رسالة فى المتعتين
المؤلف: السيّد علي الحسيني الميلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد واله الطاهرين.
وبعد فإن البحث عن المتعتين قديم جدا ، وكتابات السلف والخلف عنهما من النواحي المختلفة كثيرة جداً أيضاً ، وهذه رسالة وجيزة كتبتها بمناسبة أحاديث رووها في أن النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي حرم متعة النساء ، وعمدتها ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام منها أنه قال لابن عباس ـ وقد بلغه أنه يقول بالمتعة ، واللفظ لمسلم ـ : « إنك رجل تائه ، نهانا رسول الله عن متعة النساء يوم خيبر ، وهي. أحاديث موضوعة مختلقة ، يعترف بذلك كلّ من ينظر في أسانيدها ومداليلها وينصف ، والله هو الموفق.
فنقول :
لا خلاف بين المسلمين في نزول القرآن المبين بالمتعتين
أما متعة الحج ، فقد قال عزوجل :
( فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري
المسجد الحرام ) (1) .
وأما متعة النساء ، فقدقال عزوجلّ :( فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن أجورهن فريضة ) (2) .
وكان على ذلك عمل المسلمين
حتى قال عمر بعد شطر من خلافته :
« متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه[وآله] وسلّم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما ».
فوقع الخلاف
وحار التابعون له ، الجاعلون قوله أصلاً من الأصول ، كيف يوجّهونه وهو صريح في : قال الله وأقول ...؟!
ومتعة الحج : أن ينشئ الإنسان بالمتعة إحرامه في أشهر الحج من الميقات ، فياتي مكة ، ويطوف بالبيت ، ثم يسعى ، ثم يقصّر ، ويحل من إحرامه ، حتّى ينشيء في نفس تلك السفرة إحراماً آخر للحج من مكة ، والأفضل من المسجد الحرام ، ويخرج إلى عرفات ، ثم المشعر إلى آخرأعمال الحج
فيكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج.
وإنما سمي بهذا الاسم لما فيه من المتعة ، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام ، في تلك المدة المتخللة بين الإحرامين
وهذا ما حرمه عمر وتبعه عليه عثمان ومعاوية وغيرهما ...
وكان في المقابل أمير المؤمنين عليّعليهالسلام الحافظ للشريعة المطهّرة
__________________
(1) سورة البقرة 2 : 196.
(2) سورة النساء 4 : 24.
والذابّ عن السُنّة المكرّمة.
أخرج أحمد ومسلم عن شقيق قال ـ واللفظ للأول ـ : « كان عثمان ينهى عن المتعة ، وكان عليّ يامربها ، فقال عثمان لعليّ : إنك كذا وكذا. ثم قال(1) علي : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم؟ فقال : أجل »(2) .
وعن سعيد بن المسيب ، قال : « اجتمع عليّ وعثمان بعسفان ، فكان عثمان ينهى عن المتعة والعمرة. فقال له عليّ : ما تريد إلى أمرفعله رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم تنهى عنه؟! فقال عثمان : دعنا عنك! فقال عليّ : إني لا أستطيع أن أدعك »(3) .
وعن مروان بن الحكم ، قال : « شهدت عثمان وعلياً ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما. فلما رأى عليّ ذلك أهل بهما : لبيّك بعمرةٍ وحجّةٍ معا ، قال : ما كنت لأدع سنة النبي لقول أحد »(4) .
وعلى ذلك كان أعلام الصحابة
* كابن عبّاس فقد أخرج أحمد أنه قال : « تمتع النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم ، فقال عروة بن الزبير : نهى أبوبكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس : ما يقول عريّة(5) !! قال : يقول : نهى ابوبكر وعمرعن المتعة.
فقال : ابن عبّاس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال النبي ؛ ويقولون : نهى أبوبكر وعمر! »(6) .
__________________
(1) لقد أبهم الرواة ما قاله خليفتهم عثمان لعليعليهالسلام ، كما أبهموا جواب الإمامعليهالسلام على كلمات عثمان وفي بعض المصادر : « فقال عثمان لعليّ كلمة ».
(2) مسند أحمد 1 / 97.
(3) مسند أحمد 1 / 136. ورواه البخاري ومسلم في باب التمتع.
(4) مسند أحمد 1 / 95. ورواه البخاري أيضاً وجماعة.
(5) تصغير« عروة » تحقيراً له.
(6)مسند أحمد 1 / 337.
* وسعد بن أبي وقاص فقد أخرج الترمذي : « عن محمد بن عبدالله ابن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس ـ وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج ـ فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله تعالى. فقال سعد : بئسما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك : فإن عمر بن الخطاب قد نهى ذلك. فقال سعد : قد صنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وصنعناها معه.
هذا حديث صحيح »(1) .
* وأبي موسى الأشعري فقد أخرج أحمد : « أنه كان يفتى بالمتعة فقال له رجل : رويدك ببعض فُتياك ، فإنك لا تدري ما أحدث أميرالمؤمنين في النسك بعدك! حتى لقيه أبو موسى بعد فساله عن ذلك ، فقال عمر : قد علمت أن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم قد فعله هو وأصحابه ولكن كرهت أن يظلّوا بهن معرسين في الأراك ، ثم يروحون بالحج تقطر رؤوسهم »(2)
* وجابر بن عبدالله فقد أخرج مسلم وغيره عن أبي نضرة ، قال : « كان ابن عبّاس يامر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها. قال فذكرت ذلك لجابر ابن عبدالله. فقال : على يدي دار الحديث. تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم فلما قام عمر(3) قال : إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء ، وإن القرآن قد نزل منازله ، فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، وأبتّوا(4) ، نكاح هذه النساء فلن أوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة »(5) .
__________________
(1) صحيح الترمذي 4 / 38.
(2) مسند أحمد 1 / 50.
(3) أي بامر الخلافة.
(4) أي : اقطعوا ، اتركوا.
(5) صحيح مسلم ، باب جواز التمتع.
* وعبدالله بن عمر فقد أخرج الترمذي : « أن عبدالله بن عمرسئل عن متعة الحج. فقال : هي حلال. فقال له السائل : إن أباك قد نهى عنها. فقال : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله أمر أبي نتبع أم أمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم؟! فقال الرجل : بل أمررسول الله. قال : لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم »(1) .
* وعمران بن حصين (2) ـ وكان شديد الإنكار لذلك حتى في مرض موته ـ فقد أخرج مسلم : « عن مطرف قال : بعث إلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفّي فيه فقال : إني محدّثك باحاديث ، لعل الله أن ينفعك بها بعدي. فان عشت فاكتم عليّ(3) وإن مت بها إن شئت. إنه قد سلم علي. واعلم أن نبي الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم قد جمع بين حج وعمرة ، ثم لم ينزل فيها كتاب الله ، ولم ينه عنها نبي الله. فقال رجل برأيه فيها ما شاء »(4) .
قال النووي بشرح أخبار إنكاره : « وهذه الروايات كلها متفقة على أن مراد عمران أن التمتع بالعمرة إلى الحجّ جائز ، وكذلك القران ، وفيه التصريح بإنكاره على عمربن الخطّاب منع التمتّع ».
وذكر شيخ إسلامهم ابن تيميّة في الدفاع عن عمر وجوهاً ، كقوله : « إنما
__________________
(1) صحيح الترمذي 4 / 38.
