معالم الاصلاح عند اهل البيتعليهم‌السلام

تأليف الأستاد علي موسى الكعبي





مقدمة المركز

الحمد للّه ربّ العالمين ، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على نبيّه الأمين محمّد المصطفى وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

إنّ حفظ معالم الدين وصيانة أغراضه وحفظ مقاصده وتحقيق أهدافه إنّما هو في واقعه لخدمة الإنسان والارتقاء به إلى درجات الكمال. وبهذا يبنى المجتمع الإسلامي الأمثل.

ومن غير شكّ إنّ هذا لا يناط للقراءات المتعدّدة ولو توفّر أصحابها على بعض الكفاءات العلمية والقدرات العقلية في تحليل مفاهيم الشريعة ، ولا للاجتهادات القائمة على أسس استنباطية لم تحظَ بإمضاء الشريعة وتأييدها ، ولو كان أهلها على قدر عالٍ من النظر والاستنباط ، إذ لا يُؤْمَن عليها من ضغط العوامل الذاتية والخارجية ـ سياسية كانت أو اجتماعية ـ من أن توجّه عملية الاستنباط باتّجاه يبتعد عن روح الشريعة ومضمونها ، ويتقاطع مع أهداف الدين وجوهره سواء كان ذلك على صعيد أحكامه أو مفاهيمه أو معارفه.

وليست الشريعة الإسلامية ـ كشريعة ذات أحكام ومفاهيم ومعارف ـ بمصونة في ذاتها من التعرض لتحريف المبطلين ولاجتهادات الخاطئين ، تلك الظاهرة التي لازمت الفكر البشري على الدوام ووقعت في الأديان السّابقة.

ومن هنا تتجلى الأهمية الخاصّة ، والضرورة الأكيدة لوجود أئمّة المسلمين الذين جعلهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عِدلاً للكتاب العزيز وقرنهم به ، وأمر الناس باتّباع أقوالهم والتمسّك بهم وركوب سفينتهم مع تصريحهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنّهم إثنا عشر كنقباء بني إسرائيل ، وإن الأرض لا تخلو منهم طرفة عين ، وأنّ كلّ من مات ولم يعرف إمام زمانه منهم مات ميتة جاهلية.

وهل هم إلاّ أهل بيته الذين اصطفاهم اللّه وطهّرهم بمحكم كتابه؟

إنّ معرفة الأئمّةعليهم‌السلام لا شكّ تقودنا إلى العلم بسخافة الآراء والاستنباطات الظنّية والاجتهادات المعاصرة لهم والتي زخر بها التراث الإسلامي ، ولا زال الكثير


الكثير منها متَّبعاً إلى اليوم ، ذلك لأنّ مهمّة إصلاح المجتمع كانت واحدة من أهم مهمّات الأئمّة الطاهرين من أهل بيت النبوّة الذين أُوتوا علماً وفهماً واستيعاباً للشريعة ، بأصولها وفروعها وعلى الرغم من الظروف القاسية التي عاشها كلّ واحد منهمعليهم‌السلام ، حيث الضغط السياسي المطبق ، والسعي السلطوي الحثيث لفرض طوق من الحصار الاجتماعي والثقافي من حولهم ، إلاّ أنّهم أولوا هذه المهمّة ما تستحقّه من العناية على الدوام ، وكانت مهمّة صعبة ، عديدة المداخل ، حيث تزايد عدد المشتغلين بعلوم الشريعة ، وتعدّدت مدارسهم واتّجاهاتهم ، ونشطت ـ إلى جانب ذلك ـ حركة التدوين في شتى العلوم والمعارف ، وتبلور العديد من المذاهب الكلامية ، وربّما سبقتها ظهورا ، فتميّزت مذاهب : الارجاء ، والجبر ، والاعتزال ، والتفويض ، وظهرت مذاهب فقهية منسوبة إلى أصحابها من الفقهاء ، لاسيّما في المدينة والعراق ومصر كما انفتقت في ذلك العهد المبكّر نسبيا جملة من الحركات الغالية التي نسبت إليهمعليهم‌السلام صفات من صفات الإله جلّ وعلا ، إضافة إلى فرق أخرى انشقّت عن مدرسة أهل البيت نفسها؛ كالفطحية ، والإسماعيلية ، والواقفة ، وغيرها.

فالفضاء الفكري الذي ساد في عصور الأئمّةعليهم‌السلام مزدحم إذن بأنماط مختلفة من الرؤوس والأفكار والاجتهادات وفي جميع هذه الميادين لابدّ أن تكون لأئمّة أهل البيتعليهم‌السلام كلمتهم ، وإرشادهم ، وإضاءتهم ، وتقويمهم وتقييمهم ، إتماما لهدف الإمامة وغايتها ، ولمهمّة الهداية وأبعادها.

وهذه الدراسة الوجيزة تسلّط الضوء على بعض جوانب ومصاديق هذا الجهد الكبير ، الذي تتطلّب الإحاطة به سبرا واستقصاءً تفصيليين لتاريخ علوم الشريعة وما يتّصل بها ، منذ البداية الأولى ، مع تغطية سائر مراحل النموّ والتطوّر راجين أن يكون هذا الإسهام الذي يقدّمه مركزنا للقارئ خطوة على الطريق. واللّه من وراء القصد ، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

مركز الرسالة


المقدمة

الحمد للّه ربّ العالمين ، وسلامه على عباده المصطفين محمد وآله الهداة الميامين.

إنّ أهل البيتعليهم‌السلام هم معدن النبوة ، وأعلام الهدى ، وأهل البلاغة والفصاحة ، وحديثهم هو قبسٌ من نور الكلام الإلهيّ ، وإضاءةٌ من هدي المنطق النبويّ ، وشعلةٌ وضّاءة في سبيل هداية الاُمّة ، تتعدّد مسارات إشعاعها لتشمل مختلف نواحي الروح والفكر والعقيدة ، وتغطّي جوانب الحياة كافة.

ولقد بذل أئمة أهل البيتعليهم‌السلام جهوداً حثيثة في سبيل تصحيح مسارات مختلف جوانب الانحراف والتحريف الطارئة في حياة الاُمّة ، وإصلاح ما فسد من أُمور المسلمين بعد رحيل جدّهم المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، فوقفوا بوجه التيارات المنحرفة والمقولات الباطلة والبدع والضلالات التي استفحلت في عصر الأمويين والعباسيين ،


وسعوا جاهدين لوضعها في نصابها الصحيح ، ودافعوا عن معالم الدين الحنيف ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، إلى قيام يوم الدين.

ويتمثل المسار الانحرافي بالتيارات الفكرية المناهضة للعقيدة الإسلامية ، كالغلو والإلحاد والزندقة ، أما المسار التحريفي فيتمثل بجملة تيارات فكرية تحسب نفسها على الإسلام كالمجسمة والمشبهة والمجبرة والمفوضة والمرجئة وغيرهم ممن يحرفون الكلم عن مواضعه عن عمد أو غير عمد.

وكان من تداعيات انتشار أمثال هذه الفرق والتيارات الفكرية أن تعرض جانب كبير من قيم وتعاليم الإسلام الأخلاقية والسياسية والفكرية والروحية لهزة عنيفة أطاحت بالكثيرين ، ووجدت قيم الجاهلية لها مرتعا خصبا في ظل السلطات المنحرفة منذ رحيل الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وامتدت تأثيراتها في مساحات واسعة من جسم الأمة.

وفي ظل هكذا واقع وجد أهل البيتعليهم‌السلام أنفسهم أمام مسؤولية رسالية وتاريخية عظمى ، بما يمتلكون من عمق علمي وأفضلية ومحبة في الوسط الإسلامي ، تؤهلهم لحفظ القرآن العظيم والشريعة المطهرة وتنقية المعارف الإسلامية من تلك الشوائب ، وصيانة الفكر الإسلامي من الشبهات التي علقت به ، وإحداث نقلة نوعية على صعيد الفكر والروح.

فإذا انتزعت من العترة المعصومة المرجعية السياسية في ممارسة السلطة ، فإنّ مرجعيتهم الفكرية الربانية قد تجاوزت أُطر الحظر


والحصار ، فبسطت بظلالها على مفاصل اجتماعية واسعة ، وقد تطرُق أحياناً أبواب السلطان ، أو تنفذ في قلب البلاط ، وذلك عن طريق تربية النُّخبة الصالحة الرشيدة ، التي تبنّت حمل راية الهداية ، فكانت أساساً لمدرسة فكرية تتحمّل عب ء نشر مبادئ الإسلام الأصيل ، وبقيت لتعاليمها الإسلامية الراقية مدلولها الحيّ العملي على طول الزمان ما دام هناك مسلم بحاجة إلى فهم الإسلام والتعرّف على شريعته وأحكامه ومفاهيمه وقيمه.

وتجدر الإشارة إلى أن أساليب التصحيح والإصلاح التي مارسها الأئمة من أهل البيت تختلف بحسب الظروف والتحديات المحيطة بهمعليهم‌السلام ، كالعوامل السياسية المتغيرة ودرجة وعي الأُمة ، فقد يكون الإصلاح مرّة بالإشارة الصريحة إلى الانحراف ، واُخرى بالإشارة الضمنية ، أو بالاكتفاء ببيان طريقة التصحيح والإصلاح والتأكيد عليها ، لترسيخها في ذهن الأُمّة وضميرها.

وعلى رغم التفاوت بينهمعليهم‌السلام في اختيار الأُسلوب المناسب ، فإنّ المنهج المتّبع في الإصلاح والتصحيح واحدٌ لا اختلاف فيه ، لأنّه مستمدّ من معين معصوم واحد ، وقد اتّسم بالشمولية بحيث يستوعب مختلف الجوانب الفكرية والعقدية ، وينطلق من تشخيص دقيق للظروف الموضوعية التي تمر بها الحالة الإسلامية على كل المستويات.

ومع اعترافنا بتشعّب هذا الموضوع ، وتعدّد جوانب البحث فيه ، فإنّنا


سنحاول التوفّر على دراسة بعض معالم التصحيح ومحطّاته الرئيسية ضمن فصول سبعة ، ونسوق بعض الأمثلة المناسبة ، لتكون بمثابة إثارات لمن يريد التعمّق في دراسة مواطن الانحراف وأسبابه ، ومعالم التصحيح وآثاره في حياة الأُمّة إلى يومنا هذا ، ومنه تعالى نستمد العون والتوفيق ، وهو من وراء القصد.


الفصل الأوّل

معالم التصحيح في التفسير والحديث

المبحث الأول

في تفسير القرآن الكريم وتوضيح مفاهيمه

يعدّ حديث أهل البيتعليهم‌السلام من أهم مصادر تفسير آيات الكتاب الكريم ، وبيان أبعاد معانيه ، وتصاريف أغراضه ومراميه ، وقد أثبتت الدلائل والوقائع أنهمعليهم‌السلام الأقدر على تفسير الكتاب وإدراك مضامينه وفهم دقائقه ، قال تعالى : «وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الاْءَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ»(١) .

ذلك لأن القرآن نزل في بيوتهم ، ولأنهم أعدال القرآن الذين قرن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بينم وبينه ، وذكر أنهما لن يفترقا حتَّى يردا عليه الحوض ، وورد عنهمعليهم‌السلام ما يدل على إحاطتهم بتفسير كتاب اللّه ومعرفة أسباب نزوله وناسخه ومنسوخه وسائر علومه ، وإنما تعلموا ذلك من جدهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «واللّه ما نزلت آية إلاَّ وقد علمت فيما نزلت ،

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ٨٣.


وأين نزلت ، وعلى من نزلت ، إنَّ ربّي وهب لي قلباً عقولاً ، ولساناً طلقاً سؤولاً»(١) .

وقال عليه‌السلام : «ما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ، ولا سماء ولا أرض ، ولا دنيا ولا آخرة ، ولا جنّة ولا نار ، ولا سهل ولا جبل ، ولا ضياء ولا ظلمة ، إلاَّ أقرأنيها وأملاها عليّ ، فكتبتها بيدي ، وعلّمني تأويلها وتفسيرها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وخاصّها وعامّها ، وأين نزلت ، وفيم نزلت إلى يوم القيامة»(٢) .

وقال الإمام محمد بن علي الباقرعليه‌السلام : «إن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أفضل الراسخين في العلم ، فقد علم جميع ما أنزل اللّه عليه من التنزيل والتأويل ، وما كان اللّه لينزل عليه شيئاً لم يعلّمه إياه ، وأوصياؤه من بعده يعلّمونه كلّه»(٣) .

وعن أبي عبد اللّهعليه‌السلام : «إنّا أهل بيت لم يزل اللّه يبعث منّا من يعلم كتابه من أوّله إلى آخره»(٤) .

ومن تتبع التفسير الأثري الوارد عن أهل البيتعليهم‌السلام يجد أن لهم منهجاً في التفسير يختلف تماماً عن مناهج المفسرين ، ويتجلّى ذلك بكل وضوح بتفسيرهم للآيات الموهمة لتجسيم الخالق والمنافية لعصمة

__________________

(١) كنز العمال ١٣ : ١٢٨ / ٣٦٤٠٤.

(٢) تحف العقول : ١٩٦.

(٣) تفسير القمي ١ : ٩٦ ، تفسير العياشي ١ : ١٦٤ / ٦.

(٤) مختصر بصائر الدرجات : ٥٩.


الأنبياء ، ففسّروا تلك الآيات بتنزيه الخالق عن التجسيم والوصف والرؤية ، وتنزيه الأنبياء عن المعاصي ، ونبذ كلّ ما عدا ذلك مما يسيء إلى عقيدة التوحيد والنبوة والمعاد ، ولا يليق بساحة الكتاب وجلال معانيه ، كالعقائد المنحرفة والآراء المضلّلة التي كانت تفرض نفسها على الواقع الإسلامي بين حين وآخر ، مثل التشبيه والتجسيم والتعطيل والجبر والتفويض وغيرها. وقد أكّدوا في جميع الموارد على ضرورة الرجوع إلى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فهم كلام اللّه عزّوجلّ ، سواء في المسائل الاعتقادية أو العملية أو غيرها ولذلك جهدوا في الوقوف بوجه التفسير الذي يستند إلى الرأي الخالي من العلم والحجة القاطعة والبرهان الساطع ، أو التفسير الذي يؤخذ من الرجال.

عن زيد الشحام قال : «دخل قتادة على أبي جعفرعليه‌السلام ، فقال : يا قتادة ، أنت فقيه أهل البصرة؟ قال : هكذا يزعمون. فقال أبو جعفرعليه‌السلام : بلغني أنك تفسر القرآن؟ فقال له قتادة : نعم. فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : بعلم تفسره أم بجهل؟ قال : لا ، بعلم. فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : فإن كنت تفسره بعلم فأنت أنت ويحك يا قتادة ، إن كنت إنما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت ، وإن كنت قد أخذته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ويحك يا قتادة ، إنما يعرف القرآن من خوطب به»(١) .

وعن أبي بصير ، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام ، قال : «من فَسّر القرآن برأيه ، إن

__________________

(١) الكافي ٨ : ٣١١ / ٤٨٤.


أصاب لم يُؤجر ، وإن أخطأ فهو أبعد من السّماء»(١) .

وفيما يلي إشارة سريعة إلى بعض معالم التصحيح الواردة عنهمعليهم‌السلام ضمن هذا الإطار.

١ ـ في تفسير القرآن الكريم :

على أساس اتجاهات الوعي المتقدمة فسّر أهل البيتعليهم‌السلام آيات الكتاب الكريم ، فتركوا تراثاً تفسيرياً ضخماً يشتمل على آلاف الروايات والأخبار التي تدخل في باب التفسير ، جمعها السيد هاشم البحراني المتوفى سنة (١١٠٧ هـ) في كتابه (البرهان في تفسير القرآن) ، والشيخ عبد علي بن جمعة العروسي المتوفى سنة (١١١٢ هـ) في تفسيره (نور الثقلين) ، فضلاً عن تفاسير الأثر المتقدمة الواصلة إلينا مثل تفسير فرات الكوفي ، والعياشي ، وعلي بن إبراهيم القمي ، وجميعها تقتصر على حديثهم الوارد في هذا الشأن. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

١ ـ عن أبي الأسود الدوءلي ، قال : «رُفع إلى عمر امرأة ولدت لستّة أشهر ، فسأل عنها أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال عليّعليه‌السلام : لا رجم عليها ، ألا ترى أنّه تعالى يقول : «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا »(٢) ، وقال : «وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ »(٣) ، وكان الحمل هاهنا ستة أشهر. فتركها عمر ، قال : ثمّ بلغنا انّها

__________________

(١) تفسير العياشي ١ : ٩٦ / ٦٧ ، بحار الأنوار ٩٢ : ١١٠ / ١٣.

(٢) سورة الأحقاف : ٤٦ / ١٥.

(٣) سورة لقمان : ٣١ / ١٤.


ولدت آخر لستة أشهر»(١) .

٢ ـ وروي أنّ رجلاً دخل مسجد الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإذا رجل يُحدِّث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال : «فسألته عن الشاهد والمشهود ، فقال : نعم ، أمّا الشاهد يوم الجمعة ، والمشهود يوم عرفة. فجزته إلى آخر يُحدِّث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسألته عن ذلك. فقال : أمّا الشاهد فيوم الجمعة ، وأمّا المشهود فيوم النحر. فجزتهما إلى غُلام كأنَّ وجهه الدينار ، وهو يُحدِّث عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقلت : أخبرني عن شاهدٍ ومشهودٍ. فقال : نعم ، أمّا الشاهد فمحمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أمَا سمعت اللّه سبحانه يقول : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا »(٢) ؟ وقال : «ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ »(٣) .

فسألت عن الأوّل ، فقالوا : ابن عبّاس ، وسألت عن الثاني فقالوا : ابن عمر ، وسألت عن الثالث فقالوا : الحسن بن عليّعليهما‌السلام »(٤) .

٣ ـ وروي عن زرارة ومحمّد بن مسلم : أنّهما قالا : «قلنا لأبي جعفرعليه‌السلام : ما تقول في الصّلاة في السفر كيف هي ، وكم هي؟

فقال : إنّ اللّه عزّوجلّ يقول : «وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الاْءَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ »(٥) ، فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في

__________________

(١) الدّر المنثور ٧ : ٤٤١.

(٢) سورة الأحزاب : ٣٣ / ٤٥.

(٣) سورة هود : ١١ / ١٠٣.

(٤) مجمع البيان ١٠ : ٧٠٨.

(٥) سورة النِّساء : ٤ / ١٠١.


الحضر.

قالا : قلنا : إنما قال اللّه عزّوجلّ : «فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ » ولم يقل : افعلوا ، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟

فقال : أوَ ليس قد قال اللّه عزّوجلّ في الصّفا والمروة : «فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا »(١) ؟ ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض؟ لأنّ اللّه عزّوجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه ، وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكره اللّه تعالى في كتابه»(٢) .

إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة الأخرى والتي يمكن الوقوف عليها بمراجعة ما ذكرناه من كتب التفسير الروائي.

٢ ـ التصدي للمزاعم الباطلة حول القرآن الكريم :

تصدّى أهل البيتعليهم‌السلام لكثير من المقولات الباطلة حول كتاب اللّه ، منها ما قيل بأنّه على سبعة أحرف ، وأنّ المعوذتين ليستا منه ، والبسملة ليست من الفاتحة ، وغير ذلك.

عن الفضيل بن يسار قال : «قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : إن الناس يقولون : إن القرآن نزل على سبعة أحرف؟ فقال : كذبوا أعداء اللّه ، ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد»(٣) .

وعن أبي عبداللّه الصادقعليه‌السلام أنه سئل عن المعوذتين ، أهما من

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ١٥٨.

(٢) نور الثقلين ١ : ٥٤١ / ٥٢٧ ، من لا يحضره الفقيه ١ : ٢٧٨ / ١٢٦٦.

(٣) الكافي ٢ : ٦٣٠ / ١٣.


القرآن؟ فقالعليه‌السلام : « نعم هما من القرآن. فقال الرجل : إنهما ليستا من القرآن في قراءة ابن مسعود ، ولافيمصحفه. فقال أبوعبداللّهعليه‌السلام : أخطأ ابن مسعود ، هما من القرآن. قال الرجل : فأقرأ بهما يابن رسول اللّه في المكتوبة؟ قال : نعم ، وهل ترى ما معنى المعوذتين ، وفي أي شيء نزلتا؟ »(١) .

وقيل لأمير الموءمنينعليه‌السلام : يا أمير الموءمنين ، أخبرنا عن «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ » أهي من فاتحة الكتاب؟ فقال : «نعم ، كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقرأها ويعُدّها منها ، ويقول : فاتحة الكتاب هي السبع المثاني»(٢) .

وشدد أهل البيتعليهم‌السلام على ضرورة توحيد القراءة حفظاً للكتاب الكريم من الاختلاف ، عن سفيان بن السمط ، قال : « سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عن تنزيل القرآن ، فقال : اقرءوا كما عُلّمتم »(٣) .

وعن سالم بن سلمة ، قال : «قرأ رجل على أبي عبد اللّهعليه‌السلام حروفاً من القرآن ليس على ما يقرأ الناس ، فقالعليه‌السلام : كفّ عن هذه القراءة ، اقرأ كما يقرأ الناس»(٤) .

٣ ـ تصحيح مزاعم المفسرين :

ثمة مفاهيم تشغل مساحة واسعة من التفسير ، وتتعلق بموضوعات مختلفة ، ويأتي على رأسها مسائل الاعتقاد ، وهي في حقيقتها طارئة

__________________

(١) بحار الأنوار ٦٣ : ٢٤ / ١٨.

(٢) عيون أخبار الرّضا ١ : ٣٠٠ / ٥٩ ، أمالي الصدوق : ٢٤٠ / ٢٥٤.

(٣) الكافي ٢ : ٦٣١ / ١٥.

(٤) الكافي ٢ : ٦٣٣ / ٢٣.


على ساحة التفسير وقدسه ، ولا تمثل التفسير الذي يريده اللّه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن يدقق في أسبابها يجدها تتعلق بالهوى والرأي والزعم الذي لا يغني عن الحق شيئاً ، أو بسبب الاعتماد على أسباب النزول والأخبار غير الموثقة ، أو الإسرائيليات في بعض جوانبها ، وقد استطاع آل البيتعليهم‌السلام أن يشيروا إليها ويضعوها على سكة التفسير الصحيح ، ومن الأمثلة على ذلك :

١ ـ عن محمد بن عطية ، قال : «جاء رجل إلى أبي جعفرعليه‌السلام من أهل الشام من علمائهم ، فقال له : يا أبا جعفر ، قول اللّه تعالى : «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالاْءَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا »(١) ؟ فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : فلعلك تزعم أنهما كانتا رتقاً ملتزقتين ملتصقتين ففتقت إحداهما من الاُخرى؟ فقال : نعم ، فقال أبو جعفرعليه‌السلام : استغفر ربك ، فإنّ قول اللّه عزّوجلّ : «كَانَتَا رَتْقًا » يقول : كانت السماء رتقاً لا تُنزِل المطر ، وكانت الأرض رتقاً لا تُنبِت الحبّ ، فلمّا خلق اللّه تبارك وتعالى الخلق وبثّ فيها من كلّ دابة ، فتق السماء بالمطر ، والأرض بنبات الحبّ ، فقال الشامي : أشهد أنك من ولد الأنبياء ، وأنّ علمك علمهم»(٢) .

٢ ـ وروى علي بن إبراهيم بالإسناد عن حماد ، عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « ما يقول الناس في هذه الآية «وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا »؟ قلتُ :

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٢١ / ٣٠.

(٢) الكافي ٨ : ٩٥ / ٦٧.


يقولون إنّها في القيامة. قالعليه‌السلام : ليس كما يقولون ، إنّ ذلك في الرجعة ، أيحشر اللّه في القيامة من كلِّ أُمّة فوجا ويدع الباقين؟ إنّما آية القيامة قوله : «وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا » »(١) .

٤ ـ مسألة خلق القرآن :

ابتدعت هذه المقولة إبّان الحكم العباسي ، وبالتحديد في زمان المأمون ، الذي فرضها بالقوة ، وامتحن القضاة والمحدثين بها ، وقيل : إنّه أثارها بسبب تبنيه مذهب الاعتزال ، وقيل : للقضاء على خصومه ، حيث قتل خلقاً كثيراً من جرائها ، وفتك بوحشية وقسوة بكل من عارضها أو أبدى حياداً حولها ، وانتشرت بسببها المزيد من الأحقاد والأضغان بين المسلمين.

وكان جواب الأئمّةعليهم‌السلام المعاصرين لتلك المحنة واضحا ، يقوم على اعتبار الجدال في القرآن بدعة ، مع التفريق بين كلام اللّه تعالى وبين علمه ، فكلامه تعالى محدث وليس بقديم ، قال تعالى : «مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ »(٢) ، وأما علمه فقديم قدم ذاته المقدسة ، وهو من الصفات التي هي عين ذاته.

روى الشيخ الصدوق بالإسناد عن محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني ، قال : «كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا إلى بعض

__________________

(١) تفسير القمي ١ : ٢٤ ، مختصر بصائر الدرجات / الحسن بن سليمان : ٤١ ، والآية من سورة الكهف : ١٨ / ٤٧.

(٢) سورة الأنبياء : ٢١ / ٢.


شيعته ببغداد : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، عصمنا اللّه وإياك من الفتنة ، فإن يفعل فأعظم بها نعمة ، وإن لا يفعل فهي الهلكة ، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب ، فيتعاطى السائل ما ليس له ، ويتكلف المجيب ما ليس عليه ، وليس الخالق إلاّ اللّه عزّوجلّ ، وما سواه مخلوق ، والقرآن كلام اللّه ، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين ، جعلنا اللّه وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون»(١) .

ونرى بعض امتدادات هذه المسألة إلى زمان الإمام العسكريعليه‌السلام ، فقد روي عن أبي هاشم الجعفري أنه قال : «فكّرت في نفسي ، فقلت : أشتهي أن أعلم ما يقول أبو محمدعليه‌السلام في القرآن؟ فبدأني وقال : اللّه خالق كلّ شيء ، وما سواه فهو مخلوق»(٢) .

٥ ـ منهجهم في تفسير آيات الصفات :

ذكرنا أن لأهل البيتعليهم‌السلام منهجاً واضحاً في تفسير القرآن ، يرتكز على جملة أُسس ، منها تجريد الذات الإلهية عن كل صفات الممكن ، ذلك لأن البعض جمَد على ظواهر الكتاب والسنة ، فوجه إساءة إلى التوحيد الذي يعتبر حجر الزاوية في عقيدتنا الإسلامية ، فتصور أن للّه عرشا يجلس عليه ، وبالإمكان النظر إليه ، وأن له جوارح كجوارح الإنسان ، وما إلى ذلك من مزاعم لا تستقيم مع العقل السليم ، من هنا عمل آل البيتعليهم‌السلام

__________________

(١) التوحيد / الصدوق : ٢٢٤ / ٤.

(٢) الثاقب في المناقب : ٥٦٨ / ٥١١ ، الخرائج والجرائح ٢ : ٦٨٦ / ٦.


على تأويل الآيات التي يدل ظاهرها على التشبيه والتجسيم.

سئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن قوله عزّوجلّ : «وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا »(١) فقالعليه‌السلام : «إن اللّه لا يوصف بالمجيء والذهاب والانتقال ، إنما يعني بذلك وجاء أمر ربك »(٢) .

وسئلعليه‌السلام عن قوله عزّوجلّ : «كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ »(٣) ، فقالعليه‌السلام : «إن اللّه تعالى لا يُوصف بمكان يحلّ فيه فيحجب عن عباده ، ولكنّه يعني عن ثواب ربّهم محجوبين»(٤) .

وعن محمّد بن مسلم ، قال : «سألت أبا جعفرعليه‌السلام فقلت : قوله عزّوجلّ : «يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ »(٥) . فقالعليه‌السلام : اليد في كلام العرب القوّة والنعمة ، قال اللّه : «وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الاْءَيْدِ »(٦) ، وقال : «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ »(٧) ، أي بقوّة ، وقال : «وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ »(٨) أي قوّاهم ، ويقال : لفلان عندي أيادٍ كثيرة. أي فواضل وإحسان ، وله عندي يدٌ

__________________

(١) سورة الفجر : ٨٩ / ٢٢.

(٢) الاحتجاج ٢ : ١٩٣.

(٣) سورة المطففين : ٨٣ / ١٥.

(٤) الاحتجاج ٢ : ١٩٣.

(٥) سورة ص : ٣٨ / ٧٥.

(٦) سورة ص : ٣٨ / ١٧.

(٧) سورة الذاريات : ٥١ / ٤٧.

(٨) سورة المجادلة : ٥٨ / ٢٢.


بيضاء. أي نعمة»(١) .

وقال الرضاعليه‌السلام : في قول اللّه عزّوجلّ : «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ »(٢) ، قال : «يعني مشرقة تنتظر ثواب ربها»(٣) .

وفي هذا السياق نفى أهل البيتعليهم‌السلام في تفاسيرهم مقولات المشبهة الذين حاولوا الاستفادة من ظواهر بعض الآي وتطويعها لخدمة مقولاتهم الباطلة وأغراضهم السيئة ، وعمدوا إلى توجيه الناس إلى عدم الخوض في صفات الخالق جلّ وعلا بما لا يملكون كنهه وعمقه ، وأن يصفوه بما وصف به نفسه ، فانه أعرف بنفسه من مخلوقاته كلها.

عن المشرقي ، عن بعض أصحابنا ، قال : «كنت في مجلس أبي جعفرعليه‌السلام إذ دخل عليه عمرو بن عبيد فقال له : جعلت فداك ، قول اللّه تبارك وتعالى : «وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى »(٤) ما ذلك الغضب؟ فقال أبو جعفرعليه‌السلام : هو العقاب ، يا عمرو إنه من زعم أن اللّه قد زال من شيء إلى شيء فقد وصفه صفة مخلوق ، وإنّ اللّه تعالى لا يستفزّه شيء فيغيره»(٥) .

سئل أبو عبد اللّهعليه‌السلام عن قول اللّه تبارك وتعالى : «كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ

__________________

(١) التّوحيد : ١٥٣ / ١.

(٢) سورة القيامة : ٧٥ / ٢٢ ـ ٢٣.

(٣) التوحيد : ١١٦ / ١٩ ، الاحتجاج ٢ : ١٩١.

(٤) سورة طه : ٢٠ / ٨١.

(٥) الكافي ١ : ١١٠ / ٥.


وَجْهَهُ »(١) فقال : «ما يقولون فيه؟ قلت : يقولون : يهلك كل شيء إلاّ وجه اللّه. فقال : سبحان اللّه! لقد قالوا قولاً عظيماً ، إنّما عنى بذلك وجه اللّه الذي يؤتى منه»(٢) .

وعن وهب بن وهب القرشي ، عن الإمام الصادق ، عن آبائهعليهم‌السلام : « إنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن عليّعليهما‌السلام يسألونه عن «الصَّمَدُ» فكتب إليهم : بسم اللّه الرَّحمن الرَّحيم ، أمّا بعد ، فلا تخوضوا في القرآن ، ولا تجادلوا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدّي رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النّار ، وإنَّ اللّه سبحانه فسّر الصمد ، فقال : «اللَّهُ أَحَدٌ * أَللَّهُ الصَّمَدُ » ثمّ فسّره ، فقال : «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ » »(٣) .

فهوعليه‌السلام هنا يحث على عدم الخوض بالتفسير بغير علم ، ويعتمد اسلوب تفسير القرآن بالقرآن لشرح كلمة الصمد.

٦ ـ في تفسير آيات الأحكام :

أشار أئمة أهل البيتعليهم‌السلام في كثير من مواضع التفسير إلى تفاصيل بعض الأحكام وعلل بعض الشرائع ومعاني بعض الأخبار المتعلقة بالفقه ، بما يخالف ما درج عليه أهل الفقه في زمانهم ، محاولين وضع تلك الآيات في موردها الشرعي الصحيح المستند إلى الكتاب والسنة ومن

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ٨٨.

(٢) الكافي ١ : ١٤٣ / ١.

(٣) التّوحيد : ٩٠ / ٥ ، والآيات من سورة الإخلاص : ١١٢ / ٣ ـ ٤.


ذلك :

١ ـ عن أبي الربيع الشامي ، قال : «سئل أبو عبداللّهعليه‌السلام عن قول اللّه تعالى : «وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً »(١) فقال : ما يقول الناس؟ فقيل له : الزاد والراحلة. فقال أبو عبداللّهعليه‌السلام : سئل أبو جعفرعليه‌السلام عن هذا؟ فقال : لقد هلك الناس إذا ، لئن كان من كان له زاد وراحلة قدر ما يقوت به عياله ، ويستغني به عن الناس ، ينطلق إليهم فيسألهم إياه ، ويحجّ به ، لقد هلكوا إذا.

