آراء وأصداء حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف
بسم الله الرحمن الرحیم
تقديم
الاستاذ سليم الحسني
خضعت مؤلفات العلاّمة السيد مرتضى العسكري ، للكثير من البحث والدراسة ، وأثارت آراؤه التي بدأ بنشرها منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن ، ضجة واسعة في الأوساط العلمية والثقافية ، وذلك عندما أصدر الطبعة الأولى من كتابه ( عبدالله بن سبأ ـ المدخل ) عام ١٣٧٥ ه ثم أعاد طبعه ثانية تحت عنوان ( عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى ) ، في مجلدين كبيرين.
وفيما الكتاب لا يزال موضوع نقاش وحوار في الأوساط العلمية ، قدّم العلاّمة العسكري كتابه الثاني ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) ولاقى هذا الكتاب من الاهتمام والانتشار ما لاقاه سابقه.
وتكرر الأمر نفسه عندما أصدر العلاّمة العسكري الجزء الأول من كتابه ( أحاديث أم المؤمنين عائشة ).
ورغم أن مؤلفات الاستاذ العسكري عميد كلية أصول الدين ، تواصلت بشكل مستمر ، وابتعد الزمن عن كتابيه الأولين ، إلاّ أن الاهتمام بهما ظل متواصلاً ، وبقي النقاش والحوار يدور حول الآراء التي طرحها فيهما وكأنهما قد
صدرا حديثاً ، فتكررت طبعات الكتابين في عدة دول إسلامية منها العراق ومصر ولبنان وايران ، والسبب في ذلك يعود إلى خطورة المواضيع التي بحثها ، وأهمية النتائج التي تفرّد في التواصل إليها.
لقد واجه الكثير من الباحثين والعلماء صدمة عنيفة عندما قرأوا ما كتبه السيد العسكري ، لأنه برهن من خلال البحث العلمي أن الكثير من ثوابت كتب التاريخ الإسلامي لا حقيقة لها أصلاً ، وأن الأحكام التي ترتبت عليها ، بحاجة إلى إعادة نظر من جديد(١) ، وهذه هي نقطة الخطورة التي صدمت الكثير من المهتمين والمتخصصين في مجال التراث الإسلامي وعلومه المختلفة.
ومن الطبيعي أن تتوزع المواقف تجاه آراء العلاّمة العسكري بين مؤيد ومعارض ، ولا تزال هذه المواقف ممتدة طوال العقود الأربعة الماضية ، لأن آراؤه ظلت مطروحة للنقاش ومتداولة في الأوساط العلمية.
والملفت للنظر أن قسماً من المؤيدين وكثيراً من المعارضين لم يستوعبوا حقيقة المشروع الفكري للعلاّمة العسكري ، ولم يدركوا ما رام إليه من خدمة للتراث الاسلامي ولوحدة الصف ، بحيث يمكن القول أنهم لم يقرأوا مؤلفاته قراءة تامة ، إنما كانت قراءتهم تجزيئية ناقصة ، وكانت هذه القراءة
__________________
(١) تجدر الاشارة إلى أن العلامة العسكري ، برهن في كتبه الأخرى على أن هناك الكثير من الآراء التي طرحها قسم من العلماء غير صحيحة ، وهذا ما يجده الباحث في كتابه عقائد الاسلام من القرآن الكريم ، وكذلك في كتابه القرآن الكريم وروايات المدرستين الذي صدر منه الى الآن مجلدان ، وقد تفضل سماحته وأطلعني على مخطوطة المجلد الثالث ، وفيها نتائج هي الأخطر مما نشره من أبحاث في كتابيه السابقين في مجال الدراسات القرآنية.
الناقصة هي واحدة من أسباب اتخاذ الموقف المعارض ، وربما كانت هناك أسباب أخرى منطلقة من دوافع خاصة لا علاقة لها بالبحث العلمي والحوار الفكري الموضوعي ، كالتعصب الطائفي وتقديس التاريخ المدوّن ، وهي من المشاكل.
ملاحظات عامة حول مؤلفات العلاّمة العسكري
أولاً : ان السيد العسكري لم ينشر كل مؤلفاته كاملة ، فهناك مجلدات لا تزال قيد الانجاز والطبع ، ومنها المجلد الثالث من كتابه القرآن الكريم وروايات المدرستين ، وبقية أجزاء كتابه قيام الأئمة بإحياء السنّة.
ثانياً : ان الآراء التي نشرها العلاّمة العسكري حول عبدالله بن سبأ والاسطورة السبئية ، والتي صدرت في مجلدين ، ليست هي النتائج كلها التي توصل إليها ، فهناك مجلد ثالث مخطوط ، حدّد السيد العلاّمة اسمه بالعنوان التالي : ( عبدالله بن سبأ والاسطورة السبئية ) ، كما ورد ذلك في قائمة مؤلفاته المدرجة في نهاية الجزء الأول من الكتاب. ويتناول العلامة في المجلد الثالث حقيقة الاسطورة السبئية بتفصيل واسع. أما المقدمة الموجودة في بداية المجلّد الأول ، فهي لا تعدوا أن تكون إشارة مختصرة ، ومدخلاً للكتاب أثبتها العلامة المؤلف جرياً على المنهج العلمي الأكاديمي في تسجيل النتائج بإختصار في مقدمة الكتاب.
وعلى هذا فان الذين يعتقدون أن السيد العسكري قد نشر كل أفكاره ونتائج دراساته حول هذا الموضوع ، ولم يصيبوا الحقيقة ، فدراساته حول عبدالله بن سبأ والاسطورة السبئية ، تنتظر النشر ، ولو نشرت بعونه تعالى ، فانها ستزيد
النقاش والجدل سخونة حول هذا الموضوع.
ثالثاً : ان مؤلفات العلامة العسكري ليست مختصة بالجانب التاريخي فحسب ، كما رأي الكثير من المثقفين والباحثين ، بل انها تتوزع على ثلاثة أقسام ضمن مشروع واحد :
أ ـ مؤلفات في سبيل تمحيص سنّة الرسول (ص) : وتشمل كتب : عبدالله بن سبأ ، خمسون ومائة صحابي مختلق ، أحاديث أم المؤمنين عائشة ، وكتب مخطوطة أخرى سندرجها في نهاية هذه الملاحظات.
ب ـ المؤلفات العقائدية : وتشمل كتب : عقائد الاسلام من القرآن الكريم ، معالم المدرستين ، سلسلة على مائدة الكتاب والسنّة ، وبحوث متفرقة أخرى.
ج ـ المؤلفات القرآنية : صدر منها إلى الآن المجلّدان الأول والثاني من كتاب القرآن الكريم وروايات المدرستين ، ودراسات متفرقة في بعض كتبه ومحاضراته وندواته.
إن هذه الأقسام الثلاثة تندرج كلها ضمن مشروعه الأساس الذي يهدف إلى تنقية السنّة والتراث الإسلامي مما لحق به من تحريف ، نتيجة الظروف المعقدة التي شهدتها الحياة الاسلامية بعد وفاة الرسول (ص) ، ومحاولة العودة به إلى أصالته الحقيقية كما كانت على عهد الرسول (ص).
ومن أجل أن تتضح الصورة أكثر ، ندرج هنا ثبتا بمؤلفات السيد العلامة المخطوطة ، أما المطبوعة فهي أشهر من أن نذكرها :
١ ـ عبدالله بن سبأ والاسطورة السبأية ( الجزء الثالث ).
٢ ـ خمسون ومائة صحابي مختلق ( الجزء الثالث ).
٣ ـ وراة مختلقون.
٤ ـ أنواع الاختلاق وأصناف المختلقين.
٥ ـ الروايات الاسرائيلية وروايات الزنادفة والغلاة.
٦ ـ من سيرة الرسول (ص) وأهل بيته (ع).
٧ ـ تراجم الصحابة ( من رأى الرسول (ص) وروى عنه ).
٨ ـ تراجم الصحابة ( من رأى الرسول (ص) ولم يرو عنه ).
٩ ـ تراجم الصحابة ( من عدّ من الصحابة ولم ير الرسول (ص) ولم يرو عنه ).
١٠ ـ القرآن الكريم وروايات المدرستين ـ الجزء الثالث ( تحت الطبع ).
١١ ـ بحوث ودراسات متفرقة ، في المجالات العقائدية والقرآنية والحديثية ، تفضل سماحة السيد العلاّمة وأطلعني على مخطوطاتها.
ومن هنا يمكن القول أن المخطوط من مؤلفات السيد العسكري لاتقل أهميّة عن المطبوع منها ، بل أن النتائج والآراء الموجودة في مؤلفاته المخطوطة تفوق أهمية وحساسية مما هو منشور في مؤلفاته المطبوعة.
وعلى هذا فإن دراسة آراء العسكري ، وفهم مشروعه الفكري بصورة صحيحة ، لايمكن أن تكتمل إلاّ بدراسة منظومة مؤلفاته الكثيرة التي صدرت خلال فترة طويلة تقرب من نصف قرن. مع ملاحظة أن ما أصدره السيد العسكري كان يخضع لمنهجية دقيقة في النشر ، حرص على الالتزام بها في كل مؤلف من مؤلفاته.
وذكرنا آنفاً أنّ مؤلفات السيد العسكري خضعت لإهتمام الأوساط الفكرية في العالم الاسلامي ، بل أنها شملت حتى دائرة المستشرقين المهتمين
بتراث الاسلام. ونذكرها هنا ما كتبه استاذ الفقهاء والمجتهدين السيد الخوئي في موسوعته الكبيرة ( معجم رجال الحديث ) حول كتابا عبدالله بن سبأ وخمسون ومائة صحابي مختلق :
« إنّ اسطورة عبدالله بن سبأ وقصص مشاغباته الهائلة موضوعة مختلقة اختلقها سيف بن عمر الوضّاع الكذّاب ، ولا يسعنا المقام الاطالة في ذلك والتدليل عليه ، وقد أغنانا العلاّمة الجليل والباحث المحقّق السيّد مرتضى العسكري في ما قدّم من دراسات عميقة دقيقة عن هذه القصص الخرافية وعن سيف موضوعاته في مجلّدين ضخمين طبعا باسم ( عبدالله بن سبأ ) وفي كتابه الآخر ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) »(١) .
ثم نعرض في ما يأتي المعركة الصحفية الساخنة التي دارت بين العديد من علماء واساتذة الجامعات السعودية حول الموضوعات التي أثارها العلاّمة العسكري. وفيها توزع الحوار بين طرفين متقابلين : الأول يتبنى أفكار السيد العسكري حول بعض الشخصيات المختلقة أبرزها عبدالله بن سبأ والقعقاع بن عمرو التميمي. والثاني يقف في الاتجاه المعاكس ، محاولاً إسدال الستار بأي وسيلة عن هذا الماضي وعن الخوض فيه ، لأنه يرى فيه التهديد الحقيقي للكثير من المرتكزات والثوابت التي حوتها أمهات المصادر التاريخية والحديثية والرجالية.
__________________
(١) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ١١ / ٢٠٧ ط. الخامسة ١٤١٣ ه.
مقتطفات مصورة
عن الصحف السعودية
ـ الدكتور الهويمل : في صحيفة الرياض الدكتور العودة : في صحيفتي الرياض والمسلمون الدكتور العزام : في صحيفة الرياض الدكتور المالكي : في صحيفة الرياض |
قال د. الهويمل
لأن في نسف هذه الشخصية نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الاسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما ، فابن سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهباً عقدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا أمام زلزلة تمس بنايات كثير (١) .
__________________
(١) انظر صفحة ٤٣ و ٤٧ و ١٠٦ من هذا الكتاب.
قال د. العودة
ففي هذا الرأي نسف لكتب بأكملها تعد من مفردات كتب التراث ، ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة ، فكتاب منهاج السنّة ـ مثلاً ـ لشيخ الاسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبدالله بن سبأ أصل الرافضة ، فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات وانكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله ، ونسف له من اصوله ، بل ربما تجاوز الامر ذلك إلى التشكيك في اصول الرافضة وتاريخ نشأتهم (١) .
__________________
(١) انظر صفحة ٤٣ و ٦١ و ٣٣٠ من هذا الكتاب.
وقال د. العودة أيضاً :
لقد كان سيف بن عمر التميمي ـ يرحمه الله ـ مشجباً ، علق عليه السابقون واللاحقون مسألة انكار ابن سبأ ، بل زاد بعضهم ، وحمله اختلاق عدد من الصحابة ، ليس ( القعقاع بن عمرو رضي الله عنه ) إلاّ واحداً من هؤلاء ، فقد ألف ( السيد مرتضى العسكري ) ـ وهو رافضي المذهب والهوى ـ كتابا بعنوان ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) والكتاب مؤلف قبل ما يزيد على عقدين ) من الزمن ! ويعتمد مؤلفه اتهام ( سيف ) باختلاق هذه الشخصيات حداثها ، ليس في هذا الكتاب فحسب ، بل وفي كتابين قبله احدهما بعنوان ( عبدالله بن سبأ بحث حول ما كتبه المؤرخون والمستشرقون ابتداء من القرن الثاني الهجري ، ط النجف ١٣٧٥ ه / ١٩٥٦ م ).
والآخر بعنوان : ( عبدالله بن سبأ واساطير اخرى ، ط دار الغدير ، بيروت ، طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م )(١)
__________________
(١) انظر صفحة ٤٣ و ٥٠ و ١٨٦ من هذا الكتاب.
قال الدكتور العزام :
ولقد كان العسكري صريحاً بعض الشيء ، فلم يحذف شيئاً من المسائل التاريخية التي يرى ان سيف ابن عمر قد افسدها ، ومنها حديث السقيفة وما وقع لفاطمة رضى الله عنها وحروب الردة والشورى. ومعلوم أن هذه المسائل من ضروريات مذهبه ، فلا يستغرب منه بحثها. أما الاستاذ المالكي فأخذ من هذه المسائل وترك ، ومن الممكن ان ياخذ غداً ما تركه اليوم. فليس في ابحاثه ما يسوع الجزم بانه يختلف عن العسكري ، ولم يخالفه في شيء واضح. فالعسكري طبق نظريه اولاً على قضايا خلافية ذات صبغة عقايدية اخطر بكثير من مسئلة القعقاع واهمها بيعة ابي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة (١)
__________________
(١) انظر صفحة ٥٣ و ٢٤٦ من هذا الكتاب.
قال الدكتور حسن المالكي :
اولاً : لم اثن على دراسة الهلابي والعسكري بسبب نفيهما لعبدالله بن سبأ ونما لتواصلهما لتضيف سيف بن عمر ( تاريخياً ) بعيداً عن ( منهج المحدثين ) فاتفاقهما مع ( منهج المحدثين ) بالمنهج التاريخي فيه دلالة على قوة منهج المحدثين وهذا ما ابنته بكل وضوح ( في كتاب الرياض ص ٧٥ ) فليرجع اليها من شاء. وان كان نفيهما لابن سبأ فيه مباحث علميه قوية. ثانياً : أنا بينت انني اخالفهما في بعض النتائج وان لي ملاحظات على الدراستين ( انظر كتاب الرياض ص ٨١ ) لكن الدكتور العودة تعمد اخفاء هذا الاستثناء لاسباب معروفة للتأمل. (١)
__________________
(١) انظر صفحة ٥٩ و ٢١٩ من هذا الكتاب.
نصوص من كتاب المالكي :
أما بين الخاصة : فلم تنتشر روايات سيف على مدى قرن ونصف القرن من موته ( ١٨٠ ه ) فكان أول من أشهرها ـ كما أشهر غيرها ـ هو الطبري ( ت : ٣١٠ ه ) وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جداً فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة !! لان روايات سيف كما سبق تمجد بني امية وتدافع عنهم !! فلما غلا الشيعة في ذم عثمان وولاة عثمان وبني امية وجد المدافعون في روايات سيف كنزاً مخفياً في الدفاع عن العنصر الاموي !! ثم صار بعد ذلك دفاعا لكثير من أهل السنة ضد الشيعة ! هكذا دون تأمل ولا بحث ولا نظر في اتهامه بالكذب والزندقة !! فبسبب هذا إزداد الانتشار لروايات سيف واعتمد عليها المعاصرون للسبب نفسه تقريباً !!. فالمؤرخون بل وأهل السنّة المعاصرون عامة احتاجوا للرد على هجمات الشيعة والمستشرقين على التاريخ الاسلامي خصوصاً عهد عثمان وبني أمية فلذلك اتجه المدافعون يتسلمون الدفاع سواء كان الدفاع بحق أو بباطل !! فاتجهوا للطبري فوجدوا في روايات سيف منهلا فائضا للدفاع عن بني امية وولاتهم !! فلهذا أكثروا من النقل عنه ثم وثقوه !! مخالفين اجماع المحدثين بل ولم يكتفوابهذا فنسب بعضهم الى المحدثين ( توثيق سيف ) ! وزعم آخرون أن سيفا راوي أهل السنّة !! كأنه يقصد راوي بني أمية !! ولله في خلقه شؤون !!
ثم إن توثيق المؤرخين في هذه الأيام لسيف بن عمر لأجل الدفاع عن بني امية ضد الشيعة والمستشرقين وأحياناً ضد عمار وابي ذر وهذا يعني بكل بساطة ان مقياس التوثيق والتضعيف لم يعد الصدق والكذب وانما ( المصالح ) و ( الظروف الراهنة ) و ( الحاجة الملحة ) !! وهذا المنهج ـ للأسف ـ منهج انهزامي ، ولو علم
هؤلاء اننا نستفيد من أخطاء سلفنا مثلما نستفيد من صوابهم لما فعلوا هذا الفعل !!(١)
وقد يأخذ عليّ الدكتور انني نقلت بعض النتائج التي توصل إليها بعض الباحثين كالهلابي والعسكري ! وهذا غير صحيح لأنني رجعت للمصادر نفسها وتأكدت من تلك النتائج بنفسي وخالفتهما في بعض النتائج التي لم أعلن عنها وأضفت مما لو أجده عندهما مع امتناني لصاحب السبق في سبقه الى تلك النتائج أو بعضها لكن لنتأكد من المعلومات بأنفسنا ونضيف غير مقلدين ليأتي بعدنا من يضيف ويبني على نتائجنا وهكذا.(٢)
__________________
(١) نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص ٧٧ ـ ٧٨.
(٢) نفس المصدر السابق ص ٨١ ـ ٨٢.
أجوبة السيد العسكري
على أقوال الأساتذة الجامعيين
تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمد وآله الطاهرين والسلام على أزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه المنتجبين.
وبعد ، منذ أواخر محرم سنة ١٤١٨ ه الى ٢٥ / ج١ / ١٤١٨ ه وجدت ضجة كبرى في صحيفتي الرياض والمسلمون السعوديتين أثارها أساتذة جامعيون حول ثلاثة مواضيع :
أ ـ الرواية الكذوب سيف بن عمر.
ب ـ عبدالله بن سبأ واسطورته.
ج ـ كتابي عبدالله بن سبأ وخمسون ومائة صحابي مختلق وخاصة حول القعقاع بن عمرو أشهر من احتلقهم سيف في الصحابة.
وجرى الكلام فيهما عني وعن الدكتور حسن المالكي ، غير ان الدكتور المالكي دافع عن رأيه في الصحيفتين باستمرار ، ولم يتسن لي أن أبين وجهة نظري في ما كتب ودوافعي لما كتبت. واليوم استعين الله تبارك وتعالى لاشرح في ما يأتي دوافعي لهذه البحوث وكيفية توصلي إلى تلكم النتائج بداية العمل.
عندما كنت أدرس الفقه الاستدلالي بمسقط رأسي سامراء بلد الامامين العسكريين (ع) لاحظت ان الادلة في بحوثنا الفقهية روايات الأحاديث ولا يستدل بسيرة الرسول (ص) في استنباط المسائل الفقهية ودفعني ذلك إلى القيام بتأليف في سيرة الرسول الأكرم (ص) يستدل بها في استنباط الاحكام إلى جنب روايات لحديث ، وفي هذا الصدد عزمت على جمع روايات السيرة من كتب عامّة المسلمين لأنّ الخلاف وقع بعد عصر الرسول الأكرم (ص) ونويت أن أُسمي بحوثي « لواء الوحدة الاسلامية » ثم بدا لي أن أتوسّع في البحث وأكتب عصور الاسلام ، كالآتي :
أ ـ الاسلام في مكة ( من البعثة إلى الهجرة ).
ب ـ الاسلام في المدينة ( من هجرة الرسول (ص) إليها إلى هجرة الامام علي (ع) منها ).
ج ـ الاسلام في العراق مدة حكم الامام على (ع) في الكوفة وهكذا إلى عصر العباسيين.
وبدأت بالتفتيش وكان اسلوبي في الرجوع إلى المصادر أخذ الرواية من الأقدم زماناً فالأقدم. وكنت أرى ان الرواية ـ مثلاً ـ في مسند الطيالسي ( ت : ٢٠٤ ه ) أقرب إلى الصحة من الرواية في مسند أحمد ( ت : ٢٤١ ه ) والرواية فيهما ـ ان اختلفت الألفاظ ـ وما في مسند أحمد أصح مما في سنن الدارمي ( ت : ٢٥٥ ه ) وكذلك الأمر في غيرها.
وكان في ما جمعت من سيرة الرسول (ص) من رواية ان جبرائيل (ع) لما نزل عليه (ص) أول وحي قال له : « اقرأ » قال الرسول (ص) ما أنا بقارئ
فغطّه(١) حتى بلغ به الجهد ـ إلى ثلاث مرّات ـ ثم أرسله فقال( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) .
فجاء الرسول (ص) الى خديجة (ع) يرجف فؤاده وخشي على نفسه فاخذته إلى ورقة بن نوفل النصراني فطمأنه وأخبره انه رسول والذي أتاه جبرائيل.
وفي روايات أخرى قال (ص) لخديجة : « أخشى أن يكون في جنن ».
و « لأخشى أن أكون كاهناً ».
وفي بعض روايات كتب السيرة انه (ص) قال لنفسه « ان الابعد ـ يعني نفسه لشاعر أو مجنون لاطرحن نفسي من حالق جبل ».
وفي رواية أخرى ان خديجة (ع) أجلسته عندما نزل عليه جبرائيل على فخذها اليمنى واليسرى وهي مقتنعة بخمارها ولما تحسّرت وألقت خمارها لم ير جبرائيل فطمأنته خديجة بأن الذي يراه ملك وليس بشيطان(٢) .
تروىٰ أمثال هذه الروايات عن أم المؤمنين عاشة وعبدالله بن عباس في حين ان أهل الكتاب كانوا ينتظرون بعثته ، نظير خبر بحيرى الراهب في سفره (ص) مع عمّه الى الشام مما ذكرنا قسماً منها في كتابنا أحاديث أم المؤمنين عائشة ( ج ٢ ) وفيها :
__________________
(١) غطه : عصره عصراً شديداً.
راجع صحيحي البخاري ومسلم ومسند احمد والتفاسير والسير عن أم المؤمنين عائشة.
(٢) راجع سيرة الرسول (ص) في أخبار البعثة ب سيرة ابن هشام وتاريخ الطبري وطبقات ابن سعد.
عن علي بن أبي طالب (ع) خرجنا بعض نواحيها ـ مكة ـ فما استقبله جبل ولا شجر إلاّ وهو يقول : السلام عليك يا رسول الله(١) .
وأيضاً وجدت في الروايات في تفسير آية( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) (الحج / ٥٢) ان الله لما أنزل على رسوله (ص)( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ ) فلما انتهى إلى قوله( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ ) ألقى الشيطان على لسانه ( تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ) فلما سمع المشركون ذلك فرحوا وسجد المشركون لذكر الهتهم والمسلمون.
فبلغ الخبر المهاجرين إلى الحبشة فرجع بعضهم إلى مكة ولما عرفوا حقيقة الخبر بقي بعضهم مستخفياً وعاد بعضهم إلى مهجره.
ونزل جبرئيل (ع) وأخبر النبي (ص) بانها ليست وحياً فحزن الرسول (ص) فنزلت عليه :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) (٢) (الحج / ٥٢).
وأيضاً وجدت في روايات سيرة الرسول (ص) بصحيح مسلم باب ان من لعنه النبي أو سبه جعله الله له زكاة وطهورا : عن أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة : ان رسول الله (ص) كان يلعن المؤمنين إذا ضويق ويبرر ذلك بقوله : شارطت ربي أيما مؤمن لعنته أو سببته جعله الله له زكاة وطهورا. مع قوله تعالى في وصفه :( إِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) ومع قوله (ص) : « من لعن مؤمناً فهو
__________________
(١) سنن الترمذي ، أبواب المناقب وراجع أحاديث أم المؤمنين عائشة ج ٢ / ٢٨٠.
(٢) لقد برهنا في المجلّد الثاني من كتابنا « أحاديث أم المؤمنين عائشة » ان تلك الأحاديث مفتراة عليها وعلى غيرها من الصحابة.
كقتله »(١) .
فرأيت اننا بحاجة إلى تمحيص سنّة الرسول (ص) وثبت عندي ان قسماً من هذه الروايات افتري بها على الصحابة كما افتري بها على رسول (ص). وبدأت أجمع الروايات اللاتي نحن بحاجة إلى دراستها من المكثرين في ملفات خاصّة لدراستها مثل روايات أم المؤمنين عائشة وعبدالله بن عباس كي أدرسها بعد ذلك. وكنت أرى في سيرة الصحابة روايات لا يتقبلها العقل السليم وكثيراً منها كانت من روايات أخبار الفتوح مثل رواية سيف في خبر فتح السوس التي قال فيها : ان ابا سبرة ناوش أهل السوس مرّات ويصيب فيها المشركون المسلمين وذات يوم أشرف رهبان سوس على المسلمين وقالوا لهم : لا يفتح السوس إلاّ الدجال وصاحوا بالمسلمين وغاضوهم وكان مع المسلمين الدجال صاف بن صياد فاتى باب السوس ودقّه برجله وقال انفتح بَظار فتقطعت السلاسل وتكسّرت الاغلاق وتفتحت ودخلها المسلمون واستسلم المشركون.
بينما روى البلاذري والطبري وسائر المؤرخين عن غير سيف : ان أبا موسى الأشعري قاتل أهلها وحاصرهم حتى نفذ ما عندهم من الطعام فضرعوا إلى المصالحة في السنة الثامنة عشرة.
وروايته عن يوم سمّاه بيوم الا باقر قال : ان سعد بن أبي وقاص بعث عاصم بن عمرو ـ الصحابي المختلق ـ إلى أسفل الفرات في طلب الغنم والبقر لاطعام الجيش فأتى ميسان وسأل رجلاً رآه هناك عن البقر والغنم فحلف له وقال : لا أعلم وكان راعي الثيران في الأجمة فصاح منها ثور : كذب والله
__________________
(١) صحيح البخاري ، باب ما ينهى من السباب واللعن ، من كتاب الأدب.
وها نحن اولاء. فدخل واستاق الثيران فاخصب الجيش أياماً وسمّي ذلك اليوم بيو الأباقر.
وروايته عن يوم الجراثيم :
قال سيف وقف سعد بن أبي وقاص بعد القادسية حائراً أمام دجلة وقد فاضت فحطب جيشه وقال : إني عزمت على قطع هذا البحر فركبوا اللّجة وان دجلة لترص بالزبد وان الناس ليتحدثون في عومهم لا يكترثون كما يتحدثون في مسيرهم على الأرض لا يعي فرس إلاّ نشزت له جرثومة(١) .
وفي رواية غير سيف : ان الدهاقين ولو هم على مخاضة اسفل المدائن فاخاضوها الخيل(٢) .
وذكر نظيرها للعلاء بن الحضرمي وجيشه في فتح دارين وقال :
... حتى إذا أتى ساحل البحر اقتمحوا الراكب والراجل فاجتازوا ذلك الخليج يمشون على مثل رملة ميثاء(٣) فوقها ماء يغمر اخفاف الابل وان ما بين الساحل ودارين مسيرة يوم وليلة لسفن البحر(٤) .
وخبر اطلال فرس بكير في فتح القادسية :
قال سيف : وقرأ المشركون وأمر سعد أن يتبعوا أثر الفارين فاتبعوهم حتى انتهوا النهر الذي بثقوه ليمنعوا المسلمين من عبوره فضرب بكير بن
__________________
(١) وفي رواية أخرى لسيف ( تَلعَة ) أي ما ارتفع من الأرض. والجرثومة والتلعة بمعنى واحد.
(٢) راجع تفصيل الخبر الاول من عبدالله بن سبأ ١ / ٢٥٠.
(٣) الميثاء : الرملة أو الأرض السهلة.
(٤) راجع عبدالله بن سبأ ١ / ١٩٨ قصة العلاء بن الحضرمي.
عبدالله فرسه ـ وكانت انثى ـ وقال لها ثبي اطلال فتجمعت وقالت ( وثباً وسورة البقرة ) ووثبت ، فاقتحم الباقون خلفه(١) .
ومثل خبر الأسود العنسي المتنبئ الكذّاب الذي روى سيف في خبره : انه كان له شيطان ينبئه عن الغيب وكان الأسود يسميه الملك. والذي نشك أن سيفا كان يحاول في قريته هذه أن يأتي بمشابه للوحي الذي كان ينزل به جبرائيل (ع) على رسول الله (ص) بدافع ما رمي به من الزنادقة(٢) .
ومثل خبر ما رآه يزدجر ملك الفرس في نومه في ما رواه سيف :
انه كان نائماً في محمله ليلاً والبعير يسير به فانبهوه ليعبروا مخاضة فقال : بئسما صنعتم لو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الأمة إني رأيت : اني ومحمداً تناجينا عند الله فقال له : ـ أي قال الله ـ املكهم مائة سنة ، فقال : زدني ، فقال : عشراً ومائة سنة ، فقال : زدني ، فقال : عشرين ومائة سنة ، فقال : لك ، وأنبهتموني فلو تركتموني لعلمت ما مدة هذه الامّة(٣) .
وإني أرى ان سيف بن عمر كان يرمي من وراء هذا النوع من التهوين في أمر الوحي الذي كان ينزل على خاتم الانبياء (ص) تشويش أذهان المسلمين.
كنت أجمع هذه الأخبار في ملف خاص ولا أعرف إلى من أنسب هذه الروايات بينما كنت أجمع روايات المكثرين من الصحابة كل في ملف باسم من رويت عنه.
وكان ضمن ملف الراوي المجهول أخبار عبدالله بن سبأ وانه كان يهودياً
__________________
(١) خمسون ومائة صحابي مختلق ١ / ١٤٠ خبر بعد ليلة الهرير.
(٢) راجع عبدالله بن سبأ ج ٢ / ١٣٣ ، قصة الأسود العنسي.
(٣) خمسون ومائة صحابي مختلق ١ / ٢٧ ، البحث التمهيدي الأول.
واليمن أسلم على عهد الخليفة عثمان ، وجاء بعقيدة الوصاية والرجعة وآمن بقوله صحابة وتابعين أبرار مثل أبي ذر وعمّار بن ياسر ومحمد بن حذيفة وصعصعة بن صوحان العبدي و وانهم استطاعوا أن يثيروا أهل الشام على معاوية ، وأهل الكوفة على الوليد وسعيد وأهل مصر والبصرة وغيرها على ولاتهم وجاؤا إلى المدينة وقتلوا الخليفة عثمان ونصّبوا علياً للخلافة وأقاموا حرب الجمل ولم يدرك كل ذلك الخليفتان علي وعثمان وعائشة وطلحة والزبير إلى غيرهم وجهاء ذلك العصر ـ على عقل من يقبل ذلك العفاء ـ.
وكنت قد جمعت تلكم الروايات التي لم أعرف راويها في ملف خاص بينما كنت قد جمعت الروايات المنسوبة إلى المكثرين من الصحابة كل في ملف خاص وباسمه وذات ليلة بينما كنت أراجع روايات ملف الراوي المجهول انتهيت إلى تكرار اسم سيف في روايات ذلك الملف فصرخت ( وجدته ، وجدته ، وجدته ) وراجعت ما حضرني من كتب الرجال وإذا بهم يقولون عنه متهم بالوضع وبعد كل ذلك التفتيش والبحث رأيت من الواجب علي أن أقوم أولاً بتمحيص سنّة الرسول (ص) وأبدأ بدراسة روايات المكثرين واسمي روايات كل منهم باسم من روى عنه وكان من أهمها الأحاديث المروية عن أم المؤمنين عائشة والأحاديث المروية عن الصحابي أبي هريرة وأحاديث سيف وفي ما أنا أدرس أحاديث سيف شككت بانه اختلق في ما اختلق صحابة للرسول (ص) وبقيت شهرين أدرس تراجم الصحابة في مصادرها قثبت عندي اختلاق سيف أكثر من خمسين صحابياً للرسول وسميت الكتاب أحاديث سيف ولما رآه العلامة الشيخ راضي آل ياسين سماه بعبدالله بن سبأ وأساطير أخرى ثم تابعت الدراسة وبلغ عدد الصحابة في بحوثي نيفاً وستين ومائة صحابي مختلق وسميته ( خمسون
ومائة صحابي مختلق ) تخفيفاً للاسم ونشرت تراجم ثلاث وتسعين صحابيا منهم حتى اليوم في مجلدين وبقي المجلّد الثالث لبقية المختلقين أما ( عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى ) فقد نشرت منها حتى اليوم مجلدين وبقي المجلّد الثالث ( الاسطورة السبائية ) وهي أصل الاسطورة رجحت نشر بحوث أخرى لي على نشرهما.
وفي بادئ الأمر ظننت أن سيفاً يروم في ما يضع ويختلق الدفاع عن ذوي الجاه من الصحابة والحطّ من مناوئيهم وانه بسبب ذلك راجت رواياته وشاعت ، ولما تابعت دراساتي في أحاديث سيف أدركت ان دافع سيف في ما وضع واختلق أمران :
ألف ـ التعصب القبلي ولذلك يمجد في ما يختلق العدنانيين وخاصة قبائل تميم منهم ويحطّ من قدر القحطانيين ويختلق لهم المعايب والمثالب ولما كانت السلطة للعدنانيين اختلق عبدالله بن سبأ وجاء به من اليمن وألقى تبعة وقوع الخلاف بين سادة مضر على عاتقه وحده واختلق في ما اختلق ثلاثاً وعشرين صحابياً من تميم جاءت تراجم بعضاً آخر منهم في الجزء الثاني المطبوع وتأتي تراجم من بقي منهم في الجزء الثالث الذي لم يطبع حتى الآن(١) .
ب ـ دفعه ما رُمي به من الزندقة إلى تشويش معالم التاريخ الاسلامي واشاعة أن الاسلام انتشر بحد السيف ونشر أساطير وخرافات في المجتمع الاسلامي وفي ما يأتي بيان كلا الأمرين.
__________________
(١) راجع المقدمة من الجزء الثاني من عبدالله بن سبأ.
ويأتي في مقدمة ما روي بدافع التعصب القبلي ما اختلقه من أمجاد لقبيلته تميم الصحابة الاسطوريون من بني عمرو بن مالك :
وفي مقدمتهم بروايات سيف : القعقاع بن عمرو ، بما رواه عن الخليفة أبي بكر عندما أرسل القعقاع مدداً للقائد خالد في حروب العراق بعد أن ارفض(١) عنه جنوده انه قيل له « أتمدّ من ارفض عنه جنوده برجل » فقال : « لايهزم جيش فيهم مثل هذا » أي : القعقاع.
بروايته هذه هيأ سيف ذهن القارئ لسماع ما يختلفه من بطولات
__________________
(١) ارفضّ : تفرّق.
للقعقاع وأولها ما رواه في فتح الابلّه(١) بان قائد الفرس هرمز واطئ أصحابه على الغدر بخالد فلما تبارزا حملت حامية هرمز على خالد للغدر وكان القعقاع منتبهاً لهم فحمل عليهم وأزاحهم وروى عن قول القعقاع ستة أبيات منها :
فنحن وطأنا بالكواظم هرمزاً |
وبالثني قَرني قارِنٍ بالجوارفِ(٢) |
بينما روى الطبري ان فتحها كان بيد عتبة بن غزوان سنة ١٤ ه وعلى عهد الخليفة عمر.
ولم يكن لمن تخيلهما سيف قائدي الفرس وللمكانين الثني والولجة ولا للمعارك التي ذكرها ولا لكتاب صلح خالد لهم والذي شهد فيه القعقاع ولا لأربعة من رواة أخبارها وجود خارج روايات سيف(٣) .
وكذلك شأن معركة الفراض والتي ذكر فيها ان خالداً قتل فيها مائة الف.
وذكر صرف عمر خالد وجيشه وفيهم القعقاع إلى الشام وانهم قتلوا في اليرموك عشرون ومائة ألف.
وروى في فتح دمشق ان خالداً كان قد هيأ حبالاً فألقاه مع القعقاع فتعلقت بالشرف فتسلقوها وقتلوا في فحل ثمانين الفاً.
بينما روى غيره ان خالداً أخذ من دير خالد سلماً صعد عليه.
وروى أن الخليفة أمر بصرف جيش العراق إلى العراق وفي مقدمتهم
__________________
(١) الابلَّة : بلدة على شاطئ دجلة البصرة. معجم البلدان.
(٢) تخيل سيف هرمزاً وقارنا من قادة الفرس بتلك المعارك التي لم تقع ولم يكن لهم وجود خارج روايات سيف ولا للولجة والثني.
(٣) راجع ( في الحيرة ) بترجمة القعقاع من كتاب « خمسون ومائة صحابي مختلق » ١ / ١٠٨.
القعقاع ثمّ روى له ولاخيه عاصم بطولات الأيام التي سمّاها : أرماث وأغواث وعماس وانهما فقئا عين الفيل الأبيض الذي كانت تتبعه الفيلة وبتدبيره في الأيام الثلاثة قوى الجيش الاسلامي.
وفي عبور دجلة سبق عاصم الجيش وحماه للعبور.
وبعد الفتح سلب القعقاع من فارس يقود دابتين عليهما سيف كسرى وهرمز وقياذ وفيروز وهرقل وحاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وبهرام وسياوخش والنعمان أعظم به من فخر تميم التي غنمت سيوف الملوك بفضل روايات سيف وروى انهم قتلوا في المعركة مائة ألف.
وفي جلولاء ـ أيضاً ـ فتحها الجيش الاسلامي بتدبير القعقاع بعد أن كانوا يزاحفونهم ثمانين يوماً دونما أية نتيجة وقُتِل منهم فيها مائة ألف.
وروى ان أبا عبيدة في الشام استمدّ من الخليفة عمر فكتب إلى سعد في العراق أن اندب الناس مع القعقاع يوم يأتيك كتابي فمضى القعقاع إلى الشام في أربعة آلاف وأنشد القعقاع في ذلك وقال :
يدعون قعقاعاً لكل كريهة |
فيجيب قعقاع دعاء الهاتف |
الأبيات
وروى سيف ان فتح نهاوند ـ أيضاً ـ كان بتدبير القعقاع وانهم قتلوا من المشركين في المعركة مائة ألف.
كان ذلكم فهرست ما رواه سيف عن القعقاع في الفتوح على عهد الخليفة عمر.
وعلى عهد الخليفة عثمان ولاّه سنة ٣٤ و ٣٥ الحرب على الكوفة وكانت الكوفة يومذاك عاصمة للقسم الشرقي من البلاد الاسلامية وانه
لمّا حوصر الخليفة عثمان كتب إلى أهل الأمصار يستمدهم فخرج القعقاع من الكوفة لنصرة عثمان ومعاوية من الشام وبلغه في الطريق خبر قتل عثمان فرجع هو ومن معه إلى الكوفة.
وروي في حرب الجمل ان الامام علي بن أبي طالب لما استمدّ من الكوفة لحرب الجمل وثبطهم أمير الكوفة أبو موسى الأشعري قال القعقاع لابدّ من امارة تنظّم الناس وهذا علي ولي ويدعوا إلى الاصلاح فانفروا وكان هو من رؤساء أهل الكوفة الذين التحقوا في حرب الجمل بالبصرة فارسله الامام علي الى طلحة والزبير يدعوهما إلى الالفة والجماعة فذهب اليهم وكلمهم فضلّت أم المؤمنين عائشة ووافق طلحة والزبير على الصلح وقالوا له أحسنت وأصبت وأشرف القوم على الصلح فاجتمع السبأيون وتشاورا ليلاً فاشار عليهم ابن سبأ أن ينشبوا القتال ليلاً دون علم غيرهم وثاروا في الغس وأنشبوا القتال بين الجيشين دون علم غيرهم ووقع القتال بين الجيشين وأخيراً أمر القعقاع بعقر جمل أم المؤمنين عائشة وقال لمن يليه أنتم آمنون ووضعت الحرب أوزارها بفضل ما فعله القعقاع.
وروي ان معاوية بعد صلح الامام الحسن معه كان يخرج من الكوفه المستغرب في أمر علي ـ شيعة علي ـ وينزل مكانه المستغرب في أمر نفسه م أهل الشام والبصرة ونقل القعقاع وبني أبيه من الكوفة إلى الفلسطين ونقل بني تغلب الى الكوفة وأسكنهم منازل القعقاع وبني أمية ولذلك عده الشيخ الطوسي ( ت : ٤٦٠ ه ) في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين والأردبيلي ( ت : ١١٠١ ) في جامع الرواة والقهبائي ( كان حياً ١٠١٦ ه ) في مجمع الرجال والمامقاني ( ت : ١٣٥١ ه ) في تنقيحه.
روى سيف أخبار القعقاع عن تسع وعشرين راوياً من مختلقاته من الرواة لم مجد لهم ذكراً في غير روايات سيف وكذلك لم نجد ذكر لأكثر من خمسين ومائة صحابي مختلق في غير روايات سيف.
وكذلك لم مجد أسماء لاثنتين وسبعين راوياً الآتية أسماؤهم في غير روايات سيف :
اسم الراوي |
عدد رواياته |
١) محمد بن عبدالله بن سواد بن نُويّرة |
٢١٦ |
٢) سهل بن يوسف |
١٢٦ |
٣) مُهَلَّب بن عقبة |
٦٧ أو ٧٦ |
٤) زياد بن سرجس الأحمري |
٥٣ |
٥) نَصْر بن السَرِّي |
٢٩ أو ٢٤ |
٦) رُفيل وابنه |
٢٠ |
٧) مُستَنير بن يزيد |
١٨ |
٨) ابن رُفيل عن أبيه |
١٨ |
٩) سَعيد بن ثابت بن جِذْع الأنصاري |
١٦ |
١٠) عبدالله بن سَعيد بن ثابت |
١٦ |
١١) مُبَشَّر بن فُضَيل |
١٥ |
١٢) خالد «مجهول» |
١٦ |
١٣) عُبادة «مجهول» |
١٦ |
١٤) رُفَيل |
١٤ |
اسم الرواي |
عدد رواياته |
١٥) غُصْن بن قاسم |
١٣ |
١٦) أبو عثمان « مجهول » |
١٠ |
١٧) صَعب بن عَطِيّة |
٩ |
١٨) ابو عثمان يزيد بن أسيد العَسّاني |
٩ |
١٩) عبد بن رحمان بن سياه الأحمري |
٧ |
٢٠) عبيدالله بن محفز |
٦ |
٢١) عروة بن غزّية الدثيني |
٦ |
٢٢) عَمرو بن الريَان |
٦ |
٢٣) أبو سفيان طلحة بن عبدالرحمن |
٥ |
٢٤) أبو زهراء القُشيري |
٥ |
٢٥) رجل من بني كنانه |
٥ |
٢٦) طاهر بن أبي هالة |
٥ |
٢٧) ضحّاك بن قَيس |
٤ |
٢٨) حَلْحال بن الذري |
٤ |
٢٩) أنَس بن حليس |
٤ |
٣٠) مخلّد بن قيس |
٤ |
٣١) سماك بن فلان الهجيمي |
٣ |
٣٢) قَيس بن زيد النَخَعي |
٣ |
٣٣) قَيس بن يزيد |
٣ |
٣٤) ظَفَر بن دهي |
٣ |
اسم الراوي |
عدد رواياته |
٣٥) مقطع بن هثيم بن فحيع |
٣ |
٣٦) ابن محراق |
٣ |
٣٧) بحر بن فرات العجلي |
٢ |
٣٨) رجل من كنانة |
٢ |
٣٩) عثمان بن سويد |
٢ |
٤٠) حَنظلة بن زياد |
٢ |
٤١) حمّاد بن فلاح البرجمي |
٢ |
٤٢) جرير ابن اشرس |
٢ |
٤٣) رجل عن بكر بن وائل |
٢ |
٤٤) عامر |
٢ |
٤٥) خُزَيمة بن شجرة العقفاني |
٢ |
٤٦) عبد بن صخر بن لوذان |
٢ |
٤٧) ورقاء بن عبدالرحمن الحنظلي |
٢ |
٤٨) حبيب بن ربيعة الأسدي |
١ |
٤٩) عمّار بن فلان الأسدي |
١ |
٥٠) ابن شهيد |
١ |
٥١) عمرو بن تمام |
١ |
٥٢) رجل من طيّ |
١ |
٥٣) عبدالله بن مسلك العكلي |
١ |
٥٤) كرب بن أبو كليب العكلي |
١ |
اسم الراوي |
عدد رواياته |
٥٥) ابن أبومكنف |
١ |
٥٦) بكر بن وائل |
١ |
٥٧) حميد بن أبو شجار |
١ |
٥٨) عصمت الوائلي |
١ |
٥٩) عصمت بن الحارث |
١ |
٦٠) رجل |
١ |
٦١) رجل من بني الحارث |
١ |
٦٢) بطا بن بشر |
١ |
٦٣) عروة بن وليد |
١ |
٦٤) أبو معبد العبسي |
١ |
٦٥) ابن صعصعة أو صعصعة المزني |
١ |
٦٦) مخلد بن كثير |
١ |
٦٧) فلان الهجيمي |
١ |
٦٨) كليب بن حلحال |
١ |
٦٩) جرير بن يزيد الجعفي |
١ |
٧٠) حريث بن معلى |
١ |
٧١) بنت كيسان الضبيه |
١ |
أضف اليهم أسماء ثلاثة من التابعين الآتية أسماؤهم :
١) معن الشيباني أخو مثنى قائد الجيش الاسلامي
٢) أبو ليلى الفدكي.
٣) اُطّ بن سويد.
وشاعران عربيان اسمهما :
١) خطّيل.
٢) عمرو بن قاسم
بلغ عدد أسماء من اختلقهم سيف وترجمناهم في مجلدي ابن سبأ وخمسون ومائة صحابي كالآتي :
٩٣ ٠٣ ٠٢ ٧١ ـــــ |
صحابي تابعي شاعر راوي حديث |
١٦٩ عربياً لم يرد ذكرهم في غير حديث سيف ولم يذكر اسم أحدهم في كتب الانساب ودونكم جمهرة أنساب العدنانيين والقحطانيين لابن الكلبي لاتجدون عربياً محققاً وجوده إلى القرن الثاني الهجري إلاّ وتجدون اسمه وتسلسل نسبه إلى أحد القبيلتين ثم ابحثوا عن تسعة وستون ومائة اسماً من العرب درسناهم في كتابي ابن سبأ وخمسون ومائة صحابي مختلق ان وجدتم اسم أحد هؤلاء الذين الذين اختلقهم سيف بن عمر.
وكذلك شأن عبدالله بن سبأ والمكنّى بابن السوداء الذي جول البلاد وأخضع العباد وأثار الفتن على بني أمية حتى قتل الخليفة عثمان بدون رضا
جماهير الصحابة والمسلمين في المدينة وأقام حرب الجمل بدون رضا علي وطلحة والزبير وعائشة. هذه الشخصية اليمانية الشهيرة الضخمة هل سقط من السماء أم نبع من الأرض كي لا يعرف نسبه وسلالة أبيه وابن ذكر اسمه ونسبه في كتب الأنساب وخاصة جمهرة نسب قحطان لابن الكلبي والمطبوع بسورية.
أمّا ما قاله الدكتور الهويمل :
لأن في نسف هذه الشخصية نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الاسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما ، فابن سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهباً عقدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا أمام زلزلة تمس بنايات كثيرة(١) .
وما قاله الدكتور سليمان بن حمد العودة :
ففي هذا الرأي نسف لكتب بأكملها تعد من مفردات كتب التراث ، ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة ، فكتاب منهاج السنّة ـ مثلاً ـ لشيخ الاسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبدالله بن سبأ أصل الرافضة ، فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات وانكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله ، ونسف له من اصوله ، بل ربما تجاوز الامر ذلك إلى التشكيك في اصول الرافضة وتاريخ نشأتهم(٢) .
وقال الدكتور العودة أيضاً :
لقد كان سيف بن عمر التميمي ـ يرحمه الله ـ مشجباً ، علق عليه السابقون واللاحقون مسألة انكار ابن سبأ ، بل زاد بعضهم ، وحمله اختلاق عدد
__________________
(١) راجع صفحة ١٠٦ من هذا الكتاب.
(٢) راجع صفحة ٣٣٠ من هذا الكتاب.
من الصحابة ، ليس ( القعقاع بن عمرو رضي الله عنه ) إلاً واحداً من هؤلاء ، فقد ألف ( السيد مرتضى العسكري ) ـ وهو رافضي المذهب والهوى ـ كتابا بعنوان ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) والكتاب مؤلف قبل ما يزيد على ( عقدين ) من الزمن ! ويعتمد مؤلفه اتهام ( سيف ) باختلاق هذه الشخصيات احداثها ، ليس في هذا الكتاب فحسب ، بل وفي كتابين قبله احدهما بعنوان ( عبدالله بن سبأ بحث حول ما كتبه المؤرخون والمستشرقون ابتداء من القرن الثاني الهجري ، ط النجف ١٣٧٥ ه / ١٩٥٦ م ).
والآخر بعنوان : ( عبدالله بن سبأ وأساطير أخرى ، ط دار الغدير ، بيروت ، طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م ).
وأقول في جوابهما :
أولاً ـ إنّ الله لم يعصم من الخطأ كتاباً عدا كتابه العزيز الحكيم.
ثانياً ـ الحق أحق أن يتبع.
ثالثاً ـ كان ينبغي للأساتذة أن يرتأوا بأنفسهم عن السب والشتم ( رافضي المذهب والهوى ).
مرتضى العسكري
صور ومقتطفات
من الصحف السعودية
جداول (١)
جداول (١)
جداول (٢)
جداول (٢)
جداول (٣)
جداول (٣)
جداول (٤)
جداول (٤)
جداول (٥)
جداول (٥)
جداول (٦)
جداول (٦)
جداول (٧)
جداول (٧)
جداول (٨)
جداول (٨)
جداول (٩)
جداول (٩)
آراء وأصداء
حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف
في الصحف السعودية
د. حسن بن فرحان المالكي
القعقاع بن عمرو حقيقة ام اسطورة (٣)
صحيفة الرياض ـ ١١ صفر ١٤١٨ ه
ذكرت في الحلقة الماضية بعض الأقوال والحجج التي ذكرها الأخ عبد الباسط مدخلي مدللاً بها على حقيقة ( وجود ) القعقاع بن عمرو !! وذكرت كيف ان الأخ المدخلي يحاول تجنب ذكر سيف بن عمر ( المصدر الوحيد لأخبار القعقاع !! ) ويحاول أن ينسب إلى مصادر ناقلة عن ( سيف بن عمر ) ولا يشير إلى انها ناقلة إمعانا في الاخفاء على القرّاء وقبلهم المشرف والمناقشين !! حتى لا يكتشف هؤلاء أن مصدر الرسالة الوحيد كان سيف بن عمر التميمي فلو
سقط لسقطت الرسالة !! وقد نجح المدخلي كثيراً في خديعة المناقشين بنسبة أخبار القعقاع إلى تلك المصادر الناقلة وكذلك بنسبة أخبار القعقاع إلى كتب مختلفة ومنسوبة ظلماً إلى مؤرخين متقدمين كالواقدي !! حتى يثبت أن الواقدي قد روى أخبار القعقاع أيضاً !.
وقد حاولت في الحلقة الماضية ان أذكر بعض الأدلة ( الاسنادية ) فقط على بطلان نسبة كتاب ( فتوح الشام ) للواقدي فكيف بالأدلة ( المتينة ) الكثيرة التي تكلم عن بعضها الدكتور محمد صامل السلمي ولو استطرد فيها لأخرجتنا من موضوع ( القعقاع بن عمرو ) إلى موضوع آخر عن ( بطلان نسبة كتاب فتوح الشام ) للواقدي !! لكن يستطيع من عنده أدنى اطلاع على كتب الواقدي أن يكتشف بسهولة ان الكتاب منسوب ظلما إلى الواقدي !! بل يظهر أنه الف بعد الواقدي بنحو ستمائة سنة ، وقد صرح مؤلفه بانه ينقل عن ابن خلكان والطبري وأمثالهم ممن لم يولدوا إلاّ بعد وفاة الواقدي !! فكان إثبات المدخلي لهذا الكتاب وإصراره على نسبته إلى الواقدي حيلة من الحيل الكثيرة المستخدمة في كثير من الدراسات الجامعية للأسف ، فالمدخلي ليس إلاّ واحداً من كثيرين يعتمدون على التحايل والضحك على القرّاء والمؤسسات العلمية معاً.
ولو كان غير ذلك لما وجدنا مثل هذه الأخطاء الثقيلة الوزن التي يندى لها جبين العلم والبحث والدراسة !! ثم ان الكتاب المنسوب للواقدي فيه روايات سيف بن عمر أيضاً !! انظر الصفحات ( ٩٧ ، ١٠٥ ، ١١٢ ، ١٩١ ) من المجلد الثاني مع أن مؤلف ذلك الكتاب كثيرا ما يذكر روايات سيف ولا يشير إليه إلاّ نادراً !! ربما ان حجته في هذا وهدفه مثل هدف المدخلي !! والكتاب لا يحتمل المزيد من النقد لأنه مجموعة من الأساطير والأكاذيب والأهوال
والمبالغات والقصص التي لم يفلح صاحبها في التبليس إلاّ على أمثال المدخلي الذي يريد إثبات وجود القعقاع بشتى الوسائل والأساليب والمراجع ولو كان ذلك بالنقل عن كتاب ( فتوح الشام ) !!.
وسأستكمل موضوع المدخلي في الأسبوع القادم.
رد الماجد
أسعدني جداً ما كتبه الاستاذ حسام بن عبد الرحمن الماجد في صحيفة « الرياض » يوم السبت ٩ صفر ١٤١٨ ه وكان الأخر حسام قد رد عليّ بمقال عنوانه ( الأمر ليس كما تصور المالكي حول شخصية القعقاع ) !! فآثرت أن أدخل مع الأخ حسام في حوار ما دام أن الكلام عن القعقاع. ولأن الأخ حسام ذكر نقاط مهمة ينبغي النظر فيها وانني قبل ان أدخل في الحوار مع الأخ حسام أحب أن أشكره على لغته العلمية ولعل مقاله أول مقال في الرد عليّ لم أجد فيه طعناً في النيات ولا تشويهاً لأقوال ولا بتراً للنصوص فمقاله رغم صغر الحجم إلاّ انه كان فيه تعقل إلى درجة كبيرة رغم انني اختلف معه في كل الحجج التي أوردها واليكم البيان :
الملاحظة الأولى
حجة الأخ حسام ( وهي الحجة الأولى ) قوله : ( ان دراسة التاريخ بهذا المنهج يؤدي إلى رفض أغلب التاريخ الإسلامي ) ! وفسر هذا الحكم بقوله : ( لأن أغلب المؤرخين كان يطعن في توثيقهم مثل ابن اسحاق ـ الواقدي ـ المسعودي ـ أبي مخنف ) ..
أقول : أولاً : ليس صحيحاً ان دراسة التاريخ دراسة جادة أسانيداً ومتوناً انها ستؤدي إلى رفض اغلب التاريخ الإسلامي فهذا التخوف الذي يبديه الأخ حسام ـ رغم انه تخوف مشهور ـ ناتج عن عدم دراسة لأحداث التاريخ الاسلامي خاصة عصوره الأولى فهناك أسانيد كثيرة وصحيحة عن الفتوح والمعارك والفتنة والأحداث التي حدثت في الصدر الأول فهذا التخوف والتهويل مبني على الجهل بالشيء لا العلم به ثم إنني لم أشترط في إثبات أخبار القعقاع أن تصلني بأسانيد صحيحة !! بل قلت إن وجدتم صادقا أو كذابا ذكر القعقاع غير سيف بن عمر فأنا راجع إلى إثباته وتوثيق سيف !! بشرط ألاّ يكون ذلك ( الذاكر للقعقاع ) قد نقل عن سيف بن عمر وأظن هذا في غاية الانصاف وليس من الانصاف أن تلزمني باثبات القعقاع بناء على روايات مؤرخ كذاب مثل سيف بن عمر !! ..
ثم ان هذا التنزل الذي ذكرته في الحلقتين الماضيتين كان خلاف المنهج العلمي وقد عاتبني عليه بعض الأخوة وقالوا ليس من حقك أن تثبت القعقاع وتوثق بسيف برواية كذاب آخر !! لكنني كنت على يقين أن الكذابين لن يجرؤوا على مثل أكاذيب سيف !! أما خلط الأخ حسام بين ابن اسحاق والواقدي والمسعودي فهذا غريب لأن هؤلاء يتفاوتون فابن اسحاق ثقة عند اكثر المحدثين ولم يطعن فيه الا القليل النادر بججج واهية. نعم ابن اسحاق اتهم بالتدليس فيبقى ثقة فيما صرح فيه بالسماع ، أما الواقدي فقد وثقه بعضهم لكن أكثرهم على تضعيفه ، أما أبو مخنف والمسعودي فدون الواقدي لكن هؤلاء كلهم فوق سيف بن عمر فلا يجوز أن نعمم ونزعم أن المؤرخين مطعون فيهم هكذا بلا تفصيل فهذا تعميم غير علمي لا يقره المحدثون ولا المؤرخون ..
الملاحظة الثانية
الحجة الثانية التي أوردها الأخ حسام قوله بأن ( أجيالاً من المؤرخين المحققين مثل ابن كثير وابن الأثير وابن حجر جاءت بعد سيف بن عمر وقبلوا روايته وخصوصاً أخبار يوم القادسية ولم ينكر ذلك أحد من معاصريه ولا ممن جاء بعده ) !!
أقول : لم يخف عليّ ساعة كتابة المقال الأول ان من المؤرخين بعد القرن الثالث بدأوا ينقلون روايات سيف بن عمر لأن الطبري ضمّن كثيراً منها في كتابه ( تاريخ الأمم والملوك ) وكان تاريخ سيف بن عمر مهملاً في القرن الثاني والثالث وأول من أشهره كان الطبري رحمه الله ..
لكن لعل الأخ حسام ينتفع معي ان البحث التاريخي بل والحديثي لا يعترف بالتقليد فالدراسة والبحث عن الحقيقة المجردة لا ينتهيان بزمن معين دون غيره وقد استدرك ابن كثير وابن حجر على من قبلهما ولم ياخذا ببعض ما اثبته السابقون فما المانع أن نترك بعض ما نقله ابن كثير او ابن حجر إذا تبين لنا بالدليل والبرهان ان الصواب في ترك ذلك وقد ذكرت في الحلقة الماضية ان ابن حجر نفسه استدرك أكثر من ألف من الصحابة على من سبقه ونفى صحبتهم وكم من حديث نقله بعض السابقين لكن لنا الحق في الحكم عليه بالصحة أو الضعف وكذلك الأحداث والتراجم ، ليس هناك نص شرعي ولا دليل عقلي يمنعنا من مخالفة ما ذهب اليه بعض المتقدمين.
أما قول الأخ حسام بأن أحداً من معاصري سيف لم ينكر وجود القعقاع !!
فأقول : بل لم يقره أحد من معاصري سيف بن عمر ! بل لم يقر بوجود
القعقاع أحد في القرون الثلاثة الأولى !! ولم يكن عندهم سيف مؤرخاً ولو كان كذلك لنقلوا عنه الأخبار التاريخية بل كان عندهم أشبه ما يكون بالقصاص الذين لا يتلفتون إلى مؤلفاتهم وأخبارهم. ولذلك لم يذكره علماء الجرح والتعديل المتقدمون بجرح ولا تعديل فلم يذكره يحيى بن سعيد القطان ولا عبد الرحمن بن مهدي ولا وكيع بن الجراح وامثالهم ، بل ولا نقل عنه البخاري في تواريخه حرفاً واحداً كما لم ينقل عنه يحيى بن معين في تاريخه حرفاً واحداً ولا أبو زرعة ولا غيرهم من المتقدمين ولما ذكر سيف بن عمر عند يحيى بن معين قال : ( فلس خير منه ) ثم تتابع الأئمة على تضعيفه وعدم الالتفات إلى رواياته التاريخية فضلا عن الحديثية !! بينما كانوا ينقلون عن الواقدي أحيانا وينقلون بكثرة عن ابن اسحاق وموسى بن عقبة وعروة بن الزبير وأمثالهم. ولذلك لم تجد المؤرخين ولا المحدثين في القرون الثلاثة الأولى ينقلون حرفاً من روايات سيف بن عمر لا عن القعقاع ولا غيره مما أورده سيف من أحداث. ثم جاء الطبري نهاية القرن الثالث ونقل عن سيف وكان للطبري منهجه الخاص أفصح عنه في المقدمة ، ثم بدأ الناس ينقلون عن الطبري بلا تدقيق في الأسانيد ولذلك نجد ابن كثير يقول ( قال ابن جرير الطبري : ) ثم يسرد رواية لسيف أو غيره ناسباً إياها للطبري مع أن الطبري مجرد ناقل لهذه الرواية !! ..
الملاحظة الثالثة
الحجة الثالثة التي ذكرها الأخ حسام قوله بأن ( القول ان جميع أخبار القعقاع لم يذكرها إلاّ سيف بن عمر يحتاج إلى بحث واستقصاء ) !! ..
أقول : أنا أطمئن الأخ حسام ـ من جهتي ـ إنني لم أكتب إلاّ بعد أن
استيقضت واستخرجت روايات سيف بن عمر ( الثمانمائة ) من تاريخ الطبري ودرستها رواية رواية وقرأت كتاب سيف المكتشف حديثاً الذي حققه الدكتور قاسم السامرائي وتتبعت أخبار القعقاع قدر طاقتي وأزعم إنني استقصيت في الموضوع فيبقى على الأخ حسام أن يستقضي ويتأكد بنفسه فإن وجد خبراً أو ذكراً للقعقاع عند سيف فأنا راجع إلى قوله حتى ولو وجد ذلك الخبر عند راو كذاب فانا أقبل ذلك بشرط ألاّ يكون ذلك الكذاب قد روى عن سيف أو نقل الخبر من سيف واظن ان هذا دليل على قوة الاستقصاء. والأخ حسام مطالب بابطال هذا الاستقصاء او التسليم بما سبق من تفرد سيف باخبار القعقاع ..
ثم ان سيف بن عمر لم يتفرد باخبار القعقاع فقط بل إن قرأت رواياته وقارنتها مع روايات الآخرين وجدت تأريخين مختلفين !! كل تاريخ له رجاله وشخصياته وأحداثه وقد يحاول أن يساير بعض المشهور حتى يخفي أكاذيبه على العوام ..
الملاحظة الرابعة
أما ما ذكره الأخ حسام من أن دمار بغداد قد أضاع كثيراً من المصادر ! التي بامكانها مساندة الروايات في إثبات القعقاع فهذه الحجة التي ذكرها الأخ حسام حجة مطاطة في ظني وينقصها البرهان والدليل لأنه على هذا القول يتوجب ان نتوقف في تضعيف الأحاديث الموضوعة !! لانه يمكن ان تكون هناك مصادر ضاعت في دمار بغداد كانت تحمل متابعات وشواهد وربما اسانيد صحيحة لهذه الأحاديث الموضوعة !! ويمكن ان نتوقف عن تحريم بعض
المحرمات لأنه يمكن ان تكون هناك مصادر فيها نسخ لهذه المحرمات ، وهكذا يمكن ان نتشكك في كل حقيقة ونتوقف في رد كل باطل بهذا التعليل المطاط !! ..
ثم إن دمار بغداد بولغ فيه كثيرا ولم يشك العلماء بعد الدمار من ضياع مصادر مهمة ولم يذكروا مصدرا واحدا مهما ضاع في ذلك الدمار بل ان مصادر التراجم الموضوعة قبل دمار بغداد قد وصلتنا كاملة مثل تاريخ البخاري الكبير والصغير وتاريخ يحيى بن معين وكتاب الجرح والتعديل لابن ابي حاتم وغيرها فهؤلاء اتفقوا على إثبات التراجم المشهورة فلماذا لم نجد واحداً منهم يذكر ترجمة للقعقاع ولو اسما فقط عن طريق غير سيف بن عمر أين ترجمة القعقاع في طبقات ابن سعد وكتب البخاري وطبقات خليفة بن خياط وطبقات مسلم وتاريخ خليفة وكتب الانساب وغيرها !! لماذا تتفق هذه الكتب على ذكر من هو أقل شأنا وشهرة من القعقاع !! أم إن دمار بغداد لم يأت إلاّ على ( تدمير ) ترجمة القعقاع فقط !! ثم لن تكن كتب التراجم والتواريخ في بغداد فقط فقد كانت النسخ مع طلبة العلم في العراق والشام والحجاز واليمن ومصر والأندلس الخ فلا يجوز أن نبالغ في الأمر فوق حقيقته ونعطل البحث والدراسة لاحتمال ان دمار بغداد قد أتى على ما يمنعنا من ذلك !! ..
الملاحظة الخامسة
ما ذكره الأخ حسام بأنه يصعب اختلاق شخصية مشهورة مثل القعقاع بأخبارها وأشعارها وقيادتها وامارتها الخ ..
أقول : هذه حجتي في أنه لا يعقل أن مثل هذه الشخصية تبقى مجهولة ثلاثة قرون !! ولم يعرفها إلاّ مؤرخ كذاب !! ..
أما كون العهد والمدة بين سيف والقعقاع قريبة لا تبلغ قرناً فلا تدفع الحجة الأقوى السابقة وقرن من الزمان ليس بالمدة اليسيرة كما ان بقاء القعقاع مجهولاً ثلاثة قرون ليس بالأمر المعقول أبداً ..
الملاحظة السادسة
ما ذكره الأخ حسام بان ( الأخبار المختلقة يكون وراءها هوى أو تعصب لمذهب أو نزاع ) فهذا صحيح وسبب اختلاق سيف للقعقاع وغيره أن سيفاً كان معروفا بالتعصب لقبيلته بني تميم كما كان بعض المؤرخين الضعفاء مشهورين بالتعصب لقبائلهم. ولذلك نجد في روايات سيف عشرات الأبطال من بني تميم لم يذكرهم غيره ..
أما ما ذكره الأخ حسام من ان ( الأخبار التاريخية لا تحتاج كل هذا التوثيق ) فأقول : أيضاً الأخبار التاريخية لا يعني أن نقبل الأكاذيب التي تخالف ما اتفق عليه المؤرخون والمحدثون على حد سواء. أما قوله ( ان الثابت مقدم على النافي ) فهذا صحيح إذا كان المثبت والنافي في مستوى واحد من القوة أما أن يكون الثابت من طريق كذاب يعارضه مئات من الثقات والضعفاء على حد سواء فهذا غير مقبول ولا يقره عاقل ..
وأخيراً أشكر الأخ حسام الماجد على اهتمامه ومشاركته ..
د. حسن بن فرحان المالكي
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٤)
صحيفة الرياض ـ ١٨ صفر ـ ١٤١٨ ه
نكمل اليوم أبرز الملاحظات على رسالة الأخ الأستاذ عبدالباسط مدخلي التي كان عنوانها ( القعقاع بن عمرو ) وكنا قد ذكرنا في الحلقات الماضية ستاً من الملاحظات والآن إلى بقيتها فنقول :
الملاحظة السابعة
قال الأخ المدخلي : ( كما اعتقدت على عدة مصادر منها كتاب الطبقات
لابن سعد ) !! أقول : للأسف انني أستطيع بكل ثقة أن أقول إن هذا غير صحيح البته فالقعقاع لم يترجم له ابن سعد ولم يذكره بحرف واحد ، والطبقات موجودة بين أيدينا وليست غريبة فان جاءني الأخ المدخلي أو غيره بترجمة للقعقاع في طبقات ابن سعد باسناد ليس فيه سيف فانا راجع ألى قوله وقد بحثت في الطبقات ولم أجد للقعقاع ذكراً ولا خبراً وترجمةً و لا اسماً !! ثم ان ابن سعد توفي بعد سيف ابن عمر بنحو ستين سنة فان ذكر القعقاع فلن يكون عن غير سيف أقول هذا على افتراض اننا وجدناه مترجما بلا اسناد.
الملاحظة الثامنة
ثم ذكر الأخ المدخلي مصادر أخرى اعتمد عليها وأثبتت القعقاع فقال ( وكتاب تاريخ الأمم والملوك للطبري ) !!
أقول لا أشك أن هذه زلة علمية أخرى من أخي المدخلي وفيها استغفال للمشرف والمناقشين والقرّاء لأنه من المعلوم عند المدخلي إن كل أخبار القعقاع الموجودة في تاريخ الطبري إنما رواها سيف بن عمر وقد صرح بذلك الطبري في بداية كل أسانيد الروايات التي فيها القعقاع.
الملاحظة التاسعة
ثم أثنى على تاريخ الطبري بقوله ( وهو المصدر الوحيد الذي تحدث باسهاب عن القعقاع بن عمرو حيث فصل أحداث المعارك الاسلامية تفصيلاً دقيقاً ) !! أقول سبق البيان بان المتحدث والمفصل لتلك الأحداث هو سيف وليس الطبري فالطبري مجرد ناقل فقط ولا ذنب له في اثبات الشخصيات
المختلقة والروايات المكذوبة التي أوردها سيف بن عمر.
الملاحظة العاشرة
ثم ذكر الأخ المدخلي عدة مصادر أخرى كتاريخ دمشق لابن عساكر وتاريخ ابن الأثير والبداية والنهاية لابن كثير ومعجم البلدان للحموي وكتب التراجم وأوهم القارئ بأن هؤلاء نقلوا أخبار القعقاع استقلالاً !! وليس نقلاً عن سيف !!
الملاحظة الحادية عشرة
قول المدخلي : ( اشرت إلى دور القعقاع في معركة فحل وإن كان المؤرخون قد أغفلوا الحديث عن هذا الدور !! )
أقول : كيف عرفت ذلك الدور وقد أهمله المؤرخون !! ثم ان المؤرخين لم يذكروا كل أخبار القعقاع استقلالاً فلا يجوز أن ننسب للمؤرخين ما انفرد به سيف الكذاب.
الملاحظة الثانية عشرة
تكلم المؤلف من ص ٣ إلى ص ٢٥ عن نسب بني تميم ولم يظفر بنسب القعقاع بن عمرو كما لم يجد أحداً من النسابين المتقدمين أو المتاخرين ذكره بحرف واحد ! وفي هذا أكبر دلالة على اختلاق القعقاع لأنه لو كان موجودا على هذه الشهرة التي يزعمها سيف فستتسابق القبائل والافخاذ والبيوت على اثبات نسبته لها وتدوين ذلك وسيعرفه النسابون الذين ذكروا من هم أقل شأناً
من القعقاع بكثير !! والغريب أنه لا يوجد ولم يذكر بحرف واحد عند النسابين أمثال عبيد بن شربة ودغفل النسابة والكلبي وابن سلام والقلقشندي والبلاذري وابن دريد وابن حزم والسمعاني ومؤرخ السدوسي والمدائني ومصعب الزبيري وابن حبيب والزبير بن بكار والهمداني وغيرهم من علماء النسب مع ان بعض هؤلاء بعد سيف بن عمر ! والعاقل الباحث يستطيع أن يستنتج اختلاق القعقاع من هذا أيضاً.
الملاحظة الثالثة عشرة
تكلم الأخ المدخلي عن ( منازل بني تميم ) من ص ٢٦ إلى ص ٤٥ ولم يجد منزل القعقاع أيضاً !! ولا مقر سكنه أو تنقله !!
وما ذكره الأخ المدخلي عن منازل بني تميم لا يفيد اثبات القعقاع إن لم نجد موضعه ومسكنه من غير طريق سيف بن عمر لكن الظاهر إن سيفا نفسه نسي أن يذكر للقعقاع منزلاً فكان ذكر المنازل هنا خارج الموضوع.
الملاحظة الرابعة عشرة
تكلم المدخلي من ص ٤٦ إلى ص ٥٦ عن مكانة بني تميم في الجاهلية وليس هناك أحد ينكر مكانة بني تميم ورجالاتهم وأثرهم الكبير في الجاهلية والاسلام لكن هذه المكانة ليست دليلاً على اثبات وجود القعقاع بن عمرو الذي انفرد بكل أخباره راو كذاب متهم بالزندقة ثم لم المدخلي أي دور للقعقاع في الجاهلية لأن سيفاً لم يفعل ذلك !!
الملاحظة الخامسة عشرة
تكلم المدخلي من ص ٥٧ الى ص ٦٧ عن ( مكانة بني تميم في الاسلام ) وهذا ايضا مما يتفق الناس فيه مع المؤلف ولا ينكر مكانة بني تميم في الاسلام إلاّ مكابر أو متعصب أو جاهل لكن هذا كله لا علاقة له باثبات وجود القعقاع ولو أن سيفاً ضخم دور بعض المشهورين من بني تميم لانطلى هذا على كثير منا لكنه اختلق شخصية وهمية بهذه الدرجة من الشهرة فاكتشف الناس كذب سيف في التأريخ والأحاديث أيضاً.
الملاحظة السادسة عشرة
ذكر الأخ المدخلي ص ٥٧ : ان القعقاع بن عمرو كان من الوافدين على النبي صلى الله عليه وسلم في السنة التاسعة من الهجرة !! أقول : وهذه لم يذكرها مؤرخ اطلاقاً حتى سيف بن عمر لم يذكر هذا !
ثم وجدت المدخلي ينسب هذا في الهامش لكتاب ( الطريق إلى المدائن ) للأستاذ احمد كمال فلما رجعت لهذا المصدر ( المعاصر ) لعلي أجد ما يدعم قول المدخلي وجدت العكس وان كمال لم يذكر هذا وانما ذكر ان القعقاع اسلم في تلك السنة ولم يذكر وفادته على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ان الاستاذ كمال نفسه لم يحل على مصدر ويظهر انما ذكر ذلك توقعا فقط !! ثم أصبح هذا التوقع حقيقة عند المدخلي وسياتي بعد المدخلي من ينسب هذه المعلومة للمدخلي نفسه مثلما نسب الآن أخبار القعقاع للطبري وابن كثير مع انهما إنما نقلا تخيلات سيف بن عمر مثلما نقل المدخلي توقعات كمال !!
الملاحظة السابعة عشرة
تكلم الأخ المدخلي ص ٦٧ إلى ص ٧٣ عن فرسان بني تميم وكرمائهم ومكانتهم الشعرية ومكانة المرأة عندهم وهذا كله ليس له صلة باثبات وجود القعقاع بن عمرو اذن فالصفحات الثلاث والسبعين من بداية الرسالة ليس لها علاقة أساسية بموضوع الرسالة فكان اختصارها أو حذفها أولى.
الملاحظة الثامنة عشرة
عقد المدخلي فصلا ص ٧٤ بعنوان ( نسب القعقاع ونشأته ) ولم يذكر عن نشأته شيئا لأنه سيفا لم يذكر ذلك !!
أما نسبة فقد ذكر المدخلي ان اسمه هو ( القعقاع بن عمرو بن مالك ) من ( بني عقفان ) وهذا كله من كلام سيف !! انظر الطبري ( ٣ / ٢٧٥ ) والغريب ان الأخ المدخلي نسب ذلك إلى الطبري كالعادة ثم ذكر المدخلي انه لم يجد ذكر ) لعقفان في بني تميم الا ( عقفان بن سويد ) وهذا ينتهي نسبه إلى ( مناة بن تميم ) !! بينما القعقاع ذكر سيف انه ينتمي ، الى قبيلته ( بني عمرو بن تميم ) !! فوجدنا ان المدخلي ذكر نسباً جديداً لم يذكره سيف ولا غيره وسيأتي من الباحثين من ينقل عن المدخلي مثلما نقل المدخلي عن سيف وكمال !!
الملاحظة التاسعة عشرة
ثم ذكر المدخلي قولاً آخر في جد القعقاع بان اسمه ( معبد ) ثم ذكر انه من فرسان العرب المشهورين ونسب ذلك لابن عساكر وابن عساكر روى كل اخبار القعقاع عن سيف بن عمر ، طالع المطبوع من تاريخ دمشق ( ٤٩ / ٣٥٢ )
تحقيق الاستاذ عمر العمروي. فثناء ابن عساكر على القعقاع انما هو تلخيص لما رآه في روايات سيف بن عمر التي ساقها في تاريخه وعلى هذا فلا يجوز ان نقول ان ابن عساكر اثبت وجود القعقاع أو اثنى عليه بعيدا عن سيف !!
الملاحظة العشرون
قول الأخ المدخلي ص ٧٤ ( ولم يذكر المؤرخون شيئا عن مولد القعقاع ونشاته قبل اسلامه )
أقول : يقصد لم يذكر ذلك سيف !! فالأخ المدخلي ـ سامحه الله ـ إذا ذكر رواية من طريق سيف في اثبات القعقاع نجده يقول ( ذكر المؤرخون !! ) هكذا بالتعميم !! وإذا لم يذكر سيف شيئا نجده يقول ( لم يذكر المؤرخون !! ) وتجنب المدخلي لكلمة ( سيف بن عمر ) يحقق بها مطلبين :
المطلب الأول : إهمالاً لذكر سيف لأنه المصدر الوحيد الذي بنى عليه المدخلي رسالته.
المطلب الثاني : لما في التعميم من ايحاء بان المدخلي استقصى وأنه لا يعتمد على سيف فقط بل كل ( المؤرخين !! ).
الملاحظة الحادية والعشرون
نقل الأخ المدخلي ص ٧٥ قول أبي بكر في مدح القعقاع عندما قال ( لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل ) !!
وقول أبي بكر ( لا يهزم جيش فيهم مثل هذا !! )
ونسب المدخلي الرواية الأولى للحافظ في الاصابة ( ٣ / ٢٣٩ ) والثانية
للطبري (٣ / ٣٤٧) مع ان الحافظ والطبري انما نقلا ذلك عن سيف !!
ثم هل يعقل أن يقول أبو بكر مثل هذا الكلام في القعقاع إذا كان لا يهزم جيش فيه مثل القعقاع !! فهل القعقاع بهذه النصرة التي لم تتحقق حتى للأنبياء !! فقد هزم المسلمون يوم أحد وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر الأبطال كحمزة وعلي وعمر وغيرهم فهل القعقاع أفضل من هؤلاء ! هذا ما أراد سيف اثباته بنسبة هذه الرواية المكذوبة على أبي بكر رضي الله عنه.
الملاحظة الثانية والعشرون
قال المدخلي ص ٧٥ ( هل وصفه أبوبكر الصديق رضي الله عنه بهذه الأوصاف المجيدة بدون سابق معرفة به وببطولاته !! وبمكانته في قومه !! )
أقول : بل هل يعقل أن رجلاً كهذا لا يكون معروفاً على مدى ثلاثة قرون من الزمان ! هذه الأوصاف التي ألصقها سيف بالقعقاع والتي لا تتوفر في الأنبياء !! هل يعقل أن توجد في رجل لم يذكره أحد قبل سيف بن عمر !!
