حوار مع صديقي الشيعي
المؤلف: الهاشمي بن علي
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحوار يعتبر من أهمّ العوامل المؤدّية إلى توسيع آفاق الرؤية ، وإثراء الرصيد المعرفي بالمعلومات الجديدة ، وتخطّي الحواجز الموجودة بين الّذين يختلفون معاً في الرأي ، لأن فيه يكتسب كلّ من طرفي الحوارـعن طريق تبادل الرأي وتلاقح الفكرـالرؤية الواضحة عن فكر الآخر ، فيؤدّي ذلك إلى التفاهم والتقارب الفكري بين الطرفين ، يشعر كل منهما بأن الآخر يساعده للوصول إلى الصورة الكاملة عن الحقيقة.
والسبب في ذلك هو أن كلّ إنسان يشاهد الواقع من زاوية معيّنة ، فلهذا قد يرى الإنسان حين رؤيته الحقائق ما لا يراه الآخر ، وفي الحوار تتوجّه الجهود ويتمّ التعاون بين الطرفين ، ليُرى كل منهما صاحبه الواقع من زاوية أخرى ، ويقوم كل منهماـعلى قدر وسعهـبتصحيح أفكار المقابل ، وتعديل صورته الذهنية عن الحقيقة ، وإزالة ما قد التبس عنده من مفاهيم ، وبهذا تكتمل صورة الحقيقة عند الطرفين ، ويشعر كل منهما أنه قريب من الآخر ، نتيجة التعاون الذي أجروه معاً لاكتساب الشمولية في الرؤية.
وكما لا يخفى على أحد إنّ التشيع لاقىـعلى مرّ العصورـأشدّ المعاناة والمحن من قبل الخصوم ومن قبل السلطات الجائرة التي
كانت مهيمنة على زمام الحكم ، وجرّاء ذلك لم يسمع صوته إلاّ القليل ، وبالعكس فان مدرسة الخلفاءـالتي ساندتها القوى الحاكمةـكانت تعمل بكلّ حرّية في نشر أفكارها ، ودحض أفكار من خالفها في الرأي بكل ما أُوتيت من قوّة.
ولكن بعد أن كثر الدعاة إلى حرية الفكر وبعد ارتقاء تقنية وسائل الإعلام ، فقدت القوى الحاكمة قدرتهاـنسبةً ماـعلى تعتيم الحقائق وحصر الناس في دوائر ضيقة.
فاستطاع الشيعة أن يعرّفوا الناس بأفكارهم ومبادئهم التي تلقوها من مدرسة أهل البيتعليهمالسلام .
ومن هذا المنطلق انكشفت الحقائق لكثير من الناس ، فاعتنق الكثير مذهب التشيع ، وتصدّوا بعد ذلك إلى حمل اعباء الدعوة لهذا المذهب في أوساط مجتمعاتهم ، وكان الحوار أبرز السبل التي اتخذها هؤلاء لتبين الحقائق للآخرين.
وهذا الكتاب« حوار مع صديقي الشيعي » هو واحد من تلك الحوارات الكثيرة اتخذها اتباع مذهب أهل البيتعليهمالسلام وسيلة ليعرّفوا من خلالها أهل السنة على الحقائق التي من حقهم أن يحيطوا بها ، لأننا في زمان قد آن فيه أن يتحرّر الجميع من التعتيم الذي فُرض عليهم في العصور السابقة.
مركز الأبحاث العقائدية فارس الحسّون |
إهداء :
إلى فتاة قريش الأولى...
إلى التي اختارها الله تعالى وعاءاً لأفضل خلقه وسيّد رسله
إلى من رُميت بالشّرك ظلما وعُدوانا...
إلى أول إنسان فتح عليه رسول الله عينيه
إلى آمنة بنت وهب
إلى سيف الله المسلول...
إلى الجنديّ المجهول...
إلى من مات واقفاً وفي يمينه«سيف وكتاب»
إلى مالك بن الحارث الأشتر النخعي
أهدي كتابي هذا
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا الكتاب : هو خلاصة لنقاشات وحوارات دارت بيني وبين أحد الأصدقاء الشيعة في مدينتي« قابس » ، وقد خضت مع صديقي هذا حول عقائد أو أشهر عقائد الشيعة الاثني عشرية.
وأدعو القارئ الكريم أن يخوض معنا في هذه الحوارات من جانبه وأترك له الخروج بالنتائج.
ما زلت أذكر تلك اللّيالي الشتويّة الطويلة التي كنت أقضيها طائرا بخيالي وأنا ابن ستّ سنين مستمعاً بشوق لأساطير طالما سردتها علينا عجائز ونساء من أقربائي. كانت أساطير عن الغول والقزم والعفاريت والشجعان ، وكانت تلكم الأساطير أهمّ وسائل الترفيه وقضاء الوقت ، خاصّة في تلك اللّيالي الشتوية الطويلة ، تحت نور المصباح الزيتي الخافت وقرب موقد الجمر الذي كان يدفىء لنا غرفة السهر في بيت عمّي ، حيث كانت كؤوس الشاي تدار على الحاضرين والجمع منصت للراوية الذي كانت حكاياته تبدو بلا نهاية ، ولربّما كان يزيد فيها من خياله وذوقه الشيء الكثير.
كنت وقد وهبني الله تعالى حافظة قويّة لا أنسى كلمة واحدة من تلك الأساطير والحكايات العجيبة ، ولطالما تمنّيت بشوق وانتظرت على أحرّ من الجمر قدوم عجوز معروفة بأساطيرها لزيارة بيت عمّي والمبيت عندنا حتّى تسرد لنا ممّا في ذاكرتها من حكايات. ولقد كنت أتوسّل إلى العجائز من أرحامي أن تحكي لنا قصّة كانت قد احتفظت بها في ذاكرتها منذ عهد صباها.
كانت أياماً حلوة حقّاً ، فبعد العودة من المدرسة ، وبعد ممارسة بعض الأعمال الزراعيّة وتفقّد الأغنام ، نعود إلى البيت عندما يبدأ الظلام
يلفّ القرية ، حيث يختفي قرص الشمس الأحمر الكبير وراء الجبالـ ولطالما تمنّيت أن أقف على إحداها حتّى أطّلع على الشمس وهي مختبئة وراء قريتنا حتّى يحين فجر اليوم اللاّحق كما كنت أظنّـوينشر الغروب رداءه الأحمر فالأسود على قريتنا الوادعة ، فلا تعود تسمع إلاّ نباح الكلاب وأزيز خفافيش اللّيل.
ثلاث سنوات قضيتها في عالم خيالي مملؤة بالبساطة والصفاء ، خرجت بعدها من ذلك العالم الأسطوري إلى جوّ المدينة الصاخب ، حيث يصبح الإنسان أكثر وعياً بالزمن وأكثر اهتماماً بعقارب الساعة.
لقد افتقدت في جوّ المدينةـالجديد عليّـدجاجات وكتاكيت زوجة عمّي ، وافتقدت حمارنا الصابر على الأعمال الشاقة والقانع برزقه الخشن وعيشه الجشب ، كما افتقدت تلك الحقول التي كنت أرتع وأمرح فيها. نعم ، افتقدت كلّ ذلك الجوّ ما خلا شيئاً واحداً ، وهي تلك القصص الممتعة التي بقيت محفورة في ذهني ، تلك القصص التي كانت سبباً وأساساً لتبدّل حياتي لاحقاً رأساً على عقب.
دخلت المدينة وسرعان ما خبا ذلك الشوق الذي كنت أحمله تجاهها ، حيث كنت أمنّي النفس بحياة ممتعة لا تفارقها البهجة لكثرة ما في المدينة من أضواء وسينماوات وشوارع وحركة دائمة. خبى ذلك الشوق إلى المدينة منذ وصولي إليها وعادت تلك الأماني عنها سراباً ووهماً كبيراً ، ثمّ عاد لي شوقي وحنيني إلى قريتنا الوادعة المنسيّة والتي تبدو وكأنّها خارج الزمن ، لكني كنت أغتنم تلك الفرص القليلة التي تتوفر لي لزيارتها والوقوف على أطلال ذكرياتي بها.
لقد فقدت من تلك القرية كلّ شيء إلاّ شيئاً واحداً رافقني منها إلى المدينة ، كان ذلك الشيء حبّي وولعي بالأساطير والقصص الخياليّة.
لكن من لي بهذه المدينة« العاقلة » الرماديّة ليحكي لي تلك الأساطير؟! إنّ عجائز المدينة واعيات أكثر من اللاّزم ، وقد لا تتوفر لهنّ الفرصة لسرد أقاصيص سمعنها في طفولتهنّ ، ففي بيوت أبنائهن وبناتهنّ الكلّ منشغل ، فالكبار يتابعون الأخبار على موجات الراديو المحليّة والعالميّة ، والأطفال أغنتهم قصص الصور المتحركة عن الإنجذاب إلى حكايات غير مرئيّة.
ولطالما أغاظتني حكايات رفاقي الأطفال في مدرستنا عن ذلك المسلسل أو تلك المسرحيّة التلفزيونيّة وأبطالها ، حيث كنت أسمع أحاديثهم والأسف يعتصرني لأنه لم يكن عندنا بالبيت جهاز تلفزيون ، لكن عزائي الوحيد كان في القصص.
نعم ، لئن كنت فاقداً في بيئتي الجديدة للأساطير القروية وفاقداً لجهاز تلفزيون في المدينة ، فقد اتجهت رغبتي وانصبّ شوقي إلى المطالعة التي كان معلّمونا يشجعوننا عليها ويوفرونها لنا مجّاناً في المدرسة ، وكنت أرى في تلك الأقاصيص الطفولية امتداداً لعالم الأساطير وتعويضاً عنها ، حيث كانت تلك القصص مطرّزة بأغلفة مزيّنة وجذابة ، وكذلك الحال مابين صفحاتها.
كم كنت نهما في مطالعتها ، ربّما لأنّها كانت تحيلني إلى جنّتي المفقودةـقريتناـحيث كانت أحداث تلكم القصص تدور حول الذئب المغرور ، وقصة حياة حبّة قمح ، أو لربّما كانت تحكي عن جحا
ومغامراته.
كان المعلّمون يرغّبوننا بالمطالعة لتقوية زادنا في العربيّة والفرنسيّة ، وكان إعطاؤنا القصص يتجاوز المنحى الترفيهي إلى المنحى التعليمي ، حيث كنّا نُسأل عن مضمون القصّة ونُكلَّف كذلك بتلخيصهاوما كان أيسره من عمل!
بعد الفراغ من القصّة نعيدها ثانية ونقوم بتبادل قصصنا مع بعضنا البعض وهكذا.
مع مرور الزمان بدأت أقرأ بشغف قصصاً أكبر حجماً وأعمق مضموناً ، كحكايات الألغاز البوليسيّة ، وقصص الأدب العربي ككليلة ودمنة وحي بن يقظان ، وقصص الظرفاء والسندباد البحري وألف ليلة وليلة وغيرها.
لكن مع دخولي مرحلة المراهقة بدأ وضعي الجديد يفرض عليّ الابتعاد عن القصص الملوّنة الجميلة ، حيث صارت تمثّل لي مرحلة من العمر بدأت في مفارقتها ، ولم تعد تلكم القصص تروي غليلي ، إذ أنّها من ناحية كمّها كانت تبدو صغيرة جدّاً ومن ناحية كيفها بدأ الجوّ الدراسي العام يشعرنا بأننا كبرنا عليها وينبغي الاتجاه إلى تلخيص وتحليل روايات وآثار معاصرة لأدباء معاصرين. وفي الواقع كنت أشعر بالضجر من هؤلاء الكتاب الذين يضمّنون رواياتهم وقصصهم بُعداً رمزيّاً أو بعداً واقعيّاًـبما في الواقع من رماديّةـخالياً من تلك المسحة الشعريّة التي كنت أتوق إليها دائماً.
روايات كنتُ وما زلت أعتبرها فارغة فراغ فؤاد أم موسى ، تتحدث
عن« ابن الحارة » وعن علاقته« بالسنيورة » وهيامه بها ، أو روايات تحكي عن حياة قاض في الأرياف وغيرها.
لكن سرعان ما استعضت عن هذه الروايات بشيء أكثر بريقاً وأكثر إمتاعاً ، حيث وجدت في التاريخ ضالتي المنشودة التي تحقق لي حاجتي إلى التّسلية والتحليق في فضاء أرحب وأوسع.
وكما هو الحال في أغلب المناهج الدراسية للدول ، يُبدأ بتدريس فترة ماقبل التاريخ وانسان ما قبل التاريخ ، ثم يُبدأ بتدريس تاريخ البلاد القديم والأوسط والحديث.
وهكذا كان ، فبعد تعريف علم التاريخ وفائدته ، ولَجْنا إلى عصر الإنسان البدائي ، ثمّ تدرّجنا في تاريخ تونس القديم وأهم الحضارات التي مرّت عليها من فينيقيين وبربر وروم غربيين وبيزنطيين وعرب.
لقد وجدت ضالتي المنشودة في مطالعة التاريخ ، فقد فتحت لي آفاقاً شاسعة وصُنع لي من قصة الحضارة شريطاً حلواً بأبطاله وأحداثه التي بدورها فتحت لي مجالات أخرى للتحليل وربط« الخيوط » ببعضها البعض ، بل زاد حبّي للتاريخ من شوقي للتعرّف على تاريخ بقيّة البلدان العربيّة والإسلاميّة.
وهكذا يبدو الأمر طبيعيّا جدّا ، أليس لكلّ واحد منّا ولعٌ وشغف بشيء ما؟! فهناك المُولع بالجغرافيا وهناك المولع بالشعر وهناك الشغوف بالموسيقى أو الرياضة...
لكن شغفي أنا بالتاريخ فتح عيني على حقيقة عظمى وغيّر من حياتي الشيء الكثير!!
كنت أتطلّع إلى سقف المسجد الخشبي وإلى المراوح الكهربائيّة المثبتة فيه لتلطيف جوّ المسجد المكتظّ بالمصلّين في صفوف متناسقة ، كنت منشغلاً عن إمام الجمعة وهو يعتلي المنبر الخشبي الجميل ذو الدرجات ، وهو ممسك بعصى طويلة بيده اليمنى.
كانت تلك أول صلاة جمعة أحضرها وأنا صبيّ مع والدي الذي ألححتُ عليه لكي يأخذني معه إلى هذا التجمّع الأسبوعي الهائل ، كان كلّ شيء جديد بالنسبة لي ، فهذا ستار خشبي متشابك يرتفع بطول قامة الفرد يفصل مابيننا وبين المكان المخصّص للنساء ، وجرارُ الماء الصغيرة المنتشرة على طول صفوف المصلّين أمام صواري المسجد العديدة وكان يملأها كلّ أسبوع رجل كهل في أواخر العقد الخامس من عمره طلباً للثواب.
أنهى الإمام خطبتيه ونزل عن المنبر فارتفع الأذان ثلاث مرات متتالية تمهيداً لصلاة الجمعة التي صلّيناها ، ثمّ أردفناها بصلاة العصر بعد استراحة قصيرة قام فيها بعض خدام المسجد بجمع المال لتوسعة الجامع الكبير(١) .
_____________________
(١) الجامع الكبير تمييزاً له عن بقيّة المساجد العديدة التي لا تقام فيها جمعة وهو عادة أقدم وأشهر المساجد في كل مدن تونس.
خرجت من المسجد بعد إنهاء الصلاة وكنت ملازماً لأبي لكثرة المصلّين ، ففوجئت بجموع المتسوّلين وهم يتبارون في عرض عيوبهم وعوزهم ، فهذا أعمى وذاك أعرج وأخرى أرملة وهذا الولد يتيم... ، كانت تلك الجمعة الأولى ، تلتها جمعات... وإذا بي أنشد إلى تلك الأجواء الروحية العالية.
عالم جديد ألِجُه بكلّ شوق وحبّ واستطلاع ، إلى أن صارت حياتي كلّها مسجداً ، فما كانت تفوتني من الصلوات اليومية في ذلك المسجد إلاّ صلاة الصبح حيث كان المانع منها صغر سنّي فما كان يسمح لي بالخروج في تلك الساعة المبكّرة.
كانت تُقام في مسجدنا في الحيّ العتيق من المدينة دروس يلقيها علينا بعض المشايخ كنت أحضرها أحياناً ، وكان يشدني فيها تلك الحكايات عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرته وإخلاص الصحابة وتفانيهم في خدمة الله ورسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتسابقهم على التبرّك بفضلة وضوءه وبصاقه الشريف ، وكان الحديث يدور أحياناً حول قصص الأنبياء والرسلعليهمالسلام وماجرى لهم مع قومهم من محن وشدائد.
كنت بمجرّد سماع هذه القصص أحفظها من ألفها إلى ياءها وأعود لأحكيها لأهلي وأرحامي وأصدقائي ، فتارة أحدّثهم عن جود أبي بكر الصدّيق ، وأخرى عن الفاروق وشدّته في ذات الله ، ومرّة أحدّثهم عن إنفاق عثمان ذي النورين ، وثانية عن الصحابي المنافق ثعلبة(١) الذي كان
_____________________
١) هو ثعلبة بن حاطب الأنصاري.
من فرط حبّه لله ولرسوله لا تفوته صلاة في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حتّى سُمّي بحمامة المسجد وكيف أنّه صار من مانعي الزكاة(١) وساءت عاقبته.
كما كنت أحفظ أشعارا بالعامّية في مدح الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان بعض الذين يستمعون إليّ ممّن هم أكبر سنّاً يتعجبون من قوّة حافظتي ، حيث كنت أحكي لهم عن أحداث ووقائع وشخصيّات لم يسمعوا بها من قبل.
وكنت أفاخر بأنّ المذهب المالكي هو روح الإسلام ولبّه وأنّه المذهب الوسط بين المذاهب الإسلاميّة ، فلا هو يميل إلى المعتزلة المتعقلين أكثر من اللاّزم ولا يقترب من الحنابلة المجسّمة والخرافيّين المضحكين.
وفي الحقيقة ما كنت أعرف عن المذهب المالكي ولا عن مؤسسه القليل ولا الكثير ، لكن هذا ما كنت أسمعه دائماً من شيوخنا وكبارنا حيث قالوا فقلنا ، وعلى رأي المثل عندنا« الشَّنْقَةُ مع الجماعة خلاعة »(٢) ، ثمّ ما الحاجة إلى البحث والتنقيب؟! أوليس قد ولدنا مالكيّين وعشنا مالكيين ونموت مالكيّين؟! أوليس المذهب المالكي من أعظم المذاهب الإسلاميّة حتّى لو أنّ سائلاً سألنا عن معتنقيه لقلنا له بكلّ فخر : إنّ المذهب المالكي يحدّه شمالاً البحر الأبيض المتوسط ، أو قل أوروبا الكاثوليكية وغرباً
_____________________
١) أنظر إلى قوله تعالى فيه :( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) [ سورة التوبة : ٧٥ ـ ٧٧ ].
٢) مثل تونسي عامي ومعناه« كلّ شيء مع الجماعة ممتع حتّى المشنقة ».
المحيط الأطلسي أو بحر الظلمات كما عرّفه البحّارة العرب القدامى ، وشرقاً المذهب الشافعي بمصر وجنوباً يمتد المذهب المالكي موغلاً في إفريقيا مادام هناك مسلمون.
وصلنا في دراستنا للتاريخ إلى الحقبة الإسلامية ، حيث بدأنا بظهور الإسلام في مكّة ثمّ هجرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وصحبه إلى يثرب أو المدينة المنوّرة مرورا بحروب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وفتوحاته ، وصولا إلى انتشار الإسلام في جزيرة العرب ومن ثَمّ شرقا وغربا طيلة فترة الخلافة الراشدة.
كان يوماً عاديّا حيث كنت جالسا في آخر الفصل ، في حصّة مسائية للتاريخ وبدأ الدّرس ، كان أستاذ التاريخ كهلا في العقد الخامس من العمر ، كان رجلا نحيفا ضعيف النظر معتنقا للفكر القومي الذي لا يرى الإسلام إلاّ منتوجا عربيّا محضا ، فالإسلام عربي وابن سينا عربي والرازي عربي وسيبويه عربي ، بل حتّى البربر عرب وكلّ شيء عربي!
والعجب من هذا الفكر الذي يحصر هذه الثقافة الإنسانية الخالدة والشاملة في بوتقة عرقية ضيّقة وما هي إلاّ حلقة من حلقات هذه الحضارة النبيلة! هذا الفكر يذكّرني بطرفة واقعية حدثت لرجل عربي حيث استفزّه بعض الأعاجم وسخروا منه فقال مغضبا : نعم أنا عربي والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عربي... والله عربي ، فدهش الحضور ، وقالوا له : أمّا كون الرسول عربي فقد تعقّلناها وأقررنا لك بها ، لكن كيف يكون اللهـتعالىـ عربيّا؟! فأجاب هذا الرجل ببداهة قائلا : آثاره تدلّ عليه ، أليس القرآن
من تأليف الله؟! فعليه يكون الله عربيّا!!
بدأ أستاذ التاريخ بالدرس وكان عن الفتنة الكبرى كما تسمّى ، تكلّم الأستاذ عن حرب صفّين ، عن بداياتها ، أسبابها ، طولها ، شراستها ، عدد القتلى فيها ، وتكلّم عن بشائر النصر التي كانت بدأت تلوح لجيش عليّ بن أبي طالب ( كرّم الله وجهه ) ، وتحوّل القتال إلى خيام معاوية بن أبي سفيان ، والمأزق الذي وقع فيه جيش الشام. رفع الأستاذ رأسه وابتسامات التهكّم تملأ فمه المليء بالأسنان الصفراء قائلا :« لكن قام الداهية عمرو بن العاص بحيلة رفع المصاحف حتّى يكفّ عنهم جيش عليّ ويبثّوا البلبلة في صفوف جيش العراق. وفعلاً ذاك ما حدث حيث انقلب حال المعركة رأساً على عقب وافترقت الأمة أحزابا... ».
نزل هذا الكلام عليّ نزول الصّاعقة!! عمرو بن العاص صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يحتال ويخادع ويغدر ويمكر! عمرو بن العاص الذي يروى فيه شيوخنا مدح الرسول فيه.
عمرو بن العاص يخدع؟! هل الغاية تبرّر الوسيلة في دين الله المبتني على الإخلاص؟!
يا له من موقف عصيب ، أين الحقيقة؟! هل ما يقوله هذا الأستاذ المتحامل على الصّحابة الكرام ، أم ما يقوله شيوخنا الموقّرين عن فضائل عمرو بن العاص؟!
لكن الأستاذ ما جاء بشيء من عنده ، فهذا الكتاب يقول نفس الشيء ، وماذا عن تلك الجلسات التي كنت مواظبا على حضورها والتي كانت تفيض نبلا من كرامات الصحابة وخاصّة المهاجرين والأنصار؟!
رجعت ذلك اليوم إلى البيت متأزّما وممزّقا نفسانيّا ، ولسان حالي يقول : « لَيْتَ شِعري مَا الصحيح » ، إلى من أذهب؟! من أسأل؟!
بقيتُ متحيّراً حتّى عاد أخي في المساء فسارعتُ بمساءلته لعلّي أجد جواباً شافياً أو على الأقل مسكّناً لثورة الشكّ وناره التي اضطرمت في داخلي.
بادرت أخي قائلا : ألا تعجب من فعل هؤلاء الصحابة الذين نحترمهم ونقدسهم حبّاً منّا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
قال أخي : خيراً ، ما رأيتَ منهم؟!
قلتُ معترضاً على أخي : ومن أين يأتي الخير وهؤلاء الصحابة يقتل بعضهم بعضاً ، ويشتم بعضهم بعضاً ، ويخدع بعضهم بعضاً!!
ثم ما هي القضيّة أصلا؟! لماذا القتال ولماذا الخداع؟! أكان ذلك للدّين؟
أليسوا هم أصل الدين؟ أليسوا هم من علّمنا الدين؟ أم كان ذلك كلّه للدنيا ، وما هكذا الظنّ بهم ، وعلى الدنيا والدين العفى لو كان ذلك كذلك».
أجاب أخي بلغة المحذّر المشفق : لا تستعجل في حكمك عليهم فهناك أمور نجهلها وليس من اليسير فهمها.
كان جواب أخي بارداً باهتاً ، غير مقنع بالمرّة ، وكأنّه كان يضرب على حديد بارد ، وأنّى له أن يقنعني! أنا الذي عشت كلّ صباي وقْفاً على فضائل الصحابة ، حيث كنت أرفعهم جميعاً على منزلة الملائكة!
ما الذي جعل الصحابة يدخلون هذه الفتنة العمياء؟ ويا ليت علماءنا أشاروا علينا بمن أشعلها وأجّج أُوارها!
ويا ليتهم كانوا صحابة من الدرجة الثالثة ليهون الخطب! لكنهم صفوة الصحابة : عمرو بن العاص ; عمّار بن ياسر ; طلحة بن عبيد الله ; الزبير بن العوّام ; عليّ بن أبي طالب ; عائشة زوجة الرسول الكريم!!
هلاّ تعاطوا المسائل بلين ورفق وسعة صدر كما نبّه إلى ذلك القرآن والرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! أيصل الأمر إلى قتل وقتال وسفك دماء وهتك أعراض!!
وإذا كان هذا فعل الصحابة الّذين ما زال صوت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يتردّد في آذانهم وآثاره قائمة ثابتة أمام أعينهم ، فلا لوم إذن على غيرهم ، ولا لوم علينا إن أتينا بالمنكرات العظام ، فليس بعد سفك الدماء وقطع الرؤوس من كبيرة كما أشار القرآن على ذلك(١) .
ثمّ أليس يروي لنا شيوخنا : «أنّ القاتل والمقتول من المسلمين في النار؟!»(٢) فعلى هذا فكلّ من اقتتل من الصحابة في النار!
وإذا كانت المسألة فتنة فكيف انساق وراءها الصحابة ، بل أعظم الصحابة؟! أليسوا هم رموز التعقّل والوعي والإيثار!
أم أنّ هناك أطرافا خارجيّةـعلى رأي أنظمة هذا العصرـأشعلت تلكم الفتنة؟ أليس هناك فيمن تقاتل مبشّرون بالجنّة؟!(٣)
_____________________
١) إشارة إلى قوله تعالى :( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) [ سورة النساء : ٩٣ ].
٢) لحديث يروونه عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو :« إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما في النار »[ البخاري ٩ / ٩٢ ، وأيضا سنن ابن ماجه ٢ / ١٣١١ ، كتاب الفتن ومسند أحمد ٤ / ٤١٨ ].
٣) مثل طلحة والزبير وعلي وعثمان وغيرهم على ما تروي الصّحاح والمسانيد؟!
لا يبقى إلاّ القول بأن الصحابة أعلى وفوق شرع الله ، وأنّ لهم صكوك غفران لا تضرّ معها سيّئة! وعليه يكونون فوق النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي قال تعالى عنه :( وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ) (١) . أو قوله :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (٢) .
يا لها من حيرة ، ويا له من مأزق استعصى حلّه عليّ وأنا ابن الثالثة عشرة سنة من عمري!
ثمّ اسأل من شيوخنا فلا أرى عندهم أي جواب مُقنع غير أنّهم يقولون : إنّ تلك الأحداث كانت فتنة ، والصحابة اجتهدوا وأخطأوا أو أصابوا وكلّهم مأجورون ، وهذا خطّ أحمر لا يجوز لنا تعدّيه(٣) .
خطّ أحمر لا يجوز لنا تعدّيه! هذا ما عندهم من العلم ، سياسة النعامة ودسّ الرأس في التراب.
نعم هو خطّ أحمر وما أيسره من جواب لكلّ سائل وكفى الله المؤمنين القتال.
فيامن ملأتم الخافقين بفضائل وعصمة وعَظَمة كلّ الصحابة
_____________________
١) سورة الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦.
٢) سورة الزمر : ٦٥.
٣) يقول السفاريني النابلسي في كتابه ( نظم الدرة المضيّه في عقد أهل الفرقة المرضية ) في الصحابة :
واحذر من الخوض الذي قد يزري |
بفضلهم ممّا جرى لو تدري |
|
فإنه عن اجتهاد قد صدر |
فاسلم أذلّ الله من لهم هجر |
أجمعين حلّوا لنا هذه العقدة ; ورحم الله المتنبّي لقوله :
أَغايةُ الدينِ أن تُحفوا شواربَكم |
.......................... |
نعم لقد صار الدين حفّ شوارب وإطلاق لحى ولفّ عمائم ، وهروب إلى الربوة! أتعتبرون قتل الألوف وحرق الدور ووو... اجتهادا؟! هل تحكمون بارتداد مانع الزكاة وتزعمون الأجر لمن قتل النفوس وحزّ الرؤوس؟!
لكنّي تركت حيرتي داخل القمقم ودست على جراح نفسي وغضّيت الطرف... ومضيت مع القطيع...
لا زلت أذكر تلك الحكايات التي تُحكى عن الشيعة عندنا.
إنّهم قوم لم أرهم ولم يرونِـوكأنّه لا يجمعنا وإياهم كوكب واحدـقوم على ما سمعتـوإن جاءكم فاسقـيتّهمون جبرائيلعليهالسلام بخيانة الأمانة ، فعوض أن ينزلها على عليّ بن أبي طالبرضياللهعنه أنزلها خطأ أو حسدا على محمّد ، وهم يعظّمون عليّا ، حتّى أنّ بعض فرقهم تعبده من دون الله!!
كانت هذه الحكايات تجول في خاطري ، ولا ينقضي عجبي من هؤلاء القوم الذين لم أر واحدا منهم طيلة حياتي.
عجيب أمر هؤلاء القوم أليست لهم عقول؟! كيف يعتقدون بمثل هذه الاعتقادات؟! أليس منهم رجل رشيد يكفّ عن غيّه؟!
... كنّا يوم متحلقين حول ابن عمّي الذي عاد من سفره من ألمانيا حيث يعمل ، وجرى حديث عن الشيعة ، فقال ابن عمّي : إنهم قوم متطرفون في دينهم ، وإنّ« تلفزيونات»الغرب تعرض أحيانا ما هم عليه من منكرات ، وخاصة ما يفعلونه بأنفسهم في يوم عاشوراء ، حيث يشدخون رؤوسهم ويمزّقون ظهورهم حتّى تسيل منهم الدماء غزيرة حزنا على الحسين بن عليرضياللهعنه .
لا نملك إلاّ الضحك بفم عريض على هؤلاء الجهّال الذين يفعلون
بأنفسهم ما لا يفعل العدوّ بعدوّه.
إنّ سيدنا الحسينرضياللهعنه لا يرضى منهم بهذه الفعال الشنيعة ، زد على هذا أنّ الغربيّين سيشنّعون على المسلمين بما تفعله هذه الفرقة ، وسوف لن يقتنعوا بقولنا إنّ الإسلام هو دين التسامح والصفاء ، لكن ما الحيلة فهؤلاء الشيعة بعيدون عنّا آلاف الأميال وإلاّ لكنّا أقنعناهم وأعدناهم إلى جادة الصواب.
والحمد لله على نعمته فنحن مالكيّون وأصحاب مذهب صافٍ كزرقة السماء ، أوليس مالك بن أنس إمامنا وهو إمام دار الهجرة ، والذي قيل فيه : « لا يُفتى ومالك في المدينة؟! » ، أوليس الشيخ الإمام سحنون هو ناشر المذهب في ربوع مغربنا العربي الكبير؟!
وتمضي سنين وسنين...
كنت في بيت أحد الأصدقاء وجرى ذكر فلانـجارهمـ، فقال أحد الحاضرين معلّقاً : إنّه شيعي ، وقال : إنّهمـأي الشيعةـيشتمون الصحابة.
وقع كلامه في نفسي موقعاً كبيراً ، وقلت : أو في بلادنا شيعة؟! ولماذا هذا الاقتران بين الشيعة وسبّ الصحابة؟!
وتشوّقت نفسي للالتقاء بأحد الشّيعة حتّى أسأله سؤالا واحدا : لماذا تشتمون الصحابة؟ وكنت أقصد ما هو الداعي الذي يجعلهم يشتمون الصحابة ، وإلاّ فلا بدّ من أن يكون هناك توجيه أو سبب قويّ لديهم حتّى تصبح هذه التّهمة لهم كبيرة ، أضف إلىٰ حبّ الاطلاع الذي كان عندي حول الملل والنحلـوما زالـكان وراء رغبتي في الالتقاء بأحدهم.
لكن وللأسف لم تتوفّر الفرصة لذلك ، حيث كنت منشغلا طوال تلك السنة بالاستعداد والتحضير لامتحان الباكالوريا(١) ، حيث يعتبر أهم امتحان شعبي ورسمي في تونس على الإطلاق.