(2) ذكر كل من ابن عبدالبرّ في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة أنه كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم ، بل نصّ ابن القيم في زاد المعاد على كونه أعظم من عثمان ، وذكروا أنه كان يرى الملائكة وتسلّم عليه وهو ما أشار إليه في الحديث بقوله : « قد سلّم عليّ » توفي سنة 52 بالبصرة.
(3) لاحظ إلى أين بلغت التقية!!
(4) صحيح مسلم باب جواز التمتّع. وفي الباب من صحيح البخاري وسنن ابن ماجة ، وهو عند
كان مراد عمر أن يامر بما هو أفضل » واستشهد له بما رواه عن ابنه من أنه « كان عبد الله بن عمر يامر بالمتعة ، فيقولون له : إن أباك نهى عنها. فيقول : إن أبي لم يرد ما تقولون » وحاصل كلامه ما صرح به في آخره حيث قال : « فكان نهيه عن المتعة على وجه الاختيار ، لا على وجه التحريم ، وهو لم يقل : « أنا أحرمهما ».
قلت : أما أن مراده كان الأمر بما هو أفضل ، فتاويل باطل ، وأما ما حكاه عن ابن عمر فتحريف لما ثبت عنه في الكتب المعتبرة ، وقال ابن كثير : « كان ابنه عبدالله يخالفه فيقال له : إن أباك كان ينهى عنها! فيقول : خشيت أن يقع عليكم حجارة من السماء! قد فعل رسول الله ، أفسنة رسول الله نتبع أم سنة عمر بن الخطاب؟! »(1) .
والعمدة إنكاره قول عمر : « وأنا احرمّهما ». وسنذكر جمعاً ممن رواه!
هذا ، وكان ابن تيمية يعلم بان لا فائدة فيما تكلّفه في توجيه تحريم عمر والدفاع عنه ، فاضطر إلى أن يقول :
« أهل السنة متفقون على أن كل واحد من الناس يؤخذ بقوله ويترك إلآ رسول الله ، لان عمر أخطأ ، فهم لا ينزهون عن الإقرار على الخطأ إلآ رسول الله صلى الله عليه [وآله] ، وسلّم »(2) .
لكنه ليس « خطأ » من عمر ، بل هو« إحداث » كما جاء في الحديث المتقدّم عن أبي موسى الأشعري وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله :
« أنا فرطكم على الحوض ، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجنّ دوني ، فاقول : يا ربّ أصحابي! فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! »(3) .
__________________
أحمد في المسند 4 / 434.
(1) تاريخ ابن كثير 5 / 141.
(2) منهاج السنة 2 / 154.
(3) أخرجه البخاري وغيره في باب الحوض.
ولقائل أن يقول : إن الغرض الأصلي من التحريم هو إحياء سنة الجاهلية ، فإنهم « كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض »(1) .
قال البيهقي : « ما أعمر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر الشرك(2) .
ولذا صح عنه صلى الله عليه [وآله] وسلّم : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أن معي الهدي لأحللت. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله هي لنا أو للأبد؟ فقال : لا ، بل للأبد ». أخرجه أرباب الصحاح كافة ، وعقد له البخاري في صحيحه باباً.
وهي أن تزوج المرأة الحرة الكاملة نفسها من الرجل المسلم بمهرمسمى إلى أجل مسمىّ ، فيقبل الرجل ذلك ، فهذا نكاح المتعة ، أو الزواج الموقت ، ويعتبر فيه جميع ما يعتبر في النكاح الدائم ، من كون العقد جامعاً لجميع شرائط الصحة ، وعدم وجود المانع من نسب أو سبب وغيرهما ، ويجوز فيه الوكالة كما تجوز في الدائم ، ويلحق الولد بالأب كما يلحق به فيه ، وتترتب عليه سائر الاثار المترتبة على النكاح الدائم ، من الحرمة والمحرمية والعدة
إلا أن الافتراق بينهما يكون لا بالطلاق بل بانقضاء المدّة أو هبتها من قبل الزوج ، وأن العدة ـ إن لم تكن في سن الياس الشرعي ـ قرءان إن كانت تحيض ، وإلأ خمسة وأربعون يوماً ، وأنه لا توارث بينهما ، ولا نفقة لها عليه وهذه أحكام دلّت عليها ألأدلّة الخاصة ، ولا تقتضي أن يكون متعة النساء شيئاً في مقابل النكاح مثل ملك اليمين.
__________________
(1) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما في أبواب التمتع والعمرة.
(2) سنن البيهقي 4 / 345.
وقد دلّ على مشروعيّة هذا النكاح وثبوته في الإسلام :
1ـ الكتاب ، في قوله عزوجل :( فما استمتعتم به منهن ) (1) وقد روي عن جماعة من كبار الصحابة والتابعين ، المرجوع إليهم في قراءة القرآن واحكامه التصريح بنزول هذه الاية المباركة في المتعة ، حتى أنهم كانوا يقرأونها : « فما استمتعتم به منهن إلى أجل » ، وكانوا قد كتبوها كذلك في مصاحفهم ، فهي ـ حينئذ ـ نصّ في المتعة ، ومن هؤلاء :
عبدالله بن عبّاس ، وأبي بن كعب ، وعبدالله بن مسعود ، وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ، والسدي ، وقتادة(2) .
بل ذكروا عن ابن عباس قوله : « والله لأنزلها الله كذلك ـ ثلاث مرات ».
وعنه وعن أبي التصريح بكونها غيرمنسوخة.
بل نصّ القرطبي على أن دلالتها على نكاح المتعة هو قول الجمهور ، وهذه عبارته : « وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الاسلام »(3) .
2 ـ السنة : وفي السنة أحاديث كثيرة دالّة على ذلك ، نكتفي منها بواحد مما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم عن عبدالله بن مسعود قال :
« كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم ليس لنا نساء. فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ، ثمّ رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى اجل ، ثمّ قرأ عبدالله :( يا أيّها الذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا
__________________
(1) سورة النساء : 24.
(2) راجع التفاسير : الطبري والقرطبي وابن كثير والكشاف والدرّ المنثور. كلّها بتفسير الآية. وراجع أيضاً : أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 2 / 147 ، سنن البيهقي 7 / 205 ، شرح مسلم ـ للنووي ـ 6 / 127 ، المغني لابن قدامة 7 / 571
(3) تفسيرالقرطبي 5 / 130.
إن الله لا يحب المعتدين ) (1) .
ولا يخفى ما يقصده ابن مسعود من قراءة الآية المذكورة بعد نقل الحديث ، فانه كان مّمن أنكر على من حرم المتعة.
3 ـ الإجماع : فانه لا خلاف بين المسلمين في أن « المتعة » نكاح. نص على ذلك القرطبي ، وذكر طائفة من أحكامها ، حيث قال :
« لم يختلف العلماء من السلف والخلف أن المتعة نكاح إلى أجل ، لا ميراث فيه ، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غيرطلاق ، ثم نقل عن ابن عطية كيفية هذا النكاح وأحكامه(2) .
وكذا الطبري ، فنقل عن السدي : « هذه هي المتعة ، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى »(3) .
وعن ابن عبدالبرّ في « التمهيد » :.« أجمعواعلى أن المتعة نكاح ، لا إشهاد فيه ، وأنه نكاح إلى أجل يقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما ».