الملاحظة الثالثة والعشرون
قول المدخلي ص ٧٧ ( وقد تقصيت أكثر المصادر التي وقعت تحت يدي فلم أجد ذكراً أو ترجمة لحياة القعقاع ) !!
أقول : هذا القول غريب لا أدري كيف قاله المدخلي !! فان في تلك المصادر أخبار كثيرة لكنها كلها تنقل من سيف بن عمر !!
الملاحظة الرابعة والعشرون
ذكر المدخلي ص ٧٨ انه ( شدّ الرحال ) !! لزيارة قبر القعقاع في مدينة المنزلة بمصر فوجد بالفعل قبراً ومسجداً باسم القعقاع بن عمرو التميمي !! ثم أرفق ذلك بصور فوتوغرافية للمسجد والقبر !!
أقول : هذا كله ليس دليلاً على صحة نسبة هذا القبر للقعقاع فكم قبر منسوب كذباً إلى مشهور أو مغمور أو معدوم.
ولعل قصة ( قبر الحسين ) ووجوده في اكثر من أرض دليل على هذا ، وكذلك قبر زينب وكذلك العوام تجدهم ينسبون كثيرا من القبور إلى أبي زيد الهلالي وعزيز بن خاله !!
ومن الطرائف ان قبر ( عزيز بن خاله ) تجده في أكثر من مكان في الجنوب ( عندنا ) وفي بلاد بني الحارث بالطائف وفي نجد ومصر وتونس وهكذا ! مع انه قد لا يوجد رجل اسمه ( عزيز بن خاله ) وهذا الأخير يزعمون انه ابن لأبي زيد الهلالي وقصصه على ألسنة العوام في كثير من الأماكن فاستدلال المدخلي بالقبر المنسوب للقعقاع ليس دليلاً صحيحاً ولا مقنعا ، بسبب ما انتشر بين الناس من نسبة قبور لغير أصحابها.
الملاحظة الخامسة والعشرون
قول المدخلي ص ٧٨ : ( ولم أجد مصدراً واحداً يتحدث عن جهاد القعقاع في مصر أو انه سكن مصر ما عدا الواقدي في كتابه فتوح الشام ) !!
أقول : الكتاب مكذوب على الواقدي والسلام !! ثم ان ذلك الكتاب انما ذكر فتوح القعقاع هناك قبل فتوحه في العراق واستقراره بها !!
الملاحظة السادسة والعشرون
قوله ( كما انه لم يذكر لنا المؤرخون ان القعقاع اشترك في معركة أو نشاط حربي بعد معركة صفين ) !!
أقول : بل ليس له ذكر في صفين أيضاً لسبب بسيط وهو أن سيف بن عمر لم يكتب عن وقعة صفين وانما انتهى كتابه إلى موقعة الجمل فقط !! أما قول الأخ ( المؤرخون ) فهذا تضخيم لرواية سيف فقط !!
والخلاصة في هذا الفصل الذي خصصه المطالب عن ( نسب القعقاع ونشأته ) لم يثبت فيه نسب القعقاع ولا نشأته ولا وجوده أصلاً وكل ما أحال عليه الطالب ـ باحتيال ـ تم اكتشافه وانه كله عن سيف بن عمر أو عن كتب منسوبة كذباً وزوراً لغير أصحابها.
د. حسن بن فرحان المالكي
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٥)
صحيفة الرياض ـ ٢٥ صفر ـ ١٤١٨ ه
ينسب إلى أحد الفلاسفة أنه قال ( إذا شرحت فكرتك عشرين مرة ثم ظننت أنه قد فهمك الآخرون فأنت متفائل أكثر من اللازم !! ).
وفي ظني ان ذلك الفيلسوف كان متفائلاً ( أكثر من اللازم ) لأن المصيبة اليوم ليس في ( عدم فهم الآخرين ) بقدر ما تكون المصيبة في تعمدهم ( إساءة الفهم ) ومحاربتهم للحقائق بطرق ملتوية وبتر لكلام الخصوم وتحميل الكلام ما لا يحتمل ، فمثل هولاء لن يفيد أن نشرح لهم عشرين مرة ولا مئة مرة ..!!
ما دام أن النية مبيتة لتحريف المقاصد واساءة الفهم واتهام النيات إلى آخر المعزوفة.
أقول هذا حتى لا يمل بعض الأخوة القرّاء إن كررنا بعض الإيضاحات والأقوال وشرحناها بطريقة تمكن من وصول الحقيقة مجردة إلى أكبر قدر ممكن من الناس ثم بعد هذا من أراد أن يسيء القراءة والفهم فإنه يستطيع ذلك بسهولة ولذة أيضاً ..!!
وقبل أن أستطرد في سرد بعض الملاحظات على رسالة الأخ المدخلي عن ( القعقاع بن عمرو ) أود هنا أن أشكر كل الأخوة الذين شاركوا في الحوار سواء من وافقني منهم أو خالفني ، فاشكر الأخ حسام الماجد والأخ خالد البكر وهذا الشكر لا أقوله منة أو مجاملة وإنما واجب ، لأن القارئ ( الإيجابي ) الذي يقرأ الموضوع ثم يتفضل ويكتب عنه نقداً أو تأييداً أو إضافة ثم يرسل للصحيفة ويتابع موضوعه فهذا أفضل ( إيجابية ) من القارئ الذي يقرأ الموضوع بلا إيجابية ، مع أن القارئ للموضوع أفضل ( إيجابية ) من الذي لا يقرأ أصلاً.
فالإخوة الذين شاركوا بإثراء الموضوع لهم فضل يجب أن يذكر ويشاد به بغض النظر عن الصواب والخطأ فكلنا خطاؤون والخطأ بداية التصحيح ، ومن لا يعمل لا يخطىء وكذلك من لا يبحث ولا يكتب فلن يأخذ عليه الناس خطأً ولا صواباً ..!! وهذه سبيلة لا يرضاها عاقل.
( منهج أمثل في الردود )
لكن الإخوة الذين يكتبون الردود والتعقيبات ( مؤيدة أو معارضة ) هم بحاجة إلى معرفة المنهج الأمثل والآلية الصحيحة قبل كتابة المقال وبعثه إلى
الصحيفة ولعل من أبرز ملامح هذا المنهج التركيز على ثلاثة أمور هي :
(١) القراءة قبل النقد فمن العيب العلمي أن يحكم القارئ على الكاتب أو على رأيه في المسألة قبل أن يقرأ المقال نفسه ..!!
وللأسف أن كثيراً من الناس ما أن يسمعوا نقداً لأحد الكتّاب حتى يسارعوا في الموافقة وتبني ذلك النقد بما فيه قبل أن يفرأ الفرد منهم ثم يتخذ القرار عن قناعة تامة. فنحن مصابون بالعقل ( الجمعي ) والتفكير ( الجماهيري ) ..!!
فإذا وجدنا المجلس يذم الكاتب الفلاني ذممناه ..!! وإذا وجدنا ذلك المجلس يمدح مدحنا ..!! ونحن في الحالتين لم نقرأ ولم نتبين ..!! وهذا يذكرني بما ذكره بعض الإخوة من أن رئيساً خطب في حفل كبير وذكر بانه سيشن حربا على دولة أخرى ..!! فصفق له الحاضرون ..!! فاستدرك قائلا ( لكن الحرب لا تعطي نتيجة سنحاربهم بالسلام والمفاوضات ) ..!! فصفق له الحاضرون أيضاً ..!! فنحن مع أول من تكلم ولا نعارض الأخير ...!! وهذه سلبية ينبغي أن نعالجها.
ونحن في مجالسنا قريبون إلى حد كبير من ( المصفقين ) لذلك الرئيس ، فإذا ( حَشَّ ) أحد الحاضرين في كاتب ( تتبعناه ) وإن مدح ( تبعناه ) فنحن بحاجة قبل ( موافقة الآخرين ) أو مخالفتهم أن نستأذنهم ونقول لهم إننا لا نستطيع الآن ( اتخاذ موقف ) لسبب بسيط وهو ( اننا لم نقرأ ما قرأتموه ) فإذا قرأنا ذلك المقال سنخبركم بموقفنا ..!! سيقول ذلك المتكلم ألا تثقفون فيَّ ..! أنا قرأت المقال وهو موجود وو إلخ.
قولوا له : إذا كان بعض كبار المحدثين قد أخطاوا ونقلوا بعض الأحاديث
مبتورة وفهموا بعض الأحاديث على غير وجهها فمن باب أولى أن ـ تفهموا خطأ أو تنقلوا خطأ ..! وهكذا نستطيع بالإسلوب السهل المتعقل أن نقنع من في المجلس بصحة موقفنا مع الإصرار عليه بل ندعوهم إلى هذا وتنقد طريقتهم في اتخاذ المواقف.
(٢) الفهم بعد القراءة إذا استطعنا أن نقرأ المقال لكاتب من الكتاب فمن العيب العلمي أيضاً ألا نفهم ما كتبه الكاتب ..!! فقد قامت الحجّة علينا إن أسأنا الفهم. وللأسف إنّ بعض القرّاء ـ بعد قراءته لمقال ما ـ لا يحسن فهم المقال ثم يعمم هذا السوء ـ سوء الفهم ـ وينقله للناس أو ينقد وهو لم يفهم الموضوع فلذلك نجده يكرر بعض الشبهة والاعتراضات التي سبق للمقال أن ناقشها ..!! إذن فالقارىء قبل أن يحكم للكاتب أو عليه مطالب بان يقرأ ما كتبه الكاتب ثم يفهمه.
(٣) العدل بعد الفهم والقراءة : بعض القرّاء قد يقرأ المقال ـ وهذا جيد ـ ويفهمه ـ وهذا أجود ـ لكنه لا يستطيع أن يعدل لأن المقال أو الأفكار لا تتفق مع ما قد كان يراه مسبقا ..!!
فهو يحاكم حقائق المقال إلى المقياس خاص به وهذا مقياس قد يكون ظالماً أو غير منضبط ولا تحكمه المعايير فلذلك نجد القارئ ـ أحيانا ـ يظلم الكاتب ويتعمد تحريف أقواله وتفتيحها وبتر الاستدراكات والتوضيحات وربط أفكار الكاتب بامور لم تخطر له على بال ..!! فهذا من نشر أنواع الظلم وهو يفوق ـ في نظري ـ ظلم الذي يحكم ولا يفهم أو ظلم الذي يحكم قبل أن يقرأ.
إذاً فنحن بحاجة إلى تذكير أنفسنا بانه قبل النقد والاعتراض يجب أن نقرأ ثم نفهم ثم نعدل في الحكم. أما ما هو سائد من ظلم قبل القراءة وقبل الفهم
فهذا محرم شرعاً ومذموم عقلاً وفطرة.
ثم لا يستطيع أحد أن يجبر القارئ على حسن القراءة وحسن الفهم والعدل ولذلك يستطيع القارئ أن يعبث كما يشاء ويرسله للصحيفة أو ينشره في مجلس من المجالس ..!! ولعل من أخطاء القارئ التي يجب التنبيه عليها أنه يفهم أحيانا ( بفهم الآخرين ) ويقرأ ( بعيونهم ) ..!! ويسمع ( بآذانهم ) ..! وينطق ( بألسنتهم ) ..!! ويظلم ( بظلمهم ) ..!! فلذلك سيأثم ( باثامهم ) أيضاً ..!! لأنه ارتضى لنفسه المتابعة ولو على باطل لأن هذه المتابعة توفر له جواً ( اجتماعياً ) جيداً أو خدمة مؤقتة ..!! أو مجاملة ( وظيفية ) تفيده عند اللزوم ..!! وينسى هذا القارئ المسكين انه محاسب على عمله وأن غيره لا يستطيع تحمل الآثام عنه.
إذا فالقارىء مطالب باتخاذ الموقف عن قناعة ولن يستطيع اتخاذ هذا الموقف إلاّ بمعرفة ( الآلية الصحيحة ) التي توصله لهذا ( الموقف ) وقد سبق شرح أبرز جوانب هذه الالية وهي ( القراءة + الفهم + العدل ).
ولو طبق القرّاء هذه الالية بدقة لاتفقنا في كثير من الأمور التي يجب أن نتفق فيها ولأصبحنا من المجتمعات المثالية في ( فهم الحوار ) و ( فهم الاخرين ) هذا الفهم الذي لن ننهض بدونه لأنه ( أي الفهم ) مفتاح كل حسنة وعنوان كل إيجابية من إيجابيات العلم والفكر والمواقف أيضاً.
( رسالة المدخلي أيضا )
بعد هذا الايضاح الذي شجعنا عليه مقولة الفيلسوف التي سقناها في بداية المقال نعود للأخ عبد الباسط المدخلي وأحب أن أوضح أيضاً بان المدخلي صاحب الرسالة المنتقدة يبقى أخاً في الله لا أكن لشخصه الكريم إلاّ كل
خير ودعاء. أقول هذا لأن بعض الناس ـ بغير هذا التوضيح ـ قد يظن أن بيني وبين من أتحاور معهم عداوات شخصية ..!! كما أن بعض الاخوة لا يستوعب أنني أثني على أحد ثم أرد عليه ..!! فهم يربطون بين الرد والقدح في الأشخاص وهذا ربط يفعله العامة ويتابعهم عليه بعض الخاصة.
إذن فكوني أكن لأخي عبد الباسط المدخلي أو غيره التقدير لا يعني هذا ( تعطيل النقد الذاتي ) ولا يعني إقراره على ما ذهب إليه كما ان الأخ عبد الباسط أو غيره لا أطلب منه الموافقة مطلقاً على كل ما أقول فله الحق أن يرد ويبدي وجهة نظر مدعمة بالأدلة والبراهين. ولعل أخشى ما أخشاه على الأخ المدخلي التأثر بالوسط الذي هو فيه فكثير من الزملاء والأصدقاء يشجعون المنقود على الاصرار على الخطأ وتبرئة الساحة وارجاع الكيل كيلين ..!! فتضيع الحقائق وسط ركام الردود والمجادلات ، ويساعد في ضياع الحقائق ان أكثر القرّاء عندنا أو كثيرا منهم عندهم ضعف ظاهر ولا يستطيعون اتخاذ قرار ولا معرفة الصواب والخطأ فيقعون لقمة سائغة ( لآخر صيحة ..!! ).
أرجوا أن يفهم القرّاء أنني لم أعمم وانما قلت ( اكثر أو كثير ).
على أية حال : نحن نجد في تاريخنا الاسلامي أروع الأمثلة للرجوع إلى الحق رغم مخالفة الاتباع والرعاع وغوغاء المؤيدين فان لم يتنبه العاقل لهذا فسيجد نفسه متبنيا لموقف خاطىء لا يرتضيه لنفسه.
نحن نرفع شعار ( كل يؤخذ من قوله ويرد ) لكن عند التطبيق لا نأخذ الأقوال إلاّ ممن نحب ولا نرد أقوال إلاّ من نكره ..!! وهذا الحب والبغض ليس مبنياً على أساس صحيح من دين أو عقل وانما مبني على المصالح والآراء الجماهيرية ومجاراة السائد بما فيه من تقليد وركود وتلقين.
نعم إن النظريات الجملية موجودة لكن نظريات وقد حل مكانها نظريات أخرى جاهلة لها واقعها التطبيقي مثل من أنت ..!! غير ممكن ..!! ما ترك الأول وللآخر إلخ ). وكان لهذه النظريات الجاهلة أثرها المدمر على النظريات القرآنية والحديثية التي تنهى عن التقليد وتأمرنا بالتدبر والتفكر والتعقل والتفقه فأصبح التقليد علامة التسنن والاتباع وأصبح البحث الجاد علامة المخالفة والابتداع ..!!
وقد عانى كثير من نوابغ السلف الصالح من هذه النظريات المستحدثة وتستطيعون استعراض أئمة الإسلام الكبار الذين كان لهم أثرهم الطيب على العلم والمعرفة هل تجدون واحد منهم لم يتهم في نيته أو عقيدته أو دينه ..! هل تجدون أحداً منهم لم ينله الأذى من أفعال وألسنة العوام والمقلدين ..! كلكم تذكرون ماذا حدث لسعيد بن المسيب والشافعي وأحمد وأبي حنفية ومالك وابن تيمية وابن القيم والمزي وغيرهم هكذا تجد المحاولات ( الماكرة ) لإسكات العلم النافع الذي لا يدرك منفعته إلا أجيال من العصور التالية.
أيضاً هذه إيضاحات التي أقولها الآن دفعنا إليها كلمة الفيلسوف فلا تسأموا من التكرار فالكاتب أو المؤلف أو صاحب الرأي في أمس الحاجة إلى التوضيح ثم التوضيح ثم التوضيح.
( عودة إلى الرسالة ومصادرها )
رأينا في الحلقة الماضية ان الأخ المدخلي عقد أول فصول كتابه بعنوان ( القعقاع بن عمرو ومكانته في بني تميم ) ثم تكلم عن نسب القعقاع ونشأته وأحال في هذا الفصل على أحد عشر مصدراً كلها نقلت من سيف بن عمر ..!
وسبق أن قلنا إنه في هذا الفصل لم يثبت وجود القعقاع فضلا عن نسبه ونشاته ومكانته إلخ.
والغريب أن الأخ المدخلي لم يذكر ( سيفا ) في المصادر البتة ..! وهذا ـ كما قلت سابقاً ـ يظهر أنه هدف أساسي من أهداف الأخ المدخلي حتى لا يتهم بانه اعتمد على مصدر واحد غير موثوق ..!!
( مصادر المدخلي ١١٦ مصدرا ..!! )
وأغرب من هذا كله ان مدخلي في رسالته قد أحال على مائة وستة عشر مصدراً ومرجعاً ..!! سردها في نهاية الرسالة في ثلاث وعشرين صفحة ..!! كلها نقلت أخبار القعقاع من سيف بن عمر وليس هناك مصدر من تلك المصادر ذكرت القعقاع استقلالا ..!! فو أراحنا المدخلي وأراح نفسه بذكر مصدر واحد فقط وهو سيف لكان أفضل وأصدق وأقل تكلفة وجهدا من كتابة ذلك ( الثبت ) الطويل الذي بدأ بالقرآن الكريم وانتهى بمحمد عمارة ..!! والغريب ان المدخلي لم يذكر ( سيف بن عمر ) في هذه المصادر والمراجع البتة ..!! وهذا فيه استغفال للقراء والمناقشين يصلح لأن يسجل نادرة من نوادر الرسائل الجامعية في هذا العصر.
كل هذه المصادر ـ سوى القرآن الكريم ـ نقلت أخبار القعقاع عن سيف بن عمر الكذاب الذي يعترف المدخلي بانه ( متروك الرواية ) لكن ( لم يترك ) رواياته ..!!
أما عن سبب ورود القرآن الكريم هنا فقد ذكره المدخلي لأنه زعم ـ تبعاً لسيف ـ ان القعقاع صحابي ..!! ثم جاء وصب آيات الثناء على الصحابة على
هذا الصحابي الذي ليس له وجود ..!!
والغريب في القعقاع انه يزحف بقوة فهو لم يكن موجوداً أصلاً فزعم سيف انه شهد وفاة النبي (ص) ثم توقع أحمد كمال انه ( أسلم في السنة التاسعة ) وزاد الفقيهي بان القعقاع ( وفد على النبي (ص) في السنة التاسعة ) وتوقع عبد الله صقر ( انه شهد الخندق ) ..!! وقد يأتي آخر وينقل هذه ( التوقعات ) على انها حقائق مثلما نقلنا تخيلات سيف بن عمر ( القصصية ) على انها حقائق وألفنا في ذلك المؤلفات والرسائل الجامعية ..!! وقد يأتي آخر ويتوقع أن القعقاع شهد بدراً وأنه خامس الخلفاء الراشدين وهكذا نجد أن أكاذيب سيف بن عمر قد سرت في دمائنا من حيث لا نشعر وأصبح لها فعل المخدر ..!! ولكثرة إدماننا على قراءة مرويات سيف أصبحنا نستلذ الكذب ونسير غير مبالين بمنهج علمي ولا أصول تحقيق ولا إثم الكذب لأننا نشعر إننا أصحاب ( نيات حسنة ) وهذا الشعور نجعله مبرراً لنا لمخالفة المعايير والضوابط البحثية ، إضافة إلى مخالفة ما نعد الناس به من التزام بهذا المنهج وتلك الضوابط.
وأخيرا فقد حاولت أن أخصص هذه الحلقة لهذه الإيضاحات لأننا بحاجة من وقت لأخر لتذكير الناس بما ننادي به وما نتبناه من آراء نزعم أن لها أدلتها العلمية ، وما دام أن هذه الإيضاحات متعلقة بموضوع ( القعقاع ) فقد جعلناه في السلسلة نفسها لهذا السبب ولسبب آخر ذكرناه وهو مصادر ترجمة القعقاع التي نقلها لنا المدخلي.
في النور :
الأستاذ شاكر محمود عبدالمنعم ، إن دراستكم عن (ابن حجر العسقلاني
مصنفاته ودراسة في منهجه وموارده في كتابه الإصابة ) دراسة تستحق الاشادة ولعل مما يهمنا في هذا الموضوع ما كتبه الأستاذ شاكر في الباب الثالث عن ( منهج الحافظ في الاصابة ..!! ) فهو مفيد لمن يتكلم بلسان ابن حجر وهو لا يعرف منهجه ..!!
د. حسن بن فهد الهويمل
المالكي والتاريخ
صحيفة الرياض ـ ٤ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
كنت منهمكاً في تصحيح طبعة محاضرتي عن « وعي الأنا ووعي الآخر طريق الفاعلية » في مكتبي بنادي القصيم الأدبي فإذا بي أفاجأ بشاب يقدم نفسه أخوك حسن فرحان المالكي وسعدت برؤيته بين يدي دون سابق وعد. وتلك كانت أول مرة أراه فيها وجهاً لوجه ، وما كنت أحسب هذا الكاتب المثير إلى حد الإزعاج بهذا السن ، وتذكرت نرجسية ابن أبي ربيعة : ( أهذا المغيري الذي كان يذكر ) ونبذت ما في يدي ، وأقبلت على الشاب ، أجادله في بعض ما
يشغلني حول اطروحاته ، وأثير معه بعض القضايا ، واستعرض أطراف المحاذير حول تناولاته التي شغلت البعض.
ولما لم يكن اللقاء المتاح كافياً لاستكمال الحوار ، رتبنا لقاء آخر ، مساء اليوم نفسه ، وفيه كانت مطارحات شيقة ، ومفيدة ، وتساؤلات كثيرة ، أكدت لي أن المالكي تنحصر رسالته في فترة تاريخية وإزاء قضية أو قضايا متجانسة. ولكن ـ وبسبب حداثة السن ـ تنقصه أشياء ، ما كنت سعيداً بفقدها عند من يشتغل في مناطق حساسة ، فأنا حريص على أن يستكمل مثلها مثله.
وإذا كنت أختلف معه في بعض ما يذهب اليه ، أتمنى أن تكون تناولاته مثيرة ، وحافزة لأخواننا ، وزملائنا في أقسام التاريخ في جامعاتنا التي تتوفر فيها مثل هذه الأقسام ، ليعيدوا النظر في أمور كثيرة ثم ليخوضوا مع الرجل ، ومع غيره ، معترك الجدل حول القضايا التي اختار لنفسه الخوض فيها ، وألح في طرحها ، وخرج فيها على السائد ، وعلى النمط فإما أن يقلموا أظفاره ، ويضعوه في حجمه الطبيعي ، وإما أن يتشايلوا معه المهمة وليس من اللائق أن يصول ، ويجول وحده في تلك الفجاج ، إذ من واجب المتخصصين ايقاف هدمياته ، لا حقاق الحق ، والدخول في واحد من ثلاثة مستويات فإما أن يكونوا معه وأما أن يكونوا ضده في كل ما ذهب اليه وإما ان يكونوا وسطاً يقبلون الحق ويردون ماسواه إن كان يخلط وأما ان يتوقفوا فيما لا يعرفون وجه الحق فيه وهو قليل. وإذا كان الرجل الذي يكتب من خلال آليات التخصصية اين هم من هذا الطرح المثير الذي سيكون له اثر في الموقف من التاريخ الإسلامي ، أين هم من قبل أن ياتي ومن بعد ما جاء اقول ابتداء : ان اندهاشي من مغامراته الجرئية
لا يعني موافقتي ، ولا مخالفتي له على الاطلاق ، ولا يعني ارتياحي من بعض تناولاته ، كما لا يعني رغبتي في احترام التاريخ ، وعدم المساس به ومع كل هذه التحفظات أجد بعض الرغبة في التناولات المثيرة ، والمحركة للركود ، فالساحة الفكرية ، والثقافية بحاجة إلى تحريك ما ينتابها من الركود. واختلافي معه وترددي في قبول كل رؤاه لا يضيره بشيء ، ان كان ما يطرحه ، ويثيره عن علم ، وحسن نية. فالبشر عرضة للخطأ ، وعرضة للجهل ، وإذا كان التاريخ الاسلامي مظنة للمساءلة ، والمحاكمة ، والإقرار ، والنفي فان له حرمته ، ومكانته في نفوس المسلمين ، ولا يليق المساس به إلاّ بقدر ما يخدم النص والحدث من اسقاط ، أو تصحيح ، أو تأييد ، او دفاع ، ووفق منهج ، وآليات معتبرة ، وفي ظل نتائج لا تؤدي إلى سحب الثقة به كتراث نعتز به والتاريخ الإسلامي يرتبط قوة وضعفا بالمؤرخ وبمنهجه ، ومصادره ، فالبعض يتسع للأساطير ، واللامعقول ، وآخرون يرونه للمتعة والتسلية ، وطائفة منهم يرونه للاعتبار ، وقليل منهم من يمحص الروايات ويحاكم الأخبار ، ولا يدون إلاّ ما وافق العقل والواقع وأيدته الرواية المستفيضة ولا يعول على كل المصادر. وفي ظل الفعل ، ورد الفعل ، لم أجد الحوار الموضوعي الذي يدع شخص الكاتب جانبا ، ويمسك بكلامه موضوعاً ، حتى يتبين الحق ، ومن ثم يحكم القرّاء على الكاتب كل الذي اقرؤه ـ مع الأسف ـ تلاسن واتهام ، والقضايا مازالت بعيدة عن الحوار.
والمالكي الذي طبق منهج المحدثين على الرواية التاريخية تأسياً بسلف صالح ، وطالح ، سيجد نفسه يوما « ما » أمام ركام مخيف من المبالغات ، والأكاذيب ، قد يخدم بعضها التاريخ نفسه. ولكن التسرع في اصدار الأحكام على ضوء تلك الآليات سيؤثر في النهاية على المسلمات. ومنهج المحدثين واحد
من المناهج التي طبقت في قراءة التاريخ ، كمنهج الشك مثلاً عند أسد رستم الذي يرى ان شك المؤرخ رائع حكمته ، وهو يذهب اليه انجلو وسينويوس من أن نقطة الابتداء للباحث هي ( الشك المنهجي ) بحيث يرتاب المؤرخ في كل الأقوال ، وهو ما يذهب اليه أيضاً حسن عثمان ، وقد علل عبد الرحمن بدوي أسباب الكذب في التاريخ من خلال رؤية عقلية أو حدسية ، وفقاعة المالكي واحتدام مشاعره في سياق الفعل الكتابي أدى اليه دأبه ، وتقصيه للقضايا القابلة للتداول وغير القابلة ، وهو ما لا نجده عند كثير من لداته ، وشيء آخر أرجو أن يتقبله المؤرخون المعاصرون ، وهو تخوفهم وترددهم ، وضعف آلياتهم ونميطتهم في تناول الأشياء والأحداث ، وقلة بضاعة البعض منهم ولو أن أحداً منهم كشف عن ساقه ودعى بقلمه ومحبرته ونازل الرجل من خلال علمية متفوقة ومنهجية منضبطة ، لكان بالامكان حفظ التوازن بين داخل بآليات صارمة ، ومدافع من خلال آليات متسامحة.
وأنا أتحفظ على جرأة المالكي ، ومحدودية تناوله والتي يأتي في ذروتها « البيعة » و « ابن سبأ » و « سيف بن عمر » وأتمنى لو أنه حد من اندفاعه ، وخفف من حدته ، وعدل من أحكامه ، وبحث في قضايا غير مطروقة ، وغير مثيرة للتساؤل والشك ، ثم ـ بعد تناوله ـ أرجأ اصدار الأحكام ، وترفع عن التحدي ، وطلب المبارزة ، فالأمر ليس من السهولة بحيث تتلاحق فيه الأحكام بهذه الحدة ، وبتلك الجرأة. ولنأخذ على سبيل المثال موقفه من ظاهرة « عبد الله بن سبأ » بعد اتفاقنا معه فيما يتعلق بالبيعة لعلي ، وضعف ابن عمر في الحديث وهشاشة بعض الرسائل العلمية في منهجها ، ومادتها ، ونتائجها.
لقد تساوق مع غيره من مذهبيين ومستشرقين ، وعقلانيين ، في انكار
هذه الشخصية ، واعتبارها مختلقة ، وحمل سيف بن عمر مسؤولية ذلك ، وهذه الشخصية دار حولها جدل طويل قبل أن يثيرها المالكي ، بل قبل ان يثيثرها قدوته الهلابي ولعل أكثر الأطروحات اثارة ، وازعاجا على المستوى الخليجي ، وعلى مستوى جامعة الرياض ، ما قام به زميلنا وصديقنا الصامت إلى حد السكون الأستاذ الدكتور عبدالعزيز الهلابي. وذلك عندما نشر بحثه المحكم في حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت ( الحولية الثامنة ، الرسالة الخامسة والأربعون عام ١٤٠٧ / ١٤٠٨ ه بعنوان « عبدالله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة ». وهذا البحث المثير هو الذي حفز المالكي ، وفتق حلقه ، وحمله على اهداء كتابه ( نحو انقاذ الإسلامي ـ قراءة نقدية لنماذج من الأعمال والدراسات الجامعية ) الذي قامت مؤسسة اليمامة الصحفية مشكورة بطباعته ضمن سلسلة ( كتاب الرياض ) لأستاذه ومعلمه الذي لم يتلق على يده الدراسة ، ولكنه تلقى على بحوثه وكتبه الثقافية.
والدكتور الهلابي توخى واسطة العقد في منظومة اشكاليات التاريخ الإسلامي ، ومارس فيها حفرياته المعرفية. وما أعده إلاّ كاتباً يتلقط في كتاباته الأشياء الحساسة والمثيرة ، ولا يعنيه بعد ذلك ، ما إذا كان أرضى الناس ، أو أسخطهم وأذكر أنه أهداني قبل سنوات « مستلة » من بحثه عن القرّاء ، ودورهم في معركة ( صفين ) وكان بحثه هذا ، وآخر لا أذكره الآن ، مثار اعجابي به ، وتساؤلي عن مصداقية النتائج التي توصل إليها ، ولما لم أكن إذ ذاك مهتما بالتاريخ وقضاياه المثارة على كل المستويات ، فقد صرفت النظر عن مساءلة الباحث القدير عن تلك الآراء المخالفة للسائد وأحسب أنها مرت بسلام فالأجواء يوم ذاك طبيعية ، والحالة هادئة لا توتر فيها.
ومن قبل ومن بعد أخذت الأقلام المشبوهة تتجه صوب التاريخ الاسلامي ، وتراثه ، تنقب عن هفواته ، وتنفخ في هناته لأغراض دنيئة ، هذه القنافذ الهداجة حفزتني على الاهتمام بالتاريخ ، وبما يدور حوله من دراسات باقلام عربية وغربية منصفة او متحاملة مربية او مستريبة في هذه الأجواء الملوثة ، والمشبوهة استكملت الدراسات حول تفسير التاريخ كالتفسير الاشتراكي كما يصفه انجلز مردريك ، ومناهجه عند الغرب وعند العرب كما يجليه الدوري وعبد الغني حسين وعثمان حسن وأسد رستم وشوقي الجمل ، وحسين نصار ومن ثم عرفت شيئا عن مدارسه وخصائصها وصلة التاريخ بالعلوم الأخرى ومصادره المشروعة وغير المشروعة ، والموثوقة وغير الموثوقة ومستويات نقد التاريخ لقد سعدت حين عدت إلى مكتبتي فوجدت فيها العشرات من هذه الأنواع.
وزاد اهتمامي بالتاريخ الإسلامي بعد أن أوغل فيه العلمانيون ، والحداثيون ، وقرؤوا بعض الأحداث واتخذوها سلما للطعن في التجربة الاسلامية في الحكم. ومازلت أنحي باللائمة على اخواننا المؤرخين ، الأكاديميين ، الذين يمرون بهذه الأشياء وكأنها لا تعنيهم وانحي باللائمة ـ أيضاً ـ على أقسامنا العلمية المتخصصة ، التي لم تتخلص من نمطيتها ، وأسلوب تناولها المعتق وأتحسر على ضحالة الأكثرية منهم ، وارتجالهم الأشياء ، أو التسطح عليها واعجب كل العجب من ضعف التقي وجلد المنافق.
ومما زاد استيائي وصعد من حرصي على قراءة التاريخ الإسلامي ما تتابع من مناهج غربية تسابق المؤرخون على تطبيقها في دراسة التاريخ الاسلامي وتعمد البعض محاكمة الإسلام فيما كتبه بعض الاسلاميين كفعل المستشرقين مع
الاسرائيليات في التفسير ، ومحاكمة الإسلام فيما يفعله الاسلاميون كالذي كتبه العلماني الهالك فرج فودة في كتابه ( الحقيقة الغائبة ) وما تلفظه المطابع ، ودور النشر المشبوهة والمرتزقة من كتب تسيء إلى رموز الإسلام ، ومقدساته ، ولا تعف عن النيل من شخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه الكرام ، وأحداث التاريخ. ومن قبل هذا قرأت باستياء روايات جرجي زيدان التي وظف فيها آليات فرويد الجنسية وكتابات الدكتور طه حسين عن « الفتنة الكبرى » و « المعذبون في الأرض » ، و « الأدب الجاهلي » ومن بعد أولئك جمع غفير من الماركسيين القذرين الذين لم يتورعوا عن النيل من الرسول ومن المجتمع المدني وعندي من ذلك ما يغثي النفوس.
ثم ما نراه ونسمعه من كتابات المتطرفين في فكرهم كال ( العروى ) وغيره ، ممن حكموا العقل المطلق ، أو حكموا المناهج الغربية في قراءة التاريخ ومع انني لا أتردد في ادانة كثير من المؤرخين ، ومع انني ـ أيضاً ـ أو من إيمانا لا يزعزعه الشك ، ان تاريخنا بحاجة إلى غربلة ، ومساءلة ، وتصفية ، وتنقية ، إلاّ ان هذا لا يجعلني اتفق مع المفكرين ، والعقلانيين ، والماديين ، في قراءة التاريخ على هذه الشاكلة ، ولمثل هذه الأهداف الدنيئة. ويقال مثل ذلك عن التفسير المليء بالإسرائيليات ، مما فتح ثنيات على فكر الأمة ، وتراثها. ثم يجب أن نعرف أن مدار الأعمال على النية وعلى العلم واستكمال آليات البحث ، فمن آخذ التاريخ ، ولام المؤرخين وآخذ المفسرين لغرض شريف ومقصد سليم ، وبعد أهلية الاجتهاد لا يرمى في مؤاخذته إلى تقرير نتائج مناهضة للإسلام ، فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم واستعملهم في خدمته ، وطاعته ومن مارس الفعل نفسه وله نوايا دنيئة ، ومقاصد سيئة ، ثم هو دون القدرة المطلوبة لمثل هذا
العمل فاولئك مع الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى اهلهم يرجعون.
والمالكي واحد ممن نتحفظ على بعض قراءاته.
ولا أشك انه يمثل عنصر الاثارة لزملائنا في الأقسام التاريخية فهل هم معه ، أو ضده ولماذا هذا الصمت الطويل هل ما يقوله لا يستحق الرد ، والمساءلة ، ام أنهم يرون أنفسهم أكبر من الرجل ، ومن المجال الصحفي الذي يشتغل من خلاله. وامنيتي أن يمد المالكي عينه لا إرادة لزينة الحياة الدنيا ، ولكن اتقاء كالذئب الذي ينام بإحدى مقلتيه ، ويتقي باخرى الأعادي ، يمدها ليقرأ لأولئك الذين أسالوا دم التاريخ من عقلانيين ، وعلمانيين ، ومستشرقين ، ثم ينازلهم ، إن كان ثمة فضلة من جهد وعلم. إذا كلما رأيتهم يخبون ، ويضعون في تراثنا ، دون منازع ، تذكرت قول الشاعر :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي |
بنو اللقيطة من ذهل ابن شيبان |
ان كتابات المالكي الفاقعة اللون ، تهز المسلمات ، وتحفز القارئ إلى إعادة النظر في مصداقية التاريخ ، وليست بأقل إثارة مما يكتبه الآخرون. فمتى يهب الأخوة في الجامعات ، لاعادة الثقة بهم ، وبالتاريخ المستباح ، لإيقاف هذه الهدميات التي تمارس بين الحين والآخر من مغرضين حادقين أليس فيهم رجل علم واثق ، ينازل باقتدار ، ويسائل بحكمة ، ويوقف هذه الجرأة التي نحترمها عند البعض ، وقد لا نتفق مع طائفة من مفرداتها.
ومن المؤكد ان ( التاريخ الإسلامي ) الذي أرى أن يسمى ( تاريخ المسلمين ) يهتم بأحداث السلاطين ، ولا يتسع للفكر ، ورجلاته ، والعلم واساطينه ، كما يمتلىء بالمبالغات ، والخرافات والأساطير ، واللا معقول ،
واللا لائق وسبق ان قيل : ( لا يكتب التاريخ إلا المنتصر ). ومع شديد الاستياء ، فالتاريخ في مفهومنا لا يمتد إلى تراجم الرجال من علماء ، وفلاسفة ، ومفكرين ، وإلى منجزهم ، بل يقف حيث تكون الأحداث السياسية ، والعسكرية ، وأخبار السلاطين. هذا التاريخ بآلياته ، ومرجعياته واهتمامته ، ومناهجه ، بحاجة إلى أقلام مخلصة واعية ، تمسه بلطف ، وتنقيه باقتدار ، لكي توقف طوفان التساؤلات المحرجة.
لقد كانت الضربات الموجعة للتاريخ ، تأتي من علماء الملل والنحل الاسلامية ، التي تعمدت إنكار بعض الأحداث ، وبعض الشخصيات المؤثرة ، كبعض الصحابة ، والتابعين المشبوهين وتأتي هذه الإثارات من المستشرقين الذين دخلوا على التاريخ الاسلامي بآليات غير ملائمة ونوايا مشبوهة ، ووجدوا فيه ما يريدون. وكنت أود لو عمد علماؤنا ومفكرونا ونفوا من التاريخ ما لا يتسع له نص ولا يحتمله عقل ولا تقبله أوضاع ، فنحن أحق بالمعالجة منهم ، وهذه مسؤوليتنا. وإذا يكون ابن سبأ محور كتابات المالكي فإن ممن كتب عن شخصية ابن سبأ في سياق إنكار هذه الشخصية مرتضى العسكري في عملين هامين ومشبوهين في آن هما :
( عبدالله بن سبأ بحث وتحقيق فيما كتبه المؤرخون والمستشرقون عن ابن سبأ ) المطبعة العلمية في النجف ١٣٧٥ ه ـ ١٩٥٦ م ) وعبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) دار الغدير بيروت طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م.
والجدل حول ابن سبأ يأخذ ثلاثة مستويات ـ المستوى السائد عند المؤرخين الإسلاميين. وهو ثبوت وجوده ، وثبوت دوره في الفتنة ، بكل حجمها المبالغ فيه.
ـ المستوى الإستشراقي والشيعي المتأخر. وهو انكار وجود ابن سبأ ، ومن ثم إنكار دوره. وعندما أقول الشيعي المتأخر فإنما أشير إلى أن المتقدمين من الشيعة لم ينكروا وجود ابن سبأ وان نفوا بعض أثره.
ـ المستوى المتوسط ، وهو اثبات وجود ابن سبأ ، والتقليل من دورة في الفتنة وهذا ما أميل إليه ، إن كنت لم أجدا الوقت والجهد الكافيين للقراءة النقدية الجادة حول هذه الشخصية ، لإعلان رأيي بصراحة ، وبدون تردد ، فموقفي متابع لمن أثق به من العلماء والمؤرخين والدارسين ، ومن ثم فهو رأي استئناسي تقليدي ، وليس نتيجة بحث وتقصي ، وحكم شخصي ، ولو فرغت لتقصي لا تخذت موقفاً لا محاباة فيه ، ولا تردد.
ويأتي الدكتور الهلابي ، ومن بعده حسن المالكي مع تيار المتشددين ، المنكرين لوجود هذه الشخصية. ومع قراءتي لما كتبا ووقوفي على الجهد المبذول في التقصي إلا أنني لا أطمئن لما ذهبا إليه ، ولا أرتاح له لأن في نسف هذه الشخصية نسفاً لأشياء كثيرة وتفريغاً لكتب تراثية لكبار العلماء من أمثال شيخ الاسلام ابن تيمية وابن حجر والذهبي وغيرهما ، فان سبأ أو ابن السوداء يشكل مذهبا عقدياً ويشكل مواقف أخرى لو تداعت لكنا امام زلزلة تمس بنايات كثيرة.
ومع هذا مازلت محتاجا إلى مزيد من القول لكي اعدل عن رأيي التبعي الاستئناسي.
وفي سياق مغاير يأتي الأستاذ الدكتور سليمان بن حمد العودة الأستاذ المشارك في قسم التاريخ بفرع جامعة الإمام بالقصيم متساوقاً مع المستوى السائد الذي يؤكد وجود هذه الشخصية وأثرها ومثله الأستاذ الدكتور سعدي
الهاشمي.
والدكتور العودة خبير كبني لهب في هذا المجال ، فقد قدم رسالة ماجستير عن ( ابن سبأ ) وهو باحث متمكن ، فيه أناة ، وبعد نظر ، ويملك آليات الحوار الجاد ، وهو المؤمل للمنازلة ، ولكنه بعد لم يقطع.
وأذكر ان لدي بحثنا صغيراً عن ابن سبأ للدكتور سعدي ، تناول فيه هذه الشخصية. وقرر أنها حقيقة لا خيال وقد حاولت الحصول عليه مع بحوث الدكتور الهلابي في كتبتي المركومة بشكل فوضوي فلم أجدها ووجدت كتاب ( الرواة الذين تأثروا بابن سبأ ) للهاشمي.
والدكتور العودة كرمني حين عرض علي أخيراً بحثاً قيماً تحت عنوان « ابن سبأ والسبئية » كتبه عام ١٤١١ ه في إطار بحوث الترقية وفيه رد ، على منكري وجود ابن سبأ. وبالذات الدكتور الهلابي وعجبت كثيرا من تردده في نشر هذا البحث القيم الذي أتوقع أن يثير قضايا جديدة ، قد تحمل المالكي على اعادة النظر فيما توصل إليه من نتائج ساير فيها أستاذه الدكتور الهلابي ، وسايرا معا من لا يبحث عن الحق. وأملي أن يجد الدكتور العودة الشجاعة في نشره ، أو ارسال نسخة منه إلى الأستاذ الدكتور الهلابي ، وحسن المالكي ، لقراءته أملا في تعديل بعض آرائهما ، إن كان في البحث ما يحملهما على ذلك او اسقاطه في سياق ما يمارسانه من هدميات موسعة ، في بنية التاريخ فنحن مع الحق متى بدا لنا ، وليس بيننا وبين أحد نسب ، ولا عهد ، في قضايا العقيدة ، والفكر ، فكل نفس بما كسبت رهينة ، تأتي يوم القيامة تجادل عن نفسها ، والذي اعرفه ان المالكي يشير دائما في بحوثه المثيرة إلى انه طالب حق ، رجاع إليه ، متى تبين له وجه الصواب ، وهذا البحث هو المحك عن المصداقية.
بحث كهذا سيضع الاثنين أمام مساءلة لن يجدا مناصا من الإجابة عليها ، ورد ما يمكن رده ، وقبول ما يمكن قبوله والمالكي تناول من قبل أطروحة العودة عن ابن سبأ ص ١٧٥ من كتابه ( نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ) بحيث أشار إلى أربع ملاحظات هامة ، ما كان يسع العودة السكوت عليها ، ولا سيما أنه يدعي امتلاك الوثائق التي تحمل المالكي على التراجع عن شيء من رأيه وعن بعض ملاحظاته.
والبحث الذي بين يدي للدكتور العودة يعول فيه على روايات لم تكن عن طريق سيف بن عمر في سبيل اثبات شخصية ابن سبأ.
والهلابي ومن بعده المالكي ، ومن قبلها العسكري ، يقتصرون في إنكار وجود شخصية ابن سبأ على رواية سيف بن عمر المجروح عند المحدثين ، وربما أخذا هذا الموقف التحفظي من منهج أسد رستم حول المصدر الواحد للقضية وكم كنت أتمنى لو ان ( الهلابي والمالكي ) لم يجعلا ضعف سيف بن عمر سبيلا لنسف حقيقة ابن سبأ ، ذلك أن الضعف في الرواي قد لا يحمله على اختلاق الشخصية من العدم ، واختلاق أحداث لها ، وإنما قد يحمله على نسبة أشياء لا تصح نسبتها إليه. وشخصية ابن سبأ مستفيضة في كتب التاريخ ، والعقائد ، وعند علماء التاريخ ، وعلماء الكلام ، وليس أحد من السلف ـ فيما أعلم ـ أثار هذه الإشكالية كإثارة الأخوين ، ولا أرى مبررا لنسف هذه الشخصية من أساسها. وسيف بن عمر ( عمدة في التاريخ ) كما يقول ابن حجر ، مع ان هناك روايات لم تأت عن طريق سيف بن عمر أشار إليها الدكتور العودة ، ويقال عن ( القعقاع ) ما يقال عن ( ابن سبأ ) ، ولا سيما أن القعقاع من عشيرة سيف بن عمر ، وهو أدرى به وبأخباره والمأخذ على سيف ربما يقتصر على تضخيم الدور ،
والتركيز على الشخصية لدافع قبلي أو عقدي لكنني لا أتصور اختلاق شخصيات من الوهم والخيال للتشيع ، إذا ليست الأمة وعلماؤها من الغفلة والذاجة ، بحيث تصنع لها شخصيات وهمية ، وتمرر عليها. أحسب ان ذاكرة الأمة أوعى من هذا الاستغفال وعلماء الحديث الذين كتبوا في الطبقات ، وفي تاريخ الرجال ، ذكروا القعقاع ، ولم يشكوا في ثبوت وجوده ، كشخصية فاعلة في الفتوح والغزوات. وقد نبهني بعض الزملاء إلى أطروحة دكتوراه كتبها طالب عراقي عن القعقاع بين الحقيقة والخيال ، وكم أتمنى الحصول عليها. وعلى ضوء ذلك فان ما يكتبه المالكي تحصيل حاصل ، وتسخين طبيخ. فلا أحسبه يضيف شيئا أكثر من تاكيد ما قيل. يقال هذا فيما سبق إليه ، ولامساس فيما بادر إليه من دراسات قيمة لا يهمنا الحديث عنها الآن.
وبصرف النظر عن كل ما سبق ، فانه يجب علينا في حالة الدخول في مثل هذه المضائق الحساسة ان نتجرد من الهوى ، وان نتوفر على المعلومات وان نتملك آليات الاجتهاد ، وأن نتحرى الدقة ، وأن نستخدم كل مانملك من إمكانات ، وان نكون واثقين من أنفسنا ، مستقبلين لكل اعتراض بصدر رحب ، فيما يتعلق بقضايا مثل هذه القضايا ، ولا سيما إذا كانت تلك القضايا قد سبق إلى التشكيك فيها مستشرقون مشبوهون ، وأصحاب ملل مستفيدون من هذا التشكيك. وعلى الذين يهزون الثوابت ويحملوننا على إعادة ترتيب معلوماتنا ، ان يستمعوا لنا بأدب جم ، وأن يحاورونا باحترام ، وان يتلطفوا بازالة الشك ، والارتياب ، بعلمية مهذبة ، وان لم يفعلوا فما بلغوا رسالتهم ، وفق أصول البحث العلمي وفي المقابل علينا ان نحسن الظن بمن لم يبد عواره ، ولم يثبت ارتيابه ، ولن نتحامى الحكم على النوايا فلا يحصل ما في الصدور إلا الله ، ولا يبلو السرائر
إلاّ خالقها ، ولا ينجو إلاّ من أتى الله بقلب سليم.
وثقتي بالأستاذ الدكتور الهلابي ومن بعده الأستاذ حسن المالكي قوية ، وأرجوا ألاّ يحملاني على زعزعة الثقة بالنفار أو بالإستهتار. ومع ذلك لا يمكن ان ارفعها فوق المساءلة ، والنقد ، والشك في امكاناتهما. وعتبي الشديد على اخواننا أساتذة التاريخ في جامعة الامام وفي الجامعات المماثلة ، وبخاصة المتخصصين منهم في التاريخ الإسلامي القديم فهم الأجدار بالمواجهة. وليس من اللائق أن ننازل عنهم ، فقد يخرج علينا من يقول : ( ليس هذا العش عشك فادرجي ) ، ولو وجدنا فسحة من الوقت وفضلة من الجهد لكنا اندى صوتا ، وأصلب عوداً. ولكننا كخراش وضبائه ، فالى الله المشتكى وما أفعله الان على الأقل من باب الغيرة ، وفك الاشتباك ، وأرجو ألا يقال لي « زادك الله حرصا ولا تعد » وأرجو ممن يجد الأهلية من نفسه ، مع توفر الوقت ، والقدرة ، أن يدخل دخولاً علميا لا تسفيه فيه ، ولا سخرية ، ولا لجاجة ، ولا هجاء مخلاً بحشمة العلماء ووقارهم ، ومسيئا لمكانة القضايا مجال النقاش ، فكم من مقتدر يمنعه من الدخول في الحوار ما يؤول إليه من مهاترات ، وتراشق بكلمات السباب ، والاتهام ، وما يخشاه من دخول أدعياء إذا ريع أحدهم اهتاج اعزلا على حد :
( ينيلك منه عرضا لم يصنه |
ويرتع منك في عرض مصون ) |
لقد كان صمت المتخصصين مريباً ، واحجامهم مخلاً في الثقة بهم. فالصحافة الآن وقبل الآن تشتغل في تخصصهم ، وتدك حصونهم ، وهم صامتون إن عليهم ان يوظفوا قدراتهم ليحقوا الحق ويبطلوا الباطل ، ولا يعجب الانسان أن يقول أخطأت ، ويعود إلى الصواب ونصف العلم لا أدري ومن قال
لا أدري فقد أفتى إذا كان سيف بن عمر متكأ المنكرين ( عمدة في التاريخ ) عند ابن حجر ( ويروي عند البخاري في التاريخ ) فالأمر فيه متسع ، ( فابن حبان ) و ( الذهبي ) ، و ( ابن حجر ) ، و ( المزي ) ، وغيرهم قالوا بضعفه ، وكذبه ووضعه ، وزندقته. على اختلاف فيما بينهم ، وتخفظ منهم على بعض التهم وكثير غير ابن عمر اختلف العلماء حولهم فمن موثق ومن مضعف ولكن لم يقل احد منهم ـ فيما أعلم ـ برد رواياته التاريخية ، ويكفيه تزكية في مجال التاريخ على الأقل ، شهادة ابن حجر ، ورواية البخاري له ، وأحسب أن الرجلين شاهدا عدل ، ولا يمكن استبدال الأدنى بالذي هو خير ، وفي تعليق القلعجي على العقيلي قال كان اخباريا عارفا إلا أنه في الحديث ضعيفا ) ولم يقل في التاريخ ، وقضية الزندقة اتهام تحفظ عليها الكثيرون. وعلى ضوء ذلك يحسن ب ( الهلابي والمالكي ) مراجعة الموضوع.
وإشكالية المالكي الاولى : أنه يعيش عقدة « سيف بن عمر » وما وصم به من جرح قادح في روايته في الحديث ، دون التاريخ ، ومن ثم يشكل المنفذ الوحيد لمرافعته ضد بعض أحداث التاريخ وشخصياته.
واشكاليته الثانية : اصراره على تطبيق منهج المحدثين على الاطلاع ، في تمحيص المروي من طريق تتبع طرق الرواية ، ومعرفة الرجال.
واشكاليته الثالثة : انه ما يزال في اطار المثار ، ولم ينفرد بشيء بعد.
واشكاليته الرابعة : انه يقف حيث تكون أحداث الفتنة الكبرى وهي شائكة وحساسة وللسف في ذلك موقف أسلم وأحكم وتطبيق منهج المحدثين على الروايات التاريخية دون قيد ، فيه ما فيه من المحاذير ، وللسلف الصالح موقف عدل في هذا الأمر ولعل مشروع الدكتور ضياء العمري الذي وظف له
وظائفه من الدراسين كان مغرياً لكثير من اللاحقين ، إذ من اليسير على ضوء هذا المنهج نسف التاريخ بكامله ، فهذا الطبري وهو من هو يعتمد على وضاعين ، وطائفيين كابن مخنف مثلاً ، ولو قرأناه بتلك العيون لما أبقينا على متنه نصاً صحيحاً ، ومشروع ضياء العمري يقف عند تاريخ الصدر الأول المؤثرة أحداثه بأمور الشريعة ، والعقيدة ، والعبادة ، كسيرة الرسول (ص).
وإذا كانت الروايات الآتية من طريق سيف بن عمر ، ضعيفة عند المحدثين ، حجة عند المؤرخين ، والاخباريين ، فلا يمكن معها ان ننسف الظاهرة كلها. فابن عمر ليس من أهل البدع ، والأهواء ، وان اتهم بالزندقة تحاملاً من ابن حبان حيث قال « وكان قد اتهم بالزندقة » ، وليست كل رواياته مخالفة لنص قطعي الدلالة والثبوت ، وانما هي روايات تأتي في سياق معهودات مستفيضة ، « فابن سبأ ، والقعقاع » ، مثلا شخصيات تداولها ، وقبل بوجودها علماء التاريخ ، وعلماء الحديث ، وعلماء الجرح والتعديل ، وعلماء الكلام ، والمؤرخون للملل والنحل وبخاصة ابن سبأ فهم يذكرونها في سياق ما يكتبون ، ولم يكن اعترافهم بهذه الشخصيات إلاّ لأنها مستفيضة على الألسن يتداولها الناس ، وعلماء الجرح والتعديل انصفوا سيف بن عمر حتى لقد قال ابن حجر العسقلاني عنه : « ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ » وأردف : « أفحش ابن حبان القول فيه » وقال العقيلي : « يحدث عنه البخاري » أي : في التاريخ ، ولو اننا طبقنا منهج المحدثين على بقية العلوم على اطلاقه مثلما يفعل البعض مع الروايات التاريخية ، ولتكن مثلا على روايات الجاحظ في « البيان والتبيين » وفي « الحيوان » ، أو على روايات أبي الفرج الاصفهاني في « الأغاني » ، أو على روايات علماء النحو والصرف واللغة ، والبلاغة ، كما لا نقبل أن يكون هذا الشعر لذلك الرجل
المنسوب اليه لوصوله عن طريق مجهول الحال أو الذات ، أو يكون مجروحاً ، وهذا يمتد بنا إلى انكار الشخصيات ، كما أنكرها الهلابي ، والمالكي ، ومن قبلهم المستشرقون والمذهبيون.
واحتياجنا إلى منهج المحدثين في الجرح والتعديل قائم ، ولكنه ليس على اطلاقه ، وانما يقوم متى قامت الحاجة ، وذلك إذا تعارضت الروايات بين المؤرخين ، بحيث جاءت الواقعة عند مؤرخ مناقضة لواقعة اخرى عند مؤرخ آخر ، ولزم التوفيق بينهما ، أو عندما يأتي مقتضى الرواية التاريخية حكم شرعي ، او عقدي ، أو تعبدي ، أو عقلي ، ففي اختلاف المؤرخين نحاول الجمع ، فان أمكن صرنا اليه ، وان لم يمكن الجمع نظرنا إلى رجال السند ، فاثبتنا ما كان رجاله ثقات ، اسقطنا ما كان في رجاله قول. ومعارضة الرواية التاريخية للنص الثابت ، أو القطعي تسقط الرواية ولا كرامة ، وخروج الرواية على المعقول يسقطها عقلاً والذين درسوا مناهج التاريخ وضعوا ضوابط للنقد وحصروا مآخذ كل ضابط وفرقوا بين النقد السلبي والايجابي ، ونقد النص ، والاشخاص والوثائق ، وما يعرف بالنقد الظاهري ، والباطني ، ومع ذلك فما أحد منهم أفاض في منهج النقد على طريقة المحدثين ، وبخاصة عندما لا تقوم الحاجة لهذا المنهج كما أشرت.
وإذا جاء الناقد التاريخي إلى واقعة متعارف عليها ، متداولة بين المورخين ، مقبولة عند علماء الجرح والتعديل ، ممن ضعفوا راوي الواقعة التاريخية وقبلوها منه ، مثلما يفعل ابن حجر ، ومن قبله البخاري في التاريخ الكبير ، وهي أيضاً مستفيضة لدى كافة العلماء ، ثم تعمد نسفها من اساسها ،
لمجرد أن في سندها مجروحين ، فذلك أمر لا يمكن القبول به ، ولا سيما إذا كان الحدث ، او الظاهرة ، مستفيضة ، ولم يكن لاحد من العلماء المتقدمين والمتأخرين من امثال ابن حجر والذهبي وغيرهما ، ومن جاء بعدهم ممن عرفوا ان ابن سبأ ، ـ مثلاً ـ لم يأت إلاّ من طريق سيف بن عمر ، ومن الذين درسوا الملل والنحل ، وعرضوا للسبئية ولم ينكروا وجود ابن سبأ واشكالية ابن سبأ انه لم يعد شخصية تاريخية وحسب كالقعقاع مثلا ، فكل متحدث عن الفتنة وعن العقائد وعن التاريخ عرض لهذه الشخصية.
لقد مرت بهؤلاء على مختلف تخصصاتهم ، في الحديث ، والتاريخ والملل ، والنحل ، وعلى مختلف العصور ، شخصيات كابن سبأ والقعقاع ، وقضايا ، وأحداث ، وما أحد منهم نظر في حقيقة وجودها ، لمجرد انه لا يوجد طريق إلاّ طريق سيف بن عمر المجروح عند المحدثين. وما أحد من علماء السلف المعتبرين من شكك بوجود هذه الشخصيات ، هذا فيما اعلم وفوق كل ذي علم عليم وكما أشرت فان ضعف الراوي في مجال التاريخ يحملنا على استخدام العقل ورد المبالغات التي لا تعقل إذا لم يترتب على ردها تعطيل لسلطة النص القطعي الدلالة والثبوت ، ورد الاحداث التي لا يتوقع صدورها من شخص ، أو جيل توفرت لدينا المعلومات الكافية لتزكية ، لا رد الحدث أو الظاهرة المعقولة والمبررة والمستفيضة ، فالرواية الضعيفة في بعض احاديث الصلاة لا تنفي الصلاة نفسها ، وثبوت شخصية ابن سبأ والقعقاع لا يلزم منه ثبوت كل ما نسب اليهما. ثم ان ثبوت شخصيتيهما مستفيضة ، ومعروفة ، ولم يشك احد من المعتبرين بوجودهما. وما أثار مثل ذلك إلاّ المستفيدون من انكار مثل هذه الشخصيات. والسلفيون ليس لهم فائدة من انكار شخصية كابن سبأ فلماذا
نتواصل مع غيرنا لصالح الغير. وأي اجحاف بحق المصداقية التاريخية يحصل لو صرفنا النظر عن مثل هذه الأمور.
وظاهر الانتحال في الشعر العربي التي التقطها مرجليوث حين حقق كتاب الحموي ، تعيد نفسها بشكل آخر مع حسن المالكي ، ومع سلفه الذين أمدوه بالمادة وبالمنهج ، فهو حين نظر إلى شخصيات مثيرة كابن سبأ ، والقعقاع ، وليس لها طريق غير طريق سيف بن عمر المجروح راح يتقصى الروايات المنسوفة من قبل ليعيد نسفها من جديد رواية رواية من خلال آليات المحدثين ، متناسياً تباين القيمة الروائية بين المؤرخين والمحدثين ، وفاته ، أو ربما فوت على نفسه ما تعارف عليه العلماء ، والمؤرخون من التفريق بين شروط الرواية في الحديث تثبت حكماً شرعياً أو تعبدياً ، او عقدياً يمس أحوال الناس ، وقد يقدح في معقولية الحكم أما الرواية في التاريخ فأمر مختلف جداً ما لم يترتب على ذلك ضرر من أي وجه. كما انه لم يفرق بين الاستفاضة في الظاهرة ، وارتباطها بالرواية دون استفاضة ، وفاته أو فوت على نفسه ـ ما توصل اليه العلماء من تقرير قواعد ، وأصول ، لكل علم. وما اتخذه الفقهاء دليل على تغير الحكم بتغير سياقاته ، ولهذا قال الفقهاء تقبل شهادة الصبيان فيما بينهم والرجوع إلى أهل الخبرة ومراعاة الاحوال في بعض الاحكام رؤية اصولية فالقاضي محتاج إلى الصانع والمزارع والطبيب في القضايا المتعلقة بمهنهم. ومن ثم يرتكب بعض الباحثين أخطاء فاحشة عندما يعزلون القضية ـ أي قضية ـ من سياقها الزمني ، أو من سياقها المعرفي ، متجاهلين ـ لحاجة في النفس ـ الضوابط والسياقات المعرفية. واذكر انني وأنا اتقصى مذهب عبد الله القصيمي الالحادي الهالك تبين
لي انه يهدم قضية بحجة عقلية ، ثم يهدم تلك الحجة باخرى ، فحاجته هي التي تمنح الاشياء مشروعية الوجود ، او المعقولية ثم تنزعها ، ولهذا عد من الهدامين ولم يصنف من المذهبين.
وما يجب في هذا السياق أن يعرفه مرجليوث ومن بعده طه حسين والمالكي ان هناك اصولاً لصناعة الأدب وأخرى لصناعة التاريخ وثالثة لصناعة الفقه ولا يجوز تجاهل شيء من ذلك اثناء محاكمة الظواهر ولو اننا طبقنا أصول علم على آخر لالحقنا الضرر بأنفسنا ، وبالفن الذي نعمل به. وقدوتنا في ذلك الامام البخاري رحمه الله ، لقد كان لصحيحه شرطه المعروف ولتاريخه الكبير « والادب المفرد » منهجهما وشرطهما ومن ثم روى في التاريخ الكبير لسيف بن عمر ، وهو يعرف انه ضعيف لا يحتج به في الحديث ، وأعود لأقول ما الذي يترتب على الاعتراف بوجود ابن سبأ ، أو القعقاع أمن الخلل المعرفي أو النقص في الدين أو القدح في الفكر أو في العقل العربي إذ ليس أحد منهم اسطورة لا يقبلها العقل ، وليس أحد منهم ينطوي على فعل يعارض الثبوت والدلالة القطعيين وليس أحد منهم ينطوي على مغمز حضاري لا يتسع له الفعل الإسلامي المعتبر ، وليس ثبوت احدهم قادحاً في المقتضى الشرعي أو التعبدي او العقدي ، فما المحذور إذاً عند السلفي ، وما النتائج التي يسعى باحث كالدكتور الهلابي ومن بعده المالكي حين أنفقوا مزيداً من الجهد والوقت لمصادمة السائد والمتعارف عليه والمتلقى بالقبول لدى عامة علماء المسلمين الثقات من مؤرخين ومحدثين وأصوليين ومتكلمين. ثم لماذا يعيدان ما قاله غيرهما من انكار لهذه الشخصيات ، اما كان يكفيهما الإشارة إلى هذه النتائج والإشتغال بما هو أهدى وأجدى.
أقول هذا وأنا على رصيف الانتظار والترقب لاجابات كافية شافية ، من الهلابي ، أو من المالكي ، أو منهما معاً او من غيرهما فأنا طالب علم ، ولا أريد لاحد أن يخلط أوراقي ، وإذا كان المستشرقون وأصحاب الملل المنحرفة يرمون إلى اهداف وغايات بعيدة ويحاولون بطرق ماكرة أن يخلطوا الأمور ويحوسوا الفكر ويغرسوا الشك والإرتياب ، فان باحثا ليست له الغايات نفسها ، ولا الأهداف عينها يوظف نفسه من حيث يدري ، أو لا يدري لمؤازرة اولئك وخدمتهم ، لقد بشمنا من تقليب الحطب على نار الفتنة الكبرى وما احد منا شفى نفسه وأبرأ سقمها ، ومَن مِنَ السلفيين من يجرؤ على وضع نفسه بين « على وعائشة » رضى الله عنهما.
والتاريخ الاسلامي الذي انطوى على فتن بدرت بين الصحابة رضوان الله عليهم أوجب السلف الكف عنها ، ولغ في معينة الصافي علماء متضلعون وفلاسفة عميقون ومفكرون جهابذة ، من اصحاب ملل ، ونحل واهواء ، وديانات مختلفة ، وما زالت فيه بقايا لمن أراد الولوغ وكان يجب على كل من يجد في نفسه سدة التاريخ للافساد والتشكيك فأين المتخصصون والمثقفون والمؤرخون من « فيليب حتى » أو « بروكلمان » و « جرجي زيدان » وعشرات بل مئات المستشرقين الذين كتبوا عن القرآن والرسول والحديث والفقه والتاريخ الاسلامي وأوغلوا في الهدم والذم والتشكيك والاتهام.
لقد كانت زيارة حسن المالكي لنادي القصيم الادبي وحديثي معه الذي حملني على قراءة ما كتبه عن القعقاع بتمعن وكان لكتابه الذي اصدرته مؤسسة اليمامة وقام باهدائي نسخة منه حافز لقراءة مقالاته مجموعة في كتاب بعد
قراءتها مفرقة في جريدة ، وحين فرغت من قراءة ما كتب عن الاطروحات وعن البيعة في كتابين على الرغم من المشاغل التي تنتابني من كل جانب ، عدت إلى نفسي أتساءل عما تحققه هذه المبادرات وبخاصة ما يوافق فيها هوى الآخرين وتصورت المالكي بعد هذا الجهد الجهيد يلتقط انفاسه ويمسح جبينه وينتبذ من أهله مكانا قصيا ، ينظر إلى هذه الهدميات في التاريخ الاسلامي ويحصي ما ظفر به من الغنائم على المستوى العام ، او على المستوى الشخصي ومن حقنا أن نتساءل ما الذي كسبه لنفسه وما الذي كسبه لأمته وما الذي حققه لتراثه وما الشوكة التي غرسها في حلق أعداء الأمة ، حين فرغ من هذا العمل الشاق المضني ومحى من الوجود شخصية ابن سبأ ، وشخصية القعقاع لقد وضع نفسه من حيث لا يعلم في خندق المشبوهين وما كان جهده المبذول ازاء قضايا ابتدرها ولا قضايا قلقة وملحة انفرد بها ، والأمر لا يعدو تحصيل حاصل وتذكيرا بمعلوم ، وفي هذا السياق اذكر ان عالما من علماء الشيعة تناول في كتاب متداول مئة وخمسين شخصية في التاريخ الإسلامي حيث اعتبرها وهمية وليس لها وجود حقيقي واذكر انني قرأت عن هذا العمل المشبوه ما لا أذكره ، ومازلت أتمنى الحصول عليه فأنا كحذيفة بن اليمان رضي الله عنه الذي يحرص على معرفة الشر لإتقائه ، ولان ظروفي لا تسمح بالمنازلة المكافئة ، فإنني أرجو أن ينهض المالكي أو الهلابي لقراءة هذا الكتاب وما شاكله من عشرات بل مئات الكتب المغروسة كالخناجر المسمومة في خاصرة التاريخ الاسلامي ونقدها واقرار ما يمكن إقراره ، ونفي ما يمكن نفيه فذلك هو العمل المفيد والجاد والمأجور ، وعليهما أن يقرءا ما يكتبه الماديون ، والعلمانيون والماسونيون ومعتزلة العصر والتنويريون والحداثيون والسذج من مغفلي المثقفين والتبعيين
والادعياء والمأجورين النفعيين الذين يؤجرون قدراتهم لخدمة الايديولوجيات من أمثال جارودي الذي أعلن للملأ توظيف امكانياته لخدمة المذاهب التي تدفع أكثر ، والتطوع للتصدي ، لكل هذه الطوائف ، وانقاذ ما يمكن انقاذه من تحت حوافرها فاذا فرغوا من كل ذلك ، ولا أحسبهم فارغين ، أمكن الدخول على التاريخ بآليات الناقد الممحص المصفي النافي لما لا يليق عقلاً ، أو علماً ، أو اخلاقا ، وهو كثير. والقعقاع وابن سبأ لا يندرجان تحت أي محذور من تلك المحاذير ، وإذا كان لأحدهما رغبة في نفي المبالغات ، والتهويلات ، فما في ذلك من بأس ، ولكن يجب أن يكون وفق الأصول المعتبرة ومحاولات المالكي لقراءة التاريخ وفق آليات مغايرة لم تكن جديدة ، ولكنها كانت مبكرة على شاب بسنه ، وتجربته ، وخبرته.
لقد تبدى لي وأنا استعرض كتابات المالكي في قراءته الجريئة للتاريخ ، انه لا يملك براعة العالم المتخصص ، ولا دقة ملاحظته. فنحن ذلك الرجل ، فيما لا تخصص لنا به. والمثقف في العرف المعاصر ( من يعرف كل شيء عن شيء وشيئاً عن كل شيء ). ولكي أضرب مثلاً حياً على الفرق بين المتخصص والمثقف أضع ثقافة المالكي في مجال الفقه ، إلى جانب فقه الشيخ بكر عبدالله أبوزيد ـ مثلاً ـ نجد ان بينهما فرقاً حتى في لغة الفن فضلاً عن دقائقه. وأضرب له مثلاً آخر بنفسي ، لقد كان لي ولع في علم الحديث ، وكتابات صحفية في الضعيف والصحيح ، حتى لقد تواصل معي بعض المتخصصين لمراجعة بعض مخطوطاتهم في الحديث ظناً منه أنني متخصص ، وما انا بمتخصص ، ضع هذه الامكانيات الضئيلة إلى جانب امكانيات ( الالباني ) يتضح لك الفرق بين المثقف والمتخصص ، وبحوث المالكي المثيرة لم تكن في مجال تخصصه ، وإنما هي في مجال
اهتماماته.
والخطورة تكمن في مثل هذا العمل ، فهو ـ وكثير من المشتغلين ـ لم يكن متخصصاً في التاريخ ، ولم يكن متخصصاً في الحديث ، وعلم الجرح والتعديل ومن ثم فإن ثغرات كثيرة ستبين لو أحداً من المتخصصين المتعمقين في علمي الحديث ، والتاريخ تعقب أطروحاته.
والشيء الذي أود تحاميه من كل المتداخلين معه ، وكل المفكرين في الدخول معه أو مع غيره القول في السرائر ، والنوايا ، أو الشك في المعتقد ، أو التجهيل المطلق إن في مثل ذلك قمعا وتسلطا لا يليقيان ، والناس لا يملكون شق الصدور.
وحين أشير إلى أهمية التخصص ، فليس معنى هذا أن الثقافة غير مؤهلة للدخول في بعض القضايا ، وليست مانعة من الدخول فهذا العقاد ـ رحمه الله ـ لم يكن متخصصاً في شيء من المعارف التي طرقها ، ومع ذلك كان مجليا في كل تناولاته ، كتب في التاريخ ، وفي الأدب ، وفي الفلسفة ، وفي سائر المعارف ، وهو حجة فيما كتب ، ومع كل هذا الاقتدار يؤخذ من قوله ويترك. وتبدو له هفوات لا تحتمل ، وتجاوزات لا تليق ، ومن تجاوزاته التي لا تليق بحق معاوية في كتابه ( معاوية في الميزان ) ويقال مثل ذلك عن كثير من العلماء. من أمثال أحمد أمين في مشروعه عن حضارة الاسلام.
ومن أقرب الشواهد أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري لقد خاض في قضايا كثيرة ، أخطأ وأصاب ، وأبدع وأخفق ، وهو لم يكن متخصصاً في كثير من المعارف التي تطرق لها.
ولكن يجب على الدراس الذي يبحث في غير تخصصه ، ويحس في نفسه
القدرة ، أن يتجنب القطع في الأمور ، وسد طرق المعالجة والاستبعاد أو الاضافة من الآخرين. والمالكي تبلغ به الثقة ، والزهو حداً لا يطاق من القطع في الأمور ، والتحدي وتلك سمة لا تليق.
ولي أن أضرب مثلاً بالمحدث محمد بن ناصر الدين الالباني. لقد رجع عن كثير من أحكامه بمحض ارادته وأخذ عليه من هو دونه ، وما زال فيما قال ، وقرر مجالاً للأخذ والرد وهو من هو في مجال الحديث ومعرفة الرجال والدقة والعمق والشمولية ، ثم إنه حين يدخل في غير مجال تخصصه يقع في المحذور ، وقد بدر منه شيء من ذلك ، وكل إنسان يؤخذ من رأيه ويترك إلاّ الرسل المعصومون الذين لا ينطقون عن الهوى ، وانما يتلقون ما يقولون عن طريق الوحي ، ولعل أقرب مثل على تفاوت العلم وتفاضله ما اجراه الله بين موسى عليه السلام ، والخضر الذي مكنه الله من بعض العلم اللدني ، وهو من أولي العزم من الرسل. والمالكي لا تلين عريكته ، ولا يذعن للمساءلة.
لقد أدت كتابات المالكي إلى اشكاليات مثيرة ، لما فيها من حدة اسلوبية وتناوله للرسائل العلمية كشفت عن هشاشة بعضها ، وظهورها بمظهر لا يليق بانتمائها الاكاديمي ، وكم قلت ، وأوصيت بوضع مُشرفَين لكل رسالة علمية : أحدهما للمنهج ، والآخر للمادة العلمية ومتى تداخل العمل مع معارف أخرى ، كان يجب استشارة متخصص في مجال التداخل ، واشراكه في المنافسة. ومما يحمد لكلية أصول الدين بجامعة الامام أخذها بهذا المبدأ الأخير بحيث لا تجد غضاضة من الاستعانة بمتخصص في مجال التناول وقد شرفت بتكليف من هذا النوع. وما ساءني اطلاعي على بعض مخطوطات رسائل جامعين لطباعتها ضمن اصدارات النادي أو لغرض التحكيم ، وتبين لي ضعف لا يطاق وأخطاء
ولا تحتمل ، ونتائج لا تقبل ، ولا أحسب كلياتنا يشرفها نسبة هذه الاعمال اليها ، لما فيها من تسطح ، وخلل.
وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين : ( السكينة السكينة ) و ( التروي التروي ) و ( الأناة الأناة ) و ( التبصر التبصر ) فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات ، والقفز من قضية إلى أخرى ، والتشايل مع الطرح المشبوه وأحسب أن استخدام منهج المحدثين في محاكمة الرواية التاريخية على الاطلاق ، ودون قيد معتبر ، فيه ما فيه من القسوة ، والظلم ، والنتائج السلبية. ولعلمائنا الاجلاء رأي صائب في الموقف من الروايات المتعلقة بالعقيدة ، والروايات المتعلقة بالعبادة ، والروايات المتعلقة بأحداث التاريخ وكل الذي أتمناه أن يستحضر المالكي هذه الوسطية الفذة ، وألا يخضع كل الاحداث لهذه المحاكمة الشديدة الجائرة وغير المنطقية.
ثم إن في التاريخ احداثاً مهمة ، تحتاج إلى تمحيص ومساءلة ، وبخاصة ما يتعلق منها بالنيل من خلفاء الدولة الأموية والعباسية ، مما لا يليق بهم ، ولا يتوقع من مثلهم بوصفهم قادة كبارا ، حققوا للأمة الاسلامية أمجاداً لا تنازع من فتوحات ، وأنظمة ، واشاعة علم ، وعدل ، وغير ذلك ولنضرب مثلا بهارون الرشيد وفي التاريخ قصص وحكايات تعقبها البعض لنكارتها ، لا لضعف سندها ولكن السند الضعيف آنس الناقد وعضده ولعلنا نذكر في هذا السبيل ما يشاع عن ظاهرة الغناء والترف في الحجاز ، في العهد الأموي ، عن طريق تآمر الأمويين ، وتعاقب العلماء على قبول ذلك ، والتاليف فيه من أمثال ، شوقي ضيف ، وشكري فيصل على ما أذكر وبعد تمحيص دقيق أكد الزميل الدكتور عبدالله الخلف برسالة علمية مخطوطة كذب هذا الادعاء ، ونفى عن
مجتمع الحجاز هذه الفرية.
على أن مبدا الشك في الروايات ، والأخبار ، اتخذها كتاب مشهورون استخدموا في سبيل ذلك المنهج العقلي من أمثال الباحث العراقي عبدالعزيز الدوري ، يقول وليد نويهض عنه ( اعتمد منطق الشك في العديد من القصص والأخبار ) وأشار إلى أن الدوري لم يكن الوحيد في منهج التفسير المؤامراتي للحوادث فقد سبقه ( طه حسين ) و ( نبيل ياسين ) و ( نصر حامد أبو زيد ). ومنهج الشك الذي ألمحت اليه في صدر هذا الحديث ليس على اطلاقه ، فهو كمنهج المحدثين لا يستدعى حتى تقوم الحاجة اليه.
ان هناك مناهج عدة لتفسير التاريخ ، اورده ، وتكذيبه واللاحقون ركبوا متون تلك المناهج والكثير منهم لم يع المكائد التي ينطوي عليها سلفهم. على أن هناك قراءات نقدية فيها شيء من المعقولية ، وكثير من المبالغات ، والفرضيات ، كنقد الشيخ عبدالله العلايلي ، غير أنه مع هذا أوغل في الخطأ حين أرجع حروب الردة إلى قتال قبلي بين العدنانية والقحطانية.
وهناك قراءات تحت ظلال النص التاريخي ، ومن أخطرها القراءات الاستشراقية الني تستبعد الوحي ، والقراءات المارقة من مثل قراءة أدونيس في الثابت والمتحول ، ومن قبله قراءة جرجي زيدان الذي خادع بكتابه « تاريخ التمدن الاسلامي » حيث ركز على بؤر الترف ، والمجون ، والجواري ، والقيان ، ليجعل من هذه المخازي مؤشراً للتمدن الاسلامي ولدى نسخة مطبوعة عام ١٣٣٠ ه في الرد عليه ، وهي مجموعة مقالات كتبها ( شبلي النعماني ) ونشرها في مجلة المنار ثم جمعها في كتاب ، ومن بعد زيدان ، جاء محمد الخضري في محاضراته المثيرة في قراءة التاريخ الاسلامي ، قراءة عقلية ، وقد تصدى له
الأستاذ المؤرخ محمد التباني فكشف عن زلاته. والتفسير الماركسي. والقومي للتاريخ من هذه الموجات العاتية التي زعزعت الثقة في مضامين التاريخ وغاياته.
