الميزان في تفسير القرآن- الجزء 6
التجميع تفسير القرآن
الکاتب العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404


بسم الله الرحمن الرحيم

( بقيّة سورة المائدة)

( سورة المائدة الآيات ٥٥ - ٥٦)

إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ( ٥٥) وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ( ٥٦)

( بيان)

الآيتان - كما ترى - موضوعتان بين آيات تنهى عن ولاية أهل الكتاب و الكفّار، و لذلك رام جماعة من مفسّري القوم إشراكهما مع ما قبلهما و ما بعدهما من حيث السياق، و جعل الجميع ذات سياق واحد يقصد به بيان وظيفة المؤمنين في أمر ولاية الأشخاص ولاية النصرة، و النهي عن ولاية اليهود و النصارى و الكفّار، و قصر الولاية في الله سبحانه و رسوله و المؤمنين الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون، و هؤلاء هم المؤمنون حقّاً فيخرج بذلك المنافقون و الّذين في قلوبهم مرض، و يبقى على وجوب الولاية المؤمنون حقّاً، و تكون الآية دالّة على مثل ما يدلّ عليه مجموع قوله تعالى:( وَ اللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران: ٦٨، و قوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) الأحزاب: ٦، و قوله تعالى في المؤمنين:( أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) الأنفال: ٧٢، و قوله تعالى:( وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) الآية: التوبة ٧١. فمحصّل الآية جعل ولاية النصرة لله و لرسوله و المؤمنين على المؤمنين.

نعم يبقى هناك إشكال الجملة الحاليّة الّتي يتعقّبها قوله:( وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ )


و هي قوله:( وَ هُمْ راكِعُونَ ) و يرتفع الإشكال بحمل الركوع على معناه المجازيّ و هو مطلق الخضوع لله سبحانه أو انحطاط الحال لفقر و نحوه، و يعود معنى الآية إلى أنّه ليس أولياؤكم اليهود و النصارى و المنافقين بل أولياؤكم الله و رسوله و المؤمنون الّذين يقيمون الصلاة، و يؤتون الزكاة، و هم في جميع هذه الأحوال خاضعون لساحة الربوبيّة بالسمع و الطاعة، أو أنّهم يؤتون الزكاة و هم فقراء معسرون هذا.

لكنّ التدبّر و استيفاء النظر في الآيتين و ما يحفّهما من آيات ثمّ في أمر السورة يعطي خلاف ما ذكروه، و أوّل ما يفسد من كلامهم ما ذكروه من أمر وحدة سياق الآيات، و أنّ غرض الآيات التعرّض لأمر ولاية النصرة، و تمييز الحقّ منها من غير الحقّ فإنّ السورة و إن كان من المسلم نزولها في آخر عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجّة الوداع لكن من المسلّم أيضاً أنّ جميع آياتها لم تنزل دفعة واحدة ففي خلالها آيات لا شبهة في نزولها قبل ذلك، و مضامينها تشهد بذلك، و ما ورد فيها من أسباب النزول يؤيّده فليس مجرّد وقوع الآية بعد الآية أو قبل الآية يدلّ على وحدة السياق، و لا أنّ بعض المناسبة بين آية و آية يدلّ على نزولهما معاً دفعة واحدة أو اتّحادهما في السياق.

على أنّ الآيات السابقة أعني قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى‏ أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) إلخ، تنهى المؤمنين عن ولاية اليهود و النصارى، و تعيّر المنافقين و الّذين في قلوبهم مرض بالمسارعة إليهم و رعاية جانبهم من غير أن يرتبط الكلام بمخاطبة اليهود و النصارى و إسماعهم الحديث بوجه بخلاف الآيات التالية أعني قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ ) إلخ، فإنّها تنهى عن ولايتهم و تتعرّض لحالهم بالأمر بمخاطبتهم ثمّ يعيّرهم بالنفاق و الفسق فالغرض في القبيلين من الآيات السابقة و اللّاحقة مختلف، و معه كيف يتحدّ السياق؟!

على أنّك قد عرفت في البحث عن الآيات السابقة أعني قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى‏ أَوْلِياءَ ) (الآيات) أنّ ولاية النصرة لا تلائم سياقها،


و أنّ خصوصيّات الآيات و العقود المأخوذة فيها و خاصّة قوله:( بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ) و قوله:( وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) لا تناسبها فإنّ عقد ولاية النصرة و اشتراطها بين قومين لا يوجب صيرورة أحدهما الآخر و لحوقه به، و لا أنّه يصحّ تعليل النهي عن هذا العقد بأنّ القوم الفلانيّ بعضهم أولياء بعض بخلاف عقد ولاية المودّة الّتي توجب الامتزاج النفسيّ و الروحيّ بين الطرفين، و تبيح لأحدهما التصرّف الروحيّ و الجسميّ في شؤون الآخر الحيويّة و تقارب الجماعتين في الأخلاق و الأعمال الّذي يذهب بالخصائص القوميّة.

على أنّه ليس من الجائز أن يعدّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليّاً للمؤمنين بمعنى ولاية النصرة بخلاف العكس فإنّ هذه النصرة الّتي يعتني بأمرها الله سبحانه، و يذكرها القرآن الكريم في كثير من آياته هي النصرة في الدين و حينئذ يصحّ أن يقال: إنّ الدين لله بمعنى أنّه جاعله و شارع شرائعه فيندب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو المؤمنون أو هما جميعاً إلى نصرته أو يدعوا أنصاراً لله في ما شرّعه من الدين كقوله تعالى:( قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ ) الصفّ: ١٤، و قوله تعالى:( إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ ) محمّد: ٧، و قوله تعالى:( وَ إِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ - إلى أن قال -لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ ) آل عمران: ٨١، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

و يصحّ أن يقال: إنّ الدين للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمعنى أنّه الداعي إليه و المبلّغ له مثلاً، أو إنّ الدين لله و لرسوله بمعنى التشريع و الهداية فيدعى الناس إلى النصرة، أو يمدح المؤمنون بالنصرة كقوله تعالى:( وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ ) الأعراف: ١٥٧، و قوله تعالى:( وَ يَنْصُرُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ ) الحشر: ٨، و قوله تعالى:( وَ الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا ) الأنفال: ٧٢، إلى غير ذلك من الآيات.

و يصحّ أن يقال: إنّ الدين للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و للمؤمنين جميعاً، بمعنى أنّهم المكلّفون بشرائعه العاملون به فيذكر أنّ الله سبحانه وليّهم و ناصرهم كقوله تعالى:( وَ لَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ) الحجّ: ٤٠، و قوله تعالى:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ) غافر: ٥١، و قوله تعالى:( كانَ حَقًّا


عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) الروم ٤٧ إلى غير ذلك من الآيات.

لكن لا يصحّ أن يفرد الدين بوجه للمؤمنين خاصّة، و يجعلوا أصلاً فيه و النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمعزل عن ذلك، ثمّ يعدّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناصراً لهم فيما لهم، إذ ما من كرامة دينيّة إلّا هو مشاركهم فيها أحسن مشاركة، و مساهمهم أفضل سهام و لذلك لا نجد القرآن يعدّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ناصراً للمؤمنين و لا في آية واحدة، و حاشا ساحة الكلام الإلهيّ أن يساهل في رعاية أدبه البارع.

و هذا من أقوى الدليل على أنّ المراد بما نسب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الولاية في القرآن هو ولاية التصرّف أو الحبّ و المودّة كقوله تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) الأحزاب: ٦، و قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) (الآية)، فإنّ الخطاب للمؤمنين، و لا معنى لعدّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليّاً لهم ولاية النصرة كما عرفت.

فقد ظهر أنّ الآيتين أعني قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ ) إلى آخر الآيتين لا تشاركان السياق السابق عليهما لو فرض أنّه متعرّض لحال ولاية النصرة، و لا يغرّنّك قوله تعالى في آخر الآية الثانية:( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) ، فإنّ الغلبة كما تناسب الولاية بمعنى النصرة، كذلك تناسب ولاية التصرّف و كذا ولاية المحبّة و المودّة، و الغلبة الدينيّة الّتي هي آخر بغية أهل الدين تتحصّل باتّصال المؤمنين بالله و رسوله بأي وسيلة تمّت و حصلت، و قد قرع الله سبحانه أسماعهم ذلك بصريح وعده حيث قال:( كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي ) المجادلة: ٢١، و قال:( وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) الصافّات: ١٧٣.

على أنّ الروايات متكاثرة من طرق الشيعة و أهل السنّة على أنّ الآيتين نازلتان في أميرالمؤمنين عليّعليه‌السلام لما تصدّق بخاتمه و هو في الصلاة، فالآيتان خاصّتان غير عامّتين، و سيجي‏ء نقل جلّ ما ورد من الروايات في ذلك في البحث الروائيّ التالي إن شاء الله تعالى.


و لو صحّ الإعراض في تفسير آية بالأسباب المأثورة عن مثل هذه الروايات على تكاثرها و تراكمها لم يصحّ الركون إلى شي‏ء من أسباب النزول المأثورة في شي‏ء من آيات القرآن و هو ظاهر، فلا وجه لحمل الآيتين على إرادة ولاية المؤمنين بعضهم لبعض بجعلها عامّة.

نعم استشكلوا في الروايات - و لم يكن ينبغي أن يستشكل فيها مع ما فيها من الكثرة البالغة -أوّلاً: بأنّها تنافي سياق الآيات الظاهر في ولاية النصرة كما تقدّمت الإشارة إليه وثانياً: أنّ لازمها إطلاق الجمع و إرادة الواحد فإنّ المراد بالّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة إلخ، على هذا التقدير هو علي و لا يساعده اللغة، وثالثاً: أنّ لازمها كون المراد بالزكاة هو التصدّق بالخاتم، و لا يسمّى ذلك زكاة.

قالوا: فالمتعيّن أن تؤخذ الآية عامّة، و تكون مسوقة لمثل قصر القلب أو الإفراد فقد كان المنافقون يسارعون إلى ولاية أهل الكتاب و يؤكّدونها، فنهى الله عن ذلك و ذكر أنّ أولياءهم إنّما هم الله و رسوله و المؤمنون حقّاً دون أهل الكتاب و المنافقين.

و لا يبقى إلّا مخالفة هذا المعنى لظاهر قوله:( وَ هُمْ راكِعُونَ ) و يندفع بحمل الركوع على معناه المجازيّ، و هو الخضوع لله أو الفقر و رثاثة الحال، هذا ما استشكلوه.

لكنّ التدبّر في الآية و ما يناظرها من الآيات يوجب سقوط الوجوه المذكورة جميعاً:

أمّا وقوع الآية في سياق ولاية النصرة، و لزوم حملها على إرادة ذلك فقد عرفت أنّ الآيات غير مسوقة لهذا الغرض أصلاً، و لو فرض سرد الآيات السابقة على هذه الآية لبيان أمر ولاية النصرة لم تشاركها الآية في هذا الغرض.

و أمّا حديث لزوم إطلاق الجمع و إرادة الواحد في قوله:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) إلخ، فقد عرفت في الكلام على آية المباهلة في الجزء الثالث من هذا الكتاب تفصيل الجواب عنه، و أنّه فرق بين إطلاق لفظ الجمع و إرادة الواحد و استعماله فيه، و بين إعطاء حكم كلّيّ أو الإخبار بمعرّف جمعيّ في لفظ الجمع لينطبق على من يصحّ أن


ينطبق عليه، ثمّ لا يكون المصداق الّذي يصحّ أن ينطبق عليه إلّا واحداً فرداً و اللّغة تأبى عن قبول الأوّل دون الثاني على شيوعه في الاستعمالات.

و ليت شعري ما ذا يقولون في مثل قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ - إلى أن قال -تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ) الآية: الممتحنة: ١، و قد صحّ أنّ المراد به حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشاً؟

و قوله تعالى:( يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) المنافقون: ٨، و قد صحّ أنّ القائل به عبدالله بن أبي بن سلول؟ و قوله تعالى:( يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ ) البقرة: ٢١٥ و السائل عنه واحد؟، و قوله تعالى:( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً ) البقرة: ٢٧٤ و قد ورد أنّ المنفق كان عليّاً أو أبابكر؟ إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة.

و أعجب من الجميع قوله تعالى:( يَقُولُونَ نَخْشى‏ أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ ) و القائل هو عبدالله بن اُبيّ، على ما رووا في سبب نزوله و تلقّوه بالقبول، و الآية واقعة بين الآيات المبحوث عنها نفسها.

فإن قيل: إنّ هذه الموارد لا تخلو عن اُناس كانوا يرون رأيهم أو يرضون بفعالهم فعبّر الله تعالى عنهم و عمّن يلحق بهم بصيغة الجمع. قيل: إنّ محصّله جواز ذلك في اللغة لنكتة مجوّزة فليجر الآية أعني قوله:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) هذا المجرى، و لتكن النكتة هي الإشارة إلى أنّ أنواع الكرامات الدينيّة - و منها الولاية المذكورة في الآية - ليست موقوفة على بعض المؤمنين دون بعض وقفاً جزافيّاً و إنّما يتّبع التقدّم في الإخلاص و العمل لا غير.

على أنّ جلّ الناقلين لهذه الأخبار هم صحابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و التابعون المتّصلون بهم زماناً و هم من زمرة العرب العرباء الّذين لم تفسد لغتهم و لم تختلط ألسنتهم و لو كان هذا النحو من الاستعمال لا تبيحه اللغة و لا يعهده أهلها لم تقبله طباعهم، و لكانوا أحقّ باستشكاله و الاعتراض عليه، و لم يؤثر من أحد منهم ذلك.


و أمّا قولهم: إنّ الصدقة بالخاتم لا تسمّى زكاة، فيدفعه أنّ تعيّن لفظ الزكاة في معناها المصطلح إنّما تحقّق في عرف المتشرّعة بعد نزول القرآن بوجوبها و تشريعها في الدين، و أمّا الّذي تعطيه اللغة فهو أعمّ من الزكاة المصطلحة في عرف المتشرّعة و يساوق عند الإطلاق أو عند مقابلة الصلاة إنفاق المال لوجه الله كما يظهر ممّا وقع فيما حكاه الله عن الأنبياء السالفين كقوله تعالى في إبراهيم و إسحاق و يعقوب:( وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ ) الأنبياء: ٧٣، و قوله تعالى في إسماعيل:( وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) مريم: ٥٥ و قوله تعالى حكاية عن عيسىعليه‌السلام في المهد:( وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ) مريم: ٣١ و من المعلوم أن ليس في شرائعهم الزكاة الماليّة بالمعنى الّذي اصطلح عليه في الإسلام.

و كذا قوله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ) الأعلى: ١٥ و قوله تعالى:( الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى ) الليل: ١٨ و قوله تعالى:( الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) حم السجدة: ٧ و قوله تعالى:( وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ) المؤمنون: ٤، و غير ذلك من الآيات الواقعة في السور المكّيّة و خاصّة السور النازلة في أوائل البعثة كسورة حم السجدة و غيرها، و لم تكن شرّعت الزكاة المصطلحة بعد فليت شعري ما ذا كان يفهمه المسلمون من هذه الآيات في لفظ الزكاة.

بل آية الزكاة أعني قوله تعالى:( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها وَ صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) التوبة: ١٠٣، تدلّ على أنّ الزكاة من أفراد الصدقة، و إنّما سمّيت زكاة لكون الصدقة مطهّرة مزكّية مطلقاً، و قد غلب استعمالها في الصدقة المصطلحة.

فتبيّن من جميع ما ذكرنا أنّه لا مانع من تسمية مطلق الصدقة و الإنفاق في سبيل الله زكاة، و تبيّن أيضاً أن لا موجب لارتكاب خلاف الظاهر بحمل الركوع على معناه المجازيّ، و كذا ارتكاب التوجيه في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ


آمَنُوا ) حيث أتى باسم إن( وَلِيُّكُمُ ) مفرداً و بقوله:( الَّذِينَ آمَنُوا ) و هو خبر بالعطف بصيغة الجمع، هذا.

قوله تعالى: ( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) قال الراغب في المفردات: الولاء (بفتح الواو) و التوالي أن يحصل شيئاًن فصاعداً حصولاً ليس بينهما ما ليس منهما، و يستعار ذلك للقرب من حيث المكان و من حيث النسبة و من حيث الصداقة و النصرة و الاعتقاد، و الولاية النصرة، و الولاية تولّي الأمر، و قيل: الولاية و الولاية (بالفتح و الكسر) واحدة نحو الدلالة و الدلالة و حقيقته تولّي الأمر، و الوليّ و المولى يستعملان في ذلك، كلّ واحد منهما يقال في معنى الفاعل أي الموالي (بكسر اللّام) و معنى المفعول أي الموالي (بفتح اللّام) يقال للمؤمن: هو وليّ الله عزّوجلّ و لم يرد مولاه، و قد يقال: الله وليّ المؤمنين و مولاهم.

قال: و قولهم: تولّى إذا عدّي بنفسه اقتضى معنى الولاية و حصوله في أقرب المواضع منه يقال: ولّيت سمعي كذا، و ولّيت عيني كذا، و ولّيت وجهي كذا أقبلت به عليه قال الله عزّوجلّ:( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) و إذا عدّي بعن لفظاً أو تقديراً اقتضى معنى الإعراض و ترك قربه. انتهى.

و الظاهر أنّ القرب الكذائيّ المعبّر عنه بالولاية، أوّل ما اعتبره الإنسان إنّما اعتبره في الأجسام و أمكنتها و أزمنتها ثمّ أستعير لأقسام القرب المعنويّة بالعكس ممّا ذكره لأنّ هذا هو المحصّل من البحث في حالات الإنسان الأوّليّة فالنظر في أمر المحسوسات و الاشتغال بأمرها أقدم في عيشة الإنسان من التفكّر في المعقولات و المعاني و أنحاء اعتبارها و التصرّف فيها.

و إذا فرضت الولاية - و هي القرب الخاصّ - في الاُمور المعنويّة كان لازمها أن للوليّ ممّن وليه ما ليس لغيره إلّا بواسطته فكلّ ما كان من التصرّف في شؤون من وليه ممّا يجوز أن يخلفه فيه غيره فإنّما يخلفه الوليّ لا غيره كوليّ الميّت، فإنّ التركة الّتي كان للميّت أن يتصرّف فيها بالملك فإنّ لوارثه الوليّ أن يتصرّف فيها بولاية


الوراثة، و وليّ الصغير يتصرّف بولايته في شؤون الصغير الماليّة بتدبير أمره، و وليّ النصرة له أن يتصرّف في أمر المنصور من حيث تقويته في الدفاع، و الله سبحانه وليّ عباده يدبّر أمرهم في الدنيا و الآخرة لا وليّ غيره، و هو وليّ المؤمنين في تدبير أمر دينهم بالهداية و الدعوة و التوفيق و النصرة و غير ذلك، و النبيّ وليّ المؤمنين من حيث إنّ له أن يحكم فيهم و لهم و عليهم بالتشريع و القضاء، و الحاكم وليّ الناس بالحكم فيهم على مقدار سعة حكومته، و على هذا القياس سائر موارد الولاية كولاية العتق و الحلف و الجوار و الطلاق و ابن العمّ، و ولاية الحبّ و ولاية العهد و هكذا، و قوله:( يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ ) أي يجعلون أدبارهم تلي جهة الحرب و تدبّر أمرها، و قوله:( تَوَلَّيْتُمْ ) أي تولّيتم عن قبوله أي اتّخذتم أنفسكم تلي جهة خلاف جهته بالإعراض عنه أو اتّخذتم وجوهكم تلي خلاف جهته بالإعراض عنه، فالمحصّل من معنى الولاية في موارد استعمالها هو نحو من القرب يوجب نوعاً من حقّ التصرّف و مالكيّة التدبير.

و قد اشتمل قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) إلخ من السياق على ما يدلّ على وحدة مّا في معنى الولاية المذكورة فيه حيث تضمّن العدّ في قوله:( اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) و أسند الجميع إلى قوله:( وَلِيُّكُمُ ) و ظاهره كون الولاية في الجميع بمعنى واحد. و يؤيّد ذلك أيضاً قوله في الآية التالية:( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) حيث يشعر أو يدلّ على كون المتولّين جميعاً حزباً لله لكونهم تحت ولايته، فولاية الرسول و الّذين آمنوا إنّما هو من سنخ ولاية الله.

و قد ذكر الله سبحانه لنفسه من الولاية، الولاية التكوينيّة الّتي تصحّح له التصرّف في كلّ شي‏ء و تدبير أمر الخلق بما شاء، و كيف شاء قال تعالى:( أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ ) الشورى: ٩ و قال:( ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ) السجدة: ٤ و قال:( أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ ) يوسف: ١٠١ و قال:( فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ ) الشورى: ٤٤ و في معنى هذه الآيات قوله:( وَ نَحْنُ


أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) ق: ١٦، و قوله:( وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ ) الأنفال: ٢٤.

و ربّما لحق بهذا الباب ولاية النصرة الّتي ذكرها لنفسه في قوله:( ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى‏ لَهُمْ ) سورة محمّد: ١١، و قوله:( فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ ) التحريم: ٤، و في معنى ذلك قوله:( وَ كانَ حقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) الروم: ٤٧.

و ذكر تعالى أيضاً لنفسه الولاية على المؤمنين فيما يرجع إلى أمر دينهم من تشريع الشريعة و الهداية و الإرشاد و التوفيق و نحو ذلك كقوله تعالى:( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ) البقرة: ٢٥٧، و قوله:( وَ اللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران: ٦٨ و قوله:( وَ اللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) الجاثية: ١٩، و في هذا المعنى قوله تعالى:( وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً ) الأحزاب: ٣٦.

فهذا ما ذكره الله تعالى من ولاية نفسه في كلامه، و يرجع محصّلها إلى ولاية التكوين و ولاية التشريع، و إن شئت سمّيتهما بالولاية الحقيقيّة و الولاية الاعتباريّة.

و قد ذكر الله سبحانه لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الولاية الّتي تخصّه الولاية التشريعيّة و هي القيام بالتشريع و الدعوة و تربية الاُمّة و الحكم فيهم و القضاء في أمرهم، قال تعالى:( النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) الأحزاب: ٦، و في معناه قوله تعالى:( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللهُ ) النساء: ١٠٥، و قوله:( وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) الشورى: ٥٢، و قوله:( رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ ) الجمعة: ٢، و قوله:( لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) النحل: ٤٤ و قوله:( أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ) النساء: ٥٩، و قوله:( وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) الأحزاب: ٣٦، و قوله:( وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ ) المائدة: ٤٩، و قد تقدّم أنّ الله لم يذكر ولاية النصرة عليه للاُمّة.


و يجمع الجميع أنّ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الولاية على الاُمّة في سوقهم إلى الله و الحكم فيهم و القضاء عليهم في جميع شؤونهم فله عليهم الإطاعة المطلقة فترجع ولايتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ولاية الله سبحانه بالولاية التشريعيّة، و نعني بذلك أنّ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التقدّم عليهم بافتراض الطاعة لأنّ طاعته طاعة الله، فولايته ولاية الله كما يدلّ عليه بعض الآيات السابقة كقوله:( أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (الآية) و قوله:( وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً ) (الآية) و غير ذلك.

و هذا المعنى من الولاية لله و رسوله هو الّذي تذكره الآية للّذين آمنوا بعطفه على الله و رسوله في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) على ما عرفت من دلالة السياق على كون هذه الولاية ولاية واحدة هي لله سبحانه بالأصالة و لرسوله و الّذين آمنوا بالتبع و بإذن منه تعالى.

و لو كانت الولاية المنسوبة إلى الله تعالى في الآية غير المنسوبة إلى الّذين آمنوا - و المقام مقام الالتباس - كان الأنسب أن تفرد ولاية اُخرى للمؤمنين بالذكر رفعاً للالتباس كما وقع نظيره في نظيرها، قال تعالى:( قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ) التوبة: ٦١، فكرّر لفظ الإيمان لما كان في كلّ من الموضعين لمعنى غير الآخر، و قد تقدّم نظيره في قوله تعالى:( أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ ) النساء: ٥٩، في الجزء السابق على هذا الجزء من الكتاب.

على أنّ لفظ( وَلِيُّكُمُ ) اُتي به مفرداً و قد نسب إلى الّذين آمنوا و هو جمع، و قد وجّهه المفسّرون بكون الولاية ذات معنى واحد هو لله سبحانه على الأصالة و لغيره بالتبع.

و قد تبيّن من جميع ما مرّ أنّ القصر في قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ ) إلخ، لقصر الإفراد كأنّ المخاطبين يظنّون أنّ الولاية عامّة للمذكورين في الآية و غيرهم فاُفرد المذكورون للقصر، و يمكن بوجه أن يحمل على قصر القلب.

قوله تعالى: ( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) بيان للّذين آمنوا المذكور سابقاً، و قوله:( وَ هُمْ راكِعُونَ ) حال من فاعل( يُؤْتُونَ ) و هو العامل فيه.


و الركوع هو الهيئة المخصوصة في الإنسان، و منه الشيخ الراكع، و يطلق في عرف الشرع على الهيئة المخصوصة في العبادة، قال تعالى:( الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ) التوبة: ١١٢ و هو ممثّل للخضوع و التذلّل لله، غير أنّه لم يشرع في الإسلام في غير حال الصلاة بخلاف السجدة.

و لكونه مشتملاً على الخضوع و التذلّل ربّما أستعير لمطلق التذلّل و الخضوع أو الفقر و الإعسار الّذي لا يخلو عادة عن التذلّل للغير.

قوله تعالى: ( وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) ، التولّي هو الأخذ وليّاً، و( الَّذِينَ آمَنُوا ) مفيد للعهد و المراد به المذكور في الآية السابقة:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ ) ، إلخ، و قوله:( فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) واقع موقع الجزاء و ليس به بل هو من قبيل وضع الكبرى موضع النتيجة للدلالة على علّة الحكم، و التقدير: و من يتولّ فهو غالب لأنّه من حزب الله و حزب الله هم الغالبون، فهو من قبيل الكناية عن أنّهم حزب الله.

و الحزب على ما ذكره الراغب جماعة فيها غلظ، و قد ذكر الله سبحانه حزبه في موضع آخر من كلامه قريب المضمون من هذا الموضع، و وسمهم بالفلاح فقال:( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ - إلى أن قال -أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة: ٢٢.

و الفلاح الظفر و إدراك البغية الّتي هي الغلبة و الاستيلاء على المراد، و هذه الغلبة و الفلاح هي الّتي وعدها الله المؤمنين في أحسن ما وعدهم به و بشّرهم بنيله، قال تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) المؤمنون: ١، و الآيات في ذلك كثيرة، و قد اُطلق اللفظ في جميعها، فالمراد الغلبة المطلقة و الفلاح المطلق أي الظفر بالسعادة و الفوز بالحقّ و الغلبة على الشقاء، و إدحاض الباطل في الدنيا و الآخرة، أمّا في الدنيا فبالحياة الطيّبة الّتي توجد في مجتمع صالح من أولياء الله في أرض مطهّرة من أولياء الشيطان على تقوى و ورع، و أمّا في الآخرة ففي جوار ربّ العالمين.


( بحث روائي)

في الكافي، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن اُذينة، عن زرارة و الفضيل بن يسار، و بكير بن أعين، و محمّد بن مسلم، و بريد بن معاوية، و أبي الجارود، جميعاً عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: أمر الله عزّوجلّ رسوله بولاية عليّ و أنزل عليه:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) و فرض من ولاية اُولي الأمر فلم يدروا ما هي؟ فأمر الله محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يفسّر لهم الولاية كما فسّر الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ.

فلمّا أتاه ذلك من الله ضاق بذلك صدر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و تخوّف أن يرتدّوا عن دينهم و أن يكذّبوه، فضاق صدره و راجع ربّه عزّوجلّ فأوحى الله عزّوجلّ إليه:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ، فصدع بأمر الله عزّ ذكره، فقام بولاية عليّعليه‌السلام يوم غدير خمّ فنادى: الصلاة جامعة، و أمر الناس أن يبلّغ الشاهد الغائب.

قال عمر بن اُذينة: قالوا جميعاً غير أبي الجارود: قال أبوجعفرعليه‌السلام : و كانت الفريضة الاُخرى، و كانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عزّوجلّ:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) ، قال أبوجعفرعليه‌السلام : يقول الله عزّوجلّ: لا اُنزل عليكم بعد هذه فريضة قد أكملت لكم الفرائض.

و في البرهان، و غاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفرعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) ، قال: إنّ رهطاً من اليهود أسلموا منهم عبدالله بن سلام و أسد و ثعلبة و ابن يامين و ابن صوريا فأتوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا نبيّ الله إنّ موسى أوصى إلى يوشع بن نون، فمن وصيّك يا رسول الله؟ و من وليّنا بعدك؟ فنزلت هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) .


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوموا فقاموا و أتوا المسجد فإذا سائل خارج فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا سائل هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم هذا الخاتم قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الّذي يصلّي قال على أيّ حال أعطاك؟ قال: كان راكعاً فكبّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و كبّر أهل المسجد.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليّ وليّكم بعدي قالوا: رضينا بالله ربّاً، و بمحمّد نبيّاً، و بعليّ بن أبي طالب وليّاً فأنزل الله عزّوجلّ:( وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) الحديث.

و في تفسير القمّيّ، قال: حدّثني أبي، عن صفوان: عن أبان بن عثمان، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفرعليه‌السلام : بينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس و عنده قوم من اليهود فيهم عبدالله بن سلام إذ نزلت عليه هذه الآية فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المسجد فاستقبله سائل فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم ذلك المصلّي، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإذا هو عليّعليه‌السلام .

أقول: و رواه العيّاشيّ في تفسيره عنهعليه‌السلام .

و في أمالي الشيخ، قال: حدّثنا محمّد بن محمّد - يعني المفيد - قال: حدّثني أبوالحسن عليّ بن محمّد الكاتب، قال: حدّثني الحسن بن عليّ الزعفرانيّ، قال: حدّثنا أبوإسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفيّ، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ، قال: حدّثنا العبّاس بن عبدالله العنبريّ، عن عبدالرحمن بن الأسود الكنديّ اليشكريّ، عن عون بن عبيد الله، عن أبيه عن جدّه أبي رافع قال: دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً و هو نائم و حيّة في جانب البيت فكرهت أن أقتلها و اُوقظ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فظننت أنّه يوحى إليه فاضطجعت بينه و بين الحيّة فقلت: إن كان منها سوء كان إلىّ دونه.

فكنت هنيئة فاستيقظ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو يقرأ:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) - حتّى أتى على آخر الآية - ثمّ قال: الحمد لله الّذي أتمّ لعليّ نعمته، و هنيئاً له بفضل الله الّذي آتاه، ثمّ قال لي: ما لك ههنا؟ فأخبرته بخبر الحيّة فقال لي: اقتلها ففعلت ثمّ قال لي: يا ( أبا،ظ ) رافع كيف أنت و قوم يقاتلون عليّاً و هو على الحقّ و هم


على الباطل؟ جهادهم حقّاً لله عزّ اسمه فمن لم يستطع بقلبه، ليس وراءه شي‏ء فقلت: يا رسول الله ادع الله لي إن أدركتهم أن يقوّيني على قتالهم قال: فدعا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قال: إنّ لكلّ نبيّ أميناً، و إنّ أميني أبورافع.

قال: فلمّا بايع الناس عليّاً بعد عثمان، و سار طلحة و الزبير ذكرت قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فبعت داري بالمدينة و أرضاً لي بخيبر و خرجت بنفسي و ولدي مع أميرالمؤمنينعليه‌السلام لأستشهد بين يديه فلم اُدرك معه حتّى عاد من البصرة، و خرجت معه إلى صفّين ( فقاتلت، ظ ) بين يديه بها و بالنهروان أيضاً، و لم أزل معه حتّى استشهد عليّعليه‌السلام ، فرجعت إلى المدينة و ليس لي بها دار و لا أرض فأعطاني الحسن بن عليّعليه‌السلام أرضاً بينبع، و قسم لي شطر دار أميرالمؤمنينعليه‌السلام فنزلتها و عيالي.

و في تفسير العيّاشيّ، بإسناده عن الحسن بن زيد، عن أبيه زيد بن الحسن، عن جدّه قال: سمعت عمّار بن ياسر يقول: وقف لعليّ بن أبي طالب سائل و هو راكع في صلاة تطوّع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعلم بذلك فنزل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) (إلى آخر الآية) فقرأها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علينا ثمّ قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه.

و في تفسير العيّاشيّ، عن المفضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهماعليهما‌السلام قال: قال: إنّه لما نزلت هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) شقّ ذلك على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و خشي أن تكذّبه قريش فأنزل الله:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (الآية) فقام بذلك يوم غدير خمّ.

و فيه، عن أبي جميلة عن بعض أصحابه عن أحدهماعليهما‌السلام قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّ الله أوحى إليّ أن اُحبّ أربعة: عليّاً و أباذرّ و سلمان و المقداد، فقلت: ألا فما كان من كثرة الناس أ ما كان أحد يعرف هذا الأمر؟ فقال: بلى ثلاثة، قلت: هذه الآيات الّتي اُنزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) و قوله:( أَطِيعُوا اللهَ


وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) ما كان أحد يسأل فيمن نزلت؟ فقال من ثمّ أتاهم لم يكونوا يسألون.

و في غاية المرام، عن الصدوق بإسناده عن أبي سعيد الورّاق عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه: في حديث مناشدة عليّعليه‌السلام لأبي بكر حين ولى أبوبكر الخلافة، و ذكرعليه‌السلام فضائله لأبي بكر و النصوص عليه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان فيما قال له: فاُنشدك بالله أ لي الولاية من الله مع ولاية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في آية زكاة الخاتم أم لك؟ قال: بل لك.

و في مجالس الشيخ، بإسناده إلى أبي ذرّ: في حديث مناشدة أميرالمؤمنينعليه‌السلام عثمان و الزبير و عبدالرحمن بن عوف و سعد بن أبي وقّاص يوم الشورى و احتجاجه عليهم بما فيه من النصوص من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و الكلّ منهم يصدّقهعليه‌السلام فيما يقوله فكان ممّا ذكرهعليه‌السلام : فهل فيكم أحد آتى الزكاة و هو راكع فنزلت فيه:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) غيري؟ قالوا: لا.

و في الإحتجاج، في رسالة أبي الحسن الثالث عليّ بن محمّد الهاديعليه‌السلام إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر و التفويض:

قالعليه‌السلام : اجتمعت الاُمّة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، و على تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا تجتمع اُمّتي على ضلالة) ، فأخبرعليه‌السلام : أنّ ما اجتمعت عليه الاُمّة و لم يخالف بعضها بعضاً هو الحقّ، فهذا معنى الحديث لا ما تأوّله الجاهلون، و لا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، و اتّباع أحكام الأحاديث المزوّرة، و الروايات المزخرفة، و اتّباع الأهواء المردئة المهلكة الّتي تخالف نصّ الكتاب، و تحقيق الآيات الواضحات النيّرات، و نحن نسأل الله أن يوفّقنا للصلاة، و يهدينا إلى الرشاد.

ثمّ قالعليه‌السلام : فإذا شهد الكتاب بصدق خبر و تحقيقه فأنكرته طائفة من


الاُمّة عارضته بحديث من هذه الأحاديث المزوّرة، فصارت بإنكارها و دفعها الكتاب ضلالاً، و أصحّ خبر ممّا عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال:( إنّي مستخلف فيكم خليفتين كتاب الله و عترتي. ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) و اللفظة الاُخرى عنه في هذا المعنى بعينه قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا) .

وجدنا شواهد هذا الحديث نصّاً في كتاب الله مثل قوله:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) . ثمّ اتّفقت روايات العلماء في ذلك لأميرالمؤمنينعليه‌السلام : أنّه تصدّق بخاتمه و هو راكع فشكر الله ذلك له، و أنزل الآية فيه. ثمّ وجدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة:( من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه) و قوله:صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( عليّ يقضي ديني، و ينجز موعدي، و هو خليفتي عليكم بعدي) و قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين استخلفه على المدينة فقال: يا رسول الله: أ تخلّفني على النساء و الصبيان؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟.

فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، و تحقيق هذه الشواهد فيلزم الاُمّة الإقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن فلمّا وجدنا ذلك موافقاً لكتاب الله، و وجدنا كتاب الله موافقاً لهذه الأخبار، و عليها دليلاً كان الاقتداء فرضاً لا يتعدّاه إلّا أهل العناد و الفساد.

و في الإحتجاج، في حديث عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام : قال المنافقون لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل بقي لربّك علينا بعد الّذي فرض علينا شي‏ء آخر يفترضه فتذكر فتسكن أنفسنا إلى أنّه لم يبق غيره؟ فأنزل الله في ذلك:( قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ ) يعني الولاية فأنزل الله:( إنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) ، و ليس بين الاُمّة خلاف أنّه لم يؤت الزكاة يومئذ و هو راكع غير رجل واحد، الحديث.


و في الاختصاص، للمفيد عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن القاسم بن محمّد الجوهريّ، عن الحسن بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ فقال: نعم، هم الّذين قال الله:( أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) و هم الّذين قال الله:( إنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) .

أقول: و رواه في الكافي، عن الحسين بن أبي العلاء عنهعليه‌السلام ، و روي ما في معناه عن أحمد بن عيسى عنهعليه‌السلام .

و إسناد نزول ما نزل في عليّعليه‌السلام إلى جميع الأئمةعليهم‌السلام لكونهم أهل بيت واحد، و أمرهم واحد.

و عن تفسير الثعلبيّ، أخبرنا أبوالحسن محمّد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا عبدالله بن أحمد الشعرانيّ قال: أخبرنا أبوعليّ أحمدبن عليّ بن رزين قال: حدّثنا المظفّر بن الحسن الأنصاريّ قال: حدّثنا السريّ بن عليّ الورّاق قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الجمانيّ عن قيس بن الربيع عن الأعمش، عن عباية بن الربعيّ قال: حدّثنا عبدالله بن عبّاس رضي الله عنه و هو جالس بشفير زمزم يقول قال: رسول الله: إذ أقبل رجل معتمّ بعمامة فجعل ابن عبّاس لا يقول: قال رسول الله إلّا و قال الرجل: قال رسول الله.

فقال له ابن عبّاس: سألتك بالله من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه و قال: يا أيّها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدريّ أبوذرّ الغفاريّ سمعت رسول الله بهاتين و إلّا فصمّتا و رأيته بهاتين و إلّا فعميتا يقول: عليّ قائد البررة و قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.

أما إنّي صلّيت مع رسول الله يوماً من الأيّام صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللّهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد شيئاً، و كان علي راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى، و كان يتختّم فيها فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره، و ذلك بعين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


فلمّا فرغ من صلاته رفع رأسه إلى السماء و قال: اللّهمّ موسى سألك فقال: ربّ اشرح لي صدري، و يسّر لي أمري، و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، و اجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي، اشدد به أزري، و أشركه في أمري. فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً: سنشدّ عضدك بأخيك، و نجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا.

اللّهمّ و أنا محمّد نبيّك و صفّيك، اللّهمّ و اشرح لي صدري و يسّر لي أمري، و اجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً اشدد به ظهري.

قال أبوذرّ: فما استتمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكلمة حتّى نزل عليه جبرئيل من عندالله تعالى فقال: يا محمّد اقرأ قال: و ما أقرأ قال: قال: اقرأ:( إنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الّذينَ آمَنُوا الّذينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) .

و عن الجمع بين الصحاح الستّة، لزرّين من الجزء الثالث في تفسير سورة المائدة: قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ ) (الآية) من صحيح النسائيّ عن ابن سلام: قال أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلنا: إنّ قومنا حادّونا لما صدّقنا الله و رسوله، و أقسموا أن لا يكلّموننا فأنزل الله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) (الآية).

ثمّ أذّن بلال لصلاة الظهر فقام الناس يصلّون فمن بين ساجد و راكع و سائل إذ سائل يسأل، و أعطى عليّ خاتمه و هو راكع فأخبر السائل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقرأ علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ )

و عن مناقب ابن المغازليّ الشافعيّ في تفسير قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ ) (الآية) قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن عثمان قال: أخبرنا أبوبكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان البزّاز إذناً قال: حدّثنا الحسن بن عليّ العدويّ قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا عبدالرزّاق قال أخبرنا مجاهد عن ابن عبّاس في قوله تعالى:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) قال: نزلت في عليّ.


و عنه قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن طاوان قال: أخبرنا أبوأحمد عمر بن عبدالله بن شوذب قال: حدّثنا محمّد بن العسكريّ الدقّاق قال: حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا عبادة قال: حدّثنا عمر بن ثابت عن محمّد بن السائب عن أبي صالح، عن ابن عبّاس قال: كان عليّ راكعاً فجاءه مسكين فأعطاه خاتمه فقال رسول الله: من أعطاك هذا؟ فقال: أعطاني هذا الراكع فأنزل الله هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) (إلى آخر الآية).

و عنه قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن طاوان إذناً: أنّ أبا أحمد عمر بن عبدالله بن شوذب أخبرهم قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن محمّد العسكريّ قال: حدّثنا محمّد بن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن ميمون قال: حدّثنا عليّ بن عابس قال: دخلت أنا و أبومريم على عبدالله بن عطاء، قال أبومريم: حدث عليّاً بالحديث الّذي حدّثتني عن أبي جعفر، قال: كنت عند أبي جعفر جالساً إذ مرّ عليه ابن عبدالله بن سلام قلت: جعلني الله فداك، هذا ابن الّذي عنده علم الكتاب؟ قال: لا و لكنّه صاحبكم عليّ بن أبي طالب الّذي اُنزلت فيه آيات من كتاب الله عزّوجلّ:( وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ، أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ، إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ) (الآية).

و عن الخطيب الخوارزميّ في جواب مكاتبة معاوية إلى عمرو بن العاص قال عمرو بن العاص: لقد علمت يا معاوية ما أنزل في كتابه من الآيات المتلوّات في فضائله الّتي لا يشركه فيها أحد كقوله تعالى:( يُوفُونَ بِالنَّذْرِ، إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ، أَ فَمَنْ كانَ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ ) ، و قد قال الله تعالى:( رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ ) ، و قد قال الله تعالى لرسوله:( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)

و عنه بإسناده إلى أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أقبل عبدالله بن سلام و معه نفر من قومه ممّن قد آمن بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا رسول الله إنّ منازلنا بعيدة، و ليس لنا مجلس و لا متحدّث دون هذا المجلس، و إنّ قومنا لما رأونا قد آمنّا بالله و رسوله


و قد صدّقناه رفضونا، و آلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا و لا يناكحونا و لا يكلّمونا، و قد شقّ ذلك علينا فقال لهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) .

ثمّ إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خرج إلى المسجد و الناس بين قائم و راكع، و بصر بسائل، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هل أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم خاتم من ذهب، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم - و أومأ بيده إلى عليّ بن أبي طالب - فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : على أيّ حال أعطاك؟ قال: أعطاني و هو راكع، فكبّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قرأ:( وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَ رَسُولَهُ (وَ الَّذِينَ آمَنُوا) فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ ) فأنشأ حسّان بن ثابت يقول:

أبا حسن تفديك نفسي و مهجتي

و كلّ بطي‏ء في الهدى و مسارع

أ يذهب مدحي و المحبّين ضائعاً

و ما المدح في ذات الإله بضائع؟

فأنت الّذي أعطيت إذ كنت راكعاً

فدتك نفوس القوم يا خير راكع

بخاتمك الميـمون يا خير سيّد

و يا خير شار ثمّ يا خير بائع

فأنـزل فيك الله خير ولاية

و بيّنها في محكمات الشرائع

و عن الحموينيّ بإسناده إلى أبي هدبة إبراهيم بن هدبة قال: نبّأنا أنس بن مالك: أنّ سائلاً أتى المسجد و هو يقول: من يقرض المليّ الوفيّ؟ و عليّ راكع يقول بيده خلفه للسائل: أن اخلع الخاتم من يدي، قال: فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عمر وجبت، قال: بأبي و اُمّي يا رسول الله ما وجبت؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وجبت له الجنّة، و الله ما خلعه من يده حتّى خلعه من كلّ ذنب و من كلّ خطيئة.

و عنه بإسناده عن زيدبن عليّ بن الحسين عن أبيه عن جدّه قال: سمعت عمّار بن ياسر - رضي الله عنه - يقول: وقف لعليّ بن أبي طالب سائل و هو راكع في صلاة التطوّع فنزع خاتمه و أعطاه السائل، فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعلمه ذلك، فنزلت على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ ) فقرأها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعليّ مولاه.


و عن الحافظ أبي نعيم عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - قال: جاء عبدالله بن سلام و أتى معه قوم يشكون مجانبة الناس إيّاهم منذ أسلموا فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبغوا إلي سائلاً فدخلنا المسجد فدنا سائل إليه فقال له: أعطاك أحد شيئاً؟ قال: نعم مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه، قال: فاذهب فأرني قال: فذهبنا فإذا عليّ قائم، فقال: هذا فنزلت:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ ) .

و عنه عن موسى بن قيس الحضرميّ عن سلمة بن كهيل قال: تصدّق عليّ بخاتمه و هو راكع فنزلت!( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ ) (الآية).

و عنه عن عوف بن عبيد بن أبي رافع عن أبيه عن جدّه قال: دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو نائم إذ يوحى إليه و إذا حيّة في جنب البيت فكرهت أنّ أدخلها و اُوقظه فاضطجعت بينه و بين الحيّة فإن كان شي‏ء فيّ دونه، فاستيقظ و هو يتلو هذه الآية:( إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ ) قال: الحمد لله فأتى إلى جانبي فقال: ما اضطجعت ههنا؟ قلت: لمكان هذه الحيّة قال: قم إليها فاقتلها فقتلتها.

ثمّ أخذ بيدي فقال: يا أبارافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليّاً حقّ على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه ليس وراء ذلك.

أقول: و الروايات في نزول الآيتين في قصّة التصدّق بالخاتم كثيرة أخرجنا عدّة منها من كتاب غاية المرام للبحرانيّ، و هي موجودة في الكتب المنقول عنها، و قد اقتصرنا على ما نقل عليه من اختلاف اللحن في سرد القصّة.

و قد اشترك في نقلها عدّة من الصحابة كأبي ذرّ و ابن عبّاس و أنس بن مالك و عمّار و جابر و سلمة بن كهيل و أبي رافع و عمرو بن العاص، و عليّ و الحسين و كذا السجاد و الباقر و الصادق و الهادي و غيرهم من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

و قد اتّفق على نقلها من غير ردّ أئمّة التفسير المأثور كأحمد و النسائيّ و الطبريّ و الطبرانيّ و عبد بن حميد و غيرهم من الحفّاظ و أئمّة الحديث و قد تسلّم ورود الرواية المتكلّمون، و أوردها الفقهاء في مسألة الفعل الكثير من بحث الصلاة، و في مسألة( هل


تسمّى صدقة التطوّع زكاة) و لم يناقش في صحّة انطباق الآية على الرواية فحول الأدب من المفسّرين كالزمخشريّ في الكشّاف، و أبي حيّان في تفسيره، و لا الرواة النقلة و هم أهل اللسان.

فلا يعبأ بما ذكره بعضهم: أنّ حديث نزول الآية في قصّة الخاتم موضوع مختلق، و قد أفرط بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيميّة فادّعى إجماع العلماء على كون الرواية موضوعة! و هي من عجيب الدعاوي، و قد عرفت ما هو الحقّ في المقام في البيان المتقدّم.


( سورة المائدة الآيات ٥٧ - ٦٦)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتّخِذُوا الّذِينَ اتّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوا وَلَعِباً مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ( ٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصّلاَةِ اتّخَذُوهَا هُزُواًوَلَعِباً ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ( ٥٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلّا أَنْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ( ٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُم بِشَرّ مِن ذلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرّ مَكَاناً وَأَضَلّ عَن سَوَاءِ السّبِيلِ( ٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنّا وَقَد دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ( ٦١) وَتَرَى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ( ٦٢) لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرّبّانِيّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ( ٦٣) وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مِنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى‏ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبّ الْمُفْسِدِينَ( ٦٤) وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتّقَوْا لَكَفّرْنَا عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنّاتِ النّعِيمِ( ٦٥) وَلَوْ أَنّهُمْ أَقَامُوا التّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِن رَبّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ( ٦٦)


( بيان)

الآيات تنهى عن اتّخاذ المستهزئين بالله و آياته من أهل الكتاب و الكفّار أولياء و تعدّ اُموراً من مساوي صفاتهم و نقضهم مواثيق الله و عهوده و ما يلحق بها بما يناسب غرض السورة (الحثّ على حفظ العهود و المواثيق و ذمّ نقضها).

و كأنّها ذات سياق متّصل واحد و إن كان من الجائز أن يكون لبعض أجزائها سبب مستقلّ من حيث النزول.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ ) إلخ قال الراغب: الهزؤ مزح في خفية، و قد يقال لما هو كالمزح (انتهى)، و قال: و لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصداً صحيحاً، يلعب لعباً، (انتهى)، و إنّما يتّخذ الشي‏ء هزؤاً و يستهزئ به إذا اتّخذ به على وصف لا يعتنى بأمره اعتناء جدّ لإظهار أنّه ممّا لا ينبغي أن يلتفت إليه، و كذا الشي‏ء يلعب به إذا كان ممّا لا يتّخذ لواحد من الأغراض الصحيحة العقلائيّة إلّا أن يتّخذ لبعض الشؤون غير الحقيقيّة فالهزؤ بالدين و اللعب به إنّما هما لإظهار أنّه لا يعدل إلّا بعض الأغراض الباطلة غير الصحيحة و غير الجدّيّة، و لو قدّروه ديناً حقّاً أو قدّروا أنّ مشرّعه و الداعي إليه و المؤمنين به ذووا أقدام جدّ و صدق، و احترموا له و لهم مكانهم لما وضعوه ذاك الموضع فاتّخاذهم الدين هزؤاً و لعباً قضاءٌ منهم بأن ليس له من الواقعيّة و المكانة الحقيقيّة شي‏ء إلّا أن يؤخذ به ليمزح به أو ليلعب به لعباً.

و من هنا يظهرأوّلاً: أنّ ذكر اتّخاذهم الدين هزؤاً و لعباً في وصف من نهي عن ولايتهم إنّما هو للإشارة إلى علّة النهي فإنّ الولاية الّتي من لوازمها الامتزاج الروحيّ و التصرّف في الشؤون النفسيّة و الاجتماعيّة لا يلائم استهزاء الوليّ و لعبة بما يقدّسه وليّه و يحترمه و يراه أعزّ من كلّ شي‏ء حتّى من نفسه فمن الواجب أن لا يتّخذ من هذا شأنه وليّاً، و لا يلقي أزمّة التصرّف في الروح و الجسم إليه.


و ثانياً: ما في اتّخاذ وصف الإيمان في الخطاب في قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) من المناسبة لمقابلته بقوله:( الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً ) و كذلك ما في إضافة الدين إليهم في قوله:( دِينَكُمْ ) .

و ثالثاً: أنّ قوله:( وَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) بمنزلة التأكيد لقوله:( لا تَتَّخِذُوا الّذينَ اتّخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً ) إلخ، بتكراره بلفظ أعمّ و أشمل فإنّ المؤمن و هو الآخذ بعروة الإيمان لا معنى لأن يرضى بالهزئ و اللّعب بما آمن به فهؤلاء إن كانوا متلبّسين بالإيمان - أي كان الدين لهم ديناً - لم يكن لهم بدّ من تقوى الله في أمرهم أي عدم اتّخاذهم أولياء.

و من المحتمل أن يكون قوله:( وَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) إشارة إلى ما ذكره تعالى من نحو قوله قبيل آيات:( وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) و المعنى: و اتّقوا الله في اتّخاذهم أولياء إن لم تكونوا منهم، و المعنى الأوّل لعلّه أظهر.

قوله تعالى: ( وَ إِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَ لَعِباً ) إلخ تحقيق لما ذكر أنّهم يتّخذون دين الّذين آمنوا هزواً و لعباً، و المراد بالنداء إلى الصلاة الأذان المشروع في الإسلام قبل الصلوات المفروضة اليوميّة، و لم يذكر الأذان في القرآن الكريم إلّا في هذا الموضع - كما قيل -.

و الضمير في قوله:( اتَّخَذُوها ) راجع إلى الصلاة أو إلى المصدر المفهوم من قوله:( إِذا نادَيْتُمْ ) أعني المناداة، و يجوز في الضمير العائد إلى المصدر التذكير و التأنيث، و قوله:( ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ) تذييل يجري مجرى الجواب عن فعلهم و بيان أنّ صدور هذا الفعل أعني اتّخاذ الصلاة أو الأذان هزواً و لعباً منهم إنّما هو لكونهم قوماً لا يعقلون فلا يسعهم أن يتحقّقوا ما في هذه الأركان و الأعمال العباديّة الدينيّة من حقيقة العبوديّة و فوائد القرب من الله، و جماع سعادة الحياة في الدنيا و العقبى.

قوله تعالى: ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللهِ ) (إلى آخر الآية) قال الراغب في مفردات القرآن: نقمت الشي‏ء (بالكسر) و نقمته (بالفتح) إذا أنكرته إمّا باللسان و إمّا بالعقوبة، قال تعالى:( وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ، وَ ما


نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ، هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ) (الآية) و النقمة: العقوبة قال تعالى:( فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ ) انتهى.

فمعنى قوله:( هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا ) إلخ هل تنكرون أو تكرهون منّا إلّا هذا الّذي تشاهدونه و هو أنّا آمنّا بالله و ما أنزله و أنّكم فاسقون؟ نظير قول القائل: هل تكره منّي إلّا أنّي عفيف و أنّك فاجر، و هل تنكر منّي إلّا أنّي غنيّ و أنّك فقير؟ إلى غير ذلك من موارد المقابلة و الازدواج فالمعنى: هل تنكرون منا إلّا أنّا مؤمنون و أنّ أكثركم فاسقون.

و ربّما قيل: إنّ قوله:( وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ) بتقدير لام التعليل و المعنى: هل تنقمون منّا إلّا لأنّ أكثركم فاسقون؟.

و قوله:( أَنْ آمَنَّا بِاللهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ ) في معنى ما اُنزل إلينا و إليكم، و لم ينسبه إليهم تعريضاً بهم كأنّهم إذا لم يفوا بما عاهدوا الله عليه و لم يعملوا بما تأمرهم به كتبهم فكتبهم لم تنزل إليهم و ليسوا بأهلها.

و محصّل المعنى: أنّا لا نفرّق بين كتاب و كتاب ممّا أنزله الله على رسله فلا نفرّق بين رسله، و فيه تعريض لهم أنّهم يفرّقون بين رسل الله و يقولون:( نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) كما كانوا يقولون:( آمِنُوا بِالّذي أُنْزِلَ عَلَى الّذينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَ اكْفُرُوا آخِرَهُ ) ، قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَ أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ) النساء: ١٥١.

قوله تعالى: ( قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ ) (إلى آخر الآية) ذكروا أنّ هذا أمر منه تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يخاطب اُولئك المستهزئين اللّاعبين بالدين على طريق التسليم أخذاً بالنصفة في التكليم ليلزمهم أنّهم إن نقموا من المؤمنين إيمانهم بالله و ما أنزله على رسله فعليهم أن ينقموا أنفسهم لأنّهم شرّ مكاناً و أضلّ عن سواء السبيل لابتلائهم باللعن الإلهيّ و المسخ بالقردة و الخنازير و عبادة الطاغوت فإذا لم ينقموا أنفسهم على ما فيهم من أسباب النقمة فليس لهم أن ينقموا من لم يبتل إلّا بما هو دونه في الشرّ، و هم المؤمنون في إيمانهم على تقدير تسليم أن يكون


إيمانهم بالله و كتبه شرّاً، و لن يكون شرّاً.

فالمراد بالمثوبة مطلق الجزاء، و لعلّها استعيرت للعاقبة و الصفة اللازمة كما يستفاد من تقييد قوله:( بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً ) بقوله:( عِنْدَ اللهِ ) فإنّ الّذي عندالله هو أمر ثابت غير متغيّر و قد حكم به الله و أمر به، قال تعالى:( وَ ما عِنْدَ اللهِ باقٍ ) النحل: ٩٦، و قال تعالى:( لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) الرعد: ٤١، فهذه المثوبة مثوبة لازمة لكونها عندالله سبحانه.

و في الكلام شبه قلب، فإنّ مقتضى استواء الكلام أن يقال: إنّ اللعن و المسخ و عبادة الطاغوت شرّ من الإيمان بالله و كتبه و أشدّ ضلالاً، دون أن يقال: إنّ من لعنه الله و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت شرّ مكاناً و أضلّ إلّا بوضع الموصوف مكان الوصف، و هو شائع في القرآن الكريم كقوله تعالى:( وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ ) (الآية).

و بالجملة فمحصّل المعنى أنّ إيماننا بالله و ما أنزله على رسله إن كان شرّاً عندكم فأنا اُخبركم بشرّ من ذلك يجب عليكم أن تنقموه و هو النعت الّذي فيكم.

و ربّما قيل: إنّ الإشارة بقوله:( ذلِكَ ) إلى جمع المؤمنين المدلول عليه بقوله:( هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ) و على هذا فالكلام على استوائه من غير قلب، و المعنى هل اُنبّئكم بمن هو شرّ من المؤمنين لتنقموهم؟ و هم أنتم أنفسكم، و قد ابتليتم باللعن و المسخ و عبادة الطاغوت.

و ربّما قيل: إنّ قوله:( مِنْ ذلِكَ ) إشارة إلى المصدر المدلول عليه بقوله:( هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا ) أي هل اُنبّئكم بشر من نقمتكم هذه مثوبة و جزاءً؟ هو ما ابتليتم به من اللعن و المسخ و غير ذلك.

قوله تعالى: ( وَ إِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) (إلى آخر الآية) يشير تعالى إلى نفاق قلوبهم و إضمارهم ما لا يرتضيه الله سبحانه في لقائهم المؤمنين فقال: و إذا جاؤكم قالوا آمنّا أي أظهروا الإيمان و الحال أنّهم قد دخلوا عليكم مع الكفر و قد خرجوا من عندكم بالكفر أي هم على حالة واحدة عند


الدخول و الخروج و هو الكفر لم يتغيّروا عنه و إنّما يظهرون الإيمان إظهاراً، و الحال أنّ الله يعلم ما كانوا يكتمونه سابقاً من الغدر و المكر.

فقوله:( وَ قَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) في معنى قولنا: لم يتغيّر حالهم في الكفر، و الضمير في قوله:( هُمْ قَدْ خَرَجُوا ) جي‏ء به للتأكيد، و إفادة تمييزهم في الأمر و تثبيت الكفر فيهم.

و ربّما قيل: إنّ المعنى أنّهم متحوّلون في أحوال الكفر المختلفة.

قوله تعالى: ( وَ تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) (إلى آخر الآية)، الظاهر أنّ المراد بالإثم هو الخوض في آيات الدين النازلة على المؤمنين و القول في معارف الدين بما يوجب الكفر و الفسوق على ما يشهد به ما في الآية التالية من قوله:( عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) .

و على هذا فالاُمور الثلاثة أعني الإثم و العدوان و أكل السحت تستوعب نماذج من فسوقهم في القول و الفعل، فهم يقترفون الذنب في القول و هو الإثم القوليّ، و الذنب في الفعل و هو إمّا فيما بينهم و بين المؤمنين و هو التعدّي عليهم، و إمّا عند أنفسهم كأكلهم السحت، و هو الربا و الرشوة و نحو ذلك ثمّ ذمّ ذلك منهم بقوله:( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) ثمّ أتبعه بتوبيخ الربّانيّين و الأحبار في سكوتهم عنهم و عدم نهيهم عن ارتكاب هذه الموبقات من الآثام و المعاصي و هم عالمون بأنّها معاص و ذنوب فقال:( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثمّ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) .

و ربّما أمكن أن يستفاد من قوله:( عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) عند تطبيقه على ما في الآية السابقة:( يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) حيث ترك العدوان في الآية الثانية أنّ الإثم و العدوان شي‏ء واحد، و هو تعدّي حدود الله سبحانه قولاً تجاه المعصية الفعليّة الّتي أنموذجها أكلهم السحت.

فيكون المراد بقوله:( يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ ) إراءة سيّئة قوليّة منهم و هي الإثم و العدوان، و سيّئة اُخرى فعليّة منهم و هي أكلهم السحت.


و المسارعة مبالغة في معنى السرعة و هي ضدّ البطء، و الفرق بين السرعة و العجلة على ما يستفاد من موارد استعمال الكلمتين أنّ السرعة أمسّ بعمل الأعضاء و العجلة بعمل القلب، نظير الفرق بين الخضوع و الخشوع، و الخوف و الخشية، قال الراغب في المفردات: السرعة ضدّ البطء، و يستعمل في الأجسام و الأفعال، يقال: سرع (بضم الراء) فهو سريع و أسرع فهو مسرع، و أسرعوا صارت إبلهم سراعاً نحو أبلدوا، و سارعوا و تسارعوا، انتهى.

و ربّما قيل: إنّ المسارعة و العجلة بمعنى واحد غير أنّ المسارعة أكثر ما يستعمل في الخير، و أنّ استعمال المسارعة في المقام - و إن كان مقام الذمّ و كانت العجلة أدلّ على الذمّ منها - إنّما هو للإشارة إلى أنّهم يستعملونها كأنّهم محقّون فيها، انتهى و لا يخلو عن بعد.

قوله تعالى: ( وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) كانت اليهود لا ترى جواز النسخ في الأحكام الدينيّة، و لذا كانت لا تقبل بنسخ التوراة و تعيّر المسلمين بنسخ الأحكام، و كذا كانت لا ترى جواز البداء في القضايا التكوينيّة على ما يتراءى من خلال الآيات القرآنيّة كما تقدّم الكلام فيه في تفسير قوله تعالى:( ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها ) الآية البقرة: ١٠٦، في الجزء الأوّل من هذا الكتاب و في موارد اُخر.

و الآية أعني قوله تعالى:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) تقبل الانطباق على قولهم هذا غير أنّ ظاهر قوله تعالى جوابا عنهم:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) يأبى عن ذلك، و يدلّ على أنّهم إنّما تكلّموا بهذه الكلمة الأثيمة في شي‏ء من أمر الرزق إمّا في خصوص المؤمنين لما في عامّتهم من الفقر الشامل و العسرة و ضيق المعيشة، و أنّهم إنّما قالوا هذا القول استهزاءً بالله سبحانه إيماءً إلى أنّه لا يقدر على إغناء عباده المؤمنين به و إنجائهم من الفقر و المذلّة، لكنّ هذا الوجه لا يناسب وقوع الآية في سورة المائدة إن كانت نازلة في مطاوي سائر آياتها فإنّ المسلمين كانوا يوم نزولها على خصب من العيش و سعة من الرزق و رفاهية من الحال.


و إمّا أنّهم إنّما قالوها لجدب أو غلاء أصابهم فضاقت بذلك معيشتهم، و نكدت حالهم، و اختلّ نظام حياتهم، كما ربّما يظهر من بعض ما ورد في أسباب النزول، و هذا الوجه أيضاً يأباه سياق الآيات فإنّ الظاهر أنّ الآيات إنّما تتعرّض لشتات أوصافهم فيما يعود إلى عدوانهم و مكرهم بالنسبة إلى المسلمين نقمة منهم لا ما صدر منهم من إثم القول عند أنفسهم.

و إمّا أنّهم إنّما تفوّهوا بذلك لما سمعوا أمثال قوله تعالى:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) البقرة: ٢٤٥، و قوله تعالى:( وَ أَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً ) المزمل: ٢٠، فقالوا: يد الله مغلولة لا يقدر على تحصيل ما ينفق في حوائجه لترويج دينه و إحياء دعوته. و قد قالوا ذلك سخريّة و استهزاءً على ما يظهر من بعض آخر ممّا ورد في أسباب النزول، و هذا الوجه أقرب إلى النظر.

و كيف كان فهذه النسبة أعني نسبة غلّ اليد و المغلوبيّة عند بعض الحوادث ممّا لا يأباه تعليمهم الدينيّ و الآراء الموجودة في التوراة فالتوراة تجوّز أن يكون الاُمور معجزاً لله سبحانه و صادّاً مانعاً له من إنفاذ بعض ما يريده من مقاصده كالأقوياء من الإنسان، يشهد بذلك ما تقصّه من قصص الأنبياء كآدم و غيره.

فعندهم من وجوه الاعتقاد ما يبيح لهم أن ينسبوا إليه تعالى ما لا يناسب ساحة قدسه و كبرياء ذاته جلتّ عظمته و إن كانت الكلمة إنّما صدرت منهم استهزاءً فإنّ لكلّ فعل مبادئ في الاعتقاد ينبعث إليه الإنسان منها و يتجرّأ بها.

و أمّا قوله:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا ) فهو دعاء عليهم بعذاب مشابه لما نسبوا إليه تعالى من النقص غير المناسب لساحة قدسه، و هو مغلوليّة اليد و انسلاب القدرة على ما يحبّه و يشاؤه، و على هذا فقوله:( وَ لُعِنُوا بِما قالُوا ) عطف تفسير على قوله:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) فإنّ مغلوليّة أيديهم مصداق لعنة الله عليهم إذ القول من الله سبحانه فعل، و لعنه تعالى أحداً إنّما هو تعذيبه بعذاب إمّا دنيويّ أو اُخرويّ فاللعن هو العذاب المساوي لغلّ أيديهم أو الأعمّ منه و من غيره.

و ربّما احتمل كون قوله:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ) إلخ إخباراً عن وقوع كلمة العذاب


و هو جزاء اجترائهم على الله سبحانه بقولهم:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) عليهم، و الوجه الأوّل أقرب من الفهم.

و أمّا قوله:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) فهو جواب عن قولهم:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) مضروب في قالب الإضراب.

و الجملة أعني قوله:( يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) كناية عن ثبوت القدرة، و هو شائع في الاستعمال.

و إنّما قيل:( يَداهُ ) بصيغة التثنية مع كون اليهود إنّما أتوا في قولهم:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) بصيغة الإفراد ليدلّ على كمال القدرة كما ربّما يستفاد من نحو قوله تعالى:( قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ) ص: ٧٥ لما فيه من الإشعار أو الدلالة على إعمال كمال القدرة، و نحو قولهم:( لا يدين بها لك) فإنّ ذلك مبالغة في نفي كلّ قدرة و نعمة.

و ربّما ذكروا لليد معاني مختلفة في اللغة غير الجارحة كالقدرة و القوّة و النعمة و الملك و غير ذلك، لكنّ الحقّ أنّ اللفظة موضوعة في الأصل للجارحة، و إنّما استعملت في غيرها من المعاني على نحو الاستعارة لكونها من الشؤون المنتسبة إلى الجارحة نوعاً من الانتساب كانتساب الإنفاق و الجود إلى اليد من حيث بسطها، و انتساب الملك إليها من حيث التصرّف و الوضع و الرفع و غير ذلك.

فما يثبته الكتاب و السنّة لله سبحانه من اليد يختلف معناه باختلاف الموارد كقوله تعالى:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) (الآية)، و قوله:( أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ص: ٧٥ يراد به القدرة و كمالها، و قوله:( بِيَدِكَ الْخَيْرُ ) آل عمران: ٢٦، و قوله:( فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) يس: ٨٣، و قوله:( تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ) الملك: ١، إلى غير ذلك يراد بها الملك و السلطة، و قوله:( لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ ) الحجرات: ١ يراد بها الحضور و نحوه.

و أمّا قوله:( يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) فهو بيان لقوله:( يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) .

قوله تعالى: ( وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً )


هذه الجملة و ما يتلوها إلى آخر الآية كلام مسرود لتوضيح قوله:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا ) على ما يعطيه السياق.

فأمّا قوله:( وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ) إلخ، فيشير إلى أنّ اجتراءهم على الله العظيم و تفوّههم بمثل قولهم:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) ليس من المستبعد منهم فإنّ القوم متلبّسون بالاعتداء و الكفر من قديم أيّامهم، و قد أورثهم ذلك البغي و الحسد، و لا يؤمن من هذه سجيّته إذا رأى أنّ الله فضّل غيره عليه بما لا يقدّر قدره من النعمة أن يزداد طغياناً و كفراً.

و اليهود كانت ترى لنفسها السيادة و التقدّم على الدنيا، و كانت تتسمّى بأهل الكتاب، و تتباهى بالربّانيّين و الأحبار، و تفتخر بالعلم و الحكمة، و تسمّي سائر الناس اُمّيّين، فإذا رأت قرآناً نازلاً على قوم كانت تتذلّل لعلمها و كتابها - كما كانت هي الحرمة المراعاة بينها و بين العرب في الجاهليّة - ثمّ أمعنت فيه فوجدته كتاباً إلهيّاً مهيمناً على ما تقدّم عليه من الكتب السماويّة، و مشتملاً على الحقّ الصريح و التعليم العالي و الهداية التامّة ثمّ أحسّت بما يتعقّبه من ذلّتها و استكانتها في نفس ما كانت تتعزّز و تتباهى به و هو العلم و الكتاب.

لا جرم تستيقظ من رقدتها، و تطغى عاديتها، و يزيد طغيانها و كفرها.

فنسبة زيادة طغيانهم و كفرهم إلى القرآن إنّما هي بعناية أنّ أنفسهم الباغية الحاسدة ثارت بالطغيان و الكفر بمشاهدة نزول القرآن و إدراك ما يتضمّنه من المعارف الحقّة و الدعوة الظاهرة.

على أنّ الله سبحانه ينسب الهداية و الإضلال في كتابه إلى نفسه كثيراً كقوله:( كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ) الإسراء: ٢٠ و قال في خصوص القرآن:( وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) الإسراء: ٨٢ و الإضلال أو ما يشبهه إنّما يعدّ مذموماً إذا كان إضلالاً ابتدائيّاً، و أمّا ما كان منه من قبيل الجزاء إثر فسق و معصية من الضالّ يوجب نزول السخط الإلهيّ عليه و يستدعي حلول ما هو أشدّ ممّا هو فيه من الضلال


فلا ضير في الإضلال بهذا المعنى و لا ذمّ يلحقه كما يشير إليه قوله:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦، و قوله:( فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ ) الصفّ: ٥.

و بالأخرة يعود معنى زيادة القرآن طغيانهم و كفرهم إلى سلب التوفيق و عدم تعلّق العناية الإلهيّة بردّهم ممّا هم فيه من الطغيان و الكفر بآيات الله إلى التسليم و الإيمان بإجابة الدعوة الحقّة، و قد تقدّم البحث عن هذا المعنى في تفسير قوله تعالى:( وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

و لنرجع إلى أوّل الكلام فقوله:( وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ) إلخ، كأنّه مسوق لرفع الاستبعاد و التعجّب الناشئ من اجتراء هؤلاء المتسمّين بأهل الكتاب، و المدّعين أنّهم أبناؤ الله و أحبّاؤه على ربّهم بمثل هذه الكلمة المهينة المزرية: (يد الله مغلولة).

و إنّ من المحتوم اللّازم لهم هذه الزيادة في الطغيان و الكفر الّتي هذه الكلمة من آثارها و سيتلوها آثار بعد آثار مشوهة، و هذا هو المستفاد من التأكيد المدلول عليه بلام القسم و نون التأكيد في قوله:( لَيَزِيدَنَّ ) .

و في تعقيب الطغيان بالكفر من غير عكس جرى على الترتيب الطبعيّ فإنّ الكفر من آثار الطغيان و تبعاته.

قوله تعالى: ( وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ ) ضمير بينهم راجع إلى اليهود على ما هو ظاهر وقوع الجملة في سياق الكلام على اليهود خاصّة و إن كانت الآيات بدأت الكلام في أهل الكتاب عامّة، و على هذا فالمراد بالعداوة و البغضاء بينهم ما يرجع إلى الاختلاف في المذاهب و الآراء، و قد أشار الله سبحانه إليه في مواضع من كلامه كقوله:( وَ لَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ - إلى أن قال -فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) الجاثية: ١٧ و غير ذلك من الآيات.

و العداوة كأنّ المراد بها البغض الّذي يستصحب التعدّي في العمل، و البغضاء هو مطلق ما في القلب من حالة النفار و إن لم يستعقب التعدّي في العمل فيفيد اجتماعهما معنى البغض الّذي يوجب الظلم على الغير و البغض الّذي يقصر عنه.


و في قوله تعالى:( إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ ) ما لا يخفى من الدلالة على بقاء اُمّتهم إلى آخر الدنيا.

قوله تعالى: ( كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ) إيقاد النار إشعالها، و إطفاؤها إخمادها، و المعنى واضح، و من المحتمل أن يكون قوله:( كُلَّما أَوْقَدُوا ) إلخ بياناً لقوله:( وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ ) إلخ فيعود المعنى إلى أنّه كلّما أثاروا حرباً على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و المؤمنين أطفأها الله بإلقاء الاختلاف بينهم.

و الآية على ما يدلّ عليه السياق تسجّل عليهم خيبة المسعى في إيقاد النيران الّتي يوقدونها على دين الله سبحانه، و على المسلمين بما أنّهم مؤمنون بالله و آياته، و أمّا الحروب الّتي ربّما أمكن أن يوقدوا نارها لا لأمر الدين الحقّ بل لسياسة أو تغلّب جنسيّ أو ملّيّ فهي خارجة عن مساق الآية.

قوله تعالى: ( وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَ اللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) السعي هو السير السريع، و قوله:( فَساداً ) مفعول له أي يجتهدون لإفساد الأرض، و الله لا يحبّ المفسدين فلا يخلّيهم و أن ينالوا ما أرادوه من فساد الأرض فيخيب سعيهم، و الله أعلم.

فهذا كلّه بيان لكونهم غلّت أيديهم و لعنوا بما قالوا، حيث إنّهم غير نائلين ما قصدوه من إثارة الحروب على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و المسلمين، و ما اجتهدوا لأجله من فساد الأرض.

قوله تعالى: ( وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ ) إلخ عود إلى حال أهل الكتاب عامّة كما كان بدأ الكلام فيهم عامّة، و ختم الكلام بتخليص القول في ما فاتهم من نعمة السعادة في الآخرة و الدنيا، و هي جنّة النعيم و نعمة الحياة السعيدة.

و المراد بالتقوى بعد الإيمان التورّع عن محارم الله و اتّقاء الذنوب الّتي تحتم السخط الإلهيّ و عذاب النار، و هي الشرك بالله و سائر الكبائر الموبقة الّتي أوعد الله عليها النار، فيكون المراد بالسيّئات الّتي وعد الله سبحانه تكفيرها الصغائر من الذنوب، و ينطبق على قوله سبحانه:( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً ) النساء: ٣١.


قوله تعالى: ( وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) المراد بالتوراة و الإنجيل الكتابان السماويّان اللّذان يذكر القرآن أنّ الله أنزلهما على موسى و عيسىعليهما‌السلام دون ما بأيدي القوم من الكتب الّتي يذكر أنّه لعبت بها يد التحريف.

و الظاهر أنّ المراد بما اُنزل إليهم من ربّهم سائر الكتب المنسوبة إلى الأنبياء الموجودة عندهم كمزامير داود الّذي يسمّيه القرآن بالزبور، و غيره من الكتب.

و أمّا احتمال أن يكون المراد به القرآن فيبعّده أنّ القرآن نسخ بأحكامه شرائع التوراة و الإنجيل فلا وجه لعدّهما معه و تمنّي أن يكونوا أقاموهما مع القرآن الناسخ لهما، و القول بأنّ العمل بالقرآن عمل بهما أيضاً، كما أنّ العمل بالأحكام الناسخة في الإسلام عمل بمجموع شرائع الإسلام المتضمّنة للناسخ و المنسوخ جميعاً لكون دين الله واحداً لا يزاحم بعضه بعضاً، غاية الأمر أنّ بعض الأحكام مؤجّلة موقوتة من غير تناقض يدفعه أنّ الله سبحانه عبّر عن هذا العمل بالإقامة و هي حفظ الشي‏ء على ساق، و لا يلائم ذلك الأحكام المنسوخة بما هي منسوخة، فإقامة التوراة و الإنجيل إنّما يصحّ حين كانت الشريعتان لم تنسخا بشريعة اُخرى، و الإنجيل لم ينسخ شريعة التوراة إلّا في اُمور يسيرة.

على أنّ قوله تعالى:( وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ ) يعدّهم منزلاً إليهم، و غير معهود من كلامه تعالى أن يذكر أنّ القرآن نزل إليهم.

فالظاهر أنّ المراد بما اُنزل إليهم من ربّهم بعد التوراة و الإنجيل سائر الكتب و أقسام الوحي المنزلة على أنبياء بني إسرائيل كزبور داود و غيره، و المراد بإقامة هذه الكتب حفظ العمل العامّ بما فيها من شرائع الله تعالى، و الاعتقاد بما بيّن الله تعالى فيها من معارف المبدأ و المعاد من غير أن يضرب عليها بحجب التحريف و الكتمان و الترك الصريح، فلو أقاموها هذه الإقامة لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم.


و أمّا قوله تعالى:( لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) فالمراد بالأكل التنعّم مطلقاً سواء كان بالأكل كما في مورد الأغذية أو بغيره كما في غيره، و استعمال الأكل في مطلق التصرّف و التنعّم من غير مزاحم شائع في اللغة.

و المراد من فوقهم هو السماء، و من تحت أرجلهم هو الأرض، فالجملة كناية عن تنعّمهم بنعم السماء و الأرض و إحاطة بركاتهما عليهم نظير ما وقع في قوله تعالى:( وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى‏ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ، وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) الأعراف: ٩٦.

و الآية من الدليل على أنّ لإيمان هذا النوع أعني نوع الإنسان و أعماله الصالحة تأثيراً في صلاح النظام الكونيّ من حيث ارتباطه بالنوع الإنسانيّ فلو صلح هذا النوع صلح نظام الدنيا من حيث إيفائه باللّازم لحياة الإنسان السعيدة من اندفاع النقم و وفور النعم.

و يدلّ على ذلك آيات اُخرى كثيرة في القرآن بإطلاق لفظها كقوله تعالى:( ظَهَرَ الْفَسادُ فِي البرّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ ) الروم: ٤٢ و قوله تعالى:( وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) الشورى: ٣٠ إلى غير ذلك و قد تقدّم بعض ما يتعلّق به من الكلام في البحث عن أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

قوله تعالى: ( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) الاقتصاد أخذ القصد و هو التوسّط في الاُمور فالاُمّة المقتصدة هي المعتدلة في أمر الدين و التسليم لأمر الله.

و الكلام مستأنف اُريد به بيان حال جميع ما نسب إليهم من التعدّي عن حدود الله و الكفر بآيات الله و نزول السخط و اللعن على جماعتهم أنّ ذلك كلّه إنّما تلبّس به أكثرهم و هو المصحّح لنسبة هذه الفظائع إليهم و أنّ منهم اُمّة معتدلة ليست على هذا النعت و هذا من نصفة الكلام الإلهيّ حيث لا يضيّع حقّاً من الحقوق و يراقب إحياء أمر الحقّ و إن كان قليلاً.


و قد تعرّض لذلك أيضاً في مطاوي الآيات السابقة لكن لا بهذه المثابة من التصريح كقوله:( وَ أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ ) و قوله:( وَ تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ ) إلخ و قوله:( وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ ربّك طُغْياناً وَ كُفْراً ً ) .

( بحث روائي‏)

في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَ إِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمنّا ) الآية قال: نزلت في عبدالله بن اُبيّ لما أظهر الإسلام و قد دخلوا بالكفر.

أقول: ظاهر السياق أنّها نازلة في أهل الكتاب لا في المنافقين إلّا أن تكون نزلت وحدها.

و فيه في قوله تعالى:( وَ هُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ ) الآية قال: قال: قد خرجوا به من الإيمان.

و في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن عمر بن رياح عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: قلت له: بلغني أنّك تقول: من طلّق لغير السنّة أنّك لا ترى طلاقه شيئاً؟ فقال أبوجعفرعليه‌السلام : ما أقول بل الله عزّوجلّ يقوله، أمّا و الله لو كنّا نفتيكم بالجور لكنّا شرّاً منكم! إنّ الله يقول:( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثمّ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ‏ ) .

و في تفسير العيّاشيّ، عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : إنّ عمر بن رياح زعم أنّك قلت: لا طلاق إلّا ببيّنة؟ قال: فقال: ما أنا قلته بل الله تبارك و تعالى يقول: أمّا و الله لو كنّا نفتيكم بالجور لكنّا أشرّ منكم! إنّ الله يقول:( لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ ) .

و في مجالس الشيخ، بإسناده عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله تعالى:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) فقال: كانوا يقولون: قد فرغ من الأمر.


أقول: و روى هذا المعنى العيّاشيّ في تفسيره عن يعقوب بن شعيب و عن حمّاد عنهعليه‌السلام .

و في تفسير القمّيّ قال: قالوا: قد فرغ الله من الأمر لا يحدث غير ما قدّره في التقدير الأوّل، فردّ الله عليهم فقال:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ) أي يقدّم و يؤخّر، و يزيد و ينقص و له البداء و المشيّة.

أقول: و روى هذا المعنى الصدوق في المعاني، بإسناده عن إسحاق بن عمّار عمّن سمعه عن الصادقعليه‌السلام .

و في تفسير العيّاشيّ، عن هشام المشرقيّ عن أبي الحسن الخراسانيّعليه‌السلام قال: إنّ الله كما وصف نفسه أحد صمد نور، ثمّ قال:( بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ ) فقلت له: أ فله يدان هكذا؟ - و أشرت بيدي إلى يده - فقال: لو كان هكذا كان مخلوقاً.

أقول: و رواه الصدوق في العيون، بإسناده عن المشرقيّ عنهعليه‌السلام .

و في المعاني، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سألت جعفراًعليه‌السلام فقلت: قوله عزّوجلّ:( يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) ؟ قال: اليد في كلام العرب القوّة و النعمة قال:( وَ اذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ، وَ السَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ - أي بقوّة -وَ إِنَّا لَمُوسِعُونَ ) قال:( وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) قال: أي قوّاهم، و يقال: لفلان عندي يد بيضاء أي نعمة.

و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ) (الآية): يعني اليهود و النصارى( لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) قال: قال: من فوقهم المطر، و من تحت أرجلهم النبات.

و في تفسير العيّاشيّ في قوله تعالى:( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) (الآية) عن أبي الصهباء الكبرىّ قال: سمعت عليّ بن أبي طالب دعا رأس الجالوت و اُسقفّ النصارى فقال: إنّي سائلكما عن أمر و أنا أعلم به منكما فلا تكتما ثمّ دعا اُسقفّ النصارى فقال: اُنشدك بالله الّذي أنزل الإنجيل على عيسى، و جعل على رجله البركة، و كان يبرئ الأكمة و الأبرص، و أزال ألم العين، و أحيا الميّت، و صنع لكم من الطين طيوراً،


و أنبأكم بما تأكلون و ما تدّخرون فقال: دون هذا أصدق.

فقال عليّعليه‌السلام : بكم افترقت بنو إسرائيل بعد عيسى؟ فقال: لا و الله و لا فرقة واحدة فقال عليّعليه‌السلام : كذبت و الله الّذي لا إله إلّا هو لقد افترقت على اثنين و سبعين فرقة كلّها في النار إلّا فرقة واحدة إنّ الله يقول:( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) فهذه الّتي تنجو.

و فيه، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: تفرّقت اُمّة موسى على إحدى و سبعين فرقة، سبعون منها في النار و واحدة في الجنّة، و تفرّقت اُمّة عيسى على اثنتين و سبعين فرقة، إحدى و سبعون في النار و واحدة في الجنّة، و تعلو اُمّتي على الفرقتين جميعاً بملّة واحدة في الجنّة و اثنتان و سبعون في النار، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: الجماعات، الجماعات.

و فيه،: قال يعقوب بن يزيد: كان عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام إذا حدّث هذا الحديث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلا فيه قرآناً:( وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ إلى قوله ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) ، و تلا أيضاً:( وَ مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ ) يعني اُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


( سورة المائدة آية ٦٧)

يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( ٦٧)

( بيان)

معنى الآية في نفسها ظاهر فإنّها تتضمّن أمر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتبليغ في صورة التهديد، و وعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعصمة من الناس، غير أنّ التدبّر في الآية من حيث وقوعها موقعها الّذي وقعت فيه، و قد حفّفتها الآيات المتعرّضة لحال أهل الكتاب و ذمّهم و توبيخهم بما كانوا يتعاورونه من أقسام التعدّي إلى محارم الله و الكفر بآياته. و قد اتّصلت بها من جانبيها الآيتان، أعني قوله:( وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ) (الآية)، و قوله تعالى:( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) (الآية).

ثمّ الإمعان في التدبّر في نفس الآية و ارتباط الجمل المنضودة فيها يزيد الإنسان عجباً على عجب.

فلو كانت الآية متّصلة بما قبلها و ما بعدها في سياق واحد في أمر أهل الكتاب لكان محصّلها أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشدّ الأمر بتبليغ ما أنزله الله سبحانه في أمر أهل الكتاب، و تعيّن بحسب السياق أنّ المراد بما أنزل إليه من ربّه هو ما يأمره بتبليغه في قوله:( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) (الآية).

و سياق الآية يأباه فإنّ قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) يدلّ على أنّ هذا


الحكم المنزل المأمور بتبليغه أمر مهّم فيه مخافة الخطر على نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو على دين الله تعالى من حيث نجاح تبليغه، و لم يكن من شأن اليهود و لا النصارى في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يتوجّه إليه من ناحيتهم خطر يسوّغ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يمسك عن التبليغ أو يؤخّره إلى حين فيبلغ الأمر إلى حيث يحتاج إلى أن يعده الله بالعصمة منهم إن بلّغ ما اُمر به فيهم حتّى في أوائل هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة و عنده حدّة اليهود و شدّتهم حتّى انتهى إلى وقائع خيبر و غيرها.

على أنّ الآية لا تتضمّن أمراً شديداً و لا قولاً حادّاً، و قد تقدّم عليه تبليغ ما هو أشدّ و أحدّ و أمرّ من ذلك على اليهود، و قد اُمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتبليغ ما هو أشدّ من ذلك كتبليغ التوحيد و نفي الوثنيّة إلى كفّار قريش و مشركي العرب و هم أغلظ جانباً و أشدّ بطشاً و أسفك للدماء، و أفتك من اليهود و سائر أهل الكتاب، و لم يهدّده الله في أمر تبليغهم و لا آمنه بالعصمة منهم.

على أنّ الآيات المتعرّضة لحال أهل الكتاب معظم أجزاء سورة المائدة فهي نازلة فيها قطعاً، و اليهود كانت عند نزول هذه السورة قد كسرت سورتهم، و خمدت نيرانهم، و شملتهم السخطة و اللعنة كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله فلا معنى لخوف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم في دين الله، و قد دخلوا يومئذ في السلم في حظيرة الإسلام و قبلوا هم و النصارى الجزية، و لا معنى لتقريره تعالى له خوفه منهم و اضطرابه في تبليغ أمر الله إليهم، و هو أمر قد بلّغ إليهم ما هو أعظم منه، و قد وقف قبل هذا الموقف فيما هو أهول منه و أوحش.

فلا ينبغي الارتياب في أنّ الآية لا تشارك الآيات السابقة عليها و اللّاحقة لها في سياقها، و لا تتّصل بها في سردها، و إنّما هي آية مفردة نزلت وحدها.

و الآية تكشف عن أمر قد اُنزل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (إمّا مجموع الدين أو بعض أجزائه) و كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاف الناس من تبليغه و يؤخّره إلى حين يناسبه، و لو لا مخافته و إمساكه لم يحتج إلى تهديده بقوله:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) كما وقع في آيات أوّل البعثة الخالية عن التهديد كقوله تعالى:( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي


خَلَقَ ) إلى آخر سورة العلق، و قوله:( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ) المدّثّر: ٢، و قوله:( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَ اسْتَغْفِرُوهُ وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ) حم السجدة: ٦، إلى غير ذلك.

فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخافهم و لم يكن مخافته من نفسه في جنب الله سبحانه فهو أجلّ من أن يستنكف عن تفدية نفسه أو يبخل في شي‏ء من أمر الله بمهجته فهذا شي‏ء تكذّبه سيرته الشريفة و مظاهر حياته، على أنّ الله شهد في رسله على خلاف ذلك كما قال تعالى:( ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَ كَفى‏ بِاللهِ حَسِيباً ) الأحزاب: ٣٩ و قد قال تعالى في أمثال هذه الفروض:( فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران: ١٧٥، و قد مدح الله سبحانه طائفة من عباده بأنّهم لم يخشوا الناس في عين أنّ الناس خوّفوهم فقال:( الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ ) آل عمران: ١٧٣.

و ليس من الجائز أن يقال: إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخاف على نفسه أن يقتلوه فيبطل بذلك أثر الدعوة و ينقطع دابرها فكان يعوّقه إلى حين ليس فيه هذه المفسدة فإنّ الله سبحانه يقول لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ) آل عمران: ١٢٨، لم يكن الله سبحانه يعجزه لو قتلوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحيي دعوته بأيّ وسيلة من الوسائل شاء، و بأيّ سبب أراد.

نعم من الممكن أن يقدّر لمعنى قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاف الناس في أمر تبليغه أن يتّهموه بما يفسد به الدعوة فساداً لا تنجح معه أبداً فقد كان أمثال هذا الرأي و الاجتهاد جائزاً له مأذوناً فيه من دون أن يرجع معنى الخوف إلى نفسه بشي‏ء.

و من هنا يظهر أنّ الآية لم تنزل في بدء البعثة كما يراه بعض المفسّرين إذ لا معنى حينئذ لقوله تعالى:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) إلّا أن يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يماطل في إنجاز التبليغ خوفاً من الناس على نفسه أن يقتلوه فيحرم الحياة أو أن يقتلوه و يذهب


التبليغ باطلاً لا أثر له فإنّ ذلك كلّه لا سبيل إلى احتماله.

على أنّ المراد بما اُنزل إليه من ربّه لو كان أصل الدين أو مجموعة في الآية عاد معنى قوله:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) إلى نحو قولنا: يا أيّها الرسول بلّغ الدين و إن لم تبلّغ الدين فما بلّغت الدين.

و أمّا جعله من قبيل قول أبي النجم:

أنا أبو النجم و شعري شعري

كما ذكره بعضهم أنّ معنى الآية: و إن لم تبلّغ الرسالة فقد لزمك شناعة القصور في التبليغ و الإهمال في المسارعة إلى ايتمار ما أمرك به الله سبحانه، و أكّده عليك كما أنّ معنى قول أبي النجم: أنّي أنا أبوالنجم و شعري شعري المعروف بالبلاغة المشهور بالبراعة.

فإنّ ذلك فاسد لأنّ هذه الصناعة الكلاميّة إنّما تصحّ في موارد العامّ و الخاصّ و المطلق و المقيّد و نظائر ذلك فيفاد بهذا السياق اتّحادهما كقول أبي النجم: شعري شعري أي لا ينبغي أن يتوهّم علىّ متوهّم أن قريحتي كلّت أو أنّ الحوادث أعيتني أن أقول من الشعر ما كنت أقوله فشعري الّذي أقول اليوم هو شعري الّذي كنت أقوله بالأمس.

و أمّا قوله تعالى:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) فليس يجري فيه مثل هذه العناية فإنّ الرسالة الّتي هي مجموع الدين أو أصله على تقدير نزول الآية في أوّل البعثة أمر واحد غير مختلف و لا متغيّر حتّى يصحّ أن يقال: إن لم تبلغ هذه الرسالة فما بلّغت تلك الرسالة أو لم تبلّغ أصل الرسالة فإنّ المفروض أنّه أصل الرسالة الّتي هي مجموع المعارف الدينيّة.

فقد تبيّن أنّ الآية بسياقها لا تصلح أن تكون نازلة في بدء البعثة و يكون المراد فيها بما اُنزل إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مجموع الدين أو أصله، و يتبيّن بذلك أنّها لا تصلح أن تكون نازلة في خصوص تبليغ مجموع الدين أو أصله في أيّ وقت آخر غير بدء البعثة فإنّ الإشكال إنّما ينشؤ من جهة لزوم اللغو في قوله تعالى:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) كما مرّ.


على أنّ قوله:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) لا يلائم النزول في أيّ وقت آخر غير بدء البعثة على تقدير إرادة الرسالة بمجموع الدين أو أصله، و هو ظاهر.

على أنّ محذور دلالة قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يخاف الناس في تبليغه على حاله.

فظهر أن ليس هذا الأمر الّذي اُنزل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أكّدت الآية تبليغه هو مجموع الدين أو أصله على جميع تقاديره المفروضة، فلنضع أنّه بعض الدين، و المعنى: بلغ الحكم الّذي اُنزل إليك من ربّك و إن لم تفعل فما بلّغت رسالته إلخ، و لازم هذا التقدير أن يكون المراد بالرسالة مجموع ما حمّله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الدين و رسالته، و إلّا فالمحذور السابق و هو لزوم اللّغو في الكلام على حاله إذ لو كان المراد بقوله:( رِسالَتَهُ ) الرسالة الخاصّة بهذا الحكم كان المعنى: بلّغ هذا الحكم و إن لم تبلّغه فما بلّغته، و هو لغو ظاهر.

فالمراد أن بلّغ هذا الحكم و إن لم تبلّغه فما بلّغت أصل رسالته أو مجموعها، و هو معنى صحيح معقول، و حينئذ يرد الكلام نظير المورد الّذي ورده قول أبي النجم:( أنا أبوالنجم و شعري شعري) .

و أمّا كون هذا الحكم بحيث لو لم يبلّغ فكأنّما لم تبلّغ الرسالة فإنّما ذلك لكون المعارف و الأحكام الدينيّة مرتبطة بعضها ببعض بحيث لو اُخلّ بأمر واحد منها اُخلّ بجميعها و خاصّة في التبليغ لكمال الارتباط، و هذا التقدير و إن كان في نفسه ممّا لا بأس به لكن ذيل الآية و هو قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) لا يلائمه فإنّ هذا الّذيل يكشف عن أنّ قوماً كافرين من الناس همّوا بمخالفة هذا الحكم النازل أو كان المترقّب من حالهم أنّهم سيخالفونه مخالفة شديدة، و يتّخذون أيّ تدبير يستطيعونه لإبطال هذه الدعوة و تركه سدى لا يؤثّر أثراً و لا ينفع شيئاً و قد وعد الله رسوله أن يعصمه منهم، و يبطل مكرهم، و لا يهديهم في كيدهم.

و لا يستقيم هذا المعنى مع أيّ حكم نازل فرض فإنّ المعارف و الأحكام الدينيّة


في الإسلام ليست جميعاً في درجة واحدة ففيها الّتي هي عمود الدين، و فيها الدعاء عند رؤية الهلال، و فيها زنى المحصن و فيها النظر إلى الأجنبيّة، و لا يصحّ فرض هذه المخافة من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و الوعد بالعصمة من الله مع كلّ حكم حكم منها كيفما كان بل في بعض الأحكام.

فليس استلزام عدم تبليغ هذا الحكم لعدم تبليغ غيره من الأحكام إلّا لمكان أهمّيّته و وقوعه من الأحكام في موقع لو اُهمل أمره كان ذلك في الحقيقة إهمالاً لأمر سائر الأحكام، و صيرورتها كالجسد العادم للروح الّتي بها الحياة الباقية و الحسّ و الحركة، و تكون الآية حينئذ كاشفة عن أنّ الله سبحانه كان قد أمر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحكم يتمّ به أمر الدين و يستوي به على عريشة القرار، و كان من المترقّب أن يخالفه الناس و يقلّبوا الأمر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث تنهدم أركان ما بناه من بنيان الدين و تتلاشى أجزاؤه، و كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتفرّس ذلك و يخافهم على دعوته فيؤخّر تبليغه إلى حين بعد حين ليجد له ظرفاً صالحاً و جوّاً آمنّا عسى أن تنجح فيه دعوته، و لا يخيب مسعاه فأمره الله تعالى بتبليغ عاجل، و بيّن له أهمّيّة الحكم، و وعده أن يعصمه من الناس، و لا يهديهم في كيدهم، و لا يدعهم يقلّبوا له أمر الدعوة.

و إنّما يتصوّر تقليب أمر الدعوة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إبطال عمله بعد انتشار الدعوة الإسلاميّة لا من جانب المشركين و وثنيّة العرب أو غيرهم كأن تكون الآية نازلة في مكّة قبل الهجرة، و تكون مخافة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الناس من جهة افترائهم عليه و اتّهامهم إيّاه في أمره كما حكاه الله سبحانه من قولهم:( مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ) الدخان: ١٤. و قولهم:( شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ) الطور: ٣٠ و قولهم:( ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) الذاريات: ٥٢، و قولهم:( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً ) الإسراء: ٤٧ و قولهم:( إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) المدّثّر: ٢٤ و قولهم:( أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى‏ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا ) الفرقان: ٥ و قولهم:( إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) النحل: ١٠٣ و قولهم:( أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى‏ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ يُرادُ ) ص: ٦ إلى غير ذلك من أقاويلهم فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


فهذه كلّها ليست ممّا يوجب وهن قاعدة الدين، و إنّما تدلّ - إذا دلّت - على اضطراب القوم في أمرهم، و عدم استقامتهم فيه على أنّ هذه الافتراءات و المرامي لا تختصّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يضطرب عند تفرّسها و يخاف وقوعها فسائر الأنبياء و الرسل يشاركونه في الابتلاء بهذه البلايا و المحن، و مواجهة هذه المكاره من جملة اُممهم كما حكاه الله تعالى عن نوح و من بعده من الأنبياء المذكورين في القرآن.

بل إن كان شي‏ء - و لا بدّ - فإنّما يتصوّر بعد الهجرة و استقرار أمر الدين في المجتمع الإسلامي و المسلمون كالمعجون الخليط من صلحاء مؤمنين و قوم منافقين اُولي قوّة لا يستهان بأمرهم، و آخرين في قلوبهم مرض و هم سمّاعون - كما نصّ عليه الكتاب العزيز - و هؤلاء كانوا يعاملون مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - في عين أنّهم آمنوا به واقعاً أو ظاهراً - معاملة الملوك، و مع دين الله معاملة القوانين الوضعيّة القوميّة كما يشعر بذلك طوائف من آيات الكتاب قد تقدّم تفسير بعضها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب(١) .

فكان من الممكن أن يكون تبليغ بعض الأحكام ممّا يوقع في الوهم انتفاع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتشريعه و إجرائه يستوجب أن يقع في قلوبهم أنّه ملك في صورة النبوّة و قانون ملكيّ في هيئة الدين كما ربّما وجد بعض شواهد ذلك في مطاوي كلمات بعضهم(٢) .

و هذه شبهة لو كانت وقعت هي أو ما يماثلها في قلوبهم ألقت إلى الدين من الفساد و الضيعة ما لا يدفعه أيّ قوّة دافعة، و لا يصلحه أيّ تدبير مصلح فليس هذا الحكم النازل المأمور بتبليغه إلّا حكماً فيه توهّم انتفاع للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و اختصاص له بمزيّة من‏ المزايا الحيويّة لا يشاركه فيها غيره من سائر المسلمين، نظير ما في قصّة زيد و تعدّد الأزواج و الاختصاص بخمس الغنائم و نظائر ذلك.

غير أنّ الخصائص إذا كانت ممّا لا تمسّ فيه عامّة المسلمين لم يكن من طبعها إثارة الشبهة في القلوب فإنّ الازدواج بزوجة المدعوّ ابناً مثلاً لم يكن يختصّ به

____________________

(١) كآيات قصّة أحد في صورة آل عمران، و الآيات ال ١٠٥ - ١٢٦ من سورة النساء.

(٢) كما يذكر عن أبي سفيان في كلمات قالها في مجلس عثمان حينما تمّ له أمر الخلافة.


و الازدواج بأكثر من أربع نسوة لو كان تجويزه لنفسه عن هوى بغير إذن الله سبحانه لم يكن يمنعه أن يجوّز مثل ذلك لسائر المسلمين، و سيرته في إيثار المسلمين على نفسه في ما كان يأخذه لله و لنفسه من الأموال و نظائر هذه الاُمور لا تدع ريباً لمرتاب و لا يشتبه أمرها لمشتبه دون أن تزول الشبهة.

فقد ظهر من جميع ما تقدّم أنّ الآية تكشف عن حكم نازل فيه شوب انتفاع للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و اختصاصه بمزيّة حيويّة مطلوبة لغيره أيضاً يوجب تبليغه و العمل به حرمان الناس عنه فكان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاف إظهاره فأمره الله بتبليغه و شدّد فيه، و وعده العصمة من الناس و عدم هدايتهم في كيدهم إن كادوا فيه.

و هذا يؤيّد ما وردت به النصوص من طرق الفريقين أنّ الآية نزلت في أمر ولاية عليّعليه‌السلام ، و أنّ الله أمر بتبليغها و كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخاف أن يتّهموه في ابن عمّه، و يؤخّر تبليغها وقتاً إلى وقت حتّى نزلت الآية فبلّغها بغدير خمّ، و قال فيه: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه.

و كون ولاية أمر الاُمّة ممّا لا غنى للدين عنه ظاهر لا ستر عليه، و كيف يسوغ لمتوهّم أن يتوهّم أنّ الدين الّذي يقرّر بسعته لعامّة البشر في عامّة الأعصار و الأقطار جميع ما يتعلّق بالمعارف الأصليّة، و الاُصول الخلقيّة، و الأحكام الفرعيّة العامّة لجميع حركات الإنسان و سكناته، فرادى و مجتمعين على خلاف جميع القوانين العامّة لا يحتاج إلى حافظ يحفظه حقّ الحفظ؟ أو أنّ الاُمّة الإسلاميّة و المجتمع الدينيّ مستثنى من بين جميع المجتمعات الإنسانيّة مستغنية عن وال يتولّى أمرها و مدبّر يدبّرها و مجر يجريها؟ و بأيّ عذر يمكن أن يعتذر إلى الباحث عن سيرة النبيّ الاجتماعيّة؟ حيث يرى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا خرج إلى غزوة خلّف مكانه رجلاً يدير رحى المجتمع، و قد خلّف عليّاً مكانه على المدينة عند مسيره إلى تبوك فقال: يا رسول الله أتخلّفني على النساء و الصبيان؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟

و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينصب الولاة الحكّام في ما بيد المسلمين من البلاد كمكّة و الطائف


و اليمن و غيرها، و يؤمرّ رجالاً على السرايا و الجيوش الّتي يبعثها إلى الأطراف، و أيّ فرق بين زمان حياته و ما بعد مماته دون أنّ الحاجة إلى ذلك بعد غيبته بالموت أشدّ، و الضرورة إليه أمسّ ثمّ أمسّ.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) خاطبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرسالة لكونها أنسب الصفات إلى ما تتضمّنه الآية من الأمر بالتبليغ لحكم الله النازل فهو كالبرهان على وجوب التبليغ الّذي تظهره الآية و تقرعه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّ الرسول لا شأن له إلّا تبليغ ما حمّل من الرسالة فتحمّل الرسالة يفرض عليه القيام بالتبليغ.

و لم يصرّح باسم هذا الّذي اُنزل إليه من ربّه بل عبّر عنه بالنعت و أنّه شي‏ء اُنزل إليه، إشعاراً بتعظيمه و دلالة على أنّه أمر ليس فيه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صنع، و لا له من أمره شي‏ء ليكون كبرهان آخر على عدم خيرة منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتمانه و تأخير تبليغه، و يكون له عذراً في إظهاره على الناس، و تلويحاً إلى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مصيب في ما تفرّسه منهم و تخوّف عليه، و إيماءً إلى أنّه ممّا يجب أن يظهر من ناحيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و بلسانه و بيانه.

قوله تعالى: ( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) المراد بقوله:( رِسالَتَهُ ) و قرئ( رسالاته) كما تقدّم مجموع رسالات الله سبحانه الّتي حمّلها رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و قد تقدّم أنّ الكلام يفيد أهمّيّة هذا الحكم المرموز إليه، و أنّ له من المكانة ما لو لم يبلّغه كأن لم يبلّغ شيئاً من الرسالات الّتي حمّلها.

فالكلام موضوع في صورة التهديد، و حقيقته بيان أهمّيّة الحكم، و أنّه بحيث لو لم يصل إلى الناس، و لم يراع حقّه كان كأن لم يراع حقّ شي‏ء من أجزاء الدين فقوله:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ ) جملة شرطيّة سيقت لبيان أهمّيّة الشرط وجوداً و عدماً لترتّب الجزاء الأهمّ عليه وجوداً و عدماً.

و ليست شرطيّة مسوقة على طبع الشرطيّات الدائرة عندنا فإنّا نستعمل( إن ) الشرطيّة طبعاً فيما نجهل تحقّق الجزاء للجهل بتحقّق الشرط، و حاشا ساحة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


من أن يقدّر القرآن في حقّه احتمال أن يبلّغ الحكم النازل عليه من ربّه و أن لا يبلّغ، و قد قال تعالى:( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ ) الأنعام: ١٢٤.

فالجملة أعني قوله:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ ) إلخ، إنّما تفيد التهديد بظاهرها و تفيد إعلامهعليه‌السلام و إعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمّيّة، و أنّ الرسول معذور في تبليغه.

قوله تعالى: ( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) قال الراغب: العصم (بالفتح فالسكون) الإمساك و الاعتصام الاستمساك - إلى أن قال - و العصام (بالكسر) ما يعتصم به أي يشدّ، و عصمة الأنبياء حفظه إيّاهم أوّلاً بما خصّهم به من صفاء الجوهر، ثمّ بما أولاهم من الفضائل الجسميّة و النفسيّة، ثمّ بالنصرة و بتثبيت أقدامهم، ثمّ بإنزال السكينة عليهم و بحفظ قلوبهم و بالتوفيق قال تعالى:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

و العصمة شبه السوار، و المعصم موضعها من اليد، و قيل للبياض بالرسغ عصمة تشبيهاً بالسوار، و ذلك كتسمية البياض بالرجل تحجيلاً، و على هذا قيل: غراب أعصم، انتهى.

و ما ذكره من معنى عصمة الأنبياء حسن لا بأس به غير أنّه لا ينطبق على الآية( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) بل لو انطبق فإنّما ينطبق على مثل قوله:( وَ ما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) النساء: ١١٣.

و أمّا قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فإنّ ظاهره أنّها عصمة بمعنى الحفظ و الوقاية من شرّ الناس المتوجّه إلى نفس النبيّ الشريفة أو مقاصده الدينيّة أو نجاح تبليغه و فلاح سعيه، و بالجملة المعنى المناسب لساحته المقدّسة.

و كيف كان فالمتحصّل من موارد استعمال الكلمة أنّها بمعنى الإمساك و القبض فاستعماله في معنى الحفظ من قبيل استعارة اللازم لملزومه فإنّ الحفظ يلزمه القبض.


و كان تعليق العصمة بالناس من دون بيان أنّ العصمة من أيّ شأن من شؤون الناس كتعدّياتهم بالإيذاء في الجسم من قتل أو سمّ أو أيّ اغتيال، أو بالقول كالسّب و الافتراء، أو بغير ذلك كتقليب الاُمور بنوع من المكر و الخديعة و المكيدة و بالجملة السكوت عن تشخيص ما يعصم منه لإفادة نوع من التعميم، و لكنّ الّذي لا يعدو عنه السياق هو شرّهم الّذي يوجب انقلاب الأمر على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بحيث يسقط بذلك ما رفعه من أعلام الدين.

و الناس مطلق من وجد فيه معنى الإنسانيّة من دون أن يعتبر شي‏ء من خصوصيّاته الطبيعيّة التكوينيّة كالذكورة و الاُنوثة أو غير الطبيعيّة كالعلم و الفضل و الغنى و غير ذلك. و لذلك قلّ ما ينطبق على غير الجماعة، و لذلك أيضاً ربّما دلّ على الفضلاء من الإنسان إذا كان الفضل روعي فيه وجود معنى الإنسانيّة كقوله تعالى:( إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ ) أي الّذين وجد فيهم معنى الإنسانيّة، و هو ملاك درك الحقّ و تمييزه من الباطل.

و ربّما كان دالّاً على نوع من الخسّة و سقوط الحال، و ذلك إذا كان الأمر الّذي يتكلّم فيه ممّا يحتاج إلى اعتبار شي‏ء من الفضائل الإنسانيّة الّتي اعتبرت زائدة على أصل معنى النوع كقوله:( وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) الروم: ٣٠ و كقولك: لا تثق بمواعيد الناس، و لا تستظهر بسوادهم نظراً منك إلى أنّ الوثوق و الاستظهار يجب أن يتعلّقا بالفضلاء من الإنسان ذوي ملكة الوفاء بالعهد و الثبات على العزيمة لا على من ليس له إلّا مجرّد صدق اسم الإنسانيّة، و ربّما لم يفد شيئاً من مدح أو ذمّ إذا تعلّق الغرض بما لا يزيد على أصل معنى الإنسانيّة كقوله تعالى:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) الحجرات: ١٣.

و لعلّ قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) اُخذ فيه لفظ الناس اعتباراً بسواد الأفراد الّذي فيه المؤمن و المنافق و الّذي في قلبه مرض، و قد اختلطوا من دون تمايز، فإذا خيف خيف من عامّتهم، و ربّما أشعر به قوله:( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) فإنّ الجملة


في مقام التعليل لقوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) و قد تقدّم أيضاً أنّ الآية نزلت بعد الهجرة و ظهور شوكة، الإسلام و كان السواد الأعظم من الناس مسلمين بحسب الظاهر و إن كان فيهم المنافقون و غيرهم.

فالمراد بالقوم الكافرين قوم هم في الناس مذكوري النعت ممحوّي الاسم وعد الله سبحانه أن يبطل كيدهم و يعصم رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شرّهم.

و الظاهر أيضاً أن يكون المراد بالكفر الكفر بآية من آيات الله و هو الحكم المراد بقوله:( ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ، كما في قوله في آية الحجّ:( وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ ) آل عمران: ٩٧، و أمّا الكفر بمعنى الاستكبار عن أصل الشهادتين فإنّه ممّا لا يناسب مورد الآية البتّة إلّا على القول بكون المراد بقوله:( ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) مجموع رسالات الدين، و قد عرفت عدم استقامته.

و المراد بعدم هدايته تعالى هؤلاء القوم الكافرين عدم هدايته إيّاهم في كيدهم و مكرهم، و منعه الأسباب الجارية أن تنقاد لهم في سلوكهم إلى ما يرومونه من الشرّ و الفساد نظير قوله تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) المنافقون: ٦، و قوله تعالى:( وَ اللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) البقرة: ٢٥٨، و قد تقدّم البحث عنه في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

و أمّا كون المراد بعدم الهداية هو عدم الهداية إلى الإيمان فغير صحيح البتّة لمنافاته أصل التبليغ و الدعوة فلا يستقيم أن يقال: أدعهم إلى الله أو إلى حكم الله و أنا لا أهديهم إليه إلّا في مورد إتمام الحجّة محضاً.

على أنّ الله سبحانه قد هدى و لا يزال يهدي كثيرين من الكفّار بدليل العيان، و قد قال أيضاً:( وَ اللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) البقرة: ٢١٣.

فتبيّن أنّ المراد بعدم هداية الكافرين عدم تخليتهم لينالوا ما يهمّون به من إبطال كلمة الحقّ و إطفاء نور الحكم المنزل فإنّ الكافرين و كذا الظالمين و الفاسقين يريدون بشامة أنفسهم و ضلال رأيهم أن يبدّلوا سنّة الله الجارية في الخلقة و سياقة الأسباب السالكة إلى مسبّباتها و يغيّروا مجاري الأسباب الحقّة الظاهرة عن سمة عصيان ربّ العالمين إلى غاياتهم الفاسدة مقاصدهم الباطلة و الله ربّ العالمين لن


يعجزه قواهم الصوريّة الّتي لم يودعها فيهم و لم يقدّرها في بناهم إلّا هو.

فهم ربّما تقدّموا في مساعيهم أحياناً و نالوا ما راموه أوينات و استعلوا و استقام أمرهم برهة لكنّه لا يلبث دون أن يبطل أخيراً و ينقلب عليهم مكرهم و لا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله، و كذلك يضرب الله الحقّ و الباطل فأمّا الباطل فيذهب جفاءً، و أمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

و على هذا فقوله:( إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) تفسير قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) بالتصرّف في سعة إطلاقه، و يكون المراد بالعصمة عصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أن يناله الناس بسوء دون أن ينال بغيته في تبليغ هذا الحكم و تقريره بين الاُمّة كأن يقتلوه دون أن يبلّغه أو يثوروا عليه و يقلّبوا عليه الاُمور أو يتّهموه بما يرتدّ به المؤمنون عن دينه، أو يكيدوا كيداً يميت هذا الحكم و يقبره بل الله يظهر كلمة الحقّ و يقيم الدين على ما شاء و أينما شاء و متى ما شاء، و فيمن شاء قال تعالى:( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ وَ كانَ اللهُ عَلى‏ ذلِكَ قَدِيراً ) النساء: ١٣٣.

و أمّا أخذ الآية أعني قوله:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) بإطلاقه على ما فيه من السعة و الشمول فممّا ينافيه القرآن و المأثور من الحديث و التاريخ القطعيّ، و قد نالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من اُمتّه أعمّ من كفّارهم و مؤمنيهم و منافقيهم من المصائب و المحن و أنواع الزجر و الأذى ما ليس في وسع أحد أن يتحمّله إلّا نفسه الشريفة، و قد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - كما في الحديث المشهور -: ما اُوذي نبيّ مثل ما اُوذيت قطّ.

( بحث روائي)

في تفسير العيّاشيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس و جابر بن عبدالله قالا: أمر الله تعالى نبيّه محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ينصب عليّاً علماً في الناس ليخبرهم بولايته فتخوّف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقولوا: خابى(١) ابن عمّه و أن يطعنوا(٢) في ذلك عليه. قال: فأوحى الله

____________________

(١) جاءنا، خ ل.

(٢) يطغوا، خ ل.


إليه هذه الآية:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بولايته يوم غدير خمّ.

و فيه، عن حنان بن سدير، عن أبيه عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: لما نزل جبرئيل على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجّة الوداع بإعلان أمر عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) إلى آخر الآية قال: فمكث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثاً حتّى أتى الجحفة فلم يأخذ بيده فرقاً من الناس.

فلمّا نزل الجحفة يوم غدير في مكان يقال له( مهيعة) فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أولى بكم من أنفسكم؟ فجهروا فقالوا: الله و رسوله ثمّ قال لهم الثانية، فقالوا: الله و رسوله، ثمّ قال لهم الثالثة، فقالوا: الله و رسوله.

فأخذ بيد عليّعليه‌السلام فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله فإنّه منّي و أنا منه، و هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي.

