الميزان في تفسير القرآن- الجزء 9
التجميع تفسير القرآن
الکاتب العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404


بسم الله الرّحمن الرّحيم


بسم الله الرّحمن الرّحيم

( سورة الأنفال مدنيّـة وهي خمس وسبعون آيه)

( سورة الانفال آيه ١ - ٦)

بسم الله الرّحمن الرّحيم يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ للّهِ‏ِ وَالرّسُولِ فَاتّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ( ١) إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلى‏ رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ( ٢) الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ( ٣) أُوْلئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ( ٤) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقّ وَإِنّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ( ٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقّ بَعْدَ ما تَبَيّنَ كَأَنّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرونَ( ٦)

( بيان)

سياق الآيات في السورة يعطي أنّها مدنيّـة نزلت بعد وقعة بدر، وهي تقصّ بعض أخبار بدر، وتذكر مسائل متفرّقة تتعلّق بالجهاد والغنائم والأنفال ونحوها، واُموراً اُخرى تتعلّق بالهجرة، وبها تختتم السورة.

قوله تعالى: ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) إلى آخر الآية. الأنفال جمع نفل بالفتح وهو الزيادة على الشئ، ولذا يطلق النفل والنافلة على التطوّع


لزيادتة على الفريضة، وتطلق الأنفال على ما يسمّى فيئاً أيضاً وهي الأشياء من الأموال الّتي لا مالك لها من الناس كرؤوس الجبال، وبطون الأودية، والديار الخربة، والقرى الّتي باد أهلها، وتركة من لا وارث له، وغير ذلك كأنّها زيادة على ما ملكه الناس فلم يملكها أحد وهي لله ولرسوله، وتطلق على غنائم الحرب كأنّها زيادة على ما قصد منها فإنّ المقصود بالحرب والغزوة الظفر على الأعداء واستئصالهم فإذا غلبوا وظفر بهم فقد حصل المقصود، والأموال الّتي غنمه المقاتلون والقوم الّذين أسروهم زيادة على أصل الغرض.

و( ذات ) في الأصل مؤنّث( ذا ) بمعنى الصاحب من الألفاظ اللازمة الإضافة غير أنّه كثر استعماله في نفس الشئ بمعنى ما به الشئ هو هو فيقال: ذات الإنسان أي ما به الإنسان إنسان وذات زيد أي النفس الإنسانيّـة الخاصّـة الّتي سمّيت بزيد، وكأنّ الأصل فيها النفس ذات أعمال كذا ثمّ اُفردت بالذكر فقيل ذات الأعمال أو ما يؤدّي مؤدّاه ثمّ قيل ذات، وكذلك الأمر في ذات البين فلكون الخصومة لا تتحقّق إلّا بين طرفين نسب إليها البين فقيل ذات البين أي الحالة والرابطة السيّـئة الّتي هي صاحبة البين فالمراد بقوله: أصلحوا ذات بينكم أي أصلحوا الحالة الفاسدة والرابطة السيّـئة الّتي بينكم.

وقال الراغب في المفردات:( ذو ) على وجهين: أحدهما يتوصّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس والأنواع، ويضاف إلى الظاهر دون المضمر، ويثنّى ويجمع، ويقال في التثنية: ذواتا ، و في الجمع ذوات ، ولا يستعمل شئ منها إلّا مضافاً.

قال: وقد استعار أصحاب المعاني الذات فجعلوه عبارة عن عين الشئ جوهراً كان أو عرضاً واستعملوها مفردة ومضافة إلى المضمر وبالألف واللام، وأجروها مجرى النفس والخاصّـة فقالوا: ذاتة ونفسه وخاصّـته وليس ذلك من كلام العرب، والثاني في لفظ ذو لغة لطيّئ يستعملونه استعمال( الّذي ) ويجعل في الرفع والنصب والجرّ والجمع والتأنيث على لفظ واحد نحو:

وبئري ذو حفرت وذو طويت

أي الّتي حفرت والّتي طويت انتهى.

والّذي ذكره من عدم إضافته إلى الضمير منقول عن الفرّاء ولازمه كون استعماله


مضافاً إلى الضمير من كلام المولّدين والحقّ أنّه قليل لا متروك وقد وقع في كلام عليّعليه‌السلام في بعض خطبه كما في نهج البلاغة.

وقد اختلف المفسّرون في معنى الآية وموقعها اختلافا شديداً من جهات: من جهة معنى قوله:( يسألونك عن الأنفال ) وقد نسب إلى أهل البيتعليهم‌السلام وبعض آخر كعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقّـاص وطلحة بن مصرف أنّهم قرأوا:( يسالونك الأنفال ) فقيل : عن زائدة في القراءة المشهورة، وقيل: بل مقدّرة في القراءة الشاذّة وقيل: إنّ المراد بالأنفال غنائم الحرب وقيل: غنائم غزوة بدر خاصّـة بجعل اللام في الأنفال للعهد، وقيل: الفئ الّذي لله والرسول والإمام، وقيل: إنّ الآية منسوخة بآية الخمس، وقيل: بل محكمة، وقد طالت المشاجرة بينهم كما يعلم بالرجوع إلى مطوّلات التفاسير كتفسيري الرازيّ والآلوسيّ وغيرهما.

والّذي ينبغي أن يقال بالاستمداد من السياق: أنّ الآية بسياقها تدلّ على أنّه كان بين هؤلاء المشار إليهم بقوله:( يسألونك ) تخاصم خاصم به بعضهم بعضاً بأخذ كلّ جانباً من القول لا يرضى به خصمه، والتفريع الّذي في قوله:( فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) يدلّ على أنّ الخصومة كانت في أمر الأنفال، ولازم ذلك أن يكون السؤال الواقع منهم المحكيّ في صدر الآية إنّما وقع لقطع الخصومة، كأنّهم تخاصموا في أمر الأنفال ثمّ راجعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسألونه عن حكمها لتنقطع بما يجيبه الخصومة وترتفع عمّا بينهم.

وهذا - كما ترى - يؤيّد أوّلاً القراءة المشهورة:( يسألونك عن الأنفال ) فإنّ السؤال إذا تعدّى بمن كان بمعنى استعلام الحكم والخبر، وأمّا إذا استعمل متعدّياً بنفسه كان بمعنى الاستعطاف ولا يناسب المقام إلّا المعنى الأوّل.

وثانياً: أنّ الأنفال بحسب المفهوم وإن كان يعمّ الغنيمة والفئ جميعاً إلّا أنّ مورد الآية هي الأنفال بمعنى غنائم الحرب لاغنائم غزوة بدر خاصّـة إذ لا وجه للتخصيص فإنّهم إذ تخاصموا في غنائم بدر لم يتخاصموا فيها لأنّها غنائم بدر خاصّـة بل لأنّها غنائم مأخوذة من أعداء الدين في جهاد دينيّ، وهو ظاهر.


واختصاص الآية بحسب موردها بغنيمة الحرب لا يوجب تخصيص الحكم الوارد فيها بالمورد، فإنّ المورد لا يخصّص، فإطلاق حكم الآية بالنسبة إلى كلّ ما يسمّى بالنفل في محلّه، وهي تدلّ على أنّ الأنفال جميعاً لله ولرسوله لا يشارك الله ورسوله فيها أحد من المؤمنين سواء في ذلك الغنيمة والفئ.

ثمّ الظاهر من قوله:( قل الأنفال لله والرسول ) وما يعظهم الله به بعد هذه الجملة ويحرّضهم على الإيمان هو أنّ الله سبحانه فصل الخصومة بتشريع ملكها لنفسه ولرسوله، ونزعها من أيديهم وهو يستدعي أن يكون تخاصمهم من جهة دعوى طائفة الاُخرى ذلك، ففصل الله سبحانه خصومتهم فيها بسلب ملكهم منها وإثبات ملك نفسه ورسوله، وموعظتهم أن يكفّوا عن المخاصمة والمشاجرة، وأمّا قول من يقول: إنّ الغزاة يملكون ما أخذوه من الغنيمة بالإجماع فأحرى به أن يورد في الفقه دون التفسير.

وبالجملة فنزاعهم في الأنفال يكشف عن سابق عهد لهم بأنّ الغنيمة لهم أو ما في معناه غير أنّه كان حكماً مجملاً اختلف فيه المتخاصمان وكلّ يجرّ النار إلى قرصته، والآيات الكريمة تؤيّد ذلك.

توضيحه أنّ ارتباط الآيات في السورة والتصريح بقصّة وقعة بدر فيها يكشف أنّ السورة بأجمعها نزلت حول وقعة بدر وبعيدها حتّى أنّ ابن عبّـاس - على ما نقل عنه - كان يسمّيها سورة بدر، والّتي تتعرّض لأمر الغنيمة من آياتها خمس آيات في مواضع ثلاثة من السورة هي بحسب ترتيب السورة، قوله تعالى:( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) الآية، وقوله تعالى:( واعلموا أنّما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كلّ شي قدير ) ، وقوله تعالى:( ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسّـكم فيما أخذتم عذاب عظيم فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّـباً واتّقوا الله إنّ الله غفور رحيم ) .


وسياق الآية الثانية يفيد أنّها نزلت بعد الآية الاُولى والآيات الأخيرة جميعاً لمكان قوله فيها:( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) فهي نازلة بعد الوقعة بزمان.

ثمّ الآيات الأخيرة تدلّ على أنّهم كلّموا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمر الأسرى وسألوه أن لا يقتلهم ويأخذ الفدية وفيها عتابهم على ذلك ثمّ تجويز أن يأكلوا ممّا غنموا وكأنّهم فهموامن ذلك أنّهم يملكون الغنائم والأنفال على إبهام في أمره: هل يملكه جميع من حضر الوقعة أو بعضهم كالمقاتلين دون القاعدين مثلاً ؟ وهل يملكون ذلك بالسويّـة فيقسّم بينهم كذلك أو يختلفون فيه بالزيادة والنقيصة كأن يكون سهم الفرسان منها أزيد من المشاة ؟ أو نحو ذلك.

وكان ذلك سبب التخاصم بينهم فتشاجروا في الأمر، ورفعوا ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزلت الآية الاُولى:( قل الأنفال لله والرسول فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) الآية فخطأتهم الآية فيما زعموا أنّهم مالكوا الأنفال بما استفادوا من قوله:( فكلوا ممّا غنمتم ) الآية وأقرّت ملك الأنفال لله والرسول ونهتهم عن التخاصم والتشاجر، فلمّا انقطع بذلك تخاصمهم أرجعها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم وقسّمها بينهم بالسويّـة وعزل السهم لعدّة من أصحابه لم يحضروا الوقعة ولم يقدّم مقاتلا على قاعد، ولا فارساً على ماش ثمّ نزلت الآية الثانية:( واعلموا أنّما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه ) الآية بعد حين فأخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا ردّ إليهم من السهام الخمس وبقي لهم الباقي.

هذا ما يتحصّل من انضمام الآيات المربوطة بالأنفال بعضها ببعض.

فقوله تعالى :( يسألونك عن الأنفال ) يفيد بما ينضمّ إليه من قرائن السياق أنّهم سألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن حكم غنائم الحرب بعد ما زعموا أنّهم يملكون الغنيمة، واختلفوا فيمن يملكها، أو في كيفيّـة ملكها وانقسامها بينهم، أو فيهما معا، وتخاصموا في ذلك.

وقوله:( قل الأنفال لله والرسول ) جواب عن مسألتهم وفيه بيان أنّهم لا يملكونها وإنّما هي أنفال يملكها الله ورسوله فيوضع حيثما أراد الله ورسوله وقد قطع ذلك أصل ما نشب بينهم من الاختلاف والتخاصم.


ويظهر من هذا البيان أنّ الآية غير ناسخة لقوله تعالى:( فكلوا ممّا غنمتم ) إلى آخر الآية، وإنّما تبيّن معناها بالتفسير وأنّ قوله :( كلوا ) ليس بكناية عن ملكهم للغنيمة بحسب الأصل وإنّما المراد هو التصرّف فيها والتمتّع منها إلّا أن يمتلكوا بقسمة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيّـاها بينهم.

ويظهر أيضاً أنّ قوله تعالى:( واعلموا أنّما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) الآية ليس بناسخ لقوله:( قل الأنفال لله والرسول ) الآية فإنّ قوله:( واعلموا أنّما غنمتم ) الآية إنّما يؤثّر بالنسبة إلى المجاهدين منعهم عن أكل تمام الغنيمة والتصرّف فيه إذ لم يكن لهم بعد نزول قوله:( الأنفال لله والرسول ) إلّا ذلك وأمّا قوله:( الأنفال لله والرسول) فلا يفيد إلّا كون أصل ملكها لله والرسول من دون أن يتعرّض لكيفيّـة التصرّف وجواز الأكل والتمتّع فلا يناقضه في ذلك قوله:( واعلموا أنّما غنمتم ) الآية حتّى يكون بالنسبة إليه ناسخا فيتحصّل من مجموع الآيات الثلاث: أنّ أصل الملك في الغنيمة لله والرسول ثمّ يرجع أربعة أخماسها إلى المجاهدين يأكلونها ويمتلكونها ويرجع خمس منها إلى الله والرسول وذي القربى وغيرهم لهم التصرّف فيها والاختصاص بها.

ويظهر بالتأمّل في البيان السابق أيضاً: أنّ في التعبير عن الغنائم بالأنفال وهو جمع نفل بمعنى الزيادة إشارة إلى تعليل الحكم بموضوعه الأعمّ، كأنه قيل: يسألونك عن الغنائم وهي زيادات لا مالك لها من بين الناس وإذا كان كذلك فأجبهم بحكم الزيادات والأنفال وقل: الأنفال لله والرسول ولازم ذلك كون الغنيمة لله والرسول.

وبذلك ربّما تأيّد كون اللّام في لفظ الأنفال الأوّل للعهد وفي الثاني للجنس أو الاستغراق وتبيّن وجه الإظهار في قوله:( قل الأنفال ) الآية حيث لم يقل : قل هي لله والرسول.

ويظهر بذلك أيضاً: أنّ قوله:( قل الأنفال لله والرسول ) حكم عامّ يشمل بعمومه الغنيمة وسائر الأموال الزائدة في المجتمع نظير الديار الخالية والقرى البائدة ورؤوس الجبال وبطون الأودية وقطائع الملوك وتركة من لا وارث له أمّا الأنفال بمعنى


الغنائم فهي متعلّقة بالمقاتلين من المسلمين بعمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبقي الباقي تحت ملك الله ورسوله.

هذا ما يفيده التأمّل في كرائم الآيات وللمفسّرين فيها أقاويل مختلفة تعلم بالرجوع إلى مطوّلات التفاسير لا جدوى في نقلها والتعرّض المنقض والإبرام فيها.

قوله تعالى: ( إنّما المؤمنون الّذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) إلى آخر الآيتين الآيتان والّتي بعدهما بيان ما يتميّز به المؤمنون بحقيقة الإيمان ويختصّون به من الأوصاف الكريمة والثواب الجزيل بيّـنت ليتأكّد به ما يشتمل عليه قوله تعالى:( فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) إلى آخر الآية.

وقد ذكر الله تعالى لهم خمس صفات اختارها من بين جميع صفاتهم الّتي ذكرها في كلامه لكونها مستلزمة لكرائم صفاتهم على كثرتها وملازمة لحقّ الإيمان، وهي بحيث إذا تنبّـهوا لها وتأمّلوها كان ذلك ممّا يسهّـل لهم توطين النفس على التقوى وإصلاح ذات بينهم، وإطاعة الله ورسوله.

وهاتيك الصفات الخمس هي: وجل القلب عند ذكر الله، وزيادة الإيمان عند استماع آيات الله، والتوكّل، وإقامة الصلاة والإنفاق ممّا رزقهم الله ومعلوم أنّ الصفات الثلاث الاُول من أعمال القلوب والأخيرتان من أعمال الجوارح.

وقد روعي في ذكرها الترتيب الّذي بينها بحسب الطبع فإنّ نور الإيمان إنّما يشرق على القلب تدريجاً فلا يزال يشتدّ ويضاعف حتّى يتمّ ويكمل بحقيقته فأوّل ما يشرق يتأثّر القلب بالوجل والخشية إذا تذكّر بالله عند ذكره وهو قوله تعالى:( إنّما المؤمنون الّذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) .

ثمّ لا يزال ينبسط الإيمان ويتعرّق وينمو ويتفرّع بالسير في الآيات الدالّة عليه تعالى والهادية إلى المعارف الحقّة فكلّما تأمّل المؤمن في شئ منها زادته إيماناً فيقوى الإيمان ويشتدّ حتّى يستقرّ في مرحلة اليقين وهو قوله تعالى:( وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً ) .

وإذا زاد الإيمان وكمل كمالاً عرف عندئذ مقام ربّه وموقع نفسه معرفة تطابق


واقع الأمر وهو أنّ الأمر كلّه إلى الله سبحانه فإنّه تعالى وحده هو الربّ الّذي إليه يرجع كلُّ شئ، فالواجب الحقّ على الإنسان أن يتوكّل عليه ويتّـبع ما يريده منه بأخذه وكيلاً في جميع ما يهمّه في حياته فيرضى بما يقدّر له في مسير الحياة، ويجري على ما يحكم عليه من الأحكام ويشرّعه من الشرائع فيأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، وهو قوله تعالى:( وعلى ربّهم يتوكّلون ) .

ثمّ إذا استقرّ الإيمان على كماله في القلب، استوجب ذلك أن ينعطف العبد بالعبوديّـة إلى ربّه وينصب نفسه في مقام العبوديّـة وإخلاص الخضوع وهو الصلاة، وهي أمر بينه وبين ربّه وأن يقوم بحاجة المجتمع في نواقص مساعيهم بالإنفاق على الفقراء ممّا رزقه الله من مال أو علم أو غير ذلك وهو أمر بينه وبين سائر أفراد مجتمعه وهو قوله تعالى:( الّذين يقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون ) .

وقد ظهر ممّا تقدّم أنّ قوله تعالى:( زادتهم إيماناً ) إشارة إلى الزيادة من حيث الكيفيّـة وهو الاشتداد والكمال دون الكمّـيّـة وهي الزيادة من حيث عدد المؤمنين كما احتمله بعض المفسّرين.

قوله تعالى:( اُولئك هم المؤمنون حقّاً لهم درجات عند ربّهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ ) قضاء منه تعالى بثبوت الإيمان حقّاً فيمن اتّصف بما عدّه تعالى من الصفات الخمس، ولذلك اُطلق ما ذكره لهم من كريم الأجر في قوله:( لهم درجات عند ربّهم ) الآية فلهؤلاء من صفات الكمال وكريم الثواب وعظيم الأجر ما لكلّ مؤمن حقيقيّ.

وأما قوله:( لهم درجات عند ربّهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ ) فالمغفرة هي الصفح الإلهيّ عند ذنوبهم، والرزق الكريم ما يرتزقون به من نعم الجنّـة وقد أراد الله سبحانه بالرزق الكريم الجنّـة ونعمها في مواضع من كلامه، كقوله تعالى:( فالّذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم والّذين سعوا في آياتنا معاجزين اُولئك أصحاب الجحيم ) الحج: ٥١ وغير ذلك.

وبذلك يظهر أنّ المراد بقوله:( لهم درجات عند ربّهم ) مراتب القرب والزلفى ودرجات الكرامة المعنويّـة وهو كذلك فإنّ المغفرة والجنّـة من آثار مراتب القرب من الله


سبحانه وفروعه البتّـة.

والّذي يشتمل عليه الآية من إثبات الدرجات لهؤلاء المؤمنين ، هو ثبوت جميع الدرجات لجميعهم، لا ثبوت جميعها لكلّ واحد منهم فإنّها من لوازم الإيمان، والإيمان مختلف ذو مراتب فالدرجات الموهوبة بإزائه كذلك لا محالة، فمن المؤمنين من له درجة واحدة ، ومنهم ذو الدرجتين، ومنهم ذو الدرجات على اختلاف مراتبهم في الإيمان.

ويؤيّده قوله تعالى:( يرفع الله الّذين آمنوا منكم والّذين اُوتوا العلم درجات ) المجادلة ١١ وقوله تعالى:( أفمن اتّبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير، هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون ) آل عمران: ١٦٣.

وبما تقدّم يظهر أنّ تفسير بعضهم ما في الآية من الدرجات بدرجات الجنّـة، ليس على ما ينبغي وأنّ المتعيّن كون المراد بها درجات القرب كما تقدّم وإن كان كلّ منهما يلازم الآخر.

قوله تعالى: ( كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ وإنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون ) إلى آخر الآيتين. ظاهر السياق أنّ قوله:( كما أخرجك ) متعلّق بما يدلّ عليه قوله تعالى:( قل الأنفال لله والرسول ) والتقدير: أنّ الله حكم بكون الأنفال له ولرسوله بالحقّ مع كراهتهم له، كما أخرجك من بيتك بالحقّ مع كراهة فريق منهم له، فللجميع حقّ يترتّب عليه من مصلحة دينهم ودنياهم ما هم غافلون عنه.

وقيل إنّه متعلّق بقوله:( يجادلونك في الحقّ ) وقيل: إنّ العامل فيه معنى الحقّ والتقدير: هذا الذكر من الحقّ كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ. والمعنيان - كما ترى - بعيدان عن سياق الآية.

والمراد بالحقّ ما يقابل الباطل، وهو الأمر الثابت الّذي يترتّب عليه آثاره الواقعيّـة المطلوبة وكون الفعل - وهو الإخراج - بالحقّ هو أن يكون هو المتعيّن الواجب بحسب الواقع ، وقيل: المراد به الوحي، وقيل: المراد به الجهاد، وقيل غير ذلك ، وهي معان بعيدة.

والأصل في معنى الجدل شدّة الفتل، يقال: زمام جديل أي شديد الفتل وسمّي


الجدال جدالاً لأنّ فيه نزاعاً بالفتل عن مذهب إلى مذهب كما ذكره في المجمع.

ومعنى الآيتين: أنّ الله تعالى حكم في أمر الأنفال بالحقّ مع كراهتهم لحكمه كما أخرجك من بيتك بالمدينة إخراجاً يصاحب الحقّ، والحال أنّ فريقاً من المؤمنين لكارهون لذلك، ينازعونك في الحقّ بعد ما تبيّن لهم إجمالاً والحال أنّهم يشبهون جماعة يساقون إلى الموت، و هم ينظرون إلى ما اُعدّ لهم من أسبابه و أدواته.

( بحث روائي)

في جامع الجوامع للطبرسيّ : قرأ ابن مسعود وعليّ بن الحسين زين العابدين والباقر والصادقعليهم‌السلام : يسألونك الأنفال

أقول: ورواه عن ابن مسعود وكذا عن السجّـاد و الباقر والصادقعليهم‌السلام غيره.

وفي الكافي بإسناده عن العبد الصالحعليه‌السلام قال: الأنفال كلّ أرض خربة قد باد أهلها، وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال - فقال -: وله - يعني الوالي - رؤوس الجبال وبطون الأودية والآجام وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها وله صوافي الملوك: ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب لأنّ الغصب كلّه مردود، وهو وارث من لا وارث له، ويعول من لا حيلة له.

وفيه: بإسناده عن الصادقعليه‌السلام : في قوله تعالى:( يسألونك عن الأنفال ) قال: من مات وليس له مولى فماله من الأنفال

أقول: وفي معنى الروايتين روايات كثيرة مرويّـة من طرق أهل البيتعليهم‌السلام ولا ضير في عدم ذكرها الأنفال بمعنى غنائم الحرب، فإنّ الآية بموردها تدلّ عليه على ما يفيده سياقها.

وفي الدرّ المنثور: أخرج الطيالسيّ والبخاريّ في الأدب المفرد ومسلم والنحّـاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقيّ في الشعب عن سعد بن أبي وقّـاص قال: نزلت فيّ أربع آيات من كتاب الله: كانت اُمّي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتّى اُفارق محمّـداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل الله:


وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً.

والثانية: أنّى كنت اخذت سيفاً أعجبني فقلت: يا رسول الله هب لي هذا فنزلت: يسألونك عن الأنفال.

والثالثة: أنّي مرضت فأتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: يا رسول الله إنّي اُريد ان اُقسّم مالي أفاُوصي بالنصف؟ قال: لا فقلت: الثلث؟ فسكت فكان الثلث بعده جائزاُ

والرابعة: أنّي شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفي بلحيي جمل فأتيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل الله تحريم الخمر.

أقول: الرواية لا تخلو عن شئ أمّا أوّلاً فلأنّ قوله تعالى:( وإن جاهداك على أن تشرك بي ) الآية ذيل قوله تعالى:( ووصّينا الإنسان بوالديه ) لقمان - ١٤ وهي بسياقها تأبى أن تكون نازلة عن سبب خاصّ على أنّه قد تقدّم في ذيل قوله تعالى:( قل تعالوا أتل ما حرّم ربّكم عليكم أن لا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً ) الآيات الأنعام: ١٥١ أنّ الإحسان بالوالدين من الأحكام العامّة غير المختصّة بشريعة دون شريعة.

وأمّا ثانياً: فلأنّ ما ذكر من اخذ ألسيف واستيهابه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما يناسب قراءة :( يسألونك الأنفال ) لا قراءة:( يسألونك عن الأنفال ) وقد تقدّم توضيحه في البيان المتقدّم.

وأمّا ثالثاً: فلأنّ استقرار السنّة على الإيصاء بالثلث لم يكن بآية نازلة بل بسنّة نبوّية.

وأمّا رابعاً: فلأنّ قصّة شربه الخمر مع جماعة من الصحابة وشجّ أنفه بلحيي بعير وإن كانت حقّة لكنّه إنّما شرب الخمر مع جماعة مختلطة من المهاجرين والانصار وقد شجّ أنفه عمر بن الخطّاب ثمّ أنزل الله آية المائدة ولم ينزل للتحريم بل لتشديده وقد تقدّم ذلك كلّه في ذيل قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان ) المائدة: ٩٠.

وفيه: أخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبوالشيخ وابن مردويه والحاكم


والبيهقيّ في سننه عن أبي أمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أحلامنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقسّمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين المسلمين، عن براء يقول: عن سواء

وفيه: أخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وابن ابي حاتم وابن حبّان وأبوالشيخ والحاكم وصحّحه والبيهقيّ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فشهدت معه بدراً فالتقى الناس فهزم الله العدوّ فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمين يقتلون، وأكبّت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه وأحدقت طائفة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا تصيب العدوّ منه غرّة حتّى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الّذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الّذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحقّ بها منّا، نحن نفينا عنها العدوّ وهزمناهم، وقال الّذين أحدقوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لستم بأحقّ منّا نحن أحدقنا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به فنزلت:( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) فقسّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين المسلمين، الحديث

وفيه: أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائيّ وابن جرير وابن المنذر وابن حبّان وأبوالشيخ وابن مردويه والحاكم وصحّحه والبيهقيّ في الدلائل عن ابن عبّـاس قال: لمّا كان يوم بدر قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا فأمّا المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأمّا الشبّان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبّان: أشركونا معكم فإنّا كنّا لكم ردءاً ولو كان منكم شئ للجأتم الينا فاختصموا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنزلت:( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) فقسّم الغنائم بينهم بالسويّـة

أقول: وفي هذه المعاني روايات اُخر، وهنا روايات تدلّ على تفصيل القصّة تتّضح بها معنى الآيات سنوردها في ذيل الآيات التالية.

وفي بعض الروايات أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدهم أن يعطيهم السلب والغنيمة ثمّ نسخه الله تعالى بقوله :( قل الأنفال لله والرسول ) وإلى ذلك يشير ما في هذه الرواية ولذلك


ربّما قيل: إنّه لا يجب على الإمام أن يفي بما وعد به المحاربين. لكن يبعّده اختلافهم في أمر الغنائم يوم بدر إذ لو كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدهم بذلك لم يختلفوا مع صريح بيانه.

وفيه: أخرج ابن جرير عن مجاهد: أنّهم سألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس: فنزلت :( يسألونك عن الأنفال ) .

أقول: وهو لا ينطبق على ما تقدّم من مضمون الآية على ما يعطيه السياق وفي بعض ما ورد عن المفسّرين السلف كسعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وكذا عن ابن عبّـاس أنّ قوله تعالى:( يسالونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) الآية منسوخة بقوله:( واعلموا أنّ ما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه وللرسول ) الآية وقد تقدّم في بيان الآية ما ينتفي به احتمال النسخ.

وفيه أخرج مالك وابن أبي شيبة وأبوعبيد وعبد بن حميد وابن جرير والنحّـاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه عن القاسم بن محمّـد قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عبّـاس عن الأنفال فقال : الفرس من النفل والسلب من النفل فأعاد المسألة فقال ابن عبّـاس : ذلك أيضاً.

ثمّ قال الرجل: الأنفال الّتي قال الله في كتابه ما هي؟ فلم يزل يسأله حتّى كاد يحرّجه فقال ابن عبّـاس: هذا مثل صبيغ الّذي ضربه عمر - وفي لفظ - ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل عمر بصبيغ العراقيّ وكان عمر ضربه حتّى سالت الدماء على عقبيه

وفيه في قوله تعالى:( اُولئك هم المؤمنون حقّاً ) أخرج الطبرانيّ عن الحارث ابن مالك الانصاريّ أنّه مرّ برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ قال أصبحت مؤمناً حقّاً. قال: انظر ما تقول فإنّ لكلّ شئ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عرفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون فيها، وكأنّي أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، قال يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً.

أقول: والحديث مرويّ من طرق الشيعة بأسانيد عديدة .


( سورة الانفال آيه ٧ - ١٤)

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنّهَا لَكُمْ وَتَوَدّونَ أَنّ غَيْرَ ذَاتِ الشّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقّ الْحَقّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ ( ٧ ) لِيُحِقّ الْحَقّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( ٨ ) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ ( ٩ ) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلّا بُشْرَى‏ وَلِتَطْمَئِنّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النّصْرُ إِلّا مِنْ عِندِ اللّهِ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ١٠ ) إِذْ يُغْشّيكُمُ النّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مِنَ السّماءِ مَاءً لِيُطَهّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى‏ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ( ١١ ) إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَانٍ ( ١٢ ) ذلِكَ بِأَنّهُمْ شَاقّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ١٣ ) ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النّارِ ( ١٤ )

( بيان)

تشير الآيات إلى قصّة بدر وهي أوّل غزوة في الإسلام وظاهر سياق الآيات أنّها نزلت بعد انقضائها على ما سيتّضح.

قوله تعالى: ( واذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أنّ غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحقّ الحقّ بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) ، أي واذكروا إذ يعدكم الله، وهو بيان منن الله وعدّ نعمه عليهم ليكونوا على بصيرة من أنّ الله


سبحانه لا يستقبلهم بأمر ولا يأتيهم بحكم إلّا بالحقّ وفيه حفظ مصالحهم وإسعاد جدّهم فلا يختلفوا فيما بينهم ولا يكرهوا ما يختاره لهم ويكلوا أمرهم إليه فيطيعوه ورسوله.

والمراد بالطائفتين العير والنفير، والعير قافلة قريش وفيها تجارتهم وأموالهم وكان عليها أربعون رجلاً منهم أبوسفيان بن حرب، والنفير جيش قريش وهم زهاء ألف رجل.

وقوله :( إحدى الطائفتين ) مفعول ثان لقوله:( يعدكم ) وقوله:( أنّها لكم ) بدل منه وقوله :( وتودّون ) الآية في موضع الحال، والمراد بغير ذات الشوكة: الطائفة غير ذات الشوكة وهي العير الّذي كان أقلّ عِدّة وعُدّة من النفير، والشوكة الحدّة، استعارة من الشوك.

وقوله:( و يريد الله أن يحقّ الحقّ بكلماته ) في موضع الحال، والمراد بإحقاق الحقّ إظهاره وإثباته بترتيب آثاره عليه، وكلمات الله هي ما قضى به من نصرة أنبيائه وإظهار دينه الحقّ، قال تعالى:( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنّهم لهم المنصورون وإنّ جندنا لهم الغالبون ) الصافّات -١٧٣ وقال تعالى:( يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ) الصفّ: ٩. وقرئ:( بكلمته ) : وهو أوجه وأقرب والدابر ما يأتي بعد الشئ ممّا يتعلّق به ويتّصل إليه وقطع دابر الشئ، كناية عن إفنائه واستئصاله بحيث لا يبقى بعده شئ من آثاره المتفرّعة عليه المرتبطة به.

ومعنى الآية: واذكروا إذ يعدكم الله أنّ إحدى الطائفتين لكم تستعلون عليها بنصر الله إمّا العير وإمّا النفير وأنتم تودّون أن تكون تلك الطائفة هي العير لما تعلمون من شوكة النفير، وقوّتهم وشدّتهم مع ما لكم من الضعف والهوان، والحال أنّ الله يريد خلاف ذلك وهو أن تلاقوا النفير فيظهركم عليهم ويظهر ما قضى ظهوره من الحقّ، ويستأصل الكافرين ويقطع دابرهم.

قوله تعالى: ( ليحقّ الحقّ ويبطل الباطل ولو كره المجرمون ) ظاهر السياق أنّ اللام للغاية، وقوله:( ليحقّ ) الآية متعلّق بقوله:( يعدكم الله ) أي إنّما وعدكم الله ذلك وهو لا يخلف الميعاد ليحقّ بذلك الحقّ ويبطل الباطل ولو كان المجرمون


يكرهونه ولا يريدونه.

وبذلك يظهر أنّ قوله:( ليحقّ الحقّ ) الآية ليس تكراراً لقوله:( ويريد الله أن يحقّ الحقّ بكلماته ) وإن كان في معناه.

قوله تعالى: ( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم أنّي ممدّكم بألف من الملائكة مردفين ) الاستغاثة طلب الغوث وهو النصرة كما في قوله:( فاستغاثه الّذي من شيعته على الّذي من عدوّه ) القصص: ١٥ والإمداد معروف، وقوله:( مردفين ) من الإرداف وهو أن يجعل الراكب غيره ردفاً له، والردف التابع، قال الراغب: الردف التابع، وردف المرأة عجيزتها، والترادف: التتابع، والرادف: المتأخّر، والمردف المقدّم الّذي أردف غيره.انتهى.

وبهذا المعنى تلائم الآية ما في قوله تعالى فيما يشير به إلى هذه القصّة في سورة آل عمران:( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة فاتّقوا الله لعلّكم تشكرون إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وما جعله الله إلّا بشرى لكم ولتطمئنّ قلوبكم به وما النصر إلّا من عند الله العزيز الحكيم ) آل عمران: ١٢٦.

فإنّ تطبيق الآيات من السورتين يوضح أنّ المراد بنزول ألف من الملائكة مردفين نزول ألف منهم يستتبعون آخرين فينطبق الألف المردفون على الثلاثة آلاف المنزلين.

وبذلك يظهر فساد ما قيل: إنّ المراد بكون الملائكة مردفين كون الألف متّبعين ألفاً آخر لأنّ مع كلّ واحد منهم ردفاً له فيكونون ألفين، وكذا ما قيل: إنّ المراد كون بعضهم إثر بعض، وكذا ما قيل: إنّ المراد مجيئهم على أثر المسلمين بأن يكون مردفين بمعنى رادفين، وكذا ما قيل: إنّ المراد إردافهم المسلمين بأن يتقدّموا عسكر المسلمين فيلقوا في قلوب الّذين كفروا الرعب.

قوله تعالى: ( وما جعله الله إلّا بشرى ولتطمئنّ به قلوبكم وما النصر إلّا من عند الله


إنّ الله عزيز حكيم ) الضميران في قوله:( جعله ) وقوله:( به ) للإمداد بالملائكة على ما يدلّ عليه السياق، والمعنى أنّ الإمداد بالملائكة إنّما كان لغرض البشرى واطمئنان نفوسكم لا ليهلك بأيديهم الكفّـار كما يشير إليه قوله تعالى بعدُ:( إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الّذين آمنوا ساُلقي في قلوب الّذين كفروا الرعب ) .

وبذلك يتأيّد ما ذكره بعضهم: أنّ الملائكة لم ينزلوا ليقتلوا المشركين ولا قتلوا منهم أحداً فقد قتل ثلث المقتولين منهم أو النصف عليّعليه‌السلام والثلثين الباقين أو النصف سائر المسلمين. وإنّما كان للملائكة تكثير سواد المسلمين حينما اختلطوا بالقوم وتثبيت قلوب المسلمين، وإلقاء الرعب في قلوب المشركين، وسيجئ بعض الكلام في ذلك.

وقوله:( وما النصر إلّا من عند الله إنّ الله عزيز حكيم ) بيان انحصار حقيقة النصر فيه تعالى وأنّه لو كان بكثرة العدد والقوّة والشوكه كانت الدائرة يومئذ للمشركين بما لهم من الكثرة والقوّة على المسلمين على ما بهم من القلّة والضعف.

وقد علّل بقوله:( إنّ الله عزيز حكيم ) جميع مضمون الآية وما يتعلّق به من الآية السابقة فبعزّته نصرهم و أمدّهم، وبحكمته جعل نصره على هذه الشاكلة.

قوله تعالى: ( إذ يغشّيكم النعاس أمنة منه ) إلى آخر الآية. النعاس أوّل النوم وهو خفيفه والتغشية الاحاطة، والأمنة الأمان، وقوله:( منه ) أي من الله وقيل: أي من العدوّ، والرجز هو الرجس والقذارة، والمراد برجز الشيطان القذارة الّتي يطرأ القلب من وسوسته وتسويله.

ومعنى الآية: أنّ النصر والإمداد بالبشرى واطمئنان القلوب كان في وقت يأخذكم النعاس للأمن الّذي أفاضه الله على قلوبكم فنمتم ولو كنتم خائفين مرتاعين لم يأخذكم نعاس ولا نوم، وينزّل عليكم المطر ليطهّركم به ويذهب عنكم وسوسة الشيطان وليربط على قلوبكم ويشدّ عليها - وهو كناية عن التشجيع - وليثبت بالمطر أقدامكم في الحرب بتلبّـد الرمل أو بثبات القلوب.

والآية تؤيّد ما ورد أنّ المسلمين سبقهم المشركون إلى الماء فنزلوا على كثيب رمل، وأصبحوا محدثين ومجنبين، وأصابهم الظمأ، ووسوس إليهم الشيطان فقال: إنّ عدوّكم


قد سبقكم إلى الماء، وأنتم تصلّون مع الجنابة، والحدث، وتسوخ أقدامكم في الرمل فأمطر عليهم الله حتّى اغتسلوا به من الجنابة، وتطهّروا به من الحدث، وتلبّدت به أرضهم، وأوحلت أرض عدوّهم.

قوله تعالى: ( إذ يوحي ربّك إلى الملائكة أنّي معكم فثبّتوا الّذين آمنوا ساُلقي في قلوب الّذين كفروا الرعب ) إلى آخر الآية حال الظرف في أوّل الآية كحال الظرف في قوله:( إذ تستغيثون ربّكم ) وقوله:( إذ يغشيكم النعاس ) ومعنى الآية ظاهر.

وأمّا قوله:( فاضربوا فوق الأعناق واضربو منهم كلّ بنان ) فالظاهر أن يكون المراد بفوق الأعناق الرؤوس وبكلّ بنان جميع الأطراف من اليدين والرجلين أو أصابع الأيدي لئلّا يطيقوا حمل السلاح بها والقبض عليه.

ومن الجائز أن يكون الخطاب بقوله:( فاضربوا ) الخ للملائكة كما هو المتسابق إلى الذهن، والمراد بضرب فوق الأعناق وكلّ بنان ظاهر معناه، أو الكناية عن إذلالهم وإبطال قوّة الإمساك من أيديهم بالإرعاب، وأن يكون الخطاب للمؤمنين والمراد به تشجيعهم على عدوّهم بتثبيت أقدامهم والربط على قلوبهم، وحثّهم وإغراؤهم بالمشركين.

قوله تعالى: ( ذلك بأنّهم شاقّوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإنّ الله شديد العقاب ) المشاقّة المخالفة وأصله الشقّ بمعنى البعض كأنّ المخالف يميل إلى شقّ غير شقّ من يخالفه، والمعنى أنّ هذا العقاب للمشركين بما أوقع الله بهم، لأنّهم خالفوا الله ورسوله وألحّوا وأصرّوا على ذلك ومن يشاقق الله ورسوله فإنّ الله شديد العقاب.

قوله تعالى: ( ذلكم فذوقوه وأنّ للكافرين عذاب النار ) خطاب تشديديّ للكفّـار يشير إلى ما نزل بهم من الخزي ويأمرهم بأن يذوقوه، ويذكر لهم أن وراء ذلك عذاب النار.


( بحث روائي)

في المجمع قال ابن عبّـاس: لمّا كان يوم بدر واصطفّ القوم للقتال قال أبوجهل: اللّهمّ أولانا بالنصر فانصره، واستغاث المسلمون فنزلت الملائكة ونزل قوله:( إذ تستغيثون ربّكم ) إلى آخره.

وقيل: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نظر إلى كثرة عدد المشركين وقلّة عدد المسلمين استقبل القبلة وقال: اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض فما زال يهتف ربّه مادّاً يديه حتّى سقط رداؤه من منكبيه فأنزل الله:( إذ تستغيثون ربّكم ) الآية: عن عمر بن الخطّاب والسدّيّ وأبي صالح وهو المرويّ عن أبي جعفرعليه‌السلام .

قال: ولمّا أمسى رسول الله وجنّه اللّيل ألقى الله على أصحابه النعاس وكانوا قد نزلوا في موضع كثير الرمل لا تثبت فيه قدم فأنزل الله عليهم المطر رذاذاً حتّى لبّد الأرض وثبت أقدامهم وكان المطر على قريش مثل العزالى، وألقى الله في قلوبهم الرّعب كما قال الله تعالى:( ساُلقي في قلوب الّذين كفروا الرعب ) .

أقول: لفظ الآية :( إذ تستغيثون ربّكم ) الخ لا يلائم نزولها يوم بدر عقيب استغاثتهم بل السياق يدلّ على نزولها مع قوله تعالى:( يسألونك عن الأنفال ) والآيات التالية له وهي تدلّ على حكاية حال ماضية وامتنانه تعالى على المسلمين. بما أنزل عليهم من آيات النصر وتفاريق النعم ليشكروا له ويطيعوه فيما يأمرهم وينهاهم.

ولعلّ المراد من ذكر نزول الآية بعد ذكر استغاثتهم انطباق مضمون الآية على الواقعة، وهو كثير النظير في الروايات المشتملة على أسباب النزول.

وفي تفسير البرهان عن ابن شهرآشوب: قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العريش: اللّهمّ إنّك إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعد هذا اليوم فنزل:( إذ تستغيثون ربّكم ) فخرج يقول: سيهزم الجمع ويولّون الدبر فأيّده الله بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكثّرهم في أعين المشركين، وقلّل المشركين في أعينهم فنزل:( وهم بالعدوة القصوى ) من الوادي


خلف العقنقل والنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعدوة الدنيا عند القليب.

أقول: والكلام فيه كالكلام في سابقه.

وفي المجمع: ذكر البلخيّ عن الحسن أنّ قوله:( وإذ يعدكم الله ) الآية نزلت قبل قوله:( كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ ) وهي في القراءة بعدها.

أقول: وتقدّم مدلول إحدى الآيتين على مدلول الاُخرى بحسب الوقوع لا يلازم سبقها نزولاً، ولا دليل من جهة السياق يدلّ على ما ذكره.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن محمّـد بن يحيى الخثعميّ عن ابى عبداللهعليه‌السلام : في قوله تعالى:( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، فقال: الشوكة الّتي فيها القتال.

أقول: وروى مثله القمّىّ في تفسيره.

وفي المجمع قال أصحاب السير وذكر أبوحمزة وعليّ بن ابراهيم في تفسيرهما - دخل حديث بعضهم في بعض - أقبل أبوسفيان بعير قريش من الشام وفيها أموالهم وهي اللطيمة، وفيها أربعون راكباً من قريش فندب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه للخروج إليها ليأخذوها، وقال: لعلّ الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخفّ بعضهم وثقل بعضهم، ولم يظنّوا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلقى كيداً ولا حرباً فخرجوا لا يريدون إلّا أباسفيان والركب لا يرونها إلّا غنيمة لهم.

فلمّا سمع أبوسفيان بمسير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه إلى مكّة، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أنّ محمّـداً قد تعرّض لعيرهم في أصحابه فخرج ضمضم سريعاً إلى مكّة.

وكانت عاتكة بنت عبدالمطّلب رأت فيما يرى النائم قبل مقدم ضمضم بن عمرو بثلاث ليال أنّ رجلاً أقبل على بعير له ينادى يا آل غالب اغدوا إلى مصارعكم ثمّ وافى بجمله على أبي قبيس فأخذ حجراً فدهدهه من الجبل فما ترك داراً من دور قريش إلّا أصابته منه فلذة فانتبهت فزعة من ذلك وأخبرت العبّـاس بذلك فأخبر العبّـاس عتبة بن ربيعة فقال عتبة: هذه مصيبة تحدث في قريش، وفشت الرؤيا فيهم وبلغ ذلك أباجهل فقال: هذه


نبيّـة ثانية في بني عبدالمطّلب، واللّات والعزّى لننظرنّ ثلاثة أيّـام فإن كان ما رأت حقّاً وإلّا لنكتبنّ كتاباً بيننا: أنّه ما من أهل بيت من العرب أكذب رجالاً ونساءً من بني هاشم.

فلمّا كان اليوم الثالث أتاهم ضمضم يناديهم بأعلى الصوت: يا آل غالب يا آل غالب. اللطيمة اللطيمة.العير العير. أدركوا وما أراكم تدركون إنّ محمّـداً والصباة من أهل يثرب قد خرجوا يتعرّضون لعيركم فتهيّـأوا للخروج، وما بقي أحد من عظماء قريش إلّا أخرج مالاً لتجهيز الجيش، وقالوا من لم يخرج نهدم داره، وخرج معهم العبّـاس بن عبدالمطّلب، ونوفل بن الحارث بن عبدالمطّلب، وعقيل بن ابي طالب، وأخرجوا معهم القيان يضربن الدفوف.

وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ثلاثمأة وثلاثة عشر رجلاً فلمّا كان بقرب بدر أخذ عيناً للقوم فأخبره بهم، وفي حديث أبى حمزة : بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيضاً عيناً له على العير اسمه عدىّ فلمّا قدم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره أين فارق العير نزل جبرائيل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره بنفير المشركين من مكّة فاستشار أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبوبكر فقال: يا رسول الله إنّها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت، ولا ذلّت منذ عزّت، ولم نخرج على هيئه الحرب، وفي حديث أبي حمزة: أنا عالم بهذا الطريق فارق عديّ العير بكذا وكذا، وساروا وسرنا فنحن والقوم على ماء بدر يوم كذا وكذا كأنّا فرسا رهان فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجلس فجلس. ثمّ قام عمر بن الخطّاب فقال : مثل ذلك فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اجلس فجلس.

ثمّ قام المقداد فقال: يا رسول الله إنّها قريش وخيلاؤها، وقد آمنّا بك وصدّقنا وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضناه، معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون ولكنّا نقول: إمض لأمر ربّك فإنّا معك مقاتلون، فجزاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خيراً على قوله ذاك.

ثمّ قال: أشيروا عليّ أيّها الناس وإنّما يريد الأنصار لأنّ أكثر الناس منهم،


ولأنّهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: إنّا برآء من ذمّتك حتّى تصل إلى دارنا ثمّ أنت في ذمّتنا نمنعك ممّا نمنع أبناءنا ونساءنا، فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتخوّف أن لا يكون الأنصار ترى عليها نصرته إلّا على من دهمه بالمدينة من عدوّ، وأن ليس عليهم أن ينصروه خارج المدينة.

فقام سعد بن معاذ فقال: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله كأنك أردتنا. فقال: نعم. قال: بأبي أنت واُمّي يا رسول الله إنّا قد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله فمرنا بما شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واترك منها ما شئت، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك ولعلّ الله عزّوجلّ أن يريك منّا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله.

ففرح بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال: سيروا على بركة الله فإنّ الله عزّوجلّ قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله وعده، والله لكأنّى أنظر إلى مصرع أبى جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وفلان وفلان(١) .

وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالرحيل، وخرج إلى بدر وهو بئر، وفي حديث أبي حمزة الثمالى: بدرٌ رجل من جهينة والماء ماؤه فإنّما سمّى الماء باسمه، وأقبلت قريش وبعثوا عبيدها ليستقوا من الماء فأخذهم أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: نحن عبيد قريش. قالوا: فأين العير؟ قالوا: لا علم لنا بالعير فأقبلوا يضربونهم، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يصلّى فانفتل من صلاته وقال: إن صدقوكم ضربتموهم وإن كذّبوكم تركتموهم، فأتوه بهم فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: يا محمّـد نحن عبيد قريش، قال: كم القوم؟ قالوا: لا علم لنا بعددهم، قال: كم ينحرون في كلّ يوم من جزور؟ قالوا: تسعة إلى عشرة، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : القوم تسعمأة إلى ألف رجل، وأمرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بهم فحبسوا وبلغ ذلك قريشاً ففزعوا وندموا على مسيرهم.

ولقى عتبة بن ربيعة أبا البخترىّ بن هشام فقال: أما ترى هذا البغى والله ما اُبصر موضع قدمى خرجنا لنمنع عيرنا وقد أفلتت فجئنا بغياً وعدواناً، والله ما أفلح قوم بغوا قطّ، ولوددت أنّ ما في العير من أموال بني عبد مناف ذهبت ولم نسر هذا المسير، فقال له أبوالبخترىّ: إنّك

____________________

(١) وقد كان صلى الله عليه وآله يشير بذلك إلى لقاء النفير وهم يرجون لقاء العير.


سيّد من سادات قريش فسر في الناس وتحمّل العير الّتى أصابها محمّـد وأصحابه بنخلة(١) ودم ابن الحضرميّ فإنّه حليفك. فقال له: علىّ ذلك، وما على أحد منّا خلاف إلّا ابن الحنظليّـة يعنى أباجهل فصر إليه وأعلمه أنّى حملت العيرودم ابن الحضرميّ وهو حليفي وعلىّ عقله.

قال: فقصدت خباءه وأبلغته ذلك، فقال : إنّ عتبة يتعصّب لمحمّـد فإنّه من بنى عبد مناف وابنه معه يريد أن يخذل بين الناس لا واللّات والعزّى حتّى نقحم عليهم يثرب أو نأخذهم اُسارى فندخلهم مكّة وتتسامع العرب بذلك، وكان أبوحذيفة بن عتبة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وكان أبوسفيان لمّا جاز بالعير بعث إلى قريش: قد نجّى الله عيركم فارجعوا ودعوا محمّـداً والعرب، وادفعوه بالراح ما اندفع، وإن لم ترجعوا فردّوا القيان فلحقهم الرسول في الجحفة، فأراد عتبة أن يرجع فأبى أبوجهل وبنو مخزوم وردّوا القيان من الجحفة.

قال: وفزع أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا بلغهم كثرة قريش، واستغاثوا وتضرّعوا، فأنزل الله عزّوجلّ:( إذ تستغيثون ربّكم ) وما بعده.

قال الطبرسيّ: ولمّا أصبح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر عبّأ أصحابه، فكان في عسكره فرسان: فرس للزبير بن عوّام، وفرس للمقداد بن الأسود، وكان في عسكره سبعون جملاً كانوا يتعاقبون عليها، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليّ بن أبى طالبعليه‌السلام ومرثد بن أبى مرثد الغنوىّ يتعاقبون على جمل لمرثد بن أبى مرثد، وكان في عسكر قريش أربعمأة فرس، وقيل: مأتا فرس.

فلمّا نظرت قريش إلى قلّة أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال أبوجهل: ما هم إلّا اُكلة رأس لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذاً باليد، فقال عتبة بن ربيعة: أترى لهم كميناً أو مدداً؟ فبعثوا عمير بن وهب الجمحىّ وكان فارساً شجاعاً فجال بفرسه حتّى طاف على عسكر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ رجع فقال: ليس لهم كمين ولا مدد ولكن نواضح يثرب قد حملت

____________________

(١) وقد تقدّمت الرويات في قصته في الجزء الثاني من الكتاب في ذيل قوله تعالى:( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) الآية، البقرة - ٢١٧.


الموت الناقع أما ترونهم خرساً لا يتكلّمون ويتلمّظون تلمّظ الأفاعى ما لهم ملجأ إلّا سيوفهم، وما أراهم يولّون حتّى يقتلوا، ولا يقتلون حتّى يقتلوا بعددهم فارتأوا رأيكم فقال له أبوجهل: كذبت وجبنت.

فأنزل الله تعالى:( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) فبعث إليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا معشر قريش إنّى أكره أن أبدأ بكم فخلّونى والعرب وارجعوا فقال عتبة: ما ردّ هذا قوم قطّ فأفلحوا، ثمّ ركب جملاً له أحمر فنظر إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن يك عند أحد خير فعند صاحب الجمل الأحمر وإن يطيعوه يرشدوا.

وخطب عتبة فقال في خطبته: يا معشر قريش أطيعونى اليوم واعصوني الدهر إنّ محمّـداً له إلّ وذمّة وهو ابن عمّكم فخلّوه والعرب فإن يك صادقاً فأنتم أعلى عيناً به وإن يك كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره فغاظ أباجهل قوله وقال له: جبنت وانتفخ سحرك فقال: يا مصفّر إسته مثلى يجبن؟ وستعلم قريش أيّنا ألأم وأجبن؟ وأيّنا المفسد لقومه.

ولبس درعه وتقدّم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد، وقال: يا محمّـد اخرج إلينا أكفاءنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة نفر من الأنصار وانتسبوا لهم فقالوا: ارجعوا إنّما نريد الاكفاء من قريش فنظر رسول الله (صلّى الله عيله وآله وسلّم ) إلى عبيدة بن الحارث بن عبدالمطّلب - وكان له يومئذ سبعون سنة - فقال: قم يا عبيدة، ونظر إلى حمزة فقال: قم يا عمّ ثمّ نظر إلى علىّ بن أبى طالب فقال: قم يا علىّ - وكان أصغر القوم - فاطلبوا بحقّكم الّذى جعله الله لكم فقد جاءت قريش بخيلائها وفخرها تريد أن تطفئ نور الله ويأبى الله إلّا أن يتمّ نوره. ثمّ قال: يا عبيدة عليك بعتبة ابن ربيعة، وقال لحمزة عليك بشيبة، وقال لعليّ: عليك بالوليد.

فمرّوا حتّى انتهوا إلى القوم فقالوا: أكفاء كرام فحمل عبيدة على عتبة فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته، وضرب عتبة عبيدة على ساقه فأطنّها فسقطا جميعاً، وحمل شيبة على حمزة فتضاربا بالسيفين حتّى انثلما، وحمل أميرالمؤمنين علىّعليه‌السلام على الوليد فضربه على حبل عاتقه فأخرج السيف من إبطه قال علىّ لقد أخذ الوليد يمينه بيساره فضرب بها هامتي فظننت أنّ السماء وقعت على الأرض.


ثمّ اعتنق حمزة وشيبة فقال المسلمون: يا عليّ أما ترى أنّ الكلب قد نهز عمّك فحمل عليه علىّعليه‌السلام ثمّ قال: يا عمّ طأطئ رأسك وكان حمزة أطول من شيبة فأدخل حمزة رأسه في صدره فضربه علىّ فطرح نصفه، ثمّ جاء إلى عتبة وبه رمق فأجهز عليه.

وفي رواية اُخرى أنّه برز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة وبرز علىّ للوليد فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل عليّعليه‌السلام الوليد، فضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلىّ، وحمل عبيدة حمزة وعلىّ حتّى أتيا به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستعبر فقال: يا رسول الله ألست شهيداً؟ قال: بلى أنت أوّل شهيد من أهل بيتى.

وقال أبو جهل لقريش: لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطر أبناء ربيعة عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزراً، وعليكم بقريش فخذوهم أخذاً حتّى ندخلهم مكّة فنعرّفهم ضلالتهم الّتى هم عليها.

وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم فقال لهم: أنا جار لكم ادفعوا إلىّ رايتكم فدفعوا إليه رأية الميسرة، وكانت الراية مع بنى عبد الدار فنظر إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لأصحابه: غضّوا أبصاركم، وعضّوا على النواجذ، ورفع يده فقال: اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد ثمّ أصابه الغشي فُسري عنه وهو يسلك العرق عن وجهه فقال: هذا جبرائيل قد أتاكم بألف من الملائكة مردفين.

وفي الأمالى بإسناده عن الرّضا عن آبائهعليه‌السلام : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سافر إلى بدر في شهر رمضان وافتتح مكّة في شهر رمضان.

أقول: وعلى ذلك أطبق أهل السير والتواريخ، قال اليعقوبيّ في تاريخه: وكانت وقعة بدر يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان بعد مقدمهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - يعنى إلى المدينة - بثمانية عشر شهراً.

وقال الواقديّ: ونزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وادى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من شهر رمضان فبعث عليّـاً والزبير وسعد بن أبى وقّـاص وبسبس بن عمرو يتجسّسون على الماء فوجدوا روايا قريش فيها سقاؤهم فأسروهم وأفلت بعضهم وأتوا بهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو قائم يصلّى فسألهم المسلمون فقالوا: نحن سقاء قريش بعثونا نسقيهم


من الماء فضربوهم فلمّا أن لقوهم بالضرب قالوا: نحن لأبي سفيان ونحن في العير، وهذا العير بهذا القوز فكانوا إذا قالوا ذلك يمسكون عن ضربهم. فسلّم رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم ) من صلاته ثمّ قال: إن صدقوكم ضربتموهم وإن كذبوكم تركتموهم.

فلمّا أصبحوا عدّل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصفوف وخطب المسلمين فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال:

أمّا بعد فإنّى أحثّكم على ما حثّكم الله عليه، وأنهاكم عمّا نهاكم الله عنه فإنّ الله عظيم شأنه، يأمر بالحقّ، ويحبّ الصدق، ويعطى على الخير أهله على منازلهم عنده به يذكرون، وبه يتفاضلون، وإنّكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحقّ لا يقبل الله فيه من أحد إلّا ما ابتغى به وجهه، وإنّ الصبر في مواطن البأس ممّا يفرج الله به الهمّ وينجّى به من الغمّ تدركون به النجاة في الآخرة فيكم نبىّ الله يحذركم ويأمركم فاستحيوا اليوم أن يطلع الله على شئ، من أمركم يمقتكم عليه فإنّه تعالى يقول: لمقت الله أكبر من أنفسكم انظروا في الّذى أمركم به من كتابه، وأراكم من آياته وما أعزّكم به بعد الذلّة فاستكينوا له يرض ربّكم عنكم، وأبلوا ربّكم في هذه المواطن أمراً تستوجبوا به الّذى وعدكم من رحمته ومغفرته فإنّ وعده حقّ، وقوله صدق، وعقابه شديد، وإنّما أنا وأنتم بالله الحىّ القيّـوم، إليه ألجأنا ظهورنا، وبه اعتصمنا، وعليه توكّلنا، وإليه المصير، ويغفر الله لى للمسلمين.

وفي المجمع: ذكر جماعة من المفسّرين كابن عبّـاس وغيره: أنّ جبرائيل قال للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا التقى الجمعان لعليّ: أعطني قبضة من حصا الوادي فناوله كفّاً من حصا عليه تراب فرمى به في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلّا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شئ ثمّ ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت تلك الرمية سبب هزيمة القوم.

وفي الأمالى بإسناده عن ابن عبّـاس قال: وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على قتلى بدر فقال: جزاكم الله من عصابة شرّاً لقد كذّبتموني صادقاً وخوّنتم أميناً، ثمّ التفت إلى أبى جهل بن هشام فقال: إنّ هذا أعتى على الله من فرعون إنّ فرعون لمّا أيقن بالهلاك وحّد الله،


وإنّ هذا لمّا أيقن بالهلاك دعا باللّات والعزّى.

وفي المغازى للواقديّ: وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر بالقليب أن تغوّر ثمّ أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلّهم إلّا اُميّة بن خلف فإنّه كان مسمناً انتفخ من يومه فلمّا أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اُتركوه، فأقرّوه وألقوا عليه من التراب والحجارة ما غيّـبه.

ثمّ وقف على أهل القليب فناداهم رجلاً رجلاً: هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً فإنّى قد وجدت ما وعدني ربًى حقّاً بئس القوم كنتم لنبيّكم كذّبتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس. فقالوا يا رسول الله أتنادى قوماً قد ماتوا؟ فقال: لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقّ، وفي رواية اُخرى: فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم ): ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني.

قال: وكان انهزام قريش حين زالت الشمس فأقام رسول الله (صلّى الله عليه و آله وسلّم ) ببدر وأمر عبدالله بن كعب بقبض الغنائم وحملها، وأمر نفراً من أصحابه أن يعينوه فصلّى العصر ببدر ثمّ راح فمرّ بالأثيل قبل غروب الشمس فنزل به وبات، وبأصحابه جراح وليست بالكثيرة، وأمر ذكوان بن عبد قيس أن يحرس المسلمين حتّى كان آخر اللّيل فارتحل.

وفي تفسير القمّىّ في خبر طويل: وخرج أبوجهل من بين الصفّين وقال: اللّهمّ إن محمّـداً أقطعنا للرحم، وأتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة فأنزل الله على رسوله:( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم و إن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئاُ ولو كثرت و إنّ الله مع المؤمنين ) .

ثمّ أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفّاً من حصى ورمى به في وجوه قريش وقال: شاهت الوجوه فبعث الله رياحاً تضرب في وجوه قريش فكانت الهزيمة فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ لا يفلتنّ فرعون هذه الاُمّة أبوجهل بن هشام فقتل منهم سبعين، وأسر منهم سبعين.

وألتقى عمرو بن الجموح مع أبى جهل فضرب عمرو أباجهل على فخذه وضرب أبوجهل عمراً على يده فأبانها من العضد فتعلّقت بجلده فاتّكى عمرو على يده برجله ثمّ تراخى إلى


السماء حتّى انقطعت الجلدة ورمى بيده.

وقال عبدالله بن مسعود: انتهيت إلى أبى جهل وهو يتشحّط بدمه فقلت: الحمد لله الّذى أخزاك فرفع رأسه فقال: إنّما أخزى الله عبداً، ابن امّ عبد لمن الدبرة ويلك؟ قلت: لله ولرسوله وإنّى قاتلك، ووضعت رجلى على عنقه فقال: ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعى الغنم أما إنّه ليس شئ أشدّ من قتلك إيّـاى في هذا اليوم ألا تولّى قتلى رجل من المطّلبيّـين أو رجل من الأحلاف؟ فاقتلعت بيضة كانت على رأسه فقتلته وأخذت رأسه وجئت به إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقلت: يا رسول الله البشرى هذا رأس أبى جهل بن هشام فسجد لله شكراً.

وفي الإرشاد للمفيد ثمّ بارز اميرالمؤمنينعليه‌السلام العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه من سواه فلم يلبث أن قتله، وبرز إليه حنظلة بن أبى سفيان فقتله، وبرز إليه بعده طعيمة بن عدىّ فقتله، وقتل بعده نوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولم يزل يقتل واحداً منهم بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين منهم وكانوا سبعين رجلاً، تولّى كافّةُ من حضر بدراً من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم، وتولّى أميرالمؤمنينعليه‌السلام قتل الشطر الآخر وحده.

وفي الإرشاد أيضاً: قد أثبتت رواة العامة والخاصّـة معاً أسماء الّذين تولّى اميرالمؤمنينعليه‌السلام قتلهم ببدرمن المشركين على اتّفاق فيما نقلوه من ذلك واصطلاح فكان ممّن سمّوه: الوليد بن عتبة كما قدّمنا وكان شجاعاً جريّاً وقاحاً فتّاكاً تهابه الرجال، والعاص بن سعيد وكان هولاً عظيماً تهابه الأبطال، وهو الّذى حاد عنه عمر بن الخطّاب وقصّته فيما ذكرناه مشهورة نحن نبيّنها فيما نورده، وطعيمة بن عدّى بن نوفل وكان من رؤوس أهل الضلال، ونوفل بن خويلد وكان من أشدّ المشركين عداوة لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه وتطيعه، وهو الّذى قرن أبابكر وطلحة قبل الهجرة بمكّة وأوثقهما بحبل وعذّبهما يوماً إلى الليل حتّى سئل في أمرهما، ولمّا عرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حضوره بدراً سأل الله أن يكفيه أمره فقال: اللّهمّ اكفني نوفل بن خويلد فقتله اميرالمؤمنينعليه‌السلام .


وزمعة بن الأسود(١) ، والحارث بن زمعة، والنضر بن الحارث بن عبد الدار، وعمير بن عثمان بن كعب بن تيم عمّ طلحة بن عبيد الله، وعثمان ومالك ابنا عبيد الله أخوا طلحة بن عبيد الله، ومسعود بن أبى اُميّـة بن المغيرة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة وحذيفة بن أبى حذيفة بن المغيرة، و [أبو] قيس(٢) بن الوليد بن المغيرة، وحنظلة بن أبى سفيان، وعمرو بن مخزوم، وأبو منذر بن أبى رفاعة، ومنبّه بن الحجّاج السهمىّ، والعاص بن منبّه، وعلقمة بن كلدة، وأبو العاص بن قيس بن عدىّ ومعاوية بن المغيرة بن أبى العاص، ولوذان بن ربيعة، وعبدالله بن المنذر بن أبى رفاعة، ومسعود بن اُميّة بن المغيرة، وحاجب بن السائب بن عويمر، وأوس بن المغيرة بن لوذان، وزيد بن مليص، وعاصم بن أبى عوف، وسعيد بن وهب حليف بنى عامر، ومعاوية بن [عامر بن] عبد القيس، وعبدالله بن جميل بن زهير بن الحارث بن أسد، والسائب بن مالك، وأبوالحكم بن الأخنس، وهشام بن أبى اُميّة بن المغيرة.

فذلك خمسة وثلاثون رجلاً سوى من اختلف فيه أو شرك اميرالمؤمنينعليه‌السلام فيه غيره وهم اكثر من شطر المقتولين ببدر على ما قدّمناه.

أقول: وذكر غيره كما في المجمع أنّه قتل يوم بدر سبعة وعشرين رجلاً، وذكر الواقديّ: أنّ الّذى اتّفق عليه قول النقلة والرّواة من قتلاه تسعة رجال والباقى مختلف فيه.

لكنّ البحث العميق عن القصّة وما يحتفّ بها من أشعارهم والحوادث المختلفة الّتى حدثت بعدها تسئ الظنّ بهذا الاختلاف، وقد نقل عن محمّـد بن اسحاق أنّ أكثر قتلى المشركين يوم بدر كان لعليّعليه‌السلام .

وقد عدّ الواقديّ فيما ذكره ابن أبى الحديد من قتلى المشركين في وقعة بدر اثنين وخمسين رجلاً ونسب قتل أربعة وعشرين منهم إليهعليه‌السلام ممّن انفرد بقتله أو شارك غيره.

ومن شعر اسيد بن أبى أياس يحرّض مشركي قريش على عليّعليه‌السلام على ما في الإرشاد والمناقب قوله:

في كلّ مجمع غاية أخزاكم

جزعٌ أبرّ على المذاكى القرّح

____________________

(١) في بعض النسخ: وعقيل بن الاسود وفيه فذلك ستة وثلاثون.

(٢) هو أخو خالد بن الوليد، والثلاثة الّذين قتلوا أبناء اعمامه.


لله درّ كم أ لمّـا تـنـكـروا

قـد ينكر الحرّ الكريم ويستـحى

هذا ابـن فاطـمة الّذى أفناكم

ذبحـاً وقتـلة قعصـة لم تذبـح

اعطـوه خرجاً واتّقوا تضريبه

فعـل الذليـل وبيعــة لم تربح

أين الكهـول و أين كلّ دعامة

في المعظلات وأين زين الأبطح

أفناهم قعصاً و ضربـاً يفترى

بالسيـف يعـمل حـدّه لم يصفح

وفي الإرشاد روى شعبة عن أبى إسحاق عن حارث بن مضرّب قال: سمعت علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام يقول: لقد حضرنا بدراً وما فينا فارس غير المقداد بن الأسود، ولقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلّا من نام غير رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه كان منتصباً في أصل شجرة يصلّى فيها ويدعو حتّى الصباح.

أقول: والروايات في قصّة بدر كثيرة جدّاً وقد اقتصرنا منها على ما يتّضح به فهم مضامين الآيات، ومن الأخبار ما سيأتي إن شاء الله في تضاعيف البحث عن الآيات التالية المشيرة الى بعض أطراف القصّة.

( فهرس أسماء شهداء بدر. رض)

في البحار عن الواقديّ قال: حدّثنى عبدالله بن جعفر قال: سألت الزّهريّ كم استشهد من المسلمين ببدر؟ قال: أربعة عشر: ستّة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار.

قال: فمن بنى المطّلب بن عبد مناف، عبيدة بن الحارث قتله عتبه وفى غير رواية الواقديّ قتله شيبة فدفنه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصفراء، ومن بنى زهرة عمير بن ابى وقّـاص قتله عمرو بن عبدودّ فارس الأحزاب، وعمير بن عبدودّ ذو الشمالين حليف لبنى زهرة قتله أبو اُسامة الجشمى، ومن بنى عدىّ عاقل بن أبى البكير حليف لهم من بنى سعد قتله مالك بن زهير، ومهجع مولى عمر بن الخطّاب قتله عامر بن الحضرميّ ويقال: إنّ مهجعاً أوّل من قتل من المهاجرين، ومن بنى الحارث بن فهر صفوان بن بيضاء قتله طعيمة بن عدىّ.

ومن الأنصار ثمّ من بنى عمرو بن عوف، مبشّر بن عبد المنذر قتله أبو ثور، وسعد بن


خيثمة قتله عمرو بن عبدودّ، ويقال: طعيمة بن عدىّ، ومن بنى عدىّ بن النجّار حارثة بن سراقة رماه حنان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فقتله، ومن بنى مالك بن النجّار عوف ومعوذ ابنا عفراء قتلهما أبو جهل، ومن بنى سلمة عمير بن الحمام بن الجموح قتله خالد بن الأعلم، ويقال: إنّه أوّل قتيل قتل من الأنصار وقد روى: أنّ أوّل قتيل منهم حارثة بن سراقة، ومن بنى زريق رافع بن المعلّى قتله عكرمة بن أبى جهل، ومن بنى الحارث بن الخزرج يزيد بن الحارث قتله نوفل بن معاوية فهؤلاء الثمانية من الأنصار.

وروى عن ابن عبّـاس: أنّ أنسة مولى النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) قتل ببدر، وروى: أنّ معاذ بن ماعص جرح ببدر فمات من جراحته بالمدينة، وابن [ أنّ ظ ] عبيد بن السكن جرح فاشتكى جرحه فمات منه.


( سورة الانفال آيه ١٥ - ٢٩)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلّوهُمُ الْأَدْبَارَ ( ١٥ ) وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّا مُتَحَرّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلى‏ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( ١٦ ) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنّ اللّهَ رَمَى‏ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ١٧ ) ذلِكُمْ وَأَنّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ( ١٨ ) إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( ١٩ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( ٢٠ ) وَلاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَيَسْمَعُونَ ( ٢١ ) إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِندَ اللّهِ الصّمّ الْبُكْمُ الّذِينَ لاَيَعْقِلُونَ ( ٢٢ ) وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( ٢٣ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ‏ِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( ٢٤ ) وَاتّقُوا فِتْنَةً لاَتُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصّةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ٢٥ ) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطّفَكُمُ النّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِنَ الطّيّبَاتِ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٢٦ ) يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَتَخُونُوا اللّهَ وَالرّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٢٧ ) وَاعْلَمُوا أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( ٢٨ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِن تَتّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( ٢٩ )


( بيان)

أوامرٌ ونواه متعلّقة بالجهاد الإسلاميّ ممّا يناسب سوق القصّة، وحثّ على تقوى الله وإنذار وتخويف من مخالفة الله ورسوله والتعرّض لسخطه سبحانه، وفيها إشارة إلى بعض ما جرى في وقعة بدر من منن الله وأياديه على المؤمنين.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم الّذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار ) اللّقاء مصدر لقى يلقى من المجرّد ولاقى. يلاقى من المزيد فيه، قال الراغب في مفردات القرآن: اللقاء مقابلة الشئ ومصادفته معاً، وقد يعبّر به عن كلّ واحد منهما يقال: لقيه يلقاه لقاءً ولُـقيّـاً ولُـقية، ويقال ذلك في الإدراك بالحسّ وبالبصر وبالبصيرة قال: لقد كنتم تمنّون الموت من قبل أن تلقوه، وقال: لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً، وملاقاة الله عبارة عن القيامة وعن المصير إليه قال: واعلموا أنّكم ملاقوه، وقال: الّذين يظنّون أنّهم ملاقوا الله، واللّقاء الملاقاة قال: وقال الّذين لا يرجون لقاءنا، وقال: إلى ربّك كدحاً فملاقيه. انتهى.

وقال في المجمع: اللقاء الاجتماع على وجه المقاربة لأنّ الاجتماع قد يكون على غير وجه المقاربة فلا يكون لقاء كاجتماع الأعراض في المحلّ الواحد. انتهى.

وقال فيه: الزحف الدنوّ قليلاً قليلاً، والتزاحف التدانى يقال: زحف يزحف زحفاً وأزحفت للقوم إذا دنوت لقتالهم وثبتّ لهم. قال اللّيث: الزحف جماعة يزحفون إلى عدوّ لهم بمرّة وجمعه زحوف. انتهى.

وتولية الأعداء الأدبار جعلهم يلونها وهو استدبار العدوّ واستقبال جهة الهزيمة.

وخطاب الآية عامّ غير خاصّ بوقت دون وقت ولا غزوة دون غزوة فلا وجه لتخصيصها بغزوة بدر وقصر حرمة الفرار من الزحف بها كما يحكى عن بعض المفسّرين. على أنّك عرفت أنّ ظاهر سياق الآيات أنّها نزلت بعد غزوة بدر لا يومها، وأنّ الآيات ذيل ما في صدر السورة من قوله:( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) الآية، وللكلام تتمّة ستوافيك في البحث الروائيّ إن شاء الله تعالى.


قوله تعالى: ( ومن يولّهم يومئذ دبره إلّا متحرّفاً لقتال أو متحيّـزاً إلى فئة ) إلى آخر الآية. التحرّف: الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف وهو طرف الشئ وهو أن ينحرف وينعطف المقاتل من جهة إلى جهة اُخرى ليتمكّن من عدوّه ويبادر إلى إلقاء الكيد عليه، والتحيّـز هو أخذ الحيّـز وهو المكان، والفئة القطعة من جماعة الناس، والتحيّـز إلى فئة أن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدوّ إلى فئة من قومه فيلحق بهم ويقاتل معهم.

والبواء الرجوع إلى مكان واستقرار فيه، ولذا قال الراغب: أصل البواء مساواة الاجزاء في المكان خلاف النبوّة الّذى هو منافاة الأجزاء. انتهى فمعنى قوله: باء بغضب من الله أي رجع ومعه غضب من الله.

فمعنى الآيتين: يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم الّذين كفروا لقاء زحف أو زاحفين للقتال فلا تفرّوا منهم ومن يفرّ منهم يومئذ أي وقتئذ فقد رجع ومعه غضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير إلّا أن يكون فراره للتحرّف لقتال أو التحيّـز إلى فئة فلا بأس به.

قوله تعالى: ( فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ) إلى آخر الآية، التدبّر في السياق لا يدع شكّاً في أنّ الآية تشير إلى وقعة بدر وما صنعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من رميهم بكفّ من الحصا، والمؤمنون بوضع السيف فيهم وقتلهم القتل الذريع، وذيل الآية أعنى قوله:( وليبلى المؤمنين منه بلاءً حسناً ) يدلّ على أنّ الكلام جار مجرى الامتنان منه تعالى، وقد أثبت تعالى عين ما نفاه في جملة واحدة أعنى قوله:( وما رميت إذ رميت ) .

فمن جميع هذه الشواهد يتحصّل أنّ المراد بقوله:( فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ) نفى أن تكون وقعة بدر وما ظهر فيها من استئصال المشركين والظهور عليهم والظفر بهم جارية على مجرى العادة والمعروف من نواميس الطبيعة، وكيف يسع لقوم هم شرذمة قليلون ما فيهم على ما روى إلّا فرس أو فرسان وبضعة أدرع وبضعة سيوف، أن يستأصلوا جيشاً مجهّزاً بالأفراس والأسلحة والرجال والزاد والراحلة، هم أضعافهم عدّة ولا يقاسون بهم قوّة وشدّة، وأسباب الغلبة عندهم، وعوامل


البأس معهم، والموقف المناسب للتقدّم لهم.

إلّا أنّ الله سبحانه بما أنزل من الملائكة ثبّت أقدام المؤمنين وأرعب قلوب المشركين، وألقى الهزيمة بما رماه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الحصاة عليهم فشملهم المؤمنين قتلاً وأسراً فبطل بذلك كيدهم وخمدت أنفاسهم وسكنت أجراسهم.

فبالحريّ أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدى المؤمنين والرمى الّذى شتّت شملهم وألقى الهزيمة فيهم إليه سبحانه دون المؤمنين.

فما في الآية من النفى جار مجرى الدعوى بنوع من العناية، بالنظر إلى استناد القتل بأطرافها إلى سبب إلهىّ غير عادىّ، ولا ينافى ذلك استنادها بما وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعدّ المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم، والنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رامياً لما رماه من الحصاة.

وقوله:( وليبلى المؤمنين منه بلاءً حسناً ) الظاهر أنّ ضمير( منه ) راجع إلى الله تعالى، والجملة لبيان الغاية وهى معطوفة على مقدّر محذوف، والتقدير: إنّما فعل الله ما فعل من قتلهم ورميهم لمصالح عظيمة عنده، وليبلى المؤمنين ويمتحنهم بلاءً وامتحاناً حسناً أو لينعم عليهم بنعمة حسنة، وهو إفناء خصمهم وإعلاء كلمة التوحيد بهم وإغناؤهم بما غنموا من الغنائم.

وقوله:( إنّ الله سميع عليم ) تعليل لقوله:( وليبلى المؤمنين ) أي إنّه تعالى يبليهم لأنّه سميع باستغاثتهم عليم بحالهم فيبليهم منه بلاءً حسناً.

والتفريع الّذى في صدر الآية:( فلم تقتلوهم ) الخ متعلّق بما يتضمّنه الآيات السابقة:( إذ تستغيثون ربّكم ) إلى آخرالآيات من المعنى، فإنّها تعدّ منن الله عليهم من إنزال الملائكة وإمدادهم بهم وتغشيه النعاس إيّـاهم وإمطار السماء عليهم وما اُوحى إلى الملائكة من تأييدهم وتثبيت أقدامهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، فلمّا بلغ الكلام هذا المبلغ فرّع عليه قوله:( فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ) .

وعلى هذا فقوله:( يا أيّها الّذين آمنوا إذ القيتم - إلى قوله -و بئس المصير ) معترضة


متعلّقة بقوله:( فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان ) أو بمعناه المفهوم من الجمل المسرودة، وقوله:( فلم تقتلوهم ) الخ متّصل بما قبله بحسب النظم.

وربّما يذكر في نظم الآية وجهان آخران:

أحدهما: أنّ الله سبحانه لمّا أمرهم بالقتل في الآية المتقدّمة ذكر عقيبها أنّ ما كان من الفتح يوم بدر وقهر المشركين إنّما كان بنصرته ومعونته تذكيراً للنعمة. ذكره أبو مسلم.

والثانى: أنّهم لمّا اُمروا بالقتال ثمّ كان بعضهم يقول: أنا قتلت فلاناً وأنا فعلت كذا نزلت الآية على وجه التنبيه لهم لئلّا يعجبوا بأعمالهم. وربّما قيل: إنّ الفاء في قوله( فلم تقتلوهم ) لمجرّد ربط الجمل بعضها ببعض. والوجه ما قدّمناه.

قوله تعالى: ( ذلكم وأنّ الله موهن كيد الكافرين ) قال في المجمع:( ذلكم ) موضعه رفع، وكذلك( أنّ الله ) في موضع رفع، والتقدير: الأمر ذلكم والأمر أنّ الله موهن، وكذلك الوجه فيما تقدّم من قوله:( ذلكم فذوقوه وأنّ للكافرين عذاب النار ) ، ومن قال: إنّ( ذلكم ) مبتدء و( فذوقوه ) خبره فقد أخطأ لأنّ ما بعد الفاء لا يكون خبراً لمبتدء، ولا يجوز: زيد فمنطلق، ولا: زيد فاضربه إلّا أن تضمر( هذا ) تريد: هذا زيد فاضربه. انتهى. فمعنى الآية: الأمر ذلكم الّذي ذكرناه والأمر أنّ الله موهن كيد الكافرين.

قوله تعالى: ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) إلى آخر الآية. ظاهر الآية بما تشتمل عليه من الجمل المسرودة كقوله:( وإن تنتهوا فهو خير لكم ) وقوله:( وإن تعودوا نعد ) الخ ان تكون الخطاب فيه للمشركين دون المؤمنين باشتمال الكلام على الالتفات للتهكّم، وهو المناسب لقوله في الآية السابقة:( وأنّ الله موهن كيد الكافرين ) .

فالمعنى: إن طلبتم الفتح وسألتم الله أيّها المشركون أن يفتح بينكم وبين المؤمنين فقد جاءكم الفتح بما أظهر الله من الحقّ يوم بدر فكانت الدائرة للمؤمنين عليكم، وإن تنتهوا عن المكيدة على الله ورسوله فهو خير لكم وإن تعودوا إلى مثل ما كدتم نعد إلى مثل ما أوهنّا به كيدكم، ولن تغنى عنكم جماعتكم شيئاً ولو كثرت كما لم تغن في هذه المرّة وإنّ الله مع المؤمنين ولن يغلب من هو معه.


وبهذا يتأيّد ما ورد أنّ أباجهل قال يوم بدر حين اصطفّ الفريقان أو حين التقى الفئتان: اللّهمّ إنّ محمّـداً أقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فانصر عليه، وفى بعض الروايات - وهو الأنسب - كما في المجمع عن أبى حمزة : قال أبوجهل: اللّهمّ ربّنا ديننا القديم ودين محمّـد الحديث فأىّ الدينين كان أحبّ إليك وأرضى عندك فانصر أهله اليوم.

وذكر بعضهم: أنّ الخطاب في الآية للمؤمنين، ووجّهوا مضامين جملها بما لا يرتضيه الذوق السليم، ولا جدوى للإطالة بذكرها والمناقشة فيها فمن أراد ذلك فعليه بالمطوّلات.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولّوا عنه وأنتم تسمعون ) الضمير على ما يفيده السياق راجع الى الرسول (صلى الله عليه وآله و سلّم )، والمعنى: ولا تولّوا عن الرسول وأنتم تسمعون ما يلقيه اليكم من الدعوة الحقّة وما يأمركم به وينهاكم عنه ممّا فيه صلاح دينكم ودنياكم. ومصبّ الكلام أوامره الحربيّـة وإن كان لفظه أعمّ.

قوله تعالى: ( ولا تكونوا كالّذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) المعنى ظاهر وفيه نوع تعريض للمشركين إذ قالوا: سمعنا، وهو لا يسمعون، وقد حكى الله عنهم ذلك إذ قال بعد عدّة آيات:( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ) الأنفال: ٣١، لكنّهم كذّبوا ولم يسمعوا ولو سمعوا لاستجابوا كما قال الله تعالى:( ولهم آذان لا يسمعون بها ) الأعراف: ١٧٩، وقال تعالى حكاية عن أصحاب السعير :( وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير ) الملك: ١٠ فالمراد بالسمع في الآية الاُولى تلقّى الكلام الحقّ الّذى هو صوت من طريق الاُذن، وفى الآية الثانية الانقياد لما يتضمّنه الكلام الحقّ المسموع.

والآيتان - كما ترى - خطاب متعلّق بالمؤمنين متّصل نوع اتّصال بالآية السابقة عليهما وتعريض للمشركين، فهو تعالى لمّا التفت إلى المشركين فذمّهم وتهكّم عليهم بسؤالهم الفتح، وذكر لهم أنّ الغلبة دائماً لكلمة الإيمان على كلمة الكفر ولدعوة الحقّ على دعوة الباطل، التفت إلى حزبه وهم المؤمنون فأمرهم بالطاعة له ولرسوله، و


حذّرهم عن التولّي عنه بعد استماع كلمة الحقّ، وأن يكونوا كاُولئك إذ قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون.

ومن الممكن أن يكون في الآية إشارة الى عدّة من أهل مكّة آمنوا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولمّا تخلّص قلوبهم من الشكّ خرجوا مع المشركين إلى بدر لحرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فابتلوا بما ابتلى به مشركوا قريش، فقد ورد في الخبر: أنّ فئة من قريش اسلموا بمكّة واحتبسهم آباؤهم فخرجوا مع قريش، يوم بدر، وهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلىّ بن اُميّة بن خلف، والعاص بن منبّه بن الحجّاج، والحارث بن زمعة، وقيس بن الفاكه بن المغيرة ولمّا رأوا قلّة المسلمين قالوا: مساكين هؤلاء غرّهم دينهم، وسيذكرهم الله بعد عدّة آيات بقوله:( وإذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ) الآية.

وربّما قيل: إنّ المراد بالّذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون هم أهل الكتاب من يهود قريظة والنضير. وهو بعيد.

قوله تعالى: ( أنّ شرّ الدوابّ عند الله الصمّ البكم الّذين لا يعقلون ) إلى آخر الآيتين. تعريض وذمّ للّذين سبق ذكرهم من الكفّـار على ما يعطيه سياق الكلام وما اشتملت عليه الآية من الموصول والضمائر المستعملة في اُولى العقل، وعلى هذا فالظاهر أنّ اللّام في قوله:( الصمّ البكم ) للعهد الذكرىّ، ويؤول المعنى إلى أنّ شرّ جميع ما يدبّ على الأرض من أجناس الحيوان وأنواعها هؤلاء الصمّ البكم الّذين لا يعقلون، وإنّما لم يعقلوا لأنّه لا طريق لهم إلى تلقّى الحقّ لفقدهم السمع والنطق فلا يسمعون ولا ينطقون.

ثمّ ذكر تعالى أنّ الله إنّما ابتلاهم بالصمم والبكمة فلا يسمعون كلمة الحقّ ولا ينطقون بكلمة الحقّ، وبالجملة حرمهم نعمة السمع والقبول، لأنّه تعالى لم يجد عندهم خيراً ولم يعلم به ولو كان لعلم، لكن لم يعلم فلم يوفّقهم للسمع والقبول، ولو أنّه تعالى رزقهم السّمع والحال هذه لم يثبت السّمع والقبول فيهم بل تولّوا عن الحقّ وهم معرضون.


ومن هنا يعلم أنّ المراد بالخير حسن السريرة الّذى يثبت به الاستعداد لقبول الحقّ ويستقرّ في القلب، وأنّ المراد بقوله:( ولو أسمعهم ) الإسماع على تقدير عدم الاستعداد الثابت المستقرّ فافهم ذلك فلا يرد أنّه تعالى لو أسمعهم ورزقهم قبول الحقّ استلزم ذلك تحقّق الخير فيهم ولا وجه مع ذلك لتولّيهم وإعراضهم وذلك أنّ الشرط في قوله:( ولو اسمعهم ) على تقدير فقدهم الخير على ما يفيده السياق.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) لمّا دعاهم في قوله:( اطيعوا الله ورسوله ) الخ إلى إطاعة الدعوة الحقّة وعدم التولّى عنها بعد استماعها أكّده ثانياً بالدعوة إلى استجابة الله والرسول في دعوة الرسول، ببيان حقيقة الأمر والركن الواقعيّ الّذى تعتمد عليه هذه الدعوة وهو أنّ هذه الدعوة دعوة إلى ما يحيى الإنسان بإخراجه من مهبط الفناء والبوار، وموقفه في الوجود، أنّ الله سبحانه أقرب إليه من قلبه وأنّه سيحشر إليه فليأخذ حذره وليجمع همّه ويعزم عزمه.

الحياة أنعم نعمة وأعلى سلعة يعتقدها الموجود الحىّ لنفسه كيف لا؟ وهو لا يرى وراءه إلّا العدم والبطلان، وأثرها الّذى هو الشعور والإرادة هو الّذى ترام لأجله الحياة ويرتاح إليه الإنسان ولا يزال يفرّ من الجهل وافتقاد حرّيّـة الإرادة والإختيار وقد جهز الإنسان وهو أحد الموجودات الحيّـة بما يحفظ به حياته الروحيّـة الّتى هي حقيقة وجوده كما جهّز كلّ نوع من أنواع الخليقة بما يحفظ به وجوده وبقاءه.

وهذا الجهاز الإنسانيّ يشخّص له خيراته ومنافعه، ويحذّره من مواطن الشرّ والضرّ.

وإذ كان هذه الهداية الإلهيّـة الّتى يسوق النوع الإنسانيّ إلى نحو سعادته وخيره ويندبه نحو منافع وجوده هداية بحسب التكوين وفي طور الخلقة، ومن المحال أن يقع خطأ في التكوين، كان من الحتم الضرورىّ أن يدرك الإنسان سعادة وجوده إدراكاً لا يقع فيه شكّ كما أنّ سائر الأنواع المخلوقة تسير إلى ما فيه خير وجوده ومنافع شخصه من غير أن يسهو فيه من حيث فطرته، وإنّما يقع الخبط فيما يقع من جهة تأثير عوامل وأسباب اُخر مضادة تؤثّر فيه أثراً مخالفاً ينحرف فيه الشئ عمّا هو خير له إلى ما هو شرّ، وعمّا


فيه نفعه الى ما فيه ضرر يعود إليه، وذلك كالجسم الثقيل الأرضىّ الّذى يستقرّ بحسب الطبيعة الأرضيّـة على بسيط الأرض ثمّ إنّه يبتعد عن الأرض بالحركة إلى جهة العلو بدفع دافع يجبره على خلاف الطبع فإذا بطل أثر الدفع عاد إلى مستقرّه بالحركة نحو الأرض على الاستقامة إلّا أن يمنعه مانع فيخرجه عن السير الاستقامىّ إلى انحراف وأعوجاع.

وهذا هو الّذي يصرّ عليه القرآن الكريم أنّ الإنسان لا يخفى عليه ما فيه سعادته في الحياة من علم وعمل، وأنّه يدرك بفطرته ما هو حقّ الاعتقاد والعمل قال تعالى:( فطرة الله الّتى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّـم ) الروم: ٣٠، وقال تعالى:( الّذى خلق فسوّى والّذى قدّر فهدى - إلى أن قال -فذكّر إن نفعت الذكرى سيذّكّر من يخشى ويتجنّـبها الأشقى ) الأعلى: ١١، وقال تعالى:( ونفس وما سوّاها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها ) الشمس: ١٠.

نعم ربّما أخطأ الإنسان طريق الحقّ في اعتقاد أو عمل وخبط في مشيته لكن لا لأنّ الفطرة الإنسانيّـة والهداية الإلهيّـة أو قعته في ضلالة وأوردته في تهلكة بل لأنّه اغفل عقله ونسى رشده و اتّبع هوى نفسه وما زيّنه جنود الشياطين في عينه، قال تعالى:( إن يتّبعون إلّا الظنّ وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربّهم الهدى ) النجم: ٢٣ وقال:( أفرأيت من اتّخذ إلهه هواه وأضلّه الله على علم ) الجاثية: ٢٣.

فهذه الاُمور الّتى تدعو إليها الفطرة الإنسانيّـة من حقّ العلم والعمل لوازم الحياة السعيدة الإنسانيّـة وهى الحياة الحقيقيّـة الّتى بالحرىّ أن تختصّ باسم الحياة، والحياة السعيدة تستتبعها كما أنّها تستلزم الحياة وتستتبعها، وتعيدها إلى محلّها لو ضعفت الحياة في محلّها بورود ما يضادّها ويبطل رشد فعلها.

فإذا انحرف الإنسان عن سوىّ الصراط الّذى تهديه إليه الفطرة الإنسانيّـة وتسوقه إليه الهداية الإلهيّـة، فقد فقد لوازم الحياة السعيدة من العلم النافع والعمل الصالح، ولحق بحلول الجهل وفساد الارادة الحرّة والعمل النافع بالأموات ولا يحييه إلّا علم حقّ وعمل حقّ، وهما اللّذان تندب إليهما الفطرة وهذا هو الّذى تشير إليه الآية الّتى نبحث عنها:( يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا لله ولرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) .


واللّام في قوله:( لما يحييكم ) بمعنى إلى، وهو شائع في الاستعمال، والّذى يدعو إليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الدين الحقّ وهو الاسلام الّذى يفسّره القرآن الكريم باتّباع الفطرة فيما تندب إليه من علم نافع وعمل صالح.

وللحياة بحسب ما يراه القرآن الكريم معنى آخر أدقّ ممّا نراه بحسب النظر السطحيّ الساذج فإنّا إنّما نعرف من الحياة في بادئ النظر ما يعيش به الإنسان في نشأته الدنيويّـة إلى أن يحلّ به الموت، وهى الّتى تصاحب الشعور والفعل الاراديّ، ويوجد مثلها أو ما يقرب منها في غير الإنسان أيضاً من سائر الأنواع الحيوانيّـة لكنّ الله سبحانه يقول:( وما هذه الحياة الدنيا إلّا لهو ولعب وإنّ الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون ) العنكبوت ٦٤ ويفيد ذلك أنّ الإنسان متمتّع بهذه الحياة غير مشتغل إلّا بالأوهام، وأنّه مشغول بها عمّا هو أهمّ وأوجب من غايات وجوده وأغراض روحه فهو في حجاب مضروب عليه يفصل بينه وبين حقيقة ما يطلبه ويبتغيه من الحياة.

وهذا هو الّذى يشير إليه قوله تعالى وهو من خطابات يوم القيامة:( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق: ٢٢.

فللإنسان حياة اُخرى أعلى كعباً وأغلى قيمة من هذه الحياة الدنيويّـة الّتى يعدّها الله سبحانه لعباً ولهواً، وهى الحياة الاُخرويّـة الّتى سينكشف عن وجهها الغطاء، وهى الحياة الّتى لا يشوبها اللعب واللهو، ولا يدانيها اللغو و التأثيم، لا يسير فيها الإنسان إلّا بنور الإيمان وروح العبوديّـة قال تعالى:( اُولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه ) المجادلة: ٢٢ وقال تعالى:( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) الأنعام: ١٢٢.

فهذه حياة اُخرى أرفع قدراًّ وأعلى منزلة من الحياة الدنيويّـة العامّـة الّتى ربّما شارك فيها الحيوان العجم الإنسان، ويظهر من أمثال قوله تعالى:( وأيّدناه بروح القدس ) البقرة: ٢٥٣ وقوله:( وكذلك اوحينا إليك روحاً من أمرنا ) الآية الشورى: ٥٢ أن هناك حياة اُخرى فوق هاتين الحياتين المذكورتين سيوافيك البحث عنها فيما يناسبها من المورد إن شاء الله.


وبالجملة فللإنسان حياة حقيقيّـة أشرف وأكمل من حياته الدنيّـة الدنيويّـة يتلبّس بها إذا تمّ استعداده بالتحلّى بحلية الدّين والدّخول في زمرة الأولياء الصالحين كما تلبّس بالحياة الدنيويّـة حين تمّ استعداده للتلبّس بها وهو جنين إنسانىّ.

وعلى ذلك ينطبق قوله تعالى في الآية المبحوث عنها:( يا أيها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) فالتلبّس بما تندب إليه الدعوة الحقّة من الاسلام يجرّ إلى الإنسان هذه الحياة الحقيقيّـة كما أنّ هذه الحياة منبع ينبع منه الإسلام وينشأ منه العلم النافع والعمل الصالح، وفي معنى هذه الآية قوله تعالى:( من عمل صالحاً من ذكر أو اُنثى وهو مؤمن فلنحيينّـه حياة طيّـبة ولنجزينّـهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) النحل: ٩٧.

والآية أعني قوله فيها:( إذا دعاكم لما يحييكم ) مطلق لا يأبى الشمول لجميع دعوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المحيية للقلوب، أو بعضها الّذى فيه طبيعة الإحياء أو لنتائجها الّتى هي أنواع الحياة السعيدة الحقيقيّـة كالحياة السعيدة في جوار الله سبحانه في الآخرة.

ومن هنا يظهر أن لا وجه لتقييد الآية بما قيّـدها به أكثر المفسّرين فقد قال بعضهم: إنّ المراد بقوله:( إذا دعاكم لما يحييكم ) بالنظر إلى مورد النزول: إذا دعاكم إلى الجهاد إذ فيه إحياء أمركم و إعزاز دينكم.

وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الشهادة في سبيل الله في جهاد عدوّكم فإنّ الله سبحانه عدّ الشهداء إحياءً كما في قوله:( ولا تحسبنّ الّذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربّهم يرزقون ) آل عمران: ١٦٩.

وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الإيمان، فإنّه حياة القلب والكفر موته، أو إذا دعاكم إلى الحقّ.

وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى القرآن والعلم في الدين لأنّ العلم حياة والجهل موت والقرآن نور وحياة وعلم.

وقيل: المعنى إذا دعاكم إلى الجنّـة لما فيها من الحياة الدّائمة والنعمة الباقية الأبديّـة.


وهذه الوجوه المذكورة يقبل كلّ واحد منها انطباق الآية عليه غير أنّ الآية كما عرفت مطلقة لا موجب لصرفها عمّا لهامن المعنى آلوسيع.

قوله تعالى: ( واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه وأنّه إليه تحشرون ) الحيلولة هي التخلّل وسطاً، والقلب العضو المعروف. ويستعمل كثيراً في القرآن الكريم في الأمر الّذى يدرك به الإنسان ويظهر به أحكام عواطفه الباطنة كالحبّ والبغض والخوف والرجاء والتمنّى والقلق ونحو ذلك فالقلب هو الّذى يقضى ويحكم، وهو الّذى يحبّ شيئاً ويبغض آخر، وهو الّذى يخاف ويرجو ويتمنّى ويسرّ ويحزن، وهو في الحقيقة النفس الإنسانيّـة تفعل بما جهّزت به من القوى والعواطف الباطنة.

والإنسان كسائر ما أبدعه الله من الأنواع الّتى هي أبعاض عالم الخلقة مركّب من أجزاء شتّى مجهّز بقوى وأدوات تابعة لوجوده يملكها ويستخدمها في مقاصد وجوده، والجميع مربوطة به ربطاً يجعل شتات الأجزاء والأبعاض على كثرتها وتفاريق القوى والأدوات على تعدّدها، وأحداً تامّاً يفعل ويترك، ويتحرّك ويسكن، بوحدته وفردانيّـته.

غير أنّ الله سبحانه لمّا كان هو المبدع للإنسان وهو الموجد لكلّ واحد واحد من أجزاء وجوده وتفاريق قواه وأدواته كان هو الّذى يحيط به وبكلّ واحد من أجزاء وجوده وتوابعه، ويملك كلًّا منها بحقيقة معنى الملك يتصرّف فيه كيف يشاء، ويملّك الإنسان ما شاء منها كيف شاء فهو المتوسّط الحائل بين الإنسان وبين كلّ جزء من اجزاء وجوده وكلّ تابع من توابع شخصه: بينه وبين قلبه، بينه وبين سمعه، بينه وبين بصره، بينه ومن بدنه، بينه وبين نفسه. يتصرّف فيها بإيجادها، ويتصرّف فيها بتمليك الإنسان ما شاء منها كيف شاء، وإعطائه ما أعطى، وحرمانه ما حرم.

ونظير الإنسان في ذلك سائر الموجودات فما من شئ في الكون وله ذات وتوابع ذات من قوى وآثار وأفعال إلّا والله سبحانه هو المالك بحقيقة معنى الكلمة لذاته ولتوابع ذاته، وهو المملّك إيّـاه كلًّا من ذاته وتوابع ذاته فهو الحائل المتوسّط بينه وبين ذاته وبينه وبين توابع ذاته من قواه وآثاره وأفعاله.


فالله سبحانه هو الحائل المتوسّط بين الإنسان وبين قلبه وكلّ ما يملكه الإنسان ويرتبط ويتّصل هو به نوعاً من الارتباط والاتّصال وهو أقرب إليه من كلّ شئ كما قال تعالى:( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ) ق: ١٦.

والى هذه الحقيقة يشير قوله:( واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه وأنّه إليه تحشرون ) فهو تعالى لكونه مالكاً لكلّ شئ ومن جملتها الإنسان ملكاً حقيقيّـاً لا مالك حقيقة سواه، أقرب إليه حتّى من نفسه وقوى نفسه الّتى يملكها لأنّه سبحانه هو الّذى يملكه إيّـاها فهو حائل متوسّط بينه وبينها يملّكه إيّـاها ويربطها به فافهم ذلك.

ولذلك عقّب الجملة بقوله:( وأنّه إليه تحشرون ) فإنّ الحشر والبعث هو الّذى ينجلى عندهأنّ المك الحقّ لله وحده لا شريك له، ويبطل عند ذلك كلّ ملك صوريّ وسلطنة ظاهريّـة إلّا ملكه الحقّ جلّ ثناؤه كما قال سبحانه:( لمن الملك اليوم لله الواحد القهّار ) المؤمن: ١٦، وقال:( يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ) الانفطار: ١٩.

فكأنّ الآية تقول: واعلموا أنّ الله هو المالك بالحقيقة لكم ولقلوبكم وهو أقرب إليكم من كلّ شئ ، وأنّه ستحشرون إليه فيظهر حقيقة ملكه لكم وسلطانه عليكم يومئذ فلا يغنى عنكم منه شئ.

وأمّا اتّصال الكلام أعني ارتباط قوله:( واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ) الخ بقوله:( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) فلأنّ حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه، يقطع منبت كلّ عذر في عدم استجابته لله والرسول إذا دعاه لما يحييه، وهو التوحيد الّذى هو حقيقة الدعوة الحقّة فإنّ الله سبحانه لمّا كان أقرب إليه من كلّ شئ حتّى من قلبه الّذى يعرفه بوجدانه قبل كلّ شئ فهو تعالى وحده لا شريك له أعرف إليه من قلبه الّذى هو وسيلة إدراكه وسبب أصل معرفته وعلمه.

فهو يعرف الله إلهاً واحداً لا شريك له قبل معرفته قلبه وكلّ ما يعرفه بقلبه، فمهما شكّ في شئ أو ارتاب في أمر فلن يشكّ في إلهه الواحد الّذى هو ربّ كلّ شئ ولن يضلّ في تشخيص هذه الكلمة الحقّة.


فإذا دعاه داعى الحقّ إلى كلمة الحقّ ودين التوحيد الّذى يحييه لو استجاب له، كان عليه أن يستجيب داعى الله فإنّه لا عذر له في ترك الاستجابة معلّلاً بأنّه لم يعرف حقّـيّـة ما دعى إليه، أو اختلط عليه، أو أعيته المذاهب في الإقبال على الحقّ الصريح فإنّ الله سبحانه هو الحقّ الصريح الّذى لا يحجبه حاجب، ولا يستره ساتر إذ كلّ حجاب مفروض فالله سبحانه أقرب منه إلى الإنسان، وكلّ ما يختلج في القلب من شبهة أو وسوسة فالله سبحانه متوسّط متخلّل بينه - مع ما له من ظرف وهو القلب - وبين الإنسان فلا سبيل للإنسان إلى الجهل بالله والشكّ في توحّده.

وأيضاً فإنّ الله سبحانه لمّا كان حائلاً بين المرء وقلبه فهو أقرب إلى قلبه منه كما أنّه أقرب إليه من قلبه فإنّ الحائل المتوسّط أقرب إلى كلّ من الطرفين من الطرف الآخر، وإذا كان تعالى أقرب إلى قلب الإنسان منه فهو أعلم بما في قلبه منه.

فعلى الإنسان إذا دعاه داعى الحقّ إلى ما يحييه من الحقّ أن يستجيب دعائه بقلبه كما يستجيبه بلسانه، ولا يضمر في قلبه ما لا يوافق ما لبّـاه بلسانه وهو النفاق فإنّ الله أعلم بما في قلبه منه وسيحشر إليه فينبّـؤه بحقيقة عمله ويخبره بما طواه في قلبه قال تعالى:( يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شئ ) المؤمن: ١٦، وقال:( ولا يكتمون الله حديثاً ) النساء: ٤٢.

وأيضاً فإنّ الله سبحانه لمّا كان هو الحائل بين الإنسان وقلبه وهو المالك للقلب بحقيقة معنى الملك كان هو المتصرّف في القلب قبل الإنسان وله أن يتصرّف فيه بما شاء فما يجده الإنسان في قلبه من إيمان أو شكّ أو خوف أو رجاء أو طمأنينة أو قلق واضطراب أو غير ذلك ممّا ينسب إليه باختيار أو اضطرار، فله انتساب إليه تعالى بتصرّفه فيما هو أقرب إليه من كلّ شئ تصرّفاً بالتوفيق أو الخذلان أو أيّ نوع من أنواع التربية الإلهيّـة، يتصرّف بما شاء ويحكم بما أراد من غيرأن يمنعه مانع أو يهدّده ذمّ أو لوم كما قال تعالى:( والله يحكم لا معقّب لحكمه ) الرعد: ٤١، وقال تعالى:( له الملك وله الحمد وهو على كلّ شئ قدير ) التغابن: ١.

فمن الجهل أن يثق الإنسان بما يجد في قلبه من الإيمان بالحقّ أو التلبّس


بنيّـة حسنة أو عزيمة على خير أو همّ بصلاح وتقوى، بمعنى أن يرى استقلاله بملك قلبه وقدرته المطلقة على ما يهمّ به فإنّ القلب بين أصابع الرحمان يقلّبه كيف يشاء وهو المالك له بحقيقة معنى الملك والمحيط به بتمام معنى الكلمة، قال تعالى:( ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ) الانعام: ١١٠، فمن الواجب عليه أن يؤمن بالحقّ ويعزم على الخير على مخافة من الله تعالى أن يقلّبه من السعادة إلى الشقاء ويحوّل قلبه من حال الاستقامة إلى حال الانتكاس والانحراف، ولا يأمن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلّا القوم الخاسرون.

وكذلك الإنسان إذا وجد قلبه غير مقبل على كلمة الحقّ والعزم على الخير وصالح العمل، عليه أن يبادر إلى استجابة الله ورسوله فيما يدعوه إلى ما يحييه، ولا ينهزم عمّا يهجم عليه من أسباب اليأس وعوامل القنوط من ناحية قلبه فإنّ الله سبحانه يحوّل بين المرء وقلبه، وهو القادر على أن يصلح سرّه ويحوّل قلبه إلى أحسن حال ويشمله بروح منه ورحمه فإنّما الأمر إليه، وقد قال:( إنّه لا ييأس من روح الله إلّا القوم الكافرون ) يوسف: ٨٧، وقال:( ومن يقنط من رحمة ربّه إلّا الضالّون ) الحجر: ٥٦.

فالآية الكريمة - كما ترى - من أجمع الآيات القرآنيّـة تشتمل على معرفة حقيقيّـة من المعارف الإلهيّـة - مسألة الحيلولة - وهى تقطع عذر المتجاهلين في معرفة الله سبحانه من الكفّـار والمشركين، وتقلع غرّة النفاق من أصلها بتوجيه نفوس المنافقين إلى مقام ربّهم وأنّه أعلم بما في قلوبهم منهم، ويلقى إلى المسلمين والّذين هم في طريق الإيمان بالله وآياته مسألة نفسيّـة تعلّمهم أنّهم غير مستقلّين في ملك قلوبهم ولا منقطعون في ذلك من ربّهم فيزول بذلك رذيلة الكبر عمّن يرى لنفسه استقلالاً وسلطنة فيما يملكه فلا يغرّه ما يشاهده من تقوى القلب وإيمان السرّ، ورذيله اليأس والقنوط عمّن يحيط بقلبه دواهي الهوى ودواعى أعراض الدنيا فيتثاقل عن الإيمان بالحقّ والإقبال على الخير، ويورثه ذلك اليأس والقنوط.

وممّا تقدّم يظهر أنّ قوله:( واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ) الخ تعليل


لقوله تعالى:( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) على جميع التقادير من وجوه معناه.

وبذلك يظهر أيضاً أنّ الآية أوسع معنى ممّا أورده المفسّرون من تفسيرها: كقول من قال: إنّ المراد أنّ الله سبحانه أقرب إلى المرء من قلبه نظير قوله: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، وفيه تحذير شديد.

وقول من قال: إنّ المراد أنّ القلب لا يستطيع أن يكتم الله حديثاً فإنّ الله أقرب إلى قلب الإنسان من نفسه، فما يعلمه الإنسان من قلبه يعلمه الله قبله.

وقول من قال: إنّ المراد أنّه يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت فلا يمكنه استدراك ما فات فبادروا إلى الطاعات قبل الحيلولة ودعوا التسويف، وفيه حثّ على الطاعة قبل حلول المانع.

وقول من قال: معناه أنّ الله سبحانه يملك تقليب القلوب من حال إلى حال فكأنّهم خافوا من القتال فأعلمهم الله سبحانه أنّه يبدّل خوفهم أمناً بأن يحول بينهم وبين ما يتفكّرون فيه من أسباب الخوف.

وقد ورد في الحديث عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام أنّ المراد بذلك أنّ الله سبحانه يحول بين الإنسان وبين أن يعلم أنّ الحقّ باطل أو أنّ الباطل حقّ، وسيجئ في البحث الروائيّ إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: ( واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة واعلموا أنّ الله شديد العقاب ) قرأ علىّ والباقرعليهم‌السلام من أئمّـة أهل البيت وكذا زيد بن ثابت والربيع بن أنس وأبوالعالية على ما في المجمع: لتصيبنّ باللام ونون التأكيد الثقيلة، والقراءة المشهورة: لا تصيبنّ بلا الناهية ونون التأكيد الثقيلة.

وعلى أيّ تقدير كان، تحذّر الآية جميع المؤمنين عن فتنة تختصّ بالظالمين منهم، ولا يتعدّاهم إلى غيرهم من الكفّـار والمشركين، واختصاصها بالظالمين من المؤمنين وأمر عامّـتهم مع ذلك باتّـقائها يدلّ على أنّها وإن كانت قائمة ببعض الجماعة لكنّ السيّئ من أثرها يعمّ الجميع ثمّ قوله تعالى:( واعلموا أنّ الله شديد العقاب ) تهديد للجميع بالعقاب


الشديد ولا دليل يدلّ على اختصاص هذا العقاب بالحياة الدنيا وكونه من العذاب الدنيويّ من قبيل الاختلافات القوميّـة وشيوع القتل والفساد وارتفاع الأمن والسلام ونحو ذلك.

ومقتضى ذلك أن تكون الفتنة المذكورة على اختصاصها ببعض القوم ممّا يوجب على عامّـة الاُمّـة أن يبادروا على دفعها، ويقطعوا دابرها ويطفؤوا لهيب نارها بما أوجب الله عليهم من النهى عن المنكر والأمر بالمعروف.

فيؤول معنى الكلام إلى تحذير عامّـة المسلمين عن المساهلة في أمر الاختلافات الداخليّـة الّتى تهدّد وحدتهم وتوجب شقّ عصاهم واختلاف كلمتهم، ولا تلبث دون أن تحزّبهم أحزاباً وتبعّـضهم أبعاضاً، ويكون الملك لمن غلب منهم، والغلبة لكلمة الفساد لا لكلمة الحقّ والدين الحنيف الّذى يشترك فيه عامّـة المسلمين.

فهذه فتنة تقوم بالبعض منهم خاصّـة وهم الظالمون غير أنّ سيّئ أثره يعمّ الكلّ ويشمل الجميع فيستوعبهم الذلّة والمسكنة وكلّ ما يترقّب من مرّ البلاء بنشوء الاختلاف فيما بينهم، وهم جميعاً مسئولون عند الله والله شديد العقاب.

وقد أبهم الله تعالى أمر هذه الفتنة ولم يعرّفها بكمال اسمها ورسمها غير أنّ قوله فيما بعد:( لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) وقوله:( واعلموا أنّ الله شديد العقاب ) - كما تقدّم - يوضحها بعض الإيضاح، وهو أنّها اختلاف البعض من الاُمّـة مع بعض منها في أمر يعلم جميعهم وجه الحقّ فيه فيجمح البعض عن قبول الحقّ ويقدم إلى المنكر بظلمه فلا يرد عونه عن ظلمه ولا ينهونه عن ما يأتيه من المنكر، وليس كلّ ظلم، بل الظلم الّذى يسرى سوء أثره إلى كافّة المؤمنين وعامّـة الاُمّـة لمكان أمره سبحانه الجميع بإتّـقائه، فالظلم الّذى هو لبعض الاُمّـة ويجب على الجميع أن يتّـقوه، ليس إلّا ما هو من قبيل التغلّب على الحكومة الحقّة الإسلاميّـة، والتظاهر بهدم القطعيّـات من الكتاب والسنّة الّتى هي من حقوقها.

وأيّـا مّا كان ففى الفتن الواقعة في صدر الإسلام ما ينطبق عليه الآية أوضح انطباق وقد انهدمت بها الوحده الدينيّـة، وبدت الفُرقة ونفدت القوّة، وذهبت الشوكة على ما اشتملت عليه من القتل والسبي والنهب وهتك الأعراض والحرمات وهجر الكتاب وإلغاء


السنّة، وقال الرسول: يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجوراً.

ومن شمول مشأمتها وتعرّق فسادها أنّ الاُمّـة لا تستطيع الخروج من أليم عذابها حتّى بعد التنبّـه منهم لسوء فعالهم وتفريطهم في جنب الله كلّما أرادوا أن يخرجوا منها اُعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق.

وقد تفطّن بعض المفسّرين بأنّ الآية تحذّر الاُمّـة وتهدّدهم بفتنه تشمل عامّـتهم وتفرّق جمعهم، وتشتّت شملهم، وتوعدهم بعذاب الله الشديد، وقد أحسن التفطّن غير أنّه تكلّف في توجيه العذاب بالعذاب الدنيويّ، وتحمّل في تقييد ما في الآية من إطلاق العقاب، وأنّى لهم التناوش من مكان بعيد.

ولنرجع إلى لفظ الآية:

أمّا على قراءة أهل البيتعليه‌السلام وزيد:( واتّقوا فتنة لتصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) فاللّام في( لتصيبنّ ) للقسم والنون الثقيله لتأكيده، والتقدير: واتّقوا فتنة اُقسم لتصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة، وخاصّـة حال من الفتنة، والمعنى اتّقوا فتنة تختصّ إصابته بالّذين ظلموا منكم أيّها المخاطبون وهم الّذين آمنوا، وعليك أن تتذكّر ما سلف بيانه أنّ لفظ:( الّذين آمنوا ) في القرآن خطاب تشريفيّ للمؤمنين في أوّل البعثة وبدء انتشار الدعوة لو لا قرينة صارفة عن ذلك، ثمّ تذكر أنّ فتن صدر الإسلام تنتهى إلى أصحاب بدر، والآية على أيّ حال يأمر الجميع أن يتّقوا فتنة تثيرها بعضهم، وليس إلّا لأنّ أثرها السيّئ يعمّ الجميع كما تقدّم.

وأمّا على قراءة المشهور:( واتّقوا فتنه لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) فقد ذكروا: أنّ لا في( لا تصيبنّ ) ناهية والنون لتأكيد النهى، وليس( لا تصيبنّ ) جواباً للأمر في( اتّقوا ) بل الكلام جار مجرى الابتداء والاستيناف كقوله تعالى:( يا أيّها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّـكم سليمان وجنوده ) النمل: ١٨ فقد قال أوّلاً:( واتّقوا فتنة ) ثمّ استأنف وقال:( لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) لاتّصال الجملتين معنى.

وربّما جوّز بعض النحاة أن يكون( لا تصيبنّ ) ونهياً وارداً في جواب الأمر كما


يقال: اتّق زيداً لا يضربك أو لا يضربنّـك والتقدير: اتّق زيداً فإنّك إن اتّقيته لا يضربك ولم يشترط في نون التأكيد أن لا يدخل الخبر.

وربّما قال بعضهم: إنّ لا زائدة والمعنى: اتّقوا فتنة تصيبنّ الآية.

وربّما ذكر آخرون:( أنّ أصل لا تصيبنّ ) ( لتصيبنّ ) اشبعت فتحة اللّام حتّى تولّدت الألف، وإشباع الفتحة ليس بعزيز في الشعر قال:

فأنت من الغوائل حين ترمى

ومن ذمّ الرجال بمنتزاح

يريد: بمنتزح، والوجهان بعيدان لا يحمل على مثلهما كلامه تعالى.

ومال المعنى على هذا الوجه أي على قراءة الاُولى( لا تصيبنّ ) أيضاً إلى ما تفيده القراءة الاُولى( لتصيبنّ ) كما عرفت.

والآية - كما عرفت - تتضمّن خطاباً اجتماعيّـاً متوجّهاً إلى مجموع الاُمّـة وذلك يؤيّد كون الخطاب في الآية السابقة:( يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) خطاباً اجتماعيّـاً متوجّهاً إلى كافّة المؤمنين، ويتفرّع عليه أنّ المراد بالدعوة إلى ما يحييهم الدعوة إلى الاتّفاق على الاعتصام بحبل الله وإقامة الدين وعدم التفرّق فيه كما قال:( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا ) آل عمران: ١٠٣ وقال:( أن اقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه ) الشورى: ١٣ وقوله:( وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله ) الانعام: ١٥٣.

وبهذا يتأيّد بعض الوجوه المذكورة سابقاً في قوله:( إذا دعاكم لما يحييكم ) وكذا في قوله:( أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ) وتختصّ الآية به بحسب السياق وإن كانت تفيد معنى أوسع من ذلك باعتبار أخذها في نفسها مفردة عن السياق، والباحث الناقد لا يعوز عليه تمييز ذلك والله الهادى.

قوله تعالى: ( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس ) إلى آخر الآية. الاستضعاف عدٌّ الشئ ضعيفاً بتوهين أمره، والتخطّف والخطف والاختطاف أخذ الشئ بسرعة انتزاع، والإيواء جعل الإنسان ذا مأوى ومسكن يرجع إليه ويأوى، والتأييد من الأيد وهو القوّة.


والسياق يدلّ على أنّ المراد بقوله:( إذ انتم قليل مستضعفون في الأرض ) الزمان الّذى كان المسلمون محصورين بمكّة قبل الهجرة وهم قليل مستضعفون، وبقوله:( تخافون أن يتخطّفكم الناس ) مشركوا العرب وصناديد قريش، وبقوله :( فآواكم ) أي بالمدينة وبقوله :( وأيّدكم بنصره ) ما أسبغ عليهم من نعمة النصر ببدر، وبقوله:( ورزقكم من الطيّـبات ) ما رزقهم من الغنائم وأحلّها لهم.

وما عدّه في الآية من احوال المؤمنين ومننه عليهم بالإيواء وإن كانت ممّا يختصّ بالمهاجرين منهم دون الأنصار إلّا أنّ المراد الامتنان على جميعهم من المهاجرين والأنصار فأنّهم اُمّـة واحدة يوحّدهم دين واحد. على أنّ فيما ذكره الله في الآية من مننه التأييد بالنصر والرزق من الطيّـبات وهما يعمّـان الجميع، هذا بحسب ما تقتضيه الآية من حيث وقوعها في سياق آيات بدر، ولكن هي وحدها وباعتبار نفسها تعمّ جميع المسلمين من حيث إنّهم اُمّـة واحدة يرجع لاحقهم إلى سابقهم فقد بدأ ظهور الإسلام فيهم وهم قليل مستضعفون بمكّة يخافون أن يتخطّفهم الناس فآواهم بالمدينة وكثّرهم بالأنصار وأيّدهم بنصره في بدر وغيره ورزقهم من جميع الطيّـبات الغنائم وغيرها من سائر النعم لعلّهم يشكرون.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) إلي آخر الآيتين. الخيانة نقض الأمانة الّتى هي حفظ الأمن لحقّ من الحقوق بعهد أو وصيّـة ونحو ذلك، قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد إلّا أنّ الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين ثمّ يتداخلان فالخيانة مخالفة الحقّ بنقض العهد في السرّ، ونقيض الخيانة الأمانة يقال: خنت فلاناً، وخنت أمانة فلان وعلى ذلك قوله: لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم. انتهى.

وقوله:( وتخونوا أماناتكم ) من الجائز أن يكون مجزوماً معطوفاً على تخونوا السابق، والمعنى: ولا تخونوا أماناتكم، وأن يكون منصوباً بحذف أن والتقدير: وأن تخونوا أماناتكم ويؤيّد الوجه الثاني قوله بعده:( وأنتم تعلمون ) .

وذلك أنّ الخيانة وإن كانت إنّما يتعلّق النهى التحريميّ بها عند العلم فلا نهى مع جهل بالموضوع ولا تحريم غير أنّ العلم من الشرائط العامّـة الّتى لا ينجز تكليف من


التكاليف المولويّـة إلّا به فلا نكتة ظاهرة في تقييد النهى عن الخيانة بالعلم مع أنّ العلم لكونه شرطاً عامّاً مستغنى عن ذكره، وظاهر قوله:( وأنتم تعلمون ) بحذف متعلّقات الفعل أنّ المراد: ولكم علم بأنّه خيانة لا ما قيل: إنّ المعنى: وأنتم تعلمون مفاسد الخيانة وسوء عاقبتها وتحريم الله إيّـاها فإنّ ذلك لا دليل عليه من جهة اللفظ ولا من جهه السياق.

فالوجه أن تكون الجملة بتقدير: وأن تخونوا أماناتكم، ويكون مجموع قوله:( لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ) نهياً واحداً متعلّقاً بنوع خيانة هي خيانة أمانة الله ورسوله وهى بعينها خيانة لأمانة المؤمنين أنفسهم فإنّ من الأمانة ما هي أمانة الله سبحانه عند الناس كأحكامه المشرّعة من عنده ومنها ما هي أمانة الرسول كسيرته الحسنه، ومنها ما هي أمانة الناس بعضهم عند بعض كالأمانات من أموالهم أو أسرارهم، ومنها ما يشترك فيه الله ورسوله والمؤمنون، وهى الاُمور الّتى أمر بها الله سبحانه وأجراها الرسول وينتفع بها الناس ويقوم بها صلب مجتمعهم كالأسرار السياسيّـة والمقاصد الحربيّـة الّتى تضيع بإفشائها آمال الدين وتضلّ بإذاعتها مساعي الحكومة الإسلاميّـة فيبطل به حقّ الله ورسوله ويعود ضرره إلى عامّـة المؤمنين.

فهذا النوع من الأمانة خيانته خيانةٌ لله ورسوله وللمؤمنين فالخائن بهذه الخيانة من المؤمنين يخون الله والرسول وهو يعلم أنّ هذه الأمانة الّتى يخونها أمانةٌ لنفسه ولسائر إخوانه المؤمنين وهو يخون أمانة نفسه، ولن يقدم عاقل على الخيانة لأمانة نفسه فإنّ الإنسان بعقله الموهوب له يدرك قبح الخيانة للأمانة فكيف يخون أمانة نفسه؟

فالمراد بقوله:( وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) - والله أعلم - وتخونوا في ضمن خيانة الله والرسول أماناتكم والحال أنّكم تعلمون أنّها أمانات أنفسكم وتخونونها، وأىّ عاقل يقدم على خيانة أمانة نفسه والاضرار بما لا يعود إلّا إلى شخصه فتذييل النهى بقوله:( وأنتم تعلمون ) لتهييج العصبيّـة الحقّة وإثارة قضاء الفطرة لا لبيان شرط من شرائط التكليف.

فكأنّ بعض أفراد المسلمين كان يفشى اُموراً من عزائم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المكتومة من المشركين أو يخبرهم ببعض أسراره فسمّاه الله تعالى خيانة. ونهى عنه، وعدّها خيانة لله


والرسول والمؤمنين.

ويؤيّد ذلك قوله بعد هذا النهى:( واعلموا أنّما أموالكم وأولادكم فتنة ) الخ فإنّ ظاهر السياق أنّه متّصل بما قبله غير مستقلّ عنه، ويفيد حينئذ أنّ موعظتهم في أمر الأموال والأولاد مع النهى عن خيانة الله والرسول وأماناتهم إنّما هو لإخبار المخبر منهم المشركين بأسرار رسول الله المكتومة، استمالة منهم مخافة أن يتعدّوا على أموالهم وأولادهم الّذين تركوهم بمكّة بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يخبرونهم بالأخبار إلقاءً للمودّة واستبقاء للمال والولد أو ما يشابه ذلك نظير ما كان من أبى لبابة مع بنى قريظة.

وهذا يؤيّد ما ورد في سبب النزول أنّ أباسفيان خرج من مكّة بمال كثير فأخبر جبرئيل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخروجه وأشار عليه بالخروج إليه وكتمان أمره فكتب إليه بعضهم بالخبر فأنزل الله:( يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) وفي نزول الآية بعض أحاديث اُخر سيأتي إن شاء الله في البحث الروائيّ التالى.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا إن تتّقوا الله يجعل لكم فرقاناً ويكفر عنكم سيّآتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم ) الفرقان ما يفرّق به بين الشئ والشئ، وهو في الآية بقرينة السياق وتفريعه على التقوى الفرقان بين الحقّ والباطل سواء كان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر وكلّ هدى وضلال أو في العمل بالتمييز بين الطاعة والمعصية وكلّ ما يرضى الله أو يسخطه، أو في الرأى والنظر بالفصل بين الصواب والخطأ فإنّ ذلك كلّه ممّا تثمره شجرة التقوى، وقد أطلق الفرقان في الآية ولم يقيّـده وقد عدّ جمل الخير والشرّ في الآيات السابقة والجميع يحتاج إلى الفرقان.

ونظير الآية بحسب المعنى قوله تعالى:( ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه ) وقد تقدّم الكلام في معنى تكفير السيّآت والمغفرة، والآية بمنزلة تلخيص الكلام في الأوامر والنواهي الّتى تتضمّنها الآيات السابقة أي إن تتّقوا الله لم يختلط عندكم ما يرضى الله في جميع ما تقدّم بما يسخطه ويكفّر عنكم سيّآتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم.


( بحث روائي)

في الكافي بإسناده عن عقيل الخزاعىّ: أنّ أميرالمؤمنينعليه‌السلام قال: إنّ الرعب والخوف من جهاد المستحقّ للجهاد والمتوازرين على الضلال، ضلالٌ في الدين وسلب للدنيا مع الذلّ والصغار، وفيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال يقول الله عزّوجلّ:( يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم الّذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار ) .

وفي الفقيه والعلل بإسناده عن ابن شاذان: أنّ أباالحسن الرضاعليه‌السلام كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: حرّم الله الفرار من الزحف لما فيه من الوهن في الدين، والاستخفاف بالرسل والأئمّـة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على ترك ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبيّـة وإظهار العدل، وترك الجور وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرأة العدوّ على المسلمين، وما يكون في ذلك من السبى والقتل وإبطال دين الله عزّوجلّ وغيره من الفساد.