وذات يوم من أيام الشتاء التقيت بأحد زملاء الدراسة وتذاكرنا في
___________________
١) هو امتحان الثانوية العامة في بلاد المشرق العربي.
انشغالات الامتحان وغيرها إلى أن دار الحديث حول الشيعة ، فقال لي هذا الصديق مبتسماً : بأنّ زعيم الشيعة في تونس ضُبط في أحد شواطىء تونس يحدّق في النساء بمنظار!
فأجبته بكلّ عفوية ممزوجة بكثير من الدهشة والإستغراب : وهل هناك طائفة شيعية في تونس حتّى يكون لها زعيم؟!
أجاب الصديق قائلاً : ألا تعرف بأنّ فلاناً وفلاناًـبعض أصدقائي ومعارفي ـ صاروا من الشيعة؟!
فازدادت دهشتي ، وقلت : فلان شيعي!! لا يمكن ذلك ، ماذا حدث له حتّى يصبح كذلك؟!
افترقنا وأنا أضحك في نفسي من أحد أصدقائي الّذي صار شيعيّاً وقلت : إنّها نزوة من نزواته ، فكما يتأثر بعض الشّباب عندنا بفلان المطرب أو بفلان الرّياضي أو بهذا اللّباس أو بتلك التّقليعة ، فهذا الصديق يبدو أنه تأثّر بفكر الشيعة من باب « خَالِفْ تُعرَفْ ».
ثم عزمت في الأثناء أن ألتقي بهذا الصديق « المُسْتَشْيع » حتّى أبحث معه هذا الموضوع ، ولتتوفّر لي الفرصة القديمة لمعرفة فكر الشيعة « فربّ صدفة خير من ألف ميعاد ».
لم تمض إلاّ أيّام يسيرة حتّى التقيت به في أحد شوارع حيّنا ، سلّم عليّ ودعاني إلى بيته ، دخلنا البيت ثمّ ولجنا إلى غرفته الخاصّة الصغيرة ، فكان ممّا قلت له : هل جُننتَ؟! ما هذا التحوّل الذي أصابك؟!
ضحك ـ وكان ذا شخصية مرحة ظريفة ـ لكن لم يجبني صراحة.
لمحتُ على مكتبه كتاباً كبيراً شدني حجمه في البدايةـلأنّ من
عادة كتّابنا الإسلاميين في العصر الحاضر أن تكون لهم « كتيّبات » فيها مقدّمة طويلة ودعاء أطول في آخر الكتاب وينتهي الكتيّبـفقرأت عنوان الكتاب « المراجعات »(١) ، فلم أفهم معناه ، هل هو من الرجوع أم من المراجعة ، لكن فهمت أنه كتاب شيعي لأنّ صورة المؤلّف بعمامته السوداء كانت في الصفحة الثانية داخل الكتاب.
لم تطل بنا الجلسة ، حيث كان عنده أحد الضيوف ، فتواعدنا على لقاء آخر.
في الموعد اللاّحق أردت أن أخرج بصديقي من حالة الهزل إلى حالة الجدّ ، فسألته أسئلة من أهمّها : لماذا يتحرّش الشيعة بالصحابةـهذه النخبة التي ما وجد ولا يوجد إلى يوم القيامة مثلهاـوكنت ما زلت غير متفهّم كون صديقي صار فعلا شيعيّا.
قال صديقي مجيباًـوكأنه يريد أن يدخل بي الموضوع من حيث تؤكل الكتف ـ : هل تعرف حديث العشرة المبشّرين بالجنّة (٢) ؟!
قلت :« نعم ، لقد حفظت أسماءهم ، وعرفت سيرتهم منذ نعومة أظفاري.
فقال لي : سَمّهم لي؟
أجبت ببداهة : هم الخلفاء الأربعة الراشدون ، أبو بكر الصدّيق ، وعمر الفاروق ، وعثمان بن عفّان ، وعليّ بن أبي طالب ، وسعد بن أبي وقّاص ، وعبدالرحمان بن عوف ، وسعيد بن زيد ، وبلال في قول ، وطلحة
_____________________
١) المراجعات كتاب قيّم للعلامة السيد عبدالحسين شرف الدين الموسوي اللّبناني يمثل مناظرات في العقيدة والإختلافات بين السنة والشيعة وهو مفيد لكلّ باحث عن الحقيقة.
٢) أنظر : سنن ابن ماجة ج١ فضائل العشرة.
ابن عبيد الله ، والزبير بن العوام.
قال لي : طيّب ، هل تعرف الحديث القائل بأنّه إذا اقتتل مسلمان فالقاتل والمقتول في النّار (١) ؟
قلت : نعم ، وماذا في هذا؟!
قال : على هذا القول يكون عثمان بن عفّان وعليّ وطلحة والزبير بن العوّام وغيرهم من أهل النّار؟!
قلت : كيف ذلك؟!
قال : دقّق جيّداً في معنى الحديثين وسترى التّناقض ، فلو صحّ حديث العشرة لا يصحّ حديث القاتل والمقتول في النّار ، ولو صحّ هذا الثاني لم يصحّ الأوّل.
صمتُّ هنيئة أدقّق في هذا الكلام المنطقي ، العاري عن الزّيف والزخارف والمتين عقلاً !
أجبته بصوت بادىء الضعف : فكيف الحيلة؟!
قال : من غير المعقول أن يكون جميع الصّحابة كلّهم ، من أسلم في أيام الدعوة الأولى في مكّة ومن أسلم في المدينة ومن أسلم بعد الفتح كلّهم متساوون ، وهذا أمر بديهي ، فليس من تربّى في حجر الرسالة من يومها الأول كعليّ يكون مثل معاوية الذي أسلم يوم فتح مكّة ، ولا أبو سفيان بن حرب كصحابي عمّار بن ياسر ، هذا شيء طبيعي وبديهي في كلّ دعوة سماوية كانت أو وضعيّة.
ثمّ إنّ صحبة هؤلاء وهؤلاء للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليست واحدة ، وعليه
_____________________
١) البخاري ٢ / ٩٢ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٣١١ كتاب الفتن ، مسند أحمد ٤ / ٤١٨.
تكون النتيجة أنّ الصحابة مختلفون ومتفاوتون في علمهم ، وجهادهم ، وفهمهم للقرآن والسنّة... فليس الأمر على ما نحن عليه اليوم ، فمن فاتته صحبة عشر سنوات للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا يتيسّر له بسهولة أن يساوي من سبقه ، خاصّة مع عدم توفّر وسائل الطباعة والتسجيل وغيرها كما هو الحال عندنا اليوم.
هذا من جانب ومن جانب آخر إنّ الصحبة وإن كانت فضيلة في نفسها لأنّ رؤية أو معايشة أعظم الرسل صلىاللهعليهوآلهوسلم شرف عظيم جدّا ، إلاّ أنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين بعد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا يمكن بحال أن يكونوا فوق الشرع ، ثم لو كانت الصحبة ماحِيةً لكلّ ذنب لكانت زوجيّة زوجات رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلى وأفضل ، في حين أنّ الله لم يقرَّ ذلك (١) ولا رسوله (٢) !
وعلى هذا نخلص إلى القول بأنّ الصُّحبة غير عاصمة لصاحبها ، لا من الضلال ولا من العذاب ، والصحابة كما دلّ القرآن والسنة فيهم من بلغ مراتب الملائكة وفيهم من انحطّ إلى أسفل سافلين.
اكتفيت بهذه الأدلّة ، وفي الواقع فُتحت لي آفاقُ أخرى كانت
_____________________
١) إشارة إلى قوله تعالى :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ) [ سورة الأحزاب : ٣٠ ].
وعلى هذا يمكن لنا أن نقول إنّ مضاعفة العذاب على الصحابي الراكب للكبائر وارد أيضا؟!
٢) أنظر : حديث الحوض مثلاً في البخاري ٨ / ١٥١ ; صحيح مسلم ٤ / ١٧٩٢ـ١٨٠٠ كتاب الفضائل ، مسند أحمد ٦ / ٥٥ حديث ٤٠٤٢.
مسدودة في وجهي لعقدة الخطّ الأحمر الوهمي الّذي زرعه فينا كبراؤنا ، فإنّ بحثي في« ملفّات الصحابة » ليس ذنباً أو عيباً بل لأكون على بصيرة.
وكيف يكون هذا الشيء حراماً وممنوعاً ، وقد قال تعالى في كتابه الكريم ذَامّاً الكافرين الّذين اتّبعوا تقاليدهم وصمّوا عقولهم:( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (١) ؟!
ثمّ إذا كان سفك الصحابة للدماء ، ورَميهم لزوجة من زوجات الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بالفاحشة وشتم بعضهم لبعض اجتهادا ومأجورين فيه أجرا واحدا ، فليكن هذا البحث اجتهادا منّي وإن أخطأت الحقيقة ، أم أنّ المسألة« حلال عليكم حرام علينا » كما يقول المثل عندنا!
ووجدت بعد تحليل ونظر أنّ الصحابة لا يخلو حالهم من أوجه ثلاث : فإمّا أن يكونوا كلّهم عدولا ، وإمّا أن يكونوا جميعا قد هلكوا بما جرى بينهم من فتن ، أو أنّ هناك أمراً وسطا منطقيا ، وهو أنّ بعضهم عدول وبعضهم غير عدول.
_____________________
١) سورة الزخرف : ٢٢.
كثيراً ما كنت أسمع هذه الجملة عند حضوري لصلاة الجمعة في مسجد الجمعة في مدينتي قابس(١) ، وذلك بعد صعود الإمام للمنبر وقبل بدء الخطبة ، هي... عن الضحّاك... عن أبي هريرة(٢) قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :« من قال لصاحبه أنصت فقد لغى...» الحديث.
كنتُ أسمع برواية أبي هريرة هذه وما كنت أعرف شخصيته بالتفصيل ، بل كنت أظن أنّ اسمه الفعلي هو أبو هريرة ، فتبيّن أن هذه كنيته وذلك لهرّة كانت لا تفارقه! جرى ذكر أبي هريرة يوماً في نقاش آخر لي مع صديقي الشيعي.
فقال صديقي معلّقاً : هو كذّاب ، وقد وضع أحاديث كثيرة ونشرها على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أرضى بها جبابرة عصره ملوك بني أميّة كمعاوية ومروان.
والعجيب أنّه لقلّة صحبته للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قياسا بباقي الصّحابة كعليّ رضياللهعنه وعمر وأبو بكر فإنّه أكثرهم حديثاً! بل فاق زوجات الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في الرواية ممّا جعل الباحثون يشكّون ويطعنون في صدق
_____________________
١) مدينة على الساحل الجنوبي الشرقي للبلاد التونسيّة سكنها البربر وسمّاها الروم باسم Tacaps عرّبت إلى قابس قطب صناعي حاليّا.
٢) هو أبو هريرة الدوسي اليماني لم يضبط اسمه في الجاهلية ولا في الاسلام.
ما روى.
تلقيت كلامه هذا كضربة كهربائية سرت في بدني ، لأني كنت مازلتُ لم أهضم بعد صدمتي في الصحابة عموما ، رغم اقتناعي بما قاله صديقي عنهم.
قلت وأنا متترّس نفسيّاً بما بقي لي من شجاعةـأعلم في داخلي علم اليقين أنّها ستتهاوى أمام مِعول منطق صديقي الشيعيـ: إنّ أبا هريرة أعظم راوية عندنا ، حتّى سُمّي براوية الإسلام ، فكيف ترميه بهذا الإفك ولماذا هذا التسرّع في الأحكام؟!
أجاب صديقي بهدوء : خذ بعضاً من حديثه حتّى ترى العجب ، ثمّ قَبل ذلك هل تعلم متى أسلم أبو هريرة؟!
سكت ولم أحر جواباً!!
أسلم أبو هريرة سنة سبع للهجرة بعد غزوة خيبر ، وكان من أشهر أصحاب الصفّة (١) بل وعرّيفهم.
وقد أُحصي جميع ما رواه فَوُجد خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعين مسندا (٥٣٧٤)! ، وكان جميع ما رواه الخلفاء الراشدون الأربعة من الحديث لا يمثّل سوى سبع وعشرين بالمائة (٢٧%) لمجموع ما رواه أبو هريرة الذي قلّت صحبته بالنسبة إليهم ، وهذا أوّل الوهن.
ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ ، حتىٰ صرّح بنفسه أنّه لو قال كلّ ما عنده لقُطع بلعومه(٢) !
_____________________
١) أصحاب الصفّة كانوا من فقراء المسلمين الذين ما كان لهم عشائر ولا منازل وكان المسجد صفتهم ومثواهم.
٢) صحيح البخاري : باب حفظ العلم من كتاب العلم ج١ ص ٤١.
ويا ليت ثم يا ليت وقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل أنظر مليّا في أحاديثه حتّى ترىٰ نفسك أمام كمّ هائل من الخرافات والأساطير وليست أحاديث نقلت عن رسول العقل والقلب صلىاللهعليهوآلهوسلم .
كنت أتقلّب يمنة ويسرة وأشعر بالاختناق وأنا أتمنّى أن لا يكشف لي صديقي أي حديث من أحاديث أبي هريرة الّتي نعتها بأقبح الأوصاف ، فإنّ نفسي تنازعني كي لا أذعن وعقلي يدفعني للإطلاع حتّى أكون على بيّنة من أمري.
قال صديقي : خذ لك حديث موسى عليهالسلام وملك الموت مثلا.
قلت : هات لأسمع منك.
قال : أخرج الشيخان في صحيحيهما بالإسناد إلى أبي هريرة قال : جاء ملك الموت إلى موسى عليهالسلام فقال له : أجب ربّك ، قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، قال : فرجع الملك إلى الله تعالى فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ففقأ عيني ، قال : فردّ الله إليه عينه وقال : أرجع إلى عبدي فقل : الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت بيدك من شعرة فانّك تعيش بها سنة» (١) الحديث.
ثم تبسّم صديقي وأردف قائلاً : كلّ ما في هذا الحديث مخالف للعقل والنقل ، فموسى عليهالسلام نبيّ مدحه الله في كتابه الكريم ووصفه بأحسن الأوصاف ، وهو بعد من أولي العزم الخمسة : ، وهذه الدرجة لا يُتصوّر معها خوف من موت. ثمّ ما ذنب ملك الموت؟ وهل كان جسدا مثلنا يبصر ويعمى ويؤثّر فيه الصفع واللّطم؟! ثمّ ألم ينقل لنا كتاب الله البعض من _____________________
١) صحيح مسلم : ج٤ كتاب الفضائل فضائل موسىعليهالسلام ص١٨٤٢.
أحكام التوراة التي أُنزلت على موسى عليهالسلام وفيها يقول الله : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ... ) (١) .
فلماذا لم يقتصّ ملك الموت من موسى عليهالسلام على افتراض صحّة القصّة؟! هل يخالف موسى شريعته وحِبْرُها لم يجفّ بعد؟ أنظر وأعمل عقلك بعيدا عن الأهواء والإمّعيّة (٢) ، ثم لا تظننّ أن هذا الحديث كبوة جواد ، بل هناك ما لا يحصى مثله (٣) ، بل إنّ أبا هريرة روى أشياء وتحدث عن أحداث لم يعشها!! كروايته عن رقيّة بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم التي ماتت في السنة الثالثة للهجرة ، بينما أسلم أبو هريرة سنة ٧ هجريّة (٤) .
مضى صديقي لسبيله وتركني في حيرة من أمري...
_____________________
١) سورة المائدة : ٤٥.
٢) من الإمّعَة : وهو الذي يجاري ويقول ويؤمن بكلّ ما يقوله الناس فهو معهم في كلّ شيء.
٣) أنظر : صحيح البخاري ٤ / ١٧٠ و ١٨٤ و ٧٥ و ١٥١ و ١٥٥ و ١٥٨ و ١٦٩ و ٦٣ و ١٩٠ ، وغير ذلك في الصّحاح والمسانيد.
٤) أنظر : الإصابة : ٧ / ٢٠٢ و ٨ / ٨٣ ، الطبقات الكبرى لابن سعد في ترجمته لابي هريرة ٤ / ٥٢.
جمعني لقاء جديد بصديقي الشيعي ، وكانت أغلب لقاءاتنا غير مبرمجة وغير منتظمة لانشغالي ذلك الوقت بالتحضير لامتحان آخر السنة.
قال لي صديقي على حين غرّة وبدون مناسبة : هل سمعت بحديث « الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه (١) ؟!
أجبته ببداهة : نعم ، وكنت في نفسي أستجمع قواي لعلمي أنني مقبل على« كُربَةٍ » أخرى يخفيها لي أيضا هذه المرّة.
قال : ماذا تقول فيه؟!
قلت : ما رأيك أنت فيه؟! وكنت أقصد أن أترك له الكلام حتّى لا يلاحظ ضعفي ولا يخرج من فمي كلام يسخر به منّي.
قال : إنّه مخالف لكتاب الله دستورنا الأوّل والرئيسي ، ومخالف للعقل بل حتّى لعدل الله تعالى.
قلتُ : رويداً رويداً!.
قال : أمّا مخالفته لكتاب الله ، فالله تعالى يقول : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ _____________________
١) أنظر : صحيح البخاري ٢ / ١٠٦ كتاب الجنائز ، مسند أحمد ١ / ٤١.
مع أنّ رسول الله قد نهى عمر عن إسكاته لنساءكنّ يبكين قتلاهنّ!! [ مسند أحمد ٢ / ١١٠ ].
وِزْرَ أُخْرَىٰ ) (١) ، ويقول : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) (٢) ، ويقول كذلك : ( وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ) (٣) ، فالميت إذا مات انقطع عمله ، نعم إذا سنّ سنّة حسنة كما ورد أو أحدث بدعة يبقى له الأجر أو عليه الوزر ، أمّا أن أبكي أنا على ميّت ويلحقه هو العذاب ، فليس هذا من المنطق ولا من العدل في شيء.
وبقدر ما أعجبني هذا المنطق الذي يتكلّم به صديقي ، إلاّ أنّني كنت أشعر بهزيمة أخرى ، فما زالت أحجار بنائي تنقضّ وتتهدّم الواحدة تلو الأخرى.
قلت في نفسي : صحيح ما ذنب الميّت؟!
ورجعت بي ذاكرتي إلى أيام طفولتي حيث كانت تخرج جنائز لأقارب لي أو جيران فكان صراخ النسوة يعلو ويشتدّ حتّى أنّ بعضهنّ تشقّ ثيابها وتخدش خدّيها حتّى تسيل الدماء ، وما زلت أذكر تلك الصورة المرعبة التي كانت عليها خالتي عندما ماتت جدّتي ، حيث سال الدّم من وجهها إلى الأرض ، وظلّت آثار تلك الخدوش إلى شهور بعد ذلك باقية في وجهها ، وكان بعض الرجال يصيحون أمام حالة الصياح بكلام غاضب يدعوهنّ إلى الكفّ عن الصياح والبكاء قائلين : لقد أحرقتم الميّت ، ارحموه ، وكنت وأنا صبيّ أشفق على ذلك الميت وأقول : إنّ صياح أهله هو بمثابة البنزين الذي يُسكب ، بل هو وقود النار التي ستحرقه.
_____________________
١) سورة فاطر : ١٨.
٢) سورة المدثر : ٣٨.
٣) سورة العاديات : ١٠.
كما حدثني بعض المؤمنين أنّه شهد جنازة امرأة جيء بها إلى الحرم النبوي الشريف ، وعند الخروج بها إلى البقيع وإذا بطفل أحسبه ابن تلك المرأةـيقول محدّثيـتخرج من عينيه دمعتان أفلتتا رغماً عنه ، فجاءه رجل جِلف وصفع ذلك الطّفل المسكين ، قائلاً له بعد أن أكّد له رجولته : تعذّب أمّك؟!
قال صديقي مسترسلاً : ثمّ لو صحّ هذا الحديث ، فعليه يكون رسول الله أوّل من خالفه عندما بكى بكاء شديدا على ابنه إبراهيم الصغير (١) ، حيث بكى صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أن ابتلّت لحيته الكريمة ، وكذلك بكى على عمّه حمزة بكاء مرّا وتأثر من قلّة البواكي عليه.
وكذلك بكى الصحابة على رسول الله بكاء لم يبكه أحد من العالمين.
وإنّ البكاء في نفسه ممدوح(٢) خاصّة إذا كان من خشية الله وحزناً على المؤمنين« ولا نقول إلاّ ما يرضي الله » كما ورد عن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والحديث المذكور مخالف للفطرة السليمة والتركيبة البشرية للنّاس عموما ، والبكاء كما يؤكد الأخصّائيّون هو عملية تنفيس ورفع للغُصص التي قد تؤدّي للهلاك إذا انحبست في داخل المرء.
على أيّ حال نحن لا نشك في هذا الحديث فقط ، بل في كثير من الأحاديث ، فالله تعالى لم يضمن لنا عدم تحريف السنّة الشريفة وإنّما ضمن فقط عدم تحريف كتابه الكريم بقوله تعالى : ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
_____________________
١) سير أعلام النبلاء ـ السيرة النبوية ـ ٢ / ٢٨٨.
٢) يعقوب كان من أشهر البكّائين ولم يذمّ الله فعله ذلك في سورة يوسف.
وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) ، أضف إلى ذلك تحذير الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حذّرنا من الوضّاعين الذين سيكثرون من بعده وتوعّد كلّ من كذب عليه حديثا بمكانه في النّار (٢) .
_____________________
١) سورة الحجر : ٩.
٢) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ١٣ باب التغليظ في تعمد الكذب على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مسند أحمد ١ / ١٦٥ و ٢ / ١٥٩.
قال صديقيـوهو يستفزني ويجرّني إلى موضوع جديدـ:«ماذا تقول في أبي طالب؟!
قلت : إنّه عم رسول الله وكفيله وناصره بقلبه ولسانه ويده ، حتّى أنه رفض تسليم ابن أخيه إلى طغاة مكّة الذين يقول فيهم الله لِفَرعنتهم :( إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا ) (١) ، كذلك سمّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم العام الذي مات فيه عمّه أبو طالب وزوجته خديجة أم المؤمنين بعام الحزن ، لما كانا يمثلانه من دعامة وحصن للدعوة الجديدة وصاحبها ، لكن مع الأسف مات أبو طالب مشركا! ولهذا يروي شيوخنا أنّهـكرامة من الله لحمايته ابن أخيهـفي ضحضاح من نار ، وتحت رجليه جمرتان يغلي منهما دماغه.
ابتسم صديقي ابتسامة عريضة ، وقال لي : ألا تحتمل أنّ أبا طالب كان مؤمناً يخفي إيمانه؟!
قلت : من ناحية الإحتمال لا يمتنع هذا الأمر.
قال صديقي : إنّ كل الشواهد والقرائن تثبت بلا أدنى شك أنّ أبا طالب كان مؤمنا ، بل من السبّاقين إلى الإسلام والرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم .
قلتـوالعجب يطبع ملامحيـ: كيف ذلك؟! فهذا مخالف لما _____________________
١) سورة المزمل : ١٥.
اشتهر عندنا؟!
قال : وهل كلّ ما اشتهر صحيح؟ أليس متسالما عند النصارى أنّ المسيح ابن الله وأنّ المسيح صُلب وو...
قلت : هلاّ أوضحت لي الأمر؟!
قال : هل تعرف أبالهب؟!
قلت : أتسخر منّي؟! كيف لا أعرفه ، وقد نزلت في حقّه سورة تتوعده بالعذاب الأليم؟!
قال : وما هي قرابة أبي لهب بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
قلت : هو عمّه أخو والده.
قال : إذن ما الّذي يجعل أبا لهب عدوّا مجاهراً بعداوته للرسول والرسالة ، ويجعل أبا طالب حامياً مدافعاً عن الرسول والرسالة؟
قلت : ما الذي تريد أن تصل إليه بعد هذه المقدمات؟
قال لي بنبرة حادّة : يا أخي ، هل يُعقل أن يأتي شخص بعقيدة تخالف كلّ ما يعتقد به أهل وقوم ذلك الشخص ، ثمّ يأتي عمّ ذلك الشخص وبكلّ سهولة فيغضّ طرفه على هذا الشّخص وهو يراه صباحا مساء يُسفّه دينه ويحقّر من شأن عقيدته؟! وعلى افتراض أن الأمر كان هكذا ، ما الداعي أن يتحمّل هذا العمّ ما تحمّله من معاداة قومه وإبعاده إلى شِعْبٍ خارج مكّة مع عزلة اقتصادية وو... هل كلّ هذا للرّحم؟! وإذا كان كذلك فما بال أبي لهب لم تثره الرّحم ولا القرابة؟!»
قلت : قد يحدث هذا مع ما نعرف للعصبيّة وللرحم وللقبيلة من قيمة في الجاهلية ، بل ما للأحلاف بين الأباعد من أهميّة.
قال : لنقبل ما قلت بتمامه ، فما الدّاعي لأن يحزن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على عمّه حتّى سُمّي عام وفاته ووفاة خديجة بعام الحزن؟!
قلت وفي نفسي أنّني وجدت المخرج والدليل الذي مافوقه دليل : إنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حزن على عمّه لأنّه انتهى إلى النار وبئس المصير.
استدرك صديقي ببداهة قائلاً : إذن لماذا لم يحزن على عمّه أبي لهب ، بل إنّه كان يتلو على مسامعه ومسامع غيره سورة المسد بما فيها من وعيد؟! حتّى قال أبو لهب إنّ محمّداً قد هجاني.
ثم كيف يرضى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يعيش تحت ظل كافر وفي منعته وهو يتلو قول الله تعالى : ( إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) (١) وقوله تعالى : ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ) (٢) وقوله : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) (٣) ؟!
وكيف لا يثور أبو طالب وهو يرى أنّ دعوة ودين ابن أخيه مسّ أقرب الناس إليه ، وهو ولده عليّ رضياللهعنه الذي كان ملازما للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ملازمة الظلّ لصاحبه؟!
ثمّ من بعد عليّ ولده جعفر ، بل وحتّى زوجته فاطمة بنت أسد؟!
ثمّ ألم تقرأ قول الله تعالى في مؤمن آل فرعون حيث يقول :( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (٤) .
_____________________
١) سورة الحجر : ٩٥.
٢) سورة آل عمران : ٢٨.
٣) سورة الممتحنة : ١.
٤) سورة غافر : ٢٨.
فما المانع أن يكون أبو طالب كذلك بما له من مكانه اجتماعيّة هامة وهو أحد سادة بني هاشم وسادة قريش؟!
والشيء الذي لا ينقضي له عجبي هو إصرار علمائنا على إسلام أبي سفيان.
قلت : أولم يسلم أبو سفيان؟!
قال صديقي : إنّ الجماعة جعلوه مسلما قد حسن إسلامه ، كما حسن إسلام زوجته هند البتول ، وكذلك ابنهما معاوية خال المؤمنين ، كل أولئك ربحت تجارتهم بعد أن حاربوا الإسلام من يوم مولده إلى يوم فتح مكّة ولكن أبا طالب مات مشركاً!!
هل رأيت هذه الصفقة المربحة؟!ـقال صديقي ، ثمّ واصل كلامه قائلاً ـ: رجل من أعمدة الشرك وأئمة الكفر الذين لم يألوا في بذل الأموال وسل السيوف لمحاربة الدين الجديد ، تراهم الآن من أهل الإيمان والجنّة!
ومتى أسلم أبو سفيان؟! نعم ، عندما رأى جيوش الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مقبلة نحو مكّة ورأى أنّ كلّ ما فعله في سبيل محاربة هذا الدّين أصبح هباءً منثوراً.
ثمّ تساءل :
يا أخي ألا تعرف أنّنا نحكم بالظاهر؟! فما المانع أن يكون أبو سفيان وغيره من الطلقاء (١) أسلموا وآمنوا فعلا؟!
_____________________
١ ـ الطلقاء : جمع طليق ، وهم الذين وقعوا تحت أسر رسول الله وجيش الفتح وقال
أجبت صديقي معترضاً : هذا جائز.
أجاب صديقي : لكن إذا نظَرت إلى القرائن والظروف التي أحاطت بحياة أبي سفيان لعلمت أنّه من المحال أن يؤمن أبو سفيان.
ألم تُقنع كلّ المعجزات والأدلة التي سمعها من الرسول منذ بزوغ فجر الإسلام في مكة إلى فتح مكة هذا الرجل حتّى يسلم إسلاما مشبوها؟!
إنه في الواقع استسلم ولم يسلم.
وترى يا أخي أنّ كافل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وحاميه ومانعه أبو طالب في ضحضاح من نار ، وعدوّ الله ورسوله جبّار قريش ورأس الكفر ، ومن سعى طوال عمر الدعوة إلى محاربتها ، أبو سفيان يتنعم مع هند في الجنّة مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء!!! يالها من صفقة ماكيافيلّيّة مربحة!
سكتّ اقتناعاً بما قال صديقي حيث لم أجد لما قال ردّاً ولا استدراكاً ، ومضيت وأنا أدعو الله أن يهديني إلى الحقّ حيثما كان.
_____________________
لهمصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اذهبوا فأنتم الطلقاء » ، وكان من أبرزهم معاوية بن أبي سفيان ( كاتب الوحي!! ).
كانت آثار الحيرة بادية على وجهي وأنا ألج مسجد الحيّ أتطلّع في صفوف المصلّين ، لقد كان منظرا مألوفاً لديّ ، لكن نقاشاتي مع الشيعة حول أمور عدّة جعلت هذا المنظر غريباً عليّ وكأنّي أراه للمرّة الأولى!
مجموعة من المصلّين تقف للصلاة أمام بارئها ، ويكاد لا يجمعها في صلاتها شيء إلاّ القبلة ، فبعض أسدلوا أيديهم ، والبعض الآخر يجمعها على بطنه ، وهذا يرفعها مابين صدره وبطنه ، وذاك رفعها كثيرا حتّى كادت تلامس أسفل رقبته!
قفزت في ذلك الحين إلى ذهني أفكار وتواردت تساؤلات ، قلت في نفسي : ألسنا جميعا مسلمين؟! بل ألسنا جميعا على مذهب واحد؟! فما الدّاعي لهذا الاختلاف؟ عجيب! أوصل بنا الحال إلى أن نختلف حتّى في الصلاة؟! ماذا بقي لنا من موارد الاتفاق؟!
أليست الصلاة عمود الدين؟! ألسنا أمرنا أن نقتدي برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ شيء؟! أليس يأمرنا القرآن بـ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (١) ؟!
وقلت في نفسي : ليتني أعرف الطريقة التي صلّى بها رسول
_____________________
١) سورة الحشر : ٧.
اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعلّمها صحابته ، هل صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم متكتّفا جامعاً يديه أم صلّى مُسدِلا؟ أم لربّما صلّى على كلا الوجهين؟
وقد يكون حكّام الجور غيّروا وبدّلوا حتّى في الصّلاة(١) ؟
هل قصّر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في التبليغ؟ أليس الله يقول:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (٢) ؟
لماذا يقول مالك بالسدل ، والشافعي بالتكتّف؟ هل كان دين الله ناقصا فيكمّلوه ، أم أنّ أحكام الله كانت غامضة فيُعملوا آراءهم بالاجتهاد والاستحسان والقياس؟! أفتونا بعلم أيها الناس فلقد بلغ السّيل الزبىٰ.
هل كان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي كان يصلّي مذ كان في مكة إلى آخر حياته الشريفة متناقضا ، حتّى يصلّي على وجوه عدّة؟! وإذا صلّى كذلك فكيف علّمه الله هذه الصّلاة؟ وإن لم يصحّ ذلك فكيف كانت صلاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
وأذكر أنني كنت أتحدّث مع أحد الإخوان فسألته عن رأيه في الموضوع فلربّما قال شيئاً يرفع به حيرتي حول أمر الصلاة.
فأجابني قائلاً : يا أخي إنّ المسألة أبسط ممّا تتصوّر ، إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى على الوجهين فمرّة بالسّدل وأخرى بالتكتّف.
فعلّقت قائلاً : ألا ترى في هذا تناقضا؟! ثمّ أيّ صلاة
_____________________
١) هذا ما فعله مروان بن الحكم فعلا في صلاة العيد ، أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ٤٠٦ باب ما جاء في صلاة العيدين.
٢) سورة المائدة : ٣.
صلاّها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسدلا وأيّ صلاة صلاّها متكتّفا؟ ولو صحّ ما تقول لماذا لا نصلّي كلّ يوم على الوجهين إصابة للسنّة واقتفاءاً بهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
نعم ، هكذا تصير أحكام الدين الخاتم الشّامل لعبة تحت غطاء اليُسر في الدين! صلّي كما تحبّ ، وتوضّأ كما تشتهي ، وطلّق كما تستحسن ، المهم هو اليسر. عجيب هل يريدنا الله أن نعبده كما يحبّ هو أم كما نحبّ ونستحسن نحن؟!