وهناك قراءات متفاوتة في مستوى الجودة ، وتعدد المناهج ، وفي دركات التآمر ، لا تعد ولا تحصى ، تقرض التاريخ ذات اليمين وذات الشمال ، وتفلسف الدوافع والنتائج فعلى المستوى الاستشراقي وفي السيرة العطرة فقط نجد المستشرقين ( رينان ت ١٨٩٢ م وجرونية ت ١٩٣٦ م وحريمه ت ١٩٤٢ م وهو تنجرت ١٦٦٧ م وبيلادمين ت ١٦٢١ م وريلاند ت ١٧١٨ م وبولانفلييه ) ومئات غيرهم ولك أن تراجع ( سيرة الرسول في تصورات الغربيين ) للمستشرق الالماني جوستاف بفانموللر ترجمة محمود زقزوق لترى البواقع ومن أبرز من تناول التاريخ بهذه الروح حسين مروة الماركسي المتعصب ، وعبدالله العروي في كتابه ( العرب والفكر التاريخي ) وكتابه ( مفهوم التاريخ ) بجزأيه المشتملين على الحديث عن الألفاظ والمذاهب ، والمناهج ، والأصول ، وقسطنطين زريق في كتابه ( نحن والتاريخ ) ومن أوسع الدراسات الوصفية التحليلية الحكمية الحصرية لمناهج التاريخ كتاب فرانز روزنتال ( علم التاريخ عند المسلمين ) ترجمة الدكتور صالح احمد العلي. وفي أسلوب التعامل معه ، كتب فهمي جدعان ، ومحمد عابد الجابري ، وحسين مروة ، وغير أولئك كثير ، ولكل مفكر مدرسته ، ومنهجه ، نواياه ، منهم المسيء ، وقليل منهم المحسن وواجبنا أن نكون في مستوى هذا الطرح ، وفي مستوى أولئك المفكرين. فليس الاسلام وحماته باقل من غيرهم لنواجه بندية. وعلى العموم فإن التاريخ الاسلامي يواجه هجمات شرسة ، وتطبق بحقه مناهج غير ملائمة ، ويقرأ من خلال ايديولوجيات متعددة ، ويفسر تفسيرات مخلة ، ومحرفة لأهدافه واذ يكون
الاسلام عقيدة وشريعة. حضارة ، وتاريخا فان رصد أحداثه ، وشخصياته ، يعني التاريخ للعقيدة ، والشريعة ، وللحضارة.
والمستشرقين الذين يمتلكون قدرة قائقة ، وصبراً ) ، وتحملاً لا نظير لهما ، وظفوا كل هذه الامكانيات لمحاربة الأمة الاسلامية من عدة ثنيات ، ومنها ثنية التاريخ.
وإذ لا نعدم الماكرين ، يجب أن نرمي في نحورهم بمن نثق بعلمه ، وعقيدته ، من ناشئة الأمة المسلمة الذين تربوا على منهج السلف ، ورضعوا لبان العلم الصحيح ، وأرجوا أن يكون أخونا حسن المالكي وأستاذه عبدالعزيز الهلابي من أولئك النفر.
د. حسن بن فرحان المالكي
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٦)
صحيفة الرياض ـ ١٠ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
وقفة مع الردود والتعقيبات
كما رأى كثير من الأخوة القرّاء فقد كثرت ردود الأفعال حول قضية القعقاع بن عمرو ومؤيدة ومعارضة وقد علقت سابقاً على بعض الردود ثم شارك الأخوة منصور الفيفي وعبد الاله الفنتوخ وعادل الماجد وعبد الله الناصري وعبد الرحمن الفريح وعلي رضا ، ثم كان آخر هؤلاء الدكتور حسن الهويمل فهذه ست من المقالات حول الموضوع بين مؤيد ومعارض ولذلك اعذروني في تناول
هذه الردود باختصار شديد في عدة نقاط فاقول :
أولاً : في ظني أن كثرة ردود الأفعال أمر سار وجيد وينبغي ألاّ نغضب من السلبيات المصاحبة لهذه الكثرة فمن الطبيعي جداً أن تزمجر بعض الردود في أودية بعيدة عن الموضوع. فلذلك لن أرد على كثير من الأفكار التي طرحها بعضهم لأنهم خارج الموضوع.
ثانياً : التحدي العلمي أمر مشروع خاصة في الأمور الواضحة جداً وهذا التحدي كان من الأسباب التي حفزت الاخوة على التعقيبات المؤيدة والمعارضة وليس في التحدي إلاّ الثقة العلمية وليس زهواً ولا تكبراً فتحديات السلف في المسائل العلمية لا تكاد تحصر.
ثالثاً : لا يزال التحدي قائماً وما ذكره الدكتور الفريح من سقوط التحدي كان مجرد ( تهويشة ) !! على القرّاء الذين لا يستطيعون البحث وسترون في هذا الرد أنه لم يستطع أن يجد ترجمة للقعقاع ولا خبراً لا من طريق سيف بن عمر كما أن قاتل أبي لؤلؤة لم يذكره أحد تميمياً وان المصادر وفي مقدمتها صحيح البخاري مجمعة على أن أبالؤلؤة قتل نفسه وسأذكر ذلك بالتوثيق ليرجع اليها من شاء مع أن الموضوع الثاني لا يمثل عندي أهمية وإن كان له دلالة على ميول سيف.
رابعاً : تمتاز الردود ( المؤيدة ) بالتقيد العلمي والبحث وترك التقليد كما رأينا في رد الاستاذ عبد الاله الفنتوخ مثلاً بينما كانت الردود المعارضة تخرج عن الموضوع كثيراً وتتشبث بالتقليد ولا أقول هذا مجاملة للردود المؤيدة ( لأنها أيدت ! ) ومن شاء المقارنة فليرجع إلى الردود نفسها أما طول المقال فليس مقياساً ! ولا الشهادة الاكاديمية !!.
خامساً : القارئ الباحث هو الذي سيعرف المحق من المبطل ، وسيعرف من يستغفله ممن لا يفعل ذلك أما القارئ الذي لا يرجع ولا يبحث فسيكون عرضة لآخر الردود !! أو يقف بجهل مع قول من الأقوال ، لذا نود من القارئ أن يحاكم كل من كتب في الموضوع ويكتشف بنفسه وسيجد مفاجآت كبرى !! والآن ليسمح لي القرّاء في التعليقات المختصرة على الردود المعارضة فأقول :
رد علي رضا
رد الأستاذ علي رضا في صحيفة المسلمون الجمعة ٢٩ / صفر / ١٤١٨ ه والأستاذ علي رضا مثلما لا يحسن المعارضة فهو لا يحسن التائيد فقد أيدني ان القعقاع مختلق وان سيف بن عمر كذاب لكنه ذكر أن الواقدي ذكر القعقاع بن عمرو هذا يعني أن ( محقق التراث !! ) يصح نسبة كتاب « فتوح الشام » للواقدي !! مع أن الكتاب مكذوب على الواقدي !
وللأسف ان جل ما طرحه علي رضا كان بعيداً عن الصواب مثل رده لعنعنة أبي اسحاق السبيعي وحميد الطويل ومغيرة بن مقسم مع انه محتج بهذه ( العنعنات ) في الصحيحين !! وتضعيفه لحديث ابي فضالة في مقاله مع أنه قد صححه في تحقيقه لسند علي ( انظر الأحاديث رقم ٢٣٩٤ ـ ٢٣٩٦ ) وغير هذا كثير.
ولكن لأن الموضوع عن ( سيف والقعقاع ) لذلك فسأترك التعقيب على علي رضا إلى مناسبة قادمة ليعرف القرّاء حقيقة الأمر !! أما تفاخره وتعاليه بما لم يحسنه فهذا قد تعودنا سماعه من كثير من المبتدئين في علم الحديث تصحيحاً
وتضعيفاً ، تجد الواحد منهم مقلداً للتقريب معرضاً عن منهج الشيخين !! وعن تطبيقات ابن حجر نفسه !! لكن هذا كله أسهل من الزيادة في متن الحديث !! زيادة ليست منه وهذا للاسف ما فعله علي رضا فقد زاد في متن حديث نبوي !! من أجل أن يطعن في عبد الرحمن بن عديس البلوي !! وهذه الغريبة أن تصدر ممن يزعم أنه من ( محققي التراث !! ) وهذا هو ( الوضع في الحديث ) !! ومن المستغرب أن يصدر ممن يدعي حماية الحديث !!
رد الدكتور عبدالرحمن الفريح
اطلعت على مقال الدكتور عبد الرحمن الفريح يوم الجمعة ٢٩ / ٢ / ١٤١٨ ه المنشور بصحيفة ، « الرياض » وكان رداً عليّ حول سيف بن عمر والقعقاع مع أن أكثر مقال الأخ الفريح لم يكن عن سيف ولا القعقاع !! وانما كان عن العرب العاربة والمستعربة !! وعبد الرحمن بن عديس البلوي !! وسائر ما يمكن توقعه من اتهامات كالعادة !! وحقيقة قلت لكم أكثر من مرة إن البلاء يأتي في عدم فهم المكتوب !! أو عدم قراءته !! أو تعمد الظلم والتزوير !! وللأسف ان كل هذا وزيادة قد وقع فيه الأخ الفريح ولذلك فسأتجنب الرد على معظم المقال لأنه خارج موضوعنا ولان بعضه قد تم الاجابة عليه سابقاً أما الملاحظات فكالتالي :
الملاحظة الأولى :
اثنى الفريح كثيرا على علي رضا لأن الأخير رد علي !! لكن ( فرح ) الفريح لم يدم طويلا بسبب المقال الأخير لعلي رضا الذي أيدني فيه بان سيفاً كذاب
والقعقاع مختلق لا أصل له ! وعلى هذا يكون الأخ الفريح قد ( تورط ) في الثناء على علي رضا وتقليده !! فلا علي رضا سيرجع إلى اثبات شخصية القعقاع أو توثيق سيف !! ولا الفريح يتراجع عن ثنائه على علي رضا !! فالحمد لله !! ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الارض ).
الملاحظة الثانية :
زعم الأخ الفريح انه وجد أن قاتل أبي لؤلؤة المجوسي تميمي !! وأن غير سيف قد ذكر هذا كالمدائني وابن حجر !! وأقول : للاسف أن الفريح لم يصب في هذا القول فالمدائني وابن حجر انما ذكرا أن رجلاً تميمياً ألقى على ابي لؤلؤة كساء وقيل برنساً فلما رأى أبي لؤلؤة الخطر قتل نفسه انظروا قول المدائني في العقد الفريد (٥ / ٢٥) وقل ابن حجر في الفتح (٧ / ٦٣) فانتم ترون أنه رغم اسناد القصة الضعيف الا ان ذلك التميمي انما ساعد في القبض على أبي لؤلؤة مثله مثل غيره من الذين أحاطوا بأبي لؤلؤة وقد ثبت في صحيح البخاري أن أبالؤلؤة نحر نفسه انظر صحيح البخاري مع الفتح (٧ / ٦٠).
أما سيف بن عمر فزعم أن ابالؤلؤة هرب من المسجد بعد قتله عمر فلحقه رجل من بني تميم وضايقه حتى قتله ثم رجع اليهم بعد قتله له !! انظر ( كتاب الردة والفتوح لسيف ص ٨ ) وأظن القارئ يعرف أن هناك فرقاً كبيراً بين ما أورده المدائني وابن حجر وبين ما قاله سيف بن عمر !!
تأملوا الروايتين فالمدائني وابن حجر يثبتان أن أبالؤلؤة قتل نفسه ومثلهما البخاري في صحيحه !! أما سيف فانه انفرد بأن المباشر لقتل أبي لؤلؤة كان تميمياً !! ومن لم يصدق فليرجع للمصادر ويتأكد بنفسه من الذي سقط في
تحديه !! أهو أنا أم الفريح !!
الملاحظة الثالثة :
زعم الفريح ان تحدياتي ( هشة ) !! وليته كسب هذا التحدي عندما حاول اثبات توثيق سيف بن عمر أو اثبات حقيقة القعقاع !!
الملاحظة الرابعة :
ذكر الأخ الفريح ان سيف بن عمر ثقة عند المتقدمين والمتأخرين وأقول : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته !!
الملاحظة الخامسة :
ذكر الاخ الفريح ان القعقاع بن عمرو وردت أخباره من طريق غير سيف !! فذكر انه قد ذكرها أبو عمرو الشيباني في معجم البلدان لياقوت الحموي !!
أقول : وهذه ضحكة كبرى فان ياقوت الحموي كان يسرد الأشعار والأقوال عن يوم بزاخة فذكر منها قول الصمعي ثم قول أبي عمرو الشيباني ثم شعر القعقاع ثم شعر ربيعة الضبي ثم شعر لجحدر بن معاوية وشعر القعقاع لن يجده ياقوت الحموي ( ت ٦٢٦ ه ) إلاّ في كتب سيف بن عمر أو من نقل عنه !! فذهب الفريح ( الذي يوصي بالامانة العلمية !! ) ذهب لينسب هذا السرد من ( ياقوت الحموي ) ويجعله لأبي عمرو الشيباني !! وهذه لن تنطلي على باحث فهم ما قلته في المقالات السابقة.
ثم لم يذكر لنا من هو ( الأشعري ) صاحب الأنساب الذي زعم بأنه ذكر القعقاع !! وهل هذا الأشعري بعد سيف أم قبله !! وهل نقل خبر القعقاع ـ ان صح ـ باسناد عن طريق آخر غير سيف !! وإذا كان كذلك فلماذا لم يذكره لنا الفريح حتى نرجع إلى اثبات القعقاع بن عمرو !! أما ما ذكره عن كتاب ( فتوح الشام ) المنسوب للواقدي فقد سبق الكلام عليه في حلقات مضت ، وانه لا تصح نسبته إلى الواقدي بل هو مكذوب عليه مؤلف بعده بمئات السنين !! على أية حال : أنا أعرف من خلال مقال الفريح أنه في واد وكلامنا في واد آخر !! وإلا لما زعم ان ـ سيف بن عمر ثقة بالإجماع !! وان القعقاع مذكور في البداية والنهاية وكتاب عرموش ودار النفائس !!
الملاحظة السادسة :
ذكر اني وثقت الوضاعين والضعفاء !! مثل الهيثم بن عدي والكلبي وأبي مخنف وابن أعثم والجرهمي وأمثالهم !! ثم أخذ يسرد بعض ما يراه من منكراتهم !!
أقول : وهذه دعوى من النوع الثقيل !! وإن كان هذا الدكتور صادقاً ويستطيع الاثبات فليذكر توثيقي لهؤلاء بالنص وليس بالادعاءات التي كنت أربأ بمثله أن ينشرها ويكررها !.
أما قولي بأنهم لم يذكروا القعقاع فهذا صحيح لكن هذا لا يعد توثيقاً لهم وانما قصدي أنهم مع ضعفهم وكذب بعضهم إلاّ انهم لم يتجرءوا على ما تجرأ عليه سيف بن عمر !!
الملاحظة السابعة :
كل ما ذكره الدكتور في أكثر العمود الأول ثم كامل العمود الثاني والثالث والرابع والخامس ليس له دخل في موضوعنا !! فقد كان نصف هذا نقولات من بعض المعاصرين حول العرب وأقسامهم !!
الملاحظة الثامنة :
ذكر انني أتباهي بذكر نشوان الحميري !! وأنني تباهيت به مع انني لم أذكر نشوان في كتاباتي البتة !! فمن أين جاء بهذا !
الملاحظة التاسعة :
ذكر ان وهب بن منبه من الأسماء التي طرحتها أنا وزكيتها ثم زعم ان ( وهب بن منبه من أوائل الملفقين الوضاعين وأنه رأس مدرسة الدس والتدليس ) !!
أقول : ألا يعلم الدكتور ان وهب بن منبه احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما !! فسبحان الله !
والغريب في الأخ الفريح انه يطلق أقواله بلا منهج ولا ضوابط.
الملاحظة العاشرة :
ذكر انني بذلت جهدي في جعل ابن عديس من الصحابة !! ثم رماه بالوضع في الأحاديث !!
أقول : على أهل الحديث أن يتبينوا من منا المصيب !
الملاحظة الحادية عشرة :
ذكر أنني فضلت الهمداني اليمني على الطبري وابن كثير وابن حجر !
أقول وعليك السلام ورحمة الله !! فهذا لم يقع مني أبداً !!
الملاحظة الثانية عشرة :
خلط الدكتور بين أمرين في شان ابن عديس فظن انني قلت أنه لم يخرج على عثمان !! وهذا خلاف ما قلته ( انظر بيعة علي ص ٢٨٤ ) فانا أعرف ان ابن عديس خرج على عثمان وأخطأ لكنني أنفي وبشدة أن يكون هذا الصحابي وأمثاله من تلاميذ عبد الله بن سبأ كما أراد سيف بن عمر !! وتبعه موثقوه ومحبوه !!
وأما ما ذكره الفريح من أن المؤرخين الآخرين ذكروا خروج ابن عديس فهذا صحيح وليس هذا موطن نزاع لكنهم لم يذكروا انه من اتباع عبد الله بن سبأ !! الذي اصبحت بعض الرسائل الجامعية عندنا ـ بحمد الله ـ تستحي من ذكره وتهمل أقوال سيف فيه ولا يذكرون ابن سبأ في الفتنة تبعاً للمحققين من العلماء المتقدمين والمتاخرين.
اذن فما ذكره من أنني لم أذكر مؤرخاً آخر تكلم عن دور ابن عديس في الفتنة من أخف دعاواه التي شحن به مقاله!! ويستطيع القارئ أن يعود لكتاب الرياض ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ) الفصل التاسع ليرى الحقيقة التي كتبتها بعيداً عن تخرصات الفريح في هذه القضية التي ملأ بها ثلاثة أعمدة التي كانت ( نصف المقال ) !
الملاحظة الثالثة عشرة :
ذكر ان المؤرخين تابعوا سيفا ( وعدوا ابن عديس من السبئية ) !!
وليته يذكر لنا مؤرخاً واحداً من هؤلاء الذين ذكروا ان ابن عديس من السبئية وفي ظني لو قال أحد ان ( معاوية من السبئية ) لغضبنا فما بالنا لا نغضب لاحد أصحاب بيعة الرضوان !!
علما بان السبئية لا تعني مجرد الخروج على عثمان كما ان الخارجية لا تعني كل خروج على علي !! هذا على افتراض وجود عبدالله ابن سبأ وللدكتور عبد العزيز الهلابي مبحث عنه انتهى إلى ان ابن سبأ ( اسطورة !! ) وللدكتور سليمان العودة مبحث آخر انتهى إلى عكس ذلك وفي ظني لو يلتقي الأخوان الكريمان الهلابي والعودة ويتحاوران للتوصل إلى حقيقة ( عبد الله بن سبأ ) لكان أفضل مع انني ـ حتى الآن ـ أميل إلى نتيجة الدكتور الهلابي لكن لم أجزم إلاّ ببطلان دور ابن سبأ في الفتنة لأنني بحثت الموضوع أما وجوده مطلقا فأنا إلى الآن لا أجزم بذلك.
الملاحظة الرابعة عشرة :
استطرد الفريح في الكلام عن عبدالله بن سبأ والسبئية معظم العمود الخامس يريد تشتيت الموضوع وأنا أريد الابقاء عليه. وما ذكره أيضاً لا دخل له بموضوع القعقاع بن عمرو وقد سبق الكلام في هذا الموضوع في كتاب الرياض ، لكنني أنصح القارئ باقتناء كتابي العودة والهلابي ثم ليقارن القارئ ولينظر هل ابن سبأ حقيقة ام أسطورة !!
الملاحظة الخامسة عشرة :
ما زعمه الفريح بانني اعتمدت على كتب مطبوعة وانني لم آت بجديد زعم باطل عريض !!
صحيح أن الباحث يطلع على ما كتب في الموضوع ولا أنكر أنني قبل الكتابة عن سيف أو القعقاع قد اطلعت على ما كتبه الهلابي والعودة والمعلمي والتباني والعسكري وطه حسين وغيرهم من العلماء والباحثين لكنني لم أقلد أحداً منهم واستخرجت روايات سيف بنفسي وبحثتها رواية رواية سنداً ومتناً واستدركت عليهم أشياء كثيرة فاتتهم مع تقديري لمن سبق وعدم هضم حقه لكن أول من دفعني للجراة في هذا الموضوع هو المعلمي وليس الهلابي كما ظن الهويمل !! مع امتناني الكبير للدكتور الهلابي ثم ان كل ما كتبته عن سيف أو القعقاع كان بحمدالله نتيجة بحث ذاتي ولا يعني هذا عدم الالتفات إلى الدراسات السابقة كما لا يعني أن أوجب على نفسي أن أخالفهم في كل النتائج فالبحث العلمي لا يعادي أحداً والحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيث وجدها.
الملاحظة السادسة عشرة :
ما ذكره الفريح بتزوير في توثيق سيف بن عمر واعتماده على نقل الطبري وابن الأثير وغيرهم عنه اضافة إلى تفسيره لبعض الأقوال ـ كأقوال ابن حجر والذهبي ثم اعتماده على توثيق صاحب دار النفائس لسيف بن عمر !! هذه لن أرد عليها ويستطيع القارئ مراجعة كتاب الرياض ( ص ٤٥ فما بعدها ).
الملاحظة السابعة عشرة :
ذكر أنني رميت أصحاب المصادر التاريخية الأصلية بالغباء والغفلة !!
أقول : أي مصادر يقصد هل يقصد مصادر المتقدمين كأصحاب الكتب الستة ومن في طبقتهم ومن قبلهم أم يقصد الذين نقلوا عن سيف بن عمر !! ثم إذا كان عدم الأخذ بأقوال المتأخرين يعد اتهاما بالغباء فالآخذ بأقوال المتاخرين أولى أن يتهم باستخفافه بالمتقدمين الذين لم يهملوا تراجم أقل شانا مما يقوله سيف عن القعقاع !!
ثم أنا ليس لي أية مصلحة في نفي وجود القعقاع إلاّ محبة معرفة الحقائق بعينها بعيداً عن الاختلافات والتهويلات.
رد الدكتور الهويمل :
أسعدني رد الدكتور حسن الهويمل الذي حث فيه المتخصصين على المشاركة في ( تقليم أظافر هذا الشاب !! ) فقد حدد لهم الهدف من المشاركة أيضاً ولو تلميحاً !! وأنا أطلب منهم المشاركة بالحق لمعرفة الحق ، لكن المشكلة الكبرى في مقالة الدكتور الهويمل ـ وأخشى ألا تكون كل مقالاته هكذا ـ انه مقال بلا موقف ، قرأته ثلاث مرات ولم أخرج بنتيجة وتذكرت المثل الكردي القائل : ( الفاسقون الخمسة أربعة الفار والثعبان والوزغ ) !! فهو يجعل الخمسة أربعة ثم ثلاثة في سطر واحد !! ولا تعرف هل الدكتور معك أو ضدك ! هل يتكلم بقصد العلم أو بقصد العلم أو بقصد فض الاشتباك !!
لذا أرجو أن تكون كتاباته المستقبلية أكثر وضوحاً ، وأسمى هدفاً وأبعد عن الضبابية ..
د. حسن بن فرحان المالكي
دروس من معركة القعقاع
صحيفة الرياض ـ ١٧ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
كل الحياة مليئة بالدروس والعبر ، ومن محاسن هذه العبر وخصائصها الحسنة انها لا تقتصر على الخير أو الشر ، بل لا يكاد العاقل يرى حدثاً أو يسمع خبراً أو يقرأ فكرة إلاّ وجد في ذلك من الدروس ما يضيفه إلى ما يماثله مما سجله خاطر أو سطره قلم أو سنح به فكر.
وعلى هذا يجب أن نعلم أن الشر لا يخلو من فائدة ولو للعبرة. كما لا يجوز أن نظن أن الخير لن يصاحبه شر ولا أن الحق لن ينازعه باطل ، فهذه من سنن
الله في الحياة مزجها لتتكامل منظومة الحياة ( وبضدها تتميز الأشياء ).
لهذا كله فأنا أرغب ألا تنجلي ( معركة الحوار حول القعقاع بن عمرو ) التي دارت عبر الأسابيع الماضية إلاّ ونسجل منها بعض الفوائد والدروس والعبر ، هذه العبر التي نريد من القارئ ان يتذكرها عندما تتشابه ( المعارك ) !! التي تثير بعض الراكد ، وتيقظ فينا بعض ( الغفوات العلمية ) الطويلة !!
وأنا لا أزعم انني سآتي على جل الفوائد فضلاً عن كلها اضافة إلى ان غيري قد يدرك أشياء اعمق وفوائد أقوى مما أذكره هنا ، لكن هذا تذكير مني لنفسي ولأخواني القرّاء بأن نستفيد من هذه ( المعارك !! ) واعذروني في هذه التسمية فالأفكار تتعارك ، والأدلة تتعارك ، ـ لنعرف منها أصناف الناس من الناحية العلمية ونعرف طريقتهم في عرض الأفكار ، وطريقتهم في اخفاء الحقائق ، ومحاربتها أيضاً !! فالأحداث تتكرر ، والعبر تترى ، والانسان عامد إلى النسيان ، ولم نؤت إلاّ من نسياننا لهذه الدروس والعبر التي تساعدنا في تفسير بعض الماضي وفهم أكثر المستقبل !!
أما الآن فسأحاول أن أسجل ما أراه من أبرز الفوائد والوقفات والنصائح أيضاً !! وهذه موجهة لمن يعشق الحقيقة فقط !! أما الآخرون فلن يستفيدوا مما أقوله في هذا المقال.
ولعل من أبرز الوقفات التي يجب أن يعلمها محبو الحقيقة ما يلي :
أولاً : الحقيقة والوضع السائد
يجب أن نعلم أن هناك فرقا كبيراً بين من يكتب للحقيقة وحدها ومن يكتب لارضاء الناس من الزملاء والأصدقاء والأساتذه والتلاميذ ! أو من
يكتب مراعياً الزمن ، بما فيه من تقليد وتلقين وتعطيل للنصوص والعقول في كثير من الأمور العلمية !! الذي يكتب للحقيقة لا ينظر للزمن أو الوضع السائد وانما يراعي البراهين والأدلة العلمية. أو التي يراها علمية وقد يخطئ أيضاً لكنه واضح الموقف لا يغش ولا يدلس ولا يتلون ، ولا يستغفل القارئ ، ولا يطلي الباطل بطلاء الحق ، ولا ينتظر الثناء من أحد أو عتابه ، كما لا ينتظر موافقة أحد أو معارضته !! لأن همه الحقيقة فقط فهي ضالته يبحث عنها وينشرها بين الناس ويتعب في محاولة ايصالها مفهومة واضحة إلى أكبر عدد ممكن من المتهمين.
هذا الناشد للحقيقة كان بإمكانه أن يكتب ما لا يثير راكداً ، ولا يخالف سائداً ، ولا يجلب ضرراً ، لكنه يرى ان نشر الحقيقة مع ما يصاحبها من أذى ، خير من كتمان العلم ذلك الكتمان الذي يساهم في ( تشكيل ) عقل القارئ ليكون ( إمعة ) إن أحسن الناس القول أحسنه ، وأن ساؤوا القول أساءه. وبالتالي يساهم أيضاً في ( تأسيس الجلهل العلمي !! ) الذي ابتلي به كثير من الناس !! لذلك تجد اللغة لغة أهل العلم والتحقيق !! بينما المضمون كلام أهل الجهل والتلفيق !! فهذه اللغة ( العلمية ) لهذا ( الجهل ) تجعل القارئ يظن أن الجهل علم عظيم !! وبهذه اللغة تسير دفة الجهل فوق اقتاب الحق !! كالجنازة التي تمشي على أربع فتسبق الحي الذي يمشي على رجلين !!
ثانياً : الأكثرية ليست مقياساً !!
يردد بعض الناس ( أكثر الناس على هذا ) أو ( أكثر الناس يعارضون هذا الأمر ) ومع أن هذا الحكم يحتاج لدراسة إلا انه ليس من معايير الحق ان
تتبناه الأكثرية !! فالكثرة ليست دليلاً على الصحة ، وليس هناك دليل شرعي ولا عقلي على هذا.
بل ان الله عزوجل أخبرنا في كتابه بأن( أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) و( أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) و( أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ) و( أَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) !! و( مَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا ) !!. ومصادر هذه الآيات على التوالي كالتالي الروم (٣٠) ، المائدة (٥) ، الانعام (٦) ، المؤمنون (٢٣) ، يونس (١٠).
إذن فالأكثرية ليست مقياساً صحيحاً للحق ، ولذلك نجد اكثر الناس كفاراً ، وأكثر المسلمين مقلدين أو جهلة ، وأكثر المقلدين متعصبين ، وهكذا تنتقل الأكثرية المخطئة بارتياح ـ من وسط إلى وسط !! ومن زمن إلى زمن !! وان كانت الأكثرية على حق في أشياء فلابد أن يكون معها باطل في أشياء أخرى ، فلا تخلوا الأكثرية من رفض لحق ، ولا تمسك بباطل ، وواجبنا ان نقلص هذا الباطل ، ونوسع هذا الحق. أما الذي لا يعترف إلاّ بشرعية آراء الأكثرية فهو مخالف لنصوص القرآن الكريم كما ان الذي لا يشعر بتعصب الأكثرية أو ظلمها فقد يكون من الأكثرية نفسها !! فهو كالمسحور الذي لا يشعر بالسحر فلذلك لن يشعر الفرد من الأكثرية باخطائها ولا أمراضها العلمية !!.
ولو نظرتم للتاريخ لوجدتم ان ( الأكثرية ) هي التي حاربت الرسل والمصلحين.
والخلاصة هنا : ان العبرة في النواحي العلمية ليست بالأغلبية ولا بالاقلية ، وانما بالدليل والبرهان. وإذا نظرنا لموضوع القعقاع مثلاً فلا يجوز لمن يحتج بالأكثرية على ( وجود القعقاع ) ويزعم أن ( أكثر ) أصحاب التراجم ذكروه في كتبهم !! ولو شئنا أن نحتج عليهم ب ( الأكثرية ) لقلنا متى تكونت
عندكم هذه الأكثرية ! هل كانت موجودة في القرون الثلاثة الأولى أم تكونت بعد موت سيف بن عمر بقرون !
إذا كان ولا بد من الاحتجاج بالأكثرية ، فهل الأفضل ان نحتج باكثرية ( القرون الفاضلة ) ، أم نحتج باكثرية ( القرون المتاخرة والمعاصرة ) !! هذا على افتراض أن بعض المتقدمين قد ذكر القعقاع ، مع أنه لم يذكره احد منهم بحرف ، سوى سيف بن عمر ! فهذا المثال جاء نموذجا فقط ، وليس مقصودا بذاته لأنه سبق البحث فيه.
ثالثاً ـ الدليل وحده لا يكفي !!
من الخطأ ما كنا نظنه أيام الدراسة !! بان الدليل هو السلاح الأمضى !! وان النصوص ستشفع له في قبول الناس للحق !! كنا نظنه صحيحا في الزمن الماضي !! كنا نظن ان الدليل سيشق طريقه بلا معونة أحد !! لكن ثبت ـ من خلال التجربة ـ أن الادلة والبراهين سواء كانت شرعية أو عقلية لا يتقبلها أكثر الناس إذا تصادمت مع ظنونهم وأحكامهم المسبقة !! مهما كانت وعودهم ( النظرية !! ) بالانصياع والخضوع للأدلة !! فما أن يأتيهم الدليل المخالف لما اعتادوه حتى يتناولوه بالتضعيف أو التأويل أو دعوى المعارضة لادلة أخرى !! وان لم تفلح هذه المعاول ( الهدمية ) ، فيستطيع صاحبها الهجوم على صاحب الدليل ، والطعن في علمه أو تخصصه أو عقيدته أو نيته إلخ !!
وهذه ( المعاول ) في هدم الآراء الصحيحة ليست حديثة العهد بل هي أساليب متبعة في محاربة الحق على مر التاريخ !! لذلك فأنا أنصح اخواني الباحثين ـ الشباب منهم خاصة ـ ألاّ يظنوا أن طريق الحقيقة مفروش بالورود مادام أنه
يمتلك الدليل فهذا كلام نظري يحسن بنا أن نحفظه كثقافة فقط !!
لكن عند التطبيق انت بحاجة إلى أشياء كثيرة غير الأدلة والبراهين ولعل من ذلك حاجتك لمعرفة الناس بك !! فإن عرفك أحدهم فقل ما شئت ولو كان باطلاً !! فان لم يعرفك ذلك الشخص فابشر بسيل من الاتهامات والطعون لسبب واحد فقط وهو أنه ( لا يعرفك !! ) ولا تنتظر منه أن يقرأ كلامك أو ينظر في الادلة أو يحاول فهمك !! فهذا شيء ليس من العادة أن يطرق !!
إذن على الباحث عن الحقيقة أن يعلم أن التعصب بامكانه أن يقود العلم للخضوع أمام الجهل !! ، وأنّ اليقين سيخضع للظن أيضاً ، إلاّ إذا وفق الله وفتح من عنده. لكن مع هذا كله يجب ألا نيأس فكم من مستقبل وجد في بعض الماضي ضالته ، وكم من لاحق استفاد من سابق !! وقد يأتي من يبحث عن الحقيقة ويجدها عندك أو عند غيرك.
الخلاصة هنا : أنه يجب ألاّ يظن صاحب الحق أو الباحث عنه أن الطريق ميسر لأدلته ، كلا فهذا كان حلماً جميلاً شوهته حقائق اليقظة وأوجعته دروس التاريخ !!
رابعاً : اصلاح الجليس !!
من واجب المسلم أن يصلح جليسه ، وأن يرد عليه الباطل برفق ويأخذ منه الحق متى وجده. ولو أصلحنا جلساءنا وأصلحونا لحصلنا على الأجر والعلم ، مع ما في هذا ( الاصلاح ) من بحث عن المعرفة ، وتطبيق للحوار ، وتلمس للضوابط والمعايير الصحيحة في اصدار الأحكام على أفكار الآخرين.
فإذا سمعت أحد جلسائك يزعم أن فلاناً من الناس ( سيىء النية ،
جاهل الخ ) فالواجب عليك من باب العلم بالشيء ومن باب التحري والتثبت أن تسأله عن أدلته على ما ذكر !
فان قال لك : دليلي الكتاب الفلاني أو المقالات التي ينشرها فلا تستعجل واسأله : هل قرأ تلك الكتب أو تلك المقالات !
فسيجيبك بجواب من ثلاثة : إما ان يقول : لم أقرأها ولكن سمعت الناس !! أو يقول : نعم قرأتها !! أو يقول : قرئت علي نماذج منها !! فإذا قال : انه لم يقرأها فذكره بأن الله عز وجل أمر بالتبين والتثبت وإذا كان بعض الصحابة وهو الوليد بن عقبة قد نقل للرسول صلى الله عليه وسلم خبراً باطلاً مشوهاً حتى نزل في ذلك القرآن الكريم فمن باب أولى ان بعضنا ـ على ضعفنا وأهوائنا ـ قد ينقل أخباراً باطلة وتشويهات متعمدة او غير متعمدة.
فان اقتنع بهذه ( النظريات ) فيمكنك بعد هذا أن تطلب منه أن يطلب من أولئك الناقلين ـ ( تجار الغيبة والنميمة ) ـ أن يزودوه بالأصول التي زعموا ان فيها ( سوء نية وجهلاً وخبثا وابتداعا ..!! ) ثم اطلب منه أن يقرأها بتجرد ، ثم ليحكم بعد ذلك !! وان كانت هناك عبارات لم يفهمها فإنه يستطيع أن يسأل ويبحث عنها فإن استفرغ الجهد والعلم وتجردت نيته للحق فسيؤجر على حكمه ـ ان شاء الله ـ ولو كان مخطئاً.
أما إن أجابك بقوله : نعم أنا قرأت ذلك المقال وذلك الكتاب فوجدت ما يدل على اتهامي له !!
عندئذ اطلب منه وبكثير من الرجاء !! ان يطلعك على ( المواضع ) التي استدل بها على وجود الجهل والخبث و الخ ثم تناقش معه في شروط الفهم ومعايير العدل في الحكم إن كان يعرفها !! او اطلب منه أن يقرأ مرة اخرى وثالثة
ليتأكد من أدلته. ثم اسأله ( هل يدين الله بحكمه ذلك أم لا ! ) فإن قال : نعم ـ وقد يقولها عزة بالاثم !! ـ وقد يقولها اجتهاداً وجهلاً. فان كانت الأولى فهو مأزور لا ماجور !! وسيعرف باطله عاجلا أم آجلا ، دنيا أو آخرة. وان قالها اجتهادا وجهلا منه فقد يكون مغفورا له بسبب اجتهاده وقد يكون آثما لانه لم يستفرغ جهده في معرفة ( الأدوات ) المعينة على اصدار الحكم الصحيح المتطابق مع الواقع.
أما الحالة الثالثة ـ وهو أن يقول أن بعض الناس قرأ عليه ( نماذج !! ) فاطلب منه ان يقرأ الكلام كاملاً لأن الذي يختار له ( نماذج مفصولة ) عما قبلها وما بعدها !! قد يكون له خصومة مع الكاتب أو المؤلف !! وقد يكون على رأي مخالف لرأي الكاتب وقد يغش ويخون ويكذب !! فهذه الأمراض موجودة !! إذن اطلب منه القراءة للكلام كله ثم اتبع معه الطريقة التي اتبعها مع الحالة الثانية ، وبهذا تستطيع أن تصلح جليسك ولو كان أفضل منك وأعلم وبهذا تكسب الأجر وتتعلم كيف تصل إلى الحقيقة بعينها كما تستطيع أن تعلم جليسك الشيء نفسه.
خامساً : الناس والقعقاع !!
بعد المعركة ظهر لنا ان الناس في القعقاع على ثلاثة أصناف :
ـ منهم من ينفي وجود القعقاع مطلقاً !! لأن سيفاً معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والأحداث !!
ـ ومنهم من يثبت وجوده ودوره كاملاً بكل التضخيمات والتهويلات !!
ـ ومنهم من يتوسط فيرى أن سيف بن عمر بالغ في دور القعقاع بن
عمرو ذلك الدور الذي لم يذكره غيره !!.
وفي ظني أن الصنف الاول والثالث متقاربان جداً ويمكن أن يتفقا أذا عرفا منهج سيف بن عمر بالتفصيل !! والخلاف بينهما يسير.
أما الصنف الثاني روايات سيف سيرونها في اعداد قادمة ، ليعرفوا حقيقة روايات سيف بن عمر !! وحتى لا نبقى متجادلين في الجرح والتعديل ـ على وضوحه في سيف !! ـ إلا أن القارئ لما يرى نماذج من روايات سيف بعينه فسيختار لنفسه !! وينظر هل أحكام أهل الحديث على سيف صحيحة أم انها كانت منصبة على ( أحاديثه ) فقط دون رواياته !!.
ولا ريب أن الأخ عبد الباسط المدخلي كان محظوظا من كثرة التعقيبات التي كفته المؤونة !! مع تاكيدي المتكرر بان الأخر عبد الباسط أو الأخ الفقيهي أو كل من اختلفت معهم هم أخوة فضلاء لا أكن لهم إلا كل خير لكنه يؤرقني أن أرى الحقائق محرفة !! والأباطيل منشورة !! سواء أكان هذا باجتهاد وحسن نية أم بجهل الحقائق.
د. حسن بن فرحان المالكي
مراجعات
صحيفة الرياض ـ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
يحسن بالباحث أو من يتشبه بالباحثين أن يراجع نفسه من وقت لآخر ، ينظر ماذا قال !! ويراجع أقواله ، ويتهم بحوثه وجهوده السابقة ، ويعيد التأكد من المعلومات !! ويطلع على المصادر والدراسات والأدلة الجديدة التي لم تكن متوفرة يومئذ ، يفعل كل هذا من أجل الحقيقة ليحميها ويطورها ويهذبها ويزيل عنها عوالق الهوى ، وشطحات الخصومة ( ولوازم التعصب ) وفقر الادلة ، كل هذا ـ وأكثر ـ يجب أن يتوفر في طالب العلم وفي الباحث بوجه أدق.
نظرة على مراجعات السلف
وقد كان علماء السف الصالح رحمهم الله يرجعون إلى الحق وقد يتعصب بعضهم أيضاً ، لكن يهمنا رؤوس السلف أمثال الشافعي والإمام أحمد ، فالامام أحمد مثلا تجد له في المسألة الواحدة ثلاثة أقوال أو أربعة أو نحو ذلك فما سبب تعدد أقواله أظن القارئ يعرف أن الامام رحمه الله يقول في المسألة بقول بناءً على دليل وصله أو فهم لدليل ثم تبين له دليل أقوى أو عرف أن فهمه السابق غير صحيح أو علم ناسخاً لدليله الصحيح أو مخصصاً لدليله العام أو نحوه هذا ، فلذلك يرجع بسهولة إلى الحق ولا يبالي بكثرة الأتباع الذين قد يوجد فيهم من يمتعض ويستنكر هذا الفعل !! لخوفه على الامام احمد انما يتهمه خصومه بالتناقض أو الجهل !! كما ان الامام احمد رحمه الله لم يكن يبالي بخصومه الذين يتخذون تعدد الاقوال دليلا على تناقض الرجل !! ثم يشككون في علميته !! بينما تعدد الاقوال كان نتيجة لتبين الأدلة القوية وإتباعها وهذا ليس دليلا على العلم فقط بل هو العلم نفسه !! ، وكذلك الشافعي أنتم تعرفون ان له مذهبا قديما ومذهبا جديدا ، ولابد ان يؤثر هذا التحول في بعض أتباعه ويمتعضوا من ذلك ويفرح به بعض خصومه ليس فرحا بالحق !! ولكن نكاية بالشافعي وأصحابة !! ولكن الشافعي كان أعقل وأعلم من أن يجعل دينه عرضة للتعصب على رأي سبق او رفض دليل ظهر.
نظرة إلى الواقع اليوم !!
وكنت أتأمل هذين المثالين وأشباههما واقارن هذا مع أحوال طلبة العلم اليوم فرأيت عجبا !! الإمام احمد لا تكاد تجد له مسألة ليس له فيها أكثر من قول
نتيجة لما ذكرناه سابقا لكن أصغر طالب علم في يومنا هذا لا يمكن أن يرجع إلى الحق ولو وجد الأدلة القوية على بطلان ما ذهب اليه أولا !! وكأنّ العودة إلى الحق عار وجريمة تستحق الهجران والاطراح !!.
فتشوا بانفسكم وحاولوا ان تعدوا طلبة العلم الذين رجعوا إلى الحق في مسالة او أكثر ! كم بلغوا على كثرتهم عشرة !! عشرين !!
خذوا على سبيل المثال : ( أصحاب الرسائل الجامعية ) !! أكثر من ثمانية آلاف رسالة لم نعلم طالبا أعلن رجوعه عن خطا وقع فيه !! ولم نعلم طالبا يتبرأ من تصحيح ادلة ضعفا أو تضعيف أدلة صححها أو قبول آراء مرجوحة الخ.
كما أرجو ألا يفهم القارئ من كلامي هذا أن جميع الرسائل الجامعية ضعيفة فهذا لم اقله ولن أستطيع أن أقوله لكن لو أخذنا نموذجاً على تلك الرسائل ولتكن ( الرسائل الجامعية ) المتخصصة في ( التاريخ الإسلامي ) نجد انها على أقسام أيضاً منها القوي والضعيف فهذا الضعيف من الرسائل لن تستطيع إقناع أصحابها بالتخلي عن اخطائها خفية فكيف تقنعهم بنشر هذه الاخطاء والرجوع إلى ضدها عبر وسائل الإعلام ! هذا أصبح يشبه المستحيل.
من المسؤول !
وهذا الإصرار على التشبث بالأخطاء له أسبأب عديدة ومتنوعة ومتداخلة وعميقة ، تتعلق بطريقة تكويننا الثقافي ، والنمط الفكري المتبع ، وفي ظني أن هؤلاء الاخوة الذين لا يرجعون عن أخطائهم ليسوا وحدهم المذنبين ، بل لعل الذنب الأكبر يقع على طريقة التعليم التي اتبعناها !! تلك الطريقة التي لم تعلمنا ولم تحبب إلينا الرجوع عن الباطل !! بل زرعت في أنفسنا ـ بطريقة غير
مباشرة ـ التعصب للأقوال والمواقف ، ولا يجد الطالب خلال دراسته الطويلة درساً يحبب إليه الرجوع إلى الحق ، ولعل الطالب لم يجد كذلك أستاذا يزرع فيه هذه الفضيلة ولن يستطيع الاستاذ أن يزرع الفضيلة إلا إذا طبقها على نفسه !! بمعنى أن الأستاذ إن لم يطبق هذا المبدأ خلال تدريسه للطالب فلن تجد الطالب مقتنعا بالنظرية !!.
اذن فالاخوة الذين لم يؤثر عنهم رجوع عن باطل ، ليسوا وحدهم المسؤلين عن هذا المرض العلمي ، كما أنهم أيضاً محاسبون على تقليدهم الأعمى للنمط الفكري المتبع مع ترك الادلة والبراهين مع علمهم على أن الصواب هو في اتباع الدليل.
ثم إن الواحد منهم لو أراد الرجوع إلى الحق فسيجد صعوبة كبيرة إذا اكتشف خطأه في مسألة أو عرف أنه قد بالغ في أخرى أو وجد زيادة علم وتأتي هذه الصعوبة من جهتين :
أسباب التعصب للأخطاء !!
الجهة الأولى : النفس
فالنفس صعبة الانقياد للحق وتتبع الهوى ، والباحث سيجد نفسه تحبب له المسير في هذا الخطأ وتحذره من عواقب الرجوع إلى الحق وتزين له قبح الباطل بثياب حق زاهية الألوان !! فإن لم يجبر نفسه على اتباع الدليل فلن يجد عندها سيرا نحوه.
الجهة الثانية : الناس
الناس لا يرحمون الراجع إلى الحق سواء كان هؤلاء الناس من
المؤيدين أو المعارضين !! فإذا أعلن عن خطا وقع فيه ثم بين رجوعه إلى الحق تجد ( المؤيدين ) و ( المعارضين ) على حد سواء يعتبرون هذا التراجع بمثابة ( احتراق ) لهذا الرجل وبعضهم يعده ( انتحارا ) لا حياة بعده !!
وكأن الله عزوجل قد خلقنا معصومين لا نخطىء !! نعم الباحث يجد صعوبة في إقناع ( المؤيدين ) برجوعه إلى الحق لأن هؤلاء ( المؤيدين ) من جنس المجتمع الذي لا يشجع الراجع إلى الحق ولا يشكره بل يعتبر رجوعه إلى الحق منقصة وعيبا وجهلا ذريعا !! لأن المجتمع أيضاً لم يتعلم أفراده فضيلة العودة إلى الحق وانما تعلموا الإصرار على الباطل ومواصلة المسير في أودية الجهالة !!
كما ان ( المعارضين ) يفرحون باعتراف خصمهم وفرحهم هذا ليس فرحا بالحق نفسه !! وانما فرح بما يظنونه من سقوط للخصم !! لأنهم مثل ( المؤيدين ) يعتبرون الاعتراف بالخطأ سقوطاً واحتراقاً وانتحاراً و الخ !!
لكن الباحث الذي نذر نفسه لهذه الحقيقة لا يهمه امتعاض المؤيدين ولا تشفي المعارضين !! وانما يهمه الحقيقة فقط ولابد ان يجد في سبيلها الفتك والاذى سواء عند اكتشاف الجديد أو الرجوع عن قديم !!
هذه أخطائي !
قد يقول لي بعذ القرّاء أنت تضرب أمثله نظرية جميلة من الرجوع إلى الحق بينما لم نرك يوما ترجع إلى حق ولا تتبرأ من باطل فهل أنت استثناء من هذه القواعد والنظريات التي توصي بها !
أقول : إذا كانت هذه هي وجهة نظر بعض القرّاء فانني أريد تصحيحها أولاً ثم الاعتراف ، ببعض الأخطاء التي وقعت فيها.
أما تصحيحها : فإنني سبق وأن اعترفت ببعض الاخطاء ورجعت عنها وأعلنتها في المقالات نفسها ولو يرجع الأخ القارئ إلى المقالات لوجد بدايات بعضها اعترافات صريحة بالأخطاء التي وقعت فيها في مقالات سابقة بينما الاخوة الذين اختلفت معهم لم يعترف أحد منهم بخطأ إلى الآن !! وقد بلغ عدد الإخوة الذين تحاورت معهم ( منذ بداية كتاباتي قبل نحو سبع سنوات ) أكثر من خمسة وعشرين لم أجد أحداً منهم إلى الآن اعترف بخطأ واحد !! بينما أذكر انني اعترفت بجملة من الأخطاء مع ملاحظة القارئ بانني لا أبرىء نفسي من تاثير النمط الفكري السائد عليّ وعلى المواقف التي اتخذها ، فالنمط السائد قد يؤثر في الشخص من حيث لا يدري فيجد نفسه حاملا التعصب والتحامل وهو يظن انه قد نجا منها !! وهذا كما قلنا سابقا بان طريقة تعليمنا وطريقة تفكيرنا تكرس فينا هذه الأخطاء ولا تعلمنا كيف نتخلص منها !!
ثانيا : ساحاول في هذه الحلقة أن اطبق النظريات السابقة على نفسي فاعترف ببعض الاخطاء التي وقعت فيها ولم يعرفها الاخوة الذين ردوا علي !! بل ذهبوا إلى تخطئة الصواب وتركوا الخطأ ينتظر رداً فلم يجد !! وهذه من الغرائب.
من الأخطاء التي أحب الأعتراف بها هنا ما يلي :
١ ـ المقالات التي كان عنوانها ( كيف يضحك علينا هؤلاء !! ) كان هذا العنوان خاطئا من ثلاث جهات : الاولى : خطأ لغوي فلا تستخدم عبارة ( يضحك عليه ) بمعنى الخداع وصواب العبارة لغوياً هو ( كيف يخدعنا هؤلاء !! ).
الثانية : ان هذا العنوان فيه قسوة لا تليق ولو اكتفيت بقولي ( نقد
الدراسات التاريخية ) لكان أفضل.
الثالثة : ان بعض هذه الرسائل التي إنتقدتها في موضوع ( بيعة علي ) كانت جيدة من حيث الجملة حتى وان اصابها بعض القصور في موضوع ( البيعة ) ولعل من تلك الرسائل القوية رسالة الدكتور يحيى اليحيى عن ( ابي مخنف ) وكذلك رسالة الدميجي عن ( الإمامة العظمى ).
٢ ـ ومن الأخطاء أيضاً انني قلت بانني إن وجدت أحداً ترجم للقعقاع بن عمرو غير سيف بن عمر فانا راجع ليس إلى اثبات القعقاع فقط وانما إلى توثيق سيف بن عمر وجعله في مرتبة البخاري !!
أقول : وقولي السابق كان في استحثاث الهمم لكنه قول غير علمي البتة !! فليس من حقي ولا من حق غيري ـ أن أوثق سيف بن عمر على افتراض وجود ترجمة للقعقاع أو خبر من غير طريقه بل ليس من حقي إثبات القعقاع بن عمرو إن أخبر به كذاب غير سيف اللهم إلاّ إذا كان هذا الكذاب قبل سيف بن عمر فلهذا أنا راجع عن قولي السابق وسيف يبقى عندي كذاباً حتى لو وجدنا للقعقاع ترجمة مطولة عن غير طريق سيف !!
٣ ـ أيضاً كنت قد ذكرت ان شخصيات اخرى قد اختلقها سيف بن عمر وسميت منها بعض الأسماء لكن عن غير بحث موسع فهذه أرجىء الحكم عليها للبحث في المستقبل بعكس القعقاع بن عمرو فانا جازم بما قلت عنه خاصة بعد ورود الردود التي لم تزدني ، إلاّ يقيناً به. إذن فقولي إن زياد بن حنظلة التميمي وعاصم بن عمرو التميمي من مختلقات سيف أنا راجع عنه لأبحث الرجلين بحثاً موسعاً مثلما بحثت القعقاع ثم أعطيكم النتيجة فيما بعد ، وكذلك عبد الله بن سبأ هو تحت البحث والدراسة ولا أجزم بنفي وجوده وان كنت أجزم
ببطلان دوره في الفتنة لأنني وجدت الأدلة على الأمر الثاني بعكس الاول فانني لم أبحثه بحثاً موسعاً مقنعاً.
٤ ـ كنت قد ذكرت في الحلقة الماضية أن الناس في القعقاع اليوم ثلاثة أصناف صنف ينفيه مطلقا وصنف يثبته مطلقا بما فيه من تضخيمات سيف وصنف ثالث يراه مضخماً فيه من قبل سيف وان لم ينكر وجوده وذكرت أن الصنف الثالث متقارب مع الأول والصواب ان هذا القسم ( الثالث ) وسط بين الحالتين يقترب ويبتعد حسب المساحة التي تكون لسيف بن عمر عنده. فهناك من ينكر ٩٠ % من التضخيمات وهناك من ينكر ١٠ % فقط فالاول قريب من الأول والثاني قريب من الثاني.
٥ ـ ذكر لي بعض الاخوة أن قولي بان القعقاع شخصية مختلقة ثم احتمالي الضعيف بانه ربما يكون رجلا عاديا ضخمه سيف ان هذا تناقض أو شبيه بالتناقض !! وطالبني بتبني الوجود أو النفي وبعد رجوعي إلى تراجمه وروايات سيف عنه رأيت ، نفي وجوده بالكلية دون أدنى احتمال.
لأن النسبة القليلة من الاحتمال لو ( حشرناها ) في مثل هذه المسائل العلمية لقيدت كثيرا من الأمور واكثر هذه الاحتمالات الضعيفة ( وساوس ) لا أساس لها ، وهذه الاحتمالات تدخل مع تصحيح الأحاديث وتضعيفها. فكل حديث صحيح قد تدخل في النفس احتمالات ضعفه وكل حديث موضوع قد يدخل في النفس احتمال صحته وبهذا لا نستطيع التمسك بالمنهج ويسبب لنا ( ازدواجية ) في التطبيق فلذلك أنا أجزم باختلاق سيف بن عمر للقعقاع دون النظر في ( وساس ) الاحتمالات واشكر الأخ الأستاذ عبدالله القفاري على هذه الملحوظة.
٦ ـ ذكر لي فضيلة الشيخ عبد اللطيف بن عمر آل الشيخ انني اخطات في ( تحميل أصحاب الرسائل الجامعية ) تلك الاخطاء التي نشرتها وقال إن الخطأ الأكبر على المشرفين والمناقشين والأقسام التي أجازت هذه الرسالة وأعطت الامتيازات !!
مع أن تلك الرسائل فيها القوي كما أشرنا سابقا.
وأنا معترف للشيخ عبد اللطيف بان النقد كان أكثره منصبا على الطلاب مع أن المقالات التي نشرتها لم تسكت عن الأقسام والمشرفين والمناقشين لكن ـ كما ذكر الشيخ ـ بان الخطا الأكبر ليس على الطالب وانما على المشرف والمناقشين ولعل فضيلة الشيخ عبد اللطيف يشارك في نقد الطريقة أو ( الآلية ) التي تسير عليها الاقسام والجهات المتخصصة تلك الآلية التي تسبب في وجود مثل هذا الضعف في الرسائل الجامعية.
وقد ذكر لي الدكتور عدنان الشريف ـ استاذ تاريخ بجامعة أم القرى ـ قريبا من هذا فذكر أن الطالب يجبر ـ أحيانا ـ على موضوع معين لا يتفق مع اهتماماته العلمية !! فلذلك تجد الرسالة لا تعبر عن الطالب بقدر ما تعبر عن القسم الذي أجبره على اختيار موضوعها.
وكنت أرجو من الطلاب أن ينشروا تجاربهم مع الأقسام وينتقدوا هذه ( الآليات ) التي لا نعرف عنها الا القليل وكلامي هنا منصب على ( الرسائل التاريخية ) وقد تكون للرسائل الاخرى متاعب مشابهة.
وأخيراً : هذه أبرز الاخطاء التي وقعت فيها وقد اكتشف اخطاء أخرى بنفسي عن طريق بعض الاخوة بل انني أكتب المقال اليوم وأظنه خاليا من الاخطاء ثم اقرؤه غداً وأكتشف بعضها وهذه سمة غالبة على كل الأعمال العلمية
وطلبة العلم بحمد الله لا يدعون العصمة ولا يستطيعون لكن تنقصهم الشجاعة في الاعتراف بالخطأ نتيجة لعدم ادراكهم للمعنى الحقيقي لكلمة ( العلم ) !!.
وإذا كنت أعترف باخطائي التي وقعت فيها فمن باب أولى ألا أتبع الآخرين في أخطائهم وإن لمح بعضهم إلى انني قلدت هؤلاء !! فلي بحمد الله منهجي وأدواتي البحثية التي تجعلني أستفيد من الأبحاث السابقة وأنقدها ايضا.
ولي ، تعقيبات قد أنشرها قريباً على الدكتور طه حسين والسيد مرتضى العسكري كما أن لي ملاحظات على بحث استاذنا الدكتور عبد العزيز الهلابي ( عن عبدالله بن سبأ ) لكن تلك الملاحظات لا تقدح في النتيجة التي توصل إليها لكنها تجعلني اتوقف في متابعة تلك النتائج بكل تفاصيلها.
أرجو أن نكون جميعا على استعداد للتعرف على المنهج الصحيح ثم العودة اليه وعدم الالتفات إلى الناس ما دام الحق هو الهدف النظري الذي يعلنه الجميع.
د. سليمان بن حمد العودة
الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي
رداً على المالكي ( ١ / ٤ )
صحيفة الرياض ـ ٢٧ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
أهدى إليّ الأخ الكريم ( حسن بن فرحان المالكي ) كتابه ( نحو انقاذ للتاريخ الاسلامي ) وطلب مني ابداء الملحوظات عليه ، مؤرخا ذلك في ٣ / ٢ / ١٤١٨ ه.
واستجابة لمطلب الاخ من جانب ، واحقاقا للحق الذي أراه من جانب آخر كتبت هذه الملخوظات ، التي فكرت في بعثها ليه شخصيا ـ لقناعتي باهمية
النصح ( سراً ) ولكني عدت إلى نفسي ، فرأيت ان ( الكتاب ) وأفكار ( الكاتب ) منشورة على الملأ ، وان النصح ( لعامة ) المسلمين لا يقل أهمية عن النصح ( لخاصتهم ).
ولن أتوقف ـ طويلاً ـ عند عبارات الأخ ( حسن ) ( الجارحة ) بمناهج جامعاتنا ، وهزال رسائلنا ، وضعف من المختصين في التاريخ عندنا ..! فقد كفيت من جانب ـ بمن سبقني في الكتابة ـ ولان الثقة بمناهجنا ومختصينا لا تهتز بمثل هذه المقولات الجائرة والاحكام المتعجلة من جانب آخر.
وإن كنت ( أعجب ) كغيري ، من بعض العبارات التي سطرها ( المالكي ) في كتابه ، كيف استساغها ، وكيف تم نشرها في كتاب ( حليته ) العلم وشعاره ( الانقاذ ) !
وقبل البدء بتدوين الملحوظات أشير إلى عدة أمور منها :
١ ـ ساقتصر في ملحوظاتي على الكتاب على ( فصوله الاولى ) رأيت أنها أقرب إلى تخصصي من جانب ، ولاأدع لاصحاب الشأن فرصة الحديث عن تخصصهم من جانب آخر وحين ( أتحاشى ) الحديث عن ملحوظاته على كتابي ( عبدالله بن سبأ ) فلا يعني ذلك موافقتي على ملحوظاته ، قدر ما يعني البعد عن الانتصار للذات.
٢ ـ وأشفق على الاخ ( حسن ) وهو ( يتعاظم ) في نفسه ، و ( يزكي ) عمله حين يقول : « وها آنذا طالب لم يحصل على شهادة في التاريخ ، ولكنني لما تمسكت بمنهج أهل الحديث فندت أقاويل من سبقوني بعقود في كتابة التاريخ الاسلامي !! » ص ٤٠.
وفي مقابل ذلك ( يزري ) بالآخرين ( ويستهجن ) عملهم ، ولا ( يتورع )
في الحاق التهم بهم.
٣ ـ ولا أظنك يا أخ حسن ممن يهوى ( الصعود ) على ( أكتاف الآخرين ) ولا أرغب لك ( عالم الشهرة ) على حساب ( الحقيقة العلمية ) ، ومن بوابة ( الاثارة الاعلامية ).
٤ ـ ولست أدري كيف تحول التاريخ في ذهنك وانحسر ( الانقاذ ) في منهجك في ( بيعة علي ) رضي الله عنه وارضاه فحسب ، فمعظم دراساتك ( النقدية ) تتمحور حول هذه القضية ، ـ ومع أهميتها ـ ، فالانقاذ ( الحق ) ينبغي أن يكون أشمل ، وثمة أحداث في ( تاريخ الخلفاء الراشدين ) رضي الله عنهم لا تقل عنها أهمية.
٥ ـ يا أخانا الكريم ، ولئن كنا ـ معاشر المؤرخين ـ ( نأنف ) من اقامة التاريخ على شفا جرف هار تخونه الروايات الضعيفة ، ويشتط بتاويل احداثه الرواة المتهمون فاننا ( نرفض ) الجنوح نحو ( انكار ) الصحيح ، وابطال الحق ، وتسفيه الأحلام.
٦ ـ وحين أقدم لك هذه ( النصائح الأولية ) فلا يسبق إلى ( ظنك ) أنها مجرد ( عواطف ) بل ساتبعها بما فتح الله من ( حقائق ) لا أدعي العصمة فيها ، لكنها على الاقل ( تخالف ) ما قطعت به ، وأودع لك الفرصة لتاملها بعين ( الانصاف ) و ( التجرد ) للحق فقد ( شجعني ) في الكتابة اليك ، رغبتك في قبول الحق ، واستعدادك للتنازل عن أي رأي يثبت لك خلافه ـ كما ذكرت في الكتاب ـ أكثر من مرة وأرجو ألاّ يكون الهدف ( التجهز ) لمعركة طويلة الاجل كما ذكرت في ردك على الاخ ( عبدالله العسكر ) ص ٨٩ ، إذ ليس مما ( يتفاخر به ) المرء ( تعوده على الردود على بعض الفقهاء أو مشاغبي التاريخ ) كما قلت في
الصفحة نفسها.
وسيكون الحديث اليك وإلى غيرك غبر المحاور التالية :
١ ـ ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر
٢ ـ التحقيق في المرويات.
٣ ـ سيف بن عمر مشجب.
٤ ـ رواة آخرون في الميزان.
٥ ـ ملحوظات أخرى في الكتاب.
أولاً : ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر
تابع الاخ ( المالكي ) من سبقوه في اعتبار سيف بن عمر ( المصدر الوحيد الذي روى أخبار عبدالله بن سبأ في الفتنة ) ( ص ٥٨ ) فهو يثني على دراسة الدكتور ( الهلابي ) ويعتبرها من أروع الدراسات عن سيف بن عمر ، ثم يتبعها بدراسة أخرى للسيد مرتضى العسكري ، الذي توصل للنتائج نفسها التي توصل اليها الدكتور الهلابي ـ على حد تعبير المالكي ( ص ٥٨ ) ولي وقفة منهجية حول هذا التعبير ـ فيما بعد ـ ان شاء الله.
وأنقل للقارىء هنا ( نص ) نتيجة هاتين الدراستين ـ محل اعجاب المالكي ـ يقول د. عبدالعزيز الهلابي :
« ينفرد الاخباري سيف بن عمر التميمي ( ت : ١٨٠ ه ) من بين قدامى الاخباريين والمؤرخين المسلمين بذكر عبد الله بن سبأ في رواياته ، ويجعل له دوراً رئيسياً في التحريض على الفتنة »
( الحولية الثامنة لكلية اداب جامعة الكويت ، الرسالة الخامسة
والاربعون ، عبدالله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة ص ١٣ ).
ويقول في موضع آخر ـ من الحولية ـ : « لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية واحدة عند البلاذري ، وهذه يكتنفها الغموض » ص ٤٦.
وفي نهاية بحث الدكتور عبد العزيز الهلابي يخلص إلى نتيجة الآتية حين يقول :
« والذي نخلص اليه في بحثنا هذا ان ـ ابن سبأ ـ شخصية وهمية لم يكن لها وجود فان وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد انه لم يقم بالدور الذي اسنده اليه سيف واصحاب كتب الفرق لا من الناحية السياسية ولا من ناحية العقيدة » ( ص ٧٣ من الحولية ).
أما « مرتضى العسكري » فعنوان كتابه ( عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) يكفي لمعرفة رأيه ، ومع ذلك فهو يركز على ( سيف ) متهماً إياه بالتزوير والكذب ( ص ٦ ).
ويؤكد ( العسكري ) انه لم يكن لعبد الله بن سبأ وجود. في عصري ( عثمان ) و ( علي ) البتة ولكن سيفاً صحف واخترع هذه الشخصية الجديدة ( ص ٢٧٩ ، ٢٨١ ).
تلك مقتطفات سريعة لابرز ( أفكار ) و ( نتائج ) هاتين الدراستين ، اللتين يعجب بهما ( المالكى ) ويعتبرهما ـ أو احداهما ـ من أروع الدراسات !
وحتى ( لا نظلم ) المالكي ، ننقل شيئا من كلامه ( هو ) عن ابن سبأ. فهو يعتبره ( اليهودي النكرة ! ) ( ص ٧١ ).
وهو يفكر أفكار ابن سبأ ومعتقداته حين يتحدث عن ( الوصية ) ويقول : « ان ( سيفا ) يروي أن عبد الله بن سبأ نشر فكرة الوصية لعلي بن ابي طالب إلى أن يقول وهذا يتناقض مع فكرة ( الوصية ) لان عبدالله بن سبأ لو بث فكرة الوصية لعلي وتأثر الناس بها فلماذا اختار أتباعه بالبصرة والكوفة وغيره مع ان ابن سبأ لم يدع بالوصية للزبير ولا لطلحة فهذا تناقض » ( ص ٧٩ نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ).
والخلاصة ان ( المالكي ) يشارك غيره الافكار والتشكيك لشخصية ( ابن سبأ ) وأفكاره ، وأن ( سيفاً ) وراء ذلك كله ، إذ هو المصدر الوحيد لأخبار عبدالله بن سبأ فهل ـ تصح. هذه الفرضية الخاطئة ، التي انتهت إلى هذه النتائج الخاطئة !
لقد ثبت لدي بالبحث العلمي وجود ( ثماني ) روايات ، لا ينتهي سندها إلى ( سيف ) بل ، ولا وجود لسيف فيها أصلاً ، وكلها تتضافر على اثبات عبدالله بن سبأ والروايات ( مثبتة ) في تاريخ دمشق لابن عساكر ، وقد صحح العلامة ( ناصر الدين الالباني ) أسناد عدد منها ، وقمت بتحقيق في أسانيدها ـ رواية رواية ـ فثبت لي صحة اسناد معظمها ، في بحث لم أنشره بعد بعنوان ( ابن سبأ والسبئية قراءة جديدة وتحقيق في النصوص القديمة ).
والروايات الثماني مسندة كما يلي :
١ ـ أخبرنا أبو البركات الانماطي ، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن وأبو الفضل أحمد بن الحسن ، قالا. أنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله أنا أبو علي بن الصواف ، أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، نا محمد بن العلاء ، نا أبوبكر بن عياش ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : أول من كذب عبدالله بن سبأ.
٢ ـ قرأنا على أبي عبد الله يحيى بن الحسن ، عن أبي الحسين ابن الابنوسي ، أنا أحمد بن عبيد بن الفضل ، وعن أبي نعيم محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ، أنا علي بن محمد بن خزفة قالا. نا محمد بن الحسين ، نا ابن أبي خيثمة ، نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، عن عمار الدهني قال. سمعت ابا الطفيل يقول : رأيت المسيب بن نجبة أتى به طببه يعني ابن السوداء وعلي على المنبر فقال علي : ما شأنه فقال : يكذب على الله وعلى رسوله.
٣ ـ أخبرنا أبو القاسم يحيى بن بطريق بن بشرى وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة قالا : أنا أبو الحسين بن مكي ، أنا أبوالقاسم المؤمل بن أحمد بن محمد الشيباني ، نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة ، عن سلمة ، عن زيد بن وهب عن علي قال : مالي وما لهذا الحميت الأسود قال : ونا يحيى بن محمد ، نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة عن سلمة قال : سمعت أبا الزعراء يحدث عن علي عليه السلام قال : ما لي وما لهذا الحميت الاسود.
٤ ـ أخبرنا أبو محمد بن طاوس وأبو يعلي حمزة بن الحسن بن المفرج ، قالا : أنا أبو القاسم بن أبي العلاء ، نا أبو محمد بن أبي نصر ، أنا خيثمة بن سليمان ، نا أحمد بن زهير بن رحرب ، نا عمرو بن مرزوق نا شعبة ، عن سلمة بن كهيل عن زيد قال قال علي بن أبي طالب : ما لي ولهذا الحميت الأسود يعني عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر.
٥ ـ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن ابراهيم بن الخطاب ، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الفارسي ، وأخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي الحسين بن ابراهيم الدراراني ، أنا سهل بن بشر ، أنا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد بن منير الخلال قالا : أنا القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله
الذهلي ، نا أبو أحمد ابن عبدوس نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، نا عبد الجبار بن العباس الهمداني ، عن سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي الكندي قال :
رأيت عليا كرم الله وجهه وهو على المنبر وهو يقول : من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله وعلى رسوله ـ يعني ابن السوداء ـ لولا أن لا يزال يخرج علي عصابة تنعي على دمه كما ادعيت على دماء أهل النهر لجعلت منهم ركاماً.
٦ ـ أخبرنا أبو المظفر بن القشيري ، أنا أبو سعد الجنزروذي ، أنا أبو عمرو ابن حمدان ، وأخبرنا أبو سهل محمد بن ابراهيم بن سعدويه ، أنا ابراهيم بن منصور سبط بحروية ، أنا أبوبكر بن المقري ، قالا : أنا أبو يعلي الموصلي ، نا أبو كريب محمد ابن العلاء الهمداني ، نا محمد بن الحسن الأسدي ، نا هارون بن صالح الهمداني ، عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي الجلاس ، قال : سمعت عليا يقول لعبد الله السبئي : ويلك والله ما افضى إليّ بشيء كتمه أحداً من الناس ، ولقد سمعته يقول : ان بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وانك لاحدهم.
قالا : وأنا أبو يعلي ، نا أبوبكر بن أبي شيبة ، نا محمد بن الحسن زاد ابن المقري الأسدي باسناده مثله.
٧ ـ أخبرنا أبوبكر احمد بن المظفر بن الحسين بن سوسن التمار في كتابه ، وأخبرني أبو الطاهر محمد بن محمد بن عبد الله السبخي بمرو ، عنه ، أنا أبو علي بن شاذان ، نا أبوبكر محمد بن جعفر بن محمد الأدمي ، نا أحمد بن موسى الشطوي ، نا احمد بن عبدالله بن يونس أبو الاحوص عن مغيرة عن سماك قال :
بلغ عليا ان ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر ، فدعا ربه ودعا بالسيف أو قال فهم بقتله فكلم فيه فقال لا يساكني ببلد انا فيه ، قال فسير إلى المدائن.
٨ ـ أنبانا أبوبكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن يحكم ، أنا أبو الفضائل محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن طوق ، قال : قرىء على أبي القاسم عبيدالله بن علي بن عبيدالله الرقي. نا أبو أحمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم ، أنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد ، اخبرني الغطافي ، عن رجاله ، عن الصادق عن ابائه الطاهرين عن جابر قال : لما بويع علي خطب الناس فقام اليه عبدالله بن سبأ فقال له : أنت دابة الأرض قال فقال له : اتق الله ، فقال له : انت الملك ، فقال له : اتق الله ، فقال له : أنت خلقت الخلق ، وبسطت الرزق ، فأمر بقتله ، فاجتمعت الرافضة فقالت. دعه وانفه إلى ساباط المدائن فانك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا وشيعته ، فنفاه إلى ساباط المدائن فثم القرامطة والرافضة ، قال : ثم قامت اليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلاً فقال ارجعوا فاني علي بن أبي طالب أبي مشهور وأمي مشهورة ، وأنا ابن عم محمد صلي الله عليه وسلم فقالوا لا نرجع ، دع داعيك فاحرقهم بالنار ، وقبورهم في صحراء أحد عشر مشهورة فقال من بقي ممن لم يكشف رأسهم منهم علينا. انه اله ، واحتجوا بقول ابن عباس « لا يعذب بالنار إلاّ خالقها ».
قال ثعلب : وقد عذب بالنار قبل علي أبو بكر الصديق شيخ الاسلام ـ رض ـ وذاك انه رفع اليه رجل يقال له الفجاة وقالوا انه شتم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته ، فاخرجه إلى الصحراء فاحرقه بالنار.
قال فقال ابن عباس ، قد عذب أبوبكر بالنار فاعبدوه أيضا(١) .
__________________
(١) انظر تاريخ مدينة دمشق للحافظ ابن عساكر الصفحات ١٢٤ / ب ، ١٢٥ / أ من أصل المخطوط.
د. سليمان بن حمد العودة
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٢ / ٤)
صحيفة الرياض ـ ٢٨ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
ثانياً : التحقيق في المرويات
تبين في الحقة الماضية أن ( القطع ) بكون ( سيف ) هو الراوي الوحيد لأخبار عبدالله بن سبأ ، وان من جاء بعده أخذ عنه ( دعوى ) عارية عن الصحة ، والروايات ( الثماني ) التي سبق عرضها في الحلقة الماضية تنتصب دليلا على ذكر ( عدد ) من الرواة لعبدالله بن سبأ.
وفي هذه الحلقة ـ والتي تليها ـ أعرض للمرويات ( الثماني ) محققة
الاسناد لاكتمال الصورة وايضاح الحقيقة.
وأرجو أن يكون في ذلك ( رد ) عملي ، على ( تهمة ) الأخ حسن ـ سامحه الله حين قال :
« بل اكاد أجزم أن ( أكثر ) المؤرخين الاسلاميين ـ دعك من غيرهم ـ ( أجهل ) من أن يتجرؤوا على تحقيق اسناد واحد من أسانيد الطبري أو خليفة بن خياط مثلاً » ( ص ٣٤ من انقاذه ).
وإلى تحقيق اسناد المرويات الثمان ...
التحقيق في المرويات :
قبل ان اعلق على اسناد هذه الرواية صحة أو ضعفاً ، اؤكد أن هذه الروايات الثماني ليس في احد من اسنادها ذكر لسيف بن عمر ، وهي تنتصب دليلا على ان أخبار « ابن سبأ » من الذيوع والانتشار بحيث لم تكن قصراً على سيف وحده ، وبالتالي يسقط ادعاء التشكيك أو الانكار اعتمادا على هذا الأساس الواهي ، الذي تخالفه الحقائق العلمية.
أما أسانيد هذه المرويات فهي تتفاوت في الضعف أو القوة حسب روايتها ، واليك البيان :
أ ـ يبدو ضعف الرواية الأولى لوجود محمد بن عثمان ابن أبي شيبة ، فقد ذكره الذهبي في الميزان ونقل أقوال من ضعفه من العلماء ، وأشار إلى طائفة وثقته واكتفى هو بالقول ، كان بصيراً بالحديث والرجال له تواليف مفيدة (١).
وقبله أفاض الخطيب في ترجمته وجمع أقوال من اتهموه بالكذب ، وان كان الخطيب قد قال عنه : « كان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم ، وله
تاريخ كبير » (٢).
ولوجود مجالد ـ وهو ابن سعيد ـ جاء ذكره في الميزان ، ونقل الذهبي قول ابن معين فيه : « لا يحتج به » وقول أحمد : « يرفع كثيرا مما لا يرفعه الناس ، ليس بشيء » كما نقل تضعيف الدارقطني ، ويحيى ابن سعيد له ، وقال هو عنه « مشهور صاحب حديث على لين فيه » (٣).
ب ـ أما الرواية الثانية فتظهر علائم الصحة على اسنادها ، فابو عبد الله يحيى بن الحسن هو البناء الحنبلي البغدادي شيخ ابن عساكر وصفه الذهبي بالشيخ الإمام ، الصادق ، العابد ، الخير المتبع الفقيه ، بقية المشايخ ، ثم نقل عن السمعانى قوله سمعت الحافظ عبد الله الاندلسي يثني عليه ويمدحه ويطريه ويصفه بالعلم والتمييز والفضل وحسن الأخلاق وترك الفضول وعمارة المسجد وملازمته ما رأيت مثله في حنابلة بغداد ، ثم أعقب ذلك السمعاني بقوله وكذا كل من سمعه كان يثني عليه ويمدحه ، توفي سنة احدى وثلاثين وخمسمائة (٤).
ـ وأبو الحسين الأبنوسي هو محمد بن احمد البغدادي ، وقال الخطيب البغدادي : كتبت عنه وكان سماعه صحيحا ، ووثقه الذهبي ، وفاته سنة سبع وخمسين واربعمائة (٥).
ـ وأحمد بن عبيد الفضل هو ابن بيري الواسطي ، قال عنه خميس الحوزي : كان ثقة ، صدوقا ، وقال الذهبي : المحدث المعمر الصدوق شيخ واسط ، وفي أنساب السمعاني : ثقة صدوق من اهل واسط. وكانت وفاته قبل الأربعمائة في حدود سنة تسعين وثلاثمائة (٦).
ـ وأبو نعيم هو بن خصية محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز كان عدلا مستقيما ، كما في سؤالات الحافظ السلفي لخميس الحوزي عن جماعة من أهل
واسط (٧).
ـ وابن خزفة هو أبو الحسن علي بن محمد بن حسن بن خزفة الصيدلاني ، كان مكثراً صدوقاً ، كما في سؤالات السلفي ، وهو مسند واسط كما قال الذهبي ، وراوي التاريخ الكبير لأحمد بن أبي خيثمة عن محمد بن الحسين الزعفراني عنه (٨).
ـ ومحمد بن الحسين هو أبو عبد الله الزعفراني الواسطي ، وقد وثقه الخطيب البغدادي ، وقال. كان عنده أبي خيثمة كتاب التاريخ (٩).
ـ وابن أبى خيثمة هو أبو بكر احمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شداد نسائي الأصل كان ثقة عالما متقنا حافظاً بصيراً بأيام الناس ، كذا قال عنه الخطيب ، وذكره الدارقطني فقال ثقة مأمون ، وأثنى الخطيب على كتابه في التاريخ فقال : وله كتاب التاريخ الذي أحسن تصنيفه وأكثر فائدته ، وقال أيضاً : ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن ابي خيثمة (١٠) قلت ومن المحتمل أن يكون هذا الخبر المروي من هذا الكتاب النفيس.
ـ ومحمد بن عباد هو ابن الزبرقان أبو عبد الله المكي ، سكن بغداد وحدث بها ، وقد روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين (١١). وبهذا يكون قد جاوز القنطرة كما يقال.