و فيه، عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: لما أنزل الله على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) قال: فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد عليّعليه‌السلام فقال: يا أيّها الناس إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان من قبلي إلّا و قد عمّر ثمّ دعاه فأجابه، و أوشك أن اُدعى فأجيب، و أنا مسؤل و أنتم مسؤلون فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك فجزاك الله أفضل ما جزى المرسلين، فقال: اللّهمّ اشهد.

ثمّ قال: يا معشر المسلمين ليبلّغ الشاهد الغائب اُوصي من آمن بي و صدّقني بولاية عليّ، ألا إنّ ولاية علىّ ولايتي عهداً عهده إليّ ربّي و أمرني أن اُبلّغكموه، ثمّ قال: هل سمعتم؟ - ثلاث مرّات يقولها - فقال قائل: قد سمعنا يا رسول الله.


و في البصائر، بإسناده عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفرعليه‌السلام : في قوله:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) قال: هي الولاية.

أقول: و روى نزول الآية في أمر الولاية و قصّة الغدير معه الكلينيّ في الكافي، بإسناده، عن أبي الجارود، عن أبي جعفرعليه‌السلام في حديث طويل، و روى هذا المعنى الصدوق في المعاني، بإسناده عن محمّد بن الفيض بن المختار، عن أبيه عن أبي جعفرعليه‌السلام في حديث طويل، و رواه العيّاشيّ أيضاً عن أبي الجارود في حديث طويل، و بإسناده عن عمرو بن يزيد عن أبي عبداللهعليه‌السلام مختصراً.

و عن تفسير الثعلبيّ، قال: قال جعفر بن محمّد: معنى قوله:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) في فضل عليّ، فلمّا نزلت هذه أخذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيد عليّ فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه‏.

و عنه، بإسناده عن الكلبيّ عن أبي صالح عن ابن عبّاس: في هذه الآية قال: نزلت في عليّ بن أبي طالب، أمر الله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبلّغ فيه فأخذ بيد عليّ فقال: من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه، و عاد من عاداه.

و في تفسير البرهان، عن إبراهيم الثقفيّ بإسناده عن الخدريّ، و بريدة الأسلميّ و محمّد بن عليّ: نزلت يوم الغدير في عليّ.

و من تفسير الثعلبيّ، في معنى الآية قال: قال أبوجعفر محمّد بن عليّ: معناه بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك في عليّ.

و في تفسير المنار، عن تفسير الثعلبيّ: أنّ هذا القول من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في موالاة عليّ شاع و طار في البلاد فبلغ الحارث بن النعمان الفهريّ فأتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ناقته، و كان بالأبطح فنزل و عقل ناقته، و قال للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - و هو في ملأ من أصحابه -: يا محمّد أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله و أنّك رسول الله فقبلنا منك - ثمّ ذكر سائر أركان الإسلام - ثمّ لم ترض بهذا حتّى مددت بضبعي ابن عمّك، و فضّلته علينا، و قلت:( من كنت مولاه فعليّ مولاه) فهذا منك أم من الله؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : و الله الّذي لا إله إلّا


هو هو أمر الله، فولّى الحارث يريد راحلته، و هو يقول: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.

فما وصل إلى راحلته حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته و خرج من دبره، و أنزل الله تعالى:( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ ) الحديث.

أقول: قال في المنار بعد نقل هذا الحديث ما لفظه: و هذه الرواية موضوعة، و سورة المعارج هذه مكّيّة، و ما حكاه الله من قول بعض كفّار قريش:( اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الحقّ مِنْ عِنْدِكَ ) كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجرة، و هذا التذكير في سورة الأنفال، و قد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين، و ظاهر الرواية أنّ الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتدّ و لم يعرف في الصحابة، و الأبطح بمكّة و النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يرجع من غدير خمّ إلى مكّة بل نزل فيه منصرفة من حجّة الوداع إلى المدينة، انتهى.

و أنت ترى ما في كلامه من التحكّم: أمّا قوله:( إنّ الرواية موضوعة، و سورة المعارج هذه مكيّة) فيعوّل في ذلك على ما في بعض الروايات عن ابن عبّاس و ابن الزبير أنّ سورة المعارج نزلت بمكّة، و ليت شعري ما هو المرجّح لهذه الرواية على تلك الرواية، و الجميع آحاد؟ سلّمنا أنّ سورة المعارج مكيّة كما ربّما تؤيّده مضامين معظم آياته فما هو الدليل على أنّ جميع آياتها مكّيّة؟ فلتكن السورة مكّيّة، و الآيتان خاصّة غير مكّيّتين كما أنّ سورتنا هذه أعني سورة المائدة مدنيّة نازلة في آخر عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و قد وضعت فيها الآية المبحوث عنها أعني قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (الآية)، و هو كعدّة من المفسّرين مصرّون على أنّها نزلت بمكّة في أوّل البعثة، فإذا جاز وضع آية مكّيّة آية:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) في سورة مدنيّة (المائدة) فليجز وضع آية مدنيّة آية:( سَأَلَ سائِلٌ ) في سورة مكّيّة سورة المعارج.

و أمّا قوله:( و ما حكاه الله من قول بعض كفّار قريش‏) إلى آخره، فهو في التحكّم كسابقه فهب إنّ سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين فهل يمنع ذلك أن يوضع


عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها كما وضعت آيات الربا و آية:( وَ اتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ) البقرة: ٢٨١، و هي آخر ما نزل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندهم في سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة و قد نزلت قبلها ببضع سنين.

ثمّ قوله: إنّ آية:( وَ إِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ ) ، الآية تذكير لما قالوه قبل الهجرة تحكّم آخر من غير حجّة لو لم يكن سياق الآية حجّة على خلافه فإنّ العارف بأساليب الكلام لا يكاد يرتاب في أنّ هذا أعني قوله:( اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) لاشتماله على قوله:( إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) بما فيه من اسم الإشارة و ضمير الفصل و الحقّ المحلىّ باللّام و قوله:( مِنْ عِنْدِكَ ) ليس كلام وثنيّ مشرك يستهزئُ بالحقّ و يسخر منه، و إنّما هو كلام من أذعن بمقام الربوبيّة، و يرى أنّ الاُمور الحقّة تتعيّن من لدنه، و أنّ الشرائع مثلاً تنزل من عنده، ثمّ إنّه يتوقّف في أمر منسوب إلى الله تعالى يدّعي مدّع أنّه الحقّ لا غيره، و هو لا يتحمّل ذلك و يتحرّج منه فيدعو على نفسه دعاء منزجر ملول سئم الحياة.

و أمّا قوله:( و ظاهر الرواية أنّ الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتدّ و لم يعرف في الصحابة) تحكّم آخر فهل يسع أحداً أن يدّعي أنّهم ضبطوا أسماء كلّ من رأى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و آمن به أو آمن به فارتدّ؟ و إن يكن شي‏ء من ذلك فليكن هذا الخبر من ذلك القبيل.

و أمّا قوله:( و الأبطح بمكّة و النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يرجع من غدير خمّ إلى مكّة) فهو يشهد على أنّه أخذ لفظ الأبطح اسماً للمكان الخاصّ بمكّة و لم يحمله على معناه العامّ و هو كلّ مكان ذي رمل، و لا دليل على ما حمله عليه بل الدليل على خلافه و هو القصّة المسرودة في الرواية و غيرها، و ربّما استفيد من مثل قوله:

نجوت و قد بلّ المراديّ سيفه

من ابن أبي شيخ الأباطح طالب

أنّ مكّة و ما والاها كانت تسمّى الأباطح.

قال في مراصد الاطّلاع: أبطح بالفتح ثمّ السكون و فتح الطاء و الحاء المهملة


كلّ مسيل فيه رقاق الحصى فهو أبطح، و قال ابن دريد: الأبطح و البطحاء السهل المنبسط على وجه الأرض، و قال أبو زيد: الأبطح أثر المسيل ضيّقاً كان أو واسعاً، و الأبطح يضاف إلى مكّة و إلى منى لأنّ مسافته منهما واحدة، و ربّما كان إلى منى أقرب و هو المحصّب، و هي خيف بني كنانة، و قد قيل: إنّه ذو طوى، و ليس به، انتهى.

على أنّ الرواية بعينها رواها غير الثعلبيّ و ليس فيه ذكر من الأبطح و هي ما يأتي من رواية المجمع من طريق الجمهور و غيرها.

و بعد هذا كلّه فالرواية من الآحاد، و ليست من المتواترات و لا ممّا قامت على صحّتها قرينة قطعيّة، و قد عرفت من أبحاثنا المتقدّمة أنّا لا نعوّل على الآحاد في غير الأحكام الفرعيّة على طبق الميزان العامّ العقلائيّ الّذي عليه بناء الإنسان في حياته، و إنّما المراد بالبحث الآنف بيان فساد ما استظهر به من الوجوه الّتي استنتج منها أنّها موضوعة.

و في المجمع: أخبرنا السيّد أبوالحمد قال: حدّثنا الحاكم أبوالقاسم الحسكانيّ قال: أخبرنا أبو عبدالله الشيرازيّ قال أخبرنا أبوبكر الجرجانيّ قال: أخبرنا أبوأحمد البصريّ قال: حدّثنا محمّد بن سهل قال: حدّثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال: حدّثنا محمّد بن أيّوب الواسطيّ قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه قال: لما نصب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّاً يوم غدير خمّ قال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، فقال (فطار، ظ) ذلك في البلاد فقدم على النبيّ النعمان بن الحارث الفهريّ فقال: أمرتنا من الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله، و أنّك رسول الله، و أمرتنا بالجهاد و بالحجّ و بالصوم و الصلاة و الزكاة فقبلناها، ثمّ لم ترض حتّى نصبت هذا الغلام فقلت: من كنت مولاه فعليّ مولاه فهذا شي‏ء منك أو أمر من الله تعالى؟ فقال: بلى و الله الّذي لا إله إلّا هو إنّ هذا من الله.

فولّى النعمان بن الحارث و هو يقول: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك


فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه الله بحجر على رأسه فقتله، فأنزل الله:( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) .

أقول: و هذا المعنى مرويّ في الكافي، أيضاً.

و عن كتاب نزول القرآن، للحافظ أبي نعيم يرفعه إلى عليّ بن عامر عن أبي الحجّاف، عن الأعمش، عن عطيّة قال: نزلت هذه الآية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليّ بن أبي طالب( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) و قد قال الله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً ) .

و عن الفصول المهمّة، للمالكيّ قال: روى الإمام أبوالحسن الواحديّ في كتابه المسمّى بأسباب النزول رفعه بسنده إلى أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - قال: نزلت هذه الآية:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) يوم غدير خمّ في عليّ بن أبي طالب.

أقول: و رواه في فتح القدير، عن ابن أبي حاتم و ابن مردويه و ابن عساكر عن أبي سعيد الخدريّ و كذلك في الدرّ المنثور.

و قوله:( بغدير خمّ) هو بضمّ الخاء المعجمة و تشديد الميم مع التنوين اسم لغيطة على ثلاثة أميال من الجحفة عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيطة، هكذا ذكره الشيخ محيي الدين النوويّ.

و في فتح القدير، أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كنّا نقرأ على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ ربّك - إنّ عليّاً مولى المؤمنين -وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

أقول: و هذه نبذة من الأخبار الدالّة على نزول قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) إلخ، في حقّ عليّعليه‌السلام يوم غدير خمّ، و أمّا حديث الغدير أعني‏ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( من كنت مولاه فعليّ مولاه) فهو حديث متواتر منقول من طرق الشيعة و أهل السنّة بما يزيد على مائة طريق.


و قد روي عن جمع كثير من الصحابة منهم البراء بن عازب، و زيد بن أرقم، و أبو أيّوب الأنصاري، و عمر بن الخطّاب، و عليّ بن أبي طالب، و سلمان الفارسيّ، و أبوذرّ الغفاريّ، و عمّار بن ياسر، و بريدة، و سعد بن أبي وقّاص، و عبدالله بن عبّاس، و أبو، هريرة و جابر بن عبدالله و أبوسعيد الخدريّ، و أنس بن مالك، و عمران بن الحصين، و ابن أبي أوفى، و سعدانة، و امرأة زيد بن أرقم.

و قد أجمع عليه أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام ، و قد ناشد عليّعليه‌السلام الناس بالرحبة في الحديث فقام جماعة من الصحابة حضروا المجلس، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوله يوم الغدير.

و في كثير من هذه الروايات أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: أيّها الناس أ لستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه كما في عدّة من الأخبار الّتي رواها أحمد بن حنبل في مسنده أو رواها غيره، و قد اُفردت لإحصاء طرقها و البحث في متنها تأليف من أهل السنّة و الشيعة بحثوا فيها بما لا مزيد عليه.

و عن كتاب السمطين، للحموينيّ بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ليلة اُسري بي إلى السماء السابعة سمعت نداءً من تحت العرش: إنّ عليّاً آية الهدى، و حبيب من يؤمن بي، بلّغ عليّاًعليه‌السلام ، فلمّا نزل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من السماء اُنسي ذلك فأنزل الله عزّوجلّ:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ) .

و في فتح القدير: أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال: لما غزا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بني أنمار نزل ذات الرقيع بأعلى نخل فبينما هو جالس على رأس بئر قد دلّى رجليه فقال الوارث من بني النجّار: لأقتلنّ محمّداً، فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له: أعطني سيفك فإذا أعطانيه قتلته به، فأتاه فقال: يا محمّد أعطني سيفك أشمّه فأعطاه إيّاه فرعدت يده حتّى سقط السيف من يده فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :


حال الله بينك و بين ما تريد، فأنزل الله سبحانه:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) الآية.

أقول: ثمّ ذكر في فتح القدير، أنّ ابن حبّان أخرجه في صحيحة و أخرجه أيضاً ابن مردويه عن أبي هريرة نحو هذه القصّة و لم يسمّ الرجل، و أخرج ابن جرير من حديث محمّد بن كعب القرظيّ نحوه، و قصّة غورث بن الحارث ثابتة في الصحيح، و هي معروفة مشهورة (انتهى)، و لكنّ الشأن تطبيق القصّة على المحصّل من معنى الآية، و لن تنطبق أبداً.

و في الدرّ المنثور، و فتح القدير، و غيرهما عن ابن مردويه و الضياء في المختارة عن ابن عبّاس: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سئل: أيّ آية اُنزلت من السماء أشدّ عليك؟ فقال: كنت بمنى أيّام موسم فاجتمع مشركو العرب و إفناء الناس في الموسم فاُنزل عليّ جبرئيل فقال:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) (الآية).

قال: فقمت عند العقبة فناديت: يا أيّها الناس من ينصرني على أن اُبلّغ رسالة ربّي و له الجنّة؟ أيّها الناس قولوا: لا إله إلّا الله و أنا رسول الله إليكم تفلحوا و تنجحوا و لكم الجنّة.

قال: فما بقي رجل و لا امرأة و لا صبيّ إلّا يرمون بالتراب و الحجارة، و يبزقون في وجهي و يقولون: كذّاب صابئٌ فعرض عليّ عارض فقال: يا محمّد إن كنت رسول الله فقد آن لك أن تدعو عليهم كما دعا نوح على قومه بالهلاك، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون.

فجاء العبّاس عمّه فأنقذه منهم و جرّدهم عنه.

أقول: الآية بتمامها لا ينطبق على هذه القصّة على ما عرفت تفصيل القول فيه.

اللّهمّ إلّا أن تحمل الرواية على نزول قطعة من الآية - و هي قوله:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) - في ذلك اليوم، و ظاهر الرواية يأباه، و نظيرها ما يأتي.

و في الدرّ المنثور، و فتح القدير: أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و ابن أبي حاتم


و أبوالشيخ عن مجاهد قال: لما نزلت( بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) قال: يا ربّ إنّما أنا واحد كيف أصنع؟ يجتمع علي الناس فنزلت( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) .

و فيها عن الحسن: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: إنّ الله بعثني برسالته فضقت بها ذرعاً، و عرفت أنّ الناس مكذّبيّ فوعدني لاُبلّغنّ أو ليعذّبني فأنزل:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) .

أقول: الروايتان على ما فيهما من القطع و الإرسال فيهما ما في سابقتهما، و نظيرتهما في هذا التشويش‏ بعض ما ورد: في أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحترس برجال فلمّا نزلت الآية فرّقهم و قالعليه‌السلام : إنّ ربّي وعدني أن يعصمني.

و في تفسير المنار: روى أهل التفسير المأثور و الترمذيّ و أبوالشيخ و الحاكم و أبونعيم و البيهقيّ و الطبرانيّ عن بضعة رجال من الصحابة: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحرس في مكّة قبل نزول هذه الآية فلمّا نزلت ترك الحرّس، و كان أبوطالب أوّل الناس اهتماماً بحراسته، و حرسه العبّاس أيضاً.

و فيه: و ممّا روي في ذلك عن جابر و ابن عبّاس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحرس، و كان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجالاً من بني هاشم حتّى نزلت الآية فقال: يا عمّ إنّ الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من يبعث.

أقول: و الروايتان - كما ترى - تدلّان على أنّ الآية نزلت في أواسط إقامة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكّة و أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلّغ رسالته زماناً و اشتدّ عليه أمر إيذاء الناس و تكذيبهم حتّى خاف على نفسه منهم فترك التبليغ و الدعوة فاُمر ثانياً بالتبليغ، و هدّد من جانب الله سبحانه، و وعد بالعصمة، فاشتغل ثانياً بما كان يشتغل به أوّلاً، و هذا شي‏ء يجلّ عنه ساحة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و في الدرّ المنثور، و فتح القدير: أخرج عبد بن حميد و الترمذيّ و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبوالشيخ و الحاكم و ابن مردويه و أبو نعيم و البيهقيّ كلاهما في الدلائل عن عائشة قالت: كان رسول الله يحرس حتّى نزلت:( وَ اللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ )


فأخرج رأسه من القبّة فقال: أيّها الناس انصرفوا فقد عصمني الله.

أقول: و الرواية - كما ترى - ظاهرة في نزولها بالمدينة.

و في تفسير الطبريّ، عن ابن عبّاس: في قوله:( وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ) يعني إن كتمت آية ممّا اُنزل إليك لم تبلّغ رسالته.

أقول: إن كان المراد به آية معيّنة أي حكم معيّن ممّا اُنزل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فله وجه صحّة، و إن كان المراد به التهديد في أيّ آية فرضت أو حكم قدّر فقد عرفت فيما تقدّم أنّ الآية لا تلائمه بمضمونها.


( سورة المائدة الآيات ٦٨ - ٨٦)

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى‏ شَيْ‏ءٍ حَتّى‏ تُقِيمُوا التّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبّكُمْ وَلَيَزِيدَنّ كَثِيراً مِنْهُم مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ( ٦٨) إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنّصَارَى‏ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ( ٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى‏ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ( ٧٠) وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمّوا ثُمّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثُمّ عَمُوا وَصَمّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ( ٧١) لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مَنْ أَنْصَارٍ( ٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلهٍ إِلّا إِلهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسّنّ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٧٣) أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ وَأُمّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمّ انْظُرْ أَنّى‏ يُؤْفَكُونَ( ٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَاللّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ( ٧٦) قُل يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ وَلاَ تَتّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلّوا كَثِيراً وَضَلّوا عَن سَوَاءِ السّبِيلِ( ٧٧) لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى‏ لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا


يَعْتَدُونَ( ٧٨) كَانُوا لاَ يَتَنَاهُوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ( ٧٩) تَرَى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلّوْنَ الّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ( ٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالنّبِيّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلكِنّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ( ٨١) لَتَجِدَنّ أَشَدّ النّاسِ عَدَاوَةً لِلّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنّ أَقْرَبَهُم مَوَدّةً لِلّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ قَالُوا إِنّا نَصَارى‏ ذلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ( ٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرّسُولِ تَرَى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ( ٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ( ٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ( ٨٥) وَالّذِينَ كَفَرُوا وَكَذّبُوا بِآيَاتِنَا أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ( ٨٦)

( بيان)

الآيات في نفسها تقبل الاتّصال و الاتّساق بحسب النظم، و لا تقبل الاتّصال بقوله تعالى:( وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ) (الآية) مع الغضّ عن قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) (الآية) و أمّا ارتباط قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ) (الآية) فقد عرفت الكلام فيه.

و الأشبه أن يكون هذه الآيات جارية على سياق الآيات السابقة من أوائل السورة إلى هنا أعني ارتباط مضامين الآيات آخذة من قوله تعالى:( وَ لَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ بَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ) الآية ١٢ من السورة إلى آخر هذه الآيات المبحوث عنها باستثناء نزرة ممّا تتخلّلها كآية الولاية و آية التبليغ و غيرهما


ممّا تقدّم البحث عنه، و مثله الكلام في اتّصال آيات آخر السورة بهذه الآيات فإنّها جميعاً يجمعها أنّها كلام يتعلّق بشأن أهل الكتاب.

قوله تعالى: ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ) (إلى آخر الآية)، الإنسان يجد من نفسه خلال أعماله أنّه إذا أراد إعمال قوّة و شدّة فيما يحتاج إلى ذلك، وجب أن يعتمد على مستوى يستوي عليه أو يتّصل به كمن أراد أن يجذب أو يدفع أو يحمل أو يقيم شيئاً ثقيلاً فإنّه يثبت قدميه على الأرض أوّلاً ثمّ يصنع ما شاء لما يعلم أن لو لا ذلك لم يتيسّر له ما يريد، و قد بحث عنه في العلوم المربوطة به.

و إذا أجرينا هذا المعنى في الاُمور المعنويّة كأفعال الإنسان الروحيّة أو ما يتعلّق من أفعال الجوارح بالاُمور النفسيّة كان ذلك منتجاً أنّ صدور مهام الأفعال و عظائم الأعمال يتوقّف على اُسّ معنويّ و مبني قوىّ نفسي كتوقّف جلائل الاُمور على الصبر و الثبات و علوّ الهمّة و قوّة العزيمة و توقّف النجاح في العبوديّة على حقّ التقوى و الورع عن محارم الله.

و من هنا يظهر أنّ قوله تعالى:( لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ) كناية عن عدم اعتمادهم على شي‏ء يثبت عليه أقدامهم فيقدروا بذلك على إقامة التوراة و الإنجيل و ما اُنزل إليهم من ربّهم تلويحاً إلى أنّ دين الله و حكمه لها من الثقل ما لا يتيسّر حمله للإنسان حتّى يعتمد على أساس ثابت و لا يمكنه إقامته بمجرّد هوى من نفسه كما يشير تعالى إلى ذلك بالنسبة إلى القرآن الكريم بقوله:( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) المزمل: ٥، و قوله:( لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) الحشر: ٢١، و قوله:( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها ) الآية: الأحزاب: ٧٢.

و قال في أمر التوراة خطاباً لموسىعليه‌السلام :( فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها ) الأعراف: ١٤٥، و قال خطاباً لبني إسرائيل:( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ ) البقرة: ٦٣ و قال خطاباً ليحييعليه‌السلام :( يا يَحْيى‏ خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ ) مريم: ١٢.


فيعود المعنى إلى أنّكم فاقدو العماد الّذي يجب عليكم أن تعتمدوا عليه في إقامة دين الله الّذي أنزل إليكم في كتبه و هو التقوى و الإنابة إلى الله بالرجوع إليه مرّة بعد اُخرى و الاتّصال به و الإيواء إلى ركنه بل مستكبرون عن طاعته و متعدّون حدوده.

و يظهر هذا المعنى من قوله تعالى خطاباً لنبيّه و المؤمنين:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى) فجمع الدين كلّه فيما ذكره، ثمّ قال:( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) فبيّن أنّ ذلك كلّه يرجع إلى إقامة الدين كلمة واحدة من غير تفرّق ثمّ قال:( كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) و ذلك لكبر الاتّفاق و الاستقامة في اتّباع الدين عليهم، ثمّ قال:( اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ ) فأنبأ أنّ إقامة الدين لا يتيسّر إلّا بهداية من الله، و لا يصلح لها إلّا المتّصف بالإنابة الّتي هي الاتّصال بالله و عدم الانقطاع عنه بالرجوع إليه مرّة بعد اُخرى، ثمّ قال:( وَ ما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) فذكر أنّ السبب في تفرّقهم و عدم إقامتهم للدين هو بغيهم و تعدّيهم عن الوسط العدل المضروب لهم الشورى: ١٤.

و قال أيضاً في نظيرتها من الآيات:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَ اتَّقُوهُ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) الروم: ٣٢ فذكر فيها أيضاً أنّ الوسيلة إلى إقامة دين الفطرة الإنابة إلى الله، و حفظ الاتّصال بحضرته، و عدم الانقطاع عن سببه.

و قد أشار إلى هذه الحقيقة في الآيات السابقة على هذه الآية المبحوث عنها أيضاً حيث ذكر أنّ الله لعن اليهود و غضب عليهم لتعدّيهم حدوده فألقى بينهم العداوة و البغضاء، و ذكر هذا المعنى في غير هذا المورد في خصوص النصارى بقوله:( فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ ) المائدة: ١٤.

و قد حذّر الله سبحانه المسلمين عن مثل هذه المصيبة المؤلمة الّتي سيحلّها على


أهل الكتاب من اليهود و النصارى، و أنبأهم أنّهم لا يتيسّر و لن يتيسّر لهم إقامة التوراة و الإنجيل و ما اُنزل إليهم من ربّهم، و قد صدّق جريان التاريخ ما أخبر به الكتاب من تشتّت المذاهب فيهم و إلقاء العداوة و البغضاء بينهم، فحذّر الاُمّة الإسلاميّة أن يردوا موردهم في الانقطاع عن ربّهم، و عدم الإنابة إليه في قوله:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) الروم: ٣٠ في عدّة آيات من السورة.

و قد تقدّم البحث عن بعض الآيات الملوّحة إلى ذلك في ما تقدّم من أجزاء الكتاب و سيأتي الكلام على بعض آخر منها إن شاء الله تعالى.

و أمّا قوله تعالى:( وَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَ كُفْراً ) فقد تقدّم البحث عن معناه، و قوله:( فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) تسلية منه تعالى لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صورة النهي عن الأسى.

قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى) (الآية) ظاهرها أنّ الصابئون عطف على( الَّذِينَ آمَنُوا ) بحسب موضعه و جماعة من النحويّين يمنعون العطف على اسم إنّ بالرفع قبل مضيّ الخبر، و الآية حجّة عليهم.

و الآية في مقام بيان أن لا عبرة في باب السعادة بالأسماء و الألقاب كتسمّي جمع بالمؤمنين و فرقة بالّذين هادوا، و طائفة بالصابئين و آخرين بالنصارى، و إنّما العبرة بالإيمان بالله و اليوم الآخر و العمل الصالح، و قد تقدّم البحث عن معنى الآية في تفسير سورة البقرة الآية ٦٢ في الجزء الأوّل من الكتاب.

قوله تعالى: ( لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ) (إلى آخر الآية) هذه الآية و ما بعدها إلى عدّة آيات تتعرّض لحال أهل الكتاب كالحجّة على ما يشتمل عليه قوله تعالى:( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ) إلخ، فإنّ هذه الجرائم و الآثام لا تدع للإنسان اتّصالاً بربّه حتّى يقيم كتب الله معتمداً عليه.

و يحتمل أن تكون الآيات مرتبطة بقوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا ) إلخ، فيكون تصديقاً بأنّ الأسماء و الألقاب لا تنفع شيئاً في مرحلة السعادة إذ لو


نفعت لصدّت هؤلاء عن قتل الأنبياء و تكذيبهم و الهلاك بمهلكات الفتن و موبقات الذنوب.

و يمكن أن يكون هذه الآيات كالمبيّنة لقوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا ) إلخ، و هو كالمبيّن لقوله:( يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ ) (الآية) و المعنى ظاهر.

و قوله:( فَرِيقاً كَذَّبُوا وَ فَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) الظاهر أنّ كلمتي( فَرِيقاً ) في الموضعين مفعولان للفعلين بعدهما قدّما عليهما للعناية بأمرهما، و التقدير: كذّبوا فريقاً و يقتلون فريقاً، و المجموع جواب قوله:( كُلَّما جاءَهُمْ ) إلخ، و المعنى نحو من قولنا: كلّما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أساؤوا مواجهته و إجابته و جعلوا الرسل الآتين فريقين: فريقاً كذّبوا و فريقاً يقتلون.

قال في المجمع: فإن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي يعني في قوله:( فَرِيقاً كَذَّبُوا وَ فَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) ؟ فجوابه: ليدلّ على أنّ ذلك من شأنهم ففيه معنى كذّبوا و قتلوا و يكذّبون و يقتلون مع أنّ قوله:( يَقْتُلُونَ ) فاصلة يجب أن يكون موافقاً لرؤس الآي، انتهى.

قوله تعالى: ( وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَ صَمُّوا ) إلخ، متمّم للكلام في الآية السابقة، و الحسبان هو الظنّ، و الفتنة هي المحنة الّتي تغرّ الإنسان أو هي أعمّ من كلّ شرّ و بليّة، و العمى هو عدم إبصار الحقّ و عدم تمييز الخير من الشرّ، و الصمم عدم سماع العظة و عدم الإعباء بالنصيحة، و هذا العمى و الصمم معلولا حسبانهم أن لا تكون فتنة، و الظاهر أنّ حسبانهم ذلك معلول ما قدّروا لأنفسهم من الكرامة بكونهم من شعب إسرائيل و أنّهم أبناء الله و أحبّاؤه فلا يمسّهم السوء و إن فعلوا ما فعلوا و ارتكبوا ما ارتكبوا.

فمعنى الآية - و الله أعلم - أنّهم لمكان ما اعتقدوا لأنفسهم من كرامة التهوّد ظنّوا أن لا يصيبهم سوء أو لا يفتنون بما فعلوا فأعمى ذلك الظنّ و الحسبان أبصارهم عن إبصار الحقّ، و أصمّ ذلك آذانهم عن سماع ما ينفعهم من دعوة أنبيائهم.


و هذا ممّا يرجّح ما احتملناه أنّ الآيات كالحجّة المبيّنة لقوله:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا ) (الآية) فمحصّل المعنى أنّ الأسماء و الألقاب لا تنفع أحداً شيئاً فهؤلاء اليهود لم ينفعهم ما قدّروا لأنفسهم من الكرامة بالتسمّي بل أعماهم و أوردهم مورد الهلكة و الفتنة لما كذّبوا أنبياء الله و قتلوهم.

قوله تعالى: ( ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَ اللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) التوبة من الله على عباده رجوعه تعالى بالرحمة إليهم، و هذا يدلّ على أنّ الله سبحانه قد كان بعّدهم من رحمته و عنايته و لذلك أخذهم الحسبان المذكور و لزمهم العمى و الصمم، لكنّ الله سبحانه رجع إليهم ثانياً بالتوبة فرفع هذا الحسبان عن قلوبهم، و العمى و الصمم عن أبصارهم و آذانهم، فعرفوا أنفسهم بأنّهم عباد لا كرامة لهم على الله إلّا بالتقوى، و أبصروا الحقّ و سمعوا عظة الله لهم بلسان أنبيائه فتبيّن لهم أنّ التسمّي لا ينفع شيئاً.

ثمّ عموا و صمّوا كثير منهم، و إسناد العمى و الصمم إلى جمعهم أوّلاً ثمّ إلى كثير منهم - بإتيان كثير منهم بدلاً من واو الجمع - أخذٌ بالنصفة في الكلام بالدلالة على أنّ إسناد العمى و الصمم إلى جمعهم من قبيل إسناد حكم البعض إلى الكلّ، و الواقع أنّ المتّصف بهاتين الصفتين كثير منهم لا كلّهمأوّلاً ، و إيماء إلى أنّ العمى و الصمم المذكورين أوّلاً شملا جميعهم على ما يدلّ عليه المقابلةثانياً ، و أنّ التوبة الإلهيّة لم يبطل أثرها و لم تذهب سدىّ بالمرّة بل نجا بالتوبة بعضهم فلم يأخذهم العمى و الصمم اللّاحقان أخيراًثالثاً .

ثمّ ختم تعالى الآية بقوله:( وَ اللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ) للدلالة على أنّ الله تعالى لا يغفله شي‏ء، فغيره تعالى إذا أكرم قوماً بكرامة ضرب ذلك على بصره بحجاب يمنعه أن يرى منهم السوء و المكروه، و ليس الله سبحانه على هذا النعت بل هو البصير لا يحجبه شي‏ء عن شي‏ء.

قوله تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) و هذا كالبيان لكون النصارى لم تنفعهم النصرانيّة و الانتساب إلى المسيحعليه‌السلام عن تعلّق


الكفر بهم إذ أشركوا بالله و لم يؤمنوا به حقّ إيمانه حيث قالوا: إنّ الله هو المسيح بن مريم.

و النصارى و إن اختلفوا في كيفيّة اشتمال المسيح بن مريم على جوهرة الاُلوهيّة بين قائل باشتقاق اُقنوم المسيح و هو العلم من اُقنوم الربّ (تعالى) و هو الحياة، و ذلك الاُبوّة و البنوّة، و قائل بأنّه تعالى صار هو المسيح على نحو الانقلاب، و قائل بأنّه حلّ فيه كما تقدّم بيان ذلك تفصيلاً في الكلام على عيسى بن مريمعليه‌السلام في تفسير سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب.

لكنّ الأقوال الثلاثة جميعاً تقبل الانطباق على هذه الكلمة (إنّ الله هو المسيح بن مريم) فالظاهر أنّ المراد بالّذين تفوّهوا بهذه الكلمة جميع النصارى الغالين في المسيحعليه‌السلام لا خصوص القائلين منهم بالانقلاب.

و توصيف المسيح بابن مريم لا يخلو من دلالة أو إشعار بسبب كفرهم و هو نسبة الاُلوهيّة إلى إنسان ابن إنسان مخلوقين من تراب، و أين التراب و ربّ الأرباب؟!

قوله تعالى: ( وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) (إلى آخر الآية) احتجاج على كفرهم و بطلان قولهم بقول المسيحعليه‌السلام نفسه فإنّ قولهعليه‌السلام :( اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) يدلّ على أنّه عبد مربوب مثلهم، و قوله:( إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ) يدلّ على أنّ من يجعل لله شريكاً في اُلوهيّته فهو مشرك كافر محرّم عليه الجنّة.

و في قوله تعالى حكاية عنهعليه‌السلام :( فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْواهُ النَّارُ وَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية، و أنّهعليه‌السلام باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم فهم مغفور لهم مرفوع عنهم التكاليف الإلهيّة و مصيرهم إلى الجنّة و لا يمسّون ناراً كما تقدّم نقل ذلك عنهم في تفسير سورة آل عمران في قصّة عيسىعليه‌السلام فقصّة التفدية و الصلب إنّما سيقت لهذا الغرض.

و ما تحكيه الآية من قولهعليه‌السلام موجود في متفرّقات الأبواب من الأناجيل


كالأمر بالتوحيد،(١) و إبطال عبادة المشرك،(٢) و الحكم بخلود الظالمين في النار(٣) .

قوله تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) أي أحد الثلاثة: الأب و الابن و الروح، أي هو ينطبق على كلّ واحد من الثلاثة، و هذا لازم قولهم: إنّ الأب إله، و الابن إله، و الروح إله، و هو ثلاثة، و هو واحد يضاهئون بذلك نظير قولنا: إنّ زيد بن عمرو إنسان، فهناك اُمور ثلاثة هي: زيد و ابن عمرو و الإنسان، و هناك أمر واحد و هو المنعوت بهذه النعوت، و قد غفلوا عن أنّ هذه الكثرة إن كانت حقيقيّة غير اعتباريّة أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، و أنّ المنعوت إن كان واحداً حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتباريّة غير حقيقيّة فالجمع بين هذه الكثرة العدديّة و الوحدة العدديّة في زيد المنعوت بحسب الحقيقة ممّا يستنكف العقل عن تعقّله.

و لذا ربّما ذكر بعض الدعاة من النصارى أنّ مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف الّتي لا تقبل الحلّ بحسب الموازين العلميّة، و لم يتنبّه أنّ عليه أن يطالب الدليل على كلّ دعوى يقرع سمعه سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف.

قوله تعالى: ( وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ) (إلى آخر الآية) ردّ منه تعالى لقولهم:( إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) بأنّ الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى في ذاته واحد، و إذا اتّصف بصفاته الكريمة و أسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئاً و لا الصفة إذا اُضيفت إلى الصفة أورث ذلك كثرة و تعدّداً فهو تعالى أحديّ الذات لا ينقسم لا في خارج و لا في وهم و لا في عقل.

فليس الله سبحانه بحيث يتجزّؤ في ذاته إلى شي‏ء و شي‏ء قطّ، و لا أنّ ذاته بحيث يجوز أن يضاف إليه شي‏ء فيصير اثنين أو أكثر، كيف؟ و هو تعالى مع هذا الشي‏ء الّذي تراد إضافته إليه تعالى في وهم أو فرض أو خارج.

____________________

(١) الإصحاح ١٢: ٢٩ (إنجيل مرقس).

(٢) الإصحاح ٦: ٢٤ (إنجيل متى).

(٣) الإصحاح ١٣: ٥٠، ٢٥: ٣١ ٤٧ (إنجيل متى أيضاً).


فهو تعالى واحد في ذاته لكن لا بالوحدة العدديّة الّتي لسائر الأشياء المتكوّن منها الكثرات، و لا منعوت بكثرة في ذات أو اسم، أو صفة، كيف؟ و هذه الوحدة العدديّة و الكثرة المتألّفة منها كلتاهما من آثار صنعه و إيجاده فكيف يتّصف بما هو من صنعه؟.

و في قوله تعالى:( وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ) من التأكيد في إثبات التوحيد ما ليس في غيره حيث سيق الكلام بنحو النفي و الاستثناء، ثمّ اُدخل( مِنْ ) على النفي لإفادة تأكيد الاستغراق، ثمّ جي‏ء بالمستثنى و هو قوله:( إِلهٌ واحِدٌ ) بالتنكير المفيد للتنويع و لو اُورد معرفة كقولنا( إلّا الإله الواحد) لم يفد ما يرام من حقيقة التوحيد.

فالمعنى: ليس في الوجود شي‏ء من جنس الإله أصلاً إلّا إله واحد نوعاً من الوحدة لا يقبل التعدّد أصلاً لا تعدّد الذات و لا تعدّد الصفات، لا خارجاً و لا فرضاً، و لو قيل: و ما من إله إلّا الله الواحد لم يدفع به قول النصارى (إنّ الله ثالث ثلاثة) فإنّهم لا ينكرون الوحدة فيه تعالى، و إنّما يقولون: إنّه ذات واحدة لها تعيّن بصفاتها الثلاث، و هي واحدة في عين أنّها كثيرة حقيقة.

و لا يندفع ما احتملوه من المعنى إلّا بإثبات وحدة لا تتألّف منه كثرة أصلاً، و هو الّذي يتوخّاه القرآن الكريم بقوله:( وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ ) .

و هذا من لطائف المعاني الّتي يلوح إليها الكتاب الإلهيّ في حقيقة معنى التوحيد و سنغور في البحث المستوفى عنه في بحث قرآنيّ خاصّ ثمّ في بحث عقليّ و آخر نقليّ إيفاءً لحقّه.

قوله تعالى: ( وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) تهديد لهم بالعذاب الأليم الاُخروي الّذي هو ظاهر الآية الكريمة.

و لما كان القول بالتثليث الّذي تتضمّنه كلمة:( إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) ليس في وسع عقول عامّة الناس أن تتعقّله فأغلب النصارى يتلقّونه قولاً مذهبيّاً مسلّماً بلفظة من غير أن يعقلوا معناه، و لا أن يطمعوا في تعقّله كما ليس في وسع العقل السليم أن


يعقله عقلاً صحيحاً، و إنّما يتعقّل كتعقّل الفروض المحالة كالإنسان اللاإنسان، و العدد الّذي ليس بواحد و لا كثير و لا زوج و لا فرد فلذلك تتسلّمه العامّة تسلّماً من غير بحث عن معناه، و إنّما يعتقدون في البنوّة و الاُبوّة شبه معنى التشريف فهؤلاء في الحقيقة ليسوا من أهل التثليث، و إنّما يمضغون الكلمة مضغاً، و ينتمون إليها انتماءً بخلاف غير العامّة منهم و هم الّذين ينسب الله سبحانه إليهم اختلاف المذاهب و يقرّر أنّ ذلك ببغيهم كما قال تعالى:( أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ - إلى أن قال -وَ ما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ) الشورى: ١٤.

فالكفر الحقيقيّ الّذي لا ينتهي إلى استضعاف - و هو الّذي فيه إنكار التوحيد و التكذيب بآيات الله - إنّما يتمّ في بعضهم دون كلّهم، و إنّما أوعد الله بالنار الخالد الّذين كفروا و كذّبوا بآيات الله، قال:( وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) البقرة: ٣٩ إلى غير ذلك من الآيات، و قد مرّ الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى:( إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ ) الآية: النساء: ٩٨.

و لعلّ هذا هو السرّ في التبعيض الظاهر من قوله:( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) أو أنّ المراد به الإشارة إلى أنّ من النصارى من لا يقول بالتثليث، و لا يعتقد في المسيح إلّا أنّه عبدالله و رسوله، كما كانت على ذلك مسيحيّو الحبشة و غيرها على ما ضبطه التاريخ فالمعنى: لئن لم ينته النصارى عمّا يقولون (نسبة قول بعض الجماعة إلى جميعهم) ليمسّنّ الّذين كفروا منهم - و هم القائلون بالتثليث منهم - عذاب أليم.

و ربّما وجّهوا الكلام أعني قوله:( لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ ) بأنّه من قبيل وضع الظاهر موضع المضمر، و الأصل: ليمسّنّهم (انتهى)، و إنّما عدل إلى وضع الموصول و صلته مكانه ليدلّ على أنّ ذلك القول كفر بالله، و أنّ الكفر سبب العذاب الّذي توعّدهم به.

و هذا وجه لا بأس به لو لا أنّ الآية مصدرة بقوله:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) و نظيره في البعد قول بعض آخر: إنّ( من ) في قوله:( مِنْهُمْ ) بيانيّة فإنّه قول من غير دليل.


قوله تعالى: ( أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) تحضيض على التوبة و الاستغفار، و تذكير بمغفرة الله و رحمته، أو إنكار أو توبيخ.

قوله تعالى: ( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) ردّ لقولهم:( إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) أو لقولهم هذا و قولهم المحكيّ في الآية السابقة:( إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) جميعاً، و محصّله اشتمال المسيح على جوهرة الاُلوهيّة، بأنّ المسيح لا يفارق سائر رسل الله الّذين توفّاهم الله من قبله كانوا بشراً مرسلين من غير أن يكونوا أرباباً من دون الله سبحانه، و كذلك اُمّه مريم كانت صدّيقة تصدّق بآيات الله تعالى و هي بشر، و قد كان هو و اُمّه جميعاً يأكلان الطعام، و أكل الطعام مع ما يتعقّبه مبنيّ على أساس الحاجة الّتي هو أوّل أمارة من أمارات الإمكان و المصنوعيّة فقد كان المسيحعليه‌السلام ممكناً متولّداً من ممكن، و عبداً و رسولاً مخلوقاً من اُمّه كانا يعبدان الله، و يجريان في سبيل الحاجة و الافتقار من دون أن يكون ربّاً.

و ما بيد القوم من كتب الإنجيل معترفة بذلك تصرّح بكون مريم فتاة كانت تؤمن بالله و تعبده، و تصرّح بأنّ عيسى تولّد منها كالإنسان من الإنسان، و تصرّح بأنّ عيسى كان رسولاً من الله إلى الناس كسائر الرسل و تصرّح بأنّ عيسى و اُمّه مريم كانا يأكلان الطعام.

فهذه اُمور صرّحت بها الأناجيل، و هي حجج على كونهعليه‌السلام عبداً رسولاً.

و يمكن أن تكون الآية مسوقة لنفي اُلوهيّة المسيح و اُمّه كليهما على ما يظهر من قوله تعالى:( أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) المائدة: ١١٦ أنّه كان هناك من يقول باُلوهيّتها كالمسيح أو أنّ المراد به اتّخاذها إلهاً كما ينسب إلى أهل الكتاب أنّهم اتّخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله، و ذلك بالخضوع لها و لهم بما لا يخضع لبشر بمثله.

و كيف كان فالآية على هذا التقدير تنفي عن المسيح و اُمّه معاً الاُلوهيّة بأنّ


المسيح كان رسولاً كسائر الرسل، و اُمّه كانت صديقة، و هما معاً كانا يأكلان الطعام، و ذلك كلّه ينافي الاُلوهيّة.

و في قوله تعالى:( قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) حيث وصف الرسل بالخلوّ من قبله، و هو الموت تأكيد للحجّة بكونه بشراً يجوز عليه الموت و الحياة كما جاز على الرسل من قبله.

قوله تعالى: ( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) الخطاب للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو في مقام التعجيب أي تعجّب من كيفيّة بياننا لهم الآيات، و هو أوضح بيان لأظهر آية في بطلان دعواهم اُلوهيّة المسيح، و كيفيّة صرفهم عن تعقّل هذه الآيات فإلى أيّ غاية يصرفون عنها، و لا تلتفت إلى نتيجتها - و هي بطلان دعواهم - عقولهم؟.

قوله تعالى: ( قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ اللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) كان الخضوع لأمر الربوبيّة إنّما انتشر بين البشر في أقدم عهوده، و خاصّة بين العامّة منهم - و عامّتهم كانوا يعبدون الأصنام - طمعاً في أن يدفع الربّ عنهم الشرّ و يوصل إليهم النفع كما يتحصّل من الأبحاث التاريخيّة، و أمّا عبادة الله لأنّه الله عزّ اسمه فلم يكن يعدو الخواصّ منهم كالأنبياء و الربّانيّين من اُممهم.

فأمر الله سبحانه رسوله أن يخاطبهم خطاب البشر الساذج الجاري على ما تلهمه فطرته الساذجة في عبادة الله كما خاطب الوثنيّين و عبّاد الأصنام بذلك فيذكرهم أنّ الذي يضطرّ الإنسان بعبادة الربّ هو أنّه يرى أزمّة الخير و الشرّ و النفع و الضرّ بيده فيعبده لأنّه يملك الضرّ و النفع طمعاً في أن يدفع عنه الضرّ و يوصل إليه الخير لعبادته له.

و كلّ ما هو دون الله تعالى لا يملك شيئاً من ضرّ و لا نفع لأنّه مملوك لله محضاً مسلوب عنه القدرة في نفسه فكيف يسوغ تخصيصه بالعبادة، و إشراكه مع ربّه الّذي هو المالك له و لغيره، و قد كان من الواجب أن يخصّ هو تعالى بالعبادة، و لا يتعدّى عنه إلى غيره لأنّه هو الّذي يختصّ به السمع و الإجابة فيسمع و يجيب المضطرّ إذ


دعاه، و هو الّذي يعلم حوائج عباده و لا يغفل عنها و لا يغلط فيها بخلاف غيره تعالى فإنّه إنّما يملك ما ملّكه الله، و يقوى على ما قوّاه الله سبحانه.

فقد تبيّن بهذا البيان:أوّلاً: أنّ الحجّة الّتي تشتمل عليها هذه الآية غير الحجّة الّتي تشتمل عليها الآية السابقة و إن توقّفتا معاً على مقدّمة مشتركة، و هي كون المسيح و اُمّه ممكنين محتاجين، فالآية السابقة حجّتها أنّ المسيح و اُمّه كانا بشرين محتاجين عبدين مطيعين لله سبحانه، و من كان حاله هذا الحال لم يصحّ أن يكون إلهاً معبوداً، و حجّة هذه الآية: أنّ المسيح ممكن محتاج مملوك بنفسه لا يملك ضرّاً و لا نفعاً، و من كان حاله هذا الحال لم يستقم اُلوهيّته و عبادته من دون الله.

و ثانياً: أنّ الحجّة مأخوذة ممّا يدركه الفهم البسيط و العقل الساذج من جهة غرض الإنسان البسيط في عبادته فإنّه إنّما يتّخذ ربّاً و يعبده ليدفع عنه الضرّ و يجلب إليه النفع، و هذا إنّما يملكه الله تعالى دون غيره، فلا غرض يتعلّق بعبادة غير الله فمن الواجب أن يرفض عبادته.

و ثالثاً: أنّ قوله:( ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً ) إنّما اُخذت فيه لفظة( ما ) دون لفظة( من ) مع أنّ المسيح من اُولي العقل لأنّ الحجّة بعينها هي الّتي تقام على الوثنيّين و عبدة الأصنام الّتي لا شعور لها، و لا دخل في كون المسيحعليه‌السلام من اُولي العقل في تمام الحجّة فهي تامّة في كلّ معبود مفروض دون الله سبحانه.

على أنّ غيره تعالى و إن كان من اُولي العقل و الشعور لا يملكون شيئاً من العقل و الشعور من عند أنفسهم كسائر ما ينسب إليهم من شؤون وجودهم قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ ) الأعراف: ١٩٥.

و كذلك تقديم الضرّ على النفع في قوله:( ضَرًّا وَ لا نَفْعاً ) للجري على وفق ما تدركه و تدعوا إليه الفطرة الساذجة كما مرّ، فإنّ الإنسان بحسب الطبع يرى ما تلبّس به من النعم الموجودة عنده ما دامت عنده مملوكة لنفسه لا تلتفت نفسه إلى إمكان فقدها


و لا تتصوّر ألمه عند فقدها بخلاف المضارّ الّتي يجدها بالفعل، و النعم الّتي يفتقدها و يجد ألم فقدها، فإنّ الفطرة تنبّهها إلى الالتجاء إلى ربّ يدفع عنها الضرّ و الضير، و يجلب إليها النعمة المسلوبة كما قال تعالى:( وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى‏ ضُرٍّ مَسَّهُ ) يونس: ١٢، و قال تعالى:( وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي ) حم السجدة: ٥٠، و قال تعالى:( وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ) حم السجدة: ٥١.

فتحصّل أنّ مسّ الضرّ أبعث للإنسان إلى الخضوع للربّ و عبادته من وجدان النفع، و لذلك قدّم الله سبحانه الضرّ على النفع في قوله:( ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً ) و كذا في سائر الموارد الّتي تماثله كقوله:( اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً ) الفرقان: ٣.

و رابعاً: أنّ مجموع الآية:( أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ) إلى آخرها حجّة على وجوب قصر العبادة في الله سبحانه من دون إشراك غيره معه و هي منحلّة إلى حجّتين ملخّصهما: أنّ اتّخاذ الإله و عبادة الربّ إنّما هو لغرض دفع الضرّ و جلب النفع فيجب أن يكون الإله المعبود مالكاً لذلك و لا يجوز عبادة من لا يملك شيئاً، و الله سبحانه هو السميع المجيب للدعوة العليم بكنه الحاجة من غير جهل دون غيره فوجب عبادته من غير إشراك غيره.

قوله تعالى: ( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ) خطاب آخر للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمره أن يدعو أهل الكتاب إلى عدم الغلوّ في دينهم، و أهل الكتاب و خاصّة النصارى مبتلون بذلك، و( الغالي) المتجاوز عن الحدّ بالإفراط، و يقابله( القالي) في طرف التفريط.

و دين الله الّذي يفسّره كتبه المنزّلة يأمر بالتوحيد و نفي الشريك و ينهى عن اتّخاذ الشركاء لله سبحانه، و قد ابتلي بذلك أهل الكتاب عامّة اليهود و النصارى،


و إن كان أمر النصارى في ذلك أشنع و أفظع قال تعالى:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) التوبة: ٣١.

و القول بأنّ عزيراً ابن الله و إن كان غير ظاهر اليوم عند اليهود لكنّ الآية تشهد بأنّهم كانوا يقولون ذلك في عصر النزول.

و الظاهر أنّ ذلك كان لقباً تشريفيّاً يلقّبونه به قبال ما خدمهم و أحسن إليهم في إرجاعهم إلى اُورشليم (بيت المقدّس) بعد أسارة بابل، و جمع لهم التوراة ثانياً بعد ضياعه في قصّة بخت نصر، و قد كانوا يعدّون بنوّة الله لقباً تشريفيّاً كما يتّخذ النصارى اليوم الاُبوّة كذلك و يسمّون الباباوات و البطارقة و القسّيسين بالآباء (الباب و البابا: الأب) و قد قال تعالى:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ وَ النَّصارى‏ نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَ أَحِبَّاؤُهُ ) المائدة: ١٨.

بل الآية الثانية أعني قوله:( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ) تدلّ على ذلك حيث اقتصر فيها على ذكر المسيحعليه‌السلام ، و لم يذكر عزيراً فدلّ على دخوله في عموم قوله:( أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ ) و أنّهم إنّما كانوا يسمّونه ابن الله كما يسمّون أحبارهم أبناء الله، و قد خصّوه بالذكر وحده شكراً لإحسانه إليهم كما تقدّمت الإشارة إليه.

و بالجملة وضعهم بعض أنبيائهم و أحبارهم و رهبانهم موضع الربوبيّة و خضوعهم لهم بما لا يخضع بمثله إلّا لله سبحانه غلوّ منهم في دينهم ينهاهم الله عن ذلك بلسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و تقييد الغلوّ في الدين بغير الحقّ - و لا يكون الغلوّ إلّا كذلك - إنّما هو للتأكيد و تذكير لازم المعنى مع ملزومه لئلّا يذهل عنه السامع و قد ذهل حين غلا أو كان كالذاهل.


و إطلاق الأب على الله سبحانه بتحليل معناه و تجريده عن وسمة نواقص المادّة الجسمانيّة أي من بيده الإيجاد و التربية، و كذلك الابن بمعناه المجرّد التحليليّ و إن لم يمنعه العقل لكنّه ممنوع شرعاً لتوقيفيّة أسماء الله سبحانه لما في التوسّع في إطلاق الأسماء المختلفة عليه تعالى من المفاسد، و كفى مفسدة في إطلاق الأب و الابن ما لقيته الاُمّتان: اليهود و النصارى و خاصّة النصارى من أولياء الكنيسة خلال قرون متمادية و لن يزال الأمر على ذلك.

قوله تعالى: ( وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) ظاهر السياق أنّ المراد بهؤلاء القوم الّذين نهوا عن اتّباع أهوائهم هم المتبوعون المطاعون في آرائهم و أوامرهم فيكون ضلالهم لمكان التزامهم بآرائهم، إضلالهم كثيراً هو اتّباع غيرهم لهم، و ضلالهم عن سواء السبيل هو المتحصّل لهم من ضلالهم و إضلالهم، و هو ضلال على ضلال.

و كذلك ظاهر السياق أنّ المراد بهم هم الوثنيّة و عبدة الأصنام فإنّ ظاهر السياق أنّ الخطاب إنّما هو لجميع أهل الكتاب لا للمعاصرين منهم للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى يكون نهياً لمتأخّريهم عن اتّباع متقدّميهم.

و يؤيّده بل يدلّ عليه قوله تعالى:( وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَ قالَتِ النَّصارى‏ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ) التوبة: ٣٠.

فيكون ذلك حقيقة تحليليّة تاريخيّة أشار إليها القرآن الكريم هي أنّ القول بالاُبوّة و البنوّة ممّا تسرّب إلى أهل الكتاب من قبل من تقدّمهم من الوثنيّة، و قد تقدّم في الكلام على قصص المسيحعليه‌السلام في سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب أنّ هذا القول في جملة من الأقوال و الآراء موجود عند الوثنيّة البرهمنيّة و البوذيّة في الهند و الصين، و كذلك مصر القديم و غيرهم، و إنّما أخذ بالتسرّب في الملّة الكتابيّة بيد دعاتها، فظهر في زيّ الدين و كان الاسم لدين التوحيد و المسمّى للوثنيّة.

قوله تعالى: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى


ابْنِ مَرْيَمَ ) إلى آخر الآيتين إخبار بأنّ الكافرين منهم ملعونون بلسان أنبيائهم، و فيه تعريض لهؤلاء الّذين كفّرهم الله في هذه الآيات من اليهود ملعونين بدعوة أنبيائهم أنفسهم، و ذلك بسبب عصيانهم لأنبيائهم، و هم كانوا مستمرّين على الاعتداء و قوله:( كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ) إلخ بيان لقوله:( وَ كانُوا يَعْتَدُونَ ) .

قوله تعالى: ( تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلخ، و هذا من قبيل الاستشهاد بالحسّ على كونهم معتدين فإنّهم لو قدروا دينهم حقّ قدره لزموه و لم يعتدّوه، و لازم ذلك أن يتولّوا أهل التوحيد و يتبرّؤا من الّذين كفروا لأنّ أعداء ما يقدّسه قوم أعداء لذلك القوم، فإذا تحابّوا و توالوا دلّ ذلك على إعراض ذلك القوم و تركهم ما كانوا يقدّسونه و يحترمونه، و صديق العدوّ عدوّ، ثمّ ذمّهم الله تعالى بقوله:( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ ) و هو ولاية الكفّار عن هوى النفس، و كان جزاؤه و وباله( أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ) ، ففي الآية وضع جزاء العمل و عاقبته موضع العمل كأنّ أنفسهم قدّمت لهم جزاء العمل بتقديم نفس العمل.

قوله تعالى: ( وَ لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ النَّبِيِّ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) أي و لو كان أهل الكتاب هؤلاء يؤمنون بالله و النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و ما اُنزل إليه، أو نبيّ أنفسهم كموسى مثلاً و ما اُنزل إليه كالتوراة مثلاً ما اتّخذوا اُولئك الكفّار أولياء لأنّ الإيمان يجب سائر الأسباب، و لكنّ كثيراً منهم فاسقون متمرّدون عن الإيمان.

و في الآية وجه آخر احتملوه، و هو أن يرجع ضمائر قوله:( كانُوا ) و( يُؤْمِنُونَ ) و( اتَّخَذُوهُمْ ) في قوله:( مَا اتَّخَذُوهُمْ ) راجعة إلى الّذين كفروا، و المعنى: و لو كان الّذين كفروا اُولئك الكفّار الّذين يتولّاهم أهل الكتاب يؤمنون بالله و النبيّ و القرآن ما اتّخذتهم أهل الكتاب أولياء، و إنّما تولّوهم لمكان كفرهم، و هذا وجه لا بأس به غير أنّ الإضراب في قوله:( وَ لكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) لا يلائمه.

قوله تعالى:( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا - إلى قوله -نَصارى) لما بيّن سبحانه في الآيات السابقة الرذائل المشتركة بين أهل


الكتاب عامّة، و بعض ما يختصّ ببعضهم كقول اليهود:( يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ) و قول النصارى:( إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ) ختم الآيات بما يختصّ به كلّ من الطائفين إذا قيس حالهم من المؤمنين و دينهم، و أضاف إلى حالهم حال المشركين ليتمّ الكلام في وقع الإسلام من قلوب الاُمم غير المسلمة من حيث قربهم و بعدهم من قبوله.

و يتمّ الكلام في أنّ النصارى أقرب تلك الاُمم مودّة للمسلمين و أسمع لدعوتهم الحقّة.

و إنّما عدّهم الله سبحانه أقرب مودّة للمسلمين لما وقع من إيمان طائفة منهم بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما يدلّ عليه قوله في الآية التالية:( وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ) إلخ، لكن لو كان إيمان طائفة تصحّح هذه النسبة إلى جميعهم كان من الواجب أن تعدّ اليهود و المشركون كمثل النصارى و ينسب إليهما نظير ما نسب إليهم لمكان إسلام طائفة من اليهود كعبد الله بن سلام و أصحابه، و إسلام عدّة من مشركي العرب و هم عامّة المسلمين اليوم فتخصيص النصارى بمثل قوله:( وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ ) إلخ، دون اليهود و المشركين يدلّ على حسن إقبالهم على الدعوة الإسلاميّة و إجابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع أنّهم على خيار بين أن يقيموا على دينهم و يؤدّوا الجزية، و بين أن يقبلوا الإسلام، أو يحاربوا.

و هذا بخلاف المشركين فإنّهم لم يكن يقبل منهم إلّا قبول الدعوة فكثرة المؤمنين منهم لا يدلّ على حسن الإجابة، على ما كابد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جفوتهم و لقاه المسلمون من أيديهم بقسوتهم و نخوتهم.

و كذلك اليهود و إن كانوا كالنصارى في إمكان إقامتهم على دينهم و تأدية الجزية إلى المسلمين لكنّهم تمادوا في نخوتهم، و تصلّبوا في عصبيّتهم، و أخذوا بالمكر و المكيدة، و نقضوا عهودهم، و تربّصوا الدوائر على المسلمين، و مسّوهم بأمر المسّ و آلمه.

و هذا الّذي جرى من أمر النصارى مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و الدعوة الإسلاميّة، و حسن إجابتهم، و كذا من أمر اليهود و المشركين في التمادي على الاستكبار و العصبيّة جرى بعينه بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حذو ما جرى في عهده فما أكثر من لبّى الدعوة الإسلاميّة من


فرق النصارى خلال القرون الماضية، و ما أقلّ ذلك من اليهود و الوثنيّين! فاحتفاظ هذه الخصيصة في هؤلاء و هؤلاء يصدّق الكتاب العزيز في ما أفاده.

و من المعلوم أنّ قوله تعالى:( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ) من قبيل بيان الضابط العامّ في صورة خطاب خاصّ نظير ما مرّ في الآيات السابقة:( تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) و( تَرى‏ كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ ) .

قوله تعالى: ( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) القسّيس معرّب( كشيش) و الرهبان جمع الراهب و قد يكون مفرداً، قال الراغب: الرهبة و الرهب مخافة مع تحرّز - إلى أن قال - و الترهّب التعبّد، و الرهبانيّة غلوّ في تحمّل التعبّد من فرط الرهبة، قال تعالى:( وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ) و الرهبان يكون واحداً و جمعاً فمن جعله واحداً جمعه على رهابين، انتهى.

علّل تعالى ما ذكره من كون النصارى أقرب مودّة و آنس قلوباً للّذين آمنوا بخصال ثلاث يفقدها غيرهم من اليهود و المشركين، و هي أنّ فيهم علماء و أنّ فيهم رهباناً و زهّاداً، و أنّهم لا يستكبرون و ذلك مفتاح تهيّؤهم للسعادة.

و ذلك أنّ سعادة حياة الدين أن تقوم بصالح العمل عن علم به، و إن شئت فقل: إن يذعن بالحقّ فيطبّق عمله عليه فله حاجة إلى العلم ليدرك به حقّ الدين و هو دين الحقّ، و مجرّد إدراك الحقّ لا يكفي للتهيّؤ للعمل على طبقه حتّى ينتزع الإنسان من نفسه الهيئة المانعة عنه، و هو الاستكبار عن الحقّ بعصبيّة و ما يشابهها، و إذا تلبّس الإنسان بالعلم النافع و النصفة في جنب الحقّ برفع الاستكبار تهيّأ للخضوع للحقّ بالعمل به لكن بشرط عدم منافاة الجوّ لذلك فإنّ لموافقة الجوّ للعمل تأثيراً عظيماً في باب الأعمال فإنّ الأعمال الّتي يعتورها عامّة المجتمع و ينمو عليها أفراده، و تستقرّ عليهم عادتهم خلفاً عن سلف لا يبقى للنفس فراغ أن تتفكّر في أمرها أو تتدبّر و تدبّر في التخلّص عنها إذا كانت ضارّة مفسدة للسعادة، و كذلك الحال في الأعمال الصالحة إذا استقرّ التلبّس بها في مجتمع يصعب على النفس تركها، و لذا قيل: إنّ العادة طبيعة ثانية، و لذا كان أيضاً أوّل فعل مخالف حرجاً على النفس في الغاية و هو عند النفس


دليل على الإمكان، ثمّ لا يزال كلّما تحقّق فعل زاد في سهولة التحقّق و نقص بقدره من صعوبته.

فإذا تحقّق الإنسان أنّ عملاً كذا حقّ صالح و نزع عن نفسه أغراض العناد و اللجاج بإماتة الاستكبار و الاستعلاء على الحقّ كان من العون كلّ العون على إتيانه أن يرى إنساناً يرتكبه فتتلقّى نفسه إمكان العمل.

و من هنا يظهر أنّ المجتمع إنّما يتهيّؤ لقبول الحقّ إذا اشتمل على علماء يعلمونه و يعلّمونه، و على رجال يقومون بالعمل به حتّى يذعن العامّة بإمكان العمل و يشاهدوا حسنه، و على اعتياد عامّتهم على الخضوع للحقّ و عدم الاستكبار عنه إذا انكشف لهم.

و لهذا علّل الله سبحانه قرب النصارى من قبول الدعوة الحقّة الدينيّة بأنّ فيهم قسّيسين و رهباناً و أنّهم لا يستكبرون ففيهم علماء لا يزالون يذكّرونهم مقام الحقّ و معارف الدين قولاً، و فيهم زهّاد يذكّرونهم عظمة ربّهم و أهمّيّة سعادتهم الاُخرويّة و الدنيويّة عملاً، و فيهم عدم الاستكبار عن قبول الحقّ.

و أمّا اليهود فإنّهم و إن كان فيهم أحبار علماء لكنّهم مستكبرون لا تدعهم رذيلة العناد و الاستعلاء أن يتهيّؤا لقبول الحقّ.

و أمّا الّذين أشركوا فإنّهم يفقدون العلماء و الزهّاد، و فيهم رذيلة الاستكبار.

قوله تعالى: ( وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ) إلخ، فاضت العين بالدمع سال دمعها بكثرة، و( مِنَ ) في قوله:( مِنَ الدَّمْعِ ) للابتداء، و في قوله:( مِمَّا ) للنشوء، و في قوله:( مِنَ الْحَقِّ ) بيانيّة.

قوله تعالى: ( وَ ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ ) إلخ، لفظة( يُدْخِلَنا ) كأنّها مضمّنة معنى الجعل، و لذلك عدّي بمع، و المعنى: يجعلنا ربّنا مع القوم الصالحين مدخلاً لنا فيهم.

و في هذه الأفعال و الأقوال الّتي حكاها الله تعالى عنهم تصديق ما ذكره عنهم أنّهم أقرب مودّة للّذين آمنوا، و تحقيق أنّ فيهم العلم النافع و العمل الصالح و الخضوع للحقّ


حيث كان فيهم قسّيسون و رهبان و هم لا يستكبرون.

قوله تعالى: ( فَأَثابَهُمُ اللهُ ) إلى آخر الآيتين،( الإثابة) المجازاة، و الآية الاُولى ذكر جزائهم، و الآية الثانية فيها ذكر جزاء من خالفهم على طريق المقابلة استيفاءً للأقسام.

( بحث روائي)

في معاني الأخبار، بإسناده عن الرضا عن آبائه، عن عليّعليه‌السلام : في قوله تعالى:( كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ) معناه أنّهما كانا يتغوّطان.

أقول: و رواه العيّاشيّ في تفسيره مرفوعاً.

و في الكافي، بإسناده عن أبي عبيدة الحذّاء، عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) قال: الخنازير على لسان داود، و القردة على لسان عيسى بن مريم.

أقول: و رواه القمّيّ و العيّاشيّ عنهعليه‌السلام ، و روي بطرق أهل السنّة عن مجاهد و قتادة و غيرهما: لعن القردة على لسان داود، و الخنازير على لسان عيسى بن مريم‏، و يوافقه بعض روايات الشيعة كما يأتي.

و في المجمع، عن أبي جعفرعليه‌السلام : أمّا داود فإنّه لعن أهل أيلة لما اعتدوا في سبتهم، و كان اعتداؤهم في زمانه فقال: اللّهمّ ألبسهم اللعنة مثل الرداء، و مثل المنطقة على الخصرين فمسخهم الله قردة، و أمّا عيسى فإنّه لعن الّذين نزلت عليهم المائدة ثمّ كفروا بعد ذلك، قال: فقال أبوجعفرعليه‌السلام : يتولّون الملوك الجبّارين، و يزيّنون لهم هواهم ليصيبوا من دنياهم.

أقول: و القرآن يؤيّد كون أصحاب السبت ممسوخين إلى القردة قال تعالى:( وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) البقرة: ٥٦ و قال تعالى:( وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ


شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ - إلى أن قال -وَ إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى‏ رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ - إلى أن قال -فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) الأعراف: ١٦٦.

و في الدرّ المنثور: أخرج عبد بن حميد و أبوالشيخ و الطبرانيّ و ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ بني إسرائيل لما عملوا الخطيئة نهاهم علماؤهم تعزيراً ثمّ جالسوهم و آكلوهم و شاربوهم كأن لم يعملوا بالأمس خطيئة فلمّا رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض، و لعنهم على لسان نبيّ من الأنبياء، ثمّ (قال،ظ) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : و الله لتأمرنّ بالمعروف، و لتنهنّ عن المنكر، و لتأطرنّهم على الحقّ أطراً أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض و ليلعننّكم كما لعنهم.

و فيه: أخرج عبد بن حميد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خذوا العطاء ما كان عطاءً فإذا كان رشوة عن دينكم فلا تأخذوا و لن تتركوه يمنعكم من ذلك الفقر و المخافة إنّ بني يأجوج قد جاؤا، و إنّ رحى الإسلام سيدور فحيثما دار القرآن فدوروا به، يوشك السلطان و القرآن أن يقتتلا و يتفرّقا أنّه سيكون عليكم ملوك يحكمون لكم بحكم و لهم بغيره فإن أطعتموهم أضلّوكم، و إن عصيتموهم قتلوكم.

قالوا: يا رسول الله كيف بنا إن أدركنا ذلك؟ قال: تكونوا كأصحاب عيسى نشروا بالمناشير، و رفعوا على الخشب، موت في طاعة خير من حياة في معصية إنّ أوّل ما نقص في بني إسرائيل أنّهم كانوا يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر سنّة التعزير فكان أحدهم إذا لقي صاحبه الّذي كان يعيب عليه آكله و شاربه و كأنّه لم يعب عليه شيئاً فلعنهم الله على لسان داود، و ذلك بما عصوا و كانوا يعتدون.

و الّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر أو ليسلّطنّ الله عليكم شراركم ثمّ ليدعونّ خياركم فلا يستجاب لكم.

و الّذي نفسي بيده لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر، و لتأخذنّ على يد الظالم فلتأطرنّه عليه أطراً أو ليضربنّ الله قلوب بعضكم ببعض.


و فيه، أيضاً: أخرج ابن راهويه و البخاريّ في الوحدانيّات، و ابن السكن و ابن مندة و الباورديّ في معرفة الصحابة، و الطبرانيّ و أبونعيم و ابن مردويه عن ابن أبزى، عن أبيه:

قال: خطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحمد الله و أثنى عليه ثمّ ذكر طوائف من المسلمين فأثنى عليهم خيراً، ثمّ قال: ما بال أقوام لا يعلّمون جيرانهم و لا يفقّهونهم، و لا يأمرونهم و لا ينهونهم؟ و ما بال أقوام لا يتعلّمون من جيرانهم و لا يتفقّهون و لا يتفطّنون؟ و الّذي نفسي بيده ليعلّمنّ (جيرانهم،ظ) أو ليتفقّهنّ أو ليتفطّننّ أو لاُعاجلنّهم بالعقوبة في دار الدنيا، ثمّ نزل و دخل بيته فقال أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من يعني بهذا الكلام؟ قالوا: ما نعلم يعني بهذا الكلام إلّا الأشعريّين فقهاء علماء، و لهم جيران جفاة جهلة.

فاجتمع جماعة من الأشعريّين فدخلوا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: ذكرت طوائف من المسلمين بخير و ذكرتنا بشرّ فما بالنا؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لتعلّمنّ جيرانكم و لتفقّهنّهم و لتأمرنّهم و لتنهنّهم أو لاُعاجلنّكم بالعقوبة في دار الدنيا، فقالوا: يا رسول الله فأمهلنا سنة ففي سنة مّا نعلّمهم و يتعلّمون فأمهلهم سنة ثمّ قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى‏ لِسانِ داوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ، كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) .

و في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن الهيثمّ التميميّ عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قوله:( كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) ، قال: أمّا إنّهم لم يكونوا يدخلون مداخلهم و لا يجالسون مجالسهم و لكن كانوا إذا لقوهم ضحكوا في وجوههم و أنسوا بهم.

و فيه، أيضاً: عن مروان، عن بعض أصحابه، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: ذكر النصارى و عداوتهم فقال: قول الله:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) ، قال: اُولئك كانوا قوماً بين عيسى و محمّد ينتظرون مجي‏ء محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أقول: ظاهر الآية العموم دون الخصوص، و لعلّ المراد أنّ المدح إنّما هو لهم


ما لم يغيّروا كما أنّ الذي مدح الله به المسلمين كذلك.

و في الدرّ المنثور: أخرج عبد بن حميد و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبوالشيخ و ابن مردويه عن سعيد بن جبير: في قوله:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً ) قال: هم رسل النجاشيّ الّذين أرسل بإسلامه إسلام قومه كانوا سبعين رجلاً اختارهم من قومه الخير فالخير في الفقه و السنّ.

و في لفظ: بعث من خيار أصحابه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثين رجلاً فلمّا أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخلوا عليه فقرأ عليهم سورة( يس) فبكوا حين سمعوا القرآن و عرفوا أنّه الحقّ.

فأنزل الله فيهم:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً ، الآية) و نزلت هذه الآية فيهم أيضاً:( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ - إلى قوله -أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا ) .

و فيه: أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو بمكّة يخاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب و ابن مسعود و عثمان بن مظعون في رهط من أصحابه إلى النجاشيّ ملك الحبشة.

فلمّا بلغ المشركين بعثوا عمرو بن العاص في رهط منهم، ذكروا أنّهم سبقوا أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى النجاشيّ فقالوا: إنّه قد خرج فينا رجل سفّه عقول قريش و أحلامها زعم أنّه نبيّ، و أنّه بعث إليك رهطاً ليفسدوا عليك قومك فأحببنا أن نأتيك و نخبرك خبرهم.

قال: إنّ جاؤني نظرت فيما يقولون، فلمّا قدم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتوا إلى باب النجاشيّ فقالوا: استأذن لأولياء الله فقال: ائذن لهم فمرحباً بأولياء الله فلمّا دخلوا عليه سلّموا، فقال الرهط من المشركين: أ لم تر أيّها الملك أنّا صدقناك، و أنّهم لم يحيّوك بتحيّتك الّتي تحيّا بها؟ فقال لهم: ما يمنعكم أن تحيّوني بتحيّتي؟ قالوا: إنّا حييّناك بتحيّة أهل الجنّة و تحيّة الملائكة.

فقال لهم: ما يقول صاحبكم في عيسى و اُمّه؟ قالوا: يقول: عبدالله و رسوله و


كلمة من الله و روح منه ألقاها إلى مريم، و يقول في مريم: إنّها العذراء الطيّبة البتول قال: فأخذ عودا من الأرض فقال: ما زاد عيسى و اُمّه على ما قال صاحبكم هذا العود، فكره المشركون قوله و تغيّر له وجوههم.

فقال: هل تقرؤن شيئاً ممّا اُنزل عليكم؟ قالوا: نعم، قال: فاقرؤوا فقرؤا - و حوله القسّيسون و الرهبان و سائر النصارى - فجعلت طائفة من القسّيسين و الرهبان كلّما قرؤوا آية انحدرت دموعهم ممّا عرفوا من الحقّ قال الله:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ، وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى‏ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ) .

أقول: و روى القمّيّ في تفسيره القصّة مفصّلة في خبر طويل، و في آخره: و رجعوا إلى النجاشيّ فأخبروه خبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قرؤا عليه ما قرأ عليهم فبكى النجاشيّ و بكى القسّيسون، و أسلم النجاشيّ و لم يظهر للحبشة إسلامه، و خافهم على نفسه فخرج من بلاد الحبشة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا عبّر البحر توفّي‏، الحديث.

( كلام في معنى التوحيد في القرآن)

لا يرتاب الباحث المتعمّق في المعارف الكلّيّة أنّ مسألة التوحيد من أبعدها غوراً، و أصعبها تصوّراً و إدراكاً، و أعضلها حلّاً لارتفاع كعبها عن المسائل العامّة العامّيّة الّتي تتناولها الأفهام، و القضايا المتداولة الّتي تألفها النفوس، و تعرفها القلوب.

و ما هذا شأنه تختلف العقول في إدراكه و التصديق به للتنوّع الفكريّ الّذي فطر عليه الإنسان من اختلاف أفراده من جهة البنية الجسميّة و إدّاء ذلك إلى اختلاف أعضاء الإدراك في أعمالها ثمّ تأثير ذلك الفهم و التعقّل من حيث الحدّة و البلادة، و الجودة و الرداءة، و الاستقامة و الانحراف.

فهذا كلّه ممّا لا شك فيه، و قد قرّر القرآن هذا الاختلاف في موارد من آياته الكريمة كقوله تعالى:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) الزمر: ٩، و قوله تعالى:( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا


الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) النجم: ٣٠، و قوله تعالى:( فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ) النساء: ٨٧، و قوله تعالى في ذيل الآية ٧٥ من المائدة (و هي من جملة الآيات الّتي نحن فيها):( انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) .

و من أظهر مصاديق هذا الاختلاف الفهميّ اختلاف أفهام الناس في تلقّي معنى توحّده تعالى لما في أفهامهم من الاختلاف العظيم و النوسان الوسيع في تقرير مسألة وجوده تعالى على ما بينهم من الاتّفاق على ما تعطيه الفطرة الإنسانيّة بإلهامها الخفيّ و إشارتها الدقيقة.

فقد بلغ فهم آحاد من الإنسان في ذلك أن جعل الأوثان المتّخذة، و الأصنام المصنوعة من الخشب و الحجارة حتّى من نحو الأقط و الطينة المعمولة من أبوال الغنم شركاء لله، و قرناء له، يعبد كما تعبد هؤلاء، و يسأل كما تسأل هؤلاء، و يخضع له كما يخضع لها، و لم يلبث هذا الإنسان دون أن غلّب هذه الأصنام عليه تعالى بزعمه، و أقبل عليها و تركه، و أمّرها على حوائجه و عزله.

فهذا الإنسان قصارى ما يراه من الوجود له تعالى هو مثل ما يراه لآلهته الّتي خلقها بيده، أو خلقها إنسان مثله بيده، و لذلك كانوا يثبتون له تعالى من صفة الوحدة مثل ما يصفون به كلّ واحد من أصنامهم، و هي الوحدة العدديّة الّتي تتألّف منها الأعداد، قال تعالى:( وَ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَ قالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ، أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْ‏ءٌ عُجابٌ ) ص: ٦.

فهؤلاء كانوا يتلقّون الدعوة القرآنيّة إلى التوحيد دعوة إلى القول بالوحدة العدديّة الّتي تقابل الكثرة العدديّة كقوله تعالى:( وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) البقرة: ١٦٣ و قوله تعالى:( هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) المؤمن: ٦٥ و غير ذلك من الآيات الداعية إلى رفض الآلهة الكثيرة، و توجيه الوجه لله الواحد، و قوله تعالى:( وَ إِلهُنا وَ إِلهُكُمْ واحِدٌ ) العنكبوت: ٤٦ و غيره من الآيات الداعية إلى رفض التفرّق في العبادة للإله، حيث كانت كلّ اُمّة أو طائفة أو قبيلة تتّخذ


إلهاً تختصّ به، و لا تخضع لإله الآخرين.

و القرآن ينفي في عالي تعليمه الوحدة العدديّة عن الإله جلّ ذكره، فإنّ هذه الوحدة لا تتّم إلّا بتميّز هذا الواحد من ذلك الواحد بالمحدوديّة الّتي تقهره، و المقدّريّة الّتي تغلبه، مثال ذلك ماء الحوض إذا فرّقناه في آنية كثيرة كان ماء كلّ إناء ماءً واحداً غير الماء الواحد الّذي في الإناء الآخر، و إنّما صار ماءً واحداً يتميّز عمّا في الآخر لكون ما في الآخر مسلوباً عنه غير مجتمع معه، و كذلك هذا الإنسان إنّما صار إنساناً واحداً لأنّه مسلوب عنه ما للإنسان الآخر، و لو لا ذلك لم يتأتّ للإنسانيّة الصادقة على هذا و ذاك أن تكون واحدة بالعدد و لا كثيرة بالعدد.

فمحموديّة الوجود هي الّتي تقهر الواحد العدديّ على أن يكون واحداً ثمّ بانسلاب هذه الوحدة من بعض الجهات تتألّف كثرة عدديّة كما عنده عروض صفة الاجتماع بوجه.

و إذ كان الله سبحانه قاهراً غير مقهور، و غالباً لا يغلبه شي‏ء البتّة كما يعطيه التعليم القرآنيّ لم تتصوّر في حقّه وحدة عدديّة و لا كثرة عدديّة، قال تعالى:( وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد: ١٦، و قال:( أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ) يوسف: ٤٠، و قال:( وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) ص: ٦٥، و قال:( لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) الزمر: ٤.

و الآيات بسياقها - كما ترى - تنفي كلّ وحدة مضافة إلى كثرة مقابلة لها سواء كانت وحدة عدديّة كالفرد الواحد من النوع الّذي لو فرض بإزائه فرد آخر كانا اثنين فإنّ هذا الفرد مقهور بالحدّ الّذي يحدّه به الفرد الآخر المسلوب عنه المفروض قباله، أو كانت وحدة نوعيّة أو جنسيّة أو أيّ وحدة كلّيّة مضافة إلى كثرة من سنخها كالإنسان الّذي هو نوع واحد مضاف إلى الأنواع الكثيرة الحاصلة منه و من الفرس و البقر و الغنم و غيرها فإنّه مقهور بالحدّ الّذي يحدّه به ما يناظره من الأنواع الاُخر، و إذ كان تعالى لا يقهره شي‏ء في شي‏ء البتّة من ذاته و لا صفته و لا فعله و هو القاهر فوق كلّ شي‏ء


فليس بمحدود في شي‏ء يرجع إليه، فهو موجود لا يشوبه عدم، و حقّ لا يعرضه بطلان، و هو الحيّ لا يخالطه موت، و العليم لا يدبّ إليه جهل، و القادر لا يغلبه عجز، و المالك و الملك من غير أن يملك منه شي‏ء و العزيز الّذي لا ذلّ له، و هكذا.

فله تعالى من كلّ كمال محضه، و إن شئت زيادة تفهّم و تفقّه لهذه الحقيقة القرآنيّة فافرض أمراً متناهياً و آخر غير متناه تجد غير المتناهي محيطاً بالمتناهي بحيث لا يدفعه المتناهي عن كماله المفروض أيّ دفع، فرضته بل غير المتناهي مسيطر عليه بحيث لا يفقده المتناهي في شي‏ء من أركان كماله، و غير المتناهي هو القائم على نفسه، الشهيد عليه، المحيط به، ثمّ انظر في ذلك إلى ما يفيده قوله تعالى:( أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ، أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ ) حم السجدة: ٥٤.

و هذا هو الّذي يدلّ عليه عامّة الآيات الواصفة لصفاته تعالى الواقعة في سياق الحصر أو الظاهر فيه كقوله تعالى:( اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ ) طه: ٨، و قوله:( وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) النور: ٢٥، و قوله:( هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ) المؤمن: ٦٥، و قوله:( وَ هُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) الروم: ٥٤، و قوله:( أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) البقرة: ١٦٥، و قوله:( لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ ) التغابن: ١، و قوله:( إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ) يونس: ٦٥، و قوله:( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) البقرة: ١٤٧، و قوله:( أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَ اللهُ هُوَ الْغَنِيُّ ) فاطر: ١٥، إلى غير ذلك من الآيات.

فالآيات - كما ترى - تنادي بأعلى صوتها أنّ كلّ كمال مفروض فهو لله سبحانه بالأصالة، و ليس لغيره شي‏ء إلّا بتمليكه تعالى له ذلك من غير أن ينعزل عمّا يملكه و يملّكه كما ننعزل نحن معاشر الخليقة عمّا ملّكناه غيرنا.

فكلّما فرضنا شيئاً من الأشياء ذا شي‏ء من الكمال في قباله تعالى ليكون ثانياً له و شريكاً عاد ما بيده من معنى الكمال لله سبحانه محضاً، و هو الحقّ الّذي يملك كلّ شي‏ء، و غيره الباطل الّذي لا يملك لنفسه شيئاً قال تعالى:( لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا


وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً ) الفرقان: ٣.

و هذا المعنى هو الّذي ينفي عنه تعالى الوحدة العدديّة إذ لو كان واحداً عدديّاً أي موجوداً محدوداً منعزل الذات عن الإحاطة بغيره من الموجودات صحّ للعقل أن يفرض مثله الثاني له سواء كان جائز التحقّق في الخارج أو غير جائز التحقّق، و صحّ عند العقل أن يتّصف بالكثرة بالنظر إلى نفسه و إن فرض امتناعه في الواقع، و ليس كذلك.

فهو تعالى واحد بمعنى أنّه من الوجود بحيث لا يحدّ بحدّ حتّى يمكن فرض ثان له فيما وراء ذلك الحدّ و هذا معنى قوله تعالى:( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ، وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) سورة التوحيد: ٤ فإنّ لفظ أحد إنّما يستعمل استعمالاً يدفع إمكان فرض العدد في قباله يقال:( ما جاءني أحد) و ينفي به أن يكون قد جاء الواحد و كذا الاثنان و الأكثر و قال تعالى:( وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ ) التوبة: ٦ فشمل الواحد و الاثنين و الجماعة و لم يخرج عن حكمه عدد، و قال تعالى:( أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ ) فشمل الواحد و ما وراءه، و لم يشذّ منه شاذّ.

فاستعمال لفظ أحد في قوله:( هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) في الإثبات من غير نفي و لا تقييد بإضافة أو وصف يفيد أنّ هويّته تعالى بحيث يدفع فرض من يماثله في هويّته بوجه سواء كان واحداً أو كثيراً فهو محال بحسب الفرض الصحيح مع قطع النظر عن حاله بحسب الخارج.

و لذلك وصفه تعالى أوّلاً بأنّه صمد، و هو المصمت الّذي لا جوف له و لا مكان خالياً فيه، و ثانياً بأنّه لم يلد، و ثالثاً بأنّه لم يولد، و رابعاً بأنّه لم يكن له كفواً أحد، و كلّ هذه الأوصاف ممّا يستلزم نوعاً من المحدوديّة و الانعزال.

و هذا هو السرّ في عدم وقوع توصيفات غيره تعالى عليه حقّ الوقوع و الاتّصاف قال تعالى:( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) الصافّات: ١٦٠، و قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) طه: ١١٠، فإنّ المعاني الكماليّة الّتي نصفه تعالى بها أوصاف محدودة، و جلّت ساحته سبحانه عن الحدّ و القيد، و هو الّذي يرومه النبيّ


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلمته المشهورة:( لا اُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك) .

و هذا المعنى من الوحدة هو الّذي يدفع به تثليث النصارى فإنّهم موحّدون في عين التثليث لكنّ الّذي يذعنون به من الوحدة وحدة عدديّة لا تنفي الكثرة من جهة اُخرى فهم يقولون: إنّ الأقانيم (الأب و الابن و الروح) (الذات و العلم و الحياة) ثلاثة و هي واحدة كالإنسان الحيّ العالم فهو شي‏ء واحد لأنّه إنسان حيّ عالم و هو ثلاثة لأنّه إنسان و حياة و علم.

لكنّ التعليم القرآنيّ ينفي ذلك لأنّه يثبت من الوحدة ما لا يستقيم معه فرض أيّ كثرة و تمايز لا في الذات و لا في الصفات، و كلّ ما فرض من شي‏ء في هذا الباب كان عين الآخر لعدم الحدّ فذاته تعالى عين صفاته، و كلّ صفة مفروضة له عين الاُخرى، تعالى الله عمّا يشركون، و سبحانه عمّا يصفون.

و لذلك ترى أنّ الآيات الّتي تنعته تعالى بالقهّاريّة تبدء أوّلاً بنعت الوحدة ثمّ تصفه بالقهّاريّة لتدلّ على أنّ وحدته لا تدع لفارض مجال أن يفرض له ثانياً مماثلاً بوجه فضلاً عن أن يظهر في الوجود، و ينال الواقعيّة و الثبوت، قال تعالى:( أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ) يوسف: ٤٠، فوصفه بوحدة قاهرة لكلّ شريك مفروض لا تبقى لغيره تعالى من كلّ معبود مفروض إلّا الاسم فقط، و قال تعالى:( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) الرعد: ١٦، قال تعالى:( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) المؤمن: ١٦، إذ ملكه تعالى المطلق لا يخلّي مالكاً مفروضاً غيره دون أن يجعله نفسه و ما يملكه ملكاً لله سبحانه، و قال تعالى:( وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) ص: ٦٥، و قال تعالى:( لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى‏ مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) الزمر: ٤، فرتّب القهّاريّة في جميع الآيات على صفة الوحدة.


( بحث روائي)

( كلام في معنى التوحيد)

في التوحيد، و الخصال، بإسناده عن المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه قال: إنّ أعرابيّاً قام يوم الجمل إلى أميرالمؤمنينعليه‌السلام فقال: يا أميرالمؤمنين أ تقول: إنّ الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه و قالوا: يا أعرابيّ أ ما ترى ما فيه أميرالمؤمنين من تقسّم القلب؟ فقال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : دعوه فإنّ الّذي يريده الأعرابيّ هو الّذي نريده من القوم!.

ثمّ قال: يا أعرابيّ إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّوجلّ، و وجهان يثبتان فيه فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أ ما ترى أنّه كفر من قال: إنّه ثالث ثلاثة؟ و قول القائل: هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنّه تشبيه، و جلّ ربّنا و تعالى عن ذلك.

و أمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربّنا، و قول القائل: إنّه عزّوجلّ أحديّ المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم، كذلك ربّنا عزّوجلّ.

أقول: و رواه أيضاً في المعاني، بسند آخر عن أبي المقدام بن شريح بن هاني عن أبيه عنهعليه‌السلام .

و في النهج: أوّل الدين معرفته، و كمال معرفته التصديق به، و كمال التصديق به توحيده، و كمال توحيده الإخلاص له، و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله فقد قرنه، و من قرنه فقد ثنّاه، و من ثنّاه فقد جزّأه، و من جزّأه فقد جهله، و من جهله فقد أشار إليه، و من أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه‏ (الخطبة).

أقول: و هو من أبدع البيان، و محصّل الشطر الأوّل من الكلام أنّ معرفته تنتهي في استكمالها إلى نفي الصفات عنه، و محصّل الشطر الثاني المتفرّع على الشطر الأوّل


- أعني قولهعليه‌السلام : فمن وصف الله فقد قرنه إلخ - أنّ إثبات الصفات يستلزم إثبات الوحدة العدديّة المتوقّفة على التحديد غير الجائز عليه تعالى، و تنتج المقدّمتان أنّ كمال معرفته تعالى يستوجب نفي الوحدة العدديّة منه، و إثبات الوحدة بمعنى آخر، و هو مرادهعليه‌السلام من سرد الكلام.

أمّا مسألة نفي الصفات عنه فقد بيّنهعليه‌السلام بقوله:( أوّل الدين معرفته) لظهور أنّ من لم يعرف الله سبحانه و لو بوجه لم يحلّ بعد في ساحة الدين، و المعرفة ربّما كانت مع عمل بما يرتبط به من الأفعال و ترتّب آثار المعروف، و ربّما كانت من غير عمل، و من المعلوم أنّ العلم فيما يتعلّق نوع تعلّق بالأعمال إنّما يثبت و يستقرّ في النفس إذا ترتّب عليه آثاره العمليّة، و إلّا فلا يزال العلم يضعف بإتيان الأعمال المخالفة حتّى يبطل أو يصير سدىّ لا أثر له، و من كلامهعليه‌السلام في هذا الباب - و قد رواه في النهج -:( العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، و العلم يهتف بالعمل فإن أجابه و إلّا ارتحل عنه) .

فالعلم و المعرفة بالشي‏ء إنّما يكمل إذا أخذ العارف معروفه صدقاً، و أظهر ذلك في باطنه و ظاهره، و جنانه و أركانه بأن يخضع له روحاً و جسماً، و هو الإيمان المنبسط على سرّه و علانيته، و هو قوله:( و كمال معرفته التصديق به) .

ثمّ هذا الخضوع المسمّى بالتصديق به و إن جاز تحقّقه مع إثبات الشريك للربّ المخضوع له كما يخضع عبدة الأصنام لله و لسائر آلهتهم جميعاً لكنّ الخضوع بشي‏ء لا يتمّ من غير انصراف عن غيره بالبداهة، فالخضوع لواحد من الآلهة في معنى الإعراض عن غيره و الاستكبار في الجملة عنه فلا يكمل التصديق بالله و الخضوع لمقامه إلّا بالإعراض عن عبادة الشركاء، و الانصراف عن دعوة الآلهة الكثيرة، و هو قوله:( و كمال التصديق به توحيده) .

ثمّ إنّ للتوحيد مراتب مختلفة بعضها فوق بعض، و لا يكمل حتّى يعطى الإله الواحد حقّه من الاُلوهيّة المنحصرة، و لا يقتصر على مجرّد تسميته إلهاً واحداً بل ينسب إليه كلّ ما له نصيب من الوجود و الكمال كالخلق و الرزق و الإحياء و الإماتة و الإعطاء و المنع، و أن يخصّ الخضوع و العبادة به فلا يتذلّل لغيره بوجه من الوجوه


بل لا يرجى إلّا رحمته، و لا يخاف إلّا سخطه، و لا يطمع إلّا فيما عنده، و لا يعكف إلّا على بابه.

و بعبارة اُخرى أن يخلص له علماً و عملاً، و هو قولهعليه‌السلام :( و كمال توحيده الإخلاص له) .

و إذا استوى الإنسان على أريكة الإخلاص، و ضمّته العناية الإلهيّة إلى أولياء الله المقرّبين لاحت على بصيرته لوائح العجز عن القيام بحقّ المعرفة، و توصيفه بما يليق بساحة كبريائه و عظمته فإنّه ربّما شاهد أنّ الذي يصفه تعالى به معان مدركة ممّا بين يديه من الأشياء المصنوعة، و اُمور ألّفها من مشهوداته الممكنة، و هي صور محدودة مقيّدة يدفع بعضها بعضاً، و لا تقبل الائتلاف و الامتزاج، انظر إلى مفاهيم الوجود و العلم و القدرة و الحياة و الرزق و العزّة و الغنى و غيرها.

و المعاني المحدودة يدفع بعضها بعضاً لظهور كون كلّ مفهوم خلواً عن المفهوم الآخر كمعنى العلم عن معنى القدرة فإنّا حين ما نتصوّر العلم نصرف عن القدرة فلا نجد معناها في معنى العلم، و إذا تصوّرنا معنى العلم و هو وصف من الأوصاف ننعزل عن معنى الذات و هو الموصوف.

فهذه المفاهيم و العلوم و الإدراكات تقصر عن الانطباق عليه جلّ شأنه حقّ الانطباق، و عن حكاية ما هو عليه حقّ الحكاية فتمسّ حاجة المخلص في وصفه ربّه إلى أن يعترف بنقص لا علاج له، و عجز لا جابر دونه فيعود فينفي ما أثبته، و يتيه في حيرة لا مخلص منها، و هو قولهعليه‌السلام :( و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، و شهادة كلّ موصوف أنّها غير الصفة) .

و هذا الّذي فسّرنا به هذا العقد من كلامهعليه‌السلام هو الّذي يؤيّده أوّل الخطبة حيث يقول:( الّذي لا يدركه بعد الهمم، و لا يناله غوص الفطن، الّذي ليس لصفته حدّ محدود، و لا نعت موجود، و لا وقت معدود، و لا أجل ممدود) على ما يظهر للمتأمّل الفطن.

و أمّا قولهعليه‌السلام :( فمن وصف الله فقد قرنه) إلخ، فهو توصّل منه إلى المطلوب


- و هو أنّ الله سبحانه لا حدّ له و لا عدّ - من طريق تحليل إثبات الوصف كما كان البيان الأوّل توصّلاً منه من طريق تحليل المعرفة إلى نفي الوصف.

فمن وصف الله فقد قرنه لما عرفت من المغايرة بين الموصوف و الصفة، و الجمع بين المتغارين قرن، و من قرنه فقد ثنّاه لأخذه إيّاه موصوفاً و صفة و هما اثنان، و من ثنّاه فقد جزّأه إلى جزئين، و من جزّأه فقد جهله بالإشارة إليه إشارة عقليّة، و من أشار إليه فقد حدّه لكون الإشارة مستلزمة لانفصال المشار إليه عن المشير حتّى تتوسّط بينهما الإشارة الّتي هي إيجاد بعد مّا بين المشير و المشار إليه - يبتدئ من الأوّل و ينتهي إلى الثاني -( و من حدّه فقد عدّه) و جعله واحداً عدديّاً لأنّ العدد لازم الانقسام و الانعزال الوجوديّ تعالى الله عن ذلك.

و في النهج: من خطبة لهعليه‌السلام :( الحمد لله الّذي لم يسبق له حال حالاً فيكون أوّلاً قبل أن يكون آخراً، و يكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً، كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل، و كلّ عزيز غيره ذليل، و كلّ قويّ غيره ضعيف، و كلّ مالك غيره مملوك، و كلّ عالم غيره متعلّم، و كلّ قادر غيره يقدر و يعجز، و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات و يصمّه كبيرها و يذهب عنه ما بعد منها، و كلّ بصير غيره يعمى عن خفيّ الألوان و لطيف الأجسام، و كلّ ظاهر غيره باطن، و كلّ باطن غيره ظاهر) .

أقول: بناء البيان على كونه تعالى غير محدود و كون غيره محدوداً فإنّ هذه المعاني و النعوت و كلّ ما كان من قبيلها إذا طرأ عليها الحدّ كانت لها إضافة مّا إلى غيرها، و يستوجب التحدّد حينئذ أن تنقطع و تزول عمّا اُضيفت إليه، و تتبدّل إلى ما يقابلها من المعنى.

فالظهور إذا فرض محدوداً كان بالنسبة إلى جهة أو إلى شي‏ء دون جهة اُخرى و شي‏ء آخر، و صار الأمر الظاهر باطناً خفيّاً بالنسبة إلى تلك الجهة الاُخرى و الشي‏ء الآخر، و العزّة إذا اُخذت بحدّ بطلت فيما وراء حدّها فكانت ذلّة بالنسبة إليه، و القوّة إذا كانت مقيّدة تبدّلت بالنسبة إلى ما وراء قيدها ضعفاً، و الظهور بطون في غير محلّه، و البطون ظهور في الخارج عن مستواه.


و الملك إذا كان محدوداً كان من يحدّه مهيمناً على هذا المالك فهو و ملكه تحت ملك غيره، و العلم إذا كان محدوداً لم يكن من صاحبه لأنّ الشي‏ء لا يحدّ نفسه، فكان بإفاضة الغير و تعليمه، و هكذا.

و الدليل على أنّهعليه‌السلام بنى بيانه على معنى الحدّ قوله:( و كلّ سميع غيره يصمّ عن لطيف الأصوات) إلخ، فإنّه و ما بعده ظاهر في الإشارة إلى محدوديّة المخلوقات، و السياق واحد.

و أمّا قولهعليه‌السلام :( و كلّ مسمّى بالوحدة غيره قليل) - و الجملة هي المقصودة من نقل الخطبة - فبناؤه على معنى الحدّ ظاهر فإنّ الوحدة العدديّة المتفرّعة على محدوديّة المسمّى بالواحد لازمة تقسّم المعنى و تكثّره، و كلّما زاد التقسّم و التكثّر أمعن الواحد في القلّة و الضعف بالنسبة إلى الكثرة الحادثة، فكلّ واحد عدديّ فهو قليل بالنسبة إلى الكثير الّذي بإزائه و لو بالفرض.

و أمّا الواحد الّذي لا حدّ لمعناه و لا نهاية له فلا يحتمل فرض الكثرة لعدم احتماله طروّ الحدّ و عروض التميّز و لا يشذّ عن وجوده شي‏ء من معناه حتّى يكثره و يقوى بضمّه، و يقلّ و يضعف بعزله، بل كلّما فرض له ثان في معناه فإذا هو هو.

و في النهج: و من خطبة لهعليه‌السلام :( الحمد لله الدالّ على وجوده بخلقه، و بمحدث خلقه على أزليّته، و باشتباههم على أن لا شبه له، لا يستلمه المشاعر، و لا يحجبه السواتر لافتراق الصانع و المصنوع، و الحادّ و المحدود، و الربّ و المربوب، الأحد لا بتأويل عدد، و الخالق لا بمعنى حركة و نصب، و السميع لا بأداة، و البصير لا بتفريق آلة، و الشاهد لا بمماسّة، و البائن لا بتراخي مسافة، و الظاهر لا برؤية، و الباطن لا بلطافة بان من الأشياء بالقهر لها و القدرة عليها، و بانت الأشياء منه بالخضوع له و الرجوع إليه، من وصفه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من عدّه فقد أبطل أزله) .

أقول: أوّل كلامهعليه‌السلام مبنيّ على أنّ جميع المعاني و الصفات المشهودة في الممكنات اُمور محدودة لا تتمّ إلّا بحادّ يحدّها و صانع يصنعها، و ربّ يربّها، و هو الله سبحانه، و إذ كان الحدّ من صنعه فهو متأخّر عنه غير لازم له، فقد تنزّهت ساحة كبريائه عن هذه الحدود.


و إذا كان كذلك كان ما يوصف به من الصفات غير محدود بحدّ - و إن كان لفظنا قاصراً عنه، و المعنى غير واف به - فهو تعالى أحد لا بتأويل عدد يقضي بالمحدوديّة، و على هذا النهج خلقه و سمعه و بصره و شهوده و غير ذلك.

و من فروع ذلك أنّ بينونته من خلقه ليس بمعنى الانفصال و الانعزال تعالى عن الاتّصال و الانفصال، و الحلول و الانعزال، بل بمعنى قهره لها و قدرته عليها، و خضوعهم و رجوعهم إليه.

و قولهعليه‌السلام :( من وصفه فقد حدّه و من حدّه، فقد عدّه و من عدّه، فقد أبطل أزله) فرّع على إثبات الوحدة العدديّة إبطال الأزل لأنّ حقيقة الأزل كونه تعالى غير متناه في ذاته و صفاته و لا محدود فإذا اعتبر من حيث إنّه غير مسبوق بشي‏ء يتقدّم عليه كان هو أزله، و إذا اعتبر من حيث إنّه غير ملحوق بشي‏ء يتأخّر عنه كان هو أبده، و ربّما اعتبر من الجانبين فكان دواماً.

و أمّا ما يظهر من عدّة من الباحثين أنّ معنى كونه تعالى أزليّاً أنّه سابق متقدّم على خلقه المحدث تقدّماً في أزمنة غير متناهية لا خبر فيها عن الخلق و لا أثر منهم فهو من أشنع الخطأ، و أين الزمان الّذي هو مقدار حركة المتحرّكات و المشاركة معه تعالى في أزله؟!.

و في النهج: و من خطبة لهعليه‌السلام :( الحمد لله خالق العباد، و ساطح المهاد، و مسبل الوهاد، و مخصب النجاد، ليس لأوّليّته ابتداء، و لا لأزليّته انقضاء، هو الأوّل لم يزل، و الباقي بلا أجل، خرّت له الجباه، و وحّدته الشفاه، حدّ الأشياء عند خلقه لها إبانة له من شبهها، لا تقدّره الأوهام بالحدود و الحركات، و لا بالجوارح و الأدوات، لا يقال: متى؟ و لا يضرب له أمد بحتّى، الظاهر لا يقال: ممّا؟ و الباطن لا يقال: فيما؟ لا شبح فيتقضّى و لا محجوب فيحوى، لم يقرب من الأشياء بالتصاق، و لم يبعد عنها بافتراق، لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة، و لا كرور لفظة، و لا ازدلاف ربوة، و لا انبساط خطوة في ليل داج، و لا غسق ساج، يتفيّؤ عليه القمر المنير، و تعقّبه الشمس ذات النور في الاُفول و الكرور و تقلّب الأزمنة و الدهور من إقبال ليل مقبل و إدبار


نهار مدبر، قبل كلّ غاية و مدّة، و كلّ إحصاء و عدّة، تعالى عمّا ينحله المحدّدون من صفات الأقدار، و نهايات الأقطار، و تأثّل المساكن، و تمكّن الأماكن، فالحدّ لخلقه مضروب، و إلى غيره منسوب، لم يخلق الأشياء من اُصول أزليّة، و لا أوائل أبديّة بل خلق ما خلق فأقام حدّه، و صوّر ما صوّر فأحسن صورته) .

و في النهج: من خطبة لهعليه‌السلام :( ما وحّده من كيّفه، و لا حقيقته أصاب من مثّله، و لا إيّاه عنى من شبّهه، و لا صمده من أشار إليه و توهّمه، كلّ معروف بنفسه مصنوع، و كلّ قائم في سواه معلول، فاعل لا باضطراب آلة، مقدّر لا يحول فكره، غنيّ لا باستفادة، لا تصحبه الأوقات، و لا ترفده الأدوات، سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده، و الابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، و بمضادّته بين الاُمور عرف أن لا ضدّ له، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له ضادّ النور بالظلمة، و الوضوح بالبهمة، و الجمود بالبلل، و الحرور بالصرد، مؤلّف بين متعادياتها، مقارن بين متبائناتها، مقرّب بين متباعداتها، مفرّق بين متدانياتها، لا يشمل بحدّ، و لا يحسب بعدّ، و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها، و تشير الإله إلى نظائرها، منعتها( منذ) القدمة، و حمتها( قد) الأزليّة، و جنّبتها( لو لا) التكملة، بها تجلّى صانعها للعقول، و بها امتنع عن نظر العيون، لا يجري عليه السكون و الحركة، و كيف يجري عليه ما هو أجراه؟ و يعود فيه ما هو أبداه؟ و يحدث فيه ما هو أحدثه؟ إذاً لتفاوتت ذاته، و لتجزّأ كنهه، و لامتنع من الأزل معناه، و لكان له وراء إذا وجد له أمام، و لالتمس التمام إذا لزمه النقصان، و إذاً لقامت آية المصنوع فيه، و لتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه) .

أقول: أوّل كلامهعليه‌السلام مسوق لبيان امتناع ذاته المقدّسة عن الحدّ، و لزمه في جميع ما عداه، و قد تقدّم توضيحه الإجماليّ فيما تقدّم.

و قوله:( لا يشمل بحدّ و لا يحسب بعدّ) كالنتيجة لما تقدّمه من البيان، و قوله:( و إنّما تحدّ الأدوات أنفسها، و تشير الإله إلى نظائرها) بمنزلة بيان آخر لقوله: لا يشمل بحدّ، إلخ فإنّ البيان السابق إنّما سيق من مسلك أنّ هذه الحدود المستقرّة في المصنوعات مجعولة للذات المتعالية متأخّرة عنها تأخّر الفعل عن فاعله فلا يمكن


أن تتقيّد بها الذات إذ كان ذات و لا فعل.

و أمّا ما في قوله:( و إنّما تحدّ) إلخ، من البيان فهو مسوق من طريق آخر، و هو أنّ التقدير و التحديد الّذي هو شأن هذه الأدوات و الحدود إنّما هو بالمسانخة النوعيّة كما أنّ المثقال الّذي هو واحد الوزن مثلاً توزن به الأثقال دون الألوان و الأصوات مثلاً، و الزمان الّذي هو مقدار الحركة إنّما تحدّ به الحركات، و الإنسان مثلاً إنّما يقدّر بما له من الوزن الاجتماعيّ المتوسّط مثلاً من يماثله في الإنسانيّة، و بالجملة كلّ حدّ من هذه الحدود يعطي لمحدوده شبيه معناه، و كلّ صفة إمكانيّة كائنة ما كانت مبنيّة على قدر و حدّ و ملزومة لأمد و نهاية، و كيف يمكن أن يحمل معناها المحدود على ذات أزليّة أبديّة غير متناهية؟.

فهذا هو مرادهعليه‌السلام ، و لذلك أردفه بقوله:( منعتها منذ القدمة) إلخ، أي صدق كلمة( منذ) و كلمة( قد) الدالّتين على الحدوث الزمانيّ، على الأشياء منعتها و حمتها أن تتّصف بالقدمة، و كذلك صدق كلمة( لو لا) في الأشياء و هي تدلّ على النقص و اقتران المانع جنبتها و بعّدتها أن تكون كاملة من كلّ وجه.

و قوله:( بها تجلّى صانعها للعقول و بها امتنع من نظر العيون) الضميران للأشياء أي إنّ، الأشياء بما هي آيات له تعالى و الآية لا تري إلّا ذا الآية فهي كالمرائي لا تجلّي إلّا إيّاه تعالى فهو بها تجلّى للعقول و بها أيضاً امتنع عن نظر العيون إذ لا طريق إلى النظر إليه تعالى إلّا هذه الآيات و هي محدودة لا تنال إلّا مثلها لا ربّها المحيط بكلّ شي‏ء.

و هذا المعنى بعينه هو الموجب لامتناعه عن نظر العيون فإنّها آلات مركّبة مبنيّة على الحدود لا تعمل إلّا في المحدود، و جلّت ساحة ربّ العزّة عن الحدّ.

و قولهعليه‌السلام :( لا يجري عليه السكون و الحركة) إلخ، بمنزلة العود إلى أوّل الكلام ببيان آخر يبيّن به أنّ هذه الأفعال و الحوادث الّتي هي تنتهي إلى الحركة


و السكون لا تجري عليه، و لا تعود فيه و لا تحدث فإنّها آثاره الّتي تترتّب على تأثيره في غيره، و معنى تأثير المؤثّر توجيهه أثره المتفرّع على نفسه إلى غيره، و لا معنى لتأثير الشي‏ء في نفسه إلّا بنوع من التجزّي و التركيب العارض لذاته كالإنسان مثلاً يدبّر بنفسه بدنه، و يضرب بيده على رأسه، و الطبيب يداوي بطبّه مرضه، فكلّ ذلك إنّما يصحّ لاختلاف في الأجزاء أو الحيثيّات، و لو لا ذلك لامتنع وقوع التأثير.

فالقوّة الباصرة مثلاً لا تبصر نفسها، و النار لا تحرق ذاتها، و هكذا جميع الفواعل لا تفعل إلّا في غيرها إلّا مع التركيب و التجزئة كما عرفت و هذا معنى قوله:( إذاً لتفاوتت ذاته، و لتجزّأ كنهه، و لامتنع من الأزل معناه) إلخ.

و قولهعليه‌السلام :( و إذاً لقامت آية المصنوع فيه، و لتحوّل دليلاً بعد أن كان مدلولاً عليه) أي إذاً لزمه النقص من تطرّق هذه الحدود و الأقدار عليه، و النقص من علائم المصنوعيّة و أمارات الإمكان كان (تعالى و تقدّس) مقارناً لما يدلّ على كونه مصنوعاً و كان نفسه كسائر المصنوعات دليلاً على موجود آخر أزليّ كامل الوجود غير محدود الذات هو الإله المنزّه عن كلّ نقص مفروض، المتعالي عن أن تناله أيدي الحدود و الأقدار.

و اعلم أنّ ما يدلّ عليه قوله - من كون الدلالة هي من شؤون المصنوع الممكن - لا ينافي ما يستفاد من سائر كلامه و كلام سائر أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام : أنّه تعالى معلوم بنفس ذاته، و غيره معلوم به، و أنّه دالّ على ذاته، و هو الدليل على مخلوقاته فإنّ العلم غير العلم و الدلالة غير الدلالة، و أرجو أن يوفّقني الله تعالى لإيضاحه و بسط الكلام فيه في بعض ما يرتبط به من الأبحاث الآتية إن شاء الله العزيز.

و في التوحيد، بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: بينا أميرالمؤمنينعليه‌السلام يخطب على منبر الكوفة إذ قام إليه رجل يقال له( ذعلب) ذرب اللسان، بليغ في الخطاب، شجاع القلب فقال: يا أميرالمؤمنين هل رأيت ربّك؟ فقال: ويلك يا ذعلب لم أكن لأعبد ربّاً لم أره!.

فقال: يا أميرالمؤمنين كيف رأيته؟ قال: يا ذعلب لم تره العيون بمشاهدة الأبصار،


و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلك يا ذعلب إنّ ربّي لطيف اللطافة فلا يوصف باللطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، قبل كلّ شي‏ء لا يقال: شي‏ء قبله، و بعد كلّ شي‏ء لا يقال: له بعد، شاء الأشياء لا بهمّة، دراك لا بخديعة، هو في الأشياء غير متمازج بها و لا بائن، عنها ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلّ لا باستهلال رؤية، بائن لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسّم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدّر لا بحركة، مريد لا بهمامة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، لا تحويه الأماكن، و لا تصحبه الأوقات، و لا تحدّه الصفات، و لا تأخذه السنات، سبق الأوقات كونه، و العدم وجوده، و الابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، و بتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، و بمضادّته بين الأشياء عرف أن لا ضدّ له، و بمقارنته بين الأشياء عرف أن لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة، و الجسوء بالبلل، و الصرد بالحرور، مؤلّف بين متعادياتها، مفرّق بين متدانياتها، دالّة بتفريقها على مفرّقها، و بتأليفها على مؤلّفها، و ذلك قوله عزّوجلّ:( وَ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) ، ففرّق بها بين قبل و بعد ليعلم أن لا قبل له و لا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرّزها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقّتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه و بين خلقه غير خلقه، كان ربّاً و لا مربوب، و إلهاً إذ لا مألوه، و عالماً إذ لا معلوم، و سميعاً إذ لا مسموع. ثمّ أنشأ يقول:

و لم يزل سيّدي بالحمد معروفاً

و لم يزل سيّدي بالجود موصوفاً

و كان إذ ليس نور يستضاء به

و لا ظلام على الآفاق معكوفاً

فربّنا بخلاف الخلق كـلّهم

و كلّ ما كان في الأوهام موصوفاً

الأبيات.

أقول: و كلامهعليه‌السلام - كما ترى - مسوق لبيان معنى أحديّة الذات في جميع ما يصدق عليه و يرجع إليه، و أنّه تعالى غير متناهي الذات و لا محدودها، فلا يقابل ذاته ذات و إلّا لهدّده بالتحديد و قهره بالتقدير، فهو المحيط بكلّ شي‏ء، المهيمن على


كلّ أمر، و لا يلحقه صفة تمتاز عن ذاته، فإنّ في ذلك بطلان أزليّته و عدم محدوديّته.

و أنّ صفته تعالى الكماليّة غير محدودة بحدّ يدفع الغير أو يدفعه الغير كما أنّ العلم فينا غير القدرة لما بينهما من المدافعة مفهوماً و مصداقاً، و لا تدافع بينهما فيه تعالى، بل الصفة عين الصفة و عين كلّ صفة من صفاته العليا و الاسم عين كلّ اسم من أسمائه الحسنى.

