والحسن المطلق والخاصّ كالاجتماع المطلق والخاصّ بعينه.
ثمّ إنّا نرى أنّ الفرد من الإنسان يحتاج في وجوده وبقائه إلى كمالات ومنافع يجب له أن يجتلبها ويضمّها إلى نفسه، والدليل على هذا الوجوب احتياجه في جهات وجوده وتجهيز الخلقة له بما يقوى به على ذلك، كجهاز التغذّي وجهاز التناسل مثلاً، فعلى الإنسان أن يقدم عليه، وليس له أن لا يقدم قطعاً بالتفريط فإنّه يناقض دليل الوجوب الّذي ذكرناه، وليس له أن يقدم في باب من أبواب الحاجة بما يزيد على اللّازم بالإفراط، مثل أن يأكل حتّى يموت، أو يمرض، أو يتعطّل عن سائر قواه الفعّالة، بل عليه أن يتوسّط في جلب كلّ كمال أو منفعة، وهذا التوسّط هي العفّة، وطرفاه الشره والخمود، وكذلك نرى الفرد في وجوده وبقائه متوسّطاً بين نواقص وأضداد ومضارّ لوجوده يجب عليه أن يدفعها، والدليل عليه الاحتياج والتجهيز في نفسه فيجب
عليه المقاومة والدفاع على ما ينبغي من التوسّط، من غير إفراط يضادّ سائر تجهيزاته أو تفريط يضادّ الاحتياج والتجهيز المربوطين، وهذا التوسّط هي الشجاعة، وطرفاها التهوّر والجبن ونظير الكلام جار في العلم ومقابليه أعني الجربزة والبلادة، وفي العدالة ومقابليها وهما الظلم والانظلام.
فهذه أربع ملكاتٍ وفضائل تستدعيه الطبيعة الفرديّة المجهّزة، بأدواتها: العفّة والشجاعة، والحكمة، والعدالة - وهي كلّها حسنة - لأنّ معنى الحسن الملائمة لغاية الشئ وكماله وسعادته، وهي جميعاً ملائمة مناسبة لسعادة الفرد بالدليل الّذي تقدّم ذكره، ومقابلاتها رذائل قبيحة. وإذا كان الفرد من الإنسان بطبيعته وفي نفسه على هذا الوصف فهو في ظرف الاجتماع أيضاً على هذا الوصف، وكيف يمكن أن يبطل الاجتماع - وهو من أحكام هذه الطبيعة - سائر أحكامها الوجوديّة ؟ وهل هو إلّا تناقض الطبيعة الواحدة، وليس حقيقة الاجتماع إلّا تعاون الأفراد في تسهيل الطريق إلى استكمال طبائعهم وبلوغها إلى غاية اُمنيّتها ؟
وإذا كان الفرد من الإنسان في نفسه وفي ظرف الاجتماع على هذا الوصف، فنوع الإنسان في اجتماعه النوعيّ أيضاً كذلك، فنوع الإنسان في اجتماعه يستكمل بالدفاع بقدر ما لا يفسد الاجتماع وباجتلاب المنافع بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعلم بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعدالة الاجتماعيّة - وهي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، وبلوغه حظّه الّذي يليق به دون الظلم والانظلام - وكلّ هذه الخصال الأربع فضائل بحكم الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الإنسانيّ بحسنها المطلق ويعدّ مقابلاتها رذائل ويقضي بقبحها.
فقد تبيّن بهذا البيان: أنّ في الاجتماع المستمرّ الإنسانيّ حسناً وقبحاً لا يخلو عنهما قطّ وأنّ أصول الأخلاق الأربعة فضائل حسنة دائماً، ومقابلاتها رذائل قبيحة دائماً، والطبيعة الإنسانيّة الاجتماعيّة تقضي بذلك، وإذا كان الأمر في الاُصول على هذا النحو فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها في القبول ذلك، وإن كان ربّما يقع إختلاف ما في مصاديقها من جهة الانطباق على ما سنشير إليه.
إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الأخلاق وهاك بيانه.
أمّا قولهم: إنّ الحسن والقبح المطلقين غير موجودين، بل الموجود منهما النسبيّ من الحسن والقبح وهو متغيّر مختلف بإختلاف المناطق والأزمنه والاجتماعات، فهو مغالطة ناشئة من الخلط بين الإطلاق المفهوميّ بمعنى الكلّيّة والإطلاق الوجوديّ بمعنى إستمرار الوجود، فالحسن والقبح المطلقان الكلّيّان غير موجودين في الخارج لوصف الكلّيّة والإطلاق، لكنّهما ليسا هما الموجبين لما نقصده من النتيجة، وأمّا الحسن والقبح المطلقان المستمرّان بمعنى استمرارهما حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمرّاً باستمرار الطبيعة فهما كذلك، فإنّ غاية الاجتماع سعادة النوع، ولا يمكن موافقة جميع الأفعال الممكنة والمفروضة للاجتماع كيف ما فرض، فهناك أفعال موافقة ومخالفة دائماً فهناك حسن وقبح دائماً.
وعلى هذا فكيف يمكن أن يفرض اجتماع كيف ما فرض ولا يعتقد أهله أنّ من الواجب أن يعطي كلّ ذي حقّ حقّه أو أنّ جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب أو أنّ الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازم أو أنّ العلم الّذي يتميّز به منافع الإنسان من غيرها فضيلة حسنة ؟ وهذه هي العدالة والعفّة، والشجاعة، والحكمة الّتي ذكرنا أنّ الاجتماع الإنسانيّ كيف ما فرض لا يحكم إلّا بحسنها وكونها فضائل إنسانيّة، وكذا كيف يتيسّر لإجتماع أن لا يحكم بوجوب الانقباض والانفعال عن التظاهر بالقبيح الشنيع، وهو الحياء من شعب العفّة أو لا يحكم بوجوب السخط وتغيّر النفس في هتك المقدّسات وهضم الحقوق، وهو الغيرة من شعب الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للإنسان من الحقوق الاجتماعيّة، وهو القناعة أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعيّ من غير دحض الناس وتحقيرهم بالاستكبار والبغي بغير الحقّ، وهو التواضع ؟ وهكذا الأمر في كلّ واحد واحد من فروع الفضائل.
وأمّا ما يزعمونه من إختلاف الأنظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص الفضائل وصيرورة الخلق الواحد فضيلة عند قوم رذيلة عند آخرين في أمثلة جزئيّة فليس من جهة إختلاف النظر في الحكم الاجتماعيّ بأن يعتقد قوم بوجوب اتّباع الفضيلة الحسنة وآخرون بعدم وجوبه بل من جهة الإختلاف في انطباق الحكم على المصداق وعدم انطباقه.
مثل أنّ الاجتماعات الّتي كانت تديرها الحكومات المستبدّة كانت تري لعرش الملك الاختيار التامّ في أن يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وليس ذلك لسوء ظنّهم بالعدالة بل لاعتقادهم بأنّه من حقوق السلطنة والملك فلم يكن ذلك ظلماً من مقام السلطنة بل إيفاءً بحقوقه الحقّة بزعمهم.
ومثل أنّ العلم كان يعيّر به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملّة فرنسا في القرون الوسطى، ولم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أنّ العلم بالسياسة وفنون إدارة الحكومة يضادّ المشاغل السلطانيّة.
ومثل أنّ عفّة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزّوج، وكذا الحياء من النساء وكذا الغيرة من رجالهنّ، وكذا عدّة من الفضائل كالقناعة والتواضع أخلاق لا يذعن بفضلها في بعض الاجتماعات، لكنّ ذلك منهم لأنّ اجتماعهم الخاصّ لا يعدّها مصاديق للعفّة والحياء والغيرة والقناعة والتواضع، لا لأنّ هذه الفضائل ليست فضائل عندهم. والدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفّة الحاكم في حكمه والقاضي في قضائه، ويمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، ويمدحون الغيرة للدفاع عن الاستقلال والحضارة وعن جميع مقدّساتهم، ويمدحون القناعة بما عيّنه القانون من الحقوق لهم، ويمدحون التواضع لأئمّتهم وهداتهم في الاجتماع.
وأمّا قولهم: بدوران الأخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام الاجتماعيّ واستنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع ففيه مغالطة واضحة فإنّ المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين الّتي قرّرتها الطبيعة بين الأفراد المجتمعين ولا محالة تكون موصلة إلى سعادتهم لولا الإخلال بانتظامها وجريها، ولا محالة لها أحكام: من الحسن والقبح والفضيلة والرذيلة. والمراد بالمرام مجموع الفرضيّات الّتي وضعت لإيجاد اجتماع على هيئت جديدة بتحميلها على الأفراد المجتمعين، أعنى أنّ الاجتماع والمرام متغايران بالفعليّة والقوّة، والتحقّق وفرض التحقّق، فكيف يصير حكم أحد هما عين حكم الآخر، وكيف يكون الحسن والقبح، والفضيلة والرذيله الّتى عيّنها الاجتماع العامّ باقتضاء من الطبيعة الإنسانيّة
متبدّلة إلى ما حكم به المرام الذى ليس إلّا فرضاً من فارض ؟
ولو قيل: أن لا حكم للاجتماع العامّ الطبيعيّ من نفسه، بل الحكم للمرام، وخاصّة إذا كانت فرضيّة متلائمة لسعادة الأفراد عاد الكلام السابق في الحسن والقبح، والفضيلة والرذيلة، وأنّها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاء مستمرّ من الطبيعة.
على أنّ هيهنا محذوراً آخر وهو أنّ الحسن والقبح وسائر الأحكام الاجتماعيّة - وهى الّتى تعتمد عليها الحجّة الاجتماعيّة وتتألّف منها الاستدلالات - لو كانت تابعة للمرام، ومن الممكن بل الواقع تحقّق مرامات مختلفة متناقضة متباينة أدّى ذلك إلى إرتفاع الحجّة المشتركة المقبولة عند عامّة الاجتماعات، ولم يكن التقدّم والنجاح حينئذ إلّا للقدرة والتحكّم. وكيف يمكن أن يقال: إنّ الطبيعة الإنسانيّة ساقت أفرادها إلى حياة اجتماعيّة لا تفاهم بين أجزائها ولا حكم يجمعها إلّا حكم مبطل لنفس الاجتماع ؟ وهل هذا إلّا تناقض شنيع في حكم الطبيعة واقتضائها الوجودىّ ؟
( بحث روائي آخر)
في متفرّقات متعلّقة بما تقدّم
عن الباقرعليهالسلام قال: أتى رجل رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) فقال: إنّى راغب نشيط في الجهاد. قال: فجاهد في سبيل الله فإنّك إن تقتل كنت حيّاً عند الله مرزوقاً وإن متّ فقد وقع أجرك على الله الحديث.
أقول: وقوله (صلّي الله عليه وآله وسلّم): وإن متّ إلخ إشارة إلى قوله تعالى:( وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ) النساء - ١٠٠، وفيه دلالة على أنّ الخروج إلى الجهاد مهاجرة إلى الله ورسوله.
وفي الكافي عن الصادقعليهالسلام : في إسماعيل النبيّ الّذي سمّاه الله سبحانه صادق الوعد، قالعليهالسلام إنّما سمّي صادق الوعد، لأنّه وعد رجلاً في مكان فانتظره في ذلك المكان سنة، فسمّاه الله عزّوجلّ صادق الوعد، ثمّ إنّ الرّجل أتاه بعد ذلك الوقت
فقال له إسماعيل: ما زلت منتظراً لك الحديث.
أقول: وهذا أمر ربّما يحكم العقل العاديّ بكونه منحرفاً عن جادّة الاعتدال مع أنّ الله سبحانه جعله منقبة لهعليهالسلام حتّى عظّم قدره ورفع ذكره بقوله:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) مريم - ٥٥، فليس ذلك إلّا أنّ الميزان الّذي ووزن به هذا العمل غير الميزان الّذي بيد العقل العاديّ، فللعقل العاديّ تربية بتدبيره ولله سبحانه تربية لأوليائه بتأييده، وكلمة الله هي العليا، ونظائر هذه القضيّة كثيرة مرويّة منقولة عن النبيّ والأئمّة والأولياء.
فإن قلت: كيف يمكن مخالفة الشرع مع العقل في ما للعقل إليه سبيل.
قلت: أمّا حكم العقل فيما له إليه سبيل ففي محلّه، لكنّه يحتاج إلى موضوع يقع عليه حكمه، وقد عرفت فيما تقدّم أنّ أمثال هذه العلوم في المسلك الثالث الّذي ذكرناه لا تبقى للعقل موضوعاً يحكم فيه وعليه، وهذا سبيل المعارف اللإلهيّة والظاهر أنّ إسماعيل النبيّعليهالسلام كان أطلق القول بوعده بأن قال: أنتظرك ههنا حتّى تعود إلىّ ثمّ التزم على إطلاق قوله صوناً لنفسه عن نقض العهد والكذب في الوعد وحفظاً لما ألقى الله في روعه وأجراه على لسانه. وقد روي نظيره عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم): إنّه كان عند المسجد الحرام فوعده بعض أصحابه بالرجوع إليه ووعده النبيّ بانتظاره حتّى يرجع فذهب في شأنه ولم يرجع، فانتظره النبيّ ثلاثة أيّام في مكانه الّذي وعده حتّى مرّ به الرجل بعد الثلاثة، وهو جالس ينتظر والرجل قد نسي الوعد، الحديث.
وفي الخصائص للسيّد الرضيّ، عن أميرالمؤمنينعليهالسلام قال: - وقد سمع رجلاً يقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون - يا هذا إنّ قولنا: إنّا لله إقرار منّا بالملك، وإنّا إليه راجعون إقرار منّا بالهلاك.
أقول: وقد اتّضح معناه بما تقدّم ورواه في الكافي مفصّلاً.
وفي الكافي: عن إسحاق بن عمّار وعبدالله بن سنان، عن الصادقعليهالسلام قال: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قال الله عزّوجلّ: إنّي جعلت الدنيا بين عبادي قرضاً فمن أقرضني
فيها قرضاً أعطيته بكلّ واحدة عشراً إلى سبعمأة ضعف، ومن لم يقرضني قرضاً وأخذت منه شيئاً قسراً أعطيته ثلاث خصال لو أعطيت واحدة منهنّ ملائكتي لرضوا بها عنّي، ثمّ قال أبوعبدالله: قول الله: الّذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربّهم، فهذه واحدة من ثلاث خصال، ورحمة اثنتان، وأولئك هم المهتدون ثلاث، ثمّ قال أبوعبداللهعليهالسلام هذا لمن أخذ الله منه شيئاً قسراً.
أقول: والرواية مرويّة بطرق اُخرى متقاربة.
وفي المعاني عن الصادقعليهالسلام : الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة التزكية، ومن الناس دعاء.
أقول: وفي معناه عدّة روايات اُخر، وبين هذه الرواية وما تقدّمها تناف ظاهراً حيث أنّ الرواية السابقة تعدّ الصلاة غير الرحمة، ويساعد عليه ظاهر قوله عليهم صلوات من ربّهم ورحمة، وهذه الرّواية تعدّها رحمة ويرتفع التنافى بالرجوع إلى ما تقدّم من البيان.
( سورة البقرة الآية ١٥٨)
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( ١٥٨ )
( بيان)
الصفا والمروة موضعان بمكّة يأتي الحجّاج بينهما بعمل السعي، وهما جبلان مسافة بينهما سبعمأة وستّون ذراعاً ونصف ذراع على ما قيل، وأصل الصفا في اللّغة الحجر الصلب الأملس، وأصل المروة الحجر الصّلب، والشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة، ومنه المشعر، ومنه قولنا: أشعر الهدى، أي أعلمه، والحجّ هو القصد بعد القصد، أي القصد المكرّر وهو في اصطلاح الشرع العمل المعهود بين المسلمين، والاعتمار الزيارة وأصله العمارة لأنّ الديار تعمر بالزيارة، وهو في اصطلاح الشرع زيارة، البيت بالطريق المعهود، والجناح الميل عن الحقّ والعدل، ويراد به الإثم، فيؤل نفي الجناح إلى التجويز، والتطوّف من الطواف، وهو الدوران حول الشئ، وهو السير الّذي ينتهي آخره إلى أوّله، ومنه يعلم أن ليس من اللّازم كونه حول شئ وإنّما ذلك من مصاديقه الظاهرة وعلى هذا المعنى أطلق التطوّف في الآية فإنّ المراد به السعي وهو قطع ما بين الصفا والمروة من المسافة سبع مرّات متوالية، والتطوّع من الطوع بمعنى الطاعه، وقيل: إنّ التطوّع يفارق الإطاعة في أنّه يستعمل في المندوب خاصّة، بخلاف الإطاعة ولعلّ ذلك - لو صحّ هذا القول - بعناية أنّ العمل الواجب لكونه إلزاميّاً كأنّه ليس بمأتيّ به طوعاً، بخلاف المأتيّ من المندوب فإنّه على الطوع من غير شائبة، وهذا تلطّف عنائيّ وإلّا فأصل الطوع يقابل الكره ولا ينافي الأمر الإلزاميّ. قال تعالى:( قَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) فصّلت - ١١، وأصل باب التفعّل الأخذ لنفسه، كقولنا: تميّز أي أخذ، يميّز وتعلّم الشئ أي أخذ يعلمه، وتطوّع خيراً أي أخذ يأتي بالخير بطوعه، فلا دليل من جهة اللّغة على اختصاص
التطوّع بالامتثال الندبيّ إلّا أنّ توجبه العناية العرفيّة المذكورة.
فقوله تعالى: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ ) إلى قوله: يطوّف بهما يشير إلى كون المكانين معلّمين بعلامة الله سبحانه، يدلّان بذلك عليه، ويذكّر أنّه تعالى واختصاصهما بكونهما من الشعائر دون بقيّة الأشياء جميعاً يدلّ على أنّ المراد بالشعائر ليست الشعائر التكوينيّة بل هما شعيرتان بجعله تعالى إيّاهما معبدين يعبد فيهما، فهما يذكّران الله سبحانه، فكونهما شعيرتين يدلّ على أنّه تعالى قد شرع فيهما عبادة متعلّقة بهما، وتفريع قوله:( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) إنّما هو للإيذان بأصل تشريع السعي بين الصفا والمروة، لا لإفادة الندب، ولو كان المراد إفادة الندب كان الأنسب بسياق الكلام أن يمدح التطوّف لا أن ينفي ذمّه، فإنّ حاصل المعنى أنّه لما كان الصفا والمروة معبدين ومنسكين من معابد الله فلا يضرّكم أن تعبدوه فيهما، وهذا لسان التشريع، ولو كان المراد إفادة الندب كان الأنسب أن يفاد أنّ الصفا والمروة، لما كانا من شعائر الله فإنّ الله يحبّ السعي بينهما - وهو ظاهر - والتعبير بأمثال هذا القول الّذي لا يفيد وحده الإلزام في مقام التشريع شائع في القرآن، وكقوله تعالى في الجهاد:( ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ) الصفّ - ١١، وفي الصوم( وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ) البقرة - ١٨٤، وفي القصر( فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ) النساء - ١٠١.
قوله تعالى: ( وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) ، إن كان معطوفاً على مدخول فاء التفريع في قوله تعالى:( فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ ) ، كان كالتعليل لتشريع التطوّف بمعنى آخر أعمّ من العلّة الخاصّة الّتي تبيّن بقوله: إنّ الصفا والمروة، وكان المراد بالتطوّع مطلق الإطاعة لا الإطاعة المندوبة، وإن كان استينافاً بالعطف إلى أوّل الآية كان مسوقاً لإفادة محبوبيّة التطوّف في نفسه إن كان المراد بتطوّع الخير هو التطوّف أو مسوقاً لإفادة محبوبيّة الحجّ والعمرة إن كان هما المراد بتطوّع الخير هذا.
والشاكر والعليم اسمان من أسماء الله الحسنى، والشكر هو مقابلة من اُحسن إليه إحسان المحسن بإظهاره لساناً أو عملاً كمن ينعم إليه المنعم بالمال فيجازيه بالثناء
الجميل الدالّ على نعمته أو باستعمال المال في ما يرتضيه، ويكشف عن إنعامه، والله سبحانه وإن كان محسناً قديم الإحسان ومنه كلّ الإحسان لا يد لأحد عنده حتّى يستوجبه الشكر إلّا أنّه جلّ ثناؤه عدّ الأعمال الصالحة الّتي هي في الحقيقة إحسانه إلى عباده إحساناً من العبد إليه، فجازاه بالشكر والإحسان وهو إحسان على إحسان. قال تعالى:( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) الرحمن - ٦٠، وقال تعالى:( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ) الدهر - ٢٢، فإطلاق الشاكر عليه تعالى على حقيقة معنى الكلمة من غير مجاز.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ: عن بعض أصحابنا عن الصادقعليهالسلام : سألته: عن السعي بين صفا والمروة فريضة هي أم سنّة ؟ قال: فريضة، قلت: أليس الله يقول: فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ؟ قال كان ذلك في عمرة القضاء، وذلك أنّ رسول الله كان شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام فتشاغل رجل من أصحابه حتّى اُعيدت الأصنام. قال: فأنزل الله، إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما، أي والأصنام عليها.