أقول: وقد استفاضت الروايات عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام أنّ الفرار من الزحف من المعاصي الكبيرة الموبقة، وقد تقدّم طرف منها في البحث عن الكبائر في تفسير قوله تعالى:( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّآتكم ) النساء: ٣١ في الجزء الرابع من الكتاب.

وعلى ذلك روايات من طرق أهل السنّة كما في صحيحي البخاريّ ومسلم عن أبى هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله وقتل النفس الّتى حرّم الله إلّا بالحقّ والسحر وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولّى يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وهناك روايات اُخرى عن ابن عبّـاس وغيره تدلّ على كون الفرار من الزحف من الكبائر.

نعم قوله تعالى:( اليوم خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مأة صابرة يغلبوا مأتين ) الآية يقيّد إطلاق آية تحريم الفرار بما دون الثلاثة لواحد.

وقد روى من طرقهم عن عمر بن الخطّاب وعبدالله بن عمرو بن عبّـاس وأبى هريرة


وأبى سعيد الخدرىّ وغيرهم كما في الدرّ المنثور: أنّ تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية خاصّ بيوم بدر.

وربّما وجّه ذلك بأنّ الآية نزلت يوم بدر، وأنّ الظرف في قوله:( ومن يولّهم يومئذ دبره ) إشارة إلى يوم بدر، وقد عرفت أنّ سياق الآيات يشهد بنزولها بعد يوم بدر، وأنّ المراد بقوله:( يومئذ ) هو يوم الزحف لا يوم بدر. على أنّه لو فرض نزولها يوم بدر لم يوجب خصوص السبب في عموم مدلول الآية شيئاً كما في سائر الآيات الّتى جمعت بين عموم الدلالة وخصوص السبب.

قال صاحب المنار في تفسيره: وإنّما قد يتّجه بناء التخصيص على قرينة الحال لو كانت الآية قد نزلت قبل اشتباك القتال - خلافاً للجمهور - مع ما لغزوة بدر من الخصائص ككونها أوّل غزوة في الإسلام لو انهزم فيها المسلمون والنبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم لكانت الفتنة كبيرة. وتأييد المسلمين بالملائكة يثبّـتونهم، ووعده تعالى بنصرهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم.

فإذا نظرنا إلى مجموع الخصائص وقرينة الحال في النهى اتّجه كون التحريم المقرون بالوعيد الشديد الّذى في الآية خاصّا بها. أضف إلى ذلك أنّ الله تعالى امتحن الصحابة (رض) بالتولّي والإدبار في القتال مرّتين مع وجودهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معهم: يوم اُحد وفيه يقول الله تعالى:( ٣: ١٥٥ إنّ الّذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنّما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إنّ الله غفور حليم ) ويوم حنين، وفيه يقول الله تعالى:( ٩: ٢٥ لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مدبرين ٢٦، ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) الخ، وهذا لا ينافى كون التولّى حراماً ومن الكبائر، ولا يقتضى أن يكون كلّ تولّ لغير السببين المستثنيين في آية الأنفال يبوء صاحبه بغضب عظيم من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير بل قد يكون دون ذلك، ويتقيّـد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة، وبالنهى عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها كما تقدّم في سورة البقرة وسيأتى تفصيله قريباً.


وقد روى أحمد وأصحاب السنن إلّا النسائيّ من حديث ابن عمر قال: كنت في سريّـة من سرايا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثمّ قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا؟، ثمّ قلنا: لو عرضنا نفوسنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فإن كان لنا توبة وإلّا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: من الفرّارون؟ فقلنا: نحن الفرّارون. قال: بل أنتم العكّارون أنا فئتكم وفئة المسلمين. قال: فأتينا حتّى قبّـلنا يده.

(ولفظ أبى داود) فقلنا: ندخل المدينة فنبيت فيها لنذهب ولا يرانا أحد فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإن كانت لنا توبة أقمنا وإن كان غير ذلك ذهبنا فجلسنا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل صلاة الفجر فلمّا خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرّارون الخ.

تأوّل بعضهم هذا الحديث بتوسّع في معنى التحيّـز إلى فئة لا يبقى معه للوعيد معنى ولا للّغة حكم، وقد قال الترمذيّ فيه: حسن لا نعرفه إلّا من حديث يزيد بن أبى زياد أقول: وهو مختلف فيه ضعّفه الكثيرون، وقال ابن حبّان كان صدوقاً إلّا أنّه لمّا كبر ساء حفظه وتغيّر فوقعت المناكير في حديثه فمن سمع منه قبل التغيّر فسماعه صحيح، وجملة القول: أنّ هذا الحديث لا وزن له في هذه المسألة لا متناً ولا سنداً، وفي معناه أثر عن عمر هو دونه فلا يوضع في ميزان هذه المسألة. انتهى.

أقول: والّذى نقله في أوّل كلامه من الوجوه والقرائن المحتفّة بغزوة بدر من كونه أوّل غزوة في الإسلام، وكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهم ونحو ذلك مشتركة بحسب حقيقة الملاك بينها وبين أمثال غزوة اُحد والخندق وخيبر وحنين، والإسلام أيّـامئذ في حاجة شديدة إلى الرجال المقاتلين ثباتهم في الزحوف، والنبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهم، والله وعدهم بالنصرو أنزل في بعضها الملائكة لتأييدهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم.

والّذى ذكره من الآيات النازلة في فرارهم يوم اُحد ويوم حنين لا دلالة فيها على عدم شمول وعيد آية الأنفال لهم إذ ذاك وأىّ مانع يمنع من ذلك والآية مطلقة وليس هناك مقيّـد يقيّـدها.


ومن العجيب تسليمه كون فرارهم في اليومين كبيرة محرّمة ثمّ قوله: إنّ ذلك لا يقتضى كونه ممّا يبوء صاحبه بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير بل قد يكون دون ذلك مع أنّ الكبائر الموبقة هي المعاصي الّتى أوعد الله عليها النار.

وأعجب منه قوله: إنّه يتقيّـد بآية رخصة الضعف الآتية في هذه السورة، وبالنهى عن إلقاء النفس في التهلكة من حيث عمومها ! مع أنّ آية رخصة الضعف إنّما تدلّ على الرخصة في الفرار إذا كان يربو عدد الزاحفين من الأعداء على الضعف.

وآية النهى عن إلقاء النفس في التهلكة لو دلّت بعمومها على أزيد ممّا يدلّ عليه آية رخصة الضعف لغت آية الأنفال وبقيت بلا مصداق كما أنّ التأوّل في قوله تعالى:( أو متحيّـزاً إلى فئة ) على حسب ما تقتضيه رواية ابن عمر يوجب إلغاء الآية كما ذكره صاحب المنار فقد تلخّص أن لا مناص عن إبقاء الآية على ظاهر إطلاقها.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن موسى بن جعفرعليه‌السلام في الآية:( إلّا متحرّفاً لقتال ) قال متطرّداً يريد الكرّة عليهم( أو متحيّـزاً إلى فئة ) يعنى متأخّراً إلى أصحابه من غير هزيمة. من انهزم حتّى يجوز صفّ أصحابه فقد باء بغضب من الله.

أقول: تشير الرواية إلى نكتة مهمّة في لفظ الآية، وهى أنّ النهى إنّما تعلّقت في الآية على تولّى الأدبار وهى أعمّ من الانهزام فإذا استثنى الموردان أعنى التحرّف لقتال والتحيّـز إلى فئة وهى غير موارد الفرار عن هزيمة، بقيت موارد الهزيمة تحت النهى فكلّ انهزام عن أعداء الدين إذا لم يجوزوا الضعف عدداً حرام محرّم.

وفي تفسير البرهان عن إبن شهر آشوب عن الثعلبيّ عن ضحّاك عن عكرمة عن ابن عبّـاس في قوله تعالى:( وما رميت إذ رميت ) أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعلّى: ناولنى كفّاً من حصى وناوله ورمى به في وجوه قريش فما بقى أحد إلّا امتلأت عيناه من الحصى.

أقول: ورواه في الدرّ المنثور عن الطبرانيّ وأبى الشيخ وابن مردويه عن ابن عبّـاس وروى العيّـاشيّ في تفسيره حديث المناولة عن محمّـد بن كليب الأسديّ عن أبيه عن الصادقعليه‌السلام ، وفي خبر آخر عن علىّعليه‌السلام .

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن جرير عن محمّـد بن قيس ومحمّد بن كعب رضى الله عنهما


قالا لمّا دنا القوم بعضهم من بعض أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه فدخلت في أعينهم كلّهم، وأقبل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) يقتلونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول االله (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) فأنزل الله:( وما رميت إذ رميت - إلى قوله - سميع عليم ) .

أقول: والمراد بنزول الآية نزولها بعد ذلك وهى تقصّ القصّة لا نزولها وقتئذ، وهو شائع في أسباب النزول. وقد ذكر ابن هشام في سيرته: أنّ النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) رماهم بالتراب ثمّ أمر أصحابه بالكرّة فكانت الهزيمة.

وفيه أخرج ابن أبى شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه وابن منده والحاكم وصحّحه والبيهقيّ في الدلائل عن ابن شهاب عن عبدالله بن ثعلبة بن صعير: أنّ أباجهل قال حين التقى القوم: اللّهمّ أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة فكان ذلك استفتاحاً منه فنزلت:( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) الآية.

وفي المجمع في قوله تعالى:( إنّ شرّ الدوابّ عند الله ) الآية قال: قال الباقرعليه‌السلام : هم بنو عبد الدار لم يكن أسلم منهم غير مصعب بن عمير وحليف لهم يقال له: سويبط.

وفي جامع الجوامع: قال الباقرعليه‌السلام هم بنو عبد الدار لم يسلم منهم غير مصعب بن عمير وسويد بن حرملة، وكانوا يقولون: نحن صمٌّ بكمٌ عمىٌ عمّا جاء به محمّـد، وقد قتلوا جميعاً باُحد وكانوا أصحاب اللواء.

أقول: وروى في الدرّ المنثورما في معناه بطرق عن ابن عبّـاس وقتادة، والرواية من قبيل الجرى والانطباق، والآية عامّـة.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) الآية. قال: قال الحياة الجنّـة.

وفي الكافي بإسناده عن أبى الربيع الشاميّ قال: سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن قول الله عزوجل:( يا أيّها الّذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) قال:


نزلت في ولاية علىّعليه‌السلام .

أقول: ورواه في تفسير البرهان عن ابن مردويه عن رجاله مرفوعاً إلى الإمام محمّـد بن علىّ الباقرعليه‌السلام ، وكذا عن أبى الجارود عنهعليه‌السلام كما رواه القمّىّ في تفسيره، والرواية من قبيل الجرى وكذا الرواية السابقة عليها، وقد قدّمنا في الكلام على الآية أنّها عامّـة.

وفي تفسير القمّىّ عن أبى الجارود عن الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى:( واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ) يقول: بين المرء ومعصيته أن يقوده إلى النار، ويحول بين الكافر وطاعته أن يستكمل بها الإيمان، واعلموا أنّ الأعمال بخواتيمها.

وفي المحاسن بإسناده عن علىّ بن الحكم عن هشام بن سالم عن الصادقعليه‌السلام في قول الله تبارك وتعالى:( واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ) قال: يحول بينه وبين أن يعلم أنّ الباطل حقّ.

أقول: ورواه الصدوق في المعاني عن ابن أبى عمير عن هشام بن سالم عنهعليه‌السلام .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن يونس بن عمّار عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: لا يستيقن القلب أنّ الحقّ باطل أبداً، ولا يستيقن أنّ الباطل حقّ أبداً.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما قال: سألت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن هذه الآية:( يحول بين المرء وقلبه ) قال: يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر وبين الهدى.

أقول: وهو قريب من الخبر المتقدّم عن أبى الجارود عن الباقرعليه‌السلام في معنى الآية.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن حمزة الطيّـار عن أبى عبداللهعليه‌السلام ( و اعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه ) قال: هو أن يشتهى الشئ بسمعه وبصره ولسانه ويده أما إنّه لا يغشى شيئاً منها وإن كان يشتهيه فإنّه لا يأتيه إلّا وقلبه منكر لا يقبل الّذى يأتي: يعرف أنّ الحقّ ليس فيه.

أقول: ورواه البرقىّ في المحاسن بإسناده عن حمزة الطيّـار عنهعليه‌السلام وروى ما يقرب


منه العيّـاشيّ في تفسيره عن جابر عن أبى جعفرعليه‌السلام ، ويؤول معنى الرواية إلى الروايتين المتقدّمتين عن هشام بن سالم ويونس بن عمّار عن الصادقعليه‌السلام .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن الصيقل: سئل أبوعبداللهعليه‌السلام ( واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) قال: اُخبرت أنّهم أصحاب الجمل.

وفي تفسير القمّىّ قال: قال: نزلت في الطلحة والزبير لمّا حاربا أميرالمؤمنينعليه‌السلام وظلماه.

وفي المجمع عن الحاكم بإسناده عن قتادة عن سعيد بن المسيّـب عن ابن عبّـاس قال: لمّا نزلت هذه الآية( واتّقوا فتنة ) قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من ظلم عليّـاً مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتى ونبوّة الأنبياء من قبلى.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبى شيبة وعبد بن حميد ونعيم بن حمّاد في الفتن وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه عن الزبير رضى الله عنه قال: لقد قرأنا زماناً وما نرى أنّا من أهلها فإذا نحن المعنيّـون بها:( واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) .

وفيه أخرج ابن جرير وأبوالشيخ عن السدّىّ في الآية قال: هذه نزلت في أهل بدر خاصّـة فإصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا فكان من المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر.

وفيه أخرج أحمد والبزّاز وابن المنذر وابن مردويه وابن عساكر عن مطرف قال: قلنا للزبير: يا أباعبدالله ضيّعتم الخليفة حتّى قتل ثمّ جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير رضى الله عنه: إنّـا قرأنا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) وأبى بكر وعمر وعثمان( واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّـة ) ولم نكن نحسب أنّا أهلها حتّى وقعت فينا حيث وقعت.

وفيه أخرج عبد بن حميد وأبوالشيخ عن قتادة رضى الله عنه في الآية قال: علم والله ذووا الألباب من أصحاب محمّـد (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) أنّه سيكون فتن.

وفيه: أخرج أبوالشيخ وأبونعيم والديلميّ في مسند الفردوس عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما عن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) في قوله:( واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون


في الأرض تخافون أن يتخطّفكم الناس ) قيل: يا رسول الله ومن الناس؟ قال: أهل فارس.

اقول: والرواية لا تلائم سياق الآية.

وفيه في قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ) الآية أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبوالشيخ عن جابر بن عبدالله رضى الله عنه أنّ أباسفيان خرج من مكّة فأتى جبرائيل النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) فقال: إنّ أباسفيان بمكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبى سفيان أنّ محمّـداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله:( لا تخونوا الله والرسول ) الآية.

اقول: ومعنى الرواية قريب الانطباق على ما استفدناه من الآية في البيان المتقدّم.

وفيه: أخرج ابن جرير عن المغيرة بن شعبة قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان.

اقول: والآية لا تنطبق عليه بسياقها البتّـة.

وفي المجمع عن الباقر والصادقعليهم‌السلام والكلبيّ والزهرىّ: نزلت في أبى لبابة بن عبد المنذر الأنصاريّ، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بنى النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحات من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحاً لهم لأنّ عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأتاهم فقالوا: ما ترى يا أبا لبابة؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبولبابة بيده إلى حلقه: أنّه الذبح فلا تفعلوا فأتاه جبرئيل فأخبره بذلك.

قال أبولبابة: فوالله ما زالت قدماى عن مكانهما حتّى عرفت أنّى قد خنت الله ورسوله فنزلت الآية فيه فلمّا نزلت شدّ نفسه على سارية من سوارى المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتّى أموت أو يتوب الله علىّ فمكث سبعة أيّـام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتّى خرّ مغشيّـاً عليه ثمّ تاب الله عليه فقيل له: يا أبالبابة قد تيب عليك


فقال: لا والله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله هو الّذى يحلّنى فجاءه وحلّه بيده.

ثمّ قال أبولبابة: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي الّتى أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالى. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يجزيك الثلث أن تصدّق به.

اقول: قصّة أبى لبابة وتوبته صحيحة قابلة الانطباق على مضمون الآيتين غير أنّها وقعت بعد قصّة بدر بكثير، وظاهر الآيتين إذا اعتبرتا وقيستا إلى الآيات السابقة عليهما أنّ الجميع في سياق واحد نزلت بعد وقعة بدر بقليل. والله أعلم.


( سورة الانفال آيه ٣٠ - ٤٠)

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ( ٣٠ ) وَإِذَا تُتْلَى‏ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذَاإِنْ هذَا إِلّا أَسَاطِيرُ الْأَوّلِينَ ( ٣١ ) وَإِذْ قَالُوا اللّهُمّ إِن كَانَ هذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السّماءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣٢ ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ( ٣٣ ) وَمَا لَهُمْ أَلّا يُعَذّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلّا الْمُتّقُونَ وَلكِنّ أَكْثَرَهُمْ لاَيَعْلَمُونَ ( ٣٤ ) وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ( ٣٥ ) إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمّ يُغْلَبُونَ وَالّذِينَ كَفَرُوا إِلَى‏ جَهَنّمَ يُحْشَرُونَ ( ٣٦ ) لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى‏ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٣٧ ) قُل لِلّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنّتُ الْأَوّلِينَ ( ٣٨ ) وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى‏ لاَتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلّهُ للّهِ‏ِ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٣٩ ) وَإِن تَوَلّوْا فَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى‏ وَنِعْمَ النّصِيرُ ( ٤٠ )


( بيان)

الآيات في سياق الآيات السابقة وهى متّصلة بها ومنعطفة على آيات أوّل السورة إلّا قوله:( وإذ قالوا اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ ) الآية والآية الّتى تليها، فإنّ ظهور اتّصالها دون بقيّـة الآيات، وسيجئ الكلام فيها إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: ( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ) إلى آخر الآية، قال الراغب: المكر صرف الغير عمّا يقصده بحيلة، وذلك ضربان: ضرب محمود وذلك أن يتحرّى به فعل جميل وعلى ذلك قال: والله خير الماكرين، ومذموم وهو أن يتحرّى به فعل قبيح قال: ولا يحيق المكر السيّئ إلّا بأهله. واذ يمكر بك الّذين كفروا. فانظر كيف كان عاقبة مكرهم، وقال في الأمرين: ومكروا مكراً ومكرنا مكراً، وقال بعضهم: من مكر الله إمهال العبد وتمكينه من أعراض الدنيا، ولذلك قال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : من وُسّع عليه دنياه ولم يعلم أنّه مكر به فهو مخدوع عن عقله. انتهى.

وفي المجمع: الإثبات الحبس يقال: رماه فأثبته أي حبسه مكانه، وأثبته في الحرب أي جرحه جراحة مثقلة. انتهى.

ومقتضى سياق الآيات أن يكون قوله:( واذ يمكر بك الّذين كفروا ) الآية معطوفة على قوله سابقاً:( واذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنّها لكم ) فالآية مسوقة لبيان ما أسبغ الله عليهم من نعمته، وأيّـدهم به من أياديه الّتى لم يكن لهم فيها صنع.

ومعنى الآية: واذكر أو وليذكروا إذ يمكر بك الّذين كفروا من قريش لإبطال دعوتك أن يوقعوا بك أحد اُمور ثلاثة: إمّا أن يحبسوك وإمّا أن يقتلوك وإمّا أن يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

والترديد في الآية بين الحبس والقتل والإخراج بياناً لما كانوا يمكرونه من مكر يدلّ أنّه كان منهم شورى يشاور فيها بعضهم بعضاً في أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما كان يهمّهم ويهتمّون به من إطفاء نور دعوته، وبذلك يتأيّد ما ورد من أسباب النزول أنّ الآية تشير إلى قصّة دار الندوة على ما سيجئ في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا )


إلى آخر الآية الأساطير الأحاديث جمع اُسطورة ويغلب في الأخبار الخرافيّـة، وقوله حكاية عنهم:( قد سمعنا ) وقوله:( لو نشاء لقلنا ) وقوله:( مثل هذا ) ولم يقل: مثل هذه أو مثلها كلّ ذلك للدلالة على إهانتهم بآيات الله وإزرائهم بمقام الرسالة، ونظيرها قولهم:( إن هذا إلّا اساطير الأوّلين ) .

والمعنى: وإذا تتلى عليهم آياتنا الّتى لا ريب في دلالتها على أنّها من عندنا وهى تكشف عن ما نريده منهم من الدين الحقّ لجّوا واعتدوا بها وهوّنوا أمرها وأزروا برسالتنا وقالوا قد سمعنا وعقلنا هذا الّذى تلى علينا لا حقيقة له إلّا أنّه من أساطير الأوّلين، ولو نشاء لقلنا مثله غير أنّا لا نعتني به ولا نهتمّ بأمثال هذه الأحاديث الخرافيّـة.

قوله تعالى: ( وإذ قالوا اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك ) إلى آخر الآيتين. الإمطار هو إنزال الشئ من فوق، وغلب في قطرات الماء من المطر أو هو استعارة امطار المطر لغيره كالحجارة وكيف كان فقولهم: امطر علينا حجارة من السماء بالتصريح باسم السماء للدلالة على كونه بنحو الآية السماويّـة والإهلاك الإلهىّ محضاً.

فإمطار الحجارة من السماء عليهم على ما سألوا أحد أقسام العذاب ويبقى الباقي تحت قولهم:( أو ائتنا بعذاب أليم ) ولذلك نكّر العذاب وأبهم وصفه ليدلّ على باقى أقسام العذاب، ويفيد مجموع الكلام: أن أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب آخر غيره يكون أليماً، وإنّما أفرد إمطار الحجارة من بين أفراد العذاب الأليم بالذكر لكون الرضخ بالحجارة ممّا يجتمع فيه عذاب الجسم بما فيه من تألّم البدن وعذاب الروح بما فيه من الذلّة والإهانة.

ثمّ قوله:( إن كان هذا هو الحقّ من عندك ) يدلّ بلفظه على أنّ الّذى سمعوه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلسان القال أو الحال بدعوته هو قوله:( هذا هو الحقّ من عند الله ) وفيه شئ من معنى الحصر، وهذا غير ما كان يقوله لهم: هذا حقّ من عند الله فإنّ القول الثاني يواجه به الّذى لا يرى ديناً سماويّـاً ونبوّة إلهيّـة كما كان يقوله المشركون وهم الوثنيّـة: ما أنزل الله على بشر من شئ، وأمّا القول الأوّل فإنّما يواجه به من يرى أنّ هناك ديناً حقّاً من عند الله ورسالة إلهيّـة يبلّغ الحقّ من عنده ثمّ ينكر كون ما أتى به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو بعض ما أتى به هو الحقّ من عند الله تعالى فيواجه بأنّه هو الحقّ من


عند الله لا غيره، ثمّ يردّ بالاشتراط في مثل قوله: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم.

فالأشبه أن لا يكون هذا حكاية عن بعض المشركين بنسبته إلى جميعهم لاتّفاقهم في الرأى أو رضا جميعهم بما قاله هذا القائل بل كأنّه حكاية عن بعض أهل الردّة ممّن أسلم ثمّ ارتدّ أو عن بعض أهل الكتاب المعتقدين بدين سماويّ حقّ فافهم ذلك.

ويؤيّد هذا الآية التالية لهذه الآية:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) أمّا قوله:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) فإن كان المراد به نفى تعذيب الله كفّـار قريش بمكّة قبل الهجرة والنبىّ فيهم كان مدلوله أنّ المانع من نزول العذاب يومئذ هو وجود النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينهم، والمراد بالعذاب غير العذاب الّذى جرى عليهم بيد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من القتل والأسر كما سمّاه الله في الآيات السابقة عذاباً، وقال في مثلها:( قل هل تربّصون بنا إلّا إحدي الحسنيين ونحن نتربّص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا ) التوبة: ٥٢، بل عذاب الاستئصال بآية سماويّـة كما جرى في اُمم الأنبياء الماضين لكنّ الله سبحانه هددّهم بعذاب الاستئصال في آيات كثيرة كقوله تعالى:( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ) حم السجدة: ١٣، وكيف يلائم أمثال هذه التهديدات قوله:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) لو كان المراد بالمعذّبين هم كفّـار قريش ومشركوا العرب ما دام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكّة.

ولو كانّ المراد بالمعذّبين جميع العرب أو الاُمّـة، والمراد بقوله:( وأنت فيهم ) حياة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمعنى: ولا يعذّب الله هذه الاُمّـة وأنت فيهم حيّاً كما ربّما يؤيّده قوله بعده:( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) كان ذلك نفياً للعذاب عن جميع الاُمّـة ولم يناف نزوله على بعضهم كما سمّى وقوع القتل بهم عذاباً كما في الآيات السابقة، وكما ورد أنّ الله تعالى عذّب جمعاً منهم كأبى لهب والمستهزئين برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى هذا لا تشمل الآية القائلين:( اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك ) إلى آخر الآية، وخاصّـة باعتبار ما روى أنّ القائل به أبوجهل كما في صحيح البخاريّ أو النضر بن الحارث بن كلدة كما في بعض روايات اُخر وقد حقّت عليهما كلمة العذاب وقتلا يوم بدر فلا ترتبط الآية:


( وما كان الله ليعذّبهم ) الآية، بهؤلاء القائلين:( اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك ) الآية مع أنّها مسوقة سوق الجواب عن قولهم.

ويشتدّ الإشكال بناءً على ما وقع في بعض اسباب النزول أنّهم قالوا: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزل قوله تعالى:( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع ) وسيجئ الكلام فيه وفي غيره من أسباب النزول المرويّـة في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله.

والّذى تمحّل به بعض المفسّرين في توجيه مضمون الآية بناء على حملها على ما مرّ من المعنى أنّ الله سبحانه أرسل محمّـداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحمة للعالمين ونعمة لهذه الاُمّـة لا نقمة وعذاباً. فيه أنّه ليس مقتضى الرحمة للعالمين أن يهمل مصلحة الدين، ويسكت عن مظالم الظالمين وإن بلغ ما بلغ وأدّى إلى شقاء الصالحين واختلال نظام الدنيا والدين، وقد حكى الله سبحانه عن نفسه بقوله:( ورحمتي وسعت كلّ شئ ) ولم يمنع ذلك من حلول غضبه على من حلّ به من الاُمم الماضية والقرون الخالية كما ذكره في كلامه.

على أنّه تعالى سمّى ما وقع على كفّـار قريش من القتل والهلاك في بدر وغيره عذاباً ولم يناف ذلك قوله:( وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين ) الأنبياء: ١٠٧، وهدّد هذه الاُمّـة بعذاب واقع قطعيّ في سور يونس والإسراء والأنبياء والقصص والروم والمعارج وغيرها ولم يناف ذلك كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحمة للعالمين فما بال نزول العذاب على شرذمة تفوّهت بهذه الكلمة:( اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ ) الخ، ينافى قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبىّ الرحمة مع أنّ من مقتضى الرحمة أن يوفّى لكلّ ذى حقّ حقّه، وأن يقتصّ للمظلوم من الظالم وأن يؤخذ كلّ طاغية بطغيانه.

وأمّا قوله تعالى:( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) فظاهره النفى الاستقباليّ على ما هو ظاهر الصفة:( معذّبهم ) وكون قوله:( يستغفرون ) مسوقاً لإفادة الاستمرار والجملة حاليّـة، والمعنى: ولا يستقبلهم الله بالعذاب ما داموا يستغفرونه.

والآية كيفما اُخذت لا تنطبق على حال مشركي مكّة وهم مشركون معاندون لا يخضعون لحقّ ولا يستغفرون عن مظلمة ولا جريمة، ولا يصلح الأمر بما ورد في بعض


الآثار أنّهم قالوا ما قالوا ثمّ ندموا على ما قالوا فاستغفروا الله بقولهم:( غفرانك اللّهمّ ) .

وذلك - مضافاً إلى عدم ثبوته - أنّه تعالى لا يعبأ في كلامه باستغفار المشركين ولا سيّما أئمّـة الكفر منهم، واللّاغى من الاستغفار لا أثر له، ولو لم يكن استغفارهم لاغياً وارتفع به ما أجرموه بقولهم: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية لم يكن وجه لذمّهم وتأنيبهم بقوله تعالى:( وإذ قالوا اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ ) في سياق هذه الآيات المسوقة لذمّهم ولومهم وعدّ جرائمهم ومظالمهم على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين.

على أنّ قوله تعالى بعد الآيتين:( وما لهم أن لا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام ) الآية لا يلائم نفى العذاب في هاتين الآيتين فإنّ ظاهر الآية أنّ العذاب المهدّد به هو عذاب القتل بأيدى المؤمنين كما يدلّ عليه قوله بعده:( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) وحينئذ فلو كان القائلون:( اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ ) الآية مشركي قريش أو بعضهم وكان المراد من العذاب المنفىّ العذاب السماويّ لم يستقم إنكار وقوع العذاب عليهم بالقتل ونحوه فإنّ الكلام حينئذ يؤول إلى معنى التشديد: ومحصّله: أنّهم كانوا أحقّ بالعذاب ولهم جرم آخر وراء ما أجرموه وهو الصدّ عن المسجد الحرام، وهذا النوع من الترقّي أنسب بإثبات العذاب لهم لا لنفيه عنهم.

وإن كان المراد بالعذاب المنفىّ هو القتل ونحوه كان عدم الملاءمه بين قوله:( وما لهم أن لا يعذّبهم الله ) وقوله:( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) وبين قوله:( وما كان الله ليعذّبهم ) الخ، أوضح وأظهر.

وربّما وجّه الآية بهذا المعنى بعضهم بأنّ المراد بقوله:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) عذاب أهل مكّة قبل الهجرة، وبقوله:( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) عذاب الناس كافّة بعد هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة وإيمان جمع واستغفارهم ولذا قيل: إنّ صدر الآية نزلت قبل الهجرة، وذيلها بعد الهجرة !

وهو ظاهر الفساد فإنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا كان فيهم بمكّة قبل الهجرة كان معه جمع ممّن يؤمن بالله ويستغفره، وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد الهجرة كان في الناس فما معنى تخصيص صدر الآية


بقوله:( وأنت فيهم ) وذيلها بقوله:( وهم يستغفرون ) .

ولو فرض أنّ معنى الآية أنّ الله لا يعذّب هذه الاُمّـة ما دمت فيهم ببركة وجودك، ولا يعذّبهم بعدك ببركة استغفارهم لله والمراد بالعذاب عذاب الاستئصال لم يلائم الآيتين التاليتين:( وما لهم إلّا يعذّبهم الله ) الخ مع ما تقدّم من الاشكال عليه.

فقد ظهر من جميع ما تقدّم - على طوله - أنّ الآيتين أعنى قوله:( وإذ قالوا اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة ) إلى آخر الآيتين لا تشاركان الآيات السابقة واللاحقة المسرودة في الكلام على كفّـار قريش في سياقها الواحد فهما لم تنزلا معها.

والأقرب أن يكون ما حكى فيهما من قولهم والجواب عنه بقوله:( وما كان الله ليعذّبهم ) غير مرتبط بهم وإنّما صدر هذا القول من بعض أهل الكتاب أو بعض من آمن ثمّ ارتدّ من الناس.

ويتأيّد بذلك بعض ما ورد أنّ القائل بهذا القول الحارث بن النعمان الفهرىّ، وقد تقدّم الحديث نقلاً عن تفسيرى الثعلبيّ والمجمع في ذيل قوله تعالى:( يا أيّها الرسول بلّغ ما اُنزل إليك من ربّك ) الآية المائدة: ٦٧ في الجزء السادس من الكتاب.

وعلى هذا التقدير فالمراد بالعذاب المنفىّ العذاب السماويّ المستعقب للاستئصال الشامل للاُمّـة على نهج عذاب سائر الاُمم، والله سبحانه ينفى فيها العذاب عن الاُمّـة ما دام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم حيّـاً، وبعده ما داموا يستغفرون الله تعالى.

ويظهر من قوله تعالى:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) بضمّه إلى الآيات الّتى توعد هذه الاُمّـة بالعذاب الّذى يقضى بين الرسول وبينهم كآيات سورة يونس:( ولكلّ اُمّـة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ) يونس: ٤٧ إلى آخر الآيات أنّ في مستقبل أمر هذه الاُمّـة يوماً ينقطع عنهم الاستغفار ويرتفع من بينهم المؤمن الإلهىّ فيعذّبون عند ذاك.

قوله تعالى: ( وما لهم أن لا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا اولياءه ) إلى آخر الآية استفهام في معنى الإنكار أو التعجّب، وقوله:( وما لهم ) بتقدير


فعل يتعلّق به الظرف ويكون قوله:( أن لا يعذّبهم ) مفعوله أو هو من التضمين نظير ما قيل في قوله:( هل لك إلى أن تزكىّ ) النازعات: ١٨.

والتقدير على أيّ حال نحو من قولنا:( وما الّذى يثبت ويحقّ لهم عدم تعذيب الله إيّـاهم والحال أنّهم يصدّون عن المسجد الحرام ويمنعون المؤمنين من دخوله وما كانوا اولياءه ) . فقوله:( وهم يصدّون ) الخ حال عن ضمير( يعذّبهم ) وقوله:( وما كانوا اولياءه ) حال عن ضمير( يصدّون ) .

وقوله:( إن أولياؤه إلّا المتّقون ) تعليل لقوله:( وما كانوا اولياءه ) أي ليس لهم أن يلوا أمر البيت فيجيزوا ويمنعوا من شاؤوا لأنّ هذا المسجد مبنىّ على تقوى الله فلا يلى أمره إلّا المتّقون وليسوا بهم.

فقوله:( إن أولياؤه إلّا المتّقون ) جملة خبريّـة تعلّل القول بأمر بيّـن يدركه كلّ ذى لبّ، وليست الجملة إنشائيّـة مشتملة على جعل الولاية للمتّـقين، ويشهد لما ذكرناه قوله بعد:( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) كما لا يخفى.

والمراد بالعذاب العذاب بالقتل أو الأعمّ منه على ما يفيده السياق باتّصال الآية بالآية التالية، وقد تقدّم أنّ الآية غير متّصلة ظاهراً بما تقدّمها أي إنّ الآيتين:( وإذ قالوا اللّهمّ ) الخ( وما كان الله ليعذّبهم ) الخ خارجتان عن سياق الآيات، ولازم ذلك ما ذكرناه.

قال في المجمع: ويسأل فيقال: كيف يجمع بين الآيتين وفي الاُولى نفى تعذيبهم، وفي الثانية إثبات ذلك؟ وجوابه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنّ المراد بالأوّل عذاب الاصطلام والاستئصال كما فعل بالاُمم الماضية، وبالثانى عذاب القتل بالسيف والأسر وغير ذلك بعد خروج المؤمنين من بينهم.

والآخر: أنّه أراد: وما لهم أن لا يعذّبهم الله في الآخرة، ويريد بالأوّل عذاب الدنيا. عن الجبّـائىّ.

والثالث: أنّ الأوّل استدعاء للاستغفار. يريد أنّه لا يعذّبهم بعذاب دنيا ولا آخرة


إذا استغفروا وتابوا فإذا لم يفعلوا عذّبوا ثمّ بيّـن أنّ استحقاقهم العذاب بصدّهم عن المسجد الحرام. انتهى.

وفيه: أنّ مبنى الإشكال على اتّصال الآية بما قبلها وقد تقدّم أنّها غير متّصلة. هذا إجمالاً.

وأمّا تفصيلاً فيرد على الوجه الأوّل: أنّ سياق الآية وهو كما تقدّم سياق التشدّد والترقّى، ولا يلاءم ذلك نفى العذاب في الاُولى مع إثباته في الثانية وإن كان العذاب غير العذاب.

وعلى الثاني أنّ سياق الآية ينافى كون المراد بالعذاب فيها عذاب الآخرة، وخاصّـة بالنظر إلى قوله في الآية الثالثة - وهى في سياق الآية الاُولى -( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) .

وعلى الثالث: أنّ ذلك خلاف ظاهر الآية بلا شكّ حيث إنّ ظاهرها إثبات الاستغفار لهم حالاً مستمرّاً لاستدعاؤه وهو ظاهر.

قوله تعالى: ( وما كان صلاتهم عند البيت إلّا مكاءً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) المكاء بضمّ الميم الصفير، والمكّاء بصيغة المبالغة طائر بالحجاز شديد الصفير، ومنه المثل السائر: بنيك حمّرى ومكّئكينى. والتصدية التصفيق بضرب اليد على اليد.

وقوله:( وما كان صلاتهم ) الضمير لهؤلاء الصادّين المذكورين في الآية السابقة وهم المشركون من قريش، وقوله:( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) بيان إنجاز العذاب الموعد لهم بقرينة التفريع بالفاء.

ومن هنا يتأيّد أنّ الآيتين متّصلتان كلاماً واحداً، وقوله:( وما كان ) الخ جملة حاليّـة والمعنى: وما لهم أن لا يعذّبهم الله والحال أنّهم يصدّون العبّـاد من المؤمنين عن المسجد الحرام وما كان صلاتهم عند البيت إلّا ملعبة من المكاء والتصدية فإذا كان كذلك فليذوقوا العذاب بما كانوا يكفرون، والالتفات في قوله:( فذوقوا العذاب ) عن الغيبة إلى الخطاب لبلوغ التشديد.


ويستفاد من الآيتين أنّ الكعبه المشرّفة لو تركت بالصدّ استعقب ذلك المؤاخذة الإلهيّـة بالعذاب قال علىّعليه‌السلام في بعض وصاياه:( الله الله في بيت ربّكم فإنّه إن ترك لم تنظروا (١) ) .

قوله تعالى: ( إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله ) إلى آخر الآية يبيّـن حال الكفّـار في ضلال سعيهم الّذى يسعونه لإبطال دعوة الله والمنع عن سلوك السالكين لسبيل الله، ويشرح ذلك قوله:( فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرة ثمّ يغلبون ) الخ.

وبهذا السياق يظهر أنّ قوله:( والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون ) بمنزلة التعليل، ومحصّل المعنى أنّ الكفر سيبعثهم - بحسب سنّة الله في الأسباب - إلى أن يسعوا في إبطال الدعوة والصدّ عن سبيل الحقّ غير أنّ الظلم والفسق وكلّ فساد لا يهدى إلى الفلاح والنجاح فسينفقون أموالهم في سبيل هذه الأغراض الفاسدة فتضيع الأموال في هذا الطريق فيكون ضيعتها موجبة لتحسّرهم، ثمّ يغلبون فلا ينتفعون بها، وذلك أنّ الكفّـار يحشرون إلى جهنّم ويكون ما يأتون به في الدنيا من التجمّع على الشرّ والخروج إلى محاربة الله ورسوله بحذاء خروجهم محشورين إلى جهنّم يوم القيامة.

وقوله:( فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرة ثمّ يغلبون ) إلى آخر الآية من ملاحم القرآن والآية من سورة الأنفال النازلة بعد غزوة بدر فكأنّها تشير إلى ما سيقع من غزوة اُحد أو هي وغيرها، وعلى هذا فقوله:( فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرة ) إشارة إلى غزوة اُحد أو هي وغيرها، وقوله:( ثمّ يغلبون ) إلى فتح مكّة، وقوله:( والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون ) إلى حال من لا يوفّق للإسلام منهم.

قوله تعالى: ( ليميز الله الخبيث من الطيّـب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنّم اُولئك هم الخاسرون ) الخباثة والطيّـب معنيان متقابلان وقد مرّ شرحهما والتمييز إخراج الشئ عمّا يخالفه وإلحاقه بما يوافقه بحيث ينفصل عمّا يخالفه، والركم

____________________

(١) نهج البلاغة في باب الوصايا.


جمع الشئ فوق الشئ ومنه سحاب مركوم أي مجتمع الأجزاء بعضها إلى بعض ومجموعها وتراكم الأشياء تراكب بعضها بعضاً.

والآية في موضع التعليل لما أخبر به في الآية السابقة من حال الكفّـار بحسب السنّة الكونيّـة، وهو أنّهم يسعون بتمام وجدهم ومقدرتهم إلى أن يطفؤوا نور الله ويصدّوا عن سبيل الله فينفقون في ذلك الأموال ويبذلون في طريقه المساعى غير أنّهم لا يهتدون إلى مقاصدهم ولا يبلغون آمالهم بل تضيع أموالهم، وتحبط أعمالهم وتضلّ مساعيهم، ويرثون بذلك الحسرة والهزيمة.

وذلك أنّ هذه الأعمال والتقلّبات تسير على سنّة إلهيّـة وتتوجّه إلى غاية تكوينيّـة ربّانيّـة، وهى أنّ الله سبحانه يميز في هذا النظام الجارى الشرّ من الخير والخبيث من الطيّـب ويركم الخبيث بجعل بعضه على بعض، ويجعل ما اجتمع منه وتراكم في جهنّم وهى الغاية الّتى تسير إليها قافلة الشرّ والخبيث يحلّها الجميع وهى دار البوار كما أنّ الخير والطيّـب إلى الجنّـة، والأوّلون هم الخاسرون كما أنّ الآخرين هم الرابحون المفلحون.

ومن هنا يظهر أنّ قوله:( ليميز الله الخبيث من الطيّـب ) الخ قريب المضمون من قوله تعالى في مثل ضربه للحقّ والباطل:( أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً وممّا يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحقّ والباطل فأمّا الزبد فيذهب جفاء وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) الرعد: ١٧ والآية تشير إلى قانون كلّىّ إلهىّ وهو إلحاق فرع كلّ شى بأصله.

قوله تعالى: ( قل للّذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) إلى آخر الآية الانتهاء الإقلاع عن الشئ لأجل النهى، والسلوف التقدّم، والسنّة هي الطريقة والسيرة.

أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبلّغهم ذلك وفي معناه تطميع وتخويف وحقيقته دعوة إلى ترك القتال والفتنة ليغفر الله لهم بذلك ما تقدّم من قتلهم وإيذائهم للمؤمنين فإن لم ينتهوا عمّا نهوا عنه فقد مضت سنّة الله في الأوّلين منهم بالإهلاك والإبادة وخسران السعي.


قوله تعالى: ( وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله فإن انتهوا فإنّ الله بما يعملون بصير ) الآية وما بعدها يشتملان على تكليف المؤمنين بحذاء ما كلّف به الكفّـار في الآية السابقة، والمعنى: قل لهم إن ينتهوا عن المحادّة لله ورسوله يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد علموا بما جرى على سابقتهم قل لهم كذا وأمّا أنت والمؤمنون فلا تهنوا فيما يهمّـكم من إقامة الدين وتصفية جوّ صالح للمؤمنين، وقاتلوهم حتّى تنتهى هذه الفتن الّتى تفاجؤكم كلّ يوم، ولا تكون فتنه بعد فإن انتهوا فإنّ الله يجازيهم بما يرى من أعمالهم، وإن تولّوا عن الانتهاء فأديموا القتال والله مولاكم فاعلموا ذلك ولا تهنوا ولا تخافوا.

والفتنة ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة ممّا يشقّ عليها، وغلب استعمالها في المقاتل وارتفاع الأمن وانتقاض الصلح، وكان كفّـار قريش يقبضون على المؤمنين بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الهجرة وبعدها إلى مدّة في مكّة ويعذّبونهم ويجبرونهم على ترك الإسلام والرجوع إلى الكفر، وكانت تسمّى فتنة.

وقد ظهر بما يفيده السياق من المعنى السابق أنّ قوله:( وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ) كناية عن تضعيفهم بالقتال حتّى لا يغترّوا بكفرهم ولا يلقوا فتنة يفتتن بها المؤمنون، ويكون الدين كلّه لله لا يدعو إلى خلافه أحد، وأنّ قوله:( فإن انتهوا فإنّ الله بما يعملون بصير ) المراد به الانتهاء عن القتال ولذلك أردفه بمثل قوله:( فإنّ الله بما يعملون بصير ) أي عندئذ يحكم الله فيهم بما يناسب أعمالهم وهو بصير بها، وأنّ قوله:( وإن تولّوا ) الخ أي إن تولّوا عن الانتهاء، ولم يكفّوا عن القتال ولم يتركوا الفتنة فاعلموا أنّ الله مولاكم وناصركم و قاتلوهم مطمئنّـين بنصر الله نعم المولى ونعم النصير.

وقد ظهر أنّ قوله:( ويكون الدين كلّه لله ) لا ينافى إقرار أهل الكتاب على دينهم إن دخلوا في الذمّـة واعطوا الجزية فلا نسبة للآية مع قوله تعالى:( حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) التوبه: ٢٩. بالناسخيّـة والمنسوخيّـة.

ولبعض المفسّرين وجوه في معنى الانتهاء والمغفرة وغيرهما من مفردات الآيات الثلاث لا كثير جدوى في التعرّض لها تركناها.


وقد ورد في بعض الاخبار كون( نعم المولى ونعم النصير ) من اسماء الله الحسنى والمراد بالاسم حينئذ لا محالة غير الاسم بمعناه المصطلح بل كلّ ما يخصّ بلفظه شيئاً من المصاديق كما ورد نظيره في قوله تعالى:( لا تأخذه سنة ولا نوم ) وقد مرّ استيفاء الكلام في الأسماء الحسنى في ذيل قوله تعالى:( ولله الأسماء الحسنى ) الأعراف ١٨٠ في الجزء الثامن من الكتاب.

( بحث روائي)

في تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ) الآية أنّها نزلت بمكّة قبل الهجرة.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن جرير وأبوالشيخ عن ابن جريح رضي الله عنه( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ) قال: هي مكّـيّـة.

اقول: وهو ظاهر ما رواه أيضاً عن عبد بن حميد عن معاوية بن قرّة، لكن عرفت أنّ سياق الآيات لا يساعد عليه.

وفيه أخرج عبد الرزّاق وأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبرانيّ وأبوالشيخ وابن مردويه وأبونعيم في الدلائل والخطيب عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما في قوله:( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك ) قال: تشاورت قريش ليلة بمكّة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) - وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم بل اخرجوه فاطّلع الله نبيّـه (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) على ذلك فبات علىّ رضى الله عنه على فراش النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) وخرج النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) حتّى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليّـاً رضى الله عنه يحسبونه النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم ) فلمّا أصبحوا ثاروا عليه فلمّا رأوه عليّـاً رضى الله عنه ردّ الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدرى فاقتصوا أثره فلمّا بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فرأوا على بابه نسج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه فمكث ثلاث ليال.


وفي تفسير القمّىّ: كان سبب نزولها أنّه لمّا أظهر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الدعوة بمكّة قدمت عليه الأوس والخزرج فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تمنعوني وتكونون لى جاراً حتّى أتلو كتاب الله عليكم وثوابكم على الله الجنّـة؟ فقالوا: نعم خذ لربّك ولنفسك ما شئت فقال لهم: موعدكم العقبة في اللّيلة الوسطى من ليالى التشريق فحجّوا ورجعوا إلى منى وكان فيهم ممّن قد حجّ بشر كثير.

فلمّا كان اليوم الثاني من أيّـام التشريق قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا كان اللّيل فاحضروا دار عبدالمطّلب على العقبة، ولا تنبّـهوا نائماً، ولينسلّ واحد فواحد فجاء سبعون رجلاً من الأوس والخزرج فدخلوا الدار فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : تمنعوني وتجيرونى حتّى أتلو عليكم كتاب ربّى وثوابكم على الله الجنّـة.

فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبدالله بن حرام: نعم يا رسول الله اشترط لربّك ونفسك ما شئت. فقال: أمّا ما أشترط لربّى فان تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وما أشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون أنفسكم وتمنعون أهلى ممّا تمنعون أهليكم وأولادكم. فقالوا فما لنا على ذلك؟ فقال: الجنّـة في الآخرة، وتملكون العرب، ويدين لكم العجم في الدنيا، وتكونون ملوكاً في الجنّـة فقالوا: قد رضينا.

فقال: أخرجوا إلىّ منكم اثنى عشر نقيباً يكونون شهداء عليكم بذلك كما أخذ موسى من بنى إسرائيل اثنى عشر نقيباً فأشار إليهم جبرئيل فقال: هذا نقيب وهذا نقيب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس: فمن الخزرج أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبدالله بن حرام أبو جابر بن عبدالله ورافع بن مالك وسعد بن عبادة والمنذر بن عمر وعبدالله بن رواحة وسعد بن ربيع وعبادة بن صامت ومن الأوس أبوالهيثم بن التيّـهان وهو من اليمن واُسيد بن حصين وسعد بن خيثمة.

فلمّا اجتمعوا وبايعوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صاح إبليس: يا معشر قريش والعرب هذا محمّـد والصباة من أهل يثرب على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم فأسمع أهل منى، وهاجت قريش فأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النداء فقال للأنصار: تفرّقوا فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم اُومر بذلك


ولم يأذن الله لى في محاربتهم. قالوا: فتخرج معنا؟ قال: أنتظر أمر الله.

فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح وخرج حمزة واميرالمؤمنينعليه‌السلام بالسلاح ومعهما السيوف فوقفا على العقبة فلمّا نظرت قريش إليهما قالوا: ما هذا الّذى اجتمعتم له؟ فقال حمزة: ما اجتمعنا وما ههنا أحد والله لا يجوز هذه العقبة أحد إلّا ضربته بسيفي.

فرجعوا إلى مكّة وقالوا: لا نأمن أن يفسد أمرنا ويدخل واحد من مشائخ قريش في دين محمّـد فاجتمعوا في دار الندوة، وكان لا يدخل دار الندوة إلّا من أتى عليه أربعون سنة فدخلوا أربعين رجلاً من مشائخ قريش، وجاء إبليس في صورة شيخ كبير فقال له البواب: من أنت؟ فقال: أنا شيخ من أهل نجد لا يعدمكم منّى رأى صائب إنّى حيث بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل جئت لاُشير عليكم فقال: اُدخل فدخل إبليس.

فلمّا أخذوا مجلسهم قال أبوجهل: يا معشر قريش إنّه لم يكن أحد من العرب أعزّ منّا نحن أهل الله تفد إلينا العرب في السنة مرّتين ويكرموننا، ونحن في حرم الله لا يطمع فينا طامع فلم نزل كذلك حتّى نشأ فينا محمّـد بن عبدالله فكنّـا نسمّـيه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته حتّى إذا بلغ ما بلغ وأكرمناه ادّعى أنّه رسول الله وأنّ أخبار السماء تأتيه فسفّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وأفسد شبّـاننا، وفرّق جماعتنا، وزعم أنّه من مات من أسلافنا ففى النار، ولم يرد علينا شئ أعظم من هذا، وقد رأيت فيه رأياً. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيت أن ندسّ إليه رجلاً منّـا ليقتله فإن طلبت بنو هاشم بديته أعطيناهم عشر ديات.

فقال الخبيث: هذا رأى خبيث قالوا: وكيف ذلك؟ قال: لأنّ قاتل محمّـد مقتول لا محالة فمن هذا الّذى يبذل نفسه للقتل منكم؟ فإنّه إذا قتل محمّـداً تعصّبت بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة إنّ بنى هاشم لا ترضى أن يمشى قاتل محمّـد على الأرض فتقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانون.

فقال آخر منهم: فعندي رأى آخر. قال: وما هو؟ قال: نثبته في بيت ونلقى عليه قوته حتّى يأتي عليه ريب المنون فيموت كما مات زهير والنابغة وامرء القيس. فقال


إبليس: هذا أخبث من الآخر. قالوا: وكيف ذاك؟ قال: لأنّ بنى هاشم لا ترضى بذلك فإذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم فاجتمعوا عليكم فأخرجوه.

قال آخر منهم: لا ولكنّـا نخرجه من بلادنا ونتفرّغ لعبادة آلهتنا. قال إبليس: هذا أخبث من ذينك الرأيين المتقدّمين، قالوا: وكيف؟ قال: لأنّكم تعمدون إلى أصبح الناس وجهاً، وأتقن الناس لساناً وأفصحهم لهجة فتحملوه إلى بوادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه فلا يفجؤكم إلّا وقد ملأها خيلاً ورجلاً فبقوا حائرين.

ثمّ قالوا لإبليس: فما الرأى يا شيخ؟ قال: ما فيه إلّا رأى واحد. قالوا: وما هو؟ قال: يجتمع من كلّ بطن من بطون قريش فيكون معهم من بنى هاشم رجل فيأخذون سكّيناً أو حديدة أو سيفاً فيدخلون عليه فيضربونه كلّهم ضربة واحدة حتّى يتفرّق دمه في قريش كلّها فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه فقد شاركوه فيه فإن سألوكم أن تعطوكم الدية فأعطوهم ثلاث ديات. قالوا: نعم وعشر ديات. قالوا: الرأى رأى الشيخ النجديّ فاجتمعوا فيه، ودخل معهم في ذلك أبولهب عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فنزل جبرئيل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره أنّ قريشاً قد اجتمعت في دار الندوة يدبّـرون عليك فأنزل الله عليه في ذلك:( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) .

واجتمعت قريش أن يدخلوا عليه ليلاً فيقتلوه، وخرجوا إلى المسجد يصفّرون ويصفّقون ويطوفون بالبيت فأنزل الله:( وما كان صلاتهم عند البيت إلّا مكاءً وتصدية ) فالمكاء التصفير والتصدية صفق اليدين وهذه الآية معطوفة على قوله:( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ) قد كتبت بعد آيات كثيرة.

فلمّا أمسى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جاءت قريش ليدخلوا عليه فقال أبولهب: لا أدعكم أن تدخلوا عليه بالليل فإنّ في الدار صبياناً ونساءً ولا نأمن أن يقع بهم يد خاطئة فنحرسه الليلة فإذا أصبحنا دخلنا عليه فناموا حول حجره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يفرش له فرش فقال لعلىّ بن أبى طالبعليه‌السلام : أفدني


بنفسك قال: نعم يا رسول الله قال: نم على فراشي والتحف ببردتى فنام علىّعليه‌السلام على فراش رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتحف ببردته.

وجاء جبرئيل فأخذ بيد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخرجه على قريش وهم نيام وهو يقرأ عليهم:( وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) وقال له جبرئيل: خذ على طريق ثور وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور فدخل الغار وكان من أمره ما كان.

فلمّا أصبحت قريش وأتوا إلى الحجرة وقصدوا الفراش فوثب علىّعليه‌السلام في وجوههم فقال: ما شأنكم؟ قالوا: أين محمّـد؟ قال: أجعلتمونى عليه رقيباً؟ ألستم قلتم نخرجه من بلادنا؟ فقد خرج عنكم فأقبلوا على أبى لهب يضربونه ويقولون: أنت تخدعنا منذ الليل.

فتفرّقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: أبو كرز يقفوا الآثار فقالوا: يا أبا كرز اليوم اليوم فوقف بهم على باب حجرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال لهم: هذه قدم محمّـد والله إنّها لاُخت القدم الّتى في المقام، وكان أبوبكر بن أبى قحافة استقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فردّه معه فقال أبو كرز: وهذه قدم ابن أبى قحافة أو أبيه ثمّ قال: وههنا غير ابن أبى قحافة، ولا يزال يقف بهم حتّى أوقفهم على باب الغار.

ثمّ قال: ما جاوزوا هذا المكان إمّا أن يكونوا صعدوا إلى السماء أو دخلوا تحت الأرض، وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار، وجاء فارس من الملائكة ثمّ قال: ما في الغار أحد فتفرّقوا في الشعاب، وصرفهم الله عن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ أذن لنبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الهجرة.

أقول: وروى ما يقرب من هذا المعنى ملخّصاً في الدرّ المنثور عن ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى نعيم والبيهقيّ معا في الدلائل عن ابن عبّـاس لكن نسب فيه إلى أبى جهل ما نسب في هذه الرواية إلى الشيخ النجديّ ثمّ ذكر أنّ الشيخ النجديّ صدّق أباجهل في رأيه واجتمع القوم على قوله.

وقد روى دخول إبليس عليهم في دار الندوة في زى شيخ نجدىّ في عدّة روايات


من طرق الشيعة وأهل السنّة.

وأمّا ما في الرواية من قول أبى كرز لمّا اقتفى أثر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هذه قدم محمّـد، وهذه قدم ابن أبى قحافة، وههنا غير ابن أبى قحافة) فقد ورد في الروايات أنّ ثالثهما هند بن أبى هالة ربيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واُمّـه خديجة بنت خويلد رضى الله عنها.

وقد روى الشيخ في أماليه بإسناده عن أبى عبيدة بن محمّـد بن عمّار بن ياسر عن أبيه وعبدالله بن أبى رافع جميعاً عن عمّار بن ياسر وأبى رافع وعن سنان بن أبى سنان عن ابن هند بن أبى هالة، وقد دخل حديث عمّار وأبى رافع وهند بعضه في بعض، وهو حديث طويل في هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفيه: واستتبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبابكر بن أبى قحافة وهند بن أبى هالة فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه الى الغار، وثبت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكانه مع علىّ يأمره في ذلك بالصبر حتّى صلّى العشائين ثمّ خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فحمة العشاء والرصد من قريش قد اطافوا بداره ينتظرون أن ينتصف الليل وتنام الأعين.

فخرج وهو يقرأ هذه الآية:( وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) وكان بيده قبضة من تراب فرمى بها في رؤوسهم فما شعر القوم به حتّى تجاوزهم ومضى حتّى أتى إلى هند وأبى بكر فنهضا معه حتّى وصلوا إلى الغار.

ثمّ رجع هند إلى مكّة بما أمره به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر الغار.

قال بعد سوق القصّة الليلة: حتّى إذا اعتمّ من الليلة القابلة انطلق هو - يعنى عليّـاًعليه‌السلام - وهند بن أبى هالة حتّى دخلا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هنداً أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين فقال أبوبكر قد كنت أعددت لى ولك يا نبىّ الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب فقال: إنّى لا آخذهما ولا أحدهما إلّا بالثمن قال: فهى لك بذلك فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّـاًعليه‌السلام فأقبضه الثمن ثمّ وصّاه بحفظ ذمّته وأداء أمانته.

وكانت قريش قد سمّوا محمّـداً في الجاهليّـة: الأمين، وكانت تودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها، وكذلك من يقدم مكّة من العرب في الموسم، وجاءت النبوّة والرسالة والأمر


كذلك فأمر عليّـاًعليه‌السلام أن يقيم صارخاً بالأبطح غدوة وعشيّـاً: من كان له قبل محمّـد أمانه أو دين فليأت فلنؤدّ إليه أمانته.

قال: فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّهم لن يصلوا من الآن اليك يا علىّ بأمر تكرهه حتّى تقدّم علىّ فأدّ أمانتى على أعين الناس ظاهراً ثمّ إنّى مستخلفك على فاطمة ابنتى ومستخلف ربّى عليكما ومستحفظه فيكما فأمر أن يبتاع رواحل له وللفواطم(١) ومن أزمع الهجرة معه من بنى هشام.

قال أبوعبيدة: فقلت لعبيد الله يعنى ابن أبى رافع: أوكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجد ما ينفقه هكذا؟ فقال: إنّى سألت أبى عمّا سألتنى وكان يحدّث لى هذا الحديث. فقال: وأين يذهب بك عن مال خديجةعليه‌السلام .

قال عبيد الله بن أبى رافع: وقد قال علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام يذكر مبيته على الفراش ومقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار ثلاثاً نظماً:

وقيت بنفسى خير من وطئ الحصا

ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجرِ

محمّـد لمّـا خـاف أن يمكروا به

فوقّـاه ربّى ذو الجـلال من المكرِ

و بتّ أراعيـهم متـى ينشرونـنى

وقد وُطّنت نفسي على القتل والأسرِ

و بات رسول الله في الغـار آمنـاً

هنـاك وفي حفظ الإله وفي سـترٍ

أقـام ثـلاثـاً ثـمّ زمّـت قلائص

قلائص يفرين الحـصا أينما تفرى

وقد روى الأبيات عنهعليه‌السلام بتفاوت يسير في الدرّ المنثور عن الحاكم عن علىّ بن الحسينعليه‌السلام .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن زرارة وحمران عن أبى جعفر وأبى عبداللهعليهم‌السلام قوله:( خير الماكرين ) قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد كان لقى من قومه بلاءً شديداً حتّى أتوه ذات يوم وهو ساجد حتّى طرحوا عليه رحم شاة فأتته ابنته وهو ساجد لم يرفع رأسه فرفعته عنه ومسحته ثمّ أراه الله بعد ذلك الّذى يحبّ.

إنّه كان ببدر وليس معه غير فارس واحد

____________________

(١) و هن علي ما في ذيل الرواية : فاطمة بنت النبيّعليها‌السلام و فاطمة بنت أسد و فاطمة بنت الزبير.


ثمّ كان معه يوم الفتح اثنا عشر ألفاً حتّى جعل أبوسفيان والمشركون يستغيثون. الحديث.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن السدّىّ رضى الله عنه قال: كان النضر بن الحارث يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم فلمّا قدم إلى مكّة سمع كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقرآن فقال: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلّا أساطير الأوّلين.

أقول: وهناك بعض روايات اُخر في أنّ القائل بهذا القول كان هو النضر بن الحارث وقد قتل يوم بدر صبراً.

وفيه أخرج البخاريّ وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال أبوجهل بن هشام: اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم فنزلت:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) .

أقول: وروى القمّىّ هذا المعنى في تفسيره وروى السيوطيّ أيضاً في الدرّ المنثور عن ابن جرير الطبريّ وابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير وعن ابن جرير عن عطاء: أنّ القائل:( اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك ) الآية النضر بن الحارث وقد تقدّم في البيان السابق ما يقتضيه سياق الآية.

وفيه أخرج ابن جرير عن يزيد بن رومان ومحمّـد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمّـد أكرمه الله من بيننا؟ اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الآية فلمّا أمسوا ندموا على ما قالوا فقالوا: غفرانك اللّهمّ فأنزل الله: وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون - إلى قوله - لا يعلمون.

وفيه أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وأبوالشيخ عن ابن أبزى رضي الله عنه قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمكّة فأنزل الله:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة فأنزل الله:( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) فلمّا خرجوا أنزل الله:( وما لهم أن لا يعذّبهم الله ) الآية فأذن في فتح مكّة فهو العذاب الّذى وعدهم.

وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ عن


عطيّـة رضي الله عنه في قوله:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) يعنى المشركين حتّى يخرجك منهم( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) قال: يعنى المؤمنين: ثمّ أعاد المشركين فقال:( وما لهم أن لا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام ) .

وفيه أخرج ابن أبى حاتم عن السدّىّ رضي الله عنه في قوله:( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) يقول: لو استغفروا وأقرّوا بالذنوب لكانوا مؤمنين، وفي قوله:( وما لهم أن لا يعذّبهم الله وهم يصدّون عن المسجد الحرام ) يقول: وكيف لا اُعذّبهم وهم لا يستغفرون.

وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبوالشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) قال: بين أظهرهم( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) قال: يسلمون.

وفيه أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبى مالك رضي الله عنه( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) يعنى أهل مكّة( وما كان الله معذّبهم ) وفيهم المؤمنون يستغفرون.

وفيه أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن عكرمة والحسن رضى الله عنهما في قوله:( وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) قالا: نسختها الآية الّتى تليها:( وما لهم أن لا يعذّبهم الله ) فقوتلوا بمكّة فأصابهم فيها الجوع والحصر.

أقول: عدم انطباقها على الآية بظاهرها المؤيّد بسياقها ظاهر، وإنّما دعاهم إلى هذه التكلّفات الاحتفاظ باتّصال الآية في التأليف بما قبلها وما قبلها من الآيات المتعرّضة لحال مشركي اهل مكّة، ومن عجيب ما فيها تفسير العذاب في الآية بفتح مكّة، ولم يكن إلّا رحمة للمشركين والمؤمنين جميعاً.

وفيه أخرج الترمذيّ عن أبى موسى الأشعريّ رضي الله عنه قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنزل الله علىّ أمانين لاُمّـتي( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون ) فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة.

أقول: مضمون الرواية مستفاد من الآية، وقد روى ما في معناها عن أبى هريرة وابن عبّـاس عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورواها في نهج البلاغة عن علىّعليه‌السلام .


وفي ذيل هذه الرواية شئ، وهو أنّه لا يلائم ما مرّ في البيان المتقدّم من إيعاد القرآن هذه الاُمّـة بعذاب واقع قبل يوم القيامة، ولازمه أن يرتفع الاستغفار من بينهم قبل يوم القيامة.

وفيه أخرج أحمد عن فضالة بن عبيد رضى الله عنه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال العبد آمنٌ من عذاب الله ما استغفر الله.

وفي الكافي عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مقامي بين أظهركم خير لكم فإنّ الله يقول:( وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم ) ، ومفارقتي إيّـاكم خير لكم. فقالوا: يا رسول الله مقامك: بين أظهرنا خير لنا فكيف يكون مفارقتك خيراً لنا؟ فقال: أما مفارقتي إيّـاكم خير لكم فإنّ أعمالكم تعرّض علىّ كلّ خميس واثنين فما كان من حسنة حمدت الله عليها، وما كان من سيّـئة أستغفر الله لكم.

أقول: وروى هذا المعنى العيّـاشيّ في تفسيره والشيخ في أماليه عن حنان بن سدير عن أبيه عنهعليه‌السلام ، وفي روايتهما أنّ السائل هو جابر بن عبدالله الأنصاريّ رضي الله عنه ، ورواه أيضاً في الكافي بإسناده عن محمّـد بن أبى حمزة وغير واحد عن أبى عبداللهعليه‌السلام .

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: كانت قريش تعارض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الطواف يستهزئون ويصفّرون ويصفّقون فنزلت:( وما كان صلاتهم عند البيت إلّا مكاء وتصدية ) .

وفيه أخرج أبوالشيخ عن نبيط وكان من الصحابة رضي الله عنه في قوله:( وما كان صلاتهم عند البيت ) الآية قال: كانوا يطوفون بالبيت الحرام وهم يصفّرون.

وفيه أخرج الطستىّ عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما: أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزّوجلّ:( إلّا مكاء وتصدية ) قال: المكاء صوت القنبرة، والتصدية صوت العصافير وهو التصفيق، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكّة كان يصلّى قائماً بين الحجر والركن اليمانيّ فيجئ رجلان من بنى سهم يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المكّاء، و


الآخر يصفّق بيده تصدية العصافير ليفسد عليه صلاته.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ عمّن ذكره عن أبى عبداللهعليه‌السلام في قول الله:( وهم يصدّون عن المسجد الحرام وما كانوا اولياءه ) يعنى أولياء البيت يعنى المشركين( إن أولياؤه إلّا المتّقون ) حيث ما كانوا هم أولى به من المشركين( وما كان صلاتهم عند البيت إلّا مكاء وتصدية ) قال: التصفير والتصفيق.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهقيّ في الدلائل كلّهم من طريقه(١) قال: حدّثنى الزهريّ ومحمّـد بن يحيى بن حيّـان وعاصم ابن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمان بن عمر قال: لمّا اُصيبت قريش يوم بدر ورجع فلّهم إلى مكّة ورجع أبوسفيان بعيره مشى عبدالله بن ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن اُميّـة في رجال من قريش إلى من كان معه تجارة فقالوا: يا معشر قريش إنّ محمّـداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه فلعلّنا أن ندرك منه ثاراً ففعلوا ففيهم كما ذكر عن ابن عبّـاس أنزل الله:( إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله - إلى قوله -والّذين كفروا إلى جهنّم يحشرون ) .

وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما في قوله:( إن الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله ) قال نزلت في أبى سفيان بن حرب.

وفيه أخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن عساكر عن سعيد بن جبير في قوله:( إنّ الّذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله ) الآية قال: نزلت في أبى سفيان بن حرب استأجر يوم اُحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانه يقاتل بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سوى من استجاش من العرب فأنزل الله فيه هذه الآية.

وهم الّذين قال فيهم كعب بن مالك رضى الله عنه:

وجئنا إلى موج من البحر وسطه

أحابيش منهم حاسر ومقنّع

ثـلاثـة آلاف و نحـن نـصيةٌ

ثلاث مئين إن كثرن فأربع

____________________

(١) يعني طريق محمّـد بن إسحاق.


أقول: ورواه ملخّصاً عن ابن إسحاق وابن أبى حاتم عن عبّـاد بن عبدالله بن الزبير.

وفى المجمع في قوله تعالى:( وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كلّه لله ) الآية، قال: روى زرارة وغيره عن أبى عبداللهعليه‌السلام أنّه قال: لم يجئ تأويل هذه الآية ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية وليبلغنّ دين محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما بلغ اللّيل حتّى لا يكون مشرك على ظهر الأرض.

أقول: ورواه العيّـاشيّ في تفسيره عن زراره عنهعليه‌السلام ، وفي معناه ما في الكافي بإسناده عن محمّـد بن مسلم عن أبى جعفرعليه‌السلام ، وروى هذا المعنى أيضاً العيّـاشيّ عن عبد الأعلى الحلبيّ عن أبى جعفرعليه‌السلام في رواية طويلة.

وقد تقدّم حديث إبراهيم اللّيثىّ في تفسير قوله:( ليميز الله الخبيث من الطيّـب ) الآية مع بعض ما يتعلّق به من الكلام في ذيل قوله:( كما بدأكم تعودون ) الاعراف: ٢٩ في الجزء الثامن من الكتاب.


( سورة الانفال آيه ٤١ - ٥٤)

وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ‏ءٍ فَأَنّ للّهِ‏ِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى‏ وَالْيَتَامَى‏ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى‏ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ( ٤١ ) إِذْ أَنْتُم بِالْعُدْوَةِ الدّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى‏ وَالرّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلكِن لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرَاً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى‏ مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ وَإِنّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٤٢ ) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنّ اللّهَ سَلّمَ إِنّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصّدُورِ ( ٤٣ ) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( ٤٤ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللّهَ كَثِيراً لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ( ٤٥ ) وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَتَنَازَعُوافَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ ( ٤٦ ) وَلاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاءَ النّاسِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( ٤٧ ) وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَغَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِي‏ءٌ مِنكُمْ إِنّي أَرَى‏ مَالاَتَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ٤٨ ) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ غَرّ هؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٤٩ ) وَلَوْ تَرَى‏ إِذْ يَتَوَفّى الّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ


يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ( ٥٠ ) ذلِكَ بِمَا قَدّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ ( ٥١ ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنّ اللّهَ قَوِيّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( ٥٢ ) ذلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى‏ قَوْمٍ حَتّى‏ يُغَيّرُوا مَابِأَنْفُسِهِمْ وَأَنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٥٣ ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذّبُوا بِآيَاتِ رَبّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلّ كَانُوا ظَالِمِينَ ( ٥٤ )

( بيان)

تشتمل الآيات على الأمر بتخميس الغنائم و بالثبات عند اللّقاء وتذكّرهم، وتقصّ عليهم بعض ما نكب الله به أعداء الدين وأخزاهم بالمكر الإلهىّ، وأجرى فيهم سنّة آل فرعون ومن قبلهم من المكذّبين لآيات الله الصادّين عن سبيله.

قوله تعالى: ( واعلموا أنّما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه وللرسول ) إلى آخر الآية. الغنم والغنيمة إصابة الفائدة من جهة تجارة أو عمل أو حرب وينطبق بحسب مورد نزول الآية على غنيمة الحرب، قال الراغب: الغنم - بفتحتين - معروف قال: ومن البقر والغنم ما حرّمنا عليهم شحومهما، والغنم - بالضمّ فالسكون - إصابته والظفر به ثمّ استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدى وغيرهم قال: واعلموا أنّما غنمتم من شئ، فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّـباً. والمغنم ما يغنم وجمعه مغانم قال: فعند الله مغانم كثيرة، انتهى.

وذو القربى القريب والمراد به قرابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو خصوص أشخاص منهم على ما يفسره الآثار القطعيّـة، واليتيم هو الإنسان الّذى مات أبوه وهو صغير، قالوا: كلّ حيوان يتيم من قبل اُمّـه إلّا الإنسان فإنّ يتمه من قبل أبيه.

وقوله:( فأنّ لله خمسه ) الخ قرئ بفتح أنّ، ويمكن أن يكون بتقدير


حرف الجرّ والتقدير: واعلموا أنّ ما غنمتم من شئ فعلى أنّ لله خمسه أي هو واقع على هذا الأساس محكوم به، ويمكن أن يكون بالعطف على أنّ الاُولى، وحذف خبر الاُولى لدلالة الكلام عليه، والتقدير: اعلموا أنّ ما غنمتم من شئ يجب قسمته فاعلموا أنّ خمسه لله، أو يكون الفاء لاستشمام معنى الشرط فإنّ مآل المعنى إلى نحو قولنا: إن غنمتم شيئاً فخمسه لله الخ فالفاء من قبيل فاء الجزاء، وكرّر أنّ للتأكيد، والأصل: اعلموا أنّ ما غنمتم من شئ أنّ خمسه لله الخ، والأصل الّذى تعلّق به العلم هو: ما غنمتم من شئ خمسه لله وللرسول الخ، وقد قدّم لفظ الجلالة للتعظيم.

وقوله:( إن كنتم آمنتم بالله ) الخ قيد للأمر الّذى يدلّ عليه صدر الآية أي أدّوا خمسه إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا، وربّما قيل: إنّه متّصل بقوله تعالى في الآية السابقة:( فاعلموا أنّ الله مولاكم ) هذا والسياق الّذى يتمّ بحيلولة قوله:( واعلموا أنّما غنمتم من شئ ) الخ لا يلائم ذلك.

وقوله تعالى:( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ) الظاهر أنّ المراد به القرآن بقرينة تخصيص النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالإنزال، ولو كان المراد به الملائكة المنزلون يوم بدر - كما قيل - لكان الأنسب أوّلاً: أن يقال: ومن أنزلنا على عبدنا، أو ما يؤدّى هذا المعنى وثانياً: أن يقال: عليكم لا على عبدنا فإنّ الملائكة كما اُنزلت لنصرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اُنزلت لنصرة المؤمنين معه كما يدلّ عليه قوله:( فاستجاب لكم أنّى ممدّكم بألف من الملائكة مردفين ) الأنفال: ٩. وقوله بعد ذلك:( إذ يوحى ربّك إلى الملائكة أنّى معكم فثبّـتوا الّذين آمنوا ) الخ الأنفال: ١٢. ونظيرهما قوله:( إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدّكم ربّكم بثلاثة آلاف من الملائكين منزلين بلى إن تصبروا وتتّقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربّـكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين ) آل عمران: ١٢٥.

وفي الالتفات من الغيبة إلى التكلّم في قوله:( إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا ) من بسط اللطف على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واصطفائه بالقرب ما لا يخفى.

ويظهر بالتأمّل فيما قدّمناه من البحث في قوله تعالى في أوّل السورة:( يسألونك


عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ) الآية أنّ المراد بقوله:( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ) هو قوله تبارك وتعالى:( فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّـباً ) بما يحتفّ به من الآيات.

والمراد بقوله:( يوم الفرقان ) يوم بدر كما يشهد به قوله بعده:( يوم التقى الجمعان ) فإنّ يوم بدر هو اليوم الّذى فرّق الله فيه بين الحقّ والباطل فأحقّ الحقّ بنصرته، وأبطل الباطل بخذلانه.

وقوله تعالى:( والله على كلّ شئ قدير ) بمنزلة التعليل لقوله:( يوم الفرقان ) بما يدلّ عليه من تمييزه تعالى بين الحقّ والباطل كأنّه قيل: والله على كلّ شئ قدير فهو قادر أن يفرّق بين الحقّ والباطل بما فرّق.

فمعنى الآية - والله أعلم - واعلموا أنّ خمس ما غنمتم أيّ شئ كان هو لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فردّوه إلى أهله إن كنتم آمنتم بالله وما أنزله على عبده محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدر، وهو أنّ الأنفال وغنائم الحرب لله ولرسوله لا يشارك الله ورسوله فيها أحد، وقد أجاز الله لكم أن تأكلوا منها وأباح لكم التصرّف فيها فالّذي أباح لكم التصرّف فيها يأمركم أن تؤدّوا خمسها إلى أهله.

وظاهر الآية أنّها مشتملة على تشريع مؤبّد كما هو ظاهر التشريعات القرآنيّـة، وأنّ الحكم متعلّق بما يسمّى غنماً وغنيمة سواء كان غنيمة حربيّـة مأخوذة من الكفّـار أو غيرها ممّا يطلق عليه الغنيمة لغة كأرباح المكاسب والغوص والملاحة والمستخرج من الكنوز والمعادن، وإن كان مورد نزول الآية هو غنيمة الحرب فليس للمورد أن يخصّص.

وكذا ظاهر ما عدّ من موارد الصرف بقوله:( لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) انحصار الموارد في هؤلاء الأصناف، وأنّ لكلّ منهم سهماً بمعنى استقلاله في أخذ السهم كما يستفاد مثله من آية الزكاة من غيرأن يكون ذكر الأصناف من قبيل التمثيل.


فهذا كلّه ممّا لا ريب فيه بالنظر إلى المتبادر من ظاهر معنى الآية، وعليه وردت الأخبار من طرق الشيعة عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام وقد اختلفت كلمات المفسّرين من أهل السنّة في تفسير الآية وسنتعرّض لها في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: ( إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمراً كان مفعولاً ) العدوة بالضمّ وقد يكسر شفير الوادي، والدنيا مؤنّث أدنى كما أنّ القصوى وقد يقال: القصيا مؤنّث أقصى والركب كما قيل هو العير الّذى كان عليه أبوسفيان بن حرب.

والظرف في قوله:( إذ أنتم بالعدوة ) بيان ثان لقوله في الآية السابقة:( يوم الفرقان ) كما أنّ قوله:( يوم التقى الجمعان ) بيان أوّل له متعلّق بقوله:( أنزلنا على عبدنا ) وأمّا ما يظهر من بعضهم إنّه بيان لقوله:( والله على كلّ شئ قدير ) بما يفيده بحسب المورد، والمعنى: والله قدير على نصركم وأنتم أذلّة إذ أنتم نزول بشفير الوادي الأقرب، فلا يخفى بعده ووجه التكلّف فيه.

وقوله تعالى:( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) ، سياق ما تقدّمه من الجمل الكاشفة عن تلاقى الجيشين، وكون الركب أسفل منهم، وأنّ الله بقدرته الّتى قهرت كلّ شئ فرّق بين الحقّ والباطل، وأيّد الحقّ على الباطل، وكذا قوله بعد:( ولكن ليقضى الله أمراً كان مفعولاً ) كلّ ذلك يشهد على أنّ المراد بقوله:( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) بيان أنّ التلاقي على هذا الوجه لم يكن إلّا بمشيّـة خاصّـة من الله سبحانه حيث نزل المشركون وهم ذووا عدّة وشدّة بالعدوة القصوى وفيها الماء والأرض الصلبه، والمؤمنون على قلّة عددهم وهوان أمرهم بالعدوة الدنيا ولا ماء فيها والأرض رمليّـة لا تثبت تحت أقدامهم، وتخلّص العير منهم إذ ضرب أبوسفيان في الساحل أسفل، وتلاقي الفريقان لا حاجز بينهما ولا مناص عندئذ عن الحرب، فالتلاقى والمواجهة على هذا الوجه ثمّ ظهور المؤمنين على المشركين، لم يكن عن أسباب عاديّـة بل لمشيّـة خاصّـة إلهيّـة ظهرت بها قدرته وبانت بها عنايته الخاصّـة ونصره وتأييده للمؤمنين.

فقوله:( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) بيان أنّ هذا التلاقي لم يكن عن سابق


قصد وعزيمة، ولا روية أو مشورة، ولهذا المعنى عقّبه بقوله:( ولكن ليقضى الله أمراً كان مفعولاً ) بما فيه من الاستدراك.

وقوله:( ليهلك من هلك عن بيّـنة ويحيى من حىّ عن بيّـنة ) لتعليل ما قضى به من الأمر المفعول أي إنّ الله إنّما قضى هذا الّذى جرى بينكم من التلاقي والمواجهة ثمّ تأييد المؤمنين وخذلان المشركين ليكون ذلك بيّـنة ظاهرة على حقّـيّـة الحقّ وبطلان الباطل فيهلك من هلك عن بيّـنة ويحيى من حىّ عن بيّـنة.

وبذلك يظهر أنّ المراد بالهلاكة والحياة هو الهدى والضلال لأنّ ذلك هو الّذى يرتبط به وجود الآية البيّـنة ظاهراً.

وكذا قوله:( وأنّ الله لسميع عليم ) عطف على قوله:( ليهلك من هلك عن بيّـنة ) الخ، أي و إنّ الله إنّما قضى ما قضى وفعل ما فعل لأنّه سميع يسمع دعاءكم عليم يعلم ما في صدوركم، وفيه إشارة إلى ما ذكره في صدر الآيات:( إذ تستغيثون ربّكم فاستجاب لكم ) إلى آخر الآيات.

وعلى هذا السياق - أي لبيان أنّ مرجع الأمر في هذه الواقعة هو القضاء الخاصّ الإلهىّ دون الاسباب العاديّـة - سيق قوله تعالى بعد:( إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ) الخ، وقوله:( وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم ) الخ، وقوله:( إذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ) الخ.

ومعنى الآية يوم الفرقان هو الوقت الّذى أنتم نزول بالعدوه الدنيا وهم نزول بالعدوة القصوى، وقد توافق نزولكم بها ونزولهم بها بحيث لو تواعدتم بينكم أن تلتقوا بهذا الميعاد لاختلفتم فيه ولم تتلاقوا على هذه الوتيرة فلم يكن ذلك منكم ولا منهم ولكنّ ذلك كان أمراً مفعولاً والله قاضيه وحاكمه، وإنّما قضى ما قضى ليظهر آية بيّـنة فتتمّ بذلك الحجّـة، ولأنّه قد استجاب بذلك دعوتكم بما سمع من استغاثتكم وعلم به من حاجة قلوبكم.

قوله تعالى: ( إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ) إلى آخر الآية، الفشل هو الضعف مع الفزع، والتنازع هو الاختلاف وهو من النزع نوع من القلع كأنّ المتنازعين ينزع


كلّ منهما الآخر عمّا هو فيه، والتسليم هو النتيجة.

والكلام على تقدير اذكر أي اذكر وقتاً يريكهم الله في منامك قليلاً، وإنّما أراكهم قليلاً ليربط بذلك قلوبكم وتطمئنّ نفوسكم ولو أراكهم كثيراً ثمّ ذكرتها للمؤمنين أفزعكم الضعف واختلفتم في أمر الخروج إليهم ولكنّه تعالى نجّـاكم بإراءتهم قليلاً عن الفشل والتنازع إنّه عليم بذات الصدور وهى القلوب يشهد ما يصلح به حال القلوب في اطمئنانها وارتباطها وقوّتها.

والآية تدلّ على أنّ الله سبحانه أرى نبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رؤيا مبشّرة رأى فيها ما وعده الله من إحدى الطائفتين أنّها لهم، وقد أراهم قليلاً لا يعبأ بشأنّهم، وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر ما رآه للمؤمنين ووعدهم وعد تبشير فعزموا على لقائهم. والدليل على ذلك قوله:( ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ) الخ وهو ظاهر.

قوله تعالى: ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقلّلكم في أعينهم ) إلى آخر الآية. معنى الآية ظاهر، ولا تنافى بين هذه الآية وقوله تعالى:( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله واُخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيّد بنصره من يشاء ) آل عمران: ١٣ بناءً على أنّ الآية تشير إلى وقعة بدر.

وذلك أنّ التقليل الّذى يشير إليه في الآية المبحوث عنها مقيّـد بقوله:( إذ التقيتم ) وبذلك يرتفع التنافى كأنّ الله سبحانه أرى المؤمنين قليلاً في أعين المشركين في بادئ الالتقاء ليستحقروا جمعهم ويشجّـعهم ذلك على القتال والنزال حتّى إذا زحفوا واختلطوا، كثّر المؤمنين في أعينهم فرأوهم مثليهم رأى العين فأوهن بذلك عزمهم وأطار قلوبهم فكانت الهزيمة فآية الأنفال تشير إلى أوّل الوقعة، وآية آل عمران إلى ما بعد الزحف والاختلاط وقوله:( ليقضى الله أمراً كان مفعولاً ) متعلّق بقوله:( يريكموهم ) تعليل لمضمونه.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلّكم تفلحون ) إلى آخر الآيات الثلاث.قال الراغب في المفردات: الثبات - بفتح الثاء - ضدّ الزوال انتهى فهو في المورد ضدّ الفرار من العدوّ، وهو بحسب ما له من المعنى أعمّ من الصبر الّذى يأمر به في قوله:( واصبروا إنّ الله مع الصابرين ) فالصبر ثبات قبال المكروه بالقلب


بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع، وبالبدن بأن لا يتكاسل ولا يتساهل ولا يزول عن مكانه ولا يعجل فيما لا يحمد فيه العجل فالصبر ثبات خاصّ.

والريح على ما قيل: العزّ والدولة، وقد ذكر الراغب: أنّ الريح في الآية بمعنى الغلبة استعارة كأنّ من شأن الريح أن تحرّك ما هبّت عليه وتقلعه وتذهب به، والغلبة على العدوّ يفعل به ما تفعله الريح بالشئ كالتراب فاستعيرت لها.

وقال الراغب: البطر دهش يعترى الإنسان من سوء احتمال النعمة وقلّة القيام بحقّها وصرفها إلى غير وجهها قال عزّوجلّ:( بطراً ورئاء الناس ) وقال:( بطرت معيشتها ) وأصله: بطرت معيشته فصرف عنه الفعل ونصب، ويقارب البطر الطرب، وهو خفّـة أكثر ما يعترى من الفرح وقد يقال ذلك في الترح، والبيطرة معالجة الدابّـة. انتهى. والرئاء المراءاة.

وقوله:( فاثبتوا ) أمر بمطلق الثبوت أمام العدوّ، وعدم الفرار منه فلا يتكرّر بالأمر ثانياً بالصبر كما تقدّمت الإشاره إليه.

وقوله:( واذكروا الله كثيراً ) أي في جنانكم ولسانكم فكلّ ذلك ذكر، ومن المعلوم أنّ الأحوال القلبيّـة الباطنة من الإنسان هي الّتى تميّـز مقاصده وتشخّصها سواء وافقها اللفظ كالفقير المستغيث بالله من فقره وهو يقول: يا غنىّ والمريض المستغيث به من مرضه وهو يقول: يا شافي ولو قال الفقير في ذلك: يا الله أو قال المريض فيه ذلك لكان معناه: يا غنىّ ويا شافي لأنّهما بمقتضى الحال الباعث لهما على الاستغاثة والدعوة لا يريدان إلّا ذلك كما هو ظاهر.

والّذى يخرج إلى قتال عدوّه، ثمّ لقيه واستعدّ الظرف للقتال، وليس فيه إلّا زهاق النفوس، وسفك الدماء ونقص الأطراف وكلّ ما يهدّد الإنسان بالفناء في ما يحبّـه فإنّ حاله يحوّل فكرته ويصرف إرادته إلى الظفر بما يريده بالقتال، والغلبة على العدوّ الّذى يهدّده بالفناء، والّذى حاله هذا الحال وتفكيره هذا التفكير إنّما يذكر الله سبحانه بما يناسب حاله وتنصرف إليه فكرته.

وهذا أقوى قرينة على أنّ المراد بذكر الله كثيراً أن يذكر المؤمن ما علّمه تعالى من


المعارف المرتبطة بهذا الشأن وهو أنّه تعالى إلهه وربّه الّذى بيده الموت والحياة وهو على نصره لقدير، وأنّه هو مولاه نعم المولى ونعم النصير، وقد وعده النصر إذ قال: إن تنصروا الله ينصركم ويثبّـت أقدامكم، وأنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأنّ مآل أمره في قتاله إلى إحدى الحسنيين إمّـا الظفر على عدوّه ورفع راية الإسلام وإخلاص الجوّ لسعادته الدينيّـة، وإمّا القتل في سبيل الله والانتقال بالشهادة إلى رحمته، والدخول في حظيرة كرامته، ومجاورة المقرّبين من أوليائه، وما في هذا الصفّ من المعارف الحقيقيّـة الّتى تدعو إلى السعادة الواقعيّـة والكرامة السرمديّـة.

وقد قيّـد الذكر بالكثير لتتجدّد به روح التقوى كلّما لاح للإنسان ما يصرف نفسه إلى حبّ الحياة الفانية والتمتّع بزخارف الدنيا الغارّة والخطورات النفسانيّـة الّتى يلقيها الشيطان بتسويله.

وقوله:( وأطيعوا الله ورسوله ) ظاهر السياق أنّ المراد بها إطاعة ما صدر من ناحيته تعالى وناحية رسوله من التكاليف والدساتير المتعلّقة بالجهاد والدفاع عن حومة الدين وبيضة الإسلام ممّا تشتمل عليه آيات الجهاد والسنّة النبويّـة كالابتداء بإتمام الحجّـة وعدم التعرّض للنساء والذراري والكفّ عن تبييت العدوّ وغير ذلك من أحكام الجهاد.

وقوله:( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) أي ولا تختلفوا بالنزاع فيما بينكم حتّى يورث ذلكم ضعف إرادتكم وذهاب عزّتكم ودولتكم أو غلبتكم فإنّ اختلاف الآراء يخلّ بالوحدة ويوهن القوّة.

وقوله:( واصبروا إنّ الله مع الصابرين ) أي الزموا الصبر على ما يصيبكم من مكاره القتال ممّا يهدّدكم به العدوّ، وعلى الإكثار من ذكر الله، وعلى طاعة الله ورسوله من غير أن يهزهزكم الحوادث أو يزجركم ثقل الطاعة أو تغويكم لذّة المعصية أو يضلّكم عجب النفس وخيلاؤها.

وقد أكّد الأمر بالصبر بقوله:( إنّ الله مع الصابرين ) لأنّ الصبر أقوى عون على الشدائد وأشدّ ركن تجاه التلوّن في العزم وسرعة التحوّل في الإرادة، وهو الّذى يخلّى بين الإنسان وبين التفكير الصحيح المطمئنّ حيث يهجم عليه الخواطر المشوّشة والأفكار الموهنة لإرادته عند الأهوال والمصائب من كلّ جانب فالله سبحانه مع الصابرين.


وقوله:( ولا تكونوا كالّذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ) الآية نهى عن اتّخاذ طريقة هؤلاء البطرين المرائين الصادّين عن سبيل الله، وهم على ما يفيده سياق الكلام في الآيات، كفّـار قريش، وما ذكره من أوصافهم أعنى البطر ورئاء الناس والصدّ عن سبيل الله هو الّذى أوجب النهى عن التشبّـه بهم واتّخاذ طريقتهم بدلالة السياق، وقوله:( والله بما يعملون محيط ) ينبئ عن إحاطته تعالى بأعمالهم وسلطنته عليها وملكه لها، ومن المعلوم أنّ لازم ذلك كون أعمالهم داخلة في قضائه متمشيّـة بإذنه ومشيّـته وما هذا شأنه لا يكون ممّا يعجز الله سبحانه فالجملة كالكناية عمّا يصرّح به بعد عدّة آيات بقوله:( ولا يحسبنّ الّذين كفروا سبقوا إنّهم لا يعجزون ) الأنفال: ٥٩.

وظاهر أنّ أخذ هذه القيود أعنى قوله:( بطراً ورئاء الناس ويصدّون عن سبيل الله ) يوجب تعلّق النهى بها والتقدير: ولا تخرجوا من دياركم إلى قتل أعداء الدين بطرين ومرائين بالتجمّـلات الدنيويّـة، وصدّ الناس عن سبيل الله بدعوتهم بأقوالكم وأفعالكم إلى ترك تقوى الله والتوغّـل في معاصيه والانخلاع عن طاعة أوامره ودساتيره فإنّ ذلك يحبط أعمالكم ويطفئ نور الإيمان ويبطل أثره عن جمعكم فلا طريق إلى نجاح السعي والفوز بالمقاصد الهامّـة إلّا سوىّ الصراط الّذى يمهّـده الدين القويم وتسهّـله الملّة الفطريّـة والله لا يهدى القوم الفاسقين إلى مقاصدهم الفاسدة.

وقد اشتملت الآيات الثلاث على اُمور ستّة أوجب الله سبحانه على المؤمنين رعايتها في الحروب الإسلاميّـة عند اللقاء وهى الثبات، وذكر الله كثيراً، وطاعة الله ورسوله، وعدم التنازع، وأن لا يخرجوا بطراً ورئاء الناس ويصدّون عن سبيل الله.

ومجموع الاُمور الستّة دستور حربىّ جامع لا يفقد من مهامّ الدستورات الحربيّـة شيئاً، والتأمّل الدقيق في تفاصيل الوقائع في تاريخ الحروب الإسلاميّـة الواقعة في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كبدر واُحد والخندق وحنين وغير ذلك يوضح أنّ الأمر في الغلبة والهزيمة كان يدور مدار رعاية المسلمين موادّ هذا الدستور الإلهىّ وعدم رعايتها، والمراقبة لها والمساهلة فيها.

قوله تعالى: ( وإذ زيّـن لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم ) إلى آخر


الآية، تزيين الشيطان للإنسان عمله هو إلقاؤه في قلبه كون العمل حسناً جميلاً يستلذّ به وذلك بتهييج قواه الباطنة وعواطفه الداخلة المتعلّقة بذلك العمل فينجذب إليه قلبه، ولا يجد فراغاً يعقل ما له من سوء الأثر و شؤم العاقبة.

وليس من البعيد أن يكون قوله:( وقال لا غالب لكم اليوم ) الآية مفسّراً أو بمنزلة المفسّر للتزيين الشيطانيّ على أن يكون المراد بالأعمال نتائجها وهى ما هيّـؤوه من قوّة وسلاح وعدّة وما أخرجوه من القيان والمعازف والخمور، وما تظاهروا به من نظام الجيش والجنائب تساق بين أيديهم، ويمكن أن يكون المراد بها نفس الأعمال وهى أنواع تماديهم في الغىّ والضلال وإصرارهم في محادّة الله ورسوله، واسترسالهم في الظلم والفسق فيكون قوله المحكى:( لا غالب لكم اليوم من الناس ) ممّا يتمّ به تزيين الشيطان، وتطيب به نفوسهم فيما اهتمّوا به من قتال المسلمين، وقد أكمل ذلك بقوله:( وإنّى جار لكم ) .

والجوار من سنن العرب في الجاهليّـة الّتى كانت تعيش عيشة القبائل، ومن حقوق الجوار نصرة الجار للجار إذا دهمه عدوّ، وله آثار مختلفة بحسب السنن الجارية في المجتمعات الإنسانيّـة.

وقوله:( فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) النكوص الإحجام عن الشئ و( على عقبيه ) حال والعقب مؤخّر القدم أي أحجم وقد رجع القهقرى منهزماً وراءه.

وقوله:( إنّى أرى ما لا ترون ) الآية تعليل لقوله:( إنّى برئ منكم ) ولعلّه إشارة إلى نزول الملائكة المردفين الّذين نصر الله المسلمين بهم، وكذا قوله:( إنّى أخاف الله والله شديد العقاب ) تعليل لقوله:( إنّى برئ منكم ) ومفسّر للتعليل السابق.

والمعنى ويوم الفرقان هو الوقت الّذى زيّـن الشيطان للمشركين ما كانوا يعملونه لمحادة الله ورسوله وقتال المؤمنين، ويتلبّـسون به للتهيّـئ على إطفاء نور الله، فزيّـن ذلك في أنظارهم، وطيّـب نفوسهم بقوله: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإنّى مجير لكم أذبّ عنكم فلمّا تراءت الفئتان فرأى المشركون المؤمنين والمؤمنون المشركين رجع الشيطان القهقرى منهزماً وراءه وقال للمشركين إنّى برئ منكم إنّى أرى ما لا ترونه من نزول


ملائكة النصر للمؤمنين وما عندهم من العذاب الّذى يهدّدكم إنّى أخاف عذاب الله والله شديد العقاب.

وهذا المعنى - كما ترى - يقبل الانطباق على وسوسة الشيطان لهم في قلوبهم وتهييجهم على المؤمنين وتشجيعهم على قتالهم وتطييب نفوسهم بما استعدّوا به حتّى إذا تراءت الفئتان ونزل النصر واستولى الرعب على قلوبهم انتكست أوهامهم وتبدّلت أفكارهم وعادت مزعمة الغلبة واُمنيّـة الفتح والظفر مخافة مستولية على نفوسهم وخيبة ويأساً شاملة لقلوبهم.

ويقبل الانطباق على تصوّر شيطانيّ يبدو لهم فتنجذب إليه حواسّهم بأن يكون قد تصوّر لهم في صورة إنسان ويقول لهم ما حكاه الله من قوله:( لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّى جار لكم ) فيغويهم ويسيّرهم ويقرّبهم من القتال حتّى إذا تقاربت الفئتان وتراءتا فلمّا تراءت الفئتان ورأى الوضع على خلاف ما كان يؤمّـله ويطمع فيه نكص على عقبيه وقال: إنّى برئ منكم إنّى أرى ما لا ترون من نزول النصر والملائكة إنّى أخاف الله والله شديد العقاب، وقد ورد في روايات القصّة من طرق الشيعه وأهل السنّة ما يؤيّد هذا الوجه.

وهو أنّ الشيطان تصوّر للمشركين في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكنانىّ ثمّ المدلجىّ وكان من أشراف كنانة وقال لهم ما قال وحمل رايتهم حتّى إذا تلاقى الفريقان فرّ منهزماً وهو يقول:( إنّى برئ منكم إنّى أرى ما لا ترون ) إلى آخر ما حكاه الله تعالى، وستجئ الرواية في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله تعالى.

وقد أصرّ بعض المفسّرين على الوجه الأوّل، وردّ الثاني بتزييف الآثار المرويّـة وتضعيف أسناد الأخبار، وهى وإن لم تكن متواترة ولا محفوفة ببعض القرائن القطعيّـة الموجبة للوثوق التامّ لكن أصل المعنى ليس من المستحيل الّذى يدفعه العقل السليم، ولا من اللقصص الّتى تدفعها آثار صحيحة، ولا مانع من أن يتمثّـل لهم الشيطان فيوردهم مورد الضلال والغىّ حتّى إذا تمّ له ما أراد تركهم في تهلكتهم أو حتّى شاهد عذاباً إلهيّـاً نكص على عقبيه هارباً.


على أنّ سياق الآية الكريمة أقرب إلى إفادة هذا الوجه الثاني منه إلى الوجه الأوّل، وخاصّـة بالنظر إلى قوله:( وإنّى جار لكم ) وقوله:( حتّى إذا تراءت الفئتان نكص على عقبيه ) وقوله:( إنّى أرى ما لا ترون ) الآية فإنّ إرجاع معنى قوله:( إنّى أرى ) الخ مثلاً إلى الخواطر النفسانيّـة بنوع من العناية الاستعاريّـة بعيد جدّاً.

قوله تعالى: ( إذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ) إلى آخر الآية، أي يقول المنافقون وهم الّذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، والّذين في قلوبهم مرض وهم الضعفاء في الإيمان ممّن لا يخلو نفسه من الشكّ والارتياب. يقولون - مشيرين إلى المؤمنين إشارة تحقير واستذلال -: غرّ هؤلاء دينهم إذ لو لا غرور دينهم لم يقدموا على هذه المهلكة الظاهرة، وهم شرذمة أذلّاء لا عدّة لهم ولاُعدّة، وقريش على ما بهم من العدّة والقوّة والشوكة.

قوله تعالى: ( ومن يتوكّل على الله فإنّ الله عزيز حكيم ) في مقام الجواب عن قولهم وإبانة غرورهم أنفسهم. وقوله:( فإنّ الله عزيز حكيم ) من وضع السبب موضع المسبّـب، والمعنى: وقد أخطأ هؤلاء المنافقون والّذين في قلوبهم مرض في قولهم فإنّ المؤمنين توكّلوا على الله ونسبوا حقيقة التأثير إليه وضمّوا أنفسهم إلى قوّته وحوله، ومن يتوكّل أمره على الله فإنّ الله يكفيه لأنّه عزيز ينصر من استنصره حكيم لا يخطأ في وضع كلّ أمر موضعه الّذى يليق به.

وفي الآية دليل على حضور جمع من المنافقين وضعفاء الإيمان ببدر حين تلاقى الفئتين.

أمّا المنافقون وهم الّذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فلا معنى لكونهم بين المشركين فلم يكونوا إلّا بين المسلمين لكنّ الشأن في العامل الّذى اوجب منهم الثبات واليوم يوم شديد.

وأمّا الضعفاء الإيمان أو لشاكّون في حقّـيّـة الإسلام فمن الممكن أن يكونوا بين المومنين أو في فئة المشركين وقد قيل: إنّهم كانوا فئة من قريش أسلموا بمكّة واحتبسهم آباؤهم، واضطرّوا إلى الخروج مع المشركين إلى بدر حتّى إذا حضروها وشاهدوا ما


عليه المسلمون من القلّة والذلّة قالوا: مساكين هؤلاء غرّهم دينهم، وسيجئ في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله تعالى.

وعلى أيّ حال ينبغى إمعان النظر في البحث عمّا تفيده هذه الآية من حضور جمع من المنافقين والّذين في قلوبهم مرض يوم بدر عند القتال، واستخراج حقيقة السبب الّذى أوجب لهؤلاء المنافقين والضعفاء حضور هذه الغزوة، والوقوف في ذلك الموقف الصعب الهائل الّذى لا يساعد عليه الأسباب العاديّـة ولا يقف فيه إلّا رجال الحقيقة الّذين امتحن الله قلوبهم للإيمان. وأنّهم لماذا حضروها؟ وكيف ولماذا صبروا مع الصابرين من فئة الإسلام؟ ولعلّنا نوفّق لبعض البحث في ذلك فيما سيوافى من آيات سورة التوبة في شأن المنافقين والّذين في قلوبهم مرض إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: ( ولو ترى إذ يتوفّى الّذين كفروا الملائكة ) إلى تمام الآيتين. التوفّى أخذ الحقّ بتمامه، ويستعمل في كلامه تعالى كثيراً بمعنى قبض الروح، ونسبة قبض أرواحهم إلى الملائكة مع ما في بعض الآيات من نسبته إلى ملك الموت، وفي بعض آخر إلى الله سبحانه كقوله:( قل يتوفّاكم ملك الموت الّذى وكلّ بكم ) الم السجدة: ١١، وقوله:( الله يتوفّى الأنفس حين موتها ) الزمر: ٤٢ دليل على أنّ لملك الموت أعواناً يتولّون قبض الأرواح هم بمنزلة الأيدى العمّالة له يصدرون عن إذنه ويعملون عن أمره، كما أنّه يصدر عن إذن من الله ويعمل عن أمر منه، وبذلك يصحّ نسبة التوفّى إلى الملائكة الأعوان، وإلى ملك الموت، وإلى الله سبحانه.

وقوله:( يضربون وجوههم وأدبارهم ) ظاهره أنّهم يضربون مقاديم أبدانهم وخلاف ذلك فيكنّى به عن إحاطتهم واستيعاب جهاتهم بالضرب، وقيل: إنّ الأدبار كناية عن الأستاه فبالمناسبة يكون المراد بوجوههم مقدّم رؤوسهم، وضرب الوجوه والأدبار بهذا المعنى يراد به الإزراء والإذلال.

وقوله:( وذوقوا عذاب الحريق ) أي يقول لهم الملائكة: ذوقوا عذاب الحريق وهو النار.

وقوله:( ذلك بما قدّمت أيديكم ) تتمّة لقولهم المحكىّ أو إشاره إلى مجموع


ما يفعل بهم وما يقول لهم الملائكة، والمعنى إنّما نذيقكم عذاب الحريق بما قدّمت أيديكم أو: نضرب وجوهكم وأدباركم ونذيقكم عذاب الحريق بما قدّمت أيديكم.

وقوله:( وأنّ الله ليس بظلّام للعبيد ) معطوف على موضع قوله( ما قدّمت ) أي وذلك بأنّ الله ليس بظلّام للعبيد أي لا يظلم أحداً من عبيده فإنّه تعالى على صراط مستقيم لا تخلّف ولا اختلاف في فعله فلو ظلم أحداً لظلم كلّ أحد، ولو كان ظالماً لكان ظلّاماً للعبيد فافهم ذلك.

وسياق الآيات يشهد على أنّ المراد بهؤلاء الّذين يصفهم الله سبحانه بأنّ الملائكة يتوفّـاهم ويعذّبهم هم المقتولون ببدر من مشركي قريش.

قوله تعالى: ( كدأب آل فرعون والّذين من قبلهم كفروا بآيات الله ) إلى آخر الآية. الدأب والديدن: العادة وهى العمل الّذى يدوم ويجرى عليه الإنسان، والطريقة الّتى يسلكها والمعنى كفر هؤلاء يشبه كفر آل فرعون والّذين من قبلهم من الاُمم الخالية الكافرة كفروا بآيات الله وأذنبوا بذلك فأخذهم الله بذنوبهم إنّ الله قوىّ لا يضعف عن أخذهم شديد العقاب إذا أخذ.

قوله تعالى: ( ذلك بأنّ الله لم يك مغيّـراً نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّـروا ما بأنفسهم ) الخ أي إنّ العقاب الّذى يعاقب به الله سبحانه إنّما يعقّب نعمة إلهيّـة سابقة بسلبها واستخلافها، ولا تزول نعمة من النعم الإلهيّـة ولا تتبدّل نقمة وعقاباً إلّا مع تبدّل محلّه وهو النفوس الإنسانيّـة، فالنعمة الّتى أنعم بها على قوم إنّما اُفيضت عليهم لمّا استعدّوا لها في أنفسهم، ولا يسلبونها ولا تتبدّل بهم نقمة وعقاباً إلّا لتغييرهم ما بأنفسهم من الاستعداد وملاك الإفاضة وتلبّسهم باستعداد العقاب.

وهذا ضابط كلّىّ في تبدّل النعمة إلى النقمة والعقاب، وأجمع منه قوله تعالى:( إنّ الله لا يغيّـر ما بقوم حتّى يغيّـروا ما بأنفسهم ) الرعد: ١١ وإن كان ظاهره أظهر انطباقاً على تبدّل النعمة إلى النقمة.

وكيف كان فقوله:( ذلك بأنّ الله لم يك مغيّـراً ) الخ من قبيل التعليل بأمر عامّ وتطبيقه على مورده الخاصّ أي أخذ مشركي قريش بذنوبهم، وعقابهم بهذا العقاب الشديد، وتبديل نعمة الله عليهم عقاباً شديداً إنّما هو فرع من فروع سنّة جارية إلهيّـة هي أنّ الله لا يغيّـر


نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّـروا ما بأنفسهم.

وقوله:( وأنّ الله سميع عليم ) تعليل آخر بعد التعليل بقوله:( ذلك بأنّ الله لم يك مغيّـراً ) الخ وظاهره - بمقتضى إشعار السياق - أنّ المراد به: وذلك بأنّ الله سميع لدعواتكم عليم بحاجاتكم سمع استغاثتكم وعلم بحاجتكم فاستجاب لكم فعذّب أعداءكم الكافرين بآيات الله، ويحتمل أن يكون المراد: ذلك بأنّ الله سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم فعذّبهم على ذلك، ويمكن الجمع بين المحتملين.

قوله تعالى: ( كدأب آل فرعون والّذين من قبلهم كذّبوا بآيات ربّهم فأهلكناهم بذنوبهم ) الخ كرّر التنظير السابق لمشابهة الفرض مع ما تقدّم فقوله:( كدأب آل فرعون ) الخ السابق تنظير لقوله:( ذلك بما قدّمت أيديكم وأنّ الله ليس بظلّام للعبيد ) كما أنّ قوله:( كدأب آل فرعون - إلى قوله -وكلّ كانوا ظالمين ) ثانياً تنظير لقوله:( ذلك بأنّ الله لم يك مغيّـراً نعمة ) الخ.

غير أنّ التنظير الثاني يشتمل على نوح من الالتفات في قوله:( فأهلكناهم بذنوبهم ) وقد وقع بحذائه في التنظير الأوّل:( فأخذهم الله بذنوبهم ) من غير التفات ولعلّ الوجه فيه أنّ التنظير الثاني لمّا كان مسبوقاً بإفادة أنّ الله هو المفيض بالنعم على عباده ولا يغيّـرها إلّا عن تغييرهم ما بأنفسهم، وهذا شأن الربّ بالنسبة إلى عبيده اقتضى ذلك أن يعدّ هؤلاء عبيداً غير جارين على صراط عبوديّـة ربّهم و لذلك غير بعض سياق التنظير فقال في الثاني:( كذّبوا بآيات ربّهم ) وقد كان بحذائه في الأوّل قوله:( كفروا بآيات الله ) ولذلك التفت ههنا من الغيبة إلى التكلّم مع الغير فقال:( فأهلكناهم بذنوبهم ) للدلالة على أنّه سبحانه هو ربّهم وهو مهلكهم، وقد أخذ المتكلّم مع الغير للدلالة على عظمة الشأن وجلالة المقام، وأنّ له وسائط يعملون بأمره ويجرون بمشيّـتة.

وقوله:( وأغرقنا آل فرعون ) أظهر المفعول ولم يقل: وأغرقناهم ليؤمن الالتباس برجوع الضمير إلى آل فرعون والّذين من قبلهم جميعاً.

وقوله تعالى:( وكلّ كانوا ظالمين ) أي جميع هؤلاء الّذين أخذهم العذاب الإلهىّ من كفّـار قريش وآل فرعون والّذين من قبلهم كانوا ظالمين في جنب الله.


وفيه بيان أنّ الله سبحانه لا يأخذ بعقابه الشديد أحداً، ولا يبدّل نعمته على أحد نقمة إلّا إذا كان ظالماً ظلماً يبدّل نعمة الله كفراً باياته فهو لا يعذّب بعذابه إلّا مستحقّه.

( بحث روائي)

في الكافي عن علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبى عمير عن الحسين بن عثمان عن سماعة قال: سألت أباالحسنعليه‌السلام عن الخمس فقال: في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير.

وفيه عن علىّ بن ابراهيم عن أبيه عن حمّـاد بن عيسى عن بعض أصحابنا عن العبد الصالح قال: الخمس في خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة يؤخذ من كلّ هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعل الله له، ويقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه وولىّ ذلك.

ويقسّم بينهم الخمس على ستّة أسهم: سهم لله، وسهم لرسوله، وسهم لذى القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل فسهم الله وسهم رسوله لاُولى الأمر من بعد رسول الله وراثة فله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله فله نصف الخمس كلّاً، ونصف الخمس الثاني بين أهل بيتة: فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم يقسّم بينهم على الكتاب والسنّة ما يستغنون به في سنتهم فإن فضل منهم شئ فهو للوالى، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالى أن ينفق من عنده ما يستغنون به، وإنّما صار عليه أن يمونهم لأنّ له ما فضل عنهم، وإنّما جعل الله هذا الخمس خاصّـة لهم دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم عن صدقات الناس تنزيهاً من الله لقرابتهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكرامة من الله لهم من أوساخ الناس فجعل لهم خاصّـة من عنده وما يغنيهم به، أن يصيّرهم في موضع الذلّ والمسكنة، ولا بأس بصدقة بعضهم على بعض.

وهؤلاء الّذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذين ذكرهم الله فقال:


( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وهم بنو عبدالمطّلب أنفسهم الذكر منهم والاُنثى ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم، وقد تحلّ صدقات الناس لمواليهم، وهم والناس سواء.

ومن كانت اُمّه من بنى هاشم وأبوه من سائر قريش فإنّ الصدقات تحلّ له، وليس له من الخمس شئ لأنّ الله يقول،( ادعوهم لآبائهم ) .

وفي التهذيب بإسناده عن علىّ بن مهزيار قال: قال لى علىّ بن راشد: قلت له: أمرتنى بالقيام بأمرك وأخذ حقّك فأعلمت مواليك بذلك فقال لى بعضهم: وأىّ شئ حقّه؟ فلم أدر ما اُجيبه ! فقال: يجب عليهم الخمس فقلت: ففى أيّ شئ؟ فقال: في أمتعتهم وضياعهم قلت: والتاجر عليه والصانع بيده؟ فقال: ذلك إذا أمكنهم بعد مؤنتهم.

وفيه بإسناده عن زكريّـا بن مالك الجعفيّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام أنّه سأل عن قول الله:( واعلموا أنّ ما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) فقال: خمس الله عزّوجلّ للإمام، وخمس الرسول للإمام، وخمس ذى القربى لقرابة الرسول للإمام، واليتامى يتامى آل الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم فلا يخرج منهم إلى غيرهم.

وفيه بإسناده عن أحمد بن محمّـد بن أبى نصر عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: قال له ابراهيم بن أبى البلاد: وجب عليك زكاة؟ قال: لا ولكن يفضل ونعطى هكذا، وسئل عن قول الله عزوجل:( واعلموا أنّ ما غنمتم من شئ فأنّ لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ قال: للرسول، وما كان للرسول فهو للإمام. قيل: أفرأيت إن كان صنف أكثر من صنف، وصنف أقلّ من صنف؟ فقال: ذلك للإمام. قيل أفرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كيف يصنع؟ قال: إنّما كان يعطى على ما يرى هو وكذلك الإمام.

أقول: والأخبار عن أئمّـه أهل البيتعليهم‌السلام متواترة في اختصاص الخمس بالله ورسوله والإمام من أهل بيته ويتامى قرابته ومساكينهم وأبناء سبيلهم لا يتعدّاهم إلى غيرهم، وأنّه يقسّم ستّة أسهم على ما مرّ في الروايات، وأنّه لا يختصّ بغنائم الحرب بل يعمّ


كلّ ما كان يسمّى غنيمة لغة من أرباح المكاسب والكنوز والغوص والمعادن والملاحة، وفي رواياتهم - كما تقدّم - أنّ ذلك موهبة من الله لأهل البيت بما حرّم عليهم الزكوات والصدقات.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبى شيبة وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما: أنّ نجدة الحروريّ أرسل يسأله عن سهم ذى القربى الّذين ذكر الله فكتب إليه: إنّا كنّا نرى أنّاهم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عبّـاس رضى الله عنهما: هو لقربي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قسّمه لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله. وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم، وأن يقضى عن غارمهم، وأن يعطى فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك.

أقول: وقوله في الرواية: (قالوا ويقول لمن تراه) معناه: قال الّذين أرسلهم نجدة الحروريّ لابن عبّـاس: ويقول نجدة لمن ترى الخمس أي يسألك عن فتواك فيمن يصرف إليه الخمس.

وقوله: هو لقربي رسول الله قسّمها لهم (الخ) ظاهره أنّه فسّر ذى القربى بأقرباء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وظاهر الروايات السابقة عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام أنّهم فسّروا ذى القربى بالإمام من أهل البيت، وظاهر الآية يؤيّد ذلك حيث عبّر بلفظ المفرد !

وفيه أخرج ابن المنذر عن عبد الرحمان بن أبى ليلى قال: سألت عليّـاًعليه‌السلام فقلت: يا أميرالمؤمنين أخبرني كيف كان صنع أبى بكر وعمر عنهما في الخمس نصيبكم؟ فقال: أمّا أبوبكر عنه فلم يكن في ولايته أخماس، وأمّا عمر عنه فلم يزل يدفعه إلىّ في كلّ خمس حتّى كان خمس السوس وجند نيسابور فقال وأنا عنده، هذا نصيبكم أهل البيت من الخمس وقد اُحلّ ببعض المسلمين واشتدّت حاجتهم. فقلت، نعم، فوثب العبّـاس بن عبدالمطّلب فقال، لا تعرّض في الّذى لنا. فقلت، ألسنا من أرفق المسلمين، وشفع اميرالمؤمنين، فقبضه فو الله ما قبضناه ولا قدرت عليه في ولاية عثمان .


ثمّ أنشأ علىّعليه‌السلام يحدّث فقال: إنّ الله حرّم الصدقة على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فعوّضه سهماً من الخمس عوضاً ممّا حرّم عليه، وحرّمها على أهل بيته خاصّـة دون اُمّـته فضرب لهم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سهماً عوضاً ممّا حرّم عليهم.

وفيه أخرج ابن أبى حاتم عن ابن عبّـاس رضى الله عنهما قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رغبت لكم عن غسالة الأيدى لأنّ لكم في خمس الخمس مايغنيكم أو يكفيكم.

أقول: وهو مبنىّ على كون سهم أهل البيت هو مالذى القربى فحسب.

وفيه أخرج ابن أبى شيبة عن جبير بن مطعم رضى الله عنه قال: قسّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سهم ذى القربى على بنى هاشم وبنى المطّلب. قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفّان حتّى دخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بنى هاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الّذى وضعك الله به منهم. أ رأيت إخواننا من بنى المطّلب أعطيتهم دوننا، وإنّما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال: إنّهم لم يفارقونا في الجاهليّـة والإسلام.

وفيه أخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم رضى الله عنه قال: آل محمّـد الّذين أعطوا الخمس: آل علىّ وآل عبّـاس وآل جعفر وآل عقيل.

أقول: والروايات في هذا الباب كثيرة من طرق أهل السنّة وقد اختلفت الروايات الحاكية لعمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من طرقهم بين ما مضمونه أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقسّم الخمس على أربعة أسهم وبين ما مضمونه التقسيم على خمسة أسهم.

غير أنّه يقرب من المسلّم فيها أنّ من سهام الخمس ما يختصّ بقرابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهم المعنيّـون بذى القربى في آية الخمس على خلاف ما في الروايات المرويّـة عن أئمّـه أهل البيتعليهم‌السلام .

وممّا يقرب من المسلّم فيها أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقسّمه بين المطّلبيّـين مادام حيّـاً، وأنّه انقطع عنهم على هذا الوصف في زمن الخلفاء الثلاث ثمّ جرى على ذلك الأمر بعدهم.

ومن المسلّم فيها أيضاً أنّ الخمس يختصّ بغنائم الحرب - على خلاف ما عليه


الروايات من طرق أئمّـه أهل البيتعليهم‌السلام - ولا يتعدّاها إلى كلّ ما يصدق عليه اسم الغنيمة لغة.

وما يتعلّق بالآية من محصّل البحث التفسيرىّ هو الّذى قدّمناه وهناك أبحاث اُخر كلاميّـة أو فقهيّـة خارجة عن غرضنا. وهناك بحث حقوقيّ اجتماعيّ في ما يؤثّره الخمس من الأثر في المجتمع الإسلاميّ سيوافيك في ضمن الكلام على الزكاة.

بقى الكلام فيما تتضمّنه الروايات أنّ الله سبحانه أراد بتشريع الخمس إكرام أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واُسرته وترفيعهم من أن يأخذوا أوساخ الناس في أموالهم، والظاهر أنّ ذلك مأخوذ من قوله تعالى في آية الزكاة خطاباً لنبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم ) التوبه: ١٠٣ فإنّ التطهير والتزكية إنّما يتعلّق بما لا يخلو من دنس ووسخ ونحوهما ولم يقع في آية الخمس ما يشعر بذلك.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال: اُمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالقتل في آى من القرآن فكان أوّل مشهد شهده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدراً، وكان رئيس المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة بن عبد شمس فالتقوا يوم الجمعة ببدر لسبع أو ستّ عشرة ليلة مضت من رمضان، وأصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاث مأة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون بين الألف والتسعمأة، وكان ذلك يوم الفرقان يوم فرّق الله بين الحقّ والباطل فكان أوّل قتيل قتل يومئذ مهجع مولى عمرو رجل من الأنصار، وهزم الله يومئذ المشركين فقتل منهم زيادة على سبعين رجلاً، وأسر منهم مثل ذلك.

وفيه أخرج ابن مردويه عن علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام قال: كانت ليلة الفرقان يوم التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.

أقول: وروى مثل ذلك عن ابن جرير عن الحسن بن علىّ وعن ابن أبى شيبة عن جعفر عن أبيه، وأيضاً عنه عن أبى بكر عن عبد الرحمان بن هشام، وعنه عن عامر بن ربيعة البدرىّ مثله لكن فيه: كان يوم بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان.

وربّما اُطلق في بعض أخبار أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام على التسعة عشر من رمضان


يوم يلتقى الجمعان لما عدّ ليلته في أخبارهم من ليلة القدر، وهذا معنى آخر غير ما اُريد في الآية من( يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) ففى تفسير العيّـاشيّ عن إسحاق بن عمّار عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: في تسعة عشر من شهر رمضان يلتقى الجمعان. قلت: ما معنى قوله: يلتقى الجمعان؟ قال: يجتمع فيها ما يريد من تقديمه وتأخيره وإرادته وقضائه.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن محمّـد بن يحيى عن أبى عبداللهعليه‌السلام في قوله:( والركب أسفل منكم ) قال: أبوسفيان وأصحابه.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( ليهلك من هلك عن بيّـنة ويحيى من حىّ عن بيّـنة ) الآية قال: قال: يعلم من بقى أنّ الله نصره.

وفي الدرّ المنثور في قوله تعالى:( وإذ يريكموهم إذ التقيتم ) الآية أخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وأبوالشيخ وابن مردويه عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: لقد قلّلوا في اعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبى: تراهم سبعين؟ قال: لا بل مأة.

وفيه في قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم ) الخ أخرج الحاكم وصحّحه عن أبى موسى رضى الله عنه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يكره الصوت عند القتال.

وفيه أخرج ابن أبى شيبة عن النعمان بن مقرن رضى الله عنه قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا كان عند القتال لم يقاتل أوّل النهار، وأخّره إلى أن تزول الشمس وتهبّ الرياح وتنزل النصر.

وفي تفسير البرهان في قوله تعالى:( وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم ) الآية بإسناده عن يحيى بن الحسن بن فرات قال: حدّثنا أبوالمقدم ثعلبة بن زيد الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبدالله بن حرام الأنصاريّ رحمه الله يقول: تمثّل إبليس في أربع صور:

تمثّل يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جشعم المدلجىّ فقال لقريش: لا غالب لكم اليوم من الناس وإنّى جار لكم فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إنّى برئ منكم.

وتصوّر يوم العقبة في صورة منبّه بن الحجّاج فنادى: إنّ محمّـداً والصباة معه عند العقبة فأدركوهم. قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأنصار: لا تخافوا فإنّ صوته لن يعدوه.


وتصوّر في يوم اجتماع قريش في دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد وأشار عليهم في أمرهم فأنزل الله تعالى:( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) .

وتصوّر في يوم قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صورة المغيرة بن شعبة فقال: أيّها الناس لا تجعلوا كسروانيّـة ولا قيصرانيّـة وسّعوها تتّسع فلا تردّوا إلى بنى هاشم فينظر بها الحبالى.

وفي المجمع قيل: إنّهم لمّا التقوا كان إبليس في صفّ المشركين أخذ بيده الحارث بن هشام فنكص على عقبيه فقال له الحارث بن هشام: يا سراقة إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحالة؟ فقال: إنّى أرى ما لا ترون، فقال: والله ما نرى إلّا جعاميس يثرب فدفع في صدر الحارث وانطلق وانهزم الناس.

فلمّا قدموا مكّة قالوا: هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتّى بلغني هزيمتكم فقالوا: إنّك أتيتنا يوم كذا فحلف لهم فلمّا أسلموا علموا أنّ ذلك كان الشيطان. قال: وروى ذلك عن أبى جعفر وأبى عبداللهعليهم‌السلام .

أقول: وروى مثله ابن شهر آشوب عنهماعليهم‌السلام ، وفي معنى هاتين الروايتين روايات كثيرة من طرق أهل السنّة عن ابن عبّـاس وغيره.

وقد مرّ في البيان المتقدّم استبعاد بعض المفسّرين ذلك وتضعيفه ما ورد فيه من الروايات، وهى إنّما تثبت أمراً ممكناً غير مستحيل، والاستبعاد الخالى لا يبنى عليه في الأبحاث العلميّـة، والتمثّلات البرزخيّـة ليست بشاذّة نادرة فلا موجب للإصرار على النفى كما أنّ الإثبات كذلك غير أنّ ظاهر الآية أوفق للإثبات.

وفي الدرّ المنثور في قوله تعالى:( وإذ زيّن لهم الشيطان ) الآيتين أخرج ابن أبى حاتم عن ابن إسحاق في قوله:( إذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض ) قال: هم الفئة الّذين خرجوا مع قريش احتبسهم آباؤهم فخرجوا وهم على الارتياب فلمّا رأوا قلّة أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قالوا: غرّ هؤلاء دينهم حين قدموا على ما قدموا عليه من قلّة عددهم وكثرة عدوّهم.


وهم فئة من قريش مسمّون خمسة: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبوقيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميّـان، والحارث بن زمعة، وعلىّ بن اُميّـة بن خلف، والعاصي بن منبّـه.

أقول: وهذا يقبل الانطباق بوجه على قوله تعالى:( والّذين في قلوبهم مرض ) فحسب، وفي بعض التفاسير أنّ القائل:( غرّ هؤلاء دينهم ) هم المنافقون والّذين في قلوبهم مرض من أهل المدينة، ولم يخرجوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسياق الآية الظاهر في حضورهم وقولهم ذلك عند التقاء الفئتين يأبى ذلك.

وفي رواية أبى هريرة - على ما رواه في الدرّ المنثور عن الطبرانيّ في الأوسط عنه - ما لفظه، وقال عتبة بن ربيعة وناس معه من المشركين يوم بدر:( غرّ هؤلاء دينهم ) فأنزل الله:( إذ يقول المنافقون والّذين في قلوبهم مرض غرّ هؤلاء دينهم ) . والّذى ذكره لا ينطبق على الآية البتّـة فالقرآن الكريم لا يسمّى المشركين منافقين ولا الّذين في قلوبهم مرض.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن أبى علىّ المحمودىّ عن أبيه رفعه في قول الله:( يضربون وجوههم وأدبارهم ) قال: إنّما أراد أستاههم. إنّ الله كريم يكنّى.

وفي تفسير الصافى عن الكافي عن الصادقعليه‌السلام : أنّ الله بعث نبيّـاً من أنبيائه إلى قومه، وأوحى إليه: أن قل لقومك: إنّه ليس من أهل قرية ولا ناس كانوا على طاعتي فأصابهم فيها سرّاء فتحوّلوا عمّا اُحبّ إلى ما أكره إلّا تحوّلت لهم عمّا يحبّون إلى ما يكرهون، وإنّه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتى فأصابهم فيها ضرّاء فتحوّلوا عمّا أكره إلى ما اُحبّ إلّا تحوّلت لهم عمّا يكرهون إلى ما يحبّون.

وفيه أيضاً عنهعليه‌السلام أنّه قال: كان أبى يقول: إنّ الله عزّوجلّ قضى قضاءً حتماً: لا ينعم على العبد بنعمه فيسلبها إيّـاه حتّى يحدّث العبد ذنباً يستحقّ بذلك النقمة.