بل إنّ هنالك ما هو ألطف معنى و أبعد غوراً من ذلك و هو أنّ هذه المعاني و المفاهيم للعقل بمنزلة الموازين و المكاييل يوزن و يكتال بها الوجود الخارجيّ و الكون الواقعيّ فهي حدود محدودة لا تنعزل عن هذا الشأن و إن ضممنا بعضها إلى بعض، و استمددنا من أحدها للآخر، لا يغترف بأوعيتها إلّا ما يقاربها في الحدّ، فإذا فرضنا أمراً غير محدود ثمّ قصدناه بهذه المقاييس المحدودة لم ننل منه إلّا المحدود و هو غيره، و كلّما زدنا في الإمعان في نيله زاد تعالياً و ابتعاداً.

فمفهوم العلم مثلاً هو معنى أخذناه من وصف محدود في الخارج نعدّه كمالاً لما يوجد له، و في هذا المفهوم من التحديد ما يمنعه أن يشمل القدرة و الحياة مثلاً، فإذا أطلقناه عليه تعالى ثمّ عدّلنا محدوديّته بالتقييد في نحو قولنا: علم لا كالعلوم فهب أنّه يخلص من بعض التحديد لكنّه بعد مفهوم لا ينعزل عن شأنه و هو عدم شموله ما وراءه (و لكلّ مفهوم وراء يقصر عن شموله) و إضافة مفهوم إلى مفهوم آخر لا يؤدّي إلى بطلان خاصّة المفهوميّة، و هو ظاهر.

و هذا هو الّذي يحيّر الإنسان اللبيب في توصيفه تعالى بما يثبته له لبّه و عقله، و هو المستفاد من قولهعليه‌السلام :( لا تحدّه الصفات) و من قوله فيما تقدّم من خطبته المنقولة:( و كمال الإخلاص له نفي الصفات عنه) و قوله أيضاً في تلك الخطبة:( الذي ليس لصفته حدّ محدود، و لا نعت موجود) و أنت ترى أنّهعليه‌السلام يثبت الصفة في عين أنّه ينفيها أو ينفي حدّها، و من المعلوم أنّ إثباتها هي لا تنفكّ عن الحدّ فنفي الحدّ عنها إسقاط لها بعد إقامتها، و يؤول إلى أنّ إثبات شي‏ء من صفات الكمال فيه لا ينفي ما وراءها فتتّحد الصفات بعضها مع بعض ثمّ تتّحد مع الذات و لا حدّ، ثمّ لا ينفي ما


وراءها ممّا لا مفهوم لنا نحكي عنه، و لا إدراك لنا يتعلّق به فافهم ذلك.

و لو لا أنّ المفاهيم تسقط عند الإشراف على ساحة عظمته و كبريائه بالمعنى الّذي تقدّم لأمكن للعقل أن يحيط به بما عنده من المفاهيم العامّة المبهمة كوصفه بأنّه ذات لا كالذوات، و له علم لا كالعلوم، و قدرة لا كقدرة غيره، و حياة لا كسائر أقسام الحياة، فإنّ هذا النحو من الوصف لا يدع شيئاً إلّا أحصاه و أحاط به إجمالاً فهل يمكن أن يحيط به سبحانه شي‏ء؟ أو أنّ الممنوع هو الإحاطة به تفصيلاً، و أمّا الإحاطة الإجماليّة فلا بأس بها؟ و قد قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) طه: ١١٠، و قال:( أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ ) حم السجدة: ٥٤، و الله سبحانه لا يحيط به شي‏ء من جهة من الجهات بنحو من أنحاء الإحاطة، و لا يقبل ذاته المقدّسة إجمالاً و تفصيلاً حتّى يتبعّض فيكون لإجماله حكم و لتفصيله حكم آخر فافهم ذلك.

و في الإحتجاج، عنهعليه‌السلام في خطبة:( دليله آياته، و وجوده إثباته، و معرفته توحيده، و توحيده تمييزه من خلقه، و حكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة إنّه ربّ خالق، غير مربوب مخلوق، ما تصوّر فهو بخلافه - ثمّ قالعليه‌السلام : - ليس بإله من عرف بنفسه، هو الدالّ بالدليل عليه، و المؤدّي بالمعرفة إليه) .

أقول: التأمّل فيما تقدّم يوضح أنّ الخطبة مسوقة لبيان كون وحدته تعالى وحدة غير عدديّة لصراحته في أنّ معرفته تعالى عين توحيده أي إثبات وجوده عين إثبات وحدته، و لو كانت هذه الوحدة عدديّة لكانت غير الذات فكانت الذات في نفسها لا تفي بالوحدة إلّا بموجب من خارج عن جهة ثبوت الذات.

و هذا من عجيب المنطق و أبلغ البيان في باب التوحيد الّذي يحتاج شرحه إلى مجال وسيع لا يسعه طراز البحث في هذا الكتاب، و من ألطف المقاصد الموضوعة فيه قولهعليه‌السلام :( وجوده إثباته) يريد به أنّ البرهان عليه نفس وجوده الخارجيّ أي إنّه لا يدخل الذهن، و لا يسعه العقل.

قوله:( ما تصوّر فهو بخلافه) ليس المراد به أنّه غير الصورة الذهنيّة فإنّ جميع الأشياء الخارجيّة على هذا النعت، بل المراد أنّه تعالى بخلاف ما يكشف عنه


التصوّر الذهنيّ أيّاً ما كان، فلا يحيط به صورة ذهنيّة، و لا ينبغي لك أن تغفل عن أنّه أنزه ساحة حتّى من هذا التصوّر أعني تصوّر أنّه بخلاف كلّ تصوّر.

و قوله:( ليس بإله من عرف بنفسه) مسوق لبيان جلالته تعالى عن أن يتعلّق به معرفة، و قهره كلّ فهم و إدراك فإنّ كلّ من يتعلّق بنفسه معرفتنا هو في نفسه غير نفسنا و معرفتنا ثمّ يتعلّق به معرفتنا، لكنّه تعالى محيط بنا و بمعرفتنا، قيّم على ذلك فلا معصم تعتصم به أنفسنا و لا معرفتنا عن إحاطة ذاته و شمول سلطانه حتّى يتعلّق به تعلّق منعزل بمنعزل.

و بيّنعليه‌السلام ذلك بقوله:( هو الدالّ بالدليل عليه و المؤدّي بالمعرفة إليه) أي إنّه تعالى هو الدليل يدلّ الدليل على أن يدلّ عليه، و يؤدّي المعرفة إلى أن يتعلّق به تعالى نوع تعلّق لمكان إحاطته تعالى و سلطانه على كلّ شي‏ء، فكيف يمكن لشي‏ء أن يهتدي إلى ذاته ليحيط به و هو محيط به و باهتدائه؟.

و في المعاني، بإسناده عن عمر بن عليّ عن عليّعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( التوحيد ظاهره في باطنه، و باطنه في ظاهره، ظاهره موصوف لا يرى، و باطنه موجود لا يخفى، يطلب بكلّ مكان، و لم يخل عنه مكان طرفة عين، حاضر غير محدود، و غائب غير مفقود) .

أقول: كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مسوق لبيان وحدته تعالى غير العدديّة المبنيّة على كونه تعالى غير محدود بحدّ، فإنّ عدم المحدوديّة هو الموجب لعدم انعزال ظاهر توحيده و توصيفه تعالى عن باطنه، و باطنه عن ظاهره فإنّ الظاهر و الباطن إنّما يتفاوتان و ينعزل كلّ منهما عن الآخر بالحدّ فإذا ارتفع الحدّ اختلطاً و اتّحداً.

و كذلك الظاهر الموصوف إنّما يحاط به، و الباطن الموجود إنّما يخفى و يتحجّب إذا تحدّداً فلم يتجاوز كلّ منهما حدّه المضروب له، و كذلك الحاضر إنّما يكون محدوداً مجموعاً وجوده عند من حضر عنده، و الغائب يكون مفقوداً لمكان المحدوديّة، و لو لا ذلك لم يجتمع الحاضر بتمام وجوده عند من حضر عنده، و لم يستر الغائب حجاب الغيبة و لا ساتر دونه عمّن غاب عنه، و هو ظاهر.


( بحث تاريخي)

( كلام في معنى التوحيد)

القول بأنّ للعالم صانعاً ثمّ القول بأنّه واحد من أقدم المسائل الدائرة بين متفكّري هذا النوع تهديه إليه فطرته المركوزة فيه، حتّى أنّ الوثنيّة المبنيّة على الإشراك، إذا أمعنّا في حقيقة معناها وجدناها مبنيّة على أساس توحيد الصانع، و إثبات شفعاء عنده( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى‏ ) و إن انحرفت بعد عن مجراها، و آل أمرها إلى إعطاء الاستقلال و الأصالة لآلهة دون الله.

و الفطرة الداعية إلى توحيد الإله و إن كانت تدعو إلى إله واحد غير محدود العظمة و الكبرياء ذاتاً و صفة - على ما تقدّم بيانه بالاستفادة من الكتاب العزيز - غير أنّ اُلفة الإنسان و اُنسه في ظرف حياته بالآحاد العدديّة من جانب، و بلاء الملّيّين بالوثنيّين و الثنويّين و غيرهم لنفي تعدّد الآلهة من جانب آخر سجّل عدديّة الوحدة و جعل حكم الفطرة المذكورة كالمغفول عنه.

و لذلك ترى المأثور من كلمات الفلاسفة الباحثين في مصر القديم و اليونان و إسكندريّة و غيرهم ممّن بعدهم يعطي الوحدة العدديّة حتّى صرّح بها مثل الرئيس أبي عليّ بن سينا في كتاب الشفاء، و على هذا المجرى يجري كلام غيره ممّن بعده إلى حدود الألف من الهجرة النبويّة.

و أمّا أهل الكلام من الباحثين فاحتجاجاتهم على التوحيد لا تعطي أزيد من الوحدة العدديّة أيضاً في عين أنّ هذه الحجج مأخوذة من الكتاب العزيز عامّة فهذا ما يتحصّل من كلمات أهل البحث في هذه المسألة.

فالّذي بيّنه القرآن الكريم من معنى التوحيد أوّل خطوة خطيت في تعليم هذه الحقيقة من المعرفة، غير أنّ أهل التفسير و المتعاطين لعلوم القرآن من الصحابة و التابعين ثمّ الّذين يلونهم أهملوا هذا البحث الشريف، فهذه جوامع الحديث و كتب التفسير المأثورة منهم لا ترى فيها أثراً من هذه الحقيقة لا ببيان شارح، و لا بسلوك استدلاليّ.


و لم نجد ما يكشف عنها غطاءها إلّا ما ورد في كلام الإمام عليّ بن أبي طالب عليه أفضل السلام خاصّة، فإنّ كلامه هو الفاتح لبابها، و الرافع لسترها و حجابها على أهدى سبيل و أوضح طريق من البرهان، ثمّ ما وقع في كلام الفلاسفة الإسلاميّين بعد الألف الهجريّ، و قد صرّحوا بأنّهم إنّما استفادوه من كلامهعليه‌السلام .

و هذا هو السرّ في اقتصارنا في البحث الروائيّ السابق على نقل نماذج من غرر كلامهعليه‌السلام الرائق، لأنّ السلوك في هذه المسألة و شرحها من مسلك الإحتجاج البرهانيّ لا يوجد في كلام غيرهعليه‌السلام .

و لهذا بعينه تركنا عقد بحث فلسفيّ مستقلّ لهذه المسألة فإنّ البراهين الموردة في هذا الغرض مؤلّفة من هذه المقدّمات المبيّنة في كلامه لا تزيد على ما في كلامه بشي‏ء، و الجميع مبنيّة على صرافة الوجود و أحديّة الذات جلّت عظمته(١) .

____________________

(١) و للناقد البصير و المتدبّر المتعمّق أن يقضي عجباً من ما صدر من الهفوة من عدّة من العلماء الباحثين حيث ذكروا أنّ هذه الخطب العلويّة الموضوعة في نهج البلاغة موضوعة دخيلة، و قد ذكر بعضهم أنّها من وضع الشريف الرضي رحمه الله، و قد تقدّم الكلام في أطراف هذه السقطة.

و ليت شعري كيف يسع للوضع و الدس أن يتسرب إلى موقف علمي دقيق لم يقو بالوقوف عليه أفهام العلماء حتّى بعد ما فتحعليه‌السلام بابه و رفع ستره قروناً متمادية إلى أن وفق لفهمه بعد ما سير في طريق الفكر المترقّي مسير ألف سنة، و لا أطاق حمله غيره من الصحابة و لا التابعون، بل كلام هؤلاء الرامين بالوضع ينادي بأعلى صوته أنّهم كانوا يظنّون أنّ الحقائق القرآنيّة و الاُصول العالية العلميّة ليست إلّا مفاهيم مبتذلة عاميّة و إنّما تتفاضل باللفظ الفصيح و البيان البليغ.


( سورة المائدة الآيات ٨٧ - ٨٩)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ( ٨٧) وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيّباً وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ( ٨٨) لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقّدتّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ( ٨٩)

( بيان)

الآيات الثلاثة و عدّة من الآيات الواقعة بعدها إلى بضع و مائة من آيات السورة آيات مبيّنة لعدّة من فروع الأحكام، و هي جميعاً كالمتخلّلة بين الآيات المتعرّضة لقصص المسيحعليه‌السلام و النصارى، و هي لكونها طوائف متفرّقة نازلة في أحكام متنوّعة كلّ منها ذات استقلال و تمام في ما تقصده من المعنى يشكل القضاء كونها نزلت دفعة أو صاحبت بقيّة آيات السورة في النزول إذ لا شاهد يشهد بذلك من مضامينها، و أمّا ما ورد من أسباب النزول فسيأتي بعض ما هو العمدة منها في البحث الروائيّ.

و كذلك القول في هذه الآيات الثلاث المبحوث عنها فإن الآية الثالثة مستقلّة في معناها، و تستقلّ عنها الآية الاُولى و إن لم تخلو من نوع من المناسبة فبينهما بعض الارتباط من جهة أنّ من جملة مصاديق لغو اليمين أن تتعلّق بتحريم بعض الطيّبات ممّا أحلّه الله تعالى، و لعلّ هذا هو الداعي لمن نقل عنه في أسباب النزول أنّه ذكر نزول الآيات جميعاً في اليمين اللاغية.

هذا حال الآية الاُولى مع الثالثة، و أمّا الآية الثانية فكأنّها من تمام الآية


الاُولى كما يشهد به بعض الشهادة ذيلها أعني قوله تعالى:( وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) بل و صدرها حيث يشتمل على العطف، و على الأمر بأكل الحلال الطيّب الّذي تنهى الآية الاُولى عن تحريمه و اجتنابه، و بذلك تلتئم الآيتان معنى و تتّحدان حكماً ذواتي سياق واحد.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) ، قال الراغب في المفردات: الحرام الممنوع منه إمّا بتسخير إلهيّ، و إمّا بمنع قهريّ، و إمّا بمنع من جهة العقل أو جهة الشرع أو من جهة من يرتسم أمره، انتهى موضع الحاجة.

و قال أيضاً: أصل الحلّ حلّ العقدة، و منه قوله عزّوجلّ:( وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ) ، و حللت: نزلت، أصله من حلّ الأحمال عند النزول ثمّ جرّد استعماله للنزول فقيل: حلّ حلولاً و أحلّه غيره، قال عزّوجلّ:( أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ، وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) ، و يقال: حلّ الدين وجب أداؤه، و الحلّة القوم النازلون و حيّ حلال مثله، و المحلّة مكان النزول، و عن حلّ العقدة أستعير قولهم: حلّ الشي‏ء حلّاً قال الله تعالى:( وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّباً ) ، و قال تعالى:( هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ ) ، انتهى.

فالظاهر أنّ مقابلة الحلّ الحرمة و كذا التقابل بين الحلّ و الحرم أو الإحرام من جهة تخيّل العقد في المنع الّذي هو معنى الحرمة و غيرها ثمّ مقابلته بالحلّ المستعار لمعنى الجواز و الإباحة، و اللفظان أعني الحلّ و الحرمة من الحقائق العرفيّة قبل الإسلام دون الشرعيّة أو المتشرّعيّة.

و الآية أعني قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا ) إلخ، تنهى المؤمنين عن تحريم ما أحلّ الله لهم و تحريم، ما أحلّ الله هو جعله حراماً كما جعله الله تعالى حلالاً و ذلك إمّا بتشريع قبال تشريع، و إمّا بالمنع أو الامتناع بأن يترك شيئاً من المحلّلات بالامتناع عن إتيانه أو منع نفسه أو غيره من ذلك فإنّ ذلك كلّه تحريم و منع و منازعة لله سبحانه في سلطانه و اعتداء عليه ينافي الإيمان بالله و آياته، و لذلك صدّر النهي بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) فإنّ المعنى: لا تحرّموا ما أحلّ الله لكم و قد آمنتم به و سلّمتم لأمره.


و يؤيّده أيضاً قوله في ذيل الآية التالية:( وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) .

و إضافة قوله:( طَيِّباتِ ) إلى قوله:( ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) - مع أنّ الكلام تامّ بدونه - للإشارة إلى تتميم سبب النهي فإنّ تحريم المؤمنين لما أحلّ الله لهم على أنّه اعتداء منهم على الله في سلطانه، و نقض لإيمانهم بالله و تسليمهم لأمره كذلك هو خروج منهم عن حكم الفطرة، فإنّ الفطرة تستطيب هذه المحلّلات من غير استخباث، و قد أخبر الله سبحانه عن ذلك فيما نعت به نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و الشريعة الّتي جاء بها حيث قال:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف: ١٥٧.

و بهذا الّذي بيّنّا يتأيّدأوّلاً: أنّ المراد بتحريم طيّبات ما أحلّ الله هو الإلزام و الالتزام بترك المحلّلات.

و ثانياً: أنّ المراد بالحلّ مقابل الحرمة و يعمّ المباحات و المستحبّات بل و الواجبات قضاءً لحقّ المقابلة.

و ثالثاً: أنّ إضافة الطيّبات إلى ما أحلّ الله في قوله:( طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) إضافة بيانيّة.

و رابعاً: أنّ المراد بالاعتداء في قوله:( وَ لا تَعْتَدُوا ) هو الاعتداء على الله سبحانه في سلطانه التشريعيّ، أو التعدّي عن حدود الله بالانخلاع عن طاعته و التسليم له و تحريم ما أحلّه كما قال تعالى في ذيل آية الطلاق:( تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) البقرة: ٢٢٩، و قوله في ذيل آيات الإرث:( تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَ مَنْ يَعْصِ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ ) النساء: ١٤، و الآيات - كما ترى - تعدّ الاستقامة و الالتزام بما شرّعه الله طاعةً له تعالى و لرسوله ممدوحة، و الخروج عن التسليم و الالتزام و الانقياد


اعتداءً و تعدّياً لحدود الله مذموماً معاقباً عليه.

فمحصّل مفاد الآية النهي عن تحريم ما أحلّه الله بالاجتناب عنه و الامتناع من الاقتراب منه فإنّه يناقض الإيمان بالله و آياته و يخالف كون هذه المحلّلات طيّبات لا خباثة فيها حتّى يجتنب عنها لأجلها، و هو اعتداء و الله لا يحبّ المعتدين.

قوله تعالى: ( وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) قد عرفت أنّ ظاهر السياق أنّ المراد بالاعتداء هو التحريم المذكور في الجملة السابقة عليه فقوله:( وَ لا تَعْتَدُوا ) يجري مجرى التأكيد لقوله:( لا تُحَرِّمُوا ) ، إلخ.

و أمّا ما ذكره بعضهم: أنّ المراد بالاعتداء تجاوز حدّ الاعتدال في المحلّلات بالانكباب على التمتّع بها و لاستلذاذ منها قبال تركها و اجتناب تناولها تقشّفاً و ترهّباً فيكون معنى الآية: لا تحرّموا على أنفسكم ما أحلّ الله لكم من الطيّبات المستلذّة بأن تتعمّدوا ترك التمتّع بها تنسّكاً و تقرّباً إليه تعالى، و لا تعتدوا بتجاوز حدّ الاعتدال إلى الإسراف و الإفراط الضارّ بأبدانكم أو نفوسكم.

أو أنّ المراد بالاعتداء تجاوز المحلّلات الطيّبة إلى الخبائث المحرّمة، و يعود المعنى إلى أن لا تجتنبوا المحلّلات و لا تقترفوا المحرّمات، و بعبارة اُخرى: لا تحرّموا ما أحلّ الله لكم، و لا تحلّلوا ما حرّم الله عليكم.

فكلّ من المعنيين و إن كان في نفسه صحيحاً يدلّ عليه الكتاب بما لا غبار عليه لكنّ شيئاً منهما لا ينطبق على الآية بظاهر سياقها و سياق ما يتلوها من الآية اللاحقة فما كلّ معنى صحيح يمكن تحميله على كلّ لفظ كيفما سيق و أينما وقع.

قوله تعالى: ( وَ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّباً ) إلى آخر الآية، ظاهر العطف أعني انعطاف قوله:( وَ كُلُوا ) على قوله:( لا تُحَرِّمُوا ) أن يكون مفاد هذه الآية بمنزلة التكرار و التأكيد لمضمون الآية السابقة، و يؤيّده سياق صدر الآية من حيث اشتماله على قوله:( حَلالًا طَيِّباً ) ، و هو يحاذي قوله في الآية السابقة:( طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ ) ، و كذا ذيلها من حيث المحاذاة الواقعة بين قوله فيه:( وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ) و قوله في الآية السابقة:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) و قد مرّ بيانه.


و على هذا فقوله:( كُلُوا ) إلخ، من قبيل ورود الأمر عقيب الحظر، و تخصيص قوله:( كُلُوا ) بعد تعميم قوله:( لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ) إلخ، إمّا تخصيص بحسب اللفظ فقط، و المراد بالأكل مطلق التصرّف فيما رزقه الله تعالى من طيّبات نعمه، سواء كان بالأكل بمعنى التغذّي أو بسائر وجوه التصرّف، و قد تقدّم مراراً أنّ استعمال الأكل بمعنى مطلق التصرّف استعمال شائع ذائع.

و إمّا أن يكون المراد - و من الممكن ذلك - الأكل بمعناه الحقيقيّ، و يكون سبب نزول الآيتين تحريم بعض المؤمنين في زمن النزول المأكولات الطيّبة على أنفسهم فتكون الآيتان نازلتين في النهي عن ذلك، و قد عمّم النهي في الآية الاُولى للأكل و غيره إعطاءً للقاعدة الكلّيّة لكون ملاك النهي يعمّ محلّلات الأكل و غيرها على حدّ سواء.

و قوله:( مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) لازم ما استظهرناه من معنى الآيتين كونه مفعولاً لقوله:( كُلُوا ) و قوله:( حَلالًا طَيِّباً ) حالين من الموصول و بذلك تتوافق الآيتان، و ربّما قيل: إنّ قوله:( حَلالًا طَيِّباً ) مفعول قوله:( كُلُوا ) و قوله:( مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ ) متعلّق بقوله:( كُلُوا ) أو حال من الحلال قدّم عليه لكونه نكرة، أو كون قوله:( حَلالًا ) وصفاً لمصدر محذوف، و التقدير: رزقاً حلالاً طيّباً إلى غير ذلك.

و ربّما استدلّ بعضهم بقوله:( حَلالًا ) على أنّ الرزق يشمل الحلال و الحرام معاً و إلّا لغا القيد.

و الجواب: أنّه ليس قيداً احترازيّاً لإخراج ما هو رزق غير حلال و لا طيّب بل قيد توضيحيّ مساو لمقيّده، و النكتة في الإتيان به بيان أنّ كونه حلالاً طيّباً لا يدع عذراً لمعتذر في الاجتناب و الكفّ عنه على ما تقدّم، و قد تقدّم الكلام في معنى الرزق في ذيل الآية ٢٧ من سورة آل عمران في الجزء الثالث من هذا الكتاب.

قوله تعالى: ( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) اللغو ما لا يترتّب عليه أثر من الأعمال، و الأيمان جمع يمين و هو القسم و


الحلف قال الراغب في المفردات: و اليمين في الحلف مستعار من اليد اعتباراً بما يفعله المعاهد و المحالف و غيره، قال تعالى:( أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى‏ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ، لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) انتهى، و التعقيد مبالغة في العقد و قرئ: عقدتم بالتخفيف، و قوله:( فِي أَيْمانِكُمْ ) متعلّق بقوله:( لا يُؤاخِذُكُمُ ) أو بقوله:( بِاللَّغْوِ ) و هو أقرب.

و التقابل الواقع بين قوله:( بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) و قوله:( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) يعطي أنّ المراد باللغو في الأيمان ما لا يعقد عليه الحالف، و إنّما يجري على لسانه جرياً لعادة اعتادها أو لغيرها و هو قولهم - و خاصّة في قبيل البيع و الشري -: لا و الله، بلى و الله، بخلاف ما عقد عليه عقداً بالالتزام بفعل أو ترك كقول القائل: و الله لأفعلنّ كذا، و و الله لأتركنّ كذا.

هذا هو الظاهر من الآية، و لا ينافي ذلك أن يعدّ شرعاً قول القائل: و الله لأفعلنّ المحرّم الفلانيّ، و الله لأتركنّ الواجب الفلانيّ مثلاً من لغو اليمين لكون الشارع ألغى اليمين فيما لا رجحان فيه، فإنّما هو إلحاق من جهة السنّة، و ليس من الواجب أن يدلّ القرآن على خصوص كلّ ما ثبت بالسنّة بخصوصه.

و أمّا قوله:( وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) فلا يشمل إلّا اليمين الممضاة شرعاً لمكان قوله في ذيل الآية:( وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) فإنّه لا مناص عن شموله لهذه الأيمان بحسب إطلاق لفظه، و لا معنى للأمر بحفظ الأيمان الّتي ألغى الله سبحانه اعتبارها فالمتعيّن أنّ اللغو من الأيمان في الآية ما لا عقد فيه، و ما عقد عليه هو اليمين الممضاة.

قوله تعالى: ( فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ - إلى قوله -أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) ، الكفّارة هي العمل الّذي يستر به مساءة المعصية بوجه، من الكفر بمعنى الستر، قال تعالى:( نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) النساء: ٣١، قال الراغب: و الكفّارة ما يغطّي الإثمّ و منه كفّارة اليمين، انتهى.

و قوله:( فَكَفَّارَتُهُ ) تفريع على اليمين باعتبار مقدّر هو نحو من قولنا: فإن


حنثتم فكفّارته كذا، و ذلك لأنّ في لفظ الكفّارة دلالة على معصية تتعلّق به الكفّارة، و ليست هذه المعصية هي نفس اليمين، و لو كان كذلك لم يورد في ذيل الآية قوله:( وَ احْفَظُوا أَيْمانَكُمْ ) إذ لا معنى لحفظ ما فيه معصية فالكفّارة إنّما تتعلّق بحنث اليمين لا بنفسها.

و منه يظهر أنّ المؤاخذة المذكورة في قوله:( وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) هي المؤاخذة على حنث اليمين لا على نفس إيقاعها، و إنّما اُضيفت إلى اليمين لتعلّق متعلّقها - أعني الحنث - بها، فقوله:( فَكَفَّارَتُهُ ) متفرّع على الحنث المقدّر لدلالة قوله:( يُؤاخِذُكُمُ ) ، إلخ، عليه، و نظير هذا البيان جار في قوله:( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) و تقديره: إذا حلفتم و حنثتم.

و قوله:( إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ) خصال ثلاث يدلّ الترديد على تعيّن إحداها عند الحنث من غير جمع، و يدلّ قوله بعده:( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ) على كون الخصال المذكورة تخييريّة من غير لزوم مراعاة الترتيب الواقع بينها في الذكر، و إلّا لغا التفريع في قوله:( فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ) إلخ، و كان المتعيّن بحسب اقتضاء السياق أن يقال: أو صيام ثلاثة أيّام.

و في الآية أبحاث فرعيّة كثيرة مرجعها علم الفقه.

قوله تعالى: ( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) تقدّم أنّ الكلام في تقدير: إذا حلفتم و حنثتم، و في قوله:( ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ ) و كذا في قوله:( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ) نوع التفات و رجوع من خطاب المؤمنين إلى خطاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لعلّ النكتة فيه أنّ الجملتين جميعاً من البيان الإلهيّ للناس إنّما هو بوساطة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكأنّ في ذلك حفظاً لمقامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيان ما اُوحي إليه للناس كما قال تعالى:( وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) النحل: ٤٤.

قوله تعالى: ( كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) أي يبيّن لكم بواسطة نبيّه أحكامه لعلّكم تشكرونه بتعلّمها و العمل بها.


( بحث روائي)

في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) (الآية) قال: حدّثني أبي عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: نزلت هذه الآية في أميرالمؤمنينعليه‌السلام و بلال و عثمان بن مظعون فأمّا أميرالمؤمنينعليه‌السلام فحلف أن لا ينام بالليل أبداً، و أمّا بلال فإنّه حلف أن لا يفطر بالنهار أبداً، و أمّا عثمان بن مظعون فإنّه حلف أن لا ينكح أبداً.

فدخلت امرأة عثمان على عائشة، و كانت امرأة جميلة فقالت عائشة: ما لي أراك متعطّلة؟ فقالت: و لمن أتزيّن؟ فوالله ما قربني زوجتي منذ كذا و كذا فإنّه قد ترهّب و لبس المسوح و زهد في الدنيا.

فلمّا دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبرته عائشة بذلك فخرج فنادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه، ثمّ قال: ما بال أقوام يحرّمون على أنفسهم الطيّبات؟ ألا إنّي أنام بالليل و أنكح و اُفطر بالنهار، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي.

فقاموا هؤلاء فقالوا: يا رسول الله فقد حلفنا على ذلك فأنزل الله عليه:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ ) .

أقول: و في انطباق قوله تعالى:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) (الآية)، على حلفهم خفاءٌ، و قد تقدّم بعض الكلام فيه، و قد روى الطبرسيّ في مجمع البيان، القصّة عن أبي عبداللهعليه‌السلام و لم يذكر الّذيل فليتأمّل فيه.

و في الإحتجاج، عن الحسن بن عليّعليه‌السلام في حديث: أنّه قال لمعاوية و أصحابه:


اُنشدكم بالله أ تعلمون أنّ عليّاً أوّل من حرّم الشهوات على نفسه من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل الله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) .

و في المجمع، في الآية: قال المفسّرون: جلس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً فذكّر الناس و وصف القيامة فرقّ الناس و بكوا و اجتمع عشرة من الصحابة في بيت عثمان بن مظعون الجمحيّ، و هم عليّ و أبوبكر و عبدالله بن مسعود و أبوذرّ الغفاريّ و سالم مولى أبي حذيفة و عبدالله بن عمر و المقداد بن الأسود الكنديّ و سلمان الفارسيّ و معقل بن مقرن، و اتّفقوا على أن يصوموا النهار، و يقوموا الليل، و لا يناموا على الفرش، و لا يأكلوا اللحم و لا الودك، و لا يقربوا النساء و الطيب، و يلبسوا المسوح، و يرفضوا الدنيا، و يسيحوا في الأرض، و همّ بعضهم أن يجبّ مذاكيره.

فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتى دار عثمان فلم يصادفه فقال لامرأته اُمّ حكيم بنت أبي اُميّة - و اسمها حولاء و كانت عطّارة -: أ حقّ ما بلغني عن زوجك و أصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و كرهت أن تبدي على زوجها فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك فانصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا دخل عثمان أخبرته بذلك.

فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو و أصحابه فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أ لم اُنبّئكم أنّكم اتّفقتم على كذا و كذا؟ قالوا: بلى يا رسول الله و ما أردنا إلّا الخير، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لم اُومر بذلك، ثمّ قال: إنّ لأنفسكم عليكم حقّاً فصوموا و أفطروا، و قوموا و ناموا فإنّي أقوم و أنام و أصوم و اُفطر و آكل اللحم و الدسم و آتي النساء، و من رغب عن سنّتي فليس منّي.

ثمّ جمع الناس و خطبهم و قال: ما بال أقوام حرّموا النساء و الطعام و الطيب و النوم و شهوات الدنيا أمّا إنّي لست آمركم أن تكونوا قسّيسين و رهباناً فإنّه ليس في ديني ترك اللحم و لا النساء و لا اتّخاذ الصوامع، و إنّ سياحة اُمّتي الصوم، و رهبانيّتهم الجهاد، اعبدوا الله و لا تشركوا به شيئاً، و حجّوا، و اعتمروا، و أقيموا الصلاة، و آتوا الزكاة، و صوموا رمضان، و استقيموا يستقم لكم فإنّما هلك من كان قبلكم


بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم فاُولئك بقاياهم في الديارات و الصوامع فأنزل الله الآية.

أقول: و يظهر بالرجوع إلى روايات القوم أنّ هذه الرواية إنّما هي تلخيص للروايات المرويّة في هذا الباب، و هي كثيرة جدّاً فقد أوردها بالجمع بين شتات مضامينها بإدخال بعضها في بعض، و سبكها رواية واحدة.

و أمّا نفس هذه الروايات على كثرتها فلم يجتمع أسماء هؤلاء الصحابة في واحدة منها بل ذكر الأجمع منها لفظاً هؤلاء الصحابة بلفظ عثمان بن مظعون و أصحابه و في بعضها اُناس من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و في بعضها رجال من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و كذلك ما وقع في هذه الرواية من قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و خطبته على تفصيلها متفرّقة الجمل في الروايات، و كذلك الّذي عقدوا عليه و همّوا به من التروك لم تصرّح الروايات بأنّهم اتّفقوا جميعهم على جميعها بل صرّح بعض الروايات باختلافهم فيما همّوا به أو عقدوا عليه‏ كما في صحيح البخاريّ و مسلم عن عائشة: أنّ ناساً من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سألوا أزواج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن عمله في السرّ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، و قال بعضهم: لا أتزوّج النساء، و قال بعضهم: لا أنام على فراش فبلغ ذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا و كذا؟ لكنّي أصوم و اُفطر، و أنام و أقوم، و آكل اللحم، و أتزوّج النساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي.

و لعلّ المراد بقوله في الرواية: و اتّفقوا على أن يصوموا النهار إلخ، أنّ المجموع اتّفقوا على المجموع لا أنّ كلّ واحد منهم عزم على الجميع. و الروايات و إن كانت مختلفة في مضامينها، و فيها الضعيف و المرسل و المعتبر لكنّ التأمّل في جميعها يوجب الوثوق بأنّ رهطاً من الصحابة عزموا على هذا النوع من التزهّد و التنسّك، و أنّه كان فيهم عليّعليه‌السلام و عثمان بن مظعون، و أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لهم: من رغب عن سنّتي فليس منّي، و الله أعلم، فعليك بالرجوع إلى التفاسير الروائيّة كتفسير الطبريّ و الدرّ المنثور و فتح القدير و أمثالها.

و في الدرّ المنثور: أخرج الترمذيّ و حسّنه و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن عديّ


في الكامل و الطبرانيّ و ابن مردويه عن ابن عبّاس: أنّ رجلاً أتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله إنّي إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء و أخذتني شهوتي، و إنّي حرّمت عليّ اللحم فنزلت:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) .

و فيه: أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أنّ عبدالله بن رواحة ضافه ضيف من أهله و هو عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظاراً له، فقال لامرأته: حبسّت ضيفي من أجلي هو حرام عليّ، فقالت امرأته: هو عليّ حرام، قال الضيف: هو عليّ حرام، فلمّا رأى ذلك وضع يده و قال: كلوا بسم الله، ثمّ ذهب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره، فقال النبي:صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد أصبت فأنزل الله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) .

أقول: من الممكن أن يكون السببان المذكوران في الروايتين الأخيرتين من تطبيق الرواة، و هو شائع في روايات أسباب النزول، و من الممكن أن يقع لنزول الآية أسباب عديدة.

و في تفسير العيّاشيّ، عن عبدالله بن سنان قال: سألته عن رجل قال لامرأته: طالق، أو مماليكه أحرار إن شربت حراماً و لا حلالاً فقال: أمّا الحرام فلا يقربه حلف أو لم يحلف، و أمّا الحلال فلا يتركه فإنّه ليس أن يحرّم ما أحلّ الله لأنّ الله يقول:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) فليس عليه شي‏ء في يمينه من الحلال.

و في الكافي، بإسناده عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سمعته يقول في قول الله عزّوجلّ:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) قال:( اللغو) قول الرجل:( لا و الله، و بلى و الله) و لا يعقد على شي‏ء.

أقول: و روى العيّاشيّ في تفسيره عن عبدالله بن سنان مثله، و عن محمّد بن مسلم مثله و فيه: و لا يعقد عليها.

و في الدرّ المنثور: أخرج ابن جرير عن ابن عبّاس قال: لما نزلت:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ) في القوم الّذين حرّموا النساء و اللحم على


أنفسهم قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا الّتي حلفنا عليها؟ فأنزل الله:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) .

أقول: و الرواية تشاكل ذيل الرواية الاُولى الّتي أوردناها في صدر البحث غير أنّها لا تنطبق على ظاهر الآية فإنّ الحلف على ترك واجب أو مباح لا يخلو من عقد عليه، و قد قوبل في الآية قوله:( بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ) بقوله:( بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ) و دلّ ذلك على كون اللغو من اليمين ما لا عقد عليه، و هذا الظاهر إنّما يوافق الرواية المفسّرة للغو اليمين بقول القائل: لا و الله، و بلى و الله، من غير أن يعقد على شي‏ء، و أمّا اليمين الملغاة شرعاً ففيها عقد على ما حلف عليه فالمتعيّن أن يستند إلغاؤه إلى السنّة دون الكتاب.

على أنّ سياق الآية أدّل دليل على أنّها مسوقة لبيان كفّارة اليمين و الأمر بحفظها استقلالاً لا على نحو التطفّل كما هو لازم هذا التفسير.


( سورة المائدة الآيات ٩٠ - ٩٣)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ( ٩٠) إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ( ٩١) وَأَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنّمَا عَلَى‏ رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ( ٩٢) لَيْسَ عَلَى الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيَما طَعِمُوا إِذَا مَا اتّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ ثُمّ اتّقَوْا وَآمَنُوا ثُمّ اتّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ( ٩٣)

( بيان)

الآيات متلائمة سياقاً فكأنّها نزلت دفعة أو هي متقاربة نزولاً، و الآية الأخيرة بمنزلة دفع الدخل على ما سنبيّنه تفصيلاً، فهي جميعاً تتعرّض لحال الخمر، و بعضها يضيف إليها الميسر و الأنصاب و الأزلام.

و قد تقدّم في قوله تعالى:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) البقرة: ٢١٩، في الجزء الأوّل، و في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) النساء: ٤٣ في الجزء الرابع من هذا الكتاب أنّ هاتين الآيتين مع قوله تعالى:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ ) الأعراف: ٣٣، و هذه الآية المبحوث عنها:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ - إلى قوله -فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) إذا انضمّ بعضها إلى بعض دلّت سياقاتها المختلفة على تدرّج الشارع في تحريم الخمر.

لكن لا بمعنى السلوك التدريجيّ في تحريمها من تنزيه و إعافة إلى كراهية إلى


تحريم صريح حتّى ينتج معنى النسخ، أو من إبهام في البيان إلى إيضاح أو كناية خفيّة إلى تصريح لمصلحة السياسة الدينيّة في إجراء الأحكام الشرعيّة فإنّ قوله تعالى:( وَ الْإِثم ) آية مكّيّة في سورة الأعراف إذا انضمّ إلى قوله تعالى:( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ) و هي آية مدنيّة واقعة في سورة البقرة أوّل سورة مفصّلة نزلت بعد الهجرة أنتج ذلك حرمة الخمر إنتاجاً صريحاً لا يدع عذراً لمعتذر، و لا مجالاً لمتأوّل.

بل بمعنى أنّ الآيات تدرّجت في النهي عنها بالتحريم على وجه عامّ و ذلك قوله تعالى:( وَ الْإِثْمَ ) ، ثمّ بالتحريم الخاصّ في صورة النصيحة و ذلك قوله:( قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) ، و قوله:( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ) إن كانت الآية ناظرة إلى سكر الخمر لا إلى سكر النوم، ثمّ بالتحريم الخاصّ بالتشديد البالغ الّذي يدلّ عليه قوله:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) الآيتان.

فهذه الآيات آخر ما نزل في تحريم الخمر يدلّ على ذلك أقسام التأكيد المودعة فيها من( إِنَّما ) و التسمية بالرجس، و نسبته إلى عمل الشيطان، و الأمر الصريح بالاجتناب، و توقّع الفلاح فيه، و بيان المفاسد الّتي تترتّب على شربها، و الاستفهام عن الانتهاء، ثمّ الأمر بإطاعة الله و رسوله و التحذير عن المخالفة، و الاستغناء عنهم لو خالفوا.

و يدلّ على ذلك بعض الدلالة أيضاً قوله تعالى في ذيل الآيات:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) إلخ بما سيأتي من الإيضاح.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ ) إلى آخر الآية قد تقدّم الكلام في أوّل السورة في معنى الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام فالخمر ما يخمر العقل من كلّ مائع مسكر عمل بالتخمير، و الميسر هو القمار مطلقاً، و الأنصاب هي الأصنام أو الحجارة الّتي كانت تنصب لذبح القرابين عليها و كانت تحترم و يتبرّك بها، و الأزلام هي الأقداح الّتي كانت يستقسم بها، و ربّما كانت تطلق على السهام الّتي كانت يتفاءل بها عند ابتداء الاُمور و العزيمة عليها كالخروج إلى سفر و نحوه


لكنّ اللفظ قد وقع في أوّل السورة للمعنى الأوّل لوقوعه بين محرّمات الأكل فيتأيّد بذلك كون المراد به ههنا هو ذلك.

فإن قلت: الميسر بعمومه يشمل الأزلام بالمعنى الآخر الّذي هو الاستقسام بالأقداح، و لا وجه لإيراد الخاصّ بعد العامّ من غير نكتة ظاهرة فالمتعيّن حمل اللفظ على سهام التفؤل و الخيرة الّتي كان العمل بها معروفاً عندهم في الجاهليّة قال الشاعر:

فلئن جذيمة قتلت ساداتها

فنساؤها يضربن بالأزلام

و هو - كما روي - أنّهم كانوا يتّخذون أخشاباً ثلاثة رقيقة كالسهام أحدها مكتوب عليه( افعل) و الثاني مكتوب عليه لا تفعل و الثالث غفل لا كتابة عليه فيجعلها الضارب في خريطة معه و هي متشابه فإذا أراد الشروع في أمر يهمّه كالسفر و غير ذلك أخرج واحداً منها فإن كان الّذي عليه مكتوب( افعل) عزم عليه، و إن خرج الّذي مكتوب عليه( لا تفعل) تركه، و إن خرج الثالث أعاد الضرب حتّى يخرج واحد من الأوّلين، و سميّ استقساماً لأنّ فيه طلب ما قسّم له من رزق أو خير آخر من الخيرات.

فالآية تدلّ على حرمته لأنّ فيه تعرّضاً لدعوى علم الغيب، و كذا كلّ ما يشاكله من الأعمال كأخذها الخيرة بالسبحة و نحوها.

قلت: قد عرفت أنّ الآية في أوّل السورة:( وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ) ظاهرة في الاستقسام بالأقداح الّذي هو نوح من القمار لوقوعه في ضمن محرّمات الأكل، و يتأيّد به أنّ ذلك هو المراد بالأزلام في هذه الآية.

و لو سلّم عدم تأيّد هذه بتلك عاد إلى لفظ مشترك لا قرينة عليه من الكلام تبيّن المراد فيتوقّف على ما يشرحه من السنّة، و قد وردت عدّة أخبار من أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في جواز الأخذ بالخيرة من السبحة و غيرها عند الحيرة.

و حقيقته أنّ الإنسان إذا أراد أن يقدم على أمر كان له أن يعرف وجه المصلحة فيه بما أغرز الله فيه من موهبة الفكر أو بالاستشارة ممّن له صلاحيّة المعرفة بالصواب


و الخطأ، و إن لم يهده ذلك إلى معرفة وجه الصواب، و تردّد متحيّراً كان له أن يعيّن ما ينبغي أن يختاره بنوع من التوجّه إلى ربّه.

و ليس في اختيار ما يختاره الإنسان بهذا النوع من الاستخارة دعوى علم الغيب و لا تعرّض لما يختصّ بالله سبحانه من شؤون الاُلوهيّة، و لا شرك بسبب تشريك غير الله تعالى إيّاه في تدبير الاُمور و لا أيّ محذور دينيّ آخر إذ لا شأن لهذا العمل إلّا تعيّن الفعل أو الترك من غير إيجاب و لا تحريم و لا أيّ حكم تكليفيّ آخر، و لا كشف عمّا وراء حجب الغيب من خير أو شرّ إلّا أنّ خير المستخير في أن يعمل أو يترك فيخرج عن الحيرة و التذبذب.

و أمّا ما يستقبل الفعل أو الترك من الحوادث فربّما كان فيه خير و ربّما كان فيه شرّ على حدّ ما لو فعله أو تركه عن فكر أو استشارة، فهو كالتفكّر و الاستشارة طريق لقطع الحيرة و التردّد في مقام العمل، و يترتّب على الفعل الموافق له ما كان يترتّب عليه لو فعله عن فكر أو مشورة.

نعم ربّما أمكن لمتوهّم أن يتوهّم التعرّض لدعوى علم الغيب فيما ورد من التفؤّل بالقرآن و نحوه فربّما كانت النفس تتحدّث معه بيمن أو شأمة، و تتوقّع خيراً أو شرّاً أو نفعاً أو ضرّاً، لكن قد ورد في الصحيح من طرق الفريقين: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتفأل بالخير و يأمر به، و ينهى عن التطيّر و يأمر بالمضيّ معه و التوكّل على الله تعالى.

فلا مانع من التفؤل بالكتاب و نحوه فإن كان معه ما يتفأل به من الخير و إلّا مضى في الأمر متوكّلاً على الله تعالى، و ليس في ذلك أزيد ممّا يطيب به الإنسان نفسه في الاُمور و الأعمال الّتي يتفرّس فيها السعادة و النفع، و سنستوفي البحث المتعلّق بهذا المقام في كلام موضوع لهذا الغرض بعينه.

فتبيّن أنّ ما وقع في بعض التفاسير من حمل الأزلام على سهم التفأل و استنتاج حرمة الاستخارة بذلك ممّا لا ينبغي المصير إليه.

و أمّا قوله:( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) فالرجس الشي‏ء القذر على ما ذكره الراغب


في مفرداته فالرجاسة بالفتح كالنجاسة و القذارة هو الوصف الّذي يبتعد و يتنزّه عن الشي‏ء بسببه لتنفّر الطبع عنه.

و كون هذه المعدودات من الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام رجساً هو اشتمالها على وصف لا تستبيح الفطرة الإنسانيّة الاقتراب منها لأجله، و ليس إلّا أنّها بحيث لا تشتمل على شي‏ء ممّا فيه سعادة إنسانيّة أصلاً سعادة يمكن أن تصفو و تتخلّص في حين من الأحيان كما ربّما أومأ إليه قوله تعالى:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) البقرة: ٢١٩، حيث غلب الإثم على النفع و لم يستثن.

و لعلّه لذلك نسب هذه الأرجاس إلى عمل الشيطان و لم يشرك له أحداً، ثمّ قال في الآية التالية:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ ) .

و ذلك أنّ الله سبحانه عرف الشيطان في كلامه بأنّه عدوّ للإنسان لا يريد به خيراً البتّة قال تعالى:( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) يوسف: ٥، و قال:( كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ ) الحجّ: ٤، و قال:( وَ إِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً، لَعَنَهُ اللهُ ) النساء: ١١٨، فأثبت عليه لعنته و طرده عن كلّ خير.

و ذكر أنّ مساسه بالإنسان و عمله فيه إنّما هو بالتسويل و الوسوسة و الإغواء من جهة الإلقاء في القلب كما قال تعالى حكاية عنه:( قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ، إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ) الحجر: ٤٢، فهدّدهم إبليس بالإغواء فقط، و نفى الله سبحانه سلطانه إلّا عن متّبعيه الغاوين، و حكى عنه فيما يخاطب بني آدم يوم القيامة قوله:( وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) إبراهيم: ٢٢، و قال في نعت دعوته:( يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ‏ - إلى أن قال -إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ ) فبين أنّ دعوته لا كدعوة إنسان إنساناً إلى أمر بالمشافهة بل بحيث يرعى الداعي المدعوّ من غير عكس.


و قد فصل القول في جميع ذلك قوله تعالى:( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ) الناس: ٥، فبيّن أنّ الذي يعمل الشيطان بالتصرّف في الإنسان هو أن يلقي الوسوسة في قلبه فيدعوه بذلك إلى الضلال.

فيتبيّن بذلك كلّه أنّ كون الخمر و ما ذكر بعدها رجساً من عمل الشيطان هو أنّها منتهية إلى عمل الشيطان الخاصّ به، و لا داعي لها إلى الإلقاء و الوسوسة الشيطانيّة الّتي تدعو إلى الضلال، و لذلك سمّاها رجساً و قد سمّى الله سبحانه الضلال رجساً في قوله:( وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ) الأنعام: ١٢٦.

ثمّ بيّن معنى كونها رجساً ناشئاً من عمل الشيطان بقوله في الآية التالية:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ ) أي إنّه لا يريد لكم في الدعوة إليها إلّا الشرّ و لذلك كانت رجساً من عمله.

فإن قلت: ملخّص هذا البيان أنّ معنى كون الخمر و أضرابها رجساً هو كون عملها أو شربها مثلاً منتهياً إلى وسوسة الشيطان و إضلاله فحسب، و الّذي تدلّ عليه عدّة من الروايات أنّ الشيطان هو الّذي ظهر للإنسان و عملها لأوّل مرّة و علّمه إيّاها.

قلت: نعم، و هذه الأخبار و إن كانت لا تتجاوز الآحاد بحيث يجب الأخذ بها إلّا أنّ هناك أخباراً كثيرة متنوّعة واردة في أبواب متفرّقة تدلّ على تمثّل الشيطان للأنبياء و الأولياء و بعض أفراد الإنسان من غيرهم كأخبار اُخر حاكية لتمثّل الملائكة، و اُخرى دالّة على تمثّل الدنيا و الأعمال و غير ذلك و الكتاب الإلهيّ يؤيّدها بعض التأييد كقوله تعالى:( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) مريم: ١٧، و سنستوفي هذا البحث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى:( سُبْحانَ الّذي أَسْرى‏ بِعَبْدِهِ ) الإسراء: ١، أو في محلّ آخر مناسب لذلك.


و الّذي يجب أن يعلم أنّ ورود قصّة مّا في خبر أو أخبار لا يوجب تبدّل آية من الآيات ممّا لها من الظهور المؤيّد بآيات اُخر، و ليس للشيطان من الإنسان إلّا التصرّف الفكريّ فيما كان له ذلك بمقتضى الآيات الشريفة، و لو أنّه تمثّل لواحد من البشر فعمل شيئاً أو علّمه إيّاه لم يزد ذلك على التمثّل و التصرّف في فكره أو مساسه علماً فانتظر ما سيوافيك من البحث.

و أمّا قوله تعالى:( فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) فتصريح بالنهي بعد بيان المفسدة ليكون أوقع في النفوس ثمّ ترجّ للفلاح على تقدير الاجتناب، و فيه أشدّ التأكيد للنهي لتثبيته أن لا رجاء لفلاح من لا يجتنب هذه الأرجاس.

قوله تعالى: ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ ) إلى آخر الآية قال الراغب في المفردات: العدو التجاوز و منافاة الالتيام فتارة يعتبر بالقلب فيقال له: العداوة و المعاداة، و تارة بالمشي فيقال له: العدو، و تارة في الإخلال بالعدالة في المعاملة فيقال له: العدوان و العدو قال:( فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ ) و تارة بأجزاء المقرّ فيقال له: العدواء يقال: مكان ذو عدواء أي غير متلائم الأجزاء فمن المعاداة يقال: رجل عدوّ و قوم عدوّ قال:( بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) و قد يجمع على عدىً (بالكسر فالفتح) و أعداء قال:( وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ ) ، انتهى.

و البغض و البغضاء خلاف الحبّ و الصدّ الصرف، و الانتهاء قبول النهي و خلاف الابتداء.

ثمّ إنّ الآية - كما تقدّم - مسوقة بياناً لقوله:( مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) أو لقوله:( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) أي إنّ حقيقة كون هذه الاُمور من عمل الشيطان أو رجساً من عمل الشيطان أنّ الشيطان لا بغية له و لا غاية في الخمر و الميسر - اللّذين قيل: إنّهما رجسان من عمله فقط - إلّا أن يوقع بينكم العداوة و البغضاء بتجاوز حدودكم و بغض بعضكم بعضاً، و أن يصرفكم عن ذكر الله و عن الصلاة في هذه الاُمور جميعاً أعني الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام.


و قصر إيقاع العداوة و البغضاء في الخمر و الميسر لكونهما من آثارهما الظاهرة أمّا الخمر فلأنّ شربها تهيّج سلسلة الأعصاب تهيجاً يخمّر العقل و يستظهر العواطف العصبيّة فإن وقعت في طريق الغضب جوّزت للسكران أيّ جناية فرضت و إن عظمت ما عظمت، و فظعت ما فظعت ممّا لا يستبيحه حتّى السباع الضارية، و إن وقعت في طريق الشهوة و البهيميّة زيّنت للإنسان أيّ شناعة و فجور في نفسه أو ماله أو عرضه و كلّ ما يحترمه و يقدّسه من نواميس الدين و حدود المجتمع و غير ذلك من سرقة أو خيانة أو هتك محرم أو إفشاء سرّ أو ورود فيما فيه هلاك الإنسانيّة، و قد دلّ الإحصاء على أنّ للخمر السهم الأوفر من أنواع الجنايات الحادثة و في أقسام الفجورات الفظيعة في المجتمعات الّتي دار فيها شربها.

و أمّا الميسر و هو القمار فإنّه يبطل في أيسر زمان مسعاة الإنسان الّتي صرفها في اقتناء المال و الثروة و الوجاهة في أزمنة طويلة فيذهب به المال و ربّما تبعه العرض و النفس و الجاه فإن تقمّر و غلب و أحرز المال أدّاه ذلك إلى إبطال السير المعتدل في الحياة و التوسّع في الملاهي و الفجور، و الكسل و التبطّؤ عن الاشتغال بالمكسب و اقتناء موادّ الحياة من طرقها المشروعة، و إن كان هو المغلوب أدّاه فقدان المال و خيبة السعي إلى العداوة و البغضاء لقميرة الغالب، و الحسرة و الحنق.

و هذه المفاسد و إن كانت لا تظهر للأذهان الساذجة البسيطة ذاك الظهور في النادر القليل و المرّة و المرّتين لكنّ النادر يدعو إلى الغالب، و القليل يهدي إلى الكثير و المرّة تجرّ إلى المرّات و لا تلبث إن لم تمنع من رأس أن تشيع في الملأ، و تسري إلى المجتمع فتعود بلوى همجيّة لا حكومة فيها إلّا للعواطف الطاغية و الأهواء المردية.

فتبيّن من جميع ما تقدّم أنّ الحصر في قوله:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ ) راجع إلى مجموع المعدودات من حيث المجموع غير أنّ الصدّ عن ذكر الله و عن الصلاة من شأن الجميع، و العداوة و البغضاء يختصّان بالخمر و الميسر بحسب الطبع.


و في إفراز الصلاة عن الذكر في قوله تعالى:( وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ ) مع كون الصلاة من أفراد الذكر دلالة على مزيد الاهتمام بأمرها لكونها فرداً كاملاً من الذكر، و قد صحّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه قال: الصلاة عمود الدين‏، و دلالة القرآن الكريم في آيات كثيرة جدّاً على الاهتمام بأمر الصلاة بما لا مزيد عليه ممّا لا يتطرّق إليه شكّ و فيها مثل قوله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ) (إلى آخر الآيات) المؤمنون: ٢، و قوله تعالى:( وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ) الأعراف: ١٧٠، و قوله تعالى:( إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلَّا الْمُصَلِّينَ ) الآيات: المعارج: ٢٢ و قوله:( اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ ) العنكبوت: ٤٥، و قال تعالى:( فَاسْعَوْا إِلى‏ ذِكْرِ اللهِ ) الجمعة: ٩، يريد به الصلاة، و قال:( وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ) طه: ١٤، إلى غير ذلك من الآيات.

و قد ذكر سبحانه أوّلاً ذكره و قدّمه على الصلاة لأنّها هي البغية الوحيدة من الدعوة الإلهيّة، و هو الروح الحيّة في جثمان العبوديّة، و الخميرة لسعادة الدنيا و الآخرة يدلّ على ذلك قوله تعالى لآدم أوّل يوم شرع فيه الدين:( قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏، وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً، وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ ) طه: ١٢٤، و قوله تعالى:( وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَ كانُوا قَوْماً بُوراً ) الفرقان: ١٨، و قوله تعالى:( فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) النجم: ٣٠.

فالذكر في الآيات إنّما هو ما يقابل نسيان جانب الربوبيّة المستتبع لنسيان العبوديّة و هو السلوك الدينيّ الّذي لا سبيل إلى إسعاد النفس بدونه قال تعالى:


( وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) الحشر: ١٩.

و أمّا قوله تعالى:( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فهو استفهام توبيخيّ فيه دلالة مّا على أنّ المسلمين لم يكونوا ينتهون عن المناهي السابقة على هذا النهي، و الآية أعني قوله:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ ) ، إلخ كالتفسير يفسّر بها قوله:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) أي إنّ النفع الّذي فرض فيهما مع الإثم ليس بحيث يمكن أن يفرز أحياناً من الإثم أو من الإثم الغالب عليه كالكذب الّذي فيه إثم و نفع، و ربّما اُفرز نفعه من إثمه كالكذب لمصلحة إصلاح ذات البين.

و ذلك لمكان الحصر في قوله:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ ) ، إلخ بعد قوله:( رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ ) فالمعنى أنّها لا تقع إلّا رجساً من عمل الشيطان، و أنّ الشيطان لا يريد بها إلّا إيقاع العداوة و البغضاء بينكم في الخمر و الميسر و صدّكم عن ذكر الله و عن الصلاة فلا يصاب لها مورد يخلص فيه النفع عن الإثم حتّى تباح فيه، فافهم ذلك.

قوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا ، إلى آخر الآية) تأكيد للأمر السابق باجتناب هذه الأرجاس أوّلاً بالأمر بطاعة الله سبحانه و بيده أمر التشريع، و ثانياً بالأمر بطاعة الرسول و إليه الإجراء، و ثالثاً بالتحذير صريحاً.

ثمّ في قوله:( فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى‏ رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ) تأكيد فيه معنى التهديد و خاصّة لاشتماله على قوله:( فَاعْلَمُوا ) فإنّ فيه تلويحاً إلى أنّكم إن تولّيتم و اقترفتم هذه المعاصي فكأنّكم ظننتم أنّكم كابرتم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نهيه عنها و غلبتموه، و قد جهلتم أو نسيتم أنّه رسول من قبلنا ليس له من الأمر شي‏ء إلّا بلاغ مبين لما يوحى إليه و يؤمر بتبليغه، و إنّما نازعتم ربّكم في ربوبيّته.

و قد تقدّم في أوّل الكلام أنّ الآيات تشتمل على فنون من التأكيد في تحريم هذه الاُمور، و هي الابتداء بقوله:( يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا ) ، ثمّ الإتيان بكلمة الحصر، ثمّ التوصيف بالرجس، ثمّ نسبتها إلى عمل الشيطان، ثمّ الأمر بالاجتناب صريحاً،


ثمّ رجاء الفلاح في الاجتناب، ثمّ ذكر مفاسدها العامّة من العداوة و البغضاء و الصرف عن ذكر الله و عن الصلاة، ثمّ التوبيخ على عدم انتهائهم، ثمّ الأمر بطاعة الله و رسوله و التحذير عن المخالفة، ثمّ التهديد على تقدير التولّي بعد البلاغ المبين.

قوله تعالى: ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) إلى آخر الآية الطعم و الطعام هو التغذّي، و يستعمل في المأكول دون المشروب، و هو في لسان المدنيّين البرّ خاصّة، و ربّما جاء بمعنى الذوق، و يستعمل حينئذ بمعنى الشرب كما يستعمل بمعنى الأكل قال تعالى:( فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ) البقرة: ٢٤٩، و في بعض الروايات عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال في ماء زمزم: أنّه طعام طعم و شفاء سقم.

و الآية لا تصلح بسياقها إلّا أن تتّصل بالآيات السابقة فتكون دفع دخل تتعرّض لحال المؤمنين ممّن ابتلي بشرب الخمر قبل نزول التحريم أو قبل نزول هذه الآيات، و ذلك أنّ قوله فيها:( فِيما طَعِمُوا ) مطلق غير مقيّد بشي‏ء ممّا يصلح لتقييده، و الآية مسوقة لرفع الحظر عن هذا الطعام المطلق، و قد قيّد رفع الحظر بقوله:( إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا ) و المتيقّن من معنى هذا القيد - و قد ذكر فيه التقوى ثلاث مرّات - هو التقوى الشديد الّذي هو حقّ التقوى.

فنفي الجناح للمؤمنين المتّقين عن مطلق ما طعموا (الطعام المحلّل) إن كان لغرض إثبات المفهوم في غيرهم أي إثبات مطلق المنع لغير أهل التقوى من سائر المؤمنين و الكفّار ناقضه أمثال قوله تعالى:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) الأعراف: ٣٢، على أنّ من المعلوم من مذاق هذا الدين أنّه لا يمنع أحداً عن الطيّبات المحلّلة الّتي تضطرّ الفطرة إلى استباحتها في الحياة.

و إن لم تكن الآية مسوقة لتحريمه على غير من ذكر عاد المعنى إلى مثل قولنا: يجوز الطعام للّذين آمنوا و عملوا الصالحات بشرط أن يتّقوا ثمّ يتّقوا ثمّ يتّقوا، و من المعلوم


أنّ الجواز لا يختصّ بالّذين آمنوا و عملوا الصالحات بل يعمّهم و غيرهم، و على تقدير اختصاصه بهم لا يشترط فيه هذا الشرط الشديد.

و لا يخلو عن أحد هذين الإشكالين جميع ما ذكروه في توجيه الآية بناءً على حمل قوله:( فِيما طَعِمُوا ) على مطلق الطعام المحلّل فإنّ المعنى الّذي ذكروه لا يخرج عن حدود قولنا: لا جناح على الّذين آمنوا و عملوا الصالحات إذا اتّقوا المحرّمات أن يطعموا المحلّلات، و لا يسلم هذا المعنى عن أحد الإشكالين كما هو واضح.

و ذكر بعضهم: أنّ في الآية حذفاً، و التقدير: ليس على الّذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما طعموا و غيره إذا ما اتّقوا المحارم، و فيه أنّه تقدير من غير دليل مع بقاء المحذور على حاله.

و ذكر بعضهم: أنّ الإيمان و العمل الصالح جميعاً ليس بشرط حقيقيّ بل المراد بيان وجوب اتّقاء المحارم فشرّك معه الإيمان و العمل الصالح للدلالة على وجوبه، و فيه أنّ ظاهر الآية أنّها مسوقة لنفي الجناح فيما طعموا، و لا شرط له من إيمان أو عمل صالح أو اتّقاء محارم على ما تقدّم، و ما أبعد المعنى الّذي ذكره عن ظاهر الآية.

و ذكر بعضهم: أنّ المؤمن يصحّ أن يطلق عليه أنّه لا جناح عليه، و الكافر مستحقّ للعقاب فلا يصحّ أن يطلق عليه هذا اللفظ، و فيه أنّه لا يصحّ تخصيص المؤمنين بالذكر فليكن مثل قوله تعالى:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) الأعراف: ٣٢، و قوله:( قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً ) الأنعام: ١٤٥ حيث لم يذكر في الخطاب مؤمن و لا كافر، أو مثل قوله:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى -‏ إلى قوله -إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) الحجرات: ١٣ حيث وجّه الخطاب إلى الناس الشامل للمؤمن و الكافر.

و ذكر بعضهم: أنّ الكافر قد سدّ على نفسه طريق معرفة التحريم و التحليل فلذلك خصّ المؤمن بالذكر، و فيه ما في سابقه من الإشكال مع أنّه لا يرفع الإشكال الناشئ


من قوله:( إِذا مَا اتَّقَوْا ) إلخ.

فالّذي ينبغي أن يقال: إنّ الآية في معنى الآيات السابقة عليها على ما هو ظاهر اتّصالها بها، و هي متعرّضة لحال من ابتلي من المسلمين بشرب الخمر و طعمها، أو بالطعم لشي‏ء منها أو ممّا اقتناه بالميسر أو من ذبيحة الأنصاب كأنّهم سألوا بعد نزول التحريم الصريح عن حال من ابتلي بشرب الخمر، أو بها و بغيرها ممّا ذكره الله تعالى في الآية قبل نزول التحريم من إخوانهم الماضين أو الباقين المسلمين لله سبحانه في حكمه.

فاُجيب عن سؤالهم أن ليس عليهم جناح إن كانوا من الّذين آمنوا و عملوا الصالحات إن كانوا جارين على صراط التقوى بالإيمان بالله و العمل الصالح ثمّ الإيمان بكلّ حكم نازل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ الإحسان بالعمل على طبق الحكم النازل.

و بذلك يتبيّن أنّ المراد بالموصول في قوله:( فِيما طَعِمُوا ) هو الخمر من حيث شربها أو جميع ما ذكر من الخمر و الميسر و الأنصاب و الأزلام من حيث ما يصحّ أن يتعلّق بها من معنى الطعم، و المعنى: ليس على الّذين آمنوا و عملوا الصالحات جناح فيما ذاقوه قبل نزول التحريم من خمر أو منها و من غيرها من المحرّمات المذكورة.

و أمّا قوله:( إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا ) فظاهر قوله:( إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) إنّه إعادة لنفس الموضوع المذكور في قوله:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ ) للدلالة على دخالة الوصف في الحكم الّذي هو نفي الجناح كقوله تعالى في خطاب المؤمنين:( ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ) البقرة: ٢٣٢، و هو شائع في اللسان.

و ظاهر قوله:( ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ) اعتبار الإيمان بعد الإيمان، و ليس إلّا الإيمان التفصيليّ بكلّ حكم حكم ممّا جاء به الرسول من عند ربّه من غير ردّ و امتناع، و لازمه التسليم للرسول فيما يأمر به و ينهى عنه قال تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ ) الحديد: ٢٨، و قال تعالى:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ - إلى أن قال -فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ


بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء ٦٥، و الآيات في هذا المعنى كثيرة.

و ظاهر قوله:( ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا ) إضافة الإحسان إلى الإيمان بعد الإيمان اعتباراً، و الإحسان هو إتيان العمل على وجه حسنة من غير نيّة فاسدة كما قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ) الكهف: ٣٠، و قال:( الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ) آل عمران: ١٧٢، أي يكون استجابتهم ابتغاءً لوجه الله و تسليماً لأمره لا لغرض آخر، و من الإحسان ما يتعدّى إلى الغير، و هو أن يوصل إلى الغير ما يستحسنه، قال تعالى:( وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ) البقرة: ٨٣، و قال:( وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ) القصص: ٧٧.

و المناسب لمورد الآية هو المعنى الأوّل من معنيي الإحسان، و هو إتيان الفعل على جهة حسنة فإنّ التقوى الدينيّ لا يوفى حقّه بمجرّد الإيمان بالله و تصديق حقّيّة دينه ما لم يؤمن تفصيلاً بكلّ واحد واحد من الأحكام المشرّعة في الدين فإنّ ردّ الواحد منها ردّ لأصل الدين، و لا أنّ الإيمان التفصيليّ بكلّ واحد واحد يوفى به حقّ التقوى ما لم يحسن بالعمل بها و في العمل بها بأن يجري على ما يقتضيه الحكم من فعل أو ترك، و يكون هذا الجري ناشئاً من الانقياد و الاتّباع لا عن نيّة نفاقيّة فمن الواجب على المتزوّد بزاد التقوى أن يؤمن بالله و يعمل صالحاً، و أن يؤمن برسوله في جميع ما جاء به، و أن يجري في جميع ذلك على نهج الاتّباع و الإحسان.

و أمّا تكرار التقوى ثلاث مرّات، و تقييد المراتب الثلاث جميعاً به فهو لتأكيد الإشارة إلى وجوب مقارنة المراتب جميعاً للتقوى الواقعيّ من غير غرض آخر غير دينيّ، و قد مرّ في بعض المباحث السابقة أنّ التقوى ليس مقاماً خاصّاً دينيّاً بل هو حالة روحيّة تجامع جميع المقامات المعنويّة أي إنّ لكلّ مقام معنويّ تقوى خاصّاً يختصّ به.

فتلخّص من جميع ما مرّ أنّ المراد بالآية أعني قوله:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا


وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) إلى آخر الآية، أنّه لا جناح على الّذين آمنوا و عملوا الصالحات فيما ذاقوه من خمر أو غيره من المحرّمات المعدودة بشرط أن يكونوا ملازمين للتقوى في جميع أطوارهم و متلبّسين بالإيمان بالله و رسوله، و محسنين في أعمالهم عاملين بالواجبات و تاركين لكلّ محرّم نهوا عنه فإن اتّفق لهم أن ابتلوا بشي‏ء من الرجس الّذي هو من عمل الشيطان قبل نزول التحريم أو قبل وصوله إليهم أو قبل تفقّههم به لم يضرّهم ذلك شيئاً.

و هذا نظير قوله تعالى في آيات تحويل القبلة في جواب سؤالهم عن حال الصلوات الّتي صلّوها إلى غير الكعبة:( وَ ما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ ) البقرة: ١٤٣.

و سياق هذا الكلام شاهد آخر على كون هذه الآية:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ ، إلخ) متّصلة بما قبلها من الآيات و أنّها نازلة مع تلك الآيات الّتي لسانها يشهد أنّها آخر الآيات المحرّمة للخمر نزولاً، و أنّ بعض المسلمين كما يشعر به لسان الآيات - على ما استفدناه آنفاً - لم يكونوا منتهين عن شربها ما بين الآيات السابقة المحرّمة و بين هذه الآيات.

ثمّ وقع السؤال بعد نزول هذه الآيات عن حال من ابتلي بذلك و فيهم من ابتلي به قبل نزول التحريم، و من ابتلي به قبل التفقّه، و من ابتلي به لغير عذر فاُجيبوا بما يتعيّن به لكلّ طائفة حكم مسألته بحسب خصوص حاله، فمن طعمها و هو على حال الإيمان و الإحسان، و لا يكون إلّا من ذاقها من المؤمنين قبل نزول التحريم أو جهلاً به فليس عليه جناح، و من ذاقها على غير النعت فحكمه غير هذا الحكم.

و للمفسّرين في الآية أبحاث طويلة، منها ما يرجع إلى قوله:( فِيما طَعِمُوا ) و قد تقدّم خلاصة الكلام في ذلك.

و منها ما يرجع إلى ذيل الآية من حيث تكرّر التقوى فيه ثلاث مرّات، و تكرّر الإيمان و تكرّر العمل الصالح و ختمها بالإحسان.

فقيل: إنّ المراد بقوله:( إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ) اتّقوا المحرّم و ثبتوا على الإيمان و الأعمال الصالحة، و بقوله:( ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ) ثمّ


اتّقوا ما حرّم عليهم بعد كالخمر و آمنوا بتحريمه، و بقوله:( ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا ) ثمّ استمرّوا و ثبتوا على اتّقاء المعاصي و اشتغلوا بالأعمال الجميلة.

و قيل: إنّ هذا التكرار باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى و الإيمان بينه و بين نفسه، و بينه و بين الناس، و بينه و بين الله تعالى، و الإحسان على هذا هو الإحسان إلى الناس ظاهراً.

و قيل: إنّ التكرار باعتبار المراتب الثلاث: المبدإ و الوسط و المنتهى، و هو حقّ التقوى.

و قيل: التكرار باعتبار ما يتّقى فإنّه ينبغي أن تترك المحرّمات توقّياً من العقاب، و الشبهات تحرّزاً عن الوقوع في الحرام، و بعض المباحات تحفّظاً للنفس عن الخسّة، و تهذيباً عن دنس الطبيعة.

و قيل: إنّ الاتّقاء الأوّل اتّقاء عن شرب الخمر و الإيمان الأوّل هو الإيمان بالله، و الاتّقاء الثاني هو إدامة الاتّقاء الأوّل و الإيمان الثاني إدامة الإيمان الأوّل، و الاتّقاء الثالث هو فعل الفرائض، و الإحسان فعل النوافل.

و قيل: إنّ الاتّقاء الأوّل اتّقاء المعاصي العقليّة، و الإيمان الأوّل هو الإيمان بالله و بقبح هذه المعاصي، و الاتّقاء الثاني اتّقاء المعاصي السمعيّة و الإيمان الثاني هو الإيمان بوجوب اجتناب هذه المعاصي، و الاتّقاء الثالث يختصّ بمظالم العباد و ما يتعلّق بالغير من الظلم و الفساد، و المراد بالإحسان الإحسان إلى الناس.

و قيل: إنّ الشرط الأوّل يختصّ بالماضي، و الشرط الثاني بالدوام على ذلك و الاستمرار على فعله، و الشرط الثالث يختصّ بمظالم العباد، إلى غير ذلك من أقوالهم.

و جميع ما ذكروه ممّا لا دليل عليه من لفظ الآية أو غيرها يوجب حمل الآية عليه، و هو ظاهر بالتأمّل في سياق القول فيها و الرجوع إلى ما قدّمناه.


( بحث روائي)

في تفسير العيّاشيّ، عن هشام بن سالم عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سمعته يقول: بينا حمزة بن عبد المطّلب و أصحاب له على شراب لهم يقال له السكركة. قال: فتذاكروا الشريف فقال لهم حمزة: كيف لنا به؟ فقالوا: هذه ناقة ابن أخيك عليّ، فخرج إليها فنحرها ثمّ أخذ كبدها و سنامها فأدخل عليهم، قال: و أقبل عليّعليه‌السلام فأبصر ناقته فدخله من ذلك، فقالوا له: عمّك حمزة صنع هذا، قال: فذهب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشكا ذلك إليه.

قال: فأقبل معه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقيل لحمزة: هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالباب، قال: فخرج حمزة و هو مغضب فلمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الغضب في وجهه انصرف قال: فقال له حمزة: لو أراد ابن أبي طالب أن يقودك بزمام فعل، فدخل حمزة منزله و انصرف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال: و كان قبل اُحد، قال: فأنزل الله تحريم الخمر فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بآنيتهم فاُكفئت، قال: فنودي في الناس بالخروج إلى اُحد فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و خرج الناس و خرج حمزة فوقف ناحية من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال فلمّا تصافحوا حمل في الناس حتّى غيب فيهم ثمّ رجع إلى موقفه، فقال له الناس: الله الله يا عمّ رسول الله أن تذهب و في نفس رسول الله عليك شي‏ء، قال: ثمّ حمل الثانية حتّى غيب في الناس ثمّ رجع إلى موقفه فقالوا له: الله الله يا عمّ رسول الله أن تذهب و في نفس رسول الله عليك شي‏ء.

فأقبل إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا رآه نحوه أقبل مقبلاً إليه فعانقه و قبّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما بين عينيه ثمّ قال: احمل على الناس فاستشهد حمزة، و كفّنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تمرة.

ثمّ قال أبوعبداللهعليه‌السلام : نحو من سرياني هذا، فكان إذا غطّى وجهه انكشف رجلاًه و إذا غطّى رجلاه انكشف وجهه قال: فغطّى بها وجهه، و جعل على رجليه أذخر.


قال فانهزم الناس و بقي عليّعليه‌السلام فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما صنعت؟ قال: يا رسول الله لزمت الأرض فقال: ذلك الظنّ بك، قال: و قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنجز لي يا ربّ ما وعدتني فإنّك إن شئت لم تعبد.

و عن الزمخشريّ في ربيع الأبرار، قال: اُنزل في الخمر ثلاث آيات:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ ) فكان المسلمون بين شارب و تارك إلى أن شربها رجل فدخل في صلاته فهجر فنزل:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى) فشربها من شربها من المسلمين حتّى شربها عمر فأخذ لحي بعير فشّج رأس عبدالرحمن بن عوف، ثمّ قعد ينوح على قتلى بدر بشعر الأسود بن يغفر:

و كأين بالقليب قليب بدر

من القنيات و الشرب الكرام

و كأين بالقليب قليب بدر

من السري المكامل بالسنام

أ يوعدنا ابن كبشة أن نحيى

و كيف حياة أصداء و هام

أ يعجز أن يردّ الموت عنّي

و ينشرني إذا بليت عظامي

ألا من مبلغ الرحمن عنّي

بأنّي تـارك شهر الصيام

فقل لله: يمنـعني شرابـي

و قل لله: يمنعني طـعامي

فبلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج مغضباً يجرّ رداءه فرفع شيئاً كان في يده ليضربه، فقال: أعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله فأنزل الله سبحانه و تعالى:( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ إلى قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) فقال عمر: انتهينا.

و في الدرّ المنثور،: أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و أبوالشيخ و ابن مردويه و النحّاس في ناسخه عن سعد بن أبي وقّاص قال: فيّ نزل تحريم الخمر صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا فأتاه ناس فأكلوا و شربوا حتّى انتشوا من الخمر، و ذلك قبل أن تحرّم الخمر فتفاخروا فقالت الأنصار: الأنصار: خير، و قالت قريش: قريش خير فأهوى رجل بلحي جزور فضرب على أنفي ففزره - فكان سعد مفزور الأنف - قال: فأتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فذكرت ذلك له فنزلت هذه الآية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ ) ، إلى آخر الآية.


أقول: و الروايات في القصص الّتي أعقبت تحريم الخمر في الإسلام كثيرة من طرق الجمهور على ما فيها من الاختلاف الشديد.

أمّا هؤلاء الّذين ذكر منهم الشرب من الصحابة فلا شأن لنا في البحث عنهم فيما نحن بصدده من البحث المرتبط بالتفسير غير أنّ هذه الروايات تؤيّد ما ذكرناه في البيان السابق: أنّ في الآيات إشعاراً أو دلالة على أنّ رهطاً من المسلمين ما تركوا شرب الخمر بعد نزول آية البقرة حتّى نزلت آية المائدة.

نعم ورد في بعض الروايات أنّ عليّاًعليه‌السلام و عثمان بن مظعون كانا قد حرّما الخمر على أنفسهما قبل نزول التحريم، و قد ذكر في الملل و النحل رجالاً من العرب حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهليّة، و قد وفّق الله سبحانه بعض هؤلاء أن أدرك الإسلام و دخل فيه، منهم عامر بن الظرب العدوانيّ، و منهم قيس بن عامر التميميّ و قد أدرك الإسلام، و منهم صفوان بن اُميّة بن محرث الكنانيّ و عفيف بن معدي كرب الكنديّ و الاُسلوم الياميّ و قد حرّم الزنا و الخمر معاً، و هؤلاء آحاد من الرجال جرى كلمة الحقّ على لسانهم، و أمّا عامّتهم في الجاهليّة كعامّة أهل الدنيا يومئذ إلّا اليهود فقد كانوا يعتادون شربها من غير بأس حتّى حرّمها الله سبحانه في كتابه.

و الّذي تفيده آيات الكتاب العزيز أنّها حرّمت في مكّة قبل الهجرة كما يدلّ عليه قوله تعالى:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ ) الأعراف: ٣٣ و الآية مكّيّة، و إذا انضمّت إلى قوله تعالى:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَ مَنافِعُ لِلنَّاسِ وَ إِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) البقرة: ٢١٩، و هي آية مدنيّة نازلة في أوائل الهجرة لم يبق شكّ في ظهور حرمتها للمسلمين يومئذ، و إذا تدبّرنا في سياق آيات المائدة، و خاصّة فيما يفيده قوله:( فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) و قوله:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا ) ، الآية انكشف أنّ ما ابتلي به رهط منهم من شربها فيما بين نزول آية البقرة و آية المائدة إنّما كان كالذنابة لسابق العادة السيّئة نظير ما كان من النكاح في ليلة الصيام


عصياناً حتّى نزل قوله تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى‏ نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ ) البقرة: ١٨٧.

فقد تبيّن أنّ في هذه الروايات كلاماً من وجهين:

أحدهما: من جهة اختلافها في تاريخ تحريم الخمر فقد مرّ في الرواية الاُولى أنّها قبيل غزوة اُحد، و في بعض الروايات: أنّ ذلك بعد غزوة الأحزاب(١) . لكنّ الأمر في ذلك سهل في الجملة لإمكان حملها على كون المراد بتحريم الخمر فيها نزول آية المائدة و إن لم يوافقه لفظ بعض الروايات كلّ الموافقة.

و ثانيهما: من جهة دلالتها على أنّ الخمر لم تكن بمحرّمة قبل نزول آية المائدة أو أنّها لم تظهر حرمتها قبلئذ للناس و خاصّة للصحابة مع صراحة آية الأعراف المحرّمة للإثم و آية البقرة المصرّحة بكونها إثماً، و هي صراحة لا تقبل تأويلاً.

بل من المستبعد جدّاً أن تنزل حرمة الإثمّ بمكّة قبل الهجرة في آية تتضمّن جمل المحرّمات أعني قوله:( قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ الْإِثْمَ وَ الْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف: ٣٣، ثمّ يمرّ عليه زمان غير يسير، و لا يستفسر المؤمنون معناه من نبيّهم و لا يستوضحه المشركون و أكبر همّهم النقض و الاعتراض على كتاب الله مهما توهّموا إليه سبيلاً.

بل المستفاد من التاريخ أنّ تحريم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للخمر كتحريمه الشرك و الزنا كان معروفاً عند المشركين يدلّ على ذلك ما رواه ابن هشام في السيرة عن خلّاد بن قرّة و غيره من مشايخ بكر بن وائل من أهل العلم: أنّ أعشى بني قيس خرج إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يريد الإسلام فقال يمدح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

____________________

(١) روى ذلك الطبريّ في تفسيره، و السيوطيّ في الدرّ المنثور عنه و عن ابن المنذر عن قتادة.


أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا

و بتّ كما بات السليم مسهّداً

(القصيدة).

فلمّا كان بمكّة أو قريباً منها اعترضه بعض المشركين من قريش فسأله عن أمره فأخبره أنّه جاء يريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليسلم فقال له: يا أبا بصير إنّه يحرّم الزنا فقال الأعشى: و الله إنّ ذلك لأمر ما لي فيه من إرب، فقال له: يا أبابصير فإنّه يحرّم الخمر فقال الأعشى: أمّا هذه فإنّ في النفس منها لعلالات، و لكنّي منصرف فأتروّى منها عامي هذا ثمّ آتيه فاُسلم فانصرف فمات في عامه ذلك و لم يعدّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فلا يبقى لهذه لروايات إلّا أن تحمل على استفادتهم ذلك باجتهادهم في الآيات مع الذهول عن آية الأعراف، و للمفسّرين في تقريب معنى هذه الروايات توجيهات غريبة(١) .

و بعد اللتيّا و الّتي فالكتاب نصّ في تحريم الخمر في الإسلام قبل الهجرة، و لم تنزل آية المائدة إلّا تشديداً على الناس لتساهلهم في الانتهاء عن هذا النهي الإلهيّ و إقامة حكم الحرمة.

و في تفسير العيّاشيّ: عن هشام عن الثقة رفعه عن أبي عبداللهعليه‌السلام : أنّه قيل له: روي عنكم: أنّ الخمر و الأنصاب و الأزلام رجال؟ فقال: ما كان ليخاطب الله خلقه بما لا يعقلون.

و فيه: عن عبدالله بن سنان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: اُتي عمر بن الخطّاب بقدامة بن مظعون و قد شرب الخمر و قامت عليه البيّنة فسأل عليّاً فأمره أن يجلده ثمانين جلدة، فقال قدامة: يا أميرالمؤمنين ليس عليّ حدّ أنا من أهل هذه الآية:( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا ) فقرأ الآية حتّى استتمّها فقال له عليّعليه‌السلام : كذبت لست من أهل هذه الآية ما طعم أهلها فهو حلال لهم، و ليس يأكلون

____________________

(١) حتّى بذكر بعضهم: أنّ الصحابة كانوا يتأولون آية البقرة:( قيل فيهما إثم) مع تصريح القرآن بحرمة الإثمّ قبل ذلك في آية الأعراف، بأنّ المراد به الإثم الخالص.


و لا يشربون إلّا ما يحلّ لهم.

أقول: و روي هذا المعنى أيضاً عن أبي الربيع عنهعليه‌السلام ، و رواه أيضاً الشيخ في التهذيب، بإسناده عن ابن سنان عنهعليه‌السلام ، و هذا المعنى مرويّ من طرق أهل السنّة أيضاً.

و قولهعليه‌السلام :( ما طعم أهلها فهو حلال لهم، إلخ‏) منطبق على ما قرّرناه في البيان السابق من معنى الآية فراجع.

و في تفسير الطبريّ، عن الشعبيّ قال: نزلت في الخمر أربع آيات:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ ) ، الآية فتركوها ثمّ نزلت:( تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً ) فشربوها ثمّ نزلت الآيتان في المائدة:( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ - إلى قوله -فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) .

أقول: ظاهره نسخ آية النحل لآية البقرة ثمّ نسخ آيتي المائدة لآية النحل، و أنت لا تحتاج في القضاء على بطلانه إلى بيان زائد.

و في الكافي، و التهذيب، بإسنادهما عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: ما بعث الله نبيّاً قطّ إلّا و في علم الله أنّه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر، و لم يزل الخمر حراماً و إنّما ينقلون من خصلة ثمّ خصلة، و لو حمل ذلك جملة عليهم لقطع بهم دون الدين، قال: و قال أبوجعفرعليه‌السلام : ليس أحد أرفق من الله تعالى فمن رفقه تبارك و تعالى أنّه ينقلهم من خصلة إلى خصلة و لو حمل عليهم جملة لهلكوا.

و في الكافي، بإسناده عن عمرو بن شمر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: لما أنزل الله عزّوجلّ على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) قيل: يا رسول الله ما الميسر؟ قال: كلّما تقمّرت به حتّى الكعاب و الجوز، قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم قيل: فما الأزلام؟ قال: قداحهم الّتي يستقسمون بها.

و فيه،: بإسناده عن عطاء بن يسار عن أبي جعفرعليه‌السلام : قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كلّ مسكر حرام، و كلّ مسكر خمر.

أقول: و الرواية مرويّة من طرق أهل السنّة أيضاً عن عبدالله بن عمر عن النبيّ


صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لفظها: كلّ مسكر خمر، و كلّ خمر حرام رواها البيهقيّ و غيره، و قد استفاضت الروايات عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام بأنّ كلّ مسكر حرام، و أنّ كلّما يقامر عليه فهو ميسر.

و في تفسير العيّاشيّ: عن أبي الصباح عن أبي عبداللهعليه‌السلام : قال: سألته عن النبيذ و الخمر بمنزلة واحدة هما؟ قال: لا، إنّ النبيذ ليس بمنزلة الخمر، إنّ الله حرّم الخمر قليلها و كثيرها كما حرّم الميتة و الدم و لحم الخنزير، و حرّم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الأشربة المسكر، و ما حرّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد حرّم الله.

و في الكافي، و التهذيب، بإسنادهما عن موسى بن جعفرعليه‌السلام قال: إنّ الله لم يحرّم الخمر لاسمها و لكن حرمها لعاقبتها، فما كان عاقبتها عاقبة الخمر فهو خمر، و في رواية: فما فعل فعل الخمر فهو خمر.

أقول: و الأخبار في ذمّ الخمر و الميسر من طرق الفريقين فوق حدّ الإحصاء من أراد الوقوف عليها فعليه بجوامع الحديث.


( سورة المائدة الآيات ٩٤ - ٩٩)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنّكُمُ اللّهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مِن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٩٤) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُتَعَمّدَاً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمّا سَلَفَ وَمَن عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ( ٩٥) أُحِلّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعَاً لَكُمْ وَلِلسّيّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدَ الْبَرّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ( ٩٦) جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنّاسِ وَالشّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السّماوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ( ٩٧) اعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ٩٨) مَا عَلَى الرّسُولِ إِلّا الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ( ٩٩)

( بيان)

الآيات في بيان حكم صيد البرّ و البحر في حال الإحرام.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ ) البلاء هو الامتحان و الاختبار، و لام القسم و النون المشدّدة للتأكيد، و قوله:( بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّيْدِ ) يفيد التحقير ليكون تلقينه للمخاطبين عوناً لهم على انتهائهم إلى ما سيواجههم من النهي في الآية الآتية، و قوله:( تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ ) تعميم للصيد من حيث سهولة الاصطياد كما في فراخ الطير و صغار الوحش و البيض تنالها الأيدي فتصطاد بسهولة، و من حيث صعوبة الاصطياد ككبار الوحش لا تصطاد عادة إلّا بالسلاح.


و ظاهر الآية أنّها مسوقة كالتوطئة لما ينزل من الحكم المشدّد في الآية التالية، و لذلك عقّب الكلام بقوله:( لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ) فإنّ فيه إشعاراً بأنّ هناك حكماً من قبيل المنع و التحريم ثمّ عقّبه بقوله:( فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .

قوله تعالى: ( لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ) لا يبعد أن يكون قوله: ليبلونّكم الله ليعلم كذا كناية عن أنّه سيقدّر كذا ليتميّز منكم من يخاف الله بالغيب عمّن لا يخافه لأنّ الله سبحانه لا يجوز عليه الجهل حتّى يرفعه بالعلم، و قد تقدّم البحث المستوفى عن معنى الامتحان في تفسير قوله تعالى:( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ) الآية: آل عمران: ١٤٢ في الجزء الرابع من هذا الكتاب، و تقدّم أيضاً معنى آخر لهذا العلم.

و أمّا قوله:( مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ) فالظرف متعلّق بالخوف، و معنى الخوف بالغيب أن يخاف الإنسان ربّه و يحترز ما ينذره به من عذاب الآخرة و أليم عقابه، و كلّ ذلك في غيب من الإنسان لا يشاهد شيئاً منه بظاهر مشاعره، قال تعالى:( إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ) يس: ١١، و قال:( وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ) ق: ٣٣، و قال:( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ) الأنبياء: ٤٩.

و قوله:( فَمَنِ اعْتَدى‏ بَعْدَ ذلِكَ ) أي تجاوز الحدّ الّذي يحدّه الله بعد البلاء المذكور فله عذاب أليم.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ ) إلخ، الحرم بضمّتين جمع الحرام صفة مشبهة، قال في المجمع: و رجل حرام و محرم بمعنى، و حلال و محلّ كذلك، و أحرم الرجل دخل في الشهر الحرام، و أحرم أيضاً دخل في الحرم، و أحرم أهلّ بالحجّ، و الحرم الإحرام، و منه الحديث: كنت اُطيّب النبيّ لحرمه، و أصل الباب، المنع و سمّيت النساء حرماً لأنّها تمنع، و المحروم الممنوع الرزق.


قال: و المثل و المثل و الشبه و الشبه واحد، قال: و النعم في اللغة الإبل و البقر و الغنم، و إن انفردت الإبل قيل لها: نعم، و إن انفردت البقر و الغنم لم تسمّ نعماً ذكره الزجّاج.

قال: قال الفرّاء: العدل بفتح العين ما عادل الشي‏ء من غير جنسه، و العدل بالكسر المثل تقول: عندي عدل (بالكسر) غلامك أو شاتك إذا كانت شاة تعدل شاةً أو غلام يعدل غلاماً فإذا أردت قيمته من غير جنسه فتحت و قلت: عدل، و قال البصريّون: العدل و العدل في معنى المثل كان من الجنس أو غير الجنس.

قال: و الوبال ثقل الشي‏ء في المكروه، و منه قولهم: طعام وبيل و ماء وبيل إذا كانا ثقيلين غير ناميين في المال، و منه:( فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا ) أي ثقيلاً شديداً، و يقال لخشبة القصّار: وبيل من هذا، انتهى.

و قوله:( لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ ) نهي عن قتل الصيد لكن يفسّره بعض التفسير قوله بعد:( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) هذا من جهة الصيد، و يفسّره من جهة معنى القتل قوله:( وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ ) إلخ، فقوله:( مُتَعَمِّداً ) حال من قوله:( مَنْ قَتَلَهُ ) و ظاهر التعمّد ما يقابل الخطأ الّذي هو القتل من غير أن يريد بفعله ذلك كمن يرمي إلى هدف فأصاب صيداً، و لازمه وجوب الكفّارة إذا كان قاصداً لقتل الصيد سواء كان على ذكر من إحرامه أو ناسياً أو ساهياً.

و قوله:( فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) لظاهر معناه: فعليه جزاء ذلك الجزاء مثل ما قتل من الصيد، و ذلك الجزاء من النعم المماثلة لما قتله يحكم به أي بذلك الجزاء المماثل رجلاًن منكم ذوا عدل في الدين حال كون الجزاء المذكور هدياً يهدي به بالغ الكعبة ينحر أو يذبح في الحرم بمكّة أو بمنى على ما يبيّنه السنّة النبويّة.

فقوله:( فَجَزاءٌ ) بالرفع مبتدأ لخبر محذوف يدلّ عليه الكلام، و قوله:( مِثْلُ ما قَتَلَ ) و قوله:( مِنَ النَّعَمِ ) و قوله:( يَحْكُمُ بِهِ ) إلخ، أوصاف للجزاء، و قوله:( هَدْياً


بالِغَ الْكَعْبَةِ ) موصوف و صفة، و الهدي حال من الجزاء تقدّم، هذا، و قد قيل: غير ذلك.

و قوله:( أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) خصلتان اُخريان من خصال كفّارة قتل الصيد، و كلمة( أَوْ ) لا يدلّ على أزيد من مطلق الترديد، و الشارح السنّة، غير أنّ قوله:( أَوْ كَفَّارَةٌ ) حيث سمّى طعام المساكين كفّارة ثمّ اعتبر ما يعادل الطعام من الصيام لا يخلو من إشعار بالترتيب بين الخصال.

و قوله:( لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ ) اللّام للغاية، و هي و مدخولها متعلّق بقوله:( فَجَزاءٌ ) فالكلام يدلّ على أنّ ذلك نوع مجازاة.

قوله تعالى: ( عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) ، إلى آخر الآية تعلّق العفو بما سلف قرينة على أنّ المراد بما سلف هو ما تحقّق من قتل الصيد قبل نزول الحكم بنزول الآية فإنّ تعلّق العفو بما يتحقّق حين نزول الآية أو بعده يناقض جعل الحكم و هو ظاهر، فالجملة لدفع توهّم شمول حكم الكفّارة للحوادث السابقة على زمان النزول.

و الآية من الدليل على جواز تعلّق العفو بما ليس بمعصية من الأفعال إذا كان من طبعها اقتضاء النهي المولويّ لاشتمالها على المفسدة، و أمّا قوله:( وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَ اللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) فظاهر العود تكرّر الفعل، و هذا التكرّر ليس تكرّر ما سلف من الفعل بأن يكون المعنى: و من عاد إلى مثل ما سلف منه من الفعل فينتقم الله منه لأنّه حينئذ ينطبق على الفعل الّذي يتعلّق به الحكم في قوله:( وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ ) إلخ و يكون المراد بالانتقام هو الحكم بالكفّارة، و هو حكم ثابت بالفعل لكن ظاهر قوله:( فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) أنّه إخبار عن أمر مستقبل لا عن حكم حالّ فعليّ.

و هذا شاهد على أنّ المراد بالعود العود ثانياً إلى فعل تعلّق به الكفّارة، و المراد بالانتقام العذاب الإلهيّ غير الكفّارة المجعولة.

و على هذا فالآية بصدرها و ذيلها تتعرّض لجهات مسألة قتل الصيد، أمّا ما وقع


منه قبل نزول الحكم فقد عفا الله عنه، و أمّا بعد جعل الحكم فمن قتله فعليه جزاء مثل ما قتل في المرّة الاُولى فإن عاد فينتقم الله منه و لا كفّارة عليه، و على هذا يدلّ معظم الأخبار المرويّة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في تفسير الآية.

و لو لا هذا المعنى كان كالمتعيّن حمل الانتقام في قوله:( فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ ) على ما يعمّ الحكم بوجوب الكفّارة، و حمل العود على فعل ما يماثل ما سلف منهم من قتل الصيد أي و من عاد إلى مثل ما كانوا عليه من قتل الصيد قبل هذا الحكم، أي و من قتل الصيد فينتقم الله منه أي يؤاخذه بإيجاب الكفّارة، و هذا - كما ترى - معنى بعيد من اللفظ.

قوله تعالى: ( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ ) إلى آخر الآية، الآيات في مقام بيان حكم الاصطياد من بحر أو برّ، و هو الشاهد على أنّ متعلّق الحلّ هو الاصطياد في قوله:( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ) دون أكله، و بهذه القرينة يتعيّن قوله:( وَ طَعامُهُ ) في أنّ المراد به ما يؤكل دون المعنى المصدريّ الّذي هو الأكل و المراد بحلّ طعام البحر حلّ أكله فمحصّل المراد من حلّ صيد البحر و طعامه جواز اصطياد حيوان البحر و حلّ أكل ما يؤخذ منه.

و ما يؤخذ من طعام البحر و إن كان أعمّ ممّا يؤخذ منه صيداً كالعتيق من لحم الصيد أو ما قذفته البحر من ميتة حيوان و نحوه إلّا أنّ الوارد من أخبار أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام تفسيره بالمملوح و نحوه من عتيق الصيد، و قوله:( مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ ) كأنّه حال من صيد البحر و طعامه، و فيه شي‏ء من معنى الامتنان.

و حيث كان الخطاب للمؤمنين من حيث كونهم محرمين كانت المقابلة بينهم و بين السيّارة في قوّة قولنا: متاعاً للمحرمين و غيرهم.

و اعلم أنّ في الآيات أبحاثاً فرعيّة كثيرة معنونة في الكتب الفقهيّة من أرادها فليراجعها.

قوله تعالى: ( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَ الشَّهْرَ الْحَرامَ وَ الْهَدْيَ وَ الْقَلائِدَ ) ظاهر تعليق الكلام بالكعبة ثمّ بيانه بالبيت بأنّه بيت حرام،


و كذا توصيف الشهر بالحرام ثمّ ذكر الهدي و القلائد اللّذين يرتبط شأنهما بحرمة البيت، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الملاك فيما يبيّن الله سبحانه في هذه الآية من الأمر إنّما هو الحرمة.

و القيام ما يقوم به الشي‏ء، قال الراغب: و القيام و القوام اسم لما يقوم به الشي‏ء أي يثبت كالعماد و السناد لما يعمد و يسند به كقوله:( وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) أي جعلها ممّا يمسككم، و قوله:( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) أي قواماً لهم يقوم به معاشهم و معادهم، قال الأصمّ: قائماً لا ينسخ، و قرئ: قيماً بمعنى قياماً، انتهى.

فيرجع معنى قوله:( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) إلى أنّه تعالى جعل الكعبة بيتاً حراماً احترمه، و جعل بعض الشهور حراماً، و وصل بينهما حكماً كالحجّ في ذي الحجّة الحرام، و جعل هناك اُموراً تناسب الحرمة كالهدي و القلائد كلّ ذلك لتعتمد عليه حياة الناس الاجتماعيّة السعيدة.

فإنّه جعل البيت الحرام قبلة يوجّه إليه الناس وجوههم في صلواتهم و يوجّهون إليه ذبائحهم و أمواتهم، و يحترمونه في سيّئ حالاتهم، فيتوحّد بذلك جمعهم، و يجتمع به شملهم، و يحيى و يدوم به دينهم، و يحجّون إليه من مختلف الأقطار و أقاصي الآفاق فيشهدون منافع لهم، و يسلكون به طرق العبوديّة.

و يهدي باسمه و بذكره و النظر إليه و التقرّب به و التوجّه إليه العالمون، و قد بيّنه الله تعالى بوجه آخر قريب من هذا الوجه بقوله:( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَ هُدىً لِلْعالَمِينَ ) آل عمران: ٩٦ و قد وافاك في الآية في الجزء الثالث من هذا الكتاب من الكلام ما يتنوّر به المقام.

و نظير ذلك الكلام في كون الشهر الحرام قياماً للناس و قد حرّم الله فيه القتال، و جعل الناس فيه في أمن من حيث دمائهم و أعراضهم و أموالهم، و يصلحون فيه ما فسد أو اختلّ من شؤون حياتهم، و الشهر الحرام بين الشهور كالموقف و المحطّ الّذي يستريح فيه المتطرّق التعبان، و بالجملة البيت الحرام و الشهر الحرام و ما يتعلّق بذلك من هدي


و قلائد قيام للناس من عامّة جهات معاشهم و معادهم، و لو استقرأ المفكّر المتأمل جزئيّات ما ينتفع به الناس انتفاعاً جارياً أو ثابتاً من بركات البيت العتيق و الشهر الحرام من صلة الأرحام، و مواصلة الأصدقاء، و إنفاق الفقراء، و استرباح الأسواق، و موادّة الأقرباء و الأداني، و معارفة الأجانب و الأباعد، و تقارب القلوب، و تطهّر الأرواح، و اشتداد القوى، و اعتضاد الملّة، و حياة الدين، و ارتفاع أعلام الحقّ، و رايات التوحيد أصاب بركات جمّة و رأى عجباً.

و كان المراد من ذكر هذه الحقيقة عقيب الآيات الناهية عن الصيد هو دفع ما يتوهّم أنّ هذه أحكام عديمة أو قليلة الجدوى، فأيّ فائدة لتحريم الصيد في مكان من الأمكنة أو زمان من الأزمنة؟ و أيّ جدوى في سوق الهدي و نحو ذلك؟ و هل هذه الأحكام إلّا مشاكلة لما يوجد من النواميس الخرافيّة بين الاُمم الجاهلة الهمجيّة؟.

فاُجيب عن ذلك بأنّ اعتبار البيت الحرام و الشهر الحرام و ما يتبعهما من الحكم مبنيّ على حقيقة علميّة و أساس جدّيّ و هو أنّها قيام يقوم به صلب حياتهم.

و من هنا يظهر وجه اتّصال قوله:( ذلِكَ لِتَعْلَمُوا ) ، إلى آخر الآية بما قبله، و المشار إليه بقوله:( ذلِكَ ) إمّا نفس الحكم المبيّن في الآيات السابقة الّذي يوضح حكمة تشريعه قوله:( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) إلخ، و إمّا بيان الحكم الموضح بقوله:( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ ) إلخ، المدلول عليه بالمقام.

و المعنى على التقدير الأوّل أنّ الله جعل البيت الحرام و الشهر الحرام قياماً للناس و وضع ما يناسبهما من الأحكام لينتقلوا من حفظ حرمتهما و العمل بالأحكام المشرّعة فيهما إلى أنّ الله عليم بما في السماوات و الأرض و ما يصلح شؤونها، فشرع ما شرع لكم عن علم من غير أن يكون شي‏ء من ذلك حكماً خرافيّاً صادراً عن جهالة الوهم.

و المعنى على التقدير الثاني أنّا بيّنّا لكم هذه الحقيقة و هي جعل البيت الحرام و الشهر الحرام و ما يتبعهما من الأحكام قياماً للناس لتعلموا أنّ الله عليم بما في السماوات و الأرض و ما يتبعها من الأحكام المصلحة لشؤونها فلا تتوهّموا أنّ هذه الأحكام المشرّعة لاغية من غير جدوى أو أنّها خرافات مختلقة.


قوله تعالى: ( اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَ أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، إلى آخر الآيتين تأكيد للبيان و تثبيت لموقع الأحكام المذكورة، و وعيد و وعد للمطيعين و العاصين، و فيه شائبة تهديد، و لذلك قدّم توصيفه بشدّة العقاب على توصيفه بالمغفرة و الرحمة، و لذلك أيضاً أعقب الكلام بقوله:( ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَ اللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ ) .

( بحث روائي)

في الكافي بإسناده عن حمّاد بن عيسى و ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ ) ، قال: حشرت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عمرة الحديبية الوحوش حتّى نالتها أيديهم و رماحهم.

أقول: و رواه العيّاشيّ، عن معاوية بن عمّار مرسلاً، و روى هذا المعنى أيضاً الكلينيّ في الكافي، و الشيخ في التهذيب، بإسنادهما إلى الحلبيّ عن الصادقعليه‌السلام ، و العيّاشيّ عن سماعة عنهعليه‌السلام مرسلاً، و كذا القمّيّ في تفسيره مرسلاً، و روي ذلك عن مقاتل بن حيّان كما يأتي.

و في الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيّان قال: اُنزلت هذه الآية في عمرة الحديبيّة فكانت الوحوش و الطير و الصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قطّ فيما خلا فنهاهم الله عن قتله و هم محرمون ليعلم الله من يخافه بالغيب.

أقول: و الروايتان لا تنافيان ما قدّمناه في البيان السابق من عموم معنى الآية.

و في الكافي، مسنداً عن أحمد بن محمّد رفعه: في قوله تبارك و تعالى:( تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ ) ، قال: ما تناله الأيدي البيض و الفراخ، و ما تناله الرماح فهو ما لا تصل إليه الأيدي.

و في تفسير العيّاشيّ، بإسناده عن حريز، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا قتل الرجل المحرم حمامة ففيها شاة، فإن قتل فرخاً ففيه جمل، فإن وطأ بيضة فكسرها فعليه درهم،


كلّ هذا يتصدّق بمكّة و منى، و هو قول الله في كتابه:( لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ ) البيض و الفراخ( وَ رِماحُكُمْ ) الاُمّهات الكبار.

أقول: و رواه الشيخ في التهذيب، عن حريز عنهعليه‌السلام مقتصراً على الشطر الأخير من الحديث.

و في التهذيب، بإسناده عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبيّ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: المحرم إذا قتل الصيد فعليه جزاؤه و يتصدّق بالصيد على مسكين، فإن عاد فقتل صيداً آخر لم يكن عليه جزاء و ينتقم الله منه، و النقمة في الآخرة.

و فيه: عن الكلينيّ، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: إذا أصاب المحرم الصيد خطأ فعليه كفّارة، فإن أصابه ثانية متعمّداً فهو ممّن ينتقم الله منه، و لم يكن عليه كفّارة.

و فيه: عن ابن أبي عمير، عن معاوية بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله: محرم أصاب صيداً؟ قال: عليه كفّارة قلت: فإن هو عاد؟ قال: عليه كلّما عاد كفّارة.

أقول: الروايات - كما ترى - مختلفة، و قد جمع الشيخ بينها بأنّ المراد أنّ المحرم إذا قتل متعمّداً فعليه كفّارة و إن عاد متعمّداً فلا كفّارة عليه، و هو ممّن ينتقم الله منه، و أمّا الناسي فكلّما عاد فعليه كفّارة.

و فيه: بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) فالعدل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و الإمام من بعده يحكم به و هو ذو عدل فإذا علمت ما حكم الله به من رسول الله و الإمام فحسبك و لا تسأل عنه.

أقول: و في هذا المعنى عدّة روايات‏ و في بعضها: تلوت عند أبي عبداللهعليه‌السلام :( ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) فقال: ذو عدل منكم، هذا ممّا أخطأت به الكتّاب‏، و هو يرجع إلى القراءة كما هو ظاهر.

و في الكافي، عن الزهريّ عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال: صوم جزاء الصيد واجب قال الله عزّوجلّ:( وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ) .


أ و تدري كيف يكون عدل ذلك صياماً يا زهريّ؟ قال: قلت: لا أدري، قال: يقوّم الصيد ثمّ تفضّ تلك القيمة على البرّ ثمّ يكال ذلك البرّ أصواعاً فيصوم لكلّ نصف صاع يوماً.

و فيه، بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن بعض رجاله، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: من وجب عليه هدي في إحرامه فله أن ينحره حيث شاء إلّا فداء الصيد فإنّ الله يقول:( هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) .

و في تفسير العيّاشيّ، عن حريز، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال:( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ ) قال: مالحه الّذي يأكلون و قال: فصل ما بينهما: كلّ طير يكون في الآجام يبيض في البرّ و يفرخ في البرّ من صيد البرّ، و ما كان من الطير يكون في البرّ و يبيض في البحر و يفرخ فهو من صيد البحر.

و فيه: عن زيد الشحّام، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن قول الله:( أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ ) قال: هي حيتان المالح، و ما تزوّدت منه أيضاً و إن لم يكن مالحاً فهو متاع.

أقول: و الروايات في هذه المعاني كثيرة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام من طرق الشيعة.

و في الدرّ المنثور: أخرج ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرّة، و أحمد عن رجل من الأنصار: أنّ رجلاً أوطأ بعيره أدحى نعامة فكسر بيضها فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عليك بكلّ بيضة صوم يوم أو إطعام مسكين.

أقول: و روي هذا المعنى أيضاً عن ابن أبي شيبة عن عبدالله بن ذكوان، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و رواه أيضاً عنه عن أبي الزناد عن عائشة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و فيه: أخرج أبوالشيخ و ابن مردويه من طريق أبي المهزم عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: في بيض النعام ثمنه.

و فيه: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر محمّد بن عليّ: أنّ رجلاً سأل عليّاً عن الهدي ممّا هو؟ قال: من الثمانية الأزواج فكأنّ الرجل شكّ فقال عليّ: تقرؤ


القرآن؟ فكأنّ الرجل قال: نعم، قال: فسمعت الله يقول:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ) ؟ قال: نعم قال سمعته يقول:( لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى‏ ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ، وَ مِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَ فَرْشاً ) ، فكلوا من بهيمة الأنعام؟ قال: نعم.

قال: فسمعته يقول:( مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ، وَ مِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ) ؟ قال: نعم قال: فسمعته يقول:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ إلى قوله هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ) ؟ قال الرجل: نعم.

فقال: إن قتلت ظبياً فما عليّ؟ قال: شاة قال عليّ: هدياً بالغ الكعبة؟ قال الرجل: نعم فقال عليّ: قد سمّاه الله بالغ الكعبة كما تسمع.

و فيه: أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء الخراسانيّ: أنّ عمر بن الخطّاب و عثمان بن عفّان و عليّ بن أبي طالب و ابن عبّاس و زيد بن ثابت و معاوية قضوا فيما كان من هدي ممّا يقتل المحرم من صيد فيه جزاء نظر إلى قيمة ذلك فاُطعم به المساكين.

و فيه: أخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اُحلّ لكم صيد البحر و طعامه متاعاً لكم قال: ما لفظه ميتاً فهو طعامه.

أقول: و روي ما في معناه عن بعض الصحابة أيضاً لكنّ المرويّ من طرق أهل البيت عنهمعليهم‌السلام خلافه كما تقدّم.

و في تفسير العيّاشيّ، عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام :( جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ ) قال جعل الله لدينهم و معايشهم.

أقول: و قد تقدّم توضيح معنى الرواية.


( سورة المائدة آية ١٠٠)

قُل لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطّيّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتّقُوا اللّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ( ١٠٠)

( بيان‏)

الآية كأنّها مستقلّة مفردة لعدم ظهور اتّصالها بما قبلها و ارتباط ما بعدها بها فلا حاجة إلى التمحّل في بيان اتّصالها بما قبلها، و إنّما تشتمل على مثل كلّيّ ضربه الله سبحانه لبيان خاصّة يختصّ بها الدين الحقّ من بين سائر الأديان و السير العامّة الدائرة، و هي أنّ الاعتبار بالحقّ و إن كان قليلاً أهله و شاردة فئته، و الركون إلى الخير و السعادة و إن أعرض عنه الأكثرون و نسيه الأقوون فإنّ الحقّ لا يعتمد في نواميسه إلّا على العقل السليم، و حاشا العقل السليم أن يهدي إلّا إلى صلاح المجتمع الإنسانيّ فيما يشدّ أزره من أحكام الحياة و سبل المعيشة الطيّبة سواء وافق أهواء الأكثرين أو خالف، و كثيراً ما يخالف فهو ذا النظام الكونيّ و هو محتد الآراء الحقّة لا يتّبع شيئاً من أهوائهم، و لو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض.

قوله تعالى: ( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) كأنّ المراد بعدم استواء الخبيث و الطيّب أنّ الطيّب خير من الخبيث، و هو أمر بيّن فيكون الكلام مسوقاً للكناية، و ذلك أنّ الطيّب بحسب طبعه و بقضاء من الفطرة أعلى درجة و أسمى منزلة من الخبيث فلو فرض انعكاس الأمر و صيرورة الخبيث خيراً من الطيّب لعارض يعرضه كان من الواجب أن يتدرّج الخبيث في الرقيّ و الصعود حتّى يصل إلى حدّ يحاذي الطيّب في منزلته و يساويه ثمّ يتجاوزه فيفوقه فإذا نفي استواء الخبيث و الطيّب كان ذلك أبلغ في نفي خيريّة الخبيث من الطيّب.

و من هنا يظهر وجه تقديم الخبيث على الطيّب، فإنّ الكلام مسوق لبيان أنّ


كثرة الخبيث لا تصيّره خيراً من الطيّب، و إنّما يكون ذلك بارتفاع الخبيث من حضيض الرداءة و الخسّة إلى أوج الكرامة و العزّة حتّى يساوي الطيّب في مكانته ثمّ يعلو عليه و لو قيل: لا يستوي الطيّب و الخبيث كانت العناية الكلاميّة متعلّقة ببيان أنّ الطيّب لا يكون أردى و أخسّ من الخبيث، و كان من الواجب حينئذ أن يذكر بعده أمر قلّة الطيّب مكان كثرة الخبيث فافهم ذلك.

و الطيب و الخباثة على ما لهما من المعنى وصفان حقيقيّان لأشياء حقيقيّة خارجيّة كالطعام الطيّب أو الخبيث و الأرض الطيّبة أو الخبيثة قال تعالى:( وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) الأعراف: ٥٨، و قال تعالى:( وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) الأعراف: ٣٢، و إن اُطلق الطيب و الخباثة أحياناً على شي‏ء من الصفات الوضعيّة الاعتباريّة كالحكم الطيّب أو الخبيث و الخلق الطيّب أو الخبيث فإنّما ذلك بنوع من العناية.

هذا و لكن تفريع قوله:( فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) على قوله:( لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ ) ، إلخ و التقوى من قبيل الأفعال أو التروك، و طيبها و خباثتها عنائيّة مجازيّة، و إرسال الكلام أعني قوله:( لا يَسْتَوِي ) ، إلخ إرسال المسلّمات أقوى شاهد على أنّ المراد بالطيب و الخباثة إنّما هو الخارجيّ الحقيقيّ منهما فيكون الحجّة ناجحة، و لو كان المراد هو الطيّب و الخبيث من الأعمال و السير لم يتّضح ذاك الاتّضاح فكلّ طائفة ترى أنّ طريقتها هي الطريقة الطيّبة، و ما يخالف أهواءها و يعارض مشيئتها هو الخبيث.

فالقول مبنيّ على معنى آخر بيّنه الله سبحانه في مواضع من كلامه، و هو أنّ الدين مبنيّ على الفطرة و الخلقة، و أنّ ما يدعو إليه الدين هو الطيّب من الحياة، و ما ينهى عنه هو الخبيث، و أنّ الله لم يحلّ إلّا الطيّبات و لم يحرّم إلّا الخبائث قال تعالى:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) الروم: ٣٠، و قال:( وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ) الأعراف: ١٥٧.