أقول: وعن الكافي ما يقرب منه.
وفي الكافي أيضاً عن الصادقعليهالسلام : في حديث حجّ النبيّعليهالسلام : بعد ما طاف بالبيت وصلّى ركعتيه قال:صلىاللهعليهوآلهوسلم إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فأبدء بما بدء الله عزّوجلّ، وإنّ المسلمين كانوا يظنّون أنّ السعي بين الصفا والمروة شئٌ صنعه المشركون فأنزل الله إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما.
أقول: ولا تنافي بين الروايتين في شأن النزول، وهو ظاهر، وقولهعليهالسلام في الرواية فأبدء بما بدء الله ملاك التشريع، وقد مضى في حديث هاجر وسعيها سبع مرّات بين الصفا والمروة أنّ السنّة جرت بذلك.
وفي الدرّ المنثور: عن عامر الشّعبي قال: كان وثن بالصفا يدعى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة فكان أهل الجاهليّة إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ويمسحون الوثنين فلمّا قدم رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) قالوا: يا رسول الله إنّ الصفا والمروة إنّما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر، فأنزل الله: إنّ الصفا والمروة الآية فذكر الصفا من أجل الوثن الّذي كان عليه، وأثبت المروة من جهة الصنم الّذي كان عليه موثباً.
أقول: وقد روى الفريقان في المعاني السابقة روايات كثيرة.
ومقتضى جميع هذه الروايات أنّ الآية نزلت في تشريع السعي في سنة حجّ فيها المسلمون، وسورة البقرة أوّل سورة نزلت بالمدينة، ومن هنا يستنتج أنّ الآية غير متّحدة السياق مع ما قبلها من آيات القبلة فإنّها نزلت في السنة الثانية من الهجرة كما تقدّم، ومع الآيات الّتى في مفتتح السورة، فإنّها نزلت في السنة الاُولى من الهجرة فللآيات سياقات متعدّدة كثيرة، لا سياق واحد.
( سورة البقرة الآيات ١٥٩ - ١٦٢)
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ( ١٥٩ ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( ١٦٠ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( ١٦١ ) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ( ١٦٢ )
( بيان)
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ ) ، الظاهر - والله أعلم - أنّ المراد بالهدى ما تضمّنه الدين الإلهيّ من المعارف والأحكام الّذي يهدي تابعيه إلى السعادة، وبالبيّنات الآيات والحجج الّتي هي بيّنات وأدلّة وشواهد على الحقّ الّذي هو الهدى، فالبيّنات في كلامه تعالى وصف خاصّ بالآيات النازلة، وعلى هذا يكون المراد بالكتمان - وهو الإخفاء - أعمّ من كتمان أصل الآية، وعدم إظهاره للناس، أو كتمان دلالته بالتأويل أو صرف الدلالة بالتوجيه، كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوّة ذلك فما يجهله الناس لا يظهرونه لهم، وما يعلم به الناس يؤوّلونه بصرفه عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قوله تعالى: ( مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ ) ، أفاد أنّ كتمانهم إنّما هو بعد البيان والتبيّن للناس، لا لهم فقط، وذلك أنّ التبيّن لكلّ شخص شخص من أشخاص الناس أمر لا يحتمله النظام الموجود المعهود في هذا العالم، لا في الوحي فقط، بل في كلّ إعلام عموميّ وتبيين مطلق، بل إنّما يكون باتّصال الخبر إلى بعض الناس من غير واسطة وإلى بعض آخرين بواسطتهم، بتبليغ الحاضر الغائب والعالم الجاهل، فالعالم يعدّ من وسائط البلوغ وأدواته، كاللسان والكلام: فإذا بيّن الخبر للعالم المأخوذ عليه الميثاق
بعلمه مع غيره من المشافهين فقد بين الناس، فكتمان العالم علمه هذا كتمان العلم عن الناس بعد البيان لهم وهو السبب الوحيد الّذي عدّه الله سبحانه سبباً لإختلاف الناس في الدين وتفرّقهم في سبل الهداية والضلالة، وإلّا فالدين فطريّ تقبله الفطرة وتخضع له القوّة المميّزة بعد ما بيّن لها، قال تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم - ٣٠، فالدّين فطريّ على الخلقة لا يدفعه الفطرة أبداً لو ظهر لها ظهوراً ما بالصفاء من القلب، كما في الأنبياء، أو ببيان قوليّ، ولا محالة ينتهي هذا الثّاني إلى ذلك الأوّل فافهم ذلك.
ولذلك جمع في الآية بين كون الدّين فطريّاً على الخلقة وبين عدم العلم به فقال: فطرة الله الّتي فطر الناس عليها، وقال: لكنّ أكثر الناس لا يعلمون، وقال تعالى:( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) البقرة - ٢١٣، فأفاد أنّ الإختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب إنّما هو ناش عن بغي العلماء الحاملين له، فالإختلافات الدينيّة والانحراف عن جادّة الصواب معلول بغى العلماء بالإخفاء والتأويل والتحريف، وظلمهم، حتّى أن الله عرّف الظلم بذلك يوم القيامة كما قال:( فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ) الأعراف - ٤٤، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
فقد تبيّن أنّ الآية مبتنية على الآية أعني: أنّ قوله تعالى: إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب الآية، مبتنية على قوله تعالى: كان الناس أمّةً واحدة فبعث الله النبيّين مبشّرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلّا الّذين أوتوه من بعد ما جائتهم البينات بغياً بينهم الآية، ومشيرة إلى جزاء هذا البغي بذيلها وهو قوله: أولئك يلعنهم الله إلخ.
قوله تعالى: ( أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) ، بيان لجزاء بغي الكاتمين لما أنزله الله من الآيات والهدى، وهو اللّعن من الله، واللّعن من كلّ لاعن، وقد كرّر اللّعن
لأنّ اللّعن مختلف فإنّه من الله التبعيد من الرحمة والسعادة ومن اللاعنين سؤاله من الله، وقد أطلق اللّعن منه ومن اللاعنين وأطلق اللاعنين، وهو يدلّ على توجيه كلّ اللعن من كلّ لاعن إليهم والاعتبار يساعد عليه فإنّ الّذي يقصده لاعن بلعنه هو البعد عن السعادة، ولا سعادة بحسب الحقيقة، إلّا السعادة الحقيقيّة الدينيّة وهذه السعادة لما كانت مبيّنة من جانب الله، مقبولة عند الفطرة، فلا يحرم عنها محروم إلّا بالردّ والجحود، وكلّ هذا الحرمان إنّما هو لمن علم بها وجحدها عن علم دون من لا يعلم بها ولم تبيّن له، وقد أخذ الميثاق على العلماء أن يبّثوا علمهم وينشروا ما عندهم من الآيات والهدى، فإذا كتموه وكفّوا عن بثّه فقد جحدوه فأولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، ويشهد لما ذكرنا الآية الآتية: أنّ الّذين كفروا وماتوا وهم كفّار - إلى قوله - أجمعين الآية فإنّ الظاهر أن قوله: أنّ للتعليل أو لتأكيد مضمون هذه الآية، بتكرار ما هو في مضمونها ومعناها وهو قوله: الّذين كفروا وماتوا وهم كفّار.
قوله تعالى: ( إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ) الآية، استثناء من الآية السابقة، والمراد بتقييد توبتهم بالتبيّن أن يتبيّن أمرهم ويتظاهروا بالتوبة، ولازم ذلك أن يبيّنوا ما كتموه للناس وأنّهم كانوا كاتمين وإلّا فلم يتوبوا بعد لأنّهم كاتمون بعد بكتمان أنّهم كانوا كاتمين.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ ) ، كناية عن إصرارهم على كفرهم وعنادهم وتعنّتهم في قبول الحقّ فإنّ من لا يدين بدين الحقّ لا لعناد واستكبار بل لعدم تبيّنه له ليس بكافر بحسب الحقيقة، بل مستضعف، أمره إلى الله، ويشهد بذلك تقييد كفر الكافرين في غالب الآيات والتكذيب وخاصّة في آيات هبوط آدم المشتملة على أوّل تشريع شرّع لنوع الإنسان، قال تعالى:( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى - إلى قوله -وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة - ٣٩، فالمراد بالّذين كفروا في الآية هم المكذّبون المعاندون - وهم الكاتمون لما أنزل الله - وجازاهم الله تعالى بقوله: أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وهذا حكمٌ من الله سبحانه أن يلحق بهم كلّ لعن لعن به ملك
من الملائكة أو أحد من الناس جميعاً من غير استثناء، فهؤلاء سبيلهم سبيل الشيطان، إذ قال الله سبحانه فيه:( وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ ) الحجر - ٣٥، فجعل جميع اللّعن عليه فهؤلاء - وهم العلماء الكاتمون لعلمهم - شركاء الشيطان في اللّعن العامّ المطلق ونظراؤه فيه، فما أشدّ لحن هذه الآية وأعظم أمرها ! وسيجئ في الكلام على قوله تعالى:( لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ ) الانفال - ٣٧، ما يتعلّق بهذا المقام إنشاء الله العزيز.
قوله تعالى: ( خَالِدِينَ فِيهَا ) ، أي في اللّعنة، وقوله: لا يخفّف عنهم العذاب ولا هم ينظرون، في تبديل السياق بوضع العذاب موضع اللّعنة دلالة على أنّ اللعنة تتبدّل عليهم عذاباً.
واعلم أنّ في هذه الآيات موارد من الالتفات، فقد التفت في الآية الاُولى من التكلّم مع الغير إلى الغيبة في قوله: أولئك يلعنهم الله، لأنّ المقام مقام تشديد السخط، والسخط يشتدّ إذا عظم اسم من ينسب إليه أو وصفه - ولا أعظم من الله سبحانه - فنسب إليه اللّعن ليبلغ في الشدّة كلّ مبلغ، ثمّ التفت في الآية الثانية من الغيبة إلى التكلّم وحده بقوله: فأولئك أتوب عليهم وأنا التوّاب الرحيم، للدلالة على كمال الرحمة والرأفة، بإلقاء كلّ نعت وطرح كلّ صفة وتصدّى الأمر بنفسه تعالى وتقدّس، فليست الرأفة والحنان المستفادة من هذه الجملة كالّتي يستفاد من قولنا مثلاً: فأولئك يتوب الله عليهم أو يتوب ربّهم عليهم، ثمّ التفت في الآية الثالثة من التكلّم وحده إلى الغيبة بقوله: أولئك عليهم لعنة الله، والوجه فيه نظير ما ذكرناه في اللتفات الواقع في الآية الاُولى.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن بعض أصحابنا عن الصادقعليهالسلام قال: قلت له: أخبرني عن قول الله عزّوجلّ: إنّ الّذين يكتمون الآية، قال: نحن نعني بها - والله المستعان - إنّ الواحد منّا إذا صارت إليه لم يكن له أو لم يسعه إلّا أن يبيّن للناس من يكون بعده.
وعن الباقرعليهالسلام : في الآية، قال: يعني بذلك نحن، والله المستعان.
وعن محمّد بن مسلم قالعليهالسلام : هم أهل الكتاب.
أقول: كلّ ذلك من قبيل الجري والانطباق، وإلّا فالآية مطلقة.
وفي بعض الروايات عن عليّعليهالسلام : تفسيره بالعلماء إذا فسدوا.
وفي المجمع عن النبيّ في الآية، قال: من سأل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار، وهو قوله: أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.
أقول: والخبران يؤيّدان ما قدّمناه.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى: ويلعنهم اللاعنون، قال: نحن هم، وقد قالوا: هوامّ الأرض.
أقول: هو إشارة إلى ما يفيده قوله تعالى:( وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ) هود - ١٨، فإنّهم الأشهاد المأذونون في الكلام يوم القيامة، والقائلون صواباً. وقوله: وقالوا: هوامّ الأرض، هو منقول عن المفسّرين كمجاهد وعكرمة وغيرهما، وربّما نسب في بعض الروايات إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات والهدي، في عليّ.
أقول: وهو من قبيل الجري والانطباق.
( سورة البقرة الآيات ١٦٣ - ١٦٧)
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( ١٦٣ ) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ١٦٤ ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ( ١٦٥ ) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ( ١٦٦ ) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ( ١٦٧ )
( بيان)
الآيات متّحدة متّسقة ذات نظم واحد - وهي تذكر التوحيد - وتقيم عليه البرهان وتذكر الشرك وما ينتهي إليه أمره.
قوله تعالى: ( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد ) ، قد مرّ معنى الإله في الكلام على البسملة من سورة الحمد في أوّل الكتاب، وأمّا الوحدة فمفهومها من المفاهيم البديهيّة الّتي لا نحتاج في تصوّرها إلى معرّف يدلّنا عليها، والشئ ربّما يتّصف بالوحدة من حيث وصفٍ من أوصافه، كرجل واحد، وعالم واحد، وشاعر واحد، فيدلّ به على أنّ الصفة الّتي فيه لا تقبل الشركة ولا تعرّضها الكثرة، فإنّ الرجوليّة الّتي في زيد مثلاً - وهو رجل واحد - ليست منقسمة بينه وبين غيره، بخلاف ما في زيد وعمرو مثلاً - وهما رجلان - فإنّه
منقسم بين اثنين كثير بهما، فزيد من جهة هذه الصفة - وهي الرجوليّة - واحد لا يقبل الكثرة، وإن كان من جهة هذه الصفة وغيرها من الصفات كعلمه، وقدرته، وحياته، ونحوها ليس بواحد بل كثير حقيقة. والله سبحانه واحد، من جهة أنّ الصفة الّتي لا يشاركه فيها غيره، كالاُلوهيّة فهو واحد في الاُلوهيّة، لا يشاركه فيها غيره تعالى، والعلم و القدرة والحياة، فله علم لا كالعلوم وقدرة وحياة لا كقدرة غيره وحياته، وواحد من جهة أنّ الصفات الّتي له لا تتكثّر ولا تتعدّد إلّا مفهوماً فقط، فعلمه وقدرته وحياته جميعها شئٌ واحد هو ذاته، ليس شئ منها غير الآخر بل هو تعالى يعلم بقدرته ويقدر بحياته وحيّ بعلمه، لا كمثل غيره في تعدّد الصفات عيناً ومفهوماً، وربّما يتّصف الشئٌ بالوحدة من جهة ذاته، وهو عدم التكثّر والتجزّي في الذات بذاته، فلا تتجزّى إلى جزء وجزء، وإلى ذات واسم وهكذا. وهذه الوحدة هي المسمّاة بأحديّة الذات، ويدلّ على هذا المعنى بلفظ أحد، الّذي لا يقع في الكلام من غير تقييد بالإضافة إلّا إذا وقع في حيّز النفي أو النهي أو ما في معناهما كقولنا ما جائني أحد، فيرتفع بذلك أصل الذات سواء كان واحداً أو كثيراً، لأنّ الوحدة مأخوذه في أصل الذات لا في وصف من أوصافه بخلاف قولنا: ما جائني واحد فإنّ هذا القول لا يكذب بمجئ اثنين أو أزيد لأنّ الوحدة مأخوذة في صفة الجائى وهو الرجوليّة في رجل واحد مثلاً فاحتفظ بهذا الاجمال حتّى نشرحه تمام الشرح في قوله تعالى:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) الإخلاص - ١، إنشاء الله تعالى.
وبالجملة فقوله: وإلهكم إله واحد، تفيد بجملته اختصاص الاُلوهيّة بالله عزّاسمه، ووحدته فيها وحدة تليق بساحة قدسه تبارك وتعالى، وذلك أنّ لفظ الواحد بحسب المتفاهم عند هؤلاء المخاطبين لا يدلّ على أزيد من مفهوم الوحدة العامّة الّتي تقبل الانطباق على أنواع مختلفة لا يليق بالله سبحانه إلّا بعضها فهناك وحدة عدديّة ووحدة نوعيّة ووحدة جنسيّة وغير ذلك، فيذهب وهم كلّ من المخاطبين إلى ما يعتقده ويراه من المعنى. ولو كان قيل: والله إله واحد، لم يكن فيه توحيد لأنّ أرباب الشرك يرون أنّه تعالى إله واحد، كما أنّ كلّ واحد من آلهتهم إله واحد، ولو كان قيل:
وإلهكم واحد لم يكن فيه نصّ على التّوحيد، لإمكان أن يذهب الوهم إلى أنّه واحد في النوع، وهو الاُلوهيّة، نظير ما يقال في تعداد أنواع الحيوان: الفرس واحد، والبغل واحد، مع كون كلّ منهما متعدّداً في العدد، لكن لما قيل: وإلهكم إله واحد فأثبت معنى إله واحد - وهو في مقابل إلهين إثنين وآلهة كثيرة - على قوله: إلهكم كان نصّاً في التوحيد بقصر أصل الاُلوهيّة على واحد من الإلهيّ الّتى اعتقدوا بها.
قوله تعالى: ( لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) ، جئ به لتأكيد نصوصيّة الجملة السابقة في التوحيد ونفي كلّ توهّم أو تأويل يمكن أن يتعلّق بها، والنفي فيه نفي الجنس، والمراد بالإله ما يصدّق عليه الإله حقيقة وواقعاً، وحينئذ فيصّح أن يكون الخبر المحذوف هو موجود أو كائن، أو نحوهما، والتقدير لا إله بالحقيقة والحقّ بموجود، وحيث كان لفظة الجلالة مرفوعاً لا منصوباً فلفظ إلّا ليس للاستثناء، بل وصف بمعنى غير، والمعنى لا إله غير الله بموجود.
فقد تبيّن أنّ الجملة أعني قوله: لا إله إلّا هو، مسوقة لنفي غير الله من الآلهة الموهومة المتخيّلة لا لنفي غير الله وإثبات وجود الله سبحانه، كما توهّمه كثيرون، ويشهد بذلك أنّ المقام إنّما يحتاج إلى النفي فقط، ليكون تثبيتاً لوحدته في الاُلوهيّة لا الإثبات والنفي معاً، على أنّ القرآن الشريف يعدّ أصل وجوده تبارك وتعالى بديهيّاً لا يتوقّف في التصديق العقليّ به، وإنّما يعني عنايته بإثبات الصفات، كالوحدة، والفاطريّة، والعلم، والقدرة، وغير ذلك.
وربّما يستشكل تقدير الخبر لفظ الموجود أو ما بمعناه أنّه يثبت نفي وجود إله غير الله لا نفي إمكانه، فيجاب عنه بأنّه لا معنى لفرض موجود ممكن مساوى الوجود والعدم ينتهي إليه وجود جميع الموجودات بالفعل وجميع شئونها، وربّما يجاب عنه بتقدير حقّ، والمعنى لا معبود حقّ إلّا هو.
قوله تعالى: ( الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) ، قد مرّ الكلام في معناهما في تفسير البسملة من سورة الفاتحة وبذكر الاسمين يتمّ معنى الربوبيّة، فإليه، تعالى ينتهي كلّ عطيّة عامّة، بمقتضى رحمانيّته: وكلّ عطيّة خاصّة واقعة في طريق الهداية والسعادة
الاُخرويّة بمقتضى رحيميّته.
قوله تعالى: ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) إلى آخر الآية، السياق كما مرّ في أوّل البيان يدلّ على أنّ الآية مسوقة للدلالة والبرهنة على ما تضمّنته الآية السابقة أعني قوله تعالى: وإلهكم إله واحد لا إله إلّا هو الرحمن الرحيم الآية، فإنّ الآية تنحلّ بحسب المعنى إلى أنّ لكلّ شئ من هذه الأشياء إلهاً، وأنّ إله الجميع واحد وأنّ هذا الإله الواحد هو إلهكم، وأنّه رحمن مفيض للرحمة العامّة، وأنّه رحيم يسوق إلى سعادة الغاية - وهي سعادة الآخرة - فهذه حقائق حقّة، وفي خلق السماوات والأرض وإختلاف الليل والنّهار إلى آخر ما ذكر في الآية آيات دالّة عليها عند قوم يعقلون.
ولو كان المراد إقامة الحجّة على وجود إله الإنسان أو أنّ إله الإنسان واحد لما كان الجميع إلّا آية واحدة دالّة على ذلك من طريق اتّصال التدبير، ولكان حقّ الكلام في الآية السابقة أن يقال: وإلهكم واحد لا إله إلّا هو، فالآية مسوق للدلالة على الحجّة على وجود الإله وعلى وحدته بمعنى أنّ إله غير الإنسان من النظام الكبير واحد وأنّ ذلك بعينه إله الإنسان.
وإجمال الدلالة أنّ هذه السماوات الّتي قد علتنا وأظلّتنا على ما فيها من بدائع الخلقة، والأرض الّتي قد أقلّتنا وحملتنا مع عجيب أمرها وسائر ما فيها من غرائب بالتحوّلات والتقلّبات كإختلاف الليل والنهار، والفلك الجارية، والأمطار النازلة، والرياح المصرفة، والسحب المسخّرة اُمور مفتقرة في نفسها إلى صانع موجد، فلكلّ منها إله موجد (وهذا هو الحجّة الاُولى).