( سورة الانفال آيه ٥٥ - ٦٦)

إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَيُؤْمِنُونَ ( ٥٥ ) الّذِينَ عَاهَدتّ مِنْهُمْ ثُمّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرّةٍ وَهُمْ لاَيَتّقُونَ ( ٥٦ ) فَإِمّا تَثْقَفَنّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرّدْ بِهِم مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ ( ٥٧ ) وَإِمّا تَخَافَنّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى‏ سَوَاءٍ إِنّ اللّهَ لاَيُحِبّ الْخَائِنِينَ ( ٥٨ ) وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنّهُمْ لاَيُعْجِزُونَ ( ٥٩ ) وَأَعِدّوا لَهُم مَااستَطَعْتُم مِن قُوّةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللّهِ وَعَدُوّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَتَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِن شَيْ‏ءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَتُظْلَمُونَ ( ٦٠ ) وَإِن جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّهُ هُوَ الْسّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ٦١ )


( بيان)

أحكام ودستورات في الحرب والسلم والمعاهدات ونقضها وغير ذلك، وصدر الآيات يقبل الانطباق على طوائف اليهود الّتى كانت في المدينة وحولها وقد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاهدهم بعد هجرته إلى المدينة أن لا يضرّوه ولا يغدروا به ولا يعينوا عليه عدوّاً ويقرّوا على دينهم ويأمنوا في أنفسهم فنقضوا العهد نقضاً بعد نقض حتّى أمر الله سبحانه بقتالهم فآل أمرهم إلى ما آل إليه، وسيجئ بعض أخبارهم في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله تعالى.

وعلى هذا فالآيات الأربع الاُول غير نازلة مع ما سبقها من الآيات ولا متّصلة بها كما يعطيه سياقها وأمّا السبع الباقية فليست بواضحة الاتّصال بما قبلها من الآيات الأربع ولا بما قبل ما قبلها.

قوله تعالى: ( إنّ شرّ الدوابّ عند الله الّذين كفروا فهم لا يؤمنون ) الكلام مسوق لبيان كون هؤلاء شرّ جميع الموجودات الحيّـة من غير شكّ في ذلك لمافى تقييد الحكم بقوله:( عند الله ) من الدلالة عليه فإنّ معناه الحكم، وما يحكم ويقضى به الله سبحانه لا يتطرّق إليه خطأ وقد قال تعالى:( لا يضلّ ربّى ولا ينسى ) طه: ٥٢.

وقد افتتح هذه القطعه من الكلام المتعلّق بهم بكونهم شرّ الدوابّ عنده لأنّ مغزى الكلام التحرّز منهم ودفعهم، ومن المغروز في الطباع أنّ الشرّ الّذى لا يرجى معه خير يجب دفعه بأىّ وسيلة صحّت وأمكنت فناسب ما سيأمره في حقّهم بقوله:( فإمّا تثقفنّـهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم ) الخ الافتتاح ببيان كونهم شرّ الدوابّ.

وعقّب قوله:( الّذين كفروا ) بقوله:( فهم لا يؤمنون ) مبتدأ بفاء التفريع أي إنّ من وصفهم الّذى يتفرّع على كفرهم أنّهم لا يؤمنون، ولا يتفرّع عدم الإيمان على الكفر إلّا إذا رسخ في النفس رسوخاً لا يرجى معه زواله فلا مطمع حينئذ في دخول الإيمان في قلب هذا شأنه لمكان المضادّة الّتى بين الكفر والإيمان.

ومن هنا يظهر أنّ المراد بقوله:( الّذين كفروا ) الّذين ثبتوا على الكفر، وعند هذا


يرجع معنى هذه الآية إلى نظيرتها السابقة:( إنّ شرّ الدوابّ عند الله الصمّ البكم الّذين لا يعقلون ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون ) الأنفال: ٢٣.

على أنّ الآيتين لمّا دلّـتا على حصر الشرّ عند الله في طائفة معيّـنة من الدوابّ كانت الآية الاُولى مع دلالتها على كون أهلها ممّن لا يؤمنون البتّـة دالّة على أنّ المراد بقوله في الآية الثانية:( الّذين كفروا فهم لا يؤمنون ) كونهم ثابتين على كفرهم لا يزولون عنه البته.

قوله تعالى: ( الّذين عاهدت منهم ثمّ ينقضون عهدهم في كلّ مرّة وهم لا يتّـقون ) بيان للّذين كفروا في الآية السابقة أو بدل منهم بدل البعض من الكلّ، ويتفرّع عليه أنّ( من ) في قوله:( منهم ) تبعيضيّـة والمعنى: الّذين عاهدتهم من بين الّذين كفروا، وأمّا احتمال أن يكون من زائدة والمعنى: الّذين عاهدتهم، أو بمعنى مع والمعنى: الّذين عاهدت معهم: فليس بشئ.

والمراد بكلّ مرّة مرّات المعاهدة أي ينقضون عهدهم في كلّ مرّة عاهدتهم وهم لا يتّـقون الله في نقض العهد أو لا يتّـقونكم ولا يخافون نقض عهدكم، وفيه دلالة على تكرّر النقض منهم.

قوله تعالى: ( فإمّا تثقفنّـهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم لعلّهم يذكرون ) قال في المجمع الثقف الظفر والإدراك بسرعة، والتشريد التفريق على اضطراب. انتهى، وقوله:( فإمّا تثقفنّهم ) أصله إن تثقفهم دخل( ما ) التأكيد على إن الشرطيّـة ليصحّح دخول نون التأكيد على الشرط والكلام مسوق للتأكيد في ضمن والشرط.

والمراد بتشريد من خلفهم بهم أن يفعل بهم من التنكيل والتشديد ما يعتبر به من خلفهم، ويستولى الرعب والخوف على قلوبهم فيتفرّقوا وينحلّ عقد عزيمتهم واتّحاد إرادتهم على قتال المؤمنين وإبطال كلمة الحقّ.

وعلى هذا فالمراد بقوله:( لعلّهم يذكرون ) رجاء أن يتذكّروا ما لنقض العهد والإفساد في الأرض والمحادّة مع كلمة الحقّ من التبعة السيّـئة والعاقبة المشؤومة فإنّ الله


لا يهدى القوم الفاسقين وإنّ الله لا يهدى كيد الخائنين.

ففى الآية إيماء إلى الأمر بقتالهم ثمّ التشديد عليهم والتنكيل بهم عند الظفر بهم وثقفهم، وإيماء إلى أنّ وراءهم من حاله حالهم في نقض العهد وتربّص الدوائر على الحقّ وأهله.

قوله تعالى: ( وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين ) الخيانة - على ما في المجمع - نقض العهد فيما يؤتمن عليه، وهذا معنى الخيانة في العهود والمواثيق، وأمّا الخيانة بمعناها العامّ فهى نقض ما اُبرم من الحقّ في عهد أو أمانة ، والنبذ هو الإلقاء ومنه قوله:( فنبذوه وراء ظهورهم ) آل عمران: ١٨٧ والسواء بمعنى الاستواء والعدل.

وقوله:( وإمّا تخافنّ ) كقوله في الآية السابقة:( فإمّا تثقفنّهم ) ومعنى الخوف ظهور أمارات تدلّ على وقوع ما يجب التحرّز منه والحذر عنه وقوله:( إنّ الله لا يحبّ الخائنين ) تعليل لقوله:( فانبذ إليهم على سواء ) .

ومعنى الآية: وإن خفت من قوم بينك وبينهم عهد أن يخونوك وينقضوا عهدهم ولاحت آثار دالّة على ذلك فانبذ وألق إليهم عهدهم وأعلمهم إلغاء العهد لتكونوا أنتم وهم على استواء من نقض عهد أو تكون مستوياً على عدل فإنّ من العدل المعاملة بالمثل والسواء لأنّك إن قاتلتهم قبل إعلام إلغاء العهد كان ذلك منك خيانة والله لا يحبّ الخائنين.

وملخّص الآيتين دستوران إلهيّـان في قتال الّذين لا عهد لهم بالنقض أو بخوفه فإن كان أهل العهد من الكفّـار لا يثبتون على عهدهم بنقضه في كلّ مرّة فعلى ولىّ الأمر أن يقاتلهم ويشدّد عليهم، وإن كانوا بحيث يخاف من خيانتهم ولا وثوق بعهدهم فيُـعلمون إلغاء عهدهم ثمّ يقاتلون ولا يبدأ بقتالهم قبل الإعلام فإنّما ذلك خيانة، وأمّا إن كانوا عاهدوا ولم ينقضوا ولم يخف خيانتهم فمن الواجب حفظ عهدهم واحترام عقدهم وقد قال تعالى:( فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم ) التوبة: ٤. وقال:( أوفوا بالعقود ) المائدة: ١.

قوله تعالى: ( ولا يحسبنّ الّذين كفروا سبقوا إنّهم لا يعجزون ) القراءة المشهورة( تحسبنّ ) بتاء الخطاب، وهو خطاب للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تطييباً لنفسه وتقوية لقلبه كالخطاب


الآتى بعد عدّة آيات:( يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين ) وكالخطاب الملقى بعده لتحريض المؤمنين:( يا أيّها النبيّ حرّض المؤمنين على القتال ) .

والسبق تقدّم الشى على طالب اللحوق به، والإعجاز إيجاد العجز، وقوله:( إنّهم لا يعجزون ) تعليل لقوله:( ولا تحسبنّ ) الخ، والمعنى: يا أيّها النبيّ لا تحسبنّ أنّ الّذين كفروا سبقونا فلا ندركهم، لأنّهم لا يعجزون الله وله القدرة على كلّ شئ.

قوله تعالى: ( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ) . إلى آخر الآية الإعداد تهيئة الشئ للظفر بشئ آخر وإيجاد ما يحتاج إليه الشئ المطلوب في تحقّقه كإعداد الحطب والوقود للإيقاد وإعداد الإيقاد للطبخ، والقوّة كلّ ما يمكن معه عمل من الأعمال، وهى في الحرب كلّ ما يتمشّى به الحرب والدفاع من أنواع الأسلحة، والرجال المدرّبين والمعاهد الحربيّـة الّتى تقوم بمصلحة ذلك كلّه، والرباط مبالغة في الربط وهو أيسر من العقد يقال: ربطه يربطه ربطاً ورابطه يرابطه مرابطة ورباطاً فالكلّ بمعنى غير أنّ الرباط أبلغ من الربط، والخيل هو الفرس، والإرهاب قريب المعنى من التخويف.

وقوله:( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ) أمر عامّ بتهيئة المؤمنين مبلغ استطاعتهم من القوى الحربيّـة ما يحتاجون إليه قبال ما لهم من الأعداء في الوجود أو في الفرض والاعتبار فإنّ المجتمع الإنسانيّ لا يخلو من التألّف من أفراد أو أقوام مختلفى الطباع ومتضادّى الأفكار لا ينعقد بينهم مجتمع على سنّة قيّـمة بنافعهم إلّا وهناك مجتمع آخر يضادّه في منافعه، ويخالفه في سنّته، ولا يعيشان معاً برهة من الدهر إلّا وينشب بينهما الخلاف ويؤدّى ذلك إلى التغلّب والقهر.

فالحروب المبيدة والاختلافات الداعية إليها ممّا لا مناص عنها في المجتمعات الإنسانيّـة والمجتمعات هي هذه المجتمعات، ويدلّ على ذلك ما نشاهده من تجهّز الإنسان في خلقه بقوى لا يستفاد منها إلّا للدفاع كالغضب والشدّة في الأبدان، والفكر العامل في القهر والغلبة، فمن الواجب الفطريّ على المجتمع الإسلاميّ أن يتجهّز دائماً بإعداد ما استطاع من قوّة ومن رباط الخيل بحسب ما يفترضه من عدوّ لمجتمعه الصالح.

والّذى اختاره الله للمجتمع الإسلاميّ بما أنزل عليهم من الدين الفطريّ الّذى


هو الدين القيّـم هي الحكومة الإنسانيّـة الّتى يحفظ فيها حقوق كلّ فرد من أفراد مجتمعها، ويراعى فيها مصلحة الضعيف والقوىّ والغنىّ والفقير والحرّ والعبد والرجل والمرأة والفرد والجماعة والبعض والكلّ على حدّ سواء دون الحكومة الفرديّـة الاستبداديّـة الّتى لا تسير إلّا على ما تهواه نفس الفرد المتولّي لها الحاكم في دماء الناس وأعراضهم وأموالهم بما شاء وأراد، ولا الحكومة الأكثريّـة الّتى تطابق أهواء الجمهور من الناس وتبطل منافع آخرين وترضى الأكثرين (النصف + واحد) وتضطهد وتسخط الأقلّين (النصف - واحد).

ولعلّ هذا هو السرّ في قوله تعالى:( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ) حيث وجه الخطاب إلى الناس بعد ما كان الخطاب في الآيات السابقة موجّهاً إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كقوله:( فإمّا تثقفنّهم في الحرب فشرّد بهم من خلفهم ) وقوله:( فانبذ إليهم على سواء ) وقوله:( ولا تحسبنّ الّذين كفروا سبقوا ) وكذا في الآيات التالية كقوله:( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) إلى غير ذلك.

وذلك أنّ الحكومة الإسلاميّـة حكومة إنسانيّـة بمعنى مراعاة حقوق كلّ فرد وتعظيم إرادة البعض واحترام جانبه أيّ من كان من غير اختصاص الإرادة المؤثّرة بفرد واحد أو بأكثر الأفراد.

فالمنافع الّتى يهدّدها عدوّهم هي منافع كلّ فرد فعلى كلّ فرد أن يقوم بالذبّ عنها، ويعدّ ما استطاع من قوّة لحفظها من الضيعة، والإعداد وإن كان منه ما لا يقوم بأمره إلّا الحكومات بما لهامن الاستطاعة القويّـة والإمكانات البالغة لكن منها ما يقوم بالأفراد بفرديّـتهم كتعلّم العلوم الحربيّـة والتدرّب بفنونها فالتكليف تكليف الجميع.

وقوله تعالى:( ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) في مقام التعليل لقوله:( وأعدّوا لهم ) أي وأعدّوا لهم ذلك لترهبوا وتخوّفوا به عدوّ الله وعدوّكم، وفي عدّهم عدوّاً لله ولهم جميعاً بيان للواقع وتأكيد في التحريض.

وفي قوله:( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ) دلالة على أنّ المراد بالأوّلين هم الّذين يعرفهم المؤمنون بالعداوة لله ولهم، والمراد بهؤلاء الّذين لا يعلمهم المؤمنون - على ما يعطيه إطلاق اللفظ - كلّ من لا خبرة للمؤمنين بتهديده إيّـاهم بالعداوة من المنافقين الّذين هم


في كسوة المؤمنين وصورتهم يصلّون ويصومون ويحجّون ويجاهدون ظاهراً، ومن غير المنافقين من الكفّـار الّذين لم يبتل بهم المؤمنون بعد.

والإرهاب بإعداد القوّة، وإن كان في نفسه من الأغراض الصحيحة الّتى تتفرّع عليها فوائد عظيمة ظاهرة غير أنّه ليس تمام الغرض المقصود من إعداد القوّة، ولذلك أردفه بقوله:( وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون ) ليدلّ على جماع الغرض.

وذلك أنّ الغرض الحقيقيّ من إعداد القوى هو التمكّن من الدفع مبلغ الاستطاعة، وحفظ المجتمع من العدوّ الّذى يهدّده في نفوسه وأعراضه وأمواله، وباللفظ المناسب لغرض الدين إطفاء نائرة الفساد الّذى يبطل كلمة الحقّ ويهدم بنيان دين الفطرة الّذى به يعبدالله في أرضه ويقوم ملاك العدل في عباده.

وهذا أمر ينتفع به كلّ فرد من أفراد المجتمع الدينىّ فما أنفقه فرد أو جماعة في سبيل الله، وهو الجهاد لإحياء أمره فهو بعينه يرجع إلى نفسه وإن كان في صورة اُخرى فإن أنفق في سبيله مالاً أو جاهاً أو أيّ نعمة من هذا القبيل فهو من الإنفاق في سبيل الضروريّـات الّذى لا يلبث دون أن يرجع إليه نفسه نفعه وما استعقبه من نماء في الدنيا والآخرة، وإن أنفق في سبيله نفساً فهو الشهادة في سبيل الله الّتى تستتبع حياة باقية خالدة حقّة لمثلها فليعمل العاملون لا كما يغرّ به آحاد الفادين في سبيل المقاصد الدنيويّـة ببقاء الاسم وخلود الذكر وتمام الفخر فهؤلاء وإن تنبّـهوا اليوم لهذا التعليم الإسلاميّ، وأنّ المجتمع كنفس واحدة تشترك أعضاؤها فيما يعود إليها من نفع وضرر لكنّـهم خبطوا في مسيرهم واشتبه عليهم الأمر في تشخيص الكمال الإنسانيّ الّذى لأجله تندبه الفطرة وتدعوه إلى الاجتماع، وهو التمتّع من الحياة الدائمة، فحسبوه الحياة الدنيا الدائرة فضاق عليهم المسلك في أمثال التفدية بالنفس لأجل تمتّع الغير بلذائذ المادّة.

وبالجملة فإعداد القوّة إنّما هو لغرض الدفاع عن حقوق المجتمع الإسلاميّ ومنافعة الحيويّـة، والتظاهر بالقوّة المعدّة ينتج إرهاب العدوّ، وهو أيضاً من شعب الدفع ونوع معه، فقوله تعالى:( ترهبون به عدوّ الله ) الخ يذكر فائدة من فوائد الإعداد الراجعة


إلى أفراد المجتمع، وقوله:( وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون ) يذكر أنّ ما أنفقوه في سبيله لا يبطل ولا يفوت بل يرجع إليهم من غير أن يفوت عن ذى حقّ حقّه.

وهذا أعني قوله:( وما تنفقوا من شئ في سبيل الله ) الخ أعمّ فائدة من مثل قوله:( وما تنفقوا من خير يوفّ اليكم ) البقره: ٢٧٢ فإنّ الخير منصرف إلى المال فلا يشمل النفس بخلاف قوله ههنا:( وما تنفقوا من شئ ) .

قوله تعالى: ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله إنّه هو السميع العليم ) في المجمع: الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر لأنّه يميل به في أحد شقيّـه، ولا جناح عليه أي لا ميل إلى مأثم. انتهى ، والسلم بفتح السين وكسرها الصلح.

وقوله:( وتوكّل على الله ) من تتمّة الأمر بالجنوح فالجميع في معنى أمر واحد، والمعنى: وإن مالوا إلى الصلح والمسالمة فمل إليها وتوكّل في ذلك على الله ولا تخف من أن يضطهدك أسباب خفيّـة عنك على غفلة منك وعدم تهيّؤ لها فإنّ الله هو السميع العليم لا يغفله سبب ولا يعجزه مكر بل ينصرك ويكفيك وهذا هو الّذى يثبته قوله في الآية التالية( وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسبك الله ) .

وقد تقدّم فيما أسلفناه من معنى التوكّل على الله أنّه ليس اعتماداً عليه سبحانه بإلغاء الأسباب الظاهريّـة بل سلب الاعتماد القطعيّ على الأسباب الظاهريّـة لأنّ الّذى يبدو للإنسان منها بعض يسير منها دون جميعها، والسبب التامّ الّذى لا يتخلّف عن مسبّـبه هو الجميع الّذى يحمل إرادته سبحانه.

فالتوكّل هو توجيه الثقة والاعتماد إلى الله سبحانه الّذى بمشيّـته يدور رحى الأسباب عامّـة، ولا ينافيه أن يتوسّل المتوكّل بما يمكنه التوسّل به من الأسباب اللآئحة عليه من غير أن يلغى شيئاً منها فيركب مطيّـة الجهل.

قوله تعالى: ( وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسبك الله هو الّذى أيّدك بنصره وبالمؤمنين ) الآية متّصلة بما قبلها وهى بمنزلة دفع الدخل، وذلك أنّ الله سبحانه لمّا أمر نبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجنوح للسلم إن جنحوا له ولم يرض بالخديعة لأنّها من الخيانة في


حقوق المعاشرة والمواصلة للعامّة والله لا يحبّ الخائنين كان أمره بالجنوح المذكور مظنّة سؤال وهو أنّ من الجائز أن يكون جنوحهم للسلم خديعة منهم يضلّون بها المؤمنين ليغيروا عليهم في شرائط وأحوال مناسبة فأجاب سبحانه بأنّا أمرناك بالتوكّل فإن أرادوا بذلك أن يخدعوك فإنّ حسبك الله وقد قال تعالى:( ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إنّ الله بالغ أمره ) .

وهذا ممّا يدلّ على أنّ هناك أسباباً وراء ما ينكشف لنا من الأسباب الطبيعيّـة العاديّـة تجرى على ما يوافق صلاح العبد المتوكّل إذا خانته الأسباب الطبيعيّـة العاديّـة ولم تساعده على مطلوبه الحقّ.

وقوله:( هو الّذى أيّدك بنصره وبالمؤمنين ) بمنزلة الاحتجاج على قوله:( فإنّ حسبك الله ) بذكر شواهد تدلّ على كفايته تعالى وهى أنّه أيّده بنصره وأيّده بالمؤمنين وألّف بين قلوبهم وهى شئ متباغضة.

قوله تعالى: ( وألّف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم ) الخ، قال الراغب: الإلف اجتماع مع التيام يقال: ألّفت بينهم، ومنه الاُلفة ويقال: للمألوف إلف وآلف قال تعالى:( إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم ) انتهى.

أورد سبحانه في جملة ما استشهد على كفايته لمن توكّل عليه أنّه كفى نبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتأليف قلوب المؤمنين بعد ذكرتأييده بهم، والكلام مطلق والملاك المذكور فيه عامّ يشمل جميع المؤمنين وإن كانت الآية اظهر انطباقاً على الأنصار حيث أيّد الله بهم نبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فآووه ونصروه وألّف الله سبحانه بدينه بينهم أنفسهم وقد نشبت فيهم الحروب المبيدة وكانت قائمة على ساقها دهراً طويلاً وهى حرب( بغاث ) بين الأوس والخزرج حتّى اصطلحوا بنزول الإسلام في دارهم وأصبحوا بنعمته إخواناً.

وقد امتنّ الله بتأليفه بين قلوب المسلمين في مواضع من كلامه وبيّـن أهميّـة موقعه بمثل قوله:( لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألّفت بين قلوبهم ولكنّ الله ألّف بينهم إنّه عزيز حكيم ) .


وذلك أنّ الإنسان مفطور على حبّ النعم الحيويّـة الّتى تتمّ بها حياته لا بغية له دونها ولا يريد في الحقيقة شيئاً ولا يقصده إلّا لينتفع به في نفسه وما ربّما يلوح أنّه يريد نفعاً عائداً إلى غيره فالتأمّل الدقيق يكشف عن اشتماله على نفع عائد إليه نفسه، وإذ كان يحبّ الوجدان فهو يبغض الفقدان.

وبهذين الوصفين الغريزيّـين أعنى الحبّ والبغض يتمّ له أمر الحياة ولو أنّه اُحبّ كلّ شئ ومنها الأضداد والمتناقضات لبطلت الحياة ولو أنّه أبغض كلّ شئ حتّى المتنافيات لبطلت الحياة، وقد فطره الله سبحانه على الحياة الاجتماعيّـة، لقصور ما عنده من القوى والأدوات عن القيام بجميع ما يحتاج إليه من ضروريّـات حياته ومن الضرورىّ أنّ الاجتماع لا يتمّ إلّا باختصاص كلّ فرد بما يحرم عنه آخرون من مال أو جاه أو زينة أو جمال أو كلّ ما يتنافس فيه الطباع الإنسانيّ أو يتعلّق به الهوى النفسانيّ على اختلاف فيه بالزيادة والنقيصة.

وهذا أوّل ما يودع أنواع العداوة والبغضاء في القلوب والشحّ في النفوس ثمّ ما ينبسط بينهم من وجوه الحرمان بالظلم والعدوان وبغى البعض على البعض في دم أو عرض أو مال أو غير ذلك ممّا يتنعّمون به ويتنافسون فيه ويعلمون لأجله، تثير في داخل نفوسهم كلّ بغضاء وشنآن.

وهذا كلّه أوصاف وغرائز باطنيّـة في الجماعة لا تلبث دون أن تظهر في أعمالهم وتتلاقى في أفعالهم ويماسّ بعضها بعضاً بينهم في مسير حياتهم وفيه البلوى الّتى تتعقّب الفتن والمصائب الاجتماعيّـة الّتى تبيد النفوس وتهلك الحرث والنسل، وقدشهدت بذلك الحوادث الجارية على توالى القرون والأجيال.

ومهما ظنّت الاُمم المجتمعة أنّ بغيتها في اجتماعها هي التمتّع من العيشة المادّيّـة المحدودة بالحياة الدنيويّـة فلا سبيل إلى قلع مادّة هذا الفساد من أصلها وقطع منابته فإنّ الدار دار التزاحم، والمجتمع قائم على قاعدة الاختصاص، والنفوس مختلفة في الاستعداد، والحوادث الواقعة والعوامل المؤثّرة والأحوال الخارجة دخيلة في معايشهم وحياتهم.

قال تعالى:( إنّ الإنسان خلق هلوعاً إذا مسّه الشرّ جزوعاً وإذا مسّه الخير


منوعاً ) المعارج: ٢١، وقال:( إنّ النفس لأمّارة بالسوء ) يوسف: ٥٣، وقال:( ولا يزالون مختلفين إلّا من رحم ربّك ولذلك خلقهم ) هود: ١١٩، إلى غير ذلك من الآيات.

وغاية ما يمكن الإنسان في بسط الاُلفة وإرضاء القلوب المشحونة بالعداوة والبغضاء أن يقنعهم أو يسكتهم ببذل ما يحبّـون من مال أو جاه أو سائر النعم الدنيويّـة المحبوبة عندهم غير أنّه إنّما ينفع في موارد جزئيّـة خاصّـة، وأمّا العداوة والبغضاء العامّـتان فلا سبيل إلى إزالتهما عن القلوب ببذل النعمة فإنّه لا يبطل غريزة الاستزادة والشحّ الملتهب في كلّ نفس بما يشاهد من المزايا الحيويّـة عند غيره.

على أنّ من النعم ما لا يقبل إلّا الاختصاص والانفراد كالملك والرئاسة العالية و اُمور اُخرى تجرى مجراهما حتّى أنّ الاُمم الراقية ذوى المدنيّـة والحضارة لم يتمكّنوا من معالجة هذا الداء إلّا بما يزول به بعض شدّته، ويستريح جثمان المجتمع من بعض عذابه، وأمّا البغضاءات المتعلّقة بالاُمور الّتى تختصّ به بعض مجتمعهم كالرئاسة والملك فهى على حالها تتّـقد بشررها القلوب ولا يزال يأكل بعضها بعضاً.

على أنّ ذلك ينحصر فيما بينهم وأمّا المجتمعات الخارجة من مجتمعهم فلا يعبا بحالهم ولا يعتنى من منافعهم الحيويّـة إلّا بما يوافق منافع اُولئك وإن أعيتهم طوارق البلاء وعفاهم الدهر بالعناء.

وقد من الله على الاُمّـة الإسلاميّـة إذ أزال الشحّ عن نفوسهم وألّف بين قلوبهم بمعرفة إلهيّـة علّمه إيّـاهم وبثّه فيما بينهم ببيان أنّ الحياة الإنسانيّـة حياة خالدة غير محصورة في هذه الأيّـام القلائل الّتى ستفنى ويبقى الإنسان ولاخبر عنها، وأنّ سعادة هذه الحياة الدائمة غير التمتّع بلذائذ المادّة والرعى في كلإ الخسّـة بل هي حياة واقعيّـة وعيشة حقيقيّـة يحيى ويعيش بها الإنسان في كرامة عبوديّـة الله سبحانه، ويتنعّـم بنعم القرب والزلفى ثمّ يتمتّع بما تيسّر له من متاع الحياة الدنيا ممّا ساقه إليه الحظّ أو الاكتساب عارفاً بحقوق النعمة ثمّ ينتقل إلى جوار الله ويدخل دار رضوانه ويخالط هناك الصالحين من عباده، ويحيى حقّ الحياة قال تعالى:( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلّا متاع )


الرعد: ٢٦، وقال تعالى:( وما هذه الحياة الدنيا إلّا لهو ولعب وإنّ الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون ) العنكبوت: ٦٤ وقال:( فأعرض عمّن تولّى عن ذكرنا ولم يرد إلّا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إنّ ربّك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ) النجم: ٣٠.

فعلى المسلم أن يؤمن بربّـه ويتربّى بتربيته، ويعزم عزمه ويجمع بغيته على ما عند ربّه فإنّما هو عبد مدبّر لا يملك ضرّاً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً ومن كان هذا وصفه لم يكن له شغل إلّا بربّه الّذى بيده الخير والشرّ والنفع والضرّ والغنى والفقر والموت والحياة، وكان عليه أن يسير مسير الحياة بالعلم النافع والعمل الصالح فما سعد به من مزايا الحياة الدنيا فموهبة من عند ربّه، وما حرم منه احتسب عند ربّه أجره، وما عند الله خير وأبقى.

وليس هذا من الغاء الأسباب في شئ ولا إبطالاً للفطرة الإنسانيّـة الداعية إلى العمل والاكتساب، النادبة إلى التوسّل بالفكر والإرادة، المحرّضة إلى الاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل، الموصلة إلى المقاصد الإنسانيّـة والأغراض الصحيحة الحيويّـة فقد فصّلنا القول في توضيح ذلك في موارد متفرّقة من هذا الكتاب.

وإذا تسنّن المسلمون بهذه السنّة الإلهيّـة، وحوّلوا هوى قلوبهم عن ذلك التمتّع المادّىّ الّذى ليس إلّا بغية حيوانيّـة وغرضاً مادّيّـاً إلى هذا التمتّع المعنويّ الّذى لا تزاحم فيه ولا حرمان عنده، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء، وخلصت نفوسهم من الشحّ والرين، وأصبحوا بنعمة الله إخواناً، وأفلحوا حقّ الفلاح، قال:( يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلّا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ) آل عمران: ١٠٣ وقال:( ومن يوق شحّ نفسه فاُولئك هم المفلحون ) الحشر: ٩.

قوله تعالى: ( يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين ) تطييب لنفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد قال تعالى قبله:( فإنّ حسبك الله هو الّذى أيّدك بنصره وبالمؤمنين ) فالمراد - والله أعلم - يكفيك الله بنصره وبمن اتّبعك من المؤمنين، وليس المراد أنّ هناك


سببين كافيين أو سبباً كافياً ذا جزئين يتألّف منهما سبب واحد كاف فالتوحيد القرآنيّ يأبى ذلك.

وربّما قيل: إنّ المعنى حسبك الله وحسب من اتّبعك من المؤمنين بعطف قوله:( من اتّبعك ) على موضع الكاف من( حسبك ) .

والكلام على أيّ حال مسوق للتحريض على القتال على ما يفيده السياق والقرائن الخارجة فإنّ تأثير المؤمنين في كفايتهم لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما هو في القتال على ما يسبق إلى الذهن.

وذكر بعضهم: أنّ الآية نزلت بالبيداء قبل غزوة بدر، وعلى هذا لا اتّصال لها بما بعدها، وأمّا اتّصالها بما قبلها فغير مقطوع به.

قوله تعالى: ( يا أيّها النبيّ حرّض المؤمنين على القتال ) إلى آخر الآية. التحريض والتحضيض والترغيب والحضّ والحثّ بمعنى والفقه أبلغ وأغزر من الفهم، وقوله:( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين ) أي من الّذين كفروا كما قيّـد به الألف بعداً، وكذلك قوله:( وإن يكن منكم مائة ) أي مائة صابرة كما قيّـد بها( عشرون ) قبلاً.

وقوله:( بأنّهم قوم لا يفقهون ) الباء للسببيّـة أو الآلة، والجملة تعليليّـة متعلّقة بقوله:( يغلبوا ) أي عشرون صابرون منكم يغلبون مائتين من الّذين كفروا، ومائة صابرة منكم يغلبون ألفاً من الّذين كفروا كلّ ذلك بسبب أنّ الكفّـار قوم لا يفقهون.

وفقدان الفقه في الكفّـار وبالمقابلة ثبوته في المؤمنين هو الّذى أوجب أن يعدل الواحد من العشرين من المؤمنين أكثر من العشرة من المائتين من الّذين كفروا حتّى يغلب العشرون من هؤلاء المائتين من اُولئك على ما بنى عليه الحكم في الآية فإنّ المؤمنين إنّما يقدمون فيما يقدمون عن إيمان بالله وهو القوّة الّتى لا يعادله ولا يقاومه أيّ قوّة اُخرى لابتنائه على الفقه الصحيح الّذى يوصفهم بكلّ سجيّـة نفسانيّـة فاضلة كالشجاعة والشهامة والجرأة والاستقامة والوقار والطمأنينة والثقة بالله واليقين بأنّه على إحدى الحسنيين إن قتل ففى


الجنّـة وإن قتل ففى الجنّـة، وأنّ الموت بالمعنى الّذى يراه الكفّـار وهو الفناء لا مصداق له.

وأمّا الكفّـار فإنّما اتّكاؤهم على هوى النفس، واعتمادهم على ظاهر ما يسوّله لهم الشيطان، والنفوس المعتمدة على أهوائها لا تتّفق للغاية وإن اتّفقت أحياناً فإنّما تدوم عليه ما لم يلح لائح الموت الّذى تراه فناء، وما أندر ما تثبّت النفس على هواها حتّى حال ما تهدّد بالموت وهى على استقامة من الفكر بل تميل بأدنى ريح مخالف، وخاصّـة في المخاوف العامّـة والمهاول الشاملة كما أثبته التاريخ من انهزام المشركين يوم بدر وهم ألف بقتل سبعين منهم، ونسبة السبعين إلى الألف قريبة من نسبة الواحد إلى أربعة عشر فكان انهزامهم في معنى انهزام الأربعة عشر مقاتلاً من مقاتل واحد، وليس ذلك إلّا لفقه المؤمنين الّذى يستصحب العلم والإيمان، وجهل الكفّـار الّذى يلازمه الكفر والهوى.

قوله تعالى: ( الآن خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً فإن يكن ) الخ أي إن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين من الّذين كفروا وإن يكن منكم ألف صابر يغلبوا ألفين من الّذين كفروا على وزان ما مرّ في الآية السابقة.

وقوله:( وعلم أنّ فيكم ضعفاً ) المراد به الضعف في الصفات الروحيّـة ولا محالة ينتهى إلى الإيمان فإنّ الإيقان بالحقّ هو الّذى ينبعث عنه جميع السجايا الحسنة الموجبة للفتح والظفر كالشجاعة والصبر والرأى المصيب وأمّا الضعف من حيث العدّة والقوّة فمن الضرورىّ أنّ المؤمنين لم يزالوا يزيدون عدّة وقوّة في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقوله:( بإذن الله ) تقييد لقوله:( يغلبوا ) أي إنّ الله لا يشاء خلافه والحال أنّكم مؤمنون صابرون، وبذلك يظهر أنّ قوله:( والله مع الصابرين ) يفيد فائدة التعليل بالنسبة إلى الإذن.

وقوله تعالى في الآية السابقة تعليلاً للحكم:( بأنّهم قوم لا يفقهون ) وكذا في هذه الآية:( وعلم أنّ فيكم ضعفاً ) ( والله مع الصابرين ) وعدم الفقه والضعف الروحيّ والصبر من العلل والأسباب الخارجيّـة المؤثّرة في الغلبة والظفر والفوز بلا شكّ يدلّ على أنّ الحكم في الآيتين مبنىّ على ما اعتبر من الأوصاف الروحيّـة في الفئتين: المؤمنين والكفّـار،


وأنّ القوى الداخلة الروحيّـة الّتى اعتبرت في الآية الاُولى ما في المؤمن الواحد منها غالبة على القوى الداخلة الروحيّـة في عشر من الكفّـار عادت بعد زمان يسير يشير إليه بقوله:( الآن خفّف الله عنكم ) لا يربو ما في المؤمن الواحد منها - من متوسّطي المؤمنين - إلّا على اثنين من الكفّـار فقد فقدت القوّة من أثرها بنسبة الثمانين في المائة وتبدّلت العشرون والمائتان في الآية الاُولى إلى المائة والمائتين في الآية الثانية، والمائة والألف في الاُولى إلى الألف والألفين في الثانية.

والبحث الدقيق في العوامل المولّدة للسجايا النفسانيّـة بحسب الأحوال الطارئة على الإنسان في المجتمعات يهدى إلى ذلك فإنّ المجتمعات المنزليّـة والأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيويّـة دنيويّـة أو دينيّـة في أوّل تكوّنها ونشأتها تحسّ بالموانع المضادّة والمحن الهادمة لبنيانها من كلّ جانب فتتنبّـه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، ويستيقظ ما نامت من نفسانيّـاتها للتحذّر من المكاره والتفدية في طريق مطلوبها بالمال والنفس.

ولا تزال تجاهد وتفدى ليلها ونهارها، وتتقوّى وتتقدّم حتّى تمهّد لنفسها حياة فيها بعض الاستقلال، ويصفو لها الجوّ بعض الصفاء ويكثر جمعها ويضرب بجرّانها الأرض أخذت بالاستفادة من فوائد جهدها والتنعّم بنعمة الراحة، والتوسّع في متّسع الأمن، وشرعت القوى الروحيّـة الباسطة الباعثة للعمل في الخمود.

على أنّ المجتمع وإن قلت أفراده لا يخلو من اختلاف في الإيمان، والسجايا الروحيّـة الجميلة من قوىّ فيها وضعيف، وكلّما كثرت الأفراد ازداد ضعفاء الإيمان والّذين في قلوبهم مرض والمنافقون فتنزّلت القوى الروحيّـة في الفرد المتوسّط وارتفعت كفّة الميزان عمّا كانت عليه من الثقل.

والجماعات الدينيّـة والأحزاب الدنيويّـة في ذلك على السواء والسنّة الطبيعيّـة الجارية في النظام الإنسانيّ تجرى على الجميع على نسق واحد، وقد أثبتت التجربة القطعيّـة أنّ المجتمعات المؤتلفة لغرض هامّ كلّما قلّت أفرادها وقويت رقباؤها ومزاحموها، وأحاطت بها المحن والفتن كانت أكثر نشاطاً للعمل وأحدّ في الأثر وكلّما كثرت أفرادها وقلّت مزاحماتها


والموانع الحائلة بينها وبين مقاصدها ومطالبها كانت أكثر خموداً وأقلّ تيقّظاً وأسفه حلماً.

والتدبّر الكافي في مغازى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينوّر ذلك فهذه غزوة بدر غلب فيها المسلمون وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً على ما بهم من رثاثة الحال وقلّة العدّة وفقد السلاح والقوّة كفّـار قريش وهم يعدلون ثلاثة أمثال المسلمين أو يزيدون على ما لهم من العزّة والشوكة والقوّة ثمّ ما جرى على المسلمين في غزوة أحد ثمّ في غزوة الخندق ثمّ في غزوة خيبر ثمّ في غزوة حنين وهى أعجبها وقد ذكرها الله سبحانه بما لا يبقى لباحث ريباً في ذلك إذ قال:( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مدبرين ) إلى آخر الآيات.

فالآية تدلّ أوّلاً على أنّ الإسلام كان كلّما زاد في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عزّة وشوكة ظاهراً زادت نقصاً وخموداً في قوى المسلمين الروحيّـة العامّـة ودرجة إيمانهم وسجاياهم الجميلة النفسانيّـة المعنويّـة باطناً حتّى استقرّت بعد غزوه بدر - بقليل أو كثير - على خمس ما كانت عليه قبلها كما يشير إليه بعض الإشارة قوله تعالى في الآيات التالية:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) الآيات.

وثانياً: أنّ الظاهر أنّ الآيتين نزلتا دفعة واحدة فإنّهما وإن كانتا تخبران عن حال المؤمنين في زمانين مختلفين كما يشير إليه قوله في الآية الثانية:( الآن خفّف الله عنكم ) لكنّ الآيتين تقيسان كما مرّ طبع قوى المؤمنين الروحيّـة في زمانين مختلفين، وسياق الثانية بالنظر إلى هذا القياس بحيث لا يستقلّ عن الاُولى، ووجود حكمين مختلفين في زمانين لا يوجب أن ينزل الآية المتضمّنة لأحدهما في زمان غير زمان نزول الاُخرى المتضمّنة للآخر.

نعم لو كانت الآيتان مقصورتين في بيان الحكم التكليفىّ فحسب كان الظاهر نزول الثانية بعد زمان نزلت فيه الاُولى.

وثالثاً: أنّ ظاهر قوله تعالى:( الآن خفّف الله عنكم ) كما قيل كون الآيتين مسوقتين لبيان الحكم التكليفىّ لأنّ التخفيف لا يكون إلّا بعد التكليف فاللفظ لفظ الخبر


والمراد به الأمر ومحصّل المراد في الآية الاُولى: ليثبت الواحد منكم للعشرة من الكفّـار وفي الآية الثانية: الآن خفّف الله في أمره فليثبت الواحد منكم للاثنين من الكفّـار.

واختصاص التخفيف بباب التكاليف - كما قيل - وإن أمكنت المناقشة فيه لكن ظهور الآيتين في وجود حكمين مختلفين مترتّـبين بحسب الزمان أحدهما أخفّ من الآخر لا ينبغى الارتياب فيه.

ورابعاً: أنّ ظاهر التعليل في الآية الاُولى بالفقه، وفي الآية الثانية بالصبر مع تقييد المقاتل من المؤمنين في الآيتين جميعاً بالصبر يدلّ على أنّ الصبر يرجّح الواحد في قوّة الروح على مثليه، والفقه يرجّحه فيها على خمسة أمثاله فإذا اجتمعا في واحد يرجّح على عشرة أمثال نفسه، والصبر لا يفارق الفقه وإن جاز العكس.

وخامساً: أنّ الصبر واجب في القتال على أيّ حال.

( بحث روائي)

في تفسير البيضاوىّ في قوله تعالى:( الّذين عاهدت منهم ثمّ ينقضون عهدهم في كلّ مرّة ) هم يهود بنى قريظة عاهدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يمالؤوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا: نسينا، ثمّ عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق، وركب كعب بن الأشرف إلى مكّة فحالفهم.

أقول: وروى ذلك عن ابن عبّـاس ومجاهد، وروى عن سعيد بن جبير أنّ الآية نزلت في ستّة رهط من اليهود منهم ابن تابوت. وإيضاح ما تشير إليه الآية من نقض اليهود ميثاق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مرّة بعد مرّة وما قاساه من المحن من ناحيتهم يحتاج إلى سير إجماليّ فيما جرى بينهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبينهم من الأمر بعد هجرتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة إلى سبع سنين من الهجرة.

وقد كانت طوائف من اليهود هاجرت من بلادها إلى الحجاز وتوطّنوا بها وبنوا فيها الحصون والقلاع، وزادت نفوسهم وكثرت أموالهم وعظم أمرهم وقد مرّت في ذيل قوله


تعالى:( ولمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدّق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الّذين كفروا فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) البقره: ٨٩ في الجزء الأوّل من الكتاب روايات في بدء مهاجرتهم إلى الحجاز وكيفيّـة نزولهم حول المدينة وبشارتهم الناس بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولمّا هاجر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة ودعاهم إلى الإسلام استنكفوا عن الإيمان به فصالح يهود المدينة وعاهدهم بكتاب كتب بينه وبينهم وهم ثلاثة رهط حول المدينة: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة أمّا بنو قينقاع فنكثوا العهد في غزوة بدر فسار إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في منتصف شوّال في السنة الثانية من الهجرة بعد بضعة وعشرين يوماً من وقعة بدر فتحصّنوا في حصونهم فحاصرهم أشدّ الحصار، وبقوا على ذلك خمسة عشر يوماً.

ثمّ نزلوا على حكم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفوسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم فأمر بهم فكتّفوا، وكلّم عبدالله بن أبىّ بن سلول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهم وألحّ عليه وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها فخرجوا إلى أذرعات الشام ومعهم نسائهم وذراريهم، وقبض منهم أموالهم غنيمة الحرب، وكانوا ستّمائة مقاتل من أشجع اليهود.

وأمّا بنو النضير فإنّهم كادوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ خرج إليهم في نفر من أصحابه بعد أشهر من غزوة بدر، وكلّمهم أن يعينوه في دية نفر أو رجلين من الكلابيّـين قتلهم عمرو بن اُميّـة الضمرى فقالوا: نفعل يا أباالقاسم اجلس هنا حتّى نقضى حاجتك، وخلا بعضهم ببعض فتأمّروا بقتله واختاروا من بينهم عمرو بن جحاش أن يأخذ حجر رحى فيصعد فيلقيه على رأسه ويشدخه به وحذّرهم سلّام بن مشكم وقال لهم: لا تفعلوا ذلك فو الله ليخبرنّ بما هممتم به، وإنّه لنقض العهد الّذى بيننا وبينه.

فجاءه الوحى وأخبره ربّه بما همّوا به فقامصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مجلسه مسرعاً وتوجّه إلى المدينة ولحقه أصحابه واستفسروه عن قيامه وتوجّهه فأخبرهم بما همّت به بنو النضير، وبعث إليهم من المدينة أن اخرجوا من المدينة ولا تساكنونى بها، وقد أجّلتكم فمن وجدته بعد ذلك بها، منكم ضربت عنقه فأقاموا أيّـاماً يتجهّزون للخروج.

وأرسل إليهم المنافق عبدالله بن اُبىّ أن لا تخرجوا من دياركم فإنّ معى ألفين يدخلون


معكم حصنكم ويموتون دونكم، وينصركم بنو قريظة وحلفاؤكم من غطفان، وأرضاهم بذلك.

فبعث رئيسهم حُيىّ بن أخطب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك فكبّر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكبّر أصحابه، وأمر عليّـاًعليه‌السلام بحمل الراية والسير إليهم فساروا وأحاطوا بديارهم، وغدر بهم عبدالله بن اُبىّ، ولم ينصرهم بنو قريظة ولا حلفاؤهم من غطفان.

وقد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزعوا من ذلك وقالوا: يا محمّـد لا تقطع فإن كان لك فخذه، وإن كان لنا فاتركه لنا. ثمّ قالوا له بعد أيّـام: يا محمّـد نخرج من بلادك فأعطنا أموالنا قال: لا ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل فلم يقبلوا ذلك وبقوا أيّـاماً على ذلك ثمّ رضوا وسألوه ذلك قال: لا ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئاً، ومن وجدنا معه شيئاً من ذلك قتلناه فخرجوا فوقع قوم منهم إلى فدك ووادى القرى، وقوم إلى أرض الشام، وكان مالهم فيئاً لله ورسوله من غير أن ينال شيئاً من ذلك جيش الإسلام، وقصّـتهم مذكورة في سورة الحشر، ومن كيد بنى النضير للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تخريب الأحزاب من قريش وغطفان وغيرهم عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأمّا بنو قريظة فقد كانوا على الصلح والسلم حتّى وقعت غزوة الخندق وقد كان حُيىّ بن أخطب رئيس بنى النضير ركب إلى مكّة وحثّ قريشاً على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحزّب الأحزاب، وفي ذلك ركب إلى بنى قريظة وجاءهم في ديارهم فلم يزل يوسوس إليهم ويعزّهم ويلحّ عليهم ويكلّم رئيسهم كعب بن أسد في ذلك ونقض العهد ومناجزة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى أرضاهم بذلك واشترطوا عليه أن يدخل في حصنهم فيصيبه ما أصابهم فقبل ودخل.

فنقضوا العهد ومالوا إلى الأحزاب الّذين حاصروا المدينة وأظهروا سبّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحدثوا ثلمة اُخرى.

فلمّا فرغ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أمر الأحزاب أتاه جبرئيل بوحى من الله يأمره بالمسير إليهم فسار إليهم ويحمل رايته علىّعليه‌السلام ونازل حصون بنى قريظة، وحصرهم خمسة وعشرين يوماً.


فلمّا اشتدّ عليهم الحصار عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد أن يختاروا أحد ثلاث خصال: إمّا أن يسلموا ويدخلوا في دين محمّـد، وإمّا أن يقتلوا زراريهم ويخرجوا إليه بسيوفهم مصلتة يناجزونه حتّى يظفروا به أو يقتلوا عن آخرهم، وإمّا أن يهجموا عليه ويكسبوه يوم السبت لأنّهم - يعنى المسلمين - قد أمنوا أن يقاتلوهم فيه !

فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهنّ فبعثوا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن أرسل إلينا أبالبابة بن عبد المنذر نستشيره في الأمر، وكان أبولبابة مناصحاً لهم لأنّ عياله وذرّيّـته وماله كانت عندهم.

فأرسله إليهم فلمّا رأوه قاموا إليه يبكون، وقالوا له: كيف ترى أن ننزل على حكم محمّـد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه: أنّه الذبح، قال أبولبابة: فو الله ما زلّت قدماى حتّى علمت أنّى خنت الله ورسوله، وأوحى الله إلى نبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أمر أبى لبابة.

فندم أبولبابة ومضى على وجهه حتّى أتى المسجد وربط نفسه على سارية من سوارى المسجد تائباً لله، وحلف ألّا يحلّه إلّا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يموت، فبلغ ذلك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: دعوه حتّى يتوب الله عليه، ثمّ إنّ الله تاب عليه وأنزل توبته وحلّه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمّ إنّ بنى قريظة نزلوا على حكم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكانوا موالى أوس فكلّمته أوس في أمرهم مستشفعين وآل الأمر إلى تحكيم سعد بن معاذ الآلوسيّ في أمرهم ورضوا ورضى به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاُحضر سعد وكان جريحاً.

ولمّا كلّم سعد رحمه الله في أمرهم قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم ثمّ حكم فيهم بقتل الرجال وسبى النساء والذراري وأخذ الأموال فاُجرى عليهم ما حكم به سعد فضربت أعناقهم عن آخرهم، وكانوا ستّمائة مقاتل أو سبعمائة، وقيل أكثر، ولم ينج منهم إلّا نفر يسير آمنوا قبل تقتيلهم، وهرب عمرو بن سُعدى منهم ولم يكن داخلاً معهم في نقض العهد، وسبيت النساء إلّا امرأة واحدة ضربت عنقها وهى الّتى طرحت على رأس خلّاد بن السويد بن الصامت رحى فقتلته.

ثمّ أجلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من كان بالمدينة من اليهود ثمّ سارصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى يهود خيبر لما كان من كيدهم وسعيهم في حثّ الأحزاب عليه وتأليفهم من جميع القبائل العربيّـة لحربه فنازل


حصونهم وحصرهم أيّـاماً، وأرسل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى قتالهم أبابكر في جمع يوماً فانهزم، ثمّ عمر بن الخطّاب في جمع يوماّ فانهزم.

وعند ذلك قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لاُعطينّ الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرّار غير فرّارلا يرجع حتّى يفتح الله على يديه ) ولمّا كان من غد أعطى الراية عليّـاًعليه‌السلام وأرسله إلى قتال القوم فتقدّم إليهم وقتل مرحباً الفارس المعروف منهم، وهزمهم وقلع بيده باب حصنهم وفتح الله على يده الحصن، وكان ذلك بعد صلح الحديبيّـة في المحرّم سنة سبع من الهجرة.

ثمّ أجلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بقى من اليهود وقد نصح لهم قبل ذلك أن يبيعوا أموالهم ويأخذوا أثمانها. انتهى ما أردنا تلخيصه من قصّة اليهود مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن جابر في قوله تعالى:( إنّ شرّ الدوابّ عند الله ) الآية نزلت في بنى اُميّـة هم شرّ خلق الله هم( الّذين كفروا ) في باطن القرآن، وهم( الّذين لا يؤمنون ) .

أقول: وروى مثله القمّىّ عن أبى حمزة عنهعليه‌السلام ، وهو من باطن القرآن كما صرّح به في الرواية ليس بالظاهر.

وفي الكافي بإسناده عن سهل بن زياد عن بعض أصحابه عن عبدالله بن سنان عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ثلاث من كنّ فيه كان منافقاً وإن صام وصلّى وزعم أنّه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإن حدّث كذب، وإذا وعد أخلف إنّ الله عزّوجلّ قال في كتابه:( إنّ الله لا يحبّ الخائنين ) وقال:( أن لعنة الله على الكاذبين ) وفي قوله عزّوجلّ:( واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّـاً ) .

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ) الآية قال: قال: السلاح.

وفي التفسير العيّـاشيّ عن محمّـد بن عيسى عمّن ذكره عن أبى عبداللهعليه‌السلام في الآية قال: سيف وترس.

وفي الفقيه عن الصادقعليه‌السلام مرسلاً في الآية قال: منه الخضاب بالسواد.

وفي الكافي بإسناده عن جابر عن أبى جعفرعليه‌السلام : دخل قوم على الحسين بن علىّعليه‌السلام


فرأوه مختضباً بالسواد فسألوه عن ذلك فمدّ يده إلى لحيته ثمّ قال: أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غزاة غزاها أن يختضبوا بالسواد ليقووا به على المشركين.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن جابر الأنصاريّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ) قال: الرمى.

أقول: ورواه في الكافي بإسناده عن عبدالله بن المغيرة رفعه عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والزمخشريّ في ربيع الأبرارعن عقبة بن عامر عنه، والسيوطيّ في الدرّ المنثورعن أحمد ومسلم وأبى داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى الشيخ وأبى يعقوب إسحاق بن ابراهيم والبيهقيّ عن عقبة بن عامر الجهنىّ عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي الدرّ المنثور أخرج أبوداود والترمذيّ وابن ماجه والحاكم وصحّحه والبيهقيّ عن عقبة بن عامر الجهنىّ رضى الله عنه قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنّـة: صانعه الّذى يحتسب في صنعته الخير والّذى يجهّز به في سبيل الله والّذى يرمى به في سبيل الله.

وقال: ارموا واركبوا، وأن ترموا خير من أن تركبوا، وقال: كلّ شئ يلهو به ابن آدم فهو باطل إلّا ثلاثة: رميه عن قوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته اهله فإنّهنّ من الحقّ ومن علّم الرمى ثمّ تركه فهى نعمة كفرها.

أقول: وفي هذه المعاني روايات اُخر، وخاصّـة في الخيل والرمى والروايات على أيّ حال من باب عدّ المصاديق.

وفي الدرّ المنثور أخرج سعد والحارث بن أبى اُسامة وأبويعلى وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن قانع في معجمه والطبرانيّ وأبوالشيخ وابن منده والرويانىّ في مسنده وابن مردويه وابن عساكر عن يزيد بن عبدالله بن غريب عن أبيه عن جدّه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: في قوله:( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) قال: هم الجنّ، ولا تخبل الشيطان إنساناً في داره فرس عتيق.

أقول: وفي معناها روايات اُخر، ومحصّل الروايات ربط قوله:( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) بقوله:( ومن رباط الخيل ) وهى من قبيل الجرى وليس من التفسير في


شئ، والمراد من الآية بظاهرها العدوّ من الإنسان كالكفّـار والمنافقين.

وفيه أخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن أبزى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقرأ: وإن جنحوا للسلم.

وفيه أخرج أبوعبيد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عبّـاس في قوله:( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) قال: نسختها هذه الآية:( قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر - إلى قوله -صاغرون ) .

أقول: وروى نسخها بآية البراءة:( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) والآية لا تخلو عن إيماء إلى كون الحكم مؤجّلاً حيث قال:( وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله إنّه هو السميع العليم ) .

وفي الكافي بإسناده عن الحلبيّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام في قوله تعالى:( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) قلت: ما السلم؟ قال: الدخول في أمرنا، وفي رواية اُخرى: الدخول في أمرك.

أقول: وهو من الجرى.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن عساكر عن أبى هريرة قال: مكتوب على العرش: لا إله إلّا أنا وحدي لا شريك لى محمّـد عبدى ورسولي أيّـدته بعلىّ، وذلك قوله:( هو الّذى أيّدك بنصره وبالمؤمنين ) .

أقول: ورواه الصدوق في المعاني بإسناده عن أبى هريرة، وأبونعيم في حلية الأولياء بإسناده عنه، وكذا ابن شهر آشوب مسنداً عن أنس عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي تفسير البرهان عن شرف الدين النجفيّ قال: تأويله ذكره أبونعيم في حلية الأولياء بطريقه عن أبى هريرة قال: نزلت هذه الآية في علىّ بن أبى طالب، وهو المعنى بقوله: المؤمنين.

أقول: ولفظ الآية لا يساعد على ذلك اللّهمّ إلّا أن يكون المراد بالاتّباع تمام الاتّباع الّذى لا يشذّ عنه شأن من الشؤون، ومن للتبعيض دون البيان إن ساعد عليه السياق.

وفي الدرّ المنثور أخرج البزّار عن ابن عبّـاس قال: لمّا أسلم عمر قال المشركون:


قد انتصف القوم منّا اليوم، وأنزل الله:( يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين ) .

أقول: وروى هذا المعنى في روايات اُخر، والاعتبار لا يساعد عليه فإنّ الزمان الّذى أسلم فيه لم يكن على نعت يصحّح الخطاب بمثل قوله:( يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين ) واليوم يوم الفتنة والعسرة، وقد دام الحال على ذلك بعده سنين متمادية، وما كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذ يحتاج إلى شئ يعينه العدّة، وفي هذه الروايات أنّه كان تمام الأربعين أو رابع أربعين. على أنّ الظاهر أنّ الآية مدنيّـة من جملة آيات سورة الأنفال.

وفيه أخرج ابن إسحاق وابن أبى حاتم عن الزهريّ في قوله:( يا أيّها النبيّ حسبك الله ومن اتّبعك من المؤمنين ) قال: نزلت في الأنصار.

أقول: وسياق الآية في عدم المساعدة عليه كالروايتين السابقتين اللّهمّ إلّا أن يكون المراد نزولها يوم آمن به الأنصار أو يوم تابعوه، والظاهر أنّ الآية نزلت في تطييب نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجميع من كان معه من المؤمنين: مهاجريهم وأنصارهم، وهى توطئة وتمهيد لما في الآية التالية من الأمر بتحريض المؤمنين على القتال.

وفي تفسير القمّىّ قال: قال: كان الحكم في أوّل النبوّة في أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ الرجل الواحد وجب عليه أن يقاتل عشرة من الكفّـار فإن هرب منهم فهو الفارّ من الزحف، والمائة يقاتلون ألفاً.

ثمّ علم الله أنّ فيهم ضعفاً لا يقدرون على ذلك فأنزل الله:( الآن خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ) ففرض عليهم أن يقاتل أقلّ رجل من المؤمنين رجلين من الكفّـار فإن فرّ منهما فهو الفارّ من الزحف فإن كانوا ثلاثة من الكفّـار و واحداً من المسلمين ففرّ المسلم منهم فليس هو الفارّ من الزحف.

أقول: وفي تفسير العيّـاشيّ عن الحسين بن صالح عن الصادق عن علىّعليهم‌السلام ما يقرب منه، وروى ما في معناها في الدرّ المنثور بطرق عديدة عن ابن عبّـاس وغيره.

وفي الدرّ المنثور أخرج الشيرازيّ في الألقاب وابن عدىّ والحاكم وصحّحه عن ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرأ:( الآن خفّف الله عنكم وعلم أنّ فيكم ضُعفاً ) رفع.


( سورة الانفال آيه ٦٧ - ٧١)

مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى‏ حَتّى‏ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٦٧ ) لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيَما أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ٦٨ ) فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيّباً وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٦٩ ) يَا أَيّهَا النّبِيّ قُل لِمَن فِي أَيْدِيكُم مِنَ الْأَسْرَى‏ إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرَاً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٧٠ ) وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٧١ )

( بيان)

عتاب من الله سبحانه لأهل بدر حين أخذوا الأسرى من المشركين ثمّ اقترحوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يقتلهم ويأخذ منهم الفداء ليصلح به حالهم ويتقوّوا بذلك على أعداء الدين، وقد شدّد سبحانه في العتاب إلّا أنّه أجابهم إلى مقترحهم وأباح لهم التصرّف من الغنائم. وهى تشتمل الفداء.

وفي آخر الآيات ما هو بمنزلة التطميع والوعد الجميل للأسرى إن أسلموا والاستغناء عنهم إن أرادوا خيانة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قوله تعالى: ( وما كان لنبىّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض ) إلى آخر الآيات الثلاث، الأسر: الشدّ على المحارب بما يصير به في قبضة الآخذ له كما قيل والأسير هو المشدود عليه، وجمعه الأسرى والاُسراء والاُسارى والأسارى، وقيل الأسارى جمع جمع وعلى هذا فالسبي أعمّ مورداً من الأسر لصدقه على أخذ من لا يحتاج إلى شدّ كالذرارى.

والثخن بالكسر فالفتح الغلظ، ومنه قولهم: أثخنته الجراح وأثخنه المرض قال


الراغب في المفردات: يقال: ثخن الشئ فهو ثخين إذا غلظ فلم يسل ولم يستمرّ في ذهابه، ومنه استعير قولهم: أثخنته ضرباً واستخفافاً قال الله تعالى:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض ) ( حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق ) فالمراد بإثخان النبيّ في الأرض استقرار دينه بين الناس كأنّه شئ غليظ انجمد فثبت، بعد ما كان رقيقاً سائلاً مخشىّ الزوال بالسيلان.

والعرض ما يطرأ على الشئ ويسرع فيه الزوال، ولذلك سمّى به متاع الدنيا لدثوره وزواله عمّا قليل، والحلال وصف من الحلّ مقابل العقد والحرمة كأنّ الشئ الحلال كان معقوداً عليه محروماً منه فحلّ بعد ذلك، وقد مرّ معنى الطيب وهو الملائمة للطبع.

وقد اختلف المفسّرون في تفسير الآيات بعد اتّفاقهم على أنّها إنّما نزلت بعد وقعة بدر تعاتب أهل بدر وتبيح لهم الغنائم.

والسبب في اختلاف ما ورد في سبب نزولها ومعانى جملها من الأخبار المختلفة،ولو صحّت الروايات لكان التأمّل فيها قاضياً بتوسّع عجيب في نقل الحديث بالمعنى حتّى ربّما اختلفت الروايات كالأخبار المتعارضة.

فاختلفت التفاسير بحسب اختلافها فمن ظاهر في أنّ العتاب والتهديد متوجّه إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين جميعاً، أو إلى النبيّ والمؤمنين ما عدا عمر، أو ما عدا عمر وسعد بن معاذ، أو إلى المؤمنين دون النبيّ أو إلى شخص أو أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعد ما استشارهم.

ومن قال: إنّ العتاب إنّما هو على أخذهم الفداء، أو على استحلالهم الغنيمة قبل الإباحة من جانب الله، والنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشاركهم في ذلك لما أنّه بدأ باستشارتهم مع أنّ القوم إنّما أخذوا الفداء بعد نزول الآيات لا قبله حتّى يعاتبوا عليه، والنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يجوّز في حقّه استحلال شئ قبل أن يأذن الله له فيه ويوحى بذلك إليه، وحاشا ساحة الحقّ سبحانه أن يهدّد نبيّـه بعذاب عظيم ليس من شأنه أن ينزل عليه من غير جرم أجرمه وقد عصمه من المعاصي، والعذاب العظيم ليس ينزل إلّا على جرم عظيم لا كما


قيل: إنّ المراد به الصغائر.

فالّذي ينبغى أن يقال: إنّ قوله تعالى:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض ) أنّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضينعليهم‌السلام أنّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكلونهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم فيكفّوا عن محادّة الله ورسوله، وكانوا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض، ويستقرّ دينهم بين الناس فلا مانع بعد ذلك من الأسر ثمّ المنّ أو الفداء كما قال تعالى فيما يوحى إلى نبيّـهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ما علا أمرالإسلام واستقرّ في الحجاز واليمن:( فإذا لقيتم الّذين كفروا فضرب الرقاب حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإمّا منّاً بعد وإمّا فداء ) سورة محمّـد: ٤.

والعتاب على ما يهدى إليه سياق الكلام في الآية الاُولى إنّما هو على أخذهم الأسرى كما يشهد به أيضاً قوله في الآية الثانية:( لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) أي في أخذكم وإنّما كانوا أخذوا عند نزول الآيات الأسرى دون الفداء وليس العتاب على استباحة الفداء أو أخذه كما احتمل.

بل يشهد قوله في الآية التالية:( فكلوا ممّا غنمتم حلالاً طيّـباً واتّقوا الله إنّ الله غفور رحيم ) - حيث افتتحت بفاء التفريع الّتى تفرّع معناها على ما تقدّمها -: على أنّ المراد بالغنيمة ما يعمّ الفداء، وأنّهم اقترحوا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يقتل الأسرى ويأخذ منهم الفداء كما سألوه عن الأنفال أو سألوه أن يعطيهموها كما في آية صدر السورة وكيف يتصوّر أن يسألوه الأنفال، ولا يسألوه أن يأخذ الفداء وقد كان الفداء المأخوذ - على ما في الروايات - يقرب من مائتين وثمانين ألف درهم؟

فقد كانوا سألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يعطيهم الغنائم، ويأخذ لهم منهم الفداء فعاتبهم الله من رأس على أخذهم الأسرى ثمّ أباح لهم ما أخذوا الأسرى لاجله وهو الفداء لا لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شاركهم في استباحة الفداء واستشارهم في الفداء والقتل حتّى يشاركهم في العتاب المتوجّه إليهم.

ومن الدليل من لفظ الآية على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يشاركهم في العتاب أنّ العتاب


في الآية متعلّق بأخذ الأسرى وليس فيها ما يشعر بأنّه استشارهم فيه أو رضى بذلك ولم يرد في شئ من الآثار أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصّاهم بأخذ الأسرى ولا قال قولاً يشعر بالرضا بذلك بل كان ذلك ممّا أقدمت عليه عامّة المهاجرين والأنصار على قاعدتهم في الحروب إذا ظفروا بعدوّهم أخذوا الأسرى للاسترقاق أو الفداء فقد ورد في الآثار أنّهم بالغوا في الأسر وكان الرجل يقى أسيره أن يناله الناس بسوء إلّا علىّعليه‌السلام فقد أكثر من قتل الرجال ولم يأخذ أسيراً.

فمعنى الآيات:( ما كان لنبىّ ) ولم يعهد في سنّة الله في أنبيائه( أن يكون له أسرى ) ويحقّ له أن يأخذهم ويستدرّ على ذلك شيئاً( حتّى يثخن ) ويغلظ( في الأرض ) ويستقرّ دينه بين الناس( تريدون ) أنتم معاشر أهل بدر - وخطاب الجميع بهذا العموم المشتمل على عتاب الجميع لكون أكثرهم متلبّسين باقتراح الفداء على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -( عرض الدنيا ) ومتاعها السريع الزوال( والله يريد الآخرة ) بتشريع الدين والأمر بقتال الكفّـار، ثمّ في هذه السنّة الّتى أخبر بها في كلامه،( والله عزيز ) لا يغلب( حكيم ) لا يلغو في أحكامه المتقنة.

( ولو لا كتاب من الله سبق ) يقتضى أن لا يعذّبكم ولا يهلككم، وإنّما أبهم لأنّ الإبهام أنسب في مقام المعاتبة ليذهب ذهن السامع كلّ مذهب ممكن، ولا يتعيّـن له فيهون عنده أمره( لمسّكم فيما أخذتم ) أي في أخذكم الأسرى فإنّ الفداء والغنيمة لم يؤخذا قبل نزول الآيات وإخبارهم بحلّـيّـتها وطيبها( عذاب عظيم ) وهو كما تقدّم يدلّ على عظم المعصية لأنّ العذاب العظيم إنّما يستحقّ بالمعصية العظيمة( فكلوا ممّا غنمتم ) وتصرّفوا فيما أحرزتم من الفائدة سواء كان ممّا تسلّطتم عليه من أموال المشركين أو ممّا أخذتم منهم من الفداء( حلالاً طيّـباً ) أي حالكونه حلالاً طيّـباً بإباحة الله سبحانه( واتّقوا الله إنّ الله غفور رحيم ) وهو تعليل لقوله:( فكلوا ممّا غنمتم ) الخ أي غفرنا لكم ورحمناكم فكلوا ممّا غنمتم أو تعليل لجميع ما تقدّم أي لم يعذّبكم الله بل أباحه لكم لأنّه غفور رحيم.

قوله تعالى: ( يا أيّها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى ) إلى آخر الآية


كون الأسرى بأيديهم استعارة لتسلّطهم عليهم تمام التسلّط كالشئ يكون في يد الإنسان يقلّبه كيف يشاء.

وقوله:( إن يعلم الله في قلوبكم خيراً ) كناية عن الإيمان أو اتّباع الحقّ الّذى يلازمه الإيمان فإنّه تعالى يعدهم في آخر الآية بالمغفرة، ولا مغفرة مع شرك قال تعالى:( إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) النساء: ٤٨.

ومعنى الآية: يا أيّها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى الّذين تسلّطتم عليهم وأخذت منهم. الفداء: إن ثبت في قلوبكم الإيمان وعلم الله منكم ذلك - ولا يعلم إلّا ما ثبت وتحقّق - يؤتكم خيراً ممّا اُخذ منكم من الفداء ويغفر لكم والله غفور رحيم.

قوله تعالى: ( وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم ) الخ أمكنه منه أي أقدره عليه، وإنّما قال أوّلاً:( خيانتك ) ثمّ قال:( خانوا الله ) لأنّهم أرادوا بالفدية أن يجمعوا الشمل ثانياُ ويعودوا إلى محاربتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا خيانتهم لله من قبل فهى كفرهم وإصرارهم على أن يطفؤوا نور الله وكيدهم ومكرهم.

ومعنى الآية: إن آمنوا بالله وثبت الإيمان في قلوبهم آتاهم الله خيراً ممّا أخذ منهم وغفر لهم، وإن أرادوا خيانتك والعود إلى ما كانوا عليه من العناد والفساد فإنّهم خانوا الله من قبل فأمكنك منهم وأقدرك عليهم وهو قادر على أن يفعل بهم ذلك ثانياً، والله عليم بخيانتهم لو خانوا حكيم في إمكانك منهم.

( بحث روائي)

في المجمع في قوله تعالى:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى ) الخ قال كان: القتلى من المشركين يوم بدر سبعين قتل منهم علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام سبعة وعشرين(١) ، وكان الأسرى أيضاً سبعين، ولم يؤسر أحد من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجمعوا الاُسارى، وقرنوهم في الحبال، وساقوهم على أقدامهم، وقتل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تسعة رجال منهم

____________________

(١) لم يأسر أحداً على ما في الروايات.


سعد بن خيثمة وكان من النقباء من الأوس.

قال: وعن محمّـد بن إسحاق قال: استشهد من المسلمين يوم بدر أحد عشر رجلاً: أربعة من قريش، وسبعة من الأنصار، وقيل: ثمانية، وقتل من المشركين بضعة وأربعون رجلاً(١) .

قال: وعن ابن عبّـاس: قال: لمّا أمسى اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بدرو الناس محبوسون بالوثاق بات ساهراً أوّل الليلة فقال له أصحابه: ما لك لا تنام؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سمعت أنين عمّى العبّـاس في وثاقه، فأطلقوه فسكت فنام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال: وروى عبيدة السلمانىّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لأصحابه يوم بدر في الاُسارى: إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم - واستشهد منكم بعدّتهم، وكانت الاُسارى سبعين فقالوا: بل نأخذ الفداء فنستمتع به ونتقوّى به على عدوّنا، وليستشهد منّا بعدّتهم قال عبيدة طلبوا الخيرتين كلتيهما(٢) فقتل منهم يوم اُحد سبعون.

وفي كتاب علىّ بن ابراهيم: لمّا قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط خافت الأنصار أن يقتل الاُسارى فقالوا: يا رسول الله قتلنا سبعين وهم قومك واُسرتك أتجذّ أصلهم فخذ يا رسول الله منهم الفداء، وقد كانوا أخذوا ما وجدوه من الغنائم في عسكر قريش فلمّا طلبوا إليه وسألوه نزلت الآية:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى ) الآيات فأطلق لهم ذلك.

وكان أكثر الفداء أربعة آلاف درهم وأقلّه ألف درهم فبعثت قريش بالفداء أوّلاً فأوّلاً فبعثت زينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من فداء زوجها أبى العاص بن الربيع، وبعثت قلائد لها كانت خديجة جهّزتها بها، وكان أبوالعاص ابن اُخت خديجة، فلمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تلك القلائد قال: رحم الله خديجة هذه قلائد هي جهّزتها بها فأطلقه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشرط أن يبعث إليه زينب، ولا يمنعها من اللحوق به فعاهده على ذلك و وفى له.

____________________

(٢) وهؤلاء هم الّذين ضبط علماء الاثار أسماءهم غير من لم يضبط اسمه.

(٣) لكن قوله تعالى في عتابهم (تريدون عرض الدنيا) يخطئ عبيدة في قوله.


قال: وروى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كره أخذ الفداء حتّى رأى سعد بن معاذ كراهية ذلك في وجهه فقال: يا رسول الله هذا أوّل حرب لقينا فئة المشركين، والإثخان في القتل أحبّ إلى من استبقاء الرجال، وقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله كذّبوك وأخرجوك فقدّمهم واضرب أعناقهم، ومكّن عليّـاً من عقيل فيضرب عنقه، ومكّنّى من فلان أضرب عنقه فإنّ هؤلاء أئمّـة الكفر، وقال أبوبكر: أهلك وقومك استأن بهم واستبقهم وخذ منهم فدية فيكون لنا قوّة على الكفّـار قال ابن زيد فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو نزل عذاب من السماء ما نجا منكم أحد غير عمر وسعد بن معاذ.

وقال أبوجعفر الباقرعليه‌السلام : كان الفداء يوم بدر كلّ رجل من المشركين بأربعين أوقيّـة، والاُوقيّـة أربعون مثقالاً إلّا العبّـاس فإنّ فداءه كان مائة أوقيّـة، وكان أخذ منه حين أسر عشرون أوقيّـة ذهباً فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ذلك غنيمة ففاد نفسك وابنى أخيك نوفلاً وعقيلاً فقال: ليس معى شئ. فقال: أين الذهب الّذى سلّمته إلى أمّ الفضل وقلت: إن حدث بى حدث فهو لك وللفضل وعبدالله وقثم. فقال: من أخبرك بهذا؟ قال: الله تعالى فقال: أشهد أنّك رسول الله والله ما اطّلع على هذا أحد إلّا الله تعالى.

أقول: والروايات في هذه المعاني كثيرة من طرق الفريقين تركنا إيرادها إيثاراً للاختصار.

وفي قرب الأسناد للحميريّ عن عبدالله بن ميمون عن جعفر عن أبيهعليه‌السلام قال: اُوتى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بمال دراهم فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعبّـاس: يا عبّـاس ابسط رداءً وخذ من هذا المال طرفاً فبسط رداءً وأخذ منه طائفة ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عبّـاس هذا من الّذى قال الله تبارك وتعالى:( يا أيّها النبيّ قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيراً ممّا أخذ منكم ) قال: نزلت في العبّـاس ونوفل وعقيل.

وقال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نهى يوم بدر أن يقتل أحد من بنى هاشم وأبوالبخترىّ فاُسروا عليّـاً فقال: انظر من ههنا من بنى هاشم؟ قال: فمرّ على عقيل بن أبى طالب فحاد عنه قال فقال له: يابن أمّ علىّ أما والله لقد رأيت مكاني.

قال: فرجع إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: هذا أبوالفضل في يد فلان، وهذا عقيل في


يد فلان، وهذا نوفل في يد فلان يعنى نوفل بن الحارث فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى انتهى إلى عقيل فقال: يا أبا يزيد قتل أبوجهل ! فقال: إذاً لا تنازعوا في تهامة. قال: إن كنتم أثخنتم القوم وإلّا فاركبوا أكتافهم.

قال: فجئ بالعبّـاس فقيل له: افد نفسك وافد ابن [ ابني ظ ] أخيك فقال: يا محمّـد تتركني أسأل قريشاً في كفّى؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم له: أعط ممّا خلّفت عند اُمّ الفضل وقلت لها إن أصابني شئ في وجهى فأنفقيه على ولدك ونفسك. قال: يا ابن أخى من أخبرك بهذا؟ قال: أتانى به جبرئيل. فقال: ومحلوفة ما علم بهذا إلّا أنا وهى. أشهد أنّك رسول الله. قال: فرجع الاُسارى كلّهم مشركين إلّا العبّـاس وعقيل ونوفل ابن الحارث، وفيهم نزلت هذه الآية:( قل لمن في أيديكم من الأسرى ) . الآية.

أقول: وروى في الدرّ المنثور هذه المعاني بطرق مختلفه عن الصحابة وروى نزول الآية في العبّـاس وابنى أخيه عن ابن سعد وابن عساكر عن ابن عبّـاس، وروى مقدار الفدية الّتى فدى بها عن كلّ رجل من الاُسارى، وقصّة فدية العبّـاس عنه وعن ابني أخيه الطبرسيّ في مجمع البيان عن الباقرعليه‌السلام كما في الحديث.


( سورة الانفال آيه ٧٢ - ٧٥)

إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِن وَلاَيَتِهِم مِن شَيْ‏ءٍ حَتّى‏ يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدّينِ فَعَلَيْكُمُ النّصْر إِلّا عَلَى‏ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ( ٧٢) وَالّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ( ٧٣) وَالّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ( ٧٤) وَالّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنكُمْ وأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ( ٧٥)

( بيان)

الآيات تختم السورة، ويرجع معناها نوع رجوع إلى ما افتتحت به السورة وفيها إيجاب الموالاة بين المؤمنين إلّا إذا اختلفوا بالمهاجرة وعدمها وقطع موالاة الكافرين.

قوله تعالى: ( إنّ الّذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا - إلى قوله -أولياء بعض ) المراد بالّذين آمنوا وهاجروا: الطائفة الاُولى من المهاجرين قبل نزول السورة بدليل ما سيذكر من المهاجرين في آخر الآيات، والمراد بالّذين آووا ونصروا: هم الأنصار الّذين آووا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين المهاجرين ونصروا الله ورسوله، وكان ينحصر المسلمون يومئذ في هاتين الطائفتين إلّا قليل ممّن آمن بمكّة ولم يهاجر.

وقد جعل الله بينهم ولاية بقوله:( اُولئك بعضهم أولياء بعض ) والولاية أعمّ من


ولاية الميراث وولاية النصرة ولاية الأمن، فمن آمن منهم كافراً كان نافذاً عند الجميع، فالبعض من الجميع ولىّ البعض من الجميع كالمهاجر هو ولىّ كلّ مهاجر وأنصاريّ، والأنصاريّ ولىّ كلّ أنصارى ومهاجر، كلّ ذلك بدليل إطلاق الولاية في الآية.

فلا شاهد على صرف الآية إلى ولاية الإرث بالمواخاة الّتى كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعلها في بدء الهجره بين المهاجرين والأنصار وكانوا يتوارثون بها زماناً حتّى نسخت.

قوله تعالى: ( والّذين آمنوا ولم يهاجروا ) إلى آخر الآية، معناه واضح وقد نفيت فيها الولاية بين المؤمنين المهاجرين والأنصار وبين المؤمنين غير المهاجرين إلّا ولاية النصرة إذا استنصروهم بشرط أن يكون الاستنصار على قوم ليس بينهم وبين المؤمنين ميثاق.

قوله تعالى: ( والّذين كفروا بعضهم أولياء بعض ) أي إنّ ولايتهم بينهم لا تتعدّاهم إلى المؤمنين فليس للمؤمنين أن يتولّوهم، وذلك أنّ قوله ههنا في الكفّـار:( بعضهم أولياء بعض ) كقوله في المؤمنين:( اُولئك بعضهم أولياء بعض ) إنشاء وتشريع في صورة الأخبار، وجعل الولاية بين الكفّـار أنفسهم لا يحتمل بحسب الاعتبار إلّا ما ذكرناه من نفى تعدّيه عنهم إلى المؤمنين.

قوله تعالى: ( إلّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبيرٌ ) إشارة إلى مصلحة جعل الولاية على النحو الّذى جعلت، فإنّ الولاية ممّا لا غنى عنها في مجتمع من المجتمعات البشريّـة سيّما المجتمع الإسلاميّ الّذى اُسّس على اتّباع الحقّ وبسط العدل الإلهىّ كما أنّ تولّى الكفّـار وهم أعداء هذا المجتمع يوجب الاختلاط بينهم فيسرى فيه عقائدهم وأخلاقهم، وتفسد سيرة الإسلام المبنيّـة على الحقّ بسيرهم المبنيّـة على اتّباع الهوى وعبادة الشيطان، وقد صدّق جريان الحوادث في هذه الآونة ما أشارت إليه هذه الآية.

قوله تعالى: ( والّذين آمنوا وهاجروا ) إلى آخر الآية اثبات لحقّ الإيمان على من اتّصف بآثاره اتّصافاً حقّاً، ووعد لهم بالمغفرة والرزق الكريم.

قوله تعالى: ( والّذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاُولئك منكم ) خطاب للمهاجرين الأوّلين والأنصار وإلحاق من آمن وهاجر وجاهد معهم بهم فيشاركونهم في الولاية.


قوله تعالى: ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) إلى آخر الآية. جعل للولاية بين اُولى الأرحام والقرابات، وهى ولاية الإرث فإنّ سائر أقسام الولاية لا ينحصر فيما بينهم.

والآية تنسخ ولاية الإرث بالمواخاة الّتى أجراها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين المسلمين في أوّل الهجرة، وتثبت الإرث بالقرابة سواء كان هناك ذو سهم أو لم يكن أو كان عصبة أو لم يكن فالآية مطلقة كما هو ظاهر.

( بحث روائي)

في المجمع عن الباقرعليه‌السلام أنّهم كانوا يتوارثون بالمواخاة.

أقول: ولا دلالة فيه على أنّ الآية نزلت في ولاية الاُخوّة.

في الكافي بإسناده عن أبى بصير عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: الخال والخالة يرثان إذا لم يكن معهما أحد إنّ الله يقول:( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) .

أقول: ورواه العيّـاشيّ عن أبى بصير عنه مرسلاً.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن زرارة عن أبى جعفرعليه‌السلام ، في قول الله:( واُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) أنّ بعضهم أولى بالميراث من بعض لأنّ أقربهم إليه أولى به. ثمّ قال أبوجعفرعليه‌السلام ، إنّهم أولى بالميّت، وأقربهم إليه أمّـه وأخوه واُخته لاُمّـه وابنه أليس الاُمّ أقرب إلى الميّت من إخوانه وأخواته؟

وفيه عن ابن سنان عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: لمّا اختلف علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام وعثمان بن عفّان في الرجل يموت وليس له عصبة يرثونه وله ذوو قرابة لا يرثونه: ليس له بينهم مفروض، فقال علىّعليه‌السلام ميراثه لذوى قرابته لأنّ الله تعالى يقول:( واُولوا الأرحام بعضهم اُولى ببعض في كتاب الله ) وقال عثمان أجعل ميراثه في بيت مال المسلمين ولا يرثه أحد من قرابته.

أقول: والروايات في نفى القول بالعصبة والاستناد في ذلك إلى الآية كثيرة من أئمّـة أهل البيتعليه‌السلام .


وفي الدرّ المنثور أخرج الطيالسيّ والطبرانيّ وأبوالشيخ وابن مردويه عن ابن عبّـاس قال: آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أصحابه وورّث بعضهم من بعض حتّى نزلت هذه الآية( واُولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) فتركوا ذلك وتوارثوا بالنسب.

وفي المعاني بإسناد فيه رفع عن موسى بن جعفرعليهم‌السلام : فيما جرى بينه وبين هارون وفيه: قال هارون: فلم ادّعيتم أنّكم ورثتم رسول الله والعمّ يحجب ابن العمّ، وقبض رسول الله وقد توفّى أبو طالب قبله والعبّـاس عمّه حىّ - إلى أن قال - فقلت: إنّ النبيّ لم يورث من لم يهاجر ولا أثبت له ولاية حتّى يهاجر فقال: ما حجّـتك فيه؟ قلت: قول الله تبارك وتعالى:( والّذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتّى يهاجروا ) وإنّ عمّى العبّـاس لم يهاجر فقال: إنّى سائلك يا موسى هل أفتيت بذلك أحداً من أعدائنا أم أخبرت أحداً من الفقهاء في هذه المسألة بشئ؟ فقلت: اللّهمّ لا وما سألني عنها إلّا أميرالمؤمنين. الحديث.

أقول: ورواه المفيد في الاختصاص.


( سورة التوبة مدنيّـة وهى مائة وتسع وعشرون آية)

( سورة التوبة آيه ١ - ١٦)

بَرَاءَةٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الّذِينَ عَاهَدْتُم مِنَ الْمُشْرِكِينَ( ١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ( ٢) وَأَذَانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ أَنّ اللّهَ بَرِي‏ءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِن تَوَلّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشّرِ الّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ( ٣) إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى‏ مُدّتِهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ( ٤) فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الْصّلاَةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ فَخَلّوا سَبِيلَهُمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ٥) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى‏ يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَيَعْلَمُونَ( ٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلّا الّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُتّقِينَ( ٧) كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَيَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى‏ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ( ٨) اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدّوا عَن سَبِيلِهِ إِنّهُمْ سَاءَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ( ٩) لاَيَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلاَ ذِمّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ( ١٠) فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصّلاَةَ وَآتَوُا الزّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدّينِ وَنُفَصّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ( ١١) وَإِن نَكَثُوا أَيْمَانَهُم


مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمّةَ الْكُفْرِ إِنّهُمْ لاَأَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلّهُمْ يَنتَهُونَ ( ١٢ ) أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمّوا بِإِخْرَاجِ الرّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ( ١٣ ) قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( ١٤ ) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى‏ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٥ ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتّخِذُوا مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( ١٦ )

( بيان)

الآيات مفتتح قبيل من الآيات سمّوها سورة التوبة أو سورة البراءة، وقد اختلفوا في كونها سورة مستقلّة أو جزءً من سورة الأنفال، واختلاف المفسّرين في ذلك ينتهى إلى اختلاف الصحابة ثمّ التابعين فيه، وقد اختلف في ذلك الحديث عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام غير أنّ الأرجح بحسب الصناعة ما يدلّ من حديثهم على أنّها ملحقة بسورة الأنفال.

والبحث عن معاني آياتها وما اشتملت عليه من المضامين لا يهدى إلى غرض واحد متعيّـن على حدّ سائر السور المشتملة على أغراض مشخّصة تؤمّها أوائلها وتنعطف إليها أواخرها، فأوّلها آيات تؤذن بالبراءة وفيها آيات القتال مع المشركين، والقتال مع أهل الكتاب، وشطر عظيم منها يتكلّم في أمر المنافقين، وآيات في الاستنهاض على القتال وما يتعرّض لحال المخلّفين، وآيات ولاية الكفّـار، وآيات الزكاة وغير ذلك، ومعظمها ما يرجع إلى قتال الكفّـار وما يرجع إلى المنافقين.


وعلى أيّ حال لا يترتّب من جهة التفسير على هذا البحث فائدة مهمّة وإن أمكن ذلك من جهة البحث الفقهىّ الخارج عن غرضنا.

قوله تعالى: ( براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين ) قال الراغب: أصل البرء والبراء والتبرّى: التفصّى ممّا يكره مجاورته، ولذلك قيل: برأت من المرض وبرأت من فلان وتبرّأت، وأبرأته من كذا وبرّأته، ورجل برئ وقوم برآء وبريؤون قال تعالى: براءة من الله ورسوله.انتهى.

والآية بالنسبة إلى الآيات التالية كالعنوان المصدرّ به الكلام المشير إلى خلاصة القول على نهج سائر السور المفصّلة الّتى تشير الآية والآيتان من أوّلها على إجمال الغرض المسرود لأجل بيانه آياتها.

والخطاب في الآية للمؤمنين أو للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولهم على ما يدلّ عليه قوله:( عاهدتم ) وقد أخذ الله تعالى ومنه الخطاب ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الواسطة، والمشركون وهم الّذين اُريدت البراءة منهم، ووجّه الخطاب ليبلغ إليهم جميعاً في الغيبة، وهذه الطريقة في الأحكام والفرامين المراد إيصالها إلى الناس نوع تعظيم لصاحب الحكم والأمر.

والآية تتضمّن إنشاء الحكم والقضاء بالبراءة من هؤلاء المشركين وليس بتشريع محض بدليل تشريكه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في البراءة فإنّ دأب القرآن أن ينسب الحكم التشريعيّ المحض إلى الله سبحانه وحده، وقد قال تعالى:( ولا يشرك في حكمه أحداً ) الكهف: ٢٦ ولا ينسب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا الحكم بالمعنى الّذى في الولاية والسياسة وقطع الخصومة.

فالمراد بالآية القضاء برفع الأمان عن الّذين عاهدوهم من المشركين وليس رفعاً جزافيّـاً وإبطالاً للعهد من غير سبب يبيح ذلك فإنّ الله تعالى سيذكر بعد عدّة آيات أنّهم لا وثوق بعهدهم الّذى عاهدوه وقد فسق أكثرهم ولم يراعوا حرمة العهد ونقضوا ميثاقهم، وقد أباح تعالى عند ذلك إبطال العهد بالمقابلة نقضاً بنقض حيث قال:( وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين ) الأنفال: ٥٨ فأباح إبطال العهد عند مخافة الخيانة ولم يرض مع ذلك إلّا بإبلاغ النقض إليهم لئلّا يؤخذوا على الغفلة


فيكون ذلك من الخيانة المحظورة.

ولو كان إبطالاً لعهدهم من غير سبب مبيح لذلك من قبل المشركين لم يفرّق بين من دام على عهده منهم وبين من لم يدم عليه، وقد قال تعالى مستثنياً:( إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ الله يحبّ المتقين ) .

ولم يرض تعالى بنقض عهد هؤلاء المعاهدين الناقضين لعهدهم دون أن ضرب لهم أجلاً ليفكّروا في أمرهم ويرتاؤا رأيهم ولا يكونوا مأخوذين بالمباغتة والمفاجأة.

فمحصّل الآية الحكم ببطلان العهد ورفع الأمان عن جماعة من المشركين كانوا قد عاهدوا المسلمين ثمّ نقضه أكثرهم ولم يبق إلى من بقى منهم وثوق تطمئنّ به النفس إلى عهدهم وتعتمد على يمينهم وتأمن شرّهم وأنواع مكرهم.

قوله تعالى: ( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنّكم غير معجزى الله وأنّ الله مخزي الكافرين ) السياحة هي السير في الأرض والجرى ولذلك يقال للماء الدائم الجرية في ساحة: السائح.

وأمرهم بالسياحة أربعة أشهر كناية عن جعلهم في مأمن في هذه البرهة من الزمان وتركهم بحيث لا يتعرّض لهم بشرّ حتّى يختاروا ما يرونه أنفع بحالهم من البقاء أو الفناء مع ما في قوله:( واعلموا أنّكم غير معجزى الله وأنّ الله مخزي الكافرين ) من إعلامهم أنّ الأصلح بحالهم رفض الشرك، والإقبال إلى دين التوحيد، وموعظتهم أن لا يهلكوا أنفسهم بالاستكبار والتعرّض للخزى الإلهىّ.

وقد وجّه في الآية الخطاب إليهم بالإلتفات من الغيبة إلى الخطاب لمافى توجيه الخطاب القاطع والإرادة الجازمة إلى الخصم من الدلالة على بسط الاستيلاء والظهور عليه واستذلاله واستحقار ما عنده من قوّة وشدّة.

وقد اختلفت أقوال المفسّرين في المراد بقوله:( أربعة أشهر ) والّذى يدلّ عليه السياق ويؤيّده اعتبار إصدار الحكم وضرب الأجل ليكونوا في فسخة لاختيار ما وجدوه من الحياة أو الموت أنفع بحالهم: أن تبتدئ الأربعة الأشهر من يوم الحجّ الأكبر الّذى


يذكره الله تعالى في الآية التالية فإنّ يوم الحجّ الأكبر هو يوم الإبلاغ والإيذان والأنسب بضرب الأجل الّذى فيه نوع من التوسعة للمحكوم عليهم وإتمام الحجّـة، أن تبتدئ من حين الإعلام والإيذان.

وقد اتّفقت كلمة أهل النقل أنّ الآيات نزلت سنة تسع من الهجرة فإذا فرض أنّ يوم الحجّ الأكبر هو يوم النحر العاشر من ذى الحجّة كانت الأربعة الأشهر هي عشرون من ذى الحجّة والمحرّم وصفر وربيع الأوّل وعشرة أيّـام من ربيع الآخر.

وعند قوم أنّ الأربعة الأشهر تبتدء من يوم العشرين من ذى القعدة وهو يوم الحجّ الأكبر عندهم فالأربعة الأشهر هي عشرة أيّـام من ذى القعدة وذو الحجّة والمحرّم وصفر وعشرون من ربيع الأوّل، وسيأتى ما فيه.

وذكر آخرون: أنّ الآيات نزلت أوّل شوّال سنة تسع من الهجرة فتكون الأربعة الأشهر هي شوال وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم فتنقضى بإنقضاء الأشهر الحرم، وقد حداهم إلى ذلك القول بأنّ المراد بقوله تعالى فيما سيأتي:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ) الأشهر الحرم المعروفة: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم فيوافى انسلاخ الأشهر الحرم انقضاء الأربعة الأشهر، وهذا قول بعيد عن الصواب لا يساعد عليه السياق وقرينة المقام كما عرفت.

قوله تعالى: ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر أنّ الله برئ من المشركين ورسوله ) الاذان هو الإعلام، وليست الآية تكراراً لقوله تعالى السابق( براءة من الله ورسوله ) فإنّ الجملتين وإن رجعتا إلى معنى واحد وهو البراءة من المشركين إلّا أنّ الآية الاُولى إعلام البراءة وإبلاغه إلى المشركين بدليل قوله في ذيل الآية:( إلى الّذين عاهدتم من المشركين ) بخلاف الآية الثانية فإنّ وجه الخطاب فيه إلى الناس ليعلموا براءة الله ورسوله من المشركين، ويستعدّوا ويتهيّؤوا لإنفاذ أمر الله فيهم بعد انسلاخ الأشهر الحرم بدليل قوله:( إلى الناس ) وقوله تفريعاً:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) إلى آخر الآية.

وقد اختلفوا في تعيين المراد بيوم الحجّ الأكبر على أقوال:


منها: أنّه يوم النحر من سنة التسع من الهجرة لأنّه كان يوماً اجتمع فيه المسلمون والمشركون ولم يحجّ بعد ذلك العام مشرك، وهو المؤيّد بالأحاديث المرويّـة عن أئمّـة أهل البيتعليهما‌السلام والأنسب بأذان البراءة، والاعتبار يساعد عليه لأنّه كان أكبر يوم اجتمع فيه المسلمون والمشركون من أهل الحجّ عامّة بمنى وقد ورد من طرق أهل السنّة روايات في هذا المعنى غير أنّ مدلول جلّها أنّ الحجّ الأكبر اسم يوم النحر فيتكرّر على هذا كلّ سنة ولم يثبت من طريق النقل تسمية على هذا النحو.

ومنها: أنّه يوم عرفة لأنّ فيه الوقوف، والحجّ الأصغر هو الّذى ليس فيه وقوف وهو العمرة، وهو استحسان لا دليل عليه، ولا سبيل إلى تشخيص صحّـته.

ومنها: أنّه اليوم الثاني ليوم النحر لأنّ الإمام يخطب فيه وسقم هذا الوجه ظاهر.

ومنها: أنّه جميع أيّـام الحجّ كما يقال: يوم الجمل، ويوم صفّين، ويوم بغاث، ويراد به الحين والزمان، وهذا القول لا يقابل سائر الأقوال كلّ المقابلة فإنّه إنّما يبيّن أنّ المراد باليوم جميع أيّـام الحجّ، وأمّا وجه تسمية هذا الحجّ بالحجّ الأكبر فيمكن أن يوجّه ببعض ما في الأقوال السابقة كما في القول الأوّل.

وكيف كان فالاعتبار لا يساعد على هذا القول لأنّ وجود يوم بين أيّـام الحجّ يجتمع فيه عامّة أهل الحجّ يتمكّن فيه من أذان براءة كلّ التمكّن كيوم النحر يصرف قوله:( يوم الحجّ الأكبر ) إلى نفسه، ويمنع شموله لسائر أيّـام الحجّ الّتى لا يجتمع فيها الناس ذاك الإجتماع.

ثمّ التفت سبحانه إلى المشركين ثانياً وذكّرهم أنّهم غير معجزين لله ليكونوا على بصيرة من أمرهم كما ذكّرهم بذلك في الآية السابقة بقوله:( واعلموا أنّكم غير معجزى الله وأنّ الله مخزي الكافرين ) غير أنّه زاد عليه في هذه الآية قوله:( فإن تبتم فهو خير لكم ) ليكون تصريحاً بما لوّح إليه في الآية السابقة فإنّ التذكير بأنّهم غير معجزى الله إنّما كان بمنزلة العظة وبذل النصح لهم لئلّا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة باختيار البقاء على الشرك والتولّى عن الدخول في دين التوحيد ففى الترديد تهديد ونصيحة وعظة.


ثمّ التفت سبحانه إلى رسوله فخاطبه أن يبشّر الّذين كفروا بعذاب أليم فقال:( وبشّر الّذين كفروا بعذاب أليم ) والوجه في الالتفات الّذى في قوله:( فإن تبتم فهو خير لكم ) الخ ما تقدّم في قوله:( فسيحوا في الأرض ) الخ، وفي الالتفات الّذى في قوله:( وبشّر الّذين كفروا ) الخ أنّه رسالة لا تتمّ إلّا من جهة مخاطبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قوله تعالى: ( إلّا الّذين عاهدتم من المشركين ثمّ لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً ) الخ، استثناء من عموم البراءة من المشركين، والمستثنون هم المشركون الّذين لهم عهد لم ينقضوه لا مستقيماً ولا غير مستقيم فمن الواجب الوفاء بميثاقهم وإتمام عهدهم إلى مدّتهم.

وقد ظهر بذلك أنّ المراد من إضافة قولة:( ولم يظاهروا عليكم أحداً ) إلى قوله:( لم ينقصوكم شيئاً ) استيفاء قسمي النقض وهما النقض المستقيم كقتلهم بعض المسلمين، والنقض غير المستقيم نظير مظاهرتهم بعض أعداء المسلمين عليهم كإمداد مشركي مكّة بنى بكر على خزاعة بالسلاح، وكانت بنوبكر في عهد قريش وخزاعة في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحاربوا فأعانت قريش بنى بكر على خزاعة ونقضت بذلك عهد حديبيّـة الّذى عقدوه بينهم وبين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان ذلك من أسباب فتح مكّة سنة ثمان.

وقوله تعالى: ( إنّ الله يحبّ المتقين ) في مقام التعليل لوجوب الوفاء بالعهد مالم ينقضه المعاهد المشرك، وذلك يجعل احترام العهد وحفظ الميثاق أحد مصاديق التقوى المطلق الّذى لا يزال يأمر به القرآن وقد صرّح به في نظاهر هذا المورد كقوله تعالى:( ولا يجر منّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ) المائدة: ٨ وقوله:( ولا يجر منّكم شنآن قوم أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم العدوان واتّقوا الله ) المائدة: ٢.

وبذلك يظهر ما في قول بعضهم: أنّ المراد بالمتّقين الّذين يتّقون نقض العهد من غير سبب، وذلك أنّ التقوى بمعنى الورع عن محارم الله عامّة كالحقيقة الثانية في القرآن فيحتاج إرادة خلافه إلى قرينة صارفة.

قوله تعالى: ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم


وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كلّ مرصد ) أصل الانسلاخ من سلخ الشاة وهو نزع جلدها عنها، وانسلاخ الشهر نوع كناية عن خروجه، والحصر هو المنع من الخروج عن محيط، والمرصد اسم مكان من الرصد بمعنى الاستعداد للرقوب.

قال الراغب: الرصد الاستعداد للترقّب يقال: رصد له وترصّد وأرصدته له، قال عزّوجلّ:( وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل ) ، وقوله عزّوجلّ:( إنّ ربّك لبالمرصاد ) تنبيهاً أنّه لا ملجأ ولا مهرب، والرصد يقال للراصد الواحد والجماعة الراصدين وللمرصود واحداً كان أو جمعاً، وقوله تعالى:( يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ) يحتمل كلّ ذلك، والمرصد موضع الرصد.

انتهى.

والمراد بالأشهر الحرم هي الأربعة الأشهر: أشهر السياحة الّتى ذكرها الله سبحانه في قوله:( فسيحوا في الأرض أربعه أشهر ) وجعلها أجلاً مضروباً للمشركين لا يتعرّض فيها لحالهم وأمّا الأشهر الحرم المعروفة أعنى ذاالقعدة وذاالحجة والمحرّم فإنها لا تنطبق على أذان براءة الواقع في يوم النحر عاشر ذى الحجّة بوجه كما تقدّمت الإشارة إليه.

وعلى هذا فاللّام في الأشهر الحرم للعهد الذكرىّ أي إذا انسلخ هذه الأشهر الّتى ذكرناها حرّمناها للمشركين لا يتعرّض لحالهم فيها فاقتلوا المشركين الخ.

ويظهر بذلك أن لا وجه لحمل قوله:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم ) على انسلاخ ذى القعدة وذى الحجّة والمحرّم بأن يكون انسلاخ الأربعة الأشهر بانسلاخ الأشهر الثلاثة منطبقاً عليه أو يكون انسلاخ الأشهر الحرم مأخوذاً على نحو الإشارة إلى انقضاء الأربعة الأشهر وإن لم ينطبق الأشهر على الأشهر فإنّ ذلك كلّه ممّا لا سبيل إليه بحسب السياق وإن كان لفظ الأشهر الحرم في نفسه ظاهراً في شهور رجب وذى القعدة وذى الحجّة والمحرّم.

وقوله:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) محقّق للبراءة منهم ورفع الاحترام عن نفوسهم بإهدار الدماء فلا مانع من أيّ نازلة نزلت بهم، وفي قوله:( حيث وجدتموهم ) تعميمٌ للحكم فلا مانع حاجب عن وجوب قتلهم حيثما وجدوا في حلّ أو حرم بل ولو ظفر بهم في الشهر الحرام - بناء على تعميم( حيث ) للزمان والمكان كليهما فيجب على


المسلمين كائنين من كانوا إذا ظفروا بهم أن يقتلوهم، كان ذلك في الحلّ أو الحرم في الشهر الحرام أو غيره.

وإنّما أمر بقتلهم حيث وجدوا للتوسّل بذلك إلى إيرادهم مورد الفناء والانقراض، وتطييب الأرض منهم، وإنجاء الناس من مخالطتهم ومعاشرتهم بعد ما سمح واُبيح لهم ذلك في قوله:( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) .

ولازم ذلك أن يكون كلّ من قوله:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وقوله:( وخذوهم ) وقوله:( واحصروهم ) وقوله:( واقعدوا لهم كلّ مرصد ) بياناً لنوع من آلوسيلة إلى إفناء جمعهم وإنفاد عددهم، ليتفصّى المجتمع من شرّهم.

فإن ظفر بهم وأمكن قتلهم قتلوا، وإن لم يمكن ذلك قبض عليهم واُخذوا، وإن لم يمكن أخذهم حصروا وحبسوا في كهفهم ومنعوا من الخروج إلى الناس ومخالطتهم وإن لم يعلم محلّهم قعد لهم في كلّ مرصد ليظفر بهم فيقتلوا أو يؤخذوا.

ولعلّ هذا المعنى هو مراد من قال: إنّ المراد: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم أو خذوهم واحصروهم على وجه التخيير في اعتبار الأصلح من الأمرين، وإن كان لا يخلو عن تكلّف من جهة اعتبار الأخذ والحصر والقعود في كلّ مرصد أمراً واحداً في قبال القتل، وكيف كان فالسياق إنّما يلائم ما قدّمناه من المعنى.

وأمّا قول من قال: إنّ في قوله:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ) ، تقديماً وتاخيراً، والتقدير: فخذوا المشركين حيث وجدتموهم واقتلوهم فهو من التصرّف في معنى الآية من غير دليل مجوّز، والآية وخاصّـة ذيلها يدفع ذلك سياقاً.

ومعنى الآية: فإذا انسلخ الأشهر الحرم وانقضى الأربعة الأشهر الّتى أمهلناهم بها بقولنا:( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) فأفنوا المشركين بأىّ وسيلة ممكنة رأيتموها أقرب وأوصل إلى إفناء جمعهم وإمحاء رسمهم من قتلهم أينما وجدتموهم من حلّ أو حرم ومتى ما ظفرتم بهم في شهر حرام أو غيره، ومن أخذهم أو حصرهم أو القعود لهم في كلّ مرصد حتّى يفنوا عن آخرهم.

قوله تعالى: ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلهم إنّ الله


غفور رحيم ) اشتراط في معنى الغاية للحكم السابق، والمراد بالتوبة معناها اللغوىّ وهو الرجوع أي إن رجعوا من الشرك إلى التوحيد بالإيمان ونصبوا لذلك حجّة من أعمالهم وهى الصلاة والزكاة والتزموا أحكام دينكم الراجعة إلى الخالق جميعاً فخلّوا سبيلهم.

وتخلية السبيل كناية عن عدم التعرّض لسالكيه وإن عادت مبتذلة بكثرة التداول كأنّ سبيلهم مسدودة مشغولة بتعرّض المتعرّضين فإذا خلّى عنها كان ذلك ملازماً أو منطبقاً على عدم التعرّض لهم.

وقوله:( إنّ الله غفور رحيم ) تعليل لقوله:( فخلّوا سبيلهم ) إمّا من جهة الأمر الّذى يدلّ عليه بصورته أو من جهة المأمور به الّذى يدلّ عليه بمادّته أعني تخلية سبيلهم:

والمعنى على الأوّل: وإنّما أمر الله بتخلية سبيلهم لأنّه غفور رحيم يغفر لمن تاب إليه ويرحمه.

وعلى الثاني: خلّوا سبيلهم لأنّ تخليتكم سبيلهم من المغفرة والرحمة، وهما من صفات الله العليا فتتّصفون بذلك بصفة ربّكم، وأظهر الوجهين هو الأوّل.

قوله تعالى: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام الله ) إلى آخر الآية، الآية تتضمّن حكم الإجارة لمن استجار من المشركين لأن يسمع كلام الله، وهى بما تشتمل عليه من الحكم وإن كانت معترضة أو كالمعترضة بين ما يدلّ على البراءة ورفع الأمان عن المشركين إلّا أنّها بمنزلة دفع الدخل الواجب الّذى لا يجوز إهماله فإنّ أساس هذه الدعوة الحقّة وما يصاحبها من الوعد والوعيد والتبشير والإنذار، وما يترتّب عليه من عقد العقود وإبرام العهود أو النقض والبراءة وأحكام القتال كلّ ذلك إنّما هو لصرف الناس عن سبيل الغىّ والضلال إلى صراط الرشد والهدى، وإنجائهم من شقاء الشرك إلى سعادة التوحيد.

ولازم ذلك الاعتناء التامّ بكلّ طريق يرجى فيه الوصول إلى هداية ضالّ والفوز بإحياء حقّ وإن كان يسيراً قليلاً فإنّ الحقّ حقّ وإن كان يسيراً والمشرك غير المعاهد وإن أبرء الله منه الذمّة وأهدر دمه ورفع الحرمة عن كلّ ما يعود إليه من مال وعرض لكنّه تعالى إنّما فعل به ذلك ليحيى حقّ ويبطل باطل فإذا رجى منه الخير منع ذلك من أيّ


قصد سيّئ يقصد به حتّى يحصل اليأس من هدايته وإنجائه.

فإذا استجار المشرك لينظر فيما تندب إليه الدعوة الحقّة ويتّبعها إن اتّضحت له كان من الواجب إجارته حتّى يسمع كلام الله ويرتفع عنه غشاوة الجهل وتتمّ عليه الحجّة فإذا تمادى بعد ذلك في ضلاله وأصرّ في استكباره صار ممّن ارتفع عنه الأمان وبرأت منه الذمّة ووجب تطييب الأرض من قذارة وجوده بأيّة وسيلة أمكنت وأىّ طريق كان أقرب وأسهل وهذا هو الّذى يفيده قوله تعالى:( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه ذلك بأنّهم قوم لا يعلمون ) الآية بما يكتنف به من الآيات.

فمعنى الآية: إن طلب منك بعض هؤلاء المشركين الّذين رفع عنهم الأمان أن تأمنه في جوارك ليحضر عندك ويكلّمك فيما تدعو إليه من الحقّ الّذى يتضمّنه كلام الله فأجره حتّى يسمع كلام الله ويرتفع عنه غشاوة الجهل ثمّ أبلغه مأمنة حتّى يملك منك أمناً تامّاً كاملاً، وإنّما شرع الله هذا الحكم وبذل لهم هذا الأمن التامّ لأنّهم قوم جاهلون ولا بأس على جاهل إذا رجى منه الخير بقبول الحقّ لو وضح له.

وهذا غاية ما يمكن مراعاته من اُصول الفضيلة وحفظ الكرامة ونشر الرحمة والرأفة وشرافة الإنسانيّـة اعتبره القرآن الكريم، وندب إليه الدين القويم.

وقد بان بما قدّمناه أوّلاً: أنّ الآية مخصّصة لعموم قوله في الآية السابقة:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .

وثانياً: أنّ قوله:( حتّى يسمع كلام الله ) غاية للاستجارة والإجارة فيتغيّـا به الحكم، فالاستئمان إنّما كان لسمع كلام الله واستفسار ما عند الرسول من موادّ الرسالة فيتقدّر الأمان الّذى يعطاه المستجير المستأمن بقدره فإذا سمع من كلام الله ما يتبيّـن به الرشد من الغىّ ويتميّز به الهدى من الضلال انتهت مدّة الإستجارة وحان أن يردّ المستجير إلى مأمنه والمكان الخاصّ به الّذى هو في أمن فيه، لا يهدّده فيه سيوف المسلمين ليرجع إلى حاله الّذى فارقه، ويختار لنفسه ما يشاء على حرّيّـة من المشيّـة والإرادة.

وثالثاً: أنّ المراد بكلام الله مطلق آيات القرآن الكريم، نعم يتقيّـد بما ينفع


المستجير من الآيات الّتى توضح له اُصول المعارف الإلهيّـة ومعالم الدين والجواب عمّا يختلج في صدره من الشبهات كلّ ذلك بدلالة المقام والسياق.

وبذلك يظهر فساد ما قيل: إنّ المراد بكلام الله آيات التوحيد من القرآن، وكذا ما قيل إنّ المراد به سورة براءة أو خصوص ما بلّغوه في الموسم من آيات صدر السورة فإنّ ذلك كلّه تخصيص من غير مخصّص.

ورابعاً: أنّ المراد بسمع كلام الله الوقوف على أصول الدين ومعالمه وإن أمكن أن يقال: إنّ لاستماع نفس كلام الله فيما إذا كان لمستجير عربيّـاً يفهم الكلام الإلهىّ دخلاً في ذلك أمّا إذا كان غير عربيّ ولا يفهم الكلام العربيّ فالمستفاد من السياق أنّ الغاية في حقّه مجرّد تفقّه اُصول الدين ومعالمه.

وخامساً: أنّ الآية محكمة غير منسوخة ولا قابلة له لأنّ من الضرورىّ البيّـن من مذاق الدين، وظواهر الكتاب والسنّة أن لا مؤاخذة قبل تمام الحجّة، ولا تشديد أيّ تشديد كان إلّا بعد البيان فالجاهل السالك في سبيل الفحص أو المستعلم للحقّ المستفهم للحقيقة لا يردّ خائباً ولا يؤخذ غافلاً فعلى الإسلام والمسلمين أن يعطوا كلّ الأمان لمن استأمنهم ليستحضر معارف الدين ويستعلم اصول الدعوة حتّى يتّبعها إن لاحت له فيها لوائح الصدق، وهذا أصل لا يقبل بطلاناً ولا تغييراً مادام الإسلام إسلاماً فالآية محكمة غير قابلة للنسخ إلى يوم القيامة.

ومن هنا يظهر فساد قول من قال: إنّ قوله:( وإن أحد من المشركين استجارك فاجره حتّى يسمع كلام الله ) الآية منسوخة بالآية الاتية:( وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة ) الآية.

وسادساً: أنّ الآية إنّما توجب إجارة المستجير إذا استجار لامر دينىّ يرجى فيه خير الدين، وأمّا مطلق الاستجارة لا لغرض دينىّ ولا نفع عائد إليه فلا دلالة لها عليه أصلاً بل الآيات السابقة الآمرة بالتشديد عليهم في محلّها.

وسابعاً: أنّ قوله في تتميم الأمر بالإجارة:( ثمّ أبلغه مأمنه ) مع تمام قوله:( فأجره حتّى يسمع ) بدونه في الدلالة على المقصد يدلّ على كمال العناية بفتح باب


الهداية على وجوه الناس، والتحفّظ على حرّيّـة الناس في حياتهم وأعمالهم الحيويّـة، والإغماض في طريقة عن كلّ حكم حتميّ وعزيمة قاطعة ليهلك من هلك عن بيّـنة ويحيى من حىّ عن بيّـنة، ولا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.

وثامناً: أنّ الآية - كما قيل - تدلّ على أنّ الاعتقاد بأصل الدين يجب أن يكون عن علم يقينيّ لا يداخله شكّ ولا يمازجه ريب ولا يكفى فيه غيره ولو كان الظنّ الراجح، وقد ذمّ الله تعالى اتّباع الظنّ، وندب إلى اتّباع العلم في آيات كثيرة كقوله تعالى:( ولا تقف ما ليس لك به علم ) أسرى: ٣٦ وقوله:( إن يتّبعون إلّا الظنّ وإنّ الظنّ لا يغنى من الحقّ شيئاً ) النجم: ٢٨ وقوله:( ما لهم بذلك من علم إن هم إلّا يخرصون ) الزخرف: ٢٠.

ولو كفى في أصل الدين الاعتقاد التقليديّ لم يستقم الحكم بإجارة من استجار لتفهّم أصول الدين ومعارفة لجواز أن يكلّف بالتقليد والكفّ عن البحث عن أنّه حقّ أو باطل هذا.

ولكنّ المقدار الواجب في ذلك أن يكون عن علم قطعيّ سواء كان حاصلاً عن الاستدلال بطرق فنّـيّـة أو بغير ذلك من الوجوه المفيدة للعلم ولو على سبيل الاتّفاق، وهذا غير القول بأنّ الاستدلال على اُصول المعارف لا يصحّ إلّا من طريق العقل فإنّ صحّة الاستدلال أمر، وجواز الاعتماد على العلم بأىّ طريق حصل أمر آخر.

قوله تعالى: ( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) الآية، تبيين وتوضيح لما مرّ إجمالاً من الحكم بنقض عهد المشركين ممّن لا وثوق بوفائه بعهده، وقتلهم إلى أن يؤمنوا بالله ويخضعوا لدين التوحيد، واستثناء من لم ينقض العهد وبقى على الميثاق حتّى ينقضى مدّة عهدهم.

فالآية وما يتلوها إلى تمام ستّ آيات تبيّـن ذلك وتوضح الحكم واستثناء ما استثنى منه والغاية والمغيّى جميعاً.

فقوله:( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) استفهام في مقام الإنكار، وقد بادرت الآية إلى استثناء الّذين عاهدوهم من المشركين عند المسجد الحرام


لكونهم لم ينقضوا عهداً ولم يساهلوا فيما واثقوا به بدليل قوله تعالى:( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) وذلك أنّ الاستقامة لمن استقام والسلم لمن يسالم من لوازم التقوى الدينىّ، ولذلك علّل قوله ذلك بقوله:( إنّ الله يحبّ المتّقين ) كما جاء مثله بعينه في الآية السابقة:( فأتمّوا إليهم عهدهم إلى مدّتهم إنّ الله يحبّ المتّقين ) .

قوله تعالى: ( كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّاً ولا ذمّة ) إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات: الإلّ كلّ حالة ظاهرة من عهدحلف، وقرابةٌ تئلّ: تلمع فلا يمكن إنكاره، قال تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، وألّ الفرس: أسرع، حقيقته لمع، وذلك استعارة في باب الإسراع نحو برق وطار. انتهى.

وقال أيضاً: الذمام - بكسر الذال - ما يذمّ الرجل على إضاعته من عهد، وكذلك الذمّة والمذمّة، وقيل: لى مذمّة فلا تهتكها، وأذهب مذمّـتهم بشئ: أي اعطهم شيئاً لما لهم من الذمام. انتهى. وهو ظاهر في أنّ الذمّة مأخوذة من الذمّ بالمعنى الّذى يقابل المدح.

ولعلّ إلقاء المقابلة في الآية بين الإلّ والذمّة للدلالة على أنّهم لا يحفظون في المؤمنين شيئاً من المواثيق الّتى يجب رقوبها وحفظها سواء كانت مبنيّـة على اُصول واقعيّـة تكوينيّـة كالقرابة الّتى توجب بوجه على القريب رعاية حال قريبه، أو على الجعل والاصطلاح كالعهود والمواثيق المعقودة بحلف ونحوه.

وقد كرّرت لفظة( كيف ) للتأكيد ولرفع الإبهام في البيان الناشي من تخلّل قوله:( إلّا الّذين عاهدتم ) الآية بطولها بين قوله:( كيف يكون للمشركين ) الآية وقوله:( وإن يظهروا عليكم ) الآية.

فمعنى الآية: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله والحال أنّهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الأمر لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهداً من العهود يرضونكم بالكلام المدلّس والقول المزوّق، ويأبى ذلك قلوبهم، وأكثرهم فاسقون.

ومن هنا ظهر أنّ قوله:( يرضونكم بأفواههم ) من المجاز العقليّ نسب فيه الإرضاء إلى الأفواه وهو في الحقيقة منسوب إلى القول والكلام الخارج من الأفواه المكوّن فيها.


وقوله:( يرضونكم ) الآية تعليل لإنكار وجود العهد للمشركين ولذلك جئ به بالفصل، والتقدير: كيف يكون لهم عهد وهم يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون.

وأمّا قوله:( وأكثرهم فاسقون ) ففيه بيان أنّ أكثرهم ناقضون للعهد والميثاق بالفعل من غير أن ينتظروا ظهورهم جميعاً عليكم فالآية توضح حال آحادهم وجميعهم بأنّ أكثرهم فاسقون بنقض العهد من غير أن يرقبوا في مؤمن إلّاً ولا ذمّة، ولو أنّهم ظهروا عليكم جميعاً لم يرقبوا فيكم الإلّ والذمّة.

قوله تعالى: ( اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ) إلى آخر الآيتين، بيان وتفسير لقوله في الآية السابقة:( وأكثرهم فاسقون ) وكان قوله:( اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً ) إلى آخر الآية توطئة وتمهيد لقوله في الآية الثانية:( لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمّة ) .

وبذلك يظهر أنّ الأقرب أنّ المراد بالفسق الخروج عن العهد والذمّة دون الفسق بمعنى الخروج عن زىّ عبوديّـة الله سبحانه وإن كان الأمر كذلك.

وقوله:( واُولئك هم المعتدون ) كالتفسير لجميع ما مرّ من أحوالهم الروحيّـة وأعمالهم الجسميّـة، وتفيد الجملة مع ذلك جواباً عن سؤال مقدّر أو ما يجرى مجراه والمعنى: إذا كان هذا حالهم وهذه أفعالهم فلا تحسبوا أن لو نقضتم عهدهم اعتديتم عليهم فاُولئك هم المعتدون عليكم لما أضمروه من العداوة والبغضاء ولما أظهره أكثرهم في مقام العمل من الصدّ عن سبيل الله، وعدم رعاية قرابة ولا عهد في المؤمنين.

قوله تعالى: ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة ) إلى آخر الآيتين، الآيتان بيان تفصيليّ لقوله فيما تقدّم:( فإن تبتم فهو خير لكم وإن تولّيتم فاعلموا أنّكم غير معجزى الله ) .

والمراد بالتوبه بدلالة السياق الرجوع إلى الإيمان بالله وآياتة، ولذلك لم يقتصر على التوبة فقط بل عطف عليها إقامة الصلاة الّتى هي أظهر مظاهر عبادة الله، وإيتاء الزكاة الّذى هو أقوى أركان المجتمع الدينىّ، وقد أشير بهما إلى نوع الوظائف الدينيّـة الّتى بإتيانها يتمّ الإيمان بآيات الله بعد الإيمان بالله عزّ اسمه فهذا معنى قوله:( تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) .


وأمّا قوله:( فإخوانكم في الدين ) فالمراد به بيان التساوى بينهم وبين سائر المؤمنين في الحقوق الّتى يعتبرها الإسلام في المجتمع الإسلاميّ: لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

وقد عبّر في الآية عن ذلك بالاُخوّة في الدين، وقال في موضع آخر:( إنّما المؤمنون إخوة ) الحجرات: ١٠ اعتباراً بما بينهم من التساوى في الحقوق الدينيّـة فإنّ الأخوين شقيقان اشتقّـا من مادّة واحدة وهما لذلك متساويان في الشؤون الراجعة إلى ذلك في مجتمع المنزل عند والدهما الّذى هو ربّ البيت، وفي مجتمع القرابة عند الأقرباء والعشيرة.

واذ كان لهذا المعنى المسمّى بلسان الدين أحكام اُخوّة وآثار شرعيّـة اعتنى بها قانون الإسلام فهو اعتبار حقيقة لنوع من الاُخوّة بين أفراد المجتمع الإسلاميّ لها آثار مترتّبة كما أنّ الاُخوّة الطبيعيّـة فيما اعتبرها الإسلام لها آثار مترتّبة عقلائيّـة ودينيّـة وليست تسمية ذلك اُخوّة مجرّد استعارة لفظيّـة عن عناية مجازية، وفيما نقل عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قوله المؤمنون إخوة يسعى بذمّـتهم أدناهم، وهم يد واحدة على من سواهم.

وقوله:( وإن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّـة الكفر إنّهم لا أيمان لهم ) الآية يدلّ السياق أنّهم غير المشركين الّذين أمر الله سبحانه في الآية السابقة بنقض عهدهم وذكر أنّهم هم المعتدون لا يرقبون في مؤمن إلّا ولا ذمّة فإنّهم ناكثون للأيمان ناقضون للعهد، فلا يستقيم فيهم الاشتراط الّذى ذكره الله سبحانه بقوله:( وإن نكثوا أيمانهم ) الآية.

فهؤلاء قوم آخرون لهم مع ولىّ الأمر من المسلمين عهود وأيمان ينكثون أيمانهم من بعد عهدهم، أي ينقضون عهودهم من بعد عقدها فأمر الله سبحانه بقتالهم وألغى أيمانهم وسمّاهم أئمّـة الكفر لأنّهم السابقون في الكفر بآيات الله يتّبعهم غيرهم ممّن يليهم، يقاتلون جميعاً لعلّهم ينتهون عن نكث الأيمان ونقض العهود.

قوله تعالى: ( ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول ) الآية وما بعدها إلى تمام أربع آيات تحريض للمؤمنين وتهييج لهم على قتال المشركين ببيان ما


أجرموا به في جنب الله وخانوا به الحقّ والحقيقة، وعدّ خطاياهم وطغياناتهم من نكث الإيمان والهمّ بإخراج الرسول والبدء بالقتال أوّل مرّة.

ثمّ بتعريف المؤمنين أنّ لازم إيمانهم بالله الّذى يملك كلّ خير وشرّ ونفع وضرّ أن لا يخشوا إلّا إيّـاه إن كانوا مؤمنين به ففى ذلك تقوية لقلوبهم وتشجيعهم عليهم، وينتهى إلى بيان أنّهم ممتحنون من عند الله بإخلاص الإيمان له والقطع من المشركين حتّى يؤجروا بما يؤجر به المؤمن المتحقّق في إيمانه.

قوله تعالى: ( قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ) إلى آخر الآيتين. أعاد الأمر بالقتال لأنّه صار من جهة ما تقدّم من التحريض والتحضيض أوقع في القبول فإنّ الأمر الأوّل كان ابتدائيّـاً غير مسبوق بتمهيد وتوطئة بخلاف الأمر الثاني الوارد بعد اشتداد الاستعداد وكمال التهيّؤ من المأمورين.

على أنّ ما اُتبع به الأمر من قوله:( يعذّبهم الله بأيديكم ويخزهم - إلى قوله -ويذهب غيظ قلوبهم ) يؤكّد الأمر ويغرى المأمورين على امتثاله وإجرائه على المشركين فإنّ تذكّرهم أنّ قتل المشركين عذاب إلهىّ لهم بأيدى المؤمنين، وأنّ المؤمنين أياد مجرية لله سبحانه وأنّ في ذلك خزياً للمشركين ونصرة من الله للمؤمنين عليهم وشفاء لصدور قوم مؤمنين وإذهاباً لغيظ قلوبهم، يجرّئهم للعمل وينشّطهم ويصفّى إرادتهم.

وقوله:( ويتوب الله على من يشاء ) الآية بمنزلة الاستثناء لئلّا يجرى حكم القتال على إطلاقه.

قوله تعالى: ( أم حسبتم أن تتركوا ولمّا يعلم الله الّذين جاهدوا منكم ) إلى آخر الآية بمنزلة تعليل آخر لوجوب قتالهم لينتج تحريضهم على القتال وفيه بيان حقيقة الأمر، ومحصّله أنّ الدار دار الامتحان والابتلاء فإنّ نفوس الآدميّـين تقبل الخير والشرّ والسعادة والشقاوة فهى في أوّل كينونتها ساذجة مبهمة، ومراتب القرب والزلفى إنّما تبذل بإزاء الإيمان الخالص بالله وآياته، ولا يظهر صفاء الإيمان إلّا بالامتحان الّذى يورد المؤمن مقام العمل، ليميز الله بذلك الطيّـب من الخبيث، والصافى الإيمان ممّن ليس عنده إلّا مجرّد الدعوى أو المزعمة.


فمن الواجب أن يمتحن هؤلاء المدّعون أنّهم باعوا أنفسهم وأموالهم لله بأنّ لهم الجنّـة، ويبتلوا بمثل القتال الّذى يميّـز به الصادق من الكاذب ويفصل الّذى قطع روابط المحبّـة والصلة من أعداء الله سبحانه ممّن في قلبه بقايا من ولايتهم ومودّتهم حتّى يحيى هؤلاء ويهلك اُولئك.

فعلى المؤمنين أن يمتثلوا أمر القتال بل يتسارعوا إليه ويتسابقوا فيه ليظهروا بذلك صفاء جوهرهم وحقيقة إيمانهم ويحتجّوا به على ربّهم يوم لا نجاح فيه إلّا بحجّة الحقّ.

فقوله:( أم حسبتم أن تتركوا ) أي بل ظننتم أن تتركوا على ما أنتم عليه من الحال ولمّا تظهر حقيقة صدقكم في دعوى الإيمان بالله وبآياته.

وقوله:( ولمّا يعلم الله ) الآية أي ولمّا يظهر في الخارج جهادكم وعدم اتّخاذكم من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة فإنّ تحقّق الأشياء علم منه تعالى بها وقد مرّ نظير الكلام مع بسط مّا في تفسير قوله تعالى:( أم حسبتم أن تدخلوا الجنّـة ولمّا يعلم الله الّذين جاهدوا منكم ) الآية آل عمران: ١٤٢ في الجزء الرابع من الكتاب. ومن الدليل على هذا الّذى ذكرنا في معنى العلم قوله في ذيل الآية:( والله خبير بما تعملون ) .

والوليجة على ما في مفردات الراغب كلّ ما يتّخذه الإنسان معتمداً عليه وليس من أهله.

( بحث روائي)

في تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( براءة من الله ورسوله ) حدّثنى أبى عن محمّـد بن الفضل عن ابن أبى عمير عن أبى الصباح الكنانىّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: نزلت هذه الآية بعد ما رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة.

