تاريخ الشيعة بين المورخ والحقيقة
تأليف
الدكتور نورالدين الهاشمي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة على خاتم
المرسلين محمّد وآله الغرّ الميامين
من الثوابت المسلّمة في عملية البناء الحضاري القويم ، استنادُ الاُمّة إلى قيمها السليمة ومبادئها الأصيلة ، الأمر الذي يمنحها الإرادة الصلبة والعزم الأكيد في التصدّي لمختلف التحدّيات والتهديدات التي تروم نخر كيانها وزلزلة وجودها عبر سلسلة من الأفكار المنحرفة والآثار الضالة باستخدام أرقى وسائل التقنية الحديثة.
وإن أنصفنا المقام حقّه بعد مزيد من الدقّة والتأمّل ، نلحظ أنّ المرجعية الدينية المباركة كانت ولا زالت هي المنبع الأصيل والملاذ المطمئن لقاصدي الحقيقة ومراتبها الرفيعة ، كيف؟! وهي التي تعكس تعاليم الدين الحنيف وقيمه المقدّسة المستقاة من مدرسة آل العصمة والطهارةعليهمالسلام بأبهى صورها وأجلى مصاديقها.
هذا ، وكانت مرجعية سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني ـ مد ظلّه ـ هي السبّاقة دوماً في مضمار الذبّ عن حمى العقيدة ومفاهيمها الرصينة ، فخطت بذلك خطوات مؤثّرة والتزمت برامج
ومشاريع قطفت وستقطف أينع الثمار بحوله تعالى.
ومركز الأبحاث العقائدية هو واحد من المشاريع المباركة الذي أسس لأجل نصرة مذهب أهل البيتعليهمالسلام وتعاليمه الرفيعة.
ولهذا المركز قسم خاص يهتم بمعتنقي مذهب أهل البيتعليهمالسلام على مختلف الجهات ، التي منها ترجمة ما تجود به أقلامهم وأفكارهم من نتاجات وآثار ـ حيث تحكي بوضوح عظمة نعمة الولاء التي مَنّ الله سبحانه وتعالى بها عليهم ـ إلى مطبوعات توزع في شتى أرجاء العالم.
وهذا المؤلَّف ـ تاريخ الشيعة بين المؤرّخ والحقيقة ـ الذي يصدر ضمن « سلسلة الرحلة إلى الثقلين » مصداق حيّ وأثر عملي بارز يؤكّد صحة هذا المدعى.
على أنّ الجهود مستمرة في تقديم يد العون والدعم قدر الإمكان لكلّ معتنقي مذهب الحقّ بشتى الطرق والأساليب ، مضافاً إلى استقراء واستقصاء سيرة الماضين منهم والمعاصرين وتدوينها في « موسوعة من حياة المستبصرين » التي طبع منها ثلاثة مجلّدات لحدّ الآن ، والباقي تحت الطبع وقيد المراجعة والتأليف ، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يتقبّل هذا القليل بوافر لطفه وعنايته.
محمّد الحسّون مركز الأبحاث العقائدية 28 جمادى الآخرة 1427 هـ |
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلّف
حتى نفهم التاريخ
الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
هل نكون متطرفين فنعلن أنه لا علم إلاّ علم التاريخ؟!
قد تكون هذه الأُطروحة واردة ، ولمَ لا؟! خصوصاً في ظلّ ما يلقيه التاريخ وتمحوراته الزمانية على الحياة البشرية من انعكاسات ، بحيث يعكس تلك الصيرورة البشرية والتطوّر الناتج عنها من ذلك المجتمع البدائي الذي كان الإنسان فيه بالكاد يجد قوت يومه حيث يصارع قساوة الطبيعة وظروف الحياة إلى زمان صارت فيه إمكانية الراحة المادية متاحة ، لتُظهر لنا بذلك التفوّق البشري على معطيات الطبيعة تحت عامل الحاجة والبحث عن إمكانيات أفضل وطريقة عيش أحسن.
ونتج عن هذا تطور في العقل البشري ، هذا العقل الذي لم يقف فقط عند الإشباع الحسي للذات البشرية ، بل تعداه إلى اختراق النزوات
المادية باحثاً عن الاكتمال الروحي المرتبط بالمعنى العقلي والنفسي ، ليبرز نفسه في مرآة التاريخ كحالة معرفية تقنية ; أي أن المعطى المعرفي الذي ينتج يلقي بظلاله على المعطى المادي فتقع آثار المعرفة على المادة ، فترفع هذه الأخيرة مستوى نوعية وقدرة المعرفة المادية.
وقد نعلن واقعية هذه الحقيقة إذا توقفنا عند بُعدها الثقافي ، وحصرنا التاريخ في الأحداث والوقائع ، بحيث يتجلى لنا هذا فيما أوردته كتب التاريخ وما سطره المؤرخون ، ويكون بذلك التاريخ على حد قول ميشله : هو معرفة الدقائق والخصائص والمميزات التي تعطي للواقع صبغته الوجودية ; أي أنه ( الواقع ) يقرر بالشكل الذي يدون ويصير بهذا علمُ التاريخ ، ويقصد هنا التاريخ الرسمي ممارسة فعل تعسفي وقمعي على أحداث الواقع ليتكيّف مع طبيعة الحالة السياسية المسيطرة في تلك الحالة.
قد يكون هذا منطق المؤرخ ، أي أنه ينسجم وذاته بحيث يعكس واقعه كمؤرخ ناطق باسم الجهة التي يعلن الانتساب إليها ، سواء كانت هذه الجهة سياسية فيكون المؤرخ ممثلاً لها وهذا ما نجده على أرض الواقع بحيث صارت أغلب التواريخ السائدة معبرة عن سياسة عصرها والحامية لها ، أو ممثلة لتيار فكري سائد في زمانها ، ويظل الجمهور محروماً وأسيراً للنخبة الحاكمة ، ويبقى متأثراً بطبيعة هذه النخبة ومدى ملامستها للحقيقة ، لأن الكلام في هذا المجال أوجب التمييز والتفريق في التاريخ نفسه ، يعني بين التاريخ المروي أو باصطلاح آخر مادوّنه المؤرخ ، والتاريخ الواقعي وهو ما حدث كوقائع حقيقية.
ويبقى تدخل المؤرخ في هذه الوقائع هو المحدد الحقيقي لمصير التاريخ ، سواء بعرض الواقعة كحادثة حقيقية وإدراجها في المدوّنة التاريخية بالشكل الذي حدث ، أو الحاق هذا المصير إلى عالم التيه التاريخي وإدخال المجتمع في تعسّف قد يكون معرفياً ، مما يجعل الناس يعيشون منذ تحريف المؤرخ لذلك الحدث على كذبة قد تكون قاصمة لوجودهم الديني والروحي. والأمثلة على هذه متعددة في كل التواريخ العالمية ، وعلى رأسها التاريخ الإسلامي.
وأحد الأمثلة الواضحة التي تدل على اعطاء المؤرخ الحكم قبل التفصيل في الخبر مثلا : ما أورده المؤرخ المغربي الناصري في كتابه قائلاً : ثم دخلت سنة تسع وثمانون ومائة وألف ، فيها كانت الفتنة العظمى التي هي خروج العبيد على السلطان وبيعته لابنه المولى يزيد وكان السبب في ذلك(1) .
ويعلق الدكتور عبد الله العروي على هذا الخبر بقوله : يبدأ الناصري الذي يروي بوسائط عن شاهد عيان بنعت الحدث ( الفتنة العظمى ) قبل أن يفصّل الأحداث التي تستحق هذا النعت(2) .
هذا الموقف هو ناتج عن ذهنية مسبقة أطّرتها الوضعية السياسية والثقافية لتلك الحقبة ، بل أكثر من هذا ، فبالإضافة إلى قراءة الأحداث والصاق الحكم عليها سارعت يد المؤرخ إلى شرعنة الوضع القائم.
__________________
1 ـ عبد الله العروي ، مفهوم التاريخ : 2 / 243.
2 ـ المصدر السابق.
وقد تجلى هذا خصوصاً في التاريخ الإسلامي ، حيث لم يلعب المؤرخ دور الباحث عن أحداث التاريخ ، بل مارس إلى جانبه دور الفقيه والقاضي.
ويلاحظ هذا مثلا عند الطبري حيث أنه كان يضفي الشرعية على الواقع خلال ذكره للوقائع التاريخية ، وخصوصاً ما أنتجه هذا الواقع من التقديس ، والذي وقف حجر عثرة أمام تحرّر الفكر والبحث عن الحقيقة.
لهذا ، فالانطلاقة نحو التحرّر المعرفي هو ما جاء على قول ، حيث أنه ذهب إلى أن علم التاريخ يبدأ بنقد التقليد ، وقد نعبرّ عنها بصيغة أُخرى وهي أنّ علم التاريخ يبدأ بتحريك الزمن التصوري للأمة ، وهي إنطلاقة الفعل المعرفي كآلية حتى يخرج التاريخ وأحداثه من التجميد الممارس عليه فيحدث ثورة في بنيته كي تعطي للواقع ديمومته واستمراريته ، مما يواكبه تحريك للزمن التاريخي.
وقد نجزم كون تحريك هذا الأخير هو الباعث على إيجاد المسار الصحيح للتطوّر.
وقد نلامس هذه الحقيقة بوضوح في النهضة الأوربية بعد ما أُعلنت الثورة على المقدس المزوّر ، فتفاعلت الثورة الفكرية والثقافية مع الوقائع التاريخية لتخرج أوربا بذلك من ذلك الجمود المقيت والتخلّف الذي كان سائداً آنذاك ، ولا ندعوا في كلامنا هذا بالثورة على المطلق من الدين ، لأن التفاوت بين الديانتين واضح عند الجميع.
لكن التاريخ الإسلامي كما أسلفنا مسبقاً قد تعرّض لعملية تحوير ،
فأُلحق بالمقدس من الدين مقدسات تاريخية لها نفس الأثر الذي لعبته الخرافات التي كانت تحبس الفكر المسيحي عن التحرك ; وهي اتحاد السلطة السياسية مع السلطة الثقافية ، لكن إعلان الثورة على هذه الثنائية وتحقيق التحرّر الكامل للسلطة الثقافية هو المنبع الذي حرك الزمن الأوربي.
إن تحريك هذا الزمن في التاريخ الإسلامي ينطلق من الفصل بين نقطتين في الفكر الاسلامي ، وهو : ما المقصود بالمقدس الإسلامي؟ وما حدود هذا المقدس؟
إن هذه النقطة جوهرية ، بحيث أنّ مجموعة من الأشياء أكتسبت قدسيتها من قوتها كواقع ، سواء كأشخاص وهذا ما أظهر لنا مثلاً عدالة الصحابة(1) رغم ما يخالف هذا المبدأ الطبيعة البشرية للأشخاص وكيف سرى هذا المفهوم من عدالة النبي وعصمته إلى عدالة وعصمة أصحابه ، أو كنظام سياسي يصبغ على نفسه الصبغة الدينية لكي يكتسب مشروعيته على الرغم من عدم وجود مبرر شرعي له.
وقد بيّن هذا المفهوم أحد الفقهاء الشافعيين وهو بدر الدين بن جماعة ، حيث قال « فإن خلا الوقت عن إمام فتصدى لها من هو ليس من أهلها وقبل الناس بشوكته وجنوده بغير بيعة أو استخلاف ، انعقدت بيعته ولزمت طاعته ، لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم ، ولا يقدح في ذلك كونه جاهلا أو فاسقاً في الأصح ، وإذا انعقدت الإمامة بالشوكة
__________________
1 ـ للتفصيل أُنظر : الثابت والمتحول « الفصل الأوّل ».
والغلبة لواحد ، ثم قام آخر فقهر الأول بشوكته وجنوده ، انعزل الأول وصار الثاني إماماً لمّا قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم(1) .
والشيء الجلي الذي يمكن استخلاصه من هذه المقولة وغيرها كثير في الآثار الإسلامية ، وهو محاولة لتبرير الواقع والقبول به كأمر حتمي ، بعد تناسي التجليات التي يمكن أن يسقطها على جميع المستويات المرتبطة بالمجتمع.
وقد لا يفطن الدارسون لما يمكن أن يؤدي إليه هذا التبرير ، فيصير بذلك إلزاماً طرح سؤال مهم طرحه أفلوطين في ميدان البحث التاريخي ، لأن الهدف المتوخى منه هو وضع الاصبع على الخلل في هذا الركام الملغوم ، وبالتالي فأي مذهب يؤدّي بنا إلى حيث يجب أن ننطلق(2) .
لقد شكلت هذه النقط الهاجس لكل المؤرّخين من أجل الخروج من المأزق الحالي ، ومن هذا التوقّف الإضطراري للتاريخ الإسلامي وبحثهم الجاد حول كيفية تفعيله.
لكن رغم كل ذلك لازالت التنظيرات منحصرة في العقلية اللاتاريخية
__________________
1 ـ بدر الدين بن جماعة ، تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ، مخطوط ، نشرته مجلة Islamica 1935 ص 357. ويمكن مراجعة كل ما كتب في الفقه السياسي من قبيل الأحكام السلطانية وغيرها حتى تبيّن لك هذه التبريرات غير الشرعية.
2 ـ أفلوطين ، تاسوعات أفلوطين ، التاسوع 1 ، الفصل 2 ص 66 ، ترجمة الدكتور فريد جبر ، ط 1 سنة 1997.
للقرون الوسطى بحيث تحوّل التفاعل مع الجامد من ذلك التاريخ ، رغم ما يمكن أن تدعيه من محاولات تثويرية ، لكونها لا زالت تستنسخ النماذج القديمة ، مما يعني الوقوف عند زمن تصوري جامد يغيب فيه الفاعل التاريخي كعنصر اجتماعي مهم.
ويبقى بذلك الطرح التاريخي الموجود عبارة عن تاريخ افراد لا بمعنى الشخص الواحد ، ولكن أحادية الفرد داخل تكتل معيّن ( سلطوي ) والذي أعطى انطباعاً تاريخياً فردانياً يوافق تمام المرحلة التي انشأها وغاب عن التاريخ تاريخُ الجماعات.
إن الإشكالية التي يمكن أن نخلص إليها من خلال الاطلاع على المدونات التاريخية وخصوصاً منها التي كرّست تاريخ الأفراد تتمثّل في تكريس حتمية النص الرسمي وإصباغه بصبغة الاجماع ، كي يتم التوافق على حقيقته وواقعيته.
لذا يبقى المخرج الوحيد لهذه الإشكالية هو رفض هذه الحتمية ، وإدخال المبحث التاريخي موقع الشك حتى يتسنى التعامل معه من جميع النواحي.
كما أن وجود مجموعة من الحوادث والأخبار والتي كانت محل رفض التاريخ الرسمي ، وتم إبطالها وإخراجها من جريان أحداث التاريخ رغم ما يمكن أن تصل إليه من تواتر ، فالمتطّلع بعين المؤرخ يجب أن ينظر إلى كون وجود هذا الحدث ليس صدفة ، ولكن احتمالية وقوع الحدث مرتبطة بتكرار نوع الخبر ، حيث لا يمكن أن يكون ذكره عبثاً ، فمثلا لو اشتهر بين الناس وقوع كسوف سنة ( س ) ، وتزايد عدد
الراوين للخبر ، فوجوده ليس مجرد صدفة ولكن شيئاً وُجد في تلك السنة جعل الناس يعتقدون بحدوث الكسوف ، وبمعنى آخر حتى لو صار الحدث التاريخي كذباً فإن الحالة تثبت بوجود أشياء تسببت في نشوء هذه الكذبة ، ومنه لابد من دراسة كل الجوانب المحيطة بالخبر وليس فقط عين الخبر.
وأسلفنا سابقاً كون التقاطع الذي حصل بين الكنيسة ودعاة التحرير هو المدعاة لتلك الثورة المعرفية ، بعدما أحسّ الناس بجمود في الدين الذي يعتقدونه واعتباره العائق نحو التقدم.
وكانعكاس على الساحة الإسلامية فإن التقاطع الحاصل والذي يجب التخلص منه هو هذا التاريخ المتجمد من أجل التحرر ، إذ أن المجتمع الذي لم يعرف ثورة علمية فإن تاريخه مجمَّد يدخل الكون الزمان ويخرج منه في اللحظة كما تشير إلى ذلك كلمة وقع ، ولا يوجد فرق في هذه الحالة بين التاريخ والرواية ، الماضي والحاضر ، الفرد والجماعة(1) ...
وتتميّز كذلك الدراسات بانعدام الجرأة العلمية لاقتحام ذلك الركام التاريخي رغم الاقتناع الكامل بكون الخلل هناك موجود مخافة الوقوع في منزلقات وهمية تركبت بذهنية البعض جراء التعامل المهيب والمقدس مع التاريخ الديني ، والذي اكتسب قدسيته بإيحاءات سلطانية فأعطت له صبغة شرعية.
__________________
1 ـ مفهوم التاريخ ، عبد الله العروي : 2 / 403.
ومن هنا يتم فهم تردد المؤرخ إزاء الخوض في مسائل معرفيات التاريخ ، يمشي فلا يهمه أن يعرف كيف ولماذا يمشي ، يخشى إن هو توقف ليسائل نفسه ، يسقط إما في أحبال النظاميين ومؤرخي السلطة ، وإما في متاهات الذات صحبة دعاة التأصيل ، ويعلم أن نطاق التاريخ محدود بما هو رسمي وما تداولته الموسوعات القديمة من جانب وبالحقيقة من جانب آخر ، وأن المفهوم لا يتضح في الافهام إلاّ بالمقارنة مع كل واحد منها ، ولكنه لا يقول رغم ذلك أن النظرية على هذا المستوى من التجريد لا تفيده ، لأنّ عنده الإحتراز واجب ، ونحن قلنا ذلك منذ البداية ، لكن التاريخ لا يهم المؤرخ وحده ، يهم المجتمع ككل ، وهل يستطيع أن يحفظ الذكر من يجهل مزالق الفهم؟(1)
بقي الهم الوحيد الذي يجب إدراكه هو تحديد ماهية التاريخ وقيمته ، بحيث يتم إدراجه كعلم لدراسة الشواهد والأحداث وتخليصه من الأسطورية والقدسية التي انطبع بها كي يعبرّ عن المحيط الطبيعي الذي أنتجه حتى يتسنى لنا أن نوحّد معرفيا علم الماضي وعلم الحاضر بإخضاع كل واحد للآخر.
إذن ، تبقى المباحث المدروجة في الكتاب هي محاولة للثورة على المعتقد القديم والسائد وكمحاولة لإخراج دراسة تاريخ الإسلام من الحالة التي وجد عليها إلى حالة أكثر ديناميكية ، تكشف القناع عن المستور وتُفعِّله كي تهتز الأسس المهترئة والتي وقعت تحت تعسف
__________________
1 ـ عن عبدالله العروي بتصرف ، مفهوم التاريخ : 2 / 407.
التاريخ ، ومطارحة جديدة لفكر ظل طوال التاريخ يمارس حالة المعارضة على كل الأصعدة سواءاً منها السياسية أو الثقافية ، ومحاولة إبراز بعض المعالم المعرفية التي حاول التاريخ الرسمي تهميشها وإخراجها من دائرة الفكر الإسلامي ، كي نستطيع الوصول إلى تاريخ جماعي تسوده سلطة المعرفة وتغيب عنه سلطة الدولة ، تاريخ يؤمن بالحوار المفتوح والذي هو منهج الإسلام( قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ ) [ آل عمران : 64 ].
و( ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [ النحل : 125 ].
لننسى آلام التاريخ الماضي تاريخ السيوف المسلّطة على رقاب المعارضين حتى قال أحدهم : « إني قد رأيت رؤوساً قد أينعت وقد آن أوان قطافها وإني لأنا قاطفها ».
نفتح حواراً صريحاً يجمع كل الطوائف الإسلامية كي تضع يدها على الخلل الذي جعل الأمة الإسلامية تصل إلى ما هي عليه الآن ، وذلك في انتظار الموعود الإلهي بالخلافة الدائمة في الأرض( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ) [ الأنبياء : 105 ].
إن هذه الدراسة حاولت ملامسة بعض الجوانب الغامضة من التاريخ الإسلامي ، من خلال موسوعتين تاريخيتين ، وهما : البداية والنهاية ، وموسوعة التاريخ الإسلامي. وهي ليست كافية بالشكل الذي نجيب فيه عن الثغرات الموجودة ، لكن هي محاولة جادة للخروج من ذلك
الروتين الروائي الذي امتلأت به كتب التأريخ ، وإحداث نمط خاص وهو الوقوف عند علل هذا الخلل التاريخي.
وقد حاولت في كتابي هذا أن أخرج من ذلك الموقف المتتبع للرواية إلى الحالة التأسيسية لمشروع يعتمد على اكتشاف الأسباب التي جعلت هذه الروايات تدرج وتوجد بهذه الحدة ، وكذلك بغية إيجاد منهج يثير الآخر في التعامل معها دون الإنطلاق منها كمقدسات ، ليتناولها من دون لحاظ قداستها حتى لا يبقى هذا التاريخ والوقائع كابوساً نتمنى أن ننفلت منه بأية وسيلة سنحت.
ويبقى هناك سؤال مطروح ـ وقد حاولنا الإجابة عنه من خلال هذه الدراسة بطريقة أو بأُخرى وهو هل يسع التاريخ المحفوظ أن يكون بالنسبة لنا سبيلاً لإصلاح اوضاعنا المعاصرة والوصول إلى مرحلة الانجاز والتحرر من القيود التي عرقلت مسيرتنا نحو التكامل؟
نور الدين الهاشمي مكناس 28 / 2 / 2000 م 15 ذي القعدة 1420 هـ |
إلهي عظم البلاء وبرح الخفاء وانقطع الرجاء وضاقت الأرض ومنعت السماء وإليك الـمشتكى وعليك المعوّل في الشدّة والرخاء. اللهم صـلّ على محمد وآل محمد أُولي الامر الـذيـن فـرضـت علينا طاعتهم وعرّفتنا بذلك منزلتهم ففرّج عنّا بحقّهم فرجاً قريباً عاجلا كلمح البصر أو هو أقرب. |
الفصل الأوّل
الخطاب التاريخي من أين؟
« لا تاريخ للكون ، ما نسمّيه كذلك إنما هو في الحقيقة تاريخ تصورات البشر حول الكون » عبد الله العروي |
التورخة!
كثيراً ما صيغ التاريخ ، وقيل : إن ذلك من أجل العبرة والعبر ، وكذلك من أجل حفظ وعي الأمة وذكراها حتى لا تنسى ماضيها وتبقى مرتبطة به.
لكن إلى أي حد عبّر هذا التاريخ عن وعي الأمة الحقيقي؟ لأن كتابة التاريخ تتداخل فيها الآنات ذات الاتجاهات المتعددة ، والمرتبطة باللحظة التي وافق فيها المؤرخ نفسه على صياغة مشروعه التاريخي.
فتبقى هذه المادة التاريخية معبرة بطبيعتها عن وجهة نظر المؤرخ ، وذلك على حد قول ابن خلدون : إن التاريخ نظر لا مجرد رواية(1) ، ومنه يصبح نظر المؤرخ هو المحدد لنوعية المادة التاريخية.
إذن ، فهناك علاقة وطيدة بين المؤرخ كفاعل والمادة التاريخية كأرضية لهذا الفعل ، أي أن التاريخ هو التفاعل الناتج عن التقاء المؤرخ والمعلومات المرتبطة بالماضي والتي نسميها تاريخية.
وبتعبير آخر هي مجموع المعلومات المرتبطة بالزمن الغابر الماضي ومعرفة الشخص المؤرخ بها ، ومن ثم يكون إدراكه لها ليس كلياً ،
__________________
1 ـ نقلا عن عبد الله العروي ، مفهوم التاريخ : 1 / 36 ، الطبعة 3 ، 1997 ، المركز الثقافي العربي.
ودليلا على أن في التاريخ أحداث مجهولة بفعل جهل المؤرخ لها وعدم اطلاعه عليها ، أو بفعل تجاهلها لظروف خاصة ولم تؤرخ.
وبعدها فإننا نستنتج أن التاريخ حتماً لا ينفصل عن الإنسان وبخاصة الإنسان المختص والذي اصطُلح عليه بالمؤرخ ، فتقودنا النتيجة بطبيعة الحال إلى القول بأن التاريخ هو تاريخ البشر وللبشر. وكما يقال : أن التاريخ بشري بالتعريف أي أنه استحضار يقوم به المؤرخ في لحظة تصوير حركة التاريخ وكتابته ( الاسطوغرافيا ) ; وعلى حد تعبير « مارك بلوك » : أن الأحداث التاريخية هي في جوهرها وقائع نفسية بمعنى حضور مؤثرات أثناء ممارسة التدوين والتأريخ ، والتي تعطي للمادة التاريخية صورة تعكس طبيعة الشخص المشتغل بها.
ويمكن قراءة هذه المسألة من وجهة نظر علم التطور ( L¨EVOLOTION ) وبالضبط مع النظرية اللامركية ( Lamark ) فيما يخص التطور الطبيعي والتي تعتمد في مقولاتها على تأثير الظواهر الطبيعية على ظاهر النوع المدروس ; أي مثلا أن التغيير الفينوتيبي ( Phenotype ) لنبتة ما في وسط ما مثلا في أعلى قمة جبل حيث قوة الرياح قوية تجعلها قصيرة الشكل ، لكن وجودها في منطقة منخفضة حيث تزول هذه العوامل يجعلها طويلة القامة.
فكذلك حال المؤرخ والمادة التاريخية فهو يهادن الأجواء الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المحيطة به ولا يجد مفراً من الخضوع لها من أجل الحفاظ على مكانته ومنزلته داخل الوسط فيصبح بذلك كلّ ما دُوِّن هو ما أراده المؤرخ لهذا الإنسان ، وليس ما يريده
الإنسان أي أن موضوع التاريخ ليس ما يريد الانسان بل هو تصورنا لما يريد(1) .
ونصل إلى نتيجة حتمية وهي أن التاريخ ليس ثابتاً ككتابة ، بل هو متغير على حسب طبيعة المؤرخ. فتاريخ اليعقوبي(2) مثلا ليس فيه من الشبه ما يجعله مثيل الطبري نظراً لتدخل الشخصية في المعطيات المتواجدة ; ومنه يجب أن نعلم أن التاريخ لا يكتب مرة واحدة بل تعاد كتاباته باستمرار تحت إيحاء وضغط اسئلة يلقيها الحاضر على الماضي ، وتتجاوب فيها النزاعات الفردانية لكل شخص ، وبكل تلاوينها ، ويكون الخاسر فيها هو الإنسان الذي من أجله صيغ هذا التاريخ.
والملاحظة التي يجب أن لا نغفل عنها وعلينا أن نأخذها بعين الإعتبار والجدية هي أن كبار المؤرخين كانوا رجال تاريخ بمعنى مزدوج ; رجال سياسة ، ورجال دراسة ، ذاكرين التاريخ ومؤثرين فيه ، بل لا يوجد مؤرخ محترم لم يحاول أن يلعب دوراً سياسياً. ومن ثم تغيب المصداقية للمادة التاريخية بحيث تصبح في غالبها تمثيلا ورؤية للقوة المسيطرة ، يغيب فيها تاريخ المعارضة. ولا يقف الأمر عند هذا
__________________
1 ـ تولستوي نقلا عن عبد الله العروي مفهوم التاريخ ط3 سنة 1997 المركز الثقافي العربي.
2 ـ اليعقوبي الذي كان له الدور البارز في إحداث تجديد في صميم الكتابة التاريخية ( نقلا عن محنة التراث الآخر ص 25 ط1 سنة 1998 دار الغدير ) ورغم ذلك همش ولم يعتد به.
الحد ، بل يصبح تصوير المعارضة بالشكل الذي تريده السلطة أو المؤسسة الفاعلة ، وهذا ما يصادف قول « تولستوي » الذي ذكرناه سالفاً.
وأثناء فعل الكتابة التاريخية ( الاسطوغرافيا ) والتي تعتمد في أساسها على المرويات يدخل الراوي كفاعل أساسي فيه ، حيث يستحضر في مروياته لفظ الراوي أي بالنمط التقليدي على نمط قال فلان ، حدثنا فلان ، أو سمعت فلان.
وهنا تحضر شخصية المؤرخ بقوة إذ أنه لا يروي الخبر بقدر ما يستحضر الغائب(1) وهذا الغائب محل استفهام ، أي كيف يمكن قبول قول هذا ورفض قول ذاك؟ وماهي المعايير المعتمدة في تحديد أهلية الراوي للرواية؟
وهنا تتداخل الأنات وتدخل السياسة من بابها الواسع وتتبعها النعرات الايديلوجية فلهذا أصبح علم الرجال ضرورة حتمية.
والأمر هنا ليس مرفوضاً لذاته ، بل لطريقة تعاطي المؤرخين والعلماء المختصين به. فيصير بذلك الطعن في الشخص لمجرد ولائه الايديولوجي والذي بالطبع يخالف النمط السياسي المسيطر.
ويقال مثلا عنه مردود الرواية لأنه رافضي خبيث والتاريخ الإسلامي مليء بهذه النماذج.
__________________
1 ـ كلود برود « التاريخ في ممالك أغنى من ساحل العاج أنال » عدد 4 ، 1979 ص 1124 بواسطة عبد الله العروي.
فمثلا إذا اخذنا السدي وهو أحد الثقات الشيعة ، يقول عنه الجوزجاني : حدثت عن معمر عن ليث : كان بالكوفة كذابان فمات احدهما السدي والكلبي(1) ورغم توثيق بعض كبار علماء السنة له كابن حنبل يذكر الجوزجاني في شأن سعيد بن كثير : « سعيد بن كثير فيه غير لون من البدع وكان مخلطاً غير ثقة »(2) .
ويأتي ابن حجر ليبرر المسألة في قوله « سعيد بن كثير بن عفر رمي بالتشيع »(3) وكتب التاريخ حبلى بهذه النماذج.
وكمثال آخر للرواة ، وهم الرواة الذين تقبل رواياتهم رغم تجريح العموم لهم ، لأن مروياتهم تخدم الوضع القائم والذي يراد صياغته للناس. كمثال على ذلك مرويات سيف بن عمر التميمي والتي لم يتخلص منها التاريخ لحد الآن.
إذن يظهر لنا جليا بأننا نقف فوق تاريخ مأزوم بتداخل العناصر الفاعلة فيه والتي اعتقد أن الفاعل فيها هو المؤرخ والذي لم يصل إلى حد الاحترافية وتعري النزاهة بحيث أن المؤرخ المحترف في الأصل
__________________
1 ـ أسد حيدر الامام الصادق والمذاهب الأربعة : 3 / 510 ، الطبعة 3 ، 1411هـ. الناشر مكتبة الصدر بطهران.
2 ـ الجوزجاني : تذكرة الخواص 2 : 14 نقلاً عن الامام الصادق والمذاهب الأربعة.
3 ـ المصدر السابق وذكر ابن حجر الهيتمي في صواعقه المحرقة حديثاً مرفوعاً يقول : « يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة ، يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون » ص 5 نقلا عن محنة التراث الآخر.
والعمق دائماً حافظ ، محافظ ، ومتحفظ(1) .
إذن كسؤال جوهري إلى أي حد كانت هذه الشروط متوفرة في المؤرخ الإسلامي؟ ما هي المحددات الرئيسية لشخصية المؤرخ الإسلامي؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة ، لابد من الإشارة إلى التوجهات الحداثية في قراءة التاريخ الإسلامي ، هل استطاعت أن تخرج من بوتقة التقليد والعماء الايديلوجي لصياغة نزيهة وفق ما يريده البشر لا وفق ما يُراد للبشر؟
__________________
1 ـ عبد الله العروي ص 43 المصدر السابق.
التاريخ والحداثة
لقد أصبح التاريخ الإسلامي مادة خصبة لكل الدراسات نظراً لما يحوي في داخله من معطيات ; أي أن خصوبة هذه المادة التاريخية جعلت كل المدارس تطمع لقرائتها وتحويرها بالشكل الذي يفرضه منهج الدارس ، ومحاولة عرضه على الأشخاص تارة كحل جاهز بعد إزالة غبار التخلف عنه وتقديمه كقراءة بديلة وموافقة لمتطلبات العصر ، وتارة فقط بطرح أسئلة عليه وتقديمه كمادة ملغومة يجب التعامل معها باحتياط والسعي لانتقاء ما نراه الأفضل ; وذلك طبعاً وفق الحمولة المعرفية ورمي الباقي خارج التاريخ.
فتنوّعت بذلك القراءات مع اختلاف المناهج والآليات. وكما استخلصنا في المقام الأول على أن هذه المادة التاريخية الموروثة هي إنتاج فرضته اللحظة الزمنية والمكانية للمؤرخ ، نصل حتما إلى كون هذه المادة أصلا تشكّل مشكلا في حد ذاتها ، باعتبار تلاعبات الزمن فيها والتي هي في الواقع تلاعبات المؤرخ نفسه.
نضيف إليه كذلك الإشكال الثاني الذي له نفس الأهمية(1) ، وهو
__________________
1 ـ راجع ادريس هاني ، محنة التراث الآخر ص 24 ، ط1 ، سنة 1998 ، دار الغدير.
الفاعل في المادة التاريخية ، ذلك الحدثوي المتسلح بمعارف مدرسته ومناهجها والساعي لايجاد حل لهذه الأزمة.
لكن مع الأسف لم يتغيرأي شيء فأصبح ذلك الطابع السياسي القديم والذي هو مؤطر حتماً لايديلوجية السلطة الحاكمة المقنعة مُعبراً عنه بشكل ايديلوجي أوضح ; أي فقط بتغيير صفة المهيج. فإذا كان المؤرخ القديم يسعى لإثبات الشرعية للكيانات السياسية القائمة انذاك ، وعلى حد تعبير ادريس هاني بأن التاريخ العربي قتلته السياسة ، فإن القراءة التاريخية الحداثية غلب عليها الطابع الايديولوجي ، وأصبحت المادة التاريخية أسس لمجموعة من النظريات ، كالماركسية ، البنيوية والمناهج الإبستملوجية ، فجاءت الخزانة العربيّة والإسلاميّة زاخرة بعدة قراءات ابتداءاً من النزعات المادية لحسين مروة ونقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري إلى من العقيدة إلى الثورة لحسن حنفي.
ولكن يبقى سؤالا جوهرياً وهو : إلى أي حد استطاعت هذه القراءات أن تجيب على الإشكالات الأساسية للتاريخ الإسلامي؟
فإذا كان محمد عابد الجابري يحاول استنطاق المعقول العقلي من داخل التاريخ الإسلامي بآليات ابستملوجية وبنزعة عقلانية فعلى الرغم من وسع سعته فإنه جاء برغماتيا في نفس الوقت ، وتظهر من داخل نصوصه النزعة الايدلوجية المفرطة ، وكما قال عنه علي حرب في كتابه نقد النص على أنه يحاول أن ينتصر للمذهب السني على الشيعي وللفكر المغربي على نظيره المشرقي ، فتراه في كتاباته يجهد نفسه لجعل الغلبة للعالم الإسلامي السني المغربي ومحاولة إيجاد صيغة
مشروع إسلامي ينبني أساسه على علماء وفلاسفة من أهل المغرب كابن رشد على مستوى الفلسفة ، وابن حزم على مستوى الفقه ، والشاطبي على مستوى الأصول ، مما جعل قراءته تنطلي ببُعد ايديلوجي يغيب فيها المعقول العقلي على حد تعبيره. ويطبع عليها الانتقائية في التعامل مع المادة التاريخية ، وذلك وفق الميولات المعرفية له ، فاوقف شطراً كبيراً من المعرفة الإسلامية ووسمها باللامعقول الديني علماً أن رموزها المعرفية أبدعوا في مجالات المعرفة(1) ولكن نظراً لطابعهم الايدلوجي دخلوا في دائرة الغنوصي الافلوطيني.
وقد تكون المدرسة الماركسية منصفة باعتبار قربها من طبقة المعارضة ، ولكنها أفرطت في التعاطي مع الجانب الاقتصادي والمادي ، وهذا ما نراه من خلال كتاب النزعات المادية لحسين مروة او كتابات جل الماركسيين الذين جعلوا المشروع يأتي غير كامل وغير ملم بالجوانب الأخرى والتي لها الأهمية القصوى كالجوانب الاجتماعية ، والثقافية ، التي تلعب دوراً أساسياً في التاريخ العربي الإسلامي وإحدى مقوماته الأساسية.
أما حسن حنفي فقد عرف طريقه وحدد الوجهة الصحيحة حينما تحدث بمفاهيم جديدة وجذابة والتي تتمثل في هدم التراث وإعادة بنائه ، ومحاولة تثوير هذا التراث ، فإنه لم يخرج عن الإطار العام
__________________
1 ـ راجع هنرى كربان : تاريخ الفلسفة الإسلامية ترجمة نصير مروة وحسن قبسي الطبعة 2 سنة 1998 دار عويدات للنشر.
والمتمثل في النزعة الايديلوجية لطروحاته ، وكما يعبر عنها هو نفسه وبطريقه لا تثيره بكونه المعتزلي الوحيد حيث جعل مركز فكر التراث العربي والإسلامي هو الفكر الإعتزالي وعلى ضوئه تتم قراءة الأحداث التاريخية مما يعطيه بعداً برغماتيا في التعاطي مع الأحداث التاريخية ; فيغيب فيها النقد الموضوعي والقراءة الصريحة.
يظهر لنا إذن على أن الذاتية والأنا رغم تغيّر الزمان والمكان فإنها تبقى حاضرة بفعلها على المادة التاريخية ، وكما قال « كولينجورد » كلما خضع الإنسان في تصرفه لطبيعته الحيوانية ، لغرائزه وشهواته حاد عن شرعة التاريخ(1) .
ويبقى إذن أن نستلخص سؤالا جوهرياً يحدد أزمة التاريخ في الفكر الإسلامي العربي وهو كيف تعاطى المؤرخ الإسلامي مع الأحداث التاريخية؟ وماهي المحددات المتداخلة في إنتاج هذه المادة التاريخية؟
__________________
1 ـ عبد الله العروي ، مفهوم التاريخ : 1 / 36 ط3 ، سنة 1997 ، المركز الثقافي العربي.
التاريخ المقدس
ماذا نقصد بالتاريخ المقدّس؟
لعل ما يواجه أي دراسة هو صعوبة تحديد المصطلحات وإدراجها بالشكل الذي يناسب طبيعة الموضوع المدروس. وليس هناك من شك بأن الدراسات التاريخية تبقى مجالا خصبا لصياغة مفاهيم واستعمالها وفق الحالات الزمكانية للمادة المدروسة.
وكما أسلفنا سابقاً وفق المناهج المعتمدة والباحثة في التراث ، آثرنا في هذا المبحث استعمال مصطلح التاريخ المقدس لما له من دلالة عميقة وخصوصاً بالنسبة لتاريخنا الإسلامي ، والذي أُحيط بنوع من الهالة والقدسية أصبحت فيما بعد حاجزاً للغور في أعماقه ، والذي يؤثر سلبا على المردود المجتمعي العام ; بحيث لا يستطيع ممارسة النقد الذاتي ومن ثم لا يمكنه الخروج من بوتقة الظلم والذي سيؤدي حتماً إلى السقوط في التخلّف.
وهذا ما يمكن ملاحظته بالنسبة للمجتمع الإسلامي. بحيث ظل لسنوات طوال رهين قدسيّة مزيفة محاطة بأسلاك كهربائية ، لتأتي في الأخير على نهاية الأمة وسقوطها في التبعية والانحطاط.
إن التاريخ لم يقصد به تأريخ الأحداث والوقائع الماضية فهذا بحد
ذاته يعد حصرا لأن الامم السابقة لم تكن تملك السنوات فقط ، بل كانت تملك كل مقومات المجتمع الثقافية ، السياسية ، الاقتصادية ، وإن تم حصرها في التراث فهذا التراث هو نتاج عملية تأريخ للمجتمعات القديمة والتي كانت تخبرنا عن العالم الفلاني في السنة كذا وعن الحاكم الفلاني والحدث كذا فأعطانا كمًّا هائلا توارثته كتب التاريخ ، فأخذ بذلك التراث صبغته التاريخية من ثم نستطيع أن نقول أن التاريخ هو علم تدوين مجموع الأحداث الماضية والحاقاتها الثقافية ، الاقتصادية ، والسياسية ، والتي تكون في مجموعها المادة التاريخية يبقى إذن أن نفصّل معنى اللفظ وهو المقدس.
إن دلالة القدسي تعني ثبوتية الشيء ، فمثلا حينما نقول حديث قدسي فهو ثابت القدسية من حيث هو صادر عن الله تعالى ، والقدسية هي صفة ناتجة عن الهالة التي أحيط بها الشيء المراد تقديسه. فإذا قلنا مثلا التاريخ القدسي فهو ثابت القدسية ويستحيل زعزعة قدسيته وهذا ما صار مع التاريخ الإسلامي بحيث أحيط بنوع من الهالة والقدسية ومن ثم استحال الامر لولوج هذا الميدان ونقده نقداً منطقياً وبناءاً.
حتى أصبح المؤرخ يستعيض من ذكر أشياء قد تمس في قدسية هذا التاريخ ; وبالضبط في رجالاته ، لما أحيط به من القدسيّة والتعظيم فاقت حد المعقول وتحولت إلى شيء ثابت راسخ في العرف التأريخي ، والذي حتما جعله في ذهنية المسلم راسخاً لا يستطيع مسه او التحدث فيه او ذكره بمجرد كلمة يخيل بها أنا تمس كرامته وقدسيته ، وهذا ما عبر عنه أحد شيوخ المؤرخين المسلمين حيث قال :
« في هذه السنة ـ سنة 30 هـ ـ كان ماذكر من أمر أبي ذر ومعاوية واشخاص معاوية أموراً كثيرة(1) كرهت ذكر أكثرها » ، ثم يأتي بعد ذلك فيقول : « وأما الآخرون فإنهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة واموراً شنيعة كرهت ذكرها »(2) .
إذن هكذا يعبر المؤرخ عن نفسه وهكذا يتعاطى مع المادة التاريخية بأسلوب انتقائي من أجل الإبقاء على قدسية مصطعنة فيتجاوز القوانين الطبيعية التي تعطي لنا نوعين من المفاهيم الثابتة والمتحولة ; بحيث أصبح للمؤرخ هم وحيد هو كيفية الحاق هذا المتحوّل إلى ثابت.
__________________
1 ـ لمعرفة هذه الأُمور التي لم يذكرها الطبري راجع كتاب تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي للاُستاذ صائب عبد الحميد ص 99.
2 ـ تاريخ الطبري : 4 / 283 ـ 286.
التاريخ الإسلامي الثابت والمتحول
لقد أخذ التاريخ الإسلامي منهجاً خاصاً في التعامل وفي تدوين الأحداث وأخذ الرواية عن الراوي ، بحيث تم تطبيق مناهج الحديث في أخذ الرواية. فأصبح التاريخ هو الوجه الآخر للحديث فتم الإعتماد على طرق الإسناد ، ودراسة سلسلة الرواة وإخضاعها للشروط التي أحدثها المحدثون ، وأي شخص يخالف جزءاً من هذه الشروط لا تأخذ منه الرواية.
يبدو الامر مغريا جدا ، بحيث لن يدخل أدنى شك في كون ما يصلنا من الروايات يتمتع بنسبة كبيرة إن لم نقل تامة من الصحة ، وبهذا نطمئن بامتلاكنا تاريخاً سليماً بحيث يجعل الثابت على ثبوتيته والمتحول متحوّلاً حسب متغيرات الزمان والمكان.
لنقف قليلا مع هذا المنهج الذي اخترعه المحدّثون في أخذ الرواية ، فقد تم الاتفاق على مجموعة نقاط(1) :
1 ـ لا رواية عن أهل البدع.
2 ـ لا جرح في الصحابة.
__________________
1 ـ عبد الله العروي ، مفهوم التاريخ : 1 / 41 منشورات المركز الثقافي العربي.
3 ـ جواز ترتيب الرجال حسب الطبقات.
4 ـ النهي عن رواية الضعفاء.
5 ـ النهي عن الحديث بكل ما سمع.
6 ـ التعظيم من جريرة الكذب على رسول الله [صلىاللهعليهوآله ].
وكما قلنا سابقاً يبدو الأمر مغرياً لأول وهلة ، ولكن بغوصنا داخل هذه القوانين المبتكرة نستنتج أنها تنم في داخلها على نوع من التغطية التاريخية ، والتي ستؤدي حتماً إلى تشويه الحقائق ، أو إبراز القليل الذي لا يخالف الشيء المرغوب وإخفاء الكثير الذي لا يساير طبيعة التوجهات المسيطرة ، كما أنها تؤدي إلى قلب المفاهيم العامة ، والمتحركة بحركة المجتمع ; بحيث تنتفي فيه ثبوتية الثابت وتحل محلها ثبوتية المتحول.
وشيء آخر مثلا : ماهي المعايير المعتمدة في تحديد أهل البدع والضعفاء من الرواة؟
هل وصلنا إلى حد النزاهة بالتخلي عن الأنانية الفردية والسعي لنصرة الحقيقة المطلوبة والمرغوبة ، إن نزاهتي لن تكون إلاّ إذا استطعت أن أتخلى عن روايتي المعتمدة ; وإذا أسلمت ببطلانها وأخذت برواية الآخر إذا كانت تساير الحقيقة. وهل المحدثون فعلا احترموا قوانينهم في ترتيب الرجال حسب الطبقات؟
ما نصيب قرابة الرسولصلىاللهعليهوآله ؟ ونعلم ما لقرابته من الحظوة والأعلمية ، وعلى رأسهم علي ابن ابي طالبعليهالسلام ، حيث أن البخاري أخرج لأبي هريرة أكثر مما أخرج لعليعليهالسلام كما أنه لم يأخذ من أعظم
التابعين في الإسلام وهو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي ابن ابي طالب وابن رسول اللهعليهمالسلام أجمعين.
إذن ماهو المنطق المعتمد في عدم أخذ روايتهم ، في حين نجدهم يأخذون رواية الوضاعين والكذابين ومحبي الدنيا والمال.
فعن أبي جعفر الإسكافي قال : روى الأعمش قال : لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ، جاء إلى مسجد الكوفة فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ، ثم ضرب صلعته مراراً ، وقال يا أهل العراق ، أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار والله لقد سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول ( إن لكل نبي حرما ، وإن حرمي بالمدينة ، ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ) وأشهد بالله أن عليا أحدث فيها فلما بلغ معاوية قوله أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة(1) .
وكذلك سمرة بن جندب أخذ مالا وافراً ليقر نزول الآية( وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) (2) في حق عليعليهالسلام فبذل له معاوية مائة ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف فقبل ، وروى ذلك(3) .