وذات مرّة سألت أحدهم عن تكتّفه في الصلاة رغم كونه مالكيّا؟ فتعلّل بأنّ تكتّفه في الصلاة يزيد من خشوعه مع الله تعالى.
اجتهاد واجتهاد واستحسان ولا شيء غير ذلك!! خشوع أكثر وخشوع أقلّ ، إنّ الخشوع مسألة قلبيّة وليس ممّا يُحصّل بالحركات والسّكنات. إذن لماذا لا نقلّد خشوع المسيحيين أو البوذيين في صلاتهم؟!
والعجب! أنّهم إذا رأوا شيعيّا يصلّي ، يطير حلمهم ويعسر يسرهم ويهاجمونه تحمّسا للسنّة وحفاظا عليها ، ولا ندري أية سنّة يحفظون ، ولا إلى أي صلاة يدعون ، هل هي صلاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أم صلاة مروان بن الحكم(١) وغيره من الجبابرة الأمويين والعباسيّين؟!
ما دام رسول الله يهجر (٢) ! ويذكر آلهة قريش (٣) ! ويلعن من
_____________________
١) سنن ابن ماجة ١ / ٤٠٦ باب ما جاء في صلاة العيدين.
٢) إشارة إلى رزية الخميس ، أنظر : صحيح البخاري ٦ / ١١.
٣) إشارة إلى حديث الغرانيق ، أنظر : الدرّ المنثور ٦ / ٦٤ـ٦٩ تفسير سورة الحج آية ٥٢ ، تفسير الطبري ١٧ / ١٣١.
لا يستحقّ اللّعن (١) ! ويصبحُ ولا يصلّي (٢) ! فلا عجب أن يصلّي بطريقتين مختلفتين!!
بهذا أجابني صديقي الشيعي عندما طرحت عليه الموضوع من جديد.
وأردف قائلا : لكن الحمد لله الذي حفظ كتابه الكريم من تحريف المحرفين ودسّ الدسّاسين ، وإلاّ لصار أغرب من التوراة والأناجيل ، مليئا بالخرافات ، محشوّا بالتناقضات ، لكنّ القوم إذ فاتهم تحريفه عمدوا إلى سنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فبدّلوها وغيّروها ، وقطّعوا أوصالها ، وحذفوا منها وزادوا ، حتّى اختلط الحابل بالنابل ، وحتّى أصبح المسلم يعجب ويسأل ويتساءل ويتحيّر ولا تزول حيرته.
لكن القوم تمادوا في غيّهم فحرّفوا كلام الله عن مواضعه بعد أن لم يتمكنوا من تغيير حروفه ، فبدلوا معانيها حتّى صار يوسف عليهالسلام غراميّا يهمّ بالفحشاء! وموسى عليهالسلام قاتلا جبّارا في الأرض! وذا النّون كان كافرا بقدرة الله! وآدم عاصيا! وداود متهتّكا لاهثا وراء الشهوات! وسليمان غير متوكّل على الله تعالى (٣) !
نعم ، لقد أقاموا حروف القرآن لكن غيّروا معانيها وشأن نزولها فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
_____________________
١) أنظر : صحيح مسلم كتاب البرّ والصلة ٤ / ٢٠٠٧ ، مسند أحمد ٥ / ٢٩٤ و ٢ / ٢٤٣.
٢) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ٢٢٧ باب من نام عن الصلاة أو نسيها ، مسند أحمد ٢ / ٢٤٨.
٣) أنظر : صحيح البخاري ٩ / ١٦٠ـ١٦١ وبعدها ، مستدرك الحاكم : ٣٤٦ ، ٥٨٢ من كتاب التّفسير ، صحيح مسلم ٣ / ١٢٧٥ كتاب الإيمان.
قلت لصديقي : فما تقول أنت؟!
أجاب : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي علّم أُمته كيف ينام الشخص في فراشه ، وكَيفَ يقول إذا خرج من بَيتهِ ، بل كيف نفعل إذا دخل أحدنا بيت الخلاء (١) ، هل تتصوّر أنّه يصلّي على طريقتين ويترك أمّته في حيرة من أمرها في الصلاة؟!
ثمّ لو صلّى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على وجهين لماذا لم يتوضّأ ولم يتيمّم ولم يغتسل على وجهين مختلفين؟!
لمّا أنهى صديقي كلامه شعرت بميل جيّد تجاه هذا المنطق الواضح الذي أزال عنّي تلك الغبرة التي كانت تحجب عن عيني الرّؤية ، وأقنعت نفسي بأنّه لو لم يكن تعليل صديقي صحيحا وفي محلّه ، فلا ريب عندي أنّه كان الأفضل من بقيّة التّفسيرات والتعليلات التي طالما سمعتها حتّى مجّتها أذناي ولم تقنعني قليلا ولا كثيرا.
_____________________
١) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ١٠٨ باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء.
( الماكيافيلية ، أو الوصولية ، أو النفعويّة... ) أسماء متعدّدة لمعنى واحد والماكيافيلية تُنسب إلى مؤسّسها الإيطالي الشهير "Machiavelli " الذي كتب كتابه المعروف«الأمير»" il principe " وهو مفكّر عاش في القرون الوسطى في عصر النهضة الإيطالية في إمارة فلورانسا قلب إيطاليا الثقافي والحضاري والفكري.
و ( للماكيافيلية ) مقولة شهيرة كانت الأساس الذي ضرب بالمثل العليا عرض الحائط وجعلت لكلّ مغامر الفرصة في إمكانية الوصول إلى ما يطمح ويريد ، هذه المقولة هي :« الغاية تُبرّر الوسيلة ».
ولا أدري ، هل يصحّ أن ننسب هذه النظرية أو الفلسفةـالتي استشرت في أوروبا ونالنا منها نحن المسلمون المآسي والويلاتـإلى ماكيافيلّي أم إلى معاوية بن أبي سفيان؟!
إنّ معاوية بن أبي سفيان من دهاة العرب الأربعة(١) كما يوصف ، وهو مثال حيّ وقوي على الرجل النفعي الماكيافيلّي ، فهو كالحرباء المتغيّرة اللّون حسب الظروف ، فمعاوية حسب نشأته ومكانة أبيه في قريش لا يمكن أن يكون مسلما ، لأنّ قبوله بالدين الجديد معناه أن يفقد
_____________________
١) هم : معاوية ، عمرو بن العاص ، المغيرة بن شعبة ، زياد بن أبيه. أنظر كتاب أسد الغابة : ترجمة المغيرة بن شعبة.
جميع الإمتيازات التي كان يتمتّع بها وهو فتى من فتيان قريش المترفينـ إنّه مثال للرّجعيّة الإجتماعية التي ترى في كلّ دعوة إصلاحيةـوضعيةً كانت أو سماويةـضربة قاصمة للإمتيازات الطبقية التي كان يرفل فيها(١) ـ وهكذا شبّ معاوية ونشأ.
زيادة على ذلك ( الخوف من فقدان الإمتيازات ) ما لاقاه المسلمون الأوائل من شدة وتعذيب ما كان ليشجع معاوية ( اللاّمبدئي ) بأن يدخل هذا الدّين الجديد ، لكن لمّا اشتدّت شوكة المسلمين وعظمت قدرة المسلمين يسرع أبو سفيان إلى خارج مكّة ليبايع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لكنّه مازال يرى أنّ محمّدا ملكا حتى أن نهاه العبّاسرضياللهعنه ، وما كان أيسرها من كلمةـالشهادتينـفيكفي أن يلفظها أبو سفيان وهند ومعاوية بالنتيجة ، حتّى يعصموا دماءهم وأموالهم وكذا مراكزهم الماديّة.
وهكذا يطلع علينا معاوية مُسلماً ، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، لكن الفارق بينه وبينهم أنّه لا سابقة له ولا جهاد ، ولا حتّى رمية سهم أو رمح في سبيل هذه الدعوة الجديدة!
كذلك هناك مفارقة كبيرة جعلته يشعر بالخزي والمذلّة أينما اتّجه ، ألا وهي كونه من الطّلقاء.
لا يبرز أيّ ذكر لمعاوية إلى وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحتّى إلى شوط كبير من حياة الخلفاء ، إلى أن يُعَيَّنَ والياً على الشامـجزء منهاـخلفاً لأخيه يزيد بن أبي سُفيان ، ولا عجب إلاّ من عمر بن الخطاب الّذي ترك أجلاّء الصحابة جليسي بيوتهم ويولّي هذا الشّخص المغمور!! وهو القائل :
_____________________
١)( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) [ سورة الإسراء : ١٦ ].
« إنّ ولاية الأمر لا تكون لطليق ولا لمسلمة الفتح »(١) ، فما عدا ممّا بدا؟!
وولاية الشام فتحت لمعاوية المغامر آفاقا وآفاقا ، وهي التي مهّدت له خلافة المسلمين فيما بعد.
وجاءت الفتنة الكبرى ، حيث أحاطت جموع الثائرين والجائعين الذين رأوا بني أمية يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع(٢) ، ورأوا الوليد بن عقبة(٣) يصلّي بهم في الكوفة صلاة الصّبح أربعا وهو سكران ، ورأوا ما كان عليه معاوية وبقية عمّال عثمان من بطر وجاهلية جديدة وطبقية بغيضة مغلّفة بغلاف الإسلام!
حُوصر عثمان في بيته أربعين يوماً ، فهل أثارت حالة الخليفة هذه ابن عمّه معاوية بن أبي سفيان؟!
الجواب : لا.
هل كان معاوية عاجزا أن يرسل جيشا أو حتّى كتيبة تفكّ حالة الحصار عن ابن عمّه عثمان الأموي؟!
والجواب : لا.
_____________________
١) مسلمة الفتح : هم الذين أسلموا يوم فتح مكّة وربّما يقصدهم ومن أسلم بعد ذلك ، راجع طبقات ابن سعد ٣ / ٣٤٢ ، حيث قال :« هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ، ثمّ في أهل أحد ما بقي منهم أحد ، وفي كذا وكذا وليس فيها لطليق ولا لمسلمة الفتح شيء ».
هذا مع أنّ عمر عندما كان يرى معاوية كان يقول عنه : هذا كسرى العرب [ تاريخ الإسلام للذهبي سنة ٤١ ـ ٦١ هـ ص ٣١١ ].
٢) أنظر كلام الإمام عليعليهالسلام في نهج البلاغة : الخطبة ٣ المعروفة بالشقشقيّة.
٣) هو الذي سمّاه القرآن فاسقا [ سورة الحجرات : ٦ ] أنظر : تفسير الدر المنثور ٧ / ٥٥٥ ، تفسير الطبري ٢٦ / ٧٨ ، تفسير القرطبي ١٦ / ٣١١ ، تفسير ابن كثير ٤ / ٢٢٣.
إذن لماذا تقاعس معاوية عن نصرة عثمان؟!
والجواب : هو شخصيّة معاوية الماكيافيليّة التي لا يمكن أن ترتكب هذه المجازفة الخطيرة فتُوقد هَكذا خطوة نقمة المسلمين عليه كما أُوقِدت على عثمان ، وزيادة على ذلك وهو الأهم ، كان معاوية يرى أنّ هذه الفتنة قد تَرفَعه وتدفعه إلى مقام ما كان ليحلم به حتّى في المنام. ألا وهو مقام الخلافة وقيادة الأمّة!!
وهل كان لمعاوية مطمع فيها وكبار الصحابة كعليّ وعمّار والزّبير وسعد على قيد الحياة؟!
نقول : إنّ السرّ موجود في ماكيافيلية معاوية الّذي لولا بعدُ نظره وكثرة أحلامه لما استمرّ على ولاية الشام سنة واحدة ، وهو الذي كان يعيش فيها عيش الأكاسرة والأباطرة.
لقد أراد معاوية كبش فداء لطموحه الكبير ، فكان عثمان أو قميص عثمان ، فما إن قُتل الخليفة حتّى أقام عليه معاوية المناحات وعلّق قميصه على منبر مسجد الشام ، واستغلّ هذا القميص أحسن استغلال حتّى يبدو وكأنّه المدافع عن حرمة الخلافة ويكسب بذلك القلوب.
يُقتل الخليفة ولا ينصره بشيء ، ويأخذ قميصه ويجعل منه قضية السّاعة(١) !
ليس المهم عند معاوية أن يُقتل عثمان ولا تهمّه كذلك الأسماء ، المهم لديه ماذا ستُضيف إليه هكذا أحداث ، وأيّة موجه يركب حتّى تدفعه خطوة إلى الأمام.
_____________________
١) حتّى ضرب بذلك المثل فيقال لمن يستغل شيئاً بسيطاً ويكثر من استغلاله : قميص عثمان.
وتبدأ فصول المسرحية ، فعندما يبايع المهاجرون والأنصار أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ويقوم بعزل جميع ولاة عثمان لما أحدثوا من عظائم الأمور ، يرى معاوية أنّه وصل إلى نقطة الصّفر ، حيث سيعود كما بدأ بل أرذل ، لكن هل يخضع معاوية وأمثاله في كلّ عصر ومصر إلى هكذا نهاية بعد كلّ ذلك العناء؟!
الجواب : قطعا لا.
وهنا تبدأ الذهنية الشريرة التي تُحوّل المواقف الحرجة إلى مكاسب ، جعل معاوية ينادي بالقصاص من قتلة عثمان شرطا لكي ينعزل ويتنحّى ، وما أذكاه من شرط! حتّى يكسب شيئين : عدم التنحّي ، وإظهار نفسه بمظهر الشرعية لاستمالة قلوب الناس.
وما أشبه اليوم بالبارحة! فما أكثر الحكّام اليوم الذين رفعوا قميص فلسطين لكنهم لم يرموا إسرائيل بأيّ رصاصة ، ثم قس على ذلك بقية القمصان وما أكثرها في كلّ عصر وزمان وإن تغيّر المصداق.
ما أذكاه من شرط! وهل هناك قتلة معيّنون قتلوا عثمان؟!
إنّ كلّ الأمة قتلت عثمان ، وفي مقدّمتهم عائشة وطلحة والزبير وحتّى... عمرو بن العاص الذي عزله عن مصر فكان يقول :« كنت ألقى الراعي فأحرّضه على عثمان »(١) .
فهل اقتصّ معاوية منهم بعد ذلك حين صار خليفة المسلمين؟!
... يا له من موقف حرج آخر أشد من الأوّل!!
إنّ جنود الإمام عليّعليهالسلام يقتربون من خيمة معاوية ، وسيف مالك _____________________
١) أنظر : الكامل في التاريخ لابن الأثير ٣ / ١٦٣.
الأشتر حامل لواء جيش أمير المؤمنين يلوح أحمر تحت لهيب الشمس في ذلك اليوم من أيام حرب صفّين.
هل ستكون الضّربة القاضية التي تأخرت عن معاوية كثيرا؟! هكذا كان معاوية يفكّر وهو يستعدّ ليحزم أمتعته ويفرّ من الميدان إلى... امبراطور بيزنطة ربّما.
لكن ما أحلى ذلك السّلاح الذي طالما جرّبه معاوية ولم يخب : « الغاية تبرّر الوسيلة » وجاءت فكرة عمرو بن العاص برفع المصاحف.
الآن ، الآن تقيم للمصحف وزناً يا معاوية وقد خالفت كلّ أحكامه(١) ؟!
ورحم الله أحمد شوقي بقوله :
خرج الثعلب يوماً في ثياب الناسكينا.
وما أكثر اليوم من يرفعون المصاحف لغاياتهم الخبيثة!
والحيلة آتت أكلها ، حيث دبّ الخلاف وطلعت الفتنة بعد رفع معاوية للمصاحف ، وانشقت الأمة إلى فرق وأحزاب ، وما زالت إلى يومنا هذا.
ويظهر معاوية بن أبي سفيان« كرجل سلام » من الدرجة الأولى ، حيث يعقد بعد استشهاد عليّ صلحا مع الحسن بن عليّ ، فيبدو في عيون المسلمين المُستَغْفَلين حريصا على الدّماء وصائناً لها ، لكنّه سرعان ما يغدر بالإمام الحسن ويفتك به ، عن طريق إرسال السمّ إليه بواسطة واليه
_____________________
١) مثل أنه صلّى صلاة الجمعة يوم الأربعاء عند مسيره لحرب صفّين ، والخروج على الحاكم الشرعي ، وقتاله بغيا لبقية المسلمين ، أنظر : مروج الذهب للمسعودي ٣ / ٣٢.
على المدينة والذي بدوره يعطيه لزوجة الحسن حتّى لا يبقى في الأمة معارض له ، ويُتوّج جهوده الإعلامية والرشويّة فيصبح أميراً للمؤمنين وخليفة للمسلمين فياله من خليفة ويا لهم من مسلمين!!
ويظهر معاوية حقيقته التي طالما سعى لإخفاءها خوفا من شوكة الصحابة الأجلاّء وخوفا من السقوط. أما وقد فتك بالصالحين منهم واشترى ذمم الباقين(١) ، فلا بأس بالتعرّي وكشف السّوءة ، فيقول مجاهرا غير مستح قولته الشهيرة :«إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتحجّوا ولا لتصوموا ، لكنّي قاتلتكم حتّى أتأمّر عليكم!!»(٢) .
وما الصلاة وما الحجّ وما الإسلام أصلاً أمام المُلك الّذي لبسه غصبا وأورثه ملكا عضوضا إلى بني أمية من بعده حتّى كاد الإسلام يعود أثرا بعد عين ، وحتّى وصل الأمر بأمراء بني أمية أن يضربوا الكعبة بالمنجنيق ، ويستبيحوا المدينة المنوّرة ، ويسخر الحجّاج بن يوسف من طواف المسلمين بقبر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومنبره ويقول : إنّما يطوفون بأعواد ورمّة ، وينصحهم بأن يطوفوا بقصر« أمير المؤمنين » عبدالملك بن مروان بالشام(٣) .
نعم ، ما كان أظلمها من صفحات في تاريخنا الإسلامي ، فأبو ذر
_____________________
١) كقتله للصحابي الجليل حجر بن عدي باعتراف أُمّ المؤمنين عائشة وباعترافه هو نفسه حيث كان يقول : الويل لي من حجر يكرّر ذلك ثلاثاً ، أنظر : البداية والنهاية لابن كثير ٨ / ٤٩.
أمّا أكبر ذمّة لصحابي اشتراها معاوية فهي ذمة أبي هريرة.
٢) أنظر : البداية والنهاية لابن كثير ٨ / ١٣١.
٣) أنظر : الكامل للمبرد ١ / ٢٢٢ ، العقد الفريد لابن عبد ربه ٥ / ٣١٠.
صاحب السّابقة يموت وحيدا شريدا في صحراء الرّبذة ، ومعاوية لا يموت إلاّ وهو يلعب مع جواريه وخصيانه بالدّولة الإسلامية العريضة من المشرق إلى المغرب.
وليس عسيراً بعد ذلك على معاوية بما يملك من مال وبطش أن يجعل من نفسه كاتب الوحي(٢) ، وخال المؤمنين(٣) ، بل حتّى هادياً مهديّا(٤) وأن يضع الفضائل الزائفة فيمن أحبّه ، وأن يلعن وينتقص من أبغضه(٥) .
وليس عجيبا بعد أن ترى في حكّام اليوم الذين يحكمون بلدانهم لفترات محدودة أن يحرّفوا التاريخ ويقرّبوا من شاؤوا ويبعدوا من شاؤوا حتّى يصبح أحدهم الربّ الأعلى على سيرة فرعون ، وكلّهم كمعاوية مجتهدون مخطئون لهم أجر واحد ، والبركة في المضيرة لمن يشتهيها والسّيف لمن يخافه!.
ومن يدري فلعلّ ماكيافيلّي اطلع على تاريخنا وبنى على سيرة معاوية مدرسته الفكريّة ، من يدري؟!
_____________________
١) ولا ندري متى كتب الوحي وقد أسلم يوم الفتح في أواخر حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
أنظر : صحيح مسلم : فضائل الصحابة فضائل أبي سفيان ٤ / ١٩٤٥ ، مسند أحمد ٤ / ٢٢٦ حديث رقم ٢٦٥١.
٢) لأنّه أخو أم حبيبة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والتي أبغضت أباها كما أبغضت أخاها.
٣) في حديث مزعوم عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :«اللّهم اجعله هادياً مهديّا وأهد به!» أنظر صحيح الترمذي ٦ / ١٥٧ حديث ٣٨٤٢.
٤) كأمره لوعّاظه في طول البلاد وعرضها بلعن علي بن أبي طالب على المنابر واستمرّ ذلك إلى ٧٠ سنة. أنظر : تاريخ الطبري حوادث سنة ٥١.
كان الفصل شتاءاً ، وكنت أستغلّ فترة مابعد الغروب لأقوم بجولة في أطراف المدينة ، حيث أشعر بالأنس في تلك الأوقات حيث تأخذني قدماي في جولة هادئة ، وتذهب بي مخيّلتي بعيدا محلّقة نحو أفق سحري ، فأطير بعيدا عن رتابة الواقع وأمشي وأمشي حتّى أشعر أنّني قطعت شوطا كبيراً في جولتي ، وأشعر بلفح نسمات باردة فأميل إلى إحدى المقاهي حيث غالباً ما ألتقي بأحد شباب حيّنا فنخوض في موضوعٍ مَا ، وكثيرا ما ينضمّ إلينا بعض الأصدقاء ليشاركوننا الجلسة ، وكانت هكذا جلسات فرصة لي للخروج من رتابة الدروس ولإعادة البعض من الحيويّة الضرورية لمواجهة التحضير لامتحان آخر السّنة الذي كان آخر عقبة للدخول إلى الجامعة.
كنت في أكثر الأحيان ألتقي بصديق الدراسة القديمـالمتشيّعـ حيث كنت أشتاق إلى مجالسته لخفّة ظلّه والروح الساخرة التي كان يتميز بها ، فضلا عن أنّه شدّني إليه لما يحمله من أفكار جديدة عليَّ لم أتعوّد على سماعها من قبل ولكلّ جديد لذّة كما يقولون.
في إحدى جلساتي معه وجدته أحضر كتاباً كبيراً ذو غلاف أحمر قاني وكان قد وضعه أمامه على الطاولة ، نظرت إلى العنوان فإذا به« صحيح مسلم » وقد كتب بحروف مذهّبة ، وكتبت عبارة« أصحّ الكتب بعد كتاب
الله » تحت العنوان.
مسكت هذا الكتابـوكان مجلّدا واحدا لجزئين فقطـلأول مرة في حياتي ، إذ نحن مع الأسف لا نقرأ كتبنا ، ولماذا نقرأ؟! ألسنا على المحجّة البيضاء! يا له من غرور مغلّف بجهل مركّب! إنّ المستشرقين صاروا يعرفون عنّا أكثر ممّا نعرف عن أنفسنا نحن ، وقد يأتي يومـلا سمح اللهـيَطبخون لنا فيه تاريخا حسب ذوقهم وأهدافهم ويقدمونه لنا بديلا عن تاريخنا(١) .
عندما نظرت إلى العبارة كان في نفسي منها شيء! ما معنى أصحّ كتاب بعد كتاب الله تعالى؟! يعني أنّه في المرتبة الثانية. يا له من قياس عجيب!! ما أسهل أن نصدر أحكاما جزافا لتمرير كثير من الأشياء ، دائما نذهب ونقيس أنفسنا بالله وكتبنا بكتابه العزيز!
كان صديقي قد وعدني مرّة بأن يحضر لي صحيح مسلم لأنّه أكّد لي أنّ حديث :«تركت فيكم الثقلين ، ما إن تمسّكتم بهما ، لن تضلّوا بعدي أبدا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(٢) هو الحديث المتواتر عند المسلمين.
لكنّي أصررت علىٰ أنّ المشهور هو حديث :« كتاب الله وسنّتي »(٣) .
_____________________
١) وقد بدأوا فعلا وما فعله جرجي زيدان في قصصه وتأليفاته كان ضربة البداية.
٢) أنظر : مستدرك الحاكم ٢ / ١٤٨ ، مسند أحمد ٣ / ١٧.
وقد ورد في مسلم شبيها وقريباً في ألفاظه من هذا ، أنظر : مسلم كتاب الفضائل باب من فضائل علي بن أبي طالب.
٣) أنظر : موطّأ مالك : ٦٠٢ حديث رقم ١٦٦٢.
فتحت الكتاب حيث المكان الذي عيّنه لي صديقي بورقة صغيرة ، قرأت الحديث كما أخبرني صديقي ، تعجّبتُ!! اللّهم زدْنا علماً ، وقفزت في ذهني أفكار وأفكار كمن كان يريد مخرجا سريعاً لما هو فيه ، لكني عجزت فاشتعل قلبي غيضا على هؤلاء الّذين أوقعونا في ورطة لا مخرج منها ، ويا ليتها كانت الورطة الوحيدة فما أكثر ما تورّطوا فيه وورّطونا فيه معهم.
قال صديقي : وليس فقط مسلم هو الذي أورد هذا الحديث ، بل أورده كثير من المفسرين والمحدثين من أمثال أحمد بن حنبل في مسنده ، والترمذي والحاكم والطبري وابن حجر في صواعقه ، والسيوطي الشافعي في الدر المنثور ، وابن الأثير في النهاية وغيرهم ممّا لا يحصيه عاد.
قلت : لكن المشهور عندنا هو حديث :« كتاب الله وسنّتي » ، حتّى حفظناه عن ظهر قلب وردّدناه في كلّ مجمع وعلى كلّ منبر ، حتّى سارت به الركبان.
قال : ربّ مشهور لا أصل له ، وعلى افتراض وجود وصحة الحديث فهو يفسّر الحديث الصحيح الأوّل حيث إنّ سنة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم هي سنّة أهل البيت والعكس صحيح وإذا لم يكن الأمر كذلك لصار رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم متناقضا في قوله وأحاديثه.
ثمّ أدار صديقي صفحات أخرى من صحيح مسلم ، وقال : اقرأ!
قرأت عن أبي هريرة قال :« لا تمتلىء ( النار ) حتّى يضع الربّ رجله فتقول : قط قط ويزوي بعضها إلى بعض »(١) .
_____________________
١) أنظر : صحيح مسلم ٢ / ٤٨٢ ، مسند أحمد ٣ / ١٣٤ ، العقيدة الواسطية لابن تيميّة : ٧٦.
تملكني العجب من هذا الحديث وتذكرت حديث صديقي عن أبي هريرة وقيمة أحاديثه ، لكني أسررتها في نفسي ولم أُبدِ ذلك له ، وتركت صديقي يعلّق بنفسه على الحديث حتّى أرى ما يقول فيه ، وبالتّالي ما يقول الشيعة حوله.
قال صديقي : لو أعملت عقلك وفكرك لعلمت تهاوي هذا الحديث الذي يرويه أبو هريرة الدوسي :
فأوّلا : هذا القول يعني أنّ الله أخطأ في تقديره لعرض وسعة جهنّم فيضطرّ لأن يضع فيها رجله حتّى تمتلأ.
وثانياً : الله يضرب بقوله في القرآن عرض الحائط. أليس هو القائل :( فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) الآية. فكيف يقول الله لأملأنّ جهنّم ثم يضطر بعد ذلك لوضع رجله فيها حتّى يملأ فراغاتها؟!!
ثمّ لا نتحدث بعد عن رجل الله التي يريدنا أبو هريرة أن نتصوّرها كرجله المتشقّقة الحافية التي لم تحضن نعلاً إلاّ في أخريات عمره. ولعلّ أبا هريرة نسي أن يحدثنا عن رجل الله الأخرى ، هل تبقى معلّقة في الهواء أم يضعها الله تعالى في الجنّة لأنها كذلك عريضة واسعة رحبة.
قاطعت صديقي قائلا : لكن قد يكون القصد من رجل الله شيء مجازيّ كما ورد في القرآن عن يد الله وأعينه وغيرها؟! وقد تكون الرجل هنا هو غضب الله حيث يرفس أهل النّار فيها رفْساً.
ضحك صديقي ضحكة عريضة ، وقال : إنّ الحديث من أساسه
_____________________
١) سورة ص : ٨٤ ـ ٨٥.
باطل ، لأنّه لا يَسنده شيء من العقل ولا من القرآن الكريم فكيف نلجأ إلى التأويل؟!
وعلى ذكر التأويل ، إنّ المجسّمة والمشبهة وأبرزهم في وقتنا الحاضر الوهّابية لا يجوّزون التأويل ، لأنّه عندهم تعطيل ولذا يسمّوننا معطّلة بزعمهم ، وقد أحسنتَ إذ ذكّرتني بهذا الموضوع المهمّ ، فإنّه أساس لفهم القرآن ولفهم أصل التوحيد الذي يدّعي حمل لواءه كثير من الأعراب البوّالين على أعقابهم.
ولهذا كان مرجعنا في فهم القرآن هو خلفاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الأئمة المعصومين الّذين قرنهم صلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرآن في قوله :«تركت فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي» (١) .
وليس لنا الأخذ بالظّاهر في كثير من الآيات ، لأنّ ذلك يؤدّي بالباحث إلى القول بتناقض كتاب الله المجيد.
فمرّة يقول الله تعالى :( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٢) ، وأخرى يقول : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ) (٣) ، ومرّة يقول لموسى : ( لِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي ) (٤) ، وأخرى يقول : ( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) (٥) ، فتُذكر اليد بلفظ المفرد وأخرى بلفظ الجمع ، وكذا العين.
_____________________
١) المستدرك للحاكم ٣ / ١٤٨ كتاب معرفة الصحابة.
٢) سورة الفتح : ١٠.
٣) سورة الذاريات : ٤٧. ويقول ابن تيميّة باثبات اليدين لله تعالى ، أنظر : العقيدة الواسطية : ٦٦.
٤) سورة طه : ٣٩.
٥) سورة الطور : ٤٨.
ومرّة أخرى نقف على آية أخرى أعجب وهي قوله تعالى : ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (١) ، أو قوله : ( وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) (٢) فإذا سلّمنا بأنّ لله يداً أو عيناً أو جارحة ( كما يليق بجلاله تعالى )ـعلى رأى الوهّابيينـلكانت كلّها فانية ، زائلة حسب الآية التي تذكر هلاك كلّ ذلك ما عدى الوجه.
قلت متعجّبا : وهل هناك من المسلمين من يعتقد بأنّ الهلاك يوم القيامة يطال حتّى الله تعالى؟!
قال صديقي : على افتراض أنّنا سلّمنا بأنّ الله تعالى مركّب من أجزاءـسبحانه وتعالىـفلماذا يَطَاله هلاك وصاعقة القيامة بعضا من الله؟! ومعنى هذا إنّ الله إمّا أنّه يفجّر صاعقة لا يستطيع السيطرة عليها حتّى تطاله كما طالت مخلوقاته ، أو أنّ القيامة حدث خارج عن قدرة الله بحيث تأتي على«الربّ والمربوب»؟!
قلتُ مغضباً : والله لا أعتقد أنّ جدّتي رحمها الله على بساطة فكرها تؤمن بهكذا عقيدة فيمن خضع له كلُّ شيء ، سُبحانه وتعالى عمّا يقول السّفهاء.
عقب صديقي وقد علت نبرة صوته وظهرت علامات الحزم على جبينه قائلاً : يا ليت ; ثمّ يا ليت ; وقف الأمر عند هذا الحدّ! لقلنا : اشتبه على إخواننا الأمر والتزموا بظاهر الكتاب ، لكنّهم في كثير من الأمور ضربوا بصريح الآيات عرض الجدار.
قلت له : هات لي مثالا على ما قالوا.
_____________________
١) سورة القصص : ٨٨.
٢) سورة الرحمن : ٢٧.
قال : إنّهم يَزعمون أنّ الله فوق سماواته على عرشه ، عليٌّ على خلقه (١) ، بل وزادوا على ذلك وقالوا : إذا جلس سبحانه على كرسيّه سُمع له ( أي الكرسي ) أطيط ( صوت ) كأطيط الرحل الجديد ، من ثقل الله تعالى (٢) .
قلت : أليس الله على العرش؟!
قال : يظهر من رواة الحديث أنّهم رأوا معاوية بن أبي سفيان أو ملوك بني أمية وملوك بني العبّاس ، وما كانوا فيه من جبروت وما كان لديهم من عروش مذهّبة وغيرها حتّى نسبوا ذلك إلى الله تعالى!