فقيل له : فما السبيل؟ قال : فقال : السعة في المال ، إذا كان يحجّ ببعضٍ ويُبقي بعضاً يقوت به عياله ، أليس اللّه قد فرض الزكاة ، فلم يجعلها إلاّ على من يملك مائتي درهم»(٢) ؟

٢ ـ وعن الحلبي ، قال : «سألتهعليه‌السلام عن قول اللّه تعالى : «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاة وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ »(٣) . قال : يعني سكر النوم ، يقول : وبكم نعاس يمنعكم أن تعلموا ما تقولون في ركوعكم وسجودكم وتكبيركم ، وليس كما يصف كثيرٌ من الناس ، يزعمون أنّ المؤمنين يسكرون من الشراب ، والمؤمن لا يشرب مُسكرا ولا يسكر»(٤) .

٣ ـ وعن أبي بصير ، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال : «قلت له : أرأيت قول

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ٩٧.

(٢) تفسير العياشي ١ : ٣٣١ / ٧٥٢ ، الكافي ٤ : ٢٦٧ / ٣ ، علل الشرائع : ٤٥٣ / ٣.

(٣) سورة النساء : ٤ / ٤٣.

(٤) تفسير العياشي ١ : ٣٩٩ ، بحار الأنوار ٨٤ : ٢٣١ / ٤.


اللّه عزّوجلّ : «لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ »(١) ، فقال : إنما لم يحل له النساء التي حرم اللّه عليه في هذه الآية «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ »(٢) ولو كان الأمر كما يقولون لكان قد أحلّ لكم ما لم يحلّ له هو ، لأنّ أحدكم يستبدل كلما أراد ، ولكن ليس الأمر كما يقولون : أحاديث آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خلاف أحاديث الناس ، إنّ اللّه عزّوجلّ أحلّ لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ينكح من النساء ما أراد إلاّ ما حرم عليه في سورة النساء ، في هذه الآية»(٣) .

٧ ـ في أسباب النزول :

لأهل البيتعليهم‌السلام كلمتهم في علم أسباب النزول ، سيما في باب الآيات النازلة فيهم ، أو المبينة لحقوقهم في الإمامة والولاية والطاعة والمودة والصلاة عليهم ، وحقهم في الأنفال والخمس والفيء ، إلى غير ذلك من الآيات التي استعرضت فضلهم السامي ومكارمهم العالية ، وقد تجنى بعض المفسرين في هذا الباب كثيراً ، لمداراتهم أهواء أصحاب السلطة والصولجان ، ومجانبتهم المنطق السليم وما تواتر من الأثر الصحيح ، مما اضطرهم إلى الخوض في تفسيرات متهافتة وبعيدة عن صريح دلالة الآيات ، وترتب على هذا العمل الخطير عواقب وخيمة بعدت آل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن موقعهم الذي أراده اللّه لهم ، وجعل الأمة تتطاول على حقوقهم التي رتّبها اللّه لهم ، والآثار في هذا الباب كثيرة اخترنا منها :

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٣ / ٥٢.

(٢) سورة النساء : ٤ / ٢٣.

(٣) الكافي ٥ : ٣٩١ / ٨.


١ ـ واحتجّ أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بقوله تعالى : «قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى »(١) على فرض مودتهم ووجوب محبتهم على كلِّ مؤمن ، روى إسماعيل بن عبدالخالق ، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام ، قال : «سمعتهعليه‌السلام يقول لأبي جعفر الأحول : ما يقول أهل البصرة في هذه الآية «قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى »؟ فقال : جعلت فداك ، انهم يقولون : إنّها لأقارب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال : كذبوا إنّما نزلت فينا خاصة ، في أهل البيت ، في علي وفاطمة والحسن والحسين أصحاب الكساء»(٢) .

٢ـ وعن عبداللّه بن عطاء ، قال : «قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : هذا ابن عبداللّه بن سلام بن عمران يزعم أنَّ أباه الذي يقول اللّه : «قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ »(٣) ؟ قال : كذب ، هو عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام »(٤) .

٣ـ وعن عمرو بن سعيد ، قال : «سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن قوله : «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ »(٥) ، قال : علي بن أبي طالب والأوصياء من بعده»(٦) .

__________________

(١) سورة الشورى : ٤٢ / ٢٣.

(٢) الكافي ٨ : ٧٩ / ٦٦ ، قرب الإسناد / الحميري : ١٢٨ / ٤٥٠.

(٣) سورة الرعد : ١٣ / ٤٣.

(٤) تفسير العياشي ٢ : ٤٠١ / ٢٢٥٦ ، بصائر الدرجات : ٢٣٥ / ١٦.

(٥) سورة النساء : ٤ / ٥٩.

(٦) تفسير العياشي ١ : ٢٥٣ / ١٧٦.


جدير بالذكر إن ما ورد عن أهل البيتعليهم‌السلام في تصحيح أسباب النزول كما مر مثاله في الروايات الآنفة هو مأخوذ عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لوجود أحاديث كثيرة في هذا الباب مسندة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في خصوص توضيح سبب نزول الآيات المذكورة.

المبحث الثاني ـ الحديث

في رواية الحديث ودرايته

لم يدّخر الأئمّةعليهم‌السلام وسعاً في سبيل إصلاح ثاني ركائز التشريع ومنابع الفكر الديني بعد كتاب اللّه تعالى ، فأكّدوا على ضرورة تدوينه ، وبيّنوا منهجاً واضحاً لتصحيحه وتفاصيل فقهه وعلله وطرق تحمّله وسماعه ، وأوضحوا أنّ فيه ناسخاً ومنسوخاً وخاصاً وعاماً ومحكماً ومتشابهاً ، ويتوجب ردّ المتشابه إلى المحكم منه.

عن محمد بن مسلم ، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال : «قلت له : ما بال أقوام يروون عن فلان عن فلان عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يتهمون بالكذب ، فيجيء منكم خلافه؟ قال : إنّ الحديت يُنسخ كما يُنسخ القرآن»(١) .

وقال الإمام الرضاعليه‌السلام : «إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ، ومحكماً كمحكم القرآن ، فردّوا متشابهها إلى محكمها ، ولا تتبعوا متشابهها

__________________

(١) الكافي ١ : ٦٤ / ٢.


دون محكمها فتضلوا»(١) .

ويوجّه أمير المؤمنينعليه‌السلام أصحابه إلى ضرورة معرفة أنواع الحديث ، وتحرّي الدقّة عن ظروف صدوره وحال رواته ، فيقسم الرواة بحسب صدقهم إلى أربعة : منافق يتعمد الكذب ، وآخر واهم لم يتعمد الكذب ، وثالث حفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ ، ورابع صادق أتى بالحديث على وجهه.

عن سُليم بن قيس الهلالي ، قال : «قلت لأمير المؤمنينعليه‌السلام : إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذرّ شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غير ما في أيدي الناس ، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنتم تخالفونهم فيها ، وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل ، أفترى الناس يكذبون على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعمدين ، ويفسّرون القرآن بآرائهم؟

قال : فأقبل عليّ فقال : قد سألت فافهم الجواب؛ إنّ في أيدي الناس حقاً وباطلاً ، وصدقاً وكذباً ، وناسخاً ومنسوخاً ، وعاماً وخاصاً ، ومحكماً ومتشابهاً ، وحفظاً ووهماً ، وقد كذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على عهده حتى قام خطيباً فقال : أيها الناس ، قد كثرت عليّ الكذّابة ، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار. ثمّ كذّب عليه من بعده.

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ١ : ٢٢٦ / ٣٩.


وإنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس :

رجل منافق يظهر الايمان ، متصنّع بالإسلام ، متكلّف له ، ومتدلّس به ، غير متصفٍ به ، لا يتأثّم ولا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متعمداً ، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب ، لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ، ولكنّهم قالوا : هذا قد صحب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورآه وسمع منه ، وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله ، وقد أخبره اللّه عن المنافقين بما أخبره ، ووصفهم بما وصفهم ، فقال عزّوجلّ : «وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ »(١) ثمّ بقوا بعده ، فتقرّبوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان ، فولّوهم الأعمال ، وحملوهم على رقاب الناس ، وأكلوا بهم الدنيا ، وإنّما الناس مع الملوك والدنيا إلاّ من عصم اللّه ، فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً لم يحمله على وجهه ووهم فيه ، ولم يتعمّد كذباً ، فهو في يده ، يقول به ويعمل به ويرويه فيقول : أنا سمعته من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه ، ولو علم هو أنّه وهم لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم ، أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم ، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ ، ولو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولم علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

__________________

(١) سورة المنافقون : ٦٣ / ٤.


وآخر رابع لم يكذب على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، مبغض للكذب خوفاً من اللّه وتعظيماً لرسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم ينسه ، بل حفظ ما سمع على وجهه ، فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه ، وعلم الناسخ من المنسوخ ، فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ. فإنّ أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل القرآن ، ناسخ ومنسوخ ، وخاصّ وعامّ ، ومحكم ومتشابه ، قد كان يكون من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الكلام له وجهان : كلام عامّ ، وكلام خاصّ ، مثل القرآن ، وقال اللّه عزّوجلّ في كتابه : «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا »(١) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدرِ ما عنى اللّه به ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٢) .

موارد من تصحيح الحديث :

على ضوء المنهج المتقدّم سمع أهل البيتعليهم‌السلام مزيداً من الأحاديث المتداولة على ألسن الرواة والمحدثين ، فأشاروا إلى أوهام المحدّثين ، وأمروا أصحابهم بردّها أو تصحيحها على وفق روايتها الصحيحة ، وفيما يلي بعض موارد التصحيح ، وهي بمجموعها تشكّل أحد أهم الأدوات التي تؤهّل المحدّثين لفهم المراد من الحديث وبيان معناه وفقهه.

١ ـ بيان سبب صدور الحديث :

هناك أسباب دعت إلى صدور غالبية الأحاديث ، مثلما دعت أسباب أخرى إلى نزول آي الكتاب الكريم ، لأن الرسول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يتكلم

__________________

(١) سورة الحشر : ٥٩ / ٧.

(٢) الكافي ١ : ٦٢ / ١.


اعتباطاً بل حديثه موافق لمقتضى الحال ، وبدون الاحاطة بتلك الأسباب يبقى الحديث ناقصاً ولا يتوفر المحدث أو المتلقي على معرفته ، ومن هنا أشار أئمة أهل البيتعليهم‌السلام إلى أسباب صدور بعض الأحاديث كي يجلوا عنها غبار الغموض والابهام.

عن أبان الأحمر ، قال : «سأل بعض أصحابنا أبا الحسنعليه‌السلام عن الطاعون يقع في بلدة وأنا فيها ، أتحول عنها؟ قال : نعم. قال : ففي القرية وأنا فيها ، أتحوّل عنها؟ قال : نعم. قال : ففي الدار وأنا فيها ، أتحول عنها؟ قال : نعم. قلت : إنا نتحدث أن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : الفرار من الطاعون كالفرار من الزحف؟ قال : إن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انما قال هذا في قوم كانوا في الثغور في نحو العدو ، فيقع الطاعون ، فيخلّون أماكنهم ويفرون منها ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذلك فيهم»(١) .

٢ ـ بيان مواطن الحذف والتحريف :

تعرض الحديث لأسباب مختلفة وأغراض شتى إلى الحذف والاسقاط والتحريف ، وكان للأئمة الهداةعليهم‌السلام دور واضح في الدلالة على هذه الظاهرة الخطيرة التي توجّه إلى أحد أهم مصادر التشريع.

عن الحسين بن خالد ، قال : «قلت للرضاعليه‌السلام : يابن رسول اللّه ، إنّ قوماً يقولون : إنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : إنّ اللّه خلق آدم على صورته؟ فقال : قاتلهم اللّه ، لقد حذفوا أوّل الحديث ، إنّ رسول اللّه مرّ برجلين يتسابّان ، فسمع

__________________

(١) معاني الأخبار : ٢٥٤ / ١.


أحدهما يقول لصاحبه : قبّح اللّه وجهك ووجه من يشبهك. فقال لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا عبداللّه ، لا تقل هذا لأخيك ، فانّ اللّه عزّوجلّ خلق آدم على صورته»(١) .

وعن إبراهيم بن أبي محمود ، قال : «قلت للرضاعليه‌السلام : يابن رسول اللّه ، ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : إنّ اللّه تبارك وتعالى ينزل كلّ ليلةٍ إلى السماء الدنيا؟

فقالعليه‌السلام : لعن اللّه المحرّفين للكلم عن مواضعه ، واللّه ما قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كذلك ، إنّما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّ اللّه تعالى ينزل ملكاً إلى السماء الدنيا كلّ ليلةٍ في الثلث الأخير ، وليلة الجمعة في أول الليل ، فيأمره فينادي : هل من سائلٍ فأُعطيه ، هل من تائبٍ فأتوب عليه ، هل من مستغفرٍ فأغفر له؟ يا طالب الخير أقبل ، يا طالب الشرّ أقصر. فلا يزال ينادي بذلك حتى يطلع الفجر ، فإذا طلع الفجر عاد إلى محلّه من ملكوت السماء؛ حدّثني بذلك أبي ، عن جدّي ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(٢) .

٣ ـ بيان مواطن الكذب والوضع :

وأشار الأئمةعليهم‌السلام إلى أحد أهم آفات الحديث الشريف ، وهي الكذب والافتراء والتدليس على جدهم الرسول المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى الأئمة المتقدمين ، وعلى رغم تحذير الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الاقدام على هذا العمل الخطير وكون مرتكبه يتبوأ النار اذا كان متعمداً ، فقد سرت هذه

__________________

(١) التوحيد : ١٥٢ / ١١.

(٢) التوحيد : ١٧٦ / ٧ ، عيون أخبار الرضا ١ : ١٢٦ / ٢١.


الظاهرة الخطيرة إلى تراث الحديث ، فكان لأهل البيتعليهم‌السلام كلمتهم في هذا الصدد لتشخيص المفترين وردّ انتحال المبطلين وابطال تحريف الغالين والوضاعين.

عن مسعدة بن صدقة ، قال : «قيل لأبي عبداللّهعليه‌السلام : إنّ الناس يروون أنّ علياًعليه‌السلام قال على منبر الكوفة : أيها الناس ، إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي ، فلا تبرءوا منّي.

فقالعليه‌السلام : ما أكثر ما يكذب الناس على عليعليه‌السلام ! ثمّ قال : إنّما قال : إنّكم ستدعون إلى سبّي فسبّوني ، ثمّ ستدعون إلى البراءة منّي وإنّي لعلى دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولم يقل : لا تبرءوا منّي»(١) .

وعن عبيد بن زرارة ، قال : «قلت لأبي عبداللّهعليه‌السلام : إنّ الناس يروون أنّ علياًعليه‌السلام كتب إلى عامله بالمدائن أن يشتري له جارية ، فاشتراها وبعث بها إليه ، وكتب إليه أنّ لها زوجاً ، فكتب إليه عليعليه‌السلام أن يشتري بضعها فاشتراه؟ فقال : كذبوا على عليعليه‌السلام ، أعليّ يقول هذا؟!»(٢) .

وعن زرارة ، عن أبي عبداللّهعليه‌السلام : «إنّ أهل الكوفة قد نزل فيهم كذاب. أمّا المغيرة : فانّه يكذب على أبي ـ يعني أبا جعفرعليه‌السلام ـ قال : حدّثه أنّ نساء آل محمد إذا حضن قضين الصلاة ، وكذب واللّه ، عليه لعنة اللّه ، ما كان من ذلك شيء ولا حدّثه.

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢١٩ / ١٠.

(٢) الكافي ٥ : ٤٨٣ / ٥.


وأمّا أبو الخطاب : فكذب عليّ ، وقال : إنّي أمرته أن لا يصلّي هو وأصحابه المغرب حتى يروا كوكب كذا يقال له : القنداني ، واللّه إنّ ذلك لكوكب ما أعرفه»(١) .

وعن محمد بن زيد الطبري قال : «كنت قائماً على رأس الرضاعليه‌السلام بخراسان وعنده عدّة من بني هاشم ، وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي ، فقال : يا إسحاق ، بلغني أنّ الناس يقولون : إنا نزعم أنّ الناس عبيد لنا ، لا وقرابتي من رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ما قلته قطّ ، ولا سمعته من آبائي قاله ، ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله ، ولكني أقول : الناس عبيد لنا في الطاعة ، موالٍ لنا في الدين ، فليبلغ الشاهد الغائب»(٢) .

وعن أبي ولاد الحنّاط ، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : «قلت له : جعلت فداك ، يروون أنّ أرواح المؤمنين في حواصل طيورٍ خضرٍ حول العرش؟ فقال : لا ، المؤمن أكرم على اللّه من أن يجعل روحه في حوصلة طيرٍ ، ولكن في أبدانٍ كأبدانهم»(٣) .

قاعدة تشخيص الكذب والوضع :

حذّر أئمة أهل البيتعليهم‌السلام أصحابهم من دسّ الغلاة والكذابين والوضاعين في الحديث من أمثال أبي سمينة ، وأبي الخطاب محمد بن أبي زينب ، والمغيرة بن سعيد وغيرهم ، وأنكروا كتبهم وشخّصوا أخبارهم

__________________

(١) رجال الكشي : ٢٢٨ / ٤٠٧.

(٢) الكافي ١ : ١٨٧ / ١٠ ، أمالي الشيخ المفيد : ٢٥٣.

(٣) الكافي ٣ : ٢٤٤ / ١.


التي عرضت عليهم ، مؤكّدين قاعدة عامة حاكمة في قبول الحديث أو رده ، وهي عرض الحديث على القرآن والسنة ، أو وجود شاهد عليه من أحاديثهم المتقدّمة ، لأنّ كلام آخرهم مثل كلام أولهم ، وكلام أولهم مصدّق لكلام آخرهم ، كما أن مع كلّ قول لهم حقيقة ، وعليه نور ، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان.

عن محمد بن عيسى ، عن يونس بن عبد الرحمن : «إنّ بعض أصحابنا سأله وأنا حاضر ، فقال له : يا أبا محمد ، ما أشدّك في الحديث ، وأكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا! فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟

فقال : حدثني هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبداللّهعليه‌السلام يقول : لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة ، فإن المغيرة بن سعيد لعنه اللّه دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي ، فاتقوا اللّه ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا تعالى وسنة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنا إذا حدثنا قلنا : قال اللّه عزّوجلّ ، وقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال يونس : وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفرعليه‌السلام ، ووجدت أصحاب أبي عبداللّهعليه‌السلام متوافرين ، فسمعت منهم وأخذت كتبهم ، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبداللّهعليه‌السلام ، وقال لي : إنّ أبا الخطاب كذّب على أبي عبداللّهعليه‌السلام ، لعن اللّه أبا الخطاب ، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي


عبداللّهعليه‌السلام ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن ، فإنا إن تحدثنا حدثنا بموافقة القرآن وموافقة السنة ، إنّا عن اللّه وعن رسوله نحدّث ، ولا نقول : قال فلان وفلان ، فيتناقض كلامنا ، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أولنا ، وكلام أولنا مصدّق لكلام آخرنا ، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه وقولوا : أنت أعلم وما جئت به ، فإن مع كلّ قول منا حقيقة ، وعليه نور ، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه فذلك من قول الشيطان»(١) .

تطبيقات لهذه القاعدة :

يقدم لنا الإمام أبو جعفر الجوادعليه‌السلام تطبيقاً عملياً لهذه القاعدة ، من خلال مناظرته ليحيى بن أكثم بمحضر المأمون وجماعة من أركان دولته وخاصته ، حيث يدلي ابن أكثم بجملة أحاديث موضوعة في فضل أبي بكر وعمر ، فيردها الإمامعليه‌السلام من خلال عرضها على الكتاب والسنة. قال يحيى : «ما تقول يا بن رسول اللّه في الخبر الذي روي أن جبرئيل نزل على رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال : يامحمد ، إنّ اللّه يقرؤك السلام ، ويقول لك : سل أبا بكر هل هو راضٍ عني ، فإنّي راضٍ عنه؟

فقالعليه‌السلام : يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ مثال الخبر الذي قاله رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حجة الوداع : قد كثُرت عليَّ الكذابة وستكثر ، فمن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه وسنتي فما وافق كتاب اللّه وسنتي فخذوا به ، وما خالف كتاب اللّه

__________________

(١) رجال الكشي : ٢٢٤ / ٤٠١.


وسنتي فلا تأخذوا به.

وليس يوافق هذا الخبر كتاب اللّه ، قال اللّه تعالى : «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ »(١) فاللّه عزَّوجلَّ خفي عليه رضا أبي بكر من سخطه حتى سأل عن مكنون سرّه؟! هذا مستحيل في العقول.

فقال يحيى : قد روي أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لو لم أُبعث لبُعث عمر.

فقالعليه‌السلام : كتاب اللّه أصدق من هذا الحديث ، يقول اللّه في كتابه : «وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ »(٢) فقد أخذ اللّه ميثاق النبيين ، فكيف يمكن أن يستبدل ميثاقه؟ وكان الأنبياء لم يشركوا طرفة عين ، فكيف يبعث بالنبوة من أشرك ، وكان أكثر أيامه مع الشرك باللّه؟! وقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : نُبِّئتُ وآدم بين الروح والجسد.

قال يحيى : وقد روي أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ما احتبس الوحي عني قط إلاّ ظننته قد نزل على آل الخطّاب.

فقالعليه‌السلام : وهذا محال أيضا ؛ لأنّه لا يجوز أن يشكّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نبوّته ، قال اللّه تعالى : «اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ »(٣) ، فكيف يمكن أن تنتقل النبوّة ممن اصطفاه اللّه إلى من أشرك به؟!.

قال يحيى : روي أن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لو نزل العذاب لما نجى منه إلاّ

__________________

(١) سورة ق : ٥٠ / ١٦.

(٢) سورة الأحزاب : ٣٣ / ٧.

(٣) سورة الحج : ٢٢ / ٧٥.


عمر.

فقالعليه‌السلام : وهذا محال أيضا ، إنّ اللّه تعالى يقول : «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ »(١) فأخبر سبحانه أنه لا يعذّب أحدا مادام فيهم رسول اللّه ٩ ، وما داموا يستغفرون اللّه تعالى»(٢) .

٤ ـ تكذيب خبر أبي بكر في الاستحواذ على ميراث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

لأهل البيتعليهم‌السلام كلمة واحدة ، وهي أن الخبر الذي جاء به أبو بكر ونسبه إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واستحوذ به على فدك ، لا أصل له ولا واقع ، فهو محض افتراء ليس إلاّ.

وقد ثبت عن الزهراءعليها‌السلام أنها ردّت ذلك الخبر مستندة إلى ظاهر الكتاب وصحيح السنة.

وفي هذا تقول عائشة : «إنّ الناس اختلفوا في ميراث رسول اللّه ، فما وجدوا عند أحدٍ من ذلك علماً ، فقال أبو بكر : سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ، ما تركناه صدقة»(٣) .

وإنما روى أبو بكر هذا الحديث لمّا أجمع على منع فاطمة الزهراءعليها‌السلام فدك ، وصرف عاملها منها ، فلاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لُمّةٍ من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فدخلت عليه وهو في حشدٍ من

__________________

(١) سورة الأنفال : ٨ / ٣٣.

(٢) الاحتجاج / الطبرسي ٢ : ٢٤٥.

(٣) الصواعق المحرقة : ٣٤ ، كنز العمال ٧ : ٢٢٦.


المهاجرين والأنصار وغيرهم ، وكان مما قالتعليها‌السلام : «أيها المسلمون ، أأُغلب على إرثي؟! يا ابن أبي قحافة ، أفي كتاب اللّه أن ترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئا فريا ، أفعلى عمدٍ تركتم كتاب اللّه ، ونبذتموه وراء ظهوركم؟! إذ يقول : «وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ »(١) وقال فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكرياعليه‌السلام إذ يقول : «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنيِ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ »(٢) ، وقال : «وَأُوْلُواْ الاْءَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ »(٣) ، وقال : «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاْءُنْثَيَيْنِ »(٤) ، وقال : «إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاْءَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ »(٥) .

وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ، ولا رحم بيننا ، أفخصّكم اللّه بآية أخرج منها أبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟! أولست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟! أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟!

فجاء في جواب أبي بكر : إنّي سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يقول : إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة». فلم تقبل الزهراءعليها‌السلام حديثه لأنّه يعارض كتاب اللّه صراحة.

__________________

(١) سورة النمل : ٢٧ / ١٦.

(٢) سورة مريم : ١٩ / ٥ و ٦.

(٣) سورة الأنفال : ٨ / ٧٥.

(٤) سورة النساء : ٤ / ١١.

(٥) سورة البقرة : ٢ / ١٨٠.


على أن فدك رُدّت إلى بني فاطمةعليها‌السلام في أحقاب عدّة في زمان الدولتين الأموية والعباسية ، الأمر الذي يشير إلى عدم قناعة مَن ردّها إلى نصابها بذلك الحديث المكذوب.

٥ ـ بيان ما كان معلّقاً بشرط :

هناك بعض الأحاديث معلقة بشرط معين ، ولا تصح إلاّ مع وجوده ، عن محمد بن موسى بن نصر الرازي ، عن أبيه ، قال : «سئل الرضاعليه‌السلام عن قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أصحابي كالنجوم ، بأيّهم اقتديتم اهتديتم. وعن قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : دعوا لي أصحابي. فقالعليه‌السلام : هذا صحيح ، يريد من لم يغيّر بعده ولم يبدّل.

قيل : وكيف نعلم أنّهم قد غيّروا وبدّلوا؟ قال : لما يروونه من أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : ليذادنّ رجال من أصحابي يوم القيامة عن حوضي ، كما تذاد غرائب الإبل عن الماء ، فأقول : يا ربّ أصحابي أصحابي؛ فيقال لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : بعداً لهم وسحقاً ، أفترى هذا لمن لم يغيّر ولم يبدّل؟»(١) .

٦ ـ بيان الخاصّ والعامّ والمفصّل والمجمل :

من الحديث ما هو مجمل لا يدل على المراد إلاّ بتفصيله ، ومنه ما هو عام لا يعرف وجهه إلاّ بتخصيصه ، ومنه ما فيه رخصة ، وقد ورد إلينا الكثير من الأخبار المروية عنهمعليهم‌السلام في تفصيل المجمل وتخصيص العام ، وبيان ما فيه رخصة ، منها ما رواه حماد بن عثمان ، قال : «قلت لأبي

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢ : ٨٧ / ٣٣.


عبداللّهعليه‌السلام : جعلت فداك ، ما معنى قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إن فاطمة أحصنت فرجها فحرّم اللّه ذريتها على النار؟ فقال : المعتَقون من النار هم ولد بطنها : الحسن ، والحسين ، وزينب ، وأُمّ كلثوم»(١) .

وعن مهران بن أبي نصر ، عن أخيه رباح ، قال : «قلت لأبي عبداللّهعليه‌السلام : إنّا نروي بالكوفة أنّ علياًعليه‌السلام قال : إنّ من تمام الحجّ والعمرة أن يحرم الرجل من دويرة أهله. فهل قال هذا عليعليه‌السلام ؟

فقال : قد قال ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام لمن كان منزله خلف المواقيت ، ولو كان كما يقولون ، ما كان يمنع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن لا يخرج بثيابه إلى الشجرة»(٢) .

وعن أبي بكر الحضرمي ، قال : «قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : إني خرجت بأهلي ماشياً فلم أهلّ حتى أتيت الجحفة ، وقد كنت شاكياً ، فجعل أهل المدينة يسألون عني فيقولون : لقيناه وعليه ثيابه وهم لا يعلمون ، وقد رخّص رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمن كان مريضاً أو ضعيفاً أن يحرم من الجحفة»(٣) .

٧ ـ بيان مفهوم الحديث وشرح غريبه :

لا يخفى أن من الحديث ما يلفه الابهام ويكتنفه الغموض ، الأمر الذي جعل علماء العربية يوجهون فائق عنايتهم إلى شرحه وبيان معانيه ، ولعل من روادهم النضر بن شميل (ت / ٢٠٣هـ) ، وقطرب (ت / ٢٠٦هـ) ،

__________________

(١) معاني الأخبار : ١٠٦ / ٣.

(٢) الكافي ٤ : ٣٢٢ / ٥.

(٣) الكافى ٤ : ٣٢٤ / ٣.


وأبو عبيدة معمر بن المثنى (ت / ٢٠٩هـ) ، وأول تصنيف وصلنا في هذا الصدد من أبي عبيد القاسم بن سلام (ت / ٢٢٤هـ) ، وقد أسهم أئمة الهدىعليهم‌السلام في رفد مكتبة غريب الحديث بكثير من الروايات التي تعنى بمعاني الأخبار وشرح غريبها ، سواء من خلال بيان مفهومها العام ، أو من حيث بيان معاني مفرداتها ، وقد أفرده الشيخ الصدوق (ت / ٣٨١هـ) بكتاب سمّاه (معاني الأخبار) ونظرة سريعة إليه تكشف عن مقدار جهودهمعليهم‌السلام في هذا الاتجاه.

ومن ذلك ما رواه عبد المؤمن الأنصاري ، قال : «قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : انّ قوماً يروون أنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : اختلاف أمتي رحمة؟ فقال : صدقوا ، فقلت : إن كان اختلافهم رحمة ، فاجتماعهم عذاب؟!

قال : ليس حيث تذهب وذهبوا ، وإنما أراد قول اللّه عزّوجلّ : «فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ »(١) فأمرهم أن ينفروا إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويختلفوا إليه فيتعلّموا ، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلّموهم. إنّما أراد اختلافهم من البلدان ، لا اختلافاً في دين اللّه ، إنّما الدين واحد ، إنّما الدين واحد»(٢) .

وعن أبي إسحاق ، قال : «قلت لعلي بن الحسينعليهما‌السلام : ما معنى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعليّ مولاه؟ قال : أخبرهم أنّه الإمام بعده»(٣) .

__________________

(١) سورة التوبة : ٩ / ١٢٢.

(٢) علل الشرائع : ٨٥ / ٤.

(٣) معاني الأخبار : ٦٥ / ١.


وعن أبان بن تغلب قال : «سألت أبا جعفر محمد بن عليعليه‌السلام عن قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال : يا أبا سعيد ، تسأل عن مثل هذا؟! أعلمهم أنّه يقوم فيهم مقامه»(١) .

وعن المفضل بن عمر ، قال : «قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : أخبرني عن قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في فاطمةعليها‌السلام : إنّها سيدة نساء العالمين ، أهي سيدة نساء عالمها؟ فقال : ذاك لمريم ، كانت سيدة نساء عالمها ، وفاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين»(٢) .

وعن غياث بن إبراهيم ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليعليهم‌السلام قال : «سئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن معنى قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنّي مخلّف فيكم الثقلين؛ كتاب اللّه وعترتي. من العترة؟ فقال : أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين ، تاسعهم مهديهم وقائمهم ، لا يفارقون كتاب اللّه ولا يفارقهم حتى يردوا على رسول اللّه حوضه»(٣) .

وعن مسمع أبي سيار ، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام أنّ رجلاً قال له : «إنّ من قبلنا يروون أنّ اللّه عزّوجلّ يبغض بيت اللّحم؟ فقال : صدقوا ، وليس حيث ذهبوا ، إنّ اللّه عزّوجلّ يبغض البيت الذي تؤكل فيه لحوم الناس»(٤) .

__________________

(١) معاني الأخبار : ٦٦ / ٢.

(٢) معاني الأخبار : ١٠٧ ، بحار الأنوار ٤٣ : ٢٦ / ٢٥.

(٣) إكمال الدين : ٢٤١ / ٦٤.

(٤) الكافي ٦ : ٣٠٩ / ٦.


ومما يعنى ببيان معاني مفردات الحديث ما رواه سليمان بن خالد ، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام أنّه سئل عن قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أعوذ بك من شرّ السامة والهامة والعامة واللامة. فقال : السامة : القرابة ، والهامة : هوام الأرض ، واللامة : لمم الشياطين ، والعامة : عامة الناس»(١) .

ونجد أن من الحديث ما يؤدي عند بعض الجامدين على الظواهر إلى انحراف في العقيدة ، إذا لم يصلهم معناه ، ومن ذلك ما رواه عبدالسّلام بن صالح الهروي ، قال : قلت لعليّ بن موسى الرّضاعليه‌السلام : «يابن رسول اللّه ، ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث : أنّ الموءمنين يزورون ربّهم من منازلهم في الجنّة؟

فقالعليه‌السلام : يا أبا الصّلت ، إنّ اللّه تبارك وتعالى فضّل نبيّه محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على جميع خلقه من النبيّين والملائكة ، وجعل طاعته طاعته ، ومتابعته متابعته ، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته ، وقال عزّوجلّ : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ »(٢) ، وقال : «إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ »(٣) .

وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار اللّه. ودرجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجنّة أرفع الدرجات ، فمن زاره إلى درجته في الجنّة من منزله فقد زار اللّه تبارك وتعالى ـ إلى أن قال : ـ يا أبا الصلّت ، إنّ اللّه تبارك وتعالى لا

__________________

(١) معاني الأخبار : ١٧٣ ، بحار الأنوار ٩٥ : ١٤١.

(٢) سورة النِّساء : ٤ / ٨٠.

(٣) سورة الفتح : ٤٨ / ١٠.


يُوصف بمكانٍ ، ولا تُدْركه الأبصار والأوهام»(١) .

تدوين الحديث :

لعلّ من أبرز معالم التصحيح في ميدان الحديث الشريف ، هو الانفتاح الواسع على تدوين الحديث حيث لم يُمنع في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام منذ فجر الإسلام حتى آخر عهد صدور الحديث عنهمعليهم‌السلام ، أي في آخر الغيبة الصغرى للإمام المهديعليه‌السلام وذلك (سنة / ٣٢٩هـ) ، وقد دأبواعليهم‌السلام على حثّ أصحابهم كي يباشروا الكتابة ويقيدوا العلم ، ودعوهم إلى الحفاظ على مدوّناتهم الحديثية ، كما تركوا آثاراً في الحديث لا يزال بعضها ماثلاً إلى اليوم ، وفي المقابل تجد أن سلطة الخلافة تدعو إلى حظر تدوين الحديث الشريف منذ رحيل المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى زمان عمر بن عبد العزيز ، ومن أحاديث أهل البيتعليهم‌السلام التي تدعو إلى تقييد العلم وكتابته ، ما رواه الحارث ، عن عليّعليه‌السلام قال : «قيّدوا العلم ، قيّدوا العلم»(٢) .

وعن حبيب بن جري ، قال : قال عليعليه‌السلام : «قيّدوا العلم بالكتاب»(٣) .

وعن المفضل بن عمر ، قال : قال لي أبو عبد اللّهعليه‌السلام : «اكتب وبثّ علمك في إخوانك ، فإن مت فأورث كتبك بنيك ، فإنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلاّ بكتبهم»(٤) .

__________________

(١) التّوحيد : ١١٧ / ٢١ ، الاحتجاج : ٤٠٨.

(٢) تقييد العلم / الخطيب البغدادي : ٨٩.

(٣) تقييد العلم : ٩٠.

(٤) الكافي ١ : ٥٢ / ١١.


وعن أبي بصير ، قال : سمعت أبا عبداللّهعليه‌السلام يقول : «اكتبوا ، فإنّكم لا تحفظون حتى تكتبوا»(١) .

وعن عبيد بن زرارة ، قال : قال أبو عبداللّهعليه‌السلام : «احتفظوا بكتبكم ، فإنّكم سوف تحتاجون إليها»(٢) .

وكان بعض الكتب المتداولة عند أهل البيتعليهم‌السلام وبعض الأصحاب بخط أمير المؤمنينعليه‌السلام أو إملائه ، فقد كتب عليعليه‌السلام صحيفة من حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يحملها في قائم سيفه(٣) ، ولهعليه‌السلام كتاب كبير يعرف بكتاب عليّ ، وهو من إملاء رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخطّهعليه‌السلام (٤) ، وقد احتفظ به أهل البيتعليهم‌السلام وتوارثوه ، فقد كان عند الإمام أبي جعفر الباقرعليه‌السلام (٥) .

وكان لعلي بن أبي رافع كتاب من إملاء أمير المؤمنينعليه‌السلام في فنون من فقه الوضوء والصلاة وسائر الأبواب(٦) ، وكتب أمير المؤمنينعليه‌السلام صحفا للحارث الأعور المتوفّى (٦٥ هـ) فيها علم كثير(٧) .

وللإمام علي بن الحسين السجادعليهما‌السلام (الصحيفة السجّادية) و (رسالة الحقوق) وأُثر عنهمعليهما‌السلام (مسند الإمام الكاظمعليه‌السلام ) و (مسائل علي بن

__________________

(١) الكافي ١ : ٥٢ / ٩.

(٢) الكافي ١ : ٥٢ / ١٠.

(٣) فتح الباري ١ : ١٦٦ ، تدوين السنة / الجلالي : ٥٢.

(٤) تدوين السنة / الجلالي : ٦٢.

(٥) رجال النجاشي : ٣٦٠.

(٦) رجال النجاشي : ٦ / ٢.

(٧) الطبقات الكبرى / ابن سعد ٦ : ١٦٨.


جعفر) عن أخيه الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام و (صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام ) و (رسالته الذهبية) في الطبّ وغيرها كثير(١) .

وقد انعكس هذا المنهج على عمل أصحابهم ، فراحوا يدوّنون العلم فور إلقائه. روي بالإسناد عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الحارث الأعور ، قال : « خطب أمير المؤمنينعليه‌السلام خطبة بعد صلاة العصر ، فعجب الناس من حسن صفته ، وما ذكره من تعظيم اللّه جلّ جلاله ، قال أبو إسحاق : فقلت للحارث : أو ما حفظتها؟ قال : قد كتبتها ، فأملاها علينا من كتابه : الحمد للّه الذي لا يموت ، ولا تنقضي عجائبه »(٢) .

وعلى هذا السياق دوّن بعض أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام كتباً وصحفاً ونسخاً من حديثه وخطبه ومواعظه ، وقد كان لحجر بن عدي الكندي الشهيد سنة (٥١ هـ) صحيفة فيها حديث أمير المؤمنينعليه‌السلام (٣) .

وكان زيد بن وهب الجهني المتوفّى (٩٦ هـ) قد جمع خطب أمير المؤمنينعليه‌السلام على المنابر في الجمع والأعياد وغيرها في كتاب(٤) . ولعبيداللّه بن الحرّ الجعفي المتوفّى (٦٨ هـ) نسخة يرويها عنهعليه‌السلام (٥) ، وغير هؤلاء كثير.

__________________

(١) راجع : تدوين السنّة / الجلالي : ١٣٥ ـ ١٨٦.

(٢) الكافي ١ : ١٤١ / ٧ ، التوحيد : ٣١ / ١.

(٣) الطبقات الكبرى ٦ : ٢٢٠.

(٤) الفهرست / الطوسي : ٧٢ / ٢٩١.

(٥) رجال النجاشي : ٩ / ٦.


وصنّف أصحاب الأئمّةعليهم‌السلام في الأحاديث المروية من طرقهمعليهم‌السلام والمستمدّة من مدينة العلم النبوي ما يزيد على ستة آلاف وستمائة بين أصل أو كتاب أو نسخة(١) ، وامتاز من بين تلك الكتب أربعمائة كتاب ، عرفت عند الشيعة بالاُصول الأربعمائة(٢) ، وقد استقرّ الأمر على اعتبارها والتعويل عليها والاحتفاظ بها حتى بقي بعضها إلى يومنا هذا.

ومن هنا كان لهمعليهم‌السلام الدور الأكبر في الحفاظ على السنة النبوية المشرّفة من أن تمسّها يد النسيان والضياع ، أو تطالها يد التحريف والتغيير.

تصحيح كتب الحديث وأصوله :

وهذا من المعالم الأساسية في تصحيح الحديث ، حيث وقف الأئمّةعليهم‌السلام على أُصول أصحابهم التي قدّمنا ذكرها مباشرة فقرأوها ونظروا فيها أو قرئت عليهم ، وقالوا فيها كلمتهم ، مثل كتاب عبيد اللّه الحلبي الذي عُرض على الإمام الصادقعليه‌السلام ، وكتاب يونس بن عبدالرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على الإمام العسكريعليه‌السلام وغيرها ، وفيما يلي نسجل بعض الأمثلة على جهودهمعليهم‌السلام في هذا المضمار.

عن أبي الصباح قال : «سمعت كلاماً يروى عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعن

__________________

(١) راجع : وسائل الشيعة ٣٠ : ١٦٥ ، أعيان الشيعة ١ : ١٤٠.

(٢) راجع : دائرة المعارف الإسلامية ٥ : ٣٢ ، أعيان الشيعة ١ : ١٤٠ ، الذريعة ٢ : ١٢٥ ـ ١٦٧.


عليعليه‌السلام ، وعن ابن مسعود ، فعرضته على أبي عبد اللّهعليه‌السلام فقال : هذا قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أعرفه ، قال : قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الشقيّ من شقي في بطن أُمّه» ، وذكر الحديث بطوله(١) .

وعن محمد بن فلان الواقفي قال : «كان لي ابن عمّ يقال له الحسين ابن عبد اللّه ، وكان زاهداً ، فقال له أبو الحسنعليه‌السلام : اذهب فتفقّه واطلب الحديث ، قال : عمّن؟ قال : عن فقهاء أهل المدينة ، ثمّ اعرض عليّ قال : فذهب فكتب ، ثم جاء فقرأه عليه فأسقطه كله»(٢) .

.عن أبي السري سهل بن يعقوب بن إسحاق ، عن الإمام الهاديعليه‌السلام ، «قال : قلت له ذات يوم : يا سيدي ، قد وقع لي اختيار الأيام عن سيدنا الصادقعليه‌السلام مما حدثني به الحسن بن عبد اللّه بن مطهر ، عن محمد بن سليمان الديلمي ، عن أبيه ، عن سيدنا الصادقعليه‌السلام في كل شهر فأعرضه عليك؟ فقال لي : افعل. فلما عرضته عليه وصححته ، قلت له : يا سيدي ، في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد ، لما ذكر فيها من النحس والمخاوف ، فتدلّني على الاحتراز من المخاوف فيها ، فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجه في الحوائج فيها؟» إلى آخر الحديث(٣) .

وعن أبي عمرو المتطبب قال : «عرضت هذه الرواية على أبي عبد اللّهعليه‌السلام فقال : نعم هي حقّ ، وقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يأمر عمّاله

__________________

(١) الكافي ٨ : ٨١ / ٣٩ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٨٤ / ٢٨.

(٢) الكافي ١ : ٣٥٣ / ٨ ، الارشاد ٢ : ٢٢٣.

(٣) الأمالي / الطوسي : ٢٧٦ / ٥٢٩.


بذلك»(١) .

وعن الحسن بن الجهم قال : «عرضته على أبي الحسن الرضاعليه‌السلام فقال لي : ارووه ، فانّه صحيح»(٢) .

وعن ابن فضال ، ومحمد بن عيسى ، عن يونس ، جميعاً عن الرضاعليه‌السلام قالا : «عرضنا عليه الكتاب فقال : هو حقّ ، وقد كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يأمر عماله بذلك ، قال : أفتىعليه‌السلام في كلّ عظمٍ له مخّ فريضة مسمّاة ، إذا كسر فجبر على غير عثم ولا عيب ، فجعل فريضة الدية ستة أجزاء» ، إلى آخر الحديث(٣) .

وعن أحمد بن أبي خلف قال : «كنت مريضاً ، فدخل عليّ أبو جعفرعليه‌السلام يعودني عند مرضي ، فإذا عند رأسي كتاب يوم وليلة ، فجعل يتصفّحه ورقة ورقة حتى أتى عليه من أوله إلى آخره وجعل يقول : رحم اللّه يونس ، رحم اللّه يونس ، رحم اللّه يونس»(٤) .

وعن داود بن القاسم الجعفري قال : «أدخلت كتاب يوم وليلة الذي ألّفه يونس بن عبد الرحمن على أبي الحسن العسكريعليه‌السلام ، فنظر فيه وتصفّحه كلّه ، ثمّ قال : هذا ديني ودين آبائي ، وهو الحقّ كلّه»(٥) .

__________________

(١) الفقيه ٤ : ٥٤ / ١٩٤.

(٢) الكافي ٧ : ٣٢٤ / ٩.

(٣) التهذيب ١٠ : ٢٩٥ / ١١٤٨.

(٤) رجال الكشي ٢ : ٤٨٤ / ٩١٣ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٠ / ٧٤.

(٥) رجال الكشي ٢ : ٤٨٤ / ٩١٥ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٠ / ٧٥.


وعنه ، قال : «عرضت على أبي محمد العسكريعليه‌السلام كتاب يوم وليلة ليونس فقال لي : تصنيف من هذا؟ قلت : تصنيف يونس مولى آل يقطين ، فقال : أعطاه اللّه بكلّ حرفٍ نوراً يوم القيامة»(١) .

وفي حديث آخر عن بورق البوشجاني ، قال : «خرجت إلى سرّ من رأى ومعي كتاب يوم وليلة ، فدخلت على أبي محمدعليه‌السلام وأريته ذلك الكتاب ، وقلت له : إن رأيت أن تنظر فيه؟ فلمّا نظر فيه وتصفّحه ورقة ورقة ، قال : هذا صحيح ، ينبغي أن تعمل به»(٢) . وفي هذا الكلام ما لا يخفى من الحثّ على سلامة التصنيف في الحديث.

وذكر النجاشي أنّ كتاب عبيد اللّه بن علي الحلبي عُرِض على الصادقعليه‌السلام فصححه واستحسنه(٣) .

وقال الشيخ في الفهرست : «عبيداللّه بن علي الحلبي. له كتاب مصنف معوّل عليه ، وقيل : إنّه عُرِض على الصادقعليه‌السلام ، فلما رآه استحسنه وقال : ليس لهؤلاء ـ يعني المخالفين ـ مثله»(٤) .

وقال الشيخ الطوسي في ترجمة عبيد بن محمد البجلي : « عبيد بن محمد بن قيس البجلي. له كتاب ، يرويه عن أبيه وقال أبوه : عرضنا هذا

__________________

(١) رجال النجاشي : ٤٤٧ / ١٢٠٨ ، رجال ابن داود : ٢٠٧ / ١٧٤٣ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٢ / ٨٠.

(٢) رجال الكشي ٢ : ٥٣٨ / ١٠٢٣ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٠ / ٧٦.

(٣) وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠٢ / ٨١ ، رجال النجاشي : ٢٣١ / ٦١٢.

(٤) الفهرست : ١٠٦ / ٤٥٥ ، رجال ابن داود : ١٢٥.


الكتاب على أبي جعفر محمد بن علي الباقرعليه‌السلام ، فقال : هذا قول أمير المؤمنينعليه‌السلام ، إنّه كان يقول إذا صلّى قال في أول الصلاة وذكر الكتاب»(١) .

وذكر الكشي أن الفضل بن شاذان عرض كتابه على الإمام العسكريعليه‌السلام ، فتناوله منه ونظر فيه ، فترحّم عليه وقال : «أغبط أهل خراسان لمكان الفضل بن شاذان ، وكونه بين أظهرهم»(٢) .

وقال النجاشي في ترجمة عبد اللّه بن أبجر : « شيخ من أصحابنا ، ثقة ، وبنو أبجر بيت بالكوفة أطباء ، وأخوه عبد الملك بن سعيد ثقة ، عمّر إلى سنة أربعين ومائتين. له كتاب الديات ، رواه عن آبائه ، وعرضه على الرضاعليه‌السلام ، والكتاب يعرف بين أصحابنا بكتاب عبد اللّه بن أبجر»(٣) .

* * *

__________________

(١) الفهرست : ١٠٨ / ٤٥٩.

(٢) رجال ابن داود : ١٥١ / ١٢٠٠ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ١٠١ / ٣٣٣٢٢.

(٣) رجال النجاشي : ٢١٧ / ٥٦٥.


الفصل الثاني

معالم التصحيح في العقائد

أولى أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام مسألة التصحيح العقائدي أهمية فائقة؛ لأنّ العقيدة أساس الدين في كلّ تشريع ، وهي المقصود الأول من مقاصد الإصلاح الديني ، فسعوا إلى تخليص أصول الاعتقاد من الاتجاهات المدمّرة للفكر والعقيدة ، وتبنّوا إصلاح ما ضلّ من العقائد والمفاهيم والأفكار ، وما فسد من الأعمال ، وكشفوا عن جنايات المحرّفين والمبدّلين ، وسعوا إلى إعادة التوحيد إلى اُصوله الخالصة من تضليل المجبرة والمرجئة والمعطلة وغيرها من الفرق التي نشأ أغلبها في أحشاء السياسة ، وأرشدوا الضالين إلى ينابيعه الصافية ، وردّوا العقول الضالة إلى رشدها ، فلم يدعوا حجة لمحتجّ ، ولا معذرة لمعتذر. وفي كتاب (التوحيد) للشيخ الصدوق ، وكتاب التوحيد من (اصول الكافي) المزيد من الأمثلة حول الاصلاح العقائدي الذي مارسه أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

وقبل الوقوف في أهم محطات التصحيح في الاتجاه العقائدي ، لابدّ أولاً من الاشارة إلى دورهمعليهم‌السلام في تربية أصحابهم عقائدياً ضمن اتجاهين :


الأول : مباحثة أصحابهم في المسائل الكلامية وتصحيحها :

كان هشام بن الحكم واحداً من الذين سألوا الإمام الصادقعليه‌السلام عن مئات المسائل الكلامية ، وقد تعرض الإمامعليه‌السلام خلال أجوبته للوضع الفكري السائد آنذاك بالتقويم والتصحيح ، قال هشام بن الحكم : «سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام بمنى عن خمس مئة حرف من الكلام ، فأقبلت أقول : يقولون كذا وكذا ، قال : فيقول : قل كذا وكذا ، قلت : جعلت فداك ، هذا الحلال وهذا الحرام ، أعلم أنك صاحبه ، وأنك أعلم الناس به ، وهذا هو الكلام. فقال لي : ويك يا هشام! لا يحتجّ اللّه تبارك وتعالى على خلقه بحجة لا يكون عنده كلّ ما يحتاجون إليه»(١) .

الثاني : استعراض عقائد أصحابهم وتصحيحها :

لدينا هنا نموذجان جديران بالأهمية ، لما فيهما من استعراض لأصول الاعتقاد والفرائض الواجبة في الإسلام ، تولى التصحيح في أحدهما الإمام الصادقعليه‌السلام ، وفي الآخر الإمام الهاديعليه‌السلام .

١ ـ عن عمرو بن حريث قال : «دخلت على أبي عبد اللّهعليه‌السلام وهو في منزل أخيه عبد اللّه بن محمد فقلت له : جعلت فداك ، ألا أقصّ عليك ديني؟ فقال : بلى ، قلت : أدين اللّه بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن اللّه يبعث من في القبور ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم شهر رمضان ،

__________________

(١) الكافي ١ : ٢٦٢ / ٥.


وحج البيت ، والولاية لعلي أمير المؤمنين بعد رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والولاية للحسن والحسين ، والولاية لعلي بن الحسين ، والولاية لمحمد بن علي ولك من بعده (صلوات اللّه عليهم أجمعين) وأنكم أئمتي ، عليه أحيا ، وعليه أموت ، وأدين اللّه به.

فقال : يا عمرو ، هذا واللّه دين اللّه ، ودين آبائي الذي أدين اللّه به في السرّ والعلانية ، فاتق اللّه وكفّ لسانك إلاّ من خير ، ولا تقل إني هديت نفسي ، بل اللّه هداك ، فأدِّ شكر ما أنعم اللّه عزّ وجلّ به عليك ، ولا تكن ممن إذا أقبل طعن في عينه ، وإذا أدبر طعن في قفاه »(١) .

٢ ـ وعن عبد العظيم الحسني ، قال : «دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالبعليهم‌السلام ، فلما بصر بي قال لي : مرحباً بك يا أبا القاسم ، أنت ولينا حقاً. قال : فقلت له : يا ابن رسول اللّه ، إني أريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضياً أثبت عليه حتى ألقى اللّه عزّوجلّ؟ فقال : هات يا أبا القاسم.

فقلت : إني أقول إن اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج عن الحدين؛ حد الإبطال ، وحد التشبيه ، وإنه ليس بجسم ولا صورة ، ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مجسم الأجسام ، ومصور الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، ورب كل شيء ومالكه ، وجاعله ومحدثه ، وأن

__________________

(١) الكافي ٢ : ٢٣ / ١٤.


محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبده ورسوله خاتم النبيين ، فلا نبي بعده إلى يوم القيامة ، وأقول إن الإمام والخليفة وولي الأمر من بعده أمير الموءمنين علي بن أبي طالب ، ثم الحسن ، ثم الحسين ، ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي ، ثم جعفر بن محمد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد بن علي ، ثم أنت يا مولاي.

فقالعليه‌السلام : ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من بعده؟ قال : فقلت : وكيف ذاك يا مولاي؟ قال : لأنه لا يرى شخصه ، ولا يحلّ ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.

قال : فقلت : أقررت ، وأقول : إن وليهم ولي اللّه ، وعدوهم عدو اللّه ، وطاعتهم طاعة اللّه ، ومعصيتهم معصية اللّه ، وأقول : إن المعراج حق ، والمساءلة في القبر حق ، وإن الجنة حق ، وإن النار حق ، والصراط حق ، والميزان حق ، وإن الساعة آتية لا ريب فيها ، وإن اللّه يبعث من في القبور ، وأقول : إن الفرائض الواجبة بعد الولاية : الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقالعليه‌السلام : يا أبا القاسم ، هذا واللّه دين اللّه الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ، ثبّتك اللّه بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»(١) .

موارد من التصحيح العقائدي :

١ ـ صفات الذات :

في خضمّ الجدل الدائر في صفات الذات الإلهية ، حرص أهل

__________________

(١) اكمال الدين : ٣٧٩ / ١ ، التوحيد : ٨١ / ٣٧.


البيتعليهم‌السلام على تأكيد حقيقة أن الخالق لا يمكن أن يوصف بغير ما وصف به نفسه ، وأن البشر لا يتمكن من معرفة صفات الذات إلاّ من خلاله سبحانه ، فهو الذي أحاط بذاته ولم يحط بذاته أحد سواه ، وإذا حاول أحد ذلك فقد يصفه من خلال ما يتوهمه فيقول ما لا يرضي اللّه ، الأمر الذي يعني إبطال كل المقولات التي كانت تموج بها الساحة الإسلامية من المشبهة والمجسمة والمعطلة وغيرهم.

عن محمد بن حكيم ، قال : «كتب أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام إلى أبي : إن اللّه أعلى وأجل وأعظم من أن يبلغ كنه صفته ، فصفوه بما وصف به نفسه ، وكفوا عما سوى ذلك»(١) .

وعن الفتح بن يزيد الجرجاني ، قال : « ضمني وأبا الحسن الهاديعليه‌السلام الطريق حين منصرفى من مكة إلى خراسان ، وهو صائر إلى العراق ، فسمعته وهو يقول : إن الخالق لا يوصف إلاّ بما وصف به نفسه ، وأنى يوصف الخالق الذي تعجز الحواس أن تدركه ، والأوهام أن تناله ، والخطرات أن تحده ، والأبصار عن الاحاطة به ، جل عما يصفه الواصفون ، وتعالى عما ينعته الناعتون ، نأى في قربه ، وقرب في نأيه ، فهو في نأيه قريب ، وفي قربه بعيد ، كيّف الكيف فلا يقال كيف ، وأيّن الأين فلا يقال أين ، إذ هو منقطع الكيفية والأينية ، هو الواحد الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ، فجل جلاله »(٢) .

__________________

(١) الكافي ١ : ١٠٢ / ٦.

(٢) كشف الغمة ٣ : ١٧٩.


كيف وصف أهل البيتعليهم‌السلام الذات الإلهية؟

على ضوء ما تقدم مارس آل البيتعليهم‌السلام التصحيح في هذا الاطار بكلمات منتزعة من ألفاظ الكتاب الكريم وسنة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، محذرين من رواسب الشرك ومقولات أهل البدع والأوهام الباطلة المستندة إلى تقديرات العقول.

فمن كلام لأمير المؤمنينعليه‌السلام وقد سأله ذعلب اليماني : «هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقالعليه‌السلام : أفأعبد ما لا أرى؟ فقال : وكيف تراه؟ فقال : لا تراه العيون بمشاهدة العيان ، ولكن تدركه القلوب بحقائق الايمان. قريب من الأشياء غير ملامس ، بعيد منها غير مباين ، متكلّم لا بروّية ، مريد لا بهمّة ، صانع لا بجارحة ، لطيف لا يوصف بالخفاء ، كبير لا يوصف بالجفاء ، بصير لا يوصف بالحاسة ، رحيم لا يوصف بالرقة ، تعنو الوجوه لعظمته ، وتجب القلوب من مخافته»(١) .

وعن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : «قلت : جعلت فداك ، يزعم قوم من أهل العراق أنه يسمع بغير الذي يبصر ، ويبصر بغير الذي يسمع؟ قال : فقال : كذبوا وألحدوا ، وشبّهوا ، تعالى اللّه عن ذلك ، إنه سميع بصير ، يسمع بما يبصر ، ويبصر بما يسمع.

قال : قلت : يزعمون أنه بصير على ما يعقلونه. قال : فقال : تعالى اللّه ، إنما يعقل ما كان بصفة المخلوق ، وليس اللّه كذلك»(٢) .

__________________

(١) نهج البلاغة : ٢٥٨ ـ الخطبة ١٧٩.

(٢) الكافي ١ : ١٠٨ / ١.


وعن أبي عبد اللّهعليه‌السلام وقد قال رجل عنده : اللّه أكبر ، فقال : اللّه أكبر من أيّ شيء؟ فقال : من كلّ شيء. فقال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : حدّدته. فقال الرجل : كيف أقول؟ قال : قل : اللّه أكبر من أن يُوصَف»(١) .

وهنا يمارس الإمامعليه‌السلام عملية تصحيح للمقولة ، وما أكثر الناس الذين يقولون : اللّه أكبر من كل شيء! فيجعلون للّه تعالى حدّاً من حيث لا يشعرون ، من هنا جاء في الحديث الشريف : «الشرك أخفى من دبيب النمل».

وعن أبي الصلت الهروي ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : يابن رسول اللّه ، إن قوماً يقولون : لم يزل عالماً بعلم ، وقادراً بقدرة ، وحياً بحياة ، وقديماً بقدم ، وسميعاً بسمع ، وبصيراً ببصر؟ فقالعليه‌السلام : من قال ذلك ودان به ، فقد اتخذ مع اللّه آلهة اُخرى ، وليس من ولايتنا على شيء. ثم قالعليه‌السلام : لم يزل اللّه عزّوجلّ عليماً ، قادراً ، حياً ، قديماً ، سميعاً ، بصيراً لذاته ، تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علواً كبيراً»(٢) .

٢ ـ تنزيه الذات عن مقولات المشبهة والمعطلة :

يختلف الرأي في صفات الذات بين المتكلمين ، فمنهم من يثبت الصفات البشرية على الذات الإلهية ، كامتلاك الجارحة ، والنزول والانتقال من مكان إلى مكان ، والجلوس على العرش ، وهؤلاء هم المشبهة ، ومنهم من يذهب إلى تعطيل العقول عن المعرفة ، وهم المعطّلة ، وإزاء ذلك دعا

__________________

(١) الكافي ١ : ١١٧ / ٨.

(٢) التوحيد : ١٣٩ / ٣ ، عيون أخبار الرضا ١ : ١١٩ / ١٠ ، الاحتجاج : ٤١٠.


أهل البيتعليهم‌السلام إلى التحدث بلغة القرآن ، وأخذ العناوين الكبرى في العقيدة منه لا من غيره ، فنفوا التشبيه والتعطيل جميعاً ، وأكدوا أن اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج عن الحدين ؛ حد الابطال ، وحد التشبيه ، وإنه ليس بجسم لأنّه خالق الأجسام ، ولا صورة لأنّه خالق الصور ومبدعها ، ولا عرض ولا جوهر ، لأنه خالق الأعراض والجواهر ، وهو رب كل شيء ومالكه وجاعله ومحدثه. وفيما يلي نستعرض بعض الروايات الواردة عنهمعليهم‌السلام ، وهي تؤكد هذه المضامين ، وتشير إلى تصدي أهل البيتعليهم‌السلام إلى أمثال هذه المقولات الباطلة :

عن أبي حمزة الثمالي قال : «رأيت علي بن الحسينعليهما‌السلام قاعداً واضعاً احدى رجليه على فخذه فقلت : إنّ الناس يكرهون هذه الجلسة ، ويقولون : إنها جلسة الرب؟! فقال : إني إنما جلست هذه الجلسة للملالة ، والربّ لا يملّ ، ولا تأخذه سنة ولا نوم»(١) .

وعن عبدالرّحيم القصير ، قال : «كتبتُ على يدي عبدالملك بن أعين إلى أبي عبداللّهعليه‌السلام بمسائل فيها : أخبرني عن اللّه عزّوجلّ هل يوصف بالصورة وبالتخطيط ، فإن رأيت ـ جعلني اللّه فداك ـ أن تكتب إليّ بالمذهب الصحيح من التوحيد؟ فكتبعليه‌السلام بيدي عبدالملك بن أعين : سألت ـ رحمك اللّه ـ عن التوحيد ، وما ذهب إليه من قبلك ، فتعالى اللّه الذي ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون

__________________

(١) الكافي ٢ : ٦٦١ / ٢.


المشبّهون اللّه تبارك وتعالى بخلقه ، المفترون على اللّه ، واعلم ـ رحمك اللّه ـ أنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن من صفات اللّه عزّوجلّ ، فانْفِ عن اللّه البطلان والتشبيه ، فلا نفي ولا تشبيه ، هو اللّه الثابت الموجود ، تعالى اللّه عمّا يصفه الواصفون ، ولا تَعْدُ القرآن فتضِلَّ بعد البيان»(١) .

فلقد أرادعليه‌السلام أن يقول للسائل أن لا يستغرق في الجدل الكلامي عندما يتحدث عن اللّه سبحانه ، وطلب إليه أن يقرأ كتاب اللّه اذا أراد معرفة خالقه ، وإلا فهو الضلال المبين.

وعن سهل بن زياد ، قال : «كتب إلى أبي محمدعليه‌السلام : قد اختلف يا سيدي أصحابنا في التوحيد ، فمنهم من يقول هو جسم ، ومنهم من يقول هو صورة ، فإن رأيت يا سيدي أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه ، فعلت متطولاً.

فوقّع بخطّهعليه‌السلام : سألت عن التوحيد ، وهذا منكم معزول ، اللّه واحد أحد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، خالق وليس بمخلوق ، يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك وليس بجسم ، ويصور ما يشاء وليس بصورة ، جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه أن يكون له شبه ، هو لا غيره ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»(٢) .

ولأجل تعميق هذه المبادئ في النفوس ، أمروا شيعتهم بمقاطعة

__________________

(١) التّوحيد : ١٠٢ / ١٥ ، الكافي ١ : ١٠٠ / ١.

(٢) الكافي ١ : ١٠٣ / ١٠.


المجسمة ، وعدم الصلاة خلفهم ، وأن لا يعطوهم شيئاً من الزكاة(١) .

٣ ـ إبطال الروءية :

يذهب أهل الحديث من العامة إلى إمكان روءية اللّه تعالى في الآخرة ، ويرون أنّ اللّه تعالى يظهر للناس يوم القيامة كما يظهر البدر في ليلة تمامه ، واعتمدوا في ذلك على ظواهر جملة من الروايات والآيات(٢) . ولتصحيح هذا الاتجاه بيّن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام استحالة رؤية اللّه تعالى؛ لأنّها تُفضي إلى القول بالتشبيه ، مفسّرين الروايات والآيات التي استدلّ بها أهل الحديث على القول بإمكانية الروءية بمعانٍ مناسبة لفهم الآيات والروايات.

عن عاصم بن حميد ، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : «ذاكرت أبا عبداللّهعليه‌السلام فيما يروون من الرؤية فقال : الشمس جزء من سبعين جزءاً من نور الكرسي ، والكرسي جزء من سبعين جزءاً من نور العرش ، والعرش جزء من سبعين جزءاً من نور الحجاب ، والحجاب جزء من سبعين جزءاً من نور الستر ، فإن كانوا صادقين فليملأوا أعينهم من الشمس ليس دونها سحاب»(٣) .

وعن أبي هاشم الجعفري ، قال : «قلت لأبي جعفرعليه‌السلام : «لاَ تُدْرِكُهُ

__________________

(١) راجع : أمالي المفيد : ١١٢ / ٣ ، من لا يحضره الفقيه / الصدوق ١ : ٣٧٩ ، التوحيد / الصدوق : ١٠١ / ١١.

(٢) راجع : الإبانة / الأشعري : ٢١ ، شرح التجريد / القوشجي : ٣٣٤.

(٣) الكافي ١ : ٩٨ / ٧.


الاْءَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاْءَبْصَارَ »(١) . فقالعليه‌السلام : يا أبا هاشم ، أوهام القلوب أدق من أبصار العيون ، أنت قد تدرك بوهمك السند والهند ، والبلدان التي لم تدخلها ، ولا تدركها ببصرك ، وأوهام القلوب لا تدركه ، فكيف أبصار العيون؟!»(٢) .