قال: وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا فتح مكّة لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السنة، وكان سنّة من العرب في الحجّ أنّه من دخل مكّة وطاف البيت في ثيابه لم يحلّ له إمساكها، وكانوا يتصدّقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف فكان من وافى مكّة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثمّ يردّه، ومن لم يجده عارية ولا كرى و لم يكن له إلّا ثوب واحد طاف بالبيت عرياناً.


فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كرى فلم تجده فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت إن تتصدّقى بها فقالت: كيف أتصدّق وليس لى غيرها؟ فطافت بالبيت عريانة وأشرف لها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها والاُخرى على دبرها وقالت شعراً:

اليوم يبدو بعضه أو كلّه

فما بدا منه فلا اُحلّه

فلمّا فرغت من الطواف خطبها جماعة فقالت: إنّ لى زوجاً.

وكانت سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل نزول سورة براءة أن لا يقاتل إلّا من قاتله ولا يحارب إلّا من حاربه وأراده، وقد كان اُنزل على( في ) ذلك( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً ) فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يقاتل أحداً قد تنحّى عنه واعتزله حتّى نزلت عليه سورة براءة وأمره بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلّا الّذين قد عاهدهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكّة إلى مدّة: منهم صفوان بن اُميّـة وسهيل بن عمرو فقال الله عزّوجلّ:( براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) ثمّ يقتلون حيثما وجدوا بعدُ. هذه أشهر السياحة: عشرين من ذى الحجّة والمحرّم وصفرو شهر ربيع الأوّل وعشراً من ربيع الآخر.

فلمّا نزلت الآيات من سورة براءة دفعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أبى بكرو أمره أن يخرج إلى مكّة ويقرأها على الناس بمنى يوم النحر فلمّا خرج أبوبكر نزل جبرئيل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا محمّـد لا يؤدّى عنك إلّا رجل منك.

فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أميرالمؤمنينعليه‌السلام في طلب ابى بكر فلحقه بالروحاء وأخذ منه الآيات فرجع أبوبكر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله: أنزل الله فيّ شيئاً؟ فقال: لا إنّ الله أمرنى أن لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو رجل منّى.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن حرير عن أبى عبداللهعليه‌السلام أن رسول الله بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس فنزل جبرئيل فقال: لا يبلّغ عنك إلّا على فدعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّـاً وأمر أن يركب ناقته العضباء، وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأها على الناس بمكّة فقال أبوبكر: أسخط؟ فقال: لا إلّا أنّه أنزل عليه أنّه لا


يبلّغ إلّا رجل منك.

فلمّا قدم على مكّة وكان يوم النحر بعد الظهر وهو يوم الحجّ الأكبر قام ثمّ قال: إنّى رسول رسول الله إليكم فقرأها عليهم:( براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) عشرين من ذى الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشراً من شهر ربيع الآخر، وقال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة ولا مشرك بعد هذا العام، ومن كان له عهد عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فمدّته إلى هذه الأربعة أشهر.

أقول: المراد تعيين المدّة للعهود الّتى لا مدّة لها بقرينة ما سيأتي من الرواية، وأمّا العهود الّتى لها مدّة فاعتبارها إلى مدّتها مدلول لنفس الآيات الكريمة.

وفي تفسيرى العيّـاشيّ والمجمع عن أبى بصير عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: خطب علىّعليه‌السلام بالناس واخترط سيفه وقال: لا يطوفنّ بالبيت عريان، ولا يحجّنّ بالبيت مشرك، ومن كانت له مدّة فهو إلى مدّته، ومن لم يكن له مدّة فمدّته أربعة أشهر، وكان خطب يوم النحر، وكانت عشرون من ذى الحجة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من شهر ربيع الآخر، وقال: يوم النحر يوم الحجّ الأكبر.

أقول: والروايات من طرق أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام في هذه المعاني فوق حدّ الإحصاء.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبدالله بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند وأبوالشيخ وابن مردويه عن علىّ قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا أبا بكر ليقرأها على أهل مكّة ثمّ دعاني فقال لى: أدرك أبابكر فحيثما لقيته فخذ الكتاب منه.

ورجع أبوبكر فقال: يا رسول الله نزل فيّ شئ؟ قال: لا ولكن جبرئيل جاءني فقال: لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك.

وفيه أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبى وقّـاص أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبابكر ببراءة إلى أهل مكّة ثمّ بعث عليّـاًعليه‌السلام على أثره فأخذها منه فكأنّ أبابكر وجد في نفسه فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أبابكر إنّه لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو رجل منّى.


وفيه أخرج ابن مردويه عن أبى رافع قال: بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبابكر ببراءة إلى الموسم فأتى جبرئيلعليه‌السلام فقال: إنّه لا يؤدّيها إلّا أنت أو رجل منك فبعث عليّـاًعليه‌السلام على أثره حتّى لحقه بين مكّة والمدينة فأخذها فقرأها على الناس في الموسم.

وفيه أخرج ابن حبّان وابن مردويه عن أبى سعيد الخدرىّ قال: بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبابكر يؤدّى عنه براءة فلمّا أرسله بعث إلى علىّعليه‌السلام فقال: يا علىّ لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو أنت، فحمله على ناقته العضباء فسار حتّى لحق بأبى بكر فأخذ منه براءة.

فأتى أبوبكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد دخله من ذلك مخافة أن يكون قد اُنزلت فيه شئ فلمّا أتاه قال: ما لى يا رسول الله؟ قال: خير أنت أخى وصاحبى في الغار وأنت معى على الحوض غير أنّه لا يبلغ عنّى إلّا رجل منّى.

أقول: وهناك روايات اُخرى في معنى ما تقدّم، وقد نقل في تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب أنّه رواه الطبرسيّ، والبلاذريّ، والترمذيّ، والواقدىّ، والشعبىّ، والسدّىّ، والثعلبيّ، والواحديّ، والقرطبىّ، والقشيريّ، والسمعانيّ، وأحمد بن حنبل، وابن بطّة، ومحمّـد بن اسحاق، وأبو يعلى الموصلي، والأعمش، وسماك بن حرب في كتبهم عن عروة بن الزبير، وأبى هريرة، وأنس، وأبى رافع، وزيد بن نفيع، وابن عمر، وابن عبّـاس، واللّفظ له: إنّه لمّا نزل:( براءة من الله ورسوله ) إلى تسع آيات أنفذ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبابكر إلى مكّة لأدائها فنزل جبرئيل وقال: إنّه لا يؤدّيها إلّا أنت أو رجل منك فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأميرالمؤمنين: اركب ناقتي العضباء والحقّ أبابكر وخذ براءة من يده.

قال: ولمّا رجع أبوبكر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جزع وقال: يا رسول الله إنّك أهّـلتنى لأمر طالت الأعناق فيه فلمّا توجّهت إليه رددتني منه؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الأمين هبط إلى عن الله تعالى: أنّه لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك، وعلىّ منّى ولا يؤدّى عنّى إلّا علىّ.


وفيما نقلناه من الروايات وما تركناه منها وهو أكثر وفيما سيجئ في هذا الباب نكتتان أصليّـتان.

إحداهما: أنّ بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّـاً ببراءة وعزله أبابكر إنّما كان بأمر من ربّه بنزول جبرئيل:( إنّه لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) ولم يقيّد الحكم في شئ من الروايات ببراءة أو نقض العهد فلم يرد في شئ منها: لا يؤدّى براءة أو لا ينقض العهد إلّا أنت أو رجل منك فلا دليل على تقييده ببراءة على ما وقع في كثير من التفاسير، ويؤيّد الإطلاق ما سيأتي.

وثانيتهما: أنّ عليّـاًعليه‌السلام كما كان ينادى ببراءة، كذلك كان ينادى بحكم آخر وهو أنّ من كان له مدّة فهو إلى مدّته ومن لم يكن له مدّة فمدّته أربعة أشهر: وهذا أيضاً ممّا يدلّ عليه آيات براءة.

وبحكم آخر وهو أنّه لا يطوفنّ بالبيت عريان، وهو أيضاً حكم إلهىّ مدلول عليه بقوله تعالى:( يا بنى آدم خذوا زينتكم عند كلّ مسجد ) الأعراف: ٣١ وقد ورد في بعض الروايات ذكر الآية مع الحكم كما سيجئ.

وحكم آخر أنّه لا يطوف أو لا يحجّ البيت مشرك بعد هذا العام وهو مدلول قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) التوبه: ٢٨.

وهناك أمر خامس ذكر في بعض روايات الباب أنّهعليه‌السلام كان ينادى به وهو أنّه لا يدخل الجنّة إلّا مؤمن وهذا وإن لم يذكر في سائر الروايات، والاعتبار لا يساعد على ذلك لنزول آيات كثيرة مكّيّـة ومدنيّـة في ذلك وخفاء الأمر في ذلك على المشركين إلى سنة تسع من الهجرة كالمحال عادة لكن ذلك أيضاً مدلول للآيات الكريمة(١) ، وعلى أيّ حال لم تكن رسالة علىّعليه‌السلام مقصوراً على تأدية آيات براءة بل لها ولتبليغ ثلاثة أو أربعة أحكام قرآنيّـة اُخرى، والجميع مشمول لما اُنزل به جبرئيل عن الله سبحانه على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك، إذ لا دليل على تقييد الكلام

____________________

(١) وأمّا على ما في بعضها بدلا من ذلك:( لا يدخل الكعبة - أو البيت - الّا مومن) فالحكم المستفاد منه نظير الحكم بأنه لا يطوفنّ بالبيت مشرك حكم ابتدائي.


على إطلاقه أصلاً.

وفى الدرّ المنثور أخرج الترمذيّ وحسّنه وابن أبى حاتم والحاكم وصحّحه وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل عن ابن عبّـاس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبابكر وأمره أن ينادى بهؤلاء الكلمات ثمّ أتبعه عليّـاًعليه‌السلام وأمره أن ينادى بها فانطلقا فحجّا فقام علىّعليه‌السلام في أيّـام التشريق فنادى: أنّ الله برئ من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ولا يحجّنّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان، ولا يدخل الجنّـة إلّا مؤمن فكان علىّعليه‌السلام ينادى بها.

أقول: والخبر قريب المضمون ممّا استفدناه من الروايات.

وفيه أخرج عبد الرّزاق وابن المنذر وابن أبى حاتم من طريق سعيد بن المسيّب عن أبى هريرة أن أبابكر أمره أنّ يؤذن ببراءة في حجّة أبى بكر.

قال أبوهريره: ثمّ أتبعنا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّـاًعليه‌السلام أمره أن يؤذن ببراءة وأبوبكر على الموسم كما هو - أو قال: على هيئته -.

أقول: وقد ورد في عدّة من طرق أهل السنّة: أنّ النبيّ استعمل أبابكر على الحجّ عامه ذلك فكان هو أمير الحاجّ وعلىّ ينادى ببراءة وقد روت الشيعة أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استعمل للإمارة عليّـاًعليه‌السلام كما أنّه حمله تأدية آيات براءة وقد ذكر ذلك الطبرسيّ في مجمع البيان ورواه العيّـاشيّ عن زرارة عن أبى جعفرعليه‌السلام ، وربّما تأيّد ذلك بما ورد أنّ عليّـاًعليه‌السلام كان يقضى في سفره ذلك، وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعا له في ذلك إذ من المعلوم أنّ مجرّد الرسالة بتأدية براءة لا تتضمّن الحكم بالقضاء بين الناس، وأوفق ما يكون ذلك في تلك الأيّـام بالإمارة، والرواية ما سيأتي.

في تفسير العيّـاشيّ عن الحسن عن علىّعليه‌السلام أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين بعثه ببراءة قال: يا نبىّ الله إنّى لست بلسن ولا بخطيب قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يأبى الله ما بى إلّا أن أذهب بها أو تذهب أنت قال: فإن كان لا بدّ فسأذهب أنا قال: فانطلق فإنّ الله يثبّـت لسانك ويهدي قلبك ثمّ وضع يده على فمه فقال: انطلق واقرأها على الناس، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الناس


سيتقاضون الهك قإذا أتاك الخصمان فلا تقض لواحد حتّى تسمع الآخر فإنّه أجدر أن تعلم الحقّ.

أقول: وهذا المعنى مروي من طرق أهل السنّة كما في الدرّ المنثور عن أبي الشيخ عن علىّ قال: بعثنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى اليمن ببراءة فقلت: يا رسول الله تبعثني وأنا غلام حديث السنّ واُسأل عن القضاء ولا أدرى ما اُجيب؟ قال: ما بدّ من أن تذهب بها أو أذهب بها. قلت: إن كان لابدّ أنا أذهب، قال: انطلق فإنّ الله يثبّت لسانك ويهدى قلبك، ثمّ قال: انطلق واقراها على الناس.

إلّا أنّ اشتمال الرواية على لفظ اليمن يسئ الظنّ بها إذ من البيّـن من لفظ آيات براءة أنّها مقرّوة على أهل مكّة يوم الحجّ الأكبر بمكّة وأين ذلك من اليمن وأهلها وكأنّ لفظ الرواية كان: (إلى مكّة) فوضع موضعه (إلى اليمن) تصحيحاً لما اشتملت عليه من حديث القضاء.

وفى الدرّ المنثور أخرج أحمد والنسائيّ وابن المنذر وابن مردويه عن أبى هريرة قال: كنت مع علىّعليه‌السلام حين بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، بعث عليّـاًعليه‌السلام بأربع: لا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم، ومن كان بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهد فهو إلى عهده، وأنّ الله ورسوله برئ من المشركين.

أقول: وهذا المعنى مروىّ عن أبى هريرة بعدّة طرق بألفاظ مختلفة لا تخلو من شئ في متنها - على ما سيجئ - وأمتن الروايات متناً هذه الّتى أوردناها.

وفيه أخرج أحمد والنسائيّ وابن المنذر وابن مردويه عن أبى هريرة قال: كنت مع علىّ حين بعثه رسول الله إلى اهل مكّة ببراءة فكنّا ننادى أنّه لا يدخل الجنّـة إلّا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهد فإنّ أمره أو أجله إلى أربعة أشهر فإذا مضت الأربعة أشهر فإنّ الله برئ من المشركين ورسوله ولا يحجّ هذا البيت بعد العام مشرك.

أقول: وفي متن الرواية اضطراب بيّـن، أمّا أوّلاً: فلاشتمالها على النداء بأنّه لا يدخل الجنّـة إلّا مؤمن، وقد سبق أنّه نزلت في معناه آيات كثيرة مكّـيّـة ومدنيّـة منذ سنين


وقد سمعها الحضرىّ والبدويّ والمشرك والمؤمن فأىّ حاجة متصوّرة إلى إبلاغها أهل الجمع.

وأمّا ثانياً: فلأنّ النداء الثاني أعنى قوله: ومن كان بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهد الخ، لا ينطبق لا على مضامين الآيات ولا على مضامين الروايات المتظافرة السابقة، على أنّه قد جعل فيه البراءة بعد مضىّ أربعة أشهر.

وأمّا ثالثاً: فلمّا سنذكره ذيلاً.

وفيه أخرج البخاريّ ومسلم وابن المنذر وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل عن أبى هريرة قال: بعثنى أبوبكر في تلك الحجّة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحجّ بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ثمّ أردف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعلىّ بن أبى طالبعليه‌السلام فأمره أن يؤذن ببراءة فأذن معنا علىّ في أهل منى يوم النحر ببراءة، وأن لا يحجّ بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

وفي تفسير المنارعن الترمذيّ عن ابن عبّـاس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبابكر - إلى أن قال - فقام علىّ أيّـام التشريق فنادى: ذمّة الله وذمّة رسوله بريئة من كلّ مشرك فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجّنّ بعد العام مشرك، ولا يطوفنّ بالبيت عريان ولا يدخل الجنّـة إلّا كلّ مؤمن فكان علىّ ينادى بها فإذا بحّ قام أبو هريرة فنادى بها.

وفيه أيضاً عن أحمد والنسائيّ - من طريق محرز بن أبى هريرة عن أبيه قال: كنت مع علىّ حين بعثه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى مكّة ببراءة فكنّا ننادى أن لا يدخل الجنّـة إلّا كلّ نفس مسلمة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهد فعهده إلى مدّته، ولا يحجّ بعد العام مشرك فكنت اُنادى حتّى صحل صوتي.

أقول: قد عرفت أنّ الّذى وقع في الروايات على كثرتها في قصّة بعث علىّ وعزل أبى بكر من كلمة الوحى الّذى نزل به جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو قوله:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) وكذا ما ذكره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين أجاب أبابكر لمّا سأله عن سبب عزله، إنّما هو متن ما أوحى إليه الله سبحانه، أو قوله - وهو في معناه -:( لا يؤدّى عنى إلّا أنا أو رجل منّى ) .


وكيفما كان فهو كلام مطلق يشمل تأدية براءة وكلّ حكم إلهىّ احتاج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن يؤدّيه عنه مؤدّ غيره، ولا دليل لا من متون الروايات ولا غيرها يدلّ على اختصاص ذلك ببراءة، وقد اتّضح أنّ المنع عن طواف البيت عرياناً والمنع عن حجّ المشركين بعد ذلك العام وكذا تأجيل من له عهد إلى مدّة أو من غير مدّة كلّ ذلك أحكام إلهيّـة نزل بها القرآن فما معنى إرجاع أمرها إلى أبى بكر أو نداء أبى هريرة بها وحده أو ندائه ببراءة وسائر الأحكام المذكورة في الجمع إذا بحّ علىّعليه‌السلام حتّى يصحل صوته من كثرة النداء؟ ولو جاز لأبي هريرة أن يقوم بها والحال هذه فلم لم يجز لأبي بكرذلك؟

نعم أبدع بعض المفسّرين كابن كثير وأترابه هنا وجهاً وجهوا به ما تتضمّنه هذه الروايات انتصاراً لها وهو أنّ قوله: (لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو رجل منّى) مخصوص بتأدية براءة فقط من غير أن يشمل سائر الأحكام الّتى كان ينادى بها علىّعليه‌السلام ، وأن تعيينهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّـاً بتبليغ آيات براءة أهل الجمع إنّما هو لما كان من عادة العرب أن لا ينقض العهد إلّا عاقده أو رجل من أهل بيته ومراعاة هذه العادة الجارية هي الّتى دعت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأخذ براءة - وفيها نقض ما للمشركين من عهد - من أبى بكر ويسلّمها إلى علىّ ليستحفظ بذلك السنّة العربيّـة فيؤدّيها عنه بعض أهل بيته.

قالوا: وهذا معنى قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا سأله أبوبكر قائلاً: يا رسول الله هل نزل فيّ شئ؟ قال: (لا ولكن لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو رجل منّى) ومعناه أنّى إنّما عزلتك ونصبت عليّـاً لذلك لئلّا انقض هذه السنّة العربيّـة الجارية.

ولذلك لم ينفصل أبوبكر من شأنه فقد كان قلّده إمارة الحاجّ وكان لأبي بكر مؤذنون يؤذنون بهذه الأحكام كأبى هريرة وغيره من الرجال الّذين لم يذكر أسماؤهم في الروايات، وكان علىّ أحد من عنده لهذا الشأن، ولذا ورد في بعضها: أنّه خطب بمنى ولمّا فرغ من خطبته التفت إلى علىّ وقال: قم يا علىّ وأدّ رسالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وهذا ما ذكروه ووجّهوا به الروايات.

والباحث الناقد إذا راجع هذه الآيات والروايات ثمّ تأمّل ما جرت من المشاجرات الكلاميّـة بين الفريقين: أهل السنّة والشيعة في باب الأفضليّـة لم يرتب في أنّهم خلطوا بين


البحث التفسيرىّ الّذى شأنه تحصيل مداليل الآيات القرآنيّـة، والبحث الروائيّ الّذى شأنه نقد معاني الأحاديث وتمييز غثّها من سمينها، وبين البحث الكلاميّ الناظر في أنّ أبابكر أفضل من علىّ أو عليّـاً أفضل من أبى بكر؟ وفي أنّ إمارة الحاجّ أفضل أو الرسالة في تبليغ آيات براءة؟ ولمن كان إمارة الحجّ إذ ذاك لأبي بكر أو لعلىّ؟ أمّا البحث الكلاميّ فلسنا نشتغل به في هذا المقام فهو خارج عن غرضنا، وأمّا البحث الروائيّ أو التفسيرىّ فيما يرتبط به الآيات إلى أسباب نزولها ممّا يتعلّق بمعاني الآيات فالّذي ينبغى أن يقال بالنظر إليه أنّهم أخطؤوا في هذا التوجيه.

فليت شعرى من أين تسلّموا أنّ هذه الجملة الّتى نزل بها جبرئيل:( إنّه لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) مقيّدة بنقض العهد لا يدلّ على أزيد من ذلك، ولا دليل عليه من نقل أو عقل فالجملة ظاهرة أتمّ ظهور في أنّ ما كان على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يؤدّيه لا يجوز أن يؤدّيه إلّا هو أو رجل منه سواه، كان نقض عهد من جانب الله كما في مورد براءة أو حكماً آخر إلهيّـاً على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يؤدّيه ويبلّغه.

وهذا غير ما كان من أقسام الرسالة منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا ليس عليه أن يؤدّيه بنفسه الشريفة كالكتب الّتى أرسل بها إلى الملوك والاُمم والأقوام في الدعوة إلى الإسلام وكذا سائر الرسالات الّتى كان يبعث بها رجالاً من المؤمنين إلى الناس في اُمور يرجع إلى دينهم والإمارات والولايات ونحو ذلك.

ففرق جلّى بين هذه الاُمور وبين براءة ونظائرها فإنّ ما تتضمّنه آيات براءة وأمثال النهى عن الطواف عرياناً، والنهى عن حجّ المشركين بعد العام أحكام إلهيّـة ابتدائيّـة لم تبلّغ بعد ولم تؤدّ إلى من يجب أن تبلّغه، وهم المشركون بمكّة والحجّاج منهم، ولا رسالة من الله في ذلك إلّا لرسوله، وأمّا سائر الموارد الّتى كان يكتفى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببعث الرسل للتبليغ فقد كانت ممّا فرغصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها من أصل التبليغ والتأدية، بتبليغه من وسعه تبليغه ممّن حضر كالدعوة إلى الإسلام وسائر شرائع الدين وكان يقول:( ليبلّغ الشاهد منكم الغائب ) ثمّ إذا مسّت الحاجة إلى تبليغه بعض من لا وثوق عادة ببلوغ الحكم إليه


أو لا أثر لمجرّد البلوغ إلّا أن يعتنى لشانه بكتاب أو رسول أو توسّل عند ذلك إلى رسالة أو كتاب كما في دعوة الملوك.

وليتأمّل الباحث المنصف قوله:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) فقد قيل:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت ) ولم يقل:( لا يؤدّى إلّا أنت أو رجل منك ) حتّى يفيد اشتراك الرسالة، ولم يقل:( لا يؤدّى منك إلّا رجل منك ) حتّى يشمل سائر الرسالات الّتى كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقلّدها كلّ من كان من صالحي المؤمنين فإنّما مفاد قوله:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) إنّ الاُمور الرساليّـة الّتى يجب عليك نفسك أن تقوم بها لا يقوم بها غيرك عوضاً منك إلّا رجل منك أي لا يخلفك فيما عليك كالتأدية الابتدائيّـة إلّا رجل منك.

ثمّ ليت شعرى ما الّذى دعاهم إلى أن أهملوا كلمة الوحى الّتى هي قول الله نزل به جبرئيل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) وذكروا مكانها أنّه( كانت السنّة الجارية عند العرب أن لا ينقض العهد إلّا عاقده أو رجل من أهل بيته ) تلك السنّة العربيّـة الّتى لا خبر عنها في أيّـامهم ومغازيهم ولا أثر إلّا ما ذكره ابن كثير ونسبه إلى العلماء عند البحث عن آيات براءة.!

ثمّ لو كانت سنّة عربيّـة جاهليّـة على هذا النعت فما وزنها في الإسلام وما هي قيمتها عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد كان ينسخ كلّ يوم سنّة جاهليّـة وينقض كلّ حين عادة قوميّـة، ولم تكن من جملة الأخلاق الكريمة أو السنن والعادات النافعة بل سليقة قبائليّـة تشبه سلائق الأشراف وقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكّة عند الكعبة على ما رواه أصحاب السير:( ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يدّعى فهو تحت قدمىّ هاتين إلّا سدانة البيت وسقاية الحاجّ ) .

ثمّ لو كانت سنّة عربيّـة غير مذمومة فهل كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذهل عنها ونسيها حين أسلم الآيات إلى أبى بكر وأرسله، وخرج هو إلى مكّة حتّى إذا كان في بعض الطريق ذكرصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما نسيه أو ذكّره بعض من عنده بما أهمله وذهل عنه من أمر كان من الواجب مراعاته؟ وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المثل الأعلى في مكارم الأخلاق واعتبار ما يجب أن يعتبر من الحزم وحسن التدبير، وكيف جاز لهؤلاء المذكّرين أن يغفلوا عن ذلك وليس من الاُمور الّتى يغفل عنها وتخفى عادة فإنّما الذهول عنه كغفلة المقاتل عن سلاحه؟


وهل كان ذلك بوحى من الله إليه أنّه يجب له أن لا يلغى هذه السنّة العربيّـة الكريمة، وأنّ ذلك أحد الأحكام الشرعيّـة في الباب وأنّه يحرم على ولىّ أمر المسلمين أن ينقض عهداً إلّا بنفسه أو بيد أحد من أهل بيته؟ وما معنى هذا الحكم؟

أو أنّه حكم أخلاقيّ اضطرّ إلى اعتباره لما أنّ المشركين ما كانوا يقبلون هذا النقض إلّا بأن يسمعوه من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نفسه أو من أحد من أهل بيته؟ وقد كانت السيطرة يومئذ لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم، والزمام بيده دونهم، والإبلاغ إبلاغ.

أو أنّ المؤمنين المخاطبين بقوله:( عاهدتم ) وقوله:( وأذان من الله ورسوله إلى الناس ) وقوله:( فاقتلوا المشركين ) ما كانوا يعتبرون هذا النقض نقضاً دون أن يسمعوه منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو من واحد من أهل بيته وإن علموا بالنقض إذا سمعوا الآيات من أبى بكر؟

ولو كان كذلك فكيف قبله واعتبره نقضاً من سمعه من أبى هريرة الّذى كان ينادى به حتّى صحل صوته؟ وهل كان أبو هريرة أقرب إلى علىّ وأمسّ به من أبى بكر إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فالحقّ أنّ هذه الروايات الحاكية لنداء أبى هريرة وغيره غير سديدة لا ينبغى الركون إليها.

قال صاحب المنار في تفسيره: جملة الروايات تدلّ على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل أبابكر أميراً على الحجّ سنة تسع، وأمره أن يبلّغ المشركين الّذين يحضرون الحج أنّهم يمنعون منه بعد ذلك العام ثمّ أردفه بعلىّ ليبلّغهم عنه نبذ عهودهم المطلقة وإعطاءهم مهلة أربعة أشهر لينظروا في أمرهم، وأنّ العهود الموّقّتة أجلها نهاية وقتها، ويتلو عليهم الآيات المتضمّنة لمسألة نبذ العهود وما يتعلّق بها من أوّل سورة براءة.

وهى أربعون أو ثلاث وثلاثون آية، وما ذكر في بعض الروايات من التردّد بين ثلاثين وأربعين فتعبير بالأعشار مع إلغاء كسرها من زيادة ونقصان.

وذلك لأنّ من عادة العرب أنّ العهود ونبذها إنّما تكون من عاقدها أو أحد عصبته القريبة، وأنّ عليّـاً كان مختصّاً بذلك مع بقاء إمارة الحجّ لأبي بكر الّذى كان يساعده على ذلك ويأمر بعض الصحابة كأبى هريرة بمساعدته. انتهى.


وقال أيضاً: إنّ بعض الشيعة يكبّرون هذه المزيّـة لعلىّعليه‌السلام كعادتهم ويضيفون إليها ما لا تصحّ به رواية، ولا تؤيّده دراية فيستدلّون بها على تفضيله على أبى بكر ما وكونه أحقّ بالخلافه منه، ويزعمون أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عزل أبابكر من تبليغ سورة براءة لأنّ جبرئيل أمره بذلك، وأنّه لا يبلّغ عنه إلّا هو أو رجل منه ولا يخصّون هذا النفى بتبليغ نبذ العهود وما يتعلّق به بل يجعلونه عامّاً لأمر الدّين كلّه.

مع استفاضة الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة كالجهاد في حمايته والدفاع عنه، وكونه فريضة لا فضيلة فقط ومنها قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجّة الوداع على مسمع الاُلوف من الناس:( ألا فليبلّغ الشاهد الغائب ) وهو مكرّر في الصحيحين وغيرهما، وفي بعض الروايات عن ابن عبّـاس: فو الّذى نفسي بيده إنّها لوصيّـته إلى اُمّـته( فليبلّغ الشاهد الغائب ) الخ وحديث:( بلّغوا عنّى ولو آية ) رواه البخاريّ في صحيحه والترمذيّ، ولو لا ذلك لما انتشر الإسلام ذلك الانتشار السريع في العالم.

بل زعم بعضهم - كما قيل - أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عزل أبابكر من إمارة الحجّ وولّاها عليّـاً، وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عمليّـة عرفها الخاصّ والعامّ.

والحقّ أنّ عليّـاً كرّم الله وجهه كان مكلّفاً بتبليغ أمر خاصّ، وكان في تلك الحجّة تابعاً لأبي بكر في إمارته العامّة في إقامة ركن الإسلام الاجتماعيّ العامّ حتّى كان أبوبكر يعيّـن له الوقت الّذى يبلّغ ذلك فيه فيقول: يا علىّ قم فبلّغ رسالة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كما تقدّم التصريح به في الروايات الصحيحة كما أمر بعض الصحابة بمساعدته على هذا التبليغ كما تقدّم في حديث أبى هريرة في الصحيحين وغيرهما.

ثمّ ساق الكلام واستدلّ بإمارة أبى بكر في تلك الحجّة - وضمّ إليها صلاته موضع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبيل وفاته - على تقدّمه وأفضليّـته من جميع الصحابة على من سواه انتهى.

أمّا قوله: مع استفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة إلى آخر


ما قال فيكشف عن أنّه لم يحصّل معنى كلمة الوحى:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) حقّ التحصيل، ولم يفرّق بين قولنا:( لا يؤدّى منك إلّا رجل منك ) وبين قوله:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) فزعم أنّ الكلام بإطلاقه يمنع عن كلّ تبليغ دينىّ يتصدّاه غير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رجل منه فدفع ذلك باستفاضة الأخبار بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة وقيّـد به إطلاق قوله:( لا يؤدّى عنك ) الخ فجعله خاصّاً بتبليغ نبذ العهد بعد تحويل الحكم الإلهىّ إلى سنّة عربيّـة جاهليّـة.

وقد ساقه اشتباه معنى الكلمة إلى أن زعم أنّ إبقاء الكلام على إطلاقه منشاؤه الغفلة عن أمر هو كالضروريّ عند عامّة المسلمين أعنى وجوب التبليغ العامّ حتّى استدلّ على ذلك بما في الصحيحين وغيرهما من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( فليبلّغ الشاهد الغائب ) ، وقد عرفت ما هو حقّ المعنى لكلمة الوحى.

وأمّا قوله: ( بل زعم بعضهم كما قيل أنّه عزل أبابكر من إمارة الحجّ وولّاها عليّـاًعليه‌السلام وهذا بهتان صريح مخالف لجميع الروايات في مسألة عمليّـة عرفها العامّ والخاصّ ) فليس ذلك زعماً من البعض ولا بهتاناً كما بهته بل رواية روتها الشيعة وقد أوردناها في ضمن الروايات المتقدّمة.

وليس التوغّل في مسألة الإمارة ممّا يهمّـنا في تفهّم معنى قوله:( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) فإمارة الحاجّ سواء صحّت لأبي بكر أو لعلّى، دلّت على فضل أو لم تدلّ إنّما هي من شعب الولاية الإسلاميّـة العامّة الّتى شأنها التصرّف في اُمور المجتمع الإسلامي الحيويّـة، وإجراء الأحكام والشرائع الدينيّـة، ولا حكومة لها على المعارف الإلهيّـة وموادّ الوحى النازلة من السّماء في أمر الدين.

إنّما هي ولاية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينصب يوماً أبابكر أو عليّـاًعليه‌السلام لإمارة الحاجّ، ويؤمّر يوماً اُسامة على أبى بكر وعامّة الصحابة في جيشه، ويولّى يوماً ابن اُمّ مكتوم على المدينة وفيها من هو أفضل منه، ويولّى هذا مكّة بعد فتحها، وذاك اليمن، وذلك أمر الصدقات، وقد استعملصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا دجانة الساعديّ أو سباع بن عرفطة الغفاريّ على ما في سيرة ابن هشام على المدينة عام حجّة الوداع، وفيها أبوبكر لم يخرج إلى الحجّ على ما


رواه البخاريّ ومسلم وأبوداود والنسائيّ وغيرهم وإنّما تدلّ على إذعانهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بصلاحيّـة من نصبه لأمر لتصدّيه وإدارة رحاه.

وأمّا الوحى السماويّ بما يشتمل عليه من المعارف والشرائع فليس للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا لمن دونه صنع فيه، ولا تأثير فيه ممّا له من الولاية العامّة على اُمور المجتمع الإسلاميّ بإطلاق أو تقييد أو إمضاء أو نسخ أو غير ذلك، ولا تحكم عليه سنّة قوميّـة أو عادة جارية حتّى توجب تطبيقه على ما يوافقها أو قيام العصبة مقام الإنسان فيما يهمّه من أمر.

والخلط بين البابين يوجب نزول المعارف الإلهيّـة من أوج علوّها وكرامتها إلى حضيض الأفكار الاجتماعيّـة الّتى لا حكومة فيها إلّا للرسوم والعادات والاصطلاحات، فيعود الإنسان يفسّر حقائق المعارف بما يسعه الأفكار العامّـيّـة ويستعظم ما استعظمه المجتمع دون ما عظّمه الله، ويستصغر ما استصغره الناس حتّى يقول القائل في معنى كلمة الوحى إنّه عادة عربيّـة محترمة.

وأنت إذا تأمّلت هذه القصّة - أخذ آيات براءة من أبى بكر وإعطاءها عليّـاً على ما تقصّها الروايات - وجدت فيها من مساهلة الرواة وتوسّعهم في حفظ القصّة بما لها من الخصوصيات - إن لم يستند إلى غرض آخر - أمراً عجيباً ففى بعضها - وهو الأكثر - أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبابكر بالآيات ثمّ بعث عليّـاً وأمره أن يأخذها منه ويتلوها على الناس فرجع أبوبكر الخ، وفي بعضها أنّه بعث أبابكر بإمارة الحجّ ثمّ بعث عليّـاً بعده بآيات براءة، وفي بعضها: أنّ أبابكر أمره بالتبليغ وأمر بعض الصحابة أن يشاركه في النداء حتّى آل الأمر إلى مثل ما رواه الطبريّ وغيره عن مجاهد في قوله تعالى:( براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين ) إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد وغيرهم. أقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك حين فرغ منها فأراد الحجّ ثمّ قال: إنّه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة فلا اُحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك فأرسل أبابكر وعليّـاً فطافا في الناس بذى المجاز وبأمكنتهم الّتى كانوا يبيعون بها وبالموسم كلّه فآذنوا أصحاب العهد أن يأمنوا أربعة أشهر وهى الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون


من آخر ذى الحجّة إلى عشر تخلو من ربيع الأوّل(١) ثمّ عهد لهم وآذن الناس كلّهم بالقتال إلى أن يموتوا.

وإذا كان هذا هو الحال فما معنى قوله: (بهتان صريح مخالف لجميع الروايات

في مسأله عمليّـة عرفها العامّ والخاصّ )؟ فإن كان يعنى: عرفها العامّ والخاصّ في عصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّن شاهد الأمر أو سمع ذلك ممّن شاهده ووصفه فما ذا ينفعنا ذلك؟.

وإن كان يعنى: أنّ العامّ والخاصّ ممّن يلى عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يلى من يليه عرفا ذلك ولم يشكّ أحد في ذلك فهذا حال الروايات المنقولة عنهم لا يجتمع على كلمة.

منها ما يحكى أنّ عليّـاً اختص بتأدية براءة واُخرى تدلّ على أنّ أبابكر شاركه فيه واُخرى تدلّ على أنّ أبا هريره شاركه في التأدية ورجال آخرون لم يسمّوا في الروايات.

ومنها ما يدلّ على أنّ الآيات كانت تسع آيات واُخرى عشراً واُخرى ستّ عشره واُخرى ثلاثين واُخرى ثلاثاً وثلاثين واُخرى سبعاً و ثلاثين واُخرى أربعين واُخرى سورة براءة.

ومنها ما يدلّ على أنّ أبابكر ذهب لوجهه أميراً على الحاجّ واُخرى على أنّه رجع حتّى أوّله بعضهم كابن كثير أنّه رجع بعد اتمام الحجّ وآخرون أنّه رجع ليسأل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن سبب عزله وفي روايه أنس الآتية أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث أبابكر ببراءة ثمّ دعاه فأخذها منه.

ومنها ما يدلّ على أنّ الحجّة وقعت في ذى الحجّة وأنّ يوم الحجّ الأكبر تمام أيّـام تلك الحجّة أو يوم عرفه أو يوم النحر أو اليوم التالى ليوم النحر أو غير ذلك و اُخرى أنّ أبابكر حجّ في تلك السنه في ذى القعدة.

ومنها ما يدلّ على أنّ أشهر السياحه تأخذ من شوّال واُخرى من ذى القعدة واُخرى من عاشر ذى الحجّة واُخرى من الحادى عشر من ذى الحجّة وغير ذلك.

ومنها ما يدلّ على أنّ الأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم من

____________________

(١) كذا.


تلك السنة واُخرى على أنّها أشهر السياحه تبتدئ من يوم التبليغ أو يوم النزول.

فهذا حال اختلاف الروايات ومع ذلك كيف يستقيم دعوى أنّه أمر عرفه العامّ والخاصّ وبعض المحتملات السابقة و إن كان قولاً من مفسّري السلف إلّا إنّ المفسّرين يعاملون أقوالهم معاملة الروايات الموقوفة.

وأمّا قوله: والحقّ أنّ عليّـاً كان مكلّفاً بتبليغ أمر خاصّ و كان في تلك الحجّة تابعاً لأبي بكر في إمارته إلى آخر ما قال فلا ريب أنّ الّذى بعث به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليّـاً من الأحكام كان أمراً خاصّاً وهو تلاوة آيات براءة وسائر ما يلحق بها من الاُمور الأربعة المتقدّمة غير أنّ الكلام في أنّ كلمة الوحى: ( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) لا تختصّ في دلالتها بتأدية آيات براءة على ما تقدّم بيانه فلا ينبغى الخلط بين ما يدلّ عليه الكلمة وبين ما اُمر به علىّ في خصوص تلك السفرة.

وأمّا قوله: وكان في تلك الحجّة تابعاً الخ فأمر استفاده من كلام أبى هريره وما يشبهه وقد عرفت الكلام فيه.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبى شيبه وأحمد والترمذيّ وحسّـنه وأبوالشيخ وابن مردويه عن أنس قال: بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببراءة مع أبى بكر - ثمّ دعاه فقال لا ينبغى لأحد أن يبلّغ هذا - إلّا رجلٌ من أهلي فدعا عليّـاً فأعطاه إيّـاه.

أقول: ذكر صاحب المنار في بعض كلامه أنّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( أو رجل منّى ) في روايه السدّىّ قد فسّرتها الروايات الاُخرى عند الطبريّ وغيره بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو رجل من أهل بيتى وهذا النصّ الصريح يبطل تأويل كلمة ( منّى ) بأنّ معناها أنّ نفس علىٍّ كنفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّه مثله وأنّه أفضل من كلّ أصحابه انتهى.

و الّذى أشار إليه من الروايات هو ما رواه قبلاً بقوله: وأخرج أحمد بسند حسن عن أنس أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث ببراءة مع أبى بكر فلمّا بلغ ذا الحليفه قال: لا يبلغها إلّا أنا أو رجل من أهل بيتى فبعث بها مع علىّ.


وهذه بعينها - على ما لا يخفى - هي الرواية السابقة الّتى أوردناها عن أنس وقد وقع فيها ( أو رجل من أهلي ) وإن اختلف لفظا الروايتين بما عملت فيهما يد النقل بالمعنى.

وأوّل ما في كلامه: أنّ اللفظ: ( أو رجل منّى ) لم يقع إلّا في روايه واحدة موقوفة هي روايه السدّىّ الّتى استضعفها قبيل ذلك بل الأصل في ذلك كلمة الوحى الّتى أثبتتها معظم الروايات الصحيحه على بلوغ كثرتها. والروايات الاُخر المشتملة على قوله: ( من أهل بيتى ) وهو يستكثرها إنّما هي رواية أنس - على ما عثرنا عليها - وقد وقع في بعض ألفاظها قوله ( من أهلي ) مكان ( من أهل بيتى ).

والثانى: أنّ الرواية - كما اتّضح لك - منقولة بالمعنى ومع ذلك لا يصلح ما وقع فيها من بعض الألفاظ لتفسير ما اتّفقت عليه معظم الروايات الصحيحه الواردة من طرق الفريقين من لفظ الوحى المنقول فيها.

على أنّ قوله: ( من أهل بيتى ) في هذه لو صلح لتفسير ما وقع في سائر الروايات من لفظ ( رجل منك ) أو ( رجل منّى ) لكان الواقع في روايه في روايه أبى سعيد الخدرىّ السابقة من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( يا علىّ إنّه لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو أنت ) مفسّراً لما في روايه أنس: ( إلّا رجل من أهل بيتى ) أو ( إلّا رجل من أهلي ) و ما في سائر الروايات: ( إلّا رجل منك ) أو ( إلّا رجل منّى ).

فيعود هذه الألفاظ كناية عن شخص علىّعليه‌السلام بل الكناية بما لها من المعنى مشيرة إلى أنّه من نفس النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و من أهله ومن أهل بيته جميعاً وهذا عين ما فرّ منه وزيادة.

والثالث: أنّ استفادة كونهعليه‌السلام بمنزلة نفسهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليست بمستندة إلى مجرّد قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ( رجل منّى ) كما حسبه فإنّ مجرّد قول القائل: فلان منّى لا يدلّ على تنزيله منزلته في جميع شؤون وجوده ومماثلته إيّـاه وإنّما يدلّ على نوع من الاتّصال والاتّباع كما في قول ابراهيمعليه‌السلام :( فمن تبعني فإنّه منّى ) ابراهيم - ٣٦ إلّا بنوع من القرينه الدالّة على عناية كلاميّـة كقوله تعالى:( ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم ) .


بل إنّما استفيد ذلك من قوله: ( رجل منّى ) أو ( رجل منك ) بمعونة قوله: (لا يؤدّى عنك إلّا أنت ) على البيان الّذى تقدّم وعلى هذا فلو كان هناك قوله: ( لا يؤدّى عنّى إلّا رجل من أهلي أو رجل من أهل بيتى ) لاستفيد منه عين ما استفيد من قوله: ( لا يؤدّى عنك إلّا أنت أو رجل منك ) وقوله: ( لا يؤدّى عنّى إلّا أنا أو رجل منّى ) مضافاً(١) إلى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عدّه منه في خطابه أبابكر وهو أيضاً منه بالاتّباع.

والرابع: أنّه أهمل في البحث الروايات الصحيحة المستفيضة أو المتواترة الّتى تدلّ على أن أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم علىّ وفاطمة والحسنان على ما تقدّم في أخبار آية المباهلة وسيجيئ معظمها في أخبار آية التطهير إن شاء الله تعالى.

ولا رجل في أهل بيتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا علىّعليه‌السلام فيؤول الأمر إلى كون اللفظ كناية عن علىّعليه‌السلام فيرجع إلى ما تقدّم من الوجه.

وأمّا ما احتمله من المعنى فهو أنّ المراد بأهل بيته عامّة أقربائه من بنى هاشم أو بنو هاشم ونساؤه فينزّل اللفظ منزلة عاديّـة من غير أن يحمل شيئاً من المزيّـة والمعنى لا يؤدّى نبذ العهد عنّى إلّا رجل من بنى هاشم والقوم يرجعون غالباً في مفاهيم أمثال هذه الألفاظ إلى ما يعطيه العرف اللغوىّ في ذلك من غير توجّه إلى ما اعتبره الشرع وقد تقدّم نظير ذلك في معنى الابن والبنت حيث حسبوا أنّ كون ابن البنت ابناً للرجل و عدمه مرجعه إلى بحث لغوىّ يعيّن كون الابن يصدق بحسب الوضع اللغوىّ على ابن البنت مثلاً أو لا يصدق عليه وجميع ذلك يرجع إلى الخلط بين الأبحاث اللفظيّـة والأبحاث المعنويّـة وكذا الخلط بين الأنظار الاجتماعيّـة والأنظار الدينيّـة السماويّـة على ما تقدّمت الإشارة إليه.

وأعجب من الجميع قوله: وهذا النصّ الصريح يبطل تأويل كلمة ( منّى ) فإنّ مراده بدلالة السياق أنّ كلمة ( من أهل بيتى ) نصّ صريح في أنّ المراد برجل منّى

____________________

(١) وفي رواية الحاكم الاتية عن مصعب بن عبدالرحمان عم أبيه عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما قاله لاهل الطائف: والّذى نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً منّى أو كنفسي فليضربنّ أعناق مقاتلهم وليسبينّ ذراريهم. فرأى الناس أنّه يعنى أبابكر أو عمر فأخذ بيد علىّعليه‌السلام فقال: (هذا) دلالة علي هذا الفهم من جهة مافيها من الترديد


رجل من بنى هاشم ولا ندرى أيّ نصوصيّـة أو صراحة لكلمة (أهل البيت) في بنى هاشم بعد ما تكاثرت الروايات أنّ أهل بيت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هم علىّ وفاطمة والحسنانعليه‌السلام ثمّ في قوله: (أهل بيتى) بمعنى بنى هاشم أنّ المراد بكلمة (منّى) هو ذلك!!.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن زرارة وحمران ومحمّـد بن مسلم عن أبى جعفر وأبى عبداللهعليهم‌السلام :( فسيحوا في الأرض أربعة اشهر ) - قال عشرين من ذى الحجّة والمحرّم و صفر - وشهر ربيع الأوّل وعشراً من ربيع الآخر.

أقول: وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام أنّ المراد من الأربعة الأشهر هو ذلك روى ذلك الكلينيّ والصدوق والعيّـاشيّ والقمّىّ وغيرهم في كتبهم وروى ذلك من طرق أهل السنّة وهناك روايات اُخرى من طرقهم في غير هذا المعنى حتّى وقع في بعضها أنّ أبابكر حجّ بالناس عام تسع في شهر ذى القعدة وهى غير متأيّدة ولذلك أغمضنا عنها.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن حكيم بن جبير عن علىّ بن الحسينعليه‌السلام : في قوله تعالى:( و أذان من الله ورسوله ) قال: الأذان أميرالمؤمنينعليه‌السلام .

أقول: وروى هذا المعنى أيضاً عن حريز عن أبى عبداللهعليه‌السلام وعن جابر عن جعفر بن محمّـد وأبى جعفرعليهم‌السلام ورواه القمّىّ عن ابيه عن فضالة عن أبان بن عثمان عن حكيم بن جبير عن علىّ بن الحسينعليه‌السلام قال: وفي حديث آخر قال: كنت أنا الأذان في الناس، ورواه الصدوق أيضاً بإسناده عن حكيم عنهعليه‌السلام ، ورواه في الدرّ المنثور عن ابن أبى حاتم عن حكيم بن حميد عن علىّ بن الحسينعليه‌السلام ، وقال في تفسير البرهان: قال السدّىّ وأبومالك وابن عبّـاس وزين العابدين: الأذان هو علىّ بن أبى طالب فاُدىّ به.

وفي تفسير البرهان عن الصدوق بإسناده عن الفضيل بن عياض عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن الحجّ الأكبر فقال: عندك فيه شئ؟ فقلت: نعم كان ابن عبّـاس يقول: الحجّ الأكبر يوم عرفة يعنى أنّه من أدرك يوم عرفة إلى طلوع الشمس من يوم النحر فقد أدرك الحجّ، ومن فاته ذلك فاته الحجّ فجعل ليلة عرفة لما قبلها ولما بعدها والدليل


على ذلك أنّه من أدرك ليلة النحر إلى طلوع الفجر فقد أدرك الحجّ و أجزي عنه من عرفة.

فقال أبوعبداللهعليه‌السلام : قال أميرالمؤمنينعليه‌السلام الحجّ الأكبر يوم النحر واحتجّ بقول الله عزّوجلّ:( فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) فهى عشرون من ذى الحجّة والمحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من شهر ربيع الآخر، ولو كان الحجّ الأكبر يوم عرفة لكان السيح أربعة أشهر ويوماً واحتجّ بقوله عزّوجلّ:( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحجّ الأكبر ) وكنت أنا الأذان في الناس.

قلت: فما معنى هذه اللفظة: الحجّ الأكبر؟ فقال: إنّما سمّى الأكبرلأنّها كانت سنة حجّ فيها المسلمون و المشركون، ولم يحجّ المشركون بعد تلك السنة.

وفيه عنه بإسناده عن معاوية بن عمّار قال: سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن يوم الحجّ الأكبر فقال: يوم النحر والأصغر العمرة.

أقول: وفي الرواية مضافاً إلى تفسير اليوم بيوم النحر إشارة إلى وجه تسمية الحجّ بالأكبر، وقد أطبقت الروايات عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام إلّا ما شذّ على أنّ المراد بيوم الحجّ الأكبر في الآية هو يوم الأضحى عاشر ذى الحجّة وهو يوم النحر ورووا ذلك عن علىّعليه‌السلام .

و روى هذه الرواية الكلينيّ في الكافي عن علىّ بن ابراهيم عن ابيه عن ابن أبى عمير عن معاوية بن عمّار عن أبى عبداللهعليه‌السلام وروى ذلك أيضاً بإسناده عن ذريح عنهعليه‌السلام وكذا الصدوق بإسناده إلى ذريح عنهعليه‌السلام ورواه العيّـاشيّ عن عبد الرحمن و ابن اُذينه والفضيل بن عياض عنهعليه‌السلام .

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه عن ابن أبى أوفى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنّه قال يوم الأضحى هذا يوم الحجّ الأكبر.

وفيه أيضاً أخرج البخاريّ تعليقاً وأبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه وابو نعيم في الحلية عن ابن عمر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجّة الّتى حجّ فقال: أيّ يوم هذا؟


قالوا: يوم النحر قال: هذا يوم الحجّ الأكبر.

أقول: وروى ذلك بطرق مختلفة عن علىّعليه‌السلام وابن عبّـاس ومغيرة بن شعبة وأبى جحيفة وعبدالله بن أبى أوفى وقد روى بطرق مختلفة اُخرى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه يوم عرفة و كذا روى ذلك عن علىّ وابن عبّـاس وابن الزبير وروى عن سعيد بن المسيّب أنّه اليوم التالى ليوم النحر وروى أنّه أيّـام الحجّ كلّها وروى أنّه الحجّ في العامّ الّذى حجّ فيها أبوبكر، وهذا الوجه الأخير لا يأبى الانطباق على ما تقدّم من الحديث عن الصادقعليه‌السلام : أنّه سمّى الحجّ الأكبر لما حجّ في تلك السنة المسلمون والمشركون جميعاً.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن زرارة عن أبى جعفرعليه‌السلام : في قول الله:( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) قال: هي يوم النحر إلى عشر مضين من شهر ربيع الآخر.

وفي الدرّ المنثور في قوله تعالى:( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ) أخرج الحاكم وصحّحه عن مصعب بن عبد الرحمان عن ابيه قال: افتتح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكّة ثمّ انصرف إلى الطائف فحاصرهم ثمانية أو سبعة ثمّ ارتحل غدوة وروحة ثمّ نزل ثمّ هجر.

ثمّ قال: أيّها الناس إنّى لكم فرط، وإنّى اُوصيكم بعترتي خيراً موعدكم الحوض، والّذى نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ولتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ عليكم رجلاً منّى أو كنفسي فليضربنّ أعناق مقاتلهم وليسبينّ ذراريهم. فرأى الناس أنّه يعنى أبابكر أو عمر فأخذ بيد علىّعليه‌السلام فقال: هذا.

أقول: يعنىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به الكفر.

وفي تفسير العيّـاشيّ في حديث جابر عن أبى جعفرعليه‌السلام :( فإن تابوا ) يعنى فإن آمنوا فإخوانكم في الدين.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره ) الآية قال: قال: إقرء عليه وعرّفه ثمّ لا تتعرّض له حتّى يرجع إلى مامنه.


وفي تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب عن تفسير القشيرىّ: إنّ رجلاً قال لعلىّ يابن أبى طالب - فمن أراد منّا أن يلقى رسول الله في بعض الأمر من بعد انقضاء الأربعة فليس له عهد؟ قال علىّ: بلى لأنّ الله قال:( وأن أحد من المشركين استجارك فأجره ) الآية.

وفي الدرّ المنثور في قوله تعالى:( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ) الآية. أخرج ابن أبى شيبه وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه عن حذيفه أنّهم ذكروا عنده هذه الآية فقال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد.

وفيه أخرج ابن أبى شيبه والبخاريّ وابن مردويه عن زيد بن وهب في قوله:( فقاتلوا أئمّـة الكفر ) قال: كنّا عند حذيفة فقال: ما بقى من أصحاب هذه الآية إلّا ثلاثة - ولا من المنافقين الا أربعة. فقال: أعرابيّ: إنّكم أصحاب محمّـد تخبروننا باُمور لا ندرى ما هي؟ فما بال هؤلاء الّذين يبقرون بيوتنا ويسرقون أعلاقنا؟ قال: اُولئك الفسّاق، أجل لم يبق منهم إلّا أربعة أحدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما وجد برده.

وفي قرب الإسناد للحميريّ: حدّثنى عبد الحميد وعبد الصمد بن محمّـد جميعاً عن حنّان بن سدير قال: سمعت أباعبداللهعليه‌السلام يقول: دخل علىّ اُناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة والزبير فقلت لهم: كانوا(١) من أئمّـة الكفر إنّ عليّـاً يوم البصرة لمّا صفّ الخيل قال لأصحابه لا تعجلوا على القوم حتّى أعذر فيما بينى وبين الله وبينهم.

فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون علىّ جوراً في حكم؟ قالوا: لا. قال: فحيفاً في قسم؟ قالوا: لا. قال: فرغبه في دنيا أخذتها لى ولأهل بيتى دونكم فنقمتم علىّ فنكثتم بيعتى؟ قالوا: لا. قال: فأقمت فيكم الحدود و عطّلتها في غيركم؟ قالوا: لا. قال: فما بال بيعتى تنكث وبيعه غيرى لا تنكث إنّى ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلّا الكفر أو السيف.

ثمّ ثنّى إلى أصحابه فقال إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه:( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا إيمان لهم لعلّهم ينتهون )

____________________

(١) كانا ظ.


فقال أميرالمؤمنينعليه‌السلام : والّذى فلق الحبّة وبرء النسمة واصطفى محمّـداً بالنبوّة إنّهم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا مذنزلت.

أقول: ورواه العيّـاشيّ عن حنّان بن سدير عنهعليه‌السلام .

وفي أمالى المفيد بإسناده عن أبى عثمان مؤذّن بنى قصىّ قال: سمعت علىّ بن أبى طالبعليه‌السلام حين خرج طلحة والزبير على قتاله: عذرني الله من طلحة والزبير، بايعانى طائعين غير مكرهين ثمّ نكثا بيعتى من غير حدث أحدثته ثمّ تلا هذه الآية:( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمّة الكفر إنّهم لا أيمان لهم لعلّهم ينتهون ) .

أقول: ورواه العيّـاشيّ في تفسيره عن أبى عثمان المؤذّن وأبى الطفيل والحسن البصريّ مثله، ورواه الشيخ في أماليه عن أبى عثمان المؤذّن. وفي حديثه قال بكير: فسألت عنها أباجعفرعليه‌السلام فقال: صدق الشيخ هكذا قال علىّ. هكذا كان.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن اسحاق والبيهقيّ في الدلائل عن مروان بن الحكم والمسوّر بن مخرمة قالا: كان في صلح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الحديبيّـة بينة وبين قريش أنّ من شاء أن يدخل في عقد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهده دخل فيه، ومن شاء أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: ندخل في عهد محمّـد وعقده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: ندخل في عقد قريش وعهدهم فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهراً.

ثمّ إنّ بنى بكر الّذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم وثبوا على خزاعة الّذين دخلوا في عقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعهده ليلاً بماء لهم يقال له: الوتير قريب من مكّة فقالت قريش ما يعلم بنا محمّـد وهذا الليل وما يرانا أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح فقاتلوهم معهم للضغن على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وركب عمرو بن سالم عند ما كان من أمر خزاعة وبنى بكر بالوتير حتّى قدم المدينة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأبيات أنشده إيّـاها:


يا ربّ(١) إنّـى ناشـدٌ محمّـدا

حلـف أبـينا وأبيـه الأ تلدا

قـد كـنتم ولـدا وكـنّـا والدا

ثمّت أسلـمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصراً أعتدا

وادع عـبدالله يأتـوا مـددا

فيهـم رسـول الله قـد تجـرّدا

إن سيـم خسفاً وجهه تربّدا

في فيلق كالبحر يجرى مزُبدا

إنّ قريشاً أخلفـوك الموعدا

ونقضـوا مـيـثاقـك المـؤكّدا

وجعلوا لى في كداء رُصّدا

وزعموا أن لستُ أدعـو أحدا

و هـم أذلّ و أقـلّ عـددا

هم بيّـتـونا بالـوتـير هـُجّدا

وقـتّلونا رُكّعـا وسُـجّدا(٢)

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم فما برح حتّى مرّت غمامة في السماء فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ هذه السحابة لتشهد(٣) بنصر بنى كعب، وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الناس بالجهاد وكتمهم مخرجه، وسأل الله ان يعمى على قريش خبره حتّى يبغتهم في بلادهم.

أقول: أورد الرواية في الدرّ المنثور بعد ما روى بطرق عن مجاهد وعكرمة أنّ قصّة نقض قريش عهد الحديبيّـة وإعانتهم بنى بكر على خزاعة حلفاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان هو السبب لنزول قوله تعالى:( ألا تقاتلون قوماً - إلى قوله -ويشف صدور قوم مؤمنين ) وهم خزاعة.

ولو كان الأمر على ما ذكروا كانت الآية:( ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم ) - إلى تمام ثلاث آيات بل أربع - على ما يعطيه السياق ممّا نزل قبل فتح مكّة فتكون نازلة قبل آيات براءة لا محالة.

لكن القصّة الّتى رواها ابن اسحاق والبيهقيّ على اعتبارها لمكان لمسور بن مخرمة لا تصرّح بنزول الآيات في ذلك، وما رواها مجاهد وعكرمة لا اعتماد عليه لمكان الوقف والانقطاع، وسياق الآيات لا يأبى نزولها مع ما تقدّم عليها واتّصالها بها على ما لا يخفى.

____________________

(١) في الدرّ المنثور: لاهم.

(٢) الابيات منقولة على ما يطابق نسخة السيرة لابن هشام لكثرة الغلط في نسخة الدرّ المنثور.

(٣) لتستهل. نسخة سيرة النبيّ.


والّذى ذكر فيها من قوله:( ونكثوا أيمانهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أوّل مرّة ) وإن كان يشير إلى صفات قريش الخاصّـة بهم لكن من الجائز أن تكون الآية مشيرة إلى حلفاء قريش وجيرانهم ممّن لم يؤمنوا بعد فتح مكّة وهم لاتّحادهم مع قريش واتّصالهم بهم وصفوا بما يوصف به قريش بالأصالة.

واعلم أنّ هناك روايات متفرّقة من طرق أهل البيتعليهم‌السلام تطبّق الآيات على ظهور المهدىّعليه‌السلام ، وهى من الجرى.

( كلام في معنى العهد وأقسامه وأحكامه)

قدّمنا في أوائل الجزء السادس من الكتاب كلاماً في معنى العقد والعهد ونستأنف البيان ههنا في معنى ما تقدّم وما يستتبعه من الأقسام والأحكام بتقرير آخر في فصول:

١ - قد لاح لك من تضاعيف الأبحاث المتقدّمة في هذا الكتاب أنّ الإنسان في مسير حياته لا يزال يصوّر أعماله وما يتعلّق به أعماله من المادّة تصوّر الاُمور الكونيّـة ويمثّلها بها ويجرى بينها أحكام الاُمور الكونيّـة وآثارها من القوانين العامّـة الجارية في الكون بحسب ما يناسب أغراضه الحيويّـة كما أنّه يأخذ مثلاً أصواتاً متفرّقة هي الزاى والياء والدال، ويؤلّفها بشكل مخصوص ويعمل لفظ (زيد) ثمّ يفترض أنّه زيد الإنسان الخارجيّ فيسمّيه به ثمّ كلّما أراد أن يحضر زيداً في ذهن مخاطبه ألقى إليه لفظ (زيد) فكان ممثّلاً لعين زيد عنده، وحصل بذلك غرضه.

وإذا أراد أن يدير أمراً لا يدور إلّا بعمل عدّة مؤتلفة من الناس اختار جماعة وافترضهم واحداً كالإنسان الواحد، وفرض واحداً منهم للباقين كما يفرض الرأس لبدن الإنسان ويسمّيه رئيساً، وفرض كلّاً من الباقين كما يفرض العضو من البدن ذى الأعضاء ويسمّيه عضواً ثمّ يرتّب على الرأس أحكام الرأس الخارجيّ، وعلى العضو آثار العضو الخارجيّ وعلى هذا القياس.


وإلى هذا يؤول جميع أفكار الإنسان الاجتماعيّـة بلا واسطه أو بواسطة أو وسائط من التصوّرات والتصديقات إذا حلّلت تحليلاً صحيحاً كما تؤول إليه أنظاره الفرديّـة فيما يرتبط بأعماله وأفعاله.

الإنسان شديد الاهتمام بعقد العقود وتمثيل العهود وما يرتبط بها من الحلف واليمين والبيعة ونحو ذلك، والعامل الأوّلىّ في ذلك أنّ الإنسان لا همّ له إلّا التحفّظ على حياته والوصول إلى مزاياها والتمتّع بالسعادة الّتى تستعقبها لو جرت على حقيقة مجراها.

فأىّ بغية من مبتغياته وجدها وسلّط عليها أخذ في التمتّع منها بما يناسبها من التمتّع كالأكل والشرب وغيرهما بما جهّز به من أدوات التمتّع، ودفع كلّ ما يمنعه من التمتّع لو عرض هناك مانع عأرض ورأى أنّه إنّما وفّق لذلك في ضوء ما اُوتيه من السلطة.

وقد اُوتى الإنسان سلعة الفكر وبذلك يدبّر أمر حياته ويصلح شأن معاشه فيعمل ليومه ويمهّد لغده، وأعماله الّتى هي تصرّفات منه في المادّة أو عائدة إلى ذلك في عين أنّها جميعاً متوقّفة على انبساط سلطته على الفعل وإحاطته بكلّ ما يتعلّق به عمله، مختلفة في أنّ بعضها يتمّ بالسلطة المقصورة على الفعل مقدار زمانه كمن صادف غذاء وهو جوعان فتناوله فأكله، فإنّه لا يتوقّف على سلطة أوسع من زمان العمل، ولا على تمهيد وتقدّمة.

وبعضها - وهو جلّ الأعمال الإنسانيّـة الاجتماعيّـة - يتوقّف على سلطة وسيعة تنبسط على العمل في وقته وعلى زمان قبله فقط أو على زمان قبله وبعده، لحاجته إلى مقدّمات يمهّدها له، وتدبير سابق يقدّمه لوجوده، فما كلّ عمل يعمله الإنسان بصدفة، بل جلّ الاُمور الحيويّـة من شأنها ان يتهيّـأ الإنسان له قبل أوانه.

ومن التهيّؤ له أن يتهيّـأ لجمع أسبابه ونظم الوسائل الّتى يتوسّل بها إليه وان يتهيّـأ لرفع موانعه الّتى من شأنها أن تزاحمه في وجوده وعند حصوله، فالإنسان لا يوفّق


لعمل ولا ينجح في مسعاه إلّا إذا كان في أمن من أن تفوته الأسباب أو تعارضه الموانع والمزاحمات.

والتنبّـه لهذه الحقيقة هو الّذى بعث الإنسان إلى أن يأخذ أمناً من رقبائه في الحياة: أن يعينوه فيما يحتاج من الاُمور إلى معين مشارك، أو أن لا يمانعوه من العمل فيما يتوقّف إلى ارتفاع الموانع وزوالها.

فالإنسان وهو يريد أن يتّخذ لباساً يلبسه من مادّة بسيطة كالقطن أو الصوف، والأمر متوقّف على أعمال كثيرة يعملها الغزّال والنسّاج والخيّاط ومن يصنع لهم أدوات الغزل والنسج والخياطة، لا يتمّ له ما يريده من اتّخاذ اللّباس ولا ينجح سعيه إلّا إذا كان في أمن من ناحية هؤلاء الرقباء: أن يعملوا على ما يريده ولا يخلّوه وحده فيخيب سعيه ويخسر في عمله.

وكذا الإنسان القاطن في أرض أو الساكن في دار لا يتمّ له سكناه إلّا مع الأمن من ممانعة الناس ومزاحمتهم له في سكناه والتصرّف فيه بما يصلح به لذلك.

وهذا هو الّذى هدى الإنسان إلى اعتبار العقد وإبرام العهد، فهو يأخذ ما يريده من العمل ويربطه بما يعينه عليه من عمل غيره ويعقدهما: يمثّل به عقد الحبال الّذى يفيد اتّصال بعض أجزائها ببعض وعدم تخلّف بعضها عن بعض، ومثله العهد الّذى يعهده إليه غيره أن يساعده في ما يريده من الأمر أو أن لا يمانعه في ذلك.

وإلى ذلك يؤول أمر عامّة العقود لعقد النكاح وعقد البيع والشرى وعقد الإجارة، ويصدق عليها العهد بمعناها العامّ وهو أن يعطى الإنسان لغيره قولاً أو كتاباً أن يعينه على كذا أو أن لا يمنعه من كذا إلى أجل مضروب أولا إلي أجل.

والكلام في المقام في العهد الّذى لم يختصّ باسم خاصّ كعقد البيع والنكاح وغيرهما من عقود المعاملات فهى خارجة من غرضنا ولها في المجتمعات الإنسانيّـة أحكام خاصّـة وآثار وخواصّ مخصوصة بل الكلام في العهد بمعنى ما يعقده الإنسان لغيره من الإعانة أو عدم الممانعة في متفرّقات المقاصد الاجتماعيّـة، وما يجعله لذلك من الآثار كمن يعاهد غيره أن يعطيه كلّ سنة كذا مالاً ليستعين به على حوائجه، ويأخذ منه كذا مالاً


أو نفعاً، أو يعاهده أن لا يزاحمه في عمله أو لا يمانعه في مسيره إلى أجل كذا أو لا إلى أجل، وهو نوع إحكام وإبرام لا ينتقض إلّا بنقض أحد الطرفين أو بنقضهما معاً.

وربّما زيد على إحكام العهد بالحلف وهو أن يقيّد المعاهد ما يعطيه من العهد ويربطه بأمر عظيم شأنه يقدّسه ويحترمه كأنّه يجعل ما له من الحرمة والعزّة رهناً يرهن به عهده يمثّل به أنّه لو نقضه فقد أذهب حرمته يقول المعاهد: والله لا أخوننّك، ولعمري لاُساعدنّك، وأقسم لأنصرنّك، يمثّل به أنّه لو أخلف وعده ونقض عهده فقد أبطل حرمة ربّه، أو حرمة عمره أو حرمة قسمه فلا مروّة له.

وربّما اُبرم العهد والميثاق بالبيعة والصفقة: يضع المعاهد يده في يد معاهده يمثّل به أنّه اُعطاه يده الّتى بها يفعل ما يفعل فلا يفعل ما يكره معاهده لأنّ يده قبضة يده.

٢ - العهود والمواثيق كما تمسّها حياة الإنسان الّذى هو فرد المجتمع كذلك تمسّها حياة المجتمع فليس المجتمع إلّا المجتمع من أفراد الإنسان، حياته مجموع حياة أجزائه، وأعماله الحيويّـة مجموع أعمال أجزائه وله من الخير والشرّ والنفع والضرّ والصحّة والسقم والنشوء والرشد والاستقامة والانحراف والسعادة والشقاوة والبقاء والزوال مجموع ما لأجزائه من ذلك.

فالمجتمع إنسان كبير له من مقاصد الحياة ما للإنسان الصغير، ونسبة المجتمع إلى المجتمع تقرب من نسبة الإنسان الفرد إلى الإنسان الفرد فهو يحتاج في ركوب مقاصده وإتيان أعماله من الأمن والسلامة إلى مثل ما يحتاج إليه الإنسان الفرد بل الحاجة فيه أشدّ وأقوى لأنّ العمل يعظم بعظمة فاعله وعظمة غرضه، والمجتمع في حاجة إلى الأمن والسلام من قبل أجزائه لئلّا يتلاشى ويتفرّق، وإلى الأمن والسلام من قبل رقبائه من سائر المجتمعات.

وعلى هذا جرى ديدن المجتمعات الإنسانيّـة على ما بأيدينا من تاريخ الاُمم والأقوام الماضية، وما نسمعه أو نشاهده من الملل الحاضرة فلم يزل ولا يزال المجتمع من المجتمعات الإنسانيّـة في حاجة قائمة إلى أن يعاهد غيره في بعض شؤون حياته السياسيّـة والاقتصاديّـة


أو الثقافيّـة أو غيرها، فلا يصفو الجوّ للإقدام على شئ من مقاصد الحياة أو التقدّم في شئ من مآربها إلّا بالاعتضاد بالأعضاد والأمن من معأرضة الموانع.

٣ - الإسلام بما أنّه متعرّض لأمر المجتمع كالفرد، ويهتمّ بإصلاح حياة الناس العامّة كاهتمامة بإصلاح حياة الفرد الخاصّـة قنّن فيه كلّيات ما يرجع إلى شؤون الحياة الاجتماعيّـة كالجهاد والدفاع ومقاتلة أهل البغى والنكث والصلح والسلم والعهود والمواثيق وغير ذلك.

والعهد الّذى نتكلّم فيه قد اعتبره اعتباراً تامّاً وأحكمه إحكاماً يعدّ نقضه من طرف أهله من أكبر الإثم إلّا أن ينقضه المعاهد الآخر فيقابل بالمثل فإنّ الله سبحانه أمر بالوفاء بالعهود، والعقود وذمّ نقض العهود والمواثيق ذمّاً بالغاً في آيات كثيرة جدّاً قال تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا أوفوا بالعقود ) المائدة: ١، وقال:( والّذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه - إلى أن قال -اُولئك لهم اللّعنة ولهم سوء الدار ) الرعد: ٢٥، وقال:( وأوفوا بالعهد إنّ العهد كان مسؤولاً ) أسرى: ٣٤ إلى غير ذلك.

ولم يبح نقض العهود والمواثيق إلّا فيما يبيحه حقّ العدل وهو أن ينقضه المعاهد المقابل نقضاً بالبغى والعتوّ أو لا يؤمن نقضه لسقوطه عن درجة الاعتبار، وهذا ممّا لا اعتراض فيه لمعترض ولا لوم للائم، قال تعالى:( وإمّا تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين ) الأنفال: ٥٨ فأجاز نقض العهد عند خوف الخيانة ولم يرض بالنقض من غير إخبارهم به واغتيالهم وهم غافلون دون أن قال:( فانبذ إليهم على سواء ) فأوجب أن يخبروهم بالنقض المتقابل احترازاً من رذيلة الخيانة.

وقال:( براءة من الله ورسوله إلى الّذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ) براءة: ٢ فلم يرض بالبراءة دون أن وسّع عليهم أربعة أشهر حتّى يكونوا على مهل من التفكّر في أمرهم والتروّى في شأنهم فيروا رأيهم على حرّيّة من الفكر فإن شاؤا آمنوا ونجوا وإن لم يشاؤا قتلوا وفنوا، وقد كان من حسن أثر هذا التأجيل أن آمنوا فلم يفنوا.

وقد تمّم سبحانه هذه الفائدة أحسن إتمام بقوله بعد إعلام البراءة:( وإن أحد من


المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه ذلك بأنّهم قوم لا يعلمون ) ، التوبة: ٦.

وقال مستثنياً الموفين بعهدهم من المشركين:( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلّا الّذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إنّ الله يحبّ المتّقين، كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلّا ولا ذمّة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون ) التوبة: ٨ وقد علّل الاستقامة لمن استقام بأنّه من التقوى - ذاك التقوى الّذى لا دعوة في الدين إلّا إليه - وأنّ الله يحبّ المتّقين، وهذا تعليل حىّ إلى يوم القيامة.

وقال تعالى:( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) البقرة: ١٩٤ وقال:( ولا يجرمنّكم شنآن قوم أن صدّوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) المائدة: ٢.

وأمّا النقض الابتدائيّ من غير نقض من العدوّ المعاهد فلا مجوّز له في هذا الدين الحنيف أصلاً، وقد تقدّم قوله تعالى:( فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ) الآية وقال:( ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين ) البقرة: ١٩٠.

وعلى ذلك جرى عمل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيّـام حياته فقد عاهد بنى قينقاع وبنى قريظة وغيرهم من اليهود ولم ينقض إلّا بعد ما نقضوا، وعاهد قريشاً في الحديبيّـة ولم ينقض حتّى نقضوا بإظهار بنى بكر على خزاعة وقد كانت خزاعة في عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبنو بكر في عهد قريش.

وأمّا النقض من غير نقض فلا مبيح له في الإسلام وإن كان الوفاء ممّا يفوّت على المسلمين بعض منافعهم، ويجلب إليهم بعض الضرر وهم على قدرة من حفظ منافعهم بالبأس والقوّة أو أمكنهم الاعتذار ببعض ما تصوّر لهم الحجّة ظاهراً وتصرّف عنهم اللّوم والعذل فإنّ مدار الأمر على الحقّ، والحقّ لا يستعقب شرّاً لا ضرّاً إلّا على من انحرف عنه وآوى إلى غيره.

٤ - المجتمعات الإنسانيّـة سيّما الراقية المتمدّنة منها غير المجتمع الدينىّ لا هدف


لاجتماعهم ولا غرض لسننهم الجارية إلّا التمتّع من مزايا الحياة المادّيّة ما قدروا عليه فلا موجب لهم للتحفّظ على شئ أزيد ممّا بأيديهم من القوانين العمليّـة الناظمة لشتات مقاصدهم الحيويّـة.

ومن الضرورىّ أنّ الظرف الّذى هذا شأنه لا قيمة فيها للمعنويّـات إلّا بمقدار ما يوافق المقاصد الحيويّـة المادّيّة فالفضائل والرذائل المعنويّـة كالصدق والفتوّة والمروّة ونشر الرحمة والرأفة والإحسان وأمثال ذلك لا اعتبار لها إلّا بمقدار ما درّت بها منافع المجتمع، ولم يتضرّروا بها لو لم تعتبر، وأمّا فيما ينافى منافع القوم فلا موجب للعمل بها بل الموجب لخلافها.

ولذلك ترى المؤتمرات الرسميّـة وأولياء الاُمور في المجتمعات لا يرون لأنفسهم وظيفة إلّا التحفّظ على منافع المجتمع الحيويّـة، وما يعقد فيها من العهود والمواثيق إنّما يعقد على حسب مصلحة الوقت، ويوزن بزنة ما عليه الدولة المعاهدة من القوّة والعدّة، وما عليه المعاهد المقابل من القوّة والعدّة في نفسه وبما يضاف إليه من سائر المقتضيات المنضمّة إليه المعينة له.

فما كان التوازن على حالة التعادل كان العهد على حاله، وإذا مالت كفّة الميزان للدولة المعاهدة على خصمه أبطلت اعتبار العهد بأعذار مصطنعة واتّهامات مفتعلة للتوسّل إلى نقضه، وإنّما يراد بتقديم الأعذار أن يتحفّظ على ظاهر القوانين العالميّـة الّتى لا عقبى لنقضها والتخلّف عنها إلّا ما يهدّد حياة المجتمع أو بعض منافع حياتهم، ولو لا ذلك لم يكن ما يمنع النقض ولو من غير عذر إذا اقتضته منافع المجتمع القوىّ الحيويّـة.

وأمّا الكذب أو الخيانة أو التعدّي لما يتّخذه الغير منافع لنفسه فليس ممّا يمنع مجتمعاً من المجتمعات من حيازة ما يراه نافعاً لشأنه إذ الأخلاق والمعنويّـات لا أصالة لها عندهم وإنّما تعتبر على حسب ما تقدّره غاية المجتمع وغرضه الحيوىّ وهو التمتّع من الحياة.

وأنت إذا تتبّعت الحوادث العامّة بين المجتمعات سابقها ولاحقها وخاصّـة الحوادث


العالميّـة الجارية في هذا العصر الأخير عثرت على شئ كثير من العهود الموثّقة ونقوضها على ما وصفناه.

وأمّا الإسلام فلم يعدّ حياة الإنسإن المادّيّة حياة له حقيقيّـة، ولا التمتّع من مزاياها سعادة له واقعيّـة، وإنّما يرى حياته الحقيقيّـة حياته الجامعة بين المادّة والمعنى، وسعادته الحقيقيّـة اللّازم إحرازها ما يسعده في دنياه واُخراه.

ويستوجب ذلك أن يبنى قوانين الحياة على الفطرة والخلقة دون ما يعدّه الإنسان صالحاً لحال نفسه، ويؤسّس دعوته الحقّة على اتّباع الحقّ والاهتداء به دون اتّباع الهوى والاقتداء بما يميل إليه الأكثريّة بعواطفهم وإحساساتهم الباطنة قال تعالى:( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله الّتى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّـم ) الروم: ٣٠ وقال:( هو الّذى أرسل رسوله بالهدى ودين (١) الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ) التوبه: ٣٣، وقال:( بل أتيناهم بالحقّ ) المؤمنون: ٩٠، وقال:( ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهنّ ) المؤمنون: ٧١.

ومن لوازم ذلك أن يراعى حقّ الاعتقاد وفضيلة الخلق وصالح العمل جميعاً فلا غنى للمادّة عن المعنى ولا غنى للمعنى عن المادّة فمن الواجب رعاية جانب الفضائل الإنسانيّـة نفعت أو ضرّت والتجنّب عن الرذائل نفعت أو ضرّت لأنّ ذلك من اتّباع الحقّ، وحاشا أن يضرّ إلّا من انحرف عن ميزانه وتخطّى ما يخطّ له الحقّ.

ومن هنا ما نرى أنّ الله سبحانه ينقض عهد المشركين لنقضهم عهده ويستعمل الرحمة بإمهالهم أربعة أشهر، ويأمر بالاستقامة لمن استقام في عهده من المشركين وقد استذلّهم الحوادث يومئذ وضعفوا دون شوكة الإسلام وكذا يأمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إن خاف من قوم خيانة أن ينقض عهدهم لكن يأمره بإعلامهم ذلك ويعلّله بأنّه لا يحبّ الخيانة.

____________________

(١) ظاهر الآية كون الاضافة حقيقة لا من اضافة الموصوف الي صفته.


( كلام في نسبة الأعمال إلى الأسباب طولا)

تقدّم في مواضع من هذا الكتاب أنّ الّذى تنتجه الأبحاث العقليّة أنّ الحوادث كما أنّ لها نسبة إلى أسبابها القريبة المتّصلة بها كذلك لها نسبة إلى أسبابها القصوى الّتى هي أسباب لهذه الأسباب فالحوادث أفعال لها في عين أنّها من أفعال أسبابها القريبة المباشرة للعمل فإنّ الفعل كالحركة مثلاً يتوقّف على فاعله المحرّك ويتوقّف على محرّك محرّكه بعين ما يتوقّف على محرّكه، نظير العجلة المحرّكة للاُخرى المحرّكة لثالثة وليست من الحركة بالعرض.

فللفعل نسبة إلى فاعله، وله انتساب إلى فاعل فاعله بعين هذه النسبة الّتى إلى فاعله لا بنسبة اُخرى منفصلة عنها مستقلّة بنفسها غير أنّه إذا انتسب إلى فاعل الفاعل عاد الفاعل القريب بمنزلة الآلة بالنسبة إلى فاعل الفاعل أي واسطة محضة لا استقلال لها في العمل بمعنى أنّه لا يستغنى في تأثيره عن فاعل الفاعل إذ فرض عدمه يساوق انعدام الفاعل وانعدام أثره.

وليس من شرط الواسطة أن تكون غير ذات شعور بفعلها أو غير مختارة فإنّ الشعور الّذى يؤثّر به الفاعل الشاعر في فعله لم يوجده هو لنفسه وإنّما أوجده فيه فاعله الّذى أوجد الفاعل وشعوره، وكذلك الاختيار لم يوجده الفاعل المختار لنفسه وإنّما أوجده الفاعل الّذى أوجد الفاعل المختار، وكما يتوقّف الفعل في غير موارد الشعور والاختيار إلى فاعله، ويتوقّف بعين هذا التوقّف إلى فاعل فاعله، كذلك يتوقّف الفعل الشعورىّ والفعل الاختياريّ إلى فاعله ويتوقّف بعين هذا التوقّف إلى فاعل فاعله الّذى اوجد لفاعله الشعور والاختيار.

ففاعل الفاعل الشاعر أو المختار أراد من الفاعل الشاعر أو المختار أن يفعل من طريق شعوره فعلاً كذا أو يفعل باختياره فعلاً اختياريّـاً كذا فقد اُريد الفعل من طريق الاختيار لأنّه اُريد الفعل واُهمل الاختيار الّذى ظهر به فاعله فافهم ذلك فلا تزلّ قدم بعد ثبوتها.


وعلى هذه الحقيقة يجرى الناس بحسب فهمهم الغريزىّ فينسبون الفعل إلى السبب البعيد كما ينسبونه إلى السبب القريب المباشر بما أنّه أثر مترشّح منه يقال: بنى فلان داراً، وحفر بئراً وإنّما باشر ذلك البنّاء والحفّار، ويقال: جلد الأمير فلاناً، وقتل فلاناً، وأسر فلاناً، وحارب قوماً كذا، وإنّما باشر الجلد جلّاده، والقتل سيّافه، والأسر جلاوزته، والمحاربة جنده، ويقال، أحرق فلان ثوب فلان، وإنّما أحرقه النار، وشفى فلان مريضاً كذا وإنّما شفاه الدواء الّذى ناوله وأمره بشربه واستعماله.

ففى جميع ذلك يعتبر أمر الأمر أو توسّل المتوسّل تأثيراً منه في الفاعل القريب ثمّ ينسب الفعل المنسوب إلى الفاعل القريب إلى الفاعل البعيد، وليس أصل النسبة إلّا نسبة حقيقة من غير مجاز قطعاً.

ومن قال من علماء الأدب وغيرهم أنّ ذلك كلّه من المجاز في الكلمة لصحّة سلب الفعل عن الفاعل البعيد فإنّ مالك البناء لم يضع لبنة على لبنة وإنّما هو شأن البنّاء الّذى باشر العمل ! إنّما أراد الفعل بخصوصيّـة صدوره عن الفعل المباشر ومن المسلّم أنّ المباشرة إنّما هو شأن الفاعل القريب، ولا كلام لنا فيه، وإنّما الكلام فيما يتصوّر له من الوجود المتوقّف إلى فاعل موجد، وهذا المعنى كما يقوم بالفاعل المباشر كذلك يقوم بعين هذا القيام بفاعل الفاعل.

واعتبار هذه النكتة هو الّذى أوجب لهم أن يميّزوا بين الأعمال وينسبوا بعضها إلى الفاعل القريب والبعيد معاً، ولا ينسبوا بعضها إلّا إلى الفاعل القريب المباشر للعمل فما كان منها يكشف بمفهومه عن خصوصيّـات المباشرة والاتّصال بالعمل كالأكل بمعنى الالتقام والبلع والشرب بمعنى المصّ والتجرّع والقعود بمعنى الجلوس ونحو ذلك لم ينسب إلّا إلى الفاعل المباشر فإذا أمر السيّد خادمه أن يأكل غذاء كذا ويشرب شراباً كذا ويقعد على كرسىّ كذا، قيل: أكل الخادم وشرب وقعد ولا يقال: أكله سيّده وشربه وقعد عليه، وإنّما يقال: تصرّف في كذا إذا استعمل كذا أو أنفق كذا ونحو ذلك لما ذكرناه.

وأمّا الأعمال الّتى لا تعتبر فيها خصوصيّـات المباشرة والحركات المادّيّة الّتى


تقوم بالفاعل المباشر للحركة كالقتل والأسر والإحياء والإماتة والإعطاء والإحسان والإكرام ونظائر ذلك فإنّها تنسب إلى الفاعل القريب والبعيد على السويّـة بل ربّما كانت نسبتها إلى الفاعل البعيد أقوى منها إلى الفاعل القريب كما إذا كان الفاعل البعيد أقوى وجوداً وأشدّ سلطة وإحاطة.

فهذا ما ينتجه البحث العقليّ ويجرى عليه الإنسان بفهمه الغريزىّ، والقرآن الكريم يصدّق ذلك أوضح تصديق كقوله تعالى في الآيات السابقة:( قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ) الآيتان. حيث نسب التعذيب الّذى تباشره أيدى المؤمنين إلى نفسه بجعل أيديهم بمنزلة الآلة.

ونظيره قوله تعالى:( والله خلقكم وما تعملون ) الصافّات: ٩٦ فإنّ المراد بما تعملون إمّا الأصنام الّتى كانوا يعملونها من الحجارة أو الأخشاب أو الفلزّات فإنّما اُريد به المادّة بما عليها من عمل الإنسان ففيه نسبة الخلق إلى الأعمال كنسبته إلى فواعلها، وأمّا نفس الأعمال فالأمرأوضح.

ويقرب من ذلك قوله تعالى:( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ) الزخرف ١٢، ففيه نسبة الخلق إلى الفلك والفلك بما هي من عمل الإنسان.

هذا فيما نسب فيه الخلق إلى الأعمال الصادرة عن الشعور والإرادة، وأمّا الأفعال الّتى لا تتوقّف في صدورها على شعور وإرادة كالأفعال الطبيعيّـة فقد ورد نسبتها إلى الله سبحانه في آيات كثيرة جدّاً لا حاجة إلى إحصائها كإحياء الأرض وإنبات النبات وإخراج الحبّ وإمطار السماء وإجراء الأنهار وتسيير الفلك الّتى تجرى في البحر بأمره إلى غير ذلك.

ولا منافاة في جميع هذه الموارد بين انتساب الأمر إليه تعالى وانتسابه إلى غيره من الأسباب والعلل الطبيعيّـة وغيرها إذ ليست النسبة عرضيّة تزاحم إحدى النسبتين الاُخرى بل هي طوليّـة لا محذور في تعلّقها بأزيد من طرف واحد.

وقد تقدّم في مطاوى أبحاثنا السابقة دفع ما اشتبه على المادّيّـين من إسناد الحوادث العامّة كالسيول والزلازل والجدب والوباء والطاعون إلى الله سبحانه مع الحصول على


أسبابها الطبيعيّـة اليوم حيث خلطوا بين العلل والأسباب العرضيّـة والطوليّـة، وحسبوا أنّ استنادها إلى عللها الطبيعيّـة يبطل ما أثبته الكتاب العزيز وأذعن به الإلهيّـون من استنادها إلى مسبّب الأسباب الّذى إليه يرجع الأمر كلّه.

وللأشاعرة والمعتزلة بحث غريب في الآية السابقة:( قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ) وما يناظرها من الآيات، أورده الرازيّ في تفسيره نورده ملخّصاً.

قال: استدلّت الأشاعرة بقوله تعالى:( قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ) الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله، وأنّ الناس مجبرون في أفعالهم غير مختارين فإنّ الله سبحانه يخبر فيها أنّه هو الّذى يعذّب المشركين بقتل بعضهم وجرح آخرين بأيدى المؤمنين ويدلّ ذلك على أنّ أيدى المؤمنين كسيوفهم ورماحهم آلات محضة لا تأثير لها أصلاً وإنّما الفعل لله سبحانه، وأنّ الكسب الّذى يعدّ مناطاً للتكليف اسم لا مسمّى له.

وهذه الآية أقوى دلالة على المطلوب من دلالة مثل قوله تعالى:( وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ) إذ فيه إثبات الرمى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - وإن كان مع ذلك نفى عنه - وإثبات لإسناده إلى الله سبحانه لكنّ الآية أعنى قوله:( قاتلوهم يعذّبهم الله بأيديكم ) إثبات للتعذيب على الله سبحانه وجعل أيدى المؤمنين الّتى لهم آلات في الفعل لا تأثير لها وفيها أصلاً.

وأجاب عنه الجبّائىّ من المعتزلة: بأنّه لو جاز أن يقال: إنّ الله يعذّب الكافرين بأيدى المؤمنين بحقيقة ما ادّعى له من المعنى لجاز أن يقال: إنّه يعذّب المؤمنين بأيدى الكافرين، وإنّه تعالى يكذّب أنبياءه بألسنتهم، ويلعن المؤمنين ويسبّهم بأفواههم لأنّه تعالى خالق لذلك كلّه، وإذ لم يجز ذلك علمنا أنّه تعالى لم يخلق أعمال العباد، وإنّما أعمالهم خلق أنفسهم.

وبذلك يعلم أنّ إسناد التعذيب في الآية إليه تعالى بنوع من التوسّع لأنّه إنّما تحقّق عن أمره ولطفه كما أنّه تعالى ينسب جميع الطاعات والحسنات إلى نفسه لتحقّقها عن أمره وتوفيقه.

وأجاب عنه الرازيّ بأنّ أصحابنا يلتزمون جميع ما ألزم به الجبّائىّ وأصحابه


من لزوم إسناد القبائح إليه تعالى ويعتقدون به لبّاً وإن كانوا لا ينطقون به لساناً أدباً مع الله سبحانه، انتهى ملخّصاً.

والأبحاث الّتى قدّمناها في هذا الكتاب حول هذه المعاني تكفى لإيضاح الحقّ وإنارته في هذا المقام، والكشف عمّا وقع فيه الفريقان جميعاً.

أمّا ما ذكرته الأشاعرة والتزموا به فإنّما أوقعهم في ذلك ما ذهبوا إليه من نفى رابطة العلّيّة والمعلوليّة من بين الأشياء وقصرها فيما بينه تعالى وبين خلقه عامة فلا سبب في الوجود لا استقلالاً ولا بالوساطة غيره تعالى، وأمّا رابطة السببيّـة الّتى بين الأشياء أنفسها فإنّما هي سببيّـة بالاسم فقط لا بالحقيقة، وإنّما هي العادة الإلهيّـة جرت بإيجاد ما نسمّيها مسبّبات عقيب ما نسمّيها أسباباً فما بينها وبينه تعالى سببيّـة حقيقيّـة، وما بينها أنفسها يعود إلى الاتّفاق الدائم أو الأكثرىّ.

ولازم ذلك إبطال العلّيّة والسببيّـة من أصلها، و ببطلانها يبطل ما أثبتوه من انحصار السببيّـة فيه تعالى إذ لو جاز أن يكون نسبة كلّ شئ إلى كلّ شئ نسبة واحدة من غير اختلاف بالتأثير والتأثّر لم يبق للإنسان ما يتنبّه به لأصل معنى السببيّـة فلا سبيل له إلى إثبات سببيّـته تعالى لكلّ شئ.

على أن الإنسان يترقّب حوادث من حوادث اُخرى، ويقطع بالنتائج عن مقدّماتها ويبنى حياته على التعليم والتربية، وعلى تقديم الأسباب طمعاً في مسبّـباتها سواء اعترف بالصانع أو لم يعترف، ولا يتمّ له شئ من ذلك إلّا عن إذعان فطريّ بأصل العلّيّة والمعلوليّة، ولو أجازت الفطرة الإنسانيّـة بطلان ذلك وجريان الحوادث على مجرّد الاتّفاق اختلّ نظام حياته ببطلان سعيه الفكريّ والعمليّ، وانسدّ طريق إثبات سببٍ ما فوق طبيعة الحوادث.

على أنّ الكتاب العزيز يجري في بياناته على تصديق أصل العلّيّة والمعلوليّة، وينسب كلّ حسنة إليه تعالى وينفي استناد السيّـآت والمعاصي إليه ويسمّيه بكلّ اسم أحسن ويصفه بكلّ وصف جميل، وينفي عنه كلّ هزل وعبث ولغو ولهو وجزاف، ولا يتمّ


شئ من ذلك إلّا على أصل العلّيّة والمعلوليّة، وقد تقدّم في الأبحاث السابقة ما يتبيّن به ذلك كلّه.

وقد ذهب طائفة من المادّيّين وخاصّـة أصحاب المادّيّة المتحوّلة إلى عين ما ذهب إليه الأشاعرة من ثبوت الجبر ونفي الاختيار عن الأفعال الإنسانيّـة، وإنّما الفارق بين قولى الطائفتين هو أنّ الأشاعرة بنوا ذلك على سببيّـة الواجب تعالى المنحصرة واستنتجوا من ذلك بطلان السببيّـة الاختياريّة وانتفاءها عن الإنسان، والمادّيّون بنوه على معلوليّة الأفعال الإنسانيّـة لمجموع الحوادث الحتفّة بالفعل الّتى هي علّة حدوثه، ولا معنى للعلّيّة إلّا بالإيجاب، فالإنسان موجب في فعله مجبر عليه.

وقد فات منهم أنّ الّذي نسبة المعلول إليه بالإيجاب إنّما هو العلّة التامّة، وهى مجموع الحوادث المتقدّمة على المعلول الّتى لا يتوقّف هو في وجوده على شئ وراءها، وبوجودها جميعاً لا يبقى له إلّا أن يوجد، وأمّا بعض أجزاء العلّة التامّة فإنّما نسبة المعلول إليه بالإمكان لا بالوجوب لتوقّف وجوده على أشياء اُخر وراءه فلا يتحقّق بوجود الجزء المفروض جميع ما يتوقّف عليه وجوده حتّى يعود واجباً وجوده.

والأفعال الإنسانيّـة يتوقّف في وجودها على الإنسان وإرادته وعلى اُمور غير محصورة اُخرى من المادّة والشرائط الزمانيّة والمكانيّة فهى إذا نسبت إليها جميعاً كانت النسبة الحأصلة نسبة الوجوب والضرورة، وأمّا إذا نسبت إلى الإنسان وحده أو إلى الإنسإن المريد فقد نسبت إلى جزء العلّة التامّة وعادت النسبة إلى الإمكان دون الوجوب، فالأفعال الإرادية الإنسانيّـة اختياريّة أي إنّه يمكنه أن يفعل وأن لا يفعل فإن فعل فبمشيّـته وإرادته، وإن لم يفعل فلم يختره ولم يرده وإنّما اختار وأراد شيئاً آخر، لكنّها لا تقع في الخارج إلّا واجبة لاستنادها حينئذ إلى جميع أجزاء عللها.

فهؤلاء خلطوا في كلامهم بين النسبتين فوضعوا النسبة الوجوبيّـة الّتى للفعل إلى مجموع أجزاء علّتها التامّه موضع النسبة الإمكانيّة الّتى للفعل إلى بعض أجزاء علّته التامّة وهى الّتى تسمّى في الإنسان بالاختيار على نحو من العناية.

وأمّا ما ذكره المعتزلة أنّه لو جاز كونه تعالى هو الفاعل للفعل الّذى أتى به المؤمنون


وهو التعذيب، وليس لهم إلّا مقام الآليّة المحضة من غير تأثير لجاز إسناد تعذيب الكفّـار للمؤمنين وتكذيبهم للأنبياء ولعنهم المؤمنين أيضاً إليه، وهو باطل قطعاً فأفعال العباد مخلوقة لهم لا صنع لله تعالى فيها.

ففيه أنّ لملازمة حقّة لكن بطلان التالى لا يستلزم كون الأفعال مخلوقة لهم لا نسبة لها إلى الله سبحانه أصلاً لجواز كونها منسوبة إليه تعالى بعين ما ينتسب به إليهم فإنّهم فاعلون لها وهو فاعل الفاعلين فينتسب إليهم بالصدور عن الفاعل المباشر، و ينتسب إليه بالصدور عن الفاعل الّذى هو فاعله والنسبتان في الحقيقة نسبة واحدة مختلفة بالقرب والبعد وانتفاء الواسطة وثبوتها، ولا يستلزم ذلك اجتماع فاعلين مستقلّين على فعل واحد لكونهما طوليّـين لا عرضيّـين.

فان قلت: فيبقى محذور استناد الحسنات والسيّآت والإيمان والكفر إليه تعالى في محلّه.

قلت: كلّا وإنّما ينتسب إليه أصل وجودها، وأمّا عنوان الفعل الّذى يشير إلى جهة قيام الحركة والسكون بالموضوع المتحرّك كالنكاح والزنا والأكل المحرّم والمحلّل فإنّما ينسب إلى الإنسان لكونه هو الموضوع المادّىّ الّذى يتحرّك بهذه الحركات: وأمّا الّذى يوجد هذا المتحرّك الّذى من جملة آثاره حركته وليس بنفسه متحرّكاً بها وإنّما يوجدها إيجاداً إذا تمّت شرائطها وأسبابها فلا يتّصف بأنواع هذه الحركات حتّى يتّصف بفعل النكاح أو الزنا أو أيّ فعل قائم بالإنسان.

نعم هناك عناوين عامّة لا تستتبع معنى الحركة والمادّة، لا مانع من إسنادها إلى الإنسان وإليه سبحانه إذا لم يستلزم محذوراً كالهداية والإضلال إذا لم يكن إضلالاً ابتدائيّـاً، وكالتعذيب والابتلاء، فقتل المؤمن للكافر تعذيب إلهىّ للكافر، وقتل الكافر للمؤمن بلاء حسن للمؤمن يستوجب به أجراً حسناً عند الله، وعلى هذا القياس.

على أنّ الّذى ذهب إليه المعتزلة يوقعهم فيما وقعت فيه الأشاعرة وهو انسداد طريق إثبات الصانع عليهم فإنّه لو جاز أن يوجد في العالم حادث من الحوادث عن سبب له وينقطع عمّا وراء سببه ذلك انقطاعاً تامّاً لا تأثير له فيه جاز في كلّ ما فرض من الحوادث


أن يستند إلى ما يليه من غير أن يرتبط بشئ آخر وراءه، ومن الجائز أن يفنى الفاعل ويبقى أثره فمن الجائز أن يستند كلّ ما فرض معلولاً إلى فاعل له غير واجب الوجود ومن الجائز أن يستند كلّ عالم مفروض إلى عالم قبله هو فاعله وقد فنى قبله على ما هو المشهود من حوادث هذا العالم المولّد بعضها بعضاً: والمتولّد بعضها من بعض، ولا يلزم محذور التسلسل لعدم تحقّق سلسلة ذات أجزاء في وقت من الأوقات إلّا في الذهن.

وفي كلامهم مفاسد كثيرة اُخرى مبيّـنة في المحل المربوط به، وقد تقدّم في الكلام على نسبة الخلق إليه تعالى في الجزء السابع من الكتاب ما ينفع في هذا المقام.

وكيف يسع لمسلم موحّد أن يثبت مع الله سبحانه خالقاً آخر بحقيقة معنى الخلق والإيجاد وقد قال الله سبحانه:( ذلكم الله ربّكم خالق كلّ شئ لا إله إلّا هو ) المؤمن: ٦٢ وقد كرّر ذلك في كلامه، وليس في تجاهة إلّا نسبة أفعال الإنسان إليه من غير قطع رابطتها إليه تعالى بل مع إثبات النسبة بدليل آيات القدر ودلالة العقل على أنّ لفعل الفاعل نسبة إلى فاعل فاعله بحسب ما يليق بساحته.

فالحقّ أنّ للأفعال الإنسانيّـة نسبة إلى فواعلها بالمباشرة، ونسبة إليه تعالى بما يليق بساحة قدسه، قال تعالى:( كلّاً نمدّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربّك وما كان عطاء ربّك محظوراً ) أسرى: ٢٠.


( سورة التوبة آيه ١٧ - ٢٤)

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللّهِ شَاهِدِينَ عَلَى‏ أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خَالِدُونَ ( ١٧ ) إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلّا اللّهَ فَعَسَى‏ أُولئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( ١٨ ) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَيَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ( ١٩ ) الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( ٢٠ ) يُبَشّرُهُمْ رَبّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ( ٢١ ) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( ٢٢ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَتَتّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلّهُم مِنكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ ( ٢٣ ) قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( ٢٤ )

( بيان)

آيات تبيّن أنّ الأعمال إنّما تكون حيّة مرضيّة إذا صدرت عن حقيقة الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وإلّا فإنّما هي حبط لا تهدى صاحبها إلى سعادة، وأنّ من لوازم


الإيمان بحقيقته قصر الولاية والحبّ والوداد في الله ورسوله.

وهى ظاهرة الاتّصال والارتباط فيما بينها أنفسها، وأمّا اتّصالها بما تقدّمها من الآيات فليس بذاك الوضوح، وما ذكره بعض المفسّرين في وجه اتّصالها بما قبلها لا يخلو من تكلّف.

قوله تعالى: ( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) العمارة ضدّ الخراب يقال: عمر الأرض إذا بنى بها بناء، وعمر البيت إذا أصلح ما أشرف منها على الفساد، والتعمير بمعناه ومنه العمر لأنّه عمارة البدن بالروح، والعمرة بمعنى زيارة البيت الحرام لأنّ فيها تعميره.

والمسجد اسم مكان بمعنى المحل الّذى يتعلّق به السجدة كالبيت الّذى يبنى ليسجد فيه الله تعالى، وأعضاء السجدة الّتى تتعلّق بها السجدة نوع تعلّق وهى الجبهة والكفّان والركبتان و رؤوس إبهامى القدمين.

وقوله:( ما كان للمشركين ) الآية لنفى الحقّ والملك فإنّ اللام للملك والحقّ، والنفى الحالىّ للكون السابق يفيد أنّه لم يتحقّق منهم سبب سابق يوجب لهم أن يملكوا هذا الحقّ وهو حقّ أن يعمروا مساجد الله ويرمّوا ما استرمّ منها أو يزوروها كقوله تعالى:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى ) الأنفال: ٦٧ وقوله:( وما كان لنبىّ أن يغلّ ) آل عمران: ١٦١.

والمراد بالعمارة في قوله:( أن يعمروا ) إصلاح ما أشرف على الخراب من البناء ورم ما استرّم منه دون عمارة المسجد بالزيارة فإنّ المراد بمساجد الله هي المسجد الحرام وكلّ مسجد لله ولا عمرة في غير المسجد الحرام، والدخول في المساجد للعبادة فيها وإن أمكن أن يسمّى عمارة وزيارة لكنّ التعبير المعهود من القرآن فيه الدخول.

على أنّ في قوله في الآية الآتية:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام ) تأييداً مّا لكون المراد بالعمارة هو إصلاح البناء دون زيارة البيت الحرام.

والمراد بمساجد الله بيوت العبادة المبنيّـة لله لكنّ السياق يدلّ على أنّ المراد نفى جواز عمارتهم للمسجد الحرام، ويؤيّده قراءة من قرأ( أن يعمروا مسجد الله ) بالإفراد.


ولا ضير في التعبير بالجمع والمقصود الأصيل بيان حكم فرد خاصّ من أفراده لأنّ الملاك عامّ، والتعليل الوارد في الآية غير مقيّد بخصوص المسجد الحرام فالكلام في معنى: ما كان لهم أن يعمروا المسجد الحرام لأنّه مسجد و المساجد من شأنها ذلك.

وقوله:( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) المراد بالشهادة أداؤها وهو الاعتراف إمّا قولاً كمن يعترف بالكفر لفظاً، وإمّا فعلاً كمن يعبد الأصنام ويتظاهر بكفره فكلّ ذلك من الشهادة والملاك واحد.

فمعنى الآية: لا يحقّ ولا يجوز للمشركين أن يرموّا ما استرمّ من المسجد الحرام كسائر مساجد الله والحال أنّهم معترفون بالكفر بدلالة قولهم أو فعلهم.

قوله تعالى: ( اُولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون ) في مقام التعليل لما اُفيد من الحكم في قوله:( ما كان ) الخ ولذلك جئ به بالفصل دون الوصل.

والمراد بالجملة الاُولى بيان بطلان الأثر وارتفاعه عن أعمالهم، والعمل إنّما يؤتى به للتوسّل به إلى أثر مطلوب، وإذ كانت أعمالهم حابطة لا أثر لها لم يكن ما يجوّز لهم الإتيان بها، والأعمال العباديّـة كعمارة مساجد الله إنّما تقصد لما يطمع فيه و يرجى من أثرها وهو السعادة والجنّـة، والعمل الحابط لا يتعقّب سعادة ولا جنّـة البتّـة.

والمراد بالجملة الثانية بيان ظرفهم الّذى يستقرّون فيه لولا السعادة و الجنّـة وهو النار فكأنّه قيل: اُولئك لا يهديهم أعمالهم العباديّـة إلى الجنّـة بل هم في النار الخالدة، ولا تفيد لهم سعادة بل هم في الشقاوة المؤبّدة.

وفي الآية دلالة على أصلين لطيفين من اُصول التشريع:

أحدهما: أنّ تشريع الجواز بالمعنى الأعمّ الشامل للواجبات والمستحبّات والمباحات يتوقّف على أثر في الفعل ينتفع به فاعله فلا لغو مشروعاً في الدين، وهذا أصل يؤيّده العقل، وهو منطبق على الناموس الجارى في الكون: أن لا فعل إلّا لنفع عائد إلى فاعله.

و ثانيهما: أنّ الجواز في جميع موارده مسبوق بحقّ مجعول من الله لفاعله في أن يأتي بالفعل من غير مانع.


قوله تعالى: (إنّما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر) الآية السياق كاشف عن أنّ الحصر من قبيل قصر الإفراد كأنّ متوهّماً يتوهّم أنّ للمشركين والمؤمنين جميعاً أن يعمروا مساجد الله فاُفرد وقصر ذلك في المؤمنين، ولازم ذلك أن يكون المراد بقوله:( يعمر ) إنشاء الحقّ والجواز في صورة الإخبار دون الإخبار، وهو ظاهر.

وقد اشترط سبحانه في ثبوت حقّ العمارة وجوازها أن يتّصف العامر بالإيمان بالله واليوم الآخر قبال ما نفى عن المشركين أن يكون لهم ذلك ولم يقنع بالإيمان بالله وحده لأنّ لمشركين يذعنون به تعالى بل شفّع ذلك بالإيمان باليوم الآخر لأنّ لمشركين ما كانوا مؤمنين به، وبذلك يختصّ حقّ العمارة وجوازها بأهل الدين السماويّ من المؤمنين.

ولم يقنع بذلك أيضاً بل ألحقّ به قوله:( وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلّا الله ) لأنّ المقام مقام بيان من ينتفع بعمله فيحقّ له بذلك أن يقترفه، ومن كان تاركاً للفروع المشروعة في الدين وخاصّـة الركنين: الصلاة والزكاة فهو كافر بآيات الله لا ينفعه مجرّد الإيمان بالله واليوم الآخر وإن كان مسلماً، إذا لم ينكرها بلسانه، ولو أنكرها بلسانه أيضاً كان كافراً غير مسلم.

وقد خصّ من بينها الصلاة والزكاة بالذكر لكونهما الركنين الّذين لا غنى عنهما في حال من الأحوال.

وبما ذكرنا من اقتضاء المقام يظهر أنّ المراد بقوله:( ولم يخش إلّا الله ) الخشية الدينيّـة وهى العبادة دون الخشية الغريزيّـة الّتى لا يسلم منها إلّا المقربون من أولياء الله كالأنبياء قال تعال:( الّذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلّا الله ) الأحزاب: ٣٩.

والوجه في التكنية عن العبادة بالخشية أنّ الأعرف عند الإنسان من علل اتّخاذ الإله للعبادة الخوف من سخطه أو الرجاء لرحمته، ورجاء الرحمة أيضاً يعود بوجه إلى الخوف من انقطاعها وهو السخط فمن عبدالله سبحانه أو عبد شيئاً من الأصنام فقد دعاه إلى ذلك إمّا الخوف من شمول سخطه أو الخوف من انقطاع نعمته ورحمته فالعبادة ممثّله


للخوف والخشية مصداق لها لتمثيلها إيّـاها، وبينهما حالة الاستلزام، ولذلك كنّى بها عنها، فالمعنى - والله أعلم - ولم يعبد أحداً من دون الله من الآلهة.

وقوله:( فعسى اُولئك أن يكونوا من المهتدين ) أي اُولئك الّذين آمنوا بالله واليوم الآخر ولم يعبدوا أحداً غير الله سبحانه يرجى في حقّهم أن يكونوا من المهتدين، وهذا الرجاء قائم بأنفسهم أو بأنفس المخاطبين بالآية، وأمّا هو تعالى فمن المستحيل أن يقوم به الرجاء الّذى لا يتمّ إلّا مع الجهل بتحقّق الأمر المرجوّ الحصول.

وإنّما اُخذ الاهتداء مرجوّ الحصول لا محقّق الوقوع مع أنّ من آمن بالله واليوم الآخر حقيقةً وحقّقه أعماله العباديّـة فقد اهتدى حقيقةً لأنّ حصول الاهتداء مرّة أو مرّات لا يستوجب كون العامل من المهتدين، واستقرار صفة الاهتداء ولزومها له، فالتلبّس بالفعل الواقع مرّة أو مرّات غير التلبّس بالصفة اللازمة فاُولئك حصول الاهتداء لهم محقّق، وأمّا حصول صفة المهتدين فهو مرجوّ التحقّق لا محقّق.

وقد تحصّل من الآية أنّ عمارة المساجد لا تحقّ ولا تجوز لغير المسلم أمّا المشركون فلعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر، وأمّا أهل الكتاب فلأنّ القرآن لا يعدّ إيمانهم بالله إيماناً قال تعالى:( إنّ الّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً اُولئك هم الكافرون حقّاً ) النساء: ١٥١، وقال أيضاً في آية ٢٩ من السورة:( قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين اُوتوا الكتاب ) الآية.

قوله تعالى: ( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله ) الآية، السقاية كالحكاية والجناية والنكاية مصدر يقال: سقى يسقى سقاية.

والسقاية أيضاً الموضع الّذى يسقى فيه الماء، والإناء الّذى يسقى به قال تعالى:( جعل السقاية في رحل أخيه ) يوسف: ٧٠، وقد رووا في الآثار أنّ سقاية الحاجّ كانت إحدى الشؤونات الفاخرة والمآثر الّتى يباهى بها في الجاهليّـة، وأنّ السقاية كانت حياضاً من أدم على عهد قصّى بن كلاب أحد أجداد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم توضع بفناء الكعبة، ويستقى فيها


الماء العذب من الآبار على الإبل، ويسقى الحاجّ فجعل قصّى أمر السقاية عند وفاته لابنه عبد مناف ولم يزل في ولده حتّى ورثه العبّـاس بن عبدالمطّلب.

وسقاية العبّـاس هو الموضع الّذى كان يسقى فيه الماء في الجاهليّـة والإسلام وهو في جهة الجنوب من زمزم بينهما أربعون ذراعاً، وقد بنى عليه بناء هو المعروف اليوم بسقاية العبّـاس.

والمراد بالسقاية في الآية - على أيّ حال - معناها المصدرىّ وهو السقى، ويؤيّده مقابلتها في الآية عمارة المسجد الحرام والمراد بها المعنى المصدرىّ قطعاً بمعنى الشغل.

وقد قوبل في الآية سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام بمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله، ولا معنى لدعوى المساواة بين الإنسان وبين عمل من الأعمال كالسقاية والعمارة أو نفيها فالمعادلة والمساواة إمّا بين عمل وعمل أو بين إنسان ذى عمل وإنسان ذى عمل.

ولذلك اضطرّ المفسّرون إلى القول بأنّ تقدير الكلام: أجعلتم أهل سقاية الحاجّ وأهل عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر حتّى يستقيم السياق.

وأوجب منه النظر في قيود الكلام المأخوذة في الآية الكريمة فقد اُخذ في أحد الجانبين سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام وحدهما من غير أيّ قيد زائد، وفي الجانب الآخر الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله وإن شئت فقل: الجهاد في سبيل الله مع اعتبار الإيمان معه.

وهو يدلّ على أنّ المراد السقاية والعمارة خاليتين من الإيمان، ويؤيّده قوله تعالى في ذيل الآية:( والله لا يهدى القوم الظالمين ) على تقدير كونه تعريضاً لأهل السقاية والعمارة لا تعريضاً لمن يسوّى بينهما كما يتبادر من السياق.

وهذا يكشف أوّلاً عن أنّ هؤلاء الّذين كانوا يسوّون بين كذا وكذا وبين كذا إنّما كانوا يسوّون بين عمل جاهليّ خال عن الإيمان بالله واليوم الآخر كالسقاية والعمارة من غير أن يكون عن إيمان، وبين عمل دينىّ عن إيمان بالله واليوم الآخر كالجهاد في سبيل الله عن إيمان، أي كانوا يسوّون بين جسد عمل لا حياة فيه وبين عمل حىّ طيّـب


نفعه فأنكره الله عليهم.

وثانياً: أنّ هؤلاء المسوّين كانوا من المؤمنين يسوّون بين عمل من غير إيمان، كان صدر عنهم قبل الإيمان أو صدر عن مشرك غيرهم، وبين عمل صدر عن مؤمن بالله عن محض الإيمان حال إيمانه كما يشهد به سياق الإنكار وبيان الدرجات في الآيات.

بل يشعر بل يدلّ ذكر نفس السقاية والعمارة من غير ذكر صاحبهما على أنّ صاحبيهما كانا من أهل الإيمان عند التسوية فلم يذكرا حفظاً لكرامتهما وهما مؤمنان حين الخطاب ووقاية لهما بالنظر إلى التعريض الظاهر الّذى في آخر الآية من أن يسميّا ظالمين.

بل يدلّ قوله تعالى في الآية التالية في مقام بيان أجر هؤلاء المجاهدين في سبيل الله عن إيمان:( الّذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ) على أنّ طرفي التسوية في قوله:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ) الآية كانا من أهل مكّة، وأنّ أهل أحد الطرفين وهو الّذى آمن وجاهد كان ممّن أسلم وهاجر، وأهل الطرف الآخر أسلم ولم يهاجر فإنّ هذا هو الوجه في ذكره تعالى أوّلاً الإيمان والجهاد في الطرفين ثمّ إضافة الهجرة إلى ذلك عند ما اُعيد ثانياً، وقد ذكر تعالى السقاية والعمارة في الجانب الآخر ولم يزد على ذلك شيئاً لا أوّلاً ولا ثانياً فما هذه القيود بلاغية في قوله الفصل.

وهذا كلّه يؤيّد ما ورد في سبب نزول الآية أنّ الآيات نزلت في العبّـاس وشيبة وعلىّعليه‌السلام حين تفاخروا فذكر العبّـاس سقاية الحاجّ، وشيبة عمارة المسجد الحرام، وعلى الإيمان والجهاد في سبيل الله فنزلت الآيات وسيجئ الرواية في البحث الروائيّ المتعلّق بالآيات.

وكيف كان فالآية وما يتلوها من الآيات تبيّن أنّ الزنة والقيمة إنّما هو للعمل إذا كان حيّاً بولوج روح الإيمان فيه وأمّا الجسد الخالى الّذى لا روح فيه ولا حياة له فلا وزن له في ميزان الدين ولا قيمة له في سوق الحقائق فليس للمؤمنين أن يعتبروا مجرّد هياكل


الأعمال، ويجعلوها ملاكات للفضل وأسباباً للقرب منه تعالى إلّا بعد اعتبار حياتها بالإيمان والخلوص.

ومن هذه الجهة ترتبط الآية:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام ) وما بعدها من الآيات بالآيتين اللّتين قبلها:( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر ) إلى آخر الآيتين.

وبذلك كلّه يظهر أوّلاً أنّ قوله:( والله لا يهدى القوم الظالمين ) جملة حاليّـة تبيّن وجه الإنكار لحكمهم بالمساواة في قوله:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن ) الآية.

وثانياً: أنّ المراد بالظلم هو ما كانوا عليه من الشرك في حال السقاية والعمارة لا حكمهم بالمساواة بين السقاية والعمارة وبين الجهاد عن إيمان.

وثالثاً: أنّ المراد نفى أن ينفعهم العمل ويهديهم إلى السعادة الّتى هي عظم الدرجة والفوز والرحمة والرضوان والجنّـة الخالدة.

قوله تعالى: ( الّذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) إلى آخر الآية بيان لحقّ الحكم الّذى عند الله في المسألة بعد إنكار المساواة، وهو أنّ الّذى آمن وهاجر وجاهد في سبيل الله ما استطاع ببذل ما عنده من مال ونفس، أعظم درجة عند الله وإنّما عبّر في صورة الجمع - الّذين آمنوا الخ - إشارة إلى أنّ ملاك الفضل هو الوصف دون الشخص.

وما تقدّم من دلالة الكلام على أنّ الأعمال من غير إيمان بالله لا فضل لها ولا درجة لصاحبها عند الله، قرينة على أن ليس المراد بالقياس الّذى يدلّ عليه أفعل التفضيل في قوله:( اُولئك أعظم درجة ) الخ هو أنّ بين الفريقين اشتراكاً في الدرجات غير أنّ درجة من جاهد عن إيمان أعظم ممّن سقى وعمر.

بل المراد بيان أنّ النسبة بينهما نسبة الأفضل إلى من لا فضل له كالمقايسة المأخوذة بين الأكثر والأقلّ فإنّها تستدعى وجود حدّ متوسّط بينهما يقاسان إليه فهناك ثلاثة اُمور أمر متوسّط يؤخذ مقياساً معدّلاً وآخر يكون أكثر منه، وآخر يكون أقلّ منه فإذا قيس الأكثر من الأقلّ كان الأكثر مقيساً إلى ما لا كثرة فيه أصلاً.


فقوله:( اُولئك أعظم درجة عند الله ) أي بالقياس إلى هؤلاء الّذين لا درجة لهم أصلاً، وهذا نوع من الكناية عن أن لا نسبة حقيقة بين الفريقين لأنّ أحدهما ذو قدم رفيع فيما لا قدم للآخر فيه أصلاً.

ويدلّ على ذلك أيضاً قوله:( واُولئك هم الفائزون ) بما يدلّ على انحصار الفوز فيهم وثبوتها لهم على نهج الاستقرار.

قوله تعالى: ( يبشّرهم ربّهم برحمة منه ورضوان وجنّات ) إلى آخر الآيتين ظاهر السياق أنّ ما يعدّه من الفضل في حقّهم بيان وتفصيل لما ذكر في الآية السابقة من فوزهم جئ به بلسان التبشير.

فالمعنى( يبشّرهم ) أي هؤلاء المؤمنين( ربّهم برحمة منه ) عظيمة لا يقدّر قدرها( ورضوان ) كذلك( وجنّات لهم فيها ) في تلك الجنّات( نعيم مقيم ) لا يزول ولا ينفد حالكونهم( خالدين فيها أبداً ) لا ينقطع خلودهم بأجل ولا أمد.

ثمّ لمّا كان لمقام مقام التعجّب والاستبعاد لكونها بشارة بأمر عظيم لم يعهد في ما نشاهده من أنواع النعيم الّذى في الدنيا، رفع الاستبعاد بقوله:( إنّ الله عنده أجر عظيم ) .

و سيوافيك الكلام في توضيح معنى رحمته تعالى ورضوانه فيما سيمرّ من موضع مناسب وقد تقدّم بعض الكلام فيهما.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء ) إلى آخر الآية نهى عن تولّى الكفّـار ولو كانوا آباءً وإخواناً فإنّ الملاك عامّ، والآية التالية تنهى عن تولّى الجميع غير أنّ ظاهر لفظ الآية النهى عن اتّخاذ الآباء والإخوان أولياء إن استحبّوا الكفر ورجّحوه على الإيمان.

وإنّما ذكر الآباء والإخوان دون الأبناء والأزواج مع كون القبيلين وخاصّـة الأبناء محبوبين عندهم كالآباء والإخوان لأنّ التولّى يعطى للولىّ أن يداخل اُمور وليّه ويتصرّف في بعض شؤون حياته، وهذا هو المحذور الّذى يستدعى النهى عن تولّى الكفّـار حتّى لا يداخلوا في اُمورهم الداخليّـة ولا يأخذوا بمجامع قلوبهم، ولا يكفّ المؤمنون


ولا يستنكفوا عن الإقدام فيما يسوؤهم ويضرّهم، ومن المعلوم أنّ النساء والذراري لا يترقّب منهم هذا الأثر السيّئ إلّا بواسطة، فلذلك خصّ النهى عن التولّى بالآباء والإخوان فهم الّذين يخاف نفوذهم في قلوب المؤمنين وتصرّفهم في شؤونهم.

وقد ورد النهى عن اتّخاذ الكفّـار أولياء في مواضع من كلامه تقدّم بعضها في سورة المائدة وآل عمران والنساء والأعراف وفيها إنذار شديد وتهديدات بالغة كقوله تعالى:( ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم ) المائدة: ٥١، وقوله:( ويحذّركم الله نفسه ) آل عمران: ٢٨، وقوله:( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ ) آل عمران: ٢٨، وقوله:( أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ) النساء: ١٤٤.

وأنذرهم في الآية الّتى نحن فيها بقوله:( ومن يتولّهم منكم فاُولئك هم الظالمون ) ولم يقل:( ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم ) إذ من الجائز أن يتوهّم بعض هؤلاء أنّه منهم لأنّهم آباؤه وإخوانه فلا يؤثّر فيه التهديد أثراً جديداً يبعثه نحو رفض الولاية.

وكيف كان فقوله:( ومن يتولّهم منكم فاُولئك هم الظالمون ) بما في الجملة من المؤكّدات كإسميّـة الجملة، ودخول اللّام على الخبر وضمير الفصل يفيد تحقّق الظلم منهم واستقراره فيهم، وقد كرّر الله في كلامه أنّ الله لا يهدى القوم الظالمين، وقال في نظير الآية من سورة المائدة:( ومن يتولّهم منكم فإنّه منهم إنّ الله لا يهدى القوم الظالمين ) فهؤلاء محرومون من الهداية الإلهيّـة لا ينفعهم شئ من أعمالهم الحسنة في جلب السعادة إليهم، والسماحة بالفوز والفلاح عليهم.

قوله تعالى: ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ) إلى آخر الآية التفت من مخاطبتهم إلى مخاطبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إيماءً إلى الإعراض عنهم لما يستشعر من حالهم أنّ قلوبهم مائلة إلى الاشتغال بما لا ينفع معه النهى عن تولّى آبائهم وإخوانهم الكافرين، وإيجاد الداعي في نفوسهم إلى الصدور عن أمر الله ورسوله، وقتال الكافرين جهاداً في سبيل الله وإن كانوا آباءهم وإخوانهم.

والّذى يمنعهم من ذلك هو الحبّ المتعلّق بغير الله ورسوله والجهاد في سبيل الله، وقد عدّ الله سبحانه اُصول ما يتعلّق به الحبّ النفسانيّ من زينة الحياة الدنيا، وهى الآباء


والأبناء والإخوان والأزواج والعشيرة - وهؤلاء هم الّذين يجمعهم المجتمع الطبيعيّ بقرابة نسبيّـة قريبة أو بعيدة أو سببيّـة - والأموال الّتى اكتسبوها وجمعوها، والتجارة الّتى يخشون كسادها والمساكن الّتى يرضونها - وهذه اُصول ما يقوم به المجتمع في المرتبة الثانية -.

وذكر تعالى أنّهم إن تولّوا أعداء الدين، وقدّموا حكم هؤلاء الاُمور على حبّ الله ورسوله والجهاد في سبيله فليتربّصوا ولينتظروا حتّى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين.

ومن المعلوم أنّ الشرط أعنى قوله:( إن كان آباؤكم - إلى قوله -في سبيله ) في معنى أن يقال: إن لم تنتهوا عمّا ينهاكم عنه من اتّخاذ الآباء والإخوان الكافرين أولياء باتّخاذكم سبباً يؤدّى إلى خلاف ما يدعوكم إليه، وإهمالكم في أمر غرض الدين وهو الجهاد في سبيل الله.

فقوله في الجزاء:( فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره ) لا محالة إمّا أمر يتدارك به ما عرض على الدين من ثلمة وسقوط غرض في ظرف مخالفتهم، وإمّا عذاب يأتيهم عن مخالفة أمر الله ورسوله والإعراض عن الجهاد في سبيله.

غير أنّ قوله تعالى في ذيل الآية:( والله لا يهدى القوم الفاسقين ) يعرّض لهم أنّهم خارجون حينئذ عن زىّ العبوديّـة، فاسقون عن أمر الله ورسوله فهم بمعزل من أن يهديهم الله بأعمالهم ويوفّقهم لنصرة الله ورسوله، وإعلاء كلمة الدين وإمحاء آثار الشرك.

فذيل الآية يهدى إلى أنّ المراد بهذا الأمر الّذى يأمرهم الله أن يتربّصوا له حتّى يأتي به أمر منه تعالى، متعلّق بنصرة دينه وإعلاء كلمته فينطبق على مثل قوله تعالى في سورة المائدة بعد آيات ينهى فيها عن تولّى الكافرين:( يا أيّها الّذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ) المائدة: ٥٤.


والآية بقيودها وخصوصيّـاتها - كما ترى - تنطبق على ما تفيده الآية الّتى نحن فيها.

فالمراد - والله أعلم - إن اتّخذتم هؤلاء أولياء، واستنكفتم عن إطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيل الله فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره، ويبعث قوماً لا يحبّون إلّا الله، ولا يوالون أعداءه ويقومون بنصرة الدين والجهاد في سبيل الله أفضل قيام فإنّكم إذاً فاسقون لا ينتفع بكم الدين، ولا يهدى الله شيئاً من أعمالكم إلى غرض حقّ وسعادة مطلوبة.

وربّما قيل: أنّ المراد بقوله:( فتربّصوا حتّى يأتي الله بأمره ) الإشارة إلى فتح مكّة، وليس بسديد فإنّ الخطاب في الآية للمؤمنين من المهاجرين والأنصار وخاصّـة المهاجرين، وهؤلاء هم الّذين فتح الله مكّة بأيديهم، ولا معنى لأن يخاطبوا ويقال لهم: إن كان آباؤكم وأبناؤكم الخ أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فواليتموهم واستنكفتم عن اطاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يفتح الله مكّة بأيديكم والله لا يهدى القوم الفاسقين، أو فتربّصوا حتّى يفتح الله مكّة والله لا يهديكم لمكان فسقكم فتأمّل.

( بحث روائي)

في تفسير البرهان في قوله تعالى:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) الآية عن أمالى الشيخ بإسناده عن الأعمش عن سالم بن أبى الجعد يرفعه إلى أبى ذرّ - في حديث الشورى - فيما احتجّ به علىّعليه‌السلام على القوم: وقال لهم في ذلك: فهل فيكم أحد نزلت فيه هذه الآية( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) غيرى؟ قالوا: لا.