أما النهي عن الحديث بكل ما سمع ، فهم قد عمموا اللفظ ولم
__________________
1 ـ ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : 4 / 285.
2 ـ البقرة : 204 ، 205.
3 ـ ابن ابي الحديد : شرح نهج البلاغة : 4 / 289.
يخصصوه ، ولكن عدم نقل الحديث عن ماذا؟ أظنه عدم الخوض في أُسس الأمة الكبرى لأنها من اختصاص الكبار وقد قال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني اسرائيل )(1) لكن العلماء حصروا الاولى وقيدوها وأطلقوا العنان للثانية.
ولا يخامر أحد شكاً في كون التاريخ الإسلامي مليء بالإسرائيليات والتي لعب اليهود المتأسلمين دوراً كبيراً في روايتها ، بحيث من خلالها نزعت القدسية عن الثابت وانتقل إلى المتحول.
والثابت عندنا هو كل شي مرتبط بالمقدس ( الله تعالى ، رسول الله ، القرآن ) بحيث لا يجوز في أي حال من الأحوال إلحاقه بالأشياء التي تخضع لعملية النقد والبحث ، وربطها بالعالم المادي البشري.
لكن التاريخ الإسلامي جعل منها شيئاً بسيطاً ، بحيث أصبح من السهل تناولها ولم يضعوا قانوناً يحرم أخذ الرواية من قائله ، فأصبح الله تعالى عبارة عن ذلك الهبل داخل الفكر الإسلامي الشيء الذي يؤثر حتماً على عقيدة المجتمع.
وكما عرفنا سابقاً أن التاريخ يشمل كذلك المنتوج الثقافي والفكري ، والأمثلة على ذلك كثيرة سواء ما أخرجه أصحاب الصحاح من قبيل كشفه تعالى عن ساقه ووضعها في جهنم. كما رووا أنه يضع رجلاً على رجل ويستلقي فإنها جلسة الربّ.
__________________
1 ـ صحيح البخاري كتاب الانبياء باب 50 ، الترمذي كتاب العلم 13 ، صحيح مسلم كتاب الزهد 72.
ورووا أنه خلق الملائكة من زغب ذراعيه ، وأنه اشتكى عينه فعادته الملائكة وانه يتصور بصورة آدم.
كما سئل بعضهم عن معنى قوله تعالى :( فِي مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَلِيك مُقْتَدِر ) (1) . فقال يقعد معه على سريره ويغفله بيده ، وقال بعضهم ، سألت معاذ العنبري فقلت : أله وجه؟ فقال : نعم ، حتى عددت جميع الأعضاء من أنف وفم وصدر وبطن واستحييت أن أذكر الفرج فأومأت إلى فرجي ، فقال نعم ، فقلت أذَكَر أم اُنثى؟ فقال : ذكر(2) .
إذن هكذا اُرِّخ للحضرة الإلهية وكذلك للرسول الأكرم.
وإننا عند مراجعة كتب التاريخ أو الحديث نجد فيها هذا التحوير الخطير ، والذي نقل الثابت عند كل المسلمين إلى شيء متحول ، بحيث أصبح الكل يتجرأ عليه ، وعلى نقاشه وطرحه بشكل يخالف مكانته داخل الشريعة والتي هي المؤطر لأي فعل.
أما المتحول والذي نعني به الأشخاص المكونون للمجتمع الإسلامي وكل ما ينتجونه من أفكار ، او بمصطلح فقهي تاريخي « الصحابة »(3) أي من عاش في زمن النبي الأكرم فإنّهم التحقوا بسلك
__________________
1 ـ القمر : 55.
2 ـ ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة : 3 / 155 ، ط1 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت.
3 ـ ولم تكن المدارس الحداثية كلها أحادية التوجه ، بل منهم من أعلن ثورته على الوهم المقدس للتاريخ الإسلامي ويعتبر محمد أركون من الذين نظروا
__________________
إلى التاريخ بكل محتوياته وبدون استثناء ، فرأى أنه قابل للنقد والنظر فيه وذلك من أجل تخليصه من تلك الأسطورية التي طبعته وأصبغها عليه المؤرخون والعلماء حيث يقول : « إنه من الغريب أن نلاحظ أن الفكر الإسلامي قد بقي اليوم يعيش على أفكار ابن حجر العسقلاني ( مات 852هـ / 1449م ) وأسلافه بخصوص موضوع الصحابة هذا على الرغم من أن هؤلاء يحتلون موقعاً مفتاحياً وأساسياً فيما يتعلق بنقل النصوص المؤسسة للإسلام ولكل تراثه. ولكننا نلاحظ أن تراجم ( كتاب الرجال ) لابن حجر تصور لنا شخصيات مثالية ترتفع بالخيال الإسلامي الشائع وتجيشه وتنكر ( = تقنع ، تحجب ) في ذات الوقت الحقيقة التأريخية المتعلقة بكل شخصية من الشخصيات المترجم لها. لقد آن الأوان لكي نفتح هذه الأضبارة الشائكة على مصراعيها ( كلياً ) اننا لانستطيع أن نكتفي بمفهوم العدالة الذي بلوره المحدثون ( أصحاب الحديث ) ، وإنما ينبغي إعادة تفحص كل الإسنادات ليس فقط عن طريق تطبيق المنهجية الوضعية للمؤرخ الحديث الذي لايهتم إلا بالمعطيات والأحداث التي يمكن تحديدها بدقة ويرمي كل ما عداها فهي ساحة المزيج المعقد الغامض للخرافات والأساطير الشعبية. وإنما نريد على العكس ، أن نبين أن العناصر الأسطورية الزائدة المضافة على سير الصحابة من أجل تشكيل شخصيات نموذجية مقدسة كانت قد دعمت « حقيقة » المعلومات التأسيسية المكونة لكل التراث الإسلامي بشكل أقوى مما فعلته المعطيات والأحداث التاريخية الواقعيّة التي حصلت بالفعل » [ تاريخية الفكر العربي الاسلامي ص 17 طبعة 111 ترجمة هاشم صالح ].
ومن هنا تظهر جرأة الكاتب ومحاولته إخراج التاريخ من تلك النظريات
الألوهية بطريقة لا شعورية. ولن ندخل هنا في تحديد معنى الصحابة لأن مفهومه يختلف حسب كل فرقة وخاصة الشيعة والسنة.
ولكن نقف عند بعض ملامح هذا التقديس الزائد الذي لم ينبني على أُسس نظرية متينة بحيث ترى مرويات خاصة عند السنة يكذب بعضها بعضاً مما يؤكد على أن هذا الثابت المزعوم هو من خلق هذا التاريخ المقدس.
__________________
الطوباوية القديمة وذلك من أجل تفعيله حتى ينسجم مع الواقع المعرفي للمجتمع الإسلامي وإخراجه من حالة التيه ووضعه في إطاره الصحيح. وهي إحدى الثورات على ذلك الثابت الذي أنتجه التاريخ المزيف ، حتى تتحقق المصالحة بين الواقع كمجال لحركة الفكر الإسلامي والموروث التاريخي كأرضية هذا الفكر.
وقفة قصيرة
لقد جاء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم برسالة إلى كافة الناس هدفه إبلاغهم ، أي تبشيرهم بالجنة وإنذارهم من النار. وكانت هذه الرسالة قد استأنفت عملها من اللحظة التي نزلت فيها. بحيث وضعت إتباع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في معادلة قوامها الجنة والنار ولم يقل لهم كلكم في الجنة ، ولكن يخبرهم الله تعالى :( كُلُّ نَفْس ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ ) (1) .
وكذلك يقول عزّوجلّ :( لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَة مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (2) .
وترى في أغلب آيات الجزاء والعقاب هذا التخيير والخطاب المباشر والموجه ; أي أنّ كل واحد من الأشخاص المخاطبين بهذه الآية كيفما كان حجمه ، طالما هو على النهج المستقيم وملتزم بما جاء
__________________
1 ـ آل عمران : 185.
2 ـ آل عمران : 188.
به هذا الدين فإن الله تعالى يخاطبه بقوله :( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً ) (1) ، ولكن إذا خالف هذا الشخص شرائع الله تعالى وحدوده فقد دخل في خانة الظالمين والطغاة فيحق فيه قوله تعالى :( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً لِلطّاغِينَ مَآباً ) (2) .
نقف إذن على حقيقة يجب الإيمان بها ، وهي أن كل صحابي عاش في الصدر الأول من الإسلام عدا من نص عليهم في القرآن بقوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3) يحتمل ارتكابهم للخطأ والمعصية ومخالفة أحكام الله بل فيهم المنافق والناكث لعهده ، فعن حذيفة ابن اليمانرضياللهعنه ـ صاحب سرّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ قال ( إنما كان النفاق على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان )(4) .
ومنه تكون هذه الثابتية التي ألحقت بهم هي من قبيل التقديس الزائد لهذا التاريخ والذي يخالف حتما منطق العقل ، فوجب معها إسقاط كل المقولات التي تكبح العقل عن ممارسة عمله النقدي كمثيل ( إذا ذكر صحابتي فأمسكوا ) و ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ).
__________________
1 ـ النبأ : 31.
2 ـ النبأ : 21 ، 22.
3 ـ الأحزاب : 33.
4 ـ مختصر صحيح البخاري : 2 / 566 ، ط3.
مع السيوطي
حينما تكون الدفاعات مبنية على أسس عاطفية لا على مقوّمات عقلية وعلمية سريعاً ما يظهر ضعفها وتسقط ركائزها. ومثال ذلك ما جاء على لسان جلال الدين السيوطي في المنهج السوي في ترجمة الإمام النووي على هامش صحيح مسلم وبالضبط في التعليق على الحديث 2381 في باب فضائل أبي بكر حيث قال : « وأما عليرضياللهعنه فخلافته صحيحة بالإجماع وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره ، وأما معاويةرضياللهعنه من العدول الفضلاء والصحابة النجباءرضياللهعنهم ، وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها وكلهم عدولرضياللهعنهم متأولون في حروبهم وغيرها فكلهم معذورونرضياللهعنهم »(1) .
بقراءتنا لنص التعليق نجد إن الإمام عليعليهالسلام خليفة شرعي للأمة ، وأما معاوية فهو من هذه الأمة وخرج لقتال إمامها ، فنسأل الشيخ جلال الدين : ما قول الشرع في ذلك؟ لن نناقشه باقوالنا ، ولكن ندعه يجيب على نفسه في الحديث 1853 من صحيح مسلم باب من فرق أمر المسلمين قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( ستكون هنات وهنات(2) فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان ).
__________________
1 ـ جلال الدين السيوطي : المنهج السوي في ترجمة الإمام النووي على هامش صحيح مسلم ج 7 ص 36 طبعة 1995 دار الفكر للطباعة والنشر.
2 ـ هنات وهنات بمعنى فتن.
ويعلّق السيوطي على هذا الحديث بقوله :
« وفيه الامر بقتال من خرج على الإمام وأراد تفريق كلمة المسلمين ونحو ذلك وينهى عن ذلك فإن لم ينته قوتل وإن لم يندفع شره إلاّ بقتله فقتله كان هدراً »(1) .
أظن أن شيخنا قد نسي قوله السابق وهو يتعرض لهذا الحديث ، إن المسألة ليست في تخطئة فلان وتصويب ذاك بل في هذه النظرة الطوباوية للتاريخ الإسلامي بحيث لا نستطيع أن نقف وقفة صريحة مع أنفسنا لنعطي كل ذي حق حقه.
فما قول شيخنا إذا بعدما أجاب عن نفسه؟
ما موقفه من الخارج على الإمام الشرعي؟
ما موقفه لمن عقد بيعة لنفسه في حضور إمام سابق؟
قد يقول لا إشكال مادام الصحابة العدول هم أصحاب هذه الفعلة.
وهنا يتجلى قولنا السابق بثابتية هذا المتحول وفقد الثابت لتابتيته ، فبينما يقول شيخنا كلّهم عدولرضياللهعنهم متأولون في حروبهم والتي نعرف سببها يأتي الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول عن ابي سعيد الخدري : ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما )(2) .
وأخرج ابن ماجة في سننه قول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( من بايع إماماً
__________________
1 ـ المصدر السابق م6 ج2 / 191 ح1853.
2 ـ صحيح مسلم م6 ج 2 / 191 ح1852.
فأعطاه صفقة يمينه ، وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر )(1) .
إذن لم يعد لفقيهنا ما يدافع عنه فكل القرائن والدلائل تبطل قوله وتجعل للمعادلة حلاً وحيداً صحيحاً يتمثّل بأحقيّة الإمام عليعليهالسلام ومشروعية حربه ضد الخارجين عن طاعته وضلال من وقف بوجهه.
إن عقل المسلم لم يستطع أن يتحرر من هذه العبودية والتأليهية لتاريخه بل قلب موازين الحقيقة قدسية بهذه الشخصيات التاريخية. والتي هي شخصيات بشرية بطبعها تخضع لقانون الخطأ والصواب مما أعطاها صفة الثابت الذي لايجوز تغييره على الاطلاق.
وهذا مايحتم علينا تنقية هذا التراث ، إذ هو المخزون النفسي لدى الجماهير ، وهو الأساس النظري لابنية الواقع(2) .
ونقف مع السؤال الذي طرحه الالماني البرت اشفيستر : لماذا تتوقف الحقائق التقليدية عن أن تكون وقائع وتنتقل من لسان إلى لسان على أنها مجرد كلمات؟(3)
__________________
1 ـ سنن ابن ماجة : 4 / 333 ، ط2 ، سنة 1997 ، دار المعرفة. واخرجه مسلم أيضاً.
2 ـ حسن حنفي من العقيدة إلى الثورة طبعة اولى 1988 دار التنوير للطباعة والنشر / عن التراث والتجديد.
3 ـ البرت اشفيتسر مفهوم الحضارة ص 58 ترجمة عبد الرحمن بدوي عن دار الاندلس للطباعة والنشر والتوزيع.
التغيير التاريخي*
هل يقف العقل عند الإيمان بالمسلمات التي ورثها منذ أجيال ويجعلها أقانيم لا تتحول ولا تتبدل وثم يقول هذا ما وجدنا عليه آباءنا؟
إن للعقل أهمية تجعله مسؤولا عن تثبيت هذه المسلمات إذا لامست الحقيقة وبذلك يتحقق الايمان الكلي او بإسقاط هذه الاوهام إذا كانت على غير ذلك من الصراحة والشفافية لأن هذه المادة الدماغية
__________________
(*) كان العنوان الذي اخترته لهذه الفقرة في الأول هو « الاستقلاب التاريخي » وهو مصطلح رائج في ميدان العلوم الطبيعية ويقابله في الفرنسي ( Metabolisme ) ويخص العمليات الحياتية التي تحدث في البدن وتتمثل في هدم أو هضم المواد الأولية فيتم التخلص من الزائد منها والاستفادة من المتبقي الصالح والذي يصطلح عليه بـ ( Cetabolisme ) و ( Aetabolisme ).
لذلك فإن دراستنا للتاريخ لانتوخى منها رفض كل معطياته ، بل الأصل هو الاستفادة من الشيء الذي يصلح لإعادة بناء حاضرنا ورفض كل مايقف أمام هذه الحركة.
وبما أن مصطلح « الاستقلاب التاريخي » غير متداول داخل الأوساط الثقافية والأدبية ، غيّرته إلى « التغيير التاريخي » رغم أن التغيير له طابع حاد إقصائي لذلك يكون قصدي من التغيير هو المصطلح الذي حذفته.
هي التي يرتكز عليها الوجود البشري.
فعن أبي جعفرعليهالسلام قال ( لما خلق الله العقل استنطقه ، ثم قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : أدبر فأدبر ، ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلاّ فيمن أحب ، أما اني إياك آمر وإياك أنهى ، وإياك أُعاقب ، وإياك اُثيب )(1) .
فلهذا يكون عمل العقل هو الإقبال على الحقيقة بالبحث والمتابعة والإدبار عنها إذا خالفت الصريح من المعقول.
وقد يكون هذا الأمر صعبا لأول وهلة ، وذلك للترسبات التاريخية الموروثة ، ولكن لا تحيدنا هذه الصعوبة عن مسايرة الحقيقة والبحث عنها ، ونحن لسنا أقل من ديكارت الذي اعتمد على منهج الشك في الوصول إلى اليقين ; فأعطى بذلك الكوجيطو الديكارتي أنا أُفكر إذن أنا موجود. ونحن أيضاً ينبغي أن نقوم بتفعيل عملية التفكير ننطلق في البحث بعد هدم المسلّمات ، لنعيد النظر في موروثاتنا العقائدية بكل دقة ونحن اذ نقوم بتمحيص ما نؤمن بأنه من المسلمات العقائدية ، فالاحرى بنا أن نمحص المسلمات والمعطيات التاريخية؟ وهي بطبعها بشرية الصياغة وتنبني على مسلمة ـ أي المناهج التاريخية ـ قد تكون محل نظر(2) .
__________________
1 ـ الكليني ، اصول الكافي : 1 / 10 كتاب العقل والجهل.
2 ـ العروي : مفهوم التاريخ : 1 / 207 ( بتصرف ).
وقد أسلفنا سابقاً قولا لابن خلدون على ان التاريخ مجرد نظر وهذا النظر لن يكون حاصل إقناع إلاّ إذا أُعيدت صياغته بطريقة صحيحة عبر إجلاء المسلمات المختلقة ، كي نصل إلى مادة تعني الحقيقة وتعيها عبر تقييم الحقائق السياسية ، والاجتماعية والأخلاقية ; ومنه يصبح رفض التاريخ يصبح سائغا وربما واجباً(1) ، بحيث نصل في الأخير الى اقتناع ينفي هذا الشك ، علماً أن شكنا هذا هو من باب إحلال النفس على الحقائق الثابتة والراسخة تاريخياً.
كما أن منهج التشكيك هو منهج يؤدي إلى الاطمئنان القلبي وحصول اليقين وهو مثبت في القرآن الكريم على لسان إبراهيمعليهالسلام إذ قال تعالى :( وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتى قالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (2) ، وقول إبراهيم ـ وهو نبي ـ لم يكن من قبيل التشكيك الناتج عن عدم الإيمان ، بل كان طلباً للوصول إلى الحقيقة المطلقة ، ورسالة إلى الآخرين يكون إيمانهم عن اقتناع.
ويقول العلامة الطباطبائي في تفسير( لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) مطلوبهعليهالسلام من هذا السؤال حصول الإطمئنان المطلق وقطع منابت كل خطور قلبي واعراقه [ ] فقد ظهر : أن وجود الخطورات المنافية للعقائد اليقينيّة لا ينافي الايمان والتصديق دائماً ، غير أنها تؤذي النفس ، وتسلب
__________________
1 ـ المصدر السابق.
2 ـ البقرة الآية : 260.
السكون والقرار منها ، ولا يزول وجود هذه الخواطر إلاّ بالحس أو المشاهدة(1) .
وهذا ما يمكن أن ينطبق على التاريخ الإسلامي ، لأن المسلمات التي أوجدت قد تألهت بمرور الزمن ، فأصبح التشكيك فيها يسبب عدم الاستقرار ، ولكنه ضرورة علمية تتطلب منا إرجاع النصاب إلى حقه حتى يتحقق الإيمان القلبي واليقين والإفلات من قبضة شيطان التخلف والجهل. ونمارس بذلك دورنا الطبيعي.
قد جاء في شرح خطبة وقوع الفتن للإمام عليعليهالسلام ما قوله : « على أوليائه » ( أي على من عنده استعداد للجهل ، وتمرن على اتباع الهوى ، وزهد في تحقيق الامور العقلية على وجهها ، تقليد الأسلاف ومحبة لأتباع المذهب المألوف ، فذاك هو الذي يستولي عليه الشيطان ويضله وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، وهم الذين يتبعون محض العقل ولا يركنون إلى التقليد ، ويسلكون مسلك التحقيق ، وينظرون النظر الدقيق ويجتهدون في البحث عن مقدمات أنظارهم )(2) .
والكلام واضح مفاده عدم الركون إلى التقليد عدم الاتباع الاعمى لما وجدنا عليه آباءنا ، لأنه ليس بعذر لنا بقدر ماهو إدانة صريحة لهذا العقل الذي تقاعس عن البحث عن الحقيقة ; وهو بطبعه عقل فعّال.
__________________
1 ـ الطباطبائي ، تفسير الميزان : 2 / 378.
2 ـ ابن ابي الحديد شرح نهج البلاغة 3 / 176.
لهذا نحن لا نريد من خلال دراستنا وتحقيقاتنا التاريخية الهدم الذي يؤدي إلى التخلّف ، ولكن نبتغي إعادة بناء وضعنا الحالي ، وهذا لن يتأتى إلاّ إذا قبضنا بأيدينا على مفتاح ا لسر ، لنفتح به العصر الجديد ، ذلك العصر الذي يتجدد فيه البالي ولا يبلى فيه ماهو روحي أو أخلاقي ، وهذا لن يتأتى إلاّ بدراستنا لتاريخنا على غير المنهج الذي اتبعه أسلافنا وإلاّ ضعنا نهائياً.
إذن الحل الوحيد هو اكتساب الجرأة النقدية ; المبنية على إخضاع كل المسلمات للتحقيق ، بحيث لا يبقى ثابت إلاّ ماهو ثابت طبيعياً ودينياً أما غيره فمآله إلى إعادة النظر ، وهو ضرورة حتمية بحيث قد أصبح من الضروري القيام بفعل نقدي يكتسح كل ألوان السذاجة ، وعدم الامانة(1) .
إننا نحتاج إلى عملية استقلاب ( Metabolisme ) تاريخية نستطيع من خلالها إظهار الحقائق والتي هي متطلبات آنية عبر عملية الهدم التاريخي ، اوما يمكن الاصطلاح عليه ( cotabolisme historique ) ، حتى يتم التخلص من كل ما يمكن أن يسبب التسمم المعرفي والتخلف للأمة الإسلامية ; وإعادة بنائها من جديد عبر بناء تاريخي ( historique Anabolisme ) مستفيدين من كل ماتم استخلاصه عبر
__________________
1 ـ البرت اشفيتسر : فلسفة الحضارة ص 339 ترجمة عبد الرحمن البدوي 1998 دار الاندلس للطباعة والنشر والتوزيع.
عملية الهدم ، وهو ما أطلق عليه د. حسن حنفي تثوير التاريخ من أجل ثورة حقيقية لهذه الامة واستعادة دورها الطلائعي في العالم. لأن التاريخ والدراسات القويمة لا تقتصر على كونها من معطيات الماضي فقط وبقائها كشيء لا قيمة له بل انه يستطيع أيضاً أن يلقي علينا ظلا ساماً.
فهناك أفكار لم ندع عقولنا تعمل فيها مباشرة ، وذلك لاننا وجدناها مُعدّة الصياغة في مجرى التاريخ ، والافكار التي ورثناها لا تسمح ببروز الحق ليعمل عمله وإنما تظهره من خلال قناع جنائزي ، والانجازات البالية التي تنتقل من حضارة منحلة إلى مجرى عصر جديد كثيراً ما تصبح مثل افرازات الدورة الجسمية وتفعل فعل السموم(1) . فيا ترى هل كان التاريخ الإسلامي فعلا كان نزيهاً إلى حد تصديق كل مافيه؟ أم هو نتاج تحالفات سياسية وايديلوجية أدت إلى ظهوره على الشكل الموجود عليه حالياً؟
__________________
1 ـ المصدر السابق ص 58.
الفصل الثاني
ابن كثير والتاريخ
يُعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الـهدى عـلى الـهوى ، ويعطف الـرأي عـلـى الـقرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي الإمام عليعليهالسلام |
ابن كثير المحدث المؤرخ
لعل كتاب البداية والنهاية يعتبر من أهم المراجع التاريخية المعتمدة في الفكر الإسلامي ، وذلك لما اكتسب صاحبه من شهرة ومكانة كعالم من علماء المسلمين ، بحيث سعى في كتابة تدوين التاريخ الإسلامي بطريقة يحفظ من خلالها كرامة هذا التاريخ وعزته ; وخصوصاً المرحلة المباركة! والتي تشكّل الشعلة الأولى للأمّة الإسلامية.
وقد لبس هذا المؤرخ رداء المسلم المشبّع بالمؤثرات السلفية ; فصبغ تلك المرحلة ورجالاتها بقداسة خارقة يتوقف فيها العقل عن ممارسة فعله الحقيقي في الدراسة ، وذلك للتراكمات المعرفية المؤطّرة للعقل الفاعل ، وجْعلهِ محدود الفعالية.
فبنظر ابن كثير أن تلك المرحلة هي خير القرون ، ورجالاتها خير الرجالات ، لأن في الحديث النبوي الشريف قد ورد أن خير القرون قرني هذا والذي يليه ثم الذي يليه ، ومن هنا ندخل في النقطة الحساسة ، وهي هذه القداسة المفتعلة والتي حاول البعض أن يصبغ التاريخ بها. وابن كثير في تاريخه أحد ضحايا هذه الأحاديث حيث لم يكن ذلك المؤرخ الذي يعمل على توثيق الأحداث التاريخية بضرب
بعضها ببعض ، بل تعامل مع الحدث التاريخي من خلال وضعيته العلمية والتي يطغى فيها المحدث على المؤرخ ، إذ اهتم في تأريخه على الرواية تماشياً مع صبغته كإمام محدث يكره الاجتهاد وابداء الراي ; ولم يجرأ على الدخول في معاني الرواية واستعمال اسلوب نقدي لفرزها. كما أنه لم يتعامل مع الأحداث التاريخية كمؤرخ محترف على حد تعبير عبد الله العروي في تعريفه للمؤرخ المحترف ، إذ أنه هذا الأخير لا ينفك يقيس أي حكم يعرِّف ; أي يستعمل « مفاهيم جامعة » ، و « يؤلف مباحثات » أي يفترض « قيمة محورية » ، « او وحدة انتسابية » قلنا إنه ينقد رواية موروثة ليخطط اثناء عملية النقد والتفكيك لرواية بديلة حتى ولو لم يفصح أبداً عنها(1) .
إن عملية نقد الروايات والأخبار الواردة لم تكن واردة في ذهن ابن كثير بقدر ما كان همه الكبير هو جمع عدد كبير من الروايات والأحداث ومحاولة إخراجها بشكل يساير طابعه الايديلوجي الطاغي عليه ، حيث أن النظر عنده في الرواية ، او الحدث التاريخي لا يخرج عن إطارين ; الأول : تمجيد مرحلة الصحابة والتابعين ، والانتصار لهذا التاريخ الملغوم ; ثانياً قبول كل ماروي في رفع شأن هذه المرحلة حتى ولو المشهود عليه بالكذب ، من قبيل روايات سيف بن عمر التميمي حيث لم يكتف ابن كثير بأخذ الرواية عنه بل ترحم عليه أيضاً(2) .
__________________
1 ـ عبد الله العروي مفهوم التاريخ : 2 / 343.
2 ـ ابن كثير ـ البداية والنهاية : 5 / 319.
وهنا كذلك تدخل اعتبارات كثيرة ، فنجد أنه يرفض روايات الوضاعين التي قد تمس ببعض شخصيات هذا التاريخ ، وقد يكون سبب رفضه لهذه الروايات هو التوجه المذهبي للراوي ; فمثلا يرفض رواية الوضاعين ـ على حد تعبيره ـ من قبيل حماد بن عمرو أبي اسماعيل الناصبي وسلام بن مسلم لا لشيء إلاّ لأن مروياتهم تخص بالتقديس علي ابن ابي طالبعليهالسلام (1) .
ومن هذا المنطلق فإن ابن كثير تعامل بشكل انتقائي مع الأحداث ، بحيث لم يراعي الموضوعية وتواتر الحدث ، بقدر ما راعى طبيعة رواة الحدث مما يجعل تاريخه هذا انتقائياً يراد منه الانتصار لجهة معينة دون اُخرى ، إذ أن الكتابة التاريخية عنده لم تكن من أجل تدوين تاريخ كما يريده البشر مطابقاً للواقع بل كانت كتابته بالطريقة التي أرادها هو لهذا البشر.
وقد عبر ابن كثير بنفسه عن هذا المنهج الانتقائي بقوله :
« وكان فراغي من الانتقاء من تأريخه في يوم الأربعاء العشرين من جمادي الآخرة سنة 751 »(2) وهذا اعتراف ضمني منه بعملية الانتقاء التي قام بها.
ويقول في آخر هذا الفصل :
__________________
1 ـ ابن كثير ـ البداية والنهاية : 5 / 222 ، 223.
2 ـ المصدر السابق : 14 / 194.
وقد ذكر الواقدي وغيره في الوفاة أخباراً كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة أضربنا عن أكثرها صفحاً لضعف أسانيدها ونكارة متونها ولا سيما ما يورده كثير من القصاص المتأخرين وغيرهم فكثير منه موضوع لا محالة وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده والله أعلم(1) .
وأثناء دراسة البداية والنهاية ستصل حتماً إلى أنّ هذه الانتقائية تغلب عليها السذاجة والعاطفة المذهبية ، وكل رواية وتظهر تلك الفترة بشيء من المزايا وعلى علّة مضمونها يصدقها ويسلم بصحتها بحيث يرى أن السعيد من قابل الأخبار بالتصديق والتسليم(2) ، فيغيب بذلك عنده النظر الذي يجعل في المادة التاريخية تناسقاً بحيث لا يغلب عليها الارتجال.
وكذلك لا أظن أن التكرار المتزايد للأحداث هو من قبيل العبث ، كما أنه لا يغيب عن أحد أقطاب العلم وهو يؤلف ، ولكن هي حركة يراد منها تثبيت فكرة معينة.
كما أن هذا التكرار ليس عاما لكل الأحداث بقدر ماهو خاص بأحداث معينة وقعت بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكذلك خلال الفتنة الكبرى.
__________________
1 ـ البداية والنهاية : 5 / 214.
2 ـ المصدر السابق : 1 / 4.
وأما الأحداث التي أحدثت تغييراً كبيراً في حركة التاريخ الإسلامي ، وبالضبط المواقف المرتبطة بالأشخاص فإنه يقوم بتضعيفها أو تقييدها بوجهة نظر سلفية انطلاقاً من النظرة المقدسة التي يحملها عن ذلك التاريخ الملغوم ، فنجده مثلا يقول :
« ومن ظن بالصحابة رضوان الله عليهم ذلك فقد نسبهم بأجمعهم إلى الفجور ، والتواطئ على معاندة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ومضادتهم في حكمه ونصه ، ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام وكفر بإجماع الأئمة الاعلام ، وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام »(1) .
هذا القول يرتبط بحديث الغدير وبيعة الامام عليعليهالسلام ، فابن كثير لم يكلف نفسه أن يتتبع الحدث التاريخي مصداقيته التاريخية ، علماً أنه مؤمن بصحة الحديث ، لكنه لا يريد إيصاله إلى الهدف الذي رسمه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأن هذا في نظره يمس مكانة أولئك الاشخاص المحيطين بهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وكما قلنا سابقاً أن هؤلاء الأشخاص ماهم إلاّ بشر خاضعين لموضوع الرسالة ولثنائية الجنة والنار ، وكان المنافقون ومن تلهيهم أموالهم عن الجهاد في سبيل الله لهم نشاطهم السلبي في عهد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فكيف وهو غائب عنهم.
وهذه المثالية السلفية والمتطرفة لم تقف عند هذا الحد بل جعل من
__________________
1 ـ المصدر السابق : 5 / 221.
نفسه المدافع عن الإسلام من أهل البدع والضلالات والذين هم بالضبط الطائفة المعارضة للأنظمة السياسية القائمة آنذاك.
وبحيث لا يغفل عن بالنا وعلى غير ما ذهب إليه جموع من الناس في أن ابن كثير وإن لم يضطلع بدور سياسي ، لكن كانت له مشاركة في صنع القرارات ، إذ يذكر في تاريخه أنه اجتمع مع نائب السلطان في بلاد الشام(1) ، وذكر له أشياء كثيرة مما ينبغي اعتماده في حق أهل قبرص من الإرهاب ووعيد العقاب ، ويذكر مرة أنه اجتمع بالخليفة ووصفه بأنه متواضع جيد الفهم حلو العبارة رحم الله سلفه(2) .
ولا يخفى على أي مطلع أن الطائفة التي عرفت بالمعارضة طوال التاريخ هم الشيعة. فكما كان نصيب الشيعة من السلطان السيف كان نصيبهم سلاطة القلم من ابن كثير. بحيث أنه كان في أي موضع من المواضع يرى فيها قوة أدلة الشيعة يخرج كماً من اللعنات والتلفيقات فيلقيها على الشيعة والتشيع.
علما أن الدقة والتمحيص لازمتين لإخراج الحقيقة من بين ركام من الأحداث حتى تكون المفاهيم والحقائق المطروحة معقولة ، وعلى حد قول « رانكه » : يبدأ العلم بنقد التقليد الموروث(3) وإدخاله في تحقيق معرفي مع ذاته حتى تنفرز الأحداث الصحيحة والخاطئة والمكذوبة
__________________
1 ـ احمد ابو ملحم عن مقدمة البداية والنهاية.
2 ـ ابن كثير ـ البداية والنهاية : 14 / 257.
3 ـ عبد الله العروي مفهوم التاريخ : 1 / 86.
معتمدين على دلائل الامور ، إذ هي أشد تثبيتاً من شهادات الرجال ، وهذا يرتبط بأعلمية المؤرخ الفاعل على الحوادث التاريخية والذي يجب أن يرتكز عمله على المقايسة ، المماثلة والمفارقة ، الفصل والربط المقاربة والمباعدة(1) .
كل هذه المناهج تؤدي حتماً إلى استخلاص النتيجة الصحيحة ، لكن إلى أي حد كان ابن كثير موضوعياً في تعاطيه مع الأحداث والوقائع؟ هذا ما يبينه لنا اسلوبه في عرض الحقائق.
يذكر ابن كثير رزية الخميس ، وهي من الأحداث التاريخية الشائكة في الإسلام لأن فيها أولاً أتهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بالهجر ، وثانياً منع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من كتابة وصية مهمه تعصم الأمة عن الوقوع في الضلال من بعده. فيعلق على هذا الحديث بقوله : وهذا الحديث مما قد توهم به بعض الأغبياء من الشيعة وغيرهم كل مدع أنه كان يريد أن في ذلك الكتاب ما يرمون إليه من مقالاتهم وهذا هو التمسك بالمتشابه وترك المحكم وأهل المحكم يأخذون بالمحكم ويردون ما تشابه إليه ، وهذه طريقة الراسخين في العلم كما وصفهم الله عز وجل في كتابه وهذا الموضع مما زل فيه أقدام كثير من أهل الضلالات وأما أهل السنة فليس لهم مذهب إلا اتباع الحق يدورون معه كيفما دار(2) .
__________________
1 ـ المصدر السابق ص 86.
2 ـ ابن كثير : 5 / 200.
هكذا يمحص ابن كثير الرواية والحدث التاريخي بطريقة لا علاقة لها بالمؤرخ وليته وقف عند ذكر الحدث فحسب بل أنه حاول نفي الرغبة الخفية للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لتثبيت فكرته.
ويسترسل ابن كثير في ذكر أحاديث يدعو فيها الرسول أبا بكر وابنه عبد الرحمن ويكذب وصيّة تنص على أبي بكر ، وهذا مسلك الراسخين على حد قوله.
إن عملية النقد التاريخي لا تكون بهذه السذاجة لأن الأحداث هي بمثابة جزئيات مختزلة من التيار الزماني ، قابلة أن تكون أسباباً في حاجة إلى نتائج او نتائج في حاجة لأسباب ، وصاحب الأمر في هذه القضية هو المؤرخ الذي يسمي الأشياء ، فيقول هذه سابقة وهذه لاحقة بالنظر إلى قضية مطروحة مجموعة من الشواهد يقابل مجموع من الأحداث المذكورة المحفوظة(1) . إذن هل سطر ابن كثير النتائج؟ وهل حدد أسباب النتائج؟
الجواب : كلا ، لأنّ عملية التأريخ عنده لم تكن إلاّ حالة من محاولات الانتصار المذهبية العقيمة التي لا تفيد العلم في شيء بقدر ماهي محاولات لتكريس التخلف.
وهذا لم يكن بمحض الصدفة ولكن هو نتاج المنهج العلمي والمذهبي الذي تبناه ابن كثير ، فما هو الاّ أحد المخلصين لاستاذه ابن
__________________
1 ـ انظر : عبد الله العروي ، مفهوم التاريخ : 1 / 82.
تيمية ، فقد درس على أيدي مئات الشيوخ ، إلاّ أن الذين أثروا فيه وتتبع خطاهم قلة وكان على رأسهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، إذ كانت له به خصوصة ومناضلة عنه واتباع له في آرائه(1) . ولعلاقته الوطيدة بابن تيمية فقد كان هذا الأخير هو دافنه في مثواه الأخير ـ ودفنه في مأواه الأخير بتربة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية بمقر الصوفية خارج باب النصر من دمشق حسب وصيته(2) .
من هنا تظهر العلاقة الوطيدة بين زعيم التيار السلفي ألا وهو ابن تيمية وتلميذه النجيب ابن كثير الذي كرس كل جهده لتكريس النظرة السلفية ـ التيمية ـ للتاريخ ، والذي جعل هذه المدونة التاريخية عبارةً عن سجل دفاع ، ورد خصومات ، وتهجم على الفرق الأخرى وخاصة الشيعة. ونظراً للترابط الوثيق بين ابن كثير وابن تيمية افردنا لهذا الأخير بحثاً خاصاً وموجزاً يعرض رؤيته التاريخية.
__________________
1 ـ احمد أبو ملحم : ترجمة ابن كثير البداية والنهاية 1.
2 ـ المصدر السابق.
ابن كثير وابن تيمية وجهان لعملة واحدة
لقد أسلفنا سابقاً بأنّ ابن كثير كان من التلاميذ النجباء لابن تيمية ومن المدافعين عنه ، والحاملين المخلصين لأفكاره. فلا جرم إذن أن تكون هذه الأفكار هي نفسها التي يجهر بها أُستاذه وتنعكس حتماً على مؤلفاته وخاصة موسوعاته التاريخية البداية والنهاية.
ويكون الجامع الوحيد لهما هي هذه المدرسة السلفية التي أرسى دعائمها ابن تيمية وأصبحت المدافع الحقيقي عن هذا الدين! وكل ما عدا هذا الخط الجديد فهو خارج عن إطار الشريعة والسنة المحمدية الأصيلة بزعمهم ، وهم السالكون على حد قول ابن كثير منهج الراسخين في العلم الذين لا يضلهم الهوى.
وهذا لا يختلف في شيء عما صرّح به استاذه الجليل تقي الدين ابن تيمية حيث يقول :
« ان أهل السنة هم وحدهم الذين يأخذون بالقصد والعدل في طريقهم بين جموع فرق المسلمين »(1) .
__________________
1 ـ ابو الحسن الندوي ـ الحافظ ابن تيمية ص 278 بواسطة صائب عبد الحميد ابن تيمية حياته وعقائده.
وبهذا صارت طائفته هي علامة المنهاج السوي وباتباعهم يتبع الحق وكأن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال ان ابن تيمية وأصحابه مع الحق حيثما دار الحق دار معهم.
إن هذا مسلك من التدليج يحاول الزام الخلق باتّباع هذا الطريق ولو عن مضض مخافة الخروج على الهدي النبوي! لأنه بنظره أنهم ـ أي أهل السنة ـ لم يتفقوا قط على خطأ(1) . وبهذا دخلوا دائرة العصمة وأصبح قولهم هو الفيصل لانهم لا يتفقون على ضلالة(2) وما خالفتهم طائفة في أمر اتفقوا عليه إلاّ الصواب معهم والخطأ مع غيرهم(3) .
من هنا يظهر لنا هذا التسطيح في التعامل مع الآخرين والانفراد بالصواب دونهم علماً أنه لا أحد يمتلك الحقيقة بقدر ماهو باحث عنها وهي ضالة المؤمن فحيثما وجدها فهي له.
كما أن ابن كثير تجده يعكس كل أفكار استاذه ويتمثل بكل حالاته المعرفية حتى هذه الحساسية المفرطة من الشيعة والسب فيهم ولعنهم كما سبق ذكره ، وفإنها لم يكن هذا الأمر وليدة الصدفة ، ولكن هي حالات تعكس ذلك الفيض التيمي على روح ابن كثير ، فابن تيمية ألف كتابه منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية وعرف في أوانه بكتاب الرد على الرافضي وذلك في رده على كتاب ـ منهاج الكرامة في
__________________
1 ـ ابن تيمية منهاج السنة : 2 / 14.
2 ـ المصدر السابق : 2 / 17.
3 ـ المصدر السابق : 2 / 75.
إثبات الامامة ـ للعلاّمة ابن المطهر الحلي فكان الهاجس عنده هم الشيعة ، مما جعله يخبط خبط عشواء في كتابه(1) فما كان من رد العلامة ابن المطهر عليه إلاّ جملة واحدة وبيتي شعر حيث قالرحمهالله : لو كان يفهم ما أقوله لأجبته ـ وفي الأبيات التي أوردها ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة ـ
لو كنت تعلم كل ما علم الورى |
طرا لصرت صديق كل العالم |
|
لكن جهلت فقلت إن جميع من |
يهوى خلاف هواك ليس بعالم(2) |
إن هذه الكلمات الأخيرة كافية لمعرفة قدر هذا العالم وبالتالي كل من حدا حدوه واتبع مسلكه ، كما أن ابن بطوطة سماه بالعالم ذو اللوثة لما حضر احد دروسه بالمسجد(3) ولمعرفة دقائق الامور من فكره فليرجع إلى كتاب الأُستاذ صائب عبد الحميد « ابن تيميه حياته وعقائده » وكذلك الجزء الرابع من كتاب « بحوث في الملل والنحل » للعلامة جعفر السبحاني.
__________________
1 ـ راجع : ابن تيمية حياته وعقائده صائب عبد الحميد ص 215 ـ 231. وجعفر السبحاني بحوث في الملل والنحل ج4.
2 ـ ابن حجر العسقلاني الدرر الكامنة : 2 / 71.
3 ـ ادريس هاني محنة التراث الآخر.
شطحات ابن تيمية التاريخية
إن الدراسات التاريخية باعتبارها علم مرن يحمل اشكالات متعددة تستلزم عقلا منفتحاً يتكيف مع الأحداث والوقائع من أجل استيعابها واستخلاص النتائج الممكنة بعد عرض الأسباب الفاعلة في الحدث التاريخي ، ومنه الوصول إلى النتيجة الحقيقية والواقعة الصحيحة ، لكن إذا كان الباحث للتاريخ صاحب عقل متعنت غلب عليه التعصب والعماء فإن العكس هو الصحيح ، وفعلا هذا ما حصل مع ابن تيمية حينما تطاول على التاريخ وسمح لنفسه أن يصبح مؤرخاً يعطي رأيه في الأحداث التاريخية لتزل قدمه مرّة أخرى بعدما زل في ميدان العقائد.
لقد جاء كتابه منهاج السنة مليء بهذه الثغرات التاريخية والتعصبات المذهبيّة حتى عرف كما قلنا سابقاً بكتاب الرد على الرافضي وبمعنى آخر إن كتابه هذا أغلبه في الرد على الشيعة حتى بلغ به الأمر إلى التنقيص المستمر من آل محمدعليهمالسلام باعتبارهم المعتمد عليهم عند الشيعة. وقد التفت ابن حجر العسقلاني إلى هذه النقطة حيث قال : وكم
من مبالغة لتوهين كلام ( الرافضي ) أدته أحياناً إلى تنقيص عليرضياللهعنه (1) فقد صدر عنه بدون تورع واستحياء قوله أنه ليس في الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة الفقه من يرجع إلى علي في فقهه ، أما مالك فإن علمه عن أهل المدينة ، وأهل المدينة لا يكادون يأخذون عن علي ، وأما أبو حنيفة والشافعي وأحمد فينهي ابن تيمية علمهم إلى ابن عباس ، ثم يقول وابن عباس كان مجتهداً مستقلا وكان إذا أفتى بقول الصحابة أفتى بقول أبي بكر وعمر لا بقول علي(2) .
وهذا مما يتنافى مع ما تعارف عليه حيث أن الكل كان يستشهد بمنزلة عليعليهالسلام (3) العلمية فابن عباس كان يقول أن ما أخذته من تفسير القرآن فعن علي ابن أبي طالب وعمر نفسه كان يقول لولا علي لهلك عمر ناهيك عما صدر عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم وعلي بابها »(4) وكذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم لفاطمةعليهاالسلام : « أما ترضين أن أزوجكّي أقدم أمتي سلما وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً »(5) كما ذكر صاحب طبقات الفقهاء ـ ابو اسحاق الشيرازي الشافعي ـ قولا لعبد الله ابن
__________________
1 ـ ابن حجر العسقلاني ، لسان الميزان : 6 / 319.
2 ـ ابن تيمية منهاج السنة : 4 / 142 ـ 143.
3 ـ راجع كتاب إثبات حديث على باب مدينة العلم لعبد الله ابن الصديق الحسني المغربي.
4 ـ سنن الترمذي : 5 / 637 ، ح3723.
5 ـ مسند أحمد : 5 / 26.
عباس يقول : أعطي علي تسعة أعشار العلم وإنه لأعلمهم بالعشر الباقي(1) من هنا يضمحل قول ابن تيمية أمام التبجيل العظيم والاعتراف الصريح بأفضلية عليعليهالسلام على جميع المسلمين.
لكن ياليت ابن تيمية وقف عند هذا الحد ، بل تعداه إلى شخصية الامام الجهادية والتي قامت مدافعة لرأب صدع الإسلام وجمع شتات المسلمين بحيث رأى أن علياً لم يقاتل على طاعة الله ورسوله بل قاتل ليطاع هو(2) . فلو كانت محاربته محاربة للرسول لكان المنتصر في آخر الامر هو ، ولم يكن الامر كذلك بل كان آخر الأمر يطلب مسالمة معاوية(3) .
إن هذا الأمر ليس غريباً عن رجل مثله فهو أول رجل يحقق أحلام دمشق القديمة في خلق كتاب فضائل معاوية(4) وقد جمع لأول مرة في التاريخ كتاباً منفرداً بعنوان ـ فضائل معاوية وفي يزيد وأنه لا يسب ـ(5) علماً أن هناك بون شاسع بين المسلمين الأوائل ، والطلقاء أبناء الطلقاء ولسنا هنا في معرض الدفاع والرد على ما قاله بقدر ماهو طرح لهذه الافكار الشاذة والتي ما قال بها أحد قبله.
__________________
1 ـ صائب عبد الحميد ، ابن تيمية حياته ، عقائده ص 328.
2 ـ ابن تيمية ، منهاج السنة : 2 / 202 ـ 205.
3 ـ المصدر السابق : 2 / 233 ـ 234.
4 ـ صائب عبد الحميد ، ابن تيمية حياته ، عقائده ص 278.