وعن أحمد بن إسحاق ، قال : «كتبت إلى أبي الحسن الثالثعليه‌السلام أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه الناس؟ فكتب : لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر ، فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية ، وكان في ذلك الاشتباه ، لأن الرائي متى ساوى المرئي في السبب الموجب بينهما في الرؤية وجب الاشتباه ، وكان في ذلك التشبيه ، لأن الأسباب لابد من اتصالها بالمسببات»(٣) .

وعن يعقوب بن إسحاق ، قال : «كتبت إلى أبي محمدعليه‌السلام أسأله : كيف يعبد العبد ربّه وهو لا يراه؟ فوقّععليه‌السلام : يا أبا يوسف ، جل سيدي ومولاي والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يُرى.

قال : وسألته : هل رأى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ربه؟ فوقّععليه‌السلام : إنّ اللّه تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ»(٤) .

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦ / ١٠٣.

(٢) الكافي ١ : ٩٩ / ١١.

(٣) التوحيد : ١٠٩ / ٧ ، أصول الكافي ١ : ٩٧ / ٤.

(٤) اُصول الكافي ١ : ٩٥ / ١ ، التوحيد : ١٠٨ / ٢.


٤ ـ علمه تعالى :

من المسائل التي كثر الجدل عنها فيما يتعلق بعلمه سبحانه ، هي مسألة علمه بالأشياء قبل خلقها أو بعد ذلك ، وهل يجوز ظهور الأمر له تعالى بعد أن كان خافيا عليه ، وقد أجاب أهل البيتعليهم‌السلام بأنّ اللّه تعالى عالم بمصير الأشياء كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها ، وعلمه هذا أزلي قديم لا يتصور فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، ومن ذلك ما رواه جعفر بن محمد بن حمزة ، قال : «كتبت إلى الرجلعليه‌السلام أسأله : أن مواليك اختلفوا في العلم ، فقال بعضهم : لم يزل اللّه عالماً قبل فعل الأشياء ، وقال بعضهم : لا نقول : لم يزل اللّه عالماً؛ لأن معنى يعلم يفعل ، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً ، فإن رأيت ـ جعلني اللّه فداك ـ أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه؟ فكتبعليه‌السلام بخطه : لم يزل اللّه عالماً تبارك وتعالى ذكره»(١) .

وعن أيوب بن نوح : «أنه كتب إلى أبي الحسنعليه‌السلام يسأله عن اللّه عزّوجلّ ، أكان يعلم الأشياء قبل أن خلق الأشياء وكوّنها ، أو لم يعلم ذلك حتى خلقها وأراد خلقها وتكوينها ، فعلم ما خلق عندما خلق ، وما كوّن عندما كوّن؟ فوقع بخطه : لم يزل اللّه عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء»(٢) .

__________________

(١) الكافي ١ : ١٠٧ / ٥.

(٢) الكافي ١ : ١٠٧ / ٣ ، التوحيد : ١٤٥ / ١٣.


ومن موارد التصحيح في هذا الاتجاه ما رواه الكاهلي ، قال : «كتبت إلى أبي الحسنعليه‌السلام في دعاء : الحمد للّه منتهى علمه. فكتب إلي : لا تقولن منتهى علمه ، ولكن قل منتهى رضاه»(١) . فعلم اللّه ليس له نهاية ولا تحدّه حدود.

البداء :

مما تقدم تبين أن علمه تعالى محيط بكل شيء ، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض ، وهو سبحانه عالم بمصير الأشياء كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها ، وعالم بالجزئيات كعلمه بالكليات ، وعلمه بالمعدوم كعلمه بالموجود ، وعلمه هذا أزلي قديم لا يتصور فيه الظهور بعد الخفاء ولا العلم بعد الجهل ، قال تعالى : «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الاْءَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ »(٢) .

وعلى هذا الأساس نفى أئمة أهل البيتعليهم‌السلام البَداء بمعنى ظهور الشيء بعد خفائه ، لما يترتب عليه من نسبة الجهل إلى اللّه ، وهو عين الكفر ، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

روى ابن سنان عن أبي عبداللّهعليه‌السلام قال : «إنّ اللّه يقدم ما يشاء ، ويؤخر ما يشاء ، ويمحو ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ، وعنده أم الكتاب. وقالعليه‌السلام : لكل أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه ، وليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في

__________________

(١) الكافي ١ : ١٠٧ / ٤ ، التوحيد : ١٣٤.

(٢) سورة آل عمران : ٣ / ٥.


علمه ، إن اللّه لا يبدو له من جهل»(١) .

وقالعليه‌السلام : «من زعم أن اللّه عزّوجلّ يبدو له في شيء لم يعلمه أمس ، فأبرءوا منه»(٢) .

فمعنى البداء الوارد عنهمعليهم‌السلام هو ظهور أمر لنا منه تعالى لم يكن مرتقبا ، يعد مساوقا لتغيير القضاء ، وهو يتعلق بالتكوينيات ، كالنسخ المتعلق بالتشريعات ، ويكون في القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات.

عن الفضيل ، قال : «سمعت أبا جعفرعليه‌السلام يقول : من الأمور أمور محتومة كائنة لا محالة ، ومن الأمور أمور موقوفة عند اللّه ، يقدم فيها ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت منها ما يشاء ، لم يطلع على ذلك أحدا ـ يعني الموقوفة ـ فأمّا ما جاءت به الرسل ، فهي كائنة ، لا يكذب نفسه ولا نبيه ولا ملائكته»(٣) .

فالقول بجواز البداء في الأمر الموقوف لا يستلزم نسبة الجهل إلى اللّه سبحانه ، لأنه تعالى في عالم التكوين يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، ويثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء ، لقوله تعالى : «يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ »(٤) ، وقوله تعالى : «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي

__________________

(١) تفسير العيّاشي ٢ : ٢١٨ / ٧١.

(٢) بحار الأنوار ٤ : ١١١ / ٣٠.

(٣) تفسير العيّاشي ٢ : ٢١٧ / ٦٥.

(٤) سورة الرعد : ١٣ / ٣٩.


شَأْنٍ »(١) . وأحاديثهمعليهم‌السلام جاءت بهذا المنطق الإلهي ، ولا يخالفه إلاّ منطق اليهود المعبّر عنه بقوله تعالى : «وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ »(٢) .

قال اليهود : إنّ اللّه لما خلق الأشياء وقدّر التقادير ، تمّ الأمر وخرج زمام التصرف الجديد من يده بما حتّمه من القضاء ، فلا نسخ ولا استجابة لدعاء ، لأنّ الأمر مفروغ منه(٣) .

وما يهمنا في هذا الصدد هو التصحيح الذي قدمه أهل البيتعليهم‌السلام على طريق البداء ، ومن أبرز الشواهد عليه مناظرة الإمام الرضاعليه‌السلام مع سليمان المروزي متكلم خُراسان ، وكان المروزي ينكر البداء بالمعنى الذي قدمناه ، قالعليه‌السلام : «وما أنكرت من البداءِ يا سليمان ، واللّه عزَّوجلَّ يقول : «أَوْ لاَ يَذْكُرُ الإِْنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا »(٤) ، ويقول عزَّوجلَّ : «وَهُوَ الَّذِي يَبْدَوءُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ »(٥) ، ويقول : «بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالاْءَرْضِ »(٦) ، ويقول عزَّوجلَّ : «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ »(٧) ، ويقول : «بَدَأَ

__________________

(١) سورة الرحمن : ٥٥ / ٢٩.

(٢) سورة المائدة : ٥ / ٦٤.

(٣) تفسير الميزان ٢ : ٣٢.

(٤) سورة مريم : ١٩ / ٦٧.

(٥) سورة الروم : ٣٠ / ٢٧.

(٦) سورة البقرة : ٢ / ١١٧.

(٧) سورة فاطر : ٣٥ / ١.


خَلْقَ الإِْنْسَانِ مِنْ طِينٍ »(١) ، ويقول عزَّوجلَّ : «وَآخَرُونَ مَرْجَوْنَ ِلأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ »(٢) ، ويقول عزَّوجلَّ : «وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ »(٣) ؟!

قال سليمان : هل رويت فيه شيئا عن آبائك؟ قالعليه‌السلام : نعم ، رويت عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام أنه قال : إن للّه عزَّوجلَّ علمين : علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلاّ هو ، ومن ذلك يكون البداء ، وعلما علَّمه ملائكته ورسله ، فالعلماء من أهل بيت نبيه يعلمونه.

قال سليمان : أحب أن تنزعه لي من كتاب اللّه عزَّوجلَّ. قالعليه‌السلام : قول اللّه عزَّوجلَّ لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ »(٤) أراد هلاكهم ثمَّ بدا للّه ، أي عن علم ، فقال : «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُوءْمِنِينَ »(٥) .

قال سليمان : زدني جعلت فداك ـ فواصل الإمامعليه‌السلام في إيراد الأدلة على جواز البداء حتى أذعن سليمان المروزي ـ فقال للمأمون : يا أمير المؤمنين ، لا اُنكرُ بعد يومي هذا البَداء ولا اُكذِّب به إن شاء اللّه»(٦) .

__________________

(١) سورة السجدة : ٣٢ / ٧.

(٢) سورة التوبة : ٩ / ١٠٦.

(٣) سورة فاطر : ٣٥ / ١١.

(٤) سورة الذاريات : ٥١ / ٥٤.

(٥) سورة الذاريات : ٥١ / ٥٥.

(٦) التوحيد : ٤٤١ ـ ٤٤٥ / ١.


٥ ـ الجبر والتفويض والأمر بين الأمرين :

الجبر هو الاعتقاد بنسبة أفعال العباد إلى اللّه تعالى ، ويقول المجبرة : ليس لنا صنع ، أي لسنا مخيرين في أفعالنا التي نفعلها ، بل إننا مجبورون بإرادته ومشيئته تعالى ، وإنما تنسب الأفعال إلينا على سبيل التجوّز ، لأننا محالّها ، وهذا يفضي إلى القول بأنه تعالى يحاسبهم على أفعال أجبرهم عليها ، ومن هنا نسبوا الظلم إلى الخالق ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، ويتبنى هذا الرأي الأشاعرة ، غير أنهم أضافوا (الكسب) إلى الإنسان ، لذا عُرفوا بالجبرية المتوسطة. والمفوضة يعتقدون أن اللّه سبحانه لا صنع له ولا دخل في أفعال العباد ، سوى أنه خلقهم وأقدرهم ، ثم فوض أمر أفعالهم إلى سلطانهم وإرادتهم ، ولا دخل لأي إرادة أو سلطان عليهم ، فأخرجوا اللّه تعالى عن سلطانه ، وأشركوا معه غيره في الخلق ، ويتبنى هذا الرأي المعتزلة. ويذهب أهل البيتعليهم‌السلام مذهباً وسطاً بين الجبر والتفويض لا يتّصل بالجبر ولا بالتفويض ، وهو الأمر بين الأمرين ، أو المنزلة بين منزلتين ، فأفعالنا هي تحت مقدورنا واختيارنا ، وهي مقدّرة للّه تعالى.

عن المفضل بن عمر ، عن أبي عبداللّه الصّادقعليه‌السلام ، قال : «لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين. قال : قلت : وما أمر بين أمرين؟ قال : مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينتهِ ، فتركته ففعل تلك المعصية ، فليس حيث لم يقبل منك فتركته ، أنت الذي أمرته بالمعصية»(١) .

__________________

(١) التّوحيد : ٣٦٢ / ٨.


وعن الباقر والصّادقعليهما‌السلام قالا : «إنّ اللّه عزّوجلّ أرحم بخلقه من أن يُجبِر خلقه على الذنوب ثمّ يُعذّبهم عليها ، واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون»(١) .

وروي عن الإمام الرضاعليه‌السلام لأصحابه كلاماً جامعاً في هذا الخصوص ، قالعليه‌السلام : «ألا أعطيكم في هذه أصلاً لا تختلفون فيه ، ولا يخاصمكم عليه أحد إلاّ كسرتموه؟ قالوا : إن رأيت ذلك. فقالعليه‌السلام : إنّ اللّه عزَّوجلَّ لم يطع بإكراه ، ولم يعصَ بغلبة ، ولم يهمل العباد في ملكه ، وهو المالك لما ملكهم ، والقادر على ما أقدرهم عليه ، فإن ائتمر العباد بالطاعة لم يكن اللّه عنها صادا ، ولا منها مانعا ، وإن ائتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل ، فإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيها ـ ثم قالعليه‌السلام : ـ من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه»(٢) .

وروي عن أبي الحسن الثالثعليه‌السلام أنه سئل عن أفعال العباد ، فقيل له : «هل هي مخلوقة للّه تعالى؟ فقالعليه‌السلام : لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها ، وقد قال سبحانه : «أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ »(٣) ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم ، وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم»(٤) .

وللإمام أبي الحسن الهاديعليه‌السلام رسالة بعثها إلى أهل الأهواز ، هي

__________________

(١) التّوحيد : ٣٦٠ / ٣.

(٢) كشف الغمة ٣ : ٨٢.

(٣) سورة التوبة : ٩ / ٣.

(٤) تصحيح الاعتقاد : ٢٩.


أطول وأهم ما ورد في هذا الموضوع ، باعتباره من المسائل التي اُثيرت بقوة في ذلك الوقت ، بحيث كانت سبباً للاختلاف بين أصحابهعليه‌السلام إلى حدّ الفرقة والتقاطع والعداوة ، فوضع الإمامعليه‌السلام النقاط على الحروف في هذه المسألة الحساسة ، مستدلاً على المنزلة بين المنزلتين من آي الكتاب الكريم والحديث الشريف(١) .

٦ ـ الهداية والضلالة والسعادة والشقاوة :

على ضوء ما تقدم من نسبة الأفعال اختلفت الفرق في تحديد جهة صدور الهداية والضلال ، والطاعة والمعصية ، والسعادة والشقاوة ، فذهب بعض المفسرين والمحدّثين إلى أنّ اللّه تعالى هو مصدر ذلك كله ، والعبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، فإذا أراد اللّه هداه ، وإذا أراد أضله ، وذهب آخرون إلى العكس من هذا التصور ، فتصدّى أهل البيتعليهم‌السلام لهذين الاتجاهين مبينين أنّ كلّ هداية هي من اللّه تعالى ، وكلّ ضلالة هي من العبد نفسه ، وأن كليهما يجريان على الإنسان باختياره وقراره.

عن جابر بن يزيد الجعفي ، عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ، قال : «سألته عن معنى لا حول ولا قوّة إلاّ باللّه. فقال : معناه لا حول لنا عن معصية اللّه إلاّ بعون اللّه ، ولا قوّة لنا على طاعة اللّه إلاّ بتوفيق اللّه عزّوجلّ»(٢) .

وعن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي قال : « سألت أبا عبد اللّه جعفر بن

__________________

(١) تحف العقول / الحراني : ٤٥٨.

(٢) التّوحيد : ٢٤٢ / ٣ ، الاحتجاج : ٤١٢.


محمّدعليهما‌السلام عن قول اللّه عزّوجلّ : «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا »(١) . فقالعليه‌السلام : إنّ اللّه تبارك وتعالى يُضلّ الظالمين يوم القيامة عن دار كرامته ، ويهدي أهل الإيمان والعمل الصالح إلى جنّته ، كما قال عزّوجلّ : «وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ »(٢) ، وقال عزّوجلّ : «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الاْءَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ » »(٣) .

وعن حمدان بن سليمان النيسابوري ، «قال : سألت عليّ بن موسى الرّضاعليه‌السلام بنيسابور عن قول اللّه عزّوجلّ : «فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاْءِسْلاَمِ »(٤) . قال : من يرد اللّه أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنّته ودار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم للّه ، والثقة به ، والسكون إلى ما وعده من ثوابه حتّى يطمئن إليه ، ومن يرد أن يضلّه عن جنّته ودار كرامته في الآخرة لكفره به وعصيانه له في الدنيا ، يجعل صدره ضيقاً حرجاً حتّى يشكّ في كفره ، ويضطرب من اعتقاده قلبه ، حتّى يصير كأنما يصعد في السّماء ، كذلك يجعل اللّه الرجس على الذين لا يوءمنون»(٥) .

٧ ـ تنزيه الأنبياء عن المعاصي :

ذهب أهل البيتعليهم‌السلام إلى القول بعصمة الأنبياءعليهم‌السلام جميعاً من

__________________

(١) سورة الكهف : ١٨ / ١٧.

(٢) سورة إبراهيم : ١٤ / ٢٧.

(٣) التّوحيد : ٢٤١ / ١. والآية من سورة يونس : ١٠ / ٩.

(٤) سورة الأنعام : ٦ / ١٢٥.

(٥) التّوحيد : ٢٤٢ / ٤.


المعاصي كبيرها وصغيرها قبل النبوّة وبعدها ، وذهب الحشوية والأشاعرة إلى جواز فعل الكبائر قبل النبوّة ، ومنهم من ذهب إلى جوازها في حال النبوّة سوى الكفر والكذب فيما يتعلّق بتبليغ الشريعة ، ويستدلون على ذلك بظواهر بعض الآيات القرآنية ، وجوّز المعتزلة صغائر الذنوب على الأنبياء.

وقدم أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بياناً شافياً لجميع الآيات التي يظهر منها نسبة الخطأ أو المعصية للأنبياءعليهم‌السلام ، وأماطوا الستار عن المعاني الحقيقية لتلك الآيات.

ومن ذلك ما رواه الحسن الصيقل ، قال : «قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : إنا قد روينا عن أبي جعفرعليه‌السلام في قول يوسفعليه‌السلام : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ »(١) ، فقال : واللّه ما سرقوا وما كذب ، وقال إبراهيمعليه‌السلام : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ »(٢) ، فقال : واللّه ما فعلوا وما كذب.

قال : فقال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : ما عندكم فيها يا صيقل؟ قال : فقلت : ما عندنا فيها إلاّ التسليم ، قال : فقال : إن اللّه أحبّ اثنين ، وأبغض اثنين : أحبّ الخطر فيما بين الصفّين ، وأحبّ الكذب في الاصلاح ، وأبغض الخطر في الطرقات ، وأبغض الكذب في غير الاصلاح ، إن إبراهيمعليه‌السلام إنما قال : «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا » إرادة الاصلاح ودلالة على أنهم لا يفعلون ، وقال

__________________

(١) سورة يوسف : ١٢ / ٧٠.

(٢) سورة الأنبياء : ٢١ / ٦٣.


يوسفعليه‌السلام إرادة الاصلاح»(١) .

وفي حديث آخر عنهعليه‌السلام ، قال : «ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيمعليه‌السلام ، فقلت : فكيف ذاك؟ قال : إنما قال إبراهيمعليه‌السلام : «فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ » إن نطقوا فكبيرهم فعل ، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً ، فما نطقوا وما كذب إبراهيمعليه‌السلام .

فقلت : قوله عزّوجلّ في يوسفعليه‌السلام : «أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ » قال : إنهم سرقوا يوسف من أبيه ، ألا ترى أنه قال لهم حين قال : «مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ »(٢) ، ولم يقل : سرقتم صواع الملك؟ إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه»(٣) .

وهذا الحديث وغيره(٤) يستبطن ردّاً على ما روي من طرق العامة بما لا يتناسب مع شخصية الأنبياءعليهم‌السلام ، عن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لم يكذب إبراهيم إلاّ ثلاث كذبات : قوله حين دعي إلى آلهتهم إني سقيم ، وقوله : فعله كبيرهم هذا ، وقوله لسارة : انها أختي »(٥) .

وقد حكم الفخر الرازي في التفسير الكبير بكذب حديث البخاري

__________________

(١) الكافي ٢ : ٣٤١ / ١٧.

(٢) سورة يوسف : ١٢ / ٧١ ـ ٧٢.

(٣) معاني الأخبار : ٢١٠ / ١.

(٤) راجع : الكافي ٨ : ١٠٠ / ٧٠ ، مجمع البيان ٨ : ٧٠٢.

(٥) راجع : صحيح البخاري ٤ : ٢٨٠ / ١٦١ ، صحيح مسلم ٤ : ١٨٤٠ / ١٥٤ ، مسند أحمد ٢ : ٤٠٣.


عن أبي هريرة ، فقال ما هذا لفظه :

«قلت لبعضهم : هذا الحديث لا ينبغي أن يقبل؛ لأنّ نسبة الكذب إلى إبراهيمعليه‌السلام لا تجوز ، وقال ذلك الرجل : فكيف يحكم بكذب الرواة العدول؟ فقلت : لمّا وقع التعارض بين نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليلعليه‌السلام ، كان من المعلوم بالضرورة أنّ نسبته إلى الراوي أولى»(١) .

وللامام عليّ بن موسى الرّضاعليه‌السلام حديث طويل رواه عليّ بن محمّد ابن الجهم ، وأجاب فيه الإمامعليه‌السلام عن كثير من الآيات التي توهم ما يعارض العصمة ، قال عليّ بن محمّد بن الجهم : «حضرت مجلس المأمون وعنده الرّضا عليّ بن موسىعليهما‌السلام ، فقال له المأمون : يا بن رسول اللّه ، أليس من قولك إنّ الأنبياء معصومون؟ فقال : بلى ، وذكر حديثاً طويلاً ، ومنه : قال المأمون : فأخبرني عن قول اللّه تعالى : «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَءَا بُرْهَانَ رَبِّهِ »؟(٢) .

فقال الرضاعليه‌السلام : لقد همَّت به ، ولولا أن رأى برهان ربِّه لهمَّ بها كما همّت به ، لكنّه كان معصوما ، والمعصوم لا يهمّ بذنبٍ ولا يأتيه. ولقد حدَّثني أبي ، عن أبيه الصادقعليه‌السلام ، أنّه قال : همّت بأن تفعل ، وهمَّ بأن لا يفعل. فقال المأمون : للّه درّك ، يا أبا الحسن»(٣) .

__________________

(١) التفسير الكبير / الفخر الرازي ١٦ : ١٤٨.

(٢) سورة يوسف : ١٢ / ٢٤.

(٣) عيون أخبار الرضا ١ : ٢٠١ / ١.


٨ ـ التصدّي لحركة الغلو والنصب :

الغلوّ : مجاوزة الحدّ المعقول في العقائد الدينية والواجبات الشرعية. والغالي في أهل البيتعليهم‌السلام من يقول فيهمعليهم‌السلام ما لا يقولون في أنفسهم ، كالقول بأُلوهية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليهم‌السلام ، وبكونهم شركاء للّه سبحانه في الربوبية ، وأن اللّه تعالى حلّ فيهم أو اتحد بهم ، وانهم يعلمون الغيب ، والقول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات والعبادات ، والقول بأنّ اللّه فوّض إليهم أمر العباد بالتفويض المطلق ، والقول بأن الأئمةعليهم‌السلام أنبياء ، والقول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض ، والقول بأنهم لم يُقتلوا ولم يموتوا بل شبّه لهم ، والقول بتفضيل الأئمةعليهم‌السلام على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مكارم الأخلاق ، إلى غير ذلك من العقائد الفاسدة التي رفضها الأئمةعليهم‌السلام وشيعتهم الإمامية جملة وتفصيلاً ، وذهب بعض الغلاة إلى ادعاء البابية أو الإمامة أو النبوة.

وفرق الغلاة كثيرة ، منهم : العليائية والمخمسة والغرابية والبزيعية والبيانية والخطابية والشعيرية والمغيرية والمنصورية ، وغيرهم من فرق الضلال المنقرضة ، التي نشأت لأسباب عديدة ، منها سياسية تهدف إلى طلب الرئاسة والزعامة ، أو الحطّ من مكانة الأشخاص الذين يغالون فيهم والتقليل من شأنهم ، ومنها المصالح الشخصية الهادفة إلى احتواء أموال الناس وأكلها بالباطل ، ومنها النزوات الشاذة التي جعلت أصحابها يتمردون على شرعة اللّه سبحانه ، فأباحوا المحرمات واستخفوا


بالعبادات ، ومهما كان السبب فان حركة الغلو من المعاول الهدامة التي تشكل خطورة بالغة على الفكر الإسلامي ، وهي ظاهرة طارئة نشأت بدعم موجّه من قبل أعداء الإسلام الذين ما انفكوا يتربصون به الدوائر ، ليسلبوا مبادئه من نفوس أبنائه ، ويشوّهوا مفاهيمه ومعتقداته.

لذلك اتخذ الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام وشيعتهم مواقف شديدة من الغلو والغلاة ، لقطع الطريق أمام هذا المدّ الفكري الهدّام ، وسد جميع المنافذ أمام الغلاة ، ومحاربتهم بكلّ ما بوسعهم من عناصر القوة والامكان ، للحيلولة دون انتشار أفكارهم الهدامة ، فبينوا أن الغلو كفر وشرك وخروج عن الإسلام ، وتبرءوا من الغلاة ولعنوهم ، وحذّروا شيعتهم منهم ، وكشفوا عن تمويهاتهم وافتراءاتهم ، وردّوا على أباطيلهم ، لتصحيح المسار الإسلامي بكل ما حوى من علوم ومعارف واتجاهات ، والحفاظ على الخط الرسالي الأصيل.

قال أميرالمؤمنينعليه‌السلام في حديث الأربعمائة : «إياكم والغلو فينا ، قولوا : عبيد مربوبون ، وقولوا في فضلنا ما شئتم ، من أحبنا فليعمل بعملنا ، وليستعن بالورع»(١) .

وقال الإمام الصادقعليه‌السلام : «لعن اللّه من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا ، لعن اللّه من أزالنا عن العبودية للّه الذي خلقنا ، وإليه مآبنا ومعادنا ، وبيده نواصينا»(٢) .

__________________

(١) الخصال : ٦١٤ / ١٠.

(٢) رجال الكشي : ٣٠٢ / ٥٤٢.


وقال الإمام الرضاعليه‌السلام وقد سئل عن الغلاة : « من جالسهم أو خالطهم ، أو آكلهم أو شاربهم ، أو واصلهم ، أو زوّجهم أو تزوج منهم ، أو آمنهم أو ائتمنهم على أمانة ، أو صدق حديثهم ، أو أعانهم بشطر كلمة ، خرج من ولاية اللّه عزّوجلّ وولاية رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولايتنا أهل البيت »(١) .

وإلى جانب الغلو في النبي والأئمةعليهم‌السلام فان هناك خطاً مناقضاً لخطّ الغلو ، وهو خطّ النصب والعدوان لأهل البيتعليهم‌السلام ، والانتقاص من مكانتهم الحقّة عند اللّه تعالى ، ودورهم في تبليغ الرسالة والحفاظ عليها ، والبعض من الناصبة قد يصل إلى حدّ التكفير لكلِّ من يتولى أهل البيتعليهم‌السلام ويقول بامامتهم ، ويدين بحبّهم ، ويقتدي بهم كقادة رساليين انتجبهم اللّه تعالى لتبليغ دينه وإتمام رسالته.

وقد بيّن أهل البيتعليهم‌السلام أن كلاً من الغلو والنصب هو من نتاج أعدائهم ، وأن الغالي والناصب هالكان ، وأن أفضل المواقف هو الموقف الوسط بين الافراط والتفريط.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «سيهلك فيَّ صنفان : محبّ مفرط يذهب به الحبّ إلى غير الحقّ ، ومبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحقّ ، وخير الناس فيَّ حالاً النمط الأوسط فالزموه»(٢) .

وقال الإمام الرضاعليه‌السلام : «نحن آل محمد النمط الأوسط الذي لا يدركنا

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ٢ : ٢١٩ / ٤.

(٢) نهج البلاغة : ١٨٤ ـ الخطبة ١٢٧.


الغالي ولا يسبقنا التالي»(١) .

٩ ـ التصدّي لأهل البدع والشبهات :

هناك الكثير من الأخبار التي تدلّ على أن أهل البيتعليه‌السلام كانوا يتابعون بدقة ما يجري على الساحة الفكرية ، ويتحركون على كل الاتجاهات المضادة والأفكار المنحرفة والشبهات التي تنطلق هنا وهناك في مواجهة الفكر الإسلامي الأصيل ، فيتصدّون لها بالحجة البالغة والاسلوب العلمي والجدل الموضوعي.

مثال ذلك ما نقله ابن شهرآشوب عن أبي القاسم الكوفي في كتاب التبديل : أن الكندي ، كان فيلسوف العراق في زمانه ، أخذ في تأليف تناقض القرآن ، وشغل نفسه بذلك ، وتفرّد به في منزله ، فسلّط الإمام العسكريعليه‌السلام عليه أحد طلابه بكلامٍ قاله له ، مما جعله يتوب ويحرق أوراقه.

وملخص الفكرة التي أبداها الإمامعليه‌السلام للتلميذ ، هي احتمال أن يكون المراد بالآيات القرآنية غير المعاني التي فهمها وذهب إليها ، باعتبار أن اللغة العربية مرنة متحركة ، فقد يفهم بعض الناس الكلام على أنه الحقيقة وهو من المجاز ، وقد يفهم أن المراد هو المعنى اللغوي والمقصود هو المعنى الكنائي.

وطلب الإمامعليه‌السلام من تلميذ الكندي أن يتلطّف في مؤانسة استاذه

__________________

(١) الكافي ١ : ١٠١ / ٣.


قبل إلقاء الاحتمال ، ووصفهعليه‌السلام بقوله : إنّه رجل يفهم إذا سمع. فصار التلميذ إلى الكندي ، وألقى إليه ذلك الاحتمال ، فتفكر في نفسه ، ورأى أن ذلك محتمل في اللغة ، وسائغ في النظر.

فقال : أقسمت عليك إلاّ أخبرتني من أين لك هذا؟ فقال : إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك. فقال : كلا ، ما مثلك من اهتدى إلى هذا ، ولا من بلغ هذه المنزلة ، فعرّفني من أين لك هذا؟ فقال : أمرني به أبو محمد. فقال : الآن جئت به ، وما كان ليخرج مثل هذا إلاّ من ذلك البيت. ثم إنّه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه(١) .

ومن المفاهيم المغلوطة التي أسهم أهل البيتعليهم‌السلام في فضحها وتعريتها ، وتوجيهها في المسار الصحيح ، هو سلوك المتصوفة في الزهد واظهار التقشف والانقطاع عن الحياة.

قال العلاء بن زياد الحارثي لأمير المؤمنينعليه‌السلام : «يا أمير المؤمنين ، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، قال : وماله؟ قال : لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا. قال : عليَّ به. فلما جاء قال : يا عديّ نفسه ، لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك. أترى اللّه أحلّ لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على اللّه من ذلك»(٢) .

ودخل على علي بن موسى الرضا قوم من الصوفية فقالوا :

__________________

(١) المناقب / ابن شهرآشوب ٤ : ٤٥٧.

(٢) نهج البلاغة : ٣٢٤ ـ الخطبة ٢٠٩.


« الإمامة تحتاج إلى من يأكل الخشن ويلبس الخشن ويركب ويعود المريض ويشيع الجنائز ، فقالعليه‌السلام : كان يوسف بن يعقوب نبيا فلبس أقبية الديباج المزركشة بالذهب ، والقباطي المنسوجة بالذهب ، وجلس على متكآت آل فرعون ، وحكم وأمر ونهى ، وإنما يراد من الإمام قسط وعدل ، إذا قال صدق ، وإذا حكم عدل ، وإذا وعد أنجز ، إن اللّه لم يحرّم ملبوسا ولا مطعوما ، وتلا قوله : «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ » »(١) .

ونهى الإمام الهاديعليه‌السلام أصحابه وسائر المسلمين عن التواصل مع الصوفية والاختلاط بهم ، لأن زهدهم لم يكن حقيقياً وإنما لاراحة أبدانهم ، وأن تهجدهم في الليل لم يكن نسكاً وإخلاصاً في طاعة اللّه تعالى ، وإنما هو وسيلة لصيد أموال الناس وإغوائهم ، وأن أورادهم ليست عبادة خالصة للّه بل هي رقص وغناء ، وأن أتباعهم هم الحمقى والسفهاء(٢) .

واستفحلت حركة الزندقة في العصر العباسي ، وتعددت مقولاتهم ، فمنهم من يقول بالتناسخ وقدم الدهر ، ومنهم من يقول بالثنوية ، وإذا كان الحاكم قد أفرط في استعمال القوة ضد هذا التيار المدمر ، فان أهل البيتعليهم‌السلام قد أمعنوا النظر في اتباع المنطق العقلي معهم واستعمال لغة

__________________

(١) الفصول المهمة : ٢٥١ ، والآية من سورة الأعراف : ٧ / ٣٢.

(٢) راجع : حديقة الشيعة / الأردبيلي : ٦٠٣ ، الاثنا عشرية / الحر العاملي : ٢٩.


