الصحابة في حجمهم الحقيقي
المؤلف: الهاشمي بن علي
بسم الله الرحمٰن الرحيمالحمد لله رب العالمين والصلاة علىٰ خاتم المرسلين محمّد وآله الغرّ الميامين
من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم استناد الاُمّة إلىٰ قيمها السليمة ومبادئها الأصلية ، الأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدّي لمختلف التحديات والتهديدات التيتروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقىٰ وسائل التقنية الحديثة.
وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل نلحظ أن المرجعية الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة ، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارةعليهمالسلام بأبهىٰ صورها وأجلىٰ مصاديقها.
هذا ، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمىٰ السيّد علي السيستانيـمد ظلهـهي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمىٰالعقيدة ومفاهيمها الرصينة ، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج ومشاريع قطفت وستقطف أينع الثمار بحوله تعالىٰ.
ومركز الأبحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي
اُسس لأجل نصرة مذهب أهل البيتعليهمالسلام وتعاليمه الرفيعة.
ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيتعليهمالسلام على مختلف الجهات ، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثارـحيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي مَنّ الله سبحانه وتعالىٰ بها عليهمـ إلىٰ مطبوعات توزع في شتىٰ أرجاء العالم.
وهذا المؤلَّف « الصحابة في حجمهم الحقيقي » الذي يصدر ضمن « سلسلة الرحلة إلىٰ الثقلين » مصداق حي وأثر عملي بارز يؤكّد صحة هذا المدعىٰ.
علىٰ انّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر المكنة لكل معتنقي المذهب الحقّ بشتىٰ الطرق والاساليب ، مضافاً إلىٰ استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين كي يتسنىٰجمعها في كتاب تحت عنوان « التعريف بمعتنقي مذهب أهل البيت ».
سائلنيه تبارك وتعالىٰ أن يتقبل هذا القليل
بوافر لطفه وعنايته
مركز الأبحاث العقائدية فارس الحسون |
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام علىٰ سيدنا محمّد وعلىٰ آله الطاهرين وأصحابه المتقين.
أمّا بعد ، إنّ الاختلاف ليس شيئاً بدعاً وكما أنه ليس رحمة ، وقلّما وجدت جماعة أو فرقة أو شعب أو حضارة لم يدبّ إليها الاختلاف فيقطع أوصالها ويفرّق جمعها ، بل لا نعلم جماعة اتسقت أُمورها وانتظمت وحدتها واستمرّ حالها علىٰ ذلك ، وقد ورد في أحاديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة من آله النّهي عن الاختلاف والفرقة(١) ، إذ ما اختلفت جماعة إلاّ وكان بعضها متّبعاً للهوىٰ ، فالهوىٰ هو السبب الرئيسي إن لم نقل الوحيد للاختلاف ، وهكذا كان شأن هذه الأُمة الإسلامية التي تعبد ربّاً واحداً وتؤمن بكتاب واحد وبنبي واحد ، حيث دبّ الاختلاف فيها فتقطعت طرائق قدداً وأحزاباً شتىٰوتقطعت تلكم الأحزاب إلىٰ أُخرىٰ وهكذا حتّىٰ اختلط الحابل بالنابل وكلّ يدّعي أنه علىٰ الصراط السويّ ، والأتعس من ذلك من يدّعي أنّ غيره علىٰ باطل محض.
ولسنا الآن بصدد البحث في هذه الاختلافات وأسبابها ومن يقف وراءها.
__________________
١)أنظر قول أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب في نهج البلاغة حيث يقول :« الخِلافُ يَهْدمُ الرَّأْيَ » ص٦٤٦ ، الكلمات القصار.
أقول وبالله التوفيق : أنا المدعو الهاشمي بن علي التونسي ، نشأت وترعرعت في مدينتي قابس مدينة البحر والواحة وعشت سنيّ طفولتي وشبابي في أحضان عائلة محافظة متوسطة الحال.
وكنت منذ سنيّ طفولتي متعلّقاً بالدين ، حيث ما زلت أذكر تلك الأيام الجميلة التي كنت أرافق فيها والدي لصلاة الجمعة في الجامع الكبير بالحيّ القديم من مدينتي ، وقد رزقني الله سبحانه حافظة عجيبة فكنت أرجع إلىٰ البيت وأحكي لأهلي ما قاله الإمام في خطبة الجمعة وما جاء فيها من وعد ووعيد.
وكانت لا تفوتني من الصلوات الخمس إلاّ صلاة الصبح ، حيث كان يتعذر عليّ حضورها لأنّ أهلي ما كانوا ليسمحوا لطفل صغير بالذهاب في ذلك الوقت المبكّر لأداء الصلاة ، وكانت تقام في ذلك المسجد دروس في تاريخ الأنبياء وتاريخ الصحابة وسيرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما كان يفوتني منها حرف واحد.
وكنت أحفظ قصائد في مدح خير البريّة ، حيث كنت أواظب علىٰ الحضور في المناسبات الإسلامية وخاصّة في المولد النبوي الشريف ، وكان ممّا يرغبني في حضور تلك المناسبات ما يقدّم فيها من الحلويّات والمشروبات وما كان فيها من الزينة والجمال.
وقلّما مرّت فرصة يزورنا فيها أو أزور فيها بعض الأهل والأصدقاء إلاّ وطفقت أحدثهم عمّا امتلأت به ذاكرتي ، فتارة أُحدثهم عن النبي يوسفعليهالسلام ، وأُخرىٰ عن تقوىٰ الصحابة وإيثارهم ، وثالثة عن القيامة ، ورابعة عن الجحيم وأهوالها ، وأُخرىٰ عن الجنة ونعيمها ، وكان البعض
يتعجّب ممّا أقول فلم يكن سمع بذلك طول عمره ولا واتته الفرصة أن يسمع.
وهكذا استمر بي الحال حتّىٰ دخلت إلىٰ مرحلة التعليم الثانوي ، حيث بدأنا ندرس فيها التاريخ الإسلامي منذ عصر ما قبل الإسلام إلىٰ الفتنة الكبرىٰ كما يقولون.
كنت أدرس في الصف مادة التاريخ ، وكان عندنا أُستاذ يتبنّىٰ الفكر القومي ، ولمّا مررنا علىٰ معركة صفّين ابتسم الأُستاذ وقال : « فاقترح الداهية عمرو بن العاص فكرة رفع المصاحف حتّىٰ يخدعوا جيش عليّوينجوا من الهزيمة المنكرة التي بدأت تلوح لهم ».
صعقني جدّاً هذا الكلام ، فقلت في نفسي أعمرو بن العاص يفعل هذا؟ هذا الصحابي الجليلـالذي عرفناه من أقتاب الصحابة كماقال لنا شيوخناـيخدع ويمكر؟! إذاً أين تقوىٰ الصحابة وإخلاصهم الّذي دمغجنا به شيوخنا؟! شعرت حينها بتمزّق نفسيّ شديد بين ثقافتي الإسلامية التي تقدّم كل الصحابة وترفعهم إلىٰ صفوف الملائكة وبين حقائق التاريخ إن كانت حقّة؟!
رجعت إلىٰ البيت مغموماً وسألت أخي عن المسألة فقال لي : إنّ هذا ليس من شأننا فلا تخض فيه وهمـ أي الصحابة ـ أدرىٰ بزمانهم و....
لم يقنعني هذا الكلام البارد الفارغ من كلّ معنىٰ ، وهل يمكن أن يمارس المؤمن العادي الخداع والمكر؟! فكيف بالصحابة؟!
وتمضي السنوات وتبقىٰ في نفسي أشياء وأشياء ، لكني لمّا لم أصل إلىٰ الجواب قفلت عليها في صدري وألقيت حبلها علىٰ غاربها ومضيت...
وتشاء الأقدار أن تجمعني بصديق قديم وزميل دراسة كنّا تفارقنا مدة من الزمن وإذا بي أسمع أنه شيعيّ ؟!
لقد كنت أعتقد أنّ المذهب السنّي هو المذهب الصافي وخاصة أتباع الإمام مالك إمام دار الهجرة حيث أنّ أكثر إفريقيا مالكيّون ، وكنت أعتقد أنّ بقية المذاهب الثلاثة وإن كانت علىٰ الحق لكن المذهب المالكي أصفاها وأحقّها ، نعم كانت أحياناً تجول في خاطري تساؤلات حول الاختلافات التي ما بين هذه المذاهب الأربعة وكنت لا أرىٰ مبرّراً لاختلافها ، نعم لقد تعلّمنا منذ صغرنا أن اختلافها رحمة وأنهم كلهم من رسول الله ملتمس ، لكن كان في نفسي من ذلك ما كان ، لكني قنعت بحجّة شيوخنا أو ربمّا أقنعت بها نفسي.
وكنت قاطعاً ببطلان مذهب الشيعة وأنهم متطرفون في عقائدهم ، وكنت أسمع ما كان ينقله البعض حول بكاءهم علىٰ الحسين وسبّهم للصحابة فيزداد عجبي ، وكنت أتمنّىٰ أن ألتقي بواحدٍ منهم لاُقنعه أو علىٰ الأقل لأعرف لماذا هم هكذا.
كان أوّل ماناقشني فيه صديقي الشيعي حديث العشرة المبشّرين بالجنة(١) وقال لي : هل يُعقل أن يكون طلحة والزبير وعلي في الجنة وقد قتل بعضهم بعضاً وشتم بعضهم بعضاً؟! وهل يعقل كذلك أن يكونوا في النار؟!
فكان ممّا أجابني به أنّ الصحابة علىٰ ثلاثة أقسام : قسم الثابتين بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقسم المرتدّين ( فعلاً لا قولاً ) ، وقسم المنافقين ، وعليه لا
__________________
١)أنظر ذلك في سنن ابن ماجة ١ : ٤٨ ، باب فضائل العشرة.
يمكن أن يكونوا كلهم عدولاً.
ومّما واجهني به صديقي هذا من الحجج حديث الثقلين الذي يقول فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتّى يردا عليّ الحوض »(١) وقد كفانا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مؤونة إمامة الأُمّة السياسيّة والعلمية بالائمة من أهل بيته.
وخضنا نقاشات عديدة حول تنزيه الله تعالىٰ عن الرؤية والحركة والانتقال وتنزيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الذنوب والكبائر والخطأ والنسيان.
وهكذا رأيت أنّ عائشة وحفصة نزلت فيهما سورة كاملة تهددهما بالطلاق وبعذاب النار... ورأيت أنّ كل بناء السنة العقائدي متهاوٍ بل هو من صنع وبناء حكّام بني أُمية أعداء الله ورسوله وبني العباس ومن بعدهم من الظالمين إلىٰ اليوم.
ورأيت أنّ الشيعة مذهب صافٍ عقلاني مليء بالحجج الدامغة من القرآن الكريم والسنّة المحمدية ولا مجال للخرافات والتحريفات والأكاذيب فيه ، وهكذا إذ بينما كنت أنسب إلىٰ الشيعة كلّ قبيح ، استفقت علىٰ أنّ مذهبهم حقّ ، ولهذا كثرت حوله الأباطيل والدعايات الباطلة التي لم يُرم بهاحتّىٰ دين اليهود والمجوس.
وعرفت حينها معنىٰ قوله تعالىٰ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة ...) (٢) .
__________________
١) سنن الترمذي : ج٥ فضائل أميرالمؤمنين.
٢) سورة الحجرات : ٦.
وعرفت الحديث القائل : « الناس أعداء ما جهلوا »(١) .
وأنا من موقعي هذا أدعُ كل إنسان حرّ أن يطّلع علىٰ كتب الشيعة وعلىٰ آرائهم دون واسطة ، كما عرفت أنا كتب السنّة كالبخاري والموّطأ دون واسطة.
وقارنوا بين المذاهب ، فلسنا أقلّ من معاوية الذي قتل النفوس وأحدث الفتن ثم يقال عنه : إنّه اجتهد فأخطأ ، فنحن إن وصلنا إلىٰ الحقّـ إلىٰ دين الله ورسولهـفلنا أجران ، وإن لم نتوصّل إلىٰ ذلك فلعلّ الله يكتب لنا أجراً واحداً ، وذلك لصدق نيّاتنا وصفاء سرائرنا.
وجرّبوا أن تطالعوا عن التشيّع والشيعة الإثني عشريّة ، فليس في ذلك بأس ولا ضرر ولا فتنة ولا سمّ كما يدّعي بعض العلماء المتحجّرين ، بل إنّ أحدنايفاخربأنّه قرأمجموعة آثارفيكتورهيجو مثلاً أو اطّلع علىٰ مسرحيّات شكسبير وتجده جاهلاً بما يقوله إخوانه وبما يعتقدونه جهلاً مطبقاً.
أقول قولي هذا واستغفر الله العلىّ العظيم
الهاشمي بن علي رمضان قابس ـ تونس ١ ـ شوال ـ ١٤١٩ ه |
__________________
١)نهج البلاغة : ١٧٢ الكلمات القصار.
رأيت طوال حياتيـسنّياً ثم شيعيّاً بعد ذلكـأنّ مسألة الصحابة عموماً من المواضيع الحسّاسة والمهمة والتي جعلت فيما مضىٰ علىٰ عيني حجاباً منعني من الولوج في عالم البحث عن الحقيقة ، وكان سبب ذلك شيئان :
أوّلهما : أنني كنت خائفاً في داخلي من التعرض للصحابة باعتبار ما تربّينا عليه من التخويف والنهي عن الخوض في هذه المسألة ، فكانت تمثّل خطّاً أحمراً بالنسبة لي بالرغم ممّا كان يجيش في صدري من صرخات وعذابات.
وثانيهما : ما كان يقوله شيوخنا بأن نكفّ عمّا شجر بين الصحابة فهم كلهم من أهل الصلاح وأنهم حاملوا لواء الرسالة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا ما جعلني أصرف النظر عن هكذا بحوث.
ولهذا اخترت موضوع مقالتي هذه مسألة الصحابة ، حتّىٰ ترتفع الضبابيّة عن الأعين.
إنّ مسألة الصحبة من المسائل التي أسالت حبراً كثيراً وصار حولها لغط كثير ، فأهل السنّة عموماً يعتبرون الصحابة جزءاً لا يتجزأ من إيمان الفرد المسلم ، وإذا طعن أي فرد بأيّ واحد من الصحابة فقد اقترف إثماً عظيماً ووزراً كبيراً.
لكن هذه المسألةـمسألة الصحابةـلو يتجرّد الباحث المسلم المنصف للخوض فيها فسيرىٰ ويعلم علم اليقين أنّها لَيسَتْ من المعتقدات المهمة سواء التي اتفقت عليها طوائف المسلمين كالتوحيد والمعاد والنبوّة ، ولا من التي اختُلِفَ حولها كالعدل والإمامة.