وكانت متعة النساء ـ كمتعة الحج ـ حتى وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وزمن أبي بكر ، وفي شطر من خلافة عمر بن الخطّاب ، حتّى قال :
« متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما » وقد وردت قولته هذه في كتب الفقه والحديث والتفسير والكلام أنظر منها : تفسير الرازي 2 / 167 ، شرح معاني الاثار 374 ، سنن البيهقي 6 / 207 ، بداية المجتهد 1 / 346 المحلّى 7 / 107 ، أحكام القرآن ـ للجصّاص ـ 1 / 279 ، شرح التجريد
__________________
(1) صحيح البخاري / في كتاب النكاح وفي تفسير سورة المائدة ، صحيح مسلم كتاب النكاح ، مسند أحمد 1 / 420.
(2) تفسيرالقرطبي 5 / 132.
(3) تفسير الطبري بتفسير الآية.
للقوشجي الأشعري ، تفسير القرطبي 2 / 370 ، المغني 7 / 527 ، زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 205 ، الدرّ المنثور 2 / 141 ، كنز العمال 8 / 293 ، وفيات الأعيان 5 / 197.
ومنهم من نص على صحته كالسرخسي ، ومنهم من نص على ثبوته كابن قيّم الجوزية. وفي المحاضرات للراغب الأصبهاني : « قال يحيى بن أكثم لشيخ بالبصرة : بمن اقتديت في جواز المتعة؟ قال : بعمر بن الخطاب. فقال : كيف هذا وعمر كان أشد الناس فيها؟! قال : لأن الخبر الصحيح قد أتى أنه صعد المنبر فقال : إن الله ورسوله أحلا لكم متعتين وإني احرمهما عليكم وأعاقب عليهما؟ فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه ».
وفي بعض الروايات : أن النهي كان عن المتعتين وحي على خيرالعمل(1) .
وعن عطاء ، عن جابر بن عبدالله : « استمتعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وأبي بكر وعمر ، حتى إذا كان في آخر خلافة عمر استمتع عمرو بن حريث بامرأة ـ سماها جابر فنسيتها ـ فحملت المرأة ، فبلغ ذلك عمر ، فدعاها فسالها فقالت : نعم ، قال من أشهد؟ قال عطاء : لا أدري قال : أمي أم وليها. قال فهلا غيرها؟!
فذلك نهى عنها »(2) .
ومثله أخبار أخرى ، وفي بعضها التهديد بالرجم(3) .
فالذي نهى عن المتعة هوعمر بن الخطاب
وفي خبر : أن رجلاً قدم من الشام ، فمكث مع امرأة الى ما شاء الله أن
__________________
(1) كذا في شرح التجويد للقوشجي ، بحث خلافة عمر.
(2) صحيح مسلم باب نكاح المتعة 6 / 127 بشرح النووي هامش القسطلاني ، مسند أحمد 3 / 304 ، سنن البيهقي 7 / 237 ، والقصّة هذه في المصنف لعبد الرزاق 7 / 469.
(3) بل عنه أنّه قال : « لا اوّتى برجلٍ تزوّج امراة إلى أجلٍ إلاّ رجمته ولو أدركته ميّتاً لرجمت قبره! » المبسوط ـ للسرخسي 5 / 153.
يمكث ، ثم إنه خرج ، فاخبر بذلك عمر بن الخظاب ، فارسل إليه فقال : ما حملك على الذي فعلته؟ قال : فعلته مع رسول الله ، ثم لم ينهانا عنه حتى قبضه الله. ثمّ مع أبي بكرفلم ينهانا حتى قبضه الله ، ثمّ معك ، فلم تحدث لنا فيه نهيا. فقال عمر : أما والذي نفسي بيده لوكنت تقدمت في نهي لرجمتك »(1) .
ومن هنا ترى أنه في جميع الأخبار ينسبون النهي إلى عمر ، يقولون : « فلمّا كان عمر نهانا عنهما » و« نهى عنها عمر » و« قال رجل برأيه ما شاء » ونحوذلك ، ولو كان ثمّة نهي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لما كان لنسبة النهي وماترتب عليه من الآثار الفاسدة إلى عمر وجه كما هو واضح. وقد جاء عن أمير المؤمنينعليهالسلام قوله : « لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي »(2) وعن ابن عباس : « ما كانت المتعة إلأ رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ، ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي ،(3) .
ومن هنا جعل تحريم المتعة من أوّليّات عمر بن الخطّاب(4) .
بل ان عمر نفسه يقول : « كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما » فلا يخبرعن نهي لرسول الله صلى الله عليه آله وسلّم ، بل ينسب النهي إلى نفسه ويتوعّد بالعقاب. بل إنه لم يكذب الرجل الشامي لمّا أجابه بما سمعت ، بل لما قال له : « ثمّ معك فلم تحدث لنا فيه نهيا » اعترف بعدم النهي مطلقاً حتى تلك الساعة ولا يخفى ما تدل عليه كلمة « تحدّث ».
__________________
(1) كنز العمال 8 / 294.
(2) المصنف ـ لعبد الرزاق بن همام ـ 7 / 500 ، تفسير الطبري 5 / 17 ، الدرّ المنثور 2 / 40 ، تفسير الرازي 3 / 200.
(3) تفسير القرطبي 5 / 130. ومنهم من رواه بلفظ « شفا » أي قليل. أنظر : النهاية وتاج العروس وغيرهما من كتب اللغة.
(4) تاريخ الخلفاء ـ للسيوطي ـ.
ثم إنه وإن تابع عمر في تحريمه بعض القوم كعبدالله بن الزبير ، لكن ثبت على القول بحلية المتعة ـ تبعاً للقرآن والسنة ـ أعلام الصحابة ، وعلى رأسهم مولانا أمير المؤمنين وأهل البيتعليهمالسلام قال ابن حزم :
« وقد ثبت على تحليلها بعد رسول الله جماعة من السلف ، منهم من الصحابة : أسماء بنت أبي بكر وجابر بن عبدالله وابن مسعود وابن عباس ومعاوية ابن أبي سفيان وعمرو بن حريث وأبو سعيد الخدري وسلّمة ومعبد ابنا أميّة بن خلف.
ورواه جابر عن جميع الصحابة مدّة رسول الله ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر ».
قال : « ومن التابعين : طاووس وعطاء وسعيد بن جبير وسائر فقهاء مكّة أعزها الله »(1) .
ولم يذكر ابن حزم عمران بن حصين وبعض الصحابة الآخرين : وذكر ذلك القرطبي وأضاف عن ابن عبدالبّر : « أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس »(2) .
ومن أشهر فقهاء مكة المكرّمة القائلين بحلّيّة المتعة : عبدالملك بن عبدالعزيز ، المعروف بابن جريج المكي ، المتوفي سنة 149 هـ ، وهو من كبار الفقهاء وأعلام التابعين وثقات المحدثين ومن رجال الصحيحين ، فقد ذكروا أنه تزوج نحوا من تسعين امرأة بنكاح المتعة.
وذكر ابن خلّكان أن المامون أمر أيام خلافته أن ينادى بحلية المتعة. قال :
__________________
(1) المحلّى 9 / 519.
(2) تفسيرالقرطبي 5 / 133.