الحوار ، واطلاعهم على مساحات واسعة من اضاءات الفكر الإسلامي.

فقد جاء في سيرة الإمام الرضاعليه‌السلام أنه دخل رجل من الزنادقة عليه وعنده جماعة ، فقال له أبو الحسنعليه‌السلام : «أرأيت إن كان القول قولكم ، وليس هو كما تقولون ، ألسنا واياكم شرع سواء ، ولا يضرّنا ما صلينا وزكينا وأقررنا؟ فسكت ، فقال أبو الحسنعليه‌السلام : وإن يكن القول قولنا ، وهو قولنا ، وكما نقول ، ألستم قد هلكتم ونجونا؟

قال : رحمك اللّه فأوجدني كيف هو؟ وأين هو؟ قالعليه‌السلام : ويلك ، إن الذي ذهبت إليه غلط ، وهو أيّن الأين ولا أين ، وكيّف الكيف وكان ولا كيف ، فلا يعرف بكيفوفية ، ولا بأينونية ، ولا يدرك بحاسة ولا يُقاس بشيء.

قال الرجل : فإذن انه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس!

فقال أبو الحسنعليه‌السلام : ويلك إذا عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عجزت حواسنا عن ادراكه أيقنّا انه ربنا ، وأنه شيء بخلاف الأشياء.

قال الرجل : فأخبرني متى كان؟! قال أبو الحسنعليه‌السلام : أخبرني متى لم يكن ، فأخبرك متى كان؟!.

قال الرجل : فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسنعليه‌السلام : اني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة اليه ، علمت أن لهذا البنيان بانيا ، فأقررت به ، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السحاب ، وتصريف الرياح ، ومجرى الشمس


والقمر والنجوم ، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات ، علمت أن لهذا مقدّرا ومنشأً.

قال الرجل : فلم احتجب؟ فقال أبو الحسنعليه‌السلام : إنّ الحجاب على الخلق ، لكثرة ذنوبهم ، فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار.

قال : فلم لا تدركه حاسة الأبصار؟ قالعليه‌السلام : للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار منهم ومن غيرهم ، ثم هو أجلّ من أن يدركه بصر أو يحيطه وهم أو يضبطه عقل.

قال : فحده لي؟ قالعليه‌السلام : لا حدّ له ، قال : ولم؟ قالعليه‌السلام : لأن كل محدود متناه إلى حدّ ، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ، واذا احتمل الزيادة احتمل النقصان ، فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ولا متجزيء ولا متوهَّم »(١) .

١٠ ـ تصحيح مفاهيم في الإمامة :

لقد بيّن أهل البيتعليهم‌السلام أنّ الإمامة منصب الهي ، ولاتكون بالشورى والاختيار ، بل تخضع للإرادة الربانية ، وهو تعالى يجتبي من عباده ما يشاء لهذا المنصب الخطير ، والإمام يشترك مع النبي باعتبارهما حجة على الناس ، ويفترق عنه بالوحي فهو لا يوحى اليه ، وأن الأرض لا تخلو من حجة منذ خلق اللّه تعالى آدم ، وأن الأئمة من آل البيت هم ورثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأولاده وأفضل من خلف بعده في أمته ، وأنهم أولي الأمر الذين

__________________

(١) عيون أخبار الرضا ١ : ١٢٠ / ٢٨.


فرض اللّه طاعتهم على خلقه باعتبارهم قادة الرسالة المعصومين ، وأن ولاء جميع الخلائق يجب أن يكون لهم ، وأن لهم حقوقاً جعلها اللّه لهم واجبة في أعناق من يدينون لهم بالولاء منها الولاية والخمس والمودة والطاعة والصلاة عليهم ، وأن منهم القائم الذي يطهر الأرض من أعداء اللّه ، وله غيبة يطول أمدها ، يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون ، حتى يظهر ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً. وقد تصدّى الأئمةعليهم‌السلام لبيان هذا الأصل العقائدي ، ودافعوا عن الاُسس التي تقوم عليها الإمامة وعن أهم قواعدها ، مصرّحين بحقّهم بالخلافة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتمالئالاُمّة على استلاب هذا الحقّ منهم ، وذلك في نصوص واحتجاجات عديدة يصعب حصرها ، ولذا اقتصرنا على بعض ما جاء عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو على ثلاثة أقسام :

الأول : بيان حقهمعليهم‌السلام في الخلافة :

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «لا يقاس بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من هذه الاُمّة أحدٌ ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفئ الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، الآن إذ رجع الحقّ إلى أهله ، ونقل إلى منتقله»(١) .

وقالعليه‌السلام : «انظروا أهل بيت نبيكم ، فالزموا سمتهم ، واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى. فإن لبدوا فالبدوا ، وإن

__________________

(١) نهج البلاغة : ٤٧ ـ الخطبة ٢.


نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلّوا ، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا»(١) .

وقالعليه‌السلام : «أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذباً وبغياً علينا ، أن رفعنا اللّه ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم. بنا يستعطى الهدى ، ويستجلى العمى. إنّ الأئمّة من قريش غُرِسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم»(٢) .

وقام أمير المؤمنينعليه‌السلام في أيام خلافته ، فناشد الناس بالرحبة قائلاً : «أنشد اللّه من سمع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خمّ : من كنت مولاه فعلي مولاه؛ لمّا قام فشهد. فقام اثنا عشر بدرياً ، فقالوا : نشهد أنا سمعنا رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خمّ : ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأزواجى أمهاتهم؟ فقلنا : بلى ، يا رسول اللّه. قال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه»(٣) .

الثاني : بيان استلاب حقّهمعليهم‌السلام :

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «فواللّه مازلت مدفوعاً عن حقّي ، مستأثراً عليّ منذ قبض اللّه نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى يوم الناس هذا»(٤) .

ومن خطبة لهعليه‌السلام : «اللهمّ إنّي أستعديك على قريش ومن أعانهم ،

__________________

(١) نهج البلاغة : ١٤٣ ـ الخطبة ٩٧.

(٢) نهج البلاغة : ٢٠١ ـ الخطبة ١٤٤.

(٣) مسند أحمد ١ : ٨٨ و ١١٨ ، فضائل الصحابة / لأحمد بن حنبل ٢ : ٥٨٥ / ٩٩١ و ٩٩٢ ، أسد الغابة ٢ : ٢٣٣ ، الاصابة ٤ : ١٨٢ ترجمة عبدالرحمن بن مدلج.

(٤) نهج البلاغة : ٥٣ ـ الخطبة ٦.


فإنّهم قطعوا رحمي ، وصغّروا عظيم منزلتي ، وأجمعوا على منازعتي أمراً هو لي؛ ثمّ قالوا : ألا أنّ في الحقّ أن تأخذه ، وفي الحقّ أن تتركه»(١) .

ومن خطبة لهعليه‌السلام لبعض أصحابه وقد سأله : كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحقّ به؟ فقال : «يا أخا بني أسد ، أنّك لقلق الوضين ، ترسل في غير سدد ، ولك بعدُ ذمامة الصهر وحقّ المسألة ، وقد استعلمت فاعلم؛ أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسباً ، والأشدّون برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نوطاً ، فإنّها كانت أثرة شحّت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم اللّه ، والمعود إليه القيامة. ودع عنك نهباً صيح في حجراته»(٢) .

ومن خطبة لهعليه‌السلام ، وهي المعروفة بالشقشقية : «أما واللّه لقد تقمّصها فلان ، وإنه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحا ، ينحدر عنّي السيل ، ولا يرقى إليّ الطير. فسدلت دونها ثوباً ، وطويت عنها كشحاً ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه! فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى تراثي نهباً.

حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى فلانٍ بعده. ثمّ تمثّلعليه‌السلام بقول

__________________

(١) نهج البلاغة : ٢٤٦ ـ الخطبة ١٧٢.

(٢) نهج البلاغة : ٢٣١ ـ الخطبة ١٦٢.


الأعشى :

شتّان ما يومي على كورها

ويوم حيّان أخي جابر

فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته ، إذ عقدها لآخر بعد وفاته! لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ، فصيّرها في حوزة خشناء ، يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ، إن أشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمني الناس ـ لعمر اللّه ـ بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض.

فصبرت ، على طول المدة ، وشدّة المحنة ، حتى إذا مضى لسبيله ، جعلها في جماعة زعم أني أحدهم! فيا للّه وللشورى ، متى اعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أُقرن إلى هذه النظائر! لكنّي أسففت إذ أسفّوا ، وطرت إذ طاروا. فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن ، إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه ، بين نثيله ومعتلفه. وقام معه بنو أبيه ، يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله ، وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته.

فما راعنى إلاّ والناس كعرف الضبع إلي ، ينثالون علي من كلّ جانب ، فلمّا نهضت بالأمر ، نكثت طائفة ، ومرقت أخرى ، وقسط آخرون ، كأنّهم لم يسمعوا اللّه سبحانه يقول : «تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاْءَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ »(١) بلى واللّه ، لقد سمعوها ووعوها ،

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ٨٣.


ولكنّهم حليت الدنيا في أعينهم ، وراقهم زبرجها »(١) .

الثالث : الردّ على مدّعيات أصحاب الشورى :

ردّ أمير المؤمنينعليه‌السلام على ذرائع أهل الشورى التي تمسّكوا بها لنيل الخلافة ، كالاختيار ورضا الجماعة والصحبة وغيرها ، حيث قال : «واعجباً أن تكون الخلافة بالصحابة ، ولا تكون بالصحابة والقرابة.

قال الرضيرحمه‌الله : وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو :

فإن كنتَ بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ

وإن كنتَ بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقربُ»(٢)

قال ابن أبي الحديد : حديثهعليه‌السلام في النثر والنظم المذكورين مع أبي بكر وعمر ، أمّا النثر فإلى عمر توجيهه؛ لأنّ أبا بكر لمّا قال لعمر : «امدد يدك ، قال له عمر : أنت صاحب رسول اللّه في المواطن كلّها ، شدّتها ورخائها ، فامدد أنت يدك ، فقال عليعليه‌السلام : إذا احتججت لاستحقاقه الأمر بصحبته إياه في المواطن كلّها ، فهلا سلّمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك وزاد عليه بالقرابة!

وأمّا النظم فموجّه إلى أبي بكر ، لأنّ أبا بكر حاجّ الأنصار في السقيفة ، فقال : نحن عترة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبيضته التي تفقّأت عنه ، فلمّا بويع احتجّ على الناس بالبيعة ، وأنّها صدرت عن أهل الحلّ والعقد. فقال

__________________

(١) نهج البلاغة : ٤٨ ـ الخطبة ٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٤١٦.


عليعليه‌السلام : أمّا احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن قومه ، فغيرك أقرب نسباً منك إليه ، وأمّا احتجاجك بالاختيار ورضا الجماعة بك ، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم يحضروا العقد ، فكيف يثبت!»(١) .

وأمّا الاحتجاج بحديث صلاة أبي بكر بالناس عند مرض رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد ذكر ابن أبي الحديد خلاصة كلام شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني ، ولم يكن يتشيع ، وكان شديداً في الاعتزال ، وقد ذكر في كلامه ما روي عن عليعليه‌السلام أنّ عائشة أمرت بلالاً مولى أبيها أن يأمره ليصلّي بالناس ، لأنّ رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ كما ورد في الخبر ـ قال : ليصلّ بهم أحدهم. ولم يعيّن ، وكانت صلاة الصبح ، فخرج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو في آخر رمقٍ يتهادى بين عليعليه‌السلام والفضل بن العباس ، حتى قام في المحراب ، ثمّ دخل فمات ارتفاع الضحى ، فجعلوا يوم صلاته حجّة في صرف الأمر إليه ، وقالوا : أيكم يطيب نفساً أن يتقدّم قدمين قدّمهما رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الصلاة! ولم يحملوا خروج رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى الصلاة لصرفه عنها ، بل لمحافظته على الصلاة مهما أمكن ، فبُويع على هذه النكتة التي اتّهمها عليعليه‌السلام على أنّها ابتدأت منها.

وكان عليعليه‌السلام يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيراً ، ويقول : «إنّه لم يقلصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنكن لصويحبات يوسف؛ إلاّ إنكاراً لهذه الحال ، وغضباً منها ، لأنها

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٤١٦.


وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما ، وأنّه استدركها بخروجه وصرفه عن المحراب»(١) .

موارد من التصحيح :

أُثيرت العديد من الشبهات في الساحة الإسلامية حول موضوع الإمامة ، يحركها هوى الحكام على طول الطريق ، لإحساسهم بعدم شرعية سلطانهم ، الأمر الذي يدفع الحكام سواء كانوا أمويين أم عباسيين إلى تصفية الإمام الذي يعاصرهم غيرة وحسداً ، لاعتقادهم القاصر بامتلاك الشرعية بهذا الفعل الشنيع ، بل ودفع المأمون إلى إعطاء الإمام الرضاعليه‌السلام ولاية العهد ، لإضفاء تلك الشرعية على سلطانه ، وعلى امتداد الزمن تُثار الشبهات حول إمامة أهل البيتعليهم‌السلام تحت ستار كثيف من الزيف ، بحرب إعلامية مفتوحة يدير دفتها أصحاب السلطة والصولجان بالأموال والمرتزقة ، أو أقطاب الفرق الضالة المناوئة ، وقد رصدنا من تلك الإثارات قولهم : لماذا لم يسمّ علياً وأهل بيته في كتاب اللّه عزّوجلّ؟ ولماذا ينتسب أهل البيتعليهم‌السلام إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقال لهم : يابني رسول اللّه ، وإنما ينسب المرء إلى أبيه؟ وكيف يقولون انهم ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنبي لم يعقب ، وإنما العقب للذكر لا للاُنثى؟ وقولهم : إن علياًعليه‌السلام قتل أهل النهروان وهو لهم ظالم ، وقد أجاب أهل البيتعليهم‌السلام عن أمثال هذه الإثارات بحجج واضحة ، ففندوها وعملوا على وضعها في مسارها

__________________

(١) شرح نهج البلاغة ٩ : ١٩٧ ، بحار ٢٨ : ١٥٩.


الصحيح.

عن أبي بصير قال : «سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عن قول اللّه عزّوجلّ : «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ »(١) فقال : نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسينعليهم‌السلام .

فقلت له : إن الناس يقولون : فما له لم يسمّ علياً وأهل بيتهعليهم‌السلام في كتاب اللّه عزّ وجلّ؟ قال : فقال : قولوا لهم : إن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ اللّه لهم ثلاثاً ولا أربعاً ، حتى كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي فسّر ذلك لهم ، ونزلت عليه الزكاة ولم يسمّ لهم من كل أربعين درهماً درهم ، حتى كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي فسّر ذلك لهم ، ونزل الحجّ فلم يقل لهم : طوفوا اُسبوعاً حتى كان رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو الذي فسّر ذلك لهم ، ونزلت «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الاْءَمْرِ مِنْكُمْ » في علي والحسن والحسين ، فقال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عليعليه‌السلام : من كنت مولاه فعلي مولاه. وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اُوصيكم بكتاب اللّه وأهل بيتي ، فإنّي سألت اللّه عزّوجلّ أن لا يفرّق بينهما حتى يوردهما على الحوض ، فأعطاني ذلك. وقال : لا تعلموهم فهم أعلم منكم. وقال : إنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم في باب ضلالة.

فلو سكت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلم يبيّن من أهل بيته ، لادّعاها آل فلان وآل فلان ، لكنّ اللّه عزّوجلّ أنزله في كتابه تصديقاً لنبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ٥٩.


لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرُكُمْ تَطْهِيراً »(١) فكان علي والحسن والحسين وفاطمةعليهم‌السلام ، فأدخلهم رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الكساء في بيت أم سلمة ، ثمّ قال : اللهم إنّ لكلّ نبي أهلاً وثقلاً ، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي ، فقالت أمّ سلمة : ألست من أهلك؟ فقال : إنك إلى خير(٢) ، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي ، فلمّا قبض رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان عليّ أولى الناس بالناس ، لكثرة ما بلّغ فيه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإقامته للناس وأخذه بيده »(٣) .

وعن هاني بن محمد بن محمود ، عن أبيه ، رفعه إلى موسى بن جعفرعليهما‌السلام أنه قال : «دخلت على الرشيد فقال لي : لِمَ جوّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويقولون لكم : يا بني رسول اللّه ، وأنتم بنو علي ، وإنما يُنسب المرء إلى أبيه ، وفاطمة إنما هي وعاء ، والنبي جدكم من قبل اُمكم؟

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٣ / ٣٣.

(٢) أخرج الترمذي وغيره عن أُم سلمة : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء ، وقال : اللهمّ أهل بيتي وحامتي أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. قالت أُمّ سلمة : وأنا معهم يارسول اللّه؟ فقال : إنّكِ إلى خير. سنن الترمذي ٥ : ٣٥١ / ٣٢٠٥ و ٥ : ٦٦٣ / ٣٧٨٧ و ٦٦٩ / ٣٨٧١. وروي حديث الكساء في مسندأحمد ٤ : ١٠٧ و ٦ : ٢٩٢ و ٣٠٤. ومصابيح السُنّة ٤ : ١٨٣. ومستدرك الحاكم ٢ : ٤١٦ و ٣ : ١٤٨ وقال : هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ، وتفسير الطبري ٢٢ : ٦ و ٧. وتاريخ بغداد ٩ : ١٢٦ و ١٠ : ٢٧٨. وأُسد الغابة ٢ : ١٢ و ٤ : ٢٩. والمعجم الكبير / الطبراني ٩ : ٢٥ / ٨٢٩٥ ، ٢٣ : ٢٤٩ و ٢٨١ و ٣٢٧ و ٣٣٣ و ٣٣٤ و ٣٣٧ و ٣٩٦.

(٣) الكافي ١ : ٢٨٦ / ١.


فقلت : يا أمير المؤمنين ، لو أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نشر فخطب إليك كريمتك ، هل كنت تجيبه؟ فقال : سبحان اللّه! ولِمَ لا اُجيبه؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقلت : لكنهعليه‌السلام لا يخطب إليّ ولا اُزوجه. فقال : ولِمَ؟ فقلت : لأنّه ولدني ولم يلدك. فقال : أحسنت ياموسى.

ثم قال : كيف قلتم إنا ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والنبي لم يعقب ، وإنما العقب للذكر لا للاُنثى ، أنتم ولد البنت ، ولا يكون لها عقب؟

فقلت : أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلاّ ما أعفيتني عن هذه المسألة. فقال : لا أو تخبرني بحجتكم فيه ياولد علي ، وأنت ياموسى يعسوبهم وإمام زمانهم ، كذا أُنهي إليّ ، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه ، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب اللّه تعالى ، وأنتم تدّعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلاّ وتأويله عندكم ، واحتججتم بقوله عزّوجلّ : «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ »(١) وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.

فقلت : تأذن لي في الجواب؟ فقال : هات! فقلت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى »(٢) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال : ليس لعيسى أب.

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦ / ٣٨.

(٢) سورة الأنعام : ٦ / ٨٤ ـ ٨٥.


فقلت : إنما ألحقناه بذراري الأنبياء : من طريق مريمعليها‌السلام ، وكذلك أُلحقنا بذراري النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من قبل أُمنا فاطمةعليها‌السلام .

أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال : هات! قلت : قول اللّه عزّوجلّ : «فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ »(١) ولم يدّع أحد أنه أدخل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلاّ علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام فكان تأويل قوله عزّوجلّ : «أَبْنَاءَنَا » الحسن والحسين «وَنِسَاءَنَا » فاطمة «وَأَنْفُسَنَا » علي بن أبي طالب»(٢) .

وعن عيسى بن عبد اللّه العلوي قال : «حدثني الأسيدي ومحمد بن مبشر أن عبد اللّه بن نافع الأزرق كان يقول : لو أني علمت أن بين قطريها أحداً تبلغني إليه المطايا يخصمني أن علياً قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم ، لرحلت إليه.

فقيل له : ولا ولده؟ فقال : أفي ولده عالم؟ فقيل له : هذا أول جهلك ، وهم يخلون من عالم؟! قال : فمن عالمهم اليوم؟ قيل : محمد بن علي بن الحسين بن عليعليهم‌السلام .

قال : فرحل إليه في صناديد أصحابه حتى أتى المدينة ، فاستأذن

__________________

(١) سورة آل عمران : ٣ / ٦١.

(٢) عيون أخبار الرضا ١ : ٨٣.


على أبي جعفرعليه‌السلام ، فقيل له : هذا عبد اللّه بن نافع ، فقال : وما يصنع بي وهو يبرأ منّي ومن أبي طرفي النهار؟ فقال له أبو بصير الكوفي : جعلت فداك ، إن هذا يزعم أنه لو علم أن بين قطريها أحداً تبلغه المطايا إليه يخصمه أن علياًعليه‌السلام قتل أهل النهروان وهو لهم غير ظالم لرحل إليه. فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : أتراه جاءني مناظراً؟ قال : نعم ، قال : ياغلام ، اخرج فحطّ رحله وقل له : إذا كان الغد فأتنا.

قال : فلمّا أصبح عبد اللّه بن نافع غدا في صناديد أصحابه ، وبعث أبو جعفرعليه‌السلام إلى جميع أبناء المهاجرين والأنصار ، فجمعهم ثمّ خرج إلى الناس في ثوبين ممغّرين ، وأقبل على الناس كأنه فلقة قمر. فقال : الحمد للّه محيّث الحيث ، ومكيّف الكيف ، ومؤيّن الأين ، الحمد للّه الذي لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض وأشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عبده ورسوله اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم. الحمد للّه الذي أكرمنا بنبوته ، واختصنا بولايته. يامعشر أبناء المهاجرين والأنصار ، من كانت عنده منقبة في علي بن أبي طالبعليه‌السلام فليقم وليتحدث. قال : فقام الناس فسردوا تلك المناقب.

فقال عبد اللّه : أنا أروى لهذه المناقب من هؤلاء ، وإنما أحدث عليّ الكفر بعد تحكيمه الحكمين ـ حتى انتهوا في المناقب إلى حديث خيبر ـ : لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ اللّه ورسوله ، ويحبّه اللّه ورسوله ، كراراً غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه. فقال أبو جعفرعليه‌السلام : ما تقول في


هذا الحديث فقال : هو حقّ لا شكّ فيه ، ولكن أحدث الكفر بعدُ.

فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : ثكلتك أُمك أخبرني عن اللّه عزّوجلّ أحبّ علي ابن أبي طالب يوم أحبّه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان ، أم لم يعلم؟ قال ابن نافع : أعد عليّ. فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : أخبرني عن اللّه جلّ ذكره أحبّ علي بن أبي طالب يوم أحبّه وهو يعلم أنه يقتل أهل النهروان ، أم لم يعلم؟ قال : إن قلت : لا ، كفرت. قال : فقال : قد علم. قال : فأحبّه اللّه على أن يعمل بطاعته ، أو على أن يعمل بمعصيته؟ فقال : على أن يعمل بطاعته. فقال له أبو جعفرعليه‌السلام : فقم مخصوماً ، فقام وهو يقول : «حَتَى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الاْءَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الاْءَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ »(١) اللّه أعلم حيث يجعل رسالته»(٢) .

ومن الشبهات المثارة في هذا الاتجاه ، اتهام أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بادعاء علم الغيب ، والتهمة غالباً ما تكون من قبل الحكام أو المرتبطين بهم ، الأمر الذي أنكره أهل البيتعليهم‌السلام بشدة ، فحينما أقدم المنصور الإمام الصادقعليه‌السلام إلى الكوفة بعد مقتل إبراهيم بن عبد اللّه بن الحسن ، وصار بين يديه قال له المنصور : «أنت الذي تعلم الغيب؟ فقالعليه‌السلام : لا يعلم الغيب إلاّ اللّه»(٣) .

وقال يحيى بن عبد اللّه بن الحسن لأبي الحسنعليه‌السلام : «جعلت فداك ، انهم يزعمون أنك تعلم الغيب؟ فقالعليه‌السلام : سبحان اللّه! ضع يدك على رأسي ،

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ١٨٧.

(٢) الكافي ٨ : ٣٤٩ / ٥٤٨.

(٣) مقاتل الطالبيين : ٢٣٢.


فواللّه ما بقيت شعرة فيه ولا في جسدي إلاّ قامت. ـ ثم قال : ـ لا واللّه ما هي إلاّ وراثة عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

١١ ـ الإسلام والإيمان :

اتفقت كلمة أهل البيتعليهم‌السلام على أن الإسلام غير الإيمان ، وأن كل مؤمن فهو مسلم وليس كل مسلم مؤمناً ، وأن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان ، وأجمعت المعتزلة وكثير من الخوارج والزيدية على خلاف ذلك ، وزعموا أن كل مسلم مؤمن ، وأنه لا فرق بين الإسلام والإيمان في الدين(٢) .

وقد ردّ أهل البيتعليهم‌السلام على جميع المقولات التي تساوي بين المسلم والمؤمن للتقليل من شأن العمل بالفرائض ، مؤكدين أن الإيمان ليس كلاماً وحسب ، بل هو عقد بالقلب وعمل بالجوارح.

قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : «قد يكون الرجل مسلماً ولا يكون مؤمناً ، ولا يكون مؤمناً حتى يكون مسلماً ، والإيمان إقرار باللسان ، وعقد بالقلب ، وعمل بالجوارح»(٣) .

وعن أبي الصباح الكناني ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : «قيل لأمير المؤمنينعليه‌السلام : من شهد أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمداً رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مؤمناً؟ قال : فأين فرائض اللّه؟

__________________

(١) أمالي المفيد : ٢٣ / ٥.

(٢) أوائل المقالات / المفيد : ٤٨ / ١٤.

(٣) خصائص الأئمة / الشريف الرضي : ١٠٠.


قال : وسمعته يقول : كان عليعليه‌السلام يقول : لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام.

قال : وقلت لأبي جعفرعليه‌السلام : إن عندنا قوماً يقولون : إذا شهد أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمداً رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فهو مؤمن ، قال : فلِمَ يضربون الحدود ، ولِمَ تقطع أيديهم؟! وما خلق اللّه عزّوجلّ خلقاً أكرم على اللّه عزّوجلّ من المؤمن؛ لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين ، وإنّ جوار اللّه للمؤمنين ، وإنّ الجنة للمؤمنين ، وإنّ الحور العين للمؤمنين ، ثم قال : فما بال من جحد الفرائض كان كافراً؟»(١) .

١٢ ـ تصحيح عقائد الفرق والردّ عليها :

عاصر أئمة أهل البيتعليهم‌السلام فترة السجال العقائدي في غضون القرن الأول والثاني والثالث من الهجرة ، الذي صاحبه نشوء مختلف الفرق الإسلامية ، كالخوارج والمعتزلة والواقفة والمرجئة والجبرية والمفوّضة والأشاعرة وغيرهم ، وكان لهمعليهم‌السلام ولأصحابهم مناظرات وكلمات مسهبة مع أصحاب تلك الفرق بهدف تصحيح المسار ، منها كلام لأمير المؤمنينعليه‌السلام في إبطال مقولة الخوارج : لا حكم إلاّ للّه ، قالعليه‌السلام : «كلمة حقّ يُراد باطل؟؟. نعم إنه لا حكم إلاّ للّه ، ولكن هؤلاء يقولون : لا إمرة إلاّ للّه ، وإنه لابدّ للناس من أمير برّ أو فاجر ، يعمل في إمرته المؤمن ، ويستمتع فيها الكافر ، ويبلغ اللّه فيها الأجل ، ويجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ، وتأمن به

__________________

(١) الكافي ٢ : ٣٣ / ٢.


السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح به برّ ، ويستراح من فاجر»(١) .

وتعد المرجئة من الفرق التي نشأت في أحشاء السلطة ، والإرجاء هو التأخير ، وهم يؤخّرون العمل عن الإيمان ، ويقولون إنّ الإيمان معرفة بالقلب وتصديق باللسان ، ولا يضرّ معه ذنب ، كما أنّهم أرجأوا الحكم في مرتكب الكبيرة إلى اللّه تعالى ، ورجوا الثواب لأهل المعاصي ، لقولهم : لا تضرّ مع الإيمان معصية(٢) .

وروّج الطغاة الأمويون البغاة لفكرة الارجاء ، سيما معاوية بن أبي سفيان وأصحابه ، ليبرّروا عبثهم بأحكام الدين ، وتعطيل كتاب اللّه وسنّة نبيّه ، واستباحة حرمات المؤمنين واستبدادهم بحقوقهم ، وهم مع كلّ ذلك مؤمنون لا يضرّ بإيمانهم شيء ، ولا ينقص في إيمانهم عمل!!

ومن هنا وقف الأئمةعليهم‌السلام بوجه هذا الفكر الهدام بكل حزم وصلابة.

ومن ردود الإمام الصادقعليه‌السلام على المرجئة : «عن ابن أبي نجران ، عمن ذكره ، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : قلت له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت. فقال : هؤلاء قوم يترجحون في الأماني ، كذبوا ، ليسوا براجين ، إن من رجا شيئاً طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه»(٣) .

__________________

(١) نهج البلاغة ١ : ٩١ / خ ٤٠ ـ تحقيق محمد عبده.

(٢) راجع : الملل والنحل ١ : ١٢٥.

(٣) الكافي ٢ : ٦٨ / ٦.


وعن محمد بن حفص بن خارجة قال : «سمعت أبا عبد اللّهعليه‌السلام يقول ، وسأله رجل عن قول المرجئة في الكفر والإيمان ، وقال : إنهم يحتجون علينا ويقولون : كما أن الكافر عندنا هو الكافر عند اللّه ، فكذلك نجد المؤمن إذا أقرّ بإيمانه أنه عند اللّه مؤمن.

فقالعليه‌السلام : سبحان اللّه! وكيف يستوي هذان ، والكفر إقرار من العبد ، فلا يكلّف بعد إقراره ببينة ، والإيمان دعوى لا يجوز إلاّ ببينة ، وبينته عمله ونيته ، فإذا اتفقا فالعبد عند اللّه مؤمن ، والكفر موجود بكلّ جهة من هذه الجهات الثلاث؛ من نية أو قول أو عمل ، والأحكام تجري على القول والعمل ، فما أكثر من يشهد له المؤمنون بالإيمان ، ويجري عليه أحكام المؤمنين ، وهو عند اللّه كافر! وقد أصاب من أجرى عليه أحكام المؤمنين بظاهر قوله وعمله»(١) .

وللإمام الرضاعليه‌السلام مناظرات وأحاديث كثيرة في الرد على الواقفة ، وهم الذين وقفوا على الإمام الكاظمعليه‌السلام بسبب بعض النوازع المادية ، حيث تجمعت لديهم أموال طائلة من الحقوق المالية في وقتٍ كان فيه الإمامعليه‌السلام في سجن الرشيد ، فطمعوا فيها وادعوا بعد شهادة الإمامعليه‌السلام أنه حيّ لم يمت ، وأصبح الوقف فيما بعد تيارا فكريا يتبناه بعض من لم تترسخ لديه مبادئ العقيدة الحقة ، فيقف عند بعض الأئمةعليهم‌السلام ، وكان الواقفة من أشد الناس عنادا للحق ، ورغم ذلك استطاع الإمام الرضاعليه‌السلام

__________________

(١) الكافي ٢ : ٣٩ / ٨.


إبطال مزاعمهم وإسقاط القناع عن وجوههم ، بالحكمة والموعظة الحسنة والمنطق السليم ، مما جعلهم يرجعون إلى سواء السبيل.

ومن إجاباتهعليه‌السلام لهم ، ما روي عن أبي جرير القمي ، قال : «قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : جعلت فداك ، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك ثم إليك ، ثم حلفت له : وحق رسول اللّهعليه‌السلام وحق فلان وفلان حتى انتهيت إليه بأنه لا يخرج مني ما تخبرني به إلى أحد من الناس ، وسألته عن أبيه أحي هو أو ميت؟ فقال : قد واللّه مات. فقلت : جعلت فداك ، إن شيعتك يروون : أن فيه سنة أربعة أنبياء ، قال : قد ـ واللّه الذي لا إله إلاّ هو ـ هلك. قلت : هلاك غيبة أو هلاك موت؟ قال : هلاك موت ، فقلت : لعلك مني في تقية؟ فقال : سبحان اللّه! قلت : فأوصى إليك؟ قال : نعم. قلت : فأشرك معك فيها أحداً؟ قال : لا. قلت : فعليك من إخوتك إمام؟ قال : لا. قلت : فأنت الإمام؟ قال : نعم»(١) . وكان نتيجة جهود الإمام الرضا والأئمة التالين لهعليهم‌السلام أن ثاب كبار أقطاب الواقفة إلى رشدهم ، واستبصروا إلى طريق الحق.