فأركان الإسلام عند أهل السنة خمسة وهي : شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله وأن محمّداً رسول الله ، والصلاة والزكاة وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه.
فأين الصحابة من هذه الأركان الخمسة التي يقوم عليها الإسلام؟!
وأما عند الشيعة فأُصول الدين خمسة وهي : التوحيد والعدل والنبوّة والمعاد ، والإمامة ، وإن كان العدل والإمامة من أركان وأُصول المذهب عندهم أي لا يكفر الانسان بإنكارها ، وكما ترىٰ فلا أثر للصحابة في هذه العقيدة ولا وجود لهم.
وأمّا الإيمان ، فكما اتفقت عليه كلمة المسلمين وكما ورد في القرآن
فمؤسّس علىٰ الإيمان بالله وكتبه ورسله والملائكة.
اقرأ قوله تعالىٰ في سورة البقرة حيث يقول :( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (١) .
وانظر إلىٰ قوله تعالىٰ في سورة النساء حيث يقول :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ) (٢) .
فأين محلّ الصحابة في هذا الإيمان؟!!
ثم أليس لكلّ نبيّ صحابة؟! فإذا كان الإيمان بصحابة رسول الله من ضرورات الإسلام أو من أركان الإيمان ، فلماذا لا يكون الإيمان بصحابة نوح وإبراهيم وموسىٰ وعيسىٰ كذلك؟!
ثم بأيّ دليل من الكتاب والسنّة نجد أن الإيمان بمسألة الصحابة جميعاً واجب علينا كالإيمان بالله ورسوله؟!
__________________
١) سورة البقرة : ٢٨٥. |
٢) سورة النساء : ١٣٦. |
وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفاصيله وأبعاده نرىٰ لزاماً علينا أن نأتيعلىٰ كلمة الصحبة ومشتقاتها من القرآن الكريم ، لنرىٰ أنّها استعملت في معانٍ عديدة مختلفة.
يقول تعالىٰ في كتابه المجيد مخاطباً مشركي قريش :( مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ) (١) ، فأنت ترىٰ أن الله جعل عتاة قريش الذين اتهموا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالجنون ، تراه يخاطبهم بأنهم أصحابه ، وهذا المعنىٰ لا يخفىٰ علىٰ كل فطن ، إذ معناه رسولكم الذي أُرسل إليكم.
نفس هذا المعنىٰ تجده في قوله تعالىٰ :( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ ) (٢) .
ويتكرّر هذا المعنىٰ في قوله تعالىٰ :( وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ) (٣) .
كذلك يطلق لفظ الصاحب أو الصحابي في القرآن علىٰ النسبة إلىٰ مكان ، كقوله تعالىٰ :( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ) (٤) ، فبالرغم من أنّ رفيقي يوسفعليهالسلام كانا كافرين بدليل قوله تعالىٰ :( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (٥) .
__________________
١) سورة سبأ : ٤٦. |
٢) سورة النجم : ٢. |
٣) سورة التكوير : ٢٢. |
٤) سورة يوسف : ٣٩. |
٥) سورة يوسف : ٣٩.
لكن لأنّه جمعهما مكان واحد مع يوسف ، صارا صاحبين له نسبة إلىٰ المكان الذي اجتمعوا فيه.
هذا المعنىٰ موجود أيضاً في قوله تعالىٰ :( وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (١) ، وأصحاب النار كما هو معلوم بالبداهة أهلها وساكنوها.
ونفس المعنىٰ أيضاً موجود في الآيات التالية :
( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) (٢) .
( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ) (٣) .
( وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ ) (٤) .
( وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ ) (٣) .
( وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ) (٦) .
( وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ) (٧) .
( وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ ) (٨) .
( أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ ) (٩) .
( أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) (١٠) .
__________________
١) سورة البقرة : ٢٧٥. |
٢) سورة الفرقان : ٢٤. |
٣) سورة الكهف : ٩. |
٤) سورة التوبة : ٧٠. |
٥) سورة الأعراف : ٤٨. |
٦) سورة الحجر : ٧٨. |
٧) سورة الحجر : ٨٠. |
٨) سورة الحج : ٤٤. |
٩) سورة يس : ١٣. |
١٠) سورة الممتحنة : ١٣. |
( أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ ) (١) .
هذا وقد تُطلق كلمة الصاحب أو الصحابي أو الأصحاب نسبة إلىٰ زمان كقوله تعالىٰ :( كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ) (٢) .
وقد يطلق لفظ الصحبة نسبة إلىٰ حيوان كقوله تعالىٰ :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) (٣) و :( فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ ) (٤) .
كذلك يطلق لفظ الصحبة نسبة إلىٰ آلة كقوله تعالىٰ :( وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ ) (٥) .
كما يطلق لفظ الصحبة أو الصاحبة علىٰ الزوجة كما في قوله تعالىٰ :( أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ) (٦) ، و :( وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ) (٧) ، و :( يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ) (٨) .
وقد يطلق معنىٰ الصحبة علىٰ رجل يحاور آخر بغض النظر عن كفر أو إيمان الصاحب كقوله تعالىٰ :( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ) (٩) .
__________________
١) سورة البروج : ٤. |
٢) سورة النساء : ٤٧. |
٣) سورة الفيل : ١. |
٤) سورة القلم : ٤٨. |
٥) سورة العنكبوت : ١٥. |
٦) سورة الانعام : ١٠١. |
٧) سورة الجن : ٣. |
٨) سورة المعارج : ١٢. |
٩)سورة الكهف : ٣٧.
كذلك يُطلق لفظ الصحبة نسبة إلىٰ الحق أو الباطل كقوله تعالىٰ :
( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ ) (١) .
( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) (٢) .
( وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ) (٣) .
( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ ) (٤) .
ويطلق لفظ الصحبة كذلك نسبة إلىٰ شخص كقوله تعالى:
( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ ) (٥) .
( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ ) (٦) .
وهكذا ترىٰ أن لفظ الصحبة ومشتقاتها ليس له أيّ فضل في ذاته ولا أيّ مزيّة ، بل نستطيع أن نقول إنّه لفظ محايد.
بعد هذا الاستعراض لهذه الايات القرآنية نأتي إلىٰ تعريف الصحابي لغة :
يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي في مادة « صحب » : « الصحاب يُجمع بالصَّحب والصحبان والصحبة والصحاب. والأصحاب : جماعة الصحب والصحابة مصدر قولك : صاحبك الله وأحسن صِحابتك. ويقال عند الوداع : مصاحباً معافىٰ إلىٰ أن يقول : « وكلّ شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه »(٧) .
هذا وقد أعرضنا عن بقية كتب اللغة خشية التطويل.
__________________
١) سورة طه : ١٣٥. |
٢) سورة الواقعة : ٨. |
٣) سورة الواقعة : ٩. |
٤) سورة الواقعة : ٤١. |
٥) سورة الشعراء : ٦١. |
٦) سورة القمر : ٢٩. |
٧) كتاب العين للخليل : ٢ / ٩٧٠ حرف الصاد.
يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة : « الصحابي من لقي النبيّمؤمناً به ومات علىٰ الإسلام ، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت ، ومن روىٰ عنه أو لم يرو ، ومن غزا معه أو لم يغز ، ومن رآه رؤية ولم يجالسه ، ومن لم يره لعارض كالعُمي ، ويخرج بقيد الإيمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أُخرىٰ »(١) .
وقال الإمام البخاري في تعريف الصحابي مايلي : « ومن صحب النبيأو رآه من المسلمين فهو من أصحابه »(٢) .
وعلىٰ هذين التعريفين يكون كلّ شعب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صحابة من الطفل الصغير إلىٰ الشيخ الكبير إلىٰ المرأة.
وياليت الأمر وقف عند هذا الحدّ ، بل إنّ علماء السنّة أجمعوا علىٰ أن كل الصحابة عدول ثقات!!
__________________
١) كتاب الاصابة ١ : ٤. |
٢) صحيح البخاري ٥ : ٢. |
يقول ابن الأثير في مقدمة كتابه أُسد الغابة في معرفة الصحابة ما يأتي : « والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ الجرح والتعديل ، فإنهم كلّهم عدول لا يتطرق الجرح إليهم ، لأنّ الله عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم ، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره »(١) .
أما ابن حجر العسقلاني فيقول عن عدالة الصحابة : « اتفق أهل السنّة أنّ الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم ، فمن ذلك قوله تعالىٰ :( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) (٢) وقوله :( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) (٣) ، وقوله :( لَّقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ) (٤) ، وقوله :( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (٥) ، وقوله :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (٦) ، وقوله :( لِلْفُقَرَاءِ __________________
١)مقدمة ابن الاثير في كتابه أُسد الغابة ١ : ١٠.
٢) سورة آل عمران : ١١٠. |
٣) سورة البقرة : ١٤٣. |
٤) سورة الفتح : ١٨. |
٥) سورة التوبة : ١٠٠. |
٦) سورة الانفال : ٦٤.
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) إلىٰ قوله :( إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (١) ، في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها ، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم إلىٰ تعديل أحد من الخلق ، إلىٰ أن يقول إلىٰ أن روى بسندهإلىٰ أبي زرعة الرازي قال : إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللهفاعلم أنه زنديق ، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق ، وإنما أدّىٰ إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء ( وهم ) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنّة ، والجرح بهم أولىٰ وهم زنادقة انتهىٰ »(٢) .
فعلىٰ رأي علماء أهل السنّة كل شعب رسول الله الذي آمن به صحابة ، وهم أيضاً عدول كلّهم لا يتطرق الشك إليهم أبداً حتّىٰ إلىٰ واحد منهم.
وقالوا : من يطعن في صحابي واحد فهو زنديق ، وقالوا : إنّ الله طهرهم وزكّاهم جميعاً.
وحتّىٰ يتبيّن لك الامر تعال إلىٰ كلام الله المجيد وانظر رأي القرآن في الصحابة أو فقل رأيه في كثير منهم.
__________________
١) سورة الحشر : ٨. |
٢) الاصابة في تمييز الصحابة ١ : ٦ ـ ٧. |
يقول تعالىٰ في سورة الفتح :( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (١) .
فمن ينظر إلىٰ أول الآية يرىٰ أن الممدوحين مع رسول الله هم عموم الصحابة ، لكن انظر إلىٰ قوله تعالىٰ :( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم ... ) .
فلم يَعِدْ الله جميع الصحابة بالمغفرة والأجر ، بل فقط مَنْ آمن وعمل صالحاً ، ولو كان الوعد للجميع لقال : ( وعدهم الله ) فتأمل.
ويقول تعالىٰ في نفس هذه السورة :( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) (٢) .
وأنت ترىٰ في هذه الآية أنّ الله تعالىٰ يحذّر الناكثين بأنهم إنّما ينكثون علىٰ
__________________
١) سورة الفتح : ٢٩. |
٢) سورة الفتح : ١٠. |
أنفسهم وليسوا بضارّي الله تعالىٰ شيئاً.
ولدىٰ قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الآية :( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٢) .
فانظر لوصف الله تعالىٰ هذه الفئة من المسلمين حيث وصفهم بأبشع وصف وهو أنهم لا يعقلون ، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي مع أنهم مؤمنين بهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويقول في سورة الحجرات أيضاً :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (٣) .
ومن المعلوم والمشهور أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة ، وهو أخو عثمان بن عفان لامه ، عندما بعثه إلىٰ بني المصطلق فرجع وكذب علىٰ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) ، فالله يصف الوليد بالفاسق ، وأئمة السنّة يقولون إنّه عدل؟!
ويقول تعالىٰ في سورة التوبة :( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) (٢) .
في هذه الآية يذكر الله ويشنّع علىٰ المسلمين فرارهم يوم حنين حيث
__________________
١) سورة الحجرات : ٤ ـ ٥. |
٢) سورة الحجرات : ٦. |
٣) أنظر تفسير الفخر الرازي ( التفسير الكبير ) في سورة الحجرات : ٦ ، تفسير الطبري ٢٦ : ٧٨ ، تفسير الدرّ المنثور ٧ : ٥٥٥.
٤) سورة التوبة : ٢٥.
تركوا النبي مع ثلة قليلة عدد أصابع اليد وفرّوا ، وقد اغترَّ المسلمون في حنين بكثرتهم حتّىٰ قال أبو بكر : « لن نُغلَب اليوم من قلّة »(١) .
وقال الله أيضاً مخاطباً الصحابة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (٢) .
فالله هنا يقرّع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو وكما لايخفىٰ فإن اللهتعالىٰ توعّد الصحابة في هذه الآية بالعذاب الأليم وباستبدالهم بقوم آخرينـالفرس علىٰ رأيـإذا لم ينفروا في سبيله ، فأين مدح الله للصحابة هنا؟!
وفي نفس سورة التّوبة هذه تقرأ قوله تعالىٰ :( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) (٣) .
المشهور أن هذه الآية نزلت في أحد الصحابة علىٰ عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، الذي شكا لرسول الله الفقر وطلب أن يدعو له
__________________
١) أنظر تفسير الفخر الرازي ( التفسير الكبير ) في سورة التوبة : ٢٥.
٢) سورة التوبة : ٣٨ـ٣٩. يقول الفخر الرازي في تفسير سورة التوبة : وهذا يدل أنّ كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف ، وذلك التثاقل معصية. ويقول الرازي بعد ذلك ، إنّ خطاب الكل وارادة البعض مجاز مشهور في القرآن.
٣) سورة التوبة : ٧٥ ـ ٧٧.
الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بالغنىٰ والثروة ، ولمّا أعطاه الله سؤله رفض دفع الزكاة وقال : إنّها الجزية أو أخت الجزية ، فأنزل الله فيه هذه الآية.
إنّ ثعلبة صحابي أنصاري عاش مسلماً مؤمناً بالله ورسوله لكنه يوصف بالنفاق كما قال تعالىٰ ; فأين عدالة الصحابة جميعاً؟! وأين ما يدّعيه علماء أهل السنة وأئمتهم؟! ثم يأتي من يقول : إذا انتقصت أحداً من الصحابة فأنت زنديق!! فها هو الله ينتقص بعضهم بل كثير منهم ، افتونا بعلم إن كنتم صادقين.
ويقول تعالىٰ في سورة الأحزاب :( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ) (١) .
قد يقول كثير من علماء أهل السنة : إنّ هذه الآية خاصة بالمنافقين ولا دخل لها بالصحابة ( وسنُبيّن أن المنافقين هم صحابة كذلك فيما بعد ) ولكن من ينظر مليّاً إلىٰ الآية فسيجدها تقصد فئتين ، المنافقين ثم فئة أُخرىٰ غير المنافقين وهم الذين في قلوبهم مرض.