و قال:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) الأعراف: ٣٢.

فقد تحصّل أنّ الكلام أعني قوله:( لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ) ، مثل مضروب لبيان أنّ قواعد الدين ركّبت على صفات تكوينيّة في الأشياء من طيب أو خباثة مؤثّرة في سبيل السعادة و الشقاوة الإنسانيّتين، و لا يؤثّر فيها قلّة و لا كثرة فالطيّب طيب و إن كان قليلاً، و الخبيث خبيث و إن كان كثيراً.

فمن الواجب على كلّ ذي لبّ يميّز الخبيث من الطيّب، و يقضي بأنّ الطيّب خير من الخبيث، و أنّ من الواجب على الإنسان أن يجتهد في إسعاد حياته، و يختار الخير على الشرّ أن يتّقي الله ربّه بسلوك سبيله، و لا يغترّ بانكباب الكثيرين من الناس على خبائث الأعمال و مهلكات الأخلاق و الأحوال، و لا يصرفه الأهواء عن اتّباع الحقّ بتولية أو تهويل لعلّه يفلح بركوب السعادة الإنسانيّة.

قوله تعالى: ( فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) تفريع على المثل المضروب في صدر الآية، و محصّل المعنى أنّ التقوى لما كان متعلّقه الشرائع الإلهيّة الّتي تبتني هي أيضاً على طيّبات و خبائث تكوينيّة في رعاية أمرها سعادة الإنسان و فلاحه على ما لا يرتاب في ذلك ذو لبّ و عقل فيجب عليكم يا اُولي الألباب أن تتّقوا الله بالعمل بشرائعه لعلّكم تفلحون.


( سورة المائدة الآيات ١٠١ - ١٠٢)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ( ١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ ثُمّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ( ١٠٢)

( بيان)

الآيتان غير ظاهرتي الارتباط بما قبلهما، و مضمونهما غني عن الاتّصال بشي‏ء من الكلام يبيّن منهما ما لا تستقلّان بإفادته فلا حاجة إلى ما تجشّمه جمع من المفسّرين في توجيه اتّصالهما تارة بما قبلهما، و اُخرى بأوّل السورة، و ثالثة بالغرض من السورة فالصفح عن ذلك كلّه أولى.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (الآية) الإبداء الإظهار، و ساءه كذا خلاف سرّه.

و الآية تنهى المؤمنين عن أن يسألوا عن أشياء إن تبد لهم تسؤهم، و قد سكتت أوّلاً عن المسئول من هو؟ غير أنّ قوله بعد:( وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ) ، و كذا قوله في الآية التالية:( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ) يدلّ على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقصود بالسؤال مسؤل بمعنى أنّ الآية سيقت للنهي عن سؤال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أشياء من شأنها كيت و كيت، و إن كانت العلّة المستفادة من الآية الموجبة للنهي تفيد شمول النهي لغير مورد الغرض و هو أن يسأل الإنسان و يفحص عن كلّ ما عفاه العفو الإلهيّ، و ضرب دون الاطّلاع عليه بالأسباب العاديّة و الطرق المألوفة ستراً فإنّ في الاطّلاع على حقيقة مثل هذه الاُمور مظنّة الهلاك و الشقاء كمن تفحّص عن يوم وفاته أو سبب هلاكه أو عمر أحبّته و أعزّته أو زوال ملكه و عزّته، و ربّما كان ما يطّلع عليه هو السبب الّذي يخترمه بالفناء أو يهدّده بالشقاء.


فنظام الحياة الّذي نظمه الله سبحانه و وضعه جارياً في الكون فأبدا أشياءً و حجب أشياءً لم يظهر ما أظهره إلّا لحكمة، و لم يخف ما أخفاه إلّا لحكمة أي إنّ التسبّب إلى خفاء ما ظهر منها و التوسّل إلى ظهور ما خفي منها يورث اختلال النظام المبسوط على الكون كالحياة الإنسانيّة المبنيّة على نظام بدنيّ مؤلّف من قوى و أعضاء و أركان لو نقص واحد منها أو زيد شي‏ء عليها أوجب ذلك فقدان أجزاء هامّة من الحياة ثمّ يعتبر ذلك مجرى القوى و الأعضاء الباقية، و ربّما أدّى ذلك إلى بطلان الحياة بحقيقتها أو معناها.

ثمّ إنّ الآية أبهمت ثانياً أمر هذه الأشياء الّتي نهت عن السؤال عنها، و لم توضح من أمرها إلّا أنّها بحيث إن تبد لهم تسؤهم إلخ، و ممّا لا يرتاب فيه أنّ قوله:( إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) نعت للأشياء، و هي جملة شرطيّة تدلّ على تحقّق وقوع الجزاء على تقدير وقوع الشرط، و لازمه أن تكون هذه أشياء تسوؤهم إن اُبدئت لهم فطلب إبدائها و إظهارها بالمسألة طلب للمساءة.

فيستشكل بأنّ الإنسان العاقل لا يطلب ما يسوؤه، و لو قيل: لا تسألوا عن أشياء فيها ما إن تبد لكم تسؤكم، أو لا تسألوا عن أشياء لا تأمنون أن تسوءكم إن تبد لكم لم يلزم محذور.

و من عجيب ما اُجيب به عن الإشكال: أنّ من المقرّر في قوانين العربيّة أنّ شرط( إن ) ممّا لا يقطع بوقوعه، و الجزاء تابع للشرط في الوقوع و عدمه فكان التعبير بقوله( إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) دون( إذا اُبدئت لكم تسؤكم) دالّاً على أنّ احتمال إبدائها و كونها تسوء كاف في وجوب الانتهاء عن السؤال عنها، انتهى موضع الحاجة.

و قد أخطأ في ذلك، و ليت شعري أيّ قانون من قوانين العربيّة يقرّر أن يكون الشرط غير مقطوع الوقوع؟ ثمّ الجزاء بما هو جزاء متعلّق الوجود بالشرط غير مقطوع الوقوع؟ و هل يفيد قولنا: إن جئتني أكرمتك إلّا القطع بوقوع الإكرام على تقدير وقوع المجي‏ء؟ فقوله: إنّ التعبير بالشرط يدلّ على أنّ احتمال إبدائها و كونه يسوء كاف في وجوب الانتهاء، انتهى. إنّما يصحّ لو كان مفاد الشرط في الآية هو النهي


عن السؤال عن أشياء يمكن أن تسوء إن اُبدئت و ليس كذلك كما عرفت بل المفاد النهي عن السؤال أشياء يقطع بمساءتها إن اُبدئت، فالإشكال على حاله.

و يتلو هذا الجواب في الضعف قول بعضهم - على ما في بعض الروايات -: إنّ المراد بقوله:( أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) ما ربّما يهواه بعض النفوس من الاطّلاع على بعض المغيبات كالآجال و عواقب الاُمور و جريان الخير و الشرّ و الكشف عن كلّ مستور ممّا لا يخلو العلم به طبعاً من أن يتضمّن ما يسوء الإنسان و يحزنه كسؤال الرجل عن باقي عمره، و سبب موته، و حسن عاقبته، و عن أبيه من هو؟ و قد كان دائراً بينهم في الجاهليّة.

فالمراد بقوله:( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) هو النهي عن السؤال عن هذه الاُمور الّتي لا يخلو انكشاف الحال فيها غالباً أن يشتمل على ما يسوء الإنسان و يحزنه كظهور أنّ الأجل قريب، أو أنّ العاقبة وخيمة، أو أنّ أباه في الواقع غير من يدعى إليه.

فهذه اُمور يتضمّن غالباً مساءة الإنسان و حزنه، و لا يؤمن من أن يجاب إذا سئل عنه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما لا يرتضيه السائل فيدعوه الاستكبار النفسانيّ و أنفة العصبيّة أن يكذّب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يجيب به فيكفر بذلك كما يشير إليه قوله تعالى في الآية التالية:( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ) .

و هذا الوجه و إن كان سليماً في بادئ النظر لكنّه لا يلائم قوله تعالى:( وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ) سواء قلنا: إنّ مفاده تجويز السؤال عن هذه الأشياء حين نزول القرآن، أو تشديد النهي عنه حين نزول القرآن بالدلالة على أن المجيب - و هو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - في غير حال نزول القرآن في سعة من أن لا يجيب عن هذه الأسئلة رعاية لمصلحة السائلين لكنّها أعني الأشياء المسؤول عنها مكشوفة الحقيقة مرفوع عنها الحجاب لا محالة فلا تسألوا عنها حين ينزّل القرآن البتّة.

أمّا عدم ملاءمته على المعنى الأوّل فلأنّ السؤال عن هذه الأشياء لما اشتمل على المفسدة بحسب طبعه فلا معنى لتجويزه حال نزول القرآن، و المفسدة هي المفسدة.


و أمّا على المعنى الثاني فلأنّ حال نزول القرآن و إن كان حال البيان و الكشف عن ما يحتاج إلى الكشف و الإبداء غير أنّ هذه الخصيصة مرتبطة بحقائق المعارف و شرائع الأحكام و ما يجري مجراها، و أمّا تعيين أجل زيد و كيفيّة وفاة عمرو، و تشخيص من هو أبو فلان؟ و نحو ذلك فهي ممّا لا يرتبط به البيان القرآنيّ، فلا وجه لتذييل النهي عن السؤال عن أشياء كذا و كذا بنحو قوله:( وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ) و هو ظاهر.

فالأوجه في الجواب ما يستفاد من كلام آخرين أنّ الآية( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) إلخ و كذا قوله:( وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْْ ) تدلّ على أنّ المسؤل عنها أشياء مرتبطة بالأحكام المشرّعة كالخصوصيّات الراجعة إلى متعلّقات الأحكام ممّا ربّما يستقصي في البحث عنه و الإصرار في المداقّة عليه، و نتيجة ذلك ظهور التشديد و نزول التحريج كلّما اُمعن في السؤال و اُلحّ على البحث كما قصّه الله سبحانه في قصّة البقرة عن بني إسرائيل حيث شدّد الله سبحانه بالتضييق عليهم كلّما بالغوا في السؤال عن نعوت البقرة الّتي اُمروا بذبحها.

ثمّ إنّ قوله تعالى:( عَفَا اللهُ عَنْها ) الظاهر أنّه جملة مستقلّة مسوقة لتعليل النهي في قوله:( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) لا كما ذكروه: أنّه وصف لأشياء، و أنّ في الكلام تقديماً و تأخيراً، و التقدير: لا تسألوا عن أشياء عفا الله عنها إن تبد لكم تسؤكم، إلخ.

و هذا التعبير - أعني تعدية العفو بعن - أحسن شاهد على أنّ المراد بالأشياء المذكورة هي الاُمور الراجعة إلى الشرائع و الأحكام، و لو كانت من قبيل الاُمور الكونيّة كان كالمتعيّن أن يقال: عفاها الله.

و كيف كان فالتعليل بالعفو يفيد أنّ المراد بالأشياء هي الخصوصيّات الراجعة إلى الأحكام و الشرائع و القيود و الشرائط العائدة إلى متعلّقاتها، و أنّ السكوت عنها ليس لأنّها مغفول عنها أو ممّا اُهمل أمرها بل لم يكن ذلك إلّا تخفيفاً من الله سبحانه لعباده و تسهيلاً كما قال:( وَ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) فما يقترحونه من السؤال عن


خصوصيّاته تعرّض منهم للتضييق و التحريج و هو ممّا يسوؤهم و يحزنهم البتّة فإنّ في ذلك ردّاً للعفو الإلهيّ الّذي لم يكن البتّة إلّا للتسهيل و التخفيف، و تحكيم صفتي المغفرة و الحلم الإلهيّين.

فيرجع مفاد قوله:( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) ، إلخ إلى نحو قولنا: يا أيّها الّذين آمنوا لا تسألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أشياء مسكوت عنها في الشريعة عفا الله عنها و لم يتعرّض لبيانها تخفيفاً و تسهيلاً فإنّها بحيث تبيّن لكم إن تسألوا عنها حين نزول القرآن، و تسوؤكم إن اُبدئت لكم و بيّنت.

و قد تبيّن ممّا مرّ أوّلاً: أنّ قوله تعالى:( وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ) من تتمّة النهي كما عرفت، لا لرفع النهي عن السؤال حين نزول القرآن كما ربّما قيل.

و ثانياً: أنّ قوله تعالى:( عَفَا اللهُ عَنْها ) جملة مستقلة مسوقة لتعليل النهي عن السؤال فتفيد فائدة الوصف من غير أن يكون وصفاً بحسب التركيب الكلاميّ.

و ثالثاً: وجه تذييل الكلام بقوله:( وَ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) مع كون الكلام مشتملاً على النهي غير الملائم لصفتي المغفرة و الحلم فالاسمان يعودان إلى مفاد العفو المذكور في قوله:( عَفَا اللهُ عَنْها ) دون النهي الموضوع في الآية.

قوله تعالى: ( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ) يقال: سأله و سأل عنه بمعنى، و( ثُمَّ ) يفيد التراخي بحسب الرتبة الكلاميّة دونه بحسب الزمان.

و الباء في قوله:( بِها ) متعلّقة بقوله:( كافِرِينَ ) على ما هو ظاهر الآية من كونها مسوقة للنهي عن السؤال عمّا يتعلّق بقيود الأحكام و الشرائع المسكوت عنها عند التشريع فالكفر كفر بالأحكام من جهة استلزامها تحرّج النفوس عنها و تضيّق القلوب من قبولها، و يمكن أن تكون الباء للسببيّة و لا يخلو عن بعد.

و الآية و إن أبهمت القوم المذكورين و لم يعرّفهم لكن في القرآن الكريم ما يمكن أن تنطبق عليه الآية من القصص كقصّة المائدة من قصص النصارى و قصص اُخرى من قوم موسى و غيرهم.


( بحث روائي)

في الدرّ المنثور: أخرج ابن جرير و أبوالشيخ و ابن مردويه عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا أيّها الناس كتب الله عليكم الحجّ فقام عكاشة بن محصن الأسديّ فقال: أ في كلّ عام يا رسول الله؟ قال: أمّا إنّي لو قلت: نعم لوجبت، و لو وجبت ثمّ تركتم لضللتم اسكتوا عنّي ما سكتّ عنكم فإنّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم فأنزل الله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) إلى آخر الآية.

أقول: و روي القصّة عن أبي هريرة و أبي أمامة و غيرهما عدّة من الرواة، و رويت في المجمع و غيره من كتب الخاصّة، و هي تنطبق على ما قدّمناه في البيان المتقدّم.

و فيه، أخرج ابن جرير و ابن أبي حاتم عن السدّيّ: في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ) ، الآية قال: غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً من الأيّام فقام خطيباً فقال: سلوني فإنّكم لا تسألوني عن شي‏ء إلّا أنبأتكم به فقام إليه رجل من قريش من بني سهم يقال له: عبدالله بن حذاقة - و كان يطعن فيه - فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: أبوك فلان فدعاه لأبيه فقام إليه عمر فقبّل رجله و قال: يا رسول الله رضينا بالله ربّاً و لك نبيّاً و بالقرآن إماماً فاعف عنّا عفا الله عنك فلم يزل به حتّى رضي فيومئذ قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر، و اُنزل عليه:( قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) .

أقول: و الرواية مرويّة بعدّة طرق على اختلاف في متونها، و قد عرفت فيما تقدّم أنّها غير قابلة الانطباق على الآية.

و فيه، أيضاً: أخرج ابن جرير و ابن المنذر و الحاكم و صحّحه عن ثعلبة الخشنيّ قال: فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله حدّ حدوداً فلا تعتدوها، و فرض لكم فرائض


فلا تضيّعوها، و حرّم أشياء فلا تنتهكوها، و ترك أشياء في غير نسيان و لكن رحمة منه لكم فاقبلوها و لا تبحثوا عنها.

و في المجمع، و الصافي، عن عليّعليه‌السلام قال: إنّ الله افترض عليكم فرائض فلا تضيّعوها و حدّ لكم حدوداً فلا تعتدوها، و نهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، و سكت لكم عن أشياء و لم يدعها نسياناً فلا تتكلّفوها.

و في الكافي، بإسناده عن أبي الجارود قال: قال أبوجعفرعليه‌السلام : إذا حدّثتكم بشي‏ء فاسألوني عنه من كتاب الله، ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى عن القيل و القال، و فساد المال، و كثرة السؤال فقيل له: يا بن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟ قال: إنّ الله عزّوجلّ يقول:( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) و قال:( وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً ) و قال:( لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) .

و في تفسير العيّاشيّ، عن أحمد بن محمّد قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام و كتب في آخره: أ و لم تنهوا عن كثرة المسائل؟ فأبيتم أن تنتهوا، إيّاكم و ذلك فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم فقال الله تبارك و تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ - إلى قوله تعالى -كافِرِينَ ) .


( سورة المائدة الآيات ١٠٣ - ١٠٤)

مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلكِنّ الّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ( ١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى‏ مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ( ١٠٤)

( بيان)

قوله تعالى: ( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ ) ، هذه أصناف من الأنعام كان أهل الجاهليّة يرون لها أحكاماً مبنيّة على الاحترام و نوع من التحرير، و قد نفى الله سبحانه أن يكون جعل من ذلك شيئاً، فالجعل المنفيّ متعلّق بأوصافها دون ذواتها فإنّ ذواتها مخلوقة لله سبحانه من غير شكّ، و كذلك أوصافها من جهة أنّها أوصاف فحسب، و إنّما الّذي تقبل الإسناد إليه تعالى و نفيه هي أوصافها من جهة كونها مصادر لأحكام كانوا يدّعونها لها فهي الّتي تقبل الإسناد و نفيه، فنفي جعل البحيرة و أخواتها في الآية نفي لمشروعيّة الأحكام المنتسبة إليها المعروفة عندهم.

و هذه الأصناف الأربعة من الأنعام و إن اختلفوا في معنى أسمائها و يتفرّع عليه الاختلاف في تشخيص أحكامها كما ستقف عليه، لكن من المسلّم أنّ أحكامها مبنيّة على نوع من تحريرها و الاحترام لها برعاية حالها، ثلاثة منها و هي البحيرة و السائبة و الحامي من الإبل، و واحدة و هي الوصيلة من الشاة.

أمّا البحيرة ففي المجمع،: أنّها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن و كان آخرها ذكراً بحروا اُذنها (أي شقوها شقّاً واسعاً) و امتنعوا عن ركوبها و نحرها، و لا تطرد عن ماء و لا تمنع عن مرعى، فإذا لقيها المعيي لم تركبها، عن الزجّاج.


و قيل: إنّهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكراً نحروه فأكله الرجال و النساء جميعاً، و إن كانت اُنثى شقّوا اُذنها فتلك البحيرة ثمّ لا يجزّ لها وبر، و لا يذكر لها اسم الله إن ذكّيت، و لا حمل عليها، و حرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئاً، و لا أن ينتفعن بها، و كان لبنها و منافعها للرجال خاصّة دون النساء حتّى تموت فإذا ماتت اشتركت الرجال و النساء في أكلها، عن ابن عبّاس، و قيل: إنّ البحيرة بنت السائبة، عن محمد بن إسحاق.

و أمّا السائبة ففي المجمع، أنّها ما كانوا يسيبونه فإنّ الرجل إذا نذر القدوم من سفر أو البرء من علّة أو ما أشبه ذلك قال: ناقتي سائبة فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها، و أن لا تخلى عن ماء و لا تمنع من مرعى، عن الزجّاج، و هو قول علقمة.

و قيل: هي الّتي تسيب للأصنام أي تعتق لها، و كان الرجل يسيب من ماله ما يشاء فيجي‏ء به إلى السدنة - و هم خدمة آلهتهم - فيطعمون من لبنها أبناء السبيل و نحو ذلك عن ابن عبّاس و ابن مسعود.

و قيل: إنّ السائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس فيهنّ ذكر سيبت فلم يركبوها، و لم يجزّوا وبرها و لم يشرب لبنها إلّا ضيف فما نتجت بعد ذلك من اُنثى شقّ اُذنها ثمّ تخلّى سبيلها مع اُمّها، و هي البحيرة، عن محمّد بن إسحاق.

و أمّا الوصيلة ففي المجمع: و هي في الغنم، كانت الشاة إذا ولدت اُنثى فهي لهم، و إذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم، فإنّ ولدت ذكراً و اُنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم. عن الزجّاج.

و قيل: كانت الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان السابع جدياً ذبحوه لآلهتهم و لحمه للرجال دون النساء، و إن كان عناقاً، استحيوها و كانت من عرض الغنم، و إن ولدت في البطن السابع جدياً و عناقاً قالوا: إنّ الاُخت وصلت أخاها لحرمته علينا فحرما جميعاً فكانت المنفعة و اللبن للرجال دون النساء، عن ابن مسعود و مقاتل.

و قيل: الوصيلة الشاة إذا تأمت عشر إناث في خمسة أبطن ليس فيها ذكر جعلت وصيلة فقالوا: قد وصلت فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث عن محمّد بن إسحاق.


و أمّا الحامي ففي المجمع: هو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يحمل عليه، و لا يمنع من ماء و لا من مرعى، عن ابن عبّاس و ابن مسعود، و هو قول أبي عبيدة و الزجّاج.

و قيل: إنّه الفحل إذا لقح ولد ولده قيل: حمى ظهره فلا يركب، عن الفرّاء.

و هذه الأسماء و إن اختلفوا في تفسيرها إلّا أنّ من المحتمل قريباً أن يكون ذلك الاختلاف ناشئاً من اختلاف سلائق الأقوام في سننهم فإنّ أمثال ذلك كثيرة في السنن الدائرة بين الأقوام الهمجيّة.

و كيف كان فالآية ناظرة إلى نفي الأحكام الّتي كانوا قد اختلقوها لهذه الأصناف الأربعة من الأنعام، ناسبين ذلك إلى الله سبحانه بدليل قوله أوّلاً:( ما جَعَلَ اللهُ ) ، إلخ و ثانياً:( وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ ) ، إلخ.

و لذلك كان قوله:( وَ لكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) ، إلخ بمنزلة الجواب عن سؤال مقدّر كأنّه لما قيل:( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ) ، إلخ سئل فقيل: فما هذا الّذي يدّعيه هؤلاء الّذين كفروا؟ فاُجيب بأنّه افتراء منهم على الله الكذب ثمّ زيد في البيان فقيل:( وَ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) و مفاده أنّهم مختلفون في هذا الافتراء فأكثرهم يفترون ما يفترون و هم لا يعقلون، و القليل من هؤلاء المفترين يعقلون الحقّ و أنّ ما ينسبونه إليه تعالى من الافتراء، و هم المتبوعون المطاعون لغيرهم المديرون لأزمّة اُمورهم فهم أهل عناد و لجاج.

قوله تعالى: ( وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى‏ ما أَنْزَلَ اللهُ ) ، إلى آخر الآية في حكاية دعوتهم إلى ما أنزل الله إلى الرسول الّذي شأنه البلاغ، فقط فالدعوة دعوة إلى الحقّ و هو الصدق الخالي عن الفرية، و العلم المبرّى من الجهل فإنّ الآية السابقة تجمع الافتراء و عدم التعقّل في جانبهم فلا يبقى لما يدعون إليه - أعني جانب الله سبحانه - إلّا الصدق و العلم.

لكنّهم ما دفعوه إلّا بالتقليد حيث قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا، و التقليد و إن كان حقّاً في بعض الأحيان و على بعض الشروط و هو رجوع الجاهل إلى


العالم، و هو ممّا استقرّ عليه سير المجتمع الإنسانيّ في جميع أحكام الحياة الّتي لا يتيسّر فيها للإنسان أن يحصّل العلم بما يحتاج إلى سلوكه من الطريق الحيويّ، لكنّ تقليد الجاهل في جهله بمعنى رجوع الجاهل إلى جاهل آخر مثله مذموم في سنّة العقلاء كما يذمّ رجوع العالم إلى عالم آخر بترك ما يستقلّ بعمله من نفسه و الأخذ بما يعلم غيره.

و لذلك ردّه تعالى بقوله:( أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ ) و مفاده أنّ العقل - لو كان هناك عقل - لا يبيح للإنسان الرجوع إلى من لا علم عنده و لا اهتداء فهذه سنّة الحياة لا تبيح سلوك طريق لا تؤمن مخاطره، و لا يعلم وصفه لا بالاستقلال و لا باتّباع من له به خبرة.

و لعلّ إضافة قوله:( وَ لا يَهْتَدُونَ ) إلى قوله:( لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً ) لتتميم قيود الكلام بحسب الحقيقة، فإنّ رجوع الجاهل إلى مثله و إن كان مذموماً لكنّه إنّما يذمّ إذا كان المسؤل المتبوع مثل السائل التابع في جهله لا يمتاز عنه بشي‏ء، و أمّا إذا كان المتبوع نفسه يسلك الطريق بهداية عالم خبير به و دلالته فهو مهتد في سلوكه، و لا ذمّ على من اتّبعه في مسيره و قلّده في سلوك الطريق، فإنّ الأمر ينتهي إلى العلم بالآخرة كمن يتّبع عالماً بأمر الطريق ثمّ يتّبعه آخر جاهل به.

و من هنا يتّضح أنّ قوله:( أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً ) غير كاف في تمام الحجّة عليهم لاحتمال أن يكون آباؤهم الّذين اتّبعوهم بالتقليد مهتدين بتقليد العلماء الهداة فلا يجري فيهم حكم الذمّ، و لا تتمّ عليهم الحجّة فدفع ذلك بأنّ آباءهم لا يعلمون شيئاً و لا يهتدون، و لا مسوّغ لاتّباع من هذا حاله.

و لما تحصّل من الآية الاُولى أعني قوله:( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ) ، إلخ أنّهم بين من لا يعقل شيئاً و هم الأكثرون، و من هو معاند مستكبر تحصّل أنّهم بمعزل من أهليّة توجيه الخطاب و إلقاء الحجّة و لذلك لم تُلق إليهم الحجّة في الآية الثانية بنحو التخاطب بل سيق الكلام على خطاب غيرهم و الصفح عن مواجهتهم فقيل:( أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ ) .


و قد تقدّم في الجزء الأوّل من أجزاء هذا الكتاب بحث علميّ أخلاقيّ في معنى التقليد يمكنك أن تراجعه.

و يتبيّن من الآية أنّ الرجوع إلى كتاب الله و إلى رسوله - و هو الرجوع إلى السنّة - ليس من التقليد المذموم في شي‏ء.

( بحث روائي)

في تفسير البرهان، عن الصدوق بإسناده إلى محمّد بن مسلم، عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ ) قال: إنّ أهل الجاهليّة كانوا إذا ولدت الناقة ولدين في بطن واحد قالوا: وصلت، فلا يستحلّون ذبحها و لا أكلها، و إذا ولدت عشراً جعلوها سائبة، و لا يستحلّون ظهرها و لا أكلها، و الحام فحل الإبل لم يكونوا يستحلّونه فأنزل الله: أنّه لم يكن يحرّم شيئاً من ذلك.

قال: ثمّ قال ابن بابويه: و قد روي: أنّ البحيرة الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن و إن كان الخامس ذكراً نحروه فأكله الرجال و النساء، و إن كان الخامس اُنثى بحروا اُذنها أي شقّوه و كانت حراماً على النساء لحمها و لبنها فإذا ماتت حلّت للنساء، و السائبة البعير يسيب بنذر يكون على الرجل إن سلّمه الله من مرض أو بلّغه منزله أن يفعل ذلك.

و الوصيلة من الغنم، كانوا إذا ولدت شاة سبعة أبطن فكان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال و النساء، و إن كان اُنثى تركت في الغنم و إن كان ذكراً و اُنثى قالوا: وصلت أخاها فلم تذبح و كان لحمها حراماً على النساء إلّا أن تموت منها شي‏ء فيحلّ أكلها للرجال و النساء.

و الحام الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ظهره، قال: و قد يروى:


أنّ الحام هو من الإبل إذا أنتج عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب و لا يمنع من كلاء و لا ماء.

أقول: و من طرق الشيعة و أهل السنّة روايات اُخر في معاني هذه الأسماء: البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحام، و قد مرّ شطر منها في الكلام المنقول عن الطبرسيّ في مجمع البيان، في البيان المتقدّم.

و المتيقّن من معانيها - كما عرفت - أنّ هذه الأصناف من الأنعام كانت في الجاهليّة محرّرة نوعاً من التحرير ذات أحكام مناسبة لذلك كحماية الظهر و حرمة أكل اللحم و عدم المنع من الماء و الكلاء، و أنّ الوصيلة من الغنم و الثلاثة الباقية من الإبل.

و في المجمع: روى ابن عبّاس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن عمرو بن لُحيّ بن قمعة بن خندف كان قد ملك مكّة، و كان أوّل من غيّر دين إسماعيل، و اتّخذ الأصنام و نصب الأوثان، و بحّر البحيرة، و سيّب السائبة، و وصّل الوصيلة، و حمّى الحامي.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه، و يروى: يجر قصبه في النار.

أقول: و روي في الدرّ المنثور، هذا المعنى بعدّة طرق عن ابن عبّاس و غيره.

و في الدرّ المنثور، أخرج عبدالرزّاق و ابن أبي شيبة و عبد بن حميد و ابن جرير عن زيد بن أسلم قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي لأعرف أوّل من سيّب السوائب، و نصب النصب، و أوّل من غيّر دين إبراهيم، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: عمرو بن لُحيّ أخو بني كعب لقد رأيته يجرّ قصبه في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه.

و إنّي لأعرف من نحّر النحائر، قالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجذع آذانهما و حرّم ألبانهما و ظهورهما و قال: هاتان لله ثمّ احتاج إليهما فشرب ألبانهما و ركب ظهورهما.

قال: فلقد رأيته في النار، و هما يقصمانه بأفواههما و يطئانه بأخفافهما.

و فيه: أخرج أحمد و عبد بن حميد و الحكيم الترمذيّ في نوادر الاُصول، و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و البيهقيّ في الأسماء و الصفات، عن أبي الأحوص، عن


أبيه قال: أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خلقان من الثياب فقال لي: هل لك من مال؟ قلت: نعم قال: من أيّ المال؟ قلت: من كلّ المال: من الإبل و الغنم و الخيل و الرقيق قال: فإذا آتاك الله فلير عليك.

ثمّ قال: تنتج إبلك رافعة آذانها؟ قلت: نعم و هل تنتج الإبل إلّا كذلك؟ قال: فلعلّك تأخذ موسى فتقطع آذان طائفة منها، و تقول: هذه بحر، و تشقّ آذان طائفة منها و تقول: هذه الصرم؟ قلت: نعم، قال: فلا تفعل إنّ كلّ ما آتاك الله لك حلّ، ثمّ قال:( ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَ لا سائِبَةٍ وَ لا وَصِيلَةٍ وَ لا حامٍ ) .


( سورة المائدة آية ١٠٥)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُم مَن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( ١٠٥)

( بيان)

الآية تأمر المؤمنين أن يلزموا أنفسهم، و يلازموا سبيل هدايتهم و لا يوحشهم ضلال من ضلّ من الناس فإنّ الله سبحانه هو المرجع الحاكم على الجميع حسب أعمالهم، و الكلام مع ذلك لا يخلو عن غور عميق.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) لفظة( عَلَيْكُمْ ) اسم فعل بمعنى ألزموا، و( أَنْفُسَكُمْ ) مفعوله.

و من المعلوم أنّ الضلال و الاهتداء - و هما معنيان متقابلان - إنّما يتحقّقان في سلوك الطريق لا غير فالملازم لمتن الطريق ينتهي إلى ما ينتهي إليه الطريق، و هو الغاية المطلوبة الّتي يقصدها الإنسان السالك في سلوكه، أمّا إذا استهان بذلك و خرج عن مستوى الطريق فهو الضلال الّذي تفوت به الغاية المقصودة فالآية تقدّر للإنسان طريقاً يسلكه و مقصداً يقصده غير أنّه ربّما لزم الطريق فاهتدى إليه أو فسق عنه فضلّ و ليس هناك مقصد يقصده القاصد إلّا الحياة السعيدة، و العاقبة الحسنى بلا ريب لكنّها مع ذلك تنطق بأنّ الله سبحانه هو المرجع الّذي يرجع إليه الجميع: المهتدي و الضالّ.

فالثواب الّذي يريده الإنسان في مسيره بالفطرة إنّما هو عندالله سبحانه يناله المهتدون، و يحرم عنه الضلّال، و لازم ذلك أن يكون جميع الطرق المسلوكة لأهل الهداية و الطرق المسلوكة لأهل الضلال تنتهي إلى الله سبحانه، و عنده سبحانه الغاية المقصودة و إن كانت تلك الطرق مختلفة في إيصال الإنسان إلى البغية و الفوز و الفلاح أو ضربه بالخيبة و الخسران، و كذلك في القرب و البعد كما قال تعالى:( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ


إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) الإنشقاق: ٦ و قال تعالى:( أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) المجادلة: ٢٢ و قال تعالى:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) إبراهيم: ٢٨ و قال تعالى:( فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة: ١٨٦ و قال تعالى:( وَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) حم السجدة: ٤٤.

بيّن تعالى في هذه الآيات أنّ الجميع سائرون إليه سبحانه سيراً لا مناص لهم عنه، غير أنّ طريق بعضهم قصير و فيه الرشد و الفلاح، و طريق آخرين طويل لا ينتهي إلى سعادة، و لا يعود إلى سالكه إلّا الهلاك و البوار.

و بالجملة فالآية تقدّر للمؤمنين و غيرهم طريقين اثنين ينتهيان إلى الله سبحانه، و تأمر المؤمنين بأن يشتغلوا بأنفسهم و ينصرفوا عن غيرهم و هم أهل الضلال من الناس و لا يقعوا فيهم و لا يخافوا ضلالهم فإنّما حسابهم على ربّهم لا على المؤمنين و ليسوا بمسؤلين عنهم حتّى يهمّهم أمرهم فالآية قريبة المضمون من قوله تعالى:( قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) الجاثية: ١٤ و نظيرها قوله تعالى:( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَ لَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ) البقرة: ١٣٤.

فعلى المؤمن أن يشتغل بما يهمّ نفسه من سلوك سبيل الهدى، و لا يهزهزه ما يشاهده من ضلال الناس و شيوع المعاصي بينهم و لا يشغله ذلك و لا يشتغل بهم فالحقّ حقّ و إن ترك و الباطل باطل و إن اُخذ به كما قال تعالى:( قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَ الطَّيِّبُ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) المائدة: ١٠٠ و قال تعالى:( وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ) حم السجدة: ٣٤.

فقوله تعالى:( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) بناء على ما مرّ مسوق سوق الكناية اُريد به نهي المؤمنين عن التأثّر من ضلال من ضلّ من النّاس فيحملهم ذلك على ترك طريق الهداية كأن يقولوا: إنّ الدنيا الحاضرة لا تساعد الدين و لا تبيح


التنحّل بالمعنويّات فإنّما ذلك من السنن الساذجة و قد مضى زمنه و انقرض أهله، قال تعالى:( وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى‏ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا ) القصص: ٥٧.

أو يخافوا ضلالهم على هدى أنفسهم فيشتغلوا بهم و ينسوا أنفسهم فيصيروا مثلهم فإنّما الواجب على المؤمن هو الدعوة إلى ربّه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و بالجملة الأخذ بالأسباب العاديّة ثمّ إيكال أمر المسبّبات إلى الله سبحانه فإليه الأمر كلّه، فأمّا أن يهلك نفسه في سبيل إنقاذ الغير من الهلكة فلم يؤمر به، و لا يؤاخذ بعمل غيره، و ما هو عليه بوكيل، و على هذا فتصير الآية في معنى قوله تعالى:( فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‏ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً، إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً ) الكهف: ٨، و قوله تعالى:( وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى‏ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَ فَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً ) الرعد: ٣١ و نحو ذلك.

و قد تبيّن بهذا البيان أنّ الآية لا تنافي آيات الدعوة و آيات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فإنّ الآية إنّما تنهى المؤمنين عن الاشتغال بضلال الناس عن اهتداء أنفسهم و إهلاك أنفسهم في سبيل إنقاذ غيرهم و إنجائه.

على أنّ الدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر من شؤون اشتغال المؤمن بنفسه و سلوكه سبيل ربّه، و كيف يمكن أن تنافي الآية آيات الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو تنسخها؟ و قد عدّهما الله سبحانه من مشخّصات هذا الدين و اُسسه الّتي بني عليها كما قال تعالى:( قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى‏ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي ) يوسف: ١٠٨ و قال تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) آل عمران: ١١٠.

فعلى المؤمن أن يدعو إلى الله على بصيرة و أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر على سبيل أداء الفريضة الإلهيّة و ليس عليه أن يجيش و يهلك نفسه حزناً أو يبالغ في الجدّ في تأثير ذلك في نفوس أهل الضلال فذلك موضوع عنه.


و إذا كانت الآية قدّرت للمؤمنين طريقاً فيه اهتداؤهم و لغيرهم طريقاً من شأنه ضلال سالكيه، ثمّ أمر المؤمنين في قوله:( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) بلزوم أنفسهم كان فيه دلالة على أنّ نفس المؤمن هو الطريق الّذي يؤمر بسلوكه و لزومه فإنّ الحثّ على الطريق إنّما يلائم الحثّ على لزومه و التحذير من تركه لا على لزوم سألك الطريق كما نشاهده في مثل قوله تعالى:( وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) الأنعام: ١٥٣.

فأمره تعالى المؤمنين بلزوم أنفسهم في مقام الحثّ على التحفّظ على طريق هدايتهم يفيد أنّ الطريق الّذي يجب عليهم سلوكه و لزومه هو أنفسهم، فنفس المؤمن هو طريقه الّذي يسلكه إلى ربّه و هو طريق هداه، و هو المنتهى به إلى سعادته.

فالآية تجلّي الغرض الّذي تؤمّه إجمالاً آيات اُخرى كقوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ لْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ، وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ ) الحشر: ٢٠.

فالآيات تأمر بأن تنظر النفس و تراقب صالح عملها الّذي هو زادها غداً و خير الزاد التقوى فللنّفس يوم و غد و هي في سير و حركة على مسافة، و الغاية هو الله سبحانه و عنده حسن الثواب و هو الجنّة فعليها أن تدوم على ذكر ربّها و لا تنساه فإنّه سبحانه هو الغاية، و نسيان الغاية يستعقب نسيان الطريق فمن نسي ربّه نسي نفسه، و لم يعدّ لغده و مستقبل مسيره زاداً يتزوّد به و يعيش باستعماله و هو الهلاك، و هذا معنى‏ ما رواه الفريقان عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من عرف نفسه فقد عرف ربّه.

و هذا المعنى هو الّذي يؤيّده التدبّر التامّ و الاعتبار الصحيح فإنّ الإنسان في مسير حياته إلى أيّ غاية امتدّت لا همّ له في الحقيقة إلّا خير نفسه و سعادة حياته و إن اشتغل في ظاهر الأمر ببعض ما يعود نفعه إلى غيره، قال تعالى:( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها ) .

و ليس هناك إلّا هذا الإنسان الّذي يتطوّر طوراً بعد طور، و يركب طبقاً عن


طبق من جنين و صبيّ و شابّ و كهل و شيخ ثمّ الّذي يديم الحياة في البرزخ ثمّ يوم القيامة ثمّ ما بعده من جنّة أو نار، فهذه هي المسافة الّتي يقطعها الإنسان من موقفه في أوّل تكوّنه إلى أن ينتهي إلى ربّه، قال تعالى:( وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى) النجم: ٤٢.

و هو الإنسان لا يظأ موطأً في مسيره و لا يسير و لا يسري إلّا بأعمال قلبيّة هي الاعتقادات و نحوها و أعمال جوارحيّة صالحة، أو طالحة و ما أنتجه عمله يوماً كان هو زاده غداً فالنفس هو طريق الإنسان إلى ربّه، و الله سبحانه هو غايته في مسيره.

و هذا طريق اضطراريّ لا مناص للإنسان عن سلوكه كما يدلّ عليه قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ ) الإنشقاق: ٦ فهذا طريق ضروريّ السلوك يشترك فيه المؤمن و الكافر و الملتفت المتنبّه و الغافل العامّة، و الآية لا تريد الحثّ على لزومه بمعنى البعث على سلوكه ممّن لا يسلك.

و إنّما تريد الآية تنبيه المؤمنين على هذه الحقيقة بعد غفلتهم عنها، فإنّ هذه الحقيقة كسائر الحقائق التكوينيّة و إن كانت ثابتة غير متغيّرة بالعلم و الجهل لكنّ التفات الإنسان إليها يؤثّر في عمله تأثيراً بارزاً، و الأعمال الّتي تربّي النفس الإنسانيّة تربية مناسبة لسنخها و إذا كان العمل ملائماً لواقع الأمر مناسباً لغاية الصنع و الإيجاد كانت النفس المستكملة بها سعيدة في جدّها، غير خائبة في سعيها و لا خاسرة في صفقتها، و قد مرّ بيان ذلك في مواضع كثيرة من هذا الكتاب بما لا يبقى معه ريب.

و توضيح ذلك بما يناسب هذا المقام أنّ الإنسان كغيره من خلق الله سبحانه واقع تحت التربية الإلهيّة من دون أن يفوته تعالى شي‏ء من أمره، و قد قال تعالى:( ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) هود: ٥٦ و هذه تربية تكوينيّة على حدّ ما يربّي الله سبحانه غيره من الاُمور، في مسيرها جميعاً إليه تعالى، و قد قال:( أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) الشورى: ٥٣ و لا يتفاوت الأمر و لا يختلف الحال في هذه التربية بين شي‏ء و شي‏ء فإنّ الصراط مستقيم، و الأمر متشابه مطّرد، و قد قال تعالى أيضاً:( ما تَرى‏ فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ) الملك: ٣.


و قد جعل سبحانه غاية الإنسان و ما ينتهي إليه أمره و يستقرّ عليه عاقبته من حيث السعادة و الشقاوة و الفلاح و الخيبة مبنيّة على أحوال و أخلاق نفسانيّة مبنيّة على أعمال من الإنسان تنقسم تلك الأعمال إلى صالحة و طالحة و تقوى و فجور كما قال تعالى:( وَ نَفْسٍ وَ ما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ) الشمس: ١٠ فالآيات - كما ترى - تضع النفس المسوّاة في جانب و هو مبدأ الحال، و الفلاح و الخيبة في جانب و هو الغاية و منتهى المسير، ثمّ تبني الغايتين أعني الفلاح و الخيبة على تزكية النفس و تدسيتها و ذلك مرحلة الأخلاق، ثمّ تبني الفضيلة و الرذيلة على التقوى و الفجور أعني الأعمال الصالحة و الطالحة الّتي تنطق الآيات بأنّ الإنسان ملهم بها من جانب الله تعالى.

و الآيات في بيانها لا تتعدّى طور النفس بمعنى أنّها تعتبر النفس هي المخلوقة المسوّاة و هي الّتي اُضيف إليها الفجور و التقوى، و هي الّتي تزكّى و تدسّى، و هي الّتي يفلح فيها الإنسان و يخيب، و هذا كما عرفت جري على مقتضى التكوين.

لكنّ هذه الحقيقة التكوينيّة أعني كون الإنسان في حياته سائراً في مسير نفسه لا يسعه التخطّي عنها و لو بخطوة، و لا تركها و الخروج منها و لو لحظة، لا يتساوى حال من تنبّه له و تذكّر به تذكّراً لازماً لا يتطرّق إليه نسيان، و حال من غفل عنه و نسي الواقع الّذي لا مفرّ له منه، و قد قال تعالى:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) الزمر: ٩.

و قال تعالى:( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَ لا يَشْقى‏، وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً، وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏، قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى‏ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً، قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى) طه: ١٢٦.

و ذلك أنّ المتنبّه إلى هذه الحقيقة حيثما يلتفت إلى حقيقة موقفه من ربّه و نسبته إلى سائر أجزاء العالم وجد نفسه منقطعة عن غيره و قد كان يجدها على غير هذا النعت و مضروباً دونها الحجاب لا يمسّها بالإحاطة و التأثير إلّا ربّها المدبّر لأمرها الّذي يدفعها من ورائها و يجذبها إلى قدّامها بقدرته و هدايته، و وجدها خالية بربّها


ليس لها من دونه من وال، و عند ذلك يفقه معنى قوله تعالى:( إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) بعد قوله:( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) و معنى قوله تعالى:( أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها ) الأنعام: ١٢٢.

و عند ذلك يتبدّل إدراك النفس و شعورها، و يهاجر من موطن الشرك إلى موقف العبوديّة و مقام التوحيد و لا يزال يعوّض شركاً من توحيد و توهّماً من تحقّق و بعداً من قرب و استكباراً شيطانيّاً من تواضع رحمانيّ و استغناءً وهميّاً من فقر عبوديّ إن أخذت بيدها العناية الإلهيّة و ساقها سائق التوفيق.

و نحن و إن كان لا يسعنا أن نفقه هذه المعاني حقّ الفقه لمكان إخلادنا إلى الأرض و اشتغالنا عن الغوص في أغوار هذه الحقائق الّتي يكشف عنها الدين و يشير إليها الكتاب الإلهيّ بما لا يعنينا من فضولات هذه الحياة الفانية الّتي لا يعرّفها الكلام الإلهيّ في بيانه إلّا بأنّها لعب و لهو كما قال تعالى:( وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ ) الأنعام: ٣٢ و قال تعالى:( ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) النجم: ٣٠.

إلّا أنّ الاعتبار الصحيح و البحث البالغ و التدبّر الوافي يوصلنا إلى التصديق بكلّيّاتها إجمالاً و إن قصرنا عن إحصاء التفاصيل و الله الهادي.

و لعلّنا خرجنا عن طور الاختصار فلنرجع إلى أوّل الكلام فنقول: و تسع الآية أن تحمل على الخطاب الاجتماعيّ بأن يكون المخاطب بقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) مجتمع المؤمنين فيكون المراد بقوله:( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) هو إصلاح المؤمنين مجتمعهم الإسلاميّ باتّخاذ صفة الاهتداء بالهداية الإلهيّة بأن يحتفظوا على معارفهم الدينيّة و الأعمال الصالحة و الشعائر الإسلاميّة العامّة كما قال تعالى:( وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا ) آل عمران: ١٠٣ و قد تقدّم في تفسيره أنّ المراد بهذا الاعتصام الاجتماعيّ الأخذ بالكتاب و السنّة.

و يكون قوله:( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) يراد به أنّهم في أمن من إضرار المجتمعات الضالّة غير الإسلاميّة فليس من الواجب على المسلمين أن يبالغوا الجدّ


في انتشار الإسلام بين الطوائف غير المسلمة أزيد من الدعوة المتعارفة كما تقدّم.

أو أنّه لا يجوز لهم أن ينسلّوا ممّا بأيديهم من الهدى من مشاهدة ما عليه المجتمعات الضالّة من الانهماك في الشهوات و التمتّع من مزايا العيش الباطلة فإنّ الجميع مرجعهم إلى الله فينبّئهم بما كانوا يعملون، و تجري الآية على هذا مجرى قوله تعالى:( لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ، مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ ) آل عمران: ١٩٧، و قوله:( وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) طه: ١٣١.

و هنا معنى آخر لقوله:( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) من جهة أنّ المنفيّ في الآية هو الإضرار المنسوب إلى نفس الضالّين دون شي‏ء معيّن من صفاتهم أو أعمالهم فتفيد الإطلاق، و يكون المعنى نفي أن يكون الكفّار ضارّين للمجتمع الإسلاميّ بتبديله مجتمعاً غير إسلاميّ بقوّة قهريّة فتكون الآية مسوقة سوق قوله تعالى:( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ ) المائدة: ٣، و قوله:( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً وَ إِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ) آل عمران: ١١١.

و قد ذكر جمع من مفسّري السلف أنّ مفاد الآية هو الترخيص في ترك الدعوة الدينيّة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ذكروا أنّ الآية خاصّة تختصّ بزمان أو حال لا يوجد فيه شرط الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هو الأمن من الضرر و قد رووا في ذلك روايات ستأتي الإشارة إليها في البحث الروائيّ الآتي.

و لازم هذا المعنى أن يكون قوله:( لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) كناية عن انتفاء التكليف أي لا تكليف عليكم في ذلك و إلّا فتضرّر المجتمع الدينيّ من شيوع الضلال من كفر أو فسق ممّا لا يرتاب فيه ذو ريب.

لكنّ ذلك معنى بعيد لا يحتمله سياق الآية فإنّ الآية لو اُخذت مخصّصة لعمومات وجوب الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فلسانها ليس لسان التخصيص، و إن اُخذت ناسخة فآيات الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر آبية من النسخ، و للكلام تتمّة ستوافيك.


( بحث روائي)

في الغرر و الدرر، للآمديّ عن عليّعليه‌السلام قال: من عرف نفسه عرف ربّه.

أقول: و رواه الفريقان عن النبيّ أيضاً، و هو حديث مشهور، و قد ذكر بعض العلماء: أنّه من تعليق المحال، و مفاده استحالة معرفة النفس لاستحالة الإحاطة العلميّة بالله سبحانه و ردّ أوّلاً بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في رواية اُخرى: أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه‏، و ثانياً بأنّ الحديث في معنى عكس النقيض لقوله تعالى:( وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) .

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: الكيّس من عرف نفسه و أخلص أعماله.

أقول: تقدّم في البيان السابق معنى ارتباط الإخلاص و تفرّعه على الاشتغال بمعرفة النفس.

و فيه عنهعليه‌السلام : قال: المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين.

أقول: الظاهر أنّ المراد بالمعرفتين المعرفة بالآيات الأنفسيّة و المعرفة بالآيات الآفاقيّة، قال تعالى:( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) حم السجدة: ٥٣ و قال تعالى:( وَ فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ) الذاريات: ٢١.

و كون السير الأنفسيّ أنفع من السير الآفاقيّ لعلّه لكون المعرفة النفسانيّة لا تنفكّ عادة من إصلاح أوصافها و أعمالها بخلاف المعرفة الآفاقيّة، و ذلك أنّ كون معرفة الآيات نافعة إنّما هو لأنّ معرفة الآيات بما هي آيات موصلة إلى معرفة الله سبحانه و أسمائه و صفاته و أفعاله ككونه تعالى حيّاً لا يعرضه موت، و قادراً لا يشوبه عجز، و عليماً لا يخالطه جهل، و أنّه تعالى هو الخالق لكلّ شي‏ء، و المالك لكلّ شي‏ء، و الربّ القائم على كلّ نفس بما كسبت، خلق الخلق لا لحاجة منه إليهم بل


لينعم عليهم بما استحقّوه ثمّ يجمعهم ليوم الجمع لا ريب فيه ليجزي الّذين أساؤا بما عملوا و يجزي الّذين أحسنوا بالحسنى.

و هذه و أمثالها معارف حقّة إذا تناولها الإنسان و أتقنها مثّلت له حقيقة حياته، و أنّها حياة مؤبّدة ذات سعادة دائمة أو شقوة لازمة، و ليست بتلك المتهوّسة المنقطعة اللاهية اللاغية، و هذا موقف علميّ يهدي الإنسان إلى تكاليف و وظائف بالنسبة إلى ربّه و بالنسبة إلى أبناء نوعه في الحياة الدنيا و الحياة الآخرة، و هي الّتي نسمّيها بالدين، فإنّ السنّة الّتي يلتزمها الإنسان في حياته، و لا يخلو عنها حتّى البدويّ و الهمجيّ إنّما يضعها و يلتزمها أو يأخذها و يلتزمها لنفسه من حيث إنّه يقدّر لنفسه نوعاً من الحياة أيّ نوع كان، ثمّ يعمل بما استحسنه من السنّة لإسعاد تلك الحياة، و هذا من الوضوح بمكان.

فالحياة الّتي يقدّرها الإنسان لنفسه تمثّل له الحوائج المناسبة لها فيهتدي بها إلى الأعمال الّتي تضمّن عادة رفع تلك الحوائج فيطبّق الإنسان عمله عليها و هو السنّة أو الدين.

فتخّلص ممّا ذكرنا أنّ النظر في الآيات الأنفسيّة و الآفاقيّة و معرفة الله سبحانه بها يهدي الإنسان إلى التمسّك بالدين الحقّ و الشريعة الإلهيّة من جهة تمثيل المعرفة المذكورة الحياة الإنسانيّة المؤبّدة له عند ذلك، و تعلّقها بالتوحيد و المعاد و النبوّة.

و هذه هداية إلى الإيمان و التقوى يشترك فيها الطريقان معاً أعني طريقي النظر إلى الآفاق و الأنفس فهما نافعان جميعاً غير أنّ النظر إلى آيات النفس أنفع فإنّه لا يخلو من العثور على ذات النفس و قواها و أدواتها الروحيّة و البدنيّة و ما يعرضها من الاعتدال في أمرها أو طغيانها أو خمودها و الملكات الفاضلة أو الرذيلة، و الأحوال الحسنة أو السيّئة الّتي تقارنها.

و اشتغال الإنسان بمعرفة هذه الاُمور و الإذعان بما يلزمها من أمن أو خطر و سعادة أو شقاوة لا ينفكّ من أن يعرّفه الداء و الدواء من موقف قريب فيشتغل


بإصلاح الفاسد منها، و الالتزام بصحيحها بخلاف النظر في الآيات الآفاقيّة فإنّه و إن دعا إلى إصلاح النفس و تطهيرها من سفاسف الأخلاق و رذائلها، و تحليتها بالفضائل الروحيّة لكنّه ينادي لذلك من مكان بعيد، و هو ظاهر.

و للرواية معنى آخر أدقّ مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقيّة في علم النفس و هو أنّ النظر في الآيات الآفاقيّة و المعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكريّ و علم حصوليّ بخلاف النظر في النفس و قواها و أطوار وجودها و المعرفة المتجلّية منها فإنّه نظر شهوديّ و علم حضوريّ، و التصديق الفكريّ يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة و استعمال البرهان، و هو باق ما دام الإنسان متوجّهاً إلى مقدّماته غير ذاهل عنها و لا مشتغل بغيرها، و لذلك يزول العلم بزوال الإشراف على دليله و تكثر فيه الشبهات و يثور فيه الاختلاف.

و هذا بخلاف العلم النفسانيّ بالنفس و قواها و أطوار وجودها فإنّه من العيان فإذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه، و شاهد فقرها إلى ربّها، و حاجتها في جميع أطوار وجودها، وجد أمراً عجيباً وجد نفسه متعلّقة بالعظمة و الكبرياء متّصلة في وجودها و حياتها و علمها و قدرتها و سمعها و بصرها و إرادتها و حبّها و سائر صفاتها و أفعالها بما لا يتناهى بهاءً و سناءً و جمالاً و جلالاً و كمالاً من الوجود و الحياة و العلم و القدرة، و غيرها من كلّ كمال.

و شاهد ما تقدّم بيانه أنّ النفس الإنسانيّة لا شأن لها إلّا في نفسها، و لا مخرج لها من نفسها، و لا شغل لها إلّا السير الاضطراريّ في مسير نفسها، و أنّها منقطعة عن كلّ شي‏ء كانت تظنّ أنّها مجتمعة معه مختلطة به إلّا ربّها المحيط بباطنها و ظاهرها و كلّ شي‏ء دونها فوجدت أنّها دائماً في خلأ مع ربّها و إن كانت في ملأ من الناس.

و عند ذلك تنصرف عن كلّ شي‏ء و تتوجّه إلى ربّها و تنسى كلّ شي‏ء و تذكر ربّها فلا يحجبه عنها حجاب و لا تستتر عنه بستر و هو حقّ المعرفة الّذي قدّر لإنسان.

و هذه المعرفة الأحرى بها أن تسمّى بمعرفة الله بالله، و أمّا المعرفة الفكريّة


الّتي يفيدها النظر في الآيات الآفاقيّة سواء حصلت من قياس أو حدس أو غير ذلك فإنّما هي معرفة بصورة ذهنيّة عن صورة ذهنيّة، و جلّ الإله أن يحيط به ذهن أو تساوي ذاته صورة مختلقة اختلقها خلق من خلقه، و لا يحيطون به علماً.

و قد روي في الإرشاد، و الإحتجاج، على ما في البحار عن الشعبيّ عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام في كلام له: إنّ الله أجل من أن يحتجب عن شي‏ء أو يحتجب عنه شي‏ء. و في التوحيد، عن موسى بن جعفرعليه‌السلام في كلام له: ليس بينه و بين خلقه حجاب غير خلقه احتجب بغير حجاب محجوب و استتر بغير ستر مستور لا إله إلّا هو الكبير المتعال. و في التوحيد، مسنداً عن عبدالأعلى عن الصادقعليه‌السلام في حديث: و من زعم أنّه يعرف الله بحجاب أو بصورة أو بمثال فهو مشرك لأنّ الحجاب و الصورة و المثال غيره، و إنّما هو واحد موحّد فكيف يوحّد من زعم أنّه يوحّده بغيره إنّما عرف الله من عرفه بالله فمن لم يعرفه به فليس يعرفه إنّما يعرف غيره‏، الحديث. و الأخبار المأثورة عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في معنى ما قدّمناه كثيرة جدّاً لعلّ الله يوفّقنا لإيرادها و شرحها في ما سيأتي إن شاء الله العزيز من تفسير سورة الأعراف.

فقد تحصّل أنّ النظر في آيات الأنفس أنفس و أغلى قيمة و أنّه هو المنتج لحقيقة المعرفة فحسب، و على هذا فعدّهعليه‌السلام إيّاها أنفع المعرفتين لا معرفة متعيّنة إنّما هو لأنّ العامّة من الناس قاصرون عن نيلها، و قد أطبق الكتاب و السنّة و جرت السيرة الطاهرة النبويّة و سيرة أهل بيته الطاهرين على قبول من آمن بالله عن نظر آفاقيّ و هو النظر الشائع بين المؤمنين فالطريقان نافعان جميعاً لكنّ النفع في طريق النفس أتمّ و أغزر.

و في الدرر و الغرر، عن عليّعليه‌السلام قال: العارف من عرف نفسه فأعتقها و نزّهها عن كلّ ما يبعّدها.

أقول: أي أعتقها عن إسارة الهوى و رقّيّة الشهوات.

و فيه، عنهعليه‌السلام قال: أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: أعظم الحكمة معرفة الإنسان نفسه.


و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: أكثر الناس معرفة لنفسه أخوفهم لربّه.

أقول: و ذلك لكونه أعلمهم بربّه و أعرفهم به، و قد قال الله سبحانه:( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) .

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: أفضل العقل معرفة المرء بنفسه فمن عرف نفسه عقل، و من جهلها ضلّ.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: عجبت لمن ينشد ضالته، و قد أضلّ نفسه فلا يطلبها.

و فيه، عنهعليه‌السلام قال: عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربّه؟.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه.

أقول: و قد تقدّم وجه كونها غاية المعرفة فإنّها المعرفة حقيقة.

و فيه، عنهعليه‌السلام قال: كيف يعرف غيره من يجهل نفسه؟

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: كفى بالمرء معرفة أن يعرف نفسه، و كفى بالمرء جهلاً أن يجهل نفسه.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: من عرف نفسه تجرّد.

أقول: أي تجرّد عن علائق الدنيا، أو تجرّد عن الناس بالاعتزال عنهم أو تجرّد عن كلّ شي‏ء بالإخلاص لله.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: من عرف نفسه جاهدها و من جهل نفسه أهملها.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: من عرف نفسه جلّ أمره.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: من عرف نفسه كان لغيره أعرف و من جهل نفسه كان بغيره أجهل.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: من عرف نفسه فقد انتهى إلى غاية كلّ معرفة و علم.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: من لم يعرف نفسه بعد عن سبيل النجاة، و خبط في الضلال و الجهالات.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: معرفة النفس أنفع المعارف.

و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: نال الفوز الأكبر من ظفر بمعرفة النفس.


و فيه، عنهعليه‌السلام : قال: لا تجهل نفسك فإنّ الجاهل معرفة نفسه جاهل بكلّ شي‏ء.

و في تحف العقول، عن الصادقعليه‌السلام في حديث: من زعم أنّه يعرف الله بتوهّم القلوب فهو مشرك، و من زعم أنّه يعرف الله بالاسم دون المعنى فقد أقرّ بالطعن لأنّ الاسم محدث، و من زعم أنّه يعبد الاسم و المعنى فقد جعل مع الله شريكاً، و من زعم أنّه يعبد بالصفة لا بالإدراك فقد أحال على غائب، و من زعم أنّه يضيف الموصوف إلى الصفة فقد صغّر بالكبير، و ما قدروا الله حقّ قدره.

قيل له: فكيف سبيل التوحيد؟ قال: باب البحث ممكن و طلب المخرج موجود إنّ معرفة عين الشاهد قبل صفته، و معرفة صفة الغائب قبل عينه.

قيل: و كيف يعرف عين الشاهد قبل صفته؟ قال: تعرفه و تعلم علمه، و تعرف نفسك به و لا تعرف نفسك من نفسك، و تعلم أنّ ما فيه له و به كما قالوا ليوسف:( إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ ) قال:( أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي ) فعرفوه به و لم يعرفوه بغيره، و لا أثبتوه من أنفسهم بتوهّم القلوب‏، الحديث.

أقول: قد أوضحنا في ذيل‏ قولهعليه‌السلام المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين‏ (الرواية الثانية من الباب) أنّ الإنسان إذا اشتغل بآية نفسه و خلا بها عن غيرها انقطع إلى ربّه من كلّ شي‏ء، و عقب ذلك معرفة ربّه معرفة بلا توسيط وسط، و علماً بلا تسبيب سبب إذ الانقطاع يرفع كلّ حجاب مضروب، و عند ذلك يذهل الإنسان بمشاهدة ساحة العظمة و الكبرياء عن نفسه، و أحرى بهذه المعرفة أن تسمّى معرفة الله بالله.

و انكشف له عند ذلك من حقيقة نفسه أنّها الفقيرة إلى الله سبحانه المملوكة له ملكاً لا تستقلّ بشي‏ء دونه، و هذا هو المراد بقولهعليه‌السلام :( تعرف نفسك به، و لا تعرف نفسك بنفسك من نفسك، و تعلم أنّ ما فيه له و به) .

و في هذا المعنى‏ ما رواه المسعوديّ في إثبات الوصيّة، عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام قال في خطبة له:( فسبحانك ملأت كلّ شي‏ء و باينت كلّ شي‏ء فأنت لا يفقدك شي‏ء و أنت الفعّال لما تشاء تباركت يا من كلّ مدرك من خلقه، و كلّ محدود من صنعه.


- إلى أن قال - سبحانك أيّ عين تقوم نصب بهاء نورك، و ترقى إلى نور ضياء قدرتك، و أيّ فهم يفهم ما دون ذلك إلا أبصار كشفت عنها الأغطية، و هتكت عنها الحجب العميّة، فرقت أرواحها على أطراف أجنحة الأرواح، فناجوك في أركانك، و ولجوا بين أنوار بهائك، و نظروا من مرتقى التربة إلى مستوى كبريائك، فسمّاهم أهل الملكوت زوّاراً، و دعاهم أهل الجبروت عمّاراً) .

و في البحار، عن إرشاد الديلميّ - و ذكر بعد ذلك سندين لهذا الحديث - و فيه:( فمن عمل برضائي اُلزمه ثلاث خصال: اُعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل و ذكراً لا يخالطه النسيان، و محبّة لا يؤثّر على محبّتي محبّة المخلوقين.

فإذا أحبّني أحببته، و أفتح عين قلبه إلى جلالي، و لا اُخفي عليه خاصّة خلقي، و اُناجيه في ظلم الليل و نور النهار حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين و مجالسته معهم، و اُسمعه كلامي و كلام ملائكتي، و اُعرّفه السرّ الّذي سترته عن خلقي، و اُلبسه الحياء حتّى يستحيي منه الخلق كلّهم، و يمشي على الأرض مغفوراً له، و أجعل قلبه واعياً و بصيراً، و لا اُخفي عليه شيئاً من جنّة و لا نار، و اُعرّفه ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول و الشدّة، و ما اُحاسب به الأغنياء و الفقراء و الجهّال و العلماء، و اُنوّمه في قبره و اُنزل عليه منكراً و نكيراً حتّى يسألاه، و لا يرى غمّ الموت و ظلمة القبر و اللحد و هول المطلّع، ثمّ أنصب له ميزانه و أنشر ديوانه، ثمّ أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشوراً ثمّ لا أجعل بيني و بينه ترجماناً، فهذه صفات المحبّين.

يا أحمد اجعل همّك همّاً واحداً، و اجعل لسانك لساناً واحداً، و اجعل بدنك حيّاً لا يغفل أبداً، من يغفل عنّي لا اُبالي بأيّ واد هلك) .

و الروايات الثلاثة الأخيرة و إن لم يكن من أخبار هذا البحث المعقود على الاستقامة إلّا أنّا إنّما أوردناها ليقضي الناقد البصير بما قدّمناه من أنّ المعرفة الحقيقيّة لا تستوفي بالعلم الفكريّ حقّ استيفائها فإنّ الروايات تذكر اُموراً من المواهب الإلهيّة المخصوصة بأوليائه لا ينتجها السير الفكريّ البتّة.

و هي أخبار مستقيمة صحيحة تشهد على صحّتها الكتاب الإلهيّ على ما سنبيّن


ذلك فيما سيوافيك من تفسير سورة الأعراف إن شاء الله العزيز.

و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ) (الآية)، قال: قالعليه‌السلام : أصلحوا أنفسكم و لا تتّبعوا عورات الناس و لا تذكروهم فإنّه لا يضرّكم ضلالتهم إذا أنتم صالحون.

أقول: و الرواية منطبقة على ما قدّمناه في البيان السابق أنّ الآية متوجّهة إلى النهي عن التعرّض لإصلاح حال الناس أزيد من متعارف الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ليست مسوقة للترخيص في ترك فريضة الدعوة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و في نهج البيان، عن: الصادقعليه‌السلام أنّه قال: نزلت هذه الآية في التقيّة.

أقول: مفاد الرواية أنّ الآية خاصّة بصورة التقيّة من أهل الضلال في الدعوة إلى الحقّ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لمكان اشتراط ذلك شرعاً بعدم التقيّة، و قد تقدّم في البيان السابق أنّ ظاهر الآية لا تساعد على ذلك.

و قد روي في الدرّ المنثور، عن مفسّري السلف قول جمع منهم بذلك كابن مسعود و ابن عمر و اُبيّ بن كعب و ابن عبّاس و مكحول، و ما روي في ذلك من الروايات عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير دالّة على ذلك.

و هي ما عن الترمذيّ و صحّحه و ابن ماجة و ابن جرير و البغويّ في معجمه و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبرانيّ و أبي الشيخ و ابن مردويه و الحاكم و صحّحه و البيهقيّ في الشعب عن أبي اُميّة الشعبانيّ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ فقلت له: كيف تصنع هذه الآية؟ قال: أيّة آية؟ قال:(١) قوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قال: أمّا و الله لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: بل ائتمروا بالمعروف و تناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّاً مطاعاً، و هوى متّبعاً، و دنياً مؤثرة، و إعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بخاصّة نفسك و دع عنك أمر العوامّ فإنّ من ورائكم أيّام الصبر، الصابر فيهنّ كالقابض على الجمر،

____________________

(١) قلت. ظ


للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم.

أقول: و في هذا المعنى ما رواه ابن مردويه عن معاذ بن جبل عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و الرواية إنّما تدلّ على أنّ الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لم يرتفعا بالآية.

و في الدرّ المنثور: أخرج أحمد و ابن أبي حاتم و الطبرانيّ و ابن مردويه عن أبي عامر الأشعريّ: أنّه كان فيهم شي‏ء فاحتبس على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ أتاه فقال: ما حبسك؟ قال: يا رسول الله قرأت هذه الآية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قال: فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أين ذهبتم؟ إنّما هي: لا يضرّكم من ضلّ من الكفّار إذا اهتديتم.

أقول: و الرواية - كما ترى - تخصّ الأمر في الآية بالترخيص في ترك دعوة الكفّار إلى الحقّ و تصرّفها عن الترخيص في ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر في الفروع مع أنّ آيات وجوب الدعوة و ما يتبعها من آيات الجهاد و نحوها لا تقصر في الإباء عن ذلك عن آيات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و فيه: أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدريّ قال: ذكرت هذه الآية عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول الله عزّوجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) فقال نبيّ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم يجي‏ء تأويلها، لا يجي‏ء تأويلها حتّى يهبط عيسى بن مريمعليه‌السلام .

أقول: و الكلام في الرواية نظير الكلام فيما تقدّم.

و فيه: أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن حذيفة: في قوله:( عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) قال: إذا أمرتم بالمعروف و نهيتم عن المنكر.

أقول: و هو معنى معتدل مآله إلى ما ذكرناه، و روي مثله عن سعيد بن المسيّب.


( بحث علمي)

( عرفان النفس في تسعة فصول ‏)

ملفّق من إشارات تاريخيّة و أبحاث اُخر نفسيّة و غير ذلك في فصول:

١- لم يزل الإنسان فيما نعلم - حتّى الإنسان الأوّليّ - يقول في بعض قوله:( أنا) و( نفسي) يحكي به عن حقيقة من الحقائق الكونيّة و هو لا محالة يدري ما يقول و يعلم ما يريد غير أنّ انصراف همّه إلى تعبئة أركان الحياة البدنيّة و اشتغاله بالأعمال الجسميّة لرفع الحوائج المادّيّة يصرفه عن التعمّق في أمر هذه النفس المحكي عنها بقوله:( أنا) و( نفسي) و ربّما ألقى ذلك في وهمه أنّ ذلك هو البدن لا غير.

و ربّما وجد الإنسان أنّ الفارق بين الحيّ و الميّت بحسب ظهور الحسّ هو النفس الّذي يتنفّس به الإنسان ما دام حيّاً فإذا فقده أو سدّ عليه مجاريه عاد ميّتاً لا يشعر بشي‏ء و بطل وجوده و انعدمت شخصيّته و إنّيّته فأذعن أنّ النفس هو النفس (محرّكة) و هو الريح أو نوع خاصّ من الريح فسمّاه لذلك روحاً، و قضى أنّ الإنسان هو المجموع من الروح و البدن.

أو رأى أنّ الحسّ و الحركة البدنيّين كأنّهما رهينا ما يحتبس في البدن من الدم الساري في أعضائه أو الجاري في عروقه من شرائين و أوردة و أنّ الحياة الّتي ترتحل الإنسانيّة بارتحالها متعلّقة بهذا المائع الأحمر وجوداً و عدماً فحكم بأنّ النفس هو الدم فسمّى النفس دماً بل الدم نفساً سائلة أو غير سائلة.

و ربّما دعي الإنسان ما يشاهده من أمر النطفة أنّ المنيّ حينما يلتقمه الرحم و يطرؤه التطوّر الكونيّ طوراً بعد طور هو الّذي يصير إنساناً، أن يذهب إلى أنّ النفس الإنسانيّة هي الأجزاء الأصليّة المجتمعة في النطفة، و هي باقية في البنية البدنيّة مدى الحياة، و ربّما ذهب الذاهب إلى أنّها مصونة عن التغيّر و البطلان، و أنّ الإنسانيّة باقية ببقائها لا تنالها يد الحدثان و لا أنّها تقبل البطلان و الانعدام مع أنّ النفس الإنسانيّة لو كانت هذه الأجزاء المنعوتة سواء اشترطنا فيها الاجتماع على هيئة خاصّة أو لم نشترط استلزم ذلك القول بمحالات كثيرة مذكورة في محلّه.


فهذه الأقاويل و أمثالها لا تنافي ما يناله الإنسان و هو إنسان من حقيقة قوله:( أنا) و( نفسي) و لا يخطئ فيه البتّة إذ ليس من البعيد أن نكون ندرك حقيقة من الحقائق الكونيّة إجمالاً إدراكاً غير خاطئ ثمّ نأخذ في البحث عن هويّته و واقع أمره تفصيلاً فنخطئ فيه عند ذاك فهناك موضوعات علميّة كثيرة كالمحسوسات الظاهريّة أو الباطنيّة نشاهدها مشاهدة عيان - على الرغم من السوفسطائيّين و الشكّاكين - ثمّ العلماء لا يزالون يختلفون في أمرها خلفاً عن سلف.

و كذلك العامّة من غير أهل البحث يشاهدون من أنفسهم ما يشاهده الخاصّة من غير فرق البتّة و هم على جهل من أمر تفصيله عاجزون عن تفسير خصوصيّات وجوده.

و بالجملة ممّا لا ريب فيه أنّ الإنسان في جميع أحيان وجوده يشاهد أمراً غير خارج منه يعبّر عنه بأنا و نفسي، و إذا لطّف نظره و تعمّق خائضاً فيما يجده في مشاهدته هذه وجده شيئاً على خلاف ما يجده من الاُمور الجسمانيّة القابلة للتغيّر و الانقسام و الاقتران بالمكان و الزمان، و وجده غير هذا البدن المادّيّ المحكوم بأحكام المادّة بأعضائه و أجزائه فإنّه ربّما نسي أيّ عضو من أعضائه أو غفل عن جميع بدنه و هو لا ينسى نفسه و لا يغفل عنها، دع عنك ما ربّما تقوله: نسيت نفسي، غفلت عن نفسي، ذهلت عن نفسي فهذه مجازات عن عنايات نفسانيّة مختلفة، أ لا ترى أنّك تسند النسيان و الغفلة و الذهول حينئذ إلى نفسك و تحكم بأنّ نفسك الشاعرة شعرت بأمر و غفلت عن أمر تسمّيه نفسك كالبدن و نحوه؟.

و دع عنك ما ربّما يتوهّم أنّ المغمى عليه يغفل عن ذاته و نفسه فإنّ الّذي يجده هذا الإنسان بعد انقضاء حال الإغماء أنّه لا يذكر شعوره بنفسه حالة الإغماء لا أنّه يذكر أنّه كان غير شاعر بها، و بين المعنيين فرق، و ربّما يذكر بعض المغمى عليهم من حالة إغمائه شيئاً بشبه الرؤيا الّتي نذكرها من حال المنام.

و كيف كان لا ينبغي الارتياب في أنّ الإنسان بما أنّه إنسان لا يخلو عن هذا الشعور النفسيّ الّذي يمثّل له حقيقة نفسه الّتي يعبّر عنها بأنا، و لو أنّه استأنس


قليل استيناس بما يشاهده من نفسه على انصراف من التقسّم إلى مشاغله البدنيّة و أمانيّه المادّيّة قضى بما تقدّم أنّ نفسه أمر مغاير لسنخ المادّة و المادّيّات لما يشاهد من مغايرة خواصّ نفسه و آثارها لخواصّ الاُمور المادّيّة و آثارها.

غير أنّ الاشتغال بالمشاغل اليوميّة و صرف الهمّ إلى أمانيّ الحياة المادّيّة و رفع الحوائج البدنيّة يدعوه إلى إهمال الأمر و الإذعان بشي‏ء من تلك الآراء الساذجة الأبجديّة و الوقف على إجمال المشاهدة.

٢- الفرد العاديّ من الإنسان و إن كان شغله همّ الغذاء و المسكن و الملبس و المنكح عن الغور في حقيقة نفسه و البحث في زوايا ذاته، لكنّ الحوادث المختلفة الهاجمة عليه في خلال أيّام حياته ربّما لم تخل من عوامل توجّهه إلى الانصراف عن غيره و الخلوة بنفسه كالخوف الشديد الّذي تنزعج به النفس عن كلّ شي‏ء و ترجع إلى نفسها كالآخذة الممسكة عليها حذراً من الفناء و الزوال، و كالسرور و الترح الموجب لانجذاب النفس إلى ما تستلذّ به، و كالغرام الشديد المنجرّ إلى الوله بالمحبوب المطلوب بحيث لا همّ إلّا همّه، و كالاضطرار الشديد الّذي ينقطع به الإنسان عن كلّ شي‏ء إلى نفسه إلى غير ذلك من العوامل الاتّفاقيّة.

هذه العوامل المختلفة و الأسباب المتنوّعة ربّما أدّى الإنسان واحداً منها أو أزيد من واحد إلى أن يتمثّل عنده بعض ما لا يكاد تناله الحواسّ الظاهرة أو الفكرة الخالية، كالواقع في مكان مظلم موحش أدهشه الخوف على نفسه فإنّه يبصر أشياء مخوفة أو يسمع أصواتاً هائلة تهدّده في نفسه، و هو الّذي ربّما يسمّونه غولاً أو هاتفاً أو جنّاً و نحو ذلك.

و ربّما أحاط به الحبّ الشديد أو الحسرة و الأسف الشديدان فحال بينه و بين حواسّه الظاهريّة و ركز شعوره فيما يحبّه أو يأسف عليه، فرأى في حال المنام أو في حال من اليقظة يشبه حالة المنام، اُموراً مختلفة من الوقائع الماضية أو الحوادث المستقبلة أو خبايا و خفايا تخفى على حواسّ غيره.

و ربّما كانت الإرادة إذا شفّعت باليقين و الإيمان الشديد و الإذعان الجازم تفعل


أفعالاً لا يقدر عليها الإنسان المتعارف، و لا أنّ الأسباب العاديّة يسعها أن تهدي إلى ذلك.

فهذه حوادث جزئيّة نادرة - بالنسبة إلى عامّة الحوادث العاديّة - تحدث عن حدوث عوامل مختلفة مرّت الإشارة إليها: أمّا أصل وقوعها فممّا ليس كثير حاجة إلى تجشّم الاستدلال عليه فكلّ منّا لا يخلو من أن يذكر من نفسه أو من غيره ما يشهد به، و أمّا أنّ السبب الحقيقيّ العامل فيها ما هي؟ فليس ههنا محلّ الاشتغال به.

و الّذي يهمّنا التنبّه عليه هو أنّ هذه الاُمور جميعاً تتوقّف في وقوعها على نوع من انصراف النفس عن الاشتغال بالاُمور الخارجة عنها - و خاصّة اللذائذ الجسمانيّة - و انعطافها إلى نفسها و لذا كان الأساس في جميع الارتياضات النفسانيّة - على تنوّعها و تشتّتها الخارج عن الإحصاء - هو مخالفة النفس في الجملة، و ليس إلّا لأنّ انكباب النفس على مطاوعة هواها يصرفها عن الاشتغال بنفسها، و يهديها إلى مشتهياتها الخارجة فيوزّعها عليها و يقسّم شعورها بينها، فتأخذ بها و تترك نفسها.

٣- لا ينبغي لنا أن نشكّ في أنّ العوامل الداعية إلى هذه الآثار النفسانيّة كما تتمّ لبعض الأفراد موقّتاً و في أحايين يسيرة، ربّما تتمّ لبعض آخر ثابتة مستمرّة أو تمكث مكثاً معتدّاً به فكثيراً مّا نجد أشخاصاً متزهّدين عن الدنيا و لذائذها المادّيّة و مشتهياتها الفانية لا همّ لهم إلّا ترويض النفس و الاشتغال بسلوك طريق الباطن.

و لا ينبغي لنا أن نشكّ في أنّ هذه المشغلة النفسيّة ليست سنّة مبتدعة في زماننا هذا، فالنقل و الاعتبار يدلّان على أنّها كانت من السنن الدائرة بين الناس، كلّما رجعنا القهقرى فهي من السنن اللازمة للإنسانيّة إلى أقدم عهودها الّتي نزلت في هذه الأرض على ما نحسب.

٤- البحث عن حال الاُمم و التأمّل في سننهم و سيرهم و تحليل عقائدهم و أعمالهم يفيد أنّ الاشتغال بمعرفة النفس على طرقها المختلفة للحصول على عجائب آثارها، كان دائراً بينهم بل مهمّة نفيسة تبذل دونها أنفس الأوقات و أغلى الأثمان منذ أقدم الأعصار.


و من الدليل عليه أنّ الأقوام الهمجيّة الساكنة في أطراف المعمورة، كإفريقيّة و غيرها و يوجد بينهم حتّى اليوم بقايا من أساطير السحر و الكهانة و الإذعان بحقيقتهما و أصابتهما.

و الاعتبار الدقيق فيما نقل إلينا من المذاهب و الأديان القديمة كالبرهمانيّة و البوذيّة و الصائبة و المانويّة و المجوسيّة و اليهوديّة و النصرانيّة و الإسلام، كلّ ذلك يعطي أنّ المهمّة معرفة النفس و الحصول على آثارها تسرّباً عميقاً فيها و إن كانت مختلفة في وصفها و تلقينها و تقويمها.

فالبرهمانيّة - و هي مذهب هند القديم - و إن كانت تخالف الأديان الكتابيّة في التوحيد و أمر النبوّة غير أنّها تدعو إلى تزكية النفس و تطهير السرّ و خاصّة للبراهمة أنفسهم.

نقل عن البيرونيّ في كتاب ما للهند من مقولة قال: عمر البرهمن بعد مضيّ سبع سنين منه منقسم لأربعة أقسام:

فأوّل القسم الأوّل هي السنة الثامنة يجتمع إليه البراهمة لتنبيهه و تعريفه الواجبات عليه، و توصيته بالتزامها و اعتناقها ما دام حيّاً.

قال: و قد دخل في القسم الأوّل إلى(١) السنة الخامسة و العشرين من سنّه إلى السنة الثامنة و الأربعين، فيجب عليه فيها أن يتزهّد و يجعل الأرض وطاءه، و يقبل على تعلّم( بيذ) و تفسيره علم الكلام و الشريعة من اُستاذ يخدمه آناء ليله و نهاره، و يغتسل كلّ يوم ثلاث مرّات، و يقدّم قربان النار في طرفي النهار، و يسجد لاُستاذه بعد القربان، و يصوم يوماً و يفطر يوماً مع الامتناع عن اللحم أصلاً، و يكون مقامه في دار الاُستاذ، و يخرج منها السؤال و الكدية من خمسة بيوت فقط كلّ يوم مرّة عند الظهيرة أو المساء، فما وجد من صدقة وضعه بين يدي اُستاذه ليتخيّر منه ما يريد ثمّ يأذن له في الباقي فيتقوّت بما فضل منه، و يحمل إلى النار حطبها، فالنار عندهم معظّمة و الأنوار مقتربة.

و كذلك عند سائر الاُمم فقد كانوا يرون تقبّل القربان بنزول النار عليها، و لم يثنهم‏

____________________

(١) من ظ.


عنها عبادة أصنام أو كواكب أو بقر أو حمير أو صور.

قال: و أمّا القسم الثاني فهو من السنة الخامسة و العشرين إلى الخمسين أو إلى السبعين، و فيه يأذن له الاُستاذ في التأهّل فيتزوّج و يقصد النسل. و ذكر كيفيّة معاشرته أهله و الناس و ارتزاقه و سيرته.

ثمّ قال: و أمّا القسم الثالث فهو من الخمسين إلى الخامسة و السبعين أو إلى التسعين، و في هذا القسم يتزهّد و يخرج من زخاري الحياة و يسلّم زوجه إلى أولاده إن لم تصحبه إلى الصحاري، و يستمرّ خارج العمران على سيرته في القسم الأوّل، و لا يستكن تحت سقف، و لا يلبس إلّا ما يواري سوأته من لحاء الشجر، و لا ينام إلّا على الأرض بغير وطاء، و لا يتغذّى إلّا بالثمار و النبات و اُصوله، و يطوّل الشعر و لا يدهّن.

قال: و أمّا القسم الرابع فهو إلى آخر العمر يلبس فيه لباساً أحمر، و يأخذ بيده قضيباً، و يقبل على الفكر و تجريد القلب من الصداقات و العداوات، و يرفض الشهوة و الحرص و الغضب، و لا يصاحب أحداً البتّة.

فإن قصد موضعاً ذا فضل طلباً للثواب لم يقم في طريقه في قرية أكثر من يوم، و في بلد أكثر من خمسة أيّام، و إن دفع له أحد شيئاً لم يترك منه للغد بقيّة، و ليس له إلّا الدؤوب على شرائط الطريق المؤدّي إلى الخلاص و الوصول إلى المقام الّذي لا رجوع فيه إلى الدنيا، ثمّ ذكر الأحكام العامّة الّتي يجب على البرهمن العمل بها في جميع عمره، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

و أمّا سائر الفرق المذهبيّة من الهنود كالجوكيّة أصحاب الأنفاس و الأوهام(١) و كأصحاب الروحانيّات و أصحاب الحكمة و غيرهم، فلكلّ طائفة منهم رياضات شاقّة عمليّة لا تخلو عن العزلة و تحريم اللذائذ الشهوانيّة على النفس.

و أمّا البوذيّة فبناء مذهبهم على تهذيب النفس و مخالفة هواها و تحريم لذائذها عليها للحصول على حقيقة المعرفة، و قد كان هذا هو الطريقة الّتي سلكها بوذا نفسه في حياته، فالمنقول أنّه كان من أبناء الملوك أو الرؤساء فرفض زخارف الحياة، و هجر أريكة العرش

____________________

(١) و ليرجع في تعرف حالهم إلى كتاب نفائس الفنون.


إلى غابة موحشة لزمها في ريعان شبابه، و اعتزل الناس، و ترك التمتّع بمزايا الحياة، و أقبل على رياضة نفسه و التفكّر في أسرار الخلقة حتّى قذفت المعرفة في قلبه و سنّه إذ ذاك ستّة و ثلاثون و عند ذاك خرج إلى الناس فدعاهم إلى ترويض النفس و تحصيل المعرفة و لم يزل على ذلك قريباً من أربع و أربعين سنة على ما في التواريخ.

و أمّا الصابئون و نعني بهم أصحاب الروحانيّات و أصنامها فهم و إن أنكروا أمر النبوّة غير أنّ لهم في طريق الوصول إلى كمال المعرفة النفسانيّة طرقاً لا تختلف كثيراً عن طرق البراهمة و البوذيّين، قالوا - على ما في الملل و النحل -: إنّ الواجب علينا أن نطهّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعيّة، و نهذّب أخلاقنا عن علائق القوى الشهوانيّة و الغضبيّة حتّى يحصل مناسبة ما بيننا و بين الروحانيّات فنسأل حاجاتنا منهم، و نعرض أحوالنا عليهم، و نصبو في جميع اُمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا و خالقهم و رازقنا و رازقهم، و هذا التطهير ليس يحصل إلّا باكتسابنا و رياضتنا و فطامنا أنفسنا عن دنيئات الشهوات استمداداً من جهة الروحانيّات، و الاستمداد هو التضرّع و الابتهال بالدعوات، و إقامة الصلوات، و بذل الزكوات، و الصيام عن المطعومات و المشروبات، و تقريب القرابين و الذبائح، و تبخير البخورات، و تعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد و استمداد من غير واسطة، انتهى.

و هؤلاء و إن اختلفوا فيما بين أنفسهم بعض الاختلاف في العقائد العامّة الراجعة إلى الخلق و الإيجاد لكنّهم متفقّو الرأي في وجوب ترويض النفس للحصول على كمال المعرفة و سعادة النشأة.

و أمّا المانويّة من الثنويّة فاستقرار مذهبهم على كون النفس من عالم النور العلويّ و هبوطها إلى هذه الشبكات المادّيّة المظلمة المسمّاة بالأبدان، و أنّ سعادتها و كمالها في التخلّص من دار الظلمة إلى ساحة النور إمّا اختياراً بالترويض النفسانيّ، و إمّا اضطراراً بالموت الطبيعيّ، معروف.

و أمّا أهل الكتاب و نعني بهم اليهود و النصارى و المجوس فكتبهم المقدّسة و هي


العهد العتيق و العهد الجديد و أوستا مشحونة بالدعوة إلى إصلاح النفس و تهذيبها و مخالفة هواها.

و لا تزال كتب العهدين تذكر الزهد في الدنيا و الاشتغال بتطهير السرّ، و لا يزال يتربّى بينهم جمّ غفير من الزهّاد و تاركي الدنيا جيلاً بعد جيل، و خاصّة النصارى فإنّ من سننهم المتّبعة الرهبانيّة.

و قد ذكر أمر رهبانيّتهم في القرآن الشريف قال تعالى:( ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) المائدة: ٨٢ و قال تعالى:( وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها ) الحديد: ٢٧، كما ذكر المتعبّدون من اليهود في قوله:( لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ، يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ) آل عمران: ١١٤.

و أمّا الفرق المختلفة من أصحاب الارتياضات و الأعمال النفسيّة كأصحاب السحر و السيمياء و أصحاب الطلسمات و تسخير الأرواح و الجنّ و روحانيّات الحروف و الكواكب و غيرها و أصحاب الإحضار و تسخير النفوس، فلكلّ منهم ارتياضات نفسيّة خاصّة تنتج نوعاً من السلطة على أمر النفس.(١)

و جملة الأمر على ما يتحصّل من جميع ما مرّ: أنّ الوجهة الأخيرة لجميع أرباب الأديان و المذاهب و الأعمال هو تهذيب النفس بترك هواها و الاشتغال بتطهيرها من شوب الأخلاق و الأحوال غير المناسبة للمطلوب.

٥- لعلّك ترجع و تقول: إنّ الّذي ثبت من سنن أرباب المذاهب و الطرق و سيرهم هو الزهد في الدنيا و هو غير مسألة معرفة النفس أو الاشتغال بأمر النفس بالمعنى الّذي تقدّم البحث عنه.

و بلفظ أوضح: الّذي يندب إليه الأديان و المذاهب الّتي تدعو إلى العبوديّة بنحو

____________________

(١) راجع في ذلك كتاب السرّ المكتوم للرازيّ و الذخيرة الإسكندريّة و الكواكب السبعة للحكيم طمطم الهندي و رسالة السكاكي في التخسير و الدرّ المكتوم لابن عربيّ و كتب الأرواح و الإحضار المعمولة أخيراً و غير ذلك.


أن يتزهّد الإنسان نوع تزهّد في الدنيا بإتيان الأعمال الصالحة و ترك الهوى و الآثام و رذائل الأخلاق ليتهيّأ بذلك لأحسن الجزاء إمّا في الآخرة كما يصرّح به الأديان النبويّة كاليهوديّة و النصرانيّة و الإسلام أو في الدنيا كما استقرّ عليه دين الوثنيّة و مذهب‏ التناسخ و غيرهما.

فالمتعبّد على حسب الدستور الدينيّ يأتي بما ندب إليه من نوع التزهّد من غير أن يخطر بباله أنّ هناك نفساً مجرّدة و أنّ لها نوعاً من المعرفة، فيه سعادتها و كمال وجودها.

و كذلك الواحد من أصحاب الرياضات على اختلاف طرقها و سننها إنّما يرتاض بما يرتاض من مشاقّ الأعمال و لا همّ له في ذلك إلّا حيازة المقام الموعود فيها و التسلّط على نتيجة العمل، كنفوذ الإرادة مثلاً و هو في غفلة من أمر النفس المذكور من حين يأخذ في عمله إلى حين يختمه.

على أنّ في هؤلاء من لا يرى في النفس إلّا أنّها أمر مادّيّ طبيعيّ كالدم أو الروح البخاريّ أو الأجزاء الأصليّة، و من يرى أنّ النفس جسم لطيف مشاكل للبدن العنصريّ حالّ فيه، و هو الحامل للحياة فكيف يسوغ القول بكون الجميع يرومون بذلك أمر معرفة النفس؟.

لكنّه ينبغي لك أن تتذكّر ما تقدّم ذكره أنّ الإنسان في جميع هذه المواقف الّتي يأتي فيها بأعمال تصرّف النفس عن الاشتغال بالاُمور الخارجيّة و التمتّعات المتفنّنة المادّيّة إلى نفسها للحصول على خواصّ و آثار لا توصل إليها الأسباب المادّيّة و العوامل الطبيعيّة العاديّة، لا يريد إلّا الانفصال عن العلل و الأسباب الخارجيّة، و الاستقلال بنفسه للحصول على نتائج خاصّة لا سبيل للعوامل المادّيّة العاديّة إليها.

فالمتديّن المتزهّد في دينه يرى أنّ من الواجب الإنسانيّ أن يختار لنفسه سعادته الحقيقيّة و هي الحياة الطيّبة الاُخرويّة عند المنتحلين بالمعاد، و الحياة السعيدة الدنيويّة الّتي تجمع له الخير و تدفع عنه الشرّ عند المنكرين له كالوثنيّة و أصحاب التناسخ، ثمّ يرى أنّ الاسترسال في التمتّعات الحيوانيّة لا تحوز له سعادته، و لا تسلك به إلى غرضه فلا محيص له عن رفض الهوى و ترك الانطلاق إلى كلّ ما تتهوّسه نفسه بأسبابها العاديّة في


الجملة، و الانجذاب إلى سبب أو أسباب فوق الأسباب المادّيّة العاديّة بالتقرّب إليه و الاتّصال به، و أنّ هذا التقرّب و الاتّصال إنّما يتأتّى بالخضوع له و التسليم لأمره و ذلك أمر روحيّ نفسانيّ لا ينحفظ إلّا بأعمال و تروك بدنيّة، و هذه هي العبادة الدينيّة من صلاة و نسك أو ما يرجع إلى ذلك.

فالأعمال و المجاهدات و الارتياضات الدينيّة ترجع جميعاً إلى نوع من الاشتغال بأمر النفس، و الإنسان يرى بالفطرة أنّه لا يأخذ شيئاً و لا يترك شيئاً إلّا لنفع نفسه، و قد تقدّم أنّ الإنسان لا يخلو، و لا لحظة من لحظات وجوده من مشاهدة نفسه و حضور ذاته و أنّه لا يخطئ في شعوره هذا البتّة، و إن أخطأ فإنّما يخطئ في تفسيره بحسب الرأي النظريّ و البحث الفكريّ فظهر بهذا البيان أنّ الأديان و المذاهب على اختلاف سننها و طرقها لا تروم إلّا الاشتغال بأمر النفس في الجملة، سواء علم بذلك المنتحلون بها أم لم يعلموا.

و كذلك الواحد من أصحاب الرياضات و المجاهدات و إن لم يكن منتحلاً بدين ولا و لا مؤمناً بأمر حقيقة النفس لا يقصد بنوع رياضته الّتي يرتاض بها إلّا الحصول على نتيجتها الموعودة له، و ليست النتيجة الموعودة مرتبطة بالأعمال و التروك الّتي يأتي بها ارتباطاً طبيعيّاً نظير الارتباط الواقع بين الأسباب الطبيعيّة و مسبّباتها، بل هو ارتباط إراديّ غير مادّيّ متعلّق بشعور المرتاض و إرادته المحفوظين بنوع العمل الّذي يأتي به، دائر بين نفس المرتاض و بين النتيجة الموعودة فحقيقة الرياضة المذكورة هي تأييد النفس و تكميلها في شعورها و إرادتها للنتيجة المطلوبة، و إن شئت قلت: أثر الرياضة أن تحصل للنفس حالة العلم بأنّ المطلوب مقدور لها فإذا صحّت الرياضة و تمّت صارت بحيث لو أرادت المطلوب مطلقاً أو أرادته على شرائط خاصّة كإحضار الروح للصبيّ غير المراهق في المرآة حصل المطلوب.

و إلى هذا الباب يرجع معنى‏ ما روي:( أنّه ذكر عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّ بعض أصحاب عيسىعليه‌السلام كان يمشي على الماء فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو كان يقينه أشدّ من ذلك لمشى على الهواء) فالحديث - كما ترى - يومئ إلى أنّ الأمر يدور مدار اليقين بالله سبحانه و إمحاء الأسباب


الكونيّة عن الاستقلال في التأثير، فإلى أيّ مبلغ بلغ ركون الإنسان إلى القدرة المطلقة الإلهيّة انقادت له الأشياء على قدره، فافهم ذلك.

و من أجمع القول في هذا الشأن‏ قول الصادقعليه‌السلام : ما ضعف بدن عمّا قويت عليه النيّة، و قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحديث المتواتر:( إنّما الأعمال بالنيّات) .

فقد تبيّن أنّ الآثار الدينيّة للأعمال و العبادات و كذلك آثار الرياضات و المجاهدات إنّما تستقرّ الرابطة بينها و بين النفس الإنسانيّة بشؤونها الباطنيّة، فالاشتغال بشي‏ء منها اشتغال بأمر النفس.

و من زعم أنّ رابطة السببيّة و المسبّبيّة إنّما هي بين أجساد هذه الأعمال و بين الغايات الاُخرويّة مثلاً من روح و ريحان و جنّة نعيم، أو بينها و بين الغايات الدنيويّة الغريبة الّتي لا تعمل الأسباب الطبيعيّة فيها، كالتصرّف في إدراكات النفوس و أنواع إرادتها و التحريكات من غير محرّك و الاطّلاع على الضمائر و الحوادث المستقبلة و الاتّصال بالروحانيّات و الأرواح و نحو ذلك، أو زعم أنّ العمل يستتبع الأثر من غير رابطة حقيقيّة أو بمجرّد إرادة إلهيّة من غير مخصّص فقد غرّ نفسه.

٦- إيّاك أن يشتبه عليك الأمر فتستنتج من الأبحاث السابقة أنّ الدين هو العرفان و التصوّف أعني معرفة النفس كما توهّمه بعض الباحثين من المادّيين فقسّم المسلك الحيويّ الدائر بين الناس إلى قسمين: المادّيّة و العرفان و هو الدين.

و ذلك أنّ الّذي يعقد عليه الدين أنّ للإنسان سعادة حقيقيّة ليس ينالها إلّا بالخضوع لما فوق الطبيعة و رفض الاقتصار على التمتّعات المادّيّة، و قد أنتجت الأبحاث السابقة: أنّ الأديان أيّاً مّا كانت من حقّ أو باطل تستعمل في تربية الناس و سوقهم إلى السعادة الّتي تعدّهم إيّاها و تدعوهم إليها إصلاح النفس و تهذيبها إصلاحاً و تهذيباً يناسب المطلوب، و أين هذا من كون عرفان النفس هو الدين؟

فالدين يدعو إلى عبادة الإله سبحانه من غير واسطة أو بواسطة الشفعاء و الشركاء لأنّ فيها السعادة الإنسانيّة و الحياة الطيّبة الّتي لا بغية للإنسان دونها، و لا ينالها الإنسان و لن ينالها إلّا بنفس طاهرة مطهّرة من ألواث التعلّق بالمادّيّات و التمتّعات المرسلة الحيوانيّة،


فمسّت الحاجة إلى أن يدرج في أجزاء دعوته إصلاح النفس و تطهيرها ليستعدّ المنتحل به المتربّي في حجره للتلبّس بالخير و السعادة، و لا يكون كمن يتناول الشي‏ء بإحدى يديه و يدفعه بالاُخرى، فالدين أمر و عرفان النفس أمر آخر وراءه، و إن استلزم الدين العرفان نوعاً من الاستلزام.

و بنظير البيان يتبيّن أنّ طرق الرياضة و المجاهدة المسلوكة لمقاصد متنوّعة غريبة عن العادة أيضاً غير عرفان النفس و إن ارتبط البعض بالبعض نحواً من الارتباط.

نعم لنا أن نقضي بأمر و هو أنّ عرفان النفس بأيّ طريق من الطرق فرض السلوك إليه إنّما هو أمر مأخوذ من الدين كما أنّ البحث البالغ الحرّ يعطي أنّ الأديان على اختلافها و تشتّتها إنّما انشعبت هذه الانشعابات من دين واحد عريق تدعو إليه الفطرة الإنسانيّة و هو دين التوحيد.

فإنّا إذا راجعنا فطرتنا الساذجة بالإغماض عن التعصّبات الطارئة علينا بالوراثة من أسلافنا أو بالسراية من أمثالنا، لم نرتب في أنّ العالم على وحدته في كثرته و ارتباط أجزائه في عين تشتّتها ينتهي إلى سبب واحد فوق الأسباب، و هو الحقّ الّذي يجب الخضوع لجانبه و ترتيب السلوك الحيويّ على حسب تدبيره و تربيته، و هو الدين المبنيّ على التوحيد.

و التأمّل العميق في جميع الأديان و النحل يعطي أنّها مشتملة نوع اشتمال على هذا الروح الحيّ حتّى الوثنيّة، و الثنويّة و إنّما وقع الاختلاف في تطبيق السنّة الدينيّة على هذا الأصل و الإصابة و الإخطاء فيه فمن قائل مثلاً: أنّه أقرب إلينا من حبل الوريد و هو معنا أينما كنّا ليس لنا من دونه من وليّ و لا شفيع فمن الواجب عبادته وحده من غير إشراك، و من قائل: إنّ تسفلّ الإنسان الأرضيّ و خسّة جوهره لا يدع له مخلصاً إلى الاتّصال بذاك الجناب، و أين التراب و ربّ الأرباب؟ فمن الواجب أن نتقرّب إلى بعض عباده المكرمين المتجرّدين عن جلباب المادّة الطاهرين المطهّرين من ألواث الطبيعة و هم روحانيّات الكواكب أو أرباب الأنواع أو المقرّبون من الإنسان و( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى) .


و إذ كانوا غائبين عن حواسّنا متعالين عن جهاتنا كان من الواجب أن نجسدهم بالأنصاب و الأصنام حتّى يتمّ بذلك أمر التقرّب العباديّ، و على هذا القياس في سائر الأديان و الملل فلا نجد في متونها إلّا ما هو بحسب الحقيقة نحو توجيه لتوحيد الإله عزّ اسمه.

و من المعلوم أنّ السنن الدائرة بين الناس و إن انشعبت أيّ انشعاب فرض و اختلفت أيّ اختلاف شديد فإنّها تميل إلى التوحّد إذا رجعنا إلى سابق عهودها القهقرى، و تنتهي بالأخرة إلى دين الفطرة الساذجة الإنسانيّة و هو التوحيد فدين التوحيد أبو الأديان و هي أبناء له صالحة أو طالحة.

ثمّ إنّ الدين الفطريّ إنّما يعتبر أمر عرفان النفس ليتوصّل به إلى السعادة الإنسانيّة الّتي يدعو إليها و هي معرفة الإله الّتي هي المطلوب الأخير عنده، و بعبارة اُخرى الدين إنّما يدعو إلى عرفان النفس دعوة طريقيّة لا غائيّة فإنّ الذوق الدينيّ لا يرتضي الاشتغال بأمر إلّا في سبيل العبوديّة، و إنّ الدين عند الله الإسلام و لا يرضى لعباده الكفر فكيف يرضى بعرفان النفس إذا استقلّ بالمطلوبيّة؟.

و من هنا يظهر أنّ العرفان ينتهي إلى أصل الدين الفطريّ إذ ليس هو بنفسه أمراً مستقلّاً يدعو إليه الفطرة الإنسانيّة حتّى ينتهي فروعه و أغصانه إلى أصل واحد هو العرفان الفطريّ.

و يمكن أن يستأنس في ذلك بأمر آخر و هو أنّ الإنسانيّة و إن اندفعت بالفطرة إلى الاجتماع و المدنيّة لإسعاد الحياة، و أثبت النقل و البحث أنّ رجالاً أو أقواماً اجتماعيّين دعوا إلى طرائق قوميّة أو وضعوا سنناً اجتماعيّة، و أجروها بين أممهم كسنن القبائل و السنّة الملوكيّة و الديمقراطيّة و نحوها، و لم يثبت بنقل أو بحث أن يدعو إلى عرفان النفس و تهذيب أخلاقها أحد من غير أهل الدين في طول التاريخ البشريّ.

نعم من الممكن أن يكون بعض أصحاب هذه الطرق غير الدينيّة كأصحاب السحر و الأرواح و نحوهما إنّما تنبّه إلى هذا النوع من عرفان النفس من غير طريق الدين لكن لا من جهة الفطرة إذ الفطرة لا حكم لها في ذلك كما عرفت بل من جهة مشاهدة بعض


الآثار النفسانيّة الغريبة على سبيل الاتّفاق فتتوق نفسه إلى الظفر بمنزلة نفسانيّة يملك بها أعمالاً عجيبة و تصرّفات في الكون نادرة تستغربها النفوس فيدفعه هذا التوقان إلى البحث عنه و السلوك إليه ثمّ السلوك بعد السلوك يمهّد السبيل إلى المطلوب و يسهّل الوعر منه.

٧- يحكى عن كثير من صلحائنا من أهل الدين أنّهم نالوا في خلال مجاهداتهم الدينيّة كرامات خارقة للعادة و حوادث غريبة اختصّوا بها من بين أمثالهم كتمثّل اُمور لأبصارهم غائبة عن أبصار غيرهم، و مشاهدة أشخاص أو وقائع لا يشاهدها حواسّ من دونهم من الناس، و استجابة للدعوة و شفاء المريض الّذي لا مطمع لنجاح المداواة فيه، و النجاة من المخاطر و المهالك من غير طريق العادة، و قد يتّفق نظائر ذلك لغير أهل الصلاح إذا كان ذا نيّة صادقة و نفس منقطعة، فهؤلاء يرون ما يرون و هم على غفلة من سببه القريب، و إنّما يسندون ذلك إلى الله سبحانه من غير توسيط وسط، و استناد الاُمور إليه تعالى، و إن كان حقّاً لا محيص عن الاعتراف به لكنّ نفي الأسباب المتوسّطة ممّا لا مطمع فيه.

و ربّما أحضر الرّوحيّ روح أحد من الناس في مرآة أو ماء و نحوه بالتصرّف في نفس صبيّ - على ما هو المتعارف - و هو كغيره يرى أنّ الصبيّ إنّما يبصره بالبصر الحسّيّ، و أنّ بين أبصار سائر الناظرين و بين الروح المحضر حجاباً مضروباً لو كشف عنه لكانوا مثل الصبيّ في الظفر بمشاهدته.

و ربّما وجدوا الأرواح المحضرة أنّها تكذب في أخبارها فيكون عجباً لأنّ عالم الأرواح عالم الطهارة و الصفاء لا سبيل للكذب و الفرية و الزور إليه.

و ربّما أحضروا روح إنسان حيّ فيستنطقونه بأسراره و ضمائره و صاحب الروح في حالة اليقظة مشغول بأشغاله و حوائجه اليوميّة لا خبر عنده من أنّ روحه محضر مستنطق يبثّ من القول ما لا يرضى هو ببثّه.

و ربّما نوّم الإنسان تنويماً مغناطيسيّاً ثمّ لقّن بعمل حتّى ينعم بقبوله فإذا أوقظ و مضى لشأنه أتى بالعمل الّذي لقّنه على الشريطة الّتي اُريد بها و هو غافل عمّا لقّنوه


و عن إنعامه بقبوله.

و بعض الروحيّين لما شاهدوا صوراً روحيّة تماثل الصور الإنسانيّة أو صور بعض الحيوان ظنّوا أنّ هذه الصور في عالم المادّة و ظرف الطبيعة المتغيّرة، و خاصّة بعض من لا يرى لغير الأمر المادّيّ وجوداً، حتّى حاول بعض هؤلاء أن يخترع أدوات صناعيّة يصطاد بها الأرواح، كلّ ذلك استناداً منهم إلى فرضيّة افترضوها في النفس: أنّها مبدأ مادّيّ أو خاصّة لمبدإ مادّيّ يفعل بالشعور و الإرادة، مع أنّهم لم يحلّوا مشكلة الحياة و الشعور حتّى اليوم.

و نظير هذه الفرضيّة فرضيّة من يرى أنّ الروح جسم لطيف مشاكل للبدن العنصريّ في هيئاته و أشكاله لما وجدوا أنّ الإنسان يرى نفسه في المنام و هو على هيئته في اليقظة، و ربّما يمثّل لأرباب المجاهدات صور أنفسهم قبالاً خارج أبدانهم و هي مشاكلة للصورة البدنيّة مشاكلة تامّة، فحكموا أنّ الروح جسم لطيف حالّ في البدن العنصريّ ما دام الإنسان حيّاً فإذا فارق البدن كان هو الموت.

و قد فاتهم أنّ هذه صورة إدراكيّة قائمة بشعور الإنسان نظيرة صورته الّتي يدركها من بدنه، و نظيرة صور سائر الأشياء الخارجة المنفصلة عن بدنه، و ربّما تظهر هذه الصورة المنفصلة لبعض أرباب المجاهدة أكثر من واحدة أو في هيئة غير هيئة نفسه، و ربّما يرى نفسه عين نفس غيره من أفراد الناس، فإذا لم يحكموا في هذه الصور المذكور أنّها هي صورة الروح فجدير بهم أن لا يحكموا في الصورة الواحدة المشاكلة الّتي تتراءى لأرباب المجاهدات أنّها صورة الروح.

و حقيقة الأمر أنّ هؤلاء نالوا شيئاً من معارف النفس و فاتهم معرفة حقيقتها كما هي فأخطؤا في تفسير ما نالوه و ضلّوا في توجيه أمره، و الحقّ الّذي يهدي إليه البرهان و التجربة أنّ حقيقة النفس الّتي هي هذا الشعور المتعقّل المحكيّ عنه بقولنا( أنا) أمر مغاير في جوهره لهذه الاُمور المادّيّة كما تقدّم، و أنّ أقسام شعوره و أنواع إدراكاته من حسّ أو خيال أو تعقّل من جهة كونها مدركات إنّما هي متقرّرة في عالمه و ظرفه غير الخواصّ الطبيعيّة الحاصلة في أعضاء الحسّ و الإدراك من البدن فإنّها أفعال و انفعالات مادّيّة


فاقدة في نفسها للحياة و الشعور، فهذه الاُمور المشهودة الخاصّة بالصلحاء و أرباب المجاهدات و الرياضات غير خارجة عن حيطة نفوسهم، و إنّما الشأن في أنّ هذه المعلومات و المعارف كيف استقرّت في النفس و أين محلّها منها؟ و أنّ للنفس سمة علّيّة لجميع الحوادث و الاُمور المرتبطة بها ارتباطاً مّا، فجميع هذه الاُمور الغريبة المطاوعة لأهل الرياضة و المجاهدة إنّما ترتضع من إرادتهم و مشيئتهم، و الإرادة ناشئة من الشعور، فللشعور الإنسانيّ دخل في جميع الحوادث المرتبطة به و الاُمور المماسّة له.

٨- فمن الحريّ أن نقسّم المشتغلين بعرفان النفس في الجملة إلى طائفتين: إحداهما المشتغلون بالاشتغال بإحراز شي‏ء من آثار النفس الغريبة الخارجة عن حومة المتعارف من الأسباب و المسبّبات المادّيّة، كأصحاب السحر و الطلسمات و أصحاب تسخير روحانيّات الكواكب و الموكّلين على الاُمور و الجنّ و أرواح الآدميّين و أصحاب الدعوات و العزائم و نحو ذلك.

و الثانية المشتغلون بمعرفة النفس بالانصراف عن الاُمور الخارجة عنها و الانجذاب نحوها للغور فيها و مشاهدة جوهرها و شؤونها كالمتصوّفة على اختلاف طبقاتهم و مسالكهم.

و ليس التصوّف ممّا أبدعه المسلمون من عند أنفسهم لما أنّه يوجد بين الاُمم الّتي تتقدّمهم في النشوء كالنصارى و غيرهم حتّى الوثنيّة من البرهمانيّة و البوذيّة، ففيهم من يسلك الطريقة حتّى اليوم بل هي طريقة موروثة ورثوها من أسلافهم.

لكن لا بمعنى الأخذ و التقليد العاديّ كوراثة الناس ألوان المدنيّة بعضهم من بعض و اُمّة منهم متأخّرة من اُمّة منهم متقدّمة كما جرى على ذلك عدّة من الباحثين في الأديان و المذاهب و ذلك لما عرفت في الفصول السابقة أنّ دين الفطرة يهدي إلى الزهد و الزهد يرشد إلى عرفان النفس فاستقرار الدين بين اُمّة و تمكّنه من قلوبهم يعدّهم و يهيّؤهم لأن تنشأ بينهم طريقة عرفان النفس لا محالة، و يأخذ بها بعض من تمّت في حقّه العوامل المقتضية لذلك، فمكث الحياة الدينيّة في اُمّة من الاُمم برهة معتدّاً بها ينشئ بينهم هذه الطريقة لا محالة صحيحة أو فاسدة و إن انقطعوا عن غيرهم من الاُمم الدينيّة كلّ الانقطاع، و ما هذا شأنه لا ينبغي أن يعدّ من السنن الموروثة الّتي يأخذها جيل عن جيل.


٩- ثمّ ينبغي أن نقسّم أصحاب القسم الثاني من القسمين المتقدّمين و هم أهل العرفان حقيقة إلى طائفتين:

فطائفة منهم يسلكون الطريقة لنفسها فيرزقون شيئاً من معارفها من غير أن يتمّ لهم تمام المعرفة لها لأنّهم لما كانوا لا يريدون غير النفس فهم في غفلة عن أمر صانعها و هو الله عزّ اسمه الّذي هو السبب الحقّ الآخذ بناصية النفس في وجودها و آثار وجودها و كيف يسع الإنسان تمام معرفة شي‏ء مع الذهول عن معرفة أسباب وجوده و خاصّة السبب الّذي هو سبب كلّ سبب؟ و هل هو إلّا كمن يدّعي معرفة السرير على جهل منه بالنجّار و قدومه و منشاره و غرضه في صنعه إلى غير ذلك من علل وجود السرير؟.

و من الحريّ بهذا النوع من معرفة النفس أن يسمّى كهانة بما في ذيله من الحصول على شي‏ء من علوم النفس و آثارها.

و طائفة منهم يقصدون طريقة معرفة النفس لتكون ذريعة لهم إلى معرفة الربّ تعالى، و طريقتهم هذه هي الّتي يرتضيها الدين في الجملة و هي أن يشتغل الإنسان بمعرفة نفسه بما أنّها آية من آيات ربّه و أقرب آية، و تكون النفس طريقاً مسلوكاً و الله سبحانه هو الغاية الّتي يسلك إليها( وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى) .

و هؤلاء طوائف مختلفة ذووا مذاهب متشتّتة في الاُمم و النحل، و ليس لنا كثير خبرة بمذاهب غير المسلمين منهم و طرائقهم الّتي يسلكونها، و أمّا المسلمون فطرقهم فيها كثيرة ربّما اُنهيت بحسب الاُصول إلى خمس و عشرين سلسلة، تنشعب من كلّ سلسلة منها سلاسل جزئيّة اُخر، و قد استندوا فيها إلّا في واحدة إلى عليّ عليه أفضل السلام، و هناك رجال منهم لا ينتمون إلى واحدة من هذه السلاسل و يسمّون الاُويسيّة (نسبة إلى اُويس القرنيّ) و هناك آخرون منهم لا يتسمّون باسم و لا يتظاهرون بشعار.

و لهم كتب و رسائل مسفورة ترجموا فيها عن سلاسلهم و طرقهم، و النواميس و الآداب الّتي لهم و عن رجالهم، و ضبطوا فيها المنقول من مكاشفاتهم، و أعربوا فيها عن حججهم و مقاصدهم الّتي بنوها عليها، من أراد الوقوف عليها فليراجعها. و أمّا البحث عن تفصيل الطرق و المسالك و تصحيح الصحيح و نقد الفاسد فله مقام آخر، و قد تقدّم في الجزء الخامس من هذا


الكتاب بحث لا يخلو عن نفع في هذا الباب، فهذه خلاصة ما أردنا إيراده من البحث المتعلّق بمعنى معرفة النفس.