ـ وسفيان هو ابن عيينة الرواية المشهور ، قال ابن سعد : كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة ، وقال الشافعي : لو لا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز ، وقال ابن المديني : سفيان امام في الحديث ، وقال العجلي : كوفي ثقة ثبت يعد من حكماء أصحاب الحديث (١٢).
وعمار الدهني هو ابن معاوية ويقال ابن أبي معاوية ويقال ابن صالح
ويقال ابن حبان ، أبو معاوية البجلي الكوفي ، وثقة احمد وابن معين وأبوحاتم والنسائي (١٣).
ـ أما أبو الطفيل فهو عامر بن واثلة الليثي ، ولد عام واحد ، وروى عن النبي (ص) وأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ بن جبل وحذيقة وابن مسعود وابن عباس وغيرهم ، قال ابن عدي : له صحبة وقال مسلم : مات أبو الطفيل سنة مائة وهو آخر من مات من الصحابة ، قال ابن سعد : كان ثقة في الحديث وكان متشيعا (١٤).
ـ والمسبب بن نجبة الكوفي ترجم له ابن حجر في الاصابة ضمن من كان في عهد النبي (ص) ويمكنه أن يسمع منه ولم ينقل انه سمع منه سواء كان رجلاً أو مراهقاً أو مميزاً ، ثم قال ابن حجر : له ادراك وله رواية عن حذيفة وعلي ، ونقل عن العسكري قوله : روى عن النبي (ص) مرسلاً وليست له صحبة (١٥) وقال ابن سعد : كان مع علي في مشاهدة ، وقتل مع التوابين في عين الوردة عام خمسة وستين (١٦).
ج ـ وكذا الرواية الثالثة تبدو صحيحة الاسناد ، فأبو القاسم يحيى بن بطريق الطرسوسي ثم الدمشقي شيخ ابن عساكر قال عنه : مستور حافظ للقرآن سمع أبا الحسين محمد بن مكي وأبا بكر الخطيب ، توفي في رمضان سنة اربع وثلاثين وخمسمائة ، وقال عنه الذهبي : المسند المقرىء (١٧).
ـ وأبو محمد عبدالكريم بن حمزة السلمي الدمشقي ـ الحداد من مشيخة ابن عساكر قال عنه : كان شيخاً ثقة مستوراً سهلاً ، قرأت عليه الكثير وتوفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وخمسمائة وقال عنه الذهبي : الشيخ الثقة المسند وأشار إلى توثيقه ابن العماد الحنبلي (١٨).
ـ وأبو الحسين ابن مكي هو محمد بن مكي بن عثمان الأزدي المصري ، مسند مصر كما يقول الذهبي ، روى عنه أبو بكر الخطيب ، وابن ماكولا ، والفقيه نصر المقدسي ، وهبة الله بن الاكفاني ، وعبد الكريم بن حمزة وأبوالقاسم بن بطريق وغيرهم ، وقد وثقه الكتاني وغيره وتوفي في سنة ٤٦١ ه (١٩).
ـ والمؤمل بن احمد الشيباني ، بغدادي ، سكن مصر وحدث بها وبها مات سنة احدى وتسعين وثلاثمائة ، وقد وثقه الخطيب البغدادي (٢٠).
ـ ويحيى بن محمد بن صاعد البغدادي ، احد الثقات المشهورين قال الدارقطني : ثقة ثبت حافظ ، وقال الخطيب : كان ابن صاعد ذا محل من العلم وله تصانيف في السنن والأحكام ، وعده الذهبي مع الحفاظ الثقات ، وقال عنه له كلام متين في الرجال والعلل يدل على تبحره ، مات في ذي القعدة سنة ثماني عشرة وثلاثمائة (٢١).
ـ بندار ـ بضم الباء وفتحها وسكون نون ـ هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي ، أبوبكر ، ثقة حافظ ، روى عنه الجماعة ، وقال البخاري في صحيحه : كتب إليّ بندار فذكر حديثاً مسند.
قال ابن حجر ولولا شدة وثوقه ما حدث عنه بالمكاتبة مع أنه في الطبقة الرابعة من شيوخه ، وقد روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث ، ومسلم اربعمائة وستين ، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين (٢٢).
ومحمد بن جعفر هو الهذلي أبوعبد الله البصري المعروف ب « غندر » ثقة صحيح الكتاب ، قال ابن المبارك : إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم ، وقال العجلي : بصري ثقة وكان من اثبت الناس في حديث شعبة ، مات في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وقيل اربع
وتسعين (٢٣).
ـ شعبة هو ابن الحجاج بن الورد العتكي الازدي مولاهم أبوبسطام الواسطي ثم البصري ، الثقة الحافظ المتقن ، قال الثوري شعبة امير المؤمنين في الحديث ، وقال احمد : كان شعبة امة واحده في الرجال والحديث ، وقال ابن ادريس : ما جعلت بينك وبين الرجال مثل شعبة وسفيان ، وقال ابن سعد : كان ثقة مامونا ثبتا حجة صاحب حديث توفي سنة ١٦٠ ه (٢٤).
ـ وسلمة هو ابن كهيل بن حصين الحضرمي أبو يحيى الكوفي ، قال احمد : سلمة متقن للحديث وقيس بن مسلم كذلك ما نبالي إذا اخذت عنهما حديثهما ، وقال ابن المبارك : كان ركنا من أركان وشد قبضته ، وقال أبو زرعة : ثقة مامون زكي ، وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة ثبت في الحديث ، وكان فيه تشيع قليل وهو من ثقات الكوفيين ، مات سنه ١٢١ ه (٢٥).
ـ زيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي ، رحل إلى النبي (ص) فقبض وهو في الطريق ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب وابن منده اسلم في حياة النبي (ص) وهاجر اليه فلم يدركه ، ثقة جليل ، مات بعد الثمانين ، وقيل سنة ست وتسعين ، وقد روى عن عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وحذيفة وابي الدرداء وأبي موسى وغيرهم وثقه ابن معين ، وابن سعد وابن خراش ، والعجلي ، وعن الأعمش : إذا حدثك زيد بن وهب عن أحد فكأنك سمعته من الذي حدثك عنه (٢٦).
ـ أما الرواية الواردة من طريق أبي الزعراء فهي بنفس سند ومتن الرواية قبلها ، عدا أبا الزعراء وهو خالد سلمة بن كهيل ، وأسمه عبد الله بن هاني الكندي وقيل الأزدي ، قال ابن الأثير : له صحبة عداده في اهل
مصر (٢٧). وله ذكر في الاستيعاب (٢٨) ، وذكره ابن سعد في طبقة من روى عن علي ـ رضي الله عنه ـ من أهل الكوفة ـ فقال : روى عن علي وعبد الله بن مسعود وكان ثقة وله أحاديث (٢٩) ، وقال العجلي : ثقة من كبار التابعين ، كما ذكره ابن حبان في الثقات (٣٠).
د ـ أما سند الرواية الرابعة فرواتها ثقات بدءاً من خيثمة بن سليمان ومن فوقه فخيثمة وهو أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة ، الامام الثقة المعمر ، محدث الشام ، وصاحب مصنف « فضائل الصحابة » ، قال أبوبكر الخطيب : خيثمة ثقة ، مات خيثمة سنة ثلاث واربعين وثلاثمائة (٣١).
ـ وأحمد بن زهير بن حرب هو ابن ابي خيثمة الثقة الحافظ العالم المتقن ، وقد سبق الحديث عنه في سند الرواية الثانية فليراجع هناك.
عمرو بن مرزوق أبو عثمان الباهلي مولاهم البصري ، حدث عنه البخاري في صحيحه مقرونا بآخر ، قال عنه يحيى بن معين : ثقة مأمون ، وقال أبو حاتم : كان ثقة من العباد لم نجد أحداً من أصحاب شعبة كان أحسن حديثاً منه ، وقال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث عن شعبة ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٣٢).
أما الرواة الثلاثة ـ شعبة ، سلمة بن كهيل ، زيد بن وهب ، فقد سبق الحديث عنهم وتوثيقهم في الرواية الثالثة بما يغني عن اعادته هنا.
وكذا من دونهم لم يجرحوا ، بل وثق اكثرهم ، وأقلهم من هو مستور الحال ، فأبو محمد بن أبي نصر اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم بن معروف بن حبيب التميمي الدمشقي الملقب بالشيخ العفيف قال أبو الوليد الدربندي : أخبرنا عبد الرحمن بن عثمان بدمشق وكان خيراً من الف مثله اسناداً واتقاناً
وزهداً مع تقدمه ، وقال رشا بن نظيف : قد شاهدت سادات فما رايت مثل أبي محمد بن أبي نصر كان قرة عين.
وقال الكتاني : توفي شيخنا ابن أبي نصر في جمادى الآخرة سنة عشرين واربعمائة فلم أر جنازة كانت أعظم من جنازته كان بين يديه جماعة من أصحاب الحديث يهللون ويكبرون ويظهرون السنة قال : وكان ثقة مأموناً عدلاً رضى (٣٣).
ـ وأبو القاسم بن ابي العلاء علي بن محمد المصيصي ، الامام الفقيه المفتي مسند دمشق. قال عنه الحافظ ابن عساكر : كان فقيهاً فرضيا من أصحاب القاضي أبي الطيب ، مات بدمشق سنة سبع وثمانين واربعمائة ، وقال الذهبي : كان فقيها ثقة (٣٤).
ـ وأبو يعلى حمزة بن الحسن بن المفرج ، ترجم له ابن عساكر في تاريخ دمشق وقال : كان شيخاً مستوراً ، مات سنة اربع وثلاثين وخمسمائة (٣٥).
ـ وأبو محمد بن طاوس هو هبة الله بن أحمد البغدادي ثم الدمشقي ، شيخ السمعاني ، روى عنه ومدحه فقال : كان مقرئاً فاضلاً ثقة صدوقاً مكثراً من الحديث ، ومن مشيخة ابن عساكر ، وروى عنه السلفي ووثقه ، وقال الذهبي : كان ثقة متصوفاً مات سنة ست وثلاثين وخمسمائة (٣٦).
ه ـ أما سند الرواية الخامسة فيظهر أنه لا يصل إلى درجة الصحة لكنه لا يقل عن رتبة الحسن ، والحسن ـ كما هو معلوم ـ أحد مراتب الصحيح.
فأبو محمد الدراني شيخ لابن عساكر ، وقد قال عنه : لم يكن الحديث صنعته ، وقد روى كثيرا من سنن النسائي الكبير عن الاسفراييني ، كانت وفاه سنة ثمان وخمسين وخمسمائة (٣٧).
ـ وسهل بن بشر هو الاسفراييني الشيخ الامام المحدث المتقن الرحال ـ كما وصفه الذهبي ، وكان قد تتبع السنن الكبير للنسائي وحصله وسمعه بمصر ، قال عنه أبو بكر الحافظ : كيس صدوق ، توفي سنة احدى وتسعين واربعمائة (٣٨).
ـ وأبو الحسن علي بن منير الخلال ، شيخ صدوق ، لم ياخذ من الغرباء ، وكان ثقة فقيراً ، توفي سنة تسع وثلاثين وأربعمائة (٣٩).
ـ والقاضي أبو الطاهر الذهلي ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد وقال كان ثقة فاضلاً ذكياً متقناً لما حدث به ، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة (٤٠).
ـ وأبو احمد بن عبدوس اسمه محمد بن عبدوس بن كامل السلمي ، وصفه الذهبي بالحافظ الثبت المامون ، ونقل عن ابي الحسين ابن المنادي قوله : كان ابن عبدوس من المعدودين في الحفظ وحسن المعرفة بالحديث ، اكثر الناس عنه لثقته وضبطه ، وكان كالأخ لعبد الله بن احمد ابن حنبل ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين (٤١).
ـ ومحمد بن عباد ، وسفيان ـ وهو ابن عيينة ـ سبق الحديث عنهم وتوثيقهم في الرواية الثانية ، وكذا سلمة بن كهيل سبق الحديث عن توثيقه في الرواية الثالثة ـ وكلهم من رجال التهذيب ـ وعبدالجبار الهمداني هو الشبامي ، صدوق يتشيع (٤٢).
وحجية بن عدي الكندي صدوق يخطىء كما في (التقريب ١ / ١٥٥) ( *)
و ـ أما الرواية السادسة ففي بعض رجال اسنادها مقال :
محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي هو الكوفي الملقب ب « التل » صدوق فيه لين كما في التقريب ، وفي الميزان نقل الذهبي تضعيف يحيى بن معين
والفسوي له ، وتعديل طائفة أخرى كابي داود وابن عدي الذي قال : حدث عن محمد الملقب بالتل ، الثقات ولم أر بحديثه بأساً (٤٣).
ـ وهارون بن صالح الهمداني عن ابي هند الحارث بن عبدالرحمن الهمدانى ، وعنه محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي ذكره ابن حبان من الثقات ، وفي الميزان تفرد عنه محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي (٤٤).
ـ وأبو الجلاس الكوفي غير منسوب ، عن علي بن أبي طالب عن النبي (ص) قال ان بين يدي الساعة ثلاثاً الحديث ، وعنه أبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني ـ كما جاء في التهذيب ـ وفي التقريب قال ابن حجر أبو الجلاس الكوفي مجهول من الثلاثة (٤٥).
ـ ومع ذلك فالرواية بسندها ساقها أبو يعلى الموصلي في مسنده ، عن أبي كريب محمد بن العلاء عن محمد بن الحسن الأسدي ، عن هارون بن صالح ، عن الحارث ، عن أبي الجلاس (٤٦).
ثم ساق أسناداً اخر عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن محمد بن الحسن باسناد مثله (٤٧).
ولعل هذا هو السند الآخر الذي أومأ اليه ابن عساكر في الرواية نفسها.
وهذا السند الآخر ـ عن ابن أبي شيبة ـ ذكره ـ قبل أبي يعلى ـ ابن أبي عاصم في كتابه السنة فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي حدثنا هارون بن صالح عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن أبي الجلاس قال سمعت عليا يقول لعبد الله السبائي : ويلك ما أفضى إليّ رسول الله (ص) بشيء كتمته أحداً من الناس ، ولقد سمعته يقول أن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا وانك أحدهم (٤٨).
مع أن الألباني ـ محقق كتاب السنة هذا ـ ضعف هذه الرواية لجهالة في أبي الجلاس وهارون بن صالح ، فقد ذكر ان أبا يعلى أخرجه من طريقين آخرين عن الأسدي به.
وفوق ذلك كله فقد نقل « الهيثمي » الرواية في مجمعه عن أبي الجلاس ثم قال رواه أبو يعلى ورجاله ثقات (٤٩).
الهوامش :
(١) ميزان الاعتدال ٣ / ٦٤٢.
(٢) تاريخ بغداد ٣ / ٤٢.
(٣) الميزان ٣ / ٤٣٨.
(٤) سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٦.
(٥) تاريخ بغداد ١ / ٣٥٦ ، سير اعلام النبلاء ١٨ / ٨٥.
(٦) سؤالات السلفى / ٥٦ ، الأنساب ١ / ٤٣٠ ، سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٩٧.
(٧) ص ٦٥.
(٨) سؤالات السلفى / ٦٠ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٤٩ ، وسير اعلام النبلاء ١٧ / ١٩٨.
(٩) تاريخ بغداد ٢ / ٢٤٠.
(١٠) المصدر السابق ٤ / ١٦٢ ، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٥٩٦.
(١١) المصدر نفسه ٢ / ٣٧٤.
(١٢) تهذيب التهذيب ٤ / ١١٧.
(١٣) المصدر السابق ٧ / ٤٠٦.
(١٤) المصدر نفسه ٥ / ٨٢.
(١٥) الاصابة ١٠ / ٣٠ ، وانظر الكاشف للذهبي ٣ / ١٤٦.
(١٦) الطبقات ٦ / ٢١٦.
(١٧) سير اعلام النبلاء ٢٠ / ٥٣.
(١٨) سير اعلام النبلاء ١٩ / ٦٠٠ ، شذرات الذهب ٤ / ٧٨.
(١٩) انظر سير أعلام النبلاء ١٨ / ٢٥٣ ، وتذكرة الحفاظ ٣ / ١١٥٨ وشذرات الذهب ٣ / ٣٠٩.
(٢٠) تاريخ بغداد ١٣ / ١٨٣.
(٢١) تذكرة الحفاظ ٢ / ٧٧٦.
(٢٢) التهذيب ٩ / ٧٠.
(٢٣) تهذيب ٤ / ٣٣٨.
(٢٤) التهذيب ٤ / ١٥٥.
(٢٥) التهذيب ٤ / ١٥٥.
(٢٦) انظر الاستيعاب ـ بهامش الاصابة ٤ / ٧٣ ، والاصابة ٤ / ٩٠ ، والتهذيب ٣ / ٤٢٧.
(٢٧) اسد الغابة ٦ / ٣٢١.
(٢٨) ١١ / ٢٦٢ « هامش الاصابة » ، والاصابة ١١ / ١٤٥.
(٢٩) الطبقات ٦ / ١٧١.
(٣٠) تهذيب التهذيب ٦ / ٦١.
(٣١) سير اعلام النبلاء ١٥ / ٤١٣ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ٨٥٨.
(٣٢) الجرح والتعديل ٦ / ٢٦٣ ، سير اعلام النبلاء ١٠ / ٤٧١ ،
تهذيب التهذيب ٨ / ٩٩.
(٣٣) تاريخ دمشق لابن عساكر ـ النسخة المصورة ١٠ / ٤٦ ، وسير أعلام النبلاء ١٧ / ٣٦٦.
(٣٤) العبر ٣ / ٣١٩ ، سير اعلام النبلاء ١٩ / ١٢.
(٣٥) تاريخ دمشق ٥ / ٣٠٢ ، ومختصره لابن منظور ٧ / ٢٦٠.
(٣٦) الأنساب ٢ / ١٤٣ ، سير أعلام النبلاء ٢٠ / ٩٨.
(٣٧) سير اعلام النبلاء ٢٠ / ٣٤٨.
(٣٨) سير أعلام النبلاء ١٩ / ١٦٢.
(٣٩) السير ١٧ / ٦١٩.
(٤٠) تاريخ بغداد ١ / ٣١٣.
(٤١) تذكرة الحفاظ ٢ / ٦٨٣.
(٤٢) تقريب التهذيب ١ / ٤٦٥.
(* ) وقد وقع في بعض نسخ التقريب بن علي بدل عدي وهو تصحيف. انظر التهذيب ٢ / ٢١٦.
(٤٣) انظر : تقريب التهذيب ٢ / ١٥٤ ، ميزان الاعتدال ٣ / ٥٢١.
(٤٤) التقريب ٢ / ٣١٢ ، التهذيب ١١ / ٨ ، الميزان ٤ / ٢٨٤.
(٤٥) تهذيب التهذيب ١٢ / ٦٣ ، تقريب التهذيب ٢ / ٤٠٨.
(٤٦) مسند ابى يعلى ١ / ٣٤٩.
(٤٧) (١ / ٣٥٠).
(٤٨) كتاب السنة ٢ / ٤٧٦.
(٤٩) مجمع الزوائد ٧ / ٣٣٣.
د. سليمان بن حمد العودة
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٣ / ٤)
صحيفة الرياض ـ ٢٩ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
ز ـ وحين نأتي إلى الرواية السابعة نجد رجال أسنادها كالتالي :
أبو بكر احمد بن المظفر بن سوسن شيخ مقارب (*) (١)
أبو طاهر محمد بن محمد بن عبد الله السبخي الشيخ الامام الحافظ محدث مرو وخطيبها وعالمها ، شيخ السمعاني وابن عساكر ، قال عنه السمعاني : فقيه صالح ، عمّر حتى سمعنا منه الكثير (٢).
ـ أبو علي بن شاذان الحسن بن أبي بكر البغدادي ، قال عنه الخطيب :
كتبنا عنه وكان صدوقاً صحيح الكتاب ، ثم قال سمعت الأزهري يقول : أبو علي بن شاذ ان من أوثق من برأ الله في الحديث ، وهو مسند العراق الامام الفاضل الصدوق كما يقول الذهبي (٣).
ـ أبوبكر محمد بن جعفر بن محمد بن فضالة الأدمي ـ نسبة إلى بيع الأدم ـ القارئ الشاهد صاحب الألحان ، كان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن وأجهرهم ، ترجم له الخطيب ونقل روايته عن أبي علي بن شاذان وخلق ، وذكر الشطوي فيمن روى عنه ، وروى له حكايات ثم قال : قال محمد بن أبي الفوارس سنة ثمان واربعين وثلاثمائة فيها مات محمد ابن جعفر الأدمي ، وكان قد خلط فيما حدث (٤).
ـ احمد بن موسى الشطوي أبو جعفر البزار ، قال ابن أبي حاتم : كتبت عنه مع أبي وهو صدوق ، ونقل الخطيب توثيق الدارقطني له ، وقال ابن المنادي : كان صالحا مقبولاً عند الحكام ومن أهل القرآن والحديث ومات سنة سبع وسبعين ومائتين (٥).
ـ احمد بن عبدالله بن يونس اليربوعي الكوفي ، ثقة حافظ روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما ، ومات سنة ـ سبع وعشرين ومائتين (٦).
أبو الأحوص سلام بن سليم الحنفي الكوفي ثقة متقن ، مات سنة تسع وسبعين ومائة (٧).
ـ المغيرة بن مقسم الضبي مولاهم أبوهشام الكوفي ثقة متقن ، مات سنة ست وثلاثين ومائة (٨).
سماك ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبوالمغيرة ، صدوق ، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة ، وقد تغير بآخره فكان ربما
يلقن ، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة ، وقال عنه ابن عدي : ولسماك حديث كثير مستقيم ان شاء الله وهو من كبار تابعي أهل الكوفة وأحاديثه حسان وهو صدوق لا بأس به (٩).
قلت : ومع ما قيل في سماك ومعرفته بأيام الناس ، إلاّ انه لم يذكر له سماع من علي ، بل لعله لا يمكنه ذلك وبين وفاتيهما ما يزيد على ثمانين سنة.
ولهذا يبقى الرواية انقطاع بين سماك وعلي رضي الله عنه.
ح ـ أما اسناد الرواية الأخيرة :
ـ أبو بكر محمد بن طرخان بن بلتكين بن بجكم ، امام فاضل ومحدث متقن ، كما قال الذهبي ، وثقه ابن ناصر وقال الصفدي وكان صالحاً زاهداً عابداً أميناً صدوقاً ، توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة (١٠).
ـ وأبوالقاسم عبيد الله بن علي بن عبيد الله الرقي ، سكن بغداد ، وكان أحد العلماء بالنحو والأدب واللغة عارفاً بالفرائض وقسمة المواريث كتب عنه الخطيب البغدادي وقال عنه : كان صدوقاً ، مات سنة خمسين واربعمائة (١١).
ـ أبو احمد عبيد الله بن محمد بن أبي مسلم الفرضي المقرىء ، ترجمه الخطيب في تاريخه وقال : كان ثقة صادقاً ديناً ورعاً ، ويقول : سمعت الأزهري ذكره فقال : كان اماما من الأئمة مات سنة ست واربعمائة ، ونقل صاحب الشذرات عن الذهبي انه عاش (٨٢) سنة (١٢).
ـ أبو عمر محمد بن عبد الواحد لعله البغوي الزاهد ، المعروف ب « غلام ثعلب » قال الخطيب : كان جماعة من أهل الأدب يطعنون عليه ولا يوثقونه في علم اللغة ، فأما الحديث فرأينا جميع شيوخنا يوثقونه فيه ويصدقونه ، وقال الذهبي وهو في عداد الشيوخ في الحديث لا الحفاظ ، وانما ذكرته لسعة حفظه
للسان العرب وصدقه وعلو اسناده ، مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة (١٣).
والغطافي لم أعثر له على ترجمة ، ولعل الاسم تصحف في الأصول المخطوطة فحال دون ضبطه ومعرفته بدقة.
ثالثاً ـ سيف بن عمر مشجب !!
لقد كان سيف بن عمر التميمي ـ يرحمه الله ـ مشجباً ، علق عليه السابقون واللاحقون مسألة انكار ابن سبأ ، بل زاد بعضهم ، وحمله اختلاق عدد من الصحابة ، ليس ( القعقاع بن عمرو رضي الله عنه ) إلاّ واحداً من هؤلاء ، فقد ألف ( السيد مرتضى العسكري ) ـ وهو رافضي المذهب والهوى ـ كتابا بعنوان ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) والكتاب مؤلف قبل ما يزيد على ( عقدين ) من الزمن ! ويعتمد مؤلفه اتهام ( سيف ) باختلاق هذه الشخصيات احداثها ، ليس في هذا الكتاب فحسب ، بل وفي كتابين قبله احدهما بعنوان ( عبدالله بن سبأ بحث حول ما كتبه المؤرخون والمستشرقون ابتداء من القرن الثاني الهجري ، ط النجف ١٣٧٥ ه / ١٩٦٥ م ).
والآخر بعنوان : ( عبدالله بن سبأ واساطير اخرى ، ط دار الغدير ، بيروت ، طهران ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م ) ثم جاء الأخ ( حسن المالكي ) يجدد ما اندثر من هذه الافكار ، ولا يخرج عن اطارها ويحمل حملة شعواء ظالمة على سيف بن عمر ، وهذه شواهدها وما يناقضها.
أ ـ يقول المالكي : « ورغم أن الطبري لم يورد في تاريخه أقوالاً في الجرح والتعديل ( إلاّ في النار ، ولم يجرح الضعفاء الذين يروي عنهم إلاّ أنه صرح بضعف سيف بن عمر ، فذكر مخالفة سيف للاجماع في أكثر من موضع ، مع أن
الطبري لم يذكر هذا عن رواة اخر من ضعفاء كأبي مخنف ، والواقدي ، فيعد الطبري من مضعفي سيف بن عمر » ( ص ٥٣ نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ).
فهل يصح هذا القول ؟
أولاً : لم يبين لنا ( المالكي ) مواطن تضعيف الطبري سيف حتى نشاركه الحكم أو عدمه.
ثانياً : ليس صحيحاً أن الطبري لم يصرح بضعف ( أبي مخنف ) بل تجاوز بعض مروياته ولم يستسغها وقال « فذكر ـ أبو مخنف ـ مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعة العامة » ( تاريخ الطبري ٤ / ٥٥٧ ).
ثالثاً : وليس صحيحاً كذلك أن الطبري لم يصرح بضعف ( الواقدي ) بل قال عنه ما نصه : « وأما الواقدي فانه ذكر في سبب مسير المصريين إلى عثمان ونزولهم ذا خشب امورا كثيرة ، منها ما تقدم ذكره ، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني لبشاعته » ( تاريخ الطبري ٤ / ٣٥٦ ).
فهل فاتت هذه النصوص على ( المالكي ) وهو الذي ذكر أنه قرأ المجلدين الثالث والرابع لتاريخ الطبري ( ص ٤٥ ) أم تناساها ، أم يفهمها بغير فهمنا إياها ؟
ب ـ وحين يقرن ( المالكي ) بين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) يقول عن الأول الوضاع المتهم بالزندقة ! ويكتفي بالقول عن ( أبي مخنف ) الشيعي ( ص ٣٣ ).
ج ـ يطلق ( المالكي ) عبارات مرجفة يستبعد فيها توثيق ( سيف ) ولو بحث الباحثون عشرات السنين ، فإذا أحس أن عبارة ، ( ابن حجر ) رحمه الله في سيف ( عمدة في التاريخ ) ستحرجه خرجها تخريجاً يتفق وهواه وفهمه ( وسيأتي البيان ).
أما عبارة ( الذهبي ) في سيف ( كان اخبارياً عارفاً ) فهي تزيد من حمالته ،
ولذا تراه احياناً يتغافلها ، واحياناً أخرى يفسرها كما فسر عبارة ابن حجر ، وبكل حال فهو يعتبر هاتين التزكيتين من هذين العلمين في الجرح والتعديل ( متوهمة وليست صريحة ) ( انظر ص ٥٥ ، ٦٠ ، ٨٤ ).
د ـ يجزم ( المالكي ) بالقول : ويعد الحافظ ( ابن حجر ) المتساهل الوحيد في الإكثار من روايات سيف مع حكمه عليه بالضعف ( ص ٥٥ ) ( وسأُبين ما يناقض ).
ه ـ ويتهم ( المالكي ) ( سيفاً باختلاق الرواة ، بل واختلاق الشخصيات الكبيرة المشهورة ، على الرغم من اعترافه بصحة سند بعض المرويات التي رواها سيف ( ص ٦٢ ، ٦٣ ).
و ـ وتضل تهم ( المالكي ) تلاحق ( سيفاً ) دون أن يجد له فيها عذراً ، أما الرواة الآخرون فإن وجد رواياتهم ( مجهولون ) فهي قلة نادرة بينما الجهالة في أسانيد سيف سمة ظاهرة ( ص ٦٨ ) وسيتضح لك بعد الفرق بين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) على سبيل المثال في الرواية عن المجهولين.
ز ـ وأعظم من ذلك أن يوهم ( المالكي ) قارىء كتابه أن مرويات ( أبي مخنف ) تسير في اطار الروايات ـ الصحيحة التي تخالفها روايات سيف ( ص ٦٩ ).
ح ـ ويتناقض ( المالكي ) حين يعقد ل ( سيف ) عنواناً : ( طعنة في كبار الصحابة والتابعين ) ( ص ٧٠ ) ثم تراه يعترف بدفاعه عن الصحابة ، وان كان يسوقها مساقاً خاصاً ، فأهل الحديث لم يغتروا به ، لعلمهم انها كذب ( ص ٧٣ ) أهكذا تكون المنهجية أم بهذا التلاعب ينقذ التاريخ الاسلامي !
ط ـ وأخيراً ف ( المالكي ) في حلقته الثالثة عن ( القعقاع بن عمرو حقيقة
أم اسطورة ) المنشورة في جريدة الرياض ، يفصح عما في نفسه صراحه حين يفضل ( أبا مخنف ) على ( سيف ) ويقول صراحة وهو يتحدث عن ( أبي مخنف والمسعودي ) : « لكن هؤلاء كلهم فوق سيف بن عمر ! ».
فهل الأمر كما صوره المالكي.
تعالوا بنا لنوازن بين الرجلين ( سيف ) و ( أبي مخنف ) ونقرأ بتمعن كلام علماء الجرح والتعديل ، وننظر ما قاله المؤرخون المعتمدون في ( الأخباريين ) وبين هذا وذاك نقف على تعليلات ( المالكي ) وتوهيمه ( للعلماء ) حين يخالفون مساره في ( سيف ).
١ ـ سيف بن عمر
لا يستطيع منصف أن ينكر المنسوب إلى سيف عند علماء الجرح والتعديل ، ولكن من الانصاف لسيف ـ كرواية في التاريخ ـ أن يقال :
أ ـ تهمة الزندقة التي اتهم بها دافع عنه « ابن حجر » حين قال : « أفحش ابن حبان القول فيه » ( تقريب التهذيب ١ / ٣٤٤ ) ومن الأمانة العلمية أن تذكر هذه المدافهة بازاء التهمة !! ولم أر ( المالكي ) توقف عندها !
ب ـ فرق العلماء قديماً وحديثاً بين الشروط المطلوبة لراو يروي في الحلال والحرام ، وآخر يروي في الأخبار والسير وفضائل الأعمال ، وقال الخطيب البغدادي « باب التشدد في أحاديث الأحكام والتجوز في فضائل الأعمال » ثم روى بسنده إلى الإمام احمد بن حنبل ـ يرحمه الله ـ ان قال : إذا روينا عن رسول الله! في الحلال والحرام والسنن والأحكام تشددنا في الأسانيد ، وإذا روينا عن النبي (ص) في فضال الاعمال وما لا يضع حكماً
ولا يرفعه تساهلنا في الأسانيد ( الكفاية في علم الرواية ص ٢١٢ ـ ٢٢٣ ).
وتحدث المعاصرون عن ضرورة المرونة في تطبيق قواعد المحدثين في نطاق التاريخ الإسلامي ( د. أكرم العمري السيرة النبوية الصحيحة ١ / ٤٥ ).
ومعرفة شروط المؤرخ المقبول ( د. محمد بن صامل السلمي : منهج كتابة التاريخ الاسلامي ص ٢٤٥ ـ ٢٤٧ ).
ج ـ ومع الاجماع على ضعف ( سيف ) في ( الحديث ) ، فهو محل تزكية في ( التاريخ ) فالذهبي رحمه الله قال عنه : « كان اخباريا عارفا » ( ميزان الاعتدال ٢ / ٢٥٥ ).
وقال فيه ابن حجر رحمه الله « عمدة في التاريخ » ( تقريب التهذيب ١ / ٣٤٤ ).
وهذه الفاظ صريحة ، وان ظن المالكي انها موهمة ، كما صنع في محاولته المستميتة دفع هذه العبارات المهمة من هذين العلمين العالمين ، كما استمات في تفسير كثرة الرواية عنه عند ابن حجر خاصة ، وجازت بالقول : ويعد الحافظ ( ابن حجر ) المتساهل الوحيد في الاكثار من روايات سيف مع حكمه عليه بالضعف ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص ٥٥ ، ٦٠ ).
وفات على الاخ « حسن المالكي » ان الامام الذهبي اعتمده أحد المصادر المهمة في كتابة « تاريخ الإسلام » حين قال « وقد طالعت على هذا التأليف من الكتب مصنفاتي كثيرة ، ومادته من دلائل النبوة للبيهقي ، وسيرة النبي لابن اسحق ، والفتوح لسيف بن عمر » ( تاريخ الاسلام ١ / ١٤ ، ١٥ ).
وعني بكتابه ( الفتوح ) واعتمد عليه ، غيره في مادة الفتوح كما ذكر ذلك الدكتور بشار عواد ( الذهبي ومنهجه في كتابة تاريخ الاسلام ص ٤١٨ ).
كما فات على « المالكي » ان ابن كثير يرحمه الله أكثر من الرواية عنه ، واعتمد عليه وزكاه في مرويات الفتنة بالذات ، ووصفه بأنه من « أئمة هذا الشأن » ودونكم هذه الكلمات المنصفة ل « سيف » وأمثاله ، والكاشفة لرواة آخرين ، أنقلها بحروفها كما سطرها ابن كثير بقوله :
« هذا مخلص ما ذكره أبو جعفر بن جرير رحمه الله عن أئمة هذا الشأن ، وليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلفة على الصحابة ، والأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها ، وإذا دعوا إلى الحق الواضح أعرضوا عنه وقالوا : لنا أخبارنا ولكم أخباركم ، فنحن حينئذ نقول لهم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين » ( البداية والنهاية ٧ / ٢٦٩ ).
ولئن كان « ابن كثير » لم ينص على « سيف » أو غيره ، فظاهر لمن تأمل كثرة نقله عنه وعن شيوخه أنه يقصدهم ، فإن قيل انه أكثر النقل عن « أبي مخنف » فقد أخرجه من الدائرة حين قال عن أهل الاهواء من الشيعة ما قال وعلى كل حال فقد جزم الدكتور آمحزون في كتابه القيم : ( تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ) بسيف وشيوخه تفسيراً لنص ابن كثير الآنف ( د. محمد آل محزون تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ١ / ١٣٢ ).
وباختصار ، فالامام الطبري ، والحافظ ابن كثير ، والحافظ الذهبي ، والحافظ ابن حجر ـ رحمهم الله وغيرهم كثير ، أكثروا الرواية عن سيف بن عمر التميمي يرحمه الله ، وهم ، وكتبهم من أعدل ، وأهم مدوناتنا التاريخية ، ومن رام التشكيك فيها بعبارة ( صريحة ) أو ( ملفوفة ) فلا بد أن يتبين أمره ، وسيتحمل وزره ، وفرق كبير بين ( تحقيق ) المرويات ، و ( نسف ) المسلمات !
د ـ وإذا دافع العلماء المتقدمون عن تهمة ( الزندقة ) الموجهة لسيف بن
عمر ـ كما سلف ـ والمتأمل في مروياته ودفاعه عن الصحابة يدرك قيمة هذه المدافعة ـ فقد دافع المعاصرون عن تهمة ( التعصب ) القبلي من ( سيف ) لقبيلته بني تميم أمثال جواد علي ـ وهو يرد على ( بروكلمان ) هذه التهمة وقال د. آل محزون : والواقع ان تعصب ( سيف ) المزعوم لقبيلته ترده أحوال بني تميم وموافقتهم من الفتنة ، فمن معروف انهم ممن اعتزل الفتنة مع سيدهم الأحنف بن قيس يوم الجمل ( انظر : جواد علي موارد تاريخ الطبري ، مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد الثالث ١٣٧٤ ه / ١٩٤٥ م ص ٤٩ ، وانظر د. آل محزون تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ١ / ٢٣٦ ).
ثقات يحدثون عن سيف قبل الطبري :
وقبل ( الطبري ) روى عن سيف وحدث : عنه ( المحاربي ) ، كما نقل ذلك يحيى بن معين في التاريخ ٣ / ٤٦٠ حين قال : سيف بن عمر يحدث عنه المحاربي ، وهو ضعيف ونقل ذلك العقيلي في الضعفاء الكبير ٢ / ١٧٥ ويبدو ان ( المحاربي ) تصحفت إلى ( البخاري ).
فمن يكون المحاربي هذا الذي حدث عن سيف.
هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي ( ت ١٩٥ ه ) روى عنه الامام احمد بن حنبل وغيره وأخرج له الستة في كتبهم ( تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦٥ ) ووثقه يحيى بن معين كما في التاريخ ٢ / ٣٥٧ ) كما وثقه النسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال ابن حجر : كان ثقة كثير الغلط ( تهذيب التهذيب ٦ / ٢٦٥ ، ٢٦٦ ).
وقال عنه الذهبي : ثقة صاحب حديث ( الميزان ٢ / ٥٨٥ ).
وإذا ثبت حديث هذا الثقة ( المحاربي ) والمتقدم على ( الطبري ) بما يزيد على ( قرن ) من الزمن ، فهل تصبح ( دعوى ) المالكي حين يقول :
إنّ الطبري أول من أشهر روايات سيف بن عمر وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جداً فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة ( ص ٧٧ نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ). أو ليست تلك ( مجازفة يا أخ حسن ، وأثبت الواقع لك خلافها ولو رجعت إلى كتب الطبقات والتراجم لوجدت غيرها ، أفتراك تعدل عن رأيك ذلك الظن بك ، أم تراك ( تترفق ) في احكامك ذلك ما نرغبه لك.
رابعاً : رواة آخرون في الميزان
وهنا يرد سؤال مهم : هل الذين حاولوا اسقاط سيف واتهموه اعتمدوا من هو أصح منه سنداً وأسلم معتقداً ؟ أم ان الميزان النقدي عندهم يختل إذا تجاوزوا حدود ( سيف بن عمر ) ؟
سنرى ذلك في راو فضله ( المالكي ) على ( سيف ) وأوهم بمسير مروياته مع الروايات الصحيحة !.
٢ ـ أبو مخنف ( لوط بن يحيى ) ت ١٥٧ ه
لقد أجمع نقاد الحديث على تضعيف ( أبي مخنف ) وتركه ، ليس في الحديث فقط بل وفي التاريخ وأخبار السلف.
قال أبو حاتم : أبو مخنف متروك الحديث ( الجرح والتعديل ٧ / ١٨٢ ) وقال أبو عبد الله الأجري : سألت أبا حاتم عنه فنفض يده وقال : أحد يسأل عن هذا ( لسان الميزان ٤ / ٤٩٢ ) وقال ابن معين : ليس بشيء ( تاريخ يحيى بن
معين ٢ / ٥٠٠ ) وعلق ابن عدي على عبارة يحيى هذه بقوله : وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه الأئمة ( الكامل في ضعفاء الرجال ٦ / ٢١١٠ ).
بل وزاد ابن عدي حين قال عن أبي مخنف : ( حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم ، وإنما وصفته للاستغناء عن ذكر حديثه إلى أن قال : وله من الأخبار المكررة الذي لا استحب ذكره ( الكامل ٦ / ٢١١٠ ) وقال عنه الذهبي : « اخباري تالف لا يوثق به » ( ميزان الاعتدال ، ٣ / ٢٩٩٢ ) والمظنون بالذهبي انه يفرق بين كلمة ( اخباري عارف ) لسيف بن عمر ، و « اخباري تالف » لأبي مخنف ، بل يفرق بينهما كل من أنصف من نفسه وأنصف الآخرين ! وبمثل قول الذهبي قال ابن حجر عن أبي مخنف : « اخباري تالف لا يوثق به » ( لسان الميزان ٤ / ٢٩٢ ).
ولا أشك ولا أخال منصفا لابن حجر يشك انه يفرق بين هذه العبارات لأبي مخنف وقوله في سيف ( عمدة في التاريخ ) وان العبارتين كلتيهما صريحتان في الرجلين كل بحسبه ، « وإذا قلتم فاعدلوا » ( الأنعام / ١٥٢ ).
أما رواية أبي مخنف عن المجهولين فقد ذكر ذلك الذهبي ( سير أعلام النبلاء ٧ / ٣٠١ ) والكتبي ( فوات الوفيات ٣ / ٢٢٥ ) ونسبه « ابن تيمة » للكذب ( منهاج السنة ١ / ١٦ ) ، وعلى الرغم من الضعف المنسوب للواقدي فقد قال ابن تيمية وهو يتحدث عن الرواة أمثال أبي مخنف وهشام الكلبي ، واسحق بن بشر وأمثالهم من الكذابين. « بل الواقدي ، خير من ملء الأرض مثل هؤلاء. وقد علم ما قيل فيه » ( الرد على البكري من ١٧ ـ ١٨).
أما الطامة الكبرى فوق ما تقدم ، فهو سب ( أبي مخنف ) للصحابة رضوان
الله عليهم ، وروايته الموضوعات عن الثقات ، وفي هذا يقول ابن حبان : « رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات » وقال السليماني : « كان يضع للروافض » ( لسان الميزان ٤ / ٣٦٦ ).
تُرى هل فاتت هذه المعلومات على المالكي وهو يفضله على سيف ، فتلك مصيبة أن يذهب من عمره ( أربع سنوات ) في دراسة هذه الموضوعات ثم تند عنه هذه المعلومات أم أن لديه علما بها واطلاعاً عليها ، ولكنه ـ لحاجة في نفسه ـ أخفاها فالمصيبة أعظم وهل هذا ( منهج يعلمنا كيف نصل الى الحقيقة ) كما ينشده المالكي ( ص ١١ ).
لا أظن قارئاً يوافق على أن هذا ( النهج ) هو ذلك ( المنهج ) المنشود !!.
وبكل حال فارجو أن يملك ( المالكي ) من الشجاعة ما يعلن به ( قبوله ) للحق ويعيد نظرته إلى ( سيف ) و ( ابي مخنف ) وفق هذه النصوص الصريحة ، والآراء الواضحة التي لا تحتمل التأويل ، وليس فيها ( إيهام ) ولا غموض !.
وللمزيد أقول ان المؤرخين المعتبرين أمثال ( ابن كثير ) يرحمه الله ، لم يفت عليه ما في مرويات ( أبي مخنف ) من تزيد ، وسب للصحابة حين قال وهو يعلق على رواية فيها ( أبو مخنف ) والمظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها ، ومستقيمها وسقيمها ، وميادها وقويمها ، والله الموفق للصواب.
( البداية والنهاية ٧ / ١٦١ )
الهوامش :
(*) قال السخاوي معناه أن حديثه وسط لا ينتهي إلى درجة السقوط ولا الجلالة وهو نوع مدح ، وقال ابن رشيد : أي ليس حديثه بشاذ ولا منكر (انظر شرح الألفية ص ١٥٨ ، ١٦٣).
(١) سير أعلام النبلاء ١٩ / ٢٤١.
(٢) الأنساب للسمعاني ٣ / ٣١٨. سير اعلام النبلاء ٢٠ / ٢٤٨.
(٣) تاريخ بغداد ٧ / ٢٧٩ ، سير اعلام النبلاء ١٧ / ٤١٥ ، تذكرة الحفاظ ٣ / ١٧٥.
(٤) تاريخ بغداد ٢ / ١٤٧ ، الانساب للسمعاني ١ / ١٠١.
(٥) الجرح والتعديل ٢ / ٧٥ ، تاريخ بغداد ٥ / ١٤١.
(٦) التهذيب ١ / ٥٠ ، التقريب ١ / ١٩.
(٧) التقريب ١ / ٣٤٢.
(٨) التقريب ٢ / ٢٧٠.
(٩) تهذيب التهذيب ٤ / ٢٣٢ ، ٢٣٣ ، تقريب التهذيب ١ / ٣٣٢.
(١٠) سير أعلام النبلاء ١٩ / ٤٢٣ ، الوافي بالوفيات ٣ / ١٦٩.
(١١) تاريخ بغداد ١٠ / ٣٨٧ ، ٣٨٨ ، الانساب للسمعاني ٣ / ٨٤ ، ٨٥.
(١٢) تاريخ بغداد ١٠ / ٣٨٠ ، شذرات الذهب ٣ / ١٨١.
(١٣) تاريخ بغداد ٢ / ٣٥٦ ، سير أعلام النبلاء ١٥ / ٥٠٨.
د. سليمان بن حمد العودة
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٤ / ٤)
صحيفة الرياض ـ ٣٠ ربيع الأول ـ ١٤١٨ ه
خامساً ـ ملحوظات أخرى في الكتاب
وفوق ما سبق عرضه من آراء وملحوظات ، وتحقيق ، فثمة ملحوظات أخرى أسجل ما ( تيسر ) منها ، وفي جزء يسير من الكتاب :
أ ـ يحذر المالكي من كتابات من يحملون هم ( التاريخ الإسلامي ) ويعتبرها أخطر من كتابات ( المستغربين ) و ( أهل الاهواء ) لان هذه الأخيرة ـ كما يقول لا تخفى على القارئ اللبيب! ثم يضيف المالكي ( في الهامش ) قوله :
الغريب انني وجدت في كتب ( طه حسين ) من ( الانصاف ) أكثر مما وجدته في كتب بعض من يدعون انهم يحملون هم ( التاريخ الاسلامي ). ( ص ٣٦ من الانفاذ ).
وأنا هنا أتساءل لماذا طه حسين بالذات ! ألأنه ( شكك ) في التاريخ الاسلامي و ( أنكر ) ما لم ينكره غيره ، وكتاباته في ( السيرة ) و ( تاريخ الخلفاء ) وغيرها لا تخفى وهل يعلم ( المالكي ) تشكيك طه حسين ( المنصف في نظره ) في تاريخ الشيخين ( أبي بكر وعمر ) رضي الله عنهما حين يقول :
« وأنا بعد ذلك أشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث ، وأكاد اقطع بان ما كتب القدماء من تاريخ هذين الامامين العظيمين ، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين أشبه ب ( القصص ) منه بتسجيل ( حقائق ) الأحداث التي كانت في ايامها » !
هذا ما سطره ( طه حسين ) في مقدمة كتاب ( الشيخان ) فهل يروق ذلك للمالكي ؟
أم تراه يروق له قوله عن معاوية رضي الله عنه :
« وقد ضاق معاوية برجل عظيم الخطر من أصحاب النبي (ص) هو أبوذر ولم يستطع أن ( يبطش به لمكانه من رضى رسول الله (ص) ، وإيثاره إيّاه لسابقته في الاسلام ، ولم يستطع أن يفتنه عن دينه بالمال » ( الفتنه الكبرى ٢ / ٥٧ ).
وأين الأنصاف عند ( طه حسين ) وهو يقول عن ( عمرو بن العاص ) رضي الله عنه :
« كان يكره بيعة علي لأنه لا ينتظر من هذه البيعة منفعة أو ولاية أو
مشاركة في الحكم ، ولهذا انضم إلى معاوية ، وكان ابنه عبدالله يرى أن أباه قد باع دينه بثمن قليل » !!
أم يرى المالكي ( انصاف ) طه حسين في شدته على بني امية سواء من الصحابة أو من التابعين وماذا هو قائل عن منهجه في أحداث الفتنة حين يقول :
« وأنا أريد أن أنظر إلى هذه القضية نظرة خاصة مجردة ، لا تصدر عن عاطفة ولا هوى ، ولا تتأثر الايمان ولا بالدين ، وإنما هي نظرة المؤرخ الذي يجرد نفسه تجريداً كاملاً من النزعات والعواطف والأهواء مهما تختلف مظاهرها ومصادرها وغاياتها » ( الفتنة الكبرى ١ / ٥ ).
أم يراه منصفاً حين يقول عن عبدالله بن سبأ :
« إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء إنما كان متكلفاً منحولاً ، قد اخترع بآخرة أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم » ( الفتنة الكبرى ٢ / ٩٠ ـ ٩١ ).
اللهم إنّا نبرأ اليك من هذا الهراء ، وإن اعتبر المالكي ( صاحبه ) منصفاً ! ولا يتسع المقام لأكثر من هذا وإذا تسللت مثل هذه الأفكار ( لطه حسين ) واعتبر بها أو بمثلها ( أكثر انصافا ) من المؤرخين الاسلاميين عند طبقة ( المنقذين !!) بطلت الدعوى بعدم تاثيرها في ( المنقذين ) ولله في خلقه شؤون !!
٢ ـ يقلل ( المالكي ) من كتاب ( العواصم من القواصم ) لابن العربي من وراء وراء ، فهو يبدأ بالتشهير بتعليقات ( محب الدين الخطيب ) على الكتاب ، وبقول : إن الجهلة من المؤرخين قلدوها وأصبحوا بها يعارضون الأحاديث الصحيحة والروايات الثابتة ! ( ص ٣٥ ).
ثم لا يتمالك نفسه حتى يصل إلى ( ابن العربي ) نفسه ، وكتابه ، الذي يعده
من الكتب المفتقدة للتحقيق العلمي المتشدقة بمنهج أهل الحديث ، وانها تجمع بين نقيضين وفيها تحريف للحقائق أو الاستدلال بالصحيح أو الكذب الصراح المجرد احيانا ( ص ٣٥ ، ٣٦ ).
٣ ـ ولم يسلم ابن تيمية من ( لمز ) المالكي ، وان جاءت بعبارات ومقدمات ( ذكية ) حين يقول : « فكيف تقنع المتعصب ضده بما في مؤلفاته من خير كثير ، وكيف تقنع المتعصب له بالأخطاء الظاهرة الموجودة في كتبه » ( ص ٣٦ ، الهامش ).
أما كتبه فيختار منها ( منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية ) ليضعه ( قبل ) ضمن قائمة الكتب المفتقدة للتحقيق العلمي المتشدقة بمنهج أهل الحديث ، والتي يقلدها المؤرخون بلامحاكمة للنصوص ثم يحذف ذكره في الكتاب مؤجلاً الحكم النهائي بعد دراسة الكتاب دراسة مستفيضة ( ص ٣٥ ، الهامش ).
ومع اعتقادنا بعدم العصمة لاحد ( سوى الأنبياء عليهم السلام ) فمن حقنا أن نسأل ( المالكي ) وهو الذي أصدر هذه الاراء بعد دراسة استمرت أربع سنوات ـ كما ذكر حين أصدر حكمه ـ من قبل على منهاج السنة ـ مثلاً ـ ألم يكن بعد الدراسة فلماذا حذفه في الكتاب ؟ وإن كان لم يستوف البحث فكيف أعلن رأيه قبل استكمال بحثه ؟! أم أن حذفه خشية الاثارة ، ولأن الكتاب يعالج موضوعاً ، لا يخفى ؟! هذا نموذج صارخ للعلمية والمنهجية المالكية !! والله المستعان ، وأرجو ألاّ يسارع المالكي بتصنيف من يدافع عن ابن تيمية بالتعصب له !
أما كتاب ابن العربي ( العواصم من القواصم ) فعلى الرغم مما فيه من
ملحوظات ، لا يسلم منها عمل البشر ، فيكفيه فخراً مدافعته عن صحابة رسول الله (ص) وهذه لا ترضى ( العوام ) كما يفهم الآخرون ، بل هي ضمن معتقد أهل السنة والجماعة وقد اعتبر العلماء قديماً وحديثاً سب صحابة رسول الله زندقة ، كما قال أبو زرعة الرازي يرحمه الله : إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (ص) فاعلم انه زنديق ، وذلك ان الرسول (ص) عندنا حق ، والقرآن حق ، وانما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله (ص) ، وإنما أرادوا أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم أولى وهو زنادقة.
( الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص ٩٧ ).
ويقول امام السنة الإمام احمد بن حنبل يرحمه الله : « ومن الحجة الواضحة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله (ص) كلهم اجمعين ، والكف عن ذكر مساويهم ، والخلاف الذي شجر بينهم ، فمن سب أصحاب رسول الله (ص) أو أحداً منهم أو تنقصه أو طعن عليهم أو عرّض بعيبهم أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف ، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ، بل حبهم سنّة ، والدعاء لهم قربة والاقتداء بهم وسيلة ، والأخذ بآثارهم فضيلة » ( رسالة السنة للامام احمد ص ٧٨ ).
وأنا هنا لا أتهم ( المالكي ، ) بسبب أحد من أصحاب رسول الله (ص) ، ولكني أذكره أن التعريض بالكتب المدافعة عنهم ( العواصم ) ، والكاشفة لقدح القادحين فيهم ( منهاج السنة ) هو طريق إلى النيل منهم ، ولو جاء بحسن نية ، وباسم البحث العلمي والتحقيق ولو قدم له بالاستفادة من أخطاء سلفنا السابقين ( ص ٧٨ ).
٤ ـ و « ابن سبأ » شخصية تاريخية وحقيقة ثابتة ، يتضافر على ذكرها الرواة والمرويات ، ويتفق على وجودها ( السنة ) و ( الشيعة ) ولكنها محل ( شك ) أو ( انكار ) عند المالكي ، فهو معجب بالدراسات التي انتهت إلى اعتبار ( ابن سبأ ) اسطورة ( ص ٥٨ ).
ويصف ( ابن سبأ ) باليهودي النكرة !! ( ص ٧١ ).
بل يذهب ( المالكي ) أبعد من هذا وهو يحاول ـ دون دليل ـ إنكار صلة عقائد الشيعة ، بأبن سبأ ، من خلال انكاره واستبعاده نشر ( ابن سبأ ) فكرة الوصية ( ص ٧٩ ).
وهذه مغالطة علمية ، وانكار لم ينكره ( الشيعة ) أنفسهم. فضلاً عن كلام أهل السنة ، وهاك البرهان : فالشيعي سعد بن عبدالله القمي ( ت ٢٢٩ أو ٣٠١ ) يعتبر ( ابن سبأ ) أول من قال بفرض امامة علي ورجعته ( المقالات والفرق ص ١٠ ـ ٢١ ) ويوافقه على ذلك ( النوبختي ) ( ت ٣١٠ ) فرق الشيعة ص ١٩ ، ٢٠ ) وأقدم كتاب عند الشيعة معتد في علم الرجال هو : رجال الكشي ، للكشي ( من أهل القرن الرابع الهجري ).
وقد جاء في الكتاب ما نصه : « ان عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً عليه السلام وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى ( بالغلو ) فقال في اسلامه بعد وفاة الرسول (ص) في علي مثل ذلك ، وكان أول من أشهر القول بفرض امامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم ، من هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية » ( الكشي ص ١٠٨ ، ١٠٩ )
وللمزيد حول هذه النقطة يمكن الرجوع لما كتب الدكتور ناصر القفاري
في كتابيه ( القيمين ) :
١ ـ أصول مذهب الشيعة الامامية الاثني عشرية ٢ / ٦٥٤ وما بعدها ).
٢ ـ مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة ( ١ / ١٣٦ ـ ١٣٨ ).
أفيكون ( المالكي ) أكثر ( دفاعا ) عن أصول ومعتقدات الشيعة من الشيعة أنفسهم ذلك امر خطير ، وكذلك ينقذ التاريخ عند غير أهل الاختصاص !
٥ ـ ورد في كتاب ( المالكي ) ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ) أكثر من مرة ، الحديث عن ( الشيعة ) بمثل هذه العبارات « فنحن في هذا العصر خاصة مغرمون بالرد على المذهب الشيعي وبالتالي !! قبول كل ما يخالفه وإن كان باطلاً ، ورد كل ما يوافقه وإن كان حقاً » ( ص ٧٢ ).
ويقول في ص ٧٧ : « أما بين الخاصة فلم تنتشر روايات سيف على مدى قرن ونصف القرن من موته (١٨٠) فكان أول من أشهرها ـ كما أشهر غيرها ـ هو الطبري ( ٣١٠ ه ) وكانت روايات سيف قبل ذلك خاملة جداً فاحتاجها الناس بعد الطبري للرد على الشيعة !! ».
ولبروز هذه الظاهرة في الكتاب ـ لمن تأمل ـ فتراه يعرضها على استحياء وتخوف ولربما خشي ( التهمة ) بسببها ( انظر ص ٤٢ ، ٢٦٧ ). فلماذا هذه المدافعة ـ وأكثر من مرة في الكتاب ؟ أدع الإجابة للمالكي !
٦ ـ وحين يشن ( المالكي ) حملته ، على ( بعض المؤرخين الاسلاميين ) ويعيب مناهجهم ، ويستنكر نتائج أبحاثهم ، تراه ( يقبل ) و ( يثني ) على كتب ودراسات معينة ، ويعتبرها من أروع الدراسات وهما :
١ ـ دراسة الدكتور عبد العزيز الهلابي عن : عبد الله بن سبأ.
٢ ـ دراسة للسيد مرتضى العسكري ( عن ابن سبأ كذلك ). ( انظر
ص ٥٧ ، ٥٨ ).
وهاتان الدراستان أبرز نتائجهما : انكار « عبد الله بن سبأ » واعتباره شخصية ( وهمية ) ( اسطورية ) ـ وقد سبق مناقشة هذه الآراء وتفنيدها بما يغني عن اعادته هنا.
ولكن الملاحظة اللافتة للنظر في كتاب المالكي ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ) هو ( توهيم ) القارئ. ( اسبقية ) كتابة ( الهلابي ) على كتابة ( العسكري ) ، فهو بعد أن يقدم الحديث عن دراسة الهلابي يقول ، ما نصه : « هناك دراسة اخرى للسيد مرتضى العسكري ورغم ميوله العقدية فانه قد توصل للنتائج نفسها التي توصل إليها الدكتور الهلابي » ( ص ٥٨ ).
أما الهلابي فحين ابتدا الحديث عنه قال : « وقد توصل إلى نتائج تتفق مع أحكام أهل الحديث المضعفة لسيف بن عمر » ( ص ٥٧ ).
ترى ( أيجهل ) المالكي ، ان دراسة ( العسكري ) سابقة لدراسة الهلابي بما لا يقل عن خمسة عشر عاماً ، إذ طبع كتاب العسكري ( عبد الله بن سبأ واساطير اخرى ) طبعته الأولى عام ١٣٩٢ ه / ١٩٧٢ م ، بينما نشر الهلابي دراسته في حولية آداب الكويت عام ١٤٠٧ ـ ١٤٠٨ ه ـ ١٩٨٦ ـ ١٩٨٧ م فتلك معلومة ينبغي أن يصحح ( انقاذه ) منها ولا ينبغي له أن يجهل الآخرين ويزدري نتائجهم.
أم أنه ( عالم ) بذلك ، ولحاجة في نفسه ( أوهم ) بتقديم رسالة الدكتور الهلابي ( السني ) على دراسة العسكري ( الشيعي ) وعلى أيه حال فمن ( حق ) المالكي علينا أن ( نحتاط ) له بعض الشيء ، في نتائج هاتين الدراستين ، فمع اعترافه انه تأكد من نتائج هاتين الدراستين برجوعه للمصادر ـ في سبيل
دفاعه عن مجرد نقل بعض نتائجهما.
إلاّ انه يقول : وخالفتهما في بعض النتائج التي لم اعلن عنها ( ص ٨١ ، ٨٢ ) فهل ( يتحفنا ) عاجلا بهذه المخالفات ، وهل يكون بينها ـ وهي اهمها ـ عدم موافقتهما لانكار ابن سبأ والقول باسطوريته ؟ نرجو ذلك.
٦ ـ وبشكل عام يلفت النظر في كتاب المالكي اختياره ل ( نوعية ) من الكتب لتكون محلاً للدراسة ، وتركيزه بالنقد على رسائل تجمع مواصفات لا تكاد تخرج عن منهج أهل السنة والجماعة ، وأظن أن مطالعة ( عنوانها في فهرس الكتاب ) كافية للكشف عن هويتها ومنها على سبيل المثال :
١ ـ خلافة علي بن أبي طالب / عبدالحميد فقيهي.
٢ ـ الامامة العظمى / عبد الله الدميجي.
٣ ـ صحابة رسول الله (ص) / عيادة الكبيسي.
٤ ـ عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة الكرام / حسن الشيخ.
٥ ـ أثر التشيع على الرواية التاريخية / عبدالعزيز نور ولي.
٦ ـ تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة / محمد آل محزون.
ولا يعني ذلك ـ بكل حال ـ تزكيتها من كل خطأ ، ولا عصمة مؤلفيها ولكن ( النقد البناء ) و ( أدب الحوار والخلاف ) شيء ، ونسف البنيان من أساسه ، وتجهيل من بناه واتهام من شارك فيه بالضحك على الآخرين تارة ، والكذب أخرى ، وتلفيق الروايات ثالثة ، واعتبار هذه الكتب مجمعات هزيلة للروايات الضعيفة المتناقضة والتخيلات العقلية المتضاربة ( ص ٣٨ ) كل ذلك وأمثاله من التهم والجرأة في اصدار الأحكام شيء آخر يخالف الأمانة العلمية والمنهج الحق الذي طالما دعا ، إليه المالكي ، غفر الله لنا وله. ويحق للقارىء ( المتمعن ) أن
يسأل عن ( سر ) التركيز ( بالنقد ) على هذه الرسائل بالذات ، ( وقواسمها المشتركة : أ ـ الدفاع عن الصحابة بشكل عام والتحقيق في موافقهم في الفتنة ، ب ـ الكشف عن مرويات الشيعة وأثرها في التاريخ ) وأملي أن يطلع القارئ الكريم على هذه ( الكتب المطبوعة ) محل نقد ( المالكي ) ليعلم ما فيها من خير. وليطلع على الحقيقة بنفسه ، وليهدي لأصحابها ما يراه من ملحوظات عليها.
٧ ـ كما يلفت النظر ـ في كتابة المالكي ـ ان عين القارئ لا تكاد تخطىء في كتابه ( الشحن النفسي ) و ( التوتر العصبي ) و ( الحدة في النقد ) و ( التهجم ) حيناً ، و ( السخرية ) حيناً آخر ، ولم تسلم مناهج الجامعات ، ولا تقدير ولا احترام ( للمتخصصين ، والتخصصات ) وكل ذلك مقابل تزكية الذات ! فهل يسوغ ذلك شرعاً ، أم عقلاً يا أخ حسن ! والله يقول :( فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ ) ( النجم / ٣٢ ) ، ويقول :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( الحجرات / ١١ ) وهذه نماذج من ( تهم ) و ( حدة ) و ( تجهيل ) الآخرين عند ( المالكي ).
يقول في (ص ١٩ من كتابه) « بينما الحق والواقع يقرران أن هذه المؤلفات ( للمؤرخين الاسلاميين ) يتمشى الذود في مناكبها ، والباطل في جوانبها ، لا ترفع حجاباً من باطل ، ولا تملك اقناعاً لسائل ».
ويقول في ( ص ٣٤ ) : «بل أكاد أجزم أن أكثر المؤرخين الاسلاميين ـ دعك من غيرهم ـ أجهل من أن يتجرأوا على تحقيق إسناد واحد من أسانيد الطبري ، أو خليفة بن خياط مثلاً إلى أن يقول : ألا يدل هذا على غبش في
الرؤية ، وتلوث في الفكر ، واختلال في الموازين ، وجهل مركب مزدوج ؟! » ص ٣٤.
ويقول في ص ٣٨ : « ان إعادة كتابة التاريخ الاسلامي ليس معناها أن نضع كذباً محبوباً مكان الحقائق المكروهة وإنما الواجب هو تسجيل ما صح من التاريخ ونبذ الضعيف والموضوع ، وما أبعد أكثر المؤرخين عن هذا الواجب في التطبيق ، فهم لا يقتربون من التحقيق العلمي ولا يكادون ، وما مؤلفاتهم إلاّ مجمعات هزيلة للروايات الضعيفة المتناقضة والتخيلات العقلية المتضاربة »
ويقول في الصفحة نفسها : « أوجه ندائي إلى المحدثين أن ينقذوا منهجهم من تحقيقات ، بل ( تلفيقات ) المؤرخين الاسلاميين خاصة لأنهم أكثر الناس تشدقاً بمنهج المحدثين !! »
أدع هذه ( التهم ) و ( المجازفات ) دون تعليق ، فهي معبرة عن المستوى المتقدم في الكتابة العلمية المنقذة وهي نموذج لأدب الحوار ، وأسس النقد ، ارتضاه ( المالكي ) لنفسه ، وعبر به عن الآخرين ، وشمل به أكثرية المؤرخين !
لكنني أتساءل لماذا كل هذا وأنا أعلم أنه ليس بيني وبين الأخ ( حسن ) شيء شخصي وأتوقع بقية أصحاب الكتب كذلك.
وإذا لم يكن شيء من هذا ، فما الدافع لهذا الأسلوب. أيريد مزيداً من الاقناع ، فالحجة وحدها كافية ، وإذا خدمت بالأسلوب المناسب والكلمة الطيبة كانت ، الاستجابة اليها أسرع !
أم هي نوع من ( الاسقاط ) و ( توجيه ) آراء الآخرين ، فليس ذلك سبيل العلماء ، في بيان الحق وكشف الباطل.
أم تراه ( يغيظه ) شيء معين ( تجمع عليه هذه الرسائل ، وتكشفه ) فينبغي
أن يكون صريحاً في آرائه ، شجاعاً في وجهة نظره !
٨ ـ وأراك ـ يا أخ حسن ـ ( تدندن ) كثيراً حول ( علي ) رضي الله عنه و ( بيعته ) أفتراك ( المحب ) الأوحد ، أم يخيل اليك انك ( المدافع ) الأمثل لعلي رضي الله عنه وأرضاه.
إن ( أبا الحسن ) رضي الله عنه وعن ابنيه ( سبطي ) رسول الله (ص) ، في قلوبنا جميعاً معاشر المسلمين ـ إلاّ من في قلبه مرض ـ ولا نرتاب في ( فضله ) ولا في ( بيعته ) ولكن هل تعلم أن ( محنة ) علي رضي الله عنه ببعض من يزعمون حبه ( ويغاولون ) فيه ( عظيمة ) وأول من يتبرأ منهم ( علي ) نفسه وهو القائل :
« لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلاّ جلدته حدّ المفتري » قال ابن تيمية يرحمه الله وقد روي ذلك عن علي بأسانيد جيدة ( الفتاوى ٢٨ / ٤٧٥ ).
وهل يصح القول منك « ولكن علياً لا بواكي له !! » ص ٤١
وهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله يقول : قد روينا عن الامام احمد قال : ما بلغنا عن أحد من الصحابة ما بلغنا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( الفتح ٧ / ٧٤ ).
وعن احمد واسماعيل القاضي والنسائي والنيسابوري : لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي ( الفتح ٧ / ٧١ ).
ومع ذلك فلا ينبغي أن يغيب عن بالك كثرة الكذب على ( علي ) رضي الله عنه من قبل طائفة ( غلت ) فيه ، وهم الذين عناهم ابن سيرين بقوله : « ان عامة ما يُروى عن علي الكذب » ( صحيح البخاري مع الفتح ٧ / ٧١ ، وانظر الفتح ٧ / ٧٣ ).
٩ ـ وأراك ـ يا أخ حسن ـ تُعرّض بسياسة عثمان رضي الله عنه ومعارضة الصحابة له ، مشيرا إلى « ان الصحابة الذين كانوا يعارضون سياسة عثمان قد ندموا ولم يكونوا يرون قتله » ص ١٩٨.
وفي سبيل ( دفاعك ) عن ( الاشتر النخعي ) أحد مناصري علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ كما تقول ـ ( ص ١٩٧ ) قطعت بأن عدداً من الصحابة ( خرجوا ) مع الثائرين فقلت : « وقد خرج مع الثائرين من هو أفضل من الأشتر ، كعبد الرحمن بن عديس البلوي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي وهما من الصحابة ( المهاجرين ) ، بل كان معهم بعض ( البدريين ) كجبلة بن عمرو الساعدي » ( ص ١٩٨ ).
وليتك أنصفت ، وأخرجت ( القارئ ) المبتدىء ، من هذه الفتنة فقلت :
كما قل ابن عساكر ـ يرحمه الله ـ ونقله عنه ابن كثير يرحمه الله « ان عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله ، تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه ، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم إلاّ محمد بن أبي بكر ».
( تاريخ دمشق : ترجمة عثمان رضي الله عنه ، ص ٥٠٣ ـ ٥٠٥ ، البداية والنهاية ٧ / ٢٠٢ ، ٢٠٣ ).
وكما قال ابن تيمية يرحمه الله ـ وهو يدفع مزاعم الرافضي ـ « ومعلوم بالتواتر أن الأمصار لم يشهدوا قتله ولا أحد من السابقين الأولين دخل في قتله » ( منهاج السنة ٨ / ٢١٣ ) وقبلهما قال الحسن البصري ـ يرحمه الله ـ وقد سئل : أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار.
قال « كانوا أعلاجاً من أهل مصر » ( تاريخ خليفة بن خياط ص ١٧٦ ).
وفي طبقات ( ابن سعد ) كان ـ قتلة عثمان ـ رضي الله عنه حثالة الناس ، ومتفقين على الشر ( ٣ / ٧١ ).
أفلا ترى أن هذه النصوص تدفع ( ظناً ) قد يتسرب إلى ذهن قارىء باشتراك الصحابة في دم عثمان ، أفلا يستحق الخليفة الثالث منك مدافعة كتلك التي استحقها الخليفة الرابع رضي الله عنهما.
١٠ ـ ويؤخذ على المالكي تعامله مع المصادر التي رجع اليها بنوع من ( الاختيار ) لما يريد ، والاسقاط أو ( التغافل ) لما لا يريد ، وإن سبق نموذج ( الطبري ) ورصده لتضعيف ( سيف ) واهماله لتضعيف ( ابي مخنف ، والواقدي ).
فثمة نموذج آخر في كتاب ( السنة ) لابن أبي عاصم ت ٢٨٧ ه فقد اطلع عليه المالكي ، ونقل منه نصوصاً في إثبات تهمة بني امية في سب علي رضي الله عنه ص ٢٥.
ولكن هل فات عليه أن يذكر نصاً فيه إثبات ل ( عبد الله بن سبأ ) من غير طريق سيف بن عمر (٩٨٢) وهو في نفس الجزء الذي نقل عنه المعلومة السابقة أم أن النص لا يخدم غرضه ، بل يسقط جزءاً من كتابه !!
ولئن ضعف ( الألباني ) سند الرواية ، فقد أشار إلى إخراج ( أبي يعلي ت ٣٠٧ ه ) له من طريقين آخرين عن الأسدي به ، فهل فاتت هذه المعلومة أيضاً على المالكي
أم أنها ضمن الحقائق المكروهة فأين دعوى المالكي « ان اعادة كتابة التاريخ الاسلامي ليس معناها أن نضع كذباً محبوباً مكان الحقائق المكروهة !! » ( ص ٣٨ من الانقاذ ). لابد من العدل في القول ، ولابد من القسط في النقول !
كلمة أخيرة
وبعد ـ يا أخ حسن ـ فإني أعيذك ونفسي من الهوى ، وأرجو ألا تأخذك العزة بالاثم ، فتظل تتشبث بالردود أكثر من تأملك في الحق المقصود !
وليس سراً أن يقال لك ان كتابك ( الانقاذ ) فرح به ( الموتورون ) لأنك به تجرأت على ما لم يستطيعوا الجرأة عليه ، وحققت لهم ( حلما ) طالما فكروا في الوصول إليه ، وكلنا ينبغي أن نحذر أن نكون ( مطية ) للآخرين ونحن لا نشعر أو نكون هدفاً لسهام الآخرين وثمة ( أشباح ) خلف الستار تقبع !
ان في ( تاريخنا ) من ظلم الظالمين ، وتزوير الأفاكين ، والتشويه ، وقلب الحقائق ، وطمس معالم الحق ، ما يتفق العقلاء فضلا عن ( العالمين ) واهل الاختصاص ، على تجليته وصرف الجهود له ، وبذل الأوقات في سبيله وفرق كبير بين ( هدم ) ما بني ، والمساهمة في ( اقامة ) ما تهدم من البناء !
اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق باذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
د. حسن بن فرحان المالكي
عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق
صحيفة الرياض ـ ٩ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
اطلعت على رد أخي الدكتور سليمان بن حمد العودة المنشور في صحيفة « الرياض » أيام ( الخميس والجمعة والسبت والأحد ) في الأسبوع الماضي والذي قبله وكان بعنوان ( الانقاذ من دعاوى الانقاذ للتاريخ الإسلامي ) وحقيقة لو لم أكن مؤلف كتاب الرياض ولو لم أكن كاتب المقالات المتقدة لشككت في هذا المنتقد لأن الدكتور سامحه الله أجاد في استخدام ( كاسحات الحقائق ) كبتر النصوص وتحريف الأقوال أو تضخيمها أو تحميل الكلام ما لا يحتمل
والزام ما لا يلزم مع ما لمح إليه من اتهامات في النيات وغير ذلك من ( الكاسحات ) المستخدمة قديماً وحديثاً.
وعلى أية حال لا أستغرب صدور مثل هذه الأساليب ، فنحن لم نتعلم ـ إلى الان ـ كيف نفهم كلام الآخرين وكيف نحكم على أقوالهم ونياتهم !!.
بمعنى اننا لم ندرس في حياتنا الدراسية منهجا يعلمنا ضوابط المعرفة لكلام الآخرين. فعلى هذا يجب على القارئ ألا يستغرب أبداً أن يجد في كتابات بعض الناس اتهامات بالتلميح أو التصريح لأن ها هو الأصل في طريقة تفكير كثير منا وطريقة تناوله لموضوعات المختلفين معه في الرأي فالتهمة هي الأصل حتى تثبت البراءة بينما العكس هو الصحيح أو هو المفترض.
والدكتور سليمان العودة بنى كل مقالاته الأربع على فهم خاطىء لأقوالي وبناء على هذا الفهم الخاطىء رد رده ثم اتهمني بأشياء والله ما خطرت لي على بال وفي ظني أن الدكتور سليمان رأى أن أسهل طريق في الدفاع عن رسالته من نقدي لها هو هذا الاسلوب لأن الناس عندهم قابلية لاتهام الآخرين فأشبع هذه الرغبة عندهم بما حشره في مقاله من هذا ! بينما نقدي له لا يشم فيه أي اتهام بل كان نقداً تاريخياً بحتاً.
على أية حال لن أرد التهم الخارجة عن موضوع التاريخ وأتركها لله عز وجل ليحكم بيني وبين الدكتور فيها فان كان الله يعلم انها باطلة فسياخذ لي من الدكتور وإن كان يعلم أنها حق فسيعاقبني على هذا وهذه المسألة لا تهم الباحثين.
أما المعلومة فيجب عليكم أن تردوها بالحجة والبرهان لأن العالم سينفخ ولابد أن نتعود على التعامل مع المعلومة وننقدها وليس مع مصدر
المعلومة.
على أية حال نعود للمسائل التاريخية البحتة ونتحاور مع الدكتور سليمان العودة محاولين الاقتصار على نماذج فقط مما أورده ، فأقول رداً على الدكتور العودة :
الملاحظة الأولى : سوء الفهم أول الكاسحات !!
كل مقالات الدكتور سليمان العودة كانت نتيجة لسوء فهم أو اساءته أو تعمد التحريف وليختر منها الدكتور أصحها فهو قد ظن انني أنفي وجود عبد الله بن سبأ مطلقاً وهذا ما لم أقله البتة بل قد صرحت في كتاب الرياض وفي مقالات سابقة بأنني متوقف في عبد الله بن سبأ من حيث مطلق وجوده وإن كنت أنفي وبشدة دوره في الفتنة أيام عثمان وعلي رضي الله عنهما.
وهناك فرق كبير بين رأيي الذي أعلنت عنه وبين ما حملني اياه الدكتور سليمان العودة ولو لا ان الدكتور أخبرنا أنه قرأ الكتاب لعذرته إذ كيف فاته ما قلته ص ٢٦٠ من الكتاب نفسه عندما قلت ( والفقيهي نفسه يعترف بان سيف بن عمر ضخم دور عبد الله بن سبأ ولم يجرؤ الفقيهي أن يقول ان سيفاً اختلق دور عبدالله ابن سبأ في الفتنة ).
أقول : هذا كلامي مقيد ب ( الفتنة ) وقلت تعليقاً على قول الفقيهي وتسقط بعض الروايات ( روايات سيف ) مثل تضخيمه لدور ابن سبأ.
هذا قول الفقيهي فقلت معلقاً ( ولكن أكثر زملائك في الجامعات لا يزالون يثبتون روايات سيف في تضخيمه ابن سبأ ولا يسقطونها مثلما تسقطها أنت هنا فانتم متناقضون في حدث كبير مثل عبد الله بن سبأ بل ان
رسالة الدكتور سليمان العودة هي في اثبات دور ابن سبأ ).
أقول : فأنتم تلاحظون تقييدي للنفي ب ( الفتنة ) وليس مطلقاً وقلت ص ٢٦١ نحو هذا ، ولعل من آخر ما ذكرته كان يوم الاثنين ١٧ / ٣ / ١٤١٨ ه قبل الماضي عندما قلت ـ بكل وضوح ـ ( وكذلك عبدالله بن سبأ هو تحت البحث والدراسة ولا أجزم بنفي وجوده وإن كنت أجزم ببطلان دوره في الفتنة ) وكذلك ذكرت نحو هذا في المقال الذي سبقه يو الاثنين ١٠ / ٣ / ١٤١٨ ه.
أقول : فهذه الأقوال المتكررة الصريحة والتقييدات الواضحة لا أدري لماذا أهملها الدكتور العودة وقبله الهويمل ! ولا أجد ، تفسيراً لهذا إلاّ سوء الفهم أو تعمد التحريف أو حباً في تحميل الخصم آراء لم يقل بها.
وللأسف ان الدكتور سليمان بنى كل مقالات على هذا ( التحريف المتعمد ) و ( بتر النصوص ) وما إلى ذلك ربما لأنه وجد هذا أسهل من الكلام في مسألة القعقاع ( الذي أنفي وجوده مطلقاً ) وأسهل من الدفاع عن رسالته !! ذلك الدفاع الذي كنا ننتظره منه.
اذن فالخاصة في ابن سبأ هنا اننى أجزم ببطلان دوره في الفتنة ذلك الدور الذي رسمه ووصفه سيف بن عمر ومعظم رسالة الدكتور سليمان كانت قائمة علي سيف بن عمر فلو سقط سيف سقطت الرسالة فلذلك لا نستغرب دفاعه المستميت عن سيف بن عمر !!.