١٣ ـ خلق الجنة والنار وخلودهما :

إنّ الجنة والنار في هذا الوقت مخلوقتان ، وبذلك جاءت الأخبار والآثار عن أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية(٢) ، وتعرض الأئمةعليهم‌السلام إلى تصحيح المقالات المخالفة

__________________

(١) الكافي ١ : ٣٨٠ / ١.

(٢) أوائل المقالات : ١٢٤ / ١٣٤.


في هذا السياق ، لوضعها في مسارها الصحيح.

عن أبي الصلت الهروي ، عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، قال : «قلت له : يابن رسول اللّه ، فأخبرني عن الجنة والنار ، أهما اليوم مخلوقان؟ قال : نعم. وإن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد دخل الجنة ورأى النار لما عرج به إلى السماء. قال : فقلت له : إنّ قوماً يقولون : انهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين؟ فقال : ما اُولئك منا ولا نحن منهم ، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذّب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكذّبنا ، وليس من ولايتنا على شيء ، ويخلد في نار جهنم. قال اللّه عزّوجلّ : «هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ »(١) ، وقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لما عُرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرئيلعليه‌السلام فأدخلني الجنّة ، فناولني من رطبها فأكلته ، فتحوّل ذلك نطفةً في صلبي ، فلمّا هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، ففاطمة حوراء إنسيّة ، فكلّما اشتقت إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة»(٢) .

١٤ ـ هداية الخلق :

إنّ أهل البيتعليهم‌السلام هم شمس الهداية لهذه الأمة وسفن نجاتها ، يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : «انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم واتَّبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم في ردى»(٣) .

وهذا نوع من التصحيح لمّا كان سائداً من أتباع غير من أمر اللّه

__________________

(١) سورة الرحمن : ٥٥ / ٤٣ ـ ٤٤.

(٢) التوحيد : ١١٧ / ٢١ ، عيون أخبار الرضا ١ : ١١٥ / ٣.

(٣) نهج البلاغة ، خطبة ٩٧.


ورسوله باتباعه ، من قبل التمسك بسنة الشيخين ، ونحو ذلك من مفتريات عقائدية ما أنزل اللّه بها من سلطان ، وإرشاد الناس إلى معرفة الحق ، وفي طليعته التمسك بسنة أهل البيتعليهم‌السلام وسيرتهم العملية المتمثلة بسمو الأخلاق وحسن السمت والعبادة والزهد والتواضع وغيرها من معالي الأخلاق ، أو من خلال وعظهم وإرشادهم وكراماتهم التي حباها اللّه لهم ، ممّا له بالغ الأثر في إسلام غير المسلمين ، أو هداية واستبصار المنحرفين عن جادة الطريق ، وإنقاذهم من التردد في تيه الضلال إلى ساحل الأمان.

وهنا يسجل الأئمةعليهم‌السلام مواقف هي من صميم واجبات الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام ، لأنهم قادة الرسالة والمعنيين بتبليغها ، والمسؤولين عن بناء وصياغة الإنسان الذي يريده الإسلام ، بالدعوة إلى الإصلاح والهداية والإرشاد في أوساط الأمة ، وسجل التاريخ حالات نادرة في هذا الاتجاه ، منها نهضة الإمام الحسينعليه‌السلام التي تأثر بها كثير من الناس فصاروا ثواراً حتى سقطوا شهداء في مذبح الحرية ، كزهير بن القين الذي كان عثماني الهوى ، والحر بن يزيد الرياحي الذي كان من قادة الجيش الأموي في الكوفة ، وعلى يد أئمة أهل البيتعليهم‌السلام أسلم بعض علماء اليهود ورهبان النصارى لإذعانهم بالتفوق العلمي(١) ، وامتدت آثارهم الروحية إلى قاعدة واسعة من الناس ، فتاب بعضهم وعاد إلى هدي

__________________

(١) راجع : قرب الاسناد : ١٣٢ ، الكافي ١ : ٢٢٧ / ١ و ٤٧٨ / ٤ و ٤٨١ / ٥ ، التوحيد : ٢٧٠ ، مناقب آل أبي طالب ٣ : ١٨٦ و ٤٢٦ ، الخرائج والجرائح ١ : ١١١ / ١٨٦ و ٤٢٢ ، بحار الأنوار ٤٨ : ١٠٥ و ٥٠ : ٢٦٠ / ٢١ و ٢٨١ / ٥٧.


الإسلام ، أو اهتدى إلى ولاية أهل البيتعليهم‌السلام ، وكان منهم رجال سلطة(١) وعلماء ومن عامة الناس(٢) .

من هنا علينا حين نقرأ أهل البيتعليهم‌السلام أن ننفتح عليهم لنزداد هديا من هديهم ، وعلما من علمهم ، ووعيا ممّا يعطوننا من عناصر الوعي.

* * *

__________________

(١) راجع : اثبات الوصية : ٢٤٠ ، الخرائج والجرائح ١ : ٤٠٢ / ٨ ، دلائل الامامة / الطبري : ٤١٩ / ٣٨٢ ، نوادر المعجزات / الطبري : ١٨٨ / ٧ ، مهج الدعوات : ٣٣٠ ـ ٣٣٧ ، الثاقب في المناقب : ٥٣٩ ، فرج المهموم : ٢٣٣.

(٢) راجع : الكافي ١ : ٣٥٣ / ٨ و ٥٠٨ / ٨ و ٥١٣ / ٢٦ ، اثبات الوصية / المسعودي : ٢٢٢ ، الارشاد ٢ : ٢٢٣ ، منهاج الكرامة / العلاّمة الحلي : ٥٨ ، تاريخ بغداد ١٣ : ٣٢ ، تاريخ أبي الفداء ٢ : ١٥ ، مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ٢٩٧ و ٤٠٧ ، كشف الغمة ٣ : ١٧٩.


الفصل الثالث

معالم التصحيح في السنن والأحكام

أكّد أهل البيتعليهم‌السلام في إصدار الأحكام على ضرورة التمسك بالكتاب الكريم واتباع سنّة سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وعلى الفقيه أن لا يكون تابعاً لما يمليه عليه سلطان الهوى والظن وحبّ الدنيا.

عن أبان بن تغلب ، عن أبي جعفرعليه‌السلام أنه سئل عن مسألة فأجاب فيها ، قال : «فقال الرجل : إن الفقهاء لا يقولون هذا ، فقال : ويحك! وهل رأيت فقيهاً قطّ؟! إنّ الفقيه حقّ الفقيه الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة ، المتمسّك بسنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(١) .

وعن عبد الرحمن بن الحجاج ، قال : «سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عن مجالسة أصحاب الرأي ، فقال : جالسهم وإياك عن خصلتين تهلك فيهما الرجال : أن تدين بشيء من رأيك ، أو تفتي الناس بغير علم»(٢) .

من هنا اكتسبت مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام سمات بارزة متميزة عن سائر المدارس الفقهية المعاصرة لهمعليهم‌السلام ، لأنها تستمد مقوماتها من

__________________

(١) الكافي ١ : ٧٠ / ٨.

(٢) المحاسن : ٢٠٥ / ٥٦.


أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وليس فيها شيء من عمل الرأي أو القياس والاستحسان وما شابه ذلك ، وتتميّز بالشمولية ، إذ لم تشرع لجيل خاص من الناس ، ولا لزمن معين محدود ، وإنما شرعت للناس جميعاً إلى أن يرث اللّه الأرض ومَن عليها.

إنّ الموارد التي انبرى أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام لتصحيحها تمتد لتستوعب كل أبواب الفقه وفروعه المتعدّدة مما يضيق عن استيعابها هذا الكتاب ، وقد تكفّلت بها كثير من المصادر ، سواء المختصّة ببيان الفقه المقارن أو غيرها ، ومع ذلك يمكن تلخيص اتجاهات التصحيح في مجال مصادر التشريع والأحكام والسنن بما يلي :

١ ـ إبطال القياس والرأي :

عاصر أهل البيتعليهم‌السلام ظهور مدرسة القياس والرأي بقوة في خط الاجتهاد ، ومعنى القياس إسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر للظن بأن أساس الحكم هنا هو أساس الحكم هناك ، وقد بدأ القياس كقاعده من قواعد الاستنباط في عصر الإمام الصادقعليهما‌السلام من قبل المذهب الحنفي ، ووقف أئمة أهل البيتعليهم‌السلام ضد هذه القاعدة الاجتهادية ، ورفضوا القياس رفضاً قاطعاً لأنه يؤدي إلى تهميش النصوص الشرعية ، ولا يرتكز إلى حجة شرعية ، وليس سوى الظن ، وإن الظن يمحق الدين ولا يغني عن الحق شيئاً ، وهناك عشرات الأحاديث الناطقة بما ذكرناه.

عن زرارة بن أعين قال : «قال لي أبو جعفر محمد بن عليعليهما‌السلام :


يازرارة ، إياك وأصحاب القياس في الدين ، فانهم تركوا علم ما وكلوا به وتكلفوا ما قد كفوه ، يتأوّلون الأخبار ويكذبون على اللّه عزّوجلّ ، وكأني بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه ، وينادى من خلفه فيجيب من بين يديه ، قد تاهوا وتحيروا في الأرض والدين»(١) .

وعن ابن أبى عمير ، عن غير واحد ، عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : «لعن اللّه أصحاب القياس ، فانهم غيّروا كتاب اللّه وسنة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واتهموا الصادقين في دين اللّه»(٢) .

وعدّ أهل البيتعليهم‌السلام اتباع الرأي والاستحسانات الذاتية في الأحكام نوعاً من الابتداع في الدين ، وترك الكتاب والسنة ضلال وكفر ، لأن أحكام الشريعة بمفاهيمها الكلية لا تضيق عن مصالح العباد ، ولا تقصر عن حاجاتهم ، وهي مسايرة لمختلف الأزمنة والأمكنة والبيئات والأحوال. قال الإمام أبو الحسن الكاظمعليه‌السلام ليونس بن عبدالرحمن : «يايونس ، لا تكونن مبتدعاً ، من نظر برأيه هلك ، ومن ترك أهل بيت نبيه ضلّ ، ومن ترك كتاب اللّه وقول نبيه كفر»(٣) .

مناظرة الفقهاء وهدايتهم :

للإمام الصادقعليه‌السلام جملة مناظرات مع أصحاب القياس والرأي كأبي حنيفة وابن أبي ليلى وعبد اللّه بن شبرمة ، وللإمام الكاظمعليه‌السلام مناظرات

__________________

(١) أمالي المفيد : ٥١ / ١٢ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٥٩ / ٣٣١٩٣.

(٢) أمالي المفيد : ٥٢ / ١٣ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٥٩ / ٣٣١٩٤.

(٣) الكافي ١ : ٥٦.


مع أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ومحمد بن يوسف الشيباني ، تجري مجرى الحجج العقلية المقنعة المستندة إلى الكتاب والسنة ، لرد هذا التيار المدمر ، كما أن للإمام الصادقعليه‌السلام في هذا المضمون رسالة وجهها إلى أصحاب الرأي والقياس(١) ، ومن مناظراته وكلماته الناصحة بالتخلي عن هذه القواعد في الأحكام ، ما رواه الشيخ الطبرسي عن أبي عبد اللّهعليه‌السلام أنه قال لأبي حنيفة : «أيما أعظم عند اللّه ، القتل أو الزنا؟ قال : بل القتل. فقالعليه‌السلام : فكيف رضي في القتل بشاهدين ، ولم يرضَ في الزنا إلاّ بأربعة؟! ثم قال له : الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال : بل الصلاة أفضل. قالعليه‌السلام : فيجب على قياس قولك على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام ، وقد أوجب اللّه عليها قضاء الصوم دون الصلاة. ثم قال له : البول أقذر أم المني؟ فقال : البول أقذر. فقال : يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني ، وقد أوجب اللّه تعالى الغسل من المني دون البول.

ـ إلى أن قالعليه‌السلام ـ : تزعم أنك تفتي بكتاب اللّه ولست ممن ورثه ، وتزعم أنك صاحب قياس وأول من قاس إبليس ، ولم يبنَ دين اللّه على القياس ، وزعمت أنك صاحب رأي ، وكان الرأي من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صواباً ومن غيره خطأً ، لأن اللّه تعالى قال : «فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ »(٢) ولم يقل ذلك

__________________

(١) المحاسن : ٢٠٩ / ٧٦.

(٢) سورة المائدة : ٥ / ٤٨.


لغيره »(١) .

وعن ابن أبي ليلى قال : «دخلت أنا والنعمان على جعفر بن محمد ـ إلى أن قال : ـ ثم قال : يانعمان ، إياك والقياس ، فإن أبي حدثني عن آبائه أن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من قاس شيئاً من الدين برأيه قرنه اللّه مع إبليس في النار ، فان أول من قاس إبليس حين قال : خلقتني من نار وخلقته من طين ، فدع الرأي والقياس ، وما قال قوم ليس له في دين اللّه برهان ، فإن دين اللّه لم يوضع بالآراء والمقاييس»(٢) .

وعن معاوية بن ميسرة بن شريح قال : «شهدت أبا عبد اللّهعليه‌السلام في مسجد الخيف وهو في حلقه فيها نحو من مائتي رجل وفيهم عبد اللّه بن شبرمة ، فقال له : يا أبا عبد اللّه ، إنا نقضي بالعراق فنقضي بالكتاب والسنّة ، ثم ترد علينا المسألة فنجتهد فيها بالرأي ـ إلى أن قال : ـ فقال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : فأي رجل كان علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؟ فأطراه ابن شبرمة ، وقال فيه قولاً عظيماً ، فقال له أبو عبد اللّهعليه‌السلام : فإن علياً أبى أن يدخل في دين اللّه الرأي ، وأن يقول في شيء من دين اللّه بالرأي والمقاييس ـ إلى أن قال : ـ لو علم ابن شبرمة من أين هلك الناس ما دان بالمقاييس ولا عمل بها»(٣) .

__________________

(١) الاحتجاج : ٣٦١ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٤٨ / ٣٣١٧٨.

(٢) علل الشرائع : ٨٨ / ٤ ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٤٧ / ٣٣١٧٦.

(٣) وسائل الشيعة ٢٧ : ٥١ / ٣٣١٨٣.


٢ ـ تصحيح ما أعضل على الخلفاء المعاصرين لهمعليهم‌السلام :

كان علي وأولاده المعصومونعليهم‌السلام مراجع لأهل زمانهم من خلفاء وغيرهم ، يرجعون إليهم في كل معضلة ، ويلجأون إليهم في كل مأزق ، وقد تكرر قول عمر بن الخطاب : لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن. وقوله : لولا علي لهلك عمر. ذلك لأنهم أعلم الناس وأفضلهم بعد النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقد تحدثت الكثير من الأخبار عن قضايا ابتُلي فيها الخلفاء المعاصرين لأهل البيتعليهم‌السلام ، ولم يهتدوا إلى وجه الصواب فيها إلاّ بمراجعتهم ، فكانواعليهم‌السلام يجيبون عنها طالما يتعلق الأمر بمصالح المسلمين وخدمة الدين الحنيف.

فقد روي أنّه ذكر عند عمر بن الخطاب في إيامه حلي الكعبة وكثرته ، فقال قوم : «لو أخذته فجهزت به جيوش المسلمين ، كان أعظم للأجر ، وما تصنع الكعبة بالحلي! فهمّ عمر بذلك ، وسأل عنه أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، فقال : إنّ هذا القرآن أنزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأموال أربعة : أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفرائض ، والفيء فقسمه على مستحقّيه ، والخمس فوضعه اللّه حيث وضعه ، والصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها ، وكان حلي الكعبة فيها يومئذٍ ، فتركه اللّه على حاله ، ولم يتركه نسياناً ، ولم يخف عنه مكاناً ، فأقرّه حيث أقره اللّه ورسوله. فقال له عمر : لولاك لافتضحنا! وترك الحلي بحاله»(١) .

__________________

(١) نهج البلاغة : ٥٢٢ ـ الحكمة ٢٧٠ ، شرح ابن أبي الحديد ١٩ : ١٥٨.


وعن قتادة عن الحسن : «أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يرجم مجنونة ، فقال له عليعليه‌السلام : ما لك ذلك ، قال : سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : رُفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الطفل حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يبرأ ، أو يعقل ، فأدرأ عنها عمر»(١) .

وعن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جده ، عن عليعليهم‌السلام قال : «لما كان في ولاية عمر ، اُتي بامرأة حامل ، فسألها عمر ، فاعترفت بالفجور ، فأمر بها عمر أن تُرجم ، فلقيها علي بن أبي طالبعليه‌السلام فقال : ما بال هذه؟ فقالوا : أمر بها أمير المؤمنين أن تُرجم ، فردّها عليعليه‌السلام ، فقال : أمرت بها أن تُرجم؟ فقال : نعم ، اعترفت عندي بالفجور. فقال : هذا سلطانك عليها ، فما سلطانك على ما في بطنها؟ قال عليعليه‌السلام : فلعلك انتهرتها أو أخفتها؟ فقال : قد كان ذلك. قال : أوما سمعت رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : لاحدّ على معترف بعدبلاء ، إنه من قيّدت أو حبست أو تهدّدت ، فلا إقرار له ، فخلّى عمر سبيلها ، ثمّ قال : عجزت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب ، لولا علي لهلك عمر»(٢) .

وعن أبي الأسود قال : إنّ عمر اُتي بامراة قد وضعت لستة أشهر ، فهمّ برجمها ، فبلغ ذلك علياًعليه‌السلام ، فقال : ليس عليها رجم ، فبلغ ذلك عمر ، فأرسل إليه يسأله ، فقال عليعليه‌السلام : «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ »(٣) وقال : «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ

__________________

(١) مسند أحمد ١ : ١٤٠.

(٢) مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام / الخوارزمي : ٣٩.

(٣) سورة البقرة : ٢ / ٢٣٣.


شَهْرًا »(١) فستّة أشهر حمله ، وحولين تمام الرضاعة ، لا حدّ عليها. قال : فخلّى عنها ، ثم ولدت بعد لستة أشهر»(٢) .

وعن يوسف بن السخت ، قال : «اشتكى المتوكّل شكاةً شديدةً ، فنذر للّه إن شفاه اللّه يتصدَّق بمالٍ كثيرٍ ، فعوفي من علته ، فسأل أصحابه عن ذلك ، فأعلموه أنّ أباه تصدّق بثمانية ألف ألف درهم ، وإن أراه تصدّق بخمسة ألف ألف درهم ، فاستكثر ذلك. فقال أبو يحيى بن أبي منصور المنجّم : لو كتبت إلى ابن عمّك ـ يعني أبا الحسنعليه‌السلام ـ فأمر أن يكتب له فيسأله ، فكتب إليه ، فكتب أبو الحسنعليه‌السلام : تصدّق بثمانين درهما ، فقالوا : هذا غلط ، سلوه من أين قال هذا؟ فكتبعليه‌السلام ، قال اللّه لرسوله : «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ »(٣) والمواطن الّتي نصر اللّه رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها ثمانون موطنا ، فثمانون درهما من حلّه مال كثير»(٤) .

وعن عبد اللّه بن محمد الجعفي قال : «كنت عند أبي جعفرعليه‌السلام وجاءه كتاب هشام بن عبد الملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم نكحها ، فإن الناس قد اختلفوا علينا هاهنا؛ فطائفة قالوا : اقتلوه ، وطائفة قالوا : أحرقوه؟ فكتب إليه أبو جعفرعليه‌السلام : إن حرمة الميت كحرمة الحيّ ، حدّه أن تقطع يده لنبشه وسلبه الثياب ، ويقام عليه الحدّ في الزنا؛ إن أُحصن رُجم ،

__________________

(١) سورة الأحقاف : ٤٦ / ١٥.

(٢) مناقب أمير المؤمنينعليه‌السلام / الخوارزمي : ٤٩ ـ ٥٠.

(٣) سورة التوبة : ٩ / ٢٥.

(٤) تفسير العياشي ٢ : ٢٢٦ / ١٨٠٤.


وإن لم يكن أُحصن جلد مائة»(١) .

٣ ـ تصحيح ما أخطأ فيه الفقهاء أو اختلفوا :

من المسلم أن أهل البيتعليهم‌السلام قد علموا بدقائق ما كان عند الناس ، وزادوا عليهم بخصائص علمهم الموروث من جدهم المصطفى وأبيهم المرتضىعليهما‌السلام . وقد شاع قول أبي حنيفة في الإمام الصادقعليه‌السلام : لم أرَ أفقه من جعفر بن محمد الصادق ، وإنه لأعلم الناس باختلاف الناس(٢) .

وتحدثت الأخبار عن مزيد من الأحكام التي أخطأ أو تردد فيها الفقهاء ، فكان لأهل البيتعليهم‌السلام الكلمة الفصل ، منها ما رواه أبو بصير قال : «سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن شهادة ولد الزنا تجوز؟ قال : لا ، فقلت : إن الحكم ابن عتيبة يزعم أنها تجوز فقال : اللّهمّ لا تغفر له ذنبه ، ما قال اللّه للحكم : «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ »(٣) فليذهب الحكم يميناً وشمالاً ، فواللّه لا يوجد العلم إلاّ من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل»(٤) .

وعن علي بن مهزيار ، عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : «قيل له : إن رجلاً تزوج بجارية صغيرة فأرضعتها امرأته ، ثم أرضعتها امرأة له اُخرى ، فقال ابن شبرمة : حُرمت عليه الجارية وامرأتاه. فقال أبو جعفرعليه‌السلام : أخطأ ابن شبرمة ، حُرمت عليه الجارية وامرأته التي أرضعتها أولاً ، فأما الأخيرة فلم

__________________

(١) الكافي ٧ : ٢٢٨ / ٢.

(٢) تهذيب الكمال ٥ : ٧٩ ، سير أعلام النبلاء ٦ : ٢٥٧.

(٣) سورة الزخرف : ٤٣ / ٤٤.

(٤) الكافي ١ : ٤٠٠ / ٥.


تحرم عليه ، لأنها أرضعت ابنته»(١) .

وعن محمد بن الفضيل قال : «قال أبو الحسن موسىعليه‌السلام لأبي يوسف القاضي : إن اللّه تبارك وتعالى أمر في كتابه بالطلاق ، وأكد فيه بشاهدين ، ولم يرض بهما إلاّ عدلين ، وأمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود ، فأثبتم شاهدين فيما أهمل ، وأبطلتم الشاهدين فيما أكد»(٢) .

وعن إبراهيم بن ميمون ، أنه سأل أبا عبد اللّهعليه‌السلام فقال : «يعطى الراعي الغنم بالجبل يرعاها وله أصوافها وألبانها ، ويعطينا لكلّ شاة دراهم ، فقال : ليس بذلك بأس ، فقلت : إن أهل المسجد(٣) يقولون : لا يجوز ، لأنّ منها ما ليس له صوف ولا لبن. فقال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : وهل يطيبه إلاّ ذاك ، يذهب بعضه ويبقى بعض»(٤) .

وورد في تفسير العياشي أنّ سارقا أقرّ على نفسه بالسرقة ، فسأل المعتصم إقامة الحدّ عليه ، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه ، وقد أحضر محمد بن علي الجوادعليه‌السلام ، فسألهم عن القطع في أيّ موضع يجب أن يقطع؟ فقال ابن أبي دؤاد(٥) : من الكرسوع ، لأنّ اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع ، لقول اللّه في التيمم : «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ

__________________

(١) التهذيب ٧ : ٢٩٣ / ٦٨ ، الكافي ٥ : ٤٤٦ / ١٣.

(٢) الكافي ٥ : ٣٨٧ / ٤.

(٣) يريد فقهاء المدينة.

(٤) الكافي ٥ : ٢٢٤ / ٢.

(٥) وهو أحمد بن أبي دؤاد بن جرير ، ولي القضاء للمعتصم ثمّ للواثق. تاريخ بغداد ٤ : ١٤١.


وَأَيْدِيكُمْ »(١) واتّفق معه على ذلك قوم. وقال آخرون : بل يجب القطع من المرفق ، لأنّ اللّه لما قال : «وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ »(٢) في الغسل دلّ ذلك على أن حدّ اليد هو المرفق ، فالتفت المعتصم إلى محمد بن علي الجوادعليه‌السلام ، فقال : ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ فقال : «أما إذا أقسمت عليَّ باللّه إنّي أقول إنّهم أخطأوا فيه السنّة ، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع ، فيترك الكف. قال : وما الحجة في ذلك؟ قال : قول رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : السجود على سبعة أعضاء : الوجه واليدين والركبتين والرجلين. فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبقَ له يد يسجد عليها ، وقال اللّه تبارك وتعالى : «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّه ِ» يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها «فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا »(٣) وما كان للّه لم يقطع ، قال : فأعجب المعتصم ذلك ، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ ، قال ابن أبي دؤاد : قامت قيامتي وتمنيت أني لم أكُ حيّا»(٤) .

٤ ـ تصحيح أحكام اختلف فيها أصحابهم :

وكان أصحاب الأئمةعليهم‌السلام لا يختلفون في نازلة أو يبتلون في معضلة إلاّ واستفتوهم أو كتبوا إليهم ، ليكونوا على بينة من دينهم ، وقد تحدثت الأخبار عن المزيد من هذه الموارد ، منها عن خيران الخادم قال : «كتبت

__________________

١) سورة النساء : ٤ / ٤٣.

(٢) سورة المائدة : ٥ / ٦.

(٣) سورة الجن : ٧٢ / ١٨.

(٤) تفسير العياشي ١ : ٣١٩ ـ ٣٢٠ / ١٠٩.


إلى الرجلعليه‌السلام ، أسأله عن الثوب يصيبه الخمر ولحم الخنزير ، أيصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : صلِّ فيه ، فإن اللّه إنما حرم شربها ، وقال بعضهم : لا تصلِّ فيه؟ فكتبعليه‌السلام : لا تصلِّ فيه فإنه رجس»(١) .

وروى إسحاق بن عبد اللّه العلوي العريضي قال : «ركب أبي وعمومتي إلى أبي الحسن علي بن محمدعليهما‌السلام وقد اختلفوا في الأربعة أيام التي تصام في السنة ، وهو مقيم بصريا قبل مصيره إلى سر من رأى فقال : اليوم السابع عشر من ربيع الأول ، وهو اليوم الذي وُلد فيه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واليوم السابع والعشرون من رجب ، وهو اليوم الذي بُعث فيه رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، واليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة ، وهو اليوم الذي دُحيت فيه الأرض ، واليوم الثامن عشر من ذي الحجة ، وهو الغدير»(٢) .

٥ ـ تصحيح الأدعية المأثورة :

أدّب أهل البيتعليهم‌السلام أصحابهم على الالتزام بلفظ الدعاء الوارد عن المعصوم دون تحريف أو زيادة أو نقصان ، ونهوا عن تخطي النصوص المأثورة باعتبارها توقيفية يجب التعبد بخصوص ألفاظها ليتحقق الأثر الروحي المترتب عليها ، من هنا صححوا لأصحابهم مزيداً من تلك النصوص التي وقع التحريف أو التبديل بها على لسانهم.

__________________

(١) الكافي ٣ : ٤٠٥ / ٥.

(٢) بحار الأنوار ٩٦ : ٢٦٦ / ١٣.


قال أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : « لا يقولنّ أحدكم : اللّهمّ إني أعوذ بك من الفتنة ، لأنه ليس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنة ، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن ، فإن اللّه تعالى يقول : «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ » »(١) .

وعن إسماعيل بن الفضل ، قال : «سألت أبا عبد اللّهعليه‌السلام عن قول اللّه عزّوجلّ : «وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا »(٢) فقال : فريضة على كل مسلم أن يقول قبل طلوع الشمس عشر مرات وقبل غروبها عشر مرات : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، وهو حي لا يموت ، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. قال : فقلت : لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيي ويميت ، ويميت ويحيي. فقال : ياهذا ، لا شك في أن اللّه يحيي ويميت ، ويميت ويحيي ، ولكن قل كما أقول»(٣) .

وعن عبد اللّه بن سنان قال : «قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ، ولا إمام هدى ، ولا ينجو منها إلاّ من دعا بدعاء الغريق ، قلت : كيف دعاء الغريق؟ قال : يقول : يا اللّه يارحمن يارحيم يامقلب القلوب ، ثبت قلبي على دينك. فقلت : يا اللّه يارحمن يارحيم يامقلب القلوب والأبصار ، ثبّت قلبي على دينك. قال : إن اللّه عزّوجلّ مقلب القلوب

__________________

(١) مجمع البيان ٤ : ٨٢٤ ، والآية من سورة الأنفال : ٨ / ٢٨.

(٢) سورة طه : ٢٠ / ١٣٠.

(٣) الخصال : ٤٥٢ / ٥٨.


والأبصار ، ولكن قل كما أقول لك : يامقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك»(١) .

٦ـ تصحيح بعض الممارسات والمقولات الخاطئة :

درج الناس على بعض الأفعال والأقوال التي لا تنسجم مع روح الشريعة الغراء ومبادئ الإسلام العظيم ، والإمام باعتباره قائداً روحياً وموجهاً يتحرك في الوسط الإسلامي ، يرصد تلك الممارسات ويجعلها في إطارها الصحيح ، ومن ذلك أن أحدهم هنّأ بحضرة أمير المؤمنينعليه‌السلام رجلاً بغلام ولد له ، فقال له : «ليهنك الفارس. فقالعليه‌السلام : لا تقل ذلك ، ولكن قل : شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، وبلغ أشده ، ورزقت بره»(٢) .

ولقيهعليه‌السلام عند مسيره إلى الشام دهاقين الأنبار ، فترجّلوا له واشتدوا بين يديه فقالعليه‌السلام : ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا : خلق منا نعظّم به أمراءنا. فقال : واللّه ما ينتفع بهذا أمراؤكم ، وإنكم لتشقّون به على أنفسكم في دنياكم ، وتشقون به في آخرتكم ، وما أخسر المشقة وراءها العقاب ، وأربح الدعة معها الأمان من النار!»(٣) .

وأقبل حرب بن شرحبيل الشبامي ، وكان من وجوه قومه يمشي مع أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وكانعليه‌السلام راكباً ، فقال له : «ارجع ، فإن مشي مثلك

__________________

(١) إكمال الدين : ٣٥١ / ٤٩.

(٢) نهج البلاغة : ٥٣٧ ـ الحكمة ٣٥٤.

(٣) نهج البلاغة : ٤٧٥ ـ الحكمة ٣٧.


مع مثلي فتنة للوالي ومذلّة للمؤمن»(١) .

وهكذا كانت سيرة عترة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسننهم اختصاراً لسيرة جدهم المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسننه ، جسّدوها مصلحين ومقومين لكل ما عداها من البدع التي طرأت على واقع المسلمين.

* * *

__________________

(١) نهج البلاغة : ٥٣٢ ـ الحكمة ٣٢٢.



الفصل الرابع

معالم الاصلاح السياسي

يمكن قراءة دور الأئمّةعليهم‌السلام في تصحيح المشهد السياسي بعد رحلة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ثلاثة مباحث رئيسية :

المبحث الأول

حكومة الإمام عليعليه‌السلام

على الرغم من مرارة تجربة الحكومة التي تصدّى لها أمير المؤمنينعليه‌السلام بعد البيعة بسبب انشغاله بالقتال على التأويل ، فقد أثبتت تلك التجربة فرادتها بما أحدثته من تحولات ثورية للعودة بالمجتمع إلى روح التجربة المحمدية الأولى ، وتطبيق نظرية الإسلام الحقيقي في العدل ، وسنة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تساوي البشر في الحقوق ، مما أسهم في تغيير الواقع الطبقي والثورة ضد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، ويمكن أن نتلمّس ذلك بما يلي :

١ ـ الإصلاح السياسي :

ومن أبرز معالمه :

١ ـ عملعليه‌السلام على عزل ولاة عثمان وعماله عن الأقاليم من أمثال


الوليد بن عقبة ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وعبد اللّه بن عامر ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وغيرهم ممّن عاثوا في الأرض فسادا ، وساموا العباد ظلما وعدوانا ، فأبعدوهم عن معالم الإسلام وسنّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتعيين بدائل لهم من ذوي السابقة والاستقامة والعدل والقرب من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنه يرى أن الرعية لا تصلح إلاّ بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية.

من خطبة لهعليه‌السلام ، قال : «فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية. فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه ، وأدى الوالي إليها حقّها ، عزّ الحق بينهم ، وقامت مناهج الدين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على إذلالها السنن ، فصلح بذلك الزمان ، وطمع في بقاء الدولة ، ويئست مطامع الأعداء»(١) .

٢ ـ مراقبة العمال والولاة وتوجيههم أو محاسبتهم إذا اقتضت الضرورة ذلك ، ولهعليه‌السلام في هذا الخصوص مكاتبات ووصايا كثيرة إلى اُمراء الأجناد وغيرهم مبثوثة في (نهج البلاغة).