وفي تفسير القمّىّ قال: وفي رواية أبى الجارود عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: نزلت هذه الآية في على بن أبى طالبعليه‌السلام :( الّذين آمنوا وهاجروا - إلى قوله -


الفائزون ) ثمّ وصف ما لعلىّعليه‌السلام عنده فقال:( يبشّرهم ربّهم برحمة منه ورضوان وجنّات لهم فيها نعيم مقيم ) .

وفي المجمع روى الحاكم أبوالقاسم الحسكانيّ بإسناده عن أبى بريدة عن أبيه قال: بينما شيبة والعبّـاس يتفاخران إذ مرّ عليهما علىّ بن أبى طالب قال: بما تفتخران؟ قال العبّـاس: لقد اُوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد سقاية الحاجّ، وقال شيبة: اُوتيت عمارة المسجد الحرام، وقال علىّ: وأنا أقول لكما لقد اُوتيت على صغرى ما لم تؤتيا فقالا: وما اُوتيت يا علىّ؟ قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتّى آمنتما بالله تبارك وتعالى ورسوله.

فقام العبّـاس مغضباً يجرّ ذيله حتّى دخل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: أما ترى ما استقبلني به علىّ؟ فقال: اُدعوا لى عليّـاً، فدعى له فقال: ما حملك يا علىّ على ما استقبلت به عمّك؟ فقال: يا رسول الله صدقته الحقّ فإن شاء فليغضب، وإن شاء فليرض.

فنزل جبرئيلعليه‌السلام وقال: يا محمّـد ربّك يقرأ عليك السلام ويقول: أتل عليهم:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) إلى قوله:( إنّ الله عنده أجر عظيم ) .

وفي تفسير الطبريّ بإسناده عن محمّـد بن كعب القرظىّ قال: افتخر طلحة ابن شيبة والعبّـاس وعلىّ بن أبى طالب فقال طلحة: أنا صاحب البيت معى مفتاحه، وقال العبّـاس: وأنا صاحب السقاية والقائم عليها، فقال علىّ: ما أدرى ما تقولان لقد صلّيت إلى القبلة ستّة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) الآية كلّها.

وفي الدرّ المنثور أخرج الفاريابىّ عن ابن سيرين قال: قدم علىّ بن أبى طالب مكّة فقال للعبّـاس: أي عمّ ألا تهاجر؟ ألا تلحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقال: أعمر المسجد الحرام وأحجب البيت فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) الآية، وقال لقوم قد سمّاهم: ألا تهاجرون؟ ألا تلحقون برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فقالوا: نقيم مع إخواننا وعشائرنا ومساكننا فأنزل الله تعالى:( قل إن كان آباؤكم ) الآية كلّها.


وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عبّـاس قال: قال العبّـاس حين اُسر يوم بدر: إن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنّا نعمر المسجد الحرام ونسقى الحاجّ ونفك العانى(١) فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) الآية، يعنى أنّ ذلك كان في الشرك فلا أقبل ما كان في الشرك.

وفيه أخرج مسلم وأبوداود وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن حبّان والطبرانيّ وأبوالشيخ وابن مردويه عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما اُبالى أن لا أعمل لله عملاً بعد الإسلام إلّا أن أسقى الحاجّ، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام، وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير ممّا قلتم.

فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلّيتم الجمعة دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) إلى قوله:( والله لا يهدى القوم الظالمين ) .

أقول: قال صاحب المنار في تفسيره بعد إيراد هذه الروايات الأربع الأخيرة: والمعتمد من هذه الروايات حديث النعمان لصحّة سنده وموافقة متنه لما دلّت عليه الآيات من كون موضوعها في المفاضلة أو المساواة بين خدمة البيت وحجابته - من أعمال البرّ البدنيّـة الهيّـنة المستلذّة - وبين الإيمان والجهاد بالمال والنفس والهجرة، وهى أشقّ العبادات النفسيّـة البدنيّـة الماليّـة، والآيات تتضمّن الردّ عليها كلّها.انتهى.

أمّا ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها بصحّة السند ففيه أوّلاً أنّ رواية القرظىّ أيضاً في مضمونها موافقة لرواية الحاكم في المستدرك وقد صحّحها. وثانياً: أنّ روايات التفسير إذا كانت آحاداً لا حجّـيّة لها إلّا ما وافق مضامين الآيات بقدر ما يوافقها على ما بيّن في فنّ الاُصول فإنّ الحجّـيّة الشرعيّـة تدور مدار الآثار الشرعيّـة المترتّبة فتنحصر في الأحكام الشرعيّـة وأمّا ما وراءها كالروايات الواردة في القصص والتفسير الخالى

____________________

(١) العاني: الاسير.


عن الحكم الشرعيّ فلا حجّـيّة شرعيّـة فيها.

وأمّا الحجّـيّة العقليّـة أعنى العقلائيّـة فلا مسرح لها بعد توافر الدسّ والجعل في الأخبار سيّما أخبار(١) التفسير والقصص إلّا ما تقوم قرائن قطعيّـة يجوز التعويل عليها على صحّه متنه، ومن ذلك موافقة متنه لظواهر الآيات الكريمة.

فالّذي يهمّ الباحث عن الروايات غير الفقهيّـة أن يبحث عن موافقتها للكتاب فإن وافقتها فهى الملاك لاعتبارها ولو كانت مع ذلك صحيحة السند فإنّما هي زينة زيّـنت بها وإن لم توافق فلا قيمة لها في سوق الاعتبار.

وأمّا ترك البحث عن موافقة الكتاب، والتوغّل في البحث عن حال السند - إلّا ما كان للتوسّل إلى تحصيل القرائن - ثمّ الحكم باعتبار الرواية بصحّة سندها ثمّ تحميل ما يدلّ عليه متن الرواية على الكتاب، واتّخاذه تبعاً لذلك كما هو دأب كثير منهم فممّا لا سبيل إليه من جهة الدليل.

وأمّا ما ذكره من رجحان رواية النعمان على غيرها من جهة المتن مبيّـناً ذلك بأنّ الآيات تدلّ على أنّ موضوع المساواة أو المفاضلة كان بين خدمة البيت أو حجابته وهى من أعمال البرّ البدنيّـة الهيّـنة المستلذّة، وبين الإيمان والجهاد والهجرة وهى من أعمال البرّ النفسيّـة والبدنيّـة الشاقّة، والآيات تتضمّن الردّ عليها كلّها. انتهى.

ففيه أوّلاً: أنّ الّذى ذكره من مدلول الآيات مشترك بين جميع ما أورده من الروايات:

أمّا رواية ابن عبّـاس الّتى مضمونها وقوع الكلام في المساواة أو المفاضلة حين اُسر العبّـاس يوم بدر بين العبّـاس وبين المسلمين حيث عيّروه فقد ذكر فيها صريحاً المقايسة بين الإسلام والهجرة والجهاد وبين سقاية الحاجّ وعمارة المسجد وفكّ العانى، وهناك روايات اُخر في معناه.

وأمّا رواية ابن سيرين الدالّة على وقوع النزاع بين علىّ والعبّـاس بمكّة حين دعاه إلى الهجرة واللحوق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأجابه بأنّ له عمارة المسجد الحرام وحجابة

____________________

(١) وقد اعترف في مواضع من كلامه ونقل عن احمد انه قال: لا أصل لها.


البيت وقد روى هذا المعنى ابن مردويه عن الشعبىّ وفيها: أنّ العبّـاس قال لعلىّ: أنا عمّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأنت ابن عمّه، وإلىّ سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام، فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) الآية.

ورواه أيضاً ابن أبى شيبة وأبوالشيخ وابن مردويه عن عبدالله بن عبيدة وفيها: أنّ العبّـاس قال لعلىّ: أو لست في أفضل من الهجرة؟ ألست أسقى الحاجّ وأعمر المسجد الحرام فنزلت هذه الآية.

وعلى أيّ حال فالواقع في هذه الرواية أيضاً المقايسة بين السقاية والعمارة وبين الهجرة وما يترتّب عليها ممّا يستلزمه اللحوق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كالجهاد وغيره من الأعمال الشريفة الدينيّـة.

وأمّا رواية القرظىّ وما في معناها كالّذى رواه الحاكم وصحّحه، وما رواه عبد الرزّاق عن الحسن قال: نزلت في علىّ والعبّـاس وعثمان وشيبة(١) تكلّموا في ذلك، وكذا رواية النعمان الّتى تقدّمت فكون المنازعة فيها في السقاية والعمارة والإيمان والجهاد ظاهر فإذا كان الحال هذا الحال فأىّ مزيّة في رواية النعمان بن بشير توجب اختصاصها بموافقة الكتاب من بين سائر الروايات.

وثانياً: أنّ قوله: إنّ موضوع المفاضلة هي أعمال البرّ الهيّـنة المستلذّة كالسقاية والحجابة وأعمال البرّ الشاقّة كالإيمان والهجرء والجهاد لا يوافق ما يدلّ عليه الآيات فإنّها كما تقدّم ظاهرة الدلالة على أنّ المقايسة كانت بينهم بين أجساد الأعمال الخالية عن روح الإيمان وليست من البرّ حينئذ وبين أعمال حيّة بولوج روح الإيمان فيها كالهجرة والجهاد عن إيمان بالله و اليوم الآخر.

فالآيات تدلّ على أنّهم كانوا يسوّون أو يفضّلون غير أعمال البرّ كالسقاية والعمارة من غير إيمان على أعمال البرّ كالجهاد عن إيمان وهجرة و الهجرة عن إيمان فأين ما ذكره من أعمال البرّ الهيّـنة قبال أعمال البرّ الشاقّة(٢) ؟

____________________

(١) ابن شيبة ظ.

(٢) نعم زعم هو أن السقاية والعمارة من العبّـاس في حال شركه من أعمال البرّ كما زعمه العبّـاس غير أن الآيات بنزولها نبهت العبّـاس انّه كان قد اخطأ فى مزعمته كما يشعر به ذيل رواية اابن عبّـاس ولم يتنبّه هو لما تنبّه له العبّـاس .


ودلالة الآيات - بما فيها من القيود المأخوذة - على ذلك بمكان من الظهور والجلاء فقد قيّد الجهاد فيها بالإيمان بالله واليوم الآخر، وأطلق السقاية و العمارة من غير تقييد بالإيمان ثمّ قال تعالى:( لا يستوون عند الله ) ثمّ زاد:( والله لا يهدى القوم الظالمين ) وحاشا أن يكون الآتى بأعمال البرّ عند الله من القوم الظالمين المحرومين عن نعمة الهداية الإلهيّـة.

حتّى لو فرض أنّ المراد بالظالمين اُولئك المسوّون أو المفضّلون من المؤمنين للسقاية والعمارة على الجهاد فإنّ المؤمن على إيمانه إذا حكم بمثل هذا الحكم فإنّما هو خاط يهتدى إذا دُلّ على الصواب لا ظالم محروم من الهداية فافهم ذلك.

وثالثاً: ما تقدّم من أنّ قوله:( كمن آمن بالله ) الآية وقوله:( لا يستوون ) الآية دليل على أنّ للشخص دخلاً فيما تتضمّن الآيات من الحكم.

والتدبّر في الآيات الكريمة والتأمّل فيما ذكرناه هنا وهناك يوضح للباحث الناقد أنّ أضعف الروايات وأبعدها من الانطباق على مضمون الآيات هي رواية النعمان بن بشير فإنّها لا تقبل الانطباق على الآيات الكريمة بما فيها من القيود المأخوذة.

ويليها في الضعف رواية ابن سيرين وما في معناها من الروايات فإنّ ظاهرها أنّ العبّـاس إنّما دعى إلى الهجرة وهو مسلم فافتخر بالسقاية والحجابة والآيات لا تساعد على ذلك كما مرّ.

على أنّ الواقع في رواية ابن سيرين ذكر العبّـاس للسقاية وحجابة البيت ولم يكن له حجابة إنّما هي السقاية.

ويليها في الضعف رواية ابن عبّـاس فظاهرها أنّ المقايسة إنّما كانت بين الأعمال فقط والآية لا تساعد على ذلك.

على أنّ فيها أنّ العبّـاس ذكر فيما ذكر سقاية الحاجّ وعمارة المسجد وفكّ العانى وهو الأسير. ولو كان لذكر في الآية، وقد وقع في رواية ابن جرير وأبى الشيخ عن الضحّاك في هذا المعنى قال: اقبل المسلمون على العبّـاس وأصحابه الّذين اُسروا يوم بدر يعيّرونهم بالشرك. فقال العبّـاس: أما والله لقد كنّا نعمر المسجد الحرام، ونفكّ العانى، ونحجب


البيت ونسقى الحاجّ فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ ) الآية، والكلام في فكّ العانى وحجابة البيت الواقعين فيها كالكلام في سابقها.

فأسلم الروايات في الباب وأقربها إلى الانطباق على الآيات مضموناً رواية القرظىّ وما في معناها كرواية الحاكم في المستدرك ورواية عبدالرزّاق عن الحسن ورواية أبى نعيم وابن عساكر عن أنس الآتية، وقد تقدّم توضيح ذلك.

وفي الدرّ المنثور أخرج أبو نعيم في فضائل الصحابة وابن عساكر عن أنس قال: قعد العبّـاس وشيبة صاحب البيت يفتخران فقال العبّـاس: أنا أشرف منك أنا عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ووصىّ أبيه، وساقى الحجيج، فقال شيبة: أنا أشرف منك أنا أمين الله على بيته وخازنه أفلا ائتمنك كما ائتمننى؟

فاطّلع عليهما علىّ فأخبراه بما قالا فقال علىّ: أنا أشرف منكما أنا أوّل من آمن وهاجر فانطلق ثلاثتهم إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبروه فما أجابهم بشئ فانصرفوا فنزل عليه الوحى بعد أيّـام فأرسل إليهم فقرأ عليهم:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام ) إلى آخر العشر.

وفي تفسير القمّىّ عن أبيه عن صفوان عن ابن مسكان عن أبى بصير عن أبى جعفرعليه‌السلام : قال: نزلت في علىّ والعبّـاس وشيبة. قال العبّـاس: أنا أفضل لأنّ سقاية الحاجّ بيدى، وقال شيبة: أنا أفضل لأنّ حجابة البيت بيدى، وقال علىّ: أنا أفضل فإنّى آمنت قبلكما ثمّ هاجرت وجاهدت فرضوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ - إلى قوله -إنّ الله عنده أجر عظيم ) .

أقول: ورواه العيّـاشيّ عن أبى بصير عن أبى عبداللهعليه‌السلام مثله، وفيه عثمان بن أبى شيبة مكان شيبة.

وفي الكافي عن أبى علىّ الأشعريّ عن محمّـد بن عبد الجبّار عن صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عن أبى بصير عن أحدهماعليهما‌السلام في قول الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) نزلت في حمزة وعلىّ وجعفر والعبّـاس وشيبة، إنّهم فخروا بالسقاية والحجابة فأنزل الله عزّ ذكره:( أجعلتم سقاية الحاجّ و


عمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ) وكان علىّ وحمزة وجعفر هم الّذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله.لا يستوون عند الله.

أقول: ورواه أيضاً العيّـاشيّ في تفسيره عن أبى بصير عن أحدهماعليهما‌السلام مثله.

والرواية لا تلائم ما يثبته النقل القطعيّ فقد كان حمزة من المهاجرين الأوّلين لحقّ برسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ استشهد في غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وقد كان جعفر هاجر إلى الحبشة قبل هجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ رجع إلى المدينة أيّـام فتح خيبر وقد استشهد حمزة قبل ذلك بمدّة فلو كان من الخمسة اجتماع على التفاخر فقد كان قبل الهجرة النبويّـة وحينئذ فما معنى ما وقع في الرواية: (وكان علىّ وحمزة وجعفر هم الّذين آمنوا بالله واليوم الآخر وجاهدوا في سبيل الله)؟

وإن كإن لمراد بالنزول فيهم انطباق الآية عليهم على سبيل الجرى فقد كان العبّـاس مثلهم فإنّه آمن يوم اُسر ببدر ثمّ حضر بعض غزوات النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي تفسير البرهان عن الجمع بين الصحاح الستّة للعبدىّ في الجزء الثاني من صحيح النسائيّ بإسناده قال: افتخر طلحة بن شيبة من بنى عبدالدار والعبّـاس بن عبدالمطّلب وعلىّ بن أبى طالب فقال طلحة: بيدى مفتاح البيت ولو أشاء بتّ فيه، وقال العبّـاس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتّ في المسجد، وقال على: ما أدرى ما تقولان؟ لقد صلّيت إلى القبلة ستّة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد فأنزل الله:( أجعلتم سقاية الحاجّ وعمارة المسجد الحرام ) الآية.

أقول: المراد بالصلاة ستّة أشهر قبل الناس التقدّم في الإيمان بالله على ما تعرّضت له الآية وإلّا كان من الواجب أن تذكر في الآية، وقد ذكر ثالث القوم طلحة بن شيبة، وقد تقدّم في بعضها أنّه شيبة، وفي بعضها أنّه عثمان بن أبى شيبة.

وفي تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب عن أبى حمزة عن أبى جعفرعليه‌السلام في قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا لا تتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الإيمان ) قال: الإيمان ولاية علىّ بن أبى طالب.

أقول: هو من باطن القرآن مبنىّ على تحليل معنى الإيمان إلى مراتب كماله.


وفي تفسير القمّىّ: لمّا أذن اميرالمؤمنين أن لا يدخل المسجد الحرام مشرك بعد ذلك جزعت قريش جزعاً شديداً، وقالوا: ذهبت تجارتنا وضاعت عيالنا وخربت دورنا فأنزل الله في ذلك:( قل - يا محمّـد - إن كان آباؤكم وابناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم - إلى قوله -والله لا يهدى القوم الفاسقين ) .

أقول: وعلى هذا كان من الجرىّ أن يفسّر قوله في الآية:( حتّى يأتي الله بأمره ) بتدارك ما ينزل بهم من الكساد وفتح باب الرزق عليهم من وجه آخر كما وقع مثله في قوله تعالى في ضمن الآيات التالية:( يا أيّها الّذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إنّ الله عليم حكيم ) التوبة: ٢٨.

بل اتّحد حينئذ موردا الآيتين، ولسان الرفق وكرامة الخطاب بمثل قوله:( يا أيّها الّذين آمنوا ) يأبى أن يكون الخطاب بقوله:( إن كان آباؤكم وأبناؤكم ) الآية متوجّهاً إليهم بأعيانهم على ما في آخرها من الخشونة في قوله:( والله لا يهدى القوم الفاسقين ) .

على أنّ الآية تذكر حبّ الآباء والإخوان والعشيرة والأموال الّتى اقترفوها، ولم يذكر شئ منها في الرواية، ولا حسبت قريش ضيعة بالنسبة إليها فما معنى ذكرها في الآية والتهديد على اختيار حبّها على حبّ الله ورسوله؟ وما معنى ذكر الجهاد في سبيله في الآية؟ فافهم ذلك.

وفى الدرّ المنثور أخرج أحمد والبخاريّ عن عبدالله بن هشام قال: كنّا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطّاب فقال: والله لأنت يا رسول الله أحبّ إلىّ من كلّ شئ إلّا من نفسي. فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا يؤمن أحدكم حتّى أكون احبّ إليه من نفسه.


( سورة التوبة آيه ٢٥ - ٢٨)  

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍوَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مُدْبِرِينَ ( ٢٥ ) ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذّبَ الّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ( ٢٦ ) ثُمّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذلِكَ عَلَى‏ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٢٧ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٢٨ )

( بيان)

تشير الآيات إلى قصّة غزوة حنين وتمتنّ بما نصر الله فيه المؤمنين كسائر المواطن من الغزوات الّتى نصرهم الله بعجيب نصرته على ضعفهم وقلّتهم، وأظهر أعاجيب آياته بتأييد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنزال جنود لم يروها وإنزال السكينة على رسوله والمؤمنين وتعذيب الكافرين بأيدى المؤمنين.

وفيها الآية الّتى تحرّم على المشركين أن يدخلوا المسجد الحرام بعد عام تسع من الهجرة، وهى العام الّذى أذن فيه علىّعليه‌السلام ببراءة، ومنع طواف البيت عرياناً، ودخول المشركين في المسجد الحرام.

قوله تعالى: ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين - إلى قوله -ثمّ ولّيتم مدبرين ) المواطن جمع موطن وهو الموضع الّذى يسكنه الإنسان ويتوطّن فيه. وحنين إسم واد بين مكّة والطائف وقع فيه غزوة حنين قاتل فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هوازن وثقيف


وكان يوماً شديداً على المسلمين انهزموا أوّلاً ثمّ أيّدهم الله بنصره فغلبوا.

والإعجاب الإسرار والعجب سرور النفس بما يشاهده نادراً، والرحب السعة في المكان وضدّه الضيق.

وقوله:( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) ذكر لنصرته تعالى لهم في مواطن كثيرة ومواضع متعدّدة يدلّ السياق على أنّها مواطن الحروب كوقائع بدر وأحد والخندق وخيبر وغيرها، ويدلّ السياق أيضاً أنّ الجملة كالمقدّمة الممهّدة لقوله:( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) الآية فإنّ الآيات الثلاث مسوقة لتذكير قصّة وقعة حنين، وعجيب ما أفاض الله عليهم من نصرته وخصّهم به من تأييده فيها.

وقد استظهر بعض المفسّرين كون الآية وما يتلوها إلى تمام الآيات الثلاث تتمّة لقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أمره ربّه أن يواجه به المؤمنين في قوله:( قل إن كان آباؤكم ) الآية وتكلّف في توجيه الفصل الّذى في قوله:( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) .

ولا دليل من جهة اللفظ على ذلك بل الدليل على خلافه فإنّ قصّة حنين وما يشتمل عليه من الامتنان بنصر الله وإنزال السكينة وإنزال الجنود وتعذيب الكافرين والتوبة على من يشاء أمر مستقلّ في نفسه ذو أهمّـيّة في ذاته وهو أهمّ هدفاً من قوله تعالى:( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ) الآية أو هو مثله لا يقصر عنه فلا معنى لإتباعه إيّـاه وعطفه عليه في المعنى.

وحينئذ لو كان ممّا يجب أن يخاطب به القوم لكان من الواجب أن يقال:( وقل لهم لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ) الآية، على ما جرى عليه القرآن في نظائره كقوله تعالى:( قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إلىّ أنّما إلهكم إله واحد - إلى أن قال -قل أئنّكم لتكفرون بالّذى خلق الأرض في يومين ) حم السجدة: ٩ وغيره من الموارد.

على أنّ سياق الآيات وما يجب أن تشتمل عليه من الالتفات وغيره - لو كانت الآيات مقولة للقول - لا تلائم كونها مقولة للقول السابق.

والخطاب في قوله:( لقد نصركم الله ) وما يتلوه من قوله:( إذ أعجبتكم كثرتكم ) الآية، للمسلمين وهم الّذين يؤلّفون مجتمعاً إسلاميّـاً واحداً حضروا بوحدتهم هذه الوحدة


أمثال وقائع بدر واُحد والخندق وخيبراُ وحنيناُ وغيرها.

وهؤلاء فيهم المنافقون والضعفاء في الإيمان والمؤمنون صدقاُ على اختلافهم في المنازل إلّا أنّ الخطاب متوجّه إلى الجميع باعتبار اشتماله على من يصحّ أن يخاطب بمثل قوله:( إذ اعجبتكم كثرتكم ) إلى آخر الآية.

وقوله:( ويوم حنين ) أي ويوماً وقعت فيه القتال بينكم وبين أعدائكم بوادي حنين، وإضافة اليوم إلى أمكنة الوقائع العظيمة شائع في العرف كما يقال: يوم بدر ويوم اُحد ويوم الخندق نظير إضافته إلى الجماعة المتلبّسين بذلك كيوم الأحزاب ويوم تميم، وإضافته إلى نفس الحادثة كيوم فتح مكّة.

وقوله:( إذ أعجبتكم كثرتكم ) أي أسرّتكم الكثرة الّتي شاهدتموها في أنفسكم فانقطعتم عن الاعتماد بالله والثقة بأيده وقوّته واستندتم إلى الكثرة فرجوتم أن ستدفع عنكم كيد العدوّ وتهزم جمعهم، وإنّما هو سبب من الأسباب الظاهريّـة لا أثر فيها إلّا ما شاء الله الّذي إليه تسبيب الأسباب.

وبالنظر إلى هذا المعنى أردف قوله:( إذ أعجبتكم كثرتكم ) بقوله:( فلم تغن عنكم شيئاً ) أي اتّخذتموها سبباً مستقلّاً دون الله فأنساكم الاعتماد بالله، وركنتم إليها فبان لكم ما في وسع هذا السبب الموهوم وهو أن لا غنى عنده حتّى يغنيكم فلم يغن عنكم شيئاً لا نصراً ولا شيئاً آخر.

وقوله:( وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) أي مع ما رحبت، وهو كناية عن إحاطة العدوّ بهم إحاطة لا يجدون مع ذلك مأمناً من الأرض يستقرّون فيه ولا كهفاً يأوون إليه فيقيهم من العدوّ، أي فررتم فراراً لا تلوون على شئ.

فهو قريب المعنى من قوله تعالى في قصّة الحزاب:( إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنّون بالله الظنّونا ) الأحزاب: ١٠.

وقول بعضهم: أي ضاقت عليكم الأرض فلم تجدوا موضعاً تفرّون إليه. غير سديد.


وقوله:( ثم ولّيتم مدبرين ) أي جعلتم العدوّ يلي أدباركم وهو كناية عن الانهزام وهذا هو الفرار من الزحف ساقهم إليه اطمئنانهم بكثرتهم والانقطاع من ربّهم، قال تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا إذا لقيتم الّذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار ومن يولّهم يومئذ دبره - إلى أن قال -فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنّم وبئس المصير ) الأنفال: ١٦ وقال أيضاً:( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولّون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً ) الأحزاب: ١٥.

فهذا كلّه أعني ضيق الأرض عليهم بما رحبت ثمّ انهزامهم وفرارهم من الزحف على ما فيه من كبير الإثم، ووقوفهم هذا الموقف الّذى يستتبع العتاب من ربّهم إنّما ساقهم إليه اعتمادهم واطمئنانهم إلى هذه الأسباب السرابيّـة الّتى لا تغنى عنهم شيئاً.

والله سبحانه بسعة رحمته وعظم منّه امتنّ عليهم بنصره وإنزال سكينته وإنزال جنود لم يروها، وتعذيب الكافرين، ووعد مجمل بمغفرته: وعداً ليس بالمقطوع وجوده حتّى تبطل به صفة الخوف من قلوبهم ولا بالمقطوع عدمه حتّى تزول صفة الرجاء من نفوسهم بل وعداً يحفظ فيهم الاعتدال والتوسّط بين صفتي الخوف والرجاء، ويربّيهم تربية حسنة تعدّهم وتهيّئهم للسعادة الواقعيّـة.

وقد أغرب بعض المفسّرين في تفسير الآية مستظهراً بما جمع به بين الروايات على اختلافها فأصرّ على ما ملخّصه أنّ المسلمين لم يفرّوا على جبن، وإنّما انكشفوا عن موضعهم لما فاجأهم من شدّ كتائب ثقيف وهوازن عليهم شدّ رجل واحد فاضطربوا اضطرابة زلزلتهم وكشفتهم عن موضعهم دفعة واحدة وهذا أمر طبيعي في الإنسان إذا فاجأه الخطر ودهمته بليّـة دفعة ومن غير مهل اضطربت نفسه وخلّى عن موضعه.

ويشهد به نزول السكينة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعليهم جميعاً فقد كان الاضطراب شمله وإيّـاهم جميعاً، غير أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصابه ما أصابه من الاضطراب والقلق حزناً وأسفاً ممّا وقع، والمسلمون شملهم ذلك لما فوجئوا به من حملة الكتائب حملة رجل واحد.

ومن الشواهد أنّهم بمجرّد ما سمعوا نداء الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونداء العبّـاس بن عبد


المطّلب رجعوا من فورهم وهزموا الكفّـار بالسكينة النازلة عليهم من عند الله تعالى.

ثمّ ذكر ما نزل من الآيات في صفة الصحابة كآية بيعة الرضوان، وقوله تعالى:( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّـار ) الآية، وقوله:( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّـة ) الآية، وما ورد من طريق الرواية في مدح صحابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .انتهى.

والّذى أورده من الخلط بين البحث التفسيرىّ الّذى لا همّ له إلّا الكشف عمّا يدلّ عليه الآيات الكريمة، وبين البحث الكلاميّ الّذى يرام به إثبات ما يدعيه المتكلّم في شئ من المذاهب من أيّ طريق أمكن من عقل أو كتاب أو سنّة أو إجماع أو المختلط منها والبحث التفسيرىّ لا يبيح لباحثه شيئاً من ذلك، ولا تحميل أيّ نظر من الأنظار العلميّـة على الكتاب الّذى أنزله الله تبياناً.

أمّا قوله: إنّهم لم يفرّوا جبناً ولا خذلاناً للنبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما كان انكشافاً لأمر فاجأهم فاضطربوا وزلزلوا ففرّوا ثمّ كرّوا فهذا ممّا لا يندفع به صريح قوله تعالى:( ثمّ ولّيتم مدبرين ) مع اندراج هذا الفعل منهم تحت كلّـيّة قوله تعالى في آية تحريم الفرار من الزحف:( فلا تولّوهم الأدبار ومن يولّهم يومئذ دبره - إلى ان قال -فقد باء بغضب من الله ) الآية.

ولم يقيّد سبحانه النهى عن تولية الأدبار بأنّه يجب أن يكون عن جبن أو لغرض الخذلان، ولا استثنى من حكم التحريم كون الفرار عن اضطراب مفاجئ، ولا أورد في استثنائه إلّا ما ذكره بقوله:( إلّا متحرّفاً لقتال أو متحيّـزاً إلى فئة ) وليس هذان المستثنيان في الحقيقة من الفرار من الزحف.

ولم يورد تعالى أيضاً فيما حكى من عهدهم شيئاً من الاستثناء إذ قال:( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً ) الأحزاب: ١٥.

وأمّا استشهاده على ذلك بأنّ الإضطراب كان مشتركاً بينهم وبين النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واستدلاله على ذلك بقوله تعالى:( ثمّ انزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) حيث إنّ نزول السكينة بعد انكشافهم بزمان - على ما تدلّ عليه كلمة ثمّ - يلازم نزول


الاضطراب عند ذلك على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإن كان عن حزن وأسف إذ لا يتصوّر في حقّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التزلزل في ثباته وشجاعته.

فلننظر فيما اعتبره للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الحزن والأسف هل كان ذلك حزناً وأسفاً على ما وقع من الأمر من انهزام المسلمين وما ابتلاهم الله به من الفتنة والمحنة جزاءً لما أعجبوا من كثرة عددهم، وبالجملة حزناً مكروهاً عند الله؟ فقد نزّهه الله عن ذلك وأدّبه بما نزّل عليه من كتابه وعلّمه من علمه، وقد اُنزل عليه مثل قوله عزّ من قائل:( ليس لك من الأمر شئ ) آل عمران: ١٢٨، وقال:( سنقرؤك فلا تنسى ) الأعلى: ٦.

ولم يرد في شئ من روايات القصّة أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم زال عن مكانه يومئذ أو اضطرب اضطراباً ممّا نزل على المسلمين من الوهن والانهزام.

وإن كان ذلك حزناً وأسفاً على المسلمين لما أصابهم من ناحية خطاهم في الاعتماد بغير الله والركون إلى سراب الأسباب الظاهرة، والذهول عن الاعتصام بالله سبحانه حتّى أوقعهم في خطيئة الفرار من الزحف لما كان هوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه من الرأفة والرحمة بالمؤمنين فهذا أمر يحبّه الله سبحانه وقد مدح رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم به إذ قال:( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) التوبة: ١٢٨.

وليس يزول مثل هذا الأسف والحزن بنزول السكينة عليه، ولا أنّ السكينة لو فرض نزولها لأجله ممّا حدث بعد وقوع الانهزام حتّى يكون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خالياً عنها قبل ذلك بل كانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على بيّـنة من ربّه منذ بعثه الله إلى أن قبضه إليه، وكانت السكينة بهذا المعنى نازلة عليه حيناً بعد حين.

ثمّ السكينة الّتى نزلت على المؤمنين ما هي؟ وما ذا يحسبها؟ أكانت هي الحالة النفسانيّـة الّتى تحصّل من السكون والطمأنينة كما فسّرها بها واستشهد عليه بقول صاحب المصباح: إنّها تطلق على الرزانة والمهابة والوقار حتّى كانت ثبات الكفّـار وسكونهم في مواقفهم الحربيّـة عن سكينة نازلة إليهم؟ فإن كانت السكينة هي هذه فقد كانت في أوّل الوقعة عند كفّـار هوازن وثقيف خصماء المسلمين ثمّ تركتهم ونزلت على عامّة جيش المسلمين من مؤمن ثبت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن مؤمن لم يثبت واختار الفرار على القرار،


ومن منافق ومن ضعيف الإيمان مريض القلب فإنّهم جميعاً رجعوا ثانياً إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وثبتوا معه حتّى هزموا العدوّ فهم جميعاً أصحاب السكينة أنزلها الله إليهم فما باله تعالى يقصر إنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين إذ يقول: (ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين)؟

على أنّه إن كانت السكينة هي هذه، وهى مبتذلة مبذولة لكلّ مؤمن وكافر فما معنى ما امتنّ الله به على المؤمنين بما ظاهره أنّها عطيّـة خاصّـة غير مبتذلة؟ ولم يذكرها في كلامه إلّا في موارد معدودة - بضعة موارد - لا تبلغ تمام العشرة.

وبذلك يظهر أنّ السكينة أمر وراء السكون والثبات لا أنّ لها معنى في اللغة أو العرف وراء مفهوم الحالة النفسانيّـة الحاصلة من السكون والطمأنينة بل بمعنى أنّ الّذى يريده تعالى من السكينة في كلامه له مصداق غير المصداق الّذى نجده عند كلّ شجاع باسل له نفس ساكنة وجاش مربوط، وإنّما هي نوع خاصّ من الطمأنينة النفسانيّـة له نعت خاصّ وصفة مخصوصة.

كيف؟ وكلّما ذكرها الله سبحانه في كلامه امتناناً بها على رسوله وعلى المؤمنين خصّها بالإنزال من عنده فهى حالة إلهيّـة لا ينسى العبد معها مقام ربّه لا كما عليه عامّة الشجعان اُولوا الشدّة والبسالة المعجبون ببسالتهم المعتمدون على أنفسهم.

وقد احتفّت في كلامه بأوصاف وآثار لا تعمّ كلّ وقار وطمأنينة نفسانيّـة كما قال في حقّ رسوله:( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا فانزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها ) التوبه: ٤٠ وقال تعالى في المؤمنين( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ) الفتح: ١٨ فذكر أنّه إنّما أنزل السكينة عليهم لما علمه من قلوبهم فنزولها يحتاج إلى حالة قلبيّـة طاهرة سابقة يدلّ السياق على أنها الصدق ونزاهة القلب عن إبطان نيّـة الخلاف.

وقال أيضاً:( هو الّذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض ) الفتح: ٤ فذكر أنّ من أثرها زيادة الإيمان مع الإيمان وقال أيضاً:( إذ جعل الّذين كفروا في قلوبهم الحميّـة حميّـة الجاهليّـة فأنزل الله سكينته


على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحقّ بها وأهلها ) الفتح: ٢٦، والآية - كما ترى - تذكر أنّ نزول السكينة من عنده تعالى مسبوق باستعداد سابق وأهليّـة وحقّـيّـة قبليّـة وهو الّذى اُشير إليه في الآية السابقة بقوله:( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ) . وتذكر أنّ من آثارها لزوم كلمة التقوى، وطهارة ساحة الإنسان عن مخالفة الله ورسوله باقتراف المحارم وورود المعاصي.

وهذا كالمفسّر يفسّر قوله في الآية الاُخرى:( ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ) فازدياد الإيمان مع الإيمان بنزول السكينة هو أن يكون الإنسان على وقاية إلهيّـة من اقتراف المعاصي وهتك المحارم مع إيمان صادق بأصل الدعوة الحقّة.

وهذا نعم الشاهد يشهد أوّلاً: أنّ المراد بالمؤمنين في قوله في الآية المبحوث عنها( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) غير المنافقين وغير مرضى القلوب وضعفاء الإيمان، ولا يبقى إلّا من ثبت من المؤمنين مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهم ثلاثة أو أربعة أو تسعة أو عشرة أو ثمانون أو دون المائة على اختلاف الروايات في إحصائهم، ومن فرّ وانكشف عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّلاً ثمّ رجع وقاتل ثانياً وفيهم جلّ أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعدّة من خواصّهم.

فهل المراد بالمؤمنين الّذين نزلت عليهم، جميع من ثبت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن فرّ أولاً ثمّ رجع ثانياً، أو أنّهم هم الّذين ثبتوا معه من المؤمنين حتّى نزل النصر؟

الّذى يستفاد من آيات السكينة أنّ نزولها متوقّف على طهارة قلبيّـه وصفاء نفسيّ سابق حتّى يقرّها الله تعالى بالسكينه، وهؤلاء كانوا مقترفين لكبيرة الفرار من الزحف آثمين قلوباً، ولا محلّ لنزول السكينة على من هذا شأنه فإن كانوا ممّن نزلت عليهم السكينة كان من الواجب أن يندموا على ما فعلوا، ويتوبوا إلى ربّهم توبة نصوحاً بقلوب صادقة حتّى يعلم الله ما في قلوبهم فينزل السكينة عليهم فيكونون أذنبوا أوّلاً ثمّ تابوا ورجعوا ثانياً، فأنزل الله سكينته عليهم ونصرهم على عدوّهم، ولعلّ هذا هو الّذى يشير إليه التراخي المفهوم من قوله تعالى( ثمّ أنزل الله سكينته عليهم ) حيث عبّر بـ( ثم ) . هذا

لكن يبقى عليه أوّلاً، أنّه كان من اللّازم على هذا أن يتعرّض في الكلام لتوبتهم


فيختصّ حينئذ قوله:( ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) على الكفّـار الّذين أسلموا بعد منهم، ولا أثر من ذلك في الكلام ولا قرينة تخصّ قوله:( ثمّ يتوب الله ) الخ بالكافرين الّذين أسلموا بعد، فافهم ذلك.

وثانياً: أنّ في ذلك غمضاً عن جميل المسعى والمحنة الحسنة الّتى امتحنّ بها اُولئك النفر القليل الّذين ثبتوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين تركه جموع المسلمين بين الأعداء وانهزموا فارّين لا يلوون على شئ، ومن المستبعد من دأب القرآن أن يهمل أمر من تحمّل محنة في ذات الله، وألقى نفسه في أشقّ المهالك ابتغاء مرضاته - وهو شاكر عليم - فلا يحمده ولا يشكر سعيه.

والمعهود من دأب القرآن أنّه إذا عمّ قوماً بعتاب أو توبيخ وذمّ، وفيهم من هو برئ من استحقاق اللوم أو العتاب أو طاهر من دنس الإثم والخطيئة ان يستثنيه منهم ويخصّه بجميل الذكر، ويحمده على عمله وإحسانه كما نراه كثيراً في الخطابات الّتى تعمّم اليهود أو النصارى عتاباً أو ذمّاً وتوبيخاً فإنّه تعالى يخاطبهم بما يخاطب ويوبّخهم وينسب إليهم الكفر باياته والتخلّف عن أوامره ونواهيه، ثمّ يمدح منهم الأقلّين الّذين آمنوا به وبآياته وأطاعوه فيما أراد منهم.

وأوضح من ذلك ما يتعرّض من الآيات لوقعة اُحد وتمتنّ على المؤمنين بما أنزل الله عليهم من النصرة والكرامة، ويعاتبهم على ما أظهروه من الوهن والفشل ثمّ يستثنى الثابتين منهم على أقدام الصدق، ويعدهم وعداً حسناً إذ قال مرّة بعد مرّة:( وسيجزى الله الشاكرين ) آل عمران: ١٤٤،( وسنجزي الشاكرين ) آل عمران: ١٤٥.

ونجد مثله في ما يذكره الله سبحانه من أمر وقعة الأحزاب فإنّ في كلامه عتاباً شديداً لجمع من المؤمنين، وتوبيخاً وذمّاً للمنافقين والّذين في قلوبهم مرض حتّى قال فيما قال:( ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولاً ) الأحزاب: ١٥، ثمّ إنّه تعالى ختم القصّة بمثل قوله:( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً ) الأحزاب: ٢٣.

فما باله تعالى لم يتعرّض لحالهم في قصّة حنين، وليست باهون من غيرها، ولا


خصّهم بشئ من الشكر، ولا حمدهم بما يمتنّون به من لطيف حمده تعالى كغيرهم في غيرها.

فهذا الّذى ذكرناه ممّا يقرّب إلى الاعتبار أن يكون المراد بالمؤمنين الّذين ذكر نزول السكينة عليهم هم الّذين ثبتوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا سائر المؤمنين ممّن رجع بعد الانكشاف فهم تحت شمول قوله:( ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) يشمل من شملته العناية منهم كما يشمل من شملته العناية والتوفيق من كفّـار هوازن وثقيف ومن الطلقاء والّذين في قلوبهم مرض. هذا ما يهدى إليه البحث التفسيرىّ، وأمّا الروايات فلها شأنها وسيأتى طرف منها.

وأمّا ما ذكره من شهادة رجوعهم من فورهم حين سمعوا نداء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونداء العبّـاس فذلك ممّا لا يبطل ما قدّمناه من ظهور قوله تعالى:( ثمّ ولّيتم مدبرين ) إذا انضمّ إلى قوله:( إذا لقيتم الّذين كفروا زحفاً فلا تولّوهم الأدبار ) الآية في أنّ ما ظهر منهم في الوقعة من الفعل كان فراراً من الزحف فعلوه عن جبن أو تعمّد في خذلان أو عن قلق واضطراب وتزلزل.

وأمّا ما ذكره من الآيات الّتى تمدحهم وتذكر رضى الربّ عنهم واستحقاقهم جزيل الأجر من ربّهم. ففيه أنّ هذه المحامـد مقيّدة فيها بقيود لا يتحتّم معها لهم الأمر فإنّ الآيات إنّما تحمد من تحمده منهم لما به من نعوت العبوديّـة كالإيمان والإخلاص والصدق والنصيحة والمجاهدة الدينيّـة فالحمد باق ما بقيت الصفات، والوعد الحسن على اعتباره ما لبثت فيهم النعوت والأحوال الموجبه له فإذا زالت لحادثة أو خطيئة زال بتبعه.

وليس ما عندهم من مبادئ الخير والبركات بأعظم ولا أهمّ ممّا عند الأنبياء من صفة العصمة يستحيل معها صدور الذنب منهم، وقد قال الله تعالى بعد ثناء طويل عليهم:( ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ) الأنعام: ٨٨.

وقد قال تعالى قبال ما ظنّوا أنّهم مصونون عن ما يكرهونه من أقسام المجازاة كرامة لإسلامهم كما ظنّ نظيره أهل الكتاب:( ليس بأمانيّكم ولا أمانىّ أهل الكتاب من يعمل سوء يجز به ) النساء: ١٢٣.


والّذى ورد في بيعة الرضوان من قوله:( لقد رضى الله ) فإنّما رضاه تعالى من صفاته الفعليّـة الّتى هي عين أفعاله الخارجيّـة منتزعة منها فهو عين ما أفاض عليهم من الحالات الطاهرة النفسيّـة الّتى تستعقب بطباعها جزيل الجزاء وخير الثواب إن بقيت أعمالهم على ما هي عليها وإن تغيّرت تغيّر الرضى سخطاً والنعمة نقمة ولم ياخذ أحد عليه تعالى عهداً أن لا يخلف عهده فيحمله على السعادة والكرامة أحسن أو أساء، أطاع أو عصى، آمن أو كفر.

وليس رضى الربّ من صفاته الذاتيّـة الّتى يتّصف بها في ذاته فلا يعرضه تغيّر أو تبدّل ولا يطرء عليه زوال أو دثور.

قوله تعالى: ( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) إلى آخر الآية السكينة - كما تقدّم - حالة قلبيّـة توجب سكون النفس وثبات القلب ملازمة لإزدياد الإيمان مع الإيمان ولكلمة التقوى الّتى تهدى إلى الورع عن محارم الله على ما تفسّرها الآيات.

وهى غير العدالة الّتى هي ملكة نفسانيّـة تردع عن ركوب الكبائر والإصرار على الصغائر فإنّ السكينة تردع عن الصغائر والكبائر جميعاً.

وقد نسب الله السكينة في كتابه إلى نفسه نسبة تشعر بنوع من الاختصاص كما نسب الروح إلى نفسه دون العدالة ووصفها بالإنزال فلها اختصاص عنديٌّ به تعالى بل ربّما يشعر بعض الآيات بأنّه عدّها من جنوده كقوله تعالى:( هو الّذى أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض ) الفتح: ٤.

وفي غير واحد من الآيات المشتملة على ذكر السكينة ذكر الجنود كقوله:( فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها ) التوبة: ٤٠، وكما في الآية المبحوث عنها :( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها ) .

والّذى يفهم من السياق أنّ هذه الجنود هي الملائكة النازلة إلى المعركة، أو أن يقال من جملتها الملائكة النازلة والّذى ينتسب إلى السكينة والملائكة أن يعذّب بهم الكفّـار ويسدّد ويسعد بهم المؤمنون كما اشتملت عليه آيات آل عمران القاصّة قصّة اُحد، و


آيات في أوّل سورة الفتح فراجعها حتّى يتبيّن لك حقيقة الحال إن شاء الله تعالى.

وقد تقدّم في قوله تعالى:( فيه سكينة من ربّكم ) البقرة: ٢٤٨ في الجزء الثاني من الكتاب بعض ما يتعلّق بالسكينة الإلهيّـة من الكلام ممّا لا يخلو من نفع في هذا المقام.

قوله تعالى: ( ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم ) قد تقدّم مراراً أنّ التوبة من الله سبحانه هي الرجوع إلى عبده بالعناية والتوفيق أوّلاً ثمّ بالعفو والمغفرة ثانياً، ومن العبد الرجوع إلى ربّه بالندامة والاستغفار، ولا يتوب الله على من لا يتوب إليه.

والإشارة في قوله:( من بعد ذلك ) على ما يعطيه السياق إلى ما ذكره في الآيتين السابقتين من خطيئتهم بالركون إلى غير الله سبحانه ومعصيتهم بالفرار والتولّى ثمّ إنزال السكينة وإنزال الجنود وتعذيب الّذين كفروا.

والملائم لذلك أن يكون الموصول في( من يشاء ) شاملاً للمسلمين والكافرين جميعاً فقد ذكر من الفريقين جميعاً ما يصلح لأن يتوب الله عليهم فيه إن تابوا، وهو من الكفّـار كفرهم ومن المسلمين خطيئتهم ومعصيتهم، ولا وجه لتخصيص التوبة على بعضهم مع ما في آيات التوبة من عموم الحكم وسعته ولم يقيّد في هذه الآية المبحوث عنها بما يوجب اختصاصها بأحد الفريقين: المسلمين أو الكافرين مع وجود المقتضى فيهما جميعاً.

وممّا ذكرنا يظهر فساد ما فسّر به بعضهم الآية مع قصر الإشارة على التعذيب إذ قال: إنّ معناها ثمّ يتوب الله تعالى بعد هذا التعذيب الّذى يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الإسلام وهم الّذين لم يحط بهم خطيئات جهالة الشرك وخرافاته من جميع جوانب انفسهم، ولم يختم على نفوسهم بالاصرار على الجحود والتكذيب أو الجمود على ما ألفوا بمحض التقليد. انتهى.

وقد عرفت أنّ تخصيص الآية بما ذكر والتصرّف في سائر قيوده كقصر الإشارة على التعذيب وغير ذلك ممّا لا دليل عليه البتّـة.

والوجه في التعبير بالاستقبال في قوله:( ثمّ يتوب الله ) الإشارة إلى انفتاح باب التوبة دائماً، وجريان العناية وفيضان العفو والمغفرة الإلهيّـة مستمرّاً بخلاف ما يشير


إليه قوله:( فأنزل الله سكينته ) الآية، فإنّ ذلك اُمور محدودة غير جارية.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا إنّما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) قال في المجمع: كلّ مستقذر نجس يقال: رجل نجس وامرأة نجس وقوم نجس لأنّه مصدر، وإذا استعملت هذه اللفظة مع الرجس قيل: رجس نجس - بكسر النون - قال: والعيلة الفقر يقال عال يعيل إذا افتقر. انتهى.

والنهى عن دخول المشركين المسجد الحرام بحسب المتفاهم العرفي يفيد أمر المؤمنين بمنعهم عن دخول المسجد الحرام، وفي تعليله تعالى منع دخولهم المسجد بكونهم نجساً اعتبار نوع من القذارة لهم كاعتبار نوع من الطهارة والنزاهة للمسجد الحرام، وهى كيف كانت أمر آخر وراء الحكم باجتناب ملاقاتهم بالرطوبة وغير ذلك.

والمراد بقوله:( عامهم هذا ) سنة تسع من الهجرة، وهى السنة الّتى أذن فيها علىّعليه‌السلام بالبراءة، ومنع طواف البيت عرياناً، وحجّ المشركين البيت.

وقوله:( وإن خفتم عيلة ) الآية، أي وإن خفتم في إجراء هذا الحكم أن ينقطعوا عن الحجّ، ويتعطّل أسواقكم وتذهب تجارتكم فتفتقروا وتعيلوا فلا تخافوا فسوف يغنيكم الله من فضله، ويؤمنكم من الفقر الّذى تخافونه.

وهذا وعد حسن منه تعالى فيه تطييب نفوس أهل مكّة ومن كان له تجارة هناك بالموسم، وكان حاضر العالم الإسلاميّ يبشّرهم يومئذ بمضمون هذا الوعد فقد كان الإسلام تعلو كلمته، وينتشر صيته حالاً بعد حال، وكانت عامّة المشركين في عتبة الاستئصال بعد إيذان براءة لم يبق لهم إلّا أربعة أشهر إلّا شرذمة قليلة من العرب كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاهدهم عند المسجد الحرام إلى أجل ما بعده من مهل فالجميع كانوا في معرض قبول الإسلام.


( بحث روائي)

في الكافي عن علىّ بن ابراهيم عن بعض أصحابه ذكره قال: لمّا سمّ المتوكّل نذر إن عوفي أن يتصدّق بمال كثير فلمّا عوفي سأل الفقهاء عن حدّ المال الكثير فاختلفوا عليه فقال بعضهم: مائة ألف، وقال بعضهم: عشرة آلاف فقالوا فيه أقاويل مختلفة فاشتبه عليه الأمر.

فقال رجل من ندمائه يقال له صفوان: ألا تبعث إلى هذا الأسود فاسأله عنه؟ فقال له المتوكّل: من تعنى ويحك؟ فقال: ابن الرضا.

فقال له: وهو يحسن من هذا شيئاً؟ فقال: إن أخرجك من هذا فلى عليك كذا وكذا وإلّا فاضربني مائة مقرعة فقال المتوكّل: رضيت، يا جعفر بن محمود إذهب إلى أبى الحسن علىّ بن محمّـد فاسأله عن حدّ المال الكثير، فسأله فقال له: الكثير ثمانون.

فقال له جعفر بن محمود: يا سيّدى إنّه يسألنى عن العلّة فيه فقال له أبو الحسنعليه‌السلام : إنّ الله عزّوجلّ يقول:( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) فعددنا تلك المواطن فكان ثمانين.

أقول: ورواه القمّىّ أيضاً في تفسيره وبعض أصحابه الّذى ذكر في الرواية أنّه سمّاه هو محمّـد بن عمرو على ما ذكره في التفسير. ومعنى الرواية أنّ الثمانين من مصاديق الكثير بدلالة من الكتاب لا أنّ الكثير معناه الثمانون وهو ظاهر.

وفي المجمع ذكر أهل التفسير وأصحاب السير أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا فتح مكّة خرج منها متوجّها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في آخر شهر رمضان أو في شوّال في سنة ثمان من الهجرة، وقد اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف النصرىّ، وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم ونزلوا بأوطاس.

قال: وكان دريد بن الصمة في القوم، وكان رئيس جشم، وكان شيخاً كبيراً قد ذهب بصره من الكبر فقال: بأىّ واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس، ما لى أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وخوار البقر وثغاء الشاة وبكاء


الصبيان؟ فقالوا: إنّ مالك بن عوف ساق مع الناس أبناءهم وأموالهم ونساءهم ليقاتل كلّ منهم عن أهله وماله فقال دريد: راعى ضأن وربّ الكعبة.

ثمّ قال: ائتونى بمالك فلمّا جاءه قال: يا مالك إنّك أصبحت رئيس قومك، وهذا يوم له ما بعده، ردّ قومك إلى عليا بلادهم، والق الرجال على متون الخيل فإنّه لا ينفعك إلّا رجل بسيفه وفرسه فإن كانت لك لحقّ بك من وراءك، وإن كانت عليك لا تكون قد فضحت في أهلك وعيالك، فقال له مالك: إنّك قد كبرت وذهب علمك وعقلك.

وعقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لواءه الأكبر ودفعه إلى علىّ بن ابى طالبعليه‌السلام ، وكلّ من دخل مكّة براية أمره أن يحملها، وخرج بعد أن أقام بمكّة خمسة عشر يوماً، وبعث إلى صفوان بن اُميّـة فاستعار منه مائة درع فقال صفوان: عارية أم غصب؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عارية مضمونة مؤدّاة، فأعاره صفوان مائة درع وخرج معه، وخرج من مسلمة الفتح ألفا رجل، وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دخل مكّة في عشرة آلاف رجل وخرج منها في اثنى عشر ألفاً.

وبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رجلاً من أصحابه فانتهى إلى مالك بن عوف وهو يقول لقومه: ليصير كلّ رجل منكم أهله وماله خلف ظهره، واكسروا جفون سيوفكم واكمنوا في شعاب هذا الوادي وفي السحر فإذا كان في غبش الصبح فاحملوا حملة رجل واحد فهدّوا القوم فإن محمّـداً لم يلق أحداً يحسن الحرب.

ولمّا صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأصحابه الغداة انحدر في وادى حنين فخرجت عليهم كتائب هوازن من كلّ ناحية، وانهزمت بنو سليم وكانوا على المقدّمة وانهزم ما وراءهم، وخلّى الله تعالى بينهم وبين عدوّهم لإعجابهم بكثرتهم وبقى علىّعليه‌السلام ومعه الراية يقاتلهم في نفر قليل ومرّ المنهزمون برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يلوون على شئ.

وكان العبّـاس بن عبدالمطّلب أخذ بلجام بغلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والفضل عن يمينه، وأبوسفيان بن الحارث بن عبدالمطّلب عن يساره، ونوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث في تسعة من بنى هاشم، وعاشرهم أيمن بن اُمّ أيمن، وفي ذلك يقول العبّـاس:

نصرنا رسول الله في الحرب تسعة

و قد فرّ من قـد فرّ عنه فأقشعوا

و قـولى إذا ما الفـضل كرّ بسيفه

على القوم اخرى يا بنىّ ليرجعوا


وعاشرنا لاقى الحمام بنفسه

لما ناله في الله لا يتوجّع

ولمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هزيمة القوم عنه قال للعبّـاس - وكان جهوريّا صيّـتا - اصعد هذا الظرب فناد: يا معشر المهاجرين والأنصار يا أصحاب سورة البقرة يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرّون؟ هذا رسول الله.

فلمّا سمع المسلمون صوت العبّـاس تراجعوا وقالوا: لبّيك لبّيك، وتبادر الأنصار خاصّـة وقاتلوا المشركين حتّى قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الآن حمى الوطيس. أنا النبيّ لا كذب(١) أنا ابن عبدالمطّلب، ونزل النصر من عند الله، وانهزمت هوازن هزيمة قبيحة ففرّوا في كلّ وجه، ولم يزل المسلمون في آثارهم.

وفرّ مالك بن عوف فدخل حصن الطائف، وقتل منهم زهاء مائة رجل، وأغنم الله المسلمين أموالهم ونساءهم، وأمر رسول الله بالذرارى والأموال أن تحدر إلى الجعرانة، وولّى على الغنائم بديل بن ورقاء الخزاعىّ.

ومضىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أثر القوم فوافى الطائف في طلب مالك بن عوف فحاصر أهل الطائف بقيّـة الشهر فلمّا دخل ذو القعدة انصرف وأتى الجعرانة، وقسّم بها غنائم حنين وأوطاس.

قال سعيد بن المسيّب: حدّثنى رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لمّا التقينا نحن وأصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يقفوا لنا حلب شاة فلمّا كشفناهم جعلنا نسوقهم حتّى إذ انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فتلقّانا رجال بيض الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فرجعنا فركبوا أكتافنا فكانوا إيّـاها يعنى الملائكة.

قال الزهريّ: وبلغني أنّ شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنا اُريد أن أقتله بطلحة بن عثمان وعثمان بن طلحة وكانا قد قتلا يوم اُحد فأطلع الله رسوله على ما في نفسي فالتفت إلىّ وضرب في صدري، وقال: اُعيذك بالله يا شيبة فأرعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحبّ إلىّ من سمعي وبصرى فقلت: أشهد أنّك رسول الله، وأنّ الله أطلعك على ما في نفسي.

____________________

(١) غير كذب خ.


وقسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الغنائم بالجعرانة، وكان معه من سبى هوازن ستّة آلاف من الذرارى والنساء، ومن الإبل والشاء ما لا يدرى عدّته.

قال أبو سعيد الخدرىّ: قسم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للمتألّفين من قريش ومن سائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير فمشى سعد بن عبادة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا رسول الله إنّ هذا الحىّ من الأنصار وجدوا عليك في قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب ولم يكن فيهم من ذلك شئ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: ما أنا إلّا امرؤ من قومي فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : فاجمع لى قومك في هذه الحظيرة فجمعهم فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: يا معشر الأنصار أو لم آتكم ضُلّالاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألّف بين قلوبكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.

ثمّ قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ فقالوا: وما نقول؟ وبما ذا نجيبك؟ المنّ لله ولرسوله. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، وخائفاً فآمناك، ومخذولاً فنصرناك. فقالوا: المنّ لله ولرسوله.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألّفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن تذهب الناس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ فو الّذى نفسي بيده لو أنّ الناس سلكوا شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ولو لا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار. اللّهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتّى اخضلّت لحاهم، وقالوا: رضينا بالله ورسوله قسماً ثمّ تفرّقوا.

وقال أنس بن مالك: وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم امر منادياً فنادى يوم اوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتّى يضعن، ولا غير الحبالى حتّى يستبرأن بحيضة.

ثمّ أقبلت وفود هوازن وقدمت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالجعرانة مسلمين فقام خطيبهم وقال: يا رسول الله إنّما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللّاتى كنّ يكفلنك فلو أنّا ملحنا ابن أبى شمر أو النعمان بن المنذر ثمّ أصابنا منهما مثل الّذى أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما وأنت خير المكفولين ثمّ أنشد أبياتاً.


فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أيّ الأمرين أحبّ إليكم: السبى أو الأموال؟ قالوا: يا رسول الله خيّرتنا بين الحسب وبين الأموال، والحسب أحبّ إلينا ولا نتكلّم في شاة ولا بعير فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أمّا الّذى لبنى هاشم فهو لكم وساُكلّم لكم المسلمين وأشفع لكم فكلموهم وأظهروا إسلامكم.

فلمّا صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الهاجرة قاموا فتكلّموا فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد رددت الّذى لبنى هاشم والّذى بيدى عليهم فمن أحبّ منكم أن يعطى غير مكره فليفعل ومن كره أن يعطى فليأخذ الفداء وعلىّ فداؤهم فأعطى الناس ما كان بأيديهم منهم إلّا قليلاً من الناس سألوا الفداء.

وأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى مالك بن عوف وقال: إن جئتني مسلماً رددت إليك أهلك ومالك ولك عندي مائة ناقة فخرج إليه من الطائف فردّ عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل واستعمله على من أسلم من قومه.

أقول: وروى القمّىّ في تفسيره مثله ولم يرو ما نسب من الرجز إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكذا ما أسنده إلى راو معيّـن كالمسيّب والزهرىّ وأنس وأبى سعيد، وروى هذه المعاني بطرق كثيرة من طرق أهل السنّة.

وفي رواية علىّ بن إبراهيم القمّىّ زيادة يسيرة هي ما يأتي:

قال علىّ بن إبراهيم: فلمّا رأى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الهزيمة ركض يحوم على بغلته قد شهر سيفه(١) فقال: يا عبّـاس اصعد هذا الظرب وناد: يا أصحاب [ سورة ] البقرة يا أصحاب الشجرة إلى أين تفرّون؟ هذا رسول الله.

ثمّ رفع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يده وقال: اللّهمّ لك الحمد ولك الشكر واليك المشتكى وأنت المستعان فنزل إليه جبرئيل فقال: يا رسول الله دعوت بما دعا به موسى بن عمران حين فلق الله له البحر ونجّاه من فرعون.

ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي سفيان بن الحارث: ناولنى كفّاً من حصى فناوله فرماه في وجوه المشركين ثمّ قال: شاهت الوجوه. ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال: اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد وإن شئت أن لا تعبد لا تعبد.

____________________

(١) وفى نسخة البحار: ركض نحو على بغلته فرآه قد شهر سيفه.


فلمّا سمعت الأنصار نداء العبّـاس عطفوا وكسروا جفون سيوفهم وهم ينادون: لبّيك ومرّوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستحيوا أن يرجعوا إليه ولحقوا بالراية فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للعبّـاس: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقال: يا رسول الله هؤلاء الأنصار فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الآن حمى الوطيس فنزل النصر من السماء وانهزمت هوازن.

وفي الدرّ المنثور أخرج أبوالشيخ عن محمّـد بن عبيد الله بن عمير الليثىّ قال: كان مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أربعة آلاف من الأنصار و ألف من جهينة، وألف من مزينة وألف من أسلم وألف من غفار وألف من أشجع وألف من المهاجرين وغيرهم فكان معه عشرة آلاف وخرج باثنى عشر ألفاً وفيها قال الله تعالى في كتابه:( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً ) .

وفي سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق قال : فلمّا انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من جفاة أهل مكّة الهزيمة تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن:

فقال أبوسفيان بن حرب: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر. وإنّ الأزلام لمعه في كنانته وصرخ جبلة بن الحنبل قال ابن هشام: كلدة بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن اُميّه مشرك في المدّة الّتى جعل له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم -: ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان اسكت فضّ الله فاك فو الله لأن يربّنى رجل من قريش أحبّ إلىّ من أن يربّنى رجل من هوازن.

قال ابن إسحاق: وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأرى - وكان أبوه قتل يوم اُحد - اليوم أقتل محمّـداُ قال: فأدرت برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأقتله فأقبل شئ حتّى تغشّى فؤادى فلم أطق ذاك فعلمت أنّه ممنوع منّى .

( فهرس أسماء شهداء حنين)

في سيرة ابن هشام قال ابن اسحاق: وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من المسلمين:

من قريش ثمّ من بنى هاشم أيمن بن عبيد ومن بنى أسد بن عبد العزّى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطّلب بن أسد جمح به فرس يقال له الجناح فقتل.


ومن الأنصار سراقة بن الحارث بن عدىّ من بنى العجلان ومن الأشعريّين أبو عامر الأشعريّ.

أقول: وأمّا الثباة مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد عدّوا في بعض الروايات ثلاثة وفي بعضها أربعة وفي بعضها تسعة عاشرهم أيمن بن عبيد - وهو ابن اُمّ أيمن - وفي بعضها ثمانين وفي بعضها: دون المائة.

المتعمد من بينها ما روى عن العبّـاس أنّهم كانوا تسعة عاشرهم أيمن وله في ذلك شعر تقدّم نقله وذلك أنّه كان ممّن ثبت مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طول الوقعة وشاهد ما كان من الأمر وهو الّذى كان ينادى المنهزمين ويستلحقهم بأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد باهى بما قاله من الشعر.

ومن الممكن أن يثبت جمع بعد انهزام الناس هنيئة ثمّ يلحقوا بالمنهزمين أو يرجع جمع قبل رجوع غيرهم فيلحقوا بالراية فيعدّوا ممّن ثبت وقاتل فالحرب العوان لا يجرى على ما يجرى عليه السلم من النظم.

ومن هنا يعلم ما في قول بعضهم: أن الأرجح رواية الثمانين كما عن عبدالله ابن مسعود وإليها يرجع ما رواه ابن عمر أنّهم كانوا دون المائة فإنّ الحجّة لمن حفظ على من لم يحفظ، انتهى ملخّصاً.

وذلك أنّ كون الحجّة لمن حفظ على من لم يحفظ حقّ لكنّ الحفظ في حال الحرب على ما فيه من التحوّل السريع في الأوضاع الحاضرة غير الحفظ في غيره فلا يعتمد إلّا على ما شهدت القرائن لصحّته وأيّد الاعتبار وثاقة حفظه وقد كان العبّـاس مأموراً بما من شأنه حفظ هذا الشأن وما يرتبط به.


( سورة التوبة آيه ٢٩ - ٣٥)  

قَاتِلُوا الّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَيُحَرّمُونَ مَاحَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتّى‏ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( ٢٩ ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى‏ يُؤْفَكُونَ ( ٣٠ ) اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِداً لاَإِلهَ إِلّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ( ٣١ ) يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلّا أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( ٣٢ ) هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( ٣٣ ) يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ( ٣٤ ) يَوْمَ يُحْمَى‏ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَى‏ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَاكُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( ٣٥ )

( بيان)

الآيات تأمر بقتال أهل الكتاب ممّن يمكن تبقيته بالجزية وتذكر اُموراً من وجوه انحرافهم عن الحقّ في الاعتقاد والعمل.

قوله تعالى: ( قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين اُوتوا الكتاب ) أهل الكتاب هم اليهود والنصارى على ما يستفاد من آيات كثيرة من القرآن الكريم وكذا المجوس على


ما يشعر أو يدلّ عليه قوله تعالى:( إنّ الّذين آمنوا والّذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والّذين اشركوا إنّ الله يفصل بينهم يوم القيامة إنّ الله على كلّ شئ شهيد ) الحجّ: ١٧ حيث عدّوا في الآية مع سائر أرباب النحل السماويّـة في قبال الّذين أشركوا، والصابئون كما تقدّم طائفة من المجوس صبوا إلى دين اليهود فاتّخذوا طريقاً بين الطريقين.

والسياق يدلّ على أنّ لفظه( من ) في قوله:( من الّذين اُوتوا الكتاب ) بيانيّـة لا تبعيضية فإنّ كلّا من اليهود والنصارى والمجوس اُمّـة واحدة كالمسلمين في إسلامهم وإن تشعّبوا شعباً مختلفة وتفرّقوا فرقاً متشتّة اختلط بعضهم ببعض ولو كان المراد قتال البعض وإثبات الجزية على الجميع أو على ذلك البعض بعينه لاحتاج المقام في إفادة ذلك إلى بيان غير هذا البيان يحصل به الغرض.

وحيث كان قوله:( من الّذين اُوتوا الكتاب ) بياناً لما قبله من قوله:( الّذين لا يؤمنون ) الآية فالأوصاف المذكورة أوصاف عامّة لجميعهم وهى ثلاثة أوصاف وصفهم الله سبحانه بها: عدم الإيمان بالله واليوم الآخر، وعدم تحريم ما حرّم الله ورسوله، وعدم التديّن بدين الحقّ.

فأوّل ما وصفهم به قوله:( الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) وهو تعالى ينسب إليهم في كلامه أنّهم يثبتونه إلهاً وكيف لا؟ وهو يعدّهم أهل الكتاب، وما هو إلّا الكتاب السماويّ النازل من عند الله على رسول من رسله ويحكى عنهم القول أو لازم القول بالاُلوهيّـة في مئات من آيات كتابه.

وكذا ينسب إليهم القول باليوم الآخر في أمثال قوله:( وقالوا لن تمسّنا النار إلّا أيّـاماً معدودة ) البقره: ٨٠، وقوله:( وقالوا لن يدخل الجنّـة إلّا من كان هوداً أو نصارى ) البقرة: ١١١.

غير أنّه تعالى لم يفرّق في كلامه بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر فالكفر بأحد الأمرين كفر بالله والكفر بالله كفر بالأمرين جميعاً، وحكم فيمن فرّق بين الله ورسله فآمن ببعض دون بعض أنّه كافر كما قال:( إنّ الّذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن


يفرّقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتّخذوا بين ذلك سبيلاً اُولئك هم الكافرون حقّاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً ) النساء: ١٥١.

فعدّ أهل الكتاب ممّن لم يؤمن بنبوّة محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كفّـاراً حقّاً وإن كان عندهم إيمان بالله واليوم الآخر، لا بلسان أنّهم كفروا بآية من آيات الله وهى آية النبوّة بل بلسان أنّهم كفروا بالإيمان بالله فلم يؤمنوا بالله واليوم الآخر كما أنّ المشركين أرباب الأصنام كافرون بالله إذ لم يوحّدوه وإن أثبتوا إلهاً فوق الآلهة.

على أنّهم يقرّرون أمر المبدء والمعاد تقريراً لا يوافق الحقّ بوجه كقولهم بأنّ المسيح ابن الله وعزيراً ابن الله يضاهؤون في ذلك قول الّذين كفروا من أرباب الاصنام والأوثان إنّ من الآلهة من هو إله أب إله ومن هو إله ابن إله، وقول اليهود في المعاد بالكرامة وقول النصارى بالتفدية.

فالظاهر أنّ نفى الإيمان بالله واليوم الآخر عن أهل الكتاب إنّما هو لكونهم لا يرون ما هو الحقّ من أمر التوحيد والمعاد وإن أثبتوا أصل القول بالاُلوهيّـة لا لأنّ منهم من ينكر القول باُلوهيّـة الله سبحانه أو ينكر المعاد فإنّهم قائلون بذلك على ما يحكيه عنهم القرآن وإن كانت التوراة الحاضرة اليوم لا خبر فيها عن المعاد أصلاً.

ثمّ وصفهم ثانياً بقوله:( ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ) وذلك كقول اليهود بإباحة أشياء عدّها وذكّرها لهم القرآن في سورتي البقرة والنساء وغيرهما وقول النصارى بإباحة الخمر ولحم الخنزير، وقد ثبت تحريمهما في شرائع موسى وعيسى ومحمّـدعليهم‌السلام وأكلهم أموال الناس بالباطل كما سينسبه إليهم في الآية الآتية:( إنّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ) .

والمراد بالرسول في قوله:( ما حرّم الله ورسوله ) إمّا رسول أنفسهم الّذى قالوا بنبوّته كموسىعليه‌السلام بالنسبه إلى اليهود وعيسىعليه‌السلام بالنسبة إلى النصارى فالمعنى لا يحرّم كلّ اُمّة منهم ما حرّمه عليهم رسولهم الّذى قالوا بنبوّته، واعترفوا بحقّانيّـته وفي ذلك نهاية التجرّى على الله ورسوله واللعب بالحقّ والحقيقة.

وإمّا النبيّ محمّـد (صلّى لله عليه وآله وسلّم) الّذى يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يحلّ


لهم الطيّـبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال الّتى كانت عليهم.

ويكون حينئذ توصيفهم بعدم تحريمهم ما حرّم الله ورسوله بغرض تأنيبهم والطعن فيهم ولبعث المؤمنين وتهييجهم على قتالهم لعدم اعتنائهم بما حرّمه الله ورسوله في شرعهم واسترسالهم في الوقوع في محارم الله وهتك حرماته.

وربّما أيّد هذا الإحتمال أن لو كان المراد بقوله:( ورسوله ) رسول كلّ اُمّة بالنسبة إليها كموسى بالنسبة إلى اليهود وعيسى بالنسبة إلى النصارى كان من حقّ الكلام أن يقال:( ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسله ) على ما هو دأب القرآن في نظائره للدلالة على كثرة الرسل كقوله:( ويريدون أن يفرّقوا بين الله ورسله ) النساء: ١٥٠، وقوله:( قالت رسلهم أفى الله شكّ ) ابراهيم: ١٠، وقوله:( وجاءتهم رسلهم بالبيّـنات ) يونس: ١٣.

على أنّ النصارى رفضوا محرّمات التوراة و الإنجيل فلم يحرّموا ما حرّم موسى وعيسى (عليه السلام )، وليس من حقّ الكلام في مورد هذا شأنه: أنّهم لا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله.

على أنّ المتدبّر في المقاصد العامّة الإسلاميّـة لا يشكّ في أنّ قتال أهل الكتاب حتّى يعطوا الجزية ليس لغرض تمتّع أولياء الإسلام ولا المسلمين من متاع الحياة الدنيا واسترسالهم وانهما كهم في الشهوات على حدّ المترفين من الملوك والرؤساء المسرفين من أقوياء الاُمم.

وإنّما غرض الدين في ذلك أن يظهر دين الحقّ وسنّة العدل وكلمة التقوى على الباطل والظلم والفسق فلا يعترضها في مسيرها اللّعب والهوى فتسلم التربية الصالحة المصلحة من مزاحمة التربية الفاسدة المفسدة حتّى لا ينجرّ إلى أن تجذب هذه إلى جانب، وتلك إلى جانب، فيتشوّش أمر النظام الإنسانيّ إلّا أن لا يرتضى واحد أو جماعة التربية الإسلاميّـة لنفسه أو لأنفسهم فيكونون أحراراً فيما يرتضونه لأنفسهم من تربية دينهم الخاصّـة على شرط أن يكونوا على شئ من دين التوحيد، وهو اليهوديّـة أو النصرانيّـة أو المجوسيّـة، وأن لا يتظاهروا بالمزاحمة، وهذا غاية العدل والنصفة من دين الحقّ الظاهر على غيره.


وأمّا الجزية فهى عطيّـة ماليّـة مأخوذة منهم مصروفة في حفظ ذمّتهم وحسن إدارتهم ولا غنى عن مثلها لحكومة قائمة على ساقها حقّة أو باطلة.

ومن هذا البيان يظهر أنّ المراد بهذه المحرّمات: المحرّمات الإسلاميّـة الّتى عزم الله أن لا تشيع في المجتمع الإسلاميّ العالميّ كما أنّ المراد بدين الحقّ هو الّذى يعزم أن يكون هو المتّبع في المجتمع.

ولازم ذلك أن يكون المراد بالمحرّمات: المحرّمات الّتى حرّمها الله ورسوله محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الصادع بالدعوة الإسلاميّـة، وأن يكون الأوصاف الثلاثة:( الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) الآية في معنى التعليل تفيد حكمة الأمر بقتال أهل الكتاب.

وبذلك كلّه يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه أنّه لا يعقل أن يحرّم أهل الكتاب على أنفسهم ما حرّم الله ورسوله علينا إلّا إذا أسلموا، وإنّما الكلام في أهل الكتاب لا في المسلمين العاصين.

وجه الفساد أنّه ليس من الواجب أن يكون الغرض من قتالهم أن يحرّموا ما حرّم الإسلام وهم أهل الكتاب بل أن لا يظهر في الناس التبرّز بالمحرّمات من غير مانع يمنع شيوعها والاسترسال فيها كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير وأكل المال بالباطل على سبيل العلن بل يقاتلون ليدخلوا في الذمّه فلا يتظاهروا بالفساد، ويحتبس الشرّ فيما بينهم أنفسهم.

ولعلّه إلى ذلك الإشارة بقوله:( وهم صاغرون ) على ما سيجئ في الكلام على ذيل الآية.

ثمّ وصفهم ثالثاً بقوله:( ولا يدينون دين الحقّ ) أي لا يأخذونه ديناً وسنّة حيويّـة لأنفسهم.

وإضافة الدين إلى الحقّ ليست من إضافة الموصوف إلى صفته على أن يكون المراد الدين الّذى هو حقّ بل من الاضافة الحقيقة، والمراد به الدين الّذى هو منسوب إلى الحقّ لكون الحقّ هو الّذى يقتضيه للإنسان ويبعثه إليه، وكون هذا الدين يهدى إلى الحقّ ويوصل متّبعيه إليه فهو من قبيل قولنا طريق الحقّ وطريق


الضلال بمعنى الطريق الّذى هو للحقّ والطريق الّذى هو للضلال إى إنّ غايته الحقّ أو غايته الضلال.

وذلك أنّ المستفاد من مثل قوله تعالى:( فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله الّتى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم ) الروم: ٣٠، وقوله:( إنّ الدين عند الله الإسلام ) آل عمران: ١٩، وسائر ما يجرى هذا المجرى من الآيات أنّ لهذا الدين أصلاً في الكون والخلقة والواقع الحقّ، يدعو إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويندب الناس إلى الإسلام والخضوع له ويسمّى اتّخاذه سنّة في الحياة إسلاماً لله تعالى فهو يدعو إلى ما لا مناص للإنسان عن استجابته والتسليم له وهو الخضوع للسنّة العمليّـة الاعتباريّـة الّتى يهدى إليها السنّة الكونيّـة الحقيقيّـة، وبعبارة اُخرى التسليم لإرادة الله التشريعيّـة المنبعثة عن إرادته التكوينيّـة.

وبالجملة للحقّ الّذى هو الواقع الثابت دين وسنّة ينبعث منه كما أنّ للضلال والغىّ ديناً يدعو إليه، والأوّل اتّباع للحقّ كما أنّ الثاني اتّباع للهوى، قال تعالى:( ولو اتّبع الحقّ أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ) .

والإسلام دين الحقّ بمعنى أنّه ستّة التكوين والطريقة الّتى تنطبق عليها الخلقة وتدعو إليها الفطرة فطرة الله الّتى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم.

فتلخّص ممّا تقدّمأوّلاً : أنّ المراد بعدم إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر عدم تلبّسهم بالإيمإن المقبول عند الله، وبعدم تحريمهم ما حرّم الله ورسوله عدم مبالاتهم في التظاهر باقتراف المناهى الّتى يفسد التظاهر بها المجتمع البشرىّ ويخيب بها سعى الحكومة الحقّة الجارية فيه، وبعدم تديّنهم بدين الحقّ عدم استنانهم بسنّة الحقّ المنطبقة على الخلقة والمنطبقة عليها الخلقة والكون.

وثانياً : أنّ قوله:( الّذين لا يؤمنون بالله ) إلى آخر الأوصاف الثلاثة مسوق لبيان الحكمة في الأمر بقتالهم ويترتّب عليه فائدة التحريض والتحضيض عليه.

وثالثاً : أنّ المراد قتال أهل الكتاب جميعاً لا بعضهم بجعل( من ) في قوله:( من الّذين اُوتوا الكتاب ) للتبعيض.


قوله تعالى: ( حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) قال الراغب في المفردات: الجزية ما يؤخذ من أهل الذمّة، وتسميتها بذلك للاجتزاء بها في حقن دمهم. انتهى.

وفي المجمع: الجزية فعلة من جزى يجزى مثل العقدة والجلسة وهى عطيّـة مخصوصة جزاءً لهم على تمسّكهم بالكفر عقوبة لهم. عن علىّ بن عيسى. انتهى.

والاعتماد على ما ذكره الراغب فإنّه المتأيّد بما ذكرناه آنفاً أنّ هذه عطيّـة ماليّـة مصروفة في جهة حفظ ذمّتهم وحقن دمائهم وحسن إدارتهم.

وقال الراغب أيضاً: الصغر والكبر من الأسماء المتضادّة الّتى تقال عند اعتبار بعضها ببعض فالشئ قد يكون صغيراً في جنب الشئ وكبيراً في جنب آخر - إلى أن قال - يقال: صغر صغراً - بالكسر فالفتح - في ضدّ الكبير وصغر صغرا وصغاراً - بالفتحتين فيهما - في الذلّة. والصاغر الراضي بالمنزلة الدنيّـة:( حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) انتهى.

والاعتبار بما ذكر في صدر الآية من أوصافهم المقتضية لقتالهم ثمّ إعطاؤهم الجزية لحفظ ذمّتهم يفيد أن يكون المراد بصغارهم خضوعهم للسنّة الإسلاميّـة والحكومة الدينيّـة العادلة في المجتمع الإسلاميّ فلا يكافؤوا المسلمين ولا يبارزوهم بشخصيّة مستقلّة حرّة في بثّ ما تهواه أنفسهم وإشاعة ما اختلقته هوساتهم من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنسانيّ مع ما في إعطاء المال بأيديهم من الهوان.

فظاهر الآية أنّ هذا هو المراد من صغارهم لا إهانتهم والسخريّة بهم من جانب المسلمين أو أولياء الحكومة الدينيّـة فإنّ هذا ممّا لا يحتمله السكينة والوقار الإسلاميّ وإن ذكر بعض المفسّرين.

واليد: الجارحة من الإنسان وتطلق على القدرة والنعمة فإن كان المراد به في قوله:( حتّى يعطوا الجزية عن يد ) هو المعنى الأوّل فالمعنى حتّى يعطوا الجزية متجاوزة عن يدهم إلى يدكم، وإن كان لمراد هو المعنى الثاني فالمعنى: حتّى يعطوا الجزية عن قدرة وسلطة لكم عليهم وهم صاغرون غير مستعلين عليكم ولا مستكبرين.


فمعنى الآية - والله أعلم - قاتلوا أهل الكتاب لأنّهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر إيماناً مقبولاً غير منحرف عن الصواب ولا يحرّمون ما حرّمه الإسلام ممّا يفسد اقترافه المجتمع الإنسانيّ ولا يدينون ديناً منطبقاً على الخلقة الإلهيّـة قاتلوهم ودوموا على قتالهم حتّى يصغروا عندكم ويخضعوا لحكومتكم، ويعطوا في ذلك عطيّـة ماليّـة مضروبة عليهم يمثّل صغارهم، ويصرف في حفظ ذمّتهم وحقن دمائهم وحاجة إدارة اُمورهم.

قوله تعالى: ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) إلى آخر الآية المضاهاة المشاكلة. والإفك على ما ذكره الراغب كلّ مصروف عن وجهه الّذى يحقّ أن يكون عليه فمعنى( يؤفكون ) يصرفون في اعتقادهم عن الحقّ إلى الباطل.

وقوله:( وقالت اليهود عزير ابن الله ) عزير هذا هو الّذى يسمّيه اليهود عزرا غيّرت اللفظة عند التعريب كما غيّر لفظ (يسوع) فصار بالتعريب (عيسى) ولفظ (يوحنّا) فصار كما قيل (يحيى).

وعزرا هذا هو الّذى جدّد دين اليهود وجمع أسفار التوراة وكتبها بعد ما افتقدت في غائلة بخت نصّر ملك بابل الّذى فتح بلادهم وخرّب هيكلهم وأحرق كتبهم وقتل رجالهم وسبى نساءهم وذراريهم والباقين من ضعفائهم وسيّرهم معه إلى بابل فبقوا هنالك ما يقرب من قرن ثمّ لمّا فتح (كورش) ملك ايران بابل شفع لهم عنده عزرا وكان ذا وجه عنده فأجاز له أن يعيد اليهود إلى بلادهم وأن يكتب لهم التوراة ثانياً بعد ما افتقدوا نسخها وكان ذلك في حدود سنة ٤٥٧ قبل المسيح على ما ذكروا فراجت بينهم ثانياً ما جمعه عزرا من التوراة وإن كانوا افتقدوا أيضاً في زمن أنتيوكس صاحب سوريّة الّذى فتح بلادهم حدود سنة ١٦١ ق م وتتّبع مساكنهم فأحرق ما وجده من نسخ التوراة وقتل من وجدت عنده أو اُخذت عليه على ما في كتب التاريخ.

ولما نالهم من خدمته عظّموا قدره واحترموا أمره وسمّوه ابن الله ولا ندرى أكان دعاؤه بالبنوّة بالمعنى الّذى يسمّى به النصارى المسيح ابن الله - والمراد أنّ فيه شيئاً من جوهر الربوبيّـة أو هو مشتقّ منه أو هو هو؟ - أو أنّها تسمية تشريفيّـة كما قالوا: نحن أبناء الله وأحبّاؤه؟ وإن كان ظاهر سياق الآية التالية:( اتّخذوا أحبارهم ورهبأنّهم أرباباً من


دون الله والمسيح بن مريم ) الآية يؤيّد الثاني على ما سيأتي.

وقد ذكر بعض المفسّرين: أنّ هذا القول منهم:( عزير ابن الله ) كلمة تكلّم بها بعض اليهود ممّن في عصرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا جميع اليهود فنسب إلى الجميع كما أنّ قولهم:( إنّ الله فقير ونحن أغنياء ) وكذا قولهم:( يد الله مغلولة ) ممّا قاله بعض يهود المدينة ممّن عاصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنسب في كلامه تعالى إلى جميعهم لأنّ البعض منهم راضوان بما عمله البعض الآخر، والجميع ذو رأى متوافق الأجزاء ورويّة متشابهة التأثير.

وقوله:( وقالت النصارى المسيح ابن الله ) كلمة قالتها النصارى، وقد تقدّم الكلام فيها وفي ما يتعلّق بها في قصّة المسيحعليه‌السلام من سورة آل عمران في الجزء الثالث من الكتاب.

وقوله:( يضاهؤون قول الّذين كفروا من قبل ) تنبئ الآية عن أنّ القول بالبنوّة منهم مضاهاة ومشاكلة لقول من تقدّمهم من الاُمم الكافرة وهم الوثنيّون عبدة الأصنام فإنّ من آلهتهم من هو إله أب إله ومن هو إله ابن إله، ومن هي إلهة اُمّ إله أو زوجة إله، وكذا القول بالثالوث ممّا كان دائراً بين الوثنيّـين من الهند والصين ومصر القديم وغيرهم وقد مرّ نبذة من ذلك فيما تقدّم من الكلام في قصّة المسيح في ثالث أجزاء هذا الكتاب.

وتقدّم هناك أنّ تسرّب العقائد الوثنيّـة في دين النصارى ومثلهم اليهود من الحقائق الّتى كشف عنها القرآن الكريم في هذه الآية:( يضاهؤون قول الّذين كفروا من قبل ) .

وقد اعتنى جمع(١) من محقّقى هذا العصر بتطبيق ما تضمّنته كتب القوم أعني العهدين: العتيق والجديد على ما حصل من مذاهب البوذيّـين والبرهمائيّـين فوجدوا معارف العهدين منطبقة على ذلك حذو النعل بالنعل حتّى كثيراً من القصص والحكايات الموجودة في الأناجيل فلم يُبق ذلك ريباً لأىّ باحث في أصالة قوله تعالى:( يضاهؤون ) الآية في هذا الباب.

ثمّ دعا عليهم بقوله:( قاتلهم الله أنّى يؤفكون ) وختم به الآية.

____________________

(١) (Budhist and Christian Gospels Edmuds A. J. V ٢. philadelphia ١٩٠٨)


قوله تعالى: ( اتّخذوا أحبارهم ورهبأنّهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم ) الأحبار جمع حبر بفتح الحاء وكسرها وهو العالم وغلب استعماله في علماء اليهود والرهبان جمع راهب وهو المتلبّس بلباس الخشية وغلب على المتنسّكين من النصارى.

واتّخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله هو إصغاؤهم لهم وإطاعتهم من غير قيد وشرط ولا يطاع كذلك إلّا الله سبحانه.

وأمّا اتّخاذهم المسيح بن مريم ربّاً من دون الله فهو القول باُلوهيّته بنحو كما هو المعروف من مذاهب النصارى، وفي إضافة المسيح إلى مريم إشارة إلى عدم كونهم محقّين في هذا الإتّخاذ لكونه إنساناً ابن مرأة.

ولكون الإتّخاذين مختلفين من حيث المعنى فصل بينهما فذكر اتّخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله أوّلاً، ثمّ عطف عليه قوله:( والمسيح بن مريم ) .

والكلام كما يدلّ على اختلاف الربوبيّـتين كذلك لا يخلو عن دلالة على أنّ قولهم ببنوّة عزير وبنوّة المسيح على معنيين مختلفين، وهو البنوّة التشريفيّة في عزير والبنوّة بنوع من الحقيقة في المسيحعليه‌السلام فإنّ الآية أهملت ذكر اتّخاذهم عزيراً ربّاً من دون الله، ولم يذكر مكانه إلّا اتّخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.

فهو ربّ عندهم بهذا المعنى إمّا لاستلزام التشريف بالبنوّة ذلك أو لأنّه من أحبارهم وقد أحسن إليهم في تجديد مذهبهم ما لا يقاس به إحسان غيره، وأمّا المسيح فبنوّته غير هذه البنوّة.

وقوله:( وما اُمروا إلّا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلّا هو ) جملة حاليّة أي اتّخذوا لهم أرباباً والحال هذه.

وفي الكلام دلالة أوّلاً: على أنّ الاتّخاذ بالربوبيّـة بواسطة الطاعة كالاتّخاذ بها بواسطة العبادة فالطاعة إذا كانت بالاستقلال كانت عبادة، ولازم ذلك أنّ الربّ الّذى هو المطاع من غير قيد وشرط وعلى نحو الاستقلال إله، فإنّ الإله هو المعبود الّذى من حقّه أن يعبد، يدلّ على ذلك كلّه قوله تعالى:( وما اُمروا إلّا ليعبدوا إلهاً واحداً ) حيث بدّل الربّ بالإله، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وما اُمروا إلّا ليتّخذوا ربّاً واحداً


فالاتّخاذ للربوبيّـة بواسطة الطاعة المطلقة عبادة، واتّخاذ الربّ معبوداً اتّخاذ له إلهاً فافهم ذلك.

وثانياً: على أنّ الدعوة إلى عبادة الله وحده فيما وقع من كلامه تعالى كقوله تعالى:( لا إله إلّا أنا فاعبدون ) الأنبياء: ٢٥ وقوله:( فلا تدع مع الله إلهاً آخر ) الشعراء: ٢١٣ وأمثال ذلك كما اُريد بها قصر العبادة بمعناها المتعارف فيه تعالى كذلك اُريد قصر الطاعة فيه تعالى، وذلك أنّه تعالى لم يؤاخذهم في طاعتهم لأحبارهم ورهبانهم إلّا بقوله عزّ من قائل:( وما اُمروا إلّا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلّا هو ) .

وعلى هذا المعنى يدلّ قوله تعالى:( ألم أعهد إليكم يا بنى آدم إلّا تعبدوا الشيطان إنّه لكم عدوّ مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ) يس - ٦١، وهذا باب ينفتح منه ألف باب.

وفي قوله:( لا إله إلّا هو ) تتميم لكلمة التوحيد الّتى يتضمّنها قوله:( وما اُمروا إلّا ليعبدوا إلهاً واحداً ) فإنّ كثيراً من عبدة الأصنام كانوا يعتقدون بوجود آلهة كثيرة، وهم مع ذلك لا يخصّون بالعبادة إلّا واحداً منها فعبادة إله واحد لا يتمّ به التوحيد إلّا مع القول بأنّه لا إله إلّا هو.

وقد جمع تعالى بين العبادتين مع الإشارة إلى مغايرة ما بينهما وأنّ قصر العبادة بكلا معنييها عليه تعالى هو معنى الإسلام له سبحانه الّذى لا مفرّ منه للإنسان، فيما أمر به نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من دعوة أهل الكتاب بقوله:( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولّوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون ) آل عمران: ٦٤.

وقوله تعالى في ذيل الآية:( سبحانه عمّا يشركون ) تنزيه له تعالى عمّا يتضمّنه قولهم بربوبيّـة الأحبار والرهبان، وقولهم بربوبيّـة المسيحعليه‌السلام من الشرك.

و الآية بمنزلة البيان التعليلىّ لقوله تعالى في أوّل الآيات:( الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) فإنّ اتّخاذ إله أو آلهة دون الله سبحانه لا يجامع الإيمان بالله، ولا الإيمان بيوم لا ملك فيه إلّا لله.

قوله تعالى: ( يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ) إلى آخر الآية، الإطفاء


إخماد النار أو النور، والباء في قوله:( بأفواههم ) للآلة أو السببيّـة.

وإنّما ذكر الأفواه لأنّ النفخ الّذى يتوسّل به إلى إخماد الأنوار والسرج يكون بالأفواه، قال في المجمع: وهذا من عجيب البيان مع ما فيه من تصغير شأنهم وتضعيف كيدهم لأنّ الفم يؤثّر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة. انتهى.

وقال في الكشّاف: مثّل حالهم في طلبهم أن يبطلوا نبوّة محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم منبثّ في الآفاق يريد الله أن يزيده، ويبلغه الغاية القصوى في الإشراق والإضاءة ليطفئه بنفخه ويطمسه. انتهى، والآية إشارة إلى حال الدعوة الإسلاميّـة، وما يريده منه الكافرون، وفيها وعد جميل بأنّ الله سيتمّ نوره.

قوله تعالى: ( هو الّذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون ) الهدى الهداية الإلهيّـة الّتى قارنها برسوله ليهدى بأمره، ودين الحقّ هو الإسلام بما يشتمل عليه من العقائد والأحكام المنطبقة على الواقع الحقّ.

والمعنى أنّ الله هو الّذى أرسل رسوله وهو محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع الهداية - أو الآيات والبيّنات - ودين فطرىّ ليظهر وينصر دينه الّذى هو دين الحقّ على كلّ الأديان ولو كره المشركون ذلك.

وبذلك ظهر أنّ الضمير في قوله:( ليظهره ) راجع إلى دين الحقّ كما هو المتبادر من السياق، وربّما قيل: إنّ الضمير راجع إلى الرسول، والمعنى ليظهر رسوله ويعلمه معالم الدين كلّها وهو بعيد.

وفي الآيتين من تحريض المؤمنين على قتال أهل الكتاب والإشارة إلى وجوب ذلك عليهم ما لا يخفى فإنّهما تدلّان على أنّ الله أراد انتشار هذا الدين في العالم البشرىّ فلا بدّ من السعي والمجاهدة في ذلك، وأنّ أهل الكتاب يريدون أن يطفؤوا هذا النور بأفواههم فلا بدّ من قتالهم حتّى يفنوا أو يستبقوا بالجزية والصغار، وأنّ الله سبحانه يأبى إلّا أن يتمّ نوره، ويريد أن يظهر هذا الدين على غيره فالدائرة بمشيّـة الله لهم على أعدائهم فلا ينبغى لهم أن يهنوا ويحزنوا وهم الأعلون إن كانوا مؤمنين.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا إنّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون


أموال الناس بالباطل ويصدّون عن سبيل الله ) الظاهر أنّ الآية إشارة إلى بعض التوضيح لقوله في أوّل الآيات:( ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ ) كما أنّ الآية السابقة كالتوضيح لقوله فيها:( الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) .

أمّا إيضاح قوله تعالى:( ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ) بقوله:( إنّ كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ) فهو إيضاح بأوضح المصاديق وأهمّها تأثيراً في إفساد المجتمع الإنسانيّ الصالح، وإبطال غرض الدين.

فالقرآن الكريم يعدّ لأهل الكتاب وخاصّـة لليهود جرائم وآثاماً كثيرة مفصّلة في سورة البقرة والنساء والمائدة وغيرها لكنّ الجرائم والتعدّيات الماليّـة شأنها غير شأن غيرها، وخاصّـة في هذا المقام الّذى تعلّق الغرض بإفساد أهل الكتاب المجتمع الإنسانيّ الصالح لو كانوا مبسوطي اليد واستقلالهم الحيوىّ قائماً على ساق، ولا مفسد للمجتمع مثل التعدّي المالىّ.

فإنّ أهمّ ما يقوم به المجتمع الإنسانيّ على أساسه هو الجهة الماليّـة الّتى جعل الله لهم قياماً فجل المآثم والمساوي والجنايات والتعدّيات والمظالم تنتهى بالتحليل إمّا إلى فقر مفرط يدعو إلى اختلاس أموال الناس بالسرقة وقطع الطرق وقتل النفوس والبخس في الكيل والوزن والغصب وسائر التعدّيات الماليّـة، وإمّا إلى غنى مفرط يدعو إلى الإتراف والإسراف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمسكن، والاسترسال في الشهوات وهتك الحرمات، وبسط التسلّط على أموال الناس وأعراضهم ونفوسهم.

وتنتهى جميع المفاسد الناشئة من الطريقين كليهما بالتحليل إلى ما يعرض من الاختلال على النظام الحاكم في حيازة الأموال واقتناء الثروة، والأحكام المشرّعة لتعديل الجهات المملّكة المميّزة لأكل المال بالحقّ من أكله بالباطل، فإذا اختلّ ذلك وأذعنت النفوس بإمكان القبض على ما تحتها من المال، وتتوّق إليه من الثروة بأىّ طريق أمكن لقّن ذلك إيّـاها أن يظفر بالمال ويقبض على الثروة بأىّ طريق ممكن حقّ أو باطل، وأن يسعى إلى كلّ مشتهى من مشتهيات النفس مشروع أو غير مشروع أدّى إلى ما أدّى، وعند ذلك يقوم البلوى بفشوّ الفساد وشيوع الانحطاط الأخلاقيّ في المجتمع، وانقلاب


المحيط الإنسانيّ إلى محيط حيوانىّ ردىّ لأهمّ فيه إلّا البطن وما دونه ولا يملك فيه إراده أحد بسياسة أو تربية ولا تفقّه فيه لحكمة ولا إصغاء إلى موعظة.

ولعلّ هذا هو السبب الموجب لاختصاص أكل المال بالباطل بالذكر، وخاصّـة من الأحبار والرهبان الّذين إليهم تربية الاُمّة وإصلاح المجتمع.

وقد عدّ بعضهم من أكلهم أموال الناس بالباطل ما يقدّمه الناس إليهم من المال حبّاً لهم لتظاهرهم بالزهد والتنسّك، وأكل الربا والسحت، وضبطهم أموال مخالفيهم وأخذهم الرشا على الحكم، وإعطاء أوراق المغفرة وبيعها، ونحو ذلك.

والظاهر أنّ المراد بها أمثال أخذ الرشوة على الحكم كما تقدّم من قصّتهم في تفسير قوله تعالى:( يا أيّها الرسول لا يحزنك الّذين يسارعون في الكفر ) الآية المائدة: ٤١، في الجزء الخامس من الكتاب.

ولو لم يكن من ذلك إلّا ما كانت تأتى به الكنيسة من بيع أوراق المغفرة لكفى به مقتاً ولوماً.

وأمّا ما ذكره من تقديم الأموال إليهم لتزهّدهم، وكذا تخصيصهم بأوقاف ووصايا ومبرّات عامّة فليس بمعدود من أكل المال بالباطل، وكذا ما ذكره من أكل الربا والسحت فقد نسبه تعالى في كلامه إلى عامّة قومهم كقوله تعالى:( وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ) النساء: ١٦١، وقوله:( سمّاعون للكذب أكّالون للسحت ) المائدة: ٤٢، وإنّما كلامه تعالى في الآية الّتى نحن فيها فيما يخصّ أحبارهم ورهبانهم من أكل المال بالباطل لا ما يعمّهم وعامّـتهم.

إلّا أنّ الحقّ أنّ زعماء الاُمّة الدينيّـة ومربّيهم في سلوك طريق العبوديّـة المعتنين بإصلاح قلوبهم وأعمالهم إذا انحرفوا عن طريق الحقّ إلى سبيل الباطل كان جميع ما أكلوه لهذا الشأن واستدّروه من منافعه سحتاً محرّماً لا يبيحه لهم شرع ولا عقل.

وأمّا إيضاح قوله تعالى:( ولا يدينون دين الحقّ ) بقوله:( ويصدّون عن سبيل الله ) فهو أيضاً مبنىّ على ما قدّمناه من النكتة في توصيفهم بالأوصاف الثلاثة الّتى ثالثها قوله:( ولا يدينون دين الحقّ ) وهو بيان ما يفسد من صفاتهم وأعمالهم المجتمع الإنسانيّ


ويسدّ طريق الحكومة الدينيّـة العادلة دون البلوغ إلى غرضها من إصلاح الناس وتكوين مجتمع حىّ فعّال بما يليق بالإنسان الفطريّ المتوجّه إلى سعادته الفطريّة.

ولذا خصّ بالذكر من مفاسد عدم تديّنهم بدين الحقّ ما هو العمدة في إفساد المجتمع الصالح، وهو صدّهم عن سبيل الله ومنعهم الناس عن أن يسلكوه بما قدروا عليه من طرقه الظاهرة والخفيّة، ولا يزالون مصرّين على هذه السليقة منذ عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى اليوم.

قوله تعالى: ( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) قال الراغب: الكنز جعل المال بعضه على بعض وحفظه، وأصله من كنزت التمر في الوعاء، وزمن الكناز وقت ما يكنز فيه التمر، وناقة كناز مكتنزة اللحم، وقوله:( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ) أي يدّخرونها، انتهى.

ففى مفهوم الكنز حفظ المال المكنوز وادّخاره ومنعه من ان يجرى بين الناس في وجوه المعاملات فينمو نماءً حسناً، ويعمّ الانتفاع به في المجتمع فينتفع به هذا بالأخذ، وذاك بالردّ، وذلك بالعمل عليه وقد كان دأبهم قبل ظهور البنوك والمخازن العامّة أن يدفنوا الكنوز في الأرض ستراً عليها من أن تقصد بسوء.

والآية وإن اتّصلت في النظم اللفظىّ بما قبلها من الآيات الذمّة لأهل الكتاب والموبّخة لأحبارهم ورهبانهم في أكلهم أموال الناس بالباطل والصدّ عن سبيل الله إلّا أنّه لا دليل من جهة اللفظ على نزولها فيهم واختصاصها بهم البتّـة.

فلا سبيل إلى القول بأنّ الآية إنّما نزلت في أهل الكتاب وحرّمت الكنز عليهم، وأمّا المسلمون فهم وما يقتنون من ذهب وفضّة يصنعون بأموالهم ما يشاؤون من غير بأس عليهم.

والآية توعد الكانزين إيعاداً شديداً، ويهدّدهم بعذاب شديد غير أنّها تفسّر الكنز المدلول عليه بقوله:( الّذين يكنزون الذهب والفضّة ) بقوله:( ولا ينفقونها في سبيل الله ) فتدلّ بذلك على أنّ الّذى يبغضه الله من الكنز ما يلازم الكفّ عن إنفاقة في سبيل الله إذا كان هناك سبيل.


وسبيل الله على ما يستفاد من كلامه تعالى هو ما توقّف عليه قيام دين الله على ساقه وأن يسلم من انهدام بنيانه كالجهاد وجميع مصالح الدين الواجب حفظها، وشؤون مجتمع المسلمين الّتى ينفسخ عقد المجتمع لو انفسخت، والحقوق الماليّـة الواجبة التى أقام الدين بها صلب المجتمع الدينىّ، فمن كنز ذهباً أو فضّة والحاجة قائمة والضرورة عاكفة فقد كنز الذهب والفضّة ولم ينفقها في سبيل الله فليبشر بعذاب أليم فإنّه آثر نفسه على ربّه وقدّم حاجة نفسه أو ولده الاحتماليّـة على حاجة المجتمع الدينىّ القطعيّـة.

ويستفاد هذا ممّا في الآية التالية من قوله:( هذا ما كنزتم لأنفسكم ) فإنّه يدلّ على أنّ توجّه العتاب عليهم لكونهم خصّوه بأنفسهم وآثروها فيما خافوا حاجتها إليه على سبيل الله الّذى به حياة المجتمع الإنسانيّ في الدنيا والآخرة، وقد خانوا الله ورسوله في ذلك من جهة اُخرى وهى الستر والتغييب إذ لو كان ظاهراً جارياً على الأيدى كان من الممكن أن يامره ولىّ الأمر بإنفاقه في حاجة دينيّـة قائمة لكن إذا كنز كنزاً وأخفى عن الأنظار لم يلتفت إليه، وبقيت الحاجة الضروريّـة قائمة في جانب والمال المكنوز الّذى هو آلوسيلة الوحيدة لرفع الحاجة في جانب مع عدم حاجة من كنزه إليه.

فالآية إنّما تنهى عن الكنز لهذه الخصيصة الّتى هي إيثار الكانز نفسه بالمال من غير حاجة إليه على سبيل الله مع قيام الحاجة إليه، وناهيك أنّ الإسلام لا يحدّ أصل الملك من جهة الكمّـيّة بحدّ فلو كان لهذا الكانز أضعاف ما كنزه من الذهب والفضّة ولم يدّخرها كنزاً بل وضعها في معرض الجريان يستفيد به لنفسه اُلوفاً واُلوفاً، ويفيد غيره ببيع أو شراء أو عمل وغير ذلك لم يتوجّه إليه نهى دينىّ لأنّه حيث نصبها على أعين الناس وأجراها في مجرى النماء الصالح النافع لم يخفها ولم يمنعها من أن يصرف في سبيل الله فهو وإن لم ينفقها في سبيل الله إلّا أنّه بحيث لو أراد ولىّ أمر المسلمين لأمره بالإنفاق فيما يرى لزوم الإنفاق فيه فليس هو إذا لم ينفق وهو بمرأى ومسمع من ولىّ الأمر بخائن ظلوم.

فالآية ناظرة إلى الكنز الّذى يصاحبه الامتناع عن الإنفاق في الحقوق الماليّـة الواجبة لا بمعنى الزكاة الواجبة فقط بل بمعنى يعمّها وغيرها من كلّ ما يقوم عليه ضرورة


المجتمع الدينىّ من الجهاد وحفظ النفوس من الهلكة ونحو ذلك.

وأمّا الانفاق المستحبّ كالتوسعة على العيال، وإعطاء المال وبذله على الفقراء في الزائد على ضرورة حياتهم فهو وإن أمكن أن يطلق عليه فيما عندنا الإنفاق في سبيل الله إلّا أنّ نفس أدلّته المبيّنة لاستحبابه تكشف عن أنّه ليس من هذا الإنفاق في سبيل الله المذكور في هذه الآية فكنز المال وعدم إنفاقه إنفاقاً مندوباً مع عدم سبيل ضروريّ ينفق فيه ليس من الكنز المنهىّ عنه في هذه الآية فهذا ما تدلّ عليه الآية الكريمة، وقد طال فيها - لما يتعلّق بها من بعض الأبحاث الكلاميّـة - المشاجرة بين المفسّرين، وسنورد فيه كلاماً بعد الفراغ عن البحث الروائيّ المتعلّق بالآيات إن شاء الله تعالى.

وقوله في ذيل الآية:( فبشّرهم بعذاب أليم ) إيعاد بالعذاب يدلّ على تحريمه الشديد.

قوله تعالى: ( يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ) إلى آخر الآية. إحماء الشئ جعله حارّاً في الإحساس، والإحماء عليه الإيقاد ليتسخّن والإحماء فوق التسخين، والكىّ إلصاق الشئ الحارّ بالبدن.

والمعنى: أنّ ذلك العذاب المبشّر به في يوم يوقد على تلك الكنوز في نار جهنّم فتكون محماة بالنار فتلصق بجباههم وجنوبهم وظهورهم، ويقال لهم عند ذلك:( هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) : فقد عاد عذاباً عليكم تعذّبون به.

ولعلّ تخصيص الجباه والجنوب والظهور لأنّهم خضعوا لها وهو السجدة الّتى تكون بالجباه ولاذوا إليها واللواذ بالجنوب، واتّكؤوا عليها والإتّكاء بالظهور، وقيل غير ذلك والله أعلم.

( بحث روائي)

في الكافي بإسناده عن حفص بن غياث عن أبى عبداللهعليه‌السلام - في حديث الأسياف الّذى ذكره عن أبيه قال: وأمّا السيوف الثلاثة المشهورة فسيف على مشركي العرب، قال الله


عزّوجلّ:( اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .

قال: والسيف الثاني على أهل الذمّة قال الله عزّوجلّ:( وقولوا للناس حسناً ) نزلت هذه الآية في أهل الذمّة ثمّ نسخها قوله عزّوجلّ:( قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحقّ من الّذين اُوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) فمن كان منهم في دار الإسلام فلن يقبل منه إلا الجزية أو القتل وما لهم فئ وذراريهم سبى، وإذا قبلوا الجزية على انفسهم حرم علينا سبيهم، وحرمت أموالهم، وحلّت لنا مناكحتهم.

ومن كان منهم في دار الحرب حلّ لنا سبيهم وأموالهم ولم يحلّ مناكحتهم، ولم يقبل إلّا الدخول في دار الإسلام أو الجزية أو القتل.

وفيه بإسناده عن طلحة بن زيد عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: جرت السنّة أن لا تؤخذ الجزية من المعتوه ولا من المغلوب على عقله.

وفيه بإسناده عن أبى يحيى الواسطيّ عن بعض أصحابنا قال: سأل أبوعبداللهعليه‌السلام عن المجوس أكان لهم شئ؟ فقال: نعم أما بلغك كتاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أهل مكّة: أن أسلموا و إلّا نابذتكم بحرب فكتبوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أن خذ منّا الجزية ودعنا على عبادة الأوثان. فكتب إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّى لست آخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب.

فكتبوا إليه - يريدون بذلك تكذيبه -: زعمت أنّك لا تأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب ثمّ أخذت الجزية من مجوس هجر. فكتب إليهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّ لمجوس كان لهم نبىّ فقتلوه وكتاب أحرقوه. أتاهم نبيّهم بكتابهم في اثنى عشر ألف جلد ثور.

أقول: وفي هذه المعاني روايات اُخرى مودعة في جوامع الحديث واستيفاء الكلام في مسائل الجزية والخراج وغيرهما في الفقه.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن عساكر عن أبى اُمامة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: القتال قتالان: قتال المشركين حتّى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقتال الفئة الباغية حتّى تفئ إلى أمر الله فإذا فاءت اُعطيت العدل.


وفيه أخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ والبيهقيّ في سننه عن مجاهد في قوله:( قاتلوا الّذين لا يؤمنون بالله ) الآية قال: نزلت هذه حين اُمر محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه بغزوة تبوك.

أقول: وقد تقدّمت الروايات في ذيل آية المباهلة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أقرّ الجزية على نصارى نجران، وكان ذلك على ما دلّ عليه أمثل الروايات سنة ستّ من الهجرة قبل غزوة تبوك بسنين، وكذا دعوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ملوك الروم ومصر والعجم وهم من أهل الكتاب كانت سنة ستّ.

وفيه أخرج ابن أبى شيبة عن الزهريّ قال: أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجزية من مجوس أهل هجر ومن يهود اليمن ونصاراهم من كلّ حالم دينار.

وفيه أخرج مالك والشافعيّ وأبوعبيد في كتاب الأموال وابن أبى شيبة عن جعفر عن أبيه أنّ عمر بن الخطّاب استشار الناس في المجوس في الجزية فقال عبد الرحمن ابن عوف سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب.

وفيه أخرج عبد الرزّاق في المصنف عن علىّ بن أبى طالب: أنّه سأل عن أخذ الجزية من المجوس فقال: والله ما على الأرض اليوم أحد أعلم بذلك منّى إنّ لمجوس كانوا أهل كتاب يعرفونه، وعلم يدرسونه فشرب أميرهم الخمر فسكر فوقع على اُخته فرآه نفر من المسلمين فلمّا أصبح قالت اُخته: إنّك قد صنعت بها كذا وكذا، وقد رآك نفر لا يسترون عليك فدعا أهل الطمع ثمّ قال لهم قد علمتم أنّ آدمعليه‌السلام قد أنكح بنيه بناته.

فجاء اُولئك الّذين رأوه فقالوا: ويل للأبعد إنّ في ظهرك حدّ الله فقتلهم اُولئك الّذين كانوا عنده ثمّ جاءت امرأة فقالت له: بلى قد رأيتك فقال لها: ويحاً لبغىّ بنى فلان قالت: أجل والله قد كانت بغيّة ثمّ تابت فقتلها، ثمّ أسرى على ما في قلوبهم وعلى كتبهم فلم يصبح عندهم شئ.

وفي تفسير العيّـاشيّ في قوله تعالى:( وقالت اليهود عزير ابن الله ) الآية عن عطيّـة العوفىّ عن أبى سعيد الخدرىّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اشتدّ غضب الله على اليهود حين قالوا: عزير ابن الله، واشتدّ غضب الله على النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله: واشتدّ


غضب الله على من أراق دمى وآذاني في عترتي.

وفي الدرّ المنثور أخرج البخاريّ في تاريخه عن أبى سعيد الخدرىّ قال: لمّا كان يوم اُحد شجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في وجهه وكسرت رباعيّـته فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذ رافعاً يديه يقول: إنّ الله عزّوجلّ اشتدّ غضبه على اليهود أن قالوا: عزير ابن الله، واشتدّ غضبه على النصارى أن قالوا المسيح ابن الله وإنّ الله اشتدّ غضبه على من أراق دمى وآذاني في عترتي.

أقول: وقد روى في الدرّ المنثورو غيره عن ابن عبّـاس وكعب الأحبار والسدّىّ وغيرهم روايات في قصّة عزير هي أشبه بالإسرائيليّـات، والظاهر أنّ الجميع تنتهى إلى كعب.

وفي الاحتجاج للطبرسيّ عن علىّعليه‌السلام قال:( قاتلهم الله أنّى يؤفكون ) أي لعنهم الله أنّى يؤفكون فسمّى اللعنة قتالاً، وكذلك:( قتل الإنسان ما أكفره ) أي لعن الإنسان.

أقول: وروى ذلك من طرق أهل السنّة عن ابن عبّـاس وهو على أيّ حال تفسير يلازم المعنى لا بالمراد اللفظىّ.

وفي الكافي بإسناده عن أبى بصير، عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: قلت له:( اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم، ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراماً وحرّموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون.

أقول: وروى هذا المعنى البرقىّ في المحاسن ورواه العيّـاشيّ في تفسيره عن أبى بصير وعن جابر جميعاً عن أبى عبداللهعليه‌السلام وعن حذيفة، ورواه في الدرّ المنثور عن عدّة من أصحاب الطرق عن حذيفة.

وفي تفسير القمّىّ قال: وفي رواية أبى الجارود عن أبى جعفرعليه‌السلام في قوله:( اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) قال: أمّا المسيح فبعض عظّموه


في أنفسهم حتّى زعموا أنّه إله وأنّه ابن الله، وطائفة منهم قالوا: ثالث ثلاثة، وطائفة منهم قالوا: هو الله.

وأمّا قوله:( أحبارهم ورهبانهم ) فإنّهم أطاعوا وأخذوا بقولهم، واتّبعوا ما أمروهم به، ودانوا بما دعوهم إليه فاتّخذوهم أرباباً بطاعتهم لهم وتركهم أمر الله وكتبه ورسله فنبذوه وراء ظهورهم، وما أمرهم به الأحبار والرهبان اتّبعوهم وأطاعوهم وعصوا الله. الحديث.

وفي تفسير البرهان عن المجمع قال: وروى الثعلبيّ بإسناده عن عدىّ بن حاتم قال: أتيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال لى: يا عدىّ اطرح هذا الربق.

وفي تفسير البرهان عن الصدوق بإسناده عن أبى بصير قال: قال أبوعبداللهعليه‌السلام في قوله عزّوجلّ:( هو الّذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ) الآية والله ما نزل تأويلها بعد ولا ينزل تأويلها حتّى يخرج القائم فإذا خرج القائم لم يبق كافر بالله ولا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه حتّى لو كان الكافر في بطن صخرة قالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله.

أقول: وروى ما في معناه العيّـاشيّ عن أبى المقدام عن أبى جعفرعليه‌السلام وعن سماعة عن أبى عبداللهعليه‌السلام ، وكذا الطبرسيّ مثله عن أبى جعفرعليه‌السلام ، وفي تفسير القمّىّ أنّها نزلت في القائم من آل محمّـد (عليه السلام )، ومعنى نزولها فيه كونه تأويلها كما يدلّ عليه روايه الصدوق.

وفي الدرّ المنثور أخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والبيهقيّ في سننه عن جابر في قوله:( ليظهره على الدين كلّه ) قال: لا يكون ذلك حتّى لا يبقى يهودىّ ولا نصرانيّ صاحب ملّة إلّا الإسلام حتّى تأمن الشاة الذئب، والبقرة الأسد، والإنسان الحيّة، وحتّى لا تقرض فأرة جراباً، وحتّى يوضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، وذلك إذا نزل عيسى بن مريمعليه‌السلام .

أقول: والمراد بوضع الجزية أن تصير متروكة لا حاجة إليها لعدم الموضوع بقرينة


صدر الحديث، وما دلّت عليه هذه الروايات من عدم بقاء كفر ولا شرك يومئذ يؤيّدها روايات اُخرى، وهناك روايات اُخرى تدلّ على وضع المهدىّعليه‌السلام الجزية على أهل الكتاب بعد ظهوره.

وربّما أيّده قوله تعالى في أهل الكتاب:( وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) المائدة: ٦٤،( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة ) المائدة: ١٤، وما في معناه من الآيات فإنّها لا تخلو من ظهور مّا في بقائهم إلى يوم القيامة إن لم تكن كناية عن ارتفاع المودّة بينهم ارتفاعاً أبديّـاً، وقد تقدّم في ذيل الآيات بعض الكلام في هذا المعنى.

وفي الدرّ المنثور أيضاً أخرج ابن الضريس عن علباء بن أحمر أنّ عثمان بن عفّان لمّا أراد أن يكتب المصاحف أرادوا أن يلقوا الواو الّتى في براءة:( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ) قال اُبىّ: لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفى على عاتقي فألحقوها.

وفى أمالى الشيخ قال: أخبرنا جماعة عن أبى المفضّل وساق إسناده قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزلت هذه الآية:( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) كلّ ما يؤدّى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكلّ مال لا يؤدّى زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.

أقول: وروى ما في معناه في الدرّ المنثورعن ابن عدىّ والخطيب عن جابر عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكذا بطرق اُخرى عن ابن عبّـاس وغيره.

وفيه أيضاً بإسناده عن أبى عبداللهعليه‌السلام عن أبيه أبى جعفرعليه‌السلام أنّه سأل عن الدنانير والدراهم وما على الناس.

فقال أبوجعفرعليه‌السلام : هي خواتيم الله في أرضه جعلها الله مصلحة لخلقه، وبها يستقيم شؤونهم ومطالبهم فمن أكثر له منها فقام بحقّ الله تعالى فيها أدّى زكاتها فذاك الّذى طلبه، وخلص له، ومن أكثر له منها فبخل بها ولم يؤدّ حقّ الله فيها واتّخذ منها الأبنية فذاك الّذى حقّ عليه وعيد الله عزّوجلّ في كتابه يقول الله تعالى( يوم يحمى عليها في نار جهنّم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ) .


أقول: والرواية تؤيّد ما استفدناه سابقاً من الآية.

وفي تفسير القمّىّ قال: كان أبوذرّ الغفاريّ يغدو كلّ يوم وهو في الشام فينادى بأعلى صوته: بشّر أهل الكنوز بكىّ في الجباه، وكىّ في الجنوب، وكىّ في الظهور حتّى يتردّد الحرّ في أجوافهم.

أقول: وقد استفاد الطبرسيّ في المجمع من الرواية الوجه في تخصيص الجباه والجنوب والظهور من بين أعضاء الإنسان بالذكر في الآية، وأنّ الغرض من تعذيبهم بهذا الوجه إيراد حرّ النار في أجوافهم وهى داخل الرؤوس فتكوى جباههم وداخل الصدور والبطون فتكوى جنوبهم وظهورهم.

ويمكن تتميم ما ذكره بأنّهم يكبّون على وجوههم ورؤوسهم منكوسة على ما يشعر به الأخبار وبعض الآيات ثمّ تكوى أعضاؤهم من فوق فينتج ذلك كىّ الجباه والجنوب والظهور.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد الرزّاق في المصنّف عن أبى ذرّ قال: بشّر أصحاب الكنوز بكىّ في الجباه وفي الجنوب وفي الظهور.

وفيه أخرج ابن سعد وابن أبى شيبة والبخاريّ وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه عن زيد بن وهب قال: مررت على أبى ذرّ بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنّا بالشام فقرأت:( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) فقال معاوية: ما هذه فينا هذه في أهل الكتاب. قلت أنا: إنّها لفينا وفيهم.

وفيه أخرج مسلم وابن مردويه عن الأحنف بن قيس قال: جاء أبوذرّ فقال: بشّر الكانزين بكىّ من قبل ظهورهم يخرج من جنوبهم، وكىّ من جباههم يخرج من أقفائهم، فقلت: ماذا؟ قال: ما قلت إلّا ما سمعت من نبيّهمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفيه أخرج أحمد في الزهد عن أبى بكر المنكدر قال: بعث حبيب بن سلمة إلى أبى ذرّ وهو أمير الشام بثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك، فقال أبوذرّ: ارجع بها إليه أما وجد أحداً أغرّ بالله منّا ما لنا إلّا الظلّ نتوارى به، وثلاثة من غنم


تروح علينا، ومولاة لنا تصدّق علينا بخدمتها ثمّ إنّى لأنا أتخوّف الفضل.

وفيه أخرج البخاريّ ومسلم عن الأحنف بن قيس قال: جلست إلى ملإ من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة حتّى قام عليهم فسلّم ثمّ قال: بشّر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنّم ثمّ يوضع على حلمة ثدى أحدهم حتّى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتّى يخرج من حلمة ثديه فيتدلدل.

ثمّ ولّى وجلس إلى سارية فتبعته وجلست إليه وأنا لا أدرى من هو؟ فقلت: لا أرى القوم إلّا قد كرهوا ما قلت، قال: إنّهم لا يعقلون شيئاً قال لى خليلي. قلت: من خليلك؟ قال: النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أتبصر اُحداً؟ قلت: نعم. قال: ما اُحبّ أن يكون لى مثل اُحد ذهباً اُنفقه كلّه إلّا ثلاثة دنانير وإنّ هؤلاء لا يعقلون إنّما يجمعون للدنيا والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين حتّى ألقى الله عزّوجلّ.

وفي تاريخ الطبريّ عن شعيب عن سيف عن محمّـد بن عوف عن عكرمة عن ابن عبّـاس أنّ أباذرّ دخل على عثمان وعنده كعب الأحبار فقال لعثمان: لا ترضوا من النّاس بكفّ الّذى حتّى يبذلوا المعروف، وقد ينبغى لمؤدّى الزكاة أن لا يقتصر عليها حتّى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات.

فقال: كعب من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه، فرفع أبوذرّ محجنه فضربه فشجّه فاستوهبه عثمان فوهبه له، وقال: يا أباذرّ اتّق الله واكفف يدك ولسانك، وقد كان قال له: يابن اليهوديّة ما أنت وما ههنا؟

أقول: وقصص أبى ذرّ واختلافه مع عثمان ومعاوية معروفة مضبوطة في كتب التاريخ والتدبّر فيما مرّ من أحاديثه وما قاله لمعاوية إنّ الآية لا تختصّ بأهل الكتاب وما خاطب به عثمان وواجه به كعباً يدلّ على أنّه إنّما فهم من الآية ما قدّمناه أنّها توعد على الكفّ عن الإنفاق في السبيل الواجب.

ويؤيّده تحليل الحال الحاضر يومئذ فقد كان الناس يومئذ انقسموا قسمين وتبعّضوا شطرين عامّة لا يقدرون على قوت اليوم، ولا يجدون ما يستر عورتهم وما لهم إلى


أوجب حوائجهم سبيل، وخاصّـة أسكرتهم الدنيا بجماع ما فيها من مال ومنال يكنزون مآت الاُلوف واُلوف الاُلوف من عطايا الخلافة وغنائم الحروب ومال الخراج. ويكفيك في التبّصر فيه أن تراجع ما ضبطته التواريخ من أموال الصحابة من نقد ورقيق وضيعة وشامخات القصور وناجمات الدور، وما أحدثه معاوية وسائر بنى اُميّة بالشام وغيره من أزياء قيصرانيّة وكسروانيّة.

والإسلام لا يرتضى شيئاً من ذلك ولا ينفذ هذا الاختلاف لفاحش دون أن تتقارب الطبقات بالإنفاق، وتصلح عامّة الأوضاع بانعطاف الأغنياء على الفقراء، والأقوياء على الضعفاء.

وربّما قيل: إنّ أباذرّ كان يرى باجتهاد منه أنّ الزائد على القدر الواجب من المال الّذى ينفق لسدّ الجوع وستر العورة كنز يجب إنفاقه في سبيل الله أو أنّه كان يدعو إلى الزهد في الدنيا.

لكنّ الّذى يوجد من بعض كلامه في الروايات يكذّبه فإنّه لا يستند في شئ ممّا قاله إلى اجتهاده ورأى نفسه بل بقوله: ما قلت لهم إلّا ما سمعت من نبيّهم، وقال خليلي كذا وكذا، وقد صحّت الرواية واستفاضت من طرق الفريقين عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: (ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبىّ ذرّ).

وبذلك يظهر فساد ما ذكره شدّاد بن أوس فيما روى عنه أحمد والطبرانيّ قال: (كان أبوذرّ يسمع عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ يخرج إلى باديته ثمّ يرخّص فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد ذلك فيحفظ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الرخصة فلا يسمعها أبوذرّ فيأخذ أبوذرّ بالأمر الأوّل الّذى سمع قبل ذلك).

وذلك أنّ الّذى ذكر من أبى ذرّ إنّما هو قوله: إنّ آية الكنز لا تختصّ بأهل الكتاب بل يعمّهم والمسلمين، وليس هذا مصداقاً لما ذكره في الرواية من العزيمة والرخصة، وكذا قوله: إنّ تأدية الزكاة فحسب لا يكفى في جواز الكنز وعدم إنفاقه في الواجب من سبيل الله، وكيف يتصوّر في حقّه أن لا يكون يسمع أنّ الإنفاق منه


مستحبّ كما أنّ منه واجباً وأن لا يعلم أن أدلّة الإنفاق المندوب أحسن مبيّن لآية الكنز.

وأوهن من ذلك ما تعلّق به الطبريّ في تاريخه فقد روى عن شعيب عن سيف عن عطيّـة عن يزيد الفقعسىّ قال: لمّا ورد ابن السوداء الشام لقى أباذرّ فقال: يا أباذرّ ألا تعجّب إلى معاوية يقول: المال مال الله ألا إنّ كلّ شئ لله؟ كأنّه يريد أن يحتجبه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين.

فأتاه أبوذرّ فقال: ما يدعوك إلى أن تسمّى مال المسلمين مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أباذرّ ألسنا عبدالله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإنّى لا أقول: إنّه ليس لله، ولكن سأقول: مال المسلمين.

قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له: من أنت؟ أظنّك والله يهوديّاً؟ فأتى عبادة بن الصامت فتعلّق به فأتى به معاوية فقال: هذا والله الّذى بعث عليك أباذرّ.

وقام أبوذرّ بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء وأسوأ الفقراء بشّر الّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكان من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. الحديث.

ومحصّله أنّ أباذرّ إنّما بادر إلى ما بادر وألحّ عليه بتسويل من ابن السوداء وهذان الّذان روى عنهما الحديث وعنهما يروى جلّ قصص عثمان أعني شعيباً وسيفاً هما من الكذّابين الوضّاعين المشهورين ذكرهما علماء الرجال وقدحوا فيهما.