الملاحظة الثانية
الدكتور سليمان العودة للأسف لم يفهم عنوان الكتاب ( نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي ) فقد ظن انني أرى نفسي ( منقذاً ) وأرى الكتاب ( الانقاذ ) نفسه !! بينما
أنا لم أدع ( الانقاذ ) ولم أقل هذا البتة وإنما كان عنوان الكتاب ( نحو إنقاذ التاريخ الاسلامي ) ! وكلمة ( نحو ) لم أضعها عبثاً !! وكان بامكاني ان أسمي الكتاب ( انقاذ التاريخ الاسلامي ) بحذف كلمة ( نحو ) !! لكنني لم أرتض هذا ايمانا مني بأن ما أفعله لم يحن بعد أن أسميه ( انقاذا ) ولكن أنا أسعى ( نحو ) الانقاذ !! وهناك فرق بين العبارتين فعنوان الكتاب يدل على ( الهدف ) وكلام الدكتور سليمان يدل على انه فهم من العنوان انه يدل على ( النتيجة ) !! وهذا من سلبيات الفهم التي سبق وأن قلت انها طبيعية جدا بل هي الأصل في مجتمعات العالم الثالث فاذا كان عنوان الكتاب لم يفهمة الدكتور فكيف ببقية أقوالي في الكتاب !!.
الملاحظة الثالثة
ذكر انني ( أتعاظم ) !! عندما قلت ( فها أنذا طالب لم يحصل على شهادة في التاريخ ولكنني لما تمسكت بمنهج أهل الحديث فندت أقاويل من سبقوني ) أقول : أيضاً الدكتور سليمان لو تأمل الكلام لوجده ثناء على ( منهج أهل الحديث ) وليس على الذات !! أما تزكية العمل فمرتبط بالنية وقد زكى بعض الصحابة أعمالهم عند حاجتهم إلى ذلك بل الدكتور سليمان زكى نفسه كثيرا في كتابه ( عبدالله بن سبأ ) ورده الأخير فيه مواضع كثيرة زكى نفسه وليس هذا محل بيانها ولا أهميتها.
الملاحظة الرابعة
ذكر الدكتور سليمان ان ( التاريخ ) تحول في ذهني وانحسر ( الانقاذ ) فيه في ( بيعة علي ) فقط !! وأن معظم دراساتي النقدية تتمحور حول هذا !.
أقول أولاً : لم ينحسر عندي ( السعي نحو الانقاذ ) في بيعة علي فقط ولو كان كذلك لما كتب الدكتور رداً علي في ( عبدالله بن سبأ ) !!.
ثانيا : لابد للمشاريع العلمية من بدايات فلا أستطيع أن أطبع كل ما أسعى اليه من ( إنقاذ ) بين عشية وضحاها فالبداية بموضوع معين لا تعني عدم الشمولية في الأهداف.
ثالثا : ليس هناك مانع شرعي ولا عقلي من الاهتمام بموضوع معين في التاريخ والدكتور نفسه مهتم بعبد الله بن سبأ ومعظم دراساته وكتاباته تدور حول ابن سبأ فما المانع أن يكون اهتمامي بفترة خلافة علي بن أبي طالب !! خصوصاً وانه حدث فيها أحداث عظام تستحق الدراسة والبحث بداية من ( البيعة !! ) التي شوهتها روايات سيف بن عمر !!.
وتبعه في ذلك كثير من أصحاب الرسائل الجامعية ومنهم العودة كما سيرى القارئ في نقدنا لما كتبه حول البيعة ( كتاب الرياض ص ١٧٥ أو بيعة علي ص ٣١٥ ).
وملاحظة الدكتور السابقة ليست مطروحة علمياً فلا يقال لباحث لماذا تهتم بهذا الموضوع فقط !! لأن من حق ذلك الباحث أن يبحث فيما يراه مهما ويذكر الأسباب وقد ذكرنا الأسباب في حينها.
الملاحظة الخامسة
ظن الدكتور العودة ان ثنائي على دراسة الدكتور الهلابي ودراسة العسكري حول ( عبد الله بن سبأ ) يحمل موافقة لهما في كل ما ذهبا اليه !! وفي ظني ان الدكتور العودة يعرف انني صرحت بانني اخالفهما في بعض النتائج وأن
سياق الثناء على الدراستين لم يكن في عبد الله بن سبأ.
وإنما كان في سيف بن عمر !! لكن الدكتور سليمان أراد أن يخلط الأوراق لأن خلط الأوراق أسهل في الوصول لاتهام النيات !! فإقول دفاعاً عن نفسي :
أولا : لم أثن على دراسة الهلابي والعسكري بسبب نفيهما لعبدالله بن سبأ وإنما لتوصلهما لتضعيف سيف بن عمر ( تاريخيا ) بعيدا عن ( منهج المحدثين ) فاتفاقهما مع ( منهج المحدثين ) بالمنهج التاريخي فيه دلالة على قوة منهج المحدثين وهذا ما أبنته بكل وضوح ( في كتاب الرياض ص ٧٥ ) فليرجع اليها من شاء. وإن كان نفيهما لابن سبأ فيه مباحث علمية قوية.
ثانيا : أنا بينت انني اخالفهما في بعض النتائج وأن لي ملاحظات على الدراستين ( انظر كتاب الرياض ص ٨١ ) لكن الدكتور العودة تعمد اخفاء هذا الاستثناء لأسباب معروفة للمتأمل.
الملاحظة السادسة
قوله : ( والخلاصة أن المالكي يشارك غيره الافكار والتشكيك لشخصية ابن سبأ وأفكاره وان سيفا وراء ذلك كله ) !!
أقول : والخلاصة أن الدكتور سليمان يريد تحميلي ما لم أقل وانه يعمم في موضوع ينبغي فيه التفصيل وان لم تصدقوا فارجعوا للنصوص ( كلام الخصمين ) وتاملوها إن أردتم الانصاف وتجنب الظلم.
الملاحظة السابعة
ثم قام الدكتور سليمان العودة باستعراض سبع روايات ( جعلها ثمانيا )
عثر عليها مثلما عثر عليها غيره ( في تاريخ دمشق ) وسمى هذا ( بحثا علمياً ) مع أنه ( عثور فقط !! ) لكننا أيضاً لم نتعلم تسمية الأشياء باسمائها الحقيقية والصحيحة فقال : ( لقد ثبت لدي بالبحث العلمي ( وجود ) !! ثماني روايات لا ينتهي !! سندها إلى سيف بل ولا وجود لسيف فيها أصلاً وكلها تتضافر على اثبات عبد الله بن سبأ !! ).
أقول أولاً : إذا كان الدكتور سليمان لا يعرف إلا ثماني روايات فيها ذكر لابن سبأ من غير طريق سيف فغيره قد يعرفها وزيادة !! وليست موطن النزاع كما سيأتي.
ثانياً : عندي روايات زائدة غير ما ذكره الدكتور سليمان ( وقد عثرت عليها في مصادر متقدمة عن ابن عساكر !! ) لكنني لم أزعم انها ( بحث علمي ! ) لأن البحث العلمي كلمة رفيعة امتهنت من كثير من الناس الذين يضعونها في غير موضعها.
ثالثاً : قول الدكتور السابق يدل على الضعف في ( حصر المادة العلمية ) فاذا كانت رسالته في عبد الله بن سبأ واهتمامه باثبات هذه الشخصية من غير طريق سيف فانه من القصور الا يجد الا ثماني روايات فقط ! فانا لم ادع انني بحثت ابن سبأ ومع هذا عندي من الروايات ضعف ما معه تقريبا ومازلت اقول ان ابن سبأ عندي تحت الدراسة إلى الان !!
رابعاً : تلك الروايات التي نقلها د. سليمان العودة من تاريخ دمشق وجدت الدكتور يخلط بينها ويجعلها كلها في ( عبدالله بن سبأ !! ) وهذا استغفال للقرّاء لأن تلك الروايات وغيرها تنقسم من حيث المتن إلى عدة أقسام :
روايات ذكرت ( عبد الله بن سبأ ) صريحا.
ـ روايات ذكرت ( الحميت الأسود ).
ـ روايات ذكرت ( عبد الله بن وهب السبئي ).
ـ روايات تذكر ( ابن السوداء ).
ـ روايات ذكرت ( عبد الله السبئى ).
ـروايات ذكرت ( ابن حرب ).
ـ روايات لم يوردها فيها ذكر ( السبئية ).
أقول : فهذا هو التصنيف الصحيح من حيث المتن ويجب التفريق بينها في البداية ثم النظر والبحث بعد ذلك هل ( الحميت الأسود ) المراد به ( عبد الله بن سبأ ) أو لا ؟ هل السبئية المقصود بها التابعون لعبد الله بن سبأ في العقائد ؟ أم انها لفظة تحقيرية للمعارضة كما يقول د. الهلابي ؟ وهكذا بمعنى انه يجب على الباحث الذي يزعم انه بحث المسألة ( بحثاً علمياً ) ان يثبت للقرّاء ان المتون تتحدث عن شخصية واحدة وليس عن شخصيات مختلفة أو ألفاظ غير دالة ، وأنا هنا لا أقول ان تلك المتون تتحدث عن شخصية واحدة ولا اقول انها تتحدث عن شخصيات مختلفة وأرجئ هذا للبحث والدراسة لكن الدكتور كان من واجبه اثبات ان تلك الروايات يقصد بها ( عبدالله بن سبأ ) ومتى جاء هذا التفسير ! ومن قال به ! و الخ.
خامساً : قوله بان تلك الروايات لا ينتهي سندها إلى سيف قول غريب !! فروايات سيف نفسها لا ينتهي سندها إلى سيف وانما إلى شيوخه أو شيوخ شيوخه !! فالدكتور سليمان بحاجة إلى معرفة معنى ( الانتهاء ) في السند !!
سادساً : زعمه بان الألباني قد صحح أسانيد عدد من تلك الروايات !! وليت الدكتور العودة بين لنا تلك الأسانيد التي صححها الألباني !! ثم إذا كان
الدكتور العودة يريد تهديدنا بتصحيح الالباني فالألباني نفسه يقول ان سيف بن عمر ( كذاب ) !! انظر السلسة الصحيحة ( ٣ / ١٠٢ ) وعلى هذا فرسالة الدكتور العودة قائمة على ( كذاب ) !! وهنا سيضطر العودة للتخلي عن تكذيب الألباني لسيف بن عمر مثلما اضطر للتخلي عن أحكام أهل الحديث عليه في الرسالة !!
ثم ان الألباني حكم على سيف ب ( الكذاب ) في مسألة تاريخية بحتة !! فالعودة هنا هو بين أمرين أما ان يعتبر الالباني حجة ويقلده ويدعونا لتقليده وإما ان يقول الألباني مثله مثل غيره من العلماء لا نلزمكم بتقليده ، وكلا الأمرين ليس في صالح الدكتور ورسالته.
نظرة على متون الروايات
الدكتور سليمان ( مثل أكثر المؤرخين الاسلاميين ) يفتقد الآلية التي تعينه على الحكم الصحيح على الروايات أسانيداً ومتوناً وبما انه اعترف بضعف بعض الأسانيد التي أوردها ورغم ان اعترافه كان خفيفا إلا انه بنظرة على متون الروايات التي فيها ذكر ل ( عبد الله بن سبأ ) صريحا نجد تلك المتون في غاية النكارة.
خذوا على سبيل المثال : الرواية الأولى التي فيها قول الشعبي ( أول من كذب عبد الله بن سبأ ! ) فهذا متن باطل يعرف بطلانه من عنده أدنى من علم ولو سألنا أحد العوام الذين لا يقرأون ولا يكتبون من هو أول من كذب ! لقال لنا إبليس !! وربما يقول ( فرعون ) وقد يقول الجن التي سكنت الأرض قبل بني آدم !! فضلاً عن الكفار في الأزمنة المتقدمة على زمان النبوة وكذلك كفار قريش المنافقون ، كل هؤلاء كذبوا قبل عبد الله بن سبأ ! فأين عقولنا وعلومنا
وتطبيقنا لمنهج المحدثين ! بل ان هذا الأمر لا يحتاج منهج محدثين وانما يحتاج رجلاً عاقلاً فقط !! سبحان الله أول من كذب عبد الله بن سبأ !
أين قول إبليس( مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ !!) سورة الأعراف / ٢٠.
أين قول فرعون( أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ ) !
هل الدكتور سليمان يرى أن عبد الله بن سبأ قبل هؤلاء وقبل الخليفة !
على أية حال : الإسناد أضعف من أن يبين لكن ضعف ونكارة المتن يغنينا عن البحث في الأسانيد !!
نقد الرواية الثانية
أما الرواية الثانية التي أوردها الدكتور سليمان ( رواية أبي الطفيل ) فليس فيها ذكر لعبد الله بن سبأ وإنما فيها ذكر ( ابن السوداء ) !! وهذه محل خلاف هل المراد بها ( عبد الله بن سبأ) أم غيره !! فالهلابي وغيره من الباحثين لا يسلمون ان المراد به عبد الله بن سبأ هنا !! فهذا يحتاج لبحث بعيدا عن ( الانتصار للذات !! ) والتعصب للأحكام المسبقة فالقارئ يريد أن يقتنع ويكيفه عواطف وانشائيات !!
نقد الرواية الثالثة
أما الرواية الثالثة التي أوردها العودة فليس فيها ذكر لعبد الله بن سبأ البتة ، إنما فيها ذكر ( الحميت الأسود ) ! فهل هو ابن سبأ !! هذا يحتاج إلى بحث بعيدا عن التقليد.
وهذه الرواية من طريق غندر عن شعبة عن سلمة بن كميل عن زيد بن وهب عن علي وهذا سند صحيح لكن يبقى الكلام في معني ( المتن !! ).
نقد الروايه الرابعة
هذه الرواية هي نفسها الرواية الثالثة لكن العودة جعلها روايتين بسبب تفسير عمرو بن مرزوق ( الراوي عن شعبة ) لكلمة الحميت الأسود فقال ( يعني عبد الله بن سبأ وكان يقع في أبي بكر وعمر !! ).
أقول : وعمرو بن مرزوق معروف بانه كثير الأوهام وان كان ثقة في نفسه فالرواية هي رواية شعبة رواها عنه اثنان ( غندر وعمرو بن مرزوق ) فغندر رواها بلفظ ( مالي وهذا الحميت الأسود !! ) أما عمرو بن مرزوق فزاد في تفسير النص بقوله ( يعني عبد الله بن سبأ ) ولا ريب أن غندر أو ثق بكثير ولم يتهم بالوهم والخطا مثل عمرو بن مرزوق وعلى هذا فتفسير عمرو بن مرزوق ليس حجة لأنه جاء بعد سيف بن عمر !!
على اية حال تفسير عمرو بن مرزوق ليس حجة لأن بينه وبين الحادثة نحو مئتي سنة !! فتفسيره لا يعتبر رواية مسندة ( كما أوهمناه العودة !! ).
بل هذا ( مدرج ) ولو كان د. العودة متمكنا في علم الحديث لعرف هذا جيداً ولعرف أن ( الزيادات الشاذة المدرجة ) لا تعتبر ( روايات مسندة ) !! وهذا علم دقيق لا يدركه أكثر المؤرخين الإسلاميين بل لا يدركه كثير من طلبة علم الحديث ومن طالع كتاب العلل للدارقطني عرف شرف هذا العلم.
الرواية الخامسة
أورد الدكتور العودة رواية حجية الكندي وفيها ان عليا قال وهو على المنبر ( من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله وعلى رسوله ـ يعني ابن السوداء ـ لو لا أن لا يزال يخرج عليّ لصابة تنعى عَليّ دمه كما أدعيت عليّ دماء أهل النهر لجعلت منهم ركاماً !! ).
أقول : الاسناد حسنه العودة !! لكن المتن ليس فيه ذكر لعبد الله بن سبأ !!
أما تفسير بعض الرواة لقوله ( يعني ابن السوداء ) فهذا التفسير لا يعرف مصدره !! ثم لو سلمت ان مصدره متقدم فهذا يحتاج لبحث ـ كما قلنا ـ لاثبات ان ابن السوداء هو عبد الله بن سبأ !! ولا تخفى عليهم هذه الروايات الموجودة في مصدر من أشهر دواوين الاسلام كتاريخ دمشق !! ثم ان المتن نفسه فيه نكارة لأنه يفيد ان عليا متخوف من قتل ابن سبأ ! وانه نادم على قتاله الخوارج !! وهذا الأخيرة تخالف ما صح عن علي في الصحيحين من فرحه بقتال الخوارج وذكره فضل من قاتلهم !!
لاحظوا انني ( ادردش ) مع الدكتور سليمان رغم انني إلى الان لم استوف البحث لكن حجج الدكتور ورواياته ضعيفة بحيث لا يحتاج ردها الا ان تعلم ان ابليس خلق عبد الله بن سبأ وان المدرج ليس حجة وان عليا فرح بقتال الخوارج وان الرافضة لم تكن موجودة في عهد علي وهكذا فلو لم يكن عندي روايات أخرى غير ما أورده الدكتور لجزمت بنفي ابن سبأ مطلقاً لكن عندي روايات أخرى سأذكرها وهي التي تجعلني أتوقف في مسألة نفيه مطلقاً ..
الرواية السادسة
هذه الرواية اعترف الدكتور بضعف اسنادها ففيها ثلاثة مجاهيل في نسق وهي رواية أبي الجلاس عن علي في قوله لعبد الله السبائي ( ويلك والله ما أفضى إليّ بشيء كتمه احدا من الناس ولقد سمعته يقول : ان بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وانك لاحدهم !! ).
اقول : وعبد الله السبائي هذا هل هو عبد الله بن الكواء أو عبد الله بن وهب الراسبي أو عبد الله بن سبأ وكل هؤلاء سبئيون من قبيلة سبأ وكلهم يصح أن يطلق عليه عبد الله السبائي ولا بن الكواء قصة مماثلة مع علي يسأله ( هل عنده شيء غير القرآن ) مما أسره النبي (ص) فكان علي ينفي هذا وهذه القصة في البخاري وعلى هذا يمكن ان يكون عبد الله السبائي هو عبد الله بن الكواء لكن الدكتور العودة يريد اثبات عبد الله بن سبأ ولو كانت الروايات في غيره !!
ثم لماذا يعرف علي ان عبد الله السبأي هو من الكذابين الثلاثين ثم لا يعاقبه ويحبسه حتى لا يضلل الناس بكذبه !! هذا كله على افتراض صحة الاسناد مع ان في هؤلاء المجهولين من تعاصر مع سيف بن عمر !! فلعل القضية مدارها كله على سيف !! مع انني إلى الان لا اجزم بشيء والمسألة تحت البحث ..
الرواية السابعة
ثم أورد الدكتور سليمان رواية سماك بن حرب عن علي لانه بلغه ان ابن السوداء يتنقص ابابكر وعمر !! فدعا به ودعا بالسيف وهم بقتله فكلم فيه فقال ( لا يساكنني ببلد أنا فيه فسير إلى المدائن !! )
أقول : أولاً : سماك بن حرب لم يسمع من علي ولا ادراكه ولم يولد الا بعده
على ما يظهر لان وفاته كانت ( ١٢٣ ه ) بينما وفاة علي كانت ( ٤٠ ه ) !!
ثانياً : لا نسلم بأن ابن السوداء المراد به عبد الله بن سبأ الا ببرهان ودليل وقد اتوصل أنا إلى انهما واحد لكن كما قلت هذا قيد الدراسة.
ثالثاً : هل عقوبة متنقصي أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي هي القتل ! أم ان هذا خاص بالنبي (ص) فالمشهور ان هذا خاص بالنبي (ص) فقط بمعنى ان عقوبة القتل خاصة بمن يشتم النبي (ص) ويسبه أما غيره من الصحابة فالواجب هو التعزير فقط ! ولذلك لما أراد أبو برزة الاسلمي أن يقتل ساب أبي بكر منعه أبو بكر رضي الله عنه وقال ( ليست هذه إلاّ لرسول الله (ص) ! أو بمعناه ، فهل هذا مما يخفى على علي !! كيف يخفى عليه وهو يسمع الخوارج يكفرونه ويشتمونه ومع ذلك لم يقاتلهم حتى سفكوا الدم الحرام !! فهذا يدل أيضا على ضعف الالية النقدية عند الدكتور وعدم جمعه بين النصوص وعدم محاكمتها ولذلك لا تستغربوا أن يظن ان ابن سبأ أول من كذب !!
رابعاً : من هم الذين كلموا عليا في ابن سبأ ! هل هم سبئية مثله ! ثم هل سيستجيب لهذا المطلب المخالف لما يراه من الحكم الشرعي ! ثم هذه تتناقض مع الرواية الأخرى التي تقول ان سبب نفي علي لابن سبأ هو غلو ابن سبأ في علي واعتباره إلها خالقا رازقا ..!!
على اية حال هذا النقد لن يفيد من عنده الأحكام المسبقة لكنه سيفيد من يريد البحث عن الحقيقة.
الرواية الثامنة
ثم أورد الدكتور رواية جابر بن عبد الله وفيها انه ( لما بويع علي خطب
الناس فقام اليه عبد الله بن سبأ فقال له أنت دابة الأرض أنت الملك أنت خلقت وبسطت الرزق !! وعلي يقول له في كل مرة : اتق الله !! ثم أمر بقتله ) !! هكذا نجد السبب هنا غير السبب في الرواية السابقة !! ثم يواصل من كذب على جابر بن عبد الله ويزعم ان جابرا قال ( فاجتمعت الرافضة فقالت : دعه وانفه إلى ساباط المدائن !! فانك ان قتلته بالمدينة خرجت اصحابه وشيعته !! فنفاه إلى المدائن فتم القرامطة والرافضة الرواية ).
أقول : أولاً : هذه لا أدري كيف عقلها الدكتور العودة وكيف نشرها ولم ينقد متنها !!
ثانيا : متى مات جابر بن عبد الله ومتى كانت بيعة علي ومتى خرجت الرافضة والقرامطة فالرافضة لم تعرف بهذا الاسم الا عام ١٢٢ ه. أما موت جابر بن عبد الله راوي الحادثة فكان قبل ذلك بخمسين عاما ( وفاة جابر كانت نحو ٧٠ ه ) ، وكذلك بيعة علي كانت قبل نشوء مصطلح الرافضة بخمسة وثمانين عاما !! فاين عقولنا ! أن مناهجنا النقدية !
أما القرامطة فلم يظهروا بهذا المصطلح الا بعد موت جابر بن عبد الله بنحو مائتي عام !! لأن قرمط رأس القرامطة الذي سمي به القرامطة توفي عام ٢٩٣ ه !! بعد بيعة علي بنحو مائتين وخمسين عاما !! وهذا يدل على ان الرواية وضعت على لسان جابر بن عبدالله بعد موته بمائتي سنة !! لكن الدكتور العودة لا يمتلك المنهج النقدي للمتون ولو كان يمتلك هذا المنهج النقدي لما رأينا مثل هذه الروايات التي يستشهد بها في اثبات عبد الله بن سبأ ! وأجد نفسي ممسكاً إلى هذا الحد ومن هذا يتضح ان القصة هذه مختلفة وإذا لم تكن مكذوبة بهذا السياق فليس في الدنيا حديث موضوع ولا رواية مكذوبة !! ثم كيف قامت
الرافضة تشفع في ابن سبأ ولم توجد الا بعده ( على افتراض وجوده ) بعشرات السنين ! وكيف تحذر الرافضة من شيعة ابن سبأ أليسوا هم شيعة ابن سبأ !! وكيف تحذر الرافضة عليا من أصحاب ابن سبأ هل لهم هذه القوة التي تفوق قوة الخليفة !
هذه أسئلة لن يجد العودة اجابات عليها إلا وتصب تلك الاجابات في ضعف الرواية عند كل ذي عقل وانصاف. ومن هذه الرواية وطريقة استشهاد العودة بما تبدو لنا ملامح ( الألية النقدية ) المتبعة عند بعض الاكاديميين !! تلك الأليات التي لا تستطيع الحكم على مثل هذه الرواية فكيف بغيرها !!
والخلاصة : ان الروايات التي أوردها الدكتور العودة وذكر بانها تقطع بوجود عبد الله بن سبأ على اصناف ، فاما الروايات التي فيها اسمه صريحا فهي باطلة أو ضعيفة ضعفا ظاهرا وأما الروايات التي ليس فيها ذكر لاسمه فهي بحاجة إلى دراسة هل المراد بها ابن سبأ ام لا وعلى هذا فليس فيما أورده الدكتور سليمان ما يدل على وجود ابن سبأ فضلا عن دوره الكبير في الفتنة !! الذي رسمه سيف بن عمر !! ولو لا انني امتلك روايات أخرى غير ما أورده الدكتور لنفيت ابن سبأ مطلقاً.
الروايات التي لم يوردها العودة
ومن تلك الروايات التي فاتت على الدكتور ( رغم انه يبحث القضية من ثمانية عشر عاما وفيها أخذ الماجستير عام ١٤٠٢ ه وفيها بحث الترقية أيضاً ) ما يلي :
روى أبو نعيم في الحلية عن شيخه ابراهيم بن محمد عن عبد الله بن
خبيق عن يوسف بن اسباط عن محمد بن عبد العزيز التيمي عن مغيرة بن مقسم عن أم موسى ( سرية علي بن أبي طالب ) : قالت : بلغ علياً ان ابن سبأ يفضله على أبي بكر وعمر فهم بقتله الرواية.
أقول : فهذه الرواية لم ( يعثر ) عليها العودة وهي ضعيفة أيضا سنداً ومتناً أما السند ففيها يوسف بن اسباط وغيره فيهم كلام. كما ان المتن يخالف المتون السابقة ويضطرب معها اضافة إلى ان بعض الصحابة كأبي الطفيل كان يفضل عليا على الشيخين ولم يقتله علي ( راجع ترجمته في الاصابة وغيرها ) وليست عقوبة مثل هذا القتل ، انما التعزير والجلد على أبعد تقدير كما جاء عن علي من وجوه أخرى في تهديده لمن يفضله على الشيخين بأن عقوبته ( جلد المفترى ) وليس القتل !! فتامل.
رواية ثانية
الرواية الأخرى التي لم يذكرها العودة هي على شرطه هي رواية الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( ٨ / ٤٨٨ ) عن عبد الوهاب الصغير عن أحمد بن ابراهيم عن أحمد بن المغلس عن سعيد بن يحيى الأموي عن عبد الله بن سعيد الأموي عن زيد البكاني عن مجالد عن الشعبي عن زمر بن قيس ، ورواها الجاحظ عن حباب بن موسى عن مجالد عن زمر وفيها انه التقى بعبد الله بن وهب السبائي بعد مقتل علي.
الرواية فيها ضعف كبير وسنداً ومتناً ومن أراد معرفة ذلك فليرجع إلى بحث الدكتور الهلابي ( ص ٥٣ ) ثم ان عبد الله بن سبأ لم يرد اسمه صريحا إنما ورد اسم عبد الله بن وهب وهذا قتل قبل موت علي بينما هذه الرواية تذكر هذه
القصة بعد مقتل علي !!
رواية ثالثة
هذه الرواية لم يعثر عليها العودة أيضاً وقد رواها ابن شاهين حسب ما أورده ابن تيمية في المنهاج ( ١ / ٢٣ ) ورواها ابن شاهين عن محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن الوليد عن جعفر بن نصير عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه عن الشعبي وفيها ( أحذركم من هذه الأهواء المضلة ، وشرها الرافضة ) ثم سرد رواية طويلة فيها قوله ( منهم عبد الله بن سبأ يهودي من يهود صنعاء نفاه إلى ساباط وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر ) !!
أقول : هذه الرواية باطلة سنداً ومتناً لأن مصطلح الرافضة لم يوجد إلاّ بعد وفاة الشعبي بعشرين عاما !! لأن الشعبي مات عام ١٠٠ ه بينما مصطلح الرافضة لم يأت إلاّ عام ١٢٢ ه !!
كما ان في الاسناد عبد الرحمن بن مالك بن مغول من أكذب الرواة وهو متهم بوضع الحديث وهو معاصر لسيف بن عمر أيضاً !! وهما كوفيان !! فلعل الأمر تم بمؤامرة وإن كنت لا أتحمس لنظريات المؤامرة لكن أرى أن ( سيف بن عمر وعبد الرحمن هذا ومجالد ) كلهم كوفيون ومتعاصرون وكذابون ومتهمون ومنحرفون عن علي !! ومنهم جاءت التفصيلات !! فلعل الأمر فيه اتفاق بين هولاء الكذابين وهذه الاتفاقات بين الكذابين معروفة عند أهل الحديث تماما فهناك قصص مشابهة كثيرة وهذا كما قلنا سنؤجله للبحث والدراسة لنرى !!
روايات أخرى
والغريب ان الدكتور العودة ينقل كثيراً من الشيعة والمستشرقين ثم يتهمنا بأننا نأخذ ببعض روايات الشيعة واننا ندافع عنهم اكثر من دفاعهم عن انفسهم وهذا من أبطل الباطل ومن الظلم والبهتان وسيأتي البيان.
الملاحظة الثامنة
حاول الدكتور العودة أن يربط بيني وبين السيد مرتضى العسكري في تضعيف سيف بن عمر !! وكأن العسكري أول من قال بتكذيب سيف بن عمر !! وفي ظني ان الدكتور العودة يعلم تماماً بأنني متبع لأصحاب الحديث في تضعيف سيف ولو لا أن أهل الحديث أجمعوا على ضعفه لما ضعفته.
والمؤرخون الاسلاميون أو أكثرهم ينظرون إلى المعلومة من خلال المصدر !! بينما أنا أنظر إلى المعلومة من خلال العلم نفسه والمصدر أيضاً لكنني أحاكم هذه المعلومة فان ثبت لدي صدقها وصحتها لا أنظر لمصدرها وان ثبت لدي كذبها رددتها.
وهذا مفترق طرق بيني وبين كثير من المؤرخين الاسلاميين وغيرهم ، بل انهم يتناقضون في هذه القضية تناقضاً صارخاً فنجد بعضهم كالدكتور سليمان لا يتورع أن ينقل من الشيعة والمستشرقين إذا كانت الرواية أو القول في صالحه بينما يحرم على الناس ما يبيحه لنفسه !! وهذا أيضا سمة غالبة في أكثر المؤرخين الاسلاميين الذين أزعجتهم المنهجية الموجودة في ( كتاب الرياض ) !! هكذا أزعم ومن حق الدكتور أن يعتبر هذا تزكية للعمل ومن حقي أن أذكر سبب نقدهم للكتاب !!
الملاحظة التاسعة
طلب مني الدكتور العودة ان أبين الأماكن التي ضعف فيها الطبري سيف ابن عمر !! فقال ( فهل يصح هذا القول ولم يبين لنا المالكي مواطن تضعيف الطبري لسيف حتى نشاركه أو عدمه ) !!
أقول : أولاً : أنا لا أنتظر أن يشاركني الدكتور في تضعيف سيف ويكفيني اجماع أهل الحديث والدكتور العودة لم يقتنع باجماعهم حتى نرجو منه التمسك بتضعيف الطبري لسيف !!
ثانياً : لأنه طلب مني ذلك وحتى لا يظن القارئ أن هذا التحدي من الدكتور له وزن فسأنقل بعض تضعيفات الطبري لسيف بن عمر ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر ما ذكره في تاريخه ( ٤ / ٤٩٧ ) عندما قال ( وأما الذي يرويه المحدثون من أمر الأحنف فغير ما رواه سيف عمن ذكر من شيوخه ..!! )
وقال ( ٣ / ٣٥٠ ) بعد أن ذكر رواية سيف في فتح الابلة قال : ( وهذه القصة في أمر الابلة وفتحها خلاف ما يعرفه اهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح ..!! ).
أقول : هذه نماذج فقط لكن العودة لن يقنع بها فهو لم يقتنع باجماع المحدثين في سيف فكيف يرضى بالطبري وحده !!
وهذه التضعيفات من الطبري لسيف أولى مما ذكره العودة من قوله ( هذا لا يحتمل سماعة العامة ) قالها في رواية لأبي مخنف فهذا لا يعد تضعيفا لأن العامة ليس ذوقهم مقياساً للصحة والضعف فهذا يختلف عن جملته السابقة في تضعيف سيف مع انني اطرح الاثنين ( سيف وأبي مخنف ) ولم استدل برواية واحدة لواحد منهما والحمد لله.
الملاحظة العاشرة
ذكر العودة إنني لا أصف أبا مخنف إلاّ بالشيعي فقط ولم أضعفه وقال انني أقول في سيف ( الوضاع المتهم بالزندقة ).
وهذا ما لم أقله فأنا أعرف أن أبا مخنف والواقدي ضعيفان وان الأول أشد ضعفاً لكن ليس بالضرورة ان أبين ذلك عند كل ذكر لهما وقد يفوتني ذكر هذا فكان ماذا ؟ ولكن الدليل الأقوى على كلامي اني لم استدل برواية واحدة لا للواقدي ولا لأبي مخنف مع أنهما فوق سيف بمراتب.
الملاحظة الحادية عشرة
زعم الدكتور سليمان انني اعترفت بصحة سند بعض مرويات سيف وهذا ما لم يحدث البتة لكن الدكتور اغتر بقولي ( الروايات التي صح الاسناد فيها إلى سيف ) !!
وفهم من هذا انني أصحح روايات سيف !! فاذا كان هذا فهم الدكتور للكلام فالله المستعان !! والدكتور بحاجة لمراجعة جادة لمصطلحات والفاظ أهل الحديث وليفهم دلالات الألفاظ قبل أن ينقد ويظلم أخاه بغير حق.
والغريب ان الدكتور يحرف كلامي ثم يحيل على كتاب الرياض وعلى كتاب بيعة علي حتى انني أظن انني أخطات فاذا رجعت أجد كلامي خلاف ما يقرره فأين الأمانة العلمية ! ولماذا هذه الأساليب !
الملاحظة الثانية عشرة
من أمثلة التحريف المتعمد لكلامي ما ذكره الدكتور سليمان من زعمه
بأنني تناقضت في زعمي ان سيف بن عمر يطعن في الصحابة !! ثم قولي مرة أخرى أنه يدافع عنهم !!
أقول : وهذا مثال من عشرات الأمثلة التي حرف الدكتور فيها كلامي فانا رجعت للصفحة التي احال عليها ص ٧٠ ، ٧٣ من كتاب الرياض فاذا بي أقول ما يلي ( سيف مغرم بالطعن في بعض الصحابة والتابعين الذين كانت لهم مواقف من بني أمية كعمار بن ياسر وأبي ذر ) إلى ان قلت ( فهو يطعن في هؤلاء الأخبار بينما يدافع عن معاوية وزياد بن أبيه وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة الفاسق ) ثم استدركت وقلت ( وهؤلاء وإن كان في بعضهم فضل وخير لكنهم لا يوازون عمارا وأبي ذر ولا يكادون ) !!
أقول : فانظروا هل في كلامي تناقض أم ان الدكتور أراد أن يفهم القارئ ان هناك تناقضا !! أين الأمانة العلمية يادكتور !
الملاحظة الثالثة عشرة
قارن الدكتور العودة بين سيف بن عمر وأبي مخنف مقارنة عجيبة لم أجد أعجب منها في حياتي !! مع أن الاثنين عندي لا آخذ برواياتهما.
لكن الدكتور العودة وقع في تحريف عجيب متعمد وأنا لم أجزم أنه معتمد إلاّ وأنا على يقين وسيأتي بيان ذلك لكن المقارنة كانت ظالمة بسكوت الدكتور عن كلام أهل الجرح والتعديل في سيف واظهارها في أبي مخنف وهذا لم استغربه فهو سهل قياسا بما ذكره الدكتور عندما قال : ( أما الطامة الكبرى فوق ما تقدم فهو سب أبي مخنف للصحابة وروايته الموضوعات عن الثقات.
وفي هذا يقول ابن حبان : رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات
عن الثقات. وقال السليمان : كان يضع للروافض ـ لسان الميزان ( ٤ / ٣٦٦ ).
أقول الدكتور سليمان يعرف أن القارئ اضعف من أن يحاكم هذه الاقوال فهذه الاقوال والله ليست في أبي مخنف وانما في عمرو بن شمر الكوفي فارجعوا إلى اللسان ( ٤ / ٣٦٦ ) تجدوا هذه الاقوال في ذم عمر بن شمر وليس في تلك الصفحة ذكر أبي مخنف البتة !!
لكن أتدرون لماذا فعل هذا الدكتور !
فعل هذا لأن سيفا متهم بالانحراف عن علي فيريد الدكتور أن يثبت أن أبا مخنف ( يشتم الصحابة ) !! ثم سيف متهم بالزندقة والوضع في الحديث فأراد الدكتور سليمان أن يتهم أبا مخنف بالوضع في الحديث أيضاً !! ولما لم يجد في ترجمة أبي مخنف ما يسعفه ذهب إلى شيعي آخر اسمه ( عمر بن شمر !! ) ونقل الأقوال فيه إلى أبي مخنف !! وهذه كما قلت من أعجب التحريفات المتعمدة التي رأيتها في حياتي !! والغريب أن السليماني في الموضع المشار إليه قال ( كان عمرو يضع للروافض ) فقام الدكتور وحذف كلمة ( عمرو ) !! لأنه لو أبقاها لعرف القرّاء ان المقصود عمرو بن شمر وليس أبا مخنف !!
أنا لا أقول هذا دفاعاً عن أبي مخنف لكن لا يجوز أن نذمه بالجرح الموجود في غيره !! كما لا يجوز أن نتهمه بالوضع في الحديث لأن سيفا يفعل ذلك !!
على أية حال أرجو ألاّ يستغرب القرّاء فهذا أمر يستحله كثير من المؤرخين الاسلاميين ولو ترجعون لكتاب الرياض لرأيتم العجائب لكنها ـ علي أية حال ـ أخف من عجائب الدكتور هنا !! ثم يذكر الدكتور ان سيفا محل تزكية !! في التاريخ وهذا سبق الجواب عليه بان من يكذب على النبي (ص)
فلا تنتظر منه أن يصدق في التاريخ.
كما ذكر أن الذهبي ( اعتمده ) أحد المصادر المهمة في تاريخ الاسلام !! وهذا تحميل للذهبي ما لم يقل فالذهبي لم يقل هذا البتة إنما ذكر انه ( اطلع ) على كتب وذكر منها كتاب سيف وهناك فرق بين ( اعتمد ) و ( اطلع ) ثم ان الذهبي قد روى لأبي مخنف والواقدي اضعاف ما رواه لسيف بن عمر بل لم يرد لسيف بن عمر في تاريخ الاسلام كله الا سبع روايات !! فاين الاعتماد !!
ولم يذكر حرفا عن ابن سبأ فإذا كان د. العودة مقلداً الذهبي فليقلده مطلقاً أو فلا يلزم الناس باجتهادات الذهبي.
وقد تحدث د. الهلالي عن ازدواجية الدكتور سليمان وكنت أظن أن الدكتور الهلالي مبالغ حتى رأيت مقال الدكتور سليمان فعرفت ان الازدواجية والانتقائية من أخف عيوب كتابات الدكتور عفا الله عنا وعنه.
على اية حال : أنا مستعد للتحاكم أنا والدكتور لأية جهة علمية يرى أهليتها للنظر في الامور التي اختلفنا فيها وليس في العلم منتصر ومهزوم إذا صحت النية وكان الهدف هو الحقيقة.
اللاحظة الرابعة عشرة
ذكر الدكتور أن المحاربي قد روى عن سيف وهو قبل الطبري !! وظن أن هذا القول يتناقض مع قولي بان ( الطبري أول من أشهر روايات سيف بن عمر وكانت قبل ذلك خاملة جدا ) !!.
أقول سبحان الله !! هل ترى تناقضاً بين هذا وهذا ! إذا كان د. العودة لا يعرف إلا المحاربي راويا عن سيف فأنا أعرف خمسة عشر راوياً عن سيف
لكن كلامي السابق عن ( أول ) من ( أشهر ) روايات سيف وليس أول من ( روى ) عن سيف !!
لكن الدكتور كالعادة لا يعرف دلالات الألفاظ وهو بهذا يتعبنا جدا في الحوار ونتعب القرّاء بمثل هذا التوضيح للواضع الذي يدل على أن الدكتور وجد شحا من الملاحظات حتى لجا لمثل هذا الاشياء.
الملاحظة الخامسة عشرة
دافع الدكتور عن تعصب سيف لقبيلته بني تميم وذكر دفاع جواد علي عنه !! والغريب أن الدكتور العودة ياخذ على انني وافقت العسكري في بعض النتائج بينما هو ينقل عن جواد علي !! ثم أن اتهام سيف بالتعصب قاله الدكتور أكرم العمري والدكتور محمد بن صامل السلمي قبلي والدكتور العودة يحيل عليهما عند الحاجة !! لكنه إن وجد دفاعا لأحد الشيعة عن سيف ذهب إليه ! وهذه ازدواجية ما كنت اتمنى أن يفعلها الدكتور سامحه الله.
الملاحظة السادسة عشرة
قول الدكتور العودة ( والمظنون بالذهبي أنه يفرق بين كلمة ( اخباري عارف ) لسيف بن عمر وكلمة ( اخباري تالف ) لأبي مخنف !! ).
أقول : وأهمل الدكتور العودة قول الذهبي في سيف : ( تركوه واتهم بالزندقة !! ).
كما أهمل قول الذهبي عن سيف : ( هو من بابة أبي مخنف ! ) انظر سير أعلام النبلاء ( ٧ / ٣٠٢ ).
فهذا نص من الذهبي في المساواة بين سيف بن عمر وأبي مخنف وأظن أن الذهبي لم يوفق للصواب فأبو مخنف فوق سيف يعرف هذا من قارن روايات الرجلين وإن كنت أضعف الاثنين وأطرحهما.
الملاحظة السابعة عشرة
ثم زعم العودة ان ابن حجر قال مثل قول الذهبي ( اخباري تالف لا يوثق به ) ثم أحال على اللسان ( ٤ / ٤٩٢ ) !!
أقول : وكان الدكتور العودة لا يعرف منهج الحافظ في اللسان فانه نقل القول السابق عن الذهبي نفسه !! وعلى هذا فالقول السابق للذهبي وليس للحافظ وباستطاعة الدكتور أن يسأل وسيعرف منهج الحافظ في اللسان أو ليقرأ المقدمة وكفى ففيها الجواب !! وفي ظني أن العودة أعلم من أن يجهل مثل هذه البدهيات لكنه يريد ان يتساوى أبو مخنف في الجرح مع سيف بن عمر !!
ووجد الجرح في سيف أقوى وأكثر لذلك لجأ إلى زيادة المجرحين ونسبة هذه الاقوال لغير أصحابها والله المستعان.
أيضاً : أين الأمانة العلمية يا دكتور !
الملاحظة الثامنة عشرة
ثم نجد العودة بعد كل التحريفات السابقة وبعد خلطه لترجمة عمرو بن شمر مع ترجمة أبي مخنف وبعد تقوله على الذهبي وابن حجر يأتي ويقول ( ترى هل فاتت هذه المعلومات على المالكي ! ).
أقول : نعم هذه كانت فائتة عني واعترف بجهلي الكبير فيها !!
ثم يواصل ويقول ( فتلك مصيبة !! أن يذهب من عمره أربع سنوات في دراسة هذه الموضوعات !! ثم تند عنه هذه المعلومات !! ).
أقول : اللهم لا تعليق !!
ثم لا يكتفي بهذا ويواصل في البناء على ما سبق ويقول ( أم أن لديه علماً بها واطلاعاً عليها ولكنه ـ لحاجة في نفسه !! ـ أخفاها فالمصيبة أعظم !! )
أقول : لا تعليق !!
ثم يأتي ويدعوني لقبول هذا ( الحق ) الذي جاء به !! وطلب مني أن أكون شجاعاً في العودة إليه !! وليت شعري من منا المطالب الآن بالتحلي بالشجاعة والاعتراف بالخطا !! ثم يطالب بعد كل هذا بان ( أعيد النظر ) لسيف !! وأبي مخنف !! ( وفق هذه النصوص !! والآراء الواضحة !! التي لا تحتمل التأويل !! وليس فيها ابهام ولا غموض !! ).
أقول : أيضاً لا تعليق. ومن أراد أن يعرف الحقيقة من القرّاء فانه يستطيع وبسهولة جداً !!
وأخيراً : أنا أجد نفسي عاجزاً عن تتبع تحريفات الدكتور أو سوء فهمه لكلامي فكيف بالاوهام التي وقع فيها عن اجتهاد وحسن نية وأنا إن ذكرت هذه كنماذج وتركت تلميحات الدكتور بالاتهامات المبطنة لقناعتي أن الدكتور لم يفعلها عن قناعة وأنما اتباعا للاسلوب السائد في رد الحقائق وهي باتهام صاحب الحقيقة في نيته ومنهجيته. وأنا على ثقة أن القارئ الكريم سيرجع ـ إن كان يريد الحق ـ لما كتبته وما كتبه الدكتور وسيعرف بنفسه كثيرا من الحقائق إذا امتلك المنهجية أما ( قارىء آخر صحية ) فلسنا بحاجة إليه ولا العلم بحاجة إليه ففي الناس ابدال. والله الموعد وهو الحاكم بين جميع العباد.
ايماءة :
أخي الدكتور محمد العزام ..
اطلعت على ردك المنشور في صحيفة « الرياض » الأسبوع الماضي ، وأشكر لك مشاركتك لكني أعتب عليك في ترك لب الموضوع جانباً والتركيز على كثير من الأمور الشكلية مع اساءة فهم أحيانا ، وقد تصيب في ذكر أشياء فنية مع أهمية التركيز على الأولويات في هذه المقالات. مع شكري لك مجدداً.
د. محمد بن عبد الله العزام
عن القعقاع وسيف بن عمر (١ / ٣)
صحيفة الرياض ـ ١ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
مدخل :
(١) لا يزال الأخ الأستاذ حسن بن فرحان المالكي يواصل مفاجآته ، وآخرها سلسلة مقالات ( القعقاع بن عمرو التميمي حقيقة أم أسطورة ). وقد نشر أولها في جريدة الرياض يوم الاثنين ٢٧ / ١ / ١٤١٨ ه. وهي أهم المقالات أنه لخص فيها جملة أفكاره ، أما البقية فمدارها على نقد أبحاث الآخرين ولا سيما الرسائل الجامعية ، والرد على الردود ومجادلة الخصوم وما إلى
ذلك.
ولقد رد كثير من الإخوان المتخصصين في الحديث والتاريخ على بعض ما ورد في مقالاته من الأمور التفصيلية. ولكني أعتقد أن بيان ما يتصل بالأمور الكلية والمنهجية أكثر فائدة للقرّاء من مناقشة التفاصيل ، لأن الخلاف معه اقرب إلى أن يكون في الأصول. فلذلك سوف أقتصر على ايضاح هذه الجوانب ، وهي مهمة جداً فيما أرى ، في موضوعية وانصاف من واقع كلامه ان شاء الله. وأود الإيضاح بانني لا أعرف الأخ المالكي ولم نلتق قط ، ولست متضرراً بشيء من كلامه عن القعقاع أو سيف أو المؤرخين أو أساتذة الجامعات. ولقد كان بودي ـ يعلم الله تعالى ـ أن أثني عليه واشد على يديه ، ولكني نظرت في مقالاته مع قلة علمي فرأيت ما يدعوا إلى التعقيب.
وآثرت الانتظار إلى انتهاء هذه المقالات ، وقد انتهت الآن فيما يظهر ، لأن المقالة المنشورة في ١٧ / ٣ / ١٤١٨ ه جاءت بعنوان ( دروس من معركة القعقاع ) ، وفيها تلخيصه ـ من وجهة نظره ـ للدروس المستفادة من الردود عليه.
ملاحظات على الأسلوب :
(٢) وأول ما يلاحظ على مقالاته هذه ـ وسائر كتاباته إجمالاً ـ كثرة إشارات التعجب إلى حد الافراط ، وقد أحصيتها في المقالة الأولى وحدها فبلغت سبعين علامة ، وقلما يكتفي بالعلامة الواحدة وانما يأتي بها مثنى وثلاث. ولعلها تصل إلى ألف أو ألفين في كتاب الرياض. وهذا الإكثار غير مستحسن في الكتابة العلمية ، وهو من سمات الكتابات الصحيفة الرديئة. ومن الأفضل أن
يتقدم الباحث ببراهينه وأدلته ويجتهد غابة الاجتهاد في تحريرها ، ويكتبها بالاسلوب العلمي الصحيح ثم يتركها تتحدث عن نفسها وتسعى لتحقيق الأثر المطلوب في عقول الناس.
وهذا الغرض واضح جداً في مضمون المقالات أيضاً ، فما أكثر الغمز للجامعات والأقسام والباحثين والمشرفين والمناقشين ، والإتهام بالجهل والتدليس والتقليد والضحك على الناس ، والتقليل من قدر الرسائل الجامعية والشهادات العليا والتقديرات والمقررات المدرسية والتخطيط التربوي وأساليب التفكير السائدة. بل يساوي الأستاذ بين التصديق بالقعقاع والتصديق بوجود الحشرة والدعافيص والمعثرة ولبط بين كبار المدن السعودية ، كأنّ سائر الناس لا عقول لهم ( وهذا ينبطق على الطبري وابن عبد البر وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير وابن حجر وغيرهم من القدماء فضلاً عن المعاصرين ). وربما ذكر أن العلم ليس بالألقاب والشهادات الأكاديمية وأشياء من هذا القبيل ، وكان الأليق به لو ترك هذا الباب كله لأنه يعوق الحوار العلمي المطلوب.
(٣) وهذا الأسلوب في الكتابة لا بد أن يخون صاحبه بين الحين والحين. وإليك مثالاً على ذلك ، وهو قوله في المقالة الأولى بحروفه وأقواسه ورموزه ( بل ربما لو كان الحافظ ابن حجر في عصرنا لا تهمناه بانه يريد الطعن في السابقين وأنه مع المستشرقين والمبتدعة لأنه نفى صحبة أكثر من ألف صحابي من ( الصحابة الكرام !! ) ويريد هدم السنة التي وصلتنا عن طريقهم ، إلى اخر هذه النغمة المعروفة !! ).
فلا أعتقد أنه من اللائق ـ ولا سيما من طالب العلم الغيور على التاريخ
والعلوم الشرعية ـ أن يقول ( الصحابة الكرام !! ) عن هذا العدد الكبير من الكرام الأماجد رحمهم الله ورضي عنهم ، وهم إن لم يكونوا من الصحابة فمن التابعين ، وكون العلماء يختلفون في صحبة بعضهم لا يسوغ الاستهزاء بهم. ثم يسمي الغيرة على السنة ( هذه النغمة المعروفة !! ). وبودي أن أقول زلة قلم غير مقصودة ، ولكنها تعبر مع الأسف عن طريقته في التفكير والكتابة كما سيتضح ان شاء الله.
وهذا مثال آخر فقد ضرب ـ من أجل تبسيط الموضوع ـ مثلاً بالمدن الوهمية المشار إليها ، ثم قال بالحرف الواحد ( فالقعقاع مثل مدينة الحشرة تماما ) ، ومن المفهوم أن بقية الصحابة الأسطوريين ـ في نظره ـ يشبهون أسماء المدن الأخرى. فليس هذا من كمال الأدب وحسن اختيار الألفاظ واللائق به غير هذا الأسلوب.
(٤) ولقد شحن المقالة الأخيرة ( دروس من معركة القعقاع ! ) ـ كما هي الحال في غيرها بعبارات يفهم منها الثناء على النفس ، واتهام الآخرين بكل النقائص التي يسمح بها المقام. ولا يخفى أنه يرد ويرد عليه ، فليس من المستحسن أن يبدأ الإنسان أحداً بالشتم ، وإذا رأى في كلامهم شيئا من ذلك فإما أن ينتصر لنفسه وأما أن يعفو والعفو خير. ولكن هذه العبارات جاءت عامة لجميع المخالفين له في الرأي ، غير موجهة إلى خصم بعينه.
وهذه نماذة حرفية منها : الغفوات العلمية الطويلة ـ إخفاء الحقائق ومحاربتها أيضاً !! ـ نسيان الدروس والعبر !! ـ الكتابة لإرضاء الزملاء والأصدقاء والأساتذة والتلاميذ !! ـ التقليد والتلقين وتعطيل النصوص والعقول !! ـ مراعاة الوضع السائد ـ الغش والتدليس والتلون واستغفال
القارئ وطلاء الباطل بطلاء الحق ـ تأسيس الجهل العلمي !! ( أي إقامة المؤسسات لإشاعة الجهل ) ـ اللغة لغة أهل العلم والتحقيق !! والمضمون كلام أهل الجهل والتلفيق ـ تسيير دفة الجهل فوق اقتاب الحق !! كالجنازة التي تمشي على أربع فتسبق الحي الذي يمشي على رجلين !! ـ الأكثرية المخطئة المتعصبة المريضة علميا التي طالما حاربت الرسل والمصلحين ـ ترك أكثرية القرون الفاضلة والاحتجاج باكثرية القرون المتاخرة والمعاصرة !! الهجوم على صاحب الدليل والطعن في علمه أو تحصصه أو عقيدته أو نيته ـ المعاول التي طالما حاربت الحق مر التاريخ ـ عدم القراءة والحكم على البحوث بناء على المعرفة الشخصية ـ مجالسة قرناء السوء الذين يزعمون أن فلانا سيىء النية ، جاهل ، الخ ـ الاستعجال وعدم التثبت واتباع الهوى ـ تجار الغيبة والنميمة ـ تأخذهم العزة بالإثم ـ نقص الأدوات المعينة على إصدار الحكم الصحيح ـ تحريف الحقائق !! ونشر الأباطيل !!.
هذا غيض من فيض ، فما حاجة الأستاذ إلى هذه الشتائم والاستفزازات التي يسميها دروس تربوبه وطالما قرأنا الأبحاث الجادة العميقة في التاريخ وغيره من العلوم ، فلم نجد هذا الارتباط النفسي بين الباجث والبحث ، وإنما يكتب الإنسان رأيه ويضعه أمام الناس لينظروا فيه في هدوء. وهي بعد تتعارض مع الرغبة في إصلاح الأحوال ، ومن السهل على أي قارىء أن يتصور مخطئاً أو مصيبا أن وراءها دوافع شخصية. وليس من الإنصاف أن يعطي لنفسه الحق بالدخول إلى قلوب الناس ومعرفة الأهواء وخطرات النفوس ـ كما ترى في هذه العبارات ـ ويجردهم من الدوافع العلمية والأغراض الشريفة ، ثم يستنكر عليهم إذا فعلوا مثل ذلك.
التعميم على المصادر :
(٥) ثم انتقل إلى مسألة جوهرية كنت أود أنه أوضحها بنفسه وكفانا أمرها ، وهو التصريح باسماء الذين سبقوه إلى آرائه ، وهو شيء يعرف وجوبه وأهميته وفوائده حتى المبتدئون من الطلاب. ولكنه ـ مع الأسف ـ آثر عدم التصريح بذلك ، وعدم التصريح بالسبب المانع من التصريح.
ولم يكن ذلك بسبب الغفلة أو السهو بالتاكيد ، لأنه قال في ختام المقالة الأولى ( قد يقول قائل : لكن قولك هذا قد قال به بعض المستشرقين وهم كفار أو قال به بعض المبتدعة ولعلك توافقهم من حيث لا تدري ). وهذا أسلوب غير مقبول في الكتابة العلمية ، فالمفروض عليه ذكر المصادر بصريح العبارة. وقد فعل ذلك مع خصومه ، فذكر أسماءهم وكتبهم ورسائلهم وجامعاتهم ، فلماذا يلجأ إلى هذا الأسلوب الغامض ، ولماذا يسلك هذا الكلام مع « الشبهات » في آخر المقالة على لسان شخص خيالي يريد الاعتراض وانظر إلى هشاشة الاعتراض في كلمة « أو » وفي كلمة « لعلك توافقهم » وفي كلمة « من حيث لا تدري ».
وطالما انتقد أصحاب الرسائل العلمية والمشرفين والمناقشين ، فهلا أبصر الأستاذ هذا القصور المنهجي الخطير في كلامه.
(٦) وكان المنتظر منه أن يعقب على عبارة « من حيث لا تدري » فيصرح بأنه يدري ، وأنه اطلع فعلاً على أقوالهم ، يذكر أسماءهم وفحوى كلامهم مع التوثيق اللازم ، ويقبل منه ويترك ، ليكون القارئ على بينة من هذا الأمر المهم ، ويأخذ كل ذي حق حقه.
ولكنه عقب على هذه الشبهة الافتراضية بكلام طويل يقوم على التعميم
واللهجة الانشائية الخطابية في الثناء على بحوث المستشرقين والمبتدعة التي هي في غاية الدقة والموضوعة مما لا يتوفر مثله عندنا ، وخجل البعض من الإعلان عن الاستفادة من هذه الأبحاث الجيدة لئلا يتهم ، إلى آخر ما قال. ولم يخرج في ذلك من دائرة العموميات ، ولم يعترف بان الأفكار لغيره. ومن يقرأ كلامه كله يجد أنه ينسب الآراء إلى نفسه ويتحدى عليها ، فيقول مثلاً في أول المقالة ( وكنت قد قلت في حواري مع فلان ان سيف بن عمر التميمي هو الذي اختلق شخصية القعقاع ) ، وهكذا في سائر كلامه ، ولا أثر لهؤلاء المستشرقين والمبتدعة. ما هكذا تورد الإبل أيها الأستاذ الفاضل ، وما هكذا يساء الظن باطلاع القرّاء.
الكشف عن مصدر المالكي :
(٧) ولقد قرأت هذه الأفكار قبل ـ بضع عشرة سنة ، واضحة صريحة في كتابين لرجل اسمه السيد مرتضى العسكري ، الأستاذ في أحدى الجامعات المذهبية في العراق. واسم الكتاب الأول ( عبدالله بن سبأ. المدخل ) ، الصادر في العراق سنه ١٣٧٥ ه ، ثم صدرت طبعته الثانية في مطبعة النجاح بالقاهرة سنة ١٣١٨ ه ، واسم الكتاب الثاني ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) ، وقد صدرت الطبعة الثانية منه في بغداد سنة ١٣٨٩ ه ، فهذه ـ مع الأسف ـ البحوث التي يصفها بانها ( في غاية الدقة ، والموضوعية مما لا يتوفر مثله عندنا ) ـ ولكنه لم يمكن القارئ من الحكم على صحة هذه الدعوى.
وما شككت لحظة منذ قرأت أولى المقالات ، أن هذه أفكار العسكري ، لأن الدعوى هي نفس الدعوى ، وهي أن سيفاً كان يختلق أسماء الصحابة
والبلدان والحوادث. فالتطابق في الأفكار الأساسية ، وادارة الكلام على لفظ الاختلاق ، والعدد الكبير من الشخصيات والأشياء المختلقة ، والابتداء بالقعقاع ، وهذا الكلام الغامض في الثناء على بحوث القوم ، لا يترك مجالاً لغير هذه النتيجة.
فمن هو الذي يجد ( بعض الأبحاث الجيدة عند بعض الكفار والمبتدعة ثم يستحي أن يعلنها حتى لا يتهم ) ألا ينطبق كلامه على نفسه قبل غيره ، وقلما انتقد الأستاذ شيئا على غيره إلا ووجدت عليه مثله ، وستأتي أمثلة أخرى على ذلك.
(٨) ثم نشر المقالة السادسة في ١٠ / ٣ / ١٤١٨ ه وهي مخصصة للإجابة على الاعتراضات بعد الانتهاء من أصل الموضوع. فمما لفت النظر قوله ( ما زعمه الفريح بانني اعتمدت على كتب مطبوعة وأنني لم آت بجديد : ( زعم باطل عريض ! ) صحيح أن الباحث يطلع على ما كتب في الموضوع ، ولا أنكر انني قبل الكتابة عن سيف أو القعقاع قد اطلعت على ما كتبه الهلابي والعودة والمعلمي والتباني والعسكري وطه حسين وغيرهم من العلماء والباحثين ، لكنني لم أقلد أحداً منهم واستخرجت روايات سيف بنفسي وبحثتها رواية رواية سنداً ومتناً ، واستدركت عليهم اشياء كثيرة فاتتهم ، مع تقديري لمن سبق وعدم هضم حقه ، إلى آخر ما قال. فمن الواضح أن الأستاذ اضطر تحت الضغوط إلى ذكر هذه الأسماء ( وعدم إنكار ) معرفة ما كتبوه.
فلماذا يقول هذا الكلام الروتيني بعد الفراغ من الموضوع لماذا لم يذكر هذه الأسماء في المقالة الأولى مع الإشارة الموجزة إلى أسماء الكتب والطبعات وخلاصة الآراء والفروق بينها ولماذا يكتفي بعبارة ( لا أنكر ) المتوسطة بين
الاقرار والإنكار كانه مجبر عليها وكانه خشي من تهمة السطو على الأفكار فسارع إلى طرد هذا الحاضر بقوله ( زعم باطل عريض !! ) ، والتاكيد على نفي التقليد وأنه بحث واستخرج واستدرك وفعل كذا وكذا. هذا مع أن الدكتور عبد الرحمن الفريح لم يتهمه بالسطو وانما فقط بانه ( اعتمد على كتاب مطبوع يعرفه أهل الاختصاص وربما غيرهم ).
والحقيقة أن هذه الأفكار منشورة منذ سنة ١٣٧٥ ه ، وكان ينبغي أن تنسب إلى صاحبها بالعبارة الصريحة والتوثيق اللازم. هذا مع أن كلامه في الثناء على أبحاث المستشرقين والمبتدعة يدل على أنه وجد الأفكار لديهم ناضجة متكاملة. وهذا هو الواقع ، فكثير مما لديه يوجد في كتب مرتضى العسكري الذي قتل هذه القضايا بحثا وأفرد لها عدة كتب ، ولم أجده يخالفه في شيء أو يرد عليه ! فهذا تناقض واضح بين الثناء على البحوث وانكار الاعتماد عليها.
ولقد بذل الأستاذ غاية جهده في هذا الكلام للتعمية على العسكري مرة أخرى ، فأنكر الاعتماد على الكتب المطبوعة ، وأدرج اسمه بين باحثين أكثرهم من هذه البلاد ، ولم يذكر اسمه كاملاً ولا أسماء كتبه التي اطلع عليها ، وجعل الأمر من باب الاطلاع المعتاد. وهو لا يخفى عليه بالطبع تواريخ صدور الكتب ولا المقارنة بين الأفكار ومعرفة صاحب النظرية من بينهم ، فاذا كان مرتضى العسكري هو السابق إلى اتهام سيف بن عمر باختلاق عشرات الصحابة والبلدان ـ وعلى رأس الجميع القعقاع الذي قتله بحثا فلماذا إخفاء الأسماء والمصادر ثم يقول العبارة الروتينية المملولة ( مع تقديري لمن سبق وعدم هضم حقه ) ، فكيف يكون هضم الحقوق إذن.
وكان الأستاذ قد قال في العام الماضي : « وقد يأخذ عليّ الدكتور أنني نقلت بعض النتائج التي توصل إليها بعض الباحثين كالهلابي والعسكري. وهذا غير صحيح ، لأنني رجعت للمصادر نفسها وتأكدت من تلك النتائج بنفسي » ( كتاب الرياض ، ص ٨١ ). فهذا خلط في مناهج البحث العلمي لا يوافقه عليه أحد ، فأما النصوص الموجودة في كتاب العسكري فلا باس بالاحالة على المصادر رأسا بعد التاكد ، وأما رأي العسكري في ان سيف بن عمر يخترع أسماء عشرات الصحابة وعلى رأسهم القعقاع فهذا لا وجود له في المصادر القديمة وانما هو رأي جديد سبق إليه ، فيجب على من يعيد بحث هذه المسألة ـ سواء بالموافقة أو المخالفة ـ أن يعزو الرأي إلى صاحبه ولو اطلع على الدليل بنفسه. وهذه التفرقة من أوضح الأمور لمن مارس البحث العلمي ، ولا أظنها تخفى على الأخ المالكي ، ومن المعلوم انه لا يجد محذورا في الإحالة على كتاب الدكتور الهلابي لأنه تلميذه وقد اهدى كتابه إليه ، ولكنه يتهرب من الإحالة على العسكري.
وقد وجدت في كتابات الأستاذ كثيرا من أساليب التعميم على العسكري فتراه يذكر اسمه دون كتابه ، أو كتابه دون اسمه ، ويقول « توصل إلى النتائج نفسها التي توصل إليها الدكتور الهلابي » كأن الأبحاث متزامنة ، مع أنه قد توصل إليها منذ خمسين عاماً ونشرها منذ ثلاثة وأربعين عاماً ( كتاب الرياض ، ص ٥٨ ). وكان الأستاذ عبد الحميد فقيهي قد أوضح ان مسألة القعقاع ووجوده في كتاب العسكري ، فرد المالكي قائلا ( أما ربط الفقيهي بين أنكار شخصية القعقاع وبين كتاب مرتضى العسكري فإن هذا الربط لو صح لما ضر البحث شيئا فالحكمة ضالة المؤمن ) ، إلخ ( كتاب الرياض ، ٢٧٠ ). فقوله « لو
صح » فيه تهرب واضح لأنه لا يدل على إقرار ولا إنكار.
خلاصة أفكار العسكري :
(٩) أما كتاب العسكري الأول ( عبدالله بن سبأ : المدخل ) فلم أجد أيما إشارة اليه ، لا في مقالات الأستاذ ولا في الاعتراضات عليها. وقد رجعت اليه وأنا أكتب هذا الكلام ، فوجدت أن العسكري لم يتطرق فيه إلى عبدالله بن سبأ كما يوهم العنوان ، بل يبحث في سيف بن عمر فقط ، لأن الغرض منه اثبات وقوع التزوير الشامل للتاريخ على يدي سيف ، تمهيدا للجزء الثاني المخصص لعبد الله بن سبأ وهو بعنوان ( عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ). وإليك بعض كلامه في مقدمة الكتاب لأهميته :
قال العسكري ( في سنة ١٣٦٩ ه ـ وبينما كنت أراجع قسما من المصادر الإسلامية ـ رابني ما وجدت في بعض الروايات في أشهر الكتب التاريخية من ظواهر تدل على أنها مدسوسة وموضوعه ، فاخذت أجمع تلك الروايات المريبة وأقارن بينها وبين غيرها ، وإذا بي أهتدي إلى حقيقه كان التاريخ قد نسيها فانطوت في أثناء وضاعت في تياراته ورأيت من الواجب الأدبي أن أشهر تلك الحقيقة المجهولة ، فبوبت مذكراتي إلى فصول ، وسميتها : أحاديث سيف ) ، إلى آخر ما قال ثم ذكر ان احد علماء المذاهب اشار عليه بتغيير العنوان إلى عبدالله بن سبأ فاستجاب له. وذكر أنه أحجم عن نشره سبع سنين خشية إثارة العواطف في الشرق المسلم المؤمن كإيمان العجائز !.
وهذا الكتاب ملىء بالطعن في عقيدة جمهور المسلمين والدخول إلى ذلك من باب الطعن في التاريخ والرواة ، وهو أقرب إلى التهريج منه إلى البحث العلمي
الصحيح. والصبغة المذهبية واضحة عليه ، مع أنه يتستر ويحاول إظهار التجرد لأن الغرض اقناع جمهور المسلمين بفساد تاريخهم ومصادرهم وعقيدتهم ، ولم ينتقد شيئا من مصادر مذهبه ولا رجاله ولا رواية التاريخ لديهم ، وتجاهل أن علماء مذهبه عبر العصور لم يتهموا سيفا باختلاق الأشخاص والحوادث والبلدان ، وهذه إنما هي تهمة عصرية لم يكن لها وجود قبل دعوى تزوير الشعر الجاهلي.
وكثير من الأفكار التاريخية التي ينشرها الأخ المالكي موجود في هذا الكتاب المذهبي ، مع الإقرار باختلاف طريقة العرض والاستدلال وبعض الإضافات التفصيلية التي لا أناقشه فيها ، واختلاف الغرض أيضاً إن شاء الله. وأجد من المفيد سرد موضوعات الكتاب لأنه ليس من الكتب المشهورة. فقال في الصفحة ٢٦ ( استخرج مترجمو الصحابة أسماء كثيرة من أساطير سيف وترجموا لهم ضمن تراجم الصحابة ، واستخرج ( ياقوت ) الحموي أيضاً من أساطيره أسماء أماكن ترجمها في معجمه ) ، فهذه الجملة هي خلاصة مقالات الأستاذ المالكي ! ثم نقل آراء العلماء في تضعيفه ، وهي نفس الآراء التي تتردد في كتابات المالكي تقريبا ومن الغريب أنه ليس فيها اتهامه باختراع الأسماء ! ثم بحث مرويات سيف عن الموضوعات التالية :
قصة بعث جيش أسامة ( الصفحة ٢٩ ).
حديث السقيفة ( الصفحة ٣٢ ).
قصة الردة ( الصفحة ٩٦ ).
قصة خالد بن الوليد ومالك بن نويرة ( الصفحة ١١٤ ).
قصة العلاء بن الحضرمي ( الصفحة ١٢٢ ).
قصة نباح كلاب الحوأب ( الصفحة ١٢٧ ).
قصة الفاحشة المنسوبة للمغيرة بن شعبة ( الصفحة ١٣٤ ).
قصة حبس أبي محجن الثقفي ( الصفحة ١٣٩ ).
قصة استلحاق زياد ( الصفحة ١٤٢ ).
قصة الشورى وبيعة عثمان ( الصفحة ١٥٢ ).
تحريفات سيف بن عمر في سني الحوادث التاريخية ( الصفحة ١٥٨ ).
ثم عقد ابتداء من الصفحة ١٦١ فصلا بعنوان ( مختلقات سيف من الصحابة ) ، وذكر اثنين منهم بالتفصيل : القعقاع بن عمرو التميمي وأخاه عاصم بن عمرو التميمي. أربع وعشرون صفحة لإثبات أن القعقاع وأخاه من مخترعات سيف.
ثم ذكر في الصفحة ١٨٥ وما بعدها أنه جمع أسماء أكثر من مائة من الصحابة الأسطوريين المترجم لهم في كتب تراجم الصحابة ، وسرد أربعين اسماً من غير تفاصيل.
ثم عقد في الصفحة ١٩٠ فصلاً بعنوان ( الحموي وأحاديث سيف ) ، ذكر فيه الأماكن الأسطورية الموجودة في معجم البلدان لياقوت بناء على روايات سيف ، ومنها : جبار ، الجعرانة ، شرجة صيهد ، دلوث ، طاووس ، نعمان ، القردودة ، ثنية الركاب ، القديس ، المقر ، الولجة ، وغيرها. وقد أشار المالكي إلى اختراع أسماء البلدان ، واتهم سيفا بهذه التهمة الغريبة ، وضرب مثلا ببعض هذه الأسماء وغيرها. ولكنه رأى فيما يظهر أن يؤجل الكلام فيها للتركيز على موضوع القعقاع وهذا دليل قوي على التناقل ، وإلا كيف عرف أن هذه الأماكن العراقية المجهولة لا وجود لها هذا مع العلم بان العسكري لم يتحقق من أنها أسماء
وهمية ولا يظهر عليه أنه من علماء الجغرافيا.
أما الكتاب الثاني ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) فقد قرأته منذ بضع عشرة سنة ولم يتيسر الرجوع إليه الآن. وفحوى الكتابين واحدة ، وهو امتداد للكتاب السابق ، وقد أعاد فيه ذكر القعقاع ، وأظنه الأول في التسلسل. ومن الواضح أن عدد المائة تضخم إلى مائة وخمسين مع مواصلة البحث.
ومن الجائز أن يكون العسكري أو تلاميذه قد أصدروا كتباً أخرى أو مقالات ، فاطلع عليها المالكي بمقتضى اهتمامه وحرصه على هذه الأمور. وليس من المهم استقصاء الأمر إلى غايته ، لأن الكتاب الأول كاف جدا لإثبات المطلوب وهو أنها أفكار العسكري ، وبخاصة دعوى ان القعقاع من مخترعات سيف. فلو رآها لقال : أهلاً وسهلاً ، بضاعتنا ردت إلينا ! وقد صرح بانه توصل إليها ابتداء من سنة ١٣٦٩ ه ، ونشرها قبل أن يولد المالكي بكثير ومفهوم كلامه أنه لم يسبق إليها لأنه يقول ( وإذا بي أهتدى إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها ) ، مع أن هذه المسالة بحاجة إلى تحقيق ، ولعله التقط الخيط من كتابات الدكتور طه حسين أو غيره.
وأقول للقارئ الكريم : لقد نظرت في كلام العسكري قبل بضع عشرة سنة ، ونظرت فيه الآن ، لأني لا أرضى لنفسي أن أعيش في عالم الأوهام والأساطير ، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به غيرنا. فوجدت ثرثرة كثيرة وطبلاً أجوف ، تسمع بالمعيدي خير من أن تراه لا احتقاراً له ولا انتقاصاً من علمه ، ولكن لأنه راغ عن الطريق فلم يتناول دعوى الاختلاق ولم يبحثها أصلاً ، وانما قال ( واذ أبي اهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها ) لا غير ، كانه إلهام نزل عليه ! ولم يظهر لي من كلامه أنه يرى الحاجة إلى اثبات هذا الوسواس ،
فما قيمة الكتب ـ والمقالات أيضاً ـ إذا لم تتضمن بحث هذا الأمر والعبور به من « الافتراض » إلى « الحقيقة التاريخية » المؤكدة وفي كتب العسكري كلها مغالطة عظمى ، فهو يستخدم أقوال المحدثين لرد روايات سيف ، فليس لهذا من معنى إلا إذا كان يسلم بصحة ما في الصحيحين ولكن أخانا المالكي مر على هذا مرور الكرام.
والحقيقة أن موقف العسكري مفهوم بعض الشيء ، لأن هذه النظرة للصحابة من ضروريات مذهبه ، فمن الطبيعي أن يضيق ذرعاً بالفضائل والبطولات المنسوبة اليهم في كتب التواريخ ، ويجزم بانها مخترعة من غير حاجة للإثبات ، ويبحث عن شخص لاتهامه باختراعها. ولكن ، ما عذر أخينا المالكي في متابعته على ذلك ولا سيما أنه لم يتناول هذا الجانب بالصراحة اللازمة بحيث يتضح الفارق بينهما.
(١٠) ولعل القارئ الكريم يسمح لي باستطراد خارج موضوع القعقاع ، لأنه مفيد جدا لبيان أمانة العسكري وهو يتهم سيفا بهذه الفرية العظمى. قد تجاهل أن عبد الله بن سبأ مذكور مذموم في كتب مذهبه لأن علماء المذهب كانوا قديماً يستنكرون آراءه المتطرفة ، فكان الواجب عليه أن يبدأ بنقد الذات ! كما تغافل عن النصوص التاريخية المذكور فيها عبد الله بن سبأ والسبئية ( « لقد بحث العلامة العسكري ذلك في كتابه عبد الله بن سبأ الجزء الثاني وقد اشار اليه الدكتور العودة في كتابه عبد ابن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام ) » ، ومنها مثلا قول أعشى همدان شاعر قحطان والعراق يهجو المختار الثقفي وأصحابه من غلاة الشيعة ، بعد ثلاثين عاماً من الفتنة الأولى :
شهدت عليكم أنكم سبئية |
وأني بكم يا شرطة الشرك عارف |
فمن هؤلاء السبئية الغلاة إلا أن يكونوا أصحاب إبن سبأ ، وهل كان الأعشى ليقول هذا لو لا أن هذه الطائفة كان لها شأن كبير في الفتنة الأولى وهل كان يقوله لو لا أنه مفيد في تثبيط معتدلي الشيعة عن نصرة المختار وهذا نفر واحد من نصوص كثيرة تدل على وجوده ودوره في الأحداث وبقاء أفكار وانصاره إلى أن صار الغلو هو القاعدة. فياتي هذا الغيور على التاريخ ويدعي زورا وبهتانا أنه أسطورة افتراها سيف ، ثم يجعل الكلام على سيف واختلاق الصحابة الخمسين ومائة فرعاً عن الكلام على هذه الأسطورة العظمى ومدخلاً للقول فيها. فإذا ثبت وجوده وصدق سيف فيه فما قيمة الكلام على بقية الأساطير.
وأنا أستغرب ـ وقد تبين الان أنه ليس من أساطير سيف ـ أن أخانا المالكي لا يجهر بهذه الحقيقة ولا بنقض مزاعم العسكري ، بل يلتمس المخارج وحيل الكلام ، فيقول في المقالة السادسة ( السبئية لا تعني مجرد الخروج على عثمان ، وقد انتهى الدكتور عبد العزيز الهلابي إلى انه « اسطورة » والدكتور سليمان العودة إلى عكس ذلك ، ولعلهما يلتقيان ويتحاوران ، وأنا اميل إلى أنه أسطورة وأجزم بذلك ) ، انتهى مختصرا. كلام مطاط لا زمام له ولا خطام ممن تعمق في دراسة تلك الفترة : السبئية موجودة ولكن ابن سبأ الأقرب أنه اسطورة !. والذي أراه أن ثبوت وجوده وكونه مذكوراً في الروايات الأخرى وأشعار الشعراء وفي كتب الشيعة يعتبر نقطة لصالح سيف وتاييداً لروايته ودافعاً إلى التأني في اتهامه باختراع أسماء الصحابة. ولا علاقة لأصل وجوده بموضوع دوره في الفتنة ومدى تأثيره والكلام على المؤامرة اليهودية ، إذ هما شيئان مختلفان. ولقد فتحت الفتنة باب الصراع المخيف ، ومعلوم أن الدعاية والافتراء
والمبالغة من أدواته المعروفة ، فلا يستبعد من الحزب الأموي أن يبالغ في أمره ويتهم جمهور الثائرين بالانصياع له. ولكن من المستبعد أن يختلقوا شخصا من العدم وينسبوا إليه هذا الدور ، فهذا من الكذب الساقط المكشوف الذي لا فائدة لأصحابه منه. فمجرد وجود التهمة دليل على وجود الرجل ، ولا نار بلا دخان. ولعل القارئ الكريم يلاحظ أن الأستاذ المالكي ههنا أيضاً يصرح مرة أخرى باسم الهلابي والعودة ، ويتجاهل العسكري الذي صنف كتابين أو أكثر عن عبدالله بن سبأ. (١١) وههنا مسالة تتردد بين السطور في كتابات الأستاذ المالكي وكتابات خصومه ، ولا بد لي من الحرص التام في التعبير عنها لأن الغرض ليس الاتهام بقدر ما هو الحث على تناولها بالوضوح اللازم. وربما تصورت لها تخريجا ما ، ولكن ليس من المصلحة أن يتولى إيضاح هذا الأمر ومعالجته أحد غيره. وما أحسن الوضوح والصراحة في مثل هذه الأمور. فلقد أوضح أن أهل السنة يجب أن يكونوا منصفين للجميع ، وانهم وسط بين الروافض والنواصب ( كتاب الرياض ، ص ٤١ ). ولكن هذا الكلام النظري ليس له صدى على أرض الواقع مثل أشياء كثيرة ، فالكتب والمقالات تترى ، وفي كل واحد منها عشرات الآراء التفصيلية ، وكلها تقريبا تصب في خانة واحد من الفريقين بعينه ولا نرى لدى الأستاذ شجاعة مماثلة في نقد روايات الطرف الاخر ، ولا حرصا على التعرض لها ، وقد أشرت إلى بعض ذلك فيما مضى ، ولعله ان شاء الله أمر غير مقصود. وهو لا يتردد في اتهام ابن حزم والخضري والخطيب وغيرهم بانهم نواصب ، ويقول إن النصب سبع مراتب ، أما مرتضى العسكري فيقول عنه هذه العبارة اللطيفة ( رغم ميوله العقدية ) ، فأين العدل والتوازن والوسطية ( كتاب الرياض ، ص ٥٨ ) فمن الطبيعى أن يقابل
هذا الميل باتهامات مضادة من بعض المخالفين. ولا يخفى أن هذا النوع من الحوار مضر جدا ، لأنه يسمم الأجواء ويفسد الهواء ويحول دون الاستفادة العلمية المطلوبة ويدفع كل طرف إلى الاستفزاز وزيادة التطرف.