قال ابن عبد البرّ : «ولا يخص بالولايات إلاّ أهل الديانات والأمانات. وإذا بلغه عن أحدهم جناية كتب إليه : قد جاءكم موعظة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا

__________________

(١) نهج البلاغة : ٣٣٣ ـ الخطبة ٢١٦.


تعثوا في الأرض مفسدين. بقية اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ. إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتى نبعث إليك من يتسلمه منك. ـ ثم يرفع طرفه إلى السماء فيقول ـ : اللّهمّ إنك تعلم إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك»(١) .

وكانعليه‌السلام يعتبر الولاية أمانة في عنق الوالي عليه صيانتها ، وليست أداة للاستغلال وتحقيق المآرب الشخصية ، فمن كتاب لهعليه‌السلام إلى الأشعث ابن قيس عامله على أذربيجان : « إنّ الملك ليس لك بطعمة ، ولكنه في عنقك أمانة »(٢) .

٣ ـ تدوين نظام اداري للدولة الإسلامية بهدف الإصلاح الشامل لكل مرافق الحياة ، يتمثل ذلك في عهد أمير المؤمنينعليه‌السلام إلى مالك الأشتر ، وعهده إلى محمد بن أبي بكر ، وهما إضاءة مشرقة وصفحة فذّة من صفحات تراثنا الفكري الوضّاء ، لأنهما يشتملان على برنامج الدولة الإسلامية في نظامها الإداري والقضائي والسياسي والتكافل الاجتماعي والعمراني ، ويعكسان الفكر الاجتماعي الثوري المتقدم لأمير المؤمنينعليه‌السلام ، وجملة وصاياه التي ترسم العلاقة بين الجهاز الحاكم وسائر الطبقات الاجتماعية التي ذكرها فيه بالتفصيل.

ومن عهدهعليه‌السلام للأشتر النخعي لما ولاّه على مصر وأعمالها ، قال :

__________________

(١) الاستيعاب ٣ : ٤٨.

(٢) نهج البلاغة : ٣٦٦ ـ الكتاب ٥.


«واعلم أنّ الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلاّ ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض؛ فمنها جنود اللّه ، ومنها كتاب العامة والخاصة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس ، ومنها التجار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكلاًّ قد سمّى اللّه سهمه ، ووضع على حدة فريضته في كتابه أو سنّة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عهداً منه عندنا محفوظاً»(١) .

٢ ـ الإصلاح الديني :

ويمكن أن نتأمله فيما يلي :

أ ـ العمل بكتاب اللّه وإحياء السنّة :

عمل أمير المؤمنينعليه‌السلام على إقامة معالم الدين وإظهار الإصلاح وإقامة الحدود على ضوء الكتاب الكريم وهدي السنّة المباركة.

قالعليه‌السلام : « اللّهمّ إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردّ المعالم من دينك ، ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتُقام المعطّلة من حدودك »(٢) .

ومن خطبة لهعليه‌السلام قال : «إنه ليس على الإمام إلاّ ما حمل من أمر ربه؛ الإبلاغ في الموعظة ، والاجتهاد في النصيحة ، والإحياء للسنة ، وإقامة

__________________

(١) نهج البلاغة : ٤٣١ ـ الكتاب ٥٢.

(٢) نهج البلاغة : ١٨٩ ـ الخطبة ١٣١.


الحدود على مستحقيها ، وإصدار السُّهمان على أهلها»(١) .

ومن خطبة لهعليه‌السلام قال : «اقتدوا بهدي نبيكم فإنه أفضل الهدى ، واستنوا بسنته فإنها أهدى السنن ، وتعلموا القرآن فإنه أحسن الحديث ، وتفقهوا فيه فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته فإنه أنفع القصص»(٢) .

وكان كل شي في عليعليه‌السلام يذكّر الناس برسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، لأنه نسخة ناطقة بسنته ومكارم أخلاقه ، فحينما يصلي بهم في البصرة يذكرهم بصلاة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الأمر الذي يصوّر التبديل والإهمال الذي طرأ على كل معالم الدين ومنها الصلاة.

عن أبي موسى الأشعري قال : «لقد ذكّرنا علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ونحن بالبصرة صلاةً كنا نصليها مع رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إما نسيناها ، وإما تركناها عمداً؛ يكبر كلما ركع ، وكلما رفع ، وكلما سجد»(٣) .

وعن مطرف بن عبد اللّه ، قال : «صليت خلف علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر ، وإذا نهض من الركعتين كبر ، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : قد ذكرني هذا صلاة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد عليه

__________________

(١) نهج البلاغة : ١٥٢ ـ الخطبة ١٠٦.

(٢) نهج البلاغة : ١٦٣ ـ الخطبة ١١٠.

(٣) مسند أحمد ٤ : ٣٩٢ و ٤٠٠ و ٤١١ و ٤١٥.


الصلاة والسلام»(١) .

وحينما نشر عليعليه‌السلام رايته لقتال الناكثين في البصرة ، ذكّرهم براية رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي طالما حفّت بها الملائكة المسوّمون ، يقول قيس بن سعد بن عبادة(٢) :

هذا اللواءُ الذي كنّا نَحِفُّ به

مع النبيّ وجِبْرِيلٌ لنا مَدَدُ(٣)

ولا يخفى ما في ذلك من دفع معنوي باتجاه الجهاد تحت راية الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي في يد وصيه وخليفته من بعده.

ب ـ الوقوف بوجه البدع والمحدثات :

حثّ أمير المؤمنينعليه‌السلام الناس على إماتة البدع ومحدثات الأمور لأنها ليست من الدين ، فمن كلام لهعليه‌السلام : «وما أحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنّة ، فاتقوا البدع ، والزموا المهيع ، إنّ عوازم الاُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها»(٤) .

__________________

(١) صحيح البخاري ١ : ٣١٢ / ١٧٤ ـ كتاب الصلاة ـ باب اتمام التكبير في السجود.

(٢) صحابي جليل ، من ذوي الدهاء في الحرب ، ومن ذوي النَّجدة والجُود ، كان شريف قومه غير مُدافع ، ومن بيت سيادتهم ، وكان يحمل راية الأنصار مع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وصَحِب عليّاعليه‌السلام في خلافته ، فولاّه مصر سنة ٣٦ ـ ٣٧ه ، وشاركه في حروبه ، وتُوفّي نحو سنة ٦٠ه بعد أن صَحِب الحسنعليه‌السلام . تهذيب التهذيب ٨ : ٣٩٥ ، الأعلام للزِرِكلي ٥ : ٢٠٦.

(٣) أُسد الغابة ٤ : ٢١٦ ، الغدير ٢ : ٧٨.

(٤) نهج البلاغة : ٢٠٢ ـ الخطبة ١٤٥.


وحاربعليه‌السلام الكثير من البدع التي شاعت خلال عهد الخلفاء الذين سبقوه كالكهانة والتنجيم والتصوف وقصص المساجد والاسرائيليات وغيرها. فمن كلام لهعليه‌السلام قاله لبعض أصحابه لما عزم على المسير إلى الخوارج ، فقال له : «يا أمير المؤمنين ، إن سرت في هذا الوقت خشيت أن لا تظفر بمرادك من طريق علم النجوم.

فقالعليه‌السلام : أتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي من سار فيها صرف عنه السوء ، وتخوّف من الساعة التي من سار فيها حاق به الضرّ؟! فمن صدّق بهذا فقد كذّب القرآن ، واستغنى عن الإعانة باللّه في نيل المحبوب ودفع المكروه. وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أن يوليك الحمد دون ربه ، لأنك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فيها النفع ، وأمن الضرّ ـ ثم أقبلعليه‌السلام على الناس فقال ـ : أيها الناس ، إيّاكم وتعلّم النجوم إلاّ ما يهتدى به في برّ أو بحر ، فإنها تدعو إلى الكهانة ، والمنجم كالكاهن ، والكاهن كالساحر ، والساحر كالكافر ، والكافر في النار. سيروا على اسم اللّه»(١) .

وقد استطاععليه‌السلام أن يصحح كثيراً من الانحرافات ، ويتدارك مزيداً من الإفراطات ، وأن يعيدها إلى صورتها الاُولى ، وتمهّل في بعضها بسبب ما وصفه من المداحض التي حالت دون ما يريد منتطراً استعادة وعي الاُمّة واستثارة الطاعة فيها ، «إذ لا رأي لمن لا يُطاع» كما يقولعليه‌السلام (٢) .

__________________

(١) نهج البلاغة : ١٠٠ ـ الخطبة ٧٩.

(٢) نهج البلاغة : ٧١ ـ الخطبة ٢٧.


قالعليه‌السلام : «لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيّرت أشياء.

يقول محمد عبده : المداحض : المزالق ، يريد بها الفتن التي ثارت عليه ، ويقول إنه لو ثبتت قدماه في الأمر ، وتفرّغ ، لغيّر أشياء من عادات الناس وأفكارهم التي تبعد عن الشرع الصحيح»(١) .

ويقول ابن أبي الحديد : « لسنا نشكّ أنه كان يذهب في الأحكام الشرعية والقضايا إلى أشياء يخالف فيها أقوال الصحابة ، نحو قطعه يد السارق من رؤوس الأصابع ، وبيعه أُمهات الأولاد ، وغير ذلك ، وإنما كان يمنعه من تغير أحكام من تقدّمه اشتغاله بحرب البغاة والخوارج ، وإلى ذلك يشير بالمداحض التي كان يؤمل استواء قدميه منها ، ولهذا قال لقضاته : اقضوا كما كنتم تقضون حتى يكون للناس جماعة ، فلفظة (حتى) هاهنا مؤذنة بأنه فسح لهم في اتباع عادتهم في القضايا والأحكام التي يعهدونها إلى أن يصير للناس جماعة »(٢) .

وكان من جملة البدع التي تصدّى لها عليعليه‌السلام صلاة التراويح التي ظهرت في أيام عمر وبقيت إلى خلافتهعليه‌السلام ، ولكن حالت المداحض التي ذكرها دون ما يريد.

جاء في شرح النهج لابن أبي الحديد عن السيد المرتضى : «أن عمر خرج في شهر رمضان ليلاً فرأى المصابيح في المسجد ، فقال : ما هذا؟

__________________

(١) نهج البلاغة / شرح محمد عبده ٣ : ٢١٩ ـ الحكمة ٢٧٢.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١٩ : ١٦١.


فقيل له : إن الناس قد اجتمعوا لصلاة التطوع! فقال : بدعة فنعمت البدعة! فاعترف ـ كما ترى ـ بأنها بدعة ، وقد شهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن كلّ بدعة ضلالة.

وقد روي أن أمير المؤمنينعليه‌السلام لما اجتمعوا إليه بالكوفة ، فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلّي بهم نافلة شهر رمضان ، زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة ، فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدموا بعضهم ، فبعث إليهم ابنه الحسنعليه‌السلام ، فدخل عليهم المسجد ومعه الدرّة ، فلمّا رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا : واعمراه!»(١) .

٣ ـ الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي :

ويمكن ملاحظته في اتجاهين :

أولاً ـ إلغاء مظاهر الاستئثار :

وقف أمير المؤمنينعليه‌السلام موقفاً حاسماً تجاه القطائع التي جعلها عثمان ملكاً لأوليائه وأعوانه وولاته الاُمويين ، فبنوا القصور ، واتخذوا الدور ، وانصرفوا إلى الترف والدعة واللهو ، فاشتروا الجواري والقيان ، وارتكبوا المحرمات ، وتحوّلت أموال المسلمين إلى طعمة لقلّه قليلة من المتنفّذين الذين أطلق عثمان العنان لهم في الاستئثار بحقوق الناس ، ولقد حذّر أمير المؤمنينعليه‌السلام عثمان من هذا الواقع قبل مقتله.

روى الواقدي في كتاب (الشورى) عن ابن عباس أنهعليه‌السلام قال

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١٢ : ٢٨٣.


لعثمان : «وانظر هل بقي من عمرك إلاّ كظم ء الحمار ، فحتى متى وإلى متى! ألا تنهى سفهاء بني أمية عن أعراض المسلمين وأبشارهم وأموالهم! واللّه لو ظلم عامل من عمالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركاً بينه وبينك.

قال ابن عباس : فقال عثمان : لك العتبى ، وافعل واعزل من عمالي كلّ من تكرهه ويكرهه المسلمون ، ثمّ افترقا ، فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك ، وقال : يجترئ عليك الناس ، فلا تعزل أحداً منهم!»(١) .

وقد أعلن أمير المؤمنينعليه‌السلام سياسته المالية القائمة على عدم الأثرة قبل البيعة ، وشدّد على أن يكون ذلك شرطاً أساسياً فيها ، وكأنه يعلم أن تلك السياسة ستكون سبباً من أسباب نكث البيعة من قبل الطبقة المتنفّذة من قريش.

قالعليه‌السلام : «إنكم قد اختلفتم إلي ، وأتيتم وإني قائل لكم قولاً إن قبلتموه قبلت أمركم ، وإلاّ فلا حاجة لي فيه. قالوا : ما قلت من شيء قبلناه إن شاء اللّه ، فجاء فصعد المنبر ، فاجتمع الناس إليه ، فقال : اني قد كنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وأنه ليس لي أمر دونكم إلاّ أن مفاتيح مالكم معي ، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهماً دونكم ، رضيتم؟ قالوا : نعم. قال : اللهم اشهد عليهم ، ثم بايعهم على ذلك»(٢) .

والأمر الآخر في هذا السياق هو قراره بردّ قطائع عثمان إلى

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٩ : ١٥.

(٢) تاريخ الطبري ٤ : ٤٢٨ ـ حوادث سنة ٣٥.


المسلمين في اليوم الثاني من البيعة.

روى الكلبي مروية مرفوعة إلى أبي صالح ، عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه : «أن علياًعليه‌السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة ، فقال : ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال اللّه ، فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته وقد تزوج به النساء ، وفرق في البلدان ، لرددته إلى حاله ، فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحق فالجور عليه أضيق»(١) .

قال الكلبي : «فبلغ ذلك عمرو بن العاص ، وكان بأيلة من أرض الشام ، أتاها حيث وثب الناس على عثمان ، فنزلها فكتب إلى معاوية : ما كنت صانعاً فاصنع ، إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها»(٢) .

وخلال حكومتهعليه‌السلام لم يكن يستأثر بشيء من الفيء ، ولا يخصّ به حميماً ولا قريباً(٣) ، وكان يقولعليه‌السلام : «واللّه لأن أبيت على حسك السعدان مسهّداً ، وأجرّ في الأغلال مصفّداً ، أحبُّ إليّ من أن ألقى اللّه ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد ، وغاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في الثرى حلولها؟!

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٦٩.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٧٠.

(٣) الاستيعاب ٣ : ٤٨.


واللّه لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من برّكم صاعاً ، ورأيت صبيانه شعث الشعور ، غبر الألوان من فقرهم ، كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم ، وعاودني مؤكّداً ، وكرّر عليّ القول مردداً ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أني أبيعه ديني ، وأتبع قياده مفارقاً طريقي ، فأحميت له حديدةً ، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له : ثكلتك الثواكل ياعقيل ، أتئن من حديدةٍ أحماها إنسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ، أتئنّ من الأذى ، ولا أئنّ من لظى؟!»(١) .

وكانعليه‌السلام شديداً في مراقبة عمّاله ومحاسبتهم إذا بدر منهم أيّ مظهر من مظاهر الاستئثار بحقوق المسلمين ، وحريصاً على تطبيق هذه السياسة إلى آخر المدى. فمن كتاب لهعليه‌السلام إلى مصقلة بن هبيرة الشيباني ـ وهو عامله على أردشير خرّه ـ : «بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك ، وأغضبت إمامك؛ أنك تقسم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم ، وأريقت عليه دماؤهم ، فيمن اعتامك من أعراب قومك. فوالذي فلق الحبّة ، وبرأ النسمة ، لئن كان ذلك حقاً لتجدنّ بك علي هواناً ، ولتخفنّ عندي ميزاناً. فلا تستهن بحقّ ربك ، ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الأخسرين أعمالاً. ألا وإن حقّ من قبلك وقبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء ، يردون عندي عليه ويصدرون عنه»(٢) .

__________________

(١) نهج البلاغة : ٣٤٦ الخطبة ٢٢٤.

(٢) نهج البلاغة : ٤١٥ الكتاب ٤٣.


ثانياً ـ المساواة :

كان عليعليه‌السلام رائد العدالة ومثلها الأعلى ، وقد حرص على تطبيقها بكلّ ما أُوتي من قوّة ، باعتباره قاعدة أساسية تضمن التكافل بين أبناء الدين الواحد ، وتقضي على أسباب الفقر. قالعليه‌السلام : «إن اللّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع فقير إلاّ بما متّع به غني ، واللّه تعالى سائلهم عن ذلك»(١) .

من هنا انتصف للمستضعفين من أصحاب الثراء والسلطان ، وكان ديدنه توزيع ما يرد بيت المال على المسلمين في حينه ، بحيث لا يختزن فيه شيئاً حتى الرغيف والخيط والإبرة ، وكان يرشّه بعد أن يفرغه ويصلي فيه ركعتين ، ومضى في هذا السبيل إلى آخر الشوط.

كان نظام العطاء في حكومة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقوم على أساس التسوية بين المسلمين كافة ، ولا فرق فيه بين المولى والسيد ولا الأسود والأبيض ، ولما ولي عمر بن الخطاب ألغى نظام التسوية في توزيع العطاء ، وحدّد معايير فضّل فيها بعض الناس على بعض ، منها : السابقة والهجرة والنسب وغيرها ، ففضّل السابقين على غيرهم ، وفضّل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين ، وفضّل المهاجرين كافة على الأنصار كافة ، وفضّل العرب على العجم ، وفضّل الصريح على المولى(٢) . وبقي نظام العطاء على هذا المنوال في زمان عثمان لكنه فضّل بني أمية على

__________________

(١) نهج البلاغة : ٥٣٣ ـ الحكمة ٣٢٨.

(٢) راجع : شرح ابن أبي الحديد ٨ : ١١١.


غيرهم ، وكان ولاته يأخذون لأنفسهم ما يشاؤون بلا حساب ودون رقيب ، فصار النظام الطبقي نظاماً بشعاً أدّى إلى تداعيات وخيمة ، منها نشوء طبقة مترفة تستأثر برؤوس الأموال على حساب الأكثرية المسحوقة ، فوصلت ثروات بعض كبار المسلمين بالملايين في الوقت الذي يعيش الغالبية الحرمان والكفاف. وكان ذلك أحد الأسباب الأساسية التي جعل الناس يثورون على عثمان.

وحينما ولي أمير المؤمنين عليعليه‌السلام أعلن قراره القاضي بالمساواة التامة بين الناس في العطاء ، من أجل إشاعة العدل في توزيع الثروة وإلغاء كافة أسباب التمايز بين الناس ، فكان قرار انتزاع قطائع بني اُمية وقرار التسوية من أول القرارات التي اتخذها عليعليه‌السلام في اليوم التالي من البيعة وطبّقه عملياً في اليوم الثالث ، وتحمل مزيداً من العناء في هذا السبيل.

قالعليه‌السلام في خطبته في اليوم التالي للبيعة : «ألا لا يقولن رجال منكم غداً قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار ، وفجّروا الأنهار ، وركبوا الخيول الفارهة ، واتخذوا الوصائف الروقة ، فصار ذلك عليهم عاراً وشناراً ، إذا ما منعتهم ما كانوا يخوضون فيه ، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعلمون ، فينقمون ذلك ، ويستنكرون ويقولون : حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا!

ألا وأيما رجل من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرى أن الفضل له على من سواه لصحبته ، فإن الفضل النير غداً عند اللّه ، وثوابه وأجره على اللّه ، وأيما رجل استجاب للّه وللرسول ، فصدّق ملّتنا ،


ودخل في ديننا ، واستقبل قبلتنا ، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده.

فأنتم عباد اللّه ، والمال مال اللّه ، يقسم بينكم بالسوية ، لا فضل فيه لأحد على أحد ، وللمتقين عند اللّه غداً أحسن الجزاء ، وأفضل الثواب ، لم يجعل اللّه الدنيا للمتقين أجراً ولا ثواباً ، وما عند اللّه خير للأبرار. وإذا كان غداً ـ إن شاء اللّه ـ فاغدوا علينا ، فإن عندنا مالاً نقسمه فيكم ، ولا يتخلفنّ أحد منكم ، عربي ولا عجمي ، كان من أهل العطاء أو لم يكن ، إلاّ حضر ، إذا كان مسلماً حراً. أقول قولي هذا ، وأستغفر اللّه لي ولكم.

قال ابن أبي الحديد : قال شيخنا أبو جعفر : وكان هذا أول ما أنكروه من كلامهعليه‌السلام ، وأورثهم الضغن عليه ، وكرهوا إعطاءه وقسمه بالسوية.

فلما كان من الغد ، غدا وغدا الناس لقبض المال ، فقال لعبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه : ابدأ بالمهاجرين فنادهم ، وأعطِ كل رجل ممن حضر ثلاثة دنانير ، ثم ثنِّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك ، ومن يحضر من الناس كلهم الأحمر والأسود فاصنع به مثل ذلك.

فقال سهل بن حنيف : يا أمير المؤمنين ، هذا غلامي بالأمس ، وقد أعتقته اليوم. فقال : نعطيه كما نعطيك ، فأعطى كل واحد منهما ثلاثة دنانير ، ولم يفضّل أحداً على أحد ، وتخلّف عن هذا القسم يومئذٍ طلحة ، والزبير ، وعبد اللّه بن عمر ، وسعيد بن العاص ، ومروان بن الحكم ، ورجال من قريش وغيرها»(١) .

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٣٧.


وكان من نتائج هذا الإجراء أن أخذ بعض من بايعه يتسلل من المدينة ليلتحق بمعاوية هرباً من العدل ، وطفق طلحة والزبير وغيرهما يعلنون الاحتجاج ويظهرون الخلاف على سياسة عليعليه‌السلام القاضية بتطبيق نظام التسوية ، فقام أبو الهيثم وعمار وأبو أيوب وسهل بن حنيف وجماعة معهم ، فدخلوا على عليعليه‌السلام ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، انظر في أمرك ، وعاتب قومك ، هذا الحي من قريش ، فإنهم قد نقضوا عهدك ، وأخلفوا وعدك ، وقد دعونا في السرّ إلى رفضك ، هداك اللّه لرشدك! وذاك لأنهم كرهوا الاُسوة ، وفقدوا الأثرة ، ولما آسيت بينهم وبين الأعاجم أنكروا واستشاروا عدوّك وعظّموه ، وأظهروا الطلب بدم عثمان فرقة للجماعة وتألفاً لأهل الضلالة. فرأيك!

فخرج عليعليه‌السلام فدخل المسجد ، وصعد المنبر مرتدياً بطاق ، مؤتزراً ببرد قطري ، متقلداً سيفاً ، متوكئاً على قوس ، فقال : أنا أبو الحسن ـ وكان يقولها إذا غضب ـ ثم قال : ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تمنونها وترغبون فيها ، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ، ليست بداركم ولا منزلكم الذي خُلقتم له ، فلا تغرنّكم فقد حذرتموها ، واستتموا نعم اللّه عليكم بالصبر لأنفسكم على طاعة اللّه ، والذلّ لحكمه جلّ ثناؤه ، فأما هذا الفيء فليس لأحد على أحد فيه أثرة ، وقد فرغ اللّه من قسمته ، فهو مال اللّه ، وأنتم عباد اللّه المسلمون ، وهذا كتاب اللّه به أقررنا ، وله أسلمنا ، وعهد نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين أظهرنا ، فمن لم يرضَ به فليتولّ كيف شاء ، فإن العامل بطاعة اللّه والحاكم بحكم اللّه لا


وحشة عليه»(١) .

وهكذا يريد عليعليه‌السلام أن يغرس في نفوسهم التطلّع إلى أجر الآخرة ، وينزع عنها حبّ الدنيا وزخرفها ، ولكن النفوس أبت العدل لما طال بها المقام على نظام الاستئثار على حساب الملايين الجائعة.

ولم يثنِ عليعليه‌السلام أي شيء عن تطبيق برنامجه الإصلاحي الثوري ، لقد كان موقفاً أصيلاً تمسّك به إلى آخر الشوط ، مما جعل بعض الأطراف تتصدّى لمحاربته ، لأنها رأت أنه يهدّد مكانتها الاجتماعية ، ويلغي امتيازاتها الطبقية ، فنقضوا بيعته ، وفارقوا طاعته ، وشهروا السيوف في وجه الحق والعدل والمساواة التي ينشدها عليعليه‌السلام ، أعلنوا الحرب تحت ستار الطلب بدم عثمان في حين كانوا أول الناس تأليباً عليه ، وشمّر عليعليه‌السلام عن ساعد الحرب ، فكان قتال الناكثين والقاسطين والمارقين في الجمل وصفين والنهروان ، كما أخبره سيد المرسلينصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

٤ ـ في مجال الحرب :

١ ـ لم يكن عليعليه‌السلام في جهاده إلاّ طالباً للاصلاح ، متفانياً من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة الحدود ، وإظهار معالم الحقّ.

كتب عليعليه‌السلام إلى عماله ، يستحثّهم على حرب القاسطين في الشام ، فكتب إلى مخنف بن سليم : «سلام عليك ، فإني أحمد اللّه إليك الذي لا إله إلاّ هو. أما بعد فإن جهاد من صدف عن الحقّ رغبة عنه ، وهبّ في نعاس

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ٧ : ٤٠.


العمى والضلال اختياراً له ، فريضة على العارفين.

إنّ اللّه يرضى عمن أرضاه ، ويسخط على من عصاه. وإنا قد هممنا بالمسير إلى هؤلاء القوم الذين عملوا في عباد اللّه بغير ما أنزل اللّه ، واستأثروا بالفيء ، وعطّلوا الحدود ، وأماتوا الحق ، وأظهروا في الأرض الفساد ، واتخذوا الفاسقين وليجة من دون المؤمنين ، فإذا وليّ للّه أعْظَمَ أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه ، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه ، فقد أصرّوا على الظلم ، وأجمعوا على الخلاف. وقديماً ما صدّوا عن الحقّ ، وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين.

فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك ، وأقبل إلينا لعلك تلقى هذا العدو المحلّ ، فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتجامع الحقّ وتباين الباطل ، فإنّه لا غناء بنا ولا بك عن أجر الجهاد وكتب عبد اللّه بن أبي رافع سنة سبع وثلاثين»(١) .

٢ ـ مراسلات أمير المؤمنينعليه‌السلام مع أعدائه الذين حاربوه واحتجاجاته عليهم ووصاياه إلى جنده ، تكشف عن حلمه وصفحه وحرصه على حقن دماء المسلمين ، وأنه تقيّل سنّة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في سيرته الحربية مع أعدائه ، بدافع إصلاح سنن الجهاد التي اندثرت بتمادي السنين.

قال ابن أبي الحديد : «وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه

__________________

(١) وقعة صفين : ١٠٤.


أولاده بالسيوف ، وشتموه ولعنوه ، فلمّا ظفر بهم رفع السيف عنهم ، ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يتبع مولٍ ، ولا يجهز على جريح ، ولا يقتل مستأسر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيّز إلى عسكر الإمام فهو آمن. ولم يأخذ أثقالهم ، ولا سبى ذراريهم ، ولا غنم شيئاً من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كلّ ذلك لفعل ، ولكنّه أبى إلاّ الصفح والعفو ، وتقيّل سنة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم فتح مكة ، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد ، والإساءة لم تنسَ»(١) .

وعن عبد اللّه بن جندب ، عن أبيه : أن علياًعليه‌السلام كان يأمرنا في كلّ موطن لقينا معه عدوه ، فيقول : «لا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم ، فهي حجة أخرى لكم عليهم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا ستراً ، ولا تدخلوا داراً إلاّ بإذن ، ولا تأخذوا شيئاً من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيجوا امرأة ، وإن شتمن أعراضكم ، وتناولن أُمراءكم وصلحاءكم»(٢) . وقد صارت سيرته الحربية مع أهل القبلة أحكاماً عند جميع فقهاء المسلمين وما كانت تعرف لولاهعليه‌السلام .

ولم يكنعليه‌السلام يستعمل في حربه إلاّ ما وافق الكتاب والسنة ، ولا يميل إلى استعمال المكيدة والبطش كما هو شأن أعدائه.

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٣.

(٢) شرح ابن أبي الحديد ٤ : ٢٥ ـ ٢٦.


قال أبو عثمان الجاحظ : «وربما رأيت بعض من يظن بنفسه العقل والتحصيل والفهم والتمييز ـ وهو من العامة ، ويظن أنه من الخاصة ـ يزعم أن معاوية كان أبعد غوراً ، وأصحّ فكراً ، وأجود رويةً ، وأبعد غايةً ، وأدقّ مسلكاً ، وليس الأمر كذلك ، وسأرمي إليك بجملة تعرف بها موضع غلطه ، والمكان الذي دخل عليه الخطأ من قبله.

كان عليعليه‌السلام لا يستعمل في حربه إلاّ ما وافق الكتاب والسنة ، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنة ، كما يستعمل الكتاب والسنة ، ويستعمل جميع المكايد ، حلالها وحرامها ، ويسير في الحرب بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى ، وخاقان إذا لاقى رتبيل.

وعليعليه‌السلام يقول : لا تبدءوهم بالقتال حتى يبدءوكم ، ولا تتبعوا مدبراً ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تفتحوا باباً مغلقاً ، هذه سيرته في ذي الكلاع ، وفي أبي الأعور السلمي ، وفي عمرو بن العاص ، وحبيب بن مسلمة ، وفي جميع الرؤساء ، كسيرته في الحاشية والحشو والأتباع والسفلة.

وأصحاب الحروب ، إن قدروا على البيات بيّتوا ، وإن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا ، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة ، وإن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ، ولم يؤخروا الحرق إلى وقت الغرق ، وإن أمكن الهدم لم يتكلفوا الحصار ، ولم يدعوا أن نصبوا المجانيق والعرادات والنقب والتسريب والدبابات والكمين ، ولم يدعوا دسّ السموم ، ولا التضريب بين الناس


بالكذب ، وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات ، وتوهيم الأمور ، وإيجاش بعض من بعض ، وقتلهم بكلّ آلة وحيلة ، كيف وقع القتل ، وكيف دارت بهم الحال!

فمن اقتصر ـ حفظك اللّه ـ من التدبير على ما في الكتاب والسنة ، كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير ، وما لا يتناهى من المكايد والكذب ـ حفظك اللّه ـ أكثر من الصدق ، والحرام أكثر عدداً من الحلال ، ولو سمى إنسان إنساناً باسمه لكان قد صدق ، وليس له اسم غيره ، ولو قال : هو شيطان أو كلب أو حمار أو شاة أو بعير ، أو كل ما خطر على البال ، لكان كاذباً في ذلك ، وكذلك الإيمان والكفر ، وكذلك الطاعة والمعصية ، وكذلك الحق والباطل ، وكذلك السقم والصحة ، وكذلك الخطأ والصواب.

فعليعليه‌السلام كان ملجماً بالورع عن جميع القول إلاّ ما هو للّه عزّوجلّ رضا ، وممنوع اليدين من كل بطش إلاّ ما هو للّه رضا ، ولا يرى الرضا إلاّ فيما يرضاه اللّه ويحبّه ، ولا يرى الرضا إلاّ فيما دلّ عليه الكتاب والسنة ، دون ما يعول عليه أصحاب الدهاء والنكراء والمكايد والآراء.

فلمّا أبصرت العوام كثرة نوادر معاوية في المكايد ، وكثرة غرائبه في الخداع ، وما اتفق له وتهيأ على يده ، ولم يروَ ذلك من عليعليه‌السلام ، ظنّوا بقصر عقولهم ، وقلّة علومهم ، أن ذلك من رجحان عند معاوية ، ونقصان عند عليعليه‌السلام »(١) .

__________________

(١) شرح ابن أبى¨ الحديد ١٠ : ٢٢٨.


المبحث الثاني

ثورة الحسينعليه‌السلام

إنّ تاريخ الإسلام الجهادي قد تضمّن معركتين فاصلتين؛ الاُولى كانت على التنزيل ، وكان قائدها النبي المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وقد واجه فيها أعتى الكفار والمشركين ، فضرب خراطيمهم حتّى قالوا : لا إله إلاّ اللّه. والمعركة الفاصلة الثانية كانت على التأويل وقائدها أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، وقد نازل فيها الناكثين والمارقين والقاسطين ، فبقر الباطل حتّى أخرج الحق من خاصرته ، وفقأ عين الفتنة ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيرهعليه‌السلام .

قال رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأمير المؤمنينعليه‌السلام : «ياعلي ، تقاتل على التأويل ، كما قاتلت على التنزيل»(١) .