يقول الله تعالىٰ عزّوجلّ في سورة الأحزاب أيضاً :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ
__________________
١)سورة الاحزاب : ١٢.
أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللهِ عَظِيمًا ) (١) .
وقد قال الامام الفخر الرازي في تفسيره : « القائل هو طلحة بن عبيدالله الذي قال : لئن عشتُ بعد محمّد لأنكحنّ عائشة »(٢) .
ويقول تعالىٰ في آية أُخرىٰ من سورة الأحزاب :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ) (٣) .
نعم هذا هو منطق القرآن لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه ولا مجاملة من الله ولا من رسوله لأحد ، لا لصحابي ولا لزوجة النبيّ ، إنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم بما في ذلك الأنبياء والمرسلين ، بل إنّ صحبة الرسول مسؤولية خطيرة وكذلك الزوجيّة لهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فمن لم يراعها حقّ رعايتها كان عذابه مضاعفاً لمارأىٰ من الحق ومن هدي الرسول الكريم ، فهل بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من هاد وهل بعده من عظيم؟! ولولا رسول الله لأخذ عذاب الله كثيراً من الصحابة كما أخذ السامريّ ومن كان قبل الصحابة من أتباع وأصحاب الأنبياء ، ألا ترىٰ إلىٰ قوله تعالىٰ :( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا
__________________
١) سورة الأحزاب : ٥٣.
٢)تفسير الفخر الرازي لهذه الآية ٢٥ : ١٨٠ ، تفسير الدرّ المنثور ٦ : ٦٤٣ ، وأنظر تفسير الألوسي حيث يورد رواية عن ابن عباس لكنّه كعادة القوم لم يذكر طلحة بالإسم فيها وإنّما بلفظ « رجل » ، ثمّ أورد إسمه في رواية ثانية حاول تضعيفها بدون أيّ دليل! أنظر روح المعاني للالوسي البغدادي ١١ : ٢٤٩ ـ ٢٥٠.
٣)سورة الأحزاب : ٣٠.
كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (١) .
ويقول الله تعالىٰ في سورة الأحزاب :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (٢) .
إنّ الله لا يتأذّىٰ ولكن أذىٰ الله من أذىٰ الرسول ، وعليه فكلّ من آذىٰالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم صحابيّاً أو غيره فقد آذىٰ الله ، وهذا نظير قوله تعالىٰ :( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ) (٣) ، وما أكثر من آذىٰ الرسول من الصحابة والصحابيّات ، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرىٰ عجباً.
ويقول الله تعالىٰ في سورة آل عمران :( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِوَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (٤) .
ويقول الفخر الرازي في تفسيره : « أنها نزلت في حيّين من الأنصار همّا بترك القتال في أُحد والعودة إلىٰ المدينة أُسوة برأس النفاق عبدالله بن أُبي بن أبي سلول »(٥) .
ويقول تعالىٰ في سورة آل عمران حول معركة أُحد :( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ
__________________
١) سورة الأنفال : ٣٣. |
٢) سورة الأحزاب : ٥٧. |
٣) سورة النساء : ٨٠. |
٤) سورة آل عمران : ١٢١ ـ ١٢٢. |
٥) التفسير الكبير للفخر الرازيـتفسير سورة آل عمران : ١٢١ـ١٢٢ ، تفسير الطبري ٤ : ٤٨ ، الدرّ المنثور ٢ : ٣٠٥.
الْآخِرَةَ ... ) (١) .
ويقول كذلك :( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (٢) .
ويقول أيضاً :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (٣) .
مرحىٰ لهؤلاء الصحابة الذين يفرّون من ساحة المعركة ويتركون الرسول خلفهم والرسول يناديهم في ذلك الموقف الشديد.
وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره : « أنّ عمر بن الخطاب كان من المنهزمين ، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين!! ومن الذين فرّوا يوم أُحد عثمان بن عفان ورجلين من الأنصار يقال لهما سعد وعقبة ، انهزموا حتّىٰ بلغوا موضعاً بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد ذهبتم بها عريضة »(٤) !
ثم لنأت إلىٰ سورة الجمعة ولنقرأ هذه الآية :( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (٥) .
__________________
١) سورة آل عمران : ١٥٢. |
٢) سورة آل عمران : ١٥٣. |
٣)سورة آل عمران : ١٥٥.
٤) تفسير الفخر الرازي في تفسير الآية ١٥٥ من سورة آل عمران ، تفسير الطبري ٤ : ٩٦ ، تفسير الدرّ المنثور ٢ : ٣٥٥ ـ ٣٥٦.
٥) سورة الجمعة : ١١.
وقد نزلت هذه الآية في الصحابة الذين كانوا يصلون الجمعة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّىٰ إذا دخل دحية الكلبيـوكان مشركاًـالمدينة بتجارة من الشام فترك الصحابة المسجد وخرجوا إليه ولم يبق معهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ اثنا عشر رجلاً علىٰ رواية ، حتّىٰ قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم : « لو اتّبع آخرهم أوّلهم لالتهب الوادي عليهم ناراً »(١) .
ونأتي إلىٰ سورة التحريم حيث ترىٰ عجباً ، إذ فضحت هذه السورة زوجتين من زوجات الرسول وهما عائشة وحفصة ، حيث جاء في سبب نزولها أن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يأتي زينب بنت جحش ويأكل عندها عسلاً ، فاتفقت عائشة مع حفصة علىٰ أن تقولا للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّ فيك رائحة مغافير ( الثوم ) ، وهكذا كان إلىٰ أن قال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لقد حرّمتُ العسلعلىٰ نفسي » ، فنزلت سورة التحريم ومنها قوله تعالىٰ :( إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ) (٢) .
وصالح المؤمنين كما رواه البعض هو علي بن أبي طالبعليهالسلام (٣) .
ومعنىٰ صغت كما قال الفخر الرازي في تفسيره : مالت عن الحقّ.
__________________
١)انظر تفسير الفخر الرازي سورة الجمعة ، تفسير الدر المنثور ٨ : ١٦٥ ، تفسير الطبري ٢٨ : ٦٧ ـ ٦٨.
٢)سورة التحريم : ٤.
وأنظر قصة المغافير هذه في صحيح البخاري ٦ : ١٩٤.
٣)أنظر تفسير روح المعاني للالوسي البغدادي ١٤ : ٣٤٨. في تفسيره لسورة التحريم.
وتواصل السورة :( عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ) (١) .
فالله يقول لعائشة وحفصة لا تظنّا أنكما أفضل النّساء لأنكما زوجتا الرسول ، بل يستطيع الله أن يبدله نساءاً خيراً منكنّ.
ثم يقارن الله تعالىٰ عائشة وحفصة بامرأة نوح وامرأة لوط ليحذّرهنّ أنّ كونهما زوجتين لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يدرأ عنهما عذاب النار ولا يجعلهنّ بالضرورة من أهل الجنة ، يقول تعالىٰ :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (٢) .
ثم يأتي علماء أهل السنة بعد كلّ هذه الأدلة ليقولوا : إنّ عائشة أحبّ النّاس لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والويل لمن يقول غير ذلك!(٣) .
ثم تعال معي إلىٰ سورة النور ، حيث يقول العزيز الحكيم :( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١) .
فتأمّل قوله تعالىٰ :( عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ) ، ألا يعني ذلك أنهم داخلون في دائرة الصحابة ، وقد ورد في التفاسير أنّ الذين جاؤوا بالإفك ( اتهام عائشة ) هم زيادة علىٰ رأس النفاق عبدالله بن أبي سلول ، حسان بن ثابت شاعر
__________________
١) سورة التحريم : ٥. |
٢) سورة التحريم : ١٠. |
٣) أنظر مثلاً صحيح الترمذي ٥ : ٧٠٧ حديث رقم ٣٨٩٠.
٤) سورة النور : ١١.
الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والإسلام ، وزيد بن رفاعة ومسطح بن أُثاثة وحمنة بنت جحش(١) .
وقد يدّعي الكثير من البسطاء أنّ هذه فضيلة لعائشة حيث برّأها الله وأنزل فيها قرآناً من فوق سماواته ، لكن من يتأمّل الحالة جيّداً يجد أنّ الآية نزلت لتبرأة ساحة النبي الأعظمصلىاللهعليهوآلهوسلم وتنزيهه ، ولو كانت عائشة زوجة لغير رسول الله ما كان ينزل فيها حرف واحد ، لأنّ الله تعالىٰ بيّن أحكامه وأحكام السرقة والخمر وغيرها في كتابه ، لكن نظراً لحساسية موقع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنزلته العظمية برأ الله ساحته ونزّهها.
ويقول الله تعالىٰ في سورة الأنفال :( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (٢) .
في هذه الآيات خطاب شديد للصحابة الذين حاربوا في بدر لأنهم أخذوا أسرىٰ ، وليس هذا من شأن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كما ليس من شأن الأنبياء السابقين ، لكن الله سمح لهم بعد ذلك بأخذ الفداء ، والعجيب أنّ كثيراً من المفسّرين أدخلوا الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذا التهديد مع أنّ ظاهر الآية واضح في مخاطبة الصحابة ، ثم أنّ رسول الله ما كان ليقوم بفعل أو قول دون إذن الله فلماذا يدخل في دائرة التهديد؟! نعم هذا ما فعلته أيدي بني أُمية الحاقدةعلىٰ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته فينطبق عليهم قول الله تعالىٰ :( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
__________________
١) راجع تفسير الفخر الرازي في تفسير سورة النور ، تفسير الدرّ المنثور ٦ : ١٤٨ ، تفسير الطبري ١٨ : ٦٨.
٢) سورة الأنفال : ٦٧ ـ ٦٨.
مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) (١) .
وتقرأ في سورة الأنعام هذه الآية :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ ... ) (٢) .
وفي قول نزلت هذه الآية في عبدالله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان والذي أهدر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم دمه لأنّه قال إنني أستطيع أن أقول مثل ما أنزل الله ، والعجيب أنّ هذا الأفّاك الاثيم يصبح في زمن عثمان أحد وزراء الدولة وقادة الجيش؟!
هذا غيض من فيض ، ولولا أنّ المجال لا يتّسع لأكثر من هذا لأتينا علىٰ كلّ الآيات النازلة في شأن الصحابة والتي كانت تفضح بعضاً منهم أو تُقرّع البعض الآخر أو تهدّدهم وتتوعّدهم.
وهكذا ترىٰ أنّ القرآن يضع الصحابة في محلّهم الطبيعي.
والعجب أنّ علماء أهل السنّة كما أشرنا إلىٰ ذلك سابقاً يزعمون أنّ الله والقرآن عدّلا الصحابة جميعاً ، وعليه إنّ أيّ قدح في أيّ واحد منهم هو خروج عن الإسلام وزندقة ، فها هو القرآن يكذّب آراءهم النابعة من الهوىٰويقول غير ما قالوا ، ولا كلام بعد كلام الله وإن كره الكارهون.
ثمّ دعنا من الصحابة ولنأت إلىٰ أشرف ولد آدم وأفضل رسل الله ورأس
__________________
١) سورة المائدة : ٤١.
٢) سورة الأنعام : ٩٣.
أُنظر تفسير الفخر الرازي في تفسيره للسورة ١٣ : ٩٣ ، تفسير الطبري ٧ : ١٨١ ، تفسير الدرّ المنثور ٣ : ٣١٧.
أُولي العزمعليهمالسلام حيث إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكتسب تلك المنزلة العظيمة بالأماني بل بأعماله ، وها هو القرآن يشير إلىٰ هذه الحقيقة قائلاً :( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (١) .
وحاشا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يشرك ، لكن هذا هو مقياس الله ، لا مجاملة ولا محاباة مع أيّ أحد في أحكامه وشرائعه.
ثم انظر إلىٰ قوله تعالىٰ في سورة الحاقة :( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (٢) .
فليس معنىٰ كون الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم نبيّاً يحجزه عن العقاب إذا خرج عن حدود الله ، فما بالك بعد هذا بالصحابة؟!
إنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين في الإسلام وأوّل المسؤولين.
فهم إذن تحت الشرع وليسوا فوقه ، وليس عندهم جواز عبور إلىٰ الجنّة ، هيهات ليس الامر بالأماني.
إنّ الصحابة في موضع خطير حيث أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كان بين أظهرهم ولا حجّة لمن تعدّىٰ حدود الله منهم غداً يوم القيامة ، فقد شاهدوا نور النبوّة وآيات الله نزلت بينهم وقد تمت عليهم الحجّة والويل لمن لم يُنجِه كلّ ذلك.
__________________
١) سورة الزمر : ٦٥. |
٢) سورة الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦. |
بعد استعراضنا لكثير من الآيات الموضحة والمبيّنة لرأي القرآن في الصحابة ، نأتي الآن لنرىٰ رأي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في أصحابه.
نفتح صحيح البخاري ونقرأ : عن عقبةرضياللهعنه أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم خرج يوماً فصلّىٰ علىٰ أهل أُحد صلاته علىٰ الميّت ثم انصرف علىٰ المنبر فقال : « إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإنّي والله لأنظر إلىٰ حوضي الآن ، وإنّي أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض ، وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها »(١) .
وجاء هذا الحديث بألفاظ أُخرىٰ منها هذا الحديث التالي : عن أبي هريرة عن النبيقال : « بينا أنا قائم إذا زمرة حتّىٰ إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلمّ ، فقلت : أين؟ قال : إلىٰ النار والله ، قلت وما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدّوا بعدك علىٰ أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتّىٰ إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال : هلمّ ، قلت : أين؟ قال : إلىٰ النار والله ، قلت ما شأنهم؟ قال : إنّهم ارتدّوا بعدك علىٰ أدبارهم القهقرىٰ ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل هَمَلِ النَّعم »(٢) .
__________________
١)صحيح البخاري ٨ : ١٥١ ، صحيح مسلم باب الفضائل.
٢) صحيح البخاري ٨ : ١٥١.
فإذا نظرت إلىٰ الحديث الاوّل ترىٰ أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « وأنا شهيد عليكم » أي علىٰ أفعال أصحابه ، وهذا يذكرنا بقول عيسىٰ بن مريمعليهالسلام حيث قال :( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ) (١) .
فالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس مسؤولاً عن أفعال أصحابه بعد حياته.
ثم انظر إلىٰ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها ».