ولا أقول إنه هو المسؤول عن ذلك وحده ، ولكنه المسؤول الأول فيما أرى. وقد أشرت إلى أشياء من اسلوبه في التعبير ، وادعائه أن التزوير تجاوز جميع الحدود بحيث تنفر منه العقول السليمة ومع ذلك جاز على كثير من علماء الاسلام ، وطريقته في التعتيم على المصادر التي حالت بينه وبين ايضاح الفروق في الأغراض والمناهج ، وعدم التوازن في الموضوعات التي يختارها والأمثلة التي يضربها ، فهذه الأمور لها دور كبير في سوء التفاهم. وإذا كانت نظرته متوازنة كما يقول ، فينبغي أن يظهر أثر التوازن عملياً في الموضوعات والكتابات والآراء والعبارات ، وهذا غير موجود مع الأسف.
كتاب التباني :
(١٢) ومما يتصل بموضوع المصادر ان الأستاذ المالكي أثنى ، بحرارة على كتاب « تحذير العبقري من محاضرات الخضري » للشيخ محمد العربي التباني رحمه الله ، وأثنى على المؤلف في غير مكان ، وقال : « أكاد أقطع قطعاً أنه لم يؤلف مثله في موضوعه » ( كتاب الرياض ، ٣٧ ). فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نرى ذكر التباني وكتابه في مقالات القعقاع وغيرها أولا بأول لماذا لا يجعل كلامه تبعا لكلام التباني وأمثاله في الآراء التي سبقوه إليها كما تقتضيه الأمانة العلمية والاعتراف بفضل السابقين
ويظهر لي ان الاخ المالكي يكتفي في الدراسات المقبولة لديه. بالإشارات العامة الواضحة وغير ، الواضحة ، بمعزل عن مواضع الاستفادة التفصيلية.
وهذا الأمر غير مقبول لأنه يؤدي إلى استيلائه على جهود العسكري والتباني وغيرهم ممن سبقوه بجيل أو جيلين ، فينسخهم ويحل محلهم بدلا من أن يكتب مؤيداً لهم. وقد وقع ههنا في أعظم مما عاب على غيره ، واكتفى بتذكيره بما قاله لأخي الدكتور عبد الله العسكر ، الذي أخذ عدد الروايات من أحد المصادر ، فقال الأستاذ ( وهذا خلاف الأمانة العلمية ) وقال لباحث آخر ( وهذا خلاف الأمانة العلمية في نسبة كل قول إلى قائله ) ( كتاب الرياض ، ٨١ و ١٨١ ). وهو على حق في ذلك كله ، أما هو فيأخذ الآراء الاجتهادية وينشرها تحت اسمه ويقول ( لو صح لما ضر البحث شيئا فالحكمة ضالة المؤمن ).
د. محمد بن عبد الله العزام
عن القعقاع وسيف بن عمر (٢ / ٣)
صحيفة الرياض ـ ٢ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
بين العسكري والمالكي :
(١٣) لا يخفى على القارئ الكريم أن المسألة عند مرتضى العسكري لا تقف عند القعقاع ولا حتى عند سيف ، وانما هو فتق واسع أو ثقب أسود نعرف أوله ولا نعرف آخره ، لأن هذه الدعوى تقوم على نظرة مبدئية خاصة إلى التاريخ والمؤرخين ، واتهام واحد منهم بالتزوير الشامل للتاريخ الاسلامي ، واتهام سائر علماء الأمة إلى يومنا هذا بالجهل أو الغفلة أو التستر واشاعة
الأباطيل والانتصار لها أو ما وراء ذلك من اتهامهم بضعف وسائل التمحيص والنقد ، حتى انهم لم يفطنوا طيلة ثلاثة عشر قرناً إلى اختراع أسماء الصحابه بالجملة.
والأخ المالكي من جهته يتحدث عن انقاذ التاريخ الإسلامي لا عن تصحيح غلطة معينة ، ويضرب المثل بأربع مدن اسطورية لا بمدينة واحدة ، ويقول : ( هذه باختصار قصة سيف بن عمر مع عدد كبير من الشخصيات الذي اختلقها ) ، ويقول : ( عشرات المدن التي لم يسمع بها أحد ولم ينطق بها لسان ولا سمعت بها أذن ولا خطرت على قلب بشر ) وهكذا في سائر مقالاته ، وهو كلام يشبه كلام العسكري من جهات كثيرة ، ولا سيما عدد الاشخاص والأشياء التي يقولان إنها مخترعات سيفية.
ولقد كان العسكري صريحاً بعض الشيء ، فلم يحذف شيئا من المسائل التاريخية التي يرى ان سيف بن عمر قد أفسدها ، ومنها حديث السقيفة وما وقع لفاطمة رضي الله عنها وحروب الردة والشورى. ومعلوم أن هذه المسائل من ضروريات مذهبه ، فلا يستغرب منه بحثها أما الأستاذ المالكي فأخذ من هذه المسائل وترك ، ومن الممكن أن ياخذ غدا ما تركه اليوم فليس في ابحاثه ما يسوغ الجزم بانه يختلف عن العسكري ، ولم يخالفه في شيء ، واضح.
نظرتهم إلى التاريخ
(١٤) وأنا أتحف القارئ الكريم ببحث آخر من هذا النوع ، فقد زعم أحد الكتاب ـ من جماعة العسكري ، وبحثه منشور في مجلة المورد العراقية سنة ١٩٧٧ ـ أن أبا الفتح عثمان بن جني قد كذب على أبي الطيب المتنبي حين زعم
للناس انه لازمه وقرأ عليه ديوانه واستفسر عن معاني شعره ، فقال أن ذلك نوع من أحلام اليقظة ، وملأ المقالة بتحقير الرواية والطعن في الرواة وهذا الكلام أيضاً فحواه ودوافعه مذهبية واضحة مع الأسف ، ولا يتسع المقام للخوض فيها ولا للإتحاف بأمثلة أخرى.
فإذا كان ابن جني شيخ العربية يكذب على المستوى ، ثم يروي الجم الغفير من العلماء والأدباء ديوان المتنبي متنا وشرحا عنه ولا يفطنون إلى هذه الأكذوبة الهائلة ، بل يساعدونه على تحقيقها وتخليدها ، ويقع مثل ذلك ، مع اكاذيب سيف كما زعم العسكري والمالكي. ومع الشعر الجاهلي كما زعم الدكتور طه حسين ، وأحاديث أبي هريرة رضي الله عنه كما زعم أبو رية ، وغيرها وغيرها وغيرها ـ فكل شيء يجوز أن يكون مختلقاً ، وقل على العلم السلام. وما الذي يمنع أن يأتي الدور على كبار المفسرين والمحدثين والفقهاء ، فيقال ـ وقد قيل فعلا ـ أنهم كانوا يخترعون المتون والأسانيد فيصححها اللاحقون غفلة وبلاهة ويضعونها في كتب التفسير والقراءات والعقيدة والحديث والفقه والسيرة النبوية وغيرها.
والحق من أطلع على كتابات العسكري وجماعته لن تفاجئه طريقتهم في تكذيب الرواة والعلماء واتهامهم بشتى التهم لأغراض يعرفها الجميع ، وإنما المفاجأة أن يتبنى الأخ الاستاذ حسن المالكي هذه الأفكار وينشرها علينا بهذه الطريقة الملتوية.
(١٥) قد يقول المالكي ولكني لم أتحدث إلا عن سيف بن عمر ! فأقول : ما الذي يمنع أن تتحدث أو غيرك في المستقبل ـ وقد تمدد الطريق واستقرت القاعدة ـ عن غيره ، وهل تستطيع ان تمنع الناس من التصرف في الفكرة أو
تطبيق نفس القاعدة على مئات المسائل الأخرى ؟ ولا يخفى ان الصعوبة تكمن في تأسيس القاعدة ، ثم ينفخ الباب على مصراعيه ، ويصبح من أيسر الأمور ادعاء أن العلماء انخدعوا بعشرات الأساطير الأخرى أو مئاتها أو آلافها ، وبخاصة الإمام الطبري كما سيأتي فمن حقنا اذن أن نلفت الانظار إلى حقيقة الموضوع من جميع أبعاده. والمالكي قد كفانا المشقة لأنه يتحدث عن أمور لها أول وليس لها آخر مثل انقاذ التاريخ الإسلامي والمناهج والجامعات ، الخ.
إن النتيجة الخطيرة المترتبة على هذه الآراء ما يلي : ان الأمة تعيش منذ أربعة عشر قرنا في عالم الأوهام والأكاذيب ، وليس لديها حصانة مناعية ضد الأساطير الكبرى ، فكان من الممكن أن يأتي قصاص متعصب لا قيمة له في نفسه ، فيختلق من نسج الخيال اسماء عشرات الأسماء والمدن والمعارك والأحداث الخاصة بعصر الصحابة وغيره. مما لم يسمع به إنسان ولم يخطر على قلب بشر قبله ، والبلاد من حوله تمور بالعلماء الغافلين ، ثم تقع هذه الأساطير موقع القبول بعد جيل أو جيلين وتصبح حقائق مقررة يتناقلها كبار العلماء والحفاظ ، ولا تدرك الأمة أنها أكاذيب مختلقة إلا بعد بضعة عشر قرناً ، ربما على أيد المستشرقين والمبتدعة.
وإذا تحقق أن الخط الدفاعي لم يكن موجوداً في تلك القرون الأولى فما أيسر توجيه المطاعن إلى كل شيء حتى إلى القرآن الكريم والسنة النبوية إذا كان العلماء يسكتون على اختراع أسماء الصحابة فلماذا لا يسكتون أيضاً على اختراع أحاديث الصحابة ، ونحن نعلم مثلا أن الدكتور طه حسين ادعى في نفس الكتاب أن ذكر اسماء الأنبياء في القرآن الكريم لا يكفي للجزم بوجودهم التاريخي ، فالفاصل رقيق جداً بين الطعن في الشعر الجاهلي وبين الطعن في
أركان العقيدة. وما لنا نذهب بعيداً ، فالعسكري طبق نظريته أولاً على قضايا خلافية ذات صبغة عقائدية أخطر بكثير من مسألة القعقاع ، و أهمها بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في سقيفة بني ساعدة.
ولا أدري ماذا يبقى من تاريخ الطبري ـ والتاريخ الإسلامي كله ـ إذا ألقينا سبعمائة وثلاثين خبراً من أخباره في مهملات التاريخ ومنكراته كما طلب الأستاذ ( كتاب الرياض ، ٦٢ ) من غير حاجة للنظر في متونها ومن غير اشتراط وجود روايات أحسن منها ولا أعني النسبة العددية لأنها قليلة بالقياس إلى حجم الكتاب ، بل منزلة الكتاب والثقة به وبصاحبه ، فسيكون كالرجل الشريف ، الذي لحقه العار أو الصدوق الذي جرب عليه الكذب.
ولا يلزم من قولي هذا أن المالكي يرى ذلك كله ، ولا ندري ماذا سيكون موضوع الكتابات القادمة ، ولكنه نتيجة حتمية لكلامه. إنه كما قلت فتق واسع نعرف أوله ونجهل آخره.
بين الحديث والتاريخ
لقد لاحظ العلماء الفوارق بين الحديث والتاريخ منذ العصور الأولى ، فتشددوا في رواية الحديث وتساهلوا بعض الشيء في رواية الأخبار والوقائع ، فقبلوا روايات أمثال سيف بن عمر في التاريخ ، وهشام بن محمد الكلبي في الأنساب ، وأبي عبيدة في أيام العرب ، وكثير من الأدباء واللغويين في مجال اختصاصهم ولا يعقل أن يشترط في رواية فتح الأندلس مثلا ما يشترط في رواية غزوة بدر وليس من الصعب التفريق بين سيف المحدث وبين سيف المؤرخ أو بين هشام المحدث وبين هشام الإخباري النسابة ، فإذا رووا الحوادث
والأخبار والأنساب واللغة والشعر فلا بأس ، وإذا رووا شيئا من الحديث والأحكام الشرعية فلا.
واليك مثالاً على هذه التفرقة ، فقد ترجم الحافظ ابن عبد البر للقعقاع بن عمرو في الاستيعاب فقال ( القعقاع بن عمرو التميمي قال شهدت وفاة النبي (ص) ، فيما رواه سيف بن عمر عن عمرو بن تميم عن أبيه عنه قال ابن أبي حاتم : سيف متروك الحديث ، فبطل ما جاء من ذلك. قال أبو عمر هو أخو عاصم بن عمرو التميمي ، وكان لهما البلاء الجميل والمقامات المحمودة في القادسية ، لهما ولهاشم بن عتبة وعمرو بن معديكرب ). فمن الواضح أن كلمة « ذلك » في قول ابن أبي حاتم تعني ما مر في أول الكلام من قول القعقاع إنه شهد الوفاة ، واذن فقوله ( سيف متروك الحديث ، فبطل ما جاء في ذلك ) معناه أنه لا يؤخذ بقوله في مسألة الصحبة لأن هذا الأمر يتعلق بالدين والسيرة النبوية. ولم يتعرض ابن أبي حاتم لمسألة وجود القعقاع ولا حضوره لمشاهد الفتوح ، ولا رأى ضعف سيف سببا للتشكيك في هذه الأمور. وقد أوضح ابن عبدالبر هذا غاية الوضوح في تعقيبه على كلام ابن أبي حاتم ، وهو لم يخالفه في شيء ، ولكنه حاصل كلامه أن الشك في الصحبة لا علاقة له باخباره الأخرى. ولو كان يريد التسوية بين التاريخ والحديث ، أو أن يرد رواية سيف ردا شاملا ، أو ان يشكك في وجود القعقاع وأخيه من الأساس ، أو ان سيفا يخترع الأسانيد ، أو ما إلى ذلك من الدعاوى ، فهذا هو المقام المناسب لذلك.
ولقد استغربت قول المالكي « لم يتعقبه بشيء » ، فالتعقيب واضح ( كتاب الرياض. ص ٥٤ ). نعم ، إنه لم يخالفه في نفي الصحبة بناء على ضعف سيف في الحديث ، ولكنه عقب بما يفيد جزمه بوجود القعقاع وأخيه. وهذا التعقيب
واضح الفائدة في توثيق سيف فيما يتعلق بوجود القعقاع ورواية التاريخ اجمالاً ، وهو موطن النزاع بين القصيد في مقالات الاستاذ.
وأغرب من ذلك قوله عن شهود القعقاع وفاة الرسول (ص) مسألة تاريخية بحتة ( كتاب الرياض ، ص ٩٥ ). والغرض منه التسوية بين التاريخ والحديث ، وادعاء أن قول ابن أبي حاتم رحمه الله « سيف متروك الحديث » معناه « سيف متروك الحديث والتاريخ ». فمن الواضح أن الأستاذ لم يتدبر الفرق بين الحديث والتاريخ. ومن التحامل والاندفاع وضعف الموضوعية ونقص المنهجية أن يأخذ جزءا من قول ابن أبي حاتم لأنه يصلح للغرض المطلوب ، ولا يشير إلى اقراره الضمني بأنه شخص حقيقي ، ولا إلى سكوته عن اتهام سيف بتزييف التاريخ بالجملة !.
وما لنا نذهب بعيداً في الاستدلال ، فمن أوضح الأدلة على تفريق علمائنا بين الأمرين كثرة روايات سيف وأبي مخنف والهيثم وابن الكلبي في كتبهم التاريخية ، وانعدامها في الصحاح والسنن وقد أوضح الأخ المالكي إكثار ابن حجر من الرواية عن سيف في الاصابة ولكنه لم ينقل عنه شيئا في فتح الباري ( كتاب الرياض ، ١٠٥ ـ ١٠٦ ) فالتفسير الواضح لذلك أن الأول كتاب تاريخ والثاني كتاب حديث.
ولا يخفى أن هذا المسلك في التفريق غير ممكن إذا كان الذي بين أيدينا إنما هو رواية هؤلاء الضعفاء في الحديث ، وهذا هو الواقع ههنا لأننا لا نجد في الصحيحين مثلاً شيئاً عن القعقاع أما إذا وجدنا في الصحيحين أو غيرهما رواية أقوى من مثيلاتها عند سيف أو غيره فلا شك أنه يجب تقديمها عليها ، ولا أعرف من يخالف في ذلك أو يجادل في اعتبار الروايات الصحيحة في كتب الحديث
أقوى من غيرها عند الاختلاف ، وان تخلف التطبيق في كثير من الأحيان. وهذه النقطة ـ أعني تخلف التطبيق فقط ـ مهمة جداً يشكر الأخ المالكي عليها ، لأنه قد أوضحها وضرب لها أمثلة جيدة عليها ويلاحظ أن كثيراً من المتخصصين في العلوم التاريخية والأدبية لا يكادون يفقهون شيئاً في مصطلح الحديث ، ولا يعرفون دراسة الأسانيد والترجيح بين الروايات على منهج السلف ، وهذا من آثار مناهج التعليم الغربية من غير شك.
فمن المغالطة إذن أن يلبس العسكري لباس التشدد ، فيقول سيف ضعيف متهم بالكذب وقد قيل فيه كذا وكذا ، ويسرد أقوال المحدثين ويوهم أن المقصود بها رواياته التاريخية التي لا مقابل لها اقوى منها هذا مع أنه في واقع الامر لا يعبأ بالصحيحين !
وقد ذهب الأخ المالكي إلى أن الحديث والتاريخ شيء واحد لا فرق بينهما ( كتاب الرياض ، ٩٧ ـ ١٠١ ) ، وجعل الخلاف بينهما من « باب الأولى » بمعنى أن الذي يكذب في الحديث أحرى به أن يكذب في التاريخ ( كتاب الرياض ، ٩٢ ) ولم يأت بدليل إلا الاستنباط العقلي ، وقد سبق أن انتقد هذا الأمر بعينه على الآخرين ( نفسه ، ٢٢ ) وهذا الاحتجاج العقلي غير مستقيم ، وليس هذا هو التصور الصحيح للمسألة ، فإن رواية حديث الرسول ـ (ص) لا بد فيها من الاحتياط وزيادة الشروط والمواصفات أن الخلل فيها عظيم الأثر في حياة الأمة دينا ودنيا ، ومن المعلوم بالضرورة أن الإنسان قد يوثق به في الأمور الصغرى والمبالغ المالية القليلة ولا يوثق به فيما وراء ذلك ، فالقول بأن الكذب على الرسول في (ص) يعني بالضرورة الكذب على سائر الناس ليس بصحيح ، وما كنت أظن هذا يخفى على الأستاذ فالحاصل أنه يريد أيضاً اعتبار متون سيف
كالأحاديث النبوية ، ويستشهد بأقوال المحدثين لرد رواياته في التاريخ من غير اشتراط وجود روايات أقوى منها.
بين النقل والتوثيق
من الملاحظ أن الأستاذ المالكي لا يتصور أن احداً يمكن أن يوثق سيف بن عمر سواء في رواية الحديث أو في رواية التاريخ ، وقد بذل غاية جهده في نقل الأقوال في تضعيفه حتى عن بعض أهل عصرنا ، مع الإيهام بأنها تنطبق على التاريخ كما تنطبق على الحديث لأنهما كالشيء الواحد. فاذا وجد شيئا لا يتفق مع المطلوب بذل غاية جهده لازاحته عن الطريق. واكتفى من ذلك بأربعة أمثلة :
قوله : إن الطبري يعتبر ممن ضعف سيف بن عمر ( كتاب الرياض ، ٥٢ ).
قوله : عن شهود القعقاع وفاة الرسول في (ص) « مسألة تاريخية بحتة » ، لتوجيه كلام ابن أبي حاتم بحيث يشمل التاريخ ، ومضى بيانه.
قوله عن الحافظ ابن عبد البر : ( لم يعقب بشيء ) ، ومضى بيانه.
محاولة اسقاط كلمة الحافظ الذهبي « كان اخبارياً عارفاً بأوهى الحجج ( كتاب الرياض ، ٨٤ ) ..
محاولة اسقاط كلمة الحافظ ابن حجر الصريحة « ضعيف في الحديث عمدة في التاريخ » بشتى الحجج ( كتاب الرياض ، ٥٥ و ١٠٥ ـ ١٠٨ ).
فلما رأى كثرة دوران رواياته التاريخية في كتاب الحفاظ والعلماء الأثبات ، لم يجد من حيلة إلا بتر الصلة بين النقل والتوثيق فهذه النقول الكثيرة لا تعني شيئا ، لا تحسب له بل عليه ، لأنها كأقوال الشياطين والكفار والمنافقين في القرآن الكريم ( كتاب الرياض ، ٨٣ ). وما كان له أن ينحدر في التحامل إلى
هذا الحد ، ولا أعتقد ان انسانا لديه ذرة من عقل يوافقه على أن كلام سيف الموجود في تاريخ الطبري ككلام الشياطين الموجود في القرآن الكريم وفي تاريخ الطبري أيضاً.
فلا بأس ـ ما دام الأمر يخفى عليه ـ بايضاح هذه المسألة ، راجياً ممن يجد في قولي هذا غلطاً أن يتفضل مشكوراً ببيان الصواب فإن نقل العلماء الأثبات ، أو حتى أهل الصدق من عامة الناس ، للروايات والأخبار وسكوتهم عن تمريضها ، يدل على اقتناعهم بصحتها ، بصرف النظر عن صحتها في ذاتها وسواء أكان ذلك بأسانيد فالطبري مثلا حين يسوق أخبار الفتوح او الفتنة نقلا عن سيف ، فإنه إنما يكتب ما اطمأنت إليه نفسه على وجه الاجمال ، ولقد كانت المصادر وفيرة بين يديه فاختاره لهذا السبب فهذا النقل يحمل معنى التوثيق ، أي الشهادة الضمنية لهذه الأخبار بالصحة.
وإذا كان الطبري يطمئن إلى رواياته بحيث ينقل عنه ثمانمائة رواية كما احصى الأستاذ مشكورا ، فهذا دليل لا يدحض على أنه يراه عمدة في التاريخ ، وهذا بيت القصيد.
ولا يعقل أن يعتقد أنه كذب وضاع وان هذه الأخبار والأسماء مختلقة ، وان كلامه من نوع كلام الشياطين والكفار والمنافقين ، فينقله ويسكت عليه ، ولو فعل ذلك لكان مفرطاً غاشاً للأمة ، وهو ما صنف كتابه إلا لتدوين التاريخ الصحيح على ما وصل إليه علمه واجتهاده وشعوره بالمسؤولية. وهو يعد من أعظم علماء الإسلام وفقهاء الأمة ومؤرخيها.
ولا ينبغي الخلط بين هذا المعني وبين الصحة الأخبار في ذاتها وقاعدة أن العهدة على الرواي ، فإن الطبري لا يجعل نفسه مسؤولا عن صحتها ، وإنما
أوردها لانه يغلب على ظنه أنها صحيحة ومثله أنك إذا استشهدت ببيت من شعر احمد شوقي مثلاً وأو ضحت مكانه في الديوان ، فلأنك تعتقد بأنه من شعره ، ولكنك لا تضمن ذلك ولا تسأل عنه ، فإن تبين انه مدسوس على الديوان فالعهدة على ناشر الديوان ، ويترتب على ذلك أن كثيرا من فحول العلماء في جميع العصور ـ ولا سيما القريبين من عصر سيف ـ كانوا يعتقدون بصحة رواياته التاريخية على وجه اللاجمال ، كما كانوا يعتقدون ان كلام ابن الكلبي في الأنساب صحيح على وجه الإجمال ، لا من باب التسليم الأعمى ، بل لأنه لم يظهر لهم ما يدعوا إلى الارتياب.
الإعراض عن الطبري
(١٦) وأرى البحث يتكامل إلاّ ببحث حال الإمام محمد بن جرير الطبري ـ رحمه الله ـ بحثا صريحاً ، لأن روايات سيف ما كانت لتبلغ هذا المبلغ لو لا تفضيله إياها على غيرها من تاريخه الذي أصبح أهم كتب التاريخ. فلا بد من ايضاح السبب الحادي به إلى الاعتماد على مصنع الأكاذيب هذا.
ولم أر لدى الأستاذ المالكي عناية ببحث حاله وبسبب غشه للأمة بهذه الأباطيل الهاذلة ، ولا سيما أنه يراها أكاذيب مكشوفة ليس من الصعب اكتشافها حتى على المستشرقين والمبتدعة ، بل وجدت لديه مراوغة عن بحث هذا الأمر ( كتاب الرياض ، ص ٥٣ ) ، بل إنه ليعتبر الطبري ممن ضعف سيف بن عمر في التاريخ ( كتاب الرياض ، ص ٥٣ ) ، وهذا من العجائب ولكن الإشكال باق على حاله ، فإذا كان سيف من أعظم الوضاعين فلابد أن يكون الطبري من أعظم المغفلين أو من أعظم الغشاشين ، لا محالة ، فلماذا أعرض عن تجريحه كما فعل مع
أساتذة الجامعات السعودية أليس هو المسؤول ، عن اغراق التاريخ وافساده ، الا ينطبق عليه ما قاله عنهم تعطيل النصوص والعقول !! مراعاة الوضع السائد ، الغش والتدليس واستغفال القارئ وطلاء الباطل بطلاء الحق ، تأسيس الجهل العلمي !! اللغة أهل العلم والتحقيق !! والمضمون لكلام أهل الجهل والتلفيق !! هذا بعض ما قال برموزه ، فما الفرق بين الطبري وبينهم ؟
اختلاق الأشخاص
(١٧) لقد كان يجب عليه ـ وقد صح عزمه على سلوك هذا الطريق أن يبدأ بتأصيل القواعد بالأسلوب العلمي الصحيح ، وطرحها على أصحاب الاختصاص ليقولوا رأيهم فيها ، ثم يبدأ بالتطبيق بعد ذلك ، أما قبل ذلك فلو كتب مائة مقالة تطبيقية فلا قيمة لها ، إلا إذا تمكن من اقناع ، القرّاء بصحة المبادىء العامة فلا بد من اثبات ان سيف بن عمر كان « يختلق » أسماء الصحابة والتابعين والمعارك والأشعار والبلدان ، وايضاح أسباب هذا الأمر ودوافعه والشواهد عليه من حياته وسيرته وأهوائه وأقوال أهل عصره فيه ، وهل ثبت ثبوتا أكيدا وقوع ذلك منه أم أنه ظنون مجردة واحتمالات نظرية وشيق صدر برواياته. وهذا هو زمام المسألة كلها.
واختلاق الشخصيات أمر غريب في ذاته ، ويحتاج إلى شرح وبيان واثبات ، وهو أصعب بكثير مما يوهم كلامه. فهل من اليسير مثلا على أحد رواة الشعر النبطي أن يخترع أسماء عشرات الشعراء ويزعهم أنهم عاشوا قبل قرن أو قرنين الجواب بطبيعة الحال أنه أمر غير ميسور لأسباب كثيرة ، ومن أراد فليجرب اختراع شاعرا واحدا وليس من السهل على أحد ان يخدع جميع
الناس ، فكيف إذا كان الكذب والتلفيق بهذا المقدار ، فلابد رابعا من اثبات أن باب اختلاق الأشخاص بهذا المقدار المزعوم أمر ممكن ، وأنهم تمكنوا من خديعة العلماء بذلك.
لقد كان من الواجب اعتبار التهمة من جميع جوانبها ، والنظر في جميع روايات الرجل عن القعقاع وغيره ، وهل تابعه أحد على ذكر بعض الأشخاص الذين له مصلحة في اختلاقهم ، واعتبار جيمع آراء العلماء القولية والعملية فيه ، إلى آخر الأمور التي لا بد من اعتبارها. فتكون النقاط سلبية وايجابية ، ثم يحكم له أو عليه. وقد فعل القدماء ذلك بهدوء ، وانتهى كثير منهم إلى قبول رواياته في التاريخ دون الحديث كما هو معلوم.
ثم لا بد من اثبات ان المسأبة التي يدور البحث حولها ـ القعقاع الآن وغيره في المستقبل ـ من ضمن تلك المخترعات ، وايضاح ان أخباره تتضمن من المبالغات غير المعقولة ما يستوجب الجزم بأنه اسطورة ، مع الأخذ في الاعتبار أن المبالغة قد تقع في أخبار الأشخاص الحقيقيين. أما جمهور الناس عبر القرون فلم يقرأوا في أخباره شيئاً يتجاوز الحدود ولقد كان من الافضل أن يفترض الاستاذ أن الأصل فيه أنه شخص حقيقي ، لانه مذكور في كثير من الكتب ، والإثبات مقدم على النفي ، ويعترف بأنه يسبح ضد التيار ، ثم يوضح بالدليل القوي والحجة القاهرة لماذا يجب ان يكون الأمر على العكس. فهذا هو مقتضى الانصاف ، وهكذا يصنع الباحثون وتبرز الجهود.
(١٨) هب أن أحد الرواة أورد كلمة أو خبرا فيه اسم ما ، وليكن القول المنسوب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه ( سيف القعقاع خير من ألف رجل ) ، ثم اتضح أن الإسناد لا يوثق به لأي سبب ، فهل يعني ذلك أن ذلك
الاسم مخترع لا وجود له أصلا أم أنهما مسألتان مختلفتان ولا بد من إثبات مسألة الاختراع على حده الواقع انهما مسألتان مختلفتان جداً ، وكون الأخبار لا يوثق بها لا يعني ان الإنسان اسطورة. وقد قرر الأستاذ ذلك وهو يتكلم عن الزير سالم وعنترة وحمزة البهلوان وسيف بن ذي يزن ، فقال ( هؤلاء لهم حقيقة ، لكن بولغ فيها جدا ) ، فهل القعقاع في أسوأ الأحوال إلا كذلك هل فرق بين المسألتين وأثبت الثانية بمعزل عن الأولى كلا ، بكل تأكيد.
واقع الأمر أنه لا يخلو مجتمع من شخصيات شعبية يقال إنهم عاشوا منذ قرون ، وينسب إليهم الناس كثيرا من الأخبار والأشعار والبطولات والطرائف التي لا يمكن اثبات شيء منها ، ومع ذلك لا يوجد مسوغ في الغالب للشك ، في اصل وجودهم فمن المغالطة أن يخلط بين انفراد سيف برواية أخبار القعقاع وبين كونه رجلا من نسج الخيال ، ويوهم القرّاء بان ضعف الأسانيد يعني بالضرورة انه ـ ومن سيأتي عليه الدور من الصحابة وغيرهم ـ أسطورة مختلقة تماماً كمدينة الحشرة.
فلو قال العسكري والمالكي عن القعقاع وأمثاله انهم مجاهيل إنفرد بهم سيف بن عمر لكان لهما بعض الحجة والعذر ، أصابا أو خطئا ولكن كلمة « مجهول » المنهجية الموضوعية الهادئة لا تخدم الغرض ، لأن المطلوب إثبات ان الأكاذيب الكبرى موجودة في تاريخنا الفاسد الهالك الغريق.
أسانيد سيف :
(١٩) من المعلوم بديهاً ـ حتى لغير المتخصصين ـ أنه ليس هناك صلة حتمية بين الأخبار الباطلة وبين الراوي الذي ذكرها في كتابه ، فلو كان القعقاع
أسطورة حقاً فليس من الضروري أن يكون سيف ـ من بين الرجال المذكورين في الإسناد ـ هو الذي اختلقه إلاّ ببرهان واضح. هذا محمد بن إسحاق مثلا ، شحن السيرة بكثير من الأشعار المنحولة كما قال محمد بن سلام الجمحي وغيره ، فهل نقول : يجب بالضروة أن يكون هو الذي نظم تلك الأشعار وهل الغزالي هو مؤلف الأحاديث الباطلة الموجودة في احياء علوم الدين وهذه الأكاذيب التي تقال في المجالس هل من الضروري أن يكون المتكلم هو الذي اخترعها الواقع ان أكثر رواة الأخبار الباطلة لم يختلقوها بأنفسهم. وهذا لا يعفي أحدا من المسئولية ، ولكنه شيء آخر غير ما نحن فيه.
وقد أسند سيف أخباره إلى رواة سماهم بأسمائهم ، فيقول الطبري مثلاً ( كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن مجالد عن الشعبي ) ، أو ( السري عن شعيب عن سيف عن محمد وطلحة وزياد عن قدامة الكاهلي ) أو ( السري عن شعيب عن سيف عن النضر عن ابن الرفيل عن أبيه عن حميد بن أبي شجّار ) ، إلى آخر هذه الأسانيد المتفرعة بعد سيف وهي كثيرة جدا. فمن الجائز في منطق العقل والانصاف ـ إذا افترضنا بطلان هذه الأخبار أو وجود مبالغات فيها ـ أن يكون البلاء من الرواة السابقين عليه. وقد أوضح الأستاذ كثرة الضعف والجهالة فيهم وفي بعض الرواة عنه أيضاً ( كتاب الرياض ، ٦٧ ـ ٦٩ ). فاذا كان يرى أن هذه الأسانيد اسطورية وأن بعض الأسماء المذكورة فيها اسطورية ، فهذان فرضان جديدان لا بد من بحثهما واثباتهما قبل البحث في مسألة القعقاع ، ومن الممكن نظريا أن تكون الأسانيد حقيقية والمتون باطلة او العكس.
ولقد قال ( استخرجت روايات سيف بنفسي وبحثها رواية سنداً ومتناً ) ، ولا أجادله في هذا ، ولكني لم أر ما يدل على أنه درسها بالتفصيل اللازم
وأثبت بالدليل القوي أن هذا الجمع والبحث قد أثبت أن الأسانيد مخترعة كالمتون أو مركبة ، ولا أن الرجال المذكورين فيها من الثقات الأثبات أو أنهم لا وجود لهم أصلا ، بحيث يجب أن تتجه التهمة إليه. وتحتاج هذه الدراسة إلى جهد كبير لاستقصاء الروايات المنسوبة إليهم في جيمع الكتب عن سيف وغيره ، والمقارنة بين الأسانيد والمتون لإثبات أن أسانيده اسطورية أو مركبة. ولم أر أثرا لذلك في مقالاته ولا منهجاً واضحاً في دراسة هذا الجانب المهم. ولا أرى فائدة من جهد هذا ، لأنه يريد الحكم على التاريخ بمقاييس الحديث ، ومعلوم سلفاً أنه ضعيف في الحديث ، ويغني عنه قول ابن أبي حاتم « متروك الحديث » وقد نادى بإلقاء هذه الروايات في مهملات التاريخ بعد أن استخرجها واحصاها ، وبإلقاء كتاب سيف المطبوع في مهملات التاريخ قبل الاستخراج والاحصاء وإنما يكون ذلك مفيداً لو أنه بحث المتون وقارنها بالروايات الأخرى وأوضح كم المعلول منها والمعارض بما هو أقوى منه وكم منها يمكن قبوله.
ولا أدري ماذا يقول الأستاذ في روايات سيف المقبولة متونها. هل يقول : إن المتون صحيحة والأسانيد اسطورية ؟ أم يقول : عقلي هو الفيصل والحكم ؟ فإن ورد في شيء منها اسم القعقاع ـ أو اسم إي انسان مختلق في رأيي ـ فالسند مختلق أيضاً ، وإذا لم يذكر فيه فالسند صحيح فهذا كله تعسف وتحامل ، لأنه ليس بيده دليل خارجي مستقل على أن الاسماء المذكورة في المتون أسطورية والذي أظنه انه جمع هذه الروايات وقرر أن متونها غير مقبولة لديه. ورأى أن اسم سيف موجود في جميعها ، فانتهى إلى اتهامه باختلاق المتون والأسانيد ، ولم يعتبر شيئا من الاحتمالات الكثيرة الأخرى.
وهذا الجانب يمكن أن يعصف بدعوى الاختلاق عصفاً ، لأن القعقاع
مذكور في أسانيد متعددة من روايات سيف عن الشعبي وغيره بحيث يشهد بعضها لبعض ، ولا سبيل إلى ابطاها جميعاً إلاّ بإثبات أن الأسانيد اسطورية ايضاً ، بمعنى انه ـ بعد ان اختلق اسم القعقاع وصنع الاخبار اللازمة ـ صنع لها أسانيد لا أصل لها باستخدام اسماء حقيقية أو خيالية فدعوى الاختلاق يجب أن تكون مزدوجة ذات شقين وتبحث على هذا الأساس : أن المتون وما فيها من الأسماء مخترعة ، وأن الأسانيد المصاحبة لها مخترعة. والذي أراه أن اختراع الأسانيد ما كان ليخفى على جهابذة الحديث من معاصريه أو من تلاميذهم كالطبري وابن أبي حاتم.
وفي كلام الأستاذ في هذا الباب تناقض من أغرب ما يكون فقد قال : « من علامات ضعف الراوي أنه يروي عن كثير من المجهولين ، مما قد يسبق إلى الظن انه يختلق الرواة وينسب إليهم أقوالاً مما عنده » ، فأوضح مشكورا أنه خاطر وقع له وسبق إلى ظنه ولكن هذا الظن سرعان ما انقلب إلى يقين ، إذ قال بعد قليل : « وقد اتهم سيف باختلاق أسماء للرواة الذين ليس لهم وجود أصلاً بينما تكون الروايات من إنشائه !! » ، هكذا بصيغة المبني للمجهول ( كتاب الرياض ، ٦٣ و ٦٨ ) ولقد بحثت عبثاً في لائحة الاتهامات عن هذا الفاعل المجهول فلم أجد أحداً من القدماء ذكر أنه يختلق الأسماء المذكورة في الأسانيد ، فلم يبق إلا أن الأستاذ يعني بذلك نفسه ، وتذكرت قاضي واسط الذي تعرض للمأمون في الطريق للثناء على قاضي واسط !.
فقول الأستاذ : « مما قد يسبق إلى الظن انه يختلق الرواة » يشبه قول العسكري « واذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها » ، كلاهما ظنون لم يهتم أصحابها بإخراجها إلى عالم الحقائق فنقول لكل منهما : شكراً لهما على هذا
الإقرار غير المقصود !
إشكالات أخرى لم يتعرض لها :
(٢٠) ولقد قصر المالكي ـ والعسكري من قبله ـ غاية التقصير أيضا في استيعاب الإشكالات الأخرى التي تنشأ من تهمة الاختلاق ، وفي الصبر على ما يتطلبه توجيه هذه التهمة الخطيرة من اعتبار كافة جوانب القضية واشباعها بحثاً. ومن ذلك ما يلي :
ـ ما حاجة سيف إلى اختراع عدد كبير من الشخصيات ، ومنهم عشرات الصحابة هل بلغ به التهاون في أمر دينه إلى حيث يخترع ويكذب متعمداً على الرسول (ص) بدعوى أنهم كانوا من أصحابه ، ألا يخشى الرجل العاقل من تعريض نفسه لضربة قاضية من علماء عصره هل بلغ به جنون التعصب القبلي إلى هذه الدرجة التي لا يرضاها عاقل لنفسه ؟
ـ وإذا افترضنا أنه يخترع أسماء الناس ، فما حاجته إلى اختراع أسماء المعارك والبلدان هل وصل به الجنون إلى هذا الحد ، هب أن إنسانا مشهور بالكذب ، فهل يقول للناس قضيت الاجازة الصيفية في جزر الواق واق.
ـ لماذا سكت علماء الحديث عن اتهامه بهذه التهمة الخطيرة أعن جهل ، أم غفلة ، أم نسيان ، أم مجاملة ، أم تستر أم لأنهم يرون أن اختراع الأسماء خير وبركة فلا ضرر منه وهل سكتوا أيضاً عن امثاله لقد أوضح المالكي حرصهم على مناقشة صحبة الصحابة واحدا فواحدا ، وعدم ترددهم في نفي الصحبة عند اللزوم فمن الغريب أن « يختلق » مئات الصحابة ، ويدعي انهم من كبارهم وأخيارهم ، فلا يلتفتون بكلمة واضحة صريحة إلى هذا القصاص المجنون.
ـ ولماذا ـ بعد السكوت ـ قبلوا رواياته في التاريخ ألا يجب أن يوضع هذا في الاعتبار ألا يدل على أنه لم يبلغ تلك الدرجة المزعومة من الانحطاط لقد استعمل المالكي هذه الحجة في الثناء على وهب بن منبه ـ لأنه يرضى عنه ـ فقال ( احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما !! فسبحان الله !! ) أما احتجاج امثال الطبري وابن عبد البر وابن عساكر وابن كثير والذهبي وابن حجر ، وهم من جبال العلم الشامخة ، بروايات سيف فلا يساوي قلامة ظفر ، فسبحان الله !!
ـ لقد سرد المالكي أسماء ستين مؤرخاً لم يذكروا القعقاع ولكنه لم يتدبر الإشكال الأعظم ، فهل يعقل ان يختلق سيف عشرات الصحابة والتابعين والفرسان والولاة والبلدان والمعارك والأشعار ، فلا يوجد لهذا الكذب الهائل صدى عند هؤلاء المؤرخين الستين وعند أضعاف عددهم ممن لم يذكرهم إننا كثيرا ما نقرأ أن فلاناً وضع حديثاً أو قصيدة أو بيتاً من الشعر أو وثيقة رسمية أو كلمة أو حرفاً واحداً ، وقصة الذي زاد عبارة « أو جناح » على أحد الأحاديث مشهورة. فهل يعقل أن يسكت الجميع عن هذا الطوفان من الأكاذيب ولو من باب العصبية المضادة ؟
ـ هل انفرد سيف بذكر عشرات الأسماء حقاً أم أن التهمة لا تخلو من المبالغة والتهويل ؟ لقد صنف العسكري كتابين ليقول إنه انفرد بذكر عبد الله بن سبأ ، وجعل ذلك حجر الزاوية في الكلام على سيف فإذا ثبت ان الأسطورة الكبرى ليست اسطورة على الاطلاق ، ألا يكون من الظلم العظيم والتحكم والهوى أن يقول قائل : هذا الاسم صحيح وهذا الاسم مختلق ؟
ـ أما كان يستطيع الصاق نفس الأكاذيب بآخرين ممن لا خلاف في وجودهم التاريخي وحضورهم تلك المشاهد وهذا هو المعتاد في تمرير
الأكاذيب ، بدلا من اختراع ( أسماء لم تخطر على قلب بشر ).
ـ هل يدل التحليل الأدبي على أن الأشعار الواردة في رواياته من النوع الركيك المعهود في المنحولات ، وهل تشبه أن تكون من نظم رجل واحد وهل كان شاعراً مجيداً بحيث يضع على لسان كل إنسان ما يلائمه فهذا جانب مهم لا بد من اعتباره لدراسة تهمة التزييف.
هذه ـ وكثير غيرها ـ اشكالات حقيقية ، لا يشتغلون بالنظر فيه ( « لقد اجاب العلامة العسكري في كتابه ( خمسون ومائة صحابي مختلق ) على هذا النوع من التساؤلات غير ان الدكتور العزام قد تجاهل ذلك. » ) ، وإنما يقفزون إلى النتائج النهائية المقررة سلفاً ، ويقولون : ( إنقاذ التاريخ ، أبحاث في غاية الدقة والموضوعية ).
(٢١) لا أريد التعنت وتكليف المالكي ما لا يطاق ، ولكن المطالبة باستيعاب جميع جوانب ليست كثيرة على من ينصب نفسه لانقاذ التاريخ وايقاظ العلماء من غفلة الأموات ، وتصحيح المسار والتجديد في الأصول والمناهج وأساليب التفكير لأن اثبات فساد القواعد الحالية واختراع قواعد جديدة ، وتطبيقها تطبيقا صحيحا على احدى القضايا ، عمل عظيم يستحق أن ينفق عليه بضع سنوات في البحث والتحقيق. إذ هو أصعب بكثير من كتابة تاريخ دولة أو سيرة رجل بالطريقة المعتادة والمسئولية الأخلاقية تقتضي ممن يتهم أحداً باختلاق أسماء الصحابة أن يبذل جهداً عظيماً زائداً على المعتاد لإثبات التهمة وابراء ذمته.
ولكنه تجنب ـ كالعسكري من قبل ـ تأصيل هذه الأصول لأن هذه الآراء في واقع الأمر مجرد أوهام وظنون غير قابلة للتأصيل. فعمد إلى ارسال
الدعاوى والقفز إلى النتائج ، وشيد البناء قبل حفر القواعد ، وصور تهمة الاختلاق تصويراً سريعا في أول المقالة الأولى كأنها قضية مسلمة كمدينة الحشرة. وانطلق في الكلام المعاد المكرر على كذب سيف بدليل أنه اختلق شخصية القعقاع ، وعلى اختلاق شخصية القعقاع بدليل أنها من أكاذيب سيف القعقاع من مخترعات سيف الذي اخترع كثيرا من الشخصيات كالقعقاع !
كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء !
ومما يدلك على ارسال الدعاوى والقفز إلى النتائج جزمه تقليداً للعسكري ـ بأن الأماكن العراقية المذكورة في روايات سيف أساطير ، فليتفضل مشكوراً بشرح براهينه الجغرافيه على هذه الدعوى. وطالما رأينا في كتابات اثبات العلماء ـ كالأستاذ حمد الجاسر حفظه الله ـ قولهم هذا الموضوع المذكور في التاريخ غير معروف في عصرنا ، وقد كثرت الأبحاث عن مكان سوق عكاظ مع أنه أشهر من نار على علم. فأين بحثه لهذه الأماكن واحداً فواحداً ، وما معرفته بجغرافية العراق وكيف وصل إلى اليقين بأنها أساطير ؟
د. محمد بن عبد الله العزام
عن القعقاع وسيف بن عمر (٣ / ٣)
صحيفة الرياض ـ ٣ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
تصنيف القرّاء
(٢٢) ولقد استغربت كثيراً تصنيفه للناس في المقالة الأخيرة ( دروس من معركة القعقاع ! ) إلى ثلاثة أصناف :
فالصنف الأول : ( ينفي وجود القعقاع مطلقاً !! لأن سيفاً معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والاحداث !! ).
والصنف الثاني : ( يثبت وجوده ودوره كاملاً بكل التضخيمات
والتهويلات !! ).
والصنف الثالث : ( يتوسط فيرى ان سيف بن عمر قد بالغ في دور القعقاع ابن عمرو ، ذلك الدور الذي لم يذكره غيره !! ).
ثم قال : ( وظني أن الصنف الأول والثالث متقاربان جداً ، ويمكن أن يتفقا إذا عرفا منهج سيف بن عمر بالتفصيل !! والخلاف بينهما يسير ) ، وأسقط من الاعتبار احتمال أن تكون المبالغة أو اختلاق ـ على فرض وجود أحدهما ـ ممن عاش قبل عصر سيف ، والفارق الكبير بين الاختلاق الذي يعني أن الشخص اسطورة والمبالغة التي تعني انه حقيقة تاريخيه.
فهذا الكلام يلخص نظرته إلى الأشياء ، ويدل بوضوح على أنه لا يدرك النواقص المشار اليها. فلعله يرى في ذلك مضيعة للوقت والجهد ، ويكفي سرد أقوال المحدثين في تضعيفه للوصول إلى النتيجة الكبرى وهي أنه ( معروف باختلاق الشخصيات والمعارك والأحداث !! ) فالتهمة لا تحتاج إلى برهان ، فهي راسخة في ذهنه ويجب أن تكون راسخة في أذهان الناس وإذا وجد أحدا من القدماء أو المعاصرين ينتقد سيف بن عمر في أي شيء فهو في نظره شبه مؤيد للتهمة ، ( والصنفان متقاربان جداً ، والخلاف بينهما يسير ). ولم يبق إلا صنف المغفلين كالطبري وأساتذة الجامعات السعودية. فكأنّ القدماء والمعاصرين يوافقونه من حيث لا يدرون على خراب التاريخ الإسلامي !
نماذج من المغالطات
(٢٣) فمن مغالطاته : الخلط بين اتهام الأسانيد واتهام المتون ، وهما أمران مختلفان جداً. فلو قال لك انسان : قال لي فلان إنه رءاك تصلي الجمعة في مسجد
كذا ، فسوف تدرك حالا ان الخبر غير صحيح لأنك كنت في مسجد آخر ، وتظن ان أحدهما وقع في خطأ غير مقصود. فإذا تكررت الأوهام والأكاذيب فسوف تتراجع الثقة في الأشخاص ، ولعلك ستجد ان الكاذب هو الشخص الذي لم يحدثك. ومن الواضح ان الثقة توجد أو تنعدم في الاخبار أولاً ثم في الرواة ثانياً. وهذا في القضايا الحاضرة التي لا مجال للرأي فيها مثل صلاتك في ذلك المسجد ، فإذا كانت تتعلق بقضايا تاريخية تضاربت فيها الآراء والمصالح والأهواء فالأمر أعسر من ذلك وغاية المؤرخ أن يبحث عن أحسن الروايات وأجدرها بالقبول بصرف النظر عن أشخاص الرواة ، وإذا أمكن معرفة مصدر ضعف الخبر فحسن ولكنه ليس ضرورياً لا بد منه.
أما المالكي ـ تبعا للعسكري من قبله ـ فالأمر لديه على العكس فقد نظر في اخبار القعقاع فلم يجد أكاذيب تجزم العقول والفطر السليمة بانها باطلة ، وانما هي أخبار في حدود المعتاد والمعقول ، ثم نظر في الأسانيد فرأى انها وردت عن طريق سيف بن عمر ، فقرر أربعة أمور :
أن انفراده بها يكفي للجزم بأن أخبار القعقاع أكاذيب.
أن انفراده بها يكفي للجزم بأن القعقاع نفسه أسطورة ..
أن انفراده بأي شيء آخر يكفي للجزم بأنه اسطورة.
أنه لا غيره مؤلف هذه الأكاذيب والأساطير.
وجميع كلامه لاحق لهذه الأمور الأربعة ومرتب عليها ، وقد مضت الاشارة إلى انه لم يبحث شيئاً منها ويثبته بالدليل الكافي. فقد رد الأخبار لمجرد انها من رواية فلان ، ثم حكم على فلان نفسه بأنه كذاب لأنه روى تلك الأخبار بينما كان الواجب عليه أن يثبت أولاً ان الأخبار أكاذيب وأن الأسماء
اساطير ، ثم إذا شاء يتخذ ذلك دليلا على انعدام الثقة بالرواية.
هل القعقاع كمدينة الحشرة تماماً
(٢٤) وتتضح المغالطة والقفز إلى الأحكام المقررة من المدن الأربع التي ابتدأ الكلام بها. فالمقالات منشورة تحت عنوان ( القعقاع حقيقة أم اسطورة ! ) وهذا سؤال يلخص الموضوع. ولكنه يبدأ الكلام بمدينة الحشرة التي هي مثل القعقاع تماماً ، وهذه مغالطة واضحة وقياس شيء على شيء مع الفارق العظيم ، لأنه صرح مقدماً بأن المدينة اسطورة ، والقرّاء يعلمون من الواقع انها اسطورة ، بمعنى ان عنصر « الأسطورة » فيها مقرر مفروغ منه ، فكيف تكون مثالاً للقعقاع الذي يدور التساؤل أهو حقيقة أم اسطورة لقد كان الواجب عليه ان يستشهد بمثال واقعي من التاريخ أو الجغرافيا ، فيذكر مثلا أربع مدن كبرى زعم أحد الجغرافيين ـ عن سوء نية ورغبة في التزييف من باب التعصب الاقليمي مثلاً ـ انها موجودة ، فتواتر العلماء المحققون جيلاً بعد جيل على التصديق بها ، وذكروا حدودها ومواقعها وأسماء امرائها وعدد سكانها وأشهر معالمها ورجالها ، ثم ثبت بالدليل القاطع أنها من نسج الخيال ، فهذا هو المثال الذي يشبه حالة القعقاع.
التقول على القدماء
(٢٥) تقتضي الأمانة والموضوعية من الباحث ألاّ يدعي أن الآخرين ، وبخاصة العلماء القدامى ، يوافقونه على آرائه أو أنهم سبقوا اليها ، إلا ببرهان صحيح. وإذا كان الرأي اجتهاداً منه فيجب التعبير عن ذلك بوضوح ، لتتضح
الحدود والفواصل ولا يختلط الحابل بالنابل ، وليكون له الغُنم وعليه الغُرم.
فمما يدل على ضعف حجة المالكي واندفاعه للبحث عن الشبهات والأدلة انه يدعي ، بالتلميح القريب من التصريح ، أن القدماء سبقوه إلى اتهام سيف باختلاق الأشخاص والوقائع ، فيقول مثلا ( تلك الشخصيات والمعارك والأشعار والبلدان التي انفرد بها سيف لم يعرفها احد غيره ، لا في عصره ولا عرفها من سبقه. ولذلك لم يعول احد على كتابه الا بعد موته بنحو مائة سنة ) ومعنى كلمة « ولذلك » ترتيب آخر الكلام على أوله ، فأهل تلك المائة سنة ـ في زعمه ـ أعرضوا عن كتاب سيف لهذا السبب ، أي أنهم أدركوا أنها مخترعات فتركوها « لذلك ». وهذه الدعوى لا دليل عليها ، وليس بين يديه نص يدل على ان القدماء اعرضوا عنه بسبب تهمة الاختراع ، ولا انهم كانوا يتهمونه بهذه التهمة ، فكيف يقول « لذلك » والقارئ غير المتخصص يدرك كثرة الأسباب الممكنة ، فلا بد من دليل مقنع على تخصيص ذلك السبب بعينه. فهذا من إرسال الكلام على عواهنه.
ثم قال مؤكدا ومكرراً نفس الدعوى بعبارة أقوى ( أنا هنا أقرر ما اجمع المؤرخون قبل سيف على اهماله وعدم ذكره ، مما يعد إجماعاً على أن الأمر مختلق من سيف ) فلم يقف عند دعوى الاجماع على اهمال القعقاع ، بل زعم انهم أجمعوا على انه اسطورة ، وانه فقط « يقرر » ما قالوه وأجمعوا عليه وهذا فهم غريب لمعنى الاجماع ، وتقول على العلماء بغير برهان. ومن الغريب في باب الاستدلال المنطقي أن يكون المؤرخون الذين عاشوا قبل عصر سيف قد اجمعوا على ان الأسماء والوقائع التي سيرويها عندما يولد في المستقبل هي أمور مختلقة منه. ويكرر نفس المعنى مرة ثالثة فيقول ( ومترجمو الصحابة المتقدمين لم يذكروا
القعقاع ، لا في الصحابة ولا في التابعين ، مما يعني انه عندهم مختلق ).
وإعاد نفس الدعوى تلميحاً في قوله عن ابن أبي حاتم ( فقد نفى ابن أبي حاتم صحبته ورد على سيف زعمه بأن القعقاع شهد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم !! ) كأن هذا الكلام يفيد في اتهامه باختلاق القعقاع وأعادها مرة خامسة في قوله الذي مضت الإشارة اليه عن الحافظ بن حجر ، وحاصله انه سبق إلى مبدأ التشكيك في صحبة كثير من الصحابة ، وانه لو عاش في عصرنا لوقف ضده نفس الخصوم يتهمونه بالطعن في السابقين والوقوف مع المستشرقين والمبتدعة فهذه خمسة مواضع في المقالة الأولى وحدها تتضمن الادعاء شبه الصريح بأن القدماء كانوا يتفقون معه على هذه الأمور ، وسمى هذه الدعوى « أكثرية القرون الفاضلة ». والرغبة ههنا واضحة في توفير الغطاء المناسب لهذه الآراء ونحن لانتهم المالكي ـ ولا العسكرى من قبله ـ بضعف الاطلاع ، ولا شك أنهما قد بذلا غاية الجهد لإثبات التهمة. فلما رأى المالكي انه قد رجع بخفي حنين لم يجد أمامه إلا هذه العبارات الغامضة التي قد لا يدرك حقيقتها كثير من القرّاء ولو عثر على دليل لوجدناه يكرره بضع مرات في كل مقالة ، ولو عثر عليه لشددنا على يديه وشكرناه على إيقاظنا من الغفلة التي كنا فيها.
ولقد قال مراراً عن اساتذه التاريخ في جامعاتنا انهم يضحكون على أنفسهم وعلى زملائهم وعلى الناس ، فماذا يكون قوله عن القدماء ( مما يعني أنه عندهم مختلق ) إذا لم يكن تلاعباً بالألفاظ واستغفالاً للقرّاء والغريب ان العسكري كان أصدق منه إذ قال : ( وإذا بي أهتدي إلى حقيقة كان التاريخ قد نسيها فانطوت في اثنائه وضاعت في تياراته ) ، فلم يزعم انها كانت موضع اجماع القدماء ، ربما لانه ليس بحاجة إلى هذا الإجماع.
أما التاريخ الصحيح فيدل على أنه لا أحد من القدماء فيما أعلم ـ لا من السنة ولا من الشيعة ـ قد اتهمه بهذه التهمة المحددة ، وأن قبولهم رواياته في التاريخ تدل على ان ضعفه لم يبلغ الغاية التي يجعلها الباحثان حقيقة مقررة ، وان ذكر اللاحقين منهم للقعقاع وغيره تدل على اطمئنانهم إجمالا إلى رواياته. إن كلام المالكي يدل بوضوح ـ كما قلت أعلاه ـ على أنهم قد وقفوا عند أسماء الصحابة واحداً فواحداً ، ومنهم القعقاع. فهل يعقل عاقل أن ابن أبي حاتم مثلاً ينفي صحبته فقط إذا كان يعتقد انه اسطورة مختلقة أفلا قال عنه شخص خيالي لا وجود له وفي الكلام على سيف يختلق أسماء العشرات من الصحابة والتابعين والمعارك والبلدان ؟
فلو قال قائل : إن جميع العلماء ، على اختلاف مذاهبهم ، منذ عصر الصحابة إلى سنة ١٣٦٩ قد أجمعوا على عدم ادعاء ان القعقاع اسطورة ، فكيف يجيب المالكي على هذا الاعتراض هل يقول كما قال : سكوت بعضهم يدل على انه اسطورة.
أما تفريقه بين المتقدمين والمتاخرين فغير واضح المعالم ، والذي فهمته انه يقسم أهل القرن الثالث إلى قسمين :
فالذين عاشوا في آخره من امثال الطبري وابن أبي حاتم ـ إلى عصرنا ـ متاخرون مخدعون. فإن كان هذا هو المقصود فيجب التصريح به واقامة الدليل على وجود هذا التغير السريع وبيان أسبابه.
على ان الأمور ليست بهذه البساطة ، فالذي يفصل بينه وبين الطبري ورجال طبقته جيلان فقط ، فهما قريبان من عصر سيف ، ولا يخفى عليهما رأي
جيل المشايخ والجيل الذي قبله فيه ، والجميع إنما يعتمدون في الجرح والتعديل على رأي المعاصرين للشخص المقصود. ولا يعقل ان يتحول سيف في نحو خمسين عاما من قصاص وضاع إلى مصدر تاريخي مهم ، ولا أن يتحول الصحابة من أساطير إلى حقائق بهذه السهولة. ولو افترضنا ان المتقدمين قد أجمعوا على اتهام سيف بتزييف التاريخ ـ كما يدعي المالكي من غير دليل ـ فلا يعقل ان ياتي تلاميذهم بعكس ذلك من غير ايضاح ولا بيان.
(٢٦) وههنا مغالطة أشار اليها الدكتور عبد الرحمن الفريح وتدعو الحاجة للتأكيد عليها فان الطبري رحمه الله لم يذهب الى سوق الوارقين بحثاً عن كتاب مهملاً لقصاص تافه متروك يدعى سيف بن عمر ، وانما حصل كتابه أو كتبه من المشايخ بالطرق المعروفة في تحصيل العلم ، ونقل منه في تاريخه بالإسناد هكذا ( كتب الي السري عن شعيب عن سيف ).
وقد أوضح الاستاذ المالكي مشكوراً أسماء ثلاثة من الرواة عن سيف ، وان أحدهم ثقة والآخرين ـ شعيب بن ابراهيم ونصر بن مزاحم ـ ضعيفان ( كتاب الرياض ، ٦٢ ) ، وبالطبع لا يمكن ان يكون الرواة عنه ثلاثة فقط سواء أعرفناهم أم جهلناهم. فاذا كان العلماء في القرن الثاني والثالث يتناقلون رواياته بالاسناد المتصل ـ وما في ذلك من معنى التلمذه عليه ـ فكيف يندفع الاستاذ المالكي قائلاً :
( لم تكن لروايات سيف عند معاصريه أية منزلة ، لدرجة انهم لا يلتفتون اليها مضعفين ولا مصححين ، ولم يكونوا يعدونه في المؤرخين ولا الأدباء وانما كان أشبه ما يكون بالقصاص ) فهل كاتب المقالة هو كاتب الكتاب ؟
ومعلوم ان نصر بن مزاحم من مؤرخي الشيعة البارزين ، وكتابه في وقعة صفين متداول بأيدي الناس ، ومع ذلك ياخذ عن سيف ويأخذ عن الناس روايات سيف ، فهل لم يدرك انه ناصبي كذاب على آل البيت ، وانه يخترع الأساطير والأسانيد والأسماء والوقائع والبلدان لنصرة بني أمية كما قال أخونا المالكي : أيهما نصدق أولئك المعاصرين ومن بعدهم ، الذين أخذوا برواياته في التاريخ ، أم الوسواس الذي خطر.
شهرة القعقاع
(٢٧) لا ينبغي أن ننسى أن جميع كتب التاريخ الأولى قد ضاعت إلا أقل القليل ، ومن يقرأ أسماءها في فهرست ابن النديم يدرك ذلك فليس من الممكن أن نجزم بأن اسم القعقاع لم يوجد إلا في كتاب سيف.
ومع ذلك ليس من الصعب تفسير هذا الأمر فلقد كانت تلك الكتب ذات نطاق محدود بأخبار رجل أو قبيلة أو ناحية ، وكان الرواة في عصر بني أمية يروون عن قومهم ورجال قبائلهم ما شهدوه من أحداث وما يدور في مجتمعهم من حكايات ، إلى جانب الرغبة المعتادة عند البعض في ابراز أمجاد القبيلة أو الاقليم. فدخلت هذه الروايات في الكتب الأولى من غير استيعاب بقية الأقوال ، وصار يوجد في الكتاب الواحد الأسماء والأخبار والأشعار التي تقل أو تنعدم في الكتب الأخرى. ثم ظهرت التواريخ الشاملة في القرن الثالث ، وهي تقوم في الغالب على اختيار رواية واحدة أو بضع روايات جديرة بالقبول وترك ما عداها.
ولقد غفل الاستاذ عن مسألة كان ينبغي أن لا تخفى عليه ، وليس من
الصعب أن يتصورها القارئ الكريم. فلقد تطاحنت الأحزاب منذ الفتنة الأولى إلى سقوط الدولة الأموية ، لا يكاد المسلمون يخرجون من فتنة إلا ويدخلون في فتنة أعظم منها ، ومن لم يصدق فليقرأ تاريخ الطبري وليتحسر على تعطل الفتوح وضياع الفرصة التاريخية بسبب الانكفاء على الذات والصراعات القبلية والإقليمية. فالذي تقتضيه الأحوال والطبيعة البشرية ان يمتد الصراع إلى ساحة الفكر ولا يقف عند ساحة القتال ، وأن تتضارب الروايات وتكثر الحكايات والشائعات عن الواقعة الواحدة ، ويختلط الحابل بالنابل والصدق بالكذب ، في أثناء تلك الفتن وبعد خمودها. فما حاجة سيف مثلا ، كائنة ما كانت دوافعه وأهواؤه ، إلى اختلاق الحكايات والحوادث ، مع انه يكفيه أن يدلي بدلوه في أحد الآبار الكثيرة ليجد ما يريد وما حاجته إلى اختراع الرواة إذا كان يكفيه أن يصغي باذنيه إلى جيرانه ؟
والتاريخ الحاضر خير شاهد على صحة هذا التفسير الذي تقبله النفوس والعقول ، فلا يكاد يخلو كتاب من التحيز الشخصي والأسري والحزبي والقبلي والفكري والبلداني ، المقصود وغير المقصود.
وهذا الأمر اكثر وضوحاً في المصادر الأولية ـ مثل مذكرات السياسيين وأقاربهم وما يكتبه بعض المبتدئين عن تاريخ الأسرة أو الاقليم أو القبيلة ـ منه في كتب التاريخ المحررة. ومع ذلك فهو موجود في هذه أيضاً ، وإذا شئت فاقراً كتابا لمؤرخ بريطاني عن الحرب العالمية الثانية ، ثم انظر ما يقوله نظيره الأمريكي والفرنسي والروسي ، أو اقرأ ما كتب عن هزيمة حزيران أو حرب رمضان او حرب الخليج ، فسوف تجد التحيز القومي والبلداني والعقائدي واضحاً جداً.
ولو محصنا كتب التاريخ لما خلا كتاب منها من شيء ينفرد به ، وإذا كان فيها مبالغات أو أخبار ضعيفة أو باطلة أو رجال لا يوثق بروايتهم فلا بأس بالرد عليه وبيان حاله بالأسلوب العلمي الملائم ، من غير حاجة للتهويل والمبالغة وتصوير التاريخ الاسلامي بهذه الصورة البائسة.
ليس هناك ما يمنع من النظر في الحوادث المنسوبة إلى القعقاع وغيره ، فقد تكون المبالغة قد تسربت اليها ، وإذا كان بعضها أو أكثرها باطلا فليكن.
ولكن ذلك لا يعني الشك في أصل وجود الرجال ، كما ان المبالغات والأكاذيب في سيرة عنترة لا تعني الشك في أصل وجوده. ولا يصح أبدا الخلط بين الأمرين.
فإن أراد المالكي أو غيره بحث آحاد الأخبار بالأسلوب العلمي ، واثبات ان القعقاع لم يكن من الصحابة ولم يحضر موقعة كذا ولم يكن أميرا على قرية كذا ولم يتزوج فلانة ـ فالميدان يا حميدان ! ولا ضير من ذلك على الاطلاق ، وهو ما يفعله اصحاب التاريخ قديماً وحديثاً.
(٢٨) سيقول ما قاله فعلا وهو ان القعقاع لم يكن شخصاً عادياً بحيث يجوز ان ينفرد بذكره مؤرخ واحد ، وإنما هو رجل جعله سيف مشهوراً جداً بحيث يستحيل اغفال الآخرين له. لقد ضرب للقعقاع مثالا فقال ( لو وجد أحدنا كتاباً عن المملكة ذكر فيه مؤلفه ان أكبر ثلاث مدن بالمملكة هي الرياض وجدة والحشرة فالقعقاع مثل مدينة الحشرة تماماً ). فيجب على ذلك أن يكون سيف جعله ثالث الصحابة في الشهرة ، وإذا تجاوزنا عن المبالغة قلنا انه كان من مشاهير الصحابة. ودرجة شهرة القعقاع مهمة جدا لديه ، لأنه بدونها لا ينفع ولا يفي بالغرض. وقد أوضح هذا المعنى بقوله ( بعض المؤرخين
والجغرافيين قد ينفرد بذكر قرية أو هجرة من الهجر ، لكن لا يمكن ان توجد مدينة اسمها الحشرة مثل مدينة الرياض لا يشيرون اليها عندما يؤلفون عن مدن المملكة. فاحفظوا هذا المثال جيدا فبه يزول الاشكال ).
ومقالاته حافلة بالمبالغة في تصوير القعقاع بهذه الصورة ، وقد ـ حكم على نفسه بانه لا يوجد اشكال ولا اختلاق الا إذا كان الأمر كذلك ، مع انه قد هتك هذه القاعدة حين زعم انه اخترع عشرات الأشخاص والبلدان والمعارك ، ومعلوم بالضرورة انها ليست مشهورة كلها فلننظر في انها ليست مشهورة كلها. فلننظر في شهرة القعقاع وحقيقة علاقتها بدعوى الاختلاق ، وسوف ينتهي القارئ الكريم ان شاء الله إلى مزيد من القناعة ببطلان كلامه من اساسه.
فلقد قصر عن تحرير المقصود ، وترك القارئ يتصور أن سيفاً مسؤول عن شهرة القعقاع عبر العصور. أما من حيث الواقع فليس للمسألة أية علاقة بشهرته بعد وفاة سيف ، لأن شهرة الإنسان الواحد ترتفع وتنخفض عبر الزمان والمكان لأسباب كثيرة لا سيطرة للأموات عليها.
واعتقد أنها في عصرنا أعظم مما كانت عليه في جميع العصور بسبب الكتب المدرسية والطباعة ووسائل الإعلام وتسمية المدارس والشوارع والمحلات التجارية ودور النشر وغيرها بأسماء الصحابة. وفرق عظيم جداً بين وجود اسمه في بطون الكتب وبين رسوخه في أذهان جمهور الناس من العامة والخاصة ابتداء من سن الطفولة.
وكذلك لا علاقة للمسألة من قريب ولا بعيد بصورة القعقاع في كتاب سيف ! فلو سلمنا بأن اخباره فيها مبالغة شديدة ، فلا يلزم من ذلك أنه لا وجود
له. وما ذنب القعقاع ـ وعنترة وجحا والزير سالم وغيرهم ـ إذا كان الرواة قد زادوا في أخبارهم وبالغوا فيهم والواقع ان سيف لم يقل إن القعقاع كان مشهوراً جداً ولا إنه كان من أبرز رجال عصره ، ولا ( أوصله إلى مستوى من الشهرة والبطولة والحكمة والفقه ) ، ولا قال ( البطل المشهور الفصيح الذي تولى امارتين في الصدر الأول !! ) إلى آخر التهاويل ، وإنما ساق أخباراً فقط من نوع فعل كذا وقال كذا ، وليس من الانصاف أن يحاسبه المالكي ـ وهو خصم متحامل ـ على صورة يرسمها هو.
وهذه الصورة لا تخلو من التهويل ، فما وجه الغرابة مثلاً في شجاعته وفصاحته وتأميره على قريتين في العراق وجهل المؤرخين بذلك وباسماء زوجاته وكثير من أخباره ؟
فلم يبق إذن إلاّ شهرة القعقاع في القرن الأول وبعض الثاني ، وأظن أن هذا هو مقصود المالكي. ولست أرى ههنا إلاّ ثلاثة احتمالات :
(١) فإما ان يكون في واقع الأمر من أشهر المشاهير أنذاك.
(٢) وأما أن يكون رجلاً محدود الشهرة.
(٣) وأما ان يكون انسانا لا وجود له فإن كان الاحتمال الأول فلا إشكال وينبغي محاسبة غير سيف من المؤرخين.
وان كان الاحتمال الثاني فلا إشكال لأنه حقيقة لا اسطورة.
وان كان الاحتمال الثالث ـ وهو الاحتمال الصحيح في ذهنه ـ فليست المبالغات في كتاب سيف هي الدليل على انه اسطورة ، لأنه كما قلنا إنما يتهمه باختلاق القعقاع لا بالمبالغة فيه.
فلننصرف إلى تامل مغزى شهرته في كتب جمهور المؤرخين :
لقد سرد المالكي أسماء ستين مؤرخا ـ من أبان بن عثمان إلى الخطيب البغدادي ٤٦٣ ـ وأشار إلى ( بقية علماء الحديث وعلماء الجرح والتعديل والأدباء واللغويين والنسابين وغيرهم ) وسأل ( أين هؤلاء عن هذا البطل المشهور الفصيح الذي تولى إمارتين في الصدر الأول !! ).
فاقول ما خطر لي في ذلك ولا ألزم به أحداً فإذا كانت الحال كذلك فهي أقرب إلى الدلالة على الاحتمال الثاني المشار اليه ، وهو ان شهرته في الصدر الأول لم تكن كبيرة ، فلذلك لم يتواتر المؤرخون على ذكره ، ولا يمتنع أن تكون روايات سيف قد اعترتها المبالغة للأسباب المشار اليها أو غيرها. والظاهر أن ولايته على قرية بعد قرية في العراق أقرب إلى الدلالة على انه لم يكن من أهل الشهرة الشامخة وإنما رجلاً من أشراف الناس. ولا إشكال في انفراد سيف بذكر رجل هذه حاله.
خاتمة :
(٢٩) وانني في الختام لأدعو أخانا حسن بن فرحان المالكي للتخفيف من هذه الآثار العلمية الفكرية ، وتشكيك الناس في تراثهم وتاريخهم ، وترك اجتلاب أفكار الآخرين وتلميعها ، وتصوير تاريخ الأمة ـ وبخاصة عصر صدر الاسلام ـ بهذه الصورة القاتمة. وفقه الله وايانا إلى كل خير ، والحمد لله ربّ العالمين.
د. سليمان العودة
يرد على المشككين في شخصية ابن سبأ
ينبغي أن لا نتسرع في اطلاق الاحكام على تراثنا
قبل استيعابه (١ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ٥ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
أثيرت مؤخراً قضية تاريخية هامة تدور حول شخصية عبد الله ابن سبأ التي تنسب السبئية إليه ، ظهر خلالها طروحات وكتابات خلصت إلى نتيجة مفادها ان عبد الله بن سبأ شخصية وهمية لم يكن لها وجود ، وحتى نقف على حقيقة الأمر واستطلاع دقائقه أجرت « المسلمون » حواراً مع الدكتور سليمان بن حمد العودة استاذ التاريخ في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم وتنشر هنا الجزء الأول من الحوار :
اجرى الحوار : خالد الحسين ـ القصيم
حقيقة ابن السوداء
لقد سبق لكم أن قمتم بدراسة لعبد الله بن سبأ والسبئية ، وكان ذلك موضوع رسالتكم للماجستير ، وكانت تحت عنوان « عبدالله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام » في عام ١٤٠٢ ه ، وقد قمتم برصد العديد من النصوص التي تكلمت عن هذا الموضوع بشكل جيد. فهلا حدثتمونا عن سبب العودة إلى الموضوع مرة أخرى من خلال ورقة البحث التي تقدمتم بها لنيل الترقية العلمية ، والذي كان بعنوان « ابن سبأ والسبئية » من غير طريق سيف بن عمر ؟ |
الذي حدا بي إلى العودة إلى الموضوع ثلاثة أمور الأول : ما توفر لي من نصوص لم تتوفر لي في الماضي ، وأعتبرها إضافة جديدة في الموضوع ، فقد تمكنت خلال هذه الفترة من الاطلاع على بحوث لم تتيسر لي من قبل ، والثاني : انه بدأت تطل علينا كتابات معاصرة تنكر وجود ابن سبأ أصلاً فضلاً عن إنكارها لدوره في الفتنة ، وكتابة د. عبد العزيز الهلابي نموذج لها ، وجاء حسن المالكي بعد موافقاً له ومثنياً على دراسته في كتابه « نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي »
وهذه الكتابات وإن كانت امتدادا لكتابات قبلها وتكرارا لآراء السابقين قبلهم إلا أن الإبانة عنها وبيان أصولها في الإنكار وتدعيم البحث بنصوص جيدة مما تدعو إليه الحاجة ويحتاج إلى معرفته الباحثون ، والأمر الثالث : إنني في بحثي السابق نقلت طرفا من روايات ساقها ابن عساكر تثبت وجود ابن سبأ وسندها لا ينتهي إلى سيف بن عمر ولم ترد في تاريخ الطبري ، ورأيت من المناسب أن أسوق البقية الباقية منها وابرازها مسندة محققة وأفصل القول فيما سبق أن نقلته منها ، وذلك لأنها أساسية في الرد على المنكرين لابن سبأ ، حيث إن عماد إنكارهم أن جميع الروايات المثبتة لابن سبأ تنتهي إلى سيف وهو المتهم في كتب الجرح والتعديل ونشر هذه المرويات ودراسة أسانيدها يجلي الحقيقة ويكشف الغموض واللبس.
تضافر الروايات
جل من أنكر أو شكك في وجود ابن سبأ اعتمد في انكاره أو تشكيكه على أن أخبار ابن سبأ وردت عن طريق سيف بن عمر التميمي وهو رواية مجروح كما قلتم إذن فما هي الروايات التي تضافرت على ذكر ابن سبأ ولم ينتهي سندها إلى سيف ؟ |
لقد أورد ابن عساكر عدداً من الروايات لا ينتهي سندها إلى سيف ، وكلها تتضافر على ذكر ابن سبأ ، والروايات كما ساقها ابن عساكر مسندة كالتالي :
١ ـ أخبرنا أبو البركات الأنماطي ، أنا أبو طاهر أحمد بن الحسن وأبو
الفضل أحمد بن الحسن ، قالا : أنا عبد الملك بن محمد بن عبد الله أنا أبو علي بن الصواف ، أنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، أنا محمد ابن العلاء ، أنا أبو بكر بن عياش ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : أول من كذب عبد الله بن سبأ ..
٢ ـ قرأنا على أبي عبد الله يحيى بن الحسن ، عن أبي الحسين بن الأبنوسي ، أنا أحمد بن عبيد بن الفضل ، وعن أبي نعيم محمد بن عبد الواحد بن عبد العزيز ، أنا علي بن محمد بن خزفة قالا : أنا محمد بن الحسين ، نا ابن أبي خيثمة ، نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، عن عمار الدهني قال : سمعت أبا الطفيل يقول :
رأيت المسيب بن نجبة أتى به طببه يعني ابن السوداء وعلي على المنبر فقال علي : ما شأنه ؟ فقال : يكذب على الله وعلى رسوله.
٣ ـ أخبرنا أبوالقاسم يحيى بن بطريق بن بشرى وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة قالا : أنا أبوالحسين بن مكي ، أنا أبوالقاسم المؤمل بن أحمد بن محمد الشيباني نا يحيى بن محمد بن صاعد ، نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة ، عن سلمة ، عن زيد بن وهب ـ عن علي قال : مالي وما لهذا الحميت الأسود ؟
قال : ونا يحيى بن محمد ، نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة عن سلمة قال : سمعت أبا الزعراء يحدث عن علي عليه السلام قال : ما لي وما لهذا الحميت الأسود ؟
٤ ـ أنبأنا أبو عبدالله محمد بن أحمد بن إبراهيم بن الخطاب ، أنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الفارسي ، وأخبرنا أبو محمد عبد الرحمن ابن أبي الحسين بن إبراهيم الداراني ، أنا سهل بن بشر ، أنا أبو الحسن علي بن منير بن أحمد بن منير الخلال قالا : أن القاضي أبو الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله
الذهلي ، نا أبو أحمد ابن عبدوس نا محمد بن عباد ، نا سفيان ، نا عبد الجبار بن العباس الهمداني ، عن سلمة عن كهيل عن حجية بن عدي الكندي قال :
رأيت عليا كرم الله وجهه وهو على المنبر وهو يقول : من يعذرني من هذا الحميت الأسود الذي يكذب على الله وعلى رسوله ـ يعني ابن السوداء ـ لولا أن لا يزال يخرج عَلَيّ عصابة تنعى عَلَيّ دمه كما ادعيت عَلَيّ دماء أهل النهر لجعلت منهم ركاماً.