ثمّ إنّ هذه الأجرام الجوّيّة المختلفة بالصغر والكبر واللبعد والقرب (وقد وجد الواحد في الصغر على ما بلغة الفحص العلمي ما يعادل:
٣٣.......................ر. من سانتيمتر مكعّب والواحد في الكبر ما يعادل الملابين من حجم الأرض وهو كرة يعادل قطرها ٩٠٠٠ ميلاً تقريباً، واكتشف من المسافة بين جرمين علويّين ما يقرب من ثلاثة ملايين سنة نوريّة، والسنة النوريّة من المسافة تعدل ٣٦٥ * ٢٤ * ٦٠ * ٦٠ * ٣٠٠٠٠٠ كيلومتر تقريباً)، فانظر إلى هذه
الأرقام الّتي تدهش اللّب وتبهت الفكر واقبض ما أنت قاض في غرابة الأمر وبداعتة تفعل البعض منها في البعض، وتنفعل البعض منها عن البعض أينما كانت وكيفما كانت بالجاذبة العامّة، وإفاضة النور والجرارة وتحيي بذلك سنّة الحركة العامّة والزمان العموميّ، وهذا نظام عامّ دائم تحت قانون ثابت، حتّى أنّ النسبيّة العموميّة القاضية بالتغيّر في قوانين الحركة في العالم الجسمانيّ لا تتجافى عن الاعتراف بأنّ التغيير العموميّ أيضاً محكوم قانون آخر ثابت في التغيّر والتحوّل، ثمّ إنّ هذه الحركة والتحوّل العموميّ تتصوّر في كلّ جزء من أجزاء العالم بصورة خاصّة كما بين الشمس الّتي لعالمنا مع منظومتها ثمّ تزيد ضيقاً في الدائرة كما في أرضنا مع ما يختصّ بها من الحوادث والأجرام، كالقمر والليل والنهار، والرياح والسحب والأمطار، ثمّ تتضيّق الدائرة، كما في المكوّنات الأرضيّة: من المعادن والنبات والحيوان وسائر التراكيب، ثمّ في كلّ نوع من أنواعها، ثمّ تتضيّق الدائرة حتّى تصل النوبة إلى العناصر، ثمّ إلى الذرّات، ثمّ إلى أجزاء الذرّات حتّى تصل إلى آخر ما انتهى الفحص العلميّ الميسور للإنسان إلى هذا اليوم، وهي الالكترون، والبروتون، ويوجد هناك نظير المنظومات الشمسيّة جرم مركزيّ وأشياء تدور حولها دوران الكواكب على مداراتها الّتي حول شمسها وسبحها في أفلاكها.
ففي أيّ موقف من هذه المواقف وقف الإنسان شاهد نظاماً عجيباً ذا تحوّلات وتغيّرات، يحفظ بها أصل عالمه، وتحيى بها سنّة إلهيّة لا تنفد عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، لا استثناء في جريها وإن كان واحداً، ولا اتّفاق في طيّها وإن كان نادراً شارداً، لا يدرك ساحلها ولا يقطع مراحلها، وكلّما ركّبت عدّة منها أخذاً من الدقيق إلى الجليل وجدتها لا تزيد على عالم واحد ذا نظام واحد، وتدبير متّصل حتّى ينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه توسّع العلم إلى اليوم بالحسّ المسلّح والأرصاد الدقيقة، وكلّما حلّلتها وجزّيتها راجعاً من الكلّ إلى الجزء حتّى تنتهي إلى مثل المليكول وجدته لا تفقد من العالم الواحد شيئاً ذا نظام واحد وتدبير متّصل، على أنّ كلّ اثنين من هذه الموجودات متغاير الواحدين ذاتاً وحكماً شخصاً.
فالعالم شئ واحد والتدبير متّصل، وجميع الأجزاء مسخّرة تحت نظام واحد وإن كثرت واختلفت أحكامها، وعنت الوجوه للحيّ القيّوم، فإله العالم الموجد له والمدبّر لأمره واحد (وهذا هو البرهان الثاني).
ثمّ إنّ الإنسان الّذي هو موجود أرضيّ يحيى في الأرض ويعيش في الأرض ثمّ يموت ويرجع إلى الأرض لا يفتقر في شئ من وجوده وبقائه إلى أزيد من هذا النظام الكلّيّ الّذي لمجموع هذا العالم المتّصل تدبيره، الواحد نظامه: فهذه الأجرام العلويّة في إنارتها وتسخينها، وهذه الأرض في إختلاف ليلها ونهارها ورياحها وسحبها وأمطارها ومنافعها الّتي تجري من قطر إلى قطر من رزق ومتاع هي الّتي يحتاج إليها الإنسان في حاجته المادّيّة وتدبير وجوده وبقائه - والله من ورائهم محيط - فإلهها الموجد لها المدبّر لأمرها هو إله الإنسان الموجد له والمدبّر لأمره (وهذا هو البرهان الثالث).
ثمّ إنّ هذا الإله هو الّذي يعطي كلّاً ما يحتاج إليه في سعادته الوجوديّة وما يحتاج إليه في سعادته في غايته وآخرته لو كان له سعادة اُخرويّة غائيّة فإنّ الآخرة عقبى هذه الدار، وكيف يمكن أن يدبّر عاقبة الأمر غير الّذي يدبّر نفس الأمر ؟ (وهذا هو البرهان على الاسمين الرحمن الرحيم).
وعند هذا تمّ تعليل الآية الاُولى بالثانية وفي تصدير الآية بلفظة، إنّ، الدالّة على التعليل إشارة إلى ذلك - والله العالم -.
فقوله تعالى:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ، إشارة إلى ذوات الأجرام العلويّة والأرض بما تشتمل عليه تراكيبها من بدائع الخلق وعجائب الصنع، من صور تقوم بها أسماؤها، وموادّ تتألّف منها ذواتها، وتحوّل بعضها إلى بعض، ونقص أو زيادة تطرؤها وتركّب أو تحلّل يعرضها، كما قال:( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ) الرعد - ٤١، وقال:( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) الأنبياء - ٣٠.
قوله تعالى: ( وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ) ، وهو النقيصة والزيادة والطول والقصر العارضين لهما من جهة اجتماع عاملين من العوامل الطبيعيّة، وهي الحركة
اليوميّة الّتي للأرض على مركزها وهي ترسم الليل والنهار بمواجهة نصف الكرة وأزيد بقليل دائماً مع الشمس فتكتسب النور وتمصّ الحرارة، ويسمّى النهار، واستتار الشمس عن النصف الآخر وأنقص بقليل فيدخل تحت الظلّ المخروطيّ وتبقى مظلماً وتسمّى الليل، ولا يزالان يدوران حول الأرض، والعامل الآخر ميل سطح الدائرة الاستوائيّة أو المعدّل عن سطح المدار الأرضيّ في الحركة الانتقاليّة إلى الشمال والجنوب، وهو الّذي يوجب ميل الشمس من المعدّل إلى الشمال أو الجنوب الراسم للفصول، وهذا يوجب استواء الليل والنهار في منطقة خطّ الاستواء وفي القطبين، أمّا القطبان فلهما في كلّ سنة شمسيّة تامّة يوم وليلة واحدة كلّ منهما يعدل نصف السنة، و الليل في قطب الشمال نهار في قطب الجنوب وبالعكس، وأمّا النقطة الاستوائيّة فلها في كلّ سنة شمسيّة ثلثمأة وخمس وستّون ليلاً ونهاراً تقريباً، والنهار والليل فيها متساويان، وأمّا بقيّة المناطق فيختلف النهار والليل فيها عدداً وفي الطول والقصر بحسب القرب من النقطة الاستوائيّة ومن القطبين، وهذا كلّه مشروح مبيّن في العلوم المربوطة بها.
وهذا الإختلاف هو الموجب لإختلاف ورود الضوء والحرارة، وهو الموجب لإختلاف العوامل الموجبة لإختلاف حدوث التراكيب الأرضيّة والتحوّلات في كينونتها ممّا ينتفع بإختلافها الإنسان انتفاعات مختلفة.
قوله تعالى: ( وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ ) ، والفلك هو السفينة يطلق على الواحد والجمع، والفلك والفلكة كالتمر والتمرة والمراد بما ينفع الناس المتاع والرزق تنقلها من ساحل إلى ساحل ومن قطر من أقطار الأرض إلى قطر آخر.
وفي عدّ الفلك في طيّ الموجودات والحوادث الطبيعيّة الّتي لا دخل لاختيار الإنسان فيها كالسماء والأرض وإختلاف الليل والنهار دلالةٌ على أنّها أيضاً تنتهي مثلها إلى صنع الله سبحانه في الطبيعة فإنّ نسبة الفعل إلى الإنسان بحسب الدقّة لا تزيد على نسبة الفعل إلى سبب من الأسباب الطبيعيّة، والاختيار الّذي يتبجّح به الإنسان لا يجعله سبباً تامّاً مستقلّاً غير مفتقر إلى إرادة الله سبحانه ولا يجعله أقلّ احتياجاً إليه تعالى بالنسبة إلى سائر الأسباب الطبيعيّة، فلا فرق من حيث الاحتياج إلى إرادة الله
سبحانه بين أن يفعل قوّة طبيعيّة في مادّة فتوجد بالفعل و الانفعال والتحريك والتركيب والتحليل صورة من الصور كصورة الحجارة مثلاً، وبين أن يفعل الإنسان بالتحريك والتقريب والتبعيد في المادّة صورة من الصور كصورة السفينة مثلاً في أنّ الجميع تنتهي إلى صنع الله وإيجاده لا يستقلّ شئ مستغنياً عنه تعالى في ذاته وفعله.
فالفلك أيضاً مثل سائر الموجودات الطبيعيّة تفتقر إلى الإله في وجودها وتفتقر إلى الإله في تدبير أمرها من غير فرق، وقد أشار تعالى إلى هذه الحقيقة بقوله:( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصافات - ٩٦، حيث حكاه من إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام الّتي اتّخذوها آلهة فإنّ من المعلوم أنّ الصنم ليس إلّا موجوداً صناعيّاً كالفلك الّتي تجري في البحر، وقال تعالى:( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ) الرحمن - ٢٤، فعدّها ملكاً لنفسه، وقال تعالى:( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ) إبراهيم - ٣٢، فعدّ تدبير أمرها راجعاً إليه.
( كلام في استناد مصنوعات الإنسان إلى الله سبحانه)
فما أغفل هؤلاء الّذين يعدّون الصناعيّات من الأشياء الّتي يعملها الإنسان مصنوعة مخلوقة للإنسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عزّ اسمه مستندين إلى أنّها مخلوقة لإرادة الإنسان واختياره.
فطائفة منهم - وهم أصحاب المادّة من المنكرين لوجود الصانع - زعموا أنّ حجّة الملّيّين في إثبات الصانع: أنّهم وجدوا في الطبيعة حوادث وموجودات جهلوا عللها المادّيّة ولزمهم من جهة القول بعموم قانون العلّيّة والمعلوليّة في الأشياء والحوادث أن يحكموا بوجود عللها - وهي مجهولة لهم بعد - فأنتج ذلك القول بأنّ لهذه الحوادث المجهولة العلّة علّة مجهولة لكنّه هي وراء عالم الطبيعة، وهو الله سبحانه، فالقول بأنّ الصانع موجود فرضيّة أوجب افتراضها ما وجده الإنسان الاُولى من الحوادث المادّيّة المجهولة العلل كالحوادث الجوّيّة وكثير من الحوادث الأرضيّة المجهولة العلل، وما وجده من الحوادث والخواصّ الروحيّة الّتي لم يكشف العلوم عن عللها المادّيّة حتّى اليوم.
قالوا: وقد وفّق العلوم في تقدّمها الحديث لحلّ المشكل في الحوادث المادّيّة وكشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضيّة أحد ركنيها وهو احتياج الحوادث المادّيّة المجهولة العلل إلى علل ورائها، وبقي الركن الآخر وهو احتياج الحوادث الروحيّة إلى عللها، وانتهائها إلى علّة مجرّدة، وتقدّم البحث في الكيمياء الاليّ جديداً يعدنا وعداً حسناً أن سيطّلع الإنسان على علل الروح ويقدر على صنعة الجراثيم الحيويّة وتركيب أيّ موجود روحيّ وإيجاد أيّ خاصّة روحيّة، وعند ذلك ينهدم أساس الفرضيّة المذكورة ويخلق الإنسان في الطبيعة أيّ موجود شاء من الروحيّات كما يخلق اليوم أيّ شئ شاء من الطبيعيّات، وقد كان قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلّا إلى علّة مفروضة فيما وراء الطبيعة، حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث، هذا ما ذكروه.
وهؤلاء المساكين لو أفاقوا قليلاً من سكرة الغفلة والغرور لرأوا أنّ الإلهيّين من أوّل ما أذعنوا بوجود إله للعالم - ولن يوجد له أوّل - أثبتوا هذه العلّة الموجدة لجميع العالم، وبين أجزائه حوادثٌ معلومة العلل - وفيها حوادث مجهولة العلل - والمجموع من حيث المجموع مفتقر عندهم إلى علّة خارجة، فما يثبته أولئك غير ما ينفيه هؤلاء.
فالمثبتون - ولم يقدر البحث والتاريخ على تعيين مبدء لظهورهم في تاريخ حياة النوع الإنسانيّ - أثبتوا لجميع العالم صانعاً واحداً أو كثيراً (وإن كان القرآن يثبت تقدّم دين التوحيد على الوثنيّة، وقد بيّن ذلك الدكتور ماكس موللّر الآلمانيّ المستشرق صاحب التقدّم في حلّ الرموز السنسكريتيّة) وهم حتّى الإنسان الاُولى منهم يشاهدون العلل في بعض الحوادث المادّيّة، فإثباتهم، إلهاً صانعاً لجميع العالم استنادا إلى قانون العلّيّة العامّ ليس لأجل أن يستريحوا في مورد الحوادث المجهولة العلل حتّى ينتج ذلك القول باحتياج بعض العالم إلى الإله واستغناء البعض الآخر عنه، بل لإذعانهم بأنّ هذا العالم المؤلّف من سلسلة علل ومعلولات طبيعيّة بمجموعها ووحدانيّتها لا يستغني عن الحاجة إلى علّة فوق العلل تتكّي عليها جميع التأثيرات والتأثّرات الجارية بين أجزائه، فإثبات هذه العلّة العالية لا يبطل قانون العلّيّة العامّ الجاري بين اجزاء العالم أنفسها، ولا وجود
العلل المادّيّة في موارد المعلولات المادّيّة تغني عن استنادها الجميع إلى علّة عالية خارجة من سلسلتها، وليس معنى الخروج وقوف العلّة في رأس السلسلة، بل إحاطتها بها من كلّ جهة مفروضة.
ومن عجيب المناقضة في كلام هؤلاء أنّهم قائلون في الحوادث - ومن جملتها الأفعال الإنسانيّة - بالجبر المطلق فما من فعل ولا حادث غيره إلّا وهو معلول جبريّ لعلل عندهم، وهم مع ذلك يزعمون أنّ الإنسان لو خلق إنساناً آخر كان غير منته إلى علّة العالم لو فرض له علّة.
وهذا المعنى الّذي قلنا - على لطفة ودقّته وإن لم يقدر على تقريره الفهم العاميّ الساذج لكنّه موجود على الإجمال في أذهانهم حيث قالوا باستناد جميع العالم بأجمعه إلى الإله الصانع - وفيه العلل والمعلولات فهذا -أولا .
ثمّ إنّ البراهين العقليّة الّتي أقامتها الإلهيّون من الحكماء الباحثين أقاموها بعد إثبات عموم العلّيّة وبنوا فيها على وجوب انتهاء العلل الممكنة إلى علّة واجبة الوجود، واستمرّوا على هذا المسلك من البحث منذ اُلوف من السنين من أقدم عهود الفلسفة إلى يومنا هذا، ولم يرتابوا في استناد المعلولات الّتي معها عللها الطبيعيّة الممكنة إلى علّة واجبة، فليس استنادهم إلى العلّة الواجبة لأجل الجهل بالعلّة الطبيعيّة، وفي المعلولات المجهولة العلل كما يتوّهمّه هؤلآء، وهذاثانياً .
ثمّ إنّ القرآن المثبت لتوحيد الإله إنّما يثبته مع تقرير جريان قانون العلّيّة العامّ بين أجزاء العالم، وتسليم استناد كلّ حادث إلى علّة خاصّة به، وتصديق ما يحكم به العقل السليم في ذلك، فإنّه يسند الأفعال الطبيعيّة إلى موضوعاتها وفواعلها الطبيعيّة وينسب إلى الإنسان أفعاله الاختياريّة في آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها، ثمّ ينسب الجميع إلى الله سبحانه من غير استثناء. قال تعالى:( اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) الزّمر - ٦٢، وقال تعالى:( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) المؤمن - ٦٢، وقال تعالى:( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) الأعراف - ٥٤، وقال تعالى:( لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ) طه - ٥، فكلّ ما صدق عليه اسم شئ فهو مخلوق لله منسوب إليه على ما يليق بساحة قدسه وكماله،
وقد جمع في آيات اُخر بين الإثباتين جميعاً فنسب الفعل إلى فاعله وإلى الله سبحانه معاً كقوله تعالى:( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الصّافات - ٩٦، فنسب أعمال الناس إليهم ونسب خلق أنفسهم وأعمالهم إليه تعالى، وقال تعالى:( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَىٰ ) الأنفال - ١٧، فنسب الرمي إلى رسول الله ونفاه عنه ونسبه إلى الله تعالى إلى غير ذلك.
ومن هذا الباب آيات اُخر تجمع بين الإثباتين بطريق عامّ كقوله تعالى:( وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ) الفرقان - ٢، وقال تعالى:( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ - إلى أن قال -وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ ) القمر - ٥٣، وقال تعالى:( قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) الطلاق - ٣، وقال تعالى:( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) الحجر - ٢١، فإنّ تقدير كلّ شئ هو جعله محدوداً بحدود العلل المادّيّة والشرائط الزمانيّة والمكانيّة.
وبالجملة فكون إثبات وجود الإله الواحد في القرآن على أساس إثبات العلّيّة والمعلوليّة بين جميع أجزاء العالم، ثمّ استناد الجميع إلى الإله الفاطر الصانع للكلّ ممّا لا يعتريه شكّ ولا ريب لا كما يزعمه هؤلآء من إسناد البعض إلى الله وإسناد الآخر إلى علله المادّيّة المعلومة، وهذاثالثاً .
نعم حملهم على هذا الزعم ما تلقّوة: من جمع من أرباب النحل الباحثين عن هذه المسألة وأمثالها في فلسفة عاميّة كانت تنشرها الكنيسة في القرون الوسطى.
أو يعتمد عليها الضعفاء من متكلّمي الأديان الاُخرى وكانت مؤلّفة من مسائل محرّفة ما هي بالمسائل، واحتجاجات واستدلالات واهية فاقدة لاستقامة النظر. فهؤلآء لما أرادوا بيان دعواهم الحقّ (الّذي يقضي بصحّته إجمالاً عقولهم) ونقله من الإجمال إلى التفصيل دفعهم ضعف التعقّل والفكر إلى غير الطريق فعممّوا الدعوى، وتوسّعوا في الدليل، فحكموا باستناد كلّ معلول مجهول العلّة إلى الله سبحانه من غير واسطة، ونفوا حاجة الأفعال الاختياريّة إلى علّة موجبه، أو احتياج الإنسان في صدور فعله الاختياريّ إلى الإله تعالى، واستقلاله في فعله، وقد مرّ البحث عن قولهم في الكلام على قوله تعالى:( وَ
مَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ) البقرة - ٢٦، ونورد هيهنا بعض ما فيه من الكلام.
وطائفة منهم - وهم بعض المحدّثين والمتكلّمين من ظاهرييّ المسلمين وجمع من غيرهم - لم يقدروا أن يتعقّلوا معنى صحيحاً لإسناد أفعال الإنسان الاختياريّة إلى الله سبحانه على ما يليق بالمقام الرّبوبيّ فنفوا استناد مصنوعات الإنسان إليه سبحانه، وبالخصوص فيما وضعه للمعصية خاصّة كالخمر وآلات اللهوو القمار وغير ذلك، وقد قال تعالى:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) المائدة - ٩٠، ومعلوم أنّ ما عدّه الله سبحانه عملاً للشيطان لا يجوز أن ينسب إليه.
وقد مرّ فيما تقدّم ما يظهر به بطلان هذا التوهّم نقلاً وعقلاً، فالأفعال الاختياريّة كما أنّ لها انتساباً إلى الله سبحانه على ما يليق به تعالى كذلك نتائجها وهي الاُمور الصناعيّة الّتي يصنعها الإنسان لداعي رفع الحوائج الحيويّة.
