الكافي في الفقه
التجميع متون فقهية ورسائل عملية
الکاتب تقى الدين ابى الصلاح الحلبى
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الكافى في الفقه

تقى الدين ابى الصلاح الحلبى


بسم الله الرحمن الرحيم

( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين )

( الإصلاح الثقافي فوق كل إصلاح )

الإمام خميني

إن ثورة شعبنا المسلم المظفرة ، والتي انتصرت وأثمرت بفضل العناية الإلهية : ودعاية الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف ، وقيادة الإمام الخميني الحكيمة ، والتي هي بحق ثورة عميقة الجذور ، ونهضة شاملة لم يشهد الغرب ولا الشرق مثيلا لها ، لم تكن في حقيقتها ذات بعد واحد بل هي كالاسلام الذي وصفت به واستلهمت منه تشمل جميع الجوانب المادية والمعنوية في حياة هذه الأمة

ومن هنا فإن الثورة لم تتناول تغيير الجوانب المادية فقط بل تغيير النهج الثقافي والتربوي والبنيان الفكري هو الهدف الآخر في ظل هذا التحول العظيم.

على أن من الوسائل الصحيحة لإزالة هذه الثقافة الطاغوتية البائدة وإحلال الثقافة الإسلامية الراشدة محلها هو دعوة المفكرين والكتاب والمحققين إلى إعادة التحقيق والدراسة والتحليل لقضايا الاسلام ومعارفه السامية ونشر ما يتمخض عن هذا السعي الجديد في أوساط الجماهير المسلمة ليتسنى لهذا الشعب الثائر المسلم من هذا الطريق أن يتعرف على المزيد من جوانب الثقافة الإسلامية


الأصيلة وبنحو أعمق وأفضل يتناسب مع التحول الجديد ، وبصورة تمكنه من التحرر الكامل من قيود التبعية الفكرية والثقافية للشرق أو الغرب.

بل وينبغي تحقيقا لهذا الهدف العظيم أن لا يكتفى بما ينتجه المفكرون والكتاب المعاصرون بل تجب الاستفادة من التراث الفكري الاسلامي العظيم الذي خلفه المفكرون والكتاب الاسلاميون الملتزمون في العهود الماضية وما تركوه من أفكار قيمة تخدم الوعي الاسلامي المطلوب والتي ترقد على رفوف المكتبات في شكل مخطوطات تنتظر الاخراج المناسب لروح ومتطلبات هذا العصر.

من هنا عزمت الهيئة التأسيسية لمكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة في أصفهان تحت دعاية حجة الاسلام جناب السيد كمال الدين فقيه إيماني دامت بركاته على طبع ونشر وإحياء هذه المصنفات القيمة لتكون بذلك قد خطت خطوة أخرى في سبيل الاصلاح الثقافي والفكري للجيل الحاضر الذي دعا إليه إمام الأمة ، وجعله فوق كل إصلاح.

وقد حققت الهيئة التأسيسية نجاحات في هذا السبيل فهي بعد تأسيسها

لمكتبة مجهزة تجهيزا كاملا في مدينة العلم والجهاد أصفهان ، توفر للشباب فرصة المطالعة ولأرباب الفكر أجواء التحقيق لما تحتويه من كتب قيمة ومؤلفات نفيسة متنوعة ، أقدمت على طبع ونشر سلسلة جليلة من المؤلفات والكتب النافعة حسب ما هو مدرج في الفهرست الملحق بهذا الكتاب.

وهي في هذا الوقت الذي تقدم فيه خيرة شباب هذا الشعب المسلم دماءهم الطاهرة لإغناء هذه الثورة وصيانتها ويتطلب من كل مسلم أن يقدر تلك التضحيات ، ترجو أن يكون هذا المشروع أداء لبعض ذلك الواجب راجية أن تجلب هذه الخدمة الثقافية رضاه سجانه وعناية إمامنا الغائب المهدي عجل الله فرجه الشريف ، وترضي شعبنا المسلم المجاهد الصامد والله ولي التوفيق.

أصفهان ـ الهيئة التأسيسية لمكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة

2 / 5 / 1362 المطابق 13 شوال 1403


بسمه تعالى

بعد الحمد والصلاة على رسوله المنقذ ، مشرع الاسلام ، وخلفائه المعصومين أئمة أهل البيت عليهم السلام ...

لا مشاحة في أن الثروة التشريعية في الفقه الاسلامي المقدس ثروة غنية واسعة ومترامية ، وعلنا أن نقول إنها أوسع وأوفر ثروة تشريعية من كل الأديان ومن جميع القوانين الوضعية القديمة أو الحديثة ، وما ذلك إلا ببركة الدين الاسلامي الخالد ومشرعه الرسول المنقذ صلى الله عليه وآله.

فلا بد لهذا الدين المقدس أن تكون قوائمه الرصينة قوية وثابتة تتحدى الأزمان وتقهر أجيال المشرعين والمفكرين و على مدى العصور والدهور ، كل ذلك بفضل ما يتمتع به هذا الفقه الرائع من حيوية كبيرة وبعث نحو الحياة ، بخلاف كثير من القوانين والنظم التي لا تعدو أن تكون نظريات وآراء ميتة فحسب لا تنبض بالحياة ولا تدخل مع الناس في مشارب الحياة.

الفقه الاسلامي وخصائصه الممتعة :

ثم إن هذا الفقه الاسلامي المقدس الرائع قد أختص بخصائص عديدة جعله يساير الركب الإنساني في تطوره العلمي والصناعي والتجاري


والاجتماعي ، وهذه الخصائص قد بلغت من الكثرة بدرجة لا يمكن لأحد استيعابها قط ولا سيما ليس لنا بالوسع المتواضع أن نأتي بها في هذه المقدمة وأن نتحدث عنها.

الفقه في الكتاب والسنة :

وكفى للفقه فضلا وشرفا ومجدا أن الباري سبحانه قد ذكره في القرآن الكريم بقوله تعالى : « ليتفقهوا في الدين ».

وجاء أيضا في السنة المطهرة أحاديث جمة مأثورة عن صاحب الدعوة الإسلامية وخلفائه المعصومين كالحديث الشريف النبوي : ( إذا أراد الله لعبد خيرا فقهه في الدين ) وأمثاله مما لا تحصى كثرة.

تحول الفقه وتقسيمه حسب الأزمان :

وبديهي أن الفقه كان قبل فقهائنا العباقرة كالمفيد والطوسي يؤخذ على ضوء الكتاب والسنة فحسب ، ومن بعد هؤلاء أصبح لفقهاء الاسلام اصطلاحات فقاهية خاصة اجتهادية كما هو المتعارف ليومنا هذا.

وفي الدور الوسطى للفقه وهو زمن المحقق والعلامة وفخر المحققين والشهيدين أخذ الفقه مكانته الرفيعة ومقامه السامي ، وقد أخذ دوره المقدس حتى أن جاء الدور الثالث وهو الدور الموجود حتى زماننا والظاهر أنه شرع منذ عهد صاحب الجواهر فالشيخ الأنصاري وحتى فقهائنا المعاصرين.

وقد أصبح الفقه ولا سيما في الدور الثالث مدرسة مستجدة حيوية يستنبط الأحكام الفقهية على ضوء الكتاب والسنة والاجماع والعقل.

الفقه وتطوره التدريجي :

ثم إن الأحكام الفقهية قد أخذت عن الجوامع الحديثة المتقنة البدائية كالكتب الأربعة والجوامع الثانية كالوسائل والبحار والوافي ، والجوامع الأخيرة وأهمها جامع الأحاديث للإمام المجدد سيد الطائفة البروجردي رحمه الله.

المذاهب الفقهية المختلفة :

1 ـ إن بعض المذاهب الفقهية كانت تعتمد على الرأي والقياس وهذا مما يسبب تمييع التشريع الاسلامي ويفقده صلابته وقوته وأصالته التشريعية.


2 ـ وهناك وفي مقابل هذا اتجاه آخر معاكس لهذا الاتجاه وهو الذي يعتمد كلياً على النص ، ويتمسك بظاهره مما يؤدي أيضا إلى تجميد التشريع الاسلامي وفقده المرونة والقابلية لمسايرة التطور الزمني.

الاجتهاد هو المذهب المختار :

ولا مراء في أن الاجتهاد هو المذهب المختار لفقه العترة الطاهرة أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد رفض الأمرين المذكورين آنفا لأن فيهما تمييع التشريع الاسلامي وفقد مروته وقابليته.

ولهذا أخذ فقهاء أهل البيت عليهم السلام يستندون في استنباطهم للحكم الشرعي على الحجة ، وهي عبارة عن الأدلة الشرعية من الطرق والأمارات التي تقع وسطا لإثبات متعلقاتها بحسب الجعل الشرعي من دون أن يكون بينهما وبين المتعلقات علقة ثبوتية بوجه من الوجوه حسب ما يقوله الأصوليون.

آراء المجتهدين تحل كثيرا من المشاكل :

ولهذا كانت نظرياتهم وآراؤهم لها الأثر الكبير في حل كثير من المشاكل والمسائل المستحدثة نتيجة التطور الاجتماعي الحديث.

فقهاء الاسلام لهم المكانة المرموقة :

وأن فقهاء الاسلام لهم المكانة المرموقة والمقام العظيم ، ويحتلون المكانة الأولى من المجتمع لأنهم العقل المتنور المتطور لكل زمان ولكل جيل ، فكانت فتاواهم تأخذ من نفوس المؤمنين وقلوبهم مأخذا كبيرا باعتبارها صادرة عن الموازين التي يستمد منها الفقه الاسلامي الشريف أحكامه العادلة.

الفقه الاسلامي يستوعب جميع شؤون الحياة :

ولا مشاحة في أن الفقه الاسلامي استوعب جميع شؤون الحياة سواء أكانت على صعيد العبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية أو غيرها مما يحتاجه إنسان هذا العصر في تطوره الفكري والصناعي والتجاري أو تطوره الاجتماعي ولهذا نجد أبواب الفقه قد قسمت إلى : ( العبادات ) ، ( المعاملات ) ( الحدود ) ، ( نظم الإدارة والسلطة ).


طبع الموسوعة الفقهية القيمة ، ( الكافي ) :

وبالتالي فإن هذا السفر القيم النفيس والكتاب الرائع البديع هو سفر عسجدي لدورة فقهية استدلالية كانت ولحد الآن في زوايا الخمول والنسيان ككتلة ضخمة أخرى من تلكم الروائع من تراثنا المقدس المودعات في زوايا مخازن الكتب وروازن الخزائن والمكتبات وجلها في معرض الخطر تأكلها العثة وتبيدها أخطار الملوانة حتى قيض الله سبحانه نفرا من أولئك العباقرة الأفذاذ الحريصين على إحياء ونشر مآثر الأئمة المعصومين أهل البيت عليهم السلام.

وقد تم طبع ونشر وتحقيق هذا الكتاب القيم ( الكافي ) للشيخ الأجل الأكمل أبي صلاح الحلبي (ره) بهذه الحلة البديعة والأسلوب الرائع.

فلتفتخر أمة الاسلام قاطبة

بين العوالم في صدق وإنصاف

رئيس مذهب أهل الحق صادقنا

وناشر العلم في الدنيا بإسراف

أبو الصلاح هو المقدام من حلب

مجدد وكفاه سفره ( الكافي )

شكر وثناء متواصل

إن إدارة مدرسة الإمام المهدي ( عج ) والقائمين بشؤونها ورعايتها ليس بوسعها المتواضع في هذا المجال إلا أن تعرب عن خالص شكرها المتكاثر وتقديرها المتواصل لتلكم الصفوة المنتجبة ، الأعلام الأفاضل ، أصحاب السماحة والفضيلة الأساتذة الحجج ، الذين قاموا بإخراج هذا التراث القيم والمجهود العظيم ، ونشره بهذه الحلة القشيبة ، وإن كانت تعد الخطوات الأولى منهم في سبيل الوصول إلى التحقيق النهائي واللائق بهذه الموسوعة العلمية الثمينة النادرة.

كما وتقدم ثناءها العاطر ، وشكرها الوافر لإدارة مكتبة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بأصبهان ، التي قامت بنشر هذه الموسوعة الرائعة القيمة النفيسة ، فلجميعهم الشكر والثناء المتواصل ، والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.

مدرسة الإمام المهدي (عج)



بعض منشورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام العامة.

1 ـ موسوعة الإمام المهدي عليه السلام للشيخ محمد مهدي الفقيه الايماني.

2 ـ معالم الحكومة في القرآن الكريم للشيخ جعفر السبحاني.

3 ـ معالم النبوة في القرآن الكريم للشيخ جعفر السبحاني.

4 ـ خلاصة عبقات الأنوار ـ حديث النور ـ للسيد علي الميلاني.

5 ـ أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب لشمس الدين الجزري الشافعي.

6 ـ نزل الأبرار بما صح من مناقب أهل البيت الأطهار للحافظ محمد البدخشاني.


بسم الله الرحمن الرحيم


تقديم

ترجمة المؤلف :

1 ـ اسمه ونسبه.

2 ـ مولده ووفاته.

3 ـ الثناء عليه.

4 ـ شيوخه وأساتذته.

5 ـ تلاميذه والراوون عنه.

6 ـ أولاده وأحفاده.

7 ـ آثاره.

8 ـ الكافي ونسخه.

9 ـ عملنا في التصحيح.

10 ـ مصادر الترجمة.


اسمه ونسبه.

تقى أو تقي الدين بن نجم أو نجم الدين بن عبيد الله بن عبد الله بن محمد الحلبي ، وكنيته أبو الصلاح. ومن قال : « تقى بن نجم بن عبد الله » فلعله قد نسبه الى جده.

مولده ووفاته.

قال الذهبي في تاريخه والعسقلاني في لسان الميزان : ولد سنة 374 ، وصرح الأول بأن مولده حلب. وقالا : توفي بها سنة 447. وحكى الذهبي عن


ابن أبي طي (ره) أن وفاته كان في محرم تلك السنة بعد عوده من الحج في الرملة.(1)

وفي رياض العلماء : مات بعد عوده من الحج بالرملة(2) في محرم سنة ست وأربعين وأربعمائة(3) .

وما في ريحانة الأدب للخياباني(4) من أن أبا الصلاح توفي وعمره مائة سنة فسهو منه نشأ من تصحيف 374 في « أعيان الشيعة » عند الطبع ب 347 فراجع(5) .

الثناء عليه

قال الشيخ الطوسي ره : تقى بن نجم الحلبي ثقة [ عدل ] له كتب قرأ علينا وعلى المرتضى [ يكنى أبا الصلاح ](6) .

وقال ابن شهرآشوب المازندراني ره : أبو الصلاح تقى بن نجم الحلبي

__________________

(1) أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء 4 ـ 77 نقلا عن الذهبي ـ لسان الميزان 2 ـ 71.

(2) قال في مراصد الاطلاع : الرملة مدينة بفلسطين كانت قصبتها وكانت رباطا للمسلمين وبينها وبين بيت المقدس اثنا عشر ( أو ثمانية عشر ) ميلا وهي كورة منها.

(3) رياض العلماء 1 ـ 99 و 5 ـ 464.

(4) ريحانة الأدب 7 ـ 161.

(5) أعيان الشيعة 14 ـ 192.

(6) رجال الشيخ : 457 ط النجف ، وزدنا كلمة « عين » تبعا لما في جامع الرواة 1 ـ 132 وإتقان المقال : 31 ، والجملة الأخيرة تبعا لما في مجمع الرجال 1 ـ 287 ونقد الرجال : 26 والفوائد الرجالية لبحر العلوم 2 ـ 131 ، فإنهم نقلوا من رجال الشيخ هكذا.


من تلامذة المرتضى قدس الله روحه ، له كتاب البداية في الفقه ، الكافي في الفقه ، وكتاب شرح الذخيرة للمرتضىرضي‌الله‌عنه (1) .

وقال الشيخ منتجب الدين ره : الشيخ التقي بن نجم الحلبي فقيه عين ثقة قرأ على الأجل المرتضى علم الهدى نضر الله وجهه وعلى الشيخ الموفق أبي جعفر ، وله تصانيف ، منها الكافي ، أخبرنا غير واحد من الثقات عن الشيخ المفيد عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري الخزاعي عنه(2) .

وقال ابن إدريس ره في مسألة من مسائل المزارعة : وما اخترناه مذهب السيد المرتضى ره وخيرته في الناصريات في المسألة المائتين ومذهب أبي الصلاح الحلبي في كتابه كتاب الكافي وهو كتاب حسن فيه تحقيق مواضع وكان هذا المصنف من جملة أصحابنا الحلبيين من تلامذة المرتضىرحمه‌الله (3) .

وقال أيضا في بعض رسائله : ذكر الفقيه أبو الصلاح الحلبي تلميذ السيد المرتضى ـ وفي هذا الرجل المحاسن ، صاحب تصانيف جيدة حسنة الألفاظ ـ في كتاب له يعرف بالكافي.(4) .

وقال أيضا في السرائر ص 32 : وذهب بعض أصحابنا في كتاب له وهو الفقيه أبو الصلاح الحلبي تلميذ السيد المرتضىرحمه‌الله .

وعنه أيضا : الفقيه أبو الصلاح الحلبي تلميذ المرتضى له كتاب يعرف بالكافي(5) .

__________________

(1) معالم العلماء ط إيران : 29 وط النجف : 30.

(2) فهرست منتجب الدين ، بأب التاء. قال في أعيان الشيعة 14 ـ 193 بعد نقل هذه العبارة من الفهرست : ومثله في مجموعة الجباعي إلى قوله الكافي.

(3) السرائر : 266.

(4) تكملة نقد الرجال : 1 ـ 234.

(5) أعيان الشيعة 14 ـ 193.


وقال المحقق الحلي ره في كتاب الصلاة من المعتبر : مسألة : قيل : تكره ( الصلاة ) الى باب مفتوح أو إنسان مواجه. ذكر ذلك أبو الصلاح الحلبي ره وهو أحد الأعيان ولا بأس باتباع فتواه(1) .

وفي روض الجنان : و ( يكره التوجه في حال الصلاة ) الى باب مفتوح.

قاله أبو الصلاح وتبعه الأصحاب. قال في المعتبر : لا بأس باتباع فتواه لأنه أحد الأعيان(2) .

وقال العلامة الحلي ره : تقى بن نجم الحلبي أبو الصلاحرحمه‌الله ثقة عين ، له تصانيف حسنة ذكرناها في الكتاب الكبير ، وقرأ على الشيخرحمه‌الله وعلى المرتضى قدس الله روحه(3) .

وقال ابن داود ره : تقى بن نجم الدين الحلبي أبو الصلاح عظيم القدر من علماء مشايخ الشيعة. قال الشيخ : « قرأ علينا وعلى المرتضى » وحاله شهير(4) .

وقال ابن حجر في لسان الميزان : تقى بن عمر(5) بن عبيد الله بن عبد الله بن محمد الحلبي أبو الصلاح مشهور بكنيته من علماء الإمامية ، ولد لسنة أربع وسبعين وثلاثمائة ، وطلب وتمهر وصنف وأخذ عن أبى جعفر الطوسي وغيره ورحل الى العراق فحمل عن الشريف المرتضى ، ومات بحلب سنة سبع و

__________________

(1) المعتبر : 158.

(2) روض الجنان : 230.

(3) خلاصة الأقوال : 28 ط النجف.

(4) رجال ابن داود : 75 ط المحدث.

(5) قال في أعيان الشيعة بعد نقل هذه العبارة : والظاهر ان « عمر » تصحيف « نجم » منه أو من الناسخين أقول : أو من المطبعة.


أربعين وأربعمائة(1) .

وعن الذهبي في تاريخه : التقى بن نجم بن عبد الله أبو الصلاح الحلبي شيخ الشيعة وعالم الرافضة بالشام. قال يحيى بن أبي طي الحلبي(2) في تاريخه : هو عين علماء الشام والمشار اليه بالعلم والبيان والجمع بين علوم الأديان وعلوم الأبدان ، ولد في سنة أربع وسبعين بحلب ودخل الى العراق ثلاث مرات فقرأ على الشريف المرتضى. وقال ابن أبى دوح(3) : توفي بعد عوده من الحج في الرملة في المحرم ، وكان أبو الصلاح علامة في فقه أهل البيتعليهم‌السلام . وقال غيره : له مصنفات في الأصول والفروع منها كتاب الكافي ، وكتاب التهذيب ، وكتاب المرشد في طريق التعبد ، وكتاب العمدة في الفقه ، وكتاب تدبير الصحة صنفه لصاحب حلب نصر بن صالح ، وكتاب شبه الملاحدة ، وكتبه مشهورة بين أئمة القوم ، وذكر عنه صلاح وزهد وتقشف زائد وقناعة مع الحرمة العظيمة والجلالة ، وأنه كان يرغب في حضور الجماعة ، وكان لا يصلي في المسجد غير الفريضة ويتنفل في بيته ، ولا يقبل ممن يقرأ عليه هدية ، وكان من أذكياء الناس وأفقههم وأكثرهم تفننا. وطول ابن أبي طي ترجمته(4) .

__________________

(1) لسان الميزان 2 ـ 71.

(2) له تأليفات ، منها تاريخ حلب ، توفي سنة 630.

(3) كذا.

(4) أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء ـ وهو في سبعة أجزاء ط حلب ـ 4 ـ 77 نقلا عن الذهبي كما صرح به في آخر كلامه بهذه العبارة : « الذهبي من وفيات سنة سبع وأربعين وأربعمائة » وكانت عند مؤلف الأعلام نسخة من تاريخ الذهبي ونسخة من خلاصته المسماة بالمنتقى من تاريخ الإسلام للذهبى للشيخ أحمد بن محمد الملا المتوفى 1003.


وقال الشهيد الثاني ره في إجازته للشيخ حسين ره والد الشيخ البهائي ره : وعن القاضي عبد العزيز أيضا جميع مصنفات الشيخ الفقيه السعيد خليفة المرتضى في البلاد الحلبية أبي الصلاح تقى الدين ( التقى ) بن نجم الحلبي(1) .

وقال الطريحي ره عند ذكر سلار بن عبد العزيز الديلمي : وأبو الصلاح الحلبي قرأ عليه وكان إذا استفتى من حلب يقول : عند كم التقى(2) .

وقال العلامة المجلسي ره في الوجيزة : تقى بن نجم الحلبي ثقة وهو أبو الصلاح المعروف(3) .

وقال في مقدمة البحار : وكتاب تقريب المعارف في الكلام وكتاب الكافي في الفقه وغيرهما للشيخ الأجل أبي الصلاح تقى الدين بن نجم الحلبي(4) .

وقال أيضا : وكتاب تقريب المعارف جيد في الكلام وفيه أخبار طريفة أوردنا بعضها في كتاب الفتن ، وشأن مؤلفه أعظم من أن يفتقر الى البيان(5) .

وقال الشيخ الحر العامليرحمه‌الله : الشيخ تقى الدين بن نجم الحلبي أبو الصلاح يروى عنه ابن البراج ، معاصر للشيخ الطوسي ، كان ثقة عالما فاضلا فقيها محدثا له كتب ، رأيت منها كتاب تقريب المعارف حسن جيد.(6) .

وفي رياض العلماء : أبو الصلاح الحلبي هو الشيخ تقى الدين بن نجم بن عبد الله الحلبي تلميذ الشريف المرتضى والشيخ الطوسي ، وأستاذ القاضي ابن

__________________

(1) البحار 25 ـ 88 الطبع الحجري وكشكول البحراني 2 ـ 212.

(2) مجمع البحرين س ل ر.

(3) الوجيزة : 22.

(4) البحار 1 ـ 20.

(5) البحار 1 ـ 38.

(6) أمل الأمل 1 ـ 46.


البراج. ومع أنه تلميذ الشيخ قد ذكره الشيخ في رجاله وقال : انه قرأ علينا وعلى المرتضى ووثقه ، وهذا يدل على عظم قدره.(1) وفي بعض الإجازات انه خليفة المرتضى ره في علومه. وقال بعض الأفاضل : ان له تصانيف كثيرة مشهورة مات بعد عوده من الحج بالرملة في محرم سنة ست وأربعين وأربعمائة ( انتهى ). ونسب اليه السيد ابن طاوس في كتاب فتح الأبواب في الاستخارات كتاب مختصر الفرائض(2) .

وقال البحراني ره : أبو الصلاح الحلبي فهو تقى بن نجم الحلبي كان معاصرا للشيخرحمه‌الله ، ذكره العلامةرحمه‌الله في الخلاصة فقال. وذكر بعض مشايخنا المعاصرين : ان هذا الشيخ كان خليفة المرتضى في الديار الحلبية ، وكذا ذكر ذلك شيخنا الشهيد الثاني في الإجازة المتقدم ذكرها مرارا(3) .

وقال التستري ره في المقابيس : ومنها الحلبي لعمدة الفقهاء والمتكلمين ونخبة الفضلاء المعتمدين الشيخ أبى الصلاح تقى أو تقي الدين بن نجم أو نجم الدين قدس الله سره وأنار في سماء الرضوان بدره وهو من أساطين تلامذة المرتضى والشيخ والديلمي وكان خليفة المرتضى في البلاد الحلبية وكان الديلمي إذا استفتى يقول : عندكم التقى ، وكان من مشايخ القاضي وعبد الرحمن الرازي والشيخ المقرى الصالح الفقيه التواب بن الحسن بن أبي ربيعة الخشاب

__________________

(1) قال السيد محمد صادق بحر العلوم : ومن الغريب عدم ذكر الشيخ له في فهرسته مع أنه من المصنفين. الفوائد الرجالية لبحر العلوم ذيل الصفحة 131 ـ 2.

أقول : من الغريب ذكره في رجاله كما قال في الرياض لا عدم ذكره في الفهرست.

(2) رياض العلماء 1 ـ 99 و 5 ـ 464.

(3) لؤلؤة البحرين : 332 ط النجف.


البصري والشيخ الفقيه الصالح ثابت بن أحمد بن عبد الوهاب الحلبي وغيرهم. وله كتب أشار إليها شيخه الشيخ في الرجال وذكرها غيره ، منها الكافي في أصول الدين وفروعه وهو مأخذ مذاهبه ، ومنها البداية في الفقه أيضا ، وشرح ذخيرة المرتضى ، وتقريب المعارف ، والعمدة ، والشافية ، والكافية. ويعبر عنه باسمه وكنيته(1) .

وقال الخوانساري ره : تقى الدين بن نجم بن عبد الله الحلبي الثقة العين الفاضل الإمامي كان من مشاهير فقهاء حلب ومنعوتا بخليفة المرتضى في علومه لكونه منصوبا في البلاد الحلبية من قبل أستاذه السيد المرتضىرحمه‌الله . أو لنيابته عنه في التدريس حيث ان كليهما منصوص عليه كما بالبال وناهيك منزلة ومقاما. ومن جملة ما ينبغي التنبيه عليه أيضا ان من خصائص الألقاب صاحب العنوان هو التقي المطلق ، وذلك لما عرفت من أن اسمه لقبه ، فمهما وجد ذلك في كلمات الفقهاء مطلقا ليس يراد منه الا إياه.(2)

وقال المحدث النوري ره : تقي الدين بن نجم بن عبيد الله الحلبي الفقيه النبيه المعروف خليفة شيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي في البلاد الشامية صاحب كتاب الكافي في الفقه المنقول فتاواه في الكتب المبسوطة ، وشرح الذخيرة ، وكتاب تقريب المعارف الذي قد أكثر المجلسي في فتن البحار النقل عنه ، وغيرها ، وهو المراد بالحلبي إذا أطلق في كلمات الفقهاء وهورحمه‌الله يروي عن السيد المرتضى علم الهدى والشيخ الطوسي(3) .

وقال المحدث القمي ره : تقي الدين بن النجم الحلبي أبو الصلاح ثقة

__________________

(1) المقابيس : 8.

(2) روضات الجنات : 128 ـ 130.

(3) مستدرك الوسائل 3 ـ 480.


جليل عظيم الشأن الشيخ الأقدم العالم الفاضل الفقيه المحدث من أعاظم علماء الشيعة وشيوخهم معاصر للشيخ الطوسي ، له الكافي في الفقه ، والبداية ، وتقريب المعارف ، وشرح الذخيرة للسيد المرتضى ، والبرهان على ثبوت الإيمان الذي نقله الديلمي بتمامه في كتابه أعلام الدين. قرأ على الشيخ والسيد المرتضى ، وروى عنه ابن البراج. ومن أحفاده الفاضل الفقيه الجليل أبو الحسن علي بن منصور بن أبي الصلاح(1) .

وقال في أعيان الشيعة : أبو الصلاح تقي أو تقي الدين بن نجم أو نجم الدين بن عبيد الله بن عبد الله بن محمد الحلبي ولد بحلب 374 وتوفي بها سنة 447.(2)

وقال الشيخ الحاج آغا بزرك الطهراني ره : تقي الدين بن نجم الحلبي : التقي أبو الصلاح فقيه عين ثقة من تلاميذ الشريف المرتضى والشيخ الطوسي ، له الكافي يرويه عنه المفيد عبد الرحمن النيسابوري الرازي كما ذكره منتجب الدين بن بابويه ، وله أيضا البداية في الفقه ، وتقريب المعارف كما في ثامن بحار الأنوار ، وشرح الذخيرة لأستاذه المرتضى ، ذكر الأول والأخر في معالم العلماء ، وما ذكر تتلمذه على الطوسي ، ولكن صرح الطوسي في باب من لم يرو من رجاله أنه قرأ عليه وله كتب وكنيته أبو الصلاح.(3)

وفي معجم الثقات : تقي بن نجم الحلبي أبو الصلاح ثقة عين قاله الشيخ في الرجال والعلامة في الخلاصة ، الطبقة الثانية عشر(4) .

__________________

(1) الفوائد الرضوية 1 ـ 57.

(2) أعيان الشيعة 14 ـ 192 ـ 195.

(3) أعلام الشيعة القرن الخامس : 39.

(4) معجم الثقات : 24.


وراجع أيضا منهج المقال للأسترآبادي : 73 ، ومنتهى المقال للشيخ أبي على : 69 ومجمع الرجال للقهبائي 1 ـ 287 ونقد الرجال للتفرشى : 26 وجامع الرواة للأردبيلي 1 ـ 132 والفوائد الرجالية لبحر العلوم 2 ـ 131 وإتقان المقال للشيخ طه : 31 وبهجة الآمال للعلياري 2 ـ 449 وتنقيح المقال للمامقاني 1 ـ 185 ومعجم رجال الحديث للخوئى 3 ـ 371 وقصص العلماء للتنكابنى : 326 والروضة البهية للسيد شفيع : 212 وريحانة الأدب للخيابانى 7 ـ 161 وقاموس الرجال للتستري 2 ـ 254 والكنى والألقاب 1 ـ 97 وهدية الأحباب : 23 وتحفة الأحباب : 35 وسفينة البحار 1 ـ 258 و 259 وهذه الأربعة للمحدث القمي وترجمة الروضات 2 ـ 308 ـ 316 وراهنماى دانشوران للبرقعى 1 ـ 226 ومنية الرجال للمرعشى 1 ـ 58 وتراجم الرجال للبرقعى 1 ـ 144 و 315 وشعب المقال للنراقى : 44 ويادنامه شيخ طوسي 3 ـ 184 وتكملة أمل الأمل للسيد حسن الصدر ص 31 ، فكل من هؤلاء قد ذكره وأثنى عليه ، ولنختم الكلام بقول صاحب نخبة المقال في علم الرجال وختامه مسك :

تقى النقي بو الصلاح

عين فقيه صاحب القداح(1)

شيوخه وأساتذته

1 ـ الشريف المرتضى علم الهدى رحمة الله عليه ( 355 ـ 436 ).

قال الذهبي : دخل أبو الصلاح الى العراق ثلاث مرات فقرأ على الشريف المرتضى.

__________________

(1) نخبة الرجال : 22 وقال الناظم في شرحه : صاحب القداح أى ذو سهام كثيرة من الفضل والعلم ، ومنه القدح المعلى بالكسر فالسكون وهي سهام كانت تقتسم بالجاهلية.


وقال ابن شهرآشوب : أبو الصلاح. من تلامذة المرتضى قدس الله روحه.

وكان خليفة المرتضى في البلاد الحلبية. قاله شيخنا الشهيد الثاني في إجازته للشيخ حسين والد الشيخ البهائي.

2 ـ شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( 385 ـ 460 ).

قال في رجاله : تقى بن النجم الحلبي ثقة عدل له كتب قرأ علينا وعلى المرتضى وقال منتجب الدين : قرأ الحلبي على الأجل المرتضى علم الهدى نضر الله وجهه وعلى الشيخ الموفق أبى جعفر.

وقال شيخنا النوريرحمه‌الله : الحلبي الفقيه النبيه المعروف خليفة شيخ الطائفة أبي جعفر في البلاد الشامية. وهورحمه‌الله يروي عن السيد المرتضى والشيخ الطوسي.

3 ـ سلار ( سالار خ ) بن عبد العزيز أبو يعلى الديلمي صاحب كتاب « المراسم العلوية والأحكام النبوية » المتوفى 463.

قال الطريحي : أبو الصلاح التقي الحلبي قرأ على سلار وكان إذا استفتى من حلب يقول : عندكم التقي.

4 ـ أبو الحسن محمد بن محمد.

قال في تقريب المعارف في معجزات أبى جعفر محمد بن علىعليهما‌السلام : ومن ذلك توضؤ أبى جعفر محمد بن علىعليهما‌السلام في مسجد ببغداد يعرف موضعه بدار المسيب في أصل نبقه يابسة فلم يخرج في المسجد حتى اخضرت وانيعت. حدثني الشيخ أبو الحسن محمد بن محمد قال حدثنا الشيخ أبو عبد الله محمد ابن محمد المفيدرضي‌الله‌عنه انه أكل من نبقها وهو لا عجم له(1) .

__________________

(1) تقريب المعارف : 49. وذكر المفيد هذا المعجز في الإرشاد : 304 وابن شهرآشوب في المناقب 4 ـ 396 وابن الصباغ في الفصول المهمة : 287.


أقول : أظن أن أبا الحسن محمد بن محمد ، هو « البصروي » وكان فقيها فاضلا شاعرا فصيحا قرأ على المرتضى وغيره ، ويروى عنه جبرئيل بن إسماعيل القمي والد شاذان بن جبرئيل ، وله كتاب المعتمد وكتاب المفيد في التكليف وديوان شعر. توفي ببغداد 443.

قال في الرياض : فقيه فاضل نقلوا له أقوالا في كتب الاستدلال كما في المدارك في مسألة ماء البئر وغيرها وذكر انه من قدمائنا كما في فقه المعالم(1) .

تلاميذه والراوون عنه

1 ـ أبو القاسم سعد الدين عز المؤمنين الشيخ عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج المتوفى 481. كان قاضيا بطرابلس وله مصنفات في الأصول والفروع ، والموجود منها : الجواهر ، وشرح جمل العلم والعمل ، والمهذب ، كلها في الفقه يروى عن السيد المرتضى والشيخ الكراجكي والشيخ الطوسي وأبي الصلاح الحلبي وغيرهم(2) .

2 ـ الشيخ عز الدين عبد العزيز بن أبى كامل الطرابلسي القاضي(3) . كان فاضلا

__________________

(1) رياض العلماء 5 ـ 158 و 439 ـ الوافي بالوفيات 1 ـ 120 و 3 ـ 262 ـ أعلام الشيعة 5 ـ 183 ـ أعيان الشيعة 45 ـ 317.

(2) راجع أمل الأمل 2 ـ 252 ـ روضات الجنات : 352 ـ أعلام الشيعة 5 ـ 107 ـ مقدمة شرح جمل العلم والعمل طبع مشهد : 16.

(3) راجع أمل الأمل 2 ـ 120 ـ 149 ـ 162 ـ 163 وإجازات البحار 21 ـ 22 الطبع الحجري وروضات الجنات 352 وأعيان الشيعة 32 ـ 155 وأعلام الشيعة 5 ـ 106.


عالما محققا فقيها عابدا ، له كتب ، من تلاميذ الشيخ الكراجكي ، ويروى أيضا عن السيد المرتضى والشيخ الطوسي وابن البراج وأبى الصلاحرحمهم‌الله .

3 ـ الداعي بن زيد بن على بن الحسين الافطسي الحسيني الاوى. يروى عن الشريف المرتضى والشيخ الطوسي وسلار وابن البراج والتقي الحلبي جميع كتبهم وتصانيفهم وجميع ما رووه وأجيز لهم روايته(1) .

4 ـ الشيخ أبو محمد ريحان بن عبد الله الحبشي.

قال في أمل الأمل : كان عالما فقيها محدثا يروى عن عبد العزيز بن أبى كامل والكراجكي وأبى الصلاح(2) .

قال السيوطي في أزهار العروش في اخبار الحبوش : ومنهم ريحان الحبشي أبو محمد الزاهد الشيعي كان بالديار المصرية من فقهاء الإمامية الكبار يكرر على النهاية والذخيرة ، وقال : ما حفظت شيئا فنسيته. يصوم جميع الأيام المسنونة ، وكان ابن رزيك(3) يعظمه ويقول : يقولون : ما ساد من بنى حام الا لقمان وبلال ، وأنا أقول : ريحان ثالثهم. مات في حدود 560 [ ؟ ](4) .

وفي لسان الميزان : ريحان الحبشي أبو محمد الشيعي الإمامي المصري. قال ابن أبي طي : قال لي أبى : كان الفقيه ريحان من أحفظ الناس. وقيل :

__________________

(1) أمل الأمل 2 ـ 298 ـ 303 ـ مستدرك الوسائل 3 ـ 444 ـ أعلام الشيعة 5 ـ 75.

(2) أمل الأمل 2 ـ 120.

(3) قال في إعلام الشيعة : مراده من ابن رزيك هو الملك الصالح طلائع بن رزيك وزير الفاطميين المقتول 556. أعلام الشيعة 6 ـ 108.

(4) مستدرك الوسائل 3 ـ 480 ـ أعيان الشيعة 32 ـ 155 ـ أعلام الشيعة 6 ـ 108.


كان يصوم كثيرا ولا يأكل الأمن طعام يعلم أصله وكان ابن رزيك يعظمه ويحترمه كان بعد 550 ـ [ ؟ ] انتهى(1)

5 ـ الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين المفيد النيسابوري الخزاعي نزيل الري شيخ الأصحاب في الري حافظ واعظ جليل القدر سافر في البلاد شرقا وغربا ، أخذ الحديث عن المؤالف والمخالف ، له مصنفات ، منها سفينة النجاة في مناقب أهل البيت.(2) توفي 445.

قال في لسان الميزان : قال ابن السمعاني : طالعت عدة من أماليه بالري فرأيت فيها مجلسا أملاه في إسلام أبي طالب وكان شيعيا الا أنه كان مكثرا من الحديث وله به الشعف. وقال يحيي بن أبي طي : كان من أعلم الناس بالحديث وأبصرهم به وبرجاله ويقال : كان في مجلسه أكثر من ثلاثة آلاف محبرة. وكان إذا قيل له هذا الحديث في الصحيحين قال : وروى في المكسورين ، والله لو أنصف الناس فما سلم لهما الا القليل. قال : وما سئل عن حديث الا وعرف صحته من سقمه. وكان يقول : أحفظ مائة ألف حديث. وكان يقول : لو كان لي سلطان يشد على يدي لاسقطت خمسين ألف حديث يعمل بها ليس لها أصل ولا صحة.(3)

قال الشيخ منتجب الدين : أخبرنا غير واحد من الثقات عنه عن الحلبي كتابه الكافي(4) .

6 ـ الشيخ التواب ( التراب خ ) بن الحسن بن أبي ربيعة الخشاب البصري.

__________________

(1) لسان الميزان 2 ـ 469.

(2) أعيان الشيعة 47 ـ 169.

(3) لسان الميزان 3 ـ 404 ـ 405.

(4) راجع فهرست المنتجب باب التاء وباب العين.


قال منتجب الدين : فقيه مقرى صالح قرأ على الشيخ التقي الحلبي وعلى الشيخ أبى عليرحمهم‌الله (1) .

7 ـ الشهيد المصلوب في سبيل الله الشاهد ، أبو الحسن ثابت بن أسلم بن عبد الوهاب الحلبي.

قال الذهبي في تاريخ الإسلام : أحد علماء الشيعة وكان من كبار النحاة صنف كتابا في تعليل قراءة عاصم وأنها قراءة قريش. وكان من كبار تلامذة أبي الصلاح ، تصدر للافادة بعده وتولى خزانة الكتب بحلب فقال من بحلب من الاسماعيلة : ان هذا يفسد الدعوة وكان قد صنف كتابا في كشف عوارهم وابتداء دعوتهم فحمل الى صاحب مصر فأمر بصلبه فصلب وأحرقت خزانة الكتب التي بحلب وكان فيها عشرة آلاف مجلدة من وقف سيف الدولة بن حمدان. انتهى. وكان صلبه في حدود 460(2) .

أولاده وأحفاده

لم نعرف من ولده وأحفاده وبيته الا الشيخ أبا الحسن على بن منصور بن تقي الحلبي الذي قال الشهيد الأول ره في « غاية المراد في شرح نكت الإرشاد » انه عمل فيها ( المضايقة ) مسألة طويلة تتضمن الرد على الشيخ أبي على

__________________

(1) فهرست منتجب الدين باب التاء.

(2) أعلام النبلاء 4 ـ 198 نقلا عن الذهبي. وراجع الوافي بالوفيات 10 ـ 470 وبغية الوعاة : 209 وسير النبلاء 11 ـ 178 ولسان الميزان 2 ـ 75 وفهرست منتجب الدين حرف الثاء ـ وفيه ثابت بن أحمد ـ وأعلام الشيعة 5 ـ 41 وأعيان الشيعة 15 ـ 12.


الحسن بن طاهر الصوري في التوسعة(1) .

آثاره

1 ـ البداية في الفقه ، ذكره ابن شهرآشوب في معالم العلماء وغيره في غيره(2) .

2 ـ البرهان على ثبوت الايمان في الكلام ، مختصر في سبع ورقات.

نقله الديلمي بتمامه في كتابه « أعلام الدين » ، وتوجد نسخة عتيقة من الأعلام في المكتبة الرضوية ع(3) ، ولم يذكر في الذريعة.

3 ـ تدبير الصحة في الطب. ذكره الذهبي في تاريخه وقال : صنفه لصاحب حلب نصر بن صالح(4) ولم يذكر في الذريعة في حرف التاء.

قال في إعلام النبلاء : نصر بن صالح صاحب حلب ولى الحكومة 426 وقتل في 429(5) .

4 ـ تقريب المعارف في الكلام ذكره الحلبي في الكافي(6) وكان عند العلامة المجلسي ونقل عنه في بحار الأنوار(7) ورآه الشيخ الحر واستحسنه(8) .

__________________

(1) غاية المراد : 24 من نسختنا المخطوطة ـ رياض العلماء 4 ـ 268 ـ أعلام الشيعة 6 ـ 207.

(2) معالم العلماء : 29 وراجع الذريعة 3 ـ 57.

(3) الفوائد الرضوية 1 ـ 57 ـ فهرست المكتبة الرضوية 5 ـ 26.

(4) أعلام النبلاء 4 ـ 77 نقلا عن تاريخ الإسلام للذهبى أو مختصره للشيخ أحمد بن الملا.

(5) أعلام النبلاء 1 ـ 426.

(6) راجع الكافي : 466 و 479 و 482 و 510 و 458.

(7) البحار 8 ـ 315 الطبع الحجري و 72 ـ 137 الطبع الحديث.

(8) أمل الأمل 1 ـ 46.


وكان الجزء الأول منه عند الشيخ أسد الله التستري ونقل عنه في « كشف القناع في حجية الإجماع »(1) وقال الطهراني ره في الذريعة : ينقل عنه المير محمد أشرف في فضائل السادات(2) وقال السيد الأمين في الأعيان : منه نسخة بمكتبة الحسينية بالنجف(3) .

أقول : توجد نسخة ناقصة منه ( وهو الجزء الأول منه ظاهرا ) في مكتبة آية الله المرعشي بقم(4) .

وقال المجلسي ره في مقدمة البحار : وكتاب تقريب المعارف جيد في الكلام وفيه أخبار طريفة.(5)

5 ـ التلخيص في الفروع ، ذكره الحلبي نفسه في تقريب المعارف والبرهان(6) ولم يذكر في الذريعة في حرف التاء.

6 ـ التهذيب ذكره الذهبي في تاريخه(7) والأمين في أعيان الشيعة(8) ولم يذكر في الذريعة في حرف التاء.

7 ـ الشافية أو المسألة الشافية ذكره الحلبي نفسه في الكافي(9) والتستري

__________________

(1) كشف القناع : 129

(2) الذريعة 4 ـ 366

(3) أعيان الشيعة 14 ـ 195

(4) فهرست مكتبة آية الله المرعشي

(5) البحار 1 ـ 38

(6) تقريب المعارف مخطوط ص 23 و 193 و 192 ـ البرهان مخطوط ص 10

(7) أعلام النبلاء 4 ـ 77

(8) أعيان الشيعة 14 ـ 194

(9) الكافي : 510


في المقابيس(1) والأمين في الأعيان والخيابانى في ريحانة الأدب(2) ولم يذكر في الذريعة في حرف الشين والميم.

8 ـ شبه الملاحدة ، ذكره الذهبي في تاريخه(3) وذكره في أعيان الشيعة بهذا العنوان : دفع شبه الملاحدة ، وكذا أيضا في الريحانة. ولم يذكر في الذريعة في حرف الشين والدال.

9 ـ شرح الذخيرة للسيد المرتضى في الكلام ذكره ابن شهرآشوب المازندراني في معالم العلماء والتستري في المقابيس والطهراني في الذريعة(4) .

10 ـ العمدة في الفروع ، ذكره الحلبي نفسه في تقريب المعارف والبرهان(5) والكافي(6) والذهبي في تاريخه والتستري في المقابيس والأمين في أعيان الشيعة والخيابانى في ريحانة الأدب ، ولم يذكر في الذريعة في حرف العين.

11 ـ الكافي في الفقه وهو كتابنا هذا.

12 ـ الكافية أو المسألة الكافية ، ذكره الحلبي نفسه في الكافي(7) والتستري في المقابيس والأمين في الأعيان ولم يذكر في حرف الكاف والميم من الذريعة.

13 ـ اللوامع في الفقه ، ذكره الخيابانى في ريحانة الأدب(8) ولم نقف على من ذكره غيره.

__________________

(1) المقابيس : 8

(2) ريحانة الأدب 7 ـ 161

(3) أعلام النبلاء 4 ـ 77

(4) معالم العلماء : 29 والمقابيس : 8 والذريعة 13 ـ 277 و 10 ـ 12

(5) تقريب المعارف مخطوط ص 23 ـ 193 ـ البرهان مخطوط ص 10

(6) الكافي : 510

(7) الكافي : 510

(8) ريحانة الأدب 7 ـ 161


14 ـ مختصر الفرائض الشرعية ، ذكره ابن طاوس في فتح الأبواب(1) ونقل عنه ، ولم يذكره غيره.

15 ـ المرشد في طريق التعبد ، ذكره الذهبي في تاريخه والأمين في أعيان الشيعة والخيابانى في ريحانة الأدب ، ولم يذكر في الذريعة في حرف الميم.

16 ـ المعراج في الأحاديث. قال في الذريعة : هو للشيخ ابى الصلاح تقى الدين الحلبي كما استظهره في الروضات(2) .

تكميل

قال في الكافي : ان يفسح الله تعالى في العمر نجرد أعيان مسائل الخلاف ونذكر طريق العلم بصحة كل مسألة على أصول الإمامية وعلى وجه يتمكن معه الناظر من محاجة الخصوم من غير افتقار به إلى تصحيح الأصول التي تذهب إليها.(3) ولعله وفق لتأليفه.

وفي فهرست مؤلفات الكراجكي : كتاب غاية الإنصاف في مسائل الخلاف يتضمن النقض على ابى الصلاح الحلبيرحمه‌الله في مسائل خالف بينه وبين المرتضى نصر فيها رأى المرتضى.(4)

ويحتمل كون هذه المسائل في رسالة له.

الكافي(5 )

قد ذكره السروي في معالم العلماء والرازي في الفهرست وغيرهما. وهو

__________________

(1) فتح الأبواب مخطوط : 99

(2) الذريعة 21 ـ 224

(3) الكافي : 511.

(4) المستدرك 3 ـ 498

(5) ذكره الحلبي نفسه في البرهان بهذا العنوان : الكافي في التكليف.


ـ كما قال التستري في المقابيس ـ كان مأخذ مذاهبه في الفقه ، وفقهاؤنا كابن إدريس في السرائر والعلامة في المختلف نقلوا فتاوى الحلبي من هذا الكتاب ، وكان من مصادر البحار كما صرح المحدث المجلسي في مقدمته ، وكان عند التستري ونقل عنه في كشف القناع(1)

قال ابن إدريس : كتاب الكافي وهو كتاب حسن فيه تحقيق مواضع.(2)

وفي ملحقات البحار ج 110 ص 176 : وكتاب الكافي في علم الفقه للشيخ ابى الصلاح وهو عند مولانا محمد طاهر القمي كما سمعته من بهاء أيده الله ناقلا عن تلميذ له.

قال البحراني : وكان هذا الكتاب ( الكافي ) عندي فذهب في بعض الوقائع التي ذهبت فيها جملة من كتبي ونحن نرويه بالطريق المتقدم وبالطريق الى الشيخ منتجب الدين المذكور بطرقه المذكورة إليه(3) .

قال الشيخ أسد الله التستري « قال الشيخ. أبو الصلاح الحلبي في الكافي وقال في الجزء الأول من تقريب المعارف. ولم أقف علي سائر كتبه التي أحال التفصيل عليها ولا على الجزء الثاني من التقريب ، والجزء الأول عندي كان سقيما جدا وصححنا ما نقلنا عنه هنا بحسب الإمكان ، وقد وقفنا على ثلاث نسخ من كتابه الكافي ، ولا تخلو أيضا من سقم وبياض في المواضع ولم أنقل عنه الا ما وسعني نقله أو معناه(4) .

وقال في الروضات : وقد رأيت كتابه الكافي في الفقه على ترتيب أبوابه وهو كتاب حسن معروف بين أصحابنا معول عليه عندهم يقرب من عشرين ألف بيت

__________________

(1) كشف القناع : 129

(2) السرائر : 266

(3) لؤلؤة البحرين : 333

(4) كشف القناع : 129 ـ 133


ولكن على أطراف ما رأيت من نسخه سقطات كثير تركت مواضعها مبيضة لانتهائها الى نسخة واحدة انمحت منها تلك المواضع بسانحة الأيام(1) .

وقال صاحب الذريعة : الكافي في الفقه للشيخ الفقيه أبى الصلاح تقى الدين ابن نجم الدين بن عبد الله الحلبي تلميذ الشريف المرتضى وخليفته في البلاد الحلبية ، ذكره الشيخ منتجب الدين وفي المعالم أيضا ، موجود في مخزن كتب المولى محمد على الخوانساري بالنجف ومخزن السيد الحاج آغا سبط السيد حجة الإسلام الأصفهاني وخزانة المولى محمد حسين القمشهي بالنجف الموقوفة في 1288 وفي الرضوية وعند الشيخ مشكور وغيرها.(2) .

وفي قاموس الرجال : أقول : ويتبعه في كافيه غالبا أبو المجد الحلبي في كتابه إشارة السبق وابن زهرة الحلبي في كتابه الغنية الا ان كتاب كافي هذا مشتمل على الأصولين(3) والفقه واقتصرا في كتابيهما على الفقه وأصوله(4) وكتابه التقريب الذي ينقل عنه البحار في غاية الجودة.(5)

أقول : وفي بعض المواضع تتحد عبارة صفحة أو أقل منها أو أكثر من السرائر مع عبائر الكافي فراجع(6) .

__________________

(1) روضات الجنات : 129.

(2) الذريعة 17 ـ 247.

(3) الموجود من نسخه عندنا ليس مشتملا على أصول الفقه.

(4) أقول : الغنية مشتمل على الأصولين والفقه وإشارة السبق مشتمل على أصول الدين وفروعه فراجع

(5) قاموس الرجال 2 ـ 254

(6) السرائرة 467 و 415 وباب الزيارة وكتاب الهبة وغيرها.


نسخ الكافي

قال في الذريعة : يوجد الكافي في :

1 ـ مخزن كتب المولى محمد على الخوانساري.

2 ـ ومخزن السيد الحاج آغا سبط السيد حجة الإسلام الأصفهاني.

3 ـ وخزانة المولى محمد حسين القمشهي بالنجف.

4 ـ وعند الشيخ مشكور(1) .

أقول ويوجد أيضا في :

5 ـ مكتبة الحكيم بالنجف تاريخ كتابتها 1224(2)

6 ـ ومكتبة مدرسة البروجردي بالنجف تاريخ كتابتها 1237(3) .

7 ـ والمكتبة الملية بطهران على ما قال صديقنا المدرسي الطباطبائي.

8 ـ وبيت آية الله البروجردي ره على ما قال آية الله الخوانساري الصفائي وبعض الأفاضل.

هذه هي النسخ التي لم نفز بزيارتها الى الان.

وأما النسخ التي كان أصلها أو صورها الفتوغرافية لدينا حين التصحيح فهي :

9 ـ نسخة المكتبة الرضوية تاريخ كتابتها القرن 13 ظ

10 ـ نسخة أخرى بها أيضا تاريخ كتابتها 1249.

11 ـ نسخة مكتبة المجلس بطهران تاريخ كتابتها : 1244.

12 ـ نسخة اخرى بها ، تاريخ كتابتها : 1230

__________________

(1) الذريعة 17 ـ 247

(2) نشريه دفتر پنجم ص 422

(3) دليل المخطوطات ص 29


13 ـ نسخة ثالثة بها تاريخ كتابتها : 1199 وهذه أقدم نسخنا.

14 ـ نسخة مكتبة ملك بطهران تاريخ كتابتها : 1259.

15 ـ نسخة مكتبة كلية الإلهيات بطهران تاريخ كتابتها : 1203

16 ـ نسخة مكتبة آية الله العظمى الگلپايگاني بقم تاريخ كتابتها : 1222

17 ـ نسخة مكتبة آية العظمى المرعشي بقم كتبت في القرن 13 ظ

18 ـ نسخة مكتبة آية الله الصفائي الخوانساري بقم من نسخ القرن 13 ظ.

19 ـ نسخة مكتبة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمد على الروضاتي بأصبهان تاريخ كتابتها : 1239.

عملنا في التصحيح

غير خفي على القارئ الخبير أن تصحيح اى كتاب من الكتب العلمية سيما مؤلفات القدماء متوقف على وجود نسخة منه أو أكثر مصححة معتبرة ، ومن دونها يتعسر هذا المشروع بل يتعذر إلا لأوحدي من أهل الأدب والفضل والتحقيق.

ومع الأسف لم تكن في نسخنا هذه نسخة قديمة كاملة بل كلها ناقصة وسقيمة جدا فبذلنا جهدنا لتصحيح أغلاط النسخ بالدقة والتأمل في نفس العبارات والتصحيح القياسي وبالمراجعة إلى الكتب التي نقلت نصوصا عن الكافي كالغنية لابن زهرة والسرائر لابن إدريس والمختلف للعلامةرحمهم‌الله ومع ذلك نعلم أن طبعتنا هذه لا تخلو طبعا من أغلاط وتصحيفات. نسأل الله الهادي أن يرزقنا نسخة مصححة منه حتى ننشرها ثانيا بصورة صالحة متقنة آمين رب ـ العالمين.


مصادر هذه الترجمة

1 ـ إتقان المقال في أحوال الرجال للشيخ محمد طه ره.

2 ـ الإجازات من بحار الأنوار. الطبع الحجري والطبع الحديث.

3 ـ الإرشاد للشيخ المفيد.

4 ـ اشارة السبق لأبي المجد الحلبي.

5 ـ أمل الأمل للشيخ الحر العاملي طبع النجف.

6 ـ أعلام الدين للديلمي. مخطوط.

7 ـ أعلام الشيعة القرن الخامس للعلامة الطهراني.

8 ـ أعلام الشيعة القرن السادس للعلامة الطهراني.

9 ـ أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء في سبعة أجزاء لمحمد راغب الطباخ الحلبي المطبوع في حلب في 1342 ـ 1345 على نفقة مؤلفه.

10 ـ أعيان الشيعة للسيد الأمين. الطبعة الثانية.

11 ـ بحار الأنوار للعلامة المجلسي ره.

12 ـ البرهان على ثبوت الإيمان لأبي الصلاح الحلبي. مخطوط.

13 ـ بغية الوعاة للسيوطي.

14 ـ بهجة الآمال في شرح نخبة الرجال للعياري.

15 ـ تاريخ الإسلام للذهبى نقلا عن أعلام النبلاء.

16 ـ تحفة الأحباب للمحدث القمي.

17 ـ تراجم الرجال للسيد البرقعى المعاصر.

18 ـ ترجمة روضات الجنات للشيخ محمد باقر الساعدي.

19 ـ تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي. مخطوط.


20 ـ تكلمة أمل الأمل للسيد حسن الصدر مخطوط مكتبة آية الله المرعشي بقم.

21 ـ تكملة الرجال للشيخ عبد النبي الكاظمي.

22 ـ تنقيح المقال للمامقانى طبع الافست.

23 ـ جامع الرواة للأردبيلي. الطبعة الاولى.

24 ـ خلاصة الاقوال للعلامة الحلي. طبع النجف.

25 ـ دانشنامه لجملة من الكتاب. طبع طهران.

26 ـ دليل المخطوطات للسيد أحمد الحسيني.

27 ـ الذريعة الى تصانيف الشيعة للعلامة الطهراني.

28 ـ راهنماى دانشوران للسيد على أكبر البرقعى.

29 ـ الرجال لابن داود طبع المحدث.

30 ـ رجال الشيخ الطوسي ره 31 ـ روضات الجنات للخوانسارى. الطبعة الثانية.

32 ـ الروضة البهية للسيد شفيع الجابلاقى.

33 ـ الروضة إلهية في شرح اللمعة الدمشقية.

34 ـ روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان للشهيد الثاني.

35 ـ رياض العلماء للمولى عبد الله الأفندي. طبع قم.

36 ـ ريحانة الأدب للخيابانى. الطبعة الثانية.

37 ـ السرائر لابن إدريس الحلي. الطبعة الاولى.

38 ـ سفينة البحار للمحدث القمي ره.

39 ـ شعب المقال للميرزا أبى القاسم النراقي.

40 ـ غاية المراد في شرح نكت الإرشاد للشهيد الأول.


41 ـ الغنية لابن زهرة الحلبي ره.

42 ـ فتح الأبواب في الاستخارات للسيد ابن طاوس. مخطوط.

43 ـ الفصول المهمة لابن الصباغ.

44 ـ الفوائد الرجالية للسيد بحر العلوم.

45 ـ الفوائد الرضوية للمحدث القمي.

46 ـ فهرست المكتبة الرضوية بمشهد.

47 ـ فهرست مكتبة الإلهيات بطهران.

48 ـ فهرست مكتبة المدرسة البروجردي بنجف ـ دليل المخطوطات.

49 ـ فهرست مكتبة آية الله المرعشي بقم.

50 ـ فهرست مكتبة ملك بطهران.

51 ـ فهرست مكتبة المجلس بطهران.

52 ـ فهرست مكتبة آية الله الگلپايگاني بقم.

53 ـ فهرست منتجب الدين. الطبع الحجري والحديث.

54 ـ قاموس الرجال للتستري.

55 ـ قصص العلماء للتنكابنى. الطبع الحجري.

56 ـ القواعد للشهيد الأول. الطبعة الحديثة.

57 ـ كشف القناع عن حجية الإجماع للشيخ أسد الله التستري.

58 ـ الكشكول للشيخ يوسف البحراني. طبع النجف.

59 ـ الكنى والألقاب للمحدث القمي. طبع النجف.

60 ـ لؤلؤة البحرين للشيخ يوسف البحراني. طبع النجف.

61 ـ لسان الميزان لابن حجر العسقلاني.

62 ـ مجمع البحرين للشيخ فخر الدين الطريحي.


63 ـ مجمع الرجال للقهپائي.

64 ـ المختلف للعلامة الحلي ره.

65 ـ مستدرك الوسائل للمحدث النوري.

66 ـ معالم العلماء لابن شهرآشوب المازندراني.

67 ـ المعتبر للمحقق الحلي.

68 ـ معجم الثقات للشيخ التجليل المعاصر.

69 ـ معجم رجال الحديث لآية الله الخوئي.

70 ـ المقابيس للشيخ أسد الله التستري.

71 ـ مناقب آل ابى طالب للمازندرانى.

72 ـ منتهى المقال للشيخ أبى على الحائري.

73 ـ منهج المقال للسيد الاسترآبادي.

74 ـ منية الرجال في شرح نخبة المقال للسيد المرعشي.

75 ـ نخبة الرجال للسيد حسين البروجردي.

76 ـ نشريه كتابخانه مركزى المجلد الخامس.

77 ـ نقد الرجال للتفرشى. الطبع الحجري.

78 ـ الوافي بالوفيات للصفدى.

79 ـ الوجيزة للمحدث المجلسي ره.

80 ـ هدية الأحباب للمحدث القمي ره.

81 ـ يادنامه شيخ طوسي طبع مشهد الرضاعليه‌السلام .

قم المشرفة العبد رضا الاستادى

ج 1 سنة 1403 ه‍ ق


الكافي

في الفقه

لتقى الدين ابى الصلاح الحلبي ره

( 374 ـ 447 )

تقديم وتحقيق

الشيخ رضا الاستادى


بسم الله الرحمن الرحيم


التكليف العقلي


[ حقيقة التكليف ]

... واشترطنا(1) فرض الطاعة في المريد كالقديم سبحانه تعالى ومن خلق ، والنبي والأمة ، والامام والرعية ، والسيد وعبده ، والوالد وولده ، والمنعم على غيره بجميع ما تقوم به حياته وتكمل به مسرته ، لأنا نعلم أنه متى أراد أحد من ذكرناه ممن تلزمه طاعته شيئا سميت إرادته تكليفا ، ولا يصح ذلك في من لا طاعة له كالأغنياء والفقراء ، وانما أوجبت هذه القضية لوجوب امتثال مراد من ذكرناه وسقوط فرض الامتثال في من عداه.

واشترطنا المشقة ، من حيث كانت ارادة ما فيه لذة كالأكل والشرب ، أو ما لا لذة فيه ولا مشقة ، لا تكون تكليفا بغير شبهة.

واشترطنا الابتداء ، لأنه لو أراد من تجب طاعته ما فيه مشقة قد تقدمت ارادة غيره له كالصدق والإنصاف واجتناب الظلم والكذب وفعل الصلاة والزكاة واجتناب الزنا والربا لم يكن مكلفا ولا إرادته تكليفا من حيث كانت ارادة القديم سبحانه سابقة لإرادته.

__________________

(1) قال المؤلف في كتابه « تقريب المعارف » : فأما حقيقة التكليف فهي ارادة الأعلى من الأدنى ما فيه مشقة على جهة الابتداء والدليل على صحة ذلك أنه متى تكاملت هذه الشروط وصف المريد بأنه مكلف والإرادة بأنها تكليف والمراد منه بأنه مكلف ، ومتى اختل شرط لم يثبت شي‌ء من هذا الوصف.


والدليل على صحة هذا الحد انه متى تكاملت الشروط التي بيناها سمى المريد مكلفا وإرادته تكليفا والمراد منه مكلفا.

وقد تجوز العلماء وأتباعهم فوصفوا المراد بأنه تكليف ، فقالوا : التكليف العقلي كذا والتكليف السمعي كذا ، يريدون بذلك ما تعلقت ارادة المكلف سبحانه [ به ] دونها وهذا مجاز وليس بحقيقة ، لتعلق(1) سبحانه دونها وكون هذه في تكليف من لا يجوز منه إيثار القبيح كالقديم سبحانه ومن علمت عصمته من الخلق ، ولذلك وجب على كل من أراد منه من يجوز منه القبيح ، النظر في مراده ، فان كان حسنا لزمه الامتثال ، وان كان قبيحا قبح الامتثال وان كان المريد منعما بما تجب له طاعته ، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصيته سبحانه ، لعظم انعامه على الحي وانغمار كل نعمة لمنعم سواه في جنبه وكون ذلك فرعا له وغير منفصل.

وما أراده القديم سبحانه من الخلق على ضربين :

أحدهما طريق العلم به العقول [ ثانيهما ] طريق العلم به السمع.

والعقلي على ضربين : أحدهما العلم به من فعله تعالى في العاقل ابتداء فهو لذلك مضطر الى العلم به [ ثانيهما ] طريق العلم به نظر المكلف في الأدلة المنصوبة عليه(2) طريق به اخبار من ثبت صدقه بالبرهان أو بخطابه المعلوم إضافته إليه سبحانه.

وطريق العلم بكلامه سبحانه أحد أمرين لا ثالث لهما :

أحدهما : أن يقترن الكلام المسموع بمعجز ، كمخاطبة موسى من الشجرة واقتران ذلك بانقلاب العصا ثعبانا واليد بيضاء.

__________________

(1) هنا بياض في النسخ.

(2) هنا كلمة تقرء هكذا : والتمني.


الثاني : أن يخبر من ثبت صدقه في كلام مخصوص انه كلامه كأخبار وأخبار عيسى ...

وخطاب حجة(1) من تأمل ذلك وجده صحيحا وما لا يوجب العلم لا يكون طريقا الى خطاب التكليف المتعلق بالمصالح التي لا يعلمها الأعلام الغيوب.

(2) في بيان التكليف الضروري ، هذا التكليف على ضربين واجب ومندوب.

والواجب على ضربين : أفعال وتروك ، والمندوب اليه كذلك.

فالأفعال الواجبة الصدق والإنصاف وشكر المنعم ورد الوديعة وقضاء الدين والتحرز من المضار.

والتروك الواجبة الكذب والظلم والخطر والاستفساد والإغراء وتكليف ما لا يطاق وارادة القبيح.

وقلنا ان العلم بوجوب تلك الأفعال وقبح هذه التروك ضروري من فعله تعالى لحصوله ابتداء لكل عاقل على وجه لا يمكنه دفعه ولا إدخال شبهة عليه ولو كان مكتسبا من فعل العالم بمعلومه لجاز خلو بعض زمان التكليف بل كله منه ، واختصاصه ببعض العقلاء ، وصحة الخروج عنه مع كمال العقل كسائر العلوم المكتسبة ، والمعلوم خلاف ذلك.

وجهة وجوب الأفعال كونها صدقا وإنصافا وشكر النعمة ، وجهة قبح التروك كونها ظلما وكذبا ، لان كل من علم إنصافا وصدقا وشكر النعمة ورد الوديعة علم بوجوبها وكل من علم ظلما وكذبا وخطرا واستقباحا علم قبحها ولو كان

__________________

(1) حججه ، كذا في بعض النسخ.

(2) هنا بياض في النسخ ، والظاهر ان الساقط كلمة « فصل ».


لوجوب(1) الأفعال وقبح التروك.(2) ولا يجوز تعلق وجوب أفعاله وقبح تروكه بغير ما هي عليه لان ذلك يقتضي تقدم. عليه(3) وقد علمنا أنه لا تكليف قبله فثبت أن الوجه في وجوب اجتناب تروكه ما هو عليه في نفسه.

فأما الأفعال واجب.(4) تعين فرضها فالمكلف مندوب الى العزم عليها متى تعينت.

وجميعها يصح خلو العاقل من تكليفها عند كمال عقله وفي ما يليه من الأزمنة إلا التحرز من الضرر بفعل النظر الموصل إلى المعرفة الواجبة على كل عاقل في كل حال على ما نبينه ان شاء الله.

واما التروك فواجب على كل عاقل اجتنابها في كل حال ذكر للوجه الذي له قبحت فلا يصح خلو عاقل من وجوب اجتنابها.

والمندوب الى فعله الإحسان والحلم والوقار والجود والعفة وحسن السمت وحسن الصحبة والجوار ولين الكلمة والجانب والأمر بالحسن والنهى عن القبيح وأمثال ذلك.

والتروك المكروهة في مقابلة هذه الأفعال المندوبة إليها بالعكس ، ووجه حسن فعل هذه الأفعال واجتناب هذه التروك كونه إحسانا وحلما لان كل من علم ذلك علم حسنه والترغيب فيه.

(5) في بيان التكليف المكتسب.(6) العقلية شيئان : توحيد

__________________

(1) في بعض النسخ : على وجوب.

(2) هنا بياض في بعض النسخ.

(3) هنا بياض في بعض النسخ وفي بعضها الأخر هكذا : « يقتضي تقدمه عليها » من دون بياض.

(4) هنا بياض في النسخ.

(5) هنا بياض في النسخ ، والظاهر أن الساقط كلمة « فصل ».

(6) هنا بياض في النسخ.


وعدل ، والتوحيد ينقسم.(1) فالإثبات إثبات صانع العالم سبحانه قادر.(2) حيا مريدا بإرادة يفعلها.(3) الصفات لتصح معرفته سبحانه بصفاته ونفى التشبيه عنه ليصح كونه قديما ونفى الحاجة عنه ليعلم كونه غنيا ونفى الإدراك له بشي‌ء من الحواس أنتج(4) نفى التشبيه عنه تعالى ، وأنه لا ثاني له في القدم والصفات المذكورة لكل المعرفة بالتوحيد.

والعدل تنزيه أفعاله سبحانه وما يتعلق بها من التكاليف والمباحات عن القبيح.

والواجب من هذا التكليف العلم وطريقه لوقوفه عليه ، وجهة وجوبه كونه شرطا في العلم بالثواب والعقاب وشكر المنعم الذي لا يصحان ولما يعلم المنعم المثيب المعاقب ، وهذا التكليف لا ينفك منه عاقل ، ونحن نبين وجوب العلم بهذا التكليف وجهة وجوبه والسبب الموصل اليه والأدلة المنصوبة عليه مجملا ومفصلا.

فاما الدلالة على وجوب المعرفة بالتوحيد والعدل فهي أن كل حي عند كمال عقله يجد عليه آثار نفع من كونه حيا سميعا بصيرا عاقلا مميزا قادرا متكلما مدركا للمدركات منتفعا بها يجوز أن يكون ذلك نعمة لمنعم ، ويعلم أنه ان كان ذلك نعمة فهي أعظم من كل نعمة لانغمارها في جنبها ، وكونها فرعا لها واستحالة انفرادها منها ، ويعلم وجوب شكر المنعم واستحقاق المدح به والذم على الإخلال بواجبة ، ويجوز أن يكون له صانع صنعه وفعل النفع به محسنا اليه به تعريضا للثواب على شكره ومعاقبا على الإخلال بحمده ويجد في عقله وجوب ...

__________________

(1) هنا بياض في النسخ.

(2) هنا بياض في النسخ.

(3) هنا بياض في النسخ.

(4) في جميع النسخ : أقبح ، والظاهر ما أثبتناه.


المظنون والمعلوم وحسن طلب النفع المعلوم والمظنون. من يعلم نفعا هو المدح. ويظن ضررا هو العقاب فوجب لذلك عليه معرفة من خلقه وخلق النفع له ليعلم قصده فيشكره ان كان منعما فيجوز عظيم النفع من المدح والثواب وينجو من عظيم الضرر بالذم والعقاب ، ولا سبيل الى معرفته الا بالنظر في آثار صنعته [ صنعه خ ] لوقوعها بحسبه ، لعلمنا بأن من نظر في تنقل الأجسام علم حدوثها دون غيره ، ومن نظر في برهان الصفات النفسية علم ثبوتها وكيفية استحقاقها دون غيرها.

ومن نظر في برهان النبوة علم صحتها دون الإمامة ، وان العلم يكثر بكثرة النظر ويقل بقلته ، ويرتفع من دونه ، فلو كان للمعارف(1) سبب غير النظر لجاز أن ينظر العاقل في برهان حدوث الأجسام فيعلم النبوة ، وينظر في برهان النبوة فيعلم الإمامة ، ويحصل جميع المعارف للعامي المتشاغل بالتكسب المعرض عن النظر ، ولا يحصل شي‌ء منها للعاقل الناظر في الأدلة الموفي النظر حقه ، والمعلوم خلاف ذلك ، فاذا وجبت المعرفة للوجه الذي ذكرناه ولم يكن لها سبب الا النظر وجب كونه أول الأفعال الواجبة لعموم العلم لكل عاقل بوجوب ما لا يتم الواجب الا به.

وجه وجوب النظر كونه تحرزا من ضرر لولا فعله لم يأمن العاقل نزوله به من الذم والعقاب. وجه وجوب. شرطا في شكر النعمة التي يستحيل معرفتها من. بالمنعم سبحانه وأول منظور فيه الجواهر والأجناس ..

[ الدليل ] على حدوث الجواهر انها لو كانت قديمة لوجب أن يختص فيما لم يزل بجهته ، لوجوب حاجتها في الوجود إلى جهة ، وذلك الاختصاص لا يكون الا لأنفسها أو لمقتض قديم إذ كان اسناد حكم فيما لم يزل الى مؤثر

__________________

(1) للعارف خ.


متجدد محالا ، واختصاص الجواهر بالجهات لأنفسها أو لمقتض قديم محال ، لان ذلك يقتضي استحالة خروجها عنها ، لان الحكم المسند الى النفس أو الى مقتض قديم لا يجوز بطلانه ، لاستحالة بطلان موجبه ، وفي علمنا بصحة تنقلها في(1) الجهات دليل على أنها لم يختصها لأنفسها ولا لمقتض قديم.

وأيضا فإن اختصاصها لأحد الأمرين يقتضي كونها بأسرها في جهة واحدة لتماثلها ووجوب المشاركة في صفة النفس وما وجب عنها من الحكم ان كان ذلك للنفس ، وان كان لمعنى قديم فكذلك ، لكون القديم مثلا للقديم ومشاركا له في كل ما جاز عليه ووجب له واستحال عليه ، وفي علمنا باستحالة ذلك دليل على انها لم يختص الجهات لأنفسها ولا لمقتض قديم وذلك يحيل وجودها فيما لم يزل ويقتضي تجددها بعد عدم ، وهذا هو معنى القول بحدوثها.

وإذا ثبت أن الجواهر محدثة ثبت حدوث ما حلها من الاعراض لاستحالة انفرادها منها ، وما يستحيل وجوده من دون وجود الحوادث يجب أن يكون محدثا ، وهي على ضربين :

ضرب يصح تعلقه بالمحدث وهو الاعتقادات والظنون والنظر والإرادات والكراهات والاعتماد والأصوات والألوان(2) والتأليف والالام المتولدة عن.

وضرب يستحيل تعلقه بالمحدث وهي الحياة والقدرة والشهوة والنفور بالمحدثين والعلوم الضرورية والحرارة والبرودة. والالام المبتدئة.

وقلنا بتعذر جنس الجواهر وهذه الأجناس من الاعراض على كل محدث لتوفر دواعيه إلى شي‌ء منها وخلوها من الصوارف [ الطوارق خ ] وتعذرها

__________________

(1) من.

(2) في بعض النسخ : الأكوان.


لا لوجه يعقل ، وكل شي‌ء تعذر لا لمانع معقول فإنها تعذر للاستحالة ، وإذا ثبت خلاف هذه الأجناس وتعذرها على كل محدث ، ثبت أن لها محدثا ليس بمحدث.

وقلنا ذلك لأنا قد علمنا أن هاهنا حوادث كالكتابة والبناء وعلمنا أن لها محدثا هو من تعلقت به ، بدليل وقوعها بحسب أحواله من قصوده وعلومه وقدره واستحقاقه المدح على حسنها والذم على قبيحها ، وعلمنا انها انما احتاجت إليه في حدوثها دون عدمها وبقائها لاستغنائها في حالتي العدم والبقاء عن مؤثر لصفتي العدم والبقاء ، فيجب الحكم بحاجة كل محدث في حدوثه الى محدث.

وقد ثبت حدوث الجواهر والأجناس المخصوصة من الاعراض وتعذرها على المحدثين ، فيجب أن يكون لها محدثا مخالفا لها.

ووقوع هذه التأثيرات من جهته سبحانه يقتضي كونه قادرا لحصول العلم بكون من صح منه الفعل على صفة ليست حاصلة لمن تعذر عليه من كان عليها وجب وصفه بقادر.

ووقوع الفعل مقتض للصحة وزيادة وحدوثها بحكمة(1) كالإنسان والفرس والبقر والفيل يقتضي كونه سبحانه عالما لافتقار صفة الأحكام الى حال زائدة على كون القادر قادرا لتعذره على أكثر القادرين ، ومن كان عليها وجب وصفه بكونه عالما.

وكونه تعالى قادرا عالما يقتضي كونه حيا موجودا بدليل تعلق المقدورات والمعلومات وصحة وقوعها من جهة واستحالة ذلك من معدوم أو موجود ليس بحي.

__________________

(1) محكمة.


واحداثه سبحانه ما يتعذر على كل محدث دليل على كونه قديما ، إذ لو كان سبحانه محدثا لتعذر عليه ما يتعذر على المحدث.

وهذه الصفات نفسية لوجوبها له وثبوت صفة الجواز في صفات المعاني والفاعل ، لان(1) طريق إثبات المعاني وصفات الفاعل متعذرة في صفاته تعالى فثبت أنها للنفس. ومعنى ذلك أنه تعالى قادر عالم حي قديم لما هو عليه سبحانه ، لا معنى هو غيره كسواد الجسم ولا بصفة بالفاعل ككون الصوت أمرا أو خبرا.

وإذا ثبت كونه تعالى قديما وان صفاته نفسية ، ثبت استحقاقه لها فيما لم يزل ، واستحالة خروجه عنها ، من حيث اقتضى قدمه وجوده في كل حال ماضية ومستقبلة ، وثبوت الصفة المستندة إلى النفس في جميع أحوال وجود الموصوف بها ، لكونها مقتضاة عما هو عليه واستحالة وجود المقتضى وانتفاء مقتضاه.

وكونه تعالى حيا لا آفة به يقتضي وصفه سبحانه بسميع بصير ، ويوجب إثباته مدركا متى وجدت المدركات ، بدليل وصف الحي الذي لا آفة به بسميع وبصير ، ووجوب حصول حكم الإدراك متى وجد المدرك وارتفعت الموانع.

ووقوع أفعاله تعالى على وجه دون وجه وفي حال دون حال دليل على انه سبحانه مريد ، لعلمنا بافتقار ذلك الى أمر زائد على كون الحي قادرا عالما لأنه قد يقدر على أشياء ، ويعلم أشياء كثيرة ، ويؤثر إيجاد بعضها دون بعض ، وفي حال دون اخرى ، وعلى وجه دون وجه ، كالقادر على التجارة والكتابة والعالم بضروبهما قد يؤثر الكتابة مرة ، والتجارة أخرى ، ويقصد الى نوع من إحديهما دون نوع ، وفي حال دون حال ، مع تساوي الكل في كونه مقدورا معلوما له ، فاقتضى ذلك ثبوت صفة له زائدة على كونه قادرا عالما ، تلك الصفة

__________________

(1) ولأن.


هي كونه مريدا.

وإرادته تعالى فعله(1) لان كونه مريدا لنفسه أو لمعنى قديم يقتضي قدم المرادات ، أو كونه عازما ، وكلا الأمرين مستحيل. وكونها من فعل قديم غيره فاسد بما نذكره من فساد إثبات قديم ثان. والحدوث ( كذا )(2) لا يقدر على فعل الإرادة لغيره ، لأنها لا يقع الا مبتدءا ، وابتداء الفعل بالقدرة في غير محلها محال.

وهي موجودة لا في محل ، لان حلولها فيه تعالى لا يجوز ، لان المحل لا يكون الا متحيزا وقد دللنا على حدوث المتحيزات وقدمه سبحانه ، ولا يجوز حلولها في غيره من حي ولا جماد ، لأن حلولها في الجماد مستحيل من حيث كانت مما يوجب حالا لحى ، وحلولها في حي يوجب رجوع حكمها اليه دونه تعالى ، لان المحل بحكم ما حله أولى ، فثبت وجودها لا في محل ، ولوجودها على هذا الوجه الذي له ، انقطعت عن(3) كل حي ما أوجب(4) اختصاصها(5) به تعالى. ولا يعجب من هذا ذو فطنة بهذا العلم ، لأنه إذا ثبت كونه تعالى مريدا وفسد أن يكون مريدا لنفسه أو لمعنى قديم ثبت انه مريد بإرادة يستحيل أن تحله أو تحل غيره ، اقتضى ذلك وجودها لا في محل ، وزال التعجب مما اقتضاه البرهان.

ولا صفة له سبحانه زائدة على ما أثبتناه ، من حيث كان طريق إثباته تعالى

__________________

(1) في بعض النسخ : فعلمه ، والظاهر أنه تصحيف.

(2) قال في تقريب المعارف : وكونها من فعل غيره من المحدثين محال لان المحدث لا يقدر على فعل الإرادة في غيره لاختصاص احداثها بالابتداء وتعذر الابتداء من المحدث في غيره.

(3) على.

(4) ما وجب.

(5) اختصاصه.


الفعل ، فيجب أن يقف إثبات صفاته على صفات الفعل ، وليس الفعل ( للفعل ظ ) الا ثلاث صفات : مجرد وجوده وهو دال على كون فاعله قادرا ، وأحكامه وهو دال على كون محكمه عالما ، وترتبه على الوجوه وفي الأحوال وهو دال على أن مرتبة مريد ، وإثبات صفة لا يدل عليها الفعل بنفسه ولا بواسطة محال ، ولأنه لا حكم لصفة زائدة ، وإثبات ما لا حكم له كنفيه ، وإثبات ما لا فرق في إثباته ونفيه جهالة.

ان قيل : فقد أثبت له تعالى صفات زائدة على كونه تعالى قادرا عالما مريدا فما وجهها؟ قيل : لم نثبت الا ما له تعلق بهذه الصفات ، أما كونه تعالى حيا موجودا فلثبوت كونه قادرا عالما لاستحالة ثبوت حال القادر العالم لمن ليس بحي موجود. وأما كونه مدركا سميعا بصيرا فمن أحكام كونه حيا. وكون هذه الصفات نفسية(1) في استحقاقها وليس بأمر زائد على ثبوتها.

وثبوت كونه تعالى قديما مقتض لكونه سبحانه غنيا تستحيل عليه الحاجة لأن الحاجة لا تكون الا لاجتلاب نفع أو دفع ضرر من حيث علمنا استحالة الحاجة على من يستحيل عليه الضرر والنفع كالموات والجماد. والنفع والضرر لا يجوزان الا على من يلذ ويألم لان الحي إنما ينتفع بما يلذ به أو يسر له ويستضر بما يألم به أو يغتم لأجله ، واللذة والألم لا يجوزان الا على ذي شهوة ونفور إذ معنى ملتذ أنه أدرك ما يشتهيه ، ومعنى الم أنه أدرك ما ينفر عنه ، ومعنى مسرور أنه اعتقد أو ظن وصول نفع اليه أو الى من يجرى مجراه واندفاع ضرر ، ومعنى مغتم أنه اعتقد أو ظن وصول ضرر اليه أو الى من يجرى مجراه أو فوت نفع ، فعاد معنى السرور والغم الى النفع والضرر.

إذا تقرر هذا وكانت الشهوة والنفار معاني تفتقر الى محل استحال تخصيصها

__________________

(1) قال في تقريب المعارف : وكونها نفسية كيفية في استحقاقها.


به تعالى ، لاستحالة كونه سبحانه محلا للاعراض ، ولأنه لا دليل من جهة الفعل ( كذا ) إلى إثباته تعالى مشتهيا ولا نافرا ، وإذا استحال عليه تعالى الشهوة والنفور استحال عليه اللذة والألم [ وإذا استحال عليه اللذة والألم(1) ] استحال الضرر والنفع ، وإذا استحال الضرر والنفع استحالت عليه تعالى الحاجة ، واستحالتها يقتضي كونه غنيا.

وثبوت قدمه وحدوث الجواهر والاعراض يحيل كونه تعالى مشتهيا لشي‌ء من الجنسين ، لان ذلك يقتضي حدوثه أو قدمهما ، وكلا الأمرين محال.

وكونه تعالى لا يشبه شيئا يحيل إدراكه سبحانه بشي‌ء من الحواس لاختصاص الإدراك المعقول بالجواهر وأجناس من الاعراض ، وليس هو من الجنسين ، فاستحال إدراكه تعالى.

ولأنه لو كان مما يصح أن يدرك بشي‌ء من الحواس لوجب أن ندركه(2) الان لأنا على الصفة التي معها يجب أن يدرك كلما يصح إدراكه بشرط ارتفاع الموانع ، وهو سبحانه موجود والموانع مستحلية عليه لأنها اللطافة والرقة وتفاوت البعد والقرب والحجاب والكون في غير جهة المقابلة ، وذلك اجمع من صفات المتحيزات ، وقد دللنا على كونه سبحانه بخلافها ، فلو كان مما يصح أن يدرك لأدركناه الان ، ولو أدركناه لعلمناه ضرورة من حيث كان العلم بالمدرك من كمال العقل ، وفي عدم العلم به سبحانه ضرورة دليل على عدم إدراكه [ وعدم إدراكه ](3) مع وجوبه لو كان ممن يدرك تعالى دليل على استحالة الإدراك عليه.

__________________

(1) هذه الجملة زدناها بمقتضى السياق.

(2) في بعض النسخ : يدرك.

(3) هذه الجملة زدناها بمقتضى ترتيب العبارة.


وثبوت كونه تعالى لا يشبه شيئا يحيل عليه التنقل والاختصاص بالحياة(1) والمجاورة لأن ذلك من أحكام المتحيزات وليس بمتحيز.

ويحيل عليه سبحانه الحلول وإيجاب الأحوال والأحكام ، لان ذلك من خواص الاعراض ، فيسقط لذلك مذاهب الثنوية والمجوس والصابئين وعباد الأصنام والمنجمين والنصارى والغلاة ، لإثبات هؤلاء أجمع إلهية الأجسام أو كونها مؤثرة ما يستحيل من الجسم تأثيره على ما سلف بيانه.

وكونه تعالى بهذه الصفات يقتضي تفرده سبحانه بها ويحيل إثبات ثان له فيها من حيث لو كان هناك قديم ثان لوجب أن يستحق جميع ما بيناه استحقاق فاعل العالم له من الصفات الواجبة والجائزة إثباتا ونفيا فيؤدى ذلك الى إثبات ذاتين لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة وإثبات ذلك محال ، فثبت أنه سبحانه واحد لا ثاني له. وقلنا ذلك لان القدماء لو كانوا مائة فما زاد لم تزد حالهم عليه لو كان واحدا ، ولا يميز فعلهم من فعل قديم واحد ، من حيث كان كل ما تصح إضافته الى هذا العدد تصح إضافته إلى القديم الواحد سبحانه ، فصار إثبات ما زاد على واحد لا حكم له ، ولا سبيل الى تميزه ، ولا فرق بين إثباته ونفيه ، وما هذه حاله لا يصح إثباته ، لكون ذلك تجاهلا ومفضيا الى كل جهالة فثبت أن صانع العالم سبحانه واحد لا ثاني له.