5 ـ الوافي بالوافيات : 7 / 16 بواسطة صائب عبد الحميد.
ولم يقف الامر عند هذا الحد بل أصبح يبيح قتل المسلمين وجعل القتل أمراً عادياً إذا كان في مكائد الحرب علماً أن المقتول هذه المرة هو الحسن بن عليعليهالسلام وحبيب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والذي قال فيه رسول الله سيد شباب أهل الجنة وريحانته ، فكيف وأن الإسلام شد الوعيد على من قتل مسلماً متعمداً فجزاؤه جهنم لقوله تعالى :( مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَساد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً ) (1) .
فيأتي ابن تيمية ببرودة ويقول إن معاوية حين أمر بسم الحسن وقتله كان ذلك من باب القتال الدائر بينهما(2) . وهذا من باب التبريرات التاريخية الواهية فكيف يأمر بسمه وقد عاهده على الصلح ولا أظن أن الامام الحسنعليهالسلام ممن ينسى أنّ وعد المسلم دين عليه. فحادثه التسميم كانت بعد الصلح وبهذا يصبح لا مبرر لهذا العمل الشنيع والذي لم يحرك له شيخنا الجليل ساكناً.
والأشنع من ذلك موقف ابن تيمية من ثورة الامام الحسين حيث يرى أن مفسدة ثورة الامام الحسينعليهالسلام أعظم من مصلحتها ، ورأى أن كل من خرج على إمام ذي سلطان إلا كان ما تولد على فعله من الشر أعظم مما تولد من الخير(3) ، وبهذا يصير يزيد الفاسق شارب الخمر واللاعب بالقرود إماماً والذي قام لإصلاح هذا الوضع حيث قال
__________________
1 ـ المائدة : 32.
2 ـ منهاج السنة ، ابن تيمية : 2 / 225.
3 ـ المصدر السابق : 2 / 241.
الحسينعليهالسلام ( إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولكني خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدّي لآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) مفسداً.
إن هذه الرسالة الخالدة لم تحرك في ابن تيمية ساكناً بل يرى أنه لم يكن في خروج الامام الحسينعليهالسلام مصلحة لا في دين ولا في دنيا ، وكان في خروجه وقتله من الفساد مالم يكن يحصل لو قعد في بلده ، وهذه رؤية مادية لا ترى البعد الاستراتيجي لثورة الامام الحسين.
فخروجه أولا عن علم باستشهاده وكتب الحديث تشهد بذلك فقد مر عليعليهالسلام بكربلاء في طريقه إلى صفين فنادى اصبراً أبا عبد الله بشط الفرات.
قيل له وما ذاك؟
فقال دخلت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذات يوم وعيناه تفيضان ، فقلت ما أبكاك يا رسول الله؟
فقال : « بلى ، قام من عندي جبريل قبل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات وقال لي هل لك أن أشمك من تربته؟
قال فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا »(1) لكن ابن تيمية لم يلتفت إلى هذا.
والبعد الثاني والذي يرى فيه مفسدة للدين لا أظنه إلاّ العكس فلولا
__________________
1 ـ مسند أحمد : 1 / 85 ، البداية والنهاية : 8 / 201.
الحسينعليهالسلام لذهبت كل القيم الإسلامية لأنه أول من فتح الثورة على الظلم والطغيان فجاءت ثورة التوابين والمختار الثقفي ، وزيد بن عليرضياللهعنه وابنه يحيى ، واستيقظت الضمائر بعدما انحنت للظلم فاستشهد التابعي الجليل سعيد بن جبير. إذن كل هذا الإحياء الديني حركته ثورة الإمام الحسينعليهالسلام ولكن الغريب أن نجد إنساناً غربياً يفهم هذه الأبعاد العظمى للثورة الحسينية ولا يفهمها من يعيش داخل هذا الدين.
فقد قال ماربين في كتابه السياسة الإسلامية :
« إن حركة الحسين في خروجه على يزيد كانت عزمة قلب عزّ عليه الإذعان وعزّ عليه النصر العاجل فخرج بأهله وذويه ذلك الخروج الذي يبلغ به النصر الآجل بعد موته ، ويحيي به قضية مخذولة ليس لها بغير ذلك حياة.
هكذا فهم هذا الغربي البعد الحقيقي والسامي(1) لثورة الامام الحسينعليهالسلام والذي قال فيه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ( حسين مني وأنا من حسين ، أحب الله من أحب حسيناً ، حسين سبط من الأسباط )(2) .
إذن لماذا هذا الحب المفرط من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؟ إذا لم يكن يعلم صلاحه ورشده لكن عالمنا النحرير لم تحركه هذه الأحاديث بل يرى في قتل الإمام الحسين حالة عادية بحيث يرى بأن يزيد ليس بأعظم
__________________
1 ـ ابو الشهداء : 118 عن ماربين في كتابه بواسطة صائب عبد الحميد ابن تيمية حياته عقائده ص 402.
2 ـ أخرجه البخاري في التاريخ الكبير : 8 / 1415 ، ح3536.
جرما من بني إسرائيل ، كان بنوا إسرائيل يقتلون الأنبياء وقتل الحسين ليس بأعظم من قتل الأنبياء(1) . وكأن الله تعالى موافق على قتل أنبياء بني إسرائيل وحاشى أن يكون هذا وهو القائل( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ) (2) .
إن القتل بحد ذاته محرم داخل الشريعة الإلهية والأعراف وهذا للأشخاص العاديين فكيف إذن بمن كرمهم الله من انبياء وأئمة وعلى يد من؟ كفار وفساق أي ان حالة الحق والباطل ظاهرة. لكن حينما تعمى الأبصار والعقول فلا حياة لمن تنادي.
__________________
1 ـ ابن تيمية ، منهاج السنة : 2 / 247.
2 ـ المائدة : 78.
وقفة أخيرة
إن تحامل ابن تيمية على آل بيت النبيصلىاللهعليهوآله جعله يبذل قصارى جهده لنفي كل الميزات الخاصة بهم ومن بينها نفي سبب نزول( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذاب واقِع ) (1) في الذي أنكر وشكك في ولاية أمير المؤمنين عليعليهالسلام ولرد هذه المزعمة نقوم بمناقشته في هذه المسألة بصورة موجزة(2) .
سبب نزول الآية
ذكر القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن المعروف بتفسير القرطبي في تفسير سورة المعارج 18 / 288.
قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( من كنت مولاه فعلي مولاه. قال النضر بن الحارث لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : امرتنا بالشهادتين عن الله فقبلنا منك وأمرتنا بالصلاة والزكاة ثم لم ترض حتى فضلت علينا ابن عمك ، الله أمرك أم
__________________
1 ـ المعارج : الآية 1.
2 ـ راجع الغدير للأميني ففيه الرد الكافي ونورد هنا بشكل مختصر محاورته إياه.
من عندك؟ فقال والذي لا إله إلاّ هو إنه من عند الله ).
فولى وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء! فوقع عليه حجر من السماء فقتله ).
وفي تفسير ابن كثير(1) للآية قال.
قال النسائي حدثنا بشر بن خالد حدثنا أبو اسامة حدثنا سفيان الاعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى :( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذاب واقِع ) .
قال النضر بن الحارث بن كلدة.
وقد ذكر ابن كثير سببين آخرين لكنه رجح هذا الأخير حيث قال والصحيح الأول ـ أي الذي وضعناه هنا ـ لدلالة السياق عليه.
وقد أورده كذلك السيد محمد حسين الطباطبائي عن جعفر الصادقعليهالسلام (2) وفي الدر المنثور أخرج الفاريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه ابن مردويه عن ابن عباس في قوله :( سَأَلَ سائِلٌ ) ، قال نزلت بمكة في النضر بن الحارث وقد قال :( اللّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ) الآية وكان عذابه يوم بدر. ولكن هذه من عند السيوطي لكون الآيات مدنية وسنتطرق لها بالتفصيل في موضعها.
__________________
1 ـ تفسير ابن كثير : 4 / 419 دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ط 1408هـ 1986م.
2 ـ السيد محمد حسين الطبطبائي : الميزان في تفسير القرآن : 20 / 82.
اعتراضات وأجوبة
ونستعرض هنا اعتراضات ابن تيمية على سبب نزول هذه الآية.
الاعتراض الأوّل
بعض الروايات تذكر أن الحارث بن كلدة أناخ بناقته إلى البطحاء ومن هنا جاء اعتراض ابن تيمية حيث قال :
أخذه على البطحاء وكون مكانها بمكة ومحتمل سبب النزول المدينة فيصير مخالفاً ـ يعني أن هذه الحادثة باطلة لكون البطحاء مكانها بمكة والذين يستدلون بنزولها في الحارث بن كلدة قالوا بالمدينة وبذلك يصير الأمر مخالفاً وتبطل الرواية.
الرد الأول
تعريف البطحاء
البطحاء قد لا يقصد بها مكان معين وإنما تعني في اللغة أي الأبطح وهي كل مسيل فيه دقاق الحصى ، وليس حجراً على اطراف البلاد أن تكون فيها أباطح.
وروى البخاري في صحيحه(1) ، ومسلم في صحيحه(2) عن عبد الله ابن عمر أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها.
__________________
1 ـ صحيح البخاري : 2 / 556.
2 ـ صحيح مسلم : 3 / 154.
وفي إمتاع المقريزي(1) : أن النبي إذا رجع من مكة دخل المدينة من معرس الأبطح ، فكان في معرسه في بطن الوادي فقيل له إنك ببطحاء مباركة.
وفي مصابيح البغوي(2) ، قال :
قال القاسم بن محمّد : دخلت على عائشةرضياللهعنه فقلت يا أماه اكشفي لي عن قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء.
وفي معجم البلدان(3) :
البطحاء في اللغة مسيل فيه دقاق الحصى ، والجمع الأباطح والبطاح على غير قياس.
الاعتراض الثاني
وهو حمله الآية السورة كلها على أنّها مكية وبالتالي تنتفي الدلالة من كونها نازلة بعد حديث تولية إمارة المؤمنين لعلي بن أبي طالبعليهالسلام .
الرد الثاني
يمكن أن يكون مجموع السورة مكية بخصوص بعض الآيات فإنها مدنية كما هو واقع مجموع من السور القرآنية ولا إشكال في أن تكون
__________________
1 ـ امتاع الأسماع : ص 534.
2 ـ مصابيح السنة : 1 / 560
3 ـ معجم البلدان : 1 / 444.
بدايتها ومفاتحها مكية كما هو الشأن لمجموعة من السور المدنية والتي تحتوي على آيات مكية ومثال ذلك كثير :
1 ـ سورة العنكبوت مكية ، عشر الآيات الأولى منها مدنية.
2 ـ سورة الكهف مكية ، 7 آيات منها مدنية.
3 ـ سورة إبراهيم مكية إلاّ قوله تعالى :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ) (1) .
4 ـ سورة الإسراء مكية إلا قوله :( وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ ) (2) و( وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) (3) .
والأمثلة في القرآن على ذلك كثيرة.
الطباطبائي يرد
نورد هنا قول العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسيره الميزان وهو يبرهن على مدنية هذه الآية ، فانه يقول :
الذي يعطيه سياق السورة أنها تصف يوم القيامة بما أعد فيه من أليم العذاب للكافرين ; تبتدئ السورة فتذكر سؤال سائل سأل عذاباً من الله للكافرين فتشير إلى أنه واقع ليس له دافع قريب غير بعيد كما يحسبونه ثم تصف اليوم الذي يقع فيه والعذاب الذي أعد لهم فيه وتستثني
__________________
1 ـ ابراهيم : 28.
2 ـ الإسراء : 76.
3 ـ الإسراء : 80.
المؤمنين الذين قاموا بوظائف الاعتقاد الحق والعمل الصالح.
وهذا السياق يشبه سياق السور المكية غير أن المنقول عن بعضهم أن قوله :( وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ) (1) مدني والاعتبار يؤيده لأن ظاهره الزكاة قد شرعت بالمدينة بعد الهجرة وكون هذه الآية مدنية يستتبع كون الآيات الحافة بها الواقعة وهي أربع عشرة آيات قوله :( إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ) إلى قوله :( فِي جَنّات مُكْرَمُونَ ) مدنية لما في سياقها من الاتحاد واستلزام البعض للبعض.
ومدنية هذه الآيات الواقعة تحت الاستثناء تستدعي ما استثنيت منه وهو على الأقل ثلاث آيات قوله :( إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ) إلى قوله( مَنُوعاً ) على أن قوله( فَما الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ) متفرع على ما قبله تفرعاً ظاهراً وهو ما بعده إلى آخر السورة ذو سياق واحد تكون هذه الآيات أيضاً مدنية.
ومن جهة أخرى مضامين هذا الفصل من الآيات تناسب حال المنافقين الحافين حول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن اليمين وعن الشمال عزين وهم الرادون لبعض ما أنزل الله من الحكم وخاصة قوله( أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئ مِنْهُمْ ) الخ ، وقوله( عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ ) الخ على ما سيجيء ، ومواطن ظهور هذا النفاق المدينة لا مكة ، ولا ضير في التعبير عن
__________________
1 ـ المعارج : 24.
هؤلاء بالذين كفروا فنظير ذلك في سورة التوبة وغيرها(1) .
ومنه يتضح بالجلي على أن هذه الآيات مدنية النزول باعتبار القرائن الملازمة لحالة المدينة لا مكة كمثل الزكاة والمنافقين ، وحتى لو سلمنا بكون السورة مكية فإنه من الجائز نزول الآية مرتين او مرة بعد أخرى من أجل العظة والتذكرة كمثل سورة الفاتحة فإنها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة ، ومرّة بالمدينة حولت القبلة ولتثنية نزولها سميت بالمثاني(2) .
الاعتراض الثالث
انها نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكّة ، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بينهم لقوله تعالى( وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) .
الردّ الثالث
إن دليل الاعتراض مربوط بالاستدلال القرآني ولفظ الآية غير محمول على المشركين بل هو ملزوم بأصحاب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ودليل ذلك قوله تعالى( وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) فلا يكون الاستغفار من مشرك كافر. ومن هنا يصير الخطاب موجه لعصاة المسلمين وأما من ارتد عن
__________________
1 ـ محمد حسين الطباطبائي. الميزان : 20 / 6.
2 ـ اتقان السيوطي : 1 / 31.
الإسلام وكذب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وطلب العذاب من الله تحديا واستخفافاً فعلى الله أن يعجل عليه نقمته. وكما أسلفنا سابقاً أنه خلال المرحلة المدنية تزايد المنافقون الذين يكنون الدسائس للإسلام.
الاعتراض الرابع
ان المعلوم من هذا الحديث أن حارثا المذكور كان مسلماً باعترافه بالمبادئ الخمسة الإسلامية ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين لم يصبه عذاب على عهد النبي.
الجواب الرابع
إن الحارث قبل تشكيكه في أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان مسلماً ولكن لمجرد التشكيك دخل الكفر وفي قوله تعالى( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذاب واقِع ) والسؤال بمعنى الطلب والدعاء وتم الحاق الباء لما تضمن الفعل من الاهتمام والاعتناء ، وقيل الباء زائدة للتأكيد ، ومآل الوجوه واحد وهو طلب العذاب من الله كفراً وعتواً.
والآية تحكي سؤال العذاب وطلبه عن بعض من كفر طغياناً وكفراً(1) وأما العذاب الذي جاءه كان بعد الكفر والارتداد.
لكن شيخنا يتراجع ويخبرنا بكون الحارث بن كلدة غير معروف في الصحابة ولم يذكره ابن عبد البرفي الاستيعاب وابن مندة وابو نعيم
__________________
1 ـ الطباطبائي ، الميزان : 20 / 7.
الاصبهاني وأبو موسى في تآليف ألّفوها في اسماء الصحابة وهذا في حسبي هو الخلط بعينه فكيف ينكره الآن بعد ما نسبه قبلا للإسلام مؤمناً بالأركان الإسلامية الخمسة.
واعتراضه هذا في حد ذاته واه فإن عدم تصنيف المصنفين لإسمه ليس دليلا على عدم وجوده. إذ أن كل مؤلف يكتب بقدر إحاطته وسعته ، عن أبي زرعة الرازي قال : توفي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة ، كلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤية ومع هذا فجميع من في الاستيعاب يعني بمن ذكر فيه باسم او كنية وهم ثلاثة وخمسمائة ولم يستوعب ابن أبي زرعة الباقي ، ومما لاشك فيه أنّ عدم معرفتهم ليس دليلاً على عدم وجودهم.
الفصل الثالث
ابن كثير الوهم والحقيقة
لعمري ما أغرب أن تجد إنساناً يؤرخ لفترة زمنية وبقناعات ذاتية مرتبطة بتوجهه الايديلوجي يخبط خبط عشواء في سرد الأحداث والوقائع ، حتى أنه لا يستطيع هو نفسه استيعاب ما يريد إبلاغه للآخرين لذا تجده يورد أحداثاً في قضية معينة وكل حدث يناقض بعضه. مما يعطي رؤية على أن هذا الشخص غير مقتنع تمام الاقتناع بالقضايا التي يطرحها إذ أنه أصبح أسير الموروثات القديمة التي كونت لديه نفسية تاريخية تحدها أبعاد مذهبية. والعدد الهائل من الروايات التي يتعامل معها بعضها يعكس الحقيقة وقد تكون مخالفة لاعتقاداته واخرى هي من إنتاج التاريخ مما يحدث تصادماً بين هذه المعطيات الشيء الذي يدفع بالمؤرخ المتعامل مع هذه النصوص بإدراجها بأجمعها وإدخال قلمه على حسب قدرته لتبرير فعل أو الدفاع عنه أو أقرب طريقة لذلك وهو تضعيفه سند الرواية والانتصار للمرويات المفضلة عنده. أو بطريقة أخرى أسهل وهو إهمال الرواية وعدم إدراجها نظراً لما تحمله من دلالات ومعاني وبالتالي تخليص النفس من الدفاع والبحث عن الانتصار.
وقد كان ابن كثير أحد هؤلاء المؤرخين حيث أذهلتني موسوعته
بذلك الكم الهائل من الروايات والتي غلب عليها التكرار وكذلك الحشو المتزايد بحيث لا تلمس نفسك تدرس موسوعة تاريخية على مثيل الامامة والسياسة ; بل هي عبارة عن كتاب جمع في داخلها المتناقضات المتفحص بحيث يقف مذهولا ويصاب عقله بالارتجاج وهو لا يستطيع الوصول إلى نتيجة ، لكن يطرح هذا الأمر أمامه باب الشك حول هذه الأحداث المتراكمة مما يجعله يستشف أن هناك أشياء وقعت ويحاول المؤرخ تجاوزها أو إغفال العين عنها.
لحظة الوفاة
طالعت ذات يوم بشوق متزايد أحداث سنة 11 للهجرة ولكن مع الأسف وجدت أن يد ابن كثير تعاملت مع هذه الفترة بكثير من الوضاعة والاحتيال ; بحيث أن هناك أحداثاً تاريخية مهمة قد غض الطرف عنها بالإطلاق والتي كان لها تأثير كبير في تشخيص وضع المجتمع الإسلامي قبيل وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهم هذه الأحداث هي سرية أسامة بحيث لم يُذكر لها أثر والأحداث التي وقعت أثناء إنفاذ هذه السرية ، من تأييد الرسول لها وعقد لوائها بيده الشريفة ودعوته بالإسراع لتنفيذها ولعنة المتخلفين عنها. ولكل هذه الأعمال دلالات(1) ولكن رغم ذلك فإن إبن كثير لم يفرد لها شيئاً وهذه من إحدى الأبواب
__________________
1 ـ راجع أحمد شلبي والتاريخ في الملاحق القادمة.
التي سلكها لإخراج هذا التاريخ كما يوافق رؤاه والتي ترى خير القرون قرني هذا والذي يليه ومع تحقق اللعنة المرتبطة بالتخلف عن جيش أسامة وكان فيها كبار الصحابة فإن هذه الأحاديث تصبح لا داعي لذكرها ; لأنها تسقط اصنامهم المقدسة ، وهو الشيء الذي لا يريده مؤرخنا.
ولكن الأمرُّ من هذا هو الرواية الغريبة التي أوردها حول الرزية ـ رزية الخميس ـ بحيث لا علاقة لها بالحدث التاريخي الذي حصل أنذاك فأخرج في موسوعته عن علي بن أبي طالب قال أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن آتيه بطبق يكتب فيه مالا تضل أمته من بعده ، قال : فخشيت أن تفوتني نفسه ، قال : قلت : إني احفظ وأعي(1) .
إن هذه الرواية متشابهة مع رزية الخميس ، ولكن هنا الإمام علي هو الذي امتنع عن إعطاءه الطبق باعتباره يحفظ ويعي ولا أظنها إلاّ رداً على الرواية التي اتفق عليها أصحاب الصحاح ، والتي رفض فيها جمع من الصحابة إعطاء النبي ما طلبه ليكتب لهم الوصية وفيهم عمر. فخالفوا بذلك أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولايخفى على أحد موقف الإسلام من مخالفة أمرهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ويتضح من إيراد ابن كثير النص الصحيح وتعليقه عليه بأنّ الحديث عند الشيعة مع ربطه بأحاديث أخرى يفيد الوصية للإمام عليعليهالسلام من
__________________
1 ـ ابن كثير ، البداية والنهاية : 5 / 209.
بعد رسول الله ، مما جعل إبن كثير يراها إحدى مفتريات الشيعة إذ يقول : وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء ، من أنه أوصى إلى علي بالخلافة فكذب وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير(1) لكن في نفس الوقت يرجع للدفاع عن توصية الرسول لأبي بكر(2) رغم مافي هذا القول من علة(3) .
ابن كثير يتناقض مع نفسه
حينما تكثر الأحداث التاريخية ، فإن نباهة المؤرخ ومدى تتبعه لمصداقية الحدث التاريخي تظهر بوجود تناسق بين المرويات وسرد الأحداث ، لكن مع الأسف هذا مالم نره عند ابن كثير إذ أن تضارب الأحداث فات حده في كتابه بحيث يجعلك لا تستقر على أمر معين وهذا ما يجعل الباحث يستشف البعد التحريفي لأحداث التاريخ وما حدث فيه على طول استيلاء السلطات الظالمة على رقاب المسلمين ومدى مساعدة علماء الجور لهم والدفاع عنهم وإيجاد الطرق الكفيلة لتخريج هذا التاريخ للناس بشكل ينسجم وعقلية الناس التي أعتادت الاستسلام للظلم وتبرير ظلمهم بل وحتى في عصرنا الحالي نجد قلة
__________________
1 ـ ابن كثير ، البداية والنهاية : 5 / 236.
2 ـ المصدر السابق.
3 ـ للإطلاع على علل هذا الحديث راجع كتاب تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي لصائب عبد الحميد.
من يتعاطف مع شهداء حادثه كربلاء لأنّ الأغلبية العظمى تعطيها تأويلات صاغتها أيدي وعاظ السلاطين لتصل جاهزة الى عقول الآخرين وكثير من الناس لازالت تجهل مكانة آل البيت النبوي في الإسلام وعلى رأسهم أمير المؤمنين ، حتى وصل الأمر ببعضهم لاتهامه بالطامع في الخلافة(1) علماً أن الإمام عليعليهالسلام كان الوجه الأول للمواجهة ضد اعداء الإسلام والحامل للواء العلم والمعرفة بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم . وكل هذا لأنه رأى أنه هو المؤهل شرعاً وعقلاً لتسيير أمور المسلمين ، وهذا الأمر هو الذي حيّر المؤرخين في كيفية صياغة أحداث التاريخ بحيث تنسجم وطبيعة تصورهم ، لكن كما أسلفنا سابقاً لم يحالفهم الحظ في ذلك فكانت كل استدلالتهم ناقصة ، ومثال إبن كثير واضح في هذا المجال والأمثلة على ذلك كثيرة.
ابن كثير وأحداث السقيفة
لا أحد يشك في أن أول اجتماع حدث بعيد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كان في سقيفة بني ساعدة ، وكان المجتمعون هم جماعة من الأنصار وثلاثة من المهاجرين وهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح إذ بلغ مسمعهم أن الانصار مجتمعين في السقيفة بزعامة سعد بن عبادة فلما وصل الخبر إلى أبي بكر فزع فزعاً شديداً ، وقام معه عمر فخرجا
__________________
1 ـ راجع فصل أحمد شلبي.
مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة فلقيا أبا عبيدة بن الجراح فانطلقوا جميعاً ، حتى دخلوا السقيفة وفيها رجال من الأشراف معهم سعد بن عبادة(1) .
إن دراستنا لهذا الحدث التاريخي تبين عدم عقد إجماع البيعة لأبي بكر وما إسراعه للسقيفة إلاّ محاولة لحصر هذا الموضوع وعدم انتشاره بين الناس كي لا ينفروا من بيعته وتكون بذلك أول بيعة لأبي بكر استعين بها بالعصبية القبلية ـ وخصوصاً بين الاوس والخزرج ـ قد وقعت في السقيفة مما لا يعطيها الشرعية الدينية بحيث يغيب عنها كبار الصحابة وبخاصة أهل البيت الهاشمي ولكن ابن كثير من أجل أن يخرج من هذا المأزق أخرج لنفسه رواية تجعل من البيعة بيعة عامة في المسجد قبل أن يتجه إلى السقيفة إذ بايعه في المسجد جماعة من الصحابة ووقعت حسب زعمه شبهة لبعض الأنصار(2) .
وقد يظن البعض بأنّ هذه الرواية بسيطة لكنها في الحقيقة شرعنة للنظام الخلفائي الذي يفتقد المصداقية الدينية فمحاولة البعض لتصوير وقوع البيعة في المسجد هي وسيلة لشرعنة هذا العمل وإعطائه صبغة جماعية ، ومما يزيد من تأكيد هذا القول أي أنّ البيعة الأولى كانت في المسجد هو ما أورده بعد ذلك حيث يقول :
__________________
1 ـ انظر : ابن قتيبة الإمامة والسياسة ص 9 ـ شركة مكتبة ومطبعة ومصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر محمد محمود الحلبي وشركاه ـ حلفاء.
2 ـ ابن كثير ، البداية والنهاية : 5 / 214.
وخرج إلى المسجد ( أي أبو بكر ) وعمر يخطب في الناس ويتكلم ويقول : إن رسول الله لا يموت حتى يفني الله المنافقين ، فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله يقول :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) الآية حتى فرغ من الآية فقال : من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ومن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، فقال عمر : إنها في كتاب الله وما شعرت أنها في كتاب الله(1) ثم قال عمر : يا أيها الناس هذا أبو بكر فبايعوه فبايعوه(2) ومنه تكون البيعة قبل توجه المهاجرين الثلاثة إلى السقيفة.
قد يقول قائل إن البيعة أولها كانت في المسجد وبعدها ذهبوا لإقناع الانصار في السقيفة لكن يخرج علينا إبن كثير برواية تجيب عن هذا السؤال وتبين أن البيعة الأولى كانت في السقيفة حيث يقول ابن كثير على لسان أبي بكر وهو في السقيفة : وقد رضيت لكم هذين الرجلين أيهما شئتم وأخذ بيدي ـ أي يد عمر ـ ويد أبي عبيدة ابن الجراح.
إذن العقل ماذا يقول؟ إذا كانت البيعة قد تمت قبل الحضور في السقيفة وتم تنصيب أبي بكر ولياً للمسلمين فلماذا يختار لهم أحد الرجلين عمر وأبي عبيدة بن الجراح. ومنه يكون القول بالبيعة الأولى
__________________
1 ـ خلال إنكار عمر لموت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان أبو بكر آنذاك في السنح خارج المدينة؟!
2 ـ ابن كثير ، البداية والنهاية ص 21.
في المسجد قولاً لا مجال له من الصحة وإنما يأتي من بعد الخلاف والزام المخالفين بالبيعة بإحضارهم إلى المسجد أو الهجوم عليهم بمنزل الزهراءعليهاالسلام ، والمراد من هذا القول كما قلنا هو إصباغ البيعة بشرعية وبإجماع الأمة ولم يكن إدراجها من قبيل حكي المرويات ولكن لغرض في نفس ابن كثير يبغي من خلالها عملية التمويه التاريخي ولم يكتفي عند هذا الحد من أجل إعطاء الشرعية ونفي ما قيل عن حال الخلاف الواقع بل صوّر الأمر بأنّ كل المخالفين والتي أثبت كتب التاريخ إصرارهم على عدم الاعتراف بالبيعة اذعنوا بعد ذلك للامر وبايعوا بطيب خاطر.
سعد ابن عبادة وابن كثير
يعتبر سعد ابن عبادة من المعارضين لخلافة أبي بكر بحيث وقف ضد أبي بكر في السقيفة ولم ينحني أبداً أمام التهديدات وبقي على ما ذهب اليه حتى قتل في عهد عمر وهو لم يبايع عمر كذلك. وكان سعد ابن عبادة سيد قومه وله منزلة قبل إسلامه وبعد إسلامه مما يجعل عدم قبوله للبيعة لها أولاً دلالة حول مصداقيتها وثانياً أنّها تفنّد القول بالاجماع والذي حكى عنه المؤرخون.
فأما مصداقيتها فهي نفي الشرعية عن الولي بحيث يكون هو المسؤول عن كل الأمور الدينية وإمام الأمة في الصلاة وترك الصلاة وراءه هو من باب عدم الاعتراف بإمامته بحيث أن سعداً لم يكن يصلي
بصلاتهم لم يجتمع معهم(1) بل وصل به الأمر أنه دعى إلى محاربتهم وكان هو على يقين من خروجهم عن جادة الشرع بحيث قال : أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض ، لسمعتم مني في أقطارها زئيراً يخرجك أنت وأصحابك ، ولألحقنك بقوم كنت فيهم تابعاً غير متبوع خاملا غير عزيز(2) وهكذا فإن المصداقية الشرعية تُفقد ، وما الدعوة إلى محاربتهم إلاّ دليل على ذلك ، ولا أظن أن سعد بن عبادة غافل عن تحريم القتال بين المسلمين.
وأما الاجماع فخروج نفر واحد له مكانته في قومه وبين المسلمين لخير دليل على سقوط القول بالإجماع ولا أظن أحداً من المؤرخين قال أن سعداً تنازل عن موقفه هذا إلاّ مؤرخنا الكبير ابن كثير بحيث خالف الإجماع التاريخي وذكر بأنّ ابن سعد تنازل واعترف بإمارة القرشيين إذ يقول أن أبي بكر قال له : ولقد علمت يا سعد أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال وأنت قاعد ، قريش ولاة الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم ، فقال له سعد : صدقت نحن الوزراء وأنتم الأمراء(3) .
وهذا جزء من التبريرات والشرعنة الواهية التي يتبعها ابن كثير
__________________
1 ـ الامامة والسياسة ، ابن قتيبة ص 10.
2 ـ المصدر السابق.
3 ـ البداية والنهاية : 5 / 218.
للانتصار لهذا التاريخ والتي تجعله يسقط في مطبات كثيرة بحيث أنّه في نفس هذه الحادثة المرتبطة بسعد بن عبادة يذكر كذلك رفض سعد لهذه البيعة حتى انزوى المبايعون في السقيفة على سعد ، فقال قائل منهم : قتلتم سعداً ، فقال عمر : قتل الله سعداً(1) ، مما يبين الحقيقة الصحيحة لموقف ابن عبادة والذين أجمع كل من كتبوا في التاريخ على هذه الحقيقة.
ولم يقف ابن كثير فقط عند سعد ابن عبادة بل تعداه إلى الامام عليعليهالسلام وجعله من المبايعين الأولين وهو الذي دافع عن حق هو له أهل ونسي أنه ما بايع أبي بكر إلاّ خشية أن يعود الناس عن دين محمد وذلك بعد مرور ستة أشهر وهو يبايع يذكر بأحقيته في الحكم وقبلها كذلك بحيث يقولعليهالسلام : أنا عبد الله وأخو رسوله ، أنا أحق بهذا الأمر منكم(2) وفي مجلس البيعة خاطب أبا بكر مؤكداً على أحقيته فذكر استبداد أبي بكر بهذا الأمر دونه فقالعليهالسلام : فانه لم يمنعنا أن نبايعكم إنكاراً لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك ولكن كنا نرى أنّ لنا هذا الامر حقا ، فاستبددت علينا(3) . وكذلك البيت الهاشمي وعلى رأسهم العباس بن عبد المطلب إلى غاية ذلك الوقت وهو غير مبايع وكان يرى الأمر أمر
__________________
1 ـ المصدر السابق : 5 / 216.
2 ـ الإمامة والسياسة ص 11.
3 ـ الإمامة والسياسة ص 11.
أهل البيت دون سواهم وفي رده على أبي بكر وعمر حينما جاءا يسترضيانه بمنصب في التركة المسلوبة أبى ورد حجتهم التي احتجوا بها على الانصار من كون الرسول من قريش وهو دليل الأحقية فرد العباسرضياللهعنه : أما قولك إن رسول الله منا ومنكم ، فإنه كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها(1) .
إذن كل هذه الحوادث لم تحرك في ابن كثير حساً فأورد بأن علياً بايع مع الاوائل وذكر أن أبا بكر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً فدعى بعلي بن أبي طالب فجاءه فقال ، قلت ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وختنه على إبنته أن تشق عصا المسلمين قال : لا تثريب يا خليفة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فبايعه(2) .
لكن الأحداث أصعب من أن تصدق بهذه السهولة ، وهناك روايات تتحدث عن رفضهعليهالسلام البيعة لمدة ستة أشهر حتى توفيت فاطمةعليهاالسلام وبالتالي يلزمه تخريجة تساير الأحداث التاريخية فيقول في هذا التأخير : واحتاج على أن يراعي خاطرها بعض الشيء ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيهاصلىاللهعليهوآلهوسلم رأى عليعليهالسلام أن يجدد البيعة مع أبي بكر(3) . فمتى كانت رعاية الزوجة تبطل البيعة؟ إذا كانت وجدت أصلا.
__________________
1 ـ الامامة والسياسة ص 16.
2 ـ البداية والنهاية : 5 / 218.
3 ـ انظر : المصدر السابق ص 219.
ولكنها هي نوع من البهلوانية في الدفاع عن هذا التاريخ المزيف الذي يصعب على الإنسان التخلص منه مما يجعله يبحث عن كلّ المنافذ لإخراج نفسه من الورطات والمآزق التاريخية حتى وإن كانت بطريقة ساذجة كما هو الحال مع مؤرخنا ابن كثير.
ابن كثير والإمام عليعليهالسلام
إن الامام عليعليهالسلام يمتلك شخصية متكاملة من جميع الجوانب بحيث لو وقفنا عند كل شخصية من الشخصيات البارزة في التاريخ نجد انها لن تأخذ نفس الحجم والمكانة التي كانت تمتلكها شخصية الامام عليعليهالسلام فحتى عمر بن الخطاب الذي بالغ التاريخ في وصفه لم يجد له التاريخ الا صفة الشدّة والصرامة ، كما أن شخصيته لم تستطع أن تؤثر في التفكير الإسلامي بل أن صيته العلمي والمعرفي لم يبلغ الحد الذي يخلق ثورة فكرية في المعرفة الإسلامية ; بل لطالما اعتبر نفسه أجهل الناس وحتى ربات الحجال أعرف منه ، ولطالما عبر كذلك عن احتياجه لابي الحسنعليهالسلام بحيث كان يقول ويل لعمر من امر ليس له ابو الحسن.
اما الحركة العمرية في التاريخ فقد استغرقت مدة وجيزة لم تستطع بعدها الاستمرار في مجارات أحداثه وذلك ناتج أولاً عن غياب قاعدة فكرية وثانيا أنّها لم تخلق الا منافسة للخط العلوي الذي له مناعة وقاعدة فكرية تتمثل في التراث الإسلامي الأصيل والمرتبط أساساً بمدرسة آل البيت ، والتي كان عليعليهالسلام رائدها مما جعلها المدرسة التي
استطاعت أن تخلّد نفسها في التاريخ وتتأقلم مع طبيعة الأحداث والوقائع التي تعيشها رغم حالات القهر والقمع السلطاني الذي عاشته ، والذي سخر علماءه للوقوف في وجه هذا المد المحمدي الأصيل وذلك بالتشكيك في رموز هذه المدرسة وتراثها المعرفي.
ولا غرابة أن نجد في التاريخ علماء أخرجوا هذه الطائفة من حظيرة الإسلام ، ونعتوهم بمجوس الأمة رغم القرائن والدلائل الشرعية التي تعبر عن صحة آراء هذه المدرسة ، وهذا كله لماذا؟ إنه الشخصية المميزة لهذا التاريخ ألا وهو عليعليهالسلام ، والذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( هلك فيك اثنين كاره مبغض ومحب مغال ) ، الشيء الذي يجعل منه مفتاح الأمة الإسلامية وذلك كمحرار لقياس درجة الجسم ; مع العلم أن درجة الجسم 37 ْC فأي نزول أو زيادة عن هذه الدرجة فإنه حتماً تدل على حالة مرضية. لذا يكون الحفاظ على هذه الدرجة الثابتة هو عين الصحة. فكذلك حب الإمام عليعليهالسلام فهو ثابت في درجة معينة فأي تقصير في حق هذه الدرجة هو خروج عن حالة الاعتدال وفيه هلاك الشخص ، ولا يكون ذلك إلاّ بإنكار حقوقه وحقوق آله والتي هي حقوق شرعية إلهية بحيث كل مخالفة لهم هي مخالفة لما أوجبه الله والذي يقول :( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ) (1)
__________________
1 ـ الشورى : 23 ويرجع في تفسير هذه الآية إلى ابن كثير : 4 / 141 ، الكشاف للزمخشري : 4 / 219 ، الشوكاني ، تفسير القدير : 4 / 543 ، الطبري : 11 / 144.
وكذلك الجهة الثانية وهي المحبة المغالية والتي تفوق الحدود العقلية فتجعل آل البيت وعلى رأسهم الإمام في منزلة الألوهية وهذا من المحال أن يصدقه العاقل الذي يعطي لكل ذي حقّ حقّه ، هذا الحقّ الذي خصه به الشارع الأكبر ألا وهو الله ، فتعالى أن يكون له شريك أو مثيل وهو القائل :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) فلهذا تكون جميع المحاولات للخروج عن حدود المحبة الطبيعية سواء بالكره ، أو المغالات هي من قبيل الشطح الذي يجب أن ويُرد إلى طريق الصواب.
بهذا كانت شخصية الإمام هي المؤثرة في تاريخ الفكر الإسلامي بحيث ما افترقت الفرق إلاّ على هذه الشخصية سواءاً بمخالفتهعليهالسلام ، او بمناصرته ، فكان الامامعليهالسلام مستهدفاً من الفرق المعادية ، حتى أن معاوية أجزل العطايا لكل من يروي في ذم الإمامعليهالسلام ، وما سمرة بن جندب وأبو هريرة إلاّ خير دليل على ذلك. كما أنه امر بلعنه على المنابر حتى تتزعزع مكانته في نفوس المسلمين ، وليس استشهاد حجر بن عديرضياللهعنه إلاّ دليلاً على تمسك المخلصين بحب هذه النفس الطاهرة صلوات الله عليه وعلى أبنائه الى يوم الدين.
وكما أن السلطان سخر القوة لمحاربتهم سخر كذلك باع وعاظ السلاطين أو أخذتهم النعرة المذهبية العقيمة للنيل من شخصيتهعليهالسلام ، وما شخصية ابن كثير إلاّ إحدى هذه الشخصيات التاريخية التي تعاملت مع شخصية الإمام علي الإجحاف وبادرت إلى سلبه حقه الإلهي ، ولسنا هنا نعني الإمامة بل نقصد الحقوق الإلهية التي عبر عنها
الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم خلال حياته ، والتي تمنح الامام المكانة المميزة التي تميّزه عن باقي الصحابة حتى أوصلته إلى أن يقول له كل المسلمون يوم الغدير ( بخ بخ لك أصبحت وأمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة ).
لكن مؤرخنا الجليل لم يحرك منه كل ذلك ساكناً. فبادر بشتى الطرق إلى تضعيف هذه الروايات بدون مبرر عقلي ومنطقي ، حتى يتخلص من مثل هذه الشخصية العظيمة.
وكما أسلفنا سابقاً فما ابن كثير إلاّ الوجه الثاني لعملة وجهها الأوّل ابن تيمية الذي قال عنه ابن حجر العسقلاني أنه خلال رده على ابن المطهر الحلي تجاوز حده حتى أصبح يعرض لشخصية الامام علي.
واليك بعض الامثلة على انكار ابن كثير لفضائل الامام عليعليهالسلام :
الإمام عليعليهالسلام والمؤاخاة
لا أحد ينازع في كون حادث المؤاخاة هي إحدى المميزات والمفاخر التي تتوج بها الامام عليعليهالسلام خلال حياة النبي والتي تبين مكانته في هذا الدين باعتباره صنو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ونفسه. ولهذا دلالات عظيمة تحتم على كل الخاضعين لحضرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يخضع لهذه الشخصية. ولم تكن هذه الحادثة مفردة في التاريخ الإسلامي بل نفسها أعيدت مرة اخرى ، وما سيرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم معهعليهالسلام إلاّ تأكيداً لهذه الأخوة وهذه الرتبة ، وذلك ابتداءاً من حادثة الدار والذي أعطاهصلىاللهعليهوآلهوسلم الأفضلية بين بني هاشم ، إلى حادثة الغدير والذي أعطاصلىاللهعليهوآلهوسلم الأفضلية
على عامة المسلمين.
ولم يصل الامام عليعليهالسلام إلى هذه المنزلة الا في ظل الرعاية الإلهية ، والتربية المحمدية والفطرة الأصيلة التي منحها الباري إياه ، حتى أصبح فريد زمانه في الجهاد فكان قاتل الكفار والمنافقين ، والثابت يوم حنين حين فرَّكل المسلمين ، وفاتح خيبر الذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد فشل أبي بكر وعمر في فتح حصن خيبر ( غداً أعطي الراية رجلاً يحبه الله ورسوله ويفتح الله على يده ) فحقق الله ذلك وانتصر فرفعت راية الإسلام بفضله.
وأما في الجانب العلمي فهناك قرائن كثيرة تبين أفضليته العلمية حتى قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) ويقول هو عن نفسه : ( كان لي عند رسول الله دخلتان ) ، وكذلك ( اسألوني قبل أن تفقدوني ) ، ولم يسبق أحد أن قالها غيره وهذا لثقته بنفسه ومكانته في هذا الدين.
وأفضل شاهد على عظمة مكانة الامام عليعليهالسلام ، هو سد الأبواب إلاّ بابهعليهالسلام ، ففي حديث جابر بن عبد الله الانصاري قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( يا علي إنه يحل لك في المسجد ما يحل لي وإنك مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي )(1) .
وكذلك عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال قامصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم سد الأبواب
__________________
1 ـ المراجعات نقلاً عن ينابيع المودة الباب 17.
خطيباً ، فقال : ( إن رجالا يجدون في أنفسهم شيئاً أن أسكنت علياً في المسجد واخرجتهم والله ما أخرجتهم وأسكنته بل الله أخرجهم وأسكنه ان الله عز وجل اوحى إلى موسى وأخيه أن تبوءا لِقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيمو الصلاة الى أن قال وإن علي مني بمنزلة هارون من موسى وهو أخي ولا يحل لأحد أن ينكح فيه النساء )(1) . وهذا مما يبرز المكانة العظمى لشخصية الإمام عليعليهالسلام ، والتي لها دلالات وإيحاءات لا تستطيع أقلام المخالفين أن تنفيها(2) . لكن صاحبنا ابن كثير فإنه ينفي بكل جرأة حديث المؤاخاة ويقول أنها لم تكن من خصوصياتهعليهالسلام ، ويرى أنّهعليهالسلام تآخى مع شخص غير الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ويقول : « وآخى النبي بينه وبين سهل بن حنيف ، وقد ذكر ابن اسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم آخى
__________________
1 ـ المصدر السابق ، ومن حديث سدّ الأبواب إلاّ باب عليعليهالسلام راجع : مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي ص 255 ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي 1 / 266 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 88.
2 ـ يوم فتح خيبر.
راجع : المناقب للخوارزمي الحنفي ص 76 و 96 ، مقتل الحسين للخوارزمي : 1 / 45 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 264 ط الحيدرية ، مجمع الزوائد : 9 / 131 ، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد : 2 / 449 ط أفست ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 130 ، ط 1 ، اسلامبول ، وص 154 ، ط الحيدرية.
بينه وبين نفسه وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح منها شيء لضعف أسانيدها وركة بعض متونها فإن في بعضها « أنت أخي ووارثي وخليفتي وخير من أمر بعدي » وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين وغيرهما والله أعلم(1) .
إذن هذه وجهة نظر ابن كثير فلننظر إلى الحديث المخصوص بالأخوة مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال ابن عبد البر في ترجمة علي من الاستيعاب : آخى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين المهاجرين ، ثم آخى بين المهاجرين والأنصار ، وقال في كل واحدة منهما لعلي : أنت أخي في الدنيا والآخرة ، وقال آخى بينه وبين نفسه.
وقال السيد عبد الحسين شرف الدين في مراجعته ـ مراجعة 34 ـ : ولهذه الغاية نفسها قد اتخذ علياً أخاه ، وآثره بذلك على من سواه تحقيقاً لعموم الشبه بين منازل الهارونيين من أخويهما ، وحرصا على أن لا يكون ثمة من فارق بينهما ، وقد آخى بين أصحابهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرتين كما سمعت ، فكان أبو بكر وعمر في المرة الاولى اخوين(2) وعثمان
__________________
1 ـ ابن كثير ، البداية والنهاية : 5 / 234.
2 ـ في المؤاخاة كان أبو بكر وعمر وعليعليهالسلام مع رسول الله.
راجع : مستدرك للحاكم : 3 / 14 ، الفصول المهمة لابن الصباغ الملكي ص 21 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 194 ، ط الحيدرية ، وص 83 ، ط الغري ، اسد الغابة لابن الاثير : 2 / 221 ترجمة الامام علي ابن ابي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي : 1 / 105 ، كنز العمال : 15 / 105 ، ح299 ط2.
وعبد الرحمن بن عوف اخوين ، وكان في مرة ابو بكر وحارجة بن زيد اخوين ، وعمر وعتبان بن مالك أخوين ، أما علي فكان في كلتا المرتين أخا لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما أن هذا الحديث رواه ما يقارب عشرة من الصحابة وهم ابن عباس ، وابن عمر وزيد ابن ارقم ، وزيد بن أبي أوفى ، وأنس بن مالك ، وحذيفة بن اليمان ، ومحذوج بن يزيد ، وعمر بن الخطاب ، والبراء بن عازب ، وعلي بن ابي طالب(1) .