صحيح إنّنا نجد في القرآن كلمة العرش والكرسي لكن لا يعني أنّها تشبه عروش الجبابرة والطواغيت ، أليس الله تعالى يقول في أشهر آية نقرأها ليلا ونهارا وهي آية الكرسي حيث يقول :( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) (٣) ، فهل يعني هذا أنّنا جالسون في العرش مع الله إذ وسع العرش حتّى الأرض ، فهل العرش داخل فيها أم أنّها هي في العرش؟!
قلت : عفواًـقليلاً قليلاً حتّى أفهم جيّداً ما تقول ، فهل تقصد أنّ عرش الله ليس في السماء دون الأرض ، وليس في مكان دون آخر؟!
ردّ صديقي : المسألة مجازيّة وكنائيّة.
_____________________
١) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ٦٩ باب فيما أنكرت الجهمية ، و ١ / ٢٩ نفس الباب ، وكذلك العقيدة الواسطيّة لابن تيميّة.
٢) انظر : سنن أبي داود ٤ / ٢٤٣.
٣) سورة البقرة : ٢٥٥.
ثمّ استرسل قائلاً :«مشكلة البعض هو أنّهم كالحمار يحمل أسفارا ، نعم هم يعرفون العربية لكن لا يفقهون من فنّها وبديعها قليلا ولا كثيرا ، ولو تنظر في تاريخ العرب والألفاظ العربية لوجدت أنها تستعمل المجاز والكناية دائما أبدا ، أليس يقال مثلا : إنّ فلاناًـالملك أو الأمير أو الخليفةـبسط يده على البلاد؟! فهل كانت يده طويلة جداً حتّى بسطها في طول البلاد وعرضها؟!
أو قد يقال في بعض البلاد : جلس الأمير أو الملك على العرش يوم كذا أو سنة كذا ، لكن لا يُقصد بذلك أنّه جلس على كرسيّه الخشبيّ ، فقد يكون في ذلك اليوم الذي تولّى فيه الحكم واقفا طول اليوم يتقبّل التّهاني والتّبريكات ، أو قد يكون راكبا متوجّها لتسلّم مقاليد الأمور ، القصد طبعا هو أنّ فلاناً الحاكم تسلّط على المقاليد يوم كذا من سنة كذا وليس هو الجلوس البسيط السّاذج.
إذا فهمت هذه الأمور فارجع إلى قوله تعالى :( الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ ) (١) ، والاستواء يعني قدرته تعالى ، أي أنّه ممسك بزمام السماوات والأرض يقهرها بقدرته ويصرّفها بحكمته ، ولهذا قال مالك بن أنس لمّا سُئل عن هذه الآية :« الإستواء معلوم والكيفُ مجهول والسّؤال بدعة».
ثمّ لا تنظر بعد في زعمهم أنّ الله في السماء بمعنى الفوقية والعلوّ المادي لأنّه مردود بصريح القرآن ، حيث يقول تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي فِي
_____________________
١) في الحديث« الكرسي موضع قدمي الله والعرش لا يقدّر قدره؟! ». أنظر : مستدرك الحاكم ٢ / ٢٨٢ ، كتاب التفسير تفسير آية الكرسي.
السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ) (١) ويقول : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ ) (٢) ، أو قوله تعالى : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ) (٣) ، أما بقية الآيات فتؤول إلى معان أخرى وإلاّ صار القرآن متناقضا.
وختام القول : قوله تعالى عن نفسه : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ ) شَيء ) (٤) و ( لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (٥) ، نعم ، إذا كان الجماعة قد أخذوا دينهم عن اليهود والنصارى ، فحقّ لهم القول إنّ الله تعالى في السماء ، وأنّه يشبه مخلوقاته وغيرها فهذا في التّوراة والإنجيل كثير.
نظرتُ إلى ساعتي فوجدتُ أنّ الوقت قد أخذنا أكثر من اللازم ، فقمت بعد أن تواعدت مع صديقي على لقاء آخر.
كانت خطواتي تتجه إلى البيت متسارعة ، وشعرتُ بأنّ ذهني أصبح فسيحا جدّا عمّا كان عليه من قبل ، فسيح بالدرجة التي شعرت معها وأنا أتطلّع في صفو السّماء وزينتها أنّ هذا الكون على رحابته وسعته لا يعدو أن يكون جوزة في كفّي أو خاتما في خنصري ، وشعرت للمرّة الأولى بمعنى أن يكون الإنسان مكرّما على جميع ما خلق الله تعالى ، والسرّ هو في ما وهب الله تعالى لنا من عقول قد تتّسع لتبتلع السماوات والأرض وتقول هل من مزيد. كانت فرحتي عظيمة وكأنّ كلّ الأشياء التي كانت
_____________________
١) سورة الزخرف : ٨٤.
لكن ابن تيميّة ومن والاه يصرّون أن الله في السماء ، أنظر : العقيدة الواسطية : ٧٧.
٢) سورة البقرة : ١١٥.
٣) سورة الحديد : ٤.
٤) سورة الشورى : ١١.
٥) سورة الإخلاص : ٤.
تتراءى أمامي من شجر وتراب ونجوم ، استحالت جديدة ، وكأنها خُلقت لِتوّها ، وحمدت الله تعالى على أنّ دين الإسلام لا يُعارض العقل والفطرة السّليمة ، فكم تجرّعنا من الغُصص ونحن نواجه في نقاشاتنا إشكالات الملاحدة والعلمانيّين وما كان لنا من جواب لهم إلاّ صُفرة الوجه ، وقولنا الذي نُقنع به أنفسنا بأنهم أصحاب النار ولا فائدة من النقاش معهم ، وإننا سنضحك منهم غدا كما يضحكون هم منّا اليوم.
في تلك اللّيلة نمت ملىء جفوني وكأن الله ألبسني جسدا لطيفا مثاليّا وبالكاد كنتُ أحسّ بوجوده معي...
كنتُ واقفاً بجانب دكّان والدي عشيّة أحد الأيّام ، وفجأة وفي بداية الشارع الطويل لحيّنا لاحَ لي أحد معارفي القدماء ، لقد ميّزته ببدنه الممتلىء وقدّه القصير نسبيّاً ، بدأ يقترب شيئاً فشيئاً ثم مال إلى حافة الطريق حيث كنتُ واقفاً ، حيّاني بابتسامته البريئة ثمّ مدّ يده مصافحاً لي... :
أين أنت يا ولد...؟ قالها مستفسراً عن قلّة ظهوري وطول غيابي عنه.
قلت له : مشغول يا أخي ، زد على ذلك أنّ فصل الشتاء مُفرّق للجماعات حيث نهاره قصير لا يسمح للإنسان بأنْ يكون له برنامج عريض للزيارات واللقاءات.
ثمّ سألته عن أحواله؟
فأجاب بأنّه يستعدّ لأن يسافر إلى فرنسا ليُكمل دراسته العلميّة هناك؟
ثم بلا مقدمات أدار وجهة الكلام إلى مسألة التاريخ الإسلامي ، وقال لي : إنّ التاريخ الإسلامي يحتاج إلى إعادة دراسة وتحقيق ، فقد عشنا طول أعمارنا نردّد ما كُتب لنا وما خطّه الأولون دون دراية أو تحقيق حتّى صارت أشياء كثيرة عندنا من المسلّمات.
وأردف قائلاً : لا تنس أن التاريخ مفتاح مهمّ لفهم كثير من الحقائق التي تمسّ عقيدتنا نحن المسلمين.
أجبته معلّقاً ولا زلت بَعدُ لم أُدرك مغزى كلامه : يا أخي إنّ الدعوات لإعادة قراءة أو كتابة التاريخ كثيرة وليست جديدة ، ولكن من هو القادر على القيام بهذا العمل ، وقد نتجاوز على تاريخنا العظيم بهذه الأبحاث ونفض الغبار هذا فتبقى الأجيال القادمة محرومة من تاريخنا الزاهر الباهر الذي لم يبق لدينا اليوم كمسلمين شيء نفاخر به غير هذا التاريخ الذهبي.
ابتسم الأخ وقال : لم أقصد هذا! نُعيد قراءة التاريخ دون التجاوز عليه ، بل نطابق ما كتبه المؤرخون ونربط الخيوط ببعضها البعض حتّى نحصّل نتيجة وفهما جيّدا لتاريخنا.
اعتذرت من هذا الأخ للحظات لأنظر في حاجة أحد المشترين الذي وقف أمام دكّان الوالد بدرّاجته الناريّة...
نعمـعدت إليه مواصلا حديثي : إنّ المسألة ليست بالسهولة التي نتصوّر ، وإن كنتُ في الأصل موافقا لك حول ضرورة النظر بعين علمية محايدة بعيدا عن الأهواء والمثاليّات ، خاصّة وأنّ المؤرخين كانوا يكتبون ما يمليه عليهم ملوك عصرهم.
لم يطل كلامي معه بقدر ما تواعدنا على مواصلة الحديث في فرصة لاحقة إذا ماواتتنا الظروف ، فالموضوع شيّق وشائك في نفس الوقت.
ابتعد الأخ بضعة أمتار وإذا بأحد معارفي الّذي لاحظت منذ بداية
حديثي مع الأخ المغادر أنه كان يحوم حولنا ولا يقدر أن يقترب منّا ، وكأنّ لديه أمراً مهمّاً يمنعه التردّد من المبادرة لقوله ، وإذا به يسرع متجهاً إليّ ، حتّى إذا ما اقترب منّي بادرني قائلا : أتعرف هذا الشخص؟!
أجبته : نعم ، إنّه فلان ، ولي معه سابق معرفة ، خيرا ماذا هناك؟!
أجابني : إنّه شيعيّ ، قالها وكأنّه يكشف لي سرّاً من أسرار الكون الخفيّة ، ثم أردف قائلا : وأنا أنصحك أن لا تسمع لقوله ، ولا تُعر كلّ ما يقول ذرّة اهتمام.
قلت مستغرباً : أوّلا أنا لا أعرف أنّه شيعي ، ثم إنّه لا يَسعني أنْ يُقبل عليّ أيّ إنسان مسلّما أو مكلّما فلا أعيره اهتماماً.
قال : لكن الشيعة وضعهم يختلف ، إنّهم يستدرجون الإنسان قليلاً قليلاً حتّى يوقعونه في حبائلهم ، ويفتحون عليه باباً من الفتنة لا يخرج منه أبداً ، والفتنة أشد من القتل ، زد على ذلك أنهم يؤمنون بالتقيّة ويستخدمونها أبشع استغلال.
قلت متعجّباً : وما التقيّة؟!
أجابني : إنّها وسيلة يُخفون من ورائها عقائدهم الباطنية ، وهي تجيز لهم حسب رأيهم استخدام كلّ الوسائل والموبقات للوصول إلى غاياتهم.
لم تقنعني نصيحة الرجل المشفق عليّ بقدر ما أثار انتباهي هذه الكلمة الغريبة ، والتي لم أكن أعرف إلى ذلك اليوم معناها.. التقية!!
ولا يزول عجبي من قوم يخافون من الكلام ، ولكن ما أشبه اليوم بالبارحة! فقد كان مشركوا مكّة يتجنّبون سماع آيات الذكر الحكيم حتّى
لاَ يُسحرون بها بزعمهم ، وقد أشار الله تعالى إلى فعلهم ذاك بقوله :( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (١) .
بل العجب أنّ بعضهم يُفتي بحرمة قراءة كتب الشيعة لأنها كتب ضلال بزعمه! وعلى افتراض كونها كذلك وكون الشيعة ضُلاّل ، هلاّ تصدّيتم لإعادتهم إلى الهدى بالحكمة والموعظة الحسنة فإنّ في ذلك أجر عظيم؟!
وكالعادة كنتُ متشوّقاً أن ألتقي بصديقي الشيعي ، لأنني هذه المرّة كنت متّهماً له في نفسي أنه خاتلني وخادعني ولم يقل لي بصراحة عن حقيقة معتقداته ، على أنه كان هناك صوت خفي في داخل نفسي يكذّب لي هذه التهمة الباطنية ، إذ ليس من المعقول أن يخفي عليّ هذا الصديق أشياء منكرة عمّا يعتقد ، وما الداعي لذلك وهؤلاء الشيوعيّون عندنا يجاهرون بإنكار الخالق سبحانه وبلا حياء ولا خجل ولا حتّى مجاملة؟! وما عسى ما كان أخفاه صديقي عنّي؟! هل هناك أعظم من إنكار الخالق جلّ وعلا؟! أو إنكار الرسالة والرسول؟!
نعم ، هناك بعض الأصوات ترتفع بتهم أخرى من قبيل أن الشيعة حقداً على الإسلام يريدون هدمه من الداخل!
لكن في سبيل بناء أيّ دين؟! وها نحن في هذا القرن نشهد أنّ كثيراً من المحسوبين على السنّة قد فعلوا ما اتُّهم به الشيعة بحذافيره ، فهذا « كمال آتاتورك»وجماعته في تركيا قد نجحوا في القضاء على الخلافة العثمانيّة ، وجعلوا الإسلام وقوانينه أثراً بعد عين في مدّة زمانيّة صغيرة
_____________________
١) سورة فصّلت : ٢٦.
جدّاً قياساً بتاريخ الشيعة.
ثم كيف لايتسنّى لأحد من المسلمين كشف هذه الخطّة وفضحها ، وكأن الشيعة منظّمة سرّية ذات تنظيم سرّي دقيق يصعب على أي كان اختراقه؟!
وما بال اليهودـعلى دهائهمـقد انفضحت أغلبـإن لم نقل كلّـ خططهم الهدّامة في السيطرة على بلاد المسلمين ، حتّى صارت كلّ أهدافهم مكشوفة ، بل لا يجدون في صدورهم حرج من التبجّح بها والإعلان عن نيّتهم في المضي فيها قدما؟!
ثم ما بال الغرب الإستعماري قديما وحديثا لم يتفطّن لسلاح الشيعة الفتّاك هذا ضد الإسلام فيعمل به رغم ما لديه من الإمكانيّات والمهارات التي لا يحلم الشّيعة بأن يملكوا عشر معشارها؟!
ثم بعد هذا وذاك ألم يأمرنا الله ورسوله بأن نأخذ بالظاهر وأنّ مناط الإسلام هو النطق بالشهادتين ، حتّى أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اكتفى من كلّ شخص بهذا الحدّ للدخول في الإسلام بما في ذلك أفواج المنافقين التي كانت تملأ المدينة من حوله؟! أليس نقرأ في كتاب الله تعالى هذه الآية الصريحة التي تنتقد من يجعل من نفسه وصيّاً ومرجعا على إسلام الغير ، فيحكم بإسلام البعض ويكفر البعض الآخر وهي قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ... ) (١) الآية.
_____________________
١) سورة النساء : ٩٤ ،« لمّا عاتبهم الله تعالى على ما صدر منهم من قتلِ من تكلّم بكلمة
ألم يصلّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم على رأس منافقي المدينة عبد الله بن أُبي بن أبي سلول رغم معرفة الجميع بنفاقه بشهادة كتاب الله عليه؟!
كانت هذه كلّها تَساؤلات تأخذني يَمنة ويسرة ، ولكنّي فضّلت انتظار الفرصة السانحة حتّى أقف على حقيقة الأمر وجليّة الموضوع ، فإنّ الله تعالى يأمرنا بالتثبت وعدم التسرع في إلقاء الحكم كما في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (١) ، قوله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ... ) (٢) الآية.
_____________________
الشهادة...» [ تفسير الفخر الرازي التفسير الكبير ] ، والمعنى : لا تقولوا لمن أظهر لكم ما يدلّ على إسلامه ( لستَ مؤمنا ) وإنّما فعلت ذلك خوف القتل ، بل اقبلوا منه ما أظهر وعاملوه بموجبه » [ تفسير روح المعاني للآلوسي ٣ / ١١٤ تفسير الطبري ٥ / ١٤٢ ].
١) سورة الحجرات : ٦ ، نزلت في حقّ الصحابي الأموي الوليد بن عقبة عندما كذب على رسول الله واتهم قوما بالباطل فأنزل الله في حقه هذه الآية.
٢) سورة الحجرات : ١٢.
كنت أمشي مسرع الخطى عشية يوم ممطر وأنا أتجه إلى بيت صديقي الشيعي... طرقتُ الباب فخرج لي والد صديقي وهو أحد أعلام الصوفية في مدينتنا حيث كان له مريدون و « مشجّعون » على رأي هواة كرة القدم ، ولطالما شعرت أن الصوفية بكل طرقها رهبانيّة الإسلام ، حيث حصروا الإسلام في بضعة أوراد وجملة من المدائح والأذكار ، وكثيراً ما كنت أُنزّه الإسلام أن يقتصر فقط على هذه الجنبة الروحيّة ولا يخرج إلى مجالات الحياة الأخرى بما فيها من تعقيد وتجدّد.
نعم جميل أن يقترب الإنسان من تلك الحالة الروحية ، لكن الاقتصار على هذا الجانب فقط نقص كبير.
وممّا زاد تعجّبي من طرق الصوفية ، هو تلك الشطحات العجيبة والحركات الغريبة التي يقومون بها! ولقد كنتُ حاضراً ذات ليلة في سهرة صوفيّة حيث كانت روائح البخور وأصوات المديح والذكر تختلط مع أصوات قرع الدفوف فيصبح الموقف أشبه بالسيرك ، وحينما يحمى الوطيس يتناول أحدهم عقرباً حيّا فيبتلعه ، ويمسك آخر بجمر الموقد دون أن يؤثر فيه شيئاً ، وذاك ينام على الشوك دون وقاية تذكر ، وكلّها تصرّفات لا تُسمن ولا تغني من جوع.
لم يطل بي الوقوف بقدر ما استدعى لي ابنه الذي خرج مستبشراً
ومعتذراً عن التقصير في زيارته لي ، ثم قادني مرحّباً إلى غرفته الصغيرة المرتّبة في قعر منزلهم ، حيث وجدته منشغلا بكتابة رسالة إلى أحد أرحامه في الخارج.
اقتربتُ قليلاً من المدفئة الكهربائية لأجفّف نفسي حيث كان شعر رأسي يقطر ماءاً وكان البرد قد أثّر على يديّ وأذناي ، في حين انشغل صديقي بإحضار قهوة ساخنة لنا.
قال صديقي وقد أحضر القهوة معه : خذ لك هذا الفنجان من القهوة حتّى تشعر بالانتعاش بعد ما صرت كالفرخ المسكين بعد هذا البلل.
قلت له ممازحاً : قد لا تكون هذه قهوة؟!
قال مستغرباًـولم يتفطّن بعد إلى مرامي من هذا السؤال الغريب ـ : إنّها ليست مُسكرة على أيّة حال.
فقلت : إذا كان الأب صوفيّاً والابن شيعيّا فأنا أخشى أنّه إذا لم تُسكرني هذه القهوة فإنّها قد تأخذني الآن في نشوة صوفيّة أجد نفسي معها أنني في العراق زائراً مقام الشيخ عبدالقادر الجيلاني أو ربّما اكتشف أنها عصير برتقال برائحة القهوة!!
ضحك صديقي حتّى احمرّ جبينه وقال : أظنك جئت تستفسر عن التقية ، وأكيد أنّك صرت تشكّ في كلّ شيء حتّى في إسمي وقهوتي!!
قلت : لماذا لم تخبرني أن أساس مذهبكم هو التقيّة ، بل إنّ دينكم هو التقيّة؟! والآن هات ما في جعبتك من صحيح وباطن عقائدكم ودعك من التهرّب فقد انكشفتْ لي هذه الخدعة؟
قال صديقي : هوّن عليك ، لقد أعطيت المسألة ما لا تستحق.
قلت : لماذا لم تخبرني بمسألة التقية إذن؟ ها ، قل لابدّ أنك تخشى من الخوض فيها؟!
أجاب صديقي : أوّلا : أنا لم تتوفر لي الفرصة لأُطلعك على المسألة ، وثانياً : أنت لم تسألني.
أقول لك أكثر من هذا ، ذات يوم جاءني الوالد مغضبا ، مقطّبا جبينه ، وقال لي : صرت شيوعيّاً؟! فأجبته : إذا صرت شيوعيّا فلماذا أصلّي؟! فبهت والدي ، ثم علمتُ فيما بعد أن أحد الّذين أعيتهم الحيلة في النقاش معي عمد إلى إخبار والدي بأنني شيعيّ ، ليوقع بيني وبين أبي فتنة ، لكن والدي تصوّر أنني أصبحت شيوعيّا واختلط عليه الأمر فهو لا يعرف الشيعة ككثيرين غيره.
ثم لماذا أخشى أن أتكلم معك بصراحة؟! ولماذا أخشاك أنت بالذات؟! هل لديك سيفاً مسلّطا على رقبتي ، أم هل نعيش في الدولة الفلانيّة التي يسود فيها الاعتقاد أن الشيعة فرقة يهودية أو مجوسيّة وأن للشيعة ذيولا وو...
ثم صدقني لم أخفِ عنك أيّ شيء ، لأنني إن خدعتك اليوم فسيأتي اليوم الذي تكتشف فيه الحقيقة من غيري ، إن كانت هناك حقيقة أخرى.
قال صديقي ذلك بلهجة الواثق.
فقلت له : إذن أسألك لماذا تستعملون التقية ، وما هي التقيّة بالمعنى الدقيق؟
أجاب صديقي : أحسنت ، الآن جئت إلى الصّواب ، ثم واصل
كلامه : أوّلا ، عموما الإعتقاد بشيء وإظهار شيء آخر له وجهان متناقضان تماما. فإظهار الإيمان والإسلام وإبطان الكفر يُسمّى نفاقا ، كما ورد عن الله ورسوله وجميع فرق المسلمين ، وهذا بالطبع شيء مستهجن عقلا وشرعا لأنه مخاتلة وخداع.
قلت مستدركاً : وكذلك العكس.
قال : هنا مربط الفرس! وقبل أن أجيبك دعني أسألك : متى أظهر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والسّابقون من الصّحابة إسلامهم والدعوة إلى الإسلام؟
أجبت بكلّ بداهة : بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرّية وبعد نزول قوله تعالى( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ) »(١) .
قال : ولماذا لم يعلن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم الدعوة من اليوم الأول عند نزول الوحي عليه صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!
أجبت : إنّ العقل يأبى ذلك ، فإنّ الإسلام في بدايته كغرسة طيّبة رقيقة لا تتحمّل ضربة قويّة.
قال : أحسنت ، وهكذا فالعقل يحكم بعدم المجازفة والسير باتجاه معاكس للتيّار ، ولو تأمّلت في هجرة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وتكوينه للدولة الإسلامية الأولى ومن ثم إعلانه الحرب على قريش في السنة الثانية للهجرة وغيرها لرأيت أنّ لكلّ مقام مقالا ، فما كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ليجازف بقتال المشركين في مكة لقلّة العدد والعدّة والناصر.
وأنا أسألك مرّة أخرى لأقترب بك أكثر من الموضوع : ماذا تعرف عن عمّار بن ياسر كصحابي سابق إلى الإسلام؟
_____________________
١) سورة الحجر : ٩٤.
قلت : إنّه صحابي جليل وقد بشّره الرسول وأمه وأباه بالجنة لشدة ما لاقوا من العذاب والتنكيل ، حتّى قتل أبوه وأمه أمام ناظريه ، وأنه تحت وطأة التعذيب :« هُبل ، هُبل»وذكر آلهة قريش بخير.
قال صديقي مقاطعاً : لقد ارتد عمّار إذن؟!
قلت : يا أخي إنّ الضرورات تبيح المحظورات ، ورفع عن الأمة ما لا يطيقون.
قال : هذه هي التقية بعينها ورأسها.
قلت : كيف ذلك؟!
قال : عمّار كان يُبطن الإيمان ولكن أظهر الكفر بلسانه خوفا من الموت ، ولو كان الظاهر خلاف الباطن عموما يُفسّر بأنه نفاق لكان عمّار منافقا حاشاه ، وقس على هذا كثير من القضايا ، ولهذا نزل قوله تعالى : ( مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (١) .
وهناك في القرآن نظائر أخرى لهذه الآية تصبّ في معنى واحد ، مثل قوله تعالى : ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً... ) (٢) ، وقوله تعالى : ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ... ) (١) ، فهل كان
_____________________
١) سورة النحل : ١٠٦ ، وأنظر تفسير ابن كثير ٢ / ٦٠٩ ، تفسير الدر المنثور للسيوطي ٥ / ١٧٠ـحيث يقول : وأمّا عمّار فقال لهم كلمة أعجبتهم تقيةـتفسير الكشاف للزمخشري ٢ / ٤٣٠ ، تفسير الطبري ١٤ / ١٢٢ ، تفسير القرطبي ١٠ / ١٨٠.
٢) سورة آل عمران : ٢٨.
٣) سورة غافر : ٢٨.
مؤمن آل فرعون يجرأ على إظهار إيمانه في ذلك الجمع المتفرعن؟!
وهكذا ترى أن كتمان الإيمان وإظهار الكفر ضرورةً ، شيء ممدوح ومرخّص فيه شرعا ، بعكس إظهار الإيمان وإبطان الكفر فهو نفاق وختل.
قلت بعد أن اطمئن قلبي لما سمعت : لكن لماذا يتميّز الشيعة بالتقية دون بقية المذاهب الإسلاميّة؟!
ابتسم صديقي وأجاب : سؤال وجيه يُظهر أنك مسكت برأس الخيط كما يقال.
ثم تابع : إنّ التقية في الواقع مسألة عُقلائية ، يستعملها الناس دائما عبر العصور حفظا للنفس والمال والعرض ، سمّها ما شئت تقيّه ، ضرورة ،... أمّا لماذا اختصّ الشيعة بالتقيّة : فلكون الاضطهاد والتنكيل والقتل الذي تعرّضوا له لم تتعرض له طائفة أخرى على الإطلاق.
وأنا أزيدك وأقول : لو يُترك الشيعة أحرارا في عقائدهم لما كان هناك أي شيعي يستعمل التقية ، وها هم اليوم منتشرون في دول الغرب فلا تقية عندهم ولا غيرها ، بل حرّية مطلقة في عقائدهم ومجالسهم. أمّا أن يتوعّدك قوم بالقتل والتكفير بمجرّد أن تقول : إنّ معاوية أو أحد الصحابة فعل كذا أو قال كذاـممّا هو موجود في كتب المسلمين جميعاـثم يشنع عليك باستعمالك للتقية فهذا هو الحمق بعينه.
قلت وقد بقي في النفس من مسألة التقية شيء : جيّد ، لكن لماذا تقولون وتروون أنّ التقية دينكم؟!
قال : لم ينتبه من شنّع علينا لهذا الوصف ، ألست تقول مثلا : « الدين النصيحة»، أو« من تزوّج فقد ملك نصف دينه»، هذه الألفاظ تبيّن
أهمية الموصوف فقط ، وليس معناها الدين الذي إن تخلّيت عنه صرت مرتدّاً.
ما إن نطق صديقي بهذه الكلمات حتّى شعرت براحة نفسانية كبرى ، نعم لقد انزاحت من أمام ناظريّ غمامة فعادت الرؤية لديّ واضحة تماما ، ولقد كنت أحزر أنّ لصديقي جواباً شافيا وضافيا وهكذا كان.
والواقع أنّ المهرّجين كثير ولا تعدم تأثير أحدهم بلَغَطِهِ وضَجيجه عليك ، لكن عندما تدخلُ بعقلية نقديّة بعيدة عن الأحكام المسبقة تستطيع أن تهضم المسألة وينجلي عنك الغموض ، وسرعان ما تكتشف أن الأمر لا يعدو كونه« زوبعة في فنجان». اللّهم قنا شرّ الزوابع في الفناجين وخارج الفناجين. آمين!
كان الأستاذ يلقي درسه علينا حول مسألة الشورى في الإسلام ، وسرعان ما عرّجـوكثيرا ما كان يعرّجـعلى مصداق من مصاديق الشورى في الإسلام ، ألا وهي قصّة استخلاف ، أو بالأصحّ ترشيح عمر بن الخطّاب لستّة من أعاظم الصحابة.
كنت مشدوداً وكذلك كان البعض من زملائي التّلاميذ لكلام الأستاذ في تلك الحصّة الصباحية من مادة التربية الإسلامية. أنهى الأستاذ كلامه بأن هذه الحركة من عمر هي إحدى وجوه الديمقراطية بمصطلح اليوم ، وهي تردّ ما يتّهمه بنا الغربيّون من أنّناـنحن المسلمونـذوو نظام ثيوقراطي لا يعرف لحق الناس في الاختيار معنى.
بعد ذلك كنت كلّما سنحت لي الفرصة والموضوع ، أقول بكل فخر واعتزاز إنّ الديمقراطية لها جذور في الإسلام والقرآن ، بل ربّما استنبطها الغرب منّا وليس من اليونان وطوّرها! وكان هذا الإستدلال في الواقع كثيرا ما يؤكّده أغلب أنصار النظريات والإيديولوجيات المختلفة ، فهذا الاشتراكي يقول : إنّ الإسلام أوّل من جاء بالاشتراكية! ولا تعدم شيوعيّا يدّعي أن محمّدا وأبا ذرّ وعليّاً كانوا من أوائل الشيوعيين في العالم! في مقابل أبي سفيان ومعاوية وعثمان الّذين كانوا يمثّلون البرجوازية في أجلى مظاهرها ، أو بالمعنى الأدق كانوا إقطاعيين حتى النخاع ، بل إنّ
الكثير منهم يَستشهد بكتاب الله في قوله تعالى :( مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ) (١) ليثبتوا أنّ أول من قال بنظرية النشوء والإرتقاء لداروين هو القرآن!!
وهكذا كنت أدافع بحماس عن القول بأنّ أوّل من جاء بنظرية الديمقراطية بالمعنى الواسعـعلى عكس ما كان يفهم منها زمن اليونانيينـهو الإسلام ، وأنّ أوّل من طبقها هو الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والصحابة من بعده.
ومع الأسف فإن هذه الظاهرةـتطويع كلام الله تعالى حسب الأهواء والاعتقاداتـيمثّل ظاهرة خطيرة جدّا في كل عصر.
فمن يريد أن يقول إنّ الله جسم جالس على كرسيّه في السّماء يطوّع آيات القرآن لما يظن ، ومن يريد أن يثبت أنّ الأرض مسطّحة أو مدوّرة يستشهد بالقرآن ، ومن يريد أن يعرف عمر وجود الإنسان على الأرض يطوّع آيات الذكر الحكيم لغرضه ، بل أنّ «كلينتون» و «رابين» المقبور استشهدا بالقرآن في قوله تعالى :( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا ) (٢) لفرض اتفاقيات الهزيمة مع « ياسر عرفات» ، هذا مع أنّ القرآن بتصرفهم هذا يأخذ شكل الإناء الذي وُضع فيه دون أن يكون لهم جميعا مرجعا محدَّدا يرجعون إليه ليفصل بينهم فيما اختلفوا فيه.
وهكذا صار حالنا نحن المسلمون اليوم كحال بني اسرائيل في قال تعالى فيهم :( وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ
_____________________
١) سورة نوح : ١٣ ، ١٤.
٢) سورة الجاثية : ١٧.
الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) (١) ، هذا والله يدعونا لعدم الإختلاف بقوله تعالى :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (٢) ، فإن كان قصده تعالى بالحبل هو ذاته المقدسة ، فوالله لقد اختلف المسلمون فيها ، غير أنهم يشتركون في قولهم إنّه واحد فهذا ينكر الرؤية وذاك يثبتها ، وهذا يرى أن صفاته قديمة زائدة على ذاته وآخر يقول إنّها هو وهو هي.
وإن كان قصده تعالى بالحبل هو سنّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحكام الإسلام ، فلا تسأل عمّا صار إليه حالنا نحن المسلمون من الإختلاف ، فالمالكي يقول بالسدل ، والشافعي يصرّ على التكتّف ، وهذا الشيعي يؤكّد على الجهر بالبسملة ، والمالكي لا يعتبر ذلك.
وهذا الوهّابي يقول إنّ أغلب المسلمين مشركون لم يعرفوا كنه التوحيد وحقيقته ، وبقيّة المذاهب يعتبرون الوهابيّين مارقة مرقت من الدين وخالفت إجماع المسلمين.
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى ، ولله درّ الشاعر أبي العلاء حيث يقول :
ليت شعري ما الصحيح؟
على كلّ حال كنت أعتقد اعتقادا جازماً بأنّ شورى عمر بن الخطاب كانت قمّة في التعاطي الديمقراطي مع الحكم ، لكن تدور دورة الزمن دورتها فأجدني مرّة أخرى في لقاء مفتوح مع صديقي الشيعي الّذي صار كأنّه المحكّ الذي يفصل موادّي الخام وركام أفكاري المجموع لَيميز
_____________________
١) سورة الأنفال : ٦١.
٢) سورة آل عمران : ١٠٣.