والّذى اختلقاه من حديث ابن السوداء وهو الّذى سمّوه عبدالله بن سبا، وإليهما ينتهى حديثه، من الأحاديث الموضوعة، وقد قطع المحقّقون من أصحاب البحث أخيراً أنّ ابن السوداء هذا من الموضوعات الخرافيّـة الّتى لا أصل لها.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما من ذى كنز لا يؤدّى حقّه إلّا جئ به يوم القيامة تكوى به جبينه وجبهته، وقيل له: هذا كنزك الّذى بخلت به.

وفيه أخرج الطبرانيّ في الأوسط وأبوبكر الشافعيّ في الغيلانيّات عن علىّ قال:


قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم القدر الّذى يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلّا بما يمنع أغنياؤهم. ألا وإنّ الله يحاسبهم حساباً شديداً أو يعذّبهم عذاباً أليماً.

وفيه أخرج الحاكم وصحّحه وضعّفه الذهبيّ عن أبى سعيد الخدرىّ عن بلال قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا بلال الق الله فقيراً ولا تلقه غنيّاً. قلت: وكيف لى بذلك؟ قال: إذا رزقت فلا تخبأ، وإذا سئلت فلا تمنع، قلت: وكيف لى بذلك؟ قال: هو ذاك وإلّا فالنار.

( كلام في معنى الكنز)

لا ريب أنّ المجتمع الّذى أوجده الإنسان بحسب طبعه الأوّلىّ إنّما يقوم بمبادلة المال والعمل، ولو لا ذلك لم يعش المجتمع الإنسانيّ ولا طرفة عين فإنّما يتزوّد الإنسان من مجتمعه بأن يحرز اُموراً من أوّليّات المادّة الأرضيّـة ويعمل عليها ما يسعه من العمل ثمّ يقتنى من ذلك لنفسه ما يحتاج إليه، ويعوض ما يزيد على حاجته من سائر ما يحتاج إليه ممّا عند غيره من أفراد المجتمع كالخبّاز يأخذ لنفسه من الخبز ما يقتات به ويعوّض الزائد عليه من الثوب الّذى نسجه النسّاج وهكذا فإنّما أعمال المجتمعين في ظرف اجتماعهم بيع وشرى ومبادلة ومعاوضة.

والّذى يتحصّل من الأبحاث الاقتصاديّة أنّ الإنسان الأوّلىّ كان يعوّض في معاملاته العين بالعين من غير أن يكونوا متنبّهين لأزيد من ذلك غير أنّ النسب بين الأعيان كانت تختلف عندهم باشتداد الحاجة وعدمه، وبوفور الأعيان المحتاج إليها وإعوازها فكلّما كانت العين أمسّ بحاجة الإنسان أو قلّ وجودها توفّرت الرغبات إلى تحصيلها، وارتفعت نسبتها إلى غيرها، وكلّما بعدت عن مسيس الحاجة أو ابتذلت بالكثرة ه والوفور انصرفت النفوس عنها وانخفضت نسبتها إلى غيرها، وهذا هو أصل القيمة.

ثمّ إنّهم عمدوا إلى بعض الأعيان العزيزة الوجود عندهم فجعلوها أصلا في القيمة


تقاس إليه سائر الأعيان الماليّـة بمالها من مختلف النسب كالحنطة والبيضة والملح فصارت مداراً تدور عليها المبادلات السوقيّة، وهذه السليقة دائرة بينهم في بعض المجتمعات الصغيرة في القرى وبين القبائل البدويّة حتّى اليوم.

ولم يزالوا على ذلك حتّى ظفروا ببعض الفلزّات كالذهب والفضّة والنحاس ونحوها فجعلوها أصلاً إليه يعود نسب سائر الأعيان من جهه قيمها، ومقياساً واحداً يقاس إليها غيرها فهى النقود القائمة بنفسها وغيرها يقوم بها.

ثمّ آل الأمر إلى أن يحوز الذهب المقام الأوّل والفضّة تتلوه، ويتلوها غيرهما، وسكّت الجميع بالسكك الملوكيّه أو الدوليّة فصارت ديناراً ودرهماً وفلساً وغير ذلك بما يطول شرحه على خروجه من غرض البحث.

فلم يلبث النقدان حتّى عاداً أصلاً في القيمة بهما يقوّم كلّ شئ، وإليهما يقاس ما عند الإنسان من مال أو عمل، وفيهما يرتكز ارتفاع كلّ حاجة حيويّـة، وهما ملاك الثروة والوجد كالمتعلّق بهما روح المجتمع في حياته يختلّ أمره باختلال أمرهما، إذا جريا في سوق المعاملات جرت المعاملات بجريانهما، وإذا وقفا وقفت.

وقد أوضحت ما عليهما من الوظيفة المحوّلة إليهما في المجتمعات الإنسانيّـة من حفظ قيم الأمتعة والأعمال، وتشخيص نسب بعضها إلى بعض، الأوراق الرسميّة الدائرة اليوم فيما بين الناس كالبوند والدولار وغيرهما والصكوك البنجيّة المنتشرة فإنّها تمثّل قيم الأشياء من غير أن تتضمّن عينيّة لها قيمة في نفسها فهى قيم خالصة مجرّدة تقريباً.

فالتأمّل في مكانة الذهب والفضّة الاجتماعيّـة بما هما نقدان حافظان للقيم ومقياسان يقاس إليهما الأمتعة والأموال بما لها من النسب الدائرة بينها تنوّر أنّهما ممثّلان لنسب الأشياء بعضها إلى بعض، وإذ كانت بحسب الاعتبار ممثّلات للنسب - وإن شئت فقل: نفس النسب - تبطل النسب ببطلان اعتبارها، وتحبس بحبسها ومنع جريانها، وتقف بوقوفها.

وقد شاهدنا في الحربين العالميّين الأخيرين ماذا أوجده بطلان اعتبار نقود بعض الدول؟ كالمنات في الدولة التزاريّة والمارك في الجرمن من البلوى وسقوط الثروة واختلال


أمر الناس في حياتهم، والحال في كنزهما ومنع جريانهما بين الناس هذا الحال.

وإلى ذلك يشير قول أبى جعفرعليه‌السلام في رواية الأمالى المتقدّمة: (جعلها الله مصلحة لخلقه وبها يستقيم شئونهم ومطالبهم).

ومن هنا يظهر أنّ كنزهما إبطال لقيم الأشياء وإماتة لما في وسع المكنوز منهما من إحياء المعاملات الدائرة وقيام السوق في المجتمع على ساقه، وببطلإن لمعاملات وتعطّل الأسواق تبطل حياة المجتمع، وبنسبة ما لها من الركود والوقوف تقف وتضعف.

لست اُريد خزنهما في مخازن تختصّ بهما فإنّ حفظ نفاس الأموال وكرائم الأمتعة من الضيعة من الواجبات الّتى تهدى إليه الغريزة الإنسانيّـة ويستحسنه العقل السليم فكلّما جرت وجوه النقد في سبيل المعاملات كيفما كان فهو وإذا رجعت فمن الواجب أن تختزن وتحفظ من الضيعة وما يهدّدها من أيادى الغصب والسرقة والغيلة والخيانة.

وإنّما أعنى به كنزهما وجعلهما في معزل عن الجريان في المعاملات السوقيّة والدوران لإصلاح أيّ شأن من شؤون الحياة ورفع الحوائج العاكفة على المجتمع كإشباع جائع وإرواء عطشان وكسوة عريان وربح كاسب وانتفاع عامل ونماء مال وعلاج مريض وفكّ أسير وإنجاء غريم والكشف عن مكروب والتفريج عن مهموم وإجابه مضطرّ والدفع عن بيضة المجتمع الصالح وإصلاح ما فسد من الجوّ الإجتماعيّ.

وهى موارد لا تحصى واجبة أو مندوبة أو مباحة لا يتعدّى فيها حدّ الاعتدال إلى جانبى الإفراط والتفريط والبخل والتبذير، والمندوب من الإنفاق وإن لم يكن في تركه مأثم ولا إجرام شرعاً ولا عقلاً غير أنّ التسبّب إلى إبطال المندوبات من رأس والاحتيال لرفع موضوعها من أشدّ الجرم والمعصية.

اعتبر ذلك فيما بين يديك من الحياة اليوميّة بما يتعلّق به من شؤون المسكن والمنكح والمأكل والمشرب والملبس تجد أنّ ترك النفل المستحبّ من شؤون الحياة والمعاش والاقتصار دقيقاً على الضرورىّ منها - الّذى هو بمنزلة الواجب الشرعيّ - يوجب اختلال أمر الحياة اختلالاً لا يجبره جابر ولا يسدّ طريق الفساد فيه سادّ.

وبهذا البيان يظهر أنّ قوله تعالى:( والّذين يكنزون الذهب والفضّة ولا ينفقونها


في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم ) ليس من البعيد أن يكون مطلقاً يشمل الإنفاق المندوب بالعناية الّتى مرّت فإنّ في كنز الأموال رفعاً لموضوع الإنفاق المندوب كالإنفاق الواجب لا مجرّد عدم الإنفاق مع صلاحية الموضوع لذلك.

وبذلك يتبيّن أيضاً معنى ما خاطب به أبوذرّ عثمان بن عفّان لما دخل عليه على ما تقدّم في رواية الطبريّ حيث قال له:( لا ترضوا من الناس بكفّ الأذى حتّى يبذلوا المعروف، وقد ينبغى لمؤدّى الزكاة أن لا يقتصر عليها حتّى يحسن إلى الجيران والإخوان ويصل القرابات ) .

فإنّ لفظه كالصريح أو هو صريح في أنّه لا يرى كلّ إنفاق فيما يفضل من المؤنة بعد الزكاة واجباً، وأنّه يقسّم الإنفاق في سبيل الله إلى ما يجب وما ينبغى غير أنّه يعترض بانقطاع سبيل الإنفاق من غير جهة الزكاة وانسداد باب الخيرات بالكلّـيّة وفي ذلك إبطال غرض التشريع وإفساد المصلحة العامّة المشرّعة.

يقول: ليست هي حكومة استبداديّة قيصرانيّة أو كسروانيّة، لا وظيفة لها إلّا بسط الأمن وكفّ الّذى بالمنع عن إيذاء بعض الناس بعضاً ثمّ الناس أحرار فيما فعلوا غير ممنوعين عن ما اشتهوا من عمل أفرطوا أو فرّطوا، أصلحوا أو أفسدوا، اهتدوا أو ضلّوا وتاهوا، والمتقلّد لحكومتهم حرّ فيما عمل ولا يسأل عمّا يفعل.

وإنّما هي حكومة اجتماعيّـة دينيّـة لا ترضى عن الناس بمجرّد كفّ الأذى بل تسوق الناس في جميع شؤون معيشتهم إلى ما يصلح لهم ويهيّئ لكلّ من طبقات المجتمع من أميرهم ومأمورهم ورئيسهم ومرؤوسهم ومخدومهم وخادمهم وغنيّهم وفقيرهم وقويّهم وضعيفهم ما يسع له من سعادة حياتهم فترفع حاجة الغنىّ بإمداد الفقير وحاجة الفقير بمال الغنىّ وتحفظ مكانة القوىّ باحترام الضعيف وحياة الضعيف برأفة القوىّ ومراقبته، ومصدريّة العالي بطاعة الدانى وطاعة الدانى بنصفة العالي وعدله، ولا يتمّ هذا كلّه إلّا بنشر المبرّات وفتح باب الخيرات، والعمل بالواجبات على ما يليق بها والمندوبات على ما يليق بها وأمّا القصر على القدر الواجب، وترك الإنفاق المندوب من رأس فإنّ فيه هدماً لأساس الحياة الدينيّـة، وإبطالاً لغرض الشارع، وسيراً حثيثاً إلى نظام مختلّ وهرج ومرج


وفساد عريق لا يصلحه شئ كلّ ذلك عن المسامحة في إحياء غرض الدين، والمداهنة مع الظالمين إلّا تفعلوه تكن فتنه في الأرض وفساد كبير.

وكذلك قول أبى ذرّ لمعاوية فيما تقدّم من رواية الطبريّ: (ما يدعوك إلى أن تسمّى مال المسلمين مال الله؟ قال: يرحمك الله يا أباذرّ ألسنا عبدالله والمال ماله والخلق خلقه والأمر أمره قال: فلا تقله).

فإنّ الكلمة الّتى كان يقولها معاوية وعمّاله ومن بعده من خلفاء بنى اُميّة وإن كانت كلمة حقّ وقد رويت عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويدلّ عليها كتاب الله لكنّهم كانوا يستنتجون منه خلاف ما يريده الله سبحانه فإنّ المراد به أنّ المال لا يختصّ به أحد بعزّة أو قوّة أو سيطرة وإنّما هو لله ينفق في سبيله على حسب ما عيّنه من موارد إنفاقه فإن كان ممّا اقتناه الفرد بكسب أو إرث أو نحوهما فله حكمه، وإن كان ممّا حصّلته الحكومة الإسلاميّـة من غنيمة أو جزيه أو خراج أو صدقات أو نحو ذلك فله أيضاً موارد إنفاق معيّـنة في الدين، وليس في شئ من ذلك لوالى الأمر أن يخصّ نفسه أو واحداً من أهل بيته بشئ يزيد على لازم مؤنته فضلاً أن يكنز الكنوز ويرفع به القصور ويتّخذ الحجاب ويعيش عيشه قيصر وكسرى.

وأمّا هؤلاء فإنّما كانوا يقولونه دفعاً لاعتراض الناس عليهم في صرف مال المسلمين في سبيل شهواتهم وبذله فيما لا يرضى الله، ومنعه أهليه ومستحقّيه إنّ المال للمسلمين تصرّفونه في غير سبيلهم ! فيقولون: إنّ المال مال الله ونحن اُمناؤه نعمل فيه بما نراه فيستبيحون بذلك اللّعب بمال الله كيف شاؤوا ويستنتجون به صحّة عملهم فيه بما أرادوا وهو لا ينتج إلّا خلافه، ومال الله ومال المسلمين بمعنى واحد، وقد أخذوهما لمعنيين اثنين يدفع أحدهما الآخر.

ولو كان مراد معاوية بقوله: (المال مال الله) هو الصحيح من معناه لم يكن معنى لخروج أبى ذرّ من عنده وندائه في الملإ من الناس: بشّر الكانزين بكىّ في الجباه وكىّ في الجنوب وكىّ في الظهور.

على أنّ معاوية قد قال لأبي ذرّ إنّه يرى أنّ آية الكنز خاصّـة بأهل الكتاب و


ربّما كان من أسباب سوء ظنّه بهم إصرارهم عند كتابة مصحف عثمان أن يحذفوا الواو من قوله:( والّذين يكنزون الذهب ) الخ حتّى هدّدهم اُبىّ بالقتال إن لم يلحقوا الواو فألحقوها وقد مرّت الرواية.

فالقصّة في حديث الطبريّ عن سيف عن شعيب وإن سيقت بحيث تقضى على أبى ذرّ بأنّه كان مخطئاً في ما اجتهد به كما اعترف به الطبريّ في أوّل كلامه غير أنّ أطراف القصّة تقضى بإصابته.

وبالجملة فالآية تدلّ على حرمة كنز الذهب والفضّة فيما كان هناك سبيل لله يجب إنفاقه فيه وضرورة داعية إليه لمستحقّي الزكاة مع الامتناع من تأديتها، والدفاع الواجب مع عدم النفقة وانقطاع سبيل البرّ والإحسان بين الناس.

ولا فرق في تعلّق وجوب الإنفاق بين المال الظاهر الجارى في الأسواق وبين الكنز المدفون في الأرض غير أنّ الكنز يختصّ بشئ زائد وهو خيانة ولىّ الأمر في ستر المال وغروره كما تقدّم ذكره في البيان لمتقدّم.


( سورة التوبة آيه ٣٦ - ٣٧)  

إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافّةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ ( ٣٦ ) إِنّمَا النّسِي‏ءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلّ بِهِ الّذِينَ كَفَرُوا يُحِلّونَهُ عَاماً وَيُحَرّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدّةَ مَاحَرّمَ اللّهُ فَيُحِلّوا مَا حَرّمَ اللّهُ زُيّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ( ٣٧ )

( بيان)

في الآيتين بيان حرمة الأشهر الحرم ذى القعدة وذى الحجّة والمحرّم ورجب الفرد وتثبيت حرمتها وإلغاء نسئ الجاهليّـة، وفيها الأمر بقتال المشركين كافّة.

قوله تعالى: ( إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ) الشهر كالسنة والاُسبوع ممّا يعرفه عامّة الناس منذ أقدم أعصار الإنسانيّـة، وكأنّ لبعضها تأثيراً في تنبّههم للبعض فقد كان الإنسان يشاهد تحوّل السنين ومرورها بمضيّ الصيف والشتاء والربيع والخريف وتكرّرها بالعود ثمّ العود ثمّ تنبّهوا لانقسامها إلى أقسام هي أقصر منها مدّة حسب ما ساقهم إليه مشاهدة اختلاف أشكال القمر من الهلال إلى الهلال، وينطبق على ما يقرب من ثلاثين يوماً وتنقسم بذلك السنة إلى اثنى عشر شهراً.

والسنة الّتى ينالها الحسّ شمسيّة تتألّف من ثلاثمائة وخمسة وستّين يوماً وبعض يوم لا تنطبق على اثنى عشر شهراً قمريّاً هي ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوماً تقريباً إلّا


برعاية حساب الكبيسة غير أنّ ذلك هو الّذى يناله الحسّ وينتفع به عامّة الناس من الحاضر والبادى والصغير والكبير والعالم والجاهل.

ثمّ قسموا الشهر إلى الأسابيع وإن كان هو أيضاً لا ينطبق عليها تمام الانطباق لكن الحسّ غلب هناك أيضاً الحساب الدقيق، وهو الّذى أثبت اعتبار الاُسبوع وأبقاه على حاله من غير تغيير مع ما طرء على حساب السنة من الدقّة من جهة الأرصاد، وعلى حساب الشهور من التغيير فبدّلت الشهور القمريّة شمسيّة تنطبق عليها السنة الشمسيّة تمام الانطباق.

وهذا بالنسبة إلى النقاط الاستوائيّة وما يليها من النقاط المعتدلة أو ما يتّصل بها من الأرض إلى عرض سبع وستّين الشماليّ والجنوبىّ تقريباً، وفيها معظم المعمورة وأمّا ما وراء ذلك إلى القطبين الشماليّ والجنوبىّ فيختلّ فيها حساب السنة والشهر والاُسبوع، والسنة في القطبين يوم وليلة، وقد اضطرّ ارتباط بعض أجزاء المجتمع الإنسانيّ ببعض سكّان هذه النقاط - وهم شرذمة قليلون - أن يراعوا في حساب السنة والشهر والاُسبوع واليوم ما يعتبره عامّة سكّان المعمورة فحساب الزمان الدائر بيننا إنّما هو بالنسبة إلى جلّ سكّان المعمورة من الأرض.

على أنّ هذا إنّما هو بالنسبة إلى أرضنا الّتى نحن عليها، وأمّا سائر الكواكب فالسنة - وهى زمان الحركة الانتقاليّة من الكوكب حول الشمس دورة واحدة كاملة - فيها تختلف وتتخلّف عن سنتنا نحن، وكذلك الشهر القمرىّ فيما كان له قمر أو أقمار منها على ما فصّلوه في فنّ الهيئة.

فقوله تعالى:( إنّ عدّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً ) الخ ناظر إلى الشهور القمريّة الّتى تتألّف منها السنون وهى الّتى لها أصل ثابت في الحسّ وهو التشكّلات القمريّة بالنسبة إلى أهل الأرض.

والدليل على كون المراد بها الشهور القمريّة - أوّلاً - قوله بعد:( منها أربعة حرم ) لقيام الضرورة على أنّ الإسلام لم يحرّم إلّا أربعة من الشهور القمريّة الّتى هي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب، والأربعة من القمريّة دون الشمسيّة.


وثانياً: قوله:( عند الله ) وقوله:( في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ) فإنّ هذه القيود تدلّ على أنّ هذه العدّة لا سبيل للتغيّر والاختلاف إليها لكونها عند الله كذلك ولا يتغيّر علمه، وكونها في كتاب الله كذلك يوم خلق السماوات والأرض فجعل الشمس تجرى لمستقرّ لها، والقمر قدّره منازل حتّى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا اللّيل سابق النهار وكلّ في فلك يسبحون فهو الحكم المكتوب في كتاب التكوين، ولا معقّب لحكمه تعالى.

ومن المعلوم أنّ الشهور الشمسيّة وضعيّة اصطلاحيّة وإن كانت الفصول الأربعة والسنة الشمسيّة على غير هذا النعت فالشهور الاثنا عشر الّتى هي ثابتة ذات أصل ثابت هي الشهور القمريّة.

فمعنى الآية أنّ عدّة الشهور اثنا عشر شهراً تتألّف منها السنون، وهذه العدّة هي الّتى في علم الله سبحانه، وهى الّتى أثبتها في كتاب التكوين يوم خلق السماوات والأرض وأجرى الحركات العامّة الّتى منها حركة الشمس وحركة القمر حول الأرض وهى الأصل الثابت في الكون لهذه العدّة.

ومن هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسّرين أنّ المراد بكتاب الله في الآية القرآن أو كتاب مكتوب فيه عدّة الشهور على حدّ الكتب والدفاتر الّتى عندنا المؤلّفة من قراطيس وأوراق يضبط فيها الألفاظ بخطوط خاصّـة وضعيّة.

قوله تعالى: ( منها أربعة حرم ذلك الدين القيّم فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ) الحرم جمع حرام وهو الممنوع منه، والقيّم هو القائم بمصلحة الناس المهيمن على إدارة اُمور حياتهم وحفظ شؤونها.

وقوله:( منها أربعة حرم ) هي الأشهر الأربعة: ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب بالنقل القطعيّ، والكلمة كلمة تشريع بدليل قوله:( ذلك الدين القيّم ) الخ.

وإنّما جعل الله هذه الأشهر الأربعة حرماً ليكفّ الناس فيها عن القتال وينبسط عليهم بساط الأمن، ويأخذوا فيها الاُهبة للسعادة، ويرجعوا إلى ربّهم بالطاعات والقربات.


وكانت حرمتها من شريعة إبراهيم، وكانت العرب تحترمها حتّى في الجاهليّـة حينما كانوا يعبدون الأوثان غير أنّهم ربّما كانوا يحوّلون الحرمة من شهر إلى شهر سنة أو أزيد منها بالنسئ الّذى تتعرّض له الآية التالية.

وقوله:( ذلك الدين القيّم ) ، الإشارة إلى حرمة الأربعة المذكورة، والدين كما تطلق على مجموع ما أنزله الله على أنبيائه تطلق على بعضها فالمعنى أنّ تحريم الأربعة من الشهور القمريّة هو الدين الّذى يقوم بمصالح العباد. كما يشير إليه في قوله:( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام ) الآية المائدة: ٩٧ وقد تقدّم الكلام فيه في الجزء السادس من الكتاب.

وقوله:( فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ) الضمير إلى الأربعة إذ لو كان راجعاً إلى( اثنا عشر ) المذكور سابقاً لكان الظاهر أن يقال( فيها ) كما نقل عن الفرّاء، وأيضاً لو كان راجعاً إلى( اثنا عشر ) وهى تمام السنة لكان قوله:( فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ) كما قيل في معنى قولنا: فلا تظلموا أبداً أنفسكم، وكان الكلام متفرّعاً على كون عدّة الشهور عند الله اثنى عشر شهراً، ولا تفرّع له عليه ظاهراً فالمعنى لما كانت هذه الأربعة حرماً تفرّع على حرمتها عند الله أن تكفّوا فيها عن ظلم أنفسكم رعاية لحرمتها وعظم منزلتها عند الله سبحانه.

فالنهى عن الظلم فيها يدلّ على عظم الحرمة وتأكّدها لتفرّعها على حرمتها أوّلاً ولأنّها نهى خاصّ بعد النهى العامّ كما يفيده قولنا: لا تظلم أبداً ولا تظلم في زمان كذا.

والجملة أعنى قوله:( فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ) وإن كانت بحسب إطلاق لفظها نهياً عن كلّ ظلم ومعصية لكنّ السياق يدلّ على كون المقصود الأهمّ منها النهى عن القتال في الأشهر الحرم.

قوله تعالى: ( و قاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة واعلموا أنّ الله مع المتّقين ) قال الراغب في المفردات: الكفّ كفّ الإنسان وهى ما بها يقبض ويبسط، وكففته أصبت كفّه، وكففته أصبته بالكفّ ودفعته بها، وتعورف الكفّ بالدفع على أيّ وجه كان، بالكفّ كان أو غيرها حتّى قيل: رجل مكفوف لمن قبض بصره.


وقوله: وما أرسلناك إلّا كافّة للناس أي كافّاً لهم عن المعاصي، والهاء فيه للمبالغة كقولهم: راوية وعلّامة ونسّابة، وقوله:( وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة ) قيل: معناه كافّين لهم كما يقاتلونكم كافّين، وقيل: معناه جماعة كما يقاتلونكم جماعة، وذلك أنّ الجماعة يقال لهم: الكافّة كما يقال لهم: الوازعة لقوّتهم باجتماعهم، وعلى هذا قوله:( يا أيّها الّذين آمنوا ادخلوا في السلم كافّة ) . انتهى.

وقال في المجمع: كافّة بمعنى الإحاطة مأخوذ من كافّة الشئ وهى حرفه وإذا انتهى الشئ إلى ذلك كفّ عن الزيادة، وأصل الكفّ المنع. انتهى.

وقوله:( كافّة ) في الموضعين حال عن الضمير الراجع إلى المسلمين أو المشركين أو في الأوّل عن الأوّل وفي الثاني عن الثاني أو بالعكس فهناك وجوه أربعة، والمتبادر إلى الذهن هو الوجه الرابع للقرب اللّفظىّ الّذى بين الحال و ذى الحال حينئذ، ومعنى الآية على هذا: وقاتلوا المشركين جميعهم كما يقاتلونكم جميعكم.

فالآية توجب قتال جميع المشركين فتصير نظيرة قوله تعالى:( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) الآية ينسخ هذه ما ينسخ تلك وتتخصّص أو تتقيّد بما تخصّص أو تقيّد به هي.

والآية مع ذلك إنّما تتعرّض لحال القتال مع المشركين وهم عبدة الأوثان غير أهل الكتاب فإنّ القرآن وإن كان ربّما نسب الشرك تصريحاً أو تلويحاً إلى أهل الكتاب لكنّه لم يطلق المشركين على طريق التوصيف إلّا على عبدة الأوثان، وأمّا الكفر فعلاً أو وصفاً فقد نسب إلى أهل الكتاب واُطلق عليهم كما نسب واُطلق إلى عبدة الأوثان.

فالآية أعنى قوله:( وقاتلوا المشركين كافّة ) الآية لا هي ناسخة لآية أخذ الجزية من أهل الكتاب، ولا هي مخصّصة أو مقيّدة بها. وقد قيل في الآية بعض وجوه اُخر تركناه لعدم جدوى في التعرّض له.

وقوله:( واعلموا أنّ الله مع المتّقين ) تعليم وتذكير وفيه حثّ على الاتّصاف بصفة التقوى يترتّب عليه من الفائدة: أوّلاً: الوعد الجميل بالنصر الإلهىّ والغلبة والظفر فإنّ حزب الله هم الغالبون.


وثانياً: منعهم أن يتعدّوا حدود الله في الحروب والمغازى بقتل النساء والصبيان ومن ألقى إليهم السلام كما قتل خالد في غزوة حنين مرأة فأرسل إليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ينهاه عن ذلك وقتل رجالاً من بنى جذيمة وقد أسلموا فوداهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتبرّأ إلى الله من فعله ثلاثاً(١) ، وقتل اُسامة يهوديّاً أظهر له الإسلام فنزل قوله تعالى:( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ) النساء: ٩٤ وقد تقدّم.

قوله تعالى: ( إنّما النسئ زيادة في الكفر ) إلى آخر الآية يقال: نسأ الشئ ينسؤه نساً ومنسأة ونسيئاً إذا أخّره تأخيراً، وقد يطلق النسئ على الشهر الّذى اُخّر تحريمه على ما كانت العرب تفعله في الجاهليّـة فإنّهم ربّما كانوا يؤخّرون حرمة بعض الأشهر الحرم إلى غيره وأمّا أنّه كيف كان ذلك فقد اختلف فيه كلام المفسّرين كأهل التاريخ.

و الّذى يظهر من خلال الكلام المسرود في الآية أنّه كانت لهم فيما بينهم سنّة جاهليّـة في أمر الأشهر الحرم وهى المسمّاة بالنسئ، وهو يدلّ بلفظه على تأخير الحرمة من شهر حرام إلى بعض الشهور غير المحرّمة الّذى بعده، وأنّهم إنّما كانوا يؤخّرون الحرمة ولا يبطلونها برفعها من أصلها لإرادتهم بذلك أن يتحفّظوا على سنّة قوميّـة ورثوها عن أسلافهم عن إبراهيمعليه‌السلام .

فكانوا لا يتركون أصل التحريم لغىً و إنّما يؤخّرونه إلى غير الشهر سنة أو أزيد ليواطؤوا عدّة ما حرّم الله، وهى الأربعة ثمّ يعودون ويعيدون الحرمة إلى مكانها الأوّل.

وهذا نوع تصرّف في الحكم الإلهىّ بعد كفرهم بالله باتّخاذ الأوثان شركاء له تعالى وتقدّس، ولذا عدّه الله سبحانه في كلامه زيادة في الكفر.

وقد ذكر الله سبحانه من الحكم الخاصّ بحرمة الأشهر الحرم النهى عن ظلم الأنفس حيث قال:( فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم ) وأظهر مصاديقه القتال كما أنّه المصداق

____________________

(١) القصتان الاوليان مذكورتان في كتب السير والمغازي والثالثة تقدّمت في تفسير الآية سابقاً.


الوحيد الّذى استفتوا فيه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فحكاه الله سبحانه بقوله:( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) الآية البقرة: ٢١٧ وكذا ما في معناه من قوله:( لا تحلّوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ) المائدة: ٢ وقوله:( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس و الشهر الحرام والهدى والقلائد ) المائدة: ٩٧.

وكذلك الأثر الظاهر من حرمة البيت أو الحرم هو جعل الأمن فيه كما قال:( ومن دخله كان آمناً ) آل عمران: ٩٧ وقال:( أو لم نمكّن لهم حرماً آمناً ) القصص: ٥٧.

فالظاهر أنّ النسئ الّذى تذكره الآية عنهم إنّما هو تأخير حرمة الشهر الحرام. للتوسّل بذلك إلى قتال فيه لا لتأخير الحجّ الّذى هو عبادة دينيّـة مختصّة ببعضها.

وهذا كلّه يؤيّد ما ذكروه: أنّ العرب كانت تحرّم هذه الأشهر الحرم، وكان ذلك ممّا تمسّكت به من ملّة ابراهيم واسماعيلعليهما‌السلام ، وهم كانوا أصحاب غارات وحروب فربّما كان يشقّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها فكانوا يؤخّرون تحريم المحرّم، إلى صفر فيحرّمونه ويستحلّون المحرّم فيمكثون بذلك زماناً ثمّ يعود التحريم إلى المحرّم، ولا يفعلون ذلك أي إنساء حرمة المحرّم إلى صفر إلّا في ذى الحجّة.

وأمّا ما ذكره بعضهم أنّ النسئ هو ما كانوا يؤخّرون الحجّ من شهر إلى شهر فممّا لا ينطبق على لفظ الآية البتّـة، وسيجئ تفصيل الكلام فيه في البحث الروائيّ الآتى إن شاء الله. ولنرجع إلى ما كنّا فيه.

فقوله تعالى:( إنّما النسئ زيادة في الكفر ) أي تأخير الحرمة الّتى شرعها الله لهذه الأشهر الحرم من شهر منها إلى شهر غير حرام زيادة في الكفر لأنّه تصرّف في حكم الله المشروع وكفر بآياته بعد الكفر بالله من جهة الشرك فهو زيادة في الكفر.

وقوله:( يضلّ به الّذين كفروا ) أي ضلّوا فيه بإضلال غيرهم إيّاهم بذلك، وفي الكلام إشعار أو دلالة على أنّ هناك من يحكم بالنسئ، وقد ذكروا أنّ المتصدّي لذلك كان بعض بنى كنانة، وسيجئ تفصيله في البحث الروائيّ إن شاء الله.

وقوله:( يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً ليواطؤوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله )


في موضع التفسير للإنساء، والضمير للشهر الحرام المعلوم من سياق الكلام أي وهو أنّهم يحلّون الشهر الحرام الّذى نسؤوه بتأخير حرمته عاماً ويحرّمونه عاماً، أي يحلّونه عاماً بتأخير حرمته إلى غيره، ويحرّمونه عاماً بإعادة حرمته إليه.

وإنّما يعملون على هذه الشاكلة بالتأخير سنة والإثبات اُخرى ليواطؤوا ويوافقوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله في حال حفظهم أصل العدد أي إنّهم يريدون التحفّظ على حرمة الأشهر الأربعة بعددها مع التغيير في محلّ الحرمة ليتمكّنوا ممّا يريدونه من الحروب والغارات مع الاستنان بالحرمة.

وقوله:( زيّن لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين ) المزيّن هو الشيطان كما وقع في آيات من الكتاب، وربّما نسب إلى الله سبحانه كما في آيات اُخر، ولا ينسب الشرّ إليه سبحانه إلّا ما قصد به الجزاء على الشرّ كما قال تعالى:( يضلّ به كثيراً ويهدى به كثيراً وما يضلّ به إلّا الفاسقين ) البقرة: ٢٦.

وذلك بأن يفسق العبد فيمنعه الله الهداية فيكون ذلك إذناً لداعى الضلال وهو الشيطان أن يزيّن له سوء عمله فيغويه ويضلّه، ولذلك قال تعالى:( زيّن لهم سوء أعمالهم ) ثمّ عقّبه بقوله:( إنّ الله لا يهدى القوم الكافرين ) كأنّه لمّا قيل: زيّن لهم سوء أعمالهم قيل: كيف أذن الله فيه ولم يمنع ذلك قيل: إنّ هؤلاء كافرون والله لا يهدى القوم الكافرين.

( بحث روائي)

في تفسير العيّـاشيّ عن أبى خالد الواسطيّ في حديث ثمّ قال - يعنى أبا جعفرعليه‌السلام - حدّثنى أبى عن علىّ بن الحسين عن أميرالمؤمنينعليهم‌السلام أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا ثقل في مرضه قال: أيّها الناس إنّ السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثمّ قال بيده: رجب مفرد وذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ثلاث متواليات.


أقول: وقد ورد في عدّة روايات تأويل الشهور الاثنى عشر بالأئمّة الاثنى عشر، وتأويل الأربعة الحرم بعلىّ أميرالمؤمنين وعلىّ بن الحسين وعلىّ بن موسى وعلىّ بن محمّـدعليهم‌السلام ، وتأويل السنة برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وانطباقها على الآية بما لها من السياق لا يخلو عن خفاء.

وفي الدرّ المنثور أخرج أحمد والبخاريّ ومسلم أبوداود وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقيّ في شعب الإيمان عن أبى بكرة: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب في حجّته فقال: ألا إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم، ورجب مضر الّذى بين جمادى وشعبان.

أقول: وهى من خطب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المشهورة، وقد رويت بطرق اُخرى عن أبى هريرة وابن عمر وابن عبّـاس وعن أبى حمزة الرقاشىّ عن عمّه وكانت له صحبة وغيرهم.

والمراد باستدارة الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض استقرار الأحكام الدينيّـة على ما تقتضيه الفطرة والخلقة وتمكّن الدين القيّم من الرقابة في أعمال الناس، ومن ذلك حرمة الأشهر الأربعة الحرم وإلغاء النسئ الّذى هو زيادة في الكفر.

وفيه أخرج ابن أبى حاتم وأبوالشيخ عن ابن عمر قال: وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعقبة فقال: إنّ النسئ من الشيطان زيادة في الكفر يضلّ به الّذين كفروا يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً فكانوا يحرّمون المحرّم عاماً ويحرّمون صفر عاماً ويستحلّون المحرّم وهو النسئ.

وفيه أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عبّـاس قال: كان جنادة بن عوف الكنانىّ يوفى الموسم كلّ عام وكان يكنّى أبا ثمادّة فينادى: ألا إنّ أبا ثمادة لا يخاف ولا يعاب ألا إنّ صفر الأوّل حلال.

وكان طوائف من العرب إذا أرادوا أن يغيروا على بعض عدوّهم أتوه فقالوا: أحلّ لنا هذا الشهر يعنون صفر، وكانت العرب لا تقاتل في الأشهر الحرم فيحلّه لهم عاماً، ويحرّمه عليهم في العام الآخر، ويحرّم المحرّم في قابل ليواطؤوا عدّة ما حرّم الله يقول:


ليجعلوا الحرم أربعة غير أنّهم جعلوا صفر عاماً حلالاً وعاماً حراماً.

وفيه أخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله:( إنّما النسئ زيادة في الكفر ) الآية قال: عمد اُناس من أهل الضلالة فزادوا صفر في الأشهر الحرم، وكان يقوم قائمهم في الموسم فيقول: إنّ آلهتكم قد حرّمت صفر فيحرّمونه ذلك العام، وكان يقال لهما الصفران.

وكان أوّل من نسأ النسئ بنو مالك من كنانة، وكانوا ثلاثة أبو ثمامة صفوان بن اُميّة وأحد بنى فقيم بن الحارث، ثمّ أحد بنى كنانة.

وفيه أخرج ابن أبى حاتم عن السدّىّ في الآية قال: كان رجل من بنى كنانة يقال له جنادة بن عوف يكنّى أبا اُمامة ينسئ الشهور، وكانت العرب يشتدّ عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر لا يغيّر بعضهم على بعض فإذا أراد أن يغيّر على أحد قام يوماً بمنى فخطب فقال: إنّى قد أحللت المحرّم وحرّمت صفر مكانه فيقاتل الناس في المحرّم فإذا كان صفر عمدوا ووضعوا الأسنّة ثمّ يقوم في قابل فيقول: إنّى قد أحللت صفر وحرّمت المحرّم فيواطؤوا أربعة أشهر فيحلّوا المحرّم.

وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عبّـاس في قوله:( يحلّونه عاماً ويحرّمونه عاماً ) قال: هو صفر كانت هوازن وغطفان يحلّونه سنة ويحرّمونه سنة.

أقول: محصّل الروايات - كما ترى - أنّ العرب كانت تدين بحرمة الأشهر الحرم الأربعة رجب وذى القعدة وذى الحجّة والمحرّم ثمّ إنّهم ربّما كانوا يتحرّجون من القعود عن الحروب والغارات ثلاثة أشهر متواليات فسألوا بعض بنى كنانة أن يحلّ لهم ثالث الشهور الثلاثة فقام فيهم بعض أيّـام الحجّ بمنى وأحلّ لهم المحرّم ونسأ حرمته إلى صفر فذهبوا لوجههم عامهم ذلك يقاتلون العدوّ ثمّ ردّ الحرمة إلى مكانه في قابل وهذا هو النسئ.

وكان يسمّى المحرّم صفر الأوّل وصفر الثاني وهما صفران كالربيعين والجماديين والنسئ إنّما ينال صفر الأوّل ولا يتعدّى صفر الثاني فلمّا أقرّ الإسلام الحرمة لصفر الأوّل عبّروا عنه بشهر الله المحرّم ثمّ لمّا كثر الاستعمال خفّف وقيل: المحرّم، واختصّ اسم صفر بصفر الثاني فالمحرّم من الألفاظ الإسلاميّـة كما ذكره السيوطيّ في المزهر.


وفيه أخرج عبد الرزّاق وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ عن مجاهد في قوله:( إنّما النسئ زيادة في الكفر ) قال: فرض الله الحجّ في ذى الحجّة، وكان المشركون يسمّون الأشهر ذا الحجّة والمحرّم وصفر وربيع وربيع وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان شوّال وذو القعدة وذو الحجّة ثمّ يحجّون فيه.

ثمّ يسكتون عن المحرّم فلا يذكرونه ثمّ يعودون فيسمّون صفر صفر ثمّ يسمّون رجب جمادى الآخرة ثمّ يسمون شعبان رمضان ورمضان شوّال، ويسمون ذا القعدة شوال ثمّ يسمون ذا الحجّة ذا القعدة ثمّ يسمون المحرّم ذا الحجّة ثمّ يحجّون فيه واسمه عندهم ذو الحجّة.

ثمّ عادوا إلى مثل هذه القصّة فكانوا يحجّون في كلّ شهر عاماً حتّى وافق حجّة أبى بكر الآخرة من العام في ذى القعدة ثمّ حجّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجّته الّتى حجّ فيها فوافق ذو الحجّة فذلك حين يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطبته: إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض.

أقول: ومحصّله على ما فيه من التشويش والاضطراب أنّ العرب كانت قبل الإسلام يحجّ البيت في ذى الحجّة غير أنّهم أرادوا أن يحجّوا كلّ عام في شهر فكانوا يدورون بالحجّ الشهور شهراً بعد شهر وكلّ شهر وصلت إليه النوبة عامهم ذلك سمّوه ذا الحجّة وسكتوا عن اسمه الأصلىّ.

ولازم ذلك أن يتألّف كلّ سنة فيها حجّة من ثلاثة عشر شهراً، وأن يتكرّر اسم بعض الشهور مرّتين أو أزيد كما يشعر به الرواية، ولذا ذكر الطبريّ أنّ العرب كانت تجعل السنة ثلاثة عشر شهراً، وفي رواية اثنى عشر شهراً وخمسة وعشرين يوماً.

ولازم ذلك أيضاً أن تتغيّر أسماء الشهور كلّها، وأن لا يواطئ اسم الشهر نفس الشهر إلّا في كلّ اثنتى عشرة سنة مرّة إن كان التأخير على نظام محفوظ، وذلك على نحو الدوران.

ومثل هذا لا يقال له الإنساء والتأخير فإنّ أخذ السنة ثلاثة عشر شهراً وتسمية آخرها ذا الحجّة تغيير لأصل التركيب لا تأخير لبعض الشهور بحسب الحقيقة.


على أنّه مخالف لسائر الأخبار والآثار المنقولة، ولا مأخذ لذلك إلّا هذه الرواية وما ضاهاها كرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: كانت العرب يحلّون عاماً شهراً وعاماً شهرين، ولا يصيبون الحجّ إلّا في كلّ ستّة وعشرين سنة مرّة وهو النسئ الّذى ذكر الله تعالى في كتابه فلمّا كان عام الحجّ الأكبر ثمّ حجّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من العام المقبل فاستقبل الناس الأهلّة فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض. وهو في الاضطراب كخبر مجاهد.

على أنّ الّذى ذكره من حجّة أبى بكر في ذى القعدة هو الّذى ورد من طرق أهل السنّة أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جعل أبابكر أميراً للحاجّ عام تسع فحجّ بالناس، وقد ورد في بعض روايات اُخر أيضاً أنّ الحجّة عامئذ كانت في ذى القعدة.

وهذه الحجّة على أيّ نعت فرضت كانت بأمر من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإمضائه، ولا يأمر بشئ ولا يمضى أمراً إلّا ما أمر به ربّه تعالى، وحاشا أن يأمر الله سبحانه بحجّة في شهر نسئ ثمّ يسمّيها زيادة في الكفر.

فالحقّ أنّ النسئ هو ما تقدّم أنّهم كانوا يتحرّجون من تولّى شهور ثلاثة محرّمة فينسؤون حرمة المحرّم إلى صفر ثمّ يعيدونها مكانها في العام المقبل.

وأمّا حجّهم في كلّ شهر سنة أو في كلّ شهر سنتين أو في شهر سنة وفي شهر سنتين فلم يثبت عن مأخذ واضح يوثق به، وليس من البعيد أن تكون عرب الجاهليّـة مختلفين في ذلك لكونهم قبائل شتّى وعشائر متفرّقة كلّ متّبع لهوى نفسه غير أنّ الحجّ كان عبادة ذات موسم لا يتخلّفون عنه لحاجتها إلى أمن لنفوسهم وحرمة لدمائهم، وما كانوا يتمكّنون من ذلك لو كان أحلّ الشهر بعضهم وحرّمه آخرون على اختلاف في شاكلة التحريم، وهو ظاهر.


( سورة التوبة آيه ٣٨ - ٤٨)

يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَلِيلٌ ( ٣٨ ) إِلّا تَنْفِرُوا يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرّوهُ شَيْئاً وَاللّهُ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ ( ٣٩ ) إِلّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَتَحْزَنْ إِنّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الّذِينَ كَفَرُوا السّفْلى‏ وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٤٠ ) انفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( ٤١ ) لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتّبَعُوكَ وَلكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشّقّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ٤٢ ) عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتّى‏ يَتَبَيّنَ لَكَ الّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبينَ ( ٤٣ ) لاَيَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتّقِينَ ( ٤٤ ) إِنّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الّذِينَ لاَيُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدّدُونَ ( ٤٥ ) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدّوا لَهُ عُدّةً وَلكِن كَرِهَ اللّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ( ٤٦ ) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ( ٤٧ ) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى‏ جَاءَ الْحَقّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ( ٤٨ )


( بيان)

تعرّض للمنافقين وفيه بيان لجمل أوصافهم وعلائمهم، وشرح ما لقى الإسلام والمسلمون من كيدهم ومكرهم وما قاسوه من المصائب من جهة نفاقهم، وفي مقدّمها عتاب المؤمنين في تثاقلهم عن الجهاد، وحديث خروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من مكّة وذكر الغار.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ) الآية اثّاقلتم أصله تثاقلتم على وزان ادّاركوا وغيره، وكأنّه اُشرب معنى الميل ونحوه فعدّى بإلى وقيل: اثّاقلتم إلى الأرض أي ملتم إلى الأرض متثاقلين أو تثاقلتم مائلين إلى الأرض والمراد بالنفر في سبيل الله الخروج إلى الجهاد.

وقوله:( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة ) كأنّ الرضا اُشرب معنى القناعة فعدّى بمن كما يقال: رضيت من المال بطيّـبه، ورضيت من القوم بخلّة فلان، وعلى هذا ففى الكلام نوع من العناية المجازيّة كأنّ الحياة الدنيا نوع حقير من الحياة الآخرة قنعوا بها منها، ويشعر بذلك قوله بعده:( فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلّا قليل ) .

فمعنى الآية: يا أيّها الّذين آمنوا ما لكم إذا قال لكم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - لم يصرّح باسمه صوناً وتعظيماً - اخرجوا إلى الجهاد أبطأتم كأنّكم لا تريدون الخروج أقنعتم بالحياة الدنيا راضين بها من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا بالنسبة إلى الحياة الآخرة إلّا قليل.

وفي الآية وما يتلوها عتاب شديد للمؤمنين وتهديد عنيف وهى تقبل الانطباق على غزوة تبوك كما ورد ذلك في أسباب النزول.

قوله تعالى: ( إلّا تنفروا يعذّبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ) إلى آخر الآية العذاب الّذى اُنذروا به مطلق غير مقيّد فلا وجه لتخصيصه بعذاب الآخرة بل هو على إبهامه، وربّما أيّد السياق كون المراد به عذاب الدنيا أو عذاب الدنيا والآخرة جميعاً.

وقوله:( يستبدل قوماً غيركم ) أي يستبدل بكم قوماً غيركم لا يتثاقلون في


امتثال أوامر الله والنفر في سبيل الله إذا قيل لهم: انفروا، والدليل على هذا المعنى قرينة المقام.

وقوله:( ولا تضرّوه شيئاً ) إشارة إلى هوان أمرهم على الله سبحانه لو أراد أن يذهب بهم ويأتى بآخرين فإنّ الله لا ينتفع بهم بل نفعهم لأنفسهم فضررهم على أنفسهم، وقوله:( والله على كلّ شئ قدير ) تعليل لقوله:( يعذّبكم عذاباً أليما ويستبدل قوماً غيركم ) .

قوله تعالى: ( إلّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الّذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار ) ثانى اثنين أي أحدهما، والغار الثقبة العظيمة في الجبل، والمراد به غار جبل ثور قرب منى وهو غير غار حراء الّذى ربّما كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأوى إليه قبل البعثة للأخبار المستفيضة، والمراد بصاحبه هو أبوبكر للنقل القطعيّ.

وقوله:( إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا ) أي لا تحزن خوفاً ممّا تشاهده من الوحدة والغربة وفقد الناصر وتظاهر الأعداء وتعقيبهم إيّاى فإنّ الله سبحانه معنا ينصرني عليهم.

وقوله:( فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها ) أي أنزل الله سكينته على رسوله وأيّد رسوله بجنود لم تروها يصرفون القوم عنهم بوجوه من الصرف بجميع العوامل الّتى عملت في انصراف القوم عن دخول الغار والظفر بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد روى في ذلك أشياء ستأتي في البحث الروائيّ إن شاء الله تعالى.

والدليل على رجوع الضمير في قوله:( فأنزل الله سكينته عليه ) إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أوّلاً: رجوع الضمائر الّتى قبله وبعده إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كقوله:( إلّا تنصروه ) و( نصره ) و( أخرجه ) و( يقول ) و( لصاحبه ) و( أيّده ) فلا سبيل إلى رجوع ضمير( عليه ) من بينها وحده إلى غيره من غير قرينة قاطعة تدلّ عليه.

وثانياً: أنّ الكلام في الآية مسوق لبيان نصر الله تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حيث لم يكن معه أحد ممّن يتمكّن من نصرته إذ يقول تعالى:( إلّا تنصروه فقد نصره الله إذ ) الآية وإنزال السكينة والتقوية بالجنود من النصر فذاك لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّـة.

ويدلّ على ذلك تكرار( إذ ) وذكرها في الآية ثلاث مرّات كلّ منها بيان لما قبله


بوجه فقوله( إذ أخرجه الّذين كفروا ) بيان لوقت قوله:( فقد نصره الله ) وقوله:( إذ هما في الغار ) بيان لتشخيص الحال الّذى هو قوله:( ثانى اثنين ) وقوله:( إذ يقول لصاحبه ) بيان لتشخيص الوقت الّذى يدلّ عليه قوله:( إذ هما في الغار ) .

وثالثاً: أنّ الآية تجرى في سياق واحد حتّى يقول:( وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) ولا ريب أنّه بيان لما قبله، وأنّ المراد بكلمة الّذين كفروا هي ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإطفاء نور الله، وبكلمة الله هي ما وعده من نصره وإتمام نوره، وكيف يجوز أن يفرّق بين البيان والمبيّن وجعلُ البيان راجعاً إلى نصره تعالى إيّاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والمبيّن راجعاً إلى نصره غيره.

فمعنى الآية: إن لم تنصروه أنتم أيها المؤمنون فقد أظهر الله نصره إيّاه في وقت لم يكن له أحد ينصره ويدفع عنه وقد تظاهرت عليه الأعداء وأحاطوا به من كلّ جهة وذلك إذ همّ المشركون به وعزموا على قتله فاضطرّ إلى الخروج من مكّة في حال لم يكن إلّا أحد رجلين اثنين، وذلك إذ هما في الغار إذ يقول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لصاحبه وهو أبوبكر: لا تحزن ممّا تشاهده من الحال إنّ الله معنا بيده النصر فنصره الله.

حيث أنزل سكينته عليه وأيّده بجنود غائبة عن أبصاركم، وجعل كلمة الّذين كفروا - وهى قضاؤهم بوجوب قتله وعزيمتهم عليه - كلمة مغلوبة غير نافذة ولا مؤثّرة، وكلمة الله - وهى الوعد بالنصر وإظهار الدين وإتمام النور - هي العليا العالية القاهرة والله عزيز لا يغلب حكيم لا يجهل ولا يغلط في ما شائه وفعله.

وقد تبيّن ممّا تقدّم أوّلاً: أنّ قوله:( فأنزل الله سكينته عليه ) متفرّع على قوله:( فقد نصره الله ) في عين أنّه متفرّع على قوله:( إذ يقول لصاحبه لا تحزن ) فإنّ الظرف ظرف للنصره على ما تقدّم، والكلام مسوق لبيان نصره تعالى إيّاهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا غيره فالتفريع تفريع على الظرف بمظروفه الّذى هو قوله:( فقد نصره الله ) لا على قوله:( يقول لصاحبه لا تحزن ) .

وربّما استدلّ لذلك بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يزل على سكينة من ربّه فإنزال السكينة في هذا الظرف خاصّـة يكشف عن نزوله على صاحبه.


ويدفعه أوّلاً قوله تعالى:( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) في قصّة حنين، والقول بأنّ نفسه الشريفة اضطربت بعض الاضطراب في وقعة حنين فناسب نزول السكينة بخلاف الحال في الغار. يدفعه أنّه من الافتعال بغير علم فالآية لا تذكر منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حزناً ولا اضطراباً ولا غير ذلك إلّا ما تذكر من فرار المؤمنين. على أنّه يبطل أصل الاستدلال أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يزل على سكينة من ربّه لا يتجدّد له شئ منها فكيف جاز له أن يضطرب في حنين فتنزل عليه سكينة جديدة اللّهمّ إلّا أن يريدوا به أنّه لم يزل في الغار كذلك.

ونظيرتها الآية الناطقة بنزول السكينة عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى المؤمنين في سورة الفتح:( إذ جعل الّذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّـة فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) الفتح: ٢٦.

ويدفعه ثانياً: لزوم تفرّع قوله:( وأيّده بجنود لم تروها ) على أثر تفرّع قوله:( فأنزل الله سكينته عليه ) لأنّهما في سياق واحد، ولازمه عدم رجوع التأييد بالجنود إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو التفكيك في السياق الواحد من غير مجوّز يجوّزه.

وربّما التزم بعضهم - فراراً من شناعة لزوم التفكيك - أنّ الضمير في قوله تعالى:( وأيّده ) أيضاً راجع إلى صاحبه، ولازمه كون إنزال السكينة والتأييد بالجنود عائدين إلى أبى بكر دون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وربّما أيّده بعض آخر بأنّ الوقائع الّتى تذكر الآيات فيها نزول جنود لم يروها كوقعة حنين والأحزاب وكذا نزول الملائكة لوقعة بدر وإن لم تذكر نزولهم على المؤمنين ولم تصرّح بتأييدهم بهم لكنّهم حيث كانوا إنّما نزلوا للنصر وفيه نصر المؤمنين وإمدادهم فلا مانع من القول بأنّ الجنود الّتى لم يروها إنّما أيّدت أبابكر، وتأييدهم المؤمنين جميعاً أو أبابكر خاصّـة تأييد منهم في الحقيقة للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

والأولى على هذا البيان أن يجعل الفرع الثالث الّذى هو قوله:( وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى ) الآية مترتّباً على ما تقدّمه من الفرعين لئلّا يلزم التفكيك في السياق.


ولا يخفى عليك أنّ هذا الّذى التزموا به يخرج الآية عن مستقرّ معناها الوحدانيّ إلى معنى متهافت الأطراف يدفع آخره أوّله، وينقض ذيله صدره فقد بدأت الآية بأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكرم على الله وأعزّ من أن يستذلّه ويحوجه إلى نصرة هؤلاء بل هو تعالى وليّه القائم بنصره حيث لم يكن أحد من هؤلاء الحافّين حوله المتّبعين أثره ثمّ إذا شرعت في بيان نصره تعالى إيّاه بين نصره غيره بإنزال السكينة عليه وتأييده بجنودٍ لم يروها إلى آخر الآية.

هب أنّ نصره تعالى بعض المؤمنين بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو جميعهم نصر منه له بالحقيقة لكنّ الآية في مساق يدفعه البتّـة فإنّ الآية السابقة يجمع المؤمنين في خطاب واحد - يا أيّها الّذين آمنوا - ويعاتبهم ويهدّدهم على التثاقل عن إجابة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى ما أمرهم به من النفر في سبيل الله والخروج إلى الجهاد ثمّ الآية الثانية تهدّدهم بالعذاب والاستبدال إن لم ينفروا وتبيّن لهم أنّ الله ورسوله في غنىً عنهم ولا يضرّونه شيئاً، ثمّ الآية الثالثة توضح أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غنى عن نصرهم لأنّ ربّه هو وليّه الناصر له، وقد نصره حيث لم يكن لأحد منهم صنع فيه وهو نصره إيّاه إذ أخرجه الّذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا.

ومن البيّن الّذى لا مرية فيه أنّ مقتضى هذا المقام بيان نصرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الخاصّ به المتعلّق بشخصه من الله سبحانه خاصّـة من دون صنع لأحد من المؤمنين في ذلك لا بيان نصره إيّاه بالمؤمنين أو ببعضهم وقد جمعهم في خطاب المعاتبة، ولا بيان نصره بعض المؤمنين به ممّن كان معه.

ولا أنّ المقام مقام يصلح لأن يشار بقوله:( إذ أخرجه الّذين كفروا ثانى اثنين ) إشارة إجماليّـة إلى نصره العزيز لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ يؤخذ في تفصيل ما خصّ به صاحبه من الخصيصة بإنزال السكينة والتأييد بالجنود فإنّ المقام على ما تبيّن لك يأبى ذلك.

ويدفعه ثالثاً: أنّ فيه غفلة عن حقيقة معنى السكينة وقد تقدّم الكلام فيها في ذيل قوله تعالى:( ثمّ أنزل الله سكينتة على رسوله وعلى المؤمنين ) الآية: ٢٦ من السورة.

والامر الثاني: أنّ المراد بتأييدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بجنود لم يروها تأييده بذلك يومئذ على


ما يفيد السياق، وأمّا قول بعضهم: إنّ المراد به ما أيّده بالجنود يوم الأحزاب ويوم حنين على ما نطقت به الآيات فممّا لا دليل عليه من اللّفظ البتّـة.

والامر الثالث: أنّ المراد بالكلمة في قوله:( وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى ) هو ما قضوا به في دار الندوة وعزموا عليه من قتلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإبطال دعوته الحقّة بذلك، وبقوله:( وكلمة الله هي العليا ) هو ما وعد الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من النصر وإظهار دينه على الدين كلّه.

ذلك أنّ هذه بما تتضمّنه من قوله:( فقد نصره الله إذ أخرجه الّذين كفروا ) تشير إلى ما يقصّه قوله تعالى:( وإذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) الأنفال: ٣٠، والّذى في ذيل الآية من إبطال كلمتهم وإحقاق الكلمة الإلهيّـة مرتبط بما في صدر الآية من حديث الإخراج أي الاضطرار إلى الخروج لا محالة، والّذى اضطرّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الخروج هو عزمهم على قتله حسب ما اتّفقوا عليه من القضاء بقتله فهذه هي الكلمة الّتى أبطلها الله سبحانه وجعلها السفلى وتقابلها كلمة الله وليست إلّا النصر والإظهار.

ومن هنا يظهر أنّ قول بعضهم إنّ المراد بكلمة الّذين كفروا الشرك والكفر، وبكلمة الله تعالى التوحيد والإيمان غير سديد فإنّ الشرك وإن كان كلمة لهم، والتوحيد كلمة لله لكنّه لا يستلزم كونهما المرادين كلّما ذكرت الكلمتان حتّى مع وجود القرينة على الخلاف.

قوله تعالى: ( انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) الخفاف والثقال جمعا خفيف وثقيل، والثقل بقرينة المقام كناية عن وجود الموانع الشاغلة الصارفة للإنسان عن الخروج إلى الجهاد نظير كثرة المشاغل الماليّـة وحبّ الأهل والولد والأقرباء والأصدقاء الّذى يوجب كراهة مفارقتهم، وفقد الزاد والراحلة والسلاح ونحو ذلك، والخفّة كناية عن خلاف ذلك.

فالأمر بالنفر خفافاً وثقالاً وهما حالان متقابلان في معنى الأمر بالخروج على أيّ حال، وعدم اتّخاذ شئ من ذلك عذراً يعتذر به لترك الخروج كما أنّ الجمع بين


الأموال والأنفس في الذكر في معنى الأمر بالجهاد بأىّ وسيلة أمكنت.

وقد ظهر بذلك أنّ الأمر في الآية مطلق لا يأبى التقييد بالأعذار الّتى يسقط معها وجوب الجهاد كالمرض والعمى والعرج ونحو ذلك فإنّ المراد بالخفّة والثقل أمر وراء ذلك.

قوله تعالى: ( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتّبعوك ) إلى آخر الآية العرض ما يسرع إليه الزوال ويطلق على المال الدنيويّ وهو المراد في الآية بقرينه السياق والمراد بقربه كونه قريباً من التناول و القاصد من القصد وهو التوسّط في الأمر والمراد بكون السفر قاصداً كونه غير بعيد المقصد سهلاً على المسافر والشقّة: المسافة لما في قطعها من المشقّة.

و الآية كما يلوح من سياقها تعيير وذمّ للمنافقين المتخلّفين عن الخروج مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الجهاد في غزوه تبوك إذ الغزوه الّتى خرج فيها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و تخلّف عنه المنافقون وهى على بعد من المسافه هي غزوه تبوك لا غيرها.

ومعنى الآية لو كان ما أمرتهم به ودعوتهم إليه عرضاً قريب التناول وغنيمة حاضرة وسفراً قاصداً قريباً هيّناً لاتّبعوك يا محمّـد وخرجوا معك طمعاً في الغنيمة و لكن بعدت عليهم الشقّة والمسافة فاستصعبوا السير وتثاقلوا فيه.

وسيحلفون بالله إذا رجعتم إليهم ولمتموهم على تخلّفهم : لو استطعنا الخروج لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم بما أخذوه من الطريقة: من الخروج إلى القتال طمعاً في عرض الدنيا إذا استيسروا القبض عليه والتخلّف عنه إذا شقّ عليهم ثمّ الاعتذار بالعذر الكاذب على نبيّهم والحلف في ذلك بالله كاذبين أو يهلكون أنفسهم بهذا الحلف الكاذب والله يعلم إنّهم لكاذبون.

قوله تعالى: ( عفا الله عنك لم أذنت لهم حتّى يتبيّن لك الّذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) الجمله الاُولى دعاء للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالعفو نظير الدعاء على الإنسان بالقتل في قوله:( قتل الإنسان ما أكفره ) عبس - ١٧ وقوله:( فقتل كيف قدّر ) المدثر - ١٩ وقوله:( قاتلهم الله أنّى يؤفكون ) التوبه - ٣٠.


والجمله متعلّقه بقوله:( لم أذنت لهم ) أي في التخلّف و القعود ولمّا كان الاستفهام للإنكار أو التوبيخ كان معناه: كان ينبغى أن لا تأذن لهم في التخلّف والقعود ويستقيم به تعلّق الغاية الّتى يشتمل عليها قوله:( حتّى يتبيّن لك الّذين صدقوا ) الآية. بقوله:( لم أذنت لهم ) فالتعلّق إنّما هو بالمستفهم عنه دون الاستفهام و إلّا أفاد خلاف المقصود والكلام مسوق لبيان ظهور كذبهم وأنّ أدنى الامتحان كالكفّ عن إذنهم في القعود يكشف عن فصاحتهم.

ومعنى الآية: عفا الله عنك لم أذنت لهم في التخلّف والقعود؟ ولو شئت لم تأذن لهم - وكانوا أحق - به حتّى يتبيّن لك الّذين صدقوا وتعلم الكاذبين فيتميّز عندك كذبهم ونفاقهم.

والآية - كما ترى وتقدّمت الإشارة إليه - في مقام دعوى ظهور كذبهم ونفاقهم، و أنّهم مفتضحون بأدنى امتحان يمتحنون به، ومن مناسبات هذا المقام إلقاء العتاب إلى المخاطب وتوبيخه والإنكار عليه كأنّه هو الّذى ستر عليهم فضائح أعمالهم وسوء سريرتهم ، وهو نوع من العناية الكلاميّـة يتبيّن به ظهور الأمر و وضوحه لا يراد أزيد من ذلك فهو من أقسام البيان على طريق:( إيّاك أعني و اسمعي يا جارة ) .

فالمراد بالكلام إظهار هذه الدعوى لا الكشف عن تقصير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسوء تدبيره في إحياء أمر الله، وارتكابه بذلك ذنباً - حاشاه - وأولويّة عدم الإذن لهم معناها كون عدم الإذن أنسب لظهور فضيحتهم وأنّهم أحقّ بذلك لما بهم من سوء السريره وفساد النيّة لا لأنّه كان أولى وأحرى في نفسه وأقرب و أمسّ بمصلحة الدين.

والدليل على هذا الّذى ذكرنا قوله تعالى بعد ثلاث آيات:( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنه وفيكم سمّاعون لهم ) إلى آخر الآيتين فقد كان الأصلح أن يؤذن لهم في التخلّف ليصان الجمع من الخبال وفساد الرأى وتفرّق الكلمة والمتعيّـن أن يقعدوا فلا يفتّنوا المؤمنين بإلقاء الخلاف بينهم والتفتين فيهم وفيهم ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب وهم سمّاعون لهم يسرعون إلى المطاوعة لهم ولو لم يؤذن لهم فأظهروا الخلاف كانت الفتنه أشدّ والتفرّق في كلمة الجماعه أوضح وأبين.


ويؤكد ذلك قوله تعالى بعد آيتين:( ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين ) فقد كان تخلّفهم ونفاقهم ظاهراً لائحاً من عدم إعدادهم العدّة يتوسّمه في وجوههم كلّ ذى لبّ ولا يخفى مثل ذلك على مثل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد نبّأه الله بأخبارهم قبل نزول هذه السوره كراراً فكيف يصحّ أن يعاتب ههنا عتاباً جدّيّاً بأنّه لم لم يكفّ عن الإذن ولم يستعلم حالهم حتّى يتبيّن له نفاقهم ويميّز المنافقين من المؤمنين؟ فليس المراد بالعتاب إلّا ما ذكرناه.

وممّا تقدّم يظهر فساد قول من قال: إنّ الآية تدلّ على صدور الذنب عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأنّ العفو لا يتحقّق من غير ذنب وأنّ الإذن كان قبيحاً منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن صغائر الذنوب لأنّه لا يقال في المباح لم فعلته؟ انتهى.

وهذا من لعبهم بكلام الله سبحانه ولو اعترض معترض على ما يهجون به في مثل المقام الّذى سيقت الآية فيه لم يرضوا بذلك وقد أوضحنا أنّ الآية مسوقه لغرض غير غرض الجدّ في العتاب.

على أنّ قولهم: إنّ المباح لا يقال فيه: لم فعلت؟ فاسد فإنّ من الجائز. إذا شوهد من رجّح غير الأولى على الأولى أن يقال له: لم فعلت ذلك ورجّحته على ما هو أولى منه؟ على أنّك قد عرفت أنّ الآية غير مسوقه لعتاب جدّىّ.

ونظيره ما ذكره بعض آخر حيث قال: إنّ بعض المفسّرين ولا سيّما الزمخشريّ قد أساؤوا الأدب في التعبير عن عفو الله تعالى عن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذه الآية وكان يجب أن يتعلّموا أعلى الأدب معهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ أخبره ربّه ومؤدّبه بالعفو قبل الذنب وهو منتهى التكريم واللّطف.

وبالغ آخرون كالرازيّ في الطرف الآخر فأرادوا أن يثبتوا أنّ العفو لا يدلّ على الذنب وغايته أنّ الإذن الّذى عاتبه الله عليه هو خلاف الأولى.

وهو جمود مع الاصطلاحات المحدثة والعرف الخاصّ في معنى الذنب وهو المعصية وما كان ينبغى لهم أن يهربوا من إثبات ما اثبته الله في كتابه تمسّكاً بإصطلاحاتهم وعرفهم المخالف له والمدلول اللّغة أيضاً.


فالذنب في اللّغة كلّ عمل يستتبع ضرراً أو فوت منفعه أو مصلحة، مأخوذ من ذنب الدابّة وليس مرادفاً للمعصيه بل أعمّ منها والإذن المعفوّ عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهى تبيّن الّذين صدقوا والعلم بالكاذبين، وقد قال تعالى:( إنّا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ) الآية: الفتح - ٢.

ثمّ ذكر في كلام له طويل أنّ ذلك كان اجتهاداً منهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما لا وحى فيه من الله وهو جائز وواقع من الأنبياءعليه‌السلام وليسوا بمعصومين من الخطاء فيه و إنّما العصمة المتّفق عليها خاصّه بتبليغ الوحى ببيانه والعمل به فيستحيل على الرسول أن يكذب أو يخطئ فيما يبلّغه عن ربّه أو يخالفه بالعمل.

ومنه ما تقدّم في سورة الأنفال من عتابه تعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أخذ الفدية من اُسارى بدر حيث قال:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) الأنفال - ٦٧ ثمّ بيّن أنّه كان مقتضياً لنزول عذاب أليم لو لا كتاب من الله سبق فكان مانعاً انتهى كلامه بنوع من التلخيص.

و ليت شعرى ما الّذى زاد في كلامه على ما تفصّى به الرازيّ وغيره حيث ذكروا أنّ ذلك من ترك الأولى ولا يسمّونه ذنباً في عرف المتشرّعين وهو الّذى يستتبع عقاباً وذكر هو أنّه من ترك الأصلح وسمّاه ذنباً لغة.

على أنّك قد عرفت فيما تقدّم أنّه لم يكن ذنباً لا عرفاً ولا لغة بدلالة ناصّة من الآيات على أنّ عدم خروجهم كان هو الأصلح لحال جيش المسلمين لتخلّصهم بذلك عن غائلة وقوع الفتنة واختلاف الكلمة وكانت هذه العلّة بعينها موجودة لو لم يأذن لهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وظهر منهم ما كانوا أبطنوه من الكفر والخلاف وأنّ الّذى ذكره الله بقوله:( ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة ) أنّ عدم إعدادهم العدّة كان يدلّ على عدم إرادتهم الخروج كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يخفى عليه ذلك وهم بمرئى منه ومسمع.

مضافاً إلى أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعرفهم في لحن القول كما قال تعالى:( ولتعرفنّهم في لحن القول ) سوره محمّـد - ٣٠ وكيف يخفى على من سمع من أحدهم مثل قوله:( ائذن لى


ولا تفتنّي ) أو يقول للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( هو اُذن ) أو يلمزه في الصدقات ولا ينصح لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ ذلك من طلائع النفاق يطلع منهم وما وراءه إلّا كفر وخلاف.

فقد كان النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتوسّم منهم النفاق والخلاف ويعلم بما في نفوسهم، ومع ذلك فعتابهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه لم لم يكفّ عن الإذن ولم يستعلم حالهم ولم يميّزهم من غيرهم؟ ليس إلّا عتاباً غير جدّىّ للغرض الّذى ذكرناه.

وأمّا قوله:( إنّ الإذن المعفوّ عنه قد استتبع فوت المصلحة المنصوصة في الآية وهى تبيّن الّذين صدقوا والعلم بالكاذبين ) ففيه أنّ الّذى تشتمل عليه الآية من المصلحة هو تبيّن الّذين صدقوا للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلمه هو بالكاذبين لا مطلق تبيّنهم ولا مطلق العلم بالكاذبين وقد ظهر ممّا تقدّم أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن يخفى عليه ذلك وأنّ حقيقه المصلحة إنّما كانت في الإذن وهى سدّ باب الفتنة و اختلاف الكلمة فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعلم من حالهم أنّهم غير خارجين البتّة سواء أذن لهم في القعود أم لم يأذن فبادر إلى الإذن حفظاً على ظاهر الطاعة ووحدة الكلمة.

وليس لك أن تتصوّر أنّه لو بان نفاقهم يومئذ وظهر خلافهم بعدم إذن النبيّ لهم بالقعود لتخلّص الناس من تفتينهم وإلقائهم الخلاف لما في الإسلام يومئذ - وهو يوم خروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى غزوة تبوك من الشوكة والقوّة ولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من نفوذ الكلمة.

فإنّ الإسلام يومئذ إنّما كان يملك القوّة والمهابة في أعين الناس من غير المسلمين كانوا يرتاعون شوكته ويعظّمون سواد أهله ويخافون حدّ سيوفهم وأمّا المسلمون في داخل مجتمعهم وبين أنفسهم فلم يخلصوا بعد من النفاق ومرض القلوب ولم يستول عليهم بعد وحدة الكلمة وجدّ الهمّة و العزيمة والدليل على ذلك نفس هذه الآيات وما يتلوها إلى آخر السورة تقريباً.

وقد كانوا تظاهروا بمثل ذلك يوم اُحد وقد هجم عليهم العدوّ في عقر دارهم فرجع ثلث الجيش الإسلاميّ من المعركة ولم يؤثّر فيهم عظّة ولا إلحاح حتّى قالوا: لو نعلم قتالاً لاتّبعناكم، فكان ذلك أحد الأسباب العاملة في انهزام المسلمين.

وأمّا قوله: ومن عتابه تعالى لرسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خطائه في اجتهاده ما تقدّم في سورة


الأنفال من عتابه في أخذ الفدية من اُسارى بدر حيث قال:( ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض ) الآية.

ففيه أوّلاً: أنّه من سوء الفهم فمن البيّن الّذى لا يرتاب فيه أنّ الآية بلفظها لا تعاتب على أخذ الفدية من الأسرى وإنّما تعاتب على نفس أخذ الأسرى - ما كان لنبىّ أن يكون له أسرى - ولم تنزل آيه ولا وردت رواية في أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان أمرهم بالأسر بل روايات القصّة تدلّ على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أمر بقتل بعض الأسرى خاف الناس أن يقتلهم عن آخرهم فكلّموه وألحّوا عليه في أخذ الفدية منهم ليتقوّوا بذلك على أعداء الدين وقد ردّ الله عليهم ذلك بقوله:( تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) .

وهذا من أحسن الشواهد على أنّ العتاب في الآية متوجّه إلى المؤمنين خاصّة من غير أن يختصّ به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يشاركهم فيه وأنّ أكثر ما ورد من الأخبار في هذا المعنى موضوعة أو مدسوسة.

وثانياً: أنّ العتاب في الآية لو اختصّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو شمله وغيره لم يكن من العتاب على ما ذكره على الذنب بمعناه اللغوىّ وهو تفويت المصلحة بوجه فإنّ هذا العتاب مذيّل بقوله تعالى في الآية التاليه:( لو لا كتاب من الله سبق لمسّكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) الأنفال - ٦٨ فلا يرتاب ذو لبّ في أنّ التهديد بالعذاب العظيم لا يتأتّى إلّا مع كون المهدّد عليه من المعصية المصطلحة بل ومن كبائر المعاصي وهذا أيضاً من الشواهد على أنّ العتاب في الآية متوجّه إلى غير النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قوله تعالى: ( لا يستأذنك الّذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ) إلى آخر الآيتين تذكر الآيتان أحد ما يعرف به المنافق ويتميّز به من المؤمن وهو الاستيذان في التخلّف عن الجهاد في سبيل الله.

وقد بيّن الله سبحانه ذلك بأنّ الجهاد في سبيل الله بالأموال والأنفس من لوازم الإيمان بالله واليوم الآخر بحقيقه الإيمإن لما يورثه هذا الإيمان من صفة التقوى والمؤمن لمّا كان على تقوى من قبل الإيمان بالله واليوم الآخر كان على بصيرة من وجوب الجهاد في سبيل الله بماله ونفسه ولا يدعه ذلك أن يتثاقل عنه فيستأذن في القعود لكنّ


المنافق لعدم الإيمان بالله واليوم الآخر فقد صفة التقوى فارتاب قلبه ولا يزال يتردّد في ريبه فيحبّ التطرّف ويستأذن في التخلّف والقعود عن الجهاد.

قوله تعالى: ( ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة ) إلى آخر الآية العدّة الاُهبة و الانبعاث - على ما في المجمع - الانطلاق بسرعة في الأمر والتثبيط التوقيف عن الأمر بالتزهيد فيه.

والآية معطوفة على ما تقدّم من قوله:( والله يعلم إنّهم لكاذبون ) بحسب المعنى أي هم كاذبون في دعواهم عدم استطاعتهم الخروج بل ما كانوا يريدونه ولو أرادوه لأعدّوا له عدّة لأنّ من آثار من يريد أمراً من الاُمور أن يتأهّب له بما يناسبه من العدّة والاُهبة ولم يظهر منهم شئ من ذلك.

وقوله:( ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم ) أي جزاء بنفاقهم وامتناناً عليك وعلى المؤمنين لئلّا يفسدوا جمعكم ويفرّقوا كلمتكم بالتفتين وإلقاء الخلاف.

وقوله:( وقيل اقعدوا مع القاعدين ) أمر غير تشريعيّ لا ينافى الأمر التشريعيّ بالنفر والخروج فقد أمرهم الله بلسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالنفر والخروج - وهو أمر تشريعيّ - وأمرهم من ناحية سريرتهم الفاسدة والريب المتردّد في قلوبهم وسجاياهم الباطنيّة الخبيثة بالقعود - وهو أمر غير تشريعيّ - ولا تنافى بينهما.

ولم ينسب قول:( اقعدوا مع القاعدين ) إلى نفسه تنزيهاً لنفسه عن الأمر بما لا يرتضيه وهناك أسباب متخلّله آمرة بذلك كالشيطان والنفس وإنّما ينسب إليه تعالى بالواسطة لانطباق معنى الجزاء والامتنان على المؤمنين عليه.

وليتوافق الأمران المتخالفان صورة في السياق أعني قوله:( قيل لكم انفروا في سبيل الله ) وقوله:( قيل اقعدوا مع القاعدين ) .

قوله تعالى: ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلّا خبالاً و لأوضعوا خلالكم ) الآية الخبال هو الفساد واضطراب الرأى، والإيضاع: الإسراع في الشرّ، والخلال: البين، والبغى هو الطلب فمعنى يبغونكم الفتنة أي يطلبون لكم أو فيكم الفتنة على ما قيل، والفتنة هي المحنة كالفرقة واختلاف الكلمة على ما يناسب الآية من معانيها، والسمّاع


السريع الإجابة والقبول.

والآية في مقام التعليل لقوله:( ولكن كره الله انبعاثهم فثبّطهم ) امتناناً ولذا جئ بالفصل من غير عطف والمعنى ظاهر.

قوله تعالى: ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الاُمور حتّى جاء الحقّ وظهر أمر الله وهم كارهون ) أي اُقسم لقد طلبوا المحنة و اختلاف الكلمة وتفرّق الجماعة من قبل هذه الغزوة - وهى غزوة تبوك - كما في غزوة اُحد حين رجع عبدالله بن اُبىّ بن سلول بثلث القوم وخذل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و قلّبوا لك الاُمور بدعوة الناس إلى الخلاف وتحريضهم على المعصية وخذلانهم عن الجهاد وبعث اليهود والمشركين على قتال المؤمنين والتجسّس وغير ذلك حتّى جاء الحقّ - وهو الحقّ الّذى يجب أن يتّبع - وظهر أمر الله - وهو الّذى يريده من الدين - وهم كارهون لجميع ذلك.

و الآية تستشهد على الآية السابقة بذكر الأمثال كما يستدلّ على الأمر بمثله و توجيه الخطاب إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاصّة بعد عمومه في الآية السابقة لاختصاص الأمر فيه بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعني تقليب الاُمور عليه بخلاف ما في الآية السابقة من خروجهم في الناس.

( بحث روائي)

في الدرّ المنثور في قوله تعالى:( إن لا تنصروه فقد نصره الله ) الآية أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عبّـاس قال: لمّا خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الليل لحق بغار ثور. قال: وتبعه أبوبكر فلمّا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسّه خلفه خاف أن يكون الطلب فلمّا رأى ذلك أبوبكر تنحنح فلمّا سمع ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عرفه فقام له حتّى تبعه فأتيا الغار.

فأصبحت قريش في طلبه فبعثوا إلى رجل من قافه بنى مدلج فتبع الأثر حتّى انتهى إلى الغار وعلى بابه شجرة فبال في أصلها القائف ثمّ قال: ما جاز صاحبكم الّذى تطلبون


هذا المكان قال: فعند ذلك حزن أبوبكر فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تحزن إنّ الله معنا.

قال: فمكث هو وأبوبكر في الغار ثلاثه أيّـام يختلف إليهم بالطعام عامر بن فهيرة وعلىّ يجهّزهم فاشتروا ثلاثة أباعر من إبل البحرين واستأجر لهم دليلاً فلمّا كان بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم علىّ بالإبل والدليل فركب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم راحلته وركب أبوبكر اُخرى فتوجّهوا نحو المدينة، وقد بعثت قريش في طلبه.

وفيه أخرج ابن سعد عن ابن عبّـاس وعلىّ وعائشة بنت أبى بكر وعائشة بنت قدامة وسراقة بن جعشم - دخل حديث بعضهم في بعض - قالوا: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و القوم جلوس على بابه فأخذ حفنة من البطحاء فجعل يذرّها على رؤوسهم ويتلو:( يس والقرآن الحكيم ) الآيات ومضى.

فقال لهم قائل ما تنتظرون؟ قالوا: محمّـداً. قال: قد والله مرّ بكم قالوا: والله ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب من رؤوسهم، وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر إلى غار ثور فدخلاه وضربت العنكبوت على بابه بعشاش بعضها على بعض.

وطلبته قريش أشدّ الطلب حتّى انتهوا إلى باب الغار فقال بعضهم: إنّ عليه لعنكبوتاً قبل ميلاد محمّـد.

وفي إعلام الورى - في حديث سراقة بن جعشم مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - قال: الّذى اشتهر في العرب يتقاولون فيه الأشعار ويتفاوضونه في الديار أنّه تبعه وهو متوجّه إلى المدينة طالباً لغرّتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليحظى بذلك عند قريش، حتّى إذا أمكنته الفرصة في نفسه، وأيقن أن قد ظفر ببغيته ساخت قوائم فرسه حتّى تغيّبت بأجمعها في الأرض وهو بموضع جدب وقاع صفصف فعلم أنّ الّذى أصابه أمر سماويّ فنادى يا محمّـد: ادع ربّك يطلق لى فرسى وذمّه الله أن لا أدلّ عليك أحداً ، فدعا له فوثب جواده كأنّه أفلت من اُنشوطه وكان رجلاً داهيه، وعلم بما رأى أنّه سيكون له نبأ فقال: اكتب لى أماناً فكتب له وانصرف.

قال محمّـد بن إسحاق: إنّ أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتاً فأجابه سراقة نظماً:

أبا حكم واللات(١) لو كنت شاهداً

لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه

____________________

(١) والله


عجبت و لم تشكك بأنّ محمّـداً

نـبىّ ببرهان فمن ذا يكاتمه؟

عليـك بكفّ الناس عنـه فإنّني

أرى أمره يوماً ستبدوا معالمه

أقول: ورواه في الكافي بإسناده عن معاوية بن عمّار عن أبى عبداللهعليه‌السلام وفي الدرّ المنثور بعدّة طرق، وأورده الزمخشريّ في ربيع الأبرار.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن سعد وابن مردويه عن ابن مصعب قال: أدركت أنس بن مالك وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة فسمعتهم يتحدّثون: أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة الغار أمر الله شجرة فنبتت في وجه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسترته وأمر الله العنكبوت فنسجت في وجه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسترته وأمر الله حمامتين وحشيّـتين فوقفتا بفم الغار.

وأقبل فتيان قريش من كلّ بطن رجل بعصيّهم وأسيافهم و هراويهم حتّى إذا كانوا من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قدر أربعين ذراعاً فعجّل بعضهم فنظر في الغار فرجع إلى أصحابه فقالوا: ما لك لم تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد. الحديث.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد الرزّاق وابن المنذر عن الزهريّ في قوله:( إذ هما في الغار ) قال: الغار الّذى في الجبل الّذى يسمّى ثوراً.

أقول: وقد استفاضت الروايات بكون الغار المذكور في القرآن الكريم هو غار جبل ثور، وهو على أربعة فراسخ من مكّة تقريباً.

وفي إعلام الورى وقصص الأنبياء، وبقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار ثلاثة أيّـام ثمّ أذن الله تعالى له بالهجرة، وقال: أخرج من مكّة يا محمّـد فليس لك بها ناصر بعد أبى طالب فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأقبل راع لبعض قريش يقال له: ابن اُريقط فدعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال له: يا ابن اُريقط أءتمنك على دمى؟ فقال: إذن والله أحرسك وأحفظك ولا أدلّ عليك، فأين تريد يا محمّـد؟ قال: يثرب. قال: لأسلكنّ بك مسلكاً لا يهتدى فيها أحد فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ائت عليّـاً و بشّره بأنّ الله قد أذن لى في الهجرة فهيّئ لى زاداً وراحله.


وقال له أبوبكر: ائت أسماء ابنتى وقل لها تهيّئي لى زاداً وراحلتين وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا، وكان من موالى أبى بكر وكان قد أسلم وقل له: ائتنا بالزاد والراحلتين.

فجاء ابن اُريقط إلى علىّعليه‌السلام فأخبره بذلك فبعث علىّ بن أبى طالب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بزاد وراحله. وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين، و خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الغار وأخذ به ابن اُريقط على طريق نخلة بين الجبال فلم يرجعوا إلى الطريق إلّا بقُدَيد فنزلوا على اُمّ معبد هناك.

قال: وقد كانت الأنصار بلغهم خروج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم وكانوا يتوقّعون قدومه إلى أن وافى مسجد قبا ونزل فخرج الرجال والنساء يستبشرون بقدومه.

أقول: والأخبار في تفاصيل قصص الهجرة بالغة في الكثرة رواها أصحاب النقل وأرباب السير من الشيعة وأهل السنّة وهى على كثرتها متدافعة مضطربة لا يسع نقدها واستخراج الصافى منها مجال هذا الكتاب وللدلالة على إجمال القصّة فيما أوردناه كفاية وهو كالمتّفق عليه بين أخبار الفريقين.

وفي الدرّ المنثور أخرج خيثمه بن سليمان الطرابلسيّ في فضائل الصحابة وابن عساكر عن علىّ بن أبى طالب قال: إنّ الله ذمّ الناس كلّهم ومدح أبابكر فقال: إلّا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الّذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا.

أقول: نقد البحث في مضامين الآيات الحافّة بالقصّة وما ينضمّ إليها من النقل الصحيح يوجب سوء الظنّ بهذه الرواية فإنّ الآيات الّتى تذمّ المؤمنين- أو الناس كلّهم كما في الرواية - وإليها تشير آية الغار بما فيها من قوله:( إلّا تنصروه ) هي قوله تعالى:( يا أيّها الّذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثّاقلتم إلى الأرض ) الآية والنقل القطعيّ يدلّ على أنّ التثاقل المذكور لم يكن من عامّة المؤمنين وجميعهم وأنّ كثيراً منهم سارع إلى إجابة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما أمر به من النفر وإنّما تثاقل جماعة من الناس من مؤمن و منافق.


فخطاب( يا أيّها الّذين آمنوا ) الشامل لجميع المؤمنين، والذمّ المتعقّب له إنّما هو من خطاب الجماعة بشأن بعضهم كخطاب اليهود بقوله:( فلم تقتلون أنبياء الله ) البقرة: ٩١ وغيره، وهو كثير في القرآن غير أنّ ديدن القرآن في مثل هذه الموارد أن لا يضيع حقّ الصالحين ولا أجر المحسنين أعني الأقلّين الّذين تعمّهم أمثال هذه الخطابات العامّة بالذمّ والتوبيخ فيتدارك أمرهم و يستثنيهم ويذكرهم بالجميل كما فعل ذلك فيما سيأتي في هذه السورة من الآيات المادحة للمؤمنين الشاكرة لجميل مساعيهم بقوله:( والمؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض ) الآية وغيره.

وإذا كانت الآيات - وقد نزلت في غزوة تبوك - تعمّ المؤمنين جميعاً المسارعين في الخروج والمتثاقلين فيه من غير استثناء فهى تشمل عامّة الصحابة والمؤمنين وفيهم أبوبكر نفسه غير أنّه تعالى تدارك ما لحق بالمسارعين في الطاعة والإجابة منهم في آيات تالية و شكر سعيهم.

فلو كان قوله في الآية:( إلّا تنصروه ) وهو يشير إلى ما تقدّم من حديث التثاقل ويؤمى إليه ذمّاً للناس كلّهم كان ذمّاً لأبي بكر كما هو ذمّ لغيره بعدم نصرتهم للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو تثاقلهم في نصره ومع ذلك لا تسمح الآية بالدلالة على نصر أبى بكر لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما فيها من قوله:( فقد نصره الله إذ أخرجه الّذين كفروا ثانى اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنّ الله معنا ) بل لو دلّ لدلّ على نصر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأبي بكر حيث طيّـب قلبه وسلّاه بقوله:( لا تحزن إنّ الله معنا ) .

على أنّك قد عرفت في البيان السابق أنّ الآية بمقتضى المقام لا تتعرّض إلّا لنصر الله سبحانه وحده نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعينه وشخصه، قبال ما يفرض من عدم نصر كافّة المؤمنين له وخذلانهم إيّاه فدلالة الآية على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم الغار لم ينصره إلّا الله سبحانه وحده دلالة قطعيّة.

وهذا المعنى في نفسه أدلّ شاهد على أنّ الضمائر في تتمّة جمل الآية:( فأنزل الله سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا ) للنبىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والجمل مسوقه لبيان قيامه تعالى وحده بنصره نصراً عزيزاً غيبيّاً لا صنع


فيه لأحد من الناس وهو إنزال السكينه عليه وتأييده بجنود غائبة عن الأبصار وجعلُ كلمة الّذين كفروا السفلى وإعلاء كلمة الحقّ والله عزيز حكيم.

وأمّا غير نصره النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المناقب الّتى يمدح الإنسان عليها فلو كان هناك شئ من ذلك لكان هو ما في قوله:( ثانى اثنين ) وما في قوله:( لصاحبه ) فلنسلّم أنّ كون الإنسان ثانياً لاثنين أحدهما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكونه صاحباً للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مذكوراً في القرآن بالصحبة من المفاخر الّتى يتنفّس لها لكنّها من المناقب الإجتماعيّـة الّتى تقدّر لها في المجتمعات قيمة ونفاسة وأمّا القرآن الكريم فللقيمة فيه ملاك آخر وللفضل والشرف في منطقه معنى آخر متّكئ على حقيقة هي أعلى من المقاصد الوضعيّة الاجتماعيّـة وهى كرامة العبوديّـة ودرجات القرب والزلفى.

ومجرّد الصحابة الجسمانيّة والدخول في العدد لا يدلّ على شئ من ذلك وقد تكرّر في كلامه تعالى أنّ التسمّى بمختلف الأسماء والتلبّس بما يتنفّس فيه عامّة الناس ويستعظمه النظر الإجتماعيّ لا قيمة له عند الله سبحانه وأنّ الحساب على ما في القلوب دون ما يتراءى من ظواهر الأعمال وتقدّمه الأحساب والأنساب.

وقد أفصح عنه في مورد أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وملازميه خاصّة بأبلغ الإفصاح قوله تعالى:( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّـار رحماء بينهم تراهم رُكّعاً سُجّداً - إلى أن قال -وعد الله الّذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ) الفتح: ٢٩ فانظر إلى ما في صدر الآية من المدح وما في ذيله من القيد وتدبّر.

هذه نبذة ممّا يتعلّق بالآية والرواية من البحث والزائد على هذا المقدار يخرجنا من البحث التفيسريّ إلى البحث الكلاميّ الّذي هو خارج عن غرضنا.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبي حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل وابن عساكر في تاريخه عن ابن عبّـاس في قوله:( فأنزل الله سكينته عليه ) قال: على أبي بكر لأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يزل السكينة معه.

وفيه أخرج الخطيب في تاريخه عن حبيب بن أبي ثابت:( فأنزل الله سكينته عليه ) قال: علي أبي بكر فأمّا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد كانت عليه السكينة.


أقول: قد حقّق فيما تقدّم أنّ الضمير راجع إلى النبيّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم) على ما يهدي إليه السياق، والروايتان على ما بهما من الوقف ضعيفتان، ولا حجّـيّة لقول ابن عبّـاس ولا حبيب لغيرهما.

وأمّا الحجّة الّتي أورداهما فيهما وهي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تزل السكينة معه فمدخولة يدفعها قوله تعالى في قصّة حنين:( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) الآية: التوبة: ٢٦ ونظيرته آية سورة الفتح المشيرة إلى قصّة الحديبية وهما تصرّحان بنزول السكينة عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خصوص المورد فليكن الأمر على تلك الوتيرة في الغار.

وكأنّ بعضهم(١) أحسّ بالإشكال فحمل قولهما في الروايتين: أنّ السكينة لم تزل مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على معنى آخر وهو كون السكينة ملازمة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الغار فيكون قرينة على كون الّتي نزلت فيه إنّما نزلت على صاحبه دونه، ولعلّ رواية حبيب أقرب دلالة على ما ذكره.

قال بعد إيراد رواية ابن عبّـاس ثمّ رواية حبيب: وقد أخذ بهذه الرواية بعض مفسّري اللّغة والمعقول ووضّحوا ما فيها من التعليل بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يحدث له وقتئذ اضطراب ولا خوف ولا حزن وقوّاها بعضهم بأنّ الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور. وليس هذا بشئ.

وذهب آخرون إلى أنّ الضمير يعود إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّ إنزال السكينه عليه لا يقتضى أن يكون خائفاً أو مضطرباً أو منزعجاً. وهذا ضعيف لعطف إنزال السكينه على ما قبلها الدالّ على وقوعه بعده وترتّبه عليه، وأنّ نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن. انتهى.

أمّا ما ذكروه من عدم طروّ خوف واضطراب عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقتئذ فإن كانوا استفادوه من عدم ذكر شئ من ذلك في الآية أو في رواية معتمد عليها فكلامه تعالى في قصّة حنين والحديبية أيضاً خال عن ذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بخوف أو حزن أو اضطراب ولم ترد رواية

____________________

(١) صاحب النار في تفسير.


معتمد عليها تدلّ على ذلك فكيف استقام ذكر نزول السكينه عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيهما!؟

وإن قالوا باستلزام إنزال السكينه الاضطراب والخوف والحزن فهو ممنوع كما تقدّم، كيف؟ ونزول نعمة من النعم الإلهيّـة لا يتوقّف على سبق الاتّصاف بحالة مضادّة لها و نقمة مقابلة لها كنزول الرحمة بعد الرحمة والنعمة بعد النعمة والإيمان و الهداية بعد الإيمان والهدايه وغير ذلك وقد نصّ القرآن الكريم باُمور كثيرة من هذا القبيل.

وأمّا قوله: إنّ رجوع الضمير إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ضعيف لعطف إنزال السكينه على ما قبلها الدالّ على وقوعه بعده وترتّبه عليه وأنّ نزولها وقع بعد قوله لصاحبه: لا تحزن. انتهى.

ففيه أنّه لا ريب أنّ فاء التفريع تدلّ على ترتّب ما بعدها على ما قبلها ووقوعه بعده لكن بعديّة رتبيّة لا بعديّة زمانيّة ولم يقل أحد بوجوب كونها زمانيّة دائماً.

فمن الواجب فيما نحن فيه أن يترتّب قوله:( فأنزل الله سكينته عليه وأيّده ) على ما تقدّم عليه من الكلام لا على ما هو أقرب إليه من غيره إلّا على القول بأنّ الأصل في الضمير أن يعود إلى أقرب مذكور، وقد ضعّفه في سابق كلامه.

والّذى يصلح من سابق الكلام ليتعلّق به التفريع المذكور هو قوله: فقد نصره الله في كذا وكذا وقتاً وتفرّع هذه الفروع عليه من قبيل تفرّع التفصيل على الإجمال والسياق على استقامته: فقد نصره الله في وقت كذا فأنزل سكينته عليه وأيّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الّذين كفروا السفلى.

فظهر أنّ ما أجاب به أخيراً هو عين ما ضعّفه أوّلاً من حديث أصل قرب المرجع من الضمير - ذاك الأصل الّذى لا أصل له - كرّره ثانياً بتغيير مّا في اللفظ.

ومن هنا يظهر جهة المناقشة في رواية اُخرى رواها في الدرّ المنثورعن ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: دخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوبكر غار حراء فقال أبوبكر للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو أنّ أحدهم يبصر موضع قدمه لأبصرني وإيّاك فقال: ما ظنّك باثنين الله ثالثهما إنّ الله أنزل سكينته عليك وأيّدنى بجنود لم تروها.

على أنّ الرواية تذكر غار حراء وقد ثبت بالمستفيض المتكاثر من الأخبار أنّ الغار


كان غار ثور لا غار حراء.

على أنّ الرواية مشتملة على تفكيك السياق صريحاً بما فيها من قوله: أنزل سكينته عليك وأيّدنى بجنود الخ.

وقد أورد الآلوسىّ في روح المعاني الرواية هكذا:( إنّ الله أنزل سكينته عليك وأيّدك بجنود لم تروها ) فأرجع الضميرين إلى أبى بكر دون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولا ندرى أيّ اللفظين هو الأصل وأيّهما المحرّف غير أنّه يضاف على رواية( وأيّدك بجنود لم تروها ) إلى ما ذكر من الإشكال آنفاً إشكالات اُخرى تقدّمت في البيان السابق مضافاً إلى إشكال آخر جديد من جهة قوله:( لم تروها ) بخطاب الجمع ولا مخاطب يومئذ جمعاً.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً ) في رواية أبى الجارود عن أبى جعفرعليه‌السلام : في قوله:( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً ) يقول: غنيمة قريبة( لاتّبعوك ) .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن زرارة وحمران ومحمّـد بن مسلم عن أبى جعفر وأبى عبداللهعليه‌السلام : في قول الله:( لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لاتّبعوك ) الآية إنّهم يستطيعون وقد كان في علم الله أنّه لو كان عرضاً قريباً وسفراً قاصداً لفعلوا.

أقول: ورواه الصدوق في المعاني بإسناده عن عبد الأعلى بن أعين عن أبى عبداللهعليه‌السلام مثله.

بيان وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( ولكن بعدت عليهم الشقّة ) يعنى إلى تبوك وسبب ذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يسافر سفراً أبعد منه ولا أشدّ منه.

وكان سبب ذلك أنّ الصيّافة كانوا يقدمون المدينة من الشام ومعهم الدرموك والطعام، وهم الأنباط فأشاعوا بالمدينة أنّ الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عسكر عظيم، وأنّ هرقل قد سار في جمع جنوده، وجلب معهم غسّان وجذام وبهراء وعاملة، وقد قدّم عساكره البلقاء ونزل هو حمص.

فأرسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصحابه إلى تبوك وهى من بلاد البلقاء، وبعث إلى القبائل


حوله، وإلى مكّة، وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة فحثّهم على الجهاد.

وأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعسكره فضرب في ثنيّة الوداع، وأمر أهل الجدة أن يعينوا من لا قوّة به، ومن كان عنده شئ أخرجه، وحملوا وقوّوا وحثّوا على ذلك.

وخطب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيّها الناس إنّ أصدق الحديث كتاب الله، وأولى القول كلمة التقوى، وخير الملل ملّة إبراهيم، وخير السنن سنّة محمّـد، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص هذا القرآن، وخير الاُمور عزائمها وشرّ الاُمور محدثاتها، وأحسن الهدى هدى الأنبياء، وأشرف القتلى الشهداء، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى، وخير الأعمال ما نفع، وخير الهدى ما اتّبع، وشرّ العمى عمى القلب واليد العليا خير من اليد السفلى، وما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، وشرّ المعذرة محضر الموت، وشرّ الندامة يوم القيامة، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلّا نزراً، ومنهم من لا يذكر الله إلّا هجراً، ومن أعظم الخطايا اللسان الكذب، وخير الغنى غنى النفس، وخير الزاد التقوى، ورأس الحكمة مخافة الله، وخير ما اُلقى في القلب اليقين، والارتياب من الكفر، والتباعد من عمل الجاهليّـة، والغلول من قيح جهنّم، والسكر جمر النار، والشعر من إبليس، والخمر جماع الإثم، والنساء حبائل إبليس، والشباب شعبة من الجنون، وشرّ المكاسب كسب الربا، وشرّ الأكل أكل مال اليتيم، والسعيد من وعظ بغيره، والشقىّ من شقى في بطن اُمّه، وإنّما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع، والأمر إلى آخره وملاك الأمر خواتيمه، وأربى الربا الكذب، وكلّما هو آت قريب، وسباب المؤمن فسوق، وقتال المؤمن كفر، وأكل لحمه من معصية الله، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن توكّل على الله كفاه، ومن صبر ظفر، ومن يعف يعف الله عنه، ومن كظم الغيظ آجره الله، ومن يصبر على الرزيّة يعوّضه الله، ومن تبع السمعة يسمّع الله به، ومن يصمّ يضاعف الله له، ومن يعص الله يعذّبه، اللّهمّ اغفر لى ولاُمّـتى. اللّهمّ اغفر لى ولاُمّـتى أستغفر الله لى ولكم.

قال: فرغب الناس في الجهاد لمّا سمعوا هذا من رسول الله، وقدمت القبائل من


العرب ممّن استنفرهم، وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم، ولقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجدّ بن قيس فقال له: يا أبا وهب ألا تنفر معنا في هذه الغزاة؟ لعلّك أن تحتفد من بنات الأصفر فقال يا رسول الله: والله إنّ قومي ليعلمون أن ليس فيهم أشدّ عجباً بالنساء منّى وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر إذا رأيت بنات الأصفر فلا تفتنّي وائذن لى أن اُقيم. وقال للجماعة من قومه: لا تخرجوا في الحرّ.

فقال ابنه: ترد على رسول الله وتقول له ما تقول ثمّ تقول لقومك: لا تنفروا في الحرّ والله لينزلنّ الله في هذا قرآناً يقرؤه الناس إلى يوم القيامة فأنزل الله على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك:( ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ) .

ثمّ قال الجدّ بن قيس: أيطمع محمّـد أنّ حرب الروم مثل حرب غيرهم. لا يرجع من هؤلاء أحد أبداً.

أقول: وقد روى هذه المعاني في روايات اُخرى كثيرة من طرق الشيعة وأهل السنّة.

وفي العيون بإسناده عن على بن محمّـد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علىّ بن موسىعليه‌السلام فقال له: يا ابن رسول الله أليس من قولك: إنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى، فقال له المأمون - فيما سأله - يا أبا الحسن فأخبرني عن قول الله تعالى:( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) .

قال الرضاعليه‌السلام : هذا ممّا نزل: إيّاك أعني واسمعي يا جارة، خاطب الله تعالى بذلك نبيّه وأراد به اُمّته، وكذلك قوله عزّوجلّ:( لئن أشركت ليحبطنّ عملك ولتكوننّ من الخاسرين) ، وقوله تعالى:( ولو لا أن ثبّـتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً ) . قال: صدقت يا ابن رسول الله.

أقول: ومضمون الرواية ينطبق على ما قدّمناه في بيان الآية، دون ما ذكروه من كون إذنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم في القعود من قبيل ترك الأولى فإنّه لا يستقيم معه كون الآية


من قبيل( إيّاك أعنى واسمعي يا جارة ) .

وفي الدرّ المنثور أخرج عبدالرزّاق في المصنّف، وابن جرير، عن عمرو بن ميمون الأودىّ قال: اثنتان فعلهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يؤمر فيهما بشئ: إذنه للمنافقين، وأخذه من الاُسارى فأنزل الله:( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) الآية.

أقول: وقد تقدّم الكلام على مضمون الرواية.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة ) الآية وما بعدها قال: وتخلّف عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أهل نيّات وبصائر لم يكن يلحقهم شكّ ولا ارتياب ولكنّهم قالوا: نلحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

منهم أبوخيثمة وكان قويّاً وكان له زوجتان وعريشان، وكانتا زوجتاه قد رشّتا عريشتيه، وبرّدتا له الماء، وهيّأتا له طعاماً فأشرف على عريشتيه فلمّا نظر إليهما قال: لا والله ما هذا بإنصاف، رسول الله قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر قد خرج في الفيح والريح، وقد حمل السلاح يجاهد في سبيل الله، وأبوخيثمة قوىّ قاعد في عريشة وامرأتين حسناوين لا والله ما هذا بإنصاف.

ثمّ أخذ ناقته فشدّ عليها رحله ولحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنظر الناس إلى راكب على الطريق فأخبروا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كن أباخيثمة فأقبل، وأخبر النبيّ بما كان منه فجزّاه خيراً ودعا له.

وكان أبوذرّ تخلّف عن رسول الله ثلاثة أيّـام وذلك أنّ جمله كان أعجف، فلحق بعد ثلاثة أيّـام به ووقف عليه جمله في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره فلمّا ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخص مقبل فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : كن أباذرّ فقالوا: هو أبوذرّ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أدركوه فإنّه عطشان فأدركوه بالماء.

ووافى أبوذرّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومعه إداوة فيها ماء فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أباذرّ معك ماء وعطشت؟ قال: نعم يا رسول الله بأبى أنت واُمّى انتهيت إلى صخرة عليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذب بارد فقلت: لا أشربه حتّى يشرب رسول الله.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا أباذرّ رحمك الله، تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث


وحدك، وتدخل الجنّـة وحدك، يسعد بك قوم من أهل العراق يتولّون غسلك وتجهيزك والصلاة عليك ودفنك.

ثمّ قال: وقد كان تخلّف عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوم من المنافقين وقوم من المؤمنين مستبصرين لم يعثر عليهم في نفاق: منهم كعب بن مالك الشاعر ومُرارة بن الربيع وهلال بن اُميّة الرافعىّ فلمّا تاب الله عليهم قال كعب: ما كنت قطّ أقوى منّى في ذلك الوقت الّذى خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى تبوك، وما اجتمعت لى راحلتان قطّ إلّا في ذلك اليوم، وكنت أقول: أخرج غداً بعد غد فإنّى مقوّى، وتوانيت وثقلت بعد خروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيّـاماً أدخل السوق ولا أقضي حاجة فلقيت هلال بن اُميّة ومرارة بن الربيع وقد كانا تخلّفا أيضاً فتوافقنا أن نبكر إلى السوق، فلم نقض حاجة فما زلنا نقول: نخرج غداً وبعد غد حتّى بلغنا إقبال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فندمنا.

فلمّا وافى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم استقبلناه نهنّئه السلامة فسلّمنا عليه فلم يردّ علينا السلام وأعرض عنّا، وسلّمنا على إخواننا فلم يردّوا علينا السلام فبلغ ذلك أهلونا فقطعوا كلامنا، وكنّا نحضر المسجد فلا يسلّم علينا أحد ولا يكلّمنا فجاءت نساؤنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلن: قد بلغنا سخطك على أزواجنا أفنعتزلهم؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لا تعتزلنّهم ولكن لا يقربوكنّ.

فلمّا رأى كعب بن مالك وصاحباه ما قد حلّ بهم قالوا: ما يقعدنا بالمدينة ولا يكلّمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا إخواننا ولا أهلونا؟ فهلمّوا نخرج إلى هذا الجبل فلا نزال فيه حتّى يتوب الله علينا أو نموت.

فخرجوا إلى ذباب - جبل بالمدينة - فكانوا يصومون وكان أهلوهم يأتونهم بالطعام فيضعونه ناحية ثمّ يولّون عنهم ولا يكلمونهم.

فبقوا على هذا أيّـاماً كثيرة يبكون بالليل والنهار ويدعون الله أن يغفر لهم فلمّا طال عليهم الأمر قال لهم كعب: يا قوم قد سخط الله علينا ورسوله، وقد سخط علينا أهلونا،


وإخواننا قد سخطوا علينا فلا يكلّمنا أحد فلم لا يسخط بعضنا على بعض؟ فتفرّقوا في الجبل وحلفوا أن لا يكلّم أحد منهم صاحبه حتّى يموت أو يتوب الله عليه فبقوا على ذلك ثلاثة أيّـام، وكلّ واحد منهم في ناحية من الجبل لا يرى أحد منهم صاحبه ولا يكلّمه.

فلمّا كان في الليلة الثالثة، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيت أمّ سلمة نزلت توبتهم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله:( لقد تاب الله بالنبيّ على المهاجرين والأنصار الّذين اتّبعوه في ساعة العسرة ) قال الصادقعليه‌السلام : هكذا نزلت وهو أبوذرّ وأبو خيثمة وعمير بن وهب الّذين تخلّفوا ثمّ لحقوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ثمّ قال في هؤلاء الثلاثة:( وعلى الثلاثة الّذين خلّفوا ) فقال العالمعليه‌السلام : إنّما اُنزل: على الثلاثة الّذين خالفوا ولو خلّفوا لم يكن عليهم عيب( حتّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) حيث لا يكلّمهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا إخوانهم ولا أهلوهم فضاقت عليهم المدينة حتّى خرجوا منها( وضاقت عليهم أنفسهم ) حيث حلفوا أن لا يكلّم بعضهم بعضاً فتفرّقوا وتاب الله عليهم لما عرف من صدق نيّاتهم.

أقول: وسيأتى الكلام في الآيتين وما ورد فيهما من الروايات.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن المغيرة قال: سمعته يقول في قول الله عزّوجلّ:( ولو أرادوا الخروج لأعدّوا له عدّة ) ، قال: يعنى بالعدّة النيّة يقول:( لو كان لهم نيّة لخرجوا ) .

أقول: الرواية على ضعفها وإرسالها وإضمارها لا تنطبق على لفظ الآية والله أعلم.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن الحسن البصريّ قال: كان عبدالله بن اُبىّ وعبدالله بن نبتل ورفاعة بن زيد بن تابوت من عظماء المنافقين، وكانوا ممّن يكيد الإسلام وأهله، وفيهم أنزل الله:( لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلّبوا لك الاُمور ) إلى آخر الآية.


( سورة التوبة آيه ٤٩ - ٦٣)  

وَمِنْهُم مَن يَقُولُ ائْذَن لِي وَلاَ تَفْتِنّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنّ جَهَنّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ( ٤٩ ) إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ ( ٥٠ ) قُل لَن يُصِيبَنَا إِلّا مَاكَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( ٥١ ) قُلْ هَلْ تَرَبّصُونَ بِنَا إِلّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبّصُونَ ( ٥٢ ) قُلْ أَنفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَن يُتَقَبّلَ مِنكُمْ إِنّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ( ٥٣ ) وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلّا أَنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصّلاَةَ إِلّا وَهُمْ كُسَالَى‏ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلّا وَهُمْ كَارِهُونَ ( ٥٤ ) فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ( ٥٥ ) وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُمْ مِنكُمْ وَلكِنّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( ٥٦ ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدّخَلاً لَوَلّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( ٥٧ ) وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ( ٥٨ ) وَلَوْ أَنّهُمْ رَضُوا مَاآتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ( ٥٩ ) إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٦٠ ) وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ


قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٦١ ) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ ( ٦٢ ) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَالِداً فِيهَا ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ( ٦٣ )

( بيان)

الآيات تعقّب القول في المنافقين وبيان حالهم وفيها ذكر أشياء من أقوالهم وأفعالهم، والبحث عمّا يكشف عنه من خبائث أوصافهم الباطنة واعتقاداتهم المبنيّـة على الضلال.

قوله تعالى: ( ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنّي ألا في الفتنة سقطوا ) الآية الفتنة ههنا - على ما يهدى إليه السياق - إمّا الإلقاء إلى ما يفتتن ويغرّ به، وإمّا الإلقاء في الفتنة والبليّة الشاملة.

والمراد على الأوّل: ائذن لى في القعود وعدم الخروج إلى الجهاد، ولا تلقني في الفتنة بتوصيف ما في هذه الغزوة من نفائس الغنائم ومشتهيات الأنفس فأفتتن بها وأضطرّ إلى الخروج، وعلى الثاني ائذن لى ولا تلقني إلى ما في هذه الغزوة من المحنة والمصيبة والبليّة.

فأجاب الله عن قولهم بقولهم:( ألا في الفتنة سقطوا ) ومعناه أنّهم يحترزون بحسب زعمهم عن فتنة مترقّبة من قبل الخروج، وقد أخطؤوا فإنّ الّذى هم عليه من الكفر والنفاق وسوء السريرة، ومن آثاره هذا القول الّذى تفوّهوا به هو بعينه فتنة سقطوا فيها فقد فتنهم الشيطان بالغرور، ووقعوا في مهلكة الكفر والضلال وفتنته.

هذا حالهم في هذه النشأة الدنيويّـة وأمّا في الآخرة فإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين


على حذو إحاطة الفتنة بهم في الدنيا وسقوطهم فيها فقوله:( ألا في الفتنة سقطوا ) وقوله:( وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين ) كأنّهما معاً يفيدان معنى واحداً وهو أنّ هؤلاء واقعون في الفتنة والتهلكة أبداً في الدنيا والآخرة.

ويمكن أن يفهم من قوله:( وإنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين) الإحاطة بالفعل دون الإحاطة اللإستقباليّة كما تهدى إليه الآيات الدالّة على تجسّم الأعمال.

قوله تعالى: ( إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ) المراد بالحسنة والسيّـئة بقرينة السياق ما تتعقّبه الحروب والمغازى لأهلها من حسنة الفتح والظفر والغنيمة والسبي، ومن مصيبة القتل والجرح والهزيمة.

وقوله:( يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ) كناية عن الاحتراز عن الشرّ قبل وقوعه كأنّ أمرهم كان خارجاً من أيديهم فأخذوه وقبضوا وتسلّطوا عليه فلم يدعوه يفسد ويضيع.

فمعنى الآية أنّ هؤلاء المنافقين هواهم عليك: إن غنمت وظفرت في وجهك هذا ساءهم ذلك، وإن قتلت أو جرحت أو اُصبت بأىّ مصيبة اُخرى قالوا قد احترزنا عن الشرّ من قبل وتولّوا وهم فرحون.

وقد أجاب الله سبحانه عن ذلك بجوابين اثنين في آيتين: قوله:( قل لن يصيبنا ) الخ وقوله:( قل هل تربّصون ) الخ.

قوله تعالى: ( قل لن يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكّل المؤمنون ) محصّله أنّ ولاية أمرنا إنّما هي لله سبحانه فحسب - على ما يدلّ عليه قوله:( هو مولانا ) من الحصر - لا إلى أنفسنا ولا إلى شئ من هذه الأسباب الظاهرة، بل حقيقة الأمر لله وحده وقد كتب كتابة حتم ما سيصيبنا من خير أو شرّ أو حسنة أو مصيبة، وإذا كان كذلك فعلينا امتثال أمره والسعى لإحياء أمره والجهاد في سبيله ولله المشيّـة فيما يصيبنا في ذلك من حسنة أو مصيبة فما على العبيد إلّا ترك التدبير وامتثال الأمر وهو التوكّل.

وبذلك يظهر: أنّ المراد بقوله:( وعلى الله فليتوكّل المؤمنون ) ليس كلاماً مستأنفاً


بل معطوف على ما قبله متمّم له، والمعنى أنّ ولاية أمرنا لله ونحن مؤمنون به، ولازمه أن نتوكّل عليه ونرجع الأمر إليه من غير أن نختار لأنفسنا شيئاً من الحسنة ومصيبة فلو أصابتنا حسنة كان المنّ له وإن أصابتنا مصيبة كانت المشيّـة والخيرة له، ولا لوم علينا ولا شماتة تتعلّق بنا، ولا حزن ولا مساءة يطرء على قلوبنا.

وقد قال تعالى:( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلّا في كتاب من قبل أن نبرأها إنّ ذلك على الله يسير* لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) الحديد: ٢٣، وقال:( ما أصاب من مصيبة إلّا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) التغابن: ١١ وقال:( ذلك بأنّ الله مولى الّذين آمنوا ) سورة محمّـد: ١١، وقال:( والله ولىّ المؤمنين ) آل عمران: ٦٨، وقال:( فالله هو الولىّ ) الشورى: ٩.

والآيات - كما ترى - تتضمّن اُصول هذه الحقيقة الّتى تنبئ عنه الآية الّتى نتكلّم فيها جواباً عن وهم المنافقين، وهى أنّ حقيقة الولاية لله سبحانه ليس إلى أحد من دونه من الأمر شئ فإذا آمن الإنسان به وعرف مقام ربّه علم ذلك وكان عليه أن يتوكّل على ربّه ويرجع إليه حقيقة المشيّـة والخيرة فلا يفرح بحسنة أصابته، ولا يحزن لمصيبة أصابته.

ومن الجهل أن يسوء الإنسان ما أصابت عدوّه من حسنة أو يسرّه ما أصابته من مصيبة فليس له من الأمر شئ، وهذا هو الجواب الأوّل عن مساءتهم بما أصاب المؤمنين من الحسنة وفرحهم بما أصابتهم من المصيبة.

وظاهر كلام بعض المفسّرين أنّ المولى في الآية بمعنى الناصر، وكذا ظاهر كلام بعضهم: أنّ قوله:( وعلى الله فليتوكّل المؤمنون ) جملة مستأنفة أمر الله فيها المؤمنين بالتوكّل عليه، والسياق المشهود من الآيتين لا يساعد عليه.

قوله تعالى:( قل هل تربّصون بنا إلّا إحدى الحسنيين ونحن نتربّص بكم ) الآية الحسنيان هما الحسنة والمصيبة على ما يدلّ عليه الآية الاُولى الحاكية أنّهم يسوؤهم ما أصاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من حسنة، وتسرّهم ما أصابه من مصيبة فيقولون قد أخذنا أمرنا من قبل فهم على حال تربّص ينتظرون ما يقع به وبالمؤمنين من الحسنة أو المصيبة.


والحسنة والمصيبة كلتاهما حسنيان كبحسب النظر الدينىّ فإنّ في الحسنة حسنة الدنيا وعظيم الأجر عند الله، وفي المصيبة الّتى هي الشهادة أو أيّ تعب وعناء أصابهم مرضاة الله وثواب خالد دائم.

ومعنى الآية أنّا نحن وأنتم كلّ يتربّص بصاحبه غير أنّكم تتربّصون بنا إحدى خصلتين كلّ واحدة منهما خصلة حسنى وهما: الغلبة على العدوّ مع الغنيمة، والشهادة في سبيل الله، ونحن نتربّص بكم أن يعذّبكم الله بعذاب من عنده كالعذاب السماويّ أو بعذاب يجرى بأيدينا كأن يأمرنا بقتالكم وتطهير الأرض من قذارة وجودكم فنحن فائزون على أيّ حال، إن وقع شئ ممّا تربّصتم سعدنا، وإن وقع ما تربّصنا سعدنا فتربّصوا إنّا معكم متربّصون، وهذا جواب ثان عن المنافقين.

وقد ذكر في الآية الاُولى إصابة الحسنة والمصيبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي مقام الجواب في الآيتين الثانية والثالثة إصابتهما النبيّ والمؤمنين جميعاً لملازمتهم إيّاه ومشاركتهم إيّاه فيما أصابه من حسنة أو مصيبة.

قوله تعالى: ( قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبّل منكم إنّكم كنتم قوماً فاسقين ) لفظ أمر في معنى الشرط. والترديد للتعميم ولفظ الأمر في هذه الموارد كناية عن عدم النهى وسدّ السبيل إيماء إلى أنّ الفعل لغو لا يترتّب عليه أثر، وقوله:( لن يتقبّل منكم ) تعليل للأمر كما أنّ قوله تعالى:( إنّكم كنتم قوماً فاسقين ) تعليل لعدم القبول.

ومعنى الآية: لا نمنعكم عن الإنفاق في حال من طوع أو كره فإنّه لغو غير مقبول لأنّكم فاسقون، ولا يقبل عمل الفاسقين، قال تعالى:( إنّما يتقبّل الله من المتّقين ) المائدة: ٢٧ والتقبّل أبلغ من القبول.

قوله تعالى: ( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلّا أنّهم كفروا بالله وبرسوله ) الخ الآية تعليل تفصيليّ لعدم تقبّل نفقاتهم، وبعبارة اُخرى بمنزلة الشرح لفسقهم، وقد عدّت الكفر بالله تعالى ورسوله والكسل في إقامة الصلاة والكره في الإنفاق أركاناً لنفاقهم.


قوله تعالى: ( فلا تعجّبك أموالهم ولا أولادهم إنّما يريد الله ليعذّبهم بها ) إلى آخر الآية، الإعجاب بالشئ السرور بما يشاهد فيه من جمال أو كمال أو نحوهما، والزهوق خروج الشئ بصعوبة وأصله الهلاك على ما قيل.

وقد نهى الله سبحانه نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الإعجاب بأموال المنافقين وأولادهم أي بكثرتها على ما يعطيه السياق، وعلّل ذلك بأنّ هذه الأموال والأولاد - وهى شاغلة للإنسان لا محالة - ليست من النعمة الّتى تهتف لهم بالسعادة بل من النقمة الّتى تجرّهم إلى الشقاء فإنّ الله وهو الّذى خوّلهم إيّـاها إنّما أراد بها تعذيبهم في الحياة الدنيا، وتوفيهم وهم كافرون.

فإنّ الحياة الّتى يعدّها الموجود الحىّ سعادة لنفسه وراحة لذاته إنّما تكون سعادة فيها الراحة والبهجة إذا جرت على حقيقة مجراها وهو أن يتلبّس الإنسان بواقع آثارها من العلم النافع والعمل الصالح من غير أن يشتغل بغير ما فيه خيره ونفعه، فهذه هي الحياة الّتى لا موت فيها، والراحة الّتى لا تعب معها، واللّذة الّتى لا ألم دونها، وهى الحياة في ولاية الله، قال تعالى:( ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) يونس: ٦٢.

وأمّا من اشتغل بالدنيا وجذبته زيناتها من مال وبنين إلى نفسها وغرّته الآمال والأمانيّ الكاذبة الّتى تتراءى له منها واستهوته الشياطين فقد وقع في تناقضات القوى البدنيّـة وتزاحمات اللّذائذ المادّيّة، وعذب أشدّ العذاب بنفس ما يرى فيه سعادته ولذّته فمن المشاهد المعاين أنّ الدنيا كلّما زادت إقبالاً على الإنسان، ومتّعته بكثرة الأموال والأولاد أبعدته عن موقف العبوديّـة وقرّبته إلى الهلاكة وعذاب الروح فلا يزال يتقلّب بين هذه الأسباب الموافقة والمخالفة، والأوضاع والأحوال الملائمة والمزاحمة، فالّذي يسمّيه هؤلاء المغفّلون سعة العيش هو بالحقيقة ضنك كما قال تعالى:( ومن أعرض عن ذكرى فإنّ له معيشه ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى* قال ربّ لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً* قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) طه: ١٢٦.

فغايه إعراض الإنسان عن ذكر ربّه، وانكبابه على الدنيا يبتغى به سعادة الحياة


وراحة النفس ولذّة الروح أن يعذّب بين أطباق هذه الفتن الّتى يراها نعماً، ويكفر بربّه بالخروج عن زىّ العبوديّـة كما قال:( إنّما يريد الله ليعذّبهم بها وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) وهو الإملاء والاستدراج الّذين يذكرهما في قوله:( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون واُملى لهم إنّ كيدى متين ) الأعراف: ١٨٣.

قوله تعالى: ( ويحلفون بالله إنّهم لمنكم وما هم منكم ) إلى آخر الآيتين، الفرق انزعاج النفس من ضرر متوقّع، والملجأ الموضع الّذى يلتجأ إليه ويتحصّن فيه، والمغار المحلّ الّذى يغور فيه الإنسان فيستره عن الأنظار، ويطلق على الغار وهو الثقب الّذى يكون في الجبال، والمدّخل من الافتعال الطريق الّذى يتدسّس بالدخول فيه، والجماح مضىّ المارّ مسرعاً على وجهه لا يصرفه عنه شئ، والمعنى ظاهر.

قوله تعالى: ( ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اُعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) اللمز العيب، وإنّما كانوا يعيبونه فيها إذا لم يعطهم منها لعدم استحقاقهم ذلك أو لأسباب اُخر كما يدلّ عليه ذيل الآية.

قوله تعالى: ( ولو أنّهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ) إلى آخر الآية،( لو ) للتمنّي وقوله:( رضوا ما آتاهم الله ) كأنّ الرضى ضمّن معنى الأخذ ولذا عدّي بنفسه أي أخذوا ذلك راضين به أو رضوا آخذين ذلك، والإيتاء الإعطاء وحسبنا الله أي كفانا فيما نرغب إليه ونأمله.

وقوله:( سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) بيان لما يرغب إليه ويطمع فيه وليس إخباراً عمّا سيكون، وقوله:( إنّا إلى الله راغبون ) كالتعليل لقوله:( سيؤتينا الله ) إلى آخر الآية.

والمعنى وكان ممّا يتمنّى لهم أن يكونوا أخذوا ما أعطاهم الله ورسوله بأمر منه من مال الصدقات أو غيره، وقالوا كفانا الله سبحانه من سائر الأسباب ونحن راغبون في فضله ونطمع أن يؤتينا من فضله ويؤتينا رسوله.

وفي الآية ما لا يخفى من لطيف البيان حيث نسب الإيتاء إلى الله وإلى رسوله وخصّ الكفاية والفضل والرغبة بالله على ما هو لازم دين التوحيد.


قوله تعالى: ( إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ) الآية، بيان لموارد تصرف إليها الصدقات الواجبة وهى الزكوات بدليل قوله في آخر الآية:( فريضة من الله ) وهى ثمانية. وارد على ظاهر ما يعطيه سياق الآية ولازمه أن يكون الفقير والمسكين موردين أحدهما غير الآخر.

وقد اختلفوا في الفقير والمسكين أنّهما صنف واحد أو صنفان، ثمّ على الثاني في معناهما على أقوال كثيرة لا ينتهى أكثرها إلى حجّة بيّنة، والّذى يعطيه ظاهر لفظهما أنّ الفقير هو الّذى اتّصف بالعدم وفقدان ما يرفع حوائجه الحيويّـة من المال قبال الغنىّ الّذى اتّصف بالغنى وهو الجدة واليسار.

وأمّا المسكين فهو الّذى حلّت به المسكنة والذلّة مضافة إلى فقدان المال وذلك إنّما يكون بأن يصل فقره إلى حدّ يستذلّه بذلك كمن لا يجد بدّاً من أن يبذل ماء وجهه ويسأل كلّ كريم ولئيم من شدّة الفقر وكالأعمى والأعرج فالمسكين أسوء حالاً من الفقير.

والفقير والمسكين وإن كانا بحسب النسبة أعمّ وأخصّ فكلّ مسكين من جهة الحاجة الماليّـة فقير ولا عكس غير أنّ العرف يراهما صنفين متقابلين لمكان مغايرة الوصفين في نفسهما فلا يرد أنّ ذكر الفقير على هذا المعنى مغن عن ذكر المسكين لمكان أعمّـيّته وذلك أنّ المسكنة هي وصف الذلّة كالزمانة والعرج والعمى وإن كان بعض مصاديقه نهاية الذلّة من جهة فقد المال.

وأمّا العاملون عليها أي على الصدقات فهم الساعون لجمع الزكوات وجباتها.

وأمّا المؤلّفة قلوبهم فهم الّذين يؤلّف قلوبهم بإعطاء سهم من الزكاة ليسلموا أو يدفع بهم العدوّ أو يستعان بهم على حوائج الدين.

وأمّا قوله:( وفي الرقاب ) فهو متعلّق بمقدّر والتقدير: والمصرف في الرقاب أى في فكّها كما في المكاتب الّذى لا يقدر على تأدية ما شرطه لمولاه على نفسه لعتقه أو الرقّ الّذى كان في شدّة.