على أنّ الأنصاب الواقعة في الآية السابقة هي الأصنام والتماثيل المنصوبة المعبودة الّتي ذكر الله سبحانه أنّها مخلوقة له في قوله:( وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) الآية، ومن هيهنا يظهر أنّ فيها جهات مختلفة من النسب ينسب من بعضها إلى الله سبحانه وهي طبيعة وجودها مع قطع النظر عن وصف المعصية المتعلّق بها، فإنّ الصنم ليس بحسب الحقيقة إلّا حجراً أو فلزّاً عليه شكل خاصّ وليس فيه ما يوجب نفي انتسابه إلى موجد كلّ شئ، وأمّا أنّه صنم معبود دون الله سبحانه فهذه هي الجهة الّتي يجب نفيها عنه تعالى ونسبتها إلى عمل غيره من شيطان أو إنسان، وكذا حكم غيره من حيث انتسابه إليه تعالى وإلى غيره.
فقد تبيّن من جميع ما مرّ أنّ الأمور الصناعيّة منتسبة إلى الخلقة كاستناد الاُمور الطبيعيّة من غير فرق، نعم يدور الأمر في الانتساب إلى الخلقة مدار حظّ الشئ من الوجود فافهم ذلك.
قوله تعالى: ( وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ) ، فإنّ حقيقته عناصر مختلفة يحملها ماء البحار وغيره ثمّ يتكاثف بخاراً متصاعداً حاملاً للحرارة حتّى ينتهي إلى زمهرير الهواء
فيتبدّل ماء متقاطراً على صورة المطر أو يجمد ثانياً فيصير ثلجاً أو برداً فينزل لثقله إلى الأرض فتشربه وتحيي به أو تحزنه فيخرج على صورة ينابيع في الأرض بها حياة كلّ شئ فلماء النازل من السماء حادث من الحوادث الوجوديّة جار على نظام متقن غاية الإتقان من غير انتقاض واستثناء ويستند إليه انتشاء النبات وتكون الحيوان من كلّ نوع.
وهو من جهة تحدّده بما يحفه من حوادث العالم طولاً وعرضاً تصير معها جميعاً شيئاً واحداً لا يستغني عن موجد يوجده وعلّة تظهره فله إله واحد ومن جهة أنّه ممّا يستند إليه وجود الإنسان حدوثاً وبقاءً يدلّ على كون إلهه هو إله الإنسان.
قوله تعالى: ( وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ ) ، وهو توجيهها من جانب إلى جانب بعوامل طبيعيّة مختلفة، والأغلب فيها أنّ الأشعّة النوريّة الواقعة على الهواء من الشمس تتبدّل حرارة فيه فيعرضه اللطافة والخفّة لأنّ الحرارة من عواملها فلا يقدر على حمل ما يعلوه أو يجاوره من الهواء البارد الثقيل فينحدر عليه فيدفعه بشدّة فيجري الهواء اللطيف إلى خلاف سمت الدفع وهو الريح، ومن منافعه تلقيح النبات ودفع الكثافات البخاريّة والعفونات المتصاعدة، وسوق السحب الماطرة وغيرها، ففيه حياة النبات والحيوان والإنسان.
وهو في وجوده يدلّ على الإله وفي التيامه مع سائر الموجودات واتّحاده معها كما مرّ يدلّ على إله واحد للعالم، وفي وقوعه طريقاً إلى وجود الإنسان وبقائه يدلّ على أنّ إله الإنسان وغيره واحد.
قوله تعالى: ( وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) ، السحاب البخار المتكاثف الّذي منه الأمطار وهو ضباب بالفتح ما لم ينفصل من الأرض فإذا انفصل وعلا سمّي سحاباً وغيماً وغماماً وغير ذلك، والتسخير قهر الشئ وتذليله في عمله، والسحاب مسخّر مقهور في سيره وإمطاره بالريح والبرودة وغيرهما المسلّطة عليه بإذن الله، والكلام في كون السحاب آية نظير الكلام في غيره ممّا عدّ معه.
واعلم: أنّ إختلاف الليل والنهار والماء النازل من السماء والرياح المصرّفة والسحاب المسخّر حمل الحوادث العامّة الّتي منها تتألّف نظام التكوين في
الأرضيّات من المركّبات النباتيّة والحيوانيّة وغيرهما فهذه الآية كالتفصيل بوجه لإجمال قوله تعالى:( وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ) فصّلت - ١٠.
قوله تعالى: ( لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ، العقل - وهو مصدر عقل يعقل - إدراك الشئ وفهمه التامّ، ومنه العقل اسم لما يميّز به الإنسان بين الصلاح والفساد وبين الحقّ و الباطل والصدق والكذب وهو نفس الإنسان المدرك وليس بقوّة من قواه الّتى هي كالفروع للنفس كالقوّة الحافظة و الباصرة وغيرهما.
قوله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا ) ، الندّ كالمثل وزناً ومعنى، ولم يقل من يتّخذ لله أنداداً كما عبّر بذلك في سائر الموارد كقوله تعالى:( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا ) البقرة - ٢٢، وقوله تعالى:( وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا ) إبراهيم - ٣٠، وغير ذلك لأنّ المقام مسبوق بالحصر في قوله:( وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) الآية. فكان من اتّخذ لله أنداداً قد نقض الحصر من غير مجوّز واتّخذ من يعلم أنّه ليس بإله إلهاً اتّباعاً للهوى وتهويناً لحكم عقله ولذلك نكّره تحقيراً لشأنه، فقال ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً.
قوله تعالى: ( يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ) ، وفي التعبير بلفظ يحبّونهم دلالة على أنّ المراد بالأنداد ليس هو الأصنام فقط بل يشمل الملائكه، وأفراداً من الإنسان الّذين اتّخذوهم أرباباً من دون الله تعالى بل يعمّ كلّ مطاع من دون الله من غير أن يأذن الله في إطاعته كما يشهد به ما في ذيل الآيات من قوله:( إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ) البقرة - ١٦٦، وكما قال تعالى:( وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ) آل عمران - ٦٤، وقال تعالى:( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ) التوبة - ٣١، وفي الآية دليل على أنّ الحبّ يتعلّق بالله تعالى حقيقة خلافاً لمن قال: إنّ الحبّ وهو وصف شهوانّي يتعلّق بالأجسام والجسمانيّات، ولا يتعلّق به سبحانه حقيقة وأنّ معنى ما ورد من الحبّ له الإطاعة بالايتمار بالأمر والانتهاء عن النهي تجوّزاً كقوله تعالى:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُم اللهُ ) آل عمران - ٣١.
والآية حجّة عليهم فإنّ قوله تعالى: أشدّ حبّاً لله يدلّ على أن حبّه تعالى
يقبل الاشتداد، وهو في المؤمنين أشدّ منه في المتّخذين لله أنداداً، ولو كان المراد بالحبّ هو الإطاعة مجازاً كان المعنى والّذين آمنوا أطوع لله ولم يستقم معنى التفضيل لأنّ طاعة غيرهم ليست بطاعة عند الله سبحانه فالمراد بالحبّ معناه الحقيقيّ.
ويدلّ عليه أيضاً قوله تعالى:( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ - إلى قوله -أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) التوبة - ٢٤، فإنّه ظاهر في أنّ الحبّ المتعلّق بالله والحبّ المتعلّق برسوله والحبّ المتعلّق بالآباء والأبناء والأموال وغيرها جميعاً من سنخ واحد لمكان قوله أحبّ إليكم، وأفعل التفضيل يقتضي اشتراك المفضّل والمفضّل عليه في أصل المعنى وإختلافهما من حيث الزيادة والنقصان.
ثمّ إنّ الآية ذمّ المتّخذين للأنداد بقوله: يحبّونهم كحبّ الله ثمّ مدح المؤمنين بأنّهم أشدّ حبّاً لله سبحانه فدلّ التقابل بين الفريقين على أنّ ذمّهم إنّما هو لتوزيعهم المحبّة الإلهيّة بين الله وبين الأنداد الّذين اتّخذوهم أنداداً. وهذا وإن كان بظاهره يمكن أن يستشعر منه أنّهم لو وضعوا له سبحانه سهماً أكثر لم يذمّوا على ذلك لكن ذيل الآية ينفي ذلك فإنّ قوله: إذ يرون العذاب أنّ القوّة لله جميعاً، وقوله: إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأ وا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب، وقوله: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، يشهد بأنّ الذمّ لم يتوجّه إلى الحبّ من حيث أنّه حبّ بل من جهة لازمه الّذي هو الاتّباع وكان هذا الاتّباع منهم لهم لزعمهم أنّ لهم قوّة يتقّوون بها لجلب محبوب أو دفع مكروه عن أنفسهم فتركوا بذلك اتّباع الحقّ من أصله أو في بعض الأمر، وليس من اتّبع الله في بعض أمره دون بعض بمتّبع له وحينئذ يندفع الاستشعار المذكور، ويظهر أنّ هذا الحبّ يجب أن لا يكون لله فيه سهيم وإلّا فهو الشرك، واشتداد هذا الحبّ ملازم لانحصار التبعيّة من أمر الله، ولذلك مدح المؤمنين بذلك في قوله والّذين آمنوا أشدّ حبّاً لله.
وإذ كان هذا المدح والذمّ متعلّقاً بالحبّ من جهة أثره الّذي هو الاتّباع فلو كان الحبّ للغير بتعقيب إطاعة الله تعالى في أمره ونهيه لكون الغير يدعو إلى طاعته تعالى - ليس له شأن دون ذلك - لم يتوجّه إليه ذمّ ألبتّة كما قال تعالى:( قُلْ إِن كَانَ
آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ - إلى قوله -أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ) التوبة - ٢٤، فقرّر لرسوله حبّاً كما قرّره لنفسه لأنّ حبّه (صلّي الله عليه وآله وسلّم) حبّ الله تعالى فإنّ أثره وهو الاتّباع عين اتّباع، الله تعالى: فإنّ الله سبحانه هو الداعي إلى اطاعة رسوله والآمر باتّباعه. قال تعالى:( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) النساء - ٦٤، وقال تعالى:( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) وكذلك اتّباع كلّ من يهتدي إلى الله باتّباعه كعالم يهدي بعلمه أو آية تعين بدلالته وقرآن يقرب بقرائته ونحو ذلك فإنّها كلّها محبوبة بحبّ الله واتّباعها طاعة تعدّ مقرّبة إليه.
فقد بان بهذا البيان أنّ من أحبّ شيئاً من دون الله ابتغاء قوّة فيه فاتّبعه في تسبيبه إلى حاجة ينالها منه أو اتّبعه بإطاعته في شئ لم يأمر الله به فقد اتّخذ من دون الله أنداداً وسيريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وأنّ المؤمنين هم الّذين لا يحبّون إلّا الله ولا يبتغون قوّة إلّا من عند الله ولا يتّبعون غير ما هو من أمر الله ونهيه فأولئك هم المخلصون لله ديناً.
وبان أيضاً أنّ حبّ من حبّه من حبّ الله واتّباعه اتّباع الله كالنبيّ وآله والعلماء بالله، وكتاب الله وسنّة نبيّه وكلّ ما يذكّر الله بوجه إخلاص لله ليس من الشرك المذموم في شئ، والتقرّب بحبّه واتّباعه تقرّب إلى الله، وتعظيمه بما يعدّ تعظيماً من تقوى الله، قال تعالى:( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) الحجّ - ٣٢، والشعائر هي العلامات الدالّة، ولم يقيّد بشئ مثل الصفا والمروة وغير ذلك، فكلّ ما هو من شعائر الله وآياته وعلاماته المذكّرة له فتعظيمه من تقوى الله ويشمله جميع الآيات الآمرة بالتقوى.
نعم لا يخفى لذي مسكة أنّ إعطاء الاستقلال لهذه الشعائر والآيات في قبال الله واعتقاد أنّها تملك لنفسها أو غيرها نفعاً أو ضرّاً أو موتاً أو حياةً أو نشوراً إخراج لها عن كونها شعائر وآيات وإدخال لها في حظيرة الاُلوهيّة وشرك بالله العظيم، والعياذ بالله تعالى.
قوله تعالى: ( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) ، ظاهر السياق أنّ قوله: إذ مفعول يرى، وأنّ قوله: أنّ
القوّة لله إلى آخر الآية، بيان للعذاب، ولو للتمنّي. والمعنى ليتهم يرون في الدنيا يوماً يشاهدون فيه العذاب فيشاهدون أنّ القوّة لله جميعاً وقد أخطأوا في إعطاء شئ منه لأندادهم وأنّ الله شديد في عذابه، وإذاقته عاقبة هذا الخطاء فالمراد بالعذاب في الآية - على ما يبيّنه ما يتلوه - مشاهدتهم الخطاء في اتّخاذهم أنداداً يتوهّم قوّة فيه ومشاهدة عاقبة هذا الخطاء ويؤيّده الآيتان التاليتان: إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا فلم يصل من المتبوعين إلى تابعيهم نفع كانوا يتوقّعونه ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب فلم يبق تأثير لشئ دون الله، وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّة، وهو تمنّي الرجوع إلى الدنيا فنتبرّأ منهم أي من الأنداد المتبوعين في الدنيا كما تبرّأوا منّا في الآخرة، كذلك يريهم الله أي الّذين ظلموا باتّخاذ الأنداد أعمالهم، وهي حبّهم واتّباعهم لهم في الدنيا حالكونها حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار.
قوله تعالى: ( وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) ، فيه حجّة على القائلين بانقطاع العذاب من طريق الظواهر.
( بحث روائي)
في الخصال والتوحيد والمعاني عن شريح بن هاني قال: إنّ أعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أميرالمؤمنينعليهالسلام فقال يا أميرالمؤمنين أتقول إنّ الله واحد ؟ قال فحمل الناس عليه، فقالوا: يا أعرابيّ أما ترى ما فيه أميرالمؤمنين من تقسّم القلب ؟ فقال أميرالمؤمنين دعوه فإنّ الّذي يريده الأعرابي هو الّذي نريده من القوم، ثمّ قال:عليهالسلام يا أعرابيّ، إنّ القول: في أنّ الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله تعالى، ووجهان يثبتان فيه فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه - فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا لا يجوز لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد، أمّا ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثه ؟ وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنه تشبيه وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك. وأمّا الوجهان اللّذان
يثبتان فيه فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربّنا، وقول القائل إنّه عزّوجلّ أحديّ المعنى يعني به: أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربّنا.
أقول: والوجهان اللّذان أثبتهماعليهالسلام كما ترى منطبق على ما ذكرناه في بيان قوله تعالى وإلهكم إله واحد الآية.
وقد تكرّر في الخطب المرويّة عن عليّعليهالسلام والرّضاعليهالسلام وغيرهما من أئمّة أهل البيت: قولهم: إنّه واحد لا بالعدد الخطبة، وهو ما مرّ من معنى صرافة ذاته الآبية عن العدد، وفي دعاء الصحيفة الكاملة لك وحدانيّة العدد الدعاء، ويحمل على الملكيّة أي أنت تملك وحدانيّة العدد دون الاتصاف فإنّ العقل والنقل ناهضان على أنّ وجوده سبحانه صرف لا يتثنّى ولا يتكرّر بذاته وحقيقته.
وفي الكافي والاختصاص وتفسير العيّاشيّ عن الباقرعليهالسلام : في قوله:( ومن الناس من يتّخذ من دون الله أنداداً الآية) - في حديث - قال: هم والله يا جابر أئمّة الظلمة وأشياعهم، وفي رواية العيّاشيّ: والله يا جابر هم أئمّة الظلم وأشياعهم.
أقول: وقد اتّضح معناه بما مرّ من البيان وتعبيرهعليهالسلام بأئمّة الظلم لمكان قوله تعالى:( وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) فعدّ التابعين المتّخذين للأنداد ظلمة فيكون متبوعوهم أئمّة الظلمة وأئمّة الظلم.
وفي الكافي عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى: كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم الآية، قال: هو الرجل يدع ماله لا ينفقه في طاعة الله بخلاً ثمّ يموت فيدعه لمن يعمل في طاعة الله أو في معصية الله فإن عمل به في طاعة الله رآه في ميزان غيره فرآه حسرة - وقد كان المال له - وإن كان عمل به في معصية الله قوّاه بذلك المال حتّى عمل به في معصية الله.
أقول: وروي هذا المعنى العيّاشيّ والصدوق والمفيد والطبرسيّ عن الباقر والصادقعليهماالسلام وهو ناظر إلى التوسعة في معنى الأنداد وهو كذلك كما تقدّم.
( بحث فلسفي)
من المعاني الوجدانيّة الّتي عندنا معنى نسمّيه بالحبّ كما في موارد حبّ الغذاء والحبّ النساء وحبّ المال وحبّ الجاه وحبّ العلم، هذه مصاديق خمسة لا نشكّ في وجودها فينا، ولا نشكّ أنّا نستعمل لفظ الحبّ فيها بمعنى واحد على سبيل الاشتراك المعنويّ دون اللّفظيّ، ولا شكّ أنّ المصاديق مختلفة، فهل هو إختلاف نوعيّ أو غير ذلك ؟
إذا دقّقنا النظر في حبّ ما هو غذاء كالفاكهة مثلاً وجدناه محبوباً عندنا لتعلّقه بفعل القوّة الغاذية، ولو لا فعل هذه القوّة وما يحوزه الإنسان بها من الاستكمال البدنيّ لم يكن محبوباً ولا تحقّق حبّ، فالحبّ بحسب الحقيقة بين القوّة الغاذية وبين فعلها، وما تجده عند الفعل من اللّذّة، ولسنا نعني باللّذة لذّة الذائقة فإنّها من خوادم الغاذية وليست نفسها، بل الرضى الخاصّ الّذي تجده القوّة بفعلها، ثمّ إذا اختبرنا حال حبّ النساء وجدنا الحبّ فيها يتعلّق بالحقيقة بالوقاع، وتعلّقه بهنّ ثانياً وبالتبع، كما كان حبّ الغذاء متعلّقاً بنفس الغذاء ثانياً وبالتبع، والوقاع أثر القوّة المودعة في الحيوان، كما كان التغذّي كذلك أثراً لقوّة فيه. ومن هنا يعلم أنّ هذين الحبّين يرجعان إلى مرجع واحد وهو تعلّق وجوديّ بين هاتين القوّتين وبين فعلهما أي كمالهما الفعليّ.
ومن المحتمل حينئذ أن يكون الحبّ هو التعلّق الخاصّ بهذين الموردين ولا يوجد في غير موردهما لكنّ الاختبار بالآثار يدفع ذلك، فإنّ لهذا التعلّق المسمّى حبّاً أثراً في المتعلّق (اسم فاعل) وهو حركة القوّة وانجذابها نحو الفعل إذا فقدته وتحرّجها عن تركه إذا وجدته، وهاتان الخاصّتان أو الخاصّة الواحدة نجدها موجودة في مورد جميع القوى الإدراكيّة الّتي لنا وأفعالها وإنّ قوّتنا الباصرة والسامعة والحافظة والمتخيّلة وغيرها من القوى والحواسّ الظاهريّة والباطنيّة جميعها - سواء كانت فاعلة أو منفعلة - على هذه الصفة فجميعها تحبّ فعلها وتنجذب إليها وليس إلّا لكون أفعالها كمالات لها يتمّ بها نقصها وحاجتها الطبيعيّة، وعند ذلك يتّضح الأمر في حبّ المال و
حبّ الجاه وحبّ العلم فإنّ الإنسان يستكمل نوع استكمال بالمال والجاه والعلم.
ومن هنا يستنتج أنّ الحبّ تعلّق خاصّ وانجذاب مخصوص شعوريّ بين الإنسان وبين كماله، وقد أفاد التجارب الدقيق بالآثار والخواصّ أنّه يوجد في الحيوان غير الإنسان، وقد تبيّن أنّ ذلك لكون المحبّ فاعلاً أو منفعلاً عمّا يحبّه من الفعل والأثر ومتعلّقاً بتبعه بكلّ ما يتعلّق به كما مرّ في حديث الأكل و الفاكهة، وغير الحيوان أيضاً كالحيوان إذا كان هناك استكمال أو إفاضة لكمال مع الشعور.
ومن جهة أخرى لما كان الحبّ تعلّقاً وجوديّاً بين المحبّ و المحبوب كانت رابطة قائمة بينهما فلو كان المعلول الّذي يتعلّق به حبّ علّته موجوداً ذا شعور وجد حبّ علّته في نفسه لو كان له نفس واستقلال جوهريّ.
ويستنتج من جميع ما مرّ:أوّلاً أنّ اللحبّ تعلّق وجوديّ وانجذاب خاصّ بين العلّة المكمّلة أو ما يشبهها وبين المعلول المستكمل أو ما يشبهه، ومن هنا كنّا نحبّ أفعالنا لاستكمالنا بها ونحبّ ما يتعلّق به أفعالنا كغذاء نتغذّى بها، أو زوج نتمتّع بها، أو مال نتصرّف فيه، أو جاه نستفيد به، أو منعم ينعم علينا، أو معلّم يعلّمنا، أو هادٍ يهدينا أو ناصر ينصرنا، أو متعلّم يتعلّم منّا، أو خادم يخدمنا أو أيّ مطيع يطيعنا وينقاد لنا، وهذه أقسام من الحبّ بعضها طبيعيّ وبعضها خياليّ وبعضها عقليّ.