نعم هكذا كان ، حيث صار الصحابة بعد فتح البلدان من أغنىٰ الناس كطلحة والزبير وغيرهما ، ولهذا حاربوا علىٰ بن أبي طالبعليهالسلام لأنّه كان أشد الناس في الحق بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وتأمّل هذه المفردة في الحديث ( حتّىٰ إذا عرفتهم ) وهذا يعني أنهم عاشوا مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وليسوا أفراداً من أُمّته متأخرين أو المنافقين كما يدّعىٰالبعض.
ثم تأمّل هذه المفردة ( إنهم ارتدوا بعدك علىٰ أدبارهم القهقرىٰ ).
نعم هكذا كان ، وانظروا كتب التواريخ وما فعله كثير من الصحابة من كنز الأموال وقتل النفوس وتعطيل حدود الله وتغيير سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لترىٰعجباً!!
__________________
ويُراجع صحيح مسلم ٤ / ١٧٩٣ كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبيّنا ، مسند أحمد ١ : ٤٠٦.
١)سورة المائدة : ١١٧.
إنّ الباحث المتجرّد سيكتشف أنّ الصحابة هم أوّل من خالف الله ورسوله ولم يكونوا جميعاً مطيعين متهالكين في طاعتهصلىاللهعليهوآلهوسلم كما يدّعي البعض ، وإليك غيض من فيض من هذه المخالفات :
عن البراء بن عازبرضياللهعنه قال : « جعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم علىٰ الرجّالة يوم أُحد ـوكانوا خمسين رجلاًـعبدالله بن جبير فقال : إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّىٰ أرسل إليكم ، وإن رأيتمونا هَزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتّىٰ أرسل إليكم ، فهزموهم ( هزيمة المشركين ) ، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وأسوُقُهنّ رافعات ثيابهنّ ، فقال أصحاب عبدالله بن جبير : الغنيمة أيْ قوم الغنيمة ، ظَهرَ أصحابكم فماتنتظرون ، فقال عبدالله بن جبير : أنسيتم ماقال لكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالوا : والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة ، فلمّا أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين ، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم ، فلم يبق مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين »(١) .
أُنظر إلىٰ هؤلاء الصحابة يخالفون أوامر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم علانية حتّىٰ تسببوا في هزيمة المسلمين وشهادة خيار الصحابة كمصعب بن عمير وحمزة
__________________
١)صحيح البخاري ٤ : ٧٩.
وغيرهما ، ولو لم ينزلوا من الجبل لكانت معركة أُحد الضربة القاضية للمشركين ، ولما تجّرأوا بعدها علىٰ خوض حروب أُخرىٰ ضد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كغزوة الخندق وغيرها.
ويا ليته كان فرارهم الاوّل بعد هزيمتهم ، لكن أعادوا نفس الفعلة في غزوة حنين.
وإليك حادثة أُخرىٰ وقعت قبل أربعة أيام من وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي المعروفة برزيّة يوم الخميس :
عن ابن عباس قال : « يومُ الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكىٰ حتّىٰ خضب دمعه الحَصْبَاء ، فقال : اشتدّ برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعه يوم الخميس فقال : ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبدا ، فتنازعواـولا ينبغي عند نبيّ تنازعـفقالوا : هَجَر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال : دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه ، وأوصىٰ عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة »(١) .
مرحىٰ لهؤلاء الصحابة يأمرهم الرسول فيقولون إنّ النبيّ يهجر( يخرّف )!! ولا يطيعونه حتّىٰ يُعرض عنهم.
ويا حسرة علىٰ ذلك الكتاب الذي لم يُكتَب والذي قال عنه الرسول ( لَنْ تضلّوا بعده ) ولو فعل الصحابه ما أُمروا به لما اختلف مسلمان إلىٰ يوم القيامة ، فانظر إلىٰ ما جناه علينا الصحابة من الضلال وما حرمونا منه.
__________________
١)صحيح البخاري ٤ : ٨٥ ، وصحيح مسلم ٣ : ١٢٥٧ كتاب الوصية ، ومسند أحمد ١ : ٢٢٢.
حديث آخر فخذه :
« عن علىٰرضياللهعنه قال : بعث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سريّة وأمّر عليهم رجلاً من الأنصار وأمرهم أن يُطيعوه ، فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تطيعوني؟ قالوا : بلىٰ ، قال : عزمتُ عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها ، فجمعوا حطباً فأوقدوا ، فلمّا همّوا بالدخول نظر بعضهم إلىٰ بعض قال بعضهم : إنمّا تبعنا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه ، فذكر للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً إنّما الطاعة في المعروف »(١) .
انظر إلىٰ هذا الأمير المتلاعب كيف يأمر الصحابة بالهلاك وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة ، وانظر استنكار الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لذلك الفعل وما قاله.
والأعجب من هذا كلّه أنك تجد في كتب وصحاح أهل السنّة أحاديث في الطاعة ما أنزل الله بها من سلطان ، بل مخالفة لصريح القرآن والفطرة الانسانيّة مثل هذا الحديث الآتي :
عن أنس بن مالكرضياللهعنه قال : « قال رسول الله : اسمعوا وأطيعوا وإن أستُعمِل عليكم عبد حبشي كأنّ رأسه زبيبة »(٢) .
نقول : أوّلاً : حاشىٰ لرسول الله أن تصدر منه هكذا أوصاف في حقّ عباد الله ، وهو الذي وصفه الله تعالىٰ بالخُلق العظيم ولا يعيّر الرسول أحداً من الخلق ولا يقول رأس فلان ككذا ولا غيرها.
__________________
١)صحيح البخاري ٩ : ١١٣ ، ما جاء في السمع والطاعة.
٢) صحيح البخاري ٩ : ١١٣.
وثانياً : أليس الله تعالىٰ يقول :( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ... ) (١) .
فالله ينهي عن طاعة الظالمين فكيف يأمر بها نبيّه؟!
نعم ، إن معاوية وملوك بني أُمية وبني العباس وضعوا هذه الأحاديثحتّىٰ لا يخرج عليهم أحد ولا ينهاهم مسلم ، وهل يريد الحكّام الظالمون أكثر من ذلك؟!
وتعالَ إلىٰ حديث آخر شبيه بالسابق :
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من رأىٰ من أميره شيئاً فكرهه فليصبر ، فإنّه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلاّ مات ميتة جاهليّة »(٢) .
إنّ هذا الحديث كذب صريح ، وإلاّ لو كان صحيحاً فلماذا خالفه الصحابة أنفسهم ، أليس قد فارق علي بن أبي طالب جماعة المسلمين ولم يبايع أبا بكر إلاّ بعد ستة أشهر؟ أليس قد خالفت عائشة هذا الحديث وخرجت علىٰ عليّ في حرب الجمل مع طلحة والزبير؟! أليس قد فارق عبدالله بن عمر الجماعة ولم يبايع عليّاً طيلة خلافته ثم بايع بعد ذلك يزيد وعبد الملك بن مروان؟!
وهناك حديث آخر يعارض هذه الأحاديث ، يقول : عن عبدالله عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « السمع والطاعة علىٰ المرء المسلم فيما أحبّ أو كره مالم يُؤمَر
__________________
١)سورة هود : ١١٣.
٢)تجد الحديث قريب منه في لفظه في مسند أحمد ٤ : ٩٦.
بمعصية ، فإن أُمر بعصية فلا سمع ولا طاعة »(١) .
وإليك فعلة شنيعة أُخرىٰ اقترفها صحابي ابن صحابي :
عن أسامة بن زيد بن حارثة قال : « بعثنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ الحُرقة( قبيلة ) من جُهينة ، قال فصبّحنا القوم فهزمناهم ، قال ولحقتُ أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم ، قال : فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله ، قال : فكفّ عنه الأنصاري فطعنتُهُ برمحي حتّىٰ قتلتُه ، قال : فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال : فقال لي : يا أُسامة أقتلْتَهُ بعدما قال لا إلٰه إلا الله ، قال : قلتُ : يا رسول الله إنّما كان متعوّذاً ( أي قالها خوفاً من القتل لا إيماناً ) قال : أقتلته بعد أن قال لا إلٰه إلا الله؟ قال : فما زال يكرّرها عليّ حتّىٰ تمنّيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم »(٢) .
والواقع أنّ الإنسان لا يجد ما يعلق عليه في هذه الحادثة ، لذا نتركها للقارئ.
وإليك حادثة أُخرىٰ :
عن أبي هريرة قال : « شهدنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال لرجل ممّن يدّعيالإسلام : هذا من أهل النار ، فلمّا حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراحة ، فقيل : يا رسول الله الذي قلت إنّه من أهل النار فإنّه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات ، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : إلىٰ النار ، قال : فكاد بعض الناس أن يرتاب ، فبينما هم علىٰ ذلك إذ قيل : إنّه لم يمت ولكن به جراحاً
__________________
١)صحيح البخاري ٩ : ١١٣.
٢)صحيح البخاري ٩ : ٥ ، مسند أحمد ٥ : ٢٠٠.
شديداً ، فلمّاكان من اللّيل لم يصبر علىٰ الجراح فقَتل نفسه ، فأخبر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بذلك فقال : الله أكبر إني عبد الله ورسوله ، ثم أمر بلالاً فنادىٰ بالناس »(١) .
هذا رجل مسلم ، صحب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وغزا معه ، والله أعلم كم غزوة شارك فيها ، ولم يكفر بالله ولم يرتدّ لكنّه من أهل النار لأنّه انتحر ولم يصبرعلىٰ الجراح ، فكيف يقال : إنّ جميع الصحابة عدول؟!
نكتفي بهذا القدر اليسير من مخالفات الصحابة لله ولرسوله وننتقل إلىٰ بحث آخر وهو : رأي الصحابة في بعضهم البعض.
__________________
١)صحيح البخاري ٤ : ٨٨.
إنّ الذي يمنعنا اليوم من مجرّد ذكر حقائق وأفعال بعض الصحابةـالتي أثبتها الله ورسوله ويدّعي أنّ ذلك طعن بالصحابة ويتهمنا بسب وشتم جميع الصحابةـلا يدري أنّ الصحابة أنفسهم شتم بعضهم بعضاً ولعن بعضهم بعضاً وقاتل بعضهم بعضاً ، فهل « حلال عليهم ، حرام علينا؟! »(١) .
وإليك بعض الأمثلة علىٰ ذلك :
عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال : « أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسب أبا التراب؟! فقال : أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلن أسبّه لان تكون لي واحدة منهنّ أَحبّ إليّمن حُمر النِّعم. سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له عليّ: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : أما ترضىٰ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلاّ أنه لا نبوّة بعدي ، وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطينّ الراية رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ ورسولُه ، قال فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي عليّاً ، فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه ، ولمّا نزلت هذه الآية :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ
__________________
١)مثل تونسي شائع.
أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) (١) دعا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللّهم هؤلاء أهلي »(٢) .
ونحن نستخلص من شهادة سعد بن أبي وقاص هذه أشياء :
أولاً : لو كان سبّ الصحابي كفراً فما بال معاوية بن هند يأمر الصحابة ومن ضمنهم سعداً بسبّ علي بن أبي طالب؟! وما بال بني أُميّة اتخذوا سبّ علي بن أبي طالب سنّة ، حتّىٰ كانوا يلعنونه علىٰ المنابر طيلة سبعين سنة.
ثانياً : ثبت عن الصحابة أنّ المقصود من أهل البيت النبويّ ليس زوجات الرسول بل هم : علي وفاطمة وحسن وحسين وفيهم نزلت آية التطهير حيث يقول تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٣) فالقرآن نزل بين الصحابة وما كانت لتخفىٰ عليهم مقاصد هذه الآية.
وثالثاً : يتبيّن كذب أحاديث قيلت علىٰ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنها هذا الحديث التالي :
عن محمد بن إسحاق عن يونس بن محمد عن إبراهيم بن سعد عن عبيدة بن أبي رائطة عن عبد الرحمان عن عبد الله بن مغفّل قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي ، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومنآذاهم فقد آذاني ومن
__________________
١)سورة آل عمران : ٦١.
٢)صحيح مسلم ٤ : ١٨٧١ ، كتاب فضائل الصحابة.
٣)سورة الأحزاب : ٣٣.
آذاني فقد آذىٰ الله ومن آذىٰ الله فيوشك أن يأخذه »(١) .
فإذا صحّ الحديث فمعاويةـوهو صحابي درجة مائةـكان يسبّ عليّاً وما أدراك ما علي ويأمر بسبّه ; وعليّعليهالسلام قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق »(٢) .
وإليك مثال آخر علىٰ رأي الصحابة في بعضهم البعض :
عن جابر قال : « صلّىٰ معاذ بن جبل الأنصاري بأصحابه صلاة العشاء فطوّل عليهم ، فانصرف رجل منّا ، فصلّىٰ ، فأُخبر معاذ عنه فقال : إنّه منافق ، فلمّا بلغ ذلك الرجل دخل علىٰ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره ما قال معاذ ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم « أتريد أن تكون فتّاناً يا معاذ؟ إذا صلّيت بالناس فاقرأ بالشمس وضحاها وسبّح اسم ربّك الأعلىٰ واللّيل إذا يغشىٰ واقرأ باسم ربّك »(٣) وتعليقاً علىٰ الحديث نقول : انظر إلىٰ معاذ وهو يرمي أحد المسلمين بالنفاق لانه لم يُطق تطويله وتأمّل لوم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لمعاذ.
كذلك أمر عمر بن الخطاب رجال السقيفة بأن يقتلوا سعد بن عبادة لأنّه خالف ما اتفقوا عليه ، وهكذا الأمثال عديدة ، فمن شاء فليحقّق في الصحاح وكتب السيرة.
__________________
١)مسند أحمد بن حنبل ٩ : ٨٢ ، وقريب من هذا الحديث حديث « أحسنوا إلى أصحابي » مسند أحمد بن حنبل : ٤٥ حديث رقم ١٧٨.
فهل أحسن عثمان إلى أبي ذر وهل أحسن معاوية لعليّ وهل أحسن يزيد( التابعي ) إلى الحسين الصحابي وو ...؟!
٢)أنظر سنن ابن ماجة ١ : ٤٢ ، فضائل عليّ.
٣) سنن ابن ماجه ١ : ٣١٥ ، باب من أمّ قوماً فليُخفّف.
ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « من قال لأخيه : يا كافر ، فقد باء بها أحدهما »(١) .
وإليك مثالاً آخر :
« عن جابررضياللهعنه قال : غزونا مع النبىّصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتّىٰ كثروا ، وكان من المهاجرين رجل لعّاب فكسع أنصاريّاً فغضب الأنصاري غضباً شديداً حتّىٰ تداعوا ، وقال الأنصاري : ياللأنصار ، وقال المهاجرىّ : يا للمهاجرين ، فخرج النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : ما بال دعوىٰ أهل الجاهليّة ، ثم قال : ماشأنهم؟ فأُخبر بكسعة المهاجريّ الأنصاري ، قال فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : دعوها فإنّها خبيثة.