وأيضا فلا دليل من جهة العقل على إثبات قديم ثان وقد ورد السمع المقطوع على إضافته إلى القديم سبحانه بنفي ثان له تعالى وهو مما لا يجوز عليه سبحانه الكذب فوجب لذلك القطع على كونه واحدا ، ودلالة السمع على التوحيد آكد من دلالة العقول لاحتمال جميعها لدخول الشبهة المشكلة في التوحيد وبعد ذلك عن برهان السمع.

__________________

(1) كذا في جميع النسخ ، ولعل الصحيح : بالجهات.


فصل في مسائل العدل(1)

معنى قولنا : انه تعالى عادل هو أنه لا يخل(2) بواجب في حكمته ولا يفعل قبيحا ، وإذا ثبت بالبرهان كونه تعالى عالما لا يجهل شيئا وغنيا لا يحتاج إلى شي‌ء ثبت كونه عادلا من حيث كان وقوع القبيح لا يصح الا لجهل به أو لسهو عنه أو حاجة اليه ، وكل ذلك مستحيل فيه تعالى ، فيجب القطع على كونه عادلا والحكم بجميع أفعاله وما يتعلق بها بالحسن.

وهذا القدر كاف في تنزيهه سبحانه عن القبيح على جهة الجملة ، وان فقدنا العلم بوجه الحسن في كل منها على جهة التفصيل ، غير أنا نسلك منهج السلفرضي‌الله‌عنه في بيان وجه الحكمة في جميع ما فعله سبحانه وأمر به وأباحه على جهة التفصيل لتكمل الفائدة وتسقط الشبهة في ذلك من كل وجه.

فأول ذلك إثبات العقل طريقا الى العلم بوجوب واجبات وقبح قبائح وجبت وقبحت لما هي عليه ليكون الكلام في العدل وفساد الجبر مبنيا على ذلك وقد سلف بيان ذلك وأوضحنا أن العلم بوجوب الصدق والإنصاف وسائر الواجبات الأولة وقبح الظلم والكذب وسائر القبائح الأولة ضروري من أوائل العقول لا تعلق للعبد به ، وأنه انما وجبت الأفعال لكونها صدقا وإنصافا وقبحت التروك لكونها ظلما وكذبا فأغني عن إعادتها ههنا.

وإذا ثبت ذلك وجب إثباته سبحانه قادرا على القبيح ليصح تنزيهه عنه ، والدالة على ذلك ثبوت كونه تعالى قادرا لنفسه ، وذلك يقتضي كونه سبحانه

__________________

(1) كلام في معنى العدل. كذا في بعض النسخ.

(2) في النسخ : لا يحيل.


قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا ، والقبيح من جملة المقدورات بغير شبهة فيجب أن يكون قادرا عليه.

وأيضا فإن صفة القبح وجه للفعل كالحسن(1) وليس بجنس فيجب لكونه تعالى قادرا على سائر الأجناس أن يكون قادرا على وجوهها التي يحدث عليها.

ومنع النظام(2) من كونه تعالى قادرا على القبيح لما يؤدي إليه من الجهل أو الحاجة المستحيلين عليه سبحانه أو انقلاب دلالة القبيح.

وذلك فاسد كاشف عن جهله بكون القديم سبحانه قادرا لنفسه ، إذ لو علم ذلك وكونه مقتضيا للقدرة على كل ما يصح كونه مقدورا مع علمه بكون القبيح مقدورا للعباد لم ينف كونه تعالى قادرا على القبيح.

وكذلك لو علم ان من حق القادر على الشي‌ء أن يكون قادرا على جنس ضده مع علمه بأنه قادر على الحسن(3) لم ينف كونه قادرا على القبيح ، جنسا كان القبح(4) أو وجها. وهذا يدل على جهله بالتوحيد والعدل.

فأما شبهته فمبنية على فرض وقوع القبيح ، وذلك بناء فاسد ، لأنه سبحانه لا يفعل شيئا إلا لداع مقصود ، لاستحالة السهو والعبث عليه ، ولا داع الى القبيح الا الحاجة وهي مستحيلة فيه سبحانه ، فلم يبق له داع اليه فاستحال منه فعله وان كان قادرا عليه ، وسقط لذلك تقدير النظام.

__________________

(1) في جميع النسخ : كالجنس ، والصحيح ما أثبتناه ، راجع تقريب المعارف للمؤلف باب العدل.

(2) هو إبراهيم بن سيار بن هانئ النظام ، توفي سنة 231. ويطلق على أصحابه النظامية.

(3) في جميع النسخ : الجنس ، والصحيح ما أثبتناه.

(4) في جميع النسخ : القبيح.


وهو سبحانه لا يفعل القبيح لما قدمناه من علمه بقبحه وبأنه غنى عنه لأن صفة القبح صارف قوى فلا يصح أن يفعله الا من جهل ثبوتها أودعته الحاجة الى الفعل أو الترك لينفى الصارف بالجهل أو يقابل داعي الحاجة لصارف القبح.

وكونه تعالى لا يفعل القبيح مقتضيا أن لا يريده ، من حيث لو أراده لم يرده إلا بإرادة يفعلها على ما سلف بيانه ، وارادة القبيح قبيحة ، لأن كل من علمها ارادة لقبيح علم قبحها ، وذلك مقتض لكونه تعالى فاعلا للقبيح وقد بينا فساده(1) فثبت أنه لا يريد القبيح ، وإذا ثبت أنه سبحانه لا يريد القبيح ثبت أنه كاره له ، لأنه لا يجوز أن يخلو ما كلفه تعالى من الإرادة والكراهة.

وكذلك وجب كونه تعالى مريدا لما فعله وكلفة ، لاستحالة فعله ما لا غرض فيه ، وتكليف ما لا يريده ولا يكرهه ، فما علمناه مرادا له سبحانه حكمنا بحسنة فإن علمناه كارها للإخلال به وجب الحكم بوجوبه ، وما علمناه مكروها له حكمنا بقبحه ووجوب اجتنابه.

وكونه تعالى مكلفا فعل المثلين والمختلفين والضدين واجتناب ما له هذا الحكم موجب إقدار المكلف على ذلك قبل وقوعه ومزيحا لعلته بالتمكين منه والعلم به واللطف فيه ، وكون ذلك شاقا مقتض لكونه وصلة الى ما لا يحسن الابتداء به من النفع ، لان خلاف ذلك ينقض كونه سبحانه عادلا.

ويحسن توضيح برهان ما أجملناه مفصلا :

أما برهان كون المكلف قادرا فهو أنا نعلم تعلق التأثيرات به ووقوعها من جهته وذلك مقتض لكونها من فعله على ما نبينه ، وكونه فاعلا فرع لكونه قادرا لاستحالة النظر ليس بقادر(2) .

__________________

(1) في جميع النسخ : وقد امناه ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) كذا في جميع النسخ ، والظاهر ان العبارة ناقصة.


ولأنا نعلم حيا يصح منه التصرف في الجهات وحمل الثقيل وحيا لا يصح منه ذلك فيجب أن يكون من صح منه الفعل على صفة ليست حاصلة لمن تعذر عليه لو لا ثبوتها له وانتفاؤها عن الأخر لصح الفعل منهما معا أو تعذر عليهما ومن كان على تلك الصفة سماه أهل اللغة العربية قادرا ، وقلنا انه فاعل لعلمنا بوجوب وقوع التأثيرات المتعلقة به بحسب أحواله من قصوده وعلومه وقدره(1) ولو كانت فعلا لغيره لجاز أن يقصد الذهاب يمنة فيقع يسرة ، ويقصد إلى الكتابة فيقع البناء ، ويقع الكتابة من الأمي ويتعذر على القادر العالم بها ، ويصح حمل الثقيل في الضعيف ويتعذر الخفيف على الأيد القوى ، والمعلوم خلاف ذلك.

وأيضا فمن المعلوم توجه المدح والتعظيم الى من تعلق به التأثير الحسن ، والذم والاستخفاف الى من تعلق به التأثير القبيح ، والذم والاستخفاف والمدح والتعظيم توابع لحدوث الفعل على وجه الحسن أو القبح(2) ، فيجب تعلق صفتي الحسن والقبح(3) بمحدث الحسن والقبيح(4) لاستحالة تعلقهما بغيره.

ولأنا نعلم قبح مدحه أو ذمة على خلقه وهيأته ، فلو كان حكم التأثيرات حكمها لقبح مدحه وذمه على شي‌ء منها كقبحه على صورة وبناء(5) ، واختلاف(6) الحال دليل واضح على تعلق التأثيرات بقدوره(7) وتعلق خلقه بالقديم سبحانه.

__________________

(1) قدوره ظ.

(2) في بعض النسخ : القبيح.

(3) في بعض النسخ : القبيح.

(4) في بعض النسخ : القبح.

(5) كذا في جميع النسخ.

(6) في بعض النسخ : « وبناء اختلاف » بدون الواو.

(7) في بعض النسخ : بمقدوره.


ومتى علمنا قادرا في الشاهد علمنا(1) تعلقه بالمتماثلات من مقدورات العباد كالأكوان في الجهة الواحدة والإرادة والكراهات والعلوم المتعلق كل منها بمتعلق واحد في وقت واحد على وجه واحد ، وبالمختلفات كالعلم والإرادة والعلوم المتعلقة بمعلومات مختلفة والإرادات المتعلقة بمرادات متغايرة أو بمعلوم أو مراد على وجوه مختلفة وبالضدين كأكوان في الجهات والعلوم وما يضاد كل واحد منها من الجهل والظن والإرادات وما يضادها من الكراهات(2) ، فلا يخلو أن يكون ذلك لان كل قدرة توجب هذا التعلق أو لأن لكل متعلق قدرة تخصه ، والثاني باطل لأنه يؤدى الى وجوب عدة قادرين تصح منهم الإرادة دون الكراهة ، والجهل دون العلم ، والكون في جهة دون جهة ، والمعلوم فساد ذلك ، فثبت إيجاب كل قدرة حال التعلق بالأمثال والمختلفات والأضداد ، وتعلق القادر بالضدين يوجب تقدم كونه قادرا لكونه فاعلا لأن القدرة لو وجب مصاحبتها للفعل مع تعلقها بالضدين لاقتضى ذلك وجود الضدين مع استحالته.

وأيضا فإن حاجة المقدور إلى القدرة ليخرج بها من العدم الى الوجود ، فيجب متى وجد أن يستغنى عنها كاستغنائه في حال البقاء ، وذلك يوجب تقدم القدرة عليه في الوجود ، وتأثير القدرة إيجاب حال الحي لها(3) يصح منه الفعل ، لأنها متى وجدت أوجبت هذه الحال ، وتأثير القادر يختص بالأحداث لان صفتي العدم والبقاء غير متعلق بقادر ، فلو لم يختص تأثيره بالأحداث لم يكن بين الفعل والفاعل تعلق.

وأما برهان تمكينه مما كلف فحكمة مكلفة سبحانه تقتضي تمكينه بصحة

__________________

(1) في بعض النسخ : علينا.

(2) في بعض النسخ : المكروهات.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح هكذا : حال للحي بها.


البنية فيما يحتاج من التكاليف إليها كاليد والرجل واللسان والاذن ، وأقداره على تحصيل ما يحتاج الفعل اليه من الآلات كالسيف والقوس ، وتبقيته الى أن يؤدى أو يمضى من الزمان ما يصح فيه الأداء كالحج ، أو تكميل العلم كالمعارف ، وفعل العلم فيه بحيث(1) لا مصلحة بكون العلم مكتسبا كالعلم الأول بوجوب الصدق والإنصاف وقبح الكذب والظلم ، وتكليفه تحصيل العلم بما لا يقوم فعله سبحانه فيه مقام اكتسابه في التوحيد والعدل ، وأقداره على فعل السبب المولد له وهو النظر ، وتبقيته الزمان الذي يصح فيه اكتساب العلوم ، ووقوف تكليفه على كونه مخيرا غير ممنوع ولا ملجأ ، واستصلاحه بما يدعوه الى الحسن ويصرفه عن القبيح من غنى أو فقر أو سقم ، وبيان ما له هذا الحكم من فعله كالرئاسة بالنبوة أو الإمامة والشرائع ، لأن تكليفه من دون التمكين تكليف ما لا يطاق ، ومن دون اللطف قبيح ، من حيث كانت علة المكلف غير مزاحة ، وقبح منعه كمنع التمكين.

يوضح ذلك أن من صنع طعاما لقوم يريد حضورهم إحسانا إليهم فعلم أو ظن أنهم لا يأتون الا برسوله فلم يرسل إليهم مع إقامته على ارادة الحضور يستحق الذم كما لو أغلق الباب من دونهم ، فاذا كان القديم سبحانه مريدا بالتكليف نفع المكلف وعلم سبحانه أنه لا يختاره الا أن يفعل فعلا أو يفعل هو فعلا وجب عليه أن يفعل سبحانه ما يختص به ويبين للمكلف ما يختص بمقدوره كما يجب في حق التكليف تمكين المكلف ، لثبوت صفة القبح في منع اللطف كثبوتها مع منع التمكين.

وبرهان حسن التكليف كونه تعريضا لنفع لا يحسن الابتداء به ، والتعريض

__________________

(1) حيث. ظ.


للنفع في حكم إيصاله ، فما له حسن أحدهما يجب أن يحسن له الأخر ، ألا ترى أنه كما يحسن منا ابتداء الغير بالنفع فكذلك تعريضه له ، وكما يحسن منا نفع أنفسنا فكذلك التعريض له بضروب المشاق ، وقلنا ذلك لا يجوز(1) لأنه سبحانه لا يجوز أن يكلف لاجتلاب نفع ولا دفع ضرر لاستحالتهما عليه سبحانه ، ولا لغير غرض ، ولا لاغراء بالقبيح لقبحهما ، ولا ليدفع بالتكليف ضررا عن المكلف ، لان دفع الضرر بالضرر لا يحسن الا بحيث لا يندفع الا به ، وهو سبحانه قادر على دفع كل ضرر من غير إضرار ، فلا يحسن تكليف المشاق له ، ولا يحسن الاستحقاق(2) لأمور :

منها ان ذلك يقتضي تقدم(3) تكليف قبل تكليف الى ما لا يتناهى ، وذلك محال ، ولان الضرر المستحق مقترن بالاستخفاف ، وامتثال مشاق التكليف يقتضي المدح والتعظيم ، ولم يبق لحسنه الا كونه ضررا مبتدءا أو تعريضا لنفع ، والضرر المبتدء ظلم لا يجوز عليه سبحانه ، فثبت كونه تعريضا لنفع لا يجوز أن يكون مما يحسن الابتداء به ، لأنه سبحانه قادر على ضروب ما يحسن الابتداء به من المنافع ، فلا يجوز أن يكلف المشاق لها من حيث كان ذلك عبثا لا يجوز عليه سبحانه ، لكونه جاريا مجرى من أراد أن ينفع غيره فلم يفعل حتى كلفه نقل الرمل من جهة إلى أخرى لا لغرض الا ذلك النفع في كونه عابثا ، والنفع الذي لا يحسن الابتداء به هو الواقع على جهة الإعظام والإجلال ، لعلمنا بقبح التفضل بالتعظيم وأنه لا يحسن الا مستحقا.

وعلمه سبحانه بأن كثيرا من المكلفين يعصي فيما كلفه فيستحق العقاب

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة جملة « لا يجوز ».

(2) للاستحقاق ظ.

(3) في بعض النسخ : بقدم ، وفي بعضها الأخر : وقدم ، والظاهر ما أثبتناه.


دون الثواب لا يقتضي قبح تكليفه ، لأنه محسن بالتكليف اليه من حيث كان تعريضا لنفع عظيم لا يوصل اليه الا به ، وانما فات المكلف هذا النفع بسوء اختياره وقبح نظره لنفسه. ولأنه سبحانه قد فعل به ما فعله بمن علم أنه يؤمن [ من ] الأقدار والتمكين والاستصلاح ، فما له حسن تكليف الطائع يجب أن يحسن له تكليف العاصي.

وأيضا فإن حقيقة التكليف ارادة المكلف على ما تقدم بيانه ، والإرادة انما تكون قبيحة إذا كان مرادها قبيحا كما أنها انما تكون حسنة إذا كان مرادها حسنا ، لا وجه له بحسن أو قبح الا ذلك ، وإذا كان هذا متقررا ببرهانه ، وكانت إرادته سبحانه من المكلف أن يفعل الحسن ويجتنب القبيح ليصل الى نفع عظيم لا يصل اليه الا به ، ثبت حسنها لتعلقها بما علم حسنه ، وكان ذلك إحسانا إلى المكلف في الحقيقة ، إذ لا فرق في ثبوت الإحسان بين أن يكون فعلا مقصودا به الانعام على الغير وبين تعريضه له ، بل التعريض أشرف.

وإذا ثبت حسن هذه الإرادة لم يؤثر في حسنها عصيان المكلف في الثاني ، لأنها قد وجدت على وجه يحسن ، وانتفت عن الوجود وهي على هذه الصفة فصارت معدومة ، ووجد عصيان المكلف وهي معدومة والعصيان الموجود لا يقتضي قبح الإرادة المعدومة ، لعدم التعلق بينهما ، فكيف يتوهم عاقل قبحها به لولا الجهل بهذا العلم.

وليس لأحد أن يقول ان علمه سبحانه بأنه سيعصي مقتض لقبح إرادة الطاعة ، لأن كل متعلق من الإرادات والكراهات انما يحس أو يقبح لحسن متعلقة أو قبحه دون شي‌ء غير ذلك ، من حيث كان الحسن والقبح وجهين لحدوث الحادث دون ما عداهما ، وهذا واضح ببرهانه ، ووضوحه يقتضي حسن إرادته من المكلف فعل الحسن واجتناب القبيح ، ويحيل قبحها لما يعلمه


سبحانه في عصيان المكلف ، لانفصال حدوث إرادته سبحانه على الوجه المخصوص عن كونه عالما ، وعدم تأثير علمه في قبحها أو حسنها ، ويوضح ذلك أن علمنا أو ظننا بأن الغير لا يختار الحسن واجتناب القبيح لا يقتضي قبح ارادتنا منه أن يفعل الحسن ويجتنب القبيح ، ولذلك يحسن منا أن نعرض الطعام على الجائع مع ظننا بأنه لا يأكل ، وندلى الحبل الى الغريق مع الظن بأنه لا يعتصم به ، وندعو الى فعل الحسن واجتناب القبيح جميع العقلاء مع علمنا بأن أكثرهم لا يقبل ، ونريد من أهل الذمة وغيرهم من ضروب الكفار الايمان مع الظن بأن جميعهم لا يؤمن ، ومن العصاة المصرين التوبة مع العلم في أكثرهم والظن في الباقين بأنهم لا يختارونها ، ولا يقتضي هذا العلم أو الظن قبح هذه الإرادات عند أحد من العقلاء ، بل حسنها معلوم ضرورة(1) وكونه إحسانا الى من عرض بها للنفع العظيم الذي هو إحسان.

والوجه في توعد العاصي بالعقاب توفير دواعيه الى الواجبات وصوارفه عن القبائح ليصل بفعل ذلك واجتناب هذه الى ما عرض له(2) من عظيم المنافع ، لكون الخوف من الضرر في الفعل(3) والإخلال بالواجب داعيا وصارفا معلوما(4) ضرورة.

[ الوجه في إنزال القرآن محكما ومتشابها ](5)

والوجه في إنزال القرآن محكما ومتشابها أمور :

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة الواو.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : إلى أغراض له.

(3) في بعض النسخ : في العقل.

(4) في بعض النسخ : غير معلوم.

(5) ليس في النسخ هذا العنوان.


منها أنه تعالى خاطب العرب على عادتهم وهم يستعملون المجاز في كلامهم والتعريض واللحن ـ من قوله تعالى( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) ـ(1) كاستعمالهم الحقائق ، ولذلك لم يستفهم أحد منهم عن شي‌ء في متشابه القرآن ولا تعلق بمشتبهة(2) فقدح به في حكمة منزله سبحانه ، وانما التبس الحال فيه على من لم يعرف اللسان الذي نزل به القرآن فصار متشابها في حقه واحتاج العلماء معه الى بيانه له.

ومنها ان القرآن لو كان جاريا في الأحكام وفهم المراد من ظاهره مجرى واحدا لسقط فرض النظر الواجب الان في متشابهه ليجمع الناظر بينه وبين محكمه ، وذلك وجه حكمي لجعل بعضه متشابها وغرض حسن(3) .

ومنها أنه لو كان كله محكما لم يكن فرق بين الحجة والمحجوج ، والعالم والمتعلم ، ولهذا قال سبحانه( وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (4) وهو يعنى الحججعليهم‌السلام الذين أمر سبحانه بالرد إليهم وقطع على حصول العلم بجوابهم في قوله تعالى( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (5) وهم الذين أمر من لا يعلم بمسألتهم ليعلم في قوله( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (6) وقد بينا في غير هذا الكتاب ونبينه فيه كون الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم اولى الأمر وأهل الذكر دون غيرهم.

__________________

(1) سورة محمد ، الاية : 30.

(2) في بعض النسخ : مشتبهة.

(3) في بعض النسخ : وغرض جزء.

(4) سورة آل عمران ، الاية : 7.

(5) سورة النساء ، الاية : 83.

(6) سورة النحل ، الاية : 43.


وعلى هذا يجب أن يكون المتشابه على ضروب : ضرب متعلق باللغة ، وضرب متعلق بأحكام العقول ، وضرب متعلق بالأحكام الشرعية ، فما يتعلق منه باللغة ، العلم بها كاف للناظر في العلم لمراد الحكيم سبحانه منه ، وما يتعلق بالعقول ، العقول كافية لمن استعملها ونظر في أدلتها في فهم المراد منه ، وما يتعلق منه بالأحكام الشرعية ، الشرع(1) فيه الى تراجمته من الحججعليهم‌السلام هو الطريق الى علمه دون غيره ، وكذلك القول في الألفاظ اللغة المشتركة كقرء. ويحتمل(2) ما يتعلق بالعقول(3) طريق العلم بمراد المخاطب سبحانه منه بيان الحجج المنصوبينعليهم‌السلام .

[ الوجه في خلق المؤذيات وما لا يظهر فيه وجه الانتفاع ](4 )

والوجه في خلق المؤذيات من السباع والهوام والسموم أمور :

منها أن فيها منافع للعلل وأمراض ينغمر في جنبها ضررها.

ومنها أنه سبحانه لما توعد العاصي بالمعاقبة بها جعلها في الشاهد تذكرة كالنار التي جعلها سبحانه مع ما فيها من النفع تذكرة للمزجورين بها.

ومنها أن العاقل إذا علم بأول رتبة وجوب التحرز من هذه المؤذيات فلان يتحرز من الضرر العظيم بالعقاب بالطاعة أولى.

والوجه فيما خلقه سبحانه من شجر ونبات وبر وبحر وسهل وجبل وحيوان لا يظهر فيه وجه الانتفاع ، أنه لا شي‌ء منه الا ويصح الانتفاع به ، ويصح

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : الفزع.

(2) فيما ظ.

(3) كون طريق ، ظ.

(4) زدنا هذا العنوان لتمتاز هذه المسألة عما قبلها.


أن يكون لطفا لبعض مكلفي البشر أو الجن أو الملائكة ، إذ كان اللطف يختص جنسا بعينه.

[ الكلام في الالام والأعواض والأرزاق والأسعار والآجال ](1)

والوجه في إيلام الأطفال والحمل على البهائم وذبح الحيوان واستخدام الرقيق ، ما في ذلك من الإحسان إلى المكلفين بالانتفاع بما يصح ذلك فيه ، ويجوز أن ينضم اليه أن يكون لطفا ، وما لا يقع فيه من إيلام الأطفال ، الوجه فيه كونه لطفا للمكلفين ، ولكل مؤلم من هؤلاء الأحياء عوض عظيم على إيلامه يخرجه عن صفته الى خير الإحسان كتعويض الملدوغ بالإبرة الضياع النفيسة والأموال العظيمة ، فيخرج إيلامهم بالغرض(2) عن قبيل العبث ، وبالعوض عن صفة الظلم(3) وقلنا ذلك ، لان فعل هذه الالام بغير عوض ظلم ، وبمجرد العوض عبث ، ولا يجوزان عليه سبحانه. وقلنا بتعاظم المستحق من العوض لعلمنا بحسن هذه الالام ، ولو كان مقابلا لها لم يحسن كالظلم الذي قد علمنا استحقاق العوض به مع ثبوت قبحه من حيث كان عوضه مقابلا له من غير زيادة.

والوجه في الغنى والصحة وحسن الصورة ووجود الأولاد وطول العمر والخصب ، كون ذلك إحسانا لا شبهة فيه ، ولا يلزمه عمومه من حيث كان المحسن مخيرا في التعميم والتخصيص غير ملوم على أحدهما ، ويجوز أن يكون فيه لطف للمفعول به أو لغيره.

__________________

(1) زدنا هذا العنوان لتمتاز هذه المسألة عما قبلها.

(2) بالعوض.

(3) في بعض النسخ هكذا : وبالصفة عن صفة الظلم.


والوجه في الفقر والمرض وقبح الصورة واماتة الأولاد والأحباب وقصر العمر والجدب ، كونه صلاحا في الدين للمتعلق به أو لغيره ، لأنا نعلم أن الحكيم فيما بيننا قد يستصلح من يلي عليه تارة بالنفع وتارة بالضرر ، وحالة بالمسرة واخرى بالغم ، وعليه عوض متى كان لطفا لغير المؤلم ، ولا عوض عليه متى اختص صلاحه به ولا بدل منه من المنافع ، لان كونه لطفا له في فعل الواجب واجتناب القبيح الموصلين الى الثواب كاف في الغرض ومغن عن العوض ، لكون النفع بالثواب أعظم من العوض.

والوجه في تمكين الظالم مع القدرة على منعه أنه سبحانه مكنه ليعدل فظلم ، لأن القدرة على الإنصاف قدرة على الظلم(1) ومنعه من الظلم ينافي التكليف ، وتخليته لا يقتضي الرضا بظلمه ، لكونه سبحانه كارها للقبيح وقادرا على الانتصاف وعالما بأنه سيفعله.

ولذلك قلنا انه لا يجوز أن يمكن من الظلم الا من يمكن الانتصاف منه باستحقاق أعواض يقابل ما يستحق عليه المظلوم ، أو بأن يتكفل عنه العوض على ظلمه لمن ظلمه ، لأنه سبحانه على الوجه الأول عادل على الظالم ومنتصف للمظلوم ، وعلى الوجه الثاني منتصف للمظلوم ومحسن الى الظالم.

وليس لأحد أن يقول : فقد يقع الفساد على كثير مما بينتم كونه صلاحا ، لان كثيرا من ذلك قد يحصل لا من قبله تعالى كالغني من مكاسب محرمة ، والفقر لتفريط الفقير مما يكتسبه من المال أو في وجه التكسب أو لتعدي بعض الظالمين عليه بأخذ ماله أو منعه من الاكتساب ، وإذا خلصت اضافة الغنى والفقر اليه تعالى لم يقدح ما ذكروه في كونه صلاحا ، لان اللطف داع ومقرب الى

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر هكذا : قدرة على ما سلف ، ولعل الصحيح : قدرة على الظلم على ما سلف.


الحسن ومبعد عن القبيح وليس بملج [ بملجئ ] فسقط السؤال ، ويصح أن يكون تأثيرهما تقليل القبيح وتكثير الواجب دون رفع(1) سائر القبيح وحصول جميع الحسن ، ولا شبهة في وجوب ماله هذه الصفة ، وما قرب وبعد يجب كوجوب ما اقتضى ارتفاع جميع القبيح وحصول كل حسن ، ولتعذر العلم بعين من كانت هذه الأفعال لطفا له قطعا فتعذر لذلك العلم بتأثيرهما وانتفائه.

وعلى هذا يجري القول في جميع ما عددناه ولا وجه للتكرير بتفصيله.

وطريق العلم بكونه من فعله سبحانه هو أن يكون ما وصل إليه الغنى من الأموال أو الضياع أو المماليك على وجه يسوغ له ولا يحسن منعه منه فلذلك [ فذلك ظ ] المال من رزقه تعالى والتمليك من قبله ، لأنه وصل اليه باقداره وتمكينه واذنه ، وما يقبح التصرف فيه من الأموال وغيرها ويحسن المنع منه فليس برزق منه تعالى ولا يحسن إضافته إليه لقبحه واستحقاق الواصل اليه الذم والعقاب ، وما هذه حاله لا يصح وصفه بأنه رزقه ، لأنه تعالى تمدح بكونه رازقا ، ومدح على الإنفاق مما رزق ، وأباحه ، فقال سبحانه في التمدح :

( إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ) (2) ( هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) (3) ( أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ) (4) .

وقال في المدح( وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) (5) .

__________________

(1) دفع.

(2) سورة الذاريات ، الاية : 58.

(3) سورة الفاطر ، الاية : 3.

(4) سورة الملك ، الاية : 21.

(5) سورة البقرة الآية : 3.


وقال في الإباحة( كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ) (1) ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ ) (2) ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ ) (3) ، وذلك مانع من كون الحرام رزقا ، إذ من المحال أن يكون ما تمدح سبحانه بفعله ومدح على التصرف فيه وأباح تناوله ، وهو(4) ما كرهه ونهى عنه وتوعد عليه وتبعد عقلا وسمعا بالمنع من التصرف فيه ، وكل شي‌ء يوصف بأنه رزق يوصف بأنه ملك وما لا يوصف بأنه رزق لا يصح أن يوصف بملك ، لا يصح أن يقال فلان مالك لكذا مع العلم بأنه غاصب له ، وانما يوصف بملك ما يصح أن يتصرف فيه من غير منع وذلك معنى الرزق.

والرخص من قبله تعالى إذا كانت أسبابه من فعله تعالى بتكثير الغلات أو الثمار أو اماتة الخلق أو تقليل شهواتهم الى المبيع ، لاختصاص هذه الأمور به تعالى فاذا وقع الرخص لهذه الوجوه فهو إحسان منه تعالى ، ويجوز أن يكون لطف للمحسن إليهم أو لغيرهم ، وان كان سببه تسعير الظالم وجبر أرباب السلع على بيعها بيسير الثمن فالرخص مضاف الى فعل أسبابه ، وهو قبيح لإسناده الى تعدى المتغلب على ذوي الاملاك ، وان كان سببه إخراج ما يملكه من الغلات وغيرها إلى أسواق المسلمين ، وأخذ المحتكرين بذلك فكثرت لذلك فحصل الرخص فهو مضاف اليه وهو حسن يستحق فيه الشكر بكونه إحسانا.

وانما يكون الغلاء من قبله إذا كانت أسبابه من فعله سبحانه بمنع الغيث

__________________

(1) سورة طه ، الاية : 81.

(2) سورة الأعراف ، الاية : 33.

(3) سورة الجمعة ، الاية : 10.

(4) في جميع النسخ : « وهو » والظاهر زيادة الواو.


وحصول الجدب لذلك(1) إهلاكه الغلات أو الثمار ببعض الآفات أو تكثير الخلق أو تقليل شهواتهم الى المنهيات ، لاختصاص هذه الأمور به سبحانه دون خلقه ، فلا شبهة في كون هذه الغلاء لطفا أو عقابا ، وان كان سبب الغلاء احتكار الظلمة الأقوات وغيرها أو منع المسافرة أو جبرهم على البيع بأعلى السعرين فهو مضاف الى من فعل أسبابه دونه تعالى ، والغلاء على هذا الوجه قبيح لاستناده الى وجه قبيح.

وأما الأجل فهو الوقت ، يقال : دين مؤجل أى موقت ، ومنه قوله تعالى :( فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ) (2) أي آخر وقت عدتهن ، وإذا صح هذا فأجل الموت وقت حدوثه ، وأجل القتل وقت حدوثه ، فكما لا يصح أن يقال ان للموت أو القتل الحادث وقتين ، كذلك لا يجوز أن يقال أجلان.

فأما الموت فلا يكون الا من فعله لكونه عبارة عن انتفاء الحيوة بغير سبب ظاهر ، بل بأحد أمرين مختصين بمقدوره تعالى ، اما بأن(3) يفعل سبحانه ضدا للحيوة يسمى موتا متى وجد انتفت الحيوة ، أو نقض باطن البنية بنفي تأليفها بضد ، أو نفى بعض ما يحتاج إليه الحيوة من المعاني ، أو تكثيره على الحاجة اليه أو تقليله فتنتفي الحيوة ، وبخروج محلها عن الصفة التي لا يصح حلولها فيه من دونها ، وبهذا يعلم خروج الذات عن كونها حية متى زادت الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو اليبوسة أو نقصت عن مقدار الحاجة كما يعلم انتفاء الحيوة بقطع الرأس والتوسط(4) ، وكل من هذه الأمور خارج عن مقدور

__________________

(1) وإهلاكه. ظ.

(2) سورة الطلاق ، الاية : 2.

(3) في بعض النسخ هكذا : اما بما يفعل سبحانه ضدا للحيوة.

(4) في بعض النسخ : التوسيط.


العباد(1) .

وأما القتل ففعل القاتل لكونه عبارة عن نقض ظاهر البينة كقطع الرأس أو التوسط أو الجراحة في القتل وتعلق ذلك أجمع بفاعله.

والموت لا يكون الا حسنا لاختصاص فعله به سبحانه ، والقتل قد يكون حسنا إذا كان بأمره وقبيحا إذا عرى من اذنه سبحانه.

وقد كان جائزا في مقدوره تعالى أن يعيش من مات أو قتل أكثر مما عاش وأقل منه لولا حدوث الموت أو القتل في الوقت الذي حدثا فيه ، لكونه تعالى قادرا على كل من تبقيته واخترامه على ما أراد منهما ، فمحيل ذلك جاهل بكونه تعالى قادرا على كل ما يصح كونه مقدورا.

فأما إذا وقع الموت أو القتل في وقت معين قد علم الله سبحانه وقوعه فيه بفعله تعالى أو فعل غيره فلا يجوز أن يقال قد كان جائزا لو لم يمت أو يقتل أن يعيش زمانا آخر أو يخترم قبل ذلك ، أو لو لم يقتل لمات أو عاش ، لان وقوع الموت أو القتل في وقت مخصوص يقتضي تقدم العلم به سبحانه(2) والعلم يتعلق بالشي‌ء على ما هو به فلا يجوز خلافه ولا ارتفاع معلومة.

وكونه تعالى عالما بذلك لا يقتضي وجوب وقوعه به تعالى ولا بغيره ولا عذر للظالم فيه ، لان العلم كاشف عن كون المعلوم على ما هو عليه وليس بجاهل(3) له كذلك ولا موجب.

الا ترى أن علمنا بكون زيد مؤمنا أو عمرو كافرا وهذا الشخص بشرا

__________________

(1) في بعض النسخ : مقدر العباد.

(2) تقدم علمه سبحانه به. ظ.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : بجاعل له.


وهذا فرسا وهذا حملا(1) وهذا حيا ليس بموجب لكون هذه المعلومات على الصفة التي تعلق العلم بها ، بل بعضها بإيثار المكلف والبعض الأخر بفعله تعالى ، كشف العلم بها للعالم ما هي عليه في أنفسها ، وان استحال أن يكون الكافر في حال كفره مؤمنا والمؤمن كافرا والإنسان في حال تعلق العلم به فرسا والفرس إنسانا والحي جمادا والجماد حيا ، لان متعلق(2) العلم يقتضي كون معلومة على ما تعلق به ، وبهذا الحكم فارق سائر الاعتقادات.

[ الوجه في بعثة الرسل بالشرائع ](3)

والوجه في بعثة الرسل بالشرائع كونها بيانا لمصالح المبعوث إليهم من مفاسدهم ، وقد بينا وجوب ماله هذه الصفة ، لكونها لطفا من حيث كان [ اللطف ] لا يختص شيئا معينا ، فغير ممتنع أن يعلم سبحانه ان من جنس أفعال المكلفين أو بعضهم ما إذا فعلوه دعا الى الواجب العقلي وصرف عن القبيح ، وما إذا فعلوه أو اجتنبوه دعا الى القبيح وصرف عن الواجب ، وما إذا فعلوه أو اجتنبوه دعا الى المندوب.

وإذا علم ذلك وجب في حكمته سبحانه أعلام المكلف به ليفعل ما هو مصلحة له كصلاة الخمس وصوم الشهر ، ويجتنب ما هو مفسدة له كالزنا والربا(4) وشرب الخمر ، لكون ذلك واجبا في حق كونه(5) سبحانه مريدا(6)

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر : جمادا.

(2) كذا في النسخ.

(3) هذا العنوان ليس في النسخ.

(4) الريا. كذا في بعض النسخ.

(5) كذا في النسخ.

(6) في بعض النسخ : مزيدا.


به صلاح المكلف حسب ما قدمناه.

ولا يعترض هذا الوجه ما تهذى به البراهمة(1) من قولهم : ان العاقل غنى بعقله عن البعثة ، لعلمه به حسن(2) الحسن وقبح القبيح ، والبعثة لا يجوز أن تتضمن تقبيح حسن ولا تحسين قبيح فهي عبث.

لاتفاقنا وهم [ وإياهم ظ ] على وجوب اللطف في حكمته سبحانه ، وانه لا يختص شيئا معينا ، وانه غير ممتنع أن يكون وجود شجرة في فلاة أو صخرة في جبل لطفا لبعض المكلفين ، وذلك مسقط لشبهتهم لجواز تعلق اللطف بأفعال المكلف كتعلقه بالجماد ووجوب بيانه له.

فتسليم اللطف وأنه لا يختص شيئا معينا وإنكار البعثة مناقضة ظاهرة ، والمنازعة في اللطف وأحكامه جهل بحكمته سبحانه الذي لا يمكن معه كلام في النبوة ولما يرتفع بالنظر في أدلة عدله سبحانه.

على أن قسمتهم يقتضيه المعقول(3) الى قبيح لا يحسن وحسن لا يقبح فاسدة بالضرورة ، لعلم كل عاقل بانقسام ما يقتضيه إلى أربعة أقسام :

واجب لا يقبح كالصدق والإنصاف ، وقبيح لا يحسن كالظلم والكذب ، ومندوب لا يقبح كالإحسان وحسن الخلق والأمر بالحسن والنهي عن القبيح ، ويجوز أن يجب إذا كان وصلة الى واجب ، ومباح كالأكل والشرب والتصرف في

__________________

(1) قيل : سموا براهمة لانتسابهم إلى إبراهيمعليهم‌السلام ، وذلك خطأ ، فإنهم المخصوصون بنفي النبوات أصلا فكيف يقولون بإبراهيمعليهم‌السلام ، وقيل لانتسابهم الى رجل يقال له براهم وقد مهد لهم نفى النبوات أصلا. راجع الملل والنحل للشهرستانى.

(2) لعلمه بحسن الحسن ، كذا في بعض النسخ.

(3) كذا في بعض النسخ ، ولعل الصحيح هكذا : ما يقتضيه العقول.


الجهات المعلوم حسنه متى علم العاقل أو ظن كونه وصلة الى حسن ، ووجوبه متى كان وصلة الى واجب وقبحه متى كان وصلة الى قبيح.

وإذا كان هذا متقررا في العقول وعلم بأخبار الرسلعليهم‌السلام عن علام الغيوب سبحانه كون المندوب العقلي وبعض المباح داعيا الى الواجب العقلي وجب وكون بعض المباح داعيا الى القبيح قبح ، وكون بعض آخر داعيا الى المندوب العقلي علم كونه مسنونا ، كما تكون هذه حاله مع الظن.

وهذا قاضٍ بفساد معتمدهم وموجب للقول(1) بحسن البعثة ووجوبها متى كانت بيانا لما لا سبيل الى بيانه الا من قبلها لوقوف ذلك على علم مرسل الرسل سبحانه.

وبعد فلو لم يكن في العقول الا واجب وقبيح لم يمنع ذلك من حسن البعثة بالترغيب فيه وتقوية الدواعي اليه والزجر عن القبيح وتوفير الصوارف عنه ببيان المستحق على ذلك من الثواب والعقاب وكيفيتهما وصفة فعلهما ومبلغهما والحال التي يفعلان فيها إذا كان العلم بذلك غير مستدرك بالعقل.

وبهذا يسقط أيضا ما يتجاهلون به من دعواهم أن الأنبياء جاءت بما يقبح في العقول من الشرائع ، لأن ما جاءوا به من صلاة وزكاة وصوم وجهاد واجتناب الزنا والريا [ الربا ] والخمر وغير ذلك من العبادات والقبائح لا يجري في القبح مجرى الظلم والكذب بغير شبهة ، وانما يقبح إذا خلت من غرض مثله أو كان الغرض به قبيحا ، والشرائع خارجة عن الوجهين لعلمنا بكونها داعية وصارفة الى ما يستحق به الثواب ويتحرز له [ عنه ظ ] من العقاب بقول من ثبت صدقه على العالم بذلك سبحانه ، وثبوت كونها كذلك يخرجها من باب العبث ويوجب كون الغرض بها حكمه كسائر الأفعال والتروك الجارية هذا

__________________

(1) في بعض النسخ : للعقول.


المجرى في الشاهد.

ومن حق المبعوث أن يكون معصوما فيما يؤديه من المصالح والمفاسد من حيث كان تجويز الخطأ عليه في شي‌ء من ذلك عن سهو أو عمد ترفع الثقة بشي‌ء مما جاء به ، ويمنع من امتثاله ، لوقوف الامتثال على علم المكلف كون ما أمر به صلاحا وما نهى عنه فساداً ، وتجويز الخطأ عليه يرفع الثقة بشي‌ء مما أتى به ، فوجب لذلك القطع على عصمته فيما يؤديه ، ولهذا الاعتبار أجمع المسلمون على عصمة الأنبياءعليهم‌السلام في الأداء ، لعلمهم بان تجويز الخطاء فيه يسقط فرض الشرائع فعلا وتركاً.

ومن حقه أن يكون معصوما من جميع القبائح صغائرها وكبائرها ، لان تجويز القبيح عليه يقتضي التنفير عنه ، لان من علم مواقعا للقبيح أو جوز عليه ذلك تنفر النفوس عن اتباعه ولا تسكن اليه سكونها الى من لا يجوز منه القبيح ، إذا كان الغرض في بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله العمل بما يأتي به وكان ذلك فرعا لصدقه الموقوف على النظر في معجزة المتعلق بحصول داع اليه وجب تنزيهه عن كل شي‌ء نفر عنه.

ولهذا الاعتبار نزهة الكل الفظاظة والغلظة والجنون والجذام والبرص وان كان ذلك حسنا ، من حيث كان مقتضيا للتنفير عنه ، وله وجب تنزيهه عن كفر الإباء وخساستهم في الناس وعهر الأزواج من حيث كان المرء يعير بكفر آبائه وخساستهم وان رتبة من تسأله الفضلاء الأبرار في النفوس بخلاف رتبة من تسأله الفجار وذوو الدنائة.

ولذلك نجد العقلاء يتمدحون بفضل آبائهم وعلو قدرهم ويذمون من تسأله الأراذل ويصغرون به وان كان فاضلا ، وكذلك الحكم في عهر الأزواج وكونه غاضا من قدر أزواجهن بغير شبهة ، وإذا وجب تنزيههمعليهم‌السلام من كل


منفر وان كان حسنا فأولى بالتنزيه المنفر القبيح.

وأيضا فإن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يستحق التعظيم على الإطلاق والاستخفاف به كفر ، ولو كان ممن يصح منه القبيح لوجه ، توجه الاستخفاف اليه متى أوقعه ، وكونه مستحقا لمطلق التعظيم مانع من ذلك ، فاقتضى هذا الاعتبار أن لا يبعث الله تعالى من يعلم من حاله إيثار شي‌ء من القبيح ، لقبح تحريم الاستخفاف والحكم بكفر فاعله مع وجوب فعله.

ولا طريق الى معرفته الا ظهور المعجز عليه ، أو نص من علم صدقه عليه ، لتعلق دعوته بما لا يعلمه الا القديم سبحانه ، فيجب وقوف تصديقه عليه سبحانه ، ولا أمر يصح كونه برهانا من قبله تعالى على صدقه الا فعل مختص بمقدوره تعالى ينوب مناب قوله تعالى : صدق هذا على فيما يؤديه عنى ، مختص بدعوته أو دعوة من نص على نبوته ، إذ لا فرق في تصديق من ادعى الإرسال من بعض الملوك الحكماء بين أن يقول : صدق هذا المدعي ، أو يفعل ما يجعله دلالة على صدقه مما لم تجر عادته به ، وكذلك حكم النص المدلول على صدقه في كونه نائبا مناب التصديق بنفس القول أو الفعل الخارق للعادة.

ويفتقر المعجز الدال على صدق المدعي الى شروط ثلاثة : أحدها أن يكون خارقا للعادة ، وثانيها أن يكون مختصا بمقدوراته سبحانه ، وثالثها أن يكون متعلقا بدعواه.

واعتبرنا الشرط الأول ، لأن المعتاد وان كان مختصا به سبحانه كخلق الولد عند الوطي ونبات الحب عند الحرث والسقي وطلوع الشمس من المشرق ، لا يقف على مدع ولا يميز صادقا من كاذب ، ومن شرط المعجز الإبانة وطريق ذلك اعتبار ما جرت العادة به وكون الحادث خارجا عنها ، كفلق البحر وحمل الجبل وقلب العصا حيّة.


واعتبرنا الشرط الثاني ، لان من عداه سبحانه يصح منه إيثار القبيح فلا يؤمن منه تصديق الكذاب وبعثة الصادق بالمفاسد ، وذلك مانع من اتباع الداعي ، وطريق العلم بذلك أن يكون الخارق للعادة مما يختص جنسه بمقدوره كالجواهر والحياة وغيرهما.

واعتبرنا الشرط الثالث لأنه لو تكامل الشرطان ولم يتعلق الحادث بدعوة مدع معين لم يكن مدع بالتصديق أولى من مدع ، من حيث علمنا أنه لو حدث في السماء أو في الأرض حادث لم تجر العادة به مما يختص القديم سبحانه بالقدرة عليه غير متعلق بدعوة مدع ، لم يصح من أحد أن يجعله دلالة لعدم التعلق بينه وبين كل مدع.

وطريق العلم بالمعجزة المشاهدة ، والخبر المعلوم صحته ، لاستناده الى قول صادق لا يجوز كذبه أو تواتر ، وهو على ضربين :

أحدهما : بسبق العلم بمخبره لحال النظر في صفات ناقله(1) كوجود بغداد والبصرة ووجود بدر وحنين وصفين والجمل ، وما هذه حاله يجرى مجرى العلم الحاصل بالمدرك في البعد عن الشبهة ، وان اختلف الطريقان.

والضرب الثاني : من التواتر هو ما يقف العلم به على العلم بصدق ناقلية وانما يعلم صدقهم لتعذر الكذب عليهم ، وانما يعلم ذلك من واحد وجهين :

أحدهما : بشاهد الحال كالجماعة التي تنقل ركوب الأمير أو قتل الوزير على صفة لا يصلح معها اتفاق ولا تواطؤ ، وهذا الضرب من التواتر لا يفتقر الى بلوغ الناقلين حدا متواترة(2) من الكثرة وتنائى الديار ، بل كل من تأمله علم صحة المخبر عنه وان لم يبلغوا عشرة.

__________________

(1) العبارة ناقصة ظاهرا.

(2) كذا في بعض النسخ. ولعل الصحيح : حده أو حد التواتر.


الثاني : أن يبلغوا حدا(1) من الكثرة واختلاف الدواعي وتنائى الديار ينقلون لفظا واحدا عن معروف غير ملتبس كنقل الناقلين من المسلمين معجزات نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن الشيعة النص الجلي ، من حيث علمنا أن مثل هذين الفريقين مع ما نجد كل فريق منها عليه من الكثرة وتنائى الديار وتباين الأغراض لا يصح فيهم افتعال لفظ واحد على جهة الاتفاق ، كما لا يصح لكل شاعر من إقليم واحد أن ينتظم بيتا من الشعر فيتفق ذلك لكل شاعر فيه ، والتواطؤ بالاجتماع في مكان واحد فرع لثبوت التعارف بينهم ، وقد علم ارتفاعه(2) ممن ذكرناه من ناقلي الفريقين ، ولو وقع لارتفع الريب فيه ، لأن أهل البلاد المتباعدة وذوي الأغراض المتباينة إذا رحلوا من أماكنهم إلى مكان واحد ليبرموا أمرا لم يخف ذلك من حالهم على أحد عنى بالأخبار.

وكثرة هؤلاء الناقلين بعد قلة يجوز منهم لها الافتعال يمنع منه سببان :

أحدهما : أن النقل الذي بينا صدق ناقله يتضمن أمرين. أحدهما لفظ الخبر ، والثاني صفة المنقول عنه ، فماله آمنا الكذب في أحد الأمرين يجب أن نأمنه في الآخرة.

والثاني : عدم العلم بأعيان مفتعلة وزمانه كالعلم بابتداء الخوارج والقول بالمنزلة بين المنزلتين ، ونحلة النجار والأشعري وابن كرام(3) .

__________________

(1) حده. ظ.

(2) في بعض النسخ : انتفاؤه.

(3) النجارية أصحاب الحسين بن محمد النجار ، وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه ، وقد مات في حدود سنة 230.

والأشعرية أصحاب أبي الحسن على بن إسماعيل الأشعري ، توفي سنة 334 والكرامية أصحاب أبى عبد الله محمد بن كرام ، مات سنة 255.

وأول من قال بالمنزلة بين المنزلتين هو وأصل بن عطا المتوفى 131 وتابعة على ذلك عمرو بن عبيد المتوفى 144. راجع الملل والنحل للشهرستانى.


فمتى عرى النقل من الأوصاف المذكورة التي يصح معها الكذب والصدق ثبت صدق الناقلين ، وان كان الأمر بخلاف ذلك تعذر العلم بصدق الناقلين ووجب الحكم على خبرهم بكونه واحدا يصح دخول الصدق والكذب فيه وان كثر الناقلون ، فان كانوا ينقلون عن طبقة أخرى وجب أن يثبت لها ما ثبت لهذه من الصفة التي يتعذر معها الكذب ، ثم هكذا حال كل طبقة تنقل عن اخرى قلوا أم كثروا ، وذلك فرع العلم بأعيان الأزمنة المتصلة(1) بالمنقول حلله(2) كل زمان فيه ناقلون لا يجوز عليهم الكذب. وقلنا ذلك لان الجهل بالزمان يقتضي الجهل بمن فيه ، والعلم بالزمان مع الجهل بمن فيه و(3) من أعيان الناقلين يمنع من القطع باتصال الطبقات في النقل وتجويز انقطاعه يرفع الثقة بصحته.

فمتى علم ظهور المعجز على يد مدعى الإرسال من أحد الطرق المذكورة وجب النظر فيه لحصول الخوف الشديد بتركه ، ومتى يفعل مكلف النظر فيه ما يجب عليه منه بشروطه ينكشف له حال الصادق المصدق من الكاذب المخرق(4)

ولا طريق الى نبوة أحد من الأنبياء الا من جهة نبينا محمد بن عبد الله بن عبد المطلبصلى‌الله‌عليه‌وآله لانسداد طريق العلم باتصال أعيان الأزمنة مشتملة على متواترين بمعجزاتهم من الان و(5) الى حين دعوتهم ، وتعذر العلم بصحتها من دون ذلك حسب ما

__________________

(1) في بعض النسخ : الأزمنة المتعلقة بالمنقول.

(2) كذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : كما حلله ، ولم نهتد إلى صحيحة.

(3) الظاهر زيادة الواو.

(4) كذا في بعض النسخ.

(5) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة الواو.


دللنا عليه.

وهذا برهان واضح على سقوط فرض العمل بشرائعهم ، إذ لو كان تكليفا(1) ثابتا لوجب أن يكون لمكلفها طريق الى العلم بها ، لقبح تكليف العمل مع تعذر العلم به.

والدلالة على نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله من وجهين : أحدهما القرآن المعلوم ضرورة اختصاصه به ، والأخر المعجزات الخارجة عنه.

والقرآن دال على نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله من وجوه :

منها : حصول العلم بتحديه الفصحاء ، وتقريعهم بالعجز عن الإتيان بمثله بقوله تعالى( فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ) (2) ، ثم اقتصر على واحدة فقال سبحانه :

( فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ) (3) ، ثم قطع على معينهم بتعذره فقال( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (4) وهذا منه مع ما ضم اليه من المناقشة في رتبة الفصاحة ونظم كلمها ودعوى الرئاسة وتضليلهم وآبائهم ووعدهم ووعيدهم عاجلا وآجلا يقتضي توفير دواعيهم الى معارضته الى حد لم يبق لهم صارف عنها ، فلما لم يحصل والحال هذه ، ثبت كون القرآن خارقا للعادة من فعله تعالى عقيب دعواهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فاقتضى ذلك كونه صادقا فيها.

وانما قلنا ان خرق العادة بالقرآن مختص به تعالى ، لأنه لا يخلو أن يكون تعذر المعارضة لأنه خرق العادة ، أو نظمه ، أو بمجموعهما ، أو لتعذر جنسه ،

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : تكليفها.

(2) سورة هود ، الاية : 13.

(3) سورة يونس ، الاية : 38.

(4) سورة الإسراء ، الاية : 88.


أو لأن الله تعالى سلبهم العادة [ العلوم ظ ] التي يتأتى معها المعارضة.

والأول ، ظاهر الفساد من حيث كنا وكل عارف برتب الكلام في الفصاحة يعلم فرق ما بين شعر الجاهلية وشعر المحدثين في زماننا هذا في الفصاحة على وجه لا لبس فيه ، ولا يحصل لنا مثل هذا الفرق بين قصارى سور القرآن وفصيح كلام العرب ، ولو كان خارقا للعادة بفصاحة لوجب أن يكون الفرق بينه وبين فصيح الكلام أضعاف الفرق الحاصل بين شعر المتقدمين والمتأخرين لكون هذا معتادا وذلك معجز ، وفي تعذر هذا الفرق دليل على خروج فصاحته عن جهة الإعجاز.

والثاني ، مقدور لكل أحد من حيث علمنا ارتفاع التفاوت في النظم بصحة وقوعه بركيك الكلام أو فصيحة من كل عاقل.

والثالث ، مقدور لأنا إذا علمنا كون الفصاحة والنظم مقدورين على الانفراد صح من القادر عليهما الجمع بينهما.

والرابع ، ظاهر البطلان لان القرآن من نوع الكلام ، والكلام من جنس الصوت ، والصوت مقدور لكل محدث بغير شبهة ، وصحة وقوعه على كل وجه من ضروب الكلام ، توضح(1) ذلك صحة النطق من كل قادر على الكلام بجميع ضروب(2) المماثلة لصيغة القرآن وغيرها ، ولو كان القرآن متعذر الجنس لم يصح منا حكايته كما لا يصح منا حكاية شي‌ء من الأجناس الخارجة عن مقدورنا كالجواهر والحياة والقدر وغيرها.

فلم يبق لتعذر معارضته مع خلوص الدواعي إليها والقدرة عليها الا ان

__________________

(1) توضيح ذلك ، كذا في بعض النسخ.

(2) ضروبه. ظ.


الله تعالى سلبهم العلوم التي تصح معها المعارضة في كل حال تعاطوها(1) .

وليس لأحد أن يدعي حصول معارضة مع(2) الإسلام من ظهورها لان السلطان كالعرب(3) المتحدين(4) بالقرآن دون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلو كان هناك معارضة لوجب بقضية العادة ظهورها في سائر الأقاليم على وجه لا يصح استتارها فيما بعد ، لا سيما وسلطان الإسلام لم يظهر حين ظهر والى الان على جميع الكفار ، بل كثير من الممالك المخالفة فيه باقية الى هذا الزمان ، فلو كان هناك معارضة لوجب على أقل الأحوال ظهورها في ممالك أهل الخلاف.

وبعد فلو كان هناك معارضة لوجب أن تكون هي الحجة والقرآن هو الشبهة وذلك يوجب في حكمته تعالى توفير الدواعي إلى نقلها وشياعها ليحصل لكل مكلف مدعو إلى الإسلام طريق الى العلم بها ليفرق بين الدليل(5) والشبهة ، وفي عدم الظن بها فضلا عن العلم دليل واضح على عدمها.

وليس لأحد أن يقول : انما لم يعارضوا لأنهم رأوا أن الحرب أحسم لمادة هذا المدعى. لان الحرب لا حجة فيها لو اقترنت بالظفر ، وفيها عظيم المشقة وكبير الخطر ، والمعارضة بعيدة من ذلك وفيها الحجة ، والعاقل لا يعدل عن الأسهل وفيه الحجة ، إلى الخطر الأعظم مع تعريه منها ، وليست قريش وغيرها من عقلاء العرب المتحدين بالقرآن بهذه الصفة من السفه والغفلة.

وبعد فقد كان ينبغي لما حربوا الحرب ، فلم يبلغوا بها طائلا بل نهكهم

__________________

(1) في بعض النسخ : تواطؤها.

(2) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : منع.

(3) كذا في النسخ ولعل الصحيح : كان للعرب.

(4) في النسخ : المتخذين ، والظاهر انه تصحيف.

(5) في جميع النسخ : الدليلين.


واصطلت(1) أماثلهم ، أن يرجعوا إلى المعارضة.

وأيضا فإن الحرب لم تحصل الا بعد مضى أزمان تصح في بعضها المعارضة

على أن المعلوم من حال القوم تعرضهم لها وقصورهم عنها وتصريحهم [ تخريصهم ظ ] لما عجزوا بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ساحر وكاهن ، وأن الجن تلقى اليه هذا الكلام ، فزال بهذا اللبس عن كل متأمل بعجزهم عن المعارضة ، وأنهم انما عدلوا الى هذا التحريص(2) المقترن بالحرب ، لما أعيتهم الحيل ، فعل السفيه المنقطع العاجز عن مماثلة خصمه ، لأنا نعلم أن من تحدى أهل صناعة بشي‌ء منها وقرعهم(3) بالعجز عن مماثلته ، فعدلوا بعد التأمل لما أتى به الى شتمه وضربه ، أنهم عاجزون عنها مستحقون اللوم والتوبيخ من كافة العقلاء.

وليس لهم أن يقولوا انهصلى‌الله‌عليه‌وآله شغلهم بالحرب عن المعارضة لأن الحرب لم تحصل الا بعد مضى أزمان يصح في بعضها المعارضة لو كانت مقدورة.

وأيضا فإن الحرب لم تكن مستمرة في الأزمان فألا عارضوا في الزمان الخالي منها.

وأيضا فإن الحرب لم يمنع من الروية والفكر لإيقاع الكلام الفصيح على الوجه المعارض بغير اشكال.

ومن وجوه الاعجاز قوله تعالى :( فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً ) (4) فقطع سبحانه مخبرا على أنهم لا يتمنونه اخبار قادر على منعهم منه متى أرادوا النطق به ، فكان كما أخبر سبحانه ، وذلك مختص بمقدوره تعالى

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) كذا في النسخ. والظاهر : التخريص.

(3) في جميع النسخ : وقوعهم ، والظاهر ما أثبتناه.

(4) سورة البقرة الآية : 95 ـ 94.


على جهة خرق العادة عقيب الدعوى فدل على صدق المدعى ، وهو جار مجرى من ادعى الإرسال إلى قوم قادرين على ضروب الكلام وجعل الدلالة على صدقه تعذر النطق منهم بكلام مخصوص مقدور لهم في أن تعذر ذلك من أوضح برهان على تخصيص سلب القدرة عليه بالقديم سبحانه.

ومنها : اخباره تعالى بحوادث مستقبلة فوقعت مطابقة لخبره كقوله تعالى :( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ ، فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً ) (1) فكان الأمر كما أخبر سبحانه من الفتح القريب قبل فتح مكة ، وهو فتح خيبر ، ثم تلاه دخول مكة محلقين ومقصرين آمنين.

وقوله سبحانه( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) (2) فكان الأمر كما أخبر تعالى. وقوله سبحانه( سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (3) فكان الأمر كذلك من هزيمة الجمع يوم بدر ، الى غير ذلك من اخبار القرآن بالكائنات(4) المطابقة للمخبر(5) بها. وذلك مختص به تعالى ، لوقوف العلم بالغائبات عليه سبحانه.

وأما دلالة المعجزات الخارجة عن القرآن على نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله فهي انشقاق القمر ، ورجوع الشمس ، ونبوع الماء من أصابعه ، وحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وكلام الذئب ، وشكوى البعير ، وحلب الشاة الحائل ، واحياء الشاة المأكولة

__________________

(1) سورة الفتح ، الاية : 27.

(2) سورة الروم ، الاية : 2 ـ 1.

(3) سورة القمر ، الاية : 45.

(4) كذا في جميع النسخ.

(5) للخبر بها ، كذا في النسخ.


وإشباع الخلق الكثير بيسير من الطعام ، الى غير ذلك.

فطريق العلم بها المشاهدة لمن حضره ، والنقل المتواتر لمن نأى عن داره وتأخر وجوده عن وجوده ، لأنا وكل مخالط لأهل الإسلام يعلم ضرورة اتصال الأزمان مشتملة على جماعات كثيرة معروفة بالنقل شيعة وعامة لا يجوز على بعضها الكذب لتنائي ديارهم واختلاف دواعيهم كل طبقة تنقل عن طبقة مثلها حتى يتصل النقل بمن شاهد هذه الآيات من الصحابة ، وقد بينا سالفا أن وقوع النقل على هذه الصفة يقتضي صدق الناقلين فيه.

وانما ثبت ظهور هذه الآيات عقيب دعواهصلى‌الله‌عليه‌وآله واعتبرنا حالها فوجدناها خارجة عن مقدور المحدثين ، اما لتعذر جنسها كنبوع الماء من الأصابع ، وإشباع الخلق الكثير بيسير الطعام ، وحلب الشاة ، لكونه مستندا إلى إيجاد الجواهر ، واحياء الشاة المأكولة ، لتعلقه بجنس [ بحس ] الحياة المعلوم بما سلف برهانه تعذر ذلك عن المحدث ، أو لوقوعها على وجه لا يصح تعلقه بمقدور محدث كرد الشمس وانشقاق القمر ، وإذا اختصت بمقدوره تعالى مع تعلقها بدعواهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثبت كونه دلالة نبوته لتكامل شروط المعجز الدال على الصدق فيها.

وليس لأحد أن يقدح في ثبوت هذه الآيات وما بيناه من صدق ناقلتها بأن الأمر لو كان كذلك لم يختص نقلها بالدائن بصحتها مع اشتراك الكل في عموم الدعوة وحصول المشاهدة ، لأن المعتبر في كون النقل تواترا موجبا للعلم بالمنقول وقوعه على وجه يتعذر معه الكذب ، سواء كان الناقل مؤمنا أو كافرا دائنا بالمنقول أو مخالفا فيه ، وهذا الشرط حاصل في نقل المعجزات ، فيجب الحكم بصحتها وصدق رواتها وان كانوا بعض من كلف النظر فيها.

وبعد فالمعلوم من حال مخالفي الإسلام أنهم ليسوا أهل النقل ، من أنكر


النبوات ومن أقر بها من اليهود والنصارى حسب ما بيناه ، ومن ليس من أهل النقل لما يدين به كيف يكون تركه لنقل ما قامت حجته بنقل غيره دلالة على بطلانه لولا جهل المعترض.

على انهم لو كانوا ذوي نقل لم يكن إخلالهم بنقل المعجزات قادحا في ثبوتها من حيث علمنا توفر صوارف المشاهدين [ الشاهدين ] للآيات منهم الى كتمانها لما يؤدي إليه ظهورها من فساد دياناتهم المألوفة ورئاساتهم المستقرة ، ولا شبهة في ارتفاع ما توفرت الصوارف عنه ولما كتم الاسلاف [ السلف ] ما شاهدوه للغرض الذي ذكرناه لم يجد الأخلاف شيئا ينقلوه ، فلذلك انقطع نقله منهم.

وبعد فهذا منقلب على كل من أثبت نبوة ، لأنه لا يجد أحدا ممن خالفه فيما يذهب اليه من النبوة ينقل معجزات من يدعى نبوته [ نبوة ظ ] ، لان البراهمة وغيرها من ضروب الكفار المنكرين للنبوات لم ينقلوا شيئا من معجزات الأنبياءعليهم‌السلام ، واليهود وان أثبت النبوات فغير ناقله لمعجزات المسيحعليه‌السلام وتلاميذه.

فمهما انفصلوا به ممن عارضهم بمثل ما عارضونا به فجوابنا لهم مثله وإذا ثبت نبوة نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله بالبراهين الواضحة وجب القطع على كونهصلى‌الله‌عليه‌وآله على الصفات التي يجب كون النبي عليها من العصمة فيما يؤديه ، والعصمة من جميع القبائح ، وتنزيهه عن كل منفر حسب ما دللنا عليه.

ووجب لذلك القطع بنبوة من أخبر بنبوته على التفصيل كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ممن تضمن القرآن ذكره مفصلا ، ومجملا في قوله سبحانه( وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ) (1) وأن جميعهم بالصفات التي

__________________

(1) سورة النساء ، الاية : 164.


يجب كون النبي عليها ، وأن اتباعهم والعمل بما جاءوا به واجب على كل من كلف ذاك ، قبيح ممن نسخ عنه وكلف غيره ، وأن الايمان بهم وبما جاءوا به ايمان ، والشك فيه كفر ، وأن محمد بن عبد الله بن عبد المطلبصلى‌الله‌عليه‌وآله سيدهم وأفضلهم وخاتمهم الناسخ لشرائعهم ببرهان ما نطق به القرآن وأجمع عليه المسلمون.

وثبوت ذلك يقتضي العمل بما جاء به وقبح ما خالفه من الشرائع ، ويوجب الشهادة بنسخها ، وكفر الدائن بها من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من ضروب الكفار بشريعته ، لان قيام الدلالة بقدم فاعل العالم سبحانه وكونه واحدا لا ثاني له يقضي بفساد ما ذهب اليه النصارى والمجوس والصائبون من الشرك ، لتدينهم أجمع بإلهية الأجسام المحدثة ، ووقوف صحة الثالثة(1) على فاعل العالم سبحانه إذ كان معنى الإله من يحق له العبادة ، والعبادة كيفية لشكر نعم لا مزيد عليها ، واختصاص هذا الشكر بنعمة تعالى من الحياة وما يتبعها المعلوم انغمار كل نعمة سواه في جنب أحدها(2) واستحالة تعذر(3) نعمة من دونها لكونها أصولا لكل نعمة ، وبلوغها أقصى المبالغ.

وقيام الدلالة بنبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحكمه بكفر من خالفه ، قاضٍ بضلال الدائن بهذه المذاهب أيضا ، ويلحق بها مذاهب اليهود.

ونحن نفصل الكلام عليهم وان كانت هذه الجملة كافية في فساد نحلتهم

__________________

(1) كذا في النسخ ولعل الصحيح : التأله. قال الشيخ الطوسي في الاقتصاد : والعبادة إنما تستحق بأصول النعم التي هي خلق الخلق وجعله حيا وقادرا وإكمال عقله وخلق الشهوة فيه. وكل ذلك لا يقدر عليه غير الله فيجب أن تقبح عبادته.

(2) في بعض النسخ : أحدهما.

(3) كذا في بعض النسخ والظاهر انه تصحيف.


واليهود ثلاث فرق : فرقة تمنع من نبوة مدعي النسخ لظنها أن النسخ يؤدي الى البداء ، وفرقة يجيز النسخ عقلا ويمنع منه لظنها ثبوت السمع بخطأه ، وفرقة يجيز النسخ عقلا وسمعا ويمنع منه لدعواها أنه لم يقم برهان بنبوة أحد ادعى نسخ شرع موسىعليه‌السلام .

والكلام على الفرقة الاولى أن نبين حقيقة البداء والنسخ بمحصل [ يحصل ] العلم بفرقان ما بينهما فيسقط شبهة المماثل بينهما ، ثم نبين حسن النسخ فيرتفع الريب بفساد قولهم.

والبداء هو النهي عن نفس ما وقع الأمر به أو الأمر بنفس ما حصل النهي عنه ، وانما يكون كذلك بأن يكون ما تعلق به النهي والأمر واحدا والمأمور والمنهي واحدا والوقت واحدا والوجه واحدا كقول المكلف لشخص معين ألق زيدا عند طلوع الشمس مكرما له ولا يأكل(1) العسل يوم كذا طاعة ...(2) عن لقاء زيد مكرما له قبل طلوع الشمس من غده ، ويأمره أو يبيحه أكل العسل قبل ذلك اليوم.

وقلنا انما(3) جمع هذه الشروط بداء لأنه لا وجه له الا ظهور وجه الصلاح بعد خفائه ، وهو جائز من كل محدث وغير قبيح ، لكون جميعهم غير عالم بوجه الصلاح في المستقبل ، وانما يثبتون تكاليفهم على الظنون التي يجوز ان تحقق ، وغير جائز على القديم سبحانه من وجهين :

أحدهما : أنه يقتضي(4) ما علمنا استحقاقه من كونه عالما لنفسه من حيث

__________________

(1) ولا تأكل. كذا في بعض النسخ.

(2) هنا بياض في النسخ ، ولعل المحذوف هذه الجملة : ثم نهاه.

(3) في بعض النسخ : انما ما جمع.

(4) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : نقيض.


علمنا أنه لا وجه للنهي عن نفس المأمور به أو الأمر بالمنهي عنه الا الجهل بالعاقبة.

الثاني : أن أمره بالشي‌ء دلالة حسنة ونهيه دلالة قبحه ، والنهي عن الحسن والأمر بالقبيح لا يجوز عليه سبحانه.

ومتى اختل شرط واحد خرج عن حد البداء ، لعلمنا بصحة أمره تعالى المكلف بشي‌ء ونهيه عن غيره ، ونهى مكلف آخر عن نفس ما أمر به ، وتكليفه شيئا زمانا معينا ونهيه عن مثله في زمان آخر ، وأمر(1) بالفعل في وقت على وجه ونهيه عن إيقاع مثله على وجه آخر. واتفاق العلماء على حسن ماله هذه الصفة وخروجه عن صفة البداء.

وأما النسخ فهو كل دليل سمعي دل على رفعه مثل الحكم الثابت بالنص الأول على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه.

واشترطنا كون الناسخ دليلا لان رفع التعبد الثابت بمطلق نصه تعالى لا يجوز بغير دلالة.

واشترطنا كونه سمعا لان النسخ لا يتعلق بما ثبت عقلا ولا يرتفع الأحكام الشرعية به.

واشترطنا كونه رافعا لان ما ليس برافع من الأدلة لتعبد ثابت لا يكون ناسخا.

وقلنا : مثل الحكم ، لان رفع نفس الحكم المتعبد به لا يكون الا بداء.

واشترطنا التراخي ، لان المقارن لا يكون ناسخا وانما هو بيان لمدة التكليف ، وبيان المدة لا يكون نسخا.

والدلالة على صحة هذا الحد ، أنه متى تكاملت هذه الشروط وصف الدليل بأنه ناسخ والمرفوع منسوخ ، ومتى اختل شرط واحد فليس بناسخ ولا منسوخ.

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر : وامره.


وإذا تقرر هذا في حد البداء والنسخ ، صح فرقان ما بينهما وجهل الجامع.

والدلالة على حسن النسخ كون الشرائع مبنية على المصالح التي تصح أن تختص بزمان دون زمان ، وبمثل دون مثل ، ومكلف دون مكلف ، وبوجه دون وجه ، لولا ذلك لم يكن السبت أولى بالإمساك من الأحد ، ولا فعل الصلاة في وقت وعلى صفة أولى من وقت وصفة أخرى ، ولا تحريم الشحم المتميز أولى من المختلط. وإذا كانت الشرائع مقررة على المصالح ، جاز أن يكون صلاح المكلف مختصا بفعل العبادة في زمان معين ويكون مفسدة في آخر ، ولمكلف صلاح في شي‌ء هو مفسدة لمن يتجدد بعده ، وعلى وجه صلاح وعلى وجه آخر فساد.

وإذا صح ذلك وعلمه مكلف المصالح سبحانه وجب في حكمته سبحانه بيان ذلك حسب ما وجب مثله في ابتداء التكليف ، وجرى ذلك مجرى لو قرن بيان المدة بالتكليف ، فكما قال سبحانه لبعض المكلفين : صلوا كل يوم خمس صلوات وصوموا كل سنة شهر رجب ، مدة عشر سنين ، لكان ذلك مفيدا للزوم الصلاة والصوم المعينين تلك المدة المذكورة وقبحهما فيما بعدها باتفاق ، فكذلك يجب الحكم إذا قال سبحانه : صلوا كل يوم خمس صلوات وصوموا كل سنة شهر رجب ، ثم قال سبحانه بعد عشر سنين : لا تصلوا ولا تصوموا ما كنتم أمرتم بمثله ، لتماثلهما في بيان المدة وان تقدم أحد البيانين وتأخر الأخر.

والكلام على الفرقة الثانية :

أن يقال لهم دلوا على أن موسىعليه‌السلام قال ما ذكرتموه مانعا من النسخ ، فإنهم لا يجدون إلى إثباته سبيلا ، لعدم التواتر به ، بل كونه من أخبار الآحاد ، لحصول العلم لكل مخالط بفقد من يعرف بنقل الاخبار في شي‌ء من طبقاتهم التي تلينا ، وانما يضيفون ذلك الى اعتقادات متواترة عن السلف ، وصحة الاعتقادات فرع لصحة ما تستنده اليه ، وإذا تعذر إثبات


ما تستند اليه هذه الاعتقادات وجب الحكم عليها بالبطلان.

وبعد فلو قال موسى ذلك لم يخل أن يريد المنع من نسخ شرعه على كل حال وان اقترن دعوى ناسخه بالمعجز أو من دون ذلك ، والثاني لا ينازع فيه لأنه يقتضي رفع الشرائع الثابتة بالأدلة بمجرد الدعوى العرية من الحجة ، والأول يقتضي القدح في نبوته الموقوف صحتها على المعجز مع أمره بتكذيب من معه المعجز ، وذلك مأمون منهعليه‌السلام ، فثبت تعلق منعهعليه‌السلام من النسخ بالوجه الأول.

وليس لهم أن يقولوا ان كلام موسىعليه‌السلام المتضمن للمنع من النسخ متعلق بالتأبيد من غير تقييد ، لأنه لو كان كذلك لوجب تقييد مطلقة وتخصيص عامه بالبرهان كصحته بقول موسىعليه‌السلام إذ لا فرق بين أن يقول موسىعليه‌السلام شريعتي لا تنسخ أبدا وألزموها أبدا و [ أو. ظ ] ما دامت السموات والأرض الا أن يأتيكم بشي‌ء بالنسخ ، في وجوب تقييد مطلق قوله ونسخ شرعه بمن يأتي بعده من الأنبياء ، وبين أن يختص ذلك بقول من ثبتت نبوته من هارونعليه‌السلام أو عيسىعليه‌السلام أو رسول الله محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لاشتراك الكل في الصدق على مرسلهم سبحانه لبيان المصالح والمفاسد ، وفساد القول بتصديق أحدهم دون الأخر مع ثبوت البرهان بنبوة كل منهم فليتأمل هذا فإنه يأتي على مذهبهم ويوجب عليهم الرجوع الى القول الثالث.

والكلام على الفرقة الثالثة : أن يقال لهم لم زعمتم أنه لم يقم دليل على نبوة مدعي النسخ أبضرورة علمتم ذلك أم باستدلال؟ ودعوى الضرورة مرتفعة بغير اشكال ، والدلالة على نفي النبوة من جهة العقل منتفية ، ومن جهة السمع وقد بينا ما يظنونه نافيا من جهته. وإذا لم يكن لهم طريق الى العلم بتكذيب مدعي النسخ ، وجب عليهم النظر في دعوته ، لحصول الخوف من صدقه ،


فمتى يفعلوا بشروطه يعلموا من ذلك ما جهلوه ويلزمهم الدخول فيما أنكروه لوضوح الحجة بنبوة عيسىعليه‌السلام ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وان يقيموا على الأغراض [ الاعراض. ظ ] يقيموا محجوجين ويفقدوا علم ما يلزمهم معرفته من النبوات لسوء نظرهم لأنفسهم وقبح عنادهم.

ثم يقال لهم دلوا بأي دليل شئتم على نبوة موسى ، فاذا فعلوا قوبلوا بمثله في نبوة المسيحعليه‌السلام ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنهم إنما يفرغون [ يفزعون. ظ ](1) في ذلك الى دعوى التواتر بظهور المعجزات عقيب دعوى موسىعليه‌السلام ومثل هذه الدعوى حاصل في النصارى ومعجزات تلاميذ المسيحعليه‌السلام ، بل للنصارى عليهم أعظم المزية ، لحصول العلم باتصال مملكة الروم الى زمان دعوة المسيحعليه‌السلام ، وتعذر ذلك فيهم.

وليس لهم أن يقولوا ضلال النصارى في المسيح ، ودعواهم له الإلهية أو النبوة مانع من سماع نقلهم ، لان النقل المتواتر لا يفتقر إلى صحة الاعتقاد بغير نزاع بين العلماء فيه لانفصال كل منهما من صاحبه ، فاذا ثبت تواتر النصارى بالمعجزات وفهم شرط التواتر ، وجب الحكم بصدقهم فيها وصدق من ظهر عليه لحصول الأمان من كذب المؤيد بالمعجز على الله تعالى ، ولا يقدح في ذلك ضلال النصارى عندها(2) لما بيناه ألا ترى أنا نعلم تدين عالم عظيم بإلهية موسى ومن قبله ومن بعده

ممن ثبت نبوته بالمعجزات لأجلها ولم يقدح ذلك في نبوتهمعليهم‌السلام ، ولا أثر في نقلهم ، لانفصال أحد الأمرين من الأخر.

على أن هذا الاعتذار غير مقتدر(3) في تواتر المسلمين بمعجزات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) في بعض النسخ : يفرعون.

(2) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : عندنا.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : معتذر.


فينبغي أن يقتصر بهم على إلزامه(1) على موجب اعتبارهم ، لا سيما وحجة ثبوتها بتغير الأزمان المتصلة إلى زمان دعوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله مشتملة على متواترين بها واضحة ومتعذرة في نقلهم فيلزمهم مع تسليم نقلهم القول بنبوة المسيحعليه‌السلام ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلزومه في موسى أو التشكك في نبوة الثلاث(2) فخرجوا عن اليهودية الى البرهمية ويكلموا بما تكلم به البراهمة.

فأما القول بنبوة موسى وتكذيب عيسى ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع تساوى الكل في ظهور المعجزات فمناقضة ظاهرة ، وعناد للحق لا شبهة فيه ثم يبتدى إيضاح الحجج السالفة على نبوة نبينا يلزمهم لذلك النظر فيها ومتى يفعلوه بشروطه يعلموا من صحة نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما علمه كل ناظر في آياته والا يفعلوا يجب الحكم عليهم بعناد الحق والركون الى الباطل ولزوم حجة نبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

الكلام في الإمامة(4)

والوجه في الرئاسة كونها لطفا للخلق ، لقبح تكليفهم العقلي من دونها ، لأنا نعلم ضرورة أن وجود الرؤساء المهيبين النافذى الأمر المرهوبي السطوة مقلل للقبيح ومكثر للحسن وأن فقدهم بل ضعفهم بعكس هذه القضية.

وإذا علم كون الرئاسة بهذه الصفة ثبت كونها لطفا فوجبت كسائر الألطاف ، والمخالف في هذا لا يعدوا خلافه أربعة مواضع ، اما أن ينازع فيما ذكرنا من تأثير الرئاسة في الصلاح وحصول الفساد بفقدها ، أو يقدح بما لعله يقع من فساد

__________________

(1) في بعض النسخ : على الراحة ، والظاهر انه تصحيف.

(2) كان في النسخ : في نبوة الشك.

(3) هذه الصفحة من قوله : على ان هذا الاعتذار ، الى هنا تحتاج الى تصحيح ، وهو فرع الظفر بنسخة مصححة ان شاء الله تعالى.

(4) العنوان من المصحح.


عند وجود الرؤساء ، أو بإيثار بعض العقلاء رئيسا دون رئيس ، أو اعتقاد بعض العقلاء حصول الصلاح بفقد الرئاسة.

فان نازع على الوجه الأول قضت المشاهدة عليه ، وحكم بفساد نزاعه عموم العلم للعقلاء بصلاح الخلق بعد الرؤساء وقهرهم المفسدين في الأرض وارهابهم ، وأنه لو خلا مصر واحد من رئيس لم يتوهم صلاحه أبدا وحال المكلفين حالهم من جواز القبيح منهم.

وان نازع على الوجه الثاني لم يقدح في وجوب الرئاسة ، لتعلقه بكونها لطفا في فعل الواجب واجتناب القبيح وليس بملجئ ، لصحة التكليف معه وفساده مع الإلجاء ، فوقوع القبيح عندها لا يمنع من كونها لطفا في اجتنابه كالعلم بالثواب والعقاب المعلوم عموم كونه لطفا لكل مكلف مع وقوع القبائح من العالمين [ بها ] على أن الواقع من القبيح عند وجود الرئاسة لولاها لوقع أضعافه حسب ما يعلمه كل عاقل بمجرى [ يجرى. خ ] العادة ، وما أثر رفع قبيح واحد أو يبعد منه(1) لطف واجب في حكمته سبحانه كوجوب ما أثر رفع سائر القبائح بغير نزاع بين أهل العدل.

وان نازع على الوجه الثالث ، لم يقدح أيضا ، لأن صلاح بعض المكلفين برئيس دون رئيس لا يقدح في جهة وجوب الرئاسة في الجملة ، وانما اختص صلاحه لأمر يرجع اليه لا إلى الرئاسة ، يوضح ذلك أنه لم يصلح الا برئاسة.

وان نازع على الوجه الرابع ، لم يقدح أيضا لأن اعتقاد بعض العقلاء حصول صلاحه بعدم الرئاسة ، لا يمنع من وجوبها من الوجه الذي بينا ثبوته

__________________

(1) في جميع النسخ : يعد منه ، والصحيح ما أثبتناه.


في أوائل العقول لأنه(1) يخص هذا المعتقد وان كان عالما بما للخلق من الصلاح بها ، كما أن اعتقاد المودع والغريم ان عليه ضررا في رد الوديعة وقضاء الدين وله صلاح في الامتناع من ذلك ، وله نفع في الظلم وفي الكذب وعليه ضرر في الإنصاف والصدق(2) لا يخرج رد الوديعة وقضاء الدين عن الوجوب ولا يقتضي حسن الظلم والكذب ، وكذلك حكم الرئاسة وهذا المعتقد.

يوضح ذلك حصول العلم لكل عاقل باختصاص هذا الاعتقاد بالمفسدين في الأرض ، ليتم لهم ما يؤثرونه من الفساد لعدم الرؤساء الذين يصح منهم(3) مع وجودهم ، ولا شبهة في قبح هذا الاعتقاد.

والاعتراض علينا به أو بمن يعلم فسادا في رئاسة فهو يؤثر عدمها لما فيها من الفساد ، ومن هذه حاله غير منكر لرئاسة العادل ، ولذلك يعلمه كل عاقل متمنيا لها ، أو بمن ينكر رئاسة يؤدي ثبوتها الى فساد رئاسته كالمتقدمين على أئمة الهدىعليهم‌السلام جهة إنكارهم لرئاستهم اعتقادهم صلاح أمرهم لعدمها لما يعلمونه من زوال سلطانهم بها وفوت المنافع بثبوتها ولا شبهة في قبح هذا الاعتقاد ، فلا قدح به في وجوب الرئاسة.

يوضح ذلك علمنا به لا أحد(4) من هؤلاء الا وهو متدين(5) بالرئاسة وعاقد أمره وما يرومه من الصلاح بها ، وانما أنكر رئاسة من يعتقد فوت أمانية

__________________

(1) في بعض النسخ : لأمر يخص.

(2) في النسخ :

(3) منعهم. ظ

(4) كذا في النسخ ، والظاهر : انه لا أحد.

(5) في بعض النسخ : وهو مستدبر.


بها ، وهذا خارج عن مقصودنا.

ولا بد من أن يكون الرئيس معصوما ، لأن جهة وجوب الرئاسة كونها لطفا في وقوع الحسن وارتفاع القبيح ، ويعلق هذا اللطف بكون المرؤس غير معصوم فوجب لذلك عصمة الرئيس أو من ينتهي اليه الرئاسات.(1) يقتضي أحد الأمرين كل واحد منهما فاسد ، اما وجود مكلف غير معصوم ولا رئيس عليه وذلك إخلال بواجب ، أو وجود رئيس لرئيس الى ما لا يتناهى ، وكلا الأمرين فاسد ، فثبت ما قلناه.

ولا بد من كونه أفضل الرعية ، لكونه رئيسا لهم في جميع الأشياء ، وحصول العلم الأول بقبح تقديم المفضول على الفاضل فيما هو أفضل منه فيه.

وأيضا فالمعلوم وجوب تعظيم الرئيس على كافة الرعية على وجه لا يستحقه أحد منهم عليه ولا بعض على بعض ، لكونه مفترض الطاعة عليهم ، والتعظيم كاشف عن استحقاق الثواب ، وإذا علمنا استحقاقه منه أعلى المراتب علمنا كونه أكثرهم ثوابا ، وهذا معنى قولنا أفضل.

ان قيل : إذا كان فرض الطاعة عندكم كيفية لشكر نعمة ، فما هي نعمة الرئيس التي لها وجبت طاعته وما وجه تعظيمه في الغاية ، والتعظيم لا يحسن الابتداء به ، قبل(2) الشكر ، وان اقتضى في بعض النعم طاعة فقد يجب الطاعة لا من هذا الوجه بأن يكون المطاع مبينا لمصالح ومفاسد لا تتم الا بطاعته أو

__________________

(1) هنا بياض في بعض النسخ ، قال المؤلف في كتابه تقريب المعارف : ولا يكون كذلك الا بكونه معصوما. فاقتضى ذلك وجوب رجوع الرئاسات إلى رئيس معلوم والا اقتضى وجود ما لا يتناهى من الرؤساء والإخلال بالواجب في عدله تعالى وكلاهما فاسد.

(2) كذا في النسخ ، والصحيح : قيل : الشكر.


رئيسا مستصلحا به الرعية لا يتم صلاحهم الا بطاعته فيجب الطاعة ههنا في حق صلاح المطيع وانتفاء مفاسده وان لم يتقدم له نعمة يقتضي ذلك.

على أن الرئيس يتحمل من كلفة النظر في مصالح الرعية ومعارضهم [ معرضهم. خ ] لما يوجب شكره المقتضى تعظيمه لعظيم ما أوجب طاعته(1) ، فأما تعظيمه فكاشف عن استحقاقه من الثواب ما لا يستحقه أحد من رعيته حسب ما قدمناه ، وذلك يقتضي ثبوت طاعات للرئيس ، استحق بها ذلك لما قبل النصبة أو بها إذا كان تكلفه بأعباء الرئاسة وصبره على تحمل مشاقها من أعظم الطاعات.