فدخل عليه محمد بن منصور وأبو العيناء ، فوجداه يستاك ويقول ـ وهو متغيّظ ـ : متعتان كانتا على عهد رسول الله وعهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما. قال : ومن أنت يا جعل حتى تنهى عما فعله رسول الله وأبوبكر؟! فاراد محمد بن منصور أن يكلمه ، فأومأ إليه أبو العيناء وقال : رجل يقول في عمر بن الخطّاب ما يقول نكلّمه نحن؟! ودخل عليه يحيى بن أكثم فخلا به وخوفه من الفتنة ، ولم يزل به حتى صرف رأيه »(1) .
وجاء دور المدافعين والموجهين الذين يتعبون أنفسهم في هذا السبيل كما هو شأنهم في كل قضية من هذا القبيل حيث الحكم ثابت بالكتاب والسنة وبالضرورة من الدين والخليفة يخالف بكل صراحة حكم رب العالمين
لكنهم اختلفوا إلى طوائف بين قائل بان النبيصلىاللهعليهوآله هو الذي حرمها ، وقائل بان عمر هو الذي حرمها وقائل بان النبيصلىاللهعليهوآله هوالذي نسخ حكم الإباحة لكن لم يعلم به إلا عمر!!
أما القول الأخير فهو لفخر الرازي ، فقد قال :
« فلم يبق إلا أن يقال : كان مراده أن المتعة كانت مباحة فى زمن الرسولعليهالسلام ، وأنا أنهى عنه لما ثبت عندي أنه نسخها ،(2) .
وقال النووي بعد قولة عمر :
« محمول على أن الذي استمتع في عهد أبي بكر وعمر لم يبلغه النسخ »(3) .
__________________
(1) وفيات الأعيان 5 / 197 بترجمة يحيى بن أكثم.
(2) تفسير الرازي ، بتفسير الآية.
(3) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم 6 / 128.
وأما القولان الأوّلان فقد ذكرهما ابن قيم الجوزية(1) .
لكن اختلف أصحاب القول الأول في وقت تحريم النبيصلىاللهعليهوآله إلى أقوال سبعة(2) :
1 ـ أنه يوم خيبر. وهذا قول طائفة ، منهم الشافعي.
2 ـ أنه في عمرة القضاء.
3 ـ أنه عام فتح مكة. وهذا قول ابن عيينة وطائفة.
4 ـ أنه في أوطاس.
5 ـ أنه عام حنين. قال ابن القيم : وهذا في الحقيقة هو القول الثاني ، لاتصال غزاة حنين بالفتح.
قلت : وساذكر الحديث فيه.
6 ـ أنه عام تبوك : وساذكر الحديث فيه.
7 ـ أنه عام حجة الوداع.
قال ابن القيم : « وهو وهم من بعض الرواة ، سافر فيه وهمه من فتح مكّة إلى حجة الوداع وسفر الوهم من زمان الى زمان ، ومن مكان الى مكان ، ومن واقعة إلى واقعة ، كثيراً ما يعرض للحفاظ فمن دونهم »(3) .
وعمدة ما ذكره أصحاب القول الثاني في وجه تحريم ما أحله الله ورسوله وبقي الحكم كذلك حتى ذهاب رسول الله إلى ربه ـ وقد تقرر أن لا نسخ بعدهصلىاللهعليهوآله ـ هو : « إن عمر هو الذي حرمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول الله باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون »(4) .
__________________
(1) زاد المعاد 2 / 184 وسنذكر عبارته.
(2) ذكر منها ابن القيّم أربعة هي : خيبر ، الفتح ، حنين ، حجّة الوداع ، والثلاثة الاخرى من فتح الباري 9 / 138.
(3) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 183.
(4) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184.
فهذه هي الأقوال التي يستخلصها المتتبع المنقب من خلال ، كلماتهم المضطربة وأقوالهم المتعارضة ...
أما القول الثالث ـ وهوأن النسخ كان من النبيصلىاللهعليهوآله نفسه ، ولكن لم يعلم به غير عمر ـ فقد كان الأولى بإمامهم!! الفخر الرازي أن لا يتفوّه به! إذ كيف يثبت النسخ عند عمر فقط ولا يثبت عند عليعليهالسلام وجمهور الصحابة؟! ولماذا خصّه النبيصلىاللهعليهوآله بالعلم به دونهم؟! وهلا أخبرهو عن هذا النسخ ـ الثابت عنده! ـ حين قال له ناصحه ، وهو عمران ابن سوادة : « عابت أمتك منك أربعاً قال : وذكروا أنك حرمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله ، نستمتع بقبضة ونفارق عن ثلاث. قال : إن رسولس الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم أحلها في زمان ضرورة ، ثم رجع الناس إلى سعة »(1) .
ولماذا لم تقبل الأمّة منه ذلك وبقي الخلاف حتى اليوم؟!
قال ابن القيم : « فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبدالله قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله وأبي بكر ، حتى نهى عنها عمر في شان عمرو بن حريث. وفيما ثبت عن عمر أنه قال : متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهى عنهما : متعة النساء ومتعة الحج؟
قيل : الناس في هذا طائفتان :
__________________
(1) تاريخ الطبري ـ حوادث سنة 23 هـ.
طائفة تقول : إن عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلّم باتّباع ما سنه الخلفاء الراشدون. ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح ، فإنه من رواية عبدالملك ابن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جدّه. وقد تكتم فيه ابن معين. ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه مع شدّة الحاجة إليه وكونه أصلاً من أصول الإسلام. ولو صح عنده لم يصبرعن إخراجه والإحتجاج به. قالوا : ولوصح حديث سبرة لم يخف على ابن مسعود ، حتى يروي أنهم فعلوها. ويحتج بالاية.
وأيضاً : ولوصحّ لم يقل عمر إنها كانت على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنها أعاقب عليها ، بل كان يقول إنه صلى الله عليه [وآله] وسلّم حرمها ونهى عنها. قالوا : ولو صح لم تفعل على عهد الصدّيق وهوعهد خلافة النبوة حقاً.
والطائفة الثانية رأت صحّة حديث سبرة ، ولولم يصح فقد صحّ حديث عليّ رضي الله عنه أن رسول الله حرّم متعة النساء.
فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبرعنها بفعلها لم يبلغه التحريم ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر ، فلما وقع فيها النزاع ظهرتحريمها واشتهر.
بهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. وبالله التوفيق ،(1) .
أقول : فالقائلون بهذا القول يلتزمون بان التحريم كان من عمر لا من الله ورسوله ، لكنهم يوجهون تحريم عمر ، بل ينسبونه الى الله ورسوله باعتبارأن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أمر باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون.
هذا عمدة دليلهم فإذا لم يثبت « أن رسول الله أمر باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون » لم يبق مناص من الاعتراف بأن ما فعله عمر كان « إحداثاً في الدين » كما قال غير واحد من الصحابة!
ان قوله : « وقد أمر رسول الله باتباع ما سنه الخلفاء » اشارة إلى ما يروونه
__________________
(1) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184.
عنهصلىاللهعليهوآله أنه قال : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي وعضّوا عليها بالنواجذ »!.
لكنّ هذا الحديث من أحاديث سلسلتنا في (الأحاديث الموضوعة).
إنه حديث باطل بجميع أسانيده وطرقه ، ولقد أفصح عن بطلانه بعض كبار الأئمّة كالحافظ ابن القطّان ، المتوفي سنة 628 هـ ، قال ابن حجر بترجمة عبدالرحمن السلمي : « له في الكتب حديث واحد في الموعظة صحّحه الترمذي. قلت : وابن حبان والحاكم في المستدرك.