ونظراً لكثرة الراوين أعرضنا عن ذكر كل المخرجين لحديثي المؤاخاة مما يعطي الدليل القاطع على صحته ووقوعه زمان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لكن مؤرخنا اعرض عن هذه الاحاديث لأنه لم يقصد التحقيق المعرفي الذي يتوخى من خلاله إرشاد الناس إلى طريق الصواب ، ولو ثبت ذلك بالطريق العقلي الصحيح لآمن به كل الناس ، لكنها محل إجماع كل العلماء إلاّ علماء السلفية ومنهم ابن كثير لأن في بقائها ، وثبات صحتها مضرة لمدرسته التي بنيت على وهم قدسية عدالة الصحابة التي انفق المال الكثير من أجل تكريسها وليت ابن كثير يقف عند نفي المؤاخاة ، بل تجاوزها الى ماهو أفظع من ذلك فتهجّم بكل ما
__________________
1 ـ عن عبد الحسين شرف الدين ، المراجعات : المراجعة 34.
عنده من قوة على آل البيت وعلى رأسهم امير المؤمنين علي بن ابي طالبعليهالسلام .
علي وآل البيتعليهمالسلام
لم يتجرأ أحد من العلماء منذ الجيل الأوّل إلى يومنا هذا ليخرج علي بن أبي طالب من آل البيت ، لأن الوصول إلى هذه النتيجة هو من قبيل الحمق والجنون العلمي. فزعيم آل البيت لا يناقش أحد في كونه هو قائد الغر المحجلين. وهذا منزل وشرف خصه به الله سبحانه وتعالى وأبنائه وامهم فاطمة الزهراءعليهاالسلام دون غيرهم للحظوة والمكانة التي كانوا يمتلكونها من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكذلك لأحقيتهم بخلافة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ورغم تجرء العلماء بتخطئة الإمام علي في سياسته وتسيره لأُمور الدولة ، لكن لم يسمح أحد لنفسه بأن يتجاوز الخط الأحمر ويعلن بصراحة أن أخا رسول الله ليس من آل البيت عليهم أجمعين السلام.
إلاّ مؤرخنا المحترم حيث يقول : قلت وأما الخلفاء الفاطميون الذين كانوا بالديار المصرية ، فان أكثر العلماء قالوا على أنهم أدعياء ، وعلي ابن أبي طالب ليس من أهل البيت ، ومع هذا لو يتم له الأمر كما كان للخلفاء الثلاثة قبله(1) .
وهذا من دلائل الخبل الذي أصاب صاحبنا علماً أنه يروي رواية
__________________
1 ـ ابن كثير البداية والنهاية : 5 / 237.
أهل الكساء في تفسيره(1) . وما من أحد خالف كون المقصود في قوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) هم فاطمة وعلي والحسن والحسين ، وذلك كما جاء في رواية أم سلمةرضياللهعنها حيث قالت :
دعا رسول الله حسناً وحسيناً وفاطمة فأجلسهم بين يديه ، ودعا علياً فأجلسه خلفه فتجلل هو وهم بالكساء ، ثم قال : « هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ».
فتقول ام سلمة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فأنا معهم يا نبي الله ».
فيقول لها « أنت على مكانك ، وأنت على خير »(2) .
وهذا الحديث يكفي ليبين ويزيل الغموض لصاحبنا بأنّ الإمام علي هو أحد أعمدة آل البيت ، كما أن هناك أحاديث أُخرى واردة في هذا السياق ، فعن مالك بن أنس قال : ( صليت مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سبعة عشر شهر فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمةعليهاالسلام فقال :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) كل يوم خمس مرات )(3) .
__________________
1 ـ ابن كثير في تفسيره : 3 / 485.
2 ـ رواه الطبري وابن كثير في التفسير والمحب الطبري في ذخائر العقبى والسيوطي في الدر المنثور والحاكم في مستدرك الصحيحين.
3 ـ رواه الترمذي في الصحيح ، وأحمد في مسنده ، والطيالسي في المسند ، والحاكم في مستدرك الصحيحين ، وابن الأثير في اسد الغابة وابن كثير والسيوطي في تفاسيرهما.
ونفس الرواية واردة عن ابي برزة(1) ، وعبد الله ابن عباس(2) .
وقال شرف الدينرحمهالله :
وقد اجمعت كلمة أهل القبلة من أهل المذاهب كلها على أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما نزل الوصي بها ـ بآية التطهير ـ عليه ضم سبطيه وأباهما وأمهما إليه ، ثم غشاهم ونفسه بذلك الكساء ، تمييزاً لهم على سائر الأبناء والأنفس والنساء ، فلما انفردوا تحته عن أسرته كافة ، واحتجبوا به عن بقية أمته بلغهم الآية ، وهم على تلك الحال ، حرصاً على أن لا يطمع بمشاركتهم فيها أحد من الصحابة والآل ، فقال مخاطبهم ، وفي معزل عن الناس كافة :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فأزاحصلىاللهعليهوآلهوسلم بحجبهم في كسائه حينئذ حجب الريب ، وهتك سدف الشبهات ، فبرح الخفاء بحكمته البالغة ، وسطعت أشعة الظهور ببلاغة المبين والحمد لله رب العالمين(3) .
وهناك مرويات كثيرة تثبت هذه المكانة للإمام عليعليهالسلام وآيات قرآنية تخصه وآل بيته. فبالإضافة إلى آية التطهير ، هناك آية المودة ، وكذلك المباهلة ، والتي خصتهعليهالسلام بالمنزلة الراقية وبالدرجة الرفيعة حتى قالعليهالسلام :
__________________
1 ـ رواها في مجمع زوائد.
2 ـ الدر المنثور للسيوطي.
3 ـ الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء للامام شرف الدين عن آية التطهير الشيخ محمد مهدي الآصفي ص 66.
( أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ، أن رفعنا الله ، ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطي الهدي ، ويستجلي العمي ، إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لاتصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم )(1) .
إن هذه الآراء ليست إلاّ محاولات لإيجاد مخرج للمأزق التاريخي الذي وقعت فيه مدرسة الخلفاء للدفاع عن السراب المقدس ، والذي لا يعبر إلاّ عن حالة التيهان التي يعيشها المؤرخ داخل التاريخ الإسلامي حينما يفتقد إلى منهجية واقعية تتخلى عن أدوات الماضي البئيس ، وتنفتح على الحاضر والمستقبل ، بآليات تقضي فيها على الترسبات الماضوية ، وليدة المال والسلطان ، والجهل ، وكذلك على الطوباوية الفكرية والتي تحجب العقل عن ممارسة دوره الفعال في التنقيب وهدم صروح التخلّف كي يتسنى لهذه المادة الفعالة استجلاء الحقائق ، والتحقق من مصداقيتها لتعرف بعد ذلك طريق حريتها وخلاصها من التاريخ الملغوم وعقلية السلطان المتجبر الذي جعل الأمة الإسلامية تعيش في كآبة فكرية وترزخ في بحر من التيهان لا تستجرأ على الخروج منه.
الإمام عليعليهالسلام والبيعة
لقد كان مقتل عثمان بن عفان نتيجة السياسة التي انتهجها في
__________________
1 ـ ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة : 2 / 36.
حياته ، وبالخصوص بتقريب أقربائه ، وإنزال الكرامات عليهم كإعطاء الاموال ، وتسليم مقاليد الامور في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي ، كالشام لمعاوية بن أبي سفيان ، وعبد الله بن أبي سرح على مصر ، وأشياء كثيرة ، مما جعل المسلمين يشمئزّون من هذا الوضع ، ويقومون بالثورة عليه ، وتزعم هذه الثورة كبار الصحابة ، فقد سبقهم إلى ذلك ابو ذر الغفاري ، حينما أعلن ثورته على المبذرين لمَّا كان في الشام ، وقال قولته المشهورة : عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يشهر سيفه. فكانت الثورة هي ثورة ضد النفوذ الاموي على مقاليد الحكم في الدولة الإسلامية.
فاجتمعت كل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتنتج ثورة على الخليفة الثالث رغم المحاولات الجادة من أمير المؤمنين عليعليهالسلام لمنع الثوار من قتل عثمان لكن لسوء الحظ وللخطأ الذي ارتكبه عثمان بإرسال رسول يطلب من عبد الله بن أبي سرح قتل الثوار العائدين إلى مصر. فما كان منهم إلاّ الرد على هذه الرسالة ومهاجمة الخليفة في منزله وقتله.
قتل عثمان بن عفان فأصبح كرسي الخلافة فارغاً ، وكان انذاك الثوار موزعين على ثلاثة أقسام الكوفيين ، والبصريين ، والمصريين ، وقد كان المصريون يلحون على علي وهو يهرب منهم ، وكان الكوفيون يطلبون الزبير فلا يجدونه ، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم وعلى
قول حد ابن كثير وتفترق ثلاث فرق وكل فرقة تريد صاحبها(1) .
لكن إذا تسائلنا من المؤهل بين هؤلاء الثلاثة فإن الامام علي مما لاشك فيه ابداً هو المؤهل إلى قيادة هذه الأمّة.
لكن مع الأسف الشديد وأنت تطالع قول ابن كثير فإنك تلاحظ فيه شيئين رئيسين وهما :
نفي الإجماع عن بيعة عليعليهالسلام .
الزام البيعة لمجموعة من الناس وفرضها عليهم بالقوة(2) .
لقد حاول المؤرخون ومنهم ابن كثير نفي صفة الإجماع على خلافة عليعليهالسلام ، لكن نجده حينما كان يتحدث مثلا عن خلافة أبي بكر فقد أعطاها الإجماع منذ اليوم الأوّل لتعيينه رغم ما شاب هذه البيعة من اعتراض وخصوصاً من البيت الهاشمي وعلى رأسهم عليعليهالسلام ، لكن كما أسلفنا سابقاً فإن ابن كثير ذكر بيعة للامام خلال اليوم الثاني وهذا مما خالف المأثور من التواريخ ، لكن عند مؤرخنا ابن كثير المشبع بالمؤثرات التيمية أصبح عنده الامام علي من ا لشخصيات المهملة وكان هدفه هو إضعاف شخصيته عند المسلمين ، وقد رأينا كيف نفى ابن كثير عن الامام قرابته وانتسابه إلى آل البيت.
ومعلوم أن هذه الحالات هي نوع من رد الفعل الصادر ضد الأفكار
__________________
1 ـ البداية والنهاية : 7 / 237.
2 ـ قد استغنينا في هذه الفقرة عن الإحالة لكن للتأكيد من الحوادث يرجع إلى المصدر السابق.
الأخرى وخصوصاً الشيعية ، وانعدام الإجماع الذي يهول منه ابن كثير لم يكن إلاّ مجموعة من الاشخاص وقد عدّهم هو نفسه فقال وقد تربصوا سبعة نفر لم يبايعوا ، منهم ابن عمر ، سعد ابن أبي وقاص ، وصهيب ، وزيد ابن ثابت ومحمد بن أبي مسلمة ، وسلمة بن سلامة بن رقش ، واسامة بن زيد(1) ونفي الإجماع هو الإطاحة بشخصية مقابل الشخصيات الثلاث السابقة ( ونعني الخلفاء السابقين ) وقد تبين هذا من خلال قوله : « ومع ذلك لم يتم له الامر كما كان للخلفاء الثلاثة »(2) .
لكن المتدبر في الأحاديث التاريخية يلاحظ أن الإقبال كان عليه منذ موت الرسول وهذا يجسده ما قاله الناس إلى فاطمة الزهراءعليهاالسلام بأنهم قد سبقت بيعتهم إلى أبي بكر وأما من انعدام الإجماع بقيام الحروب بين المسلمين في زمانه ، فنلاحظ أن أغلبهم ممن كانت تحركه دوافع شخصية فالزبير وطلحة ممن كانا يطمعان في الحكم وأما معاوية فهو محب للحكم.
لكن الغريب هو أن ابن كثير جعل بيعة الإمام عليعليهالسلام إكراهاً لبعض الأشخاص وبالخصوص طلحة والزبير.
واستغرب استغراباً عجيباً وهو يذكر رفض مبايعة مجموعة من الأشخاص ولم يلزمهم الامام عليعليهالسلام الخضوع لبيعته ، ولم يفرضها
__________________
1 ـ ابن كثير : 6 / 237.
2 ـ المصدر السابق : 5 / 237.
عليهم ، فلماذا يفرض بيعته على اثنين دون الآخرين ، علماً أن هناك اسباب كافية تمنع الامام عليعليهالسلام من فرضها ضماناً لوحدة الأمة الإسلامية.
وأما سبب نفي ابن كثير مسألة الإجماع على البيعة وذكره مسألة اكراه طلحة والزبير على البيعة هو نفي إمامة الحاكم ـ وفق مبادئ أهل السنة ـ لأن الإمامة والحكم عندهم لا تعقد إلاّ بالإجماع وأي خروج على هذا الحاكم ليس له أي تبعات دينية ، ومنه يكون الخارجون على الإمام عليعليهالسلام لا يستحقون أي عقوبة دينية ، وأما طلحة والزبير فإثبات إكراههم على البيعة يجيز لهم الخروج على الإمام وفض البيعة السابقة ، وقد سبق أن ذكرنا حديثاً رواه مسلم في صحيحه والنسائي(1) ، يقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : من بايع إماماً فأعطاه صفقة يمينه وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع.
إذن شروط الطاعة ، بعد البيعة هو إعطاء ثمرة القلب ، وصفقة اليمين عن طيب خاطر ، وأي انتفاء لأحد هذه الشروط يجعل البيعة غير قائمة ، والطاعة غير ملزمة ، وهذا ما حاول ابن كثير الوصول إليه وذلك من أجل تبرير خروج الاثنين على الإمام عليعليهالسلام في موقعة الجمل ، علماً أن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أخبر الزبير أنه سيقاتل الامام علي وهو ظالم له.
لكن التبرير التاريخي وايجاد الطرق لتخليص رموز التاريخ
__________________
1 ـ صحيح مسلم : ح 4755 ، النسائي ح 4202.
الإسلامي من المزالق التي ارتكبوها وتصوير ذلك بالشكل الذي ينسجم مع الدولة الإسلامية والتاريخ الإسلامي الذي يراد إخراجه لجموع المسلمين. ودون الخوض في مداخل أخرى للتاريخ الإسلامي ، وخصوصاً موقعيتي الجمل وصفين ، نطرح فقط سؤالا واحداً ندعو العقول أن تفكر فيه بمنطق إذا كان خروجهم لطلب دم عثمان وخصوصاً معاوية فما علاقته باستلام الحكم واستبداده به فيما بعد؟
طلحة والزبير في مواجهة الإمام عليعليهالسلام
لقد أفرط المؤرخون في الحديث عن نقض طلحة والزبير لبيعة الإمام علي ، وذلك دون اللجوء إلى التعمق في أسباب هذا الخروج. لكن الامام عليعليهالسلام نفسه قد عبر في مجموعة من خطبه عن موقفه من خروج الاثنين ، والأسباب التي دفعتهم ، وكذلك موقفهما الأول من البيعة فقالعليهالسلام : ( والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة ، ولكنكم دعوتموني إليها ، وحملتوني عليها ، فلما أفضت إليَّ نظرت إلى كتاب الله ، وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته ، وما استسن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فاقتديته ، فلم أحتج إلى رأيكما ، ولا رأي غيركما ، ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما ، وإخواني من المسلمين )(1) وهنا يتجلى خلاف ما ذهب إليه ابن كثير في كون الزبير وطلحة كانا مكرهين على البيعة ، وكذلك خلاف عدم الإجماع على بيعته فقد روى
__________________
1 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 11 / 7.
الطبري في التاريخ ورواه غيره أيضاً أن الناس غَشُوه ، وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته(1) . ومما يبين كذلك الإجماع على البيعة وأن الاثنين كانا موجودين هو قول الإمامعليهالسلام قال : ( إن كان لابد من ذلك ففي المسجد ، فإن بيعتي لا تكون خفياً ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين ، وفي ملأ وجماعة فقام الناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون ، وفيهم طلحة والزبير(2) .
فمن خلال هذا القول يتضح أن الزبير وطلحة ممن بايعوا عن طيب خاطر ، وكان الامامعليهالسلام يظهر الأسباب المؤدية إلى خروجهما ، وكان يعزي هدفهما من الخروج وسببه الرئيسي ، وكان من جملة أقوالهعليهالسلام ( والله ما أنكروا علي منكراً ، ولا جعلوا بيني وبينهم نصفاً ، وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه ودماً هم سفكوه ، فإن كنت شريكهم فيه ، فإن لهم نصيبهم منه ، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلاّ قبلهم ، وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم ، وإن معي لبصيرتي مالبست ولا لبس علي )(3) .
ومما يدل على بيعتهما بطيب خاطر ما قاله الطبري حيث قال أنه قال كان لهما قبل بيعتهما له : إن أحببتما أن تبايعاني ، وإن أحببتما بايعتكما ، فقالا : لا ، بل نبايعك ثم قالا بعد ذلك : إنما خشية على
__________________
1 ـ المصدر السابق : 11 / 8.
2 ـ المصدر السابق : 11 / 9.
3 ـ المصدر السابق : 9 / 25.
أنفسنا ، وقد عرفنا أنه لم يكن يبايعنا(1) .
وأما الأسباب الحقيقية لخروجهما فنقف مع ابن ابي الحديد وهو يحدد هذه الأسباب :
إن طلحة والزبير لما أيسا من جهة عليعليهالسلام ، ومن حصول الدنيا من قبله ، قَلَبا له ظهر المجن ، فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتاباً لاذعاً روى شيخنا أبو عثمان قال :
أرسل طلحة والزبير إلى عليعليهالسلام قبل خروجهما إلى مكة مع محمد ابن طلحة ، وقالا : لا تقل له : « يا أمير المؤمنين » ولكن قل له : « يا أبا الحسن » لقد قال فيك رأينا ، وخاب ظننا ، أصلحنا لك الامر ، ووطدنا لك الأمره ، وأجبلنا على عثمان حتى قتل ، فلما طلبك الناس لأمرهم ، أسرعنا إليك ، وبايعناك ، وقدنا إليك أعناق العرب ، ووطيء المهاجرون والأنصار أعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك ، استبددت برأيك عنا ، ورفضتنا رفض التريكة وأذلتنا إذالة الإماء ، وملكت أمرك الأشتر وحكيم بن جبلة وغيرهما من الأعراب ونزاع الامصار ، فكنا فيما رجوناه منك ، وأملناه من ناحيتك ، كما قال الأوّل.
فكنت كمهريق الذي في سقائه |
لرقراق آل فوق رابية صلد |
فلما جاء محمد بن طلحة أبلغه ذاك فقال اذهب إليهما ، فقل لهما : فما الذي يرضيكما؟ فذهب وجاءه ، فقال إنهما يقولان : ول أحدنا
__________________
1 ـ المصدر السابق : 11 / 14.
البصرة والآخر الكوفة! فقال : لاها الله! إذن يحلم الأديم ، ويستشري الفساد ، وتنتقص على البلاد من أقطارها ، والله إني لا آمنهما وهما عندي بالمدينة ، فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين [ الكوفة والبصرة ] اذهب إليهما فقل : أيها الشيخان احذرا من سطوة الله ونقمته ، ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيدا ، وقد سمعتما قول الله تعالى( تِلْكَ الدّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (1) .
فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه ، وتأخر عنه أياماً ، ثم جاءاه فاستأذناه في الخروج إلى مكة للعمرة ، فأذن لهما بعد أن أحلفهما ألا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ، ولا يوقعا الفرقة بينهم ، وأن يعودا بعد العمرة إلى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا.
هكذا يتضح لنا ما كان من أمر الرجلين وكيف كان الامامعليهالسلام يعي هذه المسائل ، وإنما حملهم للانقلاب عليه هو رعايته لحقوق الله تعالى وعدم التفريط فيها ، ورعايته للحقوق الإلاهية رعاية تامة لا يثنيه في ذلك صحبة ، او قرابة ، فما كان من الاثنين بعد أن نفذ صبرهما من طول الانتظار أن يعلنا الخروج على الامام عليعليهالسلام ويؤلف في ذلك المؤرخون قصصاً خيالية تصف الامام علي بذلك المتجبر الذي يحاول
__________________
1 ـ القصص : 83.
فرض امره بقوة السيف ، في حين كان الإمامعليهالسلام لا يحب سفك الدماء وكان يحب معالجة الأشياء بالرحمة ، والعقل ، وعدم التسرع في استعمال السيف وقد قالعليهالسلام :
« يا أهل الكوفة ، أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم ، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ، فإن يرجعوا بذاك الذي نريده ، وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدؤونا بالظلم ، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلاّ آثرنا على مافيه الفساد إن شاء الله تعالى.
وهذا السلوك المثالي في الاصلاح الذي كان يتمثّل به الإمام عليعليهالسلام تجسد أيام الملاقات في واقعة الجمل حيث روى أبو محنف ، قال :
« لما تزاحف الناس يوم الجمل التقوا ، قال عليعليهالسلام لأصحابه لا يرمين رجل منكم بسهم ، ولا يطعن أحدكم فيهم برمح ، حتى أحدث إليكم وحتى يبدؤوكم بالقتال وبالقتل ، فرمى أصحاب الجمل عسكر عليعليهالسلام بالنبل رميا شديداً متتابعاً فضج إليه أصحابه ، وقالوا عقرتنا سهامهم يا أمير المؤمنين وجيء برجل إليه ، وإنه لفي فسطاط له صغير ، فقيل له : هذا فلان قد قتل فقال : اللهم اشهد ، ثم قال اعذروا إلى القوم ، فأتي برجل آخر فقيل وهذا قد قتل : فقال : اللهم اشهد ، اعذروا إلى القوم ، ثم أقبل عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وهو من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، يحمل أخاه عبد الرحمن بن بديل ، قد أصابه سهم فقتله فوضعه بين يدي عليعليهالسلام ، وقال يا أمير المؤمنين هذا أخي قد
قتل ، فعند ذلك استرجع عليعليهالسلام ودعا بدرع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذات الفضول فلبسها(1) .
وهذا جزء قليل مما كان يتعامل به الامام عليعليهالسلام الذي حاول ابن كثير وسلفه ابن تيمية أن يصوراه بذلك المتجبر الذي يلزم الناس بالبيعة ويكرههم عليها. ولتجلية بعض الحقائق من شخصية الامام عليعليهالسلام نبيّن فيما يلي جملة من خصائصهعليهالسلام .
__________________
1 ـ المصدر السابق : 9 / 78.
خصائص الإمام عليعليهالسلام
لم يعرف التاريخ الاسلامي أعظم من الامام عليعليهالسلام بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنه أبلى في الإسلام بلاءاً حسناً وكان أخاً لرسول الله منذ صغره إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى.
وكانعليهالسلام أول المسلمين وأول من صلى بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فعنهعليهالسلام قال : « أنا أول من صلى مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(1) .
وقد بلغت هذه الرواية إلى حد التواتر(2) .
كما أن الامام عليعليهالسلام هو أول من صلى بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فعنهعليهالسلام قال : ( أنا عبد الله ، وأخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلاّ كاذب ، صليت قبل الناس بسبع سنين )(3) .
__________________
1 ـ خصائص الإمام علي للنسائي ص 15 تحقيق السيد جعفر الحسيني ، ط1 ، 1419 دار الثقلين ـ قم ، الترمذي في الجامع الصحيح : 5 / 640 و 642.
2 ـ رواه أحمد في مسنده : 1 / 141 ، 4 / 368 ، وابن الأثير في أُسد الغابة : 4 / 17 ، وابن عبد البر في الاستيعاب : 3 / 23 ، وابن عساكر في تاريخ دمشق ، وابن المغازلي في مناقب عليّ ص 14 ، والطبراني في الكبير 5 / 198.
3 ـ سنن ابن ماجة : 1 / 44.
وكان أول العابدين لله بعد رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو الذي لم يسجد قط لصنم ، فولد موحداً وعاش موحداً حتى لقي الله تعالى وكان أول المسلمين رغم حداثة عمره ، وصغر سنّه ، وكان محطم الأصنام عند فتح مكّة ، فقالعليهالسلام : ( قال لي رسول الله : احملني لنطرح الأصنام من الكعبة ، فلم أطق حمله ، فحملني ، فلو شئت أن أتناول السماء فعلت )(1) فكان للإمام عليعليهالسلام بذلك جليل القدر والعظمة.
أما قوته وبلاؤه في الحروب فلا أحد يشك في قدرته وقوته وما فَتْحُ خيبر إلاّ جزء يسير من البطولات الخالدة لهعليهالسلام فبعد رجوع أبي بكر وعمر مهزومين قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : والذي نفسي بيده لأعطي الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ليس بفرار ، يفتح الله على يده ، فأرسل إلى عليعليهالسلام وهو أرمد فتفل في عينه وقال :
اللهم اكفه أذى الحر والبرد فما وجد حراً بعد ولا برد(2) .
وللبلاء الحسن والقوة التي أظهرها الإمام عليعليهالسلام في خيبر وخصوصاً مما تعارف عليه أصحاب السير والتواريخ من حمل الإمام عليعليهالسلام باباً لا يستطيع عشرة أشخاص حملها ، قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري : ( لولا أن يقول فيك طوائف
__________________
1 ـ إعلام الورى بأعلام الهدى : للطبرسي 1 / 362 ، مسند أحمد : 1 / 84 و 151.
2 ـ انظر : إعلام الورى بأعلام الهدى : 1 / 364 ، ومسند أحمد : 1 / 99 و 133.
من أمتي ما قالت النصارى في عيسى ابن مريم لقلت فيك اليوم قولا لا تمر بملأ إلاّ أخذوا من تراب رجليك ، ومن فضل طهورك ، فيستشفون به ، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك ، ترثني وأرثك ، وأنك مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي ) وبعد نهاية الحديث خر عليعليهالسلام ساجداً ثم قال :
( الحمد لله الذي من علي بالإسلام ، وعلمني القرآن ، وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين ، إحساناً منه إلي وفضلا منه علي )(1) .
وهذا جزء يسير من بطولاته القتالية في الدفاع عن الإسلام وردّ اعتداء الكافرين ، اين غيره يوم الأحزاب حينما تجابن الكل عن مبارزة عمرو بن عبد ودّ حتى خرج له الامام وهزمه. واين غيره يوم حنين حيث فرَّ الكل فبقي هو ومجموعة من بني هاشم. واين بطولات غيره يوم بدر وهو يردي الوليد بن عتبة قتيلا ويوم أحد وهو يرد عن رسول الله ضربات الكفار. إنها جزء قليل من تاريخ الامام علي الجهادي والذي حاول البعض نسيانه وجعله في طي النسيان.
أما العلم فلا أحد يشك في أعلميتهعليهالسلام ، وهو القائل ولم يقلها أحد غيره : اسألوني قبل أن تفقدوني ، وكذلك قول عمر بن الخطاب : « ويل لعمر من مسألة ليس لها أبو الحسن » ، ويؤكد هذا الأمر حديث مدينة
__________________
1 ـ المصدر السابق : 5 / 366.
العلم حيث قالصلىاللهعليهوآلهوسلم فيما رواه ابن عباس :
( أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها )(1) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( إن أقضى أمتي علي بن أبي طالب ، وأعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب )(2) .
وكذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ( علي مع الحقّ والحق مع علي يدور الحق معه حيث دار )(3) .
وأما قرابته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا ينكرها إلاّ جاحد وما أحاديث الولاية وسد الأبواب والمؤاخاة إلاّ دليل على مميزات هذا الرجل العظيم في الإسلام الذي سعى المؤرخون في تاريخ الإسلام أن يطمسوا هويته لكن أبى التاريخ إلاّ أن يحفظ مكانته رغم تحايلات المؤرخين التي أظهرنا بعضها ، والتي حاولت الحط منه وإصباغ التاريخ بشخصيات عملت السلطة لإبرازهم في التاريخ الاسلامي ، حتى تعطي المشروعية لعملية السلب التي قاموا بها ، مما اضطر العلماء المدافعين عن هذا النموذج المصطنع إلى خلق مجموعة من القوانين لحفظ هذا التاريخ المزيف والتي أثبت التحقيق التاريخي مدى زيفها وبرغماتيتها
__________________
1 ـ فتح الملك العلى بصحة حديث باب مدينة العلم علي للعلامة أحمد بن محمد الصديق الحسني المغربي ص 3 المطبعة الإسلامية الازهر ـ مصر.
2 ـ مصباح الهداية في إثبات الولاية ، السيد علي الموسوي البهبهاني : ص 156.
3 ـ المصدر السابق ص 157.
في التعامل مع الأحداث.
ونورد هنا كلاماً مختصراً للعلامة أحمد بن محمد بن الصديق الحسيني المغربي وهو يذكر آراء بعض العلماء في تعاملهم مع الأحاديث الواردة في حق عليعليهالسلام حيث قال :
الذهبي لا ينبغي أن يقبل قوله في الأحاديث الواردة بفضل عليعليهالسلام فإنه سامحه الله إذا وقع نظره عليها اعترته حدة أتلفت شعوره وغَضَبٌ أذهب وجدانه حتى لا يدري ما يقول وربما سب ولعن من روى فضائل عليعليهالسلام كما وقع منه في غير موضع من الميزان وطبقات الحفاظ تحت ستارة أن الحديث موضوع ، ولكنه لا يفعل ذلك فيمن يروي لأحاديث موضوعة في مناقب أعدائه(1) .
وهذا رأي عالم عاش في صعيد الأحاديث ودوّن التاريخ ، فترى كيف يمكن أن تكون العقليات المتولدة من خلال ما يروى لها من زيف وأكاذيب ، وما الداعي إلى ذلك؟
__________________
1 ـ فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي ص 98 ـ 99.
الفصل الرابع
قراءة نقدية
نموذج أحمد شلبي
يبدأ العلم المعقول بنقد التقليد الموروث. رانكه |
هل استطاعت عملية التأريخ أن تصل إلى النزاهة المتوقعة وإلى تطبيق المناهج التي سنستخلص منها النتيجة الحقيقية ، عبر التخلص من عقدة قداسة الماضي وأصحابه.
إن النهج الذي ننادي به هو المقايسة والمقاربة مع تجريد هذا التاريخ من القداسة المفتعلة حتى نستطيع الوصول إلى المبتغى المنشود ، وبالتالي إلى تاريخ إسلامي ينير لنا طريق الثورة المعرفية والثقافية لاستشراف المستقبل نحو دولة العدل الإلهي المرتقبة.
وكم تحس بالسعادة وأنت تطالع كتاباً تأريخياً وصاحبه يتحدث عن إعادة كتابة التاريخ بطريقة تتجاوز ركام التخلف التاريخي ، وتحاول استخلاص العبر منه ، بحيث تصبح الموضوعية هي المطلب الرئيسي للمؤرخ ويأخذ على من سبقه إغفال هذا الجانب بحيث يرى أن أغلب الباحثين لا يدرسون هذه المشكلة دراسة موضوعية ، بل يتأثرون بأشخاصهم فيدفعهم تأثرهم إلى هذا الجانب او ذاك دون عمق وبدون إحتمال فكر(1) . وهذا ما اصطلحنا عليه بالتوجه السياسي
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الإسلامي : 1 / 641 ط13 مطبعة النهضة المصرية 1988.
والايديلوجي للمؤرخ بحيث يصبح ارتباطه بنظام سياسي وبتوجه ايديلوجي هو الطابع الغالب على تحليله للأحداث التاريخية وصياغتها ، وبالتالي كما يرى الدكتور احمد شلبي الخروج من هذه البوتقة المغلقة ، والأهم من ذلك هو تحطيم القداسة المرتبطة بالصحابة على اعتبار أن أهل السنة تراهم أسهل حكماً « عدلوا الصحابة جميعاً وتولوهم واعتقدوا نجاتهم وقليلا ما يحاولون على هذا أو ذاك بالخطأ(1) ، على الرغم من معرفتهم وتيقنهم من المخطئ والمصيب فيؤثرون أن يغمضوا أعينهم. ومنه فإن الضرورة تستدعي إعادة النظر في هذا التاريخ ، للوصول إلى حقيقة الأمر فيضع الأستاذ المحترم السؤال ، هل نستطيع أن ننظر إلى هذه المسألة نظرة موضوعية بصرف النظر عن اشخاصها ، بل مع كامل التقدير والإجلال لماضي كل من هؤلاء الأشخاص؟ أرجو هذا(2) .
رغبة أكيدة منه لإخراج التاريخ من هذه الأزمة التي أحاطت به منذ عصور ، وإظهاره بوجه يساير التطلعات المستقبلية للامة الإسلامية.
هذه وجهة نظر أحد ابرز المؤرخين في العصر الحديث(3) ، وله
__________________
1 ـ المصدر السابق.
2 ـ المصدر السابق ص 642.
3 ـ الدكتور احمد شلبي. مصري حاصل على دكتوراه من جامعة كمبردج في التاريخ له مجموعة مؤلفات أهمها موسوعة التاريخ الإسلامي ، موسوعة الحضارات الإسلامية ، ومقارنة الأديان.
مؤلفات تحظى بأهمية كبيرة في العالم. وأول ما عرفته كان بواسطة كتاب مقارنة الأديان وقد تميز بالدقة والعلمية. لكن هذه النزاهة وهذه المنهجية التي تحدّث عنها هل فعلا جسدت في عملية تدوينه للتاريخ الإسلامي؟
إن مجموعة من النقاط يمكن ملاحظتها خلال قراءة كتاب موسوعة التاريخ الإسلامي. وخصوصاً الجزء الأوّل ، إذ تنم عن الإطار الذي يتحدث منه المؤلف ضارباً بعرض الحائط الموضوعية والعلمية.
التشيّع والفرس
إن أول ما يلاحظ في كتاب موسوعة التاريخ الاسلامي وهو الهجوم اللاذع والشنيع على الفرس ، وليس هنا من باب الدفاع عن قومية معينة ولكن هو استشفاف المخفي من داخل النصوص والذي هو في الأصل هجوم على التشيّع ، وذلك دون دليل منطقي. والأمر الثاني الملاحظ في هذا الكتاب هو الانتقائية في التعامل مع الأحداث التاريخية ، الشيء الذي يصعب معه استخلاص الأسباب وبالتالي النتائج مما جعل نتائجه بعيدة عن واقع الأحداث التاريخية مما أفقد عمليّة التأريخ تناسقها.
لقد جاءت الطبعة 13 مفردة في إبراز المخاطر الفارسية على الإسلام وما حكاه هؤلاء الفرس ( الشيعة ) للإسلام ، فهم على زعمه أنّهم قاتلوا عمر وعثمان وعلي ، مع العلم على أن الخليفتين عثمان وعلي لم ينسب أحد قتلهم إلى الفرس إلا دكتورنا المحترم ، وقوله لايستند لأي دليل ، ولكن الواضح أن هذه الرؤية ، وهذه النتيجة التي استخلصها هي من إيحاءات الإتجاه الوهابي الذي ارتبط به كاتبنا ماديا ، فقبيل إخراج هذه الطبعة تلقى دعوة من الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمان الربيع عميد البحث العلمي بجامعة محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة
العربية ، يدعوه فيه لكتابة كتاب لمركز البحوث بالجامعة عن السيرة النبوية ويقول عن هذا العرض : ففرحت بهذه الدعوة وقمت بهذا العمل ما أستطيع من الإجادة ، وقد أدخلت في هذه الطبعة مما رأيت ضرورته(1) .
وبالطبع لم ير من الضروري إلا ما يطعن في الفرس ويبين حسب زعمه كيدهم للإسلام بحيث يقول أن في هذه الطبعة أيضاً إبراز الخطر الذي تدفق على الإسلام والمسلمين من ايران(2) .
والجدير بالذكر أن هذه الطبعة كانت سنة 1988 أي بعد أحداث مكة الشيء الذي يعطيها طابعاً سياسياً ومما يؤكد هذا وهو اعتباره حركة الإمام الخمينيرحمهالله إحدى الحركات الهدامة وهي استمرار للحركات الهدامة الفارسية الأصل منذ انطلاقة التاريخ الإسلامي ، بحيث انطلقت مؤامرتهم على نطاق واسع باسم الشعوبية والباطنية ، والزنادقة ، والزنجية ، والقرامطة والدرزية والبابية والبهائية فقتلت الملايين من المسلمين ولا تزال تقتل وتضرب حتى اليوم بصيحة الخميني(3) .
إذن ترى ما سبب هذا الحقد الفارسي الدفين حسب زعم دكتورنا؟
إن السبب في ذلك هو تحطيم المسلمين للمملكة الساسانية وإخضاعهم للدولة الإسلامية بحيث يرى أن بلاد فارس استسلمت عسكرياً بسرعة
__________________
1 ـ دكتور أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الاسلامي : ص 19.
2 ـ المصدر السابق ص 20.
3 ـ المصدر السابق ص 613.
غير متوقعة ولكن قادتها بدأوا يثيرون المتاعب والشبهات والشكوك منذ عهد الفتح إلى الآن في حركات الشعوبية والباطنية والزنادقة ، والزنج والقرامطة ، والدرزية والبابية والبهائية والخمينية(1) .
هل يستطيع العقل أن ينسجم مع هذا السبب الواهي بحيث لو كان الامر بهذا الشكل لكانت كل المناطق التي دخلت إلى الإسلام تحت سيوف الفتح أن تكيد لهذا الإسلام فلا أظن أنّ الشمال الافريقي قد فتح بلسان المسلمين بل بسيوفهم وإخضاعهم للحق عن طريقه ، وما قتل كسيلة البربري لعقبة ابن نافع الفهري إلاّ دليل على المواجهة التي لقيها الفاتحون لهذه المناطق ، إذن لماذا لم يتحدث عن كيدهم للإسلام أم أنّ التوافق الايديلوجي السني أخرجهم من دائرة المكيدين لهذا الدين. وعلى هذا المنطق المعتمد عنده فإن مسلمي الفتح وجب في حقهم الكيد للإسلام لأنهم وجدوا أنفسهم ملزمين بهذا الدين وهم في عقر دارهم ، مما يلزم عليهم التستر وانتظار الفرصة للوقيعة به ، وهذا ماوقع لكن كاتبنا لا يشاطرنا الرأي علما ان يزيد بن معاوية تمثل بأبيات عقب مقتل الإمام الحسين تدل على حنقه من النصر الذي حققه هذا الدين على أجداده خصوصاً في معركة بدر وكتب التاريخ ملئت بهذا الحدث. وثاني شيء ما يمنع الفرس من الرجوع إلى دينهم بعد ضعف الدولة المركزية في بغداد وهذا ما حصل في الاندلس بحيث أن الحانقين فعلا على هذا الدين سرعان ما انقضوا عليه عند ضعف إدارته ،
__________________
1 ـ المصدر السابق ص 277.
ولو كان الامر في بلاد فارس كذلك لرجعوا إلى دين آباءهم وتخلصوا منه. ولكنهم بقوا على هذا الدين ، وابرز دليل على ذلك الحركة التصحيحية التي قادها الامام الخمينيرحمهالله واحيائه لهذا الموروث التاريخي المقدس وإعادته إلى الحياة بعدما ركن في زوايا المساجد ، فكيف نسميها حركة تخريبية.
وشيء آخر مهم ، حديث رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الصريح : « لو كان الإسلام ينال بالثريا لناله رجال من فارس ». فأين كاتبنا من هذا الحديث. وهنا أمرين فإما صاحبنا على حق فيما وصل إليه والنبي يهجر! وحاشا لله وبهذا تنتزع عنه صفة النبوة وتذهب الرسالة مهب الريح ، او رسول الله صادق وصاحبنا يعيش في الأهاجيس المادية والمذهبية وهذا هو الأكيد فراح يخبط خبط عشواء ..
كما إن المسكوت عنه من خلال نصوص كاتبنا واضح وجلي ، لكنه لم يعبر عنه بطريقة مباشرة فتخفى تحت راية عرقية ، علماً أن المقصود عنده هنا هو التشيع وهذا يتضح جلياً حينما نراه يربط بين الحركات الفارسية واليهودية ويصوّر تنسيقها في الكيد لهذا الدين. بحيث يرى أن المؤامرات فارسية ، وتؤيدها الأصابع اليهودية ثم ثورات خطط لها الفرس واليهود وقادوها ووجهوها(1) ففعلا المعنى واضح وهو التيار السبئي وما فعل في التاريخ؟
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الإسلامية ، ط13 ص 613.
شخصية عبد الله بن سبأ
من الشخصيات التي أعطاها التاريخ حجماً أكبر من حجمها ، شخصية عبدالله بن سبأ ، حتى صار معروفاً بين أوساط المؤرخين بمؤسس السبئية والتي كان يقصد بها وفي غالب الأوقات الأشخاص الموالين لعليعليهالسلام أو أحد أبنائه أو أحفاده. الشيء الذي أكسبه شخصية محورية في أرتباطه بالتشيع. وأصبح هذا الشخص هو المدخل الرئيسي للهجوم على الشيعة ، وربط حركتهم بالأصول اليهودية.
لكن الأمانة العلمية التي يتطلبها التحقيق التأريخي تلزمنا أن ندرس هذه الشخصية من جميع الجوانب انطلاقاً من وجودها أو عدم وجودها ، وإن كانت موجودة فلابد من معرفة مدى تأثيرها على الصعيد الثقافي والسياسي الاسلامي ، وهل فعلاً كان بالشكل الذي رسمه التاريخ الاسلامي.
ان مسألة عبدالله بن سبأ لم تكن محل اختلاف بين السنة والشيعة فقط بل حتى داخل المنظومة الفكرية الشيعية نفسها ، فقد نفى البعض وجود هذه الشخصية بالإطلاق بأعتبارها إحدى موضوعات سيف بن عمر بأعتباره هو الراوي الذي أورد له الطبري مروياته وبعدها كان
تاريخ الطبري هو المرجع لكل المؤرخين فيما بعد. وقد مثل هذا الخط في أوجه العلامة مرتضى العسكري في كتابه أسطورة ابن سبأ ، وقد رأينا الإمام الخوئيرحمهالله أيضاً قد مال إلى هذا القول في معجم الرجال(1) .
وقد كان العلاّمة التستري صاحب موسوعة الرجال من بين علماء الشيعة من أقر وجود هذه الشخصية لكل الفارق أنه وضعها في إطارها الحقيقي ، وسحب عنها تلك الخرافية التي أكسبها إياه سيف بن عمر الذي تلاعب بالرواية وأخرجه بالشكل الذي أصبح هو مؤسس المذهب الشيعي ، مع العلم أن الأئمة من آل البيتعليهمالسلام قد لعنوه ويقول الإمام الخوئي في هذا الباب « فعلى فرض وجوده ، فهذه الروايات تدل على أنه كفر وادعى الألوهية في عليعليهالسلام لا أنه قائل بفرض امامتهعليهالسلام (2) . وقد سبق أن قلنا أن الأئمة قد لعنوه والروايات كثيرة ، فعن علي بن الحسينعليهالسلام قال : لعن الله من كذب علينا! إني ذكرت عبدالله بن سبأ فقامت كل شعرة من جسدي! لقد ادعى(3) أمراً عظيماً ، ماله لعنه الله(4) ، وكذلك عن أبي عبداللهعليهالسلام قال « لعن الله عبدالله بن سبأ ، إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين »(5) وهكذا يظهر لنا الموقف الحقيقي لخط
__________________
1 ـ السيد الخوئي : معجم الرجال ج 11.
2 ـ المصدر السابق ص 207.
3 ـ العلامة التستري : قاموس الرجال ج 6 ص 367.
4 ـ المصدر السابق : ص 366.
5 ـ المصدر السابق : ص 370.
الأمامة في شخصية عبدالله بن سبأ ، وهو اللعن والرفض لكل ما أدعاه.
ولا يمكن أن ننفي وجود حركة الغلاة والذين لعنوا من طرف الأئمة ومن علماء مذهب أهل البيت مما لايجعل مصوغا للآخر ، الخلط بين التشيع الأصيل الذي بنا أسسه على اتباع أهل البيت وبين خط الغلو والانحراف ، وقد قال العلامة التستري في هذا الباب : ومن العجب أن الجماعة المتسمين بالعلماء من أهل السنة ، إذا تكلموا في كتبهم على المذاهب لايذكرون الإمامية المستمسكين بأهل بيت العصمة بل يقتصرون على الغلاة من السبئية واضرابهم.
ومنه فإن أي قراءة لتاريخ التشيع يجب أن يتبع فيه البحث الدقيق حتى لانعيد تلك القراءات البئيسة والتي ادت إلى تفريق وتمزيق الصف الإسلامي.
وقبل الانتهاء من هذه فإن علماء الشيعة لم يسقطوا حالات الغلو والتطرف التي ظهرت عند السنّة بل يقتصرونها على الحالات التي أنتجتها كالنواصب المعادين لآل البيت ولم تتهم كل المدرسة السنية بالنصب ، كما أنهم لم يتهموا السنة باليزيدية وهي إحدى الفرق التي خرجت من أهل السنة وأدعت الالوهية في يزيد بن معاوية وقد عرفوا على طول التاريخ بعبدة الشيطان. بل اقتصر الامر على أتباع تلك الطائفة.
شلبي والتاريخ
إنّ الأمر المهم الذي يجب أن نتخذه مبدأ في تحقيقاتنا ، هو أن لا ننظر إلى الحقيقة بالصورة التي نحن عليها. لأنّ في هذه الحالة ستتغلّب « الانا » على محاور الحدث ، فنصبح معبرين عن وجهة نظرنا الخاصة على أنها الحقيقة ، فيفقد البحث معناه وخصوصاً البحث التاريخي.
إن الدراسات التاريخية تعتمد على مجموعة وقائع ذات دلالات زمانية ومكانية ، ومحكومة بأسباب ، ففي حالة الوصول إلى النتائج بدون الغوص في الأسباب ومحاولة جردها عن علل وجودها ، فحتماً النتائج تكون خاطئة. إنها عملية علمية على نمط عملية حسابية فلا يمكن الوصول إلى نتيجة 2 من دون معرفة العددين الأصليين للعملية أي 1 + 1 أو. ( صفر ) + 2. مما يفرض علينا وجوب الإطلاع على هذه الأسباب ، وهذا مافقده تأريخ الاستاذ شلبي.
إن تأريخ أستاذنا لم يأتي فقط فاقداً للمحددات السابقة ; بل تعسف على التاريخ فبتر أحداث مهمة كانت لها فيما بعد انعكاسها على أوضاع المجتمع الإسلامي. وما آلت إليه الأحداث.
1 ـ لم يرد قط حديث يوم الرزية ولم يتطرق له من أي جانب ،
علماً أن تلك الحادثة حددت النيات المبيتة ، وتلمس هذه النيات من خلال الدراسة الموضوعية للنص.