ولا بد من كونه أعلمهم بالسياسة ، لكونها اماما فيها ، وقد علمنا قبح تقليد الجاهل ما لا يعلمه وجعله إماما في شي‌ء يفتقر فيه الى من هو امام عليه فيه.

فأما علمه بالأحكام ففرع لكونه حاكما فيها ، وقد علمنا من جهة السمع كون الامام حاكما في جميع المسألة(2) ، فيجب كونه عالما [ بها ] لقبح تكليف الحكيم(3) بما لا يعلمه مكلفة.

وعلمنا من جهة كونه منصوبا للأمر بكل معروف والنهي عن كل منكر ، وذلك يقتضي علمه بالجميع ، لأن الأمر بالشي‌ء والحمل عليه بالقهر فرع العلم بوجوبه ، والنهي عن الشي‌ء والمنع منه بالقهر فرع للعلم بقبحه ، لعلم كل عاقل بقبح الحمل على ما لا يعلم وجوبه ، والمنع مما لا يعلم قبحه.

وليس لأحد أن يقول : فهذا يوجب كون حكام الإمام في البلاد مساوين له في العلم.

لأن ولاية الحكام خاصة فيما علموه ، وما لم يعلموه مردود الى الامام ليحكم

__________________

(1) تعظيما أوجب طاعته. ظ.

(2) في بعض النسخ : الملة.

(3) الحكم ، كذا في بعض النسخ.


فيه أو ينص على الحكم ، وليست هذه حال الامام لكونه إماما في جميع الأحكام وأما كونه أشجع ، ففرع لكونه إماما في الحرب ، وقد علمنا من جهة السمع كون الإمام إماما في الجهاد ، فيجب كونه أشجع الرعية بل شجاعا لا يجوز عليه الجبن ، لكونه فئة يفزع اليه ، فلو جاز عليه الجبن(1) ولم يؤمن من هزيمة(2) فيؤدي إلى فساد لا يتلافى ، ألا ترى ثبوت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يومي أحد وحنين مع انهزام جميع أصحابه الا نفرا يسيرا على وجه لم يجر العادة بمثله ، ولو فرضنا هزيمته ـ والعياذ بالله ـ لاقتضى ذلك فسادا في الدين لا يستدرك ، وهذه حال أمير المؤمنين والحسنينعليهم‌السلام في بلواهم بحروب يقتضي هزيمة الجمع العظيم من الشجعان ، ثبتوا فيها حتى نصروا أو استشهد من استشهد منهم.

ويجب كونه أزهدهم وأعبدهم لكونه قدوة في الأمرين.

وإذا أوجب كون الرئيس بهذه الصفات فلا بد من تميزه بإظهار المعجز على يديه ، أو النص على عينه بقول من قد علم صدقه بالمعجز ، من حيث علمنا تعذر العلم بمن هذه صفاته بشي‌ء غير نص علام الغيوب سبحانه بالمعجز أو ما يستند اليه من نص الصادق عليه سبحانه ، فبطل لذلك مذهب القائلين بالاختيار والدعوة والميراث.

ويبطل هذه المذاهب أن تعليق الإمامة بالاختيار يقتضي بطلان الإمامة أو وجود عدة أئمة أو فسادا لا يتلافى ، من حيث كان اتفاق أهل الاختيار على اجتماع أهل الأقاليم في مكان واحد واتفاقهم على اختيار واحد كالمتعذر ، لعدم الداعي اليه والباعث عليه ، ووقوف الاختيار على أهل كل إقليم ، يقتضي وجود عدة

__________________

(1) في بعض النسخ : الخوف.

(2) هزيمته.


أئمة ، والإجماع بخلاف ذلك ، وفساد الجميع يسقط الإمامة ، وثبوت إمامة أحد المختارين إثبات ما لا حجة يقتضي صحته ، وهو مع ذلك مؤد إلى فساد لا يتوهم صلاحه ، بأن يعتقد أهل كل إقليم ان الذي اختاروه هو أحق بالإمامة من كل مختار ، وأنه يجب على كل مكلف الانقياد له والا يفعل فهو خارج عن الواجب يجب جهاده ، وفي هذا من الفساد ما لا يتلافى ، فبطل كون الاختيار طريقا إلى الإمامة.

وبمثل هذا بعينه يبطل كون الدعوة طريقا إلى الإمامة دعوى جماعة من بني فاطمةعليها‌السلام يتكامل لهم الصفات في وقت واحد فاما القول بامامة الكل أو إطراح دعوى الكل مع فساد الأمرين(1) أو [ وظ ] القول بامامة مدع دون مدع مع عدم الدلالة المميزة له من غيره ظاهر الفساد ، وهو مقتض لما بيناه من اعتقاد أهل كل إقليم صحة امامة من يليهم دون من عداه مع ما في ذلك من الفساد الذي لا يتوهم صلاحه.

ويبطل الدعوة أيضا كون الإمامة موقوفة على مجرد الدعوى العرية من برهان ومعلوم فساد هذا بأوائل العقول.

ولان مثبت هذا المذهب لا يسنده الى دليل عقلي ولا سمعي ولا شبهة في فساد ما لا دليل عليه.

وأما الميراث فعرى من حجة على كونه طريقا إلى الإمامة عقلية ولا سمعية ، ولأنه يقتضي اشتراك النساء والرجال والعقلاء والأطفال والعدول والفساق في الإمامة كاشتراكهم في الإرث ، والإجماع بخلاف ذلك.

وإذا بطلت الطرق المدعاة عدا النص والمعجز ثبت تخصيص معرفة الإمام بهما.

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : مع تساوى الأمرين.


ولان القول بأن الدعوة أو الميراث طريق إلى الإمامة حادث بعد انقراض زمن الصحابة والتابعين وأزمان بعدها خالية منه ، ولا شبهة في فساد ما هذه حاله من المذاهب.

وأيضا وكل من قطع بوجوب ما بيناه من الصفات للإمام قطع بفساد الاختيار والدعوة والميراث ، وإذا كانت الصفات المعتبرة ثابتة بالبرهان لحقت هذه الفتيا بها في الصفة(1) ، إذ كان الفرق بينهما خروجا عن مقتضى الأدلة وخارقا للإجماع.

وهذه الصفات متكاملة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وللأئمة من ذريته الحسن والحسين والتسعة المعينين من ولد الحسين صلوات الله عليهم أجمعين ، لأن كل من أثبتها للإمام خص بها هؤلاء المذكورين ، وإذا كانت ثابتة بالبرهان لحق الثاني بالأول.

وأيضا فلا أحد قطع ثبوتها لأحد عداهم ممن ادعيت إمامته بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والى الان ، فوجب لذلك القطع بفساد إمامتهم أجمع ، لارتفاع القطع بثبوت مالا يكون الإمام إماما من دونه لواحد منهم ، كما يجب مثله لو لم يقطع بثبوت عدالتهم من حيث كانت العصمة شرطا في الإمامة كالعدالة ، فإذا بطلت امامة من عداهم وجب لذلك القول بإمامتهم أو فساد مدلول الأدلة.

وأيضا فلا أحد ادعيت إمامته دونهم الا وقعت منه القبائح أو قرفته(2) الأمة بها أو بعضها ، وحال من ذكرناه بخلاف ذلك ، لأنه لم يتمكن أحد ممن والاهم أو عاداهم من عيبهم بشي‌ء بغير(3) ثابتا ولا متحرصا(4) وهذا معنى

__________________

(1) في بعض النسخ : في الصحة.

(2) في جميع النسخ : فرقته ، والظاهر ما أثبتناه.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : يعير.

(4) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : متخرصا.


المعصوم ، إذ لا مشارك لهم في ذلك إلا الأنبياء ، فوجب لذلك القول بإمامتهم ، ولا يقدح فيما اعتبرناه ما تدين به الخوارج فيهم ، لان الخوارج تقدح في عدالتهم بما وضح برهان حسنه ، وأجمع المسلمون على ذلك فيه ، وكلامنا مختص بتنزيههم عما يثبت قبحه. يوضح ذلك تدين كثير من العقلاء بضلال الأنبياءعليهم‌السلام وكذبهم في دعويهم ولم يقدح هذا الاعتقاد في صدقهم وعلو منزلتهم من حيث أسند إلى مجرد الاعتقاد المعلوم فساده بالحجة.

ومما يدل على إمامتهم صلوات الله عليهم قوله تعالى( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (5) فأمر من لا يعلم بسؤال أهل الذكر ليعلم ، ولم يخص ذلك بشي‌ء ، دون شي‌ء ، وذلك مقتض لعلم المسئولين بكل شي‌ء يسئلون عنه معصومين فيما يفتون به ، لقبح الأمر بمسألة من لا يعلم ما يسئل عنه ، وعدم العلم لفتيا من يجوز عليه الخطاء عن قصد أو سهو ، وإذا ثبت كون أهل الذكر المأمور بمسألتهم في الآية بهاتين الصفتين ثبت تخصيصهما بالمذكورين ، لأنه لا أحد قال بذلك في الآية الأخص بها المذكورين.

وان شئت قل : لا أحد أثبت الصفتين لأحد عداهم ، وكل من أثبتها للمذكورين قال بإمامتهم.

ولان فتياهم إذا كان موجبا للعلم وجب الاقتداء بهم فيه ، لحصول الأمان من زللهم ، دون من لا يوجبه فتياه ولا يؤمن فيه الضلال ، ووجوب الاقتداء بهم برهان إمامتهم ، وبهذا الاعتبار يسقط قول من زعم أن أهل الذكر في الآية هم اليهود والنصارى ، أو القراء ، أو الفقهاء ، لانتفاء الصفتين الثابتتين لأهل الذكر عن كل واحد من هؤلاء باتفاق.

ويدل أيضا على إمامتهم قوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ

__________________

(5) سورة النحل ، الاية : 43 وسورة الأنبياء ، الاية : 7.


وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (1) فأوجب سبحانه طاعة أولى الأمر على الوجه الذي أوجب طاعته تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله على كل مكلف حاضر لنزول الاية وناشى‌ء الى انقضاء التكليف وفي كل أمر ، فيجب عموم طاعة اولى الأمر كذلك ، لوجوب إلحاق المعطوف بحكم المعطوف عليه ، وذلك مقتض لامامتهم ، إذ لا أحد وجبت طاعته على هذا الوجه الا من ثبتت إمامته بعد الرسول ، ولا أحد قال بذلك في الآية الأخص بها عليا والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسينعليهم‌السلام ، ولان عموم طاعتهم مقتض لعصمتهم ، لأنه لو جاز عليهم القبيح مع إطلاق الأمر بطاعتهم في كل شي‌ء لكان ذلك أمرا بالقبيح المتعذر منه تعالى ، وإذا ثبتت عصمة اولى الأمر ثبت توجه الآية الى من عيناه ، لأنه لم تثبت هذه الصفة لأحد ولا ادعيت له عداهم.

وان شئت قلت : لا أحد قال بذلك في الآية الأخص بها من ذكرناه.

ولأن الأمة في الآية رجلان : قائل انها في أمراء(2) السرايا عن ولاية أبي بكر وعمر وعثمان وعليعليه‌السلام خاصة ، وقائل انها في أئمة الهدىعليهم‌السلام ، وقد علمنا اختصاص طاعة اولى الأمر بمن ولو عليه ، وبما كانوا أمراء فيه ، وبالزمان الذي اختصت به ولايتهم ، وطاعتهم كما ترى خاصة من كل وجه ، فطاعة [ وطاعة ظ ] اولى الأمر في الآية عامة من كل وجه ، فيجب لفساد أحد القولين صحة الأخر ، وصحته تقتضي امامة المذكورينعليهم‌السلام .

وقد كان بعض من لا بصيرة له قدح في عموم طاعة اولى الأمر ، بأن قال : عموم طاعته سبحانه ورسوله غير مستفاد من الآية ، وانما يعلم بدليل غيرها ، فيجب اقامة دليل من غير الظاهر على عموم طاعة اولى الأمر.

__________________

(1) سورة النساء ، الاية : 59.

(2) أمر ، كذا في النسخ. ولعل الصحيح ما أثبتناه.


فأجبنا أن مطلق الأمر بالطاعة يقتضي تناوله لكل مخاطب في كل زمان وأمر ، وانما يفتقر التخصيص إلى دلالة ، وإذا كان هذا معلوما من مطلق كل خطاب ، وعطف بأولى الأمر على ما تقدمت دلالة الخطاب على عمومه ، وجب إلحاقهم به. وبأنا لو سلمنا أن عموم طاعته سبحانه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله معلوم بدليل غير الآية ، لم يقدح ذلك في مقصودنا ، من حيث كان المخاطب العالم بعموم الطاعتين إذا قيل له أطع الله ورسوله فهم بما تقدم له من الدلالة عموم الطاعة ، فإذا عطف على هذه الطاعة بأولى الأمر وجب عليه إلحاقهم في عموم الطاعة بما تقدم له العلم بعمومه وخوطب به.

ويدل أيضا على إمامتهمعليهم‌السلام قوله تعالى( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (1) فأخبر سبحانه قاطعاً بأن الرد الى اولى الأمر يقتضي العلم بما يستنبطه الراد إليهم ، كاقتضائه مع الرد الى الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك يقتضي صفتي العلم والعصمة لأولي الأمر حسب ما أوجبناه في أية أهل الذكر ، وذلك يقتضي تخصيص الآية بأئمتنا ، ووجوب الاقتداء بهم ، وثبوت إمامتهم حسب ما رتبناه فيما سلف.

ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) (2) يعني الاقتداء بهم ، إذ الأمر بالكون معهم في المكان لا فائدة فيه ، وذلك يقتضي وجوب الاقتداء بهم في كل شي‌ء ، لأنه سبحانه يخص(3)

__________________

(1) سورة النساء ، الاية : 83.

(2) سورة التوبة ، الاية : 119.

(3) كذا في النسخ. ولكن قال في تقريب المعارف : ومنها قوله تعالى( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ ) فأمر باتباع المذكورين ولم يخص جهة الكون بشي‌ء دون شي‌ء فيجب اتباعهم في كل شي‌ء.


شيئا من شي‌ء ، ولا يحسن الأمر بالاقتداء على هذا الوجه مع جواز القبيح على المقتدى به ، وإذا ثبت عصمة الصادقين ثبت توجه الخطاب الى ما ذكرناه لما بيناه من الاعتبار.

ولأنه تعالى وصف المأمور بأتباعهم بالصدق عنده سبحانه ، وذلك مانع من توجهه الى من يجوز عليه الكذب ، لان جوازه يمنع من القطع بالصدق عند الله ، وإذا ثبت عصمتهم بهذا الاعتبار أيضا ثبت تخصيص الذكر في الآية بأئمتناعليهم‌السلام .

ولأنه سبحانه وصفهم بالصدق فمنع ذلك من كذبهم ، من حيث كان حصوله منهم يقتضي وصفهم به وذلك مناف لخبره تعالى.

فكأنه سبحانه فيما أمر به من مسألة أهل الذكر وطاعة اولى الأمر والرد إليهم والاقتداء بالصادقين ، أمر بمسألة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجة المهديعليهم‌السلام وطاعتهم والرد إليهم والاقتداء بهم بأسمائهم وأعيانهم ، إذ لا فرق بين أن ينص على الأسماء المخصوصة ، أو على الصفات المختصة بالمسمين ، بل النص على الصفات أظهر في الحجة ، لحصول الاشتراك في الأسماء ، وانتفائه في الصفات المختصة ، وإذا كان لو نص على إمامتهم والاقتداء بهم بأسمائهم وأنسابهم لم يحصل على قلب مكلف ريب في أمرهم ، وكان النص على الصفة المختصة أظهر في الحجة ، وجب لنصه عليها ارتفاع الشك في إمامتهم.

ويدل على ذلك من جهة السنة ما اتفق عليه نقلة(1) الشيعة وفي نقلهم الحجة ، ورواه أصحاب الحديث من غيرهم ، ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في غير موطن : « اني

__________________

(1) اتفق على نقله الشيعة.


مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض » وقال في مقامات : « مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها وقع في النار » وفي رواية « هلك » وفي رواية « غرق » وقال في مواضع أخر : « مثل أهل بيتي فيكم كباب حطة من دخله كان آمنا ».

ووجه الحديث الأول ، أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر على جهة الاخبار بالتمسك بكتاب الله وعترته ، وخص المرادين من العترة بصفة يقتضي عصمتهم ، هي أمان المتمسك بهم من الضلال ، إذ لو كان الخطاء جائزا على المتمسك لم يكن المتمسك آمنا من الضلال ، ولأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بينهم وبين الكتاب المهيمن على كل حجة في وجوب التمسك ، وذلك مقتض لكونهم حججا يجب الاقتداء بهم كالكتاب ، ولأنه صلوات الله عليه وعليهم أوجب التمسك بهم في كل شي‌ء ببرهان إطلاق التمسك من غير تخصيص ، ولمساواته في ذلك بينهم وبين الكتاب الذي يجب التمسك بجميعه ، وذلك مقتض للاقتداء بأقوالهم وأفعالهم المتعلقة بالتكليف ، وهذا معنى فرض الطاعة الذي لا يستحقه إلا الامام وهو دال أيضا على عصمتهم لما بيناه من ان عموم الاقتداء يقتضي عصمة المقتدى به.

ووجه عموم الحديثين(1) الثاني والثالث ، انهصلى‌الله‌عليه‌وآله نص على نجاة متبع أهل بيته وأمانه من الضلال ، وذلك برهان عصمتهم ، إذ لو جاز عليهم الخطاء لم يكن القطع بنجاة متبعهم وأمانه من الضلال ، وثبوت عصمتهم مقتض لامامتهم لأنه لا أحدا فرق بين الأمرين ، وثبوت هذه الأمور فيمن تعلق به مقتضى الاخبار دليل على تخصيصها بمن عيناه من الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم دون سائر الذرية ، لأنها لم يثبت لأحد عداهم ولا ادعيت له.

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : ووجوب جهة عموم الحديثين.


ويدل أيضا على إمامتهمعليهم‌السلام عموم العلم لكل مخالط بنباهة(1) قدرهم في البأس ، وعظم [ قدر. خ ] منزلتهم عند الولي والعدو ، وتعظيم الشيعة لهم ، وترشيحهم لامامة الأنام ، وتدين أوليائهم بذلك فيهم ، وكثرة أعدائهم له(2) من قريش المتغلبين أولا وآخرا على خلافة الإسلام وأعوانهم عليها ، واجتهاد الكل في الغض منهم ، واضافة وصمة إليهم ، ثابتة أو متخرصة ، وسلامة أعراضهم من ذلك ، وبراءة ذمتهم منه عند الكل ، وشهادة الجميع بضلالة من قرفهم بشي‌ء من القبائح ، وهذا برهان عصمتهم وكونهم حججا حبس الله الألسن عن التحرز(3) عليهم ما يقدح في وقارهم ارادة منه سبحانه وتعالى للاحتجاج بهم على خلقه.

ومما يدل على إمامتهمعليهم‌السلام بظهور(4) علمهم في العقليات والشرعيات والآداب وتبريزهم في ذلك على أهل الأعصار ، وحاجة الكل إليهم واستغنائهم عنهم ، وثبوت حجتهم فيه على كل مشار اليه من علماء مخالفيهم ، واستمرار ذلك في الأزمان والأعيان ، وسلامته من التقصير عند المعضلات ، والعجز عند المشكلات ، مع فقد العلم والظن بأحد يضافون اليه بتعليم ، أو ينسبون اليه بتفهيم ، مع دعوى شيعتهم بنبوتهم(5) بذلك(6) من جميع الأيام(7) .

__________________

(1) بنهاية.

(2) كذا في نسخ.

(3) كذا في بعض النسخ وفي بعضها الأخر التحرض ، ولعل الصحيح : التخرص.

(4) كذا.

(5) كذا في النسخ.

(6) في بعض النسخ : وبذلك.

(7) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : الأنام.


واجتهاد ملوك الأزمنة من أعدائهم في تكذيبهم ، وتوفر دواعيهم إلى إظهار تخرصهم ، لما في ثبوته من فساد أمرهم ، ولزوم الحجة لهم ، وتعذر ذلك على مر الزمان والى الان ، برهان واضح على كونهم حججا لله تعالى وحفظة لدينه ، لوقوف ذلك التخصيص عليه سبحانه كالأنبياءعليهم‌السلام ، إذ لم تجر العادة في أحد تقدم في علم وبرز فيه ، الا ومن يضاف اليه معروف ، ومن ينسب تعلمه منه مشهور ، ومع ذلك فقصوره عن كثير من الأجوبة ظاهر وعجزه عند المعضلات حاصل ، وانقطاعه حين المناظرة ثابت.

ويدل على إمامتهمعليهم‌السلام ما حصل من تعظيمهم بعد الوفاة من الدائن بإمامتهم والمخالف فيها ، وقصد مشاهدهم من أطراف البلاد ، والخضوع لتربهم ، والتوسل الى الله بحقهم ، والعياذ بها من جبابرة الزمان ، والامتناع بذمتها من أهل الطغيان ، مع ارتفاع الرجاء والخوف عاجلا بشي‌ء من ذلك ، وحصول ضد هذه القضية في المتغلبين عليهم في إمامة الأيام(1) مع علو سلطانهم وكثرة أعوانهم ، وخمول ذكرهم بعد الوفاة واندراس قبورهم بعد الممات ، من الولي الدائن بخلافتهم فضلا عن العالم بضلالتهم ، وهذا برهان واضح على منزلتهم عند الله وثبوت حجتهم لديه.

ومما يدل على إمامتهمعليهم‌السلام ثبوت النص من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن كل منهم على الذي يليه في الحجة وهو على ضربين :

أحدهما نص على العدد المخصوص كقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله للحسينعليه‌السلام : « أنت إمام ، ابن إمام ، أخو إمام ، أبو أئمة حجج تسع ، تاسعهم قائمهم أعلمهم أحلمهم أفضلهم » وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « عدد الأئمة بعدي عدد نقباء موسى ». وحديث اللوح ، وحديث الصحائف وحديث الخضرعليه‌السلام ، وأمثال ذلك مما نقله محدثوا العامة ، وأطبق

__________________

(1) الأنام


عليه ناقلوا الإمامية ، ولا أحد قال بهذا العدد المخصوص الا خصه بما ذكرنا.

والضرب الثاني نص كل امام منهم على ولده من بعده ، وورود هذا الضرب من النص في نفس(1) الإمامية متواتر يقتضي ثبوته.

من أراد الوقوف على ذين الضربين من النص فليتأمل ظرف ( كنا ) النقل وما أورده من ذلك شيوخنارضي‌الله‌عنه .

ويدل على إمامتهمعليهم‌السلام ظهور المعجزات على أيديهم كظهورها على أيدي الأنبياءعليهم‌السلام ، وطريق العلم بها تواتر الشيعة الإمامية بظهورها على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأعيان الأئمة من ذريته صلوات الله عليهم ، كتواتر الناقلين لمعجزات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يعلم ذلك من حالهم كل متأمل لنقلهم ، فاذا ظهرت المعجزات على أيديهم مقترنة بدعواهم للإمامة ، وثبت النص من الله تعالى بها عليهم زال الريب في ثبوتها لهم.

ويدل أيضا على إمامتهم صلوات الله عليهم حصول العلم لكل مخالط لهم وسامع لأخبارهم ، بدعواهم الإمامة في أنفسهم ، وكونهم حججا لا يسع أحدا مخالفتهم ، وتدينهم بضلال المتقدم عليهم ومن اتبعه ، وظهور هذه الدعوى من(2) شيعتهم فيهم وفي(3) من خالفهم ، وصريح فتياهم بذلك واحتجاجهم له مع اختصاصهم بهم ، وحمل حقوق الأموال إليهم ، وأخذ معالم الدين عنهم وتدينهم بتخصيص الحق بفتياهم ، وضلال من خالفها ، مقتض لثبوت هذه الدعوى ، والحكم بصحتها ، إذ لو كانوا كاذبين فيها أوجب الحكم بضلالهم ، ولا أحد من الأمة يعتد بقوله يذهب الى ذلك فيهم ، وخلاف الخوارج قد بيّنا

__________________

(1) في بعض النسخ : نفوس.

(2) في بعض النسخ : وشيعتهم.

(3) في بعض النسخ : ومن مخالفيهم.


سقوطه فيما سلف.

وإذا ثبت امامة من ذكرناه وعصمتهم وكونهم أعلم الأمة المأمور بالاقتداء بهم ، وجب ثبوت باقي الصفات لهم من الفضل على الرعية والتقدم عليها في الشجاعة والعبادة والزهد ، ويلزم لذلك اتباعهم والأخذ عنهم والقطع على فساد امامة من عداهم وضلال المفتي بخلافهم ومن اتبعهم متدينا بامامة أولئك وصحة فتياها و(1) لذهاب الكل عن الحق الواضح ببرهانه.

ولا يقدح فيما ادعيناه من ظهور المعجزات عليهم دعوى المعتزلة ومن وافقها في ذلك ، لان(2) المعجز موضوع لإبانة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من غيره ، وليسوا بأنبياء ، وكون ذلك منفرا عن النظر في معجز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لتجويز ظهوره على من ليس بنبي.

لان ثبوتها بالنقل المتواتر تسقط هذه المعارضة من حيث كان ثبوت الشي‌ء فرعا لجوازه.

ويؤكده أيضا حصول اليقين بظهور المعجزات على من ليس بنبي.

فمن ذلك أم موسى( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) (3) ففعلت ما أمرت به ، وهذا يقتضي ظهور المعجز لها من وجهين : أحدهما الوحي وهو معجز ، والثاني انهاعليها‌السلام لا يجوز ان تقدم على جعل ولدها في التابوت وطرحه في اليم الا بعد اليقين بأن الأمر لها بذلك هو القديم سبحانه

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة الواو.

(2) كذا في النسخ.

(3) سورة القصص ، الاية : 7.


ولا سبيل الى ذلك الا بظهور معجز تعلم به ان الخطاب المتضمن لذلك وحي منه سبحانه ، وأم موسى ليست بنبي.

ومن ذلك ظهوره لمريم في عدة مواضع : منها نزول الرزق عليها من السماء حسب ما أخبر به سبحانه بقوله( كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ : يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ) (1) ولا شبهة في أن نزول الرزق من السماء معجزة ، ومنها معاينة الملك المبشر لها بالمسيحعليه‌السلام في صورة بشرى ، ومنها كلام المسيح لها من تحتها في حال الولادة في قوله تعالى( فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ) (2) وكلام الطفل معجز ، وتساقط الرطب من النخلة اليابسة حسب ما ورد في التفسير معجز ، ومنها نطق المسيحعليه‌السلام ببراءة ساحتها في قوله تعالى( فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ) (3) وهو معجز متكامل الشروط لكونه خارقا للعادة عقيب دعواها برأيه ساحتها من فعله سبحانه.

ومن ذلك قوله سبحانه( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (4) فاتى به كذلك وهذا معجز باهر لوصي سليمانعليه‌السلام

ومن ذلك ما أجمع المسلمون عليه من ظهور المعجزات على تلاميذ

__________________

(1) سورة آل عمران ، الاية : 37.

(2) سورة مريم ، الاية : 24.

(3) سورة مريم ، الاية : 30 ـ 29.

(4) سورة النحل ، الاية : 40.


المسيحعليه‌السلام وليسوا بأنبياء.

ولا انفصال من ذلك بقولهم ان معجز آصف لسليمان ، والتلاميذ للمسيح ، لان المعلوم تخصيص المعجز بمن ذكرناه تصديقا لهم وتشريفا دالا على علو منازلهم عنده سبحانه ، ولا يجوز العدول به عنهم.

وبعد فما له منعوا من ظهور المعجز على من ليس بنبي يقتضي المنع من ظهوره على من انتفت عنه النبوة ، فإذا ثبت ظهوره على من ذكرنا وليسوا بأنبياء سقط معتمدهم.

على أنهم إذا أجازوا ظهور المعجز على غير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونسبته إلى نبي الوقت أو الملة(1) جاز لنا مثل ذلك في أئمتنا ، لكونهم أوصياء رسول الله وحفظة شرعه كآصف من سليمان والتلاميذ من عيسى ، بل هم أعلى رتبة عند الله وأجل منزلة.

فأما كون المعجز موضوعا للابانة فمعنى ذلك ابانة الصادق من الكاذب ، والمرجع في صفته إليه ، فإن كان صالحا فقط لم يدع نبوة ولا امامة ، وان كان اماما حسب لم يدع نبوة ولا رسالة ، وان كان نبيا لم يقتصر على ما دونها ، من حيث كان المعجز مؤمنا من كذبه لتعلقه بمقدور من لا يجوز عليه تصديق الكذاب ، وتجويز ذلك لا يقتضي النفير عن النظر في معجز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لان مدعى النبوة لا بد أن يخوف من ترك النظر في معجزة بفوت ما أرسل به من المصالح ، وليست هذه حال من يظهر على يديه من الأئمة والصالحين ، لأنهم لا يخوفون من فرق شريعة(2) .

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : لأنهم لا يخافون من ترك الشريعة ، ولعل الصحيح : لا يخوفون من فوت شريعة.


على أن المعجز عندنا لا يظهر الا على من لنا في تمييزه بظهوره عليه وتصديقه به مصلحة ، أما الأئمةعليهم‌السلام فقد بينا كونهم حججا في التكليف العقلي وألطافا فيه ، ذوي صفات لا يمكن تمييزهم [ لها. خ ] الا بمعجز أو نص يستند اليه وحفظة للشرع ، وكونهم كذلك يقتضي كونهم على أحوال لا يمكن تعيينهم لها إلا بأحد الأمرين ، فجاز ظهور المعجزات عليهم في حال ووجوبها(1) في أخرى ، وتعين فرض النظر فيها عند تخويفهم كتعينه في معجزات الأنبياء. وأما الصالحون فليعلم الناظر في معجزاتهم كونهم كذلك عند الله تعالى فيتولاهم ظاهرا وباطنا ، وإذا شارك الأئمة والصالحون الأنبياءعليهم‌السلام في حصول المصلحة بمعرفتهم وفوتها(2) للجهل بهم تعين فرض النظر في إعلامهم كتعينه في إعلام الأنبياء ولم يقتض ذلك تنفيرا عنه في موضع دون موضع(3) ، إذ التنفير انما كان يحصل لو جوزنا ظهور المعجز على من لا مصلحة لنا في العلم بصدقه ، فأما والحال بخلاف ذلك فشبه الخصم ساقطة.

ولا يقدح في شي‌ء مما علمناه من صحة إمامتهمعليهم‌السلام امساكهم عن المطالبة بحقوقهم للمتقدمين عليهم ، وانقيادهم إليهم في الظاهر ، وكفهم عن الأمور المختص فرضها بهم : من جهاد وأمر ونهى ومظاهرة الأعداء وإظهار فتيا ، لان قيام البرهان بصحة إمامتهم وعصمتهمعليهم‌السلام يقتضي الحكم على جميع أفعالهم وتروكهم بالحسن ، كما يقطع بمثل ذلك في أفعال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتروكه لثبوت عصمته.

ولان ما ذكرناه وما لم نذكره من الاعتراضات انما يتعين عليهم بشرط تكامل

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) في بعض النسخ : فوقها وهو تصحيف ظاهرا.

(3) كذا في النسخ.


شروط الأمر والنهى دون اختلال شي‌ء منها ، فلا يصح الاعتراض لشي‌ء(1) من ذلك ممن لم يثبت تعين فرضه بتكامل شروط الأمر والنهى لهم وهيهات ، على أن اختلاف(2) شروط الأمر والنهى فيهم معلوم لكل من عرف حالهم مع المتقدمين عليهم والمتغلبين على أمور المسلمين ، وأن جميعهم وكل واحد منهم غير آمن مع لزومه منزلة(3) وانقطاعه عن شيعته ، فكيف بما زاد على ذلك من المحاربة ومدافعة ذي العدد الكثير من الظالمين.

وبما قدمناه من الأدلة وحل الشبه(4) يسقط سؤال من يعترض في امامة صاحب الزمانعليه‌السلام ، أو يقدح بغيبته في وجوده ، من حيث كان ما قدمناه من الأدلة على امامة أعيان الأئمة ، دالة على إمامتهعليه‌السلام كدلالتها على امامة آبائهعليه‌السلام .

ولان المخالف في إمامتهعليه‌السلام لا يعدوا أن يكون مسلما لامامة آبائهعليه‌السلام تسليم جدل أو دين ، أو منازعا فيها ، فان كان منازعا وجب الاشتغال معه بإيضاح الأدلة عليها وحمل امامة صاحب الزمانعليه‌السلام عليها ، وان كان مسلما لها سقط خلافه في إمامتهعليه‌السلام ، لأنه لا أحد من الأمة أثبت امامة آبائه ونازع في إمامته.

ولان المعلوم من دينهم القول بإمامة الثاني عشر والنص على إمامته وصفة غيبته ، فصار لذلك العلم بإمامتهمعليهم‌السلام علما بإمامته ، كما ان العلم بنبوة نبينا علم بوجوب صلاة(5) الخمس وصوم الشهر وحج البيت ، فكما لا يصح القول بنبوته مع الشك في هذه العبادات كذلك لا يصح القول بإمامة آبائهعليهم‌السلام مع

__________________

(1) بشي‌ء.

(2) كذا في النسخ ، والظاهر : اختلال.

(3) هذه الكلمة موجودة في بعض النسخ ، ولعل الصحيح : منزلة.

(4) الشبهة ، كذا في بعض النسخ.

(5) في بعض النسخ : صلوات.


الشك في إمامتهعليه‌السلام .

وإذا كانت إمامتهعليه‌السلام ثابتة كآبائه وجب تكامل الصفات الواجبة للإمام له من العصمة والفضل والعلم والعبادة والزهد والشجاعة واقتضى لذلك(1) الحكم لغيبته وما يتبعها في عدم فتياه وارتفاع ما يتعلق به فرضه مع الإمكان من جهاد واقامة حد وقبض حق بالحسن ، إذ لا فرق في العلم بحسن الفعل والإخلال بين أن يعلم ذلك مفصلا وبين أن يستند الى اختيار من لا يجوز عليه اختيار القبيح. ولهذا حكمنا لجميع ما خلقه القديم سبحانه وأراده وفعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودعيا(2) اليه بالحسن ، ولما كرهاه(3) بالقبح ، لقيام البرهان على حكمته سبحانه وعصمة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يحتج الى تفصيل الوجه في ذلك.

وقد تبرع شيوخنارضي‌الله‌عنه وتبرعنا بيان الوجه الحكمي في جميع ما يسأل عنه المخالف في امامة صاحب الزمانعليه‌السلام وغيبته كما تبرعوا وتبرعنا بمثل ذلك في شبه التوحيد والعدل والنبوة ،(4) الوقوف(5) عليه في مواضعه يغني إيراده ههنا ، إذ كانت الجملة التي عقدناها كافية في ثبوت الحجة في امامة صاحب الزمانعليه‌السلام وسقوط ما يعترضها من الشبهة. والمنة(6) لله تعالى.

__________________

(1) ذلك ، كذا في بعض النسخ.

(2) في بعض النسخ : دعا.

(3) في بعض النسخ : كرهه.

(4) في بعض النسخ : النبوات.

(5) في بعض النسخ : والوقوف.

(6) في بعض النسخ : والمشية.


التكليف السمعي



فصل في بيان التكليف السمعي

التكليف الشرعي على ثلاثة أضرب : عبادات ومحرمات وأحكام.

والعبادات على ضربين : مفروض ومسنون ، ولكل وجه يجب امتثاله له

فوجه الفرائض كون فعلها لطفا في الواجب العقلي واجتناب القبيح ويقبح(1) تركها ، لأنه ترك الواجب(2) .

وجهة السنن كونها لطفا في المندوب العقلي ، ولم يقبح تركها كما لم يقبح ترك ما هي لطف فيه.

وجهة قبح(3) المحرمات كون فعلها مفسدة داعيا إلى قبائح العقول ، وصارفا عن واجباتها ، ويجب اجتنابها لأنه اجتناب القبيح.

ووجه الأحكام ليعلم المكلف الوجه الذي له يحسن التصرف فيقف(4) . عليه ويجتنب ما عداه ، فتكليفه فيها راجع الى العبادات من وجه والى المحرمات

__________________

(1) في بعض النسخ : وقبح تركها.

(2) في بعض النسخ : ترك لواجب.

(3) في جميع النسخ هكذا : وجهه وقبح المحرمات. والظاهر ما أثبتناه.

(4) في جميع النسخ : فيقفه.


من آخر ، على ما نذكره.

وقلنا ذلك لأنه لا بد لكل شي‌ء حسن أو قبيح من وجه له كان كذلك لو لا ذلك لم يكن ما حسن بالحسن أولى من القبح ، ولا ما قبح بالقبح أولى من الحسن ، فلا يخلو أن يكون الوجه كونها كذلك كالصدق والإنصاف والظلم والكذب ، أو الأمر والنهى(1) على ما يقوله المجبرة ، أو كون ذلك شكر النعمة على ما يقوله بعض أهل العدل ، أو كون الترك في العبادات مفسدة وفي القبائح مصلحة ، أو ما يقوله من كون فعل العبادات مصلحة وفعل القبائح مفسدة.

والقسم الأول ظاهر الفساد لأنه يقتضي أن يكون كل من علم الصلاة أو الزكاة علم وجههما وان(2) لم يختلف وجوبهما وقبح القبائح في الأزمان والأعيان كالصدق والكذب ، والمعلوم خلاف ذلك.

والقسم الثاني فاسد أيضا من حيث وجب كون المأمور على صفة لها حسن الأمر به قبل تعلق الأمر والنهى على صفة لها حسن النهى عنه قبل تعلقه به ، وذلك مانع من وقوف وجه الحسن على الأمر والقبح على النهى ، وانما كشف الأمر والنهى منه سبحانه عن حسن المأمور وقبح المنهي لكونه تعالى حكيما لا يأمر بقبيح ولا ينهى عن حسن. ولأن الأمر والنهى لو اقتضيا الحسن والقبح لاقتضيا ذلك في كل موضع ، فكان يقبح الصدق النهى عنه ويحسن الكذب للأمر به ، والمعلوم خلاف ذلك. ولأن صحة الأمر والنهى فرع للعلم بصدق الرسول الموقوف على النظر الواجب عن الخوف من فوت المصالح وتعلق المفاسد الحاصل قبل فعله ، فوقوف حسن الشرائع وقبحها على الأمر والنهى

__________________

(1) في بعض النسخ : أو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

(2) في بعض النسخ : علم وجههما إذ لم يختلف وجوبهما. ولعل الصحيح :

وان لا يختلف.


يسد طريق العلم بصحتها على ما قررناه.

والثالث أظهر فسادا من حيث كان الشكر الاعتراف بالنعمة والخضوع لفاعلها وتعظيمه ، وهذه الحقيقة أجنبية من أفعال الشريعة وتروكها ، ولان شكره تعالى واجب على كل مكلف في كل حال ذكر ، والشرعيات بخلاف ذلك ، لاختصاص تكليفها بمكلف دون مكلف ، وزمان دون زمان. وليس لأحد أن يقول : فالعبادات لا تصح الا بعد أن تكون فاعلها معترفا بنعمة تعالى خاضعا بها له سبحانه ، لان ذلك من شرائط صحتها كالطهارة وستر العورة والنية وليس بوجه لها.

والرابع أبعد من الصحة لأن التعبد والنص والإشارة والتعيين توجهت الى فعل العبادات كالصلاة والزكاة ، والمحرمات كالزنا وشرب الخمر ، دون تركها ، ولو كان الترك هو المعتبر في التكليف لوجب توجه النص والتعيين اليه دون الفعل ، إذ هو المقصود.

فثبت ان الوجه ما ذكرناه.

ولأنه سبحانه قد نص على ذلك بقوله( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ ) (1) و ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) (2) وهذا صريح بكون الصلاة صارفة عن القبيح والخمر والميسر صارفان(3) عن الحسن.

وقلنا بما ذكرناه في الأحكام ، لان مريد النكاح متى لم يعلم الوجه الذي يقع عليه العقد الشرعي لم يحل له الوطي ، وكذلك مريد البيع والابتياع مع

__________________

(1) سورة العنكبوت ، الاية : 45.

(2) سورة المائدة ، الاية : 91.

(3) في بعض النسخ : صارفا.


الجهل بالعقد الشرعي ، وكذلك القول في الإرث متى جهل الحكم له يحل له التصرف في الموروث ، فهو إذا متعبد بإيقاع العقد أو الفرقة على الوجه المشروع ، وعلى هذا يجري الحال في جميع الأحكام ، ورجوعها في التحقيق الى قبيل العبادات من وجه ، والتروك الشرعية من آخر ، من حيث كان امضاءها على خلاف ما قرره الشرع مكروها له سبحانه.

وإذا كان الوجه ما ذكرناه وجب على من كلف شيئا من الأفعال الشرعية أو تروكها أن يفعل ويترك الوجه(1) الذي شرع ، إذ هو المقصود متقربا به اليه سبحانه ، ولا يكون كذلك ولما يكون طائعا(2) فيه بامتثال مراده سبحانه في جميع صفاته وشروطه وأفعاله وتروكه عامدا في حاله(3) باعترافه بنعمة سبحانه وخضوعه له سبحانه ، وذلك فرع للعلم بما قدمناه من المعارف ، فمتى اختل شرط من هذه لم يكن فعله ولا اجتنابه عبادة ولا مصلحة.

__________________

(1) كذا في جميع النسخ ، والظاهر : للوجه.

(2) في جميع النسخ : طائفا والظاهر : ما أثبتناه.

(3) في بعض النسخ : حالة.


باب تعيين العبادات

العبادات عشرة : الصلوات ، وحقوق الأموال ، والصيام ، والحج ، والوفاء بالنذور والعهود والوعود ، وبر الايمان ، وتأدية الأمانات ، والخروج من الحقوق ، والوصايا ، وأحكام الجنائز ، وما تعبد(1) الله سبحانه لفعل الحسن والقبيح ، ولكل من هذه العبادات أحكام وشروط ، وينقسم أكثرها إلى أفعال وتروك ، وينقسم كل منهما الى مفروض ومسنون ، ويعم تكليف بعضها ويخص بعض ، مع عموم العلم بجملها(2) لكل مكلف في كل حال من حيث كان التصديق بها من جملة الايمان وتعذره في الحقيقة من دون العلم ، والعلم بالتفصيل موقوف على البلوى بالعمل ، وفرض العلم بصلاة الخمس يتعين(3) في الأيام والمكلفين عدا النفساء والحائض فلزم لذلك العلم بتفصيلها لوقوف صحة العمل على العلم بالمعمول ، وما عداها من العبادات العمل بها والعلم بتفصيل أحكامها موقوف على البلوى ، وان كان العلم بالتفصيل مندوبا اليه على كل حال

__________________

(1) في بعض النسخ : وما يعبد الله.

(2) في النسخ : بحملها ، والظاهر ما أثبتناه.

(3) في بعض النسخ : بتعيين.


لكون كل مكلف معرضا للبلوى بكل منها ومجوزا ذلك في زمان يضيق عن العلم بتفصيل ما بلى به.

ان قيل : ما القول في من تعين عليه العمل بأحد هذه العبادات في زمان يضيق عن تحصيل العلم بها؟

قيل : يلزم هذا المكلف اجتناب العمل مع الجهل به والشروع في النظر في الطرق الموصلة إلى العلم به ، فاذا علمه فكان(1) مما يصح أداؤه في الأوقات كالحج والزكاة فليؤده في المستقبل ، وان كان مما يختص بوقت ويجب قضاءه بخروجه كالصوم فخرج ولما يكمل العلم به عن تفريط منه فهو مأزور يلزمه التوبة والقضاء ، وان كان ممتثلا ما وجب عليه من النظر في ابتداء تعين فرضه ومجتهدا في فعله في جميع أحوال إمكانه ، فلا تبعة عليه ولا قضاء يلزمه ، وان كان مما يتعلق بوقت يسقط فرضه بخروجه كالفطرة وصلاة العيد فهو مأزور مع التفريط بواجب النظر ، تلزمه التوبة ، وان لم يكن مفرطا فلا شي‌ء عليه.

__________________

(1) كذا في النسخ.


باب بيان حقيقة الصلاة وضروبها

الصلاة الشرعية تشتمل على ثلاثة أشياء : أحكام ، وشروط ، وكيفية ، ويتبعها شيئان : أحكام السهو فيها ، والقضاء لما يلزمه قضاؤه من فوائتها.

فالأحكام صفات الصلاة وهي على ضربين : أفعال كالقراءة والركوع والسجود ، وتروك ، كالكلام والعبث.

والشروط ما به تتم الصلاة ، ومن حقها أن تكون منفصلة عنها كرفع الحدث بالطهارة وستر العورة.

والكيفية : ما يجب كون المصلي عليها في حال قيامه وركوعه وسجوده وجلوسه منفردا وجامعا ، مختارا ومضطرا.

والسهو : انتفاء العلم والظن بما فعله المصلي أو تركه.

والقضاء : فعل مثل الفائتة بخروج وقته.

والصلاة على ضربين : مفروض ومسنون ، والمفروض سبع صلوات : صلاة الخمس ، وصلاة الجمعة ، وصلاة العيدين ، وصلاة الكسوف ، وصلاة الجنائز ، وصلاة الطواف ، وصلاة النذر. والمسنون ستة عشر صلاة(1) صلاة نوافل الجمعة ، ونوافل شهر رمضان. وصلاة الغدير ، وصلاة المبعث

__________________

(1) صلاة النوافل اليومية و. ظ.


وصلاة نصف شعبان ، وصلاة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وصلاة جعفرعليه‌السلام ، وصلاة فاطمةعليه‌السلام ، وصلاة الإحرام ، وصلاة الزيارات ، وصلاة الاستخارة ، وصلاة الحاجة ، وصلاة الشكر ، وصلاة الاستسقاء ، وصلاة تحية المسجد.

باب تفصيل أحكام الصلاة الخمس

الواجب فعله من أحكام الصلاة أحد عشر شيئا : عدد ركعاتها ، وتكبيرة الإحرام ، والقراءة ، والركوع ، والتسبيح فيه ، والسجود ، والتسبيح فيه ، والجلوس للتشهدين ، والشهادتان فيهما ، والصلاة على محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله والتسليم.

فالفرض الأول على ضربين : تمام وتقصير ، والتمام سبع عشرة ركعة : الظهر أربع ركعات ، والعصر كذلك ، والمغرب ثلاث ، وعشاء الآخرة أربع ، والغداة ركعتان. والتقصير إحدى عشرة ركعة : الظهر ركعتان ، والعصر كذلك والمغرب ثلاث ، وعشاء الآخرة ركعتان ، والفجر ركعتان.

وفرض التمام يختص الحاضر ، والمسافر في معصية ، والمسافر للعب والنزهة ، والمسافر أقل من بريدين ـ وهما أربعة وعشرون ميلا ـ ومن سفره أكثر من حضره كالجمال(1) والمكاري والبادي ، ومن عزم من المسافرين على الإقامة عشرا ، والتقصير فرض من عداهم.

فان قصر المتم أعاد على كل حال ، وهو مأزور مع القصد ، وان تمم المقصر(2) مع العلم والقصد أعاد على كل حال ، وان كان عن سهو أو الجهل ببعض الأحكام أعاد في الوقت.

__________________

(1) في بعض النسخ : كالحمال.

(2) في بعض النسخ : القصر.


ويلزم التقصير لمكلفه إذا غاب عنه أذان مصره. فان دخل مصرا له فيه وطن فنزل فيه فعليه التمام ولو صلاة واحدة ، فان لم ينزله أو لم يكن له فيه وطن فعزم على الإقامة عشرا تمم ، وان لم يعزم على هذه المدة قصر ما بينه وبين شهر ثم تمم ولو صلاة واحدة.

والفرض الثاني لا يجزى فيه غير قول المصلي : الله أكبر ، دون سائر الأذكار ، ومن حقه إيجاب المضي في الصلاة ، وتحريم ما كان مباحا قبلها مما ليس في أفعالها أو أذكارها ، فإن أخل به المصلى عن سهو أو عمد فسدت صلاته ولزمته الإعادة ، وان شك فيه وهو في حال القيام قبل القراءة فليفعله ، وان شك بعد ما قرأ أو الى آخر الصلاة فلا يلتفت الى شكه ، وان علم أو ظن إخلالا به بعد القراءة والى آخر الصلاة فعليه إعادة الصلاة.

والفرض الثالث يجب مضيقا في الركعتين الأوليين من الرباعيات والمغرب وفي صلاة الغداة والتقصير الحمد وسورة مع الإمكان ، والحمد وحدها مع الاضطرار ، وعلى جهة التخيير في الركعتين الآخرتين من الرباعيات وثالثة المغرب بين الحمد وحدها وبين ثلاث تسبيحات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله(1) .

ومن شرط القراءة وصحة الصلاة فعلها من قيام مع الإمكان.

ويلزم الجهر بها في أولتي المغرب وعشاء الآخرة وصلاة الغداة وببسم الله الرحمن الرحيم في أولتي الظهر والعصر في ابتداء الحمد والسورة التي تليها ، والإخفات في باقي الركعات فمن جهر بحيث يجب الإخفات أو خافت بحيث يجب الجهر قاصدا بطلت صلاته ، وان كان عن سهو أو لتقية فصلاته ماضية وان جهر بحيث يجب الجهر جهرا شديدا فقد خالف السنة ، وان خافت بحيث

__________________

(1) في بعض النسخ : والله أكبر.


يجب الإخفات بما لا تسمعه أذناه فسدت صلاته.

ومن حق القراءة أن يكون بلسان العرب المعرب ، فان عبر عن القرآن بغير العربية أو لحن في قراءته عن قصد بطلت صلاته ، وان كان ساهيا فعليه سجدتا السهو.

ولا يجوز أن يقرأ في فريضة بسورة من عزائم السجود وهي أربع : تنزيل السجدة ثم حم السجدة ، والنجم ، واقرأ باسم ربك الذي خلق ، لأن في هذه السور سجودا واجبا ان يفعله تبطل الفريضة بالزيادة فيها وان لا يفعله يخالف الواجب.

ولا يجوز أن يقرأ مع فاتحة الكتاب بعض سورة ، ولا أكثر من سورة.

ويكره قراءة طوال السور في الفرائض خوفا من فوت الفضل بأول الوقت ، فان خيف خروجه لقراءتها وجب تحري غيرها من قصار السور.

والفرض الرابع يجب فعله شرعيا على ما نبينه في باب الكيفية ، فإن أخل المصلي بركوع واحد عن سهو أو عمد أو واقعة [ أوقعه ظ ] على غير صفته بطلت صلاته.

وان شك وهو قائم فلم يدر أركع أم لم يركع فليركع ، وان ذكر بعد ما ركع أنه قد كان ركع فليسجد من غير أن يرفع رأسه وصلاته ماضية ، فان رفع رأسه من الركوع بعد الذكر فسدت صلاته لزيادته فيها ركوعا ليس منها [ فيها ظ ] وهو مأزور. وان كان ذكره للركوع بعد ما رفع رأسه فعليه الإعادة دون الإثم. وان شك فيه وهو ساجد لم يلتفت الى شكه. وان علم أو ظن ترك الركوع في حال السجود والى آخر الصلاة فعليه الإعادة.

والفرض الخامس ثلاث تسبيحات على المختار ، وتسبيحة على المضطر ، أفضله سبحان ربي العظيم وبحمده ، ويجوز سبحان الله ، فإن أخل بالتسبيح عامدا


فسدت الصلاة ، وان كان ساهيا فالصلاة ماضية.

والفرض السادس يلزم على سبعة أعضاء : الجبهة والكفين والركبتين وأطراف أصابع الرجلين على ما نبينه في باب الكيفية. فإن تعمد ترك سجدة واحدة أو سها عن سجدتين من ركعة فسدت صلاته. وان سها عن سجدة فذكرها قبل أن يركع الركعة التي تلي حال السهو أرسل نفسه وسجدها فان لم يذكرها حتى ركع فليمض في صلاته ، فاذا سلم سجدها قاضيا وسجد سجدتي السهو.

وان شك وهو جالس فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟ أسجد واحدة أم اثنتين؟ فليسجد ما شك فيه. فان ذكر بعد ما سجد أنه قد كان سجد ، فكان بما(1) فعله مكملا سجدتين فصلاته صحيحة وان كان زائدا عليها أعاد الصلاة. وان شك بعد ما نهض لم يلتفت الى شكه ، وان تيقن أو ظن فحكمه ما قدمناه.

والفرض السابع كالخامس ، ولفظه الأفضل : سبحان ربي الأعلى وبحمده ، ويجوز سبحان الله.

والفرض الثامن واجب أولا وثانيا على الصفة التي نبينها ، فإذا أخل به عامدا فسدت الصلاة ، وان كان ساهيا فذكر الأول قبل أن يركع أو الثاني قبل ان ينصرف وجلس فتشهد فلا شي‌ء عليه ، وان كان لم يذكر الأول حتى ركع الثالثة ، أو الثاني حتى انصرف عن مقام الصلاة ، فعليه قضاؤه وسجدتا السهو.

والفرض التاسع والعاشر لازم في الجلوس الأول والثاني ، فإن تعمد المصلي الإخلال بشي‌ء منه فيهما فسدت صلاته ، وان سها عنه فالصلاة ماضية وقضاءه في الصلاة وما بقي على طهارتها أفضل.

والفرض الحادي عشر : السلام عليكم ورحمة الله يعني محمدا وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) في بعض النسخ : ما فعله.


والحفظة ، وان كان منفردا بالصلاة فتسليمه(1) واحدة تجاه القبلة ويشير بها ذات اليمين ، وان كان إماما فواحدة تجاه القبلة عن اليمين ، وان كان مأموما فواحدة ذات اليمين واخرى ذات الشمال.

والواجب تركه في الصلاة اثنا عشر شيئا : الكلام بما ليس من جنس أذكارها ، والقهقهة ، والبكاء من غير خشية الله ، والقي‌ء ، وكثير العبث ، وقطع الصلاة لما لا يخاف معه على النفس ، واحداث ما ينقض الطهارة ، والصلاة مع فقد التحصيل ، والصلاة على صفة مع التمكن من الزيادة عليها ، والالتفات الى دبر القبلة ، وصلاة الرجل الى جانب المرأة والمرأة إلى جانب الرجل.

فمتى تعمد المصلي فعل شي‌ء من هذه فسدت صلاته ، وان تكلم ساهيا فصلاته ماضية وعليه سجدتا السهو ، وان قطع الصلاة وانصرف ساهيا ، أو أحدث ساهيا ، أو صلى على صفة يتمكن مما زاد عليها ساهيا بطلت صلاته.

والمسنون فعله من أحكام الصلاة اثنا عشر شيئا : الأذان والإقامة للمنفرد والتوجه ، وتكبير الركوع والسجود ، والقنوت ، وما زاد في الركوع على الواجب ، وما زاد في السجود على الواجب ، والذكر بعد الركوع ، والذكر بين السجدتين ، وبعدهما ، وما زاد في التشهدين على الواجب ، والتعقيب ، والتعفير.

والأذان ثمانية عشر فصلا : الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، اشهد أن لا إله إلا الله مرتان ، اشهد ان محمدا رسول الله مرتان ، حي على الصلاة مرتان ، حي على الفلاح مرتان ، حي على خير العمل مرتان ، الله أكبر مرتان ، لا إله إلا الله مرتان. والسنة فيه رفع الصوت به ، وترتيل كلمه ، والوقوف على أواخر الفصول ، ويجوز الكلام فيه وفعله على غير طهارة وتجاه القبلة ودبرها وفي حال

__________________

(1) فتسليمة. ظ.


القيام والجلوس والمشي ، وفعله على طهارة وفي حال القيام واستقبال القبلة أفضل.

والإقامة سبعة عشر فصلا : الله أكبر ، الله أكبر ، فصلان وباقي الفصول(1) الأذان ، ويقول المقيم بعد حي على خير العمل : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله مرة واحدة. والسنة فيها حدر الكلم وموالاة الفصول ، وأن لا تفعل الا على طهارة في حال القيام تجاه القبلة ولا يتكلم فيها بما لا يجوز مثله في الصلاة.

ولا يجوز أن يؤذن ويقام إلا لفريضة من الخمس بعد دخول وقتها ، ومن شروطها الترتيب على الوجه الذي بيناه وتسكين أواخر فصولهما ، والسنة أن يفرق بينهما بسجدة أو جلسة أو دعاء أو خطوة أو صلاة ركعتين إلا في صلاة المغرب فإنه لا يجوز الفرق بينهما الا بدعاء أو خطوة.

فأما التوجه فهو ما تفتتح به الصلاة من التكبير والدعاء ، وصفته أن يقول المتوجه بعد الفراغ من الإقامة ـ ويداه مبسوطتان تجاه وجهه ـ : اللهم إني أتوجه إليك وأتقرب إليك بمن أوجبت حقهم عليك : آدم ومحمد ومن بينهما من النبيين والأوصياء والحجج والشهداء والصالحين وآل محمد المصطفى : علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة بن الحسن ، اللهم فصل عليهم أجمعين واجعلني بهم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ، اللهم اجعل صلاتي بهم مقبولة وعملي بهم مبرورا وذنبي بهم مغفورا وعيبي بهم مستورا ودعائي بهم مستجابا مننت اللهم(2)

__________________

(1) في بعض النسخ : فصول الأذان.

(2) في بعض النسخ هكذا : وامنن الله بهم على معرفتهم.


على بمعرفتهم فاختم لي بطاعتهم وولايتهم واحشرني عليها(1) وجازني على ذلك الفوز بالجنة والنجاة من النار برحمتك يا أرحم الراحمين.

ثم يكبر ثلاث تكبيرات ، يرفع بكل منها يديه تجاه وجهه ، ثم يبسطهما ويدعو : اللهم أنت الملك الحق لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءا وظلمت نفسي ففزعت إليك تائبا بما(2) جنيت(3) فصل على محمد وآله واغفر انه لا يغفر الذنوب إلا أنت يا أهل التقوى وأهل المغفرة.

ثم يكبر تكبيرتين ، ويدعو بعدهما : لبيك وسعديك والخير كله لديك والشر ليس بمنسوب إليك أو من بك وأتوكل عليك وأومن برسولك وبما جاء به من عندك فصل على محمد وآله وزك عملي بطولك وتقبل مني بفضلك

ثم يكبر تكبيرة ، ثم ينوي الصلاة ويكبر تكبيرة الافتتاح مصاحبة للنية ويقول بعدها :( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ) مسلما على ملة إبراهيم ودين محمد وولاية أمير المؤمنين والأئمة من ذريتهما الطاهرين( حَنِيفاً ) (4) ( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا ) من( الْمُسْلِمِينَ ) .

وأما التكبير فلكل ركعة من صلاة المتم والمقصر خمس تكبيرات ، تكبيرة للركوع وأربع للسجود ، وخمس تكبيرات للقنوت ، لكل صلاة تكبيرة.

والسنة في كل منه رفع اليدين تجاه الوجه و [ ان ] لا يتجاوز بالأصابع شحمتي الأذنين.

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : واحشرني معهم وجازنا.

(2) في بعض النسخ : مما.

(3) في بعض النسخ : جئت.

(4) ليست في بعض النسخ كلمة : حنيفا.


وأما القنوت فموضعه بعد القراءة من الركعة الثانية وقبل الركوع ، يكبر له تكبيرة ، ثم يبسط يديه تجاه القبلة ويدعو : لا إله إلا الله الحليم الكبير(1) لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السماوات السبع(2) والأرضين السبع وما فيهن وما بينهن ورب العرش العظيم وسلام على المرسلين والحمد لله العالمين اللهم صل على محمد وآله الطاهرين واغفر لي وارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين.

ومسنون الذكر في الركوع : اللهم لك ركعت ولك خشعت ولك أسلمت وبك آمنت ، خشع لك لحمي ودمي وعظمي وشعري وبشري وما أقلت الأرض مني ، سبحان ربي العظيم وبحمده أربع ، مضافة الى الثلاث الواجبة.

ومسنون الذكر بعد الركوع قوله حين يرفع رأسه منه : سمع الله لمن حمده ، وإذا استوى قائماً قال : الحمد لله رب العالمين أهل الكبرياء والعظمة والجبروت(3) .

ومسنون الذكر في السجود : اللهم لك سجدت وبك آمنت وعليك توكلت ، سجد وجهي البالي الفاني لوجهك الدائم الباقي ، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره ، تبارك الله أحسن الخالقين ، سبحان ربي الأعلى وبحمده أربعا مضافة الى الثلاث الواجبة.

ومسنون الذكر بين السجدتين : اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وعافني واعف عني رب اني لما أنزلت إلى من خير فقير.

ومسنونة بعد السجود قوله حين ينهض : بحول الله وقوته أقوم وأقعد.

ومسنون الذكر في التشهد الأول : بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء

__________________

(1) الكريم.

(2) ورب.

(3) في بعض النسخ : وأهل الجود والجبروت.


الحسنى كلها لله ، لله ما طاب وزكا ونما وخلص ، وما خبث فلغير الله. وبعد الشهادتين : أرسله بالهدي ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.

ومسنون الذكر في التشهد الثاني : التحيات لله والصلوات الزاكيات الناميات المباركات الغاديات الرائحات لله ما طاب وخلص ، وما خبث فلغير الله. وبعد الشهادتين : أرسله بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة وداعيا اليه باذنه وسراجا منيرا. وبعد الصلاة على محمد وآله : اللهم صل على ملائكتك المقربين وعلى أنبيائك والمرسلين وعلى أهل طاعتك أجمعين واخصص اللهم محمدا وآله بأفضل الصلاة والتسليم ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على محمد وآله المصطفين ثم تسلم التسليم الواجب.

وأما التعقيب فهو ثلاث تكبيرات يرفع لها اليدين ويقول : لا إله إلا الله وحده وحده صدق(1) ونصر عبده وأعز جنده وغلب الأحزاب وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شي‌ء قدير يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويرزق من يشاء بغير حساب ، ويسبح تسبيح الطاهرة(2) عليها‌السلام . ويدعو بما سنح له من الدعاء ، ولكل صلاة دعاء مخصوص.

والتعفير بعد الفراغ من التعقيب يطرح(3) المعفر نفسه على الأرض و

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر هكذا : وصدق وعده ونصر عبده.

(2) تسبيح الزهراءعليها‌السلام ، كذا في بعض النسخ.

(3) بطرح.


يضع جبهته موضع سجوده ويقول : اللهم إليك توجهت وإليك قصدت وبفنائك حللت وبمحمد وآله تقربت وبهم توسلت وبهم استشفعت فصل عليهم أجمعين وعجل فرجهم واجعل فرجنا مقرونا بفرجهم ، ثم يضع خده الأيمن موضع سجوده ويقول : اللهم ارحم ذلي بين يديك وتضرعي إليك ووحشتي من الناس وانسي بك يا كريم يا كريم يا كريم. ثم يضع خده الأيسر موضع الأيمن ويقول : لا إله إلا الله حقا حقا لا إله إلا الله ايمانا وصدقا(1) لا إله إلا الله تعبدا ورقا اللهم ان عملي ضعيف فضاعفه لي يا كريم يا كريم يا كريم.

ثم يضع جبهته موضع خده ويقول شكرا شكرا ، مائة مرة أو ما تيسر ، ثم يرفع رأسه ويمسح بيده اليمنى موضع تعفيره ويمسح بها وجهه وصدره.

فإن أخل بشي‌ء من هذه السنن أخل بفضل ونقص ثوابه ، وصلاته ماضية ، والإتيان بجميعها أفضل وأكمل لثوابه.

المكروه فعله : يسير العبث ، والتبسم ، والتجشي(2) والتنخع والبصاق والاستنثار والتنخع(3) وإدخال اليدين في الكمين وتحت الثياب أشد كراهية والتطبيق ووضع اليمين على الشمال وتفريج الأصابع في غير الركوع والجمع بين القدمين وإتيان الصلاة ناعسا ومتكاسلا ومشغول الفكر وحاقبا(4) وحازقا(5) وحاقنا ومشدود اليدين ومعقوص الشعر والاعتماد على ما يجاور المصلي من الابنية.

__________________

(1) وتصديقا.

(2) وكذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : التحشى بالحاء ، والظاهر التجشؤ.

(3) كذا في بعض النسخ ، ولعل الصحيح : التنخم.

(4) كذا في بعض النسخ وفي بعضها الأخر : حافيا ، والصحيح هو الأول.

(5) في بعض النسخ : حاذقا.


فان فعل شيئا من هذه التروك أخل بفضل ونقص ثوابه بحسب ما فعل ، وان اجتنب جميعها كان أكمل لثوابه.

فصل في تعيين شروط الصلاة

شروط الصلاة التي تصح بتكاملها وتبطل بالإخلال بواحدها عشر :

الإسلام ، ورفع الأحداث ، وتأديتها في الوقت ، والتوجه إلى القبلة ، والنية ، وستر العورة ، وطهارة الجسم ، وطهارة اللباس ، واعتبار محل القيام ، واعتبار محل السجود.

بيان الشرط الأول : العلم بهذا الشرط في صحة الصلاة وغيرها من العبادات ، لاقتصار(1) صحة العبادة إلى شروط قد بيناها يستحيل حصولها مع الكفر.

الشرط الثاني : العلم بهذا الشرط يتعلق بفصول أربعة :

أولها تعيين الأحداث ، وثانيها ذكر المزيل لها وأحكامه ، وثالثها صفة الطهارة منها ، ورابعها طهارة الضرورة.

الفصل الأول

الأحداث المانعة من الصلاة الموجبة للطهارة حال البلوى تسع : البول ، والغائط ، والريح ، وما يفقد معه التحصيل ، والجنابة ، ودم الحيض ، ودم الاستحاضة ودم النفاس ، ومس الميت. ولا حكم لما عدا ذلك. فمتى حدث شي‌ء من هذه صار المكلف محدثا ممنوعا من الصلاة ومس المصحف وأسماء الله تعالى بالجميع ، وبأحداث الغسل من الجلوس في المسجد ، ويكره فيما عداها.

__________________

(1) كذا في جميع النسخ ، والظاهر : لافتقار.


والأربع الأول ترفع بالوضوء ، ولا ترتفع منفردة إلا به ، والخمس الأخر يفتقر لارتفاعها الى الغسل ، ولا ترتفع الا به على كل حال.

ويلزم مريد البول أن يعتزل الناس ويتقى الأرض الصلبة ، واستقبال الريح والقبلة وقرصي الشمس والقمر ، وما نقص من المياه المحصورة عن الكر ، والآبار جملة ، ويكره له البول في الجحرة وسائر المياه ، فاذا فرغ منه فليمسح من تحت الأنثيين إلى أصل القضيب بإصبعه(1) وينتره الى رأس الحشفة مرارا ثم يغسل مخرجه بالماء ، ولا يجزيه مع وجوده غيره ، وأقل ما يجزى منه ما أزال عين البول عن رأس فرجه.

ويلزم مريد الغائط أن يتوارى عن الناس ويتقى مواضع اللعن ، ولا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها ، ولا قرصي الشمس والقمر. فاذا قضى حاجته فليمسح مخرج النجو بثلاثة أحجار ، ويجزيه ذلك عن الماء ما لم يتعد النجو مخرجه ، والماء أفضل ، والجمع بينهما أفضل ، فإذا تعدى لم يجز [ في ] إزالته غير الماء.

فأما حدث النوم وما يجرى مجراه فإنما يكون حدثا عند عدم التحصيل.

وحدث الريح يحصل بإدراك الصوت أو الريح المعهودين ، ولا يحتاج بحدثهما الى الاستنجاء ، لأنه لا شي‌ء هناك يفتقر إلى إزالته.

وأما حدث الجنابة فيكون بشيئين : إنزال الماء الدافق في النوم واليقظة وعلى كل حال.

والثاني بالجماع في الفرج(2) وان لم يكن هناك إنزال.

والحيض هو الدم الحادث في أزمان عادته(3) أو الأحمر الغليظ الحار

__________________

(1) في بعض النسخ : ينشفه وينتره.

(2) في بعض النسخ : بالفرج.

(3) كذا.


في زمان الالتباس وأقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام ، وأقل الطهر عشرة أيام وأكثره ثلاثة أشهر.

والنساء في الحيض ثلاث : ذات عادة مستقرة ، ومختلطة ، ومبتدئة.

فاما ذات العادة المستقرة في الحيض والطهر وكل(1) دم تراه في زمان الحيض فحيض وان كان رقيقا ، وكل دم تراه في أيام طهرها فهو استحاضة وان كان غليظا حارا. وان كانت عادتها مختلفة في الحيض مستقرة في الطهر فكل دم تراه في أقل العادة وأكثرها حيض وفي الطهر دم استحاضة ، فإن كانت عادتها في الحيض مستقرة ومختلفة في الطهر فكل دم تراه في أقل عادتها في الطهر فهو استحاضة وما تراه بعدها ان كان غليظا حارا فهي حائض(2) وان كان رقيقا باردا فهي استحاضة الى أن تبلغ غاية عادتها في الطهر ثم هي حائض.

وأما المختلطة فهي التي لا تعرف زمان حيضها من طهرها ، ففرضها أن ترجع إلى عادة نسائها ، فتحيض بأيام حيضهن وتستحيض بأيام طهرهن ، فان لم تكن لها نساء تعرف عادتهن اعتبرت صفة الدم ، فإذا أقبل الدم الأحمر الغليظ الحار فهي حائض ، وإذا أدبر الى الرقة والبرودة والاصفرار فهي مستحاضة ، فإن كان الدم بصفة واحدة تحيضت في كل شهر سبعة أيام واستحاضت باقيه.

وأما المبتدئة فيلزمها إذا رأت الدم ان تشدد وتصوم وتصلي فإن انقطع الدم لأقل من ثلاث فليس بحيض ، وان استمر ثلاثا فهي حائض ، وكل دم تراه بعدها الى تمام العشرة فهو حيض ، فإن رأت بعد العشرة دما فهي مستحاضة إلى تمام العشر الثاني فإن رأت بعده دما رجعت الى عادة نسائها ، فتممت

__________________

(1) فكل دم. ظ.

(2) في بعض النسخ : فهو حيض.


استحاضتها أيام طهرهن ، وتحيضت أيام حيضهن الى أن تستقر لها عادة.

ويلزم(1) الحائض أن يمنع زوجها نفسها ، ويجب عليه اعتزالها ، فاذا طهرت ـ وعلامة طهرها أن تحمل قطنة وتصبر عليها زمانا وتخرج نقية ـ فتغتسل.

وأما الاستحاضة فهو الدم الحادث في زمان الطهر المعهود والمشروع ويلزم المرأة ان كان رشحا أن تتوضأ لكل صلاة وتغير الشداد ، وان كان ينقب(2) الشداد ولا يجرى فعليها ان تغتسل لصلاة الفجر وتتوضأ لباقي الصلوات ، وان كان ينقبه(3) ويجرى عليه فعليها ثلاثة أغسال : غسل للفجر ، وغسل للظهر والعصر ، وغسل للمغرب والعشاء الآخرة ، فاذا فعلت المستحاضة ما ذكرناه فهي طاهر يجب عليها ما يجب على الطاهر ويحل لها ومنها ما يحل لها ومنها.

وأما النفاس فهو الدم الحادث عقيب الولادة ، فإذا انقطع عنها في اليوم الثاني أو الثالث اغتسلت وصامت وصلت ، وان استمر بها صبرت عشرا فإن رأت بعد العشر دما فعلت فعل المستحاضة.

ويلزم الحائض والنفساء قضاء الصوم والصلاة(4) .

وأما مس الميت فإنما يكون حدثا إذا كان من الناس(5) بعد برده وقبل تطهيره(6) من غير حائل بين المماس وبشرة الميت.

__________________

(1) وتلزم.

(2) كذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : يثقب ، وهو الظاهر.

(3) يثقبه.

(4) كذا في جميع النسخ ، ولعل الصحيح : لا الصلاة.

(5) في بعض النسخ هكذا : إذا كان المساس بعد برده.

(6) في بعض النسخ : طهره ، وفي بعضها تطهره.


الفصل الثاني

لا يرتفع الأحداث ولا يزول(1) أحكام النجاسات الا بالماء المطلق ، وهو على ظاهر الطهارة حتى تخالطه النجاسة ، فينجس لذلك مياه الآبار وما نقص من المياه المحصورة عن الكر.

ولا ينجس الجاري وما بلغ الكر فما فوقه من المياه المحصورة ، الا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه ، فيهراق ما ينجس من المياه بالتغيير أو قليل النجاسة.

ويطهر البئر بنزح جميع مائها ان كان الواقع فيها خمرا أو منيا أو فقاعا أو بولا أو خرء ما لا يؤكل لحمه أو مات فيها بعير ، فان تعذر ذلك لكثرة الماء تراوح عليها أربعة رجال من أول النهار الى آخره ، وينزح لما عدا ذلك ان يغير(2) ماء البئر له حتى يذهب التغيير ، وان لم يتغير نزح لموت الإنسان سبعون دلوا ، ولموت الفرس والبغل والحمار وما ماثلهم من الحيوان كرا من الماء ، ولموت الكلب والثعلب والشاة والسنور وما كان في قدر شي‌ء من ذلك أربعون دلوا ، ولموت الدجاجة والحمامة وما كان في قدرهما سبع دلاء ، وللفأرة ترفع لوقتها ثلاث دلاء ، فان انتفخت أو انفسخت [ تفسخت خ ] فسبع دلاء ، وللعصفور وما ماثله دلو واحد ، وللحية والعقرب ثلاثة دلاء ، وللوزغة دلو واحد ، ولبول الصبي الرضيع ثلاث دلاء ، فإن أكل الطعام فسبع دلاء فاذا بلغ فأربعون دلوا ، وللعذرة اليابسة عشر دلاء ، فان تقطعت أو كانت رطبة فخمسون دلوا ، ولقليل الدم عشر دلاء ، ولكثيره خمسون دلوا ، بدلو البئر

__________________

(1) في بعض النسخ : تزول.

(2) تغير.


المألوف كائنا ما كان.

فان وقع شي‌ء من النجاسات في مائع غير الماء كالدهن والخل والمرق أو مات فيها حيوان أو لاقى(1) حيوان نجس ، نجست ووجبت اراقة(2) جميعها الا الدهن خاصة ، فإن الاستصباح به جائز.

وان خالط الماء أحد الطاهرات كالورس والزعفران وشبههما فغلب عليه حتى سلبه سمة(3) الماء ، لم يرتفع به الحدث ولم تزل به النجاسة ، وان لم يسلبه سمة(4) الماء فهو على ما كان عليه من التطهير وان تغيرت أحد أوصافه.

فصل في النجاسات

ما يؤثر التنجيس على ثلاثة أضرب : أحدها يؤثر بالمخالطة ، وثانيها بالملاقاة ، وثالثها بعدم الحياة.

فالأول أبوال وخرء كل ما لا يؤكل لحمه وما يؤكل لحمه إذا كان جلالا ، والشراب ، والمسكر ، والفقاع ، والمنى ، والدم المسفوح ، وكل مائع نجس بغيره.

والثاني أن يماس الماء وغيره حيوان نجس كالكلب والخنزير والثعلب والأرنب والكافر.

والثالث أن يموت في الماء وغيره حيوان له نفس سائلة.

ولا حكم لما عدا ما ذكرناه في التنجيس.

__________________

(1) لاقاها.

(2) إراقتها.

(3) في بعض النسخ : تسميته.

(4) تسميته.


الفصل الثالث

الطهارة على ضربين : وضوء وغسل.

وأحكام الوضوء على ضربين : مفروض ومسنون ، فالمفروض منه [ منها ظ ] سبعة أشياء :

النية وحقيقتها العزم عليه بصفاته المشروعة لرفع الحدث واستباحة الصلاة لوجوبه قربة الى مكلفة سبحانه ، وموضعها في ابتدائه ، فإن أخل بها المتوضي أو بشي‌ء من صفاتها فوضوءه باطل.

وغسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن ، ما دارت عليه الإبهام والوسطى من اليد اليمنى عرضا ، بكف من الماء.

وغسل الذراعين من المرفقين إلى أطراف الأصابع ، يبدء الرجل بظاهر الساعد والمرأة بباطنه ، فان زاد في الحد المغسول متدينا ، أو نقص منه ، أو جعل موضع الغسل مسحا ، على كل حال فوضوءه باطل ، وكذلك حكمه ان بدأ بالأصابع وختم بالمرفق.

ومسح مقدم الرأس بثلاث أصابع مضمومة مع الشعر ، ويجزى بإصبع واحد.

ومسح ظاهر القدمين من أطراف الأصابع إلى الكعبين ، ـ وهما موضع معقد الشراك ـ بفضل نداوة الوضوء ، فان مسح غير الجهة المشروعة ، أو استأنف للمسح ماءا جديدا ، أو جعل موضع المسح غسلا على حال ، أو تدين بالزيادة عليها ، بطل الوضوء.

والترتيب ، وهو أن يبدأ بوجهه ثم يده اليمنى ثم اليسرى ثم رأسه ثم رجليه ، فان خالف الترتيب عن قصد أو سهو عاد فرتب ، فان لم يفعل


فلا وضوء له.

والموالاة وهي أن يصل(1) توضيه الأعضاء بعضها ببعض ، فان جعل بينهما مهلة حتى جف الأول بطل الوضوء.

والمسنون وضع الإناء عن اليمين ، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء من النوم مرة ، ومن البول مرة ، ومن الغائط مرتين ، والمضمضة ، والسواك ، والاستنشاق ، وتثنية الغسل في الوجه واليدين ، وذكر الله ، والصلاة على محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والتفرد به.

ولا يجوز له أن يقوم عن مجلس وضوئه الا وهو على يقين من فعله متكامل الواجب فان نهض وهذه حاله لم يلتفت الى شك يحدث. ولا تصح الصلاة إلا بطهارة متيقنة ، فمتى شك فيها استأنفها. ولا يجوز له تثليث الغسل على حال فان ثلث فسد الوضوء.

والأغسال على ضربين : مفروض ومسنون. فالمفروض ثمانية أغسال : غسل الجنابة ، وغسل الحيض ، وغسل النفاس ، وغسل الاستحاضة المخصوصة ، وغسل مس الميت. وجهة وجوب هذه الأغسال الأحداث المذكورة. ويلزم مريدها الاستبراء بحيث يتعين الاستنجاء على كل(2) وغسل ما على الجسم من النجاسة.

وافتتاحها بالنية وهي العزم على الغسل بصفة(3) لرفع الحدث واستباحة الصلاة لوجوبه على الوجه [ وجه ظ ] القربة ، ثم غسل الرأس في الجنابة إلى أصل العنق ثم الجانب الأيمن من العنق الى تحت القدم ، ثم الجانب الأيسر كذلك ، ويختم بغسل الرجلين.

__________________

(1) يوصل توضئه.

(2) في بعض النسخ : على كل حال.

(3) في بعض النسخ : بصفة له لرفع ، وفي بعضها الأخر : بصفة له رفع.


فان ظن بقاء شي‌ء من صدره أو ظهره لم يصل اليه الماء فليتبع(1) بإراقة الماء على صدره وظهره. وان كان على شي‌ء من جسده شعر فعليه تمييزه(2) ليصل الماء إلى البشرة. فإن كان عليه سوار أو دملج أو خاتم أو في وسطه سير(3) فليحركه ليدخل الماء تحته ، وان كان ضيقا لا يتحرك فلينزعه.

والترتيب فيه واجب ، والموالاة غير واجبة.

وإذا فعل ذلك تمت طهارته وجازت(4) له الصلاة ولا يحتاج الى وضوء.

ويستحب أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ثلاث مرات.

فما عدا(5) غسل الجنابة الوضوء واجب في ابتدائه ثم ترتيب غسل الجنابة.

وغسل الميت ، وجهة وجوبه مصلحة الحي وتكرمة المسلم. وصفته : أن يبدء الغاسل فينجى الميت ويوضيه وضوء الصلاة ، ثم يغسل رأسه الى عنقه ، ثم جانبه الأيمن من أصل عنقه الى تحت قدمه ، ثم جانبه الأيسر كذلك ، بالسدر ومائه ، يتولى الغسل واحد والصب آخر ، ثم يغسله ثانية بماء الكافور كذلك من غير وضوء ، ثم ثالثة كذلك بماء قراح.

ويلزم متوليه أن يفتتحه بالنية ، وهي العزم على الوجه الذي بيناه(6) قاصدا تكرمة الميت لوجوبه عليه قربة الى الله تعالى.

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها : فليسبع ، وفي بعضها : فليسع ، ولعل الصحيح.

فليسبغ.

(2) تميزه.

(3) في بعض النسخ : شي‌ء ، والصحيح ما أثبتناه.

(4) في بعض النسخ : لجازت.

(5) كذا في بعض النسخ ، ولعل الصحيح : وفيما عدا.

(6) في بعض النسخ : رتبناه.


وغسل القاصد لرؤية المصلوب من المسلمين بعد ثلاث.

وغسل المفرط في صلاة الكسوف مع العلم به وكونه احتراقا ، وجهة وجوب هذين الغسلين كونهما شرطا في تكفير الذنب وصحة التوبة منه ، فيلزم العزم عليهما لهذا الغرض ، لكونهما مصلحة في التكليف بشرط الإخلاص له سبحانه. ويلزم افتتاحهما بالوضوء ، وترتيبهما بعده كترتيب غسل الجنابة.

وأما الأغسال المسنونة فثلاثون غسلا : غسل الجمعة ، وغسل الفطر ، وغسل الأضحى ، وغسل الغدير ، وغسل يوم المبعث ، وغسل النصف من شعبان وغسل ليلة شهر رمضان ، وغسل ليلة النصف منه ، وغسل ليلة سبع عشرة منه ، وغسل ليلة تسع عشرة منه ، وغسل ليلة احدى وعشرين منه ، وغسل ليلة ثلاث وعشرين منه ، وغسل ليلة الفطر ، وغسل إحرام الحج ، وغسل إحرام العمرة ، وغسل دخول مكة ، وغسل دخول المسجد ، وغسل دخول الكعبة ، وغسل زيارة البيت من منى ، وغسل يوم عرفة ، وغسل دخول المدينة ، وغسل دخول مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وغسل زيارتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وغسل زيارة مشاهد الأئمةعليهم‌السلام ، وغسل صلاة الاستسقاء وغسل صلاة الحاجة ، وغسل صلاة الاستخارة ، وغسل صلاة الشكر ، وغسل التوبة من الكبائر ، وغسل المولود.

ومن السنة من مريد شي‌ء من هذه الأغسال أن يفتتحه بالوضوء والنية ثم ترتبه(1) ترتيب غسل الجنابة. والنية أن يعزم على فعله لصفته المشروعة لكونه لطفا له في المندوب اليه مخلصا به لمكلفه سبحانه. ولا يجوز له فعله وهو محدث حتى يرفع حدثه بطهارته المختصة به ، إذ بها تستباح الصلاة دون الغسل(2)

__________________

(1) في بعض النسخ : ترتيبه.

(2) في بعض النسخ : الغسل المسنون.


الفصل الرابع في فرض التيمم

فرض التيمم يتعين عند عدم الماء ، أو حصول مانع منه من شدة برد ، أو مرض ، أو جرح ، أو عطش(1) أو حصول علم أو ظن بفوت الوقت قبل الوصول اليه ، أو تعذر ما يبتاع به من الثمن ، أو كون الثمن مجحفا به ، أو فقد الملك والاذن فيه ، أو كونه نجسا عند آخر الوقت ، بعد أن يطلبه فاقده أمامه وعن يمينه وعن يساره مقدار رمية سهم في الأرض الحزنة وسهمين في الأرض السهلة.

ولا يصح بغير التراب من جميع الأجناس. وأفضل ذلك عوالي الأرض ، ويجوز من مهادها وبكل تراب طاهر.

وكيفيته : أن يزيل المحدث ما على فرجه وجسده من النجاسة بالتراب وغيره ، ثم يضرب الأرض بيديه جميعا ويرفعهما فينقضهما ويمسح بهما وجهه من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف ، ثم يمسح ظاهر كفه اليمنى بباطن اليسرى من الزند إلى أطراف الأصابع ثم ظاهر اليسرى بباطن اليمنى كذلك. فان كان موجبه حدثا يوجب الغسل ضرب الأرض ضربتين : إحديهما لوجهه والأخرى ليديه. وجميعه واجب. والترتيب شرط في صحته ، ولا بد من افتتاحه بنية حقيقتها العزم على فعله بصفته لتصلي به لوجوبه متقربا به الى الله.

فإذا أوقعه على هذا الوجه جازت له صلاة الليل(2) ما لم يحدث ما ينقض الطهارة ، أو يتمكن من استعمال الماء. وإذا صلى المكلف بتيمم صلاة وخرج عنها ووقتها باق فعليه إعادتها وترتيبها(3) بمقدار ما بقي من الوقت

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : أو خوف عطش ، أو حصول خوف بين المحدث وبينه أو فقد آلة يتمكن بها منه ، أو حصول علم.

(2) كذا في النسخ.

(3) كذا.


فاذا تمكن من استعمال الماء توضأ ان كان حدثه الماضي من أحداث الوضوء أو اغتسل ان كان من أحداث الغسل ، واستقبل الصلاة. ولا(1) اعادة عليه صلاته بتيممه(2) .

الشرط الثالث : يجب العلم بأوقات الصلاة لكونها شرطا في صحتها.

وأول الصلوات صلاة الظهر ، وأول وقتها زوال الشمس ، وعلامة زوالها رجوع الظل ، وآخر وقت المختار الأفضل أن يبلغ الظل سبعي القائم ، وآخر وقت الاجزاء أن يبلغ الظل أربعة أسباعه ، وآخر وقت المضطر أن يصير مثله.

وأول وقت العصر أن يمضي. من الزوال مقدار صلاة الظهر ، وآخر وقت المختار الأفضل إلى آخر أربعة أسباع الظل ، وآخر وقت الاجزاء له أن يصير الظل مثل القائم ، وآخر وقت المضطر أن يبقى من غروب الشمس مقدار صلاة العصر.

وأول وقت المغرب غروب الشمس ـ وهو أفضل ـ وعلامة غروبها اسوداد المشرق بذهاب الحمرة ، وآخر وقت الاجزاء ذهاب الحمرة من المغرب ، وآخر وقت المضطر ربع الليل.

وأول وقت عشاء الآخرة أن يمضي من غروب الشمس مقدار صلاة المغرب ، وتأخيرها الى أن تغيب الحمرة من المغرب أفضل ، وآخر وقت الاجزاء ربع الليل ، وآخر وقت المضطر نصف الليل.

__________________

(1) فلا اعادة.

(2) في بعض النسخ هكذا : ولا اعادة عليه لشي‌ء صلاة بتيممه. والعبارة سقيمة لم اهتد الى صحيحها.