وزعم ابن القطّان الفاسي : إنّه لا يصح ، لجهالته »(1) .
وقد ترجم لابن القطان وأثنى عليه كبار العلماء(2) .
وبقي القول بأن النبيصلىاللهعليهوآله هوالذي حرمها وقد عرفت أن القائلين به اختلفوا على أقوال :
أما القول بانه كان عام حجة الوداع فقد قال ابن القيّم : « هو وهم من بعض الرواة ».
وأما القول بأنه كان عام حنين ، فقد قال ابن القيم : « هذا في الحقيقة هو القول الثاني ، لاتصال غزاة حنين بالفتح ».
وأما القول بأنه كان في غزوة أوطاس فقد قال السهيلي : « من قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح »(3) .
وأما القول بانه كان في عمرة القضاء فقد قال السهيلي : « أغرب ما روي في ذلك رواية من قال في غزوة تبوك ، ثم رواية الحسن أن ذلك كان في عمرة القضاء »(4) . وقال ابن حجر : « وأما عمرة القضاء فلا يصحّ الأثر فيها ، لكونه من
__________________
(1) تهذيب التهذيب 6 / 238.
(2) أنظر : تذكرة الحفّاظ 4 / 1407 وطبقات الحفاظ : 494.
(3) فتح الباري 9 / 138.
(4) فتح الباري 9 / 138.
مرسل الحسن ، ومراسيله ضعيفة ، لأنه كان يأخذ عن كل أحد ، وعلى تقدير ثبوته فلعته أراد أيام خيبر لأنهما كانا في سنة واحدة ، كما في الفتح وأوطاس سواء »(1) .
قال ابن القيّم : « والصحيح أن المتعة إنّما حرّمت عام الفتح »(2) .
وقال ابن حجر : « الطريق التي أخرجها مسلم مصرّحة بانها في زمن الفتح أرجح ، فتعين المصير اليها ».
قال هذا بعد أن ذكر روايات الأقوال الأخرى ، وتكلّم عليها بالتفصيل حتى قال : إفلم يبق من المواطن ـ كما قلنا ـ صحيحاً صريحاً سوى غزوة خيبروغزوة الفتح. وغزوة خيبرمن كلام أهل العلم ما تقدم »(3) .
بل لقد نسب السهيلي هذا القول الى المشهور(4) .
قلت : وهذا نصّ الحديث عند مسلم بسنده :
« حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا يحيى بن آدم ، حدّثنا ابراهيم بن سعد ، عن عبدالملك بن الربيع بن سبرة الجهني ، عن أبيه ، عن جده ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكّة ، ثمّ لم يخرج حتى نهانا عنها »(5) .
__________________
(1) فتح الباري 9 / 139.
(2) زاد المعاد 6 / 127.
(3) فتح الباري 9 / 139.
(4) فتح الباري 9 / 138.
(5) صحيح مسلم ـ بشرح النووي هامش القسطلاني ـ 6 / 127.
ورووا حديث التحريم في غزوة تبوك عن :
1 ـ أمير المؤمنين عليه المسلام.
2 ـ جابر بن عبدالله.
3 ـ أبي هريرة.
أما الحديث عن أمير المؤمنينعليهالسلام فقد ذكره النووي قائلاً :
« وذكر غيرمسلم عن علي أن النبي نهى عنها في غزوة تبوك ، من رواية إسحاق بن راشد ، عن الزهري ، عن عبدالله بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن علي »(1) .
وأما الحديث عن جابر فأخرجه الحازمي.
وأما الحديث عن أبي هريرة فاخرجه ابن راهويه وابن حبان من طريقه وقد أوردهما ابن حجر(2) ولا حاجة الى ذكرها اكتفاء بما سنذكره في نقدهما.
ورووا حديث التحريم في غزوة حنين عن مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام كذلك فقد أخرج النسائي قائلاً :
« أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار ومحمد بن المثنى ، قالوا : أنبأنا عبدالوهاب ، قال : سمعت يحيى بن سعيد ، يقول : أخبرني مالك بن أنس أن ابن شهاب أخبره أن عبدالله والحسن ابني محمد بن عليّ أخبراه أن أباهما محمد بن علي أخبرهما أن علي بن أبي طالب قال : نهى رسول الله يوم خيبرعن متعة النساء.
__________________
(1) المنهاج ، شرح صحيح مسلم هامش القسطلاني 6 / 119.
(2) فتح الباري 9 / 138.
قال ابن المثنى : يوم حنين ، وقال : هكذا حدثنا عبدالوهاب من كتابه »(1) .
ورووا في الصحاح وغيرها حديث التحريم في يوم خيبرعن أمير المؤمنينعليهالسلام كذلك ، لكن باختلاف في اللفظ كما سترى ، ونكتفي هنا بما جاء عند البخاري ومسلم؟
أخرج البخاري : « حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا ابن عيينة أنه سمع الزهري يقول : أخبرني الحسن بن محمد بن علي وأخوه عبدالله عن أبيهما إن علياً رضي الله عنه قال لابن عباس : إن النبي صلى الله عليه [وآله] وسلّم نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر »(2)
وأخرج مسلم : « حدّثنا يحيى بن يحيى ، قال : قرأت على مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبدالله والحسن ابني محمد بن علي ، عن أبيهما ، عن عليّ بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم. نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
وحدثناه عبدالله بن محمد بن أسماء الضبعي ، حدثنا جويرية ، عن مالك بهذا الإسناد وقال : سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان : إنك رجل تائه ، نهانا رسول الله. بمثل حديث يحيى عن مالك.
حدثنا ابوبكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب جميعاً ، عن ابن عيينة ، قال زهير : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن حسن وعبدالله ابني محمد بن عليّ ، عن أبيهما ، عن علي : أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر وعن لحوم الحمر الأهلية.
__________________
(1) سنن النسائي 6 / 126.
(2) صحيح البخاري ـ بشرح ابن حجر ـ 9 / 136.
وحدّثنا محمد بن عبدالله بن نمير ، حدثنا أبي ، حدثنا عبيدالله ، عن ابن شهاب ، عن الحسن وعبدالله ابني محمد بن علي ، عن أبيهما ، عن علي إنه سمع ابن عبّاس يلين في متعة النساء فقال : مهلا يا ابن عباس ، فان رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم نهى عنها يوم خيبروعن لحوم الحمر الإنسية.
وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى ، قالا : أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن ابن شهاب ، عن الحسن وعبدالله ابني محمد بن علي بن أبي طالب ، عن أبيهما أنه سمع عليّ بن أبي طالب يقول لابن عباس : نهى رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية »(1) .
أقول :
وفي جميع أحاديث الباب نقود مشتركة ، توجب القول ببطلانها جميعاً ، حتى لوصحّت كلّها سنداً
فنذكر تلك النقود المشتركة ،. بإيجاز ، ثم نتعرض لنقد حديث فتح مكه لكونه القول المشهور كما عرفت ، ولنقد حديث خيبر بالتفصيل لكونه المشهور عندهم عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهو من أحاديث الصحيحين!!
وإنّما تعرضنا ـ من بين الأحاديث الأخرى ـ لحديثي تبوك وحنين لأنهم رووهما عن أمير المؤمنينعليهالسلام كذلك.
____________
(1) صحيح مسلم ـ بشرح النووي هامش القسطلاني 6 / 129 ـ 130.