وقال عبد الله بن أُبي بن سلول : قد تداعوا علينا لئن رجعنا إلىٰ المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ ، فقال عمر : ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبدالله ، فقال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا يتحدّث الناس أنّه كان يقتل أصحابه »(٢) .
فهاهم المهاجرون والأنصار يختلفون ويكادون يتقاتلون ، حتّىٰ وصل الأمر أن يستغلّ هذه الفرصة رأس المنافقين فيقول ما قال.
ولنتصور مدىٰ تألّم قلب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يرىٰ أصحابه يرفعون شعارات قبليّة ، أليست هذه إذاية للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
ثم تأمّل قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث قال : « لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه » ، فنفهم منه أنّ المنافقين بعكس ما يقول علماء أهل السنّة كانوا
__________________
١)موطّأ الإمام مالك : ٦٥٢ ، حديث رقم ١٨٤٤.
٢) صحيح البخاري ٤ : ٢٢٣ ، وكذلك في مسند أحمد ٣ : ٣٣٨.
داخلين في دائرة الصحابة وما كان أكثرهم حتّىٰ أن الله تعالىٰ أنزل سورة كامة باسمهم(١) وقال تعالىٰ فيهم في سورة التوبة :( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ... ) (٢) فمن هم يا ترىٰ أولئك المنافقون الذين لا يعلمهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! سنعرفهم يوم القيامة إن شاء الله تعالىٰ.
كذلك تسابّ خالد بن الوليد وعبدالرحمن بن عوف أمام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأفحش خالد بن الوليد لعمّار بن ياسر(٣) وما أدراك ما عمّار الطيب بن الطيب(٤) كما وصفه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
__________________
١) هي سورة المنافقون. |
٢) سورة التوبة : ١٠١. |
٣) مسند أحمد ٤ : ٨٩. |
٤) سنن ابن ماجه ١ : ٥٢ ، فضائل عمّار. |
عمّار بن ياسر أبو اليقظان وهو صحابي جليل وقد استشهد أبواه ياسر وسميّةـأوّل شهيدة في الإسلامـبعد أن عُذِّبا وعمّار عذاباً شديداً من مشركي قريش.
وعمّار هو الذي نزل فيه قوله تعالىٰ :( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (١) بعدما نال من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وذكر آلهة المشركين علىٰ رواية لشدة ما ناله من العذاب ، وقد قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « عمّار تقتله الفئة الباغية »(٢) وفعلاً استشهد عمّار يوم حرب صفّين بين علي بن أبي طالبعليهالسلام ورئيس الفرقة الباغية معاوية بن هند.
وقبل أن يقتل « الصحابي » معاوية عمّاراً كما قتل غيره ، تعرّض عمّار للضرب والشتم من عثمان ووزيره مروان بن الحكم ، وإليك القصة كما أوردها ابن قتيبة في كتابه ( الإمامة والسياسة ) :
« ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان ، وكان ممّن حضر
__________________
١)سورة النحل : ١٠٦.
٢)صحيح البخاري ٤ : ٢٥.
هذا مع أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « من أبغض عمّارا أبغضه الله ». أنظر مسند أحمد ٤ : ٨٩ ، فما بالك إذن بمن قتله واجترأ عليه؟
الكتاب عمّار بن ياسر والمقداد بن الأسود ، وكانوا عشرة ، فلمّا خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلىٰ عثمان والكتاب في يد عمار جعلوا يتسللون عن عمّارحتّىٰ بقي وحده ، فمضىٰ حتّىٰ جاء دار عثمان ، فاستأذن عليه ، فأذن له في يوم شاتٍ فدخل عليه وعنده مروان بن الحكم وأهله من بني أُميّة ، فدفع إليه الكتاب فقرأه فقال له : أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال نعم ، قال : ومن كان معك؟ قال كان معي نفر تفرّقوا فَرقاً منك ، قال : من هم؟ قال : لا أُخبرك بهم ، قال : فلم اجترأت عليّمن بينهم؟ فقال مروان : يا أمير المؤمنين إنّ هذا العبد الأسود ( يعني عمار ) قد جَرّأ عليك الناس ، وإنّك إن قتلته نكّلت به من وراءه ، قال عثمان : اضربوه ، فضربوه وضربه عثمان معهم حتّىٰ فتقوا بطنه ، فغشي عليه ، فجرّوه حتّىٰ طرحوه علىٰ باب الدار ، فأمرت به أُم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام فأدخل منزلها »(١) .
هو جندب بن جنادة من قبيلة غفار ، وكان رابع من أسلم أو خامسهم بعد خديجة وعلىٰ وزيد بن حارثة ، وقد قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء علىٰ ذي لهجة أصدق من أبي ذر »(٢) .
وأبو ذرّ هذا نفاه عثمان بن عفّان إلىٰ الشام ، لكن معاوية خاف منه ومن صرامته في الحق فأرسل لعثمان كتاباً قال له فيه : انقذني من أبي ذرّ ، فأرجعه
__________________
١)الإمامة والساسية١ : ٥٠ ـ ٥١.
٢) طبقات ابن سعد ج٤ ، ترجمة أبي ذر الغفاري.
عثمان وشتمه ونفاه إلىٰ صحراء الربذة حتّىٰ مات هناك ، فصدق فيه قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تمشي وحدك وتموت وحدك وتُبعث وحدك »(١) .
بل إنّ هذا الصحابي الجليل القدر لم يجد حين حضرته الوفاة كفناً يُكفّنُ فيه ، في حين كان مروان بن الحكم وغيره من بني أُميّة المجرمين يتنعّمون ويبذّرون مال الله علىٰ شهواتهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
صحابي من الصحابة ، وقد قال ابن الأثير في ترجمته « وعاش وطال عمره ، حتّىٰ أدرك الحجّاج بن يوسف وامتُحن معه ، أرسل الحجّاج سنة أربع وسبعين إلىٰ سهل بن سعدرضياللهعنه وقال له : ما منعك من نصر أمير المؤمنين عثمان؟! قال : قد فعلته. قال : كذبت ، ثم أمر به فَخُتم في عُنُقه ، وخَتم أيضاً في عنق أنس بن مالكرضياللهعنه ، حتّىٰ ورد عليه كتاب عبد الملك بن مروان فيه ، وختم في يد جابر بن عبدالله ، يريد ( أي الحجّاج ) إذلالهم بذلك ، وأن يجتنبهم الناس ولا يسمعوا منهم »(٢) .
وكما ترىٰ فإنّ الحجّاج ومن قبله معاوية ويزيد لم يدعوا حرمة للصحابة بل ختموا علىٰ رقابهم وأيديهم كالأغنام ، وقد ختم يزيد علىٰ رقاب أهل المدينة بعد أن غزاها وكان فيها من الصحابة والتابعين الكثير وشرط عليهم
__________________
١)الحديث عن عبدالله بن مسعود وقد قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبي ذرّ في غزوة تبوك ، الطبقات الكبرى لأبن سعد ٤ : ١٧٣.
٢) أُسد الغابة ٢ : ٤٧٢ ، ترجمة سهل بن سعد الساعدي.
أن يختم عليهم وأن يشهدوا علىٰ أنهم عبيد ليزيد.
ولاحظ حقد الحجّاج علىٰ من لم ينصر عثمان ، فما بالك بمن حارب عثمان ودعىٰ لقتله ، وقد فعل هذا كثير من الصحابة كعائشة وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وغيرهم كثير ، وبهذا تعرف لماذا صارت لعثمان فضائل كثيرة مزعومة ومثالب وشتائم لمن عارضه أو قتله أو رضي بذلك ، فافهم!!
نكتفي بهذا القدر ، ولو أردنا التوسع فيما لقيه الصحابة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من التنكيل والتبعيد والقتل والسب والشتم لاحتاج كلّ ذلك إلىٰ كتاب علىٰ أقل تقدير ، ثم يقال بعد هذا إنّ سبّ الصحابي كفر وزندقة؟!
في الواقع إنّ الباحث الفطن يكتشف أن مسألة عدالة الصحابة أجمعين أو فقل : إنّ لُغز عدالة الصحابة جميعاً هي مسألة محبوكة وموضوعة لكي تقف حجر عثرة أمام الوصول إلىٰ الحقيقة ، ولا يوجد أدنىٰ شكّ في أنّها خطة أُمويّة أسّسها معاوية بن أبي سفيان حتّىٰ لا يفتضح هو وأمثاله من أرثّاء وأخسّاء الصحابة وحتّىٰ لا تصل الأُمة بعد ذلك إلىٰ فهم القرآن الكريم وآياتهـوالتي تتضمّن طعناً بكثير من الصحابة كما أشرناـوبالتالي عدم فهم السنّة الشريفة ، وبعبارة أُخرىٰ فقل : أراد معاوية الذي أسلم يوم فتح مكة ثم صار فيما بعد أميراً للمؤمنين ، أراد أن لا يستغرب أحد من الأُمة هذه القفزة النوعيّة ولا تُثار الشكوك حولها ، وبعبارة أدقّ قام معاوية بعمليّة خلط الأوراق حتّىٰ لا يميّز المسلم يمينه من يساره ولا ناقته من جمله.
وبعد هذا الاستعراض القصير جدّاً لما شجر بين الصحابة من السب والتنابز ، نأتي إلىٰ طبقة التابعين لنرىٰ رأي بعضهم في الصحابة.
لو كان كلّ الصحابة عدولاً كما يقال ، فما كان هذا الأمر ليخفىٰ علىٰ أحد مشاهير وأعلام التابعين ، وهو الحسن البصري الفقيه البصري المعروف والذي أبدىٰ رأيه في معاويةـالصحابيـصراحة حيث يقول :
« أربع خصال كُنّ في معاوية ولو لم يكن فيه منهنّ إلاّ واحدة لكانت موبقة :
●انتزاؤه علىٰ هذه الاُمة بالسفهاء حتّىٰ أبتزّوها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة.
●استخلافه ابنهـيقصد يزيد الشرـبعده سكّيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير.
●ادعاؤه زيادًا وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الولد للفراش وللعاهر الحجر.
قتله حجر وأصحابهـيقصد حجر بن عدي الصحابي الجليلـويل له من حجر وأصحابه ويل له من حجر وأصحابه »(١) .
فهذا التابعي يشنّع علىٰ معاويةـالصحابيـأمورا منها أنه انتزىٰ علىٰ حكم المسلمين بالقوّة والباطل رغم وجود بقية باقية من خيار الصحابة ، ولم يكتف معاوية بهذا بل جعل أناساً مجرمين ولاة علىٰ الإمارات الإسلامية كتوليته زياد بن أبيه ( الذي جعله أخاً له ) وتولية بسر بن أرطأة السفاح وكتولية المغيرة بن شعبة والضحاك بن قيس الفهري علىٰ الكوفة وغيرهم.
كذلك يشنّع الحسن البصري علىٰ معاوية توليتهُ يزيداً ابنه خليفةـملكاًعلىٰ الأصحـعلىٰ المسلمين مع ما اشتهر عنه من فسق وفجُور ، حتّىٰ قال فيه الحسين بن عليعليهالسلام قولته الشهيرة عندما رفض مبايعة يزيد : « وعلىٰالإسلام السلام إذ بُليت الاُمة براعٍ مثل يزيد ».
ولا ينسىٰ الحسن البصري حادثة قتل معاوية لحجر بن عدي الصحابي الجليل الذي دفنه حيّاً في مرج عذراء قرب دمشق مع ثلّة من أصحابه. وَسجِلّ معاوية مليء بالاغتيالات والتصفيات التي طالت حتّىٰ كبار
__________________
١) تاريخ الطبري ٥ : ٢٧٩.
الصحابة فضلاً عن غيرهم. فقد سمّ الإمام الحسن بن عليعليهالسلام ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّد شباب أهل الجنة ، وقتل محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر الذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ويح عمّار تقتله الفئة الباغية » ، وعلىٰ هذا يكون معاوية رئيس الفرقة الباغية ، ثمّ يأتي من يقول بعد ذلك إنّ جميع الصحابةـبمن فيهم معاويةـعدول ، ثقات ، مغفور لهم ، مشهود لهم بالجنة وأنّ منهم من اجتهد فأصاب ومنهم من اجتهد فأخطأ كمعاوية ولهذا فله أجر واحد فقط؟!
اللّهم احفظ لنا عقولنا فإنّك ما كرّمت بني آدم علىٰ الدواب إلاّ بها.
ولكي يتبيّن الصّبح لذي عينين ، لنضع بعض الصحابة الذين كان لهم أعمق الأثر في أن يوجد لدينا اليوم إسلام ذو شكل عجيب وغريب لا يمتّإلىٰ إسلام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأيّ صلة اللّهم إلاّ الاشتراك اللّفظي ، تحت المجهر.
أبو هريرة ، وما أدراك ما أبو هريرة ، راوية الإسلام الأعظم.
واختُلف في اسم أبي هريرة اختلافاً شديداً ، لكن طغىٰ عليه هذا الاسم.
وقد أسلم هذا الرجل في السنة السابعة للهجرة بعد غزوة خيبر ، يعني أنه لم يصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ مقدار ثلاث سنوات أو أقلّ ، لكن العجيب أنه أكثر الصحابة رواية ، حيث بلغ مجموع أحاديثه (٥٣٧٤) حديثاً ، علماً أنّ مجموع ما رواه الخلفاء الأربعة : أبو بكر وعمر وعثمان وعليعليهالسلام هو (١٤٢١) حديثاً ، وكما يقول السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي فإنّ نسبة حديث هؤلاء الذين طالت صحبتهم للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ حديث أبي هريرة هو أقل من ٢٧ في المائة(١) .
__________________
١) كتاب أبو هريرة للعلاّمة شرف الدين الموسوي العاملي : ٤٥.
هذا وقد أعتبر ابن حزم أن مجموع ما رواه الخلفاء الأربعة هو (١٣٦١) حديثاً في كتابه « أسماء الصحابة الرواة ، وعلىٰ كلٍّ الفارق شاسع بين ما روَوْه جميعاً وبين ما رواه أبو هريرة.
وليت الأمر وقف عند هذا الحدّ ، بل إنّ أبا هريرة يقول : « حفظت عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعاءين فأمّا أحدهما فبثثته ، وأمّا الاخر فلو بثثته قُطع هذا البلعوم »(١) .