وأول وقت صلاة الفجر البياض المعترض في الشرق(1) وهو الأفضل ، وآخر وقتها أن يبقى من طلوع الشمس مقدار فعلها.

ولا يجوز الصلاة قبل وقتها ، فان صلى قبله قاصدا بطلت صلاته وان كان جاهلا به أو ساهيا عنه ، فان دخل الوقت وهو في شي‌ء منها فهي تجزيه ، وان خرج عنها ولما يدخل الوقت لم تجزه وعليه إعادتها فيه.

وتأديتها في أول الوقت أفضل والثاني أفضل من الثالث ثم هكذا الى آخر الوقت. ولا يجوز تأخيرها عن وقت الى ثان له الا بشرط العزم على أدائها فيه ، فاذا لم يبق من الوقت الا مقدار فعلها تضيق فرض الأداء ولم يثبت العزم الفعل(2) .

وتأخير المختار الصلاة عن وقته الى وقت المضطر تفريط معفو عن تفريطه مؤد غير قاضٍ ، وفعلها بعد الوقت قضاء وليست بأداء ، فإذا كان كذلك لضرورة فلا اثم عليه ، وان كان عن تفريط فهو مأزور ، ويلزمه القضاء والتوبة من تفريطه.

الشرط الرابع : يلزم العلم بالقبلة لكون التوجه إليها شرطا في صحة الصلاة. وهي الكعبة ، وفرض المتوجه إليها العلم بها مع إمكانه والظن مع تعذر العلم ، فمن اقتصر على الظن والعلم ممكن ، أو على الحدس والظن ممكن ، فصلاته باطلة ، وان أصاب بتوجه القبلة. وكذلك حكم من توجه الى غير القبلة قاصدا. ومن توجه إلى جهة يظنها جهة القبلة ثم يتبين له أن توجهه كان الى غيرها ، وكان الوقت باقيا فعليه إعادة الصلاة إليها وان كان قد خرج فلا اعادة عليه

__________________

(1) المشرق.

(2) كذا في بعض النسخ وفي بعضها الأخر : على الفعل ولعل الصحيح : لم ينب العزم الفعل.


الا ان يكون بتوجهه استدبر الكعبة فيعيد. ومن كان بحيث لا يعلم جهة الكعبة ولا يظنها ففرضه التوجه لصلاة(1) الحاضرة(2) إلى أربع جهات.

الشرط الخامس : النية شرط في صحة الصلاة إذ بها يتميز كونها عبادة ، وحقيقتها العزم على أفعال الصلاة لكونها مصلحة ، على جهة الإخلاص بها له سبحانه ولكن [ ليكن. ظ ] في حال صلاته مجتنبا لتروكها. وموضع النية تكبيرة الإحرام ، فمن أخل بها أو بشرط منها بطلت صلاته. ومن حق المصلي أن يكون طائعا بإيقاع الصلاة على الوجه المشروع ، متكاملة الأحكام والشروط والكيفيات ، عامدا في حال فعلها بكونه معترفا بنعمة سبحانه خاضعا له. ويستحب ان يرجو بفعلها مزيد الثواب والنجاة من العقاب وليقتدى به ويرغم الضالون(3) .

الشرط السادس : ستر العورة شرط في صحة الصلاة. وعورة الرجل من سرته الى ركبته ولا يمكن ذلك في الصلاة إلا بساتر من السرة الى نصف الساق ليصح سترها في حال الركوع والسجود. وهذا القدر مجز ، والأفضل التجمل باللباس والتعمم والتحنك والارتداء.

والمرأة كلها عورة ، وأقل ما يجزى الحرة البالغ(4) درع سابغ الى القدمين وخمار ، ويجزى الإماء ومن لم يبلغ من حرائر النساء درع بغير خمار ، والتجمل باللباس أفضل لهن.

فان انكشف عورة المصلى أو شي‌ء منها عن إيثار فسدت الصلاة.

الشرط السابع : طهارة الجسم عدا مخرج النجو شرط في صحة الصلاة ، ولا يزول ما عليه من نجاسة إلا بالماء ، الا ما رخص فيه من مسح اليد بالتراب بعد

__________________

(1) بصلاة.

(2) كذا.

(3) كذا في بعض النسخ.

(4) كذا في النسخ.


مصافحة الكافر ، وزوال ما يتعلق بباطن القدمين من النجاسات بالمشي عليهما حتى تذهب عنهما.

الشرط الثامن : طهارة اللباس وصفة ( كذا ) جنسه وصحة التصرف فيه شرط في صحة الصلاة ، فيلزم المصلى تجري(1) الثوب الطاهر الذي يجوز التصرف فيه بملك أو اذن ، ويجتنب النجس والمغضوب وجلود الميتة وان دبغت وجلود ما لا يؤكل لحمه وان كان منه ما يقع عليه الذكاة وما عمل من وبر الأرانب والثعالب أو غش به(2) والحرير المحض ، فان صلى في شي‌ء من ذلك لم تجزه الصلاة ، ومعفو عن الصلاة في القلنسوة والتكة والجورب والنعلين والخفين وان كان نجسا أو حريرا ، والتنزه عنه أفضل.

وتكره الصلاة في الثوب المصبوغ ، وأشد كراهية الأسود ، ثم الأحمر المشبع والمذهب والموشح والملحم بالحرير والذهب ، وما عدا ذلك جائز.

وأفضل الثياب البياض من القطن والكتان. فمن صلى وعلى بدنه أو ثوبه نجاسة تقدم العلم بها أو الظن لحال الصلاة من غير اعتبار فالصلاة فاسدة يلزم إعادتها على كل حال ، فان كان مع الظن وطلب النجاسة فلم يجدها فليرش الثوب ويمسح العضو بالتراب ، فان وجدها فيما بعد فليعد في الوقت ولا يعيد بعد خروجه ، وان لم يتقدم له علم بها ولا ظن فكذلك. وان رأى النجاسة على جسمه وثوبه بعد الصلاة ولم يكن له على ثبوتها في حال الصلاة دلالة ولا امارة فالصلاة ماضية.

الشرط التاسع : لا يجوز السجود بشي‌ء من الأعضاء السبع الا على محل

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : تحرى.

(2) في بعض النسخ : أو محشو به.


طاهر ، وتختص صحة(1) السجود بالجبهة على الأرض أو ما أنبتت مما لا يؤكل ولا يلبس ، فان سجد ببعض الأعضاء على محل نجس وبالجبهة على ما ذكرناه كالصوف والشعر والحنطة والثمار لم تجزه الصلاة.

الشرط العاشر : لا يجوز الوقوف في الصلاة على الأرض النجسة ، ولا المغصوبة بغير اذن المالك ، ولا يحل للمصلي الوقوف في معاطن الإبل ومرابض الخيل والبغال والحمير والبقر ومرابض الغنم وبيوت النار والمزابل ومذابح الانعام والحمامات وعلى البسط المصورة وفي البيت المصور ، ولنا في فسادها في هذه المحال نظر.

وتكره على الأرض السبخة وعلى جواد الطرق.(2) والسلاح المتواري والمصباح ومقابلة وجه الإنسان والمرأة ونائمة(3) أشد كراهية.

والأفضل أن يجعل المتوجه بين يديه ساترا أدناه العنزة أو الأجرة.

فصل في كيفية الصلاة :

على ضربين متمكن ومضطر وكل منهما على ضربين مفرد وجامع.

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : ويختص محل السجود.

(2) هنا بياض في جميع النسخ ، قال في المختلف قال أبو الصلاح : لا يجوز التوجه الى النار والسلاح المشهور والنجاسة الظاهرة والمصحف المنشور والقبور ولنا في فساد الصلاة مع التوجه إلى شي‌ء من ذلك نظر. وقال في التذكرة : قال أبو الصلاح : تكره الى باب مفتوح أو إنسان مواجه.

(3) في بعض النسخ : والمرأة نائمة أشد.


فصل في بيان كيفية صلاة المفرد المتخيرة

يلزم المكلف المتمكن إذا دخل وقت الصلاة أن يرفع الحدث وطهارته ويقصد للصلاة فيفتتحها بالأذان والإقامة ، ويتوجه لها ، ويدخل فيها بالنية ، وتكبيرة الإحرام ، فإذا كبر فليضع يديه على فخذيه ، ويرخي ذقنه على صدره ، ويغض بصره ناظرا الى محل سجوده ، ويفرق بين قدميه ، ويصفهما ، ويجعل أصابعهما تجاه القبلة ، ويقرء على الوجه الذي تعين عليه من جهر أو إخفات ، ويجتنب كل ما بينا وجوب اجتنابه والترغيب في تركه.

فاذا فرغ من القراءة فليكبر ويركع مستويا ، يضع يديه على ركبتيه ، ويفرج أصابعهما ، ويمد عنقه ، وينظر الى ما بين رجليه ، ويسبح ، فاذا فرغ من تسبيح الركوع فليرفع رأسه وهو يقول : سمع الله لمن حمده ، فاذا استوى قائماً فليقل ما ذكرناه.

ثم يكبر ويسجد فيستقبل الأرض بيديه ثم ركبتيه ثم جبهته ، ويسجد على الأعضاء المذكورة متعلقا لا يلصق عضديه بجنبيه ولا بطنه بفخذيه ولا يفترش الأرض بذراعيه ولا بساقية.

فاذا فرغ من تسبيح السجدة جلس مطمئنا على اليتيه جميعا متوركا على فخذه اليسرى. ثم يكبر ويقول بعد التكبير ما ذكرناه ( كذا ) من الدعاء ، ثم يكبر ويسجد ثانية كالأولى فإذا رفع رأسه منها جلس مطمئنا ، ثم كبر ثم نهض ويقول : بحول الله(1) أقوم وأقعد.

فإذا استوى قائماً قرأ للثانية وركع وسجد حسب ما صنعه في الأولة ، فإذا رفع رأسه من السجدة الأخيرة جلس مطمئنا ، فإن كانت صلاة الظهر أو العصر

__________________

(1) في بعض النسخ : وقوته.


أو المغرب أو عشاء الآخرة يشهد(1) تشهد الأول ، وان كانت الغداة يشهد(2) التشهد الثاني.

وكيفية الآخرتين من الصلاة الرباعية وثالثة المغرب كالأولتين في حال القيام والركوع والسجود ، ويجلس عند آخرهن مطمئنا ويشهد التشهد الثاني ، ولينظر في حال تشهده(3) الى حجره ، فاذا سلم من فريضة عقب وعفر على ما تقدم شرحه.

وكيفية صلاة المرأة كالرجل الا أنها تضع يديها في حال القيام على ثديها وفي حال الركوع على فخذيها ، ولا تطأطأ تطأطؤ الرجل ، وتجلس من غير أن تنحني وتسجد منضمة ناصبة ركبتيها ، فإذا أرادت النهوض وضعت يديها على جنبيها ونهضت حالة واحدة.

فصل في صلاة الجماعة

ثواب صلاة الجماعة متضاعف على صلاة الفرادى خمسة وعشرين ضعفا وأولى الناس بها إمام الملة أو من ينصبه ، فان تعذر الأمران لم ينعقد إلا بإمام عادل طاهر الولادة سليم من الجنون والجذام والبرص ، وأذان واقامة يتولاهما من يوثق بدينه ، فاذا تكاملت هذه الصفات لجماعة فأولاهم بامامة الصلاة رب المسجد والبيت ، وبعدهما أقرؤهم لكتاب الله تعالى ، وبعده أفقههم ، وبعده القرشي دون غيره ، ثم الكبير دون الصغير.

وقد تتكامل صفات الإمامة لجماعة وينعقد على وجه دون وجه ، وتكره على

__________________

(1) تشهد.

(2) تشهد.

(3) في بعض النسخ : تشهديه.


وجه دون وجه.

فالأول : المقيد بالمطلق ، والزمن بالصحيح ، والخصى بالسليم ، والأغلف بالمطهر ، والمحدود بالبرئ والمرأة بالرجال ، ويجوز أن يؤم كل منهم بأهل طبقته.

الثاني : الأعمى بالبصير ، والمقصر بالمتم ، والمتم بالمقصر ، والمتيمم بالمتوضي ، والعبد بالحر ، ولا كراهية في إمامة كل منهم لأهل طبقته.

ويلزم امام الصلاة تقديم دخول المسجد ليقتدى به المؤتمون ، ويتعمم ، ويتحنك ، ويرتدي ، ويجهر بالقراءة بحيث يجب الجهر ويخافت بحيث يجب الإخفات(1) ويجهر بالتكبير والقنوت والتشهد على كل حال ، ويخفف من غير إخلال.

ويلزم المؤتم الاقتداء عزما وفعلا.

ولا يقرء خلفه بالأوليين من كل صلاة ولا في الغداة الا أن يكون بحيث لا يسمع قراءته ولا صوته(2) فيما يجهر فيه فيقرأ ، وهو في الأخيرتين من الرباعيات وثالثة المغرب بالخيار بين قراءة الحمد والتسبيح ، والقراءة أفضل ، ويركع بركوعه ، ويسجد بسجوده ، ولا يرفع رأسه منهما حتى يرفع ، ويجلس بجلوسه فاذا سلم سلم.

وأولى المأمومين بالصف الأول أولوا الأحلام والنهي ، ويلونهم العوام والاعراب ، ويلونهم العبيد ، ويلونهم الصبيان ، ويلونهم النساء.

ولا يجوز أن يكون بين الصفين من المسافة ما لا يتخطأ ، ولا حائل من بناء

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : ويجهر بالقراءة بحيث يجب الإخفات ، وفي بعضها الأخر سقطت الجملتان.

(2) في بعض النسخ : ولا قنوته والظاهر أنه تصحيف.


أو نهر.

ولا يحتسب المسبوق الا بما أدرك ركوعه ، وان سبق بركعة فأولته ثانية الإمام ، فليمسك عن القراءة فإذا جلس الامام للتشهد فليجلس مستوفرا(1) ولا يتشهد ، فاذا نهض الإمام إلى الثالثة وهي له ثانية فليقرأ لنفسه الحمد وسورة فإذا نهض الإمام إلى الرابعة فليجلس يتشهد خفيفا ويدركه قائماً ، فإذا جلس الإمام للرابعة فليجلس مستوفرا(2) ولا يتشهد ، فاذا سلم فلينهض فيصلي ركعة ثم يتشهد ويسلم.

وإذا سبق بركعتين صارت أخيرتا الإمام له اولتين ، فليقرأ لنفسه فيهما كقراءة المفرد(3) ويجلس بجلوسه ويتشهد الأول ، فإذا سلم فلينهض فيصلي ركعتين ان كانت صلاة رباعية ، وركعة ان كانت ثلاثية ويتشهد ويسلم.

فان سبق بثلاثة ركعات فرابعة الامام له اولة ، فليقرأ لنفسه فيها ، فاذا سلم الامام نهض فتمم باقي الصلاة وتشهد وسلم.

فصل في كيفية صلاة المضطر

فرض من اضطر إلى الإخلال ببعض أحكام الصلاة وشروطها أن يبذل جهده ويستفرغ وسعه في فعلها على غاية ما يتمكن منه ويأمن معه من التلف في آخر وقتها ، فان اقتصر على صفة يتمكن من الزيادة عليها بطلت صلاته.

وتختلف كيفية صلاة المضطر بحسب الضرورات.

__________________

(1) في بعض النسخ : مستوقرا.

(2) في بعض النسخ : مستوقرا.

(3) المنفرد.


فمن ذلك صلاة الخوف وهو بانفراده موجب القصر ، ويلزم المواقفين(1) للعدوان أن يقسموا الجيش قسمين : قسم يقف بإزاء العدو وقسم يعقد بهم الصلاة جماعة فيصلي بهم الإمام ركعة وينهض إلى الثانية وينهض(2) معه فيصلون لأنفسهم ويتشهدون ويسلمون وينصرفون الى مقام أصحابهم فيقفون بإزاء العدو ويأتي أولئك فيكبرون ويدخلون معه في الصلاة فإذا دخلوا معه ركع بهم وسجد وجلس يتشهد ونهضوا فصلوا لأنفسهم ركعة وجلسوا معه فاذا علم بتشهدهم سلم بهم ، وان كانت صلاة المغرب صلى بالطائفة الأولى ركعة أو اثنتين ، وبالثانية ما بقي.

فإن خافوا العدو بانقسام الجيش فليصلوا في مصافهم على ظهور خيلهم متوجهين إلى القبلة ان أمكن ، والا عند افتتاح الصلاة والتسليم منها ويؤمون بالركوع ويسجدون على قرابيس سروجهم.

وان كانت حال طراد صلوا في حاله على ظهور خيلهم يومون بالصلاة إلى القبلة إن أمكن في جميع الصلاة والا افتتحوها بالتوجه إليها وحين التسليم ويومون بالركوع والسجود.

وان كانت حاله موافقة ومسايفة عقد كل منهم الصلاة بالنية وتكبيرة الإحرام وكبر عن كل ركعة أربع تكبيرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتشهد وسلم.

وكذلك حكم مواقف الأسد وما يجرى مجراه.

والمضطر الى الركوب يصلي راكبا متوجها الى القبلة ان أمكن ، والا حين عقدها وحلها ، ويومئ بالركوع ويسجد على القربوس أو الرحل.

__________________

(1) في بعض النسخ : الموقفين.

(2) كذا في النسخ ، والظاهر : وينهضون معه.


والمضطر إلى المشي يصلي ماشيا يومئ بالركوع والسجود ويتوجه إلى القبلة بحيث يمكنه.

والمضطر الى ركوب السفينة يصلي فيها قائماً إن أمكن ، والا جالسا مستقبل القبلة في جميعها ، فان كانت السفينة دائرة توجه إلى القبلة ودار معها حيث دارت وان لم يعرف القبلة توجه الى صدورها وصلى حيث توجهت.

والمضطر إلى السباحة يتوجه إلى القبلة ويصلي ويكون سجوده أخفض من ركوعه.

والمقيد والمربوط والمتوحل والمضطر الى الجلوس والاضطجاع يلزمه بذل الجهد في إيقاع الصلاة على غاية وسعه.

والمضطر الى العرى يصلي قائماً ان كان بحيث لا يراه أحد ويركع ويسجد ، وجالسا ان كان بحيث يراه غيره ويومئ بالركوع والسجود إيماء ، فان كان العراة جماعة صلوا صفا إمامهم في أوساطهم.

ويصلي من عداهم من المضطرين جماعة كصلاة المختارين امامهم أمامهم.

فصل في حكم السهو في عدد الركعات

قد سلف بيان أكثر أحوال السهو في أحكام الصلاة وشروطها وكيفيتها وبقي ما يتعلق بعدد الركعات وبعض الأحكام ، وهو على ضروب : منها ما يوجب الإعادة ، ومنها ما يوجب العمل بغالب الظن ، ومنها ما يوجب الاحتياط ، ومنها ما يوجب الجبران ، ومنها ما يوجب التلافي ، ومنها ما وجوده كعدمه.

فأما ما يوجب الإعادة فهو أن يشك المصلي في الركعتين الأولتين من الصلاة الرباعية أو في صلاة الغداة أو المغرب أو ركعتي التقصير فلم يدر


ركعتين صلى أم ثلاثا ، اثنتين صلى المغرب أم ركعة ، أم ركعتين أم ثلاثا ، أو يسهو فيزيد في الفرض ركعة معلومة أو مظنونة أو ينقص ركعة ولا يذكر حتى ينصرف.

وأما ما يقتضي العمل بغلبة الظن فهو أن يسهو في عدد الركعات والأحكام ويغلب ظنه بشي‌ء من ذلك ، فعليه أن يعمل بما غلب ظنه.

وأما ما يوجب الاحتياط فهو أن يسهو في الصلاة الرباعية بعد سلامة الأوليين بيقين أو ظن سهوا وشك(1) فلم يدر أصلى ركعتين أم ثلاثا فعليه أن ينهض فيصلي ركعة ويجلس ويتشهد ويسلم ويصلي بعد التسليم ركعتين من جلوس أو ركعة من قيام. أو يشك فلم يدر أصلي ركعتين أم أربعا ، فيلزمه أن يفرض أنها أربع ويتشهد ويسلم ويصلي بعد التسليم ركعتين من قيام. أو يشك فلم يدر أصلي ثلاثا أم أربعا فليفرض أنها أربع ويتشهد ويسلم ويصلي بعد التسليم ركعة من قيام أو ركعتين من جلوس. أو يشك فلم يدر أصلى ركعتين أم ثلاثا أم أربعا فيفرض كونها أربعا ويتشهد ويسلم ويصلي ركعتين من قيام وركعتين من جلوس.

واما ما يوجب الجبران فهو أن يشك في كمال الفرض وزيادة ركعة عليه ، فيلزمه أن يتشهد ويسلم ويسجد بعد التسليم سجدتي السهو.

وهاتان السجدتان يلزم من جلس ساهيا في موضع قيام ، أو قام في موضع جلوس ، أو تكلم ساهيا ، أو سها عن سجدة ، وقد بينا ذلك وأعدناه للبيان.

وصفتهما : أن يسجد كسجود الصلاة ويقول في كل واحد منهما : بسم الله وبالله وصلى الله على محمد وآله ، ويجلس ويتشهد لهما تشهدا خفيفا وينصرف عنهما بالتسليم على محمد وآله صلوات الله عليه وآله.

__________________

(1) في بعض النسخ : أو شكا.


وأما ما يوجب التلافي فهو ان يسهو عن النية أو تكبيرة الإحرام ويذكر ذلك قبل أن يركع ، أو عن قراءة الحمد وهو في السورة التي يليها فيلزمه تلافي ذلك بافتتاح الصلاة بالنية وتكبيرة الإحرام وقراءة الحمد ، ويسهو عن التشهد الأول فيذكره قبل أن يركع أو عن الثاني فيذكره قبل أن ينصرف فيلزم تلافيهما بالجلوس والتشهد ، أو يسهو عن القنوت قبل الركوع فيتلافاه بعد الركوع ، أو يسهو عن تسبيح الركوع أو السجود أو شي‌ء منهما فيتلافاه ما دام الصلاة وبعدها ما لم يحدث ، أو يسهو عن سجدة من ركعة ويذكرها قبل أن يركع فيتلافاها ، أو يسهو عن ركعة أو اثنتين ويسلم ثم يذكر ذلك قبل أن ينصرف فيلزمه التلافي وسجدتا السهو والتسليم.

وأما ما لا تأثير له فهو أن يشك المصلي في حكم من أحكام الصلاة بعد خروجه عن حال فعله ، كشكه في النية بعد الدخول في الصلاة ، أو في تكبيرة الإحرام وهو في حال القراءة ، أو في القراءة وهو راكع ، أو في الركوع وهو ساجد ، أو في السجود بعد ما ينهض ، أو في شي‌ء من ركعات الصلاة بعد ما ينصرف ، فلا يلتفت الى شكه في شي‌ء من ذلك ، لخروجه من حال العبادة بالحكم عن يقين منه ، والشك لا يؤثر في الحكم المتيقن.

فصل(1) في القضاء وأحكامه

يجب قضاء ما فات من صلاة(2) الخمس ، وهو مثل المقضي وليس هو هو ووقته حين ذكره الا أن يكون آخر وقت فريضة حاضرة يخاف بفعل الفائتة

__________________

(1) في بعض النسخ : كلام في القضاء وأحكامه.

(2) صلوات.


فوتها ، فيلزم المكلف الابتداء بالحاضرة ثم يقضى الفائتة ، وما عدا ذلك من سائر الأوقات فهو وقت الفائتة لا يجوز التعبد فيه بغير القضاء من فرض حاضر ولا نفل ، فان كان الفائت متعينا قضاه بعينه محصورا كان أو مشكوكا في عدده وان كان في غير متعين وكان صلاة واحدة فليقض صلاة يوم كملا ينوي بكل صلاة قضاء الفائت ، وان كان عدة صلوات غير متعينات ولا محصورات فعليه أن يقضي صلاة يوم بعد يوم حتى يغلب في ظنه براءة ذمته من الفائتة.

وان كان الفائت متعينا وغير متعين كثيرا لا يتمكن من فعله في وقت واحد كصلاة عام أو عامين أو ما زاد على ذلك أو نقص منه أوقعها(1) على وجه لا يصح ، بإخلاله ببعض واجباته ، فعليه أن يقضي في جميع أوقات الليل والنهار الا ما غلب عليه النوم وشبهه ، أو ما استعمل فيه بحفظ الحياة من التكسب أو آخر أوقات الفرائض الحاضرة المضيقة ، من حيث كان فرض القضاء مضيقا لا بدل منه ، كصلاة الوقت حين يبقى منه مقدار فعلها ، فكما لا يجوز التشاغل عنها فيه فكذلك حكم القضاء.

فان كان صلى صلاة الحاضرة(2) قبل أن يضيق(3) وقتها وهو ذاكر للفائت فهي باطلة ، وان كان ذلك عن سهو فذكر الفائت وهو لم يخرج عنها لزمه نقل النية إلى الفائت إن أمكن ذلك ، فاذا خرج عنه صلى فرض الوقت فان لم يفعل فصلوته غير مجزية ، فان لم يذكر الفائت حتى أدى الفرض الحاضر فهو مجز عنه ويلزمه فعل الفائت عقيب الخروج عنه.

__________________

(1) في النسخ : أو أوقعها. والظاهر ما أثبتناه.

(2) حاضرة.

(3) في بعض النسخ : يتضيق.


فصل في صلاة الجمعة

لا تنعقد الجمعة إلا بإمام الملة ، أو منصوب من قبله ، أو بمن يتكامل له صفات إمام الجماعة عند تعذر الأمرين ، وأذان ، واقامة ، وخطبة في أول الوقت مقصورة على حمد الله والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على محمد وآله المصطفين ووعظ وزجر ، بشرط حضور أربعة نفر معه. فاذا تكاملت هذه الشروط انعقدت جمعة وانتقل فرض الظهر من أربع ركعات الى ركعتين بعد الخطبة.

وتعين فرض الحضور على كل رجل بالغ حر سليم مخلى السرب حاضر بينه وبينها فرسخان فما دونهما ، ويسقط فرضها عن من عداه ، فان حضرها تعين عليه فرض المدخول فيها(1) جمعة.

ويلزم الامام الغسل وتغيير الثياب ومس الطيب والتعمم والتحنك والارتداء وتقديم دخول المسجد الجامع ليتأسى به المسلمون.

فاذا زالت الشمس أمر مؤذنيه بالأذان فإذا فرغوا منه صعد المنبر فخطب على الوجه الذي بيناه ، فاذا انقضت الخطبة أقيمت الصلاة ونزل فصلى بالناس ركعتين ، يقرأ في الأولى الحمد وسورة الجمعة ، وفي الثانية الحمد وإذا جاءك المنافقون ، يجهر بالقراءة فيهما ، ويقنت في الركعة الأولة والثانية ، ويتشهد ويسلم ويعقب ويعفر ، ثم يأمر مؤذنيه بإقامة الصلاة وينهض فيصلي بالناس فريضة العصر ، يقرأ في الأوليين منها ما قرأ في صلاة الجمعة إخفاتا ويجزيه أن يقرأ ما تيسر من السورة ، والسنة ما ذكرناه من القراءة ، فإذا سلم

__________________

(1) كذا.


عقب وعفر وانصرف.

ويلزم المؤتمين به أن يصغوا الخطبة ، ولا يتطوعون بصلاة ولا يتكلمون بما لا يجوز مثله في الصلاة هو يخطب ، ويصغون الى قراءته ، ولا يقرؤون خلفه في صلاة الجمعة سمعوا قراءته أو صوته أم لم يسمعوا ، وحالهم في صلاة العصر كسائر الأعصار ويقتدون(1) به بقلوبهم وجوارحهم حسب ما يلزم كل مؤتم بإمام.

ويستحب لكل مسلم تقديم دخول المساجد لصلاة النوافل بعد الغسل وتغيير الثياب ومس النساء ( كذا ) والطيب وقص الشارب والأظافير.

فإن اختل شرط من شروط الجمعة المذكورة سقط فرضا وكان حضور مسجد الجامع لصلاة النوافل وفرضي الظهر والعصر مندوبا اليه. ويلزم من حضره قبل الزوال أن يقدم النوافل عدا ركعتي الزوال ، فاذا زالت الشمس صلاهما وأذن لنفسه وأقام وصلى الظهر أربعا كسائر الأيام ، يقرأ في الأوليتين بعد الحمد الجمعة وإذا جاءك المنافقون ، فاذا سلم بهما عقب وعفر ونهض فصلى فريضة العصر بإقامته من غير أذان ، يقرأ فيها ما يقرأ في الظهر.

ويستحب لمن تعين عليه فرض الجمعة أو سقط عنه أن يقرأ في أولتي صلاتي المغرب وعشاء الآخرة من ليلة الجمعة في الأولة الحمد وسورة الجمعة وفي الثانية الحمد وسبح اسم ربك الأعلى ، وفي أوله صلاة الغداة من يوم الجمعة مع الحمد سورة الجمعة وفي الثانية معها سورة الإخلاص ، ويطيل قنوته فيها حتى يصير مقدار القيام فيها كالأولة.

وان قرأ في صلاة المغرب وعشاء الآخرة والغداة بغير ما ذكرناه من السور جاز ، وقراءتها أفضل. ولا يجوز أن يقرأ في الجمعة وظهر يومها بغير السورتين

__________________

(1) في أكثر النسخ : ويقيدون به.


المذكورتين.

ولليلة الجمعة ويومها من الحرمة ما ليس لغيرهما من الليالي والأيام ، فيلزم تمييزهما بكثرة التعبد فيهما بالصلاة والتسبيح والاستغفار والصلاة على محمد وآله وزيارتهم في مشاهدهم أو من حيث أمكن وبر الوالدين والدعاء لأحيائهم وأمواتهم وزيارتهم والتبري من متقدمي أهل الضلال ومتأخريهم مجملا ومفصلا وفعل الخيرات وإطعام الطعام وصلة الأرحام وبر الاخوان والجيران والتوسعة في النفقة على العيال وتطريفهم بما تيسر من اللحم والحلو والفاكهة والخضر اجتناب التكسب والسفر قبل الصلاة ، وقطع زمانيهما أو أكثرهما بالطاعات.

فان فاتت الجمعة بأن يمضى من زوال الشمس مقدار الأذان والخطبة وصلاة الجمعة لم يجز قضاؤها ولزم أداؤها ظهرا.

ويكره إخراج الدم قبل الصلاة لغير ضرورة.

فصل في صلاة العيدين

صلاة يوم الفطر ويوم الأضحى واجبة بشرط تكامل شروط الجمعة لها على كل من تجب عليه الجمعة. والسنة فيها الإصحار بها وبخروج(1) الامام والمأموم مشاة ، وكلما مشى الامام قليلا وقف وكبر حتى ينتهي الى المصلى فيجلس على الأرض ويجلسون كذلك ، فاذا انبسطت الشمس قام قائماً وقام الناس وكبر وكبر الناس ، فإذا أمسك قال مؤذنوه : « الصلاة ، الصلاة » برفيع أصواتهم ، ثم يكبر ويدخل بهم في الصلاة ويدخلون ، فيقرء الحمد والشمس وضحيها ، ويكبر بعد القراءة ست تكبيرات يركع بالسادسة ، ثم يسجد

__________________

(1) كذا.


سجدتين ، وينهض إلى الثانية ، فإذا استوى قائماً كبر وقرأ الحمد وهل أتيك ويسلم ، ويلزمه أن يقنت بين كل تكبيرتين فيقول :

« اللهم أهل الكبرياء والعظمة وأهل العز(1) والجبروت وأهل القدرة والملكوت وأهل(2) الجود والرحمة وأهل العفو والعافية أسألك بهذا اليوم(3) الذي عظمته وشرفته وجعلته للمسلمين عيدا ولمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ذخرا و(4) مزيدا أن تصلى على محمد وآل محمد وتغفر(5) لنا وللمؤمنين والمؤمنات وتجعل لنا في كل خير قسمت فيه حظا ونصيبا ».

فاذا سلم من هذه الصلاة عقب وعفر ثم صعد المنبر فخطب على الوجه الذي ذكرناه ، ويلزم المؤتمين به الاقتداء به بقلوبهم وجوارحهم ، ولا يقرؤن خلفه سمعوا صوته أم لم يسمعوا ، وعليه أن يسمعهم قنوته وتكبيره ولا يسمعونه وليصغوا الى خطبته ، فاذا فرغ من الخطبة جلس على المنبر حتى ينفض الناس ثم ينزل.

فان اختل شرط من شرائط العيد سقط فرض الصلاة ، وقبح الجمع فيها مع الاختلال ، وكان كل مكلف مندوبا الى هذه الصلاة في منزله والإصحار بها أفضل.

ووقتها ممتد واجبة ومندوبة الى أن تزول الشمس فاذا زال ولما يصل سقط فرضها.

ولا تنعقد في مصر واحد جمعتان ولا عيدان ، وأقل ما يكون بينهما ثلاثة أميال

__________________

(1) في بعض النسخ : وأهل الجود والجبروت.

(2) في بعض النسخ : في أهل الجود والرحمة.

(3) في بعض النسخ : بحق هذا اليوم.

(4) في بعض النسخ : ذخرا وكرامة ومزيدا.

(5) في بعض النسخ : وأن تغفر.


فاذا فاتت صلاة العيد لم يجز قضاؤها واجبة ولا مسنونة.

ولا يجوز التطوع ولا القضاء قبل صلاة العيد(1) ولا بعدها حتى تزول الشمس الا من غدا من مدينة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لصلاة العيد فإنه مرغب في التطوع بصلاة ركعتين في مسجده(2) قبل الخروج.

ولا يجوز السفر قبل صلاة العيد الواجبة ويكره قبل المسنونة.

وقد وردت الرواية(3) : « إذا اجتمع عيد وجمعة أن المكلف مخير في حضور أيهما شاء » والظاهر في الملة وجوب عقد الصلاتين وحضورهما على من خوطب بذلك.

ويلزم تمييز يوم العيد بالإكثار من فعل الخيرات ، والتوسعة على العيال ، والتضحية بما تيسر ، وتفريق ذلك على المساكين.

فصل في صلاة الكسوف

صلاة كسوف الشمس وخسوف القمر فرض على كل من علم بذلك من المكلفين.

__________________

(1) قال العلامة في المختلف بعد نقل هذه العبارة : وهذه عبارة ردية فإنها توهم المنع من قضاء الفرائض إذ قضاء النوافل داخل تحت التطوع ، فان قصد بالتطوع ابتداء النوافل ، وبالقضاء ما يختص بقضاء النوافل فهو حق في الكراهة ، وان قصد المنع من قضاء الفرائض فليس كذلك وتصير المسألة خلافية. راجع المختلف ص 114.

(2) كان في بعض نسخنا هكذا : « فإنه مر غلب في التطوع بصلاة ركعتين في سجدة » والظاهر ما أثبتناه.

(3) في بعض النسخ : الروايات.


وصفتها : أن يفتتحها بالنية وتكبيرة الإحرام ويقرأ عشرا ويركع(1) عشرا ويكبر عشرا ويقنت خمسا ويسجد أربعا ويتشهد ويسلم.

ووقتها ممتد بمقدار الكسوف أو الخسوف. والجهر بالقراءة والجمع فيها أفضل من الإفراد والإخفات. فإن خرج عن الصلاة ولما ينجل المكسوف والمخسوف فعليه إعادتها.

فان دخل وقت فريضة من الخمس وهو فيها فليقمها ثم يصلي الفرض ، فان خاف من إتمامها فوات الفرض قطعها ودخل فيه ، فاذا فرغ منه بنى على ما مضى له من صلاة الكسوف.

وان لم يعلمه حتى تجلى(2) القرص فعليه القضاء حسب ، فان علم ففرط(3) في الصلاة فهو مأزور تلزمه التوبة والقضاء ، وان(4) كان الكسوف أو الخسوف(5) احتراقا فعليه مع التوبة الغسل كفارة لمعصيته.

فصل في صلاة الجنائز

فرض هذه الصلاة متوجه الى كل من علم بحال الميت على الكفاية ، وأولى الناس بامامة الصلاة عليه إمام الملة ، فإن تعذر حضوره واذنه فولي الميت أو من يؤهل للإمامة ، وأحق من أهل(6) لها الفاضل من بني هاشم.

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر هكذا : ويكبر ويركع عشرا ويقنت.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : تجلو ، وفي المختلف : انجلى.

(3) وفرط.

(4) فان.

(5) والخسوف.

(6) وهل.


وموقفه للرجل عند وسطه وللمرأة عند صدرها حافيا.

يفتتح الصلاة بتكبيرة يعزم معها على فعل الصلاة بصفتها لوجوبها مخلصا له سبحانه ، فيتشهد بعدها الشهادتين ، ثم يكبر ثانية ويصلى بعدها على محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم يكبر ثالثة ويدعو بعدها للمؤمنين والمؤمنات ويستغفر الله سبحانه لهم ، ثم يكبر رابعة ويدعو للميت ان كان مؤمنا ويترحم عليه ويستغفر له ، وان كان مستضعفا دعا للمؤمنين والمؤمنات وان كان ممن لا يعرف حاله اشترط الدعاء له وعليه ، وان كان طفلا لمؤمن دعا لوالده أولهما ان كانا كذلك ، ثم يكبر خامسة وينصرف من غير تسليم. ويرفع يديه في التكبيرة الأولة دون ما بعدها ولا يبرح من موضعه حتى يرفع الجنازة.

وان كان مخالفا للحق بجبر أو تشبيه أو اعتزال أو خارجية أو إنكار امامة لعنه بعد الرابعة وانصرف. ولا يجوز الصلاة على من هذه حاله الا لتقية.

وحكم المأمومين في جميع ما ذكرناه حكم الإمام.

فإن حضرت جنازة رجل وامرأة جعلت المرأة مما يلي القبلة والرجل مما يلي الامام. وكذلك الحكم ان كان بدل المرأة عبدا أو صبيا أو خصيا. وان كان الموتى جماعة جعلوا صفا رأس كل منهم عند وركي الأخر وصلى عليهم صلاة واحدة.

ويصلى على القتيل المسلم ظالما كان أو مظلوما. وإذا اختلط قتلى المسلمين والكفار صلى على أهل الإيمان بالقصد إليهم. ويصلى على المصلوب ولا يستقبل على وجهه الإمام في التوجه.

فصل في صلاة الطواف

يجب على كل من طاف بالبيت عند فراغة من أسبوعه أن يصلى ركعتين


عند مقام إبراهيمعليه‌السلام يقرأ في الأولة الحمد وسورة الإخلاص وفي الثانية مع الحمد قل يا أيها الكافرون يتوجه فيهما ويقنت ، ويجوز تأديتها في غير المقام من المسجد الحرام ، فان خرج منه ولما يؤدهما فعليه الرجوع لتأديتهما فيه.

فصل في صلاة النذر

ومن نذر صلاة على صفة مخصوصة أو في مكان معين أو عدد مخصوص وجب عليه فعلها متى تعين فرض النذر ، على الوجه الذي شرط من مبلغ عدد أو صفة قراءة سور وآيات أو تسبيحات مخصوصة في المكان أو الزمان الذي علق النذر به ، فإن أداها على غير الصفة التي شرطها أو في غير المكان أو الزمان الذي شرط لم يجزه ولزمه إعادتها على ما نذره.

فان كان علق فعلها بزمان معين لا مثل له كيوم معلوم من شهر مخصوص ففرط حتى خرج الوقت فعليه التوبة وكفارة بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ، وان كان لضرورة فلا اثم عليه ويلزمه قضاؤها في غيره.

فصل في أحكام الصلوات المسنونة [ النوافل خ ]

من وكيد السنة على المتم أن يصلى في اليوم والليلة أربعا وثلاثين ركعة : ثمان منها بعد الزوال وقبل الظهر يتوجه في أولها كتوجه الفرائض ، ثمان ركعات بعد الظهر وقبل العصر ، وأربع ركعات بعد فريضة المغرب يفتتحها بالتوجه وركعتين من جلوس بعد عشاء الآخرة يفتتحهما بالتوجه ، يقنت في كل ركعتين من هذه النوافل ويسلم ، وأوقات نوافل كل فريضة ممتدة بامتداد أوقات فرائضها ، وثمان ركعات صلاة الليل يفتتحها بالتوجه ويقنت في كل ركعتين ويسلم ، وركعتي


الشفع يسلم منها ، وركعة الوتر يتوجه لها ويسلم منها ، وركعتي الفجر متصلة بصلاة الليل. وأول وقت هذه الصلاة أول النصف الثاني وأفضله الربع الأخير.

وعلى المقصر سبع عشرة ركعة : نوافل المغرب أربع وصلاة الليل ثلاث عشرة ركعة.

والمسنون في نوافل النهار الإخفات بالقراءة وفي نوافل الليل الإجهار ، ويجوز الجهر في تلك والإخفات في هذه.

ولكل ركعتين من هذه النوافل دعاء مخصوص طالبه يظفر به حيث طلبه من كتب العمل.

وكيفيتها في حال القيام والركوع والسجود والجلوس كالفرائض. فإن فاته شي‌ء منها فهو مرغب في قضائه أي وقت تمكن كترغيبه في الابتداء.

ومن وكيد السنة على المتم أن يتطوع يوم الجمعة بعشرين ركعة : ست ركعات في صدر النهار وستا إذا ارتفع النهار وستا قبل الزوال وركعتين في أول الزوال ، فان لم يتسع له ترتيبها كذلك صلاها متوالية ، فإن زالت الشمس وقد بقي منها بقية قضاها بعد العصر.

ومن السنة أن يتطوع الصيام(1) في شهر رمضان بألف ركعة يصلى من ذلك في العشرتين الأولتين كل ليلة عشرين ركعة : ثمان ركعات بعد نوافل المغرب واثنتي عشرة ركعة بعد عشاء الآخرة وقبل الركعتين من جلوس ، ويصلى كل ليلة من العشر الأخير ثلاثين ركعة : اثنتي عشرة ركعة بعد نوافل المغرب وثماني عشرة ركعة بعد عشاء الآخرة ، ويصلى ليلة تسع عشر مائة ركعة مضافة الى الموظف فيها من الركعات ، ويصلى ليلة احدى وعشرين مائة ركعة وليلة

__________________

(1) كذا في جميع النسخ ، وفي المختلف : قال أبو الصلاح : من السنة أن يتطوع الصائم.


ثلاث وعشرين مائة ركعة. ويصلى ليلة العيد ركعتين يقرأ في الأولة منهما مع الحمد سورة الإخلاص ألف مرة وفي الثانية مع الحمد سورة الإخلاص مرة واحدة ، ولكل ركعتين من نوافل الشهر دعاء وتسبيح مذكور في كتب العمل.

ومن وكيد السنة الاقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم الغدير وهو الثامن عشر من ذي الحجة بالخروج الى ظاهر المصر وعقد الصلاة قبل أن تزول الشمس بنصف ساعة بمن تتكامل له صفات إمام الجماعة بركعتين يقرأ في كل ركعة منهما الحمد مرة وسورة الإخلاص عشرا وسورة القدر عشرا وآية الكرسي عشرا ويقتدى به المؤتمون ، فإذا سلم دعا [ بدعاء ] هذا اليوم(1) ومن صلى خلفه. وليصعد المنبر قبل(2) الصلاة فيخطب خطبة مقصورة على حمد الله والثناء عليه والصلاة على محمد وآله والتنبيه على عظيم حرمة يومه وما أوجب الله تعالى من امامة أمير المؤمنين والحث على امتثال مراد الله سبحانه ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه. ولا يبرح أحد من المؤتمين والامام يخطب فاذا انقضت الخطبة تصافحوا وتفرقوا(3) .

ومن السنة ان يصلى ليلة النصف من شعبان أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الحمد مائة مرة سورة الإخلاص ويقنت في كل ركعة(4) منها ويسلم ويعقب ويعفر.

ومن السنة أن يصلى يوم المبعث ـ وهو السابع والعشرين من رجب ـ اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة يس ويقنت في كل ركعتين

__________________

(1) صححنا هذه العبارة مستفيدا من مختلف العلامة.

(2) كذا في جميع النسخ.

(3) في المختلف : تصافحوا وتعانقوا وتفارقوا.

(4) كذا.


ويسلم ويكثر بعدها من التسبيح والدعاء.

ومن السنة الاقتداء بأمير المؤمنينعليه‌السلام في صلاة أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص خمسين مرة ويقنت في كل ركعتين ويتشهد ويسلم ويعقب ويعفر.

ومن السنة أن يقتدى بفاطمةعليها‌السلام في صلاة ركعتين يقرأ في الأولة بعد الحمد سورة القدر مائة مرة وفي الثانية سورة الإخلاص مائة مرة ويقنت فيها ويسلم ويعقب ويعفر.

ومن السنة صلاة الحياة(1) وهي صلاة جعفر بن أبى طالبعليه‌السلام أربع ركعات يفتتح بالتوجه ويقرأ في الأولة الحمد وإذا زلزلت ويسبح(2) بعد القراءة خمسة عشر فصلا كل فصل أربع تسبيحات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، ثم يكبر ويركع ويسبح في الركوع عشر فصول ، ثم يرفع رأسه فيسبح عشرا ثم يكبر ويسجد فيسبح في السجود عشرا ، ثم يرفع رأسه ويجلس فيسبح عشرا ثم يسجد فيسبح عشرا ، ثم يجلس فيسبح عشرا ، ثم ينهض إلى الثانية فيقرأ الحمد والعاديات ويسبح بعد القراءة وفي حال الركوع وبعده وفي السجود وبعده كما سبح في الأولة ، ويتشهد ويسلم ، ثم ينهض فيصلي ركعتين يقرأ في الأولة الحمد وإذا جاء نصر الله وفي الثانية الحمد وسورة الإخلاص ، ويسبح في كل منهما كما سبح في كل من الأولتين ويتشهد ويسلم ويعقب ويعفر ، فيكون جملة التسبيح في هذه الصلاة ثلاثمائة فصل.

ولا يختص أداء هذه الصلوات الثلاث بوقت من دون وقت.

والسنة حين إحرام المتعة أو حج أو عمرة مبتولة صلاة ست ركعات ، ويجزى اثنتان ، يفتتحهما بالتوجه ويقرأ في الأولة الحمد وسورة الإخلاص

__________________

(1) الحباء. ظ.

(2) في أكثر النسخ : والتسبيح.


وفي الثانية بعد الحمد قل يا أيها الكافرون أى وقت قصد إلى الإحرام من ليل أو نهار وأفضل الأوقات بعد صلاة الظهر.

ومن السنة بعد الفراغ من زيارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو أحد الأئمةعليهم‌السلام عند قبورهم صلاة ركعتين عند الرأس يحسن ركوعهما وسجودهما ويجتهد بعدهما في الدعاء والاستغفار. ويصلى لزيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام ست ركعات ، لان زيارته تشتمل على زيارة ثلاثة حجج : آدم ونوح وهودعليهم‌السلام (1) .

وان كانت زيارتهم أو أحدهمعليهم‌السلام من بلد الزائر النائي عن مشاهدهم بدأ بصلاة ركعتين ثم عقبهما بالزيارة.

ومن السنة فيمن عرض له أمران يشتبهان : أن يستخير الله سبحانه بصلاة ركعتين يقول بعدهما وهو ساجد : أستخير الله ـ مائة مرة ـ اللهم إني أستخيرك بعلمك واشهد بك(2) بقدرتك ، اللهم انك تعلم وأنت علام الغيوب أسألك أن تصلى على محمد وآل محمد وأن تخير لي في جميع أموري خيرة في عافية خيرة للدنيا والآخرة برحمتك وجميل لطفك. فاذا عزم على مطلوبه بدأ بصلاة ركعتين يبتهل بعدهما الى الله تعالى في نجاح حاجته ، فاذا قضيت حاجته فيصل صلاة الشكر ركعتين يسجد بعدهما ويقول : « شكرا شكرا » مائة مرة.

ومن السنة إذا منعت السماء قطرها والأرض نبتها أن يفزع أهل المصر والإقليم إلى صوم ثلاثة أيام : الأربعاء والخميس والجمعة ، فإذا انبسطت الشمس من يوم الجمعة خرج امام الصلاة ومعه المؤذنون وكافة أهل البلد الى ظاهره وقد نصب له منبر فيصلي بهم ركعتين كصلاة العيد يقنت بين(3) التكبير بما

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : آدم ونوح وهوعليهم‌السلام .

(2) كذا في النسخ : والظاهر : وأستهديك بقدرتك.

(3) في بعض النسخ : بعد التكبير.


سنح من التحميد ، ثم يصعد المنبر فيخطب خطبة يحمد الله تعالى فيها ، ويثنى عليه بما هو أهله ، ويصلى على محمد وآله ، ويعظ ، ويخوف ، ويحث على فعل الخير ، ويزجر عن ارتكاب القبيح ، ويرغب في التوبة ، ويشعر الحاضرين أن القحط سبب(1) القبائح ليبعثهم ذلك على التوبة منها ، فاذا فرغ من خطبته فليقلب رداءه ، فيحول الذي على منكبه الأيمن إلى الأيسر ، والذي على الأيسر إلى الأيمن ، ثم يحول وجهه إلى القبلة فيكبر الله مائة تكبيرة ويكبر الناس معه ثم يحول وجهه الى يمينه فيسبح الله مائة تسبيحة ويسبح الناس معه ، ثم يحول وجهه الى يساره فيحمد الله مائة مرة ويحمد الناس معه ، ثم يحول وجهه الى الناس فيستغفر الله مائة مرة ويستغفر الناس معه ، كل ذلك يرفع به صوته ويرفعونه ، ثم يحول وجهه إلى القبلة ويدعوا :

اللهم رب الأرباب ومعتق الرقاب ومنشى‌ء السحاب ومنزل القطر من السماء ومحيي الأرض بعد موتها ، يا فالق الحب والنوى ويا مخرج الزرع والنبات ومحيي الأموات(2) وجامع الشتات ، اللهم اسقنا غيثا مغيثا غدقا مغدقا هنيئا مريئا ينبت(3) به الزرع وتدر به(4) الضرع وتحيي به الأرض بعد موتها وتسقى به مما خلقت أنعاما وأناسي كثيرا.

وليؤمن الحاضرون على دعاءه ثم ينزل.

ومن السنة على من دخل مسجدا أن يبدأ الصلاة ركعتين تحية له ثم يشرع فيما شاء من عبادة(5) .

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر : بسبب.

(2) في بعض النسخ : بعد موتها.

(3) تنبت.

(4) في جميع النسخ : تدريه الزرع والظاهر ما أثبتناه.

(5) في بعض النسخ : عبادته.


فصل في بيان حقوق الأموال(1)

حقوق الأموال تسعة : الزكاة ، والفطرة ، والخمس ، والأنفال ، وفي سبيل الله ، والنذور ، والكفارات ، وصلة الأرحام ، وبر الاخوان ، ولكل حكم.

فصل في ذكر ما يجب فيه الزكاة وأحكامها

فرض الزكاة يتعلق بثلاثة أصناف : الأموال والحرث والأنعام.

فأما فرض زكاة المال فيختص بكل حر بالغ كامل العقل ، بشرط ان يكون المال عينا أو ورقا بالغا نصابه ، حائلا عليه الحول من غير أن يتخلله نقصان ولا تبدلت أعيانه ، وبحيث يتمكن مالكه من التصرف فيه بالقبض أو الاذن ، فاذا تكاملت هذه الشروط وبلغ العين عشرين مثقالا والورق مائتي درهم ففي العين نصف دينار ، وفي الورق خمسة دراهم ، ولا شي‌ء فيما زاد على ذلك حتى تبلغ زيادة العين أربعة دنانير وزيادة الورق أربعين درهما ، فيكون في ذلك عشر دينار ، وفي هذه درهم.

ثم على هذا الحساب بالغا ما بلغ العين والورق ، من كل عشرين مثقالا

__________________

(1) في بعض النسخ : فصل بيان حقوق الأموال تسعة.


نصف مثقال ، ومن كل أربعة دنانير بعد العشرين عشر مثقال ، وفي كل مائتي درهم خمسة دراهم ، ومن كل أربعين درهما درهم ، ولا زكاة فيما بين النصابين.

ومن مسنون الزكاة تزكية البضائع(1) إذا حال عليها الحول وهي تفي برأس المال أو زيادة بحسب ما ابتيعت يا(2) من عين أو ورق كزكاة العين.

ومن ذلك ان يقرر ذوا المال على ماله في كل جمعة أو كل شهر شيئا معينا يخرجه في أبواب البر.

ومن ذلك افتتاح النهار واختتامه بالصدقة ، وافتتاح السفر والقدوم منه بها ، وإعطاء السائل ولو بشق تمرة ، واصطناع ذوي اليسار الطعام في كل يوم أو كل جمعة أو كل شهر لذوي الفاقة من المؤمنين ، وتفقد مخلفي المؤمن في غيبته وبعد وفاته ، وقرض ذوي الحاجة وإنظاره إلى ميسرة ، وتحليل المؤمن بعد وفاته مما في ذمته من الدين ، والتكفل به لمدينه.

وأما فرض زكاة الحرث فمختص بالحنطة والشعير والتمر والزبيب دون سائر ما تخرجه الأرض من الحبوب والثمار والخضر ، إذا بلغ كل صنف منها بانفراده خمسة أوسق والوسق ، ستون صاعا والصاع تسعة أرطال بالعراقي.

على كل مالك بعد المؤن وحق المزارع أن يخرج منه أو وليه ، ان كان يسقى حرثه سيحا أو بماء المطر العشر ، وان كان يسقى بالقرب والنواضح فنصف العشر ، وان سقى بعض مدة الحاجة بماء المطر وبعضها بالنواضح والقرب زكى بأكثر المدتين ، فان تساوت مدة الشربين زكى نصفه بالعشر ونصفه بنصف العشر.

ويزكى ما زاد على النصاب بزكاته ولو كان صاعاً.

__________________

(1) في بعض النسخ : الصنائع ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) كذا في جميع النسخ ، ولعل الصحيح : بها.


ولا يلزم تكرير الزكاة فيه وان بقي في ملك مزكيه أحوالا.

ومن مسنون صدقة الحرث أن يزكى كل ما دخل المكيال من الحبوب إذا بلغ كل جنس منها خمسة أوسق بالعشر أو نصف العشر ، فان نقص عن ذلك تصدق بما تيسر.

ومن ذلك الصدقة حين صرام النخل ، وقطاف الكرم ، وجذاذ الزرع بالضغث من الزرع والضغثين ، والعذق من الرطب والعذقين ، والعنقود من العنب والعنقودين ، فاذا صار الرطب تمرا والعنب زبيبا والغلة حبا وأراد المالك دفع(1) ذلك تصدق منه بالقبضة والقبضتين.

ومن ذلك أن يجعل مالك التمر أو الخضر قسطا لمن لا يتمكن من التفكه والتطرف بالخضر من فقراء المؤمنين.

ومن ذلك اباحة عابر السبيل تناول اليسير مما تنبت من الثمار والزرائع(2) .

وأما فرض زكاة الأنعام فمتعين على كل مالك أو وليه ، بشرط أن تكون سائمة ، وتبلغ كل جنس منها النصاب ، ويحول عليه الحول كاملا لا يتخلله نقصان ولا تبدل أعيانه ، ولكل منها حكم.

أما الإبل فلا شي‌ء فيها حتى تبلغ خمسا ففيها شاة ، وفي عشرين أربع شياه وفي خمس وعشرين خمس شياه ، وفي ست وعشرين بنت مخاض ـ وهي التي كملت حولا وسميت بصفة أمها المتمخضة بالحمل ـ الى خمس وثلاثين ، فاذا بلغت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون ـ وهي التي قد كملت حولين ودخلت في الثالث وسميت بأمها اللبون بأختها ـ الى خمس وأربعين ، فإذا

__________________

(1) في جميع النسخ : رفع ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) كذا في جميع النسخ.


بلغت ستا وأربعين ففيها حقة ـ وهي التي قد كمل بها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة وسميت بذلك من حيث يحق لها أن تطرق الفحل ويحمل على ظهرها ـ الى ستين ، فاذا بلغت احدى وستين ففيها جذعة ـ وهي التي قد كمل بها أربع سنين ودخلت في الخامسة ـ الى خمس وسبعين ، فاذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون الى تسعين ، فاذا زادت واحدة ففيها حقتان الى مائة وعشرين فاذا زادت على ذلك أسقط هذا الاعتبار وأخرج من كل أربعين بنت لبون ، ومن كل خمسين حقة.

ومن وجبت عليه سن ولم تكن عنده وكان عنده أعلى منها بدرجة ، أخذت منه واعطى شاتان أو عشرين درهما فضة ، وان كان عنده أدنى منها بدرجة أخذت منه ومعها شاتان أو عشرون درهما ، وان كان بينهما درجتان فأربع شياه ، وان كان ثلاث درج فست شياه ، أو ما في مقابلة ذلك من الدراهم.

وحكم البخت ـ والبخت الإبل ـ حكم العربية.

وأما زكاة البقر فلا شي‌ء فيها حتى تبلغ ثلاثين ، ففيها تبيع حولي إلى تسع وثلاثين ، فاذا بلغت أربعين ففيها مسنة ، ثم على هذا بالغ(1) ما بلغت البقر من كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ، ومن كل أربعين مسنة.

وحكم الجواميس حكم البقر.

فأما زكاة الغنم فلا شي‌ء فيها حتى يبلغ أربعين ، فإذا بلغتها ففيها شاة إلى عشرين ومائة ، فاذا زادت واحدة ففيها شاتان الى مأتين فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه الى ثلاثمأة ، فاذا زادت عليها واحدة ففيها أربع شياه ، فاذا زادت على ذلك وكثرت أسقط هذا الاعتبار وأخرج من كل مائة شاة.

وحكم المعز حكم الشياه.

ولا يعدّ في شي‌ء من الانعام فحل الضراب ، ولا ما لم يحل عليه الحول

__________________

(1) بالغا ما بلغت.


في الملك مبيع ولا منتوج(1) ، ولا زكاة فيما بين النصابين من الاعداد.

ومن مسنون صدقة الأنعام أن يجعل من أوبارها وأصوافها وإشعارها وألبانها قسط للفقراء ، وتمنح الناقة والشاة والبقرة الحلوبة من لا حلوبة له ، ويعان [ يعاون ظ ] بظهور الإبل وأكتاف البقر على الجهاد والحج والزيارة من لا ظهر له ويسعد [ يساعد ظ ] بذلك الفقراء على مصالح دينهم ودنياهم.

ومن وكيد السنة أن تزكى إناث الخيل السائمة بعد حول الحول ، عن كل فرس عتيق ديناران ، وعن كل هجين دينار.

__________________

(1) وفي بعض النسخ : متبع ومتبوع ولم اهتد الى صحيحها.


فصل في الفطرة

زكاة الفطرة واجبة على كل حر بالغ كامل العقل غني ، يخرجها عنه وعن كل من يعول من ذكر وأنثى ، صغير وكبير ، حر وعبد ، مسلم وكافر ، قريب وأجنبي ، عن كل منهم صاع من فضل ما يعتاده من حنطة أو شعير أو تمر أو زبيب أو أقط أو ذرة أو أزر أو غير ذلك من الأقوات. والصاع تسعة أرطال بالعراقي.

ووقتها من عند طلوع الفجر من يوم الفطر الى أن يصلي صلاة العيد ، فإن أخرها الى بعد الصلاة سقط فرضها ، الا أن يعزلها من ماله انتظارا لوجود من يخرجه إليه فتجزي ، وهو مندوب الى التصدق بها ، فان كان عن تفريط لزمته التوبة مما فرط فيه.

ويجوز إخراج القيمة بسعر الوقت.

ومن وكيد السنة وأفضل الأعمال تفطير الصوام ولو بكف سويق أو تمر أو شربة ماء بارد.


فصل في الخمس

فرض الخمس مختص بقليل(1) المستفاد بالحرب من الكفار من مال أو رقيق أو كراع أو سلاح أو غير ذلك مما يصح نقله قليله وكثيرة ، وما بلغ من الكنوز ما تجب فيه أو في مثل قيمته الزكاة ، وما بلغ من المأخوذ من المعادن والمخرج بالغوص قيمة دينار فما زاد ، وما فضل عن مؤنة الحول على الاقتصاد من كل مستفاد بتجارة أو صناعة أو زراعة أو إجارة أو هبة أو صدقة أو ميراث أو غير ذلك من وجوه الإفادة ، وكل ما اختلط حلاله بحرامه ولم يتميز أحدهما من الأخر ولا يعين مستحقه(2) .

فصل في الأنفال

فرض الأنفال مختص بكل أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، وقطائع الملوك ، والأرضون الموات ، وكل ارض عطلها مالكها ثلاث سنين

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولم اهتد الى صحيحها.

(2) في بعض النسخ : ولا تعين لمستحقه ، وفي بعضها الأخر : ولا تعين له مستحقه وفي بعضها الأخر : ولا تعين مستحقه.


ورؤس الجبال(1) وبطون الأودية من كل أرض ، والبحار ، والآجام ، وتركات من لا وارث له من الأموال وغيرها.

__________________

(1) قال في المختلف : وأبو الصلاح لما عد الأنفال ذكر من جملتها جميع المعادن ورؤس الجبال وبطون الأودية من كل ارض والبحار والآجام.


فصل في جهة هذه الحقوق

يجب على كل من تعين عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال أن يخرج ما وجب عليه من ذلك الى سلطان الإسلام المنصوب من قبله سبحانه ، أو الى من ينصبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه ، فان تعذر الأمران فإلى الفقيه المأمون ، فإن تعذر ، أو آثر(1) المكلف تولى ذلك نفسه(2) فمستحق الزكاة والفطرة الفقير المؤمن العدل دون من عداه.

وأقل ما يعطى من زكاة المال خمسة دراهم ، ومن الفطرة صاع.

ويجوز أن يعطى الفقير الواحد ما يغنيه ما لم يكن هناك جماعة من الفقراء.

وفقراء بني هاشم أحق بذلك من غيرهم ، ومن لا يجب نفقته من الأقارب أولى من الأجانب ، والجيران أولى من الأباعد ، وأهل المصر أولى من قطان غيره ، فان لم يكن في المصر(3) من تتكامل فيه صفات مستحقها أخرجت الى

__________________

(1) وآثر.

(2) بنفسه.

(3) كذا في نسخة وهو الصحيح ، وفي باقي النسخ هكذا : فان لم يكن فالأولى من تتكامل.


من يستحقها.

وإذا أريد حملها الى مصر آخر مع فقد من يستحقها في المصر فلا ضمان على مخرجها في هلاكها ، فان كان السبيل مخوفا لم يخرجها إلا بإذن الفقير ، فان حملت من غير إذنه فهي مضمونة حتى تصل إليه ، فإن كان في مصره من يستحقها فحملها الى غيره فهي مضمونة حتى تصل الى من حملت اليه ، الا أن يكون حملها إليه باذنه فيسقط الضمان.

فإن أخرجها الى من يظن به تكامل صفات مستحقها ثم انكشف له كونه مختل الشروط ، رجع عليه بها ، فان تعذر ذلك فكان المنكشف هو الغنى وجب إعادتها ثانية ، وان كان غير ذلك فهي مجزية.

ويجوز إخراجها إلى أيتام المؤمن لحرمته(1) فاذا بلغوا حكم فيهم بحسب ما يذهبون اليه مما يقتضي ولايتهم أو قطعها.

ويجوز عتق أهل الايمان وقضاء ديونهم في الصلاح من مال الزكاة.

ويجوز إخراج الزكاة والفطرة قبل دخول وقتهما على جهة القرض ، فاذا دخل الوقت عزم المطالب(2) على إسقاط المطالبة وجعل المسقط الزكاة

ويلزم من وجب عليه الخمس إخراجه من ماله وعزل شطره لولي الأمر انتظارا للتمكن من إيصاله إليه ، فإن استمر التعذر أوصى حين الوفاة الى من يثق بدينه وبصيرته ليقوم في أداء الواجب مقامه ، وإخراج الشطر الأخر إلى مساكين آل علي وجعفر وعقيل والعباس وأيتامهم وأبناء سبيلهم ، لكل

__________________

(1) كذا في بعض النسخ.

(2) كذا في جميع النسخ ، وفي موضع من المختلف : المخاطب ، وفي موضع آخر منه : المطالب.


صنف ثلث الشطر وشطر(1) ثبوت الايمان بحسب ما يراه من تفضيل بعضهم على بعض.

ويلزم من تعين عليه شي‌ء من أموال الأنفال أن يصنع فيه ما بيناه في شطر الخمس ، لكون جميعها حقا للإمامعليه‌السلام .

فإن أخل المكلف بما يجب عليه من الخمس [ وحق الأنفال خ ] كان عاصيا لله سبحانه ، ومستحقا لعاجل اللعن المتوجه من كل مسلم إلى ظالمي آل محمدعليهم‌السلام ، وآجل العقاب ، لكونه مخلا بالواجب عليه لافضل مستحق.

ولا رخصة في ذلك بما ورد من الحديث فيها ، لان فرض الخمس والأنفال ثابت بنص القرآن وإجماع الأمة ، وان اختلفت فيمن يستحقه ، ولإجماع آل محمدعليهم‌السلام على ثبوته وكيفية استحقاقهم(2) وحمله إليهم وقبضهم إياه ومدح مؤديه وذم المخل به ، ولا يجوز الرجوع عن هذا المعلوم بشاذ الاخبار.

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : وشرط ، ولعل الصحيح ، وشرطه.

(2) في بعض النسخ : استحقاقه.


فصل في الإنفاق في سبيل الله تعالى

قد تعبد الله سبحانه بالإنفاق في سبيله كما تعبد بالجهاد بالأنفس ، فقال تعالى :( وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ. ) (1) فسوى سبحانه بين فرض الإنفاق في سبيله والجهاد بالأنفس. وقال سبحانه( وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (2) فأمر بالإنفاق وتوعد المخل به بالهلاك ، وذلك برهان وجوبه في أمثال هذه الآيات.

فلزم كل ذي مال معونة المجاهدين بالخيل والسلاح والأزواد والظهر وما جرى مجرى ذلك من سد الثغر وحراسته من العدو بحسب الحاجة الى ذلك والغنى عنه ، سواء كان المنفق من أهل الحرب أو لم يكن.

وفرض الإنفاق على من ليس من أهل الحرب لعدم أو زمانة أشد لزوما.

__________________

(1) سورة التوبة ، الاية : 41.

(2) سورة البقرة ، الاية : 195.


فصل في النذر

ومن نذر لبلوغ طاعة أو مباح أن يتصدق بمال أو يخرج شيئا من ماله في بعض أبواب البر ، فبلغ ما علق النذر به فعليه الخروج مما نذره ، فان فرط فيه فهو مأزور ، ويلزمه تلافي ما فرطه(1) بتأديته(2) إن أمكن فيه ، وان تعذر لتعلقه بزمان لا مثل له فعليه التوبة وكفارة : عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ، وان كان لضرورة أو سهو فعليه الخروج مما نذره ولا اثم عليه.

فصل في الكفارات

يلزم من وجب عليه إخراج شي‌ء من ماله لكفارة تعينت عليه من أحد الوجوه التي بينتها في مواضعها ، ان يبادر بإخراجها في أول أحوال التمكن ، فان تعين فرضها وهو غير مستطيع في الحال لأدائها ففرضه العزم عليه أول أحوال الإمكان وفعله له فيها.

__________________

(1) في بعض النسخ : تلافى فارطه.

(2) في بعض النسخ : بتأدية.


فصل في حق ذوي الأرحام

بر ذوي الأرحام على ضربين : واجب وندب.

فالواجب [ بر ] الوالدين على الولد بشرط الحاجة ، والولد عليهما بشرط السعة أو الحاجة مع عدم الاستطاعة للتكسب.

وأما الزوجة وملك اليمين ففرض القيام بهما واجب على كل حال ، فان عجز الزوج عن القيام بحق الزوجة لزمه التطليق لتصرف المرأة في نفسها. فان عجز المالك لزمه البيع أو العتق أو إباحة العبد أو الأمة التصرف بما يحفظان به حياتهما وان استطاعا العود على مالكهما لزمهما ذلك.

والمسنون بر الوالدين والولد وان كانا ذوي يسار ، ومن عداهم من الاخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولادهم.

فإذا امتنع من تجب عليه نفقة الوالد أو الولد أو الزوجة أو الرقيق أجبره الناظر في أحكام المسلمين على ذلك ، ولا يجبره على نفقة من عداهم لكنه مرغب في ذلك.


فصل في حق الاخوان

بر الإخوان في الدين على ضربين : واجب وندب.

فالواجب : بر من علم عجزه عما يحفظ به حياته بما يبقى معه من غذاء أو لباس ، وهو على الكفاية ، ان قام به بعض الأغنياء سقط عن غيره ، وان لم يقم به أحد فكل منهم مخاطب به وملام للإخلال بفرضه.

وأما المندوب : فبر من عدا من ذكرناه من فقرائهم ، وصلة أوساطهم(1) واتحافهم ومهاداة(2) أماثلهم وبذل المصون(3) لهم وتخفيف الثقل(4) عنهم.

__________________

(1) في بعض النسخ : أرحامهم.

(2) في بعض النسخ : محاراة.

(3) كذا.

(4) في بعض النسخ : النقل.


باب حقيقة الصيام وضروبه وبيان أحكامه

حقيقة الصوم في الملة العزم على كراهية أمور مخصوصة في زمان مخصوص لكون(1) ذلك مصلحة مخلصا به لمكلفه سبحانه.

والأمور التي بكراهيتها يكون المكلف صائما : الأكل والشرب والازدراد والجماع واستنزال المنى والكذب على الله تعالى أو على رسوله أو على أحد الأئمة من آلهعليهم‌السلام والتصبح على الجنابة والحيض والاستحاضة والنفاس والارتماس في الماء وجلوس النساء فيه الى أوساطهن والقي‌ء والسعوط والحقنة والتقطير في الاذن والوقوف في الغبار المتكاثف.

ومن توابعه الواجبة اجتناب قبائح الأصوات كالعود والطنبور ، والأقوال الكاذبة كالكذب والنميمة ، ورؤية المحرمات ، والبطش ، والسعي فيما لا يحل والعزم على شي‌ء من ذلك.

ومن فضائله قطع زمانه بتلاوة القرآن ، والتسبيح والصلاة على محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله والاجتهاد في العبادة ، والإكثار من فعل الخيرات ، وصلة الأرحام ، وبر الاخوان وتفطير الصوام ، واجتناب مجالسة الحلائل ومحادثتهن فما فوق ذلك من ضم أو تقبيل ، والتبرد بالماء ، وشم المسك والزعفران والنرجس ، والسواك بالرطب

__________________

(1) ليكون.


ومضغ العلك ، والفصاد ، والحجامة ، ودخول الحمام ، وإتعاب الجسم بالأعمال وقطع الزمان بما لا يجدي نفعا دينيا ولا دنيويا من المباح.

والزمان من طلوع الفجر الى غروب الشمس.

والمصلحة ان كان صومه فرضا فلكونه لطفا في واجبات العقول ، وان كان نفلا فلكونه لطفا في مندوبها.

والإخلاص أن يفعله قربة الى الله تعالى بريئا من كل غرض سواها.

وهو على ضربين : مفروض ومسنون.

والمفروض ستة عشر ضربا :(1) صوم شهر رمضان ، وصوم قضاء الفائت وصوم كفارته ، وصوم النذر ، وصوم كفارة من أفطر فيه ، وصوم الاعتكاف [ وصوم كفارة الإفطار فيه ](2) وصوم جزاء الصيد ، وصوم كفارة حلق الرأس ، وصوم دم المتعة وصوم كفارة الظهار وصوم كفارة القتل ، وصوم نقص العهد ، وصوم كفارة البر(3) وصوم كفارة اليمين ، وصوم مفوت العشاء الآخرة.

والمسنون على ضروب : منها صوم ثلاثة أيام في كل شهر : خميس في أوله وأربعاء في وسطه وخميس في آخره ، وصوم شعبان ، وصوم رجب ، وصوم المحرم وصوم السابع عشر من ربيع الأول مولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويوم السابع والعشرين من رجب مبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة وهو يوم دحو الأرض من تحت الكعبة ، ويوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم الغدير ، وأول يوم من ذي الحجة وهو يوم مولد إبراهيمعليه‌السلام ، ويوم عرفة ، والأيام البيض من

__________________

(1) كذا في جميع النسخ ، وما ذكره ، خمسه عشر.

(2) هذا القسم مستفيدا من كلام المؤلف في تفصيل الأقسام.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : كفارة البراءة أي الحلف بالبراءة من الله أو رسوله أو واحد من الأئمةعليهم‌السلام .


كل شهر ، والخميس والجمعة والسبت من كل شهر محرم ، وصوم الحاجة وستة أيام من شوال ، وصوم داودعليه‌السلام .

ولا يجوز ( كذا ) التطوع بالصوم في غير ما ذكرناه من الأزمنة ، ولا شي‌ء من مفروضه ولا مسنونة في العيدين وأيام التشريق ، وصوم الدهر والوصال ونذر المعصية ويوم الشك على أنه من شهر رمضان.

فصل في صوم شهر رمضان

فرض صوم الشهر يتعين على كل مكلف صحيح مخاطب بتمام الصلاة إلا المتصيد للتجارة.

وعلامة دخوله رؤية الهلال ، وبها يعلم انسلاخه ، ويقوم مقامها شهادة رجلين عدلين في الغيم وغيره من العوارض ، وفي الصحو وانتفاءها اخبار خمسين رجلا ، فان تعذر الأمران وجب تكميل شعبان ثلاثين يوما وعقد النية.

فإن قامت البينة برؤية الهلال ليلة يوم قد أفطر في أوله فعليه قضاؤه ، وان كان قد صام من شعبان فهو مجز في تكليفه ولا قضاء عليه.

ويجزيه أن ينوي ليلة الشهر قبل طلوع الفجر صيامه ، وتجريد النية لكل يوم قبل طلوع فجره أفضل.

والنية هي العزم على كراهية الأمور المذكورة للوجوه المبينة. فأما اجتناب هذه الأمور فواجب في كل حال.

فان كان مريضا مرضا يرجى زواله لم يجز له الصوم ، وفرضه صيام أيام آخر.

فان كان مريضا مرضا لا يرجى زواله فعليه أن يكفر عن كل يوم بإطعام المسكين


فان عجز عن الصوم لكبر سقط عنه فرض الصوم وهو مندوب إلى إطعام مسكين عن كل يوم.

والحامل والمرضع إذا أضربهما الصوم أفطرتا وكفرتا عن كل يوم بإطعام مسكين ، فاذا افصلت المرضع وطهرت الحامل قضتا ما أفطرتاه.

وإذا دخل الشهر على حاضر لم يحل له السفر مختارا ، وان وافق دخوله وهو مسافر لم يحل له الصوم ، فان صام لم يجزه.

والنفاس والحيض مانعان من صحة الصوم ، فاذا طهرت المرأة قضت ما تركته لهما.

ولا يجوز لمن سقط عنه فرض الصوم ببعض ما ذكرناه من الأعذار أن يتملى من الطعام والشراب ، بل يقتصر على ما يمسك الرمق ، ولا يجوز له الجماع مختارا ما لم يخف فسادا في الدين.

فاذا قدم المسافر وبري‌ء المريض وطهرت الحائض والنفساء وبلغ الغلام وأسلم الكافر وقد بقيت من النهار بقية أمسك كل منهم عن الطعام تأديبا.

وإذا رأت المرأة الحيض أو نفست وقد بقي من النهار جزء وان قل أفطرت يومها وقضته.

وإذا عزم المرء على السفر قبل طلوع الفجر وأصبح حاضرا فان خرج قبل الزوال أفطر ، وان تأخر الى ان تزول الشمس أمسك بقية يومه وقضاه. وان عزم على السفر بعد طلوع الفجر ليوم قد نفذت نية صومه لزمه صومه.

فان تعمد الأكل والشرب أو الازدراد أو الجماع أو إنزال الماء أو الكذب على الله أو على رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو على أحد الأئمةعليهم‌السلام أو الصباح على الجنابة أو عزم على ذلك فسد صومه ، ولزمه القضاء بصيام يوم ، والكفارة عن كل يوم


بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا ، وقد روى : « أنه ان أفطره بشرب خمر أو جماع حرام فعليه الثلاث كفارات ».

وان تعمد القي‌ء أو السعوط أو الحقنة أو التقطير في الاذن أو ارتمس الرجل في الماء أو جلست المرأة إلى وسطها أو فرط في الغسل حتى أصبح أو أصغى الى حديث أو ضم أو قبل فأمنى أو وقف في غبرة مختارا فعليه القضاء بصيام يوم مكان يوم.

وان اتى شيئا من ذلك ساهيا أو مع فقد التحصيل لجنون أو غيره فلا شي‌ء عليه.

ومن أدخل إلى فمه شيئا لغير ضرورة ولا عبادة فسبق الى حلقه فعليه القضاء وان كان لضرورة أو عبادة فبلغه(1) من غير قصد فلا شي‌ء عليه.

وان أفطر ظانا أن الشمس قد غربت ثم ظهر له أنها كانت طالعة ، أو أكل أو شرب أو فعل ما يفسده ظانا أن ما عليه(2) ليلا ثم تبين له أن الفجر كان طالعا فعليه القضاء.

فان كان بما فعله مستحلا فهو مرتد(3) بالأكل والشرب والجماع ، وكافر بما عدا ذلك ، يحكم فيه بأحكام المرتدين أو الكفار.

وان كان محرما فعلى سلطان الإسلام أن يحده ان كان ما أتاه مما يوجب حدا كالزنا أو شرب الخمر ، ويؤدبه لحرمة الشهر ، وان كان مما لا يوجب حدا بالغ في تأديبه ، وتلزمه في حقه التوبة مما أتاه.

__________________

(1) فبلعه. ظ

(2) في بعض النسخ : ما عينه.

(3) في بعض النسخ : ان كان بالأكل.


فإن قصد إلى رؤية ذات محرم أو أصغى الى محظور أو نطق بقبيح قول أو بطش أو سعى فيما لا يحل أو عزم على شي‌ء من ذلك فهو مأزور ، وصومه ماض ولا قضاء عليه ولا كفارة.

وان كان عن سهو فلا شي‌ء عليه.

وان خالف في شي‌ء من فضائل الصوم التي ذكرناها نقص ثواب صومه ولا اثم عليه.

فصل في صوم القضاء والكفارة

يلزم من تعين عليه فرض القضاء لشي‌ء من شهر رمضان أن يبادر به في أول أحوال الإمكان ، والموالاة أفضل ، وان دخل الشهر الثاني وعليه شي‌ء من فائت الأول لم يتمكن من قضائه ما بين الشهرين فليصم الحاضر [ ويكفر عن كل يوم من الفائت ](1) ، فاذا أكمله قضى الفائت ، وان كان ممن تمكن من القضاء بينهما ففرط فيه فليصم الحاضر ، ويكفر عن كل يوم من الفائت بإطعام مسكين ، فإذا أكمل الشهر فليصم ما فاته من الأول.

ولا يجوز لمن عليه فائت أن يتطوع بصوم حتى يقضيه.

فإذا أفطر في يوم عزم على صومه قضاءا قبل الزوال فهو مأزور ، وان كان بعد الزوال تعاظم وزره ، ولزمته الكفارة : صيام ثلاث أيام ، أو إطعام عشرة مساكين ، وان كان القضاء لافطار ما تجب له الكفارة ففرضها متعين مع القضاء.

فصل في صوم النذر والإفطار فيه

من تعين عليه بالنذر صوم كل خميس أو جمعة أو كل رجب أو شعبان أو

__________________

(1) الظاهر زيادة هذه الجملة.


أول الخميس من شهر كذا أو ثاني يوم قدومه الى غير ذلك من الأزمنة المتعينة التي لا مثل لها ، وجب عليه صوم ما نذره بعينه وجوبا مضيقا ، فإن أفطر في شي‌ء(1) مختارا فعليه ما على من أفطر في يوم من شهر رمضان مختارا ، فان كان لضرورة يطيق معها الصوم لمشقة(2) فعليه كفارة إطعام عشرة مساكين أو صوم ثلاثة أيام ، وان كان لضرورة لا يطيق معها الصوم فلا كفارة عليه ، والقضاء لازم له على كل حال.

وان اتفق نذره المعين في شهر رمضان سقط فرضه ، وان اتفق في يوم فطر أو أضحى أو أيام التشريق فليفطر ولا قضاء عليه لشي‌ء من ذلك ولا كفارة ، لأن النذر انما يتعلق بما يصح صومه وإفطاره قبل النذر فيجب به ، وشهر رمضان واجب قبل النذر بأمره تعالى ، وصوم عيدين وأيام التشريق محرم ، فلا يدخل النذر على شي‌ء منه.

وان علق نذره بزمان معين له مثل يوم(3) خميس ماء(4) أو شهر محرم وجب عليه صوم ذلك فان صام غيره لم يجزه ولزمه الصوم في الزمان المتعين بالنذر. وان شرط في نذره الموالاة ففرق مختارا لم يجزه ولزمه الاستيناف وان كان مضطرا بنى على ما مضى.

وان نذر أن يصوم يوما ويفطر يوما صوم داودعليه‌السلام فوالى الصوم أو الإفطار مختارا لم يجزه ولزمه الاستيناف وان كان مضطرا بنى على ما مضى. وان نذر أن يصوم في موضع بعينه كالمسجد الحرام أو مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أو مسجد الكوفة أو بعض مشاهد الأئمةعليهم‌السلام وجب ذلك.

__________________

(1) في بعض النسخ هكذا : فإن أفطر وأتى بشي‌ء مختارا.

(2) في بعض النسخ : لمشقته ، ولعل الصحيح : بمشقة.

(3) كيوم. ظ

(4) كذا.


وان لم يتمكن وكان نذره متعلقا بزمان معين لا مثل له صام بحيث هو ، وان كان غير ذلك تربص الى حين التمكن ، فان ظن استمرار العذر صام ما وجب عليه بحيث هو.

وان أفطر في يوم عزم على صومه لنذر أوجبه عليه وله مثل فهو مأزور وعليه مثله.

وان نذر أن يصوم شهرا فهو مخير في الشهر ، فإن ابتدأ بشهر لزمه إكماله فإن أفطر فيه مضطرا فليبن على ما صام منه ، وان كان مختارا في النصف الأول فليستأنف الصوم وان كان في الثاني فليبن وهو مأزور.

فصل في صوم الاعتكاف وكفارة الإفطار فيه

الاعتكاف اللبث المتطاول للعبادة في مكان مخصوص ، واللبث ثلاثة أيام فما فوقها ، ولا اعتبار بها من دون التعبد ، والمكان مكة ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومسجد الكوفة الأعظم ومسجد البصرة كذلك ، دون سائر الأمكنة ، ومن شرطه الصوم.

وهو على ضربين : أحدهما يجب الدخول فيه والثاني لا يجب.

فالأول ما وجب عن نذر فان كان معلقا بزمان معدود وجب تكميله بحيث نذر وان لم يكن معدودا اعتكف ثلاثة أيام ، وهو بالخيار فيما بعد.

وان كان تطوعا فهو بالخيار ما لم يعزم على صومه ويدخل المسجد عازما عليه فيلزمه المضي فيه ثلاثة أيام ، ثم هو فيما زاد عليها بالخيار.

وان استأنف اعتكافا بعد ما مضى ثلاثة أيام في الواجب والمندوب فهو بالخيار في المضي والفسخ ما لم يمض له يومان ، فإن مضيا لزمه تكميله ثلاثا.


ومن شروطه ملازمة المسجد ليلا ونهارا واجتناب الخروج منه الا لازالة حدث أو عيادة مريض أو تشييع جنازة ، ولا يجلس تحت سقف مختارا حتى يعود اليه ، ويلزمه في النهار ما يلزمه الصائم ، ويجتنب الجماع في الليل كالنهار فإن أفطر نهارا أو جامع ليلا فسخ اعتكافه ووجب عليه استينافه وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان.

ولا يجوز للمرأة أن تعتكف تطوعا إلا بإذن زوجها ، ولا للعبد والأمة إلا بإذن السيد.

وإذا مرض المعتكف فاضطر الى الخروج منه خرج فان زال العذر رجع فبنى على ما مضى من اعتكافه.

فصل في صوم كفارة جزاء الصيد

يجب على من قتل نعامة ولم يتمكن من بدلها ولا الإطعام عنها أن يصوم ستين يوما ، وعن حمار الوحش أو بقرة الوحش صوم ثلاثين يوما ، وعن الذئب(1) أو الثعلب أو الأرنب صوم ثلاثة أيام ، وعن كل ما لا مثل له من النعم بالكل نصف صاع من بر من قيمته صيام يوم.

فان كان قاتل الصيد محرما في الحرم فعليه مثلا ما ذكرناه من الصوم.

وهو بالخيار في تفريق هذا الصوم وموالاته ، والمولاة أفضل.

فصل في كفارة حلق الرأس

يجوز للمحرم إذا أضر به طول الشعر حلق رأسه ، ويكفر عن ذلك ان

__________________

(1) كذا في النسخ ، وفي المختلف : قال أبو الصلاح : يجب أن يصوم عن الظبي والثعلب والأرنب ثلاثة أيام.


لم يقدر على النسك والإطعام بصيام ثلاثة أيام متوالية ، فإن فرق مختارا استأنف وان كان مضطرا بنى.

فصل في صيام دم المتعة

يلزم من تمتع بالعمرة إلى الحج وتعذر عليه الذبح وثمنه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج : يوم السابع من ذي الحجة والثامن والتاسع ، وسبعة أيام إذا رجع الى أهله متوالية ، فإن فرق مختارا استأنف ، وان كان مضطرا بنى ، فان لم يصم الا يومين قبل يوم النحر صام بعد أيام التشريق يوما ، وان صام يوما واحدا قبله أو لم يصم شيئا فليصم ثلاثة أيام بعد أيام التشريق ، وان جاور بمكة أو صد عن وطنه فلينتظر أن يمضى من الزمان ما كان يصل فيه الى أهله ويصوم السبعة الأيام ( كذا ).

فصل في كفارة اليمين وفوت عشاء الآخرة

يلزم من حنث في يمين توجب الكفارة وتعذر عليه العتق أو الكسوة أو الإطعام أن يصوم ثلاثة أيام متوالية ، فإن فرق مختارا أو مضطرا فحكمه ما تقدم.

ويتعين على من فرط في صلاة عشاء الآخرة حتى جاوز النصف الأول من الليل أن يصبح صائما ، فإن أفطر يومه فهو مأزور وتلزمه التوبة مما فرط فيه.

فصل في بيان أحكام صيام شهرين متتابعين

ويلزم من تعين عليه صيام شهرين متتابعين لأحد ما ذكرناه من إفطار يوم


من شهر رمضان أو نذر معين أو اعتكاف أو لنقض عهد أو لظهار أو لقتل عمد أو خطأ أو ليمين البر(1) أو لنذر صومهما ، ان يبتدئ صوم شهرين قريبين يمكن الموالاة فيهما ، دون شعبان لأجل شهر رمضان ، ودون شوال لأجل يوم الفطر ودون ذي القعدة وذي الحجة لأجل يوم النحر وأيام التشريق.