٥ ـ أخبرنا أبو المظفر بن القشيري ، أنا أبو سعد الجنزروذي ، أنا أبو عمرو ابن حمدان ، وأخبرنا أبو سهل محمد بن إبراهيم بن سعدويه ، أنا إبراهيم بن منصور سبط بحرويه ، أنا أبو بكر بن المقري ، قالا : أنا أبو يعلى الموصلي ، نا أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني ، نا محمد بن الحسن الأسدي ، نا هارون بن صالح الهمداني ، عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي الجلاس ، قال : سمعت عليا يقول لعبد الله السبئي : ويلك والله ما أفضى إليّ بشيء كتمه أحدا من الناس ، ولقد سمعته يقول : إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا وانك لأحدهم.
قالا : وأنا أبو يعلى ، نا أبو بكر بن ابي شيبة ، نا محمد بن الحسن ، زاد ابن المقري الأسدي باسناده مثله.
حقيقة ابن سبأ
هل نفهم من هذا أن جميع هذه الروايات ليس في أحد من إسنادها ذكر لسيف بن عمر وبالتالي يسقط ادعاء التشكيك أو الأنكار في شخصية عبد الله بن سبأ وما صحة أسانيد هذه المرويات ؟ |
نعم فجميع هذه الروايات تنتصب دليلاً على أن أخبار ابن سبأ ظفرت بنصيب من الذيوع والإنتشار بحيث لم تكن قصراً على سيف وحده ويتأكد لنا من خلالها أن ابن سبأ يعد حقيقة وليس أسطورة أو من رسم الخيال كما يظن بعض الذين خاضوا في هذا المجال.
أما أسانيد هذه المرويات فهي تتفاوت في الضعف أو القوة حسب رواتها ولعلي هنا أسرد لكم بياناً بهذا :
يبدو ضعف الرواية الأولى لوجود محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، فقد ذكره الذهبي في الميزان ونقل أقوال من ضعفه من العلماء ، وأشار إلى طائفة وثقته واكتفى هو بالقول : كان بصيراً بالحديث والرجال ، له تواليف مفيدة.
وقبله أفاض الخطيب في ترجمته جمع اقوال من اتهموه بالكذب ، وان كان الخطيب قد قال عنه : « كان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم ، وله تاريخ كبير ».
ولوجود مجالد ـ وهو ابن سعيد ـ جاء ذكره في الميزان ، ونقل الذهبي قول ابن معين فيه : « لا يحتج به » وقول أحمد : « يرفع كثيراً مما لا يرفعه الناس ، ليس بشيء » ، كما نقل تضعيف الدارقطني ، ويحيى ابن سعيد له ، وقال هو عنه : « مشهور صاحب حديث على لين فيه ».
أما الرواية الثانية فتظهر علائم الصحة على اسنادها ، فأبو عبدالله يحيى بن الحسن هو البناء الحنبلي البغدادي شيخ ابن عساكر ، وصفة الذهبي بالشيخ الامام ، الصادق ، العابد ، الخير المتبع الفقيه ، بقية المشايخ ، ثم نقل عن السمعاني قوله : سمعت الحافظ عبد الله الأندلسي يثني عليه ويمدحه ويطريه ويصفه بالعلم والتميز والفضل وحسن الأخلاق وترك الفضول وعمارة المسجد
وملازمته ما رايت مثله في حنابلة بغداد ، ثم أعقب ذلك السمعاني بقوله : وكذا كل من سمعه كان يثني عليه ويمدحه ، توفي سنة احدى وثلاثين وخمس مائة.
ـ أبو الحسين الأبنوسي هو محمد بن أحمد البغدادي ، قال الخطيب البغدادي : كتب عنه وكان سماعه صحيحا ، ووثقة الذهبي ، وفاته سنة سبع وخمسين وأربع مائة.
ـ وأحمد بن عبيد بن الفضل هو ابن بيري الواسطي ، قال عنه خميس الحوزي : كان ثقة ، صدوقاً ، وقال الذهبي : المحدث المعمر الصدوق شيخ واسط ، وفي أنساب السمعاني : ثقة صدوق من أهل واسط. وكانت وفاته قبل الأربعمائة في حدود سنة تسعين وثلاثمائة.
ـ وأبو نعيم هو ابن خصية محمد بن عبدالواحد بن عبد العزيز كان عدلاً مستقيماً ، كما في سؤالات الحافظ السلفي لخميس الحوزي عن جماعة من أهل واسط.
ـ وابن خزفة هو أبو الحسن علي بن محمد بن حسن بن خزفة الصيدلاني ، كان مكثراً صدوقاً ، كما في سؤالات السلفي ، وهو مسند واسط كما قال الذهبي ، وراوي التاريخ الكبير لأحمد بن أبي خيثمة عن محمد بن الحسين الزعفراني عنه.
ـ ومحمد بن الحسين هو أبو عبد الله الزعفراني الواسطي ، وقد وثقه الخطيب البغدادي ، وقال : كان عنده عن أبي خيثمة كتاب التاريخ.
ـ وابن أبي خيثمة هو أبوبكر أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب بن شداد نسائي الأصل ، كان ثقة عالما متقنا حافظا بصيرا بأيام الناس ، كذا قال عنه الخطيب ، وذكره الدارقطني فقال : ثقة مأمون ، وأثنى الخطيب على كتابه في
التاريخ فقال : وله كتاب التاريخ الذي أحسن تصنيفه وأكثر فائدته ، وقال أيضاً : ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن خيثمة.
قلت : ومن المحتمل أن يكون هذا الخبر المروي من هذا الكتاب النفيس.
ـ ومحمد بن عباد هو ابن الزبرقان أبو عبدالله المكي ، سكن بغداد وحدث بها ، وقد روى عنه البخاري ومسلم في الصحيحين. وبهذا يكون قد جاوز القنطرة كما يقال.
ـ وسفيان هو ابن عيينة الرواية المشهور ، قال ابن سعد : كان ثقة ثبتا كثير الحديث حجة ، وقال الشافعي : لو لا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز ، وقال ابن المديني : سفيان إمام في الحديث ، وقال العجلي : كوفي ثقة ثبت يعد من حكماء أصحاب الحديث.
ـ وعمار الدهني هو ابن معاوية ويقال ابن أبي معاوية ويقال ابن صالح ويقال ابن حبان ، أبو معاوية البجلي الكوفي ، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي.
ـ أما أبو الطفيل فهو عامر بن واثلة الليثي ، ولد عام واحد ، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ بن جبل وحذيفة وابن مسعود وابن عباس وغيرهم ، قال ابن عدي : له صحبة وقال مسلم : مات أبو الطفيل سنة مائة وهو آخر من مات من الصحابة ، قال ابن سعد ثقة في الحديث وكان متشيعا.
ـ والمسيب بن نجبة الكوفي ترجم له ابن حجر في الاصابة ضمن « من كان في عهد النبي صلي الله عليه وسلم ويمكنه أن يسمع منه ولم ينقل أنه سمع منه سواء كان رجلاً أو مراهقاً أو مميزاً » ثم قال ابن حجر : له ادراك ، وله رواية عن
حذيفة وعلي ، ونقل عن العسكري قوله : روى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً وليست له صحبة. وقال ابن سعد كان مع علي في مشاهده ، وقتل مع التوابين في عين الوردة عام خمسة وستين.
صحة الإسناد
ـ وكذا الرواية الثالثة تبدو صحيحة الاسناد ، فأبو القاسم يحيى بن بطريق الطرسوسي ثم الدمشقي شيخ ابن عساكر قال عنه : مستور حافظ للقرآن سمع أبا الحسين محمد بن مكي وأبا بكر الخطيب ، توفي في رمضان سنة أربع وثلاثين وخمس مائة ، وقال عنه الذهبي : المسند المقرئ.
ـ وأبو محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي الدمشقي الحداد من مشيخة ابن عساكر قال عنه : كان شيخاً ثقة مستوراً سهلاً ، قرأت عليه الكثير وتوفي في ذي القعدة سنة ست وعشرين وخمس مائة. وقال عنه الذهبي : الشيخ الثقة المسند ، وأشار إلى توثيقه ابن العماد الحنبلي.
ـ وأبو الحسين بن مكي هو محمد بن مكي ، بن عثمان الأزدي المصري ، مسند مصر كما يقول الذهبي ، روى عنه أبو بكر الخطيب ، وابن ماكولا ، والفقيه نصر المقدسي ، وهبة الله بن الاكفاني ، وعبد الكريم بن حمزة وأبو القاسم بن بطريق وغيرهم ، وقد وثقه الكتاني وغيره ، وتوفي سنة ٤٦١ ه.
ـ والمؤمل بن أحمد الشيباني ، بغدادي ، سكن مصر وحدث بها وبها مات سنة احدى وتسعين وثلاثمائة ، وقد وثقه الخطيب البغدادي.
ـ ويحيى بن محمد بن صاعد البغدادي ، أحد الثقات المشهورين قال الدارقطني : ثقة ثبت حافظ ، وقال الخطيب : كان ابن صاعد ذا محل من العلم وله
تصانيف في السنن والأحكام ، وعده الذهبي مع الحفاظ الثقات ، وقال عنه : له كلام متين في الرجال والعلل يدل على تبحره ، مات في ذي القعدة سنة ثمان عشرة وثلاثمائة.
ـ وبندار ـ بضم الباء وفتحها وسكون النون ـ هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي البصري ، أبو بكر ، ثقة حافظ روى عنه الجماعة ، وقال البخاري في صحيحه : كتب إلى بندار فذكر حديثاً مسنداً.
ـ قال ابن حجر : ولو لا شدة وثوقه ما حدث عنه بالمكاتبة مع انه في الطبقة الرابعة من شيوخه ، وقد روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة ، ومسلم أربعمائة وستين حديثا ، توفي سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
ومحمد بن جعفر هو الهذلي أبو عبد الله البصري المعروف بغندر ، ثقة صحيح الكتاب ، قال ابن المبارك : إذا اختلف الناس في حديث شعبة فكتاب غندر حكم بينهم ، وقال العجلي : بصري ثقة وكان من أثبت الناس في حديث شعبة ، مات في ذي العقدة سنة ثلاث وتسعين ومائة ، وقيل أربع وتسعين.
ـ شعبة هو ابن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم الصبري ، الثقة الحافظ المتقن ، قال الثوري : شعبة امير المؤمنين في الحديث ، وقال أحمد : كان شعبة أمة وحده في الرجال والحديث ، وقال ابن ادريس : ما جعلت بينك وبين الرجال مثل شعبة وسفيان ، وقال ابن سعد : كان ثقة مأموناً ثبتاً حجة صاحب حديث. توفي سنة ١٦٠ ه.
ـ وسلمة هو ابن كهيل بن حصين الحضرمي أبو يحيى الكوفي ، قال أحمد : سلمة متقن للحديث وقيس بن مسلم كذلك ما نبالي إذا أخذت عنهما حديثهما ، وقال ابن المبارك : كان ركناً من الأركان وشد قبضته ، وقال أبو زرعة : ثقة
مأمون زكي ، وقال العجلي : كوفي تابعي ثقة ثبت في الحديث ، وكان فيه تشيع قليل وهو من ثقات الكوفيين ، مات سنة ١٢١ ه.
ـ زيد بن وهب هو أبو سليمان الجهني الكوفي ، رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبض وهو في الطريق ، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب وابن مندة اسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر إليه فلم يدركه ، ثقة جليل ، مات بعد الثمانين ، وقيل سنة ست وتسعين ، وقد روى عن عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وحذيفة وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم. وثقه ابن معين ، وابن سعد وابن خراش ، والعجلي ، وعن الأعمش : إذا حدثك زيد بن وهب عن احد فكانك سمعته من الذي حدثك عنه.
ـ أما الرواية الواردة من طريق أبي الزعراء فهى بنفس سند ومتن الرواية التي قبلها ، عدا أبا الزعراء وهو خال سلمة بن كهيل ، واسمه عبدالله بن هاني الكندي وقيل الأزدي ، قال ابن الأثير : له صحبة عداده في أهل مصر. وله ذكر في الاستيعاب ، وذكره ابن سعد في طبقة من روى عن علي رضي الله عنه من اهل الكوفة فقال : روى عن علي وعبدالله بن مسعود وكان ثقة وله أحاديث ، وقال العجلي : ثقة من كبار التابعين ، كما ذكره ابن حبان في الثقات.
الحسن احد مراتب الصحيح
أما السند الرواية الخامسة فيظهر أنه لا يصل إلى درجة الصحة لكنه لا يقل عن رتبة الحسن ، والحسن ـ كما هو معلوم ـ أحد مراتب الصحيح.
فأبو محمد الدارني شيخ لابن عساكر ، وقد قال عنه : لم يكن الحديث صنعته ، وقد روى كثيراً من سنن النسائي الكبير عن الإسفراييني ، كانت وفاته
سنة ثمان وخمسين مائة.
ـ وسهل بن بشر هو الاسفراييني الشيخ الإمام المحدث المتقن الرحال ـ كما وصفه الذهبي ، وكان قد تتبع السنن الكبير للنسائي وحصله وسمعه بمصر ، قال عنه أبو بكر الحافظ كيس صدوق ، توفي سنة احدى وتسعين وأربع مائة.
ـ وأبو الحسن على بن منير الخلال ، شيخ صدوق ، لم ياخذ من الغرباء ، وكان ثقة فقيراً ، توفي سنة تسع وثلاثين وأربع مائة.
ـ والقاضي أبو الطاهر الذهلي ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد وقال : كان ثقة فاضلاً ذكياً متقناً لما حدّث به ، توفي سنة سبع وستين وثلاثمائة.
ـ وأبو أحمد بن عبدوس اسمه محمد بن عبدوس بن كامل السلمي ، وصفه الذهبي بالحافظ الثبت المامون ، ونقل عن أبي الحسين بن المنادى قوله : كان ابن عبدوس من المعدودين في الحفظ وحسن المعرفة بالحديث أكثر الناس عنه لثقته وضبطه ، وكان كالأخ لعبد الله بن أحمد بن حنبل ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
ـ ومحمد بن عباد ، وسفيان ـ وهو ابن عيينة ـ سبق الحديث عنها وتوثيقهما في الرواية الثانية ، وكذا سلمة بن كهيل سبق الحديث عن توثيقه في الرواية الثالثة ـ وكلهم من رجال التهذيب ـ وعبد الجبار الهمداني هو الشامي ، صدوق يتشبع.
وحجية بن عدي الكندي صدوق يخطئ كما في ( التقريب ١ / ١٥٥ ).
وأما الرواية السادسة ففي بعض رجال اسنادها مقال :
محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي هو الكوفي الملقب ب التل صدوق فيه لين كما في التقريب ، وفي الميزان نقل الذهبي تضعيف يحيى بن معين والفسوي له ،
وتعديل طائفة أخرى ، كأبي دأود وابن عدي الذي قال : حدث عن محمد الملقب بالتل الثقات ولم أر بحديثه بأساً.
ـ وهارون بن صالح الهمداني عن أبي هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني ، وعنه محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي ذكره ابن حبان في الثقات ، وفي الميزان : تفرد عنه محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي.
ـ وأبو الجلاس الكوفي غير منسوب ، عن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ان بين يدي الساعة ثلاثا » الحديث ، وعنه أبو هند الحارث بن عبد الرحمن الهمداني ـ كما جاء في التهذيب ـ وفي التقريب قال ابن حجر : أبو الجلاس الكوفي مجهول من الثالثة.
ـ ومع ذلك فالرواية بسندها ساقها أبو يعلى الموصلي في مسنده ، عن أبي كريب محمد بن العلاء عن محمد بن الحسن الأسدي ، عن هارون بن صالح ، عن الحارث ، عن أبي الجلاس.
ثم ساق أسناداً أُخر عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن محمد بن الحسن باسناد مثله.
ولعل هذا هو السند الآخر الذي أو ما إليه ابن عساكر في الرواية نفسها.
وهذا السند الآخر ـ عن ابن أبي شيبة ـ ذكره ـ قبل أبي يعلى ـ ابن أبي عاصم في كتابه السنة فقال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا محمد بن الحسن الأسدي حدثنا هارون بن صالح عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن أبي الجلاس قال : سمعت عليا يقول لعبد الله السبائي : ويلك ما أفضى إليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء كتمته أحداً من الناس ، ولقد سمعته يقول : « إن بين يدي الساعة ثلاثين كذاباً وإنك أحدهم ».
ومع ان الألباني ـ محقق كتاب السنة هذا ـ ضعف هذه الرواية لجهالة في أبي الجلاس وهارون بن صالح ، فقد ذكر أن ابا يعلى اخرجه من طريقين آخرين عن الأسدي به.
وفوق ذلك كله فقد نقل « الهيثمي » الرواية في مجمعه عن أبي الجلاس ثم قال : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.
أدعوهم لتحري الأمانة العلمية
بعد أن تحدثتم لنا عن الروايات التي جاءت متضافرة على ذكر ابن سبأ واكدت لنا وبجلاء حقيقة هذا الرجل وانه أسهم في إحداث العديد من الفتن المثيرة في صدر الإسلام هلا أشرتم إلى ما ابتدره د. عبدالعزيز الهلابي من اطروحات حول هذه القضية ، والتي كان لها أكبر السبب في ذيوعها وانتشارها بالشكل الذي جعل البعض يتصدى لها عبر الأطروحات المتعددة والتي جاء بعضها ـ وللأسف ـ دون مستوى التطلع حيث ركاكة الأسلوب وفجاجة المعاني ونأيها عن مبادئ الحوارات الرفيعة ؟ |
أول ما ابتدر الدكتور عبد العزيز الهلابي طرحه لهذه القضية عندما كتب في الحولية الثامنة ، الرسالة الخامسة من حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت بحثه الذي سماه : « عبد الله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة » وكان ذلك عام ١٩٨٦ / ١٩٨٧ م.
وقد بذل الدكتور في بحثه جهداً كبيراً فجمع كل ما استطاع جمعه من
روايات ـ وان كان لم يستوفها ـ وعلق واستنتج ، ودرس وقارن ، وأهم من ذلك كله أنه اقترب أو مارس في جوانب من بحثه منهج النقد العلمي الأصيل الذي يستخدم الاسناد ودرس أحوال الرواة ومن خلال هذا وذاك يستطيع الحكم على الرواية ـ وهو منهج يغيب مع أهميته عن كثير من الباحثين في التاريخ الاسلامي ـ وخاصة في الفترات الأولى من تاريخنا ، ولذا جاء اعتماد كثير من الدراستين على مرويات ساقطة لو كلفوا أنفسهم الرجوع إلى اسنادها ومعرفة أحوال رواتها لأعفاهم ذلك من جهود كبيرة ، ولم يضطروا ازاء كثير منها إلى الانكار أو الاعتذار عنها ! ويضيف د. العودة : وحين غاب هذا المنهج عن الدراسات التاريخية فقدت نوعا من المصادر المهمة لكتابة أحداث التاريخ الإسلامي ألا وهي ( كتب الرجال ) وهذا النوع من المصادر وان كان وضع أصلا لخدمة السنة النبوية إلاّ أن بالإمكان الاستفادة منه في جانب التاريخ ، وخاصة إذا علم أن هناك طائفة من المحدثين كان لهم إسهام في الرويات التاريخية بل ألف بعضهم في التاريخ كتباً خاصة ، وهناك طائفة من الرواة المكثرين في التاريخ كان لهم إسهام في المرويات الحديثية ـ وهي مع قلتها ـ مكنتهم من دخول كتب الرجال ، واهتمام أصحاب الجرح والتعديل بأحوالهم.
ومن المعلوم أن كتب الرجال تلك لا تمثل كتب تراجم عن هؤلاء المترجم لهم ، بقدر ما تعني بأحوال الرواة جرحاً أو تعديلاً ، وربما ساقت بعض الروايات التاريخية أثناء حديثها عن الراوي مشيرة إلى صحتها أو ضعفها كنماذج لتعديل هذا الراوي أو جرحه ، ومن هنا تاتي أهمية هذا النوع من المصادر في الكتابة التاريخية.
وأشار إلى أن من ميزان كتابة د. الهلابي أنه اقترب من هذا المنهج وان لم
يوفه حقه ولذا جاء بحثه على الرغم من الجهد المبذول فيه تتخلله ثغرات كبيرة ، وتنقصه مرويات مهمة ، ـ في نظري ـ لو توصل إليها ، واستعمل فيها منهجه الذي استعمله مع مرويات سيف بن عمر التميمي ، لاختلفت نتائج بحثه التي انتهي إليها.
والحق ان الدكتور انتهى إلى نتيجة مؤسفة ، وقطع ـ دون أن يستكمل البحث ـ بكون عبد الله بن سبأ لا يعدو أن يكون « شخصية وهمية لم يكن لها وجود » كما قال ذلك في الأسطر الأخيرة في بحثه.
وليت الدكتور حين أعلن هذه النتيجة احترز قائلاً ـ هذا فيما وصلت إليه من نصوص ، أو طالعته من مدونات توفرت لي حين البحث ـ لكان الأمر أخف وان كان فيه ما فيه من الاستعجال والتسرع في الأحكام.
وليت الدكتور ـ أيضاً ـ عرض آراءه وتحليلاته ، وترك للقارئ فرصة الحكم من خلال الدراسة ـ في مسألة تعتبر محل اجماع من لدن سلف الأمة ، والحكم بخلافها نوع من تسفيه أحلام السابقين ، وهي على الأقل تحتاج إلى مزيد من التروي قبل الحكم ، بل ربما أدى إلى التشكيك في هذا التراث الضخم الذي خلفوه ، وأظن الدكتور يعلم أن هناك طائفة من أبناء جلدتنا يتكلمون بالسنتنا ولهم ولع بالجديد المحدث ـ أيا كان ويرمون هجر القديم مهما كان ، وهي محاولة لبتر الأمة ، وقطع صلة الأجيال بتراثها فهل تنبه الدكتور إلى هذه النتيجة التي انتهى إليها ، وعلم مكمن الخطر فيها بالنسبة لتراثنا ؟!
وأكد أن ذلك لا يعني الاستماتة في الدفاع عن هذا التراث بحقه وباطله ، فالباحثون المنصفون يعلمون أن هذا التراث يحوي الصحيح والسقيم ، وإذا كانت مهمة المتقدمين في جمع المرويات من أفواه الرواة لم تمكنهم أحيانا من
غربلتها وتمحيصها ـ كما أشار الطبري ، فإن مهمة اللاحقين بعدهم دراسة هذه المرويات واستخراج الصحيح. منها وطرح الضعيف ، وقال : لكن ذلك ينبغي ألاّ يدفعنا إلى التسرع في الأحكام ونحن بعد لم نستوعب هذا التراث الضخم وبالتالي نتسبب في اتهام هؤلاء السابقين بالبلادة والتقليد حين يؤكد اللاحق منهم ما رواه السابق ، ونهز ثقة الناشئة بهذا التراث الذي تتظافر مروياته وتتفق مدوناته على ذكر الحادثة !
وبين أن البحث والوصول إلى نتائج جديدة هو لب الدراسات الحديثة ، وهو المنتظر من الباحثين المحدثين ، لكن ـ ذلك ينبغي ألاّ يجرنا إلى تجريد هذا الهدف من أهداف أخرى تستلزمها الدراسة وتتطلبها النتائج التي ننتهي إليها ، وإلا أصبحت نتائجنا عاطفية وغير مقنعة !
وإذا كان يجب علينا أن نقدر ـ فيما نصل إليه من نتائج ـ حديث الأجيال اللاحقة لنا ، ربما قدر لها الاطلاع على ما لم نتمكن من الاطلاع عليه من مصادر البحث ، فمن باب أولى أن نقدر ما قد يصل إليه غيرنا من معاصرينا من نصوص لم نتمكن نحن من الوقوف عليها وهذا وذاك لا شك سيدفعنا إلى التروي أكثر ، وعلى عدم إصدار الأحكام جزافا !
وقد جاء من بعد الهلابي تلميذه المخلص الأخ حسن فرحان المالكي الذي الف كتابا تحت عنوان « نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي » توسع من خلاله في بسط فكر استاذه متناولاً للقضية من زوايا متعددة. وقد أهدى لي نسخة منه وطلب منى إبداء ملحوظاتي عليه فاستجبت لمطلب الأخ وكتبت مقالة مطولة بعنوان « الإنقاذ من دعاوي الانقاذ للتاريخ الاسلامي » وبعثت إلى جريدة الرياض.
د. سليمان العودة في سطور
• سليمان بن حمد بن عبد الله العودة.
• من مواليد مدينة بريدة بالقصيم بالسعوية عام ١٣٧٥ ه.
• ليسانس تاريخ من جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية بتقدير ممتاز.
• ماجستير بتقدير ممتاز ، من نفس الجامعة ، وعنوان البحث : « عبد الله ابن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الاسلام ».
• دكتوراه بتقدير ممتاز ، من نفس الجامعة ، وعنوان البحث : « السيرة النبوية في الصحيحين عن ابن اسحاق ودراسة مقارنة في العهد المكي ».
• استاذاً مشاركاً مع مرتبة الشرف الأولى ، وعنوان البحث : « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر ».
• يعمل حاليا استاذاً مشاركاً بقسم التاريخ بكلية العلوم العربية والاجتماعية بالقصيم.
د. سليمان العودة
يرد على المشككين في شخصية ابن سبأ
أخبار ابن سبأ والسبئية ليست قصراً على
سيف بن عمر (٢ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ١٢ ربيع الآخر ـ ١٤١٨ ه
في العدد الماضي كان الموضوع الأساسي للحوار شخصية عبد الله بن سبأ الذي توصل بعض الكتاب والمؤرخين المتأخرين إلى انه أسطورة من صنع الخيال ، مدركين صعوبة الحديث عن شخصية تعد من نسج الخيال لدى بعض الباحثين واسطورة في عداد الأساطير عند آخرين ، وان كان ذلك صعب فأصعب منه البحث والتنقيب عن آثار تلك الشخصية التي لابد أن يكون الغموض فيها أحد العوامل التي ساقت إلى إنكارها أو التشكيك فيها على الأقل.
وقد كانت احدى المرجعيات التي استند إليها الذين أنكروا شخصية ابن سبأ أن خبره إنما أتى عن طريق سيف بن عمر التميمي وهو رواية مجروح. لذا فإن هذا الخبر لا يعمل به ويعد مكذوباً ومنكراً في رأيهم.
ومن خلال الحوار الذي أجريناه في العدد الماضي مع د. سليمان بن حمد العودة ـ أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالقصيم ـ اتضح لنا أن هناك العديد من الروايات التي توكد على وجود شخصية عبد الله ابن سبأ وأن هذه الروايات لا ينتهي سندها إلى سيف بن عمر.
وقد قام د. العودة بدكر هذه الروايات موضحاً لنا تدرجها ومعلقاً على أسانيدها.
وفي هذا العدد نكمل بقية الحوار معه لنقف على بعض القضايا التي تدور حول هذا الموضوع من خلال بعض التساؤلات المطروحة.
جرأة عجيبة
بعد أن أفصحتم عن الروايات التي أوردت لنا خبر ابن سبأ وبينتم لنا النقد السندي للروايات التي تكفي واحدة منها لتأكيد حقيقة وجود ابن سبأ من طرق لا وجود لسيف بن عمر فيها فكيف وهي تتضافر ومن طريق مختلفة على تأكيد هذه الحقيقة ، ألا ترون أن إصرار د. عبدالعزيز الهلابي وتلميذه حسن المالكي على إثبات أن أخبار ابن سبأ إنما وردت عن طريق سيف بن عمر فقط ولم ترد من طرق أخرى فيه إعراض عن الحق وتجاهل للحقيقة التي هي أنصع |
من الشمس ، ثم هل يصح القول بأن سيف بن عمر هو الرواية المنفرد بذكر أخبار عبد الله بن سبأ ؟ |
هذا السؤال سبق لي أن تعرضت له في كتابي عن ابن سبأ ودوره في إحداث الفتنة واجبت عليه قائلا : والذي يتبين لنا من خلال البحث أن سيفا ليس هو المصدر الوحيد لأخبار ابن سبأ ثم سقت ثلاث روايات مختصرة من تاريخ ابن عساكر لا ينتهي سندها عند سيف ولم أقف عند إسنادها طويلاً أكثر من إحالتي إلى رأي المحقق الألباني فيها ظنا مني أن الموضوع لا يعدو ان يكون مجرد آراء عفا عليها الزمن ، لكنني حين طالعت الرسالة الأخيرة للدكتور عبدالعزيز الهلابي بعنوان : « عبد الله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة » والتي أشرت إليها في حديثتي آنفاً ، وجدت فيها تأكيداً على هذه الآراء بل وجرأة عجيبة على إحياء آراء مرتضى العسكري والذي قال وقتها : انني توقفت عن نشرها زهاء سبع ستين تهيبا لإثارة العواطف في الشرق المسلم !
ود. الهلابي لم يتردد أو يتهيب بل قال في مقالة المنشور عام ١٩٨٦ م في حولية كلية الآداب ما نصه : ينفرد الإخباري سيف بن عمر التميمي من بين قدامي الإخباريين والمؤرخين المسلمين بذكر عبد الله بن سبأ في روايته.
ويقول في موضع آخر : لا أعلم فيما اطلعت عليه من المصادر المتقدمة أي ذكر لعبد الله بن سبأ عند غير سيف بن عمر سوى رواية واحدة عند البلاذري وهذه الرواية يكتنفها الكثير من الغموض.
والغريب في الأمر أن الهلابي حينما أشار إلى الرواية الوحيدة ـ حسب ما انتهى إليه ـ عند البلاذري ، والتي تذكر ابن سبأ من غير طريق سيف ، شكك فيها قائلا : « ومما يلاحظ على هذا النص ان أحداً من الذين ذكروا ابن سبأ لم
يذكر أن اسمه عبد الله بن وهب الهمداني » ، وهذا القطع منه مجازفة تفتقر إلى الدليل ، بل النصوص تؤكد خلافه ، فأبو خلف الأشعري القمي المتوفي سنة ٣٠١ سمى ابن سبأ ب « عبد الله بن وهب الراسبي الهمداني ».
وأغرب من ذلك أن يقبل الدكتور بنص كتاب « الامامة والسياسة » وفيه ـ بدل ابن سبأ ـ عبد الله بن وهب الراسبي ـ زعيم الخوارج ـ وأحد أصحاب علي الذين تم اللقاء معهم بعد صفين وقبل خروج الخوارج في النهروان على أثر فشل التحكيم ـ كما يقول الدكتور ـ وهو الذي أنكر في مقالة أخرى الدور المنسوب للقرّاء في الحرب والتحكيم.
مغالطة :
إذن ماذا بقى لأصحاب الرأي القائل بأنّ سيفا وحده قد تفرد بمرويات عبد الله بن سبأ ؟ |
للإجابة على هذا السؤال أحب أن أورد في هذا الصدد رأياً لأحد الباحثين في شخصية ابن سبأ خلص منه إلى القول :
« ان المتعلق برواية سيف بن عمر ليس إلا مغالطة يتحمل وزرها كل من يقول بها » !
ذكرتم لنا الروايات التي ساقت أخبار ابن سبأ ونجد أن جميعها إنما جاء عن طريق أصحاب التاريخ ، فهل نعتبر مسالة ذكر ابن سبأ قصراً على أصحاب التاريخ وحدهم ؟ |
هذه المسألة ليست قصراً على أصحاب التاريخ فحسب ، انما ذكرها
غيرهم وهم كالتالي :
ابن أبي عاصم المتوفي سنة ٢٨٧ ه في كتاب السنة.
أبو يعلى الموصلي المتوفي سنة ٣٠٧ ه.
والعقيلي المتوفي سنة ٣٢٢ ه فقد نقل في ترجمة محمد بن السائب الكلبي أنه كان يضرب صدره ويقول : سبئي أنا سبئي ، ثم يعلق العقيلي على ذلك بقوله :
قال أبو جعفر : هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ.
وإذا كان هؤلاء العلماء قد ذكروا عبد الله بن سبأ صراحة فهناك غيرهم ممن أومأ إليه تلميحاً لا تصريحاً.
على أن هناك من الباحثين من يرى تواتر قصه ابن سبأ لأنها وردت في المصادر المشهورة كالحافظ وابن قتيبة ، والناشىء الأكبر ، والقمي ، والنوبحتي والبغدادي ، والشهرستاني ـ وغيرهم بنصوص يختلف بعضها عن بعض ، مما يؤكد عدم تفرد سيف أو الطبري بذكرها.
نلاحظ أن الهلابي يحاول أن يفصل بين شخصية ابن سبأ والسبئية ، فما موقفكم من هذا التوجه ؟ |
الهلابي يحاول أن يفصل بينهما ويقطع الصلة بين السبئية وابن سبأ ، فيقول : أما السبئية فقد وردت مراراً في المصادر المتقدمة عند غير سيف بن عمر ، ويبدو انه كان يقصد بها السب والتعيير.
ثم يعرض عدداً من النصوص لتدعيم وجهة نظره وينتهي إلى السؤال التالي : إذن من اين جاءت كلمة « السبئية » وماذا تعني ثم يجيب : إن أيسر الأجوبة على هذا السؤال هو أن نفهمها على أنها منسوبة إلى عبد الله بن سبأ
الذي ذكره سيف بن عمر ومؤلفو كتب الفرق وبعض كتب الأدب ، وهذا فيه تدعيم للدراسين الذين بنوا دراساتهم عن ابن سبأ والسبئية على رواية سيف بن عمر ومؤلفي كتب الفرق وبعض كتب الأدب ، ولكن في الحقيقة ـ كما يقول الدكتور ـ لا يمكن الأخذ بهذا التفسير بحيث إنه لا يمكن وصف أي جماعة ممن اطلقت عليهم « السبئية » في المصادر التي استخدمناها آنفاً بأن لها صلة بابن سبأ المزعوم أو معتقداته ونتوقف عنده هذه النقطة معلقين بما يلى :
وقفت على عدة نصوص عن السبئية أقدم وأوثق مما ذكره « الهلابي » فوق ما سبق تدوينه في كتاب عبد الله بن سبأ ص ٢٠٥ ، ٢٠٦ ، ومن هذه النصوص : نص عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال ابن عدي في ترجمة محمد بن السائب الكلبي : حدثنا الساجي ، ثنا ابن المثنى ، ثنا عثمان بن الهيثم ، ثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس قال : « إذا كثرت القدرية بالبصرة استكفت أهلها ، وإذا كثرت السبئية بالكوفة استكفت أهلها ».
نص عن الشعبي : وقال ابن عدي : أخبرنا الساجي ، قال ثنا ابن المثنى ، ثنا أبو معاوية ، ثنا سعيد الهمداني ، قال سمعت الشعبي يقول : دست هذه الأهواء كلها بقدمي فلم أر قوما أحمق من هذه السبئية.
نص عن الأعمش : ونقل ابن عدي بسنده قال : أخبرنا الساجي ، ثنا أبي المثنى ، ثنا أبو معاوية قال الأعمش : « اتق هذه السبئية فإني أدركت الناس وإنما يسمونهم الكذابين ».
وبالإسناد إلى محمد بن هارون بن حميد ، عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ، عن إبي معاوية الضرير عن الأعمش قال : « أدركت الناس يسمونهم الكذابين ».
وفي ميزان الذهبي : «وقال يزيد بن زريع حدثنا الكلبي ـ وكان سبئيا ـ قال أبو معاوية : قال الأعمش : اتق هذه السبئية الخ ».
نص العقيلي : وفي الضعفاء للعقيلي حدثنا محمد بن عيسى ، حدثنا عمر بن شيبة ، حدثنا عبد الواحد ابن غياث ، حدثنا ابن مهدي قال : جلس إلينا أبو جرى على باب أبي عمر بن العلاء فقال أشهد أن الكلبي كافر إلى قوله : ولكن رأيته ـ يعني الكلبي ـ يضرب على صدره ويقول لنا : سبئي أنا سبئي قال أبو جعفر ( العقيلي ) هم صنف من الرافضة أصحاب عبد الله بن سبأ.
هذه النصوص ـ كما أسلفت ـ أقدم وأوثق مما ساقه د. الهلابي ـ أما قدمها فمشهود لأنها مروية عن صحابي أو تابعي ، أما توثيقها فكونها مسندة ينتهي إسنادها إلى ثقات ، وأيا ما كان درجة إسنادها من الصحة فالفرق كبير بينها وبين نصوص « أبي مخنف » على سبيل المثال ـ وهو من استشهد له الهلابي بنصين في هذا الموطن ، فهو راو متهم ، بل ساقط محترق كما يقول علماء الجرح والتعديل.
ودلالتها على ابن سبأ لم تكن محل خلاف عندهم ، وقد صرح بعضهم بنسبة السبئية إلى ابن سبأ كما صنع العقيلي.
والتحمل واضح في محاولة الفصل بين المصطلح وابن سبأ ، والا فالكتب المختصة بالأنساب والمختصة بالفرق ـ وهي الفيصل عند الاختلاف لا تتردد في نسبة السبئية لابن سبأ ، ولئن كان قد اتسع مصطلح السبئية فيما بعد ودخل فيه طوائف وأجناس فلا مرية أن أصل التسمية يعود إلى ابن سبأ.
٢ ـ وكتب الفرق هي الأخرى مرجع عند الاختلاف في نسبة السبئية ، والغريب في الأمر أن الهلابي سفه أحلام بعض أصحابها واتهمهم بالبلادة ،
وتجاوز في نقده لهم الموضوع الأساسي إلى موضوعات أخرى ، أما هذا الرصيد من النصوص الموثقة والمراجع والمصادر الثمنية التي بلا شك أن الهلابي قد اطلع على كثير منها ولم يفته الوقوف عليها والإلمام بما في أطوائها.
بماذا تعلقون على موقف الهلابي منها ؟
الغريب في الأمر أن الهلابي لا يرى الاعتماد عليها أبداً إذ يقول : ونحن نرى بالمقابل أنه لا يصح أبداً الاعتماد على كتب الفرق والمقالات في دراسة القضايا التاريخية ثم يعلل ذلك قائلا : إذ أن معظمها إن لم تكن كلها كتبت بروح التحامل والتعصب ، وتعوزها الأمانة والتدقيق في صحة ما تنقل بالإضافة إلى الكثير مما فيها من المبالغات والتناقضات.
وهكذا يتجشم د. الهلابي الصعاب مرة أخرى ، بل ثالثة ورابعة ، وهو يجازف بعبارات كان خليقاً به أن يرفع قلمه عنها ، ونحن لا ندعي العصمة لهولاء ولا لغيرهم ولا نبرئ ساحة كتبهم من الأخطاء ، لكن الرفق بالعلماء من سمات العلماء ، وكيف أباح الدكتور لنفسه أن يتهم معظم كتب المقالات أو كلها بالتحامل والتعصب ، ثم هو يحكم عليها كذلك بضعف الأمانة والتدقيق ، وأنها تحوي الكثير من المبالغات والتناقضات !
إذن أي شيء بقى للدكتور يثق به من تراثنا ؟ وهو الذي لم يثق بما كتبه المؤرخون حين اعتبر المتأخرين منهم نقلة مقلدين عن أسلافهم ، وشنع على الاخباريين الذين رووا قصة ابن سبأ واتهمهم بقلة الأمانة وتلفيق القول واختلاف الروايات وحكم بتفردهم بذكر الخبر ولم يرض بالروايات الواردة في الكتب الأخرى فلم يستبعد أن يكون أصل كتاب البلاذري قد تعرض
للتحريف من قبل النساخ ، لأنه ذكر ابن سبأ ، أما نص الجاحظ فهو يسقطه معللا ضعف مصدر الشعبي ـ راوي الخبر ـ وهو زحر بن قيس ، بل هو يميل فوق تلك إلى أن القصة وضعت في مرحلة متأخرة نسبياً وأسندت إلى الشعبي ( ت ١٠٤ ) والشعبي من الثقات الأثبات ، ( هكذا يجازف دون دليل ) ، وهو لا يرى اعتماد احكام أصحاب الجرح والتعديل على الإخباريين ، ويرى أن القضايا التاريخية لا تعالج حسب حكم أصحاب الحديث على روايتها إيجاباً أو سلباً ، بل إن الروايات نفسها تعرض على محك النقد والتمحيص والمقارنة فإن ثبتت فذلك ما يبحث عنه المؤرخ ، وإن هي انهارت فلا قيمة لها بصرف النظر عن مكانة راويها العلمية وسمعته فقد يكون نقلها بحسن نية الخ ، ونحن بدورنا نقول : أي منهج هذا وماذا بقى للدكتور يرتضيه من تراثنا ومناهج أسلافنا !
منهج الهلابي
هل ترون أن د. الهلابي يعتمد منهجاً محدداً لما يقبله أو يرفضه من الروايات ، بحيث استند عليه في بحثه لهذه القضية ؟ |
الذي بدا لي حقيقة أن د. الهلابي يعتمد على منهج محدد متمثل في أن لديه مقررات سابقة يحتفظ بها ويحاكم النصوص إليها فيقبل منها ما ينسجم معها ويطرح جانباً ما يعارضها وقد يقبل من مؤلف واحد نصاً في موطن استشهاده ويرفض منه أو يتجاهل نصاً آخر في موطن استنكاره ! وحتى تتضح الصورة أسوق النموذج التالي : فيما نحن بصدده قبل الدكتور بنص عند أبي الحسن الأشعري ينسب السبئية فيه إلى عبد الرحمن بن سبابة ، واعتبر ذلك جالياً
لغموض هذه التسمية التي تسميها بها بعض كتب الفرق ، وأن ذلك لا علاقة له بمصطلح السبئية والتي تسمى أحيانا ب « السبا » ، لكنه تجاهل تماماً نصاً آخر عند الأشعري نفسه ينسب فيه السبئية إلى عبد الله بن سبأ فيقول : السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون الخ ( ١ / ٨٦ ) ، فهل يقال أن الدكتور لم يطلع عليه ، أم لأنه لا يخدمه !
لا جديد
ذكرتم لنا أن د. عبد العزيز الهلابي كتب في الحولية الثامنة الرسالة الخامسة من حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت بحثه الذي هو بعنوان : « عبد الله بن سبأ دراسة للمرويات التاريخية عن دوره في الفتنة » هل لكم أن توضحوا لنا ماذا يريد الهلابي في هذة الرسالة وما الجديد فيما طرحه وما هي أصول آرائه التي أعلنها ؟ |
الحق اننا حين نعود إلى الكتابات السابقة لا نجد في الموضوع جديدا في طرح د. الهلابي ولا من تابعه أمثال تلميذه حسن المالكي في كتاباته المتأخرة.
يقول المستشرق « إسرائيل فريد لندر » : إن ابن سبأ ليس إلا شيء في نفس سيف أراد أن يبعد به شبح الفتنة عن الصحابة وأنها إنما أتت من يهودي تستر بالإسلام.
ومن الملاحظ أن هذا المستشرقين مع محاولته لتقليل شأن ابن سبأ في الفتنة واتهامه لسيف وهو نفس ما حاوله د. الهلابي ، الذي لم يجرؤ على إنكار شخصية ابن سبأ مطلقاً فهو يقول : ليس بإمكاننا أن ننكر الأشياء الإيجابية التي
جاء بها سيف عن ابن سبأ مثل : أصله وحياته وظهوره بين المسلمين ويقول أن هذا جاء من الهوى.
أما المستشرق كايتاني فهو أشد مهاجمة لرواية سيف ، وقد خلص منها إلى القول بأن مؤامرة كهذا إنما يصح تفسيرها على أنها حادثة في العصر العباسي فهي تعكس أحوال ذلك العصر ..
وهذا التعليل كفانا في الرد على د. عبد الرحمن بدوي وهو يناقش آراء المستشرقين في هذه المسائلة.
أما مرتضى العسكري فيقول : إن جميع من نقل قصة ابن سبأ إنما اخذ من معين الطبري واستقى أخباره من كتابه.
وفي كتاب آخر له اعتبر ( ابن سبأ ) شخصيه أسطورية نقل الطبري أخباره عن راو كذاب يدعى سيف بن عمر التميمي.
ويتهكم العسكري على كُتاب « المقالات والفرق » ويصفهم بأوصاف مشينة حين يقول : كانت تلك أقوال أهل الملل والنحل ونسج على منوالهم في الهذر آخرون !
ويقول عنهم : إنهم تنافسوا في تكثير عدد الفرق في الإسلام ويبدو أنهم كتبوا من عند أنفسهم شروحاً عن أولئك الفرق توضح عقائدهم !
ويقترب من هؤلاء د. طه حسين فيما طرحه ـ فهو أقرب إلى الشك منه إلى اليقين فهو يستغرب مثلاً اغفال بعض المصادر لذكره كابن سعد والبلاذري ، ثم يعود أخرى ويجعل من اغفال المؤرخين له وباتباعه السبئية في احداث صفين دليلاً على أن أمر ابن سبأ والسبئية إنما كان متكلفاً منحولاً.
ويقول في موطن ثالث : فلندع إذن ابن السوداء هذا وأصحابه سواء
كان أمرهم وهماً خالصاً أم أمراً غير ذي خطر بولغ فيه.
إذا كانت آراء د. الهلابي لا تخرج عن هذه الأطر في رؤيته لشخصية عبد الله بن سبأ والسبئية تأكد لنا أن ليس ثمة جديد يسبق إليه الهلابي ، وبالتالي وقفنا على الأصول التي انطلق منها في هذا الرؤية الجديدة !
تشنيع في حق المؤرخين الإسلاميين
يثير الهلابي مقولة يرددها في بعض اطروحاته استند إليها في كثير من وقفاته وكذلك بالنسبة لمن يرى برأيه أمثال المالكي وغيره وهذه المقولة مفادها أن الطبري هو الأساس في نقل روايات سيف لابن سبأ ومعظمها عنده وأقلها عند ابن عساكر وكل من جاء بعد الطبري نقل منه. بل يزيد على ذلك ويقطع بأنه لم يرد عند مؤرخي القرن الثالث والرابع الهجريين أي ذكر عن ابن سبأ ودوره في الأحداث لا في مروياتهم ولا في كتب المؤرخين منهم ، فما تعليقكم على هذه المقولة ؟ |
هذه المقولة للهلابي أعدها نموذجاً للجرأة غير المتزنة والتي يمارس فيها بشكل واضح الإنقاص من جهود المؤرخين الإسلاميين الذين سبقوه في هذا المجال والذين وصلوا إلى ما لم يصل إليه هو.
وهي بلا شك يعتريها الخلل الكبير وتحتاج إلى المزيد من الإيضاح من خلال الوقفات التالية :
١ ـ هناك تمويه وتعمية من الهلابي على تاريخ ابن عساكر حيث أشار إلى
قلة مروياته لعبد الله بن سبأ من طريق سيف وهذا حق بالمقارنة بالطبري لكن لا أدري لماذا تجاهل أي ذكر للمرويات الأخرى التي ساقها ابن عساكر من طريق لا تنتهي إلى سيف. أ لأن الدكتور لم يطلع عليها ؟ أم لأنها تهدم أساسيات بحثه ، الذي اعتمد عليه ؟ على أية حال سواء كان هذا أو ذاك فهو خلاف المنهج العلمي.
ثم يكرر التمويه والتعمية مرة أخرى ، بل يناقض نفسه حين يقول أن ذكر ابن عساكر كمصدر مهم لمرويات ابن سبأ من باب الإيهام وإلاّ فهو كغيره ينقل عن الطبري رواية سيف بن عمر ، أو ينقلها مباشرة من سيف.
كيف أباح الدكتور لنفسه أن يقول انه لم يرد أي ذكر لابن سبأ عند مؤرخي القرنين الثالث والرابع الهجري لا في مروياتهم ولا في كتبهم ـ وقد وقفنا في احدى الروايات السابقة على رواية ابن أبي خيثمة أحمد بن زهير ، الذي عاش قي القرن الثالث ، بل وأدرك نهاية القرن الثاني ( ٢٧٩ ـ ١٨٥ ه ) وهو صاحب كتاب التاريخ الكبير الذي امتدحه الخطيب البغدادي فقال : « وله كتاب التاريخ الذي أحسن تصنيفه وأكثر فائدته ». ولا أعرف أغزر فوائد من كتاب التاريخ الذي صنفه ابن أبي خيثمة.
وامتدحه ابن كثير ، وأثنى على كتابه فقال : كان ثقة حافظاً ضابطاً مشهوراً ، وفي تاريخه فوائد كثيرة وفرائد غزيرة.
كما جاء على ذكر ابن سبأ من مؤرخي القرن الثالث ابن حبيب ، المتوفي سنة ٢٤٥ ه وابن قتيبة المتوفي سنة ٢٧٦ ه. والجوزجاني المتوفي سنة ٢٥٦ ـ ٢٥٩ وغيرهم.
أطروحات خطيرة
في ختام هذا الحوار ، وبعد أن كشفتم لنا حقيقة ابن سبأ وأثره في الفتنة العظيمة في صدر الإسلام هلا بينتم لنا ما وراء الإنكار أو التشكيك في هذا الشخصية ؟ |
ان ما وراء إنكار وجود ابن سبأ والتشكيك في حقيقته انما يدركه الذين سبقوا الهلابي في طرحهم لهذه القضية إذ انهم أصحاب آراء ومذاهب جانحة ويعرفون جيداً ماذا يترتب على هذا الإنكار.
أما د. عبد العزيز الهلابي فإنني أجدها فرصة سانحة عبر جريدة « المسلمون » التي تعهدت بإيصال كلمة الحق إلى أرجاء الأمة لكي اذكره أكثر من غيره ، كما اذكر تلميذه الذي يسير على مذهبه حسن المالكي اذكرهم جميعاً بخطورة هذه الطروحات ، لما تفرزه من خلفيات قد تغيب عن أذهان البعض ، وفوق أن هذه الآراء فيها تسفيه لآراء السابقين واتهام لهم بالسطحية والغفلة عن تحقيق ما ينقلون من نصوص وتعميق ما يطرحون من آراء ، ففي هذا الرأي نسف لكتب باكملها تعد من مفردات كتب التراث ، ويعتمد عليها في النقل والتوثيق من قرون متطاولة ، فكتاب منهاج السنة ـ مثلاً ـ لشيخ الاسلام ابن تيمية ينطلق من اعتبار عبد الله بن سبأ أصل الرافضة ، فهو أول من قال بالوصية والرجعة وغيرها من معتقدات وانكار هذه الشخصية أو التشكيك فيها تشكيك في الكتاب كله ، ونسف له من اصوله ، بل ربما تجاوز الامر ذلك إلى التشكيك في اصول الرافضة وتاريخ نشأتهم.
حسن المالكي يرد على العودة وعلي رضا |
أنا على استعداد للمحاورة حول الامور الجوهرية
للرجوع الى الحق
صحيفة المسلمون ـ ٤ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
نشرت صحيفة « المسلمون » في أعداد مضت عدة تعقيبات وردود عليّ من عدد من الاخوة حول موضوعات مختلفة منها ما يتعلق بكتابي ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ) ومنها ما يتعلق بكتاب « بيعة علي بن أبي طالب في ضوء الروايات الصحيحة » وبما أن كل الردود التي نشرت كان فيها تشوية لوجهة نظري ـ وسواء كان التشويه بتعمد أو سوء فهم ـ فإنه يلزم مني أن أدافع عن نفسي من باب ( على رسلكما
إنها صفية ) فالشرع دلنا على إبراء الذمة وسأحاول الاختصار ما أمكن مع أنه سبق أن رددت على بعضهم كالدكتور سليمان العودة في صحيفة الرياض لكن نشره لآراء جديدة في « المسلمون » ولأن لصحيفة « المسلمون » جمهورها وقراءها فإنه يهمني أن أرد على الأفكار الجديدة فقط مع تلخيص مختصر جداً لوجهة نظري التي سبق نشرها في الموضوع.
وأنا قبل أن أدخل في الردود التفصيلية على هؤلاء الاخوة أتمنى من القارئ الكريم أن يمتلك المنهجية وأن يعود لاقوال المردود عليه لان الناس يشوهون أفكار الآخرين ويحملونهم ما لم يقولوا فأنا أطلب من القارئ أن يكون حكم عدل وليعلم أن الذى سيحكم بمدى تحقيقه للعدالة هو الله المطلع على نيته وعلى استفراغه لجهد في الوصول إلى الحقيقة.
والآن إلى الردود على تلك التعقيبات وسألتزم بترتيب الرد عليها حسب تاريخ نشرها ما أمكن.
الرد على الاستاذ علي رضا
فالاخ الاستاذ على رضا نشر مقالاً في « المسلمون » يوم الجمعة ٢٩ صفر ١٤١٨ ه وكنت قد رددت على بعض ما أورده ونشرت ذلك في صحيفة الرياض واقتصرت على نقد ( تأييده ) لي في مسألة القعقاع بن عمرو لان تأييده لي كان غير علمي !!
وذكرت يومها أن بقية الملحوظات على مقالة تحتاج لمناسبة أخرى لأنني كنت يومها مشغولاً بقضية القعقاع والردود بيني وبين بعض الاخوة ولم أكن أحب أن أدخل أكثر من قضية في الموضوع وهذه الملحوظات التي أذكرها هنا
سأتجنب فيها ما ذكرته في ردي على علي رضا في صحيفة الرياض كما سأتجنب القضايا المشتركة التي ردت عليها أم مالك الخالدي في هذه الصحيفة وفي صحيفة البلاد وسأحاول أن أذكر البقية من هذا مما يخصني فقط وكان مما بقى من الملاحظات المهمة سبع وهي كما يلي :
الملاحظة الاولى :
ذكر الاخ علي رضا أنه التقى بي في مجلس من مجالس طلبة العلم وهو صادق في هذا وتحدث أننا تحاورنا في معاوية بن أبي سفيان وهو صادق أيضاً أننا تحاورنا فيه ضمن أشياء كثيرة تناولناها في ذلك المجلس وكان من تلك الموضوعات التي تناولناها مسألة ابن عديس ومعاوية وأنكر عليّ تفضيلي ابن عديس على معاوية في كتاب ( بيعة علي ).
وكنت قد قلت ان ابن عديس من أصحاب الشجرة وعلى هذا فهو أفضل من معاوية لانه من مسلمة الفتح وهناك أحاديث صححها بعض أهل العلم تبشر أصحاب الشجرة بالجنة بينما معاوية لم يكن منهم ولا عمرو بن العاص لان إسلامهما كان متأخراً وعلى هذا فابن عديس الخارج على عثمان أفضل من معاوية الخارج على علي وهذا كله منهج سلفي بحت في تفضيل أهل الرضوان على من سواهم ولا زلت مصراً عليه لانني أرى أنه الحق وتدل عليه الآية الكريمة( لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً )
أما ما ذكره علي رضا من انه سألني « هل يقال أن معاوية في النار » وأنني سكت.
فهذه إما أن يكون علي رضا صادقاً أو كاذباً وأنا لا أذكر الموقف البتة لكن إن كان صادقاً فسكوتي إما أن يكون استغراباً من طريقة حواره أو انشغالاً بشيء آخر لم أنتبه لكلمته أو تأييداً وإقرار بأن معاوية في النار !! فإذا كان يقصد الاولى أو الثانية فهذا محتمل والمجالس كثيرا ما يحدث فيها لغط وقد يقول أحدهم كلمة لا يتنبه محاوره لها أو لا يسمعها جيداً أو يستغرب صدورها فيسكت والتجارب كثيرة ومشاهدة ومأساوية !
وأما إن أراد الثالثة وهي أنني أحكم على معاوية بالنار ـ وهذا هو الظاهر من كلام علي رضا ـ فهذا مما أبرأ إلى الله منه وإذا كان علي رضا يقصد هذا فأنا أدعوه للمباهلة لنجعل لعنة الله على الكاذبين ليس عندي إلاّ هذا أو يأتي بشهود على كلامه والأخ علي رضا مثلما حرف الكلام المكتوب الواضح فتحريف ( سواليف المجالس ) من باب أولى ورحم الله منهج أهل الحديث ! مع أنني لا أذكر أنه قال تلك الكلمة البتة لكن التفصيل السابق كان احتياطاً مني أن الانسان قد ينسى هل تكلم أو سكت لكنه لن ينسى عقيدته.
وأنا بحمد الله لا أحكم بالنار على من هو دون معاوية فلا أحكم بالنار على الحجاج ولا يزيد ولا كل من قال لا إله الاّ الله محمد رسول الله فكيف أحكم على معاوية بالنار ؟! كذلك لا أحكم بالجنة ولا بالنار على من هو أفضل من معاوية كخالد بن الوليد مثلاً لكنني أرجو لهم الجنة وأخشى عليهم من النار ويزداد الرجاء كلما كان الرجل صالحاً وتزداد الخشية كلما زادت مظالم الرجل لنفسه أيا كان ذلك الرجل اللهم إلاّ أن يكون مبشراً بالجنة وهذه عقيدة أهل السنة الصحيحة ومن شاء أن يتأكد فليراجع كتب العقيدة وأنا على استعداد للمناظرة والمباهلة في هذه المسألة والقضية بحمد الله واضحة وميسورة
لا تحتاج لكثير إيضاح.
الملاحظة الثانية :
ضعف علي رضا رواية خزيمة بن ثابت في بيعة علي بججة أن أبا اسحاق السبيعي مدلس وقد عنعن ! ولم يبين أنه ( ثقة ثبت ) ولو رجع الاخ علي رضا لصحيح البخاري ومسلم لوجدهما يحتجان بعنعنات أبي إسحاق السبيعي في الصحيحين ! وعلى سبيل المثال لا الحصر انظر الاحاديث ( ٣٩ ، ١٢٣ ، ١٥٨ ) من صحيح البخاري فقط.
الملاحظة الثالثة :
ذكر علي رضا أن رواية الحسن البصريي عن وثاب ( في الحوار الذي جرى بين عثمان والاشتر ) ضعيفة بسبب جهالة وثاب شيخ الحسن البصري.
أقول : أولاً أنا قلت ( بسند صحيح إلى الحسن البصري ) وهذه فيها إلماحة إلى أنني متوقف في أمر وثاب وكان الراجح هو توثيقه.
ثانياً : الفقيهي هو الذي أورد الرواية محرفة فأعدتها على الصواب وذكرت أنها صحيحة إلى الحسن البصري ثم استخدمت كلمة ( الرواية صحيحة ) وأقصد إلى الحسن البصري وليس إلى وثاب ! يدل على ذلك سياق الكلام.
ثالثاً : الأخ علي رضا غفل عن مسألة مهمة وهي أن الحسن البصري إذا روى عن رجل وسمّاه فهو ( ثقة يحتج به ) هذا ما ذكره يحيى بن معين ( انظر التهذيب ١ / ٣٤٧ ) وعلى هذا فوثاب عند يحيى بن معين ( ثقة يحتج بحديثه )
لأن الحسن روى عنه وسماه وعلى هذا تكون الرواية صحيحة عند يحيى بن معين على الأقل وهو من المتشددين وعلى هذا فقول علي رضا أن مدار الرواية على ( مجهول ) كان نتيجة جهل بمقولة يحيى بن معين الماضية ثم يأتي بعد هذا كله يتعالى بأنه من ( المتمرسين في علم الحديث ! ) ولا تعليق !
الملاحظة الرابعة :
ذكر أنني دلست (!!) على الحافظ ابن حجر في زعمي بأنه صحح رواية علقمة عن الاشتر في ( أن طلحة والزبير بايعا علياً طائعين غير مكرهين ثم نكثوا عليه ) وأنا أطلب من القارئ الكريم أن يرجع للفتح ( ١٣ / ٥٧ ) لينظر من منا دلس على الآخر.
أما الاختلاف في يسير الالفاظ فمعظم الاحاديث الصحيحة فضلاً عن المرويات لابد أن يكون بينها يسير اختلاف وكم من حديث في البخاري تختلف ألفاظه من موقع لآخر اختلافاً يسيراً والاستاذ علي رضا يؤمن بأن يسير الالفاظ لا تؤثر في فصل الحديث وإن أراد أن أذكر عشرات النماذج من ( تحقيقاته !! ) فأنا على استعداد تام.
الملاحظة الخامسة :
ذكر أن مغيرة بن مقسم كان ثقة متقنا ثم استدرك بأن يدلس ! ليقول ( الاسناد لا تقوم به حجة ) !! أي روايته عن ابراهيم النخعي ولو رجع لصحيح البخاري فقط لوجد أن البخاري يحتج بعنعنات مغيرة بن مقسم عن ابراهيم النخعي انظر الاحاديث ( ٣٤٦٠ ، ٣٠٧٠ ، ٣٤٥٩ ، ٣٤٧٧ ، ٣٠٤٥ ) وغيرها
كثير.
فالأخ علي يظهر أن عنده من النظريات ( المتأخرة ) أشياء كثيرة لكنه تفوته النظريات الصحيحة وتطبيقات الأئمة المتقدمين ولا سيما الشيخين ومعرفة التطبيقات والنظريات المتقدمة أولى من معرفة النظريات المتأخرة ومحاسبة الناس عليها لان واضعي هذه النظريات المتأخرة لا يلتزمون بها عند التطبيق أيضاً والأمثلة أكثر من أن تحصر.
الملاحظة السادسة :
أما ما ذكره الأخ علي رضا مراراً بأنني أقلد أم مالك الخالدي فهذا لا أسميه تقليداً وإنما أسميه أبحاثاً مشتركة ولا غرابة أن نلتقي في كثير من الأبحاث والرؤى فنحن في بيت واحد !!
الملاحظة السابعة :
ذكر أنني تناقضت فذكرت أن رواية أبي سعيد مولى أبي أسيد الانصاري حسنة ثم ذكرت انها صحيحة الاسناد فالخطب في هذا يسير فالصحيح والحسن كلاهما حجة وإسناد هذه الرواية قال عنه الحافظ ابن حجر : « رجاله ثقات سمع بعضهم من بعض » انظر المطالب العالية ( ٥ / ٢٤ ) طبعة دار الوطن المسندة.
وقول الحافظ في الطبعة الاصلية أيضاً ( ٤ / ٢٨٦ ) وهذا التناقض لو صح تسميته تناقضاً فهو أخف من تناقض الاستاذ علي رضا عندما حكم على عشرات الاحاديث أحكاماً في غاية التناقض ولعل من أمثلة ذلك حكمه على
حديث ( أمرت بقتال الناكثين ) بأنه موضوع !! انظر مسند علي ( ٢ / ٧٤٣ ) ثم حكم عليه بأنه حسن ( ٣ / ٨٦٥ ) ثم حكم عليه بأنه صحيح ( ٣ / ١٠٦٠ ) فهذا التناقض من ( الموضوع إلى الصحيح ) مروراً بالحسن والضعيف !! أوضح من تناقض بين ( الحسن والصحيح ) إن صح تسميته تناقضاً !! لأن المتقدمين من المحدثين لم يكن عندهم إلا الصحة المطلقة لا الاصطلاحية المحدثة وأول من قال بالحسن ولا يريد به الصحيح كان علي بن المديني ثم توسع فيه الترمذي. ويستخدم الحسن عند المقارنة غالباً أما عند الاطلاق فيجوز استخدام اللفظين وكلاهما ( الحسن والصحيح ) حجة والحمدلله أما ( الموضوع والصحيح ) فلا يلتقيان إلاّ عند محقق التراث !!
الرد على د. سليمان العودة
تهريب عبد الله بن سبأ
أما د. سليمان بن حمد العودة فقد اطلعت على اللقاء الذي أجرته معه صحيفة « المسلمون » يومي الجمعة ٥ ، ١٢ ربيع الأول من هذا العام ١٤١٨ ه وكان اللقاء رداً عليّ وعلى د. عبدالعزيز الهلابي الذي ينكر شخصية عبدالله بن سبأ بينما أنا أنكر دوره في الفتنة فقط أما وجوده فهو إلى الآن تحت البحث والدراسة مع ان د. سليمان خلط بين المسألتين.
ود. سليمان ـ هدانا الله وإياه إلى الحق ـ يدعونا لتحري الامانة العلمية وأنا أدعوه للأمر نفسه ولو قامت جهة علمية للنظر بحيادية لما كتبه الثلاثة أنا
والهلابي والعودة للنظر في من يتجافى عن ( التحري العلمي ) لكان مما يسرني لأنني أزعم أن د. سليمان لم يتحر الامانة العلمية إنه يحرف الحقائق بتعمد وليس بإساءة فهم وعندي الأدلة الكثيرة على ذلك وهو يدعوني لتحري الأمانة العلمية !! فلابد من جهة ثالثة محايدة مرضية من الطرفين تحكم لاحد الاثنين أو تحكم ضدهما جميعاً أو براءتهما جميعاً أما أن نتراشق التهم فهذا لا يخدم الحقيقة وأنا أرضى بأية جهة علمية يرتضيها د. سليمان وحتى أحدد أكثر فأنا أرضى قسم التاريخ بالكلية التي يتولى عمادتها د. سليمان !! لتنظر ثم تخرج حكمها وتنشره بين الناس وأظن فعلي هذا فيه غاية الانصاف فهل يوافق د. سليمان على هذا أو على المناظرة أم يستمر في رمي أخيه المسلم بالاتهامات في المجالس وعلى المنابر.
تبسيط القضية
أحب في البداية أن أنبه الإخوة القرّاء إلى أمر سيسهل علينا اختصار كثير من الامور وهو كما قلت سابقاً : إن د. سليمان العودة قد حملني نفي ( وجود عبدالله ابن سبأ ) مطلقاً !! بينما أنا أنفي ( دوره في الفتنة ) فقط بعنى أنني أمتلك عن أحداث الفتنة أسانيد صحيحة تفسر لي كيف حدثت الفتنة ولست بحاجة لأسانيد سيف وأمثاله من الضعفاء والكذابين الذين يفسرون لي أحداث الفتنة تفسيراً مختلفاً فهذا هو لب ما نفيته في مسألة عبدالله بن سبأ.
أما مسألة وجوده فهي تحت البحث والدراسة ولا ريب أن نفيي لدور عبدالله بن سبأ في الفتنة هو نفي ل ٩٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ لأن بقية الأسانيد ـ من غير سيف ـ إنما تتحدث عن رجل يغلو في علي بن أبي طالب
فقظ !! ولا ريب أن نفيي لأخبار عبد الله بن سبأ في الفتنة سيأتي على رسالة د. سليمان العودة التي كان الهدف منها ( إثبات دور عبدالله بن سبأ في أحداث الفتنة في صدر الاسلام ) !! وعلى هذا آمل أن يعرف القرّاء سرّ الدفاع المستميت من د. سليمان عن سيف بن عمر !! لأن سقوط سيف يعده العودة سقوطاً كاملاً لرسالته !! بينما أنا أعتبر رجوع الدكتور إلى الحق خيراً له وللتاريخ من التمادي في الباطل لو رجع إلى نفي أساطير ابن سبأ في الفتنة فإنه يسجل بهذا سابقة إنصاف لم نعهد صدورها من كثير من الأكاديميين. ثم إن رجوعه إلى نفي أخبار ابن سبأ في الفتنة لا يعني انتقاصاً لرسالته أو أنه لا يستحقها وله في الشافعي أسوة حسنة فقد كان له مذهب قديم ومذهب جديد وأنا على سبيل المثال كنت أثبت دور ابن سبأ كاملاً حتى بحثته وكنت أثبت القعقاع بن عمرو وصحبته حتى تبين لي ان المصدر الوحيد في هذا هو سيف ، فرجعت إلى نفي دور ابن سبأ في الفتنة وإلى نفي وجود القعقاع لأن المنهج يوجب علينا ألا نبقي مجالاً للشكوك والعواطف والأحاسيس !!
فالمنهج مثلاً يلزمنا بالحكم بالوضع على حديث معين إذا انفرد به كذاب ويلزمنا أن نحكم على الحديث بالضعف الشديد إذا تفرد به متروك ويلزمنا المنهج بالحكم على الحديث بالضعف إذا تفرد به ضعيف وهكذا. وقد نحس في أنفسنا أن هذا الحديث الموضوع صحيح لكن هذا الإحساس ليس مقياساً في ثبوت الحديث وكذلك ( الحرص على التراث ) ليس مقياساً في الحفاظ على روايات الكذابين !!
إذن فأنا أجد خلطاً كبيراً عند د. سليمان وعند كثير من المؤرخين الاسلاميين هذا الخلط بين تطبيق المنهج وبين ( الإحساس ) أو ( حديث القلب )
أو ( المصالح ) أو ( حب مخالفة ما توصل إليه بعض الكفار والمبتدعة ) أو ( حب إثبات ما ذكره بعض علماء المسلمين ) وهكذا نجد كثيراً من المعايير ليست علمية البتة ولا دخل لها بالنواحي العلمية ولو أننا لا نحكم على الحديث أو الرواية بالكذب لمجرد إحساسنا بصحتها لاثبتنا كثيراً من الاحاديث الموضوعة والأخبار المكذوبة !! ولاختلفنا اختلافا كبيراً لأن ( الإحساس ) يختلف من شخص لآخر بينما المنهج صامت لا يحابي إحساساً ولا عاطفة ثم إن الإحساس غير منهج المحدثين وإنما قيل أنه يتبعه بعض غلاة الصوفية ويطلقون عليه ( التذوق ) !! كما أن ( مراعاة المصالح ) تختلف باختلاف الرؤى نفسها فإذا كان د. سليمان يرى أن توثيق سيف وإثبات أكاذيبه عن ابن سبأ وغيره من باب المحافظة على المصلحة ( مصلحة التراث ) !! فإن لآخر أن يدعي أن نفي هذه الأكاذيب من ( مصلحة التراث ) أيضاً !! بل المصلحة هنا متحققة ولو كان د. سليمان يعلم ـ وأظنه يعلم ـ خطورة إثبات روايات سيف عن ابن سبأ لما تمسك بها البتة لأن روايات سيف عن ابن سبأ تثبت أن بعض كبار الصحابة من بدريين وغيرهم كانوا ينفذون خطط عبدالله بن سبأ !! ( وسيأتي تفصيل ذلك حتى يتبين للناس أن إثبات ابن سبأ بكامل دوره أخطر من نفيه وأن أكثر علماء المسلمين على نفي دور عبدالله بن سبأ من القرون الأولى إلى اليوم ).
أعود وأقول : إنني عندما أبحث الرواية أو الحديث لا أحاول أن أرسم النتيجة قبل البحث ولا أدخل بأحكام مسبقة أو أحاول ألا أفعل هذا على الاقل ولذلك فأنا متفق مع د. سليمان في أمور ومختلف معه في أخرى ومتفق مع الهلابي في أمور ومختلف في أخرى مع التفاوت الكبير بين الاثنين وهكذا ولو كنت أدخل بأحكام مسبقة وتقليد للهلابي ـ كم زعم د. سليمان ـ فلن أختلف معه
في نتيجة من النتائج التي توصل إليها.
الوقفة الثانية
إن الحوار مع د. سليمان العودة فيه صعوبة بالغة لأن د. سليمان لا يثبت على منهج محدد فنجده أحياناً يحتج بمنهج أهل الحديث إذا كان يخدم فكرته فقط وأحياناً أخرى يهاجم منهج أهل الحديث ويزعم أنه غير صالح لتطبيقه على الرواية التاريخية !!
ومرة ثالثة نجد الدكتور محتجاً بكتب الفرق والمقالات ومرة رابعة مع كتب الشيعة بينما ينقد نقل بعضنا لانه اتفق في نتيجة ما مع بعض ما أورده بعض الشيعة ومرة خامسة نجد الدكتور مع منهج المؤرخين وسادسة مع كتب الادب والانساب وهكذا إن وجد شحاً في منهج انتقل منه إلى منهج آخر وذم المنهج السابق !! وهذا يصلح أن يطلق عليه ( منهج تهريب عبد الله بن سبأ ) مثلما يفعل الذين يهربون البضائع والاسلحة من بلد لآخر فإنهم لا يسلكون طريقاً واحداً وإنما إن شعروا بالخوف من هذا الطريق انتقلوا إلى غيره !! ولا ريب أن هذا فيه صعوبة بالغة على المتحاور مع د. سليمان لأنه ينتقل ويتجول بين مناهج مختلفة ومتباينة يرفضها إذا شاء ويأخذ بها إذا شاء ويهاجم من يتمسك بها في مسألة لا يراها ويهاجم من تركها في مسألة يراها وهكذا فإذا كانت تناقضاته في المنهج نفسه فكيف يريد منا أن نتفق معه وأنا أريد أن أسال د. سليمان سؤالاً محدداً وهو :
هل ترى تطبيق منهج المحدثين على الرواية التاريخية أم لا ؟
فإذا كنت ترى هذا فهل ترى تطبيقه على كل المؤرخين ؟
أم ترى تطبيقه على سائر المؤرخين ما عدا سيف بن عمر ؟
ولماذا يكون سيف فوق مستوى منهج المحدثين. وما ذنب الواقدي وأبي مخنف الذين تضربهم بهذا المنهج بينما لا تطبقه على سيف !!
هل سيف بهذه القدسية !! وأنا أحترم الذين يكون موقفهم واضحاً محدداً حتى وإن اختلفت معهم في المنهج أشد الاختلاف فأنا أحترم د. الهلابي وأثني عليه لأنه واضح لا يتلون وهو يتعامل مع المتون بعيداً عن منهج أهل الحديث وأنا أختلف معه في هذه المسألة اختلافاً جذرياً لكنه بعيد عن ازدواجية د. سليمان وأمثاله الذين يتشدقون بمنهج المحدثين ويتخذونه مطية لرد الروايات التي لا يحبونها بينما لا يطبقون المنهج على رواياتهم المحبوبة وفي مقدمتها أكاذيب سيف بن عمر التي ملأت بطون الرسائل الجامعية !! والتي طنعت في علي وعمار وأبي ذر وعدي بن حاتم وغيرهم من ضحايا سيف الأبرياء !!
والذي أعرفه أن منهج المحدثين يمكن تطبيقه على كل المحدثين فضلاً عن المؤرخين.
أما د. سليمان فهو يطبقه على المحدثين والمؤرخين إلاّ سيف بن عمر فهو لايرضى أن يطبق عليه هذا المنهج !! لأن تطبيقه هذا المنهج على سيف يعني تطبيقه على رسالة الدكتور وهذا التطبيق الصارم لن يخدم سيفا ولا رسالة العودة فهذا وإن كان فيه حماية لرسالة الدكتور لكن ليس فيه حماية للحقيقة التاريخية ولا ريب أن التضحية برسالة أسهل من التضحية برسالة أسهل من التضحية بالحقائق التاريخية !!
نماذج من ذلك
وحتى لا يكون اتهامي للدكتور إنشائياً غير موثق فإليكم نماذج من تناقضاته التي كنت أربأ به عنها :
النموذج الأول :
انتقد د. العودة على د. الهلابي عدم اعتماده على منهج أهل الحديث فقال في لقائه في « المسلمون » : ( والهلابي لا يرى اعتماد أحكام أصحاب الجرح والتعديل على الإخباريين !! ويرى أن القضايا التاريخية لا تعالج حسب حكم أصحاب الحديث !! على رواياتها إيجاباً أو سلباً بل إن الروايات نفسها تعرض على محك النقد والتمحيص والمقارنة ) ثم يتساءل ويقول : ( ونحن بدورنا نقول : أي منهج هذا ؟! وماذا بقى للدكتور يرتضيه من تراثنا ومناهج أسلافنا ؟! ).
أقول : أنتم هنا تلاحظون أن د. العودة يرى تطبيق أحكام الجرح والتعديل على الاخباريين ويرى أن القضايا التاريخية يجب أن تعالج سلباً وإيجاباً وفق منهج المحدثين أليس كذلك ؟! وأنه لا يكتفي بعرض المتن فقط على المحك والدراسة والمقارنة بعيداً عن الاسناد ؟! ود. سليمان هنا أصاب وأنا في هذه النقطة مع د. سليمان ضد د. سليمان هنا أصاب وأنا في هذه النقطة مع د. سليمان ضد د. الهلابي لكن تعالوا إلى تطبيقات د. سليمان فماذا كان نصيب هذه النظرية الجميلة ؟!
أولاً : د. سليمان العودة لم يطبق هذا المنهج البتة على أكثر من ٤٦٠ رواية احتج بها في رسالته ( عبد الله بن سبأ ) لم يدرس أسانيدها البتة وفي تلك الروايات من الأكاذيب والطعون في الصحابة ومخالفة الصحيح ما لا يكاد يقع تحت الحصر !! ومن لم يصدق فالرسالة مطبوعة وموجودة في الأسواق
ستجدون أنه ينسب هذه الأخبار للمصادر التاريخية والأدبية !! وكتب الفرق والمقالات !! ولم أجد انه طبق هذا المنهج إلاّ على سبع روايات فقط !! فأين التشدق النظري ؟!
وكأن د. العودة لا يعرف أن قوله : ( رواه الطبري ) مثلاً لا يعني توثيقاً ولا تضعيفاً لأن الطبري روىٰ أخباراً صحيحة وضعيفة وموضوعة ومنكرة الخ فأين منهج المحدثين الذي ينادون به الدكتور العودة ويطالب الهلابي بتطبيقه هلا طبقه على روايات رسالته ؟!
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) .
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) .
إذن فالدكتور سليمان بحاجة إلى أن يتذكر نفسه من الناحية التطبيقية.
ثانياً : أيضاً قارن د. سليمان سيف بن عمر بغيره من المؤرخين في كتابه ص ١٠٥ إلى ص ١٠٨ فجلدهم بمنهج المحدثين فلما جاء سيف ووجد أن أحكام أهل الحديث عليه بالكذب والترك والزندقة واضحة اضطر للتخلي عن منهج المحدثين ـ الذي طبقه على آخرين ـ فقال في الهامش ص ٣٠٤ : ( لابد من التفريق بين رواية الحديث ورواية الأخبار الأخرى فلا بد من مراعاة هذا المقياس وتطبيقه على سيف محدثاً وإخبارياً !! ).
فالدكتور سليمان هنا استل سيف بن عمر من أحكام أهل الحديث كما تستل الشعرة من العجين وهذا للأسف ديدن معظم المؤرخين الاسلاميين وأنا هنا أنقد المؤرخين الاسلاميين أكثر من غيرهم لأنهم شوهوا منهج المحدثين بالازدواجية التطبيقية والانتقائية المؤسفة أما غيرهم من سائر المؤرخين من شتى المذاهب فلم يدعوا تطبيق المنهج ولم يدعوا إليه وعلى هذا فلن يستطيعوا
تشويهه حتى وإن خالفونا مخالفة جذرية لكنني أرى أن من أسباب عدم اقتناع بعضهم بمنهج الحدثين هو سوء التطبيقات التي يرونها عند بعض المؤرخين الاسلاميين التي تظهر منها الازدواجية والانتقاء وغيرها من العيوب التي تبدو ظاهرة في كتابات د. سليمان العودة ولذلك أرى أن بعض المؤرخين من الاسلاميين أكثر ضرراً على منهج المحدثين من المستشرقين والمبتدعة حتى وإن كانت كتاباتهم بحسن نية وحباً في الرد على المخالفين.
