المباهلة
التجميع مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الکاتب السيّد صدر الدين شرف الدين
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

تصدير

في حياة علي (ع)، وفي حياة الزهراء عليها السلام، وفي حياة ولديهما عليهما السلام نواحٍ كثيرة للحديث عنهم، وكفايات للإشادة بفضلهم، وفي كلّ ناحية من نواحي الفضيلة والكمال ملتقى مع هؤلاء الأربعة..

وقد التقت في حياتهم وشائج الفضائل والمثل العليا مذ تفتحت أكمام حياتهم، وعرفوا هذا الوجود، وإذا نظرنا إليهم من البداية إلى النهاية لرأيناهم يتقلبون بين أحضان الفضيلة، وقد أسدلت عليهم أبرادها، تلفّهم من الفرع إلى القدم، فلا يساويهم في سموّهم أحد، ولا يدانيهم مخلوق. ولا جرم إن كانوا كذلك وقد تربّوا في البيت الذي خرجت منه الدعوة إلى الإسلام، وكفلهم صاحب الدعوة الإسلامية.

وليس عجباً بعد هذا إن كان في كلّ ناحية من نواحي حياتهم ملتقى للفضائل، فإنّ لهذه التربية أثر فعّال في صبغهم بالصبغة المثالية، وتوجيههم إلى الفضيلة والكمال...

ولقد كان كلّ واحد منهم بحكم التربية، وبحكم الوراثة معجزة خالدة انفصلت من جسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لتكون معجزة في صميم الحياة


وإنّ حياة كلّ واحد منهم تتصل بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووجوده الكامل يتصل بوجوده ( ص ) المثالي، وفضائله تتصل بفضائله، من الساعة الأولى التي انفصلوا فيها من وجود، واستقرّوا في وجود آخرٍ.

هذه حقيقة ثابتة يستطيع القارئ أن يراها من خلال حياتهم، وإنّ عرضاً موجزاً لحياتهم كفيل بأن يرينا إنّه بعد النبوة لا نجد فواصل أخرى بين كمال وجوده ( ص ) وكمال وجودهم، وأنّ الله تعالى أعدهم للإنسانية في أعلى مثالية، كما أعدّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل.

وفي الحقّ أنّهم المعجزة الخالدة التي كشف الزمن ذيله عنهم، فجاءوا في وسط المعترك الهائج وليسوا منه، وجاءوا بين طرفي الزمن وليسوا من الزمن وإنّما هم إشعاعة من نور الله أفاضه على هذا الوجود، وعلى هذه الإنسانية المعذبة يشقّ الطريق ليهديها في كلّ أجيالها إلى الخير والسعادة، وإلى المُثُل العليا من الكمالات النفسية.

* * *

موضوع هذا الكتاب ناحية واحدة من نواحٍ كثيرة، وآية واحدة من كتاب الله المجيد من بين آيات كثيرة هي آية المباهلة:

( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )

هذا موضوع هذا الكتاب. وإنّ موضوعاً كهذا الموضوع ينكمش


فيه القلم على نفسه متهيّباً فلا يستطيع أن يجري مترسّلاً؛ لتشعّب نواحيه، وترامي أطرافه، ومن ناحية ثانية لما أحيط بهذا الموضوع من أسلاك شائكة متشابكة الأطراف، لا يكاد ينتزع طرف منها حتّى يلتقي بأطراف أخرى متحصّنة بمتارك الزمن القاسي، ومخلفات الأقلام المهوسة التي خلّفت وراءها الزمن مظلماً بالستائر الكثيفة، والسُحُب الداكنة، تتصل بعهدها القديم المظلم.

ولكنّ.. سيف الظلم مفلول الحدّ، ودولته دائماً إلى زوال، وإنّ الحقّ مكفول لسائر الأجناس... وفي الحقّ نور لا تخبو شعلته مهما أحاطوه بحصون كثيفة الجدر، وسوّروه بزبر الحديد، ومهما تراكمت عليه الأصداء، وعبرت عليه الأزمان، ولابد أن يخترق النور هذه الحجب ويكشف الظلمات...

وإنّ السنين الطوال التي مرّت تحمل سيف النقمة مسلولاً، لم يتسنَ لها أن تمسّ ذلك النور، ولم تستطع أن تمدّ يدها إلى القلوب المستنيرة بنور الحقّ.. وإنّ الأيدي العابثة بالحقائق التي أعقبت رسالة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مرجوا لها أن تمتدّ إلى المبادئ السامية لتفسدها، وما كانت إلاّ أيدٍ عابثة في جدها، هزيلة في أحكامها، غير مرجوّة في نهايتها، كما لم تكن رشيدة في بدايتها.

وإنّ تلك القلوب التي أغمضها ذلّ الاستبداد، وامتهنتها حكومات الاستعباد، لم تمت، ولم تدفن، ولم تهن، ولم تنكل، وإنّما انفردت في زاوية من الزمن تعمل نشيطة في سبيل هدفها في ظلمات الاستبداد، وتحت قوارع النكبات، لا متوانية ولا كسله..


وكان الزمن حريصاً الحرص كلّه على أن يسدّ النوافذ، وأن يحول بين سوانح الفرص، ولكن بالرغم عنه يبدأ القبس ينير الطريق، ويوضح السبل ، ويفلت الأسد من أقفاصه الموصدة، ويزأر زأرته القاصفة، ويرجع بالحلقة المفقودة ليوصلها بأخواتها، وليسلم السلسلة متلاصقة الحلقات، ألا وإنّ يومنا هذا موصول بأيّام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وموصول بيوم المباهلة وإن جار عليه الزمن، وأراد أن يلفّه بطيّات ماضيه، لولا أنّ كتاب الله المجيد يعالن الناس بذلك اليوم، وبفضل أربعة فقط من مئات الألوف من المسلمين، وإنّ سورة آل عمران تصارحهم بفضل آل محمّد صلى الله عليه وعليهم وسلم، المرموق رغم كلّ حاسد وكلّ مناوئ.

* * *

إن الله بعث محمداً رسولاً هادياً وداعياً مبشراً ونذيراً، يدعو إلى الله الواحد الأحد، ونشر للناس كتاباً لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، يهدي للتي هي أقوم، نعى ركود العقل، وأهاب بالإنسان إلى التفكير بملكوت السماوات والأرض قبل الإيمان.( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السماوات وَالْأَرْضِ ) ( إِنّ فِي خَلْقِ السماوات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ لآيَاتٍ لَأُوْلِي الْأَلْبَابِ ) ودعا الإنسان إلى النظر في نفسه( ومن آياته أن خلقكم من تراب ثمّ إذا أنتم بشر تنتشرون ) ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والإبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) .


ودعا الإنسان إلى النظر في آيات الله الذي خلق كلّ شيء فأحسن صنعه، وأحكم تدبيره، وما أودع في هذا الكون من بديع الصنع، وإحكام التنسيق( إِنّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنّوَى‏ يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَيّ ذلِكُمُ اللّهُ فَأَنّى‏ تُؤْفَكُونَ ) ( فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) ( ألم نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادا* وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً* وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجا* وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً* وَجَعَلْنَا الّيْلَ لِبَاساً* وَجَعَلْنَا النّهَارَ مَعَاشاً* وَبَنيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً* وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهّاجاً* وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجّاجاً* لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً* وَجَنّاتٍ أَلْفَافاً ) ( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى‏ بِمَاءٍوَاحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَى‏ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) إلى أمثال ذلك من الآيات.

أجل: أمر بالنظر ثمّ بعد النظر والتفكير في صنع القادر الحكيم، الإيمان بالله الواحد الأحد؛ ليخلّص الإنسان من رقّ تقليد الآباء، وقد نعى على الإنسان الركود، والرجوع إلى الآباء، والأجداد في كثير من الآيات.

وكتاب الله سبحانه الذي شقّ طريقه إلى قلوب الظمأى إلى عدالة الحقّّ لم يتبدل، ولم يصبه تحريف. وإنّما انحرفت نفوس قامت على إنفاذ شريعته ونصوصه، متأثرة بعوامل هدّامة في المبدأ والمنتهى، وما زالت تعيش بين المسلمين، وتمدّ حبائلها وشباكها إلى القلوب والضمائر، فتجرفها عاصبة عيوناً بعصابة من التصّعب المقيت.


بيد أنّ هذا عهد غَبَر، وتولت أيامه، وانتهت دولته إلى أسوأ مصير، وبدأت الحقيقة تنكشف مشعّة لمّاعة، وليس على طالب الحقّ إلاّ أن يضع كتاب الله بين يديه، يقلّب صفحاته الصفحة الصفحة. فليس ثمّة أحد أرحم يطالب بحق من الله، ولا أحد أعلم بالخلق ظاهرهم، وباطنهم منه تعالى. ثمّ يضع سنّة رسول الله يقلبها حديثاً فحديثاً.

وكتاب الله، وسنّة نبيه صريحان بأنّ آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أفضل مَنْ أقلّته الأرض، وأظلّته السماء. والقارئ يقرأ في كتاب الله المجيد المراسيم الإلهية بالتزام جانب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومودة قرباه، وهم عليٌّ وفاطمةٌ وحسنٌ وحسينٌ عليهم السلام، ومن استوعب القرآن استيعاب تأمّل واستقصاء، وقرأه قراءة تفهم واستنتاج، استخلص منه أعظم المدح والثناء على آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا أريدك أن تقرأ فيه الآيات الثلاث مئة التي أنزلت في عليٍّ ( ع )(1) ، ولكن اقرأ قوله تعالى في سورة الأحزاب ( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنّه قال: « نزلت في خمسة، فيّ وفي عليٍّ والحسن

____________________

(1) في ينابيع المودّة: أخرج الطبراني عن ابن عباس (رض) قال: نزلت في عليّ أكثر من ثلثمائة آية في مدحه.


والحسين وفاطمة »(1) .

وجاء في القرآن في سورة حم الشورى( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ‏(2) وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنّ اللّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى‏ عَلَى اللّهِ كَذِباً ) ، وقد رووا إنّه لما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ قال صلّى الله عليه وإله وسلم:

«عليٌّ وفاطمة وابناهما »(3)

____________________

(1) في الكلمة الغرّاء ص 7 ، وقد أورد الإمام جلال الدين السيوطي، في تفسير هذه الآية من كتابه الدرّ المنثور، عشرين رواية من طرق مختلفة، في أنّ المراد من أهل البيت هنا، إنّما هم الخمسة لا غير. وذكر ابن جرير الطبري - كما في الشرف المؤبّد للنبهاني - خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية عليهم بالخصوص.

(2) القربى كالزلفى، وهي بمعنى القرابة، والاستثناء متّصل، والمعنى لا أسألكم على أداء الرسالة شيئاً من الأجر إلاّ أن تودوا قرابتي، ويصح الاستثناء منقطعاً، أي لا أسألكم عليه أجراً، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي.

(3) أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، كما في الصواعق المحرقة لابن حجر، وأخرجه أيضاً عنه ابن المنذر وابن مردويه والمقريزي والبغوي والثعلبي في تفسيرهما، والسيوطي في درره المنثورة صرّح بذلك النبهاني في أربعينه في الشرف المؤيد.

ونحن لا نريد أن نأتي على كلّ ما جاء في هذه الآيات الكريمة، من رواية وتفسير، وبحسب القارئ أن يطلب الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء، لسماحة الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين، فإنها وضعت خصّيصاً للبحث في هذه الآيات الكريمة والأحاديث الواردة في تفسيرها، وقد أوضح هناك دلالة هذه الآيات بأجلى بيان، وأوضح برهان، فجزاه الله عن الحقّ وأهله خير جزاء المحسنين.


واقرأ إن شئت سورة الدهر - هل أتى - وأمعن النظر في آية الأبرار منها، واستوعب استيعاب متأمل نصوصها، وروح معانيها؛ لتعلم أنّ أهل هذه السورة قد بلغوا الشأو، ووصلوا إلى القمّة العليا، وانتهت بهم المثاليّة إلى أقصى الحدود التي لا تصل إليها الأفكار، ولا تبلغها العقول.

ثمّ اقرأ آية المباهلة من سورة آل عمران( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ؛ لتعلم أنّهم سلام الله عليهم، كما قال فيهم الجاحظ (صفوة الأمم، وخيرة العرب والعجم. ولباب البشر، ومصاص بني آدم، وزينة الدنيا. وحلية الدهر، والطينة البيضاء، والمغرس المبارك، والنصاب الوثيق، ومعدن المكارم، وينبوع الفضائل، وأعلام العلم، وإيمان الإيمان) وخيرة الله للتأمين على دعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبرهانه على صحّة الإسلام، والدعامة لتركيز الإيمان.

ولقد فهم المسلمون يوم كانوا خلوا من المؤثرات السياسية مزيد عناية الله


بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سبيلهم إلى فهم ذلك، القرآن الكريم، ورسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذه حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، غير أنّا نبخس الحقيقة والواقع حقّهما إذا أنكرنا أنّه كان في الأفق الإسلامي بعض السحب الداكنة كانت تلوح حيناً، وتضمحلّ حيناً آخر، ورسول الله والقرآن المجيد لم يكونا كفيلين باقتلاع بذرة الحقد على عليّ بن أبي طالب ( ع ) التي كانت مغروسة في النفوس، والتي نمت بعد رسول الله (ص)، أو في اليوم الأوّل من وفاته، وامتدت أغصانها في العصور المتوالية، وإلى يومنا هذا، وإلى أن يشاء الله، وليس من موضوعنا أن نتبسّط هنا، ولا نريد أن ننغمس في هذا الحديث.

ومهما يكن من أمر فإنّ الآية الكريمة والآيات التي تقدمتها براهين واضحة جليّة على سموّ فضلهم، وعلوّ قدرهم، ورفعة مقامهم، وإنّهم صفوة الصفوة ولباب اللباب، والخيرة الخيّرة من عامة المسلمين، لا يدانيهم أحد من الخلق ولا يضاهيهم، ولا نريد أن نستوعب الكلام في هذه الآيات، ونحيل القارئ الكريم على (الكلمة الغرّاء في تفضل الزهراء) الملحقة بكتاب الفصول المهمّة، الطبعة الثانية لسماحة البحّاثة المتتبع الثبت حجّة الإسلام السيّد عبد الحسين شرف الدين المجاهد في سبيل الله والحقيقة، وهناك تجد ما يزيل كلّ ريب أو شكّ، بأجلى بيان، وأوضح برهان.

* * *

فتح رسول الله ( ص ) مكّة، فجفل العرب الوثنيّون، وهالهم أمر


رسول الله، واضطرب النصارى في نجران، وانخلعت قلوب القسس الذين يديرون شؤون كعبة نجران، وهالهم انتشار الإسلام، وبيناهم في حيرتهم سادرون إذ ورد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدعوهم للإسلام، أو إعطاء الجزية، أو ينابذهم الحرب، والحرب كانت علاجاً مرّاً يتجرّعه رسول الله ( ص ) على كره دفعاً للأذى وكفّاً للفتنة، وليس من موضوعنا أن ندخل في هذا البحث.

عظم على رؤساء نجران هذا التحدي من النبي( ص )، وعقدوا مؤتمراً عاماً اجتمع فيه رؤساء النصرانية، ورجال حربها وأحلافهم، يشتورون فيما يجب عليهم أن يصنعوه، لأنّ عوامل الخطر أصبحت تحيط بنجران بصورة خاصة، وبالنصرانيّة بصورة عامّة، وأصبح الإسلام قويّ الدعائم بشمول عدله، وقوّة برهانه، وقد تلقّى الدعوة الإسلامية من تلقّاها وهو مستريح إليها؛ لأنها دعوة طبيعيّة ليس فيها ما ينفيه العقل أو ينافيه، وليس فيها ما يحجزه عن النظر في ملكوت السماوات والأرض، بل الإسلام دعوة إلى ذلك بصراحة رفعت كلّ الحواجز، وسهّلت جميع السبل.

ويلوح أنّ المؤتمر كان صريحاً اتّسع فيه المجال لرجاله المتعاقدين للنظر في الحوادث الجسيمة، التي تقع على مقربة منهم، وتحت سمعهم وبصرهم.

وقد أهمل التاريخ - على عادته - ما دار في ذلك المؤتمر من جدل عنيف بين الأقطاب المشتورين في صحّة رسالته وصدق دعواه.

والذي يلوح أنّه ليس بمستطاع للتاريخ أن يقول كلمته في ذلك، وليس


في استطاعة المؤرّخين أن يبحثوا عن أصول الحوادث، أو يقولوا كلّ شيء، فإنّ شيئاً مخوفاً كان يكمّ الأفواه، ويلجم الأقلام، ولو أنّ المؤرخين عنوا بانتهاج الحقائق حقّ العناية، لكان للتاريخ صورة صحيحة صادقة ليس فيها التواء ولا إسفاف، ولكن للسلطة كلمة خاصة لابدّ أن توحي بها إلى الأقلام، فلا تستطيع هذه أن تحيد عنها، أو تخرج من محبسها الضيّق، والمؤرخون إنّما يكتبون ما تلوح به لهم السياسة، وما تفرضه عليهم فرضاً؛ ليكونوا بمنجاة من خبثها ولؤمها.

أو لعلهم كما يظنّ بعضهم (إنّ المؤرخين لم يوفّقوا إلى إقامة التاريخ على سنن منطقيّة، وقواعد نقديّة تحتفل ببيان الدوافع والعوامل التي تهيّئ ظروف التاريخ المختلفة، وتحدد له الاتجاهات)(1) ، ونحن نرى أنّه كان للسياسة أثر كبير في توجيه التاريخ، وكان للعقيدة أيضاً أثر في تسييره، أقول هذا وأنا أرى وجوهاً من الأدلّة تفيض في نفسي، ولا معدّي عنها عند تحليل الحوادث التاريخية.

ولاشكّ أنّ هذا الإرهاق السياسي الذي وقعت الأقلام تحت وطأته، وتلك الحدود الضيّقة التي حبست بها الأقلام والأفكار، كانت باعثاً قويّاً إلى توجيه أفكار رجال صالحين من أهل العلم والأمانة، عملوا تحت نكبات الصعاب فدوّنوا كثيراً من الحقائق بأمانة وإخلاص كما هي، بعيدين عن أغراض السياسة وأهدافها.

ولقد كلّف هؤلاء الأعلام بالحق لذات الحقّ، وهو الذي حمّلهم على

____________________

(1) هذا رأي الأستاذ عبد الله العلائلي، وقد استقاه من اللورد اكتن.


تسجيل الحقائق وتدوينها، وهذا الشعور دائماً هو مفتاح أعمالهم، وشفافية نفوسهم الطيّبة، فتحمّلوا النكبات، وصبروا على الأذى، ولم يخفهم سمل العيون، وقطع الأيدي والأرجل، والصلب على جذوع النخل.

ومن الحقائق التي حُملت إلينا على لسان أولئك البررة، بأمانة وإخلاص، حديث مؤتمر نجران، وما دار فيه من جدل وحوار، ونحن نقدّمه إلى القارئ في خاتمة هذا الكتاب، ولعلّ هذا الحديث النادر هو الذي حملنا على إفراد هذا الكتاب.

.. في سنة 1347هـ أخرجت المطبعة رسالة سماحة المجتهد الأكبر البحّاثة الجليل السيّد عبد الحسين شرف الدين (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء)، جاء في الصفحة الثالثة ما نصه بالحرف: (وقد تصدّى سيدنا الشريف المقدّس ابن طاووس لتفصيل المباهلة ومقدماتها، وما كان قبلها في نجران، من المؤامرات، والمناظرات في جلساتهم المنعقدة لذلك، حين دعاهم سيد الأنبياء والمرسلين إلى الله تعالى، وأرسل إليهم في ذلك رسله، فليراجع الإقبال من أراد الوقوف على تفصيل تلك الأحوال، ليرى أعلام النبوة، وآيات الإسلام، وبشائر النبيين بسيّدهم محمّد ( ص )، وبعترته الطيبين الطاهرين، وبذريته المباركة من بضعته سيدة نساء العالمين، وكنتُ أردتُ أن أخرج هذه القصّة من كتاب الإقبال، وأنشرها في رسالة على حدة، تعميماً لفوائدها وتسهيلا لطالبها، ولعلّ بعض أهل الهمم العالية، ممن حبسوا نفوسهم على نشر الحقّ يسبقني إلى ذلك فأكون قد فزت بتنبيهه إلى هذه المهمة).


جلجل الصوت في سمعي، فإنّ الدعوة جميلة، ومنبعثة عن شعور قلب كبير، استوعبت مشاعري، ووعاها سمعي وبصري، لأنها دعوة الخير مسّت القلب فتحرّك، وقرعت السمع فوعاها الذهن، ولكنّها رهيبة! أمن المستطاع أن تقرن بالتلبية؟. أم هي تبقى عصيّة على هذا القلم القاصر؟!..

لقد حبست نفسي على نشر الحقّ، وأوقفت هذا القلم - إن صحّ التعبير - على نشر الحقّ أيضاً، غير أنّي لست من أهل الهمم العالية الذين يقرنون الدعوة بالتلبية، ولكنّ الصوت العالي المنطلق في الفضاء من الرجل الكبير، كان رنّاناً عذباً مشت على نغماته النفس، وتحركت فيها البواعث القويّة لإخراج هذه الصورة عن مؤتمر نجران، التي حملها إلينا سيّدنا السيّد ابن طاووس، ولكنّها مقدّمة بأحاديث معقبّة بشروح وحواشي، غير أنّها رغبة أبت أن تحققها الأيام، وانحسر الستر عن القضاء فإذا هو باسم ساخر!..

وكيف مضى الزمن والفكرة لم ُتحقق!؟

وليس عجباً أن تبقى الفكرة طوال هذه المدّة إذا كانت مقودة بزمام القضاء والقدر، ولكنّ الفكرة لم تتزحزح عن مكانها الذي ولدت فيه، وإنّما ركدت تحت أكداس من رماد القضاء.

* * *

لم يتغير المبدأ الذي اتّخذته لنفسي منذ تنسّمتُ الحياة العملية في ميادين الأعمال، ولم تتبدل الفكرة، إنّما برزت بروزاً واضحاً منذ سمعت الصوت من الرجل الجليل، وأخذت أمهّد السبل بالمطالعة والبحث عن يوم المباهلة، وإذا


بكتاب (فجر الإسلام) يشقّ طريقه من الأفق المصري، وله في السمع دويّ مجلجل، وفي القلب طعنات دامية، وفي الضمائر وخزات مؤلمة، فتركت يوم المباهلة وحديث مؤتمر نجران إلى كتاب (تحت راية الحقّ) في الرد على طعون (فجر الإسلام).

كانت طعون كتاب فجر الإسلام قاسية لا يرتكبها أديب مفكّر، ولا يقدم عليها عالم مثقّف، ولكن شاء الأديب الأستاذ أحمد أمين أن يتخلّى عن أدبه وعلمه، وشاء أن يكون مسفّاً ملتوياً، وأبت عليه نفسه أن يكون حرّاً، ودفعته إلى التقليد فكتب مقلّداً، وطعن ظالماً، وتحدّث بغير رويّة فتنكّب عن الصراط السوي، فأنكره الأدب والعلم، وأسف فجفاه الخلق والتوى في الطريق ففقد الثقة.

وكان من الطبيعي لنا أن نترك كتاب (المباهلة)، ونترك كلّ شيء، فإنّ كتاب فجر الإسلام بما يحمله من طعون دامية يحتاج إلى محاسبة دقيقة.

وأقول دقيقة لا لأنّ كتاب فجر الإسلام جاءنا بشيء جديد لم يفترِه من قبل ابن تيمية والشهرستاني وابن حزم الظاهري، ولم يلصقوه بالشيعة، وإنّما يوم أحمد أمين موصول بماضي سلفه، وليس ما في كتابه إلاّ حلقة تلتقي بأخواتها المختفية خلف التاريخ، وكأن تلك الأنفس التي لفّها الماضي بطيّاته تقمّصت في هذا الإنسان الذي يسمونه اليوم أحمد أمين.

وهكذا أسيء إلى العلم والحق مرّة ثانية، لكن مع الفرق بين الإساءتين فإنّ تلك كانت في عصور مظلمة ظالمة غايتها إرضاء المحكوم لحاكمه


من عقيدة أو سياسة، لا للحق والحقيقة، وتعتبر اليوم أنّها انحرفت عن وجهة الحقّ وغادرته لكن إلى عقبى وخيمة سيّئة أدت إلى سخط المنصفين، وليس معنى هذا إنّه لا يوجد اليوم بين المسلمين من لا يحترم تلك الأقلام المهوشة، فإنّ كتاب فجر الإسلام يعلن بأن لا تزال باقية، ولكن حتماً إنّ هؤلاء سيفقدون قيمتهم الاجتماعية.

والإساءة الثانية كانت في عصر النور والحريّات، ولكنّها تستقى من تلك العصور المظلمة، ولا نعلم الهدف الذي يرمي إليه الأستاذ أحمد أمين وأمثاله، وقد أنار العلم طريق الحياة، وأخذ الشعور بحب التحرر من تلك الآراء البالية يراود النفوس الحرّة، وينير لها الطريق، ولم يبقَ لتلك العناصر الهدّامة أي قيمة، غير إنّه يلوح في الأفق أن عوامل الوراثة لم تمت في النفوس، وإنّما ركدت قليلاً، وهي تعود إلى سيرتها الأولى، وإلى ما كانت عليه من قبل في عهدها الأول، تسير في الأفق الضيّق، منبعثة عن ذلك الشعور الذي لم يعرف الحقّ، وإنّما هدفه النفوذ إلى مآرب خاصة، ولا يبالي من أيٍّ كان طريق النفوذ، لا يعلم واجبه العلمي، وغير مقدّر تبعة ذلك.

هذه حقيقة راهنة لا سبيل إلى نكرانها ما دام يكشف عنها كتاب فجر الإسلام، وليس من موضوعنا أن نسير وراء أهداف الكتاب، وقد كشف عن نوايا الأستاذ أحمد أمين طعونه التقليدية.

وبالجملة فقد انصرفنا عن كتاب المباهلة إلى الرد على مطاعن فجر الإسلام، وكتبنا كتاب (تحت راية الحقّ) وقدّمناه إلى المطبعة ثمّ خرج منها


عائداً إلى العراق المأوى الذي خرج منه، ولكن مع الأسف لم يكن بالحسبان أنّ الكتاب يحبس في زاوية من زوايا الكمرك في العراق ثمّ يحرق.

أحرق الكتاب فكانت الصدمة عنيفة جدّاً، وعلمت آنئذ أن الحقّ لا يزال سجيناً في قفصه، وكلّ ما يستطيع أن يفعله، فعل الأسود في المحبس الضيّق، وعلمت أيضاً أنّ العلم لا يزال في محبسه الضيق تحوطه سيوف السياسة ورماحها، ولم تهيّئ له الانطلاق والتحرر؛ لأنّ اللحظة المرجوّة لبروز العلم والحقائق لم يأتِ وقتها.

* * *

وفي يوم من أيام سنة 1366 كنت جالسا في مكتبة الجامعة في بغداد، مع جماعة من أهل الفضل والأدب، وكان الحديث متنوعاً لم تُحدد أطرافه وإذا بالأستاذ.. وهو أحد المحامين المطّلعين يدخل علينا، ولم يمهلنا نحن الجالسين لحظة واحدة لنعطيه مكانه من مجلسنا، وإنّما توجّه إليّ بالسؤال التالي: أرأيت كتاب الإقبال؟.

استقبلت السؤال بهدوء. ولماذا؟! وما في الإقبال؟ كأنّه كتاب يقرؤه أولئك البررة الذين يجِأرون إلى الله بالدعاء، فإن فيه أعمال الشهور وادعيتها فهل أنت ممن يقرأه؟.

- (إن فيه حديث مؤتمر نجران، وفيه أدب جمّ، وتاريخ أهملته كتب التاريخ، وفيه التعريف بفضل أهل بيت النبوة، آل رسول الله( ص ) الذين غمط حقهم المؤرخون.. أخرجه.. أخرجه للناس وللمستشرقين).


لقد كان في دعوته حرارة، وفي كلماته صدق، وعلى قسمات وجهه شيء من الجدّ الصريح.

كلمات لمست بإحدى يديها قلبي، وبالأخرى أزاحت الستار عن تلك الفكرة المدفونة، وكأنه شعر أنّ لحديث نجران موطن في نفسي، فأراد أن يزيح الرماد، وينفخ في النار.

نفخ النار. وعاد ذلك الصوت من فم الرجل العظيم الجالس في (صور) بجرسه الرنّان، صيحة عالية عذبة الرنّة، قرعت السمع فهفا إليها القلب، فتقدّمت إلى القلم والكتاب، وعدت إلى الموضوع الذي أهملته من قبل، وها أنا أقدّم هذا الكتاب إلى قرّائي الكرام، تلبية لذلك الصوت الذي حفظه الأثير بين ذرّاته فإن كنت أصبت الهدف فذلك من فضل الله عليّ، وإن أخطأني الحظ فتلك زلّة يغفرها لي الداعي الأوّل وقرّائي الكرام.


نجران

من الأمور القطعيّة التي لا شبهة فيها، تطور الديانات على اختلاف الأدوار التي مرّت عليها، ولم تطّرد في طريق واحد متدرّجة صعوداً، أو متراجعة هبوطاً، والديانات التي نشأت في الشعوب كانت على أطوار مختلفة، لا يمكن الحكم عليها بالتدرّج، وإنّما كانت صاعدة هابطة، ولم تكن على طور واحد.

ومن الصعب جدّاً التعرّف على تلك الأطوار التي مرت عليها مختلفة في شكلها وطقوسها، لأن كلّ ما وصل إلينا ظنّ لم يؤدي بالبرهان الصحيح على أنّه ليس من موضوعنا الحديث عنها، لنتبسّط في ذلك، ولا تهمنا بقليل ولا كثير.

وأما العقيدة بالإله أو الرب، فهي فكرة سايرت الإنسان في كلّ الأدوار، وآمن بها في أقدم العصور، وإن كانت أحيطت بكثير من الضلال والسخف. ولقد تعددت الأرباب عند الأمم الغابرة فتجاوزت العشرات إلى المئات، وربما كان لكلّ أسرة من الأسر ربّاً تعبده مضافاً إلى إله القبيلة، وربما كان للشخص الواحد ربّاً يعبده وإذا خرج للسفر - إن أذن له - يصحبه، كما هو الشأن عند بعض العرب.

ولم تكن هذه الأرباب نوعاً واحداً، وإنّما هي أنواع شتّى، تمثّل أفكاراً شتّى كالأرباب التي تمثّل مشاهد الطبيعة كالبرق والرعد والمطر، وأرباب


الأسر والقبائل وإله الخلق إلى غير ذلك، وربما أشاروا بتماثيل مختلفة الصور والأشكال، وقد اختلفت درجات قدسها بنظرهم.

وفي نهاية مطاف أطوار الديانات المختلفة جاء (التوحيد)، ومعناه عندهم كما يلوح لنا: هو إله يعلو جميع الآلهة، وينفرد بالعظمة والجلال.

ثمّ الأديان الكتابيّة - بعد تلك الأطوار - هي التي أشارت إلى الله سبحانه، وأثارت فكرة التوحيد الصحيح، وعلّمت الناس عبادة الإله الواحد الأحد، الذي خلق كلّ شيء، ووسعت قدرته كلّ موجود في السماوات والأرض، وإنّه لا شريك له في خلقه، ولا شبيه له في عظمته، تفرّد بالكمال، وتنزّه عن النقص، لا تدركه الأبصار، وأحاط بكلّ شيء علمه، وهو على كلّ شيء قدير، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

والسيد المسيح سلام الله عليه هو أحد الدعاة إلى توحيد الله، جاء في جوٍّ مضطرب بالعقائد المفتونة بالفلسفة، فدعا الناس إلى الله، وذكّرهم بالله الرءوف الرحيم، وأمرهم بعبادة الله الواحد الأحد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن في دعوته ما يمسّ الوحدانية بشيء، ولكن الأناجيل - وقد جاءت بعد عصره بجيلين - أشارت إلى أنّ المسيح ابن الله (وأنا قد رأيت وشهدت أنّ هذا هو ابن الله). يوحنا 24 اصحاح 1 ، وأشارت إلى إنّه قال (أنا الراعي الصالح). يوحنا 14 اصحاح 10. وأشارت إلى إنّه ابن الله (قد أتيت باسم أبي). يوحنا 43 اصحاح 5 (وكما أن الأب يعرفني اعرف الأب) يوحنا...

ثمّ تطورت النصرانية، وامتزجت بعقائد وثنية، واعتقدت الثالوث المقدّس، أو الأقانيم الثلاثة: الأب والابن وروح القدس، واعتقدت الكنيسة


اتحاد هذه الأقانيم الثلاثة. (وأنّ الأب والابن وجود واحد، وإنّك حين تقول الأب، لا تدل على ذات منفصلة عن الابن، أو روح القدس، لأنّه لا انفصال، ولا تركيب في الذات الإلهية) وهم شيء واحد، (وإن كان يستحيل على العقل البشري إدراك كيفية الاتّحاد)(1)

ولم يكن هذا التثليث المتّحد معروفاً عند العرب، ولا مما يصل إليه عقل العربي، ولا من ديانتهم، ولكنّه عبر حوض البحر المتوسط والبحر الأحمر - بحر القلزم - إلى شبه جزيرة العرب، واستقرّ في (نجران) إلى جانب الوثنية في (مكّة) يتصارعان.

* * *

إنّ الوثنية كانت تتصرف بعقول الأسر، والقبائل العربية في شبه جزيرة العرب، ووجدت فيها تربة خصبة، ومنهلاً عذباً، ومرتعاً صالحاً، وقد كان للعرب أفانين شتّى في عبادة الأوثان، وكان لهذه الأوثان في نفوسهم مكانة جليلة، وقدسيّة عظيمة، ويلوح أنّها لم تكن في درجة واحدة من القداسة، فصنم القبيلة أفضل من صنم البيت، وصنم الكعبة أفضل من صنم القبيلة، وقد اختلفت أشكال هذه المعبودات، فالصنم - وهو ما كان متخذاً من خشب، أو معدن على شكل الإنسان - غير الوثن المتّخذ من حجر على شكل الإنسان، وهما غير النصب، وهو صخرة غير ذات صورة معينة.

وكذلك اختلفت درجات هذه الأصنام، فهبل مثلاً كبير آلهة العرب، وهو منصوب على ظهر الكعبة يحجّون إليه من كلّ فجّ عميق.

____________________

(1) المسيحيّة والإسلام للأب لويس اده.


ولم يكتفِ العرب بهذه الأصنام الكبرى، بل ربما كان بعضهم، أو أكثرهم يتخذ له صنماً في بيته يطوف به عند خروجه، وساعة أوبته، وربما صحبه معه في سفره.

وكانوا يعتبرونها الوسيط بينهم وبين الله، ويعبدونها لتقرّبهم من الله زلفى، فهم يذكرون الله على ألسنتهم، ويسمون عبد الله وتيم الله، إلاّ أنّهم نسوا عبادة الله، واقتصروا على عبادة هذه الأصنام.

* * *

ولقد تسرّب إلى الجزيرة العربية ديانات أخرى اصطدمت مع ديانتهم، تسربت إليها اليهودية، وكونت لها مستعمرات في شبه الجزيرة أهمّها يثرب، ونشط اليهود لبثّ دعوتهم، وعملوا على نشرها في الجنوب، وتهوّد كثير من أهل اليمن.

وتسرّبت إليها النصرانية، ولم يكن طريقها من الشمال فقط، فإنّ النصرانية امتدّت إلى الحبشة، ثمّ عبرت البحر الأحمر إلى اليمن، ثمّ استقرّت في نجران، وكذلك تسرّبت من الشام إلى الحيرة، وامتدّت على شاطئي دجلة والفرات.

* * *

النصرانية الحقيقية التي جاء بها عيسى ( ع )، ديانة روحيّة مقدّسة، لم تكن لتختلف بجوهرها عن الديانة اليهودية التي جاء بها موسى ( ع )، وكذلك لا تختلف عن الإسلام بقدر ما يتراءى اليوم من الذين يدينون بالأديان الثلاثة.


وهي دين سامي متقشّف دعا إلى الزهد، والمسالمة (اترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله) (ومن ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) ولم يكن فيها أي جدل في طبيعة السيّد المسيح، ولكنّها اصطدمت بمدرسة الإسكندرية - وكانت ملتقى ثقافات، ومجمعاً من مجامع العلم، والحركة الفكريّة - والتقى الفكر السامي القائل بطبيعة واحدة بالفكر الروماني الوثني، ولم تخرج المسيحيّة بريئة من هذا المجتمع، وإنّما تلقّحت بالتثليث، وبهذا تزحلقت النصرانية عن سموّها الروحي، وهوت من علياء مراتب الإيمان الكامل إلى الجدل في المسيح وأمه عليهما السلام، وعبادة الصور مما قربها إلى الوثنية.

ولم تكن النصرانية من قبل تعرف الصور، ولكن المؤتمرات التي كانت تعقد تباعاً، وتقرر بشأن طبيعة المسيح ( ع ) هي التي كانت تقرر إدخال الصور، وبعض المؤتمرات كان ينفيها، والذي يلوح إنّه كان للأهواء الشخصية أثر كبير في ذلك.

وقد انشقّت النصرانية على نفسها إلى فرق عديدة، فرقة يرون أنّ المسيح هو الله، وأنّ الله والإنسان اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح. وأخرى قالت إنّ للمسيح طبيعتين متميزتين، الطبيعة اللاهوتية، والطبيعة الناسوتية. إلى غير ذلك من الفرق، وقد أشار القرآن المجيد وردّ عليها فقال:( لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ إنّه مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الجنّة وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مَنْ أَنْصَارٍ ) ،( لَقَدْ كَفَرَ الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إله إلاّ إله وَاحِدٌ ) ،( قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ


مَرْيَمَ وَأُمّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) . والمسيح نفسه نفى ما ينسب إليه من ادعاء الإلوهية، كما نصّ على ذلك الكتاب المجيد( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيـسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتّخِذُونِي وَأُمّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أعلم مَا فِي نَفْسِكَ إِنّكَ أَنْتَ علاّمُ الْغُيُوبِ ) .

(ويلوح أنّ فكرة التثليث لم تكن قبل القرن الثالث للميلاد، وإنّ أول من نشر فكرة التثليث هو راهب مصري اسمه انتاسيوس، كان البابا العشرين لكنيسة الإسكندرية من سنة 326 - 373)(1) .

والذي يظهر أنّ الذي عبر إلى الجزيرة العربية من هذه العقائد عقيدتان: العقيدة النسطورية، والعقيدة اليعقوبيّة، وانتشرت النسطورية في الحيرة، واليعقوبية عند الغسانيين وسائر بلاد الشام، ويظنّ بعضهم أنّ نجران كانت على مذهب اليعاقبة.

وقد انتشرت التعاليم المسيحيّة بين العرب، ووجد فيهم مَنْ يميل إلى الرهبنة، وبناء الأديرة، واشتهر منهم قس بن ساعدة، وذكروا إنّه (كان يتقفّز القفار، ولا تكنّه دار، يحتسي الطعام، ويأنس بالوحش والهوام)

وذكروا أنّ قسّاً هذا كان أسقف نجران، وكذلك اشتهر منهم أميّة بن السلط، وورقة بن نوفل.

وقد نشط القسس والرهبان للتبشير بالدين المسيحي، وكانوا يردون أسواق العرب لهذه الغاية.

____________________

(1) راجع تاريخ الكنيسة المصرية، هلال شهر ديسمبر 1927.


وكان أهمّ موطن للنصرانية في الجزيرة العربية نجران - وهي من مخاليف اليمن من ناحية مكّة - وكانت بلدة زراعيّة خصبة (عامرة بالسكّان تصنع الأنسجة الحريرية، وتتاجر في الجلود، وفي صنع الأسلحة، وكانت إحدى المدن التي تصنع الحلل اليمانية التي تغنّى فيها الشعراء، وكانت قريبة من الطريق التجاري الذي يمتدّ إلى الحيرة). وتغنّى بنجران وبكعبتها الشعراء يقول الأعشى:

وكعبة نجران حتم عليـ

ك حتّى تناخى بأبوابها

نزور يزيداً وعبد المسيح

وفيساهم خير أربابها

وشاهدنا الجل والياسمو

ن والمسمعات بقصابها

وبربطنا دائم معمل

فأيّ الثلاثة أزرى بها

وذكروا إنّه أهلها كانوا قبل النصرانية (على دين العرب يعبدون نخلة عظيمة بين أظهرهم، ولها في كلّ سنة عيد، فإذا كان ذلك العيد علّقوا عليها كلّ ثوب حسن وجدوه، وحليّ النساء)، وقد ذكروا أسباباً لاعتناق أهلها دين النصرانية، ولكن في كلها مجال للشك، ولا يهمنا تحقيق ذلك.

ومهما يكن من أمر فإنّ نجران تنصّرت، وصارت مركزاً مهماً للنصرانيّة، وبنوا فيها كعبة على غرار الكعبة في مكّة قال ياقوت:

(وكعبة نجران هذه - يقال - بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، وعظّموها مضاهاة للكعبة، وسموها كعبة نجران، وكان فيها أساقفة معتمّون، وهم الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ودعاهم إلى المباهلة)(1)

____________________

(1) معجم البلدان ج 8، ص 264.


وقد غزا ذو نواس نجران بجنوده، ودعاهم إلى اليهوديّة فأبوا عليه، وذكروا في سبب ذلك(أنّ يهوديّاً كان بنجران عدا أهلها على ابنين له فقتلوهما ظلماً، فرفع أمره إلى ذي نواس، وتوسل إليه باليهودية، واستنصره على أهل نجران - وهم نصارى - فحمى له ولدينه وغزاهم)، وقتل جماعة بالسيف، وجماعة خدّد لهم أخدوداً من نار، وألقاهم فيه، وبعضهم يرى إنّه نزل في تلك الواقعة قوله تعالى( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ* النّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ* إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ* وَهُمْ عَلَى‏ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ* وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاّ أَن يُؤْمِنُوا بِاللّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) وللشك في ذلك مجال واسع. وقد استنجد نصارى نجران بالحبشة؛ فانجدوهم، وغزوا بلاد العرب، وهزموا ذا نواس، واستمرّت النصرانيّة في نجران تحميها الحبشة من الجنوب والروم من الشمال.

وكان يتولى كعبة نجران - وإن شئت فقل نجران وتوابعها - ثلاثة: السيّد - واسمه وهب - ويظهر أنّه كان يدير الأمور الخارجية، ويتولى أمور العلاقات بينهم وبين القبائل من غيرهم، وهو ما نسميه اليوم وزير الخارجية، وكان أيضاً رئيسهم في الحرب، وهو ما نسميه وزير الحربية، أو وزير الدفاع. والعاقب - واسمه عبد المسيح - وكان يتولّى الأمور الداخليّة، وهو ما نسميه اليوم وزير الداخلية، والأسقف - وهو أبو حارثة - وكان يتولى الأمور الدينية. ولكن المهمات كانت يشتور الثلاثة فيها. قال ياقوت:

(ووفد على رسول الله ( ص ) وفد نجران، وفيهم السيّد - واسمه وهب - والعاقب - واسمه عبد المسيح - والأسقف - وهو أبو حاتم - وأراد رسول الله ( ص ) مباهلتهم فامتنعوا، وصالحوا النبي ( ص )؛ فكتب لهم كتاباً فلمّا وليّ أبو بكر نفذ ذلك لهم، فلمّا وليّ عمر أجلاهم واشترى أموالهم).


وفد نجران

في لحظة قصيرة من الزمن خفق علم الإسلام في الجزيرة العربية، وانطلقت الألسن في البيوت، وفي المساجد، وعلى المآذن، تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً رسول الله، في كلّ يوم خمس مرات.

وفي لحظة قصيرة جدّاً رأيت القلوب تهتزّ طرباً عندما تنطق الشفاه بهذا الاسم المبارك الأغر.

فإن قرابة عشرين سنة يستظهر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وثنية العرب دين آبائهم وأجدادهم هي لحظة من الزمن قصيرة جداً، وما عشرون عاماً إذا قسناها إلى الجهود الجبّارة، والفتح العظيم، والانتصار الباهر على الوثنية.

لم يكن من حجّة لدين محمّد صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمن طويل ليظهر فيه على الأديان كلها، فإنّه دين تسكن إليه النفوس مؤمنة بدوام ظله وشمول عدله.

ولم يكن من حاجة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمن طويل ليستظهر على الوثنيّة الرعناء، وعلى النصرانية المتزحلقة، وعلى اليهوديّة المتكالبة؛ لأنها دعوة ليس فيها ما ينفيه العقل.


وهل محمّد إلاّ رسول الله، أرسله رحمة للعالمين؟

وهل محمّد إلاّ بشير ونذير؟

وأي نفس سامية تتردد في ترك عبادة الأوثان، لعبادة الله الواحد الأحد؟.. وأي نفس سامية مفتوحة للحق ولا تتسع لتعاليم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟.. أليس يدعو الناس إلى الحب والمودة والإخاء في الله، وإلى التراحم والبر والإحسان، وإعطاء السائل والمحروم، والبر باليتيم؟ ويدعوهم فيما يدعوهم إلى فكّ العقل من قيوده، وإلى الحريّة المطلقة، ويدعوهم إلى ترك الرذيلة، وإلى التمسّك بأهداب الفضيلة، ويدعوهم إلى توحيد الله الذي خلق كلّ شيء، وبيده ملكوت كلّ شيء، يدعوهم إلى تحطيم كلّ ما بينهم وبين الله سبحانه، من أغلال لا هبل ولا اللات ولا العزّى؛ فإنها كلّها لا تغني عن الله شيئاً.

* * *

لقد أعدّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلّ العدد، وهيّأ الله له الأسباب، وجاء نصر الله والفتح، وفتح رسول الله ( ص ) مكّة، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأقام الرسول( ص ) في المدينة، ومعه المسلمون مستريحين إلى نصر الله، وقد كلل جهادهم بالفوز والظفر، واستتبّ الأمر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، استتباباً جعل العرب الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله ( ص ) يخافون سطوة الإسلام فتوافدوا على رسول الله ( ص )؛ ليدخلوا في دين الله.

ولكنّ هذا كلّه لم يكن تمهيداً كافياً للانتقال العظيم الذي أعدّ له الإسلام، ولنشر الدعوة في المملكتين العظيمتين فارس والروم، فإن رسالة الإسلام عامّة


لم تكن لبلاد دون أخرى، أو لقوم دون آخرين، والنصر وإن كان بيد الله، يؤتيه من يشاء من عباده، لكن لا يؤتيه إلاّ لمن أعدّ له كلّ عدده.

والدعوة الإسلامية قد بلغت يومئذ من النضوج في النفوس ما يجعل الإسلام دين الكافة من الناس، والدعوة في ذلك العهد تعدت عن دور التوحيد، والوعد والوعيد، إلى النواحي الاجتماعية والأخلاقية والسياسية.

وقد آن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يهيّئ المسلمين للانتقال العظيم إلى خارج الجزيرة، إلى الشمال وإلى الجنوب.. وآن له أن يبعث في نفوسهم روح النشاط لفتح المملكتين فارس والروم. وآن للمسلمين أن يفهموا أنّ هذا العلم المبارك الذي يرفرف فوق شبه جزيرة العرب يجب أن يخرج إلى خارجها؛ ليرف أيضاً فوق عروش القياصرة والأكاسرة، ثمّ ليطوف حول حوض البحر الأبيض، ثمّ ينتهي به المطاف إلى ما وراء البحار..

ولم يكن في الدعوة الإسلامية ما يخشى معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة إليه، فإنّه دين الحرية والمساواة، والبر والرحمة وفكّ العقل من القيود والأغلال، تتقبله النفوس مرتاحة إليه.. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتردد يوماً في دعوة الملوك إلى الإسلام، ولكنّه أراد أن يهيّئ أصحابه للنهوض، فخرج عليهم يوماً فقال:

« أيها الناس: إنّ الله بعثني رحمة وكافة، فلا تختلفوا عليّ كما اختلف الحواريّون على عيسى بن مريم.»

- وكيف اختلف الحواريّون يا رسول الله

- « دعاهم إلى الذي دعوتكم إليه، فأما من بعثه مبعثاً قريبا قرّ وسلّم،


وأما من بعثه مبعثاً بعيداً فكره وجهه وتثاقل.»

ثمّ ذكر لهم إنّه مرسل إلى هرقل وكسرى والمقوقس والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، وإلى نجاشي الحبشة.

وذكروا إنّه لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكّة، وانقادت له العرب، أرسل رسله ودعاته إلى الأمم، وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما إلى الإسلام، أو الإقرار بالجزية، أو الإذن بالحرب، أكبر شأنه أهل نجران، وخلطاؤهم من بني عبد المدان، وجميع بني الحرث بن كعب، ومن انضوى إليهم، ونزل بهم من دهماء الناس على اختلافهم هناك في المذاهب النصرانية، من الاروسية والسالوسية والمارونية والنسطورية، وقد امتلأت قلوبهم - على تفاوت منازلهم - رهبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورعباً، وإنّهم كذلك إذ وردت عليهم رسل رسول الله ( ص ) وهم: عتبة بن غزوان، وعبد الله بن أبي أمية، والهديل بن عبد الله أخو تيم بن مرّة، وصهيب بن سنان، يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا فإخوان في الله، وإن أبوا فإلى خطة الخسف، الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وأن أبوا فآذنوهم على سواء، وكان في كتابه صلى الله عليه وآله وسلم لهم:( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) .

ذعر الأساقفة ذعراً شديداً، وهزّ الكتابٌ نجرانَ هزّاً عنيفاً؛ فعقدوا مؤتمراً عاماً في كعبتهم اجتمع فيه رؤساء نجران، وأهل الرأي من الأقيال


واجتمع من القبائل من عك وحمير وانمار، ومن دنا منهم سبباً ونسباً، فكان مؤتمراً عامّاً اشتوروا فيه، وأفاضوا في الرأي والجدل العنيف، في حديث مفصّل يجده القارئ في خاتمة هذا الكتاب(1) .

ويلوح لنا أنّ المشادّة كانت عنيفة بينهم، فيما يجب أن يتخذوه من حيطة؛ ليأمنوا غزو الإسلام، وليحتفظوا بكعبتهم (لأنّهم أصابوا بموضعهم من دينهم شرفاً، ووجهاً عند ملوك النصرانية جميعاً.)

ويلوح أيضاً أنّه كان في هؤلاء الأساقفة من هو مؤمن برسالة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، مصدّق بدعوته.

وذكروا إنّه اجتمع عامة الناس على السيّد والعاقب، يسألونهما - بعد هذا الجدال العنيف - عن رأيهما، وما يعملان في دينهم فقاولا لهم: (تمسكوا بدينكم حتّى يكشف لنا دين محمّد، وسنسير إلى يثرب، وننظر ما جاء به، وفيما يدعو إليه).

قالوا: (وتجّهز السيّد والعاقب والأسقف، ومعهم أربعة عشر راكباً من نصارى نجران، وسبعون رجلاً من أشراف بني الحرث بن كعب وساداتهم - وفيهم قيس بن الحصين ويزيد بن عبد المدان - فاغترز(2) القوم ظهور

_________________________

(1) أهمل المؤرخون هذا المؤتمر، كما أهملوا كثيراً من الحقائق الأخرى، ومرواً بيوم المباهلة، وبالمؤتمر مروراً عابراً، ونحن وضعنا هذه الرسالة؛ لنقدم للقرّاء هذا المؤتمر المنعقد في نجران، بما فيه من حوار، وإشادة بفضل آل رسول الله وصدق رسالة محمّد صل الله عليه وإله وسلم .

(2) غرز الرجل رجله في الغروز - الركاب - وضعها فيه.


خيولهم وأقبلوا لوجوههم إلى المدينة).

وقالوا: (ولما استراث(1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر أصحابه، أنفذ إليهم خالد بن الوليد، في خيل سرّحها معه لمشارفة أمرهم فالفوهم وهم عائدون)

وقالوا أيضاً: (ولما دنوا من المدينة أحب السيّد والعاقب أن يباهيا المسلمين، وأهل المدينة بأصحابهما، وبمن خف من بني الحرث معهما، فاعترضاهم وقالا لو كففتم صدور ركابكم، ومسستم الأرض، فألقيتم عنكم تفثكم(2) وثياب سفركم، وشننتم(3) عليكم من باقي مياهكم كان ذلك أمثل، فانحدر القوم عن الركاب، فأماطوا من شعثهم(4) ، وألقوا عنهم ثياب بذلتهم(5) ولبسوا ثياب صونهم(6) من الأتحميات(7) والحرير والحبر، وذرّوا المسك في لممهم(8) ومفاوقهم ثمّ ركبوا الخيل واعترضوا الرماح على مسابح(9) خيلهم، وأقبلوا يسيرون زردقا(10) واحداً، وكانوا من أجمل العرب صوراً، وأصحّهم أجساماً وخلقاً،

____________________

(1) استراث الخبر استبطأه.

(2) أي أزلتم الوسخ عنكم.

(3) شن الماء عليه أي صبّه.

(4) الشعث ككتف المغبر الرأس، وأماط كشف، أي أزالوا الغبرة التي لحقتهم من السفر.

(5) البذلة من الثياب ما يستعمل كلّ يوم.

(6) الثياب التي تحفظ قيمتهم، وتلفت أنظار الناس إليهم.

(7) أتحم الحائك الثوب وشاه.

(8) الشعر المجاوز شحمة الأذن فهو لمة، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة.

(9) المسبح منتهى معرفة الفرس، وقيل هو منتهى منبت العرف تحت القربوس، أي وضعوا الرماح على فرابيس الخيل عرضاً؛ استهانة - بالمسلمين وعدم المبالاة على حد قول الشاعر:

جاء شقيق عارضاً رمحه

إنّ بني عمك فيهم رماح

والذي يتهيب الأمر لابد أن يكون على استعداد فيحمل رمحه متهيئاً للطوارئ.

(10) أي صفحاً واحداً.


فلمّا تشوفهم الناس أقبلوا نحوهم، فقالوا (ما رأينا وفداً أجمل من هؤلاء)، وكان المحارث بن كعب يقول (ما رأينا وفداً مثلهم).

(وأقبل القوم حتّى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده، وحانت صلاتهم فضربوا ناقوسهم في المسجد، وقاموا يصلّون إلى المشرق فأراد الناس أن ينهوهم عن ذلك، فكفّهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ أمهلهم وأمهلوه ثلاثاً، فلم يدعُهم ولم يسألوه، لينظروا إلى هديه ويعتبروا ما يشاهدون منه مما يجدون من صفته، فلمّا كان بعد ثلاث دعاهم إلى الإسلام فقالوا:

(يا أبا القاسم ما أخبرتنا كتب الله عزّ وجلّ بشيء من صفة النبي المبعوث من بعد الروح عيسى عليه السلام إلاّ وقد تعرّفناه فيك، إلاّ خلّة هي أعظم الخلال آية ومنزلة، وأجلاها أمارة ودلالة)!!..

- رسول الله ( ص ) « وما هي؟. »

- (إنّا نجد في الإنجيل من صفة النبي.. من بعد المسيح إنّه يصدّق به ويؤمن به، وأنت تسبّه وتكذب وتزعم إنّه عبد)!!..

- « بل أصدّقه وأصدّق به وأؤمن به، وأشهد أنّه النبي المرسل من


ربه عزّ وجلّ وأقول: إنّه عبد لا يملك نفعاً ولا ضرّاً، ولا موتاً، ولا حياة ولا نشورا. »

- وهل تستطيع العبيد أن تفعل ما كان يفعل، وهل جاءت الأنبياء بما جاء به من القدرة القاهرة؟!. ألم يكن يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وينبئهم بما كانوا يكنّون في صدورهم، وما يدّخرونه في بيوتهم؟ فهل يستطيع هذا الأمر إلاّ الله عزّ وجلّ أو ابن الله؟!.

- « قد كان عيسى أخي كما قلتم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخبر قومه بما في نفوسهم، وبما يدّخرون في بيوتهم، وكلّ ذلك بأذن الله عزّ وجلّ، وهو عبد الله.. غير مستنكف، فقد كان لحماً ودماً وشعراً وعظماً وعصباً وأمشاجاً، يأكل الطعام ويظمأ وينصب، والله باريه وربّه الأحد الحقّ، الذي ليس كمثله شيء وليس له ندٌّ»

-: فأرنا مثله جاء من غير فحل ولا أب.

-: « هذا آدم عليه السلام أعجب منه خلقاً من غير أب ولا أم، وليس شيء من الخلق بأهون على الله عزّ وجلّ في قدرته من شيء، ولا أصعب وإنّما أمره إن أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون( إِنّ مَثَلَ عِيسَى‏ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثمّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ )

فقالوا: (فما نزداد منك في أمر صاحبنا إلاّ تبيّناً، وهذا الأمر الذي لا نقرّه لك فهلم فلنلاعنك(1) أينا أولى بالحق، ونجعل لعنة على الكاذبين

____________________

(1) يلوح من هذه الرواية أنّ وفد نجران طلب الملاعنه، ويخالفها روايات شتّى، ويظهر منها أنّ الذي طلب المباهلة هو رسول الله(صلّى الله عليه وإله)، وهذا الذي يظهر من القرآن المجيد.


فإنها مثلة وآية معجلة)

(فغشيه الوحي، ونزل عليه قوله تعالى:( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )

وتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نزل في ذلك عليه من القرآن وقال:

« إنّ الله أمرني أن أصير إلى ملتمسكم، وأمرني بمباهلتكم إن أقمتم وأصررتم على قولكم. »

- ذلك آية ما بيننا وبينك، وإذا كان الغد باهلناك. ثمّ انصرفوا إلى أماكنهم)

* * *

تذوق الرجال العارفون من الوفد حلاوة ما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من آي القرآن الحكيم، وأدركوا صدق الحديث، وأدركوا شدّة الخطر الذي يحوطهم فيما إذا باهلوا، ولقد توفرت لدى بعضهم الأمارات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصحة رسالته، وإن كان الجهل والتعصب كانا يسيطران على بعض ذوي الشأن منهم، فكان يعتز بالحول والطول!..

ويظهر لنا أنّ بعضهم غلبت عليه شهواته في حب الرياسة، والجاه العريض


الذي نالوه من ملوك النصرانية، وهذا النعيم الترف الباذخ (أمّا رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم؟. أكرمونا، ومولوّنا، ونصبوا لنا كنايسنا، وأعلوا فيها ذكرنا، فكيف تطيب نفوسنا بدين يستوي فيه الشريف والوضيع؟)

ومن اليسير أن نعرف أن هذه الارستقراطية هي التي عصبت عيونهم عن الالتجاء إلى الواقع المحسوس، وتغلبت على عقولهم، والانتقال من ارستقراطية إلى ديمقراطية تتصل بالروح والعقل، لا تقوى عليها النفوس المشغوفة بالملكية والثراء وحب الرياسة.

وعلى الغالب إنّ فكرة القوّة، وفكرة الثراء وحب الجاه، شعور مردّه في بعض الأحيان إلى الغيرة النفسية التي تحصل عادة من المفضول على فاضله المتغلب عليه بالبرهان القطعي، والدليل الواضح، وقد برز الآن واضحاً في نفوس النجرانيين، بيد إنّه مهما كان لهذه العناصر من مظاهر الجدّ في النفوس، وأرادت أن تظهر بالمظهر الحازم في الساعة الحاسمة، فإنها لا تلبث أن تنهزم مخذولة من قوّة الحقّ. وبحسبنا أن نطالع صورة ثانية يرسمها النجرانيون حينما انصرفوا إلى منزلهم من الحرى، وخلا بعضهم إلى بعض، وقد اعتصرت يد الأسى تلك القلوب المشغوفة بذلك البذخ، وتلك الأموال التي تغدقها عليهم النصرانية من الشمال، ومن الجنوب. وهذا رجل من العارفين يرشد قومه إلى الحقيقة فيقول لهم: (قد جاءكم محمّد بالفصل من أمره وأمركم فانظرا أولاً بمن يباهلكم، أبكافة أتباعه أم بأهل المكانة من أصحابه. أم بذوي التخشّع.. والصفوة ديناً وهم القليل منهم عدداً؟! فإن جاءكم بالكثرة، وذوي الشدّة، فإنما جاءكم مباهياً كما يصنع الملوك فالفلج إذاً لكم دونه. وإن جاءكم بنفر قليل ذوي تخشع فهؤلاء


سجية الأنبياء وصفوتهم، وموضع بهلتهم. فإياكم والإقدام إذا على مباهلتهم. فهذه لكم إمارة فانظروا حينئذ ما تصنعون بينكم وبينهم)!!

هذا قسط من الرأي الصائب، والنصيحة الرشيدة، وهو كافٍ للقارئ أن يفهم منه أنّهم على علم سابق من سيرة الرسل، وأوليائهم الذين طبعوا على غرارهم، وجليّ بعد هذا أنّ أهل التخشّع هم الصفوة من أتباع الرسل والأنبياء، وموضع ثقتهم وبهلتهم.

وهذه كلمات تلقي ضوءاً على جانب كبير من الحقّ، وهي في مجموعها صورة صادقة للحقيقة رسمتها كلمات الله في كتبه المنزّلة على أنبيائه ورسله، وهي نصيحة على كلّ حال. ونصيحة موفقة في كثير من نواحيها.

وجدير بمن كان يصطفيهم الأنبياء، أن يكونوا القدوة لكلّ جيل من الأجيال، يجب على المؤمنين الاقتداء بهم، والاسترشاد برشدهم، وحقيق بالمؤمنين اتّباعهم في الطريق التي يسيرون عليها؛ لأنّهم لا يدلّون إلاّ على خير، ولا يشردون إلاّ إلى حقٍّ، كما ورد في الحديث عن عمّار بن ياسر «.. يا عمّار إن سلك الناس كلهم وادياً، وسلك عليٌّ وادياً، فاسلك وادي علي، وخلّ عن الناس. إنّ علياً لا يردك عن هدى، ولا يدلك على ردى. يا عمّار طاعة عليٍّ طاعتي، وطاعتي طاعة الله. »

* * *

وأصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، أو بتعير أوسع المسلمون، وإن بلغوا مئات الألوف في عهد صاحب الرسالة ( ص ) ولم يكن طريقهم إلى الدين طريقاً واحداً، ولم يكن هدفهم واحداً، ولم يصل الدين إلى أعماق قلوبهم


بنسبة واحدة، والذين امتازوا بهديهم، وأخلاقهم، وكمالهم النفسي، كانوا أفراداً قلائل، أولئك هم النخبة الممتازة، ومن بين هذه النخبة الممتازة أفراد هم صفوة الصفوة، ولباب اللباب، هم (أهل بهلة الأنبياء)، وموضع عناية الله سبحانه، وهداة الخلق إلى الحقّ، لا يقاس بهم أحد، ولا يساويهم في المنزلة عند الله أحد، وهم (سجية الأنبياء، وصفوتهم)، الذين اصطفوهم من بين المؤمنين، ولو سئل الله بهم أجاب سؤال السائلين.

وما كادت تطالع أساقفة نجران وجوه أهل بهلة الأنبياء حتّى ارتدوا على أعقابهم، ترتعد فرائصهم، فإنّهم بعد لم يثوبوا إلى رشدهم من الدهشة التي أخذتهم حينما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حتّى طالعتهم هذه الوجوه المشعّة بالنور الربّاني في الساعة الحاسمة، فاحتوتهم الدهشة ثانية، وطاشت عقولهم، فقد رأوا وجوهاً لو سئل الله أن يزيل بها جبلاً لأزاله.

ودنت اللحظة الفاصلة التي كادت أن تفصل بين عهدين، وتحسم بين مبدأين إلى النهاية التي لا تتصل بحدّ من الزمن، وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقول الفصل من أمره وأمرهم، ولا بقاء على الدوام إلاّ للإصلاح.

ولا شكّ بأنّ المسيحيّة لم يبق لها شكلها الروحي، والعالم يحتاج المصلح الذي يطهّر العقيدة من دنس الرذائل التي عمت أطراف العالم.

وأسقف نجران أبى وامتنع عن أن يباهل، فإنّه تلمّس الحقيقة في الوجوه التي خرجت لتباهله، وليس في نجران، ولا في غيرها من يدفع لعنة الله الحاطمة، والعذاب النازل فيما لو سأل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ربّه أن يجعل لعنته على الكاذبين، ورفعت تلك الأيدي للتأمين على دعاء نبيه، وعرفوا إنّه لن يخطئهم السهم المراش فيما إذا باهلوه، وإنهم في نقطة التحوّل، والعقل لا يتصور


في البراهين أقوى من برهان الوجدان والعيان، وهذه سحب البلاء تتدافع في الفضاء.

وعرفوا أيضاً أنّ النصرانيّة قد بلغت حدّها المحدود برسالة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وانتهى أجلها الذي أجّلت له، وانطوى بين تلافيف الزمن كما طويت شرائع من قبل، وليلحق آخرها بأولها، وحاضرها بماضيها.

واستيقن الأسقف أنّ يومهم هذا لم يعد موصولاً بماضيه، وإنّما هي شريعة جديدة وُعِدوا بها على لسان السيّد المسيح، وكتاب جديد ورسالة نهجت للناس الطريق الأمثل، ومضت تشقّ طريقها إلى أرواح الناس؛ لتجلوها من صدأ الإجرام الخُلُقي، الذي انغمس في مبائتها العالم بأسره.

وهذا محمّد رسول الله بحقّ يتقدم إلى الأمم، وبيده كتاب الله المجيد، ينير البصائر، ويرسم للناس المثل العليا من الفضائل التي تأخذ بيد البشرية إلى السعادة الدائمة.


السمر

اجتاز الركب سكك المدينة على خيوله المطهمة، تفوح منه رائحة المسلك، وعليهم ثياب صونهم من الحرير اللمّاع، والحبر الموشى، على سرج مزركشة بالذهب الوهاج، قد اعترضوا الرماح على مناسج خيلهم، وكانوا من أجمل العرب صوراً.

* * *

وبعد - لم يكن عجباً إذا افتتن الضعفاء بالوفد النجراني، الذي يتمتع بكل المغريات للنفوس الضعيفة.

وليس عجباً أيضاً إذا كان هذا الوفد حديث أهل المدينة، فقد دخلها وفود كثيرة في السنة العاشرة وقبلها، يقدّمون الطاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ليس فيهم مثل وفد نجران، في معالمه الفاخرة، وزينته اللمّاعة. يقول المحارث بن كعب: (ما رأينا وفداً مثلهم).

* * *

كانت صورة الوفد تمر في نفس أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً، ولكنّه مرور عابر في نفوس بعضهم، وهي أهون عليهم من أن تثير شيئاً، فإنّ الرسالة السماوية نهجت لهم الطريق الأمثل. على حين استقرارها


في نفوس البعض الآخر مجلوّة بترفها المغدق، ونعيمها الباذخ، رهيبة اللمعان، رنانّة الجرس، هفتْ إليها النفوس الضعيفة، واستوعبت مشاعراً وقلوباً ما أضاءها النور المنبثق من رسالة السماء، والضوء المنير من مصباح محمّد صلى الله عليه وآله وسلم..

* * *

كان الترف الناعم، والنعيم الباذخ، والعيش الليّن، الذي يتمتع به وفد نجران حديث جماعة من أهل المدينة في سمرهم ومجالسهم.

وأين المحتاج الذي يستطيع أن يردّ طرفه عن حياة ناعمة، ونعيم ترف ودنياً مزهوّة؟

وأيّ المحرومين لا يفكر في هذا النضار الوهّاج المدلي في صدورهم؟ وقد صنعوا منه مقايض سيوفهم، ووشوا به حبرهم، وسرج خيولهم ، ثمّ لا تنكمش نفسه، ولا يستهويه الذهب اللمّاع، ولم تكن نفوسهم قد اكتملت بمناهج الدعوة الإسلامية، ولم تتصل بأرواحهم لينظروا إلى زخرف الحياة نظر ازدراء، وليجعلوا متعها تحت مواطئ الأقدام، فإنّ الإسلام هدى إلى الصراط القويم، والهدى رحمة من الله تجلو النفس، وصفاء يمحو الظلمة، وسعادة تصوغ النفس من جوهر تتضاءل أمامه المادة فلا يبقى لها أيّ ثمن.

* * *

ليلة مظلمة. لا يكاد ملتمس يحس فيها بطريقه لولا قبس ترسله النجوم المتلألئة في الصفحة السماء، تفتح يدها مرّة وتقبضها أخرى.. تقدّمت جيوش الظلام تسدل الستائر - وقد ألقى النهار سلاحه - على يثرب مدينة الرسول


( ص ) ومصدر النور.. هو ذا الليل يوغل إيغالاً، ويلبس الفضاء بردته السوداء فتمتد على الكون روعة السكون، وليس فيه ما يعكّر الصفحة السماء إلاّ هذه الغيوم التي تدفعها الرياح إلى الفناء.

ليلة مشهودة، لم تتصل بما قبلها ولا بما بعدها، فإن اضطرابات فكريّة ضربت حصارها على الأفكار، والعقول؛ فحارت في شأنها، فإنّ يداً قويّة تمرست بعواصم من القوة لم تؤثر فيها قوّة الحقّ.

ليلة مشهودة، تزخر بالحوادث، وتموج بألوان من الأفكار، والناس لا يعلمون أنّها تحمل الحادث الخطير، وإنّ له شأناً بين الحوادث الخالدة الذكر، وكلّ ما يعلمون أن الأفكار تتدافع، كلما اجتمع اثنان أو أكثر، كما تتدافع أمواج البحر في الريح العاصفة.

* * *

فرغ المسلمون من صلاتهم، وما كان ليطيب لأكثرهم العودة إلى منازلهم، ولكنهم تكتّلوا في مسجدهم حيث أقاموا صلاتهم، يتحدثون كلّ وما يعنيه من أمر الحياة، أو شؤون المسلمين العامة.

ولقد كان الوفد النجراني سفراً ضخماً تجمعت فيه كلّ الأحاديث، وفيه نواح كثيرة للحديث، فليس عجباً إذا كان حديث جماعات من المسلمين في هذه اللحظة من الزمن الحالك السواد، فقد كان هذا الإغراق في الترف، حرياً بأن يدفع الناس للحديث عنه، وكان هذا العنت الشديد منه حرياً بأن يكون موضعاً للعجب وللحديث، وإنّ النفوس الفاحصة عن الوقائع، أميل إلى التوغل في الحديث عن نهاية المطاف في الحادث، وإنّه مشهد يعسر نسيانه، وفيه مغريات


قد لمست أكثر القلوب بكلتا راحتيها.

وفي زاوية المسجد حلقة مستديرة كبيرة، فيها ألوان الأفكار، ومختلف الأذواق والميول يتصل حديثها بالوفد مباشرة.

المحارث بن كعب - أرأيتم وفد نجران في معالمه الفاخرة، وزينته اللمّاعة، وقد ملأت القلوب؟ والحق أننا (ما رأينا وفداً مثلهم)، ولكن في حديثهم عن المسيح استحالة لا تصل إليها العقول، وما أقربها إلى الوثنية التي كنّا ندين بها قبل الإسلام، ولا أدري كيف يتوصل العقل البشري إلى اتحاد أقانيم ثلاثة في حقيقة واحدة، ثمّ لا يؤثر إطلاق الأب على الابن، أو الابن على الأب، أو هما على روح القدس، إن هذا لشيء عجاب.

بشير - ليس الذنب ذنب الأديان، وإنّما الأديان جميعها غايتها الاندماج في الكمال الروحي، وإنها جميعها تربط البشرية في فكرة واحدة - الله - الواحد الأحد، وما نراه من تشعّب المذاهب، واختلاف العقائد، ليس هو من طبيعة الأديان التي جاءت بها رسل الله إلى خلقه، وإنّما هو من ذنب القائمين عليها من بعد الرسل، والفكرة المسيحيّة التي قررها الإنجيل، فكرة واحدة لا تختلف عن الإسلام، وهي لا تتصل بما نراه اليوم من نزاع حول طبيعة المسيح، وأمّه، والأقانيم الثلاثة.

والمسيحية في حقيقتها دين مقدّس بحث عن العلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الروح ومصدرها، والشبهات المرتكزة التي نراها هي بعيدة عن الناموس الأكبر الذي جاء به عيسى بن مريم.

وهذه النصرانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها، واعتنقها الملوك والأمراء


وأهل الغنى والثراء، قد تزحلقت إلى ما تراه، وهي اقرب إلى الوثنية.

ونجران أهمّ موطن للنصرانية في البلاد العربية، وهؤلاء القسس قد شاهدوا وثنية العرب تنهزم أمام الإسلام، وهم اليوم يحاولون أن لا تنهزم النصرانية كما انهزمت الوثنية، ويحاولون أن لا ينخذلوا أمام محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كما انخذل زعماء الوثنية، وإذن ليس عجباً أن يظهروا بهذا المظهر الخلاّب، واحسب أنّ الخاطر الأولّ لهذا الوفد هو العبث بالمسلمين عن طريق الغنى والثراء، فإنّه المشهد الذي يشقّ طريقه إلى النفوس سريعاً، ويعسر على الذاكرة نسيانه طوال الأيام، ولكن ما أقصر مرمى عيونهم، فإنّ رسالة الإسلام مضت تشقّ طريقها إلى الأرواح والقلوب، ونهجت للناس المنهج الأمثل، وتلقّى الناس الإسلام مرتاحين إليه فلا يُغري المسلمين الثراء. وركام المادة قد داسه المسلمون تحت حوافر خيولهم، في ساحات التضحية في سبيل الله.

أنس - التوحيد دعامة الإسلام الكبرى، وطبيعيّ أن يصطدم بالعقائد التقليدية التي عليها الناس، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يدعُ إلى ذلك قبل أن يدعو إلى فكّ قيود العقل، والتأمّل في ملكوت السماوات والأرض. والتوحيد أشرف العقائد وأجدرها بالإنسان في أرفع حالاته العقلية، غير أنّ هؤلاء القسس لم يأتوا عن طريق المعقول في دعواهم في عيسى عليه السلام، وليس في حقائبهم من البراهين على الثالوث المتّحد، إلاّ الخوارق التي جاء بها عيسى من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وإنّه خُلق من غير أب، وليس هذا بالشيء الجديد في رسالة الرسل والأنبياء، ولقد


كان لموسى من قبل عيسى أمثال هذه المعجزات، وقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم، فخلقه أبلغ من خلق عيسى.

لقد حاججهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق المنطق والعقل، إلاّ إنّه يلوح أنّهم ركبوا متن غرورهم، وسدّروا في الغيّ جاحدين كلّ دليل وبرهان، وكأن كُتب على الإنسانية أن تبقى على الأعين هذه الحجب والغشاوات، التي تصدّ عن الهدى.

أبو سعيد - إنّ الأمر تعدّى عن طوره المعقول، وقد أفسد الديانون القائمون على الشرائع وتنفيذها فكرة التوحيد؛ لأهواء نفسيّة، وأغراض شخصيّة، وفكرة الله في الإسلام بلغت غاية المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية المقدسة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يحمل بكلتا راحتيه القرآن، يشع بالنور، وسحر البيان، وقد بالغ في تقرير ما ينبغي الاعتقاد به في الذات الإلهية، كلّ ذلك بمقياس من العقل، والمنطق، والبرهان الواضح.

ولكنّ القسس واتباعهم، عصبوا عيونهم بعصابة من التقليد؛ فلم يبصروا النور، ولا تلمسوا الهدى الذي يدعو إليه القرآن، وقد غلبت على عقولهم فتنة البذخ والترف، الذي هم عليه.

إن هذه المتع الجوفاء التي تحجب عن الأبصار الضوء، وعن القلوب النور، وهذه المعالم الفاخرة تسهّل السبل للإنسان من أن ينغمس في النعيم الزائل، أفلا تنظر إليهم، وما من واحد منهم إلاّ ويهمس في أذن الآخر مشيراً إلى حلّة المسلمين الزاهدة، وكيف يولّي نبي المسلمين الدنيا ظهره معرضاً عنها؟. ولقد حدّثني بعض من أرسله النبي إلى نجران أنّ أحد رجال هذا الوفد التفت إلى محدّثه وقال :


(.. أمّا رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم؟ أكرمونا، وموّلونا، ونصبوا لنا كنايسناّ، وأعلوا فيها ذكرنا، فكيف تطيب النفوس بدين يستوي فيه الشريف والوضيع)

ابن أرقم - هذه حقيقة واضحة يستطيع كلّ أحد أن يتلمّسها، في رجال هذا الوفد، وكأنهم يرون الحياة في أثوابهم، لا بقلوبهم، وقديماً قالوا: إنّ قوّة المرء بقلبه، ورجال نجران انحرفوا عن جادة المسيح عليه السلام، إلى اصطناع أساليب تضمن لهم العيش باسم الدين.

في اللحظة الأخيرة ولم تنفع البراهين، ولم يؤمن وفد نجران بحجج الوحي المبين، أوحى الله تعالى إلى نبيه( ص )( فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِن بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ، وليس وراء برهان المشاهدة برهان آخر.

طائف - إنّ الله سبحانه أمر نبيه أن يباهل وفد نجران، صوت جلجل في فضاء المسجد رنان الجرس لم يسمعه أحد إلاّ تلفت حواليه، وتهللت أسارير وجهه، وسرى في المدينة كنسمة الصبح العليلة، تحمل صوت الحقّ الناعم إلى النفوس الخاشعة، ويعبق شذاها بالأمل الباسم في مرحلة التمييز - تمييز الحقّ من الباطل - ، والترجيح في كفتي الميزان العادل.

البراء بن عازب - لقد انبلج الصبح عن شمسه، واستبان الحقّ من الباطل، فإنّ كشف الحقيقة عن طريق المشاهدة أوقع تجلّياً بأكمل الوجوه،


وأوضحها في النفوس. ولهذه المباهلة قيمة تزيد عن قيمة المنطق، والأقيسة؛ لأنّها قيمة الشهود في النفس الحسّاسة، والعقل الواعي. وإنّ البراهين، والأدلّة جميعاً لا تغني في ساعة الجدل إذا لم يتلمّس العقل قيمها المحسوسة، وإذا كانت أدلة المؤمن أرجح من أدلة المنكر، وتلمسها المنكر بعقله الواعي، فقد أغنى الدليل غناه، وإلاّ فليس في البراهين، والأقيسة شيء أدلّ، وأصلح للاقناع من وضع الحقّ والباطل في كفتيّ الميزان.

قيس - حقّاً ما تقول، قد أينع الغرس إذا كان هؤلاء يبصرون بعين، أو يسمعون بأذن، أو يرجعون إلى عقل، وأما وهم ليسوا كذلك - وقد فتنهم زخرف الحياة - فإنّ الجدل لا تغني فيه البراهين والأدلّة، ولا تجلوه الأقسة، والحقائق المهلوسة فإن 1 زائد 1 يساوي 2 هذا في واقع الأمر، أمّا في الجدل الديني والعقيدة فإنّ 1 زائد 1 يساوي 4 أو 5 أو ألفاً، وكأنّه خفي عليكم أنّ مسألة الثالوث مشكلة تطلب الحل، ولقد استحال حلّها، ويستحيل على العقول حلّها، ولكنّ النصرانية اليوم قررتها، وإن امتنع الحل، وهل هذا إلاّ من عمل الرهبان القائمين على تنفيذ شريعة المسيح.

البراء - إنّ للإنسان وعياً يشعر معه بما في هذا الكون من جمال ونظام، وأسرار وألغاز، وقد يحتجب ذلك عن إنسان، فلا يدرك شيئاً من هذا الجمال، والنظام والأسرار، ولكن هذه المباهلة ترجيح بين نوعين من الأدلّة والبراهين. وليس دلّ على تهيؤ الجو الصالح لانبثاق النور، والهدى من ترجيح هذا النوع من البرهان الملموس بالمشاهدة، فإنّ لعنة الله الأبدية لابد أن تقع على الكاذب منهما، ولا يسلم الكاذب من العذاب المحيط الشامل.


رجل - أترون أن رسول الله ( ص ) يخرج لمباهلتهم منفرداً أم يخرج معه أصحابه وأهله؟؟

أنس - لاشكّ بأنّه يخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة، وجماعة من الأنصار.

البراء - على هونك، إنّ هذا تراث من عوسج، خلقته لنا النوازع النفسية، والميول الشخصية، التي حاربها الإسلام، وما أجملها لو أننا تحررنا من سيطرة هذه النوازع التي تقلبت على سائر الحدود، ولم يقيدها حدٌّ، ولقد كانت الميول من قديم الزمن، وقد أشغلت المفكرين ورجال الإصلاح لكن بدون جدوى.

إنّك لتعلم وكلّ أحد يعلم أنّ صحب محمّد ( ص ) ليسوا فئة واحدة موحدة الهدف، وإنّما هم فئات، وأغراضهم شتّى، وأهدافهم مختلفة، ولا أريد أن أقول أنّا نحيط بحكمة الله تعالى؛ لنعلل هذا الاختلاف، ولكنّ الميزان الذي بأيدينا، والذي يحسن أن نزن به الأشخاص، إنّما هو العمل فقط، وأعمال كلّ شخص هي التي ترجّحه في كفّة الميزان، وأغلب الظن أنّ رسول الله ( ص ) إذا أراد أن يصحب أحداً، إنّما يصحب معه الرجل المعدوم العثرات، الزاهد في الحياة، وإذا كنّا لا نُحكّم النوازع النفسية، ولا نميل مع الأغراض، فكل أحد يعلم بأنّ في صحب محمّد من هم أدنى إليه مجلساً، وأقرب من ربّه مقاماً، أئمة إيمان، أذلّوا النفوس، وقهروا الأبدان، وفنيت قلوبهم ونفوسهم في ذات الله، رضوا من الحياة بما دون الكفاف، وهم غير من ذكرت.

غلب على الجالسين وجوم آفته ضيق أفق نفوسهم


عن تفهم نفسية الصحابة واحداً واحداً، وكأنّهم رجعوا إلى الماضي يفتّشونه حادثاً فحادثاً؛ ليميزوا بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

سهل - حقّاً إنّا لا نملك الميزان الصحيح، ولكنّ شيئاً واحداً لا يجوز أن ننساه، ونغفل عنه فإنّ منطق الحوادث التي رأيناها منذ بدء الدعوة إلى الإسلام يقضي قضاء لا معدى عنه، إنّ رسول الله سيصحب معه ابن عمّه عليّ بن أبي طالب فإنّه (من أهل البيت، لا يقاس به أحد، وهو مع رسول الله ( ص ) في درجته)، وهو وزيره، وكاشف الكرب عن وجهه في المواقف الكثيرة من حروبه. وليس في المسلمين من يضاهي عليّاً بمكانه، وزهده، وإخلاصه، وعلمه، وفضله، وعلوّ منزلته، فقد بلغ الغاية القصوى، وارتقى إلى أعلى مرتقى. ولقد حدثني مَنْ سمع رسول الله يقول:

« من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في عزمه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في زهده، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب »(1) وهو الرجل الذي لا يخزيه الله أبداً، يحبّ الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله(2) ، وهو من رسول الله بمنزلة هارون من موسى. ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة.

____________________

(1) أخرجه أحمد في مسنده، والبيهقي في صحيحه، والتفسير الكبير في تفسير آية المباهلة، إنّه متّفق على صحته.

(2) من حديث سهل الساعدي رواه البخاري ومسلم.


البراء - لم يكن ما حدثتنا به إلاّ حلقة من حلقات فضائل عليّ، ولقد تساندت فضائله بعضها إلى بعض، وانتشرت انتشار عمود الصبح، تجلي ظلمة القلوب، وله في قلوب خلّص المسلمين حضوة، وفي نفوسهم ولاء.

إنّ علياً نهج لنفسه الرسالة السماوية مثلاً يسير عليه في كلّ خطوة من خطواته، وفي كلّ حركة من حركاته، وعند كلّ نفس من أنفاسه، ومن استوعب حياة هذا الفتى؛ عرف كيف ذهب يشقّ طريقه إلى الله تعالى، ولقد تفتّحت جوانب قلبه للرسالة المحمدية؛ فوعاها، وآمن بها إيماناً لا يشبهه إيمان، ورأيناه في البدء أول من يبادر إلى اعتناق الإسلام، ثمّ سار مع الأيام يشبع غرائزه من المنهلين العذبين القرآن، وأخلاق النبي، وصفت نفسه صفاء استوعب لبّ الإسلام من مصدريه.

ولقد أصبح الرجل الأول بين المسلمين، والمصدر الأول والأخير بعد رسول الله، نضج هذا الفتى نضوجاً لم ينضجه أحد من صحب محمّد ( ص ) نضج في تفكيره في هذا الكون، ونضج بملازمته لصاحب الرسالة، منذ فجر صباه في سن الطفولة، فليس ثمة أحد يضاهي علياً بما دلف إليه من تعاليم الإسلام، وأخلاق محمّد( ص ).

وفي الحقّ أنّ هذا الفتى نبتةٌ غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الإسلام؛ فاندفع يسير كما يشاء له النبي، ويريد له كتاب الله؛ فبلغ غاية الشأو كما صار ملتقى المنبعين كتاب الله وسنة رسوله، وقد قرن النبي حبّ عليّ بحبّه، وبغضه ببغضه.


ولكنّ هذا حدث خطير يحمل في دقائقه معالم الحكمة، وفي روحه وتشريعه معالم الإنذار بغضب الله، وقد أنبأت عنه كلمات الله، ولم يسبق له مثيل في الإسلام، ولا قبله فلا تسيّره مشيخة الأصحاب، ولا كثرة الرجال والعدد، وإنّ محمداً في كلّ عمل من أعماله، مقيّد بمبدأ يسيّره ربّه عليه، في الطريق الآخاذ إلى المثل العليا، التي أعدّت للإنسان الكامل بسائر أنواع الكمالات النفسية والسياسية، فقد يسمح له ظرفه بأن يصحب علياً وغيره، وقد لا يسمح له، وقد يكون من السياسة أن يصحبه، وقد لا يكون، والأمر وراء ذلك كلّه ينزل من السماء.

يمرّ حذيفة بن اليمان، وسلمان الفارسي، وأبو ذر، وعمار يتحدثون بدعوة رسول الله ( ص ) وفد نجران إلى المباهلة، وحذيفة يقول: إنّ الوحي غشي النبي، ونزل عليه( قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثمّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) .

البراء - صدق الله العظيم، هذا ما كان يختلج في نفسي، ويعتقده ضميري.

بشير - أترى يخرج ومعه جميع نسائه، أم يقتصر على عائشة، وحفصة، وأم سلمة؟.

زيد - أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها، وقومها، ونساؤه من حرمت عليهن الصدقة(1) .

رجل - يلتفت إلى البراء بن عازب - الإنسان لا يدعو نفسه، فمن هي النفس التي هي نفس رسول الله، ويدعوها إلى المباهلة،.. ومن هم الأبناء الذين تعينهم الآية الكريمة؟.

____________________

(1) أخرجه مسلم في صحيحه في باب فضائل عليّ.


البراء - لا أعلم! إلى حذيفة، وسلمان، وعمار، وأبي ذر فإنّهم من خلّص أصحاب النبي وأعلم بالسر.

يذهبون إلى حلقة مؤلفة من أربعة، يتناجون بصوت خافت، كأنهم يحفرون قبراً لسرٍّ، يريدون أن يدفنوه في ضمائرهم.

بشير - إلى حذيفة: يا أبا عبد الله، لقد أشار الله سبحانه إلى قصّة الوفد في كتابه المجيد بأبلغ، وأسمى ما تعرفه البلاغة من السموّ، وإنّ هذه المباهلة قد رسمت المنهج الأمثل للمتخاصمين في الله..، ولكن من هم الأبناء الذين يدعوهم رسول الله، ومن هم النساء، والأنفس؟..

حذيفة - إنّ الحافز لهذه المباهلة، هو الحرص على توطيد دعامة الحقّ، وواضح أنّ مقياس الاختيار، إنّما هو فضل الأشخاص الذين يقع عليهم الاختيار، وعلى مقدار تمتّعهم بالفضيلة والتقوى، يقع عليهم الاختيار، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتّجه إلاّ حيث يوجهه الله تعالى، ويلوح لي أنّ الذين سيقع عليهم اختياره هم: عليّ من الأنفس، وفاطمة من النساء، والحسن والحسين من الأبناء.

بريدة - (يلتفت إلى حذيفة، وهو مضطرب الأعصاب) أيترك عمّه العبّاس، وأبا بكر، وعمر، ويختار هذا الشاب الفتى، ويجعله كنفسه!، ثمّ يترك أحبّ نسائه إليه، وأعزّهنّ عليه عائشة، ثمّ يترك أبناء عمّه، وعمومته، وأبناء المهاجرين، والأنصار، ثمّ يختار طفلين ليباهل بهم هذا الوفد الجبّار؟!.. ليس هذا من المنطق


الصحيح في شيء.

أبو ذر - يلتفت إلى بريدة بغضب شديد - لأمّك الهبل، أنّها كلمات جوفاء، لا تملأ جوفاً مثلما تملؤه ذرّة من هذه الذرّات المبعثرة في الفضاء، ولا يجهل أحد أنّك خاضع في حديثك لتيارات جاشت بها نفسك حقداً وحسداً، وهما يصطنعان لك هذه الأساليب. أيقال لمثل ابن أبي طالب ذلك؟!

قل لي هل وقعت عينك، أو عين أحد، على أحد أنقى صحيفة من عليّ صنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن فاطمة بضعته التي من أغضبها فقد أغضب رسول الله، ومن أغضب رسول الله فقد أغضب الله، ومن ريحانتيه من الدنيا، سيدي شباب أهل الجنّة؟.

ولا أظنّ أنّ أحداً من المسلمين لم يسمع رسول الله يقول: « إن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك(1) ، وإنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غفر له »(2) . ولقد رأيته آخذاً بيد عليّ فيقول: « يا علي أنت أخي ووصيي ووزيري وأميني، مكانك منّي مكان هارون من موسى، إلاّ إنّه لا نبي بعدي. من مات وهو يحبّك ختم الله عزّ وجلّ له بالأمن والإيمان، ومن مات وهو يبغضك، لم يكن له نصيب في الإسلام.»

حذيفة - (إلى بريده) أرى الأفضل لنا أن نهيّئ قوانا العقلية لنصل

____________________

(1) أخرجه أحمد، والبزار - كما في ينابيع المودّة - « من تركها غرق.»

(2) أخرجه الطبراني في الأوسط، والصغير، وأبو يعلى، وأحمد عن أبي ذر.


عن طريق الروح والعقل إلى الواقع، وإنّ الاهتداء لواقع الأمر عن طريق القوى الروحية والعقلية، هو أعلى ما تصل إليه أفكار المفكّرين، وإنّه العنت كلّ العنت، الوصول إلى الحقائق عن طريق الرأي، وكم رأينا، وسمعنا أن الرأي يخلق المصاعب، ويضع العقبات في طريق التفكير، وبالأخير لا أراه يصل، وإن وصل فإنّه يصل وهو محطّم القوى، وحسبنا جميعاً أن نرجع إلى كتاب الله، فإنّه حفظ لنا كثيراً من الآيات في فضل هؤلاء النفر، ولحظات قصيرة في تلك الآيات الكريمة كافية للتدليل على فضل العترة المباركة، (ولكنّ الحسد أهلك الجسد)، وأخيراً أحب أن أطلعك، إن الله سبحانه اختار عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً؛ ليؤمنوا على دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن الاختيار من رسول الله.


يوم المباهلة

استيقظت المدينة المنورة من نومها، ومسحت عن عينها فترة الكرى، وشبحت العيون فإذا صورة ثانية من الزمن، غير التي يعرفونها بالأمس الماضي.

الأرض واجفة.. والشمس كاسفة.. والسحب داكنة..

أصبحت البلدة الطبيبة غيرها بالأمس. ولم تكن كعهدها بالهدوء.. الناس في جيئة وذهوبة..

أصبحوا، وفي القلوب خلجات..

أصبحوا، وعلى الشفاه همسات صغت إليها الآذان، وأرهفت غرب الأذهان..

لم يبقَ من لا يتحدّث، ثمّ هو لا يستفيض في الحديث.. والحديث كلّه عن المباهلة، والمباهلة سفر ضخم، فيه كلّ لون وكلّ حديث.

إنّهم ليحزنهم التطيّر المشفي على الجزع! إنّهم يشفقون من المستقبل!.

مدّت الأعناق لترى الساعة الرهيبة، وصغت الآذان للرعد القاصفة.

إنّها لقريبة جدّاً ساعة المباهلة، أو ساعة الإنذار بلعنة الله على الكاذبين.


هذه الشمس تركت خباءها تزحف، وشيء مجهول يزحف معها، يجلجل صوته كالرعدة القاصفة. ها هي المسامع تستك والفرائص ترتعد.

ساعة من الزمن منتظرة هي الزمن كلّه.. إنّها الساعة الأخيرة على أحد المتباهلين، أكانت هذه الساعة وليداً جديداً لم يشاهد لها مثيلات من قبل؟! أم هي خلجات القلوب ترقب الحادث الجديد؟..

إنّها ارتسامات الشعور الهادئ المضطرب معاً.. عيون تنظر من كوة الحياة إلى صنفين.. إنّها العقل الواعي يقارن بين عهدين: العهد الماضي، والعهد الحاضر. وبين مبدئين.. كلمة واحدة وليس بعدها أخرى، ثمّ ترتفع السجف ويتضح الحقّ مشعّاً..

أمل باسم يطفح بالنور.. وقلوب معتمة حيرى عصف بها الأسى، وتكاد تفرّ من أقفاصها لو فتح لها الباب.

* * *

يوم مشهود يوم الرابع والعشرين من ذي الحجّة(1) ، تطلّع الناس فيه إلى بزوغ شمسه، كما تطلّعوا إلى سابقه يوم دخل الوفد، ولكلّ يوم منهما حدوده ومقاييسه فلا تغيب آثارهما. يحمل اليوم الأول فتنة البذخ إلى نفوس الضعفاء.

والثاني يحمل الدعوة سافرة.. أجل إنّه اليوم الذي يحمل بين

____________________

(1) هذا هو المشهور وقيل كانت المباهلة في يوم الواحد والعشرين وقيل الخامس والعشرين وقيل في السابع والعشرين.


تلافيفه المفاجأة الكبرى، والدعوة سافرة لا يسترها شيء، وهي من مقولة الأرقام، وليست من مقولة الجدل والبرهان..

يوم ليس كمثله يوم. يحمل بين طرفيه الحادث الخطير، يجر في أعقابه ألف حادث وحادث، يحمل في طيّاته عدالة السماء، وغضب جبّار السماوات والأرض؛ ليعطي كلاًّ من المتباهلين نصيبه منهما، ويكاد الناس أن يؤمنوا أنّها النهاية بعد أن ترفع الأكف للابتهال، وتجأر الألسن بالدعاء.

يوم الرابع والعشرين من ذي الحجّة يوم مشهود.. مصدر عظمة في سلسلة الأيام الإسلامية.. يومٌ تألّق نوره بين الأيام المشعّة في الرسالة المحمدية.

يوم مشهود حقّت فيه كلمة الله العليا.. وتمّت الغلبة للإسلام..

يوم مشهود. عنت قبة رقاب أولئك السادة لشريعة الحقّ، وأعطوا الجزية عن يد..

يوم مشهود. يبسم بالأمل الزاهر. يطوي الصفحة من حياة، ويفتح الصفحة أخرى، يتلقاها العقل من مصدرها بالبرهان المشاهد. ولاشك في أنّها من ألمع صفحات تاريخ الإسلام.

يوم مشهود. لا شبيه له ولا مثيل، ولا يقاس به يوم إلاّ كان القياس خطأً؛ لما تبين فيه من الحقّ، وظهر فيه من فضل آل محمّد صلى الله عليه وعليهم وسلم على سائر الناس.. وآل محمّد لا يقاس بهم أحد.

يوم الرابع والعشرين من ذي الحجّة ناصع الجبين، مشرق المحيا، تتراءى خلاله العظمة باهرة الجلال، َتلفّت إلى حيث شئت فإنّك ترى روحيّة عالية،


وقدسيّة سامية، تتصلان بأعماق النفس.

يوم مشهود. قف منه حيث شئت فإنّما تقف على عظمة الرسالة المحمديّة، تتجلّى في نفس واحدة من الأنفس الكثيرة، وامرأة واحدة من نساء كثيرات، وطفلين لا غير. هم جميعاً صفوة الصفوة، ولباب اللباب، الذين اختارهم الله لكرامته، وأعدّهم لهداية أمته من بعد نبيه..

يوم مشهود.. اختصم فيه خصمان بربهم..

* * *

لقد جاءت الساعة المرتقبة، واللحظة المنتظرة، لحظة فقط تتفجّر فيها براكين الأرض، وترسل السماء شهب النار. لحظة واحدة يهلك فيها الكبير، ويفنى الصغير، حيث زلزلت الأرض زلزالها.

انطلقت الأبصار إلى الجهة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ترقب الثغر الباسم، والجبين المشرق، والوجه الأغر..

يا لجلال الله. هو ذا رسول الله، يخرج ووجه يشعّ بالنور تسيّجه هيبة الله..

يا لعظمة الحقّ، وجلال الإيمان. هو ذا يحتضن الحسين، ويمسك بيمناه الحسن، وخلفه بضعته الزهراء مغشاة بملاءة من نور الله، وهذا عليّ يمشي خلفها باهر الجلال، يرتدي بُردة من مهابة الله.

* * *

المباهلة هي القول الفصل في نهاية الجدل، وقد اختارها الله لنبيه، واختار له الأشخاص الذين يؤمّنون على دعائه.


وبعد - فالعقل لا يصل إلى صورة أرفع من هذه الصورة، وإلى أشخاص في رتبة هؤلاء، أو أرفع؛ لئلاّ يقع من العليم الحكيم الترجيح بدون مرجّح في المرحلة الحاسمة.. ولأن العقل لا يساند الاختيار إلاّ إذا وقع على الأمثل فالأمثل من المثل العليا. وليس في مكنون علم الله سبحانه أمثل من هؤلاء.

فالله( عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرّةٍ )

* * *

(أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشجرتين فقصدتا(1) ، وكسح(2) ما بينهما حتّى إذا كان الغد، أمر بكساء اسود رقيق، فنشر على الشجرتين) على هيئة المخيّم.

(وخرج السيّد والعاقب بولديهما، وعليهما من الحلي والحلل ما يلفت الأنظار، ومعهم نصارى نجران، وفرسان بني الحرث على خيولهم، وهم على أحسن هيئة كأنّهم ليوث غابٍ). واجتمع الناس من أهل المدينة، وَمن حولها من الأعراب، وأهل الألوية؛ يرقبون الحادث، لا يعرفون ما هو مقبل عليهم، عندهم ثقة تامة، ولكن يرتادهم شكّ، ولهم إيمان راسخ، ولكن يراوده قلق، وقد ضرب الاضطراب عليهم نطاقه، والقلق مدّ رواقه، فهذه وجوهٌ عليها غبرة ترهقها قترة، وهذه وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة.. الشمس تسير بأفقها مضطربة كاضطراب هذه القلوب.. هذه الرياح تهبّ من حول أناس بألوان مختلفة، تارة مهيباً وأخرى رهيباً. الناس جمود يتحركون.. صامتون يتكلمون، آمنون وجلون.. حيارى وما هم بحيارى، وأوشك الناس يتبيّنوا أنّ الانقلاب

____________________

(1) أي كسرتا.

(2) كنس ما بينهما.


فخذلتهم عقولهم، وخانهم صلب إيمانهم.

(وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محتضناً الحسين، وبيده الحسن، ومن خلفه فاطمة الزهراء، ومن خلفها عليّ.. فتقدّموا إلى أن وقفوا تحت ذلك الكساء، على الهيئة التي خرج عليها) يقول لهم: «إذا دعوت امّنوا - قولوا آمين -» وأرسل إلى السيّد والعاقب يدعوهما إلى المباهلة.

جفل الوفد، وانكمش على نفسه، فإنّهم لم يثوبوا إلى أنفسهم من دهشتهم بالأمس حينما اجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أخذ عليهم آفاق الأرض والمساء، حتّى احتوتهم الدهشة ثانية، مزرية بما سبق من الدهشة، وقد امتدّ بهم البصر، فإنّهم يرون النور يشعّ من هذه الأوجه الكريمة.

- لم يأتِنا أبو القاسم بأهل الكبر والشدّة من أتباعه. وإنّما جاءنا بالأعزّة، والأحبّة من أهل التخشّع، وبهلة الأنبياء، والصفوة الصفوة المختارة.

* * *

تمرّ لحظات يتهيّب فيها الوفد ويحار.. لحظت كأنها الدهر الخالد. لحظات قاسية، لم يعانِها أحد على نحو ما عاناها القسس، ولم يشقّ بها أحد مثل ما شقي بها هؤلاء. إنّها الساعة الأخيرة، وإنّه ليكاد اليقين يمسّ قلوبهم بصدق محمّد صلى الله عليه وآله وسلم... يأس جامح ملك قلوبهم.

* * *

يتقدم السيّد والعاقب إلى رسول الله ( ص )

- يا أبا القاسم بمن تباهلنا؟!

- « أباهلكم بخير أهل الأرض وأكرمهم على الله »، هؤلاء وأشار إلى


علي وفاطمة والحسن والحسين).

- (فما نراك جئت لتباهلنا بالكبر ولا الكثر. ولا أهل الشارة ممن نرى ممن آمن بك واتبعك، وما نرى هنا معك إلاّ هذا الشاب والمرأة والصبيين، أبهولاء جئتنا نباهلك؟!

- أجل: « بهؤلاء، وهم خير أهل الأرض، وأفضل الخلق. »

استكت أسماعهم، وارتعدوا كأنما الأرض تريد أن تسيخ بهم. ساعة خاصمتها الرياح المختلفة في هبوبها، والأعاصير الهوجاء، ثمّ رجعوا إلى أسقفهم.

- أبا حارثة ماذا ترى؟

- ماذا أرى؟ (إنّي لأرى وجوها لو سئل الله بها أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله.. أفلا ترون محمداً رافعاً يديه ينظر إلى ما تجيئان به؟. وحقِّ المسيح إن نطق فوهُ بكلمة فلا نرجع إلى أهلٍ ولا إلى مالٍ)

أفلا ترون الشمس تغيّر لونها، والأفق تتجمع فيه السحب الداكنة، والرياح تهبّ هائجة، سوداء حمراء، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان؟

(لقد أطلّ العذاب، انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها، وإلى الشجر كيف تساقط أوراقها، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا؟!)

(والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبيٌ مرسل، ولقد جاءكم بالأمر الفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قومٌ نبيّاً قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن وكان الاستئصال.. وإنّما عهدكم بإخوانكم حديث، وقد مسخوا قردة وخنازير..


ويحكم لا تباهلوه..

لا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة).

- إلى يوم القيامة!.

- نعم: إلى يوم القيامة.

* * *

وذكروا أنّهم قالوا: (يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك.. وأن نقرك دينك، وأن نثبت على ديننا.

- « فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما على المسلمين. »

- لا نسلم.. ولا نترك دين آبائنا!.

- « أناجزكم القتال. »

إنّها الحرب المهلكة.. لا طاقة لنا بحرب العرب ولكن..

- « ولكن ماذا؟! »

نصالحك على أن لا تغزونا، ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدّي إليك في كلّ عام ألفي حلّة، ألفاً في صفر وألفاً في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد.

يقول اليعقوبي وغيره: فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ألفي حلّة من حلل الاواقي (كذا)، قيمة كلّ حلّة أربعون درهماً. فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك، وكتب لهم رسول الله( ص ) كتاباً.

« بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمّد رسول الله، لنجران وحاشيتها، إذ كان له عليهم


حكمة في كلّ بيضاء، وصفراء، وثمرة، ورقيق، فما زاد ونقص، فعلى هذا الحساب ألف حلّة في صفر، وألف في رجب، وعليهم ثلاثون ديناراً مثواة رسلي فما فوق، وعليهم في كلّ حرب باليمن دروع عارية مضمونة، لهم بذلك جوار الله وذمة محمّد، فمن أكلّ الربا بعد عامهم هذا فذمتي منه بريئة. »

فقال العاقب:

يا رسول الله إنّا نخاف أن تأخذنا بجناية غيرنا.

فقال: « إكتبوا ولا يؤخذ أحد بجناية غيره. »

وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه:

« والذي نفسي بيده إنّ الهلاك تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل الله نجران وأهله، حتّى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتّى يهلكوا. »

موقف حسّاس، وهل من سامع لهذا الكلام من رسول الله، ومشاهد لموقف هؤلاء النفر إلى جانبه صلى الله عليه وآله وسلم، ثمّ لا يمثل قلبه إجلالاً وإكباراً، ثمّ لا يعترف بفضل الأنفس، والنساء، والأبناء، والمؤمنون العازفون عن الدنيا شعروا بمقامهم، وامتلأت قلوبهم إيماناً بمنزلتهم السامية، واعترفوا بتقدّمهم.

* * *

ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقف هنا، ولم يدع الناس أن يمضوا قبل أن يتحدّث إليهم عن ربّه في نقاء هولاء الأربعة وطهرهم.

في هذه الساعة التي لا يزال الناس في دهشتهم وروعة الجلال التي


ملكتهم، يعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نقاء آل رسول الله، وطهرهم من كلّ دنس تقول السيدة عائشة:

(خرج رسول الله وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال:

( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أهل الْبَيْتِ ) .

ماذا بقي بعد هذا ما يحمل القلوب على الالتفاف حول أهل البيت. وأي شيء بعد الطهر والنقاء من كلّ رجس يحمل الناس على التهافت إلى حضيرتهم السامية؟.

صوت رفيع من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلق من حاضرة الإسلام مع الريح، ثمّ صار يشقّ طريقه في الفضاء رنّان الجرس، يقرع في سمع الأجيال جيلاً فجيل حتّى اليوم، وحتى قيام الساعة صارخاً.

هؤلاء فقط أهل بيت النبوّة وموضع الرسالة.. هؤلاء فقط الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

كلمات طرقت الآذان، واستوعبتها مشاعر المؤمنين. رسالة السماء، وكلمات الله تنهج للناس الطريق الأمثل الأيلج، إنّه التنزيل بنصوص آياته، وروح معانيه، يرسم لنا صورة مثالية لأولياء ارتفعت عن التفكير والتصوير.

إنّه صوت الله يقرع الأسماع، فأين أين، وإلى أين؟

إنّها الرواسب الماديّة في نفوس جعلت من المسلمين صنفين.


أفضل الخلق

يجدر بنا أن نقف عند هذا الحادث الخطير قليلاً، فإنّ لهذه المثاليّة السامية التي رسمها كتاب الله لآل رسوله حقوق في ذمّة المسلمين، لا يستطيع الزمن أن يقضي عليها، أو يتناولها بتحريف، مهما انتهج من أساليب، واصطنع من أعوان؛ لأنّ النهج الذي نهجه كتاب الله واضح، لا يدخله أي تعديل، ولا يمكن أن يتناوله التحريف، وإن تناوله التأويل، ومن ثمّة تشعّب الطريق بين المسلمين، وذر الخلاف قرنه، ولكنّ الحقّ عزيز الجانب، قد بثّ عيونه ونشر جنده.

ومن المستصوب أن نقف هنا موقف المعقب على هامش المباهلة، علّنا نخرج مع القارئ ولم يفتنا الصواب حينما يسفر البحث عن براهين متنوعة؛ لإثبات مثالية الأنفس، والنساء، والأبناء، وحينما تكون النتيجة أنّهم أفضل الخلق.

وهذا صحيح عن وجهة العقل، ومن وجهة الواقع من وجهة الاختيار الذي وقع عليهم.

فإنّه واضح جليّ، إنّ الاختيار الذي وقع على عليّ وفاطمة وحسن وحسين، له أهميته الكبرى في تقرير مرتبة الفضيلة وانحصارها.

ولأنّ السبب الذي طوى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعاً، وخفرات المجد من عمر العلى، وشبيبة الحمد جميعاً، وأصحابه جميعاً، وأبناء


المسلمين جميعاً، في زاوية، ولم يدعُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واحداً من هؤلاء لم يبقِ مجالاً للشك بأنّ الذين وقع عليهم الاختيار، ولا يقاس بهم أحد من الناس إلاّ كان القياس خطأً؛ لأن القياس إنّما يقع في المرحلة التي يصحّ بها القياس، والذي لا مثيل له لا يقاس عليه.

والاختيار دلّنا على أنّهم لا مثيل لهم، والبداهة تستلزم ذلك، والعقل يحكم، ونحن لا نجد صعوبة في الفهم حين نفهم من هذا الاختيار التفضيل المطلق، والكمال المطلق في المرحلة الأخيرة.

ليس على الإنسان حساب في فهم التفضيل حينما يعلم أنّ الله سبحانه اختارهم في ساعة المقايسة والموازنة.( وَاللّهُ بِكُلّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ ) .

وهداية الله سبحانه تأخذ بيد الإنسان، فتخطو به إلى المثاليّة الرفيعة، ولي في العقل ما يمنع من الوصول إلى أعلى درجات الكمال، ولكنّ العقل لا يفهم هذا إلاّ باعتبار الوصول إلى فهم الحقيقة الإلهية فهماً كاملاً إلى حدّ الفناء في الله.

كما وإنّه ليس لاختيار الله مقاييس أخرى غير مقاييس الفضيلة على اعتبار الوصول إليه تعالى، وصولاً مقربّاً منه، وقد فنيت قلوب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذات الله، وكان لهم من الحياة الفضلى، والفناء ما يثبت لهم المثاليّة المطلقة في كلّ مقاييس الفضل، والكمال النفسي، والشخصي. وقد جاء الاختيار منه برهاناً ساطعاً لا يفسح مجالاً إلى قيل وقال، ولا إلى استدلال..

وبعد - فالعقل لا يتصور مثالية، ولا عبقريّة أرفع من مثاليتهم وعبقريتهم، فهم الراجحون في مقاييس الفضل، والسبق، والشرف، والإيمان.


أولئك هم كيف واجهتهم، ومن أي النواحي أتيتهم، تجدهم الراجحين في مقاييس الفضل والفضيلة.

* * *

في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسع نسوة، ولسنا في حجّة إلى تصوير من فيه منهنّ الكفاية من ناحية الدين، والخلق، والكمال. فإنّهنّ أمهات المؤمنين حقّاً، وفي المدينة من المهاجرين، والأنصار، وبني هاشم، جمع غفير تجاوز عشرات المئات إلى عشرات الألوف. وفيهم النخبة الصالحة الممتازة من المقيمين على الحقّ، اعتصموا بحبل الله، وحبل الرسول، صبروا على الأذى، وجاهدوا في سبيل الله، أولو سابقة في الإسلام، أخلصوا لله في نيّاتهم، وتوجّهوا إليه بقلوبهم، وأعمالهم، راضوا أنفسهم في سبيل كمالها؛ فرضوا من الدنيا بالكفاف. وفي بني هاشم، والمسلمين من الأبناء ما يزيد عن العدّ، احتفل بهم التاريخ، ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طوى هؤلاء جميعاً، وأولئك جميعاً، وتركهم جانباً، ثمّ خرج بعليٍّ ( ع ) من الأنفس، وبفاطمة ( ع ) من النساء، وبالحسن والحسين ( ع ) من الأبناء، ولم يخرج معه أحداً غيرهم.

ولماذا؟؟..

حدّثونا فيما حدثونا به عن أبي رباح مولى أم سلمة، يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب هذا السؤال إنّه قال: « لو علم الله تعالى أنّ في الأرض عباداً أكرم من علي، وفاطمة، والحسن، والحسين لأمرني أن أباهل بهم، ولكن أمرني بالمباهلة مع هؤلاء


- وهم أفضل الخلق - فغلبت بهم النصارى. »

بهذا يواجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه حيث يسأل، وبهذه الكلمات الوجيزة يعلن عن قيم أصحاب الكساء، وأهل آية المباهلة، وقدسهم وسموهم، وعن مكانتهم من الله عزّ وعلا.

حقّاً إنّ مثل هذا الخبر له قيمته في تعرف قيم آل رسول الله، الذين اختارهم الله؛ ليباهل بهم رسولُهُ قسس نجران.

ونحن لا نجد تصويراً لسموّ فضلهم، أدقّ وأصدق من هذا التصوير المعلن برفيع مكانتهم، وكبير قدرهم، وسامي منزلتهم، وعظيم فضلهم، ويحسبنا أن نستمع إليه يقول: « لو علم الله أن في الأرض أكرم من عليّ وفاطمة والحسن والحسين؛ لأمرني أن أباهل بهم » بخ بخ ليس في علم الله أحد أفضل منهم. لا في الأرض، ولا في السماء.

وإنّ هذا التعبير ينشئ في نفوسنا صوراً شتّى من القيم المثالية، التي تعبّر عن قيمهم الرفيعة في المجتمع الروحاني الأقدس، وهذا هو الشرف العظيم الذي تطامن إليه الرقاب بخوعاً.

ولهذا الحديث منشآة عالية في النفوس، فهو ينشئ في نفوسنا صوراً من قدس النفس، وعظيم المنزلة، وينشئ في نفوسنا صورة من الفضل والكرامة عند الله تعالى، وإنّه ليس أحدٌ أكرم عليه منهم، وينشئ في نفوسنا صورة مثالية رفيعة، ارتفعت عن كلّ تفكير، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باهل بهم، وهم أفضل الخلق، وبهم غلب النصارى. وحسب الناظر في هذا الحديث، وغيره من الأحاديث الصحيحة أن يثبت أعلى درجات الكمال، ويحسبه


أن يكون رجع إليه وعيه، وثاب إلى رشده فاثبت ذلك بعقله.

ونحن اليوم نعيش في عصر المحاكمات، وقياس الأمور بأقيسة الأرقام، لا بأقيسة الثقل.

وبعد - فلا أحسب أنّ أحداً من المسلمين يستطيع أن يرجع هذا إلى مظهر من مظاهر عطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أهل بيته، وإن وجد فيهم من يعتقد مثل هذا - والعياذ بالله - فقد قصدت نفسه إلى نوازع الشيطان، التي تحيك في السرائر، وزلقت قدمه فتدحرج إلى هوّة سحيقة، فخسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين. فإنّ رسول الله.

( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى‏* إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى‏* عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) ( إنّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ* وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكّرُونَ* تَنزِيلٌ مِن رَبّ الْعَالَمِينَ* وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين* ثمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنكُم مِنْ أحد عَنْهُ حَاجِزِينَ) .

* * *

وليست آية المباهلة بالآية الأولى والأخيرة التي التقى فيها القرآن المجيد بآل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد التقى بهم مرات في كثير من النواحي. يقول ابن العباس:

(نزل في عليّ أكثر من ثلثمائة آية في مدحه. وعن الأعمش عن أصحاب ابن عباس قال: ما أنزل الله يا أيها الذين آمنوا إلاّ وعليّ أميرها، وشريفها. ولقد عاتب الله أصحاب محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في غير مكان،


وما ذكر عليّا إلاّ بخير)

ولا نريد هنا أن ننقل إلى القارئ كلّ ما نزل فيه، وفي أصحاب الكساء. إذ ربما يكون في النقل الكثير شيء من الإطناب، ولكن مع إمساكنا عن التبسّط في الحديث لا يسعنا إلاّ أن نلفت نظر القارئ إلى شيء ميسور فهمه. ذلك أنّ المفسرين، وحملة الحديث لم يتّفقوا على شيء من الآيات التي يدّعى نزولها في بعض الصحابة كما اتفقوا على الآيات التي نزلت في أصحاب الكساء، في مدحهم، والثناء عليهم. ونظرة عجلى في ذلك تثبت لنا صحّة الدعوة، ومثالاً واحداً نضعه بين يديك، اقرأ قوله تعالى من سورة الدهر:

( إِنّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى‏ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً) .

اقرأ ذلك إلى قوله تعالى( إِنّ هذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَشْكُوراً )

اقرأ ذلك لتعلم مقام أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وقد ورد من طرق عديدة إنّ هذه الآيات نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين(1) .

____________________

(1) أخرج غير واحد من أعلام أهل السنة عن ابن عباس، أنّ هذه الآيات نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين. وإليك نص ما قاله الزمخشري في كشّافه: (وعن ابن عباس (رض) إن الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناس معه، فقالوا يا أبا الحسن -


وهل من قارئ لهذه الآيات لا يمتلئ قلبه إكباراً وإجلالا وتقديساً لهؤلاء الأبرار؟ وهذه ناحية من نواحي عظمتهم المرموقة.

أجل. إن هذه الآيات وغيرها من الآيات الكثيرة تلقي ضوءاً على عبقرية أهل البيت (عليهم السلام)، ويكاد أن يعتقد كلّ منصف إنّه لا يجد في المسلمين من يشاركهم في فضلهم، وبوضوح ترسم لنا ألوانا من السموّ، وتحتفل بضروب من العظمة، وهي بمجموعها تمثل لنا صورة من المنزلة العالية

____________________

- لو نذرت على ولديك؛ فنذر عليّ وفاطمة، وفضّة - جارية لهما - إن برئا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام، فشفيا. وما معهما شيء؛ فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصواع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً، واختبزت خمسة أقراص على عددهم فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء. وأصبحوا صيّاماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلمّا أصبحوا أخذ عليّ (رضي الله عنه) بيد الحسن والحسين، وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلمّا أبصرهم، وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: « ما أشد ما يسوؤني ما أرى بكم »، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها، وقد التصقت بطنها في ظهرها، وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل عليه جبرائيل عليه السلام وقال: « خذها يا محمّد، هنّاك الله في أهل بيتك » فأقرأه السورة. انتهى. من الكشاف في تفسير سورة هل أتى ( الدهر).


والمقام الرفيع عند الله تعالى، وبالأخير المثالية التي خرجت عن حدود المقاييس والموازين.

وليس هناك ما يمنعهم من هذه المثالية، وقد خرجوا من البيت الذي خرجت منه الدعوة الإسلامية، وساروا في الطريق التي يسير فيها القرآن المجيد، ويدخلون كلّ بيت يدخله القرآن، ولا يفترقون عنه حتّى يردوا على رسول الله يوم القيامة(1) .

* * *

ليس من السهل الهيّن على الإنسان أن ينتزع من نفسه الأنسجة

____________________

(1) من جملة حديث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعرف بين المحدّثين بحديث الثقلين، أو حديث التمسّك، ولفظه عند الترمذي « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما؟! ».

ولقد بسطنا البحث فيه في كتابنا (تحت راية الحقّ). وهو من الأخبار المتواترة، أجمع المحدثون على روايته، وأخرجوه من طرق عديدة. أخرجه مسلم في صحيحه، وصاحب الجمع بين الصحاح الست، وصاحب الجمع بين الصحيحين، والترمذي، والنسائي، والحاكم، والطبراني، والطبري، والبيهقي، والبزّار، والملا، وأبو يعلى إلى كثير منهم، وقد أجمعوا على صحّته. نعم البخاري لم يخرجه وإن صحّ من طريقه، ولكن حال البخاري في أمثال هذا الحديث معلوم لكلّ متتبع. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.


التي يحاك منها الخطأ؛ ليشاهد الحقيقة الماثلة أمام عينيه واضحة جليلة لا يسترها ستر. ولكن من السهل الهيّين أن يوقظ في نفسه الروح العلميّة؛ فتقوده إلى دراسة النفسيات، والشخصيات عن طريق الحوادث التاريخية. وبهذا يستطيع - إذا كان جريئاً، وكان صافي النفس - أن يكشف الستار عن الحقائق، ويجليها من الأصداء المتراكمة عليها طوال السنين، ومن السهل عليه إذن أن يكون ضميره أسرع إلى اقتباس الحقائق من عينيه، ويأمن كلّ خطأ.

وأيضاً يجب أن لا نشك أنّ لكلّ جيل، ولكلّ حضارة قيم اجتماعية هي مقياس الفضيلة في الموازين.

وكذلك لا شك في اختلاف هذه القيم، وتفاوت نسبها سموّاً واعتباراً، وواجب الباحث الفصل بينها بكلّ الاعتبارات المقوّمة لهذه القيم.

والإنسان الذي يرجّح في كفّة الميزان هو الذي تحفُّ بشخصه أعلا القيم، وأمثلها. وذلك بالحصول على أمثل الصفات وأعلاها، التي هي تجعله فريداً وحيداً. وأن يتّصف بالصفات التي تقرّبه من الله « تخلّقوا بأخلاق الله »، وكلما كان الإنسان قريباً من الله، فانياً في ذات الله، كانت إنسانيته أكمل، ومنزلته أعلى وأرفع.

أمّا علي فإنّه (في كلّ ناحية من نواحي الإنسانية ملتقى بسيرته(1» ، وقد (ورث عليّ بحكم مولده، ومربّاه مناقب النبوّة، ومواهب الرسالة، وبلاغة الوحي، وصراحة المؤمن)(2) وقد تجمعت فيه أخلاق محمّد صلى الله عليه وآله

____________________

(1) عبقريّة الإمام للعقّاد.

(2) تاريخ الآداب العربية للزيات.


وسلم، ومحمد إنسان تجمّعت في إنسانيته صفات روحيّة، جعلته أفضل مخلوق، وأشرف مخلوق، وفوق كلّ مخلوق.

وعليٌّ رديف محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. هذا للنبوة، وهذا للإمامة، وهو غرسه قد أخذ عنه أمثل الأخلاق، وأسمى الصفات؛ فكان عنواناً كاملاً لأسمى الصفات، وأمثل الأخلاق. والإسلام لم يعرف قط أصدق إسلاماً، ولا أشدّ إيماناً منه، ولم ينفذ الإسلام إلى أعماق قلب مسلم، كما نفذ إلى أعماق قلبه. كان يؤثر الآخرة على الأولى، ويعمل لإرضاء الله ورسوله، لإرضاء الناس، ولقد وصفه ضرار فأجاد الوصف قال:

(كان والله بعيد المدى، شديد القوى. يقول فصلاً، ويحكم عدلاً. يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطف الحكمة من نواحيه. يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلّب كفّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبّئنا إذا استنبأناه. ونحن مع تقريبه إيّانا، وقربه منّا لا نكاد نكلّمه؛ لهيبته، ولا نبتدئه؛ لعظمته. يعظّم أهل الدين، ويحب المساكين. لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله. وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثُل في محرابه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين يقول:

« يا دنيا إليكِ عنّي غرّي غيري، أ بي تعرّضتِ أم إليّ تشوقتِ؟ هيهات قد باينتك ثلاثاً لا رجعة لي عليكِ، فعمركِ قصير، وخطركِ حقير، وخطبكِ يسير. آه من قلّة الزاد، وبعد السفر. »


حقاً هذا هو عليّ عليه السلام، الشديد في محاسبة نفسه، وهذا هو علي حقّاً في كفة الميزان. فهل يرجح عليه أحد، أو يساويه أحد من صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟.

هذا هو علي ( ع )، وتاريخه المجيد منذ طفولته مفعم بمئات من الأدلة والشواهد. وحسب القارئ أن يرجع إلى الأحاديث الصحيحة، والمشهورة، والمتواترة، الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في فضل عليّ عليه السلام، وقد مرّ عليك شيء منها، ونزيدك هنا بما يرجّحه في كفّة الميزان إذا نصبت الموازين:

رووا إنّه ُقدّم لرسول الله ( ص ) طير مشوي فقال:

« اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير. »

فجاءه عليٌّ( ع ) فأكل معه(1) .

وعن سعد بن أبي وقاص(2) (أمر معاوية بسبّ عليّ فامتنعتُ؛ فقال: ما منعك أن تسبّ أبا تراب؟. قال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فلن أسبّه، ولإن تكون لي واحدة منهن أحبّ

____________________

(1) أحمد في مسنده، وموفق بن أحمد عن ابن عباس، وعن أنس، والترمذي عن أنس، وابن أبي داوود، وابن المعازي من عشرين طريق.

(2) أخرجه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، عن عامر أيضاً إلاّ أنّه قال: (أمّا ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبّه، لأن تكون لي واحدة منهنّ خير لي من حمر النعم). والترمذي أيضاً بعين ما عند مسلم.


إليّ من حمر النعم. سمعت رسول الله ( ص ) يقول له حين خلّفه في بعض مغازيه، فقال له عليّ: « يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان. »

فقال له رسول الله (ص): « أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ إنّه لا نبوة بعدي. » وسمعته يقول يوم خيبر: « لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله. » قال فتطاولنا لها فقال: « ادعوا عليّاً » فأتي به أرمداً؛ فبصق في عينيه، ودفع الراية له؛ ففتح الله عليه. ولمّا نزلت الآية( ندع أبناءنا وأبناءكم ) الآية، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال« اللهم هؤلاء أهلي. »

ومن رواية أبي بكر (رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيّم خيمته، وهو متكئ على قوس عربية، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين، فقال:« يا معشر المسلمين، أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلاّ سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلاّ شقيّ الجد رديء الولادة. »

وحسب عليّ عليه السلام أن يكون مع القرآن، والقرآن معه. وأن يكون مع الحقّ، والحق معه، يدور معه كيف دار. وأن يكون عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ.

* * *

وأما الزهراء فبحسبها أن تكون مختارة الله؛ ليباهل بها رسول الله من تسع نسوة هنّ أمهات المؤمنين، ومن بين نسوة زكيّات المغرس في المنبت الأثيل، والشرف الموروث في المجد المؤثل خفرات عمر العلى غرّة المجد، وعقائل شيبة الحمد، كأم هاني وصفية.


ولا يجوز عند العقل أن يكون اختيار، ولا تكون أفضلية. ولا يتأتّى الاختيار إذا لم يكن هناك كمال مطلق، وأفضلية على سائر النساء. وإلاّ لزم الترجيح بدون مرجّح وهذا مستحيل عند العقل، لا يجوز على الحكيم.

ومن أجل هذا الاختيار نفهم التفضيل المطلق بدون مشاركة؛ لأن العقل لا يفهم الاختيار مع التساوي في الفضيلة، والمشاركة في الكمال.

فلابد إذن من أفضلية، وأكمليّة؛ ليقع الاختيار صحيحاً طبق العقل.

وإذا كانت سلام الله عليها قد اختارها الله مع من اختار، فما ذلك إلاّ من سموّ القدس، وغلبة الروحانية في الإنسانية الطاهرة المهذبة، وإذا غلبت الروحانية فقد تكاملت المثل العليا في النسوية العالية.

وعلى قدر نشأة النواميس الروحيّة في النفس البشرية تسمو الإنسانيّة، وترفع إلى منزلتها السامية التي أعدت لها في المكان الأرفع.

وحيث تجمعّت القوى الروحية، والنواميس القدسيّة في هذا الملاك النسوي الطاهر؛ فقد تهيأت النفس للمثل العليا، وخرقت العادة في اطّرادها البشري، حتّى تستحيل إلى معجزة في كمال الوجود، وكمال الفضيلة.

وهكذا كانت فاطمة بنت محمّد عليه وعليها السلام. فقد تجمّع في نسويتها نواميس روحية، وكمالات نفسيّة رفعتها في الإنسانية إلى أسمى الدرجات التي يصحّ في العقل أن ترتفع إليها امرأة، فهي إذن سيدة نساء العالمين. وكتب الحديث مليئة بالشواهد، والبراهين على فضلها، وعلو مقامها. وحسبها أنّها بضعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من آذاها آذى رسول الله، ومن أغضبها أغضبه.


أمّا الحسنان فبحسبهما هذا الاختيار لهما من الله تعالى.

وهذا الاختيار منه يجب أن يقطع جميع النوازع التي تحاك في الصدور، وقد لا يكون صعوبة في فهم الأفضلية حينما نفهم أنّ الاختيار من الله الحكيم، وقد رأينا من قبل أنّ الحكيم لا يختار إلاّ الأكمل الأفضل.

والقول بأنّ الله اختارهما، أمرٌ يقتضيه العقل، ويقرّه البرهان، والمنطق السديد.

والناس يخطئون فهم العقل، ويخطئون صواب المنطق، ويخطئون النبي حين يفهمون أنّ هذا الاختيار كان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان تفسيراً منه للأنفس، والنساء، والأبناء، مأخوذاً بالعاطفة الإنسانية.

والمباهلة تشريع في المرحلة الحاسمة، جاء النص بها من الله سبحانه، وكما ترى المسألة مسألة إلزام الخصم حين لم ينفع معه البرهان. وإذن ليس لرسول الله( ص ) أن يختار مأخوذاً بالعاطفة، إذا جوزنا عليه ذلك تمشياً مع الخصم.

على أنّه في عرف اللغة العربية ما يشهد لنا ببنوّة الحسنين عليهما السلام لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وإذن فالآية نصّ صريح.


المفسرون

توطئة: القرآن الكريم هو كتاب الله المنزّل على نبيه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لهداية البشر، وهو آخر كتاب سماويٍ منزّل على آخر نبيّ مبعوث من عند الله سبحانه مربّياً وهادياً، ومنمياً للإحساس ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ) ،( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )

والقرآن هو الكتاب الخالد الذي لا تخلق جدته، وما زال، ولا يزال، ولن يزال مظهراً من مظاهر هداية الله، طبقاً لما في علمه الأزلي، يسير مع العصور في كلّ بيئة، ولكل جيل حتّى النهاية، وإلى قيام الساعة، وهو الكتاب الذي يتسامى عند العقل على كلّ كتاب أنزله الله جلّ وعلا، ومهمته هداية الناس إلى السعادتين.

وإنّه لمن الميسور جدّاً فهم القرآن الكريم، سواء في ذلك محكمه، ومتشابهه؛ لأن مردّه إلى اللغة، وإلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والراسخين في العلم من بعده حفظته، ومنفّذي أحكامه، وأعرف بحلاله وحرامه، وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيّده.

والقرآن هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، والمخلصون لله وللدين لا يعدمون فيه الدليل على أيّ تكليف من التكاليف، أصولاً وفروعاً


فإنّ في القرآن تبيان كلّ شيء يحتاجه المسلمون لمعالم دينهم( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ) ، مما يرجع إلى أحكام الإسلام، وأصوله( إلاّ أحصاها ) القرآن، وأشار إليها صريحاً حيناً، وتلويحاً حيناً آخر.

وأما الصراع الذي نشاهده أحياناً في التفسير، فليس مرجعه عجز القرآن، أو قصور لغته، أو عجز النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمة من بعده عن تفسيره، وإنّما مرجع ذلك الصراع إلى الخلاف الذي انغمس فيه المسلمون منذ الساعة الأولى، وأكبر عناصر هذا الصراع، هو الصراع الذي شقّ المسلمين إلى نصفين، نصف إلى اليمين، ونصف إلى الشمال، والقرآن بينهما.

ولعلّ المفسرين انحرفوا مع ميولهم؛ متأثرين بالسياسة من ناحية، وبالعقيدة من ناحية أخرى، وأسدلوا على الواقع ستائر كثيفة مستندين إلى أحاديث أحسن ما توصف به أنّها من وضع السياسة، ومالوا إلى تأويلات تتجافاها اللغة، وتأباها الملابسات في البداية والنهاية.

ولعلّ السياسة في الصدر الأول شاءت أن تزج آية في غير مكانها؛ لغرض صرف الآية عن المعنى الذي سيقت له، كما ترى ذلك في آية:( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

وليس أدلّ على تأثير العقيدة، والسياسة على تفكير المفسرين من ذلك الصراع الحاد في تفسير قوله تعالى:( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا أنزل إِلَيْكَ مِن رَبّكَ وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) . فإنّ هذه الآية الكريمة أحيطت بميول، ونوازع دفعت المفسرين إلى التفسير البعيد الذي لا يتصل بالآية، ولا بملابساتها، ولعلّ تلك الميول أرادت أن تصرف الآية عن معناها إلى معنى آخر


يكاد أن يكون غريباً عن المعنى الذي يلوح به قوله( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ ) فإنّه ليس في الشريعة من أحكام يخشى إظهارها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك ليس فيها تكاليف هي موضع العتبى؛ ليعصمه الله من الناس، وعند نزول الآية كانت الشريعة تامةً كاملةً.

ولا نريد أن ننكر أنّ في المفسرين من لا قصد له، ولكنّه انخدع في الظواهر؛ فسار في طريقه، ورائده حسن الظن.

ولكن يجب أن لا نشكّ بأنّ التفسير مع الإخلاص، وحسن النيّة يلزمه البحث في كلّ مرحلة من مراحل الملابسات، والعلل، وأسباب النزول، وبدايتها، ونهايتها. وموقع الآية من الكلام، وما إلى ذلك من مراحل ظواهر الآيات، وسياقها وإن تغاضى المفسر عن شيء من ذلك فقد أشطط في القول، وصرف الكلام العربي البليغ عن معناه.

وكذلك نرى العقيدة حكمت على بعض المفسرين بصرف معنى الولاية في آية( إنّما وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) فلقد فرّقوا بين الولاية لله ولرسوله، والولاية لأولي الأمر الذين يعطون الزكاة وهم راكعون. ولم يكن من داعٍ لذلك سوى أنّ الذي أعطى الزكاة هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( ع ).

وإنّه لمن المؤسف أشد الأسف أن نجد من المفسرين من جرفته السياسة الخادعة إلى اصطناع أساليب بعيدة عن المقصد السامي الذي يحاوله كتاب الله المجيد، ويجترئون على صرف الآيات عن مقصدها؛ لغرض أكثر ما يتّصل بالسياسة والعقيدة، وهذه الجرأة قد أدّت إلى القول بالرأي في كتاب


الله المجيد.

ولا نريد أن ننكر أنّ الميول كانت منذ الزمن الأول، وقد كانت تجد طريقها إلى القلوب سهلاً، وإنّ لها أثراً كبيراً في النفوس، ولكن لم نكن لنظن أنّها تمد يدها إلى كتب الله المرسلة إلى هداية البشر. ولكن مع الأسف الشديد فقد مدّت يدها مؤوَّلةً، ومفسّرةً تفسيراً بعيداً عن المقصد، ووجد أولئك الميّالون من العقيدة مرتعاً خصباً لتأويلاتهم ففسّروا كما يشتهون، وكما تشتهي السياسة التي وضعت أحاديث كثيرة لا تثبت تحت مبضعة المشرحين من أطبّاء الجرح والتعديل.

* * *

لم يكن حظ آية الأنفس والأبناء عند بعض المفسرين أحسن من غيرها على صراحتها، فقد طواها طيّاً ولفّها لفّا، وقد تعوّز الفاحص المعاذير عن هذا الطيّ واللف، ولكن لا أراه تعوزه معرفة الدواعي الباعثة، ولا أراه يخطئ الدوافع النفسيّة، وقلَّ ما نجد مفسراً مرّ على آية المباهلة، ولم تنقبض نفسه، ولم تتمرّد عليه عقيدته، ولم تطوح به سريرته، ووجد في الوسط المسلم آذاناً مستعدة للسمع، وقلوباً ساذجة مستعدة للتصديق.

ويسع المنصف أن يقف من آية المباهلة الموقف الذي تقتضيه دلالة المطابقة، ولكن بعضهم لم يكن منصفاً، ولا رشيداً، وذهب في التفسير مسرعاً إلى أنّ الوفد امتنع عن المباهلة، وصالح رسول الله ( ص ) على ألفي حلّة، وثلاثين درعاً. كأنّ الآية سيقت لهذا فقط، وكأنّ هذا الصلح هو مدلول الآية المطابقي والالتزامي والعقلي، ولم يخرج في تفسيره عن الوهم في


الشعور، والخطأ في التفكير، لأنّ الآية الكريمة سيقت لأسمى من ذلك.

وكانت الطريقة المثلى للمفسرين - إذا أرادوا الانتفاع بهذه التفاسير انتفاعاً صحيحاً - أن يعني المفسرون بالأخبار الصحيحة، ملاحظين ما ورد عن أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومهبط الوحي، وخزّان العلم، فإنّ القرآن لهم، ونزل عليهم في بيتهم، وهم أعلم الناس به خاصاً وعاماً، ومجملاً ومبيّناً، وناسخاً ومنسوخاً، ومحكما ومتشابها. والقرآن معهم، وهم معه، لن يفترقا حتّى يردا على رسول الله ( ص ) الحوض. ولكن شاءت السياسة للناس أن يعرضوا عن آل رسول الله (ص) - أئمة العلم، الراسخين في الدين قدماً، الثابتين على منهاج رسول الله ( ص ) البعيدين عن الزلل المطهّرين من الرجس - وشاءت لهؤلاء الناس أن يرجعوا إلى القدري، والجبري، والمرجئي، وإلى الوضّاعين المتزلّفين إلى رجال السلطة.

ولا نريد أن نتبسّط في الحديث مع المفسرين فإنّ لهم ما يرتأون من تفسير، ولهم ما يشتهون من الطريقة التي يسيرون عليها.

وكذلك لا نريد أن نتساءل عن المدى الذي أصابوه في ما ذهبوا إليه من تفسير، أو تأويل. وما استدعى ذلك من تغيير خطير؛ لأن البحث في ذلك يستدعي عناية خاصة ليس موضوعها هذا الكتاب.

ومهما يكن من أمر فإن الأغراض اتّسعت، وكان إلى جانبها مولود شاب يسيّر الأغراض في رقعتها الوسيعة. ولكن بالرغم عن ذلك فإنّ في المفسرين من تحلّل بعض التحلُّل فحدثونا عن النجرانيين أنّهم حينما رأوا أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم، ومعه (أهل بهلته)؛ جفلوا، وقال قائلهم:


(إني لأرى وجوهاً لو سئل الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها)

ولابد أن نحفظ لهم هذه المقالة؛ لأنها خرجت من طريق ملتوية بالرغم من المولود الذي يسيّر الأقلام. وإلى القارئ نقدم نموذجاً من التفاسير.

قال جار الله محمود بن عمر الزمخشري:

( فمن حاجّك ) من النصارى( فيه ) في عيسى ( من بعد ما جاءك من العلم ) أي من البيّنات الموجبة للعلم( تعالوا ) هلمّوا والمراد المجيء بالرأي والعزم.. ( ندعُ أبناءنا وأبناءكم ) أي يدع كلّ منّا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة.

(وروي أنّهم لما دعاهم إلى المباهلة، قالوا حتّى نرجع وننظر) فلمّا تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟.

فقال: (والله لقد عرفتم يا مشعر النصارى أنّ محمداً نبيّ مرسل. ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم.

والله ما باهل قومٌ نبياً قط فعاش كبيرهم، ونبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن... وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ خلفها وهو يقول: «إذا دعوت فأمنوا..»

فقال أسقف نجران:

يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيّ إلى


يوم القيامة..

وقال:

وعن عائشة (رض) إنّ رسول الله ( ص ) خرج وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ ثمّ قال:

( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أهل الْبَيْتِ )

قال الزمخشري:

(وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام).

وقال نظام الدين الحسن بن محمّد النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن ورغائب الفرقان:

(.. روي أنّه (صلى الله عليه وسلم) لمّا أورد الدلائل على نصارى نجران، ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم، قال (صلى الله عليه وسلم): «إنّ الله أمرني إن لم تقبلوا الحجّة أن أباهلكم. »

فقالوا يا أبا القاسم بل نرجع، وننظر في أمرنا، ثمّ نأتيك.

فلمّا رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟.


قال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى إن محمداً نبيٌّ مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الفصل من أمر صاحبكم. والله ما باهل قوم نبياً فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلاّ الإصرار على دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم. وقد خرج (صلى الله عليه وسلم) وعليه مرط من شعر أسود، وكان (صلى الله عليه وسلم) قد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ خلفها، وهو يقول: «إذا دعوت فأمّنوا. »

فقال الأسقف: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو دعت الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا.

وروي عن عائشة أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال:

( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أهل الْبَيْتِ.. ) وأما فضل أهل الكساء فلا شك في دلالة الآية على ذلك.. ).

وقال المحقق ناصر الدين عبد الله الشيرازي البيضاوي في تفسيره: أنوار التنزيل وأسرار التأويل.

( فقل تعالوا ) هلموا بالرأي والعزم.( ندعُ أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) أي يدعو كلّ منّا، ومنكم نفسه، وأعزّ أهله، وألصقهم بقلبه إلى المباهلة..( ثمّ نبتهل ) أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منّا.. فنجعل لعنة الله على الكاذبين.

روي أنّه لما دُعُوا إلى المباهلة، قالوا حتّى ننظر فلمّا تخالوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - ما ترى؟.

فقال: والله لقد عرفتم نبوّته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم. والله ما باهل قوم نبياً قط، إلاّ هلكوا، فإن أبيتم إلاّ ألف دينكم، فوادعوا الرجل، وانصرفوا، فإنّه رسول الله. فأتوا رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم، وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ ( رض ) خلفها، وهو يقول: « إذا دعوت


فأمّنوا. »

فقال الأسقف: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو ُسألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا)

قال الشيخ محمّد نهاوندي في تفسيره (نفحات الرحمن).

(... روي أنّه (صلى الله عليه وسلم) لما أورد الدلائل على النصارى، ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم فقال (صلى الله عليه وسلم):« إن لم تقبلوا الحجّة أباهلكم.»

فقالوا يا أبا القاسم بل نرجع وننظر في أمرنا ثمّ نأتيك، فلمّا رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟.

فقال: والله لقد عرفتم يا مشعر النصارى أنّ محمداً (صلى الله عليه وسلم) نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام من أمر صاحبكم. والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولإن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلاّ الإصرار على دينكم والإقامة على ما أنتم عليه؛ فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم.. وكان رسول الله خرج وعليه مرط من شعر أسود. وكان قد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ خلفها، وهو يقول: « إذا دعوت فأمّنوا. »

فقال أسقف نجران: يا مشعر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني).

وقال الفخر الرازي في تفسيره الكبير (مفاتيح الغيب):

(... ولمّا أورد الدلائل على نصارى نجران، ثمّ إنّهم أصرّوا على جهلهم، فقال ( ع ): « إن الله أمرني إن لم تقبلوا الحجّة أن أباهلكم. »

فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثمّ نأتيك، فلمّا رجعوا قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح ما ترى؟.


فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالكلام الحقّ من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولإن فعلتم لكان الاستئصال، فإن أبيتم إلاّ الإصرار على دينكم، والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم.

وكان رسول الله خرج وعليه مرط من شعر أسود. وكان قد احتضن الحسين، وأخذ بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول:« إذا دعوت فأمنوا. »

فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة..

وروي إنّه ( ع ) لما خرج في المرط الأسود فجاءه الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال:( إنّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أهل الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

قال الفخر الرازي: ( واعلم أنّ هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث).

* * *

هذا نموذج من التفسير الذي وقفنا عليه، نضعه بين يدي القارئ. وهو كما ترى، لم يختلف تفكيراً، ولا تعبيراً. ولم يتفاوت فيه العربي، والفارسي، ولا اختلف الذوق العربي مع الذوق الفارسي، وهو يشبه بعضه بعضاً. ومعنى هذا - فيما نرى - أنّ المفسرين لم يعنوا الحقائق العميقة القائمة في اللفظ والتركيب، والحقيقة والمجاز إلى آخره. ولا يتزودون منها إلاّ باللمحات القصيرة الخاطفة، والنظرات العابرة، ولا ندري لماذا هذا المرور العابر؟!. مع أنّ لكتاب


الله المجيد حكمته، وخصائصه في أساليبه، وميزته في تعبيره عن المعاني المقصودة، وأنّ في القرآن آيات محكمة واضحة المعنى، قد يستوي في فهمها الناس، وفيه آيات متشابهة غامضة المعنى، لا يستوي في فهمها الناس، وربما تحتاج إلى الإيضاح من المصدر الأول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والراسخين في العلم، وفيه المفردات التي تعبّر عن الحقيقة حيناً والمجاز حينا آخر، وعن الاستعارة، والكناية إلى غير ذلك.

هذا مضافاً إلى ما في القرآن الكريم من (آيات لا يكفي في تفهمها معرفة ألفاظ اللغة وأساليبها، مثل -( والعاديات ضبحاً ) ،( والذاريات ذرواً ) ، إلى غيرها من مثيلاتها.

وبعد - فلا أحسب أن يكون القرآن في متناول الجميع على نمط واحد من الفهم، واستجلاء المعاني، واكتشاف الدقائق، أو بنسبة واحدة؛ للاختلاف في مقدار الفهم، والإدراك العقلي. فلابد أن يختلفوا في فهمه، وإدراك معانيه، والوصول إلى حقائقه ومجازاته حسب درجات أفهامهم، ومداركهم العقلية.

ونحن حينما نقول هذا نكون قد حكّمنا الذوق، والمقاييس العلمية، ونراه واضحاً لا يحتاج إلى التدليل عليه.

ولابدّ إذن - والحالة هذه - أن يكون لهم مدرك واحد في فهم القرآن، لا تتصل بالأذواق الفنية التي تطلبها اللغة العربية والمقاييس العلمية، ولا بمعاني الألفاظ من حقيقة أو مجاز، واستعارة وكناية إلى آخره. ولم نجد فيما رأينا وعنينا به مدركاً سوى الرأي والاجتهاد، وهما مصدران من مصادر التفسير عند الكثيرين.. والرأي والاجتهاد يتصلان بمعرفة الألفاظ، وأسباب النزول حيناً، وبالعقيدة حينا آخر.


ونراهم في أمثال آية المباهلة حكموا بالعقيدة فقط، ولم يتّصلوا بالألفاظ، وأسباب النزول، ففسروا بالرأي، والاجتهاد لكن عن العقيدة فقط.

ونحن لا نريد أن نلتقي مع المفسرين هذا الملتقى عبثاً، أو جنوحاً عن الحقيقة، ولقد رأيت قولهم (يدع كلّ منكم نفسه، وأعز أهله)، فهم يفسرون النفس بنفس رسول الله ( ص ) فقالوا: (ولهذا ضمهم إلى نفسه بل قدمهم بالذكر)، وقالوا أيضاً: (ولم يقتصر على تعريض نفسه.. وخص الأبناء، والنساء؛ لأنهم أعزّ الأهل، وألصقهم في القلوب. وربما فداهم الرجل بنفسه، وحارب دونهم.. وقدّمهم بالذكر على الأنفس؛ لينبّه على لطف مكانتهم، وقرب منزلتهم؛ وليؤذن بأنّهم مقدمون على الأنفس مفدوون بها) إلى أمثال هذه التعبيرات التي تشير إلى أن (النفس) في آية( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) إنّما هي نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يلتفت أولئك الارائيون إلى أنّ هذا لا يستقيم لمكان لفظه ( ندعُ ) من عدة وجوه:

(1) إنّ الله سبحانه أمر نبيه ( ص ) أن يدعو من المسلمين الأبناء والنساء والأنفس، ومعلوم بإجماع المسلمين كافة أنّ رسول الله إنّما دعا الحسنين وأباهما وأمهما (عليهم السلام)، ولم يدعُ غيرهم؛ فانصرف دعاء الأبناء إلى الحسنين، والنساء إلى فاطمة، والأنفس إلى عليّ (عليهم السلام)؛ لأنّه لا يصح في العرف أن يدع الإنسان نفسه، كما لا يصح في مقام الأمر أن يأمر نفسه. وقد قال الفقهاء: (إنّ الآمر لا يجوز أن يدخل تحت الأمر؛ لأن من حقّه أن يكون فوق المأمور بالرتبة، ويستحيل أن يكون فوق نفسه)، فلا يشمله


أمره قطعاً. كما إذا أمر القائد جنده بالهجوم على حصون العدو، فهذا الأمر منه لا يشمل القائد نفسه، فلو تخلّف عن الهجوم لا يكون عاصياً، وإذا هجم مع الجند لا يكون ممتثلا لأمر نفسه، وهذا بخلف الجندي فإنّه يتّصف بالعصيان إذا تخلف كما يتصف بالطاعة إذا تقدّم.

ولعله يستدل على ذلك بما ذكره الشريف الرضي في كتابه (حقائق التأويل)، عن الواقدي في كتاب (المغازي) (من أنّ رسول الله(ص) لما أقبل، ومن معه من أسارا المشركين، كان سهيل بن عمرو مقروناً إلى ناقة النبي فلمّا صار من أميال عن المدينة انتشط(1) نفسه من القرن(2) وهرب، فقال النبي: «من وجد سهيل بن عمرو فليقتله.»

وافترق القوم في طلبه، فوجده النبي (ص) من بينهم منقبعاً إلى جذم(3) شجرة فلم يقتله، وأعاده إلى الوثاق).

قال الشريف الرضي في تعليل ذلك:

(إنّه لم يصح دخوله تحت أمر نفسه، ولو وجده غيره من أصحابه لوجب عليه أن يقتله؛ لما صح أن يدخل تحت أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم)

وأنت جِدُّ عالمٍ أنّه لا يصح قطعاً أن يكون المراد من( أنفسنا ) نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا واضح لمن تأمّل، وتجنّب وحي العقيدة.

____________________

(1) انتشط اجتذب.

(2) القرن الحبل.

(3) جذم الشجرة أصلها.


(2) وإذا كان المراد من الأنفس نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد خرج بنفسه، ومعه الأبناء، والنساء، وانتهى كلّ شيء فكيف جاء أمير المؤمنين عليّ (ع) مع المتباهلين؟!.

وليس من السهل أن تجرّ العاطفة رسول الله، فيخرج معه عليّاً إذا لم يكن مأموراً بذلك، فإنّ رسول الله (ص) لم يكن سيد حزب، وإنّما هو سيد أمّة، ولم تكن أعماله مما يشتبه، وإنّما أعماله ضمن حدود حددها الله سبحانه، فلا يتجاوز حدود الله، وبالإجماع خرج معه عليّ.

ولماذا يا مفسرون؟

فإن قيل لمكان صيغة الجمع في( أنفسنا ) قلنا إنّ صيغة الجمع لا تستلزم أن يخرج عليّاً من بين مئات الألوف من صحبه، فإمّا أن يفرض المفسرون أنّ رسول الله كان مأموراً بإخراجه، وهذا ما نقوله، وإما أن يفرضوا إنّه اختاره من تلقاء نفسه، ولا محيص لهم عن الاعتماد على سبب مفهوم لهذا الاختيار، لامتناع تأثّر النبي بالعاطفة.

على أنّ الصيغة باعتبارها جمع تدل على الثلاثة على الأقل فأين الثالث يا ترى؟ وهل أنّ النبي لم يجد بين أصحابه الرجل الذي يليق لأن يخرج معه؟!.

وأيضاً الكلام يأتي في صيغة ( نساءنا ) فلماذا أخرج الزهراء (عليها السلام) فقط، ولم يخرج معه غيرها، وفي بيته (ص) تسع نسوة؟.. ولماذا.. ولماذا؟ والأسئلة كثيرة ومحرجة.

إذن ليس المراد هو أبناء المسلمين، ونساءهم، وأنفسهم. وإنّما المراد هؤلاء فقط لا غيرهم، وإذن الأمر من عند الله ( إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى عَلّمَهُ


شَدِيدُ الْقُوَى ‏ ) ، وإذن لابد أن يكون المراد من (الأنفس) نفس عليّ فقط تنزيلاً، وهذا يتأدّى من الآية الكريمة، ومن مكان( ندعُ ) في عرف اللغة كما هو واضح.

(3) وفي أسباب النزول للواحدي صلى الله عليه وآله 75 (وكان الشعبي يفسر الآية فيقول( أبناءنا ) الحسن والحسين و( نساءنا ) فاطمة و( أنفسنا ) عليّ بن أبي طالب).

وفي الصواعق المحرقة لابن حجر في الآية التاسعة من الباب الحادي عشر (أخرج الدارقطني إنّ علياً يوم الشورى احتجّ على أهلها فقال لهم:

«أنشدكم الله، هل فيكم أحدٌ جعله الله نفسَ النبي، وأبناءه أبناءه، ونساءه نساءه غيري؟.»

قالوا: اللهم لا).

وفي دلائل النبوّة ج 2 صلى الله عليه وآله 124 قال الشعبي، قال جابر:( وأنفسنا وأنفسكم ) رسول الله (ص) وعليّ،( أبناءنا وأبناءكم ) الحسن والحسين،( ونساءنا ونساءكم ) فاطمة (رضي الله عنهم أجمعين).

وقال جابر: فيهم نزلت( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) .


تعقيب

قد يظنّ الظانون أنّ قصّة المباهلة مضت بطريقها إلى الأبدية، ولم يبق لأحدٍ فيها مطمعٌ، ولا لعينٍ مأربٌ، ولا لأذن في سماعها من حجّة، فقد طواها الزمن بين طيّاته، وانقضت في يومها الذي وقعت فيه، وذهبت ليومها وساعتها.

والواقع أنّ هذا الظن قد يتصل بالحقيقة من بعض جهاتها، وفي بعض نواحيها، وكان الأولى أن لا يكون هذا الظنّ، لأنّ قصة المباهلة قصّة قومية إسلامية روحية، كان الواجب على المسلمين أن يتبنّوا ذلك اليوم الذي وقعت فيه، ويجعلونه عيداً قوميّاً في مصاف الأعياد القومية؛ لأنّه إن صحّ - وهو صحيح - أنّ الإسلام أمنية الحضارة العالمية، فيوم المباهلة أحد الأيام التي كانت سبيلاً إلى هذه الأمنية الغالية، بما ظهر للإسلام من عزّة ومنعة، ولرسول الله (ص) من عظمة وكرامة، بانزواء أولئك القسس في زاوية من الخيبة، والفشل في آمالهم، وقد ارتعدت فرائصهم، وانخلعت قلوبهم، وعادوا إلى كعبتهم خائبين خاسرين، وأعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، ولم يبقَ لنجران تلك المنزلة التي كانت لها في نفوس النصرانية، وذلك السمو الذي تغنّى به الشعراء، وذلك القدس الذي تدين له الملوك.


ومن حقِّ يوم المباهلة أن يهزّ أعصاب المسلمين، وأن يكون موئل هنائهم، له ذمّته التي لا تضاع، وعهده الذي لا يخفر، وموثقه الذي لا ينقض، ومن حقّه أن يكون بدر هالة الأيام الإسلامية الزاهرة، ومن حقّه أن تتجاوب فيه أصداء الشعور الإسلامي، وتتبادل فيه التهاني، فإنّه اختل في ذلك اليوم توازن نجران، وجهة النصرانيّة في الجزيرة العربيّة، وكعبتها، وقبلة آمالها.

ولكن شاءت السياسة أن ينشقّ المسلمون نصفين، وأن تصنّفهم صنفين، صنف مال مع السياسة، وسار إلى جنبها، أصابت أم أخطأت. وليس من موضوعنا أن نتحدث عن مصاير هذه السياسة، ومبلغ قسوتها، ولكنّا نلاحظ أنّه ليس من مصلحة السياسة أن تذكره بخير، حيث لا تستطيع أن تذكره بشرّ، ولا أقل من أن تلقيه في سلّة مهملاتها، إلى أن يشاء الله غير ما تشاء السياسة.

وصنف مال إلى رسول الله وإله صلى الله عليه وعليهم وسلم، فتبنّى يوم المباهلة فكان عيداً من أعيادهم، وكان يوماً من أيام فرحهم وسرورهم، بما ظهر لرسول الله صلى الله عليه وعليهم وسلم من الكرامة، والشأن العظيم، وللإسلام من عزّة الجانب.

ويوم المباهلة عند هذا الصنف من الناس، يوم شريف مبارك، يجأرون فيه إلى الله سبحانه بالدعاء، وهو عندهم من الأيام الجليلة العظيمة، بما فتح الله على الإسلام، وعلى نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم من الفتح العظيم.

مضت السنون، وكرّت الأعوام، وهذا اليوم المبارك ما زال جديداً عظيماً عند هذا الصنف من المسلمين، منسيّاً مهجوراً عند الصنف الآخر، لا يعرفون عنه شيئاً! إلاّ ما يثيره الجدل المذهبي الحين بعد الحين، والفينة بعد الفينة،


بين هذين الصنفين.

وفي النهاية خلق الجدل العنيف عالماّ مفعماً بالأقوال والآراء. ولا تزال المعركة الجدلية مشبوبة حارة، يسعر نارها الحقد الكامن في النفوس.

* * *

أجل. قضت السياسة أن ينشقّ المسلمون على أنفسهم، وأن يفترقوا إلى طائفتين. وسياسة قاسية كهذه السياسة تستطيع أن تحطّم عظماء الرجال، وتتغلّب على الأمور، ولكن لا تستطيع أن تحطّم مبادئ، ولا تجرأ أن تقتحم القلوب. فالمبادئ يسيّرها رجال خلقوا لأن يعملوا تحت قوارع النكبات، في ظلمات الصعاب، وهي أبعد من أن يتناولها السياسيون الخياليون.

وعلى كرِّ السنين، ومرِّ الأعوام، يتطور النزاع، ويكثر الجدل، ولم يشعر الناس شدة الخطر المحدق، وتفشي هذا المرض الخبيث، ولم يمنعهم مانع من أن ينشأ عليه صغيرهم، ويشيب كبيرهم. ولعلّ ما نكب به الدين الإسلامي، والمسلمون كان نتيجة لهذا الجدل أو المرض، وحتّى الآن لا يزال ينمو ويثمر هذه الثمرة الخبيثة.

وطبيعي أن يكون ليوم المباهلة نصيب، وليس بالقليل من هذا الجدل العنيف، ونحن وإن كان موضوعنا التحدّث عن يوم المباهلة، وعن المباهلة، ولكن لا نريد أن ننغمس في هذا النزاع العقيم، ولكن نريد أن نعقب حديث المباهلة بشيء من النوادر لمحناها حين مطالعتنا، وهي تتصل بهذه القصة.

قال الشريف الرضي في كتابه (حقائق التأويل) :


(من شجون(1) هذه المسألة ما حكي عن القاسم بن سهل النوشجاني قال:

(كنت بين يدي المأمون في إيوان مسلم بمرور، وعليّ بن موسى الرضا (ع) قاعد عن يمينه، فقال لي المأمون: يا قاسم أيّ فضائل صاحبك أفضل؟!

فقلت: (ليس شيء أفضل من آية المباهلة، فإن الله سبحانه جعل نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونفس عليّ (ع) واحدة)

فقال لي:

إن قال خصمك: إنّ الناس قد عرفوا الأبناء في هذه الآية والنساء، وهم الحسن والحسين وفاطمة، والأنفس هي نفس رسول الله(ص) بأيّ شيء تجيب؟.

قال النوشجاني: فأظلم عليّ ما بيني وبينه، وأمسكت لا أهتدي بحجّة!.

فقال المأمون للرضا (ع) : ما تقول فيها يا أبا الحسن؟.

فقال له الرضا (ع) : «في هذا شيء لا مذهب عنه.»

- المأمون: ما هو؟.

- الرضا: «هو أن رسول الله (ص) داعٍ، ولذلك قال الله سبحانه:( قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ، والداعي لا يدعو نفسه، وإنّما يدعو غيره، فلمّا دعا الأبناء والنساء، ولم يصح أن

____________________

(1) جمع شجن بالتحريك وهو الشعبة من كلّ شيء.


يدعو نفسه، لم يصح أن يتوجه دعاء الأنفس إلاّ إلى عليّ بن أبي طالب (ع)، إذ لم يكن بحضرته - بعد من ذكرنا - غيره، ممن يجوز توجّه دعاء الأنفس إليه، ولو لم يكن ذلك كذلك، لبطل معنى الآية.»

قال النوشجاني:

(فانجلى عن بصري، وأمسك المأمون قليلاً، ثمّ قال: يا أبا الحسن (إذا أصيب الصواب انقطع الجواب).

هذه هي الكلمة المنصفة، ما جاءت عابرة، ولا هي خاطرة جرت، ما قصد بنطقها إلى دلالة الألفاظ، وإنّما هي بيان لفهم مدلول اللفظ المطابقي، واعتراف منه بالحقيقة التي لا مفرّ منها، والحق أحق أن يُتّبع، وحريُّ بالعاقل أن لا يندفع وراء تيّارات نفسيّة، كانت تسوق الكثيرين إلى مناجزة رجل كلّ جرمه، وجريرته أنّه عليّ بن أبي طالب. هذا كلّ جرمه.

* * *

ومن نوادر قصّة المباهلة، ما ذكره بعض العلماء - ولم يسمعه الشريف الرضي - من أنّ للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العمّ اللاصق، والقريب المقارب، بأنه نفس ابن عمّه وأنّ الحميم نفس حميمه. ومن الشاهد على ذلك قوله تعالى:( وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ) ، أراد تعالى ولا تعيبوا إخوانكم المؤمنين، فأجرى الأخّوة بالديانة مجرى الأخّوة بالقرابة، وإذا وقعت النفس عنده على البعيد النسب، كانت أخلق أن تقع على القريب النسب..

لعلّ هذه النظريّة محاولة أخرى لصرف النفس عن المراد منها، وإنكار هذه الفضيلة ليعسوب الدين.. ونحن إذا ما قلبنا النظر، وأنعمنا القمر


في هذا القول، لرأينا أنّه ليس له من قيمة، تشفع له في تصحيح إطلاق اللفظ، على المعنى المدعّى، سوى هذه الأسس الهدّامة، التي يوحيها الوهم، وليس لهذا القول الذي أرسله بعض العلماء! وهو: (إنّ للعرب في لسانها أن تخبر عن ابن العمّ اللاصق، والقريب المقارب، بأنّه نفس ابن عمّه) صورة في الخارج، إلاّ هذه الصورة المغلوطة، التي قامت على أساس الوهم والخيال، صوّرها وحي العقيدة.

ولعلّ القارئ يفهم من التعبير (إن للعرب في لسانها أن تخبر) أنّ العرب لم تخبر، وإنّما يريد أن يجيز لهم أن يخبروا عن ابن العم اللاصق، بأنّه نفس ابن عمه.

ولو أخبروا عن ابن العم بالنفس، لكان حقَّ التعبير (إن العرب أخبرت)، ولما لم يكن شيءٌ من ذلك أراد أن يتحكّم؛ ليصرف ذلك الفضل عن عليّ أمير المؤمنين (ع).

على أنّ اللغة توقيفيّة لا يجوز أن يتصرّف بها بأي نوع من أنواع التصرف، فما ورد من الألفاظ نستعمله فيما ورد فيه، سواء كان على سبيل الحقيقة، أو المجاز، أو الكناية، وما لم يرد فلا يصح استعماله، ولم نقف في معاجم اللغة، ولا في موارد الاستعمال التي بين أيدينا على صحة هذا الاستعمال.

وما ذكره من الشواهد، لا تدل على أكثر من إطلاق النفس على الأخ في الدين، وهذا صحيح بنص القرآن الحكيم، لا يستطيع أن ينكره أحد، ونحن لا ندّعي أنّ عليّاً نفس رسول الله حقيقة، وإنّما الدعوة أنّ الله سبحانه نزل نفس عليٍّ (ع) منزلة نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله


وسلم)، وما ذلك إلاّ لمكانة عليّ من الله، وسموّ نفسه، وعلو قدره، وفنائه في ذات الله، وليس في المسلمين - وهم مئات الألوف يومئذٍ - من يصلح أن ينزل هذه المنزلة، وليس فيهم من له مكانة ليصح تنزيله حقيقة، وليس فيهم من يستحقّ هذه المرتبة السامية، والمكانة الرفيعة، والمنزلة العظيمة، غير عليٍّ صنو رسول الله، وصهره على ابنته.

ولو كان فيهم من له مكانته لما جاز من الحكيم أن يخصّه دونه؛ لأنّه ترجيح بدون مُرجّح، وحيث لم يدعُ غيره؛ علمنا أنّه ليس في المسلمين، ولا في الصحابة من يضاهيه ليصح تنزيله هذه المنزلة السامية.

وواضح إنّه ليس إطلاق النفس على علي (ع) كان من إطلاق النفس على ابن العم القريب المقارب، فإنّ هذا الإطلاق لم يوجد في كلام العرب، ولم تقصده الآية الكريمة.

على أنّه ربما يكون ذلك مجازفة باللغة، إذا فسحنا المجال للوهم في تفسير المفردات، ولرأينا أنفسنا أمام سيل جارف من الاعتراضات.

* * *

ومن ذيول المباهلة، ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره الكبير قال:

(وكان في الريّ رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي، وكان معلم الإثني عشرية، وكان يزعم أنّ علياً (رض) أفضل من جميع الأنبياء، سوى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى( وأنفسنا وأنفسكم ) إذ ليس المراد بقوله( أنفسنا ) نفس محمّد (صلى الله عليه وسلم)؛ لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد غيره، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان عليّ بن أبي


طالب (رض) فدلّت الآية على أنّ نفس عليٍّ، هي نفس محمّد (صلى الله عليه وسلم)، ولا يمكن أن يكون المراد أنّ هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أنّ هذه النفس مثل تلك النفس، وذلك يقتضي المساواة في جميع الوجوه، تركنا العمل بهذا العموم في حقّ النبوة، وفي حقّ الفضل لقيام الدلائل على أنّ محمداً (عليه الصلاة والسلام) كان نبيّاً، وما كان عليّ كذلك، ولانعقاد الإجماع على أنّ محمداً (ع) كان أفضل من علي (رض)، فبقي فيما وراءه معمولاً به، ثمّ دلّ الإجماع على أنّ محمداً (ع) كان أفضل من سائر الأنبياء (عليهم السلام)، فيلزم أن يكون عليّ أفضل من سائر الأنبياء فهذا الاستدلال من ظواهر هذه الآية. ثمّ قال:

ويؤيد الاستدلال بهذه الآية، الحديث المقبول عند الموافق والمخالف، وهو قوله (ع) : «من أراد أن يرى آدم في علمه، ونوحاً في طاعته، وإبراهيم في خلّته، وموسى في هيبته، وعيسى في صفوته، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب» (رضي الله عنه) فالحديث دلّ على أنّه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، وذلك يدل على أنّ علياً (رضي الله عنه) أفضل من جميع الأنبياء سوى محمّد (صلى الله عليه وسلم).

قال الرازي:

(وأما سائر الشيعة، وقد كانوا قديماّ وحديثاّ يستدلون بهذه الآية على أنّ علياً أفضل من سائر الصحابة، لأن الآية دلّت على أنّ نفس عليٍّ (رضي الله عنه) مثل نفس محمّد (ع)، إلاّ فيما خصّه الدليل، وكانت نفس محمّد (صلى الله عليه وسلم) أفضل من الصحابة (رضوان الله عليهم)، فوجب أن تكون نفس


عليٍّ أفضل من سائر الصحابة. هذا تقرير كلام الشيعة.

والجواب إنّه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أنّ محمداً (ع) أفضل من عليّ، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان - محمود بن حسن الحمصي - على أنّ النبي أفضل ممن ليس بنبي، وأجمعوا أنّ علياً ما كان نبيّاً، فلزم القطع بأنّ ظاهر الآية كما إنّه مخصوص في حق محمّد (صلى الله عليه وسلم)، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء (عليهم السلام) انتهى كلام الرازي.

والقارئ يلاحظ مَعَنا أنّه لم يناقش في دلالة الآية على أفضليّة عليّ (ع) على سائر الصحابة، ويلاحظ أيضاً أنّه لم يناقش في اتفاق المسلمين على صحّة الخبر الدال على ما تفرّق من الصفات في الأنبياء، قد اجتمعت جميعاً في شخص عليٍّ (ع)، وهكذا يتّضح من جوابه على دعوى ابن الحسن الحمصي أنّ علياً أفضل من سائر الأنبياء، سوى محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك لم يرد على الشيعة ما استفادوه من دلالة الآية الكريمة على أفضليّة عليّ (ع)، وكلّ ما في الأمر إنّه ناقش ابن الحسن الحمصي فيما ادعاه من الإجماع بإجماع ادعاه هو نفسه، وفرضه على المسلمين فرضاً.

ولمحمود الحمصي أن يقول، إنّ إجماعاً يخرج منه النخبة الممتازة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويخرج منه الهاشميون جميعاً، ويخرج منه الشيعة جميعاً، ليس بإجماع على كلّ تفسير يفسر به الفخر الرازي الإجماع، ولا يقام لهذا الإجماع وزن بين الإجماعات التي يدّعيها المسلمون.

وغير جائز في حكم العقل أن يكون إجماع، ونصف المسلمين على التقريب يقولون بأفضلية عليٍّ (ع) على سائر الأنبياء.


ثمّ يعود محمود بن الحسن الحمصي فيقول: إنّ المسلمين، والنخبة الممتازة من صحب رسول الله (ص) أجمعوا قبل أن يخلق الله هذا الإنسان - أعني الفخر الرازي - ومَنْ على رأيه على أنّ علياً أفضل مَنْ خلق الله باستثناء محمّد رسول الله. ويبدو لنا أنّ هذا صحيح من وجهة الأمر الواقع، وأنّ هذا الإجماع هو الإجماع الصحيح المعتبر الذي يصح أنْ يحتجّ به المسلمون إذا رجعنا إلى شروط حجيّة الإجماع، وأمكان تحققه ووقوعه.

* * *

لقد رأينا من قبل أن الروايات متّفقة، على أنّ النبي (ص) اختار معه للمباهلة عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام)، وأجمع أهل القبلة كافة على أنّه (ص) خرج بهؤلاء، ولم يخرج معه غيرهم، وواضح من هذا الإجماع، ومن الروايات أنّ رسول الله (ص) لم يدع مجالاً لأيّ احتمال، فقد فسّر لفظة الأنفس والنساء.

وأيضاً لم يترك مجالاً للشك، أو التشكيك في صحّة استعمال اللفظ، أو صحّة إطلاقه، فقد خرج وأخرجهم معه على أنّ الحسنين مصداق الأبناء، وفاطمة مصداق النساء، وعليٌّ مصداق الأنفس، وحيث يفسّر النبي العربي فلا متّسع للقول، ويكفي أن يكون ذلك برهاناً على صحّة الاستعمال.

ولكنّ بعض الصحفيين نسب إلى بعض المفسرين أنّ حمل كلمة( نساءنا ) على فاطمة فقط، وكلمة( أنفسنا ) على عليٍّ فقط، لا تتّصل باللغة


وإنّما تستقي من مصدر شيعي، وإن هذه الروايات الكثيرة المتفق عليها مصدرها شيعيٌّ أيضاً! وإنّ مقصد الشيعة منها معروف! وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ بعيد! فإنهم استطاعوا أنْ يؤثروا على كثير من أهل السنّة. وعلّل ذلك بأنّ كلمة( نساءنا ) لا يقولها العربي ويريد بها بنته، لا سيما إذا كان له أزواج، وأبعد من ذلك أنْ يراد من كلمة ( أنفسنا ) عليٌّ فقط.

ولعلك ترى مَعَنا أنّ مصدر هذا القول فكرة واحدة متأصّلة في النفوس، تلك هي الكراهية لعليٍّ (ع)، لا لجرم له إلاّ إنّه علي بن أبي طالب زوج الزهراء البتول. وإلاّ فقد فسّر رسول الله لفظ (الأنفس) بعليّ، ولفظ (النساء) بفاطمة، وإذا كان هذا لا يصح فعمّن نأخذ التفسير، وإلى مَنْ نرجع في تصحيح الاستعمال يا مسلمون؟؟!

* * *

وبعد - فليست هذه النوازع بالشيء الجديد في تاريخ أمير المؤمنين (ع)، وإنّما الجديد فيها أن تقع في العصر الحاضر الذي تفتّحت فيه جوانب النفوس، وأنْ يتّخذ الباحثون اليوم من تلك النوازع شيئاً هو أقرب إلى الثورة العصبية التي كانت تسيطر على عقول رجال الدين، وعلى الأقلام في الأزمنة الغابرة.

ومن الغريب جدّاً أنّ الزمن لم يغيّر من نفوس هؤلاءِ شيئاً، والعلم لم يخفّف من هذه الفكرة المغلوطة، مع العلم بأنّ النفوس اليوم ألبست لفهم الحقائق أكثر من قبل، وبدأت العيون تتفتح على الحقائق التي غابت عنها طويلاً كما ران


عليها من أصداء، وأخذت اليوم تتجلّى وتتضح، ومع العلم أيضاً بأنّ مبضع التشريح أصبح حاداً، يستطيع أنْ يضع كلّ شخص، وكلّ حقيقة تاريخيّة على المنضدة.

وفي الأزمنة الغابرة كان الناس يميلون إلى هذه النوازع، ويصدّقونها من غير بحث عن حقيقتها، بيد أنّ هذا الزمن أصبح ينكر كلّ هذه الظواهر المنبعثة عن النوازع النفسية، أو تقليد أولئك العصبيين، فلا الحقائق الدينية، ولا الحقائق العلمية هي حقائق، ما لم تعرض على الميزان، وتوضح على المنضدة.

والعجيب كيف فقد هؤلاء المقاييس المنطقية، والتوازن العقلي؛ فضلّوا الصواب حينما نسبوا الجهل إلى كبار علمائهم، ومفسريهم، وكبار محدثيهم، ومؤرخيهم، وأين القواعد، والشروط التي تأسست لحفظ الحديث، وتدوينه وتصحيحه؟! وأين موازين الجرح والتعديل التي كانت تزن الرجال، فتخرّج مَنْ تخرّج، وتعدل من تعدل؟! وكأنها بنظر هؤلاء كلها جفاء لا ترتكز على شيء، وأعجب من ذلك تضليل كبار محدثيهم، وكبار علمائهم، وطعنه بالضعف العلمي الذي يرميهم به، وينسبه إليهم ذلك المفسّر - أو ذلك الصحفي بعبارة أصح - إلى حدٍّ تمكّن الشيعة أن يسخروا بعلم هؤلاء، وأنْ يُسخّروهم إلى رواية ما يرونه، وإلى الاعتراف بصحّة ما يصح عندهم، كأنّه لا يعلم بأنّه في كلّ ذلك يعترف بجهل قومه، وتفسخ ميزان الجرح، والتعديل عندهم، ولربما كان هذا فرضاً صادقاً، أو راجحاً، أو على الأقل مما يوجب الشك في تصحيح ما صحّ عندهم من الأخبار.

غريب جداً أن تمرّ أخبار آية المباهلة على أجيال من الناس، وعلى طبقات من المؤرّخين والمحدثين والمفسرين، ثمّ تمرّ على موازين الجرح والتعديل،


وفي كلّ هذه الأدوار يلعب الشيعة بعقول أولئك العلماء، وبعلمهم، وبموازين المحدّثين، وفيهم أصحاب الصحاح - فإنّهم جميعاً رووا أخبار المباهلة - ثمّ لا يرشدهم علمهم، ولا تهديهم موازينهم(1) . وأنا لا أدري أيّ منطق هذا، وكيف يتقبله علماء أهل السنّة ويغضي عليم الأزهر الشريف، أليس فيهم من يأسوا على السلف ويثأر لهم؟!

وأيضاً لا أدري الهدف الذي يرمي إليه المفكرون والمصلحون، من وراء هذه الطعون القاتلة؟. وما الذي يعنونه بإخراجها على هذا الشكل من الطعن في الصميم؟. ألم يكن لهم حاجز من ورع، وحريجة من دين عن

____________________

(1) لا نرمي بالحكم على أهل الصحاح بأنهم رووا تفصيل آية المباهلة، ولكنّهم اتفقوا أنّه لما نزلت، دعا رسول الله(ص) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً.

روى ذلك مسلم في صحيحه، والحاكم على شرط الشيخين، وصحّحه الذهبي على شرط البخاري ومسلم والحميدي، في الجمع بين الصحيحين. والثعلبي في تفسيره، وابن المغازي، وأبو نعيم في حليته، والحمويني في فوائده، وابن إسحاق في مغازيه، وابن الصباغ المالكي في فصله، والطبري في تفسيره، والواحدي في أسباب النزول، والزمخشري في كشّافه، والفخر الرازي في تفسيره، وغيرهم ممن ذكرنا في مطاوي هذه الفصول التي مرّت عليك، وغيره ممن لم نذكر، وبعبارة أوضح قام الإجماع من المسلمين كافّة على أنّ النبي(ص) لم يدعُ للمباهلة غيرهم.


الطعن في علم السلف، سلفهم الصالح؟! حتّى نزلوا بأقدارهم العلمية إلى أحطّ منزلة يسعهم أن ينزلوا بهم إليها، فنسبوا لهم الضعف بالتفكير، ونسبوا لهم عدم التمييز بين الموضوع وغير الموضوع، والصحيح وغير الصحيح، ونسبوا لهم عدم النضوج العلمي الكافي لتمييز الصحيح من الموضوع، كلّ ذلك بكلمة واحدة - ما أهونها عليهم - وهي (أنّهم - يعني الشيعة - استطاعوا أن يؤثّروا على كثير من أهل السنّة)، وسهل عليهم هذا المنطق المخذول الذي حطّ من قدرهم العلمي، وحطّ من قدر صحاحهم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، ويكفي في اختلالها والحطّ من قدرها وعدم الوثوق بها أنّ أصحابها لا يملكون الميزان الصحيح حيث استطاع الشيعة أن يؤثّروا عليهم، وتأثّر هؤلاء وهم غافلون، أو وهم جاهلون!

وواضح بعد هذا أن لا يبقى وثوق بأيّ كتاب، وأيّ حديث، وأي محدث، وأي جرح، وأي تعديل، ولا أراه ينفع ذلك الصحفي إخراج بعض الصحاح، على أنّا لا نراه يتمكن من ذلك بحكم الضرورة، وليس من موضوعنا أن ندخل في هذا البحث؛ لأن الكلام فيه طويل وعريض، وهذا فيما أراه هو الخطأ الذي جاء من الغلوِّ في العصبيّة، ولا أعلم خطأً أكبر من هذا الخطأ، ولا إسفافاً أحطّ من هذا الإسفاف، وحتى الآن لم نعلم السبب الذي حمله على أن يسف، وعلى أن يقع في هذا الخطأ! وعجيب أن ينسب الغفلة لكثير من سلفه، وهل لأنّهم رووا أخبار قصّة المباهلة كما وقعت؟! أو أنّهم حملوا كلمة( نساءنا ) على فاطمة (عليها السلام)، وكلمة( أنفسنا ) على عليٍّ ( ع )، وهذا لا يصحُّ بعرف اللغة كما يزعم!!


وقد يكون من الواضح أنّه يشير إلى الثاني من القولين؛ لينجو من الطعن في مسانيد الحديث حتّى الصحاح منها.

ويكاد يبدو ذلك غريباً؛ لأنّ هذا الرأي في حاجة إلى تمحيص قبل إثارته؛ لأنّ الواقع بين فرضين اثنين لا مفرّ من أحدهما.

فإمّا أن يفرض أنّ الشيعة هم الذين فسّروا كلمة( نساءنا ) ، وحملوها على فاطمة، وكلمة( أنفسنا ) على عليّ ( ع ).

وإمّا أن يفرض أن رسول الله ( ص ) هو الذي فسّر هذا التفسير، والذي لا يرتاب فيه أحدٌ، إنّه لا سبيل إلى الأول قطعاً، وإنّما التفسير كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد رأينا من قبل أنّ المسلمين كافة بما فيهم الخوارج أجمعوا على أنّه لم يخرج مع النبي للمباهلة سوى عليٌّ ( ع ) من الأنفس، وسوى فاطمة (عليها السلام) من النساء، وسوى الحسن والحسين من الأبناء، وهذا تفسير عملي على أي اعتبار أراد الناس أن يعتبروا هذا التفسير منه، وغير جائز بحكم العقل، وبحكم اللغة العربية أن يكون تفسيره لا يصح بعرف اللغة كما يزعمون.

وهذا صحيح من وجهة العقيدة الإسلامية، ومن جهة اللسان؛ لأنّ رسول الله عربي، وهو سيد العرب.

ثمّ نعود فنقول لهؤلاء: إنّ هذا التفسير منه صلى الله عليه وآله وسلم، سواء أكان مبعثه العاطفة، أم صحّة الاستعمال العربي، أم تفسير من الله سبحانه، فهو لا يتّصل بأحد من الشيعة ليموّه هؤلاء على كثير من علماء السنّة ويستجهلونهم.


ونحن لا يسعنا أن ننسب إلى النبي ( ص ) التأثر بالعاطفة، بل لا يجوز عليه التأثر بالعاطفة في مثل هذا الموقف، بل في كلّ مقام وهو الذي لم ينسَ في وقت من الأوقات الدعوة إلى المساواة بين أفراد المسلمين، تلك المساواة التي أراد الإسلام أن يجمع بها بين كلّ الشعوب والأفراد، ويؤلّف بينهم جميعاً، ليُكوّن منهم أمّةً واحدةً تسودها المحبة والإخاء.

* * *

لقد كان بين أصحاب النبي ( ص ) من أهل الشرف والمكانة واللياقة والإحساس، وأهل البلاء الحسن في بناء الهيكل الإسلامي من لا يصبر على هذا التحيّز الذي تجرّه العاطفة، إنْ كان ذلك عن عاطفة، بل كان في صحبه من كان يجرؤ على رسول الله ( ص ) في مواقف لا تصحّ فيها الجرأة ولا تحمد، أفَتراهم يقفون منه موقف الجامد حينما يرونه عاطفيّاً متحيّزاً لذوي قرباه في ساحة الشرف الخالد بخلود الإسلام، وخلود كتاب الله الذي يرتلّه المسلمون في آناء الليل وأطراف النهار؟؟

مع أنّهم فهموا أنّ الدعوة كانت عامة لأنفس المسلمين ولنسائهم ولأبنائهم، ثمّ لا يُخرج رسول الله ( ص ) معه منهم سوى ابنته وابن عمه وولديهما ( ع )!.

وليس عندي - بل في واقع الأمر - أضعف من هذا الاحتمال على أيّ تفسر أرادوا أن يفسروا خلق محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، وعظمته وسمو مقامه ومركزه الاجتماعي كنبي مرسل، لهداية البشر وسعادتهم ورفع التنابز من بينهم، ومن عرف أخلاق النبي، وتركيب مزاجه، يدفع عنه كلّ احتمال من


هذا القبيل.

ولعلّه ليس لهؤلاء المهوسين اعتراض يجيش في نفوسهم سوى اعتراض واحد، هو إنّه لماذا لم يُخرج معه أحداً من أصحابه، والفضليات من نسائه؟.. هذا هو الاعتراض الواضح الصريح الذي يختلج في نفوسٍ كثيرةٍ!!

ولكنّ ابن عساكر أراد أن يشبع نهمة تلك النفوس؛ فأخرج رواية نسبها إلى جعفر بن محمّد الباقر ( ع ) عن أبيه ( إنّه لما نزلت آية( قل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم ) الآية جاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده)!.

أخرجها بهذا الترقيم الرباعي المألوف في كلّ الحوادث.

ولكن ليس في ذلك عرض صحيح متّزن حري بأن يعقل الألسن ويبكم الأفواه، وإن حسب المهوسون ذلك عرضاً صحيحا. فقد غاب عنهم رشدهم، إذ لم يفقهوا أنّ هذا منازلة منه ( ص ) لذوي المكانة السامية من كبار صحبه، وأهل الجهاد والبلاء في سبيل الله. ومنازلة منه لعمّه العباس شيخ الهاشميين. ومنازلة منه لعمته صفية بنت عبد المطلب، وأم هاني بنت عمّه أبي طالب، وهما من صفوة الهاشميات.

على أنّ هؤلاء ليسوا بأجلّ أصحابه، وفيهم عمّه العباس وسلمان وأبو ذر وعمار والمقداد، وأمثالهم كسعد سيد الخزرج وحذيفة وأبو عبيدة، وغيرهم كثير.

وعلى أنّه يلوح لنا أنّ الترقيم الثلاثي بهذا الشكل لم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّما وضعته السياسة في عهد الأُمويين، والترقيم الرباعي وضعته السياسة في عصر العباسيين، ومن يلاحظ الأخبار التي ترقم الترقيم الثلاثي، والتي ترقم الترقيم الرباعي، ويلاحظ مواردها يعلم أنّ منطق السياسة هو الذي قضى قضاء لا


معدى عنه بهذا الترقيم حسب ترتيب الخلافة!..

* * *

ولعلّ سائلاً يسأل كيف لم يتخلّف هذا الترتيب الثلاثي في حادثة من الحوادث التي اقتضت أن يتوارد الصحابة فيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟. سواء أكان ذلك بدعوة منه، أم كانت على سبيل الصدفة، وكيف لم يتّفق أن سبق عثمان صاحبيه، أو سبقهما عمر؟!

ولكن ليس على السائل المنصف إلاّ أن يتأمّل الحوادث التي ورد فيها هذا الترقيم، ليعلم إنّه ترقيم مصطنع في عصرين متضاربين، وكلما ألقى ببصره على الحوادث المفاجئة، وغير المفاجئة، لا يلبث أن تطالعه الشكوك من جميع جهاته.

وكانت السياسة قد أباحت لمصطنعيها في سبيل تحقيق غاياتها، أن ينتهجوا من الوسائل ما يكفل لرجال السلطة سلطتهم الارستقراطية، ومثل هذا كثير في كثير من الحوادث السياسية، والدينية، سواء في الصدر الأول، أم في العصر الأموي، أم في العصر العباسي. وليس هذا الترقيم بهذا الترتيب لازماً طبيعياً فلا ينفك، ولا هو تكوين ذاتي فلا يتخلّف، على أنّ العادة قد تحيله على هذا الاطراد المصطنع، مرتباً على ترتيب الخلافة، وإنّما رقّمته السياسة، ثمّ فرضته على رواة الحديث والواقائع، ووجد هؤلاء من أنفسهم دوافعَ، وبواعثَ دفعتهم لاعتناق هذه السياسة؛ فرقّموا هذا الترقيم، وأعانها على ذلك ميل في النفوس!..

وإنّا نستطيع أن نفهم أنّ هذا الترتيب مصطنع، ولم يكن في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّه حدث متأخرٌ من حوادث كثيرة لا نريد سردها، ولكن مثالاً واحداً نضعه بين أيدي المنصفين من قرّائنا ليحللوه، ثمّ


لهم الحكم بعد ذلك.

حدثونا عن عمر (رض) أنّه قال - ودماؤه تنزف - لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته، وقال لو كان سالم مولى أبي عبيدة حيّاً لاستخلفته!!

وهذا يدلّنا على أنّ عثمان كان في مرتبة متأخرة، ولو أنّ الترتيب والترقيم كان على أساس الفضيلة في عهد النبي، لما صحّ من أبي حفص أن يستخلف أبا عبيدة، أو سالم مولاه.

وبعد - فواضح أنّ معدن الترقيم سياسي، ومن الميسور للباحث أن يلتمس العلل التي كانت تبعث على الاصطناع، ويسير عليه إذا رجع إلى العصر الأموي، وإلى أحوال الصحابة الذين اصطنعهم الأمويون. ولم يأتِ الوقت لدرس هذه الناحية.

وعلى أنّ الرواية لو صحّت نسبتها إلى الإمام جعفر الصادق ( ع )، لأخرجها شيعته، وهم الذين لا تأخذهم في الحقّ لومة لائم، كيف والرواية منسوبة إلى إمامهم الذي ينتسبون إليه...

وبقي شيء واحد لابد أن نلفتك إليه، وهو أنّ كلمة ( نساءنا ) لا يقولها العربي ويريد بنته، لاسيما إذا كان له أزواج دعوى كبيرة جازف فيها بنفسه؛ لأنها تحتاج إلى تتبّع عام واستقصاءٍ شاملٍ تامٍ.

على أنّ سيد العرب استعمل كلمة ( نساءنا ) في ابنته فقط، مع أنّ في بيته تسع نسوة، وفسّر كلمة( أنفسنا ) بعليّ فقط، مع أنّ حوله الألوف من أصحابه، وبعد هذا لا تكون الدعوى إلاّ هراء من نوازع الشيطان التي تحاك في الصدور.

* * *


وشيءٌ واحد نريد أن نشير إليه هنا، وهو ما ذكره سماحة البحّاثة حجّة الإسلام الإمام السيّد عبد الحسين شرف الدين، في كلمته الغرّاء، قال ما نصّه بالحرف:

(وأنت تعلم أنّ مباهلته ( ص ) بهم، والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده فضل عظيم - وانتخابه إياهم لهذه المهمة العظيمة، واختصاصهم بهذا الشأن الكبير، وإيثارهم فيه على من سواهم من أهل السوابق، فضل على فضل. لم يسبقهم إليه سابق، ولن يلحقهم فيه لاحق - ونزول القرآن العزيز آمراً بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث يزيد فضل المباهلة ظهوراً، ويضيف إلى شرف اختصاصهم بها شرفاً، وإلى نوره نوراً ).

( وهناك نكتة يعرف كنهها علماء البلاغة، ويقدر قدرها الراسخون في العلم، العارفون بأسرار القرآن. وهي أن الآية الكريمة ظاهرة في عموم الأبناء والنساء والأنفس، كما يشهد به علماء البيان. ولا يجهله أحد ممن عرف أنّ الجمع المضاف حقيقةٌ في الاستغراق. وإنّما أطلقت هذه العمومات عليهم بالخصوص تبياناً لكونهم ممثليّ الإسلام، وإعلاناً لكونهم أكمل الأنام، وأذاناً بكونهم صفوة العالم، وبرهاناً على أنّهم خيرة الخيرة من بني آدم، وتنبيها إلى أنّ فيهم من الروحانية الإسلامية، والإخلاص لله في العبودية، ما ليس في جميع البرية. وإنّ دعوتهم إلى المباهلة بحكم دعوة الجميع، وحضورهم خاصة فيها منزّل منزلة حضور الأمة عامة، وتأمينهم على دعائه مُغنٍ عن تأمين من عداهم. وبهذا جاز التجوز بإطلاق تلك العمومات عليهم بالخصوص - ومَنْ غاص على أسرار الكتاب الحكيم، وتدبّره، ووقف على أغراضه يعلم أنّ إطلاق هذه


العمومات عليهم بالخصوص إنّما هو على حدِّ قول القائل:

ليس على الله بمستنكر

أن يجمع العالم في واحدِ

ولذا قال الزمخشري في تفسر الآية من كشّافه: ( وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ).

وقال: (بقيت نكتة يجب التنبيه لها، وحاصلها أنّ اختصاص الزهراء من النساء، والمرتضى من الأنفس. مع عدم الإكتفاء بأحد السبطين من الأبناء، دليل على ما ذكرناه من تفضيلهم ( ع )؛ لأن علياً وفاطمة لما لم يكن لهما نظير في الأنفس والنساء، وكان وجودهما مغنياً عن وجود مَنْ سواهما بخلاف كلّ من السبطين، فإنّ وجود أحدهما لا يغني عن وجود الآخر لتكافئهما. ولذا دعاهما ( ص ) جميعاً. ولو دعا أحدهما دون صنوه كان ترجيحاً بلا مرجّح، وهذا ينافي العدل والحكمة.


مؤتمر نجران

قال جمال العارفين وفخر المحققين الثبت الورع، والمتتبّع المحقق السيّد عليّ بن طاووس في كتاب الإقبال من أعمال شهر ذي الحجّة: (فصل فيما نذكر من إنفاذ النبي صلوات الله عليه وآله وسلم لرسله إلى نصارى نجران، ومناظرتهم فيما بينهم، وظهور تصديقه فيما ادّعاه).

روينا ذلك بالأسانيد الصحيحة، والروايات الصريحة إلى أبي الفضل محمّد بن عبد المطلب الشيباني (رحمه الله) من كتاب المباهلة، ومن أصل كتاب الحسن بن إسماعيل بن اشناس، من كتاب عمل ذي الحجّة فيما رويناه بالطرق الواضحة، عن ذوي الهمم الصالحة، لا حاجة إلى ذكر أسمائهم لأن المقصود ذكر كلامهم.

قالوا: لما فتح النبي ( ص ) مكّة، وانقادت له العرب، وأرسل رسله ودعاته إلى الأمم، وكاتب الملكين كسرى وقيصر، يدعوهما إلى الإسلام، أو الإقرار بالجزية والصغار، وإلاّ أذانا بالحرب العوان، أكبر شأنه نصارى نجران، وخلطاؤهم من بني عبد المدان، وجميع بني الحرث بن كعب،


ومَنْ ضوى إليهم(1) ، ونزل بهم من دهماء الناس(2) على اختلافهم في دين النصرانية. وامتلأت قلوبهم - على تفاوت منازلهم - رهبة منه ورعباً، فإنّهم كذلك من شأنهم إذ وردت عليهم رسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...، وكان رسول الله ( ص ) لا يقاتل قوماً حتّى يدعوهم، فازداد القوم لورود رسل نبي الله ( ص ) وكتابه نفوراً وامتزاجاً (واحتياجا)، ففزعوا لذلك إلى بيعتهم العظمى، وأمروا ففرش أرضها، وألبس جدرها بالحرير والديباج، ورفعوا الصليب العظيم، وكان من ذهب مرصّع أنفذه إليهم قيصر الأكبر، وحضر ذلك (المجلس) بنو الحرث بن كعب، وكانوا ليوث الحرب وفرسان الناس، قد عرف لهم العرب ذلك في قديم أيامهم وفي الجاهلية، فاجتمع القوم جميعاً للمشورة، والنظر في أمورهم، وأسرعت إليهم القبائل من مذحج وعك وحمير وانمار، ومن دنا منهم نسباً وداراً من قبائل سبأ، وكلّهم قد ورم أنفه غضباً من قومهم (لقومه)، ونكص من تكلّم بالإسلام ارتداداً فحاضروا (فخاضوا)، وأفاضوا في ركز المسير بنفسهم، وجمعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والنزول به بيثرب لمناجزته، فلمّا رأى أبو حامد (حارثة) حصين بن علقمة أسقفهم الأول، وصاحب مدارسهم وعلامهم - وكان رجلاً من بني بكر بن وائل - ما أزمع القوم عليه من إطلاق الحرب، دعا بعصابة فرفع بها حاجبيه عن عينيه، وقد بلغ يومئذ عشرين ومائة سنة، ثمّ قام خطيباً معتمداً على عصى، وكانت فيه بقية، وله رأي ورؤية، وكان موحّداً يؤمن بالمسيح، وبالنبي ( ع )، ويكتم ( إيمانه ) ذلك من كَفَرَةِ

____________________

(1) يقال ضويت إليه إذا أويت إليه وانضممت.

(2) دهماء الناس عامتهم وجماعتهم.


قومه وأصحابه فقال:

مهلاً بني عبد المدان مهلاً، استديموا العافية، والسعادة فإنّهما مطويان في الهوادة(1) دبّوا إلى قوم في هذا الأمر دبيب الذر، وإياكم والسورة(2) العجلى، فإن البديهة بها لا ينجب(3) ، إنكم والله على فعل ما لم تفعلوا أقدر منكم على رد ما فعلتم، ألاإنّ النجاة مقرونة بالأنات، الإرب إحجام أفضل من إقدام، وكائن من قول أبلغ من صول، ثمّ أمسك.

فأقبل عليه كرز بن سبرة ( سيرة ) الحارثي، وكان يومئذ زعيم بني الحارث بن كعب، وفي بيت شرفهم، والمعصب(4) فيهم، وأمير حروبهم فقال:

لقد انتفخ سحرك، واستطير قلبك(5) أبا حارثة فظلت كالمسبوع(6) النزاعة ( اليراعة )(7) المهلوع(8) تضرب لنا الأمثال، وتخوفنا النزال، لقد علمت - وحق المنان - بفضيلة الحفاظ ( بالنوء بالعبئ )(9) وهو عظيم، وتلقح ( تلقيح ) الحرب وهو عقيم(10) ، تثقف أود(11) الملك الجبار، ولنحن أركان(الرايش)، وذوي المنار الذين شددنا ملكهما، وأخرنا ملكهما، فأي أيامنا ينكر، أم لا يهاويك تلمز(12) ؟!

____________________

(1) الصلح.

(2) السورة الشدة.

(3) لا تحسن.

(4) السيّد.

(5) السحر الريه يقال للجبان انتفخ سحرك اي جبنت، واستطار الفجر انتشر.

(6) المسبوع الذي افترسه السبع.

(7) الأحمق الجبان.

(8) الهلع أفحش الجزع.

(9) حمل الأثقال العظية يقال: ناء بالحمل إذا نهض.

(10) جعل الحرب ذات حمل وهي عقيم.

(11) الأود الاعوجاج.

(12) ويك ويلك واللمز العيب.


فما أتى على آخر كلامه حتّى انتضم نصل نبلة كانت في يده بكفّه غيظاً وغضباً وهو لا يشعر. فلمّا أمسك كرز بن سبرة أقبل عليه العاقب - واسمه عبد المسيح بن شرحبيل - وهو يومئذ عميد القوم، وأمير رأيهم، وصاحب مشورتهم الذي لا يصدّرون جميعاً إلاّ عن قوله فقال:

أفلح وجهك، وأنس ربعك(1) ، وعزّ جارك، وامتنع ذمارك(2) ، ذكرت وحق مغيرة الجباه حسباً صميماً، وعيصاً(3) كريماً، وعزاً قديماً، ولكن أبا سيرة لكل مقام مقال، ولكل عصر رجال، والمرء بيومه أشبه منه بأمسه، وهي الأيام تهلك جيلاً، وتديل قبيلاً(4) ، والعافية أفضل جلباب، وللآفات أسباب، فمن أوكد أسبابها التعرض لأبوابها.

ثمّ صمت العاقب مطرقاً فأقبل عليه السيّد - واسمه أهتم ( اهم ) بن النعمان - وهو يومئذ أسقف نجران، وكان نظير العاقب في علو المنزلة، وهو رجل من عاملة، وعداده في لخم فقال له: سعد جدك، وعلا جدك(5) ، أبا وائلة إن لكل لامعة ضياء، وعلى كلّ صواب نوراً ولكن لا يدركه، وحق واهب العقل إلاّ من كان بصيراً، إنك أفضيت، وهذان فيما تفرّق بكم الكلم إلى سبيلي حزن(6) وسهل،

____________________

(1) الربع الدار.

(2) الذمار ما يلزمك حفظه.

(3) العيص بالكسر الشجر الكثير الملتف، أي شجرة كريمة.

(4) من الدالة أي الهلاك.

(5) الجد الثانية بمعنى الحظ.

(6) ضد السهل الطريق الوعرة.


ولكل على تفاوتكم حظ من الرأي الربيق(1) والأمر الوثيق إذا أصيب به مواضعه.

ثمّ إنّ أخا قريش قد نجدكم(2) لخطبٍ عظيمٍ، وأمرٍ جسيمٍ، فما عندكم فيه قولوا ( تولوا ) وأنجزوا، أبخوع وإقرار، أم نزوع؟(3)

قال عتبه والهدير والنفر من أهل نجران: فعاد كرز بن سبرة لكلامه، وكان كمتاً ( كميا ) أبيّاً فقال:

أنحن نفارق ديناً رسخت عليه عروقنا، ومضى عليه آباؤنا، وعرف ملوك الناس ثمّ العرب ذلك؟! أنَتَهالك إلى ذلك، أم نقرّ بالجزية وهي الخزية حقاً؟! لا والله حتّى تُجرّد البواتر من أغمادها، وتذهل الحلائل عن أولادها، أو نشرق نحن ومحمد بدمائنا ثمّ يديل(4) الله عزّ وجلّ بنصره من يشاء.

قال السيّد:

إربع على نفسك، وعلينا أبا سبرة(5) فإن سلّ السيف يسلّ السيوف، وإنّ محمداً قد بخعت له العرب وأعطته طاعتها، وملك رجالها وأعنّتها، وجرت أحكامه في أهل الوبر منهم والمدر، ورمقه الملكان العظيمان كسرى وقيصر، فلا أراكم - والروح - لو نهد لكم إلاّ وقد تصدع عنكم من

____________________

(1) أي الرأي الذي عزم عليه كأنّه مشدود بحبل.

(2) نجدكم دعاكم.

(3) إي إمّا إطاعته انتهاء عنها والبخوع بالموحدة الخضوع والطاعة.

(4) دلّ نصر.

(5) أربع بفتح الباء أي إرفق بنفسك وبنا.


خفّ معكم من هذه القبائل، فصر نم جفاء(1) كأمس الذاهب، أو كلحم على وضم(2) .

وكان فيهم رجل يقال له جهرة بن سراقة البارقي، من زنادقة نصارى العرب، وكان له منزلة من ملوك النصرانية، وكان مثواه في نجران فقال له:

أبا سعد قل في أمرنا، وانجدنا برأيك، فهذا مجلس له ما بعده فقال:

فإني أرى لكم أن تقاربوا محمداً وتستطيعوه ( وتطيعوه ) في بعض ملتمسه عندكم، ولنطلق وفودكم إلى ملوك أهل ملّتكم إلى الملك الأكبر بالروم قيصر، وإلى ملوك هذه الجلدة السوداء الخمسة - يعني ملوك السودان: ملك النوبة، وملك الحبشة، وملك العلوة ( علوة )، وملك الرعادة، وملك الراحات ومريس، والقبط، وكلّ هؤلاء كانوا نصارى - وقال: وكذلك من ضوى إلى الشام، وحلّ بها من ملوك غسان ولخم وجذام وقضاعة، وغيرهم من ذوي يمنكم فهم لكم عشيرة وموالي وأعوان، وفي الدين إخوان - يعني أنّهم نصارى - وكذلك نصارى الحيرة من العباد، وغيرهم فقد صبت إلى دينهم قبائل تغلب بنت وائل، وغيرهم من ربيعة بن نزار، لتسير وفودكم، ثمّ لنخرق(3) إليهم البلاد

____________________

(1) جفا الوادي رمي بالزبد والقذى.

(2) الوضم خشبة الجزار وكلّ شيء يوقى به اللحم عن الأرض.

(3) خرق المفازة قطعها.


اغذاذاً(1) فيستصرخونهم لدينكم، فستنجدكم الروم، وتسير إليكم الأساودة مسير أصحاب الفيل، وتقبل إليكم نصارى العرب من ربيعة اليمن، فإذا وصلت الإمداد واردة، سرتم أنتم في قبائلكم، وسار من ظافركم، وبذل نصره ومؤازرته لكم حتّى تضاهؤن من أنجدكم، وأصرخكم من الأجناس، والقبائل الواردة عليكم فأموا محمداً حتّى نكجوا ( تنجو ) به جميعاً، فسيعنق إليكم وافداً لكم من صبا إليه مغلوباً مقهوراً، وينعتق به من كان منهم في مدرته مكثوراً(2) ، فيوشك أن تصطلموا حوزته(3) ، وتطفئوا جمرته، ويكون لكم بذلك الوجه، والمكان في الناس، فلا تتمالك العرب حينئذ حتّى تتهافت دخولاً في دينكم، ثمّ لتعظمنّ بيعتكم هذه، ولتشرقن حتّى تصير كالكعبة المحجوجة بتهامة. هذا الرأي فانتهزوه، فلا رأي لكم بعده!.

فأعجب القوم كلام جهيرة بن سراقة، ووقع منهم كلّ موقع، فكادوا أن يتفرّقوا على العمل به، وكان فيهم رجل من ربيعة بن نزار، من بني قيس بن ثعلبة، يدعى حارثة بن أثاك (أتاك)، على دين المسيح ( ع )، فقام على قدميه، وأقبل على جهير وقال متمثلا:

متى ما تقد بالباطل الحقّ بابه

وإن قدّت بالحق الرواسي ينقد

إذا ما أتيت الأمر من غير بابه

ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدِ

ثمّ استقبل السيّد العاقب والقسيسين والرهبان وكافة نصارى نجران

____________________

(1) الاغذاذ في السير الإسراع.

(2) المدرة البلدة، والمكثور المغلوب.

(3) تصمطلوا تستأصلوا، والحوزة الناحية.


بوجهه لم يخلط معهم غيرهم فقال:

سمعاً سمعاً يا أبناء الحكمة، وبقايا حملة الحجّة، إنّ السعيد والله من نفعته الموعظة، ولم يعشُ(1) عن التذكرة، ألا وإنّي أنذركم وأذكّركم قول مسيح الله عزّ وجلّ، ثمّ شرح وصيته، ونصّه على وصية شمعون بن يوحنا، وما يحدث على أمّته من الافتراق.

ثمّ ذكر عيسى( ع ) وقال:

إن الله جلّ جلاله أوحى إليه: « فخذ يا ابن أمتي كتابي بقوّة، ثمّ فسّره لأهل سوريا بلسانهم، وأخبرهم أنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، الحي القيوم البديع الدائم، الذي لا أحول ولا أزول، وأني بعثت رسلي، وأنزلت كتبي رحمة ونوراً، وعصمةً لخلقي، ثمّ إني باعث بذلك نجيب رسالتي أحمد صفوتي من خيرتي، البار قليطا عبدي، أرسله في خلو من الزمان، أبعثه (ابتعثه) بمولده فاران من مقام أبيه إبراهيم، أنزل عليه توراة حديثة، أفتح بها أعيناً عمياً وآذاناً صمّا وقلوباً غلفاً، طوبى لمن شهد أيامه، وسمع كلامه فآمن به، واتبع النور الذي جاء به، فإذا ذكرت يا عيسى ذلك النبي فصل عليه، إني وملائكتي نصلي عليه. »

قال فما أتى حارثة بن أثاك على قوله هذا حتّى اظلمّ بالسيد والعاقب مكانهما، وكرها ما قام به في الناس معرباً، ومخبراً عن المسيح ( ع ) بما أخبر، وأقدم على (من) ذكر النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنهما كانا قد أصابا بموضعهما من دينهما شرفاً بنجران، ووجهاً عند ملوك النصرانية جميعاً، وكذا (وكذلك) عند سوقتهم، وعربهم في البلاد، فأشفقا أن يكون ذلك سبباً لانصراف

____________________

(1) عشي الرجل ساء بصره .


قومهما عن طاعتهما لدينهما، وفسخاً لمنزلتهما في الناس فأقبل العاقب على حارثة فقال:

أمسك عليك يا حار(1) فإنّ راد هذا الكلام عليك أكثر من قابله، ورُبّ قول يكون بيّنة على قائله، وللقلوب نفرات عند الاصداع(2) بمظنون الحكمة، فاتقِ نفورها، فلكل بناء أهل، ولكل خطب محل، وإنّما الدرك(3) ما أخذ لك بمواضي النجاة وألبسك جُنّة السلامة(4) فلا تعدلنّ بهما حظّاً، فإني لم آلك - لا أباً لك - نصحاً.

ثمّ ارم - يعني أمسك - فأوجب السيّد أن يشرك العاقب، فأقبل على حارثة فقال:

إني لم أزل أتعرّف لك فضلاً تميل إليك الألباب، فإياك أن تقتعد مطية اللجاج، وأن ترجف ( توجف ) إلى السراب، فمن عذر بذلك فلست فيها أيها المرء بمعذور، وقد أخبرك أبو واثلة وهو ليُّ أمرنا، وسيد حضرنا عتاباً فأوله اعتباراً، ثمّ تعلم أنّ ناجم(5) قريش - يعني رسول الله - يكون دَرُّه قليلاً، ثمّ ينقطع، ويخلو ( ويكون ) بعد ذلك قرن يبعث في آخره النبي

____________________

(1) منادى مرخم.

(2) الصدع الشق، وصدع بالأمر تظلم به جهاراً.

(3) الدرك الوصول واللحاق.

(4) كلّ ما وقى من سلاح وغيره.

(5) نجم الشيء ظهر.


المبعوث بالحكمة والبيان، والسيف والسلطان، يملك ملكاً مؤجلاً تطبق فيه أمته المشارق والغارب، ومن ذريته الأمير الظاهر، يظهر على جميع الملكات والأديان، ويبلغ ملكه ما طلع عليه الليل والنهار، وذلك يا حار أمل من ورائه أمد، ومن دونه أجل، فتمسّك بدينك (من دينك) بما تعلم، وتمنع - لله أبوك - عن (من) أنس منصرم بالزمان، أو لعارض من الحدثان، فإنما نحن ليومنا، ولغد أهله.

فأجابه حارثة بن أثاك فقال:

إيه عليك أبا قرّة، فإنّه لاحظّ في يومه لمن لا درك له في غده (غدوه)، واتقِ الله تجدِ الله جلّ وتعالى بحيث لا مفزع إلاّ إليه، وعرضت مشيداً بذكر أبي واثله، فهو العزيز المطاع الرحب الباع، وإليكما معاً يلقى الرجل (ملقى الرجال)، فلو أضربت التذكرة عن أحد لتبريز فضل لكتما، لكنّها أبكار الكلام (الكلمة) تهدي لأربابها، ونصيحة كنتما أحق من أصغى لها، إنّكما مليكا ثمرات قلوبنا، ووليّا طاعتنا في ديننا، فالكيّس الكيّس يا أيّها المعظّمان عليكما به أرمقا ما بدهكما نواحيه (بواجبه)، وأهجرا التسويف فيما أنتما بعرضه، آثِرا الله فيما كان يؤثر كما بالمزيد من فضله، ولا تخلدا فيما أظلّكما إلى الونية(1) فإنّه من أطال عنان الأمر أهلكته العزّة، ومن اقتعد مطيّة الحذر كان بسبيل آمن من المتالف، ومن استنصح عقله كانت العبرة له لا به، ومن نصح لله عزّ وجلّ آنسه الله جلّ وتعالى بعزة الحياة، وسعادة المنقلب.

ثمّ أقبل على العاقب معاتباً فقال:

____________________

(1) ونيت في الأمر خففت.


وزعمت أبا واثلة أنّ رادّ ما قلت أكثر من قائله، وأنت لعمر الله حريّ ألاّ يؤثر هذا عنك، فقد علمت وعلمنا أمّة الإنجيل معاً بسيرة ما قام به المسيح في حواريه، ومن آمن له من قومه، وهذه منك فهة(1) لا يرحضها(2) إلاّ التوبة، والإقرار بما سبق به من الإنكار.

فلمّا أتى على هذا الكلام صرف إلى السيّد وجهه فقال:

لا سيف إلاّ ذو نبوّة، ولا علم إلاّ ذو هفوة، فمن نزع عن وهله، وأقلع فهو السعيد الرشيد، وإنّما الآفة في الإصرار، وأعرضت بذكر نبيين يخلقان زعمت بعد ابن البتول، فأين يذهب بك عمّا خلد في الصحف من ذكرى ذلك؟ ألم تعلم ما أنبأنا به المسيح ( ع ) في بني إسرائيل؟ وقوله لهم كيف بكم إذا ذهب بي إلى أبي وأبيكم (كذا)، وخلف بعد أعصار تخلو من بعدي وبعدكم صادق وكاذب؟.

قالوا: ومن هما يا مسيح الله؟ قال: نبي من ذرية إسماعيل ( ع ) صادق، ومتنبئ من بني إسرائيل كاذب، فالصادق منبعث منهما برحمة وملحمة، يكون له الملك والسلطان ما دامت الدنيا، وأما الكاذب فله نبز يذكر به المسيح الدجّال يملك فواقاً، ثمّ يقتله الله بيدي إذا رجع بي.

قال حارثة:

وأحذركم يا قوم أن يكون من قبلكم من اليهود أسوة، أنّهم أنذروا بمسيحَيْن: مسيح رحمة وهدى، ومسيح ضلالة، وجعل لهم على كلّ واحد منهما

____________________

(1) الفهة بالفتح والتشديد السقطة.

(2) الرحض بالحاء المهملة والضاد المعجمة غسل الثوب أي لا يغسلها إلاّ التوبة.


آية وأمارة، فجحدوا مسيح الهدى وكذبوا به، وآمنوا بمسيح الضلالة الدجّال، وأقبلوا على انتظاره، وأضربوا في الفتنة، وركبوا بختها (نصحها)، ومن قبل ما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وقتلوا أنبياءه، والقوّامين بالقسط من عباده، فحجب الله عزّ وجلّ عنهم البصيرة بعد التبصرة بما كتبت (كسبت) أيديهم، ونزع ملكهم منهم ببغيهم، وألزمهم الذلّة والصغار، وجعل منقلبهمم إلى النار.

قال العاقب:

فما أشعرك يا حار أن يكون هذا النبي المذكور في الكتب وهو قاطن في يثرب؟! ولعلّه ابن عمك صاحب اليمامة فإنّه يذكر من النبوة ما يذكر منها أخو قريش، وكلاهما من ذرية إسماعيل، ولجميعهما أتباع وأصحاب يشهدون بنبوّته، ويقرّون برسالته فهل تجد بينهما في ذلك من فاصلة فتذكرها؟!

قال حارثة:

أجل والله أجدها، والله أكبر وأبعد مما بين السحاب والتراب، وهي الأسباب التي بها وبمثلها تثبت حجّة الله في قلوب المعتبرين من عباده لرسله وأنبيائه، وأما صاحب اليمامة فيكفيكم ما أخبركم به سفراؤكم (سفهاؤكم) وغيركم، والمنتجعة(1) منكم أرضه، ومن قدم من أهل اليمامة عليكم، ألم تخبركم جميعاً عن رواد مسيلمة وسماعيه؟ ومن أوفده صاحبهم إلى أحمد بيثرب، فعادوا إليه جميعاً بما تعرفوا هناك في بني قيلة، وتبينوا به، قالوا قدم علينا أحمد يثرب

____________________

(1) المنتجعة طالبي الكلاء.


وبيارنا ثماد(1) ومياهنا ملحة، وكنّا من قبله لا نستطيب، ولا نستعذب. فبصق في بعضها، ومجّ في بعضٍ، فعادت عذباً محلولية، وجاش(2) منها ما كان ماؤها نماداً فصار بحراً، قالوا وتفل محمّد في عيون رجال ذوي رمدٍ، وعلى كلوم رجال ذوي جروحٍ؛ فبرئت لوقته عيونهم فما اشتكوها، واندملت جراحاتهم فما ألموها، في كثير مما أدوا ونبأوا عن محمّد ( ص ) من دلالة وآية، وأرادوا صاحبهم مسيلمة على بعض ذلك فأنعم لهم كارهاً، وأقبل بهم إلى بعض بيارهم فمجّ فيها. وكانت الركى(3) معذوذبه فحارت ملحاً لا يستطاع، وبصق في بئر كان ماؤها وشلاً فعاد ولم تبض(4) بقطرة من ماء، وتفل في عين رجل كان بها رمد فعميت، وعلى جراح فاكتسى جلده برصاً.

فقالوا: لمسيلمة فيما أبصروا ذلك منه واستبرأوه.

فقال: ويحكم بئس الأمّة أنتم لنبيّكم، والعشيرة لابن عمكم، إنّكم تحيّفتموني يا هؤلاء من قبل أن يوحى إلي في شيء مما سألتم، والآن فقد أذن لي في أجسادكم وأشعاركم دون بياركم ومياهكم، هذا لمن كان منكم بي يمؤمناً.

وأماً من كان مرتاباً فإنّه لا يزيده تفلي عليه إلاّ بلاء، فمن شاء الآن منكم فليأت لأتفلَ في عينه وعلى جلده.

قالوا: ما فينا - وأبيك - أحد يشاء ذلك، إنّا نخاف أن يشمت بك أهل يثرب، وأضربوا عنه حميّة لنسبه فيهم، وتذمماً لمكانه منهم.

____________________

(1) قليلة الماء.

(2) جاش الوادي كثر ماؤه.

(3) البئر ذات الماء.

(4) وشل الماء سال، وبعض الماء سال قليلاً قليلاً أي قطر.


فضحك السيّد والعاقب حتّى فحصا الأرض بأرجلهما وقالا:

ما النور والظلام، والحق والباطل، أشدّ بياناً وتفاوتاً مما بين هذين الرجلين صدقاً وكذباً.

قالوا: وكان العاقب أحب - مع ما تبين من ذلك - أن يشيد ما فرط من تفريط مسيلمة، ويؤثل منزلته؛ ليجعله لرسول الله( ص ) كفأً. استظهارا بذلك في بقاء عزّه، وما طار له من السموّ في أهل ملّته، فقال:

ولئن فخر أخو بني حنيفة في زعمه أنّ الله عزّ وجلّ أرسله، وقال من ذلك ما ليس له بحق، فلقد برّ في أن نقل قومه من عبادة الأوثان إلى الإيمان بالرحمان.

قال حارثة:

أنشدك بالله الذي دحاها، وأشرق باسمه قمراها هل تجد فيما أنزل الله عزّ وجلّ في السابقة (السالفة) يقول الله عزّ وجلّ:« أنا الله لا إله إلاّ أنا ديان يوم الدين أنزلت كتبي وأرسلت رسلي لاستنقذ بهم عبادي من حبائل الشيطان، وجعلتهم في بريتي وارضي كالنجوم الدراري في سمائي يهدون بوحيي وأمري، من أطاعهم أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني. وإني لعنت، وملائكتي في سمائي وأرضي، واللاعنون من خلقي من جحد ربوبيتي، أو عدل بي شيئاً من بريتي، أو كذّب بأحد من أنبيائي ورسلي، أو قال أوحي إليّ ولم يوحَ إليه شيء، أو غمص(1) سلطاني، أو نقضه مُتبّراً، وأكمه عبادي وأضلهم عنّي، ألاّ وإنّما يعبدني من عرف ما أريد في (من) عبادتي وطاعتي من خلقي، فمن لم

____________________

(1) احتقر وعاب.


يقصد إليّ من السبيل التي نهجتها برسلي، لم يزدد في عبادته منّي إلاّ بعداً.»

قال العاقب: رويدك لقد نبأت حقّاً.

قال حارثة:

فما دون الحقّ من مقنع، وما بعده لامرئ مفزع، ولذلك قلت الذي قلت.

فاعترضه السيّد، وكان ذا مجال(1) وجدال شديد فقال:

ما أحرى وما أرى أخا قريش مرسلاً إلاّ إلى قومه بني إسماعيل (في دينه)، وهو مع ذلك يزعم أنّ الله عزّ وجلّ أرسله إلى الناس جميعاً.

فقال حارثة: أفتعلم أنت يا أبا قرّة؟ أن محمداً مرسل إلى قومه خاصة.

قال: أجل!

- أتشهد له بذلك؟

- ويحك وهل يستطاع دفع الشواهد! نعم أشهد غير مرتابٍ بذلك، وبذلك شهدت له الصحف الدارسة، والأنباء الخالية!..

فأطرق حارثة ضاحكاً ينكث الأرض بسبّابته.

قال السيّد: ما يضحكك يا بن أثاك؟

حارثة - عجبت فضحكت

السيّد - أوَعجب ما تسمع؟

حارثة - نعم العجب أجمع أليس - بالإله - يعجب من رجل أوتي أثره من علم وحكمة، يزعم أنّ الله عزّ وجلّ اصطفى لنبوته، واختصّ

____________________

(1) صاحب مكر وحيل.


برسالته، وأيّد بروحه وحكمته رجلاً خرّاصاً يكذب عليه، ويقول أوحي إليّ ولم يوحَ إليه، فيخلط كالكاهن كذباً بصدق، وباطلاً بحق!

فارتدع السيّد، وعلم أنّه قد وهل فأمسك محجوجاً. قالوا وكان حارثة بنجران حثيثاً - يعني غريبا - فأقبل عليه العاقب وقد قطعه ما فرط إلى السيّد من قوله، فقال له:

عليك(1) أخا بني قيس من ابن تغلبة، واحبس عليك ذلق(2) لسانك، وما لم تزل تستحم لنا من مثابة سفهك، فرُبّ كلمة ترفع صاحبها رأساً قد ألقته في قعر مظلمة، ورُبَّ كلمة لامت ورأيت قلوباً نغلة(3) ، فدع عنك ما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك مالك اعتذاره. ثمّ اعلم أنّ لكل شيء صورة، وصورة الإنسان العقل، وصورة العقل الأدب، والأدب أدبان: طباعي ومرتاضي فأفضلها أدب الله جلّ جلاله، ومن أدب الله سبحانه وحكمته أن يرى لسلطانه حقاً ليس لشيء من خلقه، لأنّ الحبل بين الله وبين عباده، والسلطان اثنان: سلطان مملكة وقهر، وسلطان حكمة وشرع. فأعلاهما فوقاً سلطان الحكمة، وقد ترى يا هذا أنّ الله عزّ وجلّ قد صنع لنا حتّى جعلنا حكّاماً، وقوّاماً على ملوك ملّتنا، ومن بعدهم من حشونهم وأطرافهم، فاعرف لذي الحقّ حقّه أيها المرء، وخلاك ذمّ. ثمّ قال: وذكرت أخا قريش، وما جاء به من الآيات والنذر، فأطلت وأعرضت، ولقد برزت، فنحن بمحمد عالمون، وبه جدّاً

____________________

(1) إسم فاعل بمعنى أمسك.

(2) اللسان الذلق اللسان الحديد البليغ.

(3) نغلة فاسدة.


موقنون، شهدت لقد انتظمت له الآيات، والبينات سالفها وآنفها، إلاّ آية هي أسماها (أشفاها)، وأشرفها، وإنّما مثلها فيما جاء به كمثل الرأس للجسد، فما حال جسد لا رأس له، فأمهل رويداً نتجسّس الأخبار، ونعتبر الآثار، ولنستشف ما إلينا مما أفضى إلينا، فإن أنسنا الآية الجامعة الخاتمة لديه، فنحن إليه أسرع، وإليه (له) أطوع، وإلاّ فاعلم ما تذكر به النبوة والسفارة عن الرب الذي لا تفاوت في أمره، ولا تغاير في حكمه.

قال حارثة:

قد ناديت فأسمعت، وفزعت فصدعت، وسمعت وأطعت، فما هذه الآية التي أوحش بعد الإنسة فقدها، وأعقب الشكّ بعد البيّنة عدمها؟

العاقب - قد أثلجك أبو قرّة بها فذهبت عنها في غير مذهب، وحاورتنا فأطلت في غير ما طائل حوارنا.

حارثة - وأنّى ذلك، فحلّها الآن لي فداك أبي وأمي.

العاقب - أفلح من سلّم للحق وصدع به، ولم يرغب عنه، وقد أحاط به علماً. فقد علمنا وعلمت من أنباء الكتب المستودعة علم القرون، وما كان منها وما يكون، فإنّها استهلت بلسان كلّ أمّة منهم معربة مبشّرة، ومنذرة بأحمد النبي العاقب الذي تطبق أمّته المشارق والمغارب، يملك وشيعته من بعده ملكاً مؤجّلاً، يستأثر مقتبلهم ملكاً على الأحم(1) منهم بذلك النبي وتباعةً وبيتاً، ويوسع من بعدهم أمنهم عدواناً وهضماً، فيملكون بذلك سبتاً(2) طويلاً حتّى لا يبقى

____________________

(1) الأحم الأقرب.

(2) السبت الدهر.


في جزيرة العرب بيت إلاّ وهو راغب إليهم، أو راهب لهم، ثمّ يدال بعد لأي منهم(1) ، ويشعث سلطانهم(2) حداً حداً، وبيتاً فبيتاً، حتّى نحبى أمثال النغف(3) من الأقوام فيهم، ثمّ يملك أمرهم عبدانهم وقنّهم، يملكون جيلاً فجيلاً، يسيرون في الناس بالقعرة خيطاً خيطاً(4)، ويكون سلطانهم سلطاناً عضوضاً ضروساً، فتنقص الأرض حينئذ من أطرافها، ويشتد البلاء، وتشتمل الأوقات حتّى يكون الموت أعزّ من الحياة الحمراء، وأحبّ حينئذٍ إلى أحدهم من الحياة إلى المعافات السليم، وما ذلك إلاّ لما يدلون به من الضر والضراء، والفتنة العشواء، وقوام الدين يومئذ وزعماؤه أناس ليسوا من أهله، فيمجّ الدين بهم، وتعفوا آياته، ويدبر تولياً وإمحاقاً، فلا يبقى إلاّ اسمه حتّى ينعاه ناعيه، والمؤمن يومئذ غريب، والديّانون قليل ما هم حتّى يستيئس الناس من روح، وفرجة إلاّ أقلهم، ويظن أقوام أن لن ينصر الله رسله، ويحقّ وعده فإذا بهم الشصائب(5) ، والنقم، وأخذ من جميعهم بالكظم(6) تلافى الله دينه، وراش عباده(7) من بعد ما قنطوا برجلٍ من ذرية نبيهم أحمد ونجله، يأتي به الله عزّ وجلّ من حيث لا يشعرون، تصلي عليه السماوات وسكانها، وتفرح به

____________________

(1) أي يتقلب من حال إلى حال بعد مدة طويلة.

(2) شعث السلطان تشتت.

(3) النغف دود في أنوف الإبل والغنم.

(4) خيطاً بالياء المثناة من تحت الجماعة وبالموحدة كذلك.

(5) الشصائب الشدائد.

(6) مخرج النفس.

(7) جمع عباده.


الأرض وما عليها من هوام وطائر وأنام، وتخرج له أمّكم - يعني الأرض - بركتها وزينتها، وتلقي إليها كنوزها، وأفلاذ كبدها، حتّى تعود كهيئتها على عهد آدم ( ع )، وترفع عنهم المسكنة والعاهات في عهده، والنقمات التي كانت تضرب بها الأمم من قبل، وتلقي في البلاد الأمنة، وتنزع حمّة كلّ ذات حمّة، ومخلب كلّ ذي مخلب، وناب كلّ ذي ناب، حتّى أنّ الجويرية اللكاع لتلعب بالافعوان فلا يضرها شيئاً، وحتى يكون الأسد في الباقر(1) كأنّه راعيها، والذئب في البهم كأنّه ربها، ويظهر الله عبده على الدين كله، فيملك مقاليد الأقاليم إلى بيضاء الصين، حتّى لا يكون على عهده في الأرض أجمعها إلاّ دين الله الحقّ الذي ارتضاه لعباده، وبعث به آدم بديع فطرته، وأحمد خاتم رسالته، ومن بينهما من أنبيائه ورسله.

وما أن انتهى العاقب من اقتصاصه هذا، أقبل عليه حارثة مجيباً فقال: (أشهد بالله البديع يا أيها النبيه الخطير، والعليم الأثير، لقد ابتسم الحقّ بقلبك، وأشرق الجنان بعدل منطقك، وتنزلت كتب الله التي جعلها نوراً في بلاده، وشاهدة على عباده بما اقتصصت من سطورها حقاً، فلم يخالف طرس منها ولا رسم من آياتها رسماً فما بعد هذا؟

قال العاقب:

فإنّك زعمته أخا قريش، فكنت بما تؤثر من هذا حق غالط.

حارثة - وبِمَ، ألم تعترف له بنبوته ورسالته الشواهد؟!

العاقب - بلى لعمر الله ولكنهما نبيان رسولان، يعتقبان بين مسيح الله عزّ وجلّ، وبين الساعة، اشتقّ اسم أحدهما من صاحبه، محمّد وأحمد بشر بأولهما

____________________

(1) الباقر جماعة البقر.


موسى وثانيهما عيسى، فأخو قريش هذا مرسل إلى قومه، ويقفوه من بعده ذو الملك الشديد، والأكل الطويل، يبعثه الله عزّ وجلّ خاتماً للدين، وحجّة على الخلائق أجمعين، ثمّ تأتي من بعده فترة تتزايل فيها القواعد من مراسيها، فيعيدها الله عزّ وجلّ على الدين كلّه، فيملك هو والملوك الصالحون من عقبه جميع ما طلع عليه الليل والنهار، من أرض وجبل وبر وبحر، يرثون أرض الله عزّ وجلّ ملكاً، كما ورثها وملكها الأبوان آدم ونوح. يلقون - وهم الملوك الأكابر - وفي مثل هيئة المساكين بذاذة واستكانة، فأولئك الأكرمون الأماثل، لا تصلح عباد الله وبلاده إلاّ عليهم.

ينزل عيسى بن البشر على آخرهم بعد مكث طويل شديد، لا خير في العيش بعدهم، وتردفهم رجراجة (واخراجة) طغام في مثل أحلام العصافير، (و) عليهم تقوم الساعة، وإنّما تقوم على شرار الناس واخافيهم، فذلك الوعد الذي صلّى به الله عزّ وجلّ على أحمد، كما صلّى به على خليله إبراهيم ( ع ) في كثير مما لأحمد من البراهين، والتأييد الذي خبّرت به كتب الله الأولى.

حارثة - فمن الأثر (الأمر) المستقر عندك أبا وائلة في صدق هذين الإسمين أنّهما لشخصين لنبيين مرسلين في عصرين مختلفين؟.

العاقب - أجل.

حارثة - فهل يخالجك في ذلك ريب أو يعرض لك فيه ظن؟.

العاقب - كلاّ والمعبود، إنّ هذا لأجلى من يوخ(1) - وأشار إلى جرم الشمس فأكبّ حارثة مطرقاً، وجعل ينكث الأرض عجباً.

____________________

(1) يوخ بالمثناة الشمس.


حارثة - إنّما الآفة أيها الزعيم المطاع، أن يكون المال عند من يخزنه لا من ينفقه، والسلاح عند من يتزين به لا من يقاتل به، والرأي عند من يملكه لا من ينصره.

العاقب - لقد أسمعت يا حويرث فأقذعت، وطفقت فأقدمت، فمّهٍ.

الحارث - أقسم بالذي قامت به السماوات والأرضون بإذنه، وغُلبت الجبابرة بأمره، إنّهما أسمان مشتقّان لنفس واحدة، ولنبي واحد، ورسول واحد، أنذر به موسى بن عمران، وبشّر به عيسى بن مريم، ومن قبلهما أشارت به صحف إبراهيم.

فتضاحك السيّد يُريَ قومه ومن حضرهم أنّ ضحكه هزؤٌ من حارثة، وتعجّباً، وانتشط العاقب (من) ذلك فأقبل على حارثة مؤنباً فقال:

لا يغررك باطل أبي قرّة فإنّه وإن ضحك لك، فإنما يضحك منك.

حارثة - لئن فعلها لأنّا لَإحدى الدهارس(1) ، أو بؤّة (سؤة) أفلم تتعرفا - راجع الله بكما - من موروث الحكمة لا ينبغي للحكيم أن يكون عالسا في غير إرب، ولا ضاحكاً من غير عجب. ألم يبلغكما عن سيدكما المسيح ( ع ) قال:« فَضُحْكُ العالم في غير حينه غفلة من قلبه، أو سكرة ألهته عمّا في غده؟ »

السيّد - يا حارثة لا يعيش واحد بعقله حتّى يعيش بظنّه(2) ، وإذا

____________________

(1) دهرس كجعفر. الداهية.

(2) يريد أن التعيش بالظنون الفاسدة أكثر من التعيش بالعقل، ومراده أنّ هذا الكلام صادق، وأنّ ضحكه لم يكن عبثاً.


أنا لم أعلم إلاّ ما رويت فلا علمت، أَوَلَم يبلغك أنت عن سيدنا المسيح علينا سلامه، أن لله عباداً ضحكوا جهراً من سعة رحمة ربهم، وبكوا سرّاً من خيفة ربهم!

حارثة - إذا كان هذا فنعم.

السيّد - فما هنا فليكن مراجم ظنوك بعباد ربّك؟ وعد بنا إلى ما نحن بسبيله فقد طال التنازع والخصام بيننا يا حارثة.

وذكروا أنّ هذا كان - جلسة ثالثة - في يوم ثالث من اجتماعهم للنظر في أمرهم.

فقال السيّد : يا حارثة ألم ينبئك أبو واثلة بأفصح لفظ اخترق أذناً، ودعا ذلك بمثله مخبراً، فألقاك مع عرفائك (عزماتك) بموارده حجراً، وها أنا ذا أؤكد عليك التذكرة بذلك من معدن ثالث، فأنشدك الله وما أنزل إلى كلمة من كلماته، هل تجد في الزاجرة المنقولة من لسان أهل سوريا إلى لسان العرب - يعني صحيفة شمعون بن حمون الصفا التي توارثها عنه أهل نجران - ألم يقل بعد بند طويل من كلام (فإذا طبقت وقطعت الأرحام، وعفيت (وعلفت) الأعلام، بعث الله عبده البار قليطا بالرحمة والمعدلة)، قالوا وما البار قليطا يا روح الله (يا مسيح الله)؟ قال: أحمد النبي الخاتم الوارث، ذلك الذي يُصَلّى عليه حياً، ويصلى عليه بعدما يقبضه إليه بابنه الطاهر الخاير، ينشره الله في آخر الزمان بعدما انقضت (انقضمت) عرى الدين، وخبت مصابيح الناموس، فأفِلت (وافلت) نجومه، فلا يلبث العبد الصالح إلاّ أمما، حتّى يعود به الدين كما بدأ، ويقرّ الله عزّ وجلّ سلطانه في عبده، ثمّ في الصالحين من عقبه، وينشر منه حتّى يبلغ ملكه


منقطع التراب.

حارثة - ( قد أنشدتما بهذه المأثرة لأحمد، وكررتما بها القول وهي كما) قد أنشدتما، حقّ لا وحشة مع (من) الحقّ، ولا أنس في غيره، فمهٍّ.

السيّد - فإنّ من الحقّ أن لاحظ في هذه إلاّ كرومة للأبتر.

حارثة - إنّه لكذلك أليس لمحمد ولد.

السيّد - إنك ما علمت إلاّ لداً(1) ، ألم يخبرنا سفرنا وأصحابنا فيما تجسسنا من خبره أنّ ولديه الذكرين (من) القرشية والقبطية بادا - يعني هلكا - وغودر محمّد كقرن الأعضب(2) موفٍ على ضريحه، فلو كان له بقيّة لكان لك بذلك مقالاً إذا ولت أبناؤه الذي يذكر (تذكر).

الحارث - العِبَر لَعمر الله كثير والاعتبار بها قليل، والدليل موفٍ على سنن السبيل إن لم يغشُ عنه ناظر، وكما أنّ أبصار الرمد لا تستطيع النظر في قرص الشمس لسقمها، فكذلك البصائر القصيرة لا تتعلق بنور الحكمة لعجزها، ألا ومن كان كذلك فلستماه - وأشار إلى السيّد والعاقب - إنكما ويمين الله لمحجوجون بما آتاكما الله عزّ وجلّ من ميراث الحكمة، واستودعكما من بقايا الحجّة، ثمّ بما أوجب لكما من الشرف، والمنزلة في الناس، فقد جعل الله عزّ وجلّ من أنامه سلطاناً ملوكاً للناس وأرباباً، وجعلكما حَكَمَاً وقواماً على ملوك ملتنا، وذادةً لهم يفزعون إليكما في دينهم، ولا تفزعان إليهم، وتأمرانهم فيأتمرون لكما، وحقٌّ لكل ملك، أو موطأ الأكتاف (الأكناف) أن يتواضع لله عزّ وجلّ إذ رفعه،

____________________

(1) ألد الخصومة الشديدة

(2) كناية عن الهلاك أي لم يبق له أحد.


وأن ينصح لله عزّ وجلّ في عباده، ولا يُداهن في أمره، وذكرتما محمداً بما حكمت له بالشهادات (الشهادات) الصادقة، وبينته فيه الأسفار المستحفظة، ورأيتماه مع ذلك مرسلاً إلى قومه لا إلى الناس جميعاً، وأن ليس بالخاتم الحاشر(1) ، ولا الوارث العاقب؛ لأنكما زعمتماه أبتراً أليس كذلك؟!

السيّد والعاقب - نعم.

حارثة - أرأيتما لو كان له بقيّة وعقب، هل كنتما تمتريان (ممتريان) لما تجدان؟. وبما تكذّبان من الوراثة، والظهور على النواميس أنّه النبي الخاتم، والمرسل إلى كافة البشر؟.

السيّد والعاقب - لا.

حارثة - أفَليس هذا القيل لهذه الحال مع طول اللوائم والخصايم عندكما مستقراً.

السيّد والعاقب - أجل.

حارثة - الله أكبر.

السيّد والعاقب - كبّرت كبيراً فما دعاك إلى ذلك؟

حارثة - الحقّ أبلج، والباطل لجلج، ولَنقل ماء البحر ولشق الصخر، أهون من إماتة ما أحياه الله عزّ وجلّ، وإحياء ما أماته، الآن فاعلما أنّ محمداً غير أبتر، وإنّه الخاتم الوارث، والعاقب الحاشر حقاً فلا نبي بعده، وعلى أمته تقوم الساعة، ويرث الله الأرض ومن عليها، وأنّ من ذريته الأمير الصالح الذي بينتماه، ونبئتما أنّه يملك مشارق الأرض ومغاربها، ويظهره

____________________

(1) الحاشر من أسماء النبي ( ص )؛ لأنّه يحشر الناس ممن على دينه خلفه.


الله عزّ وجلّ بالحنفية (الحنفية) الإبراهيمية على النواميس كلّها.

السيّد والعاقب - أولى لك يا حارثة، لقد أغفلناك وتأبى إلاّ مراوغةً كالثعالبة، فما تسأم المنازعة، ولا تملّ من المراجعة، ولقد زعمت مع ذلك عظيماً فما برهانك؟.

حارثة - أمّا - وجدكما - لأنبئكما ببرهان يجير من الشبهة، ويشفى به جوى الصدور.

ثمّ أقبل على أبي حارثة حصين بن علقمة شيخهم، وأسقفهم الأول فقال:

أرأيت أيها الأب الأثير أن تؤنس قلوبنا، وتثلج صدورنا بإحضار الجامعة والزاجرة ؟ - وكان هذا المجلس الرابع من اليوم الرابع - وذلك لما خلقت(1) الأرض (الشمس) وفي زمن قيظ شديد.

فأقبلا على حارثة فقالا: أرجِ هذا إلى غدٍ، فقد بلغت القلوب منّا الصدور. فتفرّقوا على إحظار الزاجرة والجامعة من غدٍ؛ للنظر فيهما والعمل بما يتراءون (يترائيان) منهما. فلمّا كان من الغد صار أهل نجران إلى بيعتهم؛ لاعتبار ما أجمع صاحباهما مع حارثة على اقتباسه، وتبينه (وتتبعه) من الجامعة. ولما رأى السيّد والعاقب اجتماع الناس لذلك قطع بهما(2) لعلمهما بصواب حارثة، واعترضاه ليصدّانه عن تصفّح الصحف عن أعين الناس، وكانا من شياطين الإنس. فقال السيّد: إنّك قد أكثرت وأمللت فض(3)

____________________

(1) خلقت الشمس ارتفعت وركدت.

(2) قطع يفلان إذا عجز عن سفره من نفقة الذهاب.

(3) بالفاء المعجمة، والضاد المعجمة الكسر، أي دعنا نترك الكلام، ونكسر الحديث وبالقاف والصاد المهملة من قطع جناح الطائر أي نقطع الكلام علنا، ونجعله بيننا، وقض بالقاف المثنات من قض اللؤلؤ.


الحديث لنا مع قضة (قص الحديث لنا مع قصة)، ودعنا من (مع) تبيانه.

حارثة - وهل هذا إلاّ منك، ومن صاحبك؟.. فمن الآن فقولا ما شئتما!.

العاقب - ما من مقال إلاّ قلنا، وسنعود فننجز بعض ذلك (لك) تنجيزاً غير كاتمين الله عزّ وجلّ من حجّة، ولا جاحدين له آية، ولا مفترين مع ذلك على الله عزّ وجلّ لعبد أنّه مرسل منه، وليس برسوله، فنحن نعترف يا هذا بمحمد أنّه رسول من الله عزّ وجلّ إلى قومه من بني إسماعيل (إسرائيل)، في غير أن تجيب له بذلك على غيرهم من عرب الناس، ولا أعاجمهم تباعة، ولا طاعة بخروج له عن ملّة، ولا دخول معه في ملّة إلاّ الإقرار له بالنبوة، والرسالة إلى أعيان قومه ودينه.

حارثة - بما شهدتما له بالنبوة والأمر؟.

السيّد والعاقب - حيث جاءتنا فيه البينّة من تباشير الأناجيل، والكتب الخالية.

حارثة - منذ وجب هذا لمحمد عليكما في طويل الكلام وقصيره، وبدئه وعوده، فمن أين زعمتما أنّه ليس بالوارث الحاشر، ولا المرسل إلى كافة البشر؟؟.

السيّد والعاقب - لقد علمت وعلمنا فما نمتري بأنّ حجّة الله عزّ وجلّ لم ينتهِ أمرها، وإنها كلمة الله جارية في الأعقاب، ما اعتقب الليل والنهار، وما بقي من الناس شخصان، وقد ظننّا من قبل أنّ محمداً ربها وأنّه القائد بزمامها، فلمّا أعقمه الله عزّ وجلّ بمهلك الذكورة من ولده علمنا أنّه ليس به؛ لأن


محمداً أبتر، وحجّة الله عزّ وجلّ الباقية، ونبيه الخاتم بشهادة كتب الله عزّ وجلّ المنزّلة ليس بأبتر، فإذن هو نبي يأتي ويخلد بعد محمّد، اشتقّ اسمه من اسم محمّد، وهو أحمد الذي أنبأ المسيح باسمه، وبنبوته ورسالاته (ورسالته) الخاتمة، ويملك ابنه القاهر (القاهرة) الجامعة للناس جميعاً، على ناموس الله عزّ وجلّ الأعظم، ليس بمظهر (بمظهرة) دينه، ولكنّه من ذريته وعقبه، يملك قرى الأرض، وما بينهما من لوب(1) وسهل وصخر وبحر ملكاً مورّثاً موطأً، وهذا نبأ أحاطت سفرة الأناجيل به علماً، وقد أوسعناك بهذا القيل سمعاً، وعدنا لك به آنفة بعد سالفة فما أربك إلى تكراره؟!.

حارثة - قد أعلم أنا وإياكم في رجع من القول منذ ثلاث، وما ذاك إلاّ ليذكر ناسٍ، ويرجع فارطٌ، ويظهر (وتطمئن) لنا الكلم (ويظهر لنا الكلام)، وذكرتما نبيين يبعثان يعتقبان بين مسيح الله عزّ وجلّ والساعة، قلتما وكلاهما من بني إسماعيل، أوّلهما محمّد بيثرب، وثانيهما أحمد العاقب.

وأما محمّد أخو قريش، هذا القاطن بيثرب، فآياته (فانابه) حقٌّ مؤمّن، أجل وهو - والمعبود - أحمد، الذي نبأت به كتب الله عزّ وجلّ، ودلّت عليه آياته، وهو حجّة الله عزّ وجلّ، ورسوله، والخاتم الوارث حقّاً، ولا نبوّة ولا رسول لله عزّ وجلّ، ولا حجّة بين ابن البتول والساعة غيره. بلى ومن كان (منه) من ابنته البهلولة(2) (البتولة) الصديقة فأنتما ببلاغ الله لكنّكما (إليكما) من نبوّة محمّد في أمرٍ مستقر، ولولا انقطاع نسله لما ارتبتما فيما زعمتما به أنّه السابق العاقب.

____________________

(1) اللوب جمع لابة: الحرة من الأرض.

(2) البهلول بالضم السيّد الجامع لكل خير.


حارثة - فأنتما والله فيما تزعمان من نبي ثانٍ من بعده في أمرٍ ملتبس، والجامعة تحكم في ذلك بيننا!.

السيّد والعاقب - أجل، إنّ ذلك لمن أكبر أماراته عندنا.

فتنادى الناس من (في) كلّ ناحية، الجامعة يا أبا حارثة، الجامعة، وذلك لما مسّهم في طول محاورة الثلاثة من السآمة والملل، وظنّ القوم مع ذلك أنّ الفلج (الفلح) لصاحبيهما، بما كانا يدّعيان في تلك المجالس من ذلك. فأقبل أبو حارثة إلى علج(1) واقف منه امماً، فقال: امضِ يا غلام فاتِ بها، فجاء بالجامعة يحملها على رأسه، وهو لا يكاد يتماسك بها لثقلها - قال - يعني الراوي - فحدّثني رجل صدق من النجرانية، ممن كان يلزم السيّد والعاقب، ويخف لهما في بعض أمورهما، ويطّلع على كثير من شأنهما - لمّا حضرت الجامعة بلغ ذلك من السيّد والعاقب كلّ مبلغ؛ لعلمهما بما يهجمان عليه في تصفحها من دلائل رسول الله وصفته، وذكر أهل بيته وأزواجه وذريته، وما يحدث في أمته وأصحابه، من بوائق الأمور من بعده إلى فناء الدنيا وانقطاعها، فأقبل أحدهما على صاحبه فقال: هذا يوم ما بورك لنا في طلوع شمسه، لقد شهدته أجسامنا، وغابت عنه آراؤنا بحضور طغاتنا وسفلتنا، ولقلّ ما شهد سفهاء قوم مجمعة إلاّ كان لهم الغلبة.

قال الآخر: فهم شرّ غالب لمن غلب، إنّ أحدهم ليفيق بأدنى كلمة، ويفسد في بعض ساعته ما لا يستطيع الآسي الحليم(2) له رتقاً ولا الخولي النفيس إصلاحا(3) في حول

____________________

(1) العلج الرجل الضخم من كفار العجم وقيل الكافر مطلقاً.

(2)الآسي الطبيب.

(3) الخولي الراعي الصالح.


محرم، ذلك لأنّ السفيه هادم، والحليم بانٍ، وشتّان بين الهدم والبنيان، فانتهز حارثة الفرصة، فأرسل في خفيةٍ وسرٍّ إلى النفر من أصحاب رسول الله فاستحضرهم استظهاراً بمشهدهم فحضروا، فلم يستطع الرجلان فضّ ذلك المجلس، ولا إرجاءه، وذلك لما بيّناه من تطلّع عامتهما من نصارى نجران إلى معرفة ما تضمنته الجامعة من صفة رسول الله (وانبعاث له مع حضور رسل رسول الله) لذلك، وتأليب حارثة عليهما فيه، وصفو (كذا)(1) أبو حارثة شيخهم إليه.

قال ذلك النجراني: فكان الرأي عندهما أن ينقادا لما بذههما من هذا الخطب، ولا يظهران شماساً منه (منهم) ولا نفوراً، حذار أن يطرقا الظنّة فيه إليهما، وأن يكونا أيضاً أول معتبر للجامعة ومستحث (ومستحب) لها؛ لئلا يفتات في شيء من ذلك المقام والمنزلة عليهما، ثمّ يستبين أنّ الصواب في الحال، ويستنجدانه بموجبه، فتقدّما لما تقدم أنفسهما من ذلك إلى الجامعة، وهي بين يدي أبي حارثة، وحاذاهما حارثة بن أثاك، وتطاولت إليهما فيه الأعناق، وحفّت رسل رسول الله بهم، فأمر أبو حارثة بالجامعة ففتح ظرفها، واستخرج منها صحيفة آدم الكبرى المستودعة علم ملكوت الله عزّ وجلّ جلاله، وما ذرأ وما برأ في أرضه وسمائه، وما وصلهما جلّ جلاله من ذكر عالميه، وهي الصحيفة التي ورثها شيث من أبيه آدم عمّا دعا من الذكر المحفوظ، فقرأ القوم - السيّد والعاقب وحارثة - في الصحيفة تطلباً لما تنازعوا فيه من نعت رسول الله وصفته، ومن حضرهم من الناس مصبحون (يصبحون) مرتقبون لما يستدرك من ذكر ذلك، فألفوا في المصباح (المسباح) الثاني من فواصلها

« بسم الله الرحمن الرحيم، أنا

____________________

(1) يريد الميل.


الله لا إله إلاّ أنا الحي القيوم، معقّب الدهور، وفاصل الأمور، سبقت بمشيتي الأسباب، وذللّت بقدرتي الصعاب، فأنا العزيز الحكيم الرحيم، ارحم تُرحَم، سبقت رحمتي غضبي، وعفوي عقوبتي، خلقت عبادي لعبادتي، وألزمتهم حجّتي، ألا إنّي باعث فيهم رسلي، ومنزّل عليهم كتبي، أبرم ذلك من لدن أول مذكور من بشر إلى أحمد نبيي، وخاتم رسلي، ذلك الذي أجعل عليه صلواتي، وأسلك في قلبه بركاتي، وبه أكمل أنبيائي ونذري.»

قال آدم: « إلهي من هؤلاء الرسل، ومن أحمد هذا الذي رفعت وشرّفت؟. »

قال:« كلٌّ من ذريتك، وأحمد عاقبهم. »

قال: « رب بما أنت باعثهم ومرسلهم؟. »

قال:« بتوحيدي ثمّ أقّفي ذلك بثلاثمئة وثلاثين شريعة، أنظمها وأكملها لأحمد جميعاً فآذنت (فاذن) لمن جاءني بشريعة منها، مع الإيمان بي وبرسلي أن أدخله الجنّة. »

ثمّ ذكر ما جملته: إن الله عرض على آدم معرفة الأنبياء وذريتهم، ونظرهم آدم ثمّ قال ما هذا لفظه:

ثمّ نظر آدم إلى نور قد لمع؛ فسدّ الجوّ المنخرق فأخذ بالمطالع من المشارق، ثمّ سرى كذلك حتّى طبق المغارب، ثمّ سما حتّى بلغ ملكوت السماء، فنظر فإذا هو محمّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإذا الأكناف قد تضوعت طيباً، وإذا أنوار أربعة قد اكتنفته عن يمينه وشماله، ومن خلفه وأمامه، أشبه شيء به أرجاً، ونوراً يتلوها أنوار من بعدها تستمدّ منها، وإذا هي شبيهة بها في ضيائها ونشرها، ثمّ دنت منها فتكلّلت عليها، وحفّت بها، ونظر فإذا أنوار من بعد ذلك في مثل عدد الكواكب، ودون منازل الأوائل جداً جداً، وبعض هذه أضوء


من بعضٍ وهم في ذلك متقاربون جدّاً، ثمّ طلع عليه سواد كالليل وكالسيل ينسلون من كلّ وجه وأوب، فأقبلوا كذلك حتّى ملأوا القاع والأكم، فإذا هم أقبح شيءٍ صوراً وهيئة، وأنتنه ريحا، فبهر آدم ما رأى من ذلك وقال:

« يا عالم الغيوب، وغافر الذنوب، يا ذا القدرة الباهرة (القاهرة) والمشيئة الغالبة من هذا الخلق السعيد الذي كرّمت، ورفعت على العالمين، ومن هذه الأنوار المنبعثة المكتنفة له؟. »

فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: « يا آدم هذا وهؤلاء وسيلتك ووسيلة من أسعدّتُ من خلقي. هؤلاء السابقون المقرّبون، والشافعون المشفّعون، وهذا أحمد سيدهم، وسيد بريتي. اخترته بعلمي وأشققت (واشتققت) اسمه من اسمي، فأنا المحمود وهو محمّد، وهذا صنوه ووصيه آزرته به، وجعلت بركاتي وتطهيري في عقبه، وهذه سيدة إمائي والبقيّة في علمي من أحمد نبيي، وهذان السبطان والخلفان لهم، وهذه الأعيان المضارع نورها أنوارهم، بقية منهم ألا إنّ كلاً اصطفيت وطهّرت، وعلى كلٍّ باركت وترحمت، فكلاًّ بعلمي جعلت قدوة عبادي، ونور بلادي.»

ونظر فإذا شيخ في آخرهم يزهر في ذلك الصفيح، كما يزهر كوكب الصبح لأهل الدنيا، فقال الله تعالى: «وبعبدي هذا أفكّ عن عبادي الأغلال، وأضع عنهم الآصار، وأملأ أرضي به حناناً، ورأفةً، وعدلاً، كما ملئت من قبله قسوة وقشعرية وجوراً.»

قال آدم: « ربِ إنّ الكريم من أكرمت، والشريف من شرّفت، وحقٌ يا إلهي لمن رفعت وأعليت أن يكون كذلك، فيا ذا النعم التي لا تنقطع

____________________

(1) الأصار: الذنوب.


والإحسان الذي لا يجارى، ولا ينفد، بِمَ بلغ عبادك هؤلاء العالون هذه المنزلة من شرف عطائك، وعظيم فضلك، وحبائك، وكذلك من كرّمت من عبادك المرسلين؟. »

قال الله تبارك وتعالى: « أنا الله لا (إله إلاّ أنا) الرحمن الرحيم العزيز الحكيم، عالم الغيوب ومضمرات القلوب. أعلم ما لم يكن مما يكون (و) كيف يكون، وما لا يكون، كيف لو كان يكون. وإني اطلعت يا عبدي في علمي على قلوب عبادي، فلم أرَ فيهم أطوع لي، ولا أنصح لخلقي من أنبيائي ورسلي، فجعلت لذلك فيهم روحي وكلمتي، وألزمتهم عبء (هناء) حجّتي، واصطفيتهم على البرايا برسالتي ووحيي، ثمّ ألقيت بمكاناتهم تلك في منازلهم حوامهم(1) وأوصيائهم من بعدهم، فألحقتهم بأنبيائي ورسلي، وجعلتهم من بعدهم ودائع حجّتي، والسادة في بريتي؛ لأجبر بهم كسر عبادي، وأقيم بهم أودهم، ذلك أني بهم وبقلوبهم لطيف خبير. ثمّ اطلعت على قلوب المصطفين من رسلي، فلم أجد فيهم أطوع، ولا أنصح لخلقي من محمّد خيرتي وخالصتي؛ فاخترته على علمٍ، ورفعت ذكره إلى ذكري، ثمّ وجدت قلوب حامّته اللائي من بعده على صبغة قلبه؛ فألحقتهم به، وجعلتهم ورثة كتابي ووحي، وأوكار حكمتي، ونوري، وآليت بي ألاّّ أعذب بناري من لقيني معتصماً بتوحيدي، وحبل مودتهم أبداً. »

ثمّ أمرهم أبو حارثة أن يصيروا إلى صحيفة شيث الكبرى، التي انتهى ميراثها إلى إدريس النبي.

قال: وكان كتابتها بالقلم السرياني القديم، وهو الذي كتب من بعد نوح من ملوك الهياطلة(2) وهم النماردة.

قال: فافتض القوم الصحيفة

____________________

(1) حوامّهم - قرابتهم.

(2) جنس من الترك، وقيل من الهند لهم شوكة.


وأفضوا منها إلى هذا الرسم:

اجتمع إلى إدريس قومه وصحابته، وهو يومئذ في بيت عبادته من أرض كوفان فخبّرهم فيما اقتص عليهم قال: « إنّ بني أبيكم آدم (الصلبية) لصلبه، وبني بنيه وذريته، اختصموا فيما بينهم وقالوا: أيُّ الخلق عندكم أكرم على الله عزّ وجلّ، وأرفع لديه مكانة، وأقرب منه منزلة؟

فقال بعضهم: أبوكم آدم، خلقه الله عزّ وجلّ بيده، وأسجد له ملائكته، وجعله الخليفة في أرضه، وسخّر له جميع خلقه.

وقال آخرون: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله عزّ وجلّ.

وقال بعضهم: لا بل رؤساء الملائكة الثلاثة جبرائيل وميكائيل وإسرافيل.

وقال بعضهم: لا بل أمين الله جبرائيل. فانطلقوا إلى آدم فذكروا الذين قالوا واختلفوا فيه فقال:

يا بَنيّ أنا أخبركم بأكرم الخلائق جميعاً على الله عزّ وجلّ، إنّه والله لمّا نفخ فيّ الروح حتّى استويت جالساً، فبرق لي العرش العظيم، فنظرت فيه فإذا فيه لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله - فلان أمين الله، فلان خيرة الله عزّ وجلّ، فذكر عدة أسماء مقرونة بمحمد - ثمّ لم أرّ في السماء موضع أديم، أو صفيح منها إلاّ فيه مكتوب لا إله إلاّ الله، وما من موضع فيه مكتوب لا إله إلاّ الله إلاّ ومكتوب خلقاً لا محمّد رسول الله، وما من موضع مكتوب فيه محمّد رسول الله، إلاّ ومكتوب عليّ (فلان) ولي الله، الحسن (فلان) خيرة الله، الحسين (فلان) صفوة الله،» فذكر عدّة أسماء ينتظم حساب المعدود.

قال آدم: « فمحمد يا بنيّ، ومن خط من تلك الأسماء معه، أكرم الخلائق على الله جميعاً. »

ثمّ ذكر أنّ أبا حارثة سأل السيّد والعاقب أن يقفا على صلاة إبراهيم


الذي جاء (بها) الأملاك من عند الله عزّ وجلّ، فقنعوا بما وقفوا عليه في الجامعة.

قال أبو حارثة: لا بل شارفوها بأجمعها، وأسبروها فإنّه أصرم للعذور، وأرفع لحكمة (لحسكة) الصدور، وأجدر ألاّّ ترتابوا في الأمر من بعد علم، فلم يجد من المصير إلى قوله من بدّ، فعمد القوم إلى تابوت إبراهيم. وكان الله عزّ وجلّ يفضّله على من يشاء من خلقه، قد اصطفى إبراهيم عليه بخلّته، وشرّفه بصلواته وبركاته، وجعله قبلةً وإماماً لمن يأتي من بعده، وجعل النبوّة والكتاب والإمامة في ذريته، يتلقاها آخرٌ من أول، وورّثه تابوت آدم المتضمن للحكمة والعلم، الذي فضّله الله عزّ وجلّ به على الملائكة طرّاً، فنظر إبراهيم في ذلك التابوت، فأبصر بيوتاً بعدد ذوي العزم من الأنبياء المرسلين وأوصيائهم من بعدهم، ونظر فإذا بيت محمّد آخر الأنبياء، وعن يمينه علي بن أبي طالب آخذاً بحجرته، فإذا شكل عظيم يتلألأ نوراً فيه، هذا صنوه ووصيه المؤيد بالنصر.

فقال إبراهيم: « إلهي وسيدي من هذا الخلق الشريف؟. »

فأوحى الله عزّ وجلّ: « هذا عبدي وصفوتي الفاتح الخاتم، وهذا وصيه الوارث. »

قال: « ربي ما الفاتح الخاتم؟. »

قال: « هذا محمّد خيرتي وبكر فطرتي، وحجّتي الكبرى في بريتي، نبأته واجتبيته. إذ آدم بين الطين والجسد. إني باعثه عند (بعد) انقطاع الزمان لتكملة ديني، وخاتمٌ به رسالتي (رسالاتي) ونذري، وهذا عليٌّ أخوه وصدّيقه الأكبر، آخيت بينهما واخترتهما وصليت وباركت عليهما وطهّرتهما وأخلصتهما، والأبرار منهما وذريتهما، قبل أن أخلق سمائي وأرضي، وما فيهما من خلقي، وذلك لعلمي بهم وبقلوبهم، إني بعبادي عليم خبير. »


ونظر إبراهيم فإذا إثنا عشر عظيماً، يكاد تلالؤ أشكالهم لحسنها نوراً، فسأل ربّه جلّ وتعالى، فقال:« ربي نبئني بأسماء هذه الصور المقرونة بصورة محمّد ووصيه.»

وذلك لما رأى من رفيع درجاتهم، والتحاقهم بشكلي محمّد ووصيه، فأوحى الله عزّ وجلّ:« أمتي والبقيّة من بني فاطمة الصديقة الزهراء، وجعلتها مع خليلها عصبةً لذرية نبي هؤلاء، وهذان الحسنان، وهذا فلان، وهذا فلان، وهذه كلمتي التي أنشر بها رحمتي في بلادي، وبه أنتاش ديني وعبادي، ذلك بعد يأس منهم، وقنوط منهم من غياثي، فإذا ذكرت محمداً نبيي لصلواتك فصلِ عليهم معه يا إبراهيم.»

فعندها صلّى عليهم إبراهيم فقال: « ربِ صلِ على محمّد وآل محمّد، كما اجتبيتهم وأخلصتهم إخلاصا.»

فأوحى الله عزّ وجلّ: « لتهنك كرامتي وفضلي عليك، فإنّي صائر بسلالة محمّد، ومن اصطفيت معه منهم إلى قناة صلبك، ومخرجهم منك، ثمّ من بكرك إسماعيل، فابشر يا إبراهيم، فإني واصل صلاتك بصلاتهم، ومتّبع ذلك بركاني ورحمتي عليك وعليهم، وجاعل حسناتي وحجّتي إلى الأمد المعدودة، واليوم الموعود الذي أرث فيه سمائي وأرضي، وأبعث له خلقي لفصل قضائي وإفاضة رحمتي وعدلي.»

فلمّا سمع أصحاب رسول الله ( ص ) ما أفضى إليه القوم من تلاوة ما تضمنت الجامعة، والصحف الدارسة من نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصفة أهل بيته المذكورين معه بما هم به، وبما شاهدوا من مكانتهم عنده، ازداد القوم بذلك يقيناً وإيمانا واستطيروا له فرحاً.

ثمّ صار القوم إلى ما نزل على موسى، فألفوا في السِفر الثاني من التوراة:


« إنّي باعث في الأميين من ولد إسماعيل رسولاً، أنزّل عليه كتابي، وأبعثه بالشريعة القيّمة إلى جميع خلقي، آتيته حكمتي، وأيدّته بملائكتي، وجنودي تكون ذريته من ابنة له مباركة باركتها، ثمّ من شبلين لهما كإسماعيل وإسحاق، أصلين لشعبتين عظيمتين أكثرهم جدا جدا، يكون منهم إثنا عشر قيّماً أكمل بمحمد وما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني، وأختم به أنبيائي ورسلي، فعلى محمّد وأمّته تقوم الساعة.»

فقال حارثة: الآن أسفر الصبح لذي عينين، ووضح الحقّ لمن رضى به ديناً، فهل في أنفسكما من مرض تستشفيان به؟. فلم يرجعا إليه قولاً.

أبو حارثة: اعتبروا الأمارة الخاتمة من قول سيدكم المسيح، فصاروا إلى الكتب والأناجيل التي جاء بها عيسى، فألفوا في المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح:

« يا عيسى، يابن الطاهرة البتول، اسمع قولي، وجد في أمري، إنّي خلقتك من غير فحل، وجعلتك آيةً للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ فتوكل، وخذ الكتاب بقوّةٍ ثمّ فسّره لأهل سوريا، وأخبرهم أنّي أنا الله، لا إله إلاّ أنا الحي القيوم، الذي لا أحول ولا أزول، فآمنوا بي، وبرسولي النبي الأمّي، الذي يكون في آخر الزمان، نبيّ الرحمة والملحمة، الأول والآخر - أول النبيين خَلْقَاً، وآخرهم مبعثاً - ذلك العاقب الحاشر، فبشّر به بني إسرائيل.»

قال عيسى: « يا مالك الدهور، وعلّام الغيوب، من هذا العبد الصالح الذي قد أحبّه قلبي ولم تره عيني؟. »

-« ذلك خالصتي ورسولي، المجاهد بيده في سبيلي، الموافق (يوافق)


قوله فعله، وسريرته وعلانيته، أنزل عليه توراة جديدة (حديثة)، أفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صمّاً، وقلوباً غلفاً، فيها ينابيع العلم، وفهم الحكمة، وربيع القلوب، وطوباه طوبى أمته.»

-« ربي ما اسمه وعلامته، وما كلّ أمته (وما ملك أمته) وهل له من بقيّة - يعني ذريته - ؟؟»

-« سأنبئك بما سألت: اسمه أحمد، منتجب (منتخب) من ذرية إبراهيم، ومصطفى من سلالة إسماعيل، ذو الوجه الأقمر، والجبين الأزهر، راكب الجمل، تنام عيناه ولا ينام قلبه، يبعثه الله (كذا) في أمّةٍ أميّةٍ ما بقي الليل والنهار، مولده في بلد أبيه إسماعيل مكّة. كثير الأزواج، قليل الأولاد، نسله من مباركة صديقة يكون له منها ابنة، لها فرخان سيدان يستشهدان، جعل نسل أحمد منهما، فطوبى لهما ولمن أحبّهما، وشهد أيامهما فنصرهما.»

-« إلهي وما طوبى؟!»

-« شجرة في الجنّة، ساقها وأغصانها من ذهب، وورقها حلل، وحملها كثدي الأبكار، أحلى من العسل، وألين من الزبد، وماؤها من تسنيم، لو أنّ غراباً طار وهو فرخ لأدركه الهرم قبل أن يقطعها، وليس منزل من منازل أهل الجنّة إلاّ وظلاله فننٌ من تلك الشجرة.»

فلمّا أتى القوم على دراسة ما أوحى الله عزّ وجلّ إلى المسيح ( ع ) من بعث محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وصفته، وملك أمّته، وذكر ذريته وأهل بيته، أمسك الرجلان مخصومين، وانقطع التحاور بينهم في ذلك.

فلمّا فلج حارثة على السيّد والعاقب بالجامعة، وما تبيّنوه في الصحف القديمة، ولم يتم لهما ما قدروا


من تحريفها، ولم يمكنهما أن يلبسا على الناس في تأويلهما، أمسكا عن المنازعة من هذا الوجه، وعلما أنّهما قد أخطآ سبيل الصواب، فسارا إلى بيعتهما آسفين.

والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً

ونرجوا أن يعصمنا من الزلل والخطأ *

* * *

لقد اطّلع فضيلة خطيب الكاظمية المفوّه الأستاذ الشيخ كاظم آل نوح على بعض فصول الكتاب في أثناء الطبع، فقال: مؤرّخاً عام طبعه

قد تم طبع كتاب فذٍّ كامل

بحّاثة في عصرنا هذا اشتهر

ذاك السبيتي الذي في مزبر

قد خط ما في اللوح فيه واستطر

علاّمة بحّاثة في بحثه

لم يعره أبداً من البحث الضجر

متعمق في البحث يفلج خصمه

وهو الذي في العصر منه يفتخر

قد تم طبع كتاب آل محمّد

آرخ لآل محمّد حقّ ظهر


* لقد اعتمدنا في نقل حديث أهل نجران على عدّة نسخ، تحرّياً للصحّة والضبط، وقد رأينا بعض الاختلاف بين بعض الكتب، لذلك أثبتنا الكلمات التي اختلفت فيها بعض الكتب بين أقواس على أنّها نسخ بدل.


المصادر

الإقبال ابن طاووس

البحار المجلسي

تاريخ الطبري

صحيح مسلم

صحيح الترمذي

مسند أحمد

دلائل النبوّة أبو نعيم الحافظي

الصواعق المحرقة ابن حجر

أسباب النزول الواحدي

حقائق التأويل الشريف الرضي

عبقرية الإمام العقّاد

تاريخ الأدب العربي الزيّات

معجم البلدان الحموي

الكلمة الغرّاء السيّد عبدالحسين شرف الدين

ينابيع المودة سليمان البلخي

المستدرك الحاكم

فجر الإسلام أحمد أمين

تفسر الكشّاف الزمخشري

غرائب القرآن النيسابوري

أنوار التنزيل البيضاوي

نفحات الرحمان النهاوندي

التفسير الكبير الرازي

تاريخ اليعقوبي


عمّار بن ياسر للمؤلف

الدر المنثور للسيوطي

أنجيل يوحنّا

النصرانية والإسلام لويس اده


الفهرس

تصدير 1

نجران. 18

وفد نجران. 26

السمر 39

يوم المباهلة 54

أفضل الخلق. 64

المفسرون. 78

تعقيب.. 93

مؤتمر نجران. 114

المصادر 153