فاذا دخل في الصوم وجب عليه المضي فيه حتى يكمل الشهرين فإذا أفطر في شي‌ء منهما مضطرا بنى على ما صامه ولو كان يوما واحدا ، وان كان مختارا في الشهر الأول وقبل أن يدخل في الثاني استأنف الصوم من اوله ، وان أفطر بعد ما يصوم من الثاني يوما فما زاد تم بذلك وجاز له البناء على ما مضى ، والاستيناف أفضل.

ومن مات وعليه شي‌ء من ضروب الصوم لم يؤده مع تعين فرضه عليه وتفريطه فيه فعلى وليه القضاء عنه ، فان لم يكن له ولي اخرج من ماله الى من يقضي عنه ، وان لم يتعين ذلك عليه فلا شي‌ء على وليه ولا حق في ماله.

فصل في مسنون الصيام

أفضل الصوم ثلاثة أيام في كل شهر : خميس في أوله وأربعاء في وسطه وخميس في آخره ، ويليه صوم شعبان ، ويليه صوم رجب ، ويليه صوم الأربعة الأيام : السابع عشر من ربيع الأول مولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والسابع والعشرين من رجب وهو يوم المبعث ، والخامس والعشرين من ذي القعدة وهو يوم دحو الأرض من تحت الكعبة ، والثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم الغدير ، ويليه صوم أول يوم من ذي الحجة ، ويليه صوم المحرم والأيام البيض من كل شهر إلى باقي ضروبه.

__________________

(1) كذا في النسخ : ولعل الصحيح : أو ليمين البراءة.


باب حقيقة الحج وأحكامه وشروطه

يجب العلم من هذا التكليف بأمور ستة : أولها حقيقة الحج ، وثانيها ضروبه وثالثها تعين(1) مكلفة ، رابعها بيان أحكامه ، وخامسها شروطه ، وسادسها كيفية فعله.

الفصل الأول

الحج في أصل الوضع القصد ، وفي الشريعة مناسك مقصودة في زمان ومكان مخصوصين ، فالمناسك : الإحرام والتلبية والطواف والسعي وشهادة الموقفين ونزول المنى والذبح والحلق والرمي.

واشترطناها بالقصد إذ به تكون مناسك.

والزمان للإحرام(2) أشهر الحج والحج(3) يوم التروية للمتعة(4) والذي

__________________

(1) تعيين ظ.

(2) في بعض النسخ : والزمان للحج والإحرام ، وفي بعضها الأخر : والزمان للحج للإحرام.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : والى يوم.

(4) كذا.


يليه الوقوف(1) بعرفة ، والذي يليه الوقوف(2) بالمشعر ونزول المنى والذبح والحلق ورمى جمرة العقبة والطواف والسعي ، وأيام التشريق بعده لرمي الجمرات.

والمكان البيت للطواف به ، والصفا والمروة للسعي بينهما ، وعرفة والمشعر للوقوف بهما ، ومنى للذبح والحلق والرمي.

الفصل الثاني

الحج على ثلاثة أضرب : تمتع بالعمرة إلى الحج وقران من الحج ، وإفراد للحج.

فصفة المتعة أن يضيف المتمتع الى مناسك الحج عمرة يحل منها ويستأنف الإحرام للحج ، والقران أن يقرن إحرام الحج بسياق الهدى ، والإفراد أن يفرد الحج من العمرة وسياق الهدى.

والحج من حيث كان حجا لا يختلف(3) مناسكه ، وانما تضاف إليه في التمتع عمرة هي : طواف وسعى ، وفي القران سياق الهدى ، ويتجرد في الإفراد منهما.

وأما التمتع ففرض من نأى عن مكة وحاضريها لا يجزيهم في حجة الإسلام غيره ، والتطوع به أفصل من الإقران والإفراد.

فأما الإقران والإفراد ففرض أهل مكة وحاضريها ومن كانت داره اثنى عشر

__________________

(1) للوقوف.

(2) للوقوف.

(3) لا تختلف.


ميلا من أى جهاتها كان.

وهو على ضربين : واجب ومندوب.

والواجب ضروب ثلاثة : حج الإسلام ، وحج النذور ، وحج الكفارة.

والتطوع ما ابتدأ به.

والفرق بين حج الفرض والنفل أن الفرض يجب الابتداء به ، والنفل بخلاف ذلك ، فاذا دخل فيه بالإحرام له وجب المضي فيه وساوت أحكامه بعد الإحرام في الوجوب لأحكام ما وجب الدخول فيه من ضروب الحج الواجبة.

الفصل الثالث

العلم بالحج واجب على كل مكلف ، لكون ذلك من جملة الايمان المتعين على كل مكلف من حر وعبد ومسلم وكافر وذكر وأنثى وغنى وفقير ومستطيع وممنوع.

وفرض أدائه يختص بكل حر بالغ كامل العقل مستطيع له بالصحة والتخلية والأمن ووجود الزاد والراحلة والكفاية له ولمن يعول والعود إلى كفاية من صناعة أو تجارة أو غير ذلك ، سواء كان مؤمنا أو كافرا ، لكون الكفار مخاطبين بالشرائع مسؤولين عن الإخلال بها ، لصحة وقوعها من جهتهم بأن يؤمنوا ، وجروا في ذلك مجرى المحدث المخاطب بالصلاة الملوم على تركها لكونه متمكنا من فعلها بتمكنه من رفع الحدث.

وصحة الحج موقوفة على ثبوت الإسلام ، والعلم بتفصيل أحكام الحج وشروطه ، وتأديته لوجهه الذي له شرع ، مخلصا به ، مع كون مؤديه مطهرا بالختانة ، من حيث كانت صحته من دون الإسلام محالا ، ومع ثبوته وحصول الجهل به إذ كان العلم شرطا في صحة العمل ، ومع ثبوت الأمرين وفعل الحج


لغير وجهه والإخلاص به لا يكون عبادة صحيحة بالاتفاق ، ومع فقد الإحرام(1) لا يصح كما لا تصح الصلاة من دون الطهارة ، ومع تكامل ما قدمناه من الشروط وكون الحاج أغلف لا يصح حجه بإجماع آل محمدعليهم‌السلام .

الفصل الرابع

أحكام الحج : التلبية والطواف والسعي والوقوف بعرفة والوقوف بالمشعر ونزول منى والمبيت بها لياليها والرمي والذبح والحلق.

فاما التلبية من أركان الحج ، وهي على ضربين : مفروض ومسنون.

والمفروض أربع : لبيك اللهم لبيك [ لبيك ] ان الحمد والنعمة لك والملك [ لك ] لا شريك لك لبيك.

والمسنون : لبيك ذا المعارج لبيك لبيك ذا الجلال والإكرام لبيك لبيك مبدء الخلق ومعيده لبيك لبيك غافر الذنوب لبيك لبيك قابل التوبة لبيك لبيك كاشف الكرب العظام لبيك لبيك فاطر السموات والأرض لبيك لبيك أهل التقوى وأهل المغفرة لبيك.

وأوقات التلبية أدبار الصلوات ، وحين الانتباه من النوم ، وبالأسحار ، وكلما علا نجدا أو هبط غورا أو رأى راكبا.

والسنة فيها على الرجال رفع الصوت.

وابتداء فرضها عقيب الإحرام وآخر وقتها للمتمتع إذا عاين بيوت مكة ولكل حاج زوال الشمس من يوم عرفة ، وللمعتمر عمرة مبتولة إذا عاين البيت.

__________________

(1) كذا في جميع النسخ.


ويجوز فعلها للمحدث كالطاهر ، وعلى طهارة أفضل.

وتعمد الإخلال بها يفسد الحج ، والسهو عنها من دون عقد الإحرام بغيرها كذلك.

ولا يصح شي‌ء في(1) التلبية الابنية هي العزم عليها بوجهها على جهة القربة إليه سبحانه.

واما الطواف فسبعة أشواط حول البيت مشيا فوق الهوينا ودون الهرولة بما يشتمل عليه من الأفعال والأذكار التي نبينها. ولكل طواف صلاة ركعتين قد بيناهما.

وهو على ضربين : مفروض ومسنون.

والمفروض على ثلاثة أضرب : طواف المتعة وطواف الزيارة وطواف النساء.

والمسنون ثلاثمائة وستون شوطا ، وروى : « ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يطوف في كل يوم وليلة عشرة أسابيع ».(2)

فأما طواف المتعة فوقته من حيث يدخل المتمتع مكة والى أن تغرب الشمس من يوم التروية للمختار ، وللمضطر الى أن يبقى من الزمان ما يدرك في مثله عرفة في آخر وقتها.

فان فاته بخروج وقته وتفريطه بطلت متعته وبطل حجه ان(3) كان فرض العمرة أو واجبا عن نذر أو كفارة تعينا(4) وان كان تطوعا فهو مأزور وعليه

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) راجع الوسائل ، كتاب الحج ، أبواب الطواف ، الباب السادس.

(3) في المختلف : وان كان.

(4) وفي بعض النسخ : معينا ، ولم اهتد الى صحيح هذه العبارة.


أيضا الإحرام للحج وقضاء المتعة بعد الفراغ منه ، وان كان فوته لضرورة فحجه ماض على كل حال وعليه قضاؤه بعد الفراغ من مناسك الحج.

وأما طواف الزيارة فركن من أركان الحج ، ووقته للمتمتع بعد الرمي والحلق والذبح من يوم النحر الى آخر أيام التشريق ، وللمفرد والقارن من حين دخولهما مكة الى انقضاء أيام التشريق ، فمن أخل به على حال بطل حجه ، ولزمه استينافه من قابل.

وأما طواف النساء فمن مناسك الحج ، وأول وقته يوم النحر الى آخر أيام التشريق ، فان خرج وقته ولما يطفه لم تحل له النساء حتى يطوف من قابل أو يطاف عنه ، ويأثم ان كان ذلك عن إيثار(1) ولا اثم عليه ان كان لسهو أو لضرورة.

ولا يجوز قطع الطواف الا لصلاة فريضة أو لضرورة ، فإن قطعه لصلاة فريضة بنى على ما طاف ولو شوطا واحدا ، وان كان لضرورة أو سهو وكان ما طاف أكثر من النصف بنى عليه ، وان كان أقل منه استأنف منه.

وان قطعه مختارا أثم وعليه استينافه على كل حال.

فان مسها في شي‌ء منه فليبن على ما تيقنه أو ظنه فان كان شاكا فليبن على الأقل وان لم يحصل له شي‌ء أعاده.

وان ذكر وهو في السعي أنه قد ترك شيئا من أسبوعه فليقطعه ويعد الى البيت فيطوف ما تركه ان كان أقل من النصف وان كان أكثر منه استأنفه.

وان لم يستطع المكلف الطواف ماشيا فليطف راكبا ومحمولا.

ولا يصح طواف فرض ولا نفل لمحدث.

ويلزم مريده افتتاحه بالعزم على أدائه بصفته المخصوصة لكونه مصلحة

__________________

(1) اثارة.


متقربا به اليه سبحانه ، فإن أخل بالنية لم يكن طوافه عبادة ، ولا مجزيا ، فليستأنفه مفتتحا بالنية.

فأما السعي بين الصفا والمروة فمن أركان الحج ، ولا مسنون فيه وهو على ضربين : سعى المتمتع للمتعة وسعى الحج بعد طواف الزيارة.

ووقت كل منهما ممتد بامتداد وقت طوافه وحكم المخل به حكم المخل بطوافه.

والسنة فيه الابتداء بالصفا والختام بالمروة ، والسعي بينهما سبعة أشواط ، يمشي في كل شوط طرفيه ويهرول وسطه ، يبدء المشي من الصفا الى الميل ثم يهرول حتى يقطع سوق العطارين ثم يمشى من الميل إلى المروة ، ثم يعود منها ماشيا الى الميل ثم يهرول من السوق الى الميل ثم يمشى منه الى أن يصعد الصفا ، حتى يكمل سبعا.

ولا يجوز الجلوس بين الصفا والمروة ، ويجوز الوقوف عند الإعياء حتى تستريح(1) ويجوز الجلوس على الصفا والمروة.

فإن عجز عن المشي أو الهرولة فليركب ، ويجوز له السعي راكبا من غير عجز ، والمشي أفضل. وإذا سعى راكبا فليركض الدابة بحيث تجب الهرولة ويجب افتتاحه بالنية.

وحكم من قطعه عن إيثار أو اضطرار أو لسهو حكم الطواف ، فليتأمل ويعمل بحسبه.

ويصح السعي من المحدث وطاهرا(2) أفضل.

وأما الوقوف بعرفة ـ وحدها من المأزمين إلى الموقف ـ فمن أركان الحج

__________________

(1) كذا.

(2) في بعض النسخ : والطاهر أفضل.


ووقته للحج للمختار من زوال الشمس من التاسع الى غروبها ، وللمضطر الى طلوع الفجر من يوم النحر ، فان فات الوقوف بها عن إيثار بطل الحج ، وان كان عن اضطرار وأدرك المشعر الحرام في وقت المضطر فحجه ماض.

ويلزم افتتاحه بالنية وقطع زمانه بالدعاء والتوبة والاستغفار.

وأفضل المواقف يسرة(1) الجبل ولا يفيض منه المختار حتى تغرب الشمس ويجوز الوقوف به للمحدث وطاهرا(2) أفضل.

وأما الوقوف بالمشعر الحرام وهو من جمع وهي المزدلفة ـ وحدها من المأزمين إلى وادي محسر ـ يصح الوقوف بكل منهما ، وأفضله ما قرب من المشعر(3) .

ووقت المختار من طلوع الفجر من يوم النحر الى طلوع الشمس يلزمه(4) افتتاحه بالنية ، وقطع هذا الزمان بالدعاء والتوبة والاستغفار.

ووقت المضطر ممتد الى الليل كله والى أن تزول الشمس من نهاره أقل ما يقع عليه اسم الوقوف داعيا.

فان فات الوقوف به على حال بطل الحج ووجب استينافه.

ولا يجوز للمختار أن يفيض منه حتى تطلع الشمس ، فان اضطر إلى الإفاضة فلا يجاوز وادي محسر حتى تطلع الشمس.

ويجوز للنساء إذا خفن مجي‌ء الدم الإفاضة ليلا وإتيان منى والرمي والذبح والتقصير ودخول مكة يوم النحر لطواف الزيارة والسعي وطواف

__________________

(1) ميسرة.

(2) في بعض النسخ : وطاهر أفضل وفي بعضها الأخر : والطاهر أفضل.

(3) كذا.

(4) يلزم فيه.


النساء.

ويستحب للصرورة أن يطأ المشعر.

ويصح الوقوف به للمحدث وطاهرا أفضل.

وأما نزول منى فمن وكيد السنة المبيت بها ليلة عرفة ، وصلاة المغرب وعشاء الآخرة والغداة ، ليكون الإفاضة منها الى عرفات ، ولا يفيض امام الصلاة منها حتى تطلع الشمس.

ومن مناسك الحج المبيت بها ليالي أيام التشريق الى حين الإفاضة منها فان بات بغيرها مختارا لغير عبادة فعليه دم ، ويجوز الخروج منها للبائت بها بعد مضي النصف الأول من الليل ، والتصبح بها أفضل.

وإذا عاد إليها قبل أن يمضي النصف الأول فهو بائت بها ، ونزولها قبل غروب الشمس أفضل.

وحدها من طرف وادي محسر إلى العقبة.

والنفر الأول يوم الثالث من النحر ، والأخير اليوم الرابع ، ولا يجوز للصرورة أن ينفر في الأول ، ويجوز ذلك لغيره ، وتأخيره النفر إلى الأخير أفضل.

وأما رمى الجمار فهو سبعون حصاة تؤخذ من الحرم دون المسجد الحرام ومسجد الخيف والحصاة المقذوف به مرة ، وأفضله المشعر الحرام ، ومقدار الحصاة رأس الأنملة ، ملتقطة غير مكسورة ، وأفضل الحصاة البرش ، ثم البيض والحمر ، وتكره السود ، يرمى منها يوم النحر جمرة العقبة ـ وهي القصوى ـ بسبع ، ويرمى في كل يوم بعده بإحدى وعشرين حصاة ، يبدء بالجمرة الأولة ـ وهي العظمى ـ(1) فيرميها بسبع ، ثم الوسطى بسبع ، ثم العقبة بسبع ، فان

__________________

(1) العظماء ، خ.


خالف الترتيب استدركه.

فان رمى حصاة فوقعت في محمل أو عطى طهر(1) ثم سقطت على الأرض أجزأت والا فعليه أن يرمى عوضها عنها.

ولا يجوز الرمي قبل طلوع الشمس ولا بعد غروبها إلا للمرأة الخائفة من مجي‌ء الدم وفوت الطواف لمجيئه ، وأفضل الأوقات للرمي قبل الزوال.

فان فات رمي يوم فليرم في اليوم الثاني ما فاته في صدر النهار وليومه بعد الزوال ، ومن عجز عن الرمي فليرم عنه وليه.

ويجوز للمحدث أن يرمي الجمار ، وعلى طهارة أفضل.

وإذا أفاض في النفر الأول فليدفن ما بقي من الحصى بمنى. فان خرجت أيام التشريق ولما يرم ما وجب عليه قبل النفر أو بعضه(2) فليرمه من قابل في أيام التشريق ان تمكن بنفسه ، والا استناب من يرمي عنه.

فإن أخل برمي الجمار أو شي‌ء منه ابتداء أو قضاءا أثم بذلك ، ووجب عليه تلافى ما فاته ، [ فرطه خ ] وحجه ماض.

وأما الهدي فعلى ضربين : مفروض ومسنون.

والمفروض على ضروب أربعة : هدى النذر ، وهدى الكفارة ، وهدى القران ، وهدى التمتع.

فأما هدى النذر فيجب سياقه من حيث نذر سياقه منه ، فان لم ينذر شيئا ابتاعه بحيث نذر ذبحه وذبحه ، وكل منهما مضمون يلزم الناذر عوض ما انكسر منه أو مات أو ضل ، ولا يحل له أن يأكل منه شيئا.

وأما هدي الكفارة عن قتل الصيد فسياقه واجب من حيث قتل الصيد

__________________

(1) لم اهتد الى صحيح هذه الجملة أو الكلمة ، وفي بعض النسخ : غطى ظهر.

(2) كذا.


ان أمكن ذلك ، والا فمن حيث أمكن ، ويذبح أو ينحر من الفداء لما قتله من الصيد في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة بمكة قبال(1) الكعبة ، وفي إحرام الحج بمنى. وان كان لتعد(2) في الإحرام عدا الصيد فسياقه غير واجب.

وان تعذر السياق أو الابتياع بحيث يجب الذبح والنحر في عامه فعليه ذلك من قابل ، أو عدله صياما ، أو صدقة حسب ما نبينه.

وحكم هذا الهدى في الضمان وتحريم الأكل منه حكم هدى النذر.

وأما هدي القران فابتداؤه تطوع فإذا أشعر أو قلد لزمه سياقه.

فان انكسر أو هلك قبل بلوغ محله فعليه بدله ، فان لم يتمكن فلا شي‌ء عليه غير ذبح المنكسر والتصدق بلحمه ، وإذا بلغ محله سليما ذبح أو نحر فأكل منه وأطعم.

وأما هدي التمتع فأدناه شاة والفضل فيما زاد عليها بحسب الإمكان.

والسنة أن يأكل بعضها ويطعم الباقي.

ولا يجوز إعطاء الجزاز شيئا من جلال شي‌ء من الهدى ولا قلائده ولا إهابه ولا لحمه على جهة الأجر ، ويجوز على وجه الصدقة.

ومن السنة أن يتولى مهدي الانعام ذبحها أو نحرها بيده أو يشارك الذابح.

ولا يجوز لمن ذبح هديا بمنى أن يخرج منها شيئا من لحومه ، ويجوز ذلك للمتصدق عليه.

والمسنون ما تبرع المكلف بهديه وليس بمضمون. والسنة فيه أن يأكل منه مهدية ويتصدق بالباقي.

وأما الحلق فمن مناسك الحج ، ومحله منى يوم النحر بعد رمى جمرة

__________________

(1) قبالة.

(2) كذا في بعض النسخ.


العقبة ، ويجوز قبل الرمي ، وتأخيره إلى آخر أيام التشريق.

ولا يجزى الصرورة من الرجال غير الحلق ، ويجزى من عداه التقصير ، وكذلك حكم النساء.

والسنة فيه أن يبدأ الحلاق(1) بالناصية ثم الجانب الأيمن ثم الأيسر ، ويدفن الشعر بمنى.

فان حلق بغيرها أثم ولزمه أن يدفنه بها. ولا يجوز الحلق قبل محله مختارا فان أضطر لأذى يلحقه جاز الحلق والتكفير بشاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام.

ويلزم افتتاح الرمي وسياق الهدى وذبحه وحلق الرأس بالنية كسائر الفرائض.

الفصل الخامس

شروط الحج التي بها يصح ويفسد لاختلال بعضها الإسلام لفساد كل عبادة من دونه لما بيناه ، والعلم بأحكامه وشروطه وكيفية فعله لوجوهه لما ذكرناه ، وتأديته للوجه الذي له شرع مخلصا به لما أوجبناه ، والختنة ، والإحرام ، وصحته موقوفة على العلم بالوقت المشروع لعقده ، والميقات المنصوص على تعلق مخصوصية فعله به ، وما ينعقد به ، ليقصد اليه ، وبيان ما يجتنبه المحرم لكون فعله مفسدة فيه ، وكفارة ما يأتيه لتبرأ ذمته من تبعته.

فأما الوقت للإحرام فأشهر الحج : شوال وذو القعدة وثمان من ذي الحجة فإن أهل بالحج من دونها لم ينعقد ، ووجب تجديده فيها ، فان لم يفعل فلا إحرام له.

__________________

(1) في بعض النسخ : الحالق.


وأما الميقات فلكل أهل إقليم ميقات ، فميقات أهل العراق « بطن العقيق » وأوله « المسلخ » وأوسطه « الغمرة » ، وآخره « ذات عرق » ، وميقات أهل المدينة « مسجد الشجرة » وهو « ذو الحليفة » ، ومرخص لصبيانهم وضعفائهم أن يحرموا من « الجحفة » ، وميقات أهل الشام « الجحفة » وميقات أهل الطائف « قرن المنازل » وميقات أهل اليمن « يلملم ».

فمن سلك طريق أحد هذه المواقيت فميقاته ميقاتهم.

فمن أحرم من دون ميقاته لم ينعقد إحرامه ، وعليه إذا انتهى اليه أن ينعقد الإحرام منه ، فان لم يفعل فلا حج له.

وان تجاوزه من غير إحرام فعليه الرجوع اليه ليهل منه ، فان لم يتمكن أحرم من موضعه.

ويجوز لمن منزله دون الميقات أن يحرم منه وخروجه الى الميقات أفضل.

وميقات المجاور ميقات بلده ويجوز له أن يحرم من « الجعرانة » ، وان ضاق عليه الوقت فمن خارج الحرم.

وميقات المعتمر ميقات أهله ، فإن اعتمر من مكة فمن خارج الحرم ، وميقات أهله أفضل.

وأهل مكة مخيّرون بين سائر المواقيت.

وأما ما ينعقد به الإحرام فالتلبية أو إشعار الهدى أو تقليدها ، لا ينعقد بشي‌ء سوى هذا مما يتقدم ذلك أو يصاحب أو يتأخر من الصلاة والتجرد ولبس ثوبي الإحرام وقول وفعل.

ولا يصح الا بنية هي العزم عليه موجبا أفعالا مخصوصة هي ما قدمناه من المناسك واجتناب أمور نذكرها لوجوبه مخلصا له سبحانه.

وأما ما يجتنبه فالنساء رؤية وسماعا وضما وتقبيلا ومباشرة ، والطيب


كله ، والادهان الزكية ، وما خالطه شي‌ء من ذلك ، والصيد ، والدلالة عليه ، والجدال ، والكذب ، وحك الجلد حتى يدمي ، وإماطة الشعر عن الجسم ، وقص الأظفار ، وطرح القمل عنه ، وقتله ، ولبس المخيط ، وتغطية الرجل رأسه ، والمرأة وجهها ، والتظلل في المحمل ، وعقد النكاح له ولغيره ، وقطع شجرة الحرم ، واختلاء خلاه ، [ ها ظ ] وقتل شي‌ء من الحيوان عدا الحية والعقرب والفأرة والغراب ما لم يخف(1) شيئا منه ، والفصاد ، والحجامة من غير ضرورة والنظر في المرآة ، والاغتسال للتبريد ،(2) وحمل السلاح وإشهاره الا(3) للمدافعة.

وأما كفارة ما يأتيه المحرم فعلى ضربين : أحدهما موجب لها بشرط الذكر للإحرام والقصد دون السهو والخطأ ، والثاني موجب لها على كل حال وهو الصيد ، والأول ما عداه مما ذكرناه ، ولكل كفارة تخصه.

ففي النظر إلى المرأة بشهوة والإصغاء إلى حديثها أو حملها أو ضمها الإثم فإن أمنى فدم شاة ، وفي القبلة دم شاة ، فإن أمنى فعليه بدنة ، وفي الوطي في إحرام المتعة قبل طوافها أو سعيها فساد المتعة ، وكفارته(4) بدنة ، وفي إحرام الحج قبل العرفة بدنة ، فان كان في الفرج فسد الحج ولزمه استينافه ، وبعد عرفة(5) بدنة ، وفي الاستمناء والتلوط وإتيان البهائم بدنة.

__________________

(1) وفي الروايات : كل ما يخاف المحرم على نفسه من السباع والحيات وغيرها فليقتله.

(2) للتبرد.

(3) في بعض النسخ : لا للمدافعة.

(4) كفارة. خ.

(5) العرفة. خ.


وفي أكل الصيد أو بيضة ، أو شم مسك أو عنبر أو زعفران أو ورس ، أو أكل طعام فيه شي‌ء منه دم شاة ، وفيما عدا ذلك من الطيب الإثم دون الكفارة.

وفي تظليل المحمل وتغطية رأس الرجل ووجه المرأة مختارا لكل يوم دم شاة ، ومع الاضطرار بجملة المدة دم شاة.

وفي قص ظفر كف من طعام ، وفي أظفار إحدى يديه صاع ، وفي أظفار كلتيهما دم شاة ، وكذلك حكم أظفار رجليه ، فان قص أظفار يديه ورجليه في مجلس واحد فعليه دم واحد.

وفي قص الشارب أو حلق العانة والإبطين دم شاة ، وفي حلق الرأس دم شاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام.

وفي المجادلة وهي قوله : لا والله ثلاث مرات فما فوقهن صادقا دم شاة وفي مرة كاذبا شاة ، ومرتين دم بقرة ، وفي ثلاث مرات فما فوقهن دم بدنة.

وفي حك الجسم حتى يدمي مد من طعام لمسكين.

وفي قطع بعض شجر الحرم من أصله دم شاة ، ولقطع بعضها ، أو اختلاء خلاها ما تيسر من الصدقة.

وفي لبس المخيط بعد الإحرام شقه وإخراجه من قبل الرجلين ، وللإحرام فيه نزعه ، وفي كل منهما دم شاة.

وفي قلع الضرس دم شاة.

وعقد النكاح فاسد وعاقده آثم.

وفي إتيان ما عدا ما بيناه(1) لزوم الكفارة منه(2) مما يلزم المحرم اجتنابه الإثم.

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة الهاء.

(2) كذا في النسخ ، والظاهر : فيه.


فأما الصيد فيلزم من قتله أو ذبحه أو شارك في ذلك أو دل عليه فقتل ان كان محلا في الحرم أو محرما في الحل فداؤه بمثله من النعم ، وان كان محرما في الحرم فالفداء والقيمة ، وروى الفداء مضاعفا.

وكفارة العبد والأمة ان كان إحرامهما بإذن السيد عليه ، وبغير اذنه عليهما بالصوم دون الهدى والإطعام.

وكفارة الصغير والمأوف العقل على وليه.

ووقوع ذلك عن قصد يقتضي مع الكفارة استحقاق العقاب ، وعن خطأ أو سهو الكفارة حسب ، والندم يجب من المقصود ، وهو مقسط للذم والعقاب دون الكفارة.

وتكرير(1) القتل يوجب تكرير الكفارة.

فإن كان المقتول نعامة ففيها بدنة ، فان لم يجد فقيمتها ، فان لم يجد فض القيمة على البر ، وصام لكل نصف صاع يوما.

وان كان حمار وحش أو بقرة وحش فعليه بقرة ، فان لم يجدها تصدق بقيمتها ، فان لم يجد فض القيمة على البر ، وصام لكل نصف صاع يوما.

وان كان ظبيا أو ثعلبا أو أرنبا فعليه شاة ، فان لم يجدها فقيمتها ، فان لم يجد صام عن كل نصف صاع من قيمتها يوما.

ويجوز له ان فقد الفداء أو القيمة أن يصوم للنعامة ستين يوما ، وللبقرة ثلاثين يوما ، وللظبي ثلاثة أيام ، وان صام بالقيمة أقل من هذه المدة أجزأ وان زادت القيمة عليها لم يتجاوزها.

وان كان المقتول لا مثل له من الانعام كالطير والوحش ففيه القيمة أو عدلها صياما على ما بينا وصفه.

__________________

(1) وتكرر.


وفي قتل الزنبور كف من طعام ، فان قتل زنابير فصاع ، وفي قتل الكثير دم شاة.

وفي كل حمامة من حمام الحرم شاة ، وفي فراخها حمل ، وفي بيضها درهم وفي حمامة الحل درهم ، وفي فراخها نصف درهم ، وفي بيضها ربع درهم.

وفي القنفذ والضب واليربوع حمل قد فطم ورعى من الشجر. وفي صغار الصيد مثله من صغار الانعام. وفي بيض النعام إذا تحرك فيها الفراخ لكل بيضة فصيل ، وان لم يتحرك فيها الفراخ فإرسال فحولة الإبل على إناثها بعدد ما كسر فما نتج كان هديا فان لم تكن له إبل فلكل بيضة شاة ولبيض القبج والدجاج(1) إرسال فحولة الغنم على إناثها فما نتج كان هديا.

ومن رمى صيدا فأصابه فمر لوجهه ولم يعرف حاله فعليه فداؤه ، وان رآه بعد ذلك كسيرا فعليه ما بين قيمته سليما وكسيرا ، وان رآه سليما تصدق بشي‌ء.

وإذا اشترك جماعة في قتل صيد والدلالة عليه فعلى كل منهم فداؤه.

وسياق فداء الصيد واجب من حيث قتل الى محله ، ومحل فداء ما أتاه في إحرام المتعة أو العمرة المبتولة قبالة الكعبة ، وفي إحرام الحج منى ، فان تعذر السياق فمن حيث أمكن لميقاته ، أو من قابل ، أو عدل ذلك من الإطعام أو الصوم.

الفصل السادس

إذا أراد المكلف الحج فليصل ركعتي الاستخارة ، وبعدهما ركعتي الحاجة يسبح بعدهما تسبيح الطاهرة ، ويدعو ويستخير الله سبحانه ويستحفظه دينه

__________________

(1) الدراج.


ونفسه وأهله وماله ، ويعفر(1) ويجمع أهله فيوصي إليهم وصية مفارق لا يظن إيابا ، وليكثر في سفره من ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والصلاة على محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليحسن صحبة من صحبه من رفيق ومعين ، وليوطن نفسه على حمل الأذى ، وليجهد في فعل الخير.

فاذا انتهى الى الميقات فليقص أظفاره وشاربه ، ويحلق إبطيه وعانته ، ويغتسل غسل الإحرام ، ويلبس ثوبي إحرامه يأتزر بأحدهما ويرتدي بالآخر ، وأفضل ذلك ثياب البياض الجدد من القطن والكتان ، ولا يجوز الإحرام فيما لا تجوز فيه الصلاة من اللباس.

ثم يصلى ركعتي الإحرام يتوجه لها كتوجهه للفرائض ، فإن كان وقت فريضة قدم صلاة الإحرام ثم الفريضة ، وأحرم دبرها ، فان كانت الوقت ضيقا بدأ بالفرض ثم صلى صلاة الإحرام وأحرم.

وقال ان كان يريد التمتع بالعمرة إلى الحج : اللهم اني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك فيسر لي أمري وبلغني قصدي وأعني على أداء مناسكي ، فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني(2) حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي ، اللهم ان لم تكن حجة فعمرة ، اللهم ان لم تكن عمرة فحجة ، أحرم لك لحمي ودمي وعصبي وعروقي وشعري وبشرى من النساء والطيب والصيد ، ومن كل ما حرم على المحرمين ، أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة.

وان كان قارنا قال : اللهم اني أريد الحج قارنا فسلم لي هديي وأعني على مناسكي ـ إلى آخر الكلام.

__________________

(1) في بعض النسخ : ويغفر ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) في بعض النسخ : فخلني.


وان كان مفردا قال : اللهم اني أريد الحج مفردا فسلم لي مناسكي وأعني على أدائها ـ إلى آخر الكلام.

ثم يعقد إحرامه بالتلبية الواجبة ، أو بإشعار هديه أو تقليده ان كان قارنا. وليفتح ذلك بالنية على الوجه الذي بيناه.

وليلب بالواجبة كلما علا هضبة أو هبط واديا ، وفي الأسحار ، وأدبار الصلوات ، وعند اليقظة من النوم ، وهو مرغب في التلبية المسنونة.

وليكثر من « لبيك ذا المعارج لبيك. » وليقل المتمتع : « لبيك متمتعا بالعمرة إلى الحج لبيك » ولا يقل « بحجة وعمرة تمامها عليك » ، لان ذلك تعليق منه للإحرام بالحج والعمرة وهو فاسد باتفاق.

فاذا عاين المتمتع بيوت مكة قطع التلبية ، وأكثر من حمد الله تعالى على بلوغها.

فاذا انتهى الحرم فليغتسل ويدخله ماشيا عليه السكينة والوقار ، ويجوز راكبا ، وليدخل مكة من أعلاها ، وليغتسل قبل دخولها فاذا عاين البيت فليقل : الحمد لله ـ الى آخر الدعاء.

ثم ليحرز رحله ويغتسل لدخول المسجد ويأتيه ماشيا ذاكرا لله تعالى عليه ذلة وخشوع ، فاذا انتهى الى باب بني شيبة فليقف عليه وليقل قبل دخوله : بسم الله وبالله ـ الى آخر التقديس.

ثم يدخل المسجد فاذا عاين البيت فليقل :

اللهم اني اشهد أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وأمنا مباركا وهدى للعالمين ـ الى آخر الدعاء.

ثم يفتتح الطواف بالحجر الأسود فيستقبله بوجهه ويرفع يديه ويقول :

الحمد لله الذي هدانا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله سبحان الله والحمد


لله ولا إله إلا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم يدنو منه فيقبله فان لم يتمكن من تقبيله فليمسحه بيديه ويقبلهما(1) ويقول :

أمانتي أديتها وميثاقي تعاهدته لتشهد لي بالموافاة عند الله تعالى ، اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك وعلى سنة نبيك اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله وان الأئمة من ذريته ـ ويسميهم ـ حججه في أرضه وشهداءه على عباده ـ إلى آخر الدعاء.

ثم يستلمه(2) ويطوف وهو ذاكر فاذا بلغ الكعبة فليقل :

« اللهم صل على محمد وآله وأدخلني الجنة برحمتك وعافني من السقم وأوسع علي من الرزق الحلال وادرأ عني شر فسقة العرب والعجم والجن والانس ».

وإذا استقبل الميزاب فليقل : « اللهم أعتقني من النار ، وأوسع علي من رزقك الحلال ، وادرأ عني شر فسقة الجن والانس ، وأدخلني الجنة برحمتك ».

ويقول بين الركن الغربي واليماني(3) : « اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واعف عني وأقلني عثرتي وأقبل توبتي أتوب الى الله ـ ثلاث مرات ـ ويطابق ذلك بالندم والعزم ويقول ثلاث مرات : استغفر الله.

ويقول كلما استقبل الحجر الأسود : « الله أكبر الله أكبر السلام على رسول الله وآله الطاهرين » ويقبله في كل شوط ، فان لم يقدر فليفتتح به ويختم ،

__________________

(1) في بعض النسخ : بيده ويقبلها.

(2) في بعض النسخ : ثم يستقبله.

(3) في بعض النسخ : بين الركن والمقام العراقي واليماني ، وفي بعضها الأخر :

بين الركن والمقام الغربي واليماني.


فان لم يتمكن منه فليمسحه بيده ويقبلها ، فان لم يقدر على ذلك فليشر اليه بيده ويقبلها.

ويقول في طوافه : « اللهم إني أسألك باسمك الذي يمشي به على ظلل الماء كما يمشي به على جدد الأرض ، وأسألك بكل اسم عظمته ، أن تقبل توبتي وتغفر خطيئتي وتجاوز عن زلتي وتشكر سعيي في مرضاتك وتضاعف ثوابي على طاعتك وتوسع علي من رزقك الحلال ».

ويدعو في أثناء ذلك بما أحب ، ويسأل الله تعالى ما أحب.

ويقول عند باب الكعبة : « سائلك فقيرك مسكينك ببابك فتصدق عليه بالجنة ».

فإذا بلغ الركن اليماني فليستلمه ويقبله وليسر منه(1) الى زاوية المسجد مقابلة(2) ويقول : « السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين ،( رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا ) برحمتك( عَذابَ النّارِ ) يصنع هذا في كل شوط.

فاذا كان في الشوط السابع فليقف على المستجار ، ويبسط يديه على البيت وليلصق بطنه وخده به ويقول : « اللهم ان البيت بيتك والعبد عبدك وهذا مقام العائذ بك من النار اللائذ بعفوك من سخطك المستجير برحمتك من عذابك فارحم اللهم ذل موقفي بين يديك وارزقني في مقامي هذا الفوز بالجنة وأجرني من النار وزوجني من الحور العين » ويتعلق بأستار الكعبة ويدعو ويتضرع ويلج(3) في المسألة للدنيا والآخرة.

__________________

(1) في بعض النسخ : وليشر منه :

(2) كذا.

(3) يلح. ظ.


ويقبل الركن اليماني في كل شوط ويعاقبه(1) ويقول : « اللهم تب علي حتى أتوب ، واعصمني حتى لا أعود ، وأتوب الى الله أتوب الى الله أتوب الى الله ، اللهم إني تائب إليك مما قدمت وأخرت وأسررت وأعلنت وسهوت عنه وأحصيته(2) علما ، نادم على ما مضى ، عازم ألا أعود إلى مثله أبدا أبدا ، فاقبل توبتي وأعف عني واغفر لي ما بيني وبينك ، وتحمل عني جرائر خلقك بجودك وكرمك وسعة رحمتك يا أرحم الراحمين ».

فاذا فرغ من أسبوعه فليأت مقام إبراهيمعليه‌السلام ، فيجعله أمامه ، ويصلي ركعتي الطواف على الوجه الذي تقدم ذكره ، وليعقب بعدهما ويدعو ويجتهد ويعفر.

ثم ينهض خاشعا ذاكرا حتى يخرج من الباب المقابل للحجر الأسود إلى الصفا ، فاذا انتهى الى الصفا فليصعد عليه ويستقبل البيت بوجهه ثم يكبر الله سبعا ويحمده سبعا ويهلله سبعا ويسبحه سبعا ويصلي على محمد وآله ما تيسر ثم يدعو ربه ، وينحدر إلى السعي فيفتتحه بالنية ، ويمشي إلى الميل فاذا انتهى اليه هرول ملأ فروجه(3) حتى يقطع سوق العطارين ، وينتهي إلى الميل فيقطع الهرولة ، ويمشي حتى يصعد المروة ، فيستقبل البيت بوجهه ويقول : « لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شي‌ء قدير » ثلاث مرات.

ثم يقول : « اللهم إني أسألك حسن الظن بك في كل حال ، وصدق النية

__________________

(1) كذا في بعض النسخ وفي بعضها الأخر : والعاقبة.

(2) كذا يقرء ما في بعض النسخ.

(3) كذا في بعض النسخ ، وقال في السرائر : فإذا انتهى الى الموضع الذي يرمل فيه أى يهرول فيه ، والرمل الإسراع وهو أن يملأ فروجه.


في التوكل عليك ».

ثم ينحدر منها حتى يفعل ذلك سبع مرات ، يهرول في كل شوط ما بين الميلين ، ويمشي بين كل منهما الى ما يليه من الصفا والمروة.

وليكثر قوله في سعيه : « رب اغفر وأرحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الأعز الأكرم ».

فاذا فرغ من سعيه فليقصر من شعر رأسه ولحيته وشاربه أو من إحداهما(1) ويحل له كل شي‌ء أحرم منه ، والاولى أن يتشبه بالمحرمين الى يوم التروية.

فإذا زالت الشمس منه فليغتسل ويلبس ثوبي إحرامه ، ويأتي المسجد الحرام حافيا وعليه السكينة والوقار ، فيطوف بالبيت أسبوعا ، ثم يصلى ركعتي الطواف ثم يحرم بعدهما ، ويجزيه أن يصلى ركعتي الإحرام حيث شاء من المسجد الحرام ، وأفضله تحت الميزاب أو عند المقام ، فاذا سلم فليقل : « اللهم انى أريد الحج فيسره لي وأعنى على مناسكي فإن عرض لي عارض يحبسني فحلني حيث حبستني ، أحرم لك وجهي وشعري وبشرى ولحمي ودمي وعصبي وعروقي ومخي من النساء والطيب والثياب والصيد وكل محرم على المحرم أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة ».

ثم يلبى مستسرا ، فاذا نهض به بعيره أعلى(2) بالتلبية ، وان كان ماشيا فليجهر بها من عند الحجر الأسود ، وليلب بالواجبة والمندوبة ، ثم يتوجه إلى منى وهو يقول : « اللهم إياك أرجو وإياك أدعو فبلغني أملي وأصلح لي عملي وتقبل منى وأعطني سؤلي من رضوانك وأجرني من عذابك ».

فاذا انتهى الى الرقطاء دون الردم وأشرف على الأبطح فليرفع صوته

__________________

(1) كذا.

(2) كذا في النسخ ، وفي المختلف : أعلن ، وهو الصحيح.


بالتلبية حتى يأتي منى فاذا انتهى إليها فليقل : « الحمد لله الذي أقدمنيها صالحا وبلغني هذا المكان في عافية اللهم هذه منى وهي مما مننت به علينا من المناسك فأسألك أن تتم علي فيها بما مننت به على أوليائك فإنما أنا عبدك وفي قبضتك حيث أطلب رحمتك وأؤم رضوانك فاجعل حظي منها أو فر حظ برحمتك يا أرحم الراحمين ».

وليصل بها المغرب وعشاء الآخرة والفجر من يوم عرفة ، ويجوز أن يصلى بغيرها إذا تعذر ذلك بها ، وليقطع ليله أو أكثره بالصلاة والدعاء والتقديس فاذا طلع الفجر فيصل الفرض ويفض الى عرفات ، ولا يجوز له أن يفيض منها قبل الفجر مختارا ، ولا يفيض منها الامام حتى تطلع الشمس.

فاذا توجه الى عرفات فليلب ويقول : « اللهم إليك صمدت وإياك اعتمدت ولوجهك أردت أسألك أن تصلى على محمد وآله وبارك لي في رحلتي » ـ إلى آخر الدعاء.

وليلب الى أن تزول الشمس من يوم عرفة ، فاذا أتى عرفات فليضرب خباه بنمرة قريبا من المسجد اقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ونمرة هي بطن عرنة ـ فإذا زالت الشمس فليقطع التلبية ويغتسل ويصلى الظهر والعصر يجمع بينهما بأذان واحد وإقامتين أمام(1) الدعاء والعمل.

ثم يأتي الموقف ، وأفضله ميسرة الجبل ، فيستقبل القبلة فيهلل الله سبحانه مائة مرة ، ويكبر مائة مرة ، ويسبح مائة مرة ، ويصلى على محمد وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله مائة مرة ، ويستغفر سبعين مرة ، ويقول : أتوب الى الله أتوب الى الله ـ حتى ينقطع نفسه ـ أتوب الى الله تعالى من جميع ذنوبي ، صغيرها وكبيرها ، ظاهرها وباطنها ، توبة نصوحا.

__________________

(1) في أكثر النسخ : أيام ، والظاهر ما أثبتناه.


وليقرن ذلك بالندم على ماضي القبائح لوجه قبحها ، والعزم على اجتناب أمثالها في المستقبل ، لكون ذلك مصلحة له مخلصا له سبحانه.

اللهم فصل على محمد وآله واقبل توبتي وامح حوبتي واغفر لي اللهم ما بيني وبينك وتحمل عنى جرائر خلقك بجودك وكرمك العفو العفو ـ سبعين مرة ـ ما شاء الله لا قوة إلا بالله ـ مائة مرة ـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك ـ الى آخرها مائة مرة ـ ، ويقرأ من أول البقرة عشر آيات وآية الكرسي ، وآخر البقرة : لله ما في السموات وما في الأرض ـ إلى آخرها ـ وآيات السخرة : إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض ـ إلى قوله ـ ان رحمة الله قريب من المحسنين ، وثلاث آيات في آخر الحشر ، وسورتي القدر والإخلاص ، والمعوذتين ، ثم يدعو بدعاء الموقف حتى تغرب الشمس.

ثم ليفض الى المشعر الحرام وعليه السكينة والوقار مستغفرا ، فاذا انتهى الى الكثيب الأحمر الذي عن يمين الطريق فليقل : « اللهم صل على محمد وآل محمد وزك عملي وارحم ذل موقفي وسلم لي ديني وتقبل مني مناسكي اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا الموقف وارزقنيه أبدا ما أبقيتني فإذا انتهى الى المزدلفة فلينزل قريبا من المشعر ، وليصل بها المغرب وعشاء الآخرة يجمع بينهما ، ويصلى نوافل المغرب بعد الفراغ من عشاء الآخرة ، وليقطع الليلة أو أكثرها بالعبادة.

ويستحب له أن يطأ المشعر الحرام وذلك في حجة الإسلام آكد.

فاذا صعده فليكثر من حمد الله تعالى على ما مر به ويجتهد في الدعاء فاذا طلع الفجر من يوم النحر فليؤدن وليقم لصلاة الغداة ، فإذا سلم منها فليقف داعيا الى أن تطلع الشمس.

وليفتتح وقوفه بعرفة والمشعر الحرام بالنية.


ثم ليفض إلى منى خاشعا داعيا مقدسا ، فاذا انتهى الى وادي محسر فليقطعه ماشيا مهر ولا أو أكثره ، ويجزيه أن يهرول فيه مائة خطوة.

وليلقط من المشعر حصى الحمار : سبعين حصاة كرأس الأنملة أفضلها البرش ، وتكره السودة.

فاذا انتهى الى منى فلينزل بها ، ويأت جمرة العقبة فليقف من قبل وجهها ولا يقف من أعلاها ، وليكن بينه وبينها قدر عشر أذرع إلى خمسة عشر ذراعا ويقول والحصى في يده(1) : « اللهم هؤلاء حصياتي فأحصهن لي وارفعهن في عملي » ثم ليرم خذفا يضع الحصاة على باطن إبهامه ويدفعها بظاهر مسبحته ويقول مع كل حصاة إذا رميها : « بسم الله اللهم صل على محمد وآل محمد الله أكبر اللهم ادحر عنى الشيطان وجنوده اللهم ايمانا بك وتصديقا بكتابك وعلى سنة نبيكصلى‌الله‌عليه‌وآله اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا » حتى يرمى بسبع حصيات.

ثم يرجع الى منى فيشترى هديا لمتعة(2) ان كان متمتعا ، أعلاه بدنة وأدناه شاة ، تستقبل بما يذبح أو ينحر من هدى متعته أو ما ساق منه ان كان قارنا القبلة ويقول : «( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ) مسلما على ملة إبراهيم ودين محمد وولاية(3) أهل بيته الطاهرين( وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ـ( إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ ) وأنا من المسلمين اللهم بك ومنك وإليك بسم الله والله أكبر اللهم تقبل مني انك أنت السميع العليم ».

ثم يمر الشفرة ويذبح ولا ينخع ، وينحر في اللبة لما ينحر ، وهو معقول

__________________

(1) في بعض النسخ : في بطن يده.

(2) لمتعته. ظ.

(3) في بعض النسخ : وولاية على وأهل بيته.


اليد اليسرى ، وهو قائم في الجانب الأيمن ولا يمسها حتى تبرد.

فان ضعف عن ذلك أو لم يحسنه فليستنب مسلما يجعل يده مع يده ويقول ما ذكرناه.

وليأكل من هديه ويطعم الباقي ، ولا يعطى الجزاز منها ولا من جلالها ولا قلائدها شيئا.

ثم ليحلق رأسه يجلس متوجها الى الكعبة ويأمر الحلاق أن يبدأ بالناصية من الجانب الأيمن ، لا يجزى في حج الإسلام غير الحلق ، وفيما عداه التقصير والحلق أفضل ، وفرض النساء التقصير على كل حال وليقل : « اللهم أعطني بكل شعرة يوم القيامة نورا وحسنات مضاعفات ، وكفر عنى السيئات انك على كل شي‌ء قدير ».

وليفتتح الرمي والذبح والحلق بالنية.

ثم ليدخل مكة لطواف الزيارة وهي طواف الحج ، ويصنع قبل دخولها والمسجد ما فعله حين دخل مكة في الابتداء. وليطف بالبيت طواف الزيارة ، ويسعي بعده بين الصفا والمروة ، ويرجع الى البيت فيطوف به طواف النساء يصنع في كل ذلك ما صنعه حين طاف وسعى للمتعة ، فبالطواف الأول والسعي يحل من كل شي‌ء أحرم منه الا النساء ، وبالطواف الأخر يحل منهن.

ثم ليخرج ليومه(1) إلى منى فيبيت بها وليرم في غده الجمرات الثلاث يبدء بالعظمى فيرميها بسبع حصيات ، ثم الوسطى ، ثم العقبة ، ويرمى في اليوم الذي يليه كذلك ، وفي الثالث كذلك ، على الوجه الذي ذكرناه ، ثم لينفر منها إلى مكة ، وقد مضى(2) جميع المناسك.

__________________

(1) في بعض النسخ : من يومه.

(2) قضى. ظ.


ومن السنة أن يأتي مسجد الخيف فيصلي فيه ست ركعات عند المنارة التي في وسطه ، ثم يسبح تسبيح فاطمةعليها‌السلام ويدعو بما أحب ، فإذا جاوز جمرة العقبة فليحول وجهه إلى منى ويرفع يديه الى السماء ويقول : « اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المقام وارزقنيه أبدا ما أبقيتني » فإذا بلغ مسجد الحصباء(1) فليدخله ويصل فيه ويدع ويسترح بالاستلقاء فيه على ظهره.

ثم ينهض حتى يدخل مكة فيطوف بالبيت ما شاء تطوعا ، ويستحب له أن يتطوع بطواف بثلاثمائة وستين أسبوعا.

ويجوز تأدية جميع مناسك الحج والمكة(2) محدثا ، وطاهرا أفضل ، إلا الطواف بالبيت ، فمن شرطه أن يكون الطائف طاهرا.

فإذا أراد المسير عن مكة فيأت المسجد فيطوف بالبيت ويدخله ويصلى في زواياه وعند المقام وعلى الرخامة الحمراء ويدعو ويجتهد ، ويأتي زمزم ويشرب من مائها ، ويدعو بدعاء الوداع ويودع.

فان كان الحاج قارنا أو مفردا أقاموا(3) على إحرامه حتى يقضي المناسك ولا يقطع التلبية حتى تزول الشمس من يوم عرفه. ومناسكهما كمناسك المتمتع بعد المتعة ، إذ كانت مناسك ضروب الحج لا تختلف وانما يتميز المتمتع بالمتعة التي هي طواف وسعي ، والقارن بسياق الهدى.

وحكم النساء في فروض الحج وشروطه وكيفية فعله حكم الرجال ، إلا في التجرد للإحرام والحلق ، ويلزمهن كشف الوجوه والتقصير بعد الذبح حسب ولا يرفعن أصواتهن في التلبية كرفع الرجال.

__________________

(1) الحصبة.

(2) كذا.

(3) كذا.


فان حاضت المرأة أو نفست قبل الإحرام اغتسلت(1) وشدت ولبست ثيابا طاهرة وأحرمت ولبثت ، فان طهرت قبل فوات المتعة اغتسلت وطافت وسعت وان خافت الفوت قبل الطهر فليسع بين الصفا والمروة ، فإذا قضت المناسك قضت الطواف.

وان حاضت بعد ما أحرمت فليقض جميع المناسك الا الطواف ، فان طهرت في زمان الحج أدت ، وان خرج الزمان ولما يطهر ، فليقض ما فاتها من طواف.

ويجوز للمرأة إذا خافت مجي‌ء الدم أن تقدم طواف الزيارة والسعي على شهادة الموقفين ، وتقف بالمشعر ليلا وتفيض منه وتأتي منى فترمي الجمرة وتذبح وتقصر وتدخل مكة لطواف الزيارة والسعي ان لم تكن قدمتهما.

وإذا صد المحرم بالعدو أو أحصر بالمرض عن تأدية المناسك فلينفذ القارن هديه ، والمتمتع والمفرد ما يبتاع به شاة فما فوقها ، فاذا بلغ الهدى محله ـ وهو يوم النحر ـ فيحلق رأسه ويحل المصدود بالعدو من كل شي‌ء أحرم منه ، ويحل المحصور بالمرض من كل شي‌ء الا النساء حتى يحج من قابل له(2) يحج عنه.

__________________

(1) في بعض النسخ : اغتسلت له.

(2) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : أو يحج عنه.


فصل في النيابة في الحج

ومن تعلق عليه التمكن بالسعة في المال فمنعه مانع ، فليخرج عنه نائبا يدفع اليه من ماله ما يكفيه لنفسه وأهله في مدة سفره ذاهبا وراجعا ، وفضلا يرجع اليه ويجوز إعطاؤه ما يرضى به وان قل ، والأفضل ما ذكرناه.

ومن حق النائب ان يكون عارفا بالحج وأحكامه وما يبنى عليه من المعارف العقلية ، ظاهر الورع والعدالة ، باعتقاد الحق واجتناب القبائح ، وتصح نيابة من لم يحج ما لم يكن مخاطبا بالحج ، وتجزى(1) من قد حج للنيابة أولى.

ويستحب لمن قد حج أو حج عنه إذا كان ذا سعة أن يخرج عنه في كل سنة نائبا من بلده ، ويجوز من ميقات أهله.

فإذا تمكن المستنيب من الحج بنفسه وجب عليه أداؤه.

ويلزم النائب إذا أراد الإحرام أن ينوي به الحج على جهة النيابة عن مستنيبه ، وليقل : « اللهم ما أصابني في سفري هذا من نصب ولغوب فاجر فلان ابن فلان فيه وأجرني بنيابتى عنه ».

وليقصد بكل منسك يؤديه من أركان الحج وفرائضه تأديته لوجوبه عليه في حق النيابة فيه عن مستنيبه مخلصا به لله تعالى.

__________________

(1) في بعض النسخ : وتحرى. ولعل الصحيح : وتحرى.


فان صد أو مات النائب أو أحصر قبل أن يؤدى المناسك ، فله من المال بحسب ما قطع من المسافة ، ولم تجز الحجة عن المستنيب الا أن يضمن العود.

وان مات بعد ما أحرم ودخل الحرم لم يرجع على ورثته بشي‌ء من مال النيابة ، وأجزأت الحجة عن المستنيب.

وإذا أتى النائب في إحرامه ما يوجب الكفارة أو ما يوجب الحج من قابل ، فهو لازم من ماله ، دون مال مستنيبه.

وإذا فضل من نفقة الحج شي‌ء فهو له ، وان عجزت عن النفقة فعليه ، الا أن يشترط(1) فيكون لهما ما اشترطاه.

__________________

(1) كذا.


فصل في العمرة المبتولة

العمرة المبتولة واجبة على أهل مكة وحاضريها مرة في العمر ، متمتعة(1) بالعمرة إلى الحج يجزيه مثل عمرة مفردة ، وكل منهم مرغب بعد تأدية الواجب عليه الى الاعتمار في كل شهر مرة أو في كل سنة مرة وأفضل [ أوقات ](2) السنة للاعتمار شهر رجب.

وصفتها أن يحرم حاضروا مكة من أي المواقيت(3) ويحرم أهل كل مصر من ميقاتهم بعد الغسل ولبس ثوبي الإحرام وصلاة ركعتين ، يقول بعدهما مريده : « اللهم اني أريد العمرة فيسرها لي وأعنى على أدائها ، فإن عرض لي عارض فحلني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي ، أحرم لك شعري وبشرى » ـ الى آخر الكلام الذي قلناه في إحرام الحج.

ثم ينهض فيلبي ولا يزال ملبيا لتلبيته الواجبة والمندوبة ، ويقول في تلبيته : « لبيك اللهم بعمرة(4) تمامها عليك لبيك » ، فاذا عاين البيت قطع التلبية وأتى

__________________

(1) كذا.

(2) زدنا كلمة « الأوقات » لتكميل العبارة.

(3) هنا بياض في بعض النسخ.

(4) لعمرة.


المسجد فوقف على بابه ودعا بما ذكرناه في طواف الحج.

ثم يدخل المسجد ، ويطوف بالبيت ، ويسعى بين الصفا والمروة ، على الوجه الذي تقدم شرحه.

ثم يرجع الى البيت فيطوف طوافا آخر وهو طواف النساء لازم في العمرة المبتولة كالحج.

ثم يحلق رأسه ويذبح ان كان قد ساق هديا أو تبرع بالذبح ان شاء.

وحكم هدي العمرة حكم هدى الحج في السياق ، الا انه ينحر أو يذبح هدى العمرة قبالة الكعبة ، وقد أحل من كل شي‌ء أحرم منه.

فإن أحصر بمرض أو صد بعدو فحكمه ما قدمناه في المحصور والمصدود عن الحج.


فصل في الزيارة

زيارة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند قبره وكل واحد من الأئمةعليهم‌السلام من بعده في مشاهدهم من السنن المؤكدة والعبادات المعظمة ، في كل جمعة أو في كل شهر أو في كل سنة ان أمكن ذلك ، والا فمرة في العمر.

ويلزم قاصد الزيارة أن يخرج من منزله عازما عليها لوجهها مخلصا بها له سبحانه ، فاذا انتهى الى مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو مشهد الامامعليه‌السلام فليغتسل قبل دخوله ، ويلبس ثيابا طاهرة جددا إن أمكن ، أو مغسولة ، ويأت القبر مما يلي الرأس وظهره إلى القبلة ، ووجهه تلقاء وجه المزورعليه‌السلام ويسلم عليه ويذكره بما هو أهله.

فاذا فرغ من الزيارة فليضع خده الأيمن على القبر ويدعو الله تعالى ويتضرع اليه بحقه ويرغب اليه أن يجعله من أهل شفاعته ، ثم يضع خده الأيسر ويدعو ويجتهد ، ثم يتحول الى عند الرأس فيسلم عليه ويعفر خديه على القبر ويدعو ، ثم يصلي عنده ركعتين ، يعقبهما بتسبيح فاطمةعليها‌السلام ويدعو ويتضرع ، ثم يتحول الى عند الرجلين فيسلم ويدعو ويعفر خديه على القبر ويودع وينصرف.

وإذا كانت زيارة أمير المؤمنينعليه‌السلام فليبدأ بالتسليم على آدم ونوح


ثم عليهعليه‌السلام ، لكون الجميع مدفونا في لحد واحد ، فاذا فرغ من الزيارة فليصل عند الرأس ست ركعات لزيارة كل حجة منهم ركعتان.

وتفصيل ما أجملناه من الزيارات وشرح أذكارها موجود في غير موضع من كتب السلفرضي‌الله‌عنه من طلبه وجده.

ومن لم يتمكن من زيارة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمةعليهم‌السلام بحيث(1) قبورهم لبعد داره أو لبعض الموانع فليزر من شاء منهم من حيث هو مصحرا أو من علو داره أو من مصلاه في كل يوم أو في كل جمعة أو في كل شهر.

ومن السنة زيارة أهل الإيمان أحياء وأمواتا ، ومن زار أخاه فلينزل على حكمه ولا يحتشمه ولا يكلفه ، ومن زاره أخوه فليستقبله ويصافحه ويعتنقه ويقبل كل واحد منهما موضع سجود الأخر ، وليكرم كل واحد منهما صاحبه ويخفى(2) له ، وعلى المزور الاعتراف بحق زائره ، وليتحفه بما يحضره من طعام وشراب وفاكهة وطيب ، أو ما تيسر من ذلك ، وأدناه شرب الماء ، أو التوضي وصلاة ركعتين عنده والتأنيس بالحديث ، والتشييع له عند الانصراف.

وإذا زار قبر بعض الأموات فليستظهره ، ويجعل وجهه إلى القبلة ، ويقرأ سورة الإخلاص سبعا وسورة القدر سبعا ، ويدعو له بالرحمة والرضوان ، ويستغفر الله لذنبه وينصرف.

__________________

(1) في السرائر : بجنب.

(2) كذا في النسخ ، وفي السرائر المطبوع : وذكر بعض أصحابنا في تصنيفه :

ويقبل كل واحد منهما موضع سجود الأخر ـ وقد روى في الاخبار التقبيل للقادم من الحج ـ وليكرم كل واحد منهما صاحبه وليتحف به وعلى المزور.


فصل في النذور والعهود والوعود

لا ينعقد النذر إلا في طاعة خالصة لله ، مماثلة لما تعبد به الله سبحانه في شريعتنا ، معلقة ببلوغ طاعة أو مباح ، أو نجاة من مخوف ديني أو دنيوي.

فإن نذر مباحا لم ينعقد ، وان علق نذر الطاعة بمعصية لم ينعقد أيضا ، وكذلك ان علقه بفعل ما الاولى تركه ، أو ترك ما الاولى فعله ، أو بطاعة تخالف المشروع.

وهو على ضربين : مفروض ومسنون.

فالمفروض أن يقول الناذر في حال عقده : لله علي ان كان كذا وكذا من الأمور الحسنة كذا من الطاعات فعلا أو تركا أو يعزم(1) على الإيجاب ، فمتى بلغ ما علق النذر به وجب عليه ما نذره على الوجه الذي نذره في وقته.

فان كان متعينا له مثل ، كيوم خميس أو شهر محرم ، فليفعله في أول الأزمنة من تمكنه ، وان كان متعينا لا مثل له ، كشهر معين من سنة معينة أو من كل سنة أو كل خميس ، فعليه فعله فيه ، فان فرط حتى فات فعليه قضاؤه وكفارة من أفطر يوما من شهر رمضان.

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر : ويعزم.


وان حضر الزمان وهو غير متمكن من فعله فهو في ذمته الى حين إمكانه.

وان علق فعله بمكان معين كمكة أو مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو بعض مشاهد الأئمةعليهم‌السلام ، أو شرط فيه صفة ، فعليه فعله في المكان ، وعلى الصفة ، ولا يجزيه من دونهما.

والمسنون أن يقول المكلف : ان كان كذا وكذا من المباح أو الطاعة فعلت كذا من الطاعات ، ولا يقول لله علي ، ولا يلزم(1) على الإيجاب ، فهو بالخيار في الوفاء بالنذر والإخلال به ، والأداء أفضل.

ومن عاهد الله سبحانه أن لا يفعل قبيحا ، أو يفعل طاعة في زمان معين لا مثل له ، ففعل القبيح فيه ، أو أخل بالطاعة مع ثبوت تكليفه ، لزمه ما يلزم المخل بفرض النذر المعين مختارا. وكذلك حكمه إذا عاهد الله أن لا يفعل قبيحا معينا أبدا ففعله.

وان كان المعهود معلقا بوقت له مثل أو بصفة ففعله في غيره أو بغير صفته فعليه استينافه في وقته وبصفته.

ومن وعد غيره بما يحسن الوفاء به فعليه الوفاء به ، لان خلفه كذب يجب اجتنابه ، وان كان لو لم يف بالوعد لم يجب في الحكم إلزامه به. وان كان الوعد قبيحا لم يجز الوفاء به ويلزم الاستغفار منه لقبحه.

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : ولا يعزم.


فصل في الايمان

لا يمين شرعية إلا باسم من أسماء الله تعالى الحسنى دون غيرها من كل مقسم به ، وهو على ضربين : أحدهما يوجب الكفارة والأخر لا كفارة فيه.

فأما ما يوجب الكفارة فمن شرطه ان يتعلق بأن لا يفعل الحالف في المستقبل قبيحا أو مباحا لا ضرر عليه في تركه ، أو يفعل طاعة أو مباحا لا ضرر عليه في فعله معتقدا(1) لليمين بالقصد ، مطلقا لهما من الاشتراط بالمشية ، فيلزم الوفاء ، فان حنث الحالف فعليه التوبة من كذبه في قسمه ، والكفارة بعتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم ، فان لم يجد صام ثلاثة أيام.

والكسوة على الموسر ثوبان ، وعلى المعسر ثوب واحد ، والإطعام شبع المسكين في يومه ، فان لم يجد الا واحدا كرر الإطعام عشرة أيام.

ولا يجوز الانتقال الى الصوم الا لمن لم يجد ثوبا زائدا على ستر عورته وطعاما زائدا على قوته وعياله ليومه.

ولا كفارة قبل الحنث. فان علق اليمين بالمشية فقال : « والله لأفعلن كذا ان شاء الله » أبطل حكمها ولم تلزمه كفارة مع الحنث.

__________________

(1) كذا.


فأما ما لا كفارة فيه فعلى ضروب :

منها أن يتعلق اليمين بفعل تركه أولى ، أو ترك فعله أولى في الدين ، فتكون مخالفتها أولى ولا كفارة.

ومنها أن يحلف على ماض وهو كاذب فيه كقول : والله ما فعلت كذا وقد فعل ، أو والله لقد فعلت كذا وما فعله ، فهو مأزور لكذبه في قسمة تلزمه التوبة دون الكفارة.

ومنها أن يحلف على جحد حق لغيره يتمكن من أدائه إليه ، فهو مأزور يلزمه الخروج إلى ذي الحق منه ولا كفارة عليه.

ومنها أن يحلف على غيره ليفعلن كذا فهو مأثوم يلزمه التوبة ، والمحلوف عليه بالخيار ، والأفضل أن يبر قسمه ما لم يكن عامة(1) ضرر فيه ، ولا كفارة عليهما.

ومنها أن يستحلف غيره شافعا إليه في مندوب أو مباح ، فالمشفوع اليه باليمين بالخيار ، والأفضل قبول الشفاعة ، ولا كفارة عليهما بحال.

ومنها اللغو ، وهو قول القائل : لا والله بلى والله ، من غير أن يعقد(2) القسم بالنية فلا تلزمه كفارة والاولى تجنب ذلك.

واليمين بالمصحف والنبي والامام وذي الرحم المؤمن خلاف للسنة والحالف مرغب في الوفاء بما حلف عليه ، وان حنث أثم لكذبه ولا كفارة عليه.

ولا يمين بطلاق ولا عتاق ولا ظهار ، والحالف آثم لتدينه بخلاف المشروع ، ولا يلزم حكم ما حلف عليه.

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : ما لم يكن عليه ضرر فيه.

(2) في بعض النسخ : أن يقصد.


ولا يمين للولد مع والده ، ولا للعبد والأمة مع السيد ، ولا للمرأة مع الزوج فيما يكرهونه من المباح.

ولا يجوز لأحد أن يحلف لغيره ليفعل(1) قبيحا أو يخل بطاعته مختارا كاستحلاف الظلمة لأعوانهم ، فان اضطر جاز ذلك ، ولا يحل له الوفاء باليمين.

ومن طالبه ظالم بتسليم ما لا يستحقه لم يجز له ذلك ، فان استحلفه عليه فليحلف ويورى في يمينه بما يخرج به عن الكذب ، ولا شي‌ء عليه ، وهو مأجور وان لم يفعل خوفا من اليمين وسلم ما لا يستحقه تسليمه فهو ضامن له.

ولا يحل لمدين أن يضطر غريمه المعسر الى اليمين ، فان اضطره إليها فهو مأزور.

ويجوز للغريم إذا خاف من الإقرار الحبس أن ينكر حقه ويحلف له ويورى في إنكاره ويمينه عليه بما يخرج به عن الكذب.

وقول القائل : هو بري‌ء من الله أو رسوله أو أحد الأئمةعليهم‌السلام مطلقا مختارا يقتضي كونه مأثوما تجب عليه التوبة وكفارة ظهار ، فان كان مكرها فلا شي‌ء عليه.

وان علق ذلك بشرط أثم ، فان خالف ما علق عليه البراءة فعليه الكفارة المذكورة.

وان قال : هو بري‌ء من الإسلام ، أو هو كافر ، أو هو مشرك ، أو فاسق ان كان كذا ، أو لم يكن ، أو قد كان ، أو ما كان كذا فهو مأزور صادقا كان أم كاذبا. وكذلك حكمه ان استحلف غيره بالبراءة(2) ، وذلك الغير مرغب في الإجابة ، ولا كفارة في شي‌ء من ذلك على حال.

__________________

(1) أن يفعل.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي أكثرها : البراء.


فصل في الوديعة(1)

الوديعة أمانة يجب حفظها وردها عقلا ، ولها أحكام شرعية اقتضت إيرادها هاهنا :

فمنها أن المرء مخير في قبولها ، والامتناع منه أولى ما لم يكن فيه ضرر على المودع ، فاذا قبلها وجب عليه حفظها كماله ، ولم يجز له التفريط ، ولا التصرف في عينها ، ولا تعدى المرسوم ، فان فرط في حفظها أو تعدى مرسوما أو تصرف في عينها ضمنها وما أربحت وهو مأزور ، وتلزمه اضافة ربحها إليها ورد الجميع الى المودع متى طلبها أو من يقوم مقامه في استحقاقها.

فان طلبها من لا يستحقها لم يجز له الإقرار بها ، ولا تسليمها ، فإن أكره على الإقرار بها بالقتل جاز له ولا يجوز له أن يسلمها وان خاف القتل ، فان سلمها بيده أو بأمره ضمنها.

فان هجم الغاصب منزله فأخذها قسرا(2) فلا ضمان عليه.

فان مات المودع قام ورثته مقامه في حفظها وتسليمها الى مستحقها ، و

__________________

(1) في بعض النسخ : فصل في الأمانات.

(2) في بعض النسخ : قهرا.


ان مات المودع لم يجز للمودع ولا من يقوم مقامه تسليمها الى ورثته حتى يحيط علما بتكاملهم وتعين(1) استحقاقهم ، ولا يجوز له تسليمها الى من لا يعلم أنه لا يستحقها(2) من الأهل وان حكم بها ظالم على غير موجب الشريعة في التوريث ، وليخص بتسليمها من يعلم كونه مستحقا لها في الملة.

فإن اضطر الى الجور(3) فليسلمها الى من يعلم أنه يستحقها دون غيره فيكون التعدي عليه دون المودع ، فإن أعطاها أو بعضها من لا يستحقها من أقارب المودع فهو ضامن. وان أخذها أو أخذت له غلبة فلا ضمان عليه فيها.

وان لم يخلف المودع وارثا فهي من مال الأنفال.

وان هلكت من غير تفريط ولا تعد لم يضمن ، فان ادعى المودع تفريطا فعليه البينة ، فان لم يقمها فالقول قول المودع ان كان مأمونا ، وان ارتيب به استحلف على ما يقول ، فان اعترف بتعد فيها أو قامت به بينة فعليه قيمتها ، وان اختلفا في القيمة أخذ منه ما أقر به ، وطولب المودع بالبينة على ما زاد على ذلك ، فإن أقام بينة حكم بها والا حلف المودع وبري‌ء ، وقد روى : « ان اليمين في القيمة على المودع » وفي هذا نظر.

وان كان المودع لا يملك الوديعة أو لا يصح منه الإيداع كالغاصب والكافر الحربي فعلى المودع أن يحمل ما أودعه الحربي إلى سلطان الإسلام العادلعليه‌السلام (4) ويرد المغصوب الى مستحقه ، فان لم يتعين له ولا من ينوب منابه حملها الى الامام العادل ، فان تعذر ذلك في المسألتين فعلى المودع حفظ الوديعة

__________________

(1) تعيين.

(2) كذا في النسخ ، والظاهر زيادة « لا » في إحدى الجملتين.

(3) كذا.

(4) كذا.


الى حين التمكن من إيصالها إلى مستحق ذلك ، والوصية بها الى من يقوم مقامه فيها ، ولا يجوز ردها الى المودع مع الاختيار.

فان كانت الوديعة مختلطة بحلال وحرام فتميز أحدهما من الأخر فعلى المودع رد الحرام إلى أهله ان عرفهم ، والا صنع ما رسمناه ، والحلال الى المودع ، فان لم يتميز له الحلال من الحرام فهي أمانة للمودع يجب ردها متى طلبها.

ويجب على من استوجر لعمل ، أو استأجر شيئا ، أو استعار ، أو منح منيحة(1) ، أو عمل صناعة ، أو كلف رسالة ، أو توسط صلحا ، أو باع شيئا ، أو ابتاع ، أو استسر سرا ، أو استشير في أمر ، أو فعل ما يتعدى ضرره أو نفعه الى غيره أو ترك(2) أن يؤدى في جميع ذلك الامانة ، ويجتنب الخيانة ، فان لم يفعل فهو مأزور وضامن لما يجنيه بخيانته في مال غيره ، ومحرم عليه ثمن البيع وأجر الصنعة والإجارة والوساطة مع الخيانة ، ومتى علم ذلك كان العقد مفسوخا.

__________________

(1) كذا يقرء ما في بعض النسخ.

(2) تركه. ظ.


فصل في الخروج من الحقوق

يجب على من تعين عليه حق لآدمى في ماله بقرض أو بيع أو إجارة أو غير ذلك أن يخرج منه في أول أحوال الإمكان ، ويقصد بذلك الوجه الذي له وجب فان منع حقا أو أخره عن محله مختارا فهو مأزور ، يجب عليه تلافى فارطه(1) بالخروج منه ، والتوبة من عصيانه.

فان كان معسرا وجب على غريمه إنظاره.

وان تعين عليه شي‌ء من حقوق التكليف كالنذور والكفارات وغيرهما وجب عليه فعله على الفور من أحوال تمكنه ، بصفته المشروعة ، لكونه مصلحة متقربا بها اليه سبحانه.

فان تعذر فعله لبعض الاعذار فهو في ذمته ، فان مات قبل الخروج من حقوق الله تعالى أو حقوق الآدميين فهو ثابت في تركته قبل الوصية والميراث ، وسيورد تفصيل ما لم يمض تفصيله من هذه الجملة فيما بعد بعونه تعالى.

__________________

(1) في بعض النسخ : ما فارطه ، وفي بعضها الأخر : ما فاته.


فصل في الوصايا

الوصية واجبة على كل مكلف وجوبا موسعا مع ظهور أمارات البقاء ، ومضيقا مع ظهور أمارات الموت ، وتقديمها أولى على كل حال وأحوط في الدين.

والواجب منها الإقرار بجمل التكليفين عقلا وسمعا ليظهر ذلك من حال الموصى فيعتقده فيه من لم تتقدم له معرفة ، ويتأكد اعتقاد العارف. وان كان عليه حقوق دينية كالنذور والكفارات والخمس والأنفال والصدقات ، أو دنيوية كالديون وقيم المتلقيات وأروش الجنايات والإجارات وغير ذلك ، بدأ بذكره ثم بحجة الإسلام ، وليس ذلك من الثلث.

فان لم يكن له مال يوفى بما عليه من الحقوق فليوص إلى أوليائه وإخوانه ليقوموا بها من حقوق أموالهم أو يتبرعوا عليه به.

فان لم تكن عليه حقوق يعلمها فهو مرغب في الوصية من ثلثه بجزء في النذور والكفارات ، وجزء في الحج التطوع ، وجزء في الزيارات ، وجزء يصرف الى من لا يرث من ذوي أرحامه ، وجزء في فقراء آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وأيتامهم وأبناء سبيلهم ، وجزء في فقراء المؤمنين.

وان لم يكن له مال اقتصر على ما ذكرناه من الإقرار بجمل التكاليف والوصية لمن حضره أو غاب عنه بتقوى الله تعالى والتمسك بما هو عليه من الحق وليرغب


فيه ، ويخوف من خلافه ، ويأمر في وصيته بتغسيله وتحنيطه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه على السنة.

وليشر من يتولى ذلك من ذوي البصيرة والورع ، وليستند وصيته الى من يعلم(1) عدالته ومعرفته بالدين واطلاعه بما يستند اليه(2) وليشهد عليها من أمكن اشهاده من عدول أهل الإيمان أدناه رجلين ، ويجوز إشهاد النساء في الوصية عند عدم الرجال ومع وجودهم.

فان كان بحيث لا يجد مسلما ولا مسلمة فليشهد ذوي العدالة من أهل الكتاب.

ويجوز تغيير الوصية والاستبدال بالأوصياء ، ولا يجوز ذلك لأحد بعد وفاته.

فاذا قبض الموصي فليخرج ما أوصى به من الحقوق الواجبة في حياته من أصل التركة وان لم يوص بها ، وما عدا ذلك من الثلث ، وان تجاوز الوصية به الثلث(3) رد الى الثلث. فان استغرقت الوصية جملة التركة امضى منها الثلث.

والوصية ماضية للوارث كالأجنبي.

وإذا مات الوصي فعلى الناظر في مصالح المسلمين أن ينصب بدلا منه وان ضعف فليضم اليه غيره.

وإذا نظر الوصي للورثة بالمعروف مضى نظره ، فان خالفه أو تعدى المشروع وان كان أنفع للورثة بطل ما فعله.

وإذا كان الوصي فقيرا فقطعه النظر فيما أسند إليه عن التكسب فله اجرة مثله من مال الورثة بالمعروف ، ويحل له مثل ذلك وان كان غنيا ، والتنزه عنه أفضل.

__________________

(1) في بعض النسخ : من لا يعلم عدالته.

(2) في بعض النسخ : واضطلاعه بما يسند اليه.

(3) وان تجاوز في الوصية الثلث.


فصل في أحكام الجنائز من فروض الكفاية

فيلزم من حضر مسلما قد احتضر أن ينقله الى موضع مصلاه ، وليوجهه إلى القبلة ، ويلقنه جمل المعارف وكلمات الفرج ، فاذا قضى نحبه فليغمض عينيه ، ويطبق فاه ، ويمد يديه مع جنبيه ويمد رجليه ، يتولى ذلك منه الرجال ، وان كانت امرأة تتولى ذلك منها النساء المأمونات العارفات ، وان فقد الرجال ، في حق الرجل تولى ذلك ذو أرحامه من النساء أو المأمونات من الأجانب. وكذلك الحكم في المرأة مع عدم النساء ، ولا يقرب موضعه بنوح(1) ولا غيره من القبائح.

وليكثر عنده من تلاوة القرآن ، وان كان ليلا أسرج عليه في البيت مصباح ، ولا يجعل عليه حديد.

فإذا أريد غسله فلينتقل الى سريره متوجها الى القبلة ويغسل على الوجه الذي ذكرناه في باب الأغسال ، يتولى ذلك العارف ، ويصب الماء عليه آخر ، وليكثر من قوله : عفوك عفوك.

وان كان الميت رجلا بين النساء غسله ذوات أرحامه ، فان لم يكن له

__________________

(1) هذه الكلمة أثبتت في النسخ على أشكال مختلفة ، ويحتمل أن يقرء كما أثبتناه.


فيهن ذات محرم غسلته المأمونات في قميصه وهن مغمضات ، وان كانت امرأة بين الرجال غسلها زوجها أو بعض محارمها ، فان لم يكن فيهم محرم غسلها المأمون(1) مغمضا في ثيابها.

ويغسل المحرم كالمحل ، ولا يقرب بطيب.

ويغسل القتيل ظالما كان أو مظلوما الا قتيل معركة الجهاد ، فإنه لا يغسل وان كان جنبا ، ويدفن بثيابه الا السراويل والخف والفروة والقلنسوة ، فإن أصاب شيئا من ذلك دم دفن معه الا الخف.

وإذا مات الجنب أو الحائض أو النفساء غسلوا غسلا واحدا.

فاذا فرغ من تغسيله فليغسل يديه الى المرفقين ، ويطرح عليه ثوبا ينشفه به ، ويحشو أسفله بقطن ، ويؤزره بالخامسة ، ثم يكفنه في درع ومئزر ولفافة ونمط ، ويعممه ويحتنكه ويرخي له ذؤابتين على صدره إحديهما على يمينه والأخر عن شماله والأفضل أن يكون الملاف(2) ثلاثا إحديهن حبرة يمنية ، وتجزى واحدة.

وأفضل الأكفان الثياب البياض ( كذا ) من القطن والكتان ، ويجوز بغيرها مما تجوز فيه الصلاة. وان لم يكن له الا قميص واحد كفن فيه بعد قطع الأزرار حسب.

وليحصل(3) معه جريدتان خضراوان من جرائد النخل ، إحديهما لاصقة بجلده ، والأخرى بين الدرع واللفافة.

ويحنط بثلاثة عشر درهما وثلث كافورا ، ويجزى مثقال واحد ، يجعل على مساجده السبع(4) وطرف أنفه.

__________________

(1) في بعض النسخ : المؤمن.

(2) كذا في بعض النسخ ، ولعل الصحيح : اللفاف.

(3) ولتجعل. ظ.

(4) السبعة.


ثم يعقد كفنه وينقل إلى سريره ، ولتكن حملته أربعة من المسلمين ، وليمش مشيعوه ولا يركبون خلف الجنازة وعليهم السكينة والوقار والخشوع ، مستغفرين الله تعالى له شافعين اليه سبحانه فيه.

ويستحب للرجل أن يحفي ويحل أزراره في جنازة أبيه وجده لأبيه دون من عداهم.

وإذا رأى المرء جنازة فليقل : « الله أكبر الله أكبر ، هذا ما وعدنا(1) الله ورسوله وصدق الله ورسوله ، اللهم زدنا ايمانا وتسليما ، سبحان المتعزز بالاقتدار على العباد سبحان المتفرد(2) بالبقاء وقاهر الخلق بالموت ».

فاذا أصحر به فليصل عليه حسب ما تقدم وصفه من صلاة الجنائز.

ثم ينتقل الى قبره ، فيحط رأسه الى رجلي(3) القبر وبينهما مسافة ، فاذا استقرت الجنازة تركت مهلة ثم قربت الى القبر ، فتركت هنيئة ثم قربت الى شفير القبر ، فاذا عاين المشيعون القبر ، فليقولوا : « اللهم اجعلها روضة من رياض الجنة ، ولا تجعلها حفيرة من حفر النار ، هذا ما وعدنا(4) الله ورسوله وصدق الله ورسوله ».

ثم لينزل(5) الى القبر من قبل الرجلين اثنان مؤمنان عارفان يحط رأسه أولا ثم يسلانه حتى يضعاه في لحده ، ويحلا(6) عقد الكفن من قبل رأسه و

__________________

(1) في بعض النسخ : هذا ما وعد الله.

(2) المنفرد.

(3) رجل.

(4) في بعض النسخ : هذا ما وعد الله.

(5) في بعض النسخ : ثم لينزله.

(6) يحل.


رجليه ، ويضع خده على التراب على جانبه الأيمن متوجها الى القبلة ، وليلقنه ملحدة(1) منهما الشهادتين وأسماء الأئمةعليهم‌السلام ويقول : « اللهم صل وحدته وآنس وحشته وارحم غربته واغفر زلته ، نزل بك اللهم وأنت خير منزول به فاجعل نزله لديك اللهم الفوز بالجنة والنجاة من النار ».

ثم يشرح(2) عليه اللبن ، ويصعدان من قبل الرجلين ، ثم يهال عليه التراب فاذا امتلأ القبر وارتفع التراب عن الأرض فليصب عليه الماء ، يبدء بذلك من عند الرأس ويدور حتى ينتهى اليه من الجانب الأخر ، ويرفع قبره ويسطح ، ولا يرفع أكثر من أربع أصابع مفرجات ، ثم ينادى بالانصراف.

فاذا انصرف المشيعون فليتخلف عنده رجل عارف ، فاذا انقطع عنه حس(3) المشيعين فليقف مستدبر القبلة ووجهه تجاه وجه الميت وينادى برفيع صوته :

« يا فلان بن فلان اذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا : شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن والحسين ـ ويعد الأئمة إلى الحجة بن الحسنعليهم‌السلام ـ خلفاء رسوله وحفظة شرعه ، وأن الموت حق ، والبعث حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، إذا أتاك الملكان المقربان فسائلاك(4) فقل : الله ربي لا أشرك به شيئا ، ومحمد نبي ، وعلي والحسن والحسين(5) ـ وفلان وفلان الى آخرهم ـ أئمتي ، و

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : وليلقنه أحدهما.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : يسرح. ولعل الصحيح : يشرج.

(3) خبر المشيعين. خ.

(4) يسألانك. خ.

(5) في بعض النسخ : والأئمة الاثني عشر فلان و.


الإسلام ديني ، والقرآن شعاري وحجتي ، والكعبة قبلتي ، والمسلمون إخواني » ثم ينصرف.

ومن السنة تعزية أهله ثلاثة أيام ، وحمل الطعام إليهم لشغلهم بمصابهم عن اصطناعه.


فصل في ما تعبد الله سبحانه لفعل الحسن والقبيح

يجب على كل مكلف علم غيره مؤمنا ـ لتصديقه بجملة المعارف والشرائع ـ عدلا ـ باجتناب سائر القبائح فعلا وإخلالا ـ أن يتولاه ويمدحه ويعظمه بحسب منزلته في الايمان ، ويجرى عليه أحكام المسلمين العدول ، ويقطع له بالثواب ، بشرط مطابقة الباطن للظاهر عن يقين لوجهه.

وان علم ثبوت ايمانه عند الله تعالى ووقوع طاعاته موقعها كعمار وسلمان وأبى ذر بنصه تعالى على ذلك بخطابه أو بعض(1) حججه ، تولاه على الظاهر والباطن ، ومدحه وعظمه على الإطلاق وقطع له بالثواب ، حيا كان من ذكرناه أولا وثانيا أو ميتا.

فإن أخل بواجب عقلي أو سمعي أو فعل قبيحا محرما ، مدحه على ايمانه على الوجه الذي ثبت عنده من ظاهر أو باطن ، وذمه على ما فعله من القبيح ذما مقيدا مشترطا من(2) العفو والتوبة فيمن لم يعلم إصراره ، وحكم له بالفسق واجرى عليه أحكام الفساق من اجتناب الصلاة خلفه وقبول شهادته وإعطائه

__________________

(1) في بعض النسخ : أو لبعض حجته.

(2) كذا.


شيئا من حقوق الأموال الواجبة وكراهية مناكحته حيا وميتا(1) .