وقوله:( والغارمين ) أي وللصرف في الغارمين الّذين ركبتهم الديون فيقضى ديونهم بسهم من الزكاة.

وقوله:( وفي سبيل الله ) أي وللصرف في سبيل الله، وهو كلّ عمل عامّ يعود عائدته إلى الإسلام والمسلمين وتحفظ به مصلحة الدين ومن أظهر مصاديقه الجهاد في سبيل الله، ويلحق به سائر الأعمال الّتى تعمّ نفعه وتشمل فائدته كإصلاح الطرق وبناء القناطر ونظائر ذلك.

وقوله:( وابن السبيل ) أي وللصرف في ابن السبيل وهو المنقطع عن وطنه الفاقد لما يعيش به وإن كان غنيّاً ذا يسار في بلده فيرفع حاجته بسهم من الزكاة.

وقد اختلف سياق العدّ فيما ذكر في الآية من الأصناف الثمانية فذكرت الأربعة الاُول باللام:( للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم ) ثمّ غيّر السياق في الأربعة الباقية فقيل:( وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ) فإنّ ظاهر السياق الخاصّ بهذه الأربعة أنّ التقدير: وفي الرقاب وفي الغارمين وفي سبيل الله وفي ابن السبيل.

أمّا الأربعة الاُول:( للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم ) فاللام فيها للملك بمعنى الاختصاص في التصرّف فإنّ الآية بحسب السياق كالجواب عن المنافقين الّذين كانوا يطمعون في الصدقات وهم غير مستحقّين لها وكانوا يلمزون النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حرمانهم منها فاُجيبوا بالآية أنّ للصدقات مواضع خاصّـة تصرف فيها ولا تتعدّاها، والآية ليست بظاهرة في أزيد من هذا المقدار من الاختصاص.

وأمّا كون ملكهم للصدقات هو الملك بمعناه المعروف فقهاً؟ وكذا حقيقة هذا الملك مع كون المالكين أصنافاً بعناوينهم الصنفيّة لا ذوات شخصيّة؟ ونسبة سهم كلّ صنف إلى بقيّة السهام؟ فإنّما هي مسائل فقهيّـة خارجة عن غرضنا، وقد اختلفت أقوال الفقهاء فيها اختلافاً شديداً فليرجع إلى الفقه.

وأمّا الأربعة الباقية:( وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل ) فقد قيل في تغيير السياق فيها وفي تأخيرها عن الأربعة الاُول وجوه:


منها: أنّ الترتيب لبيان الأحقّ فالأحقّ من الأصناف، فأحقّ الأصناف بها الفقراء ثمّ المساكين وهكذا على الترتيب، ولكون الأربعة الأخيرة بحسب ترتيب الأحقّـيّـة واقعة في المراتب الأربع الأخيرة وضع كلّ في موضعه الخاصّ، ولو لا هذا الترتيب لكان الأنسب أن يذكر الأصناف ثمّ تذكر موارد المصالح فيقال: للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم والغارمين وابن السبيل ثمّ يقال: وفي الرقاب وسبيل الله.

والحقّ أنّ دلالة الترتيب بما فيه من التقديم والتأخير على أهمّيّة الملاك وقوّة المصلحة في أجزاء الترتيب لا ريب فيه فإن كان مراده بالأحقّ فالأحقّ الأهمّ ملاكاً فالأهمّ فهو، ولو كان المراد التقدّم والتأخّر من حيث الإعطاء والصرف وما يشبه ذلك فلا دلالة من جهة اللفظ عليه البتّـة كما لا يخفى والّذى أيّده به من الوجه لا جدوى فيه.

ومنها: أنّ العدول عن اللام في الأربعة الأخيرة إلى( في ) للإيذان بأنّهم أرسخ في استحقاق التصدّق عليهم ممّن سبق ذكره لأنّ( في ) للوعاء فنبّه على أنّهم أحقّاء بأن توضع فيهم الصدقات ويجعلوا مظنّة لها ومصبّاً، وذلك لما في فكّ الرقاب من الكتابة أو الرقّ والأسر، وفي فكّ الغارمين من الغرم والتخليص والانقاذ، ولجمع الغازى الفقير أو المنقطع في الحجّ بين الفقر والعبادة، وكذلك ابن السبيل جامع بين الفقر والغربة عن الأهل والمال.

وتكرير( في ) في قوله:( وفي سبيل الله وابن السبيل ) فيه فضل ترجيح لهذين على الرقاب والغارمين. كذا ذكره في الكشّاف.

وفيه: أنّه معأرض بكون الأربعة الاُول مدخولة للام الملك فإنّ المملوك أشدّ لزوماً واتّصالاً بالنسبة إلى مالكه من المظروف بالنسبة إلى ظرفه، وهو ظاهر.

ومنها: أنّ الأصناف الأربعة الأوائل ملّاك لما عساه يدفع إليهم، وإنّما يأخذونه ملكاً فكان دخول اللّام لائقاً بهم، وأمّا الأربعة الأواخر فلا يملكون ما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن في مصالح تتعلّق بهم.

فالمال الّذى يصرف في الرقاب إنّما يتناوله السادة المكاتبون والبائعون فليس نصيبهم مصروفاً إلى أيديهم حتّى يعبّر عن ذلك باللّام المشعرة بتملّكهم لما يصرف نحوهم، وإنّما


هم محالّ لهذا الصرف والمصلحة المتعلّقة به، وكذلك الغارمون إنّما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصاً لذممهم لا لهم، وأمّا سبيل الله فواضح ذلك فيه، وأمّا ابن السبيل فكأنّه كان مندرجاً في سبيل(١) الله، وإنّما اُفرد بالذكر تنبيهاً على خصوصيّته مع أنّه مجرّد من الحرفين جميعاً وعطفه على المجرور باللّام ممكن ولكنّه على القريب منه أقرب.

وهذا الوجه لا يخلو عن وجه غير أنّ إجراءه في ابن السبيل لا يخلو عن تكلّف، وما ذكر من دخوله في سبيل الله هو وجه مشترك بينه وبين غيره.

ولو قال قائل بكون الغارمين وابن السبيل معطوفين على المجرور باللام ثمّ ذكر الوجه الأوّل بالمعنى الّذى ذكرناه وجهاً للترتيب والوجه الأخير وجهاً لاختصاص الرقاب وسبيل الله بدخول( في ) لم يكن بعيداً عن الصواب.

وقوله في ذيل الآية:( فريضة من الله والله عليم حكيم ) إشارة إلى كون الزكاة فريضة واجبة مشرّعة على العلم والحكمة لا تقبل تغيير المغيّر، ولا يبعد أن يتعلّق الفرض بتقسّمها إلى الأصناف الثمانية كما ربّما يؤيّده السياق فإنّ الغرض في الآية إنّما تعلّق ببيان مصارف الصدقات لا بفرض أصلها فالأنسب أن يكون قوله:( فريضة من الله ) إشارة إلى أنّ تقسّمها إلى الأصناف الثمانية أمر مفروض من الله لا يتعدّى عنه على خلاف ما كان يطمع فيه المنافقون في لمزهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ومن هنا يظهر أنّ الآية لا تخلو عن إشعار بكون الأصناف الثمانية على سهمها من غير اختصاص بزمان دون زمان خلافاً لما ذكره بعضهم: أنّ المؤلّفة قلوبهم كانوا جماعة من الأشراف في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ألّف قلوبهم بإعطاء سهم من الصدقات إيّاهم، وأمّا بعدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقد ظهر الإسلام على غيره، وارتفعت الحاجة إلى هذا النوع من التأليفات، وهو وجه فاسد وارتفاع الحاجة ممنوع.

قوله تعالى: ( ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو اُذن قل اُذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للّذين آمنوا منكم ) الاُذن جارحة السمع المعروفة، وقد أطلقوا

____________________

(١) بل أيضاً كالغارمين والرقاب لا يدفع إليه نصيبه وإنّما يصرف في المصلحة المتعلّقة به من الزاد واكتراء الراحلة حتّى يصل إلى وطنه (ب).


عليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الاُذن وسمّوه بها إشارة إلى أنّه يصغى لكلّ ما قيل له ويستمع إلى كلّ ما يذكر له فهو اُذن.

وقوله:( قل اُذن خير لكم ) من الإضافة الحقيقيّـة أي سمّاع يسمع ما فيه خيركم حيث يسمع من الله سبحانه الوحى وفيه خير لكم، ويسمع من المؤمنين النصيحة وفيها خير لكم ويمكن أن يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة أي اُذن هي خير لكم لأنّه لا يسمع إلّا ما ينفعكم ولا يضرّكم.

والفرق بين الوجهين أنّ اللازم على الأوّل أن يكون مسموعه خيراً لهم كالوحي من الله والنصيحة من المؤمنين، واللازم على الثاني أن يكون استماعه استماع خير وإن لم يكن مسموعه خيراً كأن يستمع إلى بعض ما ليس خيراً لهم لكنّه يستمع إليه فيحترم بذلك قائله ثمّ يحمل ذلك القول منه على الصحّة فلا يهتك حرمته ولا يسئ الظنّ به ثمّ لا يرتّب أثر الخبر الصادق المطابق للواقع عليه فلا يؤاخذ من قيل فيه بما قيل فيه فيكون قد احترم إيمانه كما احترم إيمان القائل الّذى جاءه بالخبر.

ومن هنا يظهر أنّ الأنسب بسياق الآية هو الوجه الثاني لما عقّبه بقوله:( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) الآية.

وذلك أنّ الإيمان هو التصديق، وقد ذكر متعلّق الإيمان في قوله:( يؤمن بالله ) وأمّا قوله:( ويؤمن للمؤمنين ) فلم يذكر متعلّقه وإنّما ذكر أنّ هذا التصديق لنفع المؤمنين لمكان اللّام، والتصديق الّذى يكون فيه نفع المؤمنين حتّى في الخبر الّذى يتضمّن ما يضرّهم إنّما هو التصديق بمعنى إعطاء الصدق المخبرىّ دون الخبرىّ أي فرض أنّ المخبر صادق بمعنى أنّه معتقد بصدق خبره وإن كان كاذباً لا يطابق الواقع.

وهذا كما في قوله تعالى:( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول الله والله يعلم إنّك لرسوله والله يشهد إنّ لمنافقين لكاذبون ) المنافقون: ١ فالله سبحانه يكذّب المنافقين لا من حيث خبرهم برسالة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بل من حيث إخبارهم بخلاف ما يعتقدونه وهذا بخلاف قول المؤمنين فيما حكى الله سبحانه:( ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ) الأحزاب: ٢٢ فهم يصدّقون الله ورسوله في


الخبر لا في الاعتقاد.

وبالجملة ظاهر قوله:( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) أنّه يصدّق الله فيما أخبره به من الوحى، ويصدّق لنفع المؤمنين كلّ من ألقى إليه منهم خبراً بحمل فعله على الصحّة وعدم رميه بالكذب وسوء النيّة من غير أن يرتّب أثراً على كلّ ما يسمعه ويستمع إليه وإلّا لم يكن تصديقه لنفع المؤمنين واختلّ الأمر، وهذا المعنى كما ترى يؤيّد الوجه الثاني المذكور.

وكأنّ المراد بالمؤمنين المجتمع المنسوب إليهم وإن اشتمل على أفراد من غيرهم كالمنافقين وعلى هذا كان المراد بالّذين آمنوا منهم المؤمنون من قومهم حقّاً فمعنى الكلام أنّه يصدّق ربّه ويصدّق كلّ فرد من أفراد مجتمعكم احتراماً لظاهر حاله من الانتساب إلى المؤمنين وهو رحمة للذين آمنوا منكم حقّاً لأنّه يهديهم إلى مستقيم الصراط.

وإن كان لمراد من الّذين آمنوا هم الّذين آمنوا في أوّل البعثة قبل الفتح - كما تقدّم سابقاً أنّ( الّذين آمنوا ) اسم تشريفيّ في القرآن للمؤمنين الأوّلين في الإسلام - كانّ المراد بالمؤمنين في قوله:( ويؤمن للمؤمنين ) المؤمنون منهم حقّاً كما اُطلق بهذا المعنى في قوله:( ولمّا رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ) الأحزاب: ٢٢.

وربّما قيل: إنّ اللام في قوله:( ويؤمن للمؤمنين ) للتعدية كما في قوله:( يؤمن بالله ) فالإيمان يتعدّى بالحرفين جميعاً كما في قوله:( فآمن له لوط ) العنكبوت: ٢٦ وقوله:( فما آمن لموسى إلّا ذرّيّة من قومه ) يونس: ٨٣ وقوله:( أنؤمن لك واتّبعك الأرذلون ) الشعراء: ١١١.

وربّما قيل: إنّ اللّفظ جار على طريقة التضمين بتضمين الإيمان معنى الجنوح المتعدّى باللّام والمعنى يجنح للمؤمنين مؤمناً بهم أو يؤمن جانحاً لهم.

والوجهان وإن كانا لا بأس بهما في نفسهما لكن يبعّد ذلك لزوم التفكيك في قوله:( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) بين( يؤمن ) الأوّل والثانى من غير نكتة ظاهرة إلّا أن يحمل على التفنّن في التعبير ومع ذلك فالنتيجة هي النتيجة السابقة فإنّ إيمانه بالمؤمنين


لا يختصّ بالمخبرين خاصّـة حتّى يصدّق خبرهم ويؤاخذ آخرين إذا اُخبر بما يضرّهم بل إيمان يعمّ جميع المؤمنين فيصدّق المخبر في خبره بمعنى إعطاء الصدق المخبرىّ ويصدّق المخبر عنه بحمل فعله على الصحّة فافهم ذلك.

وعدّه تعالى نبيّه في قوله:( ورحمة للذين آمنوا منكم ) رحمة لقوم خاصّ في هذه الآية مع عدّه رحمة للناس كلّهم في قوله عزّوجلّ:( وما أرسلناك إلّا رحمة للعالمين ) الأنبياء: ١٠٧ إنّما هو لاختلاف المراد بالرحمة في الآيتين فالمراد بها ههنا الرحمة الفعليّـة وهناك الرحمة الشأنيّة.

وبعبارة اُخرى هوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رحمةٌ لمن آمن به حقّاً بمعنى أنّ الله سبحانه أنقذه به من الضلالة وختم له بالسعادة والكرامة، ورحمةٌ للناس كلّهم مؤمنهم وكافرهم، من معاصريه وممّن يأتي بعده بمعنى أنّ الله بعثهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بملّة بيضاء وسنّة طيّـبة فحوّل المجتمع البشرىّ وصرفه عن مسيره المنحرف عن الاستقامة إلى طريق الشقاوة والهلاك، وأنار بمشعلته صراط الفطرة الإلهيّـة فمن راكب على السبيل فائز بالغاية المطلوبة، ومن خارج عن مسير الردى والهلكة ولمّا يركب متن الصراط الفطريّ، ومن قاصد للخروج والورود ولمّا يخرج وهذا حال المجتمع العامّ البشرىّ بعد طلوع الإسلام وبسطه معارفه بين الناس وإيصاله إلى سمع كلّ سامع وتأثيره في كلّ من السنن الاجتماعيّـة بما في وسعه أن يتأثّر به، وهذا ممّا لا يرتاب فيه باحث عن طبيعه المجتمع الإنسانيّ، وهذا الوجه قريب المأخذ من الوجه السابق أو راجع إليه بالحقيقة.

قوله تعالى: ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحقّ أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) قال في المجمع: (الفرق بين الأحقّ والأصلح أنّ الأحقّ قد يكون من غير صفات الفعل كقولك: زيد أحقّ بالمال، والأصلح لا يقع هذا الموقع لأنّه من صفات الفعل وتقول: الله أحقّ بأن يطاع ولا تقول أصلح).انتهى.

والسبب الأصلىّ فيه أنّ الصلاحية والصلوح يحمل معنى الاستعداد والتهيّؤ، والحقّ يحمل معنى الثبوت واللّزوم، والله سبحانه لا يتّصف بشئ من معنى الاستعداد والقبول المستلزم لتأثير الغير فيه وتأثّره عنه.


وقد حوّل الله الخطاب في الآية عن نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المؤمنين التفاتاً وكأنّ الوجه فيه التلويح لهم بما يشتمل عليه قوله:( والله ورسوله أحقّ أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) من الحكم وهو أنّ من الواجب على كلّ مؤمن أن يرضى الله ورسوله، ولا يحادّ الله ورسوله فإنّ فيه خزياً عظيماً نار جهنّم خالداً فيها.

ومن أدب التوحيد في الآية ما في قوله:( أحقّ أن يرضوه ) من إفراد الضمير ولم يقل: أحقّ أن يرضوهما صوناً لمقامه تعالى من أن يعدل به أحد فإنّ أمثال هذه الحقوق وكذا الأوصاف الّتى يشاركه تعالى غيره من حيث الإطلاق والإجراء، له تعالى بالذات ولنفسه ولغيره بالتبع أو بالعرض ومن جهته كوجوب الإرضاء والتعظيم والطاعة وغيرها، وكالاتّصاف بالعلم والحياة والإحياء والإماتة وغيرها.

وقد روعى نظير هذا الأدب في القرآن في موارد كثيرة فيما يشارك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غيره من الاُمّة من الشؤون فأخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بينهم وأفرد بالذكر كما في قوله:( يوم لا يخزى الله النبيّ والّذين آمنوا ) التحريم: ٨ وقوله:( فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) الفتح: ٢٦ وقوله:( آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه والمؤمنون ) البقرة: ٢٨٥ وغير ذلك.

قوله تعالى: ( ألم يعلموا أنّه من يحادد الله ورسوله فأنّ له نار جهنّم ) إلى آخر الآية قال في المجمع: المحادّة مجاوزة الحدّ بالمشاقّة، وهى والمخالفة والمجانبة والمعاداة نظائر، وأصله المنع والمحادّة ما يلحق الإنسان من النزق لأنّه يمنعه من الواجب وقال: والخزى الهوان وما يستحيى منه. انتهى.

والاستفهام في الآية للتعجيب، والكلام مسوق لبيان كونه تعالى وكون رسوله أحقّ بالإرضاء ومحصّله أنّهم يعلمون أن محادّة الله ورسوله والمشاقّة والمعاداة مع الله ورسوله والإسخاط يوجب خلود النار، وإذا حرم إسخاط الله ورسوله وجب إرضاؤه وإرضاء رسوله على من كان مؤمناً بالله ورسوله.


( بحث روائي)

في تفسير القمّىّ عن أبى الجارود عن أبى جعفرعليه‌السلام في قوله تعالى:( وإن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ) الآية أمّا الحسنة فهى الغنيمة والعافية، وأمّا المصيبة فالبلاء والشدّة.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبى حاتم عن جابر بن عبدالله قال: جعل المنافقون الّذين تخلّفوا بالمدينة يخبرون عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أخبار السوء، ويقولون: إنّ محمّـداً وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه فساءهم ذلك فأنزل الله تعالى:( إن تصبك حسنة تسؤهم ) الآية.

وفي الكافي بإسناده عن أبى حمزة عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: قلت له: قول الله عزّوجلّ( هل تربّصون بنا إلّا إحدى الحسنيين ) قال: إمّا موت في طاعة الإمام أو إدراك ظهور إمام( ونحن نتربّص بكم ) مع ما نحن فيه من المشقّة( أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ) قال: هو المسخ( أو بأيدينا ) وهو القتل، قال الله عزّوجلّ لنبيّه:( فتربّصوا إنّا معكم متربّصون ) .

أقول: وهو من الجرى دون التفسير.

في المحاسن بإسناده عن يوسف بن ثابت عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: لا يضرّ مع الإيمان عمل، ولا ينفع مع الكفر عمل.

ثمّ قال: ألا ترى أنّ الله تبارك وتعالى قال:( وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلّا أنّهم كفروا بالله وبرسوله ) .

أقول: ورواه العيّـاشيّ والقمّىّ عنه وكذا الكلينيّ في الكافي عنه في حديث مفصّل والرواية تبيّنها آيات وروايات اُخرى فالإيمان مادام باقياً لا يضرّه معصية بإيجاب خلود النار، والكفر ما دام كفراً لا ينفع معه حسنة.

وفي المجمع في قوله تعالى:( مدّخلاً ) الآية قال: سرباً عن أبى جعفرعليه‌السلام .

وفي الكافي بإسناده عن إسحاق بن غالب قال: قال أبوعبداللهعليه‌السلام يا إسحاق كم ترى أهل هذه الآية:( فإن اُعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ) قال:


هم أكثر من ثلثى الناس.

أقول: ورواه العيّـاشيّ في تفسيره و الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن إسحاق عنهعليه‌السلام .

وفي الدرّ المنثور أخرج البخاريّ والنسائيّ وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه عن أبى سعيد الخدرىّ قال: بينما النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ذو الخويصرة التميميّ فقال: اعدل يا رسول الله فقال: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل.

فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله ائذن لى فأضرب عنقه فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شئ، ثمّ ينظر في نضيه فلا يرى فيه شئ ثمّ ينظر في رصافه فلا يرى فيه شئ، ثمّ ينظر في نصله فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى ثديه - أو قال: ثدييه - مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة تدر در يخرجون على حين فرقة من الناس قال: فنزلت فيهم:( ومنهم من يلمزك في الصدقات ) الآية.

قال أبو سعيد: أشهد أنّى سمعت هذا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأشهد أن عليّـاً حين قتلهم وأنا معه جئ بالرّجل على النعت الّذى نعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي تفسير القمّىّ في الآية: أنّها نزلت لمّا جاءت الصدقات وجاء الأغنياء وظنّوا أنّ الرسول يقسمها بينهم فلمّا وضعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الفقراء تغامزوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولمزوه، وقالوا: نحن الّذين نقوم في الحرب ونغزو معه ونقوّى أمره ثمّ يدفع الصدقات إلى هؤلاء الّذين لا يعينونه ولا يغنون عنه شيئاً فأنزل الله:( ولو أنّهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنّا إلى الله راغبون ) .

ثمّ فسّر الله عزّوجلّ الصدقات لمن هي وعلى من يجب؟ فقال:( إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ) فأخرج الله من الصدقات جميع الناس إلّا هذه الثمانية الأصناف الّذين سمّاهم.


وبيّن الصادقعليه‌السلام من هم؟ فقال: الفقراء هم الّذين لا يسألون وعليهم مؤونات من عيالهم، والدليل على أنّهم لا يسألون قول الله تعالى في سورة البقرة:( للفقراء الّذين اُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ) .

والمساكين هم أهل الزمانة من العميان والعرجان والمجذومين وجميع أصناف الزمنى من الرجال والنساء والصبيان.

والعاملين عليها هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتّى يؤدّيها إلى من يقسمها.

والمؤلّفة قلوبهم قوم وحّدوا الله ولم يدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّـداً رسول الله فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتألّفهم ويعلّمهم كيما يعرفوا فجعل الله لهم نصيباً في الصدقات كى يعرفوا ويرغبوا.

أقول: وقد وردت في تأييد هذا الّذى أرسله من الرواية روايات كثيرة مسندة من طرق أهل البيتعليهم‌السلام . وفي بعض الروايات تعارض مّا، وليرجع في تفصيل الروايات على كثرتها وتنقيح المطلب إلى جوامع الحديث وكتب الفقه.

وفي الدرّ المنثور أخرج البخاريّ وابن أبى حاتم وابن مردويه عن أبى سعيد الخدرىّ قال: بعث علىّ بن أبى طالب من اليمن إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذهبية فيها تربتها فقسمها بين أربعة من المؤلّفة: الأقرع بن حابس الحنظليّ وعلقمة بن علاثة العامريّ وعيينة بن بدر الفزارىّ وزيد الخيل الطائىّ، فقالت قريش والأنصار: أتقسم بين صناديد أهل نجد وتدعنا؟ فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّما تألّفهم.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد الرزّاق وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه عن يحيى بن أبى كثير قال: المؤلّفة قلوبهم من بنى هاشم أبوسفيان بن الحارث بن عبدالمطّلب، ومن بنى اُميّة أبوسفيان بن حرب، ومن بنى مخزوم الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يربوع ومن بنى أسد حكيم بن حزام، ومن بنى عامر سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى، ومن بنى جمح صفوان بن اُميّة، ومن بنى سهم عدىّ بن قيس، ومن ثقيف العلاء بن


جارية أو حارثة، ومن بنى فزارة عيينة بن حصن، ومن بنى تميم الأقرع بن حابس، ومن بنى نصر مالك بن عوف، ومن بنى سليم العبّـاس بن مرداس.

أعطى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كلّ رجل منهم مائة ناقة إلّا عبد الرحمان بن يربوع وحويطب بن عبد العزّى فإنّه أعطى كلّ واحد منهما خمسين.

وفي تفسير القمّىّ في رواية أبى الجارود عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: المؤلّفة قلوبهم: أبوسفيان بن حرب بن اُميّة، وسهيل بن عمرو وهو من بنى عامر بن لؤىّ، وهشام ابن عمرو أخوه: - أخو بنى عامر بن لؤىّ - وصفوان بن اُميّة بن خلف القرشىّ ثمّ الجمحىّ، والأقرع بن حابس التميميّ أحد بنى حازم وعيينة بن حصن الفزارىّ ومالك بن عوف وعلقمة بن علاثة.

بلغني أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يعطى الرجل منهم مائة من الإبل ورعاتها وأكثر من ذلك وأقلّ.

أقول: وهؤلاء هم المؤلّفة قلوبهم الّذين أعطاهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تأليفاً لقلوبهم، وليس المراد حصر المؤلّفة قلوبهم وهم صنف من الأصناف الثمانية المذكور في الآية في هؤلاء الأشخاص بأعيانهم.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن ابن إسحاق عن بعض أصحابنا عن الصادقعليه‌السلام قال: سأل عن مكاتب عجز عن مكاتبتة وقد أدّى بعضها، قال: يؤدّى من مال الصدقة إنّ الله يقول في كتابه:( وفي الرقاب ) .

وفيه عن زرارة قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام : عبد زنى؟ قال: يجلّد نصف الحدّ، قال: قلت: فإن هو عاد؟ قال: يضرب مثل ذلك، قال: قلت: فإن هو عاد؟ قال: لا يزاد على نصف الحد. قال: قلت: فهل يجب عليه الرجم في شئ من فعله؟ قال: نعم يقتل في الثامنة إن فعل ذلك ثمان مرّات.

قال: قلت: فما الفرق بينه وبين الحرّ وإنّما فعلهما واحد؟ فقال له: إنّ الله رحمه أن يجمع عليه ربق الرقّ وحدّ الحرّ. قال: ثمّ قال: وعلى إمام المسلمين أن يدفع ثمنه إلى مولاه من سهم الرقاب.

وفيه عن الصباح بن سيابة قال: أيّما مسلم مات وترك ديناً لم يكن في فساد وعلى


إسراف فعلى الإمام أن يقضيه فإن لم يقض فعليه إثم ذلك إنّ الله يقول:( إنّما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم والغارمين ) فهو من الغارمين وله سهم عند الإمام فإن حبسه فإثمه عليه.

وفيه عن محمّـد بن القسرىّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن الصدقة فقال: اقسمها فيمن قال الله، ولا يعطى من سهم الغارمين الّذين يغرمون في مهور النساء ولا الّذين ينادون نداء الجاهليّـة قال: قلت: وما نداء الجاهليّـة؟ قال: الرجل يقول: يا آل بنى فلان فيقع بينهم القتل ولا يؤدّى ذلك من سهم الغارمين، ولا الّذين لا يبالون ما صنعوا بأموال الناس.

وفيه عن الحسن بن محمّـد قال: قلت: لأبي عبداللهعليه‌السلام إنّ رجلاً أوصى لى في السبيل قال: فقال لى: اصرف في الحجّ قال: قلت: إنّه أوصى في السبيل ! قال: اصرفه في الحجّ فإنّى لا أعلم سبيلاً من سبله أفضل من الحجّ.

أقول: والروايات في الباب أكثر من أن تحصى، وإنّما أوردنا منها ما يجرى مجرى الاُنموذج.

وفي الدرّ المنثور في قوله تعالى:( ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ) الآية، أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن عبّـاس قال: كان نبتل بن الحارث يأتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيجلس إليه فيسمع ثمّ ينقل حديثه إلى المنافقين، وهو الّذى قال لهم: إنّما محمّـد اُذن من حدّثه شيئاً صدّقه، فأنزل الله فيه:( ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو اُذن ) الآية.

وفي تفسير القمّىّ في الآية قال: سبب نزولها أنّ عبدالله بن نبتل كان منافقاً وكان يقعد إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين فينمّ عليه فنزل جبرئيل على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا محمّـد إنّ رجلاً من المنافقين ينمّ وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من هو؟ قال: الرجل الأسود الوجه الكثير شعر الرأس ينظر بعينين كأنّهما قدران، وينطق بلسان شيطان.

فدعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخبره فحلف أنّه لم يفعل فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: قد قبلت


منك فلا تفعل فرجع إلى أصحابه فقال: إنّ محمّـداً اُذن. أخبره الله أنّى أنمّ عليه وأنقل أخباره فقبله، وأخبرته أنّى لم أقل ولم أفعل فقبله !

فأنزل الله على نبيّه:( ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو اُذن قل اُذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) أي يصدّق الله فيما يقول له، ويصدّقكم فيما تعتذرون إليه ولا يصدّقكم في الباطن، ويؤمن للمؤمنين يعنى المقرّين بالإيمان من غير اعتقاد.

أقول: وروى ما يقرب منه في نهج البيان عن الصادقعليه‌السلام .

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبى حاتم عن السدّىّ قال: اجتمع ناس من المنافقين فيهم جُلاس بن سويد بن صامت وجحش بن حمير ووديعة بن ثابت فأرادوا أن يقعوا في النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنهى بعضهم بعضاً، وقالوا: إنّا نخاف أن يبلغ محمّـداً فيقع بكم، وقال بعضهم: إنّ محمّـداً اُذن نحلف له فيصدّقنا فنزل:( ومنهم الّذين يؤذون النبيّ ويقولون هو اُذن ) الآية.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن حمّاد بن سنان عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: إنّى أردت أن أستبضع فلاناً بضاعة إلى اليمن فأتيت إلى أبى جعفرعليه‌السلام فقلت: إنّى اُريد اأن أستبضع فلاناً فقال لى: أمّا علمت أنّه يشرب الخمر؟ فقلت: قد بلغني من المؤمنين أنّهم يقولون ذلك، فقال: صدّقهم إنّ الله عزّوجلّ يقول:( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) فقال: يعنى يصدّق الله ويصدّق للمؤمنين لأنّه كان رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين.


( سورة التوبة آيه ٦٤ - ٧٤)  

يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إِنّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَاتَحْذَرُونَ ( ٦٤ ) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ( ٦٥ ) لاَتَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِنكُمْ نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ( ٦٦ ) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ( ٦٧ ) وَعَدَ اللّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفّارَ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمْ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ( ٦٨ ) كَالّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدّ مِنكُمْ قُوّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الّذِينَ مِن قَبْلِكُم بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالّذِي خَاضُوا أُوْلئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ( ٦٩ ) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِن كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ٧٠ ) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللّهُ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٧١ ) وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُ


ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ٧٢ ) يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( ٧٣ ) يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِن يَتَوَلّوْا يُعَذّبْهُمُ اللّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الْدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِن وَلِيّ وَلاَنَصِيرٍ ( ٧٤ )

( بيان)

تذكر الآيات شأناً آخر من شؤون المنافقين، وتكشف عن سوأة اُخرى من سوءاتهم ستروا عليها بالنفاق، وكانوا يحذرون أن تظهر عليهم وتنزل فيها سورة تقصّ ما همّوا به منها.

والآيات تنبئ عن أنّهم كانوا جماعة ذوي عدد كما يدلّ عليه قوله:( إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة ) وأنّه كان لهم بعض الاتّصال والتوافق مع جماعة آخرين من المنافقين كما في قوله:( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) الآية وأنّهم كانوا على ظاهر الإسلام والإيمان حتّى اليوم وإنّما نافقوا يومئذ أي تفوّهوا بكلمة الكفر فيما بينهم وأسرّوا بها يومئذ كما في قوله:( قد كفرتم بعد إيمانكم ) .

وأنّهم تواطؤوا على أمر دبّروه فيما بينهم فأظهروا عند ذلك كلمة الكفر وهمّوا على أمر عظيم فحال الله بينهم وبينه فخاب سعيهم ولم يؤثّر كيدهم كما في قوله:( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا ) .

وأنّه ظهر ممّا همّوا به بعض ما يستدلّ عليه من الآثار والقرائن فسألوا عن ذلك فاعتذروا بما هو مثله قبحاً وشناعة كما في قوله:( ولئن سألتهم ليقولنّ إنّما كنّا نخوض


ونلعب ) والآيات التالية لهذه الآيات في سياق متّصل منسجم تدلّ على أنّ هذه الوقعة أيّاً مّا كانت وقعت بعد خروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى غزوة تبوك ولمّا يرجع إلى المدينة كما يدلّ عليه قوله:( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) الآية آية ٨٣ من السورة: وقوله:( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ) آية ٩٥ من السورة.

فيتلخّص من الآيات أنّ جماعة ممّن خرج مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تواطؤوا على أن يمكروا بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأسرّوا عند ذلك فيما بينهم بكلمات كفروا بها بعد إسلامهم ثمّ همّوا أن يفعلوا ما اتّفقوا عليه بفتك أو نحوه فأبطل الله كيدهم وفضحهم وكشف عنهم فلمّا سئلوا عن ذلك قالوا: إنّما كنّا نخوض ونلعب فعاتبهم الله بلسان رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّه استهزاء بالله وآياته ورسوله، وهدّدهم بالعذاب إن لم يتوبوا، وأمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يجاهدهم ويجاهد الكافرين.

فالآيات - كما ترى - أوضح انطباقاً على حديث العقبة منها على غيره من القصص الّتى تتضمّنها الروايات الاُخر الواردة في بيان سبب نزول الآيات، وسنورد جلّها في البحث الروائيّ الآتى إن شاء الله تعالى.

قوله تعالى: ( يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة تنبّؤهم بما في قلوبهم ) إلى آخر الآية. كان المنافقون يشاهدون أن جلّ ما يستسرّون به من شؤون النفاق، ويناجى به بعضهم بعضاً من كلمة الكفر ووجوه الهمز واللّمز والاستهزاء أو جميع ذلك لا يخفى على الرسول، ويتلى على الناس في آيات من القرآن يذكر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه من وحى الله، ولا محالة كانوا لا يؤمنون بأنّه وحى نزل به الروح الأمين على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويقدّرون أنّ ذلك ممّا يتجسّسه المؤمنون فيخبرون به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيخرجه لهم في صورة كتاب سماويّ نازل عليهم وهم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم وخروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة لأنّ السلطنة والظهور كانت للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم يجرى فيهم ما يأمر به ويحكم عليه.

فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر وهمّوا به من تقليب الاُمور على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقصده بما يبطل به نجاح دعوته وتمام كلمته فأمر الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم


أن يبلّغهم أنّ الله عالم بما في صدورهم مخرج ما يحذرون خروجه وظهوره بنزول سورة من عنده أي يخبرهم بأنّ الله منزل سورة هذا نعتها.

وبهذا يستنير معنى الآية فقوله:( يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة ) الخطاب للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووجه الكلام إليه، وهو يعلم بتعليم الله أنّ هذا الكلام الّذى يتلوه على الناس كلام إلهىّ وقرآن منزّل من عنده فيصف سبحانه الكلام الّذى يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو أنّه سورة منزّلة من الله على الناس ومنهم المنافقون لا على ما يراه المنافقون أنّه كلام بشرىّ يدّعى كونه كلام الله.

فهم كانوا يحذرون أن يتلو النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم وعلى الناس كلاماً هذا نعته الواقعيّ وهو أنّه سورة منزّلة عليهم بما أنّها متوجّهة بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم ينبّؤهم هذه السورة النازلة بما في قلوبهم فيظهر على الناس ويفشو بينهم ما كانوا يسرّونه من كفرهم وسوء نيّاتهم، وهذا الظهور في الحقيقة هو الّذى كانوا يحذرونه من نزول السورة.

وقوله:( قل استهزؤا إنّ الله مخرج ما تحذرون ) كأنّ المراد بالاستهزاء هو نفاقهم وما يلحق به من الآثار فإنّ الله سمّى نفاقهم استهزاء حاكياً في ذلك قولهم حيث قال:( وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤون ) البقرة: ١٤ فالمراد بالاستهزاء هو ستر ما يحذرون ظهوره، والأمر تعجيزىّ أي دوموا على نفاقكم وستركم ما تحذرون خروجه من عندكم إلى مرئى الناس ومسمعهم فإنّ الله مخرج ذلك وكاشف عن وجهه الغطاء، ومظهر ما أخفيتموه في صدوركم.

فصدر الآية وإن كان يذكر أنّهم يحذرون تنزيل سورة كذا وكذا لكنّهم إنّما كانوا يحذرونها لما فيها من الأنباء الّتى يحذرون أن يطّلع عليها النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنجلى للناس، وهذا هو الّذى يذكر ذيلها أنّهم يحذرونه فالكلام بمنزلة أن يقال: يحذر المنافقون تنزيل سورة قل إنّ الله منزّلها، أو يقال: يحذر المنافقون انكشاف باطن أمرهم وما في قلوبهم قل استهزؤوا إنّ الله سيكشف ذلك وينبئ عمّا في قلوبكم.

وبما تقدّم يظهر سقوط ما اُشكل على الآية أوّلاً: بأنّ المنافقين لكفرهم في الحقيقة


لم يكونوا يرون أنّ القرآن كلام منزّل من عند الله فكيف يصحّ القول إنّهم يحذرون أن تنزّل عليهم سورة؟

وثانياً: أنّهم لمّا لم يكونوا مؤمنين في الواقع فكيف يصحّ أن يطلق أنّ سورة قرآنيّـة نزّلت عليهم ولا تنزّل السورة إلّا على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو على المؤمنين؟

وثالثاً: أنّ حذرهم نزول السورة وهو حال داخليّ جدّىّ فيهم لا يجامع كونه استهزاء.

ورابعاً: أنّ صدر الآية يذكر أنّهم يحذرون أن تنزّل سورة وذيلها يقول: إنّ الله مخرج ما تحذرون فهو في معنى أن يقال: إنّ الله مخرج سورة أو مخرج تنزيل سورة.

وقد يجاب عن الإشكال الأوّل بأنّ قوله: يحذر المنافقون الخ إنشاء في صورة خبر أي ليحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة الخ.

وهو ضعيف إذ لا دليل عليه أصلاً على أنّ ذيل الآية لا يلائم ذلك إذ لا معنى لقولنا: ليحذر المنافقون كذا قل استهزؤوا إنّ الله مخرج ما تحذرون أي ما يجب عليكم حذره. وهو ظاهر.

وقد يجاب عنه بأنّهم إنّما كانوا يظهرون الحذر استهزاءً لا جدّاً وحقيقة. وفيه أنّ لازمه أنّهم كانوا على ثقة بأنّ ما في قلوبهم من الأنباء وما أبطنوه من الكفر والفسوق لا سبيل للظهور والإنجلاء إليه، ولا طريق لأحد إلى الاطّلاع عليه، ويكذّبه آيات كثيرة في القرآن الكريم تقصّ ما عقدوا عليه القلوب من الكفر والفسوق وهمّوا به من الخدعة والمكيدة كالآيات من سورة البقرة وسورة المنافقين وغيرهما، وإذ كانوا شاهدوا ظهور أنبائهم ومطويّات قلوبهم عياناً مرّة بعد مرّة فلا معنى لثقتهم بأنّها لا تنكشف أصلاً وإظهارهم الحذر استهزاءً لا جدّاً، وقد قال تعالى:( يحسبون كلّ صيحة عليهم ) المنافقون: ٤.

وقد يجاب عنه بأنّ أكثر المنافقين كانوا على شكّ من صدق الدعوة النبويّـة من غير أن يستيقنوا كذبه، وهؤلاء كانوا يجوّزون تنزيل سورة تنبّؤهم بما في قلوبهم احتمالاً عقليّاً، وهذا الحذر والإشفاق كما ذكروه أثر طبيعيّ للشكّ والارتياب فلو كانوا موقنين بكذب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لما خطر لهم هذا الخوف على بال، ولو كانوا موقنين بصدقه لما كان هناك


محلّ لهذا الخوف والحذر لأنّ قلوبهم مطمئنّة بالإيمان.

وهذا الجواب - وهو الّذى اعتمد عليه جمهور المفسّرين - وإن كان بظاهره لا يخلو عن وجه غير أنّ فيه أنّه إنّما يحسم مادّة الإشكال لو كان الواقع من التعبير في الآية نحواً من قولنا: يخاف المنافقون إن تنزّل عليهم سورة، ولذا قرّروا الجواب بأنّ الخوف يناسب الشكّ دون اليقين.

لكنّ الآية تعبّر عن شأنهم بالحذر، ويخبر أنّهم يحذرون أن تنزّل عليهم سورة الخ والحذر فيه شئ من معنى الاحتراز والاتّقاء، ولا يتمّ ذلك إلّا بالتوسّل إلى أسباب ووسائل تحفظ الحاذر ممّا يحذره ويحترز منه، وتصونه من شرّ مقبل إليه من ناحية ما يخافة.

ولو كان مجرّد شكّ من غير مشاهدة أثر من الآثار وإصابة شئ ممّا يتّقونه إيّاهم لما صحّ الاحتراز والاتّقاء، فحذرهم يشهد أنّهم كانوا يخافون أن يقع بهم هذه المرّة نظير ما وقع بهم قبل ذلك من جهة آيات البقرة وغيرها، فهذا هو الوجه لحذرهم دون الشكّ والارتياب فالمعتمد في الجواب ما قدّمناه.

وقد يجاب عن الإشكال الثاني بأنّ( على ) في قوله:( أن تنزّل عليهم ) بمعنى: في كما في قوله:( واتّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ) البقره: ١٠٢، والمعنى: يحذر المنافقون أن تنزّل فيهم أي في شأنهم وبيان حالهم سورة تكشف عمّا في ضمائرهم.

وفيه أنّه لا بأس به لو لا قوله بعده:( تنبّؤهم بما في قلوبهم ) على ما سنوضحه.

وقد يجاب عنه بأنّ الضمير في قوله:( عليهم ) راجع إلى المؤمنين دون المنافقين و المعنى: يحذر المنافقون أن تنزّل على المؤمنين سورة تنبّؤ المنافقين بما في قلوب المنافقين أو تنبّؤ المؤمنين بما في قلوب المنافقين.

وردّ عليه بأنّه يستلزم تفكيك الضمائر. ودفع بأنّ تفكيك الضمائر غير ممنوع ولا أنّه مناف للبلاغه إلّا إذا كان المعنى معه غير مفهوم، وربّما أيّد بعضهم هذا الجواب بأنّه ليس ههنا تفكيك للضمائر فإنّه قد سبق أنّ المنافقين يحلفون للمؤمنين ليرضوهم ثمّ وبّخهم الله بأنّ الله ورسوله أحقّ أن يرضوه إن كانوا مؤمنين فقد بيّن ههنا بطريقة الاستئناف


أنّهم يحذرون أن تنزّل على المؤمنين سورة تنبّؤهم بما في قلوبهم فتبطل ثقتهم بهم فاُعيد الضمير إلى المؤمنين لأنّ سياق الكلام فيهم فلا أثر من التفكيك.

وفيه أنّ من الواضح الّذى لا يرتاب فيه أنّ موضوع الكلام في هذه الآيات وآيات كثيرة ممّا يتّصل بها من قبل ومن بعد، هم المنافقون، والسياق سياق الخطاب للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا غيره، وإنّما كان خطاب المؤمنين في قوله:( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) خطاباً التفاتيّاً للتنبيه على غرض خاصّ أومأنا إليه ثمّ عاد الكلام إلى سياقها الأصلىّ من خطاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بتبدّل خطابهم إلى خطابه فلا معنى لقوله: إنّ سياق الكلام في المؤمنين.

ولو كان السياق هو الّذى ذكره لكان من حقّ الكلام أن يقال: أن تنزّل عليكم سورة تنبّؤكم بما في قلوبهم، فما معنى العدول إلى ضمير الغيبة، ولم يتقدّم في سابق الكلام ذكر لهم على هذا النعت؟

على أنّ قوله: إنّ الآية - يحذر المنافقون - بيان من طريق الاستئناف لسبب حلفهم للمؤمنين ليرضوهم، إخراج لهذه الطائفة من الآيات من استقلال غرضها الأصلىّ الّذى بحثنا عنه في أوّل الكلام، ويختلّ بذلك ما يتراءى من فقرات الآيات من الاتّصال والارتباط.

فالآية - يحذر المنافقون الخ - ليست بياناً لسبب حلفهم المذكور سابقاً بل استئناف مسوق لغرض آخر يهدى إليه مجموع الآيات الإحدى عشرة.

وبالجملة الآيات السابقة على هذه الآية خالية عن ذكر المؤمنين ذكراً يوجب انعطاف الذهن إليه حينما يلقى ضميراً يمكن عوده إليهم وهذا هو التفكيك المذكور، وهو مع ذلك تفكيك ممنوع لإيجابه إبهاماً في البيان ينافى بلاغته.

والحقّ أنّ الضمير في قوله:( أن تنزّل عليهم ) للمنافقين - كما تقدّمت الإشارة إليه - ولا بأس بأن يسمّى تنزيل سورة لبيان حالهم وذكر مثالبهم وتوبيخهم على نفاقهم تنزيلاً للسورة عليهم وهم في جماعة المؤمنين غير متميّزين منهم كما عبّر بنظير التعبير في مورد المؤمنين حيث قال:( واذكروا نعمة الله عليكم وما اُنزل عليكم من الكتاب والحكمة


يعظكم به ) البقرة: ٢٣١.

وقد أتى سبحانه بنظير هذا التعبير في أهل الكتاب حيث قال:( يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتاباً من السماء ) النساء: ١٥٣، وفي المشركين حيث حكى عنهم قولهم:( ولن نؤمن لرقيّك حتّى تنزّل علينا كتاباً نقرؤه ) أسرى: ٩٣، وليست نسبة المنافقين وهم في المؤمنين إلى نزول القرآن عليهم بأبعد من نسبة المشركين وأهل الكتاب إلى نزوله عليهم، والنزول والإنزال والتنزيل يقبل التعدّي بإلى بعناية الإنتهاء وبعلى بعناية الاستعلاء والإتيان من العلو، والتعدية بكلّ واحد منهما كثير في تعبيرات القرآن، والمراد بنزول الكتاب إلى قوم وعلى قوم تعرّضه لشؤونهم وبيانه لما ينفعهم في دنياهم واُخراهم.

وقد يجاب عن الإشكال الثالث بأنّ قوله تعالى:( قل استهزؤوا ) دليل على أنّهم كانوا يستهزؤون بالحذر ولم يكن من جدّ الحذر في شئ.

وفيه أنّ الآيات الكثيرة النازلة في سورة البقرة والنساء وغيرها - وكلّ ذلك قبل هذه الآيات نزولاً - المخرجة لكثير من خبايا قلوبهم الكاشفة عن أسرارهم تدلّ على أنّ هذا الحذر كان منهم على حقيقته من غير استهزاء وسخريّة.

على أنّه تعالى وصفهم في سورة المنافقون بمثل قوله:( يحسبون كلّ صيحة عليهم ) المنافقون: ٤، وقال في مثل ضربه لهم وفيهم:( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت ) البقرة: ١٩ وقد ذكر في الآية التالية.

والحقّ أنّ استهزاءهم إنّما هو نفاقهم وقولهم في الظاهر خلاف ما في باطنهم كما يؤيّده قوله تعالى:( وإذا لقوا الّذين آمنوا قالوا آمنّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم إنّما نحن مستهزؤون ) البقرة: ١٤.

والجواب عن الإشكال الرابع أنّ الشئ الّذى كانوا يحذرونه في الحقيقة هو ظهور نفاقهم وانكشاف ما في قلوبهم، وإنّما كانوا يحذرون نزول السورة لأجل ذلك فالمحذور الّذى ذكر في صدر الآية والّذى في ذيل الآية أمر واحد، ومعنى قوله( إنّ الله مخرج ما تحذرون ) أنّه مظهر لما أخفيتموه من النفاق ومنبئ لما في قلوبكم.

قوله تعالى: ( ولئن سألتهم ليقولنّ إنّما كنّا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته


ورسوله كنتم تستهزؤون ) الخوض - على ما في المجمع - دخول القدم فيما كان مائعاً من الماء والطين ثمّ كثر حتّى استعمل في غيره.

وقال الراغب في المفردات: الخوض هو الشروع في الماء والمرور فيه، ويستعار في الاُمور، وأكثر ما ورد في القرآن ورد فيما يذمّ الشروع فيه. انتهى.

ولم يذكر الله سبحانه متعلّق السؤال وأنّ المسؤول عنه الّذى إن سأل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سأل عنه ما هو؟ غير أنّ قوله:( ليقولنّ إنّما كنّا نخوض ونلعب ) بما له من السياق المصدّر بإنّما يدلّ على أنّه كان فعلاً صادراً منهم له نوع تعلّق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكان أمراً مرئيّاً يسئ الظنّ بهم، ولم يكن في وسعهم أن يعتذروا منه بعد ما تبيّن وانكشف للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلّا بأنّه إنّما كان منهم خوضاً ولعباً لم يريدوا به غير ذلك.

والخوض واللعب الّذين اعتذروا بهما من الأعمال السيّـئة الّتى لا يعترف بهما الناس في حالهم العادىّ وخاصّـة المؤمنون وسائر المتظاهرين بالإيمان وخاصّـة إذا كان ذلك في أمر يرجع إلى الله ورسوله غير أنّهم لم يجدوا وصفاً يصفون به فعلهم لإخراجه عن ظاهر ما يدلّ عليه، دون أن يعنونوه بأنّه كان خوضاً ولعباً.

ولذا أمر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يوبّخهم على ما اعتذروا به فقال:( قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ) ثمّ فسّر عملهم في آخر الآيات بقوله:( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا ) الآية.

ويتحصّل من مجموع هذه القرائن أنّ المنافقين كانوا أرادوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسوء كالفتك به ومفاجأته بما يهلكه وأقدموا على ما قصدوه وتكلّموا عند ذلك بشئ من الكلام الردىّ لكنّهم أخطؤوا في ما أوقعوه عليه واندفع الشرّ عنه، ولم يصب السهم هدفه فلمّا خاب سعيهم وبان أمرهم سألهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن ذلك وما تصدّوه به اعتذروا بأنّهم كانوا يخوضون ويلعبون فوبّخهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله:( أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون ) وردّ الله سبحانه إليهم عذرهم الّذى اعتذروا به وبيّن حقيقة ما قصدوا بذلك.

وبالجملة معنى الآية: واُقسم لئن سألتهم عن فعلهم الّذى شوهد منهم: ما الّذى أرادوا به؟ وكان ظاهره أنّهم همّوا بأمر فيك ليقولنّ: لم يكن قصد سوء ولا بالّذى ظننت


فأسأت الظنّ بنا، وإنّما كنّا نخوض ونلعب خوض الركب في الطريق لا على سبيل الجدّ ولكن لعباً.

وهذا اعتذار منهم بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله فإنّهم يعترفون بأنّهم فعلوا فيك ما فعلوه خوضاً ولعباً فقد استهزؤوا بالله ورسوله فقل: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون أي أتعتذرون عن سيّئ فعلكم بسيّـئة اُخرى هي الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، وهو كفر؟

وليس من البعيد أن يكون الغرض الأصيل بيان كونه استهزاء بالرسول، وإنّما ذكر الله وآياته للدلالة على معنى الاستهزاء بالرسول، وأنّه لمّا كان من آيات الله كان الاستهزاء به استهزاء بآيات الله، والاستهزاء بآيات الله استهزاء بالله العظيم فالاستهزاء برسول الله استهزاء بالله وآياته ورسوله.

قوله تعالى: ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة ) الآية، قال الراغب في المفردات: الطوف المشى حول الشئ ومنه الطائف لمن يدور حول البيوت حافظاً - إلى أن قال - والطائفة من الناس جماعة منهم ومن الشئ القطعة منه.

وقوله تعالى:( فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ) قال بعضهم: قد يقع ذلك على الواحد فصاعداً، وعلى ذلك قوله:( وإن طائفتان من المؤمنين إذ همّت طائفتان منكم ) .

والطائفة إذا اُريد بها الجمع فجمع طائف، (وإذا اُريد بها الواحد فيصحّ أن يكون جمعاً ويكنّى به عن الواحد، ويصحّ أن يجعل كراوية وعلامة ونحو ذلك. انتهى.

وقد خطّأ بعضهم القول بجواز صدق الطائفة على الواحد والاثنين من الناس كما تصدق على الثلاثة فصاعداً، وبالغ في ذلك حتّى عدّه غلطاً ولا دليل له على ما ذكره، ومادّة اللّفظ لا يستوجب شيئاً معيّـناً من العدد، وإطلاقها على القطعة من الشئ يؤيّد استعمالها في الواحد.

وقوله:( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) نهى عن الاعتذار بدعوى أنّه لغو كما


يدلّ عليه قوله:( قد كفرتم بعد إيمانكم ) فإنّ الاعتذار لا فائدة تترتّب عليه بعد الحكم بكفرهم بعد إيمانهم.

والمراد بإيمانهم هو ظاهر الإيمان الّذى كانوا يتظاهرون به لا حقيقة الإيمان الّذى هو من الهداية الإلهيّـة الّتى لا يعقّبها ضلال، ويؤيّده قوله تعالى في آخر هذه الآيات:( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم ) فبدّل الإيمان إسلاماً وهو ظاهر الشهادتين.

ويمكن أن يقال: إنّ من مراتب الإيمان ما هو اعتقاد واذعان ضعيف غير آب عن الزوال كإيمان الّذين في قلوبهم مرض وقد عدّهم الله من المؤمنين وذكرهم مع المنافقين لامنهم، ولا مانع من أن ينسلخوا هذا الإيمان.

وكيف لا؟ وقد سلخ الله الإيمان ممّن هو أرسخ إيماناً منهم كالّذى يقصّه في قوله:( واتل عليهم نبأ الّذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه ) الأعراف: ١٧٦.

وقال أيضاً:( إنّ الّذين آمنوا ثمّ كفروا ثمّ آمنوا ثمّ كفروا ثمّ ازدادوا كفراً ) النساء: ١٣٧ وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر الكفر بعد الإيمان فلا مانع من زوال الاعتقاد القلبىّ قبل رسوخه وهو اعتقاد.

نعم الإيمان المستقرّ والاعتقاد الراسخ لا سبيل إلى عروض الزوال له قال تعالى:( من يهدي الله فهو المهتدى ) الأعراف: ١٧٨ وقال:( فإنّ الله لا يهدى من يضلّ ) النحل: ٣٧.

وقوله:( إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة ) يدلّ على أنّ هؤلاء المنافقين المذكورين في الآيات كانوا ذوى عدد وكثرة، وأنّ كلمة العذاب وقعت عليهم لا بدّ لهم من العذاب فلو شمل بعضهم عفو إلهىّ لمصلحة في ذلك وقع العذاب على الباقين فهذا معنى الجملة:( إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة ) بحسب ما يفهم من نظمه وسياقه.

وبعبارة اُخرى رابطة اللزوم بين الشرط والجزاء بترتّب الجزاء وتفرّعه على الشرط إنّما هي بالتبع وأصله ترتّب الجزاء ههنا على أمر يتعلّق به الشرط وهو أنّ العذاب


وجب على جماعتهم فإن عفى عن بعضهم تعيّـن الباقون من غير تخلّف.

وقد ظهر بما قدّمناه أوّلاً: وجه ترتّب قوله:( نعذّب طائفة ) على قوله:( إن نعف عن طائفة ) واندفع ما استشكله بعضهم على الآية أنّه لا ملازمة بين العفو عن البعض وعذاب البعض فما معنى الاشتراط؟

والجواب: أنّ اللزوم بحسب الأصل بين وجوب نزول العذاب على الجماعة وبين نزوله على بعضهم ثمّ انتقل إلى ما بين العفو عن البعض وبين نزوله على بعضهم كما قرّرناه.

وثانياً: أنّ المراد بالعفو هو ترك العذاب لمصلحة من مصالح الدين دون العفو بمعنى المغفرة المستندة إلى التوبة إذ لا وجه ظاهراً لمثل قولنا: إن غفرنا لطائفة منكم لتوبتهم نعذّب طائفة لجرمهم مع أنّهم لو تابوا جميعاً لم يعذّبوا قطعاً.

وقد ندب الله إليهم جميعاً أن يتوبوا حيث قال في آخر الآيات:( فإن يتوبوا يك خيراً لهم وإن يتولّوا يعذّبهم الله عذاباً أليما في الدنيا والآخرة ) .

وثالثاً: أنّ العفو في الآية بل والعذاب المذكور فيها هو العفو عن العذاب الدنيويّ وتركها وكذا القول في العذاب فإنّ العفو من العذاب الاُخرويّ على ما تنصّ عليه الآيات القرآنيّـة إنّما يكون لتوبة أو شفاعة، ولا تحقّق لواحد منهما فيما نحن فيه أمّا التوبة فلمّا تبيّن أنّها غير مرادة في الآية، وأمّا الشفاعة فلمّا ثبت بآيات الشفاعة أن الشفاعة لا ينالها في الآخرة إلّا مؤمن مرضىّ الإيمان، وقد استوفينا البحث عنها في الجزء الأوّل من الكتاب.

ورابعاً: أنّه لا مانع من كون الآية أعني قوله:( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة ) الآية من تتمّة كلام النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّ المراد بالعفو والعذاب، هو العذاب الدنيويّ بالسياسة وتركه، ولا مانع من نسبتهما إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

لكن ظاهر الآيات التالية هو كونه من قول الله سبحانه خطاباً للمنافقين فيكون التفاتاً من خطاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى خطابهم والنكتة فيه إظهار كمال الغضب واشتداد السخط من صنعهم حتّى كأنّه لا يفى بإيذانه وإعلامه الرسالة فواجههم بنفسه وخاطبهم بشخصه


فهدّدهم بعذاب واقع لا مردّ له ولا مفرّ منه.

قوله تعالى: ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) إلى آخر الآيتين، ذكروا أنّه استئناف يتعرّض لحال عامّة المنافقين بذكر أوصافهم العامّة الجامعة وتعريفهم بها وما يجازيهم الله في عاقبة أمرهم ثمّ يتعرّض لحال عامّة المؤمنين ويعرّفهم بصفاتهم الجامعة ويذكر ما ينبّئهم الله به على سبيل المقابلة استتماماً للقسمة، ومن الدليل على هذا الاستيفاء ذكر جزاء الكفّـار مع المنافقين في قوله:( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفّـار ) الآية.

والظاهر أنّ الآية في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة:( إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة ) وسياق مخاطبة المنافقين جار لم ينقطع بعد.

فالآية السابقة لمّا دلّت على أنّه تعالى لا يترك المنافقين حتّى يعذّبهم بإجرامهم فإن ترك بعضاً منهم لحكمة ومصلحة أخذ آخرين منهم بالعذاب كان هناك مظنّة أن يسأل فيقال: ما وجه أخذ البعض إذا ترك غيره؟ وهل هو إلّا كأخذ الجار بجرم الجار فاُجيب ببيان السبب وهو أنّ المنافقين جميعاً بعضهم من بعض لاشتراكهم في خبائث الصفات والأعمال، واشتراكهم في جزاء أعمالهم وعاقبة حالهم.

ولعلّه ذكر المنافقات مع المنافقين مع عدم سبق لذكرهنّ للدلالة على كمال الاتّحاد والاتّفاق بينهم في نفسيّتهم، وليكون تلويحاً على أنّ من النساء أيضاً أجزاء مؤثّرة في هذا المجتمع النفاقىّ الفاسد المفسد.

فمعنى الآية لا ينبغى أن يستغرب أخذ بعض المنافقين إذا ترك البعض الآخر لأنّ المنافقين والمنافقات يحكم عليهم نوع من الوحدة النفسيّـة يوحّد كثرتهم فيرجع بعضهم إلى بعض، فيشرّكهم في الأوصاف والأعمال وما يجازون به بوعد من الله تعالى.

فهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويمسكون عن الإنفاق في سبيل الله وبعبارة اُخرى نسوا الله تعالى بالإعراض عن ذكره لأنّهم فاسقون خارجون عن زىّ العبوديّـة فنسيهم الله فلم يثبهم بما أثاب عباده الذاكرين مقام ربّهم.

ثمّ ذكر ما وعدهم على ذلك فقال:( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفّـار - وعطف عليهم


الكفّـار لأنّهم جميعاً سواء - نار جهنّم خالدين فيها هي حسبهم ) من الجزاء لا يتعدّى فيهم إلى غيرها( ولعنهم الله ) وأبعدهم( ولهم عذاب مقيم ) ثابت لا يزول عنهم البتّـة.

وقد ظهر بذلك أنّ قوله تعالى:( نسوا الله فنسيهم ) الخ بيان لما تقدّمه من قوله:( يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ) .

ويتفرّع على ذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإنفاق في سبيل الله من الذكر.

قوله تعالى: ( كالّذين من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوّة وأكثر أموالاً وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم ) الخ، قال الراغب: الخلاق ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه قال تعالى:( وما له في الآخرة من خلاق ) انتهى وفسّره غيره بمطلق النصيب.

والآية من تتمّة مخاطبة المنافقين الّتى في قوله:( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) الآية في سياق واحد متّصل وفي الآية تشبيه حال المنافقين بحال من كان قبلهم من الكفّـار والمنافقين وقياسهم إليهم ليستشهد بذلك على ما قيل: أنّ المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض وأنّهم جميعاً والكفّـار ذووا طبيعة واحدد في الإعراض عن ذكر الله والإقبال على الاستمتاع بما أوتوا من أعراض الدنيا من أموال وأولاد والخوض في آيات الله ثمّ في حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة والخسران.

ومعنى الآية - والله أعلم - أنتم كالّذين من قبلكم كانت لهم قوّة وأموال وأولاد بل أشدّوا أكثر في ذلك منكم، فاستمتعوا بنصيبهم وقد تفرّع على هذه المماثلة أنّكم استمتعتم كما استمتّعوا وخضتم كما خاضوا اُولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة واُولئك هم الخاسرون وأنتم أيضاً أمثالهم في الحبط والخسران ولذا وعدكم النار الخالدة ولعنكم.

وذكر كون قوّة من قبلهم أشدّ وأموالهم وأولادهم أكثر للإيماء إلى أنّهم لم يعجزوا الله بذلك، ولم يدفع ذلك عنهم غائلة الحبط والخسران فكيف بكم وأنتم أضعف قوّة وأقلّ أموالاً وأولاداً؟


قوله تعالى: ( ألم يأتهم نبأ الّذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات ) الآية رجوع إلى السياق الأوّل وهو سياق مخاطبة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع افتراض الغيبة في المنافقين، وتذكيرٌ لهم بما قصّ عليهم القرآن من قصص الاُمم الماضين.

فذاك قوم نوح عمّهم الله سبحانه بالغرق، وعاد وهم قوم هود أهلكهم بريح صرصر عاتية، وثمود وهم قوم صالح عذّبهم بالرجفة، وقوم إبراهيم أهلك ملكهم نمرود وسلب عنهم النعمة، والمؤتفكات وهى القرى المنقلبات على وجهها - من ائتفكت الأرض إذا انقلبت - قرى قوم لوط جعل عاليها سافلها.

وقوله:( أتتهم رسلهم بالبيّنات ) أي بالواضحات من الآيات والحجج والبراهين وهو بيان إجماليّ لنبأهم أي كان نبأهم أن أتتهم رسلهم بالآيات البيّنة فكذّبوها فانتهى أمرهم إلى الهلاك، ولم يكن من شأن السنّة الإلهيّـة أن يظلمهم لأنّه بيّن لهم الحقّ والباطل، وميّز الرشد من الغىّ، والهدى من الضلال، ولكن كان اُولئك الأقوام والاُمم أنفسهم يظلمون بالاستمتاع من نصيب الدنيا والخوض في آيات الله وتكذيب رسله.

قوله تعالى: ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) إلى آخر الآية. ثمّ وصف الله سبحانه حال المؤمنين عامّة محاذاة لما وصف به المنافقين فقال:( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) ليدلّ بذلك على أنّهم مع كثرتهم وتفرّقهم من حيث العدد ومن الذكورة والاُنوثة ذوو كينونة واحدة متّفقة لا تشعّب فيها ولذلك يتولّى بعضهم أمر بعض ويدبّره.

ولذلك كان يأمر بعضهم بعضاً بالمعروف وينهى بعضهم بعضاً عن المنكر فلولاية بعض المجتمع على بعض ولاية سارية في جميع الأبعاض دخل في تصدّيهم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فيما بينهم أنفسهم.

ثمّ وصفهم بقوله:( ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) وهما الركنان الوثيقان في الشريعة فالصلاة ركن العبادات الّتى هن الرابطة بين الله وبين خلقه، والزكاة في المعاملات


الّتى هي رابطة بين الناس أنفسهم.

ثمّ وصفهم بقوله:( ويطيعون الله ورسوله ) فجمع في إطاعة الله جميع الأحكام الشرعيّـة الإلهيّـة وجمع في إطاعة رسوله جميع الأحكام الولائيّة الّتى يصدرها رسوله في إداره اُمور الاُمّة وإصلاح شؤونهم كفرامينه في الغزوات، وأحكامه في القضايا وإجراء الحدود وغير ذلك.

على أنّ إطاعه شرائع الله النازلة من السماء من جهة اُخرى منطوية في إطاعة الرسول فإنّ الرسول هو الصادع بالحقّ القائم بالدعوة إلى اُصول الدين وفروعه.

وقوله:( اُولئك سيرحمهم الله ) إخبار عمّا في القضاء الإلهىّ من شمول الرحمة الإلهيّـة لهؤلاء القوم الموصوفين بما ذكر، وكأنّ في هذه الجملة محاذاة لما سرد في المنافقين من قوله تعالى:( نسوا الله فنسيهم ) والظاهر أيضاً أنّ قوله:( إنّ الله عزيز حكيم ) تعليل لما ذكر من الرحمة فلا مانع من رحمته لعزّته، ولا اختلال أو وهناً وجزافاً في حكمته.

قوله تعالى: ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجرى من تحتها الأنهار ) إلى آخر الآية، العدن مصدر بمعنى الإقامة والاستقرار يقال: عدن بالمكان أي أقام فيه واستقرّ ومنه المعدن للأرض الّتى تستقرّ فيه الجواهر والفلزّات المعدنيّة، وعلى هذا فمعنى جنّات عدن جنّات إقامه واستقرار وخلود.

وقوله:( ورضوان من الله اكبر ) أي رضى الله سبحانه عنهم أكبر من ذلك كلّه - على ما يفيده السياق - وقد نكّر( رضوان ) إيماء إلى أنّه لا يقدّر بقدر ولا يحيط به وهم بشر أو لأنّ رضواناً مّا منه ولو كان يسيراً أكبر من ذلك كلّه لا لأنّ ذلك كلّه ممّا يتفرّع على رضاه تعالى ويترشّح منه - وإن كان كذلك في نفسه - بل لأنّ حقيقة العبوديّـة الّتى يندب إليها كتاب الله هي عبوديّته تعالى حبّاً له: لا طمعاً في جنّـة، أو خوفاً من نار، وأعظم السعادة والفوز عند المحبّ أن يستجلب رضى محبوبه دون أن يسعى لإرضاء نفسه.

كأنّه للإشارة إلى ذلك ختم الآية بقوله:( ذلك هو الفوز العظيم ) وتكون في


الجملة دلالة على معنى الحصر أي أنّ هذا الرضوان هو حقيقة كلّ فوز عظيم حتّى الفوز العظيم بالجنّـة الخالدة إذ لو لا شئ من حقيقة الرضى الإلهىّ في نعيم الجنّـة كان نقمة لا نعمة.

قوله تعالى: ( يا أيّها النبيّ جاهد الكفّـار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنّم وبئس المصير ) جهاد القوم ومجاهدتهم بذل غاية الجهد في مقاومتهم وهو يكون باللّسان وباليد حتّى ينتهى إلى القتال، وشاع استعماله في الكتاب في القتال وإن كان ربّما استعمل في غيره كما في قوله:( والّذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا ) الآية.

واستعماله في قتال الكفّـار على رسله لكونهم متجاهرين بالخلاف والشقاق، وأمّا المنافقون فهم الّذين لا يتظاهرون بكفر ولا يتجاهرون بخلاف، وإنّما يبطنون الكفر ويقلّبون الاُمور كيداً ومكراً ولا معنى للجهاد معهم بمعنى قتالهم ومحاربتهم، ولذلك ربّما يسبق إلى الذهن أنّ المراد بجهادهم مطلق ما تقتضيه المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم فإن اقتضت المصلحة هجروا ولم يخالطوا ولم يعاشروا، وإن اقتضت وعظوا باللسان، وإن اقتضت أخرجوا وشرّدوا إلى غير الأرض أو قتلوا إذا اُخذ عليهم الردّة، أو غير ذلك.

وربّما شهد لهذا المعنى أعني كون المراد بالجهاد في الآية مطلق بذل الجهد تعقيب قوله:( جاهد الكفّـار والمنافقين ) بقوله:( واغلظ عليهم ) أي شدّد عليهم وعاملهم بالخشونة.

وأمّا قوله:( و مأواهم جهنّم وبئس المصير ) فهو عطف على ما قبله من الأمر، ولعلّ الّذى هوّن الأمر في عطف الإخبار على الإنشاء هو كون الجملة السابقة في معنى قولنا:( إنّ هؤلاء الكفّـار والمنافقين مستوجبون للجهاد ) . والله أعلم.

قوله تعالى: ( يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهمّوا بما لم ينالوا ) الآية. سياق الآية يشعر بأنّهم أتوا بعمل سيّئ وشفّعوه بقول تفوّهوا به عند ذلك، وأنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عاتبهم على قولهم مؤاخذاً لهم فحلفوا بالله ما قالوا كما تقدّم في قوله:( ولئن سألتهم ليقولنّ إنّما كنّا نخوض ونلعب ) إلى آخر الآية


أنّهم كانوا يعتذرون بذلك عن عملهم أنّه كان خوضاً و لعباً لا غير ذلك.

والله سبحانه يكذّبهم في الأمرين جميعاً: أمّا في إنكارهم القول فبقوله:( ولقد قالوا كلمة الكفر ) وفسّره ثانياً بقوله:( وكفروا بعد إسلامهم ) للدلالة على جدّ القول فيتفرّع عليه الكفر بعد الإسلام.

و لعلّه قال ههنا:( وكفروا بعد إسلامهم ) وقد قيل سابقاً:( قد كفرتم بعد إيمانكم ) لأنّ القول السابق للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجارى على ظاهر حالهم وهو الإيمان الّذى كانوا يدّعونه ويتظاهرون به، والقول الثاني لله العالم بالغيب والشهادة فيشهد بأنّهم لم يكونوا مؤمنين ولم يتعدّوا الشهادتين بلسانهم فهم كانوا مسلمين لا مؤمنين، وقد كفروا بقولهم وخرجوا عن الإسلام إلى الكفر، وفي هذا إيماء إلى أنّ قولهم كان كلمة فيه الردّ على الشهادتين أو إحداهما،

أو لأنّ القول الأوّل في قبال عملهم الّذى أرادوا إيقاع الشرّ بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والعمل الخالى من القول وهو لم يصب الغرض لا يضرّ بالإسلام الّذى هو نصيب اللّفظ والشهادة، وإنّما يضرّ بالإيمان الّذى هو نصيب الاعتقاد، والقول الثاني في قبال قولهم الّذى تفوّهوا به، وهو ينافى الإسلام الّذى يكتسب باللّفظ دون الإيمان الّذى هو نوع من الاعتقاد القلبىّ.

وأمّا في إنكارهم العمل السيّئ الّذى أتوا به وتأويلهم إيّاه إلى الخوض واللّعب فبقوله:( وهمّوا بما لم ينالوا ) .

ثمّ قال في مقام ذمّهم وتعييرهم:( وما نقموا إلّا أن أغناهم الله و رسوله من فضله ) أي بسبب أن أغناهم الله ورسوله، أي كان سبب نقمتهم هذه أنّ الله أغناهم من فضله بما رزقهم من الغنائم وبسط عليهم الأمن والرفاهية فمكّنهم من توليد الثروة وإنماء المال من كلّ جهة، وكذا رسوله حيث هداهم إلى عيشة صالحة تفتح عليهم أبواب بركات السماء والأرض، وقسّم بينهم الغنائم وبسط عليهم العدل.

فهو من قبيل وضع الشئ موضع ضدّه: وضع فيه الإغناء وهو بحسب الطبع سبب للرضى والشكر موضع سبب النقمة والسخطة كالظلم والغضب وإن شئت قلت: وضع فيه الإحسان


موضع الإساءة، ففيه نوع من التهكّم المشوب بالذمّ نظير ما في قوله تعالى:( وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون ) الواقعة: ٨٢ أي تجعلون رزقكم سبباً للتكذيب بايات الله وهو سبب بحسب الطبع لشكر النعمة والرضا بالموهبة على ما قيل: إنّ المعنى: وتجعلون بدل شكر رزقكم أنّكم تكذّبون.

والضمير في قوله:( من فضله ) راجع إلى الله سبحانه، قال في المجمع: وإنّما لم يقل: من فضلهما لأنّه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره في الكناية تعظيماً لله، ولذلك قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن سمعه يقول:( من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى ) : بئس خطيب القوم أنت فقال: كيف أقول يا رسول الله؟ قال: قل: ومن يعص الله ورسوله، وهكذا القول في قوله سبحانه:( والله ورسوله أحقّ أن يرضوه ) وقيل: إنّما لم يقل من فضلهما لأنّ فضل الله منه وفضل رسوله من فضله، انتهى كلامه.

وهناك وراء التعظيم أمر آخر قدّمنا القول فيه في تفسير قوله تعالى:( لقد كفر الّذين قالوا إنّ الله ثالث ثلاثة ) المائدة: ٧٣ في الجزء السادس من الكتاب، وهو أنّ وحدته تعالى ليست من سنخ الوحدة العدديّة حتّى يصحّ بذلك تأليفها مع وحدة غيره واستنتاج عدد من الأعداد منه.

ثمّ بين الله سبحانه لهؤلاء المنافقين أنّ لهم مع هذه الذنوب المهلكة وصريح كفرهم بالله وهمّهم بما لم ينالوا أن يرجعوا إلى ربّهم، وبيّن عاقبة أمر هذه التوبة وعاقبة التولّى والإعراض عنها فقال:( فإن يتوبوا يك خيراً لهم ) لادّائه إلى المغفرة والجنّـة( وإن يتولّوا ) ويعرضوا عن التوبة( يعذّبهم الله عذاباً أليما في الدنيا ) بالسياسة والنكال أو بإغراء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم أو بالمكر والاستدراج، ولو لم يكن من عذابهم إلّا أنّهم مخالفون بنفاقهم نظام الأسباب المبنىّ على الصدق والإيمان فتقادمهم سلسلة الأسباب وتحطمهم وتفضحهم لكان فيه كفاية، وقد قال الله:( والله لا يهدى القوم الفاسقين ) التوبة: ٢٤( والآخرة ) بعذاب النار.

وقوله تعالى:( وما لهم في الأرض من ولىّ ولا نصير ) معناه أنّ هؤلاء لا ولىّ لهم في الأرض يتولّى أمرهم ويصرف العذاب عنهم، ولا نصير ينصرهم ويمدّهم بما يدفعون به


العذاب الموعود عن أنفسهم لأنّ سائر المنافقين أيضاً منهم وكلمة الفساد يجمعهم وأصلهم الفاسد منقطع عن سائر الأسباب الكونيّـة فلا ولىّ لهم يتولّى أمرهم ولا ناصر لهم ينصرهم ولعلّ هذه الجملة من الآية إشارة إلى ما أومأنا إليه في معنى عذاب الدنيا.

( بحث روائي)

في المجمع في قوله تعالى:( يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة ) الآية: قيل: نزلت في اثنى عشر رجلاً وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند رجوعه من تبوك فأخبر جبرئيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم.

وعمّار كان يقود دابّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحذيفة يسوقها فقال لحذيفة: اضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتّى نحّاهم فلمّا نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحداً فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّه فلان وفلان حتّى عدّهم كلّهم فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم. عن ابن كيسان.

وروى عن أبى جعفر الباقرعليه‌السلام مثله إلّا أنّه قال: ائتمروا بينهم ليقتلوه وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: إنّما كنّا نخوض ونلعب، وإن لم يفطن نقتله.

وقيل: إنّ جماعة من المنافقين قالوا في غزوة تبوك: يظنّ هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ذلك فقال: احبسوا علىّ الركب، فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا. فقالوا: يا نبىّ الله إنّما كنّا نخوض ونلعب وحلفوا على ذلك فنزلت الآية:( ولئن سألتهم ليقولنّ ) الخ، عن الحسن وقتادة.

وقيل: كان ذلك عند منصرفه من غزوة تبوك إلى المدينة وكان بين يديه أربعة نفر أو ثلاثة يستهزؤون ويضحكون، وأحدهم يضحك ولا يتكلّم فنزل جبرئيل وأخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك فدعا عمّار بن ياسر وقال: إنّ هؤلاء يستهزؤون بى وبالقرآن أخبرني جبرئيل بذلك، ولئن سألتهم ليقولنّ: كنّا نتحدّث بحديث الركب فاتّبعهم عمّار وقال: ممّ


تضحكون؟ قالوا: نتحدّث بحديث الركب فقال عمّار: صدق الله ورسوله احترقتم أحرقكم الله، فأقبلوا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعتذرون فأنزل الله تعالى الآيات. عن الكلبىّ وعلىّ بن إبراهيم وأبى حمزة.

وقيل: إنّ رجلاً قال في غزوة تبوك: ما رأيت أكذب لساناً ولا أجبن عند اللّقاء من هؤلاء يعنى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه، فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنّك منافق، وأراد أن يخبر رسول الله بذلك فجاء وقد سبقه الوحى فجاء الرجل معتذراً، وقال: إنّما كنّا نخوض ونلعب ففيه نزلت الآية، عن ابن عمر وزيد بن أسلم ومحمّـد بن كعب.

وقيل: إنّ رجلاً من المنافقين قال: يحدّثنا محمّـد أنّ ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب؟ فنزلت الآية، عن مجاهد.

وقيل: نزلت في عبدالله بن اُبىّ ورهطه، عن الضحّاك.

وفي المجمع أيضاً في قوله تعالى:( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية، اختلف في من نزلت فيه هذه الآية فقيل: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان جالساً في ظلّ شجرة فقال: إنّه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعينى الشيطان، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه فحلفوا بالله: ما قالوا فأنزل الله هذه الآية، عن ابن عبّـاس.

وقيل: خرج المنافقون مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى تبوك فكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبّوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأصحابه وطعنوا في الدين فنقل ذلك حذيفة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لهم: ما هذا الّذى بلغني عنكم فحلفوا بالله: ما قالوا شيئاً من ذلك. عن الضحّاك.

وقيل: نزلت في جُلاس بن سويد بن الصامت، وذلك أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسمّاهم رجساً وعابهم، فقال الجلاس: والله لئن كان محمّـد صادقاً فيما يقول فنحن شرّ من الحمير فسمعه عامر بن قيس فقال: أجل والله إنّ محمّـداً لصادق وأنتم شرّ من الحمير، فلمّا انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلاس: كذب يا رسول الله.

فأمرهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يحلفا عند المنبر فقام الجلاس عند المنبر فحلف بالله ما


قال ثمّ قام عامر فحلف بالله لقد قال: ثمّ قال: اللّهمّ أنزل على نبيّك الصادق منّا الصدق، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيلعليه‌السلام قبل أن يتفرّقا بهذه الآية حتّى بلغ:( فإن يتوبوا يك خيراً لهم ) .

فقام الجلاس فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض علىّ التوبة صدق عامر ابن قيس فيما قال لك لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك منه. عن الكلبىّ ومحمّـد بن إسحاق ومجاهد.

وقيل: نزلت في عبدالله بن اُبىّ بن سلول حين قال:( لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ) . عن قتادة.

وقيل: نزلت في أهل العقبة فإنّهم ائتمروا في أن يغتالوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عقبة عند مرجعهم من تبوك، وأرادوا أن يقطعوا أنساع راحلته ثمّ ينخسوا به فأطلعه الله على ذلك، وكان من جملة معجزاته لأنّه لا يمكن معرفد مثل ذلك إلّا بوحى من الله تعالى.

فسار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في العقبة، وعمّار وحذيفة معه، أحدهما يقود ناقته والآخر يسوقها وأمر الناس كلّهم بسلوك بطن الوادي، وكان الّذين همّوا بقتله اثنى عشر رجلاً أو خمسة عشر رجلاً على الخلاف فيه عرفهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسمّاهم واحداً واحداً، عن الزجّاج والواقدىّ والكلبيّ، والقصّة مشروحة في كتاب الواقديّ.

وقال الباقرعليه‌السلام : كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب.

أقول: والّذى ذكره رحمه الله ممّا جمعه واختاره من الروايات مرويّـة في كتب التفسير بالمأثور وجوامع الحديث من كتب الفريقين وهناك روايات اُخرى تركها وأحرى بها أن تترك فتركنا أكثرها كما ترك.

وأمّا الّذى أورده من الروايات فشئ منها لا ينطبق على الآيات غير حديث العقبة الّذى أورده تارة في تفسير الآية الاُولى:( يحذر المنافقون أن تنزّل عليهم سورة ) الآية، وتارة في تفسير الآية:( يحلفون بالله ما قالوا ) الآية.

وأمّا سائر الروايات الوارده فإنّما هي روايات تتضمّن من متفرّقات القصص والوقائع ما لو صحّت وثبتت كانت من قصص المنافقين من غير أن ترتبط بهذه الآيات وهى


كما عرفت في البيان السابق إحدى عشرة آية متّصل بعضها ببعض مسرودة لغرض واحد، وهو الإشارة إلى قصّة من قصص المنافقين همّوا فيها باغتيال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتكلّموا عند ذلك بكلمة الكفر فحال الله سبحانه بينهم وبين أن ينالوا ما همّوا به فسألهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أمرهم وما تفوّهوا به فأوّلوا فعلهم وأنكروا قولهم وحلفوا على ذلك فكذّبهم الله تعالى فيه.

فهذا إجمال ما يلوح من خلال الآيات، ولا ينطبق من بين الروايات إلّا على الروايات المشتملة على قصّة العقبد في الجملة دون سائرها.

ولا مسوغ للاستناد إليها في تفسير الآيات إلّا على مسلك القوم من تحكيم الروايات بحسب مضمونها على الآيات سواء ساعدت على ذلك ألفاظ الآيات أو لم تساعد على ما فيها - أعني الروايات - من الاختلاف الفاحش الّذى يوجب سوء الظنّ بها كما يظهر لمن راجعها.

على أنّ في الروايات مغمزاً آخر وهو ظهورها في تقطّع الآيات وتشتّت بعضها وانفصاله عن بعض بنزول كلّ لسبب آخر وتعقيبه غرضاً آخر، وقد عرفت أنّ الآيات ذات سياق واحد متّصل ليس من شأنه إلّا أن يعقّب غرضاً واحداً.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد الرزّاق وابن المنذر وأبوالشيخ عن الكلبىّ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا أقبل من غزوة تبوك وبين يديه ثلاثة رهط استهزؤوا بالله ورسوله وبالقرآن قال: كان رجل منهم لم يمالئهم في الحديث يسير مجانباً لهم يقال له: يزيد بن وديعة فنزلت:( إن نعف عن طائفة منكم نعذّب طائفة ) فسمّى طائفة وهو واحد.

أقول: وهذا هو منشأ قول بعضهم: إنّ الطائفة تطلق على الواحد كما تطلق على الكثير مع أنّ الآية جارية مجرى الكناية دون التسمية ونظير ذلك كثير في الآيات القرآنيّـة كما تقدّمت الإشارة إليه.

وفيه أخرج ابن مردويه عن ابن عبّـاس قال: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين من بنى عمرو بن عوف فيهم وديعة بن ثابت، ورجل من أشجع حليف لهم يقال له: مخشىّ بن حميّر(١) كانوا يسيرون مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو منطلق إلى تبوك فقال بعضهم لبعض:

____________________

(١) وقد مر في ص ٣٣٨ نقلا عن المصدر نفسه جحش بن حمير وهو مصحف (ب).


أتحسبون قتال بنى الأصفر كقتال غيرهم والله لكأنّا بكم غداً تقادون في الحبال.

قال مخشىّ بن حميّر لوددت أنّى اُقاضي على أن يضرب كلّ رجل منكم مائة على أن ينجو من أن ينزّل فينا قرآن فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعمّار بن ياسر: أدرك القوم فإنّهم قد احترقوا فسلهم عمّا قالوا فإن هم أنكروا وكتموا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا فأدركهم فقال لهم فجاؤوا يعتذرون فأنزل الله:( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم ) الآية فكان الّذى عفا الله عنه مخشىّ بن حميّر فتسمّى عبد الرحمان، سأل الله أن يقتل شهيداً لا يعلم بمقتله فقتل باليمامة لا يعلم مقتله ولا من قتله ولايرى له أثر ولا عين.

أقول: وقصّة مخشىّ بن حميّر وردت في عدّة روايات غير أنها على تقدير صحّتها لا تستلزم نزول الآيات فيها على ما بينها وبين مضامين الآيات من البون البعيد.

وليس من الواجب علينا إذا عثرنا على شئ من القصص الواقعة في زمن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيّ قصّة كانت أن نلجم بها آية من آيات القرآن الكريم ثمّ نعود فنفسّر الآية بالقصّة ونحكّمها عليها.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ عن ابن عبّـاس قال: ما أشبه الليله بالبارحة:( كالّذين من قبلكم كانوا أشدّ منكم قوّة - إلى قوله -وخضتم كالّذى خاضوا ) هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم والّذى نفسي بيده لتتّبعُنّهم حتّى لو دخل رجل جُحر ضّب لدخلتموه .

أقول: ورواه في المجمع أيضاً عنه.

وفي المجمع عن تفسير الثعلبيّ عن أبى هريرة عن أبى سعيد الخدرىّ عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: لتأخذُنّ كما أخذت الاُمم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبراً بشبر وباعاً بباع حتّى لو أنّ أحداً من اُولئك دخل جحر ضبّ لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب؟ قال: فهل الناس إلّا هم؟

وفيه أيضاً عن تفسير الثعلبيّ عن حذيفة قال: المنافقون الّذين فيكم اليوم شرّ من المنافقين الّذين كانوا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قلنا: وكيف؟ قال: اُولئك كانوا يخفون


نفاقهم وهؤلاء أعلنوه.

وفي العيون بإسناده عن القاسم بن مسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم قال: سألت الرضاعليه‌السلام عن قول الله عزّوجلّ:( نسوا الله فنسيهم ) فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لا ينسى ولا يسهو، وإنّما ينسى ويسهو المخلوق المحدث ألا تسمعه عزّوجلّ يقول:( وما كان ربّك نسيّاً ) ، وإنّما يجازى من نسيه ونسى لقاء يومه أن ينسيهم أنفسهم كما قال عزّوجلّ:( ولا تكونوا كالّذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم اُولئك هم الفاسقون ) [ و ] قوله عزّوجلّ( فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ) أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا.

وفى تفسير العيّـاشيّ عن جابر عن أبى جعفرعليه‌السلام ( نسوا الله ) قال: تركوا طاعة الله( فنسيهم ) قال: فتركهم.

وفيه عن أبى معمر السعدانىّ قال: قال علىّعليه‌السلام في قوله:( نسوا الله فنسيهم ) فإنّما يعنى أنّهم نسوا الله في دار الدنيا فلم يعملوا له بالطاعة ولم يؤمنوا به وبرسوله فنسيهم في الآخرة أي لم يجعل لهم في ثوابه نصيباً فصاروا منسيّين من الخير.

أقول: ورواه الصدوق في المعاني بإسناده عن أبى معمر عنهعليه‌السلام .

وفي الكافي بإسناده عن أبى بصير عن أبى عبداللهعليه‌السلام - في حديث - قلت:( والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبيّنات ) قال: اُولئك قوم لوط ائتفكت عليهم أي انقلبت وصارت عاليها سافلها.

وفي التهذيب بإسناده عن صفوان بن مهران قال: قلت لأبي عبداللهعليه‌السلام تأتيني المرأة المسلمة قد عرفتني بعملي وأعرفها بإسلامها ليس لها محرم فأحملها؟ قال: فاحملها فإنّ المؤمن محرم للمؤمنة. ثمّ تلا هذه الآية:( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) .

أقول: ورواه العيّـاشيّ في تفسيره عن صفوان الجمّال عنهعليه‌السلام .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن ثوير عن علىّ بن الحسينعليهما‌السلام قال: إذا صار أهل الجنّـة في الجنّـة ودخل ولىّ الله إلى جنّاته ومساكنه، واتّكئ، كلّ مؤمن على أريكته حفّته خدّامه،


و تهدّلت عليه الأثمار، وتفجّرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له الزاربىّ، ووضعت له النمارق، وأتته الخدّام بما شاءت هواه من قبل أن يسألهم ذلك قال: وتخرج عليه الحور العين من الجنان فيمكثون بذلك ما شاء الله.

ثمّ إنّ الجبّار يشرف عليهم فيقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكّان جنّتي في جواري الأهل اُنبّؤكم بخير ممّا أنتم فيه؟ فيقولون: ربّنا وأىّ شئ خير ممّا نحن فيه: فيما اشتهت أنفسنا ولذّت أعيننا من النعم في جوار الكريم؟

قال: فيعود عليهم القول فيقولون ربّنا نعم فأتنا بخير ممّا نحن فيه فيقول تبارك وتعالى لهم: رضاى عنكم ومحبّتى لكم خير وأعظم ممّا أنتم فيه قال: فيقولون: نعم يا ربّنا رضاك عنّاو محبّتك لنا خير وأطيب لأنفسنا.

ثمّ قرء علىّ بن الحسينعليه‌السلام هذه الآية:( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيّـبة في جنّات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ) .

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه عن جابر قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا دخل أهل الجنّـة الجنّـة قال الله: هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا: يا ربّنا وهل بقى شئ؟ إلّا قد أنلتناه؟ فيقول: نعم رضائي فلا أسخط عليكم أبداً.

اقول: وهذا المعنى وارد في روايات كثيرة من طرق الفريقين.

وفي جامع الجوامع عن أبى الدرداء عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عدن دار الله الّتى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة: النبيّون والصّدّيقون والشهداء يقول الله: طوبى لمن دخلك.

أقول: ولا ينافى خصوص سكنة الجنّـة في الرواية عمومهم في الآية لدلالة قوله تعالى:( والّذين آمنوا بالله ورسله اُولئك هم الصّدّيقون والشهداء عند ربّهم ) الحديد: ١٩ على أنّ الله سبحانه سيلحق عامّة المؤمنين بالصّدّيقين والشهداء.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( يا أيّها النبيّ جاهد الكفّـار والمنافقين ) الآية


قال حدّثنى أبى عن أبى عمير عن أبى بصير عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: جاهد الكفّـار والمنافقين بإلزام الفرائض.

وفي الدرّ المنثور أخرج البيهقىّ في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال: لمّا نزلت:( يا أيّها النبيّ جاهد الكفّـار والمنافقين ) أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يجاهد بيده فإن لم يستطع فبقلبه فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فليلقه بوجه مكفهرّ.

أقول: وفي الرواية تشويش من حيث ترتّب أجزائها فالجهاد بالقلب بعد الجميع وقد تخلّل بينها.


( سورة التوبة آيه ٧٥ - ٨٠)  

وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصّدّقَنّ وَلَنَكُونَنّ مِنَ الْصّالِحِينَ ( ٧٥ ) فَلَمّا آتَاهُم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( ٧٦ ) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ( ٧٧ ) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنّ اللّهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ ( ٧٨ ) الّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطّوّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْصّدَقَاتِ وَالّذِينَ لاَيَجِدُونَ إِلّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ٧٩ ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( ٨٠ )

( بيان)

تذكر الآيات طائفة اُخرى من المنافقين تخلّفوا عن حكم الصدقات فامتنعوا عن إيتاء الزكاة، وقد كانوا فقراء فعاهدوا الله إن أغناهم وآتاهم من فضله ليصّدّقنّ وليكوننّ من الصالحين فلمّا آتاهم مالاً بخلوا به وامتنعوا.

وتذكر آخرين من المنافقين يعيبون أهل السعة من المؤمنين بإيتاء الصدقات وكذلك يلمزون أهل العسرة منهم ويسخرون منهم والله سبحانه يسمّى هؤلاء جميعاً منافقين، ويقضى فيهم بعدم المغفرة البتّـة.

قوله تعالى: ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصّدّقنّ ولنكوننّ من الصالحين ) إلى آخر الآيتين. الايتاء الإعطاء، وقد كثر إطلاق الإيتاء من الفضل على إعطاء المال، ومن القرائن عليه في الآية قوله( لنصّدّقنّ ) أي لنتصدّقنّ ممّا آتانا من


المال وكذلك ما في الآية التالية من ذكر البخل به.

والسياق يفيد أنّ الكلام متعرّضٌ لأمر واقع، والروايات تدلّ على أنّ الآيات نزلت في ثعلبة في قصّة سيأتي نقلها في البحث الروائيّ التالى إن شاء الله تعالى، ومعنى الآيتين ظاهر.

قوله تعالى: ( فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه ) الآية. الإعقاب الإيراث قال في المجمع: وأعقبه وأورثه وأداه نظائر وقد يكون أعقبه بمعنى جازاه. انتهى وهو مأخوذ من العقب، ومعناه الإتيان بشئ عقيب شئ.

والضمير في قوله:( فأعقبهم ) راجع إلى البخل أو إلى فعلهم الّذى منه البخل، وعلى هذا فالمراد بقوله:( يوم يلقونه ) يوم لقاء البخل أي جزاء البخل بنحو من العناية.

ويمكن أن يرجع الضمير إليه تعالى والمراد بيوم يلقونه يوم يلقون الله وهو يوم القيامة على ما هو المعروف من كلامه تعالى من تسمية يوم القيامة بيوم لقاء الله أو يوم الموت كما هو الظاهر من قوله تعالى:( من كان يرجوا لقاء الله فإنّ أجل الله لآت ) العنكبوت: ٥.

وهذا الثاني هو الظاهر على الثاني لأنّ الأنسب عند الذهن أن يقال: فهم على نفاقهم إلى أن يموتوا. دون أن يقال: فهم على نفاقهم إلى أن يبعثوا إذ لا تغيّر لحالهم فيما بعد الموت على أيّ حال.

وقوله:( بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون ) الباء في الموضعين منه للسببيّـة أي إنّ هذا البخل أورثهم نفاقاً بما كان فيه من الخلف في الوعد والاستمرار على الكذب الموجبين لمخالفة باطنهم لظاهرهم وهو النفاق.

ومعنى الآية: فأورثهم البخل والامتناع عن إيتاء الصدقات نفاقاً في قلوبهم يدوم لهم ذلك ولا يفارقهم إلى يوم موتهم وإنّما صار هذا البخل والامتناع سبباً لذلك لما فيه من خلف الوعد لله والملازمة والاستمرار على الكذب.

أو المعنى: جازاهم الله نفاقاً في قلوبهم إلى يوم لقائه وهو يوم الموت لأنّهم أخلفوه ما وعدوه وكانوا يكذبون.


وفي الآية دلالة أوّلاً: على أنّ خلف الوعد وكذب الحديث من أسباب النفاق وأماراته.

وثانياً: أنّ من النفاق ما يعرض الإنسان بعد الإيمان كما أنّ من الكفر ما هو كذلك وهو الردّة، وقد قال الله سبحانه:( ثمّ كان عاقبة الّذين أساؤوا السوءى أن كذّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون ) الروم: ١٠ فذكر أنّ الإساءة ربّما أدّى بالإنسان إلى تكذيب آيات الله، والتكذيب ربّما كان ظاهراً وباطناً معاً وهو الكفر، أو باطناً فحسب وهو النفاق.

قوله تعالى: ( ألم يعلموا أنّ الله يعلم سرّهم ونجواهم ) الآية النجوى الكلام الخفىّ والاستفهام للتوبيخ والتأنيب.

قوله تعالى: ( الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم ) الآية التطوّع الإتيان بما لا تكرهه النفس ولا تحسبه شاقّاً ولذلك يستعمل غالباً في المندوبات لما في الواجبات من شائبة التحميل على النفس بعدم الرضى بالترك.

ومقابلة المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات بالّذين لا يجدون إلّا جهدهم قرينة على أنّ المراد بالمطّوّعين فيها الّذين يؤتون الزكاة على السعة والجدة كأنّهم لسعتهم وكثرة مالهم يؤتونها على طوع ورغبة من غير أن يشقّ ذلك عليهم بخلاف الّذين لا يجدون إلّا جهدهم أي مبلغ جهدهم وطاقتهم أو ما يشقّ عليهم القنوع بذلك.

وقوله:( الّذين يلمزون ) الآية كلام مستأنف أو هو وصف للذين ذكروا بقوله:( ومنهم من عاهد الله ) الآية كما قالوا. والمعنى: الّذين يعيبون الّذين يتطوّعون بالصدقات من المؤمنين الموسرين والّذين لا يجدون من المال إلّا جهد أنفسهم من الفقراء المعسرين فيعيبون المتصدّقين موسرهم ومعسرهم وغنيّهم وفقيرهم ويسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم، وفيه جواب لاستهزائهم وإيعاد بعذاب شديد.

قوله تعالى: ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) الترديد بين الأمر والنهى كناية عن تساوى الفعل والترك أي لغويّة الفعل كما


مرّ نظيره في قوله:( أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبّل منكم ) التوبة: ٥٣.

فالمعنى أنّ هؤلاء المنافقين لا تنالهم مغفرة من الله ويستوى فيهم طلب المغفرة وعدمها لأنّ طلبها لهم لغو لا أثر له.

وقوله:( إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) تأكيد لما ذكر قبله من لغويّة الاستغفار لهم، وبيان أنّ طبيعة المغفرة لا تنالهم البتّـة سواء سئلت المغفرة في حقّهم أو لم تسأل، وسواء كان الاستغفار مرّة أو مرّات قليلاً أو كثيراً.

فذكر السبعين كناية عن الكثرة من غير أن يكون هناك خصوصيّة للعدد حتّى يكون الواحد والاثنان من الاستغفار حتّى يبلغ السبعين غير مؤثّر في حقّهم فإذا جاوز السبعين أثّر أثره، ولذلك علّله بقوله:( ذلك بأنّهم كفروا بالله ورسوله ) أي أنّ المانع من شمول المغفرة هو كفرهم بالله ورسوله، ولا يختلف هذا المانع بعدم الاستغفار. ولا وجوده واحداً أو كثيراً فهم على كفرهم.

ومن هنا يظهر أنّ قوله:( والله لا يهدى القوم الفاسقين ) متمّم لسابقه والكلام مسوق سوق الاستدلال القياسيّ والتقدير: إنّهم كافرون بالله ورسوله فهم فاسقون خارجون عن عبوديّـة الله، والله لا يهدى القوم الفاسقين، لكن المغفرة هداية إلى سعادة القرب والجنّـة فلا تشملهم المغفرة ولا تنالهم البتّـة.

واستعمال السبعين في الكثرة المجرّدة عن الخصوصيّة كاستعمال المائة والألف فيها كثير في اللغة.

( بحث روائي)

في المجمع قيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الأنصار فقال للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ادع الله أن يرزقنى مالاً فقال: يا ثعلبة قليل تؤدّى شكره خير من كثير لا تطيقه أمّا لك في رسول الله اُسوة حسنة؟ والّذى نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معى ذهباً وفضّة لسارت.


ثمّ أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقنى مالاً والّذى بعثك بالحقّ، لئن رزقني الله مالاً لاُعطينّ كلّ ذى حقّ حقّه، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ ارزق ثعلبة مالاً فاتّخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحّى عنها فنزل وادياً من أوديتها ثمّ كثرت نموّاً حتّى تباعد من المدينة فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه المصدّق ليأخذ الصدقة فأبى وبخل وقال: ما هذه إلّا اُخت الجزية فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة، وأنزل الله الآيات. عن أبى اُمامة الباهلىّ وروى ذلك مرفوعاً.

وقيل: إنّ ثعلبة أتى مجلساً من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتانى الله من فضله تصدّقت منه وآتيت كلّ ذى حقّ حقّه ووصلت منه القرابة فابتلاه الله فمات ابن عمّ له فورّثه مالاً فلم يف بما قال فنزلت. عن ابن عبّـاس وسعيد بن جبير وقتادة.

وقيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب ومعتّب بن قشير وهما من بنى عمرو بن عوف قالا: لئن رزقنا الله مالاً لنصّدّقنّ فلمّا رزقهما الله المال بخلا به. عن الحسن ومجاهد.

أقول: ما ذكروه من الروايات لا يدفع بعضها البعض فمن الجائز أن يكون ثعلبة عاهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بذلك ثمّ أشهد عليه جماعة من الأنصار، وأن يكون معه في ذلك غيره فتتأيّد الروايات بعضها ببعض.

وتتأيّد أيضاً بما روى عن الضحّاك أنّ الآيات نزلت في رجال من المنافقين: نبتل بن الحارث، وجدّ بن قيس، وثعلبة بن حاطب، ومعتّب بن قشير.

وأمّا ما رواه في المجمع عن الكلبىّ أنّها نزلت في حاطب بن أبى بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عنه وجهد لذلك جهداً شديداً فحلف لئن آتاه الله ذلك المال ليصّدّقنّ فآتاه الله تعالى ذلك فلم يفعل، فهو بعيد الانطباق على الآيات لأنّ إيصال المال إلى صاحبه لا يسمّى إيتاءً من الفضل، وإنّما هو الإعطاء والرزق.

وفي تفسير القمّىّ قال: وفي رواية أبى الجارود عن أبى جعفرعليه‌السلام - في الآية - قال: هو ثعلبة بن حاطب بن عمرو بن عوف كان محتاجاً فعاهد الله فلمّا آتاه بخل به.

وفي الدرّ المنثور أخرج البخاريّ ومسلم والترمذيّ والنسائيّ عن أبى هريرة عن


النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان.

أقول: وهو مروىّ بغير واحد من الطرق عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد تقدّم بعضها.

وفيه في قوله تعالى:( الّذين يلمزون المطّوّعين ) الآية أخرج البخاريّ ومسلم وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه وأبو نعيم في المعرفة عن ابن مسعود قال لمّا نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدّق بشئ كثير فقالوا: مراء، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون: إنّ الله لغنىّ عن صدقة هذا فنزلت:( الّذين يلمزون المطّوّعين من المؤمنين في الصدقات والّذين لا يجدون إلّا جهدهم ) الآية.

أقول: والروايات في سبب نزول الآية كثيرة وأمثلها ما أوردناه، وفي قريب من معناه روايات اُخرى، وظاهرها أنّ الآية مستقلّة عما قبلها مستأنفة في نفسها.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم عن عروة أنّ عبدالله بن اُبىّ قال لأصحابه: لو لا أنّكم تنفقون على محمّـد وأصحابه لانفضّوا من حوله، وهو القائل: ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ فأنزل الله عزّوجلّ:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لأزيدنّ على السبعين فأنزل الله: سواء عليهم أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم.

وفيه أخرج ابن أبى شيبة وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: لمّا نزلت:( إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سأزيد على سبعين فأنزل الله في السورة الّتى يذكر فيها المنافقون( لن يغفر الله لهم ) .

وفيه أخرج ابن جرير عن ابن عبّـاس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: - لما نزلت هذه الآية - أسمع ربّى قد رخّص لى فيهم فو الله لأستغفرنّ أكثر من سبعين مرّة لعلّ الله أن يغفر لهم فقال الله من شدّة غضبه عليهم:( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إنّ الله لا يهدى القوم الفاسقين ) .

أقول: ممّا لا ريب فيه أنّ هذه الآيات ممّا نزلت في أواخر عهد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد


سبقتها في النزول السور المكّيّة عامّة وأكثر السور والآيات المدنيّـة قطعاً، وممّا لا ريب فيه لمن يتدبّر كتاب الله أنّه لا رجاء في نجاة الكفّـار والمنافقين وهم أشدّ منهم إذا ماتوا على كفرهم ونفاقهم، ولا مطمع في شمول المغفرة الإلهيّـة لهم فهناك آيات كثيرة مكّيّة ومدنيّـة صريحة قاطعة في ذلك.

والنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يخفى عليه ما أنزله الله إليه أو أن لا يثق بما وعدهم الله من العذاب المخلّد وعداً حتميّاً فيطمع في نقض القضاء المحتوم بالإصرار عليه تعالى والإلحاح في طلب الغفران لهم.

أو أن يخفى عليه أنّ الترديد في الآية لبيان اللغويّة وأن لا خصوصيّة لعدد السبعين حتّى يطمع في مغفرتهم لو زاد على السبعين.

وليت شعرى ما ذا يزيد قوله تعالى في سورة المنافقون:( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إنّ الله لا يهدى القوم الفاسقين ) على قوله تعالى في هذه الآية( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنّهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدى القوم الفاسقين ) وقد علّل الله سبحانه نفى المغفرة نفياً مؤبّداً فيهما بأنّهم فاسقون والله لا يهدى القوم الفاسقين.

فقد تلخّص أنّ هذه الروايات وما في معناها موضوعة يجب طرحها.

وفي الدرّ المنثور أخرج أحمد والبخاريّ والترمذيّ والنسائيّ وابن أبى حاتم والنحّـاس وابن حبّان وابن مردويه وابو نعيم في الحلية عن ابن عبّـاس قال: سمعت عمر يقول: لما توفّى عبدالله بن اُبىّ دُعى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصلاة عليه فقام عليه فلمّا وقف قلت: أعلى عدوّ الله عبدالله بن اُبىّ القائل كذا وكذا؟ اُعدّد أيّـامه ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتبسّم حتّى إذا أكثرتُ قال: يا عمر أخّر عنّى إنّى قد خيّرت قد قيل لى:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة ) فلو أعلم أنّى إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها.

ثمّ صلّى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومشى معه حتّى قام على قبره حتّى فرغ منه فعجبت لى ولجرأتي على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والله ورسوله أعلم فو الله ما كان إلّا يسيراً حتّى


نزلت هاتان الآيتان:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) فما صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على منافق بعده حتّى قبضه الله عزّوجلّ.

أقول: قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الرواية: (فلو أعلم أنّى إن زدت على السبعين) الخ صريح في أنّه كان آئساً من شمول المغفرة له، وهو يشهد بأنّ المراد من قوله:( إنّى قد خيّرت قد قيل لى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) أنّ الله قد ردّد الأمر ولم ينهه عن الاستغفار لا أنّه خيّره بين الاستغفار وعدمه تخييراً حقيقيّاً حتّى ينتج تأثير الاستغفار في حصول المغفرة أو رجاء ذلك.

ومن ذلك يعلم أنّ استغفارهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعبدالله وصلاته عليه وقيامه على قبره إن ثبت شئ من ذلك لم يكن شئ من ذلك لطلب المغفرة والدعاء له جدّاً كما سيأتي في رواية القمّىّ، وفي الروايات كلام سيأتي.

وفيه عن ابن أبى حاتم عن الشعبىّ أنّ عمر بن الخطّاب قال: لقد اُصبت في الإسلام هفوة ما اُصبت مثلها قطّ أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصلّى على عبدالله بن اُبىّ فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا لقد قال الله:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : قد خيّرنى ربّى فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم فقعد رسول الله على شفير القبر فجعل الناس يقولون لابنه: يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحباب اسم شيطان أنت عبدالله.

وفي تفسير القمّىّ في قوله تعالى:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) الآية أنّها نزلت لمّا رجع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة ومرض عبدالله بن اُبىّ وكان ابنه عبدالله بن عبدالله مؤمناً فجاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوه يجود بنفسه فقال: يا رسول الله بأبى أنت واُمّى إنّك إن لم تأت أبى كان ذلك عاراً علينا فدخل إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمنافقون عنده فقال ابنه عبدالله بن عبدالله استغفر له فاستغفر له.

فقال عمر: ألم ينهك الله يا رسول الله أن تصلّى على أحد أو تستغفر له؟ فأعرض عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأعاد عليه فقال له: ويلك إنّى قد خيّرت فاخترت إنّ الله يقول:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) .


فلمّا مات عبدالله جاء ابنه إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: بأبى أنت واُمّى يا رسول الله إن رأيت أن تحضر جنازته فحضر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقام على قبره فقال له عمر: يا رسول الله ألم ينهك الله أن تصلّى على أحد منهم مات أبداً و أن تقيم على قبره؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ويلك وهل تدرى ما قلت؟ إنّما قلت: اللّهمّ احش قبره ناراً وجوفه ناراً وأصله النار فبدا من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما لم يكن يحبّ.

أقول: وفي الروايات تتمّة كلام سيوافيك في ذيل الآيات التالية.


( سورة التوبة آيه ٨١ - ٩٦)  

فَرِحَ الْمُخَلّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُوا لاَتَنْفِرُوا فِي الْحَرّ قُلْ نَارُ جَهَنّمَ أَشَدّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ( ٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( ٨٢) فَإِن رَجَعَكَ اللّهُ إِلَى‏ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنّكُم رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوّلَ مَرّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ( ٨٣) وَلاَ تُصَلّ عَلَى‏ أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَتَقُمْ عَلَى‏ قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ( ٨٤) وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنّما يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذّبَهُم بِهَا فِي الْدّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ( ٨٥) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَعَ الْقَاعِدِينَ( ٨٦) رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَيَفْقَهُونَ( ٨٧) لكِنِ الْرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ( ٨٨) أَعَدّ اللّهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( ٨٩) وَجَاءَ الْمُعَذّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الّذِينَ كَذَبُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( ٩٠) لَيْسَ عَلَى الضّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى‏ وَلاَ عَلَى الّذِينَ لاَيَجِدُونَ مَايُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للّهِ‏ِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( ٩١) وَلاَ عَلَى الّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَأَجِدُ مَاأَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلّوا وَأَعْيُنُهُمْ


تَفِيضُ مِنَ الدّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ( ٩٢) إِنّمَا السّبِيلُ عَلَى الّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَيَعْلَمُونَ( ٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَتَعْتَذِرُوا لَن نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمّ تُرَدّونَ إِلَى‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( ٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ جَزَاءَ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( ٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنّ اللّهَ لاَيَرْضَى‏ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ( ٩٦)

( بيان)

الآيات تقبل الاتّصال بالآيات الّتى قبلها وهى تعقّب غرضاً يعقّبه ما تقدّمها.

قوله تعالى: ( فرح المخلّفون بمقعدهم خلاف رسول الله ) الآية الفرح والسرور خلاف الغمّ وهما حالتان نفسيّتان وجدانيّتان ملذّة ومؤلمة، والمخلّفون اسم مفعول من قولهم خلّفه إذا تركه بعده والمقعد كالقعود مصدر قعد يقعد وهو كناية عن عدم الخروج إلى الجهاد.

والخلاف كالمخالفة مصدر خالف يخالف، وربّما جاء بمعنى بعد كما قيل ولعلّ منه قوله:( وإذا لا يلبثون خلافك إلّا قليلاً ) وكان قياس الكلام أن يقال:( خلافك ) لأنّ الخطاب فيه للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما قيل:( خلاف رسول الله ) للدلالة على أنّهم إنّما يفرحون على مخالفة الله العظيم فما على الرسول إلّا البلاغ.

والمعنى فرح المنافقون الّذين تركتهم بعدك بعدم خروجهم معك خلافاً لك - أو بعدك - وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.


وقوله تعالى:( وقالوا لا تنفروا في الحرّ ) خاطبوا بذلك غيرهم ليخذلوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويبطلوا مسعاه في تنفير الناس إلى الغزوة، ولذلك أمره الله تعالى أن يجيب عن قولهم ذلك بقوله:( قل نار جهنّم أشدّ حرّاً ) أي إنّ الفرار عن الحرّ بالقعود إن أنجاكم منه لم ينجكم ممّا هو أشدّ منه وهو نار جهنّم الّتى هي أشدّ حرّاً فإنّ الفرار عن هذا الهيّن يوقعكم في ذاك الشديد. ثمّ أفاد بقوله:( لو كانوا يفقهون ) المصدّر بلو التمنّى اليأس من فقههم وفهمهم.

قوله تعالى: ( فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون ) تفريع على تخلّفهم عن الجهاد بالأموال والأنفس وفرحهم با لقعود عن هذه الفريضة الإلهيّـة الفطريّة الّتى لا سعادة للإنسان في حياته دونها.

وقوله:( جزاء بما كانوا يكسبون ) والباء للمقابلة أو السببيّـة دليل على أنّ المراد بالضحك القليل هو الّذى في الدنيا فرحاً بالتخلّف والقعود ونحو ذلك، وبالبكاء الكثير ما كان في الآخرة في نار جهنّم الّتى هي أشدّ حرّاً فإنّ الّذى فرّع عليه الضحك والبكاء هو ما في الآية السابقة، وهو فرحهم بالتخلّف وخروجهم من حرّ الهواء إلى حرّ نار جهنّم.

فالمعنى: فمن الواجب بالنظر إلى ما عملوه واكتبسوه أن يضحكوا ويفرحوا قليلاً في الدنيا وأن يبكوا ويحزنوا كثيراً في الآخرة فالأمر بالضحك والبكاء للدلالة على إيجاب السبب وهو ما كسبوه من الأعمال لذلك.

وأمّا حمل الأمر في قوله:( فليضحكوا ) وقوله:( وليبكوا ) على الأمر المولويّ لينتج تكليفاً من التكاليف الشرعيّـة فلا يناسبه قوله:( جزاء بما كانوا يكسبون ) .

ويمكن أن يكون المراد الأمر بالضحك القليل والبكاء الكثير معاً ما هو في الدنيا جزاء لسابق أعمالهم فإنّها هدتهم إلى راحة وهميّة في أيّـام قلائل وهى أيّـام قعودهم خلاف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ إلى هوان وذلّة عند الله ورسوله والمؤمنين ما داموا أحياء في الدنيا ثمّ إلى شديد حرّ النار في الآخرة بعد موتهم.

قوله تعالى: ( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج ) إلى آخر


الآية المراد بالقعود أوّل مرّة التخلّف عن الخروج في أوّل مرّة كان عليهم أن يخرجوا فيها فلم يخرجوا، ولعلّها غزوة تبوك كما يهدى إليه السياق.

والمراد بالخالفين المتخلّفون بحسب الطبع كالنساء والصبيان والمرضى والزمنى وقيل: المتخلّفون من غير عذر، وقيل: الخالفون هم أهل الفساد، والباقى واضح.

وفي قوله:( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ) الآية دلالة على أنّ هذه الآية وما في سياقها المتّصل من الآيات السابقة اللاحقة نزلت ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفره ولمّا يرجع إلى المدينة، وهو سفره إلى تبوك.

قوله تعالى: ( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنّهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون ) نهى عن الصلاة لمن مات من المنافقين والقيام على قبره وقد علّل النهى بأنّهم كفروا وفسقوا وماتوا على فسقهم، وقد علّل لغويّة الاستغفار لهم في قوله تعالى: السابق:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) آية ٨٠ من السورة، وكذا في قوله( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إنّ الله لا يهدى القوم الفاسقين ) المنافقون: ٦ بالكفر والفسق أيضاً.

ويتحصّل من الجميع أنّ من فقد الإيمان بالله باستيلاء الكفر على قلبه وإحاطته به فلا سبيل له إلى النجاة يهتدى به، وأنّ الآيات الثلاث جميعاً تكشف عن لغويّة الاستغفار للمنافقين والصلاة على موتاهم والقيام على قبورهم للدعاء لهم.

وفي الآية إشارة إلى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يصلّى على موتى المسلمين ويقوم على قبورهم للدعاء.

قوله تعالى: ( ولا تعجّبك أموالهم وأولادهم ) الآية تقدّم بعض ما يتعلّق بالآية من الكلام في الآية ٥٥ من السورة.

قوله تعالى: ( وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ) إلى آخر الآيتين. الطول القدرة والنعمة، والخوالف هم الخالفون والكلام فيه كالكلام فيه، والباقى ظاهر.


قوله تعالى: ( لكن الرسول والّذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) لمّا ذمّ المنافقين في الآيتين السابقتين بالرضا بالقعود مع الخوالف والطبع على قلوبهم استدرك بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والّذين آمنوا معه - والمراد بهم المؤمنون حقّاً الّذين خلصت قلوبهم من رين النفاق بدليل المقابلة مع المنافقين - ليمدحهم بالجهاد بأموالهم وأنفسهم أي أنّهم لم يرضوا بالقعود ولم يطبع على قلوبهم بل نالوا سعادة الحياة والنور الإلهىّ الّذى يهتدون به في مشيهم كما قال تعالى:( أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به في الناس ) الانعام: ١٢٢.

ولذلك عقّب الكلام بقوله:( واُولئك لهم الخيرات اُولئك هم المفلحون ) فلهم جميع الخيرات - على ما يقتضيه الجمع المحلّى باللام - من الحياة الطيّـبة ونور الهدى والشهادة وسائر ما يتقرّب به إلى الله سبحانه، وهم المفلحون الفائزون بالسعادة.

قوله تعالى: ( أعد الله لهم جنّات تجرى ) الآية الإعداد هو التهيئة وقد عبّر بالإعداد دون الوعد لأنّ الاُمور بخواتيمها وعواقبها فلو كان وعداُ وهو وعد لجميع من آمن معه لكان قضاءً حتميّاً واجب الوفاء سواء بقى الموعودون على صفاء إيمانهم وصلاح أعمالهم أو غيّروا والله لا يخلف الميعاد.

والاُصول القرآنيّـة لا تساعد على ذلك، ولا الفطرة السليمة ترضى أن ينسب إلى الله سبحانه أن يطبع بطابع المغفرة والجنّـة الحتميّة على أحد لعمل عمله من الصالحات ثمّ يخلّى بينه وبين ما شاء وأراد.

ولذلك نجده سبحانه إذا وعد وعداً علّقه على عنوان من العناوين العامّة كالإيمان والعمل الصالح يدور معه الوعد الجميل من غير أن يخصّ به أشخاصاً بأعيانهم فيفيد التناقض بالجمع بين التكليف والتأمين كما قال تعالى:( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنّات ) الآية ٧٢ من السورة، وقال تعالى:( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّـار رحماء بينهم - إلى أن قال -وعد الله الّذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ) الفتح: ٢٩.

قوله تعالى: ( وجاء المعذّرون من الأعراب ليؤذن لهم ) الآية. الظاهر أنّ


المراد بالمعذّرين هم أهل العذر كالّذى لا يجد نفقه ولا سلاحاً بدليل قوله:( وقعد الّذين كذبوا ) الآية، والسياق يدلّ على أنّ في الكلام قياساً لإحدى الطائفتين إلى الاُخرى ليظهر به لؤم المنافقين وخسّتهم وفساد قلوبهم وشقاء نفوسهم، حيث إنّ فريضة الجهاد الدينيّـة والنصرة لله ورسوله هيّج لذلك المعذّرين من الأعراب وجاؤوا إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستأذنونه، ولم يؤثّر في هؤلاء الكاذبين شيئاً.

قوله تعالى: ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الّذين لا يجدون ما ينفقون حرج ) المراد بالضعفاء بدلالة سياق الآية: الّذين لا قوّة لهم على الجهاد بحسب الطبع كالزمني كما أنّ المرضى لا قوّة لهم عليه بحسب عارض مزاجيّ، والّذين لا يجدون ما ينفقون لا قوّة لهم عليه من جهة فقد المال ونحوه.

فهؤلاء مرفوع عنهم الحرج والمشقّة أي الحكم بالوجوب الّذى لو وضع كان حكماً حرجيّاً، وكذا ما يستتبعه الحكم من الذمّ والعقاب على تقرير المخالفة.

وقد قيّد الله تعالى رفع الحرج عنهم بقوله:( إذا نصحوا لله ورسوله ) وهو ناظر إلى الذمّ العقاب على المخالفة والقعود فإنّما يرفع الذمّ والعقاب عن هؤلاء المعذورين إذا نصحوا لله ورسوله، وأخلصوا من الغشّ والخيانة ولم يجروا في قعودهم على ما يجرى عليه المنافقون المتخلّفون من تقليب الاُمور وإفساد القلوب في مجتمع المؤمنين، وإلّا فيجرى عليهم ما يجرى على المنافقين من الذمّ والعقاب.

وقوله:( ما على المحسنين من سبيل ) في مقام التعليل لنفى الحرج عن الطوائف المذكورين بشرط أن ينصحوا لله ورسوله أي لأنّهم يكونون حينئذ محسنين وما على المحسنين من سبيل فلا سبيل يتسلّط عليهم يؤتون منه فيصابون بما يكرهونه.

ففى السبيل كناية عن كونهم في مأمن ممّا يصيبهم من مكروه كأنّهم في حصن حصين لا طريق إلى داخله يسلكه الشرّ إليهم فيصيبهم، والجملة عامّة بحسب المعنى وإن كان مورد التطبيق خاصّاً .

قوله تعالى: ( ولا على الّذين إذا ما أتوك لتحمّلهم قلت ) الآية قال في المجمع: الحمل إعطاء المركوب من فرس أو بعير أو غير ذلك تقول: حمله يحمله حملاً إذا أعطاه


ما يحمل عليه قال:

ألا فتى عنده خفّان يحملنى

عليهما إنّنى شيخ على سفر

قال: والفيض الجرى عن امتلاء من قولهم: فاض الإناء بما فيه، والحزن ألم في القلب لفوت أمر مأخوذ من حزن الأرض وهى الأرض الغليظة المسلك. انتهى.

وقوله:( ولا على الّذين ) الآية. موصول صلته قوله:( تولّوا ) الآية، وقوله:( إذا ما أتوك لتحملهم ) كالشرك والجزاء والمجموع ظرف لقوله:( تولّوا ) وحزناً مفعول له،( وأن لا يجدوا ) منصوب بنزع الخافض.

والمعنى: ولا حرج على الفقراء الّذين إذا ما أتوك لتعطيهم مركوباً يركبونه وتصلح سائر ما يحتاجون إليه من السلاح وغيره قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا والحال أنّ أعينهم تمتلئ وتسكب دموعاً للحزن من أن لا يجدوا - أو لأن لا يجدوا - ما ينفقونه في سبيل الله للجهاد مع أعدائه.

وعطف هذا الصنف على ما تقدّمه من عطف الخاصّ على العامّ عناية بهم لأنّهم في أعلى درجة من النصح وإحسانهم ظاهر.

قوله تعالى: ( إنّما السبيل على الّذين يستأذنوك وهم أغنياء ) الآية، القصر للإفراد والمعنى ظاهر.

قوله تعالى: ( يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ) إلى آخر الآية. خطاب الجمع للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمؤمنين جميعاً، وقوله:( لن نؤمن لكم ) أي لن نصدّقكم على ما تعتذرون به بناء على تعدية الإيمان باللام كالباء - أو لن نصدّق تصديقاً ينفعكم - بناء على كون اللام للنفع - والجملة تعليل لقوله:( لا تعتذروا ) كما أنّ قوله:( قد نبّأنا الله من أخباركم ) تعليل لهذه الجملة.

والمعنى يعتذر المنافقون إليكم عند رجوعكم من الغزوة إليهم قل يا محمّـد لهم: لا تعتذروا إلينا لأنّا لن نصدّقكم فيما تعتذرون به لأنّ الله قد أخبرنا ببعض أخباركم ممّا يظهر به نفاقكم وكذبكم فيما تعتذرون به، وسيظهر عملكم ظهور شهود لله ورسوله ثمّ تردّون إلى الله الّذى يعلم الغيب والشهادة يوم القيامة فيخبركم بحقائق أعمالكم.


وفي قوله:( وسيرى الله عملكم ورسوله ) الخ في إيضاحه كلام سيمرّ بك عن قريب.

قوله تعالى: ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم ) الآية أي لتعرضوا عنهم فلا تتعرّضوا لهم بالعتاب والتقريع وما يتعقّب ذلك فأعرضوا عنهم لا تصديقاً لهم فيما يحلفون له من الأعذار بل لأنّهم رجس ينبغى أن لا يقترب منهم ومأواهم جهنّم جزاء بما كانوا يكسبون.

قوله تعالى: ( يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) أي هذا الحلف منهم كما كان للتوسّل إلى صرفكم عنهم ليأمنوا الذمّ والتقريع كذلك هو للتوسّل إلى رضاكم عنهم أمّا الإعراض فافعلوه لأنّهم رجس لا ينبغى لنزاهة الإيمان وطهارته أن تتعرّض لرجس النفاق والكذب وقذارة الكفر والفسق، وأمّا الرضى فاعلموا أنّكم إن ترضوا عنهم فإنّ الله لا يرضى عنهم لفسقهم والله لا يرضى عن القوم الفاسقين.

فالمراد أنّكم إن رضيتم عنهم فقد رضيتم عمّن لم يرض الله عنه أي رضيتم بخلاف رضى الله، ولا ينبغى لمؤمن أن يرضى عمّا يسخط ربّه فهو أبلغ كناية عن النهى عن الرضا عن المنافقين.

( بحث روائي)

في الدرّ المنثور في قوله تعالى:( فرح المخلفون ) الآية أخرج ابن أبى حاتم عن جعفر بن محمّـد عن أبيه -عليهما‌السلام - قال: كانت غزوة تبوك آخر غزوة غزاها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهى غزوة الحرّ( قالوا لا تنفروا في الحرّ ) وهى غزوة العسرة.

وفيه أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وابن مردويه عن ابن عبّـاس ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر الناس أن ينبعثوا معه وذلك في الصيف فقال رجال: يا رسول الله إنّ الحرّ شديد ولا نستطيع الخروج فلا تنفروا في الحرّ فقال الله( قل نار جهنّم أشدّ حرّاً لو كانوا يفقهون ) فأمره بالخروج.


أقول: ظاهر الآية أنّهم إنّما قالوه ليخذلوا الناس عن الخروج، وظاهر الحديث أنّهم إنّما قالوه إشارة فلا يتطابقان.

وفيه أخرج ابن جرير عن محمّـد بن كعب القرظىّ وغيره قالوا: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حرّ شديد إلى تبوك فقال رجل من بنى سلمة: لا تنفروا في الحرّ فأنزل الله:( قل نار جهنّم أشدّ حرّاً ) الآية.

أقول: تقدّمت أخبار في قوله تعالى:( ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتنّي ) الآية أنّ القائل لقوله:( لا تنفروا في الحرّ ) هو جدّ بن قيس.

وفي الدرّ المنثور أيضاً في قوله تعالى:( ولا تصلّ على أحد منهم ) الآية أخرج البخاريّ ومسلم وابن أبى حاتم وابن المنذر وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل عن ابن عمر قال: لمّا توفّى عبدالله بن اُبىّ بن سلول أتى ابنه عبدالله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسأله أن يعطيه قميصه ليكفنّه فيه فأعطاه ثمّ سأله أن يصلّى عليه فقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فقام عمر بن الخطّاب فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلّى عليه وقد نهاك الله أن تصلّى على المنافقين؟ فقال: إنّ ربّى خيّرنى وقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم، وسأزيد على السبعين فقال: إنّه منافق فصلّى عليه فأنزل الله تعالى:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) فترك الصلاة عليهم.