و اعلم أنّ عرفان النفس بغية عمليّة لا يحصل تمام المعرفة بها إلّا من طريق السلوك العمليّ دون النظريّ، و أمّا علم النفس الّذي دوّنه أرباب النظر من القدماء فليس يغني من ذلك شيئاً، و كذلك فنّ النفس العمليّ الّذي دوّنه المتأخّرون حديثاً فإنّما هو شعبة من فنّ الأخلاق على ما دوّنه القدماء، و الله الهادي.


( سورة المائدة الآيات ١٠٦ - ١٠٩)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ باللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى‏ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الآثِمِينَ( ١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى‏ أَنّهُمَا اسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الّذِينَ اسْتَحَقّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنّا إِذَاً لَمِنَ الظّالِمِينَ( ١٠٧) ذلِكَ أَدْنَى‏ أَن يَأْتُوا بِالشّهَادَةِ عَلَى‏ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُوا وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ( ١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لاَ عِلْمَ لَنَا إِنّكَ أَنْتَ عَلّامُ الْغُيُوبِ( ١٠٩)

( بيان)

الآيات الثلاث الأوّل في الشهادة، و الأخيرة لا تخلو عن اتّصال مّا بها بحسب المعنى.

قوله تعالى: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ ) إلى آخر الآيتين، محصّل مضمون الآيتين أنّ أحدهم إذا كان على سفر فأراد أن يوصي فعليه أن يشهد حين الوصيّة شاهدين عدلين من المسلمين و إن لم يجد فشاهدين آخرين من غير المسلمين من أهل الكتاب فإن ارتاب أولياء الميّت في أمر الوصيّة يحبس الشاهدان بعد الصلاة فيقسمان بالله على صدقهما فيما يشهدان عليه و ترفع بذلك الخصومة، فإن اطّلعوا على أنّ الشاهدين كذبا في شهادتهما أو خانا في الأمر فيوقف شاهدان آخران مقام الشاهدين الأوّلين فيشهدان على خلافهما و يقسمان بالله على ذلك.


فهذا ما تفيده الآيتان بظاهرهما فقوله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) خطاب للمؤمنين و الحكم مختصّ بهم( شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) أي شهادة بينكم ذوي عدل منكم ففي جانب الخبر مضاف مقدّر، أو شهداء بينكم ذوا عدل منكم، و المراد أنّ عدد الشهود اثنان فالمصدر - الشهادة - بمعنى اسم الفاعل كقولهم: رجل عدل و رجلان عدل.

و حضور الموت كناية عن حضور داعي الوصيّة فإنّ الناس بحسب الطبع لا يشتغلون بأمثال هذه الاُمور من غير حضور أمر يوجب الظنّ بالموت، و هو عادة المرض الشديد الّذي يشرف الإنسان به على الموت.

و قوله:( حِينَ الْوَصِيَّةِ ) ظرف متعلّق بالشهادة أي الشهادة حين الوصيّة، و المراد بالعدل - و هو مصدر - الاستقامة في الأمر، و قرينة المقام تعطي أنّ المراد به الاستقامة في أمر الدين، و يتعيّن بذلك أنّ المراد بقوله:( مِنْكُمْ ) و قوله:( مِنْ غَيْرِكُمْ ) المسلمون و غير المسلمين، دون القرابة و العشيرة فإنّ الله سبحانه قابل بين قوله:( اثْنانِ ) و قوله:( آخَرانِ ) ، ثمّ وصف الأوّل بقوله( ذَوا عَدْلٍ ) و قوله:( مِنْكُمْ ) و لم يصف الثاني إلّا بقوله:( مِنْ غَيْرِكُمْ ) دون أن يصفه بالعدالة، و الاتّصاف بالاستقامة في الدين و عدمه إنّما يختلف في المسلم و غير المسلم، و لا موجب لاعتبار العدالة في الشهود إذا كانوا قرابة أو من عشيرة المشهود له و إلغائها إذا كان الشاهد أجنبيّاً.

و على هذا فقوله:( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) ترديد على سبيل الترتيب أي إن كان هناك نفر من المسلمين يستشهد اثنان منهم، و إن لم يكن إلّا من غير المسلمين يستشهد باثنين منهم، كلّ ذلك بالاستفادة من قرينة المقام.

و هذه القرينة بعينها هي الّتي توجب أن يكون قوله:( إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ) قيداً متعلّقاً بقوله:( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) فإنّ المسلم لما كان بالطبع إنّما يعيش في مجتمع المسلمين لا تمسّ الحاجة في الحضر عادة إلى الاستشهاد بشهيدين من غير المسلمين بخلاف حالة السفر و الضرب في الأرض فإنّها مظنّة وقوع أمثال هذه الوقائع و الاضطرار و مسيس الحاجة إلى الانتفاع من غير المسلم بشهادة أو غيرها.


و قرينة المقام أعني المناسبة بين الحكم و الموضوع بالذوق المتّخذ من كلامه تعالى تدلّ على أنّ المراد من غير المسلمين أهل الكتاب خاصّة لأنّ كلامه تعالى لا يشرّف المشركين بكرامة.

و قوله تعالى:( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ ) أي توقفونهما، و الحبس الإيقاف،( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ ) أي الشاهدان( إِنِ ارْتَبْتُمْ ) أي شككتم فيما يظهره الوصيّ من أمر الوصيّة أو المال الّذي تعلّقت به الوصيّة أو في كيفيّة الوصيّة، و المقسم عليه هو قوله:( لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ ) أي لا نشتري بالشهادة للوصيّ فيما يدّعيه ثمناً قليلاً و لو كان ذا قربى، و اشتراء الثمن القليل بالشهادة أن ينحرف الشاهد في شهادته عن الحقّ لغاية دنيويّة من مال أو جاه أو عاطفة قرابة فيبذل شهادته بإزاء ثمن دنيويّ، و هو الثمن القليل.

و ذكر بعضهم أنّ الضمير في قوله:( مُصِيبَةُ ) إلى اليمين أي لا نشتري بيميننا ثمناً قليلاً، و لازمه إجراء اليمين مرّتين و الآية بمعزل عن الدلالة على ذلك.

و قوله:( وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ ) أي بالشهادة على خلاف الواقع( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) الحاملين للإثم، و الجملة معطوفة على قوله:( لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً ) كعطف التفسير.

و إضافة الشهادة إلى الله في قوله:( شَهادَةَ اللهِ ) إمّا لأنّ الواقع يشهده الله سبحانه كما شهده الشاهدان فهو شهادته سبحانه كما هو شهادتهما و الله أحقّ بالملك فهو شهادته تعالى حقّاً و بالأصالة و شهادتهما تبعاً، و قد قال تعالى:( وَ كَفى‏ بِاللهِ شَهِيداً ) النساء: ٧٩ و قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) البقرة: ٢٥٥.

و إمّا لأنّ الشهادة حقّ مجعول لله على عباده يجب عليهم أن يقيموها على وجهها من غير تحريف أو كتمان، و هذا كما يقال: دين الله، فينسب الدين إليه تعالى مع أنّ العباد هم المتلبّسون به، قال تعالى:( وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ) الطلاق: ٣ و قال:( وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ) البقرة: ٢٨٣.

و قوله:( فَإِنْ عُثِرَ عَلى‏ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) العثور على الشي‏ء الحصول عليه و وجدانه، و هذه الآية بيان و تفصيل للحكم في صورة ظهور خيانة الشاهدين و كذبهما في شهادتهما.


و المراد باستحقاق الإثم الاجرام و الجناية يقال: استحقّ الرجل أي أذنب، و استحقّ فلان إثماً على فلان كناية عن إجرامه و جنايته عليه و لذا عدّي بعلى في قوله تعالى ذيلاً:( اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) أي أجرما و جنيا عليهم بالكذب و الخيانة، و أصل معنى قولنا: استحقّ الرجل طلب أن يحقّ و يثبت فيه الإثم أو العقوبة فاستعماله الكنائيّ من قبيل إطلاق الطلب و إرادة المطلوب و وضع الطريق موضع الغاية، و إنّما ذكر الإثم في قوله:( اسْتَحَقَّا إِثْماً ) بالبناء على ما تقدّم في قوله:( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) .

و قوله تعالى:( فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ) أي إن عثر على أنّ الشاهدين استحقّا بالكذب و الخيانة فشاهدان آخران يقومان مقامهما في اليمين على شهادتهما عليهما بالكذب و الخيانة.

و قوله:( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) في موضع الحال أي حال كون هذين الجديدين من الّذين استحقّ عليهم أي أجرم و جنى عليهم الشاهدان الأوّلان اللّذين هما الأوليان الأقربان بالميّت من جهة الوصيّة كما ذكره الرازيّ في تفسيره، و المراد بالّذين استحقّ عليهم الأوليان أولياء الميّت، و حاصل المعنى أنّه إن عثر على أنّ الشاهدين أجرما على أولياء الميّت بالخيانة و الكذب فيقوم شاهدان آخران من أولياء الميّت الّذين أجرم عليهم الشاهدان الأوّلان الأوليان بالميّت قبل ظهور استحقاقهما الإثم.

هذا على قراءة( اسْتَحَقَّ ) بالبناء للفاعل و هو قراءة عاصم على رواية حفص، و أمّا على قراءة الجمهور( اسْتَحَقَّ ) بضمّ التاء و كسر الحاء بالبناء للمفعول فظاهر السياق أن يكون الأوليان مبتدأ خبره قوله:( فَآخَرانِ يَقُومانِ ) إلخ، قدم عليه لتعلّق العناية به، و المعنى إن عثر على أنّهما استحقّا إثماً فالأوليان بالميّت هما آخران يقومان مقامهما من أوليائه المجرم عليهم.

و في قراءة عاصم من طريق أبي بكر و حمزة و خلف و يعقوب( الأوّلين) جمع الأوّل مقابل الآخر، و هو بظاهره بمعنى الأولياء و المقدّمين، وصف أو بدل من قوله:( الَّذِينَ ) .

و قد ذكر المفسّرون في تركيب أجزاء الآية وجوهاً كثيرة جدّاً لو ضرب بعضها


في بعض للحصول على معنى تمام الآية ارتقت إلى مئين من الصور، و قد ذكر الزجّاج فيما نقل عنه: أنّها أشكل آية في كتاب الله من حيث التركيب.

و الّذي أوردناه من المعنى هو الظاهر من سياق اللّفظ من غير تعسّف في الفهم، و أضربنا عن استقصاء ما ذكروه من المحتملات لأنّ تكثيرها لا يزيد اللّفظ إلّا إبهاماً، و لا الباحث إلّا حيرة(١) .

و قد فرّع على قوله:( فَآخَرانِ يَقُومانِ ) ، إلخ تفريع الغاية على ذي الغاية قوله:( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ ) أي الشاهدان الآخران من أولياء الميّت( لَشَهادَتُنا ) بما يتضمّن كذبهما و خيانتهما( أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ) أي من شهادة الشاهدين الأوّلين بما يدّعيان من أمر الوصيّة( وَ مَا اعْتَدَيْنا ) عليهما بالشهادة على خلاف ما شهدا عليه( إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) .

قوله تعالى: ( ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى‏ وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) الآية في مقام بيان حكمة التشريع و هي أنّ هذا الحكم على الترتيب الّذي قرّره الله تعالى أحوط طريق إلى حيازة الواقع في المقام، و أقرب من أن لا يجور الشاهدان في شهادتهما و يخافا من أن يتغيّر الأمر عليهما بردّ شهادتهما بعد قبولها.

فإنّ الإنسان ذو هوى يدعوه إلى التمتّع بكلّ ما يسعه التمتّع به و القبض على كلّ ما يتهوسّه إذا لم يكن هناك مانع يصرفه عنه سواء كان ذلك منه عن حقّ يستحقّه أو جوراً، عدلاً أو ظلماً و تعدّياً على غيره بإبطال حقّه و الغلبة عليه، و إنّما ينصرف الإنسان عن هذا التعدّي و التجاوز إمّا لمانع يمنعه من خارج بسياسة أو عقوبة أو فضيحة، و إمّا لرادع يردعه من نفسه و أقوى رادع نفسانيّ هو الاعتقاد بالله الّذي إليه مرجع العباد و حساب الأعمال و القضاء الفصل و الجزاء المستوفى.

و إذا كان الواقع من أمر الوصيّة بحسب فرض المقام مجهولاً لا طريق إلى كشفه إلّا شهادة من أشهدهما الميّت من الشاهدين فأقوى ما يقرّب شهادتهما من الصدق أن يؤخذ في ذلك بأيمانهما بالله تعالى و هو اليمين، و أن يردّ اليمين إلى الورثة الأولياء مع يمينهما

____________________

(١) و على من يريد الاطّلاع عليها أن يراجع الجزء السابع من تفسير روح المعاني للالوسي و مجمع البيان و تفسير الرازيّ و سائر المطولات.


على تقدير انكشاف كذبهما و خيانتهما عند الورثة، فهذان أعني يمينهما أوّلاً ثمّ ردّ اليمين إلى الورثة أقرب وسيلة إلى صدقهما في شهادتهما و خوفهما فضيحة ردّ اليمين، و الرادعان أقوى ما يردعهما من الانحراف.

ثمّ عقّب تعالى القول بالموعظة و الإنذار فقال:( وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اسْمَعُوا وَ اللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ) و المعنى واضح.

قوله تعالى: ( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) الآية لا تأبى الاتّصال بما قبلها فإنّ ظاهر قوله تعالى في ذيل الآية السابقة:( وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اسْمَعُوا ) ، إلخ و إن كان مطلقاً لكنّه بحسب الانطباق على المورد نهي عن الانحراف و الجور في الشهادة و الاستهانة بأمر اليمين بالله فناسب أن يذكّر في المقام بما يجري بينه سبحانه و بين رسله يوم القيامة و هم شهداء على اُممهم و أفضل الشهداء، حيث يسألهم الله سبحانه عن الّذي أجابهم به اُممهم و هم أعلم الناس بأعمال اُممهم و الشاهدون من عند الله عليهم فيجيبونه بقولهم:( لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) .

فإذا كان الأمر على هذه الوتيرة، و كان الله سبحانه هو العالم بكلّ شي‏ء حقّ العلم فجدير بالشهود أن يخافوا مقام ربّهم: و لا ينحرفوا عن الحقّ الّذي رزقهم الله العلم به، و لا يكتموا شهادة الله فيكونوا من الآثمين و الظالمين و الفاسقين.

فقوله تعالى:( يَوْمَ يَجْمَعُ ) ، إلخ ظرف متعلّق بقوله في الآية السابقة:( وَ اتَّقُوا اللهَ ) ، إلخ و ذكر جمع الرسل دون أن يقال:( يوم يقول الله للرسل) لمكان مناسبة مع جمع الشهداء للشهادة كما يشعر به قوله:( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ ) .

و أمّا نفيهم العلم يومئذ عن أنفسهم بقولهم:( لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) فإثباتهم جميع علوم الغيوب لله سبحانه على وجه الحصر يدلّ على أنّ المنفيّ ليس أصل العلم فإنّ ظاهر قولهم:( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) يدلّ على أنّه لتعليل النفي، و من المعلوم أنّ انحصار جميع علوم الغيب في الله سبحانه لا يقتضي رفع كلّ علم عن غيره و خاصّة إذا كان علماً بالشهادة، و المسؤل عنه أعني كيفيّة إجابة الناس لرسلهم من قبيل الشهادة دون الغيب.


فقولهم:( لا عِلْمَ لَنا ) ليس نفياً لمطلق العلم بل لحقّ العلم الّذي لا يخلو عن التعلّق بالغيب فإنّ من المعلوم أنّ العلم إنّما يكشف لعالمه من الواقع على قدر ما يتعلّق بأمر من حيث أسبابه و متعلّقاته، و الواقع في العين مرتبط بجميع أجزاء الخارج ممّا يتقدّم على الأمر الواقع في الخارج و ما يحيط به ممّا يصاحبه زماناً فالعلم بأمر من الاُمور الخارجيّة بحقيقة معنى العلم لا يحصل إلّا بالإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثمّ بصانعه المتعالي من أن يحيط به شي‏ء، و هذا أمر وراء الطاقة الإنسانيّة.

فلم يرزق الإنسان من العلم في هذا الكون الّذي يبهته التفكير في سعة ساحته، و تهوّله النظرة في عظمة أجرامه و مجرّاته، و يطير لبّه الغور في متون ذرّاته، و يأخذه الدوار إذا أراد الجري بين هاتين الغايتين إلّا اليسير من العلم على قدر ما يحتاج إليه في مسير حياته كالشمعة الصغيرة يحملها طارق الليل المظلم لا ينتفع من نورها إلّا أن يميّز ما يضع عليه قدمه من الأرض.

فما يتعلّق به علم الإنسان ناشب بوجوده متعلّق بواقعيّته بأطراف ثمّ بأطراف أطراف و هكذا كلّ ذلك في غيب من إدراك الإنسان فلا يتعلّق العلم بحقيقة معنى الكلمة بشي‏ء إلّا إذا كان متعلّقاً بجميع الغيوب في الوجود، و لا يسع ذلك لمخلوق محدود مقدّر إنساناً أو غيره إلّا لله الواحد القهّار الّذي عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلّا هو، قال الله تعالى:( وَ اللهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) البقرة: ٢١٦ فدلّ على أنّ من طبع الإنسان الجهل فلا يرزق من العلم إلّا محدوداً مقدّراً كما قال تعالى:( وَ إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ) الحجر: ٢١ و هو قولهعليه‌السلام : حيث سئل عن علّة احتجاب الله عن خلقه فقال: لأنّه بناهم بنية على الجهل‏، و قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) البقرة: ٢٥٥ فدلّ على أنّ العلم كلّه لله، و إنّما يحيط منه الإنسان بما شاء الله، و قال تعالى:( وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) الإسراء: ٨٥ فدلّ على أنّ هناك علماً كثيراً لم يؤت الإنسان إلّا قليلاً منه.

فإذن حقيقة الأمر أنّ العلم حقّ العلم لا يوجد عند غير الله سبحانه، و إذ كان يوم القيامة يوماً يظهر فيه الأشياء بحقائقها على ما تفيده الآيات الواصفة لأمره فلا مجال فيه


إلّا للكلام الحقّ كما قال تعالى:( لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً، ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) النبأ: ٣٩ كان من الجواب الحقّ إذا ما سئل الرسل فقيل لهم:( ما ذا أُجِبْتُمْ ) أن يجيبوا بنفي العلم عن أنفسهم لكونه من الغيب، و يثبتوه لربّهم سبحانه بقولهم:( لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) .

و هذا الجواب منهمعليهم‌السلام نحو خضوع لحضرة العظمة و الكبرياء و اعتراف بحاجتهم الذاتيّة و بطلانهم الحقيقيّ قبال مولاهم الحقّ رعاية لأدب الحضور و إظهاراً لحقيقة الأمر، و ليس جواباً نهائيّاً لا جواب بعده البتّة:

أمّا أوّلاً فلأنّ الله سبحانه جعلهم شهداء على اُممهم كما ذكره في قوله:( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً ) النساء: ٤١ و قال:( وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِي‏ءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ ) الزمر: ٦٩ و لا معنى لجعلهم شهداء إلّا ليشهدوا على اُممهم يوم القيامة بما هو حقّ الشهادة يومئذ، فلا محالة هم سيشهدون يومئذ كما قدّر الله ذلك فقولهم يومئذ:( لا عِلْمَ لَنا ) جري على الأدب العبوديّ قبال الملك الحقّ الّذي له الأمر و الملك يومئذ، و بيان لحقيقة الحال و هو أنّه هو يملك العلم لذاته و لا يملك غيره إلّا ما ملّكه، و لا ضير أن يجيبوا بعد هذا الجواب بما لهم من العلم الموهوب المتعلّق بأحوال اُممهم، و هذا ممّا يؤيّد ما قدّمناه في البحث عن قوله تعالى:( وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ،) الآية: البقرة: ١٤٣ في الجزء الأوّل من هذا الكتاب: أنّ هذا العلم و الشهادة ليسا من نوع العلم و الشهادة المعروفين عندنا و أنّهما من العلم المخصوص بالله الموهوب لطائفة من عباده المكرمين.

و أمّا ثانياً فلأنّ الله سبحانه أثبت العلم لطائفة من مقرّبي عباده يوم القيامة على ما له من الشأن، قال تعالى:( وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى‏ يَوْمِ الْبَعْثِ ) الروم: ٥٦ و قال تعالى:( وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) الأعراف: ٤٦ و قال تعالى:( وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف: ٨٧ و عيسى بن مريمعليه‌السلام ممّن تعمّه الآية و هو رسول فهو ممّن يشهد بالحقّ و هم يعلمون، و قال تعالى:( وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي


اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ) الفرقان: ٣١ و المراد بالرسول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و الّذي تحكيه الآية من قوله هو بعينه جواب لما تشتمل عليه هذه الآية من السؤال أعني قوله تعالى:( فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ ) فظهر أنّ قول الرسلعليهم‌السلام :( لا علم لنا) ليس جواباً نهائيّاً كما تقدّم.

و أمّا ثالثاً فلأنّ القرآن يذكر السؤال عن المرسلين و المرسل إليهم جميعاً كما قال تعالى:( فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف: ٦ ثمّ ذكر عن الاُمم المرسل إليهم جوابات كثيرة عن سؤالات كثيرة، و الجواب يستلزم العلم كما أنّ السؤال يقرّره، و قال أيضاً فيهم:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق: ٢٢، و قال أيضاً:( وَ لَوْ تَرى‏ إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ) السجدة: ١٢ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، و إذا كانت الاُمم - و خاصّة المجرمون منهم - على علم في هذا اليوم فكيف يتصوّر أن يعدمه الرسل الكرامعليهم‌السلام فالمصير إلى ما قدّمناه.

( كلام في معنى الشهادة)

الاجتماع المدنيّ الدائر بيننا و التفاعل الواقع في عامّة جهات الحياة الأرضيّة بين قوانا الفعّالة يسوقنا - و لا محيص - إلى أنواع الاختلافات و الخصومات فالّذي يختصّ بالتمتّع به أحدنا ربّما أحبّ الآخر أن يشاركه فيه أو يختصّ به هو مكانه فتاقت إليه نفسه و نازعته في ذلك فأدّى إلى تنبّه الإنسان لوجوب اعتبار القضاء و الحكم ليرتفع به هذه الخصومات.

و أوّل ما يحتاج إليه القضاء أن تحفظ القضايا و الوقائع على النحو الّذي وقعت و تضبط ضبطاً لا يتطرّق إليه التغيّر و التبدّل ليقع عليه قضاء القاضي، هذا ممّا لا شكّ فيه.

و يتأتّى ذلك بأن يستشهد على الواقعة بأن يطّلع عليها إنسان فيتحمّلها ثمّ يؤدي


ما تحمّله عند اللزوم و الاقتضاء أو يضبط بوجه آخر كالكتابة أو أدوات اُخر معمولة لذلك اهتدى الإنسان إلى التوصّل بها.

و تفارق الشهادة سائر أسباب الحفظ و الضبطأوّلاً بأنّ غير الشهادة من الأسباب اُمور غير عامّة فإنّ أعمّها و أعرفها الكتابة و هي لم تستوعب الإنسانيّة حتّى اليوم فكيف بغيرها و هذا بخلاف الشهادة و التحمّل.

و ثانياً بأنّ الشهادة و هو البيان اللسانيّ من نفس الشاهد عن تحمّله و حفظه أبعد من عروض الخلل و أمنع جانباً من طروّ أنواع الآفات بالقياس إلى الكتابة و غيره من أسباب الحفظ و الضبط.

و لذلك نرى أنّ الشهادة لا تتجافى عن اعتبارها اُمّة من الاُمم في مجتمعاتهم على اختلافها الفاحش في السنن الاجتماعيّة و السلائق القوميّة و الملّيّة و التقدّم و التأخّر في الحضارة و التوحّش، فهي لا تخلو عن اعتبار مّا عندهم.

و الاعتبار فيها بالواحد من القوم المعدود فرداً من الاُمّة و جزءاً من الجماعة، و لذلك لا يعبأ بشهادة الصبيّ غير المميّز و لا بشهادة المجنون الّذي لا يدري ما يقول مثلاً، و لذلك أيضاً لا يعبأ بعض الاُمم الهمجيّة بشهادة النسوان لما لم يعدّوا المرأة جزءً من المجتمع، و على ذلك كانت تجري أغلب السنن الاجتماعيّة في الاُمم القديمة كالروم و اليونان و غيرهم.

و الإسلام و هو دين الفطرة يعتبر الشهادة و يعطيها وحدها من بين سائر الأسباب الحجّيّة، و أمّا سائر الأسباب فلا عبرة بها إلّا مع إفادة العلم، قال تعالى:( وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ) الطلاق: ٢ و قال تعالى:( وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) البقرة: ٢٨٣ و قال تعالى:( وَ الَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ ) المعارج: ٣٣.

و قد اعتبر الإسلام في عامّة الموارد غير مورد الزنا من العدد في الشهداء اثنين لتأييد أحدهما الآخر قال تعالى:( وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى‏ وَ لا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى‏ أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ


وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى‏ أَلَّا تَرْتابُوا ) البقرة: ٢٨٢، فأفاد أنّ ما بيّنته الآية و اعتبرته من أحكام الشهادة - و منها ضمّ الواحد إلى آخر ليكونا اثنين - أكثر مطابقة للقسط و قيام الشهادة و رفع الريب.

ثمّ لما كان الإسلام في تشخيصه فرد المجتمع و بعبارة اُخرى في اعتباره الواحد الّذي يتكوّن منه المجتمع الإنسانيّ يعدّ المرأة جزءاً مشمولاً للحكم أشركها مع الرجل في إعطاء حقّ إقامة الشهادات إلّا أنّه لما اعتبر في المجتمع الّذي كونه أن يكون مبنيّاً على التعقّل دون العواطف و المرأة إنسان عاطفي أعطاها من الحقّ و الوزن نصف ما للرجل، فشهادة امرأتين اثنتين تعدل شهادة رجل واحد كما يشير إليه قوله تعالى في الآية السابقة:( أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) ، و قد مرّ في الجزء الرابع من هذا الكتاب من الكلام في حقوق المرأة في الإسلام ما ينفع في المقام، و للشهادة أحكام كثيرة فرعيّة مبسوطة في الفقه خارجة من غرضنا في هذا البحث.

( كلام في العدالة)

كثيراً ما يعثر الباحث في الأحكام الإسلاميّة في خلال أبحاثه بلفظ العدالة و ربّما وجد للّفظ تعريفات مختلفة و تفسيرات متنوّعة حسب اختلاف الباحثين و مسالكهم.

لكنّ الّذي يلائم مقامنا هذا من البحث - و هو بحث قرآنيّ - في تحليل معناها و كيفيّة اعتبارها بالتطبيق على الفطرة الّتي عليها بني الإسلام أن نسلك طريقاً آخر من البحث فنقول:

إنّ للعدالة و هي الاعتدال و التوسّط بين النمطين: العالي و الداني، و الجانبين: الإفراط و التفريط قيمة حقيقيّة و وزناً عظيماً في المجتمعات الإنسانيّة، و الوسط العدل هو الجزء الجوهريّ الّذي يركن إليه التركيب و التأليف الاجتماعيّ فإنّ الفرد العالي الشريف الّذي يتلبّس بالفضائل العالية الاجتماعيّة، و يمثّل بغية الاجتماع النهائيّة لا يجود منه الزمان إلّا بالنزر القليل و الواحد بعد الواحد، و من المعلوم أنّه لا يتألّف المجتمع


بالفرد النادر، و لا تتمّ به كينونته و إن كان هو العضو الرئيس في جثمانه حيثما وجد.

و الفرد الدني‏ء الخسيس الّذي لا يقوم بالحقوق الاجتماعيّة، و لا يتحقّق فيه القدر المتوسّط من أمانيّ المجتمع ممّن لا داعي له يدعوه إلى رعاية الاُصول العامّة الاجتماعيّة الّتي بها حياة المجتمع، و لا رادع له يردعه عن اقتحام الآثام الاجتماعيّة الّتي تهلك الاجتماع و تبطل التجاذب الواجب بين أجزائه، و بالجملة لا اعتماد على جزئيّته في بنية الاجتماع و لا وثوق بتأثيره الحسن و نصيحته الصالحة.

و إنّما الحكم لأفراد المجتمع المتوسّطين الّذين تقوم بهم بنية المجتمع و تتحقّق فيهم مقاصده و مآربه، و تظهر بهم آثاره الحسنة الّتي لم تأتلف أجزاؤه و أعضاؤه إلّا للحصول عليها و التمتّع بها.

هذا كلّه ممّا لا يرتاب فيه الإنسان الاجتماعيّ عند أوّل ما يجيل نظره في هذا الباب.

فمن الضروريّ عنده أنّه على حاجة شديدة في حياته الاجتماعيّة إلى أفراد في المجتمع يعتمد على سلوكهم الاجتماعيّ متلبّسين بالاعتدال في الاُمور و الاحتراز عن الاسترسال في نقض القوانين و مخالفة السنن و الآداب الجارية من غير مبالاة و انقباض في أبواب كثيرة كالحكومة و القضاء و الشهادات و غيرها في الجملة.

و هذا الحكم الضروريّ أو القريب من الضروريّ عند الفطرة هو الّذي يعتبره الإسلام في الشاهد، قال تعالى:( وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ) الطلاق: ٢، و قال تعالى:( شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) المائدة: ١٠٦ و الخطاب في الآيتين للمؤمنين فاشتراط كون الشاهدين ذوي عدل منهم مفاده كونهما ذوي حالة معتدلة متوسّطة بالنسبة إلى مجتمعهم الدينيّ، و أمّا بالقياس إلى المجتمع القوميّ و البلديّ فالإسلام لا يعبأ بأمثال هذه الروابط غير الدينيّة، و ظاهر أن محصّل كونهما على حالة معتدلة بالقياس إلى المجتمع الدينيّ هو كونهما ممّن يوثق بدينه غير مقترفين ما يعدّ من المعاصي الكبيرة الموبقة في الدين، قال تعالى:( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ


مُدْخَلًا كَرِيماً ) النساء: ٣١، و قد تكلّمنا في معنى الكبائر في ذيل الآية في الجزء الرابع من هذا الكتاب.

و على هذا المعنى جرى كلامه تعالى في قوله:( وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) النور: ٥.

و نظير الآية السابقة الشارطة للعدالة قوله تعالى:( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ ) البقرة: ٢٨٢ فإنّ الرضا المأخوذ في الآية هو الرضا من المجتمع الدينيّ، و من المعلوم أنّ المجتمع الدينيّ بما هو دينيّ لا يرضى أحداً إلّا إذا كان على نوع من السلوك يوثق به في أمر الدين.

و هذا هو الّذي نسمّيه في فنّ الفقه بملكة العدالة و هي غير ملكة العدالة بحسب اصطلاح فنّ الأخلاق فإنّ العدالة الفقهيّة هي الهيئة النفسانيّة الرادعة عن ارتكاب الكبائر بحسب النظر العرفيّ و الّتي في فنّ الأخلاق هي الملكة الراسخة بحسب الحقيقة.

و الّذي استفدناه من معنى العدالة هو الّذي يستفاد من مذهب أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام على ما ورد من طرقهم:

ففي الفقيه، بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ فقال: أن تعرفوه(١) بالستر و العفاف و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله تعالى عليها النار من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك.

و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين تفتيش ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه، و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته بين الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ و حفظ مواقيتهنّ بحضور جماعة من المسلمين و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة.

فإذا كان كذلك لازماً لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس فإذا سئل عنه في

____________________

(١) أن يعرفوه خ‏


قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلّاه فإنّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه و لا يتعاهد جماعة المسلمين.

و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع، و لو لا ذلك لم يكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم همّ بأن يحرق قوماً في منازلهم بتركهم الحضور لجماعة المسلمين و قد كان منهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك فكيف تقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من الله عزّوجلّ و من رسوله فيه الحرق في جوف بيته بالنار؟ وقد كان يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلّا من علّة.

أقول: و رواه في التهذيب، مع زيادة تركناها، و الستر و العفاف كلاهما بمعنى الترك على ما في الصحاح، و الرواية - كما ترى - تجعل أصل العدالة أمراً معروفاً بين المسلمين و تبيّن أنّ الأثر المترتّب عليه الدالّ على هذه الصفة النفسيّة هو ترك محارم الله و الكفّ عن الشهوات الممنوعة، و معرّف ذلك اجتناب الكبائر من المعاصي، ثمّ تجعل الدليل على ذلك كلّه حسن الظاهر بين المسلمين على ما بيّنهعليه‌السلام تفصيلاً.

و فيه، عن عبدالله بن المغيرة عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته.

و فيه: روى سماعة عن أبي بصير عن أبي عبداللهعليه‌السلام : قال: لا بأس بشهادة الضعيف إذا كان عفيفاً صائناً.

و في الكافي، بإسناده عن عليّ بن مهزيار عن أبي عليّ بن راشد قال: قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إنّ مواليك قد اختلفوا فاُصلّي معهم جميعاً؟ فقال لا تصلّ إلّا خلف من تثق بدينه.

أقول: دلالة الروايات على ما قدّمناه ظاهرة، و فيها أبحاث اُخر خارجة عن غرضنا في المقام.


( كلام في اليمين)

حقيقة معنى قولك:( لعمري إنّ كذا و كذا، و حياتي إنّ الأمر على ما أخبرته) أنّك تعلّق ما أخبرت به من الخبر و تقيّده نوع تقييد في صدقه بعمرك و حياتك الّتي لها مكانة و احترام عندك بحيث يتلازمان في الوجود و العدم، و لو كنت كاذباً في خبرك أبطلت مكانة حياتك و احترامها عندك فسقطت بذلك عن مستوى الإنسانيّة الداعية إلى الاحترام لأمر الحياة.

و معنى قولك:( أقسمك بالله أن تفعل كذا أو تترك كذا) أنّك ربطت أمرك أو نهيك بالمكانة و العزّة الّتي لله عزّ اسمه عند المؤمنين بحيث تكون مخالفة الأمر أو معصية النهي استهانة بمقامه تعالى و إذهاباً لحرمة الإيمان به.

و كذا معنى قولك:( و الله لأفعلنّ كذا) وصل خاصّ بين عزيمتك على ما عزمت عليه من الأمر و بين ما لله سبحانه عندك من المكانة و الحرمة بحسب إيمانك به بحيث يكون فسخك عزيمتك و نقضك همّتك إبطالاً لما له سبحانه من المكانة عندك، و الغرض من ذلك أن تكون على رادع من فسخ العزيمة و نقض الهمّة فالقسم إيجاد ربط خاصّ بين شي‏ء من الخبر أو الإنشاء و بين شي‏ء آخر ذي مكانة و شرف بحيث يبطل المربوط إليه ببطلان المربوط بحسب الدعوى، و حيث كان المربوط إليه ذا مكانة و شرف عند الجاعل مثلاً لا يرضى بإذهاب مكانته و الإهانة بمقامه فهو صادق في خبره أو مطاع فيما يأمر به أو ينهى عنه، أو ماض في عزيمته من غير فسخ لا محالة، و نتيجته التأكيد البالغ.

و يوجد في اللغات نوع آخر من جعل الربط يقابل القسم و هو ربط الخبر مثلاً بما لا قيمة له و لا شرافة عند المخبر ليدلّ بذلك على الاستهانة بما يخبر به أو بلغه من الخبر و يعدّ نوعاً من الشتم و هو في اللغة العربيّة نادر جدّاً.

و الحلف و اليمين - فيما نعلم - من العادات الدائرة في ألسنة الناس الموروثة جيلاً بعد جيل، و لا يختصّ بلغة دون لغة، و هو الدليل على أنّه ليس من الشؤون اللغويّة


اللفظيّة بل إنّما يهدي الإنسان إليه حياته الاجتماعيّة في موارد يتنبّه على وجوب الالتجاء إليه و الاستفادة منه.

و لم تزل اليمين دائراً بين الاُمم ربّما يبنى عليه و يركن إليه في موارد متفرّقة غير مضبوطة تحدث في مجتمعاتهم لأغراض متنوّعة لدفع التهمة و رفع الفرية و تطييب النفس و تأييد الخبر حتّى اعتنى بأمره القوانين المدنيّة و أعطتها وجهة قانونيّة في بعض من الموارد كحلف الرؤساء و أولياء الاُمور عند تقلّد المناصب الهامّة و إشغال المقامات العظيمة العالية و غير ذلك.

و قد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناءً تامّاً إذا وقع على الله سبحانه خاصّة، و ليس ذلك إلّا في ظلّ العناية برعاية حرمة المقام الربوبيّ و وقاية ساحته تعالى أن يواجه بما يأباه ناموس الربوبيّة و العبوديّة، و لذلك وضعت كفّارة خاصّة عند حنث اليمين، و كره الإكثار من الحلف بالله عزّ شأنه، قال تعالى:( لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ،) الآية: المائدة: ٨٩ و قال تعالى:( وَ لا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ) البقرة: ٢٢٤.

و اعتبر اليمين في موارد من القضاء خلت عن البيّنة، قال تعالى:( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا ) الآية: المائدة: ١٠٧

و من كلامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : البيّنة على المدّعي و اليمين على من أنكر.

و حقيقة اعتبار اليمين الاكتفاء بدلالة نفس الإيمان فيما لا دليل سواه، و ذلك أنّ المجتمع الدينيّ مبنيّ على إيمان الأفراد بالله، و الإنسان المؤمن هو الجزء من هذا المركّب المؤلّف، و هو المنبع الّذي ينبع منه السنن المتّبعة و الأحكام الجارية، و بالجملة جميع الآثار البارزة في القوم الناشئة من حالتهم الدينيّة كما أنّ المجتمع غير الدينيّ مبنيّ على إيمان الأفراد بمقاصدهم القوميّة، و منها تنشأ السنن و القوانين المدنيّة و الآداب و الرسوم الدائرة بينهم.

فإذا كان كذلك و صحّ الاعتماد في جميع الشؤون الاجتماعيّة و الاتّكاء في عامّة لوازم الحياة على إيمان الأفراد بطرق مختلفة كان من الجائز أن يعتمد على إيمانهم في ما لا دليل


آخر يعتمد عليه، و هو اليمين فيما لا بيّنة عليه بأن يربط المنكر ما ينكره من دعوى المدّعي و يقيّده بإيمانه بحيث يزول اعتبار إيمانه بالله ببطلان إنكاره و ظهور كذبه فيما أظهره و أخبر به.

فإيمانه بسبب ما عقده باليمين بمنزلة مال الرهن الّذي يجعل تحت تسلّط الدائن و يراعي في عوده إلى سلطة راهن صدق وعده و تأديته الدين إلى أجل و إلّا ذهب المال و بقي صفر اليد.

كذلك الحالف يعتبر مرهون الإيمان بما حلف عليه ما لم يظهر خلافه و إذا ظهر الخلاف عاد صفر الكفّ من الإيمان ساقطاً عن درجة الاعتبار محروماً من التمتّع بثمرة الإيمان و هي في المجتمع الدينيّ جميع المزايا الاجتماعيّة، و رجع مطروداً من المجتمع المتلائم الأجزاء لا سماء تظلّه و لا أرض تقلّه.

و يتأيّد هذا البيان بما يروى من تظاهر الناس على مقت المتخلّفين عن السنن الدينيّة كالصلاة مع الجماعة و الشخوص في الجهاد و نحوهما في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين كان تمام السلطة و الحكومة للدين على الأهواء.

و أمّا في أمثال هذه الأعصار الّتي ضعف فيها نفوذ الدين و تسرّب الهوى في القلوب و انعقد بيننا مجتمع مؤتلف من المقاصد الدينيّة على وهن في بنيتها و إعراض من الناس عنها و من مقاصد المدنيّة الحديثة و يجمعها الاسترسال في التمتّعات المادّيّة على شيد في أساسها و إقبال عامّ من عامّة الناس إليها ثمّ أخذ التنازع و التشاجر الشديد بين الدواعي الدينيّة و المدنيّة الطارقة و لا يزال يغلب هذا و ينهزم ذاك، و انثلمت وحدة النظام الواجب انبساطه على مستوى المجتمع، و بدا الهرج و المرج في الروحيّات فحينئذ لا يكاد ينفع اليمين و لا ما هو أقوى من ذلك و أحفظ لحقوق الناس، و زال الاعتماد لا على الأسباب الدينيّة الموجودة عند المجتمع فحسب بل عليها و على النواميس الحديثة جميعاً.

غير أنّ الله سبحانه لا ينسخ أحكامه و لا يغمض عن شرائعه بتولّي الناس عنها و سأمهم منها و إنّ الدين عند الله الإسلام و لا يرضى لعباده الكفر، و لو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض، و إنّما الإسلام دين متعرّض لجميع شؤون الحياة الإنسانيّة شارح


لها مبيّن لأحكامها ذو أجزاء متلائمة متناسبة متلازمة تعيش بروح التوحيد الواحد إذا اعتلّ بعض أجزائه اعتلّ الجميع، و إذا فسد بعضها أثّر ذلك في عمل الجميع كالواحد من الإنسان بعينه.

فإذا فسد بعض أجزائه أو اعتلّ كان من الواجب إبقاء السالم منها على سلامته و علاج المعتلّ و إصلاح الفاسد، و لم يكن من الجائز إبقاء المعتلّ على علّته و الفاسد على فساده، و الإعراض عن السالم.

و الإسلام و إن كان ملّة حنيفيّة سهلة سمحة ذات مراتب مختلفة وسيعة يقدّر تكاليفه على قدر ما يستطاع من إتيانها و إجرائها، يتمدّد حبلها الموصول من حالة اجتماعيّة آمنة تتضمّن شرائعها و قوانينها جمعاء من غير استثناء إلى حالة انفراديّة اضطراريّة تكتفى فيها من الصلاة بالإشارة لكنّ التنزّل من مرتبة من مراتبها إلى ما هي دونها مشروطة بالاضطرار النافي للتكليف و المبيح للتوسّع، قال تعالى:( مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ - إلى أن قال -ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَ صَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) النحل: ١١٠.

و أمّا بناء الحياة على التمتّع المادّيّ ثمّ التعلّل في رفض ما يناقضه من الموادّ الدينيّة بأنّه لا يوافق السنّة الجارية في الدنيا الحاضرة فإنّه جري على المنطق المادّيّ دون منطق الدين.

و من البحث المتعلّق بهذا الباب ما في قول بعض: (إنّ الحلف بغير الله من الشرك بالله) فينبغي أن يستفهم هذا القائل ما ذا يريد بهذا الشرك الذي ذكره؟.

فإن أراد به أنّ في اليمين بغير الله إعظاماً للمقسم به و إجلالاً لأمره لابتناء معنى القسم على ذلك ففيه نوع خضوع و عبادة له و هو الشرك فما كلّ إعظام شركاً إلّا إعطاء عظمة الربوبيّة المستقلّة التي يستغني بها عن غيره.

و قد أقسم الله تعالى بكثير من خلقه كالسماء و الأرض و الشمس و القمر و الكنّس الخنّس من الكواكب و بالنجم إذا هوى، و أقسم بالجبل و البحر و التين و الزيتون و الفرس


و أقسم بالليل و النهار و الصبح و الشفق و العصر و الضحى و يوم القيامة، و أقسم بالنفس، و أقسم بالكتاب و القرآن العظيم و حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و بالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة و لا يستقيم قسم إلّا عن إعظام.

فما المانع من أن نجري على ما جرى عليه كلامه تعالى من إعظامها بالعظمة الموهوبة و نقتصر على ذلك، و لو كان ذلك من الشرك لكان كلامه تعالى أولى بالتحرّز منه و أحرى برعايته.

و أيضا قد عظم الله تعالى اُموراً كثيرة في كلامه كالقرآن و العرش و خلق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال تعالى:( وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) الحجر: ٨٧، و قال:( وَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) التوبة: ١٢٩، و قال:( وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ن: ٤، و جعل لأنبيائه و رسله و المؤمنين حقوقاً على نفسه و عظّمها و احترمها، قال تعالى:( وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) الصافّات: ١٧٢، و قال:( وَ كانَ حقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) الروم: ٤٧ فما المانع من أن نعظّمها و نجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم، و أن نقسمه تعالى بشي‏ء ممّا أقسم به أو بحقّ من الحقوق الّتي جعلها لأوليائه على نفسه؟ نعم اليمين الشرعيّ الّذي له آثار شرعيّة في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد بغير الله سبحانه كما بيّن في الفقه و ليس كلامنا فيه.

و إن أراد به أنّ مطلق الإعظام كيفما كان لا يجوز في غير الله حتّى إعظامها بما عظّمها الله تعالى فهو ممّا لا دليل عليه بل القاطع من الدليل على خلافه.

و ربّما قيل: إنّ في الإقسام بحقّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و سائر الأولياء و التقرّب إليهم و الاستشفاع بهم بأيّ وجه كان عبادة و إعطاء سلطة غيبيّة لها. و الكلام فيه كالكلام في سابقه: فإن اُريد بهذه السلطة الغيبيّة السلطة المستقلّة الخاصّة بالله فلا يذعن بها مسلم مؤمن بكتاب الله في غيره تعالى، و إن اُريد بها مطلق السلطة غير المادّيّة و لو كان بإذن الله فما الدليل على امتناع أن يتّصف بها بعض عباد الله كأوليائه مثلاً بإذنه، و قد نصّ القرآن الشريف على كثير من السلطات الغيبيّة في الملائكة كما قال:( حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ ) الأنعام: ٦١، و قال:( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ ) السجدة: ١١


و قال:( وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً، وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً، وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً، فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ) النازعات: ٥، و قال:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ ) البقرة: ٩٧ و الآيات في هذا الباب كثيرة جدّاً.

و قال في إبليس و جنوده:( إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ٢٧ و قد نزلت في شفاعة الأنبياء و غيرهم في الآخرة، و آياتهم المعجزة في الدنيا آيات كثيرة.

و ليت شعري ما الفرق بين الآثار المادّيّة الّتي يثبتها هؤلاء في الموضوعات من غير استنكاف و بين آثار غير المادّيّة الّتي يسمّونها بالسلطة الغيبيّة؟ فإن كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعاً لم يكن فرق بين الأثر المادّيّ و غيره و إن كان جائزاً بإذن الله سبحانه كان الجميع فيه سواءً.

( بحث روائي)

في الكافي، عن عليّ بن إبراهيم عن رجاله رفعه قال: خرج تميم الداريّ و ابن بندي و ابن أبي مارية في سفر، و كان تميم الداريّ مسلماً و ابن بندي و ابن أبي مارية نصرانيّين، و كان مع تميم الداريّ خرج له فيه متاع و آنية منقوشة بالذهب و قلادة أخرجها إلى بعض أسواق العرب للبيع.

فاعتلّ تميم الداريّ علّة شديدة فلمّا حضره الموت دفع ما كان معه إلى ابن بندي و ابن أبي مارية و أمرهما أن يوصلاه إلى ورثته فقدما المدينة، و قد أخذا من المتاع الآنية و القلادة، و أوصلا سائر ذلك إلى ورثته، فافتقد القوم الآنية و القلادة فقال أهل تميم لهما: هل مرض صاحبنا مرضاً طويلاً أنفق فيه نفقة كثيرة؟ فقالا: لا ما مرض إلّا أيّاماً قلائل، قالوا: فهل سرق منه شي‏ء في سفره هذا؟ قالا: لا، فقالوا: فهل اتّجر تجارة خسر فيها؟ قالا: لا، قالوا: فقد افتقدنا أفضل شي‏ء كان معه: آنية منقوشة بالذهب مكلّلة بالجواهر و قلادة، فقالا: ما دفعه إلينا فقد أدّيناه إليكم.


فقدّموهما إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أوجب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهما اليمين فحلفا فخلّا عنهما، ثمّ ظهرت تلك الآنية و القلادة عليهما فجاء أولياء تميم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: يا رسول الله قد ظهر على ابن بندي و ابن أبي مارية ما ادّعيناه عليهما، فانتظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الله عزّوجلّ الحكم في ذلك.

فأنزل الله تبارك و تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ) فأطلق الله عزّوجلّ شهادة أهل الكتاب على الوصيّة فقط إذا كان في سفر و لم يجد المسلمين.

ثمّ قال:( فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) ، فهذه الشهادة الاُولى الّتي حلّفها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( فَإِنْ عُثِرَ عَلى‏ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً ) أي أنّهما حلفا على كذب( فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما ) يعني من أولياء المدّعي( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) الأوّلين( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ ) أي يحلفان بالله أنّهما أحقّ بهذه الدعوى منهما و أنّهما قد كذبا فيما حلفا بالله( لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) .

فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولياء تميم الداريّ أن يحلفوا بالله على ما أمرهم به فحلفوا فأخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القلادة و الآنية من ابن بندي و ابن أبي مارية و ردّهما إلى أولياء تميم الداريّ( ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى‏ وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) .

أقول: و أورده القمّيّ في تفسيره مثله‏ و فيه بعد قوله:( تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ ) يعني صلاة العصر، و قوله ع( الأوّلين) الظاهر أنّه بصيغة التثنية و المراد بهما الشاهدان الأوّلان تفسيراً لقوله تعالى:( الْأَوْلَيانِ ) و ظاهره على قراءتهعليه‌السلام ( اسْتَحَقَّ ) بالبناء للفاعل كما نسبت إلى عليّعليه‌السلام ، و قد قدّمنا في البيان السابق أنّه أوضح المعاني المحتملة على هذه القراءة.


و في الدرّ المنثور: أخرج الترمذيّ و ضعّفه و ابن جرير و ابن أبي حاتم و النحّاس في ناسخه و أبوالشيخ و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة من طريق أبي النضر و هو الكلبيّ عن باذان مولى اُمّ هاني عن ابن عبّاس عن تميم الداريّ في هذه الآية:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ) قال: برى‏ء الناس منهما غيري و غير عدي ابن بداء، و كانا نصرانيّين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتيا الشام لتجارتهما، و قدم عليهما مولى لبني سهم يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة، و معه جام من فضّة يريد به الملك و هو عظم تجارته، فمرض فأوصى إليهما و أمرهما أن يبلّغا ما ترك أهله.

قال تميم: فلمّا مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثمّ اقتسمناه أنا و عديّ بن بداء فلمّا قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا و فقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا و ما دفع إلينا غيره.

قال تميم: فلمّا أسلمت بعد قدوم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة تأثّمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر و أدّيت إليهم خمسمائة درهم، و أخبرتهم أنّ عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسألهم البيّنة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف فأنزل الله:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ - إلى قوله -أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) فقام عمرو بن العاص و رجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدّي بن بداء.

أقول: و الرواية على ضعفها لا تنطبق على الآية تمام الانطباق و هو ظاهر، و روي عن ابن عبّاس و عن عكرمة ما يقرب من رواية القمّيّ السابقة.

و فيه: أخرج الفاريابيّ و عبد بن حميد و أبوعبيد و ابن جرير و ابن المنذر و أبوالشيخ عن عليّ بن أبي طالب: أنّه كان يقرأ:( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) بفتح التاء.

و فيه: أخرج ابن مردويه و الحاكم و صحّحه، عن عليّ بن أبي طالب: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ:( الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ ) .

و فيه: أخرج ابن جرير عن ابن عبّاس قال: هذه الآية منسوخة.


أقول: و لا دليل على ما في الرواية من حديث النسخ.

و في الكافي، عن محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان و عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله تبارك و تعالى:( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) قال: إذا كان الرجل في بلد ليس فيه مسلم جازت شهادة من ليس بمسلم على الوصيّة.

أقول: و معنى الرواية مستفاد من الآية.

و فيه، بإسناده عن يحيى بن محمّد قال: سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن قول الله عزّوجلّ:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) ؟ قال:( اللّذان منكم) مسلمان( و اللّذان من غيركم) من أهل الكتاب، فإن لم يجدوا من أهل الكتاب فمن المجوس لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنّ في المجوس سنّة أهل الكتاب في الجزية.

و ذلك إذا مات الرجل في أرض غربة فلم يجد مسلمين أشهد رجلين من أهل الكتاب يحبسان بعد العصر فيقسمان بالله عزّوجلّ( لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ وَ لا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ ) قال: و ذلك إذا ارتاب وليّ الميّت في شهادتهما، فإن عثر على أنّهما شهدا بالباطل فليس له أن ينقض شهادتهما حتّى يجي‏ء بشاهدين فيقومان مقام الشاهدين الأوّلين( فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَ مَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) فإذا فعل ذلك نقض شهادة الأوّلين، و جازت شهادة الآخرين يقول الله عزّوجلّ:( ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى‏ وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ ) .

أقول: و الرواية - كما ترى - توافق ما تقدّم من معنى الآية، و في معناها روايات اُخر في الكافي، و تفسير العيّاشيّ، عن أبي عبدالله و أبي الحسنعليهما‌السلام .

و في بعض الروايات تفسير قوله:( أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) بالكافرين، و هو أعمّ من أهل الكتاب كما رواه في الكافي، عن أبي الصباح الكنانيّ عن أبي عبدالله. و في تفسير العيّاشيّ،


عن أبي اُسامة عنهعليه‌السلام أيضاً: في الآية: ما( آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ) ؟ قال: هما كافران قلت:( ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) ؟ فقال: مسلمان‏، و الرواية السابقة المقيّدة بأهل الكتاب و إن لم تصلح لتقييد هذا الإطلاق بحسب صناعة الإطلاق و التقييد لكونهما متوافقين إيجابيّين لكن سياق الرواية الاُولى يصلح لتفسير إطلاق الثانية بما يوافق التقييد.

و في تفسير البرهان، عن الصدوق بإسناده إلى أبي زيد عيّاش بن يزيد بن الحسن عن أبيه يزيد بن الحسن قال: حدّثني موسى بن جعفرعليه‌السلام قال: قال الصادقعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا ) قال: يقولون لا علم لنا بسواك قال و قال: الصادقعليه‌السلام : القرآن كلّه تقريع و باطنه تقريب.

قال صاحب البرهان: قال ابن بابويه: يعني بذلك أنّه من وراء آيات التوبيخ و الوعيد آيات الرحمة و الغفران.

أقول: و ما نقله عن الصدوق رحمه الله في معنى قولهعليه‌السلام :( القرآن كلّه تقريع و باطنه تقريب) لا ينطبق عليه لا بالنظر إلى صدر الرواية فإنّ كون معنى قول الرسلعليهم‌السلام :( لا عِلْمَ لَنا ) أنّه لا علم لنا بسواك غير مرتبط بكون القرآن مشتملاً على نوعين من الآيات: آيات الوعد و آيات الوعيد.

و لا بالنظر إلى سياق نفس الجملة أعني قوله:( القرآن كلّه تقريع و باطنه تقريب) فإنّ الكلام ظاهر في أنّ القرآن كلّه تقريع و كلّه تقريب، و إنّما يختلف الأمر بحسب الباطن و الظاهر فباطنه تقريب و ظاهره تقريع، لا أنّ القرآن منقسم إلى قسمين فقسم منه آيات التقريع و وراءه القسم الآخر و هو آيات التقريب.

و التأمّل في كلامهعليه‌السلام مع ملاحظة صدر الرواية يعطي أنّ مرادهعليه‌السلام من التقريع بالنظر إلى مقابلة التقريب لازم معناه و هو التبعيد المقابل للتقريب، و القرآن كلّه معارف و حقائق فظاهره تبعيد الحقائق بعضها من بعض و تفصيل أجزائها، و باطنه تقريب البعض من البعض و إحكامها و توحيدها، و يعود محصّل المراد إلى أنّ القرآن بحسب ظاهره يعطي حقائق من المعارف مختلفة بعضها بائن منفصل من بعض لكنّها على كثرتها و


بينونتها و ابتعاد بعضها من بعض بحسب الباطن يقترب بعضها من بعض و تلتئم شتّى معانيها حتّى تتّحد حقيقة واحدة كالروح الساري في الجميع، و ليست إلّا حقيقة التوحيد قال الله تعالى:( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) هود: ١.

و يظهر حينئذ انطباقه على ما ذكرهعليه‌السلام في صدر الرواية أنّ معنى قول الرسل:( لا عِلْمَ لَنا ) أن لا علم لنا بسواك فإنّ الإنسان أو أيّ عالم فرض إنّما يعلم ما يعلم بالله بمعنى أنّ الله سبحانه هو المعلوم بذاته و غيره معلوم به، و بعبارة اُخرى إذا تعلّق العلم بشي‏ء فإنّما يتعلّق أوّلاً بالله سبحانه على ما يليق بساحة قدسه و كبريائه ثمّ يتعلّق من جهته بذلك الشي‏ء لما أنّ الله سبحانه عنده علم كلّ شي‏ء يرزق منه لمن يشاء من عباده على قدر ما يشاء كما قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ) البقرة: ٢٥٥ و قد تقدّم رواية عبدالأعلى مولى آل سام عن الصادقعليه‌السلام و غيره من الروايات في هذا المعنى.

و على هذا فمعنى قولهم:( لا عِلْمَ لَنا بسواك إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) على تفسيرهعليه‌السلام أنّه لا علم لنا بشي‏ء من دونك و إنّما نعلم ما نعلم من جهة علمنا بك لأنّ العلم كلّه لك و إذا كان كذلك فأنت أعلم به منّا لأنّ الّذي نعلمه من شي‏ء هو علمك الّذي أحطنا بشي‏ء منه بمشيئتك و رزقك.

و على هذا يتجلّى معنى آخر لقوله:( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) هو أرفع منالاً ممّا تقدّم من المعنى، و هو أنّ كلّ شي‏ء من الخليقة لما كان منفصل الوجود عن غيره كان في غيب منه لما أنّ وجوده محدود مقدّر لا يحيط إلّا بما شاء الله أن يحيط به، و الله سبحانه هو المحيط بكلّ شي‏ء، العالم بكلّ غيب لا يعلم شي‏ء شيئاً إلّا من جهته تعالى و تقدّس عن كلّ نقص.

و على هذا فتقسيم الاُمور إلى غيب و شهادة تقسيم بالحقيقة إلى غيب شاء الله إحاطتنا به و غيب مستور عنّا، و ربّما تؤيّد هذا المعنى بظاهر قوله تعالى:( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى‏ غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضى‏ مِنْ رَسُولٍ ) الجنّ: ٢٧ بالنظر إلى ما تفيده إضافة الغيب إلى الضمير، و عليك بإجادة التأمّل في هذا المقام.


و في تفسير العيّاشيّ، عن يزيد الكناسيّ عن أبي جعفرعليه‌السلام : في قوله تعالى:( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ ، الآية) قال: يقول: ما ذا اُجبتم في أوصيائكم الّذين خلّفتم على اُمتكم؟ قال: فيقولون: لا علم لنا بما فعلوا من بعدنا.

أقول: و رواه القمّيّ في تفسيره عن محمّد بن مسلم عنهعليه‌السلام .

و في الكافي، عن يزيد عن أبي عبداللهعليه‌السلام ما في معناه، و هو من الجري أو من قبيل الباطن.


( سورة المائدة الآيات ١١٠ - ١١١)

إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى‏ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيّدتّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونَ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى‏ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيّنَاتِ فَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذَا إِلّا سِحْرٌ مُبِينٌ( ١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنّنَا مُسْلِمُونَ( ١١١)

( بيان)

الآيتان و كذا الآيات التالية لها القاصّة قصّة نزول المائدة و التالية لها المخبرة عمّا سيسأل الله عيسى بن مريمعليهما‌السلام عن اتّخاذ الناس إيّاه و اُمّه إلهين من دون الله سبحانه و ما يجيب به عن ذلك، كلّها مرتبطة بغرض السورة الّذي افتتحت به، و هو الدعوة إلى الوفاء بالعهد و الشكر للنعمة و التحذير عن نقض العهود و كفران النعم الإلهيّة و بذلك يتمّ رجوع آخر السورة إلى أوّلها و تحفظ وحدة المعنى المراد.

قوله تعالى: ( إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ - إلى قوله -وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِي ) الآية تعدّ عدّة من الآيات الباهرة الظاهرة بيدهعليه‌السلام إلّا أنّها تمتنّ بها عليه و على اُمّه جميعاً، و هي مذكورة بهذا اللفظ تقريباً فيما يحكيه تعالى من تحديث الملائكة مريم عند بشارتها بعيسىعليهما‌السلام في سورة آل عمران، قال تعالى:( إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ - إلى أن قال -وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا - إلى أن قال -وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ


فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِ اللهِ ) (الآيات) آل عمران: ٤٥ - ٥٠.

و التأمّل في سياق الآيات يوضح الوجه في عدّ ما ذكره من الآيات المختصّة ظاهراً بالمسيح نعمة عليه و على والدته جميعاً كما تشعر به آيات آل عمران فإنّ البشارة إنّما تكون بنعمة، و الأمر على ذلك فإنّ ما اختصّ به المسيحعليه‌السلام من آية و موهبة كالولادة من غير أب و التأييد بروح القدس و خلق الطير و إبراء الأكمه و الأبرص و إحياء الموتى بإذن الله سبحانه فهي بعينها كرامة لمريم كما أنّها كرامة لعيسىعليه‌السلام فهما معاً منعّمان بالنعمة الإلهيّة كما قال تعالى:( نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَ عَلى‏ والِدَتِكَ ) .

و إلى ذلك يشير تعالى بقوله:( وَ جَعَلْناها وَ ابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ) الأنبياء: ٩١ حيث عدّهما معاً آية واحدة لا آيتين.

و قوله:( إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ ) الظاهر أنّ التأييد بروح القدس هو السبب المهيّئ له لتكليم الناس في المهد، و لذلك وصل قوله( تُكَلِّمُ النَّاسَ ) من غير أن يفصله بالعطف إلى الجملة السابقة إشعاراً بأنّ التأييد و التكليم معاً أمر واحد مؤلّف من سبب و مسبّب، و اكتفى في موارد من كلامه بذكر أحد الأمرين عن الآخر كقوله في آيات آل عمران المنقولة آنفاً:( وَ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَ كَهْلًا ) ، و قوله:( وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) البقرة: ٢٥٣.

على أنّه لو كان المراد بتأييده بروح القدس مسألة الوحي بوساطة الروح لم يختصّ بعيسى بن مريمعليه‌السلام و شاركه فيها سائر الرسل مع أنّ الآية تأبى ذلك بسياقها.

و قوله:( وَ إِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ ) من الممكن أن يستفاد منه أنّهعليه‌السلام إنّما تلقّى علم ذلك كلّه بتلقّ واحد عن أمر إلهيّ واحد من غير تدريج و تعدّد كما أنّه أيضاً ظاهر جمع الجميع و تصديرها بإذ من غير تكرار لها.

و كذلك قوله:( إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَ تُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ) ظاهر السياق من جهة عدم تكرار لفظة( إِذْ ) أنّ خلق الطير و إبراء الأكمه و الأبرص كانا متقارنين زماناً، و أنّ تذييل خلق الطير بذكر الإذن


من غير أن يكتفي بالإذن المذكور في آخر الجملة إنّما هو لعظمة أمر الخلق بإفاضة الحياة فتعلّقت العناية به فاختصّ بذكر الإذن بعده من غير أن ينتظر فيه آخر الكلام صوناً لقلوب السامعين من أن يخطر فيها أنّ غيره تعالى يستقلّ دونه بإفاضة الحياة أو تلبث فيها هذه الخطرة و لو لحظات يسيرة، و الله أعلم.

و قوله:( وَ إِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى‏ بِإِذْنِي ) إخراج الموتى كناية عن إحيائها، و فيه عناية ظاهرة بأنّ الإحياء الّذي جرى على يديهعليه‌السلام كان إحياء لموتى مقبورين بإفاضة الحياة عليهم و إخراجهم من قبورهم إلى حياة دنيويّة، و في اللفظ دلالة على الكثرة، و قد تقدّم في الكلام على آيات آل عمران بقيّة ما يتعلّق بهذه الآيات من الكلام فراجع ذلك.

قوله تعالى: ( وَ إِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ ) إلى آخر الآية. فيه دلالة على أنّهم قصدوه بشرّ فكفّهم الله عن ذلك فينطبق على ما ذكره الله في سورة آل عمران في قصصهعليه‌السلام بقوله:( وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ) .

قوله تعالى: ( وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) الآية، الآية منطبقة على آيات سورة آل عمران بقوله:( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران: ٥٢.

و من هنا يظهر أنّ هذا الإيمان الّذي ذكره في الآية بقوله:( وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا ) ، الآية غير إيمانهم الأوّل بهعليه‌السلام فإنّ ظاهر قوله في آية آل عمران:( فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى‏ مِنْهُمُ الْكُفْرَ ) أنّه كان في أواخر أيّام دعوته و قد كان الحواريّون و هم السابقون الأوّلون في الإيمان به ملازمين له.

على أنّ ظاهر قوله في آية آل عمران:( قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) أنّ الدعوة إنّما سيقت لأخذ الميثاق على نصرة دين الله لا أصل الإيمان بالله، و لذلك ختم الآية بقولهم:( وَ اشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) و هو التسليم لأمر الله بإقامة دعوته و تحمّل الأذى في جنبه، و كلّ ذلك بعد أصل الإيمان بالله طبعاً.

فتبيّن أنّ المراد بقوله:( وَ إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) ، إلخ قصّة أخذ الميثاق من الحواريّين، و في الآية أبحاث اُخر مرّت في تفسير سورة آل عمران.


( بحث روائي)

في المعاني، بإسناده عن أبي يعقوب البغداديّ قال: قال ابن السكّيت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : لما ذا بعث الله موسى بن عمران بيده البيضاء و العصا و آلة السحر، و بعث عيسى بآلة الطبّ، و بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالكلام و الخطب؟.

فقال أبوالحسنعليه‌السلام : إنّ الله تعالى لما بعث موسىعليه‌السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عندالله تعالى بما لم يكن عند القوم و في وسعهم مثله، و بما أبطل به سحرهم، و أثبت به الحجّة عليهم و إنّ الله تعالى بعث عيسى في وقت ظهرت فيه الزمانات و احتاج الناس إلى الطبّ فأتاهم من عندالله تعالى بما لم يكن عندهم مثله، و بما أحيي لهم الموتى، و أبرأ الأكمه و الأبرص بإذن الله، و أثبت به الحجّة عليهم و إنّ الله تعالى بعث محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب و الكلام و الشعر فأتاهم من كتاب الله و الموعظة و الحكمة بما أبطل به قولهم، و أثبت به الحجّة عليهم.

قال ابن السكّيت ما رأيت مثلك اليوم قطّ فما الحجّة على الخلق اليوم؟ فقال: العقل يعرف به الصادق على الله فيصدّقه و الكاذب على الله فيكذّبه، قال ابن السكّيت: هذا و الله هو الجواب.

و في الكافي، عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسن بن محبوب عن أبي جميلة عن أبان بن تغلب و غيره عن أبي عبداللهعليه‌السلام : أنّه سئل هل كان عيسى بن مريم أحيا أحداً بعد موته بأكل و رزق و مدّة و ولد؟ فقال: نعم إنّه كان له صديق مواخ له في الله تبارك و تعالى، و كان عيسىعليه‌السلام يمرّ به و ينزل عليه، و إنّ عيسى غاب عنه حيناً ثمّ مرّ به ليسلّم عليه فخرجت عليه اُمّه فسألها عنه فقالت له: مات يا رسول الله، فقال: أ تحبّين أن تراه؟ قالت: نعم. فقال: إذا كان غداً أتيتك حتّى اُحييه لك بإذن الله تعالى.

فلمّا كان من الغد أتاها فقال لها: انطلقي معي إلى قبره فانطلقا حتّى أتيا قبره فوقف عليه عيسىعليه‌السلام ثمّ دعا الله عزّوجلّ فانفرج القبر فخرج ابنها حيّاً فلمّا رأته اُمّه و رءاها بكيا فرحمهما عيسىعليه‌السلام فقال له عيسى: أ تحبّ أن تبقى مع اُمّك في الدنيا؟


فقال: يا رسول الله بأكل و رزق و مدّة أم بغير أكل و رزق و مدّة؟ فقال له عيسىعليه‌السلام : بأكل و رزق و مدّة تعمّر عشرين سنة و تزوّج و يولد لك، قال: نعم إذاً.

قال: فدفعه عيسىعليه‌السلام إلى اُمّه فعاش عشرين سنة و ولد له.

و في تفسير العيّاشيّ، عن محمّد بن يوسف الصنعانيّ عن أبيه قال: سألت أباجعفرعليه‌السلام ( إِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ) قال: اُلهموا.

أقول: و استعمال الوحي في مورد الإلهام جاء في القرآن في غير مورد كقوله تعالى:( وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ ) القصص: ٧، و قوله تعالى:( وَ أَوْحى‏ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً ) النحل: ٦٨ و قوله في الأرض:( بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى‏ لَها ) الزلزال: ٥.


( سورة المائدة الآيات ١١٢ - ١١٥)

إِذْ قَالَ الْحَوارِيّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السّماءِ قَالَ اتّقُوا اللّهَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ( ١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَن نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشّاهِدِينَ( ١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمّ رَبّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السّمَاءِ تَكُونَ لَنَا عِيداً لِأَوّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ( ١١٤) قَالَ اللّهُ إِنّي مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّي أُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ( ١١٥)

( بيان)

الآيات تذكر قصّة نزول المائدة على المسيحعليه‌السلام و أصحابه، و هي و إن لم تصرّح بأنّ الله أنزلها عليهم غير أنّ الآية الأخيرة تتضمّن الوعد المنجز منه بإنزالها من غير تقييد و قد وصف تعالى نفسه بأنّه لا يخلف الميعاد.

و قول بعضهم: (إنّهم استقالوا عيسىعليه‌السلام بعد ما سمعوا الوعيد الشديد من الله تعالى لمن يكفر منهم بعد نزول المائدة) قول من غير دليل من كتاب أو حديث يعتمد عليه.

و قد نقل ذلك عن جمع من المفسّرين، و ممّن يذكر منهم: المجاهد و الحسن، و لا حجّة في قولهما و لا قول غيرهما و لو عدّ قولهما رواية كانت من الموقوفات الّتي لا حجّيّة لها لضعفها على أنّها معارضة بغيرها من الروايات الدالّة على نزولها، على أنّها لو صحّت لم تكن إلّا من الآحاد الّتي لا يعتمد عليها في غير الأحكام.

و ربّما يستدلّ على عدم نزولها بأنّ النصارى لا يعرفونها و كتبهم المقدّسة خالية عن حديثها، و لو كانت نازلة لتوفّرت الدواعي على ذكره في كتبهم و حفظه فيما بينهم بسيرة مستمرّة كما تحفّظوا على العشاء الربّانيّ لكن الخبير بتاريخ شيوع النصرانيّة و ظهور الأناجيل لا يعبأ بأمثال هذه الأقاويل فلا كتبهم مكتوبة محفوظة على التواتر إلى


زمن عيسىعليه‌السلام ، و لا هذه النصرانيّة الحاضرة تتّصل بزمنه حتّى ينتفع بها فيها يعتورونه يداً بيد، أو فيما لا يعرفونه ممّا ينسب إلى الدعوة العيسويّة أو يتعلّق بها.

نعم وقع في بعض الأناجيل إطعام المسيح تلاميذه و جماعة من الناس بالخبز و السمك القليلين على طريق الإعجاز، غير أنّ القصّة لا تنطبق على ما قصّة القرآن في شي‏ء من خصوصيّاته، ورد في إنجيل يوحنّا، الإصحاح السادس ما هذا نصّه:

(١)( بعد هذا مضى يسوع إلى عبر بحر الجليل و هو بحر طبريّة (٢) و تبعه جمع كثير لأنّهم أبصروا آياته التي كان يصنعها في المرضى (٣) فصعد يسوع إلى جبل و جلس هناك مع تلاميذه (٤) و كان الفصح عند اليهود قريباً (٥) فرفع يسوع عينيه و نظر أنّ جمعاً كثيراً مقبل إليه فقال لفيلبس من أين نبتاع خبزاً ليأكل هؤلاء (٦) و إنّما قال هذا ليمتحنه لأنّه هو علم ما هو مزمع أن يفعل (٧) أجابه فيلبس لا يكفيهم خبز بمأتي دينار ليأخذ كلّ واحد منهم شيئاً يسيراً (٨) قال له واحد من تلاميذه و هو أندراوس أخو سمعان بطرس (٩) هنا غلام معه خمسة أرغفة شعير و سمكتان و لكن ما هذا لمثل هؤلاء (١٠) فقال يسوع اجعلوا الناس يتّكئون و كان في المكان عشب كثير فاتّكأ الرجال و عددهم نحو خمسة آلاف (١١) و أخذ يسوع الأرغفة و شكر و وزّع على التلاميذ و التلاميذ أعطوا المتّكئين و كذلك من السمكتين بقدر ما شاؤا (١٢) فلمّا شبعوا قال لتلاميذه أجمعوا الكسر الفاضلة لكي لا يضيع شي‏ء (١٣) فجمعوا و ملأوا اثنتي عشرة قفّة من الكسر من خمسة أرغفة الشعير الّتي فضلت عن الآكلين (١٤) فلمّا رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا إنّ هذا هو بالحقيقة النبيّ الآتي إلى العالم (١٥) و أمّا يسوع فإذ علم أنّهم مزمعون أن يأتوا و يختطفوه ليجعلوه ملكاً انصرف أيضاً إلى الجبل وحده) .

ثمّ إنّ التدبّر في هذه القصّة بما لها من سياق مسرود في كلامه تعالى يهدي إلى جهة اُخرى من البحث فإنّ السؤال المذكور في أوّلها بظاهره خال عن رعاية الأدب و الواجب حفظه في جنب الله سبحانه، و قد انتهى الكلام إلى وعيد منه تعالى لمن يكفر بهذه الآية وعيداً لا يوجد له نظير في شي‏ء من الآيات الّتي اختصّ الله سبحانه بها أنبياءه أو اقترحها اُممهم عليهم كاقتراح اُمم نوح و هود و صالح و شعيب و موسى و محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


فهل كان ذلك لكون الحواريّين و هم السائلون أساؤا الأدب في سؤالهم؟ لأنّ لفظهم لفظ من يشكّ في قدرة الله سبحانه ففي اقتراحات الاُمم السابقة عليهم من الإهانة بمقام ربّهم و السخريّة و الهزء بأنبيائهم و كذا ما توجد حكايته في القرآن من طواغيت قوم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و اليهود المعاصرين له ما هو أوقح من ذلك و أشنع!.

أو أنّهم لكونهم مؤمنين قبل السؤال و النزول لو كفروا بعد النزول و مشاهدة الآية الباهرة استحقّوا هذا الوعيد على هذه الشدّة؟ فالكفر بعد مشاهدة الآية الباهرة و إن كان عتوّاً و طغياناً كبيراً لكنّه لا يختصّ بهم، ففي سائر الاُمم أمثال لهم في ذلك و لم يوعدوا بمثل هذا الوعيد قطّ حتّى الّذين ارتدّوا منهم بعد التمكّن في مقام القرب و التحقّق بآيات الله سبحانه كالّذي يذكره الله سبحانه في قوله:( وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ) الأعراف: ١٧٥.

و الّذي يمكن أن يقال في المقام أنّ هذه القصّة بما صدّر به من السؤال يمتاز بمعنى يختصّ به من بين سائر معجزات الأنبياء الّتي أتوا بها لاقتراح من اُممهم أو لضرورات اُخر تدعو إلى ذلك.

و ذلك أنّ الآيات المعجزة الّتي يقصّها الكلام الإلهيّ إمّا آيات آتاها الله الأنبياء حين بعثهم لتكون حجّة مؤيّدة لنبوّتهم أو رسالتهم كما اُوتي موسىعليه‌السلام اليد البيضاء و العصا، و اُوتي عيسىعليه‌السلام إحياء الموتى و خلق الطير و إبراء الأكمه و الأبرص، و اُوتي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم القرآن، و هذه آيات اُوتيت لحاجة الدعوة إلى الإيمان و إتمام الحجّة على الكفّار ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيي من حيّ عن بيّنة.

و إمّا آيات معجزة أتى بها الأنبياء و الرسل لاقتراح الكفّار عليهم كناقة صالح، و يلحق بها المخوّفات و المعذّبات المستعملة في الدعوة كآيات موسىعليه‌السلام على قوم فرعون من الجراد و القمّل و الضفادع و غير ذلك في سبع آيات، و طوفان نوح، و رجفة ثمود و صرصر عاد و غير ذلك، و هذه أيضاً آيات متعلّقة بالمعاندين الجاحدين.

و إمّا آيات أراها الله المؤمنين لحاجة مسّتها، و ضرورة دعت إليها، كانفجار العيون من الحجر و نزول المنّ و السلوى على بني إسرائيل في التيه، و رفع الطور فوق رؤسهم و شقّ


البحر لنجاتهم من فرعون و عمله، فهذه آيات واقعة لإرهاب العاصين المستكبرين أو كرامة للمؤمنين لتتمّ كلمة الرحمة في حقّهم من غير أن يكونوا قد اقترحوها.

و من هذا الباب المواعيد الّتي وعدها الله في كتابه المؤمنين كرامة لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كوعد فتح مكّة و مقت المشركين من كفّار قريش و غلبة الروم إلى غير ذلك.

فهذه أنواع الآيات المقتصّة في القرآن و المذكورة في التعليم الإلهيّ، و أمّا اقتراح الآية بعد نزول الآية فهو من التهوّس يعدّه التعليم الإلهيّ من الهجر الّذي لا يعبأ به كاقتراح أهل الكتاب أن ينزّل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم كتاباً من السماء مع وجود القرآن بين أيديهم، قال تعالى:( يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى‏ أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً - إلى أن قال -لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفى‏ بِاللهِ شَهِيداً ) النساء: ١٦٦.

و كما سأل المشركون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنزال الملائكة أو إراءة ربّهم تعالى و تقدّس قال تعالى:( وَ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى‏ رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ) الفرقان: ٢١ و قال تعالى:( وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقى‏ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) الفرقان: ٩ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

و ليس ذلك كلّه إلّا لأنّ عنوان نزول الآية هو ظهور الحقّ و تمام الحجّة فإذا نزلت فقد ظهر الحقّ و تمّت الحجّة فلو اُعيد سؤال نزول الآية و قد نزلت و حصل الغرض فلا عنوان له إلّا العبث بآيات الله و اللعب بالمقام الربوبيّ و التذبذب في القبول، و فيه أعظم العتوّ و الاستكبار.

و هذا لو صدر عن المؤمنين لكان الذنب فيه أكثف و الإثم فيه أعظم فما ذا يصنع المؤمن بنزول الآية السماويّة و هو مؤمن و خاصّة إذا كان ممّن شاهد آيات الله فآمن عن مشاهدتها؟ و هل هو إلّا أشبه شي‏ء بما يقترحه أرباب الهوى و المترفون في مجالس الاُنس و حفل


التفكّه من المشعوذين أو أصحاب الرياضات العجيبة أن يطيّبوا عيشهم بإتحافهم بأعجب ما يقدرون عليه من الشعبذة و الأعمال الغريبة؟.

و الّذي يفيده ظاهر قوله تعالى:( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً ) أنّهم اقترحوا على المسيحعليه‌السلام أن يريهم آية خاصّة و هم حواريّوه المختصّون به و قد رأوا تلك الآيات الباهرة و الكرامات الظاهرة فإنّهعليه‌السلام لم يرسل إلى قومه إلّا بالآيات المعجزة كما يعطيه قوله تعالى:( وَ رَسُولًا إِلى‏ بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ ) الخ آل عمران: ٤٩.

و كيف يتصوّر في من آمن بالمسيحعليه‌السلام أن لا يعثر منه على آية و هوعليه‌السلام بنفس وجوده آية خلقه الله من غير أب و أيّده بروح القدس يكلّم الناس في المهد و كهلاً و لم يزل مكرّماً بآية بعد آية حتّى رفعه الله إليه و ختم أمره بأعجب آية.

فاقتراحهم آية اختاروها لأنفسهم بعد هاتيك الآيات على كثرتها من قبيل اقتراح الآية بعد الآية و قد ركبوا أمراً عظيماً و لذلك وبخهم عيسىعليه‌السلام بقوله:( اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .

و لذلك بعينه وجّهوا ما اقترحوا عليه و فسّروا قولهم ثانياً بما يكسر سورة ما أوهمه إطلاق كلامهم، و يزيل عنه تلك الحدّة فقالوا:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) فضمّوا إلى غرض الأكل أغراضاً اُخر يوجّه اقتراحهم، يريدون به أنّ اقتراحهم هذا ليس من قبيل التفكّه بالاُمور العجيبة و العبث بآيات الإلهيّة بل له فوائد مقصودة: من كمال علمهم و إزالة خطرات السوء من قلوبهم و شهادتهم عليها.

لكنّهم مع ذلك لم يتركوا ذكر إرادة الأكل و منه كانت الخطيئة و لو قالوا:( نريد أن نأكل منها فتطمئنّ قلوبنا) ، إلخ لم يلزمهم ما لزمهم إذ قالوا:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) ، إلخ فإنّ الكلام الأوّل يقطع جميع منابت التهوّس و المجازفة دون الثاني.


و لما ألحّوا عليه أجابهم عيسىعليه‌السلام إلى ما اقترحوا عليه و التمسوه و سأل ربّه أن يكرمهم بها، و هي معجزة مختصّة في نوعها باُمّته لأنّها الآية الوحيدة الّتي نزلت إليهم عن اقتراح في أمر غير لازم ظاهراً و هو أكل المؤمنين منها، و لذلك عنونهاعليه‌السلام عنواناً يصلح به أن يوجّه الوجه بسؤاله إلى ساحة العظمة و الكبرياء فقال:( اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا ) فعنونها بعنوان العيديّة، و العيد عند قوم هو اليوم الّذي نالوا فيه موهبة أو مفخرة مختصّة بهم من بين الناس، و كان نزول المائدة عليهم منعوتاً بهذا النعت.

و لما سأل عيسى ربّه ما سأل - و حاشاه أن يسأل إلّا ما يعلم أنّ من المرجوّ استجابته و أنّ ربّه لا يمقته و لا يفضحه، و حاشا ربّه أن يردّه خائباً في دعائه - استجاب له ربّه دعاءه غير أنّه شرط فيها لمن يكفر بها عذاباً يختصّ به من بين جميع الناس كما أنّ الآية آية خاصّة بهم لا يشاركهم في نوعها غيرهم من الاُمم فقال الله سبحانه:( إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) ، هذا.

قوله تعالى: ( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) ( إِذْ ) ظرف متعلّق بمقدّر و التقدير: اذكر إذ قال إلخ، أو ما يقرب منه، و ذهب بعضهم إلى أنّه متعلّق بقوله في الآية السابقة:( قالُوا آمَنَّا ) ، إلخ أي قال الحواريّون: آمنّا بالله و اشهد بأنّا مسلمون في وقت قالوا فيه لعيسى:( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) و المراد أنّهم ما كانوا على صدق في دعواهم، و لا على جدّ في إشهادهم عيسىعليه‌السلام على إسلامهم له.

و فيه أنّه مخالف لظاهر السياق، و كيف يكون إيمانهم غير خالص؟ و قد ذكر الله أنّه هو أوحى إليهم أن آمنوا بي و برسولي و هو تعالى يمتنّ بذلك على عيسىعليه‌السلام على أنّه لا وجه حينئذ للإظهار في قوله:( إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ ) ، إلخ.

و( المائدة) الخوان إذا كان فيه طعام، قال الراغب: و المائدة الطبق الّذي عليه الطعام، و يقال لكلّ واحدة منهما مائدة، و يقال: مادني يميدني أي أطعمني، انتهى.

و متن السؤال الّذي حكي عنهم في الآية و هو قولهم:( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ


عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) بحسب ظاهر ما يتبادر من معناه ممّا يستبعد العقل صدوره عن الحواريّين و هم أصحاب المسيح و تلامذته و أخصّاؤه الملازمون له المقتبسون من أنوار علومه و معارفه المتّبعون آدابه و آثاره، و الإيمان بأدنى مراتبه ينبّه الإنسان على أنّ الله سبحانه على كلّ شي‏ء قدير، لا يجوز عليه العجز و لا يغلبه العجز فكيف جاز أن يستفهموا رسولهم عن استطاعة ربّه على إنزال مائدة من السماء.

و لذلك قرأ الكسائيّ من السبعة:( هل تستطيع ربّك) بتاء المضارعة و نصب( ربّك) على المفعوليّة أي هل تستطيع أنت أن تسأل ربّك، فحذف الفعل الناصب للمفعول و اُقيم( تستطيع) مقامه، أو أنّه مفعول لفعل محذوف فقط.

و قد اختلف المفسّرون في توجيهه على بناء من أكثريهم على أنّ المراد به غير ما يتبادر من ظاهره من الشكّ في قدرة الله سبحانه لنزاهة ساحتهم من هذا الجهل السخيف.

و أوجه ما يمكن أن يقال هو أنّ الاستطاعة في الآية كناية عن اقتضاء المصلحة و وقوع الإذن كما أنّ الإمكان و القدرة و القوّة يكنّى بها عن ذلك كما يقال:( لا يقدر الملك أن يصغي إلى كلّ ذي حاجة) بمعنى أنّ مصلحة الملك تمنعه من ذلك و إلّا فمطلق الإصغاء مقدور له، و يقال:( لا يستطيع الغنيّ أن يعطي كلّ سائل) أي مصلحة حفظ المال لا تقتضيه، و يقال:( لا يمكن للعالم أن يبث كلّ ما يعلمه) أي يمنعه عن ذلك مصلحة الدين أو مصلحة الناس و النظام الدائر بينهم، و يقول أحدنا لصاحبه:( هل تستطيع أن تروح معي إلى فلان) ؟ و إنّما السؤال عن الاستطاعة بحسب الحكمة و المصلحة لا بحسب أصل القدرة على الذهاب، هذا.

و هناك وجوه اُخرى ذكروها:

منها: أنّ هذا السؤال لأجل تحصيل الاطمئنان بإيمان العيان لا للشكّ في قدرة الله سبحانه فهو على حدّ قول إبراهيمعليه‌السلام فيما حكى الله عنه:( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى‏ قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) .

و فيه: أنّ مجرّد صحّة أن تسأل الآية لزيادة الإيمان و اطمئنان القلب لا يصحّح حمل سؤالهم عليه و لم تثبت عصمتهم كإبراهيمعليه‌السلام حتّى تكون دليلاً منفصلاً يوجب


حمل كلامهم على ما لا حزازة فيه بل الدليل على خلافه حيث لم يقولوا: نريد أن نأكل منها فتطمئنّ قلوبنا كما قال إبراهيمعليه‌السلام :( بَلى‏ وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) بل قالوا:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ) فعدّوا الأكل بحيال نفسه غرضاً.

على أنّ هذا الوجه إنّما يستدعي تنزّه قلوبهم عن شائبة الشكّ في قدرة الله سبحانه و أمّا حزازة ظاهر الكلام فعلى حالها.

على أنّه قد تقدّم في تفسير قوله تعالى:( وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) الخ: البقرة: ٢٦٠ أنّ مرادهعليه‌السلام لم يكن مشاهدة تلبّس الموتى بالحياة بعد الموت كما عليه بناء هذا الوجه و لو كان كذلك لكان من قبيل طلب الآية بعد العيان و هو في مقام المشافهة مع ربّه بل مراده مشاهدة كيفيّة الإحياء بالمعنى الّذي تقدّم بيانه.

و منها: أنّه سؤال عن الفعل دون القدرة عليه فعبّر عنه بلازمه.

و فيه: أنّه لا دليل عليه، و لو سلم فإنّه إنّما ينفي عنهم الجهل بالقدرة المطلقة الإلهيّة و أمّا منافاة إطلاق اللفظ للأدب العبوديّ فعلى حالها.

و منها: أنّ في الكلام حذفاً تقديره: هل تستطيع سؤال ربّك؟ و يدلّ عليه قراءة هل تستطيع ربّك و المعنى: هل تستطيع أن تسأله من غير صارف يصرفك عن ذلك.

و فيه: أنّ الحذف و التقدير لا يعيد لفظة( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) إلى قولنا هل تستطيع سؤال ربّك بأيّ وجه فرض لمكان اختلاف الفعل في القراءتين بالغيبة و الحضور، و التقدير لا يحوّل الغيبة إلى الخطاب البتّة، و إن كان و لا بدّ فليقل: أنّه من قبيل إسناد الفعل المنسوب إلى عيسىعليه‌السلام إلى ربّه من جهة أنّ فعله فعل الله أو أنّ كلّ ما لهعليه‌السلام فهو لله سبحانه، و هذا الوجه مع كونه فاسداً من جهة أنّ الأنبياء و الرسل إنّما ينسب من أفعالهم إلى الله ما لا يستلزم نسبته إليه النقص و القصور في ساحته تعالى كالهداية و العلم و نحوهما، و أمّا لوازم عبوديّتهم و بشريّتهم كالعجز و الفقر و الأكل و الشرب و نحو ذلك فممّا لا تستقيم نسبته إليه تعالى البتّة فمشكلة ظاهر اللفظ على حالها.

و منها: أنّ الاستطاعة هنا بمعنى الإطاعة و المعنى: هل يطيعك ربّك و يجيب


دعاءك إذا سألته ذلك، و فيه: أنّه من قبيل تبديل المشكل بما هو أشكل فإنّ الاستفهام عن إطاعة الله سبحانه لرسوله و انقياده له أشنع و أفظع من الاستفهام عن استطاعته.

و قد انتصر بعضهم لهذا الوجه فقال في تقريره ما محصّله: إنّ الاستطاعة و الإطاعة من مادّة الطوع مقابل الكره فإطاعة الأمر فعله عن رضى و اختيار، و الاستفعال في هذه المادّة كالاستفعال في مادّة الإجابة فإذا كان معنى استجابة: أجاب دعاءه أو سؤاله فمعنى استطاعة: أطاعه أي أنّه انقاد له و صار في طوعه أو طوعاً له، و السين و التاء في المادّتين على أشهر معانيهما و هو الطلب، و لكنّه طلب دخل على فعل محذوف دلّ عليه المذكور المترتّب على المحذوف، و معنى استطاع الشي‏ء: طلب و حاول أن يكون ذلك الشي‏ء طوعاً له فأطاعه و انقاد له، و معنى استجاب: سئل شيئاً و طلب منه أن يجيب إليه فأجاب.

قال: فبهذا الشرح الدقيق تفهم صحّة قول من قال من المفسّرين: إنّ( يَسْتَطِيعُ ) هنا بمعنى يطيع و إنّ معنى يطيع: يفعل مختاراً راضياً غير كاره فصار حاصل معنى الجملة: هل يرضى ربّك و يختار أن ينزّل علينا مائدة من السماء إذا نحن سألناه أو سألته لنا ذلك، انتهى.

و فيهأوّلاً: أنّه لم يأت بشي‏ء دون أن قاس استطاع باستجاب ثمّ أعطى هذا معنى ذاك و هو قياس في اللغة ممنوع.

وثانياً: أنّ كون الاستطاعة و الإطاعة راجعين بحسب المادّة إلى الطوع مقابل الكره لا يستلزم وجوب جريان الاستعمال على رعاية معنى المادّة الأصليّة في جميع التطوّرات الطارئة عليها فكثير من الموادّ هجرت خصوصيّة معناها الأصليّ في ما عرضها من الهيئات الاشتقاقيّة نظير ضرب و أضرب و قبل و أقبل و قبّل و قابل و استقبل بحسب التبادر الاستعماليّ.

و اعتبار المادّة الأصليّة في البحث عن الاشتقاقات اللغويّة لا يراد به إلّا الاستعلام مبلغ ما يعيش المادّة الأصليّة بين مشتقّاتها بحسب عروض تطوّرات الاشتقاق عليها، أو انقضاء أمد حياتها بحسب المعنى و تبدّله إلى معنى آخر لا أن يلغى حكم التطوّرات و يحفظ المعنى الأصليّ ما جرى اللسان، فافهم ذلك.


فالاعتبار في اللفظ بما يفيده بحسب الاستعمال الدائر الحيّ لا بما تفيده المادّة اللغويّة و قد استعمل لفظ الاستطاعة في كلامه تعالى في أزيد من أربعين موضعاً، و هو في الجميع بمعنى القدرة، و استعمل لفظ الإطاعة فيما يقرب من سبعين موضعاً و هو في الجميع بمعنى الانقياد، و استعمل لفظ الطوع فيما استعمل و هو مقابل الكره فكيف يسوغ أن يؤخذ لفظ يستطيع بمعنى يطيع ثمّ يطيع بمعنى الطوع ثمّ يحكم بأنّ يستطيع في الآية بمعنى يرضى؟.

و أمّا حديث أجاب و استجاب فقد استعملا معاً في كلامه تعالى بمعنى واحد و ورد استعمال الاستجابة في موارد هي أضعاف ما استعملت فيه الإجابة فإنّك تجد الاستجابة فيما يقرب من ثلاثين موضعاً، و لا تجد الإجابة في أكثر من عشرة مواضع فكيف يقاس عليها أطاع و استطاع؟.

و كونهما بمعنى واحد ليس إلّا لانطباق عنايتين مختلفتين على مورد واحد فمعنى أجاب أنّ الجواب تجاوز عن المسؤل إلى السائل، و معنى استجاب أنّ المسؤل طلب من نفسه الجواب فأدّاه إلى السائل.

و من هنا يظهر أنّ الذي فسّر به الاستجابة و هو قوله: (و معنى استجاب سئل شيئاً و طلب منه أن يجيب إليه فأجاب) ليس على ما ينبغي فإنّ باب الاستفعال هو طلب( فعل) لا طلب( افعل) و هو ظاهر.

وثالثاً: أنّ السياق لا يلائم هذا المعنى إذ لو كان معنى قولهم:( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) إنّه هل يرضى ربّك أن نسأله نحن أو تسأله أنت أن ينزل علينا مائدة من السماء، و كان غرضهم من هذا السؤال أو النزول أن يزدادوا إيماناً و يطمئنّوا قلباً فما وجه توبيخ عيسىعليه‌السلام لهم بقوله:( اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) ؟ و ما وجه وعيده تعالى الكافرين بها بعذاب لا يعذّبه أحداً من العالمين، و هم لم يقولوا إلّا حقّاً و لم يسألوا إلّا مسألة مشروعة، و قد قال تعالى:( وَ سْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ ) النساء: ٣٢.

قوله تعالى: ( قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) توبيخ منهعليه‌السلام لهم لما يشتمل عليه ظاهر كلامهم من الاستفهام عن استطاعة ربّه على إنزال المائدة فإنّ كلامهم مريب على أيّ حال.


و أمّا على ما قدّمناه من أنّ الأصل في مؤاخذتهم الّذي يترتّب عليه الوعيد الشديد في آخر الآيات هو أنّهم سألوا آية حيث لا حاجة إليها و اقترحوا بما في معنى العبث بآيات الله سبحانه، ثمّ تعبيرهم بما يتبادر من ظاهره كونهم كأنّهم لم يعقدوا قلوبهم على القدرة الربوبيّة فوجه توبيخهعليه‌السلام لهم بقوله:( اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) أظهر.

قوله تعالى: ( قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) السياق ظاهر في أنّ قولهم هذا عذر اعتذروا به للتخلّص من توبيخهعليه‌السلام و ما ذكروه ظاهر التعلّق باقتراحهم الآية بنزول المائدة دون ما يظهر من قولهم:( هَلْ يَسْتَطِيعُ ربّك أَنْ يُنَزِّلَ ) ، من المعنى الموهم للشكّ في إطلاق القدرة، و هذا أيضاً أحد الشواهد على أنّ ملاك المؤاخذة في المقام هو أنّهم سألوا آية على آية من غير حاجة إليها.

و أمّا قولهم:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) ، إلخ فقد عدوّا في بيان غرضهم من اقتراح الآية اُموراً أربعة:

أحدها: الأكل و كأنّ مرادهم بذكره أنّهم ما أرادوا به اللعب بآيات الله بل أرادوا أن يأكلوا منها، و هو غرض عقلائيّ، و قد تقدّم أنّ هذا القول منهم كالتسليم لاستحقاقهم التوبيخ من عيسىعليه‌السلام و الوعيد الشديد من الله لمن يكفر منهم بآية المائدة.

و ذكر بعضهم: أنّ المراد بذكر الأكل إبانة أنّهم في حاجة شديدة إلى الطعام و لا يجدون ما يسدّ حاجتهم. و ذكر آخرون أنّ المراد نريد أن نتبرّك بأكله. و أنت تعلم أنّ المعنى الّذي قرّر في كلّ من هذين الوجهين أمر لا يدلّ عليه مجرّد ذكر الأكل، و لو كان مرادهم ذلك و هو أمر يدفع به التوبيخ لكان مقتضى مقام الاعتذار التصريح بذكره، و حيث لم يذكر شي‏ء من ذلك مع حاجة المقام إلى ذكره لو كان مراداً فليس المراد بالأكل إلّا مطلق معناه من حيث إنّه غرض عقلائيّ هو أحد أجزاء غرضهم في اقتراح نزول المائدة.

الثاني: اطمئنان القلب و هو سكونه باندفاع الخطورات المنافية للخلوص و الحضور.


و الثالث: العلم بأنّهعليه‌السلام قد صدقهم فيما بلّغهم عن ربّه، و المراد بالعلم حينئذ هو العلم اليقينيّ الّذي يحصل في القلب بعد ارتفاع الخطورات و الوساوس النفسانيّة عنه، أو العلم بأنّه قد صدقهم فيما وعدهم من ثمرات الإيمان كاستجابة الدعاء كما ذكره بعضهم، لكن يبعّده أنّ الحواريّين ما كانوا يسألون إنزال المائدة من السماء إلّا بدعاء عيسىعليه‌السلام و مسألته، و بالجملة بإعجاز منهعليه‌السلام و قد كانوا رأوا منهعليه‌السلام آيات كثيرة فإنّهعليه‌السلام لم يزل في حياته قريناً لآيات إلهيّة كبري، و لم يرسل إلى قومه و لم يدعهم دعوة إلّا مع آيات ربّه فلم يزالوا يرون ثمرات إيمانه من استجابة الدعاء إن كان المراد الثمرة الّتي هي استجابة دعائهعليه‌السلام ، و إن كان المراد الثمرة الّتي هي استجابة دعائهم أنفسهم فإنّهم لم يسألوا نزول الآية بدعاء أنفسهم، و لم تنزل إلّا بدعاء عيسىعليه‌السلام .

الرابع: أن يكونوا عليها من الشاهدين عند ما يحتاج إلى الشهادة كالشهادة عند المنكرين، و الشهادة عند الله يوم القيامة، فالمراد بها مطلق الشهادة، و يمكن أن يكون المراد مجرّد الشهادة عندالله سبحانه كما وقع في بعض قولهم الّذي حكاه الله تعالى إذ قال:( رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) ال عمران: ٥٣.

فقد تحصّل أنّهم - فيما اعتذروا به - ضمّوا اُموراً جميلة مرضيّة إلى غرضهم الآخر الّذي هو الأكل من المائدة السماويّة ليحسموا به مادّة الحزازة عن اقتراحهم الآية بعد مشاهدة الآيات الكافية فأجابهم عيسىعليه‌السلام إلى مسألتهم بعد الإصرار.

قوله تعالى: ( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) خلطعليه‌السلام نفسه بهم في سؤال المائدة، و بدأ بنداء ربّه بلفظ عامّ فقال:( اللهُمَّ رَبَّنا ) و قد كانوا قالوا له:( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) ليوافق النداء الدعاء.

و قد توحّد هذا الدعاء من بين جميع الأدعية و المسائل المحكيّة في القرآن عن الأنبياءعليه‌السلام بأن صدّر( باللّهمّ ربّنا ) و غيره من أدعيتهم مصدّر بلفظ( ربّ ) أو( ربّنا ) و ليس إلّا لدقّة المورد و هول المطّلع، نعم يوجد في أقسام الثناء المحكيّة نظير هذا التصدير كقوله:( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ) النمل: ٥٩ و قوله:( قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ) آل عمران: ٢٦ و قوله:


( قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) الزمر: ٤٦.

ثمّ ذكرعليه‌السلام عنواناً لهذه المائدة النازلة هو الغرض له و لأصحابه من سؤال نزولها و هو أن تنزّل فتكون عيداً له و لجميع اُمّته، و لم يكن الحواريّون ذكروا فيما اقترحوه أنّهم يريدون عيداً يخصّون به لكنّهعليه‌السلام عنون ما سأله بعنوان عامّ و قلبه في قالب حسن ليخرج عن كونه سؤالاً للآية مع وجود آيات كبري إلهيّة بين أيديهم و تحت مشاهدتهم، و يكون سؤالاً مرضيّاً عندالله غير مصادم لمقام العزّة و الكبرياء فإنّ العيد من شأنه أن يجمع الكلمة، و يجدّد حياة الملّة، و ينشّط نفوس العائدين، و يعلن كلّما عاد عظمة الدين.

و لذلك قال:( عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا ) أي أوّل جماعتنا من الاُمّة و آخر من يلحق بهم - على ما يدلّ عليه السياق - فإنّ العيد من العود و لا يكون عيداً إلّا إذا عاد حيناً بعد حين، و في الخلف بعد السلف من غير تحديد.

و هذا العيد ممّا اختصّ به قوم عيسىعليه‌السلام كما اختصّوا بنوع هذه الآية النازلة على ما تقدّم بيانه.

و قوله:( وَ آيَةً مِنْكَ ) لما قدّم مسألة العيد و هي مسألة حسنة جميلة لا عتاب عليها عقّبها بكونها آية منه تعالى كأنّه من الفائدة الزائدة المترتّبة على الغرض الأصليّ غير مقصودة وحدها حتّى يتعلّق بها عتاب أو سخط، و إلّا فلو كانت مقصودة وحدها من حيث كونها آية لم تخلُ مسألتها من نتيجة غير مطلوبة فإنّ جميع المزايا الحسنة الّتي كان يمكن أن يراد بها كانت ممكنة الحصول بالآيات المشهودة كلّ يوم منهعليه‌السلام للحواريّين و غيرهم.

و قوله:( وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) و هذه فائدة اُخرى عدّها مترتّبة على ما سأله من العيد من غير أن تكون مقصودةً بالذات، و قد كان الحواريّون ذكروه مطلوباً بالذات حيث قالوا:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) فذكروه مطلوباً لذاته و قدّموه على غيره، لكنّهعليه‌السلام عدّه غير مطلوب بالذات و أخّره عن الجميع و أبدل لفظ الأكل من لفظ الرزق فأردفه بقوله:( وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) .


و الدليل على ما ذكرنا أنّهعليه‌السلام جعل ما أخذوه أصلاً فائدة مترتّبة أنّه سأل أوّلاً لجميع اُمتّه و نفسه، و هو سؤال العيد الّذي إضافة إلى سؤالهم فصار بذلك كونها آية من الله و رزقاً وصفين خاصّين للبعض دون البعض كالفائدة المترتّبة غير الشاملة.

فانظر إلى أدبهعليه‌السلام البارع الجميل مع ربّه، و قس كلامه إلى كلامهم - و كلا الكلامين يؤمّان نزول المائدة - تر عجباً فقد أخذعليه‌السلام لفظ سؤالهم فأضاف و حذف، و قدّم و أخّر، و بدّل و حفظ حتّى عاد الكلام الّذي ما كان ينبغي أن يوجّه به إلى حضرة العزّة و ساحة العظمة أجمل كلام يشتمل على أدب العبوديّة، فتدبّر في قيود كلامهعليه‌السلام تر عجباً.

قوله تعالى: ( قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) قرأ أهل المدينة و الشام و عاصم( مُنَزِّلُها ) بالتشديد و الباقون( مُنَزِّلُها ) بالتخفيف - على ما في المجمع - و التخفيف أوفق لأنّ الإنزال هو الدالّ على النزول الدفعيّ، و كذلك نزلت المائدة، و أمّا التنزيل فاستعماله الشائع إنّما هو في النزول التدريجيّ كما تقدّم كراراً.

و قوله تعالى:( إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ) وعد صريح بالإنزال و خاصّة بالنظر إلى الإتيان به في هيئة اسم الفاعل دون الفعل، و لازم ذلك أنّ المائدة قد نزلت عليهم.

و ذكر بعض المفسّرين أنّها لم تنزل كما روي ذلك في الدرّ المنثور، و مجمع البيان، و غيرهما عن الحسن و مجاهد: قالا: إنّها لم تنزل و إنّ القوم لما سمعوا الشرط استعفوا عن نزولها و قالوا: لا نريدها و لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.

و الحقّ أنّ الآية ظاهرة الدلالة على النزول فإنّها تتضمّن الوعد الصريح بالنزول و حاشاه تعالى أن يجود لهم بالوعد الصريح و هو يعلم أنّهم سيستعفون عنها فلا تنزل، و الوعد الّذي في الآية صريح و الشرط الّذي في الآية يتضمّن تفرّع العذاب و ترتّبه على الكفر بعد النزول، و بعبارة اُخرى: الآية تتضمّن الوعد المطلق بالإنزال ثمّ تفريع العذاب على الكفر لا أنّها تشتمل على الوعد بالإنزال على تقدير قبولهم العذاب على الكفر، حتّى يرتفع موضوع الوعد عند عدم قبولهم الشرط فلا تنزل المائدة باستعفائهم عن نزولها، فافهم.


و كيف كان فاشتمال وعده تعالى بإنزال المائدة على الوعيد الشديد بعذاب الكافرين بها منهم ليس ردّاً لدعاء عيسىعليه‌السلام و إنّما هو استجابة له غير أنّه لما كان ظاهر الاستجابة بعد الدعاء - على ما له من السياق - أنّ هذه الآية تكون رحمة مطلقة منه لهم يتنعّم بها آخرهم و أوّلهم، قيّد تعالى هذا الإطلاق بالشرط الّذي شرط عليهم، و محصّله أنّ هذا العيد الّذي خصّهم الله به لا ينتفع به جميعهم بل إنّما ينتفع به المؤمنون المستمرّون على الإيمان منهم، و أمّا الكافرون بها فيستضرّون بها أشدّ الضرر.

فالآيتان في كلامه تعالى من حيث إطلاق الدعاء بحسب لازمه و تقييد الاستجابة كقوله تعالى:( وَ إِذِ ابْتَلى‏ إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) البقرة: ١٢٤ و قوله تعالى حكاية عن موسىعليه‌السلام :( أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ، وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ١٥٦.

و قد عرفت فيما تقدّم أنّ السبب الأصليّ في هذا العذاب الموعود الّذي يختصّ بهم إنّما هو اقتراحهم آية هي في نوعها مختصّة بهم لا يشاركهم فيها غيرهم من الاُمم فإذا اُجيبوا إلى ذلك أوعدوا على الكفر عذاباً لا يشاركهم فيها غيرهم كما شرّفوا بمثل ذلك.

و من هنا يظهر أنّ المراد بالعالمين عالمو جميع الاُمم عالمو زمانهم فإنّ ذلك مرتبطاً بمن يمتازون عنهم من الناس و هم جميع الاُمم لا أهل زمان عيسىعليه‌السلام خاصّة من اُمم الأرض.

و من هناك يظهر أيضاً أنّ قوله:( فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) و إن كان وعيداً شديداً بعذاب بئيس لكنّ الكلام غير ناظر إلى كون العذاب فوق جميع العذابات و العقوبات في الشدّة و الألم، و إنّما هو مسوق لبيان انفراد العذاب في بابه، و اختصاصهم من بين الاُمم به.


( بحث روائي)

في المجمع في قوله تعالى:( هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ) عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: معنى الآية هل تستطيع أن تدعو ربّك.

أقول: و روي هذا المعنى من طريق الجمهور عن بعض الصحابة و التابعين كعائشة و سعيد بن جبير، و هو راجع إلى ما استظهرناه من معنى الآية فيما تقدّم فإنّ السؤال عن استطاعة عيسىعليه‌السلام إنّما يصحّ بالنسبة إلى استطاعته بحسب الحكمة و المصلحة دون استطاعته بحسب أصل القدرة.

و في تفسير العيّاشيّ، عن عيسى العلويّ عن أبيه عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: المائدة الّتي نزلت على بني إسرائيل مدلاة بسلاسل من ذهب عليها تسعة أحوتة و تسعة أرغفة.

أقول: و في لفظ آخر تسعة أنوان و تسعة أرغفة( و الأنوان) جمع نون و هو الحوت.

و في المجمع، عن عمّار بن ياسر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: نزلت المائدة خبزاً و لحماً، و ذلك لأنّهم سألوا عيسى طعاماً لا ينفد يأكلون منها، قال: فقيل لهم: فإنّها مقيمة لكم ما لم تخونوا و تخبئوا و ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذّبتم، قال: فما مضى يومهم حتّى خبئوا و رفعوا و خانوا.

أقول: و رواه في الدرّ المنثور، عن الترمذيّ و ابن جرير و ابن أبي حاتم و ابن الأنباريّ و أبي الشيخ و ابن مردويه عن عمّار بن ياسر عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و في آخره: فمسخوا قردة و خنازير.

قال في الدرّ المنثور،: و أخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عمّار بن ياسر موقوفاً: مثله‏، قال الترمذيّ: و الوقف أصحّ، انتهى.

و الّذي ذكر في الخبر من أنّهم سألوا طعاماً لا ينفد يأكلون منها لا ينطبق على الآية ذاك الانطباق بناءً على ظاهر ما حكاه الله تعالى من قولهم:( وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) فإنّ الطعام الّذي لا يقبل النفاد لا يحتاج إلى شاهد يشهد عليه إلّا أن يراد من الشهادة الشهادة عند الله يوم القيامة.


و الّذي ذكر فيه من مسخهم قردة و خنازير ظاهر السياق أنّ ذلك هو العذاب الموعود لهم، و هذا ممّا يفتح باباً آخر من المناقشة فيه فإنّ ظاهر قوله تعالى:( فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ) اختصاص هذا العذاب بهم، و قد نصّ القرآن الشريف على مسخ آخرين بالقردة، قال تعالى:( وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ) البقرة: ٦٥ و المرويّ في هذا الباب عن بعض طرق أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام أنّهم مسخوا خنازير.

و في تفسير العيّاشيّ، عن الفضيل بن يسار عن أبي الحسنعليه‌السلام قال: إنّ الخنازير من قوم عيسى سألوا نزول المائدة فلم يؤمنوا بها فمسخهم الله خنازير.

و فيه: عن عبدالصمد بن بندار قال: سمعت أباالحسنعليه‌السلام يقول: كانت الخنازير قوماً من القصّارين كذّبوا بالمائدة فمسخوا خنازير.

أقول: و فيما رواه في الكافي، عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن الحسن الأشعريّ عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام قال: الفيل مسخ كان ملكاً زنّاءً، و الذئب مسخ كان أعرابيّاً ديّوثاً، و الأرنب مسخ كانت امرأة تخون زوجها و لا تغتسل من حيضها، و الوطواط مسخ كان يسرق تمور الناس، و القردة و الخنازير قوم من بني إسرائيل اعتدوا في السبت، و الجرّيث و الضبّ فرقة من بني إسرائيل لم يؤمنوا حيث نزلت المائدة على عيسى بن مريم فتاهوا فوقعت فرقة في البحر و فرقة في البرّ، و الفأرة فهي الفويسقة، و العقرب كان نمّاماً، و الدبّ و الوزغ و الزنبور كانت لحّاماً يسرق في الميزان.

و الرواية لا تعارض الروايتين السابقتين لإمكان أن يمسخ بعضهم خنزيراً و بعضهم جرّيثاً و ضبّاً غير أنّ هذه الرواية لا تخلو عن شي‏ء آخر و هو ما تضمّنه من مسخ أصحاب السبت قردة و خنازير، و الآية الشريفة المذكورة و نظيرتها ما في سورة الأعراف إنّما تذكران مسخهم قردة بسياق كالمنافي لغيرها، و الله أعلم.


( سورة المائدة الآيات ١١٦ - ١٢٠)

وَ إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي وَأُمّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنّكَ أَنْتَ عَلّامُ الْغُيُوبِ( ١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ شَهيدٌ( ١١٧) إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَ إِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( ١١٨) قَالَ اللّهُ هذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( ١١٩) للّهِ‏ِ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنّ وَهُوَ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ( ١٢٠)

( بيان)

مشافهة الله رسوله عيسى بن مريم في أمر ما قالته النصارى في حقّه، و كأنّ الغرض من سرد الآيات ذكر ما اعترف بهعليه‌السلام و حكاه عن نفسه في حياته الدنيا: أنّه لم يكن من حقّه أن يدّعي لنفسه ما ليس فقد كان بعين الله الّتي لا تنام و لا تزيغ و أنّه لم يتعدّ ما حدّه الله سبحانه له فلم يقل إلّا ما اُمر أن يقول ذلك، و اشتغل بالعمل بما كلّفه الله أن يشتغل به و هو أمر الشهادة، و قد صدّقه الله تعالى فيما ذكره من حقّ الربوبيّة و العبوديّة.

و بهذا تنطبق الآيات على الغرض النازل لأجله السورة، و هو بيان الحقّ المجعول لله على عباده أن يفوا بالعهد الّذي عقدوه و أن لا ينقضوا الميثاق فليس لهم أن يسترسلوا كيفما أرادوا و أن يرتعوا رغداً حيث شاؤا فلم يملّكوا هذا النوع من الحقّ من قبل ربّهم، و لا أنّهم قادرون على ذلك من حيال أنفسهم،( و لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى‏ كلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) ، و بذلك تختتم السورة.


قوله تعالى: ( وَ إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) ( إِذْ ) ظرف متعلّق بمحذوف يدلّ عليه المقام، و المراد به يوم القيامة لقوله تعالى فيها:( قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ) و قول عيسىعليه‌السلام فيها( وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) .

و قد عبّرت الآية عن مريم بالاُمومة فقيل:( اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ ) دون أن يقال:( اتّخذوني و مريم إلهين) للدلالة على عمدة حجّتهم في الاُلوهيّة و هو ولادته منها بغير أب، فالبنوّة و الاُمومة الكذائيّتين هما الأصل في ذلك فالتعبير به و بأمّه أدلّ و أبلغ من التعبير بعيسى و مريم.

و( دُونِ ) كلمة تستعمل بحسب المال في معنى الغير، قال الراغب: يقال للقاصر عن الشي‏ء( دون) قال بعضهم: هو مقلوب من الدنوّ، و الأدون الدنيّ، و قوله تعالى:( لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ ) أي من لم يبلغ منزلتكم في الديانة، و قيل: في القرابة، و قوله:( وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ ) أي ما كان أقلّ من ذلك، و قيل: ما سوى ذلك، و المعنيان متلازمان، و قوله:( أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتّخذونِي وَ أُمِّي إلهيّنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) أي غير الله، انتهى.