2 ـ سرية أسامة وكذلك في باب الغزوات والسرايا. لم يذكر تجهيز سرية اسامة ، ونعلم كل العلم ماحدث من خلاف صريح لامر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في هذه السرية وفعلا ما سيترتب عنه فيما بعد. وخصوصاً أنها كانت في الأيام الأخيرة من حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
3 ـ إفراغ كل مدونته التاريخية من الأحاديث الصحيحة الدالة على مكانة عليعليهالسلام ، والتي تدل دليلا لا يقبل الشك في أحقيته بالخلافة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم على الرغم من تعجبه من أن كثيراً من الكتب لم تتخذ القرآن الكريم وأحاديث الرسول مراجع لها عند دراسة حدث تكلم عنه القرآن او الحديث(1) ; ودليل ذلك هو الدعوة الاولى للرسالة المحمدية وبالخصوص نزول قوله تعالى :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (2) حيث اوردها بطريقة نفت عنها صبغتها التاريخية وعنونها بدعوة بني عبد المطلب حيث قال : ـ
هذه هي المرحلة الثانية من مراحل الدعوة ، وقد بدأها الرسول عندما نزل عليه قوله تعالى :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) فدعا بني عبد المطلب ليجتمعوا به ، فلما حضروا قال لهم : « إني ما أعلم شاباً جاء
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الاسلامي : 1 / 58.
2 ـ الشعراء : 214.
قومه بأفضل مما جئتكم به ، فلقد جئتكم بخير الدنيا والآخرة » وبلغهم دعوته ، فصدق به بعضهم وكذب به آخرون(1) .
وهنا تنتفي نزاهة المؤرخ ، ويظهر بوضوح مدى انتقائيته وتعامله اللاعلمي مع الحدث التاريخي ، فهذه الحادثة التاريخية مما نال الإجماع على سبب نزولها وما حدث خلال اجتماع بني عبد المطلب مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخصوصاً الموقف النبيل لعليعليهالسلام ـ على رغم صغر سنه ـ وتحمسه لتحمل هذه الدعوة وأعبائها ، ولكن كاتبنا لم يأل جهداً في تضعيف هذه الشخصية بقصد أو عن غير قصد. بحيث يرى أنه قد طمع بالخلافة(2) ونعلم معنى الطمع في اللغة العربية.
وهذا من أسباب عدم ربط النتائج بالأسباب ، وبالتالي يسمح كاتبنا لنفسه أن يتهم عليعليهالسلام بالطمع ، طالما أورد النص السالف بصيغة شلبية! كما أنّه لم يدرج في موسوعته اي حديث من الأحاديث المتواترة والمعروفة عن مكانة آل البيت النبوي الكريم.
رزية الخميس
قد يبدو لأول وهلة أن هذا الامر بسيط ; يظن المؤرخ أنه لا حاجة من إدراجه فهو قد عبر عن حالة في لحظة معينة ثم انتهى فعله ، وهذا بالفعل ما حدث لمؤرخنا. وكما أسلفنا سابقاً أنه لم يدرج هذه الحادثة
__________________
1 ـ د. احمد شلبي المصدر السابق ص 218.
2 ـ المصدر السابق 575.
التاريخية ; لكنه في الحقيقة يعبر عن علامة تصدّع في الجسم الإسلامي آنذاك ، وافتراق الطوائف وظهور الأحزاب ، ولا نحاول هنا أن نعطي بعداً للنص أكثر مما يوحي به هو ، ولا نحمله أكثر من دلالته كحدث وواقعة ، لان الكثير يحمله على دلالة معنوية اِختزلها الحدث وتلاعب فيها المحدث ، وهذا ليس من اختصاصنا ولكننا نريد أن نجمع الأسباب التي وجدت خلال حياة الرسول حيث مثلت مجموعة مقدمات للنتائج اللاحقة بعد وفاتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
لا أحد منا يجهل هذه الواقعة فهي مما حبلت بها الكتب التاريخية ، واصطلح عليها بيوم الرزية لأن ابن عباس هو الذي أطلق عليها هذا الإسم مما رآه من هول عظيم ، وخصوصاً أنه في حضرة الرسول الكريم حيث يقول « يوم الخميس ، وما يوم الخميس! قالوا ، وما يوم الخميس؟ قال : اشتد برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجعه ، فقال ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي; فتنازعوا وماينبغي عند نبي تنازع! وقال ماشأنه! أهجر؟ استفهموه!! فقال « دعوني ، فالذي أنا فيه خير »(1) قال ابن عباس إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم ) ويبكي حتى يبل دمعه الحصى.
وكذلك وجد بصيغة متعددة تحدد شخصية المعترض.
فقال عمر إن النبي قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا
__________________
1 ـ كتاب المغازي : 5 / 511 باب مرض النبي ووفاته.
كتاب الله فاختلفوا أهل البيت واختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر(1) .
وفي صحيح مسلم « إن رسول الله يهجر »(2) .
لقد كثر الجدل والنقاش حول هذا الحديث ، فيهم من اعتبره من الموارد التي لم يتعبّد بها الصحابة ودليل على عدم عدولهم ومخالفتهم الصريحة له في حياتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟(3)
وآخرين استدلوا به على وقوف مجموعة من الصحابة ضد تعيين الوصي الشرعي بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث أنه كان يتوخى تثبيت الأمر بطريقة توثيقية لا لفظية كما حصل في غدير خم ، لكن وقع الهرج والمرج عنده ، لكن حقيقة الحديث تتضح عن طريق آخر عبر حديث الثقلين ، وذلك من خلال تقارب اللفظين حيث قال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث الرزية : « ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده » وقوله في حديث الثقلين « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ، كتاب الله وعترتي ». ففهم الصحابة بطريقة غير مباشرة ان هذه الوصية خاصة بتثبيت أولية آل البيت وعلى رأسهم عليعليهالسلام (4) ، فوقع اللغط في وجود حضرته عليه الصلاة والسلام حتى لا يكون ما أراده ونحن لسنا نحب
__________________
1 ـ صحيح البخاري ـ باب قول المريض قوموا عنوا.
2 ـ صحيح مسلم : 5 / 75 كتاب الوصية.
3 ـ راجع المراجعات : حادثة الرزية المراجعة 86.
4 ـ السيد عبد الحسين شرف الدين ، النص والاجتهاد ص 129.
الدخول في هذا المبحث لأنه طويل وتحدث عنه الكثير ، واستنبط العلماء المسكوت عنه من خلال النص.
لكن الاهم عندنا في هذه الوقفة هو تبيين نقطة مهمة قد أغفلها كاتبنا وهو بداية حصول عدم الاتفاق خلال وجود النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فيهم ، وظهور التفرقة وكذلك الفرق. وهم الفريق الذي يرى الزامية التمسك بالتعاليم النبوية والقائلون اعطوه ، وفريق الرفض للتعاليم والقائل انه يهجر او غلب عليه الوجع ، وبالتالي عندهم القابلية لتجاوز التعاليم المسطرة.
إنه من البلاهة أن ننظر إلى الحادثة ببساطة وأن لانهتم بهذه التفرقة بحضرة الرسول الأكرم ، لكن الأكيد أنه إحدى الاسباب التي لا يجب عدم إغفالها حتى تتضح لنا أبعاد الصراع بين الصحابة بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنه بعد وفاته تكون العقليات قد تشكلت واعتادت على أشياء وأصبحت المخالفة للمقررات شيئاً عادياً ، وإدراجتا لهذه الواقعة ليس لكونها الوحيدة في حياة الرسول بل لأنها قريبة من لحظة وفاة النبي ، يعني ان الذهنية فعلا قد تشكلت على المخالفة. ولم تكن الحديبية وحدها دليل عليها. لكن واقعة الرزية لها دلالة عميقة من حيث كونها جاءت متأخرة من حياته الطاهرة ، وثاني شيء للمسكوت عنه في هذه الرواية والتي قبل أن يصل إليها الرسول أعد لها العدة وحدد طبيعة هذه الوصية طيلة مسيرة الدعوة من انذار العشيرة الأقربين إلى غدير خم ، وتتبين كذلك هذه العقلية الرافضة والثائرة على الدستور
المسطور ـ دستور الذي لا ينطق عن الهوى ـ في سرية اسامة ، وهي إحدى الأسباب التي أراد رسول الله أن يطمئن بها على وضع دولة الإسلام بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكذلك لم تجد صدى لدى الدكتور شلبي. رغم أنه أعلن ثورته على تقديس التاريخ والصحابة ولكن باعتبار هذه الغزوة إحدى المطاعن في حق أشخاص ثم استثناهم من هذه الثورة ضد الصحابة لذا لم يتجرأ على إدراجها في موسوعته.
سرية أسامة
فقد أعد الرسول جيشاً عظيماً ولَّى أسامة بن زيد قيادته ليثأر لأبيه ولقتلى المسلمين ولكن الرسول مات قبل أن يسير هذا الجيش ، فسيره أبو بكر(1) .
هذا ما نالته سرية أسامة من موسوعة اختصت في التأريخ للإسلام وكأن هذه السرية لم تعرف أحداثاً ولم يقع خلالها اضطرابات. وهذا هو عين التزوير والانتقائية في التاريخ ، وسؤال صريح لأستاذنا لماذا هذا التجاوز عن أحداث تاريخية؟ ألكونها بدون أهمية؟ أم خشيت أن تسقط أصنامك؟!.
وللأمانة التاريخية نورد النص التاريخي قبل الدخول في مطارحة معه :
لقد أعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سرية لغزوة بلاد الروم وذلك لأربع ليال
__________________
1 ـ د. احمد شلبي موسوعة التاريخ الاسلامى ، ص 585.
بقين من صفر سنة احدى عشرة للهجرة ، فلما كان من الغد دعا أسامة فقال له : سر إلى موضع قتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش ، فاغز صباحاً على أهل بني فلما كان يوم الثامن والعشرين من صفر ، بدأ بهصلىاللهعليهوآلهوسلم مرض الموت فحم وصدع فلما أصبح اليوم التاسع والعشرين ووجدهم متثاقلين ، فخرج إليهم وحرضهم على السير ، وعقدصلىاللهعليهوآلهوسلم اللواء لأسامة بيده الشريفة ، تحريكاً لحميتهم ، وارهافاً لعزيمتهم. ثم قال « اغز بسم الله وفي سبيل الله وقاتل من كفر بالله » فخرج بلوائه معقوداً فدفعه الى بريدة وعسكر بالجرف ثم تثاقلوا هناك فلم يبرحوا.
لا نريد الإطالة في الرواية ولكن المعني في هذا السرد ذكر الأحداث المهمة وبالضبط تحديد طبيعة العقليات التي تشكلت خلال المرحلة الأخيرة من حياة الرسول ، إنه من الجلي والواضح هنا هو هذا الرفض والتثاقل عن الاستجابة لهذا الامر النبوي وهو الجهاد في سبيل الإسلام من إجلاء إعلاء لواءه ، بالرغم من ذلك فإن تيار الرفض وقف مرة أخرى إتجاه كلام المعصومصلىاللهعليهوآلهوسلم . بالرغم من تشديده على إبعاث السرية حتى قالصلىاللهعليهوآلهوسلم « لعن الله المتخلفين عنها »(1) وكان كبار الصحابة فيها وعلى رأسهم أبو بكر وعمر.
إن دراسة هذا الحديث يبين لنا جوانب خفية لعبت دوراً مهما في
__________________
1 ـ أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة نقلا عن المراجعات ص 260.
أحداث مستقبلية ، ولم يكن أمر الرسول بهذا العمل الاّ من قبيل الاطلاع على النفوس التي عاشت وتعيش حوله وامتحان لهم. فأسامة لم يكن الاّ شاباً صغير السن وفي الجيش شيوخ كبار. وكيف تطوعهم نفوسهم أن يجعلوا تحت لواء شاب ، ان التعلل بهذا لهو عين الحمق. فكيف وقوله تعالى( وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُو ) مدون في كتاب الله تعالى وما أمره في سرية أسامة إلاّ لازم الامتثال له ، وأي مخالفة صريحة لأمره هي مخالفة لامره تعالى.
إن حدث السرية يحمل معنيين مهمين يجب التمعن فيهما وهذا ما كان يتوخاه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الأول : عقد لواء السرية بيده وهذه دلالة شرعية للسرية ومثيلها ومثيل أي أمر نبوي وجب الخضوع له. علماً أنه خلال هذه المرة كان في مرضه الأخير وكان بإمكانه تكليف شخص معين لعقد اللواء ، لكن أبى إلاّ أن يقوم من فراشه ويباشّر عن هذا العمل الشريف.
والثاني : هو شخصية القائد ، وقد كان امتحان من رسول الله لأصحابه باختياره لأسامة وهو شاب صغير. ومن خلالها استطاع أن يتطلع لمصير أوامره بعد وفاته علماً أن هذه الامة ينتظرها ماهو أكبر وأعظم من سرية لكن مع الاسف كان امتحاناً استطاع الرسول أن يستشف من خلاله مصير أصحابه ويحيط لعنته بالمخالفين له.
من خلال هذين الحدثين : رزية الخميس وسرية أسامة يتضح لنا هذا المجتمع المقبل على شيء أعظم إلى أيّ شيء وصل في تفكيره
وفي تفاعله مع الامر النبوي والذي تغاضى كاتبنا الطرف عنه ، ووصل إلى نتائج غريبة جعلت التاريخ ينقلب رأساً على عقب. وخصوصاً المسائل المرتبطة بالخلافة بحيث لم يتحرج كما قلنا سابقاً أن يقول وطمع علي بن أبي طالب في الخلافة(1) وفي موضع آخر وكان بنو هاشم أقدم طمعاً في الخلافة(2) . وهذا في حد ذاته جرأه على هذا المقام الكبير في الإسلام بنسبهم إلى فعل من أخس الأفعال وهو الطمع. كما جعل أحاديث الوصاية والداعية للإمام عليعليهالسلام هي من موضوعات عبد الله بن سبأ ، وهذا إجحاف في حق الكم الهائل الذي نزل في حقهعليهالسلام وفي حق عملية التدوين سواء على مستوى الحديث أو التاريخ. بحيث تصبح كلها من النجاحات الباهرة للعبقري اليهودي حيث أنه حسب تعبيره نجح في الخطة التي وضعها ونجده ـ ليضمن النجاح ـ يقوم بالدعوة لعلي فينشر مذهب الوصاية أي أن علياً وصي محمد كما أن لكل نبي وصياً ، وأن عليعليهالسلام خاتم الأوصياء كما أن النبي خاتم الأنبياء(3) لكن إلى أي حد هذا الاستنتاج صحيح!!.
علي والوصاية
إن الحقيقة التي حاول الدكتور شلبي أن ينكرها هي أوضح من
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الإسلامي : 1 / 585.
2 ـ المصدر السابق ص 620.
3 ـ المصدر السابق ص 627.
الشمس في كبد السماء ، لأن الأمة أجمعت على صحة ماقيل في حقهعليهالسلام وخصوصاً أحاديث الولاية ، من جانبي قد يلاحظ نوع من التعصب ، لكن أظن أنني أتحدث عن وقائع ثابتة ولا أحاول نفيها أو إثباتها بطريقة تخالف المناهج العلمية ، عكس ما عمله صاحب الموسوعة حيث يجرأ بكل سهولة لانكار حقائق وقعت في التاريخ الاسلامي.
إن شخصية الامام عليعليهالسلام لم تكن وليدة اللحظة التي توفي فيها الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حتى يتجرأ للطمع في شيء لا يرى فيه أحقية دينية ولنفسه ، بل هو نتاج لعملية التكوين النبوي لهذه الشخصية حتى تكون مستعدة لاستخلافها من بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم . إن مثل الامام عليعليهالسلام والنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كمثل تلك النبتة التي يرعاها الفلاح حتى يستفيد منها الناس في المستقبل وهذا يتطلب جهداً من الفلاح للحفاظ عليها ، وهذا حال المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم بحيث لم يعلن عن وليدة في لحظة زمنية محددة وإنما تطلب منه مدة زمنية طويلة على طول الدعوة الإسلامية من حديث الدار إلى غدير خم حتى يتم استيعاب الامر بشكل جيد من طرف أصحابه ، وقد اختلفت هذه المواضع باختلاف الزمان والمكان.
المرحلة الأولى : ( يوم الدار )
إن مسألة تميز علي بن أبي طالب انطلقت من تحديد أهميته اولا داخل اُسرته ثم بعد ذلك بين كافة المسلمين ، وكانت واقعة الانذار أول
هذه الخطوات ، بحيث وضعته الرسالة في الموقع المتقدم لبني هاشم لئلا يجرأ أحد من البيت الهاشمي على طلب الخلافة بعد وفاة الرسول وفيهم العباس بن عبد المطلب وهو كبير بني هاشم آنذاك ، لأن المسألة بالنسبة إليهم محسومة والشخصية الرئيسية قد حددت ، ولم يكن هناك مجال للنقاش او الاعتراض. لذا تجد أغلب بني هاشم امتنعوا عن مبايعة ابي بكر واعتصموا في منزل فاطمةعليهاالسلام ، لأن الأمر النبوي كان في تلك اللحظة صريحاً. والمعاني لا تحمل محامل مجازية ، فعندما نزل قوله تعالى :( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) جمع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بني هاشم وخطب فيهم قائلا :
( يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ما جئتكم به ، إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن ادعوكم إليه ، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ).
يقول الامام عليعليهالسلام :
( فأحجم القوم عنها جميعاً ، فقلت وإني لأحدثهم سناً ، وأرمصهم عيناً ، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ثم قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
إن هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا ، قال ـ أي الامام عليعليهالسلام ـ فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب قد أمرك
__________________
1 ـ الشعراء : 214.
أن تسمع لابنك وتطيع »(1) .
وهذا منطلق تمهيد الخلافة لعلي ابن ابي طالب وأول مرحلة على حساب أهله ولا أظن كاتبنا لم يطلع على هذا الخبر لأنّه مما امتلئت به كتب التاريخ والحديث وليس هذا الخبر هو الوحيد لأن المسيرة التاريخية للنبوة والتي استمرت 23 سنة كانت مليئة بمثل هذه الوقائع.
ومن هنا ابتدأت الدعوة النبوية لعليعليهالسلام في إظهاره للناس وإبراز حقيقته ابتداء من بني هاشم إلى المسلمين عامة ، وأظن ان عبد الله بن سبأ لم يكن حاضر تلك اللحظة كما أنه لم ينفرد هو نفسه برواية هذه الرواية بل هي مما امتلئت بها كتب السيرة والحديث. ولا نبغي من خلال إدراج هذه الفكرة الانتصار لطائفة معينة بقدر ما نحاول إظهار ما يحاول إخفاؤه كاتبنا وكذلك نفي التهم الباطلة التي تلصق بأعظم شخصية بعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
عليعليهالسلام في حياة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم
إن حديث الدار كان أول خطوة لتبيين منزلة الإمام عليعليهالسلام ومن ذلك الوقت سعى النبي لإظهاره تدريجياً وإعطائه مكانته الخاصة في المجتمع الإسلامي ، فهو الوحيد بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي لم يعرف الشرك في حياته.
__________________
1 ـ تاريخ الطبري : 2 / 319 ، تاريخ ابن الاثير 2 / 62 ، السيرة الحلبية : 1 / 311 ، تاريخ ابن عساكر : 1 / 88.
وقد كان الرسول يهيىء المجتمع الإسلامي لتقبل الفكرة بعد وفاته وذلك عبر إخراجهم من الموروثات الجاهلية القديمة المرتبطة بالسن او الجاه ، وإيصالهم إلى جادة الطريق والتي ترتبط أساساً بمكانة الإنسان العلمية ، ومدى استيعابه لخط الرسالة ، وقدرته على فهمها وإيصالها إلى الآخرين ، فكانت آية التطهير(1) دليلا على سمو آل البيت وإبرازاً لأفضليتهم. وتكاثرت الأحاديث خلال حياة النبي حولهم وعلى رأسهم عليعليهالسلام ، وللنبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم أقوال كثيرة أراد من خلالها توجيه الرأي العام إلى أمر مهم حتى لا يتم تحريف الإسلام بعد وفاته ومن هذه الأقوال :
« أنا مدينة العلم وعلي بابها ».
« يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي ».
« أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ».
إن هذه الأحاديث تبين منزلة عليعليهالسلام عند الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كما أن الإمام عليعليهالسلام كان صاحب ذو الفقار ، وتذكر لنا حوادث التاريخ والغزوات كيف أبلى الامام عليعليهالسلام بلاءاً حسناً في المعارك وكيف ثبت في حرب أحد ويوم حنين. وكيف كان فاتح خيبر بعد أن فشل الصحابة الذين استلموا الراية قبله ، وهو أمر يجب التأمل فيه بشكل نستطيع من خلاله التعرف على منزلته العظيمة وإبراز إحدى الخصائص المهمة وهي
__________________
1 ـ وهو المعروف بحديث الكساء بعد نزول قوله تعالى :( انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) .
القوة ، والتي هي من شروط أي قائد. فبعد هزيمة أبي بكر وعمر قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، لا يخزيه الله أبداً ، ولا يرجع حتى يفتح عليه ) فدعا عليا ودفع إليه الراية ودعا له ، فكان الفتح على يديه(1) .
هذا في الحرب أما في تبليغ الدعوة فلا أحد ينكر من بلّغ سورة التوبة بعدما أعطيت لأبي بكر فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( لا ولكني أمرت ألا يبلغ عني إلاّ أنا أو رجل مني )(2) وكل هذه المواقف النبوية تدل أنهصلىاللهعليهوآلهوسلم اراد من خلالها توجيه الرأي العام إلى هذا النجم الساطع ، وإبراز مكانته داخل المجتمع. بعد ذلك تأتي اللحظة الأخيرة فبعدما كان قد أمرَّه على ذويه وأقاربه جاء الوقت ليؤمره على كافة المسلمين بعدما تبينت مكانته في الإسلام ، فكان إتمام الدين بإبلاغ ولاية الامام عليعليهالسلام وذلك خلال حجة الوداع في غدير خم. فبيّن منهصلىاللهعليهوآلهوسلم الحقيقة بصراحة فقال : ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله )(3) .
__________________
1 ـ المصنف لابي شيبة : 7 / 17 ، سنن النسائي 5 / ح 8402 ، تاريخ الطبري : 3 / 12 ، البداية والنهاية : 27 / 373.
2 ـ سنن الترمذي : 5 / 3719 ، سنن النسائي : 5 / 8461 ، تفسير الطبري : 10 / 46 ، البداية والنهاية : 7 / 374 ومسند الامام أحمد : 1 / 331.
3 ـ مسند أحمد : 1 / 84 ، 88 ، 118 ، 119 ، سنن النسائي ـ كتاب الخصائص ح8542 ، البداية والنهاية : 5 / 229 ـ 232.
فهذه اقوال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من كتب أهل السنة ، وليست افتراءات الشيعة كما توصل إلى ذلك الدكتور شلبي حيث يرى أن هناك طريق ثاني طويل جاء منه أعظم الخطر على الشيعة ذلك هو طريق الوضع والإفتراء ، فوضعوا من الأحاديث والروايات ما يؤيد به مذهبهم(1) .
أسباب ونتائج
إن البحث التاريخي هو عبارة عن دراسة موضوعية للأحداث السابقة عبر تتبع مسيرتها إذ أنها تحوي داخلها مجموعة من الاسباب ، والتي تعطي للحدث بعداً تاريخياً له انعكاساته على مجريات الأحداث المستقبلية ، فلا يمكننا الوصول إلى خلاصة ونظنها منطقية. دون إيراد ماورد في هذا الباب حتى تكون استنتاجاتنا منطقية وهذه العملية مهمة في دراسة التاريخ الإسلامي لانني باستطاعتي أن اعطي حكماً قيمياً من خلاله أصلُ إلى حكم يخالف الواقع وما جرت به الأحداث ، وقد يصل الأمر إلى أن أصل إلى نتيجة غير صحيحة وكثيراً ما يصل الباحث إلى هذه النتائج الخاطئة من خلال التعامل مع باقي الفرق الأخرى بشكل متطرف وإخراجها من ملة الإسلام ، وهذا ما حدث لصاحبنا فعلى علة منهجه التأريخي والذي حاولنا بقليل من التفصيل إظهار الأسباب التي أغفلها والتي لها الدور الأساسي في التأثير على الأحداث التاريخية بعدو وفاة الرسول وكذلك النتائج التي تفتقد إلى
__________________
1 ـ انظر : أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الاسلامي : 2 / 151.
أسباب منطقية ، من قبيل تحدثه عن بيعة أبي بكر كنتيجة نالت إجماع المسلمين بدون أدنى خلاف علما أن هذا يخالف الواقع. إذ أن كاتبنا يرى أن الأغلبية الساحقة اتجهت إلى أبي بكر وبايعته خليفة وسرعان ما اجتمع حوله من تردد في بادئ الامر في مبايعته(1) .
هذه نتيجة قد نتفق معه فيها لكن كيف توصل إلى هذه النتيجة ، ماهي الدلائل والقرائن التي توحي لنا بهذا علماً أنه لم يدرج وقائع قبلية توصلنا إلى هذه النتيجة ، اللهم إلاّ الاستثناءات التي أوردتها كتب التاريخ والخاصة في مسألة الصلاة وقد أوردتها كتب تاريخية متعددة وأثبتت عدم صحتها وخالفت المتعارف عليه في الشريعة وخصوصاً النقطة الاساسية ; وهي إمامة إمامين لصلاة واحدة وهذا مالا يجوز شرعاً.
وعلى فرض صحة الخبر فهو مخالفة صريحة لأصول التشريع السني لأننا كما نعلم أنّ في الفقه السني سبق الإجماع القياس(2) ، لكن السقيفة أثبتت لنا العكس بحيث سبق القياس الإجماع يقال أنه في
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الإسلامي : 1 / 576.
2 ـ أصول التشريع عند السنة هي :
(1) القرآن.
(2) السنّة.
(3) الإجماع.
(4) القياس.
السقيفة قاسوا إمامة الصلاة على إمامة الأمة بعد ذلك أجمعوا على الامر وهذا في حد ذاته ضرب للنظرية الفقهية ونتيجة حتمية لأسباب تفتقد إلى قواعد منطقية تستند عليها مما يجعل الإجماع الذي تتحدث عنه محل نظر. وإنما يبقى محاولة لتبرير واقع بدون اكتساب الجرأة على التخلص من التبعات ، والموروثات القديمة ويتجلى هذا في تعاطيه مع الفرق الاُخرى بحيث يرى أن هذه الفرق ليست في الحقيقة اسلامية وأن الأجيال التي اسمتها اسلامية اخطئت(1) .
ونورد هنا نكتة بسيطة لنوعية تعامل الشلبي مع نفي الاقوال والأحاديث الخاصة بالفرق الأُخرى حيث يورد أنّه فقرة من كتاب « اربع رسائل اسماعيلية » لعارف ثامر(2) نقلاً عن الامام الصادقعليهالسلام : من أطاعنا فقد أطاع الله ، ومن عصانا فقد عصى الله ، فنحن أبواب الله وحجبه وأمناؤه على خلقه ، حفظة مكنون سره ، والآخذون عهده وميثاقه. ويستنتج من خطأ نحوي واحد في الرواية عدم صدور هذا القول عن الامام الصادقعليهالسلام حيث يقول : في الأصل « والآخذين » وجعفر الصادق أبعد ما يكون عن مثل هذا الخطأ النحوي الواضح فقد
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الإسلامي : 2 / 145 ط 9 سنة 1994 مكتبة النهضة المصرية.
2 ـ عارف ثامر اربع رسائل اسماعيلية ص 56 ، 57 نقلا عن موسوعة التاريخ الاسلامي ج2.
كان من أساطين اللغة والفقه(1) . وأظن أن هذا هو عين الحمق ، لأن عملية التدوين قد ينتج عنها خطأ أفظع من هذه ناتج عن خطأ في النقل ، لكن ردها يفرض عرضها على مصادر وأقوال دينية أُخرى. فاذا خالفت ماصح عن الله ورسوله فهي مما لا يصح. ولا نريد هنا ايراد رد على رفضه هذه الرواية لكن فقط نورد رواية واحدة أظن أنّها تفي بالغرض حيث قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
( إني تارك فيكم خليفتين كتاب الله حبل ممدود مابين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض )(2) وهي ايراد لنوع من التلازم الذي يلزم الطاعة وأي افتراق عن الامام هو افتراق عن الكتاب ونتيجته الحتمية المعصية.
وملاحظة أخيرة قبل ختام هذا الباب نذكر أن استاذنا اعتمد في دراسته للطوائف الإسلامية وخاصة الشيعة على الملل والنحل للشهرستاني وهذا في حد ذاته عيب على كاتب يريد التأريخ للأمة الإسلامية لأن أحادية المصدر تعكس فقط وجهة نظره مما يبعد البحث التاريخي عن النزاهة. وخلاصة هذا البحث نوردها في التقسيمات التالية التي تبين الأسباب وبالتالي النتائج الناجمة عن هذه الأسباب.
__________________
1 ـ د. أحمد شلبي ، موسوعة التاريخ الإسلامي : 2 / 158.
2 ـ أخرجه أحمد في مسنده : 5 / 182 ، 189 والطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك.
الفصل الخامس
التشيّع تاريخ مذهب
إن الاجتهاد ابتكار ، وأن يراجع الإنـسـان بنفسه الفرع إلى الأصل ولـذا فالمجتهد الواقعي في كل علم هو كذلك آية الله الشهيد مرتضى مطهرى والمجتهد أيضاً لا يتقيد بفتاوى الآخـرين ، بـل يحرم على المجتهد التقليد بحسب رأي الشيعة ، وما أكثر الـمجتهدين الذين خالفوا الماضين وأبـدوا آراء جـديدة وفهما جديداً للأدلة فقوبـل عملهم هذا بالتكريم آية الله موسى الصدر |
التشيّع والآخر
إن الإطلاع على الموسوعات التاريخية القديمة أو الحديثة يظهر بأن نقطة الإتفاق التي اتفق اغلب المؤرخون عليها ، هي مسألة الهجوم على الشيعة والتشيع. وقد لامسنا هذا ونحن نطالع البداية والنهاية لابن كثير او موسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي ، وصارت الحقائق التي يذكرها التاريخ وهي تسجّل انتصاراً للشيعة تلقى معارضة من طرفهم فتارة يعرضون عنها ، وتارة يضعّفونها ، فأصبح التشيع بنظر الكتب التاريخية هو ذلك اللقيط الذي خرج من قمامة المجتمع الإسلامي ، في حين هذه الصورة التي صوروه بها ماهي إلاّ تعبير عن وجهة نظر الدولة السلطانية التي استبدت بالحكم ، وصارت المعارضة الإسلامية الأصيلة هي حالات الشذوذ داخل المجتمع.
وكنا نستغرب كثيراً حينما نرى كاتباً أو مؤرخاً يحاول تهديم أركان هذه المدرسة بجرة قلم. ولم يبقى الأمر محدوداً عند نفي المسائل الإعتقادية للمذهب بل تم الطعن في علماء شيعة أعطوا حياتهم وسخروها للاسلام لئلا تتبلور صورة ايجابية عن الشيعة في أذهان عامة ابناء العامة.
ونشاهد في هذه الأيام مفكر دخل في سجال مع الفكر لاستخلاص الفكر الإسلامي الاصيل بزعمه ، لكنه مع الأسف وقع في المحظور المعرفي وهو طغيان الايديولوجي على الإبستملوجي.
فنلمس من تصريحاته ومنها قوله : النزعة التعصبية من خلال ما حاولنا القيام به لا يهدف شن حرب ايديولوجية عليه ، بل في إطار تحليلنا النقدي للنظم المعرفية في الثقافة العربية(1) .
يظهر من كلامه هذا أن المخفي بين السطور وما عبرت عنه الدراسة النقدية التي قام بها محمد عابد الجابري في كتاباته والتي تتناول العقل العربي تعطى للمعنى السابق معنى واضحاً ، وتبرز الممتنع الذي لم يحاول إظهاره حيث ربطه بالمناحي العلمية ، والنقدية حتى تصير كل آرائه هي من باب الدراسة. لكن الفلتات الكتابية في بعض الحالات وسهو الكاتب عما يكتبه تجعل كل المعاني تتضح بربط بعضها ببعض.
إن العقلية النقدية التي لم تتخلص من الموروث التاريخي القديم ، والتي لا زالت تعيش على أوهامه غير قادرة على اختراق طرائق البحث والنقد. وهذا الجابري الذي لا يريد أن يشن حرب ايديلوجية لا زالت عقليته مرتبطة بتاريخ ابن سبأ بحيث يقول أنه قد أطلقت مصادرنا التاريخية على حركة المعارضة لمعاوية ، اسم السبئية نسبة إلى
__________________
1 ـ محمد عابد الجابري ، بنية العقل العربي ص 291.
عبد الله ابن سبأ(1) . إن مجرد الإيمان بشيء دون التأكد من صحته يجعل القدرة النقدية للشخص ضعيفة ، كما أن الاعتماد على المصادر التاريخية دون إخضاعها لعملية النقد يعتبر حائلاً للوصول إلى النتيجة الصحيحة. لكن محمد عابد الجابري واحد ممن تعجبه المغامرات التنظيرية وغالباً ما تكون المغامرات عبارة عن مجازفة يستعمل فيها صاحبها كل الطرق من أجل الوصول إلى نتيجة معينة بغية تأكيد رأيه. إن ما قام به الجابري مجازفة غريبة اتخذت في أولها موقفاً سلبياً من التشيّع وذلك بربطه بالسبئية وبالتالي حصرت المعرفة في التراث السني ، وجعلت التراث الشيعي يرمى به في هامش التاريخ باعتباره اللامعقول الديني لأ نّها رأت أن كل من عاش أو يعيش لحظة ابن سينا بعد ابن رشد فإنما قضى أو يقضي حياته خارج التاريخ(2) .
وهنا تظهر الطوباوية السنية والتي تتحكم بعقل الكاتب بحيث لم يستطع التخلص من موروثاته الماضية ، ويعبر عنها في مشروعه التجديدي بطريقة اُصولية سنية متطرفة ، بحيث أن إعادة تحديث الفكر العربي وتجديد الفكر الإسلامي عنده يتوقف ليس فقط على مدى استيعابنا للمكتسبات العلمية والمنهجية المعاصرة بل أيضاً ولربما
__________________
1 ـ محمد عابد الجابري ، العقل السياسي العربي ص 207 مركز دراسات الوحدة العربية ، 1990.
2 ـ محمد عابد الجابري ، نحن والتراث ص 70 ، ط3 ، دار الطليعة ، بيروت ، 1973.
أيضاً بالدرجة الاولى يتوقف على مدى قدرتنا على استعادة نقدية ابن حزم وعقلانية ابن رشد وأصولية الشاطبي وتاريخية ابن خلدون(1) .
هذه الرباعية العلمية ومن خلال دراسة العلوم الإسلامية لا يمكن أن تجد لها طريقاً إلى الواقع لكن كاتبنا أوجد لها طريقاً في مقابل التخلص من الأفكار الدخيلة حسب زعمه والتي ينعتها بالهرمسية وذلك من أجل إعادة بنية العقل العربي من داخل الثقافة التي ينتمي إليها(2) .
إن هذا الكلام الذي يمارسه الجابري بطريقة أدبية قد عبرت عنه السلطات الحاكمة قديماً ، فكل واحد داخل حركة السلطة هو جزء من هذا المجتمع ، او ما اصطلح عليه بالجماعة ، وأي واحد معارض فهو خارج عن الجماعة ومحكوم عليه بسفك دمه. إذن أي رؤيا علمية خارجة عن مقترحات كاتبنا فهي لا محالة معرضة للسفك المعرفي وإنزالها مراتب الحضيض وطردها من الثقافة الإسلامية ، علماً أن هذا المشروع الذي يطرحه يحمل في طياته تناقضات مرتبطة بتناقض الاشخاص الذين يجب أن نؤسس عليهم عقلنا الجديد. إذ أن التوفيق بين الأربعة يعتبر من المستحيلات بحيث يعتبر ابن رشد القائلين بالسماع من دون القول حشوية ، علماً أن ابن حزم من أشد الرافضين
__________________
1 ـ محمد عابد الجابري ، بنية العقل العربي ص 566 ، ط5 ، المركز الثقافي العربي يناير 1986.
2 ـ المصدر السابق.
للقياس فهو حشوي بنظر ابن رشد ، وكيف يلتقي ابن حزم مع الشاطبي الذي بنى مقاصده على مذاهب التعليل وتحقيق المناط وكيف يلتقي ابن رشد المدافع عن الفلاسفة بابن خلدون الذي سلك مذهب أبي حامد الناقم عليهم ، من هنا تظهر هشاشة المشروع الذي طرحه ، لأن مشروعه يعتمد على كل المنتوج التراثي للفكر الاسلامي ، وابن سينا الذي يحاول الجابري إخراجه من دائرة العقل الإسلامي ، فإنَّ ابن رشد قد أخذ منه وذلك من أجل إحياء نظام الفلكيات الذي يتفق مع صلب الفكر الارسطي ـ والذي يعتبر ابن رشد الشارح الأكبر له ـ وخصوصاً في ترسيمته الثلاثية التي تقيم أنفاساً للأفلاك بين كل من العقل المحض المفارق والفلك السماوي(1) .
وكما إذا كان الفكر الفلسفي السني بعد ابن رشد قد لقي حتفه وهذا دليل كافي على عدم قدرته لاستيعاب الحقائق الفلسفية ، فإن الفكر الفلسفي الشيعي ظل صامداً ولا يزال إلى يومنا هذا في المجمعات الدينية العلمية ، فبعد ابن سينا جاء الخواجة نصير الدين الطوسي والذي كان معاصراً لابن رشد ولم تقف السلسلة بل جاء المير داماد ، وجاء المجدد والمبدع في المدرسة السينوية الملا صدرا الشيرازي. إذ أنه لما كان الفكر الفلسفي في جميع أرجاء العالم الإسلامي يغط في سبات عميق ، قام هؤلاء في المدرسة السينوية الايرانية يقودون الإسلام
__________________
1 ـ هنري كوربان : تاريخ الفلسفة الإسلامية ص 363.
الشيعي إلى أعلى مراتب وجدانه الفلسفي(1) .
إن هذه الفلسفة لم تكن لقيطة معرفية أو وليدة محاكاة لفلسفة سابقة ، ولكن هي من صميم الثقافة الإسلامية الأصيلة ومن المنطلقات التي يكنون لها الشيعة احتراماً وخصوصاً المرتبطة بالمعصومين ، إذ شكل تراث آل البيت القاعدة الأساسية للفلسفة الشيعية ، مما يعطيها مشروعيتها التاريخية ، والمعرفية ، والتي حاول محمد عابد الجابري نزعها عنها إذ يمكن اعتبار نهج البلاغة منهلا من أهم المناهل التي استقى منها المفكرون الشيعة مذاهبهم والتي كانوا ينادون بها ، لا سيما مفكروا الحقبة الرابعة ، وإنك لتشعر بتأثير هذا الكتاب بصور جمة من الترابط المنطقي في الكلام ومن استنتاج النتائج السليمة ، وخلق بعض المصطلحات التقنية العربية التي أدخلت على اللغة الأدبية والفلسفية فأضفت عليها غنى وطلاوة ، وذلك أنّها انشأت مستقلة عن تعريب النصوص اليونانية ، ومن هنا تأخذ الفلسفة الشيعية سيماها الخاص ذلك أن منكروهم خرجوا من هذا الكتاب بنظرة ميثافيزيقية كاملة باعتقادهم أن خطب الامام تشكل دوراً فلسفياً متكاملا(2) .
كما أن نهج البلاغة لم يكن الوحيد في صياغة هذه الفلسفة بل كان لخطب الأئمة دور كبير في صياغة وتطور الفلسفة منذ زمن بعيد حيث
__________________
1 ـ المصدر السابق ص 265.
2 ـ هنري كوربان : تاريخ الفلسفة الإسلامية ص 81.
الفلسفة السنية لم تعد قادرة على أن تساير الوقائع ، لكن كاتبنا يأبى إلاّ أن يحيي الميت من قبره بواسطة مشروع تتضارب فيه البنى المعرفية ، وما مشروعه إلاّ صورة من ترديدات الغرب(1) الفارغة ، فالعالم الغربي لم يلتقي كثيراً بالمعارف الشرقية وذلك نظراً لبعد المسافة التي كانت تفصل بين المشرق والمغرب في حين كان ابن رشد هو المتربع على كرسي الفلسفة في الغرب الإسلامي فترددت في الأوساط الغربية الفلسفة الرشدية فأخذوها ، وتوقف المد الفلسفي الغربي(2) في حين ظلت المدرسة الشرقية قائمة ، ومسترسلة في رسالتها الفلسفية. فما كان من الغرب إلاّ أن حصر تاريخ الفلسفة الإسلامية في ابن رشد متناسين أولئك الذين في الجهة الأخرى من العالم الإسلامي وظنوا أن هذه الفلسفة بلغت ذروتها معه وانقضت ، فكان هذا هو الصدى الذي تركه الغرب ليصل بعد ذلك إلى سماع كاتبنا فوقف عند تاريخ متقادم يفوق 800 سنة لينطلق في التجديد ويتناسى شيئاً جديداً لم يمت حيث لا زالت الحياة المعرفية والفلسفية تدب داخل مجامعه العلمية.
إن هذه النظرة التقزيمية لإعادة بناء المعارف الإسلامية على أساس نفي الطرف الآخر ، تجسد مظلومية التشيع السياسية بالاضطهاد الذي
__________________
1 ـ يمكن إسقاط هذا التشابه بين إرنست رنان في كتابه ابن رشد والرشدية ومحمد عابد الجابري في مشروعه الموسوم بنقد العقل العربي.
2 ـ المقصود هنا الغرب الإسلامي.
لاقاه من حكام الجور ، ومظلوميته الثقافية والعلمية بإخراجه من ساحة التجديد للعقل الإسلامي ومدى دوره الفاعل في بلورة العقل والفكر داخل المعارف الإسلامية والتي لا زال لحد الآن له القيادة البارزة ولا زالت النماذج الفلسفية قائمة.
ومظلومية التشيع لم تتوقف عند المستوى المعرفي بل تعدته في رمزياته التاريخية ، فإذا كنا قد رأينا ابن كثير وهو يخرج الإمام عليعليهالسلام من آل البيت ويحرمه من المؤاخاة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذلك كيف قام صاحبنا احمد شلبي بالقاء تهمة قتل الخلفاء ابي بكر وعمر وعثمان وعلي إلى الفرس وبطريقة غير مباشرة إلى أنصار خط التشيع ، يطلع علينا عالم والذي جعله الجابري احد اعمدة مشروعه فيبرر قتل الامام عليعليهالسلام وأن قاتله مأجور.
يقول ابن حزم في المحلى :
« ولا خلاف بين أهل الأمة في أن عبد الرحمن ابن ملجم لم يقتل عليا إلاّ متأولا ، مجتهداً ، مقراً أنه على صواب وفي ذلك يقول عمران ابن حطان شاعر الصفرية :
يا ضربة من تقي ما أراد بها |
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا(1) |
وهذا مما يخالف صريح ما صرح به رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث أخرج
__________________
1 ـ المحلى : 10 / 483.
أحمد في مسنده(1) والنسائي في السنن الكبرى(2) .
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلي : ( قاتلك أشقى الآخرين ).
وفي لفظ آخر اشقى الناس وفي لفظ ثالث أشقى هذا الأمة(3) .
وفي حديث آخر : ( ألا اُخبرك بأشد الناس عذاباً يوم القيامة ).
قال أخبرني يا رسول الله.
قال ( فإن اشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عاقر ناقة ثمود ، وخاضب لحيتك بدم رأسك )(4) .
لكن عالمنا ابن حزم يرى في المسألة شيئاً عادياً وكأن مسألة القتل لا تخضع للقوانين الإسلامية بل الامر لم يتوقف عند هذا الحد فحتى عمار بن ياسر والذي كان مع الحق كان قاتله عند ابن حزم رجلاً مأجوراً فنجده يقول في الفصل(5) :
وعماررضياللهعنه قتله أبو الغادية يسار بن سبع السلمي ، شهد عمار بيعة الرضوان فهو من شهداء الله له بأن علم ما في قلبه وأنزل السكينة عليه ورضي عنه فأبو الغاديةرضياللهعنه متأول مجتهد مخطأ فيه باغ عليه مأجور أجراً واحداً.
__________________
1 ـ مسند أحمد : 4 / 212.
2 ـ السنن الكبرى : 5 / 853.
3 ـ للمزيد راجع الغدير للاميني : 1 / 587 ، ط1 ، دار الغدير.
4 ـ رواه ابن عبد البر في العقد الفريد : 2 / 298.
5 ـ الفصل : 4 / 161.
إن كلام ابن حزم لهو غاية السخف والتبرير الذي يفتقد المتانة والمعقولية ، لأنه لا يوجد معنى لاجتهاد أبي الغادية ـ وهو من مجاهيل الدنيا وأفناء الناس ، ومثاله العهد النبوي ، ولم يعرف بشيء غير انه جهني ولم يذكر في أي معجم بما يعرب عن اجتهاده ، ولم يرو عنه شيء من العلم الإلهي سوى قولة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ( دماؤكم وأموالكم حرام ) وقوله ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )(1) .
وحسبنا هنا في الحد من هذا الشطط في الدين ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعماررضياللهعنه ( تقتلك الفئة الباغية ).
وقد أخرج هذا الحديث النسائي في الخصائص(2) ، وأحمد في المسند(3) وأبو نعيم في الحلية(4) وابن المؤيد الجويني في فرائد السمطين(5) .
هكذا يكون ابن حزم قد شرعن للفقه اجتهاد جديد يحل فيها دم المؤمن.
إن الرؤية المتفحصة لهذه الأمور والتي تحاول استقراء المخفي من وراء الكلام نستنتج من خلالها مواقف كثيرة. فالإمام عليعليهالسلام وعمار
__________________
1 ـ الغدير للأميني : 1 / 593.
2 ـ تحقيق السيد جعفر الحسيني ، ط1 ، سنة 1419 ، دار الثقلين.
3 ـ مسند أحمد : 6 / 311.
4 ـ حلية الأولياء : 7 / 197.
5 ـ فرائد السمطين : 1 / 287.
ابن ياسر هما من ابرز رموز التشيع فالاول إمام ، والثاني أحد الشيعة المخلصين ، فموقف ابن حزم لم يكن ليعبر به ضد شخصيات بل هو تعبير آخر لمهاجمة تيار إسلامي ألا وهو التشيع ، لذلك ترى نظريته هذه لا تستند إلى منطق وحتى هو نفسه لا يعي ما يقول بحيث اختلط عليه الحق بالباطل.
فها هو فيما سبق يعتبر مسألة القتل اجتهادية علماً أن القاتل الحقُّ لهُ بيِّن ، فذاك علي أخو رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا عمار أحد الصحابة المنتجبين إذن الحق ظاهر هنا وقتلهما يستوجب نزول اللعنة على القاتلين.