منها ما يشاء ويرمي بما يشاء مستعملا دائما غربال العقل ومرجعيّة القرآن الشفافة...
وبالفعل ما إن مرّت أيام قلائل حتّى جمعتني نزهة في واحات وغابات الرمّان الكثيفة التي تمتاز بها مدينتي ، مدينة « قابس» وكان يرافقني زيادة على الصديق الشيعي اثنين من جيراني.
في أثناء الطريق الذي تتدلّى على جانبيه أغصان الرمّان المحمّلة بثمراتها والّتي تنوء بحملها ، والتي كثيراً ما كنّا ونحن أطفال نقتطف منها ثم نسرع هاربين ونفاجأ بصاحب البستان ينادينا بابتسامة عريضة ، فيملأ لنا أيدينا بالرمان الذي كان يربطه لنا بخيط يعقده على رؤوس مجموعة من الرمانات ، فنعود فرحين وخجلين من كرم أولئك المزارعين الظرفاء.
في أثناء الطريق فاجأني صديقي بسؤال قائلاً : إذا كنت بين أناس غير مسلمين وسألوك ما هي نظريّة الإسلام في الحكم ماذا كنت تجيب؟
أجبت صديقي ببداهة : الشورى ، نعم الشورى التي طالما سمعت خطباءنا ومدرّسينا يذكرونها كلّما مرّوا بهذا الموضوع.
استدرك عليّ صاحبي : بأيّ دليل تقول هذا الكلام.
قلت بكل عفويّة : بالقرآن والسنّة.
فقال محاججاً : هات من القرآن؟
قلت : على ما أذكر هناك آيتان نزلتا في مسألة الشورى ولا ثالث لهما ، وهاتان الآيتان هما قوله تعالى :( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ) (١) ، و( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى
_____________________
١) سورة الشورى : ٣٨.
اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (١) ».
قال صديقي بعد ذلك : هذا من القرآن ، هات حديثا من السنّة؟
تلعثمت قليلا ثم قلت : هل بعد كتاب الله تعالى دليل؟!
عارضني صديقي قائلاً : أنت قلت عندي دليل من القرآن والسنّة! ، ثم ما أدراك بمعنى هاتين الآيتين؟! والسنّة قد فصّلت كثيرا من المجمل الذي ورد في القرآن ، ففصّلت مثلا عدد الركعات ومستحبّات الصلاة ومكروهاتها ونواقضها وغير ذلك كثير. وأنا الآن أريد منك ولو حديثا واحداً يوصي فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بأن خلافته صلىاللهعليهوآلهوسلم تكون بالشورى ، لأنّ مراد الآيتين المذكورتين ليس خلافته صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا مسألة الحكم في الإسلام؟
قلت معلّقاً : رويدك إنني أقصد بالشورى أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يوص لأحد من بعده ، وإنّما ترك لهم موضوع الشورى حلاًّ لهذه المسألة ، وقد قام بها الصحابة ممن بعده على أحسن وجه ، هذا كان قصدي من وجود الشورى في السنّة.
قال صديقي وابتسامة عريضة تطبع ملامح وجهه : لنفترض أن الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يوص لأحد ، هل قال لنا حديثا يقول فيه :« إنّي لا أعيّن أحداً من بعدي لكن الأمر بينكم شورى »؟
ثمّ لو قال كذلكـوالواقع لم يرد لنا شيء بهذاـهل بيّن حدود الشورى؟! يعني هل تشمل جميع شعب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي تركه ، أم تختصّ بالمهاجرين فقط ، أو بالمهاجرين والأنصار ، أم هي خاصّة
_____________________
١) سورة آل عمران : ١٥٩.
لأصحاب بدر؟!
ثم من الذي له صلاحيّة ترشيح الفرد الّذي سيتشاور حوله المسلمون ، هل كلّ الأصناف التي ذكرناها؟ وما هي الشروط التي لابدّ أن تتوفّر في المرَشَّح ، هل أنه أعلم الصحابة ، أم أشجعهم ، أم أحلمهم أم...؟!
والأخطر من هذا ، إذا اختلف الصحابة حول الشخص المرشَّح ، فجماعة ترتضيه وأخرى لا ترتضيه فما العمل؟ فهل يحكم كلاهما ، أم يُختار ثالث؟!
ثم قبل هذا وذاك ، هل اختيار الحاكم بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هي من صلاحية الله ورسوله ، أم من صلاحيّة الأمّة؟!
شعرت بحرج شديد وسرى الدم في أطراف أذنيّ وشعرت بجفاف في حلقي لِمَا فاجأني به صديقي من مطر الأسئلة هذه ، لكنّي ملأت نفسي حزماً وقلت له : يا أخي ، إنّ الصحابة عملوا بما أوصى به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهم أقرب إليه وأكثر فهما لخصوصيّات ذلك الزمان.
قال صديقي بسرعة وبدون أيّ تفكير : إذا كان الأمر كما تقول وأنّ الصحابة عملوا بالشورى ، فلماذا حدث نزاع في سقيفة بني ساعدة؟! ولماذا لم تتم البيعة جهاراً في مسجد الرسول؟! بل لماذا لم يحضر من المهاجرين إلى السقيفة غير ثلاثة على المشهور؟! وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح ، ولماذا حدث نزاع ولغط وسبٌّ وشتم ، حتّى قال عمر معترضا على سعد بن عبادة الأنصاري سيّد الخزرج :«أقتلوا سعداً قتله
الله» (١) هل تكون الشورى بهكذا كيفية؟! ولماذا تخلّف عليّ بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر ولم يحضرها ولم يرتضيها ، كما لم يحضرها كلّ بني هاشم والزّبير وسعد بن عبادة وغيرهم كثير (٢) ؟! والأعجب من هذا كلّه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مسجّى في بيته ولم يدفن بعد!!
ولو كانت بيعة أبي بكر صحيحة ، فلماذا يصفها عمر بأنّها«كانت فلتة ولكن وقى الله شرّها» (٣) ؟!
وأمّا بيعة عمر فحدّث ولا حرج فلم يُشاوَر فيها أحد من المسلمين أصلا ، حيث أوصى أبو بكر لعمر بالخلافة من بعده ، تماما كما كان أوّل من بايع أبا بكر هو عمر يوم السقيفة. وإنّنا على العكس نجد المسلمين ومنهم أكابر الصحابة تشاءموا من بيعة عمر ، حتّى أنهم لاموا أبابكر وقالوا له : ماذا تقول لربّك غدا حيث كرهوا من عمر خشونته وغلظته وأنّ الخلافة لا تصلح له (٤) .
ونأتي الآن إلى قمّة التعاطي الديمقراطي الذي تقول به ، وأقصد شورى عمر لنرى هل كانت فِعلاً شورى كما يلتزم بها أهل السنّة كنظرية في الحكم أم لا؟!
واصل صديقي كلامه : من المعلوم أنّ عمر بن الخطّاب كان قد
_____________________
١) أنظر : صحيح البخاري ٥ / ٨ ، مسند أحمد : مسند عمر بن الخطاب حديث ٣٩٣.
٢) أنظر : العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي ٤ / ٢٥٩ ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة ١ / ٢٧ ـ ٢٨.
٣) أنظر : صحيح البخاري ٤ / ١١١ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٣٢٧ ، مسند أحمد : حديث السقيفة ١ / ١٩٣.
٤) أنظر : الصواعق المحرقة : ٧٨ ، الكامل في التاريخ ٢ / ٤٢٥.
عيّن ستّة من الصحابة ورشّحهم لتولّي مركز قيادة الأمة من بعده ، وهؤلاء الستّة هم : عليّ بن أبي طالب ، عبدالرحمن بن عوف ، سعد بن أبي وقّاص ، عثمان بن عفّان ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوّام.
وهنا نسأل : من الذي أعطى الصلاحية في ترشيح هؤلاء؟ هل شاور بقية الصحابة ، أو على الأقل أفاضل الصحابة فأشاروا عليه بهم؟ وهذا طبعا لم يثبت ولم يحدث.
ثم لماذا لم يفعل عمر وكذا أبو بكر من قبله فعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـحسب نظرية الشورىـفيترك الأمر للمسلمين بعد وفاته؟! فإذا كان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قد جاء بهذه النظرية وأنّ الخلافة تُحدَّد بالشورى بعد موته فهلاّ التزم صاحباه بذلك؟! لماذا أعرضا عن سنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعيّنا قبل موتهما ، مع أنه ـ حسب الافتراض ـ ليس لهم هكذا حق!!
قلت معترضا على حملة صديقي الكلاميّة : يا أخي ، عمر ومن قبله أبو بكر كان خليفة وهذا من حقّ الخليفة ، لأنه من أدرى الناس بالصالح والطالح.
أجابني صديقي بنبرة غاضبة : ورسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن يدري من الأصلح فيرشّحه!!
قلت : إنّ عصر وظروف زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم اختلفت عن زمن أبي بكر وعمر.
قال : والآن الظروف اختلفت ، وقبلنا كذلك ، وعليه يكون لكلّ عصر نظرية!!
يا أخي ، رُبَّ عذر أقبح من ذنب ، إنّ الإسلام والقرآن الذي يقول :
( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (١) ، جاء بنظرية كاملة في الحكم وفي غير الحكم ، فإذا كانت هذه النظرية هي الشورى كما تدّعي ، فلا بدّ وأن تكون قائمة ثابتة مهما اختلفت الأزمان والأمكنة ، فهل يمكن أن نأتي الآن ونقولـكما يقول البعضـإنّ الإفطار في شهر رمضان للمسافر حرام لأنّ وسائل السفر الآن مريحة ومكيّفة ولم يعد السفر شاقّا كما كان من قبل ، وبذلك نضرب بقوله تعالى : ( وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) (٢) ، والآية فضلا عن هذا ليست منسوخة.
ولنعد الآن إلى مسألة شورى عمر ، فإنّ عمر بن الخطّاب قال عند مرضه :« لو أدركت أبا عبيدة بن الجرّاح باقيا استخلفته وولّيته... ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته... ولو أدركت خالد بن الوليد لولّيته... » (٣) ، وفي قول آخر :« لو أدركت سالم مولى أبي حذيفة لولّيته » (٤) . فلو كان واحد هؤلاء حيّا لما فكّر في الشّورى أصلاً ولضرب بها عرض الحائط.
وقول عمر حول هؤلاء الستّة :« ولكنّي سأستخلف النفر الذين توفّي رسول الله وهو عنهم راض » (٥) . فهل يعني هذا أنّ البقية من
_____________________
١) سورة الأنعام : ٣٨.
٢) سورة البقرة : ١٨٥.
٣) أنظر : تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٧ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٦٥ مع اختلاف يسير في الألفاظ ، الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ١ / ٤٢.
٤) مسند أحمد بن حنبل : مسند عمر حديث رقم ١٣٠ ، تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٧ ، والكامل في التاريخ ٣ / ٦٥.
٥) أنظر : طبقات ابن سعد ٣ / ٢٤٨ ترجمة عمر ، تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٨ ، الكامل في التاريخ ٣ / ٦٥.
الصحابة قد مات رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنهم غضبان؟! وإذا لم يكن الأمر كذلك فأين أبوذرّ الذي قال فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :« ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ » (١) ؟! وأين عمار بن ياسر الذي كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يسمّيه بالطيّب ابن الطيّب ، أو بالطيّب المطَيّب (٢) .
وبعد مدح أُولئك الستّة يقول :« إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه ، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما » (٣) ! مرحى لهذه الشورى ، ومرحى لهذه الديمقراطية ، عجيب أمر عمر! كيف يقتل رجلاً أو رجلين لا ذنب لهما ، بل أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مات راض عن الجميع حسب قول عمر!!
وهل جُعلت الشورى إلاّ للتشاور؟! والإختلاف أمر بديهي بل لازم ، وإلاّ فلماذا الشّورى لو كان كلّ النّاس متفقين على رجل واحد أو مفروض عليهم شخص معيّن؟!
بل أنّ عمر أوصى بأكثر من ذلك ، حيث جعل خمسين رجلاً ليضربوا أعناق الجميع إن مضت ثلاثة أيام ولم يختاروا أحدا!
ونعجب أكثر عندما يقول عمر : « وإن استقرّ ثلاثة واختلف ثلاثة » ـوذاك مستحيل لأنّ طلحة كان في سفر خارج المدينةـ« فكونوا مع
_____________________
١) طبقات ابن سعد : ترجمة أبي ذرّ الغفاري.
٢) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ٥٢ فضائل عمار بن ياسر.
٣) أنظر : تاريخ الطبري ٤ / ٢٢٩ ، طبقات ابن سعد ٣ / ٢٤٧.
الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف »!! فهل نفهم من هذا أنّ عمر يريد صراحة أن يقول إنّ الخليفة هو من يرتضيه عبدالرحمن؟! وإذا كان كذلك فلماذا هذا اللّف والدوران!
وتعال معي واقرأ ما يقوله عمر في هؤلاء الستّة الذين قال فيهم بنفسه إنهم ممّن مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنهم راضٍ ، لترى التناقض.
قال عمر :« والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلاّ شدّتك وغلظتك ، مع أنك رجل حرب. وما يمنعني منك يا عبدالرحمن إلاّ أنّك فرعون هذه الأمّة!!! وما يمنعني منك يا زبير إلاّ أنّك مؤمن الرضا ، كافر الغضب. وما يمنعني من طلحة إلاّ نخوته وكبره ، ولو وَلِيَها وضع خاتمه في إصبع امرأته. وما يمنعني منك يا عثمان إلاّ عصبيّتك وحبّك قومك وأهلك » (١) ـوهذا ما حدث فيما بعد وجرّ إلى قتل عثمانـ« وما يمنعني منك يا عليّ إلاّ حرصك عليها وإنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم » (٢) .
ونقول لعمر : إذا كان هؤلاء كما وصفت فعلا ، فلماذا رشّحتهم للخلافة؟!
ولكي تعلم أنّ المسألة كلّها لا تعدو أن تكون لعبة سياسيّة لكنّها ليست ماهرة بقدر ما هي غادرة ، أنظر ما صار إليه الأمر في الشورى بعد وفاة عمر ، فقد بقي فقط مرشّحان اثنان بعد أن تنحّى منها عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص وزكّى الزبير عليّا ، وعليه بقي عثمان وعليّ.
_____________________
١) الإمامة والسياسة ١ / ٤٣.
٢) المصدر السابق.
فاشترط عبد الرحمن في المسجد والمسلمون حضور شرطا طرحه على المرشَّحَيْن ، وهو أن يعملا بكتاب الله وسنّة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر.
وإنّي لأعجب من هذا الشرط الأخير! فإن كانت سيرة الشيخين مطابقة لكتاب الله وسنة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم فما معنى اشتراطها كشرط زائد؟! وإن كانت مخالفة لكتاب الله وسنّة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم فهو شرط مردود مرفوض.
ثم إنّ عبدالرحمن اشترط أن لا يولّي عثمان ولا عليّ أحدا من قومهما إذا وصلا إلى الحكم ، فرفض عليّ وقبل عثمان الشرط. ولكن هل وفى عثمان بذلك الشرط فعلا؟!
وبعد تعيين عثمان وتنصيبه التفت عبدالرحمن إلى عليّ وقال له : « فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك فإنه السيف لا غير»(١) دائما القمع والإجبار والتخويف ، ثم يأتي من يقول بعد هذا : إنّ شورى عمر كانت أبرز مظاهر الديمقراطية!!
وهكذا ترى يا صديقي أنّ المسألة كلّها تدور حول إبعاد عليّ عن السلطة مهما كلّف الأمر ولو بالتعمية بمسألة الشورى ، وإلاّ فمن له سابقة كسابقة عليّ؟ ومن له جهاد كجهاده؟ ومن له علم كعلمه؟ فكيف يُقدَّم من هو دونه عليه؟!
ولهذا يقول أميرالمؤمنين عليّعليهالسلام في « نهج البلاغة » حول هذه المسألة :
_____________________
١) الإمامة والسياسة ١ / ٤٥.
« أما والله لقد تقمَّصها ابن أبي قحافة وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحا ، ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير ، فسدلْتُ دونها ثوباً وطويت عنها كشحا ، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربّه ، فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهْباً ، حتّى مضى الأوّل لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده... فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاتهـلشدّ ما تشطّرا ضرعيهاـفصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كَلْمُهَا ويخشن مسّها ويكثر العثار فيها والإعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحّم ، فمُني النّاسـلعمر اللهـ بخبط وشماس وتلوّن واعتراض فصبرت على طول المدة وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم. فيا لله وللشورى متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت أُقرنُ إلى هذه النظائر لكنّي أسففت إذا أسفّوا وطرت إذ طاروا ، فصغا رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هنٍ وهنٍ إلى أن قام ثالث القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو أبيه [ يقصد بني أمية ] يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله وكَبتْ به بطنته » (١) .
ولتعرف أنّ الإسلام ونظرية الحكم فيه ليست شورى ، أنظر إلى حكّام بني أميّة وبني العباس وبني عثمان وإلى يومنا هذا ، تجد المسألة
_____________________
١) نهج البلاغة : الخطبة ٣ المعروفة بالشقشقيّة.
كلّها بالتعيين والتنصيص ولا شورى ولا أثر للشورى ، بل وصل الأمر بعلماء السنّة إلى أن يقولوا : نحن مع من غلب (١) ! قالها ابن عمر عندما أقرّ ببيعة يزيد الفاجر الفاسق وبيعة عبد الملك بن مروان ، وحتّى أجمع أغلب علماء أهل السنّة أنّ الخروج على السلطان حرام لأنه فتنة ولا بدّ من السمع والطاعة ، ولو وُلّي على المسلمين عبدٌ حبشي رأسه كالزبيبة ولو ألهب الحكّام ظهور الناس بالسياط... (٢) هذا مع أنّ القرآن يقول : ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) (٣) .
وهكذا ترى أنّ مسألة الشورى كنظام حكم لا أصل نظريّ لها ولا عمليّ ، والعجيب أنّه عندما تقول الشيعة : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أوصى لعليّ عليهالسلام ، تجد القوم يعترضون ويكثر لغطهم ويرفعون في وجه القائل مسألة الشورى ، مع أنّ الواقع يؤكّد أنّ الحكم الإسلامي قام ولا يزال على التنصيص والتعيين.
قلت وقد وجدت نفسي محاصرا من جميع الجهات : إذن وبناء على ما قلت فالإسلام قائم على التنصيب والتعيين؟!
أردف صديقي قائلاً : من دون أي شك : بل لقد ثبت عند جميع المسلمين ورؤساء الدين أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « إنّ الخلفاء من بعدي اثنا عشر » (٤) ، ولقد تحيّر علماء السنّة في دلالة هذا الحديث تحيّرا عجيبا فلم
_____________________
١) هو عبدالله بن عمر حيث كان يقول : لا أقاتل في الفتنة وأصلي وراء من غلب [ طبقات ابن سعد في ترجمة ابن عمر ].
٢) أنظر : صحيح البخاري ٩ / ١١٣ ، مسند احمد ٢ / ١١١.
٣) سورة هود : ١١٣.
٤) أنظر : صحيح البخاري ٤ / ١٦٥ كتاب الأحكام ، صحيح مسلم ٣ / ١٤٥٣ كتاب الإمارة ، مسند أحمد ٥ / ١٠٠ ، سنن أبي داود ٤ / ٨٦.
يتوصّلوا إلى شيء من كنهه.
وقال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم غدير خمّ بعد حجّة الوداع وقبل وفاته بقليل :« من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه » (١) ، وهو حديث غاية في الصراحة استخلاف عليّ ، وليس كما يتأول القوم من أنه يعني النّاصر والمحبّ ، لأنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حوّل الولاية التي كانت له على المسلمين إلى عليّ ، ولو كانت الولاية هنا بمعنى النّصرة والمحبّة لكانت ولاية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم على المسلمين منحصرة بذلك فقط ، والمعلوم أنّها كانت أوسع من ذلك بكثير.
وقال تعالى في حقّ عليّ : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (٢) ، وقصة الآية مشهورة كما ترويها التفاسير ، حيث أنّ سائلا دخل المسجد فلم يعطه أحد شيئا وكان عليّ عليهالسلام راكعا فمدّ له إصبعه وأعطاه خاتمه (٣) .
وقد ردّ بعض المعاندين بأنّ الآية شاملة ، تشمل بعد الله ورسوله كلّ من آمن وصلّى وآتى الزكاة وركع. وهذا استدلال سخيف! إذ أنّ الصلاة مشتملة على الركوع بالبداهة ، لكن المعنى الصحيح أنّ الآية تريد أن تقول للمسلمين : لا يوجد أيّ وليّ لكم سوىـلوجود أداة الحصر إنَّمَاـ الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم
_____________________
١) أنظر : مسند أحمد ١ / ١١٨ و ١١٩ ، سنن الترمذي ٥ / ٦٣٣.
٢) سورة المائدة : ٥٥.
٣) أنظر : تفسير الطبري ٦ / ١٨٦ ، تفسير الدر المنثور للسيوطي ٣ / ١٠٥ ، تفسير الزمخشري ١ / ٦٢٣ ، تفسير القرطبي ٦ / ٢٢١.
في حالة الركوع ، فتصبح«وهم راكعون» حالاً.
وانظر إلى الآية الأخرى حيث تقول :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (١) ، تجد أنّ كلام الله مترابط يفسّر بعضه بعضا ، فنجد أنّ الأولياء محصورين في الآية السابقة بالله وبالرسول وبالمؤمنين ( عليّ ) ، وفي هذه الآية يحثّنا الله على طاعته وطاعة الرسول وطاعة المؤمنين ، وليس طاعة كلّ حاكم وكلّ من هبّ ودبّ كما يقول البعض ، فإنّ الله تعالى لا يأمر بإطاعة الظالمين ، وإلاّ فلماذا ينهى عن الظلم ولماذا حرّمه على نفسه؟!
قاطعت صديقي قائلا : لكن يا أخي هذه الآيات واردة بلفظ الجمع وعليّرضياللهعنه فرد؟!
قال : هذا أسلوب قرآني موجود في أكثر من موضع ، انظر مثلاً إلى قوله تعالى في قضيّة ثعلبة بن حاطب الأنصاري الذي منع الزكاة ، حيث قال تعالى فيه : ( وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) (٢) إلى آخر الآية ، وثعلبة لم يكن جماعة ، بل كان شخصا واحدا.
على كلّ ، هذا أسلوب بلاغي معروف ، وزيادة على ذلك فإنّ عندنا السنّة الشريفة التي بيّنت كثيراً من مجمل القرآن ولا يسعنا الآن أن نأتي
_____________________
١) سورة النساء : ٥٩.
٢) سورة التوبة : ٧٥ و ٧٦ ، وانظر : قوله تعالى في سورة المنافقون : ٨( يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ... ) القائل هو رأس النفاق عبدالله بن أبي ، أنظر : تفسير الفخر الرازي ، وكذلك تفسير روح المعاني للآلوسي ، في تفسيرهما لهذه الآية.
على كلّ ذلك.
قلت مستدركاً : لكن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أوصى للشيخين أبي بكر وعمر ، حيث قال :« اقتدوا بالَّذَيْن من بعدي أبا بكر وعمر »(١) .
ابتسم صديقي وقال : إنّي لن أناقش في سند ورجال هذا الحديث فهو أوهن من بيت العنكبوت كما حقّقه علماء أهل السنّة أنفسهم ، ولكن سأناقشه دلالة.
لو كان الحديث صحيحا وقاله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فعلا ، فلماذا لم يحتجّ به أبو بكر يوم السقيفة؟! بل لماذا صار لغط وصياح فيها؟! ولماذا رفض بيعة أبي بكر كثير من الصحابة؟!
ثم عندما استخلف أبو بكر عمر كما أشرنا لذلك سابقا لم يقل أبو بكر عندما عارضه المسلمون والصحابة : ألم تسمعوا قول الرسول في عمر مثلا ، وقد علمت اعتراض الناس على أبي بكر لغلظة عمر ولو كانوا يعلمون بالحديث لما اعترضوا.
وعلى هذا فالصحيح أنّ الله تعالى عيّن في كتابه المرشَّح للخلافة وهو عليعليهالسلام كما قد علمت ، وكذلك فعل النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الغدير ، وكان يريد أن يكتب إسمه يوم الخميس أو رزيّة الخميس (٢) لكن الصحابة منعوه وقالوا : « حسبنا كتاب الله ».
وكذلك أشار الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى أنّ خلفاء الله ورسوله على هذه الأمة هم اثنا عشر ، كما نصّ على ذلك البخاري ومسلم ، وهؤلاء هم أهل
_____________________
١) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ٣٧ فضائل أبي بكر.
٢) أنظر رزيّة الخميس كما جاءت في الصحاح : البخاري ٤ / ٨٥ ، ومسلم ٣ / ١٢٥٧ كتاب الوصية.
البيت عليهمالسلام على عدد نقباء بني اسرائيل ، ولذلك عندما ترجع إلى حديث العترة أو الثقلين تفهم هذه الحقيقة وغيرها من الحقائق ، وتجد فعلاً أنّ الإسلام والقرآن متناسق يكمّل بعضه بعضا ويفسّر بعضه بعضا ، وليس ركاما متناثرا لعبت به أيادي الحكّام ، فصرفوا الآيات عن معانيها وألصقوا بالأحاديث الصحيحة تأويلات واهية ، وزادوا أحاديث موازية باطلة في فضل فلان وفلان ليطفئوا نور الله لكنّ الله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
وحديث الثقلين أشهر الأحاديث الإسلامية وأكثرها تواترا ، حيث يقولصلىاللهعليهوآلهوسلم « إنّي تارك فيكم ما إنْ تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض »(٢) .
نعم ، حاشا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يترك أمر الأمة سُدىً والمنافقون والكفّار والروم والفرس بالمرصاد ، وهذا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوصي بمن يغسّله ويكفّنه ويعلّمنا مسائل أخرى بسيطة كأذكار النّوم وأذكار التخلّي وأدعية السّفر وآداب الأكل والشرب ، فكيف يغفلـحاشاهـعن أمر عظيم كالخلافة؟! ولماذا غفل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يغفل أبو بكر ولم يغفل عمر عن خطورة المسألة فعيّناـوكذلك كلّ الحكّام إلى اليومـخليفة لهما قبل موتهما!!
لم أجد في ختام كلامنا هذا ما أردّ به على صديقي سوى إدامة النظر إلى حقول الرمّان الخضراء ، وقد واعدتُ نفسي بأن أحلّل جميع ما قاله صديقي هذا من حجج وأدلّة في أوّل فرصة أخلو بها إلى نفسي...
_____________________
١) أنظر : صحيح الترمذي ج٥ حديث رقم ٣٧٨٨ ، المستدرك للحاكم ٣ / ١٤٨ كتاب معرفة الصحابة ، وورد في صحيح مسلم بألفاظ قريبة ٥ / ١٢٢.
كان لنا جار في عقده الخامس من العمر ، مشهور بقوّته البدنيّة حيث زاده الله بسطة في الجسم ، ولا زلت أذكر كيف كان يمازحني وأنا طفل صغير فيرفعني بيديه في الهواء حتّى يكاد قلبي ينخلع. كان رجلا فاضلاً يحبّ الناس ويُحبّه الناس. إلى أن دهى حيّنا خبر غير متوقّع حيث هزّت حادثة قتله كلّ أبناء الحي ، وكان سبب موته أنّ أخا له طعنه في حقل نخيل لهما بآلة حادة تستعمل لقطع جريد النخل الزائد.
طفق الناس يترحّمون على هذا الشخص وعباراتهم مُفعمة بالأسى والأسف وينكرون غدر أخيه ، حيث ما كان ليقدر على أذاه لو لم يأخذه على حين غرّة ، وكثيراً ما ردّد أهل الحي هذه الجمل :« رحمه الله ، مكتوب عليه القتل » ، وكانوا يردّدون مثلا شائعا عندنا وهو :« رزقك يأتيك وأجلك تذهب إليه ».
كان كلامهم يفهمني ويشعرني أنّ المسألة كلّها لا تعدو أن تكون قضاءاً محتوما وقدرا لا مفرّ منه ، فكنت أقول في نفسي : إذا كان الأمر جبرا وفعلاً من الله تعالى فما ذنب ذلك الأخ القاتل؟!
لم يمض وقت طويل حتّى حدثت حادثة أخرى ، حيث أقدمت امرأة شابة في مقتبل العمر على الانتحار ، فخلّفت لوعة في نفوس الناس خاصّة وأنها تركت طفلين صغيرين في عمر الزهور. وكان سبب إقدامها
على هذه الفعلة الشنيعة خلافات حادة بينها وبين زوجها ، فكان كأس ماء ممزوج بكمية من مبيد الحشرات المسحوق كافيا ليوصلها إلى هذه النهاية المأساوية.
وتكرّرت نفس الكلمات والتعابير حيث كنت أسمع نساء جيراننا يردّدن كلمات مثل« مكتوب عليها »« هذا قدرها » وأمثال ذلك. وترجع إلى نفسي تلك التساؤلات وتدخلني نفس الحيرة : إذا كان هذا الفعل فعل الله ومشيئته فما ذنب هذه المسكينة وما حيلتها أمام طوفان القضاء المحتوم هذا؟! إنّها لم تزد على أن أدّت دورها المناط بعهدتها!
كلّ ما خزنته في ذاكرتي من تساؤلات أفرغتها دفعة واحدة فيما بعد أمام صديقي الشيعي ، وكأنني كنت أُحمّل نفسي حملا لا طاقة لي به ، فكانت فرصة جديدة لنقاش مفتوح جديد.
ما إن طرحت أسئلتي على صديقي ضحك حتّى بدت نواذجه ، ففهمت أنّ الشيعة لها رأي آخر مغاير بـ ١٨٠ درجة.
قال لي صديقي : ما تقول أنت؟!
أجبت معلّلا : أنا شخصيّا لا أجدني مرتاحا لهذه التأويلات ، ولكني كنت خائفا من أنّ رأيي الشخصي هو في الواقع ردّ لمشيئة الله وكفر بها ، فكنت رهين محذورين.
قال صديقي : إذن إعلم أنّ الإسلام مستحيل أن يخالف الفطرة الإنسانية ولا يمكن أن يخالف العقل أيضاً ، وللأسف أنّ الأشعري (١)
_____________________
١) أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، المتوفى سنة ٣٢٤هـ ، صاحب كتاب مقالات الإسلاميين.
وجماعته خالفوا العقل والنقل بادّعائهم أنّ أفعال العباد كلّها مخلوقة من الله تعالى! مستدلّين على هذا الرّأي بقوله تعالى على لسان إبراهيم عليهالسلام : ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (١) ، مع أنّ مقصود إبراهيم عليهالسلام واضح ، فهو يقصد ما تعملون من تماثيل وأصنام.
والقول بالجبر هو بالضبط ما تقوله التوراة أنظر مثلا إلى هذا النص فيها :« أنا الربّ وليس آخر مصدر النور وخالق الظلمة ، صانع السلام وخالق الشرّ أنا الربّ صانع كلّ هذا » (٢) أو مثلا :« مِنَ الربِّ خُطوات الرّجل » (٣) .
وإنّ هناك أحاديث عن أكابر الصحابة يسألون فيها النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فيقول لهمـبزعم الواضعينـإنّ الأقلام جفّت وكلٌّ صائر إلى ما هو مكتوب ومقدّر له (٤) .
وعليه نقول : رحم الله أبا جهل وأبا لهب وفرعون وهامان وكلّ مجرم في الدنيا ، حيث كانوا جميعا منفّذين لمشيئة الله تعالى على أحسن وجه!
ونقول أيضا : يا نوح ويا إبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد ( سلام الله عليهم أجمعين ) ويا أيّها الصدّيقون والشهداء والصالحون لا فضل لكم
_____________________
١) سورة الصافّات : ٩٥ ، ٩٦.
٢) سفر أشعياء ٤٥ / ٧.
٣) الأمثال ٢١ / ٢٤.
٤) أنظر : صحيح البخاري ٦ / ٢١١ ، ٦ / ١٢١ ، موّطأ مالك : كتاب القدر ص ٦٠١ ، سنن أبي داود ٤ / ٢٣٢ ، العقيدة الطحاوية : ٤٤ ، وجاء فيها :«وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه وكلٌّ ميسّر لما خُلق له...».
ولا فخر ، إنّما أنتم أدوات جرت على أيديكم مشيئة الله وقضاؤه المحتوم ، وكنتم ممثّلين في مسرحية كبرى إسمها الدنيا من إخراج الله تعالى الذي قسّم الأدوار. نعوذ بالله من فلتات اللّسان وزيغان الأذهان.