وان علم غيره كافرا أن يلعنه ويبرأ منه ويقطع ولايته ويحرم مودته ويحكم بدوام عقابه ، ويجرى عليه أحكام من تخير(2) اليه من ضروب الكفار ويدين ذلك فيه حيا وميتا.

فان علم أحدهما تائبا أو نص له على غفران ذنبه سقطت أسماء الفسق والكفر وأحكامهما.

وتلزم كلا منهما التوبة بما اقترفه(3) من كفر أو فسق ، ليخرج بها عن قبيح الإصرار والعزم على القبيح ، ولكونها من جملة الواجبات الشرعية المؤثرة لاستحقاق الثواب لفعلها والعقاب للإخلال بفرضها ، ولحصول الإجماع على سقوط العقاب بها.

وحقيقتها : الندم على ماضى القبيح لوجه قبحه ، والعزم على اجتناب مثله في المستقبل.

وهذه الحقيقة ثابتة في كل توبة من القبيح ، وربما وقفت صحتها في مواضع على أمور أخر.

والقبيح على ضربين :

أحدهما : يختص بعصيانه سبحانه.

والثاني : ينضم الى عصيانه فيه ظلم غيره.

وما يختص بعصيانه تعالى على ضربين : أحدهما الإخلال بالواجب ، والثاني فعل القبيح.

__________________

(1) كذا.

(2) كذا.

(3) في بعض النسخ : اقترنه.


والواجبات على ضروب : منها ما يجب قضاؤه كصلاة الخمس وصوم الشهر ، ومنها ما يجب أداؤه كالحج وحقوق الأموال ، ومنها ما لا يتلافى بقضاء ولا أداء كصلاة الجمعة والعيدين والفطرة.

فيلزم المفرط في حق الله تعالى التوبة مع الندم والعزم على القضاء والأداء مع الإمكان ، ولا تصح التوبة من دون ذلك ، لان إصراره على الإخلال بواجب القضاء أو الأداء يمنع من كونه نادما ، فان عزم على القضاء أو الأداء وشرع في ذلك وبذل الجهد فتوبته ماضية وان مات قبل أن تبرأ ذمته منهما.

وأما ما لا يتلافى فوته كصلاة الجمعة فحكمه حكم ما فعله من القبائح كالكذب والزنا يكفيه في التوبة الندم والعزم حسب.

ومظالم العباد على ضربين :

أحدهما يصح قبضه واستيفاؤه كالأموال والرباع والحيوان وسائر المملوكات فمن شرط صحة التوبة من ذلك ، الخروج الى المظلوم من عين الظلامة أو بدلها ان كان حيا ، والى ورثته ان كان ميتا ، والاعتذار اليه والرغبة في التحليل مما دخل عليه من غم ، وفات من نفع ، وينوب مناب إيصالها إسقاط مستحقها.

فان تعذر ذلك لفقد عين الظلامة وبدلها أو المظلوم ، ففرضه على الوجه الأول استحلال المظلوم ، فان عفى عن الحق سقطت تبعته ، وان أبى فليعزم على الخروج اليه من الظلامة في أول أحوال الإمكان ، ويلزمه التقتير على نفسه وعياله وعزل ما يفضل عن حفظ الحياة للمظلوم وعلى الوجه الثاني عزل الظلامة من ماله والعزم على إيصالها إلى مستحقها ، والوصية بها ان احتضر دون ذلك ، فان قطع يقينا بانقراض مستحقي الظلامة فهي من جملة الأنفال.

فإذا فعل ما يلزمه من ذلك صحت التوبة وان لم يفعل لم تصح.

والثاني ما لا يصح قبضه واستيفاؤه وهو على ضروب :


منها السب والتعريض ، فيلزمه من حق التوبة إكذاب نفسه مما قال مفتريا أو معرضا بمحضر ممن(1) سمعه ان كان خاصا أو على رءوس الاشهاد ان كان عاما.

فان كان المقذوف قد علم بالقذف فليعتذر اليه ويكذب نفسه لديه ويستنزله عن الحد والتعزير ، فان عفى سقط ، وان طالب فعليه التمكين من نفسه. وليتول ذلك منه سلطان الإسلام.

وان كان المقذوف جاهلا بالافتراء عليه لم يجز أعلامه به.

وعلى القاذف ان يقيد(2) نفسه الى سلطان الإسلام أو من يصح منه اقامة الحد ليجلده بحسب ما وقع منه من قذف أو تعريض ، ولا يجوز له إسقاط ما وجب من دون وليه.

ومنها القتل والجراح والضرب ، فيلزم في حق التوبة الانقياد للقصاص أو العفو.

ومنها تحسين القبيح أو تقبيح الحسن والدعوة الى الضلال ، فيلزم في حق التوبة تلافى الفارط(3) من ذلك بالبيان عن وجه الخطاء واستفراغ الوسع في إيضاح الصواب منه.

فاذا فعل التائب ما يجب عليه من ذلك صحت توبته ، وان فرط فيه واقتصر على مجرد الندم والعزم لم تصح.

وإذا وقعت التوبة من كفر أو فسق بشروطها سقط وعيد التائب وما تبعه من أسماء الذم واستحق بها المدح والثواب وما يتبعهما من أسماء المدح والولاية

__________________

(1) من.

(2) كذا.

(3) في بعض النسخ : الفائت.


في الدين.

وان علم إصرار العاصي على ماضى القبيح والعزم على استينافه(1) وجب على كل مكلف علم ذلك أو ظنه مع ما ذكرناه من الأحكام إنكاره بقلبه وكراهيته وتعين(2) على المتمكن منعه من القبيح وحمله على الواجب المتوقعين في المستقبل أو الفعل ، لكون ذلك أمرا بمعروف ونهيا عن منكر اتفق الكل على وجوبهما ، ومقابلته بما يستحقه على ما أتاه من كفر أو فسق من قتل أو جلد أو تعزير ، لكون ذلك قسطا من عقابه اقتضت المصلحة تعجيله.

ولكل من المتعبد(3) على ماضي الكفر والفسق ومستقبلة تفصيل يورده(4) والفاسق من ثبت ايمانه وأخل بواجب أو أتى قبيحا عقليا أو سمعيا على جهة التحريم ، والكافر من لم يثبت ايمانه.

والكفار أربعة أصناف : كتابيون وهم اليهود والنصارى والمجوس ، ومشركون وهم الوثنيون والصائبون وغيرهم من الكفار ، ومرتدون عن الإسلام ، ومنافقون ، ولكل حكم في الجهاد نبينه.

__________________

(1) في بعض النسخ : استيفائه ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) كذا.

(3) في بعض النسخ : التعبد.

(4) نورده.


فصل في الجهاد وأحكامه.

يجب جهاد كل من الكفار والمحاربين من الفساق ، عقوبة على ما سلف [ من ] كفره أو فسقه ، ومنعا له من الاستمرار على مثله بالقهر والاضطرار ، لكون ذلك مصلحة للمجاهد على جهة القربة إليه سبحانه والعبادة له ، على كل رجل حر كامل العقل سليم من العمى والعرج والمرض مستطيع للحرب ، بشرط وجود داع اليه يعلم أو يظن من حاله السير(1) في الجهاد بحكم الله تعالى لكل من وصفناه من المحاربين.

فان كان ذو العذر غنيا فعليه معونة المجاهدين بماله في(2) الخيل والسلاح والظهر والزاد وسد الثغر.

وان كان الداعي إليه غير من ذكرناه ، وجب التخلف عنه مع الاختيار ، فان خيف جانبه جاز النفور معه لنصرة الدين دونه.

فان خيف على بعض بلاد الإسلام من بعض الكفار أو المحاربين ، وجب على أهل كل إقليم قتال من يليهم ودفعه عن دار الايمان ، وعلى قطان البلاد النائية عن مجاورة دار الكفر أو الحرب ، النفور إلى أقرب ثغورهم ، بشرط

__________________

(1) في بعض النسخ : السيرة ، وفي بعضها الأخر : الصيرورة.

(2) من الخيل.


الحاجة الى نصرتهم ، حتى يحصل بكل ثغر من أنصار المسلمين من يقوم بجهاد العدو ودفعه عنه ، فيسقط فرض النفور عن من عداهم.

وليقصد المجاهد والحال هذه نصرة الإسلام والدفع عن دار الايمان ، دون معونة المتغلب على البلاد من الأمر(1) .

وخالف الثاني الأول ، لأن الأول جهاد مبتدأ ، وقف فرض النصرة فيه على داعي الحق لوجوب معونته ، دون داعي(2) الضلال لوجوب خذلانه ، وحال الجهاد الثاني بخلاف ذلك ، لتعلقه بنصرة الإسلام ودفع العدو عن دار الايمان لأنه ان لم يدفع العدو ، درس الحق وغلب على دار الايمان وظهرت بها كلمة الكفر.

ولا يحل لأحد من اتباع الظالم في(3) جهاد الكفار للتقية أو الدفع عن الإسلام ، أن يأخذ من الغنيمة شيئا الا على الوجه المشروع في المغانم.

وحكم جهاد المحاربين من المسلمين حكم جهاد من خيف منه على دار الايمان من الكفار ، في عموم الفرض من غير اعتبار صفة الداعي.

ومن السنة الرباط في الثغور الإسلامية ، وارتباط الخيل وأعداد السلاح وان لم يتكامل فيها شروط الجهاد المبتدأ ، انتظارا لدعوة الحق وعزما على اجابة الداعي اليه ودفع العدو ان قصدها وحمايتها من مكيدها.

__________________

(1) كذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : الأمور ، ولعل الصحيح : الأمراء.

(2) في أكثر النسخ : دواعي.

(3) في بعض النسخ : من جهاد.


فصل في سيرة الجهاد

سيرة الجهاد على ضربين : أحدهما أحكام الحرب والمحاربين ، والثاني قسمة الغنائم.

الضرب الأول من السيرة : إذا عزم سلطان الجهاد عليه فليقدم الدعوة اليه والاستنفار(1) في البلاد لتجمع له الأنصار ، فإذا اجتمعوا سار بهم ليطأ دار الكفر أو محل المحاربين ، فاذا انتهى إليهم فليدعهم الى الله تعالى والى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وما جاء به ، وليجتهد في الدعاء وليتلطف ، ويكرر ذلك بنفسه وذوي البصائر من أصحابه ، فإذا أجابوا إلى الحق ووضعوا السلاح أقرهم في دارهم ان كانوا ذوي دار ولم يعرض(2) لشي‌ء منها ، وولى عليهم من صلحاء المسلمين وعلمائهم من يفقههم في دينهم ويحمى بيضتهم ويجبي أموال الله تعالى منهم.

وان كانوا بغاة أو متأولين أو مرتدين أو محاربين ، ردهم الى دار الأمن(3) ان كانوا قد خرجوا عنها ، والا أقرهم فيها.

__________________

(1) في بعض النسخ : الاستنصار.

(2) ولم يتعرض.

(3) في بعض النسخ : دار الحرب.


وان أبوا الإجابة وسألوا النظرة لينظروا لأنفسهم أنظرهم مدة معلومة ينصب لهم فيها من يحاجهم وينبئهم على فساد ما هم عليه ، فان أقروا بالحق سار فيهم بما ذكرناه وان أقاموا على الإباء وكانوا كتابيين وهم اليهود والنصارى والمجوس عرض عليهم الجزية والدخول تحت الذمة.

فإن أجابوا ضرب الجزية على رءوسهم وأقرهم في دارهم وجعل على أراضيهم قسطا يؤدونه مع جزية رءوسهم ، وان امتنعوا قاتلهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية.

وجزية الرؤوس مختصة بأحرار رجالهم العقلاء البالغين السليمين دون النساء والعبيد والأطفال والمجانين وذوي العاهات من فقرائهم بحسب ما يراه مما ينهضهم ويجدون منه في كل سنة مرة في وقت معين فمن أسلم قبل حلول الأجل سقطت عنه(1) الجزية.

ويشترط عليهم أن لا يجاهروا المسلمين بكفرهم ، ولا يتناولوا المحرمات عندهم ، ولا يسبوا مسلما ولا يصغروا به(2) ، ولا يعينوا على أهل الإسلام بنفس ومال ولا رأى ، ولا يجدوا(3) بيعة ولا كنيسة ، ولا يعيدوا ما استهدم منها ،

فإنهم متى خالفوا شيئا من ذلك برئت ذمتهم وحلت دماؤهم وأموالهم ونساؤهم وذراريهم.

فإن أجابوا ودخلوا تحت هذه الشروط فهم في ذمة الله تعالى ورسوله ، يجب نصرهم والمنع منهم.

ويلزم إحضارهم مجالس العلماء بالحجة ليسمعوا الدعوة وتثبت عليهم الحجة.

__________________

(1) في المختلف : بقية الجزية.

(2) ولا يصغرونه : ظ.

(3) ولا يتخذوا. كذا في بعض الكتب الفقهية.


وان خرقوا [ خرجوا. خ ] الذمة بمخالفة أحد هذه الشروط فدماؤهم هدر ، وأموالهم وذراريهم في‌ء للمسلمين.

وان كانوا مشركين وهم من عدا الكتابيين من الكفار وأبوا الإجابة قاتلهم حتى يؤمنوا ، ويلزم قتل الجميع مقبلين ومدبرين ، ويجهز على جرحاهم ، وأموالهم وذراريهم وأهليهم ( كذا ) في‌ء للمسلمين.

وان كانوا مرتدين بخلع ربقة الإسلام من أعناقهم أو جحد فرض أو استحلال محرم معلومين من دين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كصلاة الخمس والزكاة والخمر والميتة ، وكانوا ممن ولدوا على الفطرة قتلوا من غير استتابة.

وان كانوا ممن ولد على كفر ثم أسلم ، عرضت عليه التوبة والرجوع الى الحق ، ونبه على خطائه بالحجة الواضحة ، فان أناب إلى الحق فلا سبيل عليه ، وان أبى الا الإقامة على ردته قتل ، وان كان ممن استتيب مرة قتل من غير استتابة ثانية ولا سبيل على أموالهم الخارجة عن محل الحرب ولا ذراريهم على حال ولا نسائهم المقيمات على الإسلام.

وان ارتددن النساء عرضت عليهن التوبة فإن أبينها خلدن الحبس وضيق عليهن في المطعم والمشرب حتى يؤمن أو يهلكن. فان خرجن الى رجالهن الى دار الحرب سبين ، وحكم واحد المرتدين حكم الجماعة.

وان كانوا متأولين وهم الذين يتظاهرون بجحد بعض الفروض واستحلال بعض المحرمات المعلومة بالاستدلال كإمامة أمير المؤمنين أو أحد الأئمةعليهم‌السلام أو مسح الرجلين أو الفقاع أو الجري أو وصف الله تعالى بغير صفاته الراجعة إليه تعالى نفيا وإثباتا والى أفعاله ، دعوا إلى الحق ويبين لهم ما اشتبه عليهم بالبرهان ، فان أنابوا قبلت توبتهم وان أبوا إلا المجاهرة بذلك قتلوا صبرا.


وان كانوا مستسرين به في دار الأمن لم يعرض(1) لهم بغير الدعوة الى الحق بالحجة ، فإن خرجوا بتأولهم هذا عن دار الأمن ، وأظهروا السلاح وأخافوا سلطان الحق ومتبعيه(2) كطلحة والزبير وعائشة وأتباعهم ومعاوية وأنصاره وأهل النهروان ، فان الخلال المذكورة اجتمعت فيهم ، من جحد امامة الامام العادل ، واستحلال دماء المسلمين ، وإظهار السلاح في دار الأمن ، وقتل أنصار الحق على اتباعه وخلافهم ، والسيرة فيمن جرى مجراهم بعد الدعوة واقامة الحجة وحصول الإصرار بمنابذتهم بالحرب وقتلهم والحرب قائمة مقبلين ومدبرين ، والإجهاز على جرحاهم.

فان انهزموا وكانت لهم فئة يرجعون إليها كمعاوية وأصحابه ، فحالهم بعد الانهزام كحالهم والحرب قائمة ، وان لم تكن لهم فئة ترجعون إليها كأنصار الجمل لم يتبع منهزمهم ، ولم يجهز على جريحهم ، ولم يعرض لمن رجع منهم الى دار الأمن أو ألقى سلاحه أو لحق بأنصار الحق.

ويقسم ما حواه معسكر(3) الجميع وما استعانوا به على الحرب من الأموال والكراع والسلاح دون ما خرج عنه من ذلك ولا يعرض لنسائهم وذراريهم على حال.

وان كانوا محاربين وهم الذين يخرجون عن دار الأمن لقطع الطريق واخافة السبيل والسعي في الأرض بالفساد ، فعلى سلطان الإسلام أو من تصح دعوته أن يدعوهم الى الرجوع الى دار الأمن ويخوفهم من الإقامة على المحاربة من تنفيذ أمر الله فيهم ، فان أنابوا ووضعوا السلاح ورجعوا الى دار الأمن فلا

__________________

(1) لم يتعرض.

(2) في بعض النسخ : ومشيعيه.

(3) عسكر.


سبيل عليهم ، الا أن يكونوا قد أخذوا مالا فيردوه أو قتلوا مسلما أو ذميا أو جرحوا فيقتص منهم للمسلم وتؤخذ دية الذمي.

وان أصروا على الحرب قصد بأنصار الإسلام إليهم وهم كل متمكن من الحرب وان كان الداعي ظالما.

وفرض النصرة في قتال المحاربين على الكفاية وإذا ظهر(1) عليهم فدم قتلاهم(2) هدر وقتلى المسلمين بهم شهداء.

ويرد ما تعين من الأموال إلى أربابها ، ويقسم ما عدا ذلك بين الأنصار ويقبض(3) ممن بقي بمن قتلوه في حال المحاربة وقبل الدعوة.

ولا يعرض لشي‌ء من أموالهم وأملاكهم الخارجة عن محل الحرب.

وفرضه في الأسرى ان كانوا في محاربتهم قتلوا ولم يأخذوا مالا أن يقتلهم ، وان ضموا الى القتل أخذ المال صلبهم(4) بعد القتل ، وان تفردوا بأخذ المال أن يقطعهم من خلاف ، وان لم يقتلوا ولم يأخذوا مالا أن ينفيهم من الأرض بالحبس أو النفي من مصر الى مصر حتى يؤمنوا أو يرى الصفح(5) عنهم.

ولا يجوز له ولا لأحد من الأولياء العفو عن القتل ولا القتل متى استحقا(6)

__________________

(1) أظهر.

(2) في بعض النسخ : فدمائهم هدر.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : ويقتص.

(4) كان في نسخنا : وصلبهم ، وحذفنا الواو ، ولعل الصحيح : وان ضموا الى القتل أخذ المال ، أخذ المال وصلبهم بعد القتل.

(5) في بعض النسخ : التصفح.

(6) كذا في النسخ.


بعد الأسر ويصح قبله مع ظهور التوبة العفو عن القتل ، وعن القصاص(1) بالجراح مع الإصرار.

وإذا عزم على قتال أحد الفرق بعد الاعذار والانذار فليستخر الله تعالى في ذلك ، ويرغب إليه في النصر وليعب أصحابه صفوفا ، ويجعل كل بني أب وكل أهل مصر تحت راية أشجعهم وأبصرهم بمكيدة الحرب ، ويجعل لهم شعارا يعرف به بعضهم بعضا ، ويقدم الدارع أمام الحاسر ، ويقف هو في القلب ومعه الرحل ، ويقدم أصحاب الخيل للطراد ، ويجعل بإزاء أهل القوة من العدو اولى ( كذا ) القوة من المسلمين.

وليوصهم بتقوى الله العظيم ، والإخلاص في طاعته ، وبذل الأنفس في مرضاته ، وصدق النية في لقاء عدوه ، ويذكرهم مالهم في ذلك من الثواب ويرغبهم في الشهادة وما لهم من الفضل بالظهور على الأعداء من علو الكلمة ، وما يستحقونه من جزيل الثواب على الشهادة ان فاتهم الظفر ، ويخوفهم الفرار وما فيه من عاجل العار وآجل الدمار ، ويتلوا آيات الجهاد ويأمرهم بسد الخلل وتقوية ما ضعف من الصفوف ، والإقبال براياتهم على اللقاء وبذل الجهد واستفراغ الوسع ، وغض الأبصار ، والإمساك عن الكلام الا بذكر الله والتكبير ، وتوطين الأنفس على الصبر.

وإذا أراد الحملة فليأمر بعضا فليحملوا حملة رجل واحد ويبقى بعض معه فئة لهم يتجاوزوا إليها(2) وليصدقوا الحملة(3) ويجمعوا القلوب على الاقدام

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) في الغنية : يتخير إليها صفوفهم.

(3) في بعض النسخ : الجملة.


غير مكذبين ولا متناكسين(1) فيقتلوهم مقبلين ومدبرين ، فان تضعضع لهم القوم فليزحف أمير الجيش بمن معه زحفا يبعث المقابلة(2) وفرسان الطراد على الأخذ بكظم(3) القوم حتى يفضوا صفوفهم ويزيلوها عن أماكنها فإذا كان ذلك فليحمل بمن معه حملة واحدة ويحملون امامهم فيوشك الفتح لا محالة.

وليوصهم بما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام يوصى به أصحابه إذا صافوا العدو :

عباد الله اتقوا الله وغضوا الأبصار واخفضوا الأصوات وأقلوا الكلام ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة والمبارزة والمنابذة والمعانقة والمكارمة وأنيبوا الى ربكم(4) واذكروا الله(5) لعلكم تفلحون(6) .

ان الله تعالى دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم وتسعى(7) بكم الى الخير : الايمان بالله والجهاد في سبيله وجعل ثوابه مغفرة الذنب(8) ومساكن طيبة في جنات عدن(9) ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ) فسووا صفوفكم كالبنيان(10) وقدموا الدارع وأخروا الحاسر وعضوا

__________________

(1) ولا متناكصين.

(2) المقاتلة.

(3) كذا في النسخ ، وفي الغنية المطبوعة : بضم القوم.

(4) في الوسائل : « واثبتوا » مكان « وأنيبوا الى ربكم ».

(5) في الوسائل : كثيرا.

(6) الوسائل 11 ـ 71.

(7) في الوسائل : ويشفي بكم على الخير.

(8) للذنب.

(9) وقال عزوجل.

(10) المرصوص.


على النواجد فإنه أنبى للسيوف(1) والتووا على أطراف الرماح فإنه أمر(2) للأسنة وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار ولا تميلوا براياتكم(3) ولا تجعلوها الا مع شجعانكم(4) ولا تمثلوا بقتيل وإذا وصلتم الى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ولا تكشفوا عورة(5) ولا تدخلوا دارا ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلا ما وجدتم في عسكرهم ولا تهيجوا امرأة بأذى وان شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم فإنهن ضعاف(6) القوى والأنفس والعقول :

رحم الله امرءا واسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه فيكتسب بذلك اللائمة(7) ويأتي بدناءة وكيف لا يكون كذلك وقد فرض الله عليه سبحانه(8) قتال الاثنين وهو ممسك يده عن قرنه قد خلاه على أخيه(9) هاربا منه ينظر اليه ومن يفعل ذلك يمقته الله فلا تتعرضوا لمقت الله [ فان ممركم الى الله ] وقد قال الله عزوجل :( قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ

__________________

(1) عن الهام.

(2) كذا في النسخ ، وفي الوسائل : أمور.

(3) في الوسائل : ولا تزيلوها.

(4) في الوسائل : فإن المانع للذمار والصابر عند نزول الحقائق هم أهل الحفاظ.

(5) ليست هذه الجملة في الوسائل.

(6) في الوسائل : ناقصات القوى.

(7) كذا في الوسائل ، وفي نسخنا : فيكسب ذلا.

(8) في الوسائل مكان هذه الجملة : وهو يقاتل الاثنين.

(9) في الوسائل : وهذا ممسك يده قد خلا قرنه على أخيه.


مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلّا قَلِيلاً ) وأيم الله لئن فررتم من سيوف العاجلة لا تسلمون من سيف الأجلة واستعينوا بالصبر والصدق(1) فإنما ينزل النصر بعد النصر ، فجاهدوا(2) في الله حق جهاده ولا قوة إلا بالله(3) .

ومن السنة أن يؤخر الى أن تزول الشمس ويصلى الصلاتان ، روى عن أمير المؤمنينعليه‌السلام انه كان يقول : « إذا زالت الشمس تفتح أبواب السماء وتنزل الرحمة والنصر وهو أقرب الى الليل وأجدر أن يقل القتل ويرجع الطالب ويفلت المنهزم »(4) .

ولا تبدأ(5) العدو بالحرب بعد الاعذار حتى يكونوا هم الذين يبدؤن به لتحق الحجة ويتقلدوا البغي.

ولا يجوز لمسلم أن يستبرز كافرا إلا بإذن سلطان الجهاد ، ويجب عليه أن يبرز الا من استبرز(6) بغير اذن.

ولا يجوز قتل الشيخ الفاني الا أن يكون من أهل الرأي كـ « دريد بن الصمة » ولا المرأة ولا الصبي ولا المريض المدنف ولا الزمن ولا الأعمى ولا المأوف العقل ولا لمتبتل في شاهق الا أن يقاتلوا فيحل قتلهم.

ولا يجوز حرق الزرع ولا قطع شجرة الثمر(7) ولا قتل البهائم ولا خراب المنازل ولا التهتك بالقتلى.

__________________

(1) في بعض النسخ : والصلاة.

(2) وجاهدوا.

(3) الوسائل : 11 ـ 71 ـ 72.

(4) راجع الوسائل : 11 ـ 47.

(5) كذا.

(6) استبرزه.

(7) الشجر المثمر.


ولا يجوز لمسلم أن ينهزم من محاربين ، ويجوز ذلك من ثلاثة نفر ( كذا ) ، والثبوت أفضل ولو كان ألفا.

ولا يجوز أن يستأسر الا أن يغلب على نفسه ويثخن جراحاً.

وإذا أسر المسلمون كافرا عرضعليه‌السلام ورغب فيه فان أسلم أطلق سراحه ، وان أبى وكان أسره والحرب قائمة(1) فالإمام مخير بين قتله وصلبه حتى يموت وقطعه من خلاف وتركه يجوز(2) في دمه حتى يموت أو الفداء به ، وان كان أسره بعد ما وضعت( الْحَرْبُ أَوْزارَها ) لم يجز له قتله وكان الامام مخيرا بين استعباده والمفاداة به والمن عليه ، ولا يجوز لغير الامام العادل المن عليه ويسوغ له ما عداه.

ويلزم من يفرد بغنيمة أو أسير أن يرده الى المقسم.

ولا سبيل على من نزل دار الكفر من المسلمين مختارا أو مضطرا ولا على ماله الا أن ينصر الكفار فيحل قتله وأخذ ما استعان به من المال على قتال المسلمين دون ما عداه ، ولا سبيل على أهله وولده ، وحكم رباعه وأراضيه حكم الدار التي هو فيها على كل حال.

ويجوز الابتداء بقتال الكتابيين والمرتدين والمتأولين ومن خرج الى دار الإسلام من ضروب الكفار لكيد أهلها في الأشهر الحرم ، ولا يجوز الابتداء فيها بقتال مشركي العرب ، فان بدؤا بالقتال فيها وجب قتالهم.

ولا يجوز لأحد من المسلمين أن يجير كافرا ولا يؤمن أهل حصن ولا قرية ولا مدينة ولا قبيلة إلا بإذن سلطان الجهاد فإن أجار بغير إذنه أثم ووجبت اجازة جواره ولم تحقر ذمته وان كان عبدا ، وأمسك عمن أجاره من الكفار حتى يسمع كلام الله فإن أسلم والا أبلغ مأمنه وكذلك حكم من أتى مستجيرا من الكفار.

__________________

(1) في المختلف : وكان أسره قبل انقضاء الحرب كان الامام مخيرا.

(2) كذا.


الضرب الثاني من سيرة الجهاد

مغانم المحاربين على ضربين :

أحدهما يصح نقله وهو الأموال والسلاح والرقيق والكراع وأمثال ذلك والثاني لا يصح نقله وهو الأرضون والرباع.

الضرب الأول من المغانم

يجب في جميع ما غنمه المسلمون من ضروب المحاربين منفردين به ومتناصرين ، بجملة الجيش أو السرايا ، بحرب وغير حرب ، إحضاره إلى ولى الأمر ، فإذا اجتمعت المغانم ، كان له ان كان إمام الملة أن يصفي قبل القسمة لنفسه الفرس والسيف والدرع والجارية ، وان يبدأ بسد ما ينوبه من خلل في الإسلام وثغوره ومصالح أهله ، ولا يجوز لأحد أن يعترض عليه وان استغرق جميع المغنم.

ويجوز ذلك لمن عداه من أولياء السلطان في الجهاد عن تشاور من صلحاء المسلمين ،

ثم يخرج الخمس من الباقي لأربابه ، ويقسم الأربعة الأخماس الباقية بين من قاتل عليها دون من عداهم من المسلمين ، للراجل سهم ، وللفارس


سهمان ، فان كان مع الفارس فرس آخر سهم بسهم واحد ، ولا يسهم لما زاد على ذلك.

وغنائم السرايا عن الجيش رد على جميع الجيش ، وغنائم السرايا من المصر يختصهم ، وإذا أنفذت سرية من المصر فأردفت بأخرى ، فغنمت الأولة فالثانية مشاركة لها في الغنيمة.

ومن السنة تنفيل النساء قبل القسمة لأنهن يداوين الجرحى ويعللن المرضى ويصلحن أزواد ( كذا ) المجاهدين.

وإذا غنم المسلمون غنيمة بغير حرب فهي للإمام خاصة لكونها من الأنفال التي خصه الله تعالى بها.

وإذا ركب المسلمون في البحر فغنموا لم يختلف حال الغنيمة للفارس سهمان وللراجل سهم.

وإذا غلب الكفار على شي‌ء من أموال المسلمين وذراريهم ثم ظهر عليهم المسلمين وأخذوا منهم ما كانوا غلبوا عليه ، فالاهل والذراري خارجون عن الغنيمة ، والرقيق قبل القسمة لمالكية ، وبعد القسمة لا سبيل لهم عليه ، والأموال والخيل والكراع والسلاح وغير ذلك بعد حصوله في حرز الكفار وتملكهم له على ظاهر الحال فهي للمقاتلين عليه ، وقبل ذلك راجع الى أربابه من المسلمين.

ويجب صرف الجزية وما صولح عليه الكتابيون على أراضيهم وأنعامهم في أنصار الإسلام خاصة حسب ما جرت به السنة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

القسم [ الضرب ظ ] الثاني من الغنائم

أراضي المحاربين خمس : فأرض أسلم أهلها عليها ، وأرض أخذت عنوة بالسيف ، وأرض صولح أهلها عليها ، وأرض سلمها أهلها من غير حرب أو


جلوا عنها ، وأرض المرتدين وكفار التأويل والمحاربين.

فأما الأرض التي أسلم أهلها فهي لهم وملك في أيديهم ، وعليهم فيما يخرجه من الأصناف الأربعة الزكاة حسب.

فان باع المسلم الأرض أو وهب أو صدق أو وقف أو آجر لزم من انتقلت اليه ما كان على الأول من حقوق الأرض.

فإن تركها حتى بارت ثلاثا أخذت منه وسلمت الى من يعمرها ويخرج منها الحق.

وأما الأرض المأخوذة عنوة فيلزم الناظر تقبيلها بما يراه مدة معلومة ، ويشترط على متقبلها إخراج الزكاة من أصل ما يخرجه من الأصناف الأربعة إلى أهلها وأخذ ما بقي عن شرط القبالة فيصرف إلى أنصار الإسلام.

فإن قصر المزارع في عمارتها وزراعتها كان له فسخ العقد وأخذ الأرض منه وتسليمها الى من يراه.

وله صرف ذلك في مصالح الإسلام وسد ثغوره وتقويته بالخيل والسلاح على أعدائه ، ولا يجوز لأحد أن يعترض عليه في ذلك.

وأما أرض الصلح فمختصة بأرض الكتابيين دون من عداهم من ضروب الكفار الذين لا تجوز هدنتهم ولا مصالحتهم على شي‌ء ، فلا حد لمقدار ما يقع الصلح عليه ، وانما هو بحسب ما يراه سلطان الإسلام ، ولمن بعده من الأئمةعليهم‌السلام ( كذا ) الزيادة عليه والنقصان منه.

ويصح صلحهم على جزية الرؤوس خاصة وعلى الأمرين.

فإن باع الذمي أو وهب أو صدق أو وقف شيئا من أرض الصلح لذمي حرا أو عبدا فعلى من انتقلت اليه من الخراج ما كان على الأول ، فإن كان انتقالها الى مسلم فعليه فيها ما كان على الذمي : العشر أو نصفه من الأصناف الأربعة إلى


أهلها.

وان آجرها من مسلم أو ذمي فعلى المستأجر خراجها ، ويرجع على المالك به ما لم يشترطه(1) في عقد الإجارة.

وإذا انتقلت بأحد الوجوه الى عبد مسلم أو ذمي أو مدبر أو مكاتب مشروط فحق الأرض يختص بالسيد ، وان كان مكاتبا قد عتق بعضه فعليه من حق الأرض بحساب ما عتق منه ، وعلى مكاتبه الباقي.

وخراج أرض الذمي لازم له وان يردها ( كذا ) أو عجز عن عمارتها وزراعتها.

وان كان شرط الصلح مختصا بما يخرج الأرض وصفته من جدب وخصب أخذت منه وسلمت الى من يعمرها من أهل دينه ويؤدى خراجها ، فان لم يجد من يأخذها من أهل دينه أعطيت لغيره ، فما فضل عن حق المزارع والخراج فهو للذمي ، ولا شي‌ء عليه فيما نقص.

وان كان شرط الأرض مختصا بمساحتها كان على كل ضريب(2) درهم فهو مضاف إلى جزئه الرؤوس ، يلزم الذمي العاجز عن عمارتها أداؤه كجزية رأسه ويصنع بأرضه ما شاء.

فأما أرض الأنفال فقد تقدم بعينها(3) فهي للإمام ليس لأحد من الذرية ولا غيرهم فيها نصيب ، يصنع بها بما يشاء مدة حياته ، فاذا مضى قام الإمام القائم بعده مقامه في الاستحقاق ، وهو بالخيار بين إمضاء ما قرره الماضي ونقضه.

ولا يحل لأحد أن يتصرف في شي‌ء من أرض الأنفال بغير اذن من يستحقها مع إمكانه ، وان تعذر الإيذان جاز التصرف فيها بشرط إخراج الخمس من

__________________

(1) يشترط.

(2) جريب.

(3) تعينها ـ تعيينها.


جميع ما يخرجه ، يصنع فيه ما رسمناه سالفا فيما يختص الامام من الحقوق الان(1) .

وأما أرض الكفار والمتأولين والمرتدين وبغاة(2) المحاربين ، فحكمها حكم الأصل ان كان ملكا أو صلحا أو فتحا أو نفلا. وحكم زرع هذه الأراضي حكمها. ولا يجوز لإمام ولا مأموم ان يحكم في شي‌ء منها بغير ما قرره الشرع فان فعل لم يمض ، وكان على المتمكن من الإنكار إبطاله ، ورد الأرض والمسكن الى حكم الأصل.

__________________

(1) كذا.

(2) والبغاة.


وأما الفسق

فمستحق بكل معصية ليست بكفر ، وهو مقتض لفرضين : أحدهما يختص الماضي ، والثاني يختص المستقبل.

فالفرض الأول مختص بسلطان الإسلام أو من تصح نيابته عنه وهو على خمسة أضرب :

منها ما يوجب الحد وهو الزنا واللواط والسحق والجمع بين أهل الفجور له والقذف والسرق والفساد في الأرض وشرب الخمر والفقاع.

ومنها ما يوجب التعزير وهو إتيان البهائم والاستمناء والتعريض بالسب ومواقعة(1) ما ذكرناه من القبائح والإخلال ببعض الواجبات العقلية أو السمعية.

ومنها ما يوجب القصاص بالقتل والجراح وهو مختص بتعمد ما يوجبهما.

ومنها ما يوجب الدية وهو مختص بما يقع عن خطأ من قتل أو جراح.

ومنها ما يوجب الأرش أو القيمة وهو مختص بما يحصل من إتلاف لملك الغير أو تنقص قيمته عن خطأ أو عمد.

وسيرد تفصيل أحكام هذه المستحقات الخمس ( كذا ) في مواضعه ان شاء الله تعالى.

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : موافقة.


والفرض الثاني هو الأمر والنهى

وكل منهما على ضربين : واجب وندب.

فما وجب فعله عقلا أو سمعا ، الأمر به واجب ، وما ندب إليه ، الأمر به مندوب وما قبح عقلا أو(1) سمعا ، النهى عنه واجب ، وما كره منهما ، النهى عنه مندوب.

والأمر والنهى على مقتضى الأصول عبارة عن قول الأعلى للأدنى : افعل ، أو لا تفعل ، مقترنا بالإرادة والكراهة ، وفيما قصدناه عبارة عما أثر وقوع الحسن وارتفاع القبيح من الغير من الأقوال والأفعال.

وطريق وجوب ما له هذه الصفة السمع وهو الإجماع ، دون العقل ، إذ لو كان العقل طريقا لوجوبه لاشترك فيه القديم والمحدث ، وذلك يقتضي وقوع سائر الواجبات وارتفاع سائر القبائح ، لكونه سبحانه قادرا على حملهم على ذلك كما يجب مثل ذلك على كل متمكن منا ، والمعلوم بخلاف ذلك.

وأيضا وكل شي‌ء وجب عقلا فإنما وجب لما هو عليه كالصدق والإنصاف ، أو لكونه لطفا كالعلم بالثواب والعقاب ، فطريق العلم بوجوب حمل الغير على

__________________

(1) في بعض النسخ : وسمعا.


الواجب ومنعه من القبيح لكونه كذلك أو لكونه لطفا متعذر ، وانما علم ذلك بعد التعبد بسائر الفرائض الشرعية.

فما يتعلق منه بأفعال القلوب من ارادة الواجب وكراهية القبيح فرض يعم كل مكلف علمهما ، وما عدا ذلك من الأقوال والأفعال المؤثرة في وقوع الحسن وارتفاع القبيح يقف وجوبه على شروط خمس :

منها العلم بحسن المأمور وقبح المنهي ، ومنها التمكن من الأمر والنهى ، ومنها غلبة الظن بوقوع القبيح والإخلال بالواجب مستقبلا ، ومنها تجويز تأثيرهما ، ومنها أن لا تكون فيها [ فيهما. ظ ] مفسدة.

واعتبرنا العلم ، لان الحمل على ما يجوز الحامل كونه قبيحا ، والمنع مما لا يقطع على قبحه ، بالقهر قبيح لا يحسن على حال فضلا عن وجوبه ، ولا سبيل الى القطع على الحسن والقبح الا بالعلم.

واعتبرنا قوة الظن بما يتوقع دون الماضي ، لأن الغرض بهذا التكليف وقوع الواجب وارتفاع القبيح ، والماضي لا يتقدر هذا فيه ، والتجويز لو كفى في الإيجاب لوجب الإنكار على كل من لا تعلم عصمته من أبرار الأمة وعبادها لتجويز وقوع القبيح منهم وذلك فاسد.

واعتبرنا التمكن ، لقبح التكليف من دونه عقلا وسمعا.

واقتصرنا في الإيجاب على التجويز دون غلبة الظن بالتأثير ، لأن أدلة إيجاب الأمر والنهى مطلقة غير مشترطة بظن التأثير ، وإثباته شرطا يقتضي إثبات ما لا دليل عليه ، ويؤدى الى تقييد مطلق الوجوب بغير حجة.

وأيضا فقد علمنا وجوب الجهاد مع قوة الظن بأن المجاهد لا يؤمن ، ومع حصول العلم بذلك يبطل اعتبار الظن في الوجوب.

ان قيل : إذا كان الغرض بالأمر والنهى حصول التأثير فينبغي إذا غلب


الظن بعدمه أن يقبحا ، لكون ذلك عبثا ، ولهذا يقبح منا الإنكار على أهل الماصر ما يؤتونه [ يأتونه. خ ] فيه من أخذ الأعشار.

قيل : المقصود في هذا التكليف مصلحة من وجب عليه ، والتأثير تابع ، فجاز وجوبه وان علم انتفاء التأثير كسائر المصالح.

وبعد يحس تكليف من علم حاله سبحانه وعلمنا أو ظننا أنه لا يختار ما كلف(1) ظاهرا وهو مانع من اعتبارهم وقوف الحسن على التأثير.

وأيضا فجهاد الكفار واجب مع الإمكان وحصول العلم تارة والظن اخرى بعدم تأثيره الايمان.

واتفاق الكل على وجوب الإنكار على « أبى لهب » مع العلم بأنه لا يؤمن ، وعلى كثير من الكفار المعلوم أو المظنون كونهم ممن لا يختار الايمان ، وذلك يبطل ما ظنوه.

وأما أصحاب الماصر فإنما قبح الإنكار عليهم في كثير من الأحوال لحصول الخوف من ضررهم ، أو استهزائهم بالمنكر ، وذلك قبيح يحصل عند الإنكار لولاه لم يحصل ، ولا شبهة في سقوط فرض الأمر والنهى والحال هذه ، لكونه مفسدة ، ولهذا متى أمنا منهم الأمرين وجب الإنكار عليهم وان ظنننا ارتفاع التأثير ، فواضح أن قبح الإنكار عليهم انما كان للمفسدة ، لا لارتفاع الظن بالتأثير.

واشترطنا عدم المفسدة ، لعلمنا بوجوب اجتناب ما أثر وقوع قبيح أو كان لطفا فيه ، لقبحه كالقبيح المبتدأ ، فالأمر أو(2) النهي متى كان سببا لوقوع قبيح من المأمور المنهي(3) أو من غيره بالأمر الناهي ( كذا ) أو بغيره ، يزيد على المنكر

__________________

(1) ما كلفه.

(2) والنهى.

(3) كذا.


أو ينقص ، لولاه لم يقع ، يجب الحكم بقبحه ووجوب اجتنابه ، لأنه لا يجوز عقلا ولا سمعا من المكلف أن يختار القبيح ليرتفع من غيره.

وإذا تكاملت هذه الشروط ففرضهما على الكفاية ، إذا قام به بعض من تعين عليه سقط عن الباقين ، لان الغرض منهما وقوع الحسن وارتفاع القبيح ، فاذا حصل المقصود ببعض من تعين عليه لم يكن لتكليف الباقين وجه ، وان لم يقم به أحد فكل مخاطب به ، ومستحق لذم الإخلال وعقابه.

والواجب من ذلك ما يغلب في الظن حصول الواجب وارتفاع القبيح معه فان ظن مكلفة أن الدعوة والتذكار والتنبيه على قبح الفعل والإخلال وعظيم المستحق بهما ، كاف اقتصر عليه ، فان أثر حصول المقصود والا انتقل الى اللعن والتغليظ في الزجر والتهديد فإن أثر والا انتقل الى الضرب والإيلام والى أن يقع الواجب ويرتفع القبيح.

فان غلب في الظن ابتداء عدم تأثير القول ، ابتدأ بما يظن كونه مؤثرا من الفعل وما زاد عليه ، حتى يحصل المقصود من وقوع الواجب وارتفاع القبيح فإن أدى ذلك الى فساد عضو أو تلف نفس فلا ضمان على المنكر.

وليس لأحد أن يقول : أي فائدة في وقوع الحسن وارتفاع القبيح عن إلجاء منافاته(1) للتكليف؟

لأن في ذلك وجوها حكمية :

منها كونه لطفا للأمر الناهي بغير شبهة.

ومنها أنه ليس كلما يقع من حسن عند الأمر وارتفع من قبيح عند النهى يحصل عن إلجاء.

ومنها أن الإلجاء يختص أفعال الجوارح ، فيصح أن يصحبها(2) العزم على

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : مع منافاته.

(2) يصححها.


تأدية الواجب واجتناب القبيح للوجه الذي له كانا كذلك.

ومنها كون ذلك لطفا في المستقبل للمأمور المنهي ولغيره من المكلفين من حيث كان علم العاقل انه(1) متى دام القبيح منع منه ومتى عزم على الإخلال بالواجب حمل عليه ، يبعثه بغير شبهة على فعل الواجب ابتداء واجتناب القبيح.

يوضح هذا علمنا بكثرة الواجبات وقلة القبائح في أزمنة التمكن من الأمر والنهى وفي الأمكنة.

ولهذا قال أهل العدل : انه متى علم القديم سبحانه أن إلجاء المكلف الى فعل حسن واجتناب قبيح يبعثه الى اختيار مثله من الحسن واجتناب مثله من القبيح أو خلافهما(2) وجب في حكمته سبحانه فعل ذلك الإلجاء كوجوب مثله علينا مع الأمر والنهى.

__________________

(1) بأنه. ظ.

(2) كذا.


فصل في ذكر الإكراه وأحكامه

ما قدمناه من أحكام الكفار والفساق وما يتعلق بهم ولهم من التعبد يختص المختارين ، وللمكرهين أحكام أخر يجب بيانها ، وما يقع به الإكراه ، وما يكون به اكراها مؤثرا ، وما يؤثر فيه الإكراه ، وما لا يؤثر.

فأما ما يقع به الإكراه ، فالخوف على النفس متى فعل الحسن واجتنب القبيح ، لحصول الإجماع بكون ذلك اكراها ، وعدم دليل بما دونه من ضروب الخوف ، فلا يجوز الانتقال عن لزوم فعل الواجب واجتناب القبيح المعلوم وجوبهما الا بدليل قاطع.

وأيضا فلو كان ما دون الخوف على النفس اكراها لم يقف على كثير من يسير ، فيؤدي ذلك الى أن من خاف ضياع درهم واحد من كثير ماله أو لطمه ولده ، أن يترك سائر الواجبات ويفعل جميع القبائح ، والمعلوم خلاف ذلك ، فثبت اختصاصه بالخوف على النفس.

مع ارتفاع الظن من التمكن من فعل الواجب واجتناب القبيح من دون ذلك.

فاذا حصل شرطا الإكراه المذكوران فما اكره عليه المكلف من فعل القبيح


والإخلال بالواجب على ضربين : أحدهما لا يصح فيه الإكراه وحكمه معه حكم الإيثار ، والثاني يصح فيه الإكراه.

فالأول أفعال القلوب كلها لان المكره لا سبيل له الى علمها ، فلا يصح الإلجاء إلى شي‌ء منها ، وما يصح فيه الإكراه أفعال الجوارح ، وهي على ضربين : أحدهما لا يؤثر فيه الإكراه ، والثاني يؤثر فيه.

فالأول القبائح الفعلية كلها كالظلم والكذب ، لأنها انما قبحت لما عليه ، ولا تعلق لها بغيرها ، فلا يجوز أن يؤثر فيها الإكراه حسنا ، ومن السمعيات الزنا بإجماع الأمة وشرب الخمر بإجماع الفرقة المحقة.

والثاني الواجبات العقلية والسمعية وما عدا ما ذكرناه من المحرمات.

فأما الواجبات فيؤثر فيها التأخير عن أوقاتها ، وتغير كيفياتها ، والنيابة فيها ، وسقوط ما لا يصح ذلك فيه(1) .

وأما المحرمات فيؤثر إباحتها كالميتة ولحم الخنزير والصيد في الحرم أو الإحرام وغير ذلك.

وقلنا بتغير الوجوب في العقليات بالإكراه لأن كل شي‌ء حسن أو واجب فمشترط بانتفاء وجوه القبح ، فاذا حصل في رد الوديعة أو قضاء الدين الخوف على النفس فذلك وجه قبيح يقتضي تأخير الرد والقضاء.

وأما الشرعيات فمبنية على المصالح والمفاسد التي يصح تغيرها فاذا قرر الشرع تأثير الإكراه في بعضها حصل العلم للمكلف بتغير المصلحة والمفسدة كتغيرهما في كثير من الأحوال متى اختل شرط من شروط الإيجاب أو التحريم.

فأما إظهار كلمة الكفر أو إنكار الايمان أو كتمان كلمته مع الخوف على النفس مع الإمساك عن الأولة وإظهار الثانية فيختلف الحال فيه.

__________________

(1) كذا.


فان كان مظهر الايمان والحجة به ومنكر الكفر والممتنع من إظهار شعاره في رتبة من يكون ذلك منه إعزازا للدين كرؤساء المسلمين في العلم والدين والعبادة وتنفيذ الأحكام ، فالأولى به إظهار الايمان والامتناع من كلمة الكفر ، فان قتل على ذلك فهو شهيد ، ويجوز له ما اكره عليه.

وان كان من أطراف الناس وممن لا يؤثر فعله ما اكره عليه أو اجتنابه عزا(1) في الدين ففرضه ما دعي اليه فليور في كلامه ما يخرج به عن الكذب ، ولا يحل له ما جاز لمن ذكرناه من رؤساء الملة على حال.

فإما الإكراه على مكان معين فحكمه حكم ما لا ينفك الإقامة منه ، فان كان ما يؤثر فيه الإكراه كتأخير الصلاة وأكل الميتة حل له المقام مع الإكراه وتعذر التخلص ، وان كان مما.(2) بل أفحشها فما له قبحت الإقامة مع القبيح له يقبح معه(3) .

ولأنه مقتض لإجراء أحكام الكفر على مظهره(4) فلا يجوز له ذلك مع الاختيار على حال.

الثاني ألا يكون الإقامة مؤثرة لوقوع قبيح ولإشعار كفر لولاها لم يقعا ، فيحل وان لم يتمكن المقيم من الإنكار بلسانه ولا يده ، فيقتصر على ما يختص القلب من كراهية القبيح والعزم على إنكاره متى تمكن منه.

وقلنا ذلك لان الإقامة لو قبحت بحيث يقع الكفر المتعذر إنكاره مع كراهية ، لقبحت الإقامة في كل دار وقع فيها كفر ما أو فسق لا يتمكن المقيم من

__________________

(1) كان في الأصل : عصا. والظاهر ما أثبتناه.

(2) هنا بياض في النسخ.

(3) كذا في النسخ.

(4) كذا.


إنكاره بيده ولسانه ، وقد أجمع المسلمون على خلاف ذلك.

يوضحه علمنا بإقامة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمكة وهي دار كفر مع تعذر الإنكار وكذلك حال أمير المؤمنينعليه‌السلام في المدينة في خلافة المتقدمين عليه في مقام الإمامة ، وحال ذريته بكل دار دخلوها من دور أهل الضلال وحال جميع علماء القبلة وعبادها. وذلك برهان على أن الإقامة بدار الكفر لا يقبح من حيث كانت اقامة بها وانما يقبح إذا كانت مقيدة(1) وان كان الاولى تجنبها الا أن يكون المقيم متمكنا من المظاهرة بالحق ونصرته بالحجة ، فيكون الإقامة أفضل.

وليس لأحد أن يقول : ان الإقامة مع الإمساك عن النكير إبهام.(2) وصية(3) من وراء ذلك لأنه أقام بها لمصلحة دينية أو دنيوية لإنكارها(4) للكفر لولا هذا لقبحت الإقامة بكل دار يقع فيها شي‌ء منكر لغير الإنكار لأنه لا وجه لحضورها الا الرضا بالقبيح فلذلك قبحت وليست هذه حال الإقامة بدار الكفر على ما سلف بيانه.

ان قيل : أليس العاقل يعلم وجوب التحرز من الضرر فكيف يحسن منه مع هذا أن يتعرض لضرر التلف باجتناب ما لا يؤثر فيه الإكراه من القبائح ولا يحسن منه التحرز بما اكره عليه من القبيح من ضرر القتل.

قيل التحرز من الضرر وان كان واجبا فقد بينا أن كل شي‌ء وجب فيشترط انتفاء(5) وجوه القبح ، وهاهنا وجه قبح يخرج التحرز عن صفة الحسن فضلا عن الوجوب.

__________________

(1) كذا.

(2) هنا بياض في النسخ.

(3) كذا.

(4) في بعض النسخ : لاكارها.

(5) فمشترط بانتفاء.


وأيضا فإن وجوب التحرز من الضرر يقتضي وجوب التحرز من الأعظم بالأقل ، وذلك يقتضي صبره على ضرر القتل ليدفع به عظيم ضرر عقاب القبيح لانغماره في جنبه.

وأيضا فكما نعلم وجوب التحرز من الضرر نعلم وجوب تحمل الضرر لاجتلاب ما زاد عليه من النفع ، فالقتل وان كان ضررا ففي مقابلته نفع يوازيه وهو العوض المستحق على القاتل ، ونفع عظيم وهو الثواب على اجتناب القبيح وتحمل ألم القتل وذلك مقتض لوجوبهما.

ان قيل : تراكم قد فصلتم بين فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وبين سائر الشرعيات لسقوط فرضهما بخوف أدنى ضرر ولزوم فرض الشرعيات مع كل ضرر دون النفس ، فما الوجه في ذلك؟

قيل : لا يجوز حمل الفرائض الشرعية بعض(1) على بعض في لزوم أو سقوط ، لكونها معلقة بما يعلم(2) سبحانه للمكلف من الصلاح المختص بزمان دون زمان ، وبشرط دون شرط ، وبمكلف دون مكلف ، بل يجب الحكم لكل منها بحسب ما قرره الشرع ، وقد علمنا بإجماع الأمة وقوف فرض الأمر والنهى على الشروط التي بيناها وتميز الشرعيات منه ووجوبها من دون ذلك ، فلا يصح الجمع بين التكليفين مع وضوح التعبد بفرقان ما بينهما.

وأيضا فإن المقصود من الأمر والنهى مع ما فيه من لطف الأمر والناهي وقوع الواجب من الغير وارتفاع القبيح ، فاذا صار سببا لوقوع القبيح منه قبح فعلهما من حيث قبح من المكلف إيثار القبيح لان لا يختاره غيره ، كما يقبح دفع الضرر عن الغير بإدخاله على أنفسنا.

__________________

(1) كذا.

(2) كان في الأصل : بما يعظم ، والظاهر ما أثبتناه.


وليست هذه حال ما كلفه العاقل من فعل الفرائض واجتناب المحرمات الشرعيات ابتداء لأنه غير ممتنع لزومها له وان خاف على نفسه ، ولا يكون ما يفعله من واجب أو يجتنبه من قبيح مفسدة لأجل ما يختاره غيره من القبيح بظلمه ، من حيث كان علمه بوجوب الفرائض عليه وقبح القبائح على كل حال ومع كل خوف دون القتل ومع خوفه في القبائح المخصوصة يؤمنه من كون شي‌ء منها مفسدة ويكون ذلك دلالة له(1) أن هذا المختار للقبيح ، عند امتثاله ما كلفه فعلا واجتنابا لا بد أن يختاره ، وقع منه الامتثال أم لا ، لو لا هذا لسقطت سائر العبادات وحسنت جميع القبائح الشرعيات عند ظن مكلفها إيثار غيره بعض القبائح ، والمعلوم خلاف ذلك.

يوضح ذلك من امتثل ما كلفه من فعل الواجب واجتناب القبائح مع خوف الضرر لا يخلو أن يقع به ذلك الضرر أم لا فان لم يقع فقد تجرد تكليفه من المفسدة بغير شبهة ، وان وقع فباختيار الظالم وقع ، ووقوعه في الوقت الذي وقع فيه كاشف عن كونه معلوما له تعالى ، وما تعلق العلم بوقوعه في وقت معين لا بد من وقوعه فيه ، وذلك برهان واضح على أن طاعة هذا المظلوم ليست لطفا في ظلم غيره ، ولا يلزم مثل ذلك مع خوف القتل لما بيناه من حصول الاتفاق على تأثيره في التكليفين ، وكون ذلك دلالة على تغير المصلحة والمفسدة ، وحالنا فيما دونه بخلاف ذلك فافترق الأمران.

وهذا يسقط اعتراض من يقول : أليس الجهاد عندكم من قبيل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقد يحسن فعله ويجب مع حصول الظن بل العلم بوقوع قبيح لولا الجهاد لم يحصل ، لان الجهاد في الحقيقة من جملة العبادات الشرعية كالصلاة واقامة الحدود التي قرر الشرع وجوبهما وان وقع عندهما قبيح

__________________

(1) على.


ولا يكون ذلك مقتضيا لقبحه كما لم يكن ما يقع عند فعل الصلاة واجتناب الزنا من القبيح مصلحة مقتضية لقبحهما لما سلف إيضاحه.

وبعد فالجهاد وان كان من عبادات المجاهد فالمقصود منه عقاب المجاهد على ماضى كفره كالحدود ، فكما لا يقتضي قبح استيفائها(1) إيثار من يستحق عليه القبيح عندها باتفاق وكذلك حكم الجهاد ولهذا يجب القصد به الى إضرار الكافر على جهة الاستحقاق والنكال كالحدود ، وليست هذه حال الأمر والنهى المقصود بهما وقوع الواجب وارتفاع القبيح دون إضرار المأمور المنهي.

وببعض ما ذكرناه تسقط شبهة من يقدح في النبوات بجهاد الكفار ، من حيث كان ذلك يقتضي إلجاء هم الى الايمان ، الذي لا يصح التكليف معه ، لان كونه عقابا على ماضى الكفر يسقط الشبهة المبنية على كون الجهاد مقصودا به ايمان الكفار ، فاذا لم يكن كذلك زال الترتيب(2) في سقوطها.

على أنه لو كان مختصا بالحمل على الإيمان كالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لكان الوجه فيه ما تقدم بيانه من مصلحة المجاهِد والمجاهَد وغيرهما على الوجه الذي يصح ذلك(3) .

__________________

(1) استينافها ، كذا في بعض النسخ.

(2) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : الريب.

(3) هنا بياض في أكثر النسخ ، وفي بعضها : تم الكتاب بعون الله.


بسم الله الرحمن الرحيم(1)

باب تعيين المحرمات

إذا كان ما عدا واجبات العقول ومندوباتها وقبائحها على الإباحة ، لأنه القسم الرابع في أوائل العقول كالحسن والقبيح ، ولكونه نفعا خالصا لا ضرر فيه ، وحصول العلم الأول بإباحة ما له هذا الحكم ـ وقد استوفينا الكلام في ذلك في غير موضع ـ وقف العلم بنقل العلم(2) بنقلها عن هذا الأصل إلى وجوب أو ندب أو تحريم على السمع وقد بينا فيما سلف ما ورد به السمع من العبادات فرضا ونفلا ، ونورد هاهنا ما ثبت تحريمه من المآكل والمشارب والمدركات وضروب التصرف والمناكح وتفصيل ذلك ، ليعلمه المكلف فيجتنبه ويستبح ما عداه.

فصل في بيان ما يحرم اكله

ما يحرم أكله على ضربين : أحدهما يتعلق التحريم بعينه ، الثاني بوقوعه

__________________

(1) كذا في بعض نسخنا.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : وبنقلها ولعل الصحيح : وقف العلم بنقله عن هذا.


على وجه.

الضرب الأول : البغل والخنزير والكلب والسنور والقرد والدب والفيل والثعلب والأرنب والضب واليربوع والفأر والسلحف(1) والقنفذ والدبى من الجراد وكل ذي ناب ومخلب من الوحش وكل ذي مخلب من الطير وما لا حوصلة له ولا قانصة وما لا فلس له من السمك ودواب البحر وحشار الأرض والدم المسفوح والطحال والقضيب والأنثيان والغدد والمشيمة والمثانة والطين وبيض ما لا يؤكل لحمه ولبنه وما اتفق طرفاه من مجهول البيض والسموم القاتلة.

الضرب الثاني : ميتة ذوات الأنفس السائلة ابتداء ، أو منخنقة بماء أو حبل أو غيرهما ، أو غير متحركة بعد الذبح ، أو لم يسل منها دم ، أو موقوذة بحجر أو عصا(2) أو بندق ، أو متردية من علو ، أو فائتة بالنطح ، أو أكيله سبع ، أو مقتولة طعنا أو ضربا مع إمكان الذكاة ، أو مقتولة بما عدا كلب المسلم المعلم ، أو إرساله من الجوارح ، أو يذبح لغير الله تعالى ، أو من دون التسمية تدينا ، أو بفعل كافر كاليهود والنصراني(3) ، أو جاحد النص ، أو بذكاة في غير محلها ، وقتيل مصيد الطير بغير النشاب ، وما قطع من الحيوان قبل الذكاة وبعدها قبل أن تجب جنوبها وتبرد بالموت. وكل هذه المذكورات ميتة وان اختلف جهات موتها ـ وصيد الحرم على المحل والمحرم ، وصيد الحل على المحرم ، وما نبت لحمه بلبن الخنزير من الانعام ، وما أدمن شرب النجاسات حتى يمنع منها عشرا ، أو جلالة الغائط حتى تحبس الإبل والبقر أربعين يوما والشاة سبعة أيام والبط والدجاج خمسة أيام ، وروى في الدجاج

__________________

(1) السلحفاء.

(2) في بعض النسخ : أو حصا.

(3) والنصارى.


خاصة بثلاثة أيام ، وجلالة ما عدا العذرة من النجاسات حتى تحبس الانعام سبعا والطير يوما وليلة ، ومنكوح الإنسان من الانعام ، وكل طعام شيب بشي‌ء من المحرمات أو النجاسات ، وطعام الكفار ، وما باشروه ببعض أعضائهم ، وما شرب عليه الخمر من الطعام ، والطعام في آنية الذهب والفضة ، والطعام في جلود الميتة والأنجاس من الحيوان وان دبغت ، وجلود السباع بعد الذكاة وقبل الدباغ [ قبل الذكاة وبعد الدباغ. كذا في نسخة ].


فصل في ما يحرم شربه

قليل المسكر وكثيره خمر محرم وان اختلفت أجناسه من عنب أو زبيب أو تمر أو عسل أو غير ذلك ، نيا كان أو مطبوخا أو مشمسا ، والفقاع ، وأعيان النجاسات المائعات ، وما نجس من الطاهرات ، والشرب فيما لا يجوز الأكل فيه من الأواني ، والمعاقرة بالماء وغيره من أنواع الأشربة الحلال من دونها.

فصل فيما يكره اكله وشربه

يكره أكل الكليتين ، والنخاع ، والعروق ، واذنى القلب ، والمرارة ، وحبة الحدقة ، وخرزة الدماغ ، وجرجير البقل ، ولحوم الجواميس ، والبخت وحمر الوحش والأهلية ، ولحم الغريض ، والأكل باليد اليسرى ، وبملعقة(1) ، ومتكئا ، ومما يلي غيره ومن وسط الصحفة والطعام الحار ، وطعام من لم يدع اليه ، وطعام من دعا له الأغنياء دون الفقراء ، وطعام ولائم القبائح والإفراط في الشبع وعرق العظم.

ويكره شرب الماء بالليل قائماً ، والعب ، والنهل في نفس واحد ، ومن ثلمة الكوز ، ومما يلي الاذن ، وشرب الماء المالح والكبريتي والمتغير اللون أو الطعم أو الرائحة بغير النجاسات.

__________________

(1) كان في الأصل : وبمعلقه ، والظاهر ما أثبتناه.


فصل فيما يحرم إدراكه

يحرم سماع العود والطنبور وكل ذي وتر مطرب والطبول والمزامير وسائر الأغاني وآلاتها كالقضيب [ كالقصب ظ ] وشبهه ـ والنوح(1) بالباطل ، ومدح من يستحق الذم ، وذم من يستحقه(2) والكذب ، ـ ومنه الأسمار وقصص القصاص بالمغازى المخترعة أو المزيد فيها ـ والنميمة ، وغيبة أهل الايمان ، وجميع الأقوال القبيحة كالأمر بالقبيح والنهى عن الحسن ، ورؤية من حرم الله تعالى من النساء ، ومباشرتهن ، والإصغاء إلى حديثهن ، والتلذذ برؤية المرد(3) للريبة(4) ومباشرتهم ، ومشاهدة المنكرات لغير الإنكار.

فصل فيما يكره من ذلك

يكره سماع الشعر الحسن في زمان الصوم وليلة الجمعة ويومها وفي المساجد ، والغزل منه على كل حال ، والأقوال الخالية من غرض دينى ودنيوى.

__________________

(1) في بعض النسخ : والنوح والفرح بالباطل.

(2) في بعض النسخ : يستحق المدح.

(3) في بعض النسخ : المرء ، والظاهر ما أثبتناه.

(4) في بعض النسخ : المريبة.


فصل فيما يحرم فعله

يحرم آلات الملاهي كالعود والطنبور والطبل والمزمار وأمثال ذلك ، وأعمالها للإطراب بها ، والغناء كله ، والنوح بالباطل ، ومدح من يستحق الذم وذم من يستحق المدح بمنظوم أو منثور من الكلام ، وعمل النرد والشطرنج وسائر آلات القمار ، واللعب بها ، والقمار ، وعمل الصلبان والأصنام والتماثيل وعمل آلات الأشربة المحرمة ، وصناعتها ، وغرس المعتصرة(1) منه لذلك ، وعمارته وسقيه وقطافه وصرامه وحمله وعصارة وابعائه(2) ، وتركيب الأدوية المحرمة والسموم القاتلة ، وافتتاح(3) المؤذيات كالسباع والهوام والكلب العقور ، وخصاء(4) شي‌ء من الحيوان ، وذبح ما لم يرد الشرع بذبحه ، وإيلام ما لم يرد بإباحة ذلك منه ، وتعدى ما أبيح من الانتفاع بالحيوان ، وعمل الزينة للرجال ، ووشم وجوه النساء وتدليسهن بزخرفة الأفعال ، وزخرفة المساجد ، وتعدى المشروع في بنائها ، وزخرفة المصاحف ، وبناء البيع والكنائس وبيوت

__________________

(1) في بعض النسخ : المعصرة منه.

(2) كذا في النسخ.

(3) كذا في النسخ.

(4) كان في الأصل : وخصي ، والظاهر ما أثبتناه.


النيران وغير ذلك [ من ] معابد أهل الضلال ، والرمي عن قوس الجلاهق ، والبخس والتطفيف في الكيل والوزن ، والغش في جميع الأشياء ، والجمع بين أهل الفسق للفجور ، وعمل السلاح وغيره لمعونة أعداء الدين من ضروب المحاربين ، والمظالم(1) ، ومعونة فاعلى القبائح وأصناف الظالمين والمتغلبين على البلاد ومؤيدى(2) ذلك بشي‌ء من الأقوال أو الأفعال أو الآراء ، وتجديد(3) الكفر والشبه القادحة في الأدلة في الصحف عرية من النقض بالحجة ، والنطق بقبيح الأقوال من الكذب والغيبة وغيرهما ، والسعي والبطش في شي‌ء من القبائح العقلية والسمعية ، وحضور مجالس اللهو والمناكر ، والحكم والفتيا بالباطل أو بما لا يعلمه الحاكم والمفتي حقا ، وتعلم شي‌ء من هذه الأعمال المحرمة ، وتعليمها ، وارادة شي‌ء من القبائح وكراهية الواجب.

__________________

(1) كذا. ولعل الصحيح : الظالم.

(2) في بعض النسخ : مريدي ذلك.

(3) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : تجليد ، وقال في السرائر : وإيراد الشبه القادحة وتخليدها ـ بالخاء ـ الكتب من غير نقض لها.


فصل فيما يحرم من المكاسب

كل شي‌ء ثبت تحريمه لعينه أو لوقوعه على وجه أو علمه أو عمله أو تعليمه ، فثمنه وأجر عمله وحمله وابعائه(1) وحفظه والمعونة عليه بقول أو فعل أو رأي والتعوض عنه محرم ، وأجر تعليم المعارف والشرائع وكيفية العبادة من النظر فيها والفتيا بها وتنفيذ الأحكام وتلقين القرآن وعقد الجمع والجماعات والأذان والإقامة وتغسيل الأموات وتجهيزهم وحملهم والصلاة عليهم ومواراتهم وجهاد الكفار والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وسائر العبادات والمعونة على ذلك محرم.

فصل فيما يكره من المكاسب

يكره التكسب بالصرف وصياغة الذهب والفضة وذبح الحيوان والنياحة والحجامة والنساجة وبيع الأكفان والاطراق واحتكار الغلات.

__________________

(1) كذا.


فصل فيما يحرم من النكاح

تحريم الاستمتاع بالمباشرة على ضروب ستة :

منها تحريم ذلك بما عدا النساء ، ومنها بهن من غير عقد ولا ملك يمين ، ومنها بهن بعدهما في حال دون اخرى ، ومنها تحريمه بأعيان منهن بهما(1) على كل حال ، ومنها تحريمه معهما في حال دون حال ، ومنها تحريم ذلك عليهن بعض ببعض.

الضرب الأول : التلوط بالغلمان ومباشرتهم بضم أو تقبيل أو اضطجاع ، وإتيان جميع البهائم ، والاستمناء.

الضرب الثاني : الزنا ومقدماته من رؤية وضم وتقبيل ومحادثة وخلوة واضطجاع.

الضرب الثالث : وطؤ الحائض والنفساء حتى تطهرا ، والمستحاضة حتى تستنجي ، والمظاهر منها قبل التكفير ، والمعقود عليها بعد الزنا حتى تستبرئ والمحرم حتى يحل ، وبالمحرمة حتى تحل ، والصائم حتى يفطر ، وبالصائمة حتى تفطر ، وبالأمة المبتاعة حتى تستبرئ بحيضة ، وبالأمة الحامل من غير المبتاع حتى تضع.

__________________

(1) كذا.


الضرب الرابع : الأسباب الموجبة للتحريم على كل حال ثلاثة : نسب ورضاع وسبب ليس بنسب ولا رضاع.

والمحرمات بالنسب ست : الأمهات وان علون ، والولد وان هبط ، والأخوات من جميع الجهات ، والعمات والخالات وان ذهبن(1) في النسب ، وبنات الاخوة وان بعدت(2) .

والمحرمات بالرضاع ست كالمحرمات بالنسب ، مثال ذلك : غلام رضع من امرأة بلبن بنت لها فصار بذلك ولدا لها ولأبي ابنتها(3) وتحرم عليه وآباؤها(4) وأمهاتها وان علون وأخواتها وأولادها من الفحل وغيره بالنسب خاصة ، كما تحرم أم النسب وأمهاتها وأخواتها وأولادها ، ويحرم الزوج وآباؤه وأمهاته وأخواته وأولاده من هذه المرضعة ومن غيرها بالنسب والرضاع كما يحرم أب النسب وآباؤه وأمهاته وأولاده وأخواته ، وتحرم أولاد الاخوة بالرضاع من جميع الجهات كأولاد الاخوة بالنسب.

وانما يقتضي التحريم بشروط :

منها أن يكون الراضع والمرتضع من لبنه ينقص سنهما عن الحولين ،

ومنها أن يكون لبن ولادة لادر.

ومنها أن يكون مما ينبت اللحم ويقوي العظم بكونه يوما وليلة أو عشر رضعات متواليات كل منها تملأ البطن لا يفصل بينهن برضاع امرأة أخرى.

__________________

(1) كذا.

(2) كذا.

(3) في بعض النسخ : ولدا لها وأخا لابنتها.

(4) الظاهر زيادة جملة : وآباؤها.


فمتى اختل شرط من هذه لم يثبت نسب(1) الرضاع.

وأما المحرمات بالأسباب أم المرأة المعقود عليها ، وابنة المدخول بها ، وأم المزني بها قبل العقد ، وابنتها ، وزوجة الأب وأمته المنظور إليها بشهوة ، وزوجة الابن ، وأمته الموطوءة ، والزانية على أب الزاني وابنه قبل العقد ، والزانية وهي ذات بعل أو في عدة رجعية على الزاني ، وأم الغلام الموقب وأخته وابنته قبل العقد عليهن ، والمعقود عليها في عدة معلومة ، والمدخول بها في عدة على كل حال ، والمعقود عليها في إحرام معلوم ، والمدخول بها فيه على كل حال ، والمطلقة للعدة تسعا يملكها بينها رجلان ، والملاعنة ، والمقذوفة من زوجها وهي صماء أو خرساء عليه.

وحكم الام والأخت والبنت بالرضاع في هذا التحريم حكم ذوات النسب وحكم الإماء في التحريم بالنسب والرضاع والسبب حكم الحرائر.

الضرب الخامس : المحرمات في حال دون حال : الكافرة حتى تسلم وان اختلفت جهات كفرها ، وأخت المعقود عليها حتى يثبت حلها بموت أو ردة أو لعان أو طلاق بائن أو تخرج عن عدة الرجعي ، وأخت الأمة الموطوءة حتى تخرج عن الملك ، والمعتدة من الغير حتى ينقضي أجلها ، والمطلقة للعدة ثلاثا حتى تتزوج ويطلق وتعتد ، والمحرمة حتى تحل ، والمحصنة

حتى تبرأ عصمتها وتعتد ، والخامسة حتى تنقص الأربع بموت أو ردة أو لعان أو طلاق بائن أو تخرج من عدة الرجعي ، وبنت الأخ على عمتها وبنت الأخت على خالتها حتى تأذنا ، والأمة على الحرة حتى تأذن ، والزانية حتى تتوب.

الضرب السادس : تحرم على المرأة مباشرة من لا رحم بينها وبينه بضم أو تقبيل أو نظر لريبة ، والنوم في إزار واحد على كل حال ، وما فوق ذلك من عمل قوم لوط في تمتع بعضهن ببعض على جهة السحق.

__________________

(1) كذا في النسخ.


باب الأحكام

يلزم من يلي(1) بشي‌ء من الأحكام الشرعية حكما أو فتيا أو عملا أن يعلم ما يلي(2) به والوجوه والشروط التي تصح عليها وتبطل.

لان الحكم موجب للحكم على الخصم في تسليم ما حكم به ، ولا يحسن منه ذلك من دون العلم بجهة الاستحقاق وكيفيته.

والمفتي مخبر عن الله سبحانه بالإيجاب والترغيب والتحريم والحكم فيجب كونه صادقا في خبره ، والصدق في الفتيا متعذر من دون العلم.

والعامل مستبيح بعقد النكاح أو البيع أو الإجارة أو الإرث أو غير ذلك ما كان محرما قبل ذلك ، ومحرما بالطلاق واللعان والظهار وأمثال ذلك ما كان محللا ، فلا يحسن منه العمل في شي‌ء من ذلك ولما يعلم حكم الله فيه ، لقبح استحلال المحرم وتحريم المحلل من دون العلم بذلك من دينه تعالى.

وهو على ضروب نذكرها ونفصل أحكامها.

ان قيل : أبينوا عن الأحكام الشرعية أمن العبادات هي أم من المحرمات؟ فانا لم نجد أحدا من المصنفين أشار الى ذلك فان كانت خارجة عن القبيلتين

__________________

(1) في بعض النسخ : بلى.

(2) في بعض النسخ : بلى.


فليست من الشرعية ، وان كانت داخلة في أحد النوعين وكيف(1) بذلك ، ولا أحد من الأمة يقول : ان النكاح والطلاق والظهار والبيع إلى سائر الأحكام فرض ولا نفل ولا محرم.

قيل : من تأمل حال الأحكام علم لحوقها في التعبد بما يفعل من الطاعات وكونها طريقا الى المحرمات.

أما دخولها في جملة العبادات فمن معلوم الملة تعبد الأئمة ومن استنابوه في التنفيذ بالحكم بمقتضاها من صحة أو فساد أو إمضاء أو رد أو تسليم أو استحقاق أو منع ، كما تعبدوا بأخذ حقوق الأموال وصرفها في وجوهها واقامة الحدود وغير ذلك مما يختصهم من التعبد ويلزم الأمة معونتهم عليه ونصرتهم فيه وثبوت تعبد العلماء بحفظها والفتيا بها على الوجه الذي قرره الشرع منها ولزوم فرض العلم والعمل بها على الوجه المشروع لكل مبتلى ليكون من الاستباحة والتملك والاستحقاق بالعقود الشرعية كالنكاح والبيع والإجارة وما يجرى مجراها من الإرث وغيره ومن الفسخ والتحريم بالطلاق والظهار وما يناسبهما على يقين.

وإذا وجب العلم والعمل بالأحكام مع اقتران المشقة بذلك لحقت بسائر العبادات المقصود بها التعريض للثواب ، فالإباحة إذا انما يتعلق بإرادة النكاح والبيع والإجارة والتصرف بعد العقد في المعقود عليه ، دون العقد نفسه والحكم به والخبر عنه ، لان الله تعالى تعبد العالم بان يخبر بالأحكام على ما علمه منها ، ويعتقد صحة ما وافق المشروع فيها وفساد ما خالفه ، وتعبد الحاكم أن يحكم بصحة العقد الموافق للمشروع وما يقتضيه من استحقاق وتسليم ، وفساد ما خالفه ، ويحكم بالفرقة مع الطلاق واللعان الشرعيين ، والتحريم مع

__________________

(1) فكيف. ظ.


الظهار والإيلاء الشرعيين ، دون ما خرج عن ذلك ، وتعبد مريد النكاح أو البيع أو الإجارة والطلاق واللعان والظهار بأن يعلم المشروع من ذلك ، ويوقعه على الوجه الذي علمه ، ومريد الإرث بالعلم بما يثبت معه استحقاقه ويسقط ، وأعيان المستحقين وترتبهم في الاستحقاق ، وكيفية سهامهم فيه ليعلم ما يستحق من ذلك مما لا يستحق ، فيقف العمل بحسبه(1) ، ومن بلى بوديعة أو عارية أو رهن أو لقطة الى غير ذلك أن يعلم ما قرره الشرع له من الأحكام فيعمل عليه.

وأما دلالتها على المحرمات فان ورود الشرع بتخصيص اباحة البضع أو التصرف في ملك الغير بعقود مخصوصة من طلاق أو لعان أو ظهار أو غير ذلك ، يقتضي تحليله لثبوت العقد المبيح له من دونها ،(2) وكذلك ثبوت النص بكيفية سهم الوارث وترتب الوارث يدل على تحريم ما زاد على المسمى على من سمى له وتحريمه جملة على من غيره أولى به.

ويجرى ذلك مجرى لو ابتدأ سبحانه بالنص على تحريم ما عدا المشروع إذ لا فرق بين أن ينص تعالى على تحريم البضع وتناول مال الغير بكل قول وفعل يخالف المشروع الان في الاستباحة ( كذا ) ، وبين أن ينص تعالى على صفة العقد المقتضي للإباحة.

وكذلك لا فرق بين أن ينص على تحريم الإرث على الأخ وبين أن ينص على استحقاق الولد جميع المال معه ، إذ كون الولد أحق بالإرث دلالة على تحريمه على من هو أحق منه.

ووقوف استباحة البضع على عقد غبطة أو متعة أو ملك يمين دلالة على

__________________

(1) في بعض النسخ : العمل به بحسبه.

(2) كذا في جميع النسخ.


تحريمه بغير ذلك.

ووقوف التصرف في ملك الغير وانتقاله على عقد بيع أو هبة أو إجارة أو صدقة أو إرث الى غير ذلك من العقود الشرعية دلالة على قبح التصرف وفساد الانتقال من دونها أو مع إيقاعها بخلاف المشروع فيها.

فصار على ما تراه المقصود بالأحكام مساويا للمقصود بسائر العبادات ، ودلالة واضحة على التحريم على الوجه الذي ذكرناه.

ولدخول الأحكام في التكليف هذا المدخل ، لم ندخلها في جملة ما يطلق عليه سمة العبادات ولا سمة المحرمات ، لتعارف أهل الشريعة إطلاق سمة العبادات على ما ابتدأ سبحانه بإيجابه كصلاة الخمس والزكاة وصوم الشهر ، والترغيب فيه كصلاة الليل والصدقة وصوم شهر شعبان ، وليس النكاح والبيع والابتياع والإجارة والطلاق والظهار من ذلك بسبيل ،(1) لأنه تعالى لم يبتدئ العاقل بالتعبد بشي‌ء منه ، وانما تعبده إذا أراد استباحة البضع أن يعقد عقدا مخصوصا ، وإذا أراد تحريمه بإيقاع مخصوص ، وإذا أراد التملك بعقد مخصوص لا تصح الإباحة والتملك والتحريم من دونهما(2) .

فلو وصفنا الأحكام بأنها عبادات لأوهم ذلك لحوقها بالصلاة والزكاة والصوم في كيفية التعبد ، فوضع لها في عرف الشرع عبارة تبين بها من هذه العبادات المبتدءة ، وان كان التعبد بها ثابتا على الوجه الذي تقدم ذكره.

ولو وصفناها بأنها محرمات للحقت بالزنا وشرب الخمر والميتة والدم وأمثال ذلك من محرمات المآكل والمشارب والمناكح والمكاسب ، وليست كذلك ، وانما هي دلالة على التحريم ، والدلالة على المدلول عبادة كان أو

__________________

(1) في بعض النسخ : سبيل.

(2) من دونها. ظ.


محرما غيره في الحقيقة.

فليتأمل ما نبهنا عليه من كيفية التعبد في الأحكام ، فمن تأمله علم بلوغنا منه حدا في التحريم(1) لم نسبق عليه مع وضوح حجته وعظيم النفع بفهمه والضرر للجهل به.

والأحكام ضروب ثمانية :

منها أحكام العقود المبيحة للوطء.

ومنها أحكام الإيقاعات الموجبة لتحريمه.

ومنها أحكام الذكاة وما يناسبها.

ومنها أحكام العقود والأسباب الموجبة للاستحقاق واباحة التصرف في ملك الغير.

ومنها أحكام القصاص.

ومنها أحكام الديات.

ومنها قيم المتلفات وأرش الجنايات.

ومنها أحكام الحدود والآداب.

ويتبع ذلك تنفيذها والقضاء بها بين الناس.

__________________

(1) كذا.


الضرب الأول من الأحكام

النكاح على ثلاثة أضرب : نكاح غبطة ونكاح متعة وملك يمين.

فأما نكاح الغبطة وهو نكاح الدوام ، فمن شرط صحته الولاية ، وعقد الولي له بلفظ مخصوص يقتضي الإيجاب ، وقبول المعقود له أو النائب عنه ، والولاية مختصة بأب المعقود عليها وجدها له في حياته ، فاذا حضرا فالجد أولى ، ويصح لكل منهما أن يعقد من دون اذن صاحبه ، والأولى بالأب إيذان أبيه.

فإذا سبق أحدهما إلى العقد لم يكن للآخر فسخه ، فان كانت صغيرة جاز عقدهما عليها ، ولا خيار لها بعد البلوغ.

وان عقد عليها غيرهما كان العقد موقوفا على بلوغها وإمضائها ، وان كانت بالغا(1) لم يجز لهما العقد عليها إلا بإذنها ، فإن عقدا بغير اذنها خالفا السنة ، وكان عليها القبول ولها الفسخ ، فإن أبت العقد بطل.

ولا يجوز لها العقد على نفسها بغير إذنهما ، فان عقدت خالفت السنة ، وكان العقد موقوفا على امضائهما.

فان عضلاها بمنعها من التزويج بالأكفاء ، كان لها أن تعقد على نفسها بغير اذن منهما ، ولم يكن لهما الفسخ.

__________________

(1) كذا.


وان كانت ثيبا فالأولى أن لا تعقد إلا بإذنهما أو ترد الأمر إليهما ، ويجوز لها تولي ذلك بنفسها من غير إذنهما.

وان لم يكن لها جد ولا أب فالأولى بها رد ولايتها الى بعض أهلها أو غيره من فضلاء المسلمين ، وإذا وضعت نفسها في غير موضعها أو عقدت على غير كفو ، فلأبيها أو جدها فسخ العقد وان كانت ثيبا.

واللفظ الموجب إذا كانت هي المتولية للعقد عليها : « قد زوجتك أو أنكحتك نفسي على صداق مبلغه كذا » ويقول الولي : « فلانة بنت فلان » دون سائر الألفاظ من « أبحتك » و « حللت » و « وهبت لك » و « آجرتك » وغير ذلك.

والقبول أن يقول الزوج : « قد قبلت هذا النكاح » ويقول النائب عنه : « قد قبلت هذا النكاح لفلان بن فلان ورضيت به ».

فاذا تكاملت هذه الشروط انعقد النكاح(1) و [ ان ] لم يذكر المهر ويكون لها مهر مثلها.

ومن السنة في هذا العقد الإعلان به ، واجتماع الناس له ، والخطبة ، وتعيين المهر ، والاشهاد ، وليس ذلك من شروطه.

وإذا عين المهر حين العقد لم يكن للزوجة غيره وان كان درهما أو صاعا من بر أو ذرة أو ما نقص عن ذلك أو زاد عليه أضعافا كثيرة ، ولا يصح العقد على عين محرمة كالخمر ولحم الخنزير وعين الغصب.

ومهر المثل يعتبر فيه السن والنسب والجمال والتحصين ، فان نقص عن مهر السنة لم يكن لها غيره ، وان تجاوزه رد اليه ، وهو خمسمائة درهم فضة أو قيمتها خمسون دينارا.

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهر : وان لم يذكر.


وإذا انعقد النكاح استحقت الزوجة الصداق ، والزوج التسليم ، ان كانت ممن يصح الدخول بها ببلوغها تسع سنين فما زاد ، وان نقصت سنها عن هذا وقف استحقاق الأمرين إلى حين البلوغ المذكور.

وإذا صح التسليم وحمل الزوج الصداق ، كان له نقل الزوجة إلى بيته ولم يكن لها خيار ، ولها الامتناع والتمكين ما لم تقبض جميعه ، وإذا سلمت نفسها وقد قبضت شيئا لم يكن لها غيره الا أن توافقه على الباقي وتشهد عليه به ، فان ادعت باقيا ولم تكن لها بينة فعليه اليمين ، وان ثبت بالبينة أو الإقرار فلها مطالبته به وليس لها منع نفسها منه ، وانما لها ذلك قبل الدخول.

ولا يلزم الزوج قبل التسليم إنفاق ولا سكنى الا أن يكون ذلك من قبله مع صحته ببلوغها ومطالبته(1) فيلزمه الأمران.

وإذا تسلم الزوجة فعليه إسكانها من حيث تسكن ( كذا ) ، والإنفاق عليها بالمعروف على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، ويلزمها طاعته في نفسها وملازمة منزله دون ما عدا ذلك ، فان قبضته في منزله فمنعت نفسها أو تسلطت عليه بالقول أو الفعل وعظها وخوفها الله تعالى فإن أثر ذلك والا هجرها بالاعراض عنها في مدخله ومخرجه ومبيته من غير إخلال بما يحفظ حياتها من غذاء ولباس ، فإن أثر ذلك والا ضربها ضربا غير مبرح ، وان خرجت من منزله بغير اذنه أو باذنه وامتنعت من الرجوع اليه فله ردها ، وان أبت فله تأديبها بالاعراض عنها وقطع الإنفاق ، فإن أصرت على الشقاق وهي في منزله أو خارجة عنه رفع خبرها الى الناظر في الأحكام ليبعث حكما من أهله وحكما من أهلها ينظران بينهما فإن أمكنهما الإصلاح أنجزاه وان رأيا الصلاح في الفرقة أعلما الحاكم بذلك فالزم الزوج بالطلاق.

__________________

(1) هكذا كانت العبارة في جميع النسخ.