وثانياً: أنّ الحبّ ذو مراتب مختلفة من الشدّة والضعف فإنّه رابطة وجوديّة - والوجود مشكّك في مراتبه - ومن المعلوم أنّ التعلّق الوجوديّ بين العلّة التامّة ومعلولها ليس كالتعلّق الكائن بين العلل الناقصة ومعلولاتها، وأنّ الكمال الّذي يتعلّق بواسطته الحبّ مختلف من حيث كونه ضروريّاً أو غير ضروريّ، ومن حيث كونه مادّيّاً كالتغذّي أو غير مادّيّ كالعلم، وبه يظهر بطلان القول باختصاصه بالمادّيّات حتّى ذكر بعضهم: أنّ أصله حبّ الغذاء، وغيره ينحل إليه، وذكر آخرون: أن الأصل في بابه حبّ الوقاع، وغيره راجع إليه.
وثالثاً: أنّ الله سبحانه أهل للحبّ بأيّ جهة فرضت فإنّه تعالى في نفسه موجود ذو كمال غير متناه وأيّ كمال فرض غيره فهو متناه، والمتناهي متعلّق الوجود بغير المتناهي
وهذا حبّ ذاتيّ مستحيل الارتفاع، وهو تعالى خالق لنا منعم علينا بنعم غير متناهية العدّة والمدّة فنحبّه كما نحبّ كلّ منعم لإنعامه.
ورابعاً: أنّ الحبّ لما كانت رابطة وجوديّة - والروابط الوجوديّة غير خارجة الوجود عن وجود موضوعها ومن تنزّلاته - أنتج ذلك أنّ كلّ شئ فهو يحبّ ذاته، وقد مرّ أنّه يحبّ ما يتعلّق بما يحبّه فيحبّ آثار وجوده، ومن هنا يظهر أنّ الله سبحانه يحبّ خلقه لحبّ ذاته، ويحبّ خلقه لقبولهم إنعامه عليهم، ويحبّ خلقه لقبولهم هدايته.
وخامساً: أنّ لزوم الشعور والعلم في مورد الحبّ إنّما هو بحسب المصداق وإلّا فالتعلّق الوجوديّ الّذي هو حقيقة الحبّ لا يتوقّف عليه من حيث هو، ومن هنا يظهر أنّ القوى والمبادي الطبيعيّة غير الشاعرة لها حبّ بآثارها وأفعالها.
وسادساً: يستنتج ممّا مرّ أن الحبّ حقيقة سارية في الموجودات.
( بحث فلسفي آخر)
مسألة انقطاع العذاب والخلود ممّا اختلف فيه أنظار الباحثين من حيث النظر العقليّ ومن جهة الظواهر اللفظيّة.
والّذي يمكن أن يقال: أمّا من جهة الظواهر، فالكتاب نصّ في الخلود، قال تعالى:( وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) الآية والسنّة من طرق أئمّة أهل البيت مستفيضة فيه، وقد ورد من غير طريقهم أخبار في الانقطاع ونفى الخلود، وهي مطروحة بمخالفة الكتاب.
وأمّا من جهة العقل فقد ذكرنا فيما تقدّم من البحث في ذيل قوله تعالى:( وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا ) البقرة - ٤٨، أنّ الاستدلال على خصوصيّات ما جاء به الشرع في المعاد بالمقدّمات الكلّيّة العقليّة غير مقدور لنا لأنّ العقل لا ينال الجزئيّات، والسبيل فيه تصديق ما جاء به النبيّ الصادق من طريق الوحي للبرهان على صدقه.
وأمّا النعمة والعذاب العقليّان الطارئان على النفس من جهة تجرّدها وتخلّقها بأخلاق وملكات فاضلة أو رديّة أو اكتسائها وتلبّسها بأحوال حسنة جميلة أو قبيحة فقد عرفت أنّ هذه الأحوال والملكات تظهر للنفس بما لها من صورة القبح أو الحسن فتنعّم
بما هي حسنة منها إن كانت ذاتها سعيدة وتعذّب بما هي قبيحة مشوّهة منها، سواء كانت ذاتها سعيدة أو شقيّة.
وأنّ ما كانت من هذه الصور صوراً غير راسخة للنفس وغير ملائمة لذاتها فإنّها ستزول لأنّ القسر لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً، وهذه النفس هي النفس السعيدة ذاتاً وعليها هيآت شقيّة رديّة ممكنة الزوال عنها كالنفس المؤمنة المجرمة، وهذا كلّه ظاهر.
وأمّا الهيآت الرديّة الّتي رسخت في النفس حتّى صارت صوراً أو كالصور الجديدة تعطي للشئ نوعيّة جديدة كالإنسان البخيل الّذي صار البخل صورة لإنسانيّتة كما صار النطق لحيوانيّته الصائرة به نوعاً جديداً تحت الحيوان فالإنسان البخيل أيضاً نوع جديد تحت الإنسان، فمن المعلوم أنّ هذا النوع نوع مجرّد في نفسه دائميّ الوجود، وجميع ما كان يصدر عنه بالقسر حال عدم الرسوخ فيعذّب به ويذوق وبال أمره فهي تصدر عن هذا النوع بإذن الله من غير قسر إلّا أنّها لما كانت صادرة عن نوعيّته من غير قسر فهي دائمة من غير زوال بخلاف ما لو كانت حاصلة بالقسر، ومثل هذا الإنسان المعذّب بلوازم ملكاته من وجه مثل من إبتلى بمرض الماليخوليا أو الكابوس المستمرّ فإنّه لا يزال يصدر عن قوّة تخيّله صور هائلة أو مشوّهة يعذّب بها وهو نفسه هو الّذي يوجدها من غير قسر قاسر ولو لم تكن ملائمة لطبعه المريض ما أوجدها فهو وإن لم تكن متألّماً من حيث إنتهاء الصدور إليه نفسه لكنّه معذّب بها من حيث أنّ العذاب ما يفرّ منه الإنسان إذا لم يبتل به بعد ويحبّ التخلّص عنه إذا ابتلى به وهذا الحدّ يصدّق على الاُمور المشوّهة والصور غير الجميلة الّتي تستقبل الإنسان الشقيّ في دار آخرته، فقد بان أنّ العذاب خالد غير منقطع عن الإنسان الشقيّ الّذي لذاته شقوة لازمة.
وقد استشكل هيهنا بإشكالات واضحة السقوط بيّنة الفساد: مثل أنّ الله سبحانه ذو رحمة واسعة غير متناهية فكيف يسع رحمته أن يخلق من مصيره إلى عذاب خالد لا يقوم له شئ ؟
ومثل أنّ العذاب إنّما يكون عذاباً إذا لم يلائم الطبع فيكون قسراً ولا معنى للقسر الدائم فكيف يصحّ وجود عذاب دائم ؟.
ومثل أنّ العبد لم يذنب إلّا ذنباً منقطع الآخر فكيف يجازى بعذاب دائم ؟
ومثل أنّ أهل الشقاء لا يقصر خدمتهم لنظام التكوين عن خدمات أهل السعادة ولولاهم لم تتحقّق سعادة لسعيد فما هو الموجب لوقوعهم في عذاب مخلّد ؟
ومثل أنّ العذاب للمتخلّف عن أوامر الله ونواهيه انتقام ولا يكون الانتقام إلّا لجبر النقص الّذي أورده العاصي الظالم على المنتقم المقتدر، ولا يجوز ذلك على الله تعالى فهو الغنيّ المطلق فكيف يجوز منه العذاب وخاصّة العذاب المخلّد ؟.
فهذه وأمثالها وجوه من الإشكال أوردوها على خلود العذاب وعدم انقطاعه. وأنت بالإحاطة بما بيّنّاه من معنى خلود العذاب تعرف أنّها ساقطة من رأس، فإنّ العذاب الخالد أثر وخاصّة لصورة الشقاء الّذي لزمت الإنسان الشقيّ فتصوّر ذاته بها بعد تماميّة الاستعداد الشديد الّذي حصل في ذاته القابلة لها بواسطة الأحوال العارضة لها المنتهية إلى اختياره، واشتداد الاستعداد التامّ هو الّذي يوجب في جميع الحوادث إفاضة الصورة المناسبة لسنخ الاستعداد، فكما لا يجوز السؤال عن علّة تحقّق الأفعال الإنسانيّة بعد ورود الصورة الإنسانيّة على المادّة لوجود العلّة الّتي هي الصورة الإنسانيّة كذلك لا معنى للسؤال عن لمّيّة ترتّب آثار الشقاء اللّازم، ومنها العذاب المخلّد بعد تحقّق صورة الشقاء اللّازم، المنتهية إلى الاختيار فإنّها آثارها وخواصّها فبطلت السؤالات جميعاً، فهذا هو الجواب الإجماليّ عنها.
وأمّا تفصيلاً: فالجواب عن الأوّل: أنّ الرحمة فيه تعالى ليس بمعنى رقّة القلب والإشفاق والتأثّر الباطنيّ فإنّها تستلزم المادّة - تعالى عن ذلك -، بل معناها العطيّة والإفاضة لما يناسب الاستعداد التامّ الحاصل في القابل، فإنّ المستعدّ بالاستعداد التامّ الشديد يحبّ ما يستعدّ له ويطلبه ويسأله بلسان استعداده فيفاض عليه ما يطلبه ويسأله، والرحمة رحمتان: رحمة عامّة، وهي إعطاء ما يستعدّ له الشئ ويشتاقه في صراط الوجود والكينونة، ورحمة خاصّة، وهي إعطاء ما يستعد له الشئ في صراط الهداية إلى التوحيد وسعادة القرب وإعطاء صورة الشقاء اللّازم الّذي أثره العذاب الدائم للإنسان المستعدّ له باستعداده الشديد لا ينافي الرحمة العامّة بل هو منها، وأمّا الرحمة الخاصّة
فلا معنى لشمولها لمن هو خارج عن صراطها، فقول القائل: إنّ العذاب الدائم ينافي الرحمة إن أراد به الرحمة العامّة فليس كذلك بل هو من الرحمة العامّة، وإن أراد به الرحمة الخاصّة فليس كذلك لكونه ليس مورداً لها. على أنّ الإشكال لو تمّ لجرى في العذاب المنقطع أيضاً حتّى أنواع العذاب الدنيويّ، وهو ظاهر.
والجواب عن الثاني: أنّه ينبغي أن يحرّر معنى عدم ملائمة الطبع فإنّه تارة بمعنى عدم السنخيّة بين الموضوع والأثر الموجود عنده وهو الفعل القسريّ الّذي يصدر عن قسر القاسر ويقابله الأثر الملائم الّذي يصدر عن طبع الشئ إذا اقترن به آفات ثمّ رسخت فيه فصارت صورة في الشئ وعاد الشئ يطلبه بهذا الوجود وهو في عين الحال لا يحبّه كما مثّلنا فيه من مثال الماليخوليائي فهذه الآثار ملائمة لذاته من حيث صدورها عن طبعه الشقيّ الخبيث والآثار الصادرة عن الطباع ملائمة، وهي بعينها عذاب لصدق حدّ العذاب عليها لكون الشئ لا يرتضيها فهي غير مرضيّة من حيث الذوق والوجدان في عين كونها مرضيّة من حيث الصدور.
والجواب عن الثالث: أنّ العذاب في الحقيقة ترتّب أثر غير مرضيّ على موضوعه الثّابت حقيقة، وهو صورة الشقاء فهذا الأثر معلول الصورة الحاصلة بعد تحقّق علل معدّة، وهي المخالفات المحدودة، وليس معلولاً لتلك العلل المعدّة المحدودة حتّى يلزم تأثير المتناهي أثراً غير متناه وهو محال. ونظيره أنّ عللاً معدّة ومقرّبات معدودة محدودة أوجبت أن تتصوّر المادّة بالصورة الإنسانيّة فيصير إنساناً يصدر عنه آثار الإنسانيّة المعلولة للصورة المذكورة. ولا معنى لأن يسأل ويقال: إنّ الآثار الإنسانيّة الصادرة عن الإنسان بعد الموت صدوراً دائميّاً سرمديّاً لحصول معدّات محدودة مقطوعة الأمر للمادّة فكيف صارت مجموع منقطع الآخر من العلل سبباً لصدور الآثار المذكورة وبقائها مع الإنسان دائماً لأنّ علّتها الفاعلة - وهي الصورة الإنسانيّة - موجودة معها دائماً على الفرض، فكما لا معنى لهذا السؤال لا معنى لذلك أيضاً.
والجواب عن الرابع: أنّ الخدمة والعبوديّة أيضاً مثل الرحمة على قسمين: عبوديّة عامّة، وهو الخضوع والانفعال الوجوديّ لمبدء الوجود، وعبوديّة خاصّة
وهو الخضوع والانقياد في صراط الهداية إلى التوحيد، ولكلّ من القسمين جزاءٌ يناسبه وأثر يترتّب عليه ويخصه من الرّحمة، فالعبوديّة العامّة في نظام التكوين جزاؤه الرحمة العامّة، والنعمة الدائمة والعذاب الدائم كلاهما من الرحمة العامّة، والعبوديّة الخاصّة جزاؤها الرحمة الخاصّة، وهي النعمة والجنّة وهو ظاهر، على أنّ هذا الإشكال لو تمّ لورد في مورد العذاب المنقطع الاُخروي بل الدنيويّ أيضاً.
والجواب عن الخامس: أنّ العذاب الدائم مستند إلى صورة الشقاء الّذي في الإنسان كما عرفت، وإلى الله سبحانه بالمعنى الّذي يقال: في كلّ موجود: إنّه مستند إليه تعالى لا بمعنى الانتقام وتشفّي الصدر المستحيل عليه تعالى: نعم الانتقام بمعنى الجزاء الشاقّ والأثر السيّئ الّذي يجزي به المولى عبده في مقابل تعدّيه عن طور العبوديّة، وخروجه عن ساحة الانقياد إلى عرصة التمرّد والمخالفة ممّا يصدّق فيه تعالى لكن لا يستلزم كون العذاب انتقاماً بهذا المعنى إشكالاً ألبتّة.
على أنّ هذا الإشكال أيضاً لو تمّ لورد في مورد العذاب الموقّت المنقطع في الآخرة بل في الدنيا أيضاً.
( بحث قرآني وروائي متمم للبحث السابق)
إعلم أنّ هذا الطريق من الاستدلال على ردّ الشبهة المذكورة ممّا استعمل في الكتاب والسنّة أيضاً، قال تعالى:( مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الإسراء - ٢٠، فالآية كما ترى يجعل العذاب والشكر كليهما من العطيّة والرحمة وتجعل تحقّق كلّ منهما مرتبطة بإرادة العبد وسعيه وهذا بعينه الطريق الّذي سلكناه في أصل المسألة ودفع الإشكالات عنها وهناك آيات اُخر في هذا المعنى سنتكلّم فيها في مواردها، إنشاء الله تعالى.
( سورة البقرة الآيات ١٦٨ - ١٧١)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ( ١٦٨ ) إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ( ١٦٩ ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ( ١٧٠ ) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ( ١٧١ )
( بيان)
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ) إلى آخر الآيتين، الحلال مقابل الحرام الممنوع اقتحامه، والحلّ مقابل الحرمة، والحلّ مقابل حرم، والحلّ مقابل العقد، وهو في جميع موارد استعماله يعطي معنى حرّيّة الشئ في فعله وأثره، والطيّب - مقابل الخبيث - ما يلائم النفس والشئ، كالطيّب من القول لملائمتة السمع، والطيّب من العطر يلائم الشامّة، والطيّب من المكان يلائم حال المتمكّن فيه. والخطوات بضمّتين جمع خطوة، وهي ما بين القدمين للماشي، وقرء خطوات بفتحتين وهي جمع خطوة، وهي المرّة، وخطوات الشيطان هي الاُمور الّتي نسبته إلى غرض الشيطان - وهو الإغواء بالشرك - نسبة خطوات الماشي إلى مقصده وغرضه، فهي الاُمور الّتي هي مقدّمات للشرك والبعد من الله سبحانه، والأمر هو تحميل الآمر إرادة نفسه على المأمور ليأتي ما يريده، والأمر من الشيطان وسوسته وتحميله ما يريده من الإنسان عليه بإخطاره في قلبه وتزيينه في نظره والسوء ما ينافره الإنسان ويستقبحه بنظر الاجتماع فإذا جاوز حدّه وتعدّى طوره كان فحشاء ولذلك سمّي الزّنا بالفحشاء وهو مصدر كالسرّاء والضرّاء.
وقد عمّم تعالى الخطاب لجميع الناس لأنّ الحكم الّذي يقرعه سمعهم ويبيّنه لهم ممّا يبتلي به الكلّ، أمّا المشركون: فقد كان عندهم اُمور ممّا حرّموه على أنفسهم افتراءً على الله كما روي أنّ ثقيفاً وخزاعة وبني عامر بن صعصعة وبني مدلج كانوا قد حرّموا على أنفسهم أشياءً من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة، هذا في العرب، وفي غيرهم أيضاً يوجد أشياء كثيرة من هذا القبيل، وأمّا المؤمنون: فربّما كان يبقى بعد الإسلام بينهم امور خرافيّة طبق ناموس توارث الأخلاق والآداب القوميّة والسنن المنسوخة بنواسخ غير تدريجيّة كالأديان والقوانين وغيرهما فإنّ كلّ طريقة جديدة دينيّة أو دنيويّة إذا نزلت بدار قوم فإنّما تتوجّه أوّل ما تتوجّه إلى اصول الطريقة القديمة وأعراقها فتقطعه فإن دامت على حياتها وقوّتها - وذلك بحسن التربية وحسن القبول - أماتت الفروع وقطعت الأذناب وإلّا فاختلطت بقايا من القديمة بالحديثة والتئمت بها وصارت كالمركّب النباتيّ، ما هو بهذا ولاذاك.
فأمر تعالى الناس أن يأكلوا ممّا في الأرض، والأكل هو البلع عن مضغ وربّما يكنّى بالأكل عن مطلق التصرّف في الأموال لكون الأكل هو الأصل في أفعال الإنسان والركن في حياته كما قال تعالى:( لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ ) النساء - ٢٩، والآية لا تأبى الحمل على هذا المعنى الوسيع لإطلاقها، والمعنى كلوا وتصرّفوا وتمتّعوا ممّا في الأرض من النعم الإلهيّة الّتي هيّأته لكم طبيعة الأرض بإذن الله وتسخيره أكلاً حلالاً طيّباً، أي لا يمنعكم عن أكله أو التصرّف فيه مانع من قبل طبائعكم وطبيعة الأرض، كالّذي لا يقبل بطبعه الأكل، أو الطبع لا يقبل أكله، ولا تنفّر طبائعكم عن أكله ممّا يقبل الطبع أكله لكن ينافره ويأبى عنه السّليقة كالأكل الّذي توسّل إليه بوسيلة غير جائزة.
فقوله تعالى: ( كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ) ، يفيد الإباحة العامّة من غير تقييد واشتراط فيه إلّا أنّ قوله ولا تتّبعوا خطوات الشيطان، إلخ يفيد: أنّ هيهنا اُموراً تسمّى خطوات الشيطان - متعلّقة بهذا الأكل الحلال الطيّب - إمّا كفّ عن الأكل اتّباعاً للشيطان، وإمّا إقدام عليه أتّباعاً للشيطان، ثمّ ذكر ضابط ما يتّبع فيه الشيطان بأنّه
سوء وفحشآء، وقول ما لا يعلم على الله سبحانه وإذا كان الكفّ غير جائز إلّا برضى من الله تعالى فالفعل أيضاً كذلك فليس الأكل ممّا في األرض حلالاً طيّباً إلّا أن يأذن الله تعالى ويشرّعه وقد شرّعه بهذه الآية ونظائرها ولا يمنع عنه بنهي أو ردع كما سيأتي من قوله تعالى:( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ) الآية فرجع معنى الآية - والله أعلم - إلي نحو قولنا كلوا ممّا في الأرض من نعم الله المخلوقة لكم فقد جعله الله لكم حلالاً طيّباً ولا تتركوا بعضاً منها كفّاً وامتناعاً فيكون سوءً وفحشاء وقولاً بغير علم أي تشريعاً ليس لكم ذلك وهو اتّباع خطوات الشيطان.
فالآية تدلّأوّلاً: على عموم الحلّيّة في جميع التصرّفات إلّا ما أخرجه الدليل فإنّ لله سبحانه المنع فيما له الإذن فيه.
وثانياً: على أنّ الامتناع ممّا أحلّه الله من غير دليل علميّ تشريع محرّم.
وثالثاً: على أنّ المراد من اتّباع خطوات الشيطان التعبّد لله بما لم يأذن في التعبّد بذلك فإنّه لم ينه عن المشي والسلوك لكن عن المشي الّذي يضع فيه الإنسان قدمه موضع قدم الشيطان فينطبق مشيّته على مشيّته فيكون متّبعاً لخطواته، ومن هنا يعلم أنّ عموم التعليل، وهو قوله إنّما يأمركم الخ وإن اقتضى المنع عن الاقتحام في فعل بغير علم كما يقتضي المنع عن الامتناع بغير علم لكنّه ليس بمراد في الخطاب فإنّه ليس من اتّباع خطوات الشيطان وإن كان اتّباعاً للشيطان.