ويا إسرائيل ، أغزي أرضنا واقتلي شبّاننا ودنّسي مقدساتنا ، فلا إثم عليك ولا حرج ، فإن استسلمنا فبقضاء الله ، وإن ثرنا ورميناك في البحر فلا فضل لنا ولا عار عليك.
وعليه ، ما فعله معاوية بالمسلمين وابنه يزيد وجرائم بني أمية وبني العبّاس وجرائم الصليبيّين والاستعمار الغربي لبلادنا كل هذا هو فعل الله.
فيا الله ، يا من وصفت نفسك بالعدل وحرّمت الظلم على نفسك ، ويا من هديت الإنسان النجدين ، لماذا خلقت الجنّة والنار؟! لماذا ترصّدت أعمالنا بالكرام الكاتبين؟! لماذا بعثت الرسل والأنبياء ، أليس قد جفّ القلم وعُلم السعيد والشقي في بطن أمهما؟! ولماذا الحساب والميزان ، أليست الأعمال أعمالك فهل بعد هذا الظلم من ظلم؟!
قاطعت صديقي قائلا : لماذا تلصقون يا معشر الشيعة كلّ مصائب الأمة ببني أميّة؟!
أجابني صديقي بحدّة : ومن غيرهم؟!! ، ثمّ أردف : إنّ معاوية ومن بعده ملوك وأباطرة بني أمية لمّا وجدوا أنفسهم مرفوضين من قبل الأمّة لعدم شرعيتهم وكانوا في نفس الوقت ماسكين بزمام الأمور ، أرادوا أن يجعلوا لأنفسهم شرعية زائفة فوضعواـوعلى رأسهم معاويةـأحاديث مكذوبة على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، من أنّ الحاكم لا يجوز الخروج عليه وإن
ظلم وفسق وطغى لأنّ في ذلك فتنة وفساد(١) ! ، وقالوا بعدالة كلّ من رأى الرسول حتّى مرّة واحدة ـ فيدخل معاوية في هذه الدائرة العريضة ـ.
وقالوا من جملة ما قالوا : إنّ كلّ أفعال العباد هي من الله ، لماذا؟! الجواب معروف : حتّى لا يعترض عليهم أحد سواء قتلوا أو سرقوا أو زنوا ، وأنّ الإنسان لا دخل له ولا فعل في هذا كلّه. وهكذا يصبح قتل الحسينعليهالسلام أمرا محتوما ، وتولّي الحجّاج على رقاب المسلمين قدرا ماضيا ، فلماذا الاعتراض والثورة والخروج وو... وبعد هذا تصوّر ما لحق بأحرار أمة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم من تنكيل وترهيب حيث سُلّط عليهم سيف ديني إسلامي يقطع رؤوسهم. أليسوا كانوا معترضين على أمر الله ، مبارزين للحقّ تعالى في مشيئته ، ويا لها من تهمة سهلة رخيصة.
لكن نقول للأشعري ومن والاه : لماذا تلعنون إبليس والشياطين وقد قال إبليس مثل قولك حيث نسب الغواية لله تعالى فقال : ( رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ) (٢) ؟!
_____________________
١) أنظر : العقيدة الطحاوية : ٧٢ ، جاء فيها :«ولا نري الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولاندعوا عليهم ، ولاننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عزّوجّل فريضة مالم يأمروا بمعصية ، وندعوا لهم بالصّلاح والمعافاة ».
٢) سورة الحجر : ٣٩.
من المواضيع الساخنة الّتي أثارت ولا زالت تثير جدالا حادّا بين السنة والشيعة هو موضوع المتعة ، حيث يعتبرها أغلب أهل السنّة أخت الزنا كما يعتبرون التقيّة أخت النفاق.
وفي نقاش صريح دار بيني وبين صديقي الشيعي ، أذكر أنني ولشدة ما كنت أسمع من أهل السنّة من تشنيع على هذه المسألة ، أنني سألته قائلاً : كلّ شيء عندكم معقول معشر الشيعة إلاّ شيئا واحدا ، وهو ما يجعل في نظري سمعة مذهبكم هذا تذهب أدراج الرياح لو تمسكتم به ، بل إنّ العقلـوأردت أن أضربه في الواقع بنفس سلاحهـيأبى هذا الشيء ، فكيف بالدين الإسلامي دين الحياء والعفّة؟!
أجاب صديقي : أحسبني فهمت مرادك وما ترمي إليه.
قلت مجيباً : إذا كنت قد فهمت قصدي فأنا أسألك : لماذا تعملون وتؤمنون بالمتعة؟!
قال صديقي : سؤالك خطأ ، إسألني عن مشروعية المتعة في الإسلام؟ وأجيبك فأقول : إنّ الشيعة لا يحلّلون حراماً ولا يحرّمون حلالاً ، بعكس غيرنا ممّن ضلّ وأضلّ وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً. إنّ المتعة حلال بكتاب الله (١) وسنّة رسوله صلىاللهعليهوآلهوسلم وسيرة الصّحابة ، ولم ينه _____________________
١) قوله تعالى في سورة النساء الآية ٢٤ :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) .
عنها إلاّ عمر حيث قال :« متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أحرّمهما وأنهى عنهما » (١) .
قلت مقاطعاً : رويدك ، إنّ آية المتعة آية منسوخة بالآيات الأولى من سورة المؤمنون كما يقول أهل السنّة ، وعليه لا يبقى لكم احتجاج بكتاب الله تعالى.
أجاب صديقي متعجّباً : وهل يسبق الناسخ المنسوخ عندك؟!
قلت معلّقاً : أرجوك لا تدخلني في أشياء فرعيّة تضيّع علينا البحث.
قال صديقي : أنا لم أخرج من الموضوع ، بل أردت إجابتك وأقصد أنّ القول بأنّ آية المتعة منسوخة بالآيات الأولى من سورة المؤمنون هو قول متهافت جدّا ، لأنّ آية المتعة مدنية وسورة المؤمنون مكّية والمكّي لا ينسخ المدني ، هذا أوّلا.
ثمّ إنّ قول من قال : إنّ آية المتعة منسوخة يؤكّد القول بأنّ المتعة نكاح شرعي وليست سفاحاً ، أي أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والصحابة كانوا يعتبرونها زواجا شرعيّا قبل نسخها حسب الافتراض (٢) ، ولو نظرت إلى قول عمر لرأيت أنه يعترف بأنّ المتعة كان معمولاً بها على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أي إلى وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
قاطعت صديقي قائلا : إنّ عمر لم يحرّم حلالا ولم يحلّل حراما
_____________________
١) أنظر : تفسير الفخر الرازيـسورة النساءـ٤ / ٤٢ ، صحيح البخاري ٢ / ١٧٦ ، سنن ابن ماجة ٢ / ١٨٨.
٢) أنظر : تفسير ابن كثير ١ / ٤٨٦.
حاشاه! لكن كلّ ما فعله هو أنه طبّق تحريم المتعة أو نَسْخِهَا وأعلم المسلمين بذلك ، وإلاّ فالمتعة نسخت في آخر حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أجابني صديقي : ربّ عذرٍ أقبح من ذنب ، وأردف قائلا : لو كان الأمر كما يزعمون فهل خفي الأمر علىٰ أبي بكر وقد كانت المتعة معمولاً بها طيلة خلافته؟! ولو كان الأمر كذلك فلماذا حرّمها عمر في زمان متأخّر في خلافته ولم يحرمها في يوم خلافته الأول؟!
ثم إنّ هناك أحاديث(١) عن أكابر الصحابة تؤكد أنهم كانوا يستمتعون على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعهد أبي بكر وفترة من خلافة عمر حتّى نهى عمر عنها. وبهذا يتبيّن أنّ المتعة نكاح شرعي ثابت بالقرآن والسنّة ولم تنسخ لا من الله ولا من رسوله ، وبذلك تعلم ضعف الأحاديث الكاذبة التي تقول إنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم حرّمها ، وليس أدلّ على ضعفها بعد ضعف رجال سندها اضطراب تلك الأحاديث ، فمرّة تقول حرّمت يوم الفتح ، ومرّة يوم تبوك وغيرها ، على أنّه قد تيقّنتَ من قول عمر نفسه بأنها كانت محلّلة على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
شعرت في نفسي بانكسار شديد لأنّ حلّية المتعة كانت تعني لي فيما تعنيه أشياء أخرى من لوازمها تخطئة عمر بن الخطّاب ، ولهذا طرقت المسألة من باب آخر ، فهيهات هيهات التسليم بهذه السهولة.
قلت لصديقي معانداً : يا أخي ، هل ترضى أنت أن تُزَوّج أختك أو ابنتك زواج متعة؟!
_____________________
١) مثل الحديث عن جابر وعن عمران بن حصين وغيرها ، أنظر : مسند أحمد ، مسند عمر ، ج١ حديث رقم ٣٧١ ، وأيضا مسند أحمد ٣ / ٣٢٥ ; صحيح مسلم ٢ / ٨٩٦ـ٩٠٠ كتاب الحج.
قاطعني صديقي بنبرة غاضبة : عجيب أمرك!! أقول لك رضي الله ورسوله والمؤمنون ، وتقول لي أنت : هل ترضى ثم واصل : والطريف أنّه ما حاورتُ أحدا من السنّة حول المتعة إلاّ وسألني هذا السؤال. إنّ هكذا آراء وتحسينات وو.. كلّها نابعة من المزاج ولا تمتّ للشرع بأيّ صلة ، ومع الأسف فإنّنا كمسلمين وخاصّة كعرب نُعتبر شعبا مزاجيّا ، مزاجيّا في كلّ شيء حتّى الدين أخضعناه لمزاجنا ، فما وافق مزاجنا قبلنا به وما لم يوافقه رفضناه. ولو نظرت بعين عقلك لرأيت أنّ هناك أشياء عديدة لو تركنا لأمزجتنا الحكم فيها لضربنا بالشرع كلّه عرض الحائط.
ولك أن تسأل أي امرأة متزوجة الآن أو حتّى عزباء ، بل ربّما عانس أصلاً ، هل تقبلين أن يتزوج عليك زوجك ثانية أو ثالثة أو رابعة؟ لأجابتك بالنفي ، هذا بالرغم من أنّ المسألة شرعية لا غبار عليها.
ثم اسأل من الرجال من شئت وقل له : هل تقبل نفسك أن يخطب أمّك الأرملة أو المطلقة رجلا بعد أبيك ويتزوّج بها؟ فسترى أنّ حاله سينقلب وسوف يدّعى أنّ أمه ليست بحاجة إلى الزواج وأنّها وفيّة لوالده ، وهكذا من التأويلات الكاذبة العديدة ، ولكن الحقيقة أنّ هواه ومزاجه هو المانع ليس إلاّ.
وحسب رأيي فإنّ عمر بن الخطاب حرّم المتعة لأنّه كان شخصية مزاجيّة وكان يمثل التيّار المزاجي في الصحابة ، ولو رأيت كيف وئد ابنته في الجاهلية ، وكيف كان موقفه مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم صلح حديبية ، وموقفه من الأعاجم وتحريم مكة والمدينة عليهم ، وكذلك تفضيلة العرب على الأعاجم في العطاء لتيقنت ممّا أقول لك (١) .
_____________________
١) أنظر ما فعله مع رسول الله يوم الحديبية : صحيح البخاري ٦ / ١٧٠ـ١٧١ ، صحيح مسلم ٣ / ١٤١١ كتاب الجهاد والسير ، سير أعلام النبلاء ـ السيرة النبوية ـ ١ / ٣٥.
وبالرغم من حلّية المتعة فإنّ الإسلام راعى حق الولي للبنت ، فجعل زواجها متوقّفا على إذن والدها أو جدّها أو وليّها عموما ، وأنت ترى ما في هذا الزواج من فوائد عظيمة خاصّة لكثير من الشباب الذين لا يقدرون على مصاريف الزواج الدائم ، أو للرجال الذين تعاني زوجاتهم من عاهات مستديمة أو مؤقتة تمنع الممارسة معهنّ ، وكذلك الحال بالنسبة لكثير من المطلّقات والأرامل اللاّتي ما زال المجتمع العربي والإسلامي ينظر إليهن نظرة دونيّة ونظرة مريبة.
وأغرب من هذا إنّ هناك من علماء المسلمين من أباح للشبان أن يتزوجوا في الغرب بعقد منقطع كحالة اضطرارية وفي نفس الوقت يحارب المتعة حربا شعواء لقول الشيعة بها ليس إلاّ!
سألت صديقي قائلاً : إذا كان الله تعالى يعلم أنّ العرب لا يقبلون بالمتعة فلماذا أحلّها لهم؟!
ابتسم صديقي وقال :«أوّلا : لا يوجد لماذا وكيف وعلى مَ مع الله جلّ جلاله ، لأنّه هو المشرّع العالم بمصالح العباد.
وثانيا : الإسلام وإن جاء في العرب لكنه دين عالمي لا يتقيد بقيود عرقية أو جغرافية أو لغوية وغيرها ، فما يستهجنه العرب قد يستحسنه غيرهم والعكس صحيح.
وثالثا : لم يكن كلّ العرب رافضين للمتعة بدليل عمل كثير من الصحابة بالمتعة زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعده.
قلت وقد بدأ الظنّ بحلّية المتعة يغلب شكّي حولها : إذن المسألة
حسب رأيك نابعة من الهوى؟!
أجاب صديقي : نعم ، فتحريم المتعة ليس له أيّ أصل ، وأزيدك حتّى تعلم إلى أيّ مدى نحن مزاجيّون : كم دم سفك بغير حقّ من جرّاء مسألة غشاء البكارة ، هذه العادة الجاهلية التي لم يستطع الإسلام أن يزيلها بالرغم من مضيّ القرون والقرون ، هذه المسألة ما زالت شامخة برأسها والويل لمن يكتشف زوجها أنّ بكارتها مفتضّةـخاصّة في بعض البيئات المتشددةـهذا مع أنّ العلم يقول : إنّ الممارسة الجنسية ليست السبب الوحيد لفضّ البكارة ، بل قد تولد الفتاة بدون بكارة أصلا ، وقد تفقدها جرّاء حركة شديدة عفوية ، وقد يكون عندها غشاء بكارة إلاّ أنّه مطّاط بحيث يتمدّد عند الإيلاج (١) . وعلى افتراض أنّ الفتاة اقترفت فاحشة فبأيّ فتوى تُقتل ولا شهود على ذلك؟! بل حتّى لو كان هناك أربعة شهود فحدّ غير المحصنة ليس القتل بالتأكيد بل الجلد. إنّ أناسا هذه عقيدتهم كيف تريد أن يقبلوا بالمتعة؟!
على أيّ حال فحكم المتعة شرعاً هو الحلّية ، وعندما نقول حلال لم نأت للناس ونقول لهم تعالوا مارسوها ، بل مثل أي حلال مشروع من أراد فليفعل ومن أراد فليترك.
انتهى بنا النقاش وقد تأكّد لديّ بما لا مجال فيه للشك بأنّ المتعة حلال ولم تُنسخ ، وزادت نقمتي بعد هذا النقاش على أولئك المهرّجين الّذين يبغونها عوجا فإذا كلّمهم الواحد طولاً أجابوه عرضاً ، وهم بعد مكذبون لله وللرسول في الدين من حيث لا يشعرون.
_____________________
١) يراجع في هذه المسألة أهل النظر والاختصاص من أطباء وممرضين وغيرهم.
لازلت أذكر تلك الولائم والاحتفالات التي كانت تُقام في ضريح أحد الأولياء الصالحين بقريتنا ، وكان هذا الوليّ على ما تتناقله ذاكرة الأجيال أحد الشرفاء(١) المغاربة من بني إدريس ، كان بناءاً تقليديّا تعلوه قبّة شامخة زاد من شموخها الربوة التي كان بناء الضريح قائما عليها.
كانت زوجة عمّي تأخذني كلّما سنحت الفرصة للزيارة والتبرّكـ وكان هذا الضريح يعتبر ضريح القرية« الرسمي»، حيث كان لكلّ بلدة وليّها الخاص بها والذي كانت أغلب المناسبات الدينية تقام فيه كحفلات الختان ، والعودة من الحجّ ، والمَولد النبوي الشريف وغيرهاـوكانت زوجة عمّي توصيني في كلّ زيارة بأن آخذ من تراب ذلك الضريح وأمسح به وجهي ورقبتي وصدري ، لأنه كما قالت لي فيه شفاء وفيه ما فيه من دفع للآفات والأمراض. وكان أكثر ما يشدني في تلك الفترة من عمري اللّهو والنزهة أكثر من البحث عن أحراز وعوذات ، وكان هذا رسم في موطني يشب عليه الصغير ويهرم عليه الكبير.
ثمّ تمرّ أعوام وأعوام حتّى بدأت بعض الأصوات من بعض الحركات الإسلامية الجديدة على الساحة تستكره هذه الأعمال وتعدّها نوعا من الشرك أو البدعة ، وترد عليها أصوات أخرى بأنّنا كلّنا مسلمون _____________________
١) جمع شريف وينسب إلى من ينحدر من سلالة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
نعلم حدود الشرك والإيمان وأنتم لستم أوصياء على إيماننا ، بل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال فيما قاله آخر عمره الشريف.« إنّي لاأخاف عليكم أن تشركوا بعدي»(١) ، وعليه هذه أعمال مباحة إن لم تكن مشروعة وقد مارسها المسلمون وغير المسلمين منذ كان الدين على الأرض.
نقلت مخزون أفكاري هذه في أوّل نقاش لاحق مع صديقي الشيعي لأرى ماذا تقول الشيعة حولها فسألته : ماذا تقول الشيعة في التوسّل والتبرّك بآثار الأنبياء والصالحين ، وهل هذه بدع كما يقول بعض الناس ، أم لها أصل في الإسلام؟!
اعتدل صديقي في جلسته ووضع قلمه الجاف الذي كان بيده على طرف طاولته في ركن غرفته الصغيرة الخاصة ، ثم فرك أصابعه وقال : أنا أشكرك على أسئلتك وشغفك لأن تعرف كل شيء ، لكن أنا شخص عادي فتح الله بصيرتي على الحقائق وقد لا تجد عندي كل شيء بالتفصيل ، أنا أعطيك رؤوس أقلام وواصل أنت مطالعاتك في كلّ موضوع نناقشه ، فعند علمائنا الشيعة من الكتب والأشرطة والردود ما يشفي الغليل وزيادة ، بحيث لا يبقى هناك مجال للشك ولا للظن ، بل تخرج باليقين الكامل إن شاء الله.
فيما يخصّ هذا الموضوع هو في الواقع موضوعان كثر حولهما اللّغط في هذه الأزمنه الأخيرة فقط ، وإلاّ لا توجد اختلافات بين طوائف الأمة من قبل حولها ، ولست أبالغ إذا ما قلت إنّ ابن تيميّة هو أوّل من فتح باب الفتنة فيها ، ولم يسبقه في ذلك أحد فخالف بآراءه الشاذة وأفكاره
_____________________
١) أنظر : صحيح البخاري ٨ / ١٥١ باب الحوض.
المريضة إجماع جميع علماء المسلمين وطوائفهم ، بل خالف حتّى زعيم مذهبه أحمد بن حنبل في ذلك.
قلت : دعنا من ابن تيميّة ، أنا أريد الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.
قال صديقي : لأختصر عليك الطريق ولا ندخل في متاهات كلاميّة ، أعطيك آيتين من القرآن تبرز مشروعية التوسّل ، الأولى في سورة يوسف عليهالسلام حيث جاء إخوته إلى أبيهم بعد ندمهم على فعالهم وقالوا : ( قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي... ) (١) ، فلماذا جاؤوا إلى أبيهم؟! ولو كانوا يعلمونـوهم أبناء أنبياءـأنّ طلبهم ذاك كان شركا ما كانوا ليطلبوه! ، ولو كانوا جاهلين بأنه شرك لماذا لم ينههم أبوهم يعقوب ، بل وعدهم بالاستغفار لهم ، وقد ورد في معنى ( سَوْفَ ) أنّه أخّر الاستغفار لهم إلى ليلة الجمعة.
وقد تقول لي إنّ ذلك كان جائزا في عهد يعقوب عليهالسلام لكن الإسلام لا يجيز ذلك.
فأقول لك : إنّ الدين عند الله الإسلام وكلّ الأنبياء نور واحد وصدروا من معين واحد ، ولا يمكن أن يكون هناك عمل أو قول قال به نبيّ ويعتبره نبيّ آخر من بعده شركا.
هذا من جانب ومن جانب آخر أقول : إنّ التوسّل ورد أيضا في الإسلام بصريح قوله تعالى في سورة النساء :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ... ) (٢) ، فلماذا يستغفر لهم
_____________________
١) سورة يوسف : ٩٧ ـ ٩٨.
٢) سورة النساء : ٦٤ ، وانظر : سنن ابن ماجة : في حادثة الضرير الذي توسّل بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليعود له بصره فعاد ١ / ٤٣٦ باب صلاة الحاجة.
الرسول؟ هل كان الله بعيدا عنهم؟! وإذا قارنت هذه الآية مع الآية التي في سورة يوسف لوجدتهما ترميان إلى نفس المعنى تقريبا.
قلت لصديقي وقد بقي في نفسي شيء يسير من الشبهة : ربّما جاز التوسّل بالنبيّ أو الوليّ في حياته لكن هل يجوز التوسّل به بعد مماته؟
أجاب صديقي بسرعة : المهم إنّنا أثبتنا أصل التوسّل عموما ، وأردف قائلا : فهل يجوز العمل بسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته ونرمي بها عرض الجدار بعد وفاته؟!
فهل تستطيع الآن مثلا وأنت أمام روضة النبيّ وقبره الشريف أن ترفع صوتك والله تعالى يقول : ( لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ) (١) ، وهل تستطيع القول إنّ ذلك كان خاصّا في حياته صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! لا أتصوّر عاقلا يقول بذلك.
ثم لو كان التوسّل به صلىاللهعليهوآلهوسلم حراما بعد حياته لما أجمعت الأمة بكلّ فرقها وعلمائها على هذا الفعل ولم يستشكلوا يوما أو يشكوا في هذا العمل ، وأحمد بن حنبل الذي يدعي الوهّابيون أنّهم يرجعون له في المذهب كان يتوسّل ويدعو عند قبر رسول الله. وعلى القول بالحرمة ، يكون كلّ سلف هذه الأمة وعلمائها مشركون خرجوا من ربقة الإسلام ويبقىٰ ابن تيمية ومن والاه على الحنيفية السمحاء.
وأنا أزيدك أن التوسل بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كان جائزا حتّى قبل ولادته. ألا تقرأ قوله تعالى : ( وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٢) ،
_____________________
١) سورة الحجرات : ٢.
٢) البقرة : ٨٩.
فاليهود كانوا في حروبهم مع الأوس والخزرج ، يتوسلون بالرسول المبعوث في آخر الزمان فينتصرون (١) .
جيّد ، لننتقل إلى مسألة التبرّك.. قلت ذلك معلّقاً على كلام صديقي ، بعد أن رأيت أنّه فعلا لا محذور ولا ضير في التوسّل بالصالحين فضلاً عن سيّد الصالحين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنهم وجهاء عند الله تعالى ولكلّ درجات.
أخذ صديقي كوباً من الماء فشربه وقال : لقد جعلتني أتكلّم كثيرا اليوم. التبرّك يا صديقي قريب من التوسّل وهو أن تتبركـطلبا للبركةـ بآثار نبيّ أو صديق أو شهيد.
قاطعت صديقي قائلا : أعطني دليلا من القرآن.
« إنّ الله تعالى بارك أمكنة وأزمنة معينة ، كما بارك فعل الصالحين من عباده. فمن الأمكنة المباركة بدليل القرآن : بيت المقدس (٣) أو المسجد الأقصى ، وكذلك وادي طوى (٤) حين كلّم الله تعالى عبده ونبيّه موسى عليهالسلام ، كذلك بيت الله الحرام (٥) ، كما بارك تعالى مقام إبراهيم عليهالسلام وأمرنا أن نتخذه مصلّى ، ومن الأزمنة المباركة : ليلة القدر (٥) ، كما بارك أيّاما مثل يوم الجمعة ، وبارك فعل هاجر أُمّ إسماعيل فجعل بعضا من أفعالها التي قامت بها شعائر في الحجّ.
_____________________
١) تفسير روح المعاني للآلوسي ١ / ٣١٩.
٢)( إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) [ سورة الإسراء : ١ ].
٣)( إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) [ سورة طه : ١٢ ].
٤)( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا ) [ سورة آل عمران : ٩٦ ].
٥)( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ) [ سورة الدخان : ٣ ].
ولهذا تجد مثلا أنّ الصلاة في البيت الحرام تعدل كذا ألف صلاة في غيره ، لماذا؟! لأنّ بركته أكبر وأعظم ، وهكذا...
وقد ذكر لنا القرآن رأي المؤمنين الذين غلبوا على أمرهم في قصة أصحاب الكهف :( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) (١) ، بينما نجد الوهابيين اليوم يهدمون مقامات الأولياء. وهناك أحاديث (٢) حول التبرّك بالرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وآثاره أذكر لك منها لاحقا إن شاء الله لأنها لا تحضرني الآن.
وكالتوسّل جرت سيرة السلف على التبرك ، فقد كان أحمد بن حنبل مثلا يتبرك بشعر وقصعة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم (٣) ، والمسلمون احتراما للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم يتبركون بقبره ، ويتبركون بالقرآن فيعظمونه ويقبّلونه. فالمسلمون لا يقصدون تعظيم أحجار القبر أو رخامه ، وإلاّ فإنّ المسلم لا يمكن أن يقبّل رخام قصر الإليزيه مثلا ولا يتمسّح بأحجار الأهرام ، ولن ترى مسلما يقبّل شبّاكا عاديّا ولو وضعت عليه أنفس جواهر وزخرف الدنيا.
والعجب! أنّ الوهابيّة تدّعي أنّها تقتدي بالسلف وهي مخالفة للسلف مائة وثمانون درجة. فإذا كان التوسّل شركا فأحمد بن حنبل مشرك ، وإذا كان التبرك بدعة فأحمد بن حنبل مبتدع.
_____________________
١) سورة الكهف : ٢١ ، أنظر : تفسير الطبري ١٥ / ١٤٧ ، الدر المنثور ٥ / ٣٧٠.
٢) أنظر مثلا : صحيح مسلم ٤ / ١٨١٦ كتاب الفضائل ، مستدرك الحاكم ٤ / ٥١٥.
٣) أنظر : مقدمات الجزء ١ من المسند بتحقيق أحمد محمّد شاكر : آداب أحمد بن حنبل : ٥٧ ، وانظر تبرك معاوية بشعر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة ٤١ـ ٦٠ ، وكذلك في الكامل في التاريخ ٤ / ٧.
وقد أفاض علماؤنا في هذه المواضيع لكن ماذا تفعل والقوم لا يقرؤون ، بل : ( جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ... ) (١) ، بل أكثر من هذا ، عادوا كلّ المستحدثات العلمية«كالتلفزيون» و «الفيديو» وغيرها (٢) !!
اكتفيت من صديقي بهذا البيان وكنت أريد الإطراد لولا أنّي خشيت أن أُثقل عليه ، لذا شكرته على ما أفادني به وأسرعت بالخروج.
_____________________
١) سورة نوح : ٧.
٢) كما فعل الطالبان في أفغانستان وأعطوا وجها مشوّها متخلّفاً للإسلام من حيث لا يشعرون. ولا يخفى أنهم دمى في أيدي المخابرات الغربيّة.
من مصائب الدهر أنّ فرق المسلمين اختلفت في كلّ شيء حتّى في الله سبحانه وتعالى ، وقد رأيت أنّ بعض فرق المسلمين تؤكّد بما ليس فيه شك أنّ الله في السماء ، جسم يرى يوم القيامة ، بل حتّى في المنامات ، وأنّه يصعد وينزل ويضحك(١) ، وأنه جالس على العرش فوق سماواته وإلى غير ذلك من الأوصاف.
وكنت في مدينتي« قابس » أعرف صديقا متشيّعا كان يقول لي أنّه فيما مضى كان منضمّا إلى جماعة« الدعوة والتبليغ » الشهيرة ، وكنت ـيقول ذاك الصديقـكثيرا ما ألازمهم لحسن أخلاقهم وروحيّتهم العالية ، وكنّا ربّما اعتكفنا في مسجد مقام الصحابي المعروف في مدينتنا« أبي لبابة الأنصاري »(٢) حيث كنّا نصوم النهار ونحيي اللّيل ، وكنّا نتناوب العبادة ساعتين ساعتين حيث ننام ونستيقظ وعندما ، يحين الثلث الأخير من اللّيلـيسترسل صاحبناـنهرع إلى ساحة المسجد مسرعين مشتاقين رافعين رؤوسنا وأيدينا إلى السماء الصافية المزدانة بنجومها ويشتد دعاؤنا ومناجاتنا ويحمى الوطيس ، فالله تعالى في أقرب منازله إلينا في _____________________
١) أنظر : سنن ابن ماجة ١ / ٦٤ ، العقيدة الواسطية لابن تيميّة.
٢) هو الصحابي الأنصاري« بشر بن عبدالمنذر » المعروف بأبي لبابة وله عندنا مقام جليل ، وهو الذي ربط نفسه في سارية المسجد إلى أن نزلت فيه آية قبلت توبته.
السماء الدنيا وقد نزل إليها ينظر في طلبات ودعوات الداعين كما يعتقد الجماعة.
ولم أكن أدريـيواصل صاحبناـهل كان الله تعالى يُنزل معه عرشه أم يتركه شاغرا في السماء السابعة وينزل من دونه ، وكانت مسألة الثلث الأخير من الليل تؤرقني لأنها تناقض حقيقة علميّة صارت ثابتة منذ زمن ، وهي أنّ الأرض لا تخلو من مؤمنين كما لا تخلو الأرض من ثلث أخير من الليل ، وعلى هذا لا بدّ أن يقضي الله الدهر كلّه في السّماء الدنيا ، ولربّماـيقول محدثيـهذا ما جعل شيخ الوهّابيين(١) يدحض نظرية كروية الأرض ويكتب كتابا حول أنّ الأرض منبسطة ، ولو كره « غاليليو »(٢) ومن جاء بعده.
على كل حال كنت ملتزما بهذه الأحاديث لأنني ما كنت أعرف أنها موضوعة ولم تأت فرصة حقيقية للنقاش فيها ، ينهي صاحبنا كلامه.
وكنت منذ سنين أعرف ذلك الحديث القائل والمروي عن أبي هريرة وغيره والموجود في« رياض الصالحين »(٣) حيث يقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه :« إنكم سترون ربكم يوم القيامة كالبدر ليلة تمامه ».
_____________________
١) هو الشيخ ابن باز وكتابه باسم :« الأدلة النقلية والحسّية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب »!!
٢) هو العالم الإيطالي ( GALILEO ـ GALILEI ) الذي أثبت أن الأرض كروية وأنها ليست مركز الكون.
٣) رياض الصالحين للنووي : ٤٩٢ ، وانظر : صحيح البخاري ٩ / ١٥٦ ، سنن أبي داود ٤ / ٢٤٥.
كنت أفرح كثيراً عندما أسمع هذا الحديث فأقول : إنها من أكبر نعم الله تعالى على أهل جنته أن يروا ربّهم وخالقهم ، ويتجلّى لهم بكل عظمته ونوره. وكنت سمعت أنّ الشيعة ينكرون رؤية الله يوم القيامة فأتعجّب وأغضب لأنهم يريدون أن يحرموننا من رؤية سرّ الوجود وربّ العالمين ، لكني ما كنت أعرف دليلهم أو أدلتهم في الموضوع.
وتسنح لي فرصة أخرى ونقاش آخر مع صديقي الشيعي ، حيث وطنتُ نفسي هذه المرة على الصمود أمامه مهما كلّفني الأمر ، فقد بلغ السيل الزبى وليس من المعقول أن يهزمني كلّ مرّة.
لم تطل بنا الجلسة حتّى بادرت صديقي قائلا : يظهر أنكم معشر الشيعة ينطبق عليكم المثل الشهير« خالف تُعرف ».
قال صديقي وعلامات العجب تطبع جبينه : كيف ذلك؟!
قلت : يا أخي أتستكثرون علينا رؤية الله عزّوجلّ وهي أعظم نعمة يُنعم بها الله تعالى على عباده المؤمنين؟!
أجاب صديقي : ليس بالأماني ، وأردف قائلاً : إنّ هذا القول فيه ما فيه لو كنت تدري.
أجبت مستنكرا : وماذا في ذلك؟!
قال صديقي : إنّ ذلك يستلزم أنّ الله جسم (١) وتعالى الله عن ذلك.