و قد استعمل لفظ( مِنْ دُونِ اللهِ ) كثيراً في القرآن في معنى الإشراك دون الاستقلال بمعنى أنّ المراد من اتّخاذ إله أو إلهين أو آلهة من دون الله هو أن يتّخذ غير الله شريكاً لله سبحانه في اُلوهيّته لا أن يتّخذ غير الله إلهاً و تنفي اُلوهيّة الله سبحانه فإنّ ذلك من لغو القول الّذي لا يرجع إلى محصّل فإنّ الّذي أثبته حينئذ يكون هو الإله سبحانه و ينفي غيره، و يعود النزاع إلى بعض الأوصاف الّتي أثبتها فمثلاً لو قال قائل: إنّ الإله هو المسيح و نفى إله المسيح عاد مفاد كلامه إلى إثبات الإله تعالى و توصيفه بصفات المسيح البشريّة، و لو قال قائل: إنّ الأصنام أو أرباب الأصنام آلهة و نفى الله تعالى و تقدّس فإنّه يقول بأنّ للعالم إلهاً فقد أثبت الله سبحانه لكنّه نعته بنعت الكثرة و التعدّد فقد جعل لله شركاء، أو يقول كما يقوله النصارى:( إنّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ) أي واحد هو ثلاث و ثلاث هو واحد.

و من قال: إنّ مبدأ العالم هو الدهر أو الطبيعة و نفى أن يكون للعالم إله تعالى


عن ذلك فقد أثبت للعالم صانعاً و هو الله عزّ اسمه لكنّه نعته بنعوت القصور و النقص و الإمكان.

و من نفى أن يكون لهذا النظام العجيب مبدأ أصلاً و نفى العلّيّة و التأثير على الرغم من صريح ما تقضي به فطرته فقد أثبت عالماً موجوداً ثابتاً لا يقبل النفي و الانعدام من رأس أي هو واجب الثبوت و حافظ ثبوته و وجوده إمّا نفسه و ليس لطروّ الزوال و التغيّر إلى أجزائه، و إمّا غيره فهو الله تبارك و تعالى، و له نعوت كماله.

فتبيّن أنّ الله سبحانه لا يقبل النفي أصلاً إلّا بظاهر من القول من غير أن يكون له معنى معقول.

و الملاك في ذلك كلّه أنّ الإنسان إنّما يثبت الإله تعالى من جهة الحاجة العامّة في العالم إلى من يقيم أود وجوده و يدبّر أمر نظامه ثمّ يثبت خصوصيّات وجوده فما أثبته من شي‏ء لسدّ هذه الخلّة و رفع تلك الحاجة فهو الله سبحانه ثمّ إذا أثبت إلهاً غيره أو أثبت كثرة فإمّا أن يكون قد أخطأ في تشخيص صفاته و ألحد في أسمائه، أو يثبت له شريكاً أو شركاء تعالى عن ذلك، و أمّا نفيه و إثبات غيره فلا معنى له.

فظهر أنّ معنى قوله:( إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) شريكين لله هما من غيره، و إن سلّم أنّ الكلمة لا تؤدّي معنى الشركة بوجه، قلنا: إنّ معناها لا يتعدّى اتّخاذ إلهين هما من سنخ غير الله سبحانه و أمّا كون ذلك مقارناً لنفي اُلوهيّته تعالى أو إثباتها فهو مسكوت عنه لا يدلّ عليه لفظ و إنّما يعلم من خارج، و النصارى لا ينفون اُلوهيّته تعالى مع اتّخاذهم المسيح و اُمّه إلهين من دون الله سبحانه.

و ربّما استشكل بعضهم الآية بأنّ النصارى غير قائلين باُلوهيّة مريم العذراءعليها‌السلام ، و ذكروا في توجيهها وجوهاً.

لكنّ الّذي يجب أن يتنبّه عليه أنّ الآية إنّما ذكرت اتّخاذهم إيّاها إلهة و لم يذكر قولهم بأنّها إلهة بمعنى التسمية، و اتّخاذ الإله غير القول بالاُلوهيّة إلّا من باب الالتزام، و اتّخاذ الإله يصدق بالعبادة و الخضوع العبوديّ قال تعالى:( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) الجاثية: ٢٣ و هذا المعنى مأثور عن أسلاف النصارى مشهود في أخلافهم.


قال الآلوسيّ في روح المعاني: إنّ أباجعفر الإماميّ حكى عن بعض النصارى أنّه كان فيما مضى قوم يقال لهم:( المريميّة) يعتقدون في مريم أنّها إله.

و قال في تفسير المنار: أمّا اتّخاذهم المسيح إلهاً فقد تقدّم في مواضع من تفسير هذه السورة، و أمّا اُمّه فعبادتها كانت متّفقاً عليها في الكنائس الشرقيّة و الغربيّة بعد قسطنطين، ثمّ أنكرت عبادتها فرقة البروتستانت الّتي حدثت بعد الإسلام بعدّة قرون(١) .

إنّ هذه العبادة الّتي توجّهها النصارى إلى مريم والدة المسيحعليها‌السلام منها ما هو صلاة ذات دعاء و ثناء و استغاثة و استشفاع، و منها صيام ينسب إليها و يسمّى باسمها، و كلّ ذلك يقرن بالخضوع و الخشوع لذكرها و لصورها و تماثيلها، و اعتقاد السلطة الغيبيّة لها الّتي يمكنها بها في اعتقادهم أن تنفع و تضرّ في الدنيا و الآخرة بنفسها أو بواسطة ابنها، و قد صرّحوا بوجوب العبادة لها، و لكن لا يعرف عن فرقة من فرقهم إطلاق كلمة( إله) عليها بل يسمّونها( والدة الإله) و يصرّح بعض فرقهم أنّ ذلك حقيقة لا مجاز.

و القرآن يقول هنا: إنّهم اتّخذوها و اُمّها إلهيّن، و الاتّخاذ غير التسمية فهو يصدق بالعبادة و هي واقعة قطعاً، و بيّن في آية اُخرى أنّهم قالوا: إنّ الله هو المسيح عيسى بن مريم، و ذلك معنى آخر، و قد فسّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله تعالى في أهل الكتاب:( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ ) أنّهم اتّبعوهم فيما يحلّون و يحرّمون لا أنّهم سمّوهم أرباباً.

و أوّل نصّ صريح رأيته في عبادة النصارى لمريم عبادة حقيقيّة ما في كتاب( السواعي) من كتب الروم الاُرثوذكس، و قد اطّلعت على هذا الكتاب في دير يسمّى( دير التلميد) و أنا في أوّل العهد بمعاهد التعليم، و طوائف الكاثوليك يصرّحون بذلك و يفاخرون به.

____________________

(١) كما أنّ القول برسالة المسيح و نفي اُلوهيّته لا يزال يشيع في هذه الأيّام و هي سنة ١٩٥٨ م بين نصارى أمريكا، و قد ذكر المحقّق ه. ج. فلز في مجمل التاريخ: أنّ هذه العبادة الّتي تأتي بها عامّة النصارى للمسيح و اُمّه لا توافق تعليم المسيح لأنّه نهى كما في إنجيل مرقس أن يعبد غير الله الواحد ليراجع ص ٥٢٦ و ص ٥٣٩ من الكتاب المزبور.


و قد زيّن الجزويت في بيروت العدد التاسع من السنة السابعة لمجلّتهم( المشرق) بصورتها و بالنقوش الملوّنة إذ جعلوه تذكاراً لمرور خمسين سنة على إعلان البابا بيوس التاسع: أنّ مريم البتول حبل بها بلا دنس الخطيّة) و أثبتوا في هذا العدد عبادة الكنائس الشرقيّة لمريم كالكنائس الغربيّة.

و منه قول الأب( لويس شيخو) في مقالة له فيه عن الكنائس الشرقيّة:( إنّ تعبّد الكنيسة الأرمنيّة للبتول الطاهرة اُمّ الله لأمر مشهور) و قوله:( قد امتازت الكنيسة القبطيّة بعبادتها للبتولة المغبوطة اُمّ الله) انتهى كلامه.

و نقل أيضاً بعض مقالة للأب( إنستاس الكرمليّ) نشرت في العدد الرابع عشر من السنة الخامسة من مجلّة المشرق الكاثوليكيّة البيروتيّة قال تحت عنوان( قدم التعبّد للعذراء) بعد ذكر عبارة سفر التكوين في عداوة الحيّة للمرأة و نسلها و تفسير المرأة بالعذراء:( أ لا ترى أنّك لا ترى من هذا النصّ شيئاً ينوّه بالعذراء تنويهاً جليّاً إلى أن جاء ذلك النبيّ العظيم( إيليا) الحيّ فأبرز عبادة العذراء من حيّز الرمز و الإبهام إلى عالم الصراحة و التبيان) .

ثمّ فسّر هذه الصراحة و التبيان بما في سفر الملوك الثالث (بحسب تقسيم الكاثوليك) من أنّ إيليا حين كان مع غلامه في رأس الكرمل أمره سبع مرّات أن يتطلّع نحو البحر فأخبره الغلام بعد تطلّعه المرّة السابعة: أنّه رأى سحابة قدر راحة الرجل طالعة من البحر.

قال صاحب المقالة: فمن ذلك النشئ (أوّل ما ينشأ من السحاب)(١) قلت: إن هو إلّا صورة مريم على ما أحقّه المفسّرون بل و صورة الحبل بلا دنس أصليّ، ثمّ قال: هذا أصل عبادة العذراء في الشرق العزيز، و هو يرتقي إلى المائة العاشرة قبل المسيح، و الفضل في ذلك عائد إلى هذا النبيّ إيليا العظيم، ثمّ قال: و لذلك كان أجداد الكرمليّين أوّل من آمن أيضاً بالإله يسوع بعد الرسل و التلامذة، و أوّل من أقام للعذراء معبداً بعد

____________________

(١) يشير به إلى السحابة الّتي شاهدها الغلام ناشئة من البحر.


انتقالها إلى السماء بالنفس و الجسد، انتهى.(١)

قوله تعالى: ( قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) إلى آخر الآية هذه الآية و الّتي تتلوها جواب المسيح عيسى بن مريمعليه‌السلام عمّا سئل عنه و قد أتىعليه‌السلام فيه بأدب عجيب:

فبدأ بتسبيحه تعالى لما فاجأه أن سمع ذكر ما لا يليق نسبته إلى ساحة الجلال و العظمة و هو اتّخاذ الناس إلهين من دون الله شريكين له سبحانه فمن أدب العبوديّة أن يسبّح العبد ربّه إذا سمع ما لا ينبغي أن يسمع فيه تعالى أو ما يخطر بالبال تصوّر ذلك، و عليه جرى التأديب الإلهيّ في كلامه كقوله:( وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ ) الأنبياء: ٢٦ و قوله:( وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ) النحل: ٥٧.

ثمّ عاد إلى نفي ما استفهم عن انتسابه إليه، و هو أن يكون قد قال للناس اتّخذوني و اُمّي إلهين من دون الله، و لم ينفه بنفسه بل بنفي سببه مبالغة في التنزيه فلو قال:( لم أقل ذلك أو لم أفعل) لكان فيه إيماء إلى إمكان وقوعه منه لكنّه لم يفعل، لكن إذا نفاه بنفي سببه فقال:( ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) كان ذلك نفياً لما يتوقّف عليه ذلك القول، و هو أن يكون له أن يقول ذلك حقّاً فنفي هذا الحقّ نفي ما يتفرّع عليه بنحو أبلغ نظير ما إذ قال المولى لعبده: لم فعلت ما لم آمرك أن تفعله؟ فإن أجاب العبد بقوله:( لم أفعل) كان نفياً لما هو في مظنّة الوقوع، و إن‏ قال:( أنا أعجز من ذلك) كان نفياً بنفي السبب و هو القدرة، و إنكاراً لأصل إمكانه فضلاً عن الوقوع.

و قوله:( ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) إن كان لفظ( يَكُونُ ) ناقصّة فاسمها قوله:( أَنْ أَقُولَ ) و خبرها قوله:( لِي ) و اللّام للملك، و المعنى: ما أملك ما لم اُملّكه و ليس من حقّي القول بغير حقّ، و إن كانت تامّة فلفظ( لِي ) متعلّق بها و قوله:( أَنْ أَقُولَ ) ، إلخ فاعلها، و المعنى: ما يقع لي القول بغير حقّ، و الأوّل من الوجهين أقرب، و على أيّ حال يفيد الكلام نفي الفعل بنفي سببه.

____________________

(١) و إنّما نقلنا ما نقلناه بطوله لأنّ فيه ما يطلع به الباحث المتأمّل على نوع منطقهم في إثبات العبادة لها و يشاهد بعض مجازفاتهم في الدين.


و قولهعليه‌السلام :( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) نفي آخر للقول المستفهم عنه لا نفياً لنفسه بنفسه بل بنفي لازمه فإنّ لازم وقوع هذا القول أن يعلم به الله لأنّه الّذي لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء و هو القائم على كلّ نفس بما كسبت، المحيط بكلّ شي‏ء.

و هذا الكلام منهعليه‌السلام يتضمّن أوّلاً فائدة إلقاء القول مع الدليل من غير أن يكتفي بالدعوى المجرّدة و ثانياً الإشعار بأنّ الّذي كان يعتبره في أفعاله و أقواله هو علم الله سبحانه من غير أن يعبأ بغيره من خلقه علموا أو جهلوا، فلا شأن له معهم.

و بلفظ آخر السؤال إنّما يصحّ طبعاً في ما كان مظنّة الجهل فيراد به نفي الجهل و إفادة العلم، إمّا لنفس السائل إذا كان هو الجاهل بواقع الأمر، أو لغيره إذا كان السائل عالماً و أراد أن يعلم غيره بما يعلم هو من واقع الأمر كما يحمل عليه نوع السؤال الواقع في كلامه تعالى، و قولهعليه‌السلام في الجواب في مثل المقام:( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) إرجاع للأمر إلى علمه تعالى و إشعار أنّه لا يعتبر شيئاً في أفعاله و أقواله غير علمه تعالى.

ثمّ أشار بقوله:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) ليكون تنزيهاً لعلمه تعالى عن مخالطة الجهل إيّاه و هو و إن كان ثناءً أيضاً في نفسه لكنّه غير مقصود لأنّ المقام ليس بمقام الثناء بل مقام التبرّي عن انتساب ما نسب إليه.

فقولهعليه‌السلام :( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ) توضيح لنفوذ العلم الّذي ذكره في قوله:( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) و بيان أنّ علمه تعالى بأعمالنا و هو الملك الحقّ يومئذ ليس من قبيل علم الملوك منّا بأحوال رعيّته بارتفاع أخبار المملكة إليه ليعلم بشي‏ء و يجهل بشي‏ء، و يستحضر حال بعض و يغفل عن حال بعض، بل هو سبحانه لطيف خبير بكلّ شي‏ء و منها نفس عيسى بن مريم بخصوصه.

و مع ذلك لم يستوف حقّ البيان في وصف علمه تعالى فإنّه سبحانه يعلم كلّ شي‏ء، لا كعلم أحدنا بحال الآخر و علم الآخر بحاله، بل يعلم ما يعلم بالإحاطة به من غير أن يحيط به شي‏ء و لا يحيطون به علماً فهو تعالى إله غير محدود و كلّ من سواه محدود مقدّر لا يتعدّى طور نفسه المحدود، و لذلك ضمّعليه‌السلام إلى الجملة جملة اُخرى فقال:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) .


أمّا قوله:( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) ففيه بيان العلّة لقوله:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ) إلخ، و فيه استيفاء حقّ البيان من جهة اُخرى و هو رفع توهّم أنّ حكم العلم في قوله:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ ) مقصور بما بينه و بين ربّه لا يطّرد في كلّ شي‏ء فبيّن بقوله:( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) أنّ العلم التامّ بجميع الغيوب منحصر فيه فما كان عند شي‏ء من الأشياء و هو غيب عن غيره فهو معلوم لله سبحانه و هو محيط به.

و لازم ذلك أن لا يعلم شي‏ء من الأشياء بغيبه تعالى و لا بغيب غيره الّذي هو تعالى عالم به لأنّه مخلوق محدود لا يتعدّى طور نفسه فهو علّام جميع الغيوب، و لا يعلم شي‏ء غيره تعالى بشي‏ء من الغيوب لا الكلّ و لا البعض.

على أنّه لو اُحيط من غيبه تعالى بشي‏ء فإن أحاط تعالى به لم يكن هذا المحيط محيطاً حقيقة بل محاطاً له تعالى ملّكه الله بمشيئته أن يحيط بشي‏ء من ملكه من غير أن يخرج بذلك من ملكه كما قال تعالى:( وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ ) البقرة: ٢٥٥.

و إن لم يحط سبحانه تعالى بما أحاط به كان مضروباً بحدّ فكان مخلوقاً تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

قوله تعالى: ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) لما نفىعليه‌السلام القول المسؤل عنه عن نفسه بنفي سببه أوّلاً نفاه ببيان وظيفته الّتي لم يتعدّها ثانياً فقال:( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ) إلخ، و أتى فيه بالحصر بطريق النفي و الإثبات ليدلّ على الجواب بنفي ما سئل عنه و هو القول:( اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) .

و فسّر ما أمره به ربّه من القول بقوله:( أَنِ اعْبُدُوا اللهَ ) ثمّ وصف الله سبحانه بقوله:( رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) لئلّا يبقى أدنى شائبة من الوهم في أنّه عبد رسول يدعو إلى الله ربّه و ربّ جميع الناس وحده لا شريك له.

و على هذه الصراحة كان يسلك عيسى بن مريمعليه‌السلام في دعوته ما دعاهم إلى التوحيد على ما يحكي عنه القرآن الشريف، قال تعالى حكاية عنه:( إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ


هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) الزخرف: ٦٤ و قال:( وَ إِنَّ اللهَ رَبِّي وَ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ) مريم: ٣٦.

قوله تعالى: ( وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) ثمّ ذكرعليه‌السلام وظيفته الثانية من جانب الله سبحانه و هو الشهادة على أعمال اُمّته كما قال تعالى:( وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) النساء: ١٥٩.

يقولعليه‌السلام ما كان لي من الوظيفة فيهم إلّا الرسالة إليهم و الشهادة على أعمالهم: أمّا الرسالة فقد أدّيتها على أصرح ما يمكن، و أمّا الشهادة فقد كنت عليها ما دمت فيهم، و لم أتعدّ ما رسمت لي من الوظيفة فأنا براء من أن أكون اُلقي إليهم أن اتّخذوني و اُمّي إلهين من دون الله.

و قوله:( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) الرقوب و الرقابة هو الحفظ، و المراد به في المقام بدلالة السياق هو الحفظ على الأعمال، و كأنّه اُبدل الشهيد من الرقيب احترازاً عن تكرّر اللفظ بالنظر إلى قوله بعد:( وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) ، و لا نكتة تستدعي الإتيان بلفظ( الشهيد) ثانياً بالخصوص.

و اللفظ أعني قوله:( كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) يدلّ على الحصر، و لازمه أنّه تعالى كان شهيداً ما دام عيسىعليه‌السلام شهيداً و شهيداً بعده فشهادتهعليه‌السلام كانت وساطة في الشهادة لا شهادة مستقلّة على حدّ سائر التدبيرات الإلهيّة الّتي وكّل عليها بعض عباده ثمّ هو على كلّ شي‏ء وكيل كالرزق و الإحياء و الإماتة و الحفظ و الدعوة و الهداية و غيرها، و الآيات الشريفة في ذلك كثيرة لا حاجة إلى إيرادها.

و لذلك عقّبعليه‌السلام قوله:( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) بقوله:( وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) ليدل بذلك على أنّ الشهادة على أعمال اُمّته الّتي كان يتصدّاها ما دام فيهم كانت حصّة يسيرة من الشهادة العامّة المطلقة الّتي هي شهادة الله سبحانه على شي‏ء فإنّه تعالى شهيد على أعيان الأشياء و على أفعالها الّتي منها أعمال عباده، الّتي منها أعمال اُمّة عيسى ما دام فيهم و بعد توفّيه، و هو تعالى شهيد مع الشهداء و شهيد بدونهم.


و من هنا يظهر أنّ الحصر صادق في حقّه تعالى مع قيام الشهداء على شهادتهم فإنّهعليه‌السلام حصر الشهادة بعد توفّيه في الله سبحانه مع أنّ لله بعده شهداء من عباده و رسله و هوعليه‌السلام يعلم ذلك.

و من الدليل على ذلك بشارتهعليه‌السلام بمجي‏ء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما يحكيه القرآن بقوله:( يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ) الصفّ: ٦ و قد نصّ القرآن على كون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الشهداء قال تعالى:( وَ جِئْنا بِكَ عَلى‏ هؤُلاءِ شَهِيداً ) النساء: ٤١.

على أنّ الله سبحانه حكى عنه هذا الحصر:( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) و لم يردّه بالإبطال فالله سبحانه هو الشهيد لا غير مع وجود كلّ شهيد أي إنّ حقيقة الشهادة هي لله سبحانه كما أنّ حقيقة كلّ كمال و خير هو لله سبحانه، و أنّ ما يملكه غيره من كمال أو خير أو حسن فإنّما هو بتمليكه تعالى من غير أن يستلزم هذا التمليك انعزاله تعالى عن الملك و لا زوال ملكه و بطلانه، و عليك بالتدبّر في أطراف ما ذكرناه.

فبان بما أورده من بيان حاله المحكيّ عنه في الآيتين أنّه بري‏ء ممّا قاله الناس في حقّه و أن لا عهدة عليه فيما فعلوه، و لذلك ختمعليه‌السلام كلامه بقوله:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) إلى آخر الآية.

قوله تعالى: ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) لما اتّضح بما أقامعليه‌السلام من الحجّة أن لم يكن له من الوظيفة بالنسبة إلى الناس إلّا أداء الرسالة و القيام بأمر الشهادة، و أنّه لم يشتغل فيهم إلّا بذلك و لم يتعدّه إلى ما ليس له بحقّ فهو غير مسؤل عمّا تفوّهوا به من كلمة الكفر، بان أنّهعليه‌السلام بمعزل عن الحكم الإلهيّ المتعلّق بهم فيما بينهم و بين ربّهم، و لذلك استأنف الكلام ثانياً فقال من غير وصل و تفريع:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ ) ، إلخ.

فالآية كالصالحة لأن يوضع موضع البيان السابق، و مفادها أنّه لا عهدة عليّ فيما وقعوا فيه من الشرك الشنيع، و لم اُداخل أمرهم في شي‏ء حتّى اُشاركهم فيما بينك و بينهم من الحكم عليهم بما شئت فهم و حكمك في حقّهم بما أردت، و هم و صنعك فيهم بما صنعت،


إن تعذّبهم بما حكمت فيمن أشرك بك بدخول النار فإنّهم عبادك، و إليك تدبير أمرهم، و لك أن تسخط عليهم به لأنّك المولى الحقّ و إلى المولى أمر عباده، و إن تغفر لهم بإمحاء أثر هذا الظلم العظيم فإنّك أنت العزيز الحكيم لك حقّ العزّة و الحكمة، و للعزيز (و هو الّذي له من الجدة و القدرة ما ليس لغيره) و لا سيّما إذا كان حكيماً (لا يقدم على أمر إلّا إذا كان ممّا ينبغي أن يقدم عليه) أن يغفر الظلم العظيم فإنّ العزّة و الحكمة إذا اعتنقتا في فاعل لم تدعا قدرة تقوم عليه و لا مغمضة في ما قضى به من أمر.

و بما تقدّم من البيان ظهر أوّلاً: أنّ قوله:( فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) بمنزلة أن يقال:( فإنّك مولاهم الحقّ) على ما هو دأب القرآن من ذكر أسماء الله بعد ذكر أفعاله كما في آخر الآية.

و ثانياً: أنّ قوله:( فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ليس مسوقا للحصر بل الإتيان بضمير الفصل و إدخال اللّام في الخبر للتأكيد، و يؤول معناه إلى أنّ عزّتك و حكمتك ممّا لا يداخله ريب فلا مجال للاعتراض عليك إن غفرت لهم.

و ثالثاً: أنّ المقام (مقام المشافهة بين عيسى بن مريمعليه‌السلام و ربّه) لما كان مقام ظهور العظمة الإلهيّة الّتي لا يقوم لها شي‏ء كان مقتضاه أن يراعي فيه جانب ذلّة العبوديّة للغاية بالتحرّز عن الدلال و الاسترسال و التجنّب عن مداخلة في الأمر بدعاء أو سؤال، و لذلك قالعليه‌السلام :( وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) و لم يقل( فإنّك غفور رحيم) لأنّ سطوع آية العظمة و السطوة الإلهيّة القاهرة الغالبة على كلّ شي‏ء لا يدع للعبد إلّا أن يلتجئ إليه بما له من ذلّة العبوديّة و مسكنة الرقيّة و المملوكيّة المطلقة، و الاسترسال عند ذلك ذنب عظيم.

و أمّا قول إبراهيمعليه‌السلام لربّه:( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) إبراهيم: ٣٦ فإنّه من مقام الدعاء و للعبد أن يثير فيه ناشئة الرحمة الإلهيّة بما استطاع.

قوله تعالى: ( قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ) تقرير لصدق عيسى بن مريمعليه‌السلام على طريق التكنية فإنّه لم يصرّح بشخصه و إنّما المقام هو الّذي يفيد ذلك.


و المراد بهذا الصدق من الصادقين صدقهم في الدنيا فإنّه تعالى يعقّب هذه الجملة بقوله:( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) ، إلخ و من البيّن أنّه بيان لجزاء صدقهم عند الله سبحانه فهو النفع الّذي يعود إليهم من جهة الصدق، و الأعمال و الأحوال الاُخرويّة - و منها صدق أهل الآخرة - لا يترتّب عليها أثر النفع بمعنى الجزاء و بلفظ آخر: الأعمال و الأحوال الاُخرويّة لا يترتّب عليها جزاء كما يترتّب على الأعمال و الأحوال الدنيويّة إذ لا تكليف في الآخرة، و الجزاء من فروع التكليف، و إنّما الآخرة دار حساب و جزاء كما أنّ الدنيا دار عمل و تكليف، قال تعالى:( يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) إبراهيم: ٤١ و قال:( الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) الجاثية: ٢٨ و قال تعالى:( إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَ إِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ) المؤمن: ٣٩.

و الّذي ذكره عيسىعليه‌السلام من حاله في الدنيا مشتمل على قول و فعل و قد قرّره الله على الصدق فالصدق الّذي ذكر في الآية يشمل الصدق في الفعل كما يشمل الصدق في القول فالصادقون في الدنيا في قولهم و فعلهم ينتفعون يوم القيامة بصدقهم، لهم الجنّات الموعودة و هم الراضون المرضيّون الفائزون بعظيم الفوز.

على أنّ الصدق في القول يستلزم الصدق في الفعل - بمعنى الصراحة و تنزّه العمل عن سمة النفاق - و ينتهي به إلى الصلاح، و قد روي أنّ رجلاً من أهل البدو استوصى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فوصّاه أن لا يكذب ثمّ ذكر الرجل أنّ رعاية ما وصّى به كفّه عن عامّة المعاصي إذ ما من معصية عرضت إلّا ذكر أنّه لو اقترحها ثمّ سئل عنها وجب عليه أن يعترف بها على نفسه و يخبر بها الناس فلم يقترفها مخافة ذلك.

قوله تعالى: ( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) رضي الله عنهم بما قدّموا إليه من الصدق، و رضوا عن الله بما آتاهم من الثواب.

و قد علّق رضاه بهم أنفسهم لا بأعمالهم كما في قوله تعالى:( وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) طه: ١٠٩ و قوله:( وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ) الزمر: ٧ و بين القسمين من الرضى فرق فإنّ رضاك عن شي‏ء هو أن لا تدفعه بكراهة و من الممكن أن يأتي عدوّك بفعل ترضاه و أنت تسخط


على نفسه، و أن يأتي صديقك الّذي تحبّه بفعل لا ترضاه.

فقوله:( رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ) يدلّ على أنّ الله يرضى عن أنفسهم، و من المعلوم أنّ الرضى لا يتعلّق بأنفسهم ما لم يحصل غرضه جلّ ذكره من خلقهم، و قد قال تعالى:( وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) الذاريات: ٥٦، فالعبوديّة هو الغرض الإلهيّ من خلق الإنسان فالله سبحانه إنّما يرضى عن نفس عبده إذا كان مثالاً للعبوديّة أي أن يكون نفسه نفس عبد لله الّذي هو ربّ كلّ شي‏ء فلا يرى نفسه و لا شيئاً غيره إلّا مملوكاً لله خاضعاً لربوبيّته لا يؤوب إلّا إلى ربّه و لا يرجع إلّا إليه كما قال تعالى في سليمان و أيّوب:( نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) ص: ٤٤ و هذا هو الرضى عنه.

و هذا من مقامات العبوديّة، و لازمه طهارة النفس عن الكفر بمراتبه و عن الاتّصاف بالفسق كما قال تعالى:( وَ لا يَرْضى‏ لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ) الزمر: ٧ و قال تعالى:( فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى‏ عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) التوبة: ٩٦.

و من آثار هذا المقام أنّ العبوديّة إذا تمكّنت من نفس العبد و رأى ما يقع عليه بصره و تبلغه بصيرته مملوكاً لله خاضعاً لأمره فإنّه يرضى عن الله فإنّه يجد أنّ كلّ ما آتاه الله فإنّما آتاه من فضله من غير أن يتحتّم عليه فهو جود و نعمة، و أنّ ما منعه فإنّما منعه عن حكمة.

على أنّ الله سبحانه يذكر عنهم و هم في الجنّة بقوله:( لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ ) النحل: ٣١، الفرقان: ١٦، و من المعلوم أنّ الإنسان إذا وجد كلّ ما يشاؤه لم يكن له إلّا أن يرضى.

و هذا غاية السعادة الإنسانيّة بما هو عبد، و لذلك ختم الكلام بقوله:( ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) .

قوله تعالى: ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) ، الملك - بالكسر - سلطة خاصّة على رقبة الأشياء و أثره نفوذ الإرادة فيما يقدر عليه المالك من التصرّف فيها، و الملك - بالضمّ - سلطة خاصّة على النظام الموجود بين الأشياء و أثره نفوذ الإرادة فيما يقدر عليه، و بعبارة ساذجة: الملك - بالكسر - متعلّق بالفرد، و الملك


- بالضم - متعلّق بالجماعة.

و حيث كان الملك في نفوذ الإرادة بالفعل مقيّداً أو متقوّماً بالقدرة فإذا تمّت القدرة و اُطلقت كان الملك ملكاً مطلقاً غير مقيّد بشي‏ء دون شي‏ء و حال دون حال، و لبيان هذه النكتة عقّب تعالى قوله:( لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ ) بقوله:( وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) .

و اختتمت السورة بهذه الآية الدالّة على الملك المطلق، و المناسبة ظاهرة، فإنّ غرض السورة هو حثّ العباد و ترغيبهم على الوفاء بالعهود و المواثيق المأخوذة عليهم من جانب ربّهم، و هو الملك على الإطلاق فلا يبقى لهم إلّا أنّهم عباد مملوكون على الإطلاق ليس لهم فيما يأمرهم به و ينهاهم عنه إلّا السمع و الطاعة، و لا فيما يأخذ منهم من العهود و المواثيق إلّا الوفاء بها من غير نقض.

( بحث روائي)

في تفسير العيّاشيّ، عن ثعلبة بن ميمون عن بعض أصحابنا عن أبي جعفرعليه‌السلام : في قول الله تبارك و تعالى لعيسى:( أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ ) قال: لم يقله و سيقوله، إنّ الله إذا علم أنّ شيئاً كائن أخبر عنه خبر ما قد كان.

أقول: و فيه، أيضاً عن سليمان بن خالد عن أبي عبداللهعليه‌السلام : مثله‏، و حاصله أنّ الإتيان بصيغة الماضي في الأمر المستقبل للعلم بتحقّق وقوعه، و هو شائع في اللغة.

و فيه، عن جابر الجعفيّ عن أبي جعفرعليه‌السلام : في تفسير هذه الآية:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ) ، قال: إنّ اسم الله الأكبر ثلاثة و سبعون حرفاً فاحتجب الربّ تبارك و تعالى منها بحرف فمن ثمّ لا يعلم أحد ما في نفسه عزّوجلّ.

أعطى آدم اثنين و سبعين حرفاً فتوارثها الأنبياء حتّى صار إلى عيسىعليه‌السلام فذلك قول عيسى:( تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي ) يعني اثنين و سبعين حرفاً من الاسم الأكبر يقول: أنت علّمتنيها


فأنت تعلمها:( وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ) يقول: لأنّك احتجبت بذلك الحرف فلا يعلم أحد ما في نفسك.

أقول: سيجي‏ء البحث المبسوط عن أسماء الله الحسنى و اسمه الأعظم الأكبر في تفسير قوله تعالى:( وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‏ فَادْعُوهُ بِها ) الآية: الأعراف: ١٨٠ و يتبيّن هناك أنّ الاسم الأكبر أو الاسم الأعظم ليس من نوع اللفظ حتّى يتألّف من حروف الهجاء و إنّما المراد بالاسم في أمثال هذه الموارد هو المحكيّ عنه بالاسم اللفظيّ و هو الذات مأخوذاً بصفة من صفاته و وجه من وجوهه و يعود الاسم اللفظيّ حينئذ اسم الاسم على ما سيتّضح بعد.

و على هذا فقولهعليه‌السلام :( إنّ الاسم الأكبر مؤلّف من ثلاثة و سبعين حرفاً) و نظيره ما ورد في روايات كثيرة في هذا الباب من أنّ الاسم الأعظم مؤلّف من كذا حرفاً، و أنّها متفرّقة مبثوثة في كذا سورة أو أنّه في كذا آية كلّ ذلك بيانات مبنيّة على الرمز، و أمثال مضروبة لتفهيم ما يسع تفهيمه من الحقائق فما كلّ حقيقة ميسوراً بيانها بالصراحة من غير كناية و بالعين دون المثل.

و الّذي يتّضح به معنى الحديث بعض الاتّضاح هو أن يقال: إنّه لا شكّ أنّ أسماء الله تعالى الحسنى وسائط لظهور الكون بأعيانه و حدوث حوادثه الّتي لا تحصى، فإنّا لا نشكّ في أنّ الله سبحانه خلق خلقه لأنّه خالق جواد مبدئ مثلاً لا لأنّه منتقم شديد البطش، و أنّه إنّما يرزق من يرزق لأنّه رازق معط مثلاً لا لأنّه قابض مانع، و أنّه إنّما يفيض الحياة للأحياء لأنّه الحيّ المحيي لا لأنّه مميت معيد، و الآيات القرآنيّة أصدق شاهد على هذه الحقيقة، فإنّا نرى المعارف المبيّنة في متون الآيات معلّلة بالأسماء المناسبة لمعانيها في ذيلها فربّما اختتمت الآية لبيان ما تضمّنه من المعنى باسم، و ربّما اختتمت باسمين يفيدان بمجموعهما المعنى المذكور فيها.

و من هنا يظهر أنّ الواحد منّا لو رزق علم الأسماء و علم الروابط الّتي بينها و بين الأشياء و ما تقضيه أسماؤه تعالى مفردة و مؤلّفة علم النظام الكونيّ بما جرى و بما يجري عليه عن قوانين كليّة منطبقة على جزئيّاتها واحداً بعد واحد.


و قد بيّن القرآن الشريف على ما يفهم من ظواهره قوانين عامّة كثيرة في المبدإ و المعاد و ما رتّبه الله تعالى من أمر السعادة و الشقاوة ثمّ خاطب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ) .

لكنّها جميعاً قوانين كلّيّة ضروريّة إلّا أنّها ضروريّة لا في أنفسها و باقتضاء من ذواتها بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة و اللزوم، و إذا كانت هذه الحكومة العقليّة القطعيّة من جهته تعالى و بأمره و إرادته فمن البيّن أنّ فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدّى نفسه، و لا يغلبه في ذاته فهو سبحانه القاهر الغالب فكيف يغلبه ما ينتهي إليه تعالى من كلّ جهة و يفتقر إليه في عينه و أثره، فافهم ذلك.

فمن المحال أن يكون العقل الّذي يحكم بما يحكم بإفاضة الله ذلك عليه أو تكون الحقائق الّتي إنّما وجدت أحكامها و آثارها به تعالى، حاكمة عليه تعالى مقتضية فيه بالحكم و الاقتضاء اللذين هو المبقي لهما القاهر الغالب عليهما، و بعبارة اُخرى: ما في الأشياء من اقتضاء و حكم إنّما هو أثر التمليك الّذي ملّكه الله إيّاها، و لا معنى لأن يملك شي‏ء بالملك الّذي ملّكه الله بعينه منه تعالى شيئاً فهو تعالى مالك على الإطلاق غير مملوك بوجه من الوجوه أصلاً.

فلو أثاب الله المجرم أو عاقب المثيب أو فعل أيّ فعل أراد لم يكن عليه ضير، و لا منعه مانع من عقل أو خارج إلّا أنّه تعالى وعدنا و أوعدنا بالسعادة و الشقاء و حسن الجزاء و سوء الجزاء، و أخبرنا أنّه لا يخلف الميعاد و أخبرنا من طريق الوحي أو العقل باُمور ثمّ ذكر أنّه لا يقول إلّا الحقّ فسكنت نفوسنا به و اطمأنّت قلوبنا إليه بما لا طريق للريب إليه، قال تعالى:( إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ) آل عمران: ٩، الرعد: ٣١ و قال تعالى:( وَ الْحَقَّ أَقُولُ ) ص: ٨٤ و في معناهما الضرورة العقليّة في أحكامها.

و هذا الّذي بيّنه هو مقتضى أسمائه تعالى فيما علمنا بتعليمه منها لكن من وراء ذلك أنّه تعالى هو المالك على الإطلاق له أن يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، قال تعالى:( لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ ) الأنبياء: ٢٣، و هذا المعنى بعينه اسم من أسمائه تعالى مجهول الكنه لا طريق إلى تعلّق العلم به لأحد من خلقه فإنّ كلّ ما نعلمه من أسمائه فهو ممّا


يحكيه مفهوم من المفاهيم ثمّ نشخّص بنسبته آثاره في الوجود و أمّا الآثار الّتي لا طريق إلى تشخيصها في الوجود فهي لا محالة آثار لاسم لا طريق إلى الحصول على معناها و إن شئت فقل: إنّه اسم لا يصطاد بمفهوم، و إنّما يشير إليه صفة ملكه المطلق نوعاً من الإشارة.

فقد تبيّن أنّ من أسمائه تعالى ما لا سبيل إليه لأحد من خلقه و هو الّذي احتجب تعالى به فافهم ذلك.

( كلام في معنى الأدب)

نبحث فيه عن الأدب الّذي أدّب به أنبياءه و رسلهعليهم‌السلام في عدّة فصول:

١- معنى الأدب: الأدب - على ما يتحصّل من معناه - هو الهيئة الحسنة الّتي ينبغي أن يقع عليه الفعل المشروع إمّا في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم كآداب الدعاء و آداب ملاقاة الأصدقاء و إن شئت قلت: ظرافة الفعل.

و لا يكون إلّا في الاُمور المشروعة غير الممنوعة فلا أدب في الظلم و الخيانة و الكذب و لا أدب في الأعمال الشنيعة و القبيحة، و لا يتحقّق أيضاً إلّا في الأفعال الاختياريّة الّتي لها هيئات مختلفة فوق الواحدة حتّى يكون بعضها متلبّساً بالأدب دون بعض كأدب الأكل مثلاً في الإسلام، و هو أن يبدأ فيه باسم الله و يختم بحمد الله و يؤكل دون الشبع إلى غير ذلك، و أدب الجلوس في الصلاة و هو التورّك على طمأنينة و وضع الكفّين على الوركين فوق الركبتين و النظر إلى حجره و نحو ذلك.

و إذ كان الأدب هو الهيئة الحسنة في الأفعال الاختياريّة و الحسن و إن كان بحسب أصل معناه و هو الموافقة لغرض الحياة ممّا لا يختلف فيه أنظار المجتمعات لكنّه بحسب مصاديقه ممّا يقع فيه أشدّ الخلاف، و بحسب اختلاف الأقوام و الاُمم و الأديان و المذاهب و حتّى المجتمعات الصغيرة المنزليّة و غيرها في تشخيص الحسن و القبح يقع الاختلاف بينهم في آداب الأفعال.

فربّما كان عند قوم من الآداب ما لا يعرفه آخرون، و ربّما كان بعض الآداب


المستحسنة عند قوم شنيعة مذمومة عند آخرين كتحيّة أوّل اللقاء فإنّه في الإسلام بالتسليم تحيّة من عند الله مباركة طيّبة، و عند قوم برفع القلانس، و عند بعض برفع اليد حيال الرأس، و عند آخرين بسجدة أو ركوع أو انحناء بطأطأة الرأس، و كما أنّ في آداب ملاقاة النساء عند الغربيّين اُموراً يستشنعها الإسلام و يذمّها، إلى غير ذلك.

غير أنّ هذه الاختلافات جميعاً إنّما نشأت في مرحلة تشخيص المصداق و أمّا أصل معنى الأدب، و هو الهيأة الحسنة الّتي ينبغي أن يكون عليها الفعل فهو ممّا أطبق عليه العقلاء من الإنسان و أطبقوا أيضاً على تحسينه فلا يختلف فيه اثنان.

٢- اختلاف الآداب: لما كان الحسن من مقوّمات معنى الأدب على ما ذكر في الفصل السابق، و كان مختلفاً بحسب المقاصد الخاصّة في المجتمعات المختلفة أنتج ذلك ضرورة اختلاف الآداب الاجتماعيّة الإنسانيّة فالأدب في كلّ مجتمع كالمرآة يحاكي خصوصيّات أخلاق ذلك المجتمع العامّة الّتي رتّبها فيهم مقاصدهم في الحياة، و ركزتها في نفوسهم عوامل اجتماعهم و عوامل مختلفة اُخر طبيعيّة أو اتّفاقيّة.

و ليست الآداب هي الأخلاق لما أنّ الأخلاق هي الملكات الراسخة الروحيّة الّتي تتلبّس بها النفوس، و لكنّ الآداب هيئات حسنة مختلفة تتلبّس بها الأعمال الصادرة عن الإنسان عن صفات مختلفة نفسيّة، و بين الأمرين بون بعيد.

فالآداب من منشئات الأخلاق و الأخلاق من مقتضيات الاجتماع بخصوصه بحسب غايته الخاصّة فالغاية المطلوبة للإنسان في حياته هي الّتي تشخّص أدبه في أعماله، و ترسم لنفسه خطّاً لا يتعدّاه إذا أتى بعمل في مسير حياته و التقرّب من غايته.

٣- معنى الأدب الإلهيّ‏: و إذ كان الأدب يتبع في خصوصيّته الغاية المطلوبة في الحياة فالأدب الإلهيّ الّذي أدّب الله سبحانه به أنبياءه و رسلهعليهم‌السلام هو الهيئة الحسنة في الأعمال الدينيّة الّتي تحاكي غرض الدين و غايته، و هو العبوديّة على اختلاف الأديان الحقّة بحسب كثرة موادّها و قلّتها و بحسب مراتبها في الكمال و الرقيّ.

و الإسلام لما كان من شأنه التعرّض لجميع جهات الحياة الإنسانيّة بحيث لا يشذّ عنه شي‏ء من شؤونها يسير أو خطير دقيق أو جليل فلذلك وسع الحياة أدباً، و رسم في كلّ


عمل هيئة حسنة تحاكي غايته.

و ليس له غايّة عامّة إلّا توحيد الله سبحانه في مرحلتي الاعتقاد و العمل جميعاً أي أن يعتقد الإنسان أنّ له إلهاً هو الّذي منه بدئ كلّ شي‏ء و إليه يعود كلّ شي‏ء له الأسماء الحسنى و الأمثال العليا، ثمّ يجري في الحياة و يعيش بأعمال تحاكي بنفسها عبوديّته و عبوديّة كلّ شي‏ء عنده لله الحقّ عزّ اسمه، و بذلك يسري التوحيد في باطنه و ظاهره، و تظهر العبوديّة المحضة من أقواله و أفعاله و سائر جهات وجوده ظهوراً لا ستر عليه و لا حجاب يغطّيه.

فالأدب الإلهيّ - أو أدب النبوّة - هي هيئة التوحيد في الفعل.

٤- الأدب إنّما ينتج مع العمل‏: من المعلوم بالقياس و يؤيّده التجربة القطعيّة أنّ العلوم العمليّة - و هي الّتي تتعلّم ليعمل بها - لا تنجح كلّ النجاح و لا تؤثّر أثرها الجميل دون أن تلقى إلى المتعلّم في ضمن العمل، لأنّ الكلّيّات العلميّة ما لم تنطبق على جزئيّاتها و مصاديقها تتثاقل النفس في تصديقها و الإيمان بصحّتها لاشتغال نفوسنا طول الحياة بالجزئيّات الحسّيّة و كلالها بحسب الطبع الثانويّ من مشاهدة الكلّيّات العقليّة الخارجة عن الحسّ فالّذي صدّق حسن الشجاعة في نفسها بحسب النظر الخالي عن العمل ثمّ صادف موقفاً من المواقف الهائلة الّتي تطير فيها القلوب أدّى به ذلك إلى النزاع بين عقله الحاكم بحسن الشجاعة و وهمه الجاذب إلى لذّة الاحتراز من تعرّض الهلكة الجسمانيّة و زوال الحياة المادّيّة الناعمة فلا تزال النفس تتذبذب بين هذا و ذاك، و تتحيّر في تأييد الواحد من الطرفين المتخاصمين، و القوّة في جانب الوهم لأنّ الحسّ معه.

فمن الواجب عند التعليم أن تتلقّى المتعلّم الحقائق العلميّة مشفوعة بالعمل حتّى يتدرّب بالعمل و يتمرّن عليه لتزول بذلك الاعتقادات المخالفة الكائنة في زوايا نفسه و يرسخ التصديق بما تعلّمه في النفس، لأنّ الوقوع أحسن شاهد على الإمكان.

و لذلك نرى أنّ العمل الّذي لم تعهد النفس وقوعه في الخارج يصعب انقيادها له فإذا وقع لأوّل مرّة بدا كأنّه انقلب من امتناع إلى إمكان و عظم أمر وقوعه و أورث في النفس قلقاً و اضطراباً، ثمّ إذا وقع ثانياً و ثالثاً هان أمره و انكسر سورته و التحق بالعاديّات الّتي


لا يعبأ بأمرها، و إنّ الخير عادة كما أنّ الشرّ عادة.

و رعاية هذا الاُسلوب في التعليمات الدينيّة و خاصّة في التعليم الدينيّ الإسلاميّ من أوضح الاُمور فلم يأخذ شارع الدين في تعليم مؤمنيه بالكلّيّات العقليّة و القوانين العامّة قطّ بل بدأ بالعمل و شفّعه بالقول و البيان اللّفظيّ فإذا استكمل أحدهم تعلّم معارف الدين و شرائعه استكمله و هو مجهّز بالعمل الصالح مزوّد بزاد التقوى.

كما أنّ من الواجب أن يكون المعلّم المربّي عاملاً بعلمه فلا تأثير في العلم إذا لم يقرن بالعمل لأنّ للفعل دلالة كما أنّ للقول دلالة فالفعل المخالف للقول يدلّ على ثبوت هيئة مخالفة في النفس يكذّب القول فيدلّ على أنّ القول مكيدة و نوع حيلة يحتال بها قائله لغرور الناس و اصطيادهم.

و لذلك نرى الناس لا تلين قلوبهم و لا تنقاد نفوسهم للعظة و النصيحة إذا وجدوا الواعظ به أو الناصح بإبلاغه غير متلبّس بالعمل متجافياً عن الصبر و الثبات في طريقه، و ربّما قالوا:( لو كان ما يقوله حقّاً لعمل به) إلّا أنّهم ربّما اشتبه عليهم الأمر في استنتاج منه فإنّ النتيجة أنّ القول ليس بحقّ عند القائل إذ لو كان حقّاً عنده لعمل به، و ليس ينتج أنّ القول ليس بحقّ مطلقاً كما ربّما يستنتجونه.

فمن شرائط التربية الصالحة أن يكون المعلّم المربّي نفسه متّصفاً بما يصفه للمتعلّم متلبّساً بما يريد أن يلبّسه، فمن المحال العاديّ أن يربّي المربّي الجبان شجاعاً باسلاً، أو يتخرّج عالم حرّ في آرائه و أنظاره من مدرسة التعصّب و اللجاج و هكذا.

قال تعالى:( أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى‏ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) يونس: ٣٥ و قال:( أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ) البقرة: ٤٤ و قال حكاية عن قول شعيب لقومه:( وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) هود: ٨٨ إلى غير ذلك من الآيات.

فلذلك كلّه كان من الواجب أن يكون المعلّم المربّي ذا إيمان بموادّ تعليمه و تربيته.

على أنّ الإنسان الخالي عن الإيمان بما يقوله حتّى المنافق المتستّر بالأعمال


الصالحة المتظاهر بالإيمان الصريح الخالص لا يتربّى بيده إلّا من يمثّله في نفسه الخبيثة فإنّ اللسان و إن أمكن إلقاء المغايرة بينه و بين الجنان بالتكلّم بما لا ترضى به النفس و لا يوافقه السرّ إلّا أنّ الكلام من جهة اُخرى فعل و الفعل من آثار النفس و رشحاتها، و كيف يمكن مخالفة الفعل لطبيعة فاعله؟.

فالكلام من غير جهة الدلالة اللفظيّة الوضعيّة حامل لطبيعة نفس المتكلّم من إيمان أو كفر أو غير ذلك، و واضعها و موصلها إلى نفس المتعلّم البسيطة الساذجة فلا يميّز جهة صلاحه - و هو جهة دلالته الوضعيّة - من جهة فساده - و هو سائر جهاته - إلّا من كان على بصيرة من الأمر، قال تعالى في وصف المنافقين لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) سورة محمّد: ٣٠ فالتربية المستعقبة للأثر الصالح هو ما كان المعلّم المربّي فيها ذا إيمان بما يلقيه إلى تلامذته مشفوعاً بالعمل الصالح الموافق لعلمه، و أمّا غير المؤمن بما يقوله أو غير العامل على طبق علمه فلا يرجى منه خير.

و لهذه الحقيقة مصاديق كثيرة و أمثلة غير محصاة في سلوكنا معاشر الشرقيّين و الإسلاميّين خاصّة في التعليم و التربية في معاهدنا الرسميّة و غير الرسميّة فلا يكاد تدبير ينفع و لا سعي ينجح.

و إلى هذا الباب يرجع ما نرى أنّ كلامه تعالى يشتمل على حكاية فصول من الأدب الإلهيّ المتجلّي من أعمال الأنبياء و الرسلعليهم‌السلام ممّا يرجع إلى الله سبحانه من أقسام عباداتهم و أدعيتهم و أسئلتهم أو يرجع إلى الناس في معاشراتهم و مخاطباتهم فإنّ إيراد الأمثلة في التعليم نوع من التعليم العمليّ بإشهاد العمل.

٥- أدب النبوّة العامّ إجمالاً: قال الله تعالى بعد ذكر قصّة إبراهيم في التوحيد مع قومه:( وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى‏ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَ نُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ وَ أَيُّوبَ وَ يُوسُفَ وَ مُوسى‏ وَ هارُونَ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ وَ إِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَ إِسْماعِيلَ وَ الْيَسَعَ وَ يُونُسَ وَ لُوطاً وَ كلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ، وَ مِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ إِخْوانِهِمْ وَ اجْتَبَيْناهُمْ وَ هَدَيْناهُمْ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ لَوْ


أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) الأنعام: ٩٠، يذكر تعالى أنبياءه الكرامعليهم‌السلام ذكراً جامعاً ثمّ يذكر أنّه أكرمهم بالهداية الإلهيّة و هي الهداية إلى التوحيد فحسب و الدليل عليه قوله:( وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ) ، فلم يذكر منافياً لما حباهم به من الهداية إلّا الشرك فلم يهدهم إلّا إلى التوحيد.

غير أنّ التوحيد حكمه سار إلى أعمالهم متمكّن فيها و الدليل عليه قوله:( لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) فلو لا أنّ الشرك جار في الأعمال متسرّب فيها لم يستوجب حبطها فالتوحيد المنافي له كذلك.

و معنى سراية التوحيد في الأعمال كون صورها تمثّل التوحيد و تحاكيه محاكاة المرآة لمرئيّها بحيث لو فرض أنّ التوحيد تصوّر لكان هو تلك الأعمال بعينها، و لو أنّ تلك الأعمال تجرّدت اعتقاداً محضاً لكانت هي هو بعينه.

و هذا المعنى كثير المصداق في الصفات الروحيّة فإنّك ترى أعمال المتكبّر يمثّل ما في نفسه من صفة الكبر و الخيلاء، و كذلك البائس المسكين يحاكي جميع حركاته و سكناته ما في سرّه من الذلّة و الاستكانة و هكذا.

ثمّ أدّب تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأمره أن يقتدي بهداية من سبقه من الأنبياءعليهم‌السلام لا بهم، و الاقتداء إنّما يكون في العمل دون الاعتقاد فإنّه غير اختياريّ بحسب نفسه أي أن يختار أعمالهم الصالحة المبنيّة على التوحيد الصادرة عنهم عن تأديب عمليّ إلهيّ.

و نعني بهذا التأديب العمليّ ما يشير إليه قوله تعالى:( وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ ) الأنبياء: ٣٧ فإنّ إضافة المصدر في قوله( فِعْلَ الْخَيْراتِ ) إلخ، تدلّ على أنّ المراد به الفعل الصادر منهم من خيرات فعلوها و صلاة أقاموها و زكاة آتوها دون مجرّد الفعل المفروض فهذا الوحي المتعلّق بالأفعال في مرحلة صدورها منهم وحي تسديد و تأديب، و ليس هو وحي النبوّة و التشريع، و لو كان المراد به وحي النبوّة لقيل:( و أوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة) كما في قوله تعالى:( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ ) النحل: ١٢٣


و قوله:( وَ أَوْحَيْنا إِلى‏ مُوسى‏ وَ أَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَ اجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ ) يونس: ٨٧ إلى غير ذلك من الآيات، و معنى وحي التسديد أن يخصّ الله عبداً من عباده بروح قدسيّ يسدّده في أعمال الخير و التحرّز عن السيّئة كما يسدّدنا الروح الإنسانيّ في التفكّر في الخير و الشرّ، و الروح الحيوانيّ في اختيار ما نشتهيه من الجذب و الدفع بالإرادة، و سيجي‏ء الكلام المبسوط في ذلك إن شاء الله.

و بالجملة فقوله:( فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ ) تأديب إلهيّ إجماليّ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأدب التوحيد المنبسط على أعمال الأنبياءعليه‌السلام المنزّهة من الشرك.

ثمّ قال تعالى - بعد ما ذكر عدّة من أنبيائهعليهم‌السلام - في سورة مريم:( أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَ إِسْرائِيلَ وَ مِمَّنْ هَدَيْنا وَ اجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى‏ عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَ بُكِيًّا، فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، إِلَّا مَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) مريم: ٦٠.

فذكر تعالى أدبهم العامّ في حياتهم أنّهم يعيشون على الخضوع عملاً و على الخشوع قلباً لله عزّ اسمه فإنّ سجودهم عند ذكر آيات الله تعالى مثال الخضوع و بكاءهم و هو لرقّة القلب و تذلّل النفس آية الخشوع و هما معاً كناية عن استيلاء صفة العبوديّة على نفوسهم بحيث كلّما ذكّروا بآية من آيات الله بان أثره في ظاهرهم كما استولت الصفة على باطنهم فهم على أدبهم الإلهيّ و هو سمة العبوديّة إذا خلوا مع ربّهم و إذا خلوا للناس، فهم يعيشون على أدب إلهيّ مع ربّهم و مع الناس جميعاً.

و من الدليل على أنّ المراد به الأدب العامّ قوله تعالى في الآية الثانية:( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ) فإنّ الصلاة و هي التوجّه إلى الله هي حالهم مع ربّهم و اتّباع الشهوات حالهم مع غيرهم من الناس، و حيث قوبل اُولئك بهؤلاء أفاد الكلام أنّ أدب الأنبياء العامّ أن يراجعوا ربّهم بسمة العبوديّة و أن يسيروا بين الناس بسمة العبوديّة أي تكون بنية حياتهم مبنيّة على أساس أنّ لهم ربّاً يملكهم و يدبّر أمرهم، منه بدؤهم و إليه مرجعهم فهذا هو الأصل في جميع أحوالهم و أعمالهم.


و الّذي ذكره تعالى من استثناء التائبين منهم أدب آخر إلهيّ بدأ فيه بآدمعليه‌السلام أوّل الأنبياء حيث قال:( وَ عَصى‏ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى‏ ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى) طه: ١٣٢ و سيجي‏ء بعض القول فيه إن شاء الله تعالى.

و قال تعالى:( ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَ كَفى‏ بِاللهِ حَسِيباً ) الأحزاب: ٣٩.

أدب عامّ أدّب الله سبحانه به أنبياءهعليهم‌السلام و سنّة جارية له فيهم أن لا يتحرّجوا في ما قسم لهم من الحياة و لا يتكلّفوا في أمر من الاُمور إذ كانوا على الفطرة و الفطرة لا تهدي إلّا إلى ما جهّزها الله بما يلائمها في نيله، و لا تتكلّف الاستواء على ما لم يسهّل الله لها الارتقاء على مستواه، قال تعالى حكاية عن نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَ ما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ) ص: ٨٦ و قال تعالى:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) البقرة: ٢٨٦ و قال تعالى:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ) الطلاق: ٧ و إذ كان التكلّف خروجاً عن الفطرة فهو من اتّباع الشهوة و الأنبياء في مأمن منه.

و قال تعالى و هو أيضاً من التأديب بأدب جامع:( يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَ اعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَ إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) المؤمنون: ٥٢ أدّبهم تعالى أن يأكلوا من الطيّبات أي أن يتصرّفوا في الطيّبات من موادّ الحياة و لا يتعدّوها إلى الخبائث الّتي تتنفّر منها الفطرة السليمة و أن يأتوا من الأعمال بالصالح منها و هو الّذي يصلح للإنسان أن يأتي به ممّا تميل إليه الفطرة بحسب ما جهّزها الله من أسباب تحفظ بعملها بقائه إلى حين، أو أن يأتوا بالعمل الّذي يصلح أن يقدّم إلى حضرة الربوبيّة، و المعنيان متقاربان، فهذا أدب يتعلّق بالإنسان الفرد.

ثمّ وصله تعالى بأدب اجتماعيّ فذكر لهم أنّ الناس ليسوا إلّا اُمّة واحدة: المرسلون و المرسل إليهم، و ليس لهم إلّا ربّ واحد فليجتمعوا على تقواه، و يقطعوا بذلك دابر الاختلافات و التحزّبات، فإذا التقى الأمران أعني الأدب الفرديّ و الاجتماعيّ تشكّل مجتمع واحد بشرىّ مصون عن الاختلاف يعبد ربّاً واحداً، و يجري الآحاد منه على الأدب


الإلهيّ فاتّقوا خبائث الأفعال و سيّئات الأعمال فقد استووا على أريكة السعادة.

و هذا ما جمعته آية اُخرى و هي قوله تعالى:( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى‏ وَ عِيسى‏ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) الشورى: ١٣.

و قد فرق الله الأدبين في موضع آخر فقال:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء: ٢٥ فأدّبهم بتوحيده و بناء العبادة عليه، و هذا هو أدبهم بالنسبة إلى ربّهم، و قال:( وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً، أَوْ يُلْقى‏ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها - إلى أن قال -وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَ يَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ ) الفرقان: ٢٠ فذكر أنّ سيرة الأنبياء جميعاً و هو أدبهم الإلهيّ هو الاختلاط بالناس و رفض التحجّب و الاختصاص و التميّز من بين الناس فكلّ ذلك ممّا تدفعه الفطرة، و هذا أدبهم في الناس.

٦- أدب الأنبياء المحكي في القرآن تفصيلاً: من أدب الأنبياءعليه‌السلام في توجيههم الوجوه إلى ربّهم و دعائهم إيّاه ما حكاه الله تعالى من قول آدمعليه‌السلام و زوجته:( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) الأعراف: ٢٣ كلمة قالاها بعد ما أكلا من الشجرة الّتي نهاهما الله أن يقربا منها، و إنّما كان نهي إرشاد ليس بالمولويّ، و لم يعصياه عصيان تكليف بل كان ذلك منهما مخالفة نصيحة في رعايتها صلاح حالهما، و سعادة حياتهما في الجنّة الآمنة من كلّ شقاء و عناء، و قد قال لهما ربّهما في تحذيرهما عن متابعة إبليس:( فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى‏، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَ لا تَعْرى‏، وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَ لا تَضْحى) طه: ١١٩.

فلمّا وقعا في المحنة و شملتهما البليّة، و أخذت سعادة الحياة يوادعهما وداع ارتحال لم يشتغلاً بأنفسهما اشتغال اليائس البائس، و لم يقطع القنوط ما بينهما و بين ربّهما من السبب الموصول بل بادرا إلى الالتجاء بالله الّذي إليه أمرهما، و بيده كلّ خير يأملانه لأنفسهما فأخذاً و تعلّقاً بصفة ربوبيّته المشتملة على كلّ ما يدفع به الشرّ و يجلب به الخير، فالربوبيّة


هي الصفة الكريمة يربط العبد بالله سبحانه.

ثمّ ذكرا الشرّ الّذي يهدّدهما بظهور آياته و هو الخسران - كأنّهما اشتريا لذّة الأكل بطاعة الإرشاد الإلهيّ فبان لهما أنّ سعادتهما قد أشرفت بذلك على الزوال - في الحياة، و ذكرا حاجتهما إلى ما يدفع هذا الشرّ عنهما فقالا:( وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) أي إنّ خسران الحياة يهدّدنا و قد أطلّ بنا و ما له من دافع إلّا مغفرتك للذنب الصادر عنّا و غشيانك إيّانا بعد ذلك برحمتك و هي السعادة لما أنّ الإنسان بل كلّ موجود مصنوع يشعر بفطرته المغروزة أنّ من شأن الأشياء الواقعة في منزل الوجود و مسير البقاء أن تستتمّ ما يعرضها من النقص و العيب، و أنّ السبب الجابر لهذا الكسر هو الله سبحانه وحده فهو من عادة الربوبيّة.

و لذلك كان يكفي مجرّد إظهار الحال، و إبراز ما نزل على العبد من مسكنة الحاجة فلا حاجة إلى السؤال بلفظ بل في بدوّ الحاجة أبلغ السؤال و أفصح الاقتراح.

و لذلك لم يصرّحا بما يسألانه و لم يقولا:( فاغفر لنا و ارحمنا) و لأنّهما - و هو العمدة - أوقفا أنفسهما بما صدر عنهما من المخالفة موقف الذلّة و المسكنة الّتي لا وجه معها و لا كرامة، فنتجت لهما التسليم المحض لما يصدر في ذلك من ساحة العزّة و من الحكم فكفّا عن كلّ مسألة و اقتراح غير أنّهما ذكرا أنّه ربّهما فأشارا إلى ما يطمعان فيه منه مع اعترافهما بالظلم.

فكان معنى قولهما:( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) أسأنا فيما ظلمنا أنفسنا فأشرفنا بذلك على الخسران المهدّد لعامّة سعادتنا في الحياة فهو ذا الذلّة و المسكنة أحاطت بنا، و الحاجة إلى إمحاء وسمة الظلم و شمول الرحمة شملتنا، و لم يدع ذلك لنا وجهة و لا كرامة نسألك بها، فها نحن مسلّمون لحكمك أيّها الملك العزيز فلك الأمر و لك الحكم غير أنّك ربّنا و نحن مربوبان لك نأمل منك ما يأمله مربوب من ربّه.

و من أدبهم ما حكاه الله تعالى من دعوة نوحعليه‌السلام في ابنه:( وَ هِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَ نادى‏ نُوحٌ ابْنَهُ وَ كانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَ لا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ، قالَ سَآوِي


إِلى‏ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ - إلى أن قال -وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ، قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) هود: ٤٧.

لا ريب أنّ الظاهر من قول نوحعليه‌السلام أنّه كان يريد الدعاء لابنه بالنجاة غير أنّ التدبّر في آيات القصّة يكشف الغطاء عن حقيقة الأمر بنحو آخر:

فمن جانب أمره الله بركوب السفينة هو و أهله و المؤمنون بقوله:( احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ ) هود: ٤٠ فوعده بإنجاء أهله و استثنى منهم من سبق عليه القول، و قد كانت امرأته كافرة كما ذكرها الله في قوله:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ ) التحريم: ١٠ و أمّا ابنه فلم يظهر منه كفر بدعوة نوح، و الّذي ذكره الله من أمره مع أبيه و هو في معزل إنّما هو معصية بمخالفة أمرهعليه‌السلام و ليس بالكفر الصريح فمن الجائز أن يظنّ في حقّه أنّه من الناجين لظهور كونه من أبنائه و ليس من الكافرين فيشمله الوعد الإلهيّ بالنجاة.

و من جانب قد أوحى الله تعالى إلى نوحعليه‌السلام حكمه المحتوم في أمر الناس كما قال:( وَ أُوحِيَ إِلى‏ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) هود: ٣٧ فهل المراد بالّذين ظلموا الكافرون بالدعوة أو يشمل كلّ ظلم أو هو مبهم مجمل يحتاج إلى تفسير من لدن قائله تعالى؟.

فكان هذه الاُمور رابتهعليه‌السلام في أمر ابنه و لم يكن نوحعليه‌السلام بالّذي يغفل من مقام ربّه و هو أحد الخمسة اُولي العزم سادات الأنبياء، و لم يكن لينسى وحي ربّه:( وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) و لا ليرضى بنجاة ابنه و لو كان كافراً ماحضاً في كفره، و هوعليه‌السلام القائل فيما دعا على قومه:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ) نوح: ٢٦ و لو رضي في ابنه بذلك لرضي بمثله في امرأته.


و لذلك لم يجترئعليه‌السلام على مسألة قاطعة بل ألقى مسألته كالعارض المستفسر لعدم إحاطته بالعوامل المجتمعة واقعاً على أمر ابنه، بل بدأ بالنداء باسم الربّ لأنّه مفتاح دعاء المربوب المحتاج السائل ثمّ قال:( إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ) كأنّه يقول و هذا يقضي بنجاة ابني( وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) لا خطأ في أمرك و لا مغمض في حكمك فما أدري إلى مَ انجرّ أمره؟.

و هذا هو الأدب الإلهيّ أن يقف العبد على ما يعلمه، و لا يبادر إلى مسألة ما لا يدري وجه المصلحة فيه.

فألقى نوحعليه‌السلام القول على وجد منه كما يدلّ عليه لفظ النداء في قوله:( وَ نادى‏ نُوحٌ رَبَّهُ ) فذكر الوعد الإلهيّ و لما يزد عليه شيئاً و لا سأل أمراً.

فأدركته العصمة الإلهيّة و قطعت عليه الكلام، و فسّر الله سبحانه له معنى قوله في الوعد:( وَ أَهْلَكَ ) أنّ المراد به الأهل الصالحون و ليس الابن بصالح، و قد قال تعالى من قبل:( وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ ) و قد أخذ نوحعليه‌السلام بظاهر الأهل و أنّ المستثنى منهم هو امرأته الكافرة فقط، ثمّ فرّع عليه النهي عن السؤال فيما ليس له به علم، و هو سؤال نجاة ابنه على ما كان يلوّح إليه كلامه أنّه سيسألها.

فانقطع عنه السؤال بهذا التأديب الإلهيّ، و استأنفعليه‌السلام بكلام آخر صورته صورة التوبة و حقيقته الشكر لما أنعم الله بهذا الأدب الّذي هو من النعمة فقال:( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) فاستعاذ إلى ربّه ممّا كان من طبع كلامه أن يسوقه إليه و هو سؤال نجاة ابنه و لا علم له بحقيقة حاله.

و من الدليل على أنّه لم يقع منه سؤال بعد هو قوله:( أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ) إلخ و لم يقل:( أعوذ بك من سؤال ما ليس لي به علم) لتدلّ إضافة المصدر إلى فاعله وقوع الفعل منه.

( فَلا تَسْئَلْنِ ) إلخ، و لو كان سأله لكان من حقّ الكلام أن يقابل بالردّ الصريح أو يقال مثلاً:( لا تعد إلى مثله) كما وقع نظيره في موارد من كلامه تعالى كقوله:( قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي ) الأعراف: ١٤٣، و قوله:( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ


بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ - إلى أن قال -يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً ) النور: ١٧.

و من دعاء نوحعليه‌السلام ما حكاه الله تعالى بقوله:( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ لا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ) نوح: ٢٨ حكاه الله تعالى عنه في آخر سورة نوح بعد آيات كثيرة أوردها في حكاية شكواهعليه‌السلام الّذي بثّه لربّه فيما جاهد به من دعوة قومه ليلاً و نهاراً فيما يقرب من ألف سنة من مدى حياته، و ما قاساه من شدّتهم و كابده من المحنة في جنب الله سبحانه، و بذل من نفسه مبلغ جهدها، و صرف منها في سبيل هدايتهم منتهى طوقها فلم ينفعهم دعاؤه إلّا فراراً، و لم يزدهم نصحه إلّا استكباراً.

و لم يزل بعد ما بثّه فيهم من النصيحة و الموعظة الحسنة و قرعه أسماعهم من الحقّ و الحقيقة، و يشكو إلى ربّه ما واجهوه به من العناد و الإصرار على الخطيئة، و قابلوه به من المكر و الخديعة حتّى هاج به الوجد و الأسف و أخذته الغيرة الإلهيّة فدعا عليهم فقال:( رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) نوح: ٢٧.

و ما ذكره من إضلالهم عباد الله إن تركهم الله على الأرض هو الّذي ذكره عنهم في ضمن كلامه السابق المحكي عنه:( وَ قَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ) و قد أضلّوا كثيراً من المؤمنين به فخاف إضلالهم الباقين منهم، و قوله:( وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ) إخبار ببطلان استعداد أصلابهم و أرحامهم أن يخرج منها مؤمن ذكره - و هو من أخبار الغيب - عن تفرّس نبويّ و وحي إلهيّ.

و إذا دعا على الكافرين لغيرة إلهيّة أخذته، و هو النبيّ الكريم أوّل من جاء بكتاب و شريعة، و انتهض لإنقاذ الدنيا من غمرة الوثنيّة و لم يلبّه من المجتمع البشريّ إلّا قليل - و هو قريب من ثمانين نسمة على ما في الأخبار - فكان من أدب هذا الموقف أن لا ينسى المؤمنين بربّه الآخذين بدعوته، و يدعو لهم إلى يوم القيامة بالخير.

فقال:( رَبِّ اغْفِرْ لِي ) فبدأ بنفسه لأنّ الكلام في معنى طلب المغفرة لمن يسلك سبيله فهو إمامهم و أمامهم( وَ لِوالِدَيَّ ) و فيه دليل على إيمانهما( وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ) و هم المؤمنون


به من أهل عصره( وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ) و هم جميع المؤمنين أهل التوحيد فإنّ قاطبتهم اُمّته، و رهن منّته إلى يوم القيامة، و هو أوّل من أقام الدعوة الدينيّة في الدنيا بكتاب و شريعة، و رفع أعلام التوحيد بين الناس، و لذلك حيّاة الله سبحانه بأفضل تحيّته إذ قال:( سَلامٌ عَلى‏ نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ ) الصافّات: ٧٩ فعليه السلام من نبيّ كريم كلّما آمن بالله مؤمن، أو عمل له بعمل صالح، و كلّما ذكر لله عزّ اسمه اسم، و كلّما كان في الناس من الخير و السعادة رسم فذلك كلّه من بركة دعوته، و ذنابة نهضته، صلّى الله عليه و على سائر الأنبياء و المرسلين أجمعين.

و من ذلك ما حكاه الله تعالى عن إبراهيمعليه‌السلام في محاجّته قومه:( قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ، الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ، وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ، وَ اجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ، وَ اجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ) الشعراء: ٨٧.

دعاء يدعوعليه‌السلام به لنفسه، و لأبيه عن موعدة وعدها إيّاه، و قد كان هذا أوّل أمره و لم ييأس بعد من إيمان أبيه فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ لله تبرّأ منه.

و قد بدأ فيه بالثناء على ربّه ثناء جميلاً على ما هو أدب العبوديّة و هذا أوّل ثناء مفصّل حكاه الله سبحانه عنهعليه‌السلام ، و ما حكى عنه قبل ذلك ليس بهذا النحو كقوله:( يا قَوْمِ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ ) الأنعام: ٧٩ و قوله لأبيه:( سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ) مريم: ٤٧.

و قد استعملعليه‌السلام من الأدب في ثنائه أن أتى بثناء جامع أدرج فيه عناية ربّه به من بدء خلقه إلى أن يعود إلى ربّه، و أقام فيه نفسه مقام الفقر و الحاجة كلّها، و لم يذكر لربّه إلّا الغنى و الجود المحض، و مثّل نفسه عبداً داخراً لا يقدر على شي‏ء و تقلّبه المقدرة الإلهيّة حالاً إلى حال من خلق ثمّ إطعام و سقي و شفاء عن مرض


ثمّ أماته ثمّ إحياء ثمّ إشخاص إلى جزاء يوم الجزاء، و ليس له إلّا الطاعة المحضة و الطمع في غفران الخطيئة.

و من الأدب المراعي في بيانه نسبة المرض إلى نفسه في قوله:( وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) لما أنّ نسبته إليه تعالى في مثل المقام و هو مقام الثناء لا يخلو عن شي‏ء، و المرض و إن كان من جملة الحوادث و هي لا تخلو عن نسبة إليه تعالى، لكنّ الكلام ليس مسوقاً لبيان حدوثه حتّى ينسب إليه تعالى بل لبيان أنّ الشفاء من المرض من رحمته و عنايته تعالى، و لذلك نسب المرض إلى نفسه و الشفاء إلى ربّه بدعوى أنّه لا يصدر منه إلّا الجميل.

ثمّ أخذ في الدعاء و استعمل فيه من الأدب البارع أن ابتدأ باسم الربّ و قصر مسألته على النعم الحقيقيّة الباقية من غير أن يلتفت إلى زخارف الدنيا الفانية، و اختار ممّا اختاره ما هو أعظم و أفخم فسأل الحكم و هو الشريعة و اللحوق بالصالحين و سأل لسان صدق في الآخرين و هو أن يبعث الله بعده زماناً بعد زمان، و حيناً بعد حين من يقوم بدعوته، و يروّج شريعته، و هو في الحقيقة سؤال أن يخصّه بشريعة باقية إلى يوم القيامة ثمّ سأل وراثة الجنّة و مغفرة أبيه و عدم الخزي يوم القيامة.

و قد أجابه الله تعالى إلى جميع ما سأله عنه على ما ينبئ به كلامه تعالى إلّا دعاءه لأبيه و حاشا ربّ العالمين أن يذكر دعاء عبد من عباده المكرمين ممّا ذهب سدى لم يستجبه، قال تعالى:( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) الحجّ: ٧٨ و قال:( وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) الزخرف: ٢٨ و قال:( لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) البقرة: ١٣٠ و حيّاه بسلام عامّ إذ قال:( سَلامٌ عَلى‏ إِبْراهِيمَ ) الصافّات: ١٠٩.

و سير التاريخ بعدهعليه‌السلام يصدّق جميع ما ذكره القرآن الشريف من محامده و أثنى فيه عليه فإنّهعليه‌السلام هو النبيّ الكريم قام وحده بدين التوحيد و إحياء ملّة الفطرة و انتهض لهدم أركان الوثنيّة، و كسر الأصنام على حين اندرست فيه آيات التوحيد، و عفت الأيّام فيها رسوم النبوّة و نسيت الدنيا اسم نوح و الكرام من أنبياء الله، فأقام دين الفطرة على ساق، و بثّ دعوة التوحيد بين الناس و دين التوحيد حتّى اليوم و قد مضى من


زمنه ما يقرب من أربعة آلاف سنة حيّ باسمه باق في عقبه فإنّ الّذي تعرفه الدنيا من دين التوحيد هو دين اليهود و نبيّهم موسى، و دين النصارى و نبيهم عيسى، و هما من آل إسرائيل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيمعليهم‌السلام ، و دين الإسلام الّذي بعث به محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو من ذرّيّة إسماعيل بن إبراهيمعليهما‌السلام .

و ممّا ذكره الله من دعائه قوله:( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) الصافّات: ١٠٠ يسأل الله فيه ولداً صالحاً، و فيه اعتصام بربّه، و إصلاح لمسألته الّذي هي بوجه دنيويّة بوصف الصلاح ليعود إلى جهة الله و ارتضائه.

و ممّا ذكره تعالى من دعائه ما دعا به حين قدم إلى أرض مكّة و قد أسكن إسماعيل و اُمّه بها، قال تعالى:( وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) البقرة: ١٢٦.

يسأل ربّه أن يتّخذ أرض مكّة - و هي يومئذ أرض قفرة و واد غير ذي زرع - حرماً لنفسه ليجمع بذلك شمل الدين، و يكون ذلك رابطة أرضيّة جسمانيّة بين الناس و بين ربّهم يقصدونه لعبادة ربّهم، و يتوجّهون إليه في مناسكهم، و يراعون حرمته فيما بينهم فيكون ذلك آية باقية خالدة لله في الأرض يذكر الله كلّ من ذكره، و يقصده كلّ من قصده، و تتشخّص به الوجهة، و تتّحد به الكلمة.

و الدليل على أنّهعليه‌السلام يريد بالأمن الأمن التشريعيّ الّذي هو معنى اتّخاذه حرماً دون الأمن الخارجيّ من وقوع المقاتلات و الحروب و سائر الحوادث المفسدة للأمن المخلّة بالرفاهيّة قوله تعالى:( أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى‏ إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) القصص: ٥٧ فإنّ في الآية امتناناً عليهم بأمن الحرم و هو المكان الّذي احترمه الله لنفسه فاتّصف بالأمن من جهة ما احترمه الناس لا من جهة عامل تكوينيّ يقيه من الفساد و القتل، و الآية نزلت و قد شاهدت مكّة حروباً مبيدة بين قريش و جرهم فيها، و كذا من القتل و الجور و الفساد ما لا يحصى، و كذا قوله تعالى:( أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ


النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ) العنكبوت: ٦٧ أي لا يتخطّفون من الحرم لاحترام الناس إيّاه لمكان الحرمة الّتي جعلناها.

و بالجملة كان مطلوبهعليه‌السلام هو أن يكون لله في الأرض حرم تسكنه ذرّيّته، و كان لا يحصل ذلك إلّا ببناء بلد يقصده الناس من كلّ جانب فيكون مجمعاً دينيّاً يؤمّونه بالسكونة و اللواذ و الزيارة إلى يوم القيامة فلذلك سأل أن يجعله بلداً آمناً، و قد كان غير ذي زرع فسأل أن يرزقهم من الثمرات حتّى يعمّر بسكّانه و لا يتفرّقوا منه.

ثمّ لما أحسّ أنّ دعاءه بهذا التشريف يشمل المؤمن و الكافر قيّد مسألته بإيمان المدعوّ لهم بالله و اليوم الآخر فقال:( مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ) و أمّا أنّ ذلك كيف يمكن في بلد لو اتّفق أن يسكن فيه المؤمنون و الكفّار معاً و اختلفوا، أو إذا قطن فيه الكفّار فقط؟ و كيف يرزقون من الثمرات و الأرض بطحاء غير ذي زرع؟ فلم يتعرّض له في مسألته.

و هذا من أدبهعليه‌السلام في مقام الدعاء فإنّ من فضول القول أن يعلّم الداعي ربّه كيف يقضي حاجته؟ و ما هو الطريق إلى إجابة مسألته؟ و هو ربّ عليم حكيم قدير إنّما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

لكنّ الله سبحانه إذ كان يريد أن يقضي حاجته على السنّة الجارية في الأسباب العاديّة و لا يفرّق فيها بين المؤمن و الكافر تمّم دعاءهعليه‌السلام بما قيّد به كلامه من قوله:( وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى‏ عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ ) .

و هذا الدعاء الّذي أدّى إلى تشريع الحرم الإلهيّ و بناء الكعبة المقدّسة الّتي هي أوّل بيت وضع للناس ببكّة مباركاً و هدىً للعالمين هو إحدى ثمرات همّته العالية المقدّسة الّتي امتنّ به على من بعده من المسلمين إلى يوم القيامة.

و ممّا دعاعليه‌السلام دعاؤه في آخر عمره على ما حكاه الله تعالى بقوله:( وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ


وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ، رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَ ما نُعْلِنُ وَ ما يَخْفى‏ عَلَى اللهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَ تَقَبَّلْ دُعاءِ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) إبراهيم: ٤١.

و هذا ممّا دعاعليه‌السلام به في أواخر عمره الشريف و قد بنيت بلدة مكّة، و الدليل عليه قول فيه:( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ ) و قوله:( اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ) و لم يقل كما في دعائه السابق:( و اجعل هذا بلداً آمناً) .

و ممّا استعمل فيه من الأدب تمسّكه بالربوبيّة في دعائه، و كلّما ذكر ما يختصّ بنفسه قال:( رَبِّ ) و كلّما ذكر ما يشاركه فيه غيره قال:( رَبَّنا ) .

و من الأدب المستعمل في دعائه أن كلّما ذكر حاجة من الحوائج يمكن أن يسأل لغرض مشروع أو غير مشروع ذكر غرضه الصحيح من حاجته، و فيه من إثارة الرحمة الإلهيّة ما لا يخفى فلمّا قال:( اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ ) إلخ، ذكر بعده قوله:( رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ ) إلخ، و حيث قال:( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ ) إلخ، قال بعده:( رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ) و إذ دعا بقوله:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ) ذيّله بقوله:( لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) .

و من أدبه فيه أنّه أردف كلّ حاجة ذكرها بما يناسب مضمونها من أسماء الله الحسنى كالغفور و الرحيم و سميع الدعاء، و كرّر اسم الربّ كلّما ذكر حاجة من حوائجه فإنّ الربوبيّة هي السبب الموصول بين العبد و بين الله تعالى، و هو المفتاح لباب كلّ دعاء.

و من أدبه فيه قوله:( وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) حيث لم يدع عليهم بشي‏ء يسوء غير أنّه ذكر مع ذكرهم اسمين من أسماء الله تعالى هما الواسطتان في شمول نعمة السعادة على كلّ إنسان أعني الغفور الرحيم حبّاً منه لنجاة اُمتّه و انبساط جود ربّه.

و من ذلك ما حكاه الله عنه و عن ابنه إسماعيل و قد اشتركا فيه، و هو قوله تعالى:( وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ


الْعَلِيمُ، رَبَّنا وَ اجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ أَرِنا مَناسِكَنا وَ تُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) البقرة: ١٢٩.

دعاء دعوا به عند بنائهما الكعبة، و فيه من الأدب الجميل ما في سابقه.

و من ذلك ما حكاه الله عن إسماعيلعليه‌السلام في قصّة الذبح قال تعالى:( فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى‏ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) الصافّات: ١٠٢.

و صدر كلامه و إن كان من أدبه مع أبيه إلّا أنّ الذيل فيما بينه و بين ربّه على أنّ التأدّب مع مثل إبراهيم خليل اللهعليه‌السلام تأدّب مع الله تعالى.

و بالجملة لما ذكر له أبوه ما رآه في المنام، و كان أمراً إلهيّاً بدليل قول إسماعيل:( افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) أمره أن يرى فيه رأيه، و هو من أدبهعليه‌السلام مع ابنه فقال له إسماعيل:( يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ) ، إلخ و لم يذكر أنّه الرأي الّذي رآه هضماً لنفسه و تواضعاً لأبيه كأنّه لا رأي له قبال رأيه و لذلك صدّر القول بخطابه بالاُبوّة، و لم يقل: إن شئت فافعل ذلك ليكون مسألته القطعيّة تطييباً لنفس أبيه، و لأنّه ذكر في كلامه أنّه أمر اُمر به إبراهيم، و لا يتصوّر في حقّ مثله أن يتروّي أو يتردّد في فعل ما اُمر به دون أن يمتثل أمر ربّه.

ثمّ في قوله:( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) تطييب آخر لنفس أبيه، و كلّ ذلك من أدبه مع أبيهعليهما‌السلام .

و قد تأدّب مع ربّه إذ لم يأت بما وعده إيّاه في صورة القطع و الجزم دون أن استثنى بمشيئة الله فإنّ في القطع من غير تعليق الأمر بمشيئة الله شائبة دعوى الاستقلال في السببيّة، و لتخلُ عنها ساحة النبوّة، و قد ذمّ الله لذلك قوماً إذ قطعوا أمراً و لم يعلّقوا كما قال في قصّة أصحاب الجنّة:( إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ، وَ لا يَسْتَثْنُونَ ) القلم: ١٨ و قد أدّب الله سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كتابه بأن يستثني في قوله تأديباً بكناية عجيبة إذ قال:( وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْ‏ءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ )


الكهف: ٢٤.

و من ذلك ما حكاه الله عن يعقوبعليه‌السلام حين رجع بنوه من مصر و قد تركوا بنيامين و يهودا بها قال تعالى:( وَ تَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قالَ يا أَسَفى‏ عَلى‏ يُوسُفَ وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ، قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ، قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللهِ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) يوسف: ٨٦.

يقول لبنيه إنّ مداومتي على ذكر يوسف شكاية منّي سوء حالي إلى الله و لست بائس من رحمة ربّي أن يرجعه إليّ من حيث لا يحتسب، و ذلك أنّ من أدب الأنبياء مع ربّهم أن يتوجّهوا في جميع أحوالهم إلى ربّهم و يوردوا عامّة حركاتهم و سكناتهم في سبيله فإنّ الله سبحانه ينصّ على أنّه هداهم إليه صراطاً مستقيماً قال:( أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ ) الأنعام: ٩٠ و قال في خصوص يعقوب:( وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ) الأنعام: ٨٤ ثمّ ذكر أنّ اتّباع الهوى ضلال عن سبيل الله فقال تعالى:( وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) ص: ٢٦.

فالأنبياء و هم المهديّون بهداية الله لا يتّبعون الهوى البتّة فعواطفهم النفسانيّة و أميالهم الباطنيّة من شهوة أو غضب أو حبّ أو بغض أو سرور أو حزن ممّا يتعلّق بمظاهر الحياة من مال و بنين و نكاح و مأكل و ملبس و مسكن و غير ذلك كلّ ذلك واقعة في سبيل الله لا يقصدون به إلّا الله جلّت عظمته فإنّما هما سبيلان مسلوكان سبيل يتّبع فيه الحقّ و سبيل يتّبع فيه الهوى، و إن شئت قلت: سبيل ذكر الله و سبيل نسيانه.

و الأنبياءعليه‌السلام إذ كانوا مهديّين إلى الله لا يتّبعون الهوى كانوا على ذكر من ربّهم لا يقصدون بحركة أو سكون غيره تعالى، و لا يقرعون بحاجة من حوائج حياتهم باب غيره من الأسباب بمعنى أنّهم إذا تعلّقوا بسبب لم ينسهم ذلك ربّهم و أنّ الأمر إليه تعالى لا أنّهم ينفون الأسباب نفياً مطلقاً لا يبقى مع ذلك لها وجود في التصوّر مطلقاً فإنّ ذلك ممّا لا مطمع فيه، و لا أنّهم يرون ذوات الأشياء و ينفون عنها وصفة السببيّة فإنّ في ذلك خروجاً عن صراط الفطرة الإنسانيّة بل التعلّق به أن لا يرى لغيره استقلالاً، و يضع كلّ شي‏ء موضعه الّذي وضعه الله فيه.


و إذ كان حالهمعليهم‌السلام ما ذكرنا من تعلّقهم بالله حقّ التعلّق تمكّن منهم هذا الأدب الإلهيّ أن يراقبوا مقام ربّهم و يراعوا جانب ربوبيّته فلا يقصدوا شيئاً إلّا لله، و لا يتركوا شيئاً إلّا لله، و لا يتعلّقوا بسبب إلّا و هم متعلّقون بربّهم قبله و معه و بعده، فهو غايتهم على كلّ حال.

فقولهعليه‌السلام :( إنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اللهِ ) يريد به أنّ ذكري المستمرّ ليوسف و أسفي عليه ليس على حدّ ما يلغو أحدكم إذا أصابته مصيبة ففقد نعمة من نعم الله فيذكرها لمن لا يملك منه نفعاً و لا ضرّاً بجهل منه، و إنّما ذلك شكوىً منّي إلى الله فيما دخلني من فقد يوسف، و ليس ذلك مسألة منّي في أمر لا يكون فإنّي أ‏عْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ‏.

و من ذلك ما حكاه الله عن يوسف الصدّيق حين هدّدته امرأة العزيز بالسجن إن لم يفعل ما كانت تأمره به:( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) يوسف: ٣٣.

يذكرعليه‌السلام لربّه أنّ أمره يدور عندهنّ في موقفه ذاك بين السجن و بين إجابتهنّ إلى ما يسألنه، و أنّه بعلمه الّذي أكرمه الله به، و هو المحكيّ عنه في قوله تعالى:( وَ لَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً ) يوسف: ٢٢ يختار السجن على إجابتهنّ غير أنّ الأسباب منضودة على طبق ما يرجونه منه قويّة غالبة فهي تهدّده بالجهل بمقام ربّه و إبطال ما عنده من العلم بالله، و لا حكم في ذلك إلّا له تعالى كما قال لصاحبه في السجن:( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) يوسف: ٤٠ و لذلك تأدّبعليه‌السلام و لم يذكر لنفسه حاجة لأنّه حكم بنحو، بل لوّح إلى تهديد الجهل إيّاه بإبطال نعمة العلم الّذي أكرمه بها ربّه، و ذكر أنّ نجاته من مهلكة الجهل و اندفاع كيدهنّ تتوقّف إلى صرفه تعالى فسلّم الأمر إليه و سكت.

فاستجاب له ربّه فصرف عنه كيدهنّ و هو الصبوة و إلّا فالسجن فتخلّص من السجن و الصبوة جميعاً، و منه يعلم أنّ مراده من كيدهنّ هو الصبوة و السجن جميعاً، و أمّا قولهعليه‌السلام :( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ) ، إلخ فإنّما هو تمايل قلبيّ إلى السجن على تقدير


تردّد الأمر و كناية عن النفرة و المباغضة للفحشاء و ليس بسؤال منه للسجن كماقالعليه‌السلام :

الموت أولى من ركوب العار

و العار أولى من دخول النار

لا كما ربّما يظنّ أنّه سأل بذلك السجن فقضي له به، و الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى بعده:( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) يوسف: ٣٥ لظهور الآية أنّ سجنه كان عن رأي بدا لهم بعد ذلك، و قد كان الله سبحانه صرف عنه قبل ذلك كيدهنّ بالدعوة إلى أنفسهنّ و التهديد بالسجن.

و منه ما حكى الله سبحانه من ثنائه و دعائهعليه‌السلام حيث قال:( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى‏ يُوسُفَ آوى‏ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَ قالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ، وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَ قالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَ جاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) يوسف: ١٠١.

فليتدبّر الباحث فيما يعطيه الآيات من أدب النبوّة و ليمثّل عنده ما كان عليه يوسفعليه‌السلام من الملك و نفوذ الأمر و ما كان عليه أبواه من توقان النفس إلى لقائه، و ما كان عليه إخوته من التواضع و هم جميعاً على ذكر من تاريخ حياته من حين فقدوه إلى حين وجدوه و هو عزيز مستو على عرش العزّة و الهيمنة.

لم يشقّعليه‌السلام فماً بكلام إلّا و لربّه فيه نصيب أو كلّ النصيب إلّا ما أصدره من الأمر بقوله:( ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ ) فأمرهم بالدخول و حكم لهم بالأمن، و لم يستتمّ الكلام حتّى استثنى فيه بمشيئة الله لئلّا يوهم الاستقلال في الحكم دون الله، و هوعليه‌السلام القائل:( إن الحكم إلّا لله) .

ثمّ شرع في الثناء على ربّه فيما جرى عليه منذ فارقهم إلى أن اجتمع بهم و بدأ في ذلك بقصّة رؤياه و تحقّق تأويلها و صدّق فيه أباه لا فيما عبّرها به فقط بل حتّى فيما


ذكره في آخر كلامه من علم الله و حكمته توغّلاً منه في الثناء على ربّه حيث قال له أبوه:( وَ كَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ - إلى أن قال -إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يوسف: ٦ و قال له يوسف ههنا بعد ما صدّقه فيما عبّر به رؤياه:( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) يوسف: ١٠٠.

ثمّ أشار إلى إجمال ما جرى عليه ما بين رؤياه و تأويلها فنسبها إلى ربّه و وصفها بالحسن و هو من الله إحسان، و من ألطف أدبه توصيفه ما لقي من إخوته حين ألقوه في غيابة الجبّ إلى أن شروه بثمن بخس دراهم معدودة، و اتّهموه بالسرقة بقوله:( نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِي ) .

و لم يزل يذكر نعم ربّه و يثني عليه و يقول: ربّي و ربّي حتّى غشيه الوله و أخذته جذبة إلهيّة فاشتغل بربّه و تركهم كأنّه لا يعرفهم، و قال:( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) ، فأثنى على ربّه بحاضر نعمه عنده، و هو الملك و العلم بتأويل الأحاديث، ثمّ انتقلت نفسه الشريفة من ذكر النعم إلى أنّ ربّه الّذي أنعم عليه بما أنعم لأنّه فاطر السماوات و الأرض، و مخرج كلّ شي‏ء من العدم البحت إلى الوجود من غير أن يكون لشي‏ء من الأشياء جدة من نفسه يملك به ضرّاً أو نفعاً أو نعمة أو نقمة أو صلاحية أن يدبّر أمر نفسه في دنيا أو آخرة.

و إذ كان فاطر كلّ شي‏ء فهو وليّ كلّ شي‏ء، و لذلك ذكر بعد قوله:( فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) أنّه عبد داخر لا يملك تدبير نفسه في دنيا و لا آخرة بل هو تحت ولاية الله سبحانه يختار له من الخير ما يشاء و يقيمه أيّ مقام أراد فقال:( أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ ) و عندئذ ذكر ما له من مسألة يحتاج فيها إلى ربّه و هو أن ينتقل من الدنيا إلى الآخرة و هو في حال الإسلام إلى ربّه على حدّ ما منحه الله آباءه إبراهيم و إسماعيل و إسحاق و يعقوب قال تعالى:( وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ و هو الاصطفاء قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وَ وَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَ يَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى‏ لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) البقرة: ١٣٢.

و هو قوله:( تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) يسأل التوفّي على الإسلام ثمّ


اللحوق بالصالحين، و هو الّذي سأله جدّه إبراهيمعليه‌السلام بقوله:( رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ) الشعراء: ٨٣ فاُجيب إليه كما في الآيات المذكورة آنفاً و هذا آخر ما ذكر الله من حديثه و ختم به قصّته، و أنّ إلى ربّك المنتهى، و هذا ممّا في السياقات القرآنيّة من عجيب اللطف.

و من ذلك ما حكاه الله سبحانه عن نبيّه موسىعليه‌السلام في أوائل نشوئه بمصر حين وكز القبطيّ فقضى عليه:( قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) القصص: ١٦ و قوله حين فرّ من مصر فبلغ مدين و سقى لابنتي شعيب ثمّ تولّى إلى الظلّ فقال:( رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) القصص: ٢٤.

و قد استعملعليه‌السلام في مسألتيه من الأدب بعد الالتجاء بالله و التعلّق بربوبيّته أن صرّح في دعائه الأوّل بالطلب لأنّه كان متعلّقاً بالمغفرة و الله سبحانه يحبّ أن يستغفر كما قال:( وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) البقرة: ١٩٩ و هو الّذي دعا إليه نوح فمن بعده من الأنبياءعليهم‌السلام ، و لم يصرّح بحاجته بعينه في دعائه الثاني الّذي ظاهره بحسب دلالة المقام أنّه كان يريد رفع حوائج الحياة كالغذاء و المسكن مثلاً بل إنّما ذكر الحاجة ثمّ سكت، فما للدنيا عند الله من قدر.

و اعلم أنّ قولهعليه‌السلام :( رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ) يجري في الاعتراف بالظلم و طلب المغفرة مجرى قول آدم و زوجته:( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) بمعنى أنّ المراد بالظلم هو ظلمه على نفسه لاقترافه عملاً يخالف مصلحة حياته كما أنّ الأمر كان على هذا النحو في آدم و زوجته.

فإنّ موسىعليه‌السلام إنّما فعل ما فعل قبل أن يبعثه الله بشريعته الناهية عن القتل و إنّما قتل نفساً كافرة غير محترمة، و لا دليل على وجود النهي عن مثل هذا القتل قبل شريعته و كان الأمر في عصيان آدم و زوجته على هذه الوتيرة فقد ظلماً أنفسهما بالأكل من الشجرة قبل أن يشرّع الله شريعة بين النوع الإنسانيّ فإنّما أسّس الله الشرائع كائنة ما كانت بعد هبوطهما من الجنّة إلى الأرض.

و مجرّد النهي عن اقتراب الشجرة لا دليل على كونه مولويّاً مستلزماً لتحقّق


المعصية المصطلحة بمخالفته، مع أنّ القرائن قائمة على كون النهي المتعلّق بهما إرشاديّاً كما في آيات سورة طه على ما بيّنّاه في تفسير قصّة جنّة آدم في الجزء الأوّل من الكتاب.

على أنّ الكتاب الإلهيّ نصّ في كون موسىعليه‌السلام مخلصاً، و أنّ إبليس لا سبيل له إلى إغواء المخلصين من عباد الله تعالى و من الضروريّ أن لا معصية بدون إغواء إبليس قال الله تعالى:( وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى‏ إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) مريم: ٥١ و قال تعالى:( قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) ص: ٨٣.

و من هنا يظهر أنّ المراد بالمغفرة المسؤلة في دعائه كما في دعائهماعليهم‌السلام ليست هي إمحاء العقاب الّذي يكتبه الله على المجرمين كما في المعاصي المولويّة بل إمحاء الآثار السيّئة الّتي كان يستتبعها الظلم على النفس في مجرى الحياة فقد كان موسىعليه‌السلام يخاف أن يفشو أمره و يظهر ما هو ذنب له عندهم فسأله تعالى أن يستر عليه و يغفره، و المغفرة في عرف القرآن أعمّ من إمحاء العقاب بل هي إمحاء الأثر السيّئ كائناً ما كان، و لا ريب أنّ أمر الجميع بيد الله سبحانه.

و نظير هذا من وجه قول نوحعليه‌السلام فيما تقدّم من دعائه( وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي ) أي و إن لم تؤدّبني بأدبك، و لم تعصمني بعصمتك و وقايتك و ترحمني بذلك أكن من الخاسرين، فافهم ذلك.

و منه دعاؤهعليه‌السلام أوّل ما اُلقي إليه الوحي و بعث بالرسالة إلى قومه على ما حكاه الله قال تعالى:( قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) طه: ٣٥.

ينصحعليه‌السلام لما بعث لها من الدعوة الدينيّة و يذكر لربّه - على ما يفيده الكلام بإعانة من المقام - إنّك كنت بصيراً بحالي أنا و أخي أنّا منذ نشأنا نحبّ تسبيحك، و قد حملتني الليلة ثقل الرسالة و في نفسي من الحدّة و في لساني من العقدة ما أنت أعلم به و إنّي أخاف أن يكذّبوني إن دعوتهم إليك و بلّغتهم رسالتك فيضيق صدري و لا ينطلق لساني فاشرح لي صدري، و يسّر لي أمري، و هذا رفع التحرّج الّذي ذكره الله بقوله:( ما كانَ


عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ) الأحزاب: ٣٨( وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) و أخي هارون أفصح منّي لساناً و هو من أهلي فأشركه في هذا الأمر و اجعله وزيراً لي كي نسبّحك - كما كنّا نحبّه - كثيراً و نذكرك عند ملإ الناس بالتعاضد كثيراً فهذا محصّل ما سألهعليه‌السلام ربّه من أسباب الدعوة و التبليغ، و الأدب الّذي استعمل فيه أن ذكر غايته و غرضه من أسئلته لئلّا يوهم كلامه أنّه يسأل ما يسأل لنفسه فقال:( كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَ نَذْكُرَكَ كَثِيراً ) و استشهد على صدقه في دعواه بعلم الله نفسه بإلقاء أنفسهما بين يديه و عرضها عليه فقال:( إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) و عرض السائل المحتاج نفسه في حاجتها على المسؤل الغنيّ الجواد من أقوى ما يهيّج عاطفة الرحمة لأنّه يفيد إراءة نفس الحاجة فوق ما يفيده ذكر الحاجة باللسان الّذي لا يمتنع عليه أن يكذب.

و منه ما حكى الله عنه ممّا دعا به على فرعون و ملائه إذ قال:( وَ قالَ مُوسى‏ رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى‏ أَمْوالِهِمْ وَ اشْدُدْ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ، قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) يونس: ٨٩.

الدعاء لموسى و هارون و لذلك صدّر بكلمة( رَبَّنا ) و يدلّ عليه ما في الآية التالية:( قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما ) دعوا أوّلاً على أموالهم أن يطمس الله عليها ثمّ على أنفسهم أن يشدّ الله على قلوبهم فلا يؤمنوا حتّى يروا العذاب الأليم فلا يقبل إيمانهم كما قال تعالى:( يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً ) الأنعام: ١٥٨ أي انتقم منهم بتحريم الإيمان عليهم بمفاجاة العذاب كما حرّموه على عبادك بإضلالهم، و هذا أشدّ ما يمكن أن يدعى به على أحد فإنّه الدعاء بالشقوة الدائمة و لا شي‏ء شرّاً منه بالنسبة إلى إنسان.

و الدعاء بالشرّ غير الدعاء بالخير حكماً فإنّ الرحمة الإلهيّة سبقت غضبه و قد قال لموسى فيما أوحي إليه:( عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ) الأعراف: ١٥٦ فسعة الرحمة الإلهيّة تقضي بكراهية إصابة الشرّ و الضرّ لعبد من عباده و إن كان


ظالماً، و يشهد بذلك ما يفيض الله سبحانه من نعمه عليهم و سترهم بكرمه و أمره عباده بالحلم و التصبّر عند جهالتهم و خرقهم اللّهمّ إلّا في إقامة حقّ لازم، أو عند اضطرار في مظلمة إذا كانوا على علم بأنّ مصلحة ملزمة كمصلحة الدين أو أهل الدين تقتضي ذلك.

على أنّ جهات الخير و السعادة كلّما كانت أرقّ لطافةً و أدقّ رتبةً كانت أوقع عند النفوس بالفطرة الّتي فطر الله الناس عليها بخلاف جهات الشرّ و الشقاء فإنّ الإنسان بحسب طبعه يفرّ من الوقوف عليها، و يحتال أن لا يلتفت إلى أصلها فضلاً عن تفاصيل خصوصيّاتها، و هذا المعنى يوجب اختلاف الدعاءين أعني الدعاء بالخير و الدعاء بالشرّ من حيث الآداب.

فمن أدب الدعاء بالشرّ أن تذكر الاُمور الّتي بعثت إلى الدعاء بالتكنية و خاصّة في الاُمور الشنيعة الفظيعة بخلاف الدعاء بالخير فإنّ التصريح بعوامل الدعاء فيه هو المطلوب، و قد راعاهعليه‌السلام في دعائه حيث قال:( لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ) و لم يأت بتفاصيل ما كانت تأتي به آل فرعون من الفظائع.

و من أدبه الإكثار من الاستغاثة و التضرّع و قد راعاه فيما يقول:( رَبَّنا ) و تكرّره مرّات في دعائه على قصره.

و من أدبه أن لا يقدم عليه إلّا مع العلم بأنّه على مصلحة الحقّ من دين أو أهله من دون أن يجري على ظنّ أو تهمة، و قد كانعليه‌السلام على علم منه و قد قال الله فيه:( وَ لَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَ أَبى‏ ) طه: ٥٦ و كأنّه لذلك أمره الله سبحانه و أخاه عند ما أخبرهما بالاستجابة بقوله:( فَاسْتَقِيما وَ لا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) و الله أعلم.

و من دعاء موسى ما حكاه الله عنه في قوله:( وَ اخْتارَ مُوسى‏ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ، وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ‏ ) الأعراف: ١٥٦.

يبتدئ الدعاء من قوله:( فَاغْفِرْ لَنا ) ، إلخ غير أنّ الموقف لما كان موقفاً صعباً قد


أخذهم الغضب الإلهيّ و البطش الّذي لا يقوم له شي‏ء، و ما مسألة المغفرة و الرحمة من سيّد ساخط قد هتكت حرمته و اُهين على سؤدده كمسألة من هو في حال سويّ فلذلك قدّمعليه‌السلام ما تسكن به فورة الغضب الإلهيّ حتّى يتخلّص إلى طلب المغفرة و الرحمة.

فقال:( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ ) يريدعليه‌السلام - كما تدلّ عليه قرينة المقام - ربّ إنّ نفسي و نفوسهم جميعاً قبض قدرتك، و طوع مشيئتك، لو شئت أهلكتهم و أنا فيهم قبل اليوم كما أهلكتهم اليوم و أبقيتني فما ذا أقول لقومي إذا رجعت إليهم و اتّهموني بأنّي قتلتهم، و حالهم ما أنت أعلم به؟ و هذا يبطل دعوتي و يحبط عملي.

ثمّ عدّعليه‌السلام إهلاك السبعين إهلاكاً له و لقومه فذكر أنّهم سفهاء من قومه لا يعباً بفعلهم فأخذ ربّه برحمته حيث لم يكن من عادته تعالى أن يهلك قوماً بفعل السفهاء منهم، و ليس ذلك إلّا مورداً من موارد الامتحان العامّ الّذي لا يزال جارياً على الإنسان فيضلّ به كثير، و يهتدي به كثير، و لم تقابلها إلّا بالصفح و الستر.

و إذ كان بيدك أمر نفسي و نفوسنا تقدر على إهلاكنا متى شئت، و كانت هذه الواقعة غير بدع في مسير امتحانك العامّ الّذي يعقّب ضلال قوم و هداية آخرين، و لا ينتهي إلّا إلى مشيئتك فأنت وليّنا الّذي يقوم بأمرك و مشيئتك تدبير اُمورنا، و لا صنع لنا فيها فاقض فينا بالمغفرة و الرحمة فإنّ من جملة صفاتك أنّك خير الغافرين، و اكتب لنا في هذه الدنيا عيشة آمنة من العذاب و هي الّتي يستحسنها من أحاط به غمر السخط الإلهيّ، و في الآخرة حسنة بالمغفرة و الجنّة.

و هذا ما ساقهعليه‌السلام في مسألته، و قد أخذتهم الرجفة و شملتهم البليّة فانظر كيف استعمل جميل أدب العبوديّة و استرحم ربّه، و لم يزل يستوهب الرحمة، و يسكّن بثنائه فورة السخط الإلهيّ حتّى اُجيب إلى ما لم يذكره من الحاجة بين ما ذكره، و هو إعادة حياتهم إليهم بعد الإهلاك، و أوحي إليه بما حكاه الله تعالى:( قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ) الأعراف: ١٥٦ فما ظنّك به تعالى بعد ما قال لموسىعليه‌السلام جواباً لمسألته:( وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ ) .


و قد ذكر تعالى صريح عفوه عن هؤلاء، و إجابته إلى مسألته موسىعليه‌السلام بإعادة الحياة إليهم و قد اُهلكوا و ردّهم إلى الدنيا بقوله:( وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى‏ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) البقرة: ٥٦ و يقرب من ذلك ما في سورة النساء.

و قد استعملعليه‌السلام من الأدب في كلامه حيث قال:( تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ) لم يذكر أنّ ذلك من سوء اختيار هؤلاء الضالّين لينزّهه تعالى لفظاً كما كان ينزّهه قلباً فيكون على حدّ قوله تعالى:( يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) البقرة: ٢٦ لأنّ المقام كان يصرفه عن التعرّض إلّا لكونه تعالى وليّاً على الإطلاق ينتهي إليه كلّ التدبير لا غير.

و لم يورد في الذكر أيضاً عمدة ما في نفسه من المسألة و هو أن يحييهم الله سبحانه بعد الإهلاك لأنّ الموقف على ما كان فيه من هول و خطر كان يصرفه عن الاسترسال، و إنّما أشار إليه إشارة بقوله:( رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ ) ، إلخ.

و من دعائهعليه‌السلام ما دعا به حين رجع إلى قومه من الميقات فوجدهم قد عبدوا العجل من بعده، و قد كان الله سبحانه أخبره بذلك قال تعالى( وَ أَلْقَى الْأَلْواحَ وَ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) الأعراف: ١٥٠ فعند ذلك رقّ له و دعا له و لنفسه ليمتازا بذلك من القوم الظالمين:( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) الأعراف: ١٥١.

و لم يكن يريد التميّز منهم و أن يدخلهما الله في رحمته إلّا لما كان يعلم أنّ الغضب الإلهيّ سينال القوم بظلمهم كما ذكره الله بقوله بعد ذلك:( إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ ذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) الأعراف: ١٥٢ و يعرف بما تقدّم وجوه من الأدب في كلامه.

و من دعائهعليه‌السلام - و هو في معنى الدعاء على قومه إذ قالوا له حين أمرهم بدخول الأرض المقدّسة:( يا مُوسى‏ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا ههُنا


قاعِدُونَ ) المائدة: ٢٤ - ما حكاه الله تعالى بقوله:( قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) المائدة: ٢٥.

و قد أخذعليه‌السلام بالأدب الجميل حيث كنّى عن الإمساك عن أمرهم و تبليغهم أمر ربّهم ثانياً بعد ما جبّهوا أمره الأوّل بأقبح الردّ و أشنع القول بقوله:( رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي ) أي لا يطيعني فيما أمرته إلّا نفسي و أخي أي إنّهم ردّوا عليّ بما لا مطمع فيهم بعده، فها أنا أكفّ عن أمرهم بأمرك و إرشادهم إلى ما فيه صلاح جماعتهم.

و إنّما نسب ملك نفسه و أخيه إلى نفسه لأنّ مراده من الملك بقرينة المقام ملك الطاعة و لو كان هو الملك التكوينيّ لم ينسبه إلى نفسه إلّا مع بيان أنّ حقيقته لله سبحانه، و إنّما له من الملك ما ملّكه الله إيّاه، و لما عرض لربّه من نفسه الإمساك و اليأس عن إجابتهم إليه أحال الحكم في ذلك فقال:( فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) .

و من ذلك ما دعا به شعيبعليه‌السلام على قومه إذ قال:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) الأعراف: ٨٩.

و هذا استنجاز منه للوعد الإلهيّ بعد ما يئس من نجاح دعوته فيهم، و مسألة للقضاء بينه و بينهم بالحقّ على ما قاله الله تعالى:( وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ ) يونس: ٤٨.

و إنّما قال:( بَيْنَنا ) لأنّه ضمّ المؤمنين به إلى نفسه، و قد كان الكافرون من قومه هدّدوا إيّاه و المؤمنين به جميعاً إذ قالوا:( لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا ) الأعراف: ٨٨ فضمّهم إلى نفسه و هاجر قومه في عملهم و سار بهم إلى ربّه و قال:( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا ) ، إلخ.

و قد استمسك في دعائه باسمه الكريم:( خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) لما مرّ أنّ التمسّك بالصفة المناسبة لمتن الدعاء تأييد بالغ بمنزلة الإقسام، و هذا بخلاف قول موسىعليه‌السلام :( رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ) المنقول آنفاً لما تقدّم أنّ لفظهعليه‌السلام ليس بدعاء حقيقة بل هو كناية عن الإمساك عن الدعوة و إرجاع للأمر إلى الله فلا مقتضى للإقسام بخلاف قول شعيب.


و من ذلك ما حكاه الله من ثناء داود و سليمانعليهما‌السلام قال تعالى:( وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً وَ قالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى‏ كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ) النمل: ١٥.

وجه الأدب في حمدهما و شكرهما و نسبة ما عندهما من فضيلة العلم إلى الله سبحانه ظاهر، فلم يقولا مثل ما حكى عن غيرهما كقول قارون لقومه إذ وعظوه أن لا يستكبر في الأرض بماله:( إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى‏ عِلْمٍ عِنْدِي ) القصص: ٧٨ و كما حكى الله عن قوم آخرين:( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ) المؤمن: ٨٣.

و لا ضير في الحمد على تفضيل الله إيّاهما على كثير من المؤمنين فإنّه من ذكر خصوص النعمة و بيان الواقع، و ليس ذلك من التكبّر على عباد الله حتّى يلحق به ذمّ، و قد ذكر الله عن طائفة من المؤمنين سؤال التفضيل و مدحهم على علوّ طبعهم و سموّ همّتهم حيث قال:( وَ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا - إلى أن قال -وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ) الفرقان: ٧٤.

و من ذلك ما حكاه عن سليمانعليه‌السلام في قصّة النملة بقوله:( حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى‏ وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ، فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَ قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى‏ والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) النمل: ١٩.

ذكّرته النملة بما قالته ما له من الملك العظيم الّذي شيّدت أركانه بتسخير الريح تجري بأمره، و الجنّ يعملون له ما يشاء و العلم بمنطق الطير و غيره غير أنّ هذا الملك لم يقع في ذكرهعليه‌السلام في صورة أجلى اُمنيّة يبلغها الإنسان كما فينا و لم ينسه عبوديّته و مسكنته بل إنّما وقع في نفسه في صورة نعمة أنعمها عليه ربّه فذكر ربّه و نعمته أنعمها عليه و على والديه بما خصّهم به، و هو من مثلهعليه‌السلام و الحال هذا الحال أفضل الأدب مع ربّه.

و قد ذكر نعمة ربّه، و هي و إن كانت كثيرة في حقّه غير أنّ مورد نظرهعليه‌السلام - و المقام ذاك المقام - هو الملك العظيم و السلطة القاهرة، و لذلك ذكر العمل الصالح و سأل


ربّه أن يوزعه ليعمل صالحاً لأنّ العمل الصالح و السيرة الحسنة هو المطلوب ممّن استوى على عرش الملك.

فلذلك كلّه سأل ربّه أوّلاً أن يوزعه على شكر نعمته، و ثانياً أن يعمل صالحاً، و لم يرض بسؤال العمل الصالح دون أن قيّده بقوله:( تَرْضاهُ ) فإنّه عبد لا شغل له بغير ربّه و لا يريد الصالح من العمل إلّا لأنّ ربّه يرضاه، ثمّ تمّم مسألة التوفيق لصلاح العمل بمسألة صلاح الذات فقال:( وَ أَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ) .

و من ذلك ما حكاه الله عن يونسعليه‌السلام و قد دعا به و هو في بطن الحوت الّذي التقمه قال تعالى:( وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) الأنبياء: ٨٧.