وأول ما في هذا الأحاديث تكاذب البعض منها مع البعض الآخر ، الأمر الذي حار القوم واضطربوا وتضاربت كلماتهم في حله(1) فاضطر بعضهم إلى القول بأنّ المتعة أحلت ثم حرمت ثم أحلت ثم حرمت حتى عنون مسلم في صحيحه : « باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثمّ نسخ ثم أبيح ثم نسخ ، واستقر حكمه إلى يوم القيامة ».
لكن الأخبار لم تنته بذلك ، بل جاءت بالتحليل والتحريم حتى سبعة مواطن كما قال القرطبي(2) .
إلا أن ابن القيم ينص على أن النسخ لا يقع في الشريعة مرتين ، فكيف بالأكثر؟! وهذه عبارته حيث اختار التحريم في عام الفتح : « ولوكان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين ، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة ألبتّة ولا يقع مثله فيها »(3) .
ثم تكذيب قولة عمر : « متعتان كانتا على عهد رسول الله ، وأنا أنهى عنهما » لجميعها : فانه في هذا القول الثابت عنه ـ معترف بانه هو الذي حرّم ما كان حلالاً على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ثم قول الأصحاب ـ قبل عمر وفي زمانه وبعده ـ بحلّيّة المتعة ، وأن عمر هو الذي حرمها ، وأنه لولا تحريمه لما زنى إلآ شقي
__________________
(1) راجع ان شئت الوقوف على طرفي منها : المنهاج للنووي 6 / 119 فما بعدها ، وفتح الباري ـ لابن حجر ـ 9 / 138.
(2) تفسير القرطبي 5 / 130.
(3) زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184.
أما حديث عام الفتح فقد عرفت من كلام ابن القيم عدم صحته ، قال : « فإنه من رواية عبدالملك بن الربيع بن سبرة ، عن أبيه ، عن جدّه وقد تكلّم فيه ابن معين ، ولم ير البخاري إخراج حديثه في صحيحه ».
اقول : نكتفي هنا من ترجمة الرجل بما ذكره ابن حجر العسقلاني وأشار في كلامه إلى هذا الحديث ، وهذا نص عبارته : « قال أبوخيثمة : سئل يحيى بن معين عن أحاديث عبدالملك بن الربيع عن أبيه عن جده فقال : ضعاف. وحكى ابن الجوزي عن ابن معين أنه قال : عبدالملك ضعيف. وقال أبو الحسن ابن القطان : لم تثبت عدالته ، وإن كان مسلم أخرج له فغيرمحتج به. إنتهى.
ومسلم إنما أخرج له حديثا واحدا في المتعة متابعة. وقد نبّه على ذلك المؤلف »(1) .
نقد حديث حنين
وأما حديث التحريم يوم حنين الذي رواه النسائي عن أمير المؤمنينعليهالسلام فسنتكلم عليه عندما نتعرّض لما رووه عنهعليهالسلام .
قلت : هذا مضافاً إلى أنهم رووا عن الربيع بن سبرة نفسه أن التحريم كان في حجة الوداع :
أخرج أبو داود : « حدثنا مسدد بن مسهّر ، حدّثنا عبدالوارث ، عن إسماعيل
__________________
(1) تهذيب التهذيب 6 / 349.
ابن اُمية ، عن الزهري ، قال : كنا عند عمر بن عبدالعزيز ، فتذاكرنا متعة النساء. فقال له رجل يقال له ربيع بن سبرة : اشهد على أبي أنه حدث أن رسول الله نهى عنها في حجة الوداع »(1) .
نقد حديث غزوة تبوك
وأمّا حديث غزوة تبوك فالذي عن أمير المؤمنينعليهالسلام سنذكره كذلك.
وأما الذي عن جابر بن عبدالله فقد نصّ ابن حجر العسقلاني على أنه « لا يصح ، فإنه من طريق عبّاد بن كثير ، وهو متروك »(2) .
أقول : ذكر ابن حجر في تهذيب التهذيب : « عباد بن كثير الثقفي البصري » و« عباد بن كثير الرملي الفلسطيني » وكلاهما « متروك » « يروي أحاديث موضوعة » ، « كذّاب ». وعن أبي حاتم بترجمة الثاني ـ : « ظننت أنه أحسن حالا من عباد بن كثير البصري فإذا هو قريب منه ، ضعيف الحديث »(3) .
هذا ، وكان واضعه وضعه ليقابل به الحديث الصحيح الثابت عنه الدال على بقائه على الإباحة حتى آخر لحظة من حياته.
كما وضعوا الأحاديث العديدة في رجوع ابن عباس كما سنشير.
وكما وضعوا عن أميرالمؤمنينعليهالسلام كما ستعلم!.
والذي عن أبي هريرة قال ابن حجر : « إن في حديث أبي هريرة مقالاً ، فإنه من رواية مؤمّل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمار ، وفي كل منهما مقال »(4) .
__________________
(1) سنن أبي داود 1 / 324.
(2) فتح الباري 9 / 139.
(3) تهذيب التهذيب 5 / 87 ـ 89.
(4) فتح الباري 9 / 139.
أقول : فإن شئت تفصيل ذلك فراجع ترجمتهما(1) .
نقد حديث يوم خيبر
وأهمّ أحاديث المسألة ما وضع على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام لأن أمير المؤمنين أهمّ المعارضين فلتبذل الهمم من الذين أشربوا في قلوبهم حسبة وتزلّفاً إلى الحكام والولاة المتسلطين.
لكن الأحاديث الموضوعة على لسانه متكاذبة متهافتة لتكثر القالّة عليه وتعدد الأيدي المختلقة وهذه آية من آيات علو الحق
لقد وضعوا الحديث على لسان أحفاده عن ابنه محمد بن الحنفية ولم يضعوه على لسان أولاد الحسنين عنهما عن أميرالمؤمنين لأنهم يعلمون أن مثل هذه التهمة لا تلتصق بهم
وضعوه على لسانهعليهالسلام . يخاطب ابن عمه عبدالله بن العباس وقد بلغه أنه يقول بالمتعة يخاطبه بلهجة حادة
ولقد كان بالإمكان أن تنطلي الحقيقة على خواص الناس فضلاً عن عوامهم لولا اختلاف الاختلاق!
فلنشرع في شرح القضية ببعض التفصيل في فصول :
لقد روي هذا الحديث عن الزهري ، عن الحسن بن محمد بن علي وأخيه عبدالله بن محمد بن عليّ ، عن أبيهما ، عن عليعليهالسلام أنه قال لابن عبّاس :
« إنك رجل تائه ، إن رسول الله نهى عنها يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر
__________________
(1) تهذيب التهذيب 10 / 339 ، و7 / 232.
الإنسية »(1) .
وعن الزهري ، عنهما ، عن أبيهما ، عن علي « يوم حنين »(2) .
وعن الزهري ، عن عبدالله بن محمد بن عليّ ، عن أبيه ، عن عليّ :
« إن النبي نهى عنها في غزوة تبوك »(3) .
وعن محمد بن الحنفية أنه قالعليهالسلام لابن عبّاس :
« إنك رجل تائه ، إن رسول الله نهى عن متعة النساء في حجة الوداع »(4) .
وعن الشافعي عن مالك باسناده عن علي :
« إن رسول الله نهى يوم خيبرعن أكل لحوم الحمر الأهلية » ولم يزد على ذلك ، وسكت عن قصّة المتعة »(5) .