_____________________
١) وهذا ما تؤكده صحاح أهل السنّة ، فلله يدان [ سنن ابن ماجة ١ / ٧١ باب فيما أنكرت الجهمية ] ، وأنه يكشف عن ساقه يوم القيامة [ المستدرك للحاكم ٤ / ٥٨٢ كتاب الأهوال ] ، والله يصافح عمر ويدخله بيده إلى الجنّة!! [ سنن ابن ماجة ١ / ٣٩ فضائل
أجبته معترضاً : يا أخي ، إنّ الله موجود ، وكلّ موجود لا بدّ وأن يُرى.
قال صديقي : هذا هو خطأ من قال برؤية الله. لا ليس صحيحا أنّ كلّ موجود يرى ، فالغضب موجود والفرح موجود والحزن موجود ، والشهوة التي تُذلّ عقل الإنسان بل وتؤدي به إلى المهالك كلّها موجودة ومحسوسة ، فهيّا قل لي : أين توجد ولماذا لا نراها؟! ، ثمّ واصل كلامه : وأزيدك ، أنت تؤمن أنّ لك روحا هي الأصل فيك وليس جسمك ، فهيّا أشر إلى موضع روحك هل هي في رأسك في الدماغ أم في قلبك أم أين؟!
قلتُ لصديقي : قليلا قليلا ، أعطني دليلا من القرآن حتّى لا أضيع معك.
علّق صديقي : أحسنت بطلبك هذا ، وقال : والله لا ينقضي عجبي من القائلين بأنّ الله جسم وأنّه يُرى وأنّه وأنّه وهم يتلون الكتاب ، إنّ القرآن يُشنّع بقوّة على هؤلاء ولكن... يقول تعالى في كتابه المجيد : ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ ) (١) .
قاطعت صديقي محاججا : ذاك في الدنيا.
أجاب صديقي : إنّ الآية فيها إطلاق ولم يقل الله أنّ ذلك مختصّ بالدنيا أو بالآخرة. وإليك آية أخرى : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً
_____________________
عمر ] ، وأنّ الله وجها ويدين وعينين ورجل وقدم وأنّه تعالى يضحك ويعجب ويفرح.... [ العقيدة الواسطيّة لابن تيميّة ].
١) سورة الأنعام : ١٠٣.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ... ) (١) الآية.
فأنت ترى أنّ الله يشنّع على بني إسرائيل طلبهم للرؤية وأسماهم ظالمين وأخذتهم الصاعقة لطلبهم هذا ، فلو كانت الرؤية ممكنة فلماذا هذا التنكير على بني إسرائيل ، ولماذا أصابتهم الصاعقة؟!
وآية أخرىٰ :( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ) (٢) ، وأنت عربي تعرف ما معنى لن ، ولهذا لم يقل الله لموسى عليهالسلام لا تراني ، لاستحالة الرؤية في الدنيا والآخرة لأنه جاء بلفظة « لن ».
اعترضت على صديقي بهذا السؤال القويّ : إذا كانت الرؤية مستحيلة فلماذا يطلب موسىعليهالسلام ذلك مع أنّ الأنبياء كما تقولون معصومون عالمون؟!
قال صديقي : سؤال وجيه! موسى عليهالسلام لم يطلب الرؤية لنفسه ، ولكن عندما أخذ أولئك النفر من بني إسرائيل إلى الطور وسمعوا كلام الله ، قالوا لموسى : لن نؤمن أنّ هذا كلام الله حتّى نراه. لهذا أخذتهم الصاعقة. وبعد ذلك قالوا لموسى : أطلب من ربّك أن تراه لأنك وجيهٌ عنده ، فإذا رأيته أنت خاصّة تصفه لنا بعد ذلك فنؤمن لك. فقام موسى عليهالسلام أمام قومه بهذا الدعاء ليُثبت لهمـوهو عالمـبأنه يستحيل رؤية الله ، وهو مماشاة من موسى لقومه الجاهلين ولهذا جاء الجواب من الله تعالى لموسى : ( لَن تَرَانِي ) .
_____________________
١) سورة النساء : ١٥٣.
٢) سورة الأعراف : ١٤٣.
وفي آية أخرى وصف الله قوم موسى الذين طلبوا الرؤية « بالسفهاء » أنظر إلى قوله تعالى : ( وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا... ) (١) .
فموسى عليهالسلام يقول عن هؤلاء بأنهم سفهاء وإلاّ ما كانوا ليجترؤا بمثل قولهم ذاك.
وواصل صديقي : وحتّى تطمئن نفسك أزيد أدلة أخرى من القرآن.
يقول الله تعالى :( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ ) (٢) ، فماذا رأى فؤاد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! الجواب تقرأه في نفس السورة : ( لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ ) (٣) .
ويقول تعالى : ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (٤) ، ويقول تعالى : ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) (٥) ؟
قلت مستدركاً : لكن ما معنى إذن قوله تعالى:( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (٦) ؟
قال صديقي : لو أكملت القراءة لأخذت جواب سؤالك ، فالله يقول _____________________
١) سورة الأعراف : ١٥٥.
٢) سورة النّجم : ١١.
٣) سورة النّجم : ١٨.
٤) سورة الشورى : ١١.
٥) سورة الإخلاص : ٤.
٦) سورة القيامة : ٢٢ ـ ٢٣.
بعدها:( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) (١) ، فالآية الأولى تحكي عمّا عليه الفائزون من نضارة الوجه وجماله ، والثانية ما عليه الهالكون من بسارة وجه وخوف ، وأصحاب الوجوه الناضرة ينتظرون رحمة الله في حين أصحاب الوجوه الباسرة يظنون ( بمعنى اليقين ) أنهم مأخوذون لا محالة ولا ينتظرون أن تلحقهم رحمة من الله.
ثمّ أليس الله تعالى يقول : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) (٢) ، ويقول : ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ) (٣) ، ويقول : ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ) (٤) ، فهذا يكذّب قول القائلين بأنّ الله تعالى فوق سماواته على عرشه جالس.
ثمّ أسألك فأقول لك : على فرض أنّ الله سَيُرى في الآخرة ، فكيف تراه؟! من فوق؟ فقد خلى منه التحت ، أم من الأمام؟ فقد خلى منه الخلف ، أم عن اليمين؟ فقد خلى منه الشمال وهكذا.
ثم اعلم أنّ كل جسم له أبعاد ثلاثة : طول وعمق وعرض ، وإذا كان الله كذلك لزم أن يكون مركّبا وهذا كفر.
وواصل صديقي قائلاً : والله ، لا أدري على ماذا أحسد الوهّابيّة ومن يقول بمثل قولهم ، على علمهم بالجغرافيا ، أم علمهم بالفيزياء ، أم علمهم بكتاب الله الذي ينطق بلسان عربي مبين! إنّهم يرمون كلّ ذلك
_____________________
١) سورة القيامة : ٢٤ ـ ٢٥.
٢) آية الكرسي ـ سورة البقرة ـ : ٢٥٥.
٣) سورة الزخرف : ٨٤.
٤) سورة الحديد : ٤.
بزخارف ، ولا أقول أحاديث عن أبي هريرة وعن كعب الأحبار وعن فلان وفلان. يعارضون ويكذبون كتاب الله جهارا نهارا من حيث لا يدرون.
نقول لهم : أَرْجِعُوا متشابه الآيات إلى محكماتها.
فيقولون : لا نحكم إلاّ بالظاهر فقط.
نقول لهم : خذوا بظواهر الآيات المحكمة.
يقولون : لا ، لا يعلم تأويله إلاّ الله.
وهذا في الواقع بحث آخر أرى لزاماً عليّ أن أطرحه معك الآن حتّى يتكامل البحث.
قلت لصديقي وقد هزتني أدلته العقلية والنقلية : نعم ، تفضّل أفدني.
قال صديقي مبتدءاً هذا البحث الفرعي : إنّ القرآن لا يمكن أن يفهمه كوحدة مترابطة إلاّ أهل البيت ، لهذا قال فيهم جدّهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :« إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض » أي هم والقرآن. وكلّ من« تجرّأ » على كتاب الله المعجز سقط في أخطر التأويلات وضلّ وأضلّ حتّى ضاهى قول اليهود والنصارى ، وسأقرأ لك بعضا ممّا ورد في التوراة والإنجيل حتّى تتيقن من ذلك.
فالقرآن يقول مثلا : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (١) ، ويقول : ( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ) (٢) ، ويقول أيضا : ( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ ) (٣) ، وكما ترى لو أخذنا بظاهر هذه الآيات لكان الله متناقضا في كلامه! فمرّة يقول إنّ له
_____________________
١) سورة المائدة : ٦٤.
٢) سورة الفتح : ١٠.
٣) سورة الذاريات : ٤٧.
يداً ، ومرّة يدان وأخرى ايد بالجمع.
والقرآن يقول أيضا :( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ) (١) ، يعني لن يبقى من الله غير الوجه. هل هذا معقول؟! ثم لماذا يسري الهلاك إلى الله تعالى. هل إنّ هناك قوة أعلى منه تُهلك كل شيء حتّى أبعاض الله وليس لله أبعاض طبعا؟!.
والله يقول : ( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ) (٢) ، في حين نعلم أنّ الحديد موجود في باطن الأرض ، فما معنى قوله تعالى أنزلنا؟!
ويقول : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ) (٣) ، فهل معناه حبل مادّي؟!
ويقول : ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ) (٤) ، فهل يتأذى الله؟! سبحانه من عزيز ما أمنعه.
ويقول في آيات أخر مثلا : ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ) (٥) ، و ( سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ ) (٦) ، فهل يمكر الله ويسخر؟! قطعا لا لكنّه يريد أن يقول أنّه يجازي كلّ ذي فعل بفعله ( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (٧) .
_____________________
١) سورة القصص : ٨٨.
٢) سورة الحديد : ٢٥.
٣) سورة آل عمران : ١٠٣.
٤) سورة الأحزاب : ٥٧.
٥) سورة الأنفال : ٣٠.
٦) سورة التوبة : ٧٩.
٧) سورة النحل : ١١٨.
ونظير هذا في القرآن كثير ، بل يحتاج إلى كتاب مفرد ، وقد قام علماؤنا الأعلامـورثة الأنبياءـبجهود عظيمة ومن قبله أئمتنا أئمة أهل البيت عليهمالسلام بتوضيح الحقائق وردّ الناس إلى الصراط المستقيم.
نعم ، هذا إسلام محمّد وعليّ والحسن الشهيد والحسين الشهيد وجعفر الصادق وبقية الأئمة. لا إسلام أبي هريرة ولا إسلام كعب الأحبار ولا إسلام عبدالله بن عمر ولا إسلام معاوية والحجّاج (٢) .
كان صديقي يتكلم بنبرة فيها حدّة حتّى سكت. عندها قلت له : إني أسمع هذا الكلام لأوّل مرّة ، فلماذا لم يقل به أحد قبلك؟!
قال صديقي : هذه مصيبة أخرى. حتّى ترى مظلومية أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم ، وما لاقوه من حصار إعلامي شديد منعهم من نشر الحقائق كما هي ، اللهمّ إلاّ لخواصهم وصفوة الصفوة.
فكما أُبعد الأئمة الأطهار عليهمالسلام عن الحكم والقيادة ، أبعدوا كذلك عن المرجعية الفكرية والدينية ، حتّى صار الدّين سوقا يلجه كلّ من هبّ ودبّ.
قلت لصديقي مذكّراً : كنت قد وعدتني أن تعطيني أمثلة من التوراة والإنجيل حول أنّ الله تعالى في السماء فهلاّ فعلت؟!
قال : أحسنت لقد ذكرتني ، ثم نهض إلى غرفة أخرى حيث مكتبة العائلة وما أسرع ما جاء وفي يده كتاب عريض ذو حجم رقعي مكتوب عليه « الكتاب المقدس » وكان فيه العهدين : « العهد القديم ،
_____________________
١) الحجّاج الذي قال عنه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :«إنّ في ثقيف مبيراً وكذّاباً» ، أنظر : مسند أحمد ٧ / ١٤ ، ح ٤٧٩٠ ، الجامع الكبير للترمذي ٦ / ٢١٧ ح ٣٩٤٤.
والعهد الجديد ».
جلس صديقي وقال مخاطباً إيّاي : إنّ أهل السنّة يرموننا بكل سوء ، كقولهم أنّنا أخذنا عقائدنا من اليهود والنصارى والمجوس وو.. وأنا سأقرأ لك عقيدة اليهود والنصارى حول الله لترى من منّا أخذ عقائده من اليهود والنصارى. وعلى رأي المثل :« رمتني بداءها وانسلّت ». قالها صديقي ثم بدأ يتصفح الكتاب.
إسمع هذه مثلا :« فنزل الربّ لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما »(١) ، فالله إذن يصعد وينزل!
وإليك هذا النص :« ثمّ صعد موسى وهارون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل ، ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف ، وكذات السماء في النقاوة... » (٢) ، فالله يُرى بالعين المجرّدة ويوصف ، وله رجلان (٣) وو..!
وتقرأ أيضا :« فلمّا تعمّد يسوع ، صعد من الماء في الحال ، وإذا السماوات قد انفتحت له ورأى روح الله هابطا ونازلا عليه كأنه حمامة. واذا صوت من السماوات يقول : هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت كلّ سرور » (٤) ، إذن الله في السماوات ، كما تقول تلك الجماعة!
وأيضا تقرأ : « كلّ من يعترف بي أمام الناس أعترف أنا أيضا به أمام _____________________
١) سفر التكوين : ١١ / ٥.
٢) سفر الخروج : ٢٤ / ٩ ـ ١١.
٣) أنظر أين موضع رجلي الله كما جاء في مستدرك الصحيحين للحاكم في تفسير آية الكرسي.
٤) إنجيل متّى : معموديّة يسوع : ٤.
أبي الذي في السماوات » (٢) .
وغير هذا كثير.
والأعجب أنّ عائشة تسخر ممّن يدّعي أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى ربّه في ليلة المعراج ، وتردّ ذلك بشدّة (٣) ! لكن لا حياة لمن تنادي.
وأختم لك هذا الموضوع بكلمة لأمير البيان عليّ بن أبي طالب عليهالسلام حيث يقول في مسألة رؤية الله تعالى وواصفا ملك الموت قبل ذلك.
يقول أميرالمؤمنين عليهالسلام :« هل تحسّ به إذا دخل منزلا؟ أم هل تراه إذا توفّى أحدا؟ بل كيف يتوفّى الجنين في بطن أمّه! أيلج عليه من بعض جوارحها أم الروح أجابته بإذن ربّها؟ أم هو ساكن معه في أحشائها؟ كيف يصف إلهه من يعجز عن صفة مخلوق مثله! » (٤) .
شعرت أنّ النقاش قد أتى على نهايته ، ولم يبق في ذهني بعد هذا الكلام من شبهة ، وخرجت من بيت صديقي وأنا استلذ كلّ كلمة قالها لي وكلّ آية نطق بها وكأنّني كنت أسمعها لأوّل مرّة في حياتي ، وفهمت حينها معنى قوله تعالى عن كتابه الكريم :( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (٤) فالمسّ غير اللّمس قطعا ، وإلاّ فكلّنا نلمس القرآن على طهارة ، لكن معنى ذلك أنّه لا يفهم كتاب الله ولا يعيه إلاّ عباده المطهرون الذين هم عدل القرآن ، _____________________
١) إنجيل متّى : ١٠ ص١٥.
٢) أنظر قول عائشة في : تفسير الطبري ٢٧ / ٣٠ ، صحيح البخاري ٦ / ١٧٥ كتاب التفسير سورة النجم ، وأيضاً تفسير الدرّ المنثور للسيوطي ٧ / ٦٤٨ تفسير سورة النجم حيث ينكر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه رأى ربّه بعينيه لكنه رآه بفؤاده.
٣) نهج البلاغة : الخطبة ١١٢.
٤) سورة الواقعة : ٧٩.
فسبحان الله الذي يعلم أين يجعل رسالاته ولولا ذلك لانخرم الدين ولأصبح أثرا بعد عين.
خرجت من بيت صديقي ورأيت أنّ النجوم قد اشتبكت في سماء تلك الليلة الربيعيّة الباردة. نعم لقد أخذني الوقت ولم أشعر بمرور الزمان. فسارعت خطوي ومضيت نحو البيت...
كثيراً ما كنت أسمع هذه اللّفظة« المهدي المنتظر » ، وعادة ما تقال عند السخرية ممّن ينتظر حلاًّ خياليّاً أو يعيش على أمل واهٍ.
وقد عرفت فيما بعد من خلال تهكّمات بعض المعارف أنّ« المهدي المنتظر » عقيدة يعتقد بها الشيعة الإمامية ويدافعون عنها أشد دفاع.
استغربت بادىء الأمر من هذا الكلام مع علمي بأنّ الشيعة يدّعون أنهم أهل العقل والمنطق وأنّهم لا يؤمنون بالخرافات والأساطير! والذي شدّ انتباهي في المسألة أنّ« مهدي الشيعة » حيّ يرزق وليس فقط هو الإمام الأخير عندهم ـ أي الثاني عشر.
لم أصبر لأنتظر نقاشا عفويّا مع صديقي لذا أسرعتُ إلى الهاتف واتّصلت به ، كان على طرف الخطّ والده ، فرجوته أن يخبر صديقي أني على الخطّ.
بقيتُ للحظات منتظراً ، وكنت أسمع صوت والد صديقي وهو يناديه.
نعم تفضّل.. أجاب صديقي.
أجبته بصوتٍ متغيّر : المهدي المنتظر معك على الخطّ.
سمعت ضحكة عالية من صديقي ثم قال : عرفتك ، لكن الإمام المهدي لا يكلّم أحداً بالهاتف لأنه في حال الغيبة الكبرى.
قلت لصديقي لأجعل الكلام أكثر جدّية : هل عندك وقت الآن تزورني فيه حتّى أعلم ما عندك في المسألة؟
قال صديقي : جميل ، فأنا كنت أريد أن أخرج في نزهة إلى الشاطىء لأغيّر من الجوّ قليلا ، فإن شئت يمكنك مرافقتي ولنجعله نقاشاً سيّاراً هذه المرّة.
أجبته على الفور : فكرة جيّدة ، انتظرني عشر دقائق وسأمرّ عليك إن شاء الله.
« أنا في الانتظار » قالها صديقي ثمّ قطع الخطّ.
خرجنا من الحي العتيق للمدينة مروراً بالحيّ التجاري فحيّ باب البحر(١) حيث تجاوزناه واتجهنا صوب الشاطىء على طول الطريق السياحي الممتد والمؤدي في نهايته إلى البحر.
كنت طوال الطريق أنتظر من صديقي أن يبدأ الموضوع لأنه ما كان عندي فكرة جيدة عنه ، لكنه لم يفعل بل كان جلّ كلامنا يدور حول كرة القدم بالرغم من أني لست من هواتها.
هل صحيح أنكم تؤمنون« بالمهدي المنتظر »؟! فجأة ودون مقدمات طرحت هذا السؤال على صديقي.
أجابني صديقي : بنعم عريضة.
قلت : أنا أعرف أنكم تؤمنون لكن قصدت من سؤالي أن تعطيني
_____________________
١) باب البحر : كل المدن الساحلية في تونس كانت تعتمد قديما على هندسة تتمثل في سور يحيط بالمدينة كلّها ولكلّ طرف من أطرافها يوجد باب ، والباب المواجه للبحر يسمى باب البحر.
الدليل على هذه العقيدة؟
قال صديقي : قبل أن أجيبك أسألك بدوري سؤالا : هل تؤمن بأن الإسلام دين شامل كامل لكلّ البشر إلى يوم القيامة وأنه سيظهر على الدين كلّه؟
أجبته قائلا : نعم ، هذا ما تعلمته وسمعته منذ نعومة أظفاري.
عقّب صديقي : وهل تعلم أننا اليوم كمسلمين متفرقون طرائق قددا لا يكاد يجمعنا شيء غير القرآن والقبلة وأنّ ربنا واحد ونبيّنا واحد؟! وهل تعلم أننا اختلفنا في وضوءنا وصلاتنا وحجّنا ووو..؟!
أجبت صديقي : نعم ، وماذا في ذلك؟!
علّق صديقي : كيف سنتحد إذن ونوحّد بقية الأمم تحت راية واحدة؟! ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقال ، ثم أردف قائلاً : وعليه نحن نحتاج إلى شخصية عبقريّة تعيد جميع المسلمين إلى صفاء الإسلام وتطهّره من تحريف المحرّفين ومن غبار القرون حتّى يعود غضّا طريّا كما كان على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
قلت معلّقاً : أنا موافق لك تماما في هذه المسألة ، فنحن فعلا نحتاج هكذا شخصية معجزة وإلاّ فإنّ واقعنا يعسر على كلّ حكيم.
قال صديقي : هذا هو المهدي ، سمّه العبقري ، أو سمّه الموحّد ، أو سمّه صاحب النهضة الإسلامية. كلّها تعني المهدي.
سألت صديقي مختبراً : جيّد وماذا لو كان هذا المهدي مالكيّا أو سنّيا بالمعنى الأعم؟!
أجابني صديقياً : وماذا لو كان شافعيّا أو حنبلياً أو أو. الإشكال
يبقى. فنحن لم يستطع الأمويّون أن يوحّدونا ولا استطاع العبّاسيّون ولا فعل العثمانيّون بالرغم من اتحادنا جغرافيّا ، فالمالكي بقي مالكيا والشافعي شافعيّا وكلٌّ كان متمسّكا بمذهبه. بل من الطريف أنّ العثمانيّين عندما حكموا تونس لمدة ٤ قرون كان لهم مُفتيان ، مفتي حنفي للبلاط وآخر مالكي لبقية الشعب.
المهدي هو ممثّل الإسلام المحمّدي الصحيح الذي هو خط كلّ الأنبياء ، ولهذا سيصلّي عيسى بن مريمعليهالسلام وراءه باعتبار أنّ الإسلام هو دين الله الكامل والذي بشّر به كلّ الأنبياء والمرسلون.
قلت لصديقي ممازحا : وطبعا ستقول لي : إنّ الإسلام الصافي الأصيل هو مذهب الشيعة؟!
أجابني صديقي بنبرة حازمة : لا أقول لك شيئا ، أنت إبحث عن الحق ولن تعدم الوصول إليه أو إلى طرف منه.
قلت : جيّد ، كيف تقولون إنّ المهدي حيّ وإن عمره الآنـلا أدري كم ـ وو.. هل هذا معقول؟!
قال صديقي : هل تريدني أن أجيبك بالحديث عن قدرة الله أم بما جاء في الكتاب والسنّة؟!
قلت معلّقا : بل بالدليل من الكتاب والسنّة لأني أعرف أنّ الله على كلّ شيء قدير وقد يجعلني أنا الإمام المهدي.
أجاب صديقي : أوّلا طول العمر ليس شيئا بدعا ، بل حقيقة يؤكدها القرآن الكريم ، ألا ترى أنّ نوحا عليهالسلام لبث في قومه ألف عام إلاّ خمسون ، ثم هو قطعا لم يهلك بالطوفان بل عاش بعد قومه ، وعندنا روايات تقول إنّه
ربّما وصل عمره عليهالسلام إلى أربعة آلاف سنة.
ثم واصل كلامه : وعندنا عيسى بن مريم عليهالسلام ، فنحن بشهادة القرآن نؤمن أنّه حيّ ولم يُصلَب وسيرجع إلى الدنيا وسيعيش فيها.
قلت مقاطعاً : يا أخي هؤلاء أنبياء والمهدي ليس بنبيّ.
أجابني صديقي : المهم أنّ مسألة طول العمر ثابتة سواء لنبيّ أو لغيره ، فنحن كلامنا في مسألة طول العمر. ثم قال : لماذا تخلط الأمور ببعضها؟!
قلت متسائلاً : لكن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال كما كنت أسمع :« إنّ أعمار أمته بين الستّين والسبعين » والمهدي من أمة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال صديقي مجيباً : الحديث يقصد أنّ السمة الغالبة على أعمار أمة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم هي بذلك المقدار ، وهذا لا ينفي أن يقلّ أو يتجاوز عمر المسلم عن ذلك ، وخذ لك اليوم مئات بل آلاف الأمثلة على ذلك.
وأضاف قائلاً : أنا سأعطيك دليلا من غير الأنبياء والمرسلين : أصحاب الكهف (١) لم يقل أحد أنهم أنبياء؟! بل كانوا فتية آمنوا بربهم ، فلبثوا في كهفهم ثلاثة قرون وعادوا إلى الحياة كما تقرأ في القرآن ، وكذا الخضر عليهالسلام والذي أجمع المسلمون على طول عمره وأنه مازال حيّا إلى يومنا هذا.
قلت مقاطعاً : عفواً ، الخضر نبيّ على ما أعتقد.
أجاب صديقي : هناك خلاف في المسألة ، كونه نبيّا لم يرد فيه دليل ، وشأن الخضر كشأن لقمان لم تثبت نبوّتهما وإن كان ذلك
_____________________
١)( إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى... ) [ سورة الكهف : ١٣ ].
أمرا محتملاً.
واعلم أنّ كل فرق المسلمين تقريبا مجمعة على مسألة المهدي وظهوره وأنه من أهل البيت ، لكن الخلاف بين السنّة والشيعة هو أنّ الشيعة يقولون : إنّه ولد وهو ابن الإمام الحسن العسكريعليهالسلام ، والسنّة ينكرون ذلك ويقولون : إنّه سيولد في آخر الزمان (١) .
قلت متسائلاً : كيف الحلّ إذن؟!
قال صديقي : أنا أعطيك ثلاثة أدلة لتعلم يقينا أنّ المهدي وُلِدَ وأنّه حي يرزق ، ثم جلس على صخرة كانت مرميّة على الشاطىء الرملي بحافة الماء ، وأخذت أنا أيضا مكاني إلى جانبه ، فقال مواصلاً :
الدليل الأوّل : أليس يروي المسلمون وكتب الحديث أنه من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية(٢) ؟!
قلت معترفا : نعم هكذا سمعت.
قال : فمن هو إمام زمانك أنت؟!
سكتّ لأني كنت أريد أن أقول له الإمام مالك لكن خشيت أن يقول
_____________________
١) ذكر المهدي وخروجه كثير من أعلام أهل السنة : أحمد بن حنبل في مسنده ٥ / ٢٧٧ و ٣ / ٣٧ ، الترمذي في صحيحه كتاب الفتن والسفاريني النابلسي صاحب ( نظم الدرّة المضيّة ، حيث يقول فيها :
منها الإمام الخاتم الفصيح |
محمّد المهدي والمسيح |
٢) مسند أحمد بن حنبل ٤ / ٩٦. وأنظر : تفسير الدّر المنثور للسيوطي حيث يورد خلال تفسيره لسورة الإسراء الآية ٧١ :( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ... ) يورد حديثاً عن علي بن أبي طالب يقول فيه : يُدعى كلّ قومٍ بإمامِ زمانهم وكتابِ ربّهم وسنّةِ نبيّهم.
وهذا يدلّ على أنّ لفظ الإمام ليس يعني الكتاب أو النبيّ كما ذهب إلى ذلك البعض.
لي إنّه ميت منذ قرون.
قال صديقي : هذا دليل ، والدليل الثاني : ألا تقرأ في صحيح مسلم وغيره قول الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم « إنّ الخلفاء من بعدي اثنا عشر وكلهم من قريش» (١) .
فمن هم هؤلاء الأئمة عند السنّة ومن هو آخرهم؟ بل من هو أولهم؟!
سكتّ أيضا لأني أعلم أنّ الجماعة أدخلوا ملوك بني أمية الفراعنة ، وهناك اضطراب حقيقي في شرح الحديث.
قال صديقي : والدليل الثالث : هو حديث الثقلين الذي قال فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم :« إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض » وقد ورد الحديث بألفاظ أخرى قريبة.
وبجمع ما تفرّق نقول : إنّ لكلّ زمان إمام خاصّ به ، لأنه حسب الحديث الأول لا يخلو زمان من إمام. وعدد الأئمة الشرعيّين بعد رسول الله اثنا عشر. والأئمة من أهل البيت والقرآن هما ثقلا هذه الأمة ولن يفترقا أبدا ما كان هناك إسلام.
فالخلاصة إذن لا بدّ أن يكون هذا الإمام الثاني عشر غائبا عن الأنظار حيّ موجود وهو إمام زماننا ، وأنه سيظهر في وقت معيّن بعد أن كان مختفيا خوفا من بطش الظالمين كما بطشوا بآباءه الطاهرين كعليّ
_____________________
١) أنظر : صحيح مسلم كتاب الإمارة ج٣ ، ومسند أحمد ٥ / ١٠٠ ، وتفسير ابن كثير ٣ / ٣١٢ ، سنن أبي داود ٤ / ٨٦ ، وغيرها.
والحسين وجعفر الصّادق وغيرهم.
واعلم ، أنه إذا لم تستخلص معي هذه النتيجة فستبقى الأحاديث متناثرة متراكمة لا يجمع بينها شيء! ونحن نقول لمن يعتقد أنّ الإمام المهدي سيولد : إمامك من هو؟ إمام زمانك الآن حتّى تعرفه ولا تموت ميتة جاهليّة؟ وننتظر منه الجواب إذا أجاب.
أنهى صديقي كلامه وربّت على كتفي قائلاً : لاتُعر بالاً لكلّ هذا الضجيج الذي تسمعه حول عقائد الشيعة فإنّك رأيت بنفسك كذب ذلك الصياح ، إنّهم لم يتركوا عقيدة من عقائدنا إلاّ وأقاموا الدنيا حولها تهريجا. فحول المتعة تهريج ، وحول الإمامة تهريج ، وحول الصحابة صخب ، وهكذا ، كلّ ذلك لكي يُبعدوا الناس عنّا لكي لا يسمعوا لنا ، بل وصل الأمر ببعضهم أن حذّر مريديه وأفتى تابعيه بأن لا يناقشوا الشيعة لأنهم يفتنون الإنسان ، بل ويسحرونه كما تعتقد بعض الشعوب في المشرق. ووصل الأمر بأحد مفتي البلاد العربيّة أن أمر مريديه بجمع بعض الكتب الشيعية بكميات كبيرة وأمر بحرقها ضاناً هذا المسكين أنه حلّ المشكل. سياسة النعامة دائما.
ولا أدري! إنّ القوم يزعمون إنّ فكرهم الإسلامي لا يقف أمامه أحد ، فلماذا يخافون وماذا سيفعلون مع التيارات الجديدة من مادية وعلمانيّة وو.. التي ملأت الأرض بالشبهات؟! والأدهى من ذلك أنّ علماء معتبرين من أهل السنّة خالفوا سنناً عديدة للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بدعوى أنها أصبحت شعارا للرافضة وذلك مثل التختّم باليمين وتسطيح القبر وغيرها.
ولهذا طالما أنّ الإمام المهدي هو شعار الرافضة فلن يذعنوا بكلّ الأدلة وسيخالفونها بالتأكيد نكاية في الروافض!! وكان عليهم أن يغيّروا القبلة أيضا ويتركوا صيام رمضان لأنهما من شعار الرافضة. وهكذا أطاع كثير من الناس ساداتهم وكبراءهم فأضلّوهم السبيل ولن يغنوا عنهم من الله شيئا يوم يتبرّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتَّبعوا».
واصل صديقي كلامه لي : ولهذا إذا أردت الحقيقة فخذها من أهلها ولا تقل :( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (١) ، وإلاّ لكان للمسيحي اليوم الحق في أن يتمسّك بدين آباءه وأجداده وهكذا كلّ فرد من كلّ دين وملّة ، وهذه حجّة داحضة بصريح القرآن.
قام صديقي بعد أن أكمل كلامه ثم قمت وراءه واتجهنا عائدين من نفس الطريق ، وقد واعدته أن أدفع له ثمن قهوة دافئة نحتسيها في مقهى على جانب طريق الشاطىء في ظهر ذلك اليوم الربيعي الدافىء.
_____________________
١) سورة الزخرف : ٢٢.
كان في يدي ذات يوم مقال لمجلّة عربية أرسله أحد القراء وكان مليئا بالسبّ والشتم لمن سمّاهم بالرافضة ، وكان من جملة ما كتب أنّ الروافض يؤمنون بتناسخ الأرواح!!!
طبعا ، صار لي تحفّظ شديد على أي كلام يقال ضدّ الشيعة ، بل وغير الشيعة ، لأنه كما قالت العرب« ربّ مشهور لا أصل له»، وأذكر أنّني مرّة تحدثت مع أحد المعارف فجرى الحديث عن الهندوس وتعجبت أنا كيف أنهم يعبدون البقرة ، فاستغرب صاحبنا وقال : إنّ الهندوس لا يعبدون البقرة لكنهم يقدسونها والعهدة عليه. المهمّ عوّدت نفسي أن لا أتّهم ولا أحكم أحكاما جازمة على عقيدة وفكر أي أحد وأي فريق حتّى أتيقن أنا بنفسي من ذلك خاصّة إذا كان ذلك ممكنا لي ومتاحا.