ويقول ابن حزم في هذا الباب(1) .
وإن كان قد قامت الحجّة عليه وتبين له الحق ، فعَنِد الحق غير معارض له تعالى ولا لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو فاسق لجرأته على الله تعالى بإصراره على الامر الحرام فإن عَنِد عن الحق معارضاً لله ولرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهو كافر مرتد حلال الدم والمال لا فرق في هذه الأحكام بين الخطأ في الاعتقاد في أي شيء كان من الشريعة ، وبين الخطأ في الفتيا في أي شيء كان.
إذن المسألة عند ابن حزم تظهر كمسألة معاندة ضد اتجاه ديني آخر. وهكذا فإن التشيع عاش دائماً حالة المواجهة منذ اللحظة الأولى
__________________
1 ـ الفصل : 3 / 258.
للتاريخ الإسلامي إلى يومنا هذا مع الآخر ، محاولا هذا الأخير إقصاءه بعقلية السلطة التي تركبت في الأذهان كأساس لمواجهة التيار المعارض ، هذا التيار الذي ظل يقاوم ويتخطى الصعاب ليبقى حياً على قيد الحياة إلى يومنا هذا بتاريخ أصيل وعقائد ثابتة.
الشيعة والتاريخ
إن أي حركة دينية أو سياسية تعرف تاريخ انطلاقتها والأسس النظرية التي اسست نفسها عليها ، وخلال مراحلها التاريخية تعرف تطوراً سواءاً بإصلاح في نظريتها وتطويرها او عكسها ولا يمكن أن تكون هناك طائفة بدون انطلاقة تأسيسية ، والشيء الذي يجب أن ننتبه إليه أنه ممكن داخل أي حركة فكرية ، أو دينيّة أن تنبثق مجموعة من التيارات التي تأخذ أرضيتها من الحالة التأسيسية الاولى ، كما الحال مثلا بالنسبة للماركسية بحيث نلاحظ ماركسية ماو ـ ستي ـ تونغ والتي عرفت بالماوية ، او الماركسية التروتسكية ، او الغيفارية أو اللينينية ، لكن المشكل ، من منهم يمثل الحقيقة التي حاول تجسيدها ماركس من خلال أفكاره. وهكذا في الفكر الإسلامي ، بحيث لا توجد ظاهرة دينية تنوعت مذاهبها كمثل الإسلام ، ولكن الملاحظ هو أن الاختلاف لم يصل إلى حد إنكار المسلمات العامة والتي هي محل اتفاق المسلمين إلاّ أن الاختلاف في مجموعة من الأمور والتي قد تكون تأسيسية حاولت مجموعة من الطوائف التنازل عنها فصارت بعد ذلك محل نقاش وجدال ، وحاولت بعدها كل فرقة أن تثبت أهليتها ، وأنها
الحقيقة الصافية التي جاء بها الإسلام هي التي تمثلها. فإلى أي حد كان التشيع يمثل هذه الحقيقة؟ وهل هو نتاج لتطور خلال المراحل التاريخية؟
إن الشيعة كمصطلح لغوي يقصد بها جماعة من المتعاونين على أمر واحد ، ويقال تشايع القوم إذا تعاونوا ، وربما يطلق على مطلق التابع(1) وقد استعمل اللّه هذا اللفظ في عدة مواضع من كتابه تعالى وذلك في قوله :
( فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) (2) .
وكذلك في قوله تعالى :( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم ) (3) .
وهذا دليل على أن الشيعة هي جماعة من الناس اتخذت من شخص لها قائداً وأعطته المحبة والموالات والتصديق المطلق.
إذن على هذا الاصطلاح هل هذه الطائفة تبلورت خلال المراحل الاولى من الدعوة الإسلامية أم جاءت متأخرة؟
إن الرجوع لكتب التاريخ يظهر تبايناً واضحاً في تحديد تاريخ تأسيس المذهب الشيعي. فبعضهم يرى أن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول من قبل بعض أنصار الإمام عليعليهالسلام الذين اجتمعوا في بيت
__________________
1 ـ جعفر السبحاني بحوث في الملل والنحل ص 7.
2 ـ القصص : 15.
3 ـ الصافات : 83 ـ 84.
فاطمةعليهاالسلام ، بحيث تخلفوا عن بيعة أبي بكر وهم قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن ابي طالب ، منهم العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن العباس ، والزبير بن العوام وخالد بن سعيد والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر والبراء بن عازب وأبي بن كعب(1) . ويرى أصحاب هذا الرأي أن المرحلة التأسيسية قد ظهرت خلال هذه الفترة وقد عبر عنها أحمد أمين بأن هذه المعارضة لبيعة أبي بكر كانت البذرة الاولى للشيعة ، وهم الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه(2) . وكذلك عبر عنها المستشرق جولدتيسهر(3) بكون النشوء بدأ مع الخلاف الحاصل حول مشكلة الخلافة ونقمة مجموعة من الناس على طريقة انتخاب الخليفة.
والرأي الثاني هو الذي يقول كون التشيع وليد الفتنة التي وقعت في عهد عثمان ، وآخرين يرون أن التشيع وليد زمن علي لمّا تسلم اُمور الخلافة بحيث كانت الأرضية السياسية ملائمة ، وقد أشار الشهيد الصدر في كتابه بحث حول الولاية إلى هذا الرأي قائلاً : « ومنهم من يرد ظاهرة التشيع إلى عهد خلافة الإمام عليعليهالسلام وماهيأه ذلك العهد
__________________
1 ـ اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي : 2 / 124.
2 ـ أحمد أمين فجر الإسلام ص 266 ط بيروت.
3 ـ جولدتيسهر العقيدة والشريعة في الإسلام 169 ط القاهرة.
من مقام سياسي واجتماعي على مسرح الأحداث(1) .
إن هذا التضارب في تحديد تاريخ التشيّع ينم في داخله عن شيء معين ، إذ كل الطوائف الإسلامية الأخرى معروف تاريخ تأسيسها ، وأصحاب الملل والنحل يبيّنون تاريخ ومؤسس كل فرقة بصورة واضحة لم يختلف عليها أحد من عامة المسلمين ، إلاّ التشيع فإنه ظل ولا يزال محل خلاف ، ومن شدة التيه التحقيقي في هذه المسألة ظهرت نظريات حاولت إعطاء رؤى تقريبية لهذه المدرسة ، فظهر تقسيم عجيب تداولته الالسن ، وهو تقسيم إلى تشيّع السياسي ، وتشيع مذهبي.
إن هذا التقسيم لم يكن موضوعياً ، وإنما قصد منه ضربة التشيّع في الصميم. وقصد بالتشيع السياسي هو حالة المشايعة التي عرفها آل البيت من أجل الحصول على السلطة السياسية وخصوصاً بعد استشهاد الامام الحسينعليهالسلام ، مما أدى إلى تشكيل طائفة سياسية تعلن الولاء السياسي لآل البيت.
ويرى الدكتور كامل مصطفى الشيبي أن التشيع السياسي ، وإن ظهر في الفترة التي افترضها الباحثون السابقون ، إلا أن دلالة الاصطلاح ( شيعة ) على الكتلة التي ندرسها من المسلمين وانصرافه إليهم دون غيرهم ، قد بدأت مع حركة التوابين التي ظهرت سنة 61 ، وانتهت
__________________
1 ـ بحث في الولاية ـ الشهيد الصدر ص 25 ط بيروت.
بالفشل سنة 65 وكان قائد الحركة يلّقب بشيخ الشيعة(1) .
والأغرب من ذلك هو نسبة التشيّع لليهود ، والقول بأنّ التشيّع ذات اُسس يهودية تأسست على يد عبد الله بن سبأ رغم ما لهذا القول من ضعف. بحيث ثبت ضعفه من جانب التحقيق التاريخي ، وكذلك في مجموعة من العقائد التي حاولوا نسبتها إلى اليهود وأنها دخيلة على الإسلام ، في حين أن هذه العقائد اصلاً غير موجودة عند اليهود! فقالوا أن العصمة مأخوذة من عندهم مع العلم أن الكتاب المقدس يذكر الأنبياء بأبشع صور فها نحن نقرأ في سفر التكوين الإصحاح كيف أن النبي لوط لما صعد من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه ، وبات ليلتين في جماع ابنتيه بعد أن سقي خمراً وأن البنت البكر ولدت منه ابنا اسمه موآب والصغرى ولد سمته ابن عمي. وكذلك قالوا أن الولاية والوصية أصل يهودي في حين انهم هم أنفسهم يقولون أن الوصاية لم تكن لهارون كي تكون لعلي. إذن من أين جاءت هذه الوصاية وبنو إسرائيل أنفسهم في القرآن الكريم يقول الله على لسانهم( ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي ) فلو كان مبدأ الوصاية ذا أصول يهودية لوجد الوصي دون أن يلجأوا إلى طلب ملك يقاتلون فيه.
ونعود إلى قسمي التشيع المختلفين ونقول أن قصدهم بالتشيع المذهبي هو المرحلة التي وضعت فيها الأسس العقائدية والتأسيسية
__________________
1 ـ الشيبي : الصلة بين التصوف والتشيع : 1 / 122 ، ط بيروت.
لهذا المذهب. وكان قصد المخالفين من هذا التقسيم مايلي :
إن التشيع السياسي هي مرحلة انطلقت بدون أصول معرفية وإنما هي حالة عاطفية ، وانجذاب سياسي لأشخاص معينين. إذن تغيب في هذه المرحلة كل العلائق الدينية ، لكن بعد مرور مرحلة زمنية معينة لاحظ هؤلاء الأشخاص أنه لا طائل من بقائهم على هذا الحال بدون موجه ديني فيبقى أمامهم خيارين :
الالتحاق بالركب العام أو تأسيس قاعدة دينية ذات أصول حتى يتم لهم الاستمرار ، والنظر في كلا الاحتمالين غير وارد على اعتبار أن الشيعة عاشوا على قطيعة مع نظام السلطة منذ تأزم الوضع بشكل كلي خصوصاً مع قيام الدولة الاموية. بحيث أن تاريخ الدولة الاموية لم يهدأ باله قط من الثورات الشيعية ، وثاني شيء هو أن القاعدة الفكرية قد تأسست مع أقوال الرسول وخطب الامام عليعليهالسلام ، وما الأئمة إلاّ صورة واحدة تتخذ أشكال معينة وما قول أحد الأئمة إلا قول الأئمة الآخرين ، إذن مرحلة التأسيس المذهبي التي حاولوا ربطها بالامام الصادقعليهالسلام ماهي إلاّ محاولة لفك الشرعية عن تتابع الأئمة ، والوصول في الأخير بطريقة غير مباشرة لخلع الشرعية الدينية لولاية الامام عليعليهالسلام ، وجعلها سياسية ويصبح الحسينعليهالسلام مثله مثل الخارجين عن السلطة المطالبين بها بدون أسس دينية ، ولا موجبات شرعية ، فتصير فتوى شريح القاضي في حق الامام الحسينعليهالسلام لها مصوّغ ديني بعد ما رفع التكليف الشرعي للامام ، وواجب الولاية الشرعية ، ومنه يصير
الامام الحسينعليهالسلام خارج عن الشرع. إذن يبقى سؤالاً جوهرياً ، وهو ما حقيقة التشيع في ظل هذا الخليط من التحليلات؟
إن الوقوف على حقيقة هذا المصطلح أو بالأحرى حقيقة المذهب يلزمنا الرجوع إلى الموروث التاريخي القديم ، وتفحصه بدقة لأن الاختلاف في تحديد تاريخ طائفة معينة ـ على أن تاريخ كل الطوائف الإسلامية محدد بالتدقيق ـ يخفي وراءه حقيقة تعمد المؤرخون إخفائها حتى يتسنى لهم إبداء آرائهم ووجهات نظرهم ، والأهم من ذلك هو : تمديد موقعهم داخل خريطة العقيدة الإسلامية.
إن أغلب القرائن التاريخية تثبت أن مصطلح الشيعة ظهر في زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد كان مجموعة من الصحابة معروفين بهذا المصطلح نتيجة علاقتهم بالامام عليعليهالسلام بحيث لما نزل قوله تعالى :
( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حول خير البرية : هم أنت يا علي وشيعتك(1) .
وقد تعدد ذكر هذا الخبر عند الكثير من العلماء ، فقد ذكره السيوطي في الدر المنثور قائلاً لما نزلت الآية ، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ( أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض إذا جاءت الامم للحساب تدعون غرا محجلين )(2) .
__________________
1 ـ الطبري : تفسير الطبري 3 / 315 ، ط بيروت.
2 ـ السيوطي : الدر المنثور 6 / 379 ، ط بيروت.
وقد تعددت الالفاظ في ذكر سبب نزول هذه الآية والدالة على تخصيص التشيع بالموالين ، والمشايعين لعلي ابن أبي طالبعليهالسلام وكان من بين الأشخاص الذين عرفوا بهذا الإسم من خيرة الصحابة وهم أبو ذر ، وعمار ومقداد ، وسلمان الفارسي.
فالمرحلة التأسيسية للتشيع لم تكن شيئاً مفصولا عن مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية التي باشرها الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم . إذ نلاحظ أن أول عمل قام به الرسول خلال الدعوة السرية هو ربط الإسلام بالإمام عليعليهالسلام ، وكان ذلك في حديث الدار حيث جعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم علياً وصياً له وخليفة من بعده.
ومن المحال عادة أن يعيّن قائد نهضة أحد أصحابه ووزيراً وخليفة له ويعلنه على الملأ فيما يبقى الأمر مخفياً على الخلص من أنصاره والثلة المضحية(1) . إذن طرح الإسلام كان مربوطاً بشخص ، وإظهار مكانته حتى يتم الإرتباط به من طرف عموم المسلمين.
والمواقع متعددة لإثبات مكانته من الدار إلى الغدير ، لذلك نرى أول ما عمله هؤلاء الأشخاص هو الاعتراض على بيعة أبي بكر ، والاجتماع في منزل فاطمةعليهاالسلام ، وهذا الرفض لم يكن وليد صدفة أو اللحظة ذاتها ، لأنه لمجرد الانتهاء من تغسيل الرسول ودفنه احتجوا
__________________
1 ـ السيد محمد حسين الطباطبائي مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي ص 208 تعريب خالد توفيق.
على المنفذين لهذا الامر ـ أي البيعة ـ ، وهذا دليل على أن هناك أرضية مشتركة يعملون من خلالها ، فيصير مصطلح الشيعة إذن هم اولئك الذين يشايعون علياً وأولاده باعتبار أنهم خلفاء الرسول وأئمة الناس بعده ، نصبهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لهذا المقام بأمر من الله سبحانه وتعالى وذكر أسمائهم. وقد قال الامام عليعليهالسلام في هذا المقام : ( لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً. هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة ).
فلهذا لايصح ربط التشيع بحالات متأخرة عن التشريع الإلهي والزمن النبوي المبارك ، ونعود هنا إلى نقطة سابقة وهي قولنا في الاختلاف في تحديد تاريخ التشيع بأنه ينم عن شيء مخزون في نفوس المؤرخين ، فهم يحاولون سلب مشروعية التشيع ، في حين هم غافلين بأن السنة والجماعة هي وليدة حالة السيطرة لمعاوية ومحاولته أدلجة المجتمع الإسلامي في قالب خاضع له فسمي عامه عام الجماعة وخلقت أحاديث كثيرة تستعمل هذا المصطلح كلفظ نبوي ، حتى يكتسب شرعيته الدينية ، والتاريخية علماً أن التحقيق التاريخي يثبت أنه من المصطلحات المتأخرة عن أيام حياة النبوي ، مما يفقدها هذه الشرعية ، ويبقى المنافس القوي لهذه المدرسة هو التشيع وذلك للشرعية التاريخية والدينية التي اكتسبها من أيام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
إذن يبقى التخلص من هذه الفكرة هو التشويش على أصلها حتى تصير صعبة الاستقبال من طرف الناس ، وتظل مدرسة بني أمية هي المكتسبة لهذه الشرعية المحرفة التي تبلورت لها من قبل السلطة والمال وعلماء السوء.
مذهب وعلماء
لقد أخذ بعض الناس عن المذهب الشيعي هذه النظرة بأنّه فقط مذهب للمعارضة السياسية ، والمطالبة بإزالة الأنظمة السياسية التي توالت على الدولة الإسلامية عقب حرمان آل البيتعليهمالسلام من حقهم الطبيعي. ولم ينظر إليه على أنه ذلك المذهب الذي استطاع أن يصمد طيلة هذه المدة الطويلة ، رغم الاضطهاد والقمع التي تعرض لها في حين أن أغلب الطوائف الاُخرى قد انقرضت واضمحلت.
وان هذه المقاومة الثابتة لمذهب آل البيت طيلة هذه القرون يُعبِّر عن امتلاكه قوة ومناعة ذاتية جعلته يصمد ازاء محاولات الاطاحة من قبل خصومه ، ولم يكن ذلك من قبيل العبث لكن هو راجع لاتباع هذه المدرسة التي لم يقف شريانها العلمي ، والمعرفي عن النبض. فكانوا السباقين إلى مختلف العلوم وأصحاب السبق فيها ، فأبدعوا في الفقه والحديث واللغة ، وكانت لهم السابقة في الفلسفة وعلم الكلام ، فكان الشيعة خير من حافظ على بيضة الإسلام المعرفية ، وأول من واجه الأفكار الدخيلة ، وإذا ما حاولنا استعمال النقد النزيه والتجرد من الذاتية فإننا نرى ان طائفة العامة مليئة بنوع من الافكار الشاذة في العقائد
وخصوصاً فيما يتعلق بالتوحيد المرتبط بالله سبحانه وتعالى ، وما لاحقه من التجسيم والتشبيه والذي هو مأخوذ خصوصاً من العقائد الأخرى كاليهودية أو المسيحية لكن التشيع حاول منذ الوهلة الاولى ، ولأرتباطه بآل البيتعليهمالسلام أن يحافظ على العقائد الإسلامية الخالصة. ومن هذا المنطلق حاول الشيعة ضبط اللغة التي أنزل بها الدين الاسلامي. فكان إبداع الشيعة فيها إبداعاً منفرداً لا زالت أسسه لحد اليوم قائمة ويرجع إليها كل علماء اللغة. والجدير ذكره هو أن نهج البلاغة للامام علي يعتبر المرجع المعرفي في ضبط المعارف من قواعد ، وفلسفة ، وكلام ، ولا زال هذا الموروث المعرفي يعبر لحد هذا الوقت عن بحر أذهل الدارسين ، رغم تشكيك المشككين في نسبته للامام علي إلا أن متانته وتناسقه الأدبي والعلمي والفلسفي يلزم المعارضين الإذعان له والاعتراف بحقيقته ، وذلك لبلاغته العجيبة وحكمته البليغة ، ونرى ذلك في كل خطبة والتي تمثل هذه الخطبة إحدى نماذج هذه البلاغة والإحاطة بقدرة الله تعالى. يقولعليهالسلام :
( وكان من اقتدار جبروته ، وبديع لطائف صنعته ، أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف ، يبسا جامداً ثم فطر منه أطباقا ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها ، فاستمسكت بامره ، وقامت على حده يحملها الأخضر المتعنجر ، والقمقام المسخر.
قد ذل لأمره ، وأذعن لهيبته ، ووقف الجاري منه لخشيته. وجبل جلاميدها ونشوز متونها واطوادها ، فأرساها في مراسيها وألزمها
قرارتها ، فمضت رؤوسها في الهواء ، ورست أصولها في الماء ، فأنفد جبالها عن سهولها وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها ، فاشهق قلالها ، وأطال انتمازها ، وجعلها للأرض عماداً ، وأرزها فيها أوتاداً فسكنت على حركتها أن تميد بأصلها أو تسيخ بحملها ، أو تزول عن مواضعها فسبحان من أمسكها بعد موجان مياهها ، واجمدها بعد رطوبة أكنافها ; فجعلها كحلقة مهاداً ، وبسطها لهم فراشاً ، فوق بحر لجي راكد لا يجري ، وقائم لا يسري تكر كره الرياح العواصف وتمخضه الغمام الذوارق ، إن في ذلك لعبرة لمن يخشى ).
الشيعة وعلم النحو واللغة
إن الاهتمام باللغة العربية وأصولها ليعتبر خير دليل على حب الإسلام والسعي لخدمته ، وإيصاله إلى الآخرين بطريقة يسهل عليهم استيعابه وفهمه ، لأنه متى تم حصول الإدراك لأساليب اللغة فإن فهم أي سفر يصير ، مسيّرا كما أنّها تصير مفتاحاً له والعكس صحيح ; إذا تم جهل هذه الأساسيات والعلوم لكانت الدراسة صعبة ممتنعة. فقام الشيعة من أجل صيانة هذا الكنز الإسلامي الثمين ، وخصوصاً بعد شيوع اللكن في القرآن فكانت أمس الحاجة إلى ضبط قواعد اللغة(1) . فقام المحبون للإسلام والراغبون في الحفاظ عليه بوضع قواعد نحوية من أجل صيانة القرآن الكريم. وكان أول من قام بذلك هو أبو الأسود
__________________
1 ـ جرجي زيدان تاريخ آداب اللغة العربية : 1 / 219.
الدؤلي بتكليف من أمير المؤمنين عليعليهالسلام . وكان أبو الاسود الدؤلي من التابعين صاحب عليا وشهد معه صفين ثم أقام في البصرة ، وفي مسألة أهتمامه بالنحو والعمل على ضبط قواعده يُحكي عن أبو سلامة الشامي النحوي : أن علياً دخل عليه أبو الاسود الدؤلي يوماً ، قال فرأيته مفكراً فقلت له : مالي أراك مفكراً يا أمير المؤمنين؟ قال إني سمعت من بعض الناس لحنا وقد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب ، فقلت : إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك ، فألقى اليّ صحيفة فيها؟ الكلام كله إسم وفعل وحرف فالإسم مادل على المسمى ، والفعل مادل على حركة المسمى ، والحرف ما أنبأ عن معنى وليس بإسم ولا فعل ـ وجعل يزيد على ذلك زيادات : قال واستأذنته أن أضع في النحو ما صنع ، فأذن وأتيته به فزاد فيه ونقص.
وفي رواية أنه ألقى إليه الصحيفة وقال له : انح نحو هذا فلهذا سمي النحو نحواً(1) . وقد زاد ابو الأسود الدؤلي على هذا فابتكر كل الآليات اللغوية التي تعطي للنحو علماً متكاملا حتى يصير سهلا إذ قام بإكمالها وضبطها وبتمييز المنصوب عن المرفوع والاسم من الفعل بعلامات نسميها الاعراب.
ولم يقف الحد عند أبو الأسود الدؤلي ، بل استمر التيار الشيعي في
__________________
1 ـ حسن الصدر تأسيس الشيعة ص 51 عن بحوث في الملل والنحل : 6 / 532 ، وابن النديم : الفهرست 66 نقلا عن المصدر السابق.
تطوير هذا العلم فبرز خليل بن احمد الفراهيدي ، وأبدع في هذا الفن. قال أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي : والخليل بن احمد الفراهيدي أوحد العصر وفريد الدهر ، وجهبذ الأمة وأستاذ أهل الفطنة الذي لم ير نظيره ولا عرف في الدنيا عديله ، ومد أطنابه وسبب علله وفتق معانيه وأوضح الحجاج(1) .
كما كان الخليل بن احمد مبدع في علوم اللغة العربية والتي يقصد بها الاشتغال بألفاظ اللغة من حيث أصولها ، واشتقاقها ومعناها ، حيث كان سيد أهل الأدب وأسبق العرب إلى العرب إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على حروف المعجم ، إذ ألف في هذا المجال كتاب العين الذي يحوي فيه كل ما كان معروفاً في أيامه من ألفاظ اللغة وآدابها ، وأما ارتباطه المذهبي فقد كان شيعياً إمامياً وقد ألف كتاباً في الإمامة اورده بتمامه محمد بن جعفر المراغي في كتابه واستدرك عليه مالم يذكره واسماه الخليلي.
وقد قال النجاشي محمد بن جعفر بن محمد ابو الفتح الهمداني الوادعي المعروف بالمراغي كان يتعاطى الكلام ، له كتاب مختار الأخبار كتاب الخليلي في الإمامة وكتاب ذكر المجاز من القرآن(2) . وهذا دليل واضح على كون الفراهيدي احد المتشايعين لآل البيتعليهمالسلام .
__________________
1 ـ جعفر السبحاني في الملل والنحل 6 / 522.
2 ـ النجاشي ، الرجال : 2 / 318.
وقد قال العلامة الحلي في الخلاصة القسم الأول 67 : كان الخليل بن أحمد الفراهيدي أفضل الناس في الأدب ، وقوله حجة فيه واخترع علم العروض وفضله أشهر من أن يذكر ، وكان إمامي المذهب.
وقال ابن داوود : الخليل بن أحمد شيخ الناس في علوم الأدب ، فضله وزهده أشهر من أن يخفى ، كان إمامي المذهب(1) .
وهكذا كان التشيع يساير تطور اللغة ويسهر على تطويرها من أجل خدمة هذا المذهب الذى حاول المؤرخون جعله حالة شاذة داخل المجتمع نظرا لتعارض وجهات النظر بينه وبين السلطة الحاكمة. لكن من العيب جدا وفي ظل التحقيق التاريخي أن يخرج من دائرة الفكر الإسلامي من أجل إرضاء النزوات المذهبية المتعصبة ، والذي يلاحظ خصوصاً مع كاتبنا محمد عابد الجابري ، فإن كان الفكر المتحجر وقف ضد هذه الحركة الفكرية فكذلك كان جزاء العلماء الشيعة وقتلهم لم يطل فقط الخارجين بالسيف كزيد بن محمد الباقرعليهالسلام ، بل تعداه إلى علماء اللغة أيضاً ، وابن السكيت أحد ضحايا العنف السلطاني الذي لاحق العلماء الموالين لآل البيت ، فقد كان يعقوب بن جعفر السكيت أحد جهابذة اللغة وله كتب عديدة من بينها « إصلاح المنطق » ، كتاب « الألفاظ » ، كتاب « ما اتفق لفظه ، واختلف معناه » ، كتاب « الاضداد » ، كتاب « المذكر والمؤنث » ، كتاب « المقصور
__________________
1 ـ جعفر السبحاني بحوث في الملل والنحل : 6 / 539.
والممدود »(1) وقد كان سبب قتله حبه لآل البيت حيث قتله المتوكل ، وسبب قتله أن المتوكل سأله يوماً وهو يعلّم ابنيه وقال : يا يعقوب أيهما أحب إليك ، إبناي هذان ، أم الحسن والحسين؟ فأجابه : إن قنبراً خادم علي خير منك ومن ابنيك. فأمر المتوكل فسلوا لسانه من قفاه فمات ، وقد خلف بضعة وعشرين أثراً في النحو واللغة والشعر استشهد سنة 244(2) .
وتاريخ الشيعة في الفن والأدب لم يقف عند هذا الحد ، وعند هؤلاء العلماء ، فلقد أبدعوا في الشعر وعلم العروض وبرز علماء جهابذة حصنوا اللغة العربية ودافعوا عليها بتمتين قواعدها حتى تصير في متناول الدارسين للموروث الإسلامي المقدس ألا وهو كتاب الله تعالى ، فسايروا بذلك التطور التاريخي ولعبوا في تاريخ اللغة والنحو والفنون دوراً مهماً وبارزاً ، لا يخفى أثره حتى ولو حاول المعارضون أن يقفوا ضدهم ، لأن مسألة العلم شيئاً يستحسنه العقل البشري ويتقبله ، رغم ما يمكن أن تعمل السلطات وعملاء التحريف والتزوير التاريخي. ولم يقف الحد عند اللغة وفنونها بل تعداه إلى مجالات متعددة من فقه وفلسفة وخصوصاً هذه الأخيرة حيث كان للشيعة اليد الطولى في بلورة الفلسفة الإسلامية وتطويرها.
__________________
1 ـ النجاشي الرجال : 1 / 272.
2 ـ جرجي زيدان تاريخ آداب اللغة : 1 / 424.
الشيعة : الفلسفة وعلم الكلام
إن الفتوحات التي قام بها المسلمون في المناطق الخارجة عن شبه الجزيرة العربية والتي كانت تعيش قبل ذلك في ظل حضارات قديمة كانت تمتلك قدرة معرفية قوية جداً ، وكانت إشكالاتها المطروحة على صعيد المعرفة الدينية أيضاً قوية ، نظراً لامتزاجها بالمعارف المأخوذة من الثقافات الفلسفية الموجود هناك ، منها المشائية ( الارسطية ) ، العرفانية ( الافلوطونية ). مما اضطر الفكر الإسلامي أن يدخل مجال معرفي آخر خارج عن إطار الحديث والفقه والاستدلال الظاهري إلى حقل معارف جديدة ليتمكن بها من مواجهة هذه التيارات المدعومة ابستمولوجيا بمدارس فكرية. فكانت ضرورة علم الكلام والفلسفة ملحة. لكن الجدير ذكره هو أن علم الكلام كحالة استدلالية ومعرفية قد سبقت الفلسفة للظهور ليُعبر من خلاله على طبيعة المذهب الكلامي ، وكذلك التعبير بشكل أوضح عن أسسه ومعتقداته ، فكانت بذلك مجالات علم الكلام محددة ومرتبطة بمجموعة من الإشكالات التي تطرح على الفكر الإسلامي ، فكان لزاماً إيجاد مخرج لها في مواجهة جميع الافكار الدخيلة والمنافسة ، فكان علماء الكلام الشيعة من المدافعين عن حقيقة هذا الدين والعاملين على تخليصه من الشوائب التي يمكن أن تدخل في المعتقدات التي تلقاها الإسلام إبان الفتوحات.
فبرز علماء كثيرون لصد هجمات الخصوم وتبيين الأفكار الإسلامية الخالصة وكان من أشهرهم هشام بن الحكم وقد كان من تلامذة الإمام
الصادقعليهالسلام وقد قال فيه ابن النديم : هو من متكلمي الشيعة الإمامية ، وبطانتهم ، وممن دعا له الصادقعليهالسلام فقال أقول لك ما قال رسول الله لحسان : لا تزال مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. وهو الذي فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب وسهل طريق الحجاج فيه ، وكان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب(1) .
وقد قال عنه أحمد أمين : أنه كان أكبر شخصية شيعية في الكلام وكان قوي الحجة ، ناظر المعتزلة وناظروه ، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرقة تدل على حضور بديهته. وقوة حججه(2) . وقد كان غزير العطاء فذكر له النجاشي صاحب الرجال تصانيف عديدة تهتم بأهم القضايا الكلامية منها :
1 ـ التوحيد.
2 ـ الرد على ارسطا طاليس في التوحيد.
3 ـ الشيخ والغلام في التوحيد.
وأخرى في طرح الإمامة والنظرية الشرعية للامامة ومنها :
1 ـ الوصية والرد على منكريها.
2 ـ المجالس في الإمامة.
3 ـ الإمامة.
وكتب اُخرى اهتمت بالردود على الاتجاهات المخالفة وكان
__________________
1 ـ ابن النديم : الفهرست ص 257.
2 ـ جعفر السبحاني بحوث في الملل والنحل : 6 / 578.
الغرض منها إيصال حقيقة المذهب إلى الآخر. وقد ذكر له الكليني في الكافي مناظرة مع شخص وذلك في حضرة الإمام الصادقعليهالسلام تبيّن مدى إدراكه ، وحسن اُسلوبه في ردع المخالفين وهذا نص كلام هشام ابن الحكم :
... فقال ( أي الإمام الصادقعليهالسلام ) للشامي كلّم هذا الغلام يعني هشام ابن الحكم ، فقال نعم ، فقال لهشام : يا غلام! سلني في إمامة هذا ، فغضب هشام حتى ارتعد ، ثم قال للشامي : يا هذا أربك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم ، فقال الشامي : بل ربي أنظر لخلقه ، قال : ففعل بنظره لهم ماذا؟ قال : أقام لهم حجة ودليلا كي لا يتشتتوا ويختلفوا ، يتألفهم ، ويقيم أودهم ، ويخبرهم بفرض ربهم ، قال : فمن هو؟ قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال هشام فبعد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال الكتاب والسنّة ، قال هشام : فهل نفعنا الكتاب والسنّة في رفع الاختلاف عنها؟ قال الشامي : نعم ، قال : فلم اختلفنا أنا وأنت وصرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك ، قال فسكت الشامي ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام للشامي : مالك لا تتكلم؟ قال الشامي : إن قلت لم نختلف كذبت ، وإن قلت إن الكتاب والسنّة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت ، لأنهما يحتملان الوجوه ، وإن قلت قد اختلفنا وكل واحد منا يدعي الحقّ فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنة. إلاّ أن لي عليه هذه الحجة ، فقال أبو عبد اللهعليهالسلام سله تجده ملياً ، فقال الشامي : يا هذا من أنظر للخلق أربهم أو أنفسهم فقال هشام : ربهم أنظر لهم منهم لأنفسهم ، فقال الشامي : فهل أقام لهم من يجمع لهم
كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقهم من باطلهم؟ قال هشام : في وقت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو الساعة؟ قال الشامي : في وقت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والساعة من؟ فقال هشام : هذا القاعد التي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء والأرض وإنه عن أب عن جد. قال الشامي : فكيف لي أن أعلم ذلك! فقال : سله عما بدا لك(1) .
وقد كان تاريخ التشيع مليئاً بعلماء الكلام الذين أبدعوا في هذا المجال وذلك طيلة الصيرورة التاريخية التي عرفت بروز علم الكلام وعلى امتداد القرون الثلاثة له ، فبرز في القرن الثاني بالإضافة إلى هشام بن الحكم ، زرارة بن اعين وفي القرن الثالث الفضل بن شاذان والحكم بن هشام بن الحكم وإبراهيم بن سليمان المازني اما في القرن الرابع فقد كان الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه والحسن بن علي بن أبي عقيل واسماعيل بن علي بن اعاق(2) .
وهكذا كانت إنطلاقة التفكير العقلاني عند الشيعة الإمامية ابتداء من علم الكلام الذي وجدوا فيه مجالا خصباً لبلورة أفكارهم ولم يكن بعد قد انفتحوا على الفلسفة في حين كان الشيعة الإسماعيليون في أوج عطائهم الفلسفي مع الفارابي وإخوان الصفا وحميد الكرماني وقد كانت قلعة ألموت إحدى مراكز الفلسفة الإسماعيلية لكنها اندكت بالهجوم المغولي عليها. لكن الخصوصية المعرفية للفلسفة ، وهي المعرفة الدقيقة
__________________
1 ـ الكليني ، الكافي : 1 / 172.
2 ـ للمزيد من المعلومات يراجع بحوث في الملل والنحل ج6.
لأسرار الوجود من أجل السيطرة على العالم الموضوعي ومن ثم السيطرة على قوانينه من أجل تغييره ، جعلت الشيعة الإمامية تدخل معترك الفلسفة وقد دشنت هذا الانتقال المعرفي مع الخواجة نصير الدين الطوسي لينقل العقل الامامي من الجدال الكلامي إلى التأمل الفلسفي وكانت ـ الإمامية ـ بعد ذلك الوريث للفلسفة الإسماعيلية فطورتها بما يوافق خصوصية المذهب الاثني عشري.
فبعد القطيعة التي عاشتها الفلسفة بنوعيها قبل بروز الإمامية الاثنا عشرية والتي تمثلت بالمشائية الأرسطية والعرفانية الافلوطينية جاء الشيعة الإماميون ليقوموا بتركيب نمط فلسفي جديد جمع الخطين الفلسفيين بالإضافة إلى مذاهب المتكلمين وقد عرفت تطورها الكلي مع الملا صدرا الشيرازي وكان التاريخ الفلسفي الإمامي مليئاً منذ انطلاق الشرارة الاولى بفلاسفة كبار منهم السهروردي ، وحيدر آملي ، والشيخ زين الدين الإحسائي ، وميرداماد ، وملا هادي السبزاوي بالإضافة إلى شيخ الطائفة الكبير الشيخ المفيد ، والعلامة الحلي ، والرازي.
ولقد كانت المدرسة الفلسفية الإمامية مميزة عن مثيلتها في الفكر الإسلامي بحيث أن أغلبها اكتسى طابع المحاكاة للفلسفات اليونانية القديمة وبالتحديد النمطين السابقي الذكر. مما لم يعطها استقلاليتها المعرفية الكاملة. وقد بلغت الفلسفة الإمامية أوجها مع الملا صدرا الشيرازي بحيث صار الفارق الجوهري بين الفلسفتين فارقاً يتحدد
بالموقف الانطلوجي الواضح من إشكاليتي الوجود والماهية او حقيقة أصالة إحديهما(1) . وكما كان علم الكلام هو للدفاع عن الإسلام وأصوله جاءت الفلسفة لتعطي المعنى الحقيقي للإسلام ، والطريق الامثل للوصول إلى هذه الحقيقة المتعالية ، عن طريق التحقيق والتدقيق والتتبع ونفي التقليد والتحجر. إذ أن معرفة الله تعالى وعلم المعاد وعلم طريق الآخرة ليس المراد بها الاعتقاد الذي تلقاه العامي او الفقيه وراثة وتلقنا. فإن المشغوف بالتقليد والجمود على الصورة لم ينفتح له طريق الحقائق كما ينفتح للكرام الإلهيين(2) .
ولم تكن فقط الطريقة العرفانية هي الطريق الأمثل عند الملا صدرا للوصول إلى معرفة الحقيقة بل التدقيق النظري اي تحقيق التكامل الذاتي للإنسان مابين الجانب العرفاني فيه وكذلك الجانب العقلاني بحيث يحصل التوافق بين ما يمثل الجانب الحسي الروحي والمادي العقلي فإذا كان النص السابق مربوط بالالهيين او الروحانيين عن طريق المعرفة الروحية العرفانية فإن استكمال النفس الإنسانية بمعرفة حقائق الموجودات على ماهي عليها والحكم بوجودها تحقيقاً بالبراهين لا آخذاً بالظن او التقليد ، بقدر الوسع الإنساني ، وإن شئت قلت نظم العالم نظماً عقلياً على حساب الطاقة البشرية(3) .
__________________
1 ـ ادريس هاني ، محنة التراث الآخر ص 261.
2 ـ ملا صدرا ، الأسفار : 1 / 11.
3 ـ المصدر السابق : 1 / 20.
وبهذا تكون الفلسفة الإمامية قد حققت قفزة نوعية على مستوى الإدراك الفلسفي بتطوير هذه الفلسفة وجمعها بين نمطين كان إلى زمن بعيد منفصلين وهما المعرفة بالذوق والمشاهدة او ما تعارف عليها بالمعرفة العرفانية هي استعمال الذوق الروحي في الوصول الى الحقائق كما هو ملاحظ عند محيي الدين ابن عربي بحيث يكتفي إلى الذوق لا الاستدلال وأما الاستدلال العقلي كطريقة لتثبيت ما وصلت إليه الروح من معرفة فقد كان الملا صدرا المبدع الأكبر لهذه المدرسة وهذا ما غفل عنه المؤرخون ودارسوا العلوم الفلسفية الذين حسروا الفلسفة وانهوا تاريخها مع ابن رشد والذي لا يمثل إلاّ حالة متقادمة من الفلسفة المشائية التي لم تأتي بجديد للفلسفة باستثناء شروحات ارسطو طاليس ولم تكن شيئاً مميزاً عكس ما كان مع الفلسفة الإمامية.
وعلى كل حال فإن التاريخ العلمي للشيعة لم يقف عند حد اللغة والنحو وعلم الكلام والفلسفة بل تعداه إلى مختلف ضروب المعرفة فكانوا على طول التاريخ من المساهمين في بناء الصرح المعرفي للثقافة الإسلامية وكانت دوافع الرغبة الدينية هي التي تدفع بالشيعة للدخول في هذا المضمار من أجل ايضاح الوجه الحقيقي للإسلام لا يثنيهم عن ذلك ظلم الطغمة السياسية الحاكمة بل كان الهم المعرفي هو الدافع الاسمي لهم رغم تجاهل المؤرخ والذي هو في أصله الناطق الرسمي باسم السلطان ، والذي ترك أثره في بعض المتعاطين للتاريخ فحاولوا تحجيم البعد العلمي والمعرفي للشيعة وحصره في حركة
سياسية ذات بعد سلطوي ، لكن الحقائق التاريخية استطاعت أن تهدم كل ما حاول السلطان بناءه واستطاع المذهب الشيعي عبر خوضه لجميع المعارف الإسلامية أن يحافظ على استمراريته ، والتي لم تكن تلك الاستمرارية المتجمدة والتي حجرت حركتها الفقهية ووقفتها في القرن الثالث الهجري أو معارفها الفلسفية بربطها بنهاية لا معرفية مع ابن رشد ، بحيث ركب في ذهن البعض انتهاء الفلسفة مع نهاية ابن رشد.
في حين في الطرف المقابل لا زالت الحركة الاجتهادية الفقهية مسترسلة عبر نظام المرجعية رغم غيبة الإمام الثاني عشر تساير من خلالها التطورات التي يعرفها العصر كما أن الإبداع الفلسفي لا زال يعرف طريقه داخل المجامع العلمية الشيعية والحوارات وخير مثال على هذا الإبداع هو الظهور في الآونة الأخيرة لما يسمى علم الكلام الجديد للإجابة على الإشكالات الجديدة التي طرحها العصر الحاضر ويرى الإسلام ضرورة الإجابة عنها. ويكون بذلك التاريخ الثقافي والعلمي للتشيع هو تاريخ مسايرة الأحداث والوقائع ، ومسايرة تطور الزمن الذي يفرض في كل لحظة اشكالات جديدة تجعل الإسلام في إجابته عليها يعبر عن صلاحيته لجميع الأزمنة وأنه غير مرتبط بفترة زمنية محددة. قاضياً بذلك على التحجّر الفقهي الذي أنشأه التاريخ السلطاني.
الفصل السادس
النظام السياسي
نظرية الولاية في الفكر السياسي الاسلامي
إن الإنطلاقة الفعلية للفكر الإسلامي بـاعتباره الأرضية التـي تتفاعل حوله الرسـالـة ، يـبـتـدأ بالبناء المنهجي لآلـيـاتـه وذلـك بـتـحـديد الإطار الـمـرجـعـي الذي يمكن أن يعطي نـقـطة البدء ويحدد المفهوم الحقيقي لها المؤلف |
الفكر السياسي الاوروبي
لقد عاش الإنسان منذ وجوده على سطح الأرض إشكالية الصراع بين الأفراد خصوصاً خلال مرحلة غياب السلطة السياسية. فكان الهدف بالنسبة له هو الوصول إلى طريقة يستطيع من خلالها خلق نظام سياسي يمكن المجتمع البشري من الاستقرار. وفي ظل هذا عاش المجتمع الأوربي هذه الإشكالية وعاش في كل لحظة مرارة التحوّل من نظام كانت السلطة مطلقة إلى نظام برزت فيه الحريات وقد توالت على أوربا أنظمة سياسية متعددة ومتنوعة حيث ميّزت كل مرحلة طبيعة الثقافة السائدة والتي أثرت بخصوصيتها على النظام السياسي المقتبس ، إذ عرفت أوربا خلال المراحل السابقة أساليب متنوعة لممارسة السلطة والعلاقة بين الشعب والحاكم.
لقد كان نظام القانون الإلهي من أشهر الأنظمة السياسية التي ألقت بظلالها على أوربا ، وظلت مدة طويلة وهي متسلطة على الشعب الاوروبي حتى انطلقت الثورة الفرنسية ; والتي أثرت على كل أوربا ، وقد كانت مرتبطة بالأفكار التحررية والتي برزت مع فولتير وجان جاك روسو أو بدأت تتردد بين الأوساط السياسية آنذاك رداً على سيطرة الكنيسة.
إن نظرية الحق الإلهي هي نظرية الحكم المطلق والمرتبط بالشرعية الدينية ، إذ التقت الكنيسة ممثلة في شخص الرهبان والنظام السياسي الحاكم الممثل في القياصرة والملوك ، وخلال تلك المرحلة عاشت أوربا أسوأ أيامها ، حيث كان الحاكم يعتبر الحاكم المطلق ، والنائب عن الله. وكانت الكنيسة تسانده. فكانت حرية التصرف المطلق للحاكم. واستدرج الشعب إلى استعباد غير معلن ، وكذلك ادخل في سذاجة تستخف بالعقول البشرية ، وقد كانت صكوك الغفران إحدى نماذج هذا الاستخفاف والاستهجان بالشعب ، فتوفرت بذلك للنظام الحاكم الشرعية الدينية والتي أصبغوه بها الرهبان باعتبار الحاكم هو خليفة الله في الأرض ، فتوفرت له بذلك السلطة المطلقة والاستعباد التام للشعب فأفرغ هذا الأخير من مضمون وجوده المتمثل في تحقيق المعنى الذاتي له. وانتفت الغاية من وجود نظام سياسي على هذا المثيل والذي اتحدت فيه القوة الدينية المتخلفة والممثلة بالرهبان والكنيسة ونظام الحكم القائم ، فقامت على أثر هذه الأوضاع المزرية التي كانت تعيشها أوربا آنذاك حركات إصلاحية عرفت بحركة الإصلاح الديني وقد كان مارتن لوتر أحد متزعمي هذه الحركة الإصلاحية وبداية ظهور البذور الاولى للكنيسة البروتيستانتية. وبعدها تزايدت الثورات ضد الكنيسة ومفاهيمها فبعد مارتن لوتر. ظهر يوحنا كلفان والذي اعطى ظهور الكنيسة الكلفانية وبعدها الكنيسة الانجلكانية في بريطانيا.
إن هذه الثورات لم تقتصر فقط على جانب الإصلاح الديني بحيث
لم يكن وحده كافياً لأحداث ثورة سياسية في المنطقة بل برزت الحركات الإصلاحية الفكرية والتي أعطت الانبعاث لأوربا.
لقد أعطى ذلك الاستبداد المطلق للسلطة في غياب الممارسة الفعلية للشعب لتحديد مصيره وترك الصلاحيات بيد الكنيسة إلى ظهور نظرية العقد الاجتماعي ، وكان أول من طرح هذه النظرية هو هوبز.
ونظرية التعاقد في مضمونها هو الاتفاق بين كل مكونات المجتمع ، والتعاقد على المصير السياسي لهم في انتخاب الحاكم أي الوصول إلى سلطة سياسية تخرج المجتمع من حالات الفوضى التي يعيش فيها وكذلك من حالات الاستبداد السياسي المطلق.