كانعليه‌السلام على ما يقصّه القرآن - قد سأل ربّه أن ينزل على قومه العذاب فأجابه إلى ذلك فأخبرهم به فلمّا أشرف عليهم العذاب بالنزول تابوا إلى ربّهم فرفع عنهم العذاب، و لما شاهد يونس ذلك ترك قومه، و ذهب لوجهه حتّى ركب السفينة فاعترضها حوت فساهمهم في أن يدفعوا الحوت بإلقاء رجل منهم إليه ليلتقمه و ينصرف عن الباقين، فخرجت القرعة باسمه فاُلقي في البحر فالتقمه الحوت فكان يسبّح الله في بطنه إلى أن أمره الله أن يلقيه إلى ساحل البحر، و لم يكن ذلك إلّا تأديباً إلهيّاً يؤدّب به أنبياءه على حسب ما يقتضيه مختلف أحوالهم، و قد قال تعالى:( فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) الصافّات: ١٤٤ فكان حاله في تركه العود إلى قومه و ذهابه لوجهه يمثّل حال عبد أنكر على ربّه بعض عمله فغضب عليه فأبق منه و ترك خدمته و ما هو وظيفة عبوديّته فلم يرتض الله له ذلك فأدّبه فابتلاه و قبض عليه في سجن لا يقدر فيه أن يتوسّع قدر أنملة في ظلمات بعضها فوق بعض فنادى في الظلمات أن لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين.

و لم يكن ذلك كلّه إلّا لأن يتمثّل له على خلاف ما كان يمثّله حاله أنّ الله سبحانه قادر على أن يقبض عليه و يحبسه حيث شاء، و أن يصنع به ما شاء فلا مهرب من الله سبحانه إلّا إليه، و لذلك لقّنه الحال الّذي تمثّل له و هو في سجنه من بطن الحوت


أن يقرّ لله بأنّه هو المعبود الّذي لا معبود غيره، و لا مهرب عن عبوديّته فقال:( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ ) و لم يناده تعالى بالربوبيّة، و هذا أوحد دعاء من أدعية الأنبياءعليهم‌السلام لم يصدّر باسم الربّ.

ثمّ ذكر ما جرى عليه الحال من تركه قومه إثر عدم إهلاكه تعالى إيّاهم بما أنزل عليهم من العذاب فأثبت الظلم لنفسه و نزّه الله سبحانه عن كلّ ما فيه شائبة الظلم و النقص فقال:( سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) .

و لم يذكر مسألته - و هي الرجوع إلى مقامه العبوديّ السابق - عدّاً لنفسه دون لياقة الاستعطاء و استحقاق العطاء استغراقاً في الحياء و الخجل، و الدليل على مسألته قوله تعالى بعد الآية السابقة:( فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ ) الأنبياء: ٨٨.

و الدليل على أنّ مسألته كانت هي الرجوع إلى سابق مقامه قوله تعالى:( فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ، وَ أَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، وَ أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى‏ حِينٍ ) الصافّات: ١٤٨.

و من ذلك ما ذكره الله تعالى عن أيوبعليه‌السلام بعد ما أزمنه المرض و هلك عنه ماله و ولده حيث قال:( وَ أَيُّوبَ إِذْ نادى‏ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) الأنبياء: ٨٣.

وجوه التأدّب فيه ظاهرة ممّا تقدّم بيانه، و لم يذكرعليه‌السلام حاجته صريحاً على حدّ ما تقدّم من أدعية آدم و نوح و موسى و يونسعليهم‌السلام هضماً لنفسه و استحقاراً لأمره، و أدعية الأنبياء كما تقدّم و يأتي خالية عن التصريح بالحاجة إذا كان ممّا يرجع إلى اُمور الدنيا و إن كانوا لا يريدون شيئاً من ذلك اتّباعاً لهوى أنفسهم.

و بوجه آخر ذكره السبب الباعث إلى المسألة كمسّ الضرّ و الصفة الموجودة في المسؤل المطمعة للسائل في المسألة ككونه تعالى أرحم الراحمين، و السكوت عن ذكر نفس الحاجة، أبلغ كناية عن أنّ الحاجة لا تحتاج إلى ذكر فإنّ ذكرها يوهم أنّ الأسباب المذكورة ليست بكافية في إثارة رحمة من هو أرحم الراحمين بل يحتاج إلى تأييد بالذكر و تفهيم باللفظ.


و من ذلك ما حكاه عن زكريّاعليه‌السلام : حيث قال:( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، إِذْ نادى‏ رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا، قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا، وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) مريم: ٦.

إنّما حثّه على هذا الدعاء و رغّبه في أن يستوهب ولداً من ربّه ما شاهده من أمر مريم ابنة عمران في زهدها و عبادتها، و ما أكرمها الله سبحانه به من أدب العبوديّة، و خصّها به من كرامة الرزق من عنده على ما يقصّه الله تعالى في سورة آل عمران قال تعالى:( وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) آل عمران: ٣٨.

فغشيه شوق شديد إلى ولد طيّب صالح يرثه و يعبد ربّه عبادة مرضيّة كما ورثت مريم عمران و بلغت جهدها في عبادة ربّها و نالت منه الكرامة غير أنّه وجد نفسه و قد نال منه الشيب، و انهدّت منه القوى، و كذلك امرأته و قد كانت عاقرة في سني ولادتها فأدركته من حسرة الحرمان من نعمة الولد الطيّب الرضيّ ما الله أعلم به، لكن لم يملك نفسه ممّا هاج فيه من الغيرة الإلهيّة و الاعتزاز بربّه دون أن رجع إلى ربّه و ذكر له ما يثور به الرحمة و الحنان من حاله أنّه لم يزل عالقاً على باب العبوديّة و المسألة منذ حداثة سنّه حتّى وهن عظمه و اشتعل رأسه شيباً، و لم يكن بدعائه شقيّاً، و قد وجده سبحانه سميع الدعاء فليسمع دعاءه و ليهب له وارثاً رضيّاً.

و الدليل على ما ذكرنا أنّه إنّما سأل ما سأل بما ملك نفسه من هيجان الوجد و الحزن ما حكاه الله تعالى عنه بعد ما أوحي إليه بالاستجابة بقوله:( قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً ) مريم: ٩ فإنّه ظاهر في أنّهعليه‌السلام لما سمع الاستجابة صحا عن حاله و أخذ يتعجّب من غرابة المسألة و الإجابة حتّى سأل ربّه عن ذلك في صورة الاستبعاد و سأل لنفسه عليه آية فاُجيب إليها أيضاً.


و كيف كان فالّذي استعملهعليه‌السلام في دعائه من الأدب هو ما ساقه إليه حال الوجد و الحزن الّذي ملكه، و لذلك قدّم على دعائه بيان ما بلغ به الحال في سبيل ربّه فقد صرف دهره في سلوك سبيل الإنابة و المسألة حتّى وقف موقفاً يرقّ له قلب كلّ ناظر رحيم ثمّ سأل الولد و علّله بأنّ ربّه سميع الدعاء.

فهذا معنى ما ذكره مقدّمة لمسألته لا أنّه كان يمتنّ بطول عبوديّته على ربّه - حاشا مقام النبوّة - فمعنى قوله على ما في سورة آل عمران:( رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ) أنّي أسألك ما أسألك لا لأنّ لطول عبوديّتي - و هو دعاؤه المديد - قدراً عندك أو فيه منّة عليك بل لأنّي أسألك، و قد وجدتك سميعاً لدعاء عبادك و مجيباً لدعوة السائلين المضطرّين، و قد اضطرّني خوف الموالي من ورائي، و الحثّ الشديد لذرّيّة طيّبة يعبدك أن أسألك.

و قد تقدّم أنّ من الأدب الّذي استعمله في دعائه أن ألحق تخوّف الموالي قوله:( وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) و الرضيّ و إن كان طبعه يدلّ بهيئته على ثبوت الرضا لموصوفه، و الرضا يشمل بإطلاقه رضى الله و رضى زكريّا و رضى يحيى لكنّ قوله في آية آل عمران:( ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) يدلّ على أنّ المراد بكونه رضيّاً كونه مرضيّاً عند زكريّا لأنّ الذرّيّة إنّما تكون طيّبة لصاحبها لا غير.

و من ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المسيح حين سأل المائدة بقوله:( قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) المائدة: ١١٤.

القصّة المذكورة في كلامه تعالى في سؤال الحواريّين عيسىعليه‌السلام نزول مائدة من السماء عليهم تدلّ بسياقه أنّ هذه المسألة كانت من الأسئلة الشاقّة على عيسىعليه‌السلام لأنّ ما حكي عنهم من قولهم له:( يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ) كان أوّلاً مشتملاً بظاهره على الاستفهام عن قدرة الله سبحانه، و لا يوافق ذلك أدب العبوديّة و إن كان حاقّ مرادهم السؤال عن المصلحة دون أصل القدرة فإنّ حزازة اللفظ على حالها.


و كان ثانياً متضمّناً لاقتراح آية جديدة مع أنّ آياتهعليه‌السلام الباهرة كانت قد أحاطت بهم من كلّ جهة فكانت نفسه الشريفة آية، و تكلّمه في المهد آية، و إحياؤه الموتى و خلقه الطير و إبراؤه الأكمه و الأبرص و إخباره عن المغيّبات و علمه بالتوراة و الإنجيل و الكتاب و الحكمة آيات إلهيّة لا تدع لشاكّ شكّاً و لا لمرتاب ريباً فاختيارهم آية لأنفسهم و سؤالهم إيّاه كان بظاهره كالعبث بآيات الله و اللعب بجانبه، و لذلك وبّخهم بقوله:( اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) .

لكنّهم أصرّوا على ذلك و وجّهوا مسألتهم بقولهم:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَ تَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَ نَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَ نَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ ) و ألجاوه إلى السؤال فسأل.

أصلحعليه‌السلام بأدبه الموهوب من جانب الله سبحانه ما اقترحوه من السؤال بما يصلح به أن يقدّم إلى حضرة العزّة و الكبرياء فعنونه أوّلاً بعنوان أن يكون عيداً لهم يختصّون هو و اُمتّه به فإنّها آية اقتراحيّة عديمة النظير بين آيات الأنبياءعليهم‌السلام حيث كانت آياتهم إنّما تنزل لإتمام الحجّة أو لحاجة الاُمّة إلى نزولها، و هذه الآية لم تكن على شي‏ء من هاتين الصفتين.

ثمّ أجمل ثانياً ما فصّله الحواريّون من فوائد نزولها من اطمئنان قلوبهم بها و علمهم بصدقهعليه‌السلام و شهادتهم عليها، في قوله:( وَ آيَةً مِنْكَ ) .

ثمّ ذكر ثالثاً ما ذكروه من عرض الأكل و أخّره و إن كانوا قدّموه في قولهم:( نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها ) ، إلخ و ألبسه لباساً آخر أوفق بأدب الحضور فقال:( وَ ارْزُقْنا ) ثمّ ذيله بقوله:( وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) ليكون تأييداً للسؤال بوجه، و ثناءً له تعالى من وجه آخر.

و قد صدّر مسألته بندائه تعالى:( اللهُمَّ رَبَّنا ) فزاد على ما يوجد في سائر أدعية الأنبياءعليهم‌السلام من قولهم( ربّ ) أو( ربّنا ) لأنّ الموقف صعب كما تقدّم بيانه.

و منه مشافهتهعليه‌السلام ربّه المحكيّة بقوله تعالى:( وَ إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ


أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ، إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) المائدة: ١١٨.

تأدّبعليه‌السلام في كلامه أوّلاً بأن صدّره بتنزيهه تعالى عمّا لا يليق بقدس ساحته كما جرى عليه كلامه تعالى قال:( وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ ) الأنبياء: ٢٦.

و ثانياً بأن أخذ نفسه أدون و أخفض من أن يتوهّم في حقّه أن يقول مثل هذا القول حتّى يحتاج إلى أن ينفيه، و لذلك لم يقل من أوّل مقالته إلى آخرها:( ما قلت) أو( ما فعلت) و إنّما نفى ذلك مرّة بعد مرّة على طريق الكناية و تحت الستر فقال:( ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) فنفاه بنفي سببه أي لم يكن لي حقّ في ذلك حتّى يسعني أن أتفوّه بمثل ذاك القول العظيم، ثمّ قال:( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) ، إلخ فنفاه بنفي لازمه أي إن كنت قلته كان لازم ذلك أن تعلمه لأنّ علمك أحاط بي و بجميع الغيوب.

ثمّ قال:( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) فنفاه بإيراد ما يناقضه مورده على طريق الحصر بما و إلّا أي إنّي قلت لهم قولاً و لكنّه هو الّذي أمرتني به و هو أن اعبدوا الله ربّي و ربّكم، و كيف يمكن أن أقول لهم مع ذلك أن اتّخذوني و اُمّي إلهين من دون الله؟.

ثمّ قال:( وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) و هو نفي منهعليه‌السلام لذلك كالمتمّم لقوله:( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ ) إلخ و ذلك لأنّ معناه: ما قلت لهم شيئاً ممّا ينسب إلي و الّذي قلت لهم إنّما قلته عن أمر منك، و هو( أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ ) و لم يتوجّه إلىّ أمر فيما سوى ذلك، و لا مساس بهم إلّا الشهادة و الرقوب لأعمالهم ما دمت، فلمّا توفّيتني انقطعت عنهم، و كنت أنت الرقيب عليهم بشهادتك الدائم العامّ قبل أن توفّيتني و بعده و عليهم و على كلّ شي‏ء غيرهم.

و إذ قد بلغ الكلام هذا المبلغ توجّه لهعليه‌السلام أن ينفي ذلك القول عن نفسه بوجه آخر متمّم للوجوه الّتي ذكرها، و به يحصل تمام النفي فقال:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ


عِبادُكَ ) ، إلخ يقول - على ما يؤيّده السياق - و إذا كان الأمر على ما ذكرت فأنا بمعزل منهم و هم بمعزل منّي فأنت و عبادك هؤلاء إن تعذّبهم فإنّهم عبادك، و للسيّد الربّ أن يعذّب عبيده بمخالفتهم و إشراكهم به و هم مستحقّون للعذاب، و إن تغفر لهم فلا عتب عليك لأنّك عزيز غير مغلوب و حكيم لا يفعل الفعل السفهيّ اللغو، و إنّما يفعل ما هو الأصلح.

و بما بيّنّا يظهر وجوه لطيفة من أدب العبوديّة في كلامهعليه‌السلام و لم يورد جملة في كلامه إلّا و قد مزجها بأحسن الثناء بأبلغ بيان و أصدق لسان.

و من ذلك ما حكاه الله تعالى عن نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و قد ألحق به في ذلك المؤمنين من اُمتّه فقال تعالى:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَ قالُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ، لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ) البقرة: ٢٨٦.

كلامه تعالى - كما ترى - يحكي إيمان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقرآن الكريم فيما اشتمل عليه من اُصول المعارف، و فيما اشتمل عليه من الأحكام الإلهيّة جميعاً، ثمّ يلحق بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المؤمنين من اُمتّه دون المعاصرين الحاضرين عندهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم فحسب، بل المؤمنين من جميع الاُمّة على ما هو ظاهر السياق.

و لازم ذلك أن يكون ما ذكر فيه من إقرار أو ثناء أو دعاء بالنسبة إلى بعضهم محكيّاً عن لسان حالهم، و إن أمكن أن يكون ذلك ممّا قاله آخرون بلسان قالهم، أو يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو القائل ذلك مشافهاً ربّه عن نفسه الشريفة و عن المؤمنين لأنّهم بإيمانهم من فروع شجرة نفسه الطيّبة المباركة.

و الآيتان تشتملان على ما هو كالمقايسة و الموازنة بين أهل الكتاب و بين مؤمني هذه الاُمّة من حيث تلقّيهم ما اُنزل إليهم في كتاب، الله و إن شئت قلت: من حيث تأدّبهم بأدب


العبوديّة تجاه الكتاب النازل إليهم، فإنّه ظاهر ما أثنى الله سبحانه على هؤلاء و خفّف الله عنهم في الآيتين بعين ما وبّخ اُولئك عليه و عيّرهم به في الآيات السابقة من سورة البقرة فقد ذمّ أهل الكتاب بالتفريق بين ملائكة الله فأبغضوا جبريل و أحبّوا غيره، و بين كتب الله المنزلة فكفروا بالقرآن و آمنوا بغيره، و بين رسل الله فآمنوا بموسى أو به و بعيسى و كفروا بمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و بين أحكامه فآمنوا ببعض ما في كتاب الله و كفروا ببعض، و المؤمنون من هذه الاُمّة آمنوا بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرّق بين أحد من رسله.

فقد تأدّبوا مع ربّهم بالتسليم لما أحقّه الله من المعارف الملقاة إليهم ثمّ تأدّبوا بالتلبية لما ندب الله إليه من أحكامه إذ قالوا:( سَمِعْنا وَ أَطَعْنا ) لا كقول اليهود:( سَمِعْنا وَ عَصَيْنا ) ثمّ تأدّبوا فعدّوا أنفسهم عباداً مملوكين لربّهم لا يملكون منه شيئاً و لا يمتنّون عليه بإيمانهم و طاعتهم فقالوا:( غُفْرانَكَ رَبَّنا ) لا كما قالت اليهود:( سَيُغْفَرُ لَنا ) و قالت:( إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ ) و قالت:( لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ) إلى غير ذلك من هفواتهم.

ثمّ قال الله سبحانه:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) فإنّ التكليف الإلهيّ يتبع بحسب طبعه الفطرة الّتي فطر الناس عليها، و من المعلوم أنّ الفطرة الّتي هي نوع الخلقة لا تدعو إلّا إلى ما جهّزت به، و في ذلك سعادة الحياة البتّة.

نعم لو كان الأمر على ضرب من الأهمّيّة القاضية بزيادة الاهتمام به، أو خرج العبد المأمور عن حكم الفطرة و زيّ العبوديّة جاز بحكم آخر من قبل الفطرة أن يوجّه المولى أو كلّ من بيده الأمر إليه من الحكم ما هو خارج عن سعته المعتادة كأن يأمره بالاحتياط بمجرّد الشكّ، و اجتناب النسيان و الخطأ إذا اشتدّ الاهتمام بالأمر، نظير وجوب الاحتياط في الدماء و الفروج و الأموال في الشرع الإسلاميّ، أو يحمل عليه الكلفة و يزيد في التضييق عليه كلّما زاد في اللجاج و ألحّ في المسألة كما أخبر الله بنظائر ذلك في بني إسرائيل.

و كيف كان فقوله:( لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً ) إمّا ذيل كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و المؤمنون، و إنّما قالوه


تقدمة لقولهم:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ) ، إلخ ليجري مجرى الثناء عليه تعالى و دفعاً لما يتوهّم أنّ الله سبحانه يؤاخذ بما فوق الطاقة و يكلّف بالحرجيّ من الحكم فيندفع بأنّ الله لا يكلّف نفساً إلّا وسعها و أنّ الذي سألوه بقولهم:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ) ، إلخ إنّما هو الأحكام بعناوين ثانويّة ناشئة من قبل الحكم أو من قبل المكلّفين بالعناد لا من قبله تعالى.

و إمّا كلام له تعالى موضوع بين فقرتين من دعائم المحكيّ في كلامه أعني قولهم:( غُفْرانَكَ رَبَّنا ) إلخ و قولهم:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ) ، إلخ ليفيد ما مرّ من الفائدة و يكون تأديباً و تعليماً لهم منه تعالى فيكون جارياً مجرى كلامهم لأنّهم مؤمنون بما أنزل الله، و هو منه، و على أيّ حال فهو ممّا يعتمد عليه كلامهم، و يتّكئ عليه دعاؤهم.

ثمّ ذكر بقيّة دعائهم و إن شئت فقل: طائفة اُخرى من مسائلهم:( رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا ) إلخ( رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً ) إلخ( رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا ) و كأنّ مرادهم به العفو عمّا صدر منهم من النسيان و الخطأ و سائر موجبات الحرج( وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا ) في سائر ذنوبنا و خطيئاتنا و لا يلزم من ذكر المغفرة ههنا التكرار بالنظر إلى قولهم سابقاً:( غُفْرانَكَ رَبَّنا ) لأنّها كلمة حكيت عنهم لفائدة قياس حالهم و أدبهم مع ربّهم على أهل الكتاب في معاملتهم مع ربّهم و بالنسبة إلى كتابهم المنزل إليهم، على أنّ مقام الدعاء لا يمانع التكرار كسائر المقامات.

و اشتمال هذا الدعاء على أدب العبوديّة في التمسّك بذيل الربوبيّة مرّة بعد مرّة و الاعتراف بالمملوكيّة و الولاية، و الوقوف موقف الذلّة و مسكنة العبوديّة قبال ربّ العزّة ممّا لا يحتاج إلى بيان.

و في القرآن الكريم تأديبات إلهيّة و تعليمات عالية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأقسام من الثناء يثني بها على ربّه أو المسألة الّتي يسأله بها كما في قوله تعالى:( قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ) إلى آخر الآيتين: آل عمران: ٢٦ و قوله تعالى:( قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ ) الزمر: ٤٦ و قوله تعالى:( قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَ سَلامٌ عَلى‏ عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى) النمل: ٥٩


و قوله تعالى:( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ ) الخ، الأنعام: ١٦٢، و قوله تعالى:( وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ) طه: ١١٤ و قوله:( وَ قُلْ ربّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ) الخ، المؤمنون: ٩٧ إلى غير ذلك من الآيات و هي كثيرة جدّاً.

و يجمعها جميعاً أنّها تشتمل على أدب بارع أدّب الله به رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و ندب هو إليه اُمّته.

٧- أدبهم مع ربّهم بين الناس: رعايتهم الأدب عن ربّهم فيما حاوروا قومهم، و هذا أيضاً باب واسع و هو ملحق بالأدب في الثناء على الله سبحانه، و هو من جهة اُخرى من أبواب التبليغ العمليّ الّذي لا يقصر أو يزيد أثراً على التبليغ القوليّ.

و في القرآن من ذلك شي‏ء كثير قال تعالى في محاورة جرت بين نوح و قومه:( قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ، قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ، وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) هود: ٣٤ ينفيعليه‌السلام عن نفسه ما نسبوا إليه من إتيان الآية ليعجزوه به، و ينسبه إلى ربّه و يبالغ في الأدب بقوله:( إِنْ شاءَ ) ثمّ بقوله:( وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) أي لله، و لذلك نسبه إليه تعالى بلفظ( اللهُ ) دون لفظ( ربّي ) لأنّ الله هو الّذي ينتهي إليه كلّ جمال و جلال، و لم يكتف بنفي القدرة على إتيان الآية عن نفسه و إثباته حتّى ثنّاه بنفي نفع نصحه لهم إن لم يرد الله أن ينتفعوا به فأكمل بذلك نفي القدرة عن نفسه و إثباته لربّه، و علّل ذلك بقوله:( هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .

فهذه محاورة غاصّة بالأدب الجميل في جنب الله سبحانه حاور بها نوحعليه‌السلام الطغاة من قومه محاجّاً لهم، و هو أوّل نبيّ من الأنبياءعليهم‌السلام فتح باب الاحتجاج في الدعوة إلى التوحيد، و انتهض على الوثنيّة على ما يذكره القرآن الشريف.

و هذا أوسع هذه الأبواب مسرحاً لنظر الباحث في أدب الأنبياءعليهم‌السلام يعثر على لطائف من سيرتهم المملوءة أدباً و كمالاً فإنّ جميع أقوالهم و أفعالهم و حركاتهم و سكناتهم مبنيّة على أساس المراقبة و الحضور العبوديّ، و إن كانت صورتها صورة عمل من غاب عن ربّه و غاب عنه ربّه سبحانه قال تعالى:( وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ،


يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ) الأنبياء: ٢٠.

و قد حكى الله تعالى في كلامه محاورات كثيرة عن هود و صالح و إبراهيم و موسى و شعيب و يوسف و سليمان و عيسى و محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و غيرهم من الأنبياءعليهم‌السلام في حالات لهم مختلفة كالشدّة و الرخاء و الحرب و السلم و الإعلان و الإسرار و التبشير و الإنذار و غير ذلك.

تدبّر في قوله تعالى:( فَرَجَعَ مُوسى‏ إِلى‏ قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَ لَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَ فَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي ) طه: ٨٦ يذكر موسىعليه‌السلام إذ رجع إلى قومه و قد امتلأ غيظاً و حنقاً لا يصرفه ذلك عن رعاية الأدب في ذكر ربّه.

و قوله تعالى:( وَ راوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَ غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَ قالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) يوسف: ٢٣ و قوله تعالى:( قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَ إِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ، قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) يوسف: ٩٢ يذكر يوسف في خلإ المراودة الّذي يملك من الإنسان كلّ عقل و يبطل عنده كلّ حزم لا يشغله ذلك عن التقوى ثمّ عن رعاية الأدب في ذكر ربّه و مع غيره.

و قوله تعالى:( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ) النمل: ٤٠ و هذا سليمانعليه‌السلام و قد اُوتي من عظيم الملك و نافذ الأمر و عجيب القدرة أن أمر بإحضار عرش ملكة سبأ من سبأ إلى فلسطين فاُحضر في أقلّ من طرفة عين فلم يأخذه كبر النفس و خيلاؤها، و لم ينس ربّه و لم يمكث دون أن أثنى على ربّه في ملائه بأحسن الثناء.

و ليقس ذلك إلى ما ذكره الله من قصّة نمرود مع إبراهيمعليه‌السلام إذ قال:( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ ) البقرة: ٢٥٨ و قد قال ذلك إذ أحضر رجلين من السجن فأمر بقتل أحدهما و إطلاق الآخر.


أو إلى ما ذكره فرعون مصر إذ قال كما حكاه الله:( يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لا يَكادُ يُبِينُ، فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ) الزخرف: ٥٣ يباهي بملك مصر و أنهاره و مقدار من الذهب كان يملكه هو و ملاؤه و لا يلبث دون أن يقول كما حكى الله:( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) و هو الّذي كانت تستذلّه آيات موسى يوماً بعد يوم من طوفان و جراد و قمّل و ضفادع و غير ذلك.

و قوله تعالى:( إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا ) التوبة: ٤٠ و قوله:( وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى‏ بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً - إلى أن قال -فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) التحريم: ٣ فلم يهزهزهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شدّة الأمر و الهول و الفزع في يوم الخوف أن يذكر أنّ ربّه معه و لم تنجذب نفسه الشريفة إلى ما كان يهدّده من الأمر، و كذا ما أسرّ به إلى بعض أزواجه في الخلوة في اشتماله على رعاية الأدب في ذكر ربّه.

و على وتيرة هذه النماذج المنقولة تجري سائر ما وقع في قصصهمعليهم‌السلام في القرآن الكريم من الأدب الرائع و السنن الشريفة، و لو لا أنّ الكلام قد طال بنا في هذه الأبحاث لاستقصينا قصصهم و أشبعنا فيها البحث.

٨- أدب الأنبياء مع الناس: أدب الأنبياءعليهم‌السلام مع الناس في معاشرتهم و محاورتهم، مظاهر هذا القسم هي الاحتجاجات المنقولة عنهم في القرآن مع الكفّار، و المحاورات الّتي حاوروا بها المؤمنين منهم، ثمّ شي‏ء يسير من سيرتهم المنقولة.

أمّا الأدب في القول فإنّك لا تجد فيما حكي من شذرات أقوالهم مع العتاة و الجهلة أن يخاطبوهم بشي‏ء ممّا يسوؤهم أو شتم أو إهانة و إزراء و قد نال منهم المخالفون بالشتم و الطعن و الاستهزاء و السخريّة كلّ منال فلم يجيبوهم إلّا بأحسن القول و أنصح الوعظ معرضين عنهم بسلام و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً.

قال تعالى:( فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ - يعني قوم نوح -ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ


نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ، قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ) هود: ٢٨.

و قال تعالى حكاية عن عاد قوم هود:( إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّي بَرِي‏ءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ ) هود: ٥٥ يريدون باعتراء بعض آلهتهم إيّاه بسوء ابتلائهعليه‌السلام بمثل جنون أو سفاهة و نحو ذلك.

و قال تعالى حكاية عن آزر:( قالَ أَ راغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنِي مَلِيًّا، قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا ) مريم: ٤٧.

و قال تعالى حكاية عن قوم شعيبعليه‌السلام :( قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَ إِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ، قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ، أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ ) الأعراف: ٦٨.

و قال تعالى:( قالَ فِرْعَوْنُ وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ، قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا - إلى أن قال -قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ، قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ) الشعراء: ٢٨.

و قال تعالى حكاية عن قوم مريم:( قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا، يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا ) الخ، مريم: ٣٠.

و قال تعالى يسلّي نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما رموه به من الكهانة و الجنون و الشعر:( فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَ لا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ، قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) الطور: ٣١.

و قال:( وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً، انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ) الفرقان: ٩.


إلى غير ذلك من أنواع الشتم و الرمي و الإهانة الّتي حكي عنهم في القرآن، و لم ينقل عن الأنبياءعليهم‌السلام أن يقابلوهم بخشونة أو بذاء بل بالقول الصواب و المنطق الحسن الليّن اتّباعاً للتعليم الإلهيّ الّذي لقّنهم خير القول و جميل الأدب قال تعالى خطاباً لموسى و هارونعليهما‌السلام :( اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏، فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) طه: ٤٤ و قال لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً ) الإسراء: ٢٨.

و من أدبهم في المحاورة و الخطاب أنّهم كانوا ينزّلون أنفسهم منزلة الناس فيكلّمون كلّ طبقة من طبقاتهم على قدر منزلته من الفهم، و هذا ظاهر بالتدبّر فيما حكي من محاوراتهم الناس على اختلافهم المنقولة عن نوح فمن بعده، و قد روى الفريقان عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنا معاشر الأنبياء اُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم‏) .

و ليعلم أنّ البعثة بالنبوّة إنّما بنيت على أساس الهداية إلى الحقّ و بيانه و الانتصار له فعليهم أن يتجهّزوا بالحقّ في دعوتهم، و ينخلعوا عن الباطل و يتّقوا شبكات الضلال أيّاً ما كانت سواء وافق ذلك رضى الناس أو سخطهم، و استعقب طوعهم أو كرههم و لقد ورد منه تعالى أشدّ النهي في ذلك لأنبيائه و أبلغ التحذير حتّى عن اتّباع الباطل قولاً و فعلاً بغرض نصرة الحقّ فإنّ الباطل باطل سواء وقع في طريق الحقّ أو لم يقع، و الدعوة إلى الحقّ لا يجامع تجويز الباطل و لو في طريق الحقّ و الحقّ الّذي يهدي إليه الباطل و ينتجه ليس بحقّ من جميع جهاته.

و لذلك قال تعالى:( وَ ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) الكهف: ٥١ و قال:( وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) الإسراء: ٧٥ فلا مساهلة و لا ملابسة و لا مداهنة في حقّ و لا حرمة لباطل.

و لذلك جهّز الله سبحانه رجال دعوته و أولياء دينه و هم الأنبياءعليهم‌السلام بما يسهّل لهم الطريق إلى اتّباع الحقّ و نصرته، قال تعالى:( ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ كانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً، الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ


وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللهَ وَ كَفى‏ بِاللهِ حَسِيباً ) الأحزاب: ٣٩ فأخبر أنّهم لا يتحرّجون فيما فرض الله لهم و يخشونه و لا يخشون أحداً غيره فليس أيّ مانع من إظهارهم الحقّ و لو بلغ بهم أيّ مبلغ و أوردهم أيّ مورد.

ثمّ وعدهم النصر فيما انتهضوا له فقال:( وَ لَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَ إِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ) الصافّات: ١٧٣ و قال:( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا ) المؤمن: ٥١.

و لذلك نجدهم فيما حكي عنهم لا يبالون شيئاً في إظهار الحقّ و قول الصدق و إن لم يرتضه الناس و استمرّوه في مذاقهم، قال تعالى حاكياً عن نوح يخاطب قومه:( وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ) هود: ٢٩ و قال عن قول هود:( إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ) هود: ٥٠ و قوله لقومه:( قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) الأعراف: ٧١، و قال تعالى يحكي عن لوط:( بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ) الأعراف: ٨١ و حكى عن إبراهيم من قوله لقومه:( أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) الأنبياء: ٦٧ و حكى عن موسى في جواب قول فرعون له:( إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى‏ مَسْحُوراً، قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بَصائِرَ وَ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ) الإسراء: ١٠٢ أي ممنوعاً من الإيمان بالحقّ مطروداً هالكاً، إلى غير ذلك من الموارد.

فهذه كلّها من رعاية الأدب في جنب الحقّ و اتّباعه، و لا مطلوب أعزّ منه و لا بغية أشرف منه و أغلى، و إن كان في بعضها ما ينافي الأدب الدائر بين الناس لابتناء حياتهم على اتّباع جانب الهوى و السلوك إلى أمتعة الحياة بمداهنة المبطلين و الخضوع و التملّق إلى المفسدين و المترفين سياسة في العمل.

و جملة الأمر أنّ الأدب كما تقدّم في أوّل هذه المباحث إنّما يتأتّى في القول السائغ و العمل الصالح، و يختلف حينئذ باختلاف مسالك الحياة في المجتمعات و الآراء و العقائد الّتي تتمكّن فيها و تتشكّل هي عنها، و الدعوة الإلهيّة الّتي تستند إليها المجتمع الدينيّ إنّما تتّبع الحقّ في الاعتقاد و العمل، و الحقّ لا يخالط الباطل و لا يمازجه و لا يستند إليه


و لا يعتضد به فلا محيص عن إظهاره و اتّباعه، و الأدب الّذي يتأتّى فيه أن يسلك في طريق الحقّ أحسن المسالك و يتزيّى فيه بأظرف الأزياء كاختيار لين القول إذا صحّ أن يتكلّم بلينة و خشونة، و اختيار الاستعجال في الخبر إذا أمكن فيه كلّ من المسارعة و التبطّي.

و هذا هو الّذي يأمر به في قوله تعالى:( وَ كَتَبْنا لَهُ أي لموسى فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها ) الأعراف: ١٤٥ و بشّر عباده الآخذين به في قوله:( فَبَشِّرْ عِبادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) الزمر: ١٨ فلا أدب في باطل و لا أدب في ممزوج من حقّ و باطل فإنّ الخارج من صريح الحقّ ضلال لا يرتضيه وليّ الحقّ و قد قال:( فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ ) يونس: ٣٢.

و هذا هو الّذي دعا أنبياء الحقّ إلى صراحة القول و صدق اللهجة و إن كان ذلك في بعض الموارد ممّا لا يرتضيه سنّة المداهنة و التساهل و الأدب الكاذب الدائر في المجتمعات غير الدينيّة.

و من أدبهم مع الناس في معاشرتهم و سيرتهم فيهم احترام الضعفاء و الأقوياء على حدّ سواء و الإكثار و المبالغة في حقّ أهل العلم و التقوى منهم فإنّهم لما بنوا على أساس العبوديّة و تربية النفس الإنسانيّة تفرّع عليه تسوية الحكم في الغنيّ و الفقير و الصغير و الكبير و الرجل و المرأة و المولى و العبد و الحاكم و المحكوم و الأمير و المأمور و السلطان و الرعيّة، و عند ذلك لغي تمايز الصفات، و اختصاص الأقوياء بمزايا اجتماعيّة، و بطل تقسّم الوجدان و الفقدان و الحرمان و التنعّم و السعادة و الشقاء بين صفتي الغنى و الفقر و القوّة و الضعف، و أنّ للقويّ و الغنيّ من كلّ مكانة أعلاها، و من كلّ عيشة أنعمها، و من كلّ مجاهدة أروحها و أسهلها، و من كلّ وظيفة أخفّها بل كان الناس في ذلك شرعاً سواءً، قال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) الحجرات: ١٣ و تبدّل استكبار الأقوياء بقوّتهم و مباهاة الأغنياء بغنيتهم تواضعاً للحقّ و مسارعة إلى المغفرة و الرحمة، و تسابقاً في الخيرات و جهاداً في سبيل الله و ابتغاءً لمرضاته.


و احترم حينئذ للفقراء كما للأغنياء، و تؤدّب مع الضعفاء كما مع الأغنياء بل اختصّ هؤلاء بمزيد شفقة و رأفة و رحمة، قال تعالى يؤدّب نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَ لا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ) الكهف: ٢٨ و قال تعالى:( وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ) الأنعام: ٥٢، و قال:( لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ) الحجر: ٨٩.

و يشتمل على هذا الأدب الجميل ما حكاه الله من محاورة بين نوحعليه‌السلام و قومه إذ قال:( فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَ ما نَرى‏ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ، قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَ نُلْزِمُكُمُوها وَ أَنْتُمْ لَها كارِهُونَ، وَ يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَ ما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ لكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ‏ - أي في تحقيركم أمر الفقير الضعيف -وَ يا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ، وَ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ - أي لا أدّعي شيئاً يميّزني منكم بمزيّة إلّا أنّي رسول إليكم -وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ - أي من الخير و السعادة اللّذين يرجيان منهم -إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) هود: ٣١.

و نظيره في نفي التميّز قول شعيب لقومه على ما حكاه الله:( وَ ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى‏ ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ ) هود: ٨٨، و قال الله تعالى يعرّف رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للناس:( لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) التوبة: ١٢٨ و قال أيضاً:( وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ


وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ) التوبة: ٦١ و قال أيضاً:( وَ إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم: ٤ و قال أيضاً و فيه جماع ما تقدّم:( وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ) الأنبياء: ١٠٧.

و هذه الآيات و إن كانت بحسب المعنى المطابقيّ ناظرة إلى أخلاقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسنة دون أدبه الّذي هو أمر وراء الخلق إلّا أنّ نوع الأدب - كما تقدّم بيانه - يستفاد من نوع الخلق، على أنّ نفس الأدب من الأخلاق الفرعيّة.

( بحث روائي آخر)

( في سنن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و آدابه خاصّة)

الآيات القرآنيّة الّتي يستفاد منها خلقهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكريم و أدبه الجميل أكثرها واردة في صورة الأمر و النهي، و لذلك رأينا أن نورد في هذا المقام روايات من سننهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها مجامع أخلاقه الّتي تلوّح إلى أدبه الإلهيّ الجميل، و هي مع ذلك متأيّدة بالآيات الشريفة القرآنيّة.

١- في معاني الأخبار، بطريق عن أبي هالة التميميّ عن الحسن بن عليّعليهما‌السلام و بطريق آخر عن الرضا عن آبائه عن عليّ بن الحسين عن الحسن بن عليّعليهم‌السلام ، و بطريق آخر عن رجل من ولد أبي هالة عن الحسن بن عليّعليهما‌السلام :

قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، و كان وصّافاً للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و أنا أشتهي أن يصف لي منه شيئاً لعلّي أتعلّق به فقال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخماً مفخّماً يتلألؤ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع و أقصر من المشذّب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن تفرّقت عقيقته فرّق و إلّا فلا يجاوز شعره شحمة اُذنيه إذا هو وفّره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدرّه الغضب له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، مفلّج، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المشربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن و الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، عريض الصدر، أنور المتجرّد،


موصول ما بين اللبّة و السرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثديين و البطن ممّا سوى ذلك، أشعر الذراعين و المنكبين و أعلى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفّين و القدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، فسيح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً، يخطو تكفّؤاً، و يمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنّما ينحطّ في صبب، و إذا التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جلّ نظره الملاحظة يبدر من لقيه بالسلام.

قال: فقلت له: صف لي منطقه، فقال: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكر ليس له راحة، طويل الصمت لا يتكلّم في غير حاجة، يفتتح الكلام و يختتمه بأشداقه، يتكلّم بجوامع الكلم فصلاً لا فضول فيه و لا تقصير، دمثاً ليس بالجافي و لا بالمهين، يعظم عنده النعمة و إن دقّت، لا يذمّ منها شيئاً غير أنّه كان لا يذمّ ذواقاً و لا يمدحه، و لا تغضيه الدنيا و ما كان لها، فإذا تعوطي الحقّ لم يعرفه أحد، و لم يقم لغضبه شي‏ء حتّى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفّه كلّها، و إذا تعجّب قلّبها، و إذا تحدّث اتّصل بها فضرب راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، و إذا غضب أعرض و انشاح، و إذا غضب غضّ طرفه جلّ ضحكه التبسّم، يفترّ عن مثل حبّ الغمام.

قال الصدوق: إلى هنا رواية القاسم بن المنيع عن إسماعيل بن محمّد بن إسحاق بن جعفر بن محمّد، و الباقي رواية عبدالرحمن إلى آخره:

قال الحسنعليه‌السلام : فكتمتها الحسينعليه‌السلام زماناً ثمّ حدّثته به فوجدته قد سبقني إليه فسألته عنه فوجدته قد سأل أباهعليه‌السلام عن مدخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و مخرجه و مجلسه و شكله فلم يدع منه شيئاً.

قال الحسينعليه‌السلام قد سألت أبيعليه‌السلام عن مدخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: كان دخوله في نفسه مأذوناً له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءً لله، و جزءً لأهله، و جزءً لنفسه، ثمّ جزّأ جزءه بينه و بين الناس فيرّد ذلك بالخاصّة على العامّة، و لا يدخّر عنهم منه شيئاً.

و كان من سيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جزء الاُمّة إيثار أهل الفضل بأدبه، و قسمه على قدر


فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، و منهم ذو الحاجتين، و منهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم، و يشغلهم فيما أصلحهم و الاُمّة من مسألته عنهم، و بإخبارهم بالّذي ينبغي، و يقول: ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، و أبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته فإنّه من أبلغ سلطاناً حاجة من لا يقدر على إبلاغها ثبّت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلّا ذلك، و لا يقبل من أحد غيره، يدخلون روّاداً، و لا يفترقون إلّا عن ذواق و يخرجون أدلّة.

و سألته عن مخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخزن لسانه إلّا عمّا كان يعنيه، و يؤلّفهم و لا ينفّرهم، و يكرم كريم كلّ قوم و يولّيه عليهم، و يحذر الناس و يحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره و لا خلقه، و يتفقّد أصحابه، و يسأل الناس عن الناس، و يحسّن الحسن و يقوّيه، و يقبّح القبيح و يوهنه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا و يميلوا، و لا يقصر عن الحقّ و لا يجوزه، الّذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة للمسلمين، و أعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة و موازرة.

قالعليه‌السلام : فسألته عن مجلسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: كان لا يجلس و لا يقوم إلّا على ذكر، لا يوطن الأماكن و ينهى عن إيطانها و إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس و يأمر بذلك، و يعطي كلّ جلسائه نصيبه، و لا يحسب أحد من جلسائه أنّ أحداً أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتّى يكون هو المنصرف، من سأله حاجة لم يرجع إلّا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه خلقه فصار لهم أباً، و كانوا عنده في الحقّ سواء، مجلسه مجلس حلم و حياء و صدق و أمانة، و لا ترفع فيه الأصوات، و لا يؤبن فيه الحرم، و لا تثنّى فلتاته، متعادلين، متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقّرون الكبير، و يرحمون الصغير، و يؤثرون ذا الحاجة، و يحفظون الغريب.

فقلت: كيف كانت سيرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في جلسائه؟ فقالعليه‌السلام : كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ و لا غليظ و لا صخّاب و لا فحّاش و لا عيّاب، و لا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه و لا يخيّب منه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء و الإكثار و ما لا يعنيه، و ترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحداً و لا يعيّره، و لا يطلب


عثراته و لا عورته، و لا يتكلّم إلّا فيما رجى ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّ على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، و لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلّم أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوليتهم، يضحك ممّا يضحكون منه، و يتعجّب ممّا يتعجّبون منه، و يصبر للغريب على الجفوة في مسألته و منطقه حتّى إن كان أصحابه يستجلبونهم، و يقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه، و لا يقبل الثناء إلّا من مكافئ، و لا يقطع على أحد كلامه حتّى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام.

قال: فسألته عن سكوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالعليه‌السلام كان سكوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على أربع: على الحلم و الحذر و التقدير و التفكير: فأمّا التقدير ففي تسوية النظر و الاستماع بين الناس، و أمّا تفكّره ففيما يبقى و يفنى، و جمع له الحلم و الصبر فكان لا يغضبه شي‏ء و لا يستفزّه، و جمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسن ليقتدي به، و تركه القبيح لينتهي عنه، و اجتهاده الرأي في صلاح اُمّته، و القيام فيما جمع له خير الدنيا و الآخرة:.

أقول: و رواه في مكارم الأخلاق نقلاً من كتاب محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الطالقانيّ بروايته عن ثقاته عن الحسن و الحسينعليهما‌السلام قال في البحار: و الرواية من الأخبار المشهورة روته العامّة في أكثر كتبهم، انتهى.

و قد روي في معناها أو معنى بعض أجزائها روايات كثيرة عن الصحابة.

قوله:( المربوع) الّذي بين الطويل و القصير، و المشذّب الطويل الّذي لا كثير لحم على بدنه، و رجل الشعر من باب علم فهو رجل بالفتح و السكون أي كان بين السبط و الجعد، و العقيقة الخصلة السبطة من الشعر، و أزهر اللون أي لونه مشرق صاف، و الأزجّ من الحاجب ما رقّ و طال، و السوابغ من الحاجب هي الواسعة، و القرن بفتحتين اقتران ما بينها، و الشمم ارتفاع قصبة الأنف مع حسن و استواء، و كثّ اللحية المجتمع شعرها إذا كثف من غير طول، و سهل الخدّ مستوية من غير لحم كثير، و ضليع الفم أي وسيعه و يعدّ في الرجال من المحاسن، و المفلّج من الفلجة بفتحتين إذا تباعد ما بين قدميه أو يديه أو أسنانه، و الأشنب أبيض الأسنان.

و المشربة الشعر وسط الصدر إلى البطن، و الدمية بالضمّ الغزال، و المنكب مجتمع


رأس الكتف و العضد، و الكراديس جمع كردوس و هو العظمان إذا التقيا في مفصل، و أنور المتجرّد كأنّ المتجرّد اسم فاعل من التجرّد و هو التعرّي من لباس و نحوه، و المراد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جميل الظاهر حسن الخلقة في بدنه إذا تجرّد عن اللباس.

و اللبّة بالضمّ فالتشديد موضع القلادة من الصدر و السرّة معروفة، و الزند موصل الذراع من الكفّ، و رحب الراحة أي وسيعها، و الشثن بفتحتين الغلظ في القدمين و الكفّين، و سبط القصب أي سهل العظام مسترسلها من غير نتوّ، أخمص القدم، الموضع الّذي لا يصل الأرض منها، و الخمصان ضامر البطن فخمصان الأخمصين أي كونهما ذا نتوّ و ارتفاع بالغ من الأرض، و الفسحة هي الوسعة، و القلع بفتحتين القوّة في المشي.

و التكفّؤ في المشي الميد و التمايل فيه، و ذريع المشية أي السريع فيها، و الصبب ما انحدر من الطريق أو الأرض، و خافض الطرف تفسيره ما بعده من قوله:( نظره إلى الأرض) إلخ.

و الأشداق جمع شدق - بالكسر فالسكون - و هو زاوية الفم من باطن الخدّين، و افتتاح الكلام و اختتامه بالأشداق كناية عن الفصاحة، يقال: تشدّق أي لوى شدقه للتفصّح، و الدمث من الدماثة و تفسيره ما بعده و هو قوله:( ليس بالجافي و لا بالمهين) و الذواق بالفتح ما يذاق من طعام، و انشاح من النشوح أي أعرض، و يفترّ عن مثل حبّ الغمام افترّ الرجل افتراراً أي ضحك ضحكاً حسناً، و حبّ الغمام البرد، و المراد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يضحك ضحكاً حسناً يبدو به أسنانه.

و قوله:( فيردّ ذلك بالخاصّة على العامّة) إلخ، المراد أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إن كان في جزئه الّذي لنفسه خلا بنفسه عن الناس لكنّه لا ينقطع عنهم بالكلّيّة بل يرتبط بواسطة خاصّته بالناس فيجيبهم في مسائلهم و يقضي حوائجهم، و لا يدّخر عنهم من جزء نفسه شيئاً، و الروّاد جمع رائد و هو الّذي يتقدّم القوم أو القافلة يطلب لهم مرعى أو منزلاً و نحو ذلك.

و قوله:( لا يوطن الأماكن و ينهى عن إيطانها) المراد بها المجالس أي لا يعيّن لنفسه مجلساً خاصّاً بين الجلساء حذراً من التصدّر و التقدّم فقوله:( و إذا انتهى) إلخ، كالمفسّر له،


و لا تؤبن فيه الحرم أي لا تعاب عنده حرمات الناس، و الاُبنة بالضمّ العيب، و الحرم بالضمّ فالفتح جمع حرمة.

و قوله:( و لا تثنّى فلتاته) من التثنية بمعنى التكرار، و الفلتات جمع فلتة و هي العثرة أي إذا وقعت فيه فلتة من أحد جلسائه بيّنها لهم فراقبوا للتحذّر من الوقوع فيها ثانياً، و البشر بالكسر فالسكون بشاشة الوجه، و الصخاب الشديد الصياح.

و قوله:( حديثهم عنده حديث أوليتهم) الأولية جمع وليّ، و كأنّ المراد به التالي التابع و المعنى أنّهم كانوا يتكلّمون واحداً بعد آخر بالتناوب من غير أن يداخل أحدهم كلام الآخر أو يتوسّطه أو يشاغبوا فيه، و قوله:( حتّى إن كان أصحابه يستجلبونهم) أي يريدون جلبهم عنه و تخليصه منهم.

و قوله:( و لا يقبل الثناء إلّا من مكافئ) أي في مقابل نعمة أنعمها على أحدهم و هو الشكر الممدوح من كافأه بمعنى جازاه، أو من المكافاة بمعنى المساواة أي ممّن يثني بما يستحقّه من الثناء على ما أنعم به من غير إطراء و إغراق، و قوله:( و لا يقطع على أحد كلامه حتّى يجوز) أي يتعدّى عن الحقّ فيقطعه حينئذ بنهي أو قيام، و الاستفزاز الاستخفاف و الإزعاج.

٢- و في الإحياء،: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفصح الناس منطقاً و أحلاهم - إلى أن قال - و كان يتكلّم بجوامع الكلم لا فضول و لا تقصير كأنّه يتبع بعضه بعضاً، بين كلامه توقّف يحفظه سامعه و يعيه، كان جهير الصوت أحسن الناس نغمة.

٣- و في التهذيب، بإسناده عن إسحاق بن جعفر عن أخيه موسى عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال: سمعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: بعثت بمكارم الأخلاق و محاسنها.

٤- و في مكارم الأخلاق، عن أبي سعيد الخدريّ قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشدّ حياء من العذراء في خدرها، و كان إذا كره شيئاً عرفناه في وجهه.

٥- و في الكافي، بإسناده عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أباجعفرعليه‌السلام يذكر أنّه أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ملك فقال: إنّ الله يخيّرك أن تكون عبداً رسولاً متواضعاً أو ملكاً رسولاً.


قال: فنظر إلى جبرئيل و أومأ بيده أن تواضع فقال: عبداً رسولاً متواضعاً، فقال الرسول: مع أنّه لا ينقصك ممّا عند ربّك شيئاً، قال: و معه مفاتيح خزائن الأرض.

٦- و في نهج البلاغة، قالعليه‌السلام : فتأسّ بنبيّك الأطهر الأطيب - إلى أن قال - قضم الدنيا، قضماً و لم يعرها طرفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً، و أخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه الدنيا عرضاً فأبى أن يقبلها، و علم أنّ الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، و صغّر شيئاً فصغّره، و لو لم يكن فينا إلّا حبّنا ما أبغض الله و تعظيمنا لما صغّر الله لكفى به شقاقاً لله و محادّة عن أمر الله، و لقد كان رسول الله يأكل على الأرض و يجلس جلسة العبد، و يخصف بيده نعله، و يركب الحمار العاري و يردف خلفه، و يكون الستر على باب بيته فيكون عليه التصاوير فيقول: يا فلانة - لإحدى أزواجه - غيّبيه عنّي فإنّي إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا و زخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه، و أمات ذكرها عن نفسه، و أحبّ أن يغيب زينتها عن عينه لكيلا يتّخذ منها رياشاً، و لا يعتقدها قراراً، و لا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس، و أشخصها عن القلب، و غيّبها عن البصر، و كذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه و أن يذكر عنده.

٧- و في الإحتجاج، عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن الحسنبن عليّ عن أبيه عليّعليهم‌السلام في خبر طويل: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي حتّى يبتلّ مصلّاه خشية من الله عزّوجلّ من غير جرم‏، الحديث.

٨- و في المناقب: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يبكي حتّى يغشى عليه فقيل له: أ ليس قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك و ما تأخّر؟ فقال: أ فلا أكون عبداً شكوراً؟ و كذلك كان غشيات عليّ بن أبي طالب وصيّه في مقاماته.

أقول: بناء سؤال السائل على تقدير كون الغرض من العبادة هو الأمن من العذاب و قد ورد: أنّه عبادة العبيد، و بناء جوابهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على كون الداعي هو الشّكر لله سبحانه، و هو عبادة الكرام، و هو قسم آخر من أقسام العبادة، و قد ورد في المأثور عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام : أنّ من العبادة ما تكون خوفاً من العقاب و هو عبادة العبيد، و منها ما تكون طمعاً


في الثواب و هو عبادة التجّار، و منها ما تكون شكراً لله سبحانه، و في بعض الروايات حبّاً لله تعالى، و في بعضها لأنّه أهل له.

و قد استقصينا البحث في معنى الروايات في تفسير قوله تعالى:( وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) آل عمران: ١٤٤ في الجزء الرابع من الكتاب، و بيّنّا هناك أنّ الشكر لله في عبادته هو الإخلاص له، و أنّ الشاكرين هم المخلصون (بفتح اللّام) من عباد الله المعنيّون بمثل قوله تعالى:( سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ، إِلَّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ ) الصافّات: ١٦٠.

٩- و في إرشاد الديلميّ: أنّ إبراهيمعليه‌السلام كان يسمع منه في صلاته أزيز كأزيز الوجل من خوف الله تعالى، و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك.

١٠- و في تفسير أبي الفتوح، عن أبي سعيد الخدريّ قال: لما نزل قوله تعالى:( اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً ) اشتغل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذكر الله حتّى قال الكفّار: إنّه جنّ.

١١- و في الكافي، بإسناده عن زيد الشحّام عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوب إلى الله في كلّ يوم سبعين مرّة، قلت: أ كان يقول: أستغفر الله و أتوب إليه؟ قال: لا و لكن كان يقول: أتوب إلى الله، قلت كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوب و لا يعود، و نحن نتوب و نعود، قال: الله المستعان.

١٢- و في مكارم الأخلاق، نقلاً من كتاب النبوّة عن عليّعليه‌السلام : أنّه كان إذا وصف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: قال: كان أجود الناس كفّاً، و أجرأ الناس صدراً، و أصدق الناس لهجة، و أوفاهم ذمّة، و ألينهم عريكة، و أكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبّه، لم أر قبله و لا بعده مثله،صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١٣- و في الكافي، بإسناده عن عمربن عليّ عن أبيهعليه‌السلام قال: كانت من أيمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا و أستغفر الله.

١٤- و في إحياء العلوم: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا اشتدّ وجده أكثر من مسّ لحيته الكريمة.

١٥- و فيه: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أسخى الناس لا يثبت عنده دينار و لا درهم، و إن فضل شي‏ء


و لم يجد من يعطيه و فجأ الليل لم يأو إلى منزله حتّى يتبرّأ منه إلى من يحتاج إليه، لا يأخذ ممّا آتاه الله إلّا قوت عامه فقط من أيسر ما يجد من التمر و الشعير، و يضع سائر ذلك في سبيل الله.

لا يسأل شيئاً إلّا أعطاه ثمّ يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتّى إنّه ربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شي‏ء، قال: و ينفذ الحقّ و إن عاد ذلك عليه بالضرر أو على أصحابه، قال: و يمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، قال: لا يهوّله شي‏ء من اُمور الدنيا.

قال: و يجالس الفقراء، و يؤاكل المساكين، و يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، و يتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم، يصل ذوي رحمة من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم، لا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذر إليه.

قال: و كان له عبيد و إماء من غير أن يرتفع عليهم في مأكل و لا ملبس، لا يمضي له وقت من غير عمل لله تعالى أو لما لا بدّ منه من صلاح نفسه، يخرج إلى بساتين أصحابه لا يحتقر مسكيناً لفقره أو زمانته، و لا يهاب ملكاً لملكه، يدعو هذا و هذا إلى الله دعاءً مستوياً.

١٦- و فيه، قال: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبعد الناس غضباً و أسرعهم رضىّ، و كان أرأف الناس بالناس، و خير الناس للناس، و أنفع الناس للناس.

١٧- و فيه، قال: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا سرّ و رضي فهو أحسن الناس رضىً، فإنّ وعظ وعظ بجدّ، و إن غضب - و لا يغضب إلّا لله - لم يقم لغضبه شي‏ء، و كذلك كان في اُموره كلّها، و كان إذا نزل به الأمر فوّض الأمر إلى الله، و تبرّأ من الحول و القوّة، و استنزل الهدى.

أقول: و التوكّل على الله و تفويض الاُمور إليه و التبرّي من الحول و القوّة و استنزال الهدى من الله يرجع بعضها إلى بعض و ينشأ الجميع من أصل واحد، و هو أنّ للاُمور استناداً إلى الإرادة الإلهيّة الغالبة غير المغلوبة و القدرة القاهرة غير المتناهية، و قد أطبق على الندب إلى ذلك الكتاب و السنّة كقوله تعالى:( وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ )


إبراهيم: ١٢ و قوله:( وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ ) المؤمن: ٤٤ و قوله:( وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) الطلاق: ٣ و قوله:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ) الأعراف: ٥٤ و قوله:( وَ أَنَّ إِلى‏ رَبِّكَ الْمُنْتَهى) النجم: ٤٢ إلى غير ذلك من الآيات، و الروايات في هذه المعاني فوق حدّ الإحصاء.

و التخلّق بهذه الأخلاق و التأدّب بهذه الآداب على أنّه يجري بالإنسان مجرى الحقائق و يطبّق عمله على ما ينبغي أن ينطبق عليه من الواقع و يقرّه على دين الفطرة فإنّ حقيقة الأمر هو رجوع الاُمور بحسب الحقيقة إلى الله سبحانه كما قال:( أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) الشورى: ٥٣، له فائدة قيّمة هي أنّ اتّكاء الإنسان و اعتماده على ربّه - و هو يعرفه بقدرة غير متناهية و إرادة قاهرة غير مغلوبة - يمدّ إرادته و يشيّد أركان عزيمته فلا ينثلم عن كلّ مانع يبدو له، و لا تنفسح عن كلّ تعب أو عناء يستقبله، و لا يزيلها كلّ تسويل نفسانيّ و وسوسة شيطانيّة تظهر لسرّه في صورة الخطورات الوهميّة.

من سننه و أدبه في العشرة

١٨- و في إرشاد الديلميّ قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرقع ثوبه، و يخصف نعله، و يحلب شاته، و يأكل مع العبد و يجلس على الأرض، و يركب الحمار و يردف، و لا يمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، و يصافح الغنيّ و الفقير، و لا ينزع يده من يد أحد حتّى ينزعها هو، و يسلّم على من استقبله من غنيّ و فقير و كبير و صغير، و لا يحقّر ما دعي إليه و لو إلى حشف التمر.

و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خفيف المؤنة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاماً من غير ضحك، محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلّة، جواداً من غير سرف رقيق القلب، رحيماً بكلّ مسلم، و لم يتجشّ من شبع قطّ، و لم يمدّ يده إلى طمع قطّ.

١٩- و في مكارم الأخلاق، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه كان ينظر في المرآة و يرجّل جمّته و يتمشّط، و ربّما نظر في الماء و سوّى جمّته فيه، و لقد كان يتجمّل لأصحابه فضلاً على تجمّله لأهله، و قال:صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ الله يحبّ من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيّأ لهم و يتجمّل.


٢٠- و في العلل، و العيون، و المجالس، بإسناده عن الرضا عن آبائهعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : خمس لا أدعهنّ حتّى الممات: الأكل على الأرض مع العبيد، و ركوبي مؤكّفاً، و حلبي العنز بيدي، و لبس الصوف، و التسليم على الصبيان لتكون سنّة من بعدي.

٢١- و في الفقيه، عن عليّعليه‌السلام : أنّه قال لرجل من بني سعد: أ لا اُحدّثك عنّي و عن فاطمة - إلى أن قال - فغدا علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و نحن في لحافنا فقال: السلام عليكم فسكتنا و استحيينا لمكاننا ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : السلام عليكم فسكتنا، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : السلام عليكم فخشينا إن لم نردّ عليه أن ينصرف، و قد كان يفعل ذلك فيسلّم ثلاثاً فإنّ اُذن له و إلّا انصرف فقلنا: و عليك السلام يا رسول الله ادخل فدخل‏، الخبر.

٢٢- و في الكافي، بإسناده عن ربعيّ بن عبدالله عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسلّم على النساء و يرددن عليه السلام، و كان أميرالمؤمنينعليه‌السلام يسلّم على النساء و كان يكره أن يسلّم على الشابّة منهنّ، و يقول: أتخوّف أن يعجبني صوتها فيدخل عليّ أكثر ممّا أطلب من الأجر.

أقول: و رواه الصدوق مرسلاً، و كذا سبط الطبرسيّ في المشكاة، نقلاً عن كتاب المحاسن.

٢٣- و فيه، بإسناده عن عبدالعظيم بن عبدالله الحسنيّ رفعه قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجلس ثلاثاً: القرفصاء و هو أن يقيم ساقيه و يستقبلهما بيده، و يشدّ يده في ذراعه، و كان يجثو على ركبتيه، و كان يثنّي رجلاً واحدة و يبسط عليها الاُخرى، و لم ير متربّعاً قطّ.

٢٤- و في المكارم، نقلاً من كتاب النبوّة عن عليّعليه‌السلام قال: ما صافح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحداً قطّ فنزع يده من يده حتّى يكون هو الّذي ينزع يده، و ما فاوضه أحد قطّ في حاجة أو حديث فانصرف حتّى يكون الرجل هو الّذي ينصرف، و ما نازعه أحد قطّ الحديث فيسكت حتّى يكون هو الّذي يسكت، و ما رئي مقدّماً رجله بين يدي جليس له قطّ.

و لا خيّر بين أمرين إلّا أخذ بأشدّهما، و ما انتصر لنفسه من مظلمة حتّى ينتهك


محارم الله فيكون حينئذ غضبه لله تبارك و تعالى، و ما أكل متّكئاً قطّ حتّى فارق الدنيا، و ما سئل شيئاً قطّ فقال لا، و ما ردّ سائل حاجة قطّ إلّا أتى بها أو بميسور من القول، و كان أخفّ الناس صلاة في تمام، و كان أقصر الناس خطبة و أقلّهم هذراً، و كان يعرف بالريح الطيّب إذا أقبل، و كان إذا أكل مع القوم كان أوّل من يبدأ و آخر من يرفع يده، و كان إذا أكل أكل ممّا يليه، فإذا كان الرطب و التمر جالت يده، و إذا شرب شرب ثلاثة أنفاس، و كان يمصّ الماء مصّاً و لا يعبّه عبّاً، و كان يمينه لطعامه و شرابه و أخذه و عطائه فكان لا يأخذ إلّا بيمينه، و لا يعطي إلّا بيمينه، و كان شماله لما سوى ذلك من بدنه و كان يحبّ التيمّن في جميع اُموره في لبسه و تنعّله و ترجّله.

و كان إذا دعا دعا ثلاثاً، و إذا تكلّم تكلّم وتراً، و إذا استأذن استأذن ثلاثاً، و كان كلامه فصلاً يتبيّنه كلّ من سمعه، و إذا تكلّم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه، و إذا رأيته قلت: أفلج و ليس بأفلج.

و كان نظره اللحظ بعينه، و كان لا يكلّم أحداً بشي‏ء يكرهه، و كان إذا مشى كأنّما ينحطّ في صبب، و كان يقول: إنّ خياركم أحسنكم أخلاقاً، و كان لا يذمّ ذواقا و لا يمدحه، و لا يتنازع أصحاب الحديث عنده، و كان المحدّث عنه يقول: لم أر بعينيّ مثله قبله و لا بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٢٥- و في الكافي، بإسناده عن جميل بن درّاج عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسّم لحظاته بين أصحابه فينظر إلى ذا و ينظر إلى ذا بالسويّة. قال: و لم يبسط رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجليه بين أصحابه قطّ، و إن كان ليصافحه الرجل فما يترك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده من يده حتّى يكون هو التارك فلمّا فطنوا لذلك كان الرجل إذا صافحه مال بيده فنزعها من يده.

٢٦- و في المكارم، قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا حدّث بحديث تبسّم في حديثه.

٢٧- و فيه، عن يونس الشيبانيّ قال: قال لي أبوعبداللهعليه‌السلام : كيف مداعبة بعضكم بعضاً؟ قلت: قليلاً. قال: هلّا تفعلوا؟ فإنّ المداعبة من حسن الخلق، و إنّك لتدخل بها السرور على أخيك، و لقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يداعب الرجل يريد به أن يسرّه.


٢٨- و فيه، عن أبي القاسم الكوفيّ في كتاب الأخلاق، عن الصادقعليه‌السلام قال: ما من مؤمن إلّا و فيه دعابة، و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يداعب و لا يقول إلّا حقّاً.

٢٩- و في الكافي، بإسناده عن معمّر بن خلّاد قال: سألت أباالحسنعليه‌السلام فقلت: جعلت فداك الرجل يكون مع القوم فيمضي بينهم كلام يمزحون و يضحكون؟ فقال: لا بأس ما لم يكن، فظننت أنّه عنى الفحش.

ثمّ قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأتيه الأعرابيّ فيأتي إليه بالهديّة ثمّ يقول مكانه: أعطنا ثمن هديّتنا فيضحك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و كان إذا اغتمّ يقول: ما فعل الأعرابيّ ليته أتانا.

٣٠- و في الكافي، بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبي عبداللهعليه‌السلام : قال كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكثر ما يجلس تجاه القبلة.

٣١- و في المكارم، قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤتى بالصبيّ الصغير ليدعو له بالبركة فيضعه في حجره تكرمة لأهله، و ربّما بال الصبيّ عليه فيصيح بعض من رآه حين يبول فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تزرموا بالصبيّ حتّى يقضي بوله ثمّ يفرغ له من دعائه أو تسميته، و يبلغ سرور أهله فيه، و لا يرون أنّه يتأذّى ببول صبيّهم فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده.

٣٢- و فيه، روي: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لا يدع أحداً يمشي معه إذا كان راكباً حتّى يحمله معه فإن أبى قال: تقدّم أمامي و أدركني في المكان الّذي تريد.

٣٣- و فيه، عن أبي القاسم الكوفيّ في كتاب الأخلاق،: و جاء في الآثار: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم ينتقم لنفسه من أحد قطّ بل كان يعفو و يصفح.

٣٤- و فيه: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيّام سأل عنه فإن كان غائباً دعا له، و إن كان شاهداً زاره، و إن كان مريضاً عاده.

٣٥- و فيه: عن أنس قال: خدمت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسع سنين فما أعلم أنّه قال لي قطّ: هلّا فعلت كذا و كذا؟ و لا عاب عليّ شيئاً قطّ.

٣٦- و في الإحياء، قال: قال أنس: و الّذي بعثه بالحقّ ما قال لي في شي‏ء قطّ كرهه: لم فعلته؟ و لا لامني نساؤه إلّا قال: دعوه إنّما كان هذا بكتاب و قدر.


٣٧- و فيه، عن أنس: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يدعوه أحد من أصحابه و غيرهم إلّا قال: لبّيك.

٣٨- و فيه، عنه: و لقد كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم و استمالة لقلوبهم، و يكنّي من لم يكن له كنية فكان يدعى بما كنّاه به، و يكنّي أيضاً النساء اللّاتي لهنّ الأولاد و اللاتّي لم يلدن، و يكنّي الصبيان فيستلين به قلوبهم.

٣٩- و فيه: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤثر الداخل عليه بالوسادة الّتي تحته فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتّى يفعل.

٤٠- و في الكافي، بإسناده عن عجلان قال: كنت عند أبي عبداللهعليه‌السلام فجاء سائل فقامعليه‌السلام إلى مكيل فيه تمر فملأ يده فناوله، ثمّ جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله ثمّ جاء آخر فسأله فقام فأخذ بيده فناوله، ثمّ جاء آخر فقالعليه‌السلام : الله رازقنا و إيّاك.

ثمّ قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان لا يسأله أحد من الدنيا شيئاً إلّا أعطاه فأرسلت إليه امرأة ابناً لها فقالت: انطلق إليه فاسأله فإن قال: ليس عندنا شي‏ء فقل: أعطني قميصك، قال: فأخذ قميصه فرمى به (و في نسخة اُخرى فأعطاه) فأدّبه الله على القصد فقال:( وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ) .

٤١- و فيه، بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكل الهديّة و لا يأكل الصدقة.

٤٢- و فيه، عن موسى بن عمران بن بزيع قال: قلت للرضا (ع): جعلت فداك إنّ الناس رووا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا أخذ في طريق رجع في غيره! كذا كان؟ قال: فقال نعم فأنا أفعله كثيراً فافعله، ثمّ قال لي: أمّا إنّه أرزق لك.

٤٣- و في الإقبال، بإسناده عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخرج بعد طلوع الشمس.

٤٤- و في الكافي، بإسناده عن عبدالله بن المغيرة عمّن ذكره قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل:

أقول: و رواه سبط الطبرسيّ في المشكاة، نقلاً عن المحاسن، و غيره.


٤٥- و من سننه و آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في التنظّف و الزينة ما في المكارم، قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا غسل رأسه و لحيته غسلهما بالسدر.

٤٦- و في الجعفريّات، بإسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرجّل شعره، و أكثر ما كان يرجّل بالماء، و يقول: كفى بالماء طيباً للمؤمن.

٤٧- و في الفقيه، قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ المجوس جزّوا لحاهم و وفّروا شواربهم، و إنّا نحن نجزّ الشوارب و نعفي اللحى.

٤٨- و في الكافي، بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: من السنّة تقليم الأظفار.

٤٩- و في الفقيه،: روي: من السنّة دفن الشعر و الظفر و الدم.

٥٠- و فيه، بإسناده عن محمّد بن مسلم: أنّه سأل أباجعفرعليه‌السلام عن الخضاب فقال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يختضب، و هذا شعره عندنا.

٥١- و في المكارم: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطلّي فيطلّيه من يطلّي حتّى إذا بلغ ما تحت الإزار تولّاه بنفسه.

٥٢- و في الفقيه: قال عليّعليه‌السلام : نتف الإبط ينفي الرائحة الكريهة و هو طهور و سنّة ممّا أمر به الطيّبعليه‌السلام .

٥٣- و في المكارم: كان لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكحلة يكتحل بها في كلّ ليلة و كان كحله الإثمد.

٥٤- و في الكافي، بإسناده عن أبي اُسامة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: من سنن المرسلين السواك.

٥٥- و في الفقيه، بإسناده عن عليّعليه‌السلام في حديث الأربعمائة قال: و السواك مرضاة الله و سنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و مطهّرة للفم.

أقول: و الأخبار في استنانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالسواك من طرق الفريقين كثيرة جدّاً.

٥٦- و في الفقيه: قال الصادقعليه‌السلام : أربع من أخلاق الأنبياء: التطيّب و التنظيف بالموسى و حلق الجسد بالنورة و كثرة الطروقة.


٥٧- و في الكافي، بإسناده عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممسكة إذا هو توضّأ أخذها بيده و هي رطبة فكان إذا خرج عرفوا أنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٥٨- و في المكارم: كان لا يعرض له طيب إلّا تطيّب، و يقول: هو طيّب ريحه خفيف محمله، و إن لم يتطيّب وضع إصبعه في ذلك الطيب ثمّ لعق منه.

٥٩- و فيه: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستجمر بالعود القماريّ.

٦٠- و في ذخيرة المعاد: و كان أي المسك أحبّ الطيب إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٦١- و في الكافي، بإسناده عن إسحاق الطويل العطّار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينفق في الطيب أكثر ممّا ينفق في الطعام.

٦٢- و فيه، بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: قال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : الطيب في الشارب من أخلاق النبيّين و كرامة للكاتبين.

٦٣- و فيه، بإسناده عن السكن الخزّاز قال: سمعت أباعبداللهعليه‌السلام يقول: حقّ على كلّ محتلم في كلّ جمعة أخذ شاربه و أظفاره و مسّ شي‏ء من الطيب، و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا كان يوم الجمعة و لم يكن عنده طيب دعا ببعض خمر نسائه فبلّها في الماء ثمّ وضعها على وجهه.

٦٤- و في الفقيه، بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أتى بطيب يوم الفطر بدأ بنسائه.

٦٥- و في المكارم: و كان يدّهنصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأصناف من الدهن، قال و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدّهن بالبنفسج و يقول: هو أفضل الأدهان.

٦٦- و من آدابهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في السفر ما في الفقيه، بإسناده عن عبدالله بن سنان عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسافر يوم الخميس.

أقول: و في هذا المعنى أحاديث كثيرة.

٦٧- و في أمان الأخطار، و مصباح الزائر، قال: ذكر صاحب كتاب عوارف المعارف: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا سافر حمل معه خمسة أشياء: المرآة و المكحلة و المذرى و السواك، قال: و في رواية اُخرى: و المقراض.


أقول: و رواه في المكارم و الجعفريّات.

٦٨- و في المكارم، عن ابن عبّاس قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا مشى مشى مشياً يعرف أنّه ليس بعاجز و لا كسلان.

٦٩- و في الفقيه، بإسناده عن معاوية بن عمّار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفره إذا هبط هلّل و إذا صعد كبّر.

٧٠- و في لبّ اللباب، للقطب: عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه لم يرتحل من منزل إلّا و صلّى فيه ركعتين، و قال: حتّى يشهد عليّ بالصلاة.

٧١- و في الفقيه، قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا ودّع المؤمنين قال: زوّدكم الله التقوى، و وجّهكم إلى كلّ خير، و قضى لكم كلّ حاجة، و سلّم لكم دينكم و دنياكم، و ردّكم سالمين إلي غانمين.

أقول: و الروايات في دعائهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند الوداع مختلفة لكنّها على اختلافها متّفقة في الدعاء بالسلامة و الغنيمة.

٧٢- و في الجعفريّات، بإسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول للقادم من مكّة: تقبّل الله نسكك، و غفر ذنبك، و أخلف عليك نفقتك.

٧٣- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الملابس و ما يتعلّق بها ما في الإحياء: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلبس من الثياب ما وجد من إزار أو رداء، أو قميص أو جبّة أو غير ذلك، و كان يعجبه الثياب الخضر، و كان أكثر ثيابه البياض، و يقول: ألبسوها أحياءكم، و كفّنوا فيها موتاكم.

و كان يلبس القباء المحشوّ للحرب و غير الحرب، و كان له قباء سندس فيلبسه فيحسن خضرته على بياض لونه، و كانت ثيابه كلّها مشمّرة فوق الكعبين، و يكون الإزار فوق ذلك إلى نصف الساق و كان قميصه مشدود الإزار و ربّما حلّ الإزار في الصلاة و غيرها.

. و كانت له ملحفة مصبوغة بالزعفران، و ربّما صلّى بالناس فيها وحدها، و ربّما لبس الكساء وحده ليس عليه غيره، و كان له كساء ملبّد يلبسه و يقول: إنّما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد، و كان له ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير الجمعة، و ربّما لبس الإزار


الواحد ليس عليه غيره، و يعقد طرفيه بين كتفيه، و ربّما أمّ به الناس على الجنائز، و ربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفاً به محالفاً بين طرفيه و يكون ذلك الأزر الّذي جامع فيه يومئذ، و كان ربّما صلّى بالليل في الإزار و يرتدي ببعض الثوب ممّا يلي هدبه، و يلقي البقيّة على بعض نسائه فيصلّي كذلك.

و لقد كان له كساء أسود فوهبه فقالت له اُمّ سلمة، بأبي أنت و اُمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: كسوته. فقالت: ما رأيت شيئاً قطّ كان أحسن من بياضك على سواده و قال أنس: و ربّما رأيته يصلّي بنا الظهر في شمله عاقداً بين طرفيها، و كان يتختّم، و ربّما خرج و في خاتمه الخيط المربوط يتذكّر بها الشي‏ء، و كان يختم به على الكتب و يقول: الخاتم على الكتاب خير من التهمة.

و كان يلبس القلانس تحت العمائم و بغير عمامة، و ربّما نزع قلنسوته من رأسه فجعلها سترة بين يديه ثمّ يصلّي إليها، و ربّما لم تكن العمامة فيشدّ العصابة على رأسه و على جبهته، و كانت له عمامة تسمّى السحاب فوهبها من عليّ فربّما طلع عليّ فيها فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتاكم عليّ في السحاب.

و كان إذا لبس ثوباً لبسه من قبل ميامنه و يقول: الحمد لله الّذي كساني ما اُواري به عورتي و أتجمّل به في الناس، و إذا نزع ثوبه أخرجه من مياسره، و كان إذا لبس جديداً أعطى خلق ثيابه مسكيناً ثمّ يقول: ما من مسلم يكسو مسلماً من سمل ثيابه، لا يكسوه إلّا لله إلّا كان في ضمان الله و حرزه و خيره ما واراه حيّاً و ميّتاً.

و كان له فراش من أدم حشوه ليف طوله ذراعان أو نحوه و عرضه ذراع و شبر أو نحوه، و كانت له عباءة تفرش له حيثما تنقّل تثنّى طاقين تحته، و كان ينام على الحصير ليس تحته شي‏ء غيره.

و كان من خلقه تسمية دوابّه و سلاحه و متاعه و كان اسم رايته العقاب، و سيفه الّذي يشهد به الحروب ذا الفقار، و كان له سيف يقال له: المخذم، و آخر يقال له: الرسوب، و آخر يقال له القضيب، و كانت قبضة سيفه محلّاة بالفضّة، و كان يلبس المنطقة من الأدم فيها ثلاث حلق من فضّة، و كان اسم قوسه الكتوم و جعبته الكافور، و كان اسم ناقته العضباء،


و اسم بغلته الدلدل، و كان اسم حماره يعفور، و اسم شاته الّتي يشرب لبنها عينة.

و كان له مطهرة من فخار يتوضّأ فيها و يشرب منها فيرسل الناس أولادهم الصغار الّذين قد عقلوا فيدخلون على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يدفعون عنه، فإذا وجدوا في المطهرة ماءً شربوا منه و مسحوا على وجوههم و أجسادهم يبتغون بذلك البركة.

٧٤- و في الجعفريّات، عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلبس من القلانس المضرّبة - إلى أن قال - و كان له درع يقال له ذات الفضول و كانت له ثلاث حلقات من فضّة، بين يديها واحدة و اثنتان من خلفها، الخبر.

٧٥- و في العوالي: روي أنّه كان لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عمامة سوداء يتعمّم بها و يصلّي فيها.

أقول: و روي أنّ عمامتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كانت ثلاث أكوار أو خمساً.

٧٦- و في الخصال، بإسناده عن عليّ في الحديث الأربعمائة قال: البسوا الثياب القطن فإنّها لباس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و لم يكن يلبس الشعر و الصوف إلّا من علّة.

أقول: و رواه الصدوق أيضاً مرسلاً، و رواه الصفوانيّ في كتاب التعريف‏، و يتبيّن بهذا معنى ما مرّ من لبسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصوف و أنّه لا منافاة.

٧٧- و في الفقيه، بإسناده عن إسماعيل بن مسلم عن الصادق عن أبيهعليهما‌السلام قال: كانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عنزة في أسفلها عكاز يتوكّأ عليها و يخرجها في العيدين يصلّي إليها.

أقول: و رواه في الجعفريّات.

٧٨- و في الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان خاتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من ورق.

٧٩- و فيه، بإسناده عن أبي خديجة قال: قال: الفصّ مدوّر، و قال: هكذا كان خاتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٨٠- و في الخصال، بإسناده عن عبدالرحيم بن أبي البلاد عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال:


كان لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتمان: أحدهما عليه مكتوب لا إله إلّا الله محمّد رسول الله، و الآخر: صدق الله.

٨١- و فيه، بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثانيعليه‌السلام في حديث: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أميرالمؤمنين و الحسن و الحسين و الأئمّةعليهم‌السلام كانوا يتختّمون في اليمين.

٨٢- و في المكارم، عن الصادق عن عليّعليه‌السلام قال: لبس الأنبياء القمّيّص قبل السراويل.

أقول: و رواه في الجعفريّات، و في المعاني السابقة أخبار اُخر كثيرة.

٨٣- و من آدابهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مسكنه و ما يتعلّق به ما في كتاب التحصين، لابن فهد قال: توفّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و ما وضع لبنة على لبنة.

٨٤- و في لبّ اللباب، قال: قالعليه‌السلام : المساجد مجالس الأنبياء.

٨٥- و في الكافي، بإسناده عن السكونيّ عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا خرج في الصيف من البيت خرج يوم الخميس، و إذا أراد أن يدخل في الشتاء من البرد دخل يوم الجمعة.

أقول: و رواه أيضاً في الخصال مرسلاً.

٨٦- و عن كتاب العدد القويّة، للشيخ عليّ بن الحسن بن المطهّر أخ العلّامة رحمهما الله عن خديجة رضي الله عنها قالت: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل المنزل دعا بالإناء فتطهّر للصلاة ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين يوجز فيهما ثمّ يأوي إلى فراشه.

٨٧- و في الكافي، بإسناده عن عباد بن صهيب قال: سمعت أباعبداللهعليه‌السلام يقول: ما بيّت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدوّاً قطّ.

٨٨- و في المكارم: كان فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عباءة، و كانت مرفقته من أدم حشوها ليف فثنيت ذات ليلة فلمّا أصبح قال: لقد منعتني الليلة الفراش الصلاة فأمر أن يجعل له بطاق واحد، و كان له فراش من أدم حشوه ليف، و كانت له عباءة تفرش له حيثما انتقل، و تثنّى ثنتين.


٨٩- و فيه: عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: ما استيقظ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من نوم قطّ إلّا خرّ لله ساجداً.

٩٠- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المناكح و الأولاد ما في رسالة المحكم و المتشابه، للمرتضى بإسناده إلى تفسير النعمانيّ عن عليّعليه‌السلام قال: إنّ جماعة من الصحابة كانوا قد حرّموا على أنفسهم النساء و الإفطار بالنهار و النوم بالليل فأخبرت اُمّ سلمة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فخرج إلى أصحابه فقال: أ ترغبون عن النساء؟ فإنّي آتي النساء و آكل بالنهار و أنام بالليل فمن رغب عن سنّتي فليس منّي‏، الخبر.

أقول: و هذا المعنى مرويّ في كتب الفريقين بطرق كثيرة.

٩١- و في الكافي، بإسناده عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: من أخلاق الأنبياء حبّ النساء.

٩٢- و فيه، بإسناده عن بكّار بن كردم و غير واحد عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : جعل قرّة عيني في الصلاة و لذّتي في النساء.

أقول: و يقرب منه ما روي بطرق اُخرى.

٩٣- و في الفقيه: و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد أن يتزوّج بامرأة بعث إليها من ينظر إليها، الخبر.

٩٤- و في تفسير العيّاشيّ: عن الحسين بن بنت إلياس قال: سمعت أباالحسن الرضاعليه‌السلام يقول: إنّ الله جعل الليل سكناً، و جعل النساء سكناً، و من السنّة التزويج بالليل و إطعام الطعام.

٩٥- و في الخصال، بإسناده عن عليّعليه‌السلام في حديث الأربعمائة قال: عقّوا عن أولادكم يوم السابع، و تصدّقوا بوزن شعورهم فضّة على مسلم، و كذلك فعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالحسن و الحسين و سائر أولاده.

٩٦- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الأطعمة و الأشربة و ما يتعلّق بالمائدة ما في الكافي، بإسناده عن هشام بن سالم و غيره عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: ما كان شي‏ء أحبّ إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أن يظلّ جائعاً خائفاً في الله.


٩٧- و في الإحتجاج، بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه عن الحسين بن عليّعليهم‌السلام في حديث طويل: في أسئلة اليهوديّ الشاميّ عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام - إلى أن قال - قال له اليهوديّ: فإنّ عيسى يزعمون أنّه كان زاهداً!، قال له عليّعليه‌السلام : كان كذلك، و محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أزهد الأنبياء كان له ثلاث عشرة نسوة سوى من يطيف به من الإماء ما رفعت له مائدة قطّ و عليها طعام، و ما أكل خبز برّ قطّ، و لا شبع من خبز شعير قطّ ثلاث ليال متواليات.

٩٨- و في أمالي الصدوق، عن العيص بن القاسم قال: قلت للصادقعليه‌السلام : حديث يروى عن أبيك: أنّه قال: ما شبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من خبز برّ قطّ أ هو صحيح؟ فقال: لا ما أكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خبز برّ قطّ و لا شبع من خبز شعير قطّ.

٩٩- و في الدعوات، للقطب قال: و روي ما أكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متّكئاً إلّا مرّة ثمّ جلس فقال: اللّهمّ إنّي عبدك و رسولك.

أقول: و روى هذا المعنى الكلينيّ و الشيخ بطرق كثيرة و الصدوق و البرقيّ و الحسين بن سعيد في كتاب الزهد.

١٠٠- و في الكافي، بإسناده عن زيد الشحّام عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: ما أكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متّكئاً منذ بعثه الله حتّى قبض كان يأكل أكلة العبد، و يجلس جلسة العبد. قلت: و لم؟ قال تواضعاً لله عزّوجلّ.

١٠١- و فيه، بإسناده عن أبي خديجة قال: سأل بشير الدهّان عن أبي عبداللهعليه‌السلام و أنا حاضر فقال: هل كان يأكل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متّكئاً على يمينه و على يساره؟ فقال: ما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكل متّكئاً على يمينه و لا على يساره، و لكن يجلس جلسة العبد، قلت: و لم ذاك؟ قال: تواضعاً لله عزّوجلّ.

١٠٢- و فيه، بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكل أكل العبد، و يجلس جلسة العبد، و كان يأكل على الحضيض و ينام على الحضيض.

١٠٣- و في الإحياء،: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا جلس يأكل جمع بين ركبتيه و بين قدميه كما يجلس المصلّي إلّا أنّ الركبة فوق الركبة و القدم فوق القدم، و يقول إنّما أنا عبد آكل


كما يأكل العبد و أجلس كما يجلس العبد.

١٠٤- و في كتاب التعريف، للصفوانيّ عن عليّعليه‌السلام : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قعد على المائدة قعد قعدة العبد، و كان يتّكئ عن(١) فخذه الأيسر.

١٠٥- و في المكارم: عن ابن عبّاس قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجلس على الأرض، و يعتقل الشاة، و يجيب دعوة المملوك.

١٠٦- و في المحاسن، بإسناده عن حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلعق أصابعه إذا أكل.

١٠٧- و في الإحتجاج، نقلاً من كتاب مواليد الصادقين قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكل كلّ الأصناف من الطعام، و كان يأكل ما أحلّ الله له مع أهله و خدمه إذا أكلوا و مع من يدعوه من المسلمين على الأكل، و على ما أكلوا عليه و ما أكلوا إلّا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه - إلى أن قال - و كان أحبّ الطعام إليه ما كان على ضفف.

أقول: قوله:( و على ما أكلوا عليه) يريد أمثال المائدة و الصحفة، و قوله:( و ما أكلوا) ما موصولة أو توقيتيّة، و قوله:( إلّا أن ينزل) ، إلخ استثناء من قوله:( مع أهله و خدمه) و( الضفف) كثرة العيال و نحوها، و الضفّة بالفتح الجماعة.

١٠٨- و في الكافي، بإسناده عن ابن القدّاح عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أكل مع القوم طعاماً كان أوّل من يضع يده و آخر من يرفعها ليأكل القوم.

١٠٩- و في الكافي، بإسناده إلى محمّد بن مسلم عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: قال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : عشاء النبيّين بعد العتمة فلا تدعوا العشاء فإنّ ترك العشاء خراب البدن.

١١٠- و في الكافي، بإسناده عن عنبسة بن نجاد عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: ما قدّم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طعام فيه تمر إلّا بدأ بالتمر.

١١١- و في الكافي، و صحيفة الرضا، بإسناده عن آبائهعليهم‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أكل التمر يطرح النوى على ظهر كفّه ثمّ يقذف به.

١١٢- و في الإقبال، نقلاً من الجزء الثاني من تاريخ النيشابوريّ، في ترجمة الحسن

____________________

(١) كذا


بن بشر بإسناده قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحمد الله بين كلّ لقمتين.

١١٣- و في الكافي، بإسناده عن وهب بن عبد ربّه قال: رأيت أبا عبداللهعليه‌السلام يتخلّل فنظرت إليه فقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتخلّل، و هو يطيّب الفم.

١١٤- و في المكارم، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه كان إذا شرب بدأ فسمّى - إلى أن قال - و يمصّ الماء مصّاً و لا يعبّه عبّاً، و يقول: إنّ الكباد من العبّ.

١١٥- و في الجعفريّات، عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال: تفقدّت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير مرّة، و هو إذا شرب تنفّس ثلاثاً مع كلّ واحدة منها تسمية إذا شرب و تحميد إذا انقطع فسألته عن ذلك فقال: يا عليّ شكراً لله تعالى بالحمد و تسمية من الداء.

١١٦- و في المكارم: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يتنفّس في الإناء إذا شرب فإن أراد أن يتنفّس أبعد الإناء عن فيه حتّى يتنفّس.

١١٧- و في الإحياء: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أكل اللحم لم يطأطئ رأسه إليه و يرفعه إلى فيه رفعاً ثمّ ينهشه انتهاشاً ثمّ قال: و كان إذا أكل اللحم خاصّة غسل يديه غسلاً جيّداً ثمّ مسح بفضل الماء على وجهه.

١١٨- و في المكارم، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه كان يأكل الأصناف من الطعام.

أقول: ثمّ ذكر الطبرسي أصنافاً من الطعام كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأكلها كالخبز و اللحم على أقسامه و البطّيخ و الخربز و السكّر و العنب و الرمّان و التمر و اللبن و الهريسة و السمن و الخلّ و الهندباء و الباذروج و الكرنب. و روي: أنّه كان يحبّ التمر. و روي أنّه كان يعجبه العسل. و روي أنّه كان أحبّ الثمرات إليه الرمّان.

١١٩- و في أمالي الطوسيّ، بإسناده عن أبي اُسامة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان طعام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الشعير إذا وجده، و حلواه التمر، و وقوده السعف.

١٢٠- و في المكارم، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه كان لا يأكل الحارّ حتّى يبرد و يقول: إنّ الله لم يطعمنا ناراً إنّ الطعام الحارّ غير ذي بركة.

و كان إذا أكل سمّى، و يأكل بثلاث أصابع، و ممّا يليه و لا يتناول من بين يدي غيره، و يؤتى بالطعام فيشرع قبل القوم ثمّ يشرعون، و كان يأكل بأصابعه الثلاث:


الإبهام و الّتي تليها و الوسطى و ربّما استعان بالرابعة، و كان يأكل بكفّه كلّها، و لم يأكل بإصبعين، و يقول: إنّ الأكل بإصبعين هو أكل الشيطان، و لقد جاء أصحابه يوماً بفالوذج فأكل معهم و قال: ممّ هذا؟ فقالوا: نجعل السمن و العسل فيأتي - كما ترى - فقال: إنّ هذا طعام طيّب.

و كان يأكل خبز الشعير غير منخول، و ما أكل خبز برّ قطّ، و لا شبع من خبز شعير قطّ، و لا أكل على خوان حتّى مات، و كان يأكل البطّيخ و العنب و يأكل الرطب و يطعم الشاة النوى، و كان لا يأكل الثوم و لا البصل و لا الكرّاث و لا العسل الّذي فيه المغافير، و المغافير ما يبقى من الشجر في بطون النحل فيلقيه في العسل فيبقى له ريح في الفم.

و ما ذمّ طعاماً قطّ. كان إذا أعجبه أكله، و إذا كرهه تركه و لا يحرّمه على غيره، و كان يلحس القصعة و يقول: آخر الصحفة أعظم الطعام بركة، و كان إذا فرغ لعق أصابعه الثلاث الّتي أكل بها واحدة واحدة، و كان يغسل يده من الطعام حتّى ينقّيها، و كان لا يأكل وحده.

أقول: قوله:( الإبهام و الّتي تليها و الوسطى) من جميل أدب الراوي حيث لم يقل: الإبهام و السبّابة إلخ صوناً لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن إطلاق السبّابة على إصبعه الشريفة لما في اللفظ من الإيهام.

و الّذي رواه من أكلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفالوذج يخالف ما في المحاسن مسنداً عن يعقوب بن شعيب عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: بينا أميرالمؤمنينعليه‌السلام في الرحبة في نفر من أصحابه إذ اُهدي إليه خوان فالوذج فقال لأصحابه: مدّوا أيديكم فمدّوا أيديهم و مدّ يده ثمّ قبضها و قال: إنّي ذكرت أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يأكله فكرهت أكله.

١٢١- و في المكارم، قال: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشرب في أقداح القوارير الّتي يؤتى بها من الشام، و يشرب في الأقداح الّتي تتّخذ من الخشب و الجلود و الخزف.

أقول: و روي قريباً من صدره في الكافي، و المحاسن، و فيه: و يعجبه أن يشرب في القدح الشاميّ و كان يقول: هي أنظف آنيتكم.

١٢٢- و في المكارم، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه كان يشرب بكفّه يصبّ الماء فيها، و يقول:


ليس إناء أطيب من اليد.

١٢٣- و في الكافي، بإسناده عن عبدالله بن سنان قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يذبح يوم الأضحى كبشين أحدهما عن نفسه و الآخر عمّن لم يجد من اُمّته.

١٢٤- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخلوة ما في شرح النفليّة، للشهيد الثاني عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه لم ير علي بول و لا غائط.

١٢٥- و في الجعفريّات، بإسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد أن يتخنّع غطّى رأسه ثمّ دفنه، و إذا أراد يبزق فعل مثل ذلك، و كان إذا أراد الكنيف غطّى رأسه.

أقول: و اتّخاذ الكنيف في العرب ممّا حدث بعد الإسلام، و كانوا قبل ذلك يخرجون إلى البرّ على ما يستفاد من بعض الروايات.

١٢٦- و في الكافي، بإسناده عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الثانيعليه‌السلام قال: قلت له: إنّا روينا الحديث أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يستنجي و خاتمه في إصبعه، و كذلك كان يفعل أميرالمؤمنينعليه‌السلام ، و كان نقش خاتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : محمّد رسول الله؟ قال: صدقوا، قلت: فينبغي لنا أن نفعل، قال: إنّ اُولئك كانوا يتختّمون في اليد اليمنى و إنّكم أنتم تتختّمون في اليسرى‏، الحديث.

أقول: و روي قريب منه في الجعفريّات، و في المكارم، نقلاً عن كتاب اللباس، للعيّاشيّ عن الصادقعليه‌السلام .

١٢٧- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند المصائب و البلايا و في الأموات و ما يتعلّق بها ما في المكارم: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا رأى من جسمه بثرة أعاذ بالله و استكان له و جار إليه فيقال له: يا رسول الله ما هو ببأس، فيقول: إنّ الله إذا أراد أن يعظّم صغيراً عظّم، و إذا أراد أن يصغّر عظيماً صغّر.

١٢٨- و في الكافي، بإسناده عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: السنّة أن يحمل السرير من جوانبه الأربع، و ما كان بعد ذلك من حمل فهو تطوّع.

١٢٩- و في قرب الإسناد، عن الحسين بن طريف عن الحسين بن علوان عن جعفر


عن أبيه: أنّ الحسن بن عليّعليه‌السلام كان جالساً و معه أصحاب له فمرّ بجنازة فقام بعض القوم و لم يقم الحسنعليه‌السلام فلمّا مضوا بها قال بعضهم: أ لّا قمت عافاك الله فقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوم للجنازة إذا مرّوا بها؟ فقال الحسنعليه‌السلام : إنّما قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة واحدة، و ذلك أنّه مرّ بجنازة يهوديّ و قد كان المكان ضيّقاً فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و كره أن يعلوا رأسه.

١٣٠- و في دعوات القطب، قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أتّبع جنازة غلبته كآبة، و أكثر حديث النفس، و أقلّ الكلام.

١٣١- و في الجعفريّات، بإسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحثو ثلاث حثيات من تراب على القبر.

١٣٢- و في الكافي، بإسناده عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصنع بمن مات من بني هاشم خاصّة شيئاً لا يصنعه بأحد من المسلمين: كان إذا صلّى بالهاشميّ و نضح قبره بالماء وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفّه على القبر حتّى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كفّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول: من مات من آل محمّد؟

١٣٣- و في مسكّن الفؤاد، للشهيد الثاني عن عليّعليه‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا عزّى قال: آجركم الله و رحمكم، و إذا هنّأ قال: بارك الله لكم و بارك الله عليكم.

١٣٤- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الوضوء و الغسل ما في آيات الأحكام، للقطب عن سليمان بن بريدة عن أبيه أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يتوضّأ لكلّ صلاة فلمّا كان عام الفتح صلّى الصلوات بوضوء واحد فقال عمر: يا رسول الله صنعت شيئاً ما كنت صنعته، فقال: عمداً فعلته.

١٣٥- و في الكافي، بإسناده عن زرارة قال: قال أبوجعفرعليه‌السلام : أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقلنا: بلى فدعا بقعب فيه شي‏ء من ماء فوضعه بين يديه، ثمّ حسر عن ذراعيه، ثمّ غمس فيه كفه اليمنى ثمّ قال: هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة ثمّ غرف ملأها ماءً فوضعها على جبينه، ثمّ قال: بسم الله و سدله على أطراف لحيته ثمّ أمرّ يده


على وجهه و ظاهر جبينه مرّة واحدة، ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، و مسح مقدّم رأسه و ظاهر قدميه ببلّة يساره و بقيّة بلّة يمناه.

قال: و قال أبوجعفرعليه‌السلام : إنّ الله وتر يحبّ الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلّة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى.

قال زرارة: قال أبوجعفرعليه‌السلام سأل رجل أميرالمؤمنينعليه‌السلام عن وضوء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحكى له مثل ذلك.

أقول: و هذا المعنى مرويّ عن زرارة و بكير و غيرهما بطرق متعدّدة رواها الكلينيّ و الصدوق و الشيخ و العيّاشيّ و المفيد و الكراجكيّ و غيرهم، و أخبار أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في ذلك مستفيضة تقرب من التواتر.

١٣٦- و في الأمالي، لمفيد الدين الطوسيّ بإسناده عن أبي هريرة: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا توضّأ بدأ بميامنه.

١٣٧- و في التهذيب، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن الوضوء فقال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوضّأ بمدّ من ماء و يغتسل بصاع.

أقول: و روي مثله عن أبي جعفرعليه‌السلام بطريق آخر.

١٣٨- و في العيون، بإسناده عن الرضا عن آبائهعليه‌السلام في حديث طويل: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة، و اُمرنا بإسباغ الطهور، و لا ننزي حماراً على عتيقة.

١٣٩- و في التهذيب، بإسناده عن عبدالله بن سنان عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: المضمضة و الاستنشاق ممّا سنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١٤٠- و فيه، بإسناده عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أباعبداللهعليه‌السلام يقول: كان رسول الله يغتسل بصاع، و إذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع و مدّ.


أقول: و روى هذا المعنى الكلينيّ في الكافي، بإسناده عن محمّد بن مسلم عنه و فيه: يغتسلان جميعاً من إناء واحد، و كذلك الشيخ بطريق آخر.

١٤١- و في الجعفريّات، بإسناده عن جعفر بن محمّد، عن أبيهعليهما‌السلام قال: سأل الحسن ابن محمّد، جابر بن عبدالله عن غسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال جابر: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يغرف على رأسه ثلاث مرّات فقال الحسن بن محمّد: إنّ شعري كثير - كما ترى - فقال جابر: يا حرّ لا تقل ذلك فشعر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أكثر و أطيب.

١٤٢- و في الهداية، للصدوق: قال الصادقعليه‌السلام : غسل الجمعة سنّة واجبة على الرجال و النساء في السفر و الحضر - إلى أن قال - و قال الصادقعليه‌السلام : غسل يوم الجمعة طهور و كفّارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة إلى الجمعة، قال: و العلّة في غسل الجمعة أنّ الأنصار كانت تعمل لنواضحها و أموالها فإذا كان يوم الجمعة حضروا المسجد فيتأذّى الناس بأرياح آباطهم فأمر الله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالغسل فجرت به السنّة.

أقول: و قد روي من سننهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغسل غسل يوم الفطر و الغسل في جميع الأعياد و أغسال اُخر كثيرة ربّما يأتي بعضها فيما سيأتي إن شاء الله تعالى.

١٤٣- و من آدابه و سننه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة و ما يلحق بها ما في الكافي، بإسناده عن الفضيل بن يسار و عبد الملك و بكير قالوا: سمعنا أباعبداللهعليه‌السلام يقول: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي من التطوّع مثلي الفريضة، و يصوم من التطوّع مثلي الفريضة.

أقول: و رواه الشيخ أيضاً.

١٤٤- و فيه، بإسناده عن حنان قال: سأل عمرو بن حريث أباعبداللهعليه‌السلام و أنا جالس فقال: جعلت فداك أخبرني عن صلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّي ثمان ركعات الزوال، و أربعاً الاُولى، و ثماني بعدها، و أربعاً العصر، و ثلاثاً المغرب، و أربعاً بعد المغرب، و العشاء الآخرة أربعاً، و ثماني صلاة الليل، و ثلاثاً الوتر، و ركعتي الفجر، و صلاة الغداة ركعتين.

قلت: جعلت فداك إن كنت أقوى على أكثر من هذا يعذّبني الله على كثرة الصلاة؟ فقال: لا و لكن يعذّبك على ترك السنّة.


أقول: و يظهر من الرواية أنّ الركعتين عن جلوس العشاء أعني العتمة ليستا من الخمسين بل يتمّ بهما - محسوبتين بواحدة عن قيام - العدد إحدى و خمسين بل إنّما شرّعت العتمة بدلاً من الوتر لو نزل الموت قبل القيام إلى الوتر فقد روى الكلينيّ رحمه الله في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يبيتنّ إلّا بوتر قلت: تعني الركعتين بعد العشاء الآخرة؟ قال: نعم إنّهما بركعة فمن صلّاهما ثمّ حدث به حدث مات على وتر فإن لم يحدث به حدث الموت يصلّي الوتر في آخر الليل.

فقلت: هل صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هاتين الركعتين؟ قال: لا. قلت: و لم؟ قال: لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأتيه الوحي، و كان يعلم أنّه هل يموت في تلك اللّيلة أم لا؟ و غيره لا يعلم فمن أجل ذلك لم يصلّهما و أمر بهما، الخبر.

و يمكن أن يكون المراد بقوله في الحديث:( لم يصلّهما) أنّه لم يداوم عليهما بل ربّما صلّى و ربّما ترك كما يستفاد من بعض آخر من الأحاديث، فلا يعارض ما ورد من أنّه كان يصلّيهما.

١٤٥- و في التهذيب، بإسناده عن زرارة قال: سمعت أباجعفرعليه‌السلام يقول: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يصلّي من النهار شيئاً حتّى تزول الشمس فإذا زالت قدر نصف إصبع صلّى ثماني ركعات فإذا فاء الفي‏ء ذراعاً صلّى الظهر، ثمّ صلّى بعد الظهر ركعتين، و يصلّي قبل وقت العصر ركعتين، فإذا فاء الفي‏ء ذراعين صلّى العصر، و صلّى المغرب حتّي (حين ظ) تغيب الشمس، فإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، و آخر وقت المغرب إياب الشفق فإذا آب الشفق دخل وقت العشاء و آخر وقت العشاء ثلث اللّيل.

و كان لا يصلّي بعد العشاء حتّى ينتصف الليل ثمّ يصلّي ثلاث عشرة ركعة منها الوتر و منها ركعتا الفجر قبل الغداة، فإذا طلع الفجر و أضاء صلّى الغداة.

أقول: و لم يستوعب تمام نافلة العصر في الرواية، و هي معلومة من روايات اُخر.

١٤٦- و فيه، بإسناده عن معاوية بن وهب قال: سمعت أباعبداللهعليه‌السلام يقول: و ذكر


صلاة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤتى بطهور فيخمّر عند رأسه و يوضع سواكه تحت فراشه، ثمّ ينام ما شاء الله فإذا استيقظ جلس ثمّ قلّب بصره في السماء، ثمّ تلا الآيات من آل عمران:( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) الآيات، ثمّ يستنّ و يتطهّر، ثمّ يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، و سجوده على قدر ركوعه، يركع حتّى يقال: متى يرفع رأسه؟ و يسجد حتّى يقال: متى يرفع رأسه.

ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله، ثمّ يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات و يقلّب بصره إلى السماء، ثمّ يستنّ و يتطهّر و يقوم إلى المسجد فيصلّي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك.

ثمّ يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله ثمّ يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران و يقلّب بصره في السماء، ثمّ يستنّ و يتطهّر و يقوم إلى المسجد فيوتر و يصلّي الركعتين ثمّ يخرج إلى الصلاة.

أقول: و روي هذا المعنى أيضاً في الكافي، بطريقين.

١٤٧- و روي: أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يوجز في نافلة الصبح يصلّيهما عند أوّل الفجر ثمّ يخرج إلى الصلاة.

١٤٨- و في المحاسن، بإسناده عن عمر بن يزيد عن أبي عبداللهعليه‌السلام : أنّه قال: من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله ربّي و أتوب إليه سبعين مرّة، و واظب على ذلك حتّى قضى سنة كتبه الله عنده من المستغفرين بالأسحار.

و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستغفر الله في الوتر سبعين مرّة، و يقول: هذا مقام العائذ بك من النار سبعاً، الخبر.

١٤٩- و في الفقيه: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في قنوت الوتر: اللّهمّ اهدني فيمن هديت، و عافني فيمن عافيت، و تولّني فيمن تولّيت، و بارك لي فيما أعطيت، و قني شرّ ما قضيت، إنّك تقضي و لا يقضى عليك، سبحانك ربّ البيت، أستغفرك و أتوب إليك و اُومن بك و أتوكّل عليك، و لا حول و لا قوّة إلّا بك يا رحيم.

١٥٠- و في التهذيب، بإسناده عن أبي خديجة عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا جاء شهر رمضان زاد في الصلاة و أنا أزيد فزيدوا.

أقول: يعنيعليه‌السلام بالزيادة الألف ركعة - التراويح - نوافل شهر رمضان الّتي كان يصلّيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير الخمسين نوافل اليوم و الليلة، و قد وردت في كيفيّتها و تقسّمها على ليالي شهر رمضان أخبار كثيرة، و ورد من طرق أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّيها بغير جماعة، و ينهى عن إتيانها بالجماعة، و يقول:

لا جماعة في نافلة.

و للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلوات خاصّة اُخرى منقولة عنه في كتب الأدعية تركنا ذكرها لخروجها عن غرضنا في هذا المقام، و كذلك لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنن في الصلوات و الأدعية و الأوراد من أراد الوقوف عليها فليراجع مظانّ ذكرها.

١٥١- و في الكافي، بإسناده عن يزيد بن خليفة قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت قال: إذن لا يكذب علينا - إلى أن قال - قلت: و قال: إنّ وقت المغرب إذا غاب القرص إلّا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا جدّ به السير اُخر المغرب و يجمع بينها و بين العشاء، فقال: صدق.

١٥٢- و في التهذيب، بإسناده عن طلحة بن زيد عن جعفر عن أبيهعليه‌السلام : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان في الليلة الممطرة يوجز في المغرب و يعجّل في العشاء يصلّيهما جميعاً، و يقول: من لا يرحم لا يرحم.

١٥٣- و فيه، بإسناده عن ابن أبي عمير عن حمّاد عن الحلبيّ عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا كان في سفر أو عجلت به الحاجة يجمع بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء الآخرة، الخبر.

أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة رواها الكلينيّ و الشيخ و ابنه و الشهيد الأوّل رحمهم الله.

١٥٤- و في الفقيه، بإسناده عن معاوية بن وهب عن أبي عبداللهعليه‌السلام أنّه قال: كان المؤذّن يأتي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الحرّ في صلاة الظهر فيقول له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبرد أبرد.


أقول: قال الصدوق: يعني عجّل عجّل اُخذ ذلك من البريد، و الظاهر أنّ المراد به التأخير ليزول شدّة الحرّ كما يدلّ عليه ما في كتاب العلاء، عن محمّد بن مسلم قال: مرّ بي أبوجعفرعليه‌السلام بمسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أنا اُصلّي فلقيني بعد فقال: إيّاك أن تصلّي الفريضة في تلك الساعة، أ تؤدّيها في شدّة الحرّ؟ قلت: إنّي كنت أتنفّل.

١٥٥- و في الإحياء، قال: و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يجالس إليه أحد و هو يصلّي إلّا خفّف صلاته و أقبل عليه فقال، أ لك حاجة؟ فإذا فرغ من حاجاته عاد إلى صلاته.

١٥٦- و في كتاب زهد النبيّ، لجعفر بن أحمد القمّيّ قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا قام إلى الصلاة تربّد وجهه خوفاً من الله، و كان لصدره أو لجوفه أزيز كأزيز الوجل.

أقول: و روى هذا المعنى ابن الفهد و غيره أيضاً.

١٥٧- و فيه، قال: و في رواية اُخرى: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا قام إلى الصلاة كأنّه ثوب ملقى.

١٥٨- و في البحار، قال: قالت عائشة: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحدّثنا و نحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنّه لم يعرفنا و لم نعرفه.

١٥٩- و في المجالس، لمفيد الدين الطوسيّ بإسناده إلى عليّعليه‌السلام : في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر حين ولّاه مصر - إلى أن قال - ثمّ انظر ركوعك و سجودك فإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أتمّ الناس صلاة، و أخفّهم عملاً فيها.

١٦٠- و في الجعفريّات، بإسناده عن جعفر بن محمّد عن آبائه عن عليّعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا تثاءب في الصلاة ردّها بيده اليمنى.

أقول: و روي في الدعائم مثله.

١٦١- و في العلل، بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام في حديث قال: قلت له: لأيّ علّة يقال في الركوع: سبحان ربّي العظيم و بحمده؟ و يقال في السجود: سبحان ربّي الأعلى و بحمده؟ فقال: يا هشام إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما اُسري به، و صلّى و ذكر ما رأى من عظمة الله ارتعدت فرائصه و ابترك على ركبتيه، و أخذ يقول: سبحان ربّي العظيم و بحمده، فلمّا اعتدل من ركوعه فإنّما نظر إليه في موضع أعلى من


ذلك خرّ على وجهه و هو يقول: سبحان ربّي الأعلى و بحمده فلمّا قالها سبع مرّات سكن ذلك الرعب فلذلك جرت به السنّة.

١٦٢- في تنبيه الخواطر، للشيخ ورّام بن أبي فرّاس عن النعمان قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسوّي صفوفنا كأنّما يسوّي بها القداح حتّى رأى أنّا قد أغفلنا عنه ثمّ خرج يوماً و قام حتّى كاد أن يكبّر فرأى رجلاً بادئاً صدره فقال: عباد الله لتسوّون صفوفكم أو ليخالفنّ بين وجوهكم.

١٦٣- و فيه، عن ابن مسعود قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة و يقول: استووا و لا تختلفوا فتختلف قلوبكم‏، الخبر.

١٦٤- و في الفقيه، بإسناده عن داود بن الحصين عن أبي العبّاس عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: اعتكف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في شهر رمضان في العشر الأوّل ثمّ اعتكف في الثانية في العشر الوسطى، ثمّ لم يزل يعتكف في العشر الأواخر.

١٦٥- و فيه، قال: قال أبوعبداللهعليه‌السلام : كانت بدر في شهر رمضان و لم يعتكف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلمّا أن كان من قابل اعتكف عشرين: عشراً لعامه، و عشراً قضاءً لما فاته.

أقول: و رواه و الّذي قبله الكلينيّ في الكافي.

١٦٦- و في الكافي، بإسناده عن الحلبيّ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل العشر الأواخر (يعني من شهر رمضان) اعتكف في المسجد، و ضربت له قبّة من شعر، و شمّر الميزر، و طوى فراشه و قال بعضهم: و اعتزل النساء؟ قال: أمّا اعتزال النساء فلا.

أقول: و هذا المعنى مرويّ في روايات كثيرة، و المراد من نفي الاعتزال - كما ذكروه و تدلّ عليه الروايات - تجويز مخالطتهنّ و معاشرتهنّ دون المجامعة.

١٦٧- و من آدابه و سننه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصيام ما في الفقيه، بإسناده عن محمّد بن مروان قال: سمعت أباعبداللهعليه‌السلام يقول: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصوم حتّى يقال: لا يفطر، و يفطر حتّى يقال: لا يصوم، ثمّ صام يوماً و أفطر يوماً، ثمّ صام الإثنين و الخميس، ثمّ آل من ذلك إلى صيام ثلاثة أيّام في الشهر: الخميس في أوّل الشهر، و أربعاء في وسط الشهر، و الخميس في آخر الشهر، و كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: ذلك صوم الدهر.


و قد كان أبيعليه‌السلام يقول: ما من أحد أبغض إلى الله من رجل يقال له: كان رسول الله يفعل كذا و كذا فيقول: لا يعذّبني الله على أن أجتهد في الصلاة و الصوم كأنّه يرى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ترك شيئاً من الفضل عجزاً منه.

١٦٨- و في الكافي، بإسناده عن محمّد بن مسلم عن أبي عبداللهعليه‌السلام : كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّل ما بعث يصوم حتّى يقال: ما يفطر و يفطر حتّى يقال: ما يصوم، ثمّ ترك ذلك و صام يوماً و أفطر يوماً و هو صوم داود، ثمّ ترك ذلك و صام الثلاثة الأيّام الغرّ، ثمّ ترك ذلك و فرقها في كلّ عشرة يوماً: خميسين بينهما أربعاء فقبضصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو يعمل ذلك.

أقول: و في هذا المعنى روايات كثيرة مستفيضة.

١٦٩- و فيه، بإسناده عن عنبسة العابد قال: قبض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على صيام شعبان و رمضان و ثلاثة أيّام من كلّ شهر.

١٧٠- و في نوادر، أحمد بن محمّد بن عيسى عن عليّ بن نعمان عن زرعة عن سماعة قال: سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن صوم شعبان أ صامه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: نعم و لم يصمه كلّه، قلت: كم أفطر منه؟ قال: أفطر، فأعدتها و أعادها ثلاث مرّات لا يزيدني على أن أفطر، ثمّ سألته في العام القابل عن ذلك فأجابني بمثل ذلك‏ الخبر.

١٧١- و في المكارم، عن أنس قال: كانت لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شربة يفطر عليها و شربة للسحر، و ربّما كانت واحدة و ربّما كانت لبناً، و ربّما كانت الشربة خبزاً يماث‏، الخبر.