طبعا ، لم أصدّق هذا الكاتب الذي رمى الشيعة الإمامية بفرية عظيمة وهي القول بتناسخ الأرواح ، لكن قلت في نفسي : لا بدّ أنّ هناك مسألة عند الشيعة بنى عليها القوم حكمهم هذا.
وفي أوّل لقاء لاحق مع صديقي الشيعي أريته ذلك المقال الذي احتفظت به في جيبي.
قرأ صديقي المقال بعجل ، ثم وضع الورقة على طاولته وقال : إنّي أحياناً أتأسّف على العصور الإسلامية الماضية حيث كان عند المسلمين فعلا علماء من مختلف المذاهب ، حتّى كانت مناظراتهم وعباراتهم نحو
بعضهم البعض تظهر ما كانوا عليه من رفيع الأخلاق وبالأخصّ ما كانوا عليه من روح علميّة محايدة إلى حدّ ما. والعجيب ونحن في قرن وعصر العلم كما يقال مازلنا ترى أنّ هناك من يعيش معنا ويعتقد حول الشيعة وغيرهم هكذا اعتقادات ، وما سمعته أنا أغرب من هذا بكثير ، حتّى أنّ هناك أناسا في بلاد إسلامية يعتقدون أنّ للشيعة ذيولا كذيول القردة!! أو أنّ الشيعة يقولون بأنّ جبرئيل عليهالسلام قد خان الأمانة ، لذا هم نكاية فيه يُعقّبون بعد صلواتهم اليومية بترديد عبارة« خان الأمين»ثلاثة مرات وغيرها.
هذا مع الأسف إحدى نتائج انحطاط المسلمين وتراجع الحضارة الإسلامية».
واستخلص صديقي قائلاً : وطبعا نتلقى النصيب الأكبر من الإتهامات والبهتان من الوهابيين ، ولا يزول عجبي من هذه الفرقة الصنيعة التي هي آخر أو من آخر ما ظهر من الحركات الإسلامية وهي تكفّر وتبدّع أعرق الفرق الإسلامية تاريخا وفكرا. والجدير ذكره هي حركة لا تجد لها أصلا ( كشجرة خبيثة ) وإلاّ لو كانت تنتهي إلى المذهب الحنبلي كما يقولون لما خالفت هذا المذهب مخالفات شديدة قد تُخرج أحمد بن حنبل نفسه من دائرة الإسلام بعد تطبيقنا لما يقولونه وما يعتقدونه في حقّ أحمد وسيرة أحمد.
أمّا قضية التناسخ التي يرموننا بها فنحن نطلب منهم دليلا أو قولا واحدا ولو شاذا قال به أحد علمائنا على مرّ التاريخ ، وهكذا الأمر بالنسبة لخيانة جبرئيلعليهالسلام وغيرها.
ويواصل صديقي : أمّا ما شذ من الأقوال والآراء كمسألة القول
بتحريف القرآن ، فإنّ في كتب القوم كصحيح البخاري مثلا وغيره أحاديث وآراء عن صحابة كبار كعمر وعائشة (١) تُفهم أنّ القرآن ناقص ، لكن نحن طبعا لا نقول إنّ أهل السنّة يقولون بتحريف القرآن ، ففي كلّ مذهب هناك آراء شاذة لا يلتفت إليها أصلا.
ومسألة المتعة كذلك ، إذا تصفّحت كتب إخواننا فستجد أحاديث يرويها كبار الصحابة تؤكّد حلّيتها.
وأمّا عن الإسرائيليات فحدّث ولا حرج فقد امتلأت كتب القوم بأحاديث تضرب أخلاق الأنبياء والمرسلين ، بل حتّى أخلاق سيّد المرسلين فضلا عن ضربها لعصمتهمعليهمالسلام (٢) .
وغيرنا يتهمنا بأنّنا لا نؤمن بالشورى بما تعنيه من ديمقراطية وغير ذلك ، في حين لا تجد في تاريخ من يعتبرونهم خلفاء شرعيّين ولا في أقوال أو أفعال الصحابة أثرا لمسألة الشورى ، بل لا تجد إلاّ السّيف حاكما وهاديا.
وعندما تقول الشيعة مثلا بعصمة الأئمة ، يقيمون الدنيا ولا يقعدونها تشنيعا واستهزاء ، ويقولون لا أحد معصوم إلاّ النبيّ ، بل حتّى النبيّ يهجر ويخرّف ويخطأ ويسهو. وفي الوقت نفسه يصرّون إصرارا
_____________________
١) أنظر قول عمر في ضياع آية الرجم وآية أخرى من كتاب الله : صحيح البخاري ٨ / ٢٠٩ ، وانظر قول عائشة في آية الرجم وآية رضاعة الكبير عشراً واللّتان ضاعتا بعد وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : سنن ابن ماجة ١ / ٦٠٩ كتاب النكاح ، سنن أبي داود ٢ / ١٨٤ كتاب النكاح ، سنن النسائي ٦ / ١٠٠ كتاب النكاح.
وهناك أحاديث أخر عن غير عمر وعائشة من الصحابة.
٢) كأحاديث أبي هريرة في صحيحي البخاري ومسلم والتي تقشعر منها الأبدان ، أنظر مثلاً : صحيح مسلم ٤ / ١٨٤٢ فضائل موسى : ص١٨٣٩.
مميتا على أنّ كل الصحابة عدول ، ثقات ، لا يتطرق الشكّ ولا إلى واحد منهم(١) وهم عشرات الألوف!
عندما تقول الشيعة أنّ أفضل الناس بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو عليّ بن أبي طالب لأنه لم يكن أحد من الصحابة مثله في سابقته وجهاده وعلمه (٢) وحلمه وبأحاديث يرويها كلا الفريقين ، ترى الدنيا تقوم ولا تقعد ويتهموننا بالغلوّ وو.. في حين نجد هناك أحاديث عند إخواننا السنّة تقول إنّ عمر من الذين تحدثهم الملائكة (٣) وأنه لو لم يُبعث رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لبُعث عمر بن الخطاب (٤) وو...
يا أخي نحن نطلب قليلا من الإنصاف فقط. ونقول لغيرنا : تعال اقرأ كتبنا ، زُر علماءنا وتجوّل في بلاد الشيعة ، ومن العجيب أنّك ترى أحدنا يفاخر بأنّه زار متحف« اللّوفر » وصعد إلى« برج إيفل » أو قرأ المجموعة الكاملة للمسرحي الإنكليزي« شكسبير » وأنه يعرف الأكلات الصينية والإيطالية وغير ذلك ، ثم تجده«صُمٌّ بُكْمٌ» إذا سألته عن أهم عقائد الشيعة.
الإنصاف والأمانة العلمية في النقل هذا كلّ ما نطلبه من غيرنا ليس أكثر.
_____________________
١) أنظر : كتاب الإصابة لابن حجر : ٦ـ٧ ، العقيدة الطحاوية حيث يقول مؤلفها :«وحبّهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان».
٢) وهو أول من أسلم ، وبدر وأحد والخندق تشهد على ما فعله بالكفار.
٣) صحيح البخاري ٥ / ١٥ ، الجامع الكبير للترمذي ٦ / ٦٤ حديث ٣٦٩٣.
٤) أو لو كان نبيّ بعدي لكان عمر [ المستدرك للحاكم ٣ / ٨٥ ، والجامع الكبير للترمذي ٦ / ٥٩ حديث ٣٦٨٦ ].
ثم تبيّن الصبح لذي عينين ، فسبحان مغيّر الأحوال ، إذ بينما أنا جاهل بكلّ عقائد الشيعة ، بل كان في ذهني حولها نفور شديد ، إذ بي أرى الحقيقة ساطعة بعد أن زال الضباب.
ولشدّما تعجّبت ممّا تُرمى به الشيعة من أوصاف ومعتقدات لم تسمع بها الشيعة نفسها لا من قريب ولا من بعيد.
ووجدتُ أنّ صفو الإسلام عند عقائد الشيعة بعد ربط الخيوط مع بعضها ووضع الصور إلى جانب بعض ، فانحلّت الألغاز وعلمت أنّ الإسلام ـكغيره من الأديانـهُوجم بأشرس الهجمات من الداخل فضلا عن الهجوم عليه من الخارج ، فإنّ حكّام الضلال لم يدّخروا وسعاً في إضافة أشياء وحذف أشياء وتقريب جماعة وتبعيد أخرى.
وإنّ قوماً رموا الكعبةَ المشرّفة بالمنجنيقـالكعبة التي كانت العرب الجاهليّة تعظّمهاـواستباحوا مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم معقل الأنصار وقبر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ليس بكبير عندهم تغيير سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وإبعاد الناس ـ بالترغيب والترهيب ـ عن آل بيت رسول اللهعليهمالسلام .
ولكن الحمد لله الذي تعهّد لنا بحفظ كتابه الكريم(١) وإلاّ لكان أثراً بعد عين ، على أنّ حكام السوء تلاعبوا أيضا بمعاني الآيات ، فصار معنى
_____________________
١)( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) .
أهل البيت زوجات الرسول(١) ، وصار أولوا الأمر الذين أمر الله بطاعتهم وقرن طاعته وطاعة رسوله بهم حكّام بني أمية المُعَربِدون وحكام بني العبّاس الفاسقون ، وصارت الثورة والقيام على أولئك القردة(٢) فتنة ونكث بيعة وو.. وهل يريد أولئك الحكام أكثر من ذلك؟ فليصلّ المسلمون حتّى تنفلق جباههم ، وليحجّوا حتّى تتورّم أقدامهم مادام مُلْكُ أولئك محفوظا بأحاديث وضعها لهم من يسيل لعابه من الدرهم والدينار ، هذا بالرغم من أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حذّر من كثرة الوضّاعين من بعده.
وفهمت ولله الحمد لماذا يُصرّ البعض على عدالة جميع الصحابة جميعا ، ولماذا يعتبرونهم خطّاً أحمر لا يجوز تعدّيه ، ولماذا يأمروننا بالسكوت عمّا شجر بينهم.
فهل هذا إلاّ فعل معاوية [ الصحابي ] ومن جاء بعده؟ وكيف لا يفعل ذلك وهو الذي فعل ما فعل وشق عصى المسلمين. أتريدون أن يكتب التاريخ عنه أنه غاصب ، وأنه لا يصلح للخلافة ولا تصلح له(٣) ؟!
أتريدون أن تتحدّث الأجيال من بعده عن فضائحه وقتله خيار الصحابة كعمّار(٤) والحسن بن عليّ وحجر بن عديّ ومحمد بن أبي
_____________________
١) كما كان ينادي بذلك عكرمة الخارجي في الأسواق [ أنظر ترجمة عكرمة المنحرف هذا في كتب الرجال ].
٢) لأن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى في رؤيا له أن بني الحكم بن أمية ينزون على منبره على شكل قردة. [ المستدرك ٤ / ٤٨٠ ].
٣) أنظر قول عمر في الطلقاء وأنّ الخلافة لا تصلح لهم في [ طبقات ابن سعد ٣ / ٣٤٢ ].
٤) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « عمـّار تقتله الفئة الباغية » [ صحيح البخاري ٤ / ٢٥ ، مسند أحمد ٢ / ١٦١ ].
بكر وغيرهم؟!
فما الحلّ إذن؟ الحلّ هو وضع أحاديث مكذوبة في عدالة جميع الصحابة حتّى أولئك الذين رأوا رسول الله مرّة واحدة. والحلّ في وضع أحاديث مكذوبة تتوعّد من يفتح« ملفّ » الصحابة حتّى لا تنكشف عورة الكثير منهم. هذا هو الحلّ كما رآه معاوية الطليق ابن الطليق.
وعرفت فيما بعد لماذا يكون لمعاوية ولهند ولأبي سفيان وغيرهم فضائل. هل تريدون أن يسمح معاويةـوهو الحاكم الأول للمسلمين في عصرهـأن يَذكر المسلمون فضائح والده وأمه؟! فلماذا يكون خليفة إذَا لم يَمْحِ تلك المثالب ويُبدلها بفضائل تسير بها الركبان؟!
وعرفت لماذا جعلوا من أبي طالب عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ووالد أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبـعدوّ معاوية الأوّلـفي النار!!
إنهم بحثوا في تاريخ عليّعليهالسلام فما وجدوا فيه أي هنّة ولا أي نقطة سوداء ، فجعلوا والده في ضحضاح من نار ، وأبا سفيان مسلما حسن إسلامه كما حسن إسلام هند البتول!!
وعرفتُ لماذا نكّل يزيد بالمدينة وقتل الأنصار(١) في وقعة الحرّة الشهيرة. أليس الأنصار هم الذين فتكوا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بآبائه وأجداده وأخواله في معركة بدر؟! ألم يقم الإسلام بالأنصار؟!
وهكذا مسألة عاشوراء حيث يُقتل سيّد شباب أهل الجنة الحسين
_____________________
١) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :« من أحبّ الأنصار أحبه الله ومن أبغض الأنصار أبغضه الله » [ سنن ابن ماجه ١ / ٥٧ فضائل الأنصار ، مسند أحمد ٢ / ٥٠١ ].
ابن عليّ على يد جيش يزيد كما حورب أبوه عليّصلىاللهعليهوآلهوسلم بواسطة معاوية وكما حورب جدّه رسول الله من طرف جدّ يزيد أبي سفيان.
وهل ينسى يزيد ثاراته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! هيهات إنّه رضع حليب الحقد والحسد من جدّته هند آكلة الأكباد التي لاكت كبد حمزة سيّد الشهداء في أحد. وهل تابت وتاب الطلقاء فيما بعد؟! التّاريخ وأفعالهم تنفي ذلك.
وقد واليتُ بفضل الله ومنّه عليّ بن أبي طالبعليهالسلام (١) وأبناءه المعصومين حتّى أكون بريء الذمة مع الله ورسوله. أليس الله يقول بلغة الحصر:( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (٢) .
وانظر إلى التفاسير رغم التعتيم والحذف والزيادة والتمويه قالت : إنّ المقصود بالآية هو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وهل لغير عليّ ما له من الفضائل؟! وحتّى على افتراض أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يوص لأحد من بعده ، فكان لابدّ أن يكون عليّ هو الخليفة لسبقه إلى الإسلام(٣) ولطهارته منذ مولده إلى شهادته ولجهاده حتّى قالت العرب « لا إله إلاّ الله » ، في حين فرّ فلان وفلان وكانت سيوفهم نظيفة لم
_____________________
١) قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :« إنّ عليّاً مني وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي [ أنظر : سنن الترمذي ٥ / ٦٣٢ مناقب عليّ ].
٢) سورة المائدة : ٥٥ ـ ٥٦.
٣) قال أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام :« صلّيت قبل الناس سبعَ سنين » [ ابن ماجه ١ / ٤٤ فضائل علي ].
يخدشوا بها أي مشرك حتّى الضعيف فضلا عن القوي(١) .
ويقول الله تعالى :( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ) (٢) وهل أحد أعلم من عليّ؟! عليّ الذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم «أنا مدينة العلم وعليّ بابها»(٣) . وما معنى تشبيههعليهالسلام بالباب؟! أليس عليّ هو الذي نزل فيه وفي فاطمة والحسن والحسين قوله تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (٤) ألم ينزل فيهم قوله تعالى( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ) (٥) .
ألم يقل لنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :«إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عَلَيّ الحوض»(٦) ، فمن هم أهل البيت؟! هل هم عائشة وحفصة اللّتان نزلت سورة كاملة تتوعّدهما بالطلاق والنّار(٧) ؟! أم هم باعتراف كبار الصحابة وأمهات المؤمنين بأنهم أصحاب الكساء الخمسة(٨) .
_____________________
١) عن كتاب« ابن تيمية ـ حياته عقائده »ص ٣٢٠ لصائب عبد الحميد.
٢) سورة الزمر : ٩.
٣) المستدرك على الصحيحين ٣ / ١٢٦ كتاب معرفة الصحابة.
٤) سورة آل عمران : ٦١.
٥) سورة الإنسان : ٨.
٦) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري ٣ / ١٤٨ كتاب معرفة الصحابة.
٧) هي سورة التحريم.
٨) كاعتراف سعد بن أبي وقاص أمام معاوية بذلك ، أنظر : صحيح مسلم ٤ / ١٨٧١ فضائل الصحابة.
ألم يقل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :«الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلهم من قريش»(١) ، فمن هم هؤلاء الخلفاء؟! هل نجعل معاوية منهم؟ هل نجعل يزيدا منهم؟ هل نجعل ملوك بني أمية وملوك بني العباس منهم؟! إذا لا يستقيم العدد.
لماذا لا يعترف العلماء والشراح بأنّ هؤلاء هم الأئمة الاثني عشر من أهل البيت؟! هل نكاية في الشيعة يضربون بأقوال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن قبل ذلك بآيات القرآن عرض الحائط؟!
ثم بعد المطالعة وجدتُ أنّ المحرّفين لم يكتفوا بإخفاء فضائل عليّ وأبناءه ، بل جعلوا في غيرهم فضائل تضحك الثكلى من تهاويها ووهنها(٢) .
ووجدت أنّ الشيعة تُتهم بتهم عجيبة منها سبّ الصحابة ، والأعجب من ذلك أنّ الصحابة هم أوّل من سبّ بعضهم بعضا(٣) ، في حياة رسول الله وبعد وفاته!
وتُتهم الشيعة بالقول بالمتعة وأكابر الصحابة كابن عبّاس وجابر وابن حصين أكدوا حلّيتها بأحاديث في صحاح السنّة!!
وغير ذلك من التهم الواهية التي كثر حولها الصخب والتهريج.
_____________________
١) صحيح مسلم ج٣ كتاب الإمارة.
٢) مثل :«أنا مدينة العلم وعلي بابها وأبو بكر جدرانها وعمر سقفها ومعاوية حلقتها »، أو : «أبو بكر وعمر سيّدا كهول أهل الجنّة »ليقابلوا الحديث الصحيح :«الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ».
٣) أنظر : صحيح مسلم ٤ / ١٨٧١.
لهذا كلّه عرفت أنّ مذهب الشيعة رغم ما يقال وما يتهم به مذهب متين ، صاف لا يخالف لا العقل ولا النقل.
ثم عرفت مدى سفاهة رأي من يقول إنّه لا يجوز لنا الخوض في أحقية المذاهب لأننا لسنا علماء. وعلى هذا الرأي فغير المسلم يحق له التمسّك بدينه حتّى يصبح عالما بالتوراة والإنجيل وغيرهما. ويصبح دين الله دينا نخبويّا بحتا ، ويصبح رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مبعوثا للعلماء دون العوام؟!
وبعد البحث رأيت أنّ الجدال سهل بسيط لمن يريد أن يُنكر الحقائق ، ولكن هلمّوا إلى كتاب الله المنزل لنكتفي به حجّة ودليلا ونترك ما سواه من كتب الفريقين.
إنّ كلّ عقائد الشيعة موثقة بالقرآن(١) .
وهكذا رأيت أنّ الشيعة على حقّ ، ولو كانوا بعيدين عنه فغيرهم أبعد. ولو كان غيرهم قريب من الحق فهم أقرب. ولو كان غيرهم على الحقـوهو محال إذ أنّ الحق لا يتجزّأ ، وهل بعد الحق إلاّ الضلالـفهم
_____________________
١) أنظر : سورة المائدة الآية [ ٥٥ ] حول ولاية عليعليهالسلام .
وفي موضوع الصحابة : سورة الحجرات [ آية ٥ ، ٦ ] سورة التوبة [ ٢٥ ، ٣٨ ، ٣٩ ، ٧٥ـ ٧٧ ] سورة الأحزاب [ ١٢ ، ٥٣ ] سورة آل عمران [ ١٢١ ، ١٥٢ ، ١٥٥ ] سورة الجمعة [ ١١ ] سورة التحريم [ ٤ـ٥ ] سورة النور [ ١١ ] سورة الأنفال [ ٦٧ـ٦٩ ] سورة الأنعام [ ٩٣ ].
وفي موضوع التقية : سورة آل عمران [ ٢٨ ] سورة غافر [ ٢٨ ] سورة النحل [ ١٠٦ ].
وفي مسألة المتعة : سورة النساء [ ٢٤ ].
وفي مسألة أفضلية أهل البيتعليهمالسلام : سورة الأحزاب [ ٣٣ ] سورة آل عمران [ ٦١ ] سورة الإنسان [ ٨ ].
أحقّ. وكلّ هذا بالأدلة وليس بالأماني والخيال.
وإنّي ولله الحمد قد توفّرت لي الفرصة للإطلاع على مذهب الشيعة ولكن غيري لم تتوفر له هذه الفرصة. وأنا أقول له أعرف مذهب الشيعة من كتبهم وعلمائهم لا بما يقوله الفاسقون(١) المغرضون.
والحمد لله الذي عرّفني وله الفضل أوّلا وآخرا بالمذهب الحق من بين المذاهب العديدة والتي قال رسول الله إنها ستصل من بعده إلى ثلاث وسبعين(٢) ، وقد وجدت الشيعة بريئين ممّا رُميوا به عبر التاريخ ، وقد تعرّفت على علمائهم فيما بعد ورأيت بلادهم فلم أر إلاّ خيرا. والعجب أن كثيرا ممّن يدعي العلم يصدّ عن سبيل الله فيمنع أتباعه ومريديه ويفتي بحُرمة قراءة كتب الشيعة ويأمر بحرقها إن وجدت. أليس هذا صدّ عن سبيل الله؟! فإذا كانت الشيعة ضلاّلا وأهل باطل ، فهلاّ قرأتم كتبهم ورددتم عليها بالدليل والبرهان لا بالسبّ والشتم ، وإذا كانت صحيحة فما بالكم...؟!
سبحان الله ، هل يريد هؤلاء أن ينشروا دين الله في كلّ الدنيا وهم يخافون من كتاب؟! كيف يقنعوا غير المسلم بالإسلام إذن؟! وكيف يردّون على شبهات عويصة تعصف بشباب المسلمين وتفتك بأصل الدين من الأساس؟!
هذا وقد رأيت أنّ الشيعة رغم ما يلاقونه ولا قوة يمدّون أيديهم إلى
_____________________
١)( يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمَاً بِجَهَالَة... ) [ سورة الحجرات : ٦ ].
٢) أنظر سنن ابن ماجة ٢ / ١٣٢١ كتاب الفتن ومسند أحمد ٢ / ٣٣٢.
كل المسلمين ، وقد رأيت أنا بعينيّ أشخاصا من غير مذهبهم يصلّون بكلّ حرّية في مساجدهم ، بينما إذا صلّى أحد الشيعة على طريقته في بعض مساجد السنّة يقيمون الدنيا عليه ، ممّا يضطرّه إلى التقية ، أفتحوا المجال لحرية العقيدة ولحقّ الإختلاف ، فوالله ، لن تجدوا شيعيا واحدا يستعمل التقية.
ولكن الحمد لله فإنّ السنة والشيعة وباستثناء بعض الأزمنة والأمصار يعيشون متجاورين ، متكاتفين ، وما شجر بينهم فالحساب عند الله والملتقى يوم القيامة(١) وكلّ يعمل على شاكلته.
ومن الأشياء العجيبة التي اطلعت عليها قول من يقول إنّ التيجاني التونسي شخصية وهمية وكذلك غيره من المتشيعين ، وعلى افتراض أنّ ذلك صحيحـوهو غير صحيح قطعاـفانظروا إلى ما قيل ولا تنظروا إلى من قال. فهل ما جاء في تلكم الكتب صحيح أم باطل؟ وإذا كان باطلا فبأيّ دليل؟! أمّا التشكيك والجدال فلن يجدي شيئا.
وقد استفدت شخصيّا زيادة على حواراتي ونقاشاتي مع صديقي الشيعي في بلدي بكتب أرى نفسي ملزماً بذكرها تعميماً للفائدة وإرشاداً لمن لا يعرف كيف يتوصّل إلى مذهب الشيعة وعقائدهم ، أذكرها طلباً للثواب.
ـكتاب «ثمّ اهتديت » للدكتور محمد التيجاني السماوي
_____________________
١)( فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) [ سورة البقرة : ١١٣ ].
وورد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه يأخذ بالظاهر والله يتولى السرائر ولهذا قبل إسلام كلّ من نطق بالشهادتين.
القفصي التونسي.
ـكتاب « وركبت السفينة » للكاتب الأردني مروان خليفات ، وهو كتاب جامع مانع.
ـكتاب « معالم المدرستين » للعلامة مرتضى العسكري وهو في جزءين.
ـكتاب « ابن تيمية » لصائب عبدالحميد ، الذي نزع ورقة التوت عن عورة ابن تيمية ، أكذب كاتب في تاريخ الإسلام.
ـ كتاب « الشيعة هم أهل السنة » للتيجاني.
ـكتاب « المراجعات » للعلامة عبدالحسين شرف الدين العاملي اللبنانيرحمهالله .
ـكتاب « أبو هريرة » للعلامة عبدالحسين شرف الدين العاملي اللبنانيرحمهالله .
ـكتاب « نظرية عدالة الصحابة » للمحامي الأردني أحمد حسين يعقوب.
ـ كتاب « التشيّع » لعبدالله الغريفي.
ـ كتاب « عقائد الإمامية » للشيخ محمد رضا المظفّررحمهالله .
ـ كتاب « الرسائل العشر » للسيد علي الحسيني الميلاني.
ـكتاب « لقد شيعني الحسينصلىاللهعليهوآلهوسلم » للكاتب المغربي إدريس الحسيني.
ـكتاب « الصحوة » لصباح علي البيّاتي ، وقد نسف فيه كلّ ما ورد في كتاب « العواصم من القواصم » للقاضي أبي بكر بن العربي.
هذه مجموعة كتب ، يرجى منها الفائدة والتعرّف على عقائد الشيعة مباشرة ودون واسطة المستشرقين أو الكذّابين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
١ ـ القرآن الكريم.
٢ـأبوهريرةـللعلامة شرف الدين الموسوي العامليـدار أنصاريانـ قم.
٣ـأبوهريرة شيخ المضيرةـلمحمود أبورية المصريـطبعة الأعلميـ بيروت.
٤ـأُسد الغابةـلابن الأثير « ت ٦٣٠ هـ »ـطبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
٥ـالإصابة في تمييز الصحابةـللعسقلاني « ت ٨٥٢ هـ »ـطبعة دار الكتب العلمية ـ بيروت.
٦ـالإمامة والسياسةـلابن قتيبة الدينوري « ت ٢٧٦ هـ »ـ منشورات الشريف الرضي ـ قم ١٤١٣ هـ.
٧ـالبداية والنهايةـلابن كثير « ت ٧٧٤ هـ »ـطبعة دار الفكرـ بيروت ـ ١٩٨٢.
٨ـتاريخ الإسلامـللذهبي « ت ٧٤٨ هـ »ـطبعة دار الكتاب العربيـ بيروت ١٩٩٨ م.
٩ـتاريخ الطبريـتحقيق محمّد أبوالفضل إبراهيمـطبعة دار سويدان بيروت.
١٠ ـ تفسير ابن كثير ـ
١١ـتفسير الدرّ المنثورـللسيوطي « ت ٩١١ هـ »ـطبعة دار الفكرـ بيروت ١٩٨٣ م.
١٢ـتفسير روح المعانيـللألوسي البغدادي « ت ١٢٧٠ هـ »ـطبعة دارالكتب العلمية ـ بيروت ـ ١٩٩٦ م.
١٣ ـ تفسير الطبري ـ طبعة دارالمعرفة ـ بيروت.
١٤ـتفسير القرطبي ـ طبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
١٥ـالتفسير الكبيرـللفخر الرازي « ت ٦٠٦ هـ »ـطبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ١٩٩٧ م.
١٦ـتفسير الكشافـللزمخشري « ت ٥٣٨ هـ »ـطبعة دار المعرفةـ بيروت.
١٧ـرياض الصالحينـللنووي « ت ٦٧٦ هـ »ـطبعة دارابن زيدونـ بيروت ١٩٩٧ م.
١٨ـسنن ابن ماجةـتحقيق صدقي العطّارـطبعة دار الفكر ـ بيروت.
١٩ـسنن أبي داودـتحقيق صدقي العطارـطبعة دار الفكرـبيروت ١٩٩٨ م.
٢٠ـسير أعلام النبلاءـللذهبيـطبعة مؤسسة الرسالةـبيروت ١٩٩٨ م.
٢١ـصحيح البخاريـالنسخة السلطانيةـطبعة الحلبيـنشر دار إحياء التراث.
٢٢ـصحيح الترمذيـبتحقيق بشار عوّاد معروفـطبعة دار الغرب الإسلاميـبيروت ١٩٩٨ م. وبتحقيق أحمد محمّد شاكرـطبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
٢٣ـصحيح مسلمـتحقيق محمّد فؤاد عبد الباقيـطبعة دار الفكرـ بيروت ١٩٧٨ م.
٢٤ـالصواعق المحرقةـلابن حجر الهيتميـطبعة المطبعة الوهبيةـ مصر ١٢٩٢ هـ.
٢٥ـالطبقات الكبرىـلابن سعد « ت ٢٣٠ هـ »ـمنشورات مؤسسة النصر طهران.
٢٦ـالعقد الفريدـلابن عبد ربّهـطبعة دار الكتاب العربيـ بيروت ١٩٨٢. وطبعة دار إحياء التراث العربي ـ بيروت ـ ١٩٩٠.
٢٧ـالعقيدة الطحاويةـالمجموع الفريد من رسائل التوحيدـدار ابن خزيمة ـ الرياض ١٩٩٣ م.
٢٨ـالعقيدة الواسطيةـلابن تيمية الحراني « ت٧٢٨ هـ »ـالمجموع المفيد من رسائل التوحيد.
٢٩ ـ العهدين : التوراة والإنجيل ـ عربي.
٣٠ـالكامل في التاريخـلابن الأثيرـطبعة دار صادرـبيروت ١٩٧٩ م.
٣١ـالكتاب المقدس تحت المجهرـعودة مهاوشـطبعة دار أنصاريان ـ قم ١٩٩٧ هـ.
٣٢ـالكتاب المقدس في الميزانـلمحمّد علي برّو العامليـطبعة الدار الإسلامية ـ بيروت ١٩٩٣ هـ.
٣٣ـمروج الذهبـللمسعودي«ت ٣٤٦ هـ»ـطبعة دار الهجرةـقم ١٤٠٩ هـ.
٣٤ـالمستدرك بذيله تلخيص المستدرك للذهبيـطبعة دار الفكرـ بيروت ١٩٧٨ م.
٣٥ـمسند أحمد بن حنبلـبتحقيق أحمد محمّد شاكرـطبعة دار الجيلـ بيروت ١٩٩٤ م. وطبعة دار الفكر ـ بيروت ـ بهامشه منتخب كنز العمال.
٣٦ـموطّأ الإمام مالكـمع تعليق سعيد اللّحامـطبعة دار الفكرـ بيروت ١٩٨٩.
٣٧ـنظم الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضيةـللسفارينيـ المجموع الفريد من رسائل التوحيد.
٣٨ـنهج البلاغةـلأمير المؤمنين علي بن أبي طالبـتحقيق صبحي الصالح ـ طبعة دار أسوة ـ قم ١٤١٥ هـ.
دليل الكتاب
حوار مع صديقي الشيعي. ١
مقدّمة المركز : ٤
مقدمة المؤلف : ٨
البِداية : ١٠
صلاة الجمعة الأولى : ١٦
الصدمة... : ٢٠
هل أتاك الحديث عن الشيعة : ٢٦
الضالَّة : ٢٨
أبو هريرة.... سرٌّ آخر : ٣٤
زخرف من القول : ٣٨
صفقة رابحة : ٤٢
الصلاة عمود الدين : ٤٨
الماكيافيليّة : ٥٤
شرعية الحكم في الإسلام... لمن : ٦٢
التشكيك.. أو الفتنة : ٧٢
حديثُ التقيّة : ٧٨
نظرية وتطبيق.. أم أمر واقع ثم نظريّة : ٨٦
قضاء محتوم : ١٠٤
المتعة... نكاح أم سفاح : ١١٠
التَوسّل... إيمان أم شرك : ١١٦
هل عرفنا الله حقّاً : ١٢٤
المهدي... حقيقة أم خيال : ١٣٨
رمتني بدائها... وانسلّت : ١٤٨
ثم ماذا.. : ١٥٢
المصادر ١٦٤