فهذه أخبارهم بالسند الواحد عن أمير المؤمنينعليهالسلام حول أمر واحد ...!!
فإن قلت : ليس كلها بصحيح عندهم.
قلت : أما الأول فقد اتفقوا على صحّته واستندوا إليه في بحوثهم.
وأما الثاني فهو عند النسائي وكتابه من صحاحهم.
وأما الرابع الذي رواه الطبراني فقد أورده الهيثمي وقال : « رجاله رجال الصحيح »(6) .
نعم ، الثالث ذكره النووي ثم قال نقلاً عن القاضي عياض : « لم يتابعه أحد على هذا وهوغلط »(7) .
__________________
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ـ هامش القسطلاني ـ 6 / 129.
(2) سنن النسائي 6 / 126.
(3) المنهاج في شرح مسلم ـ هامش القسطلاني ـ 6 / 130.
(4) مجمع الزوائد 4 / 265.
(5) عمدة القاري ـ شرح البخاري.
(6) مجمع الزوائد 4 / 265.
(7) المنهاج ـ شرح صحيح مسلم ـ 6 / 131.
وقال ابن حجر : « وأغرب من ذلك رواية إسحاق بن راشد عن الزهري عنه بلفظ : نهي عن غزوة تبوك عن نكاح المتعة وهوخطأ أيضاً »(1) .
أما الخامس فتتعلق به نقاط :
إنه لو كان قد ثبت عنده نهي عن المتعة يوم خيبر لما سكت عن القصة ، لأنه تدليس قبيح كمالايخفى.
لكن الشافعي نفسه مّمن يرى أن التحريم من النبيصلىاللهعليهوآله وفي يوم خيبر(2) .
مضافاً إلى أن الحديث عن مالك ، وهويروي في الموطأ : عن الزهري ، عن عبدالله والحسن ، عن أبيهما محمد بن الحنفية ، عن أبيه علي أنه قال : « نادى منادي رسول الله ، نادى يوم خيبر : ألا إن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه [وآله] وسلم ينهاكم عن المتعة »(3) .
واذ عرفت أن الصحيح عندهم مما رووا عن أميرالمؤمنينعليهالسلام في هذا الباب حديث التحريم يوم خيبروعمدته حديث الزهري عن ابني محمد بن الحنفية عنهعليهالسلام فلا باس بان تعلم بان القوم رووه بالفاظ مختلفة :
قال ابن تيمية : « رواه الثقات في الصحيحين وغيرهما عن الزهري ، عن عبدالله ، والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد بن الحنفية ، عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس لما أباح المتعة : إنك امرؤ تائه! إن رسول الله حرم المتعة ولحوم الحمر الأهلية عام خيبر. رواه عن الزهري أعلم أهل زمانه بالسنة
__________________
(1) فتح الباري / 137
(2) زاد المعاد في هدي خير العباد.
(3) الموطأ 2 / 74 بشرح السيوطي.
وأحفظهم لها ، أئمة الإسلام في زمنهم ، مثل : مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وغيرهما مّمن اتفق على علمهم وعدالتهم وحفظهم ، ولم يختلف أهل العلم بالحديث في أن هذا حديث صحيح يتلقى بالقبول ، ليس في أهل العلم من طعن فيه »(1) .
وفي البخاري ومسلم والترمذي وأحمد عن الزهري : « أخبرني الحسن بن محمد بن علي وأخوه عبدالله ، عن أبيهما أن علياً قال لابن عباس : إن النبي نهى عن المتعة وعن لحوم الحمر الأهليّة زمن خيبر ».
وفي مسلم : « سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان : إنك رجل تائه ».
وفيه : « سمع ابن عباس يلين في المتعة فقال : مهلاً يا ابن عباس ».
وفي النسائي : « عن أبيهما أن علياً بلغه أن رجلاً لا يرى بالمتعة باساً فقال : إنك تائه ، إنه نهاني رسول الله عنها وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر ».
وفي الموطأ رواه عن علي بلفظ : « نادى منادي رسول الله يوم خيبر ».
أما الشافعي فروى حديث خيبر ، لكن سكت عن قصة المتعة لما علم فيها من الاختلاف!
وأما الطبراني فروى الحديث بلفظ : « تكلم علي وابن عباس في متعة النساء فقال له علي : إنك رجل تائه ، إن رسول الله نهى عن متعة النساء في حجة الوداع » فروى الحديث لكن جعل زمن التحريم حجة الوداع!
ثم إن هذا الحديث في متنه ودلالته صريح في الأمور التالية :
أولاً : إن أمير المؤمنينعليهالسلام كان يرى حرمة نكاح المتعة ، حتى أنه خاطب ابن عباس القائل بالحلية بقوله : « إنك رجل تائه ».
وهذا كذب ، فالكل يعلم أن الإمامعليهالسلام كان على رأس المنكرين
__________________
(1) منهاج السنة 2 / 156.
لتحريم نكاح المتعة ، كما كان على رأس المنكرين لتحريم متعة الحج ، ولكن لا غرابة في وضع القوم الحديث على لسانه في باب النكاح المتعة كما وضعوه في باب متعة الحج وهوأيضاً عن لسان ولدي محمد عن أبيهما عنه فقد روى البيهقي : « عن عبدالله والحسن ابني محمد عن أبيهما : أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه ، قال : يابني أفراد بالحج فإنه أفضل »(1) .
وثانياً : إن تحريم متعة النساء كان يوم خيبر وهذا ما غلطه وكذبه كبار الحفاظ ، ثم حاورا في توجيهه :
قال ابن حجر بشرحه عن السهيلي : « ويتصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال ، لأن فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر ، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر »(2)
وقال العيني بشرحه : « قال ابن عبدالبر : وذكر النهي عن المتعة يوم خيبر غلط »(3) .
وقال القسطلاني بشرحه : « قال البيهقي : لا يعرفه أحد من أهل السير »(4) .
وقال ابن القيم : « قصّة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات ، ولا استأذنوا في ذلك رسول الله ، ولا نقله أحد قط في هذه الغزوة ، ولا كان للمتعة فيها ذكر ألبته لا فعلا ولا تحريماً »(5) .
وقال ابن كثير : « قد حاول بعض العلماء أن يجيب عن حديث عليّ بأنه وقع فيه تقديم وتأخير. وإلى هذا التقرير كان ميل شيخنا أبي الحجاج المزي. ومع هذا
__________________
(1) سنن البيهقي 5 / 5.
(2) فتح الباري ـ شرح البخاري 9 / 138.
(3) عمدة القاري ـ شرح البخاري 17 / 246.
(4) إرشاد الساري ـ شرح البخاري 6 / 536 و 8 / 41.
زاد المعاد في هدي خير العباد 2 / 184.
ما رجع ابن عباس عمّا كان يذهب إليه من إباحتها »(1) .
وثالثاً : إن ابن عباس كان على خلاف أمير المؤمنينعليهالسلام في مثل! هذه المسالة.
وهذا مما لا نصدقه ، فإبن عباس كان تبعاً لأميرالمؤمنينعليهالسلام لا سيما في مثل هذه المسألة التي تعد من ضروريات الدين الحنيف.
ولو تنزلنا عن ذلك ، فهل يصدّق بقاؤه على رأيه بعد أن بلّغه الإمامعليهالسلام حكم الله ورسوله في المسالة؟!