إن هوبز يرى أن العقد الذي يتم بين أفراد الجماعة ، لا يدخل فيه الفرد الذي اختاروه رئيساً لهم ، ونصبوه ملكاً عليهم فالتعاقد تم بين جميع أفراد الجماعة باستثناء فرد واحد هو الرئيس الذي وقع عليه الاختيار. ويقول هوبز : أن الأفراد تنازلوا لرئيسهم عن كل حقوقهم ، فله أن يتصرف فيها بلا قيد او شرط ، ونظراً لأنه ليس طرفاً في العقد فسلطته مطلقة ولا يعتبر مسؤولا أمام الأفراد ، بل يجب أن تقابل تصرفاته بالخضوع والطاعة(1) .
إن الخلاصة العامة لفكر هويز هي الانصياع المطلق لفرد واحد الذي
__________________
1 ـ توفيق السيف ، ضد الاستبداد الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة ص 202 ، ط1 ، 1999 ، المركز الثقافي العربي.
هو نتيجة التعاقد بين أفراد المجتمع وتسليم الرقاب وكل السلطات له ، والهدف منه هو الحفاظ على سلامة الناس عن طريق ضابط رادع.
وهوبز في الحقيقة لم يخرج أوربا من خلال نظريته من الاستبداد ـ باستثناء التعاقد الذي طرحه ـ ولكن ظلت السلطة مطلقة في يد شخص واحد مما يفتح ذلك باباً جديداً من الاستبداد الذي تغيب فيه سلطة الكنيسة إلى استبداد تظهر فيه سلطة الفرد.
إن هذا الطابع الاستبدادي لنظرية هوبز جعلها تكون محل نقد ، لأنه أخضع الرعايا إخضاعاً مطلقاً لإرادة الحاكم ، ولم يترك لهم أي حق تجاهه(1) . باستثناء التعاقد الذي تم التوافق عليه كحل أمثل لخروج المجتمع من دوامة الاستبداد الذي يعيش فيه.
وكان لجون لوك رأي آخر وهو إحداث سلطة مقيدة. فبعدما أعطى هوبز كل السلطات لشخص واحد من دون مراقبة الشعب له بحيث له حق التصرف ، جاء جان لوك ليجعل هذه السلطة عبارة عن وديعة في يد الحاكم سلمه إياه الشعب ، وله الحق في سحبها منه متى ما تعارضت مصالح الشعب مع مصالح الحاكم وتقوم نظرية لوك في العقد الاجتماعي ، على أن الأفراد لم يتنازلوا في هذا العقد عن جميع حقوقهم ، وإنما عن جزء منها وتمسكوا بالآخر. ويعتبر لوك الحاكم
__________________
1 ـ روبرت ماكيفر ، تكوين الدولة ، ترجمة حسن صعب ص 34 دار العلم للملايين ، بيروت 1966.
جزءاً من العقد ، فإذا أخل بشروطه جاز للأفراد فسخ العقد وعزل الحاكم وقد ارتكزت الثورة الأمريكية على نظرية لوك في العقد الاجتماعي(1) .
إذن تكون نظرية لوك التخفيف من تسلط الفرد لكن سمحت له بصلاحيات ناتجة عن تنازل المجتمع عن بعض حقوقه لصالح فرد معين. لكن ثورة العقد الاجتماعي وشهرته عرفت خصوصاً مع الفرنسي جان جاك روسو حتى ظن البعض أنه مبدع هذه الفكرة ، علماً أن صاحبها هو هوبز ، لكن الحرية المطلقة التي منحها روسو للأشخاص في مقابل الفرد الحاكم جعلت هذه النظرية منسوبة له كما أن كتابه العقد الاجتماعي أخذ شهرة عجيبة في المجال السياسي.
يرى روسو أنه لا يوجد مبرر لخضوع الكائن البشري لغيره ، كما أن التعاقد هو حركة إرادية حرة بين الأفراد ودون ضغط خارجي ، وأما السلطة الشرعية للمجتمع فتتحقق عن طريق اتفاق يقوم على التراضي المتبادل بين أفراد المجتمع ، وأن المجتمع بارتباطه بالعقد يمثل مصادر السلطة العليا وأن الفرد محكوم بالسلطة الجماعية وخاضع لمبدأ العقد المبرم الذي هو نتاج التفاعل الجماعي لانتاجه ، بحيث يصير هذا العقد ملزماً كل فرد بالتنازل عن حقوقه لصالح غيره(2) . لكن رغم هذه
__________________
1 ـ توفيق السيف : ضد الاستبداد الفقه السياسي الشيعي في عصر الغيبة ص 203.
2 ـ انظر العقد الاجتماعي لجان جاك روسو ، ترجمة دوقان فرقوط.
المحاولة الجادة لإخراج المجتمع من فوضى سلطة الاستبداد فإن جان جاك روسو تنبه إلى أمر مهم هو حقيقة هذا التعاقد الجماعي الذي يضمن حقوق الكل ، إذ أن الأمر لا يعدوا أن يكون نوعاً من الاستبداد الجماعي او استبداد الأغلبية إذ لا يمكن أن يتحقق توافق جماعي مائة بالمائة. وبالتالي تصير حالة فئة معينة خاضعة لإرادة الآخرين. لكن السؤال الجوهري هل فعلا استطاع الفكر الحديث أن يجيب على إشكالية السلطة بحيث تتحقق العدالة المطلقة؟ وهل البشر قادر على الوصول إليها؟
قد يخيل للبعض أن الأنظمة الديمقراطية الحالية قد حلت هذا المشكل لكن في واقع الأمر ماهي إلاّ محاولات لتخفيف حدة الظلم السياسي السابق لكن نظام الدولة المقتبس نفسه لم يستجب لهذا المبتغى وقد كانت النظرية الماركسية أكبر صيحة في فشل نظام الدولة الحالية في تسيير أمور الشعب ومعبر أقوى عن استمرارية الظلم البشري. بحيث ترى أن الخلاص الكلي للفرد من التسلط ، هو انتفاء جهاز الدولة والعودة إلى المرحلة المشاعية مروراً بالمرحلة الإشتراكية التي يشارك فيها عموم الشعب في تسير دواليب الحكم.
إن هذه الاهتزازات الفكرية في الفكر السياسي الاوربي تعبر بشكل واضح عن قصور الفرد عن الاستيعاب الكلي لطبائع البشر وإذ أن إرادتهم تبقى في يد بشر من نفس الجنس له نفس الخصائص وهو محاط بالقصور في الفهم الكلي لطبائعهم واحتياجاتهم. وحتى لو أخذنا
الأنظمة السياسية الديمقراطية الحالية أترى هل حققت فعلا طلب الشعب؟
لنفترض انتخابات وقعت في بلد معين وفي هذا البلد ثلاث مرشحين على أقل تقدير. وغالباً ما تكون النتائج على النحو التالي : المرشح الأوّل 40% والمرشح الثاني 35% و المرشح الثالث 25% وبهذا يصير الحق لصالح 40% على حق 60% ، وبهذا تقع السلطة بيد الأقلية لا تحكم الأغلبية. إذن هل حققت الغاية من سيادة الرأي العام وحتى لو كان المرشح الأوّل 55% والثاني 45%(1) فتكون النتيجة اهمال 45% من أصوات الشعب باعتبارهم الخاسرين ، وبهذا يضيع حقهم او يجب عليهم التنازل عن حقهم وهذا من المستحيلات ، وقد حاول الفكر الغربي تجاوزها بإعطائها الشرعية الجماعية او ما اصطلحوا عليها بإرادة الجموع بصورة مجازية(2) ، لكن في حقيقة الأمر تعبر عن الضعف البشري في إيجاد الحل الأمثل لتسيير المجتمع البشري
__________________
1 ـ معلوم أنه في الدور الثاني للإنتخابات حيث يتبارى مرشحين فقط تتدخل المصالح السياسية والذاتية بين المرشحين كما تكون للتحالفات بين الأحزاب الدور الأساسي في تعيين الحاكم وتغيب إرادة الشعب ، مما يجعل النسبة التي أردجناها لها واقعية أي؟؟؟ المخالفة ونضيف إليها الممتنعين عن التصويت مما يفقد هذا النوع من التحاكم شعبيته وبالتالي تغيب الغاية الأصلية من وجوده وهو التعاقد المجتمعي.
2 ـ ثروت بدوي : النظم السياسي ص 31 دار النهضة العربية القاهرة 1972.
والاستجابة لمتطلبات كل الأفراد. ولا زالت أوربا تعيش هذه الاشكالية إلى يومنا هذا رغم ما وصلت إليه من حرية وديمقراطية.
إذن ماهو الحل الحقيقي الذي يمثل كل أفراد المجتمع؟ وهل استطاع الفكر الإسلامي الإجابة على هذا الإشكال؟
الفكر السياسي الإسلامي والآخر
إن استمرار أي نظام سياسي مرتبط بطبيعة الأرضية السياسية أو طبيعة الفكرة التي تعطي الديمومة والحركية له ، وقد تختلف مناهج بقاء الأنظمة وقيامها ووسائل استمرارها ، فبعد الإطلالة التي قمنا بها على المدارس السياسية في أوربا والتي توصلت في الأخير إلى وضع الأمر في يد أفراد المجتمع ، حيث يستطيعون عبر تعاقد جماعي من تحديد طبيعة النظام القائم ، نقوم بإطلالة على الوضع السياسي الإسلامي.
وأما على صعيد مدرسة الفقه السياسي الإسلامي ، فإن مسألة الدولة وتداول السلطة عرفت اختلافاً كبيراً وذلك ناتج عن اختلاف الفرق الإسلامية ووجهة نظرها لهذه المسألة السياسية الحساسة ، ولقد عبر الشهرستاني على كون الحكم في الإسلام من أكثر المسائل التي استلت فيها السيوف وأُريقت فيها الدماء ، والتاريخ الإسلامي خير معبر على ذاك التناحر الحاصل منذ ذلك الوقت ، فمنذ وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وإلى يومنا هذا اختلفت المدارس الفكرية الكلامية حول نظام الحكم في الإسلام.
لكن رغم كثرة آراء الطوائف الكلامية في هذا المجال ، فإن الأمر انحصر في مدرستين ، وذلك بعد انقراض مدرسة الخوارج والتي
اتخذت من شعار الحاكمية لله أساساً لنظريتها ، وجعلت الخروج على الملك الجائر إحدى الطرق للوصول إلى هذا المطلب. لكن الشعار الذي رفعه الخوارج يبقى في مضمونه شعاراً فضفاضاً لا يحتوي على قاعدة أساسية واُصول تشريعية تضمن له الاستمرار. إذ يبقى السؤال الجوهري إذا كانت الحاكمية لله فبأي طريقة تتم هذه الحاكمية؟ إذ تغيب الآليات التي تجعل منه حقيقة واقعية. لأن الأرضية العملية مفقودة إذا لم نقل متعدمة لأنه لا بد من شخص قادر على أن يستوعب طبائع البشر وخصائصهم وحاجاتهم ومتطلباتهم حتى يتمكن من تحقيق هذه الحاكمية الإلهية المطلقة. فكان مآل مدرسة الخوارج كمدرسة سياسية : الانقراض باستثناء بعض البقع الصغيرة التي لا زالت في العالم وخصوصاً في سلطنة عمان والتي تحاول فكرياً أن تندمج مع العالم السني ، بتخليها عن مجموعة من المقومات الفكرية التي قام عليها الخوارج ، وخصوصاً فكرة الخروج على الإمام الجائر.
ويقول أبو الحسن الأشعري في هذا الباب : والأباضية لا ترى اعتراض الناس بالسيف ، لكنهم يرون ازالة ائمة الجور ومنعهم من أن يكونوا أئمة بأي شيء قدروا عليه بالسيف او بغيره(1) .
كان هذا هو الموقف الاول لكن التاريخ غيّر من موقفهم السياسي ، فأصبحوا وجهاً ثانياً للمدرسة السنية حيث يقول يحيى معمر : إن
__________________
1 ـ مقالة الإسلاميين ، الاشعري ص 189.
الإباضية يرون أنه لابد للأمة المسلمة من اقامة دولة ونصب حاكم يتولى تصريف شؤونها ، فإذا ابتليت الأمة بأن كان حاكمها ظالماً ، فإن الإباضية لا يرون وجوب الخروج عليه لا سيما إذا خيف أن يؤدي ذلك إلى فتنة وفساد(1) .
وقد علّق العلامة جعفر السبحاني عن هذا الرأي بقوله : وأظن أن ما كتبه يحيى معمر في هذا الكتاب وفي كتاب « الإباضية في موكب التاريخ هو دعايات وشعارات من أجل التقريب بين الإباضية وسائر الفرق ولا سيما أهل السنة(2) . هكذا أثر التاريخ على نظرية الخوارج التي كما قلنا سابقاً تفتقر إلى رؤية واضحة للإطار السياسي الذي تتحرك فيه ، مما جعلها سريعة الانحلال وبالتالي الاضمحلال.
لكن المدرستين واللتان بقيتا قائمتين إلى يومنا هذا هما مدرسة الخلفاء ، والتي تعتمد في بنائها النظري للنظام السياسي على مبدأ الشورى ومدرسة أهل البيت والتي جعلت من الإمامة هي القاعدة الأساسية للنظام السياسي لها.
الشورى الدلالة والحقيقة
تعتبر الشورى القاعدة الأساسية للنظام السياسي السني ، وهي المنهج المتبع في تحديد الحاكم إذ ترى المدرسة السنية أن الرسول بعد
__________________
1 ـ انظر : جعفر سبحاني : بحوث في الملل والنحل : 5 / 264.
2 ـ المصدر السابق ص 265.
وفاته ترك الأمر لصالح الشعب وله الحق في أن يختار حاكمه وقد استندوا في ذلك إلى مجموعة آيات رأوا أن فيها دلالة على مبدأ التشاور.
قوله تعالى :( فَبِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) [ آل عمران : 159 ].
وقوله تعالى :( فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراض مِنْهُما وَتَشاوُر فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ) [ البقرة : 233 ].
وقوله تعالى :( وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) [ الشورى : 48 ].
ونقف أولا عند المعنى اللغوي لمصطلح التشاور : يقول الراغب : والتشاور والمشاورة والمشورة.
استخراج الرأي بمراجعة البعض إلى البعض من قولهم ; شرت العسل إذا أخذته من موضعه واستخرجته منه(1) .
إذن المسألة تدل على مفهوم مرتبط بعمل جماعي في التشاور حول أمر معين ، لكن السؤال الجوهري هل فيه دلالة كافية للتأصيل لفكرة تداول سلطة؟ إن النظر إلى الآيات الثلاث ، يجعلنا نخرج الآية الأولى من سياق التشاور المرتبط بالنظام السياسي لكون الآية واضحة المعنى
__________________
1 ـ السيد الطباطبائي ، تفسير الميزان : 18 / 63 ، 64.
في كون التشاور هنا علاقة بين المرء وزوجته فتحدد مفهوم الآية وحصرها في حالة أسرية إثر خلاف زوجي. يبقى إذن لدينا الآيتين الثانية والثالثة وإن النظر إلى الآيتين يتم من وجهين الدلالة المعنوية الناتجة عن تفسير الآيتين والدلالة الناتجة عن الأحداث والوقائع التاريخية.
الدلالة الناتجة عن تفسير الآيتين
إن التفسير الجزئي لا يستطيع أن يحوي المعنى العام والدلالة الكلية لمفهوم الآيات الواقعة في سياق معين ، بحيث لا يتم الفصل بين آيتين يتحدثان عن نفس المسألة لأنها تكون ناقصة المعنى إذا كانت منفردة كما أنه يجب حملها إلى وقائع قرآنية أخرى حتى نستطيع استنباط المعنى العام للمضمون الذي تحاول الآيات طرحه ، وهذا ينطبق على الآيات التي بين أيدينا.
إن اللفظ الأول يربط بمشورة النبي بأصحابه. وبالتالي التشاور هو حالة تقوم بين النبي باعتباره ولي المسلمين في وقته وبين عامة المسلمين ، اما اللفظ الثاني فهي الحالة العامة المرتبطة بالمجتمع والملزوم بحالات التشاور بين الناس ، لكن هل التشاور هذا هو انفراد المجتمع وأعضائه دون القائد والموجه؟. إن الربط بين الآيتين يعطينا مصطلحين يتطلبان مفتاح حتى يتم تفاعلهما.
1 ـ الشورى.
2 ـ المتشاورين.
إن الشورى كمنهج والمتشاورين كفاعلين لهذا المنهج لا يمكن أن يحصل بينهما تفاعل تلقائي بحيث يتمكنوا من ممارسة هذا الفعل بطريقة مباشرة ، لأن قدرة الإدراك الفعلي والعاملي تبقى قاصرة وتحتاج إلى موجه ، وفي نفس الوقت مهيج لهذا التفاعل. لأن موضوع التشاور هو حول قضية أو حادثة واقعة في دائرة الشرع الإسلامي ، إذن لزم من شخص ملم بكليات الشريعة بحيث تكون حركة المشاورة قائمة بتوجيه من هذه الشخصية وهنا يرد قوله تعالى :( وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) إذن حلقة التشاور قائمة في دائرة النبوة ويضيف لها قوله تعالى :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ ) وينضاف إلى هذه الحلقة عنصر آخر هم أُولي الأمر.
إن تحقق مبدأ الشورى لا يتم بحالة انفرادية لأفراد المجتمع لاعتبارات القصور عن فهم كليات الشريعة ، لذا يلزم حضور الفاعل الديني لتحريك هذه العملية حتى تسير في الطريق السليم والصحيح. وهذه الشخصية هي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأولى الأمر الذين أكسبوا الدراية الكاملة لعلوم الشريعة والدين.
وتبقى إشارة اخيرة وهي أن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يلتزم بالشورى بل كان يرغبصلىاللهعليهوآلهوسلم في إشراك بعض أفراد المجتمع للإحساس بالمسؤولية في بنائه ، مع العلم أن أغلب المشاورات تمت في الحروب. ودليل عدم الإلزام قوله تعالى :( فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) وهي دلالة على العزم الفردي على أمر معين وجب اتخاذه دون العدول عنه وهذا ما
حدث في معركة أحد حيث كان الامر النهائي للرسول وذلك بعد تجهزه للحرب. كما أن الشورى قد تكون مرتبطة بمسائل بسيطة لا تشمل موارد الحدود الشرعية ولواحقها ، و( وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) لا تخلو عن الإشعار بأن هذين الأمرين إنما هما في ظرف الولاية وتدبير الامور العامة مما يجري فيه المشاورة معهم(1) .
الشورى والدلالة الناتجة عن الأحداث والوقائع
إن أغرب شيء في تاريخ هذا المصطلح هو المطاطية التي اكتسبها بحيث لم يدل على دلالة واحدة ومعينة فأصبح عرضة للتغيرات الزمانية والمكانية. وهذا ناتج عن غياب مفهوم إسلامي حقيقي لهذا المصطلح ، وكما أبرزنا سابقاً أن أرضية علمية خاصة به مغيبة عن الواقع العملي. وضعف هذا الاصطلاح يبدأ من أول وهلة ، ومباشرة بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ كانت الشورى هي الاتفاق الثلاثي الذي وقع في السقيفة والزام الناس بالبيعة ، والتي وقع فيها الهرج والمرج سواءاً داخل السقيفة أو في الخارج حيث البيت الهاشمي ، فكانت هذه البيعة فلتة كما سماها عمر بن الخطاب وقى الله المسلمون شرها ، وهذا دليل على جسامة هذا الامر المرتكب وإلاّ ما سماها عمر فلته ولم يقل من عاد إليها فاقتلوه ، وقد تكاثر اللغط في السقيفة ، وهذا دليل يزيد من كون هذا المفهوم ـ أي الشورى ـ لم يكن وارد كفكرة وكمنهج لتحديد الحاكم.
__________________
1 ـ السيد الطباطبائي ، الميزان : 4 / 56.
فترى سعد بن عبادة يقول مخاطباً الجمع : « فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهطا ، وقد دفت دافة من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يخصوننا من الامر »(1) وهذا دليل على الرفض الأنصاري وخصوصاً التيار الخزرجي لتولي أحد الثلاثة الخلافة ، لكن في الأخير وباستغلال الانقسام الموجود بين الانصار إذ لما رأت قبيلة الأوس ما صنعه بشير بن سعد ، وعلمهم برغبة الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال زعيمهم أسيد بن حضير لئن وليتموها سعدا عليكم ، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ، ولا جعلوا لكم نصيباً فيها أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فقاموا إليه فبايعوه ، وهكذا بايع كل من حضر السقيفة من الأوس والخزرج باستثناء الحباب بن المنذر وسعد بن عبادة(2) .
إذن الواقعة التاريخية تنفي حصول الإجماع ، علماً أن إحدى مقومات الشورى هو الإجماع وخصوصاً أن من بين المعارضين لهذه البيعة من خيرة الصحابة وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام .
ومن الأمور التي ينبغي الوقوف عندها هي محاولة أهل العامة إعطاء الشرعية الدينية لهذه البيعة بقياسها على حادثة الصلاة ، لكن ما حقيقة
__________________
1 ـ صحيح البخاري كتاب المحاربين من أهل الكفر : 8 / 541.
2 ـ المصدر السابق : 8 / 542 وابن قتيبة : 1 / 27.
هذه الصلاة حتى لو ثبتت تاريخياً ، فإن من غرائب الأمور أن التشريع يعتمد عندهم على الكتاب والسنة والإجماع ثم القياس لكن هشاشة الامر في هذه الحادثة هو حصول القياس وذلك بقياس الإمامة العامة على إمامة الصلاة ثم لجؤوا بعد ذلك إلى الإجماع مما يفقد هذه المسألة شرعيتها.
وإذا تمت الشورى لأبي بكر بهذا الشكل فبأي حق تم تعيين عمر من طرف أبي بكر إذ يروي الطبري في تاريخه :
« لما نزل بأبي بكر المرض ، دعا عثمان بن عفان وقال له اكتب بسم الله الرحمن هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين أما بعد ـ فأغمي عليه ـ فكتب عثمان تكملة لما ذكره أبو بكر أما بعد فإني أستخلف عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً ثم أفاق أبو بكر ، وقرأ ما كتبه عثمان فقال : أراك خفت أن يختلف الناس إن اسلمت نفسي في غشيتي قال : نعم ، قال أبو بكر : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله وأقرها أبو بكر من هذا الموضع »(1) .
إذن هكذا كانت الشورى الثانية حيث اختفت فيها كل مقومات التشاور بل هي استبداد في الرأي وإجبار لعموم المسلمين بأمر أقرة الخليفة في حياته آنذاك.
__________________
1 ـ لاحظ كيف خشي أبو بكر من اختلاف الناس بعد وفاته في حين أن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يتنبه لهذا الامر!
والهشاشة التي تعرفها الشورى تظهر فترة بعد فترة فها هو عمر بن الخطاب يصرح ضارباً بعرض المبدأ الذي بنت عليه المدرسة السنية أفكارها حيث يقول : « لو أدركت أبا عبيدة باقيا استخلفته ووليته ، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته ولو ادركت خالد بن الوليد لوليته ، ولو أدركت سالما مولى حذيفة وليته »(1) . وفي هذا ضرب لمبدأ القرشية التي استدلوا بها في السقيفة. ثم ابتكر عمر منهجاً جديداً وغريباً من نوعه في تحديد الخليفة لا يمت بصلة الى المبدأ الذي الزموا به أنفسهم فهذه وصيته قبل وفاته إلى أبي طلحة الأنصاري « أنظر يا أبا طلحة ، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلا من الأنصار حاملي سيوفكم فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الامر وتعجيله ، واجمعهم في بيت وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم ، فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه وان اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما ، وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن فارجع إلى ماقد اتفقت عليه ، فان اصرت الثلاثة الأخرى على خلافها فاضرب أعناقها وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستة ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم »(2) . إلى هذا تمحورت الشورى من طريقة قيل أنها تحتاج إلى
__________________
1 ـ تاريخ الطبري : 2 / 580.
2 ـ ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة : 1 / 92.
اجماع الأمة على أمر معين وخصوصاً أنها مسألة الخلافة إلى حالة نخبوية يصبح فيها السيف وسيلة لإقناع الناس ، إذن على رأي أهل العامة أي شورى نأخذ بها ، الشورى الاولى التي كانت في السقيفة ، أم شورى التعيين الثانية ، أم شورى السيف الثالثة إن القرائن التاريخية تثبت بكل جلاء على أن الشورى لم تكن الاّ ستاراً تختفي به الأطماع السلطوية أو هي حالات تبريرية لعملية الاغتصاب التاريخي لحق آل البيت المشروع.
لكن يا ليت شعري أن الامر توقف عند هذا ، من تداول السلطة ، بل يطل علينا الماوردي بكتابه الأحكام السلطانية والولايات الدينية كأحد نماذج التقنين السياسي لانتقال السلطة وفي تشريعه لم يعتمد فقط على أعمال أيام الخلافة الاولى بل تعداه ليشرعن تداول السلطة من أعمال حكام بني أُمية وبني العباس مما يطرح عملية استفهام كبيرة حول مفهوم الشورى التي اختلقها أهل العامة. فإذا كانت البيعة لا تقوم إلاّ إذا قامت على أسس شرعية. فأين هذه الأسس الشرعية ، علماً أنها لم تكن حاصلة إلاّ بالإكراه أو الإجبار أو المباغتة وعدم الرؤية ، ونعلم أ نّها لا تكون لازمة إلاّ إذا كان لها رصيدها الإلهي وحجيتها. إذن فأين حجية بيعة القوم(1) .
إذن يتضح لنا من خلال الدراسة الموضوعية للنصوص القرآنية
__________________
1 ـ الإمامة والحكومة في الإسلام ، محمد حسين الأنصاري ص 54.
وكذلك التطور التاريخي أن نقول بأنّ هذا المبدأ هو من اجترار الكلام الذي يحاول من خلاله تغطية الفضيحة التاريخية الكبرى التي ارتكبت ، والتي تآلف فيها كل المعاندين والحانقين على آل بيت محمدعليهمالسلام ، وكان أولهم السلطان لهضم حقهم المغتصب ، وإظهارهم بمظهر الإنسان العادي الذي تسري عليه القوانين المختلفة حتى يستتب الأمر لنظام حرم الناس من اللطف الإلهي المخصص لهم ألا وهو الامامة.
الإمامة المجتمع والحقيقة
لا يستطيع أي مجتمع أن يسير دون قيادة روحية وسياسية ، بحيث تضمن له الاستقرار ، ولهذه الغاية ظل الإنسان منذ الأيام الأولى للحياة في البحث عن السبل لإيجاد الحل لهذا المشكل.
وقد لاحظنا كيف تطور مفهوم السلطة في أوربا من القانون الإلهي الذي جعل الحكم بيد الحاكم الذي يعتبر نفسه الممثل المباشر للإله وما الرعية إلاّ عبيد له ، إلى نظرية العقد الاجتماعي والتي عرفت أوجها مع جان جاك روسو ، لكن بقي السؤال الجوهري هل حققت الإرادة العامة لأفراد المجتمع؟
إن المسألة لا تعدو أن تكون اجتهادات بشرية لإخراج المجتمع من مشاكله ومن سيادة النزعة الفردية ، لأن الحياة الجماعية تلزم حصول على حدّ أدنى من التفاهم ، إذ لا يكون بمقدور الإنسان الذي يعيش في إطار حياة جماعية ويتفاعل مع جوانبها المختلفة ، على مستوى بذل الجهود والمشاركة في القرارات ، أن يبقى بعد ذلك حراً طليقاً.
إذن تبقى هذه المبررات هي التي ألزمت الناس أن يصلوا إلى هذا المبدأ ، لكن ماهي قدرة الإنسان على انتخاب الأفضل؟
إن المركب البشري للمجتمع يتكون من شرائح مختلفة ، تختلف قدراتهم ، فمثلا الأطفال والقاصرون محتاجون للرعاية الأبوية ، فكانت سنّة الله تعالى أن جعلهم تحت رعايتهم ـ الآباء ـ باعتبارهم القادرين على تفهم مشاكلهم لمعايشتهم ، واطلاعهم على الجوانب المختلفة من حياتهم ، مما يسهل مأمورية تجسيد أحتياجاتهم ، وهذا تقريباً كلّه مرتبط بالأمور التربوية ، أما داخل المجتمع ، فرغم ما يمكن أن يرتقي إليه الفرد في مداركه ، فإنه لا يمكنه أن يستجيب لكل جوانبه الحياتية ، والاعتماد على إدراكه وشعوره الخاصين ، فلا يكون بمقدوره أن يحقق أهدافه بقدراته الخاصة.
وقد تتسلسل حلقات الاحتياجات الفردية باعتماد الفرد الأول على الثاني والثاني على الثالث ، وهكذا تستمر السلسلة ، ولاعتبار التشابه البشري في الخصائص فإنه لا يمكن أن تحصل على شخص مميز من بينهم بحيث يستطيع أن يفهم كل متطلباتهم ، ومنه يكون المنهج الاختياري الذي طرحته المدارس السياسية هو إحدى أسباب فشل القيادات داخل المجتمع مما أجبر المجتمع الغربي إلى طرح نظرية ( رجل ما فوق )(1) وهذا لإيمانهم العميق بكون الناس في حياتهم يحتاجون إلى شخص جامع لكل الخصائص والقدرات ; تجعله يتصدى لكل ما يخص المجتمع ، لأن المجتمع يحوي بعض المرافق والمنافع
__________________
1 ـ super - man
التي لا ترتبط بشخص أو مركز أو جهة معينة ، وليس لها من يتصدى لها على وجه التعيين ، مثل الأوقاف ونظائرها.
كما أن التاريخ ـ أي : تاريخ الإنسانية ـ يؤكد أنّ كلّ مجتمع يحتاج في بقائه واستمراره إلى شخص أو مركز ( سلطة ) يتحليان بارادة وإدراك تفوق إرادة الآخرين وادراكهم(1) ـ وهذا ما اصطلح عليه الغرب كما ذكرنا سابقاً الرجل ما فوق ـ Super man ) ـ مما يبرز حاجيات الأفراد النفسية لهذا الشخص ، وهذه حالة طبيعية في الإنسان ، فإن من فطرة الإنسان الانبهار بالأقوى والانصياع له واعتباره قدوة ، وفي أيامنا الحالية نلاحظ أنها متجلية بشكل كبير بحيث ترى الأشخاص منبهرين بممثل أو لاعب كرة القدم أو مغني ، رغم أن إبداعهم جاء في مجال معين ومحدد ، لكن الرغبة الدفينة تبقى قائمة(2) .
فكيف تصدى الإسلام إلى هذه الفكرة؟ خصوصاً بعد ما رأينا سابقاً أن منهج الشورى يبقى منهج سرابي يفتقد العلمية والاستمرارية ويفتقر إلى القاعدة الفكرية المتينة.
فهل الإمامة منصب إلهي أم بشري؟
الامامة والقرآن
قال الله تعالى في كتابه العزيز :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ
__________________
1 ـ السيد محمد حسين الطباطبائي ، مقالات تأسيسية ص 157.
2 ـ للمزيد من الإطلاع على هذه الفكرة راجع : الأُمة والإمامة ، علي شريعتي.
مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ ) (1) .
وقال تعالى( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) (2) .
إن الآيتين الكريمتين تحويان في طياتهما مجموعة من الرموز والتي تبين وضع الحاكم بالمنظور الإلهي.
إن الاحتياج القائم في المجتمع الإسرائيلي وهم مقبلين على الحرب جعلتهم يلحّون على نبيهم أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون فيه ، إنّ الدلالة في هذه الآية تبيّن على أن أمر السلطة في المجتمع الديني لم يكن بيد الناس ، إذ لو كان بيدهم لما لجؤوا لطلب السؤال من نبيهم ، وبهذا يكون الأمر خارجاً عن الأمر البشري ، وإنما هو أمر مرتبط بالدين وبالتالي بالله تعالى ، إذ يتبين أن هذا الأمر الإلهي 100% ويتضح أنه خارج عن إرادة النبي باعتباره الموجه الديني في قوله تعالى على لسان النبي :( إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) (3) ، ومن هذا السياق يتضح الأمر الحقيقي لمسألة خلافة الناس وحكمهم بكونه مسألة خارجة عن إرادة الشعب ، لذلك لم يتجرّأوا على انتخاب واحد منهم ، بل وكّلوا الأمر إلى نبيهم الذي لم يكن نفسه قادراً على تحديد شخصية من تلقاء نفسه ، وإنما احتاج في ذلك إلى أمر الهي ، فجاء قول الله تعالى باختيار طالوت ملكا ، ورغم اعتراضهم فإن الله تعالى حدد المميزات التي جعلته
__________________
1 ـ البقرة : 246.
2 ـ البقرة : 247.
3 ـ البقرة : 247.
يتصدى لهذا المنصب ، ألا وهما العلم والقوة( وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ) (1) ، وهما أمران لازمان لاستقرار المجتمع ، إذ أن الملك هو استقرار السلطة على مجتمع من الناس حيث كان الغرض الوحيد منه أن تتلاءم الإرادات المتفرقة من الناس وتجتمع تحت إرادة واحدة وتتحدد الازمة باتصالها بزمام واحد فيسير بذلك كل فرد من غير حق ، ولا يتأخر فرد في غير حق.
وبالجملة الغرض من الملك أن يدبر صاحبه المجتمع تدبيراً يوصل كل فرد من أفراده إلى كماله اللائق به ، ويدفع كل ما يمانع ذلك.
والذي يلزم وجوده في نيل هذا المطلوب أمران :
أحدهما : العلم بجميع مصالح حياة الناس ومفاسدها.
وثانيها : القدرة الجسمية على إجراء ما يراه من مصالح المملكة(2) .
إذن والواضح من خلال النص القرآني أن مسألة الحكم خارجة عن إرادة المحكومين ، بل هي لطف إلهي للأمة حتى تسير في طريق الحق الإلهي بقيادة عارفة بمستلزمات المجتمع ومتطلباته ، وهذه القيادة ليس لها فقط السلطة السياسية ، لأنه لو كان ذلك لكان الاقتصار على مسألة القوة ، بل السلطة الدينية والعلمية ، فكانت من الخصائص المهمة التي الهم الله بها الملك المختار هو العلم.
__________________
1 ـ البقرة : 247.
2 ـ السيد محمد حسين الطباطبائي : تفسير الميزان : 2 / 291.
وأما من الأحق بها؟ فقد جسدها الله تعالى في حواره مع إبراهيم الخليلعليهالسلام حيث قال تعالى :( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (1) .
يطرح إشكال في هذه الآية ، وهو قول بعضهم بكون الإمامة جاءت هنا بمعنى النبوة ، وهذا يفقد صحته التاريخية كون قبل هذه الترقية التي عرفها إبراهيمعليهالسلام جاءت بعد مرحلة النبوة وبعدما فارق قومه ، إذ وهو بين قومه كان نبياً لكن هذا الوعد الإلهي جاء وهو بعد البشارة بالابنين ، وتكون بذلك مقام الإمامة مقاماً رفيعاً يفوق مقام النبوة.
أما على مستوى الدلالة اللغوية ، فلأن قوله إماماً ، مفعول ثان لعامله الذي هو قوله جاعلك ، واسم الفاعل لا يعمل إلاّ إذا كان بمعنى الماضي ، وإنما يعمل إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال ، فقوله( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً ) وعدٌ لَهُعليهالسلام بالامامة فيما سيأتي ، مع أنه وحي لا يكون إلاّ مع نبوة ، فقد كانعليهالسلام نبياً قبل تقلّده الإمامة ، فليست الإمامة بمعنى النبوة(2) .
ونأتي إلى بيت القصيد ، وهو حقيقة هذه الإمامة ، هل هي مسألة اختيارية أم الزامية من الله تعالى؟
كما أسلفنا سابقاً أن المسألة مرتبطة بأمر إلهي محض ، ويتضح من
__________________
1 ـ البقرة : 124.
2 ـ السيد محمد حسين الطباطبائي : تفسير الميزان : 1 / 266.
خلال هذه الآية كذلك ، وذلك في قوله تعالى( لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) ، وهذا مرتبط بكون التعيين للإمامة جاء من الله إلى ابراهيمعليهالسلام ويسري هذا الأمر والاختيار على القائمين من ذريته ، وشرطه في ذلك انتفاء الظلم عن الأشخاص المختارين ، لكن ما الظلم الذي يكون حائلاً دون تسلّم هذا المنصب الكبير؟
أخرج ابو الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي في مناقبه عن عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله : « أنا دعوة أبي إبراهيم » ، قلت : يا رسول الله وكيف صرت دعوة أبيك إبراهيم؟ قال : « أوصى الله عز وجل إلى إبراهيم( إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً ) ، فاستخف إبراهيم الفرح ، قال( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) أئمة مثلي ، فأوحى الله عز وجل : أن يا إبراهيم إني لا أعطيك عهداً لا أفي لك به ، قال : يا رب ما العهد الذي لا تفي لي به؟ قال : لا أعطيك لظالم من ذريتك عهداً ، قال إبراهيم عندها :( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ ) (1) ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : فانتهت الدعوة إلي والى علي ، لم يسجد أحدنا لصنم قط ، فاتخذني نبياً ، واتخذ علياً وصياً »(2) .
إن الإطلالة القرآنية على موضوع الولاية تضع أمامنا كون منصب قيادة الأمة لا يكون بانتخاب الناس ، وذلك لكون الناس قاصرين عن
__________________
1 ـ ابراهيم : 35 ـ 36.
2 ـ ابن المغازلي الشافعي ، مناقب ابن المغازلي ص 276.
إيجاد الرجل المناسب والشخصية التي تستطيع تدبير الأمور العامة والخاصة للمجتمع ، إذ أول مسببات الاختلاف هو اختلاف أفراد المجتمع في تحديد هذا الشخص مما يشكل خطراً على وحدة المجتمع ، ويصير مقسماً إلى شيع ، كل واحد يدفع بممثله ومرشحه ، وأما قدرة هذا الشخص فهي غير ظاهرة ويبقى إلمامه محدوداً في مجالات محددة قد لا تستوعب كل الاحتياجات والمطالب التي تحتاج إليها كل التشكيلات البشرية ، فيبقى الوحيد العالم باحتياجاته هو الله سبحانه وتعالى وكل معارفه يسكنها في شخص يصير هو المرشح الإلهي لهذا المنصب النبيل ، ومن أهم الخصائص التي تحدّث عنها القرآن وخصوصاً في الآيات السابقة الذكر العلم ، والقوة ، وألا يكون ظالماً.
فأما العلم فهو للرعاية والتوجيه الديني والاخلاقي والاحتياجات الروحية لكل أفراد المجتمع ، والقوة كحالة رقي سياسي للمجتمع وكقائد سياسي للدولة ، وانتفاء الظلم عن حياته حتى تتحقق العدالة الإلهية في المجتمع.
الإمامة في السنة
هل ترك الإسلام أمر توجيه الأمة ـ التوجيه الديني والسياسي ـ بدون قاعدة تأسيسية له ، أي بمعنى آخر : هل من قائد بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يخلفه في تسيير أُمور الأُمة؟
إن أهل العامة قالوا : بأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يعيّن أي شخص بعده ، وإنّما
ترك الأمر شورى بين الناس ، وهذا ما اثبتنا وهنه خلال التحدّث عن الشورى.
فإذا قيل : لم يوص ، وإنما ترك الأمر شورى ، ومراده الخروج من مأزق الأحاديث الواردة في مجال التوصية الخاصة بعلي وآل البيتعليهمالسلام ، وعلى فرض هذا فإن أبا بكر يصير أَنبه من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ وحاشا ذلك ـ باعتباره أوصى لعمر بن الخطاب ، وسببه في ذلك هو مخافة الاختلاف بين الناس ، فكيف خاف أبو بكر من الاختلاف ولم تطرح على شخص الرسول فيعني هذا أن الخليفة الأول أفهم بظروف وحالات المجتمع من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأما القول الثاني وهو وجود دلالة نصّية على تعيين ابي بكر وقد اختلفت الدلالة إلى قسمين.
دلالة رمزية في قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « مرو أبي بكر فليصلي بالناس » ، وقد نفى هذا ابن حزم وانه سبب جعل أبي بكر يستلم الآمر وقد ذكرنا سابقاً في كون هذا الحديث يطرح إشكالية تهدم أسس الفقه السني. ودلالة مباشرة في حديث عائشة والذي يثبت النص والاسناد ضعفه لكن هذا يبرز قسمة ثانية وهي أن هذه الأحاديث هي نتاج ردة فعل على أحاديث ثابتة تعالج نفس المشكل وهو خلافة الامة وقد أفاضت كتب العامة بالأحاديث التي تتحدث عن أصحاب الحق الشرعي.
لقد صادفنا في الآيات القرآنية السابقة كون منصب الولاية يستلزم خصال واجبة التوفر في شخص الولي فهل تحققت في خلفاء أهل
العامة. فأما العلم فلم يثبت لهم سابقة فيه.
فهذا عمر بن الخطاب يمنع المجنب من الصلاة ، فقد أخرج البخاري ومسلم في التيمم من صحيحيهما أن رجلا أتى عمراً فقال : اني أجنبت فلم أجد ماء ، فقال لا تصل ـ وكان عمار بن ياسر إذ ذاك حاضراً ـ فقال عمار : أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا فلم نجد ماء ، فأما أنت لم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت ، فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ، فقال عمر : اتق الله يا عمار ، قال إن شئت لم أحدث به!! فقال عمر : نوليك ما توليت(1) .
وهاهو أبو بكر لم يعرف معنى الأب [ وذلك في قوله تعالى( وَفاكِهَةً وَأَبًّا ) ] مسائل بسيطة لا تحتاج إلى مجهود كبير لكن الخليفتين لم يكونا في مستوى المسؤولية العلمية ، وقد سجل لهم التاريخ وقعات علمية تنم عن جهلهم لكليات الدين وأنهم لا يمثلون إلاّ عامة الامة يحتاجون هم أنفسهم للموجه ، وقد عبر عنهما عمر بقوله : « ويل لعمر من مسألة ليس لها ابو الحسن ».
وأما القوة فلا زال فرارهم في أحد وحنين أهم الأحداث التي تبيّن ضعفهم وقد ذكرها ابن الأثير وابن جرير حيث ذكروا انه انتهت الهزيمة بجماعة المسلمين وفيهم عثمان بن عفان وغيره إلى الأعوص فأقاموا
__________________
1 ـ السيد عبد الحسين شرف الدين ، النص والاجتهاد ص 240.
بها ثلاثا ، ثم أتو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال لهم حين رآهم : لقد ذهبتم فيها عريضة(1) .
كما ذكر كذلك أن أنس ابن النضر وهو عم أنس بن مالك انتهى إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين قد ألقوا بأيديهم ، فقال : ما يحبسكم قالوا : قتل النبي. قال : فما تصنعون بالحياة بعده؟ موتوا على ما مات عليه النبي. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ، فوجد به سبعون ضربة وطعنة وما عرفته إلاّ أخته عرفته بحسن بنانه ( قالوا ) وسمع أنس ابن النضر نفراً من المسلمين ـ الذين فيهم طلحة وعمر ـ يقولون لما سمعوا أن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قتل ليت لنا من يأتي عبد الله بن أبي سلول ليأخذ لنا أماناً من أبي سفيان قبل أن يقتلونا ، فقال لهم أنس : ياقوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمّد ، اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم قاتل حتى استشهد.
وتأتي معركة حنين لتؤكد هذا الضعف حتى فروا جميعاً لم يبق مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلاّ بنو هاشم.
وأما الخاصية الثالثة والتي هي أصل الإمامة وهي ألا يكون من الظالمين وتجمع خصال طهارة المولد والمنشأ. فهاهو أبو بكر وعمر وعثمان قد عبدوا الأصنام وعلي لم يسجد قط له وهاهو عمر قد وأد
__________________
1 ـ المصدر السابق ص 267 ، 268.
ابنته وهي حية. ناهيك عما اقترفوه بعد إسلامهم فهذا عثمان بن عفان يجزل العطايا لقومه من بني أمية دون غيرهم من عامة المسلمين وينفي أبا ذر إلى الربذة حيث مات وحيداًرضياللهعنه ويضرب عبد الله ابن مسعود حتى أصابه الفتق ، ويجلد عمار بن ياسر. والتاريخ يثبت وقائع الخلفاء بأنّها تخالف الشروط التي وضعها الباري تعالى للشخص المتحمّل للمسؤولية.
أما إذا جئنا لنتحدث عن الإمام عليعليهالسلام فهو الشخص الجامع للشرائط ، وهو العالم النحرير الذي قال « اسئلوني قبل أن تفقدوني » ، وهو من قال فيهم عز وجل :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، والذي قال فيه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم « أنا مدينة العلم وعلي بابها » ، وهو الذي قاتل المشركين فكان صاحب ذو الفقار أمير الأمراء ولم يؤمر عليه أحد. فهاهم الخلفاء الآخرين يؤمر عليهم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم عمرو بن العاص في سرية ذات السلاسل وفي سرية اسامة.
وأما حصول الشرط الأول وخروجه من دائرة الظالمين فالإمام عليعليهالسلام هو الذي لم يسجد لصنم وأسلم صغيراً. ولمّا تولى كانعليهالسلام ساعياً بجد لإرجاع الحقوق إلى أهلها وإرجاع المتسلقين والطلقاء إلى وضعهم الطبيعي.
وسئل الحسن البصري عن عليعليهالسلام فقال « ما أقول فيمن جمع الخصال الأربع ائتمانه على براءة ، ما قاله له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في غزوة
تبوك فلو كان شيئاً يفوته شيء غير النبوة لاستثناه ، وقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الثقلان كتاب الله وعترتي ، وأنه لم يؤمر عليه أمير قط ، وقد امرت الامراء على غيره(1) .
يبقى هذا عرض مختصر وموجز جداً لخصال تحلّى بها الامام دون سواه من أصحاب الرسول ، وماذكرناه ماهو إلاّ تلميحات زخرت بها كتب التاريخ وأفرد لها المؤرخين كتباً تبرز خصائص الامام والتي هي عين خصائص الامام عليعليهالسلام إن هذه الخصائص التي تجلت في شخصه الشريف تكفيه دون الأحاديث الصادرة عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لجعله الخليفة من بعده وحامل عبأ الرسالة بشقيها الدنيوي والديني ، وما حياة الرسول إلاّ عملية لإيصال الناس إلى مستوى الرشد وتهيئتهم للإيمان بولاية آل بيتهعليهمالسلام فمنذ حديث الدار وهو الشرارة الاولى للولاية إلى يوم الغدير وحديث التنصيب الإلهي المباشر وإتمام الدين حيث نزل قوله تعالى( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) فكان إتمام الدين بتنصيب الإمام عليعليهالسلام ولياً للمسلمين ، وبالتالي الدخول إلى مرحلة ثانية بعد مرحلة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وانطلاق سلسلة الاثنى عشر إماماً. وتعتبر هذه أكبر مشكلة يواجهها فكر أهل العامة إذ لحد الآن لم يستطيعوا إعطاء إجابة كافية تجيب على إشكالية الأئمة الاثني عشر. وقبل الولوج في إعطاء إطلالة
__________________
1 ـ ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة : 1 / 329.