قوله تعالى: ( إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) ، السوء والفحشاء يكونان في الفعل، وفي مقابلة القول، وبذلك يظهر: أنّ ما يأمر به الشيطان ينحصر في الفعل الّذي هو سوء وفحشاء، والقول الّذي هو قول بغير علم.
قوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا ) ، الإلفاء الوجدان أي وجدنا عليه آبائنا، والآية تشهد بما استفدناه من الآية السابقة في معنى خطوات الشيطان.
قوله تعالى: ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) ، جواب عن قولهم، وبيانه أنّه قول بغير علم ولا تبيّن، وينافيه صريح العقل فإنّ قولهم: بل نتّبع ما ألفينا
عليه آبائنا قول مطلق أي نتّبع آبائنا على أيّ حال وعلى أيّ وصف كانوا، حتّى لو لم يعلموا شيئاً ولم يهتدوا ونقول: ما فعلوه حقّ، وهذا هو القول بغير علم، ويؤدّي إلى القول بما لا يقول به عاقل لو تنبّه له ولو كانوا اتّبعوا آبائهم فيما علموه واهتدوا فيه وهم يعلمون: أنّهم علموا واهتدوا فيه لم يكن من قبيل الاهتداء بغير علم.
ومن هنا يعلم: أنّ قوله تعالى:( لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ) ، ليس وارداً مورد المبالغة نظراً إلى أنّ سلب مطلق العلم عن آبائهم مع كونهم يعلمون أشياء كثيرة في حياتهم لا يحتمل إلّا المبالغة.
وذلك أنّ الكلام مسوق سوق الفرض بإبداء تقدير لا يقول بجواز الاتّباع فيه قائل ليبطل به إطلاق قولهم نتّبع ما ألفينا عليه آبائنا وهو ظاهر.
قوله تعالى: ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ) ، المثل هو الكلام السائر والمثل هو الوصف كقوله تعالى:( انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) الفرقان - ٩، والنعيق صوت الراعي لغنمه زجراً يقال: نعق الراعي بالغنم ينعق نعيقاً إذا صاح بها زجراً، والنداء مصدر نادى ينادي مناداة وهو أخصّ من الدعاء ففيه معنى الجهر بالصوت ونحوه بخلاف الدعاء، والمعنى - والله أعلم - ومثلك في دعاء الّذين كفروا كمثل الّذي ينعق من البهائم بما لا يسمع من نعيقه إلّا دعاءً ونداءً ما، فينزجر بمجرّد قرع الصوت سمعه من غير أن يعقل شيئاً فهم صمّ لا يسمعون كلاماً يفيدهم، وبكم لا يتكلّمون بما يفيد معنى، وعمى لا يبصرون شيئاً فهم لا يعقلون شيئاً لأنّ الطرق المؤدّية إلى التعقّل مسدودة عليهم.
ومن ذلك يظهر أنّ في الكلام قلباً أو عناية اُخرى يعود إليه فإنّ المثل بالّذي ينعق بما لا يسمع إلّا دعاءً ونداءً مثل الّذي يدعوهم إلى الهدى لا مثل الكافرين المدعوين إلى الهدى إلّا أنّ الأوصاف الثلاثة الّتي استنتج واستخرج من المثل وذكرت بعده، وهي قوله: صمّ بكم عمى فهم لا يعقلون، لما كانت أوصافاً للّذين كفروا لا لمن يدعوهم إلى الحقّ استوجب ذلك أن ينسب المثل إلى الّذين كفروا لا إلى رسول الله تعالى فأنتج ما أشبه القلب.
( بحث روائي)
في تهذيب عن عبد الرحمن، قال: سألت أباعبدالله عن رجل حلف أن ينحر ولده قال: ذلك من خطوات الشيطان.
وعن منصور بن حازم أيضاً قال: قال لي أبوعبداللهعليهالسلام - أما سمعت بطارق إنّ طارقاً كان نخّاساً بالمدينة فأتى أباجعفر فقال يا أباجعفر إنّي حلفت بالطلاق والعتاق والنذر ؟ فقال له يا طارق إنّ هذا من خطوات الشيطان.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أبي جعفرعليهالسلام قال: كلّ يمين بغير الله فهو من خطوات الشيطان.
وفي الكافي عن الصادقعليهالسلام قال: إذا حلف الرجل على شئ - والّذي حلف عليه اتيانه خير من تركه - فليأت الّذي هو خير ولا كفّارة له، وإنّما ذلك من خطوات الشيطان.
أقول: والأحاديث كما ترى مبنية على كون المراد من خطوات الشيطان الأعمال الّتي يتقرّب بها وليست بمقرّبة لعدم العبرة بها شرعاً كما ذكرناه في البيان السابق نعم في خصوص الطلاق ونحوه وجه آخر للبطلان وهو التعليق المنافي للإنشاء، والمسألة فقهيّة، والمراد باليمين بغير الله هو اليمين الّذي يترتّب عليه أثر اليمين الشرعيّ أو القسم بما لم يقسم به الله ولم يثبت له كرامة شيئاً.
وفي المجمع عن الباقر في قوله تعالى:( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ ) الآية قال: أي مثلهم في دعائك إيّاهم إلى الإيمان كمثل الناعق في دعائه المنعوق به من البهائم الّتي لا تفهم وإنّما تسمع الصوت.
( بحث اخلاقي واجتماعي)
الآراء والعقائد الّتي يتّخذها الإنسان أمّا نظريّة لا تعلّق لها بالعمل من غير واسطة كالمسائل المتعلّقة بالرياضيّات والطبيعيّات، وماوراء الطبيعة، وإمّا عمليّة متعلّقة بالعمل بلا واسطة كالمسائل المتعلّقة بما ينبغي فعله وما لا ينبغي. والسبيل في القسم الأوّل
هو اتّباع العلم واليقين المنتهي إلى برهان أو حسّ، وفي القسم الثاني اتّباع ما يوصل إلى الخير الّذي فيه سعادة الإنسان أو النافع فيها، وإجتناب ما ينتهي إلى شقائه أو يضرّه في سعادته، وأمّا الاعتقاد بما لا علم له بكونه حقّاً في القسم الأوّل، والاعتقاد بما لا يعلم كونه خيراً أو شرّاً فهو اعتقاد خرافيّ.
والإنسان لما كانت آراؤه منتهية إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل الأشياء والطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة فإنّه لا تخضع نفسه إلى الرأى الخرافيّ المأخوذ على العمياء وجهلاً إلّا أنّ العواطف النفسانيّة والإحساسات الباطنيّة الّتي تثيرها الخيال - وعمدتها الخوف والرجاء - ربّما أوجبت له القول بالخرافة من جهة أنّ الخيال يصوّر له صوراً يستصحب خوفاً أو رجاء فيحفظها إحساس الخوف أو الرجاء، ولا يدعها تغيب عن النفس الخائفة أو الراجية. كما أنّ الإنسان إذا أحلّ وادياً - وهو وحده بلا أنيس واللّيل داج مظلم والبصر حاسر عن الإدراك - فلا مؤمّن يؤمنّه بتميّز المخاطر عن غيرها بضياء ونحوه فترى أنّ خياله يصوّر له كلّ شبح يترائى له غولاً مهيباً يقصده بالإهلاك أو روحاً من الأرواح، وربّما صوّر له حركة وذهاباً وإياباً وصعوداً في السماء ونزولاً إلى الأرض، وإشكالاً وتماثيل ثمّ لا يزال الخيال يكرّر له هذا الشبه المجعول كلمّا ذكره وحاله حاله من الخوف، ثمّ ربّما نقله لغيره فأوجد فيه حالاً نظير حاله ولا يزال ينتشر - وهو موضوع خرافيّ لا ينتهي إلى حقيقة -.
وربّما هيّج الخيال حسّ الدفاع من الإنسان أن يضع أعمالاً لدفع شرّ هذا الموجود الموهوم ويحثّ غيره على العمل بها للأمن من شرّه فيذهب سنّة خرافيّة.
ولم يزل الإنسان منذ أقدم أعصار حياته مبتلى بآراء خرافيّة حتّى اليوم وليس كما يظنّ من أنّها من خصائص الشرقيّين فهي موجودة بين الغربيّين مثلهم لو لم يكونوا أحرص عليها منهم.
ولا يزال الخواصّ من الإنسان - وهم العلماء - يحتالون في إمحاء رسوم هذه الخرافات المتمكّنة في نفوس العامّة من الناس بلطائف حيلهم الّتي توجب تنبّه العامّة وتيقّظهم في أمرها، وقد أعيا الداء الطبيب فإنّ الإنسان لا يخلو من التقليد والاتّباع
في الآراء النظريّة والمعلومات الحقيقيّة من جانب ومن الاحساسات والعواطف النفسانيّة من جانب آخر، وناهيك في ذلك أنّ العلاج لم ينجح إلى اليوم.
وأعجب من الجميع ما يراه في ذلك أهل الحضارة وعلماء الطبيعة اليوم ! فقد ذكروا أنّ العلم اليوم يبني أساسه على الحسّ والتجربة ويدفع ما دون ذلك، والمدنيّة والحضارة تبني أساسه على استكمال الإجتماع في كلّ كمال ميسور ما استيسر، وبنوا التربية على ذلك.
مع أنّ ذلك - وهو عجيب - نفسه من اتّباع الخرافة فإن علوم الطبيعة إنّما تبحث عن خواصّ الطبيعة وتثبتها لموضوعاتها، وبعبارة اُخرى هذه العلوم المادّيّة إنّما تكشف دائماً عن خباياً خواصّ المادّة، وأمّا ما وراءً ذلك فلا سبيل لها إلى نفيه وإبطاله فالاعتقاد بانتفاء ما لا تناله الحسّ والتجربة من غير دليل من أظهر الخرافات.
وكذلك بناء المدنيّة على استكمال الاجتماع المذكور فإنّ هذا الاستكمال والنيل بالسعادة الاجتماعيّة ربّما يستلزم حرمان بعض الأفراد من سعادته الحيويّة الفرديّة كتحمّل القتل والتفدية في الدفاع عن الوطن أو القانون أو المرام، والمحروميّة من سعادة الشخص لأجل وقاية حريم الاجتماع فهذه الحرمانات لا يقدم فيها الإنسان إلّا عن عقيدة الاستكمال، وأن يراها كمالات - وليست كمالات لنفسه - بل عدم وحرمان لها، وإنّما هي كمالات - لو كانت كمالات - للمجتمع من حيث هو مجتمع وإنّما يريد الإنسان الاجتماع لأجل نفسه لا نفسه لأجل الاجتماع، ولذلك كلّه ما احتالت هذه الاجتماعات لأفرادها فلقّنوهم أنّ الإنسان يكتسب بالتفدية ذكراً جميلاً واسماً باقياً على الفخر دائماً وهو الحياة الدائمة، وهذه خرافة، وأيّ حياة بعد البطلان والفناء غير أنّا نسمّيه حياة، تسمية ليس ورائها شئ؟.
ومثلها القول: إنّ الإنسان يجب له تحمّل مرّ القانون والصبر على الحرمان في بعض ما يشتهيه نفسه ليتحفّظ به الاجتماع فينال كماله في الباقي فيعتقد أنّ كمال الاجتماع كماله، وهذه خرافة، فإنّ كمال الاجتماع إنّما هو كماله فيما يتطابق الكمالان وأمّا غير ذلك فلا، فأيّ موجب على فرد بالنّسبة إلى كماله، أو اجتماع قوم بالنسبة إلى اجتماع
الدنيا إذا قدر على نيل ما يبتغيه من آماله ولو بالجور وفاق في القوّة والاستطاعة من غير مقاوم يقاومه أن يعتقد أنّ كمال الاجتماع كماله والذكر الجميل فخاره ؟ كما أنّ أقوياء الاُمم لا يزالون على الانتفاع من حياة الاُمم الضعيفة، فلا يجدون منهم موطئاً إلّا وطئوة، ولا منالاً إلّا نالوه، ولا نسمة إلّا استرقّوه واستعبدوه، وهل ذلك إلّا علاجاً لمزمن الداء بالإفناء؟.
وأمّا ما سلكه القرآن في ذلك فهو أمره باتّباع ما أنزل الله والنهي عن القول بغير علم، هذا في النظر، وأمّا في العمل فأمره بابتغاء ما عند الله فيه فإن كان مطابقاً لما يشتهيه النفس كان فيه سعادة الدنيا والآخرة وإن كان فيه حرمانها، فعند الله عظيم الأجر، وما عند الله خير وأبقى.
والّذي يقوله أصحاب الحسّ: أنّ اتّباع الدين تقليد يمنع عنه العلم وأنّه من خرافات العهد الثّاني من العهود الأربعة المّارة على نوع الإنسان (وهي عهد الأساطير وعهد المذهب وعهد الفلسفة وعهد العلم، وهو الّذي عليه البشر اليوم من اتّباع العلم ورفض الخرافات) فهو قول بغير علم ورأي خرافيّ.
أمّا أنّ اتّباع الدين تقليد فيبطله: أنّ الدين مجموع مركّب من معارف المبدء و المعاد، ومن قوانين اجتماعيّة من العبادات والمعاملات مأخوذة من طريق الوحي والنبوّة الثابت صدقه بالبرهان والمجموعة من الأخبار الّتي أخبر بها الصادق صادقة واتّباعها اتّباع للعلم لأنّ المفروض العلم بصدق مخبرها بالبرهان، وقد مرّ في البحث التالي لقوله تعالى:( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) البقرة - ٦٧، كلام في التقليد فارجع.
ومن العجيب أنّ هذا القول قول من ليس بيده في أصول الحياة وسنن الاجتماع: من مأكله ومشربه وملبسه ومنكحه ومسكنه وغير ذلك إلّا التقليد على العمى واتّباع الهوى من غير تثبّت وتبيّن، نعم اختلقوا للتقليد اسماً آخر وهو اتّباع السنّة الّذي ترتضيه الدنيا الراقيّة فصار التقليد بذلك ممحوّ الاسم ثابت الرسم، مهجور اللّفظ، مأنوس المعني، وكان (ألق دلوك في الدلاء) شعاراً علميّاً ورقيّاً مدنيّاً وعاد (ولا
تتبع الهوى فيضلك) تقليداً دينيّاً وقولاً خرافيّاً.
وأمّا تقسيمهم سير الحياة الإنسانيّة إلى أربعة عهود فما بأيدينا من تاريخ الدين والفلسفة يكذّبه فإنّ طلوع دين إبراهيم إنّما كان بعد عهد الفلسفة بالهند ومصر وكلدان ودين عيسى بعد فلسفة يونان وكذا دين محمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) - وهو الإسلام - كان بعد فلسفة يونان وإسكندريّة، وبالجملة غاية أوج الفلسفة كانت قبل بلوغ الدين أوجه. وقد مرّ فيما مرّ أنّ دين التوحيد يتقدّم في عهده على جميع الأديان الاُخر.
والّذي يرتضيه القرآن من تقسيم تاريخ الإنسان هو تقسيمه إلى عهد السذاجة ووحدة الاًمم وعهد الحسّ والمادّة، وسيجئ بيانه في الكلام على قوله تعالى:( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ ) البقرة - ٢١٣.
( سورة البقرة الآيات ١٧٢ - ١٧٦)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( ١٧٢ ) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٧٣ ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١٧٤ ) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ( ١٧٥ ) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( ١٧٦ )
( بيان)
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ، خطاب خاصّ بالمؤمنين بعد الخطاب السابق للناس فهو من قبيل انتزاع الخطاب من الخطاب، كأنّه انصراف عن خطاب جماعة ممّن لا يقبل النصح ولا يصغي إلى القول، والتفات إلى من يستجيب الداعي لإيمانه به والتفاوت الموجود بين الخطابين ناش من تفاوت المخاطبين، فإنّ المؤمنين بالله لما كان يتوقّع منهم القبول بدّل قوله: ما في الأرض حلالاً طيّباً بقوله: من طيّبات ما رزقناكم، وكان ذلك وسيلة إلى أن يطلب منهم الشكر لله وحده لكونهم موحّدين لا يعبدون إلّا الله سبحانه، ولذلك بعينه قيل: ما رزقناكم ولم يقل: ما رزقتم أو ما في الأرض ونحوه، لما فيه من الإيماء أو الدلالة على كونه تعالى معروفاً لهم قريباً منهم حنيناً رؤوفاً بهم، والظاهر أن يكون قوله: من طيّبات ما رزقناكم، من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف لا من قبيل قيام الصفة مقام الموصوف
فإنّ المعنى على الأوّل كلوا من رزقنا الّذي كلّه طيّب، وهو المناسب لمعنى التقرّب والتحنّن الّذي يلوح من المقام، والمعنى على الثاني كلوا من طيّب الرزق لا من خبيثه، وهو بعيد المناسبة عن المقام الّذي هو مقام رفع الحظر، والنهي عن الامتناع عن بعض ما رزقهم الله سبحانه تشريعاً من عند أنفسهم وقولاً بغير علم.
قوله تعالى: ( وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) ، لم يقل واشكروا لنا بل اشكرو الله ليكون أدلّ على الأمر بالتوحيد ولذلك أيضاً قيل: إن كنتم إيّاه تعبدون فدلّ على الحصر والقصر ولم يقل إن كنتم تعبدونه.
قوله تعالى: ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ) الإهلال لغير الله هو الذبح لغيره كالأصنام.
قوله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَاد ) ، أي غير ظالم ولا متجاوز حدّه، وهما حالان عاملهما الاضطرار فيكون المعنى فمن اضطرّ إلى أكل شئ ممّا ذكر من المنهيّات اضطراراً في حال عدم بغيه وعدم عدوه فلا ذنب له في الأكل، وأمّا لو اضطرّ في حال البغي والعدو كأن يكونا هما الموجبين للاضطرار فلا يجوز له ذلك، وقوله تعالى: إنّ الله غفور رحيم، دليل على أنّ التجوّز تخفيف ورخصة منه تعالى للمؤمنين وإلّا فمناط النهي موجود في صورة الاضطرار أيضاً.
قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ ) ، تعريض لأهل الكتاب إذ عندهم شئ كثير من المحلّلات الطيّبة الّتي حرّمها كبراؤهم ورؤساؤهم في العبادات وغيرها - وعندهم الكتاب الّذي لا يقضي فيه بالتحريم - ولم يكتموا ما كتموه إلّا حفظاً لما يدرّ عليهم من رزق الرئاسة وأبهّة المقام والجاه والمال.
وفي الآية من الدلالة على تجسّم الأعمال وتحقّق نتائجها ما لا يخفى فإنّه تعالى ذكر أوّلاً أنّ اختيارهم الثمن القليل على ما أنزل الله هو أكل النار في بطونهم ثمّ بدّل اختيار الكتمان وأخذ الثمن على بيان ما أنزل الله في الآية التاليه من اختيار الضلالة على الهدى ثمّ من اختيار العذاب على المغفرة ثمّ ختمها بقوله: فما أصبرهم على النار، والّذي كان منهم ظاهراً هو الإدامة للكتمان والبقاء عليها فافهم.
( بحث روائي)
في الكافي عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد الآية، قال: الباغي باغي الصيد، والعادي السارق ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرّا إليها، هي حرام عليهما ليس هي عليهما كما هي على المسلمين وليس لهما أن يقصرا في الصلاة.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام قال الباغي الظالم، والعادي الغاصب.
وعن حمّاد عنهعليهالسلام قال: الباغي الخارج على الإمام والعادي اللّص.
وفي المجمع عن أبي جعفرعليهالسلام وأبى عبداللهعليهالسلام : غير باغ على إمام المسلمين ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقّين.
أقول: والجميع من قبيل عدّ المصاديق، وهي تؤيّد المعنى الّذي استفدناه من ظاهر اللّفظ.
وفي الكافي وتفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى: فما أصبرهم على النار الآية. قال: ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنّه يصيّرهم إلى النار.
وفي المجمع عن عليّ بن إبراهيم عن الصادقعليهالسلام قال: ما أجرأهم على النار.
وعن الصادقعليهالسلام : ما أعملهم بأعمال أهل النار.
أقول: والروايات قريبة المعاني ففي الاُولى تفسير الصبر على النار بالصبر على سبب النار، وفي الثانية تفسير الصبر على النار بالجرأة عليها وهي لازمة للصبر، وفي الثالثة تفسير الصبر على النار بالعمل بما يعمل به أهل النار ومرجعه إلى معنى الرواية الاُولى.
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( ١٧٧ )
( بيان)
قيل: كثر الجدال والخصام بين الناس بعد تحويل القبلة من بيت المقدّس إلى الكعبة وطالت المشاجرة فنزلت الآية.
قوله تعالى: ( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) ، البرّ بالكسر التوسّع من الخير والإحسان، والبرّ بالفتح صفة مشبّهة منه، والقبل بالكسر فالفتح الجهة ومنه القبلة وهي النوع من الجهة، وذووا القربى الأقرباء، واليتامى جمع يتيم وهو الّذي لا والد له، والمساكين جمع مسكين وهو أسوء حالاً من الفقير، وابن السبيل المنقطع عن أهله، والرقاب جمع رقبة وهي رقبة العبد، والبأسآء مصدر كالبؤس وهو الشدّة والفقر، والضرّآء مصدر كالضرّ وهو أن يتضرّر الإنسان بمرض أو جرح أو ذهاب مال أو موت ولد، والبأس شدّة الحرب.