ولا يحرم وطؤ الزوجة إلا إيلاء أو ظهار ولا ينفسخ هذا العقد الا برده أو طلاق أو لعان أو موت أحد الزوجين.

ويجوز للحر أن يجمع بين أربع حرائر أو أمتين ، والعبد بين أربع إماء أو حرتين ، ويلزم الزوج إذا كان عنده أربع حرائر أو أمتان والعبد أربع إماء أو حرتان أن يعدل بنيهن في المبيت ، ولا يفضل واحدة على أخرى الا أن ترضى.

ويجوز للحر إذا كان عنده حرتان أو ثلاث ، وللعبد إذا كان عنده أمتان أو ثلاث أن يفضل إحديهن بما زاد على ليلة لكل واحدة من أربع ليال ، فيبيت عند أحد الثلاث ليلتين وعند كل واحدة ليلة ، وعند الواحدة من اثنتين ثلاث ليال وعند الأخرى ليلة.

وإذا سوى الزوج بين الأزواج في القسمة والمبيت والسكنى والكسوة جاز له أن يفضل بعضهن على بعض فيما زاد على الواجب من سني الطعام واللباس.

وإذا تزوج الرجل بحرة فخرجت أمة ، أو بنت حرة فخرجت بنت أمة ، أو سليمة فخرجت برصاء أو عمياء أو رتقاء أو عرجاء أو مجذومة أو مجنونة أو مغضاة أو محدودة أو ممن تحل فخرجت محرمة ، كان له ردها واسترجاع ما نقد من الصداق ما لم يطأها ، فإن وطئها قبل العلم بحالها فلها ما أخذت ، ويرجع به على من دلسها ، فان كانت هي التي دلست نفسها لم يرجع عليها بشي‌ء مما أخذت بعد الوطي فإن وطئها بعد العلم بحالها لم يكن له ردها ولا رجوع بشي مما نقد.

وكذلك الحكم إذا علم بالعيب ورضي به ، ولا تبين منه بعد الأمرين الا بطلاق أو أحد أسباب الفرقة.


وان حدثت هذه العيوب بعد الدخول لم تقتض(1) الرد ، ولم تبن الزوجة إلا بأحد أسباب الفراق.

وان تزوج بكرا فوجدها ثيبا فأقرت الزوجة بذلك حسب أو قامت به البينة فليس بعيب يوجب الرد(2) ولا نقصانا في المهر وان فقدت البينة والإقرار فقذفها الزوج بذلك عزر.

وإذا تزوجت المرأة بحر فظهر لها أنه عبد ، وبسليم فظهر لها أنه عنين وبعاقل فظهر أنه به جنة ، وبمن يحل فظهر انه محرم ، فعليها أن تصبر على العنة سنة ، فان تعالج ووصل إليها فيها مرة فلا خيار لها وان لم يصل إليها في السنة كان لها رده وما أخذت منه ، وترده بباقي العيوب بأن تعزله ، فان لم تعلم بالعيب حتى وطئها فلها ما انعقدت عليه النكاح ، وإذا علمت بالعيب ثم رضيت لم يكن لها خيار.

وإذا أراد نكاح امرأة جاز أن ينظر الى وجهها وبدنها وماشية في ثيابها ، وكذلك يجوز للمرأة إذا أرادت نكاح رجل أن ترى وجهه وأطرافه وماشيا ، ولا يحل لأحدهما ذلك من دون ارادة التزويج.

وإذا تزوج الحر أمة بإذن سيدها فولدها حر ، وطلاقها بيده ، فان مات عنها سيدها أو باعها ، فالوارث والمبتاع بالخيار بين إمضاء العقد وفسخه.

وان تزوجت الحرة بعبد بإذن سيده فولدها حر ، فان شرط سيد الأمة على الحر رق الولد وعلى الحرة فولدهما رق.

وإذا تزوج الحر بأمة يعلم رقها والحرة بعبد تعلم عبوديته بغير اذن السيد فولدهما رق لسيد العبد أو الأمة.

__________________

(1) في بعض النسخ : لم يقبض الرد.

(2) أخذنا هذه الجملة من مختلف العلامة.


وإذا تزوج الحر بامرأة على أنها حرة فخرجت أمة فولدها لاحق به في الحرية ويرجع السيد بقيمة الولد والصداق على من تولى أمرها ، وان كانت هي التي عقدت على نفسها لم يرجع على أحد بشي‌ء.

وكذلك القول في الحرة إذا تزوجت بحر فخرج عبدا.

وإذا زوج السيد عبده بأمة غيره فالطلاق بيده ، ولسيده أن يجبره على طلاقها فان مات سيد الأمة أو باعها ، فالوارث والمبتاع بالخيار في إمضاء العقد وفسخه.

وان أعتقها فهي بالخيار في الإقامة على نكاح العبد واعتزاله والاعتداد منه وولدها رق لسيدها الا أن يشترط رق الولد سيد العبد فيكون له.

وإذا زوج السيد عبده بأمة(1) فليعطه شيئا من ماله وان قل يجعله صداقا لها وطلاقها بيده ، يأمرها أي وقت شاء باعتزاله والاعتداد منه.

__________________

(1) بأمته ، كذا في بعض النسخ.


وأما نكاح المتعة

فمن شرط صحته أمران : تعيين الأجر والأجل ، فإن ذكر الأجر ولم يذكر الأجل كان دواما ، وان ذكر الأجل دون الأجر فسد العقد.

وصفته أن يقول مريده لمن يريد التمتع بها وتصح ولايتها في نفسها والعقد عليها ببلوغها وكمال عقلها وخلوها من زوج وعدة وحمل : أريد أن تمتعيني نفسك على كتاب الله وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا وكذا يوما أو شهرا أو سنة بكذا وكذا درهما أو دينارا أو بما يتعين مما له قيمة على أن لا ترثيني ولا أرثك وأن أضع الماء حيث شئت وأنه لا سكنى لك ولا نفقة وعليك إذا انقضت المدة العدة » فإذا رضيت قال لها : « متعيني نفسك على كتاب الله تعالى وسنة نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله كذا وكذا بكذا وكذا على الشروط المذكورة » فإذا أنهى قوله فلتقل : « قد قبلت ورضيت » والاولى أن تقول هي : « قد متعتك نفسي كذا وكذا بكذا وكذا » وتذكر الشروط فيقبل عنها.

فاذا انعقد هذا النكاح فعلى المتمتع تسليم جميع الأجر ، ويجوز تأخير بعضه برضاها وقد استحق بضعها ولا سكنى لها ولا عليها ولا إنفاق ولا توارث بينهما وان شرط ذلك ، ولا يقع بها إيلاء ولا طلاق ، ولا يصح بينهما لعان ، ويصح الظهار.


فاذا انقضت المدة حرمت عليه ، وله أن يستأنف عقدا ثانيا ، وعليها العدة.

فإن جاءت بولد وكان قد وطئها في الفرج لزمه الاعتراف به وان عزل الماء ، وان كان وطئها دون الفرج لم يجز له الاعتراف به ، فان اعترف به لحق بنسبه(1) ، وان أنكره على كل حال فهو أعلم بنفسه.

ولا يجوز التمتع بالبكر إلا بإذن أبيها ، ويجوز بالثيب من غير اذنه ، ويجوز الجمع في هذا النكاح بين أكثر من أربع ، ولا يلزم بينهن العدل في المبيت.

ويجوز التمتع باليهودية والنصرانية دون من عداهما من ضروب الكفار.

__________________

(1) بنسبته خ.


وأما ملك اليمين

فيكون بأحد أسباب التمليك من بيع أو هبة أو صدقة أو غنيمة أو ميراث ويحل وطؤ الأمة المبتاعة والمسبية ـ وان لم تخرج منها الخمس إلى أهله ـ لشيعة مستحقي الخمس وآبائهم دون سائر الفرق لتحليلهم شيعتهم وآباءهم(1) من ذلك لتطيب مواليدهم.

ويحل الجمع بين كثير العدد وقليله من الإماء [ في ] الملك والوطئ.

والأمة بعد الولد رق على ما كانت قبل وجوده ، تجري عليها جميع أحكام الرق حيا كان الولد أو ميتا ، الا بيعها وولدها حي في غير ثمنها ، فإنه محرم وإذا مات سيدها وخلف ولدا منها جعلت في نصيبه وعتقت عليه.

ويجوز وطؤ اليهودية والنصرانية بملك اليمين دون غيرهما من الكفار وان صح ملكهن.

وإذا ملك الرجل أبويه أو أحد المحرمات بالنسب عتقوا عليه ، ولا يعتقون إذا كن كذلك بالرضاع وان كانوا محرمات.

ولا يحل وطؤ الأمة المنتقلة إلى ملك الرجل بأحد الأسباب حتى تستبرئ بحيضة ، ولا يحل وطؤ الحامل من غيره حتى تمضى لها أربعة أشهر إلا دون الفرج ، وفيه بشرط عزل الماء ، واجتنابها حتى تضع أولى.

__________________

(1) في بعض النسخ : من ذلك لطيب أموالهم.


ولو وطئ الحامل لم يحل له بيع ولدها ولا الاعتراف به ولدا ، ولكن يجعل له قسطا من ماله لأنه غذاه بنطفته.

وإذا كانت الأمة بين شريكين فما زاد لم يحل لواحد منهم ، فإن وطئها بعضهم أثم ووجب تأديبه ، فإن جاءت بولد لحق به ، واغرم ما يفضل من قيمته على سهمه لشركائه ، وان وطئها الجميع أدبوا جميعا ، فان جاءت بولد أقرع بينهم فأيهم خرج اسمه الحق به ، وأغرم ما يفضل من قيمته على سهمه لباقي الشركاء.


الضرب الثاني من الأحكام ما يقتضي تحريم المعقود عليها

غبطة على ضربين : أحدهما مصاحب للعقد والأخر يقتضي فسخه.

والأول ضربان : إيلاء وظهار ، والثاني على ضروب ثلاثة : طلاق ولعان ارتداد ، لكل حكم نبينه.

فصل في بيان حكم الإيلاء

الإيلاء حلف الزوج بما ينعقد به الايمان من أسماء الله تعالى خاصة أن لا يقرب زوجته ، ولا يلزم حكمه ألا بعد الدخول ، فمتى قربها حنث ولزمته كفارة يمين ، فان استمر اعتزاله لها ، فهي بالخيار بين الصبر عليه ، ومرافعته الى الحاكم.

فان ترافعا فكان ايلاؤه في صلاحه لمرض يضر به الجماع ، أو في صلاح الزوجة لمرض أو حمل أو رضاع ، فعلى الحاكم إنظاره ، وعلى الزوجة التصبر عليه ، حتى تزول العذر ، فان لم يكن هناك عذر أمره بما يقتضي حنثه والكفارة عن يمينه ، فان فعل والا أنظره أربعة أشهر ، فإن فعل والا ألزمه بالطلاق ، فان امتنع ضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يفي‌ء إلى أمر الله من مباشرة أو طلاق.

فان حلف أن لا يقرب أمته أو متعته فعليه الوفاء ، فان حنث كفر ، وان أقام على مقتضى الإيلاء لم يكن لهما عليه حكم على كل حال.


فصل في الظهار

لا يكون الظهار ظهارا شرعيا الا بقصد من المظاهر الى التحريم لزوجته حرة كانت أو أمة غبطة أو متعة ، وصريح قول : « أنت على كظهر أمي أو أحد المحرمات » دون ما عداه من الألفاظ ، مطلقا من الاشتراط ، بمحضر من شاهدي عدل ، في طهر لا مساس فيه بحيث يمكن اعتباره ، فان اختل شرط لم يكن ظهارا.

وإذا تكاملت حرمت على(1) المظاهر منها حتى يكفر بعتق رقبة ، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فان لم يستطع فإطعام ستين مسكينا. فإن وطئها قبل التكفير فعليه كفارتان.

وان أصر على تحريمها فزوجة الغبطة خاصة حرة كانت أو أمة بالخيار بين الصبر عليه ومرافعته الى الحاكم ، وعلى الحاكم أن يأخذه بالتكفير والرجوع الى مباشرتها ، أو الطلاق ، فان امتنع أنظره ثلاثة أشهر ، فإن فاء إلى أمر الله تعالى والا ضيق عليه في المطعم والمشرب حتى يفي‌ء إلى أمر الله سبحانه من طلاق ، أو رجوع إليها وتكفير.

فاذا طلق المظاهر قبل التكفير فتزوجت المرأة ، ثم طلقها الثاني أو مات

__________________

(1) عليه ظ.


عنها ، وتزوج بها الأول ، لم يحل له وطؤها حتى يكفر.

وإذا ظاهر من عدة أزواج حر من ولزمته للعزم على وطء كل منهن كفارة.

ولا يصح الظهار في ملك اليمين ، ويلزم العبد المظاهر من زوجته الحرة أو الأمة إذا أراد وطأها أن يكفر بالصوم ، الا أن يبيحه السيد ما معه يكون معتقا فيلزمه العتق ، وفرضه في الصوم كفرض الحر.


فصل في الطلاق وأحكامه

صحة الطلاق الشرعي تفتقر الى شروط يثبت حكمه بتكاملها ويرتفع باختلال واحدها :

منها كون المطلق ممن يصح تصرفه ، ومنها إيثاره الطلاق ، ومنها قصده اليه ، ومنها تلفظه بصريحه دون كناياته ، ومنها كونه مطلقا من الشروط ، ومنها توجهه الى المعقود عليها(1) ، ومنها تعيينها ، ومنها الاشهاد ، ومنها إيقاعه في طهر لا مساس فيه بحيث يمكن اعتباره.

واشترطنا صحة التصرف احترازا من الصبي والمجنون والسكران وفاقد التحصيل بأحد الآفات.

واشترطنا الإيثار احترازا من المكره.

واشترطنا القصد احترازا من الحلف واللغو والسهو.

واشترطنا إطلاق اللفظ احترازا من مقارنة الشروط كقوله : « أنت طالق ان دخلت الدار » و « ان دخلت الدار فأنت طالق ».

واشترطنا صريح قوله : « أنت طالق » أو « هي فلانة » ( كذا ) احترازا من

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : المقصود عليها.


الكنايات كقوله : « أنت حرام » أو « بائنة » أو « خلية » أو « برية » أو « ألحقي بأهلك » أو « حبلك على غاربك » أو « اعتدى » أو « لا حاجة لي فيك » وأشباه ذلك.

واشترطنا تعيين المطلقة احترازا من قوله : « زوجتي طالق » وله عدة أزواج ، أو « أحد زوجاتي طالق » من غير تعيين لها بقول ولا عزم.

واشترطنا الاشهاد احترازا من وقوعه بغير شهادة.

واشترطنا الطهر الخالص احترازا من الحيض والنفاس ومما حصل(1) فيه مباشرة.

وقلنا بحيث يمكن ، لصحته ممن لا يمكن ذلك فيها ، وهي التي لم يدخل بها ، والتي لم تبلغ ، واليائسة ،(2) والحامل ، والغائبة ، لتعذر العلم به فيهن ، وقبح التكليف مع التعذر.

فاذا تكاملت هذه الشروط فهو على ضربين : رجعي وبائن.

والبائن على ثلاثة أضرب : طلاق العدة والخلع والمبارأة ، ولكل حكم.

اما الرجعي فصفته أن يطلق واحدة ويدعها تعتد في سكناه ونفقته ، ويحل له النظر إليها ، وهو أملك برجعتها ما لم تخرج عن العدة ، وإذا أراد مراجعتها فليشهد عليها ، ويجوز من دون الاشهاد وهي زوجته بالعقد الأول ، وتبقى معه على تطليقتين ، فان لم يراجع حتى خرجت من العدة ملكت نفسها عليه وصار كبعض الخطاب ، فان تراضيا بالمراجعة فبعقد جديد ومهر جديد وهي معه على اثنين.

وأما طلاق العدة فمختص بمن يمكن اعتبار طهرها بكونها مدخولا بها ، مستقيمة الحيض والطهر ، فاذا عزم على ذلك فليرقب طهرها بعد الحيض ، فيطلقها بمحضر من شاهدي عدل ثم يراجعها فيه أى وقت شاء منه بشاهدي

__________________

(1) حصلت.

(2) واليائسة.


عدل ويطأها فيه ، فاذا حاضت وطهرت طلقها ثانية بشاهدي عدل ثم يراجعها فيه بشاهدي عدل ويطأها ، فإذا حاضت وطهرت الثالثة ( كذا ) طلقها ثالثة بشاهدي عدل ، فاذا لفظ بها حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره وتبين منه وتعتده.

ويلزمه سكناها ونفقتها الى أن يتلفظ بالثالثة فيسقط فرضها(1) عنه ، وتحرم رؤيتها ، فإن حملت في بعض المراجعتين أو يئست من الحيض فهو بالخيار بين الإقامة عليها وبين تطليقها.

وأما الخلع فهو أن تكره الزوجة صحبة الرجل وهو راغب فيها فتدعوه الى تسريحها ، فله إجابتها والامتناع ، حتى تقول له : لان لم تفعل لأعصين الله فيك ولا أطيعه في حفظ نفسي عليك ولا وطئن فراشك غيرك ، فلا يحل له لذلك(2) إمساكها ، ويجوز له والحال هذه أن يأخذ منها أضعاف ما أعطاها.

فإذا أراد خلعها فليقل : « قد خلعتك على كذا فأنت طالق » مع تكامل جميع الشروط المذكورة ، فإذا قال ذلك بانت منه ، ولا سكنى لها ولا نفقة ، ولا يحل له النظر إليها ، وأمرها بيدها ، فان اختار مراجعتها في العدة وبعدها ورضيت فبعقد جديد ومهر جديد ، ولا تحل لغيره حتى تخرج من العدة.

وأما المبارأة فمن شرطها أن يكره كل واحد من الزوجين صاحبه فيصطلحا على المبارأة على أن ترد ما أخذت منه أو بعضه ، ولا يحل له أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها ، فإذا أراد مباراتها فليقل : « قد بارأتك على كذا وكذا فأنت طالق » مع تكامل الشروط ، فاذا لفظ بذلك بانت منه ، وسقط عنه فرض سكناها ونفقتها وحرم عليه ما كان حلالا منها ، فان آثر مراجعتها في العدة أو بعدها ورضيت فبعقد جديد ومهر جديد بخلاف غيره ( كذا ).

__________________

(1) كذا.

(2) إذ ذاك.


وللمختلعة والمبارأة الرجوع بما افتدته(1) أو بعضه ما دامت في العدة ، وإذا رجعت بشي‌ء منه كان الزوج أملك برجعتها بالعقد الأول ولا خيار لهما بعد العدة.

وإذا طلق للسنة أو خلع أو بارأ ثلاثا ساوي تطليقه للعدة ثلاثا وتحريمها(2) حتى تنكح زوجا غيره.

وهذا مختص بحرائر النساء سواء كان المطلق حرا أو عبدا ، فأما الأمة إذا كانت زوجة فاقتضى(3) طلاقها بحر أو عبد تطليقتان.

__________________

(1) افتدت به.

(2) كذا ، ولعل الصحيح في تحريمها.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : فأقصى.


فصل في اللعان

اللعان أن يقذف الرجل حرا كان أو عبدا ، زوجته بنكاح الغبطة حرة كانت أو أمة ، بمعاينة الزنا أو ينكر حملها أو يجحد ولدها ، فتنكر ما قذفها به ، ففرض الحاكم بينهما أن يجلس مستدبر القبلة ، ويوقف الرجل بين يديه ووجهه إلى القبلة ، والمرأة عن يمينه كذلك ، ويخوفهما الله تعالى ، فان رجع الزوج عن القذف جلده حد المفتري الا أن تعفو عنه الزوجة ، وان أقرت رجمها ان كانت حرة ، وان كانت أمة جلدها خمسين جلدة على كل حال.

وان إصرا قال له : قل : اشهد بالله أني فيما ذكرته عن هذه المرأة لمن الصادقين ، فاذا قالها أعادها عليه حتى يكمل أربع شهادات كذلك ، ثم يعظه ويخوفه الله تعالى ويغلظ عليه ويحذره الدخول في لعنة الله ، فان رجع عن القذف جلده وان أصر قال له : قل : ان لعنة الله على ان كنت من الكاذبين ، فاذا قالها أقبل على المرأة فوعظها وخوفها ، فإن أقرت رجمها ، وان أصرت قال لها : قولي : أشهد بالله أنه فيما رماني به لمن الكاذبين ، فاذا شهدت كررها حتى تشهد أربع شهادات كذلك ، فاذا شهدت أربعا خوفها الله وقال : ان لعنة الله شديدة وعذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة ، فإن أقرت رجمها ، وان


أصرت قال لها : قولي : ان غضب الله على ان كان من الصادقين ، فاذا قالتها فرق بينهما ، فلا تحل له أبدا.

وإذا قذف الرجل مطلقته بما يوجب اللعان وهي في العدة وكان الطلاق رجعيا تلاعنا ، وان كان بائنا جلد مع فقد البينة والإقرار حد المفتري.

وإذا قذفها وهي حامل أخر اللعان الى أن تضع.

وإذا قذفها وهي صماء أو خرساء فرق بينهما وجلد حد المفتري.

وإذا قال لها : يا زانية ، أو زنى بك فلان ، أو ما يفيد ذلك ولم يدع معاينة ولا بينة له وأنكرت فعليه حد المفتري ، ولا لعان بينهما.

وإذا قذفها بما يوجب اللعان وهي حامل ، وأعترف بالحمل ، تلاعنا ولحق به الولد ، وإذا أنكر الحمل أو عين الولد فتلاعنا لم يلحق به ما أصر ، فإن رجع عن الإنكار ورثه الولد ومن يتعلق بنسبه ونسب الأب ، ولا يرثه الأب ولا من يتعلق بنسبه ولا نسب الولد.

وإذا قذف متعته ولم تكن له بينة جلد حد المفتري ، وان قذف أمته فهو مأزور ولا لعان بينهما ولا يجب عليه حد ، وان أنكر ولدها لم يلحق به وهو أعلم بنفسه ، ولا يحل له مع وطء الأمة والشبهة إنكاره ، وإذا أنكر الرجل ولدا قد أقر به حد حد المفتري ولم يسمع إنكاره.


فصل في أحكام الردة

الردة إظهار شعار الكفر بعد الايمان بما يكون معه منكر نبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو بشي‌ء من معلوم دينه كالصلاة والزكاة والزنا وشرب الخمر.

فأما ما يعلم كونه كافرا له(1) باستدلال من جبر أو تشبيه أو إنكار امامة الى غير ذلك فليس بردة وان كان كفرا.

وإذا ارتد المؤمن وكان ولد على الفطرة قتل على ردته وان كان ذميا أو كافرا غيره أسلم بعد كفر عرضت عليه التوبة ، فإن رجع الى الحق والا قتل ، فإن أسلم هذا المرتد ثم ارتد ثانية قتل على ردته.

وتعتد زوجة المرتد عدة الوفاة قتل أم أفلت(2) فإذا خرجت من العدة حللت للأزواج.

فإن رجع الى الإسلام من يصح ذلك منه وزوجته في العدة فهو أحق بها بالنكاح الأول ، وان خرجت عن العدة قبل رجوعه إلى الإسلام فلا سبيل له عليها الا أن يختار مراجعتها فبعقد جديد ومهر جديد.

__________________

(1) كافرا به. ظ

(2) في بعض النسخ : قتل أم لا.


فصل في العدة وأحكامها

سبب العدة شيئان : طلاق وموت وما يجرى مجراه.

فأما الطلاق فان وقع من حر أو عبد ، بحرة أو أمة ، قبل الدخول ، أو بعده وقبل أن تبلغ تسع سنين ، أو بعد ما يئست من الحيض ومثلها لا تحيض فلا عدة عليها ، وان كان بحرة بعد الدخول وقبل الحيض(1) أو بعد ارتفاعه لعلة ومثلها من تحيض فعدتها ثلاثة أشهر ، وان كانت أمة فخمسة وأربعون يوما. وان كانت الحرة ممن تحيض فعدتها ثلاثة قروء والأمة قرءان ، فإن أعتقت وهي في العدة تممتها عدة الحرة ـ والقرء الطهر بين الحيضتين.

وان كانت الحرة أو الأمة حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها.

وعدة المتمتع بها قرءان فان كانت ممن لا تحيض فخمسة وأربعون يوما وعدة الأمة الموطوءة إذا أعتقت عدة الحرة.

وحكم المعتدة في الطلاق الرجعي ملازمة منزل مطلقها ، ولا تخرج منه الا باذنه ، ولا يخرجها الا أن تؤذيه أو تأتي في منزله ما يوجب الحد فيخرجها لإقامته ويردها اليه ، ولا تبيت الا فيه ، ويخرجها للأذى من غير رد ، وتحل لها الزينة.

__________________

(1) كذا في النسخ.


والبائنة تسكن حيث شاءت ، ولا تبيت خارجة عن بيت سكناها ، وتحل لها الزينة.

ونفقة عدة الطلاق الرجعي واجبة ، ولا تجب للبائن الا أن تكون حاملا.

واما عدة الحرة من الوفاة قبل الدخول وبعده ومع الحيض وارتفاعه فأربعة أشهر وعشرا ، فان كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين ، وتعتد الأمة بشهرين وخمسة أيام ، فإن كانت حاملا فبأبعد الأجلين.

فإن طلق الحر أو العبد أمة أو حرة فتوفي وهي في العدة وكان الطلاق رجعيا فعليها أن تعتد بأبعد الأجلين حاملا كانت أم خلية ، وان كانت بائنا لم يلزمها الا عدة الطلاق.

وعدة أم الولد لوفاة سيدها أربعة أشهر وعشرا ، وكذلك حكم المتمتع بها لوفاة المتمتع قبل انقضاء أيامها ، تعتد أربعة أشهر وعشرا ، فإن توفي بعد ما انقضت أيامها وهي في العدة لم يلزمها غير عدة المتعة المذكورة.

وإذا أعتقت الأمة المتوفى عنها زوجها قبل خروجها من العدة فعليها تكميل عدة الحرة.

وتعتد المرتد عنها زوجها عدة الوفاة.

ويلزم المعتدة للوفاة الحداد باجتناب الزينة في الهيئة واللباس ومس الطيب وتبيت حيث شاءت.

وإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملا أنفق عليها من مال ولدها حتى تضع.

وحكم جميع العدد المنع من الأزواج.

وإذا طلق الغائب أو مات فعليها أن تعتد لكل منهما من يوم بلغها الطلاق أو الوفاة ، لكون العدة من عبادات النساء وافتقار العبادة إلى نية تتعلق بابتدائها.


فصل في أحكام الأولاد

السنة في المولود حال وضعه تحنيكه بماء الفرات أو بماء فيه عسل ، والأذان في اذنه اليمنى والإقامة في اليسرى ، فاذا كان يوم السابع حلق رأسه وتصدق بزنته ذهبا أو فضة وختن وعق عن الذكر بذكر وعن الأنثى بأنثى وتصدق بلحم العقيقة على فقراء المؤمنين ، تعطى منها للقابلة(1) الورك بالرجل ( كذا ) ، ولا يعطى منها الجزاز شيئا ، وان طبخ لحمها وجمع له فقراء المؤمنين فهو أفضل.

ويسمى في هذا اليوم بأحسن الأسماء ، وهي أسماء الأنبياء والأوصياءعليهم‌السلام وذراريهم ، وأفضل ذلك أسماء شريعتنا.

وأقل الطهر عشرة أيام ، وأكثره ثلاثة أشهر ، وأقل الحمل ستة أشهر وأكثره تسعة أشهر ، والريب ثلاثة أشهر ، فتصير الغاية في أكثر الحمل سنة كاملة.

وإذا طلق الرجل زوجته أو مات عنها فتزوجت وجاءت بولد لستة أشهر فما زاد من يوم دخل الثاني بها فالولد لاحق به ، وان كان لأقل من ستة أشهر لم يلحق به. فان كان لمدة طلاقها أو الوفاة عنها سنة فما دونهما فهو لاحق

__________________

(1) القابلة.


بالأول ، وان كان لأكثر من ذلك لم يلحق به ، وكذلك الحكم فيها إذا لم تتزوج بعد الطلاق أو الوفاة وجاءت بولد لسنة فما دونها ، في لحوقه بالمطلق أو المتوفى ، ولا يلحق به بعد السنة.

وإذا باع الرجل أمة كان يطأها فجاءت بولد لستة أشهر من ملك الثاني فما فوقها فهو لاحق به ، وان كان لأقل من ذلك فهو لاحق بالأول ، فإن أنكره فهو رق للثاني.

فإن عتقها فتزوجت فجاءت بولد لستة أشهر فهو للزوج ، وان كان لأقل منها فهو للمعتق ، فإن أنكره فهو حر لا يلحق بأحد ، وان لم تتزوج وجاءت بولد لسنة من يوم عتقها فما دونها فهو للمعتق ان اعترف به ، وان أنكره أو كان لأكثر من سنة لم يلحق به وكان سائبة.

وإذا تزوج الرجل أو ملك أمة فوطئ في الفرج فجاءت بولد حي لستة أشهر فهو لاحق به وان عزل الماء ، وان كان لأقل من ستة أشهر لم يلحق به ، ولم يحل له الاعتراف به فان اعترف به الحق به على الظاهر ، وان أنكره وكانت المدة معلومة فلا لعان بينهما ، وان تعذر العلم بها وما يجري مجراه في الحكم تلاعنا.

ولا يحل لزوج امرأة ولا سيد امة أن يعترف بولد يعلم أنه لم يطأ أمة منذ سنة أو منذ أقل من ستة أشهر حاضرا كان أم غائبا ، وإذا ثبت ذلك حكم به وان لم يثبت لاعن الحرة دون الأمة ، ولا يلحق بالزوج ولد التي لم يدخل بها حاضرة كانت أم غائبة.

وإذا بلغ الزوجة وفاة الزوج أو طلاقه فاعتدت وتزوجت ، ثم حضر فأنكر الطلاق ولم يكن له(1) بينة فهي زوجته وعليه اعتزالها ان كان الثاني وطئها ثلاثة

__________________

(1) كذا.


قروء فان ظهر بها حمل فإلى أن تضع ، فان لم تضع لتسع كملها سنة ، فان جاءت بولد لأقل منها وكان لستة أشهر فما فوقها من يوم دخل بها الثاني فهو لاحق به وان كان لأقل منها فهو لاحق بالأول ، فإن أنكره تلاعنا ، وان لم يكن الثاني قربها فليستبرئها بحيضة ثم يطأها ان شاء.

وولد المتعة كولد الزوجة في جميع الأحكام المذكورة إلا اللعان في إنكاره فإنه لا لعان بين المتمتعين.

ولا يجوز لأحد أن يبيع أمة موطوءة ولا يطأ مبتاعة حتى يستبرئها بحيضة ان كانت ممن تحيض والا بخمسة وأربعين يوما.

وإذا طلق الزوجة وله منها ولد يرضع فهي أحق برضاعه وكفالته ، ولها أجر الرضاع ، فان طلبت شططا فوجد من يرضعه بالأجر القصد فرضيت به فهي أحق به وان أبت سلم إلى المرضعة ، ولها كفالته على كل حال ، ولها تسليمه الى أبيه.


فصل فيما يقتضي فسخ الرق

ينفسخ الرق ويتحرر المرقوق بعتق أو مكاتبة أو تدبير.

فأما العتق فتفتقر صحته الى لفظ مخصوص ، وقصد اليه ، مطلق من الشروط ، ممن يصح ذلك منه ، لوجهه متقربا الى الله تعالى به.

فاللفظ قوله : « أنت أو فلان أو فلانة حر لوجه الله تعالى » عن إيثار من عاقل لا يولى على مثله ، ولا يصح من محجور عليه ، ولا مكره ، ولا سكران ، ولا ساه ، ولا غالط ، ولا حالف ، ولا مشترط ، ولا لغير الله ، ولا له تعالى مع الجهل بالوجه ، أو مع معرفته وإيقاعه لغيره.

وينقسم الى واجب في حق التكفير ومبتدئ للترغيب ، ومعتوق القسم الأول سائبة ، لا ولاء عليه لمعتقه ، الا أن يتولاه. والثاني ولاؤه لمن أعتقه ولعصبته من بعده.

ويجوز عتق الأمة مطلقا ، ويصح أن يجعل عتقها صداقها.

وصفته مع تكامل الشروط أن يقول سيدها : « قد أعتقتك وزوجتك وجعلت عتقك صداقك لوجه الله تعالى » وإذا كان مالك العبد أو الأمة واحدا فأعتق ربعه أو ربعها أو ما زاد على ذلك أو نقص عنه عتق الجميع. وان كان مشتركا فعتق أحد الشركاء لوجه الله تعالى تحرر منه بمقدار حصته وأستسعى


في الباقي.

ومن السنة أن يشهد على العتق ، وما دعا اليه من تكفير أو ترغيب وان كتب بذلك وأشهد كان أولى.

وإذا أعتق عبدا أو أمة وله مال يعلم به فهو للمعتق يملكه بإباحته ، وان لم يعلم به أو علم به فاشترطه فهو له دون المعتق.

وإذا عجز المرقوق عن الخدمة لعمى أو زمانة أو مرض سقط عنه فرضها.

ولا يجوز عتق الكافر ، ولا يعتق في الكفارة الأعمى ولا الأعرج ولا الأشل ولا المجذوم.

وأم الولد رق حيا كان أم ميتا ، ويجوز بيعها بعد موته على كل حال ، ومع بقائه إذا كان ثمنها دينا(1) خاصة ، ويجوز عتقها في الكفارة ، وإذا مات سيدها وولدها حي جعلت في سهمه وعتقت عليه.

والولاء لمن أعتق دون البائع وان اشترطه ، وميراث ولد المعتق لولي نعمته سواء كانوا ( كذا ) قبل العتق أو بعده.

وأما المكاتبة فهي بيع المرقوق منه ، وصفتها أن يشترط المالك على عبده أو أمته تأدية شي‌ء معلوم يعتق بالخروج منه اليه وهي على ضربين : أحدهما أن يشترط عليه أنه ان عجز إلى مدة معلومة عن جملة الأداء أو بعضه رجع رقا وسقط أداؤه ، والثاني أن يكاتبه ولا يشترط.

وعلى الوجه الأول متى عجز عن الأداء أو بعضه رجع رقا ، وعلى الوجه الثاني يتحرر منه بحسب ما أدى من مكاتبته.

ويستحب أن تسمح له بشي‌ء من مال المكاتبة ويعينه على الأداء من مال الزكاة ، ويجوز ذلك لغير مكاتبه.

__________________

(1) دينها.


واما التدبير فعتق تفتقر صحته الى شروط العتق ، ويفارقه من حيث كان العتق منجزا والتدبير بعد الوفاة ، وصفته أن يقول المالك لعبده أو أمته : « أنت حر بعد وفاتي » ويشهد بذلك ، فيكون رقا في حياته ، فاذا مات صار حرا ، وله الرجوع في تدبيره ، لأنه جار مجرى الوصية.

وليس للورثة خيار على المدبر وان لم يكن لمدبره مال غيره.

ويجوز بيعه في حال تدبيره ، فاذا مات مدبره تحرر على مبتاعة ، فإن كان عالما بتدبيره حال ابتياعه والى أن مات مدبره فلا شي‌ء له ، وان لم يكن يعلم رجع على التركة بما نقد فيه ، وان كان بيعه بعد ما رجع في تدبيره لم يتحرر بموت مدبره.


الضرب الثالث من الأحكام

ذكاة السمك والجراد صيد المسلم له خاصة ، وحكم ما يكون في الماء من الحيوان حكم حيوان البر فى الذكاة ، وذكاة ما يحل من الحيوان ذبح المسلم أو نحره ، وينوب مناب ذلك قتل الطير بالنشاب خاصة ، وقتل ما عداه من صيد البر بسائر السلاح وبالكلب المعلم بشرط كون المتصيد بالسلاح ومرسل الكلب مسلما.

وإذا استعصى شي‌ء من الأنعام جرى مجرى الوحش في صحة ذكاته بسائر السلاح ، وكذلك حكمه إذا وقع في زبية وتعذر فيه الذبح والنحر.

ولا تقع الذكاة بشي‌ء من الانعام وغيرها مما تقع عليه الا من مسلم.

وإذا أراد التذكية فليستقبل بالإبل القبلة ويعقل احدى اليدين ويطعنها في لبتها ويسمى ، ويضجع باقي الذبائح تجاه القبلة ويسمى ويذبح في الحلق ، ولا يفصل الرأس حتى تبرد الذبيحة ، فإذا وجبت جنوبها وبردت حل الانتفاع بها بأكل ما يؤكل منها والتصرف فيما لا يؤكل من السباع ، فان لم تتحرك الذبيحة أو تحركت ولم يخرج منها دم فهي منخنقة لا يحل الانتفاع بها.

وذكاة ما أشعر أو أوبر من الأجنة ذكاة امه. وكذلك حكم ما يوجد من سمك


في أجواف غيره من السمك.

فان تعمد توجيهها الى غير القبلة ، أو ترك التسمية فهي ميتة ، وان كان ساهيا فهي ذكية.

وتصح ذكاة المرأة المسلمة وولد المسلم المراهق ، والذكاة بالحديد مع إمكانه ، وبما يقوم مقامه في(1) النحر وفرى الأوداج عند تعذره.

ويؤكل ما يوجد في ضروع ميتة الانعام وأمثالها من الوحش من اللبن ، وما في أجواف ميتة الطير من البيض ذي القشر دون المائع.

ويجوز الانتفاع من ميتة ما تقع عليه الذكاة بالشعر والصوف والوبر والقرن والظلف والخف والمخلب والسن واللبن والانفحة والريش.

وإذا وجد لحم لا تعلم ذكاته طرح على النار ، فان تقلص واجتمع فهو ذكي ، وان انبسط فهو ميتة ، ويعتبر ذكي السمك من ميتته بطرحه في الماء فان رسب فهو ذكي وان طفا فهو ميتة.

__________________

(1) في بعض النسخ : من النحر.


الضرب الرابع من الأحكام

لا يصح التصرف فيما عدا الملك والمباح إلا بإذن المالك أو نحلة أو منحة أو صدقة أو هدية أو عارية أو قرض أو شركة أو إجارة أو لقطة أو بيع أو قيمة متلف أو أرش جناية أو دية نفس أو عضو أو غنيمة أو وصية أو سكنى أو رقبى أو عمرى أو ميراث ، ولكل حكم.

فصل في الاذن

اذن المالك بالقول أو ما يقوم مقامه من العالم بالقصد وجه مبيح للتصرف ، واباحة القديم تعالى عابري السبيل الانتفاع بما ينبته الحرث من الخضر والثمار والزرع من غير حمل ولا فساد ينوب مناب اذن المالك في حسن التصرف.

فصل في النحلة

النحلة وجه لإباحة التصرف في المنحول ويعبر عنها بالهبة ، وتفتقر صحة تملكها الى قبض المنحول أو وليه فيما يصح قبضه ورفع الحظر عما لا يصح قبضه ، والقبول له ، وهي على ضربين : مقصود بها وجه الله تعالى ومقصود بها التكرم(1)

__________________

(1) في بعض النسخ : المتكرم.


أو التقرب الى المنحول.

القسم الأول مختص بمن يصح التقرب بصلته من أهل الايمان وذوي الأرحام دون الأجانب من الكفار والفساق المعلنين ، وإذا قبضت لم يجز الرجوع فيها ولا التعوض عنها.

القسم الثاني على ضربين : لذي رحم وأجنبي ، فنحلة ذي الرحم مملوكة بالقبض أو ما يقوم مقامه من قبض الولي ، وإذا كان الموهوب له في حجر الواهب فإمضاؤه لها وعزلها ورفع الحظر عنها ينوب مناب قبضه أو غيره من الأولياء ولا يجوز للواهب الرجوع فيها على حال.

ونحلة الأجنبي معتاض عنها وغير معتاض ، فالمعتاض عنها لا يجوز الرجوع فيه على وجه ، وغير المعتاض منه ( كذا ) على ضربين : قائم العين ومستهلك ، فالقائم العين يصح الرجوع فيه ، والمستهلك لا يصح الرجوع فيه.

فصل في المنحة

المنحة جهة لإطلاق الانتفاع بالممنوح ، وصفتها أن يمنح المرء غيره الشاة أو البقرة أو الناقة يحلبها مدة معلومة ، فإن قصد بذلك وجه الله تعالى مع من يصح التقرب اليه سبحانه بمعونته فعليه الوفاء بالمدة ، وان كان لغير ذلك فله الرجوع أى وقت شاء ، والوفاء أفضل.

فإن هلكت المنحة أو نقصت من غير تعد(1) من الممنوح ولا تفريط لم يضمن ، وان تعدى أو فرط ضمن قيمة هلاكها وأرش نقصانها.

__________________

(1) في النسخ : من غير فعل.


فصل في الصدقة

الصدقة وجه لتحريم التصرف على المتصدق وإباحته للمتصدق عليه ، وانما يكون كذلك بأن يقع بما يصح التصرف فيه بملك أو اذن ، على من تصح القربة فيه ، بشرط القبض أو ما يقوم مقامه ، وإيقاعها للوجه الذي له شرعت ، مخلصا بها لله تعالى.

فاذا تكاملت هذه الشروط فهي صدقة ماضية لا يجوز الرجوع فيها ، وان اختل شرط فهي على ملك المتصدق.

وهي على ضربين : أحدهما يقتضي تمليك الرقبة والثاني إباحة المنافع.

فالأول أن يتصدق المرء بما يصح تصرفه من الاعراض والأموال أو الحيوان أو الرباع أو الأرض قاصدا الى تمليك الرقبة من غير شرط ، فتقبض أو يرتفع الحظر ويقبل فيخرج عن ملك المتصدق الى ملك المتصدق عليه ان شاء أمسك وان شاء باع أو وهب.

والثاني على ضربين : مشترط ومؤبد.

والمشترط على ضروب :

منها أن يتصدق بمنافع داره أو أرضه أو رقيقه أو دابته على شخص معين مدة معلومة ثم ذلك راجع الى ملكه أو الى جهة من الجهات ، فهي


على شروطها.

أو يتصدق على أقاربه أو غيرهم بذلك مطلقا ويجعل إليهم بيع الرقبة عند الحاجة أو عند خرابها بالصدقة دون حالتي الغنا وعمارتها.

أو يتصدق بمنافع الدار والأرض على قوم بشرط ان لا يفسقوا في الجملة ، أو فسقا مخصوصا ، أو ينتقلوا عن بلد ، أو مذهب ، فمتى اختل الشرط رجعت الصدقة ملكا ، أو انتقلت إلى جهة غير ذلك(1) من وجوه الاشتراط ، فالحكم إيقاف الصدقة على ما شرط المتصدق.

والمؤبد أن يحبس الرقبة ويجعل منافعها لموجود معين من نسله أو غيرهم من الأقارب أو الأجانب وعلى من يتجدد من ولده وولد ولده أبدا ما تناسلوا أو الى غاية معلومة فإذا انقرضوا أو انتهوا إلى الغاية فذلك راجع الى بنى علي أو حسين أو جعفرعليهم‌السلام أو الى جهة من أبواب البر.

ويشترط ما شاء من مساواة في المنافع بين أهلها ، أو تفضيل بعض على بعض ، أو ترتيب الأعلى على الأدنى أو تساويهم. ويؤبدها ويحرم بيعها ونقلها عن جهاتها وتغيير شروطها.

فاذا وقعت الصدقة على هذا الوجه وجب إمضاؤها على شروطها ، وحرم تغيير شي‌ء منها.

وإذا تصدق على أحد الوجوه المذكورة وأشهد على نفسه بذلك ومات قبل التسليم فكانت الصدقة على مسجد أو مصلحة فهي ماضية ، وان كانت على من يصح قبضه أو وليه فهي وصية يحكم فيها بأحكام الوصايا.

وإذا تصدق على من لم يوجد فقال : هذه الدار أو القربة أو الأرض على من يولد لي أو لفلان لم تمض الصدقة ، وان تعلقت بموجود وبمن لم يوجد

__________________

(1) الى غير ذلك. ظ.


كقوله : « على فلان ـ وهو حي ـ وعلى ولده من بعده » مضت الصدقة.

ولا يحل لمسلم محق أن يتصدق على مخالف للإسلام أو معاند للحق الا أن تكون ذا رحم ، ولا يوقف على شي‌ء من مصالحهم ، ولا على بيعة ولا على كنيسة ولا بيت نار الى غير ذلك من معابد الضلال ومجامعهم ، فان فعل لم يمض فعله ووجب على الناظر في مصالح الدين فسخه(1) .

ويجوز لأهل النحل الفاسدة من اليهود والنصارى والمجبرة والمشبهة وغيرهم أن يتصدق بعضهم على بعض وعلى مصالحهم وبيوت عباداتهم.

وإذا اقتضى شرط صدقة المسلم المحق مصيرها الى من لا يجوز القربة بصلته ، أو تغيرت حال أهلها أو بعضهم عن صفة من تحل معها بشرط(2) الصدقة أو حكم الملة صلته بطل استحقاقه وصار حكمه حكم الميت.

وإذا تصدق على الإطلاق ، أو حبس شيئا على ولده ولم يخص بالذكر درجة من درجة ، ولا ذكرا من أنثى ، فهي على جميع ولد الصلب وولدهم وان سفلوا ، ذكرانهم وإناثهم بينهم بالسوية ، لدخول الكل تحت اسم الولادة والبنوة لغة وشرعا ، وان خص بعضا من بعض ، أو رتبهم فهي على ما شرط.

وان تصدق على جيرانه ولا يعين ولا علم قصده(3) فهي على من يلي داره من جميع الجهات إلى أربعين ذراعا.

وان عرف أهل الصدقة بأب كعلي أو الحسن أو عباس أو ربيعة أو قرارة ( كذا ) أو حمير ، أو بلد كمصر أو بغداد ، أو محلة كالكرخ وباب الطاق ، أو صناعة

__________________

(1) في بعض النسخ : نسخه.

(2) كذا في النسخ.

(3) في بعض النسخ : ولا علم قصده فهي من بعض أو رتبهم من يلي داره ، والظاهر ما أثبتناه.


كالنجارة(1) ، أو مذهب كالإمامية أو الزيدية ، أو طريقة كالعدالة ، أو حفظ القرآن ، أو العلم بشي‌ء مخصوص ، أو ملازمة مشهد أو مسجد أو عبادة متميزة ، وجب صرف صدقته الى من تسوغ في الملة معونته من جميع جيرانه وبنى الأب وأهل المصر والمحلة وأرباب الصناعة ومنتحلي المذهب وذوي الطريقة والمحاورة المنسوب إليها الموجودين من الذكور والإناث بالسوية ، الا أن يخص بعضا من بعض ، أو يفضل بعضا على بعض ، فيعمل فيها بموجب شرطه.

وإذا تصدق على قومه أو عشيرته عمل بالمعلوم من قصده ، فان لم يعرف مقصوده عمل بعرف قومه في ذلك الإطلاق وصرفت الصدقة الى من يصح ذلك فيه منهم.

وإذا تصدق على أهل الخمس والزكاة فهي لمن بيناه من المستحقين لذلك من أهل بلده الا أن يشترط صرفها الى غيرهم أو مشاركتهم فيعمل لمقتضى(2) شرطه.

__________________

(1) كالتجارة.

(2) بمقتضى. ظ.


فصل في الهدية

من وكيد السنة وكريم الأخلاق الإهداء.

وقبول الهدية على ضروب ثلاثة :

أحدها أن يدعو إليها داعي الولاية الدينية فيقصد بها وجهها قربة اليه سبحانه ، فيلزم في السنة قبولها ، ويخرج بالقبول عن يد المهدى ويحرم الرجوع فيها والتعوض عنها ، وان لم يقبلها خالف السنة ، وللمهدي التصرف فيها وان كان قد فصلها عن ماله وليست كالصدقة.

وثانيها أن يدعو إليها داعي المودة الدنيوية والتكرم ، فيحس قبولها إذا عريت من وجوه القبح ، ويقبح القبول مع ثبوته ، ويخرج بالقبول عن يد المهدى وله الرجوع فيها ما لم يتصرف فيها من أهديت اليه ، وإمضاؤها أفضل ، ولا تجب المكافاة عليها ، وفعلها أفضل.

وثالثها ان تدعو إليها الرغبة في العوض عنها ، وهي مختصة بهدية الأدنى للأعلى في الدنيا ، فهو مخير في قبولها وردها ، فان قبلها لزمه العوض عنها بمثلها ، والزيادة أفضل ، ولا يجوز له التصرف فيها ولما يعوض عنها أو يعزم على ذلك ، وإذا عوض عنها وقبل المهدى العوض لم يكن له الرجوع فيها وان كان دونها ، وان لم يقبل العوض فله الرجوع فيها ما دامت عينها


قائمة وان بذل له زيادة عليها ، فان تصرف فيها فعليه قيمتها الا أن يتبرع بالفضل.

فصل في العارية

العارية وجه يحسن التصرف وهو على ضربين : مضمونة ، وغير مضمونة ، فالمضمونة العين والورق على كل حال ، وما عداهما من الأعيان بشرط التضمين أو التعدي ، فمتى هلكت أو نقصت والحال هذه فعلى المستعير ضمان مثل ما هلك من المال وقيمة ما تلف من الأعيان وأرش ما نقص.

فاذا اختلفا في التضمين والتعدي فعلى المالك البينة ، وعلى المستعير اليمين ، وله ردها مع دعوى التضمين عليه ، وأيهما حلف حكم بمقتضى يمينه.

وان اختلفا في مبلغها أو قيمتها أخذ ما أقربه المستعير ، ووقف ما زاد عليه على بينة أو يمين المستعير ( كذا ).

وما ليس بمضمون من العواري ما عدا ما ذكرناه من العين والورق والمضمن والمعتدى فيه من العواري المطلقة من التضمين العرية من التعدي والتفريط ، وما هذه حاله لا يلزم المستعير فيه قيمة ولا أرش.


فصل في القرض والدين وأحكامهما

القرض أو تأخير الحق ( كذا ) سبب لإباحة التصرف في ملك الغير ، وكل منهما في حق المالك إحسان وفي حق الغير مكروه مع الغنا عنه ، محرم مع فقد القدرة على قضائه وعدم الضرورة اليه ، وأخذ الزكاة مع الحاجة إليه أولى منه ، فان لم يجدها المحتاج فالقرض أفضل من الطلب بالكف ، وليقتصر على ما يحفظ الحياة ، ولينو أداءه في أول أحوال التمكن منه ، ويقتصد(1) في الإنفاق مما يكتسبه على البلغة ويعزل ما فضل لمدينه.

ويكره للمدين المطالبة بالدين مع الغنا عنه وظن حاجة الغريم الى التوسع به ، ولا يحل له ذلك مع العلم أو الظن بعجز الغريم عن أدائه ، ويلزم النظرة إلى حين التمكن منه. وله الاحتساب به من الزكاة إذا كان الغريم من أهلها.

وان كان مخالفا للحق أو منفقا ما استدانه في حرام فله حبسه(2) .

وإذا ألح المدين على غريمه بالمطالبة وأحضره مجلس الحكم فخاف من الإقرار الحبس ، فله الإنكار واليمين عليه والتورية فيها بما تخرج به عن

__________________

(1) ويقتصر. ظ.

(2) في بعض النسخ ، فله حسابه.


الكذب ، بشرط العزم على قضائه متى تمكن ، وأعلامه بذلك قبل اليمين وبعدها ، وعليه متى تمكن ، الخروج اليه مما احلف عليه.

ويكره للمدين النزول على غريمه وقبول هديته لأجل الدين ، ويحرم ذلك عليه مشترطا في حال الإدانة ، والنزول عليه أكثر من ثلاث على كل حال.

ولا يجوز بيع المسكن والغلام وستر العورة ودابة الجهاد في الدين ، ويباع ما عدا ذلك.

ولا تحل مطالبة الغريم في الحرم ومسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومشاهد الأئمة صلوات الله عليهم.

ويلزم الزوج قضاء ما استدانته الزوجة وأم الولد وغيرهما ممن تجب عليه نفقته في غيبته بالمعروف.

ويجوز القرض بشرط أن تزوجه أو يخطب له أو يعامله في بيع أو إجارة أو أن يعطيه عوض الغلة(1) صحاحا وعوض المصوغ من الذهب عينا ومن الفضة ورقا وعوض نقد مخصوص من خالص الذهب والفضة من الغش من نقد غيره ، ويلزم ذلك مع الشرط ، ومع عدمه ليس له الا مثل ما أقرض الا أن يتبرع أحدهما.

ويكره للمدين أن يستحلف الغريم المنكر ، لأن في ذلك تضييعا للحق ، وتعريضا لليمين الكاذبة ، وإذا حلف الغريم فتمكن المدين من مقدار حقه لم يحل له أخذه مجاهرة ، فان أذن له أو جاء مبتدئا بحقه حل له أخذه.

وان أنكره فلم يستحلفه جاز له إذا ظفر بشي‌ء من ماله أن يأخذ منه بمقدار حقه ، الا أن تكون وديعة فلا يحل اقتصاص الحق منها الا بإذن الغريم.

وإذا استدان العبد بإذن سيده فعليه القضاء عنه ، فان عتق فالدين في ذمته الا أن

__________________

(1) في مجمع البحرين : الدرهم الغلة : المغشوش.


تكون الاستدانة للسيد فيلزمه القضاء دون العبد ، وان استدان بغير اذن السيد فلا ضمان عليه ولا على العبد الا أن يعتق فيلزمه الخروج إلى مدينة مما عليه.

ومن مات وله وصية وعليه دين بدي‌ء بالكفن ثم الدين وباقي الصداق منه ، ثم الوصية ، ثم الميراث ، فان لم يترك ما يوفى بالدين تحاص الغرماء فان وجد بعضهم عين سلعته قائمة فهي له دون الغرماء ، وهذه حال المفلس ، وان لم يخلف الا ما يكفن به فلا شي‌ء للغرماء ، ويجوز قضاء دينه من مال الزكاة وهو أفضل من إعطائها للحي إذا كان المتوفى من أهلها ، واحتساب المدين ذلك من زكاة ماله أفضل من استيفائه دينه من زكاة غيره على غريمه المتوفى والحي.

ولا يثبت الدين في تركة المتوفى إلا بإقرار جميع الورثة أو بينة المدعى مع يمينه ، فإن أقر بعض الورثة لزمه الأداء بمقدار سهمه من الإرث ولا تحل الدعوى على الورثة ولا تسمع الا أن يعلم علمهم بالدين أو يدعى ذلك وإذا شهد نفسان من الورثة بدين وكانا عدلين لا يرتاب في شهادتهما حكم بالدين في التركة مع يمين المدعي ، وان كانا بخلاف ذلك أو أحدهما فهما مقران يلزمهما من الدين بحساب سهمهما من الإرث.

وإذا قتل الغارم عمدا أو خطاء قضى دينه من الدية وورث ما فضل عنه وإذا لم يخلف المقتول عمدا ما يقضى دينه لم يجز لأوليائه القود(1) حتى تتكلفوا بما عليه منه.

__________________

(1) في بعض النسخ : العفو ، وهو تصحيف.


وإذا مات حل(1) ماله من دين مؤجل عليه.

وتكره الإدانة بغير رهن ولا بينة ، والاولى الجمع بينهما فمن لم يفعل لم يؤجر على ضياع ماله.

والكفالة والحوالة تسقطان حق المطالبة بالدين وتقتضيان براءة ذمة الغريم منه. وعجز الغارم عن الأداء يسقط حق المطالبة ويوجب التأخير إلى حين اليسر. وينوب فعل الوكيل في المطالبة مناب موكله.

ونحن نذكر أحكام الرهن والوكالة والحوالة والكفالة والتفليس لتعلق ذلك بأحكام الديون.

__________________

(1) في جميع نسخنا هكذا : وإذا مات المؤجل ماله. والصحيح ما أثبتناه كما يظهر من المختلف للعلامة فراجع.


فصل في أحكام الرهن

تفتقر صحة الارتهان الى قبض الرهن فيما يصح قبضه أو رفع الحظر فيما لا يصح قبضه وقبول ذلك.

وثمر الشجر الظاهر وولد الحيوان الحامل ونبات الأرض الحاصل قبل الارتهان خارج عنه ، وما تجدد من ذلك في حاله لاحق بالأصل.

ولا يجوز للراهن ولا المرتهن التصرف في الرهن ولا الانتفاع به الا عن اتفاق قبل عقدة الرهن أو في حالها ويجوز للمرتهن إذا كان حيوانا فتكفل بمؤنته أن ينتفع بظهره أو خدمته أو صوفه أو لبنه وان لم يتراضيا ، ولا يحل شي‌ء من ذلك من غير تكفل مؤنة(1) ولا مراضاة ، والاولى أن تصرف قيمة منافعه في مؤنته.

وإذا كان للرهن غلة يصح بقاؤها كالحنطة والشعير رهن مع الأصل ، وان كانت مما لا يصح بقاؤها كالخيار والأترج فعلى المرتهن بيعه وقبض ثمنه والاحتساب به عن اذن الراهن ان أمكن والا فهو رهن مع الأصل.

وإذا عمر المرتهن الأرض وغرس فيها عن اذن الراهن في حال الارتهان فله غلة ذلك ، وان كان بغير اذنه فهو اثم وعليه أجر الأرض وله غلتها.

ورهن المشاع جائز كالمقسوم ، وإذا رهن ما يملك بعضه صح الرهن

__________________

(1) مؤنته.


فيما يملك ، وكان رهنا على جملة الدين ، ويبطل فيما لا يملكه ، ولا يصح بيع الرهن الا عن تراض منهما(1) متقدم أو متأخر ، فإن هلك الرهن في مدة السوم لأجله ( كذا ) وكان البيع سائغا(2) فهو من مال الراهن وعليه الخروج من الحق إلى المرتهن ، وان كان ممنوعا منه فهو من مال المرتهن.

وإذا كان هلك الرهن من غير تفريط فهو من مال الراهن ، وعليه الخروج الى المرتهن مما عليه من الحق ، وان كان عن تفريط فهو من مال المرتهن ، فان اختلفا في الاحتياط والتفريط فكانت لأحدهما بينة حكم بها والا فالقول قول المرتهن مع يمينه ، وإذا ثبت التفريط واختلف في قيمة الرهن وفقدت البينة فالقول قول الراهن مع يمينه.

وإذا ادعى المرتهن مبلغا من الدين فأقر الراهن ببعضه وأنكر البعض قبل إقراره فيما أقر به وحلف على ما أنكر. وإذا اختلف اثنان في شي‌ء فقال أحدهما هو عندي رهن وقال الأخر هو وديعة ، فعلى مدعي الرهن البينة فإن فقدت طولب الأخر بها ، فان تعذرت حلف أنه وديعة وتسلمه(3) ، فان نكل عن اليمين فهو رهن.

وإذا حل الدين وتعذر إيذان الراهن في بيعه فالأولى تركه الى حين تمكن الإيذان ، ويجوز بيعه ، فان نقصت قيمته عن الدين لم يكن له غيرها ، وان كان بيعه باذنه فعليه القيام بما بقي من الدين عن ثمن الرهن ، وان فضل عن مقدار الدين فهو للراهن. وإذا لم يعلم ما عليه من دين ضمن قيمته فاذا حضر الراهن فالقول قوله مع يمينه.

__________________

(1) في بعض النسخ : أو متقدم أو متأخر.

(2) في جميع النسخ : شائعا والصحيح ما أثبتناه.

(3) ويسلمه.


وإذا فلس الغريم أو مات فالمرتهن أحق بالرهن من باقي الغرماء ، فان فضل عنه شي‌ء كان لهم ، وان نقص حاصهم فيما عداه.

وإذا رهن عصيرا فصار خلا فهو رهن ، وان صار خمرا بطلت وثيقة الرهن ووجبت إراقته ، وعلى الغريم القيام بالدين ، وان كان مائعا طاهرا فصار نجسا بفعل المرتهن أو تعديه فهو من ماله يوم نجسه ، وان لم يتعد فهو من مال الراهن يهراق ما لا يصح الانتفاع به كالخل ، ويباع ما يصح الانتفاع به كالدهن ويحتسب بثمنه من مال الدين.

ولا يصح للراهن ولا المرتهن وطء الأمة المرهونة ويجوز استخدامها عن تراض من الراهن والمرتهن ، وان وطئها الراهن أثم وعليه التعزير ، وان وطئها المرتهن فهو زان ، وولده منها رق لسيدها ورهن معها.


فصل في الوكالة وأحكامها

صحة الوكالة تفتقر إلى إيجاب الموكل وقبول الوكيل حاضرا كان أم غائبا بحسب شرطه ، ان أطلق عمت الوكالة سائر الأشياء إلا الإقرار بما يوجب حدا ، وان خصصت بشي‌ء اختصت به. وإذا انعقدت الوكالة قام الوكيل فيما جعل له مقام موكله في المطالبة وقبض الحقوق وإسقاطها ، وان فعل ما لم يجعل له لم يمض ، فان كان فيه درك فهو لازم له دون موكله.

والوكالة في الطلاق جائزة كالنكاح بشرط غيبة أحد الزوجين ، وان كانا في مصر واحد لم تمض ، والاولى ان يتولى ذلك بنفسه حاضرا كان أم غائبا.

ويلزم كل ناظر في أمور المسلمين أن يوكل لأطفالهم وسفهائهم وذوي النقص من ينظر في أموالهم ويطالب بحقوقهم ويؤدي ما يجب عليهم منها.

وينبغي لذوي المروات أن يوكلوا في مطالبة الحقوق وإسقاط الدعاوي ، ولا يباشروا الخصومة بأنفسهم.

ولا يجوز لمسلم أن يوكل الا المسلم العاقل الأمين الحازم(1) البصير بلحن الحجة العالم لمواقع الحكم العارف باللغة التي يتحاور بها ، ولا يحل

__________________

(1) في بعض النسخ : الجازم.


له أن يوكل كافرا على مسلم ، ويجوز له أن يوكل المسلم والكافر على الكافر ، ولا يتوكل كل لكافر على مسلم ، ويتوكل له على كافر وان اختلفت جهات الكفر ، ولا يحل لأحد أن يتوكل فيما لا يغلب ظنه بالقيام به من حق ولا نصرة باطل على حال.

وإذا أراد الموكل عزل الوكيل أو تخصيص وكالته فليشهد على ذلك ويعلمه به ان أمكن إعلامه ، فإذا فعل بطلت الوكالة فيما أشهد به ولم يمض شي‌ء مما يفعل الوكيل بعد الاشهاد والأعلام مع إمكانه ، ومن دون الأعلام مع تعذره ، فان لم يعلم الوكيل مع التمكن من ذلك لم تنفسخ الوكالة وان أشهد بالفسخ ، وكان ما يفعله الوكيل ماضيا حتى يعلم العزل.

وان اختلفا فادعى الموكل الأعلام وأنكر الوكيل ، فعلى الموكل البينة بإعلامه ، ولم يكفه ثبوت عزله مع إمكان أعلامه ، فان فقدت البينة حلف الوكيل ومضى ما فعله.

وإذا أقام الحاكم قيما للمحجور عليهم مضى فعله الموافق للمعروف لهم وعليهم ، وبطل ما خالف.


فصل في الكفالة والحوالة

صحة الكفالة والحوالة تفتقر الى تعيين الأجل فيما يحتاج إلى الأجل فيه ، وكون الكفيل والمحال عليه مليا في حالة الكفالة والحوالة ، أو يرضى المكفول له أو المحال بالكفيل والمحال عليه بعد العلم بحاله ، فإذا رضي الغريم وقبل الكفيل أو المحال عليه انتقل الحق إلى ذمته وبري‌ء المكفول عنه والمحيل ، وكان للكفيل الرجوع بما كفله على المكفول عنه ان كان كان مشفوعا مشفوعا إليه في ذلك ، وان كان متبرعا لم يرجع عليه بشي‌ء الا ان يكون قد وافقه على ذلك فيرجع بمال الكفالة عليه.

وإذا ظن المكفول له أو المحال كون الكفيل مليا وانكشف أنه غير ملي في حال الكفالة أو الحوالة رجع الى غريمه الأول بمال الحوالة ، وان كان في الحال مليا ثم أفلس فيما بعد أو كان معلوم الحال ورضي به لم يكن له رجوع على الأول بشي‌ء.

وضمان إحضار الغريم في وقت معين أو أي وقت شاء المضمون له من مدة معلومة بشرط البقاء صحيح يلزم معه إحضاره ، فإن طلبه فلم يحضره وهو حي فعليه الخروج مما ثبت عليه.

وان مات قبل ذلك فلا شي‌ء عليه الا أن يشترط على نفسه أنه ان لم يأت به


فعليه ما عليه ، فيلزمه متى لم يحضره ، القيام بما ثبت عليه حيا كان أو ميتا.

وضمان المجهول جائز كالمتعين ، كقول الضامن : « كل حق عليه لازم لي » ويلزمه من ذلك ما قامت به البينة أو أقر به الغريم خاصة.

ومن خلص غريما من يد غيره بالغلبة فعليه الخروج الى من خلصه منه مما ثبت له عليه من حق ، وان خلصه بشفاعة لم يضمن شيئا مما عليه الا أن يضمنه.

وإذا لم يبرء الغريم الى المحال في مال الحوالة ورضي(1) المحال عليه(2) بذلك لم تبرأ ذمته منه ويحسب بما قبضه من المحال عليه ورجع على غريمه الأول بالباقي ، وان بري‌ء اليه ورضي كل منها بذلك لم يرجع عليه بشي‌ء من مال الحوالة.

__________________

(1) في بعض النسخ : وترضى.

(2) في بعض النسخ هكذا : ورضي المحال أو المحال عليه.


فصل في التفليس

عجز الغريم عن الأداء يسقط حق المطالبة والملازمة والحبس ، ويحرم على مدينة كل من ذلك مع العلم به ، ويلزم الحاكم إذا قامت البينة عنده بذلك أو صدقة الغريم أن يمنعه من ملازمته ولا يحبسه له ، وان ادعى إعسارا وأنكر المدين وفقد البينة في الحال توقف الحاكم حتى ثبت له ما يحكم بمقتضاه فان ثبت له إعساره بعد ما حبسه أطلقه ، وإذا ثبت عند الحاكم الإعسار طالب الغارم بإقامة ضمين لمدينه يحفظ عليه ماله معجلا أو مؤجلا أو مقسطا ، فان تعذر ذلك نظر في مقدار مكسبه فألزمه بتأدية الفاضل منه عن مقدار الحاجة الى مدينة ، فان لم يكن ذا مكسب أو كان مكسبه لا فضل فيه مما يحفظ حياته فلا سبيل عليه.

ويلزم الحاكم إشهار المفلس ليعرفه الناس بذلك فلا يعامل الا من قد رضي بإسقاط دعواه عليه ، وإذا أشهره لم تسمع دعوى أحد علم بتفليسه.

وإذا وجدت عند المفلس سلعة لبعض الغرماء فهي له دون سائرهم ، وان لم يعرف صاحبها فهي بينهم.

وان كان له ملك يزيد على بيت سكناه وستر عورته وخادمه ودابة جهاده


أخذ الحاكم بيعه(1) في حقوق الغرماء ، فان امتنع باع عليه الحاكم وقسم الثمن بين غرمائه على قدر حقوقهم.

وإقرار المفلس بعد الحجر ماض لكونه عاقلا.

ولا يحل الدين المؤجل بالتفليس.

__________________

(1) أخذه الحاكم ببيعه.


فصل في الشركة وأحكامها

الشركة جهة لإباحة التصرف ، وصحتها مختصة بالأموال المتجانسة بعد الخلط لها ، فان اختلفت قوم أحدهما بالآخر وجعل مالا واحدا. فاذا تكاملت هذه الشروط انعقدت الشركة وأوجبت لكل واحد من الشريكين من الربح بمقدار ماله ومن الوضيعة بحسبه. فان اصطلحوا في الربح على أكثر من ذلك حل تناول الزيادة بالإباحة دون عقد الشركة ، ويجوز لمبيحها الرجوع بها ما دامت عينها قائمة.

وان اشترط في عقد الشركة تفاضل في الوضيعة صحت الشركة وبطل الشرط وكان الوضيعة بحسب الأموال الا أن يتبرع أحد الشريكين على الأخر فإن كان أحد الشريكين عاملا في البضاعة فجعل له الأخر فضلا(1) والربح بإزاء عمله لم يمض الشرط وكان للعامل أجر عمله ومن الربح بحسب ماله.

وان كانا متساويين في العمل لم يكن لأحدهما أجر.

ولا يجوز لشريك أن يعمل في مال الشركة ما لم يجعله له شريكه ، فان تعدى ضمن وان لم يتعد لم يضمن.

ولا تنعقد الشركة بالأبدان في الأعمال والصنائع والاسفار ، لكون ما

__________________

(1) في الربح ، كذا في المختلف.


تقع عليه الشركة غير متميز ويحل لكل منهم ما تراضيا عليه ، ويجوز الرجوع به والحكم لكل منهم بأجر عمله ، فان لم يتميز عمل كل واحد منهم قضى بينهم بالصلح.

ولا تأثير للتأجيل في عقد الشركة ، ولكل شريك مفارقة شريكه أى وقت شاء وان كانت مؤجلة.

وإذا مات أحد الشركاء بطلت الشركة ، وإذا انفسخت الشركة بموت أو غيره كان لكل شريك من عين المال والمتاع بحساب ماله ، ولا يقسم الدين ، لكن يتقاضونه جميعا فما حصل اقتسموه بحسب أموالهم.

وإذا دفع المرء الى غيره مالا ليتجر به أو متاعا ليبيعه ، وجعل له قسطا من الربح ، لم تنعقد بينهما شركة ، وانما له في الحكم أجر مثله دون ما شرطه والاولى الوفاء به ولا ضمان عليه فيما هلك أو نقص الا أن يتعدى مرسوما فيضمن.

وإذا دفع اليه مالا ليبتاع به متاعا ، فابتاعه ثم بدا لصاحب المال ، لم يكن له الا المتاع ، وللمضارب أجر مثله. وإذا عين ابتياع متاع معين فابتاع غيره فهو في ذمته ، ولذي المال ماله من غير زيادة ولا نقصان ، الا أن يرضى بالمتاع فيكون له.

والشريك المأذون له التصرف مؤتمن على مال الشركة لا يجوز تهمته ، والقول قوله الا أن يرتاب به شريكه فيحلف على قوله.

وكذا حكم المأذون له في التجارة وبيع السلع وابتياعها.


فصل في ضروب الإجارة

الإجارة سبب يمنع المالك من التصرف في الملك ، ويبيحه للمستأجر ، ويوجب استحقاق الأجر له عليه ، وتفتقر إلى صحة ولايتهما وتميير المستأجر وتسليمه وتعيين الأجر والأجل والمسافة والمقدار والصفة الى غير ذلك مما تتعلق به الإجارة. فإن اختل شرط بحيث تفتقر اليه لم تنعقد ، وإذا انعقدت اقتضت استحقاق الأجر معجلا الا أن يشترط التأجيل.

وهي على ضروب :

منها اجارة الرباع والأرض ، ولا بد فيها من تعيين الأجر والمستأجر ووصفه وتحديده والأجل والتسليم ، فان منع مانع ظالم من التصرف أو هدم المسكن أو قطع الشجر أو أحرق نبات الأرض أو عزلها ( كذا ) قبل التسليم سقطت الأجرة ، وان كان بعد التسليم فالإجارة ماضية والأجرة مستحقة ، ويرجع بها على المتعدي في الدنيا أو يعوضها في الآخرة ، وان كان ذلك بفعل المستأجر فالأجرة لازمة وهو ضامن لما أفسد من بناء أو غرس ، وان كان شي‌ء من قبله تعالى لم يضمن شيئا وسقطت عند الأجرة حتى يعيد المالك الربع والأرض إلى حالتهما الاولى.

ولا يسقط الإجارة والأجر هلاك ثمرة الأرض ولا نبتها بفعله تعالى ولا فعل


ظالم ، ويرجع على الظالم بالدرك عاجلا فان فات ففي الأجلة.

ولا يجوز للمستأجر أن يؤاجر ما استأجره بأكثر مما استأجره الا أن يحدث فيها ( كذا ) المستأجر شيئا.

ولا تصح اجارة ما لا يصح لمالكه التصرف فيه بحجر أو رهن أو إجارة أو غير ذلك ، ولا يجوز رهن المستأجر ويجوز بيعه وهبته والتصدق به ولا تبطل الإجارة بشي‌ء من ذلك.

وإذا غرس المستأجر أو بنى بغير إذن المؤاجر فهو غاصب يضمن ما نقص ولمؤاجره قلع ما غرس ونقض ما بنى ، وله تركه وتسليم القيمة عنه ، وان كان باذنه فله شرطه ، فان لم يشترط كان له قلع الغرس ونقض البناء ، ولا ضمان على الغارس والباني لما نقص واستدركه(1) وإذا استحقت الأرض بعد عقد الإجارة تسلمها المستحق ورجع المستأجر بما نقد على مؤاجرة.

ومنها إجارة الدابة والسفينة ، وصحتها موقوفة على بيان المدة أو المسافة فإن تعلق شرطها بحمل مقدار معلوم أو سلوك طريق مخصوص لم يجز للمستأجر تجاوزهما ، فان تعدى الشرط في المدة أو المسافة أو المقدار أو سلوك الطريق ضمن الهلاك والنقص وأجر الزائد على الشرط ، وان لم يعين مقدارا ولا طريقا ولا مدة ولا مسافة لم يضمن الا أن يتعدى المعهود في الحمل أو التسيير فيضمن ، ولا تنعقد هذه الإجارة لحمل محظور كالخمر ولا في المعونة على قبيح وكذلك حكم اجارة المسكن والوعاء والإناء في محظور.

ومنها استيجار الغير ليعمل عملا أو يحمل شيئا أو يقطع مسافة بنفسه أو دابته أو يبيع له أو يبتاع الى غير ذلك من الأغراض ، فلا بد في هذه الإجارة

__________________

(1) في بعض النسخ : واستدركه ولمؤاجره قلع ما غرس وإذا.


تعيين ما انعقدت عليه ووصفه بما يبين به ويتعين(1) الأجر فإن وافق عمل المستأجر لشرط الإجارة استحق الأجر ولم يضمن نقصا ولا هلاكا الا ما جناه مفرطا أو مختارا دون ما هلك من حرزه أو غلب عليه.

فان اختلفا في هلاك ما استوجر لصلاحه كالقصارة والصياغة والنساجة ، وفقدت البينة ، فعليه اليمين بصحة دعواه.

وان خالف شرط الإجارة سقط أجره وضمن ما نقص بفعله أو تلف.

وأجر ما يبتاعه المرء لغيره أو يبيعه باذنه عليه دون من يبتاع له منه أو يبيع عليه ، وأجر الكيال ووزان البضاعة على البائع ، وأجر وزان الثمن وناقده على المبتاع.

والمضاربة خارجة عن باب الإجارة والشركة ، وإمضاء شرطها أفضل فإن تنازعا فللمضارب أجر مثله ولا ضمان عليه ما لم يتعد مأذونا فيه.

ولا يجوز استيجار العبد ولا الأمة ولا المحجور عليه لسفه أو صغر إلا بإذن الولي ، وضمان ما يفسدونه عليه ، ويجوز استيجار العبد والأمة المأذون لهما في التصرف.

ولا يجوز حبس الأجير عن الصلاة ولا الجمعة ولا العيدين ولا صلاة الكسوف ولا الجنازة المتعينة ، ويجوز منعه من الجماعة وايذانه أفضل.

وإذا سقطت الدابة بحملها ضمن مؤاجرها ما تفسده من حملها ، ولا يضمن ما يغصب عليه ، والملاح ضامن لما يغرق من المتاع بتفريطه ، ولا يضمن ما يغلب عليه بفعله تعالى أو تعدى غيره.

وأجر رد الضالة مستحق بحسب ما بذله مالكها لردها ، فان لم يبذل شيئا فأجر وجدان العبد أو الأمة أو البعير في المصر عشرة دراهم فضة ، وفي غير

__________________

(1) وتعيين.


المصر أربعون درهما وما عدا ذلك يقضى فيه بالصلح.

ومنها مزارعة الأرض أو مساقاتها ، وتفتقر صحة ذين ( كذا ) الاجارتين الى تعيين المدة وصفة ما تتعلقان به.

وكل منهما على ضربين :

أحدهما أن يشترط المالك المزارع والمساقي ثلث غلة الأرض أو ما زاد على ذلك أو نقص عنه ، فيجب له ذلك مما يرتفع(1) قل أم كثر ، فان هلكت الغلة بأحد الأسباب السماوية أو الأرضية فلا شي‌ء له.

الثاني أن يجعل له على مزارعته أو مساقاته أجرا معلوما ، عينا أو ورقا ، أو مكيلا أو موزونا ، منفصلا من مقدار غلتها ، فيجب له ذلك متى وفي بشرط العقد هلكت الغلة أم سلمت.

فان خالف شرط العقد في نوعي المزارعة أو المساقاة بطل المشروط وكان له أجر عمله ان كان صلاحا ، وان كان فسادا ضمن ما أثره بتعديه.

فاذا انقضت مدة المزارعة فللمزارع قلع ما غرس أو زرع ، وتركه بإذن المالك ، وكذلك حكم(2) .

وخراج أرض المزارعة والمساقاة وحق الصلح على المالك الا أن يشترطه المزارع والمساقي فيلزمهما ، وخراج الأرض المتقبلة على المتقبل الا أن يشترطه على المالك.

ولا تبطل الإجارة بالموت ويقوم ورثة كل واحد من المالك والمستأجر مقام موروثة ، والسفر لا يبطل الإجارة وان فسخها المستأجر وحكم بها ( كذا ) حاكم جور الا أن يفسخها المالك.

__________________

(1) في بعض النسخ : مما يرفع.

(2) كذا في النسخ.


وإذا لم يشترط في عقد الإجارة تأخير الأجر أو تقسيطه فهو ( فهي خ ) عاجل لجميع المدة.

وإذا كان شرط الإجارة كل يوم أو كل جمعة أو كل شهر بقسط معلوم انعقدت الإجارة وان لم يعين أجر المدة ، واستحق أجر الزمان المذكور بالدخول فيه ، ويجوز الفسخ بخروجه ما لم يدخل في الثاني ولا تجوز الإجارة لمدة قبل دخول ابتدائها لافتقار صحتها الى التسليم.

ولا تصح الإجارة بغير أجر معلوم من سكنى بسكنى ، أو عمل بعمل ، أو خدمة بخدمة ، أو على نظر في كتاب ، أو اطراق فحل ، الى غير ذلك ، ويحل لكل من هؤلاء التصرف للتراضي دون عقد الإجارة المفتقر الى تعيين(1) الأجر.

__________________

(1) في بعض النسخ : تعين.


فصل في اللقطة

اللقطة على وجهين : أحدهما يحرم التقاطه والثاني يحل وتركه أولى.

فالأول الإداوة والقربة وغيرهما من أوعية الماء ، والحذاء ، والسوط ، والشاة والبقرة والحمار في الأرض ذات الكلاء والماء ، والبعير على كل حال.

والثاني ما عدا ذلك ، وهو على ضربين :

أحدهما يصح التصرف فيه من غير تعريف ، وهو على ضربين : مضمون وغير مضمون ، فالمضمون ما يخاف فساده بالتعريف مما تزيد قيمته على درهم كالأطعمة ، وغير المضمون ما نقصت قيمته عن درهم من جميع اللقطة ، وما يوجد في الملك المتوارث والمباح والدارس في الديار المجهولة(1) من الكنوز وشبهها.

والثاني يجب تعريفه وضمانه وهو على ضروب : منها أن يكون مما يصح بقاؤه ولا يفسد بطول المكث(2) كالذهب والفضة وسائر العروض ، فيجب تعريفه سنة كاملة في أيام الجمع والأعياد والمواسم والأسواق ، فإن جاء صاحبه

__________________

(1) في بعض النسخ : المهجورة المجهولة.

(2) في بعض النسخ هكذا : بطول المكث والوسم.


رده عليه والا فلاقطه بالخيار بين أن يتصرف فيه ويضمن المثل دون الربح ، أو يتصدق به عن صاحبه ، أو يعزله انتظارا للتمكن منه وهو أحوط الأمرين.

فإن هلك في مدة التعريف من غير تعد فلا ضمان عليه ، وان كان هلاكه لتعد أو بعد ما تصرف فيه من غير تعريف فهو ضامن.

وإذا حضر صاحب اللقطة وقد تصرف فيها الملتقط فعليه رد مثلها أو قيمتها ان كان تصرفه بعد التعريف ، وان كان قبله رد معها ما أفادت من ربح فان كان قد تصدق بها فهو بالخيار بين إمضاء الصدقة وله ثوابها وبين الرجوع عليه بها ويكون ثواب الصدقة له دونه.

فان كانت اللقطة حيوانا عرفها ثلاثا فان جاء صاحبها ، والا رفع خبرها الى سلطان الإسلام لينفق عليها من بيت المال ، فان تعذر ذلك فهو بالخيار بين الإنفاق عليها متبرعا أو محتسبا على صاحبها وبين بيعها وعزل ثمنها لصاحبها.

وإذا ملك الطائر جناحه فهو حل لمن صاده من غير تعريف.

ومن وجد شيئا في دار انتقلت اليه من غيره ببيع أو غيره فعليه تعريفه منه فان عرفه رده عليه والا تصرف فيه.

ومن وجد شيئا في داره(1) أو صندوقه أو بيته لا يعرفه وكان هناك متصرف غيره في الدار أو البيت أو الصندوق عرفه منه فان عرفه أعطاه والا تصرف فيه ، وان كان التصرف مختصا به فهو له.

وإذا سيب المرء دابته لجهدها في أرض لا كلاء فيها ، فهي لمن التقطها وان كانت في أرض ذات ماء وكلاء فهي لا يحل التقاطها على ما سلف بيانه وحكمه(2) .

ولقطة العبد والأمة متعلق بالمالك ، وما يلتقطه المحجور عليه لوليه.

__________________

(1) كان في النسخ : في ذلك ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : وحكم لقطة العبد.


فصل في عقد البيع وشروط صحته وأحكامه

البيع عقد يقتضي استحقاق التصرف في المبيع والثمن وتسليمهما ، وتفتقر صحته الى شروط ثمانية : صحة الولاية في المبيعين ، وتعيينهما بالصفة أو المبلغ أو بهما ، وتعيين الأجل في المؤجل ، وإمكان التسليم ، وقول يقتضي إيجابا من البائع وقبولا من المبتاع ، وافتراق عن مجلس العقد بالأبدان ، وحصول ذلك عن إيثار ، ووقوعه على أمر يسوغ.

واعتبرنا صحة الولاية لتأثير حصولها بثبوت الملك أو الاذن وصحة الرأي ( كذا ) في صحة العقد وعدم ذلك في فساده.

واعتبرنا التعيين بالوصف أو المقدار لفساد العقد على المجهول.

واعتبرنا تعيين الأجل لفساده مؤجلا بما لا يتحدد.

واعتبرنا إمكان التسليم لفساد بيع ما لا يمكن تسليمه كالطير في الجو والسمك في الماء وأمثال ذلك من بيع الغرر.

واشترطنا الإيجاب والقبول لخروجه من دونهما عن حكم البيع.

واعتبرنا الافتراق بالأبدان لوقوف مضيه عليه.

واعتبرنا الإيثار لفساد بيع الإكراه.

واعتبرنا وقوعه على الوجه المشروع احترازا من بيع المحرم أو ابتياعه


بالمحرم(1) والمحلل وعقود الربا والعقود الفاسدة.

فإن اختل شرط من هذه لم ينعقد البيع ولم يستحق التسليم ، وان جاز التصرف مع اختلال بعضها للراضى(2) دون عقد البيع ، ويصح معه الرجوع.

وإذا تكاملت الشروط صح العقد وان لم يتقابضا ، واقتضت صحته تسليم المبيع في الحال ان كان العقد مطلقا من التأجيل ، فان امتنع البائع من تسليم المبيع حتى هلك فهو من ماله ويرد ما قبضه من الثمن ، وان امتنع المبتاع من قبض المبيع أو رضي بتركه عند البائع فهلاكه من ماله ، فان شفع ( كذا ) إلى البائع في إنظاره بالثمن وقتا معينا فأجابه فهو من ماله دون البائع.

وان لم يعين وقتا فعلى البائع الصبر عليه ثلاثا ثم هو بالخيار بعدهن بين الفسخ ومطالبة الثمن ، فان هلك المبيع في مدة الثلاثة الأيام فهو من مال المبتاع وبعدهن من مال البائع.

وان اقترن بالعقد شرط الخيار فالعقد صحيح ولمشرط ( كذا ) الخيار في مدته فان لم يعين مدة فله الخيار ثلاثة أيام حسب.

والخيار في جميع الحيوان ثلاثة أيام ، اشترط أو لم يشترط ، وفي الأمة مدة استبرائها ، فإن هلك المبيع في مدة الخيار فهو من مال البائع الا أن يحدث المبتاع فيه حدثا يدل على الرضا ، فيبطل الخيار ويكون هلاكه من ماله.

وإذا تصرف مستحق الخيار في المبيع بغير اذن البائع بطل حكم الخيار.

وإذا وقع العقد بشرط حكم البائع أو المبتاع في الثمن فالعقد فاسد ، وان تراضيا فحكم المبتاع بالقيمة فما فوقها أو حكم البائع بالقيمة فما دونها مضى ما حكما به ، وان حكم المبتاع بأقل والبائع بأكثر منها لم يمض حكمهما.

__________________

(1) في بعض النسخ : بالمحرم أو المحلل.

(2) للتراضي.


وإذا اقترن العقد باستثناء لبعض ما تناوله معينا كالشاة الا رأسها أو جلدها أو ربعها ( كذا ) ، والشجر الا الشجرة الفلانية مضى العقد فيما عدا المستثنى ، وان كان مجهولا فالبيع فاسد.

وإذا اشترط البائع أو المبتاع في العقد شيئا معلوما يمكن تسليمه كبيع ثوب على أن يخيطه أو يصبغه ، أو غزل على أن ينسجه ، أو جلد على أن يعلمه حقا(1) أو شرط عليه صفة مخصوصة طول كذا أو عرض كذا أو سلك كذا ، أو شرط ان يبيعه شيئا أو يبتاع منه أو يسلفه أو يستسلف منه فالعقد ماض والشرط ثابت.

وان شرط ما لا يمكن تسليمه كالرطب على أن يصير تمرا ، والحصرم على أن يصير زبيبا أو عنبا ، والزرع على أن يسنبل ، وكثوب من غزل امرأة بعينها ، أو حنطة من أرض بعينها ، وزيت من شجر معين فالعقد فاسد.

وان وقع العقد على ما تصح فيه الولاية وما لا يصح ، فالبيع ماض فيما يصح بيعه وفاسد فيما لا يصح ذلك فيه.