أقول: وفي هذا المعنى روايات اُخرى رواها أصحاب الجوامع ورواة الحديث عن عمر بن الخطّاب وجابر وقتادة، وفي بعضها أنّه كفّنه في قميصه ونفث في جلده ونزل في قبره.

وفيه أخرج أحمد والبخاريّ والترمذيّ والنسائيّ وابن أبى حاتم والنحّـاس وابن حبّان وابن مردويه وابو نعيم في الحلية عن ابن عبّـاس قال: سمعت عمر يقول: لمّا توفّى عبدالله بن اُبىّ دعى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصلاة عليه فقام عليه فلمّا وقف قلت: أتصلّى على عدوّ الله عبدالله بن اُبىّ القائل كذا وكذا والقائل كذا وكذا - اُعدّد أيّـامه - ورسول


الله يتبسّم حتّى إذا أكثرت قال: يا عمر أخّر عنّى إنّى قد خيّرت قد قيل لى: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة، فلو أعلم أنّى إن زدت على السبعين غفر له لزدت عليها ثمّ صلّى عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومشى معه حتّى قام على قبره حتّى فرغ منه.

فعجبت لى ولجرأتي على رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم)، والله ورسوله أعلم فو الله ما كان إلّا يسيراً حتّى نزلت هاتان الآيتان:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) فما صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على منافق بعده حتّى قبضه الله عزّوجلّ.

وفيه أخرج ابن أبى حاتم عن الشعبىّ أنّ عمر بن الخطّاب قال: لقد اُصبت في الإسلام هفوة ما اُصبت مثلها قطّ أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يصلّى على عبدالله بن اُبىّ فأخذت بثوبه فقلت: والله ما أمرك الله بهذا. لقد قال الله:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) فقال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): قد خيّرنى ربّى فقال( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) .

فقعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على شفير القبر فجعل الناس يقولون لابنه، يا حباب افعل كذا يا حباب افعل كذا فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحباب اسم شيطان أنت عبدالله.

وفيه أخرج الطبرانيّ وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل عن ابن عبّـاس ان ابن عبدالله بن اُبىّ قال له أبوه: اطلب لى ثوباً من ثياب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكفّنّي فيه ومره أن يصلّى علىّ قال: فأتاه فقال: يا رسول الله قد عرفت شرف عبدالله وهو يطلب إليك ثوباً من ثيابك نكفّنه فيه وتصلّى عليه.

فقال عمر: يا رسول الله قد عرفت عبدالله ونفاقه أتصلّى عليه وقد نهاك الله أن تصلّى عليه؟ فقال: وأين؟ فقال:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) قال: فإنّى سأزيد على سبعين فأنزل الله:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره ) الآية قال: فأرسل إلى عمر فأخبره بذلك، وإنزل الله:( سواء عليهم


استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) .

أقول: وقد ورد استغفار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لعبدالله بن اُبىّ وصلاته عليه في بعض المراسيل من روايات الشيعة أيضاً أوردها العيّـاشيّ والقمّىّ في تفسيريهما، وقد تقدّم خبر القمّىّ.

وهذه الروايات على ما فيها من بعض التناقض والتدافع واشتمالها على التعارض فيما بينها يدفعها الآيات الكريمة دفعاً بيّناً لا مرية فيه:

أمّا أوّلاً فلظهور قوله تعالى:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم ) ظهوراً بيّنا في أنّ المراد بالآية بيان لغويّة الإستغفار للمنافقين دون التخيير، وأنّ العدد جيئ به لمبالغة الكثرة لا لخصوصيّة في السبعين بحيث ترجى المغفرة مع الزائد على السبعين.

والنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أجلّ من أن يجهل هذه الدلالة فيحمل الآية على التخيير ثمّ يقول سأزيد على سبعين ثمّ يذكره غيره بمعنى الآية فيصرّ على جهله حتّى ينهاه الله عن الصلاة وغيرها بآية اُخرى ينزّلها عليه.

على أنّ جميع هذه الآيات المتعرّضة للاستغفار للمنافقين والصلاة عليهم كقوله:( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) وقوله:( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) وقوله:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ) تعلّل النهى واللغويّة بكفرهم وفسقهم، حتّى قوله تعالى في النهى عن الاستغفار للمشركين:( ما كان للنبىّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اُولى قربى من بعد ما تبيّن لهم أنّهم أصحاب الجحيم ) آية: ١١٣ من السورة ينهى عن الاستغفار معلّلاً ذلك بالكفر وخلود النار، وكيف يتصوّر مع ذلك جواز الاستغفار لهم والصلاة عليهم؟

وثانياً: أنّ سياق الآيات الّتى منها قوله:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ) الآية صريح في أنّ هذه الآية إنّما نزلت والنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سفره إلى تبوك ولمّا يرجع إلى المدينة، وذاك في سنة ثمان، وقد وقع موت عبدالله بن اُبىّ بالمدينة سنة تسع من الهجرة كلّ ذلك مسلّم من طريق النقل.


فما معنى قوله في هذه الروايات: إنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى على عبدالله وقام على قبره ثمّ أنزل الله عليه:( ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً ) الآية؟

وأعجب منه ما وقع في بعض الروايات السابقة أنّ عمر قال للنبىّ (صلّى الله عليه و آله و سلّم): أتصلّى عليه وقد نهاك عن الصلاة للمنافقين فقال: إنّ ربّى خيّرنى ثمّ أنزل الله:( ولا تصلّ على أحد منهم ) الآية.

وأعجب منه ما في الرواية الأخيرة من نزول قوله:( سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) الآية، والآية من سورة المنافقون وقد نزلت بعد غزاة بنى المصطلق وكانت في سنة خمس وعبدالله بن اُبىّ حىّ عندئذ وقد حكى في السورة قوله: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ.

وقد اشتمل بعض هذه الروايات وتعلّق به بعض من انتصر لها على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إنّما استغفر وصلّى على عبدالله ليستميل قلوب رجال منافقين من الخزرج إلى الإسلام، وكيف يستقيم ذلك؟ وكيف يصحّ أن يخالف النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم النصّ الصريح من الآيات استمالة لقلوب المنافقين ومداهنة معهم؟ وقد هدّده الله على ذلك بأبلغ التهديد في مثل قوله:( إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف المماة ) الآية أسرى: ٧٥. فالوجه أنّ هذه الروايات موضوعة يجب طرحها بمخالفة الكتاب.

وفي الدرّ المنثور في قوله:( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) الآية أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبى وقّـاص أنّ علىّ بن أبى طالب خرج مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى جاء ثنيّة الوداع يريد تبوك، وعلىّ يبكى ويقول: تخلّفنى مع الخوالف؟ فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا ترضى أن تكون منّى بمنزلة هارون من موسى إلّا النبوّة.

أقول: والرواية مرويّة بطرق كثيرة من طرق الفريقين.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن جابر عن أبى جعفرعليه‌السلام في قوله:( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ) قال: مع النساء.

وفي الدرّ المنثور أخرج عبد الرزّاق في المصنف وابن أبى شيبة وأحمد والبخاريّ وأبوالشيخ وابن مردويه عن أنس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا قفل من غزوة تبوك


فأشرف على المدينة قال: لقد تركتم بالمدينة رجالاً ما سرتم في مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلّا كانوا معكم فيه. قالوا: يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر.

وفي المجمع في قوله تعالى:( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ) الآيتين قيل: إنّ الآية الاُولى نزلت في عبدالله بن زائدة وهو ابن اُمّ مكتوم وكان ضرير البصر جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: يا نبىّ الله إنّى شيخ ضرير خفيف الحال نحيف الجسم وليس لى قائد فهل لى رخصة في التخلّف عن الجهاد؟ فسكت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأنزل الله الآية. عن الضحّاك، وقيل: نزلت في عائذ بن عمرو وأصحابه. عن قتادة.

والآية الثانية نزلت في البكّائين وهم سبعة نفر منهم: عبد الرحمن بن كعب وعلبة بن زيد و عمرو بن ثعلبة بن غنمة وهؤلاء من بنى النجّار، وسالم بن عمير وهرمىّ بن عبدالله وعبدالله بن عمرو بن عوف [ أ ] وعبدالله بن مغفّل من مزينة جاؤوا إلى رسول الله فقالوا يا رسول الله احملنا فإنّه ليس لنا ما نخرج عليه فقال: لا أجد ما أحملكم عليه عن أبى حمزة الثمالىّ.

وقيل: نزلت في سبعة من قبائل شتّى أتوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا له: احملنا على الخفاف والنعال. عن محمّـد بن كعب وابن إسحاق.

وقيل: كانوا جماعة من مزينة. عن مجاهد، وقيل: كانوا سبعة من فقراء الأنصار فلمّا بكوا حمل عثمان منهم رجلين، والعبّـاس بن عبدالمطّلب رجلين، ويامين ابن كعب النضرىّ ثلاثة عن الواقديّ قال: وكان الناس بتبوك مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثين ألفاً منهم عشرة آلاف فارس.

أقول: والروايات في أسماء البكّائين مختلفة اختلافاً شديداً.

وفي تفسير القمّىّ قال: قال: وإنّما سأل هؤلاء البكّاؤن نعلاً يلبسونها.

وفي المعاني بإسناده عن ثعلبة عن بعض أصحابنا عن أبى عبداللهعليه‌السلام في قول الله عزّوجلّ:( عالم الغيب والشهادة ) فقال: الغيب ما لم يكن والشهادة ما قد كان.

أقول: وهو من باب إراءة بعض المصاديق واللّفظ أعمّ.


وفي تفسير القمّىّ قال: ولمّا قدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك كان أصحابه المؤمنون يتعرّضون المنافقين ويؤذونهم فأنزل الله:( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم ) إلى آخر الآيتين.

وفي المجمع قيل: نزلت الآيات في جدّ بن قيس ومعتّب بن قشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلاً، ولمّا قدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة راجعاً عن تبوك قال: لا تجالسوهم ولا تكلّموهم. عن ابن عبّـاس.


( سورة التوبة آيه ٩٧ - ١٠٦)  

الْأَعْرَابُ أَشَدّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَاأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى‏ رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ٩٧ ) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتّخِذُ مَايُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبّصُ بِكُمُ الدّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوءِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ٩٨ ) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتّخِذُ مَايُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرّسُولِ أَلاَ إِنّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ٩٩ ) وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالّذِينَ اتّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدَاً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١٠٠ ) وَمِمّنْ حَوْلَكُم مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النّفَاقِ لاَتَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذّبُهُم مَرّتَيْنِ ثُمّ يُرَدّونَ إِلَى‏ عَذَابٍ عَظِيمٍ ( ١٠١ ) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيّئاً عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( ١٠٢ ) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( ١٠٣ ) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الْصّدَقَاتِ وَأَنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ( ١٠٤ ) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدّونَ إِلَى‏ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( ١٠٥ ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١٠٦ )


( بيان)

الكلام جار على الغرض السابق يبيّن به حال الأعراب في كفرهم ونفاقهم وإيمانهم وفي خلال الآيات آية الصدقة.

قوله تعالى: ( الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله ) الآية، قال الراغب في المفردات: العرب ولد إسماعيل، والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسماً لسكّان البادية:( قالت الأعراب آمنّا. والأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً. ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ) ، وقيل في جمع الأعراب أعاريب، قال الشاعر:

أعاريب ذوو فخر بإفك

وألسنة لطاف في المقال

والأعرابيّ في التعارف صار اسماً للمنسوب إلى سكّان البادية، والعربيّ المفصح والإعراب البيان، انتهى موضع الحاجة. يبيّن تعالى حال سكّان البادية وأنّهم أشدّ كفراً ونفاقاً لأنّهم لبعدهم عن المدنيّـة والحضارة، وحرمانهم من بركات الإنسانيّـة من العلم والأدب أقسى وأجفى، فهم أجدر وأحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله من المعارف الأصليّة والأحكام الشرعيّـة من فرائض وسنن وحلال وحرام.

قوله تعالى: ( ومن الأعراب من يتّخذ ما ينفق مغرماً ويتربّص بكم الدوائر ) الآية، قال في المجمع: المعرم الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير خيانة، وأصله لزوم الأمر، ومنه قوله: إنّ عذابها كان غراماً، وحبّ غرام أي لازم، والغريم يقال لكلّ واحد من المتداينين للزوم أحدهما الآخر وغرمته كذا أي ألزمتة إيّاه في ماله، انتهى.

والدائرة الحادثة وتغلب في الحوادث السوء كأنّ الحوادث السوء تدور بين الناس فتنزل كلّ يوم بقوم فتربّص الدوائر بالمؤمنين انتظار نزول الحوادث السوء عليهم للتخلّص من سلطتهم والرجوع إلى رسوم الشرك والضلال.

وقوله:( يتّخذ ما ينفق مغرماً ) أي يفرض الإنفاق غرماً أو المال الّذى ينفقه


مغرماً - على أن يكون ما مصدريّة أو موصولة - والمراد الإنفاق في الجهاد أو أيّ سبيل من سبل الخير على ما قيل، ويمكن أن يكون المراد الإنفاق في خصوص الصدقات ليكون الكلام كالتوطئة لما سيجئ بعد عدّة آيات من حكم أخذ الصدقة من أموالهم، ويؤيّده ما في الآية التالية من قوله:( ويتّخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ) فإنّه كالتوطئة لقوله في آية الصدقة:( وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم ) .

فمعنى الآية: ومن سكّان البادية من يفرض الإنفاق في سبيل الخير أو في خصوص الصدقات غرماً وخسارة وينتظر نزول الحوادث السيّـئة بكم، عليهم دائرة السوء - قضاء منه تعالى أو دعاء عليهم - والله سميع للأقوال عليم بالقلوب.

قوله تعالى: ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتّخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ) الخ، الظاهر أنّ قوله:( صلوات الرسول ) عطف على قوله:( ما ينفق ) وأنّ الضمير في قوله:( ألا إنّها قربة ) عائد إلى ما ينفق وصلوات الرسول.

ومعنى الآية: ومن الأعراب من يؤمن بالله فيوحّده من غير شرك ويؤمن باليوم الآخر فيصدّق الحساب الجزاء ويتّخذ إنفاق المال لله وما يتبعه من صلوات الرسول ودعواته بالخير والبركة، كلّ ذلك قربات عند الله وتقرّبات منه إليه ألا إنّ هذا الإنفاق وصلوات الرسول قربة لهم، والله يعدهم بأنّه سيدخلهم في رحمته لأنّه غفور للذنوب رحيم بالمؤمنين به والمطيعين له.

قوله تعالى: ( والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان ) الخ القراءة المشهورة( والأنصار ) بالكسر عطفاً على( المهاجرين ) والتقدير: السابقون الأوّلون من المهاجرين والسابقون الأوّلون من الأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان، وقرء يعقوب: والأنصار بالرفع فالمراد به جميع الأنصار دون السابقين الأولين منهم فحسب.

وقد اختلفت الكلمة في المراد بالسابقين الأوّلين فقيل: المراد بهم من صلّى إلى القبلتين، وقيل: من بايع بيعة الرضوان وهى بيعة الحديبية، وقيل: هم أهل بدر خاصّـة،


وقيل: هم الّذين أسلموا قبل الهجرة، وهذه جميعاً وجوه لم يوردوا لها دليلاً من جهة اللفظ.

والّذى يمكن أن يؤيّده لفظ الآية بعض التأييد هو أنّ بيان الموضوع - السابقون الأوّلون - بالوصف بعد الوصف من غير ذكر أعيان القوم وأشخاصهم يشعر بأنّ الهجرة والنصرة هما الجهتان اللّتان روعى فيهما السبق والأوّليّة.

ثمّ الّذى عطف عليهم من قوله:( والّذين اتّبعوهم بإحسان ) ، يذكر قوماً ينعتهم بالاتّباع ويقيّده بأن يكون بإحسان والّذى يناسب وصف الاتّباع أن يترتّب عليه هو وصف السبق دون الأوّليّة فلا يقال: أوّل وتابع وإنّما يقال: سابق وتابع، وتصديق ذلك قوله تعالى:( للفقراء المهاجرين الّذين اُخرجوا من ديارهم وأموالهم - إلى أن قال -والّذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلهم - إلى أن قال -والّذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ) الآيات الحشر: ١٠.

فالمراد بالسابقين هم السابقون إلى الإيمان من بين المسلمين من لدن طلوع الإسلام إلى يوم القيامة.

ولكون السبق ويقابله اللحوق والاتّباع من الاُمور النسبيّـة، ولازمه كون مسلمى كلّ عصر سابقين في الإيمان بالقياس إلى مسلمى ما بعد عصرهم كما أنّهم لاحقون بالنسبة إلى من قبلهم قيّد( السابقون ) بقوله:( الأوّلون ) ليدلّ على كون المراد بالسابقين هم الطبقة الاُولى منهم.

وإذ ذكر الله سبحانه ثالث الأصناف الثلاثة بقوله:( والّذين اتّبعوهم بإحسان ) ولم يقيّده بتابعي عصر دون عصر ولا وصفهم بتقدّم وأوّليّة ونحوهما وكان شاملاً لجميع من يتّبع السابقين الأوّلين كان لازم ذلك أن يصنّف المؤمنون غير المنافقين من يوم البعثة إلى يوم البعث في الآية ثلاثة أصناف: السابقون الأوّلون من المهاجرين، و السابقون الأوّلون من الأنصار، والّذين اتّبعوهم بإحسان، والصنفان الأوّلان فاقدان لوصف التبعيّة وإنّما هما إمامان متبوعان لغيرهما والصنف الثالث ليس متبوعاً إلّا بالقياس.

وهذا نعم الشاهد على أنّ المراد بالسابقين الأوّلين هم الّذين أسّسوا أساس الدين


ورفعوا قواعده قبل أن يشيد بنيانه ويهتزّ راياته صنف منهم بالإيمان واللحوق بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والصبر على الفتنة والتعذيب، والخروج من ديارهم وأموالهم بالهجرة إلى الحبشة والمدينة، وصنف بالإيمان ونصرة الرسول وإيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين والدفاع عن الدين قبل وقوع الوقائع.

وهذا ينطبق على من آمن بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر الّتى منها ابتدء ظهور الإسلام على الكفر أو آمن بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآواه وتهيّأ لنصرته عند ما هاجر إلى المدينة.

ثمّ إنّ قوله:( والّذين اتّبعوهم بإحسان ) قيّد فيه اتّباعهم بإحسان ولم يرد الاتّباع في الاحسان بأن يكون المتبوعون محسنين ثمّ يتبعهم التابعون في إحسانهم ويقتدوا بهم فيه - على أن يكون الباء بمعنى في - ولم يرد الاتّباع بواسطة الإحسان - على أن يكون الباء للسببيّـة أو الآليّة - بل جئ بالإحسان منكّراً، والأنسب له كون الباء بمعنى المصاحبة فالمراد أن يكون الاتّباع مقارناً لنوع مّا من الإحسان مصاحباً له، وبعبارة اُخرى يكون الإحسان وصفاً للاتّباع.

وإنّا نجده تعالى في كتابه لا يذمّ من الاتّباع إلّا ما كان عن جهل وهوى كاتّباع المشركين آباءهم، واتّباع أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم وأسلافهم عن هوى واتّباع الهوى واتّباع الشيطان فمن اتّبع شيئاً من هؤلاء فقد أساء في الاتّباع ومن اتّبع الحقّ لا لهوى متعلّق بالأشخاص وغيرهم فقد أحسن في الاتّباع، قال تعالى:( الّذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه اُولئك الّذين هداهم الله ) الزمر: ١٨ ومن الإحسان في الاتّباع كمال مطابقة عمل التابع لعمل المتبوع ويقابله الإساءة فيه.

فالظاهر أنّ المراد بالّذين اتّبعوهم بإحسان أن يتّبعوهم بنوع من الإحسان في الاتّباع وهو أن يكون الاتّباع بالحقّ - وهو اتّباعهم لكون الحقّ معهم - ويرجع إلى اتّباع الحقّ بالحقيقة بخلاف اتّباعهم لهوى فيهم أو في اتّباعهم، وكذا مراقبة التطابق.

هذا ما يظهر من معنى الاتّباع بإحسان، وأمّا ما ذكروه من أنّ المراد كون الاتّباع مقارناً لإحسان في المتّبع عملاً بأن يأتي بالأعمال الصالحة والأفعال الحسنة فهو


لا يلائم كلّ الملائمة التنكير الدالّ على النوع في الإحسان، وعلى تقدير التسليم لا مفرّ فيه من التقييد بما ذكرنا فإنّ الاتّباع للحقّ وفي الحقّ يستلزم الإتيان بالأعمال الحسنة الصالحة دون العكس وهو ظاهر.

فقد تلخّص أنّ الآية تقسم المؤمنين من الاُمّة إلى ثلاثة أصناف: صنفان هما السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، والصنف الثالث هم الّذين اتّبعوهم بإحسان.

وظهر ممّا تقدّم أوّلاً: أنّ الآية تمدح الصنفين الأوّلين، بالسبق إلى الإيمان والتقدّم في إقامة صلب الدين ورفع قاعدته، و تفضيلهم على غيرهم على ما يفيده السياق.

وثانياً: أنّ( من ) في قوله:( من المهاجرين والأنصار ) تبعيضيّة لا بيانيّة لما تقدّم من وجه فضلهم، ولما أنّ الآية تذكر أنّ الله رضى عنهم ورضوا عنه، والقرآن نفسه يذكر أنّ منهم من في قلبه مرض ومنهم سمّاعون للمنافقين، ومنهم من يسمّيه فاسقاً، ومنهم من تبرّأ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عمله ولا معنى لرضي الله عنهم، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين.

وثالثاً: أنّ الحكم بالفضل ورضى الله سبحانه في الآية مقيّد بالإيمان والعمل الصالح على ما يعطيه السياق فإنّ الآية تمدح المؤمنين في سياق تذمّ فيه المنافقين بكفرهم وسيّئات أعمالهم ويدلّ على ذلك سائر المواضع الّتى مدحهم الله فيها أو ذكرهم بخير ووعدهم وعداً جميلاً فقد قيّد جميع ذلك بالإيمان والعمل الصالح كقوله تعالى:( للفقراء المهاجرين الّذين اُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله ) إلى آخر الآيات الثلاث الحشر: ٨.

وقوله فيما حكاه من دعاء الملائكة لهم:( ويستغفرون للّذين آمنوا ربّنا وسعت كلّ شئ رحمة وعلماً فاغفر للّذين تابوا واتّبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربّنا وأدخلهم جنّات عدن الّتى وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرّيّاتهم ) المؤمن: ٨.

وقوله:( محمّـد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّـار رحماء بينهم - إلى أن قال -وعد الله الّذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً ) الفتح: ٢٩.


وقوله:( والّذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرّيّتهم وما ألتناهم من عملهم من شئ كلّ امرء بما كسب رهين) الطور: ٢١ انظر إلى موضع قوله:( بإيمان ) وقوله: كلّ امرء الخ.

ولو كان الحكم في الآية غير مقيّد بقيد الإيمان والعمل الصالح وكانوا مرضيّين عند الله مغفوراً لهم أحسنوا أو أساؤوا واتّقوا أو فسقوا كان ذلك تكذيباً صريحاً لقوله تعالى:( فإنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) التوبة: ٩٦، وقوله:( والله لا يهدى القوم الفاسقين ) التوبة: ٨٠، وقوله:( والله لا يحبّ الظالمين ) آل عمران: ٥٧ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالّة مطابقة أو التزاماً أنّ الله لا يرضى عن الظالم والفاسق وكلّ من لا يطيعه في أمر أو نهى، وليست الآيات ممّا يقبل التقييد أو النسخ.

وكذا أمثال قوله تعالى خطاباً للمؤمنين:( ليس بأمانيّكم ولا أمانّي أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به ) النساء: ١٢٣.

على أنّ لازم عدم تقييد الحكم في هذه الآية تقييد جميع الآيات الدالّة على الجزاء والمشتملة على الوعيد والتهديد، وهى آيات جمّة في تقييدها اختلال نظام الوعد والوعيد وإلغاء معظم الأحكام والشرائع، وبطلان الحكمة، ولا فرق في ذلك بين أن نقول بكون( من ) تبعيضيّة والفضل لبعض المهاجرين والأنصار أو بيانيّة والفضل للجميع والرضى الإلهىّ للكلّ، وهو ظاهر.

وقوله تعالى:( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) الرضى منّا موافقة النفس لفعل من الأفعال من غير تضادّ وتدافع يقال: رضى بكذا أي وافقه ولم يمتنع منه، ويتحقّق بعدم كراهته إيّاه سواء أحبّه أو لم يحبّه ولم يكرهه فرضى العبد عن الله هو أن لا يكره بعض ما يريده الله ولا يحبّ بعض ما يبغضه ولا يتحقّق إلّا إذا رضى بقضائه تعالى وما يظهر من أفعاله التكوينيّـة، وكذا بحكمه وما أراده منه تشريعاً، وبعبارة اُخرى إذا سلّم له في التكوين والتشريع وهو الإسلام والتسليم لله سبحانه.

وهذا بعينه شاهد آخر على ما تقدّم أنّ الحكم في الآية مقيّد بالإيمان والعمل الصالح بمعنى أنّ الله سبحانه إنّما يمدح من المهاجرين والأنصار والتابعين من آمن به


وعمل صالحاً، ويخبر عن رضاه عنه وإعداده له جنّات تجرى تحتها الأنهار.

وليس مدلول الآية أنّ من صدق عليه أنّه مهاجر أو أنصاريّ أو تابع فإنّ الله قد رضى عنه رضاً لا سخط بعده أبداً وأوجب في حقّه المغفرة والجنّـة سواء أحسن بعد ذلك أو أساء، اتّقى أو فسق.

وأمّا رضاه تعالى فإنّما هو من أوصافه الفعليّـة دون الذاتيّة فإنّه تعالى لا يوصف لذاته بما يصير معه معرضاً للتغيير والتبدّل كأن يعرضه حال السخط إذا عصاه ثمّ الرضى إذا تاب إليه، وإنّما يرضى ويسخط بمعنى أنّه يعامل عبده معاملة الراضي من إنزال الرحمة وإيتاء النعمة أو معاملة الساخط من منع الرحمة وتسليط النقمة والعقوبة.

ولذلك كان من الممكن أن يحدث له الرضى ثمّ يتبدّل إلى السخط أو بالعكس غير أنّ الظاهر من سياق الآية أنّ المراد بالرضى هو الرضى الّذى لا سخط بعده فإنّه حكم محمول على طبيعة أخيار الاُمّة من سابقيهم وتابعيهم في الإيمان والعمل الصالح، وهذا أمر لا مداخلة للزمان فيه حتّى يصحّ فرض سخط بعد رضى وهو بخلاف قوله تعالى:( لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) الآية الفتح: ١٨ فإنّه رضى مقيّد بزمان خاصّ يصلح لنفسه لأن يفرض بعده سخط.

قوله تعالى: ( وممّن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة ) الآية حول الشئ ما يجاوره من المكان من أطرافه وهو ظرف، والمرد العتوّ والخروج عن الطاعة، والممارسة والتمرين على الشرّ وهو المعنى المناسب لقوله في الآية:( مردوا على النفاق ) أي مرّنوا عليه ومارسوا حتّى اعتادوه.

ومعنى الآية: وممّن في حولكم أو حول المدينة من الأعراب الساكنين في البوادى منافقون مرّنوا على النفاق ومن أهل المدينة أيضاً منافقون معتادون على النفاق لا تعلمهم أنت يا محمّـد نحن نعلمهم سنعذّبهم مرّتين ثمّ يردّون إلى عذاب عظيم.

وقد اختلفت كلماتهم في المراد من تعذيبهم مرّتين. ما هما المرّتان؟ فقيل: يعنى مرّة في الدنيا بالسبي والقتل ونحوهما ومرّة بعذاب القبر، وقيل: في الدنيا بأخذ الزكاة وفي الآخرة بعذاب القبر، وقيل بالجوع مرّتين وقيل مرّة عند الاحتضار ومرّة في القبر،


وقيل: بإقامة الحدود وعذاب القبر، وقيل: مرّة بالفضيحة في الدنيا ومرّة بالعذاب في القبر، وقيل غير ذلك، ولا دليل على شئ من هذه الأقوال، وإن كان ولا بدّ فأوّلها أولاها.

قوله تعالى: ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً ) الآية، أي ومن الأعراب جماعة آخرون مذنبون لا ينافقون مثل غيرهم بل اعترفوا بذنوبهم لهم عمل صالح وعمل آخر سيّئ خلطوا هذا بذلك من المرجوّ أن يتوب الله عليهم إنّ الله غفور رحيم.

وفي قوله:( عسى الله أن يتوب عليهم ) إيجاد الرجاء في نفوسهم لتكون نفوسهم واقعة بين الخوف والرجاء من غير أن يحيط بها اليأس والقنوط، وفي قوله:( إنّ الله غفور رحيم ) ترجيح جانب الرجاء.

قوله تعالى: ( خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها وصلّ عليهم إنّ صلاتك سكن لهم والله سميع عليم ) التطهير إزالة الأوساخ والقذارات من الشئ ليصفى وجوده ويستعدّ للنشوء والنماء وظهور آثاره وبركاته، والتزكية إنماؤه وإعطاء الرشد له بلحوق الخيرات وظهور البركات كالشجرة بقطع الزوائد من فروعها فتزيد في حسن نموّها وجودة ثمرتها فالجمع بين التطهير والتزكية في الآية من لطيف التعبير.

فقوله:( خذ من أموالهم صدقة ) أمر للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأخذ الصدقة من أموال الناس ولم يقل: من مالهم ليكون إشارة إلى أنّها مأخوذة من أصناف المال، وهى النقدان: الذهب والفضّة، والأنعام الثلاثة: الإبل والبقر والغنم، والغلّات الأربع: الحنطة والشعير والتمر والزبيب.

وقوله:( تطهّرهم وتزكّيهم بها ) خطاب للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وليس وصفاً لحال الصدقة، والدليل عليه ضمير بها الراجع إلى الصدقة أي خذ يا محمّـد من أصناف أموالهم صدقة تطهّرهم أنت وتزكّيهم بتلك الصدقة أي أخذها.

وقوله:( وصلّ عليهم ) الصلاة عليهم هي الدعاء لهم والسياق يفيد أنّه دعاء لهم ولأموالهم بالخير والبركة وهو المحفوظ من سنّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فكان يدعو لمعطى الزكاة ولماله بالخير والبركة.


وقوله:( إنّ صلاتك سكن لهم ) السكن ما يسكن إليه الشئ والمراد به أنّ نفوسهم تسكن إلى دعائك وتثق به وهو نوع شكر لسعيهم في الله كما أنّ قوله تعالى في ذيل الآية:( والله سميع عليم ) سكن يسكن إليه نفوس المكلّفين ممّن يسمع الآية أو يتلوها.

والآية تتضمّن حكم الزكاة الماليّـة الّتى هي من أركان الشريعة والملّة على ما هو ظاهر الآية في نفسها، وقد فسّرتها بذلك اخبار متكاثرة من طرق أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام وغيرهم.

قوله تعالى: ( ألم يعلموا أنّ الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأنّ الله هو التوّاب الرحيم ) استفهام إنكارىّ بداعي تشويق الناس إلى إيتاء الزكاة وذلك أنّهم إنّما يؤتون الصدقة لله وإنّما يسلّمونها إلى الرسول أو إلى عامله وجابيه بما أنّه مأمور من قبل الله في أخذها فإيتاؤه إيتاء لله، وأخذه أخذ من الله فالله سبحانه هو الآخذ لها بالحقيقة، وقد قال تعالى في أمثاله:( إنّ الّذين يبايعونك إنّما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ) الفتح: ١٠ وقال:( وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى ) الأنفال: ١٧ وقال قولاً عاماً:( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) النساء: ٨٠.

فإذا ذكر الناس بمثل قوله:( ألم يعلموا أنّ الله ) الآية، انبعثت رغباتهم واشتاقوا أن يعاملوا ربّهم فيصافحوه ويمسّوا بأيديهم يده تنزّه عن عوأرض الأجسام وتعالى عن ملابسة الحدثان.

ومقارنته الصدقة بالتوبة لما أنّ التوبة تطهّر وإيتاء الصدقة تطهّر فالتصدّق بصدقة توبة ماليّـة كما أنّ التوبة بمنزلة الصدقة في الأعمال والحركات، ولذلك عطف على صدر الآية قوله ذيلاً:( وأنّ الله هو التوّاب الرحيم ) فذكّر عباده باسميه التوّاب والرحيم، وجمع فيهما التوبه والتصدّق.

وقد بان من الآية أنّ التصدّق وإيتاء الزكاة نوع من التوبة.

قوله تعالى: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) الآية، الآية على ظاهر اتّصالها بما قبلها كأنّها تخاطب المؤمنين وتسوقهم وتحرّضهم إلى إيتاء الصدقات.


غير أنّ لفظها مطلق لا دليل على تخصيص خطابها بالمتصدّقين من المؤمنين ولا بعامة المؤمنين بل هي تشمل كلّ ذى عمل من الناس من الكفّـار والمنافقين والمؤمنين ولا أقلّ من شمولها للمنافقين والمؤمنين جميعاً.

إلّا أنّ نظير الآية الّذى مرّ أعنى قوله في سياق الكلام على المنافقين:( وسيرى الله عملكم ورسوله ثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّؤكم بما كنتم تعملون ) التوبة: ٩٤ حيث ذكر الله ورسوله في رؤية عملهم ولم يذكر المؤمنين لا يخلو من إيماء إلى أنّ الخطاب في الآية الّتى نحن فيها للمؤمنين خاصّـة فإنّ ضمّ إحدى الآيتين إلى الاُخرى يخطر بالبال أنّ حقيقة أعمال المنافقين أعنى مقاصدهم من أعمالهم لمّا كانت خفيّة على ملإ الناس فإنّما يعلم بها الله ورسوله بوحى من الله تعالى، وأمّا المؤمنون فحقائق أعمالهم أعنى مقاصدهم منها وآثارها وفوائدها الّتى تتفرّع عليها وهى شيوع التقوى وإصلاح شؤون المجتمع الإسلاميّ وإمداد الفقراء في معايشهم وزكاة الأموال ونماؤها يعلمها الله تعالى ورسوله ويشاهدها المؤمنون فيما بينهم.

لكن ظهور الأعمال بحقائق آثارها وعامّة فوائدها أو مضرّاتها في محيط كينونتها وتبدّلها بأمثالها وتصوّرها في أطوارها زماناً بعد زمان وعصراً بعد عصر ممّا لا يختصّ بعمل قوم دون عمل قوم، ولا مشاهدتها والتأثّر بها بقوم دون قوم.

فلو كان المراد من رؤية المؤمنين أعمالاً لعاملين ظهور آثارها ونتائجها وبعبارة اُخرى ظهور أنفسها في ألبسة نتائجها لهم لم يختصّ المشاهدة بقوم دون قوم ولا بعمل قوم دون عمل قوم فما بال الأعمال يراها المؤمنون ولا يراها المنافقون وهم أهل مجتمع واحد؟ وما بال أعمال المنافقين لا يشاهدها المؤمنون وقد كونت في مجتمعهم وداخلت أعمالهم؟

وهذا مع ما في الآية من خصوص السياق ممّا يقرّب الذهن أن يفهم من الآية معنى آخر فإنّ قوله:( وثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّؤكم بما كنتم تعملون ) يدلّ أوّلاً على أنّ قوله:( فسيرى الله عملكم ) الآية ناظر إلى ما قبل البعث وهى الدنيا لمكان قوله:( وثمّ تردّون ) فإنّه يشير إلى يوم البعث وما قبله هو الدنيا.

وثانياً: أنّهم إنّما يوقفون على حقيقة أعمالهم يوم البعث وأمّا قبل ذلك فإنّما


يرون ظاهرها، وقد نبّهنا على هذا المعنى كراراً في أبحاثنا السابقة، وإذ قصر علمهم بحقائق أعمالهم على إنبائه تعالى إيّاهم بها يوم القيامة وذكر رؤية الله ورسوله والمؤمنين أعمالهم قبل يوم البعث في الدنيا وقد ذكر الله مع رسوله وغيره وهو عالم بحقائقها وله أن يوحى إلى نبيّه بها كان المراد بها مشاهدة الله سبحانه ورسوله والمؤمنون حقيقة أعمالهم، وكان المراد بالمؤمنين شهداء الأعمال منهم لا عامّة المؤمنين كما يدلّ عليه أمثال قوله تعالى( وكذلك جعلناكم اُمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) البقرة: ١٤٣ وقد مرّ الكلام فيه في الجزء الأوّل من الكتاب.

وعلى هذا فمعنى الآية: وقل يا محمّـد اعملوا ما شئتم من عمل خيراً أو شرّاً فسيشاهد الله سبحانه حقيقة عملكم ويشاهدها رسوله والمؤمنون - وهم شهداء الأعمال - ثمّ تردّون إلى الله عالم الغيب والشهادة يوم القيامة فيريكم حقيقة عملكم.

وبعبارة اُخرى: ما عملتم من عمل خير أو شرّ فإنّ حقيقته مرئيّة مشهودة لله عالم الغيب والشهادة ثمّ لرسوله والمؤمنين في الدنيا ثمّ لكم أنفسكم معاشر العاملين يوم القيامة.

فالآية مسوقة لندب الناس إلى مراقبة أعمالهم بتذكيرهم أنّ لأعمالهم من خير أو شرّ حقائق غير مستورة بستر، وأنّ لها رقباء شهداء سيطّلعون عليها ويرون حقائقها وهم رسول الله وشهداء الأعمال من المؤمنين والله من ورائهم محيط فهو تعالى يراها وهم يرونها، ثمّ إنّ الله سبحانه سيكشف عنها الغطاء يوم القيامة للعاملين أنفسهم كما قال:( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ق: ٢٢ ففرق عظيم بين أن يأتي الإنسان بعمل في الخلوة لا يطّلع عليه أحد، وبين أن يعمل ذلك العمل بعينه بين ملإ من الناظرين جلوه وهو يرى أنّه كذلك.

هذا في الآية الّتى نحن فيها، وأمّا الآية السابقة:( يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا قد نبّأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثمّ تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبّؤكم بما كنتم تعملون ) فإنّ وجه الكلام فيها إلى أشخاص من المنافقين بأعيانهم يأمر الله فيها نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يردّ إليهم اعتذارهم، ويذكر لهم أوّلاً أنّ


الله قد نبّأهم أي النبيّ والّذين معه من المؤمنين في جيش الإسلام أخبارهم بنزول هذه الآيات الّتى تقصّ أخبار المنافقين وتكشف عن مساوى أعمالهم.

ثمّ يذكر لهم أنّ حقيقة أعمالهم غير مستورة عن الله سبحانه ولا خفيّة عليه وكذلك رسوله وحده ولم يكن معه أحد من شهداء الأعمال ثمّ الله يكشف لهم أنفسهم عن حقيقة أعمالهم يوم القيامة.

فهذا هو الفرق بين الآيتين مع اتّحادهما في ظاهر السياق حيث ذكر في الآية الّتى نحن فيها: الله ورسوله والمؤمنون، وفي الآية السابقة: الله ورسوله، واقتصر على ذلك. فهذا ما يعطيه التدبّر في معنى الآية ومن لم يقنع بذلك ولم يرض دون أن يصوّر للآية معنى ظاهريّاً فليقل إنّ ذكره تعالى( الله ورسوله ) في خطاب المنافقين إنّما هو لأجل أنّهم إنّما يريدون أن يكيدوا الله ورسوله ولا همّ لهم في المؤمنون، وأمّا ذكره تعالى:( الله ورسوله والمؤمنين ) في الخطاب العامّ فإنّما الغرض فيه تحريضهم على العمل الصالح في مشهد من الملإ الصالح ولم يعبأ بحال غيرهم من الكفّـار والمنافقين. فتدبّر.

قوله تعالى: ( وآخرون مرجون لأمر الله إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم والله عليم حكيم ) الإرجاء التأخير والآية معطوفة على قوله:( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) ومعنى إرجائهم إلى أمر الله أنّهم لا سبب عندهم يرجّح لهم جانب العذاب أو جانب المغفرة فأمرهم يؤول إلى أمر الله ما شاء وأراد فيهم فهو النافذ في حقّهم.

و هذه الآية تنطبق بحسب نفسها على المستضعفين الّذين هم كالبرزخ بين المحسنين و المسيئين، وإن ورد في أسباب النزول أنّ الآية نازلة في الثلاثة الّذين خلّفوا ثمّ تابوا فأنزل الله توبتهم على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيجئ إن شاء الله تعالى.

وكيف كان فالآية تخفى ما يؤول إليه عاقبه أمرهم وتبقيها على إبهامها حتّى فيما ذيّلت به من الاسمين الكريمين: العليم والحكيم الدالّين على أنّ الله سبحانه يحكم فيهم بما يقتضيه علمه وحكمته، وهذا بخلاف ما ذيّل قوله:( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) حيث قال:( عسى الله أن يتوب عليهم ان الله غفور رحيم ) .


( بحث روائي)

في تفسير العيّـاشيّ عن داود بن الحصين عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن قول الله:( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخرو يتّخذ ما ينفق قربات عند الله ) أيثيبهم عليه؟ قال: نعم.

وفيه عن أبى عمرو الزبيريّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: إنّ الله سبّق بين المؤمنين كما سبّق بين الخيل يوم الرهان.

قلت: أخبرني عمّا ندب الله المؤمن من الإسباق إلى الإيمان. قال: قول الله تعالى( سابقوا إلى مغفرة من ربّكم وجنّـة عرضها كعرض السماء والأرض اُعدّت للّذين آمنوا بالله ورسله ) وقال:( السابقون السابقون اُولئك المقرّبون ) .

وقال:( والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصارو الّذين اتّبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) فبدأ بالمهاجرين الأوّلين على درجة سبقهم ثمّ ثنّى بالأنصار ثمّ ثلّث بالتابعين وأمر [هم] بإحسان فوضع كلّ قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده.

وفي تفسير البرهان عن مالك بن أنس عن أبى صالح عن ابن عبّـاس قال:( والسابقون الأوّلون ) نزلت في أميرالمؤمنينعليه‌السلام وهو أسبق الناس كلّهم بالإيمان وصلّى على القبلتين، وبايع البيعتين بيعة بدر وبيعة الرضوان، وهاجر الهجرتين مع جعفر من مكّة إلى الحبشة ومن الحبشة إلى المدينة.

أقول: وفي معناها روايات اُخر.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه من طريق الأوزاعيّ حدّثنى يحيى بن كثير والقاسم ومكحول وعبدة بن أبى لبابة وحسّان بن عطيّـة أنّهم سمعوا جماعة من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقولون: لمّا اُنزلت هذه الآية:( والسابقون الأوّلون - إلى قوله -ورضوا عنه ) قال رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): هذا لاُمّتي كلّهم، وليس بعد الرضا سخط.

أقول: معناه أنّ من رضي الله عنهم ورضوا عنه هم الّذين جمعتهم الآية لا أنّ الآية


تدلّ على رضاه تعالى عن الاُمّة كلّهم فهذا ممّا يدفعه الكتاب بالمخالفة القطعيّـة، وكذا قوله:( وليس بعد الرضا سخط ) مراده ليس بعد الرضا المذكور في الآية سخط، وقد قرّرناه فيما تقدّم لا أنّه ليس بعد مطلق رضى الله سخط فهو ممّا لا يستقيم البتّـة.

وفيه أخرج أبوالشيخ وابن عساكر عن أبى صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمّـد بن كعب القرظىّ: أخبرني عن أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإنّما اُريد الفتن. فقال: إنّ الله قد غفر لجميع أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأوجب لهم الجنّـة في كتابه محسنهم ومسيئهم. قلت: وفي أيّ موضع أوجب الله لهم الجنّـة في كتابه؟ قال: ألا تقرأ:( والسابقون الأوّلون ) الآية أوجب لجميع أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الجنّـة والرضوان، وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم.

قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتّبعوهم بإحسان يقول: يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأنّى لم أقرأها قبل ذلك، وما عرفت تفسيرها حتّى قرأها على محمّـد بن كعب.

أقول: هو - كما ترى - يسلّم أنّ في أعمالهم حسنة وسيّـئة وطاعة وفسقاً غير أنّ الله رضى عنهم في جميع ذلك وغفرها لهم فلا يجازيهم بالسيّـئة سيّـئة، وهو الّذى ذكرنا في البيان المتقدّم أنّ مقتضاه تكذيب آيات كثيرة قرآنيّـة تدلّ على أنّ الله لا يرضى عن القوم الفاسقين والظالمين وأنّه لا يحبّهم ولا يهديهم، وتقيد آيات أكثر من ذلك وهى أكثر الآيات القرآنيّـة الدالّة على عموم جزاء الحسنة بالحسنة والسيّـئة بالسيّـئة من غير مقيّد وعليها تعتمد آيات الأمر والنهى وهى آيات الأحكام بجملتها.

ولو كان مدلول الآية هذا الّذى ذكره لكانت الصحابة على عربيّتهم المحضة واتّصالهم بزمان النبوّة ونزول الوحى أحقّ أن يفهموا من الآية ذلك، ولو كانوا فهموا منها ذلك لما عامل بعضهم بعضاً بما ضبطه النقل الصحيح.

وكيف يمكن أن يتحقّق كلّهم بمضمون قوله:( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ويفهموا ذلك منه ثمّ لا يرضى بعضهم عن بعض وقد رضي الله عنه، والراضي عن الله راض عمّا رضي الله عنه، ولا يندفع هذا الاشكال بحديث اجتهادهم فإنّ ذلك لو سلّم يكون عذراً


في مقام العمل لا مصحّحاً للجمع بين صفتين متضادّتين وجداناً وهما الرضا عن الله وعدم الرضا عمّا رضي الله عنه والكلام طويل.

وفيه أخرج أبوعبيد وسنيد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن حبيب الشهيد عن عمرو بن عامر الأنصاريّ أنّ عمر بن الخطّاب قرء( والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الّذين اتّبعوهم بإحسان ) فرفع الأنصار ولم يلحق الواو في الّذين فقال له زيد بن ثابت: والّذين فقال عمر: الّذين فقال زيد: أميرالمؤمنين أعلم فقال عمر: ائتونى باُبىّ بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال اُبىّ: والّذين فقال عمر: فنعم إذن نتابع اُبيّاً.

أقول: ومقتضى قراءة عمر اختصاص المهاجرين بما يتضمّنه قوله:( والسابقون الأوّلون ) من المنقبة ومنقبة اُخرى وهى كونهم متبوعين للأنصار كما يشير إليه الحديث الآتى.

وفيه أخرج ابن جرير وأبوالشيخ عن محمّـد بن كعب القرظىّ قال: مرّ عمر برجل يقرء( والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار ) فأخذ عمر بيده فقال: من أقرأك هذا؟ قال: اُبىّ بن كعب. قال: لا تفارقني حتّى أذهب بك إليه فلمّا جاءه قال عمر: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعم قال: وسمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: نعم. قال: كنت أرى أنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا.

فقال اُبىّ: تصديق ذلك في أوّل سورة الجمعة:( وآخرين منهم لمّا يلحقوا بهم ) وفي سورة الحشر:( والّذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقونا بالإيمان ) وفي الأنفال:( والّذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاُولئك منكم ) .

وفي الكافي بإسناده عن موسى بن بكر عن رجل قال: قال أبو جعفرعليه‌السلام :( الّذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً ) فاُولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذنوب الّتى يعيبها المؤمنون ويكرهونها فاُولئك عسى الله أن يتوب عليهم.

أقول: ورواه العيّـاشيّ عن زرارة عنهعليه‌السلام إلّا أنّ فيه( مذنبون ) مكان( مؤمنون ) .


وفي المجمع في قوله تعالى:( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) الآية قال: أبوحمزة الثمالىّ: بلغنا أنّهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو كنانة بن عبد المنذر وثعلبة بن وديعة وأوس بن حذام تخلّفوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند مخرجه إلى تبوك فلمّا بلغهم ما أنزل الله فيمن تخلّف عن نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أيقنوا بالهلاك وأوثقوا أنفسهم بسوارى المسجد فلم يزالوا كذلك حتّى قدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسأل عنهم فذكر له أنّهم أقسموا أن لا يحلّون أنفسهم حتّى يكون رسول الله يحلّهم، وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : وأنا اُقسم لا أكون أوّل من حلّهم إلّا أن اُومر فيهم بأمر.

فلمّا نزل:( عسى الله أن يتوب عليهم ) عمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليهم فحلّهم فأنطلقوا فجاؤوا بأموالهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: هذه أموالنا الّتى خلّفتنا عنك فخذها وتصدّق بها عنّا. قال: ما اُمرت فيها، فنزل:( خذ من أموالهم صدقة ) الآيات.

أقول: وفي هذا المعنى روايات اُخرى رواها في الدرّ المنثور بينها اختلاف في أسامي الرجال، وفيها نزول آية الصدقة في خصوص أموالهم، ويضعّفها تظافر الروايات في نزول الآية في الزكاة الواجبة.

وفيه: وروى عن أبى جعفر الباقرعليه‌السلام أنّها نزلت في أبى لبابة ولم يذكر غيره معه وسبب نزولها فيه ما جرى منه في بنى قريظة حين قال: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح.

وفي الكافي بإسناده عن عبدالله بن سنان قال: قال أبوعبداللهعليه‌السلام : لمّا نزلت هذه الآية:( خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكّيهم بها ) واُنزلت في شهر رمضان فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مناديه فنادى في الناس: إنّ الله فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة ففرض الله عزّوجلّ عليهم من الذهب والفضّة وفرض الصدقة من الإبل والبقر والغنم، ومن الحنطة والشعير والتمر والزبيب فنادى بهم بذلك في شهر رمضان، وعفى لهم عمّا سوى ذلك.

قال: ثمّ لم يفرض لشئ من أموالهم حتّى حال عليه الحول من قابل فصاموا وأفطروا فأمر مناديه فنادى في المسلمين: أيّها المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم. قال: ثمّ


وجّه عمّال الصدقة وعمّال الطسوق.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن أبى شيبة والبخاريّ ومسلم وأبو داود والنسائيّ وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه عن عبدالله بن اُبىّ أوفى قال: كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا اُتى بصدقة قال: اللّهمّ صلّ على آل فلان فأتاه أبى بصدقته فقال: اللّهمّ صلّ على آل أبى أوفى.

وفي تفسير البرهان عن الصدوق بإسناده عن سليمان بن مهران عن أبى عبداللهعليه‌السلام في قوله تعالى:( ويأخذ الصدقات ) قال: يقبلها من اهلها ويثيب عليها.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن مالك بن عطيّـة عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: قال علىّ بن الحسينعليه‌السلام : ضمنت على ربّى أنّ الصدقة لا تقع في يد العبد حتّى تقع في يد الربّ، وهو قوله:( هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات ) .

اقول: وفي معناه روايات اُخرى مرويّـة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلىّ وأبى جعفر وأبى عبداللهعليهم‌السلام .

وفي بصائر الدرجات بإسناده عن محمّـد بن مسلم عن أبى جعفرعليه‌السلام قال: سألت عن الأعمال هل تعرض على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: ما فيه شكّ. قال: أرأيت قول الله( اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) فقال: لله شهداء في خلقه.

أقول: وفي معناه روايات متظافرة متكاثرة مرويّـة في جوامع الشيعة عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام ، وفي أكثرها: أنّ( المؤمنون ) في الآية هم الأئمّة، وانطباقها على ما قدّمناه من التفسير ظاهر.

وفي الكافي بإسناده عن زرارة عن أبى جعفرعليه‌السلام في قول الله( وآخرون مرجون لأمر الله ) قال: قوم كانوا مشركين فقتلوا مثل حمزة وجعفراً و أشباههما من المسلمين ثمّ إنّهم دخلوا في الإسلام فوحّدوا الله وتركوا الشرك، ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين فيجب لهم الجنّـة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فيجب لهم النار فهم على تلك الحال مرجون لأمر الله إمّا يعذّبهم وإمّا يتوب عليهم.


أقول: ورواه العيّـاشيّ في تفسيره عن زرارة عنهعليه‌السلام وفي معناه روايات اُخر.

وفي تفسير العيّـاشيّ عن حمران قال: سألت أباعبداللهعليه‌السلام عن المستضعفين قال: هم ليسوا بالمؤمنين ولا بالكفّـار فهم المرجون لأمر الله.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن المنذر عن عكرمة في قوله:( وآخرون مرجون لأمر الله ) قال: هم الثلاثة الّذين خلّفوا.

أقول: وروى مثله عن مجاهد وقتادة وأنّ أسماءهم هلال بن اُميّة، ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج، ولا تنطبق قصّتهم على هذه الآية وسيجى، إن شاء الله تعالى.

( كلام في الزكاة وسائر الصدقة)

الابحاث الاجتماعيّـة والاقتصاديّة وسائر الأبحاث المرتبطة بها جعلت اليوم حاجة المجتمع من حيث أنّه مجتمع إلى مال يختصّ به ويصرف لرفع حوائجه العامّة في صفّ البديهيّات الّتى لا يشكّ فيها شاكّ ولا يداخلها ريب فكثير من المسائل الاجتماعيّـة والاقتصاديّة - ومنها هذه المسألة - كانت في الأعصار السالفة ممّا يغفل عنها عامّة الناس ولا يشعرون بها إلّا شعوراً فطريّاً إجماليّاً وهى اليوم من الأبجديّات الّتى يعرفها العامّة والخاصّـة.

غير أنّ الإسلام بحسب ما بيّن من نفسيّـة الإجتماع وهويّته وشرع من الأحكام الماليّـة الراجعة إليها، والأنظمة والقوانين الّتى رتّبها في أطرافها ومتونها له اليد العليا في ذلك.

فقد بيّن القرآن الكريم أنّ الاجتماع يصيغ من عناصر الأفراد المجتمعين صيغة جديدة فيكوّن منهم هويّة جديدة حيّة هي المجتمع، وله من الوجود والعمر والحياة والموت والشعور والإرادة والضعف و القوّة والتكليف والإحسان والإساءة والسعادة والشقاوة أمثال أو نظائر ما للإنسان الفرد وقد نزلت في بيان ذلك كلّه آيات كثيرة قرآنيّـة كرّرنا الإشارة إليها في خلال الأبحاث السابقة.


وقد عزلت الشريعة الإسلاميّـة سهماً من منافع الأموال وفوائدها للمجتمع كالصدقة الواجبة الّتى هي الزكاة وكالخمس من الغنيمة ونحوها، ولم يأت في ذلك ببدع فإنّ القوانين والشرائع السابقة عليها كشريعة حمورابي وقوانين الروم القديم يوجد فيها أشياء من ذلك بل سائر السنن القوميّـة في أيّ عصر، وبين أيّة طائفة دارت لا يخلو عن اعتبار جهة ماليّـة لمجتمعها فالمجتمع كيفما كان يحسّ بالحاجة الماليّـة في سبيل قيامه ورشده.

غير أنّ الشريعة الإسلاميّـة تمتاز في ذلك من سائر السنن والشرائع باُمور يجب إمعان النظر فيها للحصول على غرضها الحقيقيّ ونظرها المصيب في تشريعها وهى:

أولا: أنّها اقتصرت في وضع هذا النوع من الجهات الماليّـة على كينونة الملك وحدوثه موجوداً ولم يتعدّ ذلك، وبعبارة اُخرى إذا حدثت ماليّـة في ظرف من الظروف كغلّة حاصلة عن زراعة أو ربح عائد من تجارة أو نحو ذلك بادرت فوضعت سهماً منها ملكاً للمجتمع وبقيّة السهام ملكاً لمن له رأس المال أو العمل مثلاً، وليس عليه إلّا أن يردّ مال المجتمع وهو السهم إليه.

بل ربّما كان المستفاد من أمثال قوله تعالى:( خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) البقرة: ٢٩ وقوله:( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم الّتى جعل الله لكم قياماً ) النساء: ٥ أنّ الثروة الحادثة عند حدوثها للمجتمع بأجمعها ثمّ اختصّ سهم منها للفرد الّذى نسمّيه المالك أو العامل، وبقى سهم أعني سهم الزكاة أو سهم الخمس في ملك المجتمع كما كان فلمالك الفرد مالك في طول مالك وهو المجتمع، وقد تقدّم بعض البحث عن ذلك في تفسير الآيتين.

و بالجملة فالّذي وضعته الشريعة من الحقوق الماليّـة كالزكاة والخمس مثلاً إنّما وضعته في الثروة الحادثة عند حدوثها فشرّكت المجتمع مع الفرد من رأس ثمّ الفرد في حريّة من ماله المختصّ به يضعه حيث يشاء من أغراضه المشروعة من غير أن يعترضه في ذلك معترض إلّا أن يدهم المجتمع من المخاطر العامّة ما يجب معه صرف شئ من رؤوس الأموال في سبيل حفظ حياته كعدوّ هاجم يريد أن يهلك الحرث والنسل، والمخمصة


العامّة الّتى لا تبقى ولا تذر.

وأمّا الوجوه الماليّـة المتعلّقة بالنفوس أو الضياع والعقار أو الأموال التجاريّة عند حصول شرائط أو في أحوال خاصّـة كالعشر المأخوذ في الثغور ونحو ذلك فإنّ الإسلام لا يرى ذلك بل يعدّه نوعاً من الغصب وظلماً يوجب تحديداً في حريّة المالك في ملكه.

ففى الحقيقة لا يأخذ المجتمع من الفرد إلّا مال نفسه الّذى يتعلّق بالغنيمة والفائدة عند أوّل حدوثه ويشارك الفرد في ملكه على نحو يبيّنه الفقه الإسلاميّ مشروحاً، وأمّا إذا انعقد الملك واستقرّ لمالكه فلا اعتراض لمعترض على مالك في حال أو عند شرط، يوجب قصور يده وزوال حرّيتّه.

وثانياً: أنّ الإسلام يعتبر حال الأفراد في الأموال الخاصّـة بالمجتمع كما يعتبر حال المجتمع بل الغلبة في ما يظهر من نظره لحالهم على حاله فإنّه يجعل السهام في الزكاة ثمانية لا يختصّ بسبيل الله منها إلّا سهم واحد وباقى السهام للأفراد كالفقراء والمساكين والعاملين والمؤلّفة قلوبهم وغيرهم، وفي الخمس ستّة لم يجعل لله سبحانه إلّا سهم واحد والباقى للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.

وذلك أنّ الفرد هو العنصر الوحيد لتكوّن المجتمع، ورفع اختلاف الطبقات الّذى هو من اُصول برنامج الإسلام، وإلقاء التعادل والتوازن بين قوى المجتمع المختلفة وتثبيت الاعتدال في مسيره بأركانه وأجزائه لا يتمّ إلّا بإصلاح حال الأجزاء أعني الأفراد وتقريب أحوالهم بعضهم من بعض.

وأمّا قصر مال المجتمع في صرفه في إيجاد الشوكة العامّة والتزيينات المشتركة ورفع القصور المشيدة العالية والأبنية الرفيعة الفآخرة وتخلية القوىّ والضعيف أو الغنىّ والفقير على حالهما لا يزيدان كلّ يوم إلّا ابتعاداً فلتدلّ التجربة الطويلة القطعيّـة أنّه لا يدفع غائلاً ولا يغنى طائلاً.

وثالثاً: أنّ للفرد من المسلمين أن يصرف ما عليه من الحقّ المالىّ الواجب كالزكاة مثلاً في بعض أرباب السهام كالفقير والمسكين من دون أن يؤدّيه إلى ولىّ الأمر أو


عامله في الجملة فيردّه هو إلى مستحقّيه.

وهذا نوع من الاحترام الاستقلاليّ الّذى اعتبره الإسلام لأفراد مجتمعه نظير إعطاء الذمّة الّذى لكلّ فرد من المسلمين أن يقوم به لمن شاء من الكفّـار المحاربين وليس للمسلمين ولا لولىّ أمرهم أن ينقض ذلك.

نعم لولىّ الأمر إذا رأى في مورد أنّ مصلحة الإسلام والمسلمين في خلاف ذلك أن ينهى عن ذلك فيجب الكفّ عنه لوجوب طاعته.


( سورة التوبة آيه ١٠٧ - ١١٠)  

وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنّ إِنْ أَرَدْنَا إِلّا الْحُسْنَى‏ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( ١٠٧ ) لاَتَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَى‏ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ أَحَقّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهّرُوا وَاللّهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ ( ١٠٨ ) أَفَمَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى‏ تَقْوَى‏ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى‏ شَفا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنّمَ وَاللّهُ لاَيَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ ( ١٠٩ ) لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَن تَقَطّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( ١١٠ )

( بيان)

تذكر الآيات طائفة اُخرى من المنافقين بنوا مسجد الضرار وتقيس حالهم إلى حال جماعة من المؤمنين بنوا مسجداً لتقوى الله.

قوله تعالى: ( والّذين اتّخذوا مسجداً ضراراً وكفراً ) إلى آخر الآية، الضرار والمضارّة إيصال الضرر، والإرصاد اتّخاذ الرصد والانتظار والترقّب.

وقوله:( والّذين اتّخذوا مسجداً ضراراً ) إن كانت الآيات نازلة مع ما تقدّمها من الآيات النازلة في المنافقين فالعطف على من تقدّم ذكرهم من طوائف المنافقين المذكورين بقوله: ومنهم، ومنهم أي ومنهم الّذين اتّخذوا مسجداً ضراراً.

وإن كانت مستقلّة بالنزول فالوجه كون الواو استئنافيّة وقوله:( الّذين اتّخذوا ) مبتدءً خبره قوله:( لا تقم فيه أبداً ) ويمكن إجراء هذا الوجه على التقدير السابق أيضاً،


وقد ذكر المفسّرون في إعراب الآية وجوهاً اُخرى لا تخلو عن تكلّف تركناها.

وقد بيّن الله غرض هذه الطائفة من المنافقين في اتّخاذ هذا المسجد وهو الضرار بغيرهم والكفر والتفريق بين المؤمنين والإرصاد لمن حارب الله ورسوله، والأغراض المذكورة خاصّـة ترتبط إلى قصّة خاصّـة بعينها، وهى على ما اتّفق عليه أهل النقل أنّ جماعة من بنى عمرو بن عوف بنوا مسجد قُبا وسألوا النبيّ أن يصلّى فيه فصلّى فيه فحسدهم جماعة من بنى غنم بن عوف وهم منافقون فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قبا ليضرّوا به ويفرّقوا المؤمنين منه وينتظروا لأبي عامر الراهب الّذى وعدهم أن يأتيهم بجيش من الروم ليخرجوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من المدينة، وأمرهم أن يستعدّوا للقتال معهم.

ولمّا بنوا المسجد أتوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يتجهّز إلى تبوك وسألوه أن يأتيه ويصلّى فيه ويدعو لهم بالبركة فوعدهم إلى الفراغ من أمر تبوك والرجوع إلى المدينة فنزلت الآيات.

فكان مسجدهم لمضارّة مسجد قبا، وللكفر بالله ورسوله، ولتفريق المؤمنين المجتمعين في قبا، ولإرصاد أبى عامر الراهب المحارب لله ورسوله من قبل، وقد أخبر الله سبحانه عنهم أنّهم ليحلفنّ إن أردنا من بناء هذا المسجد إلّا الفعلة الحسنى وهو التسهيل للمؤمنين بتكثير معابد يعبد فيها الله، وشهد تعالى بكذبهم بقوله:( وليحلفنّ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنّهم لكاذبون ) .

قوله تعالى: ( لا تقم فيه أبداً ) إلى آخر الآية، بدء بنهي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن أن يقوم فيه ثمّ ذكر مسجد قبا ورجّح القيام فيه بعد ما مدحه بقوله:( لمسجد اُسّس على التقوى من أوّل يوم أحقّ أن تقوم فيه ) فمدحه بحسن نيّة مؤسّسيه من أوّل يوم وبنى عليه رجحان القيام فيه على القيام في مسجد الضرار.

والجملة وإن لم تفد تعيّـن القيام في مسجد قبا حيث عبّر بقوله: أحقّ، غير أنّ سبق النهى عن القيام في مسجد الضرار يوجب ذلك، وقوله تعالى:( فيه رجال يحبّون أن يتطهّروا ) تعليل للرجحان السابق، وقوله:( والله يحبّ المطّهّرين ) متمّم للتعليل المذكور، وهذا هو الدليل على أنّ المراد بقوله:( لمسجد اُسّس ) الخ هو مسجد قبا لا


مسجد النبيّ أو غيره.

ومعنى الآية: لا تقم أي للصلاة في مسجد الضرار أبداً، اُقسم، لمسجد قُبا الّذى هو مسجد اُسّس على تقوى الله من أوّل يوم أحقّ وأحرى أن تقوم فيه للصلاة وذلك أنّ فيه رجالاً يحبّون التطهّر من الذنوب أو من الأرجاس والأحداث والله يحب المطّهّرين وعليك أن تقوم فيهم.

وقد ظهر بذلك أنّ قوله:( لمسجدٌ اُسّس ) الخ، بمنزلة التعليل لرجحان المسجد على المسجد وقوله:( فيه رجال ) الخ، لإفادة رجحان أهله على أهله، وقوله الآتى:( أفمن اُسّس بنيانه ) الخ، لبيان الرجحان الثاني.

قوله تعالى: ( أفمن أسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير ) إلى آخر الآية شفا البئر طرفه، وجرف الوادي جانبه الّذى انحفر بالماء أصله وهار الشئ يهار فهو هائر وربّما يقال: هارٍ بالقلب وانهار ينهار انهياراً أي سقط عن لين فقوله:( على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم ) استعارة تخييليّة شبّه فيها حالهم بحال من بنى بنياناً على نهاية شفير واد لا ثقة بثباتها وقوامها فتساقطت بما بنى عليه من البنيان وكان في أصله جهنّم فوقع في ناره، وهذا بخلاف من بنى بنيانه على تقوى من الله ورضوان منه أي جرى في حياته على اتّقاء عذاب الله وابتغاء رضاه.

وظاهر السياق أنّ قوله:( أفمن أسّس بنيانه على تقوى ) الخ، وقوله:( أم من أسّس بنيانه على شفا جرف ) الخ، مثلاًن يمثّل بهما بنيان حياة المؤمنين والمنافقين وهو الدين والطريق الّذى يجريان عليه فيها فدين المؤمن هو تقوى الله وابتغاء رضوانه عن يقين به، ودين المنافق مبنىّ على التزلزل والشكّ.

ولذلك أعقبه الله تعالى وزاد في بيانه بقوله:( لا يزال بنيانهم ) يعنى المنافقين( الّذى بنوا ريبة ) وشكّاً( في قلوبهم ) لا يتعدّى إلى مرحلة اليقين( إلّا أن تقطّع قلوبهم ) فتتلاشى الريبة بتلاشيها( والله عليم حكيم ) ولذلك يضع هؤلاء ويرفع اُولئك.


( بحث روائي)

في المجمع قال المفسّرون: إنّ بنى عمرو بن عوف اتّخذوا مسجد قبا، وبعثوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يأتيهم فأتاهم وصلّى فيه فحسدهم جماعة من المنافقين من بنى غنم بن عوف فقالوا: نبنى مسجداً فنصلّى فيه ولا نحضر جماعة محمّـد، وكانوا اثنى عشر رجلاً، وقيل: خمسة عشر رجلاً، منهم: ثعلبة بن حاطب ومعتّب بن قشيرو نبتل ابن الحارث فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قبا.

فلمّا بنوه أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنّا قد بنينا مسجداً لذى العلّة والحاجة واللّيلة الممطرة واللّيلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّى فيه لناو تدعو بالبركة فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّى على جناح سفرو لو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلّينا لكم فيه، فلمّا انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من تبوك نزلت عليه الآية في شأن لمسجد.

قال: فوجّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند قدومه من تبوك عاصم بن عوف العجلانيّ ومالك بن الدخشم وكان مالك من بنى عمرو بن عوف فقال لهما: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه، وروى أنّه بعث عمّار بن ياسر ووحشيّاً فحرّقاه، وأمر بأن يتّخذ كناسة يلقى فيها الجيف.

أقول: وفي رواية القمّىّ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث لذلك مالك بن دخشم الخزاعىّ وعامر بن عدىّ أخا بنى عمرو بن عوف فجاء مالك وقال لعامر: انتظرني حتّى اُخرج ناراً من منزلي، فدخل وجاء بنار وأشعل في سعف النخل ثمّ أشعله في المسجد فتفرّقوا، وقعد زيد بن حارثة حتّى احترقت البنيّة ثمّ أمر بهدم حائطه.

والقصّة مرويّة بطرق كثيرة من طرق أهل السنّة، والروايات متقاربة إلّا أنّ في أسامي من بعثه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اختلافاً.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم عن ابن إسحاق قال: كان الّذين بنوا


مسجد الضرار اثنى عشر رجلاً: خذمّ بن خالد بن عبيد بن زيد، وثعلبة بن حاطب وهلال بن أميّة، ومعتّب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وعبّاد بن حنيف، وجارية بن عامر وابناه مجمّع وزيد، ونبتل بن الحارث، وبخدج بن عثمان(١) ووديعة بن ثابت.

وفي المجمع في قوله:( وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ) قال: هو أبو عامر الراهب، قال وكان من قصّته أنّه كان قد ترهّب في الجاهليّـة ولبس المسوح فلمّا قدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة حسده، وحزّب عليه الأحزاب ثمّ هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام، وخرج إلى الروم وتنصّر وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة الّذى قتل مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم اُحد و كان جنباً فغسلته الملائكة.

وسمّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أبا عامر الفاسق، وكان قد أرسل إلى المنافق أن استعدّوا وابنوا مسجداً فإنّى أذهب إلى قيصر وآتى من عنده بجنود، وأخرج محمّـداً من المدينة فكان هؤلاء المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامر فمات قبل أن يبلغ ملك الروم.

أقول: وفي معناه عدّة من الروايات.

وفي الكافي بإسناده عن الحلبيّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: سألته عن المسجد الّذى اُسّس على التقوى فقال: مسجد قبا.

أقول: ورواه العيّـاشيّ في تفسيره، وروى هذا المعنى أيضاً في الكافي بإسناده عن معاوية بن عمّار عنهعليه‌السلام .

وقد روى في الدرّ المنثور بغير واحد من الطرق عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: هو مسجدي هذا، وهو مخالف لظاهر الآية وخاصّـة قوله:( فيه رجال ) الخ، فإنّ الكلام موضوع في القياس بين المسجدين: مسجد قبا ومسجد الضرار والقياس بين أهليهما ولا غرض يتعلّق بمسجد النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفي تفسير العيّـاشيّ عن الحلبيّ عن الصادقعليه‌السلام قال: سألته عن قول الله: فيه( رجال يحبّون أن يتطهّروا ) قال: الّذين يحبّون أن يتطهّروا نظف الوضوء وهو الاستنجاء بالماء وقال: قال: نزلت هذه في أهل قبا.

____________________

(١) وفي السيرة: يجاد بن عثمان وهو الصحيح (ب).


وفي المجمع في الآية قال: يحبّون أن يتطهّروا بالماء عن الغائط والبول وهو المروىّ عن السيّدين: الباقر والصادقعليهما‌السلام ، وروى عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال لأهل قبا: ما ذا تفعلون في طهركم فإنّ الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء؟ قالوا: نغسل أثر الغائط. فقال: أنزل الله فيكم:( والله يحبّ المطهّرين ) .

وفيه في قراءة قوله:( إلّا أن تقطّع قلوبهم ) وقرء يعقوب وسهل:( إلى أن ) على أنّه حرف الجرّ، وهو قراءة الحسن وقتادة والجحدريّ وجماعة، ورواه البرقىّ عن أبى عبداللهعليه‌السلام .


( سورة التوبة آيه ١١١ - ١٢٣)  

إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( ١١١ ) التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( ١١٢ ) مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى‏ مِن بَعْدِ مَاتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( ١١٣ ) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلّا عَن مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيّنَ لَهُ أَنّهُ عَدُوّ للّهِ‏ِ تَبَرّأَ مِنْهُ إِنّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ ( ١١٤ ) وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتّى‏ يُبَيّنَ لَهُم مَايَتّقُونَ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ ( ١١٥ ) إِنّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيّ وَلاَنَصِيرٍ ( ١١٦ ) لَقَد تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِمَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( ١١٧ ) وَعَلَى الثّلاَثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا حَتّى‏ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنّوا أَن لاَمَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلّا إِلَيْهِ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ ( ١١٨ ) يَاأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ( ١١٩ ) مَاكَانَ لْأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلّفُوا عَن رَسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنّهُمْ لاَيُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ


نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَيَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلاَيَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنّ اللّهَ لاَيُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( ١٢٠ ) وَلاَيُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَيَقْطَعُونَ وَادِياً إِلّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٢١ ) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقّهُوا فِي الدّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلّهُمْ يَحْذَرُونَ ( ١٢٢ ) يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الّذِينَ يَلُونَكُم مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ ( ١٢٣ )

( بيان)

آيات في أغراض متفرّقة يجمعها غرض واحد مرتبط بغرض الآيات السابقة فإنّها تتكلّم حول القتال فمنها ما يمدح المؤمنين ويعدهم وعداً جميلاً على جهادهم في سبيل الله ومنها ما ينهى عن التودّد إلى المشركين و الاستغفار لهم، ومنها ما يدلّ على توبته تعالى للثلاثة المخلّفين عن غزوة تبوك، ومنها ما يفرض على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يخرجوا مع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا أراد الخروج إلى قتال ولا يتخلّفوا عنه، ومنها ما يفرض على الناس أن يلازم بعضهم البيضة للتفقّه في الدين ثمّ تبليغه إلى قومهم إذا رجعوا إليهم ومنها ما يقضى بقتال الكفّـار ممّن يلى بلاد الإسلام.

قوله تعالى: ( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنّـة ) إلى آخر الآية، الاشتراء هو قبول العين المبيعة بنقل الثمن في المبايعة.

والله سبحانه يذكر في الآية وعده القطعيّ للّذين يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم بالجنّـة، ويذكر أنّه ذكر ذلك في التوراة والإنجيل كما يذكره في القرآن.


وقد قلبه سبحانه في قالب التمثيل فصوّر ذلك بيعاً، وجعل نفسه مشترياً والمؤمنين بايعين، وأنفسهم وأموالهم سلعة ومبيعاً، والجنّـة ثمناً، والتوراة والإنجيل والقرآن سنداً للمبايعة، وهو من لطيف التمثيل ثمّ يبشّر المؤمنين ببيعهم ذلك، ويهنّئهم بالفوز العظيم.

قوله تعالى: ( التائبون العابدون الحامدون السائحون ) إلى آخر الآية، يصف سبحانه المؤمنين بأجمل صفاتهم، والصفات مرفوعة بالقطع أي المؤمنون هم التائبون العابدون الخ، فهم التائبون لرجوعهم من غير الله إلى الله سبحانه العابدون له ويعبدونه بألسنتهم فيحمدونه بجميل الثناء، وبأقدامهم فيسيحون ويجولون من معهد من المعاهد الدينيّـة ومسجد من مساجد الله إلى غيره، و بأبدانهم فيركعون له ويسجدون له.

هذا شأنهم بالنسبة إلى حال الانفراد وأمّا بالنسبة إلى حال الاجتماع فهم آمرون بالمعروف في السنّة الدينيّـة وناهون عن المنكر فيها ثمّ هم حافظون لحدود الله لا يتعدّونه في حالتى انفرادهم واجتماعهم خلوتهم وجلوتهم، ثمّ يأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأن يبشّرهم وقد بشّرهم تعالى نفسه في الآية السابقة، وفيه من كمال التأكيد ما لا يقدّر قدره.

وقد ظهر بما قرّرنا أوّلاً: وجه الترتيب بين الأوصاف الّتى عدّها لهم فقد بدء بأوصافهم منفردين وهى التوبة والعبادة والسياحة والركوع والسجود ثمّ ذكر ما لهم من الوصف الخاصّ بهم المنبعث عن إيمانهم مجتمعين وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وختم بما لهم من جميل الوصف في حالتى انفرادهم واجتماعهم وهو حفظهم لحدود الله، وفي التعبير بالحفظ مضافاً إلى الدلالة على عدم التعدّي دلالة على الرقوب والاهتمام.

وثانياً: أنّ المراد بالسياحة - ومعناه السير في الأرض - على ما هو الأنسب بسياق الترتيب هو السير إلى مساكن ذكر الله وعبادته كالمساجد، وأمّا القول بأنّ المراد بالسياحة الصيام أو السياحة في الأرض للاعتبار بعجائب قدرة الله وما جرى على الاُمم الماضية ممّا تحكيه ديارهم وآثارهم أو المسافرة لطلب العلم أو المسافرة لطلب الحديث خاصّـة فهى وجوه غير سديدة.

أمّا الأوّل: فلا دليل عليه من جهة اللّفظ البتّـة، وأمّا الوجوه الاُخر فإنّها وإن


كانت ربّما استفيد الندب إليها من مثل قوله تعالى:( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم ) المؤمن: ٨٢، وقوله:( فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ) الآية ١٢٢ من السورة إلّا أنّ إرادتها من قوله:( السائحون ) تبطل جودة الترتيب بين الصفات المنضودة.

وثالثاً: أنّ هذه الصفات الشريفة هي الّتى يتمّ بها إيمان المؤمن المستوجب للوعد القطعيّ بالجنّـة المستتبع للبشارة الإلهيّـة والنبويّـة وهى الملازمة للقيام بحقّ الله المستلزمة لقيام الله سبحانه بما جعله من الحقّ على نفسه.

قوله تعالى: ( ما كان للنبىّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اُولى قربى ) إلى آخر الآيتين، معنى الآية ظاهر غير أنّه تعالى لمّا ذكر في الآية الثانية الّتى تبيّن سبب استغفار ابراهيم لأبيه مع كونه كافراً أنّه تبرّأ منه بعد ذلك لمّا تبيّن له أنّه عدوّ لله، فدلّ ذلك على أنّ تبيّن كون المشركين أصحاب الجحيم إنّما يرشد إلى عدم جواز الاستغفار لكونه ملازماً لكونهم أعداء لله فإذا تبيّن للنبىّ والّذين آمنوا أنّ المشركين أعداء لله كشف ذلك لهم عن حكم ضروريّ وهو عدم جواز الاستغفار لكونه لغواً لا يترتّب عليه أثر وخضوع الإيمان مانع أن يلغو العبد مع ساحة الكبرياء.

وذلك أنّه تارة يفرض الله تعالى عدوّاً للعبد مبغضاً له لتقصير من ناحيته وسوء من عمله فمن الجائز بالنظر إلى سعة رحمة الله أن يستغفر له ويسترحم إذا كان العبد متذلّلاً غير مستكبر، وتارة يفرض العبد عدوّاً لله محارباً له مستكبراً مستعلياً كأرباب الجحود والعناد من المشركين، والعقل الصريح حاكم بأنّه لا ينفعه حينئذ شفاعة بمسألة أو استغفار إلّا أن يتوب ويرجع إلى الله وينسلخ عن الاستكبار والعناد ويتلبّس بلباس الذلّة والمسكنة فلا معنى لسؤال الرحمة والمغفرة لمن يأبى عن القبول، ولا للاستعطاء لمن لا يخضع للأخذ والتناول إلّا الهزؤ بمقام الربوبيّـة واللعب بمقام العبوديّـة وهو غير جائز بضرورة من حكم الفطرة.

وفي الآية نفى الجواز بنفى الحقّ بدليل قوله:( ما كان للنبىّ والّذين آمنوا ) أي ما كانوا يملكون الاستغفار بعد ما تبيّن لهم كذا وكذا، وقد تقدّم في ذيل قوله


تعالى:( ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله ) الآية ١٧ من السورة أنّ حكم الجواز مسبوق في الشرع بجعل الحقّ.

والمعنى أنّ النبيّ والّذين آمنوا بعد ما ظهر وتبيّن بتبيين الله لهم أنّ المشركين أعداء لله مخلّدون في النار لم يكن لهم حقّ يملكون به أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اُولى قربى منهم، وأمّا استغفار إبراهيم لأبيه المشرك فإنّه ظنّ أنّه ليس بعدوّ معاند لله وإن كان مشركاً فاستعطفه بوعد وعدها إيّاه فاستغفر له فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ لله معاند على شركه وضلاله تبرّء منه.

وقوله:( إنّ إبراهيم لأوّاه حليم ) تعليل لوعد إبراهيم واستغفاره لأبيه بأنّه تحمّل جفوة أبيه ووعده وعداً حسناً لكونه حليماً واستغفر له لكونه أوّاهاً، والأوّاه هو الكثير التأوّه خوفاً من ربّه وطمعاً فيه.

قوله تعالى: ( وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون ) إلى آخر الآيتين الآيتان متّصلتان بالآيتين قبلهما المسوقتين للنهى عن الاستغفار للمشركين.

أمّا الآية الاُولى أعني قوله:( وما كان الله ليضلّ ) الخ ففيه تهديد للمؤمنين بالإضلال بعد الهداية إن لم يتّقوا ما بيّن الله لهم أن يتّقوه ويجتنبوا منه، وهو بحسب ما ينطبق على المورد أنّ المشركين أعداء لله لا يجوز الاستغفار لهم والتودّد إليهم فعلى المؤمنين أن يتّقوا ذلك وإلّا فهو الضلال بعد الهدى، وعليك أن تذكر ما قدّمناه في تفسير قوله تعالى:( اليوم يئس الّذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشوني ) المائدة: ٣ في الجزء الخامس من الكتاب وفي تفسير آيات ولاية المشركين وأهل الكتاب الواقعة في السور المتقدّمة.

والآية بوجه في معنى قوله تعالى:( ذلك بأنّ الله لم يك مغيّراً نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ) الأنفال: ٥٣ وما في معناه من الآيات، وهى جميعاً تهتف بأنّ من السنّة الإلهيّـة أن تستمرّ على العبد نعمته وهدايته حتّى يغيّر هو ما عنده بالكفران والتعدّى فيسلب الله منه النعمة والهداية.


وأمّا الآية الثانية أعنى قوله:( إنّ الله له ملك السماوات والأرض يحيى ويميت وما لكم من دون الله من ولىّ ولا نصير ) فذيلها بيان لعلّة الحكم السابق المدلول عليه بالآية السابقة وهو النهى عن تولّى أعداء الله أو وجوب التبرّى منهم إذ لا ولىّ ولا نصير حقيقة إلّا الله سبحانه وقد بيّنه للمؤمنين فعليهم بدلالة من إيمانهم أن يقصروا التولّى عليه تعالى أو من أذن في تولّيهم له من أوليائه وليس لهم أن يتعدّوا ذلك إلى تولّى أعدائه كائنين من كانوا.

وصدر الآية بيان لسبب هذا السبب وهو أنّ الله سبحانه هو الّذى يملك كلّ شئ وبيده الموت والحياة فإليه تدبير كلّ أمر فهو الولىّ لا ولىّ غيره.

وقد ظهر من عموم البيان والعلّة في الآيات الأربع أنّ الحكم عامّ وهو وجوب التبرّى أو حرمة التولّى لأعداء الله سواء كان التولّى بالاستغفار أو بغير ذلك وسواء كان العدوّ مشركاً أو كافراً أو منافقاً أو غيرهم من أهل البدع الكافرين بايات الله أو المصرّين على بعض الكبائر كالمرابى المحارب لله ورسوله.

قوله تعالى: ( لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الّذين ) إلى آخر الآيتين، الساعة مقدار من الزمان فساعة العسرة الزمان الّذى تعسر فيه الحياة لابتلاء الإنسان بما تشقّ معه العيشة عليه كعطش أو جوع أو حرّ شديد أو غير ذلك، والزيغ هو الخروج من الطريق والميل عن الحقّ، وإضافة الزيغ إلى القلوب وذكر ساعة العسرة وسائر ما يلوح من سياق الكلام دليل على أنّ المراد بالزيغ الاستنكاف عن امتثال أمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والخروج عن طاعته بالتثاقل عن الخروج إلى الجهاد أو الرجوع إلى الأوطان بقطع السير تحرّجاً من العسرة والمشقّة الّتى واجهتهم في مسيرهم.

والتخليف - على ما في المجمع - تأخير الشئ عمّن مضى فأمّا تأخير الشئ عنك في المكان فليس بتخليف، وهو من الخلف الّذى هو مقابل لجهة الوجه يقال، خلّفه أي جعله خلفه فهو مخلّف. انتهى والرحب هو السعة الّتى تقابل الضيق، وبما رحبت أي برحبها فما مصدريّة.

و الآيتان وإن كانت كلّ واحدة منهما ناظرة إلى جهة دون جهة الاُخرى


فالاُولى تبيّن التوبة على النبيّ والمهاجرين والأنصار والثانية تبيّن توبة الثلاثة المخلّفين مضافاً إلى أنّ نوع التوبة على أهل الآيتين مختلف فأهل الآية الاُولى أو بعضهم تاب الله عليهم من غير معصية منهم، وأهل الآية الثانية تيب عليهم وهم عاصون مذنبون.

وبالجملة الآيتان مختلفتان غرضاً ومدلولاً غير أنّ السياق يدلّ على أنّهما مسوقتان لغرض واحد ومتّصلتان كلاماً واحداً تبيّن فيه توبته تعالى للنبىّ والمهاجرين والأنصار والثلاثة الّذين خلّفوا، ومن الدليل عليه قوله:( لقد تاب الله على النبيّ - إلى أن قال -وعلى الثلاثة ) الخ فالآية الثانية غير مستقلّة عن الاُولى بحسب اللفظ وإن استقلّت عنها في المعنى، وذلك يستدعى نزولهما معاً وتعلّق غرض خاصّ بهذا الاتّصال والامتزاج.

ولعلّ الغرض الأصلىّ بيان توبة الله سبحانه لاُولئك الثلاثة المخلّفين وقد ضمّ إليها ذكر توبته تعالى للمهاجرين والأنصار حتّى للنبىّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لتطيب قلوبهم بخلطهم بغيرهم وزوال تميّزهم من سائر الناس وعفو أثر ذلك عنهم حتّى يعود الجميع على نعت واحد وهو أنّ الله تاب عليهم برحمته فهم فيه سواء من غير أن يرتفع بعضهم عن بعض أو ينخفض بعضهم عن بعض.

وبهذا تظهر النكتة في تكرار ذكر التوبة في الآيتين فإنّ الله سبحانه يبدء بذكر توبته على النبيّ والمهاجرين والأنصار ثمّ يقول:( ثمّ تاب عليهم ) وعلى الثلاثة الّذين خلّفوا ثمّ يقول:( ثمّ تاب عليهم ليتوبوا ) فليس إلّا أنّ الكلام مسوق على منهج الإجمال والتفصيل ذكر فيه توبته تعالى على الجميع إجمالاً ثمّ اُشير إلى حال كلّ من الفريقين على حدته فذُكرت عند ذلك توبته الخاصّـة به.

ولو كانت كلّ واحدة من الآيتين ذات غرض مستقلّ من غير أن يجمعها غرض جامع لكان ذلك تكراراً من غير نكتة ظاهرة.

على أنّ في الآية الاُولى دلالة واضحة على أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يكن له في ذلك ذنب


ولا زيغ ولا كاد أن يزيغ قلبه فإنّ في الكلام مدحاً للمهاجرين والأنصار باتّباع النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يزغ قلبه ولا كاد أن يزيغ حتّى صار متّبعاً يقتدى به ولو لا ما ذكرناه من الغرض لم يكن لذكرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع سائر المذكورين وجه ظاهر.

فيؤول معنى الآية إلى أنّ الله - اُقسم لذلك - تاب ورجع برحمته رجوعاً إلى النبيّ والمهاجرين والأنصار والثلاثة الّذين خلّفوا فأمّا توبته ورجوعه بالرحمة على المهاجرين والأنصار فإنّهم اتّبعوا النبيّ في ساعة العسرة وزمانها - وهو أيّـام مسيرهم إلى تبوك - اتّبعوه من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ويميل عن الحقّ بترك الخروج أو ترك السير فبعد ما اتّبعوه تاب الله عليهم إنّه بهم لرؤوف رحيم.

وأمّا الثلاثة الّذين خلّفوا فإنّهم آل أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ووسعت - وكان ذلك بسبب أنّ الناس لم يعاشروهم ولا كلّموهم حتّى أهلهم فلم يجدوا أنيساً يأنسون به - وضاقت عليهم أنفسهم - من دوام الغمّ عليهم - و أيقنوا أن لا ملجأ من الله إلّا إليه بالتوبة والإنابة فلمّا كان ذلك كلّه تاب الله عليهم وانعطف ورجع برحمته إليهم ليتوبوا إليه فيقبل توبتهم إنّه هو التوّاب - كثير الرجوع إلى عباده يرجع إليهم بالهداية والتوفيق للتوبة إليه ثمّ بقبول تلك التوبة - والرحيم بالمؤمنين.

وقد تبيّن بذلك كلّه أوّلاً: أنّ المراد بالتوبة على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم محض الرجوع إليه بالرحمة، ومن الرجوع إليه بالرحمة، الرجوع إلى اُمّته بالرحمة فالتوبة عليهم توبة عليه فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الواسطة في نزول الخيرات والبركات إلى اُمّته.

وأيضاً فإنّ من فضله تعالى على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن: كلّما ذكر اُمّته أو الّذين معه بخير أفرده من بينهم وصدر الكلام بذكره تشريفاً له كما في قوله:( آمن الرسول بما اُنزل إليه من ربّه والمؤمنون ) البقرة: ٢٨٥ وقوله:( ثمّ أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) التوبة ٢٦، وقوله:( لكن الرسول والّذين آمنوا معه جاهدوا ) التوبة ٨٨ إلى غير ذلك من الموارد.

وثانياً: أنّ المراد بما ذكر ثانياً وثالثاً من التوبه بقوله:( ثمّ تاب عليهم ) في


الموضعين هو تفصيل ما ذكره إجمالاً بقوله:( لقد تاب الله ) .

وثالثاً: أنّ المراد بالتوبة في قوله:( ثمّ تاب عليهم ) في الموضعين رجوعه تعالى إليهم بالهداية إلى الخير والتوفيق فقد ذكرنا مراراً في الأبحاث السابقة أنّ توبة العبد محفوفة بتوبتين من الربّ تعالى، وأنّه يرجع إليه بالتوفيق وإفاضة رحمة الهداية وهو التوبة الاُولى منه فيهتدى العبد إلى الاستغفار وهو توبته فيرجع تعالى إليه بقبول توبته وغفران ذنوبه وهو التوبة الثانية منه تعالى.

والدليل على أنّ المراد بها في الموضعين ذلك أمّا في الآية الاُولى فلأنّه لم يذكر منهم فيها ذنباً يستغفرون له حتّى تكون توبته عليهم توبة قبول، وإنّما ذكر أنّه كان من المتوقّع زيغ قلوب بعضهم وهو يناسب التوبة الاُولى منه تعالى دون الثانية، وأمّا في الآية الثانية فلأنّه ذكر بعدها قوله:( ليتوبوا ) وهو الاستغفار، اُخذ غاية لتوبته تعالى فتوبته تعالى قبل توبتهم ليست إلّا التوبة الاُولى منه.

وربّما أيّد ذلك قوله تعالى في مقام تعليل توبته عليهم:( إنّه بهم رؤوف رحيم ) حيث لم يذكر من أسمائه ما يدلّ بلفظه على قبول توبتهم كما لم يذكر منهم توبة بمعنى الاستغفار.

ورابعاً: أنّ المراد بقوله في الآية الثانية:( ليتوبوا ) توبة الثلاثة الّذين خلّفوا المترتّب على توبته تعالى الاُولى عليهم، فالمعنى ثمّ تاب الله على الثلاثة ليتوب الثلاثة فيتوب عليهم ويغفر لهم إنّه هو التوّاب الرحيم.

فان قلت: فالآية لم تدلّ على قبول توبتهم وهذا مخالف للضرورة الثابتة من جهة النقل أنّ الآية نزلت في توبتهم.

قلت: القصّة ثابتة نقلاً غير أنّها لا توجد دلالة في لفظ الآية إلّا أنّ الآية تدلّ بسياقها على ذلك فقد قال تعالى قى مقام الإجمال:( لقد تاب الله ) وهو أعمّ بإطلاقه من التوبة بمعنى التوفيق وبمعنى القبول، وكذا قوله بعد:( إنّ الله هو التوّاب الرحيم ) وخاصّـة بالنظر إلى ما في الجملة من سياق الحصر الناظر إلى قوله:( وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلّا إليه ) فإذا كانوا أقدموا على التوبة ليأخذوا ملجاً من الله يأمنون فيه وقد هداهم


الله إليه بالتوبة فتابوا فمن المحال أن يردّهم الله من بابه خائبين وهو التوّاب الرحيم، وكيف يستقيم ذلك؟ وهو القائل عزّ من قائل:( إنّما التوبة على الله للّذين يعملون السوء بجهالة ثمّ يتوبون من قريب فاُولئك يتوب الله عليهم ) النساء: ١٧.

وربّما قيل: إنّ معنى( ثمّ تاب عليهم ليتوبوا ) ثمّ سهّل الله عليهم التوبة ليتوبوا. وهو سخيف. وأسخف منه قول من قال: إنّ المراد بالتوبة في( ليتوبوا ) الرجوع إلى حالتهم الاُولى قبل المعصية. وأسخف منه قول آخرين: إنّ الضمير في( ليتوبوا ) راجع إلى المؤمنين والمعنى ثمّ تاب على الثلاثة وأنزل توبتهم على نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليتوب المؤمنون من ذنوبهم لعلمهم بأنّ الله قابل التوب.

وخامساً: أنّ الظنّ يفيد في الآية مفاد العلم لا لدلالة لفظيّـة بل لخصوص المورد.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله وكونوا مع الصادقين ) الصدق بحسب الأصل مطابقة القول والخبر للخارج، ويوصف به الإنسان إذا طابق خبره الخارج ثمّ لمّا عدّ كلّ من الاعتقاد والعزم - الإرادة - قولاً توسّع في معنى الصدق فعدّ الإنسان صادقاً إذا طابق خبره الخارج وصادقاً إذا عمل بما اعتقده وصادقاً إذا أتى بما يريده ويعزم عليه على الجدّ.

وما في الآية من إطلاق الأمر بالتقوى واطلاق الصادقين وإطلاق الأمر بالكون معهم - والمعيّة هي المصاحبة في العمل وهو الاتّباع - يدلّ على أنّ المراد بالصدق هو معناه آلوسيع العامّ دون الخاصّ.

فالآية تأمر المؤمنين بالتقوى واتّباع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وهو غير الأمر بالاتّصاف بصفتهم فإنّه الكون منهم لا الكون معهم وهو ظاهر.

قوله تعالى: ( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ) إلى آخر الآيتين الرغبة ميل خاصّ نفسانيّ والرغبة في الشئ الميل إليه لطلب منفعة فيه، والرغبة عن الشئ الميل عنه بتركه والباء للسببيّـة فقوله:( ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ) معناه وليس لهم أن يشتغلوا بأنفسهم عن نفسه فيتركوه عند مخاطر المغازى وفي تعب الأسفار ودعثائها ويقعدوا


للتمتّع من لذائذ الحياة، والظمأ العطش، والنصب التعب والمخمصة المجاعة، والغيظ أشدّ الغضب، والموطئ الأرض الّتى توطأ بالأقدام.

والآية تسلب حقّ التخلّف عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من أهل المدينة والأعراب الّذين حولها ثمّ تذكر أنّ الله قابل هذا السلب منهم بأنّه يكتب لهم في كلّ مصيبة تصيبهم في الجهاد من جوع وعطش وتعب وفي كلّ أرض يطئونها فيغيطون به الكفّـار أو نيل نالوه منهم عملاً صالحاً فإنّهم محسنون والله لا يضيع أجر المحسنين، وهذا معنى قوله:( ذلك بأنّهم لا يصيبهم ظمأ ) الخ.

ثمّ ذكر أنّ نفقاتهم صغيرة يسيرة كانت أو كبيرة خطيرة وكذا كلّ واد قطعوه فإنّه مكتوب لهم محفوظ لأجلهم ليجزوا به أحسن الجزاء.

وقوله:( ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ) غاية متعلّقة بقوله:( كتب لهم ) أي غاية هذه الكتابة هي أن يجزيهم بأحسن أعمالهم، وإنّما خصّ جزاء أحسن الأعمال بالذكر لأنّ رغبة العامل عاكفة عليه، أو لأنّ الجزاء بأحسنها يستلزم الجزاء بغيره، أو لأنّ المراد بأحسن الأعمال الجهاد في سبيل الله لكونه أشقّها وقيام الدعوة الدينيّـة به.

وههنا معنى آخر وهو أنّ جزاء العمل في الحقيقة إنّما هو نفس العمل عائداً إلى الله فأحسن الجزاء هو أحسن العمل فالجزاء بأحسن الأعمال في معنى الجزاء بأحسن الجزاء ومعنى آخر وهو أن يغفر الله سبحانه سيّئاتهم المشوبة بأعمالهم الحسنة ويستر جهات نقصها فيكون العمل أحسن بعد ما كان حسناً ثمّ يجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون فافهم ذلك وربّما رجع المعنيان إلى معنى واحد.

قوله تعالى: ( وما كان المؤمنون لينفروا كافّة فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ) السياق يدلّ على أنّ المراد بقوله:( لينفروا كافّة ) لينفروا وليخرجوا إلى الجهاد جميعاً، وقوله:( فرقة منهم ) الضمير للمؤمنين الّذين ليس لهم أن ينفروا كافّة، ولازمه أن يكون النفر إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منهم.

فالآية تنهى مؤمنى سائر البلاد غير مدينة الرسول أن ينفروا إلى الجهاد كافّة


بل يحضّضهم أن ينف طائفة منهم إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للتفقّه في الدين، وينفر إلى الجهاد غيرهم.

والأنسب بهذا المعنى أن يكون الضمير في قوله( رجعوا ) للطائفة المتفقّهين، وفي قوله:( إليهم ) لقومهم والمراد إذا رجع هؤلاء المتفقّهون إلى قومهم، ويمكن العكس بأن يكون المعنى: إذا رجع قومهم من الجهاد إلى هؤلاء الطائفة بعد تفقّههم ورجوعهم إلى اوطانهم.

ومعنى الآية لا يجوز لمؤمنى البلاد أن يخرجوا إلى الجهاد جميعاً فهلّا نفر وخرج إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم طائفة من كلّ فرقة من فرق المؤمنين ليتحقّقوا الفقه والفهم في الدين فيعملوا به لأنفسهم ولينذروا بنشر معارف الدين وذكر آثار المخالفة لاُصوله وفروعه قومهم إذا رجعت هذه الطائفة إليهم لعلّهم يحذرون ويتّقون.

ومن هنا يظهر أوّلاً: أنّ المراد بالتفقّه تفهّم جميع المعارف الدينيّـة من اُصول وفروع لا خصوص الأحكام العمليّـة وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرّعة، والدليل عليه قوله:( لينذروا قومهم ) فإنّ ذلك أمر إنّما يتمّ بالتفقّه في جميع الدين وهو ظاهر.

وثانياً: أنّ النفر إلى الجهاد موضوع عن طلبة العلم الدينىّ بدلالة من الآية.

وثالثاً: أنّ سائر المعاني المحتملة الّتى ذكروها في الآية بعيده عن السياق كقول بعضهم: إنّ المراد بقوله:( لينفروا كافّة ) نفرهم إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للتفقّه، وقول بعضهم في( فلو لا نفر ) : أي إلى الجهاد، والمراد بقوله:( ليتفقهوا ) أي الباقون المتخلّفون فينذروا قومهم النافرين إلى الجهاد إذا رجعوا إلى اُولئك المتخلّفين. فهذه ونظائرها معان بعيدة لا جدوى في التعرّض لها والإطناب في البحث عنها.

قوله تعالى: ( يا أيّها الّذين آمنوا قاتلوا الّذين يلونكم من الكفّـار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أنّ الله مع المتّقين ) أمر بالجهاد العامّ الّذى فيه توسّع الإسلام حتّى يشيع في الدنيا فإنّ قتال كلّ طائفة من المؤمنين من يليهم من الكفّـار لا ينتهى إلّا باتّساع الإسلام اتّساعاً باستقرار سلطنته على الدنيا وإحاطته بالناس جميعاً.

والمراد بقوله:( وليجدوا فيكم غلظة ) أي الشدّة في ذات الله وليس يعنى بها


الخشونة والفظاظة وسوء الخلق والقساوة والجفاء فجميع الاُصول الدينيّـة تذمّ ذلك وتستقبحه، ولحن آيات الجهاد ينهى عن كلّ تعدّ واعتداء وجفاء كما مرّ في سورة البقرة.

وفي قوله:( واعلموا أنّ الله مع المتّقين ) وعد إلهى بالنصر بشرط التقوى، ويؤول معناه إلى إرشادهم إلى أن يكونوا دائماً مراقبين لأنفسهم ذاكرين مقام ربّهم منهم، وهو أنّه معهم ومولاهم فهم الأعلون إن كانوا يتّقون.

( بحث روائي)

في الدرّ المنثور أخرج ابن أبى حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبدالله قال: نزلت هذه الآية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في المسجد:( إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ) الآية فكبّر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاريّ: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل.

وفي الكافي بإسناده عن سماعة عن أبى عبداللهعليه‌السلام قال: لقى عبّاد البصريّ علىّ بن الحسينعليه‌السلام في طريق مكّة فقال له: يا علىّ بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحجّ ولينته إنّ الله يقول:( إنّ الله اشترى ) الخ، فقال علىّ بن الحسينعليه‌السلام إذا رأينا هؤلاء الّذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحجّ.

أقول: يريدعليه‌السلام ما في الآية الثانية:( التائبون العابدون ) الآية من الأوصاف.

وعن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: سياحة اُمّتى في المساجد.

أقول: وروى عن أبى هريرة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ السائحين هم الصائمون، وعن أبى اُمامة عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ سياحة اُمّتى الجهاد في سبيل الله، وقد تقدّم الكلام فيه.

وفي المجمع:( التائبين العابدين ) إلى آخرها بالياء عن أبى جعفر وأبى عبداللهعليهما‌السلام .


وفي الدرّ المنثور في قوله تعالى:( ما كان للنبىّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) أخرج ابن أبى شيبة وأحمد والبخاريّ ومسلم والنسائيّ وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم وأبوالشيخ وابن مردويه والبيهقيّ في الدلائل عن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعنده أبوجهل وعبدالله بن أبى أميّة فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أى عمّ قل لا إله إلّا الله اُحاجّ لك بها عند الله فقال أبوجهل وعبدالله بن أبى اُميّة: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبدالمطّلب؟ وجعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعرضها عليه وأبوجهل وعبدالله يعانوانه(١) بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلّمهم هو: على ملّة عبدالمطّلب، وأبى أن يقول: لا إله إلّا الله.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت:( ما كان للنبىّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) الآية، وأنزل الله في أبى طالب فقال لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( إنّك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء ) .

اقول: وفي معناه روايات اُخرى من طرق أهل السنّة، وفى بعضها أنّ المسلمين لمّا رأوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يستغفر لعمّه وهو مشرك استغفروا لآبائهم المشركين فنزلت الآية، وقد اتّفقت الرواية عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام أنّه كان مسلماً غير متظاهر بإسلامه ليتمكّن بذلك من حماية النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفيما روى بالنقل الصحيح من أشعاره شئ كثير يدلّ على توحيده وتصديقه النبوّة، وقد قدّمنا نبذة منها.

وفي الكافي بإسناده عن زرارة عن أبى جعفر قال: الأوّاه الدّعاء.

وفي المجمع في قوله تعالى:( وما كان الله ليضلّ قوماً ) الآية قيل: مات قوم من المسلمين على الإسلام قبل أن تنزل الفرائض فقال المسلمون: يا رسول الله إخواننا المسلمون ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم؟ فنزل:( وما كان الله ليضلّ قوماً ) الآية عن الحسن.

وفي الدرّ المنثور أخرج ابن مردويه عن ابن عبّـاس في الآية قال: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الاُسارى(٢) قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتّى يؤذن لكم

____________________

(١) أي يفسرانه.

(٢) يعنى يوم بدر.


ولكن ما كان الله ليعذّب قوماً بذنب أذنبوه حتّى يبيّن لهم ما يتّقون. قال: حتّى ينهاهم قبل ذلك.

أقول: ظاهر الروايتين أنّهما من التطبيق دون النزول بمعناه المصطلح عليه، واتّصال الآية بالآيتين قبلها ودخولها في سياقهما ظاهر، وقد تقدّم توضيحه.

وفي الكافي بإسناده عن حمزة بن محمّـد الطيّار عن أبى عبداللهعليه‌السلام في قول الله:( وما كان الله ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون ) قال: يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه. الحديث.

أقول: ورواه أيضاً عن عبد الأعلى عنهعليه‌السلام ، ورواه البرقىّ أيضاً في المحاسن.

وفى تفسير القمّىّ:( لقد تاب الله بالنبيّ على المهاجرين والأنصار الّذين اتّبعوه في ساعة العسرة ) قال الصادقعليه‌السلام : هكذا نزلت وهم أبوذرّ وأبو خيثمة وعمير بن وهب الّذين تخلّفوا ثمّ لحقوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

أقول: وقد استخرجناه من حديث طويل أورده القمّىّ في تفسيره في قوله تعالى:( ولو أرادوا الخروج لأعدوّا له عدّة ) الآية: ٤٦ من السورة، وروى قراءة( بالنبيّ ) في المجمع عنه وعن الرضاعليهما‌السلام .

وفي المجمع في قوله:( وعلى الثلاثة الّذين خلّفوا ) وقرء علىّ بن الحسين زين العابدين ومحمّـد بن علىّ الباقرو جعفر بن محمّـد الصادقعليهم‌السلام وأبو عبد الرحمن السلمىّ. خالفوا.

وفيه في قوله:( لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار ) الآية نزلت في غزاة تبوك وما لحق المسلمين فيها من العسرة حتّى همّ قوم بالرجوع ثمّ تداركهم لطف الله سبحانه قال الحسن: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثمّ ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم الشعير المسوّس والتمر المدوّد والإهالة السنخة وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التميرات بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتّى يجد طعمها ثمّ يعطيها صاحبه فيمصّها ثمّ يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتّى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلّا النواة.

وفيه في قوله:( وعلى الثلاثة الّذين خلّفوا ) الآية نزلت في شأن كعب بن مالك


ومرارة بن الربيع وهلال بن اُميّة، وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولم يخرجوا معه لا عن نفاق ولكن عن توان ثمّ ندموا فلمّا قدم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم المدينة جاؤوا إليه واعتذروا فلم يكلّمهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتقدّم إلى المسلمين بأن لا يكلّمهم أحد منهم فهجرهم الناس حتّى الصبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلن له: يا رسول الله نعتزلهم؟ فقال: ولكن لا يقربوكنّ.

فضاقت عليهم المدينة فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيؤون لهم بالطعام ولا يكلّمونهم فقال بعضهم لبعض: قد هجرنا الناس ولا يكلّمنا أحد منهم فهلّا نتهاجر نحن أيضاً فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وبقوا على ذلك خمسين يوماً يتضرّعون إلى الله تعالى ويتوبون إليه، فقبل الله تعالى توبتهم وأنزل فيهم هذه الآية.

أقول: وقد تقدّمت القصّة في حديث طويل نقلناه من تفسير القمّىّ في الآية ٤٦ من السورة، ورويت القصّة بطرق كثيرة.

وفي تفسير البرهان عن ابن شهر آشوب من تفسير أبى يوسف بن يعقوب بن سفيان حدّثنا مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال:( يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا الله ) قال: أمر الله الصحابة أن يخافوا الله. ثمّ قال:( وكونوا مع الصادقين ) يعنى مع محمّـد وأهل بيتهعليهم‌السلام .

أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة عن أئمّـة أهل البيتعليهم‌السلام وقد روى في الدرّ المنثورعن ابن مردويه عن ابن عبّـاس، وأيضاً عن ابن عساكر عن أبى جعفر في قوله:( وكونوا مع الصادقين ) قالا: مع علىّ بن أبى طالب.

وفي الكافي بإسناده عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبدالله (عيه السلام) إذا حدث على الإمام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: أين قول الله عزّوجلّ:( فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون ) قال: هم في عذر ما داموا في الطلب، وهؤلاء الّذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم.


أقول: وفي هذا المعنى روايات كثيرة عن الأئمّةعليهم‌السلام ، وهو ممّا يدلّ على أن المراد بالتفقّه في الآية أعمّ من تعلّم الفقه بالمعنى المصطلح عليه اليوم.

واعلم أنّ هناك أقوالاً اُخرى في أسباب نزول بعض الآيات السابقة تركناها لظهور ضعفها ووهنها.


( سورة التوبة آيه ١٢٤ - ١٢٩)  

وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيّكُمْ زَادَتْهُ هذِهِ إِيمَاناً فَأَمّا الّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( ١٢٤ ) وَأَمّا الّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى‏ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ( ١٢٥ ) أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ ثُمّ لاَيَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذّكّرُونَ ( ١٢٦ ) وَإِذا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى‏ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِنْ أَحَدٍ ثُمّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنّهُمْ قَوْمٌ لاَيَفْقَهُونَ ( ١٢٧ ) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ( ١٢٨ ) فَإِن تَوَلّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لاَإِلهَ إِلّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَهُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( ١٢٩ )

( بيان)

هي آيات تختتم بها آيات براءة وهى تذكر حال المؤمنين والمنافقين عند مشاهدة نزول السور القرآنيّـة، يتحصّل بذلك أيضاً أمارة من أمارات النفاق يعرف بها المنافق من المؤمن، وهو قولهم عند نزول القرآن: أيّكم زادته هذه إيماناً ؟ ونظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد؟

وفيها وصفه تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وصفاً يحنّ به إليه قلوب المؤمنين، وأمره بالتوكّل عليه إن أعرضوا عنه.

قوله تعالى: ( وإذا ما اُنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً ) إلى آخر الآيتين. نحو السؤال في قولهم: هل يراكم من أحد؟ يدلّ على أنّ سائله لا يخلو من شئ في قلبه فإنّ هذا السؤال بالطبع سؤال من لا يجد في قلبه أثراً من


نزول القرآن وكأنّه يذعن أنّ قلوب غيره كقلبه فيما يتلقّاه فيتفحّص عمّن أثّر في قلبه نزول القرآن كأنّه يرى أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدّعى أنّ القرآن يصلح كلّ قلب سواء كان مستعدّاً مهيّئاً للصلاح أم لا وهو لا يذعن بذلك وكلّما تليت عليه سورة جديدة ولم يجد في قلبه خشوعاً لله ولا ميلاً وحناناً إلى الحقّ زاد شكّاً فبعثه ذلك إلى أن يسأل سائر من حضر عند النزول عن ذلك حتّى يستقرّ في شكّه ويزيد ثباتاً في نفاقه.

وبالجملة السؤال سؤال من لا يخلو قلبه من نفاق.

وقد فصل الله سبحانه أمر القلوب وفرّق بين قلوب المؤمنين والّذين في قلوبهم مرض فقال:( فأمّا الّذين آمنوا ) وهم الّذين قلوبهم خالية عن النفاق بريئة من المرض وهم على يقين من دينهم بقرينة المقابلة( فزادتهم ) السورة النازلة( إيماناً ) فإنّها بإنارتها أرض القلب بنور هدايتها توجب اشتداد نور الإيمان فيه، وهذه زيادة في الكيف، وباشتمالها على معارف وحقائق جديدة من المعارف القرآنيّـة والحقائق الإلهيّـة، وبسطها على القلب نور الإيمان بها توجب زيادة إيمان جديد على سابق الإيمان وهذه زيادة في الكمّيّة ونسبة زيادة الإيمان إلى السورة من قبيل النسبة إلى الأسباب الظاهرة وكيف كان فالسورة تزيد المؤمنين إيماناً فتنشرح بذلك صدورهم وتتهلّل وجوههم فرحاً( وهم يستبشرون ) .

( وأما الّذين في قلوبهم مرض ) وهم أهل الشكّ والنفاق( فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) أي ضلالاً جديداً إلى ضلالهم القديم وقد سمّى الله سبحانه الضلال رجساً في قوله:( ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الّذين لا يؤمنون ) الانعام: ١٢٥ والمقابلة الواقعة بين( الّذين آمنوا ) و( الّذين في قلوبهم مرض ) يفيد أنّ هؤلاء ليس في قلوبهم إيمان صحيح وإنّما هو الشكّ أو الجحد وكيف كان فهو الكفر ولذلك قال( وماتوا وهم كافرون ) .

والآية تدلّ على أنّ السورة من القرآن لا تخلو عن تأثير في قلب من استمعه فإن كان قلباً سليماً زادته إيماناً واستبشاراً وسروراً، وإن كان قلباً مريضاً زادته رجساً وضلالاً نظير ما يفيده قوله:( وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلّا


خساراً ) أسرى: ٨٢.

قوله تعالى: ( أو لا يرون أنّهم يفتنون في كلّ عام مرّة أو مرّتين ) الآية الاستفهام للتقرير أي ما لهم لا يتفكّرون ولا يعتبرون وهم يرون أنّهم يبتلون ويمتحنون كلّ عام مرّة أو مرّتين فيعصون الله ولا يخرجون من عهدة المحنة الإلهيّـة وهم لا يتوبون ولا يتذكّرون ولو تفكّروا في ذلك انتبهوا لواجب أمرهم وأيقنوا أنّ الاستمرار على هذا الشأن ينتهى بهم إلى تراكم الرجس على الرجس والهلاك الدائم والخسران المؤبّد.

قوله تعالى: ( وإذا ما اُنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ) الآية وهذه خصيصة اُخرى من خصائصهم وهى أنّهم عند نزول سورة قرآنيّـة - ولا محالة هم حاضرون - ينظر بعضهم إلى بعض نظر من يقول: هل يراكم من أحد، وهذا قول من يسمع حديثاً لا يطيقه ويضيق بذلك صدره فيتغيّر لونه ويظهر القلق والاضطراب في وجهه فيخاف أن يلتفت إليه ويظهر السرّ الّذى طواه في قلبه فينظر إلى بعض من كان قد أودعه سرّه وأوقفه على باطن أمره كأنّه يستفسره هل يطّلع على ما بنا من القلق والاضطراب أحد؟

فقوله:( نظر بعضهم إلى بعض ) أي بعض المنافقين، وهذا من الدليل على أنّ الضمير في قوله في الآية السابقة:( فمنهم من يقول ) أيضاً للمنافقين، وقوله:( نظر بعضهم إلى بعض ) أي نظر قلق مضطرب يحذر ظهور أمره وانهتاك ستره، وقوله:( هل يراكم من أحد ) في مقام التفسير للنظر أي نظر بعضهم إلى بعض نظر من يقول: هل يراكم من أحد؟ ومن للتأكيد وأحد فاعل يراكم.

وقوله:( ثمّ انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنّهم قوم لا يفقهون ) ظاهر السياق أنّ المعنى ثمّ انصرفوا من عند النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حال صرف الله قلوبهم عن وعى الآيات الإلهيّـة والإيمان بها بسبب أنّهم قوم لا يفقهون الكلام الحقّ فالجملة حاليّة على ما يجوّزه بعضهممن خلوّا الجملة الحاليّة المصدّرة بالفعل الماضي عن قد.

وربّما احتمل كون قوله:( صرف الله قلوبهم ) دعاءً منه تعالى على المنافقين، وله


نظائر في القرآن، والدعاء منه تعالى على أحد إيعاد له بالشرّ.

قوله تعالى: ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) العنت هو الضرر والهلاك، وما في قوله:( ما عنتّم ) مصدريّة التأويل عنتكم، والمراد بالرسول على ما يشهد سياق الآيتين محمّـدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد وصفه بأنّه من أنفسهم والظاهر أنّ المراد به أنّه بشر مثلكم ومن نوعكم إذ لا دليل يدلّ على تخصيص الخطاب بالعرب أو بقريش خاصّـة، وخاصّـة بالنظر إلى وجود رجال من الروم وفارس والحبشة بين المسلمين في حال الخطاب.

والمعنى لقد جاءكم أيّها الناس رسول من أنفسكم، من أوصافه أنّه يشقّ عليه ضرّكم أو هلاككم وأنّه حريص عليكم جميعاً من مؤمن أو غير مؤمن، وأنّه رؤوف رحيم بالمؤمنين منكم خاصّـة فيحقّ عليكم أن تطيعوا أمره لأنّه رسول لا يصدع إلّا عن أمر الله، وطاعته طاعة الله، وأن تأنسوا به وتحنّوا إليه لأنّه من أنفسكم، وأن تجيبوا دعوته وتصغوا إليه كما ينصح لكم.

ومن هنا يظهر أنّ القيود المأخوذة في الكلام من الأوصاف أعني قوله( رسول ) و( من أنفسكم ) و( عزيز عليه ما عنتّم ) الخ، جميعها مسوقة لتأكيد الندب إلى إجابته وقبول دعوته، ويدلّ عليه قوله في الآية التالية:( فإن تولّوا فقل حسبى الله ) .

قوله تعالى: ( فإن تولّوا فقل حسبى الله لا إله إلّا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم ) أي وإن تولّوا عنك وأعرضوا عن قبول دعوتك فقل حسبى الله لا إله إلّا هو أي هو كافىّ لا إله إلّا هو.

فقوله:( لا إله إلّا هو ) في مقام التعليل لانقطاعه من الأسباب واعتصامه بربّه فهو كاف لا كافى سواه لأنّه الله لا إله غيره، ومن المحتمل أن تكون كلمة التوحيد جيئ بها للتعظيم نظير قوله:( وقالوا اتّخذ الله ولداً سبحانه ) البقرة: ١١٦.

وقوله:( عليه توكّلت ) وفيه معنى الحصر تفسير يفسّر به قوله:( حسبى الله ) الدالّ على معنى التوكّل بالالتزام، وقد تقدّم في بعض الأبحاث السابقة أنّ معنى التوكّل هو اتّخاذ العبد ربّه وكيلاً يحلّ محلّ نفسه ويتولّى تدبير اُموره أي انصرافه عن


التسبب بذيل ما يعرفه من الأسباب، ولا محالة هو بعض الأسباب الّذى هو علّة ناقصة والاعتصام بالسبب الحقيقيّ الّذي إليه ينتهي جميع الأسباب.

ومن هنا يظهر وجه تذييل الكلام بقوله:( وهو ربّ العرش العظيم ) أي الملك والسلطان الّذي يحكم به على كلّ شئ ويدبّر به كلّ أمر.

وإنّما قال تعالى:( فقل حسبي الله ) الآية ولم يقل: فتوكّل على الله لإرشاده إلى أن يتوكّل على ربّه وهو ذاكر هذه الحقائق الّتي تنوّر حقيقة معنى التوكّل، وأنّ انظر المصيب هو أن لا يثق الإنسان بما يدر كه من الأسباب الظاهرة الّتي هي لا محالة بعض الأسباب بل يأخذ بما يعلمه منها على ما طبعه الله عليه ويثق بربّه ويتوكّل عليه في حصول بغيته وغرضه.

وفي الآية من الدلالة على عجيب اهتمامهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باهتداء الناس ما ليس يخفى فإنّه تعالى يأمره بالتوكّل على ربّه فيما يهتمّ به من الأمر وهو ما تبيّنه الآية السابقة من شدّة رغبته وحرصه في اهتداء الناس وفوزهم بالسعادة فافهم ذلك.

( بحث روائي)

في الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيريّ عن أبي عبداللهعليه‌السلام - في حديث طويل يذكر فيه تمام الإيمان ونقصه، قال: قلت: قد فهمت نقصان الإيمان وتمامه فمن أين جاءت زيادته؟ فقال: قول الله عزّوجلّ:( وإذا ما اُنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه إيماناً فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) وقال:( نحن نقصّ عليك نبأهم بالحقّ إنّهم فتية آمنوا بربّهم وزدناهم هدى ) .

ولو كان كلّه واحداً لا زيادة فيه ولا نقصان لم يكن لأحد منهم فضل على الآخر، ولاستوت النعم فيه، ولاستوى الناس وبطل التفضيل، ولكن بتمام الإيمان دخل المؤمنون الجنّـة وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله، وبالنقصان دخل المفرّطون النار.


وفي تفسير العيّـاشيّ عن زرارة بن أعين عن أبى جعفرعليه‌السلام ( وأمّا الّذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم ) يقول شكّاً إلى شكّهم.

وفي الدرّ المنثور في قوله:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) أخرج أبونعيم في الدلائل عن ابن عبّـاس قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم يلتق أبواي قطّ على سفاح: لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيّـبة إلى الأرحام الطاهرة مصفّى مهذّباً لا تنشعب شعبتان إلّا كنت في خيرهما.

أقول: وقد أورد فيه روايات كثيرة في هذا المعنى عن رجال من الصحابة وغيرهم كالعبّـاس وأنس وأبى هريرة وربيعة بن الحارث بن عبدالمطّلب وابن عمر وابن عبّـاس وعلى ومحمّـد بن علىّ الباقر وجعفر بن محمّـد الصادقعليه‌السلام وغيرهم عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وفيه أخرج ابن الضريس في فضائل القرآن وابن الأنباريّ في المصاحف وابن مردويه عن الحسن أنّ اُبىّ بن كعب كان يقول: إنّ أحدث القرآن عهداً بالله - وفي لفظ بالسماء - هاتان الآيتان:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) إلى آخر الآية.

أقول: و الرواية مرويّـة من طريق آخر عن اُبىّ بن كعب، وهى لا تخلو عن تعارض مع ما سيأتي من الرواية وكذا مع ما تقدّم من الروايات في قوله تعالى:( واتّقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) الآية البقرة: ٢٨١ أنّها آخر آية نزلت من القرآن.

على أنّ لفظ الآيتين لا يلائم كونهما آخر ما نزلت من القرآن إلّا أن يكون إشارة إلى بعض الحوادث الواقعة في مرض النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كحديث الدواة والقرطاس.

وفيه أخرج ابن إسحاق وأحمد بن حنبل وابن أبى داود عن عباد بن عبدالله بن الزبير قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة:( لقد جاءكم رسول من أنفسكم - إلى قوله -وهو ربّ العرش العظيم ) إلى عمر فقال: من معك على هذا؟ فقال: لا أدرى والله إلّا أنّى أشهد لسمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووعيتها وحفظتها فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فألحقوها فاُلحقت في آخر براءة.

أقول: وفي رواية أخرى أنّ عمر قال للحارث: لا أسألك عليها بيّنه أبداً كذلك


كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي هذا المعنى أحاديث اُخرى، وسنستوفي الكلام في تأليف القرآن وما يتعلّق به من الأبحاث في تفسير سورة الحجر إن شاء الله تعالى.

وقد كنّا نرجو أن نفرد كلاماً في آخر براءة نبحث فيه عن شأن المنافقين في الإسلام ونستخرج ما يشرحه القرآن في أمرهم مع تحليل في تاريخهم وتبيين لما أودعوه من الفساد والبلوى بين المسلمين لكنّ طول الكلام في تفسير الآيات عاقنا عن ذلك فأخّرناه إلى موضع آخر يناسبه والله نسأل التوفيق فهو وليّه.

تمّ والحمد لله


الفهرس

( سورة الأنفال مدنيّـة وهي خمس وسبعون آيه )   ٣

( سورة الانفال آيه ١ - ٦ ). ٣

( بيان ). ٣

( بحث روائي ). ١٢

( سورة الانفال آيه ٧ - ١٤ ). ١٦

( بيان ). ١٦

( بحث روائي ). ٢١

( فهرس أسماء شهداء بدر. رض ). ٣٢

( سورة الانفال آيه ١٥ - ٢٩ ). ٣٤

( بيان ). ٣٥

( بحث روائي ). ٥٦

( سورة الانفال آيه ٣٠ - ٤٠ ). ٦٥

( بيان ). ٦٦

( بحث روائي ). ٧٧

( سورة الانفال آيه ٤١ - ٥٤ ). ٨٩

( بيان ). ٩٠

( بحث روائي ). ١٠٥

( سورة الانفال آيه ٥٥ - ٦٦ ). ١١٣

( بيان ). ١١٤

( بحث روائي ). ١٢٩

( سورة الانفال آيه ٦٧ - ٧١ ). ١٣٧

( بيان ). ١٣٧

( بحث روائي ). ١٤١


( سورة الانفال آيه ٧٢ - ٧٥ ). ١٤٥

( بيان ). ١٤٥

( بحث روائي ). ١٤٧

( سورة التوبة مدنيّـة وهى مائة وتسع وعشرون آية )   ١٤٩

( سورة التوبة آيه ١ - ١٦ ). ١٤٩

( بيان ). ١٥٠

( بحث روائي ). ١٦٦

( كلام في معنى العهد وأقسامه وأحكامه ). ١٩١

( كلام في نسبة الأعمال إلى الأسباب طولا ). ١٩٩

( سورة التوبة آيه ١٧ - ٢٤ ). ٢٠٧

( بيان ). ٢٠٧

( بحث روائي ). ٢١٨

( سورة التوبة آيه ٢٥ - ٢٨ ). ٢٢٧

( بيان ). ٢٢٧

( بحث روائي ). ٢٤٠

( فهرس أسماء شهداء حنين ). ٢٤٥

( سورة التوبة آيه ٢٩ - ٣٥ ). ٢٤٧

( بيان ). ٢٤٧

( بحث روائي ). ٢٦٣

( كلام في معنى الكنز ). ٢٧٣

( سورة التوبة آيه ٣٦ - ٣٧ ). ٢٧٩

( بيان ). ٢٧٩

( بحث روائي ). ٢٨٦

( سورة التوبة آيه ٣٨ - ٤٨ ). ٢٩١

( بيان ). ٢٩٢

( بحث روائي ). ٣٠٥


( سورة التوبة آيه ٤٩ - ٦٣ ). ٣١٩

( بيان ). ٣٢٠

( بحث روائي ). ٣٣٤

( سورة التوبة آيه ٦٤ - ٧٤ ). ٣٤٠

( بيان ). ٣٤١

( بحث روائي ). ٣٥٩

( سورة التوبة آيه ٧٥ - ٨٠ ). ٣٦٧

( بيان ). ٣٦٧

( بحث روائي ). ٣٧٠

( سورة التوبة آيه ٨١ - ٩٦ ). ٣٧٦

( بيان ). ٣٧٧

( بحث روائي ). ٣٨٣

( سورة التوبة آيه ٩٧ - ١٠٦ ). ٣٩٠

( بيان ). ٣٩١

( بحث روائي ). ٤٠٣

( كلام في الزكاة وسائر الصدقة ). ٤٠٨

( سورة التوبة آيه ١٠٧ - ١١٠ ). ٤١٢

( بيان ). ٤١٢

( بحث روائي ). ٤١٥

( سورة التوبة آيه ١١١ - ١٢٣ ). ٤١٨

( بيان ). ٤١٩

( بحث روائي ). ٤٣٠

( سورة التوبة آيه ١٢٤ - ١٢٩ ). ٤٣٥

( بيان ). ٤٣٥

( بحث روائي ). ٤٣٩