قوله تعالى: ( وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ) ، عدل عن تعريف البرّ بالكسر إلى تعريف البرّ بالفتح ليكون بياناً وتعريفاً للرجال مع تضمّنه لشرح وصفهم وإيماءً إلى أنّه لا أثر للمفهوم الخالي عن المصداق ولا فضل فيه، وهذا دأب القرآن في جميع بياناته فإنّه يبيّن المقامات ويشرح الأحوال بتعريف رجالها من غير أن يقنع ببيان المفهوم فحسب.
وبالجملة قوله ولكنّ البرّ من آمن بالله واليوم الآخر، تعريف للأبرار وبيان
لحقيقة حالهم، وقد عرّفهم أوّلاً في جميع المراتب الثلاث من الاعتقاد والأعمال والأخلاق بقوله:( مَنْ آمَنَ بِاللهِ ) وثانياً بقوله:( أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) وثالثاً بقوله:( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) .
فأمّا ما عرّفهم به أوّلاً فابتدء فيه بقوله تعالى: من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين، وهذا جامع لجميع المعارف الحقّة الّتي يريد الله سبحانه من عباده الإيمان بها، والمراد بهذا الإيمان الإيمان التامّ الّذي لا يتخلّف عنه أثره، لا في القلب بعروض شكّ أو اضطراب أو اعتراض أو سخط في شئ ممّا يصيبه ممّا لا ترتضيه النفس، ولا في خلق ولا في عمل، والدليل على أنّ المراد به ذلك قوله في ذيل الآيه( أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ) فقد أطلق الصدق ولم يقيّده بشئ من أعمال القلب والجوارح فهم مؤمنون حقّاً صادقون في إيمانهم كما قال تعالى:( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء - ٦٥، وحينئذ ينطبق حالهم على المرتبة الرّابعة من مراتب الإيمان الّتي مرّ بيانها في ذيل قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ ) البقرة - ١٣١.
ثمّ ذكر تعالى: نبذأ من أعمالهم بقوله: وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكوة، فذكر الصلاة - وهي حكم عباديّ - وقد قال تعالى:( إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ) العنكبوت - ٤٥، وقال:( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) طه - ١٤، وذكر الزكاة - وهي حكم ماليّ فيه صلاح المعاش - وذكر قبلهما إيتاء المال وهو بثّ الخير ونشر الإحسان غير الواجب لرفع حوائج المحتاجين وإقامة صلبهم.
ثمّ ذكر سبحانه نبذاً من جمل أخلاقهم بقوله: والموفون بعدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضرّآء وحين البأس، فالعهد هو الالتزام بشئ والعقد له - وقد أطلقه تعالى - وهو مع ذلك لا يشمل الإيمان والالتزام بأحكامه كما توهّمه بعضهم - لمكان قوله إذا عاهدوا، فإنّ الالتزام بالإيمان ولوازمه لا يقبل التقيّد بوقت دون وقت - كما هو ظاهر - ولكنّه يشتمل بإطلاقه كلّ وعد وعده الإنسان وكلّ قول قاله التزاماً
كقولنا: لأفعلنّ كذا ولاتركنّ وكلّ عقد عقد به في المعاملات والمعاشرات و نحوها، والصبر هو الثبات على الشدائد حين تهاجم المصائب أو مقارعة الأقران، وهذان الخلقان وإن لم يستوفيا جميع الأخلاق الفاضلة غير أنّهما إذا تحقّقاً تحقّق ما دونهما، والوفاء بالعهد والصبر عند الشدائد خلقان يتعلّق أحدهما بالسكون والآخر بالحركة وهو الوفاء فالإتيان بهذين الوصفين من أوصافهم بمنزلة أن يقال: إنّهم إذا قالوا: قولاً أقدموا عليه ولم يتجافوا عنه بالزوال.
وأمّا ما عرّفهم به ثانياً بقوله: أولئك الّذين صدقوا، فهو وصف جامع لجمل فضائل العلم والعمل فإنّ الصدق خلق يصاحب جميع الأخلاق من العفّة والشجاعة والحكمة والعدالة وفروعها فإنّ الإنسان ليس له إلّا الاعتقاد والقول والعمل، وإذا صدق تطابقت الثلاثة فلا يفعل إلّا ما يقول ولا يقول إلّا ما يعتقد، والإنسان مفطور على قبول الحقّ والخضوع له باطناً وإن أظهر خلافه ظاهراً فإذا أذعن بالحقّ وصدق فيه قال: ما يعتقده وفعل ما يقوله وعند ذلك تمّ له الإيمان الخالص والخلق الفاضل والعمل الصالح، قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) التوبة - ١١٩، والحصر في قوله أولئك الّذين صدقوا، يؤكّد التعريف وبيان الحدّ، والمعنى - والله أعلم - إذا أردت الّذين صدقوا فاُولئك هم الأبرار
وأمّا ما عرّفهم به ثالثاً بقوله: وأولئك هم المتّقون، الحصر لبيان الكمال فإنّ البرّ والصدق لو لم يتمّا لم يتمّ التقوى.
والذى بيّنه سبحانه في هذه الآية من الأوصاف الأبرار هي الّتي ذكرها في غيرها. قال تعالى:( إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ - إلى أن قال -وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ) الدهر - ١٢، فقد ذكر فيها الإيمان بالله واليوم الآخر والإنفاق لوجه الله والوفاء بالعهد والصبر، وقال تعالى أيضاً:( كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - إلى أن قال -
يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ - إلى أن قال -عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ) المطفّفين - ٢٨، بالتّطبيق بين هذه الآيات والآيات السابقة عليها يظهر حقيقة وصفهم ومآل أمرهم إذا تدبّرت فيها، وقد وصفتهم الآيات بأنّهم عبدالله وأنّهم المقرّبون، وقد وصف الله سبحانه عباده فيما وصف بقوله:( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) الحجر - ٤٢، ووصف المقرّبين بقوله:( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) الواقعة - ١٢، فهؤلاء هم السابقون في الدنيا إلى ربّهم السابقون في الآخرة إلى نعيمه، ولو أدمت البحث عن حالهم فيما تعطيه الآيات لوجدت عجباً.
وقد بان ممّا مرّ أنّ الأبرار أهل المرتبة العالية من الإيمان، وهي المرتبة الرابعة على ما مرّ بيانه سابقاً، قال تعالى:( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) الانعام - ٨٢.
وقوله تعالى: ( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ ) ، منصوب على المدح إعظاماً لأمر الصبر، وقد قيل إنّ الكلام إذا طال بذكر الوصف بعد الوصف فمذهبهم أن يعترضوا بين الأوصاف بالمدح والذمّ، وإختلاف الإعراب بالرفع والنصب.
( بحث روائي)
عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم): من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان.
أقول: ووجهه واضح بما بيّنّاه، وقد نقل عن الزّجاج والفرّاء إنّهما قالا: إنّ الآية مخصوصة بالأنبياء المعصومين لأنّ هذه الأشياء لا يأتيها بكلّيّتها على حقّ الواجب فيها إلّا الأنبيآء انتهي، وهو ناش من عدم التدبّر فيما تفيده الآيات والخلط بين المقامات المعنويّة، وقد اُنزلت آيات سورة الدهر في أهل بيت رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وسمّاهم الله فيها أبراراً وليسوا بأنبيآء.
نعم خطرهم عظيم، وقد وصف الله حال اُولي الألباب الّذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض، ثمّ ذكر مسألتهم أن يلحقهم
الله بالأبرار، قال:( وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ) آل عمران - ١٩٣.
وفي الدرّ المنثور، أخرج الحكيم الترمذيّ عن أبي عامر الأشعري قال: قلت: يا رسول الله ما تمام البر؟ قال أن تعمل في السرّ ما تعمل في العلانية.
وفي المجمع عن أبي جعفر وأبي عبداللهعليهالسلام : ذوي القربي قرابع النبيّ.
أقول: وكأنّه من قبيل عد المصداق بالنظر إلى آية القربى.
وفي الكافي عن الصادقعليهالسلام الفقير الّذي لا يسأل الناس والمسكين أجهد منه والبآئس أجدّهم.
وفي المجمع عن أبي جعفرعليهالسلام : ابن السبيل، المنقطع به.
وفي التهذيب عن الصادقعليهالسلام سأل عن مكاتب عجز عن مكاتبته وقد أدّى بعضها، قالعليهالسلام : يؤدّي عنه من مال الصدقة فإنّ الله عزّوجلّ يقول: وفي الرقاب.
وفي تفسير القمّيّ: في قوله: والصابرين في البأسآء والضرّآء قال:قال:عليهالسلام في الجوع والعطش والخوف، وفي قوله وحين البأس قال: قالعليهالسلام ، عند القتال.
( سورة البقرة الآيات ١٧٨ - ١٧٩)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ١٧٨ ) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( ١٧٩ )
( بيان)
قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ ) ، في توجيه الخطاب إلى المؤمنين خاصّة إشارة إلى كون الحكم خاصّاً بالمسلمين، وأمّا غيرهم من أهل الذمّة وغيرهم فالآية ساكتة عن ذلك.
ونسبة هذه الآية إلى قوله تعالى:( أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) المائدة - ٤٥، نسبة التفسير، فلا وجه لما ربّما يقال، إنّ هذه الآية ناسخة لتلك الآية فلا يقتل حرّ بعبد ولا رجل بمرأة.
وبالجملة القصاص مصدر، قاصّ يقاصّ، من قصّ أثره إذا تبعه ومنه القصّاص لمن يحدّث بالآثار والحكايات كأنّه يتّبع آثار الماضين فتسمية القصاص بالقصاص لما فيه من متابعة الجاني في جنايته فيوقع عليه مثل ما أوقعه على غيره.
قوله تعالى: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ ) ، المراد بالموصول القاتل، والعفو للقاتل إنّما يكون في حقّ القصاص فالمراد بالشئ هو الحقّ، وفي تنكيره تعميم للحكم أي أيّ حقّ كان سواء كان تمام الحقّ أو بعضه كما إذا تعدّد أولياء الدم فعفى بعضهم حقّه للقاتل فلا قصاص حينئذ بل الدية، وفي التعبير عن وليّ الدّم بالأخ إثارة لحسّ المحبّة والرأفة وتلويح إلى أنّ العفو أحبّ.
قوله تعالى: ( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ) ، مبتدء خبره محذوف أي فعليه
أن يتّبع القاتل في مطالبة الدية بمصاحبة المعروف: من الاتّباع و على القاتل أن يؤدّي الدية إلى أخيه وليّ الدم بالإحسان من غير مماطلة فيها إيذاؤه.
قوله تعالى: ( ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) ، أي الحكم بانتقال القصاص إلى الديّة تخفيف من ربّكم فلا يتغيّر فليس لوليّ الدّم أن يقتصّ بعد العفو فيكون اعتداءً فمن اعتدى فاقتصّ بعد العفو فله عذاب أليم.
قوله تعالى: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ، إشارة إلى حكمة التشريع، ودفع ما ربّما يتوهّم من تشريع العفو والديّة وبيان المزيّة والمصلحة الّتي في العفو وهو نشر الرحمة وإيثار الرأفة أنّ العفو أقرب إلى مصلحة الناس، وحاصله أنّ العفو ولو كان فيه ما فيه من التخفيف والرحمة، لكنّ المصلحة العامّة قائمة بالقصاص فإنّ الحياة لا يضمنها إلّا القصاص دون العفو والدية ولا كلّ شئ ممّا عداهما، يحكم بذلك الإنسان إذا كان ذا لبّ وقوله لعلّكم تتّقون، أي القتل وهو بمنزلة التعليل لتشريع القصاص.
وقد ذكروا: أنّ الجملة أعني قوله تعالى: ولكم في القصاص حياة الآية على اختصارها وإيجازها وقلّة حروفها وسلاسة لفظها وصفاء تركيبها من أبلغ آيات القرآن في بيانها، وأسماها في بلاغتها فهي جامعة بين قوّة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه، ورقّة الدلالة وظهور المدلول، وقد كان للبلغآء قبلها كلمات في القتل والقصاص تعجبهم بلاغتها وجزالة اُسلوبها ونظمها كقولهم: قتل البعض أحياء للجميع وقولهم: أكثروا القتل ليقلّ القتل، وأعجب من الجميع عندهم قولهم: القتل أنفى للقتل غير أنّ الآية أنست الجميع ونفت الكلّ: ولكم في القصاص حياة فإنّ الآية أقلّ حروفاً وأسهل في التلّفظ، وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة ليدلّ على أنّ النتيجة أوسع من القصاص وأعظم وهي مشتملة على بيان النتيجة وعلى بيان حقيقة المصلحة وهي الحياة، وهي متضمّن حقيقة المعنى المفيد للغاية فإنّ القصاص هو المؤدّي إلى الحياة دون القتل فإنّ من القتل ما يقع عدوانا ليس يؤدّي إلى الحياة، وهي مشتملة على أشياء اُخر غير القتل تؤدّي إلى الحياة وهي أقسام القصاص في غير القتل، وهي مشتملة على معنى زائد آخر، وهو
معنى المتابعة الّتي تدلّ عليها كلمة القصاص بخلاف قولهم القتل أنفى للقتل، وهي مع ذلك متضمّنة للحثّ والترغيب فإنّها تدلّ على حياة مذخورة للناس مغفول عنها يملكونها فعليهم أن يأخذوا بها نظير ما تقول: لك في مكان كذا أو عند فلان مالاً وثروة، وهي ذلك تشير إلى أنّ القائل لا يريد بقوله هذا إلّا حفظ منافعهم ورعاية مصلحتهم من غير عائد يعود إليه حيث قال: ولكم.
فهذه وجوه من لطائف ما تشتمل عليه هذه الآية، وربّما ذكر بعضهم وجوهاً اُخرى يعثر عليه المراجع غير أنّ الآية كلّما زدت فيه تدبّراً زادتك في تجلّياتها بجمالها وغلبتك بهور نورها - وكلمة الله هي العليا -.
( بحث روائي)
في تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليهالسلام : في قوله تعالى الحرّ بالحرّ، قال: لا يقتل الحرّ بالعبد ولكن يضرب ضرباً شديداً ويغرم دية العبد وإن قتل رجل امرأة فأراد أولياء المقتول أن يقتلوه أدوا نصف ديته إلى أولياء الرجل.
وفي الكافي عن الحلبيّ عن الصادقعليهالسلام : قال سألته عن قوله الله عزّوجلّ فمن تصدّق به فهو كفّارة له. قال: يكفّر عنه من ذنوبه بقدر ما عفي، وسألته عن قوله عزّوجلّ: فمن عفي له من أخيه شئ فاتّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، قال: ينبغي للّذي له الحقّ أن لا يعسر أخاه إذا كان قد صالحه على دية وينبغي للّذي عليه الحقّ أن لا يمطل أداه إذا قدر على ما يعطيه ويؤدّي إليه بإحسان، وسألته عن قول الله عزّوجلّ: فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، قال: هو الرجل يقبل الدّية أو يعفو أو يصالح ثمّ يعتدي فيقتل كما قال الله عزّوجلّ.
أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة.
( بحث علمي)
كانت العرب أوان نزول آية القصاص وقبله تعتقد القصاص بالقتل لكنها ما كانت تحدّه بحدّ وإنّما يتبع ذلك قوّة القبائل وضعفها فربّما قتل الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة فسلك في القتل مسلك التساوي وربّما قتل العشرة بالواحد والحرّ بالعبد والرئيس بالمرؤس وربّما أبادت قبيلة قبيلة اُخرى لواحد قتل منها.
وكانت اليهود تعتقد القصاص كما ورد في الفصل الحادي والعشرين والثاني والعشرين من الخروج والخامس والثلاثين من العدد، وقد حكاه القرآن حيث قال تعالى:( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ) المائدة - ٤٥.
وكانت النصاري على ما يحكى لا ترى في مورد القتل إلّا العفو والدية، وسائر الشعوب والاُمم على إختلاف طبقاتهم ما كانت تخلو عن القصاص في القتل في الجملة وإن لم يضبطه ضابط تامّ حتّى القرون الأخيرة.
والإسلام سلك في ذلك مسلكاً وسطاً بين الإلغاء والإثبات فأثبت القصاص وألغى تعيّنه بل أجاز العفو والدية ثمّ عدّل القصاص بالمعادلة بين القاتل والمقتول، فالحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.
وقد اعترض على القصاص مطلقاً وعلى القصاص بالقتل خاصّة بأنّ القوانين المدنيّة الّتي وضعتها الملل الراقية لا ترى جوازها وإجرائها بين البشر اليوم.
قالوا: إنّ القتل بالقتل ممّا يستهجنه الإنسان وينفر عنه طبعه ويمنع عنه وجدانه إذا عرض عليه رحمة وخدمة للإنسانيّة، وقالوا: إذا كان القتل الأوّل فقداً لفرد فالقتل الثاني فقد على فقد، وقالوا: إنّ القتل بالقصاص من القسوة وحبّ الانتقام، وهذه صفة يجب أن تزاح عن الناس بالتربية العامّة ويؤخذ في القاتل أيضاً بعقوبة التربيه، وذلك إنّما يكون بما دون القتل من السجن والأعمال الشاقّة، وقالوا: إنّ المجرم إنّما يكون
مجرماً إذا كان مريض العقل فالواجب أن يوضع القاتل المجرم في المستشفيات العقليّة ويعالج فيها. وقالوا: إنّ القوانين المدنيّة تتبع الاجتماع الموجود، ولمّا كان الاجتماع غير ثابت على حال واحد كانت القوانين كذلك فلا وجه لثبوت القصاص بين الاجتماع للأبد حتّى الاجتماعات الراقيه اليوم، ومن اللازم أن يستفيد الاجتماع من وجود أفرادها ما استيسر، ومن الممكن أن يعاقب المجرم بما دون القتل ممّا يعادل القتل من حيث الثمرة والنتيجة كحبس الأبد أو حبس مدّة سنين وفيه الجمع بين الحقّين حقّ المجتمع وحقّ أولياء الدم. فهذه الوجوه عمدة ما ذكره المنكرون لتشريع القصاص بالقتل.
وقد أجاب القرآن عن جميع هذه الوجوه بكلمة واحدة، وهي قوله تعالى:( مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) المائدة - ٣٢.
بيان ذلك: أنّ القوانين الجارية بين أفراد الإنسان وإن كانت وضعيّة اعتباريّة يراعى فيها مصالح الاجتماع الإنسانيّ غير أنّ العلّة العاملة فيها من أصلها هي الطبيعة الخارجيّة الإنسانيّة الداعية إلى تكميل نقصها ورفع حوائجها التكوينيّة، وهذه الواقعيّة الخارجيّة ليست هي العدد العارض على الإنسان ولا الهيئة الواحدة الاجتماعيّة فإنّها نفسها من صنع الوجود الكونيّ الإنسانيّ بل هي الإنسان وطبيعته، وليس بين الواحد من الإنسان والألوف المجتمعة منه فرق في أنّ الجميع إنسان ووزن الواحد والجميع واحد من حيث الوجود.
وهذه الطبيعة الوجوديّة تجهّزت في نفسها بقوى وأدوات تدفع بها عن نفسها العدم لكونها مفطورة على حبّ الوجود، وتطرد كلّ ما يسلب عنه الحياة بأيّ وسيلة أمكنت وإلى أيّ غاية بلغت حتّى القتل والإعدام، ولذا لا تجد إنساناً لا تقضي فطرته بتجويز قتل من يريد قتله ولا ينتهي عنه إلّا به، وهذه الاُمم الراقية أنفسهم لا يتوقّفون عن الحرب دفاعاً عن استقلالهم وحرّيّتهم وقوميّتهم، فكيف بمن أراد قتل نفوسهم عن آخرها؟ ويدفعون عن بطلان القانون بالغاً ما بلغ حتّى بالقتل ويتوسّلون إلى حفظ منافعهم بالحرب إذا لم يعالج الداء بغيرها، تلك الحرب الّتي فيها
فناء الدنيا وهلاك الحرث والنسل ولا يزال ملل يتقدّمون بالتسليحات وآخرون يتجهّزون بما يجاوبهم، وليس ذلك كلّه إلّا رعاية لحال الاجتماع وحفظاً لحياته وليس الاجتماع إلّا صنيعة من صنايع الطبيعة فما بال الطبيعة تجوّز القتل الذريع والإفناء والإبادة لحفظ صنيعة من صنائعها، وهي الاجتماع المدنيّ ولا تجوّزها لحفظ حياة نفسها ؟ وما بالها تجوّز قتل من يهمّ بالقتل ولم يفعل ولا تجوّزه فيمن همّ وفعل ؟ وما بال الطبيعة تقضي بالانعكاس في الوقايع التأريخيّة، فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرّة شرّاً يره ولكلّ عمل عكس عمل في قانونها لكنّها تعدّ القتل في مورد القتل ظلماً وتنقض حكم نفسها؟
على أنّ الإسلام لا يرى في الدنيا قيمة للإنسان يقوّم بها ولا وزناً بوزن به إلّا إذا كان على دين التوحيد فوزن الاجتماع الإنسانيّ ووزن الموحّد الواحد عنده سيّان، فمن الواجب أن يكون حكمهما عنده واحداً، فمن قتل مؤمناً كان كمن قتل الناس جميعاً من نظر إزرائه وهتكه لشرف الحقيقة كما أنّ من قتل نفساً كان كمن قتل الناس جميعاً من نظر الطبيعة الوجوديّة، وأمّا الملل المتمدّنة فلا يبالون بالدين ولو كانت شرافة الدين عندهم تعادل في قيمتها أو وزنها - فضلاً عن التفوّق - الاجتماع المدنيّ في الفضل لحكموا فيه بما حكموا في ذلك.