وقد استنكر كثير من الصحابة علىٰ هذا الرجل كثرة حديثه ، ومنهم عمر بن الخطاب ، وحتّىٰ قال فيه علي بن أبي طالبعليهالسلام : « إنّ أكذب الأحياء علىٰ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبو هريرة الدوسي »(٢) .
وحتّىٰ تتيقّن بنفسك أيها القارئ الكريم أنّ أبا هريرة كان مخرّفا ولم يكن محدّثاً فتعال معي لنضع جزءاً يسيراً جدّاً جدّاً من أحاديثه وانظر مخالفتها للعقل أولاً وللقرآن والسنّة ثانيًا حتّىٰ تعلم أنّ حديث أبي هريرة ليس إلاّ زخرف من الكلام ولا يمكن أن يكون كلام شخص عاقل فضلاً عن نبيّ ، وإليك هذا البعض اليسير :
عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « اختتن إبراهيمعليهالسلام وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم »(٣) .
ربمّا لا يدري أبو هريرة أنّ الأنبياء هم أكمل خلق الله تعالىٰ ، فلا حاجة أن يختتنوا بل يولدون مختونين مقطوعي السرّة ، كما كان شأن نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ لماذا يبقىٰ إبراهيم غير مختون إلىٰ هذا العمر المتأخّر؟!
عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « بينما أيوب يغتسل عُرياناً خرَّ
__________________
١)صحيح البخاري باب حفظ العلم ١ : ٢٤.
٢)كتاب أبوهريرة للعلاّمة شرف الدين الموسوي العاملي : ١٨٦ ، وأيضاً كتاب أبو هريرة شيخ المضيرة لمحمود أبو رية المصري : ١١٩.
٣) صحيح البخاري ٤ : ١٧٠ ، ومسند أحمد ٢ : ٣٢٢.
عليه رجل جراد من ذهب ، فجعل يحثي في ثوبه ، فنادىٰ رَبُّهُ : يا أيوّب ألم أكن أغنيتك عمّا ترىٰ ؟ قال : بلىٰ يا ربّ ولكن لا غنىٰ لي عن بركتك »(١) .
تعليق : إنّ هذا الحديث متهاوٍ من عدة وجوه :
أوّلاً : إذا كان أيوبعليهالسلام يغتسل عرياناً فكيف كان يضع الجراد الذهبي في ثوبه؟!
ثانياً : لماذا يعاتب الله أيوّب علىٰ أخذ هذا الجراد ، أليس هو الذي أنزله عليه؟! أم كان الأمر اختباراً لأيوّب؟! وإذا كان اختباراً فكيف يكون أيّوب حريصاً لهذه الدرجة علىٰ جمع الذهب؟!
إنّ أيوّب مدحه الله تعالىٰ وجعله أُسوة في الصبر ، وكذلك باقي الأنبياء ليس همّهم جمع الذهب والفضّة ، وماذا يعني لهم الذهب والفضّة وكل كنوز الدنيا أمام طاعة الله ورضاه؟! نعم إذا كان أبو هريرة يقيس نبي الله أيّوب بنفسه فحينئذٍ لا نستغرب منه هذا التصرف.
●ويمضي أبو هريرة في تطاوله علىٰ رُسل الله وأنبياءه فيقول : « قيل يا رسول الله من أكرم الناس؟! قال : أتقاهم ، فقالوا : ليس عن هذا نسألك ، قال : فيوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبي الله ابن خليل الله. قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فعن معادن العرب تسألون خيارهم في الجاهلية خيارهم فيالإسلام إذا فقهوا »(٢) .
تعليق : ما بال القوم لا يكتفون ، بقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم « أتقاهم؟! » أليس الله تعالىٰ __________________
١) صحيح البخاري ٤ : ١٨٤ ، وكذلك في المستدرك للحاكم المجلّد ٢ : ٥٨٢.
٢) صحيح البخاري ٤ : ١٧٠.
يقول :( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ ) ؟! ثم ما معنىٰ كرامة يوسف علىٰ الناس جميعاً حتّىٰ علىٰ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهل الكرامة بالنسب فقط وإذا كان كذلك فإخوة يوسف هم كذلك أبناء وأحفاد أنبياء.
عن أبي هريرة قال : « سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « قرصتْ نملة نبيّاً من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأُحرقت ، فأوحىٰ الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقتَ أُمّة من الاُمم تسبّح »(١) .
تعليق : ليس هذا الذي يحكي عنه أبو هريرة بنبيّ ، بل إنسان مجنون أو رجل بعقل طفل مشاغب ، وهل يعمل هذا الفعل عاقل؟! نعم ربمّا قرصت نملة باليمن رِجل أبي هريرة الحافية فأحرق قرية النمل ثم نسب الحديث إلىٰ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
●عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليردّه ما استطاع ، فإنّ أحدكم إذا قال ها ضحك الشيطان »(٢) .
تعليق : ما أكثر ضحك الشيطان إذاً!!
●عن أبي هريرة قال : قال النبىّصلىاللهعليهوآلهوسلم : كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسىٰ بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب(٣) .
تعليق : لم يبيّن لنا أبو هريرة لماذا أخطأ الشيطان عيسىٰ بن مريم؟! وما
__________________
١) صحيح البخاري ٤ : ٧٥. |
٢) صحيح البخاري ٤ : ١٥٢. |
٣) صحيح البخاري ٤ : ١٥١.
أدراه فلعلّ كثيرون أفلتوا من طعنة الشيطان؟! وعلىٰ هذا الحديث يكون رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ممّن طعن الشيطان في جنبيه ، نعم هذا ما أراد أن يقوله بنو أُميّة حقداً علىٰ الرسول والرسالة ، لكن عن طريق بوقهم الكبير أبي هريرة خليل الرسول؟!
عن أبي هريرة : « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله فإنّها رأت ملكاً ، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوّذوا بالله من الشيطان فإنّه رأىٰ شيطاناً »(١) .
تعليق : الكلام موجّه إلىٰ أهل الحديث : ما أكثر تعوّذكم في اليوم واللّيلة ، اعملوا بهذا الحديث إذاً فإن راويه ثقة ، أو بيعوا أحمرتكم حتّىٰ تخلصوا من هذه الورطة ، لكن ربمّا يكون ركوبكم للسيارة بدعة! فاختاروا ما شئتم.
●عن أبي هريرة « أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ، فإنّ في إحدى جناحيه داء والاُخرىٰ شفاء »(٢) .
تعليق : لم يذكر لنا أبو هريرة أي نوع من الذباب يقصد ، هل الذباب الأزرق أم الذبابة اللّولبيّة أم ذبابة ال «تسي تسي »؟!
●عن أبي هريرة : « عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : يلقىٰ إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلىٰ وجه آزر قترة وغبرة ، فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ، فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك ، فيقول إبراهيم : يا ربّ إنّك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون ، فأيّ خزي أخزىٰ من أبي الأبعد ، فيقول الله تعالىٰ : إنّي
__________________
١)صحيح البخاري ٤ : ١٥٥ ، ومسند أحمد ٢ : ٣٢١.
٢)صحيح البخاري ٤ : ١٥٨ ، وكذلك في مسند أحمد ٢ : ٢٤٦.
حرّمت الجنة علىٰ الكافرين ، ثم يقال له : يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ فيؤخذ بقوائمه فيُلقىٰ في النار »(١) .
تعليق : ما بال إبراهيم خليل الله ينخدع بقول أبيه أنه لا يعصيه يومذاك؟! ألم يقل الله تعالىٰ في قصته مع أبيه( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (٢) .
وما بال إبراهيم يرىٰ حكم الله العادل خزياً؟! وما باله يدافع عن الكافرين والمشركين وهو رافع لواء التوحيد؟! وهذه إساءة أُخرىٰ من أبي هريرة للأنبياء.
●عن أبي هريرة « عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : من قال أنا خير من يونس بن متّى فقد كذب »(٣) .
تعليق : إذن وعلىٰ هذا الحديث يصبح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أقل رتبة من الأنبياء أُولي العزم ، ويصبح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم متناقضاً في كلامه حيث ورد في الاحاديث أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد ولد آدم ولا فخر ، وكذلك يصبح قول الله تعالىٰ :( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) (٤) لغواً.
وقصد معاوية وبني أُميّة من هكذا أحاديث واضح ، فإنّ غايتهم هي استنقاص رسول الله الذي لم يقدروا علىٰ هزيمته وإماتة دعوته ، فعمدوا بداع
__________________
١) صحيح البخاري ٤ : ١٦٩. |
٢) سورة التوبة : ١١٤. |
٣) صحيح البخاري ٦ : ٦٣. |
٤) سورة البقرة : ٢٥٣. |
الحقد الذي لهم عليهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلىٰ وضع هكذا حديث(١) لكن الله بالمرصاد( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ) (٢) .
●عن أبي هريرة : « عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : إنّ موسىٰ كان رجلاً حيّياً ستيراً ، لا يرىٰ من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا : ما يستتر هذا التستر إلاّ من عيب بجلده ، إمّا برص وإمّا أدرة وإمّا آفة ، وإنّ الله أراد أن يبرّئه ممّا قالوا لموسىٰ ، فخلا يوماً وحده فوضع ثيابهعلىٰ الحجر ثم اغتسل ، فلمّا فرغ أقبل إلىٰ ثيابه ليأخذها وإنّ الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسىٰ عصاه وطلب الحجر فجعل يقول : ثوبي حجر ثوبي حجر ، حتّىٰ انتهىٰ إلىٰ ملإ من بني إسرائيل فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله وأبرأه ممّا يقولون ، وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه ، فوالله إنّ بالحجر لندباً من أثر ضربه ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً ، فذلك قوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللهِ وَجِيهًا ) »(٣) .
تعليق : إنّ الانسان والله يخاف أن ينزل عليه حجر من السماء لفظاعة هذا الإفك ، ولا أدري هل أراد الله أن يبرّأ موسىٰ أم أراد أن يفضحه.
__________________
١)من ذلك هذا الحديث : « اللّهمّ إنّما أنا بشر فلا تعاقبني بشتم رجل من المسلمين » مسند أحمد ٦ : ١٦٠.
فهل كان الرسول يشتم بدون وعي؟!
٢)سورة الأحزاب : ٥٧.
٣) صحيح البخاري ٤ : ١٩٠.
والآية في سورة الأحزاب : ٦٩.
وما معنىٰ أن يعدو الحجر ويهرب؟! وما بال موسىٰ يسرع وراءه كالمجنون غير آبه بأحد ولا ملتفت لحاله؟! وما باله يضرب الحجر حتّىٰ جعل فيه أثراً؟! إنّ هذا الفعل لا يفعله مجنون قبيلة دوس التي ينتمي إليها أبو هريرة فما بالك بكليم الله ونجيّه وأحد الأنبياء أُولي العزم؟! هل يجرأ أبو هريرة الذي كان ينام في مسجد رسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان من أصحاب الصفة بل من أشهرهم والذي كان يُغمىٰ عليه من الجوع والذي كان يرافق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لشبع بطنه ، هل يجرأ أن يفعل هذا الفعل وهو هو من الحقارة والذلّة وخفاء الاسم بين جميع الصحابة؟! ولا ندري لماذا هذا الحقد من أبي هريرة علىٰ أنبياء الله؟! لكن إذا عُرف السبب بطل العجب ، فإنّ بني أُميّة بدءاً بمعاوية وغيره أمروه فقال ، وهل يستطيع ردّ قولهم وأمرهم وهم الذين جعلوه أميراً علىٰ المدينة المنوّرة وبنوا له فيها قصراً وكان يأكل مع معاوية ألذّ ألوان الطعام بعد أن كان مجهولاً طول عمره في اليمن يخدم الأشراف بشبع بطنه وبعد إسلامه كان ينام في المسجد ولا يجد أحداً يطعمه إلاّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعض صحابته الكرماء؟! ألم يعزله عمر بن الخطاب عن البحرين بعد أن لعبت أصابعه في مال الله حتّىٰ علاه عمر وأنهكه ضرباً بالدرة.
وليس الغريب أن يصدر هذا من أبي هريرة ، لكن الغريب ممّن يأخذ منه ويتبع قوله كالبخاري ومسلم وغيرهما وبقية المسلمين!!
أيها المسلمون الحذر الحذر عمّن تأخذون منه دينكم ، فليس كل من هبّ ودبّ بمأمون علىٰ الدين ، ولعن الله زمناً صار فيه معاوية عدوّ الله ورسوله وابن عدوّ الله ورسوله وابن عدوّة الله ورسوله ملكاً أو خليفة علىٰ المسلمين ، فصبّ أحقاده كلّها علىٰ الرسول والرسل والصالحين ثأراً لدم
أخيه وخاله وجدّه يوم قتلوا ببدر ولعن الله زماناً صار فيه أبو هريرة الدوسي راوية الاسلام الأوّل يقول فيُسمع منه ، وعلي بن أبي طالب وغيره من أجلاّء الصحابة مغلوبون علىٰ أمرهم.
( فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) (١) .
بعد أبي هريرة نتناول واحداً من كبار الصحابة ، وهو خالد بن الوليد بن المغيرة ، لنرىٰ ما فعله خالد وهل كان فعله مطابقاً للقرآن والسنّة أم ...؟!
يقول ابن الاثير في كتابه أُسد الغابة في تمييز الصحابة في ترجمة مالك بن نويرة المقتول المزنيّ بزوجته في نفس اللّيلة مايلي : « إلاّ أنّه لم تظهر عليه ردة ( يقصد مالك بن نويرة الصحابي الجليل ) وأقام بالبطاح ، فلمّا فرغ خالد من بني أسد وغطفان سار إلىٰ مالك وقدم البطاح ، فلم يجد به أحداً ، كان مالك قد فرّقهم ونهاهم عن الإجتماع ( لو كان مالك مرتداً فعلاً لأعدّ العدّة لقتال خالد ) فلمّا قدم خالد البطاح بثّ سراياه ، فأُتي بمالك بن نويرة ونفر من قومه. فاختلفت السرية فيهم ، وكان فيهم أبو قتادة ، وكان فيمن شهد أنهم أذّنوا وأقاموا وصلّوا ، فحبسهم في ليلة باردة وأمر خالد فنادىٰ : أدفئوا أسراكمـوهي في لغة كنانة القتلـفقتلوهم ( انظر إلىٰ دهاء خالد ومكره ) فسمع خالد الواعية فخرج وقد قُتلوا ، فتزوّج خالد امرأته ، فقال عمر لأبي بكر : سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه ، فقال أبوبكر : تأوّل فأخطأ ولا أشيم
__________________
١) سورة البقرة الآية : ٧٩.
سيفاً سلّه الله علىٰ المشركين ، وودّىٰ مالكاً ، وقَدِم خالد علىٰ أبي بكر فقال له عمر : يا عدوّ الله قتلت امرأً مسلماً ثم نزوت علىٰ امرأته ، لأرجمنّك ».
إلىٰ أن يقول : « فهذا جميعه ذكره الطبري وغيره من الأئمة ويدلّ علىٰ أنّه لم يرتد ، وقد ذكروا في الصحابة أبعد من هذا ، فتركهم هذا عجب ، وقد اختلف في ردّته ، وعمر يقول لخالد : قتلت امرأً مسلماً ، وأبو قتادة يشهد أنهم أذنوا وصلّوا ، وأبو بكر يردّ السبي ويعطي دية مالك من بيت المال ، فهذا جميعه يدلّ علىٰ أنّه ( مالك ) مسلم »(١) انتهىٰ كلام ابن الاثير.
إنّ لنا أن نحلّل هذه الحادثة بكلّ موضوعية وبعيداً عن أي تحيّز فنقول :
أولاً : إنّ مالك بن نويرة رجل مسلم بشهادة عمر وأبو قتادة ولم يرتدّ.
ثانياً : إنّ خالد بن الوليد أراد قتله لكي يظفر بزوجته وكانت من أجمل نساء العرب ، ولهذا قال مالك قبل قتله هذه التي قتلتني ولهذا استعمل خالد كلمة ادفئوا أسراكم وكان يقصد قتلهم بالتأكيد وليس ادفاءهم من البرد.
ثالثاً : وهذا أعجب لماذا لم يُقم أبو بكر الحدّ علىٰ خالد لقتل مسلم وللزنىٰبزوجته لأنّه تزوّجها بدون عدّة بل في نفس تلك الليلة.
رابعاً : كان عمر غاضباً جدّاً من خالد وقال له ما قد مرّ ، ومن هنا نفهم لماذا عزل عمر خالداً عندما صار خليفة وعيّن مكانه أبا عبيدة علىٰ جيوش المسلمين ، ثم ما معنىٰ قول أبي بكر : تأوّل خالد فأخطأ؟! وهل في حدود الله مزاح وخطأ وصواب؟!
__________________
١) أسد الغابة ٥ : ٥٢ ـ ٥٣ في ترجمة مالك بن نويرة.
وليت الأمر وقف بخالد عند هذا الحدّ ، لكنّه كما كان سيفاً مسلولاًـبالباطلـعلىٰ المسلمين في أُحد وغيرها ، فإنّه أوغل في دماء المسلمين بعد إسلامه ، فهو فعلاً سيف ، لكنّه سيف مسلّط علىٰ المسلمين والمؤمنين ، ولتزداد يقيناً أنّ السياسة هي التي أسمت خالداً هذا بسيف الله المسلول ، تعال إلىٰ هذه الحادثة :
« لمّا فتح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مكّة بعثه إلىٰ بني جذيمة من بني عامر بن لؤي فقتل منهم من لم يجز له قتله فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : اللّهم إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد فأرسل مالاً مع علي بن أبي طالبرضياللهعنه فودّىٰ القتلىٰ وأعطاهم ثمن ما أخذ منهم ، حتّىٰ ثمن ميلغة الكلب »(١) .
انظر إلىٰ خالد بن الوليد يبعثه الرسول بكلّ سلم وسلام فيقتل من شاء ويدع من شاء ، انظر إلىٰ دعاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يبرأ من فعل خالد بن الوليد.
ثم يأتي من يقول إنّ خالداً سيف الله المسلول ، نعم هو سيف مسلول ، لكن ليس من أسياف الله تعالى.
ولو شئنا التفصيل في فعل خالد وفعاله في الإسلام لما صدّق الإنسان ما يرىٰ من هول وعظم ما أتاه خالد ، لكن للاختصار نكتفي بهذا المقدار.
هو صحابي ، وهو أحد النُزّاق الفسّاق الذين فتقوا في الإسلام فتقاً لايجبرإلىٰ يوم القيامة.
__________________
١) أسد الغابة ترجمة خالد بن الوليد ، وكذلك أنظر الحديث في مسند أحمد ٢ : ١٥١.
ورد في ترجمته في كتاب أسد الغابة ما يلي : « دهاة العرب أربعة : معاوية ابن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، وزياد ».
« وولاّه عمر بن الخطاب البصرة ولم يزل عليها ، حتّىٰ شُهد عليه بالزنا ، فعزله ، ثم ولاّه الكوفة ، فلم يزل عليها حتّىٰ قُتل عمر ، فأقرّه عثمان عليها ».
« وهو أوّل من وضع ديوان البصرة وأوّل من رشىٰ ( أعطىٰ رشوة ) فيالإسلام أعطىٰ « يرفأ » حاجب عمر شيئاً حتّىٰ أدخله إلىٰ دار عمر »(١) .
إنّ السكوت عن التعليق هنا أبلغ من التعليق ، لكن نقول : العجب من عمر إذ بعد أن عزله عن البصرة بسبب زناه يعيده والياً علىٰ الكوفة وخيار الصحابة أحياء يرزقون كعلي بن أبي طالب الذي كان جليس بيته وكأبي ذرّ والمقداد وخزيمة وغيرهم ...؟!
وهو أحد الصحابة من الأنصار ، وقد ورد في ترجمته في كتاب أسد الغابة ما يلي :
« جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلىٰ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً ، فقال : ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه ، ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً ، قال : أما لك فِيَّ أُسوة حسنة؟! والذي نفسي بيده لو أردتُ أن تسير الجبال
__________________
١) أسد الغابة ٥ : ٢٤٨ ترجمة المغيرة بن شعبة.
معي ذهباً وفضّة لسارت ، ثم أتاه بعد ذلك فقال : يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالاً ، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كلّ ذي حق حقه ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اللّهم ارزق ثعلبة مالاً... وحين أنزل الله آية الزكاة أرسل إليه الرسول رجلين لجمع الحقوق فلم يُعط ثعلبة شيئاً... ».
إلىٰ أن يقول ابن الأثير... « فأقبلا ، فلمّا رآهما رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن يكلّماه قال : يا ويح ثعلبة ، ثم دعا للسلمي بخير ، وأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، فأنزل الله عزّوجلّ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ ... ) (١)
وعند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجل من أقارب ثعلبة سمع ذلك ، فخرج حتّىٰ أتاه فقال : ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله عزّوجلّ فيك كذا وكذا ، فخرج ثعلبة حتّىٰ أتى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فسأله أن يقبل صدقته ، فقال : إنّ الله تبارك وتعالىٰ منعني أن أقبل منك صدقتك ، فجعل يحثي التراب علىٰ رأسه ، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا عملك ، وقد أمرتك فلم تطعني ، فلمّا أبىٰ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقبض صدقته رجع إلىٰ منزله وقُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يقبض منه شيئاً ثم أتىٰ أبا بكررضياللهعنه حين استُخلف ، فقال : قد علمت منزلتي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي ، فقال أبو بكر : لم يقبلها رسول الله منك ، أنا أقبلها؟ فقبض أبوبكررضياللهعنه ولم يقبلها »(٢) .
وتوفي ثعلبة في خلافة عثمان ، ولم تقبل منه الحقوق أبداً.
__________________
١) سورة التوبة : ٧٥ ـ ٧٨.
٢) أسد الغابة ١ : ٢٨٤ ، ترجمة ثعلبة بن حاطب.
وعندنا تعليق لا بدّ منه هنا : إذا كان منع الزكاة ردّة كما سمّىٰ ذلك أبو بكر وقال والله لاقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة ، فلماذا لم يقتل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثعلبة ولا أمر به الله؟!
نعم قد يقال : إنّ مانعي الزكاة علىٰ عهد أبي بكر كفروا بإنكارهم ضرورة من ضروريّات الدين ، وثعلبة فعل ذلك بل سمّىٰ الزكاة الجزية أو أخت الجزية كما قال ، والواقع أنّ مانعي الزكاة علىٰ عهد أبي بكر لم ينكروا أنّها من الدين وكانوا يصلّون كما رأيت في قصة مالك بن نويرة ، فليلاحظ ذلك.
زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولكن هذه المكانة التي تتمنّاها كلّ أنثىٰ لم تمنع حفصة من ارتكاب الأهوال ومخالفة الله تعالىٰ ورسوله ، ولا عجب فحفصة أنزل الله فيها وفي عائشة سورة كاملةـوهي سورة التحريمـفيها من التهديد والوعيد من الله بالطلاق والإبدال بزوجات خير منهما وبعذاب النار ما لا يخفىٰ علىٰ أيّ شخص يفهم لغة العرب ، وقد تقدّمت في باب « الصحابة في القرآن » هذه السورة.
وقد ورد في ترجمة حفصة من كتاب أسد الغابة ما يلي :
« وتزوّجها بعد عائشة ، وطلّقها تطليقة واحدة ثمّ ارتجعها ، أمره جبريل بذلك وقال : إنّها صوّامة قوّامة ، وإنّها زوجتك في الجنّة... »(١) .
وأورد كذلك : « طلّق رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حفصة تطليقة ، فبلغ ذلك عمر ، فحثا التراب علىٰ رأسه وقال : ما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها ، فنزل جبريلعليهالسلام وقال : إنّ الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر ، رحمة لعمر »(٢) .
وكما ترىٰ فالحديثان مُختلفان ، ولذلك لا يعتدّ بهما ، لكن نقول : لو كانت
__________________
١)أسد الغابة ٧ : ٦٦ ترجمة حفصة بنت عمر.
٢) المصدر السابق.
حفصة صوّامة قوّامة فلماذا طلّقها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! هل كان رسول الله يريد من النساء أكثر من ذلك وهو الذي يوصينا بذات الدين؟! ثمّ أليس الطلاق أبغض الحلال عند الله تعالى؟! فما بال الرسول يطلق دونما سبب؟! وإذا كان هناك سبب فلماذا لا يذكره لنا أصحاب السير والتواريخ؟!
أمّا كون حفصة زوجة الرسول في الجنّة فهو أعجب من الأوّل ، فمع وجود سورة التحريم الّتي تُتلى إلى يوم القيامة فإنّا نشكّ في ذلك.
وعلى الحديث الثاني فيكون سبب إرجاع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لحفصة ليس منزلتها عند الرسول ، بل لمنزلة عمر كما يزعم الراوي.
وحفصة هذه ممّن آذت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذبت عليه في قصّة المغافير( الثوم ) المشهورة والتي يرويها الصّحاح ، كما آذت وحسدت زوجات رسول الله الأخر كصفيّة بنت حي اليهودي التي تزوّجها الرسول بعد خيبر بعد أن أعتقها من الأسر ، وفي ترجمة هذه المرأة الصالحة من كتاب أسد الغابة تقرأعلى لسانها : « دخل عليَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام ، فذكرتُ ذلك لرسول اللهرحمهماالله فقال : ألا قلتِ : وكيف تكونان خيرا منّي وزوجي محمّد وأبي هارون وعمّي موسى؟! »(١) .
وبهذا الكلام من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على لسان صفيّة تعلم كذب الحديث المرويّ في الصحاح والمسانيد حول فضل عائشة حيث فيه : « وفضل عائشةعلى النساء كفضل الثريد على باقي الطّعام؟! »(٢) .
__________________
١) أسد الغابة ٧ : ١٧٠ ترجمة صفية بنت حي بن أخطب.
٢) مسند أحمد ٣ : ٢٦٤ و٦ : ١٥٩.
وحسبنا قول الله في سورة التحريم حيث هدّد عائشة وحفصة بالطلاق وبأن يبدلهنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بزوجات أفضل منهنّ في صفات عديدة ذكرتها السورة ، فلو كانت عائشة أفضل نساء العالمين فضلاً عن زوجات الرسول فكيف يهدّدها الله تعالى بنساء أفضل منها في كلّ شيء؟!
ولكي تتيقّن أنّ حفصة وعائشة هما المقصودتان من تهديد الله تعالى في سورة التحريم اقرأ هذا الخبر :
« عن ابن عبّاس قال : أردت أن أسأل عمر فما رأيتُ موضعاً ، فمكثت سنتين ، فلمّا كنّا بمر الظهران وذهب ليقضي حاجته فجاء وقد قضى حاجته فذهبتُ أصبّ عليه من الماء ، قلت : يا أميرالمؤمنين مَن المرأتان اللّتان تظاهرتا على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! قال : عائشة وحفصة »(١) .
هي أخت هند بنت عتبة ، وفي رواية هي التي قالت لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّه ما كان على ظهر الأرض » الحديث.
وقد أسلمت أسوة بذلك البيت الخبيث الذي أسلم بأفواهه ولم يسلم حقيقة يوم فتح مكّة ، فهي من جملة الطلقاء الذين لا فضل لهم ولا فضيلة ، تزوّجها في خبر عقيل بن أبي طالب فماذا كانت قصّته معها؟! تقرأ في كتاب الإصابة ما يأتي :
« عن ابن أبي مليكة قال : تزوّج عقيل بن أبي طالب فاطمة بنت عتبة بن ربيعة ، فكانت تقول له إذا دخل : أين عتبة بن ربيعة ( والدها وأحد رؤوس
__________________
١)مسند أحمد بن حنبل ١ : ٤٨.
الكفر وقد هلك يوم بدر غير مأسوف عليه )؟ فقال لها يوماً وقد أضجرته : عن يسارك إذا دخلتِ النار ، فقالت : لا يجمع رأسي ورأسك بيت ، وأتت عثمان »(١) .
ولا ندري ماذا تريد هذه الصحابيّة بقولها هذا الملىء بالأسف على أبيها المشرك؟! ولماذا تخاطب عقيلاً زوجها بذلك وقد أجمع المسلمون أنّه كان في صفوف المشركين يوم بدر ولم يقتل أباها عتبة ولا أخاها الوليد ، لكن هي الرواسب الجاهليّة والأحقاد البدريّة والتي صبّها بالفعل بنو أميّة فيما بعد على رسول الله من خلال حربهم لعليّ بن أبي طالب أخو رسول الله وصنوه ، ومن خلال سمّ معاوية للإمام الحسن ريحانة رسول الله وسيّد شباب أهل الجنّة ومن خلال قتل يزيد للامام الحسين بن علي وسبي بنات الرسالة بنات فاطمة الزهراء.
وكيف لا ترى بعد ذلك وصول أحاديث تتّهم الرسول بكثرة الجماع ، وباستماع الغناء ، وبأنّه يسبّ ويشتم بل ويضرب من لا يستحق ، وبأنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكر آلهة قريش ( حديث الغرانيق ) ، وأنّه يخطأ ويصيب ، وأنّه بشّر أصحابه كلّهم بمن فيهم معاوية بالجنّة ...؟!