على هذا الموضوع يجب أن نلفت الانتباه إلى أن مسألة الاثنى عشر خليفة وردت في الكتب القديمة وخصوصاً العهد القديم مما يجعل منه حقيقة قائمة وجب الإجابة عنها بشكل صحيح يستجيب ومعطيات المجتمع الإسلامي وحقيقة الدين الإسلامي.
فأما ما جاءت به الكتب القديمة فقد جاء في العهد القديم سفر التكوين الاصحاح السابع عشر :
وقال إبراهيم لله ليت اسماعيل يعيش امامك ، فقال الله : بل سارة امرأتك تلد لك ابناً وتدعو اسمه اسحاق واقيم عهدي معه عهد أبدياً لنسله من بعده ، وأما اسماعيل فقد سمعت لك فيه ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيراً جداً ، اثنى عشر رئيساً يلد ، واجعله أمة كبيرة.
هذه من إحدى المبشرات التي ذكرت في الكتب القديمة وأما على مستوى المرويات الإسلامية فإن حديث الاثنى عشر مما تواترت به أحاديث العامة والشيعة وأصبحت صحتها أوضح من الشمس في كبد السماء.
روى البخاري في صحيحه عن جابر بن سمرة قال : سمعت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : يكون اثنا عشرة أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي إنه قال كلهم من قريش(1) وأما مسلم فأخرجه عن جابر بن سمرة وهذا الحديث محل إجماع المسلمين لكن الإشكالية التي طرحت هو
__________________
1 ـ صحيح البخاري : 8 / 128.
من هم هؤلاء الاثنى عشرة؟
لقد وقف علماء أهل العامة عند هذه الحقيقة المرة فراحوا يؤولونها تأويلات لا تنسجم وطبيعة النص وحقيقة الوقائع التاريخية.
وأول الوقائع التاريخية والمرتبطة خاصة بالقرشية. ونتذكر هنا ما جرى في السقيفة واحتجاج المهاجرين بالقرشية وكانت لديهم المفصل الرئيسي في الاستيلاء على الحكم ونزعه من يد الانصار. لكن مع الاسف الشديد يأتي أحد زعماء السقيفة وهو الخليفة عمر بن الخطاب ليرمي بهذا المبدأ بعرض الحائط ويقول : لو كان سالم مولى حذيفة لوليته ففي مجمع(1) . عن ابي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستنداً إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد فقال : إعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً ولم استخلف من بعدي أحداً ، وأنه من أدرك وفاتي من سبي العرب فهو حر من مال الله عز وجل فقال سعيد بن زيد : أما أنك لو أشرت برجل من المسلمين لائتمنك الناس وقد فعل ذلك أبو بكر وائتمنه الناس.
فقال عمر : قد رأيت من أصحابي حرصاً سيئاً ، وإني جاعل هذا الأمر إلى هؤلاء النفر الستة الذين مات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو عنهم راض ثم قال لو ادركني أحد الرجلين ، ثم جعلت هذا الأمر إليه لوثقت سالم
__________________
1 ـ مجمع الزوائد : 4 / 220.
مولى أبي حذيفة ، وأبو عبيدة ابن الجراح(1) .
هكذا يفقد الشرط الحديثي مصداقيته عند عمر بن الخطاب ليعطي دلالة واضحة على ارتجاج فكرة العامة في هذه النقطة ، ويلاحظ هذا مع الفقه الحنفي والذي لم يجعل القرشية شرطاً للإمارة. ومما يزيد في ارتباك المذهب السني فشله في تحديد الاثني عشر خليفة حيث تضاربت الأقاويل والآراء عنده.
إذن هناك من يعد الاربعة الاوائل باضافة ملوك بني أمية وبالطبع من ضمنهم يزيد وهو قاتل حفيد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فكيف أصلح به أمر الامة والدين وهو اللاعب بالقردة شارب الخمر ، وكيف يكون معاوية بن أبي سفيان أحد الاثني عشرة وهو الآمر بسب الإمام علي على المنابر والرسول جعل حب علي من الإيمان وكرهه من النفاق وهو ـ أي معاوية ـ قاتل حجر بن عدي الصحابي الجليل الذي رفض سب الامام عليعليهالسلام هو وأصحابه.
وأقدم قول لتفسير هذا الإشكال ماذكره ابن حبان والذي نقله عنه في عون المعبود في شرح سنن ابي داود(2) : قال :
وأما الخلفاء اثنا عشر ، فقد قال جماعة منهم أبو حاتم بن حبان وغيره إن آخرهم عمر بن عبد العزيز ، فذكروا الخلفاء الأربعة ، ثم معاوية ، ثم يزيد ابنه ثم معاوية ابن يزيد ، ثم مروان بن الحكم ، ثم عبد
__________________
1 ـ آيات الغدير منشورات مؤسسة المصطفى ص 48 طبعة 1 سنة 1419هـ. ق.
2 ـ شرح سنن أبي داود : 11 / 321.
الملك ابنه ، ثم الوليد بن عبد الملك ثم سليمان بن عبد الملك ، ثم عمر ابن عبد العزيز. وكانت وفاته على رأس المائة(1) .
وأول ما يمكن ملاحظته هنا وهو غياب شخصية الإمام المهديعليهالسلام باعتباره هو محيي الدين ومجدد الإسلام وقيام الإسلام بقيام المهدي والحديث يقول لا يزال هذا الدين قائماً ما وليهم اثني عشر خليفة من قريش » المهدي ممن يقوم به الدين فأين هو في هذا العدِّ. وقول آخر نعلم أن الإمامة والحكم تعقد بالبيعة فأين الإمام الحسنعليهالسلام وقد عقدت له البيعة لستة أشهر.
وليس هذا القول الوحيد بل الكل اجتهد في تفسيره لكن يصطدم بحواجز فمثلا بن حجر يورد في الاثني عشر خليفة من بني العباس وكذلك عبد الله بن الزبير وكذلك هناك من اجتهد على غير العادة فقال إن الإمام عليعليهالسلام والحسنعليهالسلام لم يكونا من الاثنا عشر باعتبار انعدام انعقاد البيعة لهم من كل المسلمين وهذا من أكبر الشطحات وقد أورد هذا القول ابن كثير عند شرحه لهذا الحديث في البداية والنهاية مما يعطي رؤية واضحة عن ضعف لاستيعاب هذا الحديث وإعطائه حقه الطبيعي.
وأتذكر هنا حادثة وقعت خلال محاورتي مع أحد الاشخاص حول حديث الاثنا عشر خليفة وبعد ما أحس بعجزه التام : قال لي حكاية أن أحد مريدي زاوية السيد الرفاعي بمصر رأى رؤيا أن السيد الرفاعي
__________________
1 ـ آيات الغدير : 55.
هو إمام بالإضافة إلى الاثنى عشر من آل بيت النبوة. ولما حكاه لشيخه أثبت له الفكرة. فقال محاوري وكذلك عندنا فإننا نؤمن بالاثنا عشر ونضيف إليهم أئمة آخرين. من هنا يظهر أن عقول هؤلاء الاشخاص قد ضاقت بهذه الحقيقة المرة وصارت عقولهم تزيد على الاثني عشر ربما يوصلونها إلى المئات وهذه من إحدى السلبيات التي اكتسبها العقل السني وهي انعدام الجرأة النقدية بحيث إذا تصادف عقلهم مع نص مقدس عندهم لا ينظرون فيه ويبحثون عن مصداقيته بل يحومون حول جوانبه مما يجعله مبهما في العقول. لكن في بعض الحالات. تجد من أهل العامة من يقف عند هذه الحقيقة ويصرح بها فها هو الكنجي الشافعي في ينابيع المودة(1) يقول :
قال بعض المحققين : إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعدهصلىاللهعليهوآلهوسلم اثنا عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة. فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان ، علم أن مراد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من حديثه هذا الأئمة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته ، إذ لا يمكن أن يعمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلتهم عن اثني عشر ، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الاموية لزيادتهم على اثني عشر ، ولظلمهم الفاحش إلاّ عمر بن عبد العزيز ولكونهم من غير بني هاشم ، لأن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال كلهم من بني هاشم. وفي حديث جابر ورد ، وإخفائه صوتهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهذا القول يرجح هذه الرواية ، لأنهم لا يحسنون
__________________
1 ـ ينابيع المودة : 446.
خلافة بني هاشم.
ولا يمكن أن يعملوا على الملوك العباسية ، لزيادتهم على العدد المذكور او لقلة رعايتهم الآية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى ، وحديث الكساء فلابد أن يحمل هذا الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترتهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلهم وأورعهم واتقاهم وأعلاهم ، وأفضلهم حسباً ، وأكرمهم عند الله(1) .
وهكذا يكون الكنجي الشافعي قد وضع يده على رأس الامر وحقيقة الاثنى عشر ، ونذكر هنا حديث الثقلين والذي أخرجه أحمد في مسنده « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ».
وقيمومة الدين مرتبطة بالقرآن الكريم وعلاقته من خلال هذا الحديث هي علاقة وطيدة وعلاقة مماثلة حيث آل البيت هم الوجه الثاني للقرآن الكريم ، وبذلك لن يقوم هذا القرآن إلاّ ببقاء هؤلاء العترة وباستعمال علاقة التعدي الرياضية فإن بقاء هذا الدين ببقاء العترة الطاهرة وإذا ما جمعنا الحديثين فإن معناهم يوصلنا إلى كون الاثنا عشر لن يكونوا إلاّ أعضاء العترة الطاهرة.
وأحاديث كثيرة تجمع على هذه التلازمية ، تلازمية الدين وآل البيت
__________________
1 ـ المصدر السابق ص 52.
النبوي. فعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال « إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسراءيل من دخله غفر له »(1) .
وقد أفرد صاحب كتاب التشيع عبد الله الغريفي اغلب المصادر مع اختلاف الالفاظ للحديث ناهيك عن الأحاديث الأخرى المرتبطة بأعلمية أهل البيت ومدى استيعابهم لحقيقة الدين مما يوافق حديث الأئمة الاثنى عشر وكذلك فإن تسلسل أئمة آل البيت يجيب على الإشكال بسهولة تامة ولا يعيش التشيع الامامي الاثنا عشري اشكالية الحديث. ويدعمهم في ذلك القرائن التاريخية والمعطيات الدينية المتوفرة من أدلة قرآنية وأخرى حديثية ، وأما القرائن التاريخية فهي الإمارات والعلامات التي كان يشير بها الأئمة للناس لإرشادهم وتعريفهم بحقيقتهم.
الأئمة الاثني عشر
إن الايمان بالأئمة الاثنى عشر يعتبر من أهم الأساسيات التي ينبني عليها المذهب الإمامي ، وذلك لما صدر عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وبما عبر به الأئمة عن أنفسهم فقد أخرج القندوزي الحنفي في ينابيع المودة بسنده عن جابر بن عبد الله قال قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
1 ـ الطبراني : المعجم الصغير : 2 / 303 ، المستدرك للحاكم : 2 / 323 ، ابن حجر : الصواعق المحرقة ص 186 طبعة القاهرة.
« يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ، ثم الحسن ، ثم الحسين ثم علي بن الحسين ، ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فاقرأه مني السلام ثم جعفر بن محمّد ، ثم موسى بن جعفر ، ثم علي بن موسى ، ثم محمد ابن علي ثم علي بن محمّد ، ثم الحسن بن علي ، ثم القائم اسمه اسمي ، وكنيته كنيتي محمد ابن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها ذاك الذي يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان »(1) .
بهذا الشكل تجيب الامامية على تسلسل الأئمة لتجيب بذلك على إشكالية لا زال فكر أهل العامة يعيشها لغاية يومنا هذا. فمن يكون هؤلاء الائمة؟
الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام
هو علي بن ابي طالب بن عبد المطلب بن هاشم من البيت الهاشمي ذو السيادة والريادة في المجتمع القرشي ومن أشرف الأنساب ولدعليهالسلام قبل الهجرة بثلاث وعشرين سنة وأمه هي فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. وهو صهر الرسول الكريم وزوج سيدة نساء العالمين فاطمةعليهاالسلام وأب سيدا شباب أهل الجنة. كانت له حظوة عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حيث قالعليهالسلام عن نفسه.
__________________
1 ـ نقلا عن التشيع نشؤة ومراحله ـ مقوماته للغريفي ص 574.
« وقد علمتم موضعي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة ، وضعني في حجره وأنا وليد يضمني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسني جسده ، ويشمني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه »(1) .
وأما عن علمهعليهالسلام فقد كانت له منزلة عند الرسول حيث كان يأتيه في كل ليلة فيعلمه وكان تابعه حيثما حل وأرتحل فقد قال الامام عن نفسه : « ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي كل يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به(2) .
ولعظمة هذه الشخصية تاهت فيه أقوام وغالوا في حقه حتى ألهوه ، فكيف لا يتيه فيه الشخص لولا اللطف الإلهي ، وهو الذي وضعه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فوق كتفه عند هدم أصنام الكعبة وهو حامل باب خيبر حيث لم يستطع أكثر من عشرة أنفار حمله. وهو قاهر الكفار والمشركين والمنافقين والعلامات قائمة والآيات ظاهرة تدل دلالة واضحة على إمامتهعليهالسلام ورغم ما يمكن أن نكتب عنه فإننا لن نوفي له حقه لكن نورد أقوالا :
قال عمر بن الخطاب : « عقمت النساء أن يلدن مثل علي بن أبي طالب »(3) .
__________________
1 ـ نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : 2 / 182.
2 ـ نهج البلاغة ، شرح محمد عبده : 2 / 182.
3 ـ الأميني ، الغدير : 6 / 38.
ويقول جورج جرداق وهو كاتب مسيحي لبناني : « وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كل زمن علياً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره »(1) .
وقد استشهدعليهالسلام بالكوفة سنة 40 للهجرة وعمره 63.
وأما باقي الأئمة فهم على النحو التالي :
2 ـ الحسن بن علي المجتبىعليهالسلام .
3 ـ الحسين بن علي الشهيدعليهالسلام .
4 ـ علي بن الحسين السجاد وزين العابدينعليهالسلام .
5 ـ محمد بن علي الباقرعليهالسلام .
6 ـ جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام .
7 ـ موسى بن جعفر الكاظمعليهالسلام .
8 ـ علي بن موسى الرضاعليهالسلام .
9 ـ محمد بن علي الجوادعليهالسلام .
10 ـ علي بن محمد الهاديعليهالسلام .
11 ـ الحسن بن علي العسكريعليهالسلام .
12 ـ الحجة القائم محمد بن الحسن ( عج ).
__________________
1 ـ الإمام علي صوت العدالة : 1 / 49.
المهدي حقيقة
إن الرؤية البشرية للكون أجمعت كلّها على نهاية العالم بقدوم المخلص ، فبعدما تكون الدنيا قد ملئت ظلماً وجوراً ، يأتي هو لإخراجها من هذا الوضع اللاإنساني إلى حالة العدل الشامل ، أو بالتعبير الاسلامي إلى عالم العدل الإلهي.
إن هذه الرؤية الكونية لايشك أحد في كونها معطى فطري تركّب في عقلية الإنسان ، حتى أصبح انتظاره للفرج ، وتحقيق هذا الموعود حقيقة واقعية تنتظر التحقيق ، وعلى صعيد الفكر الإسلامي فإن حقيقة الانتظار ارتبطت بفكرة المهدوية ، والتي يكون قائدها المهدي المنتظر أحد أحفاد الرسول الكريم ، وقد تعارفت المدارس الفكرية الإسلامية على هذه النظرة حتى بلغ معدل الحقيقة فيها سطح المائة بالمائة ، ذلك لما فاضت به كتب الحديث حول هذا الموضوع ، والذي يؤيد ويقوي الدلالات الرمزية الواقعة في القرآن والتي تنبأ باليوم الموعود ، يوم تحقق العدل المنشود ووراثة الأرض من طرف عباد الله الصالحين( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ) (1) .
__________________
1 ـ الأنبياء : 105.
كما أن هذه النهاية الموعودة ستعطي تحقق الوعد الإلهي من هذه الخلقة( وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (1) والذي يبرهن على السيادة المطلقة للقدرة الإلهية ، وكذلك تحقق الجانب المهم ، وهو تجسد الاستخلاف البشري للكون ، كما اخبر به سبحانه وتعالى :( إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) (2) والتي تقوم على سيادة الدين الإلهي وتحقق المشروع السماوي على أرض الواقع( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ) (3) .
إذن كل هذه الرموز الدلالية وجدت سنداً قوياً في المرويات التي فاضت بها كتب الحديث ، والتي تخبر بأنّ اليوم الموعود يكون على يدي الإمام المهدي.
وفي هذا الباب قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر : ( إنّ فكرة المهدي بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً ، وفي روايات أئمة أهل البيت خصوصاً ، وأكّدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشك ، ولقد أحصى مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهدي من طرق الشيعة والسنة فكان أكثر من ستة آلاف رواية ، هذا رقم إحصائي
__________________
1 ـ الذاريات : 56.
2 ـ البقرة : 30.
3 ـ التوبة : 33 ، الفتح : 28 ، الصف : 9.
كبير لا يتوفر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية التي لا شك فيها لمسلم عادة )(1) .
إذن هذا الكم الهائل من الأحاديث الواردة لم يكن عن عبث أو افتراء وكذب ، بل هي إبراز وتأييد لفكرة إسلامية ، حيث لا يمكن أن يكون مجرد الشك في الحدث مدعاة لإلغاء كل ذلك الموروث من ساحة الفكر الإسلامي ، لأن أصل الخبر واحد ودائرة حركته تتسع في كل الأوساط الإسلامية مما يعطي لهذا الخبر دلالة واقعية وحقيقة ثابتة.
ربما قد يكون التاريخ تلاعب بمفهومه حتى أصبح مجرد أسطورة غير قابلة للتصديق ، لكن العقل الحر المتأمّل فيها لا يجد عيباً أو حرجاً في تقبلها والإيمان بها ، وخصوصاً وكما أسلفنا سابقاً إذا كانت قائمة على أسس دينية تشريعية قوية ، والتي تتمثل في القرآن والسنة النبوية.
كما أن كثيراً من السلف ـرضياللهعنهم ـ لم يعارضوا هذا القول ، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين(2) ، كما أنّ بعض المرويات الصحاح عند السنة تورد اسم هذا الشخص في آخر الزمان باسم الإمام ، وخصوصاً في البخاري من حديث أبي هريرة : « كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم وإمامكم
__________________
1 ـ الشهيد محمد باقر الصدر : بحث حول المهدي ص 63.
2 ـ الدكتور عبد الباقي : بين يدي الساعة ص 123 ـ 125.
منكم »(1) ، وكذلك في حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه مسلم « فيقول أميرهم ( لعيسى ) : تعال صل بنا »(2) .
لكن مدعاة الاختلاف بين الطوائف الإسلامية حول المهدي راجع بالدرجة الأولى إلى حقيقة المهدي بمعنى آخر ، هل المهدي موجود وهو غائب عن الأنظار كما تقول الشيعة الإمامية؟ أم لم يخلق بعد كما هو حال أهل العامة؟
يقول الشيعة ـ وباستنادهم على مجموعة من المرويات الصادرة عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وآل بيتهعليهمالسلام ـ بكون الامام المهدي مولود ، وهو محمد ابن الحسن العسكري ، وذلك سنة 255 هـ وغاب بأمر من الله تعالى ، وكانت له غيبتان : صغرى حيث كانت وساطته مع شيعته بوسيلة نوابه ، وبعد آخر نائب ( الرابع ) غاب غيبته الكبرى.
وهذا الامر عن ولادته لم يقتصر على الشيعة فقط ، بل مجموعة من علماء السنة أقروا وأيدوا هذا القول منهم ابن الصباغ المالكي اذ قال(3) : ( قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتابه ( البيان في أخبار صاحب الزمان ) في الباب ( 25 ) : من الدلالة على كون المهديعليهالسلام حياً باقياً منذ غيبته وإلى الآن ، وأنه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى بن مريم والخضر والياس من أولياء الله تعالى ، وبقاء
__________________
1 ـ صحيح البخاري : 14 / 334.
2 ـ صحيح مسلم : 1 / 59 ( باب نزول عيسى ).
3 ـ ابن الصباغ المالكي / الفصول المهمة ، طبع نجف الاشرف ص 281.
الأعور الدجال وإبليس اللعين من أعداء الله هؤلاء قد ثبت بقاءهم بالكتاب والسنة(1) .
كما أورد سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص(2) قال : ( قال السرى : يجتمع المهدي وعيسى بن مريم ، فيجيء وقت الصلاة فيقول المهدي لعيسى تقدم ، فيقول عيسى ابن مريم : أنت أولى بالصلاة ، فيصلي وراءه مأموماً ، وعامة الإمامية يذهبون إلى أن الحجة موجود ، وأنه حي يرزق ، ويحتجون على حياته بأدلة ، منها أن جماعة طالت أعمارهم كالخضر والياس )(3) .
ويطرح في هذا المقام سؤال مهمّ : لماذا يعترض أهل السنّة على فكرة المهدي الواردة عند الشيعة؟!
الجواب هو : إن الطرح الإمامي لفكرة المهدي قد يكون العقل القاصر غير قادر على استيعابه ، نظراً لاحتوائه على خوارق يعجز عن إدراكها ، كما أنه لم يعتد عليها ، وأكثر ما يحيد ويذهل العقول هو :
تولي الإمام المهديعليهالسلام الخلافة وهو صغير السن « خمس سنوات ».
وكذلك طول عمر المهدي ( عج ).
__________________
1 ـ الشيخ نجم الدين جعفر بن محمد العسكري ، المهدي الموعود المنتظرعليهالسلام عند علماء أهل السنة والامامية ص 348.
2 ـ ابن الجوزي / تذكرة الخواص : ص 373.
3 ـ المصدر السابق ص 349.
المهدي عجل الله فرجه وتولّي الإمامة :
إن تولّي مسؤولية دينية مهمّة من قبيل النبوة أو الامامة خلال المراحل الأولى من العمر لم يكن أمراً عجيباً في الفكر الإسلامي ، لأن القرآن الكريم لم يترك أي باب إلاّ وطرقه ، وقد تكون كل نقطة ذكرها القرآن وتطرق إليها ليس من قبيل الذكر ، ولكن من أجل توجيه العقول وتعريفها على كل الحقائق المرتبطة بالرسالة كمشروع إلهي للبشرية وكل ما يمكن أن يحيط بهذه الرسالة من التباس ، حتى لا يبقى هناك شك وتقوم البينة على الإنسان الخاضع لها.
إن القرآن الكريم أدرج لنا قصة النبي عيسىعليهالسلام كمثال وعبرة لحل هذا اللغز الذي أوقف أهل العامة عن تصديق حقيقة المهدي ، إذ أن هذا النبي العظيم شرع في ممارسة عمله الرسالي وهو صغير في المهد يقيم الحجة على الناس بذلك الإعجاز الخالد ، وهو تكليم الناس في المهد وهو صبي ، إذ قال تعالى :( يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ) (1) .
وهذه دلالة واضحة على كون النبي عيسىعليهالسلام مارس رسالته صغيراً ، وكانت هذه اللحظة إحدى حالات الإعجاز من أجل التصديق بالرسالة.
__________________
1 ـ مريم : 28 ـ 30.
فإذا كان القرآن موجهاً إلينا ، فإننا ملزمون بالتمعن في كل حيثياته ، لأنه لم يكن إيراد هذا الكم الهائل من القصص وحكايات الأنبياء السابقين من أجل التسلية ، بل للإستفادة وأخذ العبر والوقوف عند طيات الأحداث والقصد من إدراجها.
ومثال عيسىعليهالسلام في هذه الحادثة هي إحدى الدلائل على انعدام اشكالية ممارسة الأمر الديني في أي لحظة من العمر ، مما لا يجعل الأمر غريباً في كون الامام المهدي تولّى الامامة وهو صغير السن ، وهذه إحدى نقاط التشابه بين الامام الحجة عجل الله فرجه وعيسىعليهالسلام .
المهدي عجل الله فرجه وطول العمر
إن طول العمر قد يكون من جانب الرؤية الحياتية شيئاً مستحيلا ، لأن الإنسان في الحياة لم يعتد على مثل هذه الأشياء ، فيظل حكم الإنسان قاصر على ما حصلته مداركه في الحياة.
فإذا أخبرت شخصاً معيناً أنَّ فلاناً سقط من أعلى قمة الجبل ، فجوابه يكون أسرع من البرق وهو نهاية هذا الشخص ، لكنه لا يصدق إذا أخبرته بكونه لم يمت.
أو مثلا شخصاً إذا ألقي في النار فحتماً مصيره الموت ، لأنها أشياء تعارف عليها البشر وأصبحت حقائق ، في حين نرى أن هذه الحقيقة تتزحزح بحصول الإعجاز ، فسيدنا إبراهيمعليهالسلام ألقي في النار لكنه لم
يمت ، لكون اللطف الإلهي تدخل فقال :( يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ) فصارت برداً وسلاماً على إبراهيم ، فخالفت بذلك ما هو متعارف في الحياة.
فمسألة طول العمر وبالشكل المطروح في حياة الإمام المهدي عجل الله فرجه يعد أمراً غير متعارف ، رغم أن الفكر الإسلامي لا يجد هذه الفكرة مخالفة للعقل ، سواءاً من جانب القرآن أو السنة النبوية :
فالقرآن الكريم تحدث عن نوحعليهالسلام ، فقال :( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاّ خَمْسِينَ عاماً ) (1) ، بالإضافة إلى ما عاشه من دون قومه ، أي : ما يفوق الألف سنة.
كما أن القرآن الكريم أورد لنا قصة أهل الكهف ، وكيف أن الله حفظهم في الكهف ما يفوق ثلاثمائة سنة.
كما أن المرويات تحكي عن طول عمر الخضرعليهالسلام وبقائه إلى يومنا هذا.
إذن نماذج طول العمر واردة في المصادر الإسلامية ، وهي من الأمور التي قد لا يستوعبها العقل بسهولة ، ولكن هي حقائق وقعت ولم تكن لأجل التسلية ، كما ذكرنا سابقاً ، ولكن هي حمل العقل الإسلامي على تقبلها وإخراجه من ذلك الحيز الضيق المرتبط بالحياة بحيث يفتح أفق تفكيره على مجال أوسع من قدرته العقلية.
__________________
1 ـ العنكبوت : 13.
ولكن طول العمر كحقيقة علمية هل يصح وقوعه أم لا؟.
إن العالم بأسره يعيش الآن هاجس طول العمر ، كما يحاول العلماء اكتشاف سرّ الحياة وأبديتها ، فترى الآن في العالم مختبرات متعددة تحاول الوصول إلى حقيقة السرّ ، وتعمل جاهدة لإيجاد حلّ لاطالة عمر الانسان ، فتراهم كل مرة يطلعون بدواء أو حمية غذائية تزيد من طول العمر.
إذن نصل إلى نتيجة مفادها أن طول العمر حقيقة علمية ، ولولا ذلك ما أجهد العلماء أنفسهم في تتبع هذا الأمر ، ولو سألنا أي عالم هل من المستحيل أن يعيش الإنسان مدة أطول؟ فإن جوابه يكون حتماً بالنفي القاطع ، إذ لا استحالة تمنع من بقاء الإنسان على قيد الحياة بشرط أن توفر له كل الظروف الحياتية الملائمة.
فالعلم الحالي توصل إلى حفظ الخلايا لمدة زمنية طويلة ، وذلك بحفظها داخل الأزوت المائع لشهور وسنوات ، ثم يمكن إخراجها كي تمارس نشاطها الطبيعي بشكل عادي.
كما أن العلم الحالي توصل إلى التلقيح الاصطناعي ، حيث يمكن حفظ نسل جيل وإعادة زرعه في جيل آخر ، يعني أن الإنسان استطاع أن يجعل من بعض الأشياء التي كانت مستحيلة حقيقة واقعية.
إذا كان الإنسان نفسه وفي احتكاكه مع ذاته توصل إلى هذه المعطيات ، فكيف بشي خارق باحتكاكه مع شي لا يساوي عنده جناح
بعوضة ، أي أن قدرة الله تفوق قدرة الإنسان بما لا يترك مجالاً للمقايسة.
فإذا كان هذا الانسان قد استطاع أن يحفظ ويطيل عمر خلية لسنوات ، فهل لا يستطيع الله أن يفعل بمن هو مكون من هذه الخلايا ـ أي الإنسان ـ بحفظه كاملا ولمدة طويلة؟!
قد تكون المسألة إعجازاً في اللحظة التي لم نصل فيها إلى الحقيقة العلمية ، ولكن تصير أمراً طبيعياً إذا تم الكشف عن سرها وكنهها.
فحفظ الخلايا قبل مدة ليست بالطويلة كانت أمراً إعجازياً لأناس ذلك الوقت ، لأنها فوق قدرتهم التصورية ، لكن بالنسبة للانسان الحالي صارت عادية ، وذلك لارتقاء قدرته العقلية.
أشياء كثيرة موجودة في القرآن الكريم ، ورغم تقدم العلم وتطوره لم يستطع الكشف عن حقائقها ، ومثال على ذلك مفهوم السماء ، فلقد تعارف عند الناس أن السماء هو هذا المجسم الذي يظهر بالنهار أزرقاً وبالليل أسوداً ، ومن ثم يمكن تطبيق مفهوم الطبقات بشكل ظاهري على السماء ، وهذا السائد في الفكر الشعبي وكذلك غير المطلعين على علم الفلك ، أي أن السماء الظاهرة ، أي الأولى ، وتتبعها بعد ست طبقات أخر.
لكن الحقيقة العلمية أثبتت أن الشيء الازرق الظاهر في الصباح ( السماء ) ماهو إلاّ انعكاس لأشعة الشمس على خط الاوزون مما يكسب الفضاء ذلك اللون ، كما أن صعودك لما فوق 150 كلم ، أي
اجتياز الحجاب المحيط بالكرة الأرضية ( الاوزون ) يدخلك في فراغ فضائي غير محدود.
إذن هل عدم وجود السماء كحقيقة مادية مدعاة لانكارها وبالتالي انكار أشياء كثيرة داخل دائرة الفكر الإسلامي.
وكخلاصة ، فإنّ العقل البشري محدود بمحدودية محيطه البيئي ، وأي شيء خارج عن هذا المحيط يصبح عرضة للانكار.
أما قضية الامام المهدي عجل الله فرجه وطول العمر فقد لامست الجانب الواقعي بكون أن التاريخ أثبت حالات طول عمر كثيرة ، كما أننا نسمع في وقتنا الراهن عن معمرين يتجاوزون القرن والنصف القرن ، وكذلك نظرية المهديعليهالسلام لامست الحقيقة العلمية ، إذ أن العلم لا ينفي بتاتاً كون الإنسان يمكن أن يعيش مدة طويلة ، فالذي يعيش قرنين يمكن أن يعيش أكثر ، وذلك في ظل توفر الظروف الحياتية الملائمة.
إذن فنظرية المهدي اجتمعت في تأييدها كل الحقائق :
الدينية : عدم نفي الدين لهذه الحقية وذكرت نوح وعيسىعليهماالسلام .
الطبيعية : ثبوت أشخاص طويلي العمر على طول التاريخ.
العلمية : عدم تعارض العلم وطول العمر.
وكلفتة أخيرة نورد كلاماً لالبرت اشفيتسر ، يبيّن حقيقة الوضع الحالي وحاجته الماسة للخروج من هذه الأزمة قائلاً :
( وكما أن تحول التجمع الديني ينبغي أن يكون أولا نتيجة لتحول
في القلوب ، فكذلك يجب أن يكون تحول الجماعة السياسية والهيئة الاجتماعية.
حق أنّ الإيمان بإمكانه تحويل الدولة الحديثة إلى دولة متحضرة أمر ينطوي على بطولة ، فإن الدولة الحديثة تجد نفسها اليوم في حالة من الفقر المادي والروحي لم يسبق لها مثيل ، إنّها تتداعى تحت وطأة الديون وتمزقها المنازعات السياسية والاقتصادية ، وانتزعت منها كل سلطة معنوية ، وبكلّ ما تستطيع أن تحافظ على هيبتها في الأمور العلمية ، وعليها أن تكافح في سبيل وجودها وسط سلسلة متصلة من الاضطرابات المتجددة ، فمن أين لها القوة أن تتطور إلى دولة متحضرة وهي تواجه كل هذه الكوارث؟ )(1) .
ويبقى هذا سؤالا جوهرياً تجب الإجابة عليه ، هل في غياب المخلص النهائي يمكن إخراج العالم من مأزقه الحالي وهو على مشارف حرب نووية؟!.
__________________
1 ـ البرت شفيتسر : فلسفة الحضارة ص 416 ، ترجمة د. عبد الرحمن بدوي ، دار الاندلس 1997.
الخاتمة
خاتمة
لقد تتبعنا في هذه الدراسة منهجية تعتمد على تفكيك الأحداث التاريخية من خلال دراسة الدائرة التي تتحرك فيها ، وانطلاقاً من نقد ما قد تمّ تدوينه في بعض الموسوعات التاريخية ، وبالأخص البداية والنهاية وموسوعة التاريخ الإسلامي.
إن الشيء الذي يجب علينا الانطلاق منه في نقد وقراءة ما كتب في التاريخ ، ينطلق من فهمنا لهذا العلم ، وهو التدوين المتسلسل للأحداث والوقائع ، وكذلك طبيعة ما دوّن وتصنيفه التاريخي بمعنى أوضح ، وهو في أي إطار نضع التاريخ المدون؟ لقد تطرق الشهيد مطهري في كتابه المجتمع والتاريخ إلى تحديد تقسيم للتاريخ بما هو ثلاثة أقسام : تاريخ نقلي ، تاريخ تحليلي ، وتاريخ فلسفي.
قد يكون الأمر لا يحتاج إلى نقد ، إذا كان نوع التاريخ المدوّن نقلي ، باعتباره يعتمد فقط على نقل الأحداث بما هي أحداث رائجة في الأوساط ، وصحة وقوعها على عهدة الأشخاص الراوين ، ولا يكلف المؤرخ في هذه الحالة نفسه عناء التحقيق ، وبهذا يكون مادوّن لا يعبّر إلاّ عن أشياء رائجة في المجتمع ، لا علاقة لها بالوضع السياسي القائم.
أما ما يجب النظر فيه ، وهو ما أخذ الكاتب العهدة على نفسه بتتبع الأحداث وإعطائها الأبعاد التي يراها حقيقية ، الشيء الذي يجعله يفضّل حادثة على أخرى ، بتوهين بعضها وتقوية الأخرى.
وتدخل البداية والنهاية وموسوعة التاريخ الإسلامي في هذا النوع من التاريخ ، لأنهما لم يكتفيا بإيراد الأحداث ، بل علّقا عليها رغبة في إخراج موسوعة جاهزة للمجتمع تعبّر عن وجهة نظر معينة.
إن عملية النقد التي ندعوا إليها هي نوع من الثورة على المقدس الذي خلقه التاريخ ، والتخلص من كل رواسب التبعية الايدلوجية. لأن البحث الحضاري ينطلق من قراءة موضوعية للأحداث التي عرضها التاريخ الإسلامي وتمحيصها بالشكل الذي نستطيع من خلاله الإجابة على أسئلة الحاضر ، واستشراف المستقبل برؤية نهضوية مبنية على الاستعداد المعرفي والعلمي لاحتضان الموعود الإلهي المنتظر.
قد يكون الكلام إيدلوجيا ، لكن الحقيقة التي يجب أن ننطلق منها هي أن عالمنا عالم الايدلوجيات ، حيث لا يمكن قراءة العالم الإسلامي في غياب إيدلوجية واضحة تحدد مصيره المستقبلي ، خصوصاً أن الرهانات المستقبلية ليست رهانات لحظية أو تكتيكية ، بل هي رهانات ذات أبعاد استراتيجية تعتمد على الإنسان كفاعل تاريخي ، الإنسان المكلف بالاستخلاف( إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) والذي أنيط به تحقيق هذه الخلافة على وجه الأرض وذلك بوعد إلهي :( وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ) .
وكما أسلفنا سابقاً على أن الخطاب في الحقل الإسلامي هو خطاب إيدلوجي ينبني على معطيات مقتبسة من الكتاب والسنة ، أو بمعنى آخر بالموروث التاريخي ، وهنا يطرح الإشكال وتظهر ضرورة الإجابة النقدية ، لأن الموروث التاريخي قد تداخلت فيه العوامل الزمانية ومحورته بالشكل الذي يستجيب فيه للّحظة التي يعيشها ، وهذا بالطبع في غياب الحاضن الفعلي لهذا الموروث مما يجعل رسالة الإنسان غير مكتملة في تحديد معاني هذه الرسالة كي تعطي إجابة كافية توصل الإنسان إلى هدف خلقته.
إن الإنطلاقة الفعلية للفكر الإسلامي باعتباره الأرضية التي تتفاعل حوله الرسالة يبتدأ بالبناء المنهجي لآلياته ، وذلك بتحديد الإطار المرجعي الذي يمكن أن يعطي نقطة البدء ويحدد المفهوم الحقيقي لها ولحقيقة هذا الفكر ، لاعتبار هذا الأخير حالة نسبية تدور في فلك البشر مما لا يعطيه فاعلية في الساحة العملية ، وتبقى الحالة الوحيدة هي إيصالها إلى حالة الإطلاقية حيث يعطي الوجه الثاني لحقيقة الرسالة ، وقد تجسد بالتطور التاريخي لحركة الرسالة وملازمتها للعترة الطاهرةعليهمالسلام ، حيث قال الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ».
إن حركة الفكر الإسلامي والذي نريد إيجاده هو المتحرك في دائرة القرآن ، ولكن هذا لن يتأتى إلاّ بإعادة النظر التاريخي ، فقد فَقَد آل
البيت مكانتهم من خلال التزوير التاريخي ، فأحدث في الدائرة الإسلامية تفرعات فكرية خالفت في أصولها القاعدة العامة والهدف العام للرسالة ، ويبقى الحل الوحيد هو عملية الهدم وإعادة البناء من جديد ، إعادة هدم الموروث المعرفي القديم ذا الطبيعة التاريخية وإعادة إنتاجه على أرضية صلبة ، حتى يخرج من الأزمة التي يتخبط فيها في الوقت الراهن.
إن الأزمة المعرفية التي يتخبط فيها الفكر الإسلامي تتلخص في عدم المزاوجة بين معطيات النص المقدس ـ القرآن ـ والحقيقة الزمانية والمكانية ، أي غياب قراءة صريحة له.
وقد تتجلى هذه القراءة ليس فقط على مستوى التاريخ ، بل تتفرع إلى كل المعارف الإسلامية الأُخرى والتي تحدد دائرة الحقل الإسلامي ، من علم كلام ، وفلسفة ، فقه وأصول وقد كان الامام عليعليهالسلام يعبر عن قدرته بقوله : « اسئلوني قبل أن تفقدوني ».
إذن الإجابة الكاملة على كل الإشكالات تتمثل في إيجاد التوأمة التي فُقدت خلال الأزمنة الغابرة ، وهي علاقة الكتاب وآل البيت ، حتى يتم استيعاب المفاهيم العامة والخاصة التي تتحرك في دائرة الفكر الإسلامي.
يبدو الأمر واضحاً على أن الحاجة الماسة للمجتمع البشري الحالي هي إعادة الإرتباط الحقيقي مع الروح البشرية ، حتى تفر من ذلك الانفصام الذي ظلت تعيشه خلال مدة زمنية طويلة ، لتصل إلى الهدف
الغائي الذي رسم منذ أول الخلقة بتحقق العبادة الكاملة لله سبحانه وتعالى بالشكل الذي هو مسطر منذ الأزل وتحقق حالة التذكر والرجوع إلى الحالة الأولى والتي كانت في عالم الذر والتي عبر الله تعالى عنها بقوله :( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ) (1) ، والعودة الحقيقية لا تكون إلاّ بوجود ذلك الموجه والهادي الذي يحدد الخطوط العامة لحركة الأمة في طريقها إلى الله تعالى.
يبقى إذن الهدف الأساسي لإعادة النظر في التراث القديم ليس إثارة الفتن وإحلال الفوضى في المجتمع أو التفرقة ، بل هو إعادة المصالحة مع الذات التي فقدت هويتها تحت تأثير عدة عوامل قد ذكرناها خلال مسارنا في البحث ، والتي يعتبر العامل السياسي المحرك الأساسي لها ، يليه بعد ذلك العامل الايدلوجي ، مما أعطانا تاريخاً مبتذلا ، امتزجت فيه الحقيقة والخرافة ، المتحول والثابت ، مما يستدعي التعجيل بثورة معرفية علمية ، حتى يستقيم أمر هذه الأمة وترجع إلى رشدها الذي سلب منها.
كما أن عملية النقد يجب أن تطال كل الجوانب ، والتي أغفل المؤرخون ذكرها أو حاولوا إعطاءها نوعاً من الشرعية بتطبيق بعض مناهج الحديث ، مما جعل تاريخنا ذا صبغة حديثية أكسبته القدسية
__________________
1 ـ الأعراف : 172.
وتوقف العقل المسلم عن النظر فيه وتتبع عثراته ، إذن يبقى المخرج الوحيد هو تحديد هويتنا من خلال سؤال مَن نحن؟ في ظل تاريخ غامض ، هذا التاريخ الذي لا يمكن أن يعبر عن نفسه إلاّ إذا انسجم مع الوعي العام للمجتمع الإسلامي ، ويكون هذا الأخير هو المحرك الحقيقي الذي تتبلور فيه المعارف ، والأرضية المقبلة على التحول ، قد تكون الدعوات التاريخية دعوات من أجل إخراج المجتمع من حالة الركود التي يعيش فيها ، ولكن قد تصاب بخيبة أمل إذا ما انفصلت عن المحدد والمحرك الحقيقي والذي عبرنا عنه بالوعي ، إذ تبقى المراجعات التاريخية مجرد إعادة المستهلك من القديم ومحاولة إحيائه بشكل يفقده خصائصه الثورية ، لذا لا يتميز مفهوم التاريخ إلاّ إذا انحاز إلى الوعي وحل كله فيه.
بعبارة أخرى واضحة في ضوء التحليلات السابقة : لا يكتسب المجتمع التقليدي فكرة التاريخ إلاّ في إطار الدعوة التاريخانية ، ولا يكفي أن يقلد المجتمع التقليدي منهج توقديد أو ابن خلدون أو ماركس أو فرويد ، لأن في ذلك مجرد إبدال تقليد بآخر ، بل يجب أن يمر هو نفسه بتجربة هؤلاء جميعاً ويكتشف بدوره كشفهم الأساسي إبداعية الإنسان وإنسانية الأخبار.
إن عملية البحث التاريخي لا يعني بها معاودة التحقيق وإنتاج التحقيق على التحقيق ، وإنما استخراج العيوب مع استخلاص العبر ، بالشكل الذي يعطي دفعة للمجتمع نحو الرقي والتقدم.
قد نعطي مثالا بسيطاً بالتاريخ الإسلامي حينما تجمد العقل عند التقليد ، وخصوصاً في المدرسة السنية ، ظل التفكير في المحيط الذي رسم خلال إنتاج تلك الفكرة ، سواءاً على مستوى الفقه أو الفلسفة والتاريخ ، ووصل بالأخير إلى حالة الأزمة والتخلف مما أدى في نهاية المطاف إلى الاندحار على كل الأصعدة والمجالات ، فتوقف الفقه عند الأربعة والفلسفة عند ابن رشد والتاريخ عند الطبري ، ولم تصبح دائرة العقل الإسلامي السني تستحمل أكثر مما طرح في تلك الفترات التاريخية ، وقد كان الفكر الشيعي أوشك على الوقوع في نفس الخطأ بعد وفاة الخواجة نصير الدين الطوسي ، حتى سمي القرن الذي يليه بقرن المقلدة ، لكن الأبعاد المعرفية التي تحويها مدرسة آل البيت جعلتهم يخرجون من هذا المأزق ، وأثمرت بذلك حركة الإبداع والتجديد.
إن الاعتبار من التاريخ كان جزءاً مهمّاً في الطرح القرآني ، بحيث تناول أغلب الموضوعات من خلق البشرية إلى مابعد وأعطى للأمة استشراف المستقبل وحدد مفهوم لتطور الأحداث والتواريخ وسماه بالقصص ، حيث قال تعالى :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) (1) ، مما يعطي للحدث التاريخي مفهوم من خلال معنى القصة والتي يُتوخى منها العبرة ، وكذلك الدعوة الإلهية إلى ذلك في قوله تعالى :( قُلْ سِيرُوا
__________________
1 ـ يوسف : 3.
فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) (1) مما يعطي للقرآن بُعداً تاريخياً في تتبع الوقائع وإعطاء الأسباب واستخلاص النتائج ، مما يلزمنا باتباع منهج القرآن ، وهو تقفي الآثار وطرح التساؤلات والإجابة عن الإشكالات كي ترجع للأمة هويتها المفقودة في ظل فكر إسلامي منسجم من أجل البناء المستقبلي لدولة العدل الإلهي( أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ ) (2) .
__________________
1 ـ الأنعام : 11.
2 ـ الأنبياء : 105.
دليل كتاب :
تاريخ الشيعة بين المورخ والحقيقة 1
مقدّمة المركز 6
الفصل الأوّل الخطاب التاريخي من أين؟ 20
التورخة! 22
التاريخ والحداثة 28
التاريخ المقدس. 32
التاريخ الإسلامي الثابت والمتحول. 36
وقفة قصيرة 44
التغيير التاريخي* 50
الفصل الثاني ابن كثير والتاريخ. 56
ابن كثير المحدث المؤرخ. 58
ابن كثير وابن تيمية وجهان لعملة واحدة 67
شطحات ابن تيمية التاريخية 70
وقفة أخيرة 78
الفصل الثالث ابن كثير الوهم والحقيقة 88
ابن كثير والإمام علي عليهالسلام.... 102
خصائص الإمام علي عليهالسلام.... 124
الفصل الرابع قراءة نقدية نموذج أحمد شلبي. 130
التشيّع والفرس. 136
شخصية عبد الله بن سبأ 140
شلبي والتاريخ. 144
الفصل الخامس التشيّع تاريخ مذهب.. 167
التشيّع والآخر 168
الشيعة والتاريخ. 181
مذهب وعلماء 191
الفصل السادس النظام السياسي نظرية الولاية في الفكر السياسي الاسلامي. 207
الفكر السياسي الاوروبي. 209
الفكر السياسي الإسلامي والآخر 217
الإمامة المجتمع والحقيقة 229
المهدي حقيقة 253
الخاتمة 265
خاتمة 267
دليل كتاب : 275