على أنّ الإسلام يشرّع للدنيا لا لقوم خاصّ واُمّة معيّنة، والملل الراقية إنّما حكمت بما حكمت بعد ما أذعنت بتمام التربية في أفرادها وحسن صنيع حكوماتها ودلالة الإحصاء في مورد الجنايات والفجائع على أنّ التربية الموجودة مؤثّرة وأن الاُمّة في أثر تربيتهم متنفّرة عن القتل والفجيعة فلا تتّفق بينهم إلّا في الشذوذ وإذا اتّفقت فهي ترتضي المجازاة بما دون القتل، والإسلام لا يأبى عن تجويز هذه التربية وأثرها الّذي هو العفو مع قيام أصل القصاص على ساق.
ويلوح إليه قوله تعالى: في آية القصاص فمن عفى له من أخيه شئ فاتّباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان. فاللسان لسان التربية وإذا بلغ قوم إلى حيث أذعنوا بأنّ الفخر العموميّ في العفو لم ينحرفوا عنه إلى مسلك الانتقام.
وأمّا غير هؤلاء الاُمم فالأمر فيها على خلاف ذلك والدليل عليه ما نشاهده من حال الناس وأرباب الفجيعة والفساد فلا يخوّفهم حبس ولا عمل شاقّ ولا يصدّهم وعظ ونصح، وما لهم من همّة ولا ثبات على حقّ إنسانيّ، والحياة المعدّة لهم في السجون أرفق وأعلى وأسنى ممّا لهم في أنفسهم من المعيشة الرديّة الشقيّة فلا يوحشهم لوم ولا ذمّ، ولا يدهشهم سجن ولا ضرب، وما نشاهده أيضاً من ازدياد عدد الفجائع في الاحصاءات يوماً فيوماً فالحكم العامّ الشامل للفريقين - والأغلب منهما الثاني - لا يكون إلّا القصاص وجواز العفو فلو رقت الاُمّة وربيّت تربية ناجحة أخذت بالعفو (وإلإسلام لا يألو جهده في التربية) ولو لم يسلك إلّا الانحطاط أو كفرت بأنعم ربّها وفسقت، أخذ فيهم بالقصاص ويجوز معه العفو.
وأمّا ما ذكروه من حديث الرحمة والرأفة بالإنسانيّة فما كلّ رأفة بمحمودة ولا كلّ رحمة فضيلة، فاستعمال الرحمة في مورد الجاني القسيّ والعاصي المتخلّف المتمرّد والمتعدّي على النفس والعرض جفاء على صالح الأفراد، وفي استعمالها المطلق إختلال النظام وهلاك الإنسانيّة وإبطال الفضيلة.
وأمّا ما ذكروه أنّه من القسوة وحبّ الانتقام فالقول فيه كسابقة، فالانتقام للمظلوم من ظالمه استظهاراً للعدل والحقّ ليس بمذموم قبيح، ولا حبّ العدل من رذائل الصفات، على أنّ تشريع القصاص بالقتل غير ممحّض في الانتقام بل فيه ملاك التربية العامّة وسدّ باب الفساد.
وأمّا ما ذكروه من كون جناية القتل من الأمراض العقليّة الّتي يجب أن يعالج في المستشفيات فهو من الأعذار (ونعم العذر) الموجبة لشيوع القتل والفحشاء ونماء الجناية في الجامعة الإنسانيّة وأيّ إنسان منّا يحبّ القتل والفساد علم أنّ ذلك فيه مرض عقليّ وعذر مسموع يجب على الحكومة أن يعالجه بعناية ورأفة وأنّ القوّة الحاكمة والمجرية تعتقد فيه ذلك لم يقدم معه كلّ يوم على قتل؟
وأمّا ما ذكروه من لزوم الاستفادة من وجود المجرمين بمثل الأعمال الإجباريّة،
ونحوها مع حبسهم ومنعهم عن الورود في الاجتماع فلو كان حقّاً متّكئاً على حقيقة فما بالهم لا يقضون بمثله في موارد الإعدام القانوني الّتي توجد في جميع القوانين الدائرة اليوم بين الاُمم ؟ وليس ذلك إلّا للأهميّة الّتي يرونها للإعدام في موارده، وقد مرّ أنّ الفرد والمجتمع في نظر الطبيعة من حيث الأهميّة متساويان.
( سورة البقرة الآيات ١٨٠ - ١٨٢)
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( ١٨٠ ) فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ١٨١ ) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ( ١٨٢ )
( بيان)
قوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ) ، لسان الآية لسان الوجوب فإنّ الكتابة يستعمل في القرآن في مورد القطع واللّزوم ويؤيّده ما في آخر الآية من قوله حقّاً، فإنّ الحقّ أيضاً كالكتابة يقتضي معنى اللزوم لكن تقييد الحقّ بقوله على المتّقين، ممّا يوهن الدلالة على الوجوب والعزيمة فإنّ الأنسب بالوجوب أن يقال: حقّاً على المؤمنين، وكيف كان فقد قيل إنّ الآية منسوخة بآية الإرث، ولو كان كذلك فالمنسوخ هو الفرض دون الندب وأصل المحبوبيّة، ولعلّ تقييد الحقّ بالمتّقين في الآية لإفادة هذا الغرض.
والمراد بالخير المال، وكأنّه المال المعتدّ به، دون اليسير الّذي لا يعبأ به والمراد بالمعروف هو المعروف المتداول من الصنيعة والإحسان.
قوله تعالى: ( فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) ، ضمير إثمه راجع إلى التبديل، والباقي من الضمائر إلى الوصيّة بالمعروف، وهي مصدر يجوز فيه الوجهان وإنّما قال على الّذين يبدّلونه، ولم يقل عليهم ليكون فيه دلالة على سبب الإثم وهو تبديل الوصيّة بالمعروف وليستقيم تفريع الآية التالية عليه.
قوله تعالى: ( فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْه ) ، الجنف هو الميل و الانحراف، وقيل: هو ميل القدمين إلى الخارج كما أنّ الحنف بالحاء المهملة انحرافهما
إلى الداخل، والمراد على أيّ حال الميل إلى الإثم بقرينة الإثم، والآية تفريع على الآية السابقة عليها، والمعنى (والله أعلم) فإنّما إثم التبديل على الّذين يبدّلون الوصيّة بالمعروف، ويتفرّع عليه: أنّ من خاف من وصيّة الموصي أن يكون وصيّته بالإثم أو مائلاً إليه فأصلح بينهم بردّه إلى ما لا إثم فيه فلا إثم عليه لأنّه لم يبدّل وصيّته بالمعروف بل إنّما بدّل ما فيه إثم أو جنف.
( بحث روائي)
وفي الكافي والتهذيب وتفسير العيّاشيّ - واللّفظ للأخير - عن محمّد بن مسلم عن الصادقعليهالسلام : سألته عن الوصيّة تجوز للوارث ؟ قال نعم ثمّ تلا هذه الآية إن ترك خيراً الوصيّة للوالدين والأقربين.
وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادق عن أبيه عن عليّعليهالسلام قال: من لم يوص عند موته لذوي قرابته ممّن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية.
وفي تفسير العيّاشيّ أيضاً عن الصادقعليهالسلام : في الآية قال: حقّ جعله الله في أموال الناس لصاحب هذا الأمر، قال قلت: لذلك حدّ محدود، قال: نعم، قلت: كم ؟ قال: أدناه السدس وأكثره الثلث.
أقول: وروي هذا المعنى الصدوق أيضاً في الفقيه عنهعليهالسلام وهو استفادة لطيفة من الآية بضمّ قوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ) الاحزاب - ٦، فإنّ الآية هي الناسخة لحكم التوارث بالاُخوّة الّذي كان في صدر الإسلام فقد نفت التوارث بالاُخوّة وأثبته للقرابة ثمّ استثنى ما فعل من معروف في حقّ الأولياء، وقد عدّت النبيّ وليّاً والطاهرين من ذرّيّته أولياء لهم، وهذا المعروف المستثنى مورد قوله تعالى: إن ترك خيراً الوصيّة الآية - وهم قربى - فافهم.
وفي تفسير العيّاشيّ عن أحدهماعليهماالسلام : في قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر
الآية، قالعليهالسلام هي منسوخة نسختها آية الفرائض الّتي هي المواريث.
أقول: مقتضى الجمع بين الروايات السابقة وبين هذه الرواية أنّ المنسوخ من الآية هو الوجوب فقط فيبقى الاستحباب على حاله.
وفي المجمع عن أبي جعفرعليهالسلام : في قوله فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً الآية، قال الجنف أن يكون على جهة الخطاء من حيث لا يدري أنّه يجوز.
وفي تفسير القمّيّ قال الصادقعليهالسلام : إذا الرجل أوصى بوصيّته فلا يجوز للوصيّ أن يغيّر وصيّة يوصيها بل يمضيها على ما أوصى إلّا أن يوصي بغير ما أمر الله فيعصي في الوصيّة ويظلم، فالموصى إليه جائز له أن يردّه إلى الحقّ مثل رجل يكون له ورثة فيجعل المال كلّه لبعض ورثته ويحرم بعضاً فالوصيّ جائز له أن يردّه إلى الحقّ وهو قوله جنفاً أو إثماً، والجنف الميل إلى بعض ورثته دون بعض والإثم أن يأمر بعمارة بيوت النيران واتّخاذ المسكر فيحل للوصيّ أن لا يعمل بشئ من ذلك.
أقول: وبما في الرواية من معنى الجنف يظهر معنى قوله تعالى فأصلح بينهم فالمراد الإصلاح بين االورثة لوقوع النزاع بينهم من جهة جنف الموصي.
وفي الكافي عن محمّد بن سوقة قال: سألت أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله عزّوجلّ: فمن بدّله بعد ما سمعه فإنّما إثمه على الّذين يبدّلونه، قال نسختها الّتي بعدها قوله: فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه، قال: يعني الموصي إليه إن خاف جنفاً من الموصي في ولده فيما أوصى به إليه فيما لا يرضي الله به من خلاف الحقّ فلا إثم عليه أي على الموصى إليه أن يبدّله إلى الحقّ وإلى ما يرضى الله به من سبيل الحقّ.
أقول: هذا من تفسير الآية بالآية فإطلاق النسخ عليه ليس على الاصطلاح وقد مرّ أنّ النسخ في كلامهم ربّما يطلق على غير ما اصطلح عليه الاُصوليّون.
الفهرس
( مقدمه ). ٢
( سورة الحمد وهي سبع آيات ). ١٣
( سورة الحمد الآيات ١ – ٥ ). ١٣
( بيان ). ١٣
( بحث روائي ). ٢٠
( بحث فلسفي ). ٢٢
( سورة الحمد الآيات ٦ – ٧ ). ٢٦
( بيان ). ٢٦
( بحث روائي ). ٣٥
( بحث آخر روائي ). ٣٩
( سورة البقرة وهي مائتان وستّ وثمانون آية ) ٤١
( سورة البقرة الآيات ١ - ٥ ). ٤١
( بيان ). ٤١
( بحث روائي ). ٤٤
( بحث فلسفي ). ٤٥
( بحث آخر فلسفي ). ٤٧
( سورة البقرة الآيات ٦ – ٧ ). ٥٠
( بيان ). ٥٠
( بحث روائي ). ٥١
( سورة البقرة الآيات ٨ – ٢٠ ). ٥٣
( بيان ). ٥٤
( سورة البقرة الآيات ٢١ – ٢٥ ). ٥٥
( بيان ). ٥٥
( الإعجاز وماهيّته ). ٥٧
( إعجاز القرآن ). ٥٧
( تحدّيه بالعلم ). ٦٠
( التحدّي بمن اُنزل عليه القرآن ). ٦١
( تحدّي القرآن بالإخبار عن الغيب ). ٦٣
( تحدّي القرآن بعدم الإختلاف فيه ). ٦٤
( التحدّي بالبلاغة ). ٦٦
( معنى الآية المعجزة في القرآن وما يفسر به حقيقتها ). ٧٢
( ١ - تصديق القرآن لقانون العليّة العامّة ). ٧٢
( ٢ - اثبات القرآن ما يخرق العادة ). ٧٣
(٣ - القرآن يسند ما أسند إلى العلّة المادّيّة إلى الله تعالى ). ٧٧
(٤ - القرآن يثبت تأثيرً في نفوس الأنبياء في الخوارق ). ٧٨
(٥ - القرآن كما يسند الخوارق إلى تأثير النفوس يسندها إلى أمر الله تعالى ). ٧٩
( ٦ - القرآن يسند المعجزة إلى سبب غير مغلوب ). ٨١
( ٧ - القرآن يعدّ المعجزة برهاناً على صحّة الرّسالة لا دليلاً عاميّاً ). ٨٢
( بحث روائي ). ٨٩
( سورة البقرة الآيات ٢٦ - ٢٧ ). ٩٠
( بيان ). ٩٠
( بحث الجبر والتفويض ). ٩٣
( بحث روائي ). ٩٦
( بحث فلسفي ). ١٠٥
( سورة البقرة الآيات ٢٨ - ٢٩ ). ١١١
( بيان ). ١١١
( سورة البقرة الآيات ٣٠ - ٣٣ ). ١١٥
( بيان ). ١١٥
( بحث روائي ). ١١٩
( سورة البقرة الآية ٣٤ ). ١٢٣
( بيان ). ١٢٣
( بحث روائي ). ١٢٤
( سورة البقرة الآيات ٣٥ - ٣٩ ). ١٢٧
( بيان ). ١٢٧
( بحث روائي ). ١٣٩
( سورة البقرة الآيات ٤٠ - ٤٤ ). ١٥٢
( بيان ). ١٥٢
( سورة البقرة الآيات ٤٥ - ٤٦ ). ١٥٣
( بيان ). ١٥٣
( بحث روائي ). ١٥٤
( سورة البقرة الآيات ٤٧ - ٤٨ ). ١٥٦
( بيان ). ١٥٦
( ١ - ما هي الشفاعة ؟ ). ١٥٩
( ٢ - إشكالات الشفاعة ). ١٦٤
( ٣ - فيمن تجري الشفاعة ؟ ). ١٧١
( ٤ - من تقع منه الشفاعة ؟ ). ١٧٤
( ٥ - بماذا تتعلّق الشفاعة ؟ ). ١٧٥
( ٦ - متى تنفع الشفاعة ؟ ). ١٧٥
( بحث روائي ). ١٧٧
( بحث فلسفي ). ١٨٥
( بحث اجتماعي ). ١٨٦
( سورة البقرة الآيات ٤٩ - ٦١ ). ١٨٩
( بيان ). ١٩٠
( بحث روائي ). ١٩١
( سورة البقرة الآية ٦٢ ). ١٩٤
( بيان ). ١٩٤
( بحث روائي ). ١٩٥
( بحث تاريخي ). ١٩٥
( سورة البقرة الآيات ٦٣ - ٧٤ ). ١٩٩
( بيان ). ١٩٩
( بحث روائي ). ٢٠٥
( بحث فلسفي ). ٢٠٧
( بحث علمي وأخلاقي ). ٢١١
( سورة البقرة الآيات ٧٥ - ٨٢ ). ٢١٥
( بيان ). ٢١٥
( بحث روائي ). ٢١٩
( سورة البقرة الآيات ٨٣ - ٨٨ ). ٢٢٠
( بيان ). ٢٢٠
( بحث روائي ). ٢٢٢
( سورة البقرة الآيات ٨٩ - ٩٣ ). ٢٢٤
( بيان ). ٢٢٤
( بحث روائي ). ٢٢٥
( سورة البقرة الآيات ٩٤ - ٩٩ ). ٢٢٩
( بيان ). ٢٢٩
( بحث روائي ). ٢٣٣
( سورة البقرة الآيات ١٠٠ - ١٠١ ). ٢٣٤
( بيان ). ٢٣٤
( سورة البقرة الآيات ١٠٢ - ١٠٣ ). ٢٣٥
( بيان ). ٢٣٥
( بحث روائي ). ٢٣٩
( بحث فلسفي ). ٢٤٤
( بحث علمي ). ٢٤٦
( سورة البقرة الآيات ١٠٤ - ١٠٥ ). ٢٤٨
( بيان ). ٢٤٨
( بحث روائي ). ٢٥١
( سورة البقرة الآيات ١٠٦ - ١٠٧ ). ٢٥٢
( بيان ). ٢٥٢
( بحث روائي ). ٢٥٧
( سورة البقرة الآيات ١٠٨ - ١١٥ ). ٢٥٩
( بيان ). ٢٥٩
( بحث روائي ). ٢٦٢
( سورة البقرة الآيات ١١٦ - ١١٧ ). ٢٦٣
( بيان ). ٢٦٣
( بحث روائي ). ٢٦٤
( بحث علمي وفلسفي ). ٢٦٥
( سورة البقرة الآيات ١١٨ - ١١٩ ). ٢٦٦
( بيان ). ٢٦٦
( سورة البقرة الآيات ١٢٠ - ١٢٣ ). ٢٦٧
( بيان ). ٢٦٧
( بحث روائي ). ٢٦٩
( سورة البقرة الآية ١٢٤ ). ٢٧٠
( بيان ). ٢٧٠
( بحث روائي ). ٢٧٩
( سورة البقرة الآيات ١٢٥ - ١٢٩ ). ٢٨٣
( بيان ). ٢٨٣
( بحث روائي ). ٢٨٩
( بحث علمي ). ٣٠١
( سورة البقرة الآيات ١٣٠ - ١٣٤ ). ٣٠٣
( بيان ). ٣٠٣
( بحث روائي ). ٣١٠
( سورة البقرة الآيات ١٣٥ - ١٤١ ). ٣١٣
( بيان ). ٣١٣
( بحث روائي ). ٣١٨
( سورة البقرة الآيات ١٤٢ - ١٥١ ). ٣١٩
( بيان ). ٣٢٠
( بحث روائي ). ٣٣٤
( بحث علمي ). ٣٣٨
( بحث اجتماعي ). ٣٤٠
( سورة البقرة الآية ١٥٢ ). ٣٤٣
( بيان ). ٣٤٣
( بحث روائي ). ٣٤٤
( سورة البقرة الآيات ١٥٣ - ١٥٧ ). ٣٤٧
( بيان ). ٣٤٧
( نشأة البرزخ ). ٣٥٢
( تجرّد النفس ). ٣٥٥
( الاخلاق ). ٣٥٩
( بحث روائي ). ٣٦٧
في البرزخ وحياة الروح بعد الموت.. ٣٦٧
( بحث فلسفي ). ٣٦٩
( بحث اخلاقي ). ٣٧٦
( بحث روائي آخر ). ٣٨٧
في متفرّقات متعلّقة بما تقدّم ٣٨٧
( سورة البقرة الآية ١٥٨ ). ٣٩٠
( بيان ). ٣٩٠
( بحث روائي ). ٣٩٢
( سورة البقرة الآيات ١٥٩ - ١٦٢ ). ٣٩٤
( بيان ). ٣٩٤
( بحث روائي ). ٣٩٧
( سورة البقرة الآيات ١٦٣ - ١٦٧ ). ٣٩٩
( بيان ). ٣٩٩
( كلام في استناد مصنوعات الإنسان إلى الله سبحانه ). ٤٠٦
( بحث روائي ). ٤١٥
( بحث فلسفي ). ٤١٧
( بحث فلسفي آخر ). ٤١٩
( بحث قرآني وروائي متمم للبحث السابق ). ٤٢٣
( سورة البقرة الآيات ١٦٨ - ١٧١ ). ٤٢٤
( بيان ). ٤٢٤
( بحث روائي ). ٤٢٨
( بحث اخلاقي واجتماعي ). ٤٢٨
( سورة البقرة الآيات ١٧٢ - ١٧٦ ). ٤٣٣
( بيان ). ٤٣٣
( بحث روائي ). ٤٣٥
( بيان ). ٤٣٦
( بحث روائي ). ٤٣٩
( سورة البقرة الآيات ١٧٨ - ١٧٩ ). ٤٤١
( بيان ). ٤٤١
( بحث روائي ). ٤٤٣
( بحث علمي ). ٤٤٤
( سورة البقرة الآيات ١٨٠ - ١٨٢ ). ٤٤٩
( بيان ). ٤٤٩
( بحث روائي ). ٤٥٠