فسيف بن عمر مثلاً لو تقرأ ما كتبه عنه بعض المستشرقين وبعض المبتدعة لوجدت أن أحكامهم على سيف أقرب لمنهج المحدثين مما كتبه عنه د. سليمان العودة مع أن د. سليمان يظهر أنه حسن النية لكن حسن النية لا يكفي ولابد لها من منهج وهذا ما يغفل عنه كثير من الاخوة الافاضل فهم يظنون أن الاعتراف بما عند الكفار أو المبتدعة من بحث وجهد يعتبر ميلاً لهم وأن هذا يخالف عقيدة الولاء والبراء ؟!
وهذا خلط بين أمور متباينة فأنا أبغض الكافر لكن إن وجدت له بحثاً جيداً في التاريخ أو غيره فلماذا لا أستفيد مه مع براءتي من عقيدته وفي المقابل لو وجدت رسالة هزيلة لأحد الإخوة الدعاة الخطباء !! فهل يحملني حب ذلك الرجل في الله على الإشادة برسالته الهزيلة ؟! والأخذ بنتائجها الباطلة ؟! إذن أرجو أن يفرق الإخوة بين المسألتين فإذا فرقوا بينهما تبين لنا كثير من الحقائق.
وللأسف أن أكثر المؤرخين الاسلاميين بل كثير من طلبة العلم يخلط بين هذه الامور المتباينة متناسين صواب الأثر القائل : « الحكمة ضالة المؤمن فأين وجدها فهو أحق بها » وهذا معناه صحيح وإن لم يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتدل عليه تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعين
وسلفنا الصالح.
استثارة العواطف
د. سليمان إن افتقد الدليل والبرهان لجأ للعاطفة واستثارتها عند الجماهير !! وهذا أيضاً أسلوب متبع عند كثير من الناس فتجدهم يتهمون إخوانهم في الدين إن اتفق أحدهم في مسألة معينة مع أحد المستشرقين مثلاً فإنهم يحاولون أن يربطوا بينهما في الفكر !! وهذا ظلم وحجر على البحث العلمي.
وعلى سبيل المثال نجد د. سليمان في لقاء « المسلمون » يتهم د. الهلابي بأنه يريد إحياء آراء مرتضى العسكري !! لأنهما اتفقا في نفي وجود عبد الله بن سبأ مع أن د. الهلابي ذكر في دراسته عن ابن سبأ انه لم يطلع على دراسة العسكري !! ثم لو اطلع عليها واتفقا في بعض النتائج أو جلها فهل يعني هذا أن هناك ارتباطاً فكرياً بين الرجلين ؟! هل تكذيب سيف صادر من الشيعة أم من المحدثين ؟ هل نفي ابن سبأ حكر على الشيعة أم انه مشاع للبحث العلمي ؟! وكذلك لما أثنيت أنا على ( بعض الانصاف ) في كتب طه حسين بتر الدكتور عبارتي وزعم أنني قلت انه ( منصف ) ثم حاول الدكتور أن يربط فكرياً بيني وبين د. طه حسين !! ثم نقل شذوذات طه حسين وزعم أنها هي ( الإنصاف ) الذي أعنيه !!
اتق الله يا د. سليمان والله إنك لتعلم أن إلزامك هذا باطل وأنت مسؤول أمام الله عن هذا الكلام والغريب أن الدكتور نسى أنني حذرت من كتابات د. طه حسين في المتن !! لكنني اعترفت في الهامش بأنني أحياناً أجد إنصافاً في
كتاباته وهذا حق لا أتبرأ منه ود. سليمان نفسه استشهد في رسالته بكثير من أقوال المستشرقين والمبتدعة فهل يريد منا أن نلزمه بأنه يعتقد عقائد هؤلاء ؟ إذا كانت المسألة مسألة تنابز بالاتهامات والالزامات الباطلة فهذا يسير وكل منا يستطيع التحريف والبتر والربط بين المؤلف وعقائد آخرين وأفكارهم !! لكن هل هذا المنهج الخاطئ يساعد في البحث العلمي ؟! هل هذا المنهج منهج اسلامي ؟! إذن فالدكتور سليمان مطالب بإعادة النظر في أساليب محاربته للآخرين فيجب أن تكون المحاربة شريفة وأن تستخدم فيها أسلحة الأدلة والبراهين للآخرين وليس أسلحة العواطف واستثارة الجماهير تلك الاستثارة التي لا تقوم على العدل وعلى الانصاف وإنما على بتر النصوص وإلزام الاباطيل. وهذه الاساليب يمكن للطرف الآخر استخدامها بكفاءة أيضاً !! لكنها لا تخدم البحث العلمي لأنها غير علمية ود. سليمان يعرف هذا تماماً.
الخلط في الروايات بين مسألتين مختلفتين
د. سليمان العودة خلط بين مسألتين مختلفتين تماماً مسألة وجود عبدالله بن سبأ وهذه وجدها الدكتور في روايات غير رواية سيف بن عمر وتبقى بحاجة إلى دراسة هل هي كافية مع ضعفها لإثبات وجوده أم لا ، لكن هذه المسألة الخلاف فيها يسير.
أما مسألة الكبرى فهي دور عبدالله بن سبأ في الفتنة فهذه لم يجد د. سليمان فيها سوى روايات سيف بن عمر !! ودور ابن سبأ في الفتنة هو الأساس وهذا الدور لم يتفوه به أحد غير سيف بن عمر !! وحتى أوضح الفرق أقول : خذوا شخصية مشهورة مثل خالد بن الوليد متواترة الوجود ألا
توجد أخبار لخالد بن الوليد لا تصح ؟ إذا كان خالد بن الوليد موجوداً هل يعتبر هذا مبرراً لإثبات كل الأخبار التي نسبت إليه سواء كانت صحيحة أم مكذوبة أم أنه لا يجوز أن تنسب إليه إلا الأخبار المقبولة ؟
لا ريب انكم تنفقون معي أنه لا يجوز أن تنسب إلى خالد بن الوليد أو غيره إلاّ الأخبار المقبولة لا المكذوبة أو المنكرة ..
إذن قضية عبدالله بن سبأ مثل هذه تماماً بمعنى أنه أن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة كأن نقول إن من تلاميذه عمار بن ياسر وأبا ذر وأنه أحد قواد علي بن أبي طالب !! وأن من أتباعه عدي بن حاتم وزيد بن صوحان وغيرهم من خيرة الصحابة والتابعين !!
أمّا د. العودة فإنه يعتبر أنه ما دام ابن سبأ موجوداً إذن فكل الأخبار التي نسبت إليه صحيحة حتى وإن انفرد بها كذاب !! وهذا خلافنا معه في أصل المنهج فنحن بحاجة ـ نحن وهو ـ إلى مراجهة المنهج أولاً ثم الانطلاقة منه لدراسة التاريخ أما أن ندرس التاريخ والمنهج غير متضح عندنا فهذا خلل كبير يسبب اختلافاً أكبر. ولذلك تكلم المحدثون والمؤرخون المتقدمون عن الفتنة ولم يذكروا عبد الله بن سبأ بحرف واحد حتى الذهبي وابن حجر الذين ينسب إليهما العودة توثيق سيف بن عمر في التاريخ لم يذكروا دور عبدالله بن سبأ في الفتنة بحرف واحد وقبل الذهبي وابن حجر نجد كل علماء المحدثين وكل المؤرخين خاصة المتقدمين منهم لم يذكروا عبدالله بن سبأ في الفتنة.
انظروا إن شئتم تاريخ خليفة بن خياط وطبقات ابن سعد وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والاجزاء والفوائد والمستدركان والمستخرجات والطبقات والتراجم وكتب الأدب وكتب الانساب لم تذكر هذه المصادر حرفاً
واحداً عن دور عبدالله بن سبأ في الفتنة اللهم إلاّ من نقل عن سيف بن عمر مثل الطبري وغيره وهذا قد أدركه د. العودة جيداً لكنه حرص على خلط المسألتين وجعلهما مسألة واحدة لأن جل رسالته قائمة على الأمر الأخير ( دور ابن سبأ ) لا الأول ( وجود ابن سبأ ) !! وعلى هذا فلو سلمنا للدكتور سليمان بأن غير سيف ذكر عبدالله بن سبأ فهل ذكروا ( دوره في الفتنة ) كما فعل الدكتور في رسالته أم ذكروا ( غلوه في علي ) فقط !!
فالأمر الأول لم يذكره أحد غير سيف وهو معظم ما قيل عن ابن سبأ أم الثاني فهو جزء يسير جداً لا يتعدى ٥ % من أخبار عبدالله بن سبأ فكيف يكون ال ٥ % حجة في إثبات ٩٥ % بلا دليل ولا برهان ؟!
د. العودة يعقب على طروحات المالكي |
أردت نشر الحقائق العلمية مع بيان مغالطات
من شكك فيها (١ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ١٨ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
طالعت ما كتبه المالكي في جريدة الرياض الثلاثاء ٩ / ٤ / ١٤١٨ ه بعنوان « عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق » وكان ـ في زعمه ـ رداً على الحقات الأربع التي كتبتها للجريدة نفسها بعنوان « الانقاذ من دعاوى الانقاذ للتاريخ الاسلامي » أيام الخميس والجمعة والسبت والأحد ٢٧ ، ٢٨ ، ٢٩ ، ٣٠ / ٣ / ١٤١٨ ه. وقبل أن أستكمل قراءة مقال المالكي ـ علم الله ـ هاتفني عدد من المهتمين والعارفين ، يشكرون على المقالات السابقة ، ولكنهم متفاوتون
ـ في وجهة نظرهم حول الرد على ( مغالطاته ، وكاسحاته ) إذ يؤكد الكثير منهم على طبيعة المالكي الشخصية ، وتخصصه في ( الجدل ) ورغبته في ( المراء ) وأنه لا يرغب الحقيقة قدر ما يهوى النقاش وإثبات الذات ، وتسفية أحلام الآخرين ، والوصول إلى هدف معين ! وبالتالي ـ وحسب وجهة نظر هؤلاء فلا فائدة من إضاعة الوقت معه ، وأقصر الطرق لسقوطه إغفاله وتناسيه ويضرب هؤلاء أمثلة لمن ردوا على المالكي ونصحوه ولكن دون جدوى ، ويرى هؤلاء أن الناس لم يبلغوا درجة من البساطة بحيث تتأثر قناعاتهم الراسخة بمثل هذه الطروحات الفجة.
أما الفئة الأخرى فيرون ضرورة التصدي له ، وفضح أفكاره ، وبيان عور منهجه ولو كان ذلك على حساب الوقت المبذول ـ فيما هو أنفع ـ وحجة هؤلاء أن ثمة طائفة من القرّاء قد تنخدع به ، وقد يتطاول هو إذا لم يجد من « يقلم أظفاره » ! ثم بدا لي رأياً وسطاً يقصي بالرد على مغالطاته الأخيرة ، وبيان تناقضاته ، وخلل منهجه واعطاء القارئ بعض ( الحصانة ) لما يمكن أن يكتبه مستقبلاً ، وبيان سهولة الكذب عنده ، والتزوير وتشويه الحقائق بأساليب ملتوية ، وعسى أن يكون ذلك اسهاماً في حماية الأمة من الأفكار المتسللة ، وكشفاً للتدليس المتلبس بعباءة النقد التاريخي ، والمتدثر بمنهج المحدثين والتحقيق العلمي ؟!
غموض في الشخصية
وأستطيع القول ـ وبكل ثقة ، ودون مجازفة ـ إن من أبرز سمات منهج المالكي في كتاباته التاريخية ما يلي :
النيل من الصحابة والتعريض بهم.
ـ والتقول على العلماء بغير حق ، وتجريحهم.
والهوى مع المبتدعة والدفاع عنهم.
وتشويه الحقائق التاريخية والتشكيك فيها.
والتشابك مع الطرح المشبوه وتلميع المشبوهين.
والكذب والمراوغة.
والغموض في الشخصية والأهداف.
وأمتلك الدليل ومن كلام المالكي نفسه ، وأنصف المالكي من أقام البينة عليه من كتبه ومقالاته ، ويعلم الله أنني أجد في كل مقال يكتبه ، أو رد يعقب به مستمسكاً جديداً ، وتتضح لي ـ وربما لغيري ـ ملامح شخصيته أكثر فأكثر ، ويبادلني الشعور بها أساتذة فضلاء ، وإخوة أعزاء ، ولله الحمد والمنة.
ومهما تكن عند امرئ من خليقة |
وإن خالها تخفى على الناس تعلم |
ويبدو لي أن المالكي يدافع قلقاً مزمناً ، ويعيش تناقضاً مؤلماً ، فلا هو بالسوي الذي يستطيع السير مع الصحاح ويسعه ما وسع جمهور الأمة ولا هو بقادر على أن يبوح بما لديه جهارا ، ولذا تراه ( يتسلل ) في طرح أفكاره تسللاً ، فإذا كشف في جانب اِحتمى بجانب آخر ، وأوهم بسوء فهم الآخرين له ، وكال لهم ( التهم ) جزافاً حتى لا ينكشف أمره !
وحين طالعت ما كتبه ( المالكي ) رداً على مقالتي المنشورتين في « المسلمون » بعنوان « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر » أيام الجمعة الموافق ٥ ، ١٢ / ٤ / ١٤١٨ ه ، ولم يكن رداً عليه قدر ما كان نشراً لحقائق علمية ، مع بيان مغالطات من شكك فيها.
حينها تذكرت قول المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه
الترمذي وغيره بسند حسن عن أبي أمامة رضى الله عنه :
« ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه ، إلا أوتوا الجدل ».
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية :
( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) ( انظر صحيح سنن الترمذي ٣ / ١٠٣ ، والآية ٥٨ من سورة الزخرف ).
ولقد لفت نظري هذه المقدمة التي ابتدأ المالكي بها مقاله في جريدتي الرياض ، والمسلمون من الحصار بأساليب لا أظنها تمر على البيب وإن لم يكن من أهل الاختصاص وانضر إليه مثلاً وهو يقول في جريدة الرياض : لو لم أكن مؤلف كتاب الرياض ولو لم أكن كانت المقالات المنتقدة لشككت في هذا المنتقد » !
ولا غرابة فمن المخارج التي اعتادها المالكي ، تسفيه أحلام الآخرين ، وعدم فهمهم ، ورميه لهم بالتهم إلى غير ذلك ـ مما يحاول معه استعطاف رأي القرّاء من جانب ، والخروج من المأزق من جانب آخر.
ولقد قال عني « والدكتور سليمان العودة بنى كل مقالاته الأربع على فهم خاطئ لأقوالي وبناء على هذا الفهم الخاطئ ردّ رده ، ثم اتهمني » فقد قال مثل ذلك أو قريباً منه لغيري.
ففي رده على ( الفقيهي ) قال المالكي : ومن الأسباب أن الأخ الفقيهي ـ سامحه الله ـ قد حملني أشياء لم أقلها ، وأفهم القرّاء من مقالاتي أشياء لم تخطر لي على بال ، فأجاد ـ سامحه الله ـ التحوير وأساء التفسير لكثير مما كتبته ولم ينس أن يتهمني بالبدعة والاستشراق كما هو ديدن أكثر المؤرخين الاسلاميين أيضاً في هذا العصر ( نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص ٢٢٤ ).
وفي رده على د. الفريح ردد نفس النغمة فقال : وحقيقة قلت أكثر من مرة إن البلاء يأتي في عدم فهم المكتوب ، أو عدم قراءته ، أو تعمد الظلم والتزوير ، وللأسف ان كل هذا وزيادة قد وقع فيه الأخر الفريح » ( الحلقة السادسة من الحديث عن القعقاع : وقفة مع الردود والتعقيبات ).
ولم يسلم د. العسكر من هذ التهمة ، رغم ثناء المالكي عليه وأن رده اكتسى بحلل الخلق الرفيع والأدب الجم لكن المالكي عاد ليقول عن العسكر : أشعر بأن الدكتور استعجل في قراءة مقالاتي الأربع ، وحملني أشياء لم أقل بها ( كتاب الرياض ص ٨٩ ، ٩١ ).
أما د. الهويمل فرغم ما في مقاله من وقفات وإشارات معبرة فقد اعتبره المالكي ( أنه مقال بلا موقف ) ، واختزل الرد على مقال الدكتور الذي جاء في صفحة كاملة بعدد من الأسطر ، ووصف كتاباته ب ( الضبابية ) ، وأنها لا تخدم هدفاً أسمى ؟ واتهمه بسوء الفهم إلى درجة أنه يجعل الخمسة أربعة ، ثم ثلاثة في سطر واحد ؟!
ولقد نصح د. الهويمل المالكي ، وحدد موقفه حين قال : « وكلمة أخيرة للمالكي نقولها ناصحين السكينة السكينة ، والتروي التروي فالأمر أخطر من أن تتلاحق فيه الأحكام ، وتستمر الهدميات والقفز من قضية إلى أخرى ، والتشابك مع الطرح المشبوه ».
وهذه العبارة الأخيرة ـ في نظري ـ كافية لتحديد الموقف من طروحات المالكي ، ومن قرأ المقال مرة واحدة خرج منه بعدد من النتائج والمواقف ، وأن استعصت على المالكي أثر ( ثلاث ) قراءات ؟!
شنشنة قديمة
انظر مقال د. حسن الهويلم ( المالكي والتاريخ ) الرياض ٤ / ٣ / ١٤١٨ ه وقارنه مع رد المالكي ، في وقفة مع الردود والتعقيبات ، الحلقة السادسة من حلقات القعقاع.
وهذه شنشة قديمة تتجدد عند المالكي ( اتهام المخالف له بسوء الفهم والتعدي عليه بالقول ، وتسفيه أحلام الآخرين وهذه وإن كانت أقصر الطرق للخروج من المأزق ، فهي أسوأها وأضعفها !
ولئن وعى الناس هذا الخلل في كتابة المالكي ( حديثا ) فلا يزال ( المتابعون ) يتذكرون مواقفه مع الشيخ صالح الفوزان من قبل !!
وهذه هي الملاحظة الأولى في مقالة عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق.
المالكي يرد على نفسه
ولا أقول ذلك تزيداً ، ولا اتهاماً ، ودونكم الحقيقة واحكموا عليها ومن كلام المالكي نفسه ، فقد قال في ملاحظتي الأولى : « كل مقالات د. سليمان العودة كانت نتيجة لسوء فهم أو اساءته أو تعمد التحريف وليختر منها الدكتور أصحها ، فهو قد ظن ـ وهنا موطن الاستشهاد ـ أنني أنفي وجود عبدالله بن سبأ مطلقاً ، وهذا ما لم أقله البتة » وفي المقال نفسه وأثناء تعليقه على الرواية ( الثامنة ) قال ما نصه : « ثم كيف قامت الرافضة تشنيع في ابن سبأ ولم توجد إلاّ بعده ، ( على افتراض وجوده ) بعشرات السنين » وفي آخر مقال كتبه في « المسلمون » بتاريخ ٤ / ٥ / ١٤١٨ ه لا يزال شكه في أصل وجود ابن سبأ فهو يقول : « إن كان عبدالله بن سبأ موجوداً فلا يجوز أن ننسب إليه أخباراً مكذوبة ».
ويبقى السؤال : وهل ثبت لديه وجود ابن سبأ من خلال مروياته هو ؟ أم
أنه لا يزال شاكاً ولكنه عاجز عن الافصاح ؟ المقال ينتهي والشك هو الأصل عنده.
وأنا هنا أسأل كل قارئ وقف على هذه العبارات هل تعني التشكيك في دور ابن سبأ في الفتنة ، أم تعني التشكيك في أصل وجوده ؟ وهبوا أنني أسأت الفهم ، فليصحح لي غيري هذا الفهم !!
لا أظن العبارة تحتمل التأويل وقد اختار المالكي بنفسه لفظتي ( وجوده ، موجوداً ) لتحسم النزاع ، وتؤكد ( تناقضاً صارخاً ) ربما يشعر به المالكي أو لا يشعر وأنه لا يزال يشكك في وجود ابن سبأ أصلاً ، وليس فقط فضلاً عن دوره الكبير في الفتنة ، ويقول : « ولولا أنني أمتلك روايات أخرى غير ما أورده الدكتور لنفيت ابن سبأ مطلقاً » ، في دوره في الفتنة ، وأعظم من هذا أن يصرح أنه خلص من دراسته للمرويات الثمان إنه ليس فيها ما يدل على وجود ، وإن كنت أنفي وبشدة دوره في الفتنة »
ولست أدري إلى متى سيستمر هذا التوقف عند المالكي ، وهو الذي قرأ كثيراً وكتب كثيراً ؟! أو ليست مسألة عبدالله بن سبأ من القضايا التي يبني عليها غيرها ، إثباتاً أو عدماً ؟ هل تنقصه الأدلة المثبتة ؟ أم لديه أدلة أخرى تنفي وجوده لم يطلع الآخرين عليها ؟ هل يتشكك في اجماع الأمة قديماً وحديثاً في اثبات وجوده ، أم هو أميل إلى طروحات من أسماءهم الهويمل الطرح المشبوه ؟ كل ذلك أوقع المالكي في تناقضات مشينة ، وعبارات قلقة لا تغيب عن فطنة القارئ اللبيب.
سواء في هذا المقال أو ما سبقه من مقالات وكتابات ، وإليكم نموذجاً يؤكد ما أقول في حلقته السادسة عن القعقاع ( وقفة مع الردود والتعقيبات ) ففي حديثه عن ابن سبأ يتشكك في وجوده لا في دوره في الفتنة حين يقول : « هذا على افتراض وجود عبدالله بن سبأ » ( الملاحظة الثالثة عشرة ) ثم يخشى أن ينكشف أمره ، فيشير إلى دراستين في الموضوع ، وتأبى عليه عاطفته وميوله إلا أن يبدأ بالدراسة المنكرة ، واضعا اسطورة ابن سبأ بين قوسين ، وإلى جانبها علامات التعجيب (!!) أما الدراسة المثبتة لابن سبأ فتأتي بعد ذلك وتساق مساقاً ضعيفاً ، فهي عكس السابقة ، ويعز على المالكي أن يذكر لفظة ( مثبتة ) إلى جانبها ، وهذه في نظره لا تستحق الفرح وعلامات التعجب.
وأهم من ذلك أن المالكي لا يتمالك نفسه من الافصاح عن ميوله ، ويقول بكل صراحة « مع أنني ـ حتى الآن ـ أميل إلى نتيجة د. الهلابي لكن لم أجزم إلاّ ببطلان دور ابن سبأ في الفتنة لأنني بحثت الموضوع » لكن هل يجزم بوجوده ؟
أفكار مترددة
ويكشف المالكي نفسه ـ وفي هذه الملاحظة نفسها ـ مؤكداً أن وجود ابن سبأ لم يجزم به ، فيقول : « أما وجوده مطلقاً فأنا إلى الآن لا أجزم بذلك » ولم يقل أما نفي وجوده فلم أجزم بذلك ، وفرق بين الأمرين لمن تأمل !
وانظروا سقم التعليل فهو قد بحث دور ابن سبأ في الفتنة ولم يبحث أصل وجوده فهل يمكن أن يبحث دوره دون أن يمر على أصل وجوده ، ولماذا لم يبحث أصل وجوده ويعلن رأيه بكل صراحة ؟ إنها عبارات قلقة ، وأفكار مترددة ، تنبئ عن غموض في الشخصية ، ورغبة في الضحك على السذج ، لكنها مكشوفة
لمن تأمل.
ونتيجة دراسة الهلابي ـ التي يميل إليها المالكي ـ يصرح بها ويفهمها المالكي كما نفهمها حين يقول في مقاله في « المسلمون » « د. عبدالعزيز الهلابي الذي ينكر شخصية عبدالله بن سبأ » فأين تتجه ميول المالكي ؟
وهل السبئية ( الطائفة ) محل شك ؟
لا ينتهي المالكي عند التشكيك في أصل وجود ابن سبأ ، بل يشكك في ( السبئية ) حين يقوم في الملاحظة السابعة : « هل السبئية المقصود بها التابعون لعبدالله بن سبأ في العقائد أم أنها لفظة تحقيرية للمعارضة ، كما يقول د. الهلابي ».
ولي على هذا التساؤل أكثر من وقفة :
١ ـ فالمالكي وإن احتمى بالدكتور الهلابي فهو لا يعارض ، بل سبق القول أنه معجب بدراسته.
٢ ـ تتضافر المدونات التاريخية وكتب العقائد والمقالات والفرق ، وغيرها على تأكيد نسبة ( السبئية لابن سبأ ، وإن كان يعوزك الدليل فهاك شيئاً من هذه النصوص المثبتة : فابن حبيب البغدادي ( ت ٢٤٥ ) يقول : « عبدالله بن سبأ صاحب السبائية » ( المحبر ص ٣٠٨ ) ، ويقول ابن قتيبة ( ت ٢٧٦ ه ) « السبائية من الرافضة ينسبون إلى عبدالله بن سبأ » ( المعارف ط المحققة ص ٦٢١ ) ويقول العقيلي ( ت ٣٢٢ ه ) وهو يعلق على لفظة ( سبأي ) « هم صنف من الرافضة أصحاب عبدالله بن سبأ ( الضعفاء الكبير ٤ / ٧٧ ) وجاء في الإبانة لابن بطة ( ت ٣٨٧ ه ) « ومنهم السبائية تسموا بعبدالله بن سبأ » ( الابانة عن شريعة الفرق الناجية ١ / ٣٨٤ ) هذا فضلاً عن ذكر أهل التاريخ لذلك ، وكتب المقالات والفرق والجرح والتعديل وقد فصلت القول في ذلك في كتاب
« عبدالله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الاسلام » ، وفي البحث المنشور في « المسلمون » « ابن سبأ والسبئية من غير طريق سيف بن عمر ».
بل نص على ذلك ولم ينكره متقدموا الشيعة أمثال القمرة ( ٢٢٩ ـ ٣٠١ ه ) والنوبحتي ( ٣١٠ ه ) وغيرهم ( انظر : المقالات والفرق للقمي ص ٢٠ ، وفرق الشيعة للنوبختي ص ٢٢ ، ٢٣ ، وللمزيد انظر ما كتبه د. ناصر القفاري في كتابه « أصول مذهب الشيعة الامامية الاثنى عشرية ١ / ٧٣ ـ ٧٦ ).
ليس أمام المالكي أمام هذه النصوص إلاّ الإذعان والتسليم إن كان صاحب حق أو يسلك مسلك استاذيه مرتضى العسكري ، د. عبدالعزيز الهلابي ، في رفض ما ورد في هذه المصادر ، واتهام مؤلفيها بما يليق.
بل هل لنا أن نفهم أن التشكيك في نسبة السبئية لأن سبأ وسيلة للتشكيك في ابن سبأ نفسه ؟ سيأتي مزيد بيان لهذه المسألة.
ابن سبأ ومغالطة المالكي
يحاول المالكي ابعاد الرافضة عن ابن سبأ ويقول : « ثم كيف قامت الرافضة تشفع في ابن سبأ ولم توجد إلاّ بعده ـ على افتراض وجوده بعشرات السنين ؟! ».
وفي كتاب الرياض ص ٧٩ يحاول المالكي انكار بث ابن سبأ لعقيدة ( الوصية ) وهنا مسألة خطيرة ، فكثير من المنكرين أو المشككين في شخصية ( ابن سبأ ) يرمون من وراء ذلك قطع صلة الرافضة بابن سبأ ، وهذه اعترف بها علماء الشيعة المتقدمون ، كما سبق البيان في الحلقات الماضية ، في النقل عن ( الكشي ) في اعتبار ابن سبأ أصل الرافضة وأكد على هذا شيخ الاسلام ابن تيمية
يرحمه الله ـ أكثر من مرة ـ فهو يعتبر ( ابن سبأ ) أصل الرافضة ومن مناقبهم ( الفتاوى ٤ / ٤٣٥ ، ٢٨ / ٢٣٤ ) ونقل أن ( عليا ) رضي الله عنه طلب ابن سبأ أول الرافضة ليقتله فهرب منه ( الفتاوى ٢٨ / ٥٠٠ ) وقال : ثبت عن علي أنه أحرق غالية الرافضة الذين اعتقدوا فيه الإلهية ( الفتاوى ٢٨ / ٤٧٥ ).
روايات من طرق أخرى
ويقول ابن حجر : عن ابن سبأ وطائفته واحراق علي لهم بالنار : « وله ـ ابن سبأ ـ اتباع يقال لهم السبئية معتقدون الالهية في علي بن أبي طالب وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته » ( لسان الميزان ٣ / ٢٩٠ ).
ويبقى بعد ذلك رأي المختصين المحدثين مهماً في تأكيد صلة الرافضة بعبدالله بن سبأ.
الروايات الإحدى عشر
من السفه والحمق أن ترد على شخص ـ لبطلان دعواه ـ بثمان روايات فيصر على أن يكون الرد عليه باحدى عشرة رواية لا وجود لنص فيها ، وهذه عليه لا له ، وإن أوهم القرّاء بخلاف ذلك ، فإن قيل وكيف ذلك ؟ قلت : الأصل في سياق هذه المرويات لتأكيد بطلان القول بأن أخبار عبدالله بن سبأ لم ترد إلاّ من طريق سيف بن عمر ، فإن قيل : وهل قال المالكي بذلك وأين ؟ أجيب : نعم هو ممن قطع بذلك ، كما جاء في كتاب الرياض ص ٢٦٠ وهذا نص قوله : « مع أن سيفا قد انفرد برواية أخبار ابن سبأ » ، وانظر كذلك ص ٥٨ من الكتاب نفسه.
ولكن المالكي حين أحس بالالزام والمحاصرة ، خرج لتحقيق المرويات
والتعقيب على التحقيق السابق فرفض ما رفض وقبل ما قبل ، وكل ذلك اشغال عن الهدف من سياق هذه المرويات وخروج عن دائرة الحصار ، ونقول للمالكي ومع اتساع صدورنا لوجهة النظر في التحقيق ، ومع قبولنا لمزيد من المرويات المؤكدة لعبدالله بن سبأ من غير طريق سيف ، فتظل هذه المرويات حججاً دامغة لمن زعم انفراد ( سيف ) كأخبار عبدالله بن سبأ وإن قال ما قال وزعم ما زعم.
وإن كان المالكي طالب حق ، ولا يمنعه من الاعتراف بوجود ابن سبأ إلاّ كون مروياته جاءت من طريق سيف ( المجروح ) فها هي المرويات جاءت من طرق أخرى ، وبعضها عثر عليها بنفسه أو نقلها عن الآخرين ؟ فهل يعترف بوجود ابن سبأ أم أن في الأمر شيئاً لا تكفي الحجج والبراهين لإزالته.
أليس ذلك خللاً في المنهج ، وقد صدق مع نفسه حين حدد الخلاف معه ( في أصل المنهج ) كما في مقالة في « المسلمون » وأنصح من يريد النقاش مع المالكي أن يستحضر هذه القضية جيداً.
جوهر القضية :
يشكك المالكي في وجود ابن سبأ ـ كما مرّ ـ فإذا أحس بالمحاصرة وتكاثرت عليه الأدلة فرّ إلى القول بإنكار دوره في الفتنة ـ كما قال ذلك في رده في جريدة ( الرياض ) ، وحاول في رده في جريدة « المسلمون » تركيز هذا المفهوم والتلبيس فيه ، فلماذا ؟!
وقبل الإجابة يمكن تصوير القضية بما يلي : وعلى فرض اثباته لوجود ابن سبأ شكلاً فهو ينكره حقيقة ومضموناً. كيف ذلك ؟
لأن جوهر القضية في ابن سبأ دوره في الفتنة ، أما اثبات شخص يدعى ب ( عبدالله بن سبأ ) مقطوع الصلة عن الأحداث والفتن التي وقعت في زمنه وتلاحقت من بعده فهذا لا قيمة له من الناحية الفعلية ، سواء أثبت أو أنكر ، فغير ابن سبأ من اليهود وجد في هذه الفترة ولم يحتفل بذكره العلماء كما احتفلوا بذكر ابن سبأ.
وهنا مكمن الخطر ، فالأمر الذي يريد أن ينتهي إليه المالكي في طروحاته ويفرضه وكأنه أمر مسلم هو انكار دور ابن سبأ في الفتنة ، ولذا تراه يشكك في نسبة ( السبئية ) إليه كما مرّ ، وإذا شكك في نسبة هذه الطائفة إليه قل وزنه وضعف أثره.
وتراه من جانب آخر يحاول عزل ابن سبأ عن ( الرافضة ) والتشكيك في بعض عقائده التي بثها وكانت بعد أصولاً عند الرافضة ، كالوصية ، وهكذا تسلخ الشخصية من مكوناتها الأساسية.
إن الأمر الذي ينبغي أن يستقر في الأذهان هو إدراك أن عناية العلماء بأخبار ابن سبأ ، ورصد كتب التراث بمختلف فنونها لدوره في الفتنة ـ برغم من أنكر أو شكك ـ كل ذلك مرتبط بدوره في الفتنة ، وبذر بذور الشقاق والفتنة في الأمة ، وليس على أنه شخص موجود لا أثر له ولا اعتبار ، كما يريد المالكي ومن سبقه ـ أن يقرر ، وهيهات ، ما بقى الاتصال بمدوناتنا العظيمة ، والثقة بعلمائنا الأفذاذ ، وسيأتي الحديث عن دوره في الفتنة كاشفاً لمجازفات المالكي وافترائه وتقوله على الأئمة على الأئمة.
لماذا يدافع عنه
وفرح المالكي ـ وإن تحول بعد إلى مكروه ـ بخطأ غير مقصود ، ولبس وقع في الحديث عن ( أبي مخنف ، وعمرو بن شمر ) وانما وقع اللبس لأن سياق الكلام ورد فيه : ( أبو مخنف ، وعمرو بن شمر ، وأبو مريم ) كما جاء في تاريخ يحيى بن معين ٢ / ٥٠٠. ولكن فرحته ( تتهاوى ) على أصداء الحقيقة العلمية التي جهلها ، أو اجتزأ لبعضها عمداً لأنها لا تخدمه ، ولو كان مريداً للحق لذكرها.
لقد فات على المالكي أن ( أبا مخنف ) شرّ من ( عمرو بن شمر ) وهاك نص يحيى بن معين : سئل يحيى : أبو مخنف ، وأبو مريم ، وعمرو بن شمر ليسوا هم بشيء ، قلت ليحيى : هم مثل عمرو بن شمر ( الذي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات ). قال ( ابن معين ) : هم شرّ من عمرو بن شمر !! ( التاريخ لابن معين ٢ / ٥٠٠ ، الضعفاء للعقيلي ٤ / ١٩ ).
فإذا كان أبو مخنف شرّاً من عمرو بن شمر ، والأخير يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات ، فماذا يكون حال أبي مخنف ؟
وفضلاً عن ذلك فإن عدي ( ينص ) على تناول ( أبي مخنف ) للسلف ، ويقول بصريح العبارة « حدّث بأخبار من تقدّم من السلف الصالحين ، ولا يبعد منه أن يتناولهم ، وإنما وصفته لاستغني عن ذكر حديثه وإنما له من الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره ؟ » ( الكامل ٦ / ٢١١٠ ).
ولست أدري لماذا يتشبث المالكي بأبي مخنف هذا ، ويدافع عنه ، أو أدفع تهمة قد يتشبث بها المالكي ؟ ولست أدري أقناعة أم تغفيلاً للآخرين حين يقول عن الرجلين « لكنه ـ يعنيني ـ يريد أن يتساوى أبو مخنف في الجرح مع سيف بن عمر ، ووجد الجرح في سيف أقوى وأكثر » ( الملاحظة السابعة عشر في مقال الرياض ) ولم أقل ذلك بل قلت ولا أزال إن اشترك الاثنان في الضعف في
الحديث ، فأبو مخنف اخباري تالف وسيف اخباري عارف وعمدة في التاريخ ، وأنا في ذلك تابع غير مبتدع ، والفيصل كتب الجرح والتعديل.
الجرأة على الأئمة
«كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر » ، وليس عند أهل السنّة عصمة لأئمتهم كما يعتقد غيرهم ؟ إنما العصمة للأنبياء والمرسلين ـ عليهم السلام ـ المبلغين عن الله ، ولكن الجرأة في ( تخطئة ) هذا العالم ، و ( لمز ) العالم الآخر ، و ( النيل ) من ثالث دون مسوغ مشروع ، هذا هو مكمن الخطر ، وهو طريق لانتهاك أعراض العلماء ، ولحومهم مسمومة ، بل ولتجرئة الآخرين على التخطئة واللمز وإن لم يكونوا أهلاً لذلك.
وقد سبق لي القول بجرأة المالكي على الأئمة الأعلام ، فقد لمز ابن تيمية وحاول النيل من كتابه « منهاج السنّة » كما عرض بكتاب ابن العربي « العواصم من القواصم » وعرض بقول الحافظ ابن حجر في اعتماد سيف في التاريخ وقال : أظن أنه من الظلم للعلم أن نتعلق بقول موهم مشتبه للحافظ ابن حجر ونترك قول عشرات المحدثين الآخرين في تضعيف سيف بن عمر » ( كتاب الرياض ص ٨٥ ) مع أن كلام ابن حجر غير موهم ولا مشتبه في سيف ، لكنه لا يروق للمالكي فاضطر لهذا القول. ويستمر المالكي في التخطئة للاعلام إذا خالفوا ما يريد ، ولم يسلم ( الذهبي ) يرحمه الله من ذلك فقد قال عنه في هذا المقال الجديد ( عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق ) ما نصه : « فهذا نص من الذهبي في المساواة بين سيف بن عمر وأبي مخنف ، وأظن أن الذهبي لم يوفق للصواب فأبو مخنف فوق سيف » ؟!
ومع هذه الجرأة على الذهبي ، ففيها ظلم له ، فقد فرق الذهبي بين الرجلين ولم يسو بينهما حين قال عن سيف ( اخباري عارف ) وقال عن أبي مخنف ( اخباري تالف لا يوثق به ) وقد سبق البيان.
وبالفعل فمن يقارن بين مرويات الرجلين يجد الفرق واضحاً ، وأنا هنا أدعوا القارئ الكريم لقراءة كتاب « مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري » للدكتور يحيى بن ابراهيم اليحيى ، ليرى بنفسه نماذج التحريف والتشويه لتاريخنا وبالذات تاريخ الصحابة من قبل هذا الراوي المحترق ( أبي مخنف ) وقفوا بأنفسكم على الحقيقة ، ودعوكم من التهويش والهراء.
ولم يسلم الإمام البخاري رحمه الله من جرأة ولمز المالكي ، فقد قال في كتاب الرياض ص ٢١ « وأخرج البخاري روايات يفهم منها التقليل من بني هاشم من طريق بعض المتهمين ( بالنصب ) كقيس بن أبي حازم ، ومروان بن الحكم » قال ذلك في سياق تقريره لقبول رواية المبتدع الداعي لبدعته ؟ وستأتي مناقشة المالكي في هذه القضية.
فهل يوافق المالكي على هذه التهمة ؟
وعلى العموم فالتعريض بأعلام الأمة مسلك خطر من الكبار ، فكيف إذا وقع من الصغار ، وهو خطوة جرئية لها ما بعدها فلينتبه لهذا المسلك.
وأخطر من ذلك النيل من الصحابة.
وهذه ليست تهمة يتهم بها المالكي ، يجدها المطالع لكتبه ومقالاته بين السطور وإن جاءت بعبارات ملفوفة أحياناً لكنها لا تخفى ، وهذه نماذج لها :
١ ـ عثمان بن عفان (رض) عنه ( سبق الحديث عنه في حلقات ( الانقاذ من دعاوى الانقاذ ) وانظر كتاب الرياض ص ١٩٨.
٢ ـ معاوية بن أبي سفيان (رض) ، يعرض به ولسياسته ، ويصور الأمر بينه وبين بعض الصحابة على أنه أمر عداء ؟! انظر كتاب الرياض ص ٣٠ ، ٣١ ، ٧١ ، ٧٢ ، ٢٧٩.
٣ ـ أبو بكر وعمر (رض) ولم يسلم الشيخان من قلم المالكي فقد عرّض ببيعتيهما وشمل بذلك عثمان وعليا (رض) ، كما في ص ٢٦٢ من كتاب الرياض.
بيعة أبي بكر
ودعونا نكتفي بحديثه عن أبي بكر ، فهو يوهم القارئ بالاستدلال بأحاديث في صحيح البخاري في كره بعض الصحابة لبيعته ، ويحمِّل النصوص أكثر مما تحتمل ( ص ٢٦٣ من كتاب الرياض ).
ويتزيد في القول عن ( علي ، والزبير ) (رض) حين يقول « ولا ريب أنهما لن يتخلفا عن بيعة أبي بكر إلاّ عن عدم رضى » ( الصفحة نفسها من الكتاب ) ولا وجود لهذا التفسير في الرواية التي ساقها وإنما هذا فهمه وتعليقه ؟!
بل ويعظم أمر الكراهية لبيعة أبي بكر ـ في ذهن القارئ ـ حين يقول :
« إذن فعلى سيد بني هاشم ، والزبير بن العوام كبير بني أسد ، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ، وأبو سفيان كبير بني أمية ، وغيرهم من المتبوعين لم يرضوا ببيعة أبي بكر ، ولابد أن يكون معهم بعض قومهم على الأقل في كراهية بيعة أبي بكر » ( كتاب الرياض ص ٢٦٣ ).
فهل يصح هذا الزعم من المالكي حول بيعة أبي بكر ، حتى وإن اعتذر بعد ذلك وحتى لا ينكشف بأن هذه الكراهية لا تضر بيعة أبي بكر فقد انعقدت ، وبايع بعض الكارهين كالانصار وتريث بعضهم كعلي والزبير ، وامتنع بعضهم
كسعد بن عبادة ، كما يقول في ص ٢٦٣ ، ٢٦٤ ).
ساكتفي بنقل بعض كلام الإمام الآجري المتوفى سنة ٣٦٠ ه رحمه الله وفي كتابه العظيم « الشريعة » وعن بيعة علي (رض) وعن أبي بكر (رض) ، وبيعة المهاجرين والأنصار.
بيعة المهاجرين والأنصار
فقد أورد محمد بن حسين الآجري في كتابه الآنف عدداً من النصوص والآثار في بيعة علي وأبي بكر (رض) بل وفي فضله وخيرته وتقدم فضله على الصحابة ، ثم قال : « من يقول على علي بن أبي طالب (رض) في خلافة أبي بكر غير ما ذكرناه من بيعته له ، ورضاه بذلك ، ومعونته له ، وذكر فضله ، فقد افترى على علي (رض) ونحله إلى ما قد برأه الله عز وجل من مذهب الرافضة الذين قد خطى بهم عن سبيل الرشاد ».
ثم يقول ( الآجري ) فإن قال قائل بأنه قد روي أن علي بن أبي طالب (رض) لم يبايع أبا بكر إلا ّ بعد أشهر ثم بايع قيل له إن علي بن أبي طالب عند من عقل الله عز وجل أعلى قدراً وأصوب رأياً مما ينحله إليه الرافضة ، وذلك أن الذي ينحل هذا إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رض) عليه فيه أشياء لو عقل ما يقول ، كان سكوته أولى به من الاحتجاج به ، بل ما يعرف عن علي (رض) غير ما تقدم ذكرنا له من الرضى والتسليم لخلافة أبي بكر الصديق (رض) وكذا أهل بيت رسول الله (ص) يشهدون لأبي بكر بالخلافة والفضل » ( الشريعة ٤ / ١٧٣٠ ، ١٧٣١ تحقيق د. عبدالله الدميجي ).
أما عن بيعة المهاجرين والأنصار لأبي بكر الصديق فيقول ( الآجري )
عنها « كان كما قال النبي (ص) ما اختلف على أبي بكر بل تتابع المهاجرون والأنصار وعلي بن أبي طالب ، وبنو هاشم على بيعته والحمد لله ، على رغم أنف كل رافضي مقموع ذليل قد برأ الله عز وجل علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (رض) عن مذهب السوء » ( الشريعة ٤ / ١٧٣٤ ).
د. العودة يعقب على طروحات المالكي |
أدعوه للمحاكمة أمام لجنة علمية (٢ / ٢)
صحيفة المسلمون ـ ٢٥ جمادى الاولى ـ ١٤١٨ ه
استعرضت في الحلقة الماضية عدداً من المحاور المؤلفة لشخصية المالكي وأبنت عن ملامح من منهجه وأفكاره ، معتمداً في ذلك على نصوص نقلتها من كتابه ( نحو انقاذ التاريخ الإسلامي ) ، أو من مقالاته وردوده في الصحف ، وأستكمل في هذه الحلقة ملامح أخرى من منهجه وأفكار وبنفس الطريقة العلمية السابقة.
ولكنني قبل ذلك أقف عند ملاحظة تلفت النظر في أدبيات الحوار عند المالكي ، فهو يستخدم أسلوب الهجوم ، ويسيء الأدب مع من يحاور ، ويتهم
غيره بالتغفيل والسذاجة وعدم تحري الأمانة العلمية الخ مسلسل التهم.
ولربما خرج المالكي عن طوره ، واستخدم عبارات سوقية ساقطة ، ليست من حلية العلماء ولا المتشبثين بمنهج المحدثين ، ولا من سيما النقذين ، فمصطلح ( التهريب ) يزل به قلمه ، وليته سأل نفسه : وماذا يستفيد ( المهربون لشخصية ابن سبأ ) تلك الشخصية اليهودية المفسدة وهل أدرك المالكي أنه بهذه التهمة لا يتهم ( العودة ) وحده وإنما يتهم العلماء قديماً وحديثاً بتهريب هذه الشخصية فلم آت بجديد ، وانما اعتمدت في كل ما سجلت نصوص العلماء وآراءهم.
وهذا الهجوم وتلك التهم لا يمكن تفسيرها برغبة التفوق وحب الشهرة وحدها ، فهذه وإن وردت تفسيراً جزئياً ، فعندي أن هناك أمراً آخر يدعوه لمثل هذه الأساليب ، ألا وهو إبعاد شبح التهمة عنه بتهمة الآخرين والدفاع عن أخطائه وانحرافاته بالاسقاط على الآخرين ، على طريقة ( الهجوم خير وسيلة للدفاع ) ولكن هذه لن تجدي فتيلاً ، فالحق أبلج وإن أثير حوله من الغبار ما أثير فترة من الزمن ، والباطل سينكشف ولو زخرفه أصحابه بغرور القول.
أما الشحن النفسي ، والتوتر العصبي ، والحدة في النقد ، فتلك مكونات لا يكاد ، ينفك عنها قلمه ، وكنت قد نصحت له من قبل بأن الحق المدعوم بالدليل لا يحتاج لمثل هذه الاسقاطات والاتهامات ، بل يفهم الناس من حدة النقد ، وتجاوز الناقد ضعف الحجة ، وغياب الدليل المقنع ، مما يضطر معه الناقد إلى التهويش والتهم وحين تأكد لي أن رسالتي ( الأولى ) بلغته ، بل وأحفظته ، فما أردت منها ـ علم الله ـ إلاّ النصح له ولغيره ، وكان أولى به أن يقبل الحق ويرعوى إليه لا أن يظل يماري ويحاول بالباطل.
ولي أو لغيري أن يفهم ان هذه الخصومة تخفي ما تخفي وراءها ، فليست القضية اختلافا في تحقيق هذه المسألة أو تلك ، أو ضعف هذه الرواية أو صحتها فتلك قضايا تتسع لها دائرة الخلاف ، وما فتئ العلماء قديماً وطلاب العلم حديثاً يختلفون ثم يتفقون ، أو يظل كل أحد منهم مقتنعاً بأدلته دون أن يتهم المخالف له.
منهج المالكي
ومن خلال التأمل في مقالاته الأخيرة أو كتاباته الأخرى أمكنني رصد عدد من محاور الخلل وسمات المنهج ، وحيث أثبت عن بعضها في الحلقة الماضية استكمل بعضها الآخر في هذه الحلقة وهذا بحدود ما قرأت له حتى الآن.
١ ـ المجازفة باصدار الأحكام ، ودعوى عدم ذكر العلماء لدور ابن سبأ في الفتنة.
لا يتورع المالكي من المجازفة بالاحكام ، والتقول بغير حق على الأئمة الاعلام ، وان اتهم غيره بذلك حين قال : « التاريخ الإسلامي مبتلى ببغض العلماء الذين يجازفون باصدار الاحكام المستعجلة حول الأحداث والمواقف والأشخاص » ( كتاب الرياض ص ٧ ).
وحتى تقفوا على الحقيقة ، أسوق لكم نموذجاً واحداً ، وأنقل لكم كلماته بحروفها ثم أعرض ما يبين زيفها ، وأدع لكم الحكم على أصحاب المجازفة ومثيلاتها يقول المالكي في رده في « المسلمون » :
ولذلك تكلم المحدثون والمؤرخون المتقدمون عن الفتنة ولم يذكروا عبد الله بن سبأ بحرف واحد ، حتى الذهبي وابن حجر لم يذكروا دور عبد الله بن
سبأ في الفتنة بحرف واحد ».
وهذه فرية يتحمل المالكي مسؤوليتها ، وأسوق لكم ما ينقضها ، واكتفي بنموذج للمحدثين يمثله ( الآجري ، ت ٣٦٠ ) وهو من حفاظ المحدثين ـ كما قال ابن الأثير ( الكامل في التاريخ ٧ / ٤٤ ) والمحدث القدوة وشيخ الحرم الشريف كما قال الذهبي ( سير اعلام النبلاء ١٦ / ١٣٣ ) ، ومما قاله الآجرى عن دور ابن سبأ في باب : سبب قتل عثمان رضى الله عنه : « فإن قال ( قائل ) ، فمن الذي قتله قيل له : طوائف أشقاهم الله عز وجل بقتله حسداً منهم له ، وبغياً ، وأوردوا الفتنة
فإن قال : فمن أين اجتمعوا على قتله قيل له : أول ذلك وبدو شأنه أن بعض اليهود يقال له ابن السوداء ويعرف بعبد الله بن سبأ لعنه الله زعم أنه أسلم ...
إلى قوله : فهكذا عبد الله بن سبأ أظهر الإسلام ، وأظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وصار له أصحاب ثم ورد إلى البصرة فصار له بها أصحاب ، ثم ورد إلى مصر فصار له بها أصحاب كلهم أهل ضلالة ثم تواعدوا الوقت وتكاتبوا ثم ساروا إلى المدينة فقتلوا عثمان رضى الله عنه ( الشريعة ٤ / ١٩٨٧ / ١٩٧٩ ) ومن رجع إلى بقية كتب أهل العلم وجد مثل ذلك أو قريباً منه ، فهل رأيتم مثل هذه الفرية وأن الأمانة العلمية التي يدعيها المالكي ويتهم الآخرين بفقدانها ؟
أما الذهبي ، وابن حجر اللذين خصمها المالكي وحكم عليهما ظلماً وعدواناً بأنهما لم يذكرا دور ابن سبأ في الفتنة بحرف واحد فدونكم زيفها ونقضها ففي تاريخ الإسلام ٢ / ١٢٢ ، ١٢٣ ذكر الذهبي أن ابن سبأ هو المهيج
للفتنة بمصر ، وباذر بذور الشقاق والنقمة على الولاة هذا فقط في كتاب تاريخ الإسلام.
أما ابن حجر : فيكفينا منه القول عن ابن سبأ ودوره في الفتنة : وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ ( لسان الميزان ٣ / ٣٤٥ ط دار الكتب العلمية ).
وإذا كان يجهل المالكي أو يتجاهل بما اشتهر ابن سبأ في كتب التاريخ فغيره لا يجهل ذلك ونقل في الفتح عن الاسفراييني خبر إحراق علي لطائفة السبئية وكبيرهم عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أظهر الإسلام وابتدع ما ابتدع ، ثم نقل أصلا له في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص بسند قال عنه : وهذا سند حسن ( الفتح ١٢ / ٢٧٠ ).
وإذا بطلت دعوى المالكي على الهذبي وابن حجر ، تهاوت دعاواه الأخرى على العلماء والأئمة الآخرين ، وكانت تلك واحدة من أدلة جرأة المالكي على العلماء وعلى كتب التراث ، وأوجب ذلك كله الاحتياط لما ينقله مستقبلاً.
ألا فينتبه لذلك أنصاف المثقفين الذين ربما غرهم طرح المالكى ، واعتمددوا على جزمه ولم يتبينوا كذبه على العلماء ، ومن رام فريد البيان فاليرجع إلى كتب التراث وسيجد فيها ما يشفيه وسيتبين له كذبه على مؤلفيها بعدم ذكر دور ابن سبأ في الفتنة ، وقد اكتفيت بذكر نموذج كذبه ولئن كنا غير محتاجين لرأي المالكي ، أنكر أم أثبت دور ابن سبأ ، أم ظل حائراً قلقاً بين اثبات الوجود وانكار الدور ، فلذلك لتشخيص موقفه لا أكثر.
٢ ـ النيل من الصحابة
سبق في الحلقة الماضية الاشارة إلى نماذج من نيل المالكي من الصحابة وأضيف هنا وحين يتحدث المالكي عن فترة القتال على الملك يحشر عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما فيها ، ويشير إلى قتاله مع بني أمية كنموذج من نماذجها ( انظر كتاب الرياض ص ١٨٤ ).
وهذه تهمة لا بن الزبير رضى الله عنهما ، والرد عليها بامرين :
أ ـ فإن شاء بمنهج الذي يردده كثيراً بعدم اتهام النوايا ، قلنا له : إن ابن الزبير نفسه أبان عن هدفه من القتال في حديثه مع أمه أسماء بنت أبي بكر رضى الله عنهم حين سألته عن هدفه من القتال فأجاب بقوله : « والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا لغضب لله أن تستحل حرمته » ( ابن كثير : البداية والنهاية ٨ / ٣٥٤ ، ٣٥٥ ) فهل يسوغ لك أن تهتم نية صحابي كبير في العلم والشرف والجهاد والعبادة وإن كان من صغار الصحابة كما قال الذهبي ( السير ٣ / ١٦٤ ).
ب ـ وإن شاء بمنهج أهل الحق الذين قدروا ابن الزبير حق قدره ، وذكروا من مناقبه وفضائله ما يصعب معه حشره مع المقاتلين على الدنيا ، وهذه نماذج منها :
ـ أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال حين وقع بينه وبين الزبير قلت ( ابن عابس ) أبوه الزبير ، وأمه أسماء وخالته عائشة ، وجده أبو بكر ، وجدته صفية ( انظر : الفتح ٨ / ٣٢٦ ).
فماذا تفهم من كلام ابن عباس في ابن الزبير رضى الله عنهما ، وإن لم
يوافقه في بعض أمره فقد ذكره ابن حجر في الفتح ٨ / ٣٢٧ ) عن ابن عباس رواية تفيد استحقاقه للبيعة ، ولماذا لم يبايعه ابن عباس.
ـ وفي صحيح مسلم أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، وقف على ابن الزبير وهو مصلوب ـ مسلم عليه وكرر ، السلام عليكم يا أبا خبيب ، أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا ( ثلاثا ) ما علمت :
صواماً ، قواماً ، وصولاً للرحم أما والله لأمة أنت شرها لأمة خير منهم وإن لم يوافقوه على القتال فلم يتهموه بفتنة ولم يرموه بالقتال من أجل الملك. فما مستند المالكي على هذه التهمة.
ج ـ وأكد ابن كثير أن قيام ابن الزبير بالامارة إنما كان لله ، وذلك في سياق رده لحديث منكر جدا في اسناده ( القمي ) وقد تشيع ، ومثله كما قال ابن كثير لا يقبل إذا تفرد به. إلى أن قال ابن كثير :
« وبتقدير صحته ، فليس هو بعبد الله بن الزبير ، فإنه كان على صفات حميدة وقيامه بالإمارة إنما كان لله عز وجل ، ثم هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة » ( البداية والنهاية ٨ / ٣٣٩ ).
إذا ثبت هذا فأين كلامك في ابن الزبير هذا واتهامك إياه بالقتال على الملك ، وكلامك الآخر قبل ذلك وفي الكتاب نفسه ص ٤١ ، حين قلت : « بينما لم نجد من يدافع عن الخليفة الرابع أو ابن الزبير !! »
فهل هذا هو الدفاع عندك عن ابن الزبير أليس هذا تناقضا !
٣ ـ الهوى مع المبتدعة
يتناقض المالكي مع نفسه ، ولا يلتزم منهجاً محدداً ، فتراه حيناً يتشدد
في الرواية ، ويلوذ بالثقات ، وينعى على المتساهلين ، ويلوم على المتشبثين برواية الضعفاء ، ولو لم يكونوا أصحاب دعة مذهبية.
ثم تراه يدافع عن الرواة الضعفاء ، وإن كانوا أصحاب بدع مذهبية كما صنع في دفاعه عن ابن مخنف.
وكما نص على اعجابه بدراسة مرتضى العسكرى من الرافضة المعاصرين وفوق ذلك يرد على د. عبد العزيز نور ولى في رسالته ( اثر التشيع على الروايات التاريخية في القرن الأول الهجري ).
ثم يقرر المالكي « ان الذي عليه أهل الحق من أهل الجرح والتعديل ان البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وإن كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد لبدعته » ( كتاب الرياض ص ٢١٠ ).
وهذه المسألة ـ قبول رواية المتبدع الداعي إلى بدعته ـ وإن كانت خلافية بين العلماء ، فالاكثر على رفضها كما قرر أهل العلم ، وهذه بعض أقوالهم :
١ ـ ذكر أبو حاتم محمد بن بسنده أن أحمد سئل : عن القدرى والمرجئ وغيرهما من أهل الأهواء فكتب عنه قال : نعم إذا لم يكن يدعوا إليه ، ويكثر الكلام فيه ، فأما إذا كان داعيا فلا ( المجروحين ١ / ٨٢ ).
٢ ـ وادعى ابن حبان الاتفاق على رد الداعية وقبول غيره ( الثقات ٦ / ١٤٠ ) وإن لم يوافقه العراقي ، وابن حجر على هذا الاتفاق ( انظر : تدريب الراوي ٢ / ٥٤٩ ).
٣ ـ وحكى بعض أصحاب الشافعي رحمه الله خلافا بين أصحابه في قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته وقال : أما إذا كان داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته ( مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤ ).
٤ ـ وقال الحافظ ابن رجب في شرح الترمذي في الرواية عن أهل الأهواء والبدع اختلاف حتى قال : وفرقت طائفة بين الداعية ، وغيره فمنعوا الرواية عن الداعية منهم : ابن المبارك ، وابن مهدي ، ويحيى بن معين ، وأحمد ، وروى أيضاً عن مالك ( انظر تدريب الراوي ٢ / ٥٥٠ ).
وقال ابن الصلاح : « والمذهب الثالث ( عدم الرواية عن المبتدع الداعى إلي بدعته ) أعدلها وأولاها » وقال أيضاً : « وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء » ( مقدمة ابن الصلاح ص ٥٤ ، ٥٥ ).
٦ ـ ويفرق الذهبي بين البدعة الصغرى والكبرى ، ثم يقول : « وبدعة كبرى كالرفض الكامل ، والحط على أبي بكر وعمر رضى الله عنهما ، الدعاء إلى ذلك ، فهذا النوع لا يحتج به ولا كرامة » ( الميزان ١ / ٦ ).
وقال في السير : « وترددوا في الداعية هل يؤخذ عنه ، فذهب كثير من الحفاظ إلى تجنب حديثه وهجرانه » ( سير أعلام النبلاء ٧ / ١٥٣ ، ١٥٤ ).
وفي ( الموقظة ) قال الذهبي : قال شيخنا : وهل تقبل رواية المبتدع فيما يؤيد مذهبه فمن رأى رد الشهادة بالتهمة لم يقبل ، ومن كان داعية متجاهراً ببدعته فليترك إهانة له واخمادا لمذهبه ، اللهم إلاّ ان يكون عنده أثر تفرد به فتقدم سماعه ، ( الموقظة ص ٨٧ ).
٧ ـ وللحافظ ابن حجر كلام عن أهل البدع عموماً ، وخاصة أهل التشيع ، فقد فرق بين مفهوم المتقدمين والمتاخرين للتشيع ، وقال بقبول رواية المتشيع في عرف المتقدمين ( تفضيل علي على عثمان ) إن كان غير داعية ، أما التشيع في عرف المتأخرين فهو الرفض المحض فلا تقبل رواية الرافضي الغالي ولا كرامة ، ( تهذيب التهذيب ( ١ / ٩٤ ).
أكتفي بهذه النقول وأقول : وهل تتفق هذه مع قولة المالكي « الذي عليه الحق من أهل الجرح والتعديل أن البدعة لا تؤثر في رواية الثقة حتى وان كانت هذه الرواية يفهم منها تأييد بدعته » وأدع الحكم لأهل الاختصاص.
أما الأمر الذي ينبغي أن يعلم فهو تشدد العلماء في الرواية عن الرافضة بالذات حتى قال الشافعي رحمه الله :
« لم أر أشهد بالزور من الرافضة » ( الأم ٦ / ٢٠٦ ).
وقال يزيد بن هارن : « يكتب عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية الإّ الرافضة ».
وقال شريك : « احمل العلم عن كل من لقيت إلاّ الرافضة ».
وقال ابن المبارك : « لا تحدثوا عن عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف » ( تدريب الراوي ٢ / ٥٥٣ ).
الخروج من المازق
لا يتورع المالكي عن الكذب على الآخرين واتهامهم ، فهذا لم يفهم قصده : وهذا يتهم نيته ، وثالث أساء له وهو في كل ذلك يعلم الحقيقة لكنه أسلوب للخروج من المازق ، وربما كان وسيلة لاستعطاف مشاعر الآخرين معه ، وكيف يتهمه الناس في نيته ـ كما يقول ـ والنقل ( حرفياً ) من كتبه أو مقالاته ولو قدر أن ( شخصاً ) أساء فهم ما كتبه ، فهل يعقل أن يجتمع الناس كلهم على سوء الفهم ضده.
والمتأمل في ( ردوده ) يرى هذه ( الشنشنة ) مقدمة يبدأ بها حديثه وتكاد تتفق في عباراتها ، وقد استجمعت ( نماذج ) لذلك كما في الملاحظة الأولى
وعباراته ( المتردده ) و ( الغامضة ) في ابن سبأ ( وجوداً أو نفياً ) نموذج للكذب ، وان شئت فقل نموذج للتناقض والريب ، وتلك واحدة من ثمار الكذب.
وثمة نموذج آخر فقد قال في مقاله الأخير في الرياض ( وفي الملاحظة الحادية عشرة ) « والغريب أن الدكتور ـ يعنيني ـ يحرف كلامي ثم يحيل على كتاب الرياض وعلى كتاب بيعة علي حتى أنني أظن أنني أخطأت فإذا رجعت أجد كلامي خلاف ما يقرره فأين الأمانة العلمية ولماذا هذه الأساليب » وأقول وحتى تكتشفوا كذبه عودوا إلى مقالاتي في ( الانقاذ من دعاوى الانقاذ ) ولن تجدوا فيها ( أي ) إحالة على كتابه « بيعة علي » فلم أنقل منه نصه ، بل ولم أقتن الكتاب بعد فضلا عن اطلاعي عليه ، فضلا عن إحالتي عليه ـ فأي الفريقين أحق بالأمن وأين اتهام الآخرين بضعف الأمانة العلمية ويعود السؤال لمن سأل : ولماذا هذا الأساليب وهل تدخل هذه في اطار الصدق أم هي ضمن مجموعة للكذب ؟
وثالثة في كذبه على الامامين ( الذهبي وابن حجر ) بأنهما لم يذكرا دور ابن سبأ في الفتنة لا بحرف واحد يضاف إليه كذبه في ايراد الروايات عن ابن سبأ من غير طريق سيف بن عمر وقد سبق بيان ذلك.
المراوغة
والمراوغة والحيل الباطلة عيب في سلوك المرء بشكل عام ، وهى في قضايا العلم وطرائق الانقاذ أشد خطرا ، وهذا الخلل لا يقل عن سابقه سوءا ، فالمالكي حين تضطره إلى طريق مسدود ليس أمامه إلا الاعتراف بالحق أو رفضه ، يلجأ إلى أسلوب ثالث هو : تناسي القضية الكبرى المطروحة للنقاش
والهروب من النقطة الجوهرية في الخلاف ، والتشبث بأمور جانبية يشغل بها القارئ ولا يخرج منها برأي محدد ، ومن أبرز الأمثلة على ذلك ـ وفي مقاله الأخير فقط ـ أطال الكلام على المرويات الثمان وفقدها وأنكر أسناد البعض منها واعترف بصحة اسناد بعضها ، وطرح فيها قضايا للنقاش لأول مرة وأضاف إليه مرويات جديدة ـ وكل هذه القضايا قابلة للنقاش ـ ولكن المراوغة تكمن في هروبه من أصل القضية ، فلم تستوقفه قضية كونها جاءت من غير طريق سيف وهذا ما قطع بخلافه وهي محور الخلاف كما سبق البيان.
وحين يقول في الملاحظة السابعة ـ من هذا المقال ـ ما نصه « إذا كان د. سليمان لا يعرف إلا ثماني روايات فيها ذكر لابن سبأ من غير طريق سيف فغيره قد يعرفها وزيادة ، وليست موطن النزاع كما سيأتي » ويقول في كتاب الرياض ص ٢٦٠ ما نصه : « مع أن سيفا قد انفرد برواية أخبار ابن سبأ » أمكن رصد المراوغة بما يلى :
١ ـ أليس موطن النزاع عدم ورود أي مرويات من غير طريق سيف ـ حسب زعمه ـ فكيف ينتكر لموطن النزاع ؟
٢ ـ وإذا كان لديه علم مسبق بهذه المرويات التي لا تنتهي إلى سيف فكيف قطع بخلافها ولماذا لم يذكرها من قبل ؟
٣ ـ هل تجدونه عرج على مقولته السابقة في كتاب الرياض واعترف بخطئة فيها ولا يمنع بعد ذلك أن يبدأ النقاش في هذه المرويات.
وإذا كان هذا نموذجاً ، فثمة نموذج آخر ، قد يكون فات على كثير من القرّاء لكنه لا يفوت على المالكي بكل تأكيد ، وهو يؤكد المراوغة ، والحيدة عن الإجابة على الأسئلة المطروحة.
ففي مقالاتي السابقة طرحت عددا من الأسئلة المهمة لم يعرج عليها المالكي البتة ، ولم تستوقفه في مقاله الطويل ، وأنا الآن أعيد طرحها ولا زلت انتظر إجابته ( الصريحة عليها ).
لماذا ( لمز ) ابن تيمية وكتابه منهاج السنة بالذات ؟
ولماذا النيل من كتاب ( العواصم من القواصم ) لابى بكر بن العربي ؟
وكيف اعتبر المالكي طه حسين منصفا في بعض القضايا أكثر من المؤرخين الإسلاميين وطه حسين صاحب الشعر الجاهلي ، وصاحب الشك في أعظم مصادرنا وهو القرآن الكريم وهو القائل « للتوارة أن تحدثنا عن ابراهيم واسماعيل ، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً ، ولكن ورود هذين الاسمين في التوارة والقران لا يكفي لاثبات وجودهما التاريخي فضلا عن اثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة اسماعيل وإبراهيم إلى مكة » ( الشعر الجاهلي ٢٦ ).
لماذا التشبث والدفاع عن ( أبي مخنف ).
هذه وأمثالها قضايا أثارها المالكي بطوعه واختياره ـ وليست تهما ـ تنسب إليه فهو ملزم بالإجابة عنها ، والاعتذار عن ما كتبه فيها ، أما المراوغة فليست من شيم الرجال ، وهي مكشوفة للأجيال !
النيل من المشاهير
لا تكاد تخطئ عين القارئ المتأمل لكتابات المالكي تلميعه وثناءه على أشخاص مشبوهين ، ونيله بأسلوب مباشر أو غير مباشر من مشاهير العلماء ، بل ربما عرض ببعض الصحابة الكرام من وراء وراء ؟
وفوق ما مضى في القفزة ( السابقة ) ، بل وفي حلقات الانقاذ من دعاوى
الانقاذ ( الماضية ) من ذكر نماذج لهؤلاء وأولئك ، فيأبى المالكي في مقاله الأخير ( عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق ) إلا أن ينال من الإمام ( الذهبي ) ويجعل من نفسه حكما على تخطئته إذا خالف هواه في ( أبي مخنف ) الشيعي المحترق ، ونص كلامه عن الذهبي هو : « فهذا نص من الذهبي في المساواة بين سيف بن عمر وأبي مخنف ، وأظن أن الذهبي لم يوفق للصواب » ( الملاحظة السادسة عشرة ).
كما سبق في الملاحظة ( السابعة ) انتقاده لكلام الحافظ ابن حجر حين خالف منهجه في اعتماد سيف بن عمر في التاريخ.
وليس يخفى موقفه من ابن تيمية وابن العربي ، وغيرهما مما سبق بيانه وإذا جاء التأكيد من مرة أن أحدا ليس معصوما من الخطا ، فاللافت للنظر في منهجية المالكي تسارع نقده لهؤلاء العلماء ، فما أن ينتهي من عالم حتى تبدأ سهامه تتناوش الآخر ، ولا ندري ماذا في جعبته مستقبلاً !
وهل ( حِمى ) العلماء مستباح لكل ناقد إن بحق أو بباطل ، وهل يترك صغار الطلبة يجرحون أو يعدلون مشاهير العلماء كما يشاءون !؟
ولست محتاجا إلى إعادة القول في تهوين المالكي من شأن المستشرقين ، والثناء على أذنابهم من المستغربين ، ولا العناية والتمجيد لأبحاث الشيعة المحدثين ، فضلا عن الدفاع عن رواتهم المستقدمين أليس ذلك خللا في المنهج وأحرى بالرصد والمتابعة ؟
التراجع شكلاً لا مضموناً
من يتأمل ( مراجعات ) المالكي لا يجد فيها ـ حتى الآن ـ شيئاً ذا بال ، إذ
لم يعلن تراجعه عن قضية كبرى من القضايا التي طرحها ، ولم يوافقه الآخرون عليها والمختصون وسواهم منذ بدأ طرحه يفندون وجهة نظره بالأدلة العلمية ويكشفون خلل منهجه من خلال طروحاته الغربية الفجة ، ولم نسمع حتى الآن أنه تراجع عن شيء أثبت له خلافه أكثر من سماعنا عن غرامه بالرد وعشقه الجدل والمراء.
ولئن كتب مقالا خاصا عن ( مراجعاته ) وأعلن فيه عن مراجعات شكلية كانت بالفعل محل استغراب عند بداية طرحه ، ثم أنستها القضايا الكبرى التي طرحها ، فلم يعلن في هذا المقال تراجعه عن قضايا مهمة خالف فيها غيره ، وسبق له من الأدلة ما يكفي للاقناع.
ويحلو للمالكي أن يجعل أخطاءه في الثناء على طه حسين ، واعجابه ببحث مرتضى العسكري ، والدكتور الهلابي خاتمة لمقالي المراجعات ، ولا يضعها في مقدمة القضايا والمراجعات ، وتأتي صياغته لهما على شكل تعقيبات وملاحظات على هؤلاء ، ولست أدري هل ستأتي هذه التعقيبات قريباً أم سيتأخر صدورها ، وأهم من ذلك هل ستأتي ملاحظات وتعقيبات ذات بال أم هي ارضاء خواطر ، واتقاء للصدمة المستنكرة لا نستطيع الجزم بشيء قبل أن نتبين ، ولكن الذي يظهر لنا حتى الآن أن مراجعاته ( شكلية ) وخذوا نموذجا على سبيل المثال : يقول المالكي في مراجعاته كما أن لي ملاحظات على بحث استاذنا د. عبد العزيز الهلابي عن عبدالله بن سبأ ، لكن تلك الملاحظات لا تقدح في النتيجة التي توصل إليها لكنها تجعلني أتوقف في متابعة تلك النتائج بكل تفاصيلها.
واذا كان أبرز نتائج دراسة د. الهلابي القول بأن شخصية ابن سبأ وهمية لم
يكن لها وجود ، فإن وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد أنه لم يقم بالدور الذي أسند إليه سيف وأصحاب كتب الفرق ( ص ٧٣ من حولية كلية آداب الكويت ).
فالمالكي يقرر سلفاً مشاركته الأفكار أو التشكيك الفعلي لابن سبأ ، سواء كان ذلك التشكيك في وجوده أو انكار دوره في الفتنة ، وبالتالي يسقط الرهان الذي راهن عليه في التفريق بين أمرين متلازمين ، وتبقى بعد ذلك مراجعاته وحسب ما قطع به من عدم القدح بالنتيجة التي توصل إليها استاذه الهلابي ـ في أمور شكلية أو في تفاصيل تتسع لها دائرة النقاش والخلاف.
وعلى كل حال فنحن أولا : نرحب بالرجوع للحق ، ولكن الذي ننشده أن يشمل القضايا الكلية ، وألا يكون حجم العنوان أكبر من واقعة ..
ثانياً : أن يسارع المالكي لما وعد به ، فتصحيح الأخطاء أولى من المضى قدماً في استحدات قضايا جديدة قد تحمل في ثناياها ما يدعو إلى مراجعة لها مستقبلاً ، فتضخم الأخطاء ، وربما شكل الاعتذار عنها ثقلاً على النفس أخر بيانها.
ثالثا : وتعني المراجعات استصلاح الأخطاء ـ بعد إعلانها على الناس ـ في الكتب المطبوعة وتصحيح ما بنى عليها من مفاهيم ونتائج متعلقة بها.
رابعاً : وإن يكون التصحيح بلغة ومفهوم يرضى به العالمون وأهل الاختصاص ، وألا يكون مما يرضى به الدهماء وعوام الناس.
وحين يتحقق ذلك كله تعتبر المراجعات ، ويقدر للمراجع تراجعه ، وكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
المالكي بين المباهلة والمحاكمة :
يسارع المالكي ، ويكرر دعوته لأكثر من شخص من الأشخاص الذين ردوا عليه بالدعوة للمباهلة ، أو المحاكمة.
أما المباهلة التي طلبها من الأخ علي رضا فقد أحسن علي رضا حين دعا المالكي إلى أن يبتهلوا إلى الله تعالى بما يلى :
١ ـ من كان في قلبه خبئته على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهلكه الله.
٢ ـ من كان في قلبه دخن على شيخ الإسلام ابن تيمية فأهلكه الله.
٣ ـ من كان في قلبه غل على العقيدة السلفية فأهلكه الله.
٤ ـ من كان في قلبه غش على منهج السلف الصالح فإهلكه الله !
ونحن نقول : اللهم آمين ، وندعو المالكي للدعاء بمثله لنؤمن على دعائه ، ونسأل الله أن يجعل لعنته على الكاذبين.
أما المحاكمة فهي من عجائب طروحات المالكي ، وإلا فكيف يرضى بالتحاكم إلى قسم من الأقسام وفي إحدى الكليات ، وهو الذي رفض الحكم من عدد من الأقسام ، ممثلة لعدد من الجامعات !
أو ليس الذين ردوا عليه ـ مختصين أو غير مختصين ـ ينتمون لعدد من الأقسام العلمية ، ويمثلون عدة جامعات ، فإذا رفض ردود هؤلاء وتنكر لآرائهم فهل سيقبل غيرهم ، أم يظن أن طروحاته المشككة تجاوزت دهماء الناس إلى أساتذة الجامعات كلا فقد بغلني أن سيلاً من الردود كتبت ضده وإن لم تر النور بعد.
أما أهل الاختصاص فظني أن عدداً منهم لو أتيحت له الفرصة
فسيكشف الخلل أكثر ويعرى المنقذ.
الدعوة لتشكيل لجنة للنظر في كتابات المالكي : وأهم من ذلك كله ، وطالما أن المالكي دعا بنفسه إلى المحاكمة فإنني أدعوا إلى تشكيل لجنة من أهل الاختصاص والعلم الشرعي للنظر في كتابات المالكي.
فإن وجدت فيها تشويها للحقائق أو اعتداء على كتب التراث أو اتهاماً لعلماء السنة ولمزاً لهم أو لكتبهم أو تجاوزات في العقيدة أو ميلاً في المذهبية أو نحواً من ذلك فينبغي أن يوقف عند حده وترفع للجهات المختصة ما يكفل قطع دابر الفتنة وانهاء سبل الإثارة والتشكيك في تاريخنا وفي تراثنا ، وفي ذلك حماية للأمة وإلزام بمنهج أهل السنة والجماعة ، المنهج الذي ندعو إليه جميعاً.
الفهرس
آراء وأصداء حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف............................... ١
مقتطفات مصورة........................................................... ١١
عن الصحف السعودية..................................................... ١١
أجوبة السيد العسكري..................................................... ٢١
صور ومقتطفات............................................................ ٤٣
آراء وأصداء............................................................... ٦٣
حول عبدالله بن سبأ وروايات سيف.......................................... ٦٣
في الصحف السعودية...................................................... ٦٣
القعقاع بن عمرو حقيقة ام اسطورة (٣)...................................... ٦٥
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٤)...................................... ٧٥
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٥)...................................... ٨٥
المالكي والتاريخ........................................................... ٩٥
القعقاع بن عمرو حقيقة أم اسطورة (٦).................................... ١٢٥
دروس من معركة القعقاع................................................... ١٣٧
مراجعات................................................................ ١٤٧
الإنقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي.............................. ١٥٧
رداً على المالكي ( ١ / ٤ ).............................................. ١٥٧
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٢ / ٤)..................... ١٦٧
الهوامش :............................................................... ١٧٨
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٣ / ٤)..................... ١٨١
الهوامش :............................................................... ١٩٤
الانقاذ من دعاوى الإنقاذ من التاريخ الاسلامي (٤ / ٤)..................... ١٩٥
عبدالله بن سبأ وكاسحات الحقائق......................................... ٢١١
عن القعقاع وسيف بن عمر (١ / ٣)...................................... ٢٤١
عن القعقاع وسيف بن عمر (٢ / ٣)...................................... ٢٦١
عن القعقاع وسيف بن عمر (٣ / ٣)...................................... ٢٨٣
ينبغي أن لا نتسرع في اطلاق الاحكام على تراثنا........................... ٢٩٧
قبل استيعابه (١ / ٢).................................................... ٢٩٧
د. سليمان العودة في سطور............................................... ٣١٤
أخبار ابن سبأ والسبئية ليست قصراً على................................... ٣١٥
سيف بن عمر (٢ / ٢).................................................. ٣١٥
بماذا تعلقون على موقف الهلابي منها ؟.................................... ٣٢٢
أنا على استعداد للمحاورة حول الامور الجوهرية............................ ٣٢٩
للرجوع الى الحق......................................................... ٣٢٩
تهريب عبد الله بن سبأ.................................................... ٣٣٦
أردت نشر الحقائق العلمية مع بيان مغالطات............................... ٣٤٩
من شكك فيها (١ / ٢).................................................. ٣٤٩
أدعوه للمحاكمة أمام لجنة علمية (٢ / ٢)................................. ٣٦٩
الفهرس.................................................................. ٣٨٧