ومن شرط صحة بيع الحاضر اعتبار حال ما يمكن اعتباره ومعرفة مقداره بكيل أو وزن أو عدا أو ذرع أو شم أو ذوق أو مشاهدة وتقليب ، ولا يصح من دون ذلك ، وان تعذر الاختبار الا بالفساد كالبيض والجوز والبطيخ وأشباه ذلك فالبيع ماض بشرط الصحة أو البراء من العيوب ، فان خرج ما لم يبرء اليه منه معيبا فله رد الجميع أو أرش المعيب أو الرضا به ، دون رد المعيب(2) خاصة

وان كان المبيع(3) غائبا أو مشدودا في وعاء جاز بيعه موصوفا بما يختصه ، فان وجد على الصفة فالبيع ماض ، وان خالفها فالعقد فاسد.

__________________

(1) يعمله خفا. ظ.

(2) في بعض النسخ : العيب.

(3) في النسخ : المعيب ، والظاهر ما أثبتناه.


ويصح بيع الحيوان والثمار والعقار والأرضين موصوفا بشرط خيار الرؤية ويصح بيع ما استحق تسليمه قبل قبضه وينوب قبض الثاني عن الأول.

وإذا انعقد البيع ولم يتقابضا واختلفا في مقدار المبيع أو الثمن وفقدت البينة لزم كلا منهما ما أقر به وحلف على ما أنكره ، وفسخ البيع أولى.

ومن ابتاع شيئا بثمن معلوم غير متعين فنقده من مال حرام فالبيع ماض والمبيع مستحق ، وتصرفه في المال قبيح ، ولا يحل للبائع مع العلم به قبضه ، وان علم به بعد قبضه فعليه رده ومطالبته بثمن مبيعه من مال حل ، وان وقع العقد على عين المال المحرم فهو فاسد ، وكذلك القول في المبيع المحرم وإذا وقع العقد فاسدا على وجهه(1) يحرم معه التصرف حكم بفسخه والرجوع(2) على كل منهما بما قبض ، وان كان مع كون العقد فاسدا مما يصح التصرف فيه للتراضي فلكل منهما الرجوع بعين ما رضي بتسليمه خاصة ، فإن هلكت العين في يد أحدهما لم يصح الرجوع.

وإذا وقع العقد على متاع متعين فلم يقبضه المبتاع حتى هلك بعضه أو حدث فيه عيب فهو بالخيار بين رد الجميع ، وبين قبض السليم واسترجاع ثمن الهالك بحساب البيع ، وبين مطالبته بقيمة يوم طالبه فامتنع من التسليم وبين أرش المعيب.

فان هلك جملة المبيع لم يكن له الا ما نقد من الثمن. فان كان لتعد من البائع أو لمنع واجب فالمبتاع بالخيار بين المطالبة بما نقد ، وبين قيمة يوم استحق تسليمه. فان كان تأخيره من قبل المبتاع فهلاكه ونقصه من ماله.

__________________

(1) على وجه.

(2) كذا في بعض النسخ.


ولا يصح البيع على من لا يولي على مثله إلا باذنه ، وسكوته ليس بإذن يعتد به.

ولا يصح بيع الثمار سنة واحدة حتى يبدو صلاحها ، ويجوز ذلك سنتين فما زاد ، ولا يجوز بيع الثمرة في رءوس الشجر بكيل ولا وزن منها ، ولا بيع الزرع بكيل ولا وزن ، ويصح ذلك بالعين والورق ، ولا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم ولا اللبن في ضروع الانعام ، ويجوز ذلك أرطالا مسماة ، ويجوز أن يستثني البائع من الثمرة أرطالا مسماة.

ومن باع نخلا قد وبر أو شجرا قد أثمر أو أرضا فيها زرع أو نبات ، فحمل النخل والشجر والزرع والنبات خارج عن البيع الا أن يشترطه المبتاع.

ولا يصح أن يبتاع المرء من تحرم عليه مناكحته من ذوي نسبه ومتى يفعل يعتقوا عليه عند مضى عقد ابتياعهم.

ومن ابتاع أمة حاملا أو حيوانا حاملا فحمله خارج عن البيع(1) ، ولا يصح بيع الآبق الا أن يكون معه شي‌ء آخر ، ومن ابتاع عبدا أو أمة ومعه مال فهو للبائع الا أن يشترطه في عقد البيع فيكون له ، وكذلك حكم ما يصاحب مبيع(2) سائر الحيوان من الأداة والدثار ( الآثار ـ خ ).

ويجوز ابتياع ما سباه الظالمون من الرقيق ويحل وطؤه بملك اليمين.

وإذا ابتاع رقيقا من سوق المسلمين فادعى الحرية لم تسمع دعواه ، الا أن تقوم بينة فيفسخ العقد ويرجع بالدرك.

ومطلق العقد يقتضي التعجيل في المبيعين ، والتأجيل موقوف على الاشتراط

__________________

(1) المبيع.

(2) مع. ظ.


وهو مختص بمبيع العين والورق ، وتحديد الأجل بزمان معين ، ومضى(1) العقد يقتضي تسليم المعجل منهما وتأخير المؤجل وتسليمه عند حلول أجله سواء كان التأجيل مشروطا في المبيع أو الثمن ، وإذا حل الأجل ولم يكن عنده عين ما عقد عليه فعليه إحضاره ، ويصح اقامة العوض عنه من غير جنسه ، ولا يجوز له ابتياعه من مستحقه عليه بمثل ما باعه منه في الجنس ولا بزيادة عليه نقدا ولا نسية ولا نقله الى سلف آخر ، ويجوز له ابتياعه بغير ما قبضه منه نقدا ، ويجوز تقديم المؤخر عن أجله بشرط النقص منه ، ولا يجوز تأخيره عنه بشرط الزيادة فيه.

وتعلق البيع بأجلين إلى مدة كذا بكذا أو الى ما زاد عليها بكذا ، وبأجل واحد غير محدود كقدوم الحاج وقدوم القافلة وبلوغ الغلات يقتضي فساده. ودخول التأجيل في بيع العروض بعض ببعض والعين بالعين والورق بالورق والورق بالعين وسائر ما يكال ويوزن يقتضي فساد العقد وتحريم التصرف لكونه ربا.

ولا يجوز التفاضل بين متماثل ما يكال ويوزن وان اختلفت عليه الأسماء كاللبن والسمن والجبن ، والعنب والزبيب ، والرطب والتمر والبسر ، والحنطة والدقيق والخبز ، كالذهب بالذهب والفضة بالفضة والنحاس بالنحاس والحنطة بالحنطة أو الشعير والأرز بالارز والزيت بالزيت وأشباه ذلك ، ويجوز بين مختلفيه كالعين بالورق والحنطة بالذرة وأمثال ذلك ، وكذلك حكم العروض والحيوان ، بيع الفاضل جائز فيه سواء اتفق الجنس أم اختلف كثوب بثوبين ودار بدارين وفرس بفرسين.

ولا يجوز بيع ما يكال ويوزن في غير السلم الا يد بيد ، ويجوز في غيرهما

__________________

(1) مقتضى.


من سائر المبيعات بالعين والورق تأخير تسليم المبيع أو الثمن.

ولا يجوز لمن أسلم في متاع إلى أجل أن يبيعه من مستسلمه ولا غيره قبل حلول أجله ، فإذا حل جاز بيعه منه بمثل ما نقد وأكثر منه من غير جنسه ، ومن غير المستسلم بمثل ذلك وأكثر من ذلك من جنسه وغيره.

ومقتضى العقد المطلق يوجب تسليم المبيع صحيحا والثمن جيدا فان ظهر عيب وأحدهما(1) فللمبتاع الرد والأرش ، فإن كان العيب في بعض المبيع فله أرشه أو رد الجميع وليس له رد المعيب خاصة ، وان كان العيب ببعض الثمن أو جميعه فللبائع بدل الردى ، وليس له الفسخ.

وإذا بري‌ء أحدهما من العيوب إلى الأخر فلا درك يلزمه لما يوجد من عيب ، وتعيين العيوب في بيع البر(2) أحوط.

وإذا علم البائع بالعيب في النقد ورضي به لم يكن له يد(3) منه ، وإذا علم المبتاع بالعيب في المبيع جاز له أن يمضي البيع ويطلب الأرش ، ولا يكون تصرفه دلالة الرضا بالعيب ، وانما هو دلالة الرضا بالبيع ، وإذا رضي بالبيع والعيب لم يكن له رد ولا أرش.

وحكم الحيوان في العيوب حكم العروض ، ويرد العبد والأمة بالجنون والجذام والبرص إلى مدة سنة ، فان وطئ الأمة لم يجز ردها بشي‌ء من العيوب وله الأرش إلا الحبل فإنها ترد بعد الوطء ويرد معها عشر قيمتها ، فان كان الوطؤ بعد علمه بالحمل ورضاه بالبيع لم يكن له رد وله الأرش.

ويجوز ابتياع أبعاض الحيوان كسائر العروض وإذا ابتاع اثنان أو أكثر من ذلك حيوانا أو متاعا فظهر به عيب فأراد أحدهما الرد والأخر الأرش

__________________

(1) في أحدهما. ظ.

(2) البرء.

(3) بدل. ظ.


لم يكن لهما إلا أحد الأمرين.

وبيع المرابحة مفتقر الى ثبوت العقد وتعيين ما وقع عليه من الثمن بصفته وتعليق الربح بعين المبيع دون ثمنه ، فان كان العقد بعين لم يجز له أن يخبر بورق وان نقد ورقا ، وان كان بورق لم يجز له ان يخبر بعين وان كان ما نقده عينا ، وإذا قوم التاجر المتاع على الواسطة ان كان بيعا منجزا جاز له تخبير(1) الشرى وان كان موقوفا لم يجز له تخبير(2) الشرى.

ولا يجوز بيع المرابحة بالنسبة إلى الثمن كقوله : أربح عليك في كل عشرة دراهم من ثمنه درهما أو درهمين ، وانما يصح بيع المرابحة بأن يخبر بجملة الثمن ويربح في عين(3) المبيع. ومن ابتاع متاعا بثمن مؤجل لم يجز بيعه مرابحة حتى يبين كيفية ما وقع العقد به.

ومن حفر بئرا أو قناتا أو نهرا أو كان شريكا في شي‌ء من ذلك جاز له بيع ما يستحقه منه وبعضه كسائر المملوكات ، وكذلك حكم ما يتناوله من الماء المباح وغيره ، لأنه بالحيازة صار ملكا. ويصح بيع ما تنبته أرضه من الكلاء واباحة الغير التصرف فيه بنفسه أو أنعامه كل شهر أو كل سنة بشي‌ء معلوم.

ويصح بيع ما ليس عند البائع ويلزم بعد مضي العقد إحضاره.

ومن ابتاع غصبا يعلمه كذلك فعليه رده الى المالك ولا درك له على الغاصب ، وان لم يعلمه فللمالك انتزاعه منه ويرجع هو بالدرك على من باع ، فان هلك قبل ثبوت استحقاقه رجع على الغاصب بقيمته ، وان كان المغصوب أرضا أو دارا فبنى المبتاع فيها أو غرس فله أعيان ما وقع البناء به من الآلات ونفس

__________________

(1) تخيير.

(2) تخيير.

(3) في المختلف : في غير المبيع.


الغرس ، فان كان ذلك من جملة المغصوب لم يرجع على المالك بشي‌ء منه ، ويرجع على الغاصب بما لزمه من غرامة البناء والغرس وثمن المبيع ان كان جاهلا بالغصب ، وان كان عالما لم يرجع بشي‌ء ، وعليه أجر المسكن والأرض لمدة تصرفه وما نقص بالبناء والغرس من قيمة المسكن والأرض.

ومن قال لغيره : ابتع لي متاعا أو حيوانا على أن أربحك فيه كذا وأرضيك في الربح فابتاع ما سأله فيه لم ينعقد بينهما بيع ، وكان له بيعه منه بما شرطه وهو أفضله وبيعه من غيره.

ويكره لمن سأله غيره ان يبتاع له متاعا أن يبيعه من عنده ، أو يبتاع منه ما سأله بيعه له ، وليس بمحرم.

ويكره تلقى الركبان لابتياع ما يجلبونه الى المصر خارج المصر إلى مسافة أربعة فراسخ فما دونها ، ولا تلقى فيما زاد عليها ، وليس بمحرم.

ولا يحل لأحد أن يحتكر شيئا من أقوات الناس مع الحاجة الظاهرة إليها ، وإذا فعل خوطب ( كذا ) في إخراجها إلى أسواق المسلمين ، فان امتنع اكره على ذلك ، وان كانت الغلاة كثيرة جاز حرسها(1) رجاء للربح فيها وان كان الاولى تجنب ذلك.

ويكره احتكار ما عدا الأقوات من المطعومات.

ويستحب لذوي الأقوات في زمان القحط إخراجها إلى أسواق المسلمين ومشاركتهم في الاقتيات مما يقتاتونه.

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : خزنها ، وفي بعضها : حرثها.


فصل في الشفعة

الشفعة استحقاق الشريك في المبيع تسليمه على المبتاع بمثل ما نفد ، وانما يثبت حقها بشروط :

منها كون المبيع سهما من اثنين ، ومشاعا بالاختلاط أو الشرب أو الطريق ، وان يكون الشفيع مسلما ، أو يتساوى رأى الشفيع والمبتاع ، ولا يسقط حق المطالبة الا أن(1) يعجز الشفيع عن الثمن ، وان يكون جملة السهم مبيعا ، والثمن معلوم القدر أو القيمة ، وان يمضي العقد.

فمتى اختل شرط لم تثبت شفعته ، وان كان السهم المبيع سهم شريك من ثلاثة فما زاد فلا شفعة لواحد منهم ولا جميعهم ، وان انتقل سهم الشريك عن ملكه بهبة أو صدقة أو مهر زوج الى غير ذلك مما ليس ببيع فلا شفعة فيه ، وان كان المبتاع مسلما والشريك كافرا فلا شفعة له عليه ، وان علم بالبيع وأسقط حق المطالبة بطلت الشفعة ، وان طالبه المبتاع بإحضار مثل ما نقد فمضت ثلاثة أيام ولما يحضره من المصر بطلت الشفعة ، وان ادعى إحضاره من غير المصر وجب الصبر عليه بمقدار مضيه اليه وعوده وزيادة ثلاثة أيام ثم لا شفعة له ، وان وهبه بعض السهم أو صدق به أو مهره وباعه الباقي بطلت فيه الشفعة ،

__________________

(1) ولا يسقط حق المطالبة ، وأن لا يعجز الشفيع عن الثمن. ظ.


وان وقع البيع على غير معلوم القيمة كالسيف والفص(1) والفرس المفقودي العين مضى البيع وبطلت الشفعة.

والشفعة مستحقة على المبتاع دون البائع ، وعلى الشفيع أن ينقده مثل ما نقد البائع ويكتب عليه(2) ويضمنه الدرك ويضمن هو للبائع.

وإذا اختلف المتبايعان والشفيع في مبلغ الثمن وفقدت البينة فالقول قول المبتاع مع يمينه.

وإذا كان الشريك غائبا فله المطالبة بالشفعة متى حضر ، وان كان صغيرا أو مأوف العقل فلوليه أو الناظر في أمور المسلمين المطالبة ، فان لم يفعل فللصغير إذا بلغ والمأوف إذا عقل المطالبة بالشفعة.

وإذا استهدم المبيع أو هدمه المبتاع من غير علم بالمطالبة فليس للشفيع إلا الأرض والآلات ، وان هدمه بعد المطالبة فعليه رده الى أصله ، وان أحدث فيه شيئا يزيد في قيمته فهو له يأخذه بعينه أو قيمته.

والشفعة مستحقة في جميع المبيعات من العروض والحيوان كالرباع والأرضين.

__________________

(1) كذا في بعض النسخ ، وفي بعضها الأخر : القص.

(2) كذا في النسخ.


فصل في القيمة والأرش والدية والغنيمة

قيمة المتلف وأرش الجناية ودية النفس والعضو والجراح وغنم من يحق جهاده جهات لاستحقاق التصرف ، فأما المغنم فقد سلف بيانه ، واما القيمة والأرش والدية فسيرد بيان أحكامها وجهات استحقاقها وكيفيته في أبوابها.

فصل في السكنى والرقبى والعمرى

إسكان المرء غيره ورقباه وتعميره وجوه يحسن لها التصرف ، وكل من ذلك على ضربين : أحدهما يصح الرجوع فيه وهو ما يفعل تكرما أو لبعض الأغراض الدنيوية ، والثاني لا يصح الرجوع فيه وهو ما يفعل لوجه الله تعالى.

والسكنى أن يسكن المالك غيره في داره مدة معلومة بغير أجر فإذا انقضت المدة رجعت الدار اليه.

والرقبى أن يسكنه فيها مدة حياته ، فاذا مات المالك انتقلت الى ورثته ، فان شاءوا أقروا المراقب على الرقبى وان شاءوا فسخوا.

والعمرى أن يسكنه فيها بغير أجر طول عمرة ، فإذا مات المعمر والمالك حي رجعت اليه ، وان مات قبل المعمر لم ينفسخ التعمير حتى يموت هو ،


فرجع الدار إلى ورثة المعمر.

وهذا الحكم في السكنى والرقبى والعمرى مختص بما يقصد به وجه الله تعالى. ومن شرطه أن يتعلق بذي رحم أو من يصح القربة بمعونته من المسلمين ، وما عدا ذلك يجوز فسخه أي وقت شاء المالك أو من يقوم مقامه من الورثة.

ويصح مثل ذلك في الأراضي وكل ما يصح الانتفاع به من العروض والحيوان تكرما ولبعض الأغراض الدنيوية ، ولوجه الله تعالى ، بحيث يصح ذلك فيه ، وحكم الفسخ والإمضاء ما تقدم في المساكن.

فصل في الوصية

قد بينا في كتاب العبادات(1) وجوب الوصية ودخولها في جملة ما ابتدأ الله تعالى التعبد به كغيره ، وكيفية الوصية ، وما يفتقر اليه من إشهاد وقيم بها ، وما يجب أن تكون عليه من الصفة ، وما معه تصح وتفسد ، لدخولها في العبادات وذكرناها هاهنا لكونها سببا مبيحا للتصرف بما هي وصية به من مال الموصى.

وهي ماضية في الصحة والمرض مع سلامة الرأي ، لوارث وغيره ، ولا يمضى من وصية من لم يبلغ عشر سنين والمحجور عليه الا ما تعلق بأبواب البر ، وإذا أوصى لكافر لا رحم بينه وبينه على جهة الصدقة الواجبة أو المسنونة لم تمض الوصية ، وان كان ذا رحم مضت إذا كان تبرعا(2) بصلته ، ولا تمضي الواجبة بحال ، وان أطلق الوصية للكافر الأجنبي ولم يجعلها صدقة أو صرح بكونها مكافأة على مكرمة دنيوية أو مبتدئا بها فهي ماضية.

ولا تمضى وصية من جرح نفسه أو فعل بها ما تلف لأجله بعد حدثه ، وتمضى

__________________

(1) راجع ص 234 : فصل في الوصايا.

(2) كذا في النسخ ، والظاهر : متبرعا.


إذا كانت قبل الحدث.

وإذا أوصى لغيره بصندوق مقفل أو جراب مشدود أو كيس مختوم أو سفينة فيها غلة فالوعاء وما فيه للموصى له الا أن يستثنيه أو يزيد ما فيه على الثلث فتكون الزيادة ميراثا.

وتمضى الوصية للحمل فان ولد حيا فهي له ، وان مات بعد الاستهلال فلورثته ، وان ولد ميتا فهي ميراث.

وإذا أوصى بعتق عبده بعد موته أو أوصى له بثلث ماله وكانت قيمة العبد الثلث فما دونه عتق واعطى ما يفضل له عن قيمته من الثلث ، وان كانت قيمته أكثر عتق منه بحساب ثلث التركة واستسعى في الباقي.

وإذا أوصى بعتق واحد من عبيده أو اثنين أو أكثر من ذلك أو ربعهم أو ثلثهم ولم يعين أعتق المبلغ المذكور في الوصية بالقرعة.

وإذا أوصى بحجة أو دين أو كفارة أو مال زكاة أو خمس أو نفل أو غير ذلك من الحقوق الواجبة عليه في حياته فهي من أصل التركة ، وان كان متبرعا بشي‌ء من ذلك فهي من الثلث.

وإذا أوصى بثلث ماله في عدة أبواب من البر فلكل باب منها مثل ما للآخر الا أن يشترط ترجيحا فيحكم به.

وإذا أوصى لجماعة بأقساط مسماة لكل منهم فلم يف الثلث بما سمى به(1) وكان قد رتبهم في التسمية فليبدأ بالأول ثم الثاني حتى ينتهي إلى تكميل الثلث فان لم يرتبهم كان قال : أعطوا كل واحد من هؤلاء ـ وأشار الى جماعة معينة ـ مائة درهم فهم متساوون في الثلث.

وإذا أوصى الى غيره وهو حاضر فقبل الوصية لم يجز له الرجوع ، وان

__________________

(1) في بعض النسخ : بما يسمى.


أباها لم يلزمه القيام بها ، وان كان غائبا فبلغه استنادها اليه والموصى حي فهو بالخيار في قبولها وردها ، وان لم يبلغه حتى مات الموصى أو أباها في حياته ولم يبلغ الموصى فالقيام بها لازم له.

وإذا كان الوصي ضعيفا فعلى الناظر في مصالح المسلمين أن يعضده بمأمون قوى ولا يعزله ، وان كانا اثنين فما زاد لم يجز لأحدهم التفرد بشي‌ء من النظر الا أن يجعل ذلك له الموصي ، فإن تشاحوا رد الناظر في المصالح الأمر في التنفيذ الى أعلمهم به وأقواهم فيه وجعل الباقين تبعا له.

ولا يجوز للوصي أن يوصي الى غيره الا أن يجعل له الموصي ، فان مات الوصي فعلى الناظر في المصالح رد القيام بما كان إليه الى من يراه أهلا لذلك.

وإذا مات الموصى له والموصي حي لم يغير الوصية ثم مات بعده لم تنتقض الوصية ، وان رجع الموصي فيها بعد موت الموصى له بطلت.

وللموصي ما دام حيا تغيير الوصية بالزيادة والنقصان وتغيير الشروط والأوصياء ، ولا يجوز ذلك لأحد بعد وفاته ، وإذا فقد الناظر العادل فلفقهاء الحق المأمونين النظر في ذلك إذا تمكنوا ، وإذا فقد التمكن سقط فرض ذلك عنهم.


فصل في الإرث

الإرث سبب لاستحقاق الوارث مال الموروث ، وهذا التكليف يقتضي العلم بمسائل ستة : أولها الأسباب التي يستحق بها الإرث ، وثانيها الأسباب المانعة منه ، وثالثها مقادير سهامه ، ورابعها مراتب التوريث ، وخامسها كيفية سهام الوارث ، وسادسها قسمة سهامهم.

الباب الأول

الأسباب التي يستحق بها الإرث نسب وزوجية وولاء وفرض طاعة.

وأصل النسب ـ وان تفرع ـ ( كذا ) الأبوان ، والمستحق به مفصل ومجمل ، ويترتب بحسبه في القرب والبعد.

والزوجية مختص بنكاح الغبطة ، وما يستحق بها مفصل بالنص وان يترتب بوجود الولد وفقده.

والولاء موجب عن العتق تبرعا ، أو قبوله عن الحر.

وفرض الطاعة مختص بإمام الملةعليه‌السلام .

الباب الثاني

الأسباب المانعة من الإرث : كفر وان اختلفت جهاته بوثنية أو مجوسية


أو صائبة أو يهودية أو نصرانية أو ثنوية أو تشبيه أو جبر أو كفر بفرض يعم ، أو رق ، أو قتل الموروث عمدا.

الباب الثالث

السهام الستة :

الثلثان وهو سهم الأب مع الام ، والابنتين ، والأختين للأب فما زاد عليهما.

والنصف وهو سهم الزوج مع عدم الولد ، والبنت ، والأخت للأب.

والثلث وهو سهم الام مع عدم الولد والاخوة ، والاثنين فما زاد من كلالة الأم.

والربع وهو سهم الزوج مع وجود الولد ، والزوجة مع عدمه.

والسدس وهو سهم كل واحد من الأبوين مع الولد ، وواحد الاخوة والأجداد من قبل الام.

والثمن وهو سهم الزوجة مع الولد.

الباب الرابع

رتب التوريث وهي خمس :

أولها الأبوان والولد ، لا يرث مع جميعهم ولا واحدهم أحد ممن عداهم من ذوي الأنساب ، ويقوم ولد الولد وان هبطوا مقام آبائهم وأمهاتهم الأدنين في استحقاق كل منهم ميراث من تقرب به ومشاركته للآباء في الإرث وحجبهم عن أعلى السهمين إلى أدناهما ومنع من عداهم من الأقارب.

والرتبة الثانية الاخوة والأخوات والأجداد والجدات ، واستحقاقهم


الإرث موقوف على عدم الرتبة الأولى جملة ، ولا يرث مع جميعهم ولا واحدهم أحد ممن عداهم من ذوي الأنساب ، ويقوم ولد الاخوة وان هبطوا مقام آبائهم وأمهاتهم في استحقاق كل منهم ميراث من تقرب به ومشاركة الأجداد ومنع من حجبه آبائهم الأدنون عن الإرث.

والرتبة الثالثة الأعمام والعمات والأخوال والخالات ، واستحقاقهم موقوف على عدم ذوي الرتبتين الأولة والثانية وآحادهم ، ويقوم أولاد كل منهم مقام أبيه أو امه ، والأقرب من أهل هذه الرتب الثلاث أولى بالإرث ممن بعد ( كذا ) ، فالولد الأدنى أحق من ولد الولد وان كان الأدنى بنتا والأبعد ابن ابن ، وبنت البنت أولى بالإرث من ابن ابن الابن ، والأخت للأم أحق من ابن الأخ للأب والام ، وابن الأخت للأم أحق من ابن ابن الأخ للأب والام ، والعمة والخالة أحق من ابن العم ، وبنت العمة والخالة أحق من ابن ابن العم وبنت بنت العمة.

ثم على هذا التنزيل لا يختلف حال التوريث إلا في ابن عم لأب وأم وعم لأب في توريث ابن العم دونه.

والإرث بالزوجة ثابت مع جميع الرتب فلذلك لم نفرده بترتيب.

والرتبة الرابعة ميراث المولى وهو مستحق بشرط عدم ذوي الأنساب الدانية والقاصية ، أو ما يفضل عن إرث الزوجة وهو مختص بذوي الولاء وعصبته.

والرتبة الخامسة ميراث سلطان الإسلام وهو مستحق بشرط عدم ذوي الأنساب والولاء و ( كذا ) ما يفضل عن حق الزوجة.


الباب الخامس

أول المستحقين الأبوان والولد :

للأبوين منفردين المال كله ، للام الثلث وللأب الثلثان ، ولأحدهما المال كله بالتسمية والرد ، وان كان معهما زوج أو زوجة فللزوج النصف وللزوجة الربع والباقي له(1) ، وان كانا معا فللزوج سهمه وللزوجة فرضها وللام الثلث من الأصل والباقي للأب ، فإن كان هناك أخوان أو أربع أخوات أو أخ واختان للأب أو لأب وأم فللأم السدس وللزوجة أو الزوج فرضه والباقي للأب وان لم يكن هناك زوجية(2) فالباقي للأب ، فإن كان معهما أو أحدهما ولد ذكر أو أنثى واحدا وجماعة فلهما السدسان ولأحدهما السدس والباقي لواحد الولد الذكر أو جماعتهم ، أو ولده وان سفل ، وان كانت بنتا فلها النصف والباقي رد عليها وعلى الأبوين أو أحدهما بحساب السهام ، وان كانت ابنتان فما زاد فلهما الثلثان وللأبوين السدسان ولأحدهما السدس والباقي رد عليهم بحساب السهام ، فان كان مع الأبوين والبنت اخوة يحجبون الام اختص الرد بالأب والبنت ، وان كان مع الأبوين أو أحدهما والولد زوج أو زوجة فللزوج الربع وللزوجة الثمن وللأبوين السدسان ولأحدهما السدس وللولد الذكر والأنثيين فما زاد عليهما ما يبقى وللبنت النصف فان فضل شي‌ء فهو رد عليهما(3) وعلى الأبوين أو أحدهما وان لم يف الباقي بالمسمى للبنت أو الابنتين لم يكن لهن غيره.

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) كذا.

(3) كذا.


وللولد إذا انفرد من الأبوين ذكرا كان أو أنثى واحدا أم جماعة المال كله يتساوى الذكور فيه والإناث ، فإن كانوا ذكورا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين ، وان كان مع الولد زوج أو زوجة فله الربع ولها الثمن والباقي للولد بحسب فرائضهم.

وولد الصلب الأدنى أحق بالإرث من ولد الولد وان كان الأدنى بنتا والأبعد ابن ابن.

وإذا فقد الولد الأدنى قام ولد الولد مقامه في حجب الأبوين والزوجين عن أعلى الفرضين الى أدناها ، وورث كل منهم ميراث من تقرب به كابن بنت وبنت ابن لبنت الابن الثلثان ميراث أبيها ولابن البنت الثلث ميراث امه ، فان كان ولد البنت أو الابن جماعة فلكل منهم ميراث من تقرب به بينهم بالسوية ان كانوا ذكرانا أو إناثا ، وان كانوا ذكرانا وإناثا فللذكر مثل حظ الأنثيين.

ولا يرث من بعد عن الموروث من أهل هذه الرتب الثلاث برتبتين مع من هو أدنى منه برتبة ولا ذو الرتب الثلاث مع ذي الرتبتين ، هكذا أبدا لا يختلف الحكم فيه.

ومن السنة ان يحبى الأكبر من ولد الموروث بسيفه ومصحفه وخاتمه وثياب مصلاه دون سائر الورثة ويقسم الباقي.

وثاني المستحقين الاخوة والأخوات والأجداد والجدات ، فلواحدهم إذا انفرد المال كله.

وان انفرد بالإرث إخوة الأم والجد والجدة لها فلهم جميع الإرث بينهم بالسوية الذكر والأنثى فيه سواء.

وحكم الجد والجدة معهم كحكمهم في الاستحقاق وكيفيته.

فان كان معهم أخ لأب وأم أو أخت أو جماعة لهما أو للأب خاصة أو جد


أو جدة لأب فللاثنين من كلالة الأم فما زاد عليهما الثلث بينهم بالسوية ولواحدهم السدس أخا كان أم أختا جدا أم جدة والباقي لكلالة الأب أو الأب والام واحدا كان منهما أخا أم أختا ، جدا أم جدة ، أو جماعة بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، والجد كالأخ والجدة كالأخت.

ولا يرث أحد من إخوة الأب خاصة مع واحد إخوة الأب والام أخا كان أم أختا أم جماعة ، كان هناك كلالة أم أم لم يكن ، وانما يرثون مع كلالة الأم ومع فقدهم إذا انفردوا من واحد الإخوة للأب والام وجميعهم.

ويقوم ولد الاخوة بعد فقد آبائهم وان هبطوا في استحقاق الإرث ومقاسمة الأجداد ومنع من منعه الاخوة مقامهم ، يرث الواحد من ولد الأخ أو الأخت أو الجماعة ميراث أبيه أو امه ، للواحد جميع السهم وللجماعة من قبل الأب أو الأب والام للذكر مثل حظ الأنثيين ، ومن قبل الأم خاصة الذكر والأنثى سواء كآبائهم.

ولا يرث أحد من ولد الاخوة مع واحد الاخوة ولا جميعهم ، لا يرث ابن الأخ للأب والام مع الأخت للأم وولد الإخوة الأدنون أحق بالإرث ممن هبط عنهم بدرجة ، ثم هكذا ذو الرتبتين أولى من ذوي الثلاث وذو الثلاث أولى من ذي الأربع ، وان كان الأدنى ابن أخت لأم والأبعد ابن ابن أخ لأب وأم.

فإن كان مع أحد الكلالتين زوج أو زوجة فله النصف ولها الربع والباقي للكلالة بحسب فرائضهم المبينة ، وان اجتمع الكلالتان فللزوج أو الزوجة فرضه ولواحد كلالة الأم السدس وللاثنين فما زاد عليهما الثلث كاملا وما يبقى لكلالة الأب أو الأب والام واحدا كانوا أم جماعة يقسم بينهم بحسب ما فرض لهم.


وحكم ولد الاخوة مع الأزواج حكم آبائهم ، وحكم الأجداد والجدات وان علوا مع الاخوة حكم الأجداد الأدنين بشرط فقدهم ، ويترتبون في التوريث ترتب ولد الولد ، فلا يرث من علا بدرجتين مع الجد الأدنى ولا ذو الثلاث درج مع ذي الدرجتين هكذا أبدا إذا كانوا متساوين في الكلالة ، فإن اختلفوا لم يحجب بعضهم بعضا [ كما ] لا يحجب الجد الأدنى من قبل الأب أو الأم الأعلى من قبل الأم أو الأب.

وثالث المستحقين الأعمام والعمات والخؤلة والخالات ، لواحدهم إذا انفرد جميع المال عما كان أم عمة خالا أو خالة ، فإن انفرد بالإرث أحد الكلالتين فلهم جميع المال قسمة كلالة الأم الذكر والأنثى سواء وكلالة الأب للذكر سهمان وللأنثى سهم ، وان اجتمع الكلالتان فلواحد كلالة الأم خالا كان أو خالة ولجميعهم الثلث يتساوون فيه والباقي لكلالة الأب واحدا كان منها(1) عما أو عمة أو جماعة للذكر سهمان وللأنثى سهم.

فان اختلفت جهات أحد الكلالتين كعم أو عمة أو أعمام لأب ، وعم أو عمة أو أعمام لأم ، وعم أو عمة أو أعمام لأب وأم فلواحد الأعمام للأم السدس ولجميعهم الثلث والباقي لأعمام الأب والام واحدا كانوا أم جماعة دون أعمام الأب خاصة ، وكذلك القول في الأخوال المتفرقة.

فإن اجتمعت الأعمام المتفرقون مع الأخوال المتفرقين فللأخوال الثلث لأخوال الأم منه السدس والباقي لأخوال الأب والام دون أخوال الأب ، وللأعمام الثلثان لأعمام الأب منه السدس والباقي لأعمام الأب والام دون أعمام الأب.

ويقوم الأعمام إخوة الأب لأبيه خاصة مقام الأعمام إخوة الأب لأبيه وامه

__________________

(1) في بعض النسخ : منهما.


في مقاسمة الأعمام إخوة الأب لامه ، وكذلك القول في الأخوال وأى واحد وجد من الأعمام المختلفي الجهات قام مقام أى عم وجد في مقاسمة أي واحد وجد من الأخوال المختلفي الجهات.

ويرث الواحد من ولد العم أو العمة أو الخال أو الخالة والجماعة منهم ميراث أبيه أو امه بشرط فقدهم يتقاسمون مقاسمة آبائهم ، ذكور ولد الأخوال كإناثهم ، وذكور ولد الأعمام كالأعمام وإناثهم كالعمات ، ولا يرث أحد منهم مع وجود من هو أقرب منه ، لا يرث ابن العم مع الخالة ولا العمة ولا ذو الدرجتين مع ذي الدرجة الدنيا ولا ذو الثلاث درج مع ذي الدرجتين الا بحيث ذكرناه في مسألة ابن عم لأب وأم مع عم لأب.

ورابع المستحقين موالي النعمة وفرضهم مختص بوليها وعصبته من بعده بشرط فقد ذوي الأنساب ، فإن كان معه زوج أو زوجة فللزوج النصف بالتسمية والباقي رد عليه دون مولى النعمة ، وللزوجة الربع والباقي لمولى النعمة أو لعصبته ، وأولاهم الولد ثم الاخوة ثم الأعمام ثم بنوا العم الذكور منهم دون الإناث.

وخامس المستحقين سلطان الإسلام المفترض الطاعة على الأنام وفرضه ثابت بشرط عدم ذوي الأنساب والزوج ومولى النعمة ، وهو من جملة الأنفال فإن كانت هناك زوجة فلها الربع والباقي للإمام فان لم تكن زوجة فله المال كله.

ولا ترث الزوجة من رقاب الرباع والأرضين شيئا وترث من قيمة آلات الرباع من خشب وآجر كسائر الإرث.

ولا يرث الكافر المسلم وان اختلفت جهات كفره وقرب نسبه ، ويرث المسلم الكافر وان بعد نسبه كابن خال مسلم لموروث مسلم أو ( كذا ) كافر له ولد


كافر بيهودية أو نصرانية أو جبر أو تشبيه أو جحد نبوة أو امامة ، ميراثه لابن خاله المسلم دون ولده الكافر ، فان كان جميع ورثة المسلم كفارا بأحد أسباب الكفر فميراثه لمولى نعمته المسلم ، فان لم يكن له ولي نعمة فتركته لسلطان الإسلام.

وان كان الموروث كافرا ولا قرابة له من المسلمين وله قرابة أو مولى نعمة يضار عونه في الكفر ورثوه. وان كان للكافر أولاد أصاغر وقرابة مسلم أنفق عليهم من التركة حتى يبلغوا فإن أسلموا فلهم الميراث وان دانوا بالكفر فميراثه لقرابته المسلم دونه.

ويرث الكفار بعضهم بعضا وان اختلفت جهات كفرهم ما عدا كفار ملتنا فإنهم يرثون غيرهم من الكفار ولا يرثونهم.

ولا يرث القاتل مقتوله عمدا ، ويرثه ان كان القتل خطاء ما خرج عن الدية المستحقة عليه ، ويرثه ان كان قتله إياه بحق قصاص أو جهاد أو غير ذلك.

ولا يرث ولد الملاعنة ملاعن امه المصر على نفيه ولا من يتعلق بنسبه ولا يرثونه ومن يتعلق بنسبه ويرثه بعد الاعتراف به والرجوع عن نفيه ومن يتعلق بنسبه ، ولا يرثه الأب ولا من يتعلق بنسبه ، وترثه امه ومن يتعلق بنسبها ويرثهم على كل حال.

ويورث الخنثى وهو ذو الفرجين بحسب المبال ومن لا فرج له بالقرعة.

ويرث المكاتب بحسب ما عتق منه ، وإذا عتق المملوك أو أسلم الكافر قبل القسمة ورث ، وبعدها لا يرث وإذا لم يكن للموروث الا وارث مملوك ابتيع من الإرث وعتق وورث الباقي.

وإذا كان للوارث أب أو أم رق لموروثه حصل في سهمه وعتق عليه.

وإذا أقر بعض الورثة بوارث وأنكره الباقون لزمه حكم الإقرار في سهمه دونهم ، مثال ذلك أخوان أو ولدان أقر أحدهما بثالث في البنوة أو الاخوة وأنكره


الأخر ، فعلى المقر أن يعطيه ثلث سهمه.

وان شهد اثنان من الورثة بوارث وكانا عدلين ثبت نسبه ولحق بالوارث وان لم يكونا كذلك فهما مقران بنسبه يلزمهما إعطاء ما يستحقه من ارثهما حسب ما تقدم بيانه.

ولا يرث من الدية أحد من كلالة الأم ويرثها من عداهم من ذوي الأنساب والأسباب فان لم يكن للمقتول وارث بنسب ولا زوجية فهي لمولى نعمته ، فان لم يكن له مولى نعمة فميراثه من الأنفال.

وإذا مات جماعة في وقت واحد ورث كلا منهم مستحقوا ميراثه ، وان علم ترتب موتهم حكم في تركاتهم بحسبه ، وان لم يعلم ذلك من حالهم لهدم أو غرق أو قتل معركة أو غير ذلك ورث بعضهم من بعض ما كان له قبل الموت بالهدم والغرق دون ما ورثه من صاحبه ، والاولى تقديم الأضعف في التوريث مثال ذلك أب وابن غرقا جميعا ولكل منهم وارث غير صاحبه وتركة ، فالحكم أن يفرض أن الابن مات أولا إذ كان هو ذا السهم الأوفر ويورث منه الأب فرضه ثم يفرض أن الأب مات فيورث منه الابن ما كان يملكه قبل الموت دون ما ورثه منه فيكون ما ورثه الأب من الابن وما بقي من ماله بعد توريث الابن منه بين ورثته على فرائضهم وما ورثه الابن من الأب وما بقي من ماله بعد توريث الأب منه بين ورثته على فرائضهم بحسب استحقاقهم.

وأهل الملل المختلفة في الكفر إذا تحاكموا الى أهل الإسلام ورثوا على الأنساب والأسباب الثابتة في ملة الإسلام بحسب ما قررته من السهام لذوي الأنساب والأسباب الصحيحة دون ما يرونه في ملتهم نسبا وسببا لا يصح مثلهما فيها ودون ما يثبتونه من سهام المستحقين ، مثال ذلك ابن وبنت يهوديان تحاكما الى أهل الإسلام في ميراث أبيهم فالحكم أن يعطي الابن الثلثان والبنت الثلث


دون ما يرون في ملتهم من المساواة الى غير ذلك مما يخالف فيه أحكامهم لأحكام الإسلام ، أو مجوسيان تحاكما إلينا أحدهما ابن وزوج لموروثه والأخر أب وأخ فالحكم أن يبطل ميراث الأبوة والاخوة ، لأن الأب هاهنا تزوج بامه فأولدها هذه الموروثة فهي ابنته وأخته لامه وكلا النسبتين باطل في ملتنا بعير شبهة ويبطل من الأخر حق الزوجية لفساد عقد الابن على الأم في ملتنا ، وتورثه بالبنوة خاصة ان كانت صحيحة في ملتنا وان كانت باطلة لكونه ابنها من أخيه الذي هو ابنها أو لغير ذلك من النكاح الفاسد أبطلناها أيضا وورثنا من بعد نسبه الصحيح أو ثبت سببه أو ولايته ، فان فقد جميع المستحقين فميراثها من الأنفال. ثم على هذا يجرى الحكم في توريثهم عند التحاكم إلينا وان أمضوا الأحكام بينهم على ما يرونه شرعا لهم لم يجز الاعتراض عليهم لحق ذمتهم.

وميراث المرتد للأولى به من ذوي نسبه وان كانوا أصاغر.

وإذا كان العاقد على الصبيين أبويهما توارثا ، وان كان العاقد غيرهما لم يتوارثا حتى يبلغا ويمضيا العقد ، وان كان الزوج عاقلا(1) والمعقود عليها صغيرة وليها أبوها توارثا ، وان كان غير الأب فمات الزوج قبل بلوغها تربص بالميراث بلوغها فإن أبت العقد فلا ميراث لها وان امضته احلفت انها لم ترض به للإرث فإن حلفت ورثت وان امتنعت فلا ميراث لها.

والمطلقة في الصحة طلاقا رجعيا ترث المطلق ما لم تخرج عن عدتها ، وان كان بائنا لم ترثه [ و ] في المرض ترث مطلقها ما لم يتزوج أو يمضي لطلاقها سنة أو يبرأ فيمضي الطلاق فلا ترثه.

وولد الزنا يرث امه ومن يتعلق بنسبها ويرثونه ، ولا يرث الفحل ومن يتعلق بنسبه ولا يرثونه ، ولا يحل لأحد أن يعترف بنسب لا يثبت مثله في ملتنا و

__________________

(1) بالغا. ظ.


لا يورثه.

ومن السنة إطعام الجدة أو الجد للأب السدس من نصيب ابنها إذا كان حيا وسهمه الأوفر ، فان وجدا معا فالسدس بينهما نصفان ، وان فقد الابن أو كان سهمه الأقل فلا طعمة لهما ولا طعمة لأجداد الأم.

وإذا فقد أحد الورثة عزل سهمه حتى يكشف السلطان خبره أربع سنين فان عرفت حياته فهو له والا قسم بين الورثة ، وان كان المفقود أولى بالميراث ممن وجد عزل جملة الإرث المدة المذكورة الى أن ينكشف الحال فيه فيحكم بما شرع في أمره.

ويورث المولود بالاستهلال وبالحركة الكبيرة التي لا تكون الأمن حي لأنه ربما كان أخرس.

الباب السادس

قسمة الرباع والأرضين بين وراثها تفتقر الى تصحيح السهام لاستغناء ما عداهما من التركات عن ذلك. وطريق إخراج السهام صحاحا أن ينظر مريد ذلك في فريضة أهل الإرث فإنها لا تخلو أن يكون فيها ذو نصف أو ثلث أو ربع أو سدس أو ثمن معه غيره فيفرضها من عدد يخرج منه ذلك السهم صحيحا ثم ينظر في التفاضل(1) عنه وسهام من عدا مستحقه فان انقسم عليهم من غير انكسار والا ضرب سهامهم في أصل الفريضة فما انتهت اليه فسهام الكل تخرج منه صحاحا بغير انكسار. وفهم هذه الجملة كاف ونفصلها ليقع العلم بأعيان مسائلها :

__________________

(1) في التفاصيل ، كذا في بعض النسخ ، ولعل الصحيح : في الفاضل عنه.


فمن ذلك فريضة النصف ، أصلها من اثنين ، لذي النصف سهم ويبقى سهم ، فان كان الوارث معه واحد فهو له من غير انكسار ، وان كانا اثنين يتساويان كأخ وأخت من قبل الأم أو أخوين أو أختين من قبل الأب انكسر الباقي عليهم ، فالوجه أن تضرب سهامهم وهي اثنان في أصل الفريضة فتصير أربعة لذي النصف سهمان ولكل واحد من هذين سهم ، وان كانوا ثلاثة يتساوون في السهام كإخوة الأم أو اثنين يختلفان كأخ وأخت لأب فلتضرب سهامهم وهي ثلاثة في أصل الفريضة فتصير ستة للزوج ثلاثة ولكل واحد من الثلاثة المتساوين سهم ولواحد الاثنين سهمان وللأنثى سهم ، وان كان ذو السهام خمسة متساوين كإخوة أم أو اخوة أب منفردين أو أخوات له أو أخوان لأب وأخت له فان الفاضل ينكسر عليهم فلتضرب سهامهم وهي خمسة في أصل الفريضة فتصير عشرة ، لذي النصف خمسة أسهم ولكل واحد من الخمسة المتساوين سهم ولكل واحد الأخوين مع الأخت سهمان وللأخت سهم.

ثم على هذا يجرى الحساب في جميع أهل هذه الفريضة وان كثروا.

ومن ذلك فريضة الثلث ، أصلها من ثلاثة ، لذي الثلث سهمه وهو واحد وهو سهم الام مع الأب والباقي له ، فان كان معهما زوج أو زوجة فأصل الفريضة من عدد له ثلث صحيح وربع صحيح ، فتعطى الام منه الثلث والزوج النصف والزوجة الربع والباقي للأب ، فإن كان الزوجات جماعة ينكسر عليهم الربع ضربت سهامهم في أصل الفريضة فما انتهت إليه أخرجت منه السهام صحاحا وان كانت فريضة اخوة أم واخوة أب وكان الفاضل عن فريضة إخوة الأم وهو اثنان ينكسر على من معهم من إخوة الأب فلتضرب سهام المنكسر عليهم في أصل الفريضة فما بلغت أخرجت منه السهام صحاحا كأنهم كانوا أربعة متساوين أو أخا أو(1)

__________________

(1) وأختين. ظ.


أختين فسهامهم أربعة تضرب في ثلاثة فتصير اثنا عشر سهما ، لإخوة الأم الثلث أربعة وتبقى ثمانية أسهم للأخ أربعة منها ولكل أخت سهمان ، ثم على الحساب.

ومن ذلك فريضة الربع أصلها من أربعة ، لذي الربع حقه واحد والباقي لمشاركيه ان كانوا ثلاثة يتساوون لكل واحد منهم سهما ، وان اختلفوا فزادوا أو نقصوا ضربت سهامهم في أصل الفريضة فما انتهت إليه أخرجت منه السهام صحاحا ، مثال ذلك ثلاثة بنين وبنتان مع زوج ، أو ثلاثة اخوة لأب واختان مع زوجة ، فسهام كل مع ذي الربع ثمانية تضرب في أصل الفريضة وهي أربعة تصير اثنين وثلاثين سهما ، لذي الربع ثمانية أسهم ولكل ذكر من الولد أو الاخوة ستة أسهم ولكل أنثى ثلاثة أسهم.

ثم على هذا يجرى الحكم في حساب سهام جميع من يرث معه ذو الربع(1) .

ومن ذلك فريضة السدس وأصلها من ستة ، لذي السدس سهم ولمشاركيه ان كانوا خمسة يتساوون لكل واحد سهم ، وان كانوا أخوين لأب وأخت أو ابنين وبنت فلكل ذكر سهمان وللأنثى سهم ، وان زادت السهام عليهم أو نقصت ضربت سهامهم في أصل الفريضة فما بلغت أخرجت منه صحاحا ، مثال ذلك ثلاثة اخوة لأب وأربع أخوات له مع أخ لأم ، أو ثلاثة بنين وأربع بنات مع أحد الأبوين فسهامهم عشرة تضرب في الأصل فتصير ستين سهما ، لذي السدس عشرة أسهم ، ولكل واحد من الذكور عشرة أسهم ، ولكل أنثى خمسة أسهم. ثم على هذا يجرى حساب هذه الفريضة بالغا ما بلغ أهلها.

ومن ذلك فريضة الثمن وأصلها من ثمانية ، لذي الثمن واحد وتبقى سبعة فإن كان مشاركوه ممن تصح قسمتها عليهم صحاحا قسمت ، وان انكسرت عليهم ضربت سهامهم في أصل الفريضة فما بلغت أخرجت منها السهام صحاحا

__________________

(1) مع ذي الربع.


مثال ذلك خمس بنين ، أو ابنان وبنت ، أو ابن وثلاث بنات ، سهامهم خمسة تضرب في الفريضة وهي ثمانية فتصير أربعين سهما ، لذي الثمن خمسة ويبقى خمسة وثلاثون سهما لكل واحد من البنين الخمس سبعة أسهم ولكل واحد من الابنين مع البنت أربعة عشر سهما وللبنت سبعة أسهم ، وللابن أربعة عشر سهما ولكل بنت من الثلاث سبعة أسهم.

ثم على هذا تجري القسمة في هذه الفريضة بالغا ما بلغت سهام أهلها.

فإن اجتمع في الفريضة ربع وسدس وهي فريضة الزوجة مع واحد الاخوة من الام واخوة الأب فأصلها من اثنى عشر ، للزوجة ثلاثة وللام سهمان ويبقى سبعة لكلالة الأب ، فإن أمكنت قسمتها عليهم صحاحا والا ضربت سهامهم في أصل الفريضة فما بلغت أخرجت منه السهام صحاحا. وكذلك القول في فريضة إخوة الأم والزوجة أو الزوج عملها كالأول ، فإن كان ما يستحقه كل واحد من الكلالتين ينكسر عليهم ضربت سهام كل واحد من أهل الكلالتين في سهام الأخرى فما بلغ ضرب في أصل الفريضة فما بلغ أخرجت منه السهام صحاحا.

فان كان في الفريضة ذوو سهام مسماة ورد ينكسر كزوج وأحد الأبوين وبنت فأصل الفريضة من اثنى عشر ، للزوج الربع ثلاثة ولأحد الأبوين السدس سهمان وللبنت النصف ستة أسهم ، يبقى سهم ينكسر في الرد على البنت والأب فالوجه أن يضرب سهامهما وهي أربعة في أصل الفريضة وهي اثنا عشر فتصير ثمانية وأربعين سهما ، للزوج الربع اثنى عشر سهما ولأحد الأبوين السدس ثمانية أسهم وللبنت النصف أربعة وعشرون سهما ويبقى أربعة أسهم للبنت ثلاثة أسهم ولأحد الأبوين سهم.

ثم على هذا الوجه يجرى حكم حساب جميع الفرائض فليعمل بحسبه.

واستقصاء مسائل جميع الفرائض في القسمة وما يتفرع منها ويتناسخ يخرج عن الغرض بهذا المختصر وفيما ذكرناه بلغة لمن فهم.


الضرب الخامس من الأحكام

القصاص واجب على كل عاقل قصد الجناية على غيره من الناس في نفسه ، وهو على ضربين : قود عن قتل ، والثاني قصاص عن جروح. وانما يكون القاتل قاتلا قتلا يوجب القود منه بأن يقصد الى قتل غيره فيقع مقصوده أو يفعل به ما جرت العادة بانتفاء الحياة معه من ضرب في مقتل(1) أو خنق بحبل أو تغريق(2) أو تحريق أو تردية من علو أو طرح بعض الأجسام الثقال عليه وأشباه ذلك مما جرت العادة بانتفاء الحياة معه ، من غير استحقاق.

وانما يكون جارحا ما يوجب القصاص مع تكامل الشروط المذكورة في القود إذا كان ما قصده مما لا يرجى صلاحه كقطع اليد والرجل والإصبع الى غير ذلك ولا يخاف معه تلف المقتص منه ، فأما الكسر والفك المنجبر والجرح الملتئم والمأمومة في الشجاج والجائفة في الجوف وما يجرى مجراهما فلا قصاص في شي‌ء منه. والمسلمون الأحرار تتكافأ دماؤهم في القتل والجراح.

ولا يقتص لعبد من حر ولا لذمي من مسلم ولا لمبطل من محق ، ويقتص للعبد من العبد وللذمي من الذمي وللضال عن الحق من الضال. فاذا قتل

__________________

(1) في بعض النسخ : في قتل.

(2) في بعض النسخ : أو تفريق وفي بعضها : أو تعريق.


الحر المسلم مسلما فولى الدم مخير بين قتله وأخذ الدية ان افتدى بها نفسه والعفو عنه ، وإذا أراد القود تولى ذلك منه سلطان الإسلام أو من يأذن له في النيابة عنه ، فان سبق الولي الى قتله فعلى السلطان المبالغة في عقوبته ولاحق له ولا عليه غير ذلك.

فان كان الأولياء جماعة واختار بعضهم القتل والبعض الدية أو العفو لم يجز لمريد قتله ذلك الا بعد أن يؤدى أقساط مريدي الدية إليهم أو الى ورثة المقاد منه اقساط من عفا ، وكذلك الحكم ان كان بعض الأولياء صغيرا أو مأوف العقل وأراد العاقل القتل.

وان قتل اثنين حرين مسلمين فما زاد عليهما فأولياء الدم بالخيار ، ان رضوا جميعا بقتله قتلهم ولا شي‌ء لهم غير ذلك ، وان عفوا جميعا فهو سائبة ، وان أرادوا الديات فعليه أن يؤدى بعدد من قتل ديات كاملة إلى أوليائهم ، وان أراد بعض القتل وبعض الدية أدى الى مريد الدية ما طلب منها وقتل بمن عدا من رضي منه بديته ، وان عفا أولياء بعض المقتولين سقط حقهم وبقي حق من لم يعف على مراده ان قتلا فقتلا أو دية فدية.

وان كان القاتلون جماعة والمقتول واحدا فأولياؤه مخيرون ان شاءوا عفوا وان شاءوا طالبوا بالدية فهي واجبة على كل منهم بالغا ما بلغوا ، وان شاءوا قتلوا الجميع وأدوا ديات من يزيد على واحد إلى ورثة الجميع وبين(1) أن يقتلوا واحدا ويؤدي الباقون ما يجب عليهم من أقساط الدية إلى ورثته.

وإذا اشترك جماعة من أحرار المسلمين في قتل جماعة منهم فالحكم فيهم ما بيناه.

وإذا قتل الحر المسلم امرأة حرة مسلمة فأولياؤها مخيرون بين قتله و

__________________

(1) كذا.


رد ما يفضل من ديته عن ديتها الى ورثته وبين أخذ الدية وهي نصف دية الرجل. وان قتلت المرأة رجلا حرا مسلما فأولياؤه مخيرون بين قتلها ولا شي‌ء لهم غيره وبين أخذ الدية كاملة. وحكم الواحد فما زاد إذا قتل أو قتلوا امرأة أو جماعة رجال ما تقدم شرحه.

وحكم الحرة المسلمة مع مثلها حكم الحر المسلم مع مثله وحكم العبد مع العبد والذمي مع الذمي حكم الحر المسلم مع مثله وحكم الأمة مع الأمة والذمية مع الذمية حكم الحرة المسلمة مع مثلها وحكم الأمة مع العبد والذمية مع الذمي حكم حر المسلم مع الحرة(1) .

فإن قتل الحر المسلم عبدا أو أمة فعليه قيمة كل منهما ما لم تتجاوز قيمة العبد دية الحر وقيمة الأمة دية الحرة فترد إليها ، وينهك عقوبة ، وان كان المقتول من رقيقه أغرمه السلطان قيمته وتصدق بها وبالغ في تأديبه وتلزمه الكفارة على كل حال.

فان كان معتادا لقتل الرقيق ضريا عليه قتل لفساده في الأرض ، وان كان القاتلون جماعة فهم شركاء في دم من قتلوه ، وان كان المقتول صغيرا أو مجنونا فعلى القاتل الدية دون القود ، وان كان قاتلوا الأصاغر والمجانين جماعة أو المقتولين منهم جماعة فالحكم على ما تقدم.

وان قتل ذميا أو ذمية فعليه الدية ، فإن كان معتادا لقتل أهل الذمة ضربت عنقه لفساده في الأرض لا على جهة القصاص.

وحكم المرأة الحرة المسلمة في قتل العبد أو الأمة أو الذمي أو الذمية أو الصغير أو المأوف حكم الحر المسلم.

فاذا قتل الصغير أو المأوف العقل حرا أو عبدا مسلما أو ذميا ذكرا أو أنثى

__________________

(1) النسخ في هذين السطرين مختلفة وما أثبتناه هو الصحيح ظاهرا.


فعلى وليهما الدية ، فإن كان مقتول المأوف العقل يعرض له بأذية فدفعه عن نفسه فقتله فلا دية له.

وإذا قتل الذمي أو الذمية حرا مسلما أو عبدا أو حرة أو أمة مسلمة منفردين بذلك أو مشاركين فيه وجب قتل الذمي ، لخروجه بقتل المسلم عن الذمة ، والرجوع على تركته أو أهله بدية الحر وقيمة الرق أو ما يلحقه من قسط ذلك.

وان كان القاتل من أهل الذمة صغيرا أو مأوفا فعلى وليهما دية ما جنياه. وان كان القاتل عبدا ذميا أو أمة قتلا ورجع على مولاهما بالدية. وإذا قتل الواحد من أهل الذمة جماعة من المسلمين قتل ورجع على تركته بدياتهم. وان كان القاتلون جماعة والمقتول من المسلمين واحدا قتلوا جميعا لخروجهم عن الذمة ورجع على مواريثهم أو أوليائهم بدية المسلم.

وإذا قتل العبد أو الأمة حرا مسلما أو حرة وجب تسليم كل منهما إلى ولي الدم برمته(1) ان شاءوا قتلوا أو(2) تملكوا ما معه من مال وولد ، وان شاءوا استرقوه وولده وتصرفوا في ماله(3) .

والعبد يكافئ العبد والأمة الأمة في القود والدية ، فإن قتل العبد أمة أو الأمة عبدا فولى(4) المقتول مخير بين القتل أو أخذ قيمة الأمة أو العبد من السيد. وحكم جماعة العبيد أو الإماء إذا قتلوا واحدا أو جماعة من الأحرار أو العبيد أو أهل الذمة أو كان قاتل الواحد منهم أو الجماعة واحدا أو جماعة

__________________

(1) في بعض النسخ : بذمته.

(2) وتملكوا. ظ.

(3) في المختلف : في ملكه.

(4) كان في النسخ : مولى المقتول ، والظاهر ما أثبتناه.


ما تقدم بيان حكمه.

وإذا اشترك العبد والحر والأمة والحرة والخنثى الذي لم يبن أمره في قتل فأراد ولي الدم الدية فهم متساوون في استحقاقها ، وان أراد قتل أحدهم رد الباقون ما يجب عليه من أقساط الدية على ورثته ، وان أراد قتل الجميع رد ولي الدم ما يفضل عن دية وليه على ورثتهم.

وإذا قتل الخنثى الذي لم يبن أمره فأراد وليه الدية فله نصف دية الرجل ونصف دية المرأة حرا فحرا وعبدا فعبدا.

وان أراد القود بحيث يصح فكانت دية قاتله تزيد على ديته لم يجز له ذلك حتى يرد الفضل على ولى المقاد منه.

وتقاد أولو الأرحام بعض ببعض إلا الأب بالابن.

وإذا قتل الحر والعبد حرا فاختار وليه الدية فعلى الحر النصف وعلى سيد العبد النصف ، وان أختار قتلهما رد قيمة العبد على سيده وورثة الحر ، وان اختار قتل الحر فعلى سيد العبد نصف ديته لورثته ، وان اختار قتل العبد قتله ويؤدى الحر الى سيده نصف قيمته.

ومن هدم على قوم دارا أو أضرم عليهم فيها نارا أو ثبق عليها ماءا فهو قاتل عمدا لمن يهلك بفعله ، واحدا كان أو جماعة.

وإذا اشترك ثلاثة في قتل : أمسك أحدهم وضرب الأخر والثالث عين لهم ، فالحكم أن يقتل القاتل ويخلد الممسك الحبس حتى يموت وتسمل عين الرقيب.

وإذا أقر من يعتد بإقراره بقتل يوجب القود وأقر آخر بأنه أتاه(1) خطاء فأولياء المقتول بالخيار ان شاءوا قتلوا المقر بالعمد ولا سبيل لهم على المقر

__________________

(1) في المختلف : وأقر آخر بقتله إياه.


بالخطاء ، وان شاءوا طالبوهما بالدية نصفين ، وان كان المقر بالعمد ممن لا يقاد بالمقتول لكونه صغيرا أو مأوفا أو ذميا أو عبدا فعليهما جميعا الدية.

وإذا قامت البينة على قاتل وأقر آخر بذلك القتل وبرأ المشهود عليه من قتله ، فأولياؤه مخيرون ان شاءوا قبلوا الدية منهما نصفين وان شاءوا قتلوهما ورد وأنصف الدية على ورثة المشهود عليه دون المقر ببراءة الأخر منها وان شاءوا قتلوا المشهود عليه وأدى المقر الى ورثته نصف ديته وان شاءوا قتلوا المقر ولا شي‌ء لورثته على المشهود عليه [ هذا إذا برء المقر المشهود عليه من قتله ](1) وان لم يبرأ المقر المشهود عليه فهما شريكان في القتل متساويان فيما يقتضيه.

ومن قتل أو جرح غيره بغير حق لأمر آمر أو إكراهه فالقود والقصاص مستحق عليه دون الأمر والمكره لما بيناه من عدم تأثير الأمر والإكراه في الظلم ويخلد الأمر والمكره الحبس حتى يموت ، وإذا كان الأمر سيد العبد معتادا لذلك قتل السيد وخلد العبد الحبس ، وإذا كان نادرا قتل العبد وخلد السيد الحبس.

وإذا قامت البينة على عاقل بقتل أو أقر به ثم خولط قتل من قتل وان قامت الشهادة به في حال اختلاطه فالدية من ماله ان كان له مال والا فعلى عاقلته ولا يعتد بإقراره في حال الاختلاط.

ويقاد الكفار بعض ببعض وان اختلفت جهات كفرهم ، ولا يقاد كفار التأويل من المجبرة والمشبهة وغيرهم بذمي ولا وثني ، ويستقاد لهم من أهل الايمان ويستقاد لهم منهم.

__________________

(1) كذا في مختلف العلامة.


واما القصاص في الجروح فبين الحر المسلم والحر المسلم(1) والحرة المسلمة فيما كان من أعضائها وجراحها(2) مقابلا لدية أعضاء الرجل وجراحه وبين العبد والعبد والأمة والأمة والعبد والأمة كالحر والحر والحر والحرة وبين الذمي والذمي والذمية والذمية والذمي والذمية كالمسلم والمسلمة بشرط انفصال العضو من الجملة كاليد أو ثبوت فساده كالشلل والعماء.

ولا يجوز القصاص بجرح ولا قطع ولا كسر ولا خلع حتى يحصل اليأس من صلاحه فان اقتص بجرح فبرأ المجروح والمقتص منه أو لم يبرء فلا شي‌ء لأحدهما على صاحبه وان يبرأ أحدهما والتأم جرحه أعيد القصاص من الأخر ان كان القصاص باذنه وان كان بغير اذنه رجع المقتص منه على المتعدى دون المجني عليه.

فان كان الجرح مما يخاف للاقتصاص به تلف المقتص منه كالجائفة والمأمومة وما يجري مجراهما لم يجز الاقتصاص به وإذا وقع القصاص موقعه من غير تعد فيه فمات المقتص منه والمقتص له حي فلا تبعة على المقتص له وان تعدى فيه وكان هو متولي القصاص رجع أولياؤه عليه بما يفضل من ديته عن أرش الجراح ، وان كان متوليه غيره رجع عليه بذلك دونه ، الا أن يقصد المقتص منهما(3) بتعديه فعل ما جرت العادة بانتفاء الحياة معه كالقصاص للموضحة بالمأمومة وللجرح في الحلق بالذبح فيموت المقتص منه والمقتص له حي فيكون لأوليائه القود من متولي ذلك بعد رد أرش ما أتاه صاحبهم على

__________________

(1) كذا في أكثر النسخ ، وفي بعضها : « فبين الحر المسلم والحرة المسلمة » بحذف جملة : « والحر المسلم ».

(2) في بعض النسخ : وجوارحها.

(3) كذا.


ورثة المستفاد منه.

وإذا قلع الأعور عين سليم قلع عينه وان عمى.

وان قطع الأشل يد غيره قطعت يده الصحيحة ، ومن قطع يد غيره اليمنى ولا يمنى له قطعت يده اليسرى ، فان لم يكن له يد قطعت رجله ، وان قطع يديه وليس له الا يد واحدة قطعت واحدى رجليه ، وان قطع يمنى رجليه وليست له يمنى قطعت اليسرى ، وان لم يكن له رجل قطعت يده.

وكذلك القول في أصابع اليدين والرجلين والأسنان ومن قطع يد غيره ولا يد له أو رجله ولا رجل له أو قلع عينه ولا عين له الى غير ذلك ، فليس للمجروح إلا الدية.

وإذا قطع أصابع غيره أو واحدة منها وقطع آخر يده من الزند أو المرفق أو الإبط أو إصبعا من رجله أو أصابعها وقطع آخر رجله من المفصل أو الركبة أو من أصل الورك ، فأراد الدية ، فعلى الأول دية ما جناه ، وعلى الثاني دية ما بقي عنه ، وان اختار اقتص من الأول والثاني ورد دية ما جناه الأول ، وان اختار أخذ الدية من الأول عن جنايته فدفعها الى الثاني ، وكذلك الحكم في سائر الأعضاء.

والمجروح ولى القصاص له المطالبة به أو الدية أو العفو ، وهذا حكم أولياء المقتول وهم من عدا كلالة الأم من الاخوة والأخوال وأولادهم ، وأولاهم بذلك أولاهم بالميراث.

فان كان أولياؤه كفارا فأسلم أحدهم فهو وليه ، وان لم يسلم منهم أحد أو لم يكن له ولى فوليه سلطان الإسلام وهو مخير في قتل العمد بين أخذ الدية والقود ، وفي قتل الخطأ يأخذ الدية وليس له العفو على حال.

وان اقتص ولى الدم من القاتل بضربة أو ضربات ثم عاش بعد ذلك كان


له قتله بعد تمكينه من الاقتصاص منه بما أتاه إليه من الجراح ، ولا قود الا بضرب العنق وان كان القاتل قد نكل بالمقتول أو غرفة(1) أو خنقه أو غير ذلك من ضروب القتل ، بضربة واحدة وان ترتب فعله فقطع يديه أو رجليه أو قلع عينيه الى غير ذلك ثم قتله بفعل آخر فليقتص منه ثم يقتل.

ولا يقاص بين الأحرار والعبيد ، ولا بين المسلمين والكفار ، ولا بين الصغار والكبار ، ولا المأوفين والعقلاء ، ولا قصاص فيما لم يكن(2) تميزه كنقص السمع أو البصر أو الشم أو العقل أو النطق أو ذهاب جملته ببعض الجنايات.

وإذا قطع يمنى يدي رجلين فيده اليمنى للمقطوع الأول والثاني بالخيار بين قطع يده اليسرى والدية ، وإذا قطع بعض عضو كالإصبع والساعد والعضد والساق والفخذ واللسان فيسر الى مثله(3) واقتص(4) من القاطع كذلك.

__________________

(1) في بعض النسخ : عرقه.

(2) لم يمكن. ظ.

(3) هذه العبارة سقيمة ظاهرا.

(4) في بعض النسخ : واقتصر.


الضرب السادس من الأحكام

ديات الأنفس والجوارح والجراح مستحقة بالخطإ كالعمد ، فدية قتل الحر المسلم ألف دينار أو عشرة الاف درهم فضة جيادا أو مائة من الإبل أو مائة بقرة أو مائتا حلة أو ألف شاة بحسب ما يملك من تجب عليه الدية ، ودية الحرة المسلمة النصف من جميع ديات الحر المسلم ، ودية رقيق المسلمين قيمته ما لم تتجاوز قيمة العبد دية الحر والأمة دية الحرة فترد إليهما ، ودية الحر الذمي ثمانمائة درهم وضحا ، ودية الحرة الذمية نصف دية الحر الذمي ، ودية رقيقهم قيمته ما لم تتجاوز قيمة العبد دية الحر الذمي والأمة دية الحرة فترد إليهما ، وحال الصغار وذوي النقص حال العقلاء البالغين.

فان كان القتل عمدا في الحل فالدية مغلظة على القاتل نفسه ان كان حرا عاقلا مائة من مسان الإبل تستأدى منه في مدة الحول ، وان كان القتل في الحرم أو في شهر حرام فقد روى : « أن عليه دية وثلثا »(1) وان كان القاتل عبدا فالدية على سيده ان اختار فداه ، وان كان صغيرا أو مئوفا فالدية على وليه.

فان امتنع من أدائها في الحول أخذت قسرا ان كان القاتل أو وليه غنيا ، وان كان فقيرا لم يكن للأولياء إلا القود من العاقل الحر أو العبد أو النظرة بالدية

__________________

(1) راجع الوسائل أبواب ديات النفس ، الباب الثالث.


أو العفو ، وكذلك الحكم فيمن لا يصح منه القود.

وان كان القاتل ذميا لمسلم قتل وأخذ الدية من ورثته ولا يجوز العفو عنه.

ودية الخطأ على العاقلة وعاقلة الحر المسلم عصبته ، وعاقلة الرقيق مالكه ، وعاقلة الذمي الفقير الإمام ، فإن كان الخطأ خالصا وهو أن يرمى غرضا أو طائرا فيصيب إنسانا وأشباه ذلك فديته على أهل الإبل ثلاثون حقة وثلاثون بنت لبون وعشرون بنت مخاض وعشرون ابن لبون وتستأدى في ثلاث سنين.

وان كان الخطأ شبيه العمد وهو أن يضرب غيره ضربا لم تجر العادة بانتفاء الحياة معه عن قصد أو خطأ أو يعالجه بدواء أو يفصده أو يقطع بعض أعضائه مداويا فيموت عند ذلك أو يحصل التلف عند فعله بنفسه أو دابته متعديا فديته ثلاث وثلاثون حقة وثلاث وثلاثون جذعة واربع وثلاثون ثنية وتستأدى منه في سنتين ، ومن البقر والغنم في هذه الديات مثل أسنان الإبل.

فان لم يكن من وجبت عليه لعمد أو خطأ من أهل الانعام فما عداها من العين أو الورق أو الحلل.

ومن أخرج غيره من منزله ليلا ضمن ديته من ماله دون عاقلته حتى يرده اليه أو يقيم البينة بسلامته أو موته حتف أنفه أو قتل غيره له.

والظئر الحاضنة(1) ضامنة لدية الصبي في مالها حتى يقيم البينة ببراءتها من هلكة.

وإذا عزل عن زوجته الحرة بغير اذنها فعليه لها دية النطفة عشرة دنانير ، وان كان بافزاع غيره له فالدية عليه لهما ، وان ضربها غيره فألقت نطفة فديتها عشرون دينارا ، وان ألقت علقة وهي قطعة دم كالمحجمة فأربعون دينارا ، وان

__________________

(1) في بعض النسخ : الخاصة ، وهو تصحيف.


ألقت مضغة وهي بضعة من لحم فستون دينارا ، وان ألقت عظما وهو أن يصير في المضغة سبع(1) عقد فثمانون دينارا ، وان ألقت جنينا قد كملت صورته قبل أن يلجه الروح فمائة دينار ، وان ألقت حيا فاستهل أو تحرك تحركا يدل على الحياة ثم مات فديته كاملة ، ان ذكرا فدية الذكر وان أنثى فدية الأنثى.

وان مات الجنين المعلوم كماله وحياته من الضرب في بطنها فنصف دية فإن كان الزوج هو الضارب فالدية للأم خاصة ، وان كانت المرأة هي التي أسقطته بدواء وغيره فالدية واجبة عليها للزوج ، وأن كان الحمل له أحكام الرق أو أهل الذمة فبحساب دياتهم.

ودية قطع رأس الميت عشر ديته ، وفي قطع أعضائه بحساب ذلك ، يتصدق بها عنه ولا تورث ، وهذه الدية مختصة بالجاني دون عاقلته.

ودية القتيل الموجود في القرية أو المحلة المتميزة أو الدرب أو الدار أو القبيلة ولا يعرف له قاتل بإقرار أو بينة على أهل المحل الذي وجد فيه ، فان وجد بين القريتين أو الدارين أو المحلتين أو القبيلتين فديته على أقربهما اليه وان كان وسطا فالدية نصفان.

وإذا وجد صبي في بئر لقوم فكانوا متهمين على أهله فعليهم الدية وان كانوا مأمونين فلا شي‌ء عليهم.

ودية قتيل الزحام على الجسور وأبواب الجوامع وفي مواسم الحج لا يعرف قاتله وبكل أرض لا مالك لها كالجبال والبراري وبحيث لا يمكن إضافته الى أحد على بيت المال.

ودية كل قتل يحصل بفعل القاتل وعند فعله عن تعد وخطأ واجبة عليه

__________________

(1) كذا.


كوقوعه من علو على غيره وهدمه حائطه(1) عليه من غير قصد الى ذلك واحداثه في طريق المسلمين أو ملك الغير ما يحصل التلف عنده وما يقتضي تضمينه من جناية دابته الى غير ذلك.

وإذا اشترك جماعة فيما يوجب الدية فهم أو عاقلتهم مشتركون فيها.

وقضى أمير المؤمنينعليه‌السلام في ستة نفر كانوا يسبحون في الفرات فغرق أحدهم فشهد ثلاثة منهم على اثنين أنهما غرقاه وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه : أن على الاثنين ثلاثة أخماس الدية وعلى الثلاثة خمسا الدية(2) .

وقضىعليه‌السلام في أربعة نفر تباعجوا بالسكاكين فمات اثنان وبقي اثنان مجروحان : أن على الباقيين ديتي المقتولين يقاصان منهما بأرش الجراح(3) .

وقضىعليه‌السلام في امرأة ركبت عنق اخرى فجاءت اخرى فقرصت المركوبة فقمصت فوقعت الراكبة فاندق عنقها : بأن على القارصة ثلث الدية وعلى المركوبة الثلث وأسقط الثلث لركوبها [ عبثا ] ولو كانت راكبة بأجر لكانت الدية على القارصة والقامصة كاملة وانما كانت لاعبة ( لاغية خ )(4) .

وإذا قتل المسلم ذميا عمدا فالدية في ماله وخطأ على عاقلته ، ودية قتل العبد على سيده ، والصغير والمحجور عليه على وليه ، فان كان خطأ فعلى عاقلتهما.

__________________

(1) في بعض النسخ : حائطة.

(2) راجع الوسائل ، كتاب الديات أبواب موجبات الضمان ، الباب الثاني ، والمقنعة للمفيد ص 118.

(3) راجع الوسائل ، كتاب الديات ، أبواب موجبات الضمان الباب الأول ، والمقنعة للمفيد ص 118.

(4) راجع الوسائل ، كتاب الديات ، أبواب موجبات الضمان ، الباب السابع ، والمقنعة ص 118.


وإذا قتل الذمي مسلما خطاء فديته عليه ، فان لم يكن له مال ولا يستطيع السعي فيها فعلى بيت المال المسلمين.

وحكم المدبر والمكاتب الذي لم يتحرر منه شي‌ء حكم العبد فان كان قد تحرر بعض المكاتب فعليه من الدية بحسب ما تحرر منه وعلى مكاتبه منها ما بقي.

وإذا جنى العبد على حر جناية توفي بقيمة فعلى سيده تسليمه أو فداؤه ، وان كانت أقل من قيمته فعليه فداؤه أو تسليمه وأخذ الفاضل من قيمته عن أرش الجناية. وان جنى الحر على العبد ما يوجب الدية كقطع الأنف أو اليدين فعليه قيمته لسيده وأخذه اليه.

وإذا قامت البينة على واحد بقتل خطأ وقامت بينة اخرى على اضافة ذلك القتل الى غيره خطأ فالدية على المشهود عليهما نصفان.

وإذا هرب قاتل العمد فمات قبل أن يقدر عليه فالدية من ماله ، فان لم يكن مال فعلى عاقلته.

ومن خلص قاتل عمد من أولياء مقتوله قسرا(1) أخذ بإحضاره فإن أحضره والا حبس حتى يحضره فان مات القاتل فعليه الدية.

ومن طفر من علو على فوق غيره قاصدا فقتله فهو قاتل عمد وان كان لغير(2) ذلك فوقع عليه من غير قصد إليه فالدية على عاقلته ، وان كان بدفع غيره فالدية على الدافع ، وان كان بهبوب الرياح فالدية من بيت المال.

وإذا لم تكن لقاتل الخطأ عاقلة وله مال فالدية من ماله ، فان لم يكن ذا مال فالدية من بيت المال.

ولا تعقل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا إقرارا ولا ما وقع عن تعد كحدث الطريق

__________________

(1) في بعض النسخ : قهرا.

(2) في بعض النسخ : لغرض غير ذلك.


والدابة وكل مضمون ولا ما دون الموضحة.

فعلى هذا التحرير يتنوع القتل ستة أنواع : عمد يوجب القود ، وخطأ محض ، وخطأ شبيه العمد يوجبان الدية على العاقلة ، ومضمون بالتعدي وهو ما عدا الأنواع الثلاثة المعلوم إضافتها وديته لازمة للمتعدى في ماله ، وقتل لا يعرف فاعله وتصح إضافته إلى محل وجوده كالقرية والمحلة وشبههما ، وقتل لا يعرف ولا تصح إضافته كقتيل الزحام ونظائره فديته على بيت المال.

فأما ذهاب الحواس والجوارح والجروح :

ففي ذهاب العقل الدية كاملة.

وفي ذهاب شعر الرأس أو اللحية لا ينبت(1) الدية الكاملة ، فإن نبت ففي شعر رأس الرجل أو لحيته عشر ديته وفي شعر المرأة مهر مثلها.

وفي ذهاب البصر الدية كاملة ، وفي ذهابه من احدى العينين نصف الدية ، ويعتبر بفتح العين مقابل عين الشمس فان لم تطرف فهو أعمى وان أطرف فهو بصير وان أطرف بإحداهما فالاخرى ذاهبة النور ، وفي نقصه منهما أو من إحديهما بحساب ذلك ، ويعتبر بالجسم الظاهر اللون في المسافة ، وفي قلع العينين الدية كاملة ، وفي قلع إحديهما نصف الدية ، وفي ذهاب بصر الأعور خلقة أو قلع عينه الدية ، كاملة وان كان ذهاب الأخرى لتعد عليه في حرب أو بحق لجناية على نفسه فنصف ديتها(2) وفي شفر العين الأعلى ثلث دية العين وفي الأسفل نصف ديتها. وفي خسف العين الواقفة العمياء ثلث ديتها ، وفي طبق(3) المفتوحة أو ذهاب سوادها مع تقدم العمى ربع ديتها.

__________________

(1) في بعض النسخ : إذا لم ينبت.

(2) في بعض النسخ : فنصف دية.

(3) طبقها. ظ.


وفي ذهاب شعر الحاجبين نصف الدية ، وفي أحدهما ربع الدية ، فإن نبت فالأرش.

وفي ذهاب السمع جملة الدية كاملة ، وفي ذهابه من إحدى الأذنين نصف الدية ، ويعتبر بالصوت الرفيع من حيث لا يعلم فان ارتاع فهو سميع وان لم يرتع فهو أصم ، وفي نقصانه فيهما(1) باعتبار التصويت بالطست في المسافة وقياس ذلك الى مماثلة في السن ، وفي إحديهما بسد السليمة بالقطن واعتبار حال الناقصة بالتصويت في الجهة وقياس ذلك بالسليمة ، وفي قطع الأذنين الدية كاملة ، وفي قطع إحديهما نصف الدية ، وفي شحمة الأذن ثلث ديتها ، وفي بعض الاذن بحساب ديتها ، يقاس بالخيط ( كذا ).

وفي ذهاب الشم الدية كاملة ، ويعتبر بتقريب الحراق إلى الأنف فإن دمعت عينه فهو سليم وان لم تدمع فقد ذهبت حاسة شمه ، وفي استيصال الأنف الدية كاملة ، وفي الأرنبة نصف الدية ، وفي إحدى المنخرين ربع الدية ، وفي النافذة فيهما نصف الدية ، فإن صلحت والتأمت فخمس الدية ، وفي النافذة في إحدى المنخرين سدس الدية ، فإن التأمت فعشر الدية ، وفي كسره وجبره من غير عيب ولا عثم عشر الدية.

وفي ذهاب النطق الدية كاملة ، ويعتبر بالإبرة فإن خرج الدم أسود أو لم يخرج دم فهو أخرس وان خرج أحمر فهو سليم ، وفي بعضه(2) بحساب حروف المعجم ، يلزم الجاني من أقساط الدية بعدد ما يختل النطق به منها ، وفي اللسان الدية كاملة ، وفي بعضه بحساب ذلك يقاس بالميل ، وفي قطع لسان الأخرس ثلث ديته ، وفي بعضه بحساب ذلك.

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) وفي نقصه.


وفي الشفتين الدية كاملة ، وفي العليا منهما ثلث الدية ، وفي السفلى ثلثا الدية ، وفي بعضها بحساب ذلك ، وفي شق إحديهما ثلث الدية ، فإن التأمت فخمس ديتها.

وفي الأسنان وهي ثمانية وعشرون سنا الدية كاملة ، وفي كل سن من مقاديم الفم وهي اثنا عشر سنا نصف عشر الدية ، وفي كل سن من مآخير الفم وهي ستة عشر سنا ربع عشر الدية ، وفيما زاد على هذا العدد من الزوائد الأرش ، وفي سن الصبي قبل أن يثغر عشر عشر ديته(1) ، وفي كسر بعض السن بحساب ديتها ، يقاس ذلك بنظيرها السالمة ، وفي صدعها أو سوادها ثلثا ديتها.

وفي اليدين الدية كاملة ، وفي إحديهما نصف الدية ، وفي كل إصبع عشر الدية إلا الإبهام فديتها ثلث الدية(2) ، وفي مفصلها نصف ديتها ، وفي مفصل الطرف من كل إصبع عدا الإبهام ثلث ديتها ، وفي الثاني(3) ثلثا ديتها ، وفي الإصبع الزائدة ثلث إصبع الخلقة المستقيمة ، وفي شلل اليد والإصبع ثلثا ديتها ، وفي قطعها شلاء ثلث ديتها.

وفي الساعدين الدية وفي إحديهما نصف.

وفي العضدين الدية وفي إحديهما نصف الدية ، وفي بعض ذلك بحسابه ، يقاس ويؤخذ دية ما قطع بحساب دية الساعد أو العضد.

وفي الرجلين الدية كاملة ، وفي إحديهما نصف الدية ، وفي كل إصبع من أصابعها عشر دية(4) ، وفي مفصلها نصف ديتها ، وفي الإصبع الزائدة ثلث

__________________

(1) عشر عشر الدية.

(2) في بعض النسخ : ثلث دية اليد.

(3) في المختلف : وفي الباقي.

(4) في بعض النسخ : ديته.


الإصبع المعتادة.

وفي الساقين الدية ، وفي إحديهما نصف الدية.

وفي الفخذين الدية وفي إحديهما نصف الدية.

وفي نقص هذه الأعضاء بمقدار المقطوع من العضو.

وفي كسر الصلب الدية كاملة ، فإن جبر وصلح من غير عيب فعشر الدية.

وفي قطع الحشفة وهي الكمرة من الذكر فما زاد الدية كاملة.

وفي الخصيتين الدية كاملة ، وفي إحديهما نصف الدية.

وفي فرج المرأة الدية كاملة ، وفي ذهاب حيضها ثلث ديتها.

وفي إفضاء الحرة ديتها وفي الأمة قيمتها.

وفيما ولد كون المجني عليه أدر(1) خمسا الدية.

وفي الفحج الذي لا يقدر معه على المشي أو يستطيع منه ما لا ينتفع به في التكسب أربعة أخماس الدية.

وفي كسر عظم عضو خمس دية العضو ، فان جبر فصلح من غير عثم فأربعة أخماس كسره ، وان بطل العضو به فثلثا ديته.

وفي موضحة العضو ربع دية كسره.

وفي رضه ثلث ديته فان جبر فصلح من غير عيب فأربعة أخماس رضه.

وفي فك العضو وبطلانه له ثلثا ديته فان جبر فصلح من غير عيب فأربعة أخماس فكه.

وفي الطعنة النافذة في العضو عشر ديته ، وفي الناقلة في الجسد ثلث دية العضو.

وحكم الشجاج في الوجه حكمه في الرأس وهي ثمان : أولها الدامية

__________________

(1) آدرا.


وهي الخدش الذي يقشر الجلد ويسيل الدم ففيها عشر عشر دية المشجوج ، ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم ففيها خمس عشر ديته ، ثم النافذة وهي التي تنفذ في اللحم وتزيد على الباضعة وتسمى المتلاحمة ففيها خمس عشر وعشر عشر ، ثم السمحاق وهي التي تبلغ الى القشرة الخفيفة الرقيقة المتغشية للعظم ففيها خمسا عشر ديته ، ثم الموضحة وهي التي توضح الى العظم ففيها نصف العشر ، ثم الهاشمة وهي التي تهشم العظم ففيها عشر الدية ، ثم الناقلة التي تكسر العظم وتزيد على الهاشمة ويحتاج معها الى نقل العظام من موضع الى آخر ففيها عشر ونصف عشر دية(1) ثم المأمومة التي تصل إلى أم الدماغ ففيها ثلث الدية.

وفي لطمة وجه الحر المسلم إذا احمر موضعها دينار ونصف ، فإن أخضر أو أسود ثلاثة دنانير. وفي لطمة الجسد النصف من لطمة الوجه ، وفيمن عداه بحساب ديته.

وفي الجائفة تصل الى الجوف ثلث الدية.

وفيما بيناه من ديات الأعضاء والجراح والشجاج بحسب دية المجروح.

__________________

(1) الدية.


الضرب السابع من الأحكام

ويضمن الحر العاقل قيمة ما أفسده وأرش ما جناه عن عمد أو خطأ عن قصد أو سهو ، وما يحصل عند فعله ، أو ممن يلي عليه.

فالأول أن يقