مقتل الحسينعليه‌السلام

أو الحسينعليه‌السلام عبرة المؤمنين

العلّامة السيد جواد شبّر



بسم الله الرحمن الرحيم

المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على نبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وعلى أنبياء الله المرسلين.

وبعد، فهذا كتاب « مقتل الحسينعليه‌السلام »، أو « الحسينعليه‌السلام عبرةُ المؤمنين » للخطيب العلاّمة المجاهد السيّد جواد شُبّر (جزاه الله عن الإسلام وأهل البيتعليهم‌السلام خير الجزاء).

هذا الرجل الربّاني الذي مزج العلم بالحلم، وقرن القول بالعمل، فكان بحقّ مصداقاً لقوله تعالى:( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ) (1) .

إنّ هؤلاء الرجال، الكبار في أهدافهم ونفسيّاتهم، تبقى لهم مزايا وخصائص ليست لغيرهم؛ فهم تحمّلوا من العناء بحجم أهدافهم، وقد ابتلاهم خالقهم على قدر إيمانهم، وقدر حرصهم على الرسالة الإلهيّة، قال تعالى:( ... وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا ) (2) ، ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ) (3) . وعن الصادقعليه‌السلام : « إنّ أشدّ النّاس بلاءً الأنبياء، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الأمثل فالأمثل »(4) .

لقد جسّد الخطيب المثالي السيّد جواد شبّر الأهداف الإسلاميّة العُليا بأوضح الصّور وأجلّ المعاني، وأعادَ إلى الأذهان نموذج الرجال الذين يحرصون على الأهداف الكبرى، ويعيشون لها لا عليها، وقد تبوّأ من أجل ذلك مكاناً عليّاً في القلوب والعقول(5) .

إنّ مواكب البطولة على محراب الخطّ التوحيدي كانت ولا تزال قافلة عشق متواصلة الخُطى نحو الكمال المطلق، وهي حاشدة عبر امتدادات الأرض وأعماق الزمن، تعجّ بالمُضحّين ممّن اختصروا المسافات ليهنوا بجوار الله في رَوح وريحان وجنّة نعيم.

____________________

(1) سورة الأحزاب / 39.

(2) سورة آل عمران / 141.

(3) سورة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله / 31.

(4) ميزان الحكمة 1 / 482.

(5) ومن أراد المصاديق على كلامنا فليسأل أهالي النجف الأشرف من رواد مجالسه العامرة، وكذلك أهالي الدجيل، والبصرة، وبعقوبة، وأهالي بغداد (الكرادة)، وكربلاء، والكوفة، وكذلك الأخيار في دولة الكويت وإيران وبيروت وغيرها.


مميّزات شخصيّته

لقد امتازت شخصيّة العلاّمة الخطيب السيّد جواد شبّر بعدّة مميّزات، نذكر أبرزها:

1 - الخوف والخشية من الله: يقول تعالى:( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (1) ، فالعالِم الحق هو الذي يخشى الله تعالى ويخافه في كلّ حركاته وسكناته، وأمّا مَنْ يفتقد الخشية فهو ليس بعالِم حتّى لو امتلك بحاراً من العلوم المختلفة؛ لذا يقول الإمام الصادقعليه‌السلام في تفسير هذه الآية الكريمة: (( يعني بالعلماء مَنْ صدّق فعلُه قولَه، ومَنْ لم يُصدّق فعلُه قولَه فليس بعالِم ))(2) .

ويقول أمير المؤمنين عليعليه‌السلام : (( أعظم الناس عِلماً أشدّهم خوفاً من الله ))(3) ، وعنهعليه‌السلام : (( لا عِلْمَ كالخشية ))(4) ، وعنهعليه‌السلام أيضاً: (( غاية العلم الخوف من الله سبحانه ))(5) .

إنّ الخشية من الله كانت صفة ظاهرة على كلّ حركات سيّدنا المعظّم، وقد أزال هذا الخوف الحقيقي من الله كلّ خوف آخر من قلبه؛ فهو لم يَخَفْ طول حياته أحداً إلاّ الله سبحانه، ويشهد على ذلك جهاده أيّام المدّ الأحمر الذي غزا عراقنا الحبيب، فكان السيّد جواد شبّر من أوائل المتصدّين للشيوعيّة المقيتة، والمروّجين لفتوى الإمام الحكيمرضي‌الله‌عنه التأريخيّة(الشيوعيّة كفر وإلحاد) (6) .

كما لا أنسى موقفه المُشرِّف من حادث اغتيال الحجّة السيّد مصطفى الخميني؛ فقد استدعاه الإمام الخميني العظيم للقراءة في مجالس الفاتحة التي أُقيمت على روحه الطاهرة في النجف الأشرف، وكأنّي بالسيّد الوالد وهو كالأسد الهصور يلقي من على منبر (مسجد الهندي) تلك الكلمات الحماسيّة المؤثرة في تلك الجموع الغفيرة من المُعزّين، ويشير إلى عظمة شخصيّة الإمام الخميني وقيادته الفذّة(7) ، ويوم ذاك لم يكن اسم الإمام الخميني قد

____________________

(1) سورة فاطر / 28.                                   (2) الكافي 1 / 36.

(3) غرر الحكم.                                          (4) المصدر نفسه.

(5) المصدر نفسه.

(6) لقد تعرّض السيّد جواد شبّر لعدّة محاولات لاغتياله وقتله بسبب مواقفه البطوليّة، وكان يحمل روحه على كفّه وهو غير مكترث بمؤامرات الجبناء.

(7) كنت آنذاك في النجف الأشرف، وقد حضرت مجالس الفاتحة التي أُقيمت على روح السيّد مصطفى، وكنت أتشرّف بالجلوس تحت المنبر الحسيني، ولا زالت كلمات الوالد عالقة في ذهني وهو يشير إلى الإمام الخميني الذي كان جالساً عند الباب يستقبل المعزّين، ويقول: ستعلمون أنّ هذا الرجل العظيم ماذا سيفعل بالدنيا!


اشتهر في إذاعات العالم كما حدث فيما بعد.

وقد حدّثني أحد تلاميذ الإمام الخميني الذي كان يقطن في المدرسة الشبّرية بأنّ الإمام قال لبعض مُقرّبيه: إنّ الخطيب الوحيد الذي يؤدّي الدور المطلوب في مجالس الفاتحة لمصطفى هو السيّد جواد شبّر. وهكذا يكون الخطيبُ الأكمل أخوف النّاس لله وأتقاهم؛ فيجعل الله له المنزلة العظيمة والكرامة المخصوصة، يقول تعالى:( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (1) .

2 - يعمل بِعلمه ويفعل ما يقول: يقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (( يا حملة القرآن، اعملوا به؛ فإنّ العالِم مَنْ علم ثمّ عمل بما علم، ووافق عملُه عِلمه ))(2) .

إنّ السيّد شبّر كان عاملاً بعلمه، ولم يكن الكاتم للعلم أو الباخل به، بل كان مُعلّماً للخير، ومُربّياً للناس، وناشراً لعلوم محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم)، ومصداقاً لـ «الأجود» الذي يشير إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديثه الشريف: (( ألا أخبركم عن الأجود الأجود؟ )).

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: (( الله الأجود الأجود، وأنا أجود ولد آدم. وأجودكم من بعدي رجل عَلِم علماً فنشر علمه، يُبعث يوم القيامة أُمّةً وحده، ورجلٌ جادَ بنفسه لله عزّ وجلّ حتّى يُقتل ))(3) .

ويقول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (( مَنْ نصب نفسه للناس إماماً فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من مُعلّم الناس ومؤدّبهم ))(4) .

لقد عُرف عن هذا الخطيب الجليل بأنّه كان يأتمر بالمعروف قبل أن يأمر به، وينتهي عن المنكر قبل أن ينهى عنه غيره، وكان يتّعظ قبل أن يعظ غيره؛ لذلك كان كلامه مؤثّراً جدّاً في جمهوره الذي لمس فيه روح الإخلاص والصدق، والمحبّة والأُبوّة؛ لذلك كان إذا خطب اشرأبّتْ له الأعناق، وشخصت الأحداق، وانقطعتْ الأنفاس، وسكنتْ الأجراس... يسيطر على الألباب، ويهيمنُ على المشاعر، وينفذ إلى أعماق القلوب ببليغ منطقه، وعذوبة اُسلوبه، وقوّة شخصيّته، وسِحْر كلماته، وحماسة إلقائه، ولذيذ إنشاده وإنشائه(5) .

____________________

(1) سورة النازعات / 40 - 41.                                  (2) نهج السعادة 2 / 102.

(3) الترغيب والترهيب 1 / 119.                                   (4) بحار الأنوار 2 / 56.

(5) معجم الخطباء 1 / 260 - 261.


وكان السيّد الغيور يشدّ على اُولئك المدّعين للتدين وهم أبعد الناس عنه، مُردّداً مع جدّه علي بن أبي طالب: (( كفى بالمرء غوايةً أن يأمر الناس بما لا يأتمر به، وينهاهم عمّا لا ينتهي عنه ))(1) ، (( أظهر الناس نفاقاً مَنْ أمر بالطاعة ولم يعمل بها، ونهى عن المعصية ولم ينته عنها ))(2) .

إنّ من أسباب مشاكلنا الكثيرة وتأخّر مجتمعنا هي تلك العلاقة المنافقة، حيث يشدّد الواعظون على غيرهم، ويخفّفون عن أنفسهم! الويل لكم يا علماء الشريعة! تحمّلون الناس أحمالاً باهظةً وأنتم لا تمسّوها بإحدى أصابعكم(3) ؟! قال تعالى:( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (4) ، وقال جلّ شأنه:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (5) .

3 - الجهاد في سبيل الله: يقول تعالى:( وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ) (6) ، وقال سبحانه:( يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) (7) .

ولما نهض سيّد الأحرار الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام ضدّ الظالمين خطب قائلاً: (( أيّها النّاس، إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: مَنْ رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عبادِ الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بقول ولا فعل كان حقّاً على الله أن يُدخله مَدخله ))(8) .

من هذا المنطلق كان يتحرّك الأستاذ السيّد جواد شبّر، يقارع الظلمة والطُغاة بلسانه الذي سخّره لخدمة دينه وعقيدته، وكان شعاره هذا البيت من الشعر الذي كتبه على غلاف كتابه

____________________

(1) مستدرك الوسائل 2 / 364.

(2) المصدر نفسه.

(3) هذا القول للسيّد المسيحعليه‌السلام .

(4) سورة البقرة / 44.

(5) سورة الصف / 3 - 4.

(6) سورة النساء / 94.

(7) سورة المائدة / 54.

(8) حياة الإمام الحسين - للقرشي 2 / 271.


الخالد «أدب الطفّ»:

وما فاتني نصركم باللسان

إذا فـاتني نصرُكم باليدِ

وكأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عنى أمثال هؤلاء بقوله: (( أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم والجهاد ))(1) .

فالسيّد جواد شبّر وقف مع العلماء الأعلام في تصدّيهم للظلم والانحراف؛ فكان اللسان الصادق، والمجاهد للمرجعيّة الرشيدة الواعية. ولا أنسى إشادته العلنيّة من فوق المنابر بشخصيّات علمائيّة تمثّل حجر العثرة أمام طموحات أنظمة الإجرام والخيانة...

ومن هؤلاء الأفذاذ المرجع السيّد محمّد باقر الصدرقدس‌سره الذي كانت تربطه علاقة وثيقة بالسيّد شبّر، فكان خطيبه في داره أثناء موسم شهادة باب الحوائج موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام ، كما إنّه كان يحثّ الشباب وبصورة علنيّة على الالتفاف حول الإمام الصدرقدس‌سره (2) . ولا أنسى تلك اللحظات السعيدة التي كان السيّد الصدر يزورنا فيها إلى بيتنا ليقدّم الشكر للوالد على قراءته.

ونتيجة للمواقف الجريئة للسيّد شبّر فقد اعتقله النظام المتفرعن لعدّة مرّات، وأذاقه ويلات التعذيب، فكنتُ أنظر إلى آثار التعذيب على ظهره ورجليه ويديه. وكان آخر اعتقال له في الشهر السابع من عام 1982 م، ولم يُعرف خبره لحدّ كتابة هذه الأسطر.

نسبه الشّريف

هو السيّد جواد ابن السيّد علي شبّر (1304 - 1393 هـ) ابن السيّد محمّد ابن السيّد علي ابن السيّد حسين ابن السيّد عبد الله شبّر (1188 - 1242 هـ) ابن السيّد محمّد رضا شبّر (المتوفّى سنة 1230 هـ - صاحب صلاة الاستسقاء) ابن السيّد محمّد ابن السيّد محسن ابن السيّد أحمد ابن السيّد علي ابن السيّد أحمد ابن السيّد محمّد ابن السيّد ناصر الدين ابن السيّد شمس الدين محمّد ابن السيّد محمّد ابن السيّد نعيم الدين ابن السيّد رجب ابن السيّد حسن «الملقّب شبّر» ابن الشريف محمّد بن أبي حمزة «الملقّب بُرْطلَّه» ابن العباس بن علي بن الحسين بن علي بن عمر بن الحسن الأفطس بن علي الأصغر ابن الإمام علي بن الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

____________________

(1) المحجّة البيضاء 1 / 14 (أخرجه أبو نعيم في فضل العالم).

(2) احتفظ بكاسيت مسجّل بصوت الوالد، وبحضور السيّد الصدر في أحد المجالس الجماهيريّة في النجف الأشرف.


أُسرته

آل شبّر من بيوت العلم والصلاح والشرف، عُرفت منذ قرون عديدة بالسيادة والفضل، وتميّزت بعدد كبير من رجالها الذين نبغوا في مختلف العلوم، كما إنّها تنحدرُ بنسبها إلى البيت العلوي الشريف، وتَصلُ سلسلة نسب أجدادها الأبرار بالإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

يقول البحّاثة جعفر آل محبوبة: آل شبّر أُسرة عراقية قديمة، وهي من أقدم الطوائف العلويّة القديمة في العراق، وأعرقها في العروبة، وأقدمها في الهجرة. كان مقرّها الأصلي في الحلّة الفيحاء، ولم تزل بقيّتهم بها حتّى اليوم، وبها عُرفتْ ومنها تفرّعتْ(1) . وذكرها النسّابة الشهير الداوودي في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب)، كما جاء ذكرها في (بحر الأنساب)، و(وشي النجف) وغيرها. أصل الأُسرة من مدينة الحلّة في العراق، وقد كانت لهم مكانة كبيرة ومرموقة في قلوب أبناء هذه المدينة. انتقل بعض أبناء الأُسرة إلى الكاظمية قرب بغداد، ونزح البعض إلى مدينة النجف الأشرف في حين آثر البعضُ البقاء في موطنهم الأصلي. أمّا سبب التسمية بـ «شبّر»(2) فهو لقب لجدّها الكبير السيّد الحسن ابن الشريف محمّد بن أبي حمزة المُلقّب بُرْطُلَّة.

وتفرّع من هذه الشجرة المباركة صفوة من العلماء والأُدباء، وأهل التقوى والصلاح، حيث امتلأتْ الكتب والموسوعات بذكرهم. ومن هؤلاء الأفذاذ العلاّمة الكبير السيّد محمّد رضا شبّر؛ فقد كان من علماء عصره الأعلام وفقهائه المشاهير، ومن أهل النسك والصلاح والتقوى وسلامة الباطن، وتُروى له بعض الكرامات الباهرة. ذكره الشيخ عبد النبي الكاظمي في تكملة نقد الرجال، فقال واصفاً له ولولده العلاّمة السيّد عبد الله شبّر بقوله: ثقتان، عينان، مجتهدان، فقيهان، فاضلان، ورعان، حازا الخصال الحميدة. ثمّ صرّح بأنّه تلميذهما، وأنّه قرأ عليهما واستفاد منهما(3) . وذكره السيّد محمّد بن مال الله بن محمّد معصوم القطيفي النجفي في

____________________

(1) الأُسر العلويّة - للبحّاثة جعفر آل محبوبة.

(2) لمّا وُلد الحسن بن علي قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام : (( ما سمّيتَه؟ )). قال: (( يا رسول الله، لم أكنْ لأسبقك باسمه )). فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( وأنا لم أكن لأسبق ربّي بذلك )). فنزل جبرئيلُ وقال: يا رسول الله، إنّ الله يُقرئك السّلام، ويخصّك بالتحيّة والإكرام، ويقول لك: (( إنّ عليّاً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون )). قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( وما اسمُ ابن هارون؟ )). قال: شبّر. قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (( هذا لسان عِبْري، وأنا لساني عربي، فما معناه؟ )). قال: الحسن. فسمّاه الحسن. (كتاب المناقب لابن شهر آشوب). ومن معاني شُبّر: الخير والعطاء والجود. شُبّر (لغةً): العظيم، يُقال شَبَّر فلاناً تشبيراً فتشبّر، أي عظّمه فتعظّم. (تاج العروس / 127)

(3) عن كتاب طبقات أعلام الشيعة - الكرام البررة - في القرن الثالث بعد العشرة - لشيخ الباحثين آقا بزرگ الطهراني - القسم 2 من الجزء 2، الناشر: دار المرتضى - مشهد - مطبعة سعيد - الطبعة الثانية / 1404.


رسالته التي ألّفها في أحوال أُستاذه السيّد عبد الله ابن السيد محمد رضا شُبَّر، ووصفه بقوله: سلالة العالم المحقّق، والماهر المُدقّق، مُستنبط الفروع من الأصول، ومرجع الدليل إلى المدلول، علاّمة الزمن، وحجّة الإسلام، مُحيي الليل بالعبادة.

ثمّ أضاف قائلاً:... قد شاهدتُ له فضيلة تفوق الفضائل: في سَنَة مُجدبة من السنين أمر الوالي سعيد باشا جميع أهل بغداد أن يصوموا ثلاثة أيام ويخرجوا للاستسقاء وطلب المطر، ففعلوا ذلك وخرجوا، وكان بعضُ السحاب في الجو، فلمّا دعوا انجلى السحاب وأشمست، وحُجبوا ورجعوا في خيبة وخجل.

وأمر السيّد محمّد رضا شبّرقدس‌سره أهل بلد الكاظمين بالصيام ثلاثة أيام فصاموا، وخرج مع جميع أهل البلد إلى مسجد (براثا) حافي الأقدام، مُبتهلاً إلى الله تعالى، ولم يركب دابّة مع أنّه عاجز عن المسير؛ حيث إنّه كان بديناً جسيماً حتّى دخل المسجد المذكور، وصلّى ودعا وبكى، فما أتمّ دعاءه حتّى انسدّ الفضاء بالسحاب، وأرعدت وأبرقت وصبّتْ مطراً سقتْ جميع أراضي العراق من نواحي بغداد وغيرها(1) .

هاجررحمه‌الله من النجف إلى الكاظميّة، فكان عَلَماً يُشار إليه في كلّ فضيلة، ورأس فيها، واشتغل بالتدريس والإفادة، وتخرّج عليه جماعةٌ منهم ولده الجليل السيّد عبد الله، وتوفي في حدود سنة 1230 هـ، فدُفن في رواق الكاظمينعليهما‌السلام في الحجرة المشهورة بالخزانة الواقعة على يمين الداخل للرواق من جهة القبلة، ودُفن معه من بعده ولده السيّد عبد الله المتوفّى سنة 1242 هـ.

أمّا السيّد عبد الله شبّر فقد استحوذ ذِكْرُه على بقيّة أعلام الأُسرة ورجالاتها، ولمع نَجْمُهُ واشتهر أمره، وبلغ صيته الآفاق الواسعة، ورزقه الله من العلم والمعرفة الشيء الكثير، وما تزال الأجيال ترفد منه وتنتهل من معينه الثّر رغْم مضي ما يزيد على قرنين من الزّمان على وفاته(2) .

ولدرحمه‌الله عام 1188 هـ في النجف الأشرف، وهو من أعاظم علماء عصره، وأحد علماء الشيعة الأكابر، وفقهاء الطائفة الأعلام، وحجج العلم وأساطين الشريعة الأجلاّء، ومن المؤلّفين المكثرين؛ ولكثرة ما صنّف وألّف فقد اشتهر بـ «المجلسي الثاني».

هاجر بصحبة والده إلى الكاظميّة، فتربّى على يديه وتلقّى العلم عنه، وعن المقدّس الكاظمي السيّد محسن الأعرجي صاحب (المحصول)، وغيره من شيوخ العلم وأساطين الدين، واُجيز من الشيخ الأكبر الشيخ

____________________

(1) هذه الكرامة نقلتها عن مقدّمة كتاب الأخلاق - للسيّد عبد الله شبّر.

(2) مجلّة الموسم العدد (1) - السنة1 / 1989.


جعفر كاشف الغطاء وغيره.

وقد برع العلاّمة شبّر في أكثر العلوم من الفقه والأصول، والحديث والتفسير، والفلسفة والكلام، واللغة والأدب والتاريخ وغيرها، وكان مرجعاً كبيراً في التدريس والفُتيا والقضاء، ونشر الأحكام وهداية الأنام.

وقد حظيقدس‌سره بعناية إلهيّة خاصة، وتوفيق عظيم من ناحية التأليف؛ فقد طرح الله البركة في وقته وعمله، فتمكّن من تأليف عشرات الكتب العلميّة الرّصينة القيّمة مع مشاغل زعامته ومرجعيّته. وقد سمعت من الوالد السيّد جواد شبّر بأنّ السيّد عبد الله ألّف خمسمئة كتاب ورسالة وبحث. توفّيرحمه‌الله بعد مضي ست ساعات مِن ليلة الخميس في شهر رجب سنة 1242 هـ عن أربع وخمسين سنة، ولمّا أصبح الصباح ماجت بلدة الكاظمين بأسرها، ووافى أهل بغداد من الجانبين، وكثر الصراخ والبكاء والضَجيج، وكان يوماً عظيماً مشهوداً، وحُمِلَ على الأعناق، وقد أرّخ الخطيبُ الشهير الشيخ كاظم آل نوح وفاةَ السيّد بقوله:

خَطْبٌ دهى فَراحَ عنّا راحِلا

اِبـنُ النبيّ الطاهر المُطهّرِ

وقد بكاهُ الدّين حُزناً أرّخوا

(قـد ماتَ عبدُ اللهِ اِبنُ شُبَّرِ)

1242

ومن أعلام الأُسرة الشبّرية العلاّمة الفقيه آية الله السيّد علي شبّر (والد المؤلّف)، هو ابن السيّد محمّد ابن السيّد علي ابن السيّد حسين ابن السيّد عبد الله شبّر.

والسيّد علي هو الأخ الأكبر للشهيد السيّد قاسم شبّر. ولد في النجف سنة 1304 هـ، وفيها تربّى ونشأ ودرس على أعلامِ عَصْرِه؛ فتتلمذ في الحكمة والكلام على الشيخ مرتضى الطالقاني، ودرس الفقه والأصول على الشيخ باقر الجواهري، وأتمّ دراسته العالية على المرجعين الكبيرين الشيخ محمّد حسين النائيني، والسيّد أبي الحسن الأصفهاني، وحاز منهم على شهادة الاجتهاد العالية وهو بعد في نضارة عمره. ثمّ تفرّغ للتدريس، فتسابق المُحصّلون والفضلاء للانتهال من علمه الجَمّ، واستمرّ بالتدريس عدّة سنوات حتّى سنة 1375 هـ حيث انتدبه مرجع عصره السيّد حسين البروجردي ممثّلاً دينيّاً للكويت، فسافر إليها يوم 23 ربيع الثاني سنة 1375 هـ، واستُقبل هناك استقبالاً كبيراً لدى شعب الكويت بالمحبّة والاعتزاز.

وفي عام 1384 هـ قامرحمه‌الله بإنشاء المدرسة الشبّريّة في النجف، وكان افتتاحها في ليلة 15 شعبان 1387 هـ باحتفال مهيب من أروع الاحتفالات التي شهدتها النجف، وشارك فيها مجموعة من العلماء والأُدباء، وقد خرّجتْ المدرسة هذه العشرات من العلماء والفقهاء،


وتولّى إدارة المدرسة والقيام بشؤونها الخطيب الكبير السيّد جواد شبّر نجل المؤسّس، فاهتمّ بإنشاء مكتبة فيها تحوي على أشهر الكتب وأندرها، وخصوصاً مخطوطات الأجداد والعلماء الماضين....

أمّا أبرز آثار السيّد علي شبّر فهي موسوعته الفقهيّة «العمل الأبقى في شرح العروة الوثقى»، وقد طُبعت بأربعة مجلّدات بين سَنَتي (1383 - 1393 هـ) وتقع في ألفي صفحة. انتقل إلى رحمة الله عصر الخميس في آخر يوم من شهر رجب سنة 1393 في الكويت، وشُيّع تشييعاً مهيباً قلّ نظيره، ونُقل إلى النجف الأشرف حيث دُفن عند جدّه عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام .

ومن رجال الأُسرة الأفذاذ العالم المحقّق، والقاضي الفاضل، والشاعر الأديب السيّد عبّاس شبّر. ولد في مدينة البصرة سنة 1322 هـ، نبغ في كثير من العلوم وهو فتى يافع، وكتب بعض البحوث، وبرز في الوسط الأدبي كشاعر موهوب يأتي بالأفكار المبتكرة، ونشرت له أُمّهات الصحف والمجلاّت.

تولّى منصب القضاء الشرعي في العمارة ثمّ في البصرة فبغداد فكان المثال الرائع للنزاهة(1) . له ديوان «جواهر وصور»، وديوان «الموشور». توفي ليلة الجمعة 8 شوال 1391 هـ، وقد شيّع في كلّ من البصرة والعمارة، والكاظميّة وكربلاء والنجف حيث مثواه الأخير.

ومِن علماء الأُسرة وشهدائها الأبرار آية الله المجاهد السيّد قاسم شبّر المولود عام 1308 هـ في مدينة النجف الأشرف، وكان وكيلاً في مدينة النعمانية من قِبل السيّد الأصفهانيرحمه‌الله ، ثمّ من قِبل السيّد الحكيمرحمه‌الله ؛ حيث جسّد بسلوكه المهذّب وخُلُقه العالي وجهاده الخلق الإسلامي وسيرة أجداده الطاهرين محمّد وآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ممّا جعله مَهوىً لأفئدة الناس فأحبّوه حُبّاً جَمّاً، واتّخذوه قائداً وأباً عطوفاً.

وقد وقف السيّد قاسم موقفاً مناهضاً من المدّ الشيوعي الأحمر، ثمّ مِن النظام المتفرعن؛ ممّا أدّى بالأخير إلى اعتقاله، ثمّ إعدامه في ليلة الخامس من شعبان من عام 1399 هـ والمصادف سنة 1979 م رمياً بالرصاص، ولم يُسلّموا جُثته لِذَويه، بل اكتفوا بمنحهم شهادة الوفاة... ولم يُعلم في أيّ مكان دُفِن.

ولادته ونشأته

ولد السيّد جواد في 13 جمادي الآخرة 1332 هـ في النجف الأشرف، وبها تَربّى ونشأ

____________________

(1) كتاب أدب الطفّ أو شعراء الحسين - للسيّد جواد شبّر 10 / 262.


ودرس واعتُقِل..

يقول صاحب مُعجم الخطباء(1) : وُلد خطيبنا المترجم في أحضان أسرة علمية ليكون خطيبها المفوّه، ولسانها المُعبّر؛ إذْ ليس في الأُسرة خطيب سواه، فهو الدرّة اليتيمة، والمفخرة العظيمة حتّى اختطّ ولده الأمين نهجه، وسلك طريقته في خدمة سيّد الشهداءعليه‌السلام .

نشأ وترعرع السيّد في أُسرة علميّة عريقة، فنهل مِن أبيه الذي نشأ وتربّى تحت رعايته، كما أخذ العلوم والمعرفة مِن علماء النجف الأشرف آنذاك. وإلى جانب دراسته التقليدية انتسب لمدارس منتدى النشر الحديثة، واجتازها بتفوّق حتّى أصبح من مدرّسيها الأماثل وأساتذتها الأفاضل، ثمّ شغل سكرتارية المجمع الثقافي للمنتدى المذكور. وبعد أن جمع بين الثقافتين التقليدية والعصرية اتّجه بكلّ طاقاته الخلاّقة وقدراته المتفوّقة إلى خدمة المنبر الحسيني الشريف، وكانت تراوده هذه الرغبة الملحّة منذ سنّه المبكّر حتّى حقق طموحه، ونبغ في تخصّصه، واحتلّ موقع الصدارة في الطراز المتميّز من خطباء المنبر الحسيني(2) .

خطابته

تعتمد شخصيّة الخطيب الحسيني المتفوّقة ثلاثة مصادر أساسيّة في بلورة الملكة الخطابيّة، ومقوّمات نجاحها، وعناصر تأثيرها في الجماهير:

1 - الموهبة والاستعداد الفطري: ويعتبر هذا المصدر القاعدة الصلبة لانطلاقة الخطيب وممارسة فنّ الخطابة.

2 - الكفاءة العلميّة والثقافيّة: حيث إنّ الموهبة الفطريّة مثلها كمثل الأرض الخصبة التي تحتاج إلى رعاية واهتمام لتعطي الناتج الجيد، وكذلك المواهب الإنسانيّة تحتاج إلى صقل وتنمية وتهذيب لتنمو وتنطلق وتبدع، وذلك باعتماد المنطق العلمي والثقافي أساساً متيناً وتوأماً شقيقاً للاستعداد الفطري.

3 - التزوّد برصيد كبير من الشعر والأدب العربي عموماً على أن يكون لأدب الطفّ حصة الأسد في ذلك الرصيد؛ حيث إنّ الشعر والأدب الحسيني يمثّل المادّة الخام والثروة الأدبيّة الكبرى التي يتحقّق معها تكامل الخطيب.

وتظافرت هذه الروافد والقنوات الثلاثة فشكّلت شخصية اُستاذنا الجواد الخطابية، فهو

____________________

(1) معجم الخطباء 1 / 284.

(2) معجم الخطباء 1 / 286.


الخطيب الموهوب، والعالم المثقف، والشاعر الأديب، جمع بين الشعر والخطابة، والتأليف والكتابة إلاّ أنّ سمته المميزة أنّه خطيب بالفطرة، وكأنّما يد المقادير صهرته في بوتقة، وسكبته في قالب أُعدّ خصيصاً لخطابة المنبر الحسيني؛ فهو ببزّته وقيافته، وهيئته وملامح شخصيّته لا بدّ أن يكون ركناً هامّاً في تاريخ المنبر الحسيني الشريف. أمّا اُستاذه الأوّل في هذا الفنّ المقدّس فهو الخطيب المغفور له الشيخ محمّد حسين الفيخراني، وأصبح مفخرة الأعواد التي إذا اعتلاها أدهش حتّى أساطين الفنّ وجهابذة الخطباء، واشتهر بأنّه خطيب المناسبات. وطالما سمعته يحثّ تلامذته بإصرار وتأكيد على وجوب تنوّع معارف الخطيب الحسيني واستعداده الكامل لتوقّع المناسبات المفاجئة، بأن يكون جاهزاً للحديث في مواجهة أيّ ظرف طارئ يقتضي الارتجال والتحدّث؛ فقد كان يركز هذه الفكرة، ويؤكّد علينا هذا الطرح، وخصوصاً في المدرسة الشبّريّة عندما يُقام احتفال لأحد طلاّبها عند تتويجه بزي أهل العلم، واعتماره العمّة الروحانية. وكأنّي أراه الآن وهو يخاطب الطلبة الحضور بلهجته المعهودة في إحدى تلكم الحفلات وهو يردّد أبيات الشبيبي:

آراؤكم لا السيوف البيض قام بها

لـله فـي الأرض تكبيرٌ وتهليلُ

أرست مَنار الهدى في كلِّ مملكة

هـذي الـعمائمُ لا تـلك الأكاليلُ

وطالما كان يردّد: العمامةُ تيجان العرب، والعمّة لباس الأئمّة، ويدعو إلى صيانتها واحترامها والالتزام بمقتضى حرمتها وقدسيّتها. ومن خصائص الاُستاذ الجواد كثرة استظهاره للشواهد الشعريّة، فلا تكاد تمرّ مناسبة أو تُحدّثه بحديث أو حكاية إلاّ واستشهد لك بروائع الأشعار وغرر المقاطع. ولعمري فإنّ من أمتع اللحظات وأسعدها تلك التي نجلس فيها إليه ونستمع حديثه الشيّق، وهو ينتقل بنا من بستان وارف إلى حديقة غنّاء من مُلحه وأدبه ونثره. وما يعلق ببالي الآن من تلك الجلسات قوله في عبد السّلام عارف عندما احترقت طائرته في الجو بمَنْ فيها، قال:

رأيتَ كيفَ اصطرعا

عـبد السّلام والـقدَرْ

هـبّتْ بـه عـاصفةٌ

مـنقدحٌ مـنها الشررْ

وكــوّرتْ طـائرة

كـما تـكوّرُ الأُكـرْ

ومـذْ قضى أرّختهُ

لقد مضى إلى سقرْ(1)

ومرّةً سألته: أبتاه، مُنذ كم وأنتم تقرؤون على الحسينعليه‌السلام ؟ فقال: أوّل مَرّة قرأتُ كان عمري تسع سنين فقط.

____________________

(1) معجم الخطباء 1 / 286.


وحدّثني (فرّج الله عنه) عن بعض مواقفه الخطابيّة الرائعة في بيروت عند عودته من إحدى سفراته التبليغيّة في موسم شهر رمضان المبارك، قائلاً: في كلّ عام وبمناسبة شهادة أمير المؤمنينعليه‌السلام يُقام احتفال جماهيري غفير في بيروت، تشارك فيه شخصيّات إسلاميّة ومسيحيّة، وتُنشَدُ القصائد والكلمات الأدبيّة بحضور رجال الفكر والأدب والسياسة، بالإضافة إلى حضور بعض الوزراء وأعضاء مجلس النوّاب، وتُخصّص الحكومة اللبنانيّة ساعتين لبث وقائع الحفل عبر الإذاعة.

يقول السيّد الوالد: فدُعيتُ إلى ذلك المهرجان الجماهيري الغفير... وبدأتْ فقراتُ الحفل الثرية بالأدب والثقافة والمُتعة... ومن تلك القصائد كانت رائعة الشاعر اللبناني الشهير رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي). يقول السيّد: وكانت آخر فقرة - قبل كلمتي - كلمة الإمام السيّد موسى الصدر، حيث أذهل الجمهور بكلماته الرائعة، ووصفه لعظمة أمير المؤمنينعليه‌السلام وصفاته الملكوتيّة، حيث انفجر الجمهور بالتصفيق والتشجيع والإعجاب. بعد ذلك تقدّم عريف الحفل الذي كان خطيباً مفوّهاً ولبقاً، وله قابليّة عجيبة في شدّ الجمهور، فأعلن بصوته قائلاً: أمّا الآن فتستمعون إلى كلمة خطيب العراق جواد شبّر....

يقول السيّد: فقمتُ إلى المنصّة، ولكن ماذا سأقول، وكيف أتحدّث بعد ما طال المقام بالجمهور، وبعد هذه الكلمات والقصائد الرائعة، وخصوصاً بعد كلمة الإمام الصدر؟! وقفت على منصّة الخطابة وقلتُ: أيّها الحفل الكريم... ما عساني أن أقول أو أتحدّث بعد ما أغنانا الإمام الصدر بكلماته العذبة... ما عساني إلاّ أن أتمثّل بقول الشاعر:

إذا جاء موسى وألقى العصا

فـقد بطل السحرُ والساحرُ

ما إن قرأتُ هذا البيت الشعري إلاّ وشعرتُ بالجمهور قد انفجر بالتصفيق الحاد... فقد أعاد هذا (الاُسلوب) الحيويّة والنشاط في الجمهور، وكأنّ الحفل قد بدأ لتوّهِ بمادّته الأُولى... ثمّ شرعتُ بالتعليق على كلمات السيّد الصدر في حقّ الإمام عليعليه‌السلام . وهنالك مجالس تأريخيّة للسيّد جواد شبّر كنتُ قد واكبتها معه ولا أنساها مطلقاً؛ منها المجلس السنوي الضخم الذي كان يُقيمه آية الله المرحوم السيّد نصر الله المستنبط بمناسبة شهادة الصدّيقة فاطمة الزهراءعليها‌السلام في وقت الضحى، حيث يكتظّ بالفضلاء وطلبة الحوزة، والعلماء الأعلام والمراجع العِظام؛ كالسيّد الخوئي، والسيّد الصدر، والسيّد الشاهرودي، والسيّد السبزواري، والسيّد عبد الهادي الشيرازي، والسيّد عبد الله الشيرازي وغيرهم... وكأنّي أنظر إلى هؤلاء مع الجمهور الغفير وكلّهم آذان صاغية لما يقوله السيّد جواد شبّر، ثمّ ينفجرون بالبكاء لمصائب الصدّيقة الشهيدة المظلومة.

ومن تلك المجالس التأريخيّة المجلس السنوي الذي يقيمه المرحوم الحاج صالح


الجوهرچي في مسجده في شارع المدينة صباح يوم شهادة زين العابدينعليه‌السلام ، حيث يكتظّ الجمهور النجفي للاستماع إلى حديث خطيبهم الشهير، ثمّ النظر إلى صورة رأس الحسينعليه‌السلام بالبكاء والنحيب. إلى غير ذلك من المجالس التأريخيّة في منزل الشيخ محمّد علي (أبو الزوالي)، ومنزل السيّد (فاضل زوين)، ومنزل السيّد (حسن الخرسان)، نسأل الله تعالى أن يعيد تلك الأيّام الخالدة.

تكريم السيّد للعلماء

علاقة السيّد جواد شبّر بالعلماء والمراجع علاقة إخلاص وحُبّ وإيمان؛ فقد كان اللسان الصادق للمراجع العظام الذين أحبوه ووثقوا به، وحثّوا الناس على الاستماع إلى مجالسه؛ فعلاقته الوطيدة معروفة لدى الجميع، خصوصاً بالمراجع الذين أتذكّر بأنّه كان يصطحبني معه في زيارتهم والجلوس معهم طويلاً، وهم: السيّد محسن الحكيم، والسيّد الخوئي، والسيّد الخميني، والسيّد الشاهرودي، والسيّد عبد الأعلى السبزواري، والسيّد عبد الهادي الشيرازي، والسيّد عبد الله الشيرازي، والشهيد الصدر، والسيّد عبد الكريم الكشميري، والسيّد السيستاني. ولا أنسى زيارته لشيخ الباحثين آقا بزرگ الطهراني صاحب كتاب الذريعة، حيث دخلتُ معه لزيارته قبل وفاته لليلتين، ولمّا ماترحمه‌الله قام السيّد الوالد يحثّ الناس على الاشتراك في تشييعه التشييع المهيب. وكنتُ أسير خلفه وهو يتجوّل على أصحاب المحلاّت في السوق الرئيس في النجف (سوق الكبير) فيقول لهم واحداً واحداً: اغلِق محلك وتعال لتشييع الذي خدم التشيّع ببحوثه. حتّى صار له موكباً مهيباً وتشييعاً عظيماً حتّى الحرم الحيدري المقدّس، فاعتلى السيّد المنبر وألقى تلك الكلمة الارتجاليّة العظيمة مُشيداً بالشيخ آقا بزرك الطهراني وبالعلم والعلماء.

وأتذكّر الأبيات الشعريّة التي ألقاها، وهي:

آراؤكم لا السيوفُ البيض قام بها

لـله فـي الأرض تكبيرٌ وتهليلُ

أرست مَنار الهدى في كلِّ مملكة

هـذي الـعمائمُ لا تـلك الأكاليلُ

حدّثني الوالد بعد مرور سنوات على هذا التشييع المهيب، وبعد اعتقاله الأوّل، قال: في سجن الأمن العامة ببغداد قال لي الجلاّد:... أتذْكُرْ كيف تشمّر بيديك وتصيح: هذي العمائم...، ثمّ تشير على غرفة (الكليدار) - وكان فيها المجرم عبد الحسين الرفيعي(1) - وتقول: لا تلك الأكاليل؟! ثمّ أخذوا بتعذيبي بالسياط على كتفيّ وظهري.

____________________

(1) مسؤول فرقة حزب البعث في النجف، وكان حاقداً على العلماء والمؤمنين، وعميلاً متملّقاً للنظام المتفرعن.


أمّا موقفه الشهم والنبيل عند وفاة العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني فقد حثّ الناس وأهل الأسواق، وبذل الجهود الحثيثة من أجل تشييع مهيب ولائق لصاحب موسوعة (الغدير).

وفعلاً قاد (فرّج الله عنه) الناس والجماهير بما فيهم طلبة العلوم الدينيّة من جامعة النجف الدينيّة في (حيّ السعد) إلى الحرم الحيدري الشريف، حيث ألقى بالمشيّعين تلك الكلمة الرائعة مُشيداً بجهود العلاّمة الأميني في بيان حقّ أمير المؤمنينعليه‌السلام في الخلافة، وبيان عظمته ورفع ظلامته.

أمّا موقف السيّد شبّر وجرأته في تأبين الإمام الحكيمرضي‌الله‌عنه (1) فلا يُنسى قط، ولا يُمحى من ذاكرة الزمن النجفي، يقول السيّد حسن الكشميري - أحد تلاميذه -: عندما توفي المرجع الكبير السيّد البروجرديقدس‌سره اعتلى الخطيب السيّد جواد شبّر المنبر في تلك الجموع الغفيرة من الجماهير التي خرجت بمسيرات ضخمة ومواكب حداد، فألقى في الجماهير خطاباً عظيماً، أشاد بالمرحوم المرجع البروجردي، ثمّ بيّن عظمة الإمام الحكيم مُشيداً بدور مرجعيّته وجهاده، ومواجهته لحركاتِ الإلحاد والانحراف؛ ممّا أدّى بالكثيرين إلى الرجوع إلى قيادة السيّد الحكيم المرجعيّة.

ويقول السيّد الكشميري: تعرّض السيّد جواد إلى محاولتين للاغتيال مِن قبل الشيوعيّة، وكنتُ معه فيها:

الاُولى: بين الشامية وأبي صخير.

الثانية: بين الكفل والنجف.

____________________

(1) كانت وفاة الشيخ الأميني قبل مرور أربعين يوماً على وفاة المرجع السيّد الحكيم سنة 1970 م؛ لذلك كان المشيّعون يردّدون:

فَـجَعَتْنا نُوَبُ الدّهـ

ـر فسالتْ كـلّ عَينْ

أعلى المحسن نبكي

أم عـلى عبد الحسينْ

يا مصاباً طبّق الكو

نَ وأشـجى الـخافقينْ


حيث تعرّضَتْ سيّارته إلى هجوم شرس نجا منه بأُعجوبة(1) .

تواضعه

التواضع خُلُقٌ كريم، وخلّة جذّابة تستهوي القلوب، وتستثير الإعجاب والتقدير، قال تعالى مخاطباً نبيّه الأكرم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله :( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) .

وقد أشاد أهل بيت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله بشرف هذا الخلق، وشوّقوا إليه بأقوالهم الحكيمة وسيرتهم المثاليّة. يقول الصادقعليه‌السلام : (( إنّ في السماء ملكين موكّلين بالعباد، فمَنْ تواضع لله رفعاه، ومَنْ تكبّر وضعاه ))(3) .

إذا عَظُمَ الإنسانُ زاد تواضعاً

وإنْ لَـؤُمَ الإنسانُ زاد تَرفّعا

إنّ كلّ مَنْ عرف السيّد جواد شبّر يلحظ بوضوح صفة التواضع لله وللأئمّة والعلماء والناس؛ وذلك بالاستجابة للخدمة الحسينيّة أينما كانت. وقد ذكرتُ صوراً من ذلك للأخ السيّد داخل - أحد تلاميذ الوالد - فدوّنها في كتابه (معجم الخطباء)(4) قائلاً: ومن خصاله وميزاته أنّه كان بغاية التواضع في الخدمة الحسينيّة، فهو لا يردّ أحداً يدعوه ولو كان متواضعاً في حاله ومحلّه، فقد يُدعى إلى مناطق نائية وعرة الطريق صعبة الوصول ومع ذلك يتجشّم العناء ويصل ويرقى المنبر ويؤدّي خدمته. فقد دعاه ذات مرّة أحد الحمّالين البسطاء في النجف للقراءة في بيته المتواضع بمناسبة شرائه، فسأله السيّد عن موقع بيته، فقال: في منطقة الجدول، وهي من المناطق المنهكة الوصول، فقد استأجر السيّد عربة تجرّها الخيول كما هو المألوف هناك، وصحبه ولده السيّد أمين والدليل صاحب المجلس. يقول ولده الأمين: حتى وصلنا إلى أعماق الجدول، وانقطع الطريق على العربة وضاق فلا يتّسع لمرورها؛ فترجّلنا ومشينا على الأقدام مسافة طويلة حتى وصلنا إلى بيت الرجل، وهناك رقى السيّد المنبر وبارك البيت وأهله بكلّ فرح وسرور، ولم يبدو عليه أيّ تذمّر برغم التعب والوعثاء، ثمّ عاد بعد فراغه معتزّاً بخدمة الحسين وإدخال السرور على قلب ذلك الإنسان المتواضع وهو الخطيب الذي يصقع الأسماع، ويدهش العقول بمجالسه الجماهيريّة الحاشدة في بغداد والبصرة، والنجف

____________________

(1) نقل الحديث عن الكشميري الأخ الشيخ حمزة الخويلدي في تاريخ 2 ربيع الثاني 1415 هـ.

(2) سورة الشعراء / 215.

(3) الكافي - أخلاق أهل البيت / 36.

(4) معجم الخطباء 1 / 291.


والدجيل، والخليج ولبنان وغيرها من البلاد الإسلاميّة.

ومن معتقداته الحسينيّة أنّ أطهر الأموال وأنقاها وأبعدها عن الشبهة تلك التي تصله عن طريق خدماته الحسينيّة؛ فقد كان لا يطعم أولاده وعائلته إلاّ منها، معرضاً عن موارده الأُخرى كإيجارات البيوت التي كان يمتلكها. يقول ولده السيّد الأمين: كنت أصحب والدي إلى السوق لنتبضّع بعض احتياجاتنا اليومية، فأراه يُخرج كيساً خاصاً يدفع منه اللوازم البيتية، فسألته: أبه، ما هذا الكيس؟

فقال والدي: هذه أموال خالصة من الحسينعليه‌السلام أنا اُطعمكم منها ليكون منبتكم ودمكم ولحمكم من المال الحلال بلا أدنى شك أو شبهة؛ لأنّي لم أشترط على أحد عوضاً، ولم اُساوم أو اُماكس على تقديم خدمتي، وإنّما هم يدفعون لي عن طيب نفس، وهم راضون مرضيّون.

الفارس في ميدان الشعر

من المواهب التي حَضِيَ بها السيّد جواد شبّر هي موهبة الشعر؛ فكان ينظم الشعر ويقوله في عدّة مناسبات، أمّا حافظته للقصائد الكثيرة والمتنوّعة واستشهاده بالأبيات المناسبة فشيءٌ قَلّ نظيره.

وأتذكّر في أحد المرّات كان مدعوّاً في بيتنا بعضُ الشعراء والأُدباء، فسأله الأديب الوجيه محمّد علي الحكيم: سيّدنا، كم تحفظ مِن الأشعار؟ فقال السيّد: كم تُخمّن؟ قال: عشرة آلاف بيت. فقال له: قُل: مئةِ ألف ولا تخشى. وقد نشرت له عدّة صحف ومجلاّت قصائد رائعة ومُعبّرة؛ كمجلّة الإيمان، ومجلّة النجف، والأضواء، ومجلّة العرفان اللبنانيّة، وجريدة الهاتف وغيرها.

كما إنّ للسيّد ديوان مخطوط ليس بأيدينا الآن، ولكنّه محفوظ بحفظ الله إن شاء تعالى، وهذه بعض الزهور اخترتها من روضته الشعريّة الغَنّاء:

1 - قصيدة بعنوان (طفلتي)، ويقصد بها أُختنا الكبيرة العزيزة (أُمّ حوراء)، نشرها في كتابه (إلى ولدي)(1) :

عـوّذيها عـن الـعيونِ بنشره

واحـمليها مـا بينَ نهديكِ زهره

ودعـيها تـحسُّ مـنكِ بعطفٍ

يـملأ الـقلبَ فـرحةً مستمرّه

اطـبعي قـبلةً عـلى ناظريها

واحذري الخدَّ إنَّ في الخدِّ جمره

____________________

(1) إلى ولدي / 45.


نـضّدي شعرَها لتبصرَ عيني

روعةَ الحُسنِ نظرةً إثرَ نظره

اعـقديه تـاجاً على مفرقيها

وإذ زادَ رصّـفي مـنهُ وفره

دغـدغيها لـكي تـقهقه حتّى

تستثيري هوى فؤادي وشِعره

دغـدغيها وأنـت أُمٌّ وأدرى

إنّ ضحكَ الوليد يوحي المسرّه

ضـحكة الطفلِ لا تَصنُّعَ فيها

وكـذا كلّ ما نرى منهُ فِطره

هـدهديها بـنبرةٍ عـند نومٍ

ثـمّ مـيلي فـهدهديني بنبره

ضمّدي قلبيَ الجريحَ احتسابا

واجـعـليها لـوالديكِ مـبرّه

2 - قصيدة (ذكريات مصطاف) نشرت في مجلّة العرفان:

يـا ربـوةَ الـشام يا رمزَ المسرّاتِ

عـلـى لـيـاليكِ آلافُ الـتحيّاتِ

مـلأتِ عـاطفتي لَـطفاً وقد طفحت

كـأسي بـها فـاستفاضت أريحياتي

مـهما اتّـجهتُ رأيتُ الحسنَ منتثراً

في الوردِ في الناسِ في جمعٍ وأشتاتِ

تـنفّسَ الـقلبُ مـن آلامـهِ ورمى

عـنهُ قـيودَ مـحيطٍ غـاشمٍ عاتي

هـذي الـطبيعةُ بالبشرى تصاحبني

وفـي الأصـيلِ تُـحيّيني بـلذّاتي

قـرأتُ فـي وجـهكِ الفتّان منظرَه

لـلـحُسنِ أبـدعَ إعـجازٍ وآيـاتِ

تـدفّقَ الـماءُ فـي نـهدَيكِ مـتَّشياً

كـعـقدِ درٍّ عـلى نـحرٍ ولـبّاتِ

* * *

لـطفٍ كـما تشتهيهِ النفسُ دبَّ على

شـغافِ قـلبي فـخفّت مـنهُ أنّاتي

شـلاّلكِ الـعذب من عالٍ يسحُ على

رضــراضِ درٍّ بـأنـغامِ مـلذّاتي

كـأنّ مـجراهُ فـي قـلبي ورقّـته

من رقّةِ الروحِ أو من لطفِ «أبياتي»

نـسائمٌ عـانقتني بـعدما رقـصت

فصلاً مع الوردِ يسبي الذاهبَ الآتي

وداعـبـتني لـكن بـعدما عـبثتْ

فـي نـهدِ خودٍ وفي أعطافِ غاداتِ

سـاعات اُنـسٍ أرى بـخساً بقيمتها

لـو قـلتُ أفـديكِ يا تلكَ السويعاتِ

مـاذا لـقي الـعمرُ من جرّاءِ طيلتهِ

فـي عـالمٍ مـا بـهِ غيرَ الكدوراتِ

يا ربّ إن كان في الدنيا الجنان كذي

فـكم بـدارِ الـبقا روضـاتِ جنّاتِ

جـاءَ الـربيعُ فـهاجت ذكرياتك لي

عـهود أنـسٍ عـلى تلكَ النطاقاتِ

وعـالماً مـن جـمالِ اللهِ صـوّره

لـكي يـرى خـلقه بعض العناياتِ

تـموّج الـحسن في زاهي شوارِعها

وافـتـرَّ مـبتسماً ثـغرُ الـجماداتِ

هـذا الـرصيفُ أطارَ الحُسنِ طرّزه

وذاكَ يـطـفو بـأقـمارٍ وهـالاتِ


على الرصيفينِ والأشجارُ مائلةً

مـاسَ الـجمالُ بنهدٍ بارزٍ آتي

بـدا كـرمّانُ «سوريّا» موردةً

قـانٍ وأبـيضهُ مـجلوّ مـرآةِ

توسّطت «بردى» تنسابُ صافيةً

وذوّبـت بـرقيقِ الجري آهاتي

3 - وله قصيدة بعنوان (تحيّة شاعر)، موجهة إلى الشاعر القروي رشيد سليم الخوري:

يـا زهرةَ الجيلينِ بل يا ملتقى الـ

ـفكرينِ ذا مـاضٍ وهذا آتِ

أحسنتَ بل أبدعتَ في اُغرودةٍ

مـنضودةِ الإيـقاعِ والكلماتِ

داعـبتَ أوتـارَ القلوبِ بنغمةٍ

رقّـت وفـاقت أبدعَ النغماتِ

تـطفو عـليها مسحةً روحيةً

فـكأنّها مـن جـملةِ الآيـاتِ

أفهلْ ترى كلماتِ عيسى أُنزلت

أو أنّ مـوسى جـاءَ بالتوراةِ

أو قبسةٌ من نورِ أحمدَ أشرقتْ

فـانجابتِ الدنيا عن الظلماتِ

* * *

يا شاعرَ الجيلينِ بل يا ملتقى الـ

ـروحينِ أحـمدَ والمسيح

صـرّحت عـن رأي وعقـ

ـل الـمرءِ بـالرأي الـصريح

يـا شاعرَ الفصحى وما

لئ عـصـرنا أدبـاً فـصيح

يـا نـاظمَ الـغيدَ الـملا

ح ونـاثـرَ الأدبَ الـمـليح

بـصـبـاحةٍ مـجـلـوّة

هـنّئتَ بـالوجهِ الـصبيح

* * *

يـا شـاعرَ الجيلينِ يا ملتقى الـ

ـبحرينِ بحرُ عُلاً وبحرُ معاني

حـلّق وأطـلق للخيالِ عنانه

فـلأنتَ فـينا فـارسُ الميدانِ

وأَجِـلْ خـيالكَ في سما آفاقِنا

لـتحقّقَ الآمـالَ في الجولانِ

خضنا بحورَ الشعرِ لكن بحرك الـ

ـزخّارُ بـالآلاءِ والـمرجانِ

وتـراقصت أوزانُـهُ فتمايلت

هـذي الـقلوبُ برقةِ الأوزانِ

فـاسلم ودم فـينا رشيداً سالماً

بـأعزّ حـصنٍ شامخِ البنيانِ

4 - وقال في تأبين شيخ الخطباء (الشيخ محمّد علي اليعقوبي):

حـياتك كـلّها غـيثٌ عميمُ

ولـفـظكَ كـلّهُ درٌّ نـظيمُ

ونـثركَ يـملأ الأجواءَ طيباً

كـأنّ حـروفهُ عـطرٌ شميمُ

مربّي الجيلَ أنتَ وكان حقّاً

رثـاؤكَ أيّها الرجلُ العظيمُ

تذيعُ على الورى ستّينَ عاماً

دروسـاً نـهجها جزلٌ قويمُ


وأنّـكَ خـالدُ الـذكرى ويـبقى

حـديثكَ تـستطيبُ بـهِ النسيمُ

أبـا الأعـوادِ والـحكمِ اللواتي

تـمثّلَ فـيهما الأدبُ الـصميمُ

تَـرِفُّ عـلى روائـعها قـلوبٌ

لـرقّـتها ويـهـتزُّ الـجـسومُ

رأيـتكَ تـسحرُ الألبابَ وعظاً

فـكانت فـي يـديكَ كما ترومُ

وآلافُ الأنـامِ إلـيكَ تـصغى

ووجـهكَ لاحَ مـطلعُهُ الـوسيمُ

ودوّى صـوتكَ الـمرهوب فيها

كـأنّكَ فـي الـلقا أسـدٌ هجومُ

وقـد ضـاقَ المكانُ بهم فضلّتْ

عـلـى مـرآكَ أرواحٌ تـحومُ

مـواقفُ لـستُ أُحـصيها بعدٍّ

على الدنيا وهل تُحصى النجومُ

* * *

أبـا الأعوادِ منبركَ المرجّى

لـنفعِ الـناسِ يعلوهُ الوجومُ

فـهل أسـندتهُ لـفتى أبيٍّ

وهـل أحـدٌ يقومُ بما تقومُ

فمَنْ لشبابِ هذا العَصْرِ يهدي

إذا عصفت بفكرتهِ السمومُ

تُـجاذبهُ العواملُ ليس يدري

عـلى أيّ الـمبادئ يستديمُ

وجـاءت موجةُ الإلحادِ يقفو

خطاها الشرُّ والخطرُ الجسيمُ

أيا خطباءَ هذا العصرِ جدّوا

فـما بـلغَ المرامَ فتى تؤومُ

فـإنّ منابرَ الإسلامِ عطشى

إلى خـطباءِ زانتهم علومُ

تُـتـوّجهم عـقولٌ نـيّراتٌ

يـكون سنادها الذوقُ السليمُ

ويـمزجهم بهذا الشعبِ ذوقٌ

كـما امـتزجَ المنادمُ والنديمُ

وإنّ شعارها الإخلاصُ مهما

تـجاهلت الأسافلُ والخصومُ

لـيلمسَ منكمُ الشعبُ انطلاقاً

إلى اُفـقٍ جلت عنهُ الغيومُ

كفاكُمْ حربَ جسّاسٍ وصخرٍ

وما تبكي الطلولُ أو الرسومُ

فـما في عصركم قتبٌ وكورٌ

ولا سـلعٌ وربـعٌ والـغميمُ

أروهم حلوةَ الإسلامِ تزهو

جـوانـبهُ ومـنبعهُ الـعميمُ

وذا قـرآنـكمْ فـيهِ كـنوزٌ

يـحيرُ بوصفها اللبُّ الحليمُ

وكـان بـهِ اكتشافٌ وارتقاءٌ

وكـان بهِ الصراطُ المستقيمُ

أطـبّاءَ النفوسِ وهل رضيتم

لـمجتمعٍ يـعيثُ بهِ السقيمُ

وذي جـذواتكم تخبو ويبقى

يـسودُ بـجوّنا الفكرُ العقيمُ


فـكونوا للمنابرِ صوتَ حقٍّ

وسـيفاً لـيس يـعروهُ ثلومُ

خطيبُ القومِ أرجحهم كمالاً

خـبيرٌ بـالسقامِ بـهِ عليمُ

يكوَّن من شظايا القلبِ وعظاً

كأنّ عظاتهُ جمعت كلومُ(1)

5 - قال في ذكرى مولد سيّد الشهداء الحسينعليه‌السلام :

باسمِ الحسينِ حلتْ لنا الأشعارُ

وسـمتْ بـفضلِ سموّهِ الأفكارُ

وتـنـبّهتْ آمـالُنا وتـفتّحتْ

فـرحاً كـما تـتفتّح الأَزهـارُ

وتـبسّمتْ دنـيا السّرورِ مليئةً

بـالمبهجاتِ وأشـرقت أنـوارُ

وتـباشرت حورُ الجنانِ وهلّلتْ

لـجمالِ طـلعةِ وجههِ الأنظارُ

هـذي الـثغورُ يحفّها استبشارُ

والـحفلُ يـعبَقُ نشرهُ المعطارُ

لـمّا أبـو الأحرارِ أشرقَ نورُه

أضـحت لـهُ تتباشرُ الأحرارُ

طـافَ الهَناءُ يُديرُ كأسَ مديحه

وتـعـلّلت بـحديثهِ الـسمّارُ

اِسـمُ الـحسينِ وما ألذَّ حروفَه

فـكأنّهُ الـشهدُ الـحَلالُ يُـدارُ

ذكـرى إبـائَك عـزّةٌ وفخارُ

درسٌ بـهِ تـتحدّثُ الأعصارُ

أما روى الراوون بعضَ فصوله

راحـت فـلاسفةُ الزمانِ تُحارُ

وتـيقّنوا أنّ الـحسينَ ونـهجَهُ

لا جـورَ يـحكمهُ ولا استعمارُ

عـلّمتنا مـعنى الحياةِ بموقفٍ

فـيهِ تـمثّلَ عـزمُكَ الـجبّارُ

وأريـتنا أنّ الـمماتَ سـعادةٌ

ولـدى المهانةِ ترخصُ الأعمارُ

خـلّدتَ يعربَ مذْ عقدتَ لهامها

تـاجاً عـليهِ مـن عُلاكَ وقارُ

وكـسوتها حـللَ الخلودِ وإنّها

لا الـعصرُ يـبليها ولا الأدهارُ

إنْ مـرّ ذكرٌ للحسينِ تمثّل الـ

إعـظامُ والإجـلالُ والإكـبارُ

وإذا ذكـرتَ يزيدَ تبصرُ كومةً

مـن فـسقهِ يـطفو عليهِ العارُ

الـحقّ إشـعاعٌ يـلجُّ ضـياؤه

عـبرَ الـقرونِ ونـورهُ سيّارُ

فـبكلّ قـلبٍ نـبرةٌ لـشعورِه

وبـكلّ نـفسٍ رنّـةٌ وشـعارُ

أكـذا يـدومُ الـحقُّ في أبطاله

أكــذا تـخلّدُ آلـهُ الأطـهارُ

____________________

(1) ذكر الاُستاذ شبّر في كتابه ( أدب الطفّ 10 / 142 ) أنّ هذه القصيدة قالها في رثاء الشيخ كاظم نوح، بينما ذكرت مجلّة الإيمان في عددها الخاص بالشيخ اليعقوبي ص31 أنّها في رثاء اليعقوبي، وإنّي أرى لا مانع من تكرارها في الشخصيّتين وإن نُظمت في إحداهما، والأقوى أنّه الشيخ كاظم نوح.


هـذا الـحسينُ ضريحهُ نوّارُ

عـكفت بـعتبةِ بـابهِ الزوّارُ

فـبكلّ نـفسٍ روعـةٌ لجلالِه

وبـكلِّ قـلبٍ مـرقدٌ ومزارُ

تـسمو على فلكِ السماءِ قبابه

ويـشعُّ لـلقصّادِ مـنهُ مـنارُ

وتـحطُّ تـيجانُ الملوكِ ببابه

ولـها ملاذٌ في الحمى وجوارُ

تـنهارُ أعماقُ القرونِ وذكرُه

بـاقٍ فـلا يـبلى ولا يـنهارُ

يا زمرةَ الجيلِ الحديثِ تيقّظوا

لـمصيركم خُلقَ الزمانُ مهارُ

هدفُ الحسينِ عليه نبني مجدنا

وبـضوءِ نهضتهِ لنا استبصارُ

الـدورُ دوركمُ خذوا بنصيبكمْ

مـن قبل أن تتصرّمَ الأعمارُ

6 - قصيدة رائعة في مولد الرّسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله بعنوان (أسرار المولد):

يـا محفلَ الذكرى لسيّد البشر

أذع فـتاريخكَ تـاريخٌ أغـر

فـإنّما الـمولودُ فـيكَ أحـمدٌ

مَـن حرّر العقلَ وأطلقَ الفكر

أذع فـهذا الـمنقذُ الأكبرُ والـ

مـشرّعُ الأعظمُ والأبُ الأبر

شـعّ عـلى الـعالمِ نورهُ فذا الـ

ـتمدينُ من لئلاءِ عقلهِ ازدهر

لـقد سما بالعربِ حتّى أذعنت

مـمالكُ الأرضِ لهم بحراً وبر

وطـأطـأت تـواضعاً لـعزّه

جـباهُ قيصرٍ وكسرى والخزر

بجنبكَ «الإيوان» فاحفِه الخبرْ

حقّاً ترى عند «جُهينة» الخبر

قـف وانظر الشقَّ بجنبهِ غدا

آيـةَ إعجازٍ على مرِّ العُصر

سـله وسـائل شـرفاته ففي

صـموته تـقرأ أفصحَ العبر

لأيّ أمـرٍ حـلّ تـنشقّ ومن

قـلّصَ ذلـك النعيمَ والبطر

ونـار فـارس خبت ألم تكن

مُذ ألف عامٍ قد تقادحت شرر

سـمعاً أبا العُرب وتاجها الذي

كـوّنَ مـنهم أُمّـةً ذات خطر

وزجّـها نـحو الـخلودِ عاقداً

لـها لـواءً رفّ فـوقهُ الظفر

وانـتشلَ الـعالمَ مـن تدهورٍ

يـؤولهُ الـلاتَ ويـعبدُ الحجر

وبـاعثاً دستورَ حقّ يكفِ للـ

سـعادةِ الـكبرى بآياتٍ غرر

لأنـتَ نـعمَ الحظّ قد كنت لها

لـكننّا بـئسَ الـعشير والنّفر

يا صاحبَ النورِ أضعنا مبدأً

يـمشي مع العقلِ سموّاً وكبر

تـنـاوحتنا طـغـمةٌ أجـلّها

لـو قـلت أنّـها حثالةُ البشر

يـضيمني أنّ يـدي تـعافني

وأنّ غيري نالَ في يدي الوطر


ما كنتُ بالمأسوفِ لو أنّ أخي

يـدري إلى أينَ وأينَ المستقر

ولا الـمضام لـو تماسكت إذا

مـا قـيلَ لي أنّ أخاكَ قد عثر

يـا وتـر الساسةِ كم تطربهمْ

أجل وضرب العودِ يقطعُ الوتر

يا محفلَ الذكرى أبن لمَنْ وعا

مـقامَ طه في الحديثِ والسور

عـلّمهمُ الـغايةَ مـن تـذكاره

وسـرّ هـاتيك الرموز والدرر

أكـان يُـعلي قـدرهُ وشـأنه

بـعد ثـناءِ اللهِ شعرُ من شعر

بـموجةِ التصفيقِ يسمو شأوهُ

وبـالوفودِ زُمـراً إثـر زمر

ذي روح أحمدٍ وقد رفّت على

حـفلكمُ تـطلبُ جـوهرَ الأثرْ

ترى أضعنا الروحَ من أعمالنا

وأنّـنا قـد اجـتزينا بالصور

يـا خـابطَ السير تبصّر حسناً

سـيركَ مـعوجّ فكرّر البصر

الـفخرُ أن يُـقالَ شـقّ للعلا

طريقهُ ما الفخرُ عاث أو سكر

وطـالباً إصـلاحنا كـفى بأن

نـأمنَ منكَ الاعتداءَ والضرر

هـذي تجاربُ الحياةِ قد قضت

أن نكتفي لا نبتغي خيراً وشر

7 - وله غديريّة ألقاها في احتفال (منتدى النشر) في النجف عام 1363 هـ:

لـمَنْ الـحفلُ رائـعاً يـتلالا

يـزدهي مـنظراً ويزهو جمالا

ولـمَنْ هـذهِ الـروائعُ تُـتلى

والأنـاشيدُ بـاسمِ مَـنْ تتولّى

قـيلَ قـد توّج الوصي وهذي

بـهجةُ الـتاجِ زانتِ الاحتفالا

وانـتشقنا طـيبَ الـولايةِ منه

وسـعـدنا بـنـعمةِ اللهِ حـالا

واهـتدينا بـنورهِ مـذ تـجلّى

بـسماءِ الـدينِ الـحنيفِ هلالا

وعـلى مشرع (الغديرِ) احتسينا

فـي كـؤوسِ الولا نميراً زلالا

وجـديرٌ هـذا الـشعورُ بـيومٍ

فـيهِ ديـنُ الإلـهِ تـمّ كـمالا

رنّـةُ الوحي في المسامعِ دوّت

تـملأ الـنفسَ هـيبةً وجلالا

بـلّغ الـناسَ مـا أتـاك وإلاّ

لـم تـبلّغ وحـي الإلـهِ تعالى

إنّـمـا أنـتَ مـنذرٌ وعـليٌّ

هــو هـادٍ يُـسيّر الـضُلاّلا

فـي فـلاةٍ تـكادُ تـلهبُ ناراً

ولـظى حـرّها يـذيبُ الرمالا

وإذا بالرسولِ يلقى عصا السيـ

ـرِ وتـلكَ الـجموعُ تلقى الرحالا

وتـعالى الـهتافُ مـنه أجيبوا

داعـي اللهِ فـاستخفّوا عـجالا

كـسيولٍ جـاشت وراءَ سيولٍ

أو جبالٍ في السيرِ تقفوا الجبالا


زمـرٌ قـد تـحاشدت حـولَ طه

حـشدها يـومَ مـنه ترجو النوالا

غـصّت الـبيدُ واستحالت رجالاً

ونـواحي الـفضاءِ ضاقت مجالا

ورقـى مـنبرَ الـحدوجِ ومـدّت

نـحـوهُ الـهامُ خـضّعاً إجـلالا

وانـبرى يرسلُ الخطابَ وذاك الـ

ـجمـعُ مُـصغٍ تـهيّباً وامـتثالا

ونـعـى نـفـسهُ وقـالَ أتـاني

أمـرُ ربّـي وحـثّني الـترحالا

وأنــا راحــلٌ وبـعدي عـليٌّ

واحــدُ الـدهرِ مَـوئلاً ومـآلا

سـنّـةُ الأنـبياءِ قـدماً تـمشّت

تـقطعُ الـدهرَ والـقرونَ الطوالا

هـل نـبيٌّ مـضى بـغيرٍ وصيٍّ

فـاسألوا الـدهرَ واسألوا الأجيالا

خـصّـهُ اللهُ بـالإمـامةِ لـمّـا

كــانَ لـلحقِّ والـرشادِ مـثالا

هـو أقـضاكمُ وبـابُ عـلومي

فــاقَ فـضلاً وبِـذاكُمُ إفـضالا

وهـو فـيكم مـمثّلي ووصـيِّ

لـعنَ اللهُ مَـنْ عـليه اسـتطالا

أُمّـتـي لا أراكـمُ بـعدَ مـوتي

قــد رجـعتم نـواكصاً جـهّالا

فـاستجابوا وعـجّت الـبيدُ منهم

تـحسبُ الأرضَ زلـزلت زلزالا

ورســولُ الـهدى يـردّدُ فـيهم

ربّـي والـي الـذي لـحيدرَ والا

عـنهُ سـل مـحكمَ الكتابِ وسائل

آلَ عـمـرانَ واســأل الأنـفالا

مَـنْ بـبدرٍ وتـلك أوّلُ حـربٍ

قـد رآهـا وقـد أراهـا الـوبالا

مَـنْ دحـى البابَ مَنْ باُحدٍ تلقّى

عـمدَ الـدينِ حـين زالَ ومـالا

مَنْ قضى غيره على الشركِ قل لي

مَـنْ لـعمرِ بـيومِ صال وصالا

صـولةً تـفضلُ الـعباداتِ طرّاً

وسـمـا شـأوهـا وعـزّ مـنالا

ولـكم مـوقف يـرنّ بإذنِ الدهـ

ـرِ والـدهـرُ مـنهُ يـلقى انـذهالا

هـكـذا فَـلْتَكُ الـبطولةُ دومـاً

(هـكـذا هـكـذا وإلاّ فـلا لا)

8 - وله في ذكرى ولادة الإمام الصادقعليه‌السلام :

يـا قـلمَ التاريخِ سجّلْ لنا

يـوماً مـن الأيّـام معدودا

أذعْ فـذا يـومٌ لـهُ شـأنهُ

كـانَ على التاريخ مشهودا

حدّثْ عن الصّادقِ واستنطق الـ

ـتاريخَ يروي الدُرَّ منضودا

وحـدّث الـعالَمَ عـن عالِمٍ

قـد مـلأ الـدنيا أسـانيدا

تَـبلى الأقـاويلُ وأقـوالُهُ

بـاقـيةٌ تــزدادُ تـخليدا

آراؤه الـغـرُّ وأفـكـارُه

يـعجزُ عنها الحصرُ تعديدا


مـا حـدَّ اُفق العلم في غايةٍ

ولا يـرى الـعالَم مـحدودا

شـتّان مـنْ يـفتَحُ أبوابه

ومَـنْ يـعدُّ البابَ مسدودا

سـلِ ابن حيّان وسل غيرَه

أئـمّـةَ الـعلم الـصناديدا

مَنْ طبّق الدنيا سوى جعفرٍ

مـعـارفاً تَـزدادُ تـرديدا

وسـلْ تـلاميذَ لـهُ أنّـهم

كـانوا عـلى الدّنيا أسانيدا

هـم فـتحوا لـلكيميا بابَه

وكـان منهُ البابُ موصودا

وخـلّدوا الـدهرَ بـأقلامهم

أفـنوا ربـيعَ العمر تسهيدا

وخـلّفوا أغـلى تـراثٍ لنا

لو لم يكنْ في النّاس مجحودا

9 - وله قصيدة بعنوان (يوم المحنة) قالها على إثر انتكاسة العرب في حرب حزيران 1967، اُذيعتْ من دار الإذاعة العراقية، ووُضِعَتْ في المناهج الرسمية لمدارس المقاصد في لبنان، وهي:

يَـومٌ عـلى الدهرِ لا يُطفى له لَهَبُ

إنْ تـنسهُ العُرْبُ ما هم بعدهُ عُربُ

وإن غفت عن طلابِ الثأرِ لا سجعت

يـوماً بـأمجادها الأقـلامُ والـكتبُ

عـهدي بـها لا تـقرّ الضيمَ شيمتُها

حـتّى ولـو طالتِ الأعوامُ والحقبُ

الـعيشُ بـالذلِّ مـرٌّ فـي تجرّعه

والـموتُ بـالعزّ حلوٌ وردهُ عذبُ

مـت إن تمت قاهراً والنفسُ راضية

ولا تـمت صاغراً والحقُّ مُغتصبُ

شـراذمُ مـن نـفايا الأرض تبعثها

ثـعالبُ الـغربِ فـيها يشهدُ الذَّنَبُ

تـدوسُ أقـدسَ أرضٍ مـن معابدنا

ونـحنُ نـبصرها بـالرغمِ تُستلبُ

فـواجعٌ بـغّضت طـعم الـحياةَ لنا

وكـدّرت صـفو عيشٍ فهو مكتئبُ

سـادَ الوجومُ على الأقطارِ وانكمشت

هذي الوجوهُ وعمّ السخطُ والصخبُ

لا عـينَ في الشرقِ إلاّ وهي ساهرةٌ

ولا مـشاعرَ إلاّ وهـي تـضطربُ

تـجاوبت نـخوةُ الإسـلامِ طـائعةً

وأعـلنت أنّـها طـوعٌ لـما يجبُ

وألـهبت عزماتِ العُربِ وانتفضت

حـميّةٌ فـهي كـالبركانِ تـلتهبُ

عـسى يكون وراءَ الصمتِ منطلقٌ

يُـجلى بـهِ الغمُّ والأحزانُ والكُرَبُ

بـالأمسِ انـكلترا تُـدعى صديقتَنا

والـيوم قـد جاءنا من ويلها الحَرَبُ

مـاذا جـنيناهُ قُـل لي من صداقتنا

ظـهرٌ فـيُركبُ أو ضـرعٌ فيُحتلبُ

وذي ربـيـبتها بـل [قـل] ولـيدتُها

ولا تـسل هـل لـها بين الأنامِ أبُ

قـد صرّحَ الحقّ وانزاحت بهِ الريبُ

وشـفّ عـن جـسمهِ ثوبٌ لهُ قُشبُ


قـف بـي على الأردن المشهود موقفُه

لألـثم الـجرحَ لـكنّ الـحشا يـجبُ

قـذائفُ الـنارِ عـاثت فـي محاسنِه

وشـوّهت أوجـهاً تـستافها الـشهبُ

قـف بـي عـلى قبلةِ الإسلامِ أسألها

عـمّا جـرى مـن دواهٍ كلّها خطبُ

ومـسجدِ الـصخرةِ الـمحزونِ منظرُه

بـالدمعِ والـدمِ مـطبوعٌ ومـختضبُ

قـد أوحـشَ المنبرَ العالي وقد ذويت

أعــوادُهُ فـهـي تـنعاهُ وتـنتحبُ

ثـمّ اسـتمع رنّـةَ الـمحرابِ أحزنه

فَـقْدَ الـمصلّينَ مـذ طـلاّبهُ غربوا

وحـيّ تـلكَ الـمروجَ الخضرِ ناعيةً

أحـبابها فـهي ثـكلى خَـدُّها تَـرِبُ

يـا طـيبَ عيشٍ على الوادي باُمسيةٍ

رقّـت ورقّ الـهوى والماءُ والعُشبُ

أبـناءَ عـمّانَ لا يـحزنكَ ما ارتكبوا

فـالكأس سـكّابة طـوراً ومـنسكبُ

والـعـربُ مـغلوبةٌ يـوماً وغـالبةٌ

مـا كـلّ سـبّاقةٍ تـجري لها الغلبُ

أدّيــت قـسـطك والأيّـام شـاهدة

وإنّ يـومـكَ فـيهِ تـفخرُ الـعربُ

ووقـفـةٍ لاُسـودِ الـرافدينِ غـدت

أرسى من الهضبِ لا بل دونها الهضبُ

جـيشُ الـعراقِ وحـامي سورَ منعتِه

إن سـارَ كـان لـهُ الإقـدامُ والغلبُ

عـاشت دمـشقُ فـلا عُتبى ولا عتبٌ

لـقـد أرتـنا نـضالاً كـلّهُ عـجبُ

يـومٌ تـهجّم وجـهُ الـبغي وانبعثت

قـواذفُ الـشرّ يسري جيشها اللجبُ

نـيـرانُهُ تـمـلأ الأجــواءِ قـاذفةً

لـهيبها ضـاقَ فـيها اُفـقها الرحبُ

وتـقـتـفيها أسـاطـيـلٌ مـدمّـرة

حـتّـى إذا أخـذت لـلغابِ تـقتربُ

هـبّـت مـغـاويرُ سـوريّا مـشمرةً

كـالاُسدِ لـم يـثنها خوفٌ ولا رهبُ

فـهل رأيـتَ اُسـودَ الـغابِ مغضبةً

دونَ الـحمى أرأيـتَ الـليثَ إذ يثبُ

أبـناء يـعربَ جـدّوا فـي عزائمكمْ

فـالأمرُ قـد جـدّ والأسـماعُ ترتقبُ

وإنّ أحـسـابكم أمـسـت تُـطالبكمْ

فـحقّقوا أمـلاً يـسمو بـهِ الـحسبُ

10 - وله في رثاء الخطيب الشهير الشيخ محمّد علي قسّام، يقول السيّد جواد شبّر في أدب الطفّ 10 / 65:... وكان يوم 29 كانون الثاني 1954، يوم مجيء جثمانه للنجف من الأيّام المشهودة؛ فقد اُقيمت على روحه عدّة فواتح، كما تبارى الخطباء والشعراء يوم أربعينه في (مسجد الهندي) بالنجف، وكنتُ ممّن شارك بقصيدة مطلعها:

سند الشريعة في جميعِ الأعصرِ

هذي الروائعُ من خطيبِ المنبرِ

ذاك الذي يُمسي ويُصبح ناشراً

عـلمَ الـجهادِ كقائدٍ في عسكرِ

أمـعلّم الأجـيالِ تنثرُ جوهراً

فـكأنّ صدركَ معدنٌ من جوهرِ


يـا مـنبرَ الإسلامِ دمت متوّجاً

بـالأنجبينَ وكـلّ ليثٍ قسورِ

يـا مـنبرَ الإسلامِ دمت منوّراً

طـولَ الزمانِ بكلّ عقلٍ أنورِ

يـا منبرَ الإسلامِ دمت مضمّخاً

بـالرائعاتِ مـن الفمِ المتعطّرِ

ومجالسٍ هي كالمدارسِ روعةٌ

اُمٌّ لـكـلّ مـهـذّبٍ مـتنوّرِ

الـمنبر الـعالي رسالة مرشدٍ

جـاءت لـعقلِ النابِهِ المتحرّرِ

الـمنبر الـعالي حكيمٌ مبصرٌ

يصفُ الدواءَ بحكمةِ المتبصّرِ

يـا فارسَ الميدان عزّ عَلَيّ أن

تهوي وحولكَ سابغاتِ الضمّرِ

يـا مَنْ إذا أرسلت لفظك لؤلؤاً

جـرتِ الـعيونُ بلؤلؤٍ متحدّرِ

أو قمت في أعلى المنابرِ خاطباً

فـكأنّ قولكَ ريشةٌ لمصوّرِ(1)

11 - ومِن روائع شعره القصيدة التي حيّا بها الإمام المصلح الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء عند عودته من مؤتمر باكستان عام 1371 هـ(2) :

كـذا يـلمعُ الـقمرُ الـنيّرُ

كـذا ينهضُ المصلحُ الأكبرُ

كـذا ترتقي عالياتُ النفوس

وهـامُ الأثـيرِ لـها مـنبرُ

كـذا يعذبُ العمرُ في مثل ذا

وإلاّ فـما قَـدْرُ مَنْ عَمّروا

كـذا يشمخُ العلمُ فوقَ السُّها

فما عرشُ كسرى وما قيصرُ

أشـيخَ الـشريعةِ بل رمزها

ومـفخرها عـشتَ يا مفخرُ

أُقــدّسُ شـخصك إذ إنّـه

مـثالُ الـكمالِ مـتى يذكرُ

إذا مـا انتسبتَ إلى «جعفرٍ»

فـحسبكَ مـنتسباً «جعفرُ»

لأن حـسبتك الـورى واحدا

«ففيك انطوى العالمُ الأكبرُ»

نـهضتَ لتجلوَ رينَ القلوب

وتـوقظَ جـيلاً بـدا يشعرُ

نهضتَ وبُوركتَ مِن ناهضٍ

فـما وثـبةُ الاُسـدِ إذ تزأرُ

وأبلغتَ في النصحِ في مجمعٍ

تـجدّدُ تـاريخهُ الأعـصرُ

وهزّ صدى صوتك المشرقين

ودوّى كـقـاذفـةٍ تـفـجرُ

حـياةَ الـشعوبِ بـأبطالها

وتـاريخها مـجدها الأزهرُ

إذا جـمعَ الناسَ «نيروزُهم»

فـنيروزنا وجـهكَ الأنـورُ

فـطـرت ولـكن بـآمالنا

ورحـت بـأرواحنا تـعبرُ

____________________

(1) القصيدة بكاملها نشرتها مجلّة العرفان اللبنانيّة مجلّد 41 ص1164.

(2) أدب الطفّ 10 / 49.


فـحدّث أبـا الصالحاتِ التي

تـعالت سـناءً فـلا تسترُ

تـحدّث إلـينا فكلّ الحواس

شـعورٌ وأكـبادنا حـضّرُ

أتـينا لـنصدرَ عـن موردٍ

ومـنكَ حلى الوردُ والمصدرُ

تـحدّث فـهذي القلوب التي

تـرفرفُ جـائتكَ تـستخبرُ

تـلـقّتكَ تـفرشُ أكـبادها

وخـفّـت لـلقياكَ تـستبشرُ

تـحدّث ألـستَ أميرَ البيان

إذا مـا جـرى لفظهُ يسحرُ

أَبِـنْ لـلوفودِ عن المسلمين

فـمثلكَ لـلجرحِ مَـنْ يسبرُ

أَبِنْ فالحديثُ حديثُ الشجون

ومـن وقـعهِ القلبُ يستعبرُ

فـكيف تلمّستَ شرعَ الهدى

وهـل مـن أمانٍ بها تسمرُ

كـأنّي بـروحِ النبي الكريم

عـلى كـثبٍ نـحونا تنظرُ

متى هانَ شعبك يا مصطفى

مـتى ذلّ قومك واستُعمروا

مـتى طأطأت جبهةُ الفاتحين

لـذلّ اليهودِ إذا استصغروا

أيـا قـالعَ البابَ بابَ اليهود

ويـا فـاتحَ الحصنَ يا حيدرُ

تـداعت لـتدرك أوتـارها

وأنـتَ عـلى ردّهـا أقـدرُ

أبـا الشرعِ هـذي يـدٌ بـرّة

يـوافيكَ فـيها الفتى (شبّرُ)

12 - وقال في تأبين الشاعر أحمد الصافي النجفي:

ما جئتُ أرثيكَ أو أذري الدموعَ أسىً

إنّ الـرثاءَ لـشخصٍ ماتَ واندرسا

قـالوا لـقد مـاتَ قلتُ اليومَ مولدُه

ونـجمهُ قـد تـجلّى يـطردُ الغلسا

والـيوم يـبدأ تـاريخٌ لـهُ عـبقٌ

وطـيبُ تـأريخه قـد أنعشَ الجُلَسا

مـا الـحيُّ مقياسهُ مرُّ السنين ولو

طـالَ الـبقاءُ ولا تـردادهُ النفسا

إنّ الـحـياةَ بـأفـكارٍ يـخـلّدها

عبرَ العصورِ وغرساً صالحاً غرسا

وآخــذاً بـيـدِ الـعافي ومـنقذه

سـواء أحـسنَ هـذا أم إلـيه أسا

* * *

مـا كان أحمدُ في عصرٍ يعيشُ به

إلاّ كـشعلةِ نـورٍ تـحملُ الـقبسا

يعيشُ في الناسِ لكن روحُهُ انفردت

عنهم كمَنْ عاشَ بين الخلقِ محتبسا

سـما إلى عـالمٍ أسـمى بفكرته

لـذاك مـهما خـلا في نفسهِ أنسا

فـلا تـرى مـعهُ في بيتِ عزلته

إلاّ الـيراعة أَمَّ الـشعرُ والطرسا

* * *


إيـهٍ أبـا الـخالداتِ النيّراتِ سنا

والـسائراتِ أقامَ الدهرُ أم جلسا

هـذي روائـعك الـغرّا يـردّدها

فـمُ الزمانِ ومن أنوارها اقتبسا

أمـواجُها انـدفعت تـتلو أشعّتها

تـجلي العقولَ ومنها تغمرُ اليبسا

وذي الهواجسُ ما أحلى هواجسَها

تـداعبُ الروحَ إن دقّت لها جرسا

رفّـت تـناغيك هـمساً في تدلّلها

والحبّ يعذبُ إن ناغى وإن همسا

أشـعّـةٌ فــي مـعانيها مـلوّنةٌ

إشعاعها مشرفٌ عن روحك انعكسا

إن كنتَ حلّقت أو أبدعت لا عجبٌ

قـرآنُ أحـمد قـدماً حيّر القسسا

وأذعـنت لـغةُ الفصحى لروعته

وعـادَ مـنطيقها مـستسلماً خرسا

الـناظمُ الـدرَ نـظماً لا نظيرَ له

بالشعرِ ينبوعهُ الصافي قد انبجسا

والمرسلُ الشعرَ سهلاً غير ممتنعٍ

سـلساله العذبُ يجري سائغاً سلسا

* * *

زَهـدتَ فـي هذه الدنيا وزخرفِها

إذ أنت أرفع ممّن يرتضي الدنسا

وكـنت تـهزأ ممّن راح يعشقها

ومَـنْ بـأوطارها قد ظلّ منغمسا

نـفسٌ ترى فوق هام النجم رفعتَها

وبـزّةٌ إذ تـراها بـزّة الـبؤسا

تـريـهمُ إنّ دنـياكم وبـهرجَها

كـشملتي هـذه من سامها بخسا

لاويت دهرك حتّى رضت جامحه

كـمن يروِّضُ من فرسانها فرسا

بـعزمة شـهد الـتأريخُ واقـعها

مـا كـنتَ هـيّابةً يوماً ولا نكسا

عـرفت دنـياك مذ وازنت قيمتها

وإنّـها عـرفتك الـنيقد الـمرسا

وكـم دعتك لِوصلٍ وهي ضاحكةٌ

لـكن رأتك على ما تبتغي علبسا(*)

رحماك ليست نفوس الناس واحدةً

إن خفّ ذاك فهذا في الوجود رسا

هـذي الـحياة وكم غذّيتها حكماً

غرّا وأرسيتَ من أركانها اُسسا

فـكنت تـشبعها بـحثاً وتـجربةً

وكـنت تـنشرها درساً لمن درسا

وتـوضح القول مجلوّاً ومزدهراً

فـلم يـعد بـعد فيها الأمر ملتبسا

دُمْ لـلخلود فـذي الأيّـام طوعك والـ

ـدهرُ استلان وإن قدماً عليك قسا

13 - وقال محيّياً الشيخ الأميني صاحب (الغدير) بمناسبة افتتاح مكتبة أمير المؤمنينعليه‌السلام العامّة في النجف، بعنوان (تحيّة المؤسّسة الفكريّة):

مـعهد الفكرِ طاولَ الدهرَ فخرا

ذاك يـبلى وأنتَ تخلدُ ذكرى

كلُّ شيء فانٍ سوى العلم والعد

لِ فإن شئت سل بإيوان كسرى

سـاندت ركـنك القديم يدُ العلـ

ـمِ فـلا زـت خـالداً مـشمخرّا

____________________

(*) هكذا وردت المفردة الأخيرة (علبسا)، ومعها يختل المصراع الثاني من البيت.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)


منجباً كلّ أصيد يبعث النشـ

ـأ يـقود الأجيال عقلاً وفكرا

منجباً كلّ أصيد يجعل الدّهـ

ـرَ غـلاماً لـديه نـهياً وأمرا

وبرغم الزمان جئت ويبقى

لك عبداً وأنت لا زلت حُرّا

* * *

عـشت يـا صرحُ للعلوم مناراً

فـاض أشعاعُه على الكون بدرا

همّةُ المصلح (الأمينيّ) ثارتْ

فـاستثارت لـها الـعزائمُ طرّا

قـد أشـادتك بـعد جـهدٍ جهيدِ

كـرعت في سبيلك الصّاب مُرّا

ضـربت فـوقك القلوبُ رواقاً

يـوم قـدّت من العزائم صخرا

بـسطت مـن شُغافها لك أرضاً

وبـنت فـي ضلوعها لك وكرا

ثـمّ راحت عليك تحنو احتفاظاً

مـثلما تـحفظ الأضـالع سرّا

معهد الفكر هل علمت بأنّ الشيـ

ـخَ أفـنى من أجل عمرك عمرا

ومـشى ثـابت الخُطى باتّزانٍ

أشـبع الـدهرَ خـبرةً ثمّ سبرا

هـازئاً بـالخطوب تعرف منه

إنّ فـي أمـره مـع الله سـرّا

أي أبـا الطيّبات أحـييت فـينا

أمـلاً كـاد أن يـبدّد صـبرا

يـوم ضاق الفضا قنوطاً ولكن

فـاض من راحتيك يمناً ويسرا

قـد أرتـنا الأيّـامُ حمر المنايا

وتـرينا أنـت الأمانيَ خضرا

بـمساعيك قـام لـلعلم صرحٌ

عـشت لـلعلم والـديانة ذخرا

هـمّةٌ تـدفع الـسماء وعـزمٌ

يـسع الـكون مـذ يـنفذ أمرا

لـك فـي الـصالحات غرُّ أيادٍ

ويـدٌ في (الغدير) بيضاءُ غرّا

وحـقـيقٌ أقـول إنّـك فـينا

رابـح الـنشأتين دنـياً وأُخرا

14 - ودخل يوماً عائداً الخطيب المعروف السيّد علي الهاشمي على إثر وعكة صحيّة، فخاطبه:

متى كان في الظنّ أنّي أراك

ألـيف الـفراشِ حليفَ الألمْ

متى حوّمت حولك الواهمات

مـتى نـهشتك نيوبُ السّقمْ

متى زعزعتك سوافي الرّياح

وعـهدي بـك طـودٌ أشَـمْ

ألـست المُعاني الّذي يمتلي

نـشاطاً يزينك لطف الشّممْ

وثغرك ذاك الضحوك الوقور

يـعـطّر أجـواءنا بـالنّسمْ


فأجابه السيّد علي الهاشمي:

هـزار الـغريّين أتـحفتني

بـغرّاء تـذهب عنّي السّقمْ

نـظمت قـوافيها كـالعقود

فـنعم الـمنظّم والـمنتظمْ

فـقـبّلتها بـفـم الامـتنان

مـقلٌّ لـتقبيلها ألـف فـمْ

وجـلت بـبحرِ تـقاطيعها

بـمطرفةٍ دمـعُها مـنسجمْ

ومـا ذاك إلاّ اشـتياقٌ إليك

لأنّـك أنـت الـذي لا تُذمْ

فدم «يا جواداً» بكلّ الصِفات

ويـا عـلماً رفّ فوقَ العلمْ

وإنّـي لأكـبر هـذا الحنان

فـحبّك لي من جليل النِّعمْ

شعر التاريخ عند الخطيب شُبّر

1 - قال في تاريخ وفاة والده السيّد علي شبّر:

يـا أيّـها الـسائلُ عـن تاريخِه

مضى وأبقى العملَ الأبقى علي(1)

2 - وأرّخ فقيد الشباب السيّد نعيم الدين ابن السيّد عبّاس شبّر:

حـملتُ لـقبره إكليلَ وردٍ

وحنَّ القلبُ مِن شَغَفٍ وأنّا

وقلتُ لأدمعي سقياً فدهري

عـلينا بـالفراق لقد تجنّى

فنادتني احتبِسْ للدمع عيناً

فذا ماءُ الشباب يفيض عينا

وذا تـاريخه يـزهو بهاءً

نـعيمٌ لـلنعيم مضى مُهنّا

3 - وقال في تاريخ تمديد رئاسة المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى للإمام السيّد موسى الصدر:

زهى المجلسُ الشيعيُّ والصدرُ زانه

بـطلعته الـغرّاء يـرفلُ مـأنوسا

فـعوّذته بـالغرِّ مـن آل هـاشمٍ

بـأربعِ عـشرٍ تدفع الضرَّ والبؤسا

أضـفناهمُ لـليمنِ مـذْ قيلَ أرّخوا

وقـلنا لـقد اُوتيت سؤلك يا موسى

4 - وقال مؤرّخاً بناء حسينيّة الزهراءعليها‌السلام في المنصوريّة (الكويت):

دارٌ لأهل البيت تسمو علاً

لـله فـيها بـعضُ أسراره

شعّتْ بنورِ السبطِ مذ أرّخوا

تـرفُّ إشـعاعاً بـأنواره

5 - وقال مؤرّخاً وفاة العلاّمة الشيخ حسين الفيليرحمه‌الله :

فـي يوم عاشوراءَ فارَقْتَنا

وقد بكتهُ السحبُ دمعاً صيّبا

____________________

(1) المقصود كتاب (العمل الأبقى في شرح العروة الوثقى) - للسيّد علي شبّر.


ذاك الحسينُ واحدُ الفضلِ الذي

تـاريخهُ نـورُ حـسين غُيّبا

6 - وقال في تاريخ تزيين المرقد المطهّر للإمام عليعليه‌السلام بالمرايا والزجاج البديع:

مرآةُ قدس الله شعَّ سناؤها

فـتموّجتْ بزجاجةِ المرآةِ

قال الموحّدُ فيه أرِّخ زاهياً

مصباحُ نور الله في المشكاةِ

نشاطاته الاُخرى

1 - المباراة الدوليّة الثقافية للتأليف حول شخصيّة الإمام عليعليه‌السلام : هذا المشروع التاريخي طرحه السيّد على الوجيه السيّد هاشم شُبَّررحمه‌الله ، وهو تخصيص جوائز نقديّة لكلّ مَنْ يؤلّف كتاباً حول شخصيّة الإمام عليعليه‌السلام على أن يفوز من خلال المباراة.

وكان السيّد أميناً لسرّ اللجنة المنظّمة للمسابقة، فوجّه نِداءً لأرباب الفكر والأدب في العالم بعد ما أعلن برنامجه، وتشكّلتْ اللجنة المُحكّمة، وكانت تتألّف مِن أفذاذ العلم والوعي والتُقى، الأعلام الثلاثة: الشيخ مرتضى آل ياسين، والسيّد محمّد باقر الصدر، والسيّد موسى بحر العلوم، فقُدّمت الكتب مِن قبل مؤلّفيها، فكانت النتائج كما يلي:

الفائز الأوّل: كتاب (الإمام علي - نبراس ومتراس) لمؤلّفه الكاتب اللبناني المعروف الاُستاذ سليمان كتّاني، وهو رجل مسيحي.

الفائز الثاني: كتاب (ملامح من عبقريّة الإمام) بقلم الدكتور مهدي محبوبة.

الفائز الثالث: كتاب (الإمام علي - رجل الإسلام المخلّد)، تأليف الاُستاذ عبد المجيد لُطفي.

ومن الكتب التي وقع الاختيار على طبعها كتاب (الإمام علي - أسد الإسلام وقدّيسه) للكاتب (روكس بن زائد العزيزي) رئيس رابطة حقوق الإنسان في الأُردن، وهو مسيحي.

2 - اهتمامه بالشعراء الشعبيين وتشجيعهم على الكتابة في رثاء سيّد الشهداء، وقد قرّض الديوان الشعري لكلّ مِن:

أ - الحاج محمّد باقر الإيرواني - شعراء الحسينعليه‌السلام .

ب - الشاعر المرحوم هادي القصّاب - ديوان الهداية الحسينيّة.

ج - الخطيب المرحوم الشيخ محمّد حسن دگسن - الروضة الدگسنيّة.

د - الحاج زاير - الشاعر الشعبي العراقي.

هـ - السيّد الشرع - منهل الشرع.

3 - اهتمامه ببناء وتشييد مراقد وأصحاب أهل البيتعليهم‌السلام كسعيه لبناء مرقد زيد الشهيدعليه‌السلام ، ومرقد رشيد الهجري، وكميل بن زياد وغيرهم مِن الأفذاذ والمظلومين؛ فقد كان


يبذل لعمرانها من ماله الخاص.

4 - تحقيقه لبعض الكتب العظيمة ونشرها؛ فقد اعتنى السيّد بنشر ديوان (جواهر وصور) للفقيه السيّد عبّاس شبّر، وإخراجه أجمل إخراج بحلّة قشيبة وورق مؤطر بإطار ملوّن جميل يحيط بالقطعة الشعريّة، كما إنّه جمع وطبع وأشرف على إصدار ديوان (الموشور) للسيّد عبّاس شبّررحمه‌الله .

وقد كان للسيّد جواد الدور الرائد في صدور كتاب (الأخلاق) للسيّد عبد الله شبّر الذي عنى بنشره وطبعه. أمّا كتاب (تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين - للراغب الأصفهاني) فقد عنى السيّد بنشره وإصداره؛ لأهمّيّته العلميّة.

5 - على صعيد الإصلاح: السيّد جواد شبّر كان من الروّاد الأوائل لحركة الإصلاح المنبري والاجتماعي. يقول في مقال كتبه تحت عنوان (الوعي نواة الإصلاح) في مجلّة الوعي الإسلامي: من أعذب الكلمات على السمع والروح كلمة الإصلاح، إنّها خفيفة على المشاعر، لطيفة في الأحاسيس، يترشّفها السامع ويتمنّى تحقيقها، ويتغنّى بها المجتمع ويهوى تطبيقها، لكن تختلف الآراء في الطريق المؤدّية إليها والوصول إلى أهدافها.

فالبعض يرى ذلك منحصراً في تسليم القيادة إلى موجّه حكيم، وهو الذي يقود الأُمّة إلى ساحل السلامة والنجاة، أمّا عقيدتي فهي أنّ أقرب الطرق إلى الإصلاح هو إيجاد الوعي العام في الأُمّة واليقظة في الشعب، والعمل على أن يشعر الكلّ بواجب المسؤوليّة، ولا يتحقّق ذلك إلاّ عن طريق الكتابة والخطابة، وتعاون الفرد والجماعة؛ فـ (( كلّكم راع وكلّكم مسؤول عن رعيّته ))(1) .

أمّا محاولاته الإصلاحيّة فيما يتعلّق بمؤسسة المنبر الحسيني فلقد كان من المبادرين السباقين لصيانة هذه المؤسسة الكبرى من الفوضى والترهّل، وحمايتها من الانحدار والتسيّب، ووضع الأسس والضوابط للانطلاق بها إلى مستوى المسؤوليّة، والارتقاء إلى مصاف المؤسّسات الإسلاميّة الهادفة.

يقول الخليلي في ترجمة الشيخ محمّد علي اليعقوبي أثناء حديثه عن الدعوة إلى إصلاح خطباء المنابر: وكان من أنشط العاملين في حلبة الإصلاح والدعوة إلى تهذيب الخطباء هو الخطيب السيّد جواد شبّر؛ ففتح في مدرسة المنتدى صفّاً خاصّاً بتعليم الخطباء فنّ الخطابة، وتهذيب الأخبار التي يروونها، وإعدادهم إعداداً يتّفق وروح العصر(2) .

____________________

(1) مجلة الوعي الإسلامي الكويتيّة، السنة الأُولى - العدد الثاني سنة 1965 م.

(2) هكذا عرفتهم - للخليلي 1 / 159، ومجلة الإيمان، عدد خاص في ذكرى اليعقوبي، سنة 1312 هـ.


ولعمر الحقّ أنّ هذه المهمّة الشاقّة نحن بأمسّ الحاجّة إلى مَنْ يشمّر عن ساعد الجدّ ويتصدّى لتهذيب وتقويم هذه المؤسسة الهامّة؛ لئلاّ تكون مرتعاً سهلاً لمَنْ هبّ ودبّ، وسوقاً سوداء للمتاجرين بدماء الحسينعليه‌السلام ونبل أهدافه وشرف قضيّته(1) .

مؤلّفاته

للسيّد عدّة كتب ألّفها في حياته المعطاءة، وهذه أهمّها:

1 - إلى ولدي: كتاب في الأدب التربوي، جمع فيه عيون الشعر لأساطين الشعراء، طُبِع الطبعة الأُولى في النجف سنة 1954 م، ثمّ أعدتُ طبعه (مصوراً) في قم سنة 1984 م.

2 - قبس مِن حياة أمير المؤمنينعليه‌السلام : وُزّع على الجمهور الذي شارك في الاحتفال بمناسبة ميلاد الإمام الحسينعليه‌السلام في النجف الأشرف.

3 - أشعة مِن حياة الصّادقعليه‌السلام : قُدّمَ هدية للمحتفلين بمولد سيّد الشهداء سنة 1385 هـ - 1965 م في النجف الأشرف.

4 - مقتل الحسينعليه‌السلام - عبرة المؤمنين: وهو الكتاب الماثل بين يدي القارئ الكريم.

5 - المطالب النفيسة: يقع في ثلاثة مجلّدات في التراجم والأخلاق والفلسفة الإسلاميّة (مخطوط).

6 - شواهد الأديب: مختارات شعريّة في ثلاثة أجزاء (مخطوط).

7 - المقتطفات: نوادر وحكم وأدب في جزئين ضخمين (مخطوط).

8 - شعراء العصر الحاضر (مخطوط).

9 - سوانح الأفكار في منتخب الأشعار: ثلاث مجلّدات في مدح ومراثي أهل البيتعليهم‌السلام (مخطوط)(2) .

10 - المناهج الحسينيّة: مجموعة مجالس قرأها في لبنان - مجلد واحد طبع في بيروت ثمّ أُعيد طبعه في قم.

11 - ديوان شعره: وفيه كثير من المراسلات والمساجلات، والقطع المستملحة والأوصاف البديعة(3) (مخطوط).

____________________

(1) معجم الخطباء 1 / 330.

(2) مشهد الإمام 3 / 160.

(3) شعراء الغري - للخاقاني 2 / 473.


12 - أدب الطفّ أو شعراء الحسين - طُبع منه 10 أجزاء.

13 - الإسلام دين ودولة - 3 مجلّدات (مخطوط).

14ـ الأخلاق الإسلاميّة - 3 مجلّدات (مخطوط).

موقف بطولي وتأريخي

هنالك موقف تاريخي للسيّد الوالد ذكرته للأخ السيّد داخل، فدوّنه في موسوعته (معجم الخطباء)(1) قائلاً: ( يقول النجلُ الأصغر لسيّدنا المترجم الخطيب السيّد أمين عن أحد معارفه إنّه التقى في الهند بأحد عملاء النظام، وكان يتولّى تعذيبه عندما كان سجيناً، ولكنّه لم يعرفه لتغيير ملامحه، فاتّصل به وتظاهر بأنّه من الموالين للنّظام، وسأله عن بعض المساجين وبينهم السيّد جواد شبّر، فقال: إنّ أمر هذا الرجل لعجيب؛ فقد اجتمع مدير الأمن بضباطه ذات يوم ودار الحديث حوله وكيفيّة التعامل معه، وأخيراً قرّروا استمالته وتقديم العروض المغرية لتبديل موقفه، فاجتمعوا به وتحدّثوا معه بأنّك شخصيّة عراقية هامّة، ولك المواقف المشهودة، والخطب المؤثرة، والكلمة المسموعة في أوساط الشعب، فلا نريد منك سوى أن ترقى المنبر في الصحن الحيدري أو أيّ مكان عام وتخطب مشيداً بالسيّد الرئيس، وتشجب ما يقوم به الخميني اتّجاه العراق... إلخ!

ويذكّرني هذا المكر بمكر معاوية عندما طلب من الأحنف بن قيس بأن يرقى المنبر ويمتدح يزيد، فقال: لو تركتني لكان خيراً. قال: لماذا؟ قال: لأمرين؛ إذا صدقت أغضبتك، وإذا كذبت أغضبت الله. فلمّا طلبوا ذلك من السيّد مقابل إطلاق سراحه وإعطائه جواز سفره وبعض الإغراءات الأُخرى، أخرج السيّد لسانه وقال: اقطعوا لساني خير ممّا تدعونني إليه.

تحيّة لك أيّها البطل، ومرحى لصلابتك أيّها العظيم، وطبتَ حيّاً وميتاً، والسّلام عليك كلّما بدأ يعود ورحمة الله وبركاته.

قالوا في السيّد جواد شبّر

* قال الاُستاذ الأديب علي الخاقاني في (شعراء الغري): والسيّد جواد أديب ذكي، وخطيب شجاع، يعبّر عن كثير من الآلام التي يتحسّسها مجتمعه، ويندفع في تصوير ما يراه صالحاً لقومه بلهجة يغلب عليها الحماس، ويتخلّلها لون من الثورة النفسيّة؛ ولحماسه القوي فقد تصوّره فريق أنّه يتصنّع ذلك، غير أنّ مَنْ عرف سلوكه يعرف أنّه

____________________

(1) معجم الخطباء 1 / 348.


صادق بتعبيره. (شعراء الغري 2 / 472).

* ووصفه الدكتور الشيخ محمّد هادي الأميني في معجمه: عالم فاضل، خطيب متكلّم، شاعر مجدّد، مؤلّف مؤرّخ متتبّع، نظم الشعر وجاهد بقلمه ولسانه في سبيل عقيدته ورسالته وتشيّعه الذي يعتبر بحقّ الإسلام الصحيح.

كتب بحوثاً ومواضيع توجيهيّة وأدبيّة في الصحف دلّت على تفوّقه العلمي ونضوجه الأدبي، اعتقلته السلطة الرعناء في شهر رمضان وضاع خبره حتّى هذه الساعة. (معجم رجال الفكر 2 / 713).

* وقال المرجاني في خطباء المنبر: هو أحد حسنات النجف الأشرف، وأحد خطبائها البارزين، وتراه إذا رقى ذروة المنبر انحدر كالسيل المتدفّق. واسع الرواية، قوي الحجّة. (1 / 136).

* وقال صاحب كتاب ومضات الشباب: اجتمعت له أسباب التوفيق في الحياة من انتشار صيت، وحسن حال، واستيعاب معرفة، ورخامة صوت، ونشاط أدبي ملموس الأثر؛ فانطلقت خلفه عيون فريق من مرتقي المنابر الذين يشاركونه المزاولة ولا يشاركونه المؤهّلات والمقام. (مشهد الإمام 4 / 154).

* قال الفقيه المظلوم الشيخ محمّد تقي الجواهري: السيّد جواد ليس له نظير في خطابته؛ فهو يركّز العقيدة. (المناهج الحسينيّة، تقديم: علي محمّد علي دخيّل).

* وقال العلاّمة الشيخ قاسم محيي الدين: الجواد هو رجل المناسبة، وأمل المستقبل في الخطابة. (خطباء المنبر 1 / 137).

* وقال العلاّمة العبقري الشيخ محمّد جواد مغنية في ختام تقديمه لموسوعة أدب الطفّ: وختاماً نسجّل تقديرنا لخطيب المنبر الحسيني الكفوء، صاحب هذه المجموعة التي ضاعفت حسناته بعدد أبياتها، وشهدت له بالتتبع وسعة الاطّلاع. (أدب الطفّ 1 / 16).

* ولمّا كان الشيخ محمّد جواد مغنية يقطن في المدرسة الشبّريّة، كنت أذهب إلى غرفته للاستفادة، ومرّةً حضر مجلساً حسينياً أُقيم في باحة المدرسة وقد قرأ الوالد، ولمّا انتهى قلت للشيخ مغنية: ما رأيكم بقراءة الوالد؟

فقال لي: إنّ أباك خطيب العُلماء، وعالم الخطباء.

* ومن ذكرياتي: تبادل الرسائل باستمرار بين الوالد والكاتب (روكس بن زائد العزيزي) رئيس رابطة حقوق الإنسان في الأُردن، فقد كنتُ أقرأ على ظرف رسائله كلّها عبارة: (... إلى أمير المنابر جواد شبّر...).


* في لقاء مع آية الله العلاّمة السيّد محمّد مُفتي الشيعة في قم المقدسة(1) قال: كان الخطيب الفاضل السيّد جواد شبّر خطيباً مُبرزاً، واعياً جامعاً في خطابته، متكلّماً متميّزاً لفصاحته وبلاغته وشجاعته؛ حيث يُبيّن المطالب المنبريّة المهمّة... متحدّياً... دون تردّد ومداهنة...

وقد عرفته من الخطباء المتميّزين في شدّة ولائهم لأهل البيتعليهم‌السلام ... مهيمناً على تلك المطالب، عارفاً بحُضّار مجالسه من العلماء والعامّة من الناس.

وكان هو الخطيب الذي يُختارُ غالباً لارتقاء المنبر الشريف في مجالس العلماء والمراجع... وكان ممّن ينصبُّ عليه الاهتمام في تأبين العلماء والمراجع؛ لإحاطته بكثير ممّا يتعلّق بسيرهم وحياتهم وآثارهم.

وممّا أتذكّره أنّه كان المعوّل عليه في تأبين العلماء والمراجع: السيّد الحكيم، والسيّد الميلاني، والسيّد عبد الهادي الشيرازي، والسيّد جواد التبريزي، والشيخ حسين الحلّي، والسيّد محمود الشاهرودي، وآقا بزرك الطهراني وغيرهم مِن أعلام الدين (رضوان الله تعالى عليهم).

* وقال الشيخ عبد الحسين الحويزي مخاطباً السيّد جواد شبّر(2) :

يـا آلَ شبّر لم تزل أنوارُكمْ

تـأبى بـأنديةِ الهدى إطفاءا

عرجت بكم هممٌ لغاياتِ العُلا

سبقت فجاوزت المدى إسراءا

تلامذته

يعتبر الخطيب السيّد جواد شبّر مدرسة واعية معطاءة تميّزت بإخلاصها وشموليّتها؛ فقد كان السَيّد موسوعة أدبيّة فقهيّة، حديثيّة تاريخيّة، فكنتُ عندما أجلس معه أو في مجالسه العامّة، أخرج بزيادة علم ومعرفة وأدب. وقد تتلمذ على يديه جمع من الخطباء نذكر بعضهم:

1 - الخطيب السيّد حسن الكشميري(3) .

2 - الخطيب الشيخ صالح الدجيلي(4) .

____________________

(1) اللقاء في تاريخ 18 شعبان 1420 هـ.

(2) أدب الطف 10 / 128.

(3) كما يشير هو في مجالسه من على المنبر، بل ويفتخر بذلك، ومعجم الخطباء 2 / 337.

(4) نقلاً عن السيّد حسن الكشميري.


3 - الخطيب الشيخ شاكر القرشي(1) .

4 - الخطيب السيّد داخل السيّد حسن(2) .

5 - الخطيب السيّد عامر الحلو(3) .

6 - الخطيب الشيخ صالح الجزائري(4) .

7 - الخطيب الشيخ عبد الأمير أبو الطابوق(5) .

سيّدي الاُستاذ والوالد والمُربّي، أيّها المُغيّب عنّا في السجون، يا مَن خَدَمْتَ منبر جدّك الحسينعليه‌السلام أكثر مِن نصف قَرن، ثمّ أودعوك في زنزانات مُظلمة. أيّها الأسد الهصور، كُنت تقول لنا - نحن أبناؤك -: مَنْ منكم يسلك طريقي، طريق الخطابة الحسينيّة؟

فكانت (اُمنيتك)، وها أنا أُحقّق أُمنيتك أيّها الكبير العظيم، وعلى طريقك ونهجك أيّها المخلص.

أدعو لك مع مُحبّيك وجمهورك بالفرج من أيدي الطغاة.

أدعو لك بدموعي الممزوجة بلوعتي على فراقك.

أدعو لك مِن على منبر جدّك الذبيح، مِن على نفس المنبر الذي كُنّا نراك عليه، وكلّنا آذان صاغية لحديثك المُمتع:

فـما اسـتشعرَ الـمُصغي إليك مَلالةً

ولا قُلتَ إلاّ قال مِن طَرَبٍ: زِدني

فـأعظمُ مَـجدي كـان إنّـك لي أبٌ

وأكـبرُ فـخري كان قولك: ذا اِبني

ولدك: محمّد أمين        

7 ذو القعدة 1420 - 13/2/2000

____________________

(1) نقلاً عن خطباء المنبر الحسيني - للمرجاني 4 / 135.

(2) نقلاً عن خطباء المنبر الحسيني - للمرجاني 6 / 142.

(3) معجم الخطباء 2 / 361.

(4) خطباء المنبر الحسيني 5 / 174، ومعجم الخطباء 4 / 212.

(5) معجم الخطباء 7 / 224.


الحسينعليه‌السلام عبرة المؤمنين

( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرونَ بالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون ) «آل عمران 169 - 170».

عن عبد الله بن سنان قال: دخلت على سيّدي أبي عبد الله جعفر بن محمّدعليه‌السلام في يوم عاشوراء، فألفيته كاسفَ اللون، ظاهرَ الحزن، ودموعُه تتحادر مِن عينيه، فقلتُ: يابنَ رسول الله، مِمّ بكاؤك لا أبكى الله لك عيناً؟!

فقال: (( أوَ في غفلة أنت؟! أما علمت أنّ الحسينعليه‌السلام أُصيب في مثل هذا اليوم؟! )) ثمّ بكى أبو عبد الله حتّى اخضلّت لحيته بدموعه.

المقدّمة

احتفال الأئمّة بيوم عاشوراء

جرت عادة الشيعة الإماميّة على الاحتفال بذكرى واقعة الطفّ الدامية، واتّخاذ يوم مقتل سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام يوم حزن وبكاء، اتّخذوا ذلك على سيرة الأئمّة من أهل البيت (صلوات الله عليهم)؛ فقد كان الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليه‌السلام إذا هلّ هلال عاشوراء اشتدّ حزنه، وعَظُمَ بكاؤه على مُصاب جدّه الحسينعليه‌السلام ، وتَفِدُ إليه الناس من كلّ جانب ومكان يُعزّونه بالحسينعليه‌السلام ويبكون وينوحون معه.

وكان الإمام موسى بن جعفرعليه‌السلام إذا دخل شهر المحرّم لا يُرى ضاحكاً، وكانت الكآبة تَغلبُ عليه حتّى تمضي منه عشرة أيّام، فإذا كان يوم العاشر


كان ذلك اليوم يوم المصيبة، ويقول: (( هذا هو اليوم الذي قُتل فيه جدّي الحسينعليه‌السلام ))(1) .

وكان من الالتزام بالحِداد، وتعطيل الأعمال، والوقوف عن الأشغال والاكتساب وطلب الارتزاق يوم عاشوراء أثرٌ ظاهرٌ في جميع البُلدان الشيعيّة، وذلك حسب ما أدّب به أهلُ البيتعليهم‌السلام شيعتهم.

روى الصدوق في الأمالي بسنده عن الرضاعليه‌السلام قال: (( مَنْ ترك السّعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدّنيا والآخرة، ومَنْ كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحُزنه وبكائه جعل الله عزّ وجلّ يوم القيامة يوم فرحه وسروره، وقرّت بنا في الجنان عينه. ومَنْ سمّى يوم عاشوراء يوم بركة وادَّخر فيه لمنزله شيئاً لم يُبارَكْ له فيما ادّخر، وحُشِرَ يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد إلى أسفل دَرك من النّار ))(2) .

وما من مأتم يُعْقَد لهذه الذكرى المؤلمة إلاّ وتُشاهدُ نائحة أهل البيتعليهم‌السلام يروي هذه القصّة المُفجعة، والملحمة الدامعة. وقد طلب الكثير منّا أن نكتبها لهم على أسانيدها الصحيحة، وسلسلتها المتّصلة العرى، المتواصلة الحلقات بدون تطويل وتذييل، ولا إيجاز مُخلّ بالأصل، وقدّمت هذه الهديّة المتواضعة لسيّدي ومولاي سيّد الشهداء أبي عبد الله( يا أَيُّهَا العَزيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُرُّ وَجِئْنا بِبِضَاعَة مُزْجاة فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ ) (3) .

 جواد شبّر       

 1 جمادى الأولى 1384 - النجف الأشرف

____________________

(1) أمالي الصدوق / 111، أسرار الشهادة / 39.

(2) أمالي الصدوق / 112.

(3) سورة يوسف / 88.


يوم الدموع

هذا هو يوم الفاجعة الكبرى التي حلّت بعترة الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والحادثة الدّامية التي قلّ ما شهد التاريخ لها نظيراً من حيثُ الفظايع والفجايع، وما غَرُبَت شمسُ هذا اليوم إلاّ وذريّة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ضحايا في عرصة كربلاء، بينهم ريحانة النبيّ وسيّد شباب أهل الجنّة، وهم ثمانية عشر ما لهم على وجه الأرض شبيه.

عَلى الأَرْضِ صَرْعى مِن كُهُولٍ وفِتْيَةٍ

فُـرادى عَـلى حَرِّ الصَّفا وتَوائمِ(1)

إنّ هذه الوحشيّة التي ارتكبها الحزبُ الأُمويُّ لم تزل ولن تزال لَطخةً سوداء في تأريخ العرب؛ لذلك يأنف منها كُلّ عربيٍّ.

وأمّا نحنُ فقد اتّخذنا يوم عاشوراء يوم استنكار واستياء لهذه الفعلةِ الشّنعاء، واحتجاجاً على هذه المظالم والجرائم، وحتّى أنّ المسلمينَ مِن يومِ حدوث هذا الحادث حتّى يومنا هذا وإلى ما شاء الله يُقيمون هذه الذكريات الممزوجة بالحسرات، ويجتنبون الملذّات ليكون احتجاجاً صارخاً ضدّ الاعتداء الأُمويّ.

روى سبط ابن الجوزي أنّ أحمد بن عيسى الهاشمي - مِن وُلْدِ الواثق العبّاسي - اعتذر عن الكُحْل يوم عاشوراء، فقال:

لَمْ أَكْتَحِلْ في صَبَاحِ يَوْمٍ

أُريـقَ فِـيهِ دَمُ الحُسَينِ

إلاّ لِـحُزْنِي وذاكَ أنّـي

سَوَّدْتُ حَتّى بَياضَ عَيني

وقال غيره(2) :

وقائِلٌ لِــمْ كَـحَّـلْتَ عَـيْنَاً

يَوْمَ اسْتَباحُوا دَمَ الحُسَيْنِ

فَقُلْتُ كُـفُّوا أحَـقُّ شَـيء

تَلْبَسُ فيهِ السَّوادَ عَيني

وقال عبد الباقي العُمري الموصلي(3) :

نَـحْنُ أُناسٌ إذا ما

قَدْ هَلَّ شَهْرُ المُحَرَّمْ

فَـكُلُّ شَيء عَلينا

سِوى البُكاءِ مُحَرَّمْ

وفي استعادة هذه الذكرى أبلغ الدّروس وأجلى العِبَر، فمنها نستمدّ النخوة والكرامة، وعزّة النّفس وعدم الخضوع للضَّيم والخنوع للظلم، فأيُّ إنسان لا يسمع كلام الحسين (سلام الله عليه):

____________________

(1) الدرّ النضيد / 289.

(2) نسبه سبط ابن الجوزي لأبي عبد الله النحوي - تذكرة الخواص / 245.

(3) أدب الطفّ 7 / 133.


(( ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة(1) والذلّة، وهيهات منّا الذلّة! يأبى اللهُ لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحُجورٌ طابت وطهُرت، وأُنوفٌ حميّةٌ، ونفوسٌ أبيّةٌ من أنْ تُؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ))(2) .

نعم، أيّ إنسان يسمع هذا الكلام فلا تتحرّك نخوته، ولا تتوقّد شهامته وغيرته؟!

فضل الحسينعليه‌السلام

روى الشبلنجي في نور الأبصار عن مستدرك الحاكم وصحّحه أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: (( حسينٌ منّي وأنا من حسين، اللّهمّ أحبَّ مَنْ أحبَّ حُسيناً، حُسينٌ سبطٌ من الأسباط ))(3) .

وروى ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (( مَنْ سرّه أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن علي ))(4) .

وروى البخاري(5) يرفعه إلى ابن عمر أنّه سأله رجل عن دم البَعوض، فقال له: ممّن أنت؟ فقال: رجل من أهل العراق. فقال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البَعوض وقد قتلوا ابن رسول الله، وسمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: (( هُما ريحانتاي من الدّنيا ))!

يَرَوْنَ دَمَ البَعُوضَةِ غَيْرَ حِلٍّ

وَقَـتْلَ بَني نَبيِّ اللهِ فَرْضا

روى الترمذي في سننه عن أُسامة بن زيد قال: طرقت النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مشتملٌ على شيء لا أدري ما هو، فلمّا فرغتُ من حاجتي

____________________

(1) السِلّة: بكسر السين، استلال السيوف.

(2) تاريخ ابن عساكر 13 / 74 - 75، الاحتجاج / 336، المناقب - لابن شهر آشوب 4 / 110، بحار الأنوار 45 / 83.

(3) مختصر تاريخ دمشق - لابن منظور 7 / 120، سنن ابن ماجة 1 / 51، مسند أحمد بن حنبل 4 / 172، أُسد الغابة 2 / 19، مستدرك الحاكم 3 / 177، نور الأبصار / 129.

(4) تاريخ ابن عساكر 13 / 50، من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام (النجف الأشرف)، سير أعلام النبلاء 3 / 190.

(5) صحيح البخاري - كتاب الأدب، فضائل الخمسة من الصحاح الستّة 3 / 183، صحيح الترمذي 13 / 193، دار إحياء التراث العربي - بيروت.


قلتُ: ما هذا الذي أنت مشتملٌ عليه؟

فكشفه فإذا حسنٌ وحسينٌعليهما‌السلام على وَرْكَيه، فقال: (( هذان ابناي وابنا ابنتي، اللّهمّ إنّي أُحبّهما فأحبّهما وأحبَّ مَنْ يُحبّهما ))(1) .

وعن أنس بن مالك: كانصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول لفاطمة: (( ادْعي لي ابنيَّ )). فيشمّهما ويضمّهما إليه(2) .

وقال ابن عساكر في التاريخ الكبير: كان الحسينعليه‌السلام في جنازة فأعيا وقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطَرَف ثوبه، فقال له: (( يا أبا هريرة، وأنت تفعل هذا! )).

فقال له: دعني، فوالله لو يعلمُ الناسُ منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(3) .

هذا فضل الحسين (صلوات الله وسلامه عليه). أبهذا يُجازى محمّدٌ في عترته وقد كرّر وصاياه برعايتهم والاحتفاظ بكرامتهم، وما طلب أجراً على رسالته إلاّ مودّتهم( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَاً إلاّ المَوَدَّةَ في القُربى ) (4) ؟!

قال ابن حجر في الصّواعق: أخرج أحمد والطّبراني والحاكم أنّه لمّا نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، مَنْ قرابتك الذين وجبتْ علينا مودّتهم؟

قال: (( عليٌّ وفاطمة وابناهما ))(5) .

قال شمس الدّين ابن العربي(6) :

رَأَيْـتُ وِلائـي آلَ طـه فَريضَةً

عَلى رَغْمِ أَهْلِ البُعْدِ يُورثني القُربى

____________________

(1) صحيح الترمذي - لابن العربي المالكي 13 / 192 - 193، دار إحياء التراث العربي - بيروت.

(2) المصدر نفسه / 194، فيض القدير 1 / 148.

(3) سير أعلام النبلاء 3 / 193، كفاية الطالب / 425، مختصر تاريخ دمشق - لابن منظور 7 / 128.

(4) سورة الشورى / 23.

(5) الصواعق المحرقة / 101.

وأخرج أحمد في المناقب، وابن منذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والواحدي، والثعلبي، وأبو نعيم، والبغوي في تفسيره، وابن المغازلي في المناقب بأسانيدهم عن ابن عباس قال: لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، مَنْ قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟ فقال: (( علي وفاطمة وابناهما )). (الغدير 2 / 307).

(6) الصواعق المحرقة / 101، ونقلها العلاّمة الأميني في الغدير 2 / 310.


فَما سَأَلَ المَبْعُوثُ أجراً على الهُدى

بِـتَبْلِيغِهِ إلاّ الـمَوَدَّةَ فـي القُربى

ويحقّ أن نذكر أبيات أسماء بنت عقيل بن أبي طالب لمّا خرجتْ بالمدينة يوم رجوع السبايا من كربلاء باكين نائحين؛ جاءت أسماءُ بنت عقيل في لمّة من نسائها حاسرةً حتّى انتهتْ إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلاذتْ به، وشهقتْ عنده، ثمّ التفتت إلى المهاجرين والأنصارِ وهي تقول:

مـاذا تَـقُولُونَ إنْ قـالَ الـنبيُّ لَكُمْ

مــاذا فَـعَلْتُمْ وأَنْـتُم آخِـرُ الأُمَـمِ

بِـعِـتْرَتي وبـأَهلي بَـعْدَ مُـفتقدي

مِـنْهُمْ أُسـارى ومِـنْهُمْ خُضِّبوا بدمِ

مـا كـانَ هذا جَزائي إذْ نَصَحْتُ لَكُمْ

أنْ تُخْلِفُوني بِسُوءٍ في ذَوي رَحمي(1)

وروى الشبلنجي في (نور الأبصار) عن زيد بن أبي زياد قال: خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من بيت عائشة فمرَّ على بيت فاطمةعليها‌السلام ، فسمع حُسيناً يبكي، فقال: (( ألمْ تَعلمي أنّ بُكاءهُ يُؤذيني؟! ))(2) .

وحسبه كرامةً لا يُشاركه فيها إلاّ أخوه الحسن المجتبى أنّه هو المراد بالأبناء في آية المباهلة، وأنّه من أهل العبا الّذين لا يُدْرَكُ أمَدُ فضلهم، وممّن نزلت سورةُ «هل أتى» في حقّهم( وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسيراً ) (3) ، وأنّه من ذوي القربى، وممّن نزلت بهم آية التطهير(4) وما إلى ذلك من المناقب.

لمّا مات معاوية(5) ومَلَك الأمر ولده يزيد كتب إلى عامله بالمدينة أن يأخذ البيعة له من أهل المدينة عامّةً، ومن الحسين خاصّةً، ولا يُرخّصُ له في التأخير، وإن أبى يضرب عنقه.

____________________

(1) مروج الذهب 2 / 75، تاريخ الطبري 4 / 293 - 294، مؤسسة الأعلمي - بيروت، الكامل - لابن الأثير 4 / 39، أدب الطفّ 1 / 67.

(2) مجمع الزوائد 9 / 201، سير أعلام النبلاء 3 / 191، المعجم الكبير - للطبراني، ذخائر العقبى / 143.

(3) سورة الدهر / 8.

(4) سورة الأحزاب / 33.

(5) مات معاوية بن أبي سفيان في النصف من رجب سنة ستين من الهجرة.


وكان عامله إذ ذاك الوليد بن عتبة، فاستدعى الوليد الحسينعليه‌السلام ، فأنفذ الحسين إلى جماعة من بني هاشم وقال لهم: (( إنّ الوليد استدعاني ولستُ آمنُ أن يُكلّفني أمراً لا أُجيبه إليه، فكونوا معي على الباب؛ فإنْ سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عَلَيّ لتمنعوه عنّي )).

ثمّ صار إلى الوليد، فوجد عنده مروان بن الحكم، فنعى إليه الوليد معاوية، فاسترجع الحسينعليه‌السلام ، ثمّ قرأ الوليد كتاب يزيد وما أمره فيه من أخذِ البيعة منه، فقالعليه‌السلام : (( إنّي لا أراك تقنعُ ببيعتي ليزيد سِرّاً حتّى أُبايعه جهراً ))(1) .

فقال له الوليد: أجَلْ.

فقالعليه‌السلام : (( تُصبح فترى رأيك في ذلك )).

فقال الوليد: انصرف على اسم الله حتّى تأتينا مع الناس.

فقال له مروان: لئِنْ فارقك الحسين الساعة ولم يُبايع لا قدرْتَ منه على مثلها أبداً. احبس الرّجل ولا يخرج حتّى يُبايع أو تضربَ عنقه.

فوثب الحسينعليه‌السلام وقال: (( يابن الزرقاء، أنت تقتلني أم هو؟! كذبت والله وأثمت ))(2) .

فجرّد مروان سيفه وصاح بالوليد: مُر سيّافك أن يضرب عنقه ودمه في عنقي.

وارتفعت الصّيحة فهجم تسعة عشر رجلاً من أهل بيتهعليهم‌السلام وقد انتضوا سيوفهم وخناجرهم، فقال الحسينعليه‌السلام للوليد: (( يا أمير، إنّا أهل بيت النبوّة، وموضع الرّسالة، ومختلف الملائكة؛ بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجلٌ فاسقٌ، شاربُ الخمر، قاتل النّفس المحترمة، ومثلي لا يُبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة ))(3) .

ثمّ خرج يتهادى بين مواليه وهو يتمثّل بقول يزيد بن المُفرّغ:

لا ذَعَرْتُ السَّوامَ في غَسَقِ(4) الصُّبـ

ـحِ مُـغِيراً ولا دُعـيتُ يزيدا(5)

يَوْمَ أَعْطَى مَخافَةَ المَوْتِ(6) ضَيْماً

والـمَنايا يَـرْصُدْنني أن أحيدا(7)

____________________

(1) الإرشاد / 200، أعيان الشيعة 1 / 587.

(2) وفي رواية ابن الأثير 3 / 264 ولؤمت.

(3) الفتوح 5 / 18.

(4) في تاريخ الطبري 4 / 253، طبع مؤسسة الأعلمي - بيروت: في فلق الصُبح.

(5) هو يزيد بن المفرّغ.

(6) في تاريخ الطبري 4 / 253، بدل «مخافة الموت» توجد «مِن المهابة».

(7) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 186، وفي أنساب الأشراف 4 / 66: تمثّل بهذين البيتين في مكّة المكرّمة.


خرج الحسينعليه‌السلام من المدينة لليلتين بقيتا من رجب، وهو يقرأ: ((فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِين ))(1) ، ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: لو تنكّبت الطريق كما فعل ابن الزّبير؛ لكيلا يلحقك الطلبُ.

قال: (( لا والله، لا أُفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض ))(2) .

تأبى نفسه الكبيرة أن يخرج خروج المُتكتّم الهارب، فوصفه شاعره بقوله:

غَـداةَ بـني عَـبْدِ المُنافِ أُنُوفُهُمْ

أَبَتْ أنْ يُسَافَ الضَّيْمُ مِنها بمَنشقِ

سَـرَتْ لم تنكّب عن طَريقٍ لغَيرهِ

حِـذارَ العِدى بل بالطَّريقِ المُطرَّقِ

إلى أَنْ أَتَتْ أَرضَ الطُّفُوفِ فخيّمتْ

بـأعلى سـنامٍ للعَلاءِ ومِفْرَقِ(3)

فلقيه عبد الله بن مطيع، وكان من أشراف العرب، فقال له: جُعلت فداك! أين تريد؟

قال: (( أمّا الآن فمكّة، وأمّا بعد فإنّي أستخير الله )).

قال: خار الله لك، وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكّة فإيّاك أن تقرَبَ الكوفة؛ فإنّها بلدةٌ مشؤومةٌ؛ بها قُتل أبوك، وخُذل أخوك، واغتيل بطعنة كادتْ تأتي على نفسه. الزم الحرم فأنت سيّد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً، أو يتداعى إليك الناس من كلّ جانب. لا تُفارق الحرم فداك عمّي وخالي؛ فوالله لئنْ هلكْتَ لنُستَرَقنّ من بعدك(4) .

أي إذا اجترؤوا عليك لا تبقى حُرمةٌ لأحد، ولا كرامةٌ لشريف.

وذكر الذهبيّ في تاريخ الإسلام في تاريخ مقتل الحسينعليه‌السلام عن الواقدي، عن أبي

____________________

(1) سورة القصص / 21.

(2) مقتل الحسين - للمقرّم / 140، تاريخ الطبري 4 / 253، الإرشاد / 202، الكامل في التاريخ 2 / 531.

(3) القصيدة للشيخ صالح الكوّاز، رياض المدح والرثاء / 640 طبع قم.

(4) الحوار الذي دار بين الإمام الحسينعليه‌السلام وعبد الله بن مطيع ذُكِرَ في كلٍّ من: الفتوح 5 / 25، ومقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 189، وفيه: فودّعه الحسين ودعا له بالخير، أنساب الأشراف 3 / 155، تاريخ الطبري 4 / 261، وسيلة المآل في عدّ مناقب الآل / 185.


عون قال: خرج الحسين من المدينة إلى مكّة، فمرّ بابن مُطيع وهو يحفر بئره، فقال: أين فداك أبي وأُمّي؟ متّعنا بنفسك ولا تَسِرْ. فأبى الحسينعليه‌السلام ، فقال: إنّ بئري هذه رشّحتها، وهذا اليومُ أوانُ ما خرج إلينا في الدلوِ، فلو دعوتَ لنا فيها بالبركة.

قال: (( هات من مائها )).

فأتى بماء في الدلو فشرب منه، ثمّ تمضمض ثمّ ردّه في البئر.

وروى ابن عساكر هذا الخبر في التأريخ الكبير بزيادة وهو: أنّ البئر كان ماؤها مالحاً، فشرب منه فتمضمض ثمّ ردّه في البئر فعذب ماؤها(1) .

ولمّا فصل الحسين متوجّهاً إلى مكة دعا بقرطاس وكتب فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى بني هاشم. أمّا بعد، فإنّه مَنْ لَحِقَ بي منكم استُشهد، ومَنْ تخلّف لم يبلغ مبلغَ الفتح، والسّلام ))(2) .

قال أرباب السير: ودخل الحسينعليه‌السلام مكّة المكرّمة ليلة الجمعة لثلاث مضَيْن من شعبان(3) وهو يقرأ:( ولَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَني سَواءَ السَّبِيل ) (4) ، ثمّ نزلها وجعل أهلها يختلفون إليه، وغدَتْ كتبُ الكوفة تترى عليه(5) حتّى اجتمع عنده من الكتب والرّسائل اثنا عشر ألف كتاب(6) ، وهو مع ذلك يتأنّى ولا يُجيبهم.

ثمّ أرسل إليهم ابن عمّه مسلم بن عقيل، وكتب معه: (( من الحسين بن علي إلى الملأ المؤمنين. أمّا بعد، فقد قدِمَتْ عَلَيّ رُسلكم، وفهِمْتُ ما ذكرْتُم من محبّتكم لقدومي، وأنا باعثٌ إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ))(7) .

____________________

(1) تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام / 155.

(2) بصائر الدرجات / 481، ح5، اللهوف / 28، المناقب - لابن شهر آشوب 4 / 76، مثير الأحزان / 39، الخرائج والجرائح 2 / 771، بحار الأنوار 44 / 330 و45 / 84 و42 / 81، العوالم 17 / 179.

(3) الإرشاد / 202، بحار الأنوار 44 / 332، العوالم 17 / 181، الكامل 2 / 531، الفتوح 5 / 25، أعيان الشيعة 1 / 588، المنتظم - لابن الجوزي.

(4) تاريخ الطبري 4 / 261، والآية في سورة القصص / 22.

(5) تاريخ الطبري 4 / 261.

(6) اللهوف / 19.

(7) نصّ الرسالة ذُكِرَت في كلٍّ من: الإرشاد 2 / 36، طبع إيران، تاريخ الطبري 4 / 262، الأخبار الطوال / 238، الفتوح 5 / 35، مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 195، وسيلة المآل / 186، مكتبة السيّد الحكيم - النجف.


واستدعى مسلم بن عقيل وأمره بالمسير إلى الكوفة، وأوصاه بتقوى الله، وكتمان أمره، واللطف، فإنْ رأى الناس مجتمعين عجّل إليه بذلك(1) . فلمّا دخل مسلم الكوفة استبشر به أهلها وبايعه خمسةٌ وعشرون ألف رجل(2) ، فكتب بذلك إلى الحسين.

وكتب عمارةُ بن عقبة وعمر بن سعد إلى يزيد يُخبرانه بخبر مسلم(3) ، فأنفذ يزيد عبيد الله بن زياد إلى الكوفة(4) ، ولمّا دخل عبيد الله إلى الكوفة جعل أصحاب مسلم يتفرّقون، ويُخذّل بعضهم بعضاً(5) .

واختفى مسلم في دار المختار، ثمّ في دار هاني بن عروة، فأُخبر ابن زياد بذلك، فأحضر هانياً وكلّمه في أمر مسلم، فامتنع هاني من تسليمه إيّاه، وجرى بينهما كلامٌ كثيرٌ حتّى رفع ابن زياد قضيباً كان عنده فهشّم به وجْه هاني، وكسر أنفه(6) ، فحمل عليه هاني بالسّيف وجرحه جُرَحاً مُنكراً، فتكاثرت عليه الرجال وأوثقوه كِتافاً(7) .

ولمّا بلغ مسلماً خبر هاني خرج بمَنْ بايعه إلى حرب ابن زياد(8) ، فتحصّن منه بقصر الإمارة، وجعل أصحاب ابن زياد يُشرفون من القصر ويُحذّرون أصحاب مسلم ويتوعّدونهم أجنادَ الشّام، فجعل أصحاب مسلم يتفرّقون عنه، وأضحى وحيداً في دروب الكوفة لا يدري أين يذهب(9) .

فوقف على باب امرأة يُقال لها: طوعة، فطلب منها ماءً فسقَتْهُ،

____________________

(1) الفتوح 5 / 36، مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 197، الكامل - لابن الأثير 2 / 534، الإرشاد 2 / 37، طبع إيران.

(2) المناقب - لابن شهر آشوب 2 / 310.

(3) الإرشاد 2 / 37، طبع إيران، تاريخ الطبري 4 / 265.

(4) تاريخ الطبري 4 / 265، سير أعلام النبلاء 3 / 201.

(5) حياة الإمام الحسين - للقرشي 2 / 358.

(6) الكامل 2 / 540، مثير الأحزان - لابن نما.

(7) الإرشاد 2 / 48، طبع إيران.

(8) الكامل 2 / 540.

(9) الكامل 2 / 541.


وأدخلت الإناء، ثمّ خرجت فقالت: يا عبد الله، ألم تشربْ؟ قال: بلى. قالتْ: فاذْهب إلى أهلك. فسكت، ثمّ أعادتْ مثل ذلك فسكت، ثمّ قالت في الثالثة: سبحان الله! يا عبد الله، قُمْ عافاك الله إلى أهلك؛ فإنّه لا يُصلح لك الجلوس على بابي، ولا اُحلّه لك(1) .

فقام وقال: يا أمة الله، ما لي في هذا المصر أهْلٌ ولا عشيرة(2) ، فهل لَكِ في أجْرٍ ومعروف ولعلّي مُكافيك بعد هذا اليوم؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبّني هؤلاء القوم وغرّوني وأخرجوني. قالت: أنت مسلم؟! قال: نعم. قالت: ادخل. وأدخلته في بيت غير البيت الذي تكون فيه، وعرضتْ عليه العشاء فلم يتعشَّ، وجاء وَلَدُها فرآها تُكثرُ الدّخول في البيت والخروج منه، فسألها عن ذلك فنهرتْهُ، فألحّ عليها، فأخذت عليه العهد وأخبرتْهُ، فأمسك عنها وأسرّ في نفسه إلى أنْ طلع الفجر فغدا على ابن زياد وأخبره، فالتفت إلى محمّد بن الأشعث وقال: قُم وائتني به، وأرسل معه سبعين رجلاً.

فلمّا سمع مسلم وَقْعَ حوافر الخيل خرج إليهم بسيفه، وجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً وهم يزدحمون عليه، وأشرف منهم خلْقٌ على الحيطان وفوق السّطوح، وأخذوا يضربونه بالحجارة، ويُلهِبون النار في أطنان القصب ثمّ يرمونها عليه، وجعل ابن زياد يُمدّهم بالخيل والرّجال، ومسلمٌ يضرب فيهم ويقول:

أَقْـسَـمْتُ لا أُقْـتَـلُ إلاّ حُــرَّا

وإنْ رَأَيْتُ المَوْتَ شَيئاً نُكْرا(3)(4)

____________________

(1) الكامل 2 / 541.

(2) آنه مسلم الفاجد نصيره.

(3) تاريخ الطبري 4 / 279، الكامل 2 / 542.

(4)

يـمسلم ويـن ذاك الـيوم عـبّاس

يـجيك بـشيمته ومـفرّع الراس

اُو يشوفك يوم صابك نذل الارجاس

وهـويت من الگصر فوگ الوطيّه

يـمسلم ويـن ذاك الـيوم عـمّك

يـجيك ايـعاينك غـارج ابـدمّك

وحـيد اُو مـحّد مـن النّاس يمّك

غـريب بـهل الـبلد مـالك تچيّه


وصاح ابن الأشعث: الأمانُ لك يا مسلم.

قال: لا أمان لكم.

وأسند ظهره إلى تلك الدّار التي كان فيها، فضربه بكر بن حمران الأحمري على شَفَتِهِ العُليا فقطعها، وضربه مسلم على حَبْلِ عاتقه ضربةً مُنكرةً، وازدحموا عليه فأوثقوه كِتافاً وجاؤوا به إلى ابن زياد، فقال: اصعدوا به أعلى القصر فاضربوا عُنُقه، واتبعوا رأسه جسده.

فصعدوا به وهو يُكبّر الله ويُوحّده، فضربوا عنقه ورموا بجسده من أعلى القصر إلى الأرض، ثمّ أمر ابن زياد بهاني فاُخرج إلى السُوق وضُرِبَتْ عنقه(1)(2) .

قال أرباب السير: وكان خروج مسلم بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضَيْن من ذي

____________________

(1) الإرشاد 2 / 57 - 58، طبع إيران، الكامل 2 / 542، مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 213.

(2)

والـمگدّر گضه او شاعت اخباره

رمـوه الگوم مـن گصر الإماره

او هاني انچتل عگبه او بگت داره

مـظلمه او لا بـعد واحـد يصلها

مـصيبتهم مصيبة اتصدع الأجبال

او مِن گبل المشيب تشيب الأطفال

شـفت مـيّت يـجرّونه بالأحبال

* * *

سـقتك دماً يابن عمِّ الحسين

مَـدامِـعُ شـيعتك الـسافحه

ولا بـرحت هاطلات العيون

تُـحـيّيك غـاديـة رائـحه

رمـوك مِن القصر إذْ أوثقوك

فهل سَلِمَتْ فيك مِن جارحه

وسـحـباً تُـجَرُّ بـأسواقهم

ألـستَ أمـيرهم البارحه

قـضيتَ ولـم تبكك الباكيات

السيّد باقر الهندي - أدب الطفّ 8 / 223


الحجّة، وهو اليوم الذي خرج فيه الحسينعليه‌السلام من مكّة، وهو يوم التروية(1) .

طاف بالبيت سبعاً، وسعى بين الصّفا والمروة، وأحلّ من إحرامه وجعلها عُمرةً مُفردة؛ لعدم تمكّنه من إتمام الحجّ(2) ؛ لأنّ يزيدَ دسّ مع الحاجّ ثلاثين رجلاً وأمرهم أن يغتالوا الحسين ولو كان مُتعلّقاً بأستار الكعبة(3) .

فقالعليه‌السلام : (( لو لم أخرج لهُتِكتْ حُرمة البيت ))(4) .

فلمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً ليلة الثامنة من ذي الحجّة، فقال(5) : (( الحمد لله، وما شاء الله، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وصلّى الله على رسوله، خُطَّ الموتُ على وُلْدِ آدمَ مَخطَّ القلادة على جيد الفتاة، وما أوْلهني إلى أسلافي اشتياق يعقوبَ إلى يوسف.

وخُيِّرَ لي مَصرعٌ أنا لاقيه، كأنّي بأوصالي تُقطّعها عُسلانُ الفلوات(6) بين النّواويس وكربلاء، فيملأنَ منّي أكراشاً جَوْفاً، وأجربةً سَغْباً، لا مَحيص عن يوم خُطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبرُ على بلائه ويُوفّينا اُجور الصّابرين. ألا ومَنْ كان فينا باذلاً مُهجَتَهُ، مُوطّناً على لقاء الله نَفْسَهُ فلْيَرْحَلْ معنا؛ فإنّي راحلٌ مُصبحاً إن شاء الله تعالى )).

وخرج بأهله ووُلده ومَنْ تبعه من شيعته، ولم يكن خبرُ مسلم قد بلغه، فلمّا وصل إلى الحاجر من بَطْنِ ذي الرّمة(7) بعث قيس بن مُسهّر الصيداوي(8) إلى الكوفة، وكتب معه:

____________________

(1) الأقوال في شهادة مسلم ثلاثة:

الأوّل: وهو رأي المؤلّف هو يوم الثامن من ذي الحجّة، وهو الظاهر من تاريخ أبي الفداء 2 / 19، تذكرة الخواص / 139.

والثاني: يوم الثالث من ذي الحجّة كما في اللهوف.

والثالث: يوم عرفة كما جاء في الإرشاد والمصباح، ومثير الأحزان والطبري.

(2) الإرشاد 2 / 68، طبع إيران، مثير الأحزان / 38.

(3) حياة الإمام الحسين - للقرشي 3 / 47، نقلاً عن تاريخ اليعقوبي 2 / 221.

(4) قال الإمام الحسينعليه‌السلام لأخيه محمّد بن الحنفيّة: (( يا أخي، قد خِفْتُ أنْ يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فأكون الذي يُستباح به حُرمة هذا البيت )). (اللهوف / 27، بحار الأنوار 44 / 264، العوالم 17 / 214، أعيان الشيعة 1 / 593).

(5) مثير الأحزان / 41، اللهوف / 26، كشف الغمة 2 / 29، بحار الأنوار 44 / 266، العوالم 17 / 216، أعيان الشيعة 1 / 593، حياة الإمام الحسين - للقرشي 3 / 48.

(6) عسلان الفلوات: ذئاب الفلوات.

(7) وهو أحد منازل الحج من طريق البادية. راجع: مقتل الحسين - للمقرّم، هامش / 175.

(8) في بعض الكتب - مثل روضة الواعظين - ذكروا أنّ الإمامعليه‌السلام بعث الكتاب مع عبد الله بن يقطر... أقول: ويجوز أنّهعليه‌السلام أرسل إلى أهل الكوفة كتابين؛ أحدهما مع عبد الله بن يقطر، والآخر مع قيس بن مسهّر.


(( بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن عليّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلامٌ عليكم، فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلاّ هو. أمّا بعد، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يُخبرني فيه بحُسْنِ رأيكم، واجتماع مَلَئكم على نصرنا والطّلب بحقّنا، فسألت الله أنْ يُحْسِن لنا الصُّنْع، وأن يُثيبكم على ذلك أعظم الأجر.

وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثُّلاثاء لثمان مضَيْن من ذي الحجّة يوم التّروية، فإذا ورد عليكم رسولي فانكمشوا(1) في أمركم وجِدّوا؛ فإنّي قادمٌ عليكم في أيّامي هذه إن شاء الله، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته ))(2) .

ولمّا بلغ عبيد الله بن زياد خروج الحسينعليه‌السلام من مكّة، وأنّه توجّه نحو العراق بعث الحُصين بن نُمير صاحب شرطته؛ فنظّم الخَيْلَ من القادسيّة إلى خَفّان، وما بين القَطْقُطانة إلى جبل لَعْلَع(3) ، وقال النّاس: هذا الحسين يُريد العراق.

ووصل قيس بن مسهّر الصيداوي إلى القادسيّة يحمل كتاب الحسينعليه‌السلام ، فاعترضه الحُصين بن نُمير ليُفتّشه، فبادر قيس ومزّق الكتاب؛ لأنّ فيه أسماء جماعة من شيعة الحسين بالكوفة؛ منهم سليمان بن صَرْد الخُزاعي، والمُسيّب بن نُجْبَة، ورِفاعة بن شدّاد، فوضع عليه خَفَراً ثمّ حمله إلى الكوفة.

فلمّا مَثُلَ بين يدي ابن زياد قال له: مَنْ أنت؟

قال: أنا رجلٌ من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابنه.

قال: فلماذا مزّقْت الكتاب؟

قال: لئلاّ تَعْلَم ما فيه.

قال: ممّن الكتاب، وإلى مَنْ؟

قال: من الحسينعليه‌السلام إلى جماعة لا أعرف أسماءهم.

فغضب ابن زياد وقال: والله لا تُفارقني حتّى تُخبرني بأسماء هؤلاء القوم، أو تصعد المنبر فتسبّ الحسين بن

____________________

(1) في البداية والنهاية 8 / 181، بدل «فانكمشوا» عبارة «فاكتموا»، وفي تاريخ الطبري 4 / 297 عبارة «فاكمشوا».

(2) الإرشاد 2 / 72، طبع إيران، والمصادر السابقة.

(3) تاريخ الطبري 4 / 297.


عليٍّ وأباه وأخاه، وإلاّ قطّعتُك إرباً إرباً.

فقال: أمّا القوم فلا اُخبرك بأسمائهم، وأمّا السبّ فأفعلُ - وحاشاه -.

فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّ وأكثر من الترحّم على عليٍّ والحسن والحسين، ثمّ لعن عبيد الله بن زياد وعُتاة بني اُميّة عن آخرهم، ثمّ صاح: أيّها النّاس، أنا رسول الحسين إليكم، وقد خلّفته بالحاجر من بَطْن الرمّة فأجيبوه. فأمر به ابن زياد أن يُرمى من أعلى القصر إلى الأرض، فكانت كلماته تتصاعد وجسده يَهوى حتّى أتمّ ما عنده وأتمّوا ما عندهم(1) .

وبلغ الحسينعليه‌السلام خبر مقتله ومقتل مسلم وهاني(2) ، فخطب بأصحابه: (( أيّها النّاس، أتانا خبر فظيعٌ؛ قَتْلُ مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمَنْ أحبَّ منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذِمامٌ )). فتفرّق النّاس عنه، وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه(3) ، هذا والحسين مطأطئ برأسه إلى الأرض(4) .

ثمّ سار حتّى نزل بذي جُشم، فاستقبله الحرّ الرياحيّ في ألفِ فارس وقد مَضَّ به وبأصحابه

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 297، الإرشاد 2 / 72، طبع إيران، البداية والنهاية 8 / 181 - 182، الكامل في التاريخ 2 / 548.

(2) الخبر وصل للإمام الحسينعليه‌السلام وهو في منطقة «زبالة»، وهو منزل معروف بطريق مكة من الكوفة.

(3) تاريخ الطبري 4 / 300 - 301، البداية والنهاية 8 / 182، الإرشاد 2 / 77، طبع إيران.

(4) لمّا وصل خبر مقتل مسلم بن عقيل استعبر الحسينعليه‌السلام باكياً، ثمّ قال: (( رَحِمَ الله مسلماً؛ فلقد صار إلى رَوْحِ اللهِ وريحانه، وجنّته ورضوانه. ألا إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا )). ثمّ أنشأ يقول:

فَـإنْ تَـكُنِ الـدُّنْيا تُـعَدُّ نَـفيسَةً

فَـدارُ ثَـوابِ اللهِ أعـلى وأَنْـبَلُ

وإنْ تَـكُنِ الأبْـدانُ لِلْمَوتِ اُنشِئَتْ

فَقَتْلُ امرئ بالسيفِ في الله أفضلُ

وإنْ تَـكُنِ الأرْزاقُ قِـسْمَاً مُقدّراً

فَقِلَّةُ حِرْصِ المرءِ في الرزقِ أجْمَلُ

بحار الأنوار 44 / 374


العَطَشُ، فقال الحسينعليه‌السلام لِغُلمانه: (( اسقوا القومَ ورَشِّفوا الخيل ترشيفاً ))(1) .

فأقبلوا يَسقون الرجال، ويملؤون القِصاع والطِساس ثمّ يُدنونها من الفرس، فإذا عَبَّ فيها ثلاثاً أو أربعاً عُزلَتْ وسَقَوا آخرهُ حتّى سقَوْهم جميعاً وخيولهم(2) .

ولمّا التقى الحرّ مع الحسينعليه‌السلام قال له الحسين: (( أمَعَنا أم علينا؟ )).

قال: بل عليك يا أبا عبد الله.

قالعليه‌السلام : (( إنّا لله وإنّا إليه راجعون )).

فلمّا حضرَتْ الصلاةُ أمر الحسينعليه‌السلام مؤذّنه الحجّاج بن مسروق الجُعفي أن يؤذّن فأذّن، فقال الحسين للحرّ: (( تُصلّي بأصحابك؟ )).

قال: بل تصلّي أنت يا أبا عبد الله ونُصلّي بصلاتك.

فصلّى بهم الحسينعليه‌السلام ، ولمّا فرغ من الصّلاة قال - بعد ما حَمِدَ الله وأثنى عليه -: (( أيّها النّاس، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كُتُبكم، وقَدِمَتْ عَلَيّ رُسُلكم أنْ أقْدِمْ إلينا؛ فإنّه ليس لنا إمامٌ غيرك، لعلّ الله أنْ يجمعنا بك على الحقّ والهدى. فإنْ كنتم على ذلك فقد أتيتكم، فأعطوني به ما أطمئنّ من عهودكم ومواثيقكم، وإن كنتم لقدومي كارهين انصرفْتُ إلى المكان الّذي جئتُ منه ))(3) .

فقال له الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الرّسل والكتب التي أنت تذكر.

____________________

(1)

سَـقَيْتَ عِداكَ الماءَ مِنك تحنُّنا

بأرضِ فَلاة حيثُ لا يوجَدُ الماءُ

السيّد محمّد الكشميري - مقتل المقرّم / 183.

وقال الشيخ أحمد النحوي:

عَجَباً لهذا الخَلْقِ هلاّ أقبلوا

كلٌّ إليكَ بروحه لك فادي

شعراء الحلّة 1 / 70.

(2) الإرشاد 2 / 79، طبع إيران، مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 229، بحار الأنوار 44 / 375، أعيان الشيعة 1 / 596، تاريخ الطبري 4 / 302.

(3) الإرشاد 2 / 80، طبع إيران، بحار الأنوار 44 / 376، أعيان الشيعة 1 / 596، تاريخ الطبري 4 / 303.


فصاح الحسين بعُقْبة بن سمعان(1) : (( يا عُقْبَةُ، أخرج الخُرجين اللذين فيهما كتبهم )). فأخرَجَ خُرجين مملوءين صُحُفاً فنُثرتْ بين يديه، فقال الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الّذين كتبوا إليك، ولكن نحن اُمِرنا إذا نحن لقيناك لا نُفارقك حتّى نُقدمك الكوفة على ابن زياد.

فقال الحسينعليه‌السلام : (( الموتُ أدنى إليك من ذلك ))(2) . ثمّ أقبل على أصحابه فقال: (( قوموا واركبوا )). فركبوا وانتظروا حتّى إذا رُكِّبتْ النساءُ، قال لهم: (( سيروا )). فحال الحرّ بينهم وبين المسير، فقال الحسينعليه‌السلام للحُرّ: (( ثكَلَتْكَ اُمُّك! ما تُريد؟ )).

فقال له الحُرّ: أمّا لو غيرك من العرب يقول لي هذا، وهو مِثْلُ الحال التي أنت عليه، ما تركْتُ ذكر اُمّه بالثّكْل كائناً مَنْ كان، ولكنْ ما لي إلى ذِكْر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدرُ عليه.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( ما تُريد؟! )). قال: اُريد أن اُقدمك الكوفة على ابن زياد. فقالعليه‌السلام : (( إذَاً والله لا أتْبَعُك )). فقال: إذَاً واللهِ لا أدَعُك.

فلمّا كثر الكلام بينهما اتّفقا على أنْ يأخذ الحسينعليه‌السلام طريقاً لا يدخله الكوفة ولا يردّه إلى المدينة، فتياسر الحسينعليه‌السلام عن طريق العُذَيْب(3) والقادسيّة(4) .

ويُروى أنّ الطرمّاح تقدّم أمام الظعائن وجعل يقول(5) :

يا ناقَتي لا تَذْعَري مِنْ زَجْرِ

واسْـرِ بِنا قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ

بِـخَيرِ فِـتيانٍ وخَيرِ سِفْرِ

آلِ رسـولِ اللهِ آلِ الـفَخْرِ

الـضَّارِبينَ بالسّيوفِ البُتْرِ

الـطاعِنينَ بالرِّماحِ السُّمْرِ

يـا مالكَ النَفْعِ معاً والضُرِّ

أيِّـد حُسيناً سَيّدي بالنَّصْرِ

عـلى الطُّغاةِ مِنْ بَقايا الكُفْرِ

على اللَّعِينَيْنِ سَليلَي صَخْرِ

____________________

(1) هو مولى الرباب ابنة امرئ القيس الكلبيّة، زوجة الحسينعليه‌السلام . لمّا قُتل الحسين أخذه عمر بن سعد، فقال: ما أنت؟ قال: أنا عبدٌ مملوك. فخلّى سبيله، ولم ينجُ من أصحاب الحسينعليه‌السلام غيره وغير رجل آخر؛ ولذلك كان كثير من روايات الطفّ منقولاً عنه.

(2) الفتوح 5 / 87، تاريخ الطبري 4 / 303، مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 232.

(3) العذيب: واد لبني تميم، وهو حدّ السواد، وفيه مسلحة للفرس، بينه وبين القادسيّة ست أميال. وقيل له: عذيب الهجانات؛ لأنّ خيل النعمان ملك الحيرة ترعى فيه.

(4) الإرشاد 2 / 83، طبع إيران، تاريخ الطبري 4 / 304، الكامل في التاريخ 2 / 552.

(5) تاريخ الطبري 4 / 305، البداية والنهاية 8 / 187، مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 23، نفس المهموم / 153، كامل الزيارات / 95 مع اختلاف في العبارات والأبيات.


يَـزيدُ لا زالَ حَـليفَ الـخَمْرِ

وابنُ زيادِ العُهْرِ وابنُ العُهْرِ(1)

وقال له الحرّ: يا أبا عبد الله، إنّي اُذكّرك الله في نفسك؛ فإنّي أشهد لئن قاتلْتَ لتُقْتلنّ.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( أبالموت تُخوّفني؟! وهلْ يعدو بكم الخَطْبُ أنْ تقتلوني؟! وما أدري ما أقول لك، ولكنّي أقول كما قال أخو الأوْس لابن عمّه وهو يريد نُصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخوّفه ابن عمّه وقال: أين تذهب فإنّك مقتولٌ. فقال(2) :

سـأَمْضِي ومـا بالمَوتِ عَارٌ عَلَى الفَتَى

إذا مـا نَـوى خـيراً(3) وجاهد مُسلما

وآسـى الـرجالَ الـصّالحينَ بِـنفسه

وخالف(4) مثبوراً(5) وفارق(6) مجرما(7)

اُقــدّمُ نـفـسي لا اُريــدُ بَـقـاءَها

لِـتلقى خَـميساً فـي الـهِياجِ عَرَمْرَما

____________________

(1)

طوّح الحادي والظّعن هاج ابحنينه

او زينب تنادي سفرة الگشره علينه

صاحتْ ابكافلها شديد العزم والباس

شَمّر اردانك وانشر البيرغ يعبّاس

چنّي أعاينها مصيبه اتشيّب الراس

مـا ظَنّتي نرجع ابجمعتنه المدينه

(2) تاريخ الطبري 4 / 305، الإرشاد 2 / 82، طبع إيران، البداية والنهاية 8 / 187، الكامل 2 / 553.

(3) في تاريخ الطبري بدل «خيراً» توجد كلمة «حقّاً»، وكذلك في البداية والنهاية، وفي الكامل «خيراً».

(4) في تاريخ الطبري بدل «خالف» توجد كلمة «وفارق»، وفي الكامل كلمة «وخالف».

(5) الثبر: اللعن.

(6) في تاريخ الطبري بدل «وفارق» توجد كلمة «يَغُشُّ».

(7) في تاريخ الطبري بدل «مجرما» توجد كلمة «ويُرغَما»، وفي الكامل توجد «وفارق مجرما».


فإنْ عِشْتُ لَمْ أنْدَمْ وإنْ مِتُّ لَمْ اُلَمْ

كَفى بكَ ذُلاًّ أنْ تَعيشَ وتُرْغَما))(1)

فلمّا سمع الحرّ ذلك من الحسين تنحّى عنه، فكان يسير بأصحابه ناحيةً حتّى انتهوا إلى عُذيب الهجّانات.

ورُوي أنّ الحسينعليه‌السلام وقف خطيباً عندما اعترضه الحرّ الرياحي، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال(2) : (( أيّها النّاس، إنّ رسول الله قال: مَن رأى سلطاناً جائراً، مُستحلاً لِحُرَم الله، ناكِثاً لعهدِ الله، مُخالفاً لسنّة رسول الله، يَعْملُ في عباد اللهِ بالإثم والعُدوان فلم يُغيِّر ما عليه بفعل ولا قَوْل كان حقّاً على الله أنْ يُدخله مَدْخَلَهُ.

ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشّيطان وتركوا طاعة الرّحمن، وأظهروا الفَساد، وعطّلوا الحُدود، واسْتأثروا بالفَيء، وأحلّوا حرام اللهِ وحرّموا حلاله، وأنا أحقُّ مِن غَيري، وقد أتتني كُتُبكم ورُسُلكم( فَمَنْ نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ) (3) )).

ثمّ سار والحُرّ يتْبعُهُ حتّى نزل نينوى، فأتى الحُرَّ كتابٌ من ابن زياد يأمره أن

____________________

(1)

هذه انته يحسين بعقول الأحرارْ

هذه انته يلحيّي بجميع الأدوارْ

هذه انته يلتدوي بجميع الأقطار

هـذه انته يلمهِّد دروب الثوّارْ

بهل صفات يرسموك

ثاير حيي اسمّــوك

(مِن شعر المرحوم عبد الحسين أبو شبع)

(2) تاريخ الطبري 4 / 304، الكامل في التاريخ 2 / 552.

(3) سورة الفتح / 10.


يُجَعْجِع بالحسين، ولا يُنزله إلاّ بالعَراء على غير ماء.

فأتى الحُرّ الحسينعليه‌السلام وأخبره بكتاب ابن زياد حتّى أنزله كربلاء يوم الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين(1) ، فلمّا وصلها قالعليه‌السلام : (( ما اسمُ هذه الأرض؟ )).

فقيل: كربلاء.

فقال: (( اللّهمّ أعوذ بك من الكَرْبِ والبلاء )). ثمّ أقبل على أصحابه فقال: (( النّاسُ عَبيدُ الدّنيا، والدّينُ لَعَقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما دَرَّتْ معايشُهمْ، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قَلَّ الديّانون )).

ثمّ قالعليه‌السلام : (( أهذه كربلاء؟ )).

قالوا: نعم يابن رسول الله.

قال: (( انزلوا، هاهنا مُناخُ ركابنا، ومَحَطُّ رحالنا، ومَقْتل رجالنا، ومَسْفكُ دمائنا ))(2)(3) . ثمّ جمع ولْده وإخوَته وأهل بيته، ثمّ نظر

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 188 - 189، الكامل في التاريخ 2 / 555، الإرشاد 2 / 85 - 86، طبع إيران، تاريخ الطبري 4 / 308 - 309، بحار الأنوار 44 / 380.

(2) مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 34، بحار الأنوار 44 / 383.

(3)

يقول ألا اخبروني ما اسمُ أرضٍ

أرانـي كـارهاً فـيها نـزولي

أبـينوا ما اسمها المشهور عنها

فـقالوا كـربلا يابن الرسولِ

فـقال هـي الـبلاء وفي ثراها

تُـريقُ دمـاءَنا أيـدي الـنغولِ

بـها تـضحى أعـزّتنا اُسـارى

يـلـوحُ عـليهمُ كـسرُ الـذّليلِ

بـهـا تُـسبى كـرائمنا وفـيها

يـتـامانا تَـعثّر فـي الـذّيولِ

القصيدة للخليعي - منتخب الطريحي / 52.

أرض مـثلچ بالأراضي ما حوت

بـدور ظـلّت بيچ بالظلمه ضوت

آنـه مـا أدري بـيوم اتـسلّبت

صـدگ تـستر لـلوجه بـيمينه

مِن نزل سبط النبي برض الطفوف

إجـت لـيه اعداه واعياله تشوف

او زينب تگلّه يخويه اشهل الألوف

هـاي إلـنه لـو عـلينه ازحوفها

گلـها يـا زيـنب علينه اتجمّعت

والـحربنه الـيوم كـلها اتولّمت

بـايعتنه او نـكثت البيعه او اجت

او لا أمَـل إلـنه صفى بمعروفها

الشعر للخطيب الشيخ جعفر الهلالي - أدب المنبر / 114.


إليهم فبكى ساعةً، ثمّ قال: (( اللّهمّ إنّا عترةُ نبيّك محمّد، وقد اُزْعِجْنا وطُردْنا، واُخرجنا عن حَرَم جدّنا، وتَعَدَّتْ بنو اُميّة علينا، فخُدْ لنا بِحَقِّنا، وانْصُرنا على القوم الظّالمين ))(1) .

ثمّ كتب الحرّ إلى ابن زياد يُخبره بذلك، فجَيَّش ابن زياد جَيشاً ولّى عليه عمر بن سعد، وهي أوّل راية سارتْ إلى حرب الحسينعليه‌السلام ، وكان تحتها ستّةُ آلاف فارس، ثمّ دعا شَبَثَ بن رِبعي وعَقَدَ له رايةً وضمّ إليه أربعة آلاف فارس، ثمّ دعا(2) بعروة بن قيس وعَقَدَ له رايةً على أربعة آلاف فارس، ثمّ دعا سِنان بن أنس وعَقَدَ له رايةً على أربعة آلاف فارس(3)(4) .

____________________

(1) مقتل الحسين - للمقرّم / 193.

(2) في تاريخ الطبري 4 / 320 بدل «عروة» «عزرة».

(3) تاريخ الطبري 4 / 320 - 321، مقتل المقرّم / 226.

(4)

عـشـيّةَ أنـهـضَها بَـغيُها

فـجاءته تـركبُ طـغيانَها

بِجَمْعٍ من الأرضِ سَدَّ الفروج

فـغطّى الـنجودَ وغـيطانَها

وسـامَتْهُ يركبُ إحدى اثنتين

وقـد صَرّتِ الحربُ أسنانها

فـإمّا يُـرى مُذعناً أو تموت

نـفسٌ أبـى الـعِزُّ إذعانَها

فـقال لـها: اعتصمي بالإبا

فـنفسُ الأبـيِّ ومـا زانَـها

إذا لـم تجدْ غيرَ لُبْسِ الهَوان

فـبالموتِ تـنزعُ جُـثمانَها

رأى القَتْلَ صبراً شعارَ الكرام

وفـخراً يـزينُ لـها شانَها

فـشَمَّر لـلحربِ عن معركٍ

بـه عَـرَكَ الموتُ فرسانَها

وأضـرَمها لِـعنانِ الـسماء

حـمـراءَ تـلـفحُ أعـنانَها

السيّد حيدر الحلّي - رياض المدح والرثاء / 86.


وقام الحسينعليه‌السلام خطيباً في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: (( إنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد تَرَوْنَ، وإنّ الدّنيا قد تغيّرتْ وتنكّرتْ، وأدبر معروفها، ولم يَبْقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخَسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا تَرَوْنَ إلى الحقّ لا يُعْمَلُ به، والباطلِ لا يُتناهى عنه؟! لِيَرْغَبَ المؤمن في لقاء ربّه مُحِقاً؛ فإنّي لا أرى الموتَ إلاّ سعادةً، والحياةَ مع الظالمين إلاّ بَرَماً ))(1) .

فسمعه القوم فقالوا له: لِم نفعل.

فقالعليه‌السلام : (( سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم )).

ثمّ قال: (( أيّها النّاس، إذ كرهتموني فدَعُوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض )).

فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن انزِل على حُكْم بني عمّك؛ فإنّهم لن يُروكَ إلاّ ما تُحِب.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( لا والله، لا اُعطيكم بيدي إعطاء الذّليل، ولا أفرُّ فِرار العبيد ))(2)(3) .

____________________

(1) مختصر تاريخ دمشق - لابن منظور 7 / 146، تاريخ الطبري 4 / 305، اللهوف / 34، سير أعلام النبلاء 3 / 209.

(2) البداية والنهاية 8 / 194، تاريخ الطبري 4 / 323.

(3)

فهيهات أنْ يستسلمَ الليثُ ضارعاً

ويـسلس منه لابن مَيسونَ مِقوَدا

فـجرَّدَ بـأساً مِـن حسامٍ كأنّما

بـشفرتِهِ الـموتُ الزؤام تجرّدا

الشيخ قاسم الملا - أدب الطفّ 10 / 75.


ثمّ نادى: (( يا عباد الله،( إنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُون ) (1) إنّي أَعُوذُ ( بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤمِنُ بِيَوْمِ الحِسَابِ ) (2) )). ثمّ إنّه أناخ راحلته، وأمر عُقْبة بن سمعان فعقلها.

وأقبلوا يزحفون نحوه(3) ، ودعا بفرسه فركبها، واستنْصتهم فأبوا أن ينصتوا، فقال لهم: (( ويلكم! ما عليكم أن تنصِتوا إليّ فتسمعوا قولي؟! ))(4) . فتلاومَ أصحاب عمر بن سعد بينهم، وقالوا: أنصتوا له.

فحمد الله وأثنى عليه، وذكره بما هو أهله، وصلّى على محمّد، وعلى الملائكة، والأنبياء والرّسل، وأبلغ في المقال، ثمّ قال: (( تبّاً لكم أيّتها الجماعةُ وترْحاً!(5) أحين استصرختمونا والِهين(6) فأصْرخناكم موجفين، سَلَلْتُم(7) علينا سَيفاً لنا(8) في أيمانكم(9) ، وحَشَشْتُم(10)

____________________

(1) سورة الدخان / 20.

(2) أصل الآية من سورة غافر / 27( ... إنّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّر لا يُؤمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ ) .

(3)

أَتَتْهُ بِجُنْدٍ ليس يُحصى عَديدُه

ولـكنّه مِـنْ يومِ بَدرٍ تَجَنّدا

وسـامَوْهُ ذُلاً أن يسالِمَ طائعاً

يـزيداً وأن يعطي لِبيعته يدا

الشيخ قاسم الملا - أدب الطفّ 10 / 75.

(4) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 6، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) / 216.

(5) التَرْحُ: نقيض الفرح.

(6) في تاريخ ابن عساكر بدل «والهين» توجد «ولهين»، وكذلك في الاحتجاج.

(7) في الاحتجاج 2 / 98، طبع دار الاُسوة، بدل «سللتم» «فشحذتم»، وشحذ السكّين والسيف: أحدّه بالمسن.

(8) في كلّ من الاحتجاج وتحف العقول / 183 بدل «لنا» «كان».

(9) في الاحتجاج: في أيدينا، وفي تحف العقول: في أيماننا.

(10) حَشَشْتُ النار أحُشُّها: إذا ألهبتها وأضرمتها.


علينا ناراً اقتدَحْناها(1) على عدوّكم وعدوّنا، فأصبتحتم إلْباً(2) على أوليائكم لأعدائكم، بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم إلاّ الحرام من الدّنيا أنالوكم، وخسيس عيش طمعتم فيه من غير حدث كان منّا، ولا رأي تفيَّل لنا.

فهلاّ - لكم الويلات! - إذْ كرهتمونا وتركتمونا تجهّزْتموها، والسّيف مَشيمٌ(3) ، والجَأشُ(4) طامِنٌ، والرّأيُ لمّا يُسْتَحْصَفُ(5) ؟ ولكنْ أسرعتم إليها(6) كطيرةِ الدّبا(7) ، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، فسُحْقاً لكم يا عبيدَ الأمَةِ، وشُذّاذ الأحزاب، ونَبَذَةَ الكتاب، ونَفَثَةَ الشّيطان، وعُصْبَةَ الآثام، ومُحرِّفي الكتاب، ومُطفئي السُنَن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومُبيدي عترة الأوصياء، ومُلحقي العِهارِ بالنسب، ومُؤذي المؤمنين، وصُرّاخَ أئمّة المُستهزئين الّذين جعلوا القُرآن عِضين( لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهمْ أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفي العَذابِ هُمْ خالِدون ) (8) !

أنتم، ابن حَرْب وأشياعه تعضدون وعنّا تَخاذلون! أجَلْ واللهِ، الخَذْلُ فيكم معروفٌ؛ وَشَجَتْ(9) عليه اُصولكم، وتأزّرت(10) عليه فروعكم(11) ، فكنتم أخبثَ ثَمَر شجاً(12) للناظر، وأكلةً للغاصب، ألا لعنةُ الله على النّاكثين الّذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، فأنتم والله هُمْ.

ألا وإنّ الدّعي(13) ابن الدّعي قد رَكَزَ بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة؛ يأبى اللهُ ذلك لنا ورسوله والمؤمنون،

____________________

(1) في الاحتجاج بدل «اقتدحناها» «أضرمناها».

(2) الإلب - بالفتح والكسرـ: القوم يجتمعون على عداوة إنسان.

(3) في الاحتجاج «مُشيّم»، والشيم من الأضداد يكون سلاً وإغماداً.

(4) الجأش: القلب والنفس والجنان.

(5) إحصافُ الأمر: إحكامه.

(6) في الاحتجاج: استسرعتم إلى بيعتنا.

(7) الدّبا - مقصورة -: الجراد قبل أن يطير.

(8) سورة المائدة / 80.

(9) في الاحتجاج بدل «وشجت» «نبتت».

(10) الأزر: القوّة والشدّة.

(11) في الاحتجاج بدل «فروعكم» «عروقكم».

(12) هكذا في تحف العقول، وفي الاحتجاج واللهوف «شجر».

(13) الدّعي - كَغَنيّ -: المُتّهم في نسبه.


وحُجُورٌ طابتْ، وجُدودٌ طَهُرَتْ، واُنوفٌ حميّة، ونفوسٌ أبيّة لا نُؤْثِرُ(1) طاعة اللئام على مصارع الكِرام(2) . ألا قدْ أعْذرْتُ وأنذرتُ، ألا وإنّي زاحفٌ بهذه الاُسرة مع قلّة العدد وكثرةِ العدوّ وخُذلان النّاصر )).

ثمّ وصلعليه‌السلام كلامه بأبيات فروةَ بن مَسيك المُرادي، فقال: ((

فَـإنْ نَـهْزِمْ فَهزّامونَ قِدْما

وإنْ نُـغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينا(3)

ومـا إنْ طِـبُّنا جُبْنٌ ولكِنْ

مـنايانا وَدَوْلَـة(4) آخِرينا

إذا ما المَوْتُ رَفَّع عن اُناس

كـلاكِـلَهُ أنـاخَ بِـآخِرينا

فَـأفنى ذلـكم سَرواتِ قَوْمٍ

كـما أفـنى القُرُونَ الأوّلينا

فَـلَوْ خَلُدَ المُلوكُ إذَنْ خَلُدْنا

وَلَـو بَـقِيَ الكِرامُ إذَنْ بَقِينا

فَـقُلْ لـلشَّامِتينَ بـنا أَفِيقوا

سَيَلقى الشَّامِتُونَ كما لَقِينا(5)

ثمّ لا تَلْبَثون إلاّ كَرَيْثِ ما يُرْكَبُ الفرسُ حتّى تدور بكم دَوْرَ الرَّحى، وتَقْلَقُ بكم قَلَقَ المحْوَر(6) ؛ عَهْدٌ عهده إليّ أبي عن جدّي،( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ

____________________

(1) في كلٍّ من (اللهوف) و(الاحتجاج) و(تحف العقول) بدل «لا نؤثر» «أن نؤثر».

(2)

عَزَّ الحسينُ وجَلَّ عن أن يشتري

جُـمَّ الـخطايا طـائش الأهواءِ

إلى أن يـموت ولا يـوالي مارِقاً

ريّ الـغـليل بـخطّة نـكراءِ

بدر شاكر السيّاب - أدب الطفّ 10 / 173.

(3) هكذا في اللهوف، أمّا في الاحتجاج وتاريخ ابن عساكر فهي كالآتي:

فإنْ نهزِم فهزّامون قِدماً

وإنْ نُهزَم فَغيرُ مهزّمينا

(4) في تاريخ ابن عساكر بدل «دولة» «طعمة».

(5) اللهوف / 42 - 43، الاحتجاج 2 / 100، طبع دار الاُسوة - إيران، تاريخ ابن عساكر ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) حديث 273، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 6 - 7، تحف العقول / 173 - 174 (من دون ذكر الشعر).

(6) هو العود الذي تدور عليه البكرة، وربما كان من حديد. (المؤلّف).


عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُون ) ،( إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ))(1) .

وعن كثير بن عبد الله الشعبيّ قال: لمّا زَحفنا قِبَلَ الحسينعليه‌السلام خرج إلينا زُهير بن القَيْن على فرس له ذَنوب، شاكٍّ(2) في السّلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذارِ لكم من عذاب اللهِ نَذارِ، إنّ حقاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتّى الآن إخوةٌ على دين واحد وملّة وحدة ما لمْ يَقَع بيننا وبينكم السّيف، وأنتم للنّصيحة منّا أهلٌ، فإذا وقع السّيف انقطعت العِصمة، وكنّا نحن اُمّة وأنتم اُمّة.

إنّ الله قد ابتلانا وإيّاكم بذريّة نبيّه محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ليَنْظُر ما نحن وأنتم عاملون؛ إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخُذْلان الطّاغية ابن الطّاغية عُبيد الله بن زياد؛ فإنّكم لا تُدركون منهما إلاّ سُوءاً؛ يُسمّلانِ أعيُنكم، ويقطعان أيديَكم وأرجُلَكم، ويُمثِّلان بكم، ويرفعانكم على جُذوع النّخْلِ، ويقتلان أماثِلكُم وقرّاءكم، أمثال حُجْرِ بن عَديّ وأصحابه، وهاني بن عروة وأشباهه.

قال: فَسَبّوه(3) واثنوا على ابن زياد، وقالوا: والله لا نبرحُ حتّى نقتل صاحبك ومَنْ معه، أو نَبْعَث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله بن زياد سِلْماً.

فقال لهم: يا عباد الله، إنّ وُلْدَ فاطمة أحقّ بالودّ والنّصر من ابن سُميّة، فإنْ لم تنصروهم فاُعيذكم باللهِ أنْ تقتلوهم؛ فلَعَمْري إنّ يزيد لَيَرْضى من طاعتكم بدون قَتْل الحسين(4) .

____________________

(1) اللهوف / 43، تاريخ ابن عساكر (ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) حديث 273.

(2) أي تامّ السّلاح.

(3) والنسا مِن خلفها بالأثر.

السيّد عبد الهادي الشيرازي - أدب الطفّ 10 / 164.

(4) تاريخ الطبري 4 / 323 - 324، الكامل في التاريخ 2 / 562 - 563، البداية والنهاية 8 / 194 - 195.


ثمّ كتب ابن زياد إلى ابن سعد: حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء فلا يذوقوا منهُ قطرةً. فمُنِعَت المشرعةُ عن الحسين، وذلك قَبْل قَتْلِ الحسين بثلاثة أيّام(1) . واستسقى العبّاس بن عليّعليهما‌السلام الماء مرّتين لأصحاب الحسينعليه‌السلام وأهل بيته؛ ولذلك سُمّي بالسّقا(2) .

وضيّق القوم على الحسينعليه‌السلام (3) حتّى نال منه العطش ومن أصحابه، فقال له بُرير بن خُضير الهمداني(4) : يابن رسول الله، أتأذن لي أنْ أخرج إلى القوم؟

فأذن له، فخرج إليهم فقال(5) : يا معشر النّاس، إنّ الله عزّ وجلّ بعث محمّداً بالحقّ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً مُنيراً، وهذا ماءُ الفرات تَقَعُ فيه خنازير السَّوادِ وكلابُه، وقد حِيلَ بينه وبين ابنه.

فقالوا: يا بُرَيرُ، قد أكثرْتَ الكلام فاكْفُفْ، واللهِ ليعْطَشُ الحسين كما عطش مَنْ كان قَبْلَه(6) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 311، الكامل في التاريخ 2 / 556.

(2) مقتل الحسين - للمقرّم / 203، الكامل في التاريخ 2 / 556.

(3)

مَشَتْ يَوْمَ عاشوراءَ عُمياً فلم تَدَعْ

لـها جـانباً إلاّ اعـتراهُ فَـلولُ

تُـحطِّمُ مِـنْ عَـليا عليٍّ وأحمدٍ

لِـوا هُـو ظِـلٌّ لـلأنامِ ظَليلُ

وتفري بظفر البغي نحر ابنِ سيّدٍ

بــه مـلكتها عـامر وسـلولُ

وتـقتلُ مِـن أبـناء حيدرَ اُسرة

تـميلُ المعالي الغُرّ حيث تميلُ

وتـذبُح أطفالاً أبى اللهُ أن يَرى

لِـذابِحها فـي الـهالكينَ مـثيلُ

الشيخ حبيب المهاجر - أدب الطفّ 10 / 182.

(4) هذه الشخصيّة العظيمة يوجد في اسمه واسم أبيه خلاف؛ تارة يُقال: برير، واُخرى: بريد، وثالثة: يزيد بن الحصين (كما في الأمالي)، ويُقال لأبيه: خضير، واُخرى: حضير، وثالثة: حصين، ولكن يظهر من رجزه أنّه: برير بن خضير.

(5) أمالي الصدوق / 135، مقتل الحسين - للمقرّم / 233، اللهوف / 37.

(6)

قـابَـلُوهُ بـأوْجُه وقُـلُوبٍ

شَأْنُها الغَدْرُ مِلْؤها البَغْضاءُ

جمعوا رأيهم إلى الحربِ لمّا

لَـعِبَتْ فـي عقولهم صَهباءُ

عبد الكريم العلاّف - أدب الطفّ 10 / 250.


فقال الحسينعليه‌السلام : (( اقْعُدْ يا بُرَيرُ )). ثمّ وثب الحسينعليه‌السلام متوكّئاً على قائم سَيفه، ونادى بأعلى صَوْتِهِ فقال: (( اُنْشدُكم الله، هل تعرفونني؟ )). قالوا: نعم، أنت ابن رسول الله وسبطه. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ جدّي رسول الله؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة بنت محمّد؟ )). قالوا: اللّهم نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ أبي عليّ بنُ أبي طالب؟ ))(1) .

قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ جدّتي خديجة بنت خويلد أوّل نساء هذه الاُمّة إسلاماً؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ سيّد الشهداء حمزةَ عمّ أبي؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ الطيّار في الجنّة عمّي؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ هذا سيفُ رسول الله أنا مُتقلّده؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ هذه عِمامَة رسول الله أنا لابسها؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ عليّاً كان أوّل القَومِ إسلاماً، وأعلمهم عِلْماً؟ )). قالوا: اللّهمّ نعم. قال: (( فَبِمَ تستحلّون دمي وأبي الذّائدُ عن الحوض يذود عنه رِجالاً كما يُذادُ البعير الصّادي عن الماء؟! )). قالوا: قد عَلِمْنا ذلك كلّه، ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً(2) .

____________________

(1)

وأبـي عـليٌّ مَن تردّى بُردةً

لـلفخرِ تـلثمها النجومُ ذيولا

والاُمُّ فاطمةُ التي في القرط من

عـرش المهيمن كانت القنديلا

وأنـا الـذي هزَّ الملائكُ مَهدَهُ

...........................................

الشيخ عبد الكريم صادق - أدب الطفّ 10 / 273.

(2)

أحـسينُ للدّين الحنيفِ وللإبا

وكـلاهما لـك قد غدا مكفولا

جَـرَّدْتَ عَزْمَكَ ثائراً وشحذته

سـيفاً أغـرّ وسـاعداً مفتولا

فوقفتَ إذْ عَبَسَ الفوارسُ باسماً

وتـهزّ فيها الصارِمُ المصقولا

الشيخ عبد الكريم صادق - أدب الطفّ 10 / 274.


ونهض عمر بن سعد عشيّة الخميس لتِسْع مضَيْنَ من المحرّم بعد ما جاءه شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله يأمره بقتال الحسينعليه‌السلام ، أو يُخلّي بين شمر وبين العسْكر(1) ، ونادى: يا خَيْلَ الله اركبي وأبشري بالجنّة.

فركب العسكر وزحف نحو الحسينعليه‌السلام ، فقال العبّاسعليه‌السلام : يا أخي، أتاك القوم(2) . فنهضعليه‌السلام وأمر العبّاس بالرّكوب إليهم، وقال: (( قل لهم ما لكم، وما بدا لكم؟ )).

فأتاهم العبّاسعليه‌السلام في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القَين وحبيب بن مُظاهر، فقال لهم العبّاسعليه‌السلام : ما بدا لكم، وما تُريدون؟

قالوا: قد جاء أمر الأمير أن نَعْرض عليكم أن تنزلوا على حُكمه أو نناجزكم.

قال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرضَ عليه ما ذَكَرْتُم.

وانصرف العبّاسعليه‌السلام راجعاً يركُضُ، ووقف أصحابه يُخاطبون القوم، فقال حبيب بن مُظاهر لزُهير: كَلِّمِ القوم إنْ شئتَ، وإنْ شئتَ كلّمْتُهُم. فقال زُهير: أنت بدأتَ بهذا، فكُنْ أنت تُكلّمهم. فوعظ وأطنب بالموعظة.

قال: وأقبل العبّاس إلى الحسينعليهما‌السلام فأخبره بما قال القوم، قال: (( ارْجِعْ إليهم، فإن استطعتَ أَنْ تؤخّرهم وتدفعهم عنّا هذه العشيّة؛ لعلّنا نُصلّي لربّنا اللّيلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم إنّي اُحبُّ الصّلاة له، وتلاوة كتابه، وكَثْرة الاستغفار )).

فمضى العبّاسعليه‌السلام إلى القوم وسألهم ذلك، فوقف عمر بن سعد وقال للشّمر: ما تقول؟

فقال: أمّا أنا لو كنت الأمير لم اُنْظرْهُ.

فقال عمرو بن الحجّاج الزّبيدي: ويلكم! واللهِ لو أنّهم من التّرك والدّيلم وسألونا مثل ذلك لأجبناهم، فكيف وهم آلُ محمّد؟

فأمر ابن سعد مُناديه فنادى: قد أجّلنا حسيناً وأصحابه يومهم وليلتهم(3) .

فدعا الحسين بأصحابه وأمرهم أن يُقرّب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يُدْخِلوا الأطناب بعضها في بعض حتّى يستقبلوا القوم بوجه واحد، وأمر بحفر خَندق حول

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 314، البداية والنهاية 8 / 190، الكامل في التاريخ 2 / 558.

(2) تاريخ الطبري 4 / 315، البداية والنهاية 8 / 191، الكامل في التاريخ 2 / 558.

(3) تاريخ الطبري 4 / 317، الإرشاد 2 / 93، طبع إيران، الكامل في التاريخ 2 / 559.


المُخيّم وأن يوضَعَ فيه حطبٌ(1) .

وقام الليل كلّه يُصلّي ويستغفر، ويدعو ويتضرّع، وقام أصحابه كذلك(2) ، وباتوا ولهم دويٌّ كدويّ النّحل ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد(3) .

سِـمَةُ العَبيدِ مِنَ الخُشوع عَلَيهمُ

لـلـهِ إنْ ضَـمَّتْهُمُ الأَسـحارُ

وإذا تَرجّلتِ الضحى شهدتْ لهم

بيضُ القَواضِبِ أنَّهم أحرارُ(4)

وجمع الحسينعليه‌السلام أصحابه عند قرب المساء. قال علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام : (( فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم - وأنا إذ ذاك مريض - فسمعت أبي يقول(5) : اُثني على الله أحسن الثّناء، وأحمدهُ على السرّاء والضرّاء. اللّهمّ إنّي أحمدُك على ما أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القُرآنَ، وفقّهتنا في الدّين، وجعلْتَ لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً ولم تجعلنا من المُشركين.

أمّا بعدُ، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خَيراً مِنْ أصحابي، ولا أهل بيت أبَرَّ وأوصلَ ولا أفضل مِن أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإنّي قد أذِنْتُ لكم في حِلٍّ ليس عليكم منّي ذِمامٌ، هذا اللّيلُ قد غشيَكم فاتّخذوهُ جَمَلاً، ثمّ ليأْخُذ كُلُّ رَجُل منكم بِيَدِ رجل من أهل بيتي، ثمّ تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم حتّى يُفرّج الله؛ فإنّ القوم إنّما يطلبونني، ولو قد أصابوني لَلَهو عن طلب غيري.

فقال له إخوته وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: ولِمَ نفعل ذلك! لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ، وأتْبَعَتْهُ الجماعة فتكلّموا بمثله ونحوه،

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 320، الإرشاد 2 / 93، طبع إيران، الكامل في التاريخ 2 / 559.

(2) السيّد محسن الأمين - الدرّ النضيد / 23.

(3) اللهوف / 41.

(4) للسيّد حيدر الحلّي، رياض المدح والرثاء / 60.

(5) تاريخ الطبري 4 / 317، الإرشاد 2 / 93، الكامل في التاريخ 2 / 559، أعيان الشيعة 1 / 600.


فقال الحسين: يا بَني عقيل، حسبكم من القتل بمُسلم، فاذهبوا أنتم فقد أذِنْتُ لكم.

قالوا: سبحان الله! فما يقول النّاس لنا! إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عُمومتنا خير الأعمام، ولم نَرْمِ معهم بسَهم، ولم نطعنْ برُمح، ولم نضرب معهم بسيف؟! لا والله لا نفعل ذلك، ولكن نَفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونُقاتل معك حتّى نَرِدَ مَوردَكَ، فقبّح الله العَيش بعدك(1)(2) .

وقام مسلم بن عوسجةرضي‌الله‌عنه فقال(3) : أنحنُ نُخلّي عنك؟! وبِمَ نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟! أما والله لا اُفارقك حتّى أطعنَ في صدورهم برُمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمهُ في يدي، ولو لم يكن معي سلاحٌ اُقاتلهم به لقَذَفْتُهُم بالحجارة. والله لا نُخلّيك حتّى يعلم الله إنّا قد حفظنا غَيْبَةَ رسول الله فيك.

والله لو علمتُ أنّي اُقتلُ ثمّ اُحيا، ثمّ اُقتلُ ثمّ اُحرق ثمّ اُذَرَّى، يُفْعَلُ ذلك بي سبعين مرّة ما فارقْتُك حتّى ألقى حِمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدةٌ ثمّ هي الكرامة العُظمى التي لا انقضاء لها أبداً؟!

وقام زهير بن القَينرحمه‌الله فقال(4) : والله، لوَدَدْتُ أنّي قُتلتُ ثمّ نُشرْتُ ثمّ قُتِلْت حتّى اُقتل هكذا ألْف مرّة وأنّ الله جلّ وعزّ يدفعُ بذلك القَتْل عن نفسك وعن هؤلاء الفِتيان من أهل بيتك.

وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يَشبه بعضه بعضاً، فجزّاهم الحسين خيراً وقال: يا قوم، إنّي

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 318، الكامل في التاريخ 2 / 559، الإرشاد 2 / 94، طبع إيران.

(2)

قال اذهبوا وانجوا ونجّوا أهْل بيـ

ـتـي إنّـني وحـدي أنا المطلوبُ

فَـأَبَتْ نُـفُوسُهُم الأبـيّةُ عـند ذا

أنْ يـتركوه مـع الـعِدا ويـئيبوا

مـاذا يـقولُ لـنا الـورى ونقولُه

لـهم ومـا عـنّا يُجيبُ مُجيبُ

إنّــا تـركـنا شـيخنا وإمـامنا

بـين الـعِدى وحُـسامنا مـقروبُ

فـالـعيشُ بـعدك قُـبِّحَتْ أيّـامه

والـموتُ فـيك مُـحبَّبٌ مرغوبُ

السيّد محسن الأمين - الدرّ النضيد / 23.

(3) تاريخ الطبري 4 / 218، الكامل في التاريخ 2 / 559، الإرشاد 2 / 95، طبع إيران، اللهوف / 40.

(4) الإرشاد 2 / 95، طبع إيران، تاريخ الطبري 4 / 318، الكامل في التاريخ 2 / 559، اللهوف / 41.


غداً اُقتل وتُقْتَلون كُلّكم معي، ولا يبقى منكم أحدٌ. فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقَتْل معك؛ أوَلا ترضى أنْ نكون معك في درجتك يابن رسول الله؟ فدعا لهم بخير.

وقال له القاسم بن الحسنعليه‌السلام : وأنا فيمَنْ يُقتل؟ فأشفق عليه، فقال له: يا بُنيّ، كيف الموتُ عندك؟ قال: يا عمّ، أحلى من العسل. فقال: فداك عمُّكَ! إنّك لأَحدُ مَنْ يُقْتَلُ من الرّجال معي بعد أنْ تَبْلُو ببلاءٍ عظيم ))(1)(2) .

قال السيّد(3) : وعَبَرَ في تلك اللّيلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً من أهل الكوفة، فقالوا: يعرضُ عليكم ابن بنت رسول الله الذّهاب إلى الأرض العريضة فلا تَقبلون؟! وتحوّلوا مع الحسين وقاتلوا وقُتِلوا معه.

وأصبح الحسينعليه‌السلام فصلّى(4) بأصحابه الفجر، ثمّ قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وقال لأصحابه: (( إنّ الله عزّ وجلّ قد أذِنَ في قَتْلكم اليوم وقَتلي، وعليكم بالصّبر )).

ثمّ دعا بفرس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المُرْتَجَز فركبه، وعبّأ أصحابه للقتال، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً، وأربعون راجلاً(5) ؛ فجعل في المَيمنة زُهير بن القَين، وحبيب بن مُظاهر في المَيسرة، وأعطى رايته

____________________

(1) مدينة المعاجز 4 / 214، نفس المهموم / 230، ناسخ التواريخ 2 / 220، الإرشاد 2 / 95، طبع إيران، تاريخ الطبري 4 / 318.

(2)

كُماةٌ إذا ما الشوسُ في الحربِ شَمَّرَتْ

أبـاحوا الـقنا أحـشاءهم والـتراقيا

اُسود إذا ما جرّدوا البِيضَ في الوغى

غـدت مِـن دَمِ الأبطال حُمْراً قوانيا

الشيخ حسّون العبد الله - أدب الطفّ 8 / 44.

(3) ذكر السيّد ابن طاووس هذا الخبر في اللهوف / 41، وكذلك ذكره القرشي نقلاً عن تهذيب التهذيب 1 / 152، وذكره ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام / 220.

(4) كامل الزيارات / 73، إثبات الوصيّة / 139.

(5) اختلفوا في عدد أصحاب الحسينعليه‌السلام ، وهذه أبرز الأقوال:

الأوّل: عددهم 32 فارساً و40 راجلاً، وهو رأي المفيد والطبري وابن الأثير وغيرهم.

الثاني: عددهم 82 راجلاً، وهو رأي صاحب الدمعة الساكبة.

الثالث: عددهم 60 راجلاً، وهو رأي الدميري في حياة الحيوان.

الرابع: عددهم 73 راجلاً، وهو رأي صاحب شرح مقامات الحريري.

الخامس: عددهم 45 فارساً و100 راجلاً، وهو رأي ابن عساكر.

السادس: عددهم 61 راجلاً، وهو رأي المسعودي.


أخاه العبّاس(1) ، وجعلوا البيوت في ظهورهم.

وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وجعل على مَيمنته عَمرو بن الحجّاج الزُّبيدي، وعلى مَيسرته شمر بن ذي الجوشن، وأعطى رايته دُرَيداً مولاهُ(2)(3) .

ثمّ ركب الحسين دابّته، ودعا بمصحف فوضعه أمامه، ورفع يديه وقال(4) : (( اللّهمّ أنت ثِقتي في كلّ كَرْب، وأنت رجائي في كُلِّ شدّة، وأنت لي في كُلِّ أمْر نَزلَ بي ثِقَةٌ وعُدَّةٌ. كَمْ من هَمٍّ يَضْعُفُ فيه الفؤاد، وتَقِلُّ فيه الحيلةُ، ويَخْذِل فيه الصّديقُ، ويَشْمِتُ فيه العَدوّ أنزلْتُهُ بك وشَكَوْتُهُ إليك؛ رَغْبَةً منّي إليك عمّن سِواك، ففرَّجْتَهُ عنّي وكَشَفْتَهُ، فأنت وليُّ كُلِّ نِعمة، وصاحب كُلّ حَسَنة، ومُنتهى كُلِّ رغبة )).

ولمّا دنا منه القوم دعا براحلته فركبها، ثمّ نادى بأعلى صوته يسمعه جُلُّ النّاس:

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 4.

(2) تاريخ الطبري 4 / 321، وفيه بدل «دريداً» «ذُوَيداً».

(3)

كَـأَنَّك ما تدري لَدى الطفّ ما جرى

ومَـن بِـثراها لا أبـاً لـك صُرِّعوا

غَـداةَ بـنو حَرْبٍ لحربِ ابن أحمدٍ

أتَتْ مِن أقاصي الأرض تترى وتَهرعُ

بـكثرتها ضـاق الـفضاءُ فلا يُرى

.....................................

الشيخ حسّون العبد الله - أدب الطفّ 8 / 48.

(4) تاريخ الطبري 4 / 321، الإرشاد 2 / 99، طبع إيران، مختصر تاريخ دمشق - لابن منظور 7 / 146، الكامل في التاريخ 2 / 561.


(( أيّها النّاس، اسمعوا قَولي ولا تعجلوا حتّى أعِظُكُم بما يَحِقُّ لكم عَلَيّ، وحتّى أعْذرُ إليكم من مَقْدَمي عليكم؛ فإنْ قَبِلْتُم عُذْري، وصدَّقْتُم قَولي، وأَعْطيتموني النَّصْفَ كنتم بذلك أسْعد، ولم يكُنْ لكم عَلَيّ سبيلٌ، وإن لم تَقبلوا منّي العُذْرَ، ولم تُعطوني النَّصْفَ من أنفسكم( فَأَجْمِعُوآ أمْرَكُم وشُركآءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إليَّ ولا تُنْظِرُون ) (1) ،( إنّ وَليّيَّ اللهُ الّذي نَزَّلَ الكِتابَ وَهَوَ يَتَولّى الصّالحين ) (2) ))(3) .

قال(4) : فلمّا سمع أَخَواتُهُ كلامَه هذا صِحْنَ وبكَيْن، وبكتْ بناته، فارتفعت أصواتهنّ، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس وابنه عليّاً، وقال لهما: (( سَكّتاهنّ، فلَعَمْري لَيَطولُ بكاؤهنّ ))(5) .

فلمّا سكَتْن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلّى على النبيّ وعلى

____________________

(1) سورة يونس / 71.

(2) سورة الأعراف / 196.

(3) الشيخ حسّون العبد الله - أدب الطفّ 8 / 50.

(4) القائل هو الضحّاك المشرقيّ كما في تاريخ الطبري 4 / 321.

(5)

يدعو وليس يرى له مِن ناصِرٍ

إلاّ الـمثقّف والحسام المرهفُ

والـصائبات مِن السهام كأنّها الـ

أقـدارُ لا تـنبو ولا تتخلّفُ

فرهاد ميرزا القاجاري - أدب الطفّ 8 / 58.


ملائكة الله وأنبيائه، فلم يُسْمَع مُتكلّم قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه.

لَهُ مِنْ عَليٍّ في الحُروبِ شَجَاعةٌ

ومِنْ أحمدٍ عِنْدَ الخَطابةِ قيلُ(1)

ثمّ قال: (( أمّا بعد، فانسبوني وانظروا مَن أنا، ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتِبوها، فانظروا هل يصلح لكم قَتلي وانتهاك حرمتي؟! ألستُ ابن بنت نبيّكم، وابنَ وصيّه وابن عمّهِ، وأوّل المؤمنين باللهِ، المُصدّق لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما جاء به من عند ربّه(2) ؟!

أوَ ليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟! أوَ ليس جعفر الطيّار في الجنّة بجَناحين عمّي؟! أوَلَم يبْلغكم ما قال رسول الله لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنّة؟! فإنْ صدّقتموني بما أقولُ، وهو الحقُّ، فوالله ما تعمّدْتُ كذباً مُنذ عَلمتُ أنّ الله يمقتُ عليه أهله.

وإن كذّبتموني فاسألوا مَنْ إن سألتموه عن ذلك أخبركم؛ سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخِدري، وسهل بن سعد السّاعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يُخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجزٌ لكم عن سَفْك دمي؟! )).

فقال له شَمِرُ بن ذي الجوشن(3) : هُوَ يعبدُ الله على حرف إنْ كان يدري ما يقول.

فقال له حبيب بن مُظاهر: والله، إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادقٌ ما تدري ما يقول؛ قد طبع الله على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسينعليه‌السلام : (( فإن كنتم في شكٍّ من هذا أفتشكّون أنّي ابن بنت نبيّكم؟!

____________________

(1) المجالس السنيّة 1 / 92، الطبعة الخامسة / 1394 هـ.

(2)

قال انسبوني في أبي ومحمّدٍ

جَدّي وفاطمة البتول وأنصِفوا

وكأنَّ معجزة الكليم بكفّه

.....................................

فرهاد ميرزا القاجاري - أدب الطفّ 8 / 58.

(3) شَمِر كـ «كَتِف»، هذا هو الصحيح، والبعض يلفظ بالكسر فالكسون، والظاهر أنّه غلط. وفي تاريخ الطبري والكامل في التاريخ جاء اسمه كما ذكرناه.


فوالله ما بين المشرق والمغرب ابنُ بنت نبيٍّ غيري فيكم ولا في غيركم. ويحكم! أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال استهلكته، أو بقصاصِ جَراحة؟! )).

فأخذوا لا يُكلّمونه، فنادى: (( يا شبثَ بن ربعي، ويا حجّار بن أبجُر، ويا قَيس بن الأشعث، ويا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أنْ قد أيْنعت الثّمار، واخْضَرَّ الجَناب، وإنّما تَقْدِمُ على جُنْد لك مُجنّد، فأقبِلْ؟!))(1)(2) .

فرماه(3) شَمِرُ بسهم وقال له: اسكت، أسكتَ اللهُ نَأمتك (أي صوتكَ)، أبْرمتنا بكَثرة كلامك. فقال له زهير: يابن البوّال على عَقِبَيه! ما إيّاك اُخاطب؛ إنّما أنت بهيمةٌ، والله ما أظنُّك تُحْكِمُ من كتاب الله آيتين، فَأَبْشِر بالخِزي يوم القيامة والعذاب الأليم.

فقال الشمر: إنّ الله قاتلك وصاحبك عن ساعة. قال: أفبالموت تُخوّفني؟! فوالله لَلموت معه أحبُّ إليّ من الخُلْد معكم. ثمّ أقبل على النّاس رافعاً صوته فقال: عباد الله، لا يغرّنّكم من دينكم هذا الجِلْفُ الجافي وأشباهه؛ فوالله لا تَنَال شفاعةُ محمّد قوماً أهرقوا دماء ذرّيّته وأهل بيته، وقتلوا مَنْ نصرهم وذَبَّ عن حريمهم.

قال(4) : فناداه رجلٌ، فقال له: إنّ أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول لك: (( أقبِلْ، فلَعَمري

____________________

(1) الكامل في التاريخ 2 / 562، تاريخ الطبري 4 / 323، الإرشاد 2 / 101، بحار الأنوار 45 / 6.

(2)

وذادوه عن ورد الفُراتِ ومَا دَرَوا

بــأنّ نِـداهُ لـلوجود قُـوامُ

ورامـوه قسراً أن يُضام بسلمه

يزيدَ وهل ربُّ الإباء يُضامُ

فَـهَبَّ لِـلُقياهُم وجَـرَّدَ عَزْمَهُ

لـها الحَتْفُ عَبْدٌ والقضاءُ غُلامُ

وقابلهم مِن نفسه بكتائب

...........................................

الشيخ عبد الله القاري - أدب الطفّ 8 / 84.

(3) المفعول به هنا هو زهير بن القين لمّا خطب خطبته موجّهاً كلامهُ لأهل الكوفة، وليس الإمام الحسينعليه‌السلام راجع تاريخ الطبري 4 / 323 - 324... فشَمِرُ رمى زهير بن القين بسهم وقال له: اسكت، أسكت الله... إلخ.

(4) القائل: كثير بن عبد الله الشعبي، تاريخ الطبري 4 / 323 - 324.


لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدّعاء لقد نصحْتَ لهؤلاء وأبلغْتَ لو نَفَع النُّصْحُ والإبلاغ ))(1)(2) .

وتقدّم بُرير بن خُضير الهمداني، وكان شيخاً ناسكاً، قارئاً للقرآن، من شيوخ القُرّاء، وهو أقرأُ أهل زمانه، فوعظ القوم وقال: يا قَوم، اتّقوا الله؛ فإنّ ثِقْل محمّد قد أصبح بين أظهركم(3) .

وتقدّم الحسينعليه‌السلام حتّى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السّيل، فقال: (( الحمد لله الذي خلق الدّنيا فجعلها دار فَناء وزوال، مُتصرَّفَةً بأهلها حالاً بعد حال؛ فالمغرورُ مَنْ غرّتْهُ، والشَّقيُّ مَنْ فتنَتْهُ، فلا تَغُرّنكم هذه الدّنيا؛ فإنّها تَقْطعُ رجاء مَنْ ركن إليها، وتُخيّب طَمَع مَنْ طمع فيها.

وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسْخَطْتُمُ اللهَ فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نِقْمته، وجَنّبكم رحمته؛ فَنِعْمَ الرّبُ ربّنا، وبئسَ العَبيد أنتم! أقررتم بالطّاعة، وآمنتم بالرّسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ إنّكم زحَفْتم إلى ذرّيّته وعترته تُريدون قَتْلهم! لقد اسْتحوذ عليكم الشّيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولما تُريدون!( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) ، هؤلاء قومٌ كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظّالمين! ))(4) .

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 324، الكامل في التاريخ 2 / 563.

(2)

يَـومَ وافـى الحسينُ يرشد قوماً

مِـن بني حربٍ ليس فيهم رشيدُ

خـاف أنْ ينقضوا بناءَ رسولِ الـ

ـلهِ فـي الـدِّينِ وهو غَضٌّ جَديدُ

كيف يرضى بأن يرى العدل بادي الـ

ـنقص والـجائر المضلّ يزيدُ

فـغدا الـسبط يوقظ الناس للرشـ

ـدِ وهـم فـي كرى الضلال رقودُ

ولـقـد كـذّبته أبـناءُ حـربٍ

مـثل مـا كـذّب المسيحَ اليهودُ

السيّد جعفر الحلّي - أدب الطفّ 8 / 99 - 100.

(3) مقتل الحسين - للمقرّم / 233.

(4) مقتل الحسين - للخوارزمي 1 / 252، المناقب - لابن شهر آشوب 4 / 100، بحار الأنوار 45 / 5.


فقال عمر: ويلكم كلّموه؛ فإنّه ابن أبيه! لو وقف هكذا فيكم يوماً جَريداً(1) لما انقطعَ ولما حُصِر. ثمّ تقدّم ورمى نحو عسكر الحُسينعليه‌السلام بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوّل مَنْ رمى.

وأقبَلَتِ السّهام من القوم كأنّها المطر(2)(3) ، فقال الحسينعليه‌السلام لأصحابه: (( قوموا رحمكم الله إلى الموت الّذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه السّهام رُسُل القوم إليكم )).

فاقتتلوا ساعةً من النّهار حَمْلةً وحملةً حتّى قُتل من أصحاب الحسينعليه‌السلام جماعةٌ. قال: فعندها ضرب الحسينعليه‌السلام بيده إلى لحيته، وجعل يقول: (( اشتدّ غضبُ اللهِ تعالى على اليهود إذ جعلوا له وَلَداً، واشتدّ غضب اللهِ تعالى على النّصارى إذ جعلوه ثالثَ ثلاثة، واشتدَّ غضبه على المجوس إذ عبدوا الشّمس والقمر دونَه، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلِمَتهم على قَتْلِ ابنْ بنتِ نبيّهم؛ أما والله لا اُجيبُهم إلى شيء ممّا يُريدون حتّى ألقى الله وأنا مُخضَّبٌ بدمي ))(4)(5) .

قال عليّ بن الحسينعليهما‌السلام : (( لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن عليّ بن أبي طالب نظر إليه مَنْ كان معه، فإذا هو بخلافهم؛ لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر تغيّرتْ ألوانهم، وارتعدتْ فرائصُهم، ووجِلَتْ

____________________

(1) أي: يوماً تامّاً.

(2) اللهوف / 43، الإرشاد 2 / 104، طبع إيران.

(3) السيّد ميرزا الطالقاني - أدب الطفّ 8 / 123.

(4) اللهوف / 44، بحار الأنوار 45 / 12.

(5)

فما رأى السّبطُ للدينِ الحنيفِ شِفا

إلاّ إذا دَمُـهُ فـي كـربلا سُفِكا

ومـا سَـمِعْنا عَليلاً لا عِلاجَ له

إلاّ بـنـفسِ مُـداويه إذا هَـلَكا

بـقتلهِ فـاحَ للإسلام نَشْرُ هُدىً

فـكلّما ذَكَـرَتْهُ الـمسلمونَ ذكا

السيّد جعفر الحلّي - رياض المدح والرثاء / 230.


قلوبهم، وكان الحسين وبعض خواصّه تُشرِقُ ألوانهم، وتَهْدأ جوارحهم، وتَسكُن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يُبالي بالموت(1) ! فقال لهم الحسين: صَبْراً يا بَني الكِرام؛ فما الموتُ إلاّ قنطرةٌ تَعْبُرُ بكم عن البُؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنّعيم الدّائم، فأيّكم يكرهُ أنْ ينتقل من سجن إلى قصْر؟! وما هُوَ لأعدائكم إلاّ كمَنْ ينتقلُ منْ قصر إلى سجن وعذاب. إنّ أبي حدّثني عن رسول اللهِ أنّ الدّنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافر ))(2) .

فلمّا رأى الحرّ بن يزيد أنّ القوم قد صمّموا على قتال الحسينعليه‌السلام ، وسمع صيحة الحسين يقول: (( أما مِن مُغيث يُغيثنا لوجه اللهِ؟! أما مِن ذابٍّ يذبُّ عن حُرَم رسول الله(3) ؟! ))، قال لعمر بن سعد: أي عمر، أتقاتل أنت هذا الرجل؟!

قال: إي والله قِتالاً أيسره أن تَسْقُط الرؤوس وتطيح الأيدي.

قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضاً؟

قال عمر: أمّا لو كان الأمر إليّ لفعلْتُ، ولكنْ أميرك قد أبى.

فأقبل الحرّ حتّى وقف من النّاس موقفاً، ومعه رجلٌ من قومه يُقال له: قُرّة بن قيس، فقال: يا قُرّة، هل سقيت فرسك اليوم؟

قال: لا.

قال: فما تُريد أن تسقيه؟

قال: فظننْتُ واللهِ أنّه يريد أن يتنحّى فلا يشهد القتال، فكره أن أراه حين يصنع ذلك، فقلت له: لم أَسقه، وأنا مُنطلقٌ فأسقيه. فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، فوالله لو أنّه أطْلَعَني على الذي يريد لخرجتُ معه إلى الحسين.

فأخذ يدنو من الحسينعليه‌السلام قليلاً قليلاً، فقال له المهاجر بن أوْس: ما تُريد أن تصنع يابن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فلم يُجِبْهُ، وأخذه مثل الإفْكِل (وهي الرَّعْدةُ)، فقال له المهاجر: إنّ أمرك لمُريب! والله، ما رأيت منك في موقف قطّ مثل هذا، ولو قيل لي: مَنْ

____________________

(1) السيّد محمّد علي الغريفي - أدب الطفّ 10 / 242.

(2) حياة الإمام الحسين - للقرشي 3 / 238، معاني الأخبار / 288 - 289.

(3) اللهوف / 44.


أشجع أهل الكوفة ما عَدَوْتُكَ، فما هذا الذي أرى منك؟!

فقال الحرّ: إنّي والله اُخيِّر نفسي بين الجنّة والنّار، فوالله لا أختار على الجنّة شيئاً ولو قُطِّعْتُ وحُرِّقْتُ. ثمّ ضرب فرسه قاصداً إلى الحسينعليه‌السلام ويده على رأسه وهو يقول: اللّهمّ إليك أنَبْتُ فتُبْ عَلَيّ؛ فقد أرْعَبْتُ قلوب أوليائك وأولاد بنتِ نبيّك.

جُعلتُ فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حَبستك عن الرّجوع، وسايَرْتُك في الطّريق، وجَعْجَعْتُ بك في هذا المكان، وما ظننتُ أنّ القوم يردّون عليك ما عرضْتَه عليهم، ولا يبلغون منك هذه المنزلة. والله لو علِمْتُ أنّهم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركِبْتُ منك الذي ركِبْتُ، وإنّي تائبٌ إلى الله ممّا صنعْتُ فترى لي ذلك توبةً(1) ؟

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( نعم، يتوب الله عليك فانزِلْ )). قال: فأنا لك فارساً خيرٌ من راجل، اُقاتلهم على فرسي ساعة. فقال له الحسينعليه‌السلام : (( فاصنع رحمك الله ما بدا لك )). فاسْتقدم أمام الحسين فقال: يا أهل الكوفة، لاُمّكم الهَبَلُ(2) ! دعوْتم هذا العبد الصّالح حتّى إذا أتاكم أسلمتموه وحلأتموه ونساءه وصبْيَته وأهله عن ماء الفرات الجاري! بئسما خلفْتُم محمّداً وآله في ذريّته!

وجعل يُقاتل ويقول:

إنّـي أنـا الحُرُّ وَمأوى الضَيْفِ

أضْرِبُ في أعراضِكُمْ بالسَّيْفِ(3)

فصاح عمرو بن الحجّاج بالنّاس: يا حُمَقاء! أتدرون مَنْ تُقاتلون؟! تُقاتلون فِرسان أهل المصر، وقوماً مُستميتين، لا يبْرُزُنَّ لهم منكم أحدٌ(4) ، والله لو لم ترموهم إلاّ

____________________

(1)

يـحسين تـايب جيت ليكم

وآنـه الـذي جعجعت بيكم

داخل تره اعله الله او عليكم

خـلّيني اجـاهد بين ايديكم

(2) الهَبَل - بالتحريك -: الثكل.

(3) الإرشاد 2 / 102، الكامل 2 / 563، البداية والنهاية 8 / 195، تاريخ الطبري 4 / 324 - 325.

(4)

تَـعُدّ الـفَنا في العِزّ خَيراً مِن البقا

وَما ضَرّها في حَومَةِ الحَرْبِ يَنفعُ

سَطَتْ لا تَهابُ الموتَ دونَ عميدها

ولا مِـن قِراعٍ في الكريهة تَجْزَعُ

تَـزيدُ ابتهاجاً كلّما الحربُ قَطَّبتْ

وذلــك طَـبْعٌ فـيهم لا تـطبُّعُ

الشيخ حسّون العبد الله - أدب الطفّ 8 / 48.


بالحجارة لقتلتموهم(1) .

فدعا عمر بن سعد بالحُصين بن نَمير في خمسمئة من الرُّماة فاقتتلوا حتّى دنَوا من الحسينعليه‌السلام وأصحابه، فرشقوهم أصحابُ الحسين بالنَّبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم، وقاتلوهم حتّى انتصف النّهار واشتدّ القتال(2) .

قال الخوارزمي: ثمّ برز جابر بن عروة الغفاري(3)، وكان شيخاً كبيراً، وقد شهِدَ مع رسول الله بدراً وحُنيناً، فجعل يشدُّ وسطه بعِمامة، ثمّ شدّ حاجبيه بعصابة حتّى رفعهما عن عينيه، والحسين ينظر إليه ويقول: (( شَكَرَ اللهُ سعيك يا شيخ )). فحمل ولم يزلْ يُقاتل حتّى قتل ستّين رجُلاً(4) [ ثمّ قُتل ] (رضوان الله عليه).

ثمّ تَقَدَّم أنسُ بن الحرْث الأسدي(5) ، وكان صحابياً كبيراً ممّن رأى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمع حديثه، وكان فيما سَمِعَ منه وحدّث به ما رواه جمٌ غفيرٌ من العامّة والخاصّة عنه أنّه قال: سمعت رسول الله يقول - والحسين بن عليّ في حجره -: (( إنّ ابني هذا يُقْتَل بأرض من العراق، ألا فمَنْ شهده فلينصره )).

فاستاذن الحسينَ في البِراز فأذن له، وبرز فقاتل حتّى قُتِلَ(6) .

____________________

(1) الإرشاد 2 / 107، الكامل في التاريخ 2 / 565، بحار الأنوار 45 / 19، تاريخ الطبري 4 / 331.

(2) تاريخ الطبري 4 / 332 - 333، الكامل في التاريخ 2 / 566.

(3) في ينابيع المودّة / 412:... ثمّ برز عروة الغفاري، أدب الحسين / 214.

(4) في ينابيع المودّة / 413:... حتّى قتل منهم خمسةً وعشرين فارساً....

(5) اُسد الغابة 1 / 146، الإصابة 1 / 68، ذخائر العقبى - للمحبّ الطبري / 146، طبعة 1401.

(6) ابن نصار - النصاريات الكبرى / 14.


قال الراوي(1) : وحملت ميمنة ابن سعد على ميسرة الحسينعليه‌السلام ، وكانت حملتهم من نحو الفرات، وكان مسلم بن عوسجة في ميسرة الحسين. قال ابن حجر(2) : وكان مسلم بن عوسجة من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فجعل مسلم يرتجز ويقول:

إنْ تَـسْأَلُوا عَـنّي فإنّي ذُو لَبَدْ

وإنَّ بَيتي في ذُرى بَني أسَدْ(3)

فقاتل قتالاً شديداً، ثمّ تعطّف عليه القوم فقتلوه، وارتفعت لشدّة الجِلاد غبرةٌ شديدةٌ، فلمّا انجَلَت الغبرة وإذا بمُسلم بن عوسجةَ صريعاً؛ فتباشر أصحاب ابن سعد، فمشى إليه الحسين ومعه حبيب، فقال الحسينعليه‌السلام : (( رَحِمك الله يا مسلم،( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبديلاً ) (4) )).

ودنا منه حبيب فقال: يا أخي، أبشِر بالجنّة. فأجابه بصوت ضعيف: بشّرك اللهُ بخير. ثمّ قال: لو لم أعلمْ أنّي بالأثر لأحببتُ أن تُوصي إليّ بجميع ما أهمّك. قال: يا أخي، اُوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - فقاتِلْ دونه حتّى تموت. فقال له حبيبٌ: لأنعمنّك عَيناً. ثمّ مات (رضوان الله عليه)(5)(6) .

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 15.

(2) الإصابة 1 / 68.

(3) ثمرات الأعواد 1 / 194.

(4) سورة الأحزاب / 23.

(5) تاريخ الطبري 4 / 331، الإرشاد 2 / 107، طبع إيران، الكامل في التاريخ 2 / 565، بحار الأنوار 45 / 20، البداية والنهاية 8 / 197.

(6)

گربت يبن ظاهر منيتي

ما وصّيك بعيالي او بيتي

وانچان نـيتك مثل نيتي

بالحسين واعياله وصيتي


وتقدّم يزيد بن زياد، وهو أبو الشَّعْثاء الكِندي(1) من بني بَهْدَلَة، فجثا على رُكبتيه بين يدي الحسينعليه‌السلام ، فرمى بمئة سهم ما سقط منها إلاّ خمسة أسهم، وكان رامياً، فكان كلّما رمى قال: أنا ابنُ بَهْدَلة.

ويقول الحسينعليه‌السلام : (( اللّهمّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ، واجعل ثوابه الجنّة )).

فلمّا رمى بها قام فقال: ما سقط منها إلاّ خمسة أسهم. وكان رِجْزُهُ يومئذ:

أنـا يَـزيدٌ وأبي مُهاصِرْ

أشْجعُ مِنْ لَيْثٍ بِغَيْل خادِرْ

يا ربِّ إنّي للحُسَين ناصِرْ

ولابن سَعْد تارِكٌ وهاجِرْ

وكان يزيد بن زياد المُهاصر ممّن خرج مع عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام ، فلمّا ردّوا الشُّروط على الحسين مال إليه فقاتل معه حتّى قُتِل(2) .

هُمْ خَيْرُ أنْصار بَراهُمْ رَبُّهُمْ

لِلدّينِ أوَّلَ عَالَمِ التَّكوينِ(3)

وقد شهد لهم عدوّهم كعب بن جابر(4) ؛ فإنّه لمّا قتل بُرير بن خُضير عابتْ عليه زوجته، فقالتْ: أعَنْتَ على ابن فاطمة وقتلْتَ سيّد القُرّاء! لقد أتيت عظيماً من الأمر! والله لا اُكلّمك مِن رأسي كلمةً واحدةً.

فقال يُخاطبها من أبيات:

وَلَـمْ تَـرَ عَـيْني فـي زَمَـانِهِمُ

وَلا قَـبْلَهُمْ فـي النّاسِ إذْ أنا يافِعُ

أَشَـدَّ قِراعاً بالسُيوفِ لدى الوِغى

ألا كُـلُّ مَـنْ يَحمي الذِّمارَ مُقارِعُ

وقَد صَبروا للضرب والطعن حُسَّراً

وقـد نـازلوا لـو أنَّ ذلـك نافِعُ

وجاء إلى الحسينعليه‌السلام أبو ثُمامة الصّائديرحمه‌الله فقال: يا أبا عبد الله، هؤلاء القومُ قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتلُ حتّى اُقتل دونَك، واُحبُّ أن ألقى الله وقد صلّيت هذه الصّلاة.

فرفععليه‌السلام رأسه إلى السماء وقال: (( ذكَرْتَ الصّلاة! جعلك اللهُ من المصلّين، نعم هذا أوّلُ وقتها.

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 339 - 340، الكامل في التاريخ 2 / 569، قال: وكان أوّل مَنْ قُتل، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 25.

(2) تاريخ الطبري 4 / 340.

(3) من شعر الكوّاز، أدب الطفّ 10 / 238.

(4) تاريخ الطبري 4 / 329.


سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نُصلّي لربّنا )).

وتقدّم ببقيّة أصحابه، وكانوا عشرين رجلاً، فلمّا اصطفّ أصحابهُ خَلفه دنا (الحُصين بن نَمير) فقال: صلّي يا حسين، فإنّها لا تُقبَلُ منك. فقال له حبيب بن مُظاهر: زعمتَ أنّها لا تُقبَلُ من ابن بنت رسول الله وتُقْبَلُ منكَ يا فاسق؟!(1) .

وكان عُمرُ حبيب يوم كربلاء خمساً وسبعين سنةً، وكان يحفظ القرآن كُلَّه، وكان يختمه في كلِّ ليلة من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر(2)(3) .

جاء يوم عاشوراء إلى الحسينعليه‌السلام فسلّمَ عليه وودّعه، وقال: واللهِ يا مولاي، إنّي لأرجو أن اُتمّم صَلاتي في الجنّة، واُقرأْ أباكَ وَجدّكَ وأخاك عنك السّلام. ثمّ برز وهو يقول:

أنَا حَبِيبٌ وأبي مُظاهِرُ(4)

فارِسُ هيجاء وحَرب تُسْعَرُ

أنـتم أَعَـدُّ عُـدَّةً وأَكـثرُ

ونـحنُ أوفى منكُم وأَصْبَرُ

ولم يزلْ يُقاتل حتّى قَتَل اثنين وستّين فارساً، فحمَلَ عليه رجلٌ من بني تميم(5)

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 334، وفيها: وتُقبل منك يا حمار... وأنّه الحصين بن تميم، الكامل في التاريخ 2 / 567، بحار الأنوار 45 / 21، أعيان الشيعة 1 / 606.

(2) وهذه شهادة من الإمام الحسينعليه‌السلام في حقّه: (( لله دَرُّكَ يا حبيب! لقد كنتَ فاضلاً تختم القرآن في ليلة واحدة )). ينابيع المودّة / 411، وفي تاريخ الطبري 4 / 336، والكامل 2 / 567، قالعليه‌السلام عند استشهاد حبيب: (( عند الله أحتسب نفسي وحُماة أصحابي )).

(3)

أَحبيبُ أنتَ إلى الحسينِ حَبيبُ

إنْ لـم يُنِطْ نَسَبٌ فأنتَ نَسيبُ

يا مرحباً بابنِ المظاهِر بالوِلا

لو كانَ ينهضُ بالولا التَرحيبُ

بـأبي المفدّي نفسه عن رغبة

...........................................

السيّد إبراهيم الطباطبائي - رياض المدح والرثاء / 537.

(4) في إبصار العين / 59:... أنا حبيبُ وأبي مُظهر.

(5) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 19، بحار الأنوار 45 / 27، أعيان الشيعة 1 / 606، الكامل في التاريخ 2 / 567.


يُقال له: بُديل بن صُرَيم(1) ، فضربه بالسّيف على رأسه فوقع، وذهب ليقوم فضربه الحُصينُ بن نَمير(2) على رأسه بالسّيف فسقط، فنزل إليه التميميّ فاحتزّ رأسه.

فقال له الحُصين: أنا شريكُك في قتله. فقال التميميّ: واللهِ ما قتله غيري. فقال الحُصَين: أعْطنيه اُعلّقه في عُنُق فرسي كيما يرى النّاس ويَعلموا أنّي شريكُكَ في قتله، ثمّ خُذْهُ أنت فامضي به إلى عبيد الله بن زياد فلا حاجةَ لي فيما تُعطاه.

فأبى عليه، فأصْلح قومهما بينهما على ذلك، فدفع إليه رأس حبيب فعلّقه بعُنُق فرسه، فجال به في العسكر، ثمّ دفعه بعد ذلك إلى التميمي فعلّقه في لِبان فرسهِ، ثمّ أقبل إلى ابن زياد وجالَ به في الكوفة(3) .

ولمّا قُتِل حبيبُ بان الانكسار في وجهِ الحسينعليه‌السلام ، وقال: (( عند اللهِ أحتسبُ نفسي وحُماةَ أصحابي ))(4)(5) .

ولمّا قُتِل أصحاب الحسينعليه‌السلام ، ولم يَبْقَ معه إلاّ أهْلُ بيته وخاصّته، وهم وُلْدُ عليٍّ، ووُلْدُ جعفر، ووُلْدُ عقيل، ووُلْدُ الحسنعليه‌السلام ، ووُلْدُهُعليه‌السلام ، اجتمعوا يودّع بعضهم بعضاً لمّا عزموا على الحرب،

____________________

(1) في نسخة الطبري «بَديل بن صُرَيم»، وفي الكامل «بُديل بن صُريم».

(2) في نسخة الطبري «الحصين بن تميم».

(3) تاريخ الطبري 4 / 235، الكامل 2 / 567، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 19.

(4) المصادر نفسها.

(5)

إن يهدّ الحُسينَ قَتْلُ حَبيبٍ

فـلقد هَـدّ قَتْلُهُ كُلَّ رُكْنِ

* * *

إجـاه احسين شافه او دمّه مسفوح

وعاين بيرغه اعلى الگاع مطروح

سـدر عـنّه او دمع العين منثور

جـذب ونّـه ومنّه ماعت الرّوح(*)

(*) هكذا وردت الأشطر، وربما كان هناك تقديم وتأخير في الشطرين الأخيرين.(موقع معهد الإمامين الحسنين) .


فهُمْ كما قال القائلُ:

لَـوْ كُنْتَ ساعة بَيننا ما بَينَنا

وَشَـهِدْتَ كَيْفُ تَكَرَّر التّوديعا

أيْـقَنْتَ أنّ من الدّموع تحدّثاً

وعَلِمْتَ أنّ من الحديثِ دموعا

تقدّم عليُّ بن الحسين الأكبرعليه‌السلام ، واُمّه ليلى بنتُ عُروةِ بن مسعودِ الثّقفي عَظيم القَريتَين، الذي قالتْ قُريشٌ فيه:( لَولا نُزِّلَ هذا القُرآنُ عَلى رَجُل مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظيمٌ ) (1) ، وكان عليّ بن الحسينعليه‌السلام من أصبحِ النّاس وَجْهاً، وأحسنهم خُلُقاً، فاستاذنَ أباهُ في القتال فأذِنَ له، ثمّ نظر إليه نَظَرَ آيس منه، وأرخىعليه‌السلام عَيْنَهُ وبكى(2) .

وروي أنّهعليه‌السلام رفع شيْبَتَهُ نحْوَ السّماء وقال: (( اللّهمّ اشْهَدْ على هؤلاء القومِ فقد بَرَزَ إليهم غُلامٌ أشبهُ النّاسِ خَلْقَاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً برسولك، وكُنّا إذا اشْتَقْنا إلى نبيّك نَظَرْنَا إلى وَجْهِهِ. اللّهمّ امْنَعْهُمْ بركاتِ الأرضِ، وفَرِّقْهُمْ تفريقاً، ومزّقْهُم تَمزيقاً، واجْعَلْهُمْ طرائقَ قِدَداً، ولا تُرْضِ الوُلاةً عنهم أبداً؛ فإنّهم دَعَونا ليَنصُرونا ثمّ عَدَوا علينا يُقاتلونا )).

ثمّ صاح بعمر بن سعد: (( ما لك؟! قطع اللهُ رَحِمَك، ولا بارك الله لك في أمركَ، وسلّطَ عليك مَنْ يَذبحُك بعدي على فراشك كما قَطَعْتَ رَحِمي، ولم تَحفظْ قرابتي من رسول الله )).

ثمّ رفع صوته وتلا:( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (3) ) .

ثمّ حمل عليُّ بن الحسينعليه‌السلام على القوم وهو يقول:

أنَا عليُّ بنُ الحُسَين بنُ علي

نَحْنُ وبَيتِ اللهِ أوْلى بالنَّبي

تاللهِ لا يَحْكُمُ فينا ابنُ الدّعي

أضْرِبُكُمْ بالسّيف حتّى يَنْثَني

ضَرْبَ غُلامٍ هاشميٍّ علوي

وشدّ على النّاس مِراراً، وقتل منهم جمعاً كثيراً حتّى ضجّ النّاس من كَثْرة مَنْ قُتِل

____________________

(1) سورة الزخرف / 31.

(2) أعيان الشيعة 1 / 607.

(3) سورة آل عمران / 33 - 34.


منهم(1) .

ورُوي أنّه قتل على عطشه مئة وعشرينَ رجُلاً(2) ، ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابَتْهُ جُراحاتٌ كثيرةٌ، فقال: يا أبةِ، العطش قدْ قَتلني، وثِقْلُ الحديد أجْهَدني، فهل إلى شِرْبةِ ماء مِن سبيل حتّى أتقوّى بها على الأعداء؟

فبكى الحسينعليه‌السلام وقال: (( يا بُنيّ، قاتِلْ قَليلاً؛ فما أسرعَ ما تَلْقى جدّك محمّداً فيسقيكَ بكأسِهِ الأوفى شِرْبةً لا تَظمأ بعدها أبداً ))(3)(4) .

فَرَجع إلى القتال، ولم يزلْ يُقاتل حتّى قتل تمام المئتين(5) .

وكان أهل الكوفة يتّقون قَتْله، فبصر به مُرّةُ بنُ مُنقِذ بن النُّعمان العَبدي(6) ، فشدّ

____________________

(1)

بَـطَلٌ لـهيبته الاُسُـودُ ذواهِلٌ

والأرضُ ترجفُ إذْ يطاها مُدْرعا

واسـى أبـاه بكربلا حين العِدى

حـاطتْ به فَسَطا بها وتطلّعا

وبـدى يجولُ بطَرْفِهِ حتّى كسا

............................................

الشيخ سلمان البحراني - رياض المدح والرثاء / 434.

(2) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 30، بحار الأنوار 45 / 42.

(3) اللهوف / 49، مثير الأحزان / 69، الفتوح 5 / 131، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 31.

(4)

سـهله يـبويه طلبتكَ هاي

لاچن يعگلي او ماي عيناي

............................................

............................................

* * *

يَشكو لخير أبٍ ظماه وما اشتكى

ظمأَ الحشى إلاّ إلى الظامي الصدِ

فـانصاع يـؤثره عـليه بريقِهِ

لـو كـان ثـمّة ريـقُه لم يجمدِ

كـلٌّ حـشاشتُهُ كـصاليةِ الغضا

............................................

الشيخ عبد الحسين صادق - أدب الطفّ 9 / 228.

(5) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 31.

(6) تاريخ الطبري 4 / 340، الكامل في التاريخ 2 / 569.


عليه فَضَرَبهُ على مَفْرَقِ رأسه ضَرْبَةً صرعَتْهُ، وضربه النّاس بأسيافهم؛ فاعتنق فرسه فاحتمله الفَرسُ إلى مُعسكرِ الأعداء فقطّعوهُ بسُيوفهم إرْباً إرْباً(1) ، فلمّا بلغَت روحه التّراقي قال رافعاً صوتَهُ: يا أبتاهُ! هذا جَدّي رسول الله قد سَقاني بكأسه الأوفى شِرْبةً لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقولُ: (( العَجَل العَجَل؛ فإنّ لك كأساً مذخورةً حتّى تَشْرَبها السّاعة )).

فجاء الحسينعليه‌السلام حتّى وقف عليه، ووضع خدّه على خدّه وهو يقول: (( قَتَل اللهُ قَوْماً قتلوك، ما أجْرأهُم على الرّحمن، وعلى انتهاك حُرْمَةِ الرّسول! )). وانهَمَلَتْ عيناهُ بالدّموع، ثمّ قال: (( على الدّنيا بَعْدَك العَفَا ))(2)(3) .

____________________

(1)

نـده يـحسين هـذا الساع جدّي

سگاني الماي واروه عطش چبدي

يگول اسـرع تراك اليوم عندي

ابن نصار - النصاريات الكبرى / 26.

(2) ينابيع المودّة / 415، الكامل في التاريخ 2 / 569، تاريخ الطبري 4 / 340.

(3)

ناده الحسين او دمعته عالخد جريّه

يـبني يالأكبر فرگتك صعبه عليّه

السيّد حسين الحلو - أدب المنبر الحسيني / 126.

كل جسمك جروح وغدت دم تسيل

ومـا ظل يبني موضع بيه للتقبيل

اويـلي عليك يبني وشيفيد الويل

الـبچه والنوح والون ما يشافيني

عبد الحسين أبو شبع - أدب المنبر الحسيني / 182.

حزني شابه اُم عشره ويرها

عَلَه اللّي بالگلب ناره ويرها

أدب المنبر / 391.


وخرج القاسم بنُ الحسن بن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام ، فلمّا نظر إليه الحُسينعليه‌السلام اعْتنقهُ، وجعلا يبكيان حتّى غُشِيَ عليهما، ثمّ اُستاذنَ الحُسَين في المُبارزة فأبى أنْ يأذنَ له، فلَمْ يزلْ الغلامُ يُقبّلُ يَدَيْهِ ورِجْلَيهِ حتّى أذِنَ له(1) ، فخرج ودموعه تَسيلُ على خدّه وهو يقول:

إنْ تُـنْكِرُوني فَـأَنَا اِبْـنُ الحَسَنْ

سِـبْطُ النَبيِّ المُصْطَفى والمُؤتَمَنْ

هـذا حُـسَيْنٌ كـالأسيرِ المُرْتَهَنْ

بَيْنَ اُناس لا سُقُوا صَوْبَ المُزُنْ(2)

فقاتل قِتالاً شديداً حتّى قتل على صِغَره خمسةً وثلاثينَ رجُلاً(3) .

وفي أمالي الصّدوق(4) : وبرز من بعده - أي بعد علي بن الحسين - القاسم بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وعن حَميد بن مُسلم قال(5) : خرج إلينا غلامٌ كأنَّ وجهه شُقّةُ قمر، وفي يده السّيفُ(6) ، وعليه قميصٌ وإزارٌ، وفي رجْلَيه نَعلانِ، وقد انقطع شِسْعُ أحدهما، ما

____________________

(1) مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 27، بحار الأنوار 45 / 35، مُثير الأحزان / 81.

(2) المجالس السنيّة 1 / 109، مُثير الأحزان - للجواهري / 81.

(3) مثير الأحزان / 81، موسوعة كلمات الإمام الحسين / 464.

(4) أمالي الصدوق / 138.

(5) تاريخ الطبري 4 / 341، البداية والنهاية 8 / 202، مقاتل الطالبيين / 58.

(6)

جَـرّ الـسيف والـزانه نكثها

او طفَّحْ على المَلزومه او فرشها

جثث بالروس والروس ابجثثها

اسـم الله عـليه خـلاّها اتِّعَثرْ

* * *

تـبردگ فوگ مهره وگال يومي

او گال الزانته اعلى الخيل حومي

رَفْـهَا او گال لـلراياتْ گومـي

ابن نصار - النصاريات الكبرى / 30.


أنسى أنّها اليُسرى(1) ، فقال عمرو بن سعد بن نَفيل الأزْدي: والله لأشُدّنّ عليه. فقلت له: سُبحان اللهِ! يكفيك هؤلاء الّذين احتَوَشُوه مِن كُلّ جانب. قال: واللهِ لأشدّنّ عليه.

فشدَّ عليه، فما ولّى حتّى ضربَ رأس الغلامِ بالسّيفِ، فوقعَ الغُلامُ لوَجههِ، فقال: يا عَمّاه! فجلى الحُسين كما يَجلي الصَّقْرُ، ثمّ شدّ شِدَّة لَيْث اُغْضِبَ وضرب عَمْراً بالسّيفِ، فاتّقاه بالسّاعد فأطنّها مِن لَدُن المِرْفَقِ، فصاح(2) صَيحةً سمعها أهلُ العسكرِ، ثمّ تنحّى عنه الحسينعليه‌السلام ، وحملَتْ خَيلُ أهلُ الكوفة ليَستنقذوا عَمْراً من الحسين فوطأتْهُ حتّى مات.

وانجَلَتْ الغُبْرَة فإذا بالحسينعليه‌السلام قائمٌ على رأس الغُلام، والغُلامُ يَفْحَصُ برجْليه، والحسين يقول: (( بُعْداً لقوم قتلوك! ومَنْ خصْمُهم يوم القيامة فيك جدُّكَ )). ثمّ قال: (( عَزَّ واللهِ على عَمّكَ أنْ تدعوهُ فلا يُجيبكَ، أو يُجيبكَ فلا يَنفعك صوتُهُ! هذا يومٌ واللهِ كَثُرَ واتِرُهُ، وقَلّ ناصِرهُ )).

ثمّ احتملهُ على صدرهِ، فكأنّي أنظرُ إلى رِجْلي الغُلام تَخُطّان الأرض وقد وضع صدرَهُ على صدرِهِ(3) ، فجاء به حتّى ألقاهُ مع ابنهِ عليّ بن الحسين وقَتلى قدْ قُتِلَتْ حوله من أهلِ بيته(4) .

____________________

(1) من أروع بطولات القاسمعليه‌السلام عدم مبالاته بكثرة الأعداء، بحيث انقطع شسع نعله، فوقف بين تلك الجموع يشدّه، وهذا ممّا يغيضُ العدوّ... (المحقّق).

لو كان يحذر بأساً أو يخافُ وغىً

ما انصاع يُصلح نعلاً وهو صاليها

أمـامَه مِـن أعـاديه رمالُ ثرى

...........................................

للشيخ عبد الحسين صادق - شعراء الحسين / 53.

(2) مثير الأحزان / 82، مقتل الحسين - للمقرّم / 265.

(3)

حـطّ احسين صدره ابصدر جسّام

شـبگ فوگه او شاله اليمّ الخيام

صدره ابصدر عمّه او خط بالجدام

عـله الـتربان واحـسين ايتعثّر

* * *

يعمّي اشگالت من الطبر روحك

يـجاسم مـا تراويني اجروحك

ابن نصار - النصاريات الكبرى / 31.

رمـله تـنادي سـاعدوني عالرزيّه

جـاسم وگع من المُهر فوگ الوطيّه

اگعد يمن ردتك ذخيره الجور الأيّام

ليش اگطعت بيّه ونسيت اُمّك يجسّام

هيهات من غمّضت عينك عيني تنام

والله لـعوّدها الـسهر غصباً عليّه

السيّد حسين الحلو - أدب المنبر الحسيني / 124.

رياض المدح والرثاء / 192 - 193.

(4) تاريخ الطبري 4 / 341 - 342، البداية والنهاية 8 / 202، مقاتل الطالبيين / 58.


مصرعُ العبّاس بن عليّعليهما‌السلام حامل راية الحسينعليه‌السلام

قال أهل السِّيَر: كان العبّاس بن عليّ رجُلاً وسيماً جميلاً، بينَ عينيهِ أثرُ السّجود، يركَبُ الفرس المُطهّم ورجلاهُ تخُطّان الأرض خَطّاً، وكان يُقال له: قمَرُ بني هاشم؛ لجماله ووسامته، وكان لِواء الحسينعليه‌السلام بيده(1) .

____________________

(1) مقاتل الطالبيين / 56، مثير الأحزان / 83.


قال الإمام الصادقعليه‌السلام : (( كان عمّنا العباس نافذ البصيرة، صلب الإيمان، له منزلة عند الله يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة ))(1) .

وكانت ولادة العباس سنة ست وعشرين من الهجرة(2) ، وقُتل أبوه أمير المؤمنينعليه‌السلام وله من العمر نحو أربع عشرة سنة، وقُتل هو بالطفّ وقد بلغ أربعاً وثلاثين سنة، وهو آخر مَنْ قُتل من المحاربين مع الحسينعليه‌السلام ، ولم يُقتل بعده إلاّ الأطفال(3) .

ولمّا رأى العبّاس بن عليعليه‌السلام وحدة أخيه الحسينعليه‌السلام أقبل يستأذنه في القتال ويقول: يا أخي، هل من رخصة؟ فبكى الحسينعليه‌السلام ثمّ قال: (( يا أخي، أنت حامل لوائي، ومجتمع عسكري، وإذا مضيت تفرّق عسكري )).

فقال العبّاسعليه‌السلام : قد ضاق صدري، وسئمت من الحياة، واُريد أن أطلب ثاري من هؤلاء المنافقين.

فقال له الحسينعليه‌السلام : (( فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء ))(4) .

فذهب العبّاسعليه‌السلام ، ووعظهم وحذّرهم فلم ينفع الوعظ والتحذير، فرجع إلى أخيه فأخبره، فسمع الأطفال ينادون العطش العطش، فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة وقصد نحو الفرات، فأحاط به أربعة آلاف ممّن كانوا موكّلين بالفرات، ورموه بالنّبل، فكشفهم وقتل منهم ثمانين رجلاً(5) ، وهو

____________________

(1) الخصال 1 / 68، إبصار العين / 26.

(2) العبّاس - للمقرّم / 74.

(3) إبصار العين / 30، المنتخب - للطريحي / 312.

(4) المصدران نفساهما، تظلّم الزهراء / 119.

(5)

وتـعبسُ مِـن خـوفٍ وُجوهُ اُميّةٍ

إذا كـرّ عـبّاسُ الـوغى يـتبسّمُ

أبو الفضل تأبى غيره الفضل والإبا

أبـاً فـهو إمّـا عنه أو فيه يرسمُ

عـلـيمٌ بـتأويلِ الـمنيّة سـيفُهُ

نَـزولٌ عـلى مَـنْ بالكريهةِ مَعْلَمُ

ويمضي إلى الهيجاءَ مستقبل العدى

بـماضي بـه أمـرُ الـمنيّةِ مُبْرَمُ

وصال عليهم صولةَ الليث مغضباً

يُـحمحم من طول الطوى ويدمدمُ

للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء - عن كتاب سوانح الأفكار - للسيّد جواد شبّر - مخطوط


يرتجز ويقول:

لا أرهـبُ الموتَ إذا الموت زقا(1)

ولا أخـافُ الـشَرَّ يـوم الـمُلْتَقى

إنّـي أَنَـا الـعَبّاسُ أغـدو بـالسِّقا

نَفسي لسبْطِ المصطفى الطّهر وِقا(2)

حتّى دخل الماء، فلمّا أراد أن يشرب غرفة من الماء ذكر عطش الحسين وأهل بيتهعليهم‌السلام ، فرمى الماء(3) وملأ القربة، وحملها على كتفه الأيمن وتوجّه نحو الخيمة، فقطعوا عليه الطريق، وأحاطوا به من كلّ جانب، فحاربهم، فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي فضربه على يمينه فقطعها، فحمل القربة على كتفه الأيسر وهو يقول:

واللهِ إنْ قَـطعْتُمُ يميني

إنّي اُحامي أبداً عَن ديني

____________________

(1) زقا: بمعنى صاح، وكانت العرب تزعم أنّ للموت طائراً يصيح.

(2) مقتل الحسين - للمقرّم / 268 - 269، إبصار العين / 30.

(3)

ومُــذ خَـاضَ نـهرَ الـعلقمي تَـذكّر الـ

ـحسينَ فـولّى عـنه والـريقُ عَـلْقَمُ

وأضحى ابنُ ساقي الحوض سقّا ابن أحمدٍ

يروّي عطاشى المصطفى الطُّهْرِ إن ظموا

أبـا الـفضلِ تُـهنيك الـوراثةُ مِـن أب

...........................................

للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء - سوانح الأفكار - للسيّد جواد شبّر – مخطوط

وصل للماي لاچن ما شرب ماي

گال شـلون ابـرّد چبدة احشاي

عگب حسين واطفاله البرجواي

عَلَيْ ماي العذب هاليوم يحرم


وعـن إمـامٍ صادق اليَقينِ

نَجْلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ(1)

فكمن له حكيم بن الطفيل فضربه على شماله فقطعها من الزند، فحمل القربة بأسنانه، وجاءه سَهمٌ فأصابَ القرْبة واُريق ماؤها(2) ، ثمّ جاءه سهمٌ آخرُ فأصابَ صدره، وضربه آخَرُ بعمود من حديد على اُمّ رأسه، فانقلب عن فرسه وصاح: يا أبا عبد الله، عليكَ منّي السّلام(3) .

فلمّا أتاه ورآه صريعاً بكى ونادى: (( الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي، وشمت بي عدوّي ))(4) .

الـيَوْمَ نـامَتْ أعـينٌ بِكَ لَمْ تَنَمْ

وَتَسهَّدتْ اُخرى فَعزَّ مَنامُها(5)(6)

____________________

(1) المنتخب - للطريحي / 312، إبصار العين / 30.

(2)

لاچن إجـاها الـسّهم للجربة وفراها

حنّ او وگف يبچي او سكنه ما نساها

عـمها امواعدها على اُمّيّة الحشاها

للشيخ الصيمري - أدب المنبر الحسيني / 211.

(3) إبصار العين / 30.

(4) بحار الأنوار 45 / 41، تظلّم الزهراء / 120، الدمعة الساكبة 4 / 324.

(5) من قصيدة للشيخ محمّد رضا الاُزري المتوفّى سنة 1240، أدب الطفّ 6 / 263.

(6)

وحـين هـوى أهـوى إليه شقيقهُ

يـشقّ صـفوف المخلديّ ويحطمُ

فـالفاهُ مـقطوعَ الـيدين مـعفّراً

يـفوّر مـن مـخسوف هامته الدمُ

فقال أخي قد كُنتَ كبش كتيبتي

وجـنة بـأسٍ حـين أدهى وأدهمُ

فَـمَنْ نـاقعٌ حرّ القلوب من الظما

ومَـن دافـعٌ شرّ العدى يوم تهجمُ

ومَن يكشفُ البلوى ومَن يحمل اللوا

ومَـن يـدفع الـلأوي ومَن يتقحّمُ

رحـلتَ وقد خلّفتني يابن والدي

اُغـاض بـأيدي الظالمين واُهضَمُ

للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء - سوانح الأفكار - للسيّد جواد شبّر - مخطوط


ووقف الحسينعليه‌السلام بجنب الخيمة ونادى: (( يا سكينة، يا فاطمة، يا زينب، ويا اُم كلثوم، عليكنّ منّي السّلام )). فنادته سكينة: يا أبَة، استسلمتَ للموت؟! فقال: (( كيف لا يستسلم للموت مَنْ لا ناصر له ولا معين؟! )). فقالت: يا أبة، رُدّنا إلى حرم جدّنا. فقال: (( هيهات! لو تُرِكَ القطا لنام )). فتصارخن النساء فسكّتهنّ الحسينعليه‌السلام (1) .

يقول زين العابدين علي بن الحسينعليه‌السلام : (( ضمّني والدي إلى صدره يوم قُتل والدماء تغلي، وهو يقول: يا بُنيّ، احفظ عنّي دُعاءً علّمتنيهِ فاطمةُ (صلوات اللهِ عليها)، وعلّمها رسول الله إيّاه، وعلّمه جبرئيلُ في الحاجةِ والمُهمّ والغَمِّ، والنّازِلة إذا نزلتْ، والأمرِ العظيم الفادح. قال: ادعُ بحقّ يس والقُرآن الحكيم، وبحقّ طه والقُرآنِ العظيم، يا مَنْ يَقْدِرُ على حوائج السّائلين، يا مَنْ يعلمُ ما في الضَّميرِ، يا مُنفِّسَ عن المكروبين، يا مُفرِّجَ عن المَغمومين، يا راحِمَ الشَّيْخ الكبير، يا رازقَ الطِّفْلِ الصّغير، يا مَنْ لا يحتاجُ إلى التّفسير، صَلِّ على محمّد وآل محمّد وافْعَلْ بي كذا وكذا ))(2) .

وفي رواية: وتقدّم نحو باب الخيمة وقال لزينب: (( ناوليني ولدي الصغير حتّى أودّعه )). فأخذه وأومأ إليه ليقبّله، فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فوقع في نحره فذبحه(3)(4) .

يقول الراثي:

____________________

(1) المنتخب - للطريحي / 440، بحار الأنوار 45 / 47، الدمعة الساكبة 4 / 236.

وَأَحَـطْنَ فـيه بناتُهُ وعيالُه

فـكأنَّهُ بَـدرٌ يُـحاطُ بـأنجُمِ

وأتته زينبُ والنساءُ صوارخاً

والـدمعُ مِن أجفانها كالعندمِ

يَـدعونه يا كهفَنا وعِمادَنا

ومـلاذَنا في كُلِّ خَطْبٍ مُؤلِمِ

السيّد مهدي الأعرجي - رياض المدح والرثاء / 761.

تـنادي يـخويه او مالك امعين

او گومك على الرَمضه مطاعين

آنه امنين أجيب المرتضه امنين

عـن كـربله بويه غبت وين

فـزعوا فرد فزعه عله احسين

(2) الدعوات - للراوندي / 54، ح 137، بحار الأنوار 95 / 196، ح 29.

(3) إبصار العين / 24، تاريخ الطبري 4 / 342، البداية والنهاية 8 / 202 - 203، الكامل في التاريخ 2 / 570، وسمّاه ابن شهر آشوب في المناقب 2 / 222 علي الأصغر. وذكر السيّد ابن طاووس في الإقبال زيارة للحسين يوم عاشوراء، جاء فيها: صلّى الله عليك وعليهم، وعلى أولادك علي الأصغر الذي فُجِعْتَ به أمّا الذي نصّ على أنّه عبد الله واُمّه الرّباب فهو الشيخ المفيد في الاختصاص / 83، وأبو الفرج في مقاتل الطالبيين / 59.

=


ومُـنْعَطِف أهوى لِتقبيلِ طِفْلهِ

فقبَّل مِنْه قَبْلَه السَّهْمُ مَنْحَرا(1)

فقالعليه‌السلام لزينب: (( خذيه )). ثمّ تلقّى الدم بكفّيه فلمّا امتلأتا رمى بالدم نحو السماء(2) ، ثمّ قال: (( هوّن عَلَيّ ما نزل بي أنّه بعين الله. اللّهمّ لا يكوننّ أهون عليك من فصيل ناقة صالح ))(3)(4) .

____________________

= (4)

أعـزز عَلَيّ وأنتَ تحملُ طفـ

ـلك الظامي وحَرُّ أوامِه لا يبردُ

قد بُحَّ مِن لفح الهجيرةِ صَوتُه

بـمرنّة مـنها يـذوبُ الجلمدُ

وقصدتَ نحو القومِ تطلبُ منهمُ

ورداً ولـكن أين منك الموردُ

والـقوسُ طَـوَّقَ نحرَه فكأنّه

خـيط الهلال يحلُّ فيه الفرقدُ

وعلى الربيّةِ في الخيام نوائحٌ

تـومي لطفلك بالشجى وتردّدُ

السيّد جواد شبّر - مقتل الحسين - للمقرّم / 272 - 273.

(1) من قصيدة للسيّد حيدر الحلّي، رياض المدح والرثاء / 63.

(2) البداية والنهاية 8 / 203.

(3) مقاتل الطالبيين / 60، وعن الباقرعليه‌السلام : (( فلم تسقط منه قطرة )) كما في اللهوف / 51، مقتل الخوارزمي 2 / 32، المناقب - لابن شهر آشوب 2 / 222.

(4)

تـدري الـوالده تتهنّه بالمولود

مِنِ تشوفه بكترها يلعب وموجود

تنسه التعب كلّه والسهر مفگود

يـبني ربـاك ما حسّبت ماذيني

رِدِتْ أتـهنّه بيّامك يَبَعد الروحْ

ويـن اتمثّلك هَمِّ البگلبي يروحْ

بـعدما حسّبت يَبني ترِدْ مذبوحْ

أدب المنبر الحسيني / 350 - 351.


ثمّ وقف قبالة القوم وسيفه مصلت في يده، آيساً من الحياة، عازماً على الموت(1) وهو يقول:

أنَـا ابْـنُ [عليِّ] الـطُّهْرِ مِـنْ آلِ هـاشِمٍ

كَـفانِي بـهذا مَـفخرٌ حـين أفـخرُ

وجـدّي رسـول الله أكـرم مَنْ مشى

ونحنُ سراجُ اللهِ في الأرضِ يَزْهَرُ(2)

قال الراوي: فوالله ما رأيت مكثوراً(3) قط قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه(4) ! وإن كانت الرّجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب! ولقد كان يحمل عليهم وقد تكاملوا ثلاثين ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، ثمّ يرجع إلى مركزه ويقول: (( لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ))(5) .

وأنشأعليه‌السلام هذه الأبيات:

فَـإنْ تَـكُنِ الـدُّنْيا تُـعَدُّ نَـفيسَةً

فَـإنَّ ثَـوابَ اللهِ أعـلى وأَنْـبَلُ

وإنْ تَـكُنِ الأبْدانُ لِلْمَوتِ اُنشِئَتْ

فَقَتْلُ امرئ بالسيفِ في الله أفضلُ

وإنْ تَـكُنِ الأرْزاقُ قِـسْمَاً مُقدّراً

فَقِلَّةُ سَعْيِ المرءِ في الكَسْبِ أجْمَلُ

____________________

(1) مثير الأحزان - للجواهري / 85، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 33.

(2) الصواعق المحرقة / 117 - 118، المنتخب - للطريحي / 452، كشف الغمّة 2 / 237، المناقب - لابن شهر آشوب 4 / 80، بحار الأنوار 45 / 49.

(3) المكثور: هو الذي تكاثر عليه الناس.

(4)

يلقى الكماةَ بثغرٍ باسمٍ فرِحاً

كـأنّهم لِندى كفّيه قد طلبوا

الشيخ عبد الرضا الخطّي - أدب الطفّ 7 / 296.

(5) اللهوف / 51، وفي تاريخ الطبري 4 / 245: ما رأيت مكسوراً، البداية والنهاية 8 / 204.


وإنْ تَـكُنِ الأمْوالُ للتركِ جَمْعُها

فما بالُ مَتروكٍ به المَرءُ يَبْخَلُ(1)

ولم يزل يقتل كلّ مَنْ دنا منه حتّى قَتَل منهم مقتلةً عظيمةً، فلمّا نظر الشّمر إلى ذلك قال لابن سعد: أيّها الأمير، واللهِ لو برز إلى الحسين أهل الأرض لأفناهم عن آخرهم(2) ؛ فالرأي أن نفترق عليه، ونملي الأرض بالفرسانِ، ونحيط به من كلّ جانب(3) .

فصاح ابن سعد: الوَيلُ لكمْ! أتدرون لمَنْ تُقاتلون؟! هذا ابنُ الأنزعِ البطين، هذا ابنُ قتّالِ العرب! فاحْملوا عليه من كُلّ جانب. فحملوا عليه ورموه بالنبالِ، وحالوا بينه وبين رحله، فصاح بهم: (( ويحَكم يا شيعة آلِ أبي سفيان! إن لم يكنْ لكم دينٌ، وكنتم لا تخافونَ المعاد، فكونوا أحراراً في دُنياكم، وارْجعوا إلى أحسابكم إنْ كنتم عُرُباً )).

فناداهُ شَمِرُ: ما تقول يابن فاطمة؟

قال: (( أقول: أنا الّذي اُقاتلكم وتُقاتلونني، والنّساء ليسَ عليهنّ جُناحٌ، فامنعوا عُتاتكم عن التّعرّضِ لحرمي ما دُمْتُ حيّاً )).

فقال شَمِرٌ: لك هذا. ثمّ صاح: إليكم عن حرم الرّجل، واقصدوه في نفسه؛ فلَعَمْري هو كفؤٌ كريم.

قال: فقصده القوم وهو يطلب شربة من ماء، فكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم(4) حتّى أجلوه عنه(5) ، ثمّ رماه رجل من القوم يُكنّى أبا الحتوف بسهم فوقع في

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 49، العوالم 17 / 292.

(2)

رامتْ تقودُ الليثَ طَوْعَ قيادها

وأَبـا أبـو الأشبال أن ينقادا

فـسطا عليهم كالعفرنيِّ مفردا

وأبـادهم وهـم الرّمالُ عدادا

يسطو فيختطف النفوسَ بعضبه الـ

ـماضي الشبا ويوزّع الأجسادا

فـتراه يـخطبُ والسِنانُ لسانُه

فـيهم وظَـهرُ جَـواده أَعوادا

فـجلا عـجاجَتها ولفَّ خيولَها

وطوى الرجالَ وفَرَّقَ الأجنادا

الشيخ محمّد علي قسّام - أدب الطفّ 10 / 62.

(3) ينابيع المودّة / 418، المنتخب - للطريحي / 463.

(4)

مِن يگحم على الليث ابعرينه

يجر يسراه والسيف ابيمينه

ابن نصار - النصاريّات الكبرى / 34.

(5) المناقب - لابن شهر آشوب 2 / 223، اللهوف / 52، أعيان الشيعة 1 / 609، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 33، بحار الأنوار 45 / 51.


جبهته(1) ، فنزعه من جبهته فسالت الدّماء على وجهه ولحيته(2) ، فقالعليه‌السلام : (( اللّهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة )). ثمّ حمل عليهم كاللّيثِ المُغضب؛ فجعل لا يلحق منهم أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسّهام تأخذه من كلّ ناحية، وهو يتّقيها بنحره وصدره(3) .

وخرج عبد الله بن الحسن بن علي(4) - وهو غلام لم يراهق - من عند النساء يشتدّ حتّى وقف إلى جنب الحسينعليه‌السلام ، فلحقته زينب بنت علي لتحبسه، فقال لها الحسينعليه‌السلام : (( احبسيه يا زينب )).

فأبى الغلام وامتنع امتناعاً شديداً، وقال: والله لا اُفارقُ عمّي. فأهوى أبجر بن كعب إلى الحسين بالسّيف ليضربه،

____________________

(1) مقتل الحسين - للمقرّم / 278.

(2)

سهمٌ أصابك يابن بنت محمّدٍ

قـلباً أصـابَ لِفاطمٍ وفؤادا

الشيخ محمّد علي قسّام - أدب الطفّ 10 / 62.

(3)

كأنَّ لديه الحرب إذ شَبَّ نارُها

حـدائقُ جـناتٍ وأنهارُها دمُ

كأنَّ لديه السمهريّاتِ في الوغى

نـشاوى غصونٍ هزهنّ التنسّمُ

كـأنّ الـحسام المشرفيّ بكفّه

...........................................

السيّد عبد الوهّاب الوهّاب - أدب الطفّ 8/183.

(4) وله إحدى عشرة سنة.


فقال له الغلام: ويلك يابن الخبيثة! أتقتل عَمّي؟! فضربه أبجر بالسّيف، فاتّقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلدة فإذا يده معلّقة، فنادى الغلام: يا عَمّاه! فأخذه الحُسينُعليه‌السلام فَضَمَّه إلى صدره، وقال: (( يابن أخي، اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير؛ فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين ))(1) .

وخرج غلام من النساء(2) فوقف بين أطناب الخيم، وهو مذعور يتلفَّت، وفي اُذنيه قرطان يتذبذبان على خدّيه، فأرادت اُمّه حبسه فهرب منها، وهو يقول: لا والله، لا أرجع حتّى أذهب إلى عمّي. فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم، فوضع الغلام يده على جبهته ليتّقي الرمية فسمر السهم يده إلى جبهته، فصاح الغلام: يا اُمّاه! فصاح الحسينعليه‌السلام : (( صبراً يا بني أخي على ما تجدون )). فصارت اُمّه شهربانويه تنظر إليه ولا تتكلّم كالمدهوشة(3)(4) .

ثمّ رفع الحُسينعليه‌السلام يده وقال: (( اللّهمّ أمْسِك عنهم قَطْرَ السّماء، وامْنعْهم بركاتِ الأرْضِ ))(5) . ثمّ جعل يأخذ الدّم ويُخضبُ به وجهه ويقول: (( هكذا ألقى الله وأنا مُخضّبٌ بدمي ))(6) . وصار لا يضع قدماً على الأرض إلاّ وثبت بمقدارها دماً على الأرض.

ووقف يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، أتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث

____________________

(1) اللهوف / 53، تاريخ الطبري 4 / 344، مقاتل الطالبيين / 77، المنتخب - للطريحي / 451.

(2) الكلام ما زال عن نفس هذا الغلام، وهو عبد الله بن الحسنعليه‌السلام كما في اللهوف / 53، ثمرات الأعواد 1 / 211، الإرشاد 2 / 114 - 115، طبع إيران، البداية والنهاية 8 / 202، الكامل في التاريخ 2 / 571.

(3) مقتل الحسين - للحيّاوي.

(4)

فـدوّى صراخُ الاُمِ تلقى وليدها

ذبيحاً قد احمرّتْ وريداه والشَعرُ

تُـقبّلهُ مِـن جُـرحِهِ وتَـضُمُّه

...........................................

للأديب حسين الأعظمي - أدب الطفّ 10 / 110 - 111.

(5) تاريخ الطبري 4 / 344 - 345، الكامل في التاريخ 2 / 571.

(6) اللهوف / 54، بحار الأنوار 45 / 54، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 34.


شعب فوقع في صدره - وفي بعض الروايات: على قلبه(1) - فقال الحسينعليه‌السلام : (( بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله )).

ورفع رأسه إلى السّماء وقال: (( إلهي، إنَّكَ تعلمُ أنَّهمْ يقتُلون رجلاً ليسَ على وجهِ الأرْضِ ابنُ نبيٍّ غيره )). ثمّ أخذ السّهمَ فأخرجه من قَفاه فانبعث الدّمُ كالميزاب(2) ، ثمّ خرّ على خدّه الأيسر صريعاً.

وخرجت زينب من باب الفسطاط وهي تنادي: وا أخاه! وا سيّداه! وا أهل بيتاه! ليت السّماء أطبقت على الأرض(3)(4) .

وصاح شمر: ما تنتظرون بالرّجل(5) ؟! فبدر إليه خولى بن يزيد الأصبحي ليحتزّ رأسه فأرعد، فقال شمر: فتّ الله في عضدك، ما لك ترعد؟! فنزل شمر إليه فذبحه(6)(7) .

____________________

(1)

سهمٌ رمى أحشاك يابن المصطفى

سـهمٌ بـه قلبُ الهداية قد رمي

الشيخ إبراهيم آل نشرة البحراني - رياض المدح والرثاء / 452.

(2) اللهوف / 52، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 34، بحار الأنوار 45 / 53، ينابيع المودّة / 418، نفس المهموم / 189.

(3) الكامل في التاريخ 2 / 572، اللهوف / 54، البداية والنهاية 8 / 204، تاريخ الطبري 4 / 245، الإرشاد / 116.

(4) الشيخ حسين شهيب - أدب الطفّ 10 / 15.

(5) تاريخ الطبري 4 / 346، اللهوف / 54، مقتل الحسين - للخوارزمي 2 / 36.

(6) بحار الأنوار 45 / 56، الإرشاد / 117، وفي تاريخ الطبري 4 / 346 أنّ سنان بن أنس بن عمرو النخعي هو الذي ذبح الحسينعليه‌السلام ثمّ أخذ رأسه، ثمّ دفعه إلى خولى بن يزيد. وعلى هذا القول صاحب البداية والنهاية 8 / 204، والكامل في التاريخ 2 / 572، ومروج الذهب 3 / 76، أمّا في مقاتل الطالبيين فقد ذكر القولين.

(7) وا حسيناه! وا حسيناه! وا حسيناه! وا سيّداه! وا غريباه! وا مظلوماه! وا ذبيحاه!

بالله يــا شـمـر عـنّه دوخّـر

اذبحني او خلّي اخويه احسين وسدر

تگلّــه يــا شـمر بالله دخـلّيه

او مـا شـافه امن الطبرات يبريه

تـشوفه ايـلوج ما غير النَّفَس بيه

او عـينه نـوب يشبحهه او تغمر

دگلّـي يـا كتر خالي امن الجروح

تـحطّ سـيفك يخايب والدمه ايفوح

طـبره فـوگ طبره تشعب الروح

يـشوغ الگلـب من عدها او يفغر

=


قال الخوارزمي: بقي الحسين مكبوباً ثلاث ساعات من النّهار متشحّطاً بدمه، رافعاً بطرفه إلى السماء وهو يقول: (( صَبْراً على قَضائِكَ، لا معبودَ سِواكَ يا غِياثَ المُستغيثين ))(1) .

وفي المنتخب(2) : فبادر إليه أربعون رجلاً كلّ منهم يريد حَزَّ رأسه، وعمر ابن سعد يصيح عجِّلوا برأسه. وكان أوّل مَنْ ابتدر إليه شبث بن ربعي، وكان بيده سيفٌ قاطعٌ، فدنا منه ليحتزَّ رأسه فرمَقَه بعينه، فرمى السّيف من يده وولّى هارباً وهو يُنادي: معاذ الله يا حسين أن ألقى الله(3) بدمك!

قال(4) : فأقبل إليه رجلٌ قَبيح الخِلْقَةِ، كَوْسَجُ اللّحية، أَبرَصُ اللّون يُقالُ له: سِنان، فنظر إليه الحُسينعليه‌السلام ، فلم يجسرْ عليه وولّى هارباً وهو يقول: ما لَك يا عمر بن سعد! غضب الله عليك، أردت أن يكون محمّدٌ خَصمي(5) !

قال بعضهم(6) : وقفتُ عليه وإنّه لَيَجود بنفسه، فوالله ما رأيتُ قَتيلاً مُضمّخاً بدمِهِ أحْسَنَ منه ولا أَنْوَر وجهاً! ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفِكْرة في قتله.

____________________

(1) ينابيع المودّة / 418، أسرار الشهادة / 423.

(2) المنتخب - للطريحي / 464.

(3) في نفس المصدر:.. ألقى أباك بدمك.

(4) أي: قال الطريحي.

(5) المنتخب - للطريحي / 464.

(6) والقائل هو هلال بن نافع، اللهوف / 55، بحار الأنوار 45 / 57.


عَفِيراً(1) مَتى عايَنَتْهُ الكُماة(2)

يَـخـتطفُ الـرُّعْبُ أَلـوانَها

فَـما أَجْـلَتِ الحَرْبُ عَن مِثْلِهِ

صَـريـعاً يُـجبِّنُ شُـجعانَها

تَـريبَ المُحيّا(3) تظنُّ السما

بـأنَّ على الأرض كيوانَها(4)

غَريباً أرى يا غريبَ الطّفوف

تَـوسُّـدَ خَـدّك كـثبانَها(5)

انتهى.

وفي رواية أنّ الحسينعليه‌السلام حمل وهو يقول:

كَـفَرَ الـقَوْمُ وَقِدْمَاً رَغَبُوا

عَـنْ ثَوابِ اللهِ رَبِّ الثَّقَلَيْن

حَـنَقاً مِـنْهُمْ وَقَـالوا إنّـنا

نَـأخُذُ الأوَّلَ قِدْماً بالحُسَين

يا لَقَوْمي مِنْ اُناس قَد بَغَوا

جَمَعُوا الجَمْعَ لأَهْلِ الحَرَمَين

لا لِـذَنْبٍ كـانَ مِنّي سَابقاً

غَيْرَ فَخْري بضِياء الفَرْقَدَيْن

بِـعَليِّ الطُّهْرِ مِنْ بَعْدِ النّبيّ

خَيْرَةٍ مِنْ هاشِم في الخافِقَين

خَـيْرَةُ اللهِ مِـنَ الخَلْقِ أَبي

بَعْدَ جَدِّي فَأنا ابْنُ الخَيْرَتَيْن

اُمّـيَّ الـزَّهراءُ حَقّاً وأَبي

وَارِثُ الـعِلْمِ ومَولى الثَّقَلَيْن

فِـضَّةٌ قَدْ خَلَصَتْ مِنْ ذَهَبٍ

فَـأَنا الـفِضَّةُ وَابْنُ الذَّهَبَيْن

ذَهَـبٌ في ذَهَبٍ في ذَهَبٍ

وَلُـجَينٌ في لُجينٍ في لُجَيْن

وَالـدِي شَـمْسٌ واُمّي قَمَرٌ

فَـأَنَا الكَوْكَبُ وابْنُ القَمَرَيْن

مَنْ لَهُ جَدٌّ كَجَدِّي في الوَرى

أو كاُمّي في جَميعِ المَشْرِقَيْن

____________________

(1) العَفير: المعفّر بالتراب.

(2) الكُماة: الأبطال.

(3) تريب المحيّا: على وجهه التراب.

(4) كيوان: اسم زُحل بالفارسيّة.

(5) القصيدة من أروع قصائد السيّد حيدر الحلّيرحمه‌الله ، رياح المدح والرثاء / 87.


عَـبَـدَ اللهَ غُـلامـاً يـافعاً

وقُـرَيشٌ يَـعْبُدُون الـوَثَنَيْن

يَـعْبُدُونَ الـلاّتَ والعُزّى مَعاُ

وعـليٌّ كـانَ صَلّى القِبْلَتَيْن

مَـن له جَدٌّ كجدّي في الورى

أو كـشيخي فأنا ابنُ العَلمين

خَـصَّهُ اللهُ بِـفَضْلٍ وتُـقىً

فَـأَنَا الأزْهَرُ وابنُ الأَزْهَرَيْن

نَـحْنُ أصْحابُ العَبا خَمْسَتُنا

قَـدْ مَـلَكْنا شَرْقَها والمَغْرِبَيْن

جَـدِّيَ المُرْسَلُ مِصْباحُ الدُّجا

وأَبـي الـمُوفي لَهُ بالبَيْعَتَيْن

والّــذي خَـاتَمُهُ جـادَ بِـهِ

حينَ وافى خاشِعاً في الرُّكْعَتَيْن

قَـتَلَ الأبْـطالَ لَـمّا بَرَزُوا

يَـوْمَ اُحْـدٍ وبِـبَدْرٍ وَحُـنَين

أَظْـهَرَ الإسـلامَ رَغْماً لِلْعِدا

بِحُسَامٍ صَارِمٍ ذي شَفْرَتَيْن(1)

* * *

____________________

(1) ينابيع المودّة / 416، الفتوح 5 / 132، المناقب - لابن شهر آشوب 4 / 80، كشف الغمّة 2 / 27، المنتخب - للطريحي / 452 - 453، الاحتجاج 2 / 101 - 103، دار الاُسوة - إيران، بحار الأنوار 45 / 47، ناسخ التواريخ 2 / 368، وهناك اختلاف في الألفاظ وعدد الأبيات بين المصادر المذكورة.


ملحمة الطفّ

للشيخ حسن الدمستاني البحراني(1) المتوفّى سنة 1281 هـ (رحمة الله عليه)

بأبي أفدي نفوساً قُتِلُوا دونَ الحسين

لـيتني بينهمُ كنْتُ قطيعَ الودَجَين

* * *

أَحْرَمَ الحُجّاجُ عَنْ لَذّاتِهِمْ بَعْضَ الشُّهورِ

وأَنـا الـمُحْرِمُ عَـن لذّاتِهِ كُلّ الدُّهورِ

كـيفَ لا اُحرِمُ دَأباً نَاحِراً هديَ السُّرورِ

وأَنا في مَشْعَرِ الحزنِ على رُزْءِ الحُسَينْ

* * *

حَقَّ للشّاربِ مِنْ زمزَمَ حُبَّ المُصطفى

أن يـرى حَـقَّ بَـنيهِ حَـرَماً مُعْتَكفا

ويـواسيهمْ وإلاّ حَـادَ عَن بَابِ الصفا

وهو من أكبرِ حَوْبٍ عِنْدَ رَبِّ الحَرَمينْ

* * *

فَمِنَ الفَرْضِ علينا لُبسُ سِربالِ الأَسى

واتِّـخاذِ الـنَّوحِ دَأباً كُلَّ صُبْح ومَسَا

واشـتعال القلب أحزاناً تُذيب الأنْفسا

وقَليلٌ تُتلفُ الأرواحُ في رُزْءِ الحُسينْ

* * *

____________________

(1) رياض المدح والرثاء / 613.


لَسْتُ أنساهُ طَريداً عَنْ جِوارِ المُصطفى

لائِـذاً بـالقُبَّةِ الـزَّهراءِ يـشكو أَسَفا

قائلاً يا جَدُّ رَسْمُ الصَّبْرِ عَن قلبي عَفا

بِـبَلاءٍ أنْقَضَ الظّهرَ وأوهى المنكبينْ

* * *

صَبَّتِ الدُّنيا عَلينا حاصِباً مِنْ شَرِّها

لـم نَـذُق فيها هَنيئاً بُلْغَةً من بِرِّها

ها أنا مطرودُ رِجْسٍ فاجرٍ في بَرِّها

تارِكاً بالرغم مِنّي دارَ سُكنى الوالِدَينْ

* * *

ضُـمَّني عِندك يا جدّاهُ في هذا الضَريحْ

عـلَّني يـا جَدُّ مِن بلوى زماني أستريحْ

ضاق بي ياجَدُّ مِنْ‌فَرْطِ الأسى كلُّ فَسيحْ

فـعسى طَـودُ الأسى يَندكُّ بينَ الدَّكتينْ

* * *

جَدُّ صفوُالعَيْشِ‌مِنْ بَعْدِكَ بالأكدارِ شيب

وأَشَـابَ الـهَمُّ رأسي قبل أيّامِ المَشيبْ

فَـعَلى مِـن داخِـل القَبْر بُكاءٌ ونَحيبْ

ونِـداءٌ بـافتجاعٍ يـا حَبيبي يا حُسينْ

* * *

أَنْتَ يا رَيحانَة القَلْبِ حقيقٌ بالبلا

إنّـما الـدنيا اُعِدَّتْ لِبلاءِ النُبلا


لـكن الـماضي قليلٌ بالذي قد أقبَلا

فاتخذ درعينِ مِن حَزْم وعَزْم سابِغَينْ

* * *

ستذوقُ الموتَ ظُلماً ضَامياً في كربلا

وسـتبقى فـي ثـراها عَافِراً منجدِلا

وكـأنّي بـلئيمِ الأصْلِ شمر قد عَلا

صَدْرَك الطاهرَ بالسيفِ يَحِزُّ الوَدَجَينْ

* * *

وكـأنّي بـالأيامى مِـن بـناتي تَستغيثْ

سُـغُباً تَـستعطِفُ القَوْمَ وقد عَزَّ المُغيث

قد برى‌أجسامَهُنَّ الضَّرْبُ والسَّيْرُ الحَثيثْ

بـينها السجّادُ في الأصفادِ مَغلولَ اليَدَيْنْ

* * *

فَـبكى قُـرّةُ عَـيْنِ الـمُصطفى والمُرتضى

رَحْـمَةً لـلآلِ لا سُـخْطاً لِـمحتوم الـقضا

إذ‌هُوَ القُطْبُ الذي‌لم يخط عن‌سَمْتِ الرِّضا

مـقتدى الاُمّـةِ والـي شَـرْقِها والـمَغْربَينْ

* * *

حـين نـبّأ آلَـهُ الـغُرَّ بما قالَ النبي

أظْـلَمَ الاُفْـقُ عـليهم بـقتامِ الـكُرَبِ

فـكأنْ لـم يَستبينوا مَشرقاً مِن مَغْرِبِ

غَشِيَتْهُمْ ظُلماتُ الحُزْنِ مِن أجْلِ الحُسَينْ


فسرى بالأهلِ والصحبِ بِمَلْحوبِ الطريقْ

يَـقطعُ الـبَيْدا مُجدّاً قاصِدَ البَيتَ العَتيق

فَـأتَتْهُ كُـتُبُ الـكوفَةِ بـالعَهْدِ الـوَثيقْ

نَـحْنُ أنـصارُك فـاقدِمْ سَترى قُرَّةَ عَينْ

* * *

بَـينما الـسِّبْط بـأهليه مُجدّاً بالمسيرْ

وإذا الـهاتفُ يَـنعاهم ويـدعو ويُشيرْ

إنَّ قُــدّامَ مـطاياهم مَـناياهُم تَـسيرْ

ساعةً إذْ وَقَفَ المُهْرُ الذي تَحْتَ الحُسينْ

* * *

فَـعَلا صـهوةَ ثـانٍ فـأبى أن يَـرْحلا

فَدعا في صَحْبِهِ يا صَحْبُ ما هذا الفَلا

قـالوا هـذي كربلاءُ قال كَرْبٌ وبَلا

خَـيِّموا إنَّ بِهذي الأرضِ مَلقى العَسْكَرينْ

* * *

هاهُنا تُنْتَزَعُ الأرواحُ مِن أجسادِها

بِضُبا تعتاضُ بالأجسادِ عَن أغمادها

وبهذي تُحْمَلُ الأمجادُ في أصفادها

في وَثاقِ الطُلقاء الأدعياءِ الوالدينْ

* * *

وبِهذي تُرْمَلُ الأزواجُ مِن أزواجها

وبهذي تشربُ الأطفالُ مِن أوداجها


وبـهذي أنـجمُ الأمـجادِ عن أَبراجها

غائباتٍ في ثرى البُوغاء مَحجوباتِ بينْ

* * *

فَـأظـلَّتْهُم جـنـودٌ كـالجَرادِ الـمُنْتَشِرْ

مِـثْلُ شِـمْرٍ وابـنِ سـعد كلّ كذّاب أَشِرْ

فاصطلى الجَمْعانِ نارَ الحَرْبِ في يَوْم عَسِرْ

واستدارَتْ في رَحى الهيجاءِأنصارُ الحسينْ

* * *

يَحْسَبونَ البِيضَ إذ تلبس بِيضَ الكُلَلِ

بـيضَ اُنـس يَـتَمايَلْنَ بِحُمْر الحُلَلِ

فـيذوقونَ الـمنايا كَـمذاقِ الـعَسَلِ

شاهدوا الجنّةَ كَشْفاً وَرَأوْها رَأيَ عَيْنْ

* * *

بِـأَبي أَنـجمُ سَـعْد فـي هُبوطِ وصُعُودْ

طَـلَعَتْ فـي فَلَكِ المَجْدِ وغابَتْ في‌اللُحودْ

سَعُدَتْ‌بالذَبح والذابِحُ عَن‌بَعْضِ‌السُعودْ(1)

كـيفَ لا تـسعد في حالِ اقترانٍ بالحُسينْ

* * *

بـأبي أقـمارُ تَمٍّ خُسِفَتْ بين الصِّفاح

وشموسٌ مِن رُؤس في بُروج مِن رِماح

____________________

(1) السعود: هي عشرة كواكب (نجوم) يُقال لكلّ واحد منها: سَعْد.


ونُفوسٌ مُنِعَتْ أن تَرِدَ الماءَ المُباح

جُـرِّعَتْ كأسَ أوام وحِمام قاتِلَيْنْ

* * *

عندها ظَلَّ حُسَينٌ مُفْرَداً بينَ الجُمُوعْ

يَنْظُرُ الأهْلَ ويَذري مِن أماقِيهِ الدُمُوعْ

فانتضى للذبِّ عنهم مُرْهَفَ الحَدِّ لَموعْ

عَـزْمُهُ يقربه بالحَدِّ مَاضي الشَفْرَتَيْنْ

* * *

فَـاتِحاً مِنْ مَجْلسِ التّوديعِ للأحبابِ بابْ

فاحْتَسوا مِن ذلكَ التّوديع‌للأوصابِ‌صابْ

مُوصيَ الاُخت التي‌كانت لها الآداب‌دَأبْ

زَيـنبَ الـطهرِ بـأمرٍ وبـنهي نافذَيْنْ

* * *

اُختُ يا زينبُ اُوصيكِ وصايا فاسْمَعي

إنّـني في هذه الأرضِ مُلاق مَصرعي

فاصبري فالصّبرُ مِنْ خَيْر التذاذِ المَرْتَعِ

كـلّ حَـيٍّ سَـيُحيّيه مِن الأحياءِ حَيْنْ

* * *

في جَليلِ‌الصّبْرِ‌يااُخْتُ اصبري‌الصَّبْرَ‌الجَميلْ

إنّ خـيرَ الـصّبْر ماكانَ على‌الخَطْبِ الجَليلْ

واتـركي الـلَّطْمَ عـلى الخَدّ وإعلانِ العَويلْ

ثـمّ لا أكْـرَهُ أن تَـسقي الـدّموعَ الـوَجْنَتَينْ


واجمعي شَمْلَ اليتامى بَعْدَ فقدي وانظمي

أشْبِعي مَنْ جاعَ منهم ثمّ أروي مَن ظمي

واذكـريني إنّ فـي حِـفظِهِمُ طُلَّ دَمي

لـيتني بـينهمُ كـالأَنْفِ بينَ الحاجِبينْ

* * *

اُخْـتُ آتـيني بـطفلي أَرَهُ قَبْلَ الفِراقْ

فَـأتَتْ بالطِفل لا يَهْدَ ولا المَدْمَعُ راقْ

يَـتلظّى ظَـمأً والقلبُ منه في احتراقْ

غائِرَ العَينينِ طاوي البَطْنِ ذاوي الشَفَتينْ

* * *

فَـبكى لـمّا رآه يـتلظّى بـالأوامْ

بِدموعٍ مِن أماق تُخْجِلُ الغَيْثَ السِّجامْ

فَـأتى الـقَوْمَ وفي كَفَّيْهِ ذَيّاكَ الغُلامْ

وهُـما فـي ظمأٍ قَلبَاهُما كالجَمْرَتينْ

* * *

فَدعا في القوم يا للهِ لِلْخَطْبِ الفَظيعْ

نَبِّؤني أَأنا المُذنبُ أم هذا الرَّضيعْ

لاحِـظوهُ فَـعَلَيْهِ شَبَهُ الهادي الشَّفيعْ

لايَكُنْ شافعُكُم خَصْماً لكم في النّشْأتَينْ

* * *

عَـجِّلُوا نحوي بماء أسقهِ هذا الغُلامْ

فَحشاهُ في اُوام في احتراق واضطرامْ


فاكتفى القومُ مِن القَوْلِ بتَكليمِ السِّهامْ

وإذا بالـطفلِ قَد خَرَّ ذَبيحَ الوَدَجَينْ

* * *

فالتقى ممّا هَما مِنْ مَنْحَرِ الطِّفْل دَمَا

ورَماهُ صاعِداً يشكو إلى رَبِّ السَّما

ويـنادي يا حكيماً أنتَ خَيرُ الحُكَما

فَجَعَ القوم بهذا الطفل قَلْبَ الوالدينْ

* * *

وأغـارَ الـسِبْطُ لـلهيجا بمأمونِ العِثارْ

إذْ أثـار الـضُّمّرُ الـعيثَرَ بـالنقع فَثَارْ

يحسبُ الحَرْبَ عَروساً وبها الروسُ نَثَارْ

ذكَّـر الـقومَ بِـبَدْر وباُحْد وَحُـنينْ

* * *

بَطَلٌ فَرْدٌ على الجَمْعِ منَ الأبْطال صَالْ

أَسَـدٌ يَـفْتَرسُ الاُسْدَ على الآجالِ جَالْ

مـا لَهُ غَيرُ إلهِ العَرْشِ في الأهوالِ وَالْـ

مـا سَـطا في فِرْقَةٍ إلاّ تولّتْ فِرقتينْ

* * *

ما لَهُ في حَوْمَةِ الهيجاءِ في الكَرِّ شَبيهْ

غـير مولانا عليٍّ والفتى سِرُّ أَبيه

غَـيْرَ أنَّ القومَ بالكَثْرَةِ كانوا مُتعبيه

وهـو ظـامٍ شفتاه أضحتا ناشِفَتينْ


دَأْبـهُ الـذَّبُّ إلى أن شَبَّ بالقلبِ الأوامْ

وحـكى جـثمانه القنفذَ مِن رَشْقِ السِّهامْ

وتوالى الطَّعْنُ والضَّرْبُ على الليثِ الهُمامْ

وعَـراهُ مِن نَزيفِ الدَّمِ ضَعْفُ الساعِدَينْ

* * *

فَـتَدنّى الـغادِرُ الباغي سِنانٌ بالسِّنانْ

طاعِناً صَدْرَ إمامي فَهوى واهي الجِنَانْ

أشْـرَفَتْ تبكي عليه أَسَفاً حُورُ الجِنانْ

وبـكى الكُرسيُّ والعَرْشُ عليه آسِفَينْ

* * *

مـا دَرى إذْ خَـرَّ عَـنْ ظَهْرِ الجَوادِ السَّابِحِ

أَحُـسينٌ خَـرّ أَمْ بُرْجُ السَّماكِ الرّامِحِ(1)

أمْ هُــوَ الـبدرُ وقـد حَـلَّ بِـسَعْدِ الـذّابحِ

أم هُوَالشمسُ‌وأينَ‌الشمسُ عَن‌نُورِ الحُسَينْ

* * *

أيُّ عَـينين بِـقَاني الـدَّمْعِ لا تَنْهرِقان

وحَبيبُ المصطفى بالطفِّ مخضوباً بقان

دَمُـهُ والـطِّيبُ فـي مَنحَرِهِ مختلطان

وَلَـهُ قَـدْرُ الـمعالي فَوْق هَامِ الفَرْقَدَينْ

* * *

____________________

(1) السماك الرامح: كوكب نيّر يُقال له: السماك الرامح؛ لأنّ أمامه كوكباً صغيراً يُقال له: راية السماك ورمحه.


لَهْفَ نَفسي إذْ نحا نَحْوَ الفساطيطِ الحِصان

صـاهِلاً مـنفجعاً يَـصْهَلُ مَذعورَ الجَنان

مائلَ السَّرْجِ عَثيرَ الخَطْوِ في فَضْلِ العِنان

خاضبَ المِفرقَ والخدّينِ مِن نَحْرِ الحُسينْ

* * *

أَيُّـها الـمُهْرُ تَوَقَّفْ لا تَحُمْ حَوْلَ الخِيامْ

واترُكِ الإعوالَ كيْ لا يَسْمَعُ الآلُ الكِرامْ

كـيف تـستقبلهُمْ تعثرُ في فَضْلِ اللِجامْ

وهُـمُ يـنتظرونَ الآنَ إقـبالَ الحُسينْ

* * *

بَـرَقَ الـمُهْرُ رَجيفاً عالياً منهُ الصَهِيل

يُخبرُ النسوانَ أنّ السِبْطَ في البوغا جَديل

ودَمُ الـمَنْحَرِ جارٍ خاضبِ الجسمِ يَسيل

جـارياً مِـن نـحرِهِ الدمُ كما تَنبع عينْ

* * *

خَرَجَتْ مُذ سَمِعَتْ زينبُ إعوالَ الجَوادْ

تَحسبُ السِّبط أتاها بالّذي يَهوى الفؤادْ

مـا دَرَتْ أنَّ أخاها عافِرٌ في بَطْنِ وَادْ

ودَمُ الـمَنْحَرِ جـارٍ خَـاضِباً للمنكبينْ

* * *

مُذْ وَعَتْ ما لاحَ مِن‌حَالِ الجَوادِ الصّاهِلِ

صَـرَخَتْ نـادبةَ الـجَدِّ بِـلُبٍّ ذَاهِـلِ


وبَدَتْ مِن داخلِ الخَيماتِ آلُ الفاضِلِ

بِصُراخٍ كادَ أنْ يَهْدِمَ رُكْنَ الحَرَمَينْ

* * *

وغَـدَتْ كُـلٌّ مِـنَ الدّهشةِ تَهوي وتَقُومْ

وعـلى أوجـهها مِـن كَـثْرَةِ اللّطم كُلُومْ

وحَقيقٌ بَعْدَ‌كَسْفِ الشَّمْسِ‌أنْ‌تَهوي‌النُجومْ

يَـتساقَطْنَ إلى مَـوْضِعِ ما خَرَّ الحُسينْ

* * *

وإذا بالشِّمْرِ جَاثٍ فَوْقَ صَدْرِ الطّاهرِ

يَـهْبُرُ الأَوداجَ مِـنْهُ بالحُسامِ الباتِرِ

فَـتَـساقَطْنَ عـليهِ بـفؤادٍ طـائِرِ

صَارخاتٍ قائلاتٍ خلِّ يا شِمْرُ حُسَينْ

* * *

رَأْسُ مَنْ تَقْطَعُ يا شمرُ بهذا الصارِمِ

لَيْسَ تَفري مِن وَريديه بكبش جاثِمِ

إنَّ ذا سِـبْطُ النبيِّ القرشيِّ الهاشِمي

أبـواه خَيرةُ اللهِ وذا ابنُ الخِيرَتَينْ

* * *

ارفـع الـصّارِمَ عَن نحرِ الإمامِ الواهِبِ

عِصمةُ الخائفِ في الأرضِ ومأوى الهارِبِ

كيف تُفري نَحْرَ‌سِبْطِ المُصطفى بالقاضِبِ

وهـو دَأْبـاً يُكْثِرُ التَّقبيلَ مِن نحرِ الحُسينْ


كان يُؤذيه بُكاهُ وهو في المَهْدِ رَضيعْ

بابنِهِ قُدماً فَداهُ وهو ذو الشَأْنِ الرَّفيعْ

ليتهُ الآنَ يَراهُ وهو في التُرْبِ صَرِيعْ

يـتلظّى بِـظَمَاهُ فـاحِصاً بـالقَدَمَينْ

* * *

كَمْ لَهُ مِنْ مَلَكٍ في الملأِ الأعلى عَتِيقْ

وبـيمناهُ يَـسارٌ لذوي العُسرِ بَريقْ

ومِنَ اللهِ على النّاسِ لَهُ العَهْدُ الوَثيقْ

إنَّهُ الحُجّةُ في الخَلْقِ ومَولى الملأينْ

* * *

ما أَفادَ الوَعظُ والتوبيخُ في الرّجْسِ الزَنيمْ

وانـحنى يفري وريدَي ذلك النَّحْرِ الكريمْ

فـبرى الـرّأسَ وعـلاّهُ على رُمْحٍ قَويمْ

زاهـراً يُـشْرِقُ نُـوراً كـاسِفاً للقَمرينْ

* * *

شَمْسُ‌اُفْقِ‌الدِّينِ‌أَضحتْ‌في‌كسوفٍ‌بالسيوفْ

وتوارتْ‌عَنْ عُيونِ النّاسِ في أرضِ الطفوفْ

وبـدا بـالشمسِ والـبدْرِ كسوفٌ وخُسوفْ

لـكِنِ الاُفْـقَ مُـضيءٌ بـسنا رَأْسِ الحُسينْ

* * *

ذَبَـحَ الشِّمْرُ حُسَيناً ليتني كُنْتُ وِقاه

وغدا الأملاكُ تَنعاهُ خصوصاً عُتَقاه


ما دَرى المَلعونُ شمرٌ أيَّ صَدرٍ قَد رَقاه

صَدْرَ مَنْ داسَ فخاراً فَوْقَ هَامِ الفَرقدَينْ

* * *

فَـتَكَ العُصفُورُ بالصَّقْرِ فيا لَلْعَجَبِ

ذَبَحَ الشِمْرُ حُسَيناً غيرةَ اللهِ اغضبي

حَـيدرٌ آجَـرَكَ اللهُ بـعالي الرُّتَبِ

أَدْرَكَ الأعـداءُ فيه ثارَ بَدْرٍ وحُنينْ

* * *

يـا لَـهُ داه دَهى الإسلامَ خَطْبٌ أَعْظَما

حَـقَّ لـلعينينِ أنْ تَـبكي دِمـاءً عِنْدَما

فـإذا لَـمْ تَـجْرِ فـي أيّامِ عاشورا دَمَا

لأجـودَنَّ بِـماءِ الـعَيْنِ جَوْدَ الأجودينْ

* * *

كَيفَ لا تبكي بِشَجْوٍ‌لابنِ بِنْتِ المُصطفى

إنّــهُ كـان سِـراجاً لـلبرايا وانـطفا

حَقّ لَو في فَيْضِ دَمْع العَيْن إنساني انطفا

واغتدى الجاري مِنَ العَيْنِ عَقيقاً لا لُجَينْ

* * *

أيـزيدٌ فَوْقَ فَرشٍ مِن حَريرٍ وسَريرْ

ثَمِلٌ نَشوانُ مِنْ خَمرٍ له السّاقي يُديرْ

وحسينٌ في صخورٍ وسَعيرٍ مِنْ هَجِيرْ

ساغباً ظمآنُ يُسقى مِن نَجِيعِ الوَدَجينْ


حَـطَّمَ الحُزْنُ فؤادي لِحَطيمٍ بالصفا

ولـهيفِ القلبِ صادٍ وَذَبيحٍ مِن قفا

وَلِـعارٍ فـي وِهادٍ فَوقهُ السافي سَفا

صدرُهُ والظهرُ منه أصبحا منخسفَينْ

* * *

وا ذبـيحاً مِـن قفاهُ بالحُسامِ الباتِرِ

وا طـريحاً بـعراهُ ما لهُ مِن ساتِرِ

وا كـسيراً أضـلعاهُ بصليبِ الحافرِ

وا رَضيضاً قَدَماهُ والطوى والمنكبينْ

* * *

يـا أخـي قَـد كُنْتَ تاجاً للمعالي والرُّؤوسْ

مُـقْرياً لـلضيفِ والـسيفِ نَفيساً والنفوسْ

كيفَ‌أضحى‌جسْمُكَ‌السامي‌لَهُ‌الخيلُ‌تَدوسْ

بـعدما داسـت عـلى هـامِ السُّها بالقَدَمينْ

* * *

سـادتي حُـزني كَـحُبِّي لـكمُ بـاقٍ مُقيمْ

هِـبَةٌ مِـن عِـنْدِ رَبِّي ولهُ الفَضْلُ العَميمْ

قَـد صفا الحُبُّ بقلبي فاجعلوا ذنبي حَطيمْ

واكشفوا‌في‌الحشرِ كربي‌واشفعوا‌في الوالِدينْ

* * *

حَسَنٌ ما حَسَنٌ فيه سوى حُسْنُ الودادْ

وولاه فـي بـرآء وصَفاءِ الاعتقادْ


وهو كافٍ في أماني مِنْ مخاويف المعادْ

إنّما الخَوفُ لِمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ فَضْلَ الحُسينْ

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

المقدّمة 3

مميّزات شخصيّته 4

نسبه الشّريف.. 7

أُسرته 8

ولادته ونشأته 11

خطابته 12

تكريم السيّد للعلماء 15

تواضعه 17

الفارس في ميدان الشعر 18

نشاطاته الاُخرى. 33

مؤلّفاته 35

موقف بطولي وتأريخي. 36

قالوا في السيّد جواد شبّر. 36

تلامذته 38

الحسين عليه‌السلام عبرة المؤمنين. 40

المقدّمة 40

احتفال الأئمّة بيوم عاشوراء 40

يوم الدموع. 42

فضل الحسين عليه‌السلام.... 43

مصرعُ العبّاس بن عليّ عليهما‌السلام حامل راية الحسين عليه‌السلام.... 90

ملحمة الطفّ.. 104