١٧٢- و في الكافي، بإسناده عن ابن القدّاح عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّل ما يفطر عليه في زمن الرطب الرطب و في زمن التمر التمر.

١٧٣- و فيه، بإسناده عن السكونيّ عن جعفر عن أبيهعليهما‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا صام و لم يجد الحلواء أفطر على الماء و في بعض الروايات: أنّه ربّما أفطر على الزبيب.

١٧٤- و في المقنعة، روي عن آل محمّدعليه‌السلام أنّهم قالوا: يستحبّ السحور و لو بشربة من الماء، و روي أنّ أفضله التمر و السويق لمكان استعمال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك.

أقول: و هذا في سننه الجارية، و كان من مختصّاته صوم الوصال و هو الصوم أكثر


من يوم من غير فصل بالإفطار، و قد نهىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاُمّة عن ذلك، و قال: إنّكم لا تطيقون ذلك و إنّ لي عند ربّي ما يطعمني و يسقين.

١٧٥- و في المكارم، عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه كان يأكل الهريسة أكثر ما يأكل و يتسحّر بها.

١٧٦- و في الفقيه، قال: و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا دخل شهر رمضان اُطلق كلّ أسير و أعطى كلّ سائل.

١٧٧- و في الدعائم، عن عليّعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يطوي فراشه و يشدّ ميزره في العشر الأواخر من شهر رمضان، و كان يوقظ أهله ليلة ثلاث و عشرين، و كان يرشّ وجوه النيام بالماء في تلك الليلة، و كانت فاطمةعليها‌السلام لا تدع أحداً من أهلها ينام تلك الليلة و تداويهم بقلّة الطعام و تتأهّب لها من النهار، و تقول: محروم من حرم خيرها.

١٧٨- و في المقنع: و السنّة أن يفطر الرجل في الأضحى بعد الصلاة و في الفطر قبل الصلاة.

١٧٩- و من آدابه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قراءة القرآن و الدعاء ما في مجالس الشيخ، بإسناده عن أبي الدنيا عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يحجزه عن قراءة القرآن إلّا الجنابة.

١٨٠- و في مجمع البيان، عن اُمّ سلمة: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقطع قراءته آية آية.

١٨١- و في تفسير أبي الفتوح: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يرقد حتّى يقرأ المسبّحات، و يقول: في هذه السور آية هي أفضل من ألف آية. قالوا: و ما المسبّحات؟ قال: سورة الحديد و الحشر و الصفّ و الجمعة و التغابن.

أقول: و روي هذا المعنى في مجمع البيان، عن العرباض بن سارية.

١٨٢- و في درر اللئالي، لابن أبي جمهور عن جابر قال: كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا ينام حتّى يقرأ تبارك و الم التنزيل.

١٨٣- و في مجمع البيان: و روى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يحبّ هذه السورة: سبّح اسم ربّك الأعلى، و أوّل من قال:( سبحان ربّي الأعلى) ميكائيل.


أقول: و روي أوّل الحديث في البحار عن الدرّ المنثور، و هنا أخبار اُخر في ما كان يقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند تلاوة القرآن أو عند تلاوة سور أو آيات مخصوصة، من أرادها فعليه بمظانّها.

و لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب و بيانات يرغّب فيها و يحثّ على التمسّك بالقرآن و التدبّر فيه، و الاهتداء بهدايته، و الاستنارة بنوره، و كان هوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أولى الناس بما يندب إليه من الكمال و أسبق الناس و أسرعهم إلى كلّ خير، و هو القائل - في الرواية المشهورة -: شيّبتني(١) سورة هود، و قد روي(٢) عن ابن مسعود قال: أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أتلو عليه شيئاً من القرآن فقرأت عليه من سورة يونس حتّى إذا بلغت قوله تعالى:( وَ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ ) الآية رأيته و إذا الدمع تدور في عينيه الكريمتين.

فهذه شذرات(٣) من آدابه و سننهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قد استفاضت الروايات و تكرّر النقل في كثير منها في كتب الفريقين، و الكلام الإلهيّ يؤيّدها و لا يدفع شيئاً منها، و الله الهادي.

( كلام في الرقّ و الاستعباد)

قوله تعالى:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) المائدة: ١١٨ كلام منبئ عن معنى الرقّ و العبوديّة، و الآيات المتضمّنة لهذا المعنى و إن كانت كثيرة في القرآن الكريم غير أنّ هذه الآية مشتملة على التعليل العقليّ الكاشف عن أنّه لو كان هناك عبد كان من المسلّم عند العقل أنّ لمولاه أن يتصرّف فيه بالعذاب لأنّه مولاه المالك له.

و العقل لا يحقّ الحكم بجواز التعذيب، و تسويغ التصرّف الّذي يشقّه إلّا بعد حكمه بإباحة سائر التصرّفات غير الشاقّة فللمولى أن يتصرّف في عبده كيف شاء و بما شاء، و إنّما استثنى العقل التصرّفات الّتي يستهجنها بما أنّها تصرّفات شنيعة مستهجنة لا بما أنّ العبد عبد.

____________________

(١) يشير صلّى الله عليه و آله إلى قوله تعالى فيها: فاستقم كما أمرت.

(٢) الرواية منقولة بالمعنى.

(٣) استخرجناها من رسالة عملناها سابقاً في سنن النبيّ صلّى الله عليه و آله.


و لازم ذلك أيضاً أنّ على العبد أن يطيع مولاه فيما كلّفه به و أن يتّبعه فيما أراد و ليس له أن يستقلّ بشي‏ء من العمل إن لم يرض به مولاه كما يشير إلى ذلك بعض الإشارة قوله تعالى:( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) الأنبياء: ٢٧ و قوله تعالى:( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى‏ شَيْ‏ءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ ) النحل: ٧٥.

و استقصاء البحث في جهات ما يراه القرآن الشريف في مسألة العبوديّة و الرقّ يتوقّف على فصول:

١- اعتبار العبوديّة لله سبحانه: في القرآن الكريم آيات كثيرة جدّاً يعدّ الناس عباداً لله سبحانه، و تبني على ذلك أصل الدعوة الدينيّة: الناس عبيد و الله مولاهم الحقّ. بل ربّما تعدّى ذلك و أخذ كلّ من في السماوات و الأرض موسوماً بسمة العبوديّة كالحقيقة المسمّاة بالملك على كثرتها و الحقيقة الاُخرى الّتي يسمّيها القرآن الشريف بالجنّ قال تعالى:( إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً ) مريم: ٩٣.

و لا ريب أنّ اعتبار العبوديّة لله سبحانه أمر مأخوذ بالتحليل و هو تحليل معنى العبوديّة إلى أجزائها الأصليّة ثمّ الحكم بثبوت حقيقته بعد طرح خصوصيّاته الزائدة الطارئة على أصل المعنى في اُولي العقل من الخليقة فهناك أفراد من الناس يسمّى الواحد منهم عبداً، و لا يسمّى به إلّا لأنّ نفسه مملوكة لغيره ملكاً يسوّغ لذلك الغير الّذي هو مالكه و مولاه أن يتصرّف فيه كيف يشاء و بما أراد، و يسلب عن العبد استقلال الإرادة مطلقاً.

و التأمّل في هذا المعنى يوجب الحكم بأنّ الإنسان - و إن شئت وسّعت و قلت: كلّ ذي شعور و إرادة - عبد لله سبحانه بحقيقة معنى العبوديّة فإنّ الله سبحانه مالك كلّ ما يسمّى شيئاً بحقيقة معنى الملك فلا يملك شي‏ء من نفسه و لا من غيره شيئاً من ضرّ و لا نفع و لا موت و لا حياة و لا نشور، و لا يستقلّ أمر في الوجود بذات و لا وصف و لا فعل اللّهمّ إلّا ما ملّكه الله ذلك تمليكاً لا يبطل بذلك ملكه تعالى، و لا ينتقل به الملك عنه إلى غيره بل هو المالك لما ملّكهم، و القادر على ما عليه أقدرهم، و هو على كلّ شي‏ء قدير، و بكلّ شي‏ء محيط.


و هذه السلطة الحقيقيّة و الملك الواقعيّ هي المنشأ لوجوب انقيادهم لما يريده منهم بإرادته التشريعيّة، و ما يصنع لهم من شرائع الدين و قوانين الشريعة ممّا يصلح به أمرهم و تحاز به سعادتهم في الدارين.

و الحاصل أنّه تعالى هو المالك لهم ملكاً تكوينيّاً يكونون به عبيده الداخرين لقضائه سواء عرفوه أم جهلوه أطاعوه في تكاليفه أم عصوه و هو المالك لهم ملكاً تشريعيّاً يوجب له عليهم السمع و الطاعة، و يحكم عليهم بالتقوى و العبادة.

و يتميّز هذا الملك و المولويّة بحسب الحكم عن الملك و المولويّة الدائر بين الناس - و كذا العبوديّة المقابلة له - بأنّ الله سبحانه لما كان مالكاً تكويناً على الإطلاق لا مالك سواه لم يجز في مرحلة العبوديّة التشريعيّة اتّخاذ مولى سواه و لا عبادة أحد غيره قال تعالى:( وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) الإسراء: ٢٣ بخلاف الموالي من الناس فإنّ الملك هناك لمن غلب بسبب من أسباب الغلبة.

و أيضاً لما لم يكن في عبيده تعالى المملوكين شي‏ء غير مملوك له تعالى و لم ينقسموا في وجودهم إلى مملوك و غير مملوك بل كانوا من حيث ذواتهم و أوصافهم و أحوالهم و أعمالهم مملوكين له تكويناً تبع ذلك التشريع فحكم فيهم بدوام العبوديّة و استيعابها لجميع ما يرجع إليهم بوجه من الوجوه فلا يسعهم أن يعبدوا الله من جهة بعض ما يرجع إليهم دون بعض مثل أن يعبدوه باللسان دون اليد كما لا يسعهم أن يجعلوا بعض عبادتهم لله تعالى و بعضها لغيره و هذا بخلاف المولويّة الدائرة بين الناس فلا يسع للمولى عقلاً أن يفعل ما يشاء، تأمّل فيه.

و هذا هو الّذي يدلّ على إطلاق أمثال قوله تعالى:( ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا شَفِيعٍ ) السجدة: ٤ و قوله تعالى:( وَ هُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى‏ وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ ) القصص: ٧٠، و قوله:( يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَ لَهُ الْحَمْدُ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ) التغابن: ١.

و كيفما كان فالعبوديّة المعتبرة بالنسبة إليه تعالى معنى تحليليّ مأخوذ من العبوديّة الّتي تعتبره العقلاء من الإنسان في مجتمعهم فلها أصل في المجتمع الإنسانيّ فلننظر


ما هو أصله؟.

٢- استعباد الإنسان و أسبابه: كان الاستعباد و الاسترقاق دائراً في المجتمع الإنسانيّ شائعة معروفة إلى ما يقرب من سبعين سنة قبل هذا التاريخ، و لعلّها توجد معمولة في بعض القبائل المتطرّفة النائية في أفريقيا و آسيا حتّى اليوم، و كان اتّخاذ العبيد و الإماء من السنن الدائرة بين الأقوام القديمة لا يكاد يضبط بدء تاريخيّ له و كان ذا نظام مخصوص و أحكام و قوانين عامّة بين الاُمم، و اُخرى مخصوصة باُمّة اُمّة.

و الأصل في معناه كون النفس الإنسانيّة عند وجود شرائط خاصّة سلعة مملوكة كسائر السلع المملوكة من حيوان و نبات و جماد، و إذا كانت النفس مملوكة كانت مسلوبة الاختيار مملوكة الأعمال و الآثار يتصرّف فيها كيف اُريد.

هذه سنّتهم الدائرة بينهم في الاسترقاق غير أنّه لم يكن متّكئاً على إرادة جزافيّة أو مطلقاً غير مبنيّ على أيّ شرط فلم يكن يسع لأحدهم أن يتملّك كلّ من أحبّ، و لا أن يملّك كلّ من شاء و أراد ببيع أو هبة أو غير ذلك فلم يكن أصل المعنى متّكئاً على الجزاف، و إن كان ربّما يوجد في تضاعيف القوانين المتّبعة فيه بحسب اختلاف آراء الأقوام و سننهم اُمور جزافيّة كثيرة.

كانت الاستعباد مبنيّاً على نوع من الغلبة و السيطرة كغلبة الحرب الّتي تنتج للغالب الفاتح أن يفعل بخصمه المغلوب ما يشاء من قتل أو سبي أو غيره، و غلبة الرئاسة الّتي تصيّر الرئيس الجبّار فعّالاً لما يشاء في حوزة رئاسته، و اختصاص التوليد و الإنتاج الّذي يضع ولاية أمر المولود الضعيف في كفّ والده القويّ يصنع به ما بدا له حتّى البيع و الهبة و التبديل و الإعارة و نحو ذلك.

و قد تكرّر في أبحاثنا السابقة: أنّ أصل الملك في المجتمع الإنسانيّ مبنيّ على القدرة المغروزة في الإنسان على الانتفاع من كلّ شي‏ء يمكنه أن ينتفع به بوجه - و الإنسان مستخدم بالطبع - فالإنسان يستخدم في سبيل إبقاء حياته كلّ ما قدر عليه و استخدامه و الانتفاع بمنافع وجوده آخذاً من المادّة الأصليّة فالعناصر فالمركّبات الجماديّة المتنوّعة فالحيوان حتّى الإنسان الّذي هو مثله في الإنسانيّة.


غير أنّ حاجته المبرمة إلى الاجتماع و التعاون اضطرّه إلى قبول الاشتراك مع سائر أفراد نوعه في الانتفاع بالمنافع المحصّلة من الأشياء بأعمالهم المشتركة فهو و سائر الأفراد من نوعه يكونون لذلك مجتمعاً يختصّ كلّ جزء من أجزائه و كلّ طرف من أطرافه بعمل أو أعمال ثمّ ينتفع المجموع بالمجموع، و إن شئت فقل: ثمّ تقسّم نتائج الأعمال بينهم فيتمتّع كلّ واحد منهم بذلك على مقدار زنته الاجتماعيّة، و لذلك نرى أنّ الفرد من الإنسان و هو اجتماعيّ كلّما قوي و اشتدّ أبطل المدنيّة الطبعيّة و أخذ يستخدم الناس بالغلبة، و يتملّك رقابهم، و يحكم في نفوسهم و أعراضهم و أموالهم بما يقترحه.

و لأجل ذلك إذا تأمّلت تأمّلاً حرّاً في سنّتهم في استعباد الإنسان وجدت أنّهم لا يعتبرون تملّك الإنسان ما دام داخلاً في المجتمع و جزءً من أجزائه بل إمّا أن يكون الإنسان المملوك محكوماً بالخروج عن المجتمع كالعدوّ المحارب الّذي لا همّ له إلّا أن يهلك الحرث و النسل و يمحي الإنسان باسمه و رسمه فهو خارج عن مجتمع عدوّه، و له أن يهلكه بالإفناء و يتملّك منه ما يشاء لأنّ الحرمة مرفوعة، و مثله الأب بالنسبة إلى صغار أولاده و التابعين لنفسه فإنّه يرى أنّهم من توابعه في المجتمع من غير أن يكافئوه أو يماثلوه أو يوازنوه فله أن يتصرّف فيهم حتّى بالقتل و البيع و غيرهما.

و إمّا أن يكون الإنسان المالك ذا خصيصة تدعوه إلى أن يعتقد أنّه فوق المجتمع من غير أن يعادلهم في وزن أو يشاركهم في نفع بل له نفوذ الحكم، و التمتّع بصفوة ما يختار، و التصرّف في نفوسهم حتّى بالملك و الاستعباد.

فقد تبيّن أنّ الأصل الأساسيّ الّذي كان يبني عليه الإنسان سنّة الاستعباد و الاسترقاق هو حقّ الاختصاص و التملّك المطلق الّذي يعتقده الإنسان لنفسه، و أنّ الإنسان لا يستثني عنه أحداً إلّا مشاركيه في مجتمعة الإنسانيّ ممّن يعادله في الزنة الاجتماعيّة و يتحصّن منه في حصن التعاون و التعاضد، و أمّا الباقون فلا مانع عنده من تملّكهم و استعبادهم.

و عمدتهم في ذلك طوائف ثلاث: العدوّ المحارب، و الأولاد الضعفاء بالنسبة إلى


آبائهم و كذا النساء بالنسبة إلى أوليائهنّ، و المغلوب المستذلّ بالنسبة إلى الغالب المتعزّز.

٣- سير الاستعباد في التاريخ: سنّة الاستعباد و إن كانت مجهولة من حيث تاريخ شيوعها في المجتمع الإنسانيّ غير أنّ الأشبه أن يكون أرقّاء مأخوذين في أوّل الأمر بالقتال و التغلّب ثمّ يلحق به الأولاد و النساء، و لذلك نعثر في تاريخ الاُمم القويّة الحربيّة من القصص و الحكايات و كذا القوانين و الأحكام المربوطة بالاسترقاق بالسبي على ما لا يوجد في غيرهم.

و قد كان دائراً بين الاُمم المتمدّنة القديمة كالهند و اليونان و الرومان و إيران، و بين الملّيّين كاليهود و النصارى على ما يستفاد من التوراة و الإنجيل حتّى ظهر الإسلام فأنفذ أصله مع تضييق في دائرته و إصلاح لأحكامه المقرّرة، ثمّ آل الأمر إلى أن قرّر مؤتمر بروسل إلغاء الاستعباد قبل سبعين سنة تقريباً.

قال( فردينان توتل) في معجمه(١) لأعلام الشرق و الغرب: كان الرقّ شائعاً عند الأقدمين، و كان الرقيق يؤخذ من أسرى و سبايا الحرب و من الشعوب المغلوبة، كان للرقّ نظام معروف عند اليهود و اليونان و الرومان و العرب في الجاهليّة و الإسلام.

و قد اُلغي نظام الرقّ تدريجاً: في الهند سنة (١٨٤٣) و في المستعمرات الإفرنسيّة سنة (١٨٤٨) و في الولايات المتّحدة بعد حرب الانفصال سنة (١٨٦٥) و في البرازيل سنة (١٨٨٨) إلى أن اتّخذ مؤتمر بروسل قراراً بإلغاء الاستعباد سنة (١٨٩٠) غير أنّه لا يزال موجوداً فعلاً بين بعض القبائل في آفريقيا و آسيا.

و مبدأ إلغاء الرقّ هو تساوي البشر بالحقوق و الواجبات، انتهى.

٤- ما الّذي رآه الإسلام في ذلك؟ قسّم الإسلام الاستعباد بحسب أسبابه، و قد تقدّم أنّ عمدتها كانت ثلاثة: الحرب، و التغلّب و الولاية كالاُبوّة و نحوها فألغى سببين من الثلاثة من أصله و هما التغلّب و الولاية.

فاعتبر احترام الناس شرعاً سواءً من ملك و رعيّة و حاكم و محكوم و أمير و جنديّ‏

____________________

(١) ص ٢١٩.


و مخدوم و خادم بإلغاء الامتيازات و الاختصاصات الحيويّة، و التسوية بين الأفراد في حرمة نفوسهم و أعراضهم و أموالهم، و الاعتناء بشعورهم و إرادتهم - و هو الاختيار التامّ في حدود الحقوق المحترمة - و أعمالهم و ما اكتسبوه و هو تسلّطهم على أموالهم و منافع وجودهم من الأفعال فليس لوالي الأمر في الإسلام إلّا الولاية على الناس في إجراء الحدود و الأحكام و في أطراف المصالح العامّة العائدة إلى المجتمع الدينيّ، و أمّا ما تشتهيه نفسه و ما يستحبّه لحياته الفرديّة فهو كأحد الناس لا يختصّ من بينهم بخصيصة، و لا ينفذ أمره في الكثير ممّا يهواه لنفسه و لا في القليل، و يرتفع بذلك الاسترقاق التغلّبيّ بارتفاع موضوعه.

و عدّل ولاية الآباء لأبنائهم فلهم حقّ الحضانة و الحفظ و عليهم حقّ التربية و التعليم و حفظ أموالهم ما داموا محجورين بالصغر فإذا بلغوا بالرشد فهم و آباؤهم سواء في الحقوق الاجتماعيّة الدينيّة، و هم أحرار في حياتهم، لهم الخيرة فيما رضوا لأنفسهم.

نعم اُكّدت التوصية لآبائهم عليهم بالإحسان و مراعاة حرمة التربية، قال تعالى:( وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى‏ وَهْنٍ وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ، وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى‏ أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ اتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ) لقمان: ١٥ و قال تعالى:( وَ قَضى‏ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً، وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً ) الإسراء: ٢٤ و قد عدّ في الشرع الإسلاميّ عقوقهما من المعاصي الكبيرة الموبقة.

و أمّا النساء فقد وضع لهنّ من المكانة في المجتمع و اعتبر لهنّ من الزنة الاجتماعيّة ما لا يجوز عند العقل السليم التخطّي عنه و لو بخطوة، فصرن بذلك أحد شقّي المجتمع الإنسانيّ و قد كنّ في الدنيا محرومات من ذلك، و اُعطين زمام الازدواج و المال و قد كنّ محرومات أو غير مستقلّات في ذلك.

و شاركن الرجال في اُمور و اختصصن عنهم باُمور و اختصّ الرجال باُمور كلّ ذلك عن مراعاة تامّة لقوام وجودهنّ و تركيب بناهنّ، ثمّ سهّل عليهنّ في اُمور شقّ فيها على


الرجال كأمر النفقة و حضور معارك القتال و نحو ذلك.

و قد تقدّم الكلام في ذلك كلّه تفصيلاً في أواخر سورة البقرة في الجزء الثاني من الكتاب، و في أوائل سورة النساء في الجزء الرابع منه، و تبيّن هناك أنّ النساء مختصّات في الإسلام من مزيد الإرفاق بالنسبة إلى الرجال بما لا يوجد نحوه في سائر السنن الاجتماعيّة قديمها و حديثها.

قال تعالى:( لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) النساء: ٣١ و قال تعالى:( فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) البقرة: ٢٣٤ و قال تعالى:( وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) البقرة: ٢٢٨ و قال:( أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ) آل عمران: ١٩٥ ثمّ جمع الجميع في بيان واحد فقال:( لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ ) البقرة: ٢٨٦ و قال:( وَ لا تَكْسِبُ كلّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى‏ ) الأنعام: ١٦٤ إلى غير ذلك من الآيات المطلقة الّتي تأخذ الفرد من الإنسان جزءً تامّاً كاملاً من المجتمع، و يعطيه من الاستقلال الفرديّ ما ينفصل به عن أيّ فرد آخر في نتائج أعماله من خير أو شرّ أو نفع أو ضرّ من غير أن يستثني صغيراً أو كبيراً أو ذكراً أو اُنثى.

ثمّ سوّى بينهم جميعاً في العزّة و الكرامة ثمّ ألغى كلّ عزّة و كرامة إلّا الكرامة الدينيّة المكتسبة بالتقوى و العمل فقال:( لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ ) المنافقون: ٨ و قال:( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى‏ وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) الحجرات: ١٣.

و قد أبقى الإسلام السبب الثالث من الأسباب الثلاثة للاستعباد أعني الحرب، و هو أن يسبي الكافر المحارب لله و رسوله و المؤمنين، و أمّا اقتتال المؤمنين بعضهم مع بعض فلا سبي فيه و لا استعباد بل يقاتل الباغي من الطائفتين حتّى ينقاد لأمر الله قال تعالى:( وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى‏ فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِي‏ءَ إِلى‏ أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) الحجرات: ١٠.


و ذلك أنّ العدوّ المحارب الّذي لا همّ له إلّا أن يفني الإنسانيّة و يهلك الحرث و النسل لا ترتاب الفطرة الإنسانيّة أدنى ريب في أنّه يجب أن لا يعدّ جزءً من المجتمع الإنسانيّ الّذي له التمتّع بمزايا الحياة و التنعّم بحقوق الاجتماع، و أنّه يجب دفعه بالإفناء فما دونه، و على ذلك جرت سنّة بني آدم منذ عمّروا في الأرض إلى يومنا هذا و على ذلك ستجري.

و الإسلام لما وضع بنية المجتمع - المجتمع الدينيّ - على أساس التوحيد و حكومة الدين الإسلاميّ ألغى جزئيّة كلّ مستنكف عن التوحيد و حكومة الدين من المجتمع الإنسانيّ إلّا مع ذمّة أو عهد فكان الخارج عن الدين و حكومته و عهده خارجاً عن المجتمع الإنسانيّ لا يعامل معه إلّا معاملة غير الإنسان الّذي للإنسان أن يحرمه عن أيّ نعمة يتمتّع بها الإنسان في حياته، و يدفعه بتطهير الأرض من رجس استكباره و إفساده فهو مسلوب الحرمة عن نفسه و عمله و نتائج أيّ مسعى من مساعيه، فللجيش الإسلاميّ أن يتّخذ أسرى و يستعبد عند الغلبة.

٥- ما هو السبيل إلى الاستعباد في الإسلام؟ يتأهّب المسلمون على من يلونهم من الكفّار فيتمّون عليهم الحجّة و يدعونهم إلى كلمة الحقّ بالحكمة و الموعظة و المجادلة بالّتي هي أحسن فإن أجابوا فإخوان في الدين لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم و إن أبوا إلّا الردّ فإن كانوا أهل كتاب و قبلوا الجزية تركوا و هم على ذمّتهم، و إن أخذوا عهداً كانوا أهل كتاب أم لا وفي بعهدهم، و إن لم يكن شي‏ء من ذلك اُوذنوا على سواء و قوتلوا.

يقتل منهم من شهر سيفاً و دخل المعركة و لا يقتل منهم من ألقى السلم، و لا يقتل منهم المستضعفون من الرجال و النساء و الولدان، و لا يبيّتون و لا يغتالون، و لا يقطع عنهم الماء، و لا يعذّبون و لا يمثّل بهم فيقاتلون حتّى لا تكون فتنة و يكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلّا على الظالمين.

فإذا غلبوهم و وضعت الحرب أوزارها فما تسلّط عليه المسلمون من نفوسهم و أموالهم فهو لهم و قد اشتمل تاريخ حروب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و مغازيه على صحائف غرّ متلمّعة مملوءة من السيرة العادلة الجميلة فيها لطائف الفتوّة و المروّة، و طرائف البرّ و الإحسان.


٦- ما هي سيرة الإسلام في العبيد و الإماء؟ إذا استقرّت العبوديّة على من استقرّت عليه صار ملك يمين، منافع عمله لغيره و نفقته على مولاه.

و قد وصّى الإسلام أن يعامل المولى مع عبده معاملة الواحد من أهله و هو منهم فيساويهم في لوازم الحياة و حوائجها، و قد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يؤاكل عبيده و خدمه و يجالسهم، و لا يؤثّر نفسه عليهم في مأكل و لا ملبس و نحوهما.

و أن لا يشقّ عليهم و لا يعذّبوا و لا يسبّوا و لا يظلموا، و اُجيز أن يتزوّجوا فيما بينهم بإذن أهلهم، و أن يتزوّج بهم الأحرار، و أن يشاركوهم في الشهادات، و يساهموهم في الأعمال حال الرقّ و بعد الانعتاق.

و قد بلغ من إرفاق الإسلام في حقّهم أن شاركوا الأحرار في عامّة الاُمور، و قد قلّد جمع منهم الولاية و الإمارة و قيادة الجيش على ما يضبطه تاريخ صدر الإسلام، و يوجد بين الصحابة الكبار عدّة من الموالي كسلمان و بلال و غيرهما.

و هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعتق جاريته صفيّة بنت حيّ بن أخطب و تزوّج بها، و تزوّج جويريّة بنت الحارث بعد وقعة بني المصطلق و قد كانت بين سباياهم، و كانوا مأتي بيت بالنساء و الذراري، و صار ذلك سبباً لانعتاق الجميع، و قد مرّ إجمال القصّة في الجزء الرابع من الكتاب.

و من الضروريّ من سيرة الإسلام أنّه يقدّم العبد المتّقي على المولى الحرّ الفاسق، و إنّه يبيح للعبد أن يتملّك المال و يتمتّع بعامّة مزايا الحياة بإذن من أهله هذا إجمال من صنيع الإسلام فيهم.

ثمّ أكّد الوصيّة و ندب أجمل الندب إلى تحرير رقبتهم، و إخراجهم من ظرف الاستعباد إلى جوّ الحرّيّة و لا يزال يقلّ بذلك عددهم و يتبدّل جمعهم موالي و أحراراً لوجه الله، و لم يقنع بذلك دون أن جعل تحرير الرقبة أحد خصال الكفّارات مثل كفّارة القتل و كفّارة الإفطار، و أجاز لهم الاشتراط و الكتابة و التدبير، كلّ ذلك عناية بهم و قصداً إلى تخليصهم و إلحاقاً لهم بالمجتمع الإنسانيّ الصالح إلحاقاً تامّاً يقطع دابر الاستذلال.


٧- محصّل البحث في الفصول السابقة: تحصل ممّا مرّ اُمور ثلاث:

الأوّل: أنّ الإسلام لم يأل جهداً في إلغاء أسباب الاستعباد و تقليلها و تضعيفها حتّى وقف على واحد منها لا محيص عن اعتباره بحكم الفطرة القاطع و هو جواز استعباد كلّ إنسان محارب للدين مضادّ للمجتمع الإنسانيّ غير خاضع للحقّ بوجه من وجوه الخضوع.

الثاني: أنّه استعمل جميع الوسائل الممكنة في إكرامهم - العبيد و الإماء - و تقريب شؤونهم الحيويّة من حياة أجزاء المجتمع الحرّة حتّى صاروا كأحدهم و إن لم يصيروا أحدهم، و لم يبق عليهم إلّا حجاب واحد رقيق، و هو أنّ الزائد من أعمالهم على واجب حياتهم حياة متوسّطة لمواليهم لا لهم، و إن شئت فقل: لا فاصل في الحقيقة بين الحرّ و العبد في الإسلام إلّا إذن المولى في العبد.

الثالث: أنّه احتال بكلّ حيلة مؤثّرة إلى إلحاق صنف المماليك إلى مجتمع الأحرار بالترغيب و التحريص في موارد، و بالفرض و الإيجاب في اُخرى كالكفّارات، و بالتسويغ و الإنفاذ في مثل الاشتراط و التدبير و الكتابة.

٨- سير الاستعباد في التاريخ‏: ذكروا(١) أنّ الاستعباد ظهر أوّل ما ظهر بالسبي و الأسر، و كانت القبائل قبل ذلك إذا غلبت في حروبها و مقاتلها و أخذت سبايا قتلتهم عن آخرهم ثمّ رأوا أن يتركوهم أحياءً و يتملّكوهم كسائر الغنائم الحربيّة لا لينتفعوا بأعمالهم بل إحساناً في حقّهم و حفظاً للنوع و احتراماً للقوانين الأخلاقيّة الّتي ظهرت فيهم بالترقّي في صراط المدنيّة شيئاً بعد شي‏ء.

و إنّما ظهرت هذه السنّة بين القبائل بعد ما ارتحلت عنهم طريقة الارتزاق لاصطياد إذ لم تكن لهم فيها من السعة ما يسوّغ لهم الإنفاق على العبيد و الإماء حتّى انتقلوا إلى عيشة النزول و الارتحال و تمكّنوا من ذلك.

و بشيوع الاستعباد بين القبائل و الاُمم على أيّ وتيرة كانت تحوّلت حياة الإنسان الاجتماعيّة بظهور جهات من الانتظام و الانضباط في المجتمعات أوّلاً و تقسيم الأعمال ثانياً.

____________________

(١) مأخوذ من ١- دائرة المعارف: المذهب و الأخلاق تأليف جان هيسينيك طبعة بريطانية، ٢- مجمل التاريخ تأليف ه. ج. ولز طبعة بريطانية، ٣- روح القوانين تأليف مونيسكيو طبعة طهران.


و لم يكن الاستعباد إذ كان دائراً في الدنيا على وتيرة واحدة في أقطار المعمورة فلم يستنّ في بعض المناطق أصلاً كاُوستراليا و آسيا المركزيّة و سيبريا و أميركا الشماليّة و إسكيمو و بعض المناطق بإفريقيا بشمال النيل و جنوب رامبيز.

و بالعكس كان رائجاً في جزيرة العرب و إفريقيا الوحشيّة و اُوروبه و أميركا الجنوبيّة و كان دائراً بين اليهود، و في التوراة دعاء العبيد إلى طاعة مواليهم، و كذا بين النصارى و في كتاب بولس إلى فيلمن أنّ إفسيموس كان عبداً شارداً ردّه بولس إلى سيّده.

و كانت اليهود أرفق الناس بعبيدهم، و من الشواهد على ذلك أنّا لم نعثر لهم من شواهق الأبنية على ما يشبه الأهرام المعمولة بمصر و الأبنية الآشوريّة التاريخيّة فإنّها كانت من أعمال العبيد الشاقّة، و كانت الروم و اليونان أكثر الاُمم تشديداً على العبيد.

و قد ذاع في الروم الشرقيّ بعد قسطنطين فكر التحرير حتّى لغى الرقّ فيها في القرن ١٣ الميلاديّ، و بقي في الروم الغربيّ على شكل آخر و هو أنّهم كانوا يبيعون و يشترون المزارع بزرّاعها - و كانت الزراعة من مشاغل العبيد - لكن لغت بينهم الأعمال الإجباريّة.

و كان الاستعباد دائراً في معظم ممالك اُوروبه إلى سنة ١٧٧٢ الميلاديّة و قد انعقدت قبل ذلك بحين معاهدة بين الدولتين إنجلترا و إسبانيا على أن يجبي الإنجليز إليهم كلّ سنة أربعة آلاف و ثمان مائة نسمة من رقيق إفريقيا إلى ثلاثين سنة ليبيعهم منهم قبال مبالغ خطيرة يأخذها منهم.

و قد ثارت الأفكار العامّة سنة ١٧٦١ على الرقّ و الاستعباد بينهم، و أقدم الطوائف الّتي قامت عليه منهم طائفة( لرزان) (١) المذهبيّة، و لم يزالوا على ذلك حتّى وضعت مادّة قانونيّة سنة ١٧٧٢ أنّ كلّ من دخل أرض بريطانيا فهو حرّ.

و قد ظهر سنة ١٧٨٨ بعد بحث دقيق أنّ إنجلترا يعامل كلّ سنة مأتي ألف نسمة رقيقاً، و كان الّذين يجلبون منهم من إفريقيا إلى أميركا وحدها مائة ألف.

و لم يزل حتّى ألغي الاستعباد في بريطانيا سنة ١٨٣٣ و أدّت الدولة إلى كمبانيّات

____________________

(١). Quaker


النخس عشرين ميليوناً ليرة أثمان من حرّرته من رقيقهم العبيد و الإماء، و انعتق في هذه الواقعة فيها (٧٧٠٣٨٠) نسمة.

و لغي الاستعباد في أميركا سنة ١٨٦٢ بعد مجاهدات شديدة تحمّلتها أهالي أميركا و قد كان شمال هذه المملكة و جنوبها مختلفين في أخذ الرقيق: أمّا أميركا الشماليّة فإنّما كانت تأخذ العبيد و الإماء للتجمّل فحسب، و أمّا الجنوبيّة فكان معظم الأشغال فيها شغل الزراعة و الحرث، و كانوا في حاجة شديدة إلى كثرة الأيدي العمّالة فكانوا يأخذون الأرقّاء استثماراً بأعمالهم، و لذلك كانوا يتحرّجون من قبول التحرير العامّ.

و لم يزل الاستعباد يلغى في مملكة بعد مملكة حتّى انعقد قرار بروسل سنة (١٨٩٠) الميلاديّة على إلغاء سنّة الاستعباد، و أمضاها الدول و اُجريت في الممالك، و لغت العبوديّة في الدنيا، و انعتقت بذلك الملايين من النسمات، انتهى ما ذكروه ملخّصاً.

و أنت تجد بثاقب نظرك أنّ هذه المجاهدة الطويلة و المشاجرة ثمّ ما وضع من قوانين الإلغاء و اُنفذ من الحكم كلّ ذلك إنّما كان يدور حول الاسترقاق من طريق الولاية أو التغلّب كما يشهد به أنّ جلّ الأرقّاء أو كلّهم كانوا يجلبون من نواحي إفريقيا المعمول فيها ذلك، و أمّا الاسترقاق من طريق السبي الحربيّ الّذي أنفذ الإسلام فلم يكن مورداً للبحث قطّ.

٩- نظرة في بنائهم: هذه الحرّيّة الفطريّة الّتي نسمّيها بالحرّيّة الموهوبة للإنسان (و لسنا ندري ما هو السبب الّذي يسلبها عن سائر أنواع الحيوان و هي تماثل الإنسان في الشعور النفسانيّ و الإرادة الباعثة؟ غير أن نقول إنّ الإنسان هو الّذي يسلبها ذلك لينتفع بها) لا تتفرّع على أصل إلّا على أنّ الإنسان مجهّز بشعور باطنيّ يميّز له ما يلتذّ به و ما يتألّم به ثمّ بإرادة تبعثه إلى جذب ما يلذّه و دفع ما يؤلمه فكان له أن يختار لنفسه ما يشاء.

و لم يتقيّد الشعور الإنسانيّ بأن يتعلّق بشي‏ء و لا يتعلّق بآخر كأن لا يشعر الإنسان الضعيف المستذلّ بما يشعر به الإنسان القويّ المتعزّز، و لا تحدّدت الإرادة الإنسانيّة بحدّ يمنعها عن التعلّق ببعض ما يستحبّه أو يجبرها على التعلّق بما تعلّقت به إرادة غيره لتنطلق لنفع


غيره و تنسى نفسها، فالإنسان الضعيف المغلوب يريد لنفسه نظائر جميع ما يريده الإنسان الّذي غلبه و قهره لنفسه، و لا رابطة طبيعيّة بين إرادة الضعيف و إرادة القويّ تجبر إرادة الضعيف على أن لا تتعلّق بما تعلّقت به إرادة القويّ، أو تفنى في إرادة القويّ فتعود الإرادتان إرادة واحدة تجري لنفع القويّ، أو تتّبع الإرادة اتّباعاً يسلبها الاستقلال.

و إذ كان كذلك و كان من حقّ قوانين الحياة أن تبتني على أساس البنية الطبيعيّة كان من الواجب أن يعيش الإنسان حرّاً في نفسه و حرّاً في عمله، و من هذا الثدي يرتضع إلغاء الاستعباد.

لكن ينبغي لنا أن نتأمّل هذه الحرّيّة الموهوبة للإنسان هل هي في المجتمع الإنسانيّ على إطلاقها منذ ولدت و عاشت في البنى الإنسانيّة؟.

فلم يزل النوع الإنسانيّ - فيما نعلم - يعيش في حال الاجتماع و لا يسعه بحسب جهازه الوجوديّ إلّا ذلك، و من المحال أن يدوم مجتمع في حال الاجتماع و لو حيناً مّا إلّا مع سنّة مشتركة بين أفراد المجتمع سواء كانت سنّة عادلة تعقّليّة أو سنّة جائرة أو مجازفة أو بأيّ وصف اتّصفت، و هذه السنّة كيفما كانت تحدّد الحرّيّة الفرديّة.

على أنّ الإنسان لا يتأتّى له أن يعيش إلّا مع تصرّف مّا في المادّة يضمن له البقاء و لا يتأتّى له ذلك إلّا بأن يختصّ بما يتصرّف فيه نوعاً من الاختصاص الّذي نسمّيه بالملك - أعمّ من الحقّ و الملك المصطلح عليه - فالّذي يلبسه هذا حين يلبس لا يسع لذاك أن يلبسه و الّذي يأكله فرد أو يشربه أو يشغله بالتمكّن فيه لا يمكن لغيره أن يستقلّ به، و ليس ذلك إلّا تحديداً لغير المتصرّف في إطلاق إرادته، و تقييداً لحرّيّته.

و لم يزل الاختلاف يلازم هذا النوع منذ سكن الأرض فلم يمض على هؤلاء الأفراد المنتشرة في رحب الأرض يوم إلّا و تطلع فيه الشمس على اختلافات، و تغيب عن اختلافات تسير بهم إلى فناء نفوس و ضيعة أعراض و انتهاب أموال، و لو كان الإنسان يرى لنفسه - أي للإنسانيّة - حرّيّة مطلقة لم يكن لهذه الاختلافات بينهم أثر.

و سنّة المجازاة و المؤاخذة لم تزل دائرة معمولة بين المجتمعات المتنوّعة مدنيّة كانت


أو همجيّة، و لا معنى للمجازاة إلّا أن يملك المجتمع من الإنسان المجرم بعض ما وهبه له الخلقة من النعم، و أن يسلب عنه بعض الحرّيّة فلو لا أنّ المجتمع أو من بيده الأمر في المجتمع يملك من المجرم القاتل المحكوم بالقصاص حياته لما وسعه أن يسلبها عنه، و لو لا أنّ الآثم المأخوذ بإثمه المؤاخذ بأنواع التعذيب و النكاية كالقطع و الضرب و الحبس و غيره ذلك يملك الحكم و الإجراء منه ما يسلبه من شؤون الحياة أو الراحة أو السلطة الماليّة لما صحّ ذلك، و كيف يصحّ منع الجائر المتعدّي أن يجور و يتعدّى و لا الذبّ عن حريم نفس أو عرض أو مال إلّا مع سلب بعض حرّيّة المتغلّب الممنوع؟.

و بالجملة فممّا لا يشكّ فيه ذو مسكة أنّ بقاء الحرّيّة الإنسانيّة على إطلاقها في المجتمع الإنسانيّ و لو لحظة يوجب اختلال النظام الاجتماعيّ من وقته فهذا الاجتماع الّذي هو أيضاً فطريّ للإنسان و لا يعيش بدونه هو يقيّد إطلاق الحرّيّة الفطريّة الّتي وهبته للإنسان إرادته و شعوره الغريزيّان فلا يتأتّى لمجتمع إنسانيّ أن يعيش إلّا مع تقييد ما لإطلاق الحرّيّة كما لا يتأتّى له أن يعيش مع بطلان الحرّيّة من أصلها، و لم يزل المجتمع الإنسانيّ يحفظ بين الحدّين هذه الحرّيّة الّتي يخيّل لنا من كثرة التبليغات الغربيّة أنّهم هم الّذين خلقوا اسمها بعد ما اخترعوا معناها، و حفظوها على إطلاقها.

فهذا الاجتماع الفطريّ هو الّذي يقيّد تلك الحرّيّة الفطريّة و يحدّدها على حدّ تقييد القوى الطبيعيّة البدنيّة و غير البدنيّة بعضها بعضاً فيقف البعض عن الفعل اعتناءً بشأن بعض آخر يزامله كقوّة الإبصار الّتي هي مبدأ للإبصار على الإطلاق تفعل فعلها حتّى تكلّ لامسة العين أو تتعب القوّة المفكّرة فتقف الباصرة عن فعلها تقيّداً بفعل مزاملها، و الذائقة تلتذّ بالتقام الغذاء اللذيذ و ازدراده و بلعه حتّى تكلّ عضلات الفكّ فتقيّد الذائقة فتكفّ عن مشتهاها.

فالاجتماع الفطريّ لا يتمّ للإنسان إلّا بأن يجود ببعض حرّيّته في العمل و استرساله في التمتّع.

١٠- ما مقدار التحديد: و أمّا المقدار الّذي تحدّد به الحرّيّة الموهوبة من قبل الاجتماع الفطريّ و يتقيّد به إطلاقها الفطريّ فهو يختلف باختلاف المجتمعات الإنسانيّة


بحسب كثرة القوانين الدائرة المعتبرة في المجتمع و قلّتها فإنّ المقيّد للحرّيّة بعد أصل الاجتماع إنّما هو القانون المجرى بين الناس فكلّما زادت القوانين و دقّت في رقوب أعمالهم زاد الحرمان من الحرّيّة و الاسترسال و كلّما نقصت نقص.

لكنّ الّذي لا مناص عنه في أيّ اجتماع لأيّ مجتمع فرض، و الواجب الّذي ليس في وسع الإنسان الاجتماعيّ أن يستهين به و يتساهل في أمره: هو حفظ وجود الاجتماع و كونه إذ لا حياة للإنسان دونه، و حفظ السنن الدائرة و القوانين الجارية فيه من النقص و الانتقاض، و لذلك لست تجد مجتمعاً من المجتمعات البشريّة إلّا و فيه جهة دفاعيّة تذبّ عن النفوس و الذراري و تقيهم من الفناء و الهلاك، و وليّ يلي أمرهم و يحفظ السنّة الجارية و العادات الدائرة المحترمة بينهم من الانتقاض ببسط الأمن الاجتماعيّ، و سياسة المتعدّي الجائر، و الموجود من التاريخ يصدّق ذلك أيضاً.

و إذا كان كذلك فأوّل حقّ مشروع للمجتمع في شريعة الفطرة أن يسلب الحرّيّة عن عدوّ المجتمع في أصل اجتماعه، و إن شئت فقل: أن يملك من عدوّه المبيد لحياته المفسد لحرثه و نسله نفسه و عمله و يذهب بحرّيّة إرادته بما يشاء من قتل فما دونه، و أن يسلب عن عدوّ السنّة و القانون حرّيّة العمل و الاسترسال في النقض، و يملك منه ما يفقده بالمجازاة من نفس أو مال أو غيرهما.

و كيف يسع الإنسان - حتّى الإنسان الفرد - أن يذعن بحرّيّة عدوّ لا لحياة مجتمعة يحترم فيؤاخيه و يشاركه و يمتزج به، و لا عن إبادة مجتمعة و إفنائه يغمض فيتركهم و شأنهم؟ و هل الجمع بين العناية الفطريّة بالاجتماع و بين ترك هذا العدوّ و حرّيّته في العمل إلّا جمعاً بين المتناقضين صريحاً و سفهاً أو جنوناً؟.

فتبيّن ممّا مرّ أوّلاً: أنّ البناء على إطلاق حرّيّة الإنسان أمر مخالف لصريح الحقّ الفطريّ المشروع للإنسان الّذي هو من أوّل الحقوق الفطريّة المشروعة.

و ثانياً: أنّ حقّ الاستعباد الّذي اعتبره الإسلام هو المطابق لشريعة الفطرة، و هو أن يستعبد أعداء الدين الحقّ المحاربين للمجتمع الإسلاميّ فيسلب عنهم حرّيّة العمل، و يجلبوا إلى داخل المجتمع الدينيّ و يكلّفوا بأن يعيشوا في زيّ العبوديّة حتّى يتربّوا


بالتربية الصالحة الدينيّة، و ينعتقوا تدريجاً، و يلتحقوا بالمجتمع الحرّ سالمين غانمين، و لوليّ الأمر أن يشتريهم و يعتقهم عن آخرهم إن رأى صلاح المجتمع الدينيّ في ذلك، أو يسلك في ذلك طريقاً آخر لا ينتسخ بذلك الأحكام الإلهيّة.

١١- إلى م آل أمر الإلغاء؟: أجرت الدول المعظّمة قرار مؤتمر بروسل و منعوا بيع الرقيق أشدّ المنع و انعتقت الإماء و العبيد فلا يصطفّون اليوم في دكاك النخّاسين و لا يساقون سوق الأغنام، و تبع ذلك أن انتسخ اتّخاذ الخصيان، و لا يكاد يوجد اليوم من هؤلاء و اُولئك و لو نماذج قليلة إلّا ما ربّما يذكر من أمر الأقوام الهمجيّة.

لكنّ هذا المقدار أعني ارتفاع اسم الاستعباد و الاسترقاق من الألسنة و غيبة المسمّين بهذا الاسم عن الأنظار هل يقنع الباحث الناقد في هذه المسألة؟ أ و ليس يسأل أنّ هذه المسألة هل هي مسألة لفظيّة يجزي فيها المنع من أن يذكر الاسم، و يكفي في إجرائها أن يسمّى العبد حرّاً و إن سلب منافع عمله و تبع غيره في إرادته، أو أنّ المسألة معنويّة يراعى فيها حال المعنى بحسب حقيقته و آثاره الخارجيّة؟.

فهاتيك الحرب العالميّة الثانية لم يمض عليها إلّا بضع عشرة سنة حمّلت الدول الفاتحة على عدوّها المغلوب التسليم بلا شرط ثمّ احتلّوا بلادهم، و أخذوا ملايين من أموالهم، و تحكّموا على نفوسهم و ذراريهم، و نقلوا الملايين من اُسراهم إلى داخل مملكتهم يستعملونهم فيما شاؤا و كيف شاؤا، و الأمر يجري على ذلك حتّى اليوم.

فليت شعري هل للاستعباد مصداق ليس به و إن منع من إطلاق لفظه؟ و هل له معنى إلّا سلب إطلاق الحرّيّة، و تملّك الإرادة و العمل، و إنفاذ القويّ المتعزّز حكمه في الضعيف المستذلّ كيف شاء و أراد عدلاً أو ظلماً؟.

فيا لله العجب يسمّي حكم الإسلام بنظير الحكم على أصلح وجه يمكن استعباداً و لا يسمّى حكمهم بذلك، و الإسلام يأخذ فيه بأسهل الوجوه و أخفّها و هم يأخذون بأشقّها و أعنفها، فقد رأينا محبّتهم و صداقتهم حينما احتلّوا بلادنا تحت عنوان المحبّة و الحماية و الوقاية، فكيف حال من استعلوا عليه بالعداوة و النكاية؟.

و من هنا يظهر أنّ قرار الإلغاء لم يكن إلّا لعباً سياسيّاً هو في الحقيقة أخذ في


صورة الردّ، أمّا الاستعباد عن حرب و قتال فقد أنفذه الإسلام و أنفذوه عملاً و إن منعوا عن التلفّظ باسمه لساناً، و أمّا الاستعباد من طريق بيع الآباء أبناءهم الّذي منعوه فقد كان الإسلام منعه من قبل، و أمّا الاستعباد من طريق الغلبة و السلطة الحكميّة فقد منعه الإسلام من قبل، و أمّا هؤلاء فقد أجمعوا على منعه لكن هل توقّف المنع في مرحلة اللفظ كنظيره أو تعدّاها إلى مرحلة المعنى و وافقه العمل؟!.

يمكنك أن تستخرج الجواب لهذا السؤال بإمرار النظر في تاريخ الاستعمارات الاُروبيّة في آسيا و إفريقيا و أميركا، و الفجائع الّتي ارتكبوها، و الدماء و الأعراض و الأموال الّتي أهرقوها و استباحوها و نهبوها، و التحكّمات الّتي أتوا بها و ليس بالواحد و المائة و الألف.

ليس يلزمك أن تسلك هذا السبيل على بعدها - إن كان بعيداً - فقد يجزيك أن تتأمّل أخبار ما يقاسيه أهل الجزائر من فرنسا منذ سنين من إبادة النفوس و تخريب البلاد و التشديد على أهله، و ما تلقاه الممالك العربيّة من الإنجليز، و ما يتحمّله السودان و الحمر في أميركا، و الاُوروبة الشرقيّة من الجمهوريّات الاشتراكيّة، و ما نكابده نحن من أيدي هؤلاء و اُولئك، كلّ ذلك في لفظه نصح و إشفاق، و في معناه استعباد و استرقاق!.

فظهر من جميع ما مرّ أنّهم أخذوا في مرحلة العمل بما شرعه الإسلام من إباحة و سلب إطلاق الحرّيّة عند وجود سببها الفطريّ الّذي هو حرب من يريد هدم المجتمع و إهلاك الإنسانيّة، و هو حكم مشروع في شريعة الفطرة له أصل واقعيّ لا يتغيّر و هو حاجة الإنسانيّة في بقائها إلى دفع ما يطاردها وجوداً و يناقضها بقاءً ثمّ أصل اجتماعيّ عقلائيّ لا يتبدّل متفرّع على أصله الواقعيّ و هو وجوب حفظ المجتمع الإنسانيّ عن الانعدام و الانهدام.

فهذا هو الّذي راموه في عملهم و أخذوه معنى و أنكروه اسماً غير أنّهم تعدّوا هذا القسم المشروع إلى غيره غير المشروع و هو الاستعباد بسبب الغلبة و السلطة فلا يزالون يستعبدون الاُلوف و الملايين قبل حديث الإلغاء و بعده، و يبيعون و يشترون و يهبون و يعيرون إلّا أنّهم لا يسمّون ذلك استعباداً، و إنّما يسمّى استعماراً أو استملاكاً أو قيمومة أو حماية


أو عناية و إعانة أو غير ذلك من الألفاظ الّتي لا يراد بشي‏ء منها إلّا أن يكون سترة على معنى الاستعباد، و كلّما خلق أو خرق شي‏ء منها رمي به و جي‏ء بآخر.

و لم يبق ممّا نسخه قرار بروسل و لا يزال يقرع به أسماع الدنيا و أهلها و يتباهى به الدول المتمدّنة الّذين هم رواد المدنيّة الراقية، و بأيديهم راية الحرّيّة الإنسانيّة إلّا الاستعباد من طريق بيع الأبناء و البنات و الإخصاء و لا فائدة هامّة فيه تعود إليهم مع كونه أشبه بالمسألة الفرديّة منه بالمسألة الاجتماعيّة، و نسخه مع ذلك حجّة لفظيّة تبليغيّة بأيديهم كسائر حججهم الّتي لا تعدو مقام اللّفظ و تؤثّر أثر المعنى.

نعم يبقى هناك محلّ بحث آخر و هو أنّ الإسلام يبدأ في غنائمه الحربيّة من رقيق أو مال غير الأرض المفتوحة عنوة بالأفراد من مجتمعة فيقسّمها بينهم ثمّ ينتهي إلى الدولة على ما سير به في صدر الإسلام و هؤلاء يحفظون الاستفادة منها حقّاً موقوفاً على الدولة، و هذه مسألة اُخرى غير مسألة أصل الاسترقاق لعلّنا نوفّق لاستقصاء البحث عنها فيما سيأتي إن شاء الله من الكلام في آيات الزكاة و الخمس و الله المستعان.

و بعد ذلك كلّه نعود إلى كلمة صاحب معجم الأعلام المنقولة سابقاً:( مبدأ إلغاء الرقّ هو تساوي البشر في الحقوق و الواجبات) فما معنى تساوي البشر في الحقوق إلخ، فإن اُريد به تساويهم في استحقاق ما لهم من الحقوق الواجبة مراعاتها و إن كانت نفس تلك الحقوق مختلفة غير متساوية البتّة كاختلاف الرئيس و المرؤس و الحاكم و المحكوم و الآمر و المأمور و المطيع للقانون و المتخلّف عنه و العادل و الظالم من جهة اختلافهم في الزنة الاجتماعيّة.

فهو كذلك لكنّه لا يستلزم التسوية بين من هو جزء شريف نافع في المجتمع و بين من ليس في صلاحيته أن ينضمّ إلى المجتمع و لا كرامة، و إنّما هو كالسمّ المهلك الّذي أينما حلّ أبطل الحياة فإنّ من الحكم الفطريّ الصريح أن يفرّق بينهما بإعطاء الحرّيّة الكاملة للأوّل، و سلبها عن الثاني فلا حقّ للعدوّ على عدوّه فيما يعاديه، و لا واجب للذئب في ذمّة الغنم و لا للأسد على فريسته.

و إن اُريد به أنّ الإنسانيّة لما كانت مشتركة بين أفراد الإنسان و كان في قوّة


الفرد من الإنسان كائناً من كان أن يرقى في المدنيّة و ينال من السعادة ما يناله الآخر كان من حقّ الإنسانيّة على المجتمع الراقي أن يجود بالحرّيّة على كلّ إنسان و يربّيه حتّى يلحق المجتمع الصالح.

فلذلك حقّ لكن ربّما كان من شرائط التربية أن يسلب المربّي حرّيّة الإرادة و العمل حيناً حتّى تتمّ التربية، و يتبصّر النفس المربّاة في استعمال إرادتها، و تتنعّم بنعمة حرّيّتها كما يعالج المريض بما يسوؤه و يربّى الصغير بما يتحرّج منه، و هذا هو الّذي يراه الإسلام من سلب حرّيّة الإرادة و العمل عن الاُمّة الكافرة المحاربة، و اجتلابهم إلى داخل المجتمع الدينيّ، و تربيتهم فيها، و تخليصهم تدريجاً إلى ساحة الحرّيّة فإنّ السلوك سلوك اجتماعيّ ينبغي أن ينظر إليه و إلى نتيجته و أثره بنظر عامّ كلّيّ، و ليس بأمر فرديّ ينظر إليه بنظر فرديّ جزئيّ، ثمّ من العجب أنّ هؤلاء أيضاً يجرون عملاً بما جرت عليه السيرة الإسلاميّة و إن خالفوه في التسمية و حسن النيّة كما تقدّم بيانه.

و إن اُريد به أنّ من حقّ الحرّيّة الإنسانيّة أن تطّرد في الجميع و يخلّى بين كلّ إنسان و إرادته المطلقة.

فمن الواضح الّذي لا مرية فيه أنّ ذلك غير جائز التسليم و لا ميسور العمل على إطلاقه و خاصّة في الخصم المحارب و هو المورد الوحيد الّذي يعتني به الإسلام في سلب إطلاق الحرّيّة.

ثمّ لو كان هذا حقّاً لم يكن فيه فرق بين الواحد و الاثنين و بين الجماعة فما بالهم يسلّمون للواحد من الحرّيّة القانونيّة حتّى مثل( الانتحار) و للاثنين مثل( دئل) و لا يسلّمون لطائفة مساكين من أبناء نوعهم أن ينعزلوا في ملجأ أو مغارات و يشتغلوا بأنفسهم و يأكلوا رزق ربّهم و يسلكوا سبيل حياتهم؟.

بقي هنا شي‏ء و هو أنّه ربّما قال القائل: ما بال الإسلام لم يشرّع للرقيق تملّك المال حتّى يستعين به على حوائجه الضروريّة من غير أن يكون كلّاً على مولاه؟ و ما باله لم يحدّد الرقّ بالإسلام حتّى ينعتق العبد بالإسلام و ينمحي عنه لوث المحروميّة اللازمة له و لأعقابه إلى يوم القيامة.


لكن ينبغي أن يتنبّه هذا القائل إلى أنّ الحكم باستقرار الرقّ و الحرمان من تملّك المال إنّما ظهوره و وقوعه بحسب نظر التشريع في أوّل زمان الاستيلاء عليه، و حكم الفطرة عليهم - و هم الأعداء المحاربون - بجواز سلب الحرّيّة إنّما هو لإبطال كيدهم و سلب قوّتهم على المقاومة لهدم الاجتماع الدينيّ الصالح، و لا قوّة و لا قدرة إلّا بالملك فإذا لم يملكوا عملاً و لا نتاج عمل لم يقووا على المخاصمة و المحاربة.

نعم أجاز الإسلام لهم أن يتملّكوا في الجملة بتمليك الموالي، و هذا ملك في طول ملك، و ليس فيه محذور الاستقلال بالتصرّف.

و أمّا تحديد رقّهم بالإيمان فهو أمر يبطل السياسة الدينيّة في حفظ بيضة الإسلام و إقامة المجتمع الدينيّ على ساقه و بسط التربية الدينيّة على هؤلاء المحاربين المستعلى عليهم بالعدّة و القوّة، و لو لا ذلك لدخلوا في ظاهر الدين بمجرّد أن استقرّت عليهم سيطرة الدين، و ضربت عليهم بذلّة العبوديّة فحفظوا بذلك عدّتهم و قوّتهم ثمّ عادوا لما نهوا عنه.

و ليرجع في ذلك إلى السنّة الجارية بين الاُمم و الأقوام من يومنا هذا إلى أقدم العهود الّتي يستطاع العثور فيها على تاريخ الإنسانيّة فالاُمّتان أو القبيلتان إذا تحاربتا و تقاتلتا ثمّ غلبت إحداهما الاُخرى و استعلت عليها فإنّها ترى من حقّها المشروع لها في الحرب أن تضع في عدوّها السيف حتّى يسلّم لها الأمر تسليماً مطلقاً من غير شرط.

و ليست ترضى من التسليم بمجرّد أن تضع الاُمّة المقاتلة المغلوبة أسلحتها على الأرض فتتركهم و ما يريدون بل بالتسليم لأمر الاُمّة الغالبة، و الخضوع التامّ لما تحكم فيهم، و ترى لهم أو عليهم، و تتصرّف في نفوسهم و أموالهم.

و من سفه الرأي أن تقيّد هذه السيطرة بقيد يفسد أثر هذا التسليم المطلق، و يبطل حكمه، و يمهّد الطريق للعدوّ في الرجوع إلى كيده و مكره، و يجدّد له رجاء العود إلى ما بدأ، و كيف يسوغ للاُمّة الغالبة ذلك و قد فدت عن استقلال مجتمعها المقدّس عندها بالنفوس و الأموال؟ و هل ذلك إلّا ظلماً لنفسها و استهانة بأعزّ ما عندها، و تبذيراً للدماء و الأموال و المساعي؟.


و ليس لمعترض أن يعترض على اُمّة غالبة غلبت بتضحية النفوس و الأموال فضربت على عدوّها بالذلّة و المسكنة، و حفظهم على حالة الرقّ: بأنّ رجالهم قاتلوا و قتلوا و أفسدوا فأخذوا بالأسر و جوزوا بسلب الحرّيّة على ما يبيحه الحقّ المشروع للمحارب على محاربه فما ذنب الأصاغر من الذراري المتولّدين بعد ذلك، و لم يحملوا سلاحاً، و لا سلّوا سيفاً، و لا دخلوا معركة؟ و ذلك أنّهم ضحايا آبائهم.

بعد ذلك كلّه لا ينبغي أن ينسى أنّ للحكومة الإسلاميّة أن يحتال في انعتاق الرقيق بشراء و عتق و نحو ذلك إذا أحرزت أنّ الأصلح بحال المجتمع الإسلاميّ ذلك و الله أعلم.

( كلام في المجازاة و العفو في فصول)

١- ما معنى الجزاء؟: لا يخلو أيّ مجتمع من المجتمعات من تكاليف اجتماعيّة على أجزائه أن يحترموها فلا همّ للمجتمع إلّا أن يوافق بين أعمال الأفراد و يقرّب بعضها من بعض، و يربط جانباً منها بجانب حتّى تأتلف و تجتمع و ترفع بآثارها و نتائجها حوائج الأفراد بمقدار ما يستحقّه كلّ واحد بعمله و سعيه.

و هذه التكاليف لما كانت متعلّقة باُمور اختياريّة يسع الإنسان أخذها و تركها، و هي بعينها لا تتمّ إلّا مع سلب ما لحرّيّة الإنسان في إرادته و عمله لم يمتنع أن يتخلّف عنها أو عن بعضها الإنسان المتمائل بطبعه إلى الاسترسال و إطلاق الحرّيّة.

و التنبّه إلى هذا النقص في التكاليف و الفتور في بني القوانين هو الّذي بعث الإنسان الاجتماعيّ على أن يتمّم نقصها و يحكم فتورها بأمر آخر، و هو أن يضمّ إلى مخالفتها و التخلّف عنها اُموراً يكرهها الإنسان المكلّف فيدعوه ذلك إلى طاعة التكليف الّذي يكلّف به حذراً من أن يحلّ به ما يكرهه و يتضرّر به.

و هذا هو جزاء السيّئة، و هو حقّ للمجتمع أو لوليّ الأمر على المتخلّف العاصي، و له نظير في جانب طاعة التكاليف فمن الممكن أن يوضع للمطيع الممتثل بإزاء عمله بالتكليف


أمر يؤثره و يحبّه ليكون ذلك داعياً يدعوه إلى إتيان الواجب أو المطلوب مطلقاً من التكاليف، و هو حقّ للمكلّف المطيع على المجتمع أو لوليّ الأمر، و هذا هو جزاء الحسنة، و ربّما يسمّى جزاء السيّئة عقاباً و جزاء الحسنة ثواباً.

و على هذه الوتيرة يجري حكم الشريعة الإلهيّة قال تعالى:( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى) يونس: ٢٦ و قال تعالى:( وَ الَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها ) يونس: ٢٧ و قال:( وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) الشورى: ٤٠.

و للعقاب و الثواب عرض عريض آخذاً من الاستكراه و الاستحسان و الذمّ و المدح إلى آخر ما يتعلّق به القدرة من الشرّ و الخير و يرتبطان في ذلك بعوامل مختلفة من خصوصيّات الفعل و الفاعل و ولي التكليف و مقدار الضرر و النفع العائدين إلى المجتمع، و لعلّه يجمع الجميع أنّ العمل كلّما زاد الاهتمام بأمره زاد عقاباً في صورة المعصية و ثواباً في صورة الطاعة.

و يعتبر بين العمل و بين جزائه - كيف كان - نوع من المماثلة و المسانخة و لو تقريباً، و على ذلك يجري كلامه تعالى أيضاً كما هو ظاهر أمثال قوله تعالى:( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) النجم: ٣١ و أوضح منه قوله تعالى و قد حكاه عن صحف إبراهيم و موسىعليهما‌السلام :( وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏، وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) النجم: ٤١.

و هذا فيما شرعه الله في أمر القصاص أظهر، قال تعالى:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى‏ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى‏ بِالْأُنْثى‏ ) البقرة: ١٧٨ و قال:( الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَ الْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ ) البقرة: ١٩٤.

و لازم هذه المماثلة و المسانخة أن يعود العقاب أو الثواب إلى نفس العامل بمثل ما عمل بمعنى أنّه إذا عصى حكماً اجتماعيّاً مثلاً فإنّما تمتّع لنفسه بما يضرّ المجتمع أي بما يفسد تمتّعاً من تمتّعات المجتمع فينقص من تمتّعاته في نفسه ما يعادل ذلك من نفسه أو بدنه أو ماله أو جاهه أو نحو ذلك ممّا يعود بوجه إليه.


و هذا هو الّذي أومأنا إليه في البحث عن معنى الاستعباد أنّ المجتمع أو من يلي أمره يملك من المجرم نفسه أو شأناً من شؤون نفسه يعادل الجرم الّذي اجترمه و نقيصة الضرر الّذي أوقعه على المجتمع فيعاقب بذلك أي يتصرّف المجتمع أو وليّ الأمر استناداً إلى هذا الملك - و هو الحقّ - في حياة المجرم أو شأن من شؤون حياته، و يسلب حرّيّته في ذلك.

فلو قتل نفساً مثلاً بغير نفس أو فساد في الأرض في المجتمع الإسلاميّ ملك وليّ الأمر من المجرم نفسه حيث نقصهم نفساً محترمة، و حدّه الّذي هو القتل تصرّف في نفسه عن الملك الّذي ملّكه، و لو سرق ما يبلغ ربع دينار من حرز فقد أضرّ بالمجتمع بهتك ستر من أستار الأمن العامّ الّذي أسدلته يد الشريعة و حفظته يد الأمانة، و حدّها الّذي هو القطع ليس حقيقته إلّا أنّ وليّ الأمر ملك من السارق بإزاء ما أتى به شأناً من شؤون حياته و هو الشأن الّذي تشتمل عليه اليد فيتصرّف فيه بسلب ما له من الحرّيّة و وسيلتها من هذه الجهة، و قس على ذلك أنواع الجزاء في الشرائع و السنن المختلفة.

فيتبيّن من هنا أنّ الاجرام و المعصية الاجتماعيّة يستجلب نوعاً من الرقّ و العبوديّة، و لذلك كان العبد أظهر مصاديق المؤاخذة و العقاب قال تعالى:( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ) المائدة: ١١٨.

و لهذا المعنى مظاهر متفرّقة في سائر الشرائع و السنن المختلفة قال الله تعالى في قصّة يوسفعليه‌السلام إذ جعل السقاية في رحل أخيه ليأخذه إليه:( قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ‏ - أي في إنكاركم سرقة صواع الملك -قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ - أي نجزي السارق باسترقاقه -فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ - إلى أن قال -قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ - و هذا هو التبديل و نوع من الفدية -قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ ) يوسف: ٧٩.

( هل يعدّ المطيع عبداً للمطاع ‏)

و ربّما كان يؤخذ القاتل أسيراً مملوكاً، و ربّما كان يفدي بواحدة من نسائه و حرمه كبنته و اُخته إلى غير ذلك، و سنّة الفدية بالتزويج كانت مرسومة إلى هذه الأيّام بين


القبائل و العشائر في نواحينا لأنّ الازدواج يعدّ عندهم نوعاً من الاسترقاق و الإسارة للنساء.

و من هنا ما ربّما يعدّ المطيع عبداً للمطاع لأنّه بإطاعته يتبع إرادته إرادة المطاع فهو مملوكه المحروم من حرّيّة الإرادة قال تعالى:( أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَ أَنِ اعْبُدُونِي ) يس: ٦١ و قال:( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ ) الجاثية: ٢٣.

و بالعكس من تملّك المجتمع أو وليّ الأمر المجرم المعاقب يملك المطيع المثاب من المجتمع أو وليّ الأمر ما يوازن طاعته من الثواب فإنّ المجتمع أو الولي نقص من المكلّف المطيع بواسطة التكليف شيئاً من حرّيّته الموهوبة فعليه أن يتمّمه كما نقص.

و هذا الّذي ذكرناه هو السرّ في ما اشتهر: أنّ الوفاء بالوعد واجب دون الوعيد و ذلك أنّ مضمون الوعد في ظرف المولويّة و العبوديّة هو الثواب على الطاعة كما أنّ مضمون الوعيد هو العقاب على المعصية و الثواب لما كان من حقّ المطيع على وليّ الأمر و في ذمّته وجب عليه تأديته و تفريغ ذمّته منه بخلاف العقاب فإنّه من حقّ وليّ الأمر على المكلّف المجرم، و ليس من الواجب أن يتصرّف الإنسان في ملكه و يستفيد من حقّه إن كان له ذلك، و للكلام تتمّة.

٢- العفو و المغفرة؟: استنتجنا من البحث السابق جواز ترك المجازاة على المعصية بخلاف الطاعة، و هو حكم فطريّ في الجملة مبنيّ على أنّ العقاب حقّ للمعصيّ على العاصي، و ليس من الواجب إعمال الحقّ دائماً.

غير أنّه كما لا يجب إعمال حقّ العقاب دائماً كذلك لا يجوز تركه دائماً و إلّا لغي القضاء الفطريّ بثبوت الحقّ، و لا معنى لثبوت شي‏ء لا أثر له و لا في وقت من الأوقات على أنّ إلغاء حقّ العقاب من رأسه هدم للقوانين الموضوعة الحافظة لبنية الاجتماع و في هدمها هدم الاجتماع بلا ريب.

فالحكم - و هو جواز العفو عن الذنب - ثابت في الجملة، و القضيّة مهملة فإن كان


هناك سبب مسوّغ بحسب الحكمة للعفو جاز العفو و إلّا وجبت المجازاة احتراماً للقوانين الحافظة لبنية المجتمع و سعادة الإنسان، و إليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن عيسىعليه‌السلام :( وَ إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) المائدة: ١١٨.

و يوجد في القرآن الكريم من أسباب المغفرة ممّا تمضيه الحكمة الإلهيّة سببان كلّيّان:

أحدهما: توبة العبد إلى الله سبحانه أعمّ من رجوعه من الكفر إلى الإيمان أو رجوعه من المعصية إلى الطاعة على ما تقدّم بيانه في الكلام على التوبة في الجزء الرابع من الكتاب، قال تعالى:( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَ أَنِيبُوا إِلى‏ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ - و هذه التوبة من الكفر الّذي فيه وعيد العذاب الّذي لا ينفع فيه ناصر شفيع -وَ اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ) الزمر: ٥٥ و هذه هي التوبة من المعصية إلى الطاعة، و لم ينف فيه نفع الشفاعة.

و قال تعالى:( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً، وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) النساء: ١٨.

و ثانيهما: الشفاعة يوم القيامة قال تعالى:( وَ لا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف: ٨٦ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المتعرّضة لأمر الشفاعة، و قد أشبعنا البحث فيها في الكلام على الشفاعة في الجزء الأوّل من الكتاب.

و يوجد في القرآن الكريم موارد متفرّقة يذكر فيها العفو من غير ذكر سببه و إن كان التدبّر فيها يهدي إلى إجمال ما روعي فيها من المصلحة و هي مصلحة الدين كقوله تعالى:( وَ لَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَ اللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) آل عمران: ١٥٢، و قوله تعالى:( أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ


تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ ) المجادلة: ١٣ و قوله تعالى:( لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ) التوبة: ١١٧ و قوله تعالى:( وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَ صَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَ صَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ ) المائدة: ٧١، و قوله تعالى:( الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً وَ إِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) المجادلة: ٣، و قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ - إلى أن قال -عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَ وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَ اللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ) المائدة: ٩٥.

فهذه موارد متنوّعة من العفو الإلهيّ و قد بيّنّا خصوصيّة كلّ منها في الكلام على الآية المشتملة عليه من الكتاب فليراجع.

و ليس من قبيل ما تقدّم قوله تعالى:( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) التوبة: ٤٣ فإنّه دعاء نظير قولنا: غفر الله لك لم فعلت كذا و كذا، و نظيره على الخلاف قوله تعالى:( إِنَّهُ فَكَّرَ وَ قَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) المدّثّر: ١٩ و ليس من ذاك القبيل أيضاً قوله تعالى:( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ ) الفتح: ٢، و يدلّ على ذلك جعل المغفرة غاية متفرّعة على فتحه تعالى مكّة لنبيّه و لا رابطة بين مغفرة الذنب بمعنى الإثم و بين الفتح، و سيجي‏ء تمام الكلام في محلّه إن شاء الله.

٣- للعفو مراتب: لما كان العفو و المغفرة يتعلّق بالذنب الّذي يستتبع نوعاً من المجازاة و العقاب، و للجزاء - كما عرفت - عرض عريض و مراتب مختلفة متشتّتة أتبعه العفو في اختلاف المراتب حسب اختلافه، و ليس الاختلاف الواقع في نفس الذنب أعني التبعة السيّئة الّتي يستتبعها العمل فالاختلاف فيها ممّا لا سبيل إلى إنكاره، و الجزاء سواء كان عقاباً أو ثواباً إنّما يوزن بزنتها.

فممّا لا محيص عنه في بحثنا هذا هو البحث عن الذنب و اختلاف مراتبه، و التأمّل فيما يهدي إليه العقل الفطريّ فإنّ البحث و إن كان قرآنيّا يراد به الحصول على ما


يراه الكتاب الإلهيّ في هذه الحقائق غير أنّه تعالى على ما بيّن في كلامه يكلّمنا على قدر عقولنا و بالموازين الفطريّة الّتي نزن بها الأشياء في مرحلتي النظر و العمل، و قد مرّت الإشارة إليه في موارد من الأبحاث الموضوعة في هذا الكتاب، و قد استمدّ تعالى في موارد من بياناته بالعقل و الفكر الإنسانيّ، و أيّد به مقاصد كلامه فقال تعالى:( أَ فَلا تَعْقِلُونَ ) ( أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ) ، و ما في معناهما.

و الّذي يفيده الاعتبار الصحيح هو أنّ أوّل ما يتعلّق به و يحترمه المجتمع الإنسانيّ هو الأحكام العمليّة و السنن المحترمة الّتي تحفظ بالعمل بها و المداومة عليها مقاصده الإنسانيّة و تهديه إلى سعادته في الحياة، ثمّ تضع أحكاماً جزائيّة يجازى على طبقها المتخلّف العاصي عن القوانين الاجتماعيّة و يثاب المطيع الممتثل.

و في هذه المرحلة لا يسمّى باسم الذنب إلّا التخلّف عن متون القوانين العمليّة، و تحاذي الذنوب لا محالة في عددها عدد موادّ الأحكام الاجتماعيّة، و هذا هو المغروز المركوز في أذهاننا معاشر المسلمين أيضاً من معنى لفظ الذنب و الألفاظ الّتي تقارنه في المعنى كالسيّئة و المعصية و الإثم و الخطيئة و الحوب و الفسق و نحوها.

لكنّ الأمر لا يقف على هذا الحدّ فإنّ الأحكام العمليّة إذا عمل بها و روقبت و تحفّظ عليها ساق المجتمع إلى أخلاق و أوصاف مناسبة لها ملائمة لمقاصد المجتمع الّتي هي غاية اجتماعهم، و هذه الأخلاق هي الّتي يسمّيها المجتمع بالفضائل الإنسانيّة و يحرّص و يحرّض عليها، و تقابلها الرذائل.

و هي و إن كانت مختلفة باختلاف السنن و المقاصد في المجتمعات إلّا أنّ أصل إنتاج الأحكام الاجتماعيّة لها ممّا لا سبيل إلى سدّه و إعفائها عنه.

و هذه الأخلاق الفاضلة و إن كانت أوصافاً روحيّة لا ضامن لإجرائها في مقام العمل في المجتمعات، و كانت غير اختياريّة بلا واسطة لكونها ملكات لكنّها لكونها في تحقّقها تتبع تكرّر العمل بالأحكام المقرّرة في المجتمع أو تكرّر التخلّف عن العمل كانت نفس العمل بالأحكام ضامنة لإجرائها و تعدّ اختياريّة باختياريّة مقدّمتها و هي تكرّر العمل، و تتصوّر في مواردها أوامر عقليّة متعلّقه بالأخلاق الفاضلة كالشجاعة و العفّة و العدالة، و


نواه عقليّة تردع عن الأخلاق الرذيلة كالجبن و التهوّر و الخمود و الشره و الظلم، و كذا يتصوّر لها عقاب و ثواب يسمّيان بالعقاب و الثواب العقليّين كالمدح و الذمّ.

و بالجملة تتحقّق بذلك مرتبة من مراتب الذنب فوق المرتبة السابق ذكرها، و هي مرتبة التخلّف عن الأحكام الخلقيّة و الأوامر العقليّة المتعلّقة بها.

و لم تعدّ هذه الأوامر العقليّة أوامر إلّا من جهة التلازم بين الأعمال الواجبة الّتي تسوق إليها و بينها، فهناك حاكم يحكم بالوجوب و يأمر به و هو العقل الإنسانيّ و نظيره القول في تسمية النواهي، العقليّة نواهي و هذا دأبنا في جميع موارد التلازم فإذا فرضنا العمل بأحد المتلازمين لا نلبث دون أن نأمر بإتيان الآخر و وجوبه، و نرى التخلّف عن ذلك عصياناً لهذا الأمر العقليّ، و ذنباً يستحقّ به نوع من المؤاخذة.

و يظهر من هنا أمر آخر و هو أنّ هذه الفضائل لما كانت مشتملة على واجبات لا محيص عن التلبّس بها - و مثله اشتمال الرذائل على المحرّمات - و على اُمور مندوبة مستحبّة هي كالزينة و الهيأة الجميلة فيها - و هي الآداب الحسنة الّتي تتعلّق بها أوامر عقليّة استحسانيّة إلّا أنّها إذا فرضت ظرفاً لأحد منّا كان ما يلازمها من الآداب - و هي مندوبة في نفسها - مأموراً به عقلاً أمراً إيجابيّاً قضاءً لحقّ الظرفيّة المفروضة، مثال ذلك أنّ البدويّ العائش عيشة العشائر البدويّة لما كان ظرف حياته بعيداً من المستوي المتوسّط في الحياة الحضريّة لا يؤاخذ إلّا بالضروريّات من أحكام المجتمع و السنن العامّة الّتي يناله عقله و فهمه، و ربّما أتى بالوقيح من الأعمال أو الركيك من الأقوال فيغمض عنه الحضريّ معتذراً بقصور الفهم و بعد الدار من السواد الأعظم الّذي تكرّر مشاهدة الرسوم و الآداب فيه أحسن معلّم للناس القاطنين فيه.

ثمّ المتوسّط من الناس الحضريّين لا يؤاخذ بما يؤاخذ به الآحاد النوادر من المجتمع الّذين هم أهل الفهم اللطيف و الأدب الظريف و لا عذر فيما يقع من المتوسّط من الناس من ترك دقائق الأدب و ظرائف القول و الفعل إلّا أنّ فهمه على قدر ما يأتي به، لا يشعر من لوازم الأدب بأزيد ممّا يأتي به و ظرفه هو ظرفه.

و ما يأتي به ممّا لا ينبغي هو ممّا يؤاخذ به الأوحديّون من الرجال فربّما


يؤاخذون بلحن خفيّ في كلام أو بتبطّؤ يسير في حركة أو بتفويت آن غير محسوس في سكون أو التفات أو غمض عين و نحو ذلك فيعدّ ذلك كلّه ذنباً منهم، و ليس من الذنب بمعنى مخالفة الموادّ القانونيّة دينيّة كانت أو دنيويّة، و قد اشتهر بينهم: أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين.

و كلّما دقّ المسلك و لطف المقام ظهرت هنالك خفايا من الذنوب كانت قبل تحقّق هذا الظرف مغفولاً عنها لا يحسّ بها الإنسان المكلّف بالتكاليف، و لا يؤاخذ بها وليّ المؤاخذة و المحاسبة.

و ينتهي ذلك - فيما يعطيه البحث الدقيق - إلى الأحكام الناشئة في ظرفي الحبّ و البغض فترى عين المبغض - و خاصّة في حال الغضب - عامّة الأعمال الحسنة سيّئة مذمومة، و يرى المحبّ إذا تاه في الغرام و استغرق في الوله أدنى غفلة قلبيّة عن محبوبه ذنباً عظيماً و إن اهتمّ بعمل الجوارح بتمام أركانه، و ليس إلّا أنّه يرى أنّ قيمة أعماله في سبيل الحبّ على قدر توجّه نفسه و انجذاب قلبه إلى محبوبه فإذا انقطع عنه بغفلة قلبيّة فقد أعرض عن المحبوب و انقطع عن ذكره و أبطل طهارة قلبه بذلك.

حتى أنّ الاشتغال بضروريّات الحياة من أكل و شرب و نحوهما يعدّ عنده من الاجرام و العصيان نظراً إلى أنّ أصل الفعل و إن كان من الضروريّ الّذي يضطرّ إليه الإنسان لكنّ كلّ واحد واحد من هذه الأفعال الاضطراريّة من حيث أصله اختياريّ في نفسه، و الاشتغال به اشتغال بغير المحبوب و إعراض عنه اختياراً و هو من الذنب، و لذلك نرى أهل الوله و الغرام و كذا المحزون الكئيب و من في عداد هؤلاء يستنكفون عن الاشتغال بأكل أو شرب أو نحوهما.

و على نحو من هذا القبيل ينبغي أن يحمل‏ ما ربّما يروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قوله:( إنّه ليغان على قلبي فأستغفر الله كلّ يوم سبعين مرّة) ، و عليه يمكن أن يحمل بوجه قوله تعالى:( وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ ) المؤمن: ٥٥ و قوله:( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَ اسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً ) النصر: ٣.

و عليه يحمل ما حكى تعالى عن عدّة من أنبيائه الكرام كقول نوح:( رَبِّ اغْفِرْ لِي


وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً ) نوح: ٢٨ و قول إبراهيم:( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) إبراهيم: ٤١ و قول موسى لنفسه و أخيه:( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ) الأعراف: ١٥١ و ما حكى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) البقرة: ٢٨٥.

فإنّ الأنبياءعليهم‌السلام مع عصمتهم لا يتأتّى أن تصدر عنهم المعصية، و يقترفوا الذنب بمعنى مخالفة مادّة من الموادّ الدينيّة الّتي هم المرسلون للدعوة إليها، و القائمون قولاً و فعلاً بالتبليغ لها، و المفترض طاعتهم من عند الله، و لا معنى لافتراض طاعة من لا يؤمن وقوع المعصية منه، تعالى الله عن ذلك.

و هكذا يحمل على هذا الباب ما حكي عن بعضهمعليهم‌السلام من الاعتراف بالظلم و نحوه كقول ذي النون:( لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) الأنبياء: ٨٧ إذ كما يجوز عدّهم بعض الأعمال المباحة الصادرة عنهم ذنباً لأنفسهم و طلب المغفرة من الله سبحانه، كذلك يجوز عدّه ظلماً من أنفسهم لأنّ كلّ ذنب ظلم.

و قد مرّ أنّ هنالك محملاً آخر و هو أن يكون المراد بالظلم هو الظلم على النفس كما في قول آدم و زوجته:( رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) الأعراف: ٢٣.

و إيّاك أن تتوهّم أنّ معنى قولنا في آية: إنّ لها محملاً كذا و محملاً كذا هو تسليم أنّ ذلك من خلاف ظاهر الكلام ثمّ الاجتهاد في اختلاف معنى يحمل عليه الكلام، و تطبق عليه الآيات القرآنيّة تحفّظاً على الآراء المذهبيّة، و اضطراراً من قبل التعصّب.

و قد تقدّم البحث الحرّ في عصمة الأنبياءعليهم‌السلام بالتدبّر في الآيات أنفسها من غير اعتماد على المقدّمات الغريبة الأجنبيّة في الجزء الثاني من الكتاب.

و قد بيّنّا هناك و في غيره أن ظاهر الكلام لا يقتصر في تشخيصه على الفهم العامّيّ المتعلّق بنفس الجملة المبحوث عنها بل للقرائن المقاميّة و الكلاميّة المتّصلة و المنفصلة - كالآية المتعرّضة لمعنى آية اُخرى - تأثير قاطع في الظواهر، و خاصّة في الكلام الإلهيّ الّذي بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، و يصدّق بعضه بعضاً.


و الغفلة عن هذه النكتة هي الّتي أشاعت بين عدّة من المفسّرين و أهل الكلام إبداع التأويل بمعنى صرف الكلام إلى ما يخالف ظاهره، و ارتكابه في الآيات المخالفة لمذهبهم الخاصّ على زعمهم فتراهم يقطعون القرآن قطعاً ثمّ يحملون كلّ قطعة منها على ما يفهمه العامّيّ السوقيّ من كلام سوقيّ مثله فإذا سمعوه تعالى يقول:( فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ) حملوه على أنّهعليه‌السلام - و حاشاه - زعم أو أيقن أنّ الله سبحانه يعجز عن أخذه مع أنّ ما في الآية التالية:( وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) يعدّه من المؤمنين، و لا إيمان لمن شكّ في قدرة الله فضلاً عن أن يرجّح أو يقطع بعجزه.

و إذا سمعوه تعالى يقول:( لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تقدّم مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ ) تفهّموا منه أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أذنب فغفر الله له كما يذنب الواحد منّا بمخالفة أمر أو نهي مولويّ من الله تنعقد بهما مسألة فرعيّة فقهيّة.

و لم يهدهم التدبّر حتّى بمقدار أن يرجعوا إلى سابقة الآية:( إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) حتّى ينجلي لهم أنّ هذا الذنب و المغفرة المتعلّقة به لو كانا كالذنوب الّتي لنا و المغفرة الّتي تتعلّق بها لم يكن وجه لتعليق المغفرة على فتح مكّة تعليق الغاية على ذي الغاية، و كذا لم يكن وجه لعطف ما عطف عليه أعني قوله:( وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً، وَ يَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً ) الفتح: ٣.

و كذا إذا سمعوا سائر الآيات الّتي تشتمل على عثرات الأنبياء بزعمهم كالّتي وردت في قصص آدم و نوح و إبراهيم و لوط و يعقوب و يوسف و داود و سليمان و أيّوب و محمّد (صلّى الله عليه و آله و عليهم) بادروا إلى الطعن في ساحة نزاهتهم، و لم ينقبضوا عن إساءة الأدب إليهم و هم أنفسهم أولى بما رموا و لا شين كسوء الأدب.

فساقهم سوء الحظّ و رداءة النظر إلى أن أبدلوا ربّهم ربّ العالمين بربّ تنعته التوراة و الأناجيل المحرّفة قوّة غيبيّة متجسّدة تدير رحى الوجود كما يدير جبّار من جبابرة الإنسان مملكته لا همّ له إلّا إشباع طاغية شهوته و غضبه فجهلوا مقام ربّهم ثمّ سهوا عن مقام النبوّة و عفوا مدارجهم العالية الشريفة الروحيّة و مقاماتهم السامية الحقيقيّة فعادت بذلك هاتيك النفوس الطاهرة المقدّسة تماثل النفوس الرديئة الخسيسة الّتي ليس لها من


شرف الإنسانيّة إلّا التسمّي باسمها تهلك من(١) هذا نفسه، و تخون من ذاك عرضه، و تطمع من ذلك في ماله مع أنّهم على ما لهم من الجهل لا يرضون بهذه الفضائح فيمن يتقلّد أمراً من اُمور دنياهم أو يتصدّى يوماً للقيام بمصلحة بيتهم و أهلهم فكيف يرضون بنسبة هذه الفضائح إلى الله سبحانه و هو العليم الحكيم الّذي أرسل رسله إلى عباده لئلّا يكون لهم حجّة بعدهم؟ و ليت شعري أيّ حجّة تقوم على كافر أو فاسق إذا جاز للرسول أن يكفر أو يفجر أو يدعو إلى الشرك و الوثنيّة ثمّ يتبرّأ منه و ينسبه إلى الشيطان؟.

و إذا ذكّروا ببعض ما لأنبياء اللهعليهم‌السلام من العصمة الإلهيّة و المقامات الموهوبة و المواقف الروحيّة عدّوا ذلك شركاً بالله، و غلوّاً في حقّ عباد الله، و أخذوا في تلاوة قوله:( قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ) .

و قد أصابوا في ردّهم بوجه فإنّ ما يتصوّرونه من الربّ عزّ اسمه و ينعتونه بها من النعوت في ذاته و فعله دون ما يذكّرون به من مقامات الأنبياءعليهم‌السلام و أخفض منها منزلة و قدراً، و هذا كلّه من المصائب الّتي لقيتها الإسلام و أهله ممّا دسّته أهل الكتاب و خاصّة اليهود في الروايات و عملته أيديهم، و حرّكوا بها الرحى على غير محوره، و اعتقدوا في الله سبحانه الّذي ليس كمثله شي‏ء أنّه مثل الإنسان المتجبّر الّذي يرى لنفسه أنّه حرّ غير مسؤل فيما يفعل و هم المسؤلون، و أنّ ترتّب المسبّبات على أسبابها و استيلاد المقدّمات نتائجها، و اقتضاء الخصائص الوجوديّة صوريّة أو معنويّة لآثارها كلّ ذلك جزافيّ لا لرابطة حقيقيّة.

و أنّ الله تعالى ختم بمحمّد النبوّة و أنزل عليه القرآن، و خصّ موسى بالتكليم، و عيسى بالتأييد بالروح لا لخصوصيّة في نفوسهم الشريفة بل لأنّه أراد أن يخصّهم بكذا و بكذا، و أنّ ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت كضرب أحدنا بعصاه الحجر غير أنّ الله يفجّر ذاك و لا يفجّر هذا، و أنّ قول عيسى للموتى: قوموا بإذن الله مثل أن ينادي أحدنا بين المقابر: قوموا بإذن الله إلّا أنّ الله يحيي اُولئك و لا يحيي هؤلاء و هكذا.

و ليس ذلك كلّه إلّا قياساً لنظام التكوين إلى نظام التشريع الّذي لا قوام له إلّا

____________________

(١) راجع ما رووه في داود و سليمان و في إبراهيم و لوط و غيرهم عليهم السلام.


الوضع و الاصطلاح و التعاهد الّذي لا يتجاوز ظرف الاجتماع سعة، و لا يعدو دنيا الإنسان المجتمع.

و لو أنّهم تفطّنوا قليلاً و تدبّروا في أطراف الآيات المتعرّضة لأمر الذنب و المعصية بالمعنى المصطلح عليه، و هي مخالفة الأمر و النهي المولويّين تنبّهوا إلى أنّ من المغفرة ما هو فوق المغفرة المعروفة.

فإنّ الله سبحانه يكرّر في كلامه أنّ له عباداً يسمّيهم بالمخلصين مصونين عن المعصية لا مطمع فيهم للشيطان فلا ذنب - بالمعنى المعروف - لهم و لا حاجة إلى المغفرة المتعلّقة بذلك الذنب، و قد نصّ في حقّ عدّة من أنبيائه كإبراهيم و إسحاق و يعقوب و يوسف و موسى أنّهم مخلصون كقوله في إبراهيم و إسحاق و يعقوب:( إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) ص: ٤٦، و قوله في يوسف:( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) يوسف: ٢٤، و قوله في موسى:( إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً ) مريم: ٥١ و قد حكى عنهم سؤال المغفرة كقول إبراهيمعليه‌السلام :( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ ) إبراهيم: ٤١ و قول موسىعليه‌السلام :( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِأَخِي وَ أَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ ) الأعراف: ١٥١ و لو كانت المغفرة لا يتعلّق إلّا بالذنب بالمعنى المعروف لم يستقم ذلك.

نعم ربّما قال القائل: إنّهمعليهم‌السلام يعدّون أنفسهم مذنبين تواضعاً لله سبحانه و لا ذنب لهم لكن ينبغي لهذا القائل أن يتنبّه إلى أنّهمعليهم‌السلام لم يخطأوا في نظرهم هذا، و لم يجازفوا في قولهم فلشمول المغفرة لهم معنى صحيح و المسألة جدّيّة.

على أنّ في دعاء إبراهيمعليه‌السلام :( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ ) دعاءً لكافّة المؤمنين - و فيهم المخلصون - بالمغفرة، و كذا في دعاء نوحعليه‌السلام :( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ) نوح: ٢٨ شمول بإطلاقه للمخلصين، و لا معنى لطلب المغفرة على من لا ذنب له يحتاج إلى المغفرة.

فهذا كلّه ينبّهنا إلى أنّ من الذنب المتعلّق به المغفرة ما هو غير الذنب بالمعنى المتعارف و كذا من المغفرة ما هي غير المغفرة بمعناها المتعارف، و قد حكى الله تعالى عن إبراهيم قوله:( وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) الشعراء: ٨٢ و لعلّ هذا هو السبب فيما


نشاهد أنّه تعالى في موارد من كلامه إذا ذكر الرحمة أو الرحمة الاُخرويّة الّتي هي الجنّة قدم عليه ذكر المغفرة كقوله:( وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ ) المؤمنون: ١١٨ و قوله:( وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا ) البقرة: ٢٨٦ و قوله حكاية عن آدم و زوجته:( وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا ) الأعراف: ٢٣ و قوله عن نوحعليه‌السلام :( وَ إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي ) هود: ٤٧.

فتحصّل من البيان السابق: أنّ للذنب مراتب مختلفة مترتّبة طولاً كما أنّ للمغفرة مراتب بحذائها، تتعلّق كلّ مرتبة من المغفرة بما يحاذيها من الذنب، و ليس من اللازم أن يكون كلّ ذنب و خطيئة متعلّقاً بأمر أو نهي مولويّ فيعرفه و يتبيّنه الأفهام العامّيّة الساذجة، و لا أن يكون كلّ مغفرة متعلّقة بهذا النوع من الذنب.

فالّذي تبيّن لنا من مراتب الذنب و المغفرة بحسب البحث السابق العامّ مراتب أربع:

اُولاها: الذنب المتعلّق بالأمر و النهي المولويّين و هو المخالفة لحكم شرعيّ فرعيّ أو أصليّ و إن عمّمت التعبير قلت: مخالفة مادّة من الموادّ القانونيّة دينيّة كانت أو غير دينيّة، و تتعلّق به مغفرة تحاذيه مرتبة.

و الثانية: الذنب المتعلّق بالحكم العقليّ الخلقيّ و المغفرة المتعلّقة به.

و الثالثة: الذنب المتعلّق بالحكم الأدبيّ ممّن ظرف حياته ظرف الأدب و المغفرة المتعلّقة به، و هذان القسمان ربّما لم يعدّا بحسب الفهم العامّيّ من الذنوب و المغفرات، و ربّما حسبوهما منها مجازاً، و ليس من المجاز في شي‏ء لما عرفت من ترتّب الآثار الحقيقيّة عليهما.

و الرابعة: الذنب الّذي يحكم به ذوق الحبّ و المغفرة المتعلّقة به، و في ظرف البغض أيضاً ما يشبههما، و هذا النوع لا يعدّه الفهم العامّيّ من الأقسام، و قد أخطأوا في ذلك لا لجور منهم في الحكم و القضاء بل لقصور فهمهم عن تعقّله و تبيّن معناه.

و ربّما قال القائل منهم: إنّه من أوهام العشّاق و المبرسمين أو تخيّل شعريّ لا يتّكئ على حقيقة عقليّة، و قد غفل عن أنّ هذه التصوّرات على أنّها أوهام و تخيّلات في طريق الحياة الاجتماعيّة هي بعينها تعود حقائق - و أيّ حقائق - في طريق العبوديّة عن


حبّ إلهيّ يذيب القلب و يولّه اللبّ، و لا يدع للإنسان شعوراً يشعر بغير ربّه، و لا إرادة يريد بها إلّا ما يريده.

و حينئذ يلوح له أنّ التفاتة يسيرة منه إلى نفسه أو إلى مشتهاها من شي‏ء ذنب عظيم و حجاب غليظ لا ترفعه إلّا المغفرة الإلهيّة، و قد عدّ الله سبحانه الذنب حجاباً للقلب عن التوجّه التامّ إلى ربّه إذ قال:( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) المطفّفين: ١٥.

فهذا ما يعطيه البحث الجدّيّ الّذي لا يلعب فيه بالحقائق، و ربّما أمكن أن يلوح لأولياء الله السالكين في عبوديّتهم سبيل حبّه تعالى دقائق من الذنب و لطائف من المغفرة لا تكاد تناله أيدي الأبحاث الكلّيّة العامّة.

٤- هل المؤاخذة أو المغفرة تستلزم ذنباً؟: الباحث في ديدن العقلاء من أهل الاجتماع يعثر على أنّهم يبنون المؤاخذة و العقاب على التكليف الاختياريّ، و من شرائط صحّته عندهم العقل، و هناك شرائط اُخر تختلف في أصلها و في تحديد ماهيّاتها و حدودها المجتمعات، و لسنا هاهنا بصدد البحث عنها.

و إنّما كلامنا في العقل الّذي هو قوّة التمييز بين الحسن و القبح و النافع و الضارّ و الخير و الشرّ بحسب المتوسّط من حال الناس في مجتمعهم، فإنّ الناس من حيث النظر الاجتماعيّ يرون أنّ في الإنسان مبدءً فعّالاً هذا شأنه و إن كان البحث العلميّ ربّما أدّى إلى أنّه ليست قوّة من القوى الطبيعيّة المودعة في الإنسان كالمتخيّلة و الحافظة، و إنّما هي ملكة حاصلة من توافق عدّة من القوى في الفعل كالعدالة.

فالمجتمعات على اختلافها ترى أنّ التكليف منوط بهذا المسمّى عقلاً فيتفرّع الثواب و العقاب المتفرّعين على التكليف عليه لا محالة فيثاب العاقل بطاعته و يعاقب بجرمه.

و أمّا غير العاقل كالصبيّ و المجنون و السفيه و كلّ مستضعف غيرهم فلا ثواب و لا عقاب على ما يأتون به من طاعة أو معصية بحقيقة معنى الثواب و العقاب، و إن كانوا ربّما يثابون قبال طاعتهم ثواباً تشويقيّاً أو يؤاخذون و يساسون قبال جرمهم بما يسمّى عقاباً


تأديباً، و هذا شائع دائر في المجتمعات حتّى المجتمع الإسلاميّ.

و هؤلاء بالنظر إلى السعادة و الشقاوة المكتسبتين بامتثال التكاليف و مخالفتها في الحياة الدنيا، لا سعداء و لا أشقياء إذ لا تكليف لهم فلا ثواب حتّى يسعدوا به و لا عقاب حتّى يشقوا به، و إن كانوا ربّما يشوّقون بخير أو يؤدّبون بشرّ.

و أمّا بالنسبة إلى الحياة الآخرة الّتي يثبتها الدين الإلهيّ ثمّ يقسم الناس إلى قسمين لا ثالث لهما: السعيد و الشقيّ أو المثاب و المعاقب فالّذي يذكره القرآن الشريف في ذلك أمر إجماليّ لا يتبيّن تفصيله إذ لا طريق عقلاً إلى تشخيص تفاصيل أحوالهم بعد الدنيا، قال تعالى:( وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) التوبة: ١٠٦، و قال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا، فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً ) النساء: ٩٩.

و الآيات - كما ترى - تشتمل على العفو عنهم و التوبة عليهم و لا مغفرة في مورد لا ذنب هناك، و على عذابهم و لا عذاب على من لا تكليف له، غير أنّك عرفت أنّ الذنب و كذا المغفرة و العقاب و الثواب ذوات مراتب مختلفة: منها ما يتعلّق بمخالفة التكليف المولويّ أو العقليّ، و منها ما يتعلّق بالهيئات النفسانيّة الرديئة و أدران القلب الّتي تحجب الإنسان عن ربّه، و هؤلاء و إن كانوا في معزل من تعلّق التكليف المتوقّف على العقل لكنّهم ليسوا بمصونين من ألواث النفوس و أستار القلوب الّتي يحتاج التنعّم بنعيم القرب، و الحضور في ساحة القدس إلى إزالتها و عفوها و الستر عليها و مغفرتها.

و لعلّ هذا هو المراد ممّا ورد في بعض الروايات:( أنّ الله سبحانه يحشرهم ثمّ يخلق ناراً و يأمرهم بدخولها فمن دخلها دخل الجنّة و من أبى أن يدخلها دخل النار) و سيجي‏ء ما يتعلّق بالروايات من الكلام في تفسير سورة التوبة إن شاء الله، و قد مرّ بعض الكلام في سورة النساء.


و من استعمال العفو و المغفرة في غير مورد الذنب في كلامه تعالى ما تكرّر وقوعه في مورد رفع الحكم بقوله تعالى:( فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة: ٣، و نظيره ما في سورة الأنعام، و قوله تعالى في رفع الوضوء عن فاقد الماء:( وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ - إلى أن قال -فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً ) النساء: ٤٣، و قوله في حدّ المفسدين في الأرض:( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) المائدة: ٣٤، و قوله في رفع حكم الجهاد عن المعذورين:( ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) التوبة: ٩١، إلى غير ذلك.

و قال تعالى في البلايا و المصائب الّتي تصيب الناس:( وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) الشورى: ٣٠.

و ينكشف بذلك أنّ صفة العفو و المغفرة منه تعالى كصفتي الرحمة و الهداية تتعلّق بالاُمور التكوينيّة و التشريعيّة جميعاً فهو تعالى يعفو عن الذنوب و المعاصي فيمحوها من صحيفة الأعمال، و يعفو عن الحكم الّذي له مقتض يقتضي وضعه فيمحوه فلا يشرّعه، و يعفو عن البلايا و المصائب و أسبابها قائمة فيمحوها فلا تصيب الإنسان.

٥- رابطة العمل و الجزاء: قد عرفنا فيما تقدّم من البحث أنّ الأوامر و النواهي العقلائيّة - القوانين الدائرة بينهم - تستعقب آثاراً جميلة حسنة على امتثالها و هي الثواب، و آثاراً سيّئة على مخالفتها و التمرّد منها تسمّى عقاباً، و أنّ ذلك كالحيلة يحتالون بها إلى العمل بها، فجعلهم الجزاء الحسن للامتثال إنّما هو ليكون مشوّقاً للعامل، و الجزاء السيّئ على المخالفة ليكون العامل على خوف و حذر من التمرّد.

و من هنا يظهر أنّ الرابطة بين العمل و الجزاء رابطة جعليّة وضعيّة من المجتمع أو من وليّ الأمر، دعاهم إلى هذا الجعل حاجتهم الشديدة إلى العمل ليستفيدوا منه و يرفعوا به الحاجة و يسدّوا به الخلّة، و لذلك تراهم إذا استغنوا و ارتفعت حاجتهم إلى العمل ساهلوا في الوفاء على ما تعهّدوا به من ثواب و عقاب.

و لذلك أيضاً ترى الجزاء يختلف كثرة و قلّة و الأجر يتفاوت شدّة و ضعفاً باختلاف


الحاجة إلى العمل فكلّما زادت الحاجة زاد الأجر و كلّما نقصت نقص فالأمر و المأمور و المكلّف و المكلّف بمنزلة البائع و المشتري كلّ منهما يعطي شيئاً و يأخذ شيئاً.

و الأجر و الثواب بمنزلة الثمن، و العقاب بمنزلة الدرك على من أتلف شيئاً فضمن قيمته و استقرّت في ذمّته.

و بالجملة فهو أمر وضعيّ اعتباريّ نظير سائر العناوين و الأحكام و الموازين الاجتماعيّة الّتي يدور عليها رحى الاجتماع الإنسانيّ كالرئاسة و المرؤسيّة و الأمر و النهي و الطاعة و المعصية و الوجوب و الحرمة و الملك و المال و البيع و الشراء و غير ذلك، و إنّما الحقائق هي الموجودات الخارجيّة و الحوادث المكتنفة بها الّتي لا تختلف حالها بغنى و فقر و عزّ و ذلّ و مدح و ذمّ كالأرض و ما يخرج منها و الموت و الحياة و الصحّة و المرض و الجوع و الشبع و الظمأ و الريّ.

فهذا ما عند العقلاء من أهل الاجتماع، و الله سبحانه جارانا في كلامه مجاراة بعضنا بعضاً فقلّب سعادتنا الّتي يهدينا إليها بدينه في قالب السنن الاجتماعيّة فأمر و نهى و رغّب و حذّر، و بشّر و أنذر، و وعد بالثواب و أوعد بالعقاب فصرنا نتلقّى الدين على أسهل الوجوه الّتي نتلقّى بها السنن و القوانين الاجتماعيّة، قال تعالى:( وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ ما زَكى‏ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ) النور: ٢١.

و لم يهمل سبحانه أمر تعليم النفوس المستعدّة لإدراك الحقائق فأشار في آيات من كلامه إلى أنّ وراء هذه المعارف الدينيّة الّتي تشتمل عليها ظواهر الكتاب و السنّة أمراً هو أعظم، و سرّاً هو أنفس و أبهى فقال تعالى:( وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ ) العنكبوت: ٦٤.

فعدّ الحياة الدنيا لعباً لا بنية له إلّا الخيال، و لا شأن له إلّا أن يشغل الإنسان عمّا يهمه، و هي الدار الآخرة و سعادة الإنسان الدائمة الّتي لها حقيقة الحياة، و المراد بالحياة الدنيا إن كان هو عين ما نسمّيه حياة دون ما يلحق بها من الشؤون الحيويّة من مال و جاه و ملك و عزّة و كرامة و نحوها فكونها لعباً و لهواً مع ما نراها من الحقائق يستلزم كون الشؤون


الحيويّة لعباً و لهواً بطريق أولى، و إن كان المراد الحياة الدنيويّة بجميع لواحقها فالأمر أوضح.

فهذه السنن الاجتماعيّة و المقاصد الّتي يطلب بها من عزّ و جاه و مال و غيرها، ثمّ الّذي يشتمل عليه التعليم الدينيّ من موادّ و مقاصد هدانا الله سبحانه إليها بالفطرة ثمّ بالرسالة مثلها كمثل اللعب الّذي يضعه الوليّ المربّي العاقل للطفل الصغير الّذي لا يميّز صلاحه من فساده و خيره من شرّه ثمّ يجاريه فيه ليروض بدنه و يروّح ذهنه و يهيّئه لنظام العمل و ابتغاء الفوز به، فالّذي يقع من العمل اللعبيّ هو من الصبيّ لعب جميل يهديه إلى حدّ العمل، و من الوليّ حكمة و عمل جدّيّ ليس من اللعب في شي‏ء.

و قال تعالى:( وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ، ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) الدخان: ٣٩ و الآية قريبة المضمون من الآية السابقة.

ثمّ شرح تعالى كيفيّة تأدية هذه التربية الصوريّة إلى مقاصدها المعنويّة في مثل عامّ ضربه للناس فقال:( أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَ الْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ) الرعد: ١٧.

فظهر من بيانه تعالى أنّ بين العمل و الجزاء رابطة حقيقيّة وراء الرابطة الوضعيّة الاعتباريّة الّتي بينهما عند أهل الاجتماع و يجري عليها ظاهر تعليمه تعالى.

٦- و العمل يؤدّي الرابطة إلى النفس: ثمّ بيّن تعالى أنّ العمل يؤدّي هذه الرابطة إلى النفس من جهة الهيأة النفسانيّة الّتي تحصل لها من العمل و الحالة الّتي تؤدّيها إليها فقال تعالى:( وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) البقرة: ٢٢٥، و قال:( وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ ) البقرة: ٢٨٤ و في هذا المعنى آيات اُخر كثيرة.

و يتبيّن بها أنّ جميع الآثار المترتّبة على الأعمال من ثواب أو عقاب إنّما تترتّب بالحقيقة على ما تكسبه النفوس من طريق الأعمال، و أن ليس للأعمال إلّا الوساطة.


ثمّ بيّن تعالى أنّ الذي سيواجههم من الجزاء على الأعمال إنّما هو نفس الأعمال بحسب الحقيقة لا كما يضع الإنسان في مجتمعة عملاً ثمّ يردفه بجزاء بل العمل محفوظ عند الله سبحانه بانحفاظ النفس العاملة ثمّ يظهره الله عليها يوم تبلى السرائر قال الله تعالى:( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً ) آل عمران: ٣٠ و قال تعالى:( لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) التحريم: ٧ و دلالة الآيات ظاهرة، و تلحق بها في ذلك آيات اُخر كثيرة.

و من أحسنها دلالة قوله تعالى:( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) ق: ٢٢ فإنّ هذا إشارة إلى مقام الجزاء الحاضر، و قد عدّه غافلاً عنه في الدنيا بقرينة قوله:( الْيَوْمَ ) و لا معنى للغفلة إلّا عن أمر موجود، ثمّ ذكر كشف غطائه عنه، و لا وجه للغطاء إلّا أن يكون هناك مغطّى عليه، فقد كان ما يلقاه و يبصره من الجزاء يوم القيامة حاضراً موجوداً في الدنيا غير أنّه لم يكشف عنه.

و هذه الآيات تفسّر الآيات الأخر الظاهرة في المجازاة و بينونة العمل و الجزاء لكون آيات المجازاة ناظرة إلى مرحلة الرابطة الاجتماعيّة الوضعيّة، و هذه الآيات ناظرة إلى مرحلة الرابطة الحقيقيّة كما بيّنّاه، و قد تعرّضنا لهذا البحث بعض التعرّض في تفسير قوله تعالى:( خَتَمَ اللهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ) البقرة: ٧ في الجزء الأوّل من الكتاب فليراجعه من شاء. و الله الهادي.

تمّ و الحمد لله


Contents

( بقيّة سورة المائدة ). ٢

( سورة المائدة الآيات ٥٥ - ٥٦ ). ٢

( بيان ). ٢

( بحث روائي ). ١٤

( سورة المائدة الآيات ٥٧ - ٦٦ ). ٢٥

( بيان ). ٢٦

( بحث روائي‏ ). ٣٩

( سورة المائدة آية ٦٧ ). ٤٢

( بيان ). ٤٢

( بحث روائي ). ٥٤

( سورة المائدة الآيات ٦٨ - ٨٦ ). ٦٥

( بيان ). ٦٦

( بحث روائي ). ٨٦

( كلام في معنى التوحيد في القرآن ). ٩٠

( بحث روائي ). ٩٦

( كلام في معنى التوحيد ). ٩٦

( بحث تاريخي ). ١٠٩

( كلام في معنى التوحيد ). ١٠٩

( سورة المائدة الآيات ٨٧ - ٨٩ ). ١١١

( بيان ). ١١١

( بحث روائي ). ١١٨

( سورة المائدة الآيات ٩٠ - ٩٣ ). ١٢٣

( بيان ). ١٢٣

( بحث روائي ). ١٣٩


( سورة المائدة الآيات ٩٤ - ٩٩ ). ١٤٦

( بيان ). ١٤٦

( بحث روائي ). ١٥٣

( سورة المائدة آية ١٠٠ ). ١٥٧

( بيان‏ ). ١٥٧

( سورة المائدة الآيات ١٠١ - ١٠٢ ). ١٦٠

( بيان ). ١٦٠

( بحث روائي ). ١٦٥

( سورة المائدة الآيات ١٠٣ - ١٠٤ ). ١٦٧

( بيان ). ١٦٧

( بحث روائي ). ١٧١

( سورة المائدة آية ١٠٥ ). ١٧٤

( بيان ). ١٧٤

( بحث روائي ). ١٨٢

( بحث علمي ). ١٩١

( عرفان النفس في تسعة فصول ‏). ١٩١

( سورة المائدة الآيات ١٠٦ - ١٠٩ ). ٢٠٩

( بيان ). ٢٠٩

( كلام في معنى الشهادة ). ٢١٧

( كلام في العدالة ). ٢١٩

( كلام في اليمين ). ٢٢٣

( بحث روائي ). ٢٢٨

( سورة المائدة الآيات ١١٠ - ١١١ ). ٢٣٥

( بيان ). ٢٣٥

( بحث روائي ). ٢٣٨


( سورة المائدة الآيات ١١٢ - ١١٥ ). ٢٤٠

( بيان ). ٢٤٠

( بحث روائي ). ٢٥٥

( سورة المائدة الآيات ١١٦ - ١٢٠ ). ٢٥٧

( بيان ). ٢٥٧

( بحث روائي ). ٢٧٠

( كلام في معنى الأدب ). ٢٧٣

١- معنى الأدب: ٢٧٣

٢- اختلاف الآداب: ٢٧٤

٣- معنى الأدب الإلهيّ‏: ٢٧٤

٤- الأدب إنّما ينتج مع العمل‏: ٢٧٥

٥- أدب النبوّة العامّ إجمالاً: ٢٧٧

٦- أدب الأنبياء المحكي في القرآن تفصيلاً: ٢٨١

٧- أدبهم مع ربّهم بين الناس: ٣١٣

٨- أدب الأنبياء مع الناس: ٣١٥

( بحث روائي آخر ). ٣٢١

( في سنن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) و آدابه خاصّة ). ٣٢١

من سننه و أدبه في العشرة ٣٣٠

( كلام في الرقّ و الاستعباد ). ٣٥٧

١- اعتبار العبوديّة لله سبحانه: ٣٥٨

٢- استعباد الإنسان و أسبابه: ٣٦٠

٣- سير الاستعباد في التاريخ: ٣٦٢

٤- ما الّذي رآه الإسلام في ذلك؟ ٣٦٢

٥- ما هو السبيل إلى الاستعباد في الإسلام؟ ٣٦٥

٦- ما هي سيرة الإسلام في العبيد و الإماء؟ ٣٦٦


٧- محصّل البحث في الفصول السابقة: ٣٦٧

٨- سير الاستعباد في التاريخ‏: ٣٦٧

٩- نظرة في بنائهم: ٣٦٩

١٠- ما مقدار التحديد: ٣٧١

١١- إلى م آل أمر الإلغاء؟: ٣٧٣

( كلام في المجازاة و العفو في فصول ). ٣٧٨

١- ما معنى الجزاء؟: ٣٧٨

٢- العفو و المغفرة؟: ٣٨١

٣- للعفو مراتب: ٣٨٣

٤- هل المؤاخذة أو المغفرة تستلزم ذنباً؟: ٣٩٢

٥- رابطة العمل و الجزاء: ٣٩٤

٦- و العمل يؤدّي الرابطة إلى النفس: ٣٩٦