وكيف لا يكون جميع من حارب الإمام عليّا بدءًا بمعاوية وعائشة ومروراً بطلحة والزبير وغيرهم أصحاب فضائل ومناقب؟! إنّ معاوية لم يغتصب الخلافة لذاتها فقط بل ليحرّف ويبدّل ويغيّر كما يحلو له ومن يعارض فالويل له أو الدّراهم.
__________________
١) الإصابة ٨ : ٦٨ ترجمة فاطمة بنت عتبة.
إنّ فاطمة بنت عتبة تعلم أنّ عقيلاً من بني هاشم قبيلة رسول الله وعلي وحمزة وهم الذين ضربوا بسيوفهمـفي حين فرّ الآخرونـحتّىٰ قالت هند ومُعاوية وغيرهم من العرب لا إله إلاّ الله ، فحقد فاطمة بنت عتبة على بني هاشم واضح من كلامها.
هي زوجة حربة الكفر ورئيس الأحزاب أبي سفيان ، وكانت قد استسلمت لجيش رسول الله كما فعل بقية الطلقاء ، وهي التي لاكت كبد حمزة سيّدالشهداء يوم أُحد بعد أن أمرت وحشيّا بأن يطعنه من الخلف ، وإذا كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد ذلكـبعد الفتحـكلّما رأى وحشيّاً يقول له : « غيّب وجهك عنّي » فكيف بهصلىاللهعليهوآلهوسلم عندما كان يرى من لاكت كبد عمّه ومثّلت بجسده؟!
لكن القوم جعلوها مؤمنة مسلمة ، بل حسن إسلامها ، بل لها فضائل ومناقب يُصرف عليها الحِبر والكتابة.
والكيّس يدرك أنّ ما ورد فيها وفي زوجها أبي سفيان وفي معاوية ابنهما من الفضائل لا تعدو أن تكون زخرفاً من القول وكذباً ، وذلك أنّ معاوية ابنهما لمّا ملك رقاب المسلمين طمس تلك المثالب وأظهر لهم مناقب لم يقلها الرسول ولم يسمع بها الصحابة.
وهل تريدون من معاوية ( أميرالمؤمنين ) أن يترك أهله ونفسه للفضيحة؟! وهل تريدون منه وهو يصعد منبر رسول الله أن ينبزه الصحابة ومن يأتي من بعدهم؟! هيهات.
واقرأ معي هذه المنقبة المزعومة :
« لمّا كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة ونساء معها وأتين رسول الله وهو بالأبطح فبايعنه ، فتكلّمت هند فقالت : يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه لتنفعني رَحِمُك ، يا محمّد ( لم يتعوّد لسانهاعلى مخاطبته بالرسول ) إنّي امرأة مؤمنة بالله مصدّقة برسوله ، ثم كشفت عن نقابها وقالت : أنا هند بنت عتبة ، فقال رسول الله : مرحبا بك ، فقالت : والله ما كان على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يذلّوا من خبائك ، ولقد أصبحت وما على ظهر الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من خبائك »(١) .
سبحان مغيّر الأحوال ، ولكن لتتيقّن من كذب هذه الفضيلة الواهية اقرأ الصفحة التالية من نفس هذا الكتاب ( طبقات ابن سعد ) لترى كيف أنّ هذه المرأة التي صار رسول الله أحبّ الناس إليها وأعزّهم لديها تسيء الأدب معه :
« عن الشعبي يذكر : أنّ النساء جئن يبايعن فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : تبايعن على أن لا تشركن بالله شيئا ، فقالت هند : إنّا لقائلوها ( تقصد كلمة الشهادة ) ، قال : فلا تسرقن ، فقالت هند : كنت أصيب من مال أبي سفيان قال أبو سفيان : فما أصبت من مالي فهو حلال لك ، قال : ولا تزنين ، فقالت هند : وهل تزني الحرّة؟ قال : ولا تقتلن أولادكنّ ، قالت هند : أنتَ قتلتَهم »(٢) .
__________________
١) طبقات ابن سعد ٨ : ٢٣٦ ترجمة هند بنت عتبة.
٢) طبقات ابن سعد ٨ : ٢٣٧.
تقصد هند بقولها : أنتَ قتلتهم ، هلاك ابنها فيمن هلك يوم بدر كأبيها وعمّها وأخيها.
نعم هذه حقيقة هند ، خسّة ونذالة وأحقاد جاهلية رغم عفو وسماحة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معهم يوم الفتح ، ولو كان مكانهصلىاللهعليهوآلهوسلم أيّ قائد دنيوي آخر لذبح رؤوس رجالهم وبقر بطون أطفالهم ولسبى نساءهم جواريا ، فهم الطلقاء لا فضل لهم ولا فضيلة ولا هجرة ولا منقبة ولا غزوة ولا... بل ولا كلمة طيّبة. وسيفضحهم الله يوم القيامة بما كان يكذبون في إسلامهم ، وهم أبطنوا الكفر.
هذه هي هند وأمثال هند ، هذه التي يصبح ابنها معاوية الأفعى خليفة للمسلمين ( وكفى بها مصيبة ) بلا سابقة ولا جهاد ، وهي جدّة يزيد الخمور الذي ارتضع من أسلافه الحقد على الرسول فقتل ذرّية رسول الله في كربلاء وهجم على مدينة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم (١) لأنّها موطىء الانصار الذين ساعدوا رسول الله بأموالهم وأسيافهم ، فكانوا بنظر يزيد شركاء للنبي في قتل أجداده ببدر.
وإنّي أقولها صريحة : إنّ من يقرأ تاريخ هؤلاء الخبثاء ويطّلع على فعالهم قبل إسلامهم وبعد استسلامهم ثمّ يعتقد لهم بفضيلة بل ويعتقد بأنّهم أسلموا ، اقول : هكذا شخص بليد الذهن عديم الفطنة.
__________________
١)مع أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول في حديث له : « من أبغض الأنصار أبغضه الله » مسند أحمد ٢ : ٥٠١ ـ ٥٢٧.
ويقول : « من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » مسند أحمد ٤ : ٥٥.
هكذا ترىٰ أنّ الشيعة لا يسبّون الصحابة كما قال أعداؤهم ، لكن الشيعة أخذت طريقاً وسطاً وعقلانيّاً ينطبق مع الكتاب والسنّة ، فلم يقولوا بعصمتهم جميعاً كأهل السنّة ، وكيف يقولون ذلك وفي الصحابة من زنىٰ ومن شرب الخمر ومن قتل النفس ومن حارب سنّة الرسول ومن أشعل الفتن؟!
ثم إنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه كان يقيم الحدود كحدّ السرقة والزنا وشرب الخمر ، فعلىٰ من كان يقيم تلك الحدود؟! أليس علىٰ أصحابه المسلمين ، وإلاّ فالكافر بعيد عن المجتمع المدني بطبيعة الحال.
ولو نظرت إلىٰ كتب الشيعة لرأيتها مليئة بمدح الصحابة الذين لم يغيّروا ولم يتغيروا بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وتجد هذا كذلك في دعاء أئمة أهل البيت كالصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسينعليهماالسلام .
فهذه الضوضاء التي يُثيرها بعض الغوغاء علىٰ الشيعة ليست بأكثر من زوبعة في فنجان ، وهكذا كلّ عقائد الشيعة في الواقع كلّها متطابقة مع العقل والنقل ، لكن الأعراب أبوا إلاّ التهريج وجعلوا أصابعهم في آذانهم.
وكما عرفت فإنّه تسقط بعد هذا عدّة أحاديث مكذوبة ، كحديث« أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم » فالصحابة اختلفوا وتنازعوا وأفتىٰ بعضهم بخلاف الآخر ، فبأيّ واحد أم بأي فريق نقتدي؟!
نعم لقد أوصانا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي لا ينطق عن الهوىٰ بأن نتبّع أهل
بيتهعليهمالسلام فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تركت فيكم الثقلين ، ما إن تمسّكتم بهما ، لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما »(١) ، وهكذا حدّد لنا لمن نرجع بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ما كان ليخفىٰ عليه ما سيقع في أُمته من الفتن خاصة ما سيحدث بين أصحابه ، ولهذا كان من غير المعقول أن يوصي رسول الله والله من وراءه بجميع الصحابة ، فهذا بمثابة اجتماع النقيضين كما يقال.
وارجع إلىٰ كتاب الله لترىٰ قوله تعالىٰ :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ... ) (٢) .
أو قوله تعالىٰ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٣) .
وارجع إلىٰ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم وعليّ بابها »(٤) ، أو قوله : « يا علي لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق »(٥) وغيرها كثير كثير.
وهذه الخاتمة لا تسع لئن نستعرض كلّ ما جاء في القرآن والسنّة والسيرة
__________________
١) مسند أحمد ٣ : ١٧ ، مستدرك الحاكم ٣ : ١٤٨ وورد في مسلم بألفاظ أخرى ، أنظر مسلم ، كتاب الفضائل : فضائل علي بن أبي طالب.
٢) سورة المائدة : ٥٥.
وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعليعليهالسلام : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » مسند أحمد ١ : ٨٤ و ١١٨ ـ ١١٩.
٣) سورة الأحزاب : ٣٣.
٤) المستدرك للحاكم ٣ : ١٢٦ كتاب معرفة الصحابة.
٥) أنظر الحديث في سنن ابن ماجة ١ : ٤٢ فضائل علي.
من فضائل أهل البيتعليهمالسلام وهم بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم علي والحسن والحسين وأبناء الحسين من الأئمة إلىٰ الإمام الثاني عشر الإمام المهدي الغائبعليهمالسلام .
كذلك هذا بحث آخر فمن شاء فليتوسّع في هذه المسائل ، لكن وصيّتي لكلّ قارئ حرّ عنده عقل يُميّز به الحق من الباطل أن يقرأ عن الشيعة والتشيّع من كتب أهل الشيعة أنفسهم لا من كتب المستشرقين والنواصب ،حتّىٰ لا ينطبق علينا قوله تعالىٰ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ ) (١) .
والسلام علىٰ عباد الله الصّالحين
__________________
١)سورة الحجرات : ٦.
١) القرآن الكريم.
٢) أبو هريرة :
شرف الدين العاملي ، طبعة مؤسسة أنصاريان ، قم ، إيران.
٣) أسد الغابة :
ابن الأثير ، ( ت ٦٣٠ ه ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت.
٤) الإصابة في تمييز الصحابة :
ابن حجر العسقلاني ، ( ت ٨٥٢ ه ) ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت.
٥) الإمامة والسياسة :
ابن قتيبة الدينوري ، طبعة منشورات الشريف الرضي ، قم.
٦) تاريخ الأمم والملوك :
الطبري ، ( ت ٣١٠ ه ) ، طبعة دار سويدان ، بيروت ، تحقيق محمد أبوالفضل إبراهيم.
٧) تفسير روح المعاني :
الألوسي ، ( ت ١٢٧٠ ه ) ، طبعة دار الكتب العلمية ، ١٩٩٦ ، بيروت.
٨) تفسير الطبري :
طبعة دار المعرفة ، بيروت ، ١٤٠٠ ه.
٩) تفسير الدر المنثور :
السيوطي ، طبعة دار الفكر ، بيروت.
١٠) التفسير الكبير :
الفخر الرازي ، ( ت ٦٠٦ ه ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، ١٩٩٥ ، بيروت.
١١) سنن ابن ماجة :
طبعة دار الفكر ، بيروت ، بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي.
١٢) شيخ المضيرة أبو هريرة الدوسي :
محمود أبوريّة ، طبعة منشورات الشريف الرضي ، ١٤١٤ ه ، قم.
١٣) صحيح البخاري :
طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت.
١٤) صحيح الترمذي :
الترمذي ، ( ت ٢٩٧ ه ) ، طبعة دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، بتحقيق إبراهيم عطوة عوض.
١٥) صحيح مسلم :
مسلم النيسابوري ، ( ت ٢٦١ ه ) ، طبعة دار الفكر ، بيروت ، بتحقيق محمد فؤاد عبدالباقي.
١٦) الطبقات الكبرى :
ابن سعد ، طبعة دار بيروت للطباعة والنشر ، ١٩٨٥ م ، وطبعة مؤسسة النصر ، طهران.
١٧) العين :
الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ( ت ١٧٥ ه ) ، طبعة دار أسوة ، ١٤١٤ ه ، قم.
١٨) المستدرك :
الحاكم النيشابوري ، طبعة دار الفكر ، ١٩٧٨ م ، بيروت.
١٩) مسند أحمد بن حنبل :
( ت ٢٤١ ه ) ، طبعة إحياء التراث العربي ، بيروت ، ١٩٩٣ م ، وطبعة دار الفكر ، بيروت.
٢٠) الموطّأ :
الإمام مالك ، ( ت ١٧٩ ه ) ، طبعة دار الفكر ، ١٩٨٩ م ، بيروت ، بتعليق سعيد اللّحام.
٢١) نهج البلاغة :
اميرالمؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، طبعة دار أسوة ، ١٤١٥ ، قم.
دليل الكتاب
الصحابة في حجمهم الحقيقي. ١
مقدمة المؤلّف : ٦
الصدمة : ٨
مفتاح الحقيقة : ١٢
الولوج في البحث : ١٤
كلمة الصحبة ومشتقاتها في القرآن : ١٦
الصحابي اصطلاحاً : ٢٠
عدالة الصحابة : ٢٢
الصحابة في القرآن : ٢٤
رأي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلمفي الصحابة : ٣٦
مخالفات الصحابة للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم: ٣٨
رأي الصحابة في بعضهم البعض : ٤٤
ما لاقاه الصحابة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ٥٠
● عمّار بن ياسر : ٥٠
●أبو ذرّ الغفاري : ٥١
●سهل بن سعد الساعدي : ٥٢
رأي التابعين في الصحابة : ٥٤
صحابة تحت المجهر : ٥٨
١ ـ أبو هريرة الدوسي : ٥٨
٢ ـ خالد بن الوليد : ٦٦
٣ ـ المغيرة بن شعبة : ٦٨
٤ ـ ثعلبة بن حاطب : ٦٩
صحابيّات تحت المجهر : ٧٢
١ ـ حفصة بنت عمر بن الخطّاب : ٧٢
٢ ـ فاطمة بنت عتبة : ٧٤
٣ ـ هند بنت عتبة : ٧٦
والخلاصة : ٨٠
المصادر : ٨٤
دليل الكتاب.. ٨٧