كلا والله ، ولذا اضطر الكذابون إلى وضع حديث يحكي رجوعه قال ابن تيمية : « وروي عن ابن عبّاس أنه رجع عن ذلك لما بلغه حديث النهي »(2) .
لكنه خبر مكذوب عليه ، قال ابن حجر العسقلاني عن ابن بطال : « وروي عنه الرجوع باسانيد ضعيفة »(3) ولذا قال ابن كثير : « ومع هذا ما رجع ابن عباس عما كان يذهب إليه من إباحتها ».
نعم ، لم يرجع ابن عباس حتى آخرلحظة من حياته :
أخرج مسلم عن عروة بن الزبيرأن عبدالله بن الزبير قام بمكة فقال : « إن أناساً أعمى الله قلوبهم ـ كما أعمى أبصارهم ـ يفتون بالمتعة ، يعرض برجل. فناداه فقال : إنك لجلف جاف ، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد إمام المتقين ـ يريد رسول الله ـ. فقال له ابن الزبير : فجرب بنفسك(4) ، فوالله لئن فعلتها لأرجمنك باحجارك »(5) .
وابن عباس هو الرجل المعرض به ، وقد كان قد كفّ بصره ، فلذا قال :
__________________
(1) تاريخ ابن كثير 4 / 193.
(2) منهاج السنة 2 / 156.
(3) فتح الباري 9 / 139.
(4) رواه بعضهم بلفظ : « فجرت نفسك ».
(5) صحيح مسلم. كتاب النكاح باب المتعة. بشرح النووي 6 / 133.
« أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم ». وقد وقع التصريح باسمه في حديث أبي نضرة الذي أخرجه مسلم أيضاً وأحمد.
فهذا حال ابن عبّاس وحكمه في زمن ابن الزبيربمكة فابن عباس كان مستمر القول على جواز المتعة ، وتبعه فقهاء مكة كما عرفت ، ومن الواضح عدم جواز نسبة القول بما يخالف الله ورسوله والوصي إلى ابن عباس ، لوكان النبي قد حرم المتعة وأبلغه الإمام به حقاً؟
هذا ، وقد رأيت أن الأحاديث المتعارضة المروية عن أمير المؤمنينعليهالسلام في تحريم رسول اللهصلىاللهعليهوآله نكاح المتعة مروية كلها بسند واحد فكلّها عن الزهري عن ابني محمد عن أبيه
وبغضّ النظرعما ذكروا بترجمة عبدالله والحسن ابني محمد بن الحنفية
وعما جاء في خبرالحسن بن محمد عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبدالله من « أن رسول الله أتانا فاذن لنا في المتعة »(1) من الدلالة على عدم قولهما بالحرمة ، إذ لا يعقل أن يروي الرجل عن هذين الصحابيين حكم التحليل ولا يروي عنهما ـ أو لم يخبراه ـ النسخ بالتحريم لو كان :
بغضّ النظرعن ذلك
وبغض النظر عن التكاذب والتعارض الموجود فيما بينها
فإن مدار هذه الأحاديث على « الزهري ».
__________________
(1) أخرجه البخاري ومسلم في باب المتعة. وأحمد في المسند 4 / 51.
وهذا موجز من ترجمة « الزهري » الذي وضع الأحاديث المختلفة المتعارضة على مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام :
1 ـ كان من أشهر المنحرفين عن أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكان يجالس عروة بن الزبير فينالان منه.
2 ـ كان يرى الرواية عن عمر بن سعد بن أبي وقاص ، قاتل الإمام الحسين بن عليعليهماالسلام .
3 ـ كان من عمال الحكومة الأموية ومشيّدي أركانها ، حتى أنكر عليه كبار العلماء ذلك.
4 ـ قدح فيه الإمام يحيى بن معين حين قارن بينه وبين الأعمش.
5 ـ كتب إليه الإمام عليّ بن الحسين زين العابدينعليهالسلام يوبّخه ويؤنبه على كونه في قصورالظلمة ولكن لم ينفعه ذلك!!
وإن شئت التفصيل فراجع رسالتنا حول صلاة أبي بكر؛
ويتخلّص البحث في خصوص نكاح المتعة في خطوط :
1 ـ إنه من أحكام الإسلام الضرورية بالكتاب والسنة والإجماع ، وكان على ذلك المسلمون قولاً وفعلاً.
2 ـ وإن عمر بن الخطاب حرّمه بعد شطرمن خلافته.
3 ـ واختلف القوم ـ بعد الإقرار بالأمرين المذكورين ـ واضطربوا في توجيه تحريم عمر :
فمنهم من قال بان النسخ كان من النبيصلىاللهعليهوآله ولم يعلم
به غير عمر ، وهذا من البطلان بمكان.
ومنهم من قال بان التحريم كان من عمر نفسه لكن يجب اتباعه ، لقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ». ولكن هذا الحديث من أحاديث سلسلتنا!!
ومنهم من قال بان المحرم هو النبيصلىاللهعليهوآله نفسه ثمّ اختلفوا في وقت هذا التحريم على أقوال ، واستندوا إلى أحاديث لكنها أحاديث موضوعة
4 ـ وإذا كانت حلية المتعة من أحكام الإسلام ، والأحاديث في تحريم النبي موضوعة ، وإن عمر هو الذي جرّم ، وأن الحديث المستدلّ به لوجوب اتباعه يشكل الحلقة السادسة من سلسلتنا
فما هو إلآ « حدث » وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله « إياكم ومحدّثات الأمور ».
أقول :
هذا ما توصّلت إليه في هذا البحث الوجيز الذي وضعته في حدود الأحاديث والأقوال الواردة فيه ، من غيرتعرّض للأبعاد المختلفة والجوانب المتعدّدة التي طرحها الباحثون من فقهاء ومتكلمين في كتبهم المفضلة المطولة
والله أسال أن يوفقنا لتحقيق الحق واتباعه ، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، وأن يحشرنا في زمرة محمد وآله وأشياعه ، إنه هو البرّ الرحيم.
* * *
الفهرس
رسالة فى المتعتين. 1
متعة الحج : 6
موقف علي وكبار الصحابة من تحريمها : 6
دفاع ابن تيميّة ثم إقراره بالخطأ : 9
متعة النساء : 11
ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع : 12
تحريم عمر : 13
موقف علي وكبار الصحابة من تحريمها : 16
الأقوال في الدفاع عن عمر : 17
نقد القول بأنّ النسخ من النبي ولم يعلم به إلا عمر : 19
نقد القول بان التحريم من عمر ويجب اتباعه : 19
1 ـ حديث التحريم عام الفتح : 22
2 ـ حديث التحريم في غزوة تبوك : 23
3 ـ حديث التحريم في غزوة حنين : 23
4 ـ حديث التحريم في يوم خيبر : 24
نقود مشتركة : 26
نقد حديث عام الفتح. 27
نقد حديث حنين. 27
نقد حديث غزوة تبوك. 28
نقد حديث يوم خيبر. 29
1 ـ تعارض الحديث عن علي في وقت التحريم : 29
2 ـ تلاعب القوم في لفظ حديث خيبر : 31
3 ـ نظرات في دلالة حديث خيبر : 32
4 ـ نظرات في سند ما روي عن علي عليهالسلام : 35
موجز ترجمة الزهري : 36
نتيجة البحث في نكاح المتعة : 36
الفهرس. 39