ووقعة الطفّ تعدّ المعركة الفاصلة الثالثة في تاريخ الإسلام الجهادي ، وكان بطلها الإمام الحسين بن عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وابن بضعة المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الزهراءعليها‌السلام ، وسيّد شباب أهل الجنّة ، وثالث أئمة المسلمين بعد أبيه وأخيه الحسن ، وخامس أهل الكساء الذين اختارهم اللّه تعالى

__________________

(١) أمالي الطوسي : ٣٥١ / ٧٢٦ ، شرح النهج لابن أبي الحديد ٢ : ٢٧٧ ، و ٣ : ٢٠٧ و ١٤ : ٤٣ ، فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ٢ : ٦٣٧ / ١٠٨٣.


لمباهلة نصارى نجران ، وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

الحسينعليه‌السلام يمثل الصورة المثلى للإسلام في سيرته وسلوكه وخطه الرسالي الأصيل ، وهو اختصار لشخص الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الخصائص ومكارم الأخلاق والسيرة والسلوك وجميع المواقف ، فقد قال جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «حسين مني وأنا من حسين ، أحبّ اللّه من أحبّ حسينا ، حسين سبط من الأسباط»(١) . وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»(٢) .

لقد واجه الإمام الحسينعليه‌السلام وضعا مترديا عاشته الاُمّة في عهد طغاة بني اُمية ، الذين انحرفوا عن خطّ الإسلام الصحيح ، فأشاعوا مظاهر الفساد والإرهاب ، وعادوا إلى أحقادهم الجاهلية المقيتة ، في مواجهة الخطّ الرسالي السليم الذي يتبنّاه أهل بيت النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وارتدوا في هذه المواجهة جلباب الإسلام ، ليحفظ لهم سلطانهم ويزيّن لهم صورتهم المزيفة.

لقد استهتر الأمويون بقيم وتعاليم الإسلام ، وأسرفوا في تعاطي المنكرات ، ومارسوا أبشع أنواع الظلم والجور مع الصلحاء والأبرياء ، فتعرّضت القيم والمثل الإسلامية العليا إلى التزييف والتحريف بشكل لا

__________________

(١) التاريخ الكبير / البخاري ٨ : ٤١٥ / ٣٥٣٦ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٥٨ / ٣٧٧٥ ، سنن ابن ماجة ١ : ١٥١ / ١٤٤ ، مسند أحمد ٤ : ١٧٢ ، مصابيح السنة ٤ : ١٩٥ / ٤٨٣٣ ، اُسد الغابة ٢ : ١٩.

(٢) مجمع البيان ٢ : ٧٦٣ ، الفصول المختارة : ٣٠٣.


يُستساغ معه السكوت والركون. ومن هنا فإن ثورة الإمام الحسينعليه‌السلام تمثّل أعلى مراحل التضحية والفداء التي بذلها أهل البيتعليهم‌السلام من أجل الإصلاح وإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي استشرى في أوصال الأُمة.

فهذا يزيد (لعنه اللّه) قد صار خليفة للمسلمين بعهدٍ من أبيه الوغد معاوية ، وهو يتجاهر بالكفر والفسوق وأنواع الرذيلة ، وقد وصفه المؤرخون بأنه صاحب طرب وجوارح وكلاب وقرود ومنادمة(١) ، وأ نّه كان يُلبِس كلاب الصيد أساور الذهب والجلال المنسوجة منه ، ويهب لكلّ كلبٍ عبدا يخدمه(٢) .

وقال فيه عبد اللّه بن حنظلة وهو يخاطب الغزاة من جيش يزيد : يا قوم ، اتقوا اللّه وحده لا شريك له ، فواللّه ما خرجنا على يزيد بن معاوية حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء ، إن رجلاً ينكح الأُمهات والبنات والأخوات ، ويشرب الخمر ، ويدع الصلاة ، واللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت للّه فيه بلاءً حسنا(٣) .

هذا هو يزيد الذي أراد من الإمام الحسينعليه‌السلام أن يبايعه! فكان جواب الإمامعليه‌السلام لعامل يزيد على المدينة الوليد بن عتبة أن قال له بكل

__________________

(١) مروج الذهب ٣ : ٦٧.

(٢) الفخري في الآداب السلطانية : ٥٥.

(٣) الطبقات الكبرى ٥ : ٦٦.


عزم وإصرار : «أيها الأمير ، إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، بنا فتح اللّه وبنا يختم ، ويزيد رجل شارب الخمور ، وقاتل النفس المحترمة ، ومعلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة»(١) .

لقد أبت نفس الحسينعليه‌السلام أن تبايع ليزيد ، فخرجعليه‌السلام بعياله وأعزّته وأهل بيته وأنصاره الصادقين إلى مكّة ، بعد أن ألقى نظرة الوداع على قبر جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فليس ثمّة أحد أحقّ بالنهضة لأجل إصلاح وتغيير الوضع المتردّي في الأُمة غير الإمام الحسينعليه‌السلام ، فحدّد أولاً أهداف ثورته ، فكانت الدعوة إلى العمل بكتاب اللّه وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومواجهة الجور والاستبداد ، وإحياء معالم الدين ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطلب الإصلاح في الاُمّة ، وكلها جاءت في جملة خطاباته التي هيّأ فيها للنهضة المباركة.

فكتبعليه‌السلام إلى رؤوس الأخماس والأشراف بالبصرة كتاباً مع مولى له يقال له سليمان ، جاء فيه : «قد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتاب اللّه وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإن السنّة قد أُميتت ، وإن البدعة قد أحييت ، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري ، أهدكم سبيل الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة اللّه»(٢) .

__________________

(١) الفتوح لابن أعثم ٥ : ١٤ ، مقتل الحسينعليه‌السلام للخوارزمي ١ : ١٨٤.

(٢) تاريخ الطبري ٥ : ٣٥٧.


وروى أبو مخنف عن عقبة بن أبي العيزار : « أن الحسينعليه‌السلام خطب أصحابه وأصحاب الحر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرم اللّه ، ناكثاً لعهد اللّه ، مخالفاً لسنة رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يعمل في عباد اللّه بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول ، كان حقاً على اللّه أن يدخله مدخله ، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام اللّه ، وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ من غير »(١) .

وقالعليه‌السلام : «ألا وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ، ولا ظالما ولا مفسدا ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي ، اُريد أن آمر بالمعروف ، وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق فاللّه أولى بالحق ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي اللّه بيني وبين القوم الظالمين»(٢) .

وخرج الحسينعليه‌السلام مصمّما على تحقيق أهداف نهضته حتّى ولو أدّى إلى أن يُضرّج بدمه على رمال الطفّ ، وكانعليه‌السلام يقول : «إني لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برما»(٣) .

__________________

(١) تاريخ الطبري ٥ : ٤٠٣ ، الكامل في التاريخ ٤ : ٤٨.

(٢) الفتوح لابن أعثم ٥ : ٢٣ ، المناقب لابن شهرآشوب ٤ : ٨٩.

(٣) حلية الأولياء ٢ : ٣٩ ، الملهوف : ١٣٨ ، بحار الأنوار ٤٤ : ١٩٢ و ٣٨١.


وفي صبيحة اليوم العاشر من المحرم ، زحف القوم لقتال ابن بنت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فبالغ في الإعذار لهم والإنذار من غضب الجبار والنصيحة والموعظة ، فكان الجواب هو أن سدّد عمر بن سعد بسهم نحو عسكر الحسينعليه‌السلام وقال : اشهدوا لي عند الأمير أني أول من رمى! ثمّ رمى الناس ، فلم يبقَ من أصحاب الحسينعليه‌السلام أحد إلاّ أصابه من سهامهم ، فأذن الإمامعليه‌السلام لأصحابه وأهل بيته بالقتال ، فتقدّموا إلى الشهادة ، وتسابقوا إلى نيل الرضوان ، وخاضوا حربا تطايرت فيها الأيدي وقُطِّعت فيها الرؤوس ، فسجّلوا ملحمة البطولة والفداء بدمائهم الزكية.

ومضىعليه‌السلام من أجل الإصلاح مضرّجاً بدم الشهادة ، شاهدا على أهل زمانه ، شهيدا من أجل رسالة الإسلام ومبادئه الحقة.

قال خالد بن معدان(١) في رثائهعليه‌السلام :

جاءوا برأسكَ يا ابن بنتِ محمّدٍ

مُترمّلاً بدمائه تَرْميلا

وكأ نّما بكَ يا ابن بنت محمّدٍ

قَتَلوا جِهارا عامدينَ رسولا

قَتَلُوك عَطشانا ولم يترقّبوا

في قتلك التنزيلَ والتأويلا

ويُكبّرونَ بأنْ قُتِلت وإنّما

قَتَلوا بكَ التكبِيرَ والتَّهليلا(٢)

__________________

(١) من فضلاء التابعين المختصين بأمير المؤمنينعليه‌السلام ومن أهل الصلاح والدين والبأس والنجدة ، توفّي في حدود سنة ١٠٣ هـ. أعيان الشيعة ٦ : ٢٩٦.

(٢) مناقب ابن شهرآشوب ٤ : ١١٧ ، الملهوف : ٢١١ ، بحار الأنوار ٤٥ : ١٢٩ و ٢٤٤ ، أعيان الشيعة ٦ : ٢٩٦ ، أدب الطف ١ : ٢٨٨.


وكان من نتائج النهضة الحسينية المباركة أن أرست دعائم الإسلام ، ودافعت عن مبادئه الأصيلة ، وكشفت عن قناع الزيف الأموي ، ومساراته المنحرفة عن جادة الإسلام وكتابه وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفضحت الحكام الأمويين الذين جعلوا من الإسلام شعارا يمرّرون به أهواءهم المريضة ، وستاراً يستحوذون به على أموال المسلمين وحقوقهم ، وأحيت الضمائر التي خنقها الإرهاب ، فكانت فاتحة الثورات التي سحبت الشرعية من دولة بني اُمية ، وسلطت معاول الهدم على أركانها حتى قوّضت حكمهم إلى الأبد.

لقد كانت معركة الطف في حساب الزمن ساعات من نهار ، لكنها في حساب المبادئ الحقّة والمثل العليا ، وما أفرزته من عناصر الوعي والتصحيح ، اختزلت التاريخ بكلّ أبعاده ، وستبقى منارا لكلّ من دفع حياته ثمنا لنصرة الحق ، ومبدأً لمقارعة الزيف والظلم والطغيان والفساد ، ومظهرا للفداء ونكران الذات ، ورايةً تخفق على طول الزمن.

المبحث الثالث

مقاطعة سلطات الجور

إنّ السلطات المعاصرة لأهل البيتعليهم‌السلام قد أمعنت كثيراً في إقصائهم عن قيادة الاُمّة وعن ممارسة دورهم الرسالي الذي جعله اللّه تعالى حقّاً


لهم إلى أن تقوم الساعة ، ومارست ضدّهم شتّى أساليب الظلم والجور والقتل ، ومن هنا اتخذ أهل البيتعليهم‌السلام بعد الإمام الحسينعليه‌السلام موقفاً واضحاً من السلطات الحاكمة المعاصرة لهم ، يتلخص في الدعوة إلى مقاطعتها وتحريم التعاون معها؛ ذلك لأنّها تعتبر كياناً بعيداً عن المنهج الإسلامي الأصيل في ممارسة الإدارة والحكم وعن مبادئ الإسلام السامية وعقيدته السمحة.

وهذا الموقف جاء في مقابل فتاوى فقهاء البلاط الذين يحاولون إضفاء الشرعية الزائفة على ممارسات حكام الجور ، وهي بمثابة دعوةٍ صريحةٍ للاُمّة في مواجهة الظلم ومقاومة نفوذه بما يتّفق وظروف تلك المرحلة وبما ينسجم مع مسؤوليتهم الرسالية في تقديم النصح للأُمّة وتسديدها عند التباس معالم الهدى والصلاح ، وعلى الأُمّة أن تختار لنفسها المصير الذي تشاء؛ فإمّا أن تمارس المقاطعة للسلطان الجائر فتنتصر لرسالتها وحقّها في الحياة الحرّة الكريمة ، وإمّا أن ترضخ وتستسلم فتعيش بعيداً عن رسالتها تحت ظلّ القمع والظلم.

عن سليمان الجعفري قال : «قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : ما تقول في أعمال السلطان؟ فقال : ياسليمان ، الدخول في أعمالهم والعون لهم والسعي في حوائجهم عديل الكفر ، والنظر إليهم على العمد من الكبائر التي يستحقّ بها النار»(١) .

__________________

(١) تفسير العياشي ١ : ٢٣٨ / ١١٠.


وعن أبي بصير ، قال : «سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن أعمالهم فقال لي : يا أبا محمد ، لا ولا مدّة قلم ، إن أحدكم لا يصيب من دنياهم شيئاً إلاّ أصابوا من دينه مثله»(١) .

وعن زياد بن أبي سلمة قال : « دخلت على أبي الحسن موسىعليه‌السلام فقال لي : يازياد ، إنّك لتعمل عمل السلطان؟ قال : قلت : أجل ، قال لي : ولِمَ؟ قلت : أنا رجل لي مروءة وعليّ عيال وليس وراء ظهري شيء ، فقال لي : يازياد ، لئن أسقط من حالق فأتقطّع قطعة قطعة أحبّ إليّ من أن أتولّى لأحدٍ منهم عملاً أو أطأ بساط رجلٍ منهم »(٢) .

وعن حميد ، قال : «قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : إنّي وليت عملاً فهل لي من ذلك مخرج؟ فقال : ما أكثر من طلب المخرج من ذلك فعسر عليه ، قلت : فما ترى؟ قال : أرى أن تتّقي اللّه عزّوجلّ ولا تعد»(٣) .

وفي مقابل ذلك أجازوا لبعض شيعتهم ممارسة العمل في أجهزة الدولة ، لمصالح وأسباب خاصة ، منها إرساء قواعد الحقّ والعدل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمساعدة في دفع الظلم والجور عن كاهل الأبرياء من المؤمنين وقضاء حوائجهم ، وهو المستفاد من جواب الإمام أبي الحسن موسىعليه‌السلام لعلي بن يقطين حين طلب الإذن في ترك منصبه ، قالعليه‌السلام : «لا تفعل ، فإن لنا بك أنساً ، ولإخوانك بك عزاً ، وعسى أن يجبر بك

__________________

(١) الكافي ٥ : ١٠٦ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٣٣١ / ٩١٨.

(٢) الكافي ٥ : ١٠٩ / ١ ، التهذيب ٦ : ٣٣٣ / ٩٢٤.

(٣) الكافي ٥ : ١٠٩ / ١٥ ، التهذيب ٦ : ٣٣٢ / ٩٢٢.


كسراً ، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه. ياعلي ، كفارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم ، اضمن لي واحدة وأضمن لك ثلاثة ، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلاّ قضيت حاجته وأكرمته ، وأضمن لك أن لا يظلك سقف سجن أبداً ، ولا ينالك حد سيف أبداً ، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً. ياعلي ، من سرّ مؤمناً فباللّه بدأ ، وبالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثنّى ، وبنا ثلّث»(١) .

وكان من بين الذين زاولوا عمل السلطان علي بن يقطين الذي تقلّد ديوان الأزمّة أيام المهدي ، ومنصب الوزارة أيام هارون ، وأقره الإمام الكاظمعليه‌السلام ، وعبد اللّه بن النجاشي الذي تقلّد ولاية الأهواز في أيام المنصور ، فاستشار الإمام الصادقعليه‌السلام برسالةٍ بعثها إليه ، فوجّه الإمامعليه‌السلام إليه جوابها برسالةٍ اشترط عليه فيها مراعاة حقوق الإخوان(٢) ، وعبداللّه ابن سنان الكوفي ، وكان خازناً للمنصور والمهدي والهادي والرشيد ، وهو ثقة جليل لا يطعن عليه في شيء(٣) .

* * *

__________________

(١) كتاب قضاء حقوق المؤمنين / الصوري ـ منشور في مجلة تراثنا ـ العدد ٣ الصفحة ١٨٧ ـ الحديث ٢٥.

(٢) راجع مجلة علوم الحديث : ٢٢٩ ، العدد (١١) ـ السنة (٦) ـ محرم (١٤٢٣هـ).

(٣) رجال النجاشي : ٢١٤ ، خلاصة العلاّمة : ١٩٢.


الفصل الخامس

معالم التصحيح اللغوي والتاريخي

المبحث الأول

معالم التصحيح اللغوي

لأهل البيتعليهم‌السلام إسهامات مهمة في التصحيح اللغوي ، نذكر منها :

١ ـ وضع قواعد العربية :

بعد توسّع الفتوح الإسلامية واختلاط العرب بغيرهم من الأقوام المجاورة ، وشيوع اللحن على الألسن ، ازدادت الحاجة إلى وضع ضابطة تعصم اللسان من اللحن ، من هنا لقّن أمير المؤمنين عليعليه‌السلام أبا الأسود الدؤلي قواعد النحو العربي ، فنقّط المصحف نقاط الإعراب ، ليقوّم ما فسد من اللسان ويحافظ على لغة القرآن ، فهوعليه‌السلام أوّل من سنّ العربية ووضع قواعد نحوها ، وألقى أُصوله وجوامعه إلى أبي الأسود الدؤلي ، باتّفاق أغلب علماء اللغة ومؤرّخيها(١) .

__________________

(١) راجع : معجم الأدباء / ياقوت ١٢ : ٣٤ و ١٤ : ٤٢ ، المزهر / السيوطي ٢ : ٣٩٧ ، الخصائص / ابن جنّي ٢ : ٨ ، خزانة الأدب / البغدادي ١ : ٢٨١ ، شذرات الذهب / ابن العماد ١ : ٧٦ ، شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٠ ، صبح الأعشى / القلقشندي ١ : ٣٥٠ و ٤٢٠ و ٣ : ١٥١ ، فهرست ابن النديم : ٥٩.


قال ابن أبي الحديد مبيّناً أثر أمير المؤمنينعليه‌السلام في نشأة بعض العلوم : «ومن العلوم : علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه ، وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأُصوله ، من جملته : الكلام كلّه ثلاثة أشياء : اسم وفعل وحرف. ومن جملتها : تقسيم الكلمة إلى معرفة ونكرة ، وتقسيم وجوه الإعراب إلى الرفع والنصب والجرّ والجزم. وهذا يكاد يلحق بالمعجزات ، لأنّ القوة البشرية لا تفي بهذا الحصر ، ولا تنهض بهذا الاستنباط»(١) .

وقد سُئل أبو الأسود : «من أين لك هذا العلم؟ فقال : لقّنت حدوده من علي بن أبي طالبعليه‌السلام »(٢) .

وأخذ الدارسون عن أبي الأسود أُصول قواعد العربية ، فكانت الأساس الأوّل الذي أُقيم عليه صرح الدراسات اللغوية والأدبية ، حيث دوّنت أصول اللغة والنحو والصرف بعد استقراء كلام العرب ودراسة مختلف أساليبه.

٢ ـ التأكيد على الإعراب :

عن جميل بن دراج قال : «قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : أعربوا حديثنا ، فإنا قوم فصحاء»(٣) .

__________________

(١) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٢٠.

(٢) وفيّات الأعيان ٢ : ٥٣٧ ، مرآة الجنان / اليافعي ١ : ١٦٢ ، الإصابة ٢ : ٢٤٢.

(٣) الكافي ١ : ٥٢ / ١٣.


٣ ـ الممارسة العملية للتصحيح :

عن عبد اللّه بن سنان : « أنه وصف بعض الناس أمام أبي عبد اللّهعليه‌السلام بقوله : حسن السمت. فقالعليه‌السلام مصحّحاً : لا تقل حسن السمت ، فإن السمت سمت الطريق ، ولكن قل حسن السيماء ، فإنّ اللّه عزّوجلّ يقول : «سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ » »(١) .

وروى الشيخ الكليني بالإسناد عن يونس بن يعقوب ، قال : «أنشد الكميت أبا عبداللّهعليه‌السلام شعرا ، فقال :

أخْلَصَ اللّه لِي هوايَ فما أُغْ

رقُ نَزْعا ولا تَطيشُ سِهامي

فقال أبوعبداللّهعليه‌السلام : لا تقل هكذا (فما اُغرق نزعا) ولكن قل (فقد اُغرق نزعا ولا تطيش سهامي)»(٢) .

وعن أحمد بن محمد بن أبي نصر ، قال : « قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : إنّ الحسن بن محبوب الزرّاد أتانا عنك برسالة ، قال : صدق ، لا تقل الزرّاد ، بل قل السرّاد؛ إنّ اللّه تعالى يقول : «وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ » »(٣) .

__________________

(١) الكافي ٢ : ١١ / ٢ ، والآية من سورة الفتح : ٤٨ / ٢٩.

(٢) الكافي ٨ : ٢١٥ / ٢٦٢ ، والبيت من أوّل قصيدة في الهاشميّات : ٢٣ ، وتقع في (١٠٣) أبيات ، ومطلعها :

من لقَلبٍ مُتيّمٍ مُستَهامِ

غيرَ ما صَبْوةٍ ولا أحلامِ

وورد البيت في شرح الهاشميّات : ٣٧ لأبي رياش القيسي ، ورجال الكشي : ٢٠٦ / ٣٦٢ ، والمناقب لابن شهر آشوب ٤ : ٢٠٧ ، وإعلام الورى / الطبرسي ١ : ٥١٠.

(٣) رجال الكشي : ٥٨٥ / ١٠٩٥ والآية من سورة سبأ : ٣٤ / ١١.


المبحث الثاني

معالم التصحيح التاريخي

لأهل البيتعليهم‌السلام اسهامات كثيرة في مجال التصحيح التاريخي(١) سيما في النقاط التي يضفي عليها المؤرخون شيئاً من الضبابية ، أو يتعمدون إسقاطها أو تحريفها ، لأسباب فرضتها هيمنة السلطة الحاكمة على نتاج المؤرخ وسلبها لإرادته ، نذكر هنا على سبيل المثال :

عن إسحاق بن جعفر ، عن أبيهعليه‌السلام قال : «قيل له : إنهم يزعمون أن أبا طالب كان كافراً؟ فقال : كذبوا كيف يكون كافراً وهو يقول :

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً

نبياً كموسى خطّ في أول الكتب

وفي حديث آخر : كيف يكون أبو طالب كافراً وهو يقول :

لقد علموا أن ابننا لا مكذب

لدينا ولا يعبأ بقيل الأباطل

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل»(٢)

وعن صفوان الجمّال قال : «كنت أنا وعامر وعبد اللّه بن جذاعة الأزدي عند أبي عبد اللّهعليه‌السلام قال : فقال له عامر : جعلت فداك ، إن الناس يزعمون أن أمير المؤمنينعليه‌السلام دُفن بالرحبة؟ قال : لا. قال : فأين دفن؟ قال :

__________________

(١) راجع : أبواب التاريخ من أُصول الكافي.

(٢) الكافى ١ : ٤٤٩ / ٢٩.


إنه لما مات احتمله الحسنعليه‌السلام فأتى به ظهر الكوفة قريباً من النجف يسرة عن الغري ، يمنة عن الحيرة ، فدفنه بين ذكوات بيض ، قال : فلما كان بعد ذهبت إلى الموضع ، فتوهّمت موضعاً منه ، ثم أتيته فأخبرته فقال لي : أصبت رحمك اللّه ـ ثلاث مرات ـ »(١) .

* * *

__________________

(١) الكافي ١ : ٤٥٦ / ٥.


الفصل السادس

تصحيح مفاهيم في الطبّ والغذاء

لم يقتصر أهل البيتعليهم‌السلام على طب الأرواح والقلوب ، بل اهتموا بطب الأجسام ، فورد عنهمعليهم‌السلام المزيد من الإرشادات والنصائح الطبيّة والآداب الصحية ، ومواصفات لكثير من الأغذية والأدوية وفوائدها ، وعلاجات للأمراض السائدة في زمانهم ضمن معطيات الأدوية المستعملة آنذاك ، وبيّنوا شيئاً وافياً عن الطبائع مما له ربط بصحة الإنسان ومزاجه ، ووظائف الأعضاء وحكمة وضعها في مواضعها.

وقد أثر عن الإمام الرضاعليه‌السلام رسالة في الطب اسمها (الرسالة الذهبية) كتبها بطلب من المأمون ، وسميت كذلك لأن المأمون أمر أن تكتب بماء الذهب ، وهي لا تزال إلى اليوم من أرقى النصوص في موضوعها ، وأشهرها بين العلماء ، وقد تسالموا على نسبتها للإمامعليه‌السلام في شتّى العصور.

وهي تشتمل على ما جرّبه وسمعهعليه‌السلام من الأطعمة والأشربة ، واستعمال الأدوية ، ومضارّ الأغذية ومنافعها ، والفصد والحجامة ، والسواك والحمام والنورة وغير ذلك مما يدبر استقامة أمر الجسد ، وما فيه صلاحه وقوامه وتدبيره(١) .

__________________

(١) راجع : متن الرسالة في بحار الأنوار ٦٢ : ٣٠٩. وهي متداولة ، طبعت في النجف سنة ١٣٨٠ه ، وفي قم سنة ١٤٠٢ه ، وفي بيروت بدار المناهل سنة ١٤١٢ه.


١ ـ دراسات في طب الأئمةعليهم‌السلام :

أفرد بعض الأصحاب موضوع طب الأئمةعليهم‌السلام بتأليف خاص ، فالذين ذكرهم النجاشي وحده : إسماعيل بن شعيب العريشي ، الحسين بن بسطام ، وأخوه عبد اللّه بن بسطام(١) ، أحمد بن محمد بن خالد البرقي ، أحمد بن محمد بن سيار ، أحمد بن محمد بن دول القمي ، عبد اللّه بن جعفر الحميري ، عبد العزيز بن يحيى الجلودي ، علي بن الحسن بن فضال ، علي بن الحسين بن بابويه القمي ، محمد بن أحمد بن محمد بن رجاء البجلي ، محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري ، محمد بن عبيد اللّه البرقي ، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، موسى بن الحسن بن عامر الأشعري.

ومن الدراسات الحديثة كتاب (طب الإمام الكاظمعليه‌السلام )(٢) جمع فيه الأستاذ شاكر شبع كل ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام من حديث يتعلق بعلم الطب ، وجعل في هامش كتابه دراسة وافية ومقارنة بين طبهعليه‌السلام والطب الإسلامي والعربي واليوناني.

٢ ـ تصحيح مفاهيم في الطب :

هناك بعض المفاهيم في الأغذية والأدوية شائعة بين الناس والمتطببين ، وهي في حقيقتها عادات وموروثات مغلوطة ، استطاع الأئمةعليهم‌السلام وضعها

__________________

(١) ألّفا كتاباً كثير الفوائد والمنافع ، عنوانه طب الأئمةعليهم‌السلام ، والمؤلفان من أعلام القرن الرابع الهجري ، مطبوع من منشورات المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، ١٣٨٥ه.

(٢) نشر : المؤتمر العالمي للإمام الرضاعليه‌السلام ـ مشهد.


في نصابها الصحيح ، منها ما رواه إسحاق بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّهعليه‌السلام : إنهم يقولون : الزيتون يهيج الرياح؟ فقال : إنّ الزيتون يطرد الرياح»(١) .

وعن عبد الرحمن بن كثير قال : كنت عند أبي عبد اللّهعليه‌السلام فدخل عليه مهزم ، فقال لي أبو عبد اللّهعليه‌السلام : ادع لنا الجارية تجئنا بدهن وكحل. فدعوت بها فجاءت بقارورة بنفسج ، وكان يوماً شديد البرد ، فصبّ مهزم في راحته منها ، ثم قال : جعلت فداك ، هذا بنفسج ، وهذا البرد الشديد! فقال : وما باله يا مهزم؟ فقال : إن متطببينا بالكوفة يزعمون أنّ البنفسج بارد؟ فقال : هو بارد في الصيف ، لين حارّ في الشتاء»(٢) .

وعن عمار الساباطي قال : «قال أبو عبد اللّهعليه‌السلام : ما يقول من قبلكم في الحجامة؟ قلت : يزعمون أنها على الريق أفضل منها على الطعام. قال : لا ، هي على الطعام أدرّ للعروق وأقوى للبدن»(٣) .

عن موفق مولى أبي الحسنعليه‌السلام قال : «كان مولاي أبو الحسنعليه‌السلام إذا أمر بشراء البقل يأمر بالإكثار منه ، ومن الجرجير فيشترى له ، وكان يقولعليه‌السلام : ما أحمق بعض الناس يقولون : إنه ينبت في وادٍ في جهنم! واللّه عزّوجلّ يقول : «وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ »(٤) فكيف تنبت البقل؟!»(٥) .

__________________

(١) الكافي ٦ : ٣٣١ / ٣.

(٢) الكافي ٦ : ٥٢١ / ٦.

(٣) الكافي ٨ : ٢٧٣ / ٤٠٧.

(٤) سورة البقرة : ٢ / ٢٤.


وعن الحسين بن خالد ، قال : «قلت لأبي الحسنعليه‌السلام إن الناس يقولون : من لم يأكل اللحم ثلاثة أيام ساء خلقه؟ فقال : كذبوا ، ولكن من لا يأكل اللحم أربعين يوماً تغيّر خلقه وبدنه؛ وذلك لانتقال النطفة في مقدار أربعين يوماً»(١) .

وعن سعد بن سعد قال : «قلت لأبي الحسنعليه‌السلام : إن أهل بيتي لا يأكلون لحم الضأن. قال : فقال : ولِمَ؟ قال : قلت : إنهم يقولون : إنه يهيج بهم المرّة السوداء والصداع والأوجاع. فقال لي : يا سعد. فقلت : لبيك. قال : لو علم اللّه عزّوجلّ شيئاً أكرم من الضأن لفدى به إسماعيلعليه‌السلام »(٢) .

عن يعقوب بن يزيد ، عن بعض أصحابنا ، قال : «دخلت على أبي الحسن علي بن محمد العسكريعليه‌السلام يوم الأربعاء وهو يحتجم ، فقلت له : إن أهل الحرمين يروون عن رسول اللّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال : من احتجم يوم الأربعاء فأصابه بياض فلا يلومن إلاّ نفسه. فقالعليه‌السلام : كذبوا إنما يصيب ذلك من حملته أمه في طمث»(٣) .

٣ ـ إرشادات مهمة :

وردت عن آل البيتعليه‌السلام بعض الإرشادات الطبية التي لا تزال إلى اليوم تكتسب أهمية فائقة في علم الطب ، سيما في مجال مفهوم الحمية من

__________________

(١) الكافي ٦ : ٣٦٨ / ٤.

(٢) بحار الأنوار ٦٦ : ٦٧ / ٤٦.

(٣) الكافي ٦ : ٣١٠ / ٢.

(٤) الخصال : ٣٨٦ / ٧٠.


الطعام ، وعدم الإفراط في الدواء.

قال أبو الحسن الأولعليه‌السلام : «ادفعوا معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم ، فإنه بمنزلة البناء قليله يجرّ إلى كثيره»(١) .

وعن عثمان الأحول ، قال : «سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول : ليس من دواء إلاّ وهو يهيّج داء ، وليس شيء في البدن أنفع من إمساك اليد إلاّ عما يحتاج إليه»(٢) .

وعن عمرو بن إبراهيم ، قال : «سمعت أبا الحسنعليه‌السلام يقول : لو أن الناس قصدوا في المطعم ، لاستقامت أبدانهم»(٣) .

وقال أبو الحسنعليه‌السلام : «الحمية رأس كل دواء ، والمعدة بيت الأدواء ، وعوّد بدنك ما تعود»(٤) .

وعن إسماعيل الخراساني ، عن الرضاعليه‌السلام قال : «ليس الحمية من الشيء تركه ، إنما الحمية من الشيء الإقلال منه»(٥) .

انتهى الكتاب بفضل اللّه ومنّه

* * *

__________________

(١) علل الشرائع : ٤٦٥ / ١٧.

(٢) الكافي ٨ : ٢٧٣ / ٤٠٩.

(٣) المحاسن : ٤٣٩ / ٢٩٦.

(٤) فقه الإمام الرضاعليه‌السلام : ٣٤٠.

(٥) عيون أخبار الرضا ١ : ٢٧٦ / ٧٢.



 

المحتويات

معالم الاصلاح عند اهل البيت عليهم‌السلام......................................... ١

الفصل الأوّل معالم التصحيح في التفسير والحديث.......................... ١١

الفصل الثاني معالم التصحيح في العقائد..................................... ٥٣

الفصل الثالث معالم التصحيح في السنن والأحكام......................... ١٠٥

الفصل الرابع معالم الاصلاح السياسي..................................... ١٢١

الفصل الخامس معالم التصحيح اللغوي والتاريخي.......................... ١٥٢

الفصل السادس تصحيح مفاهيم في الطبّ والغذاء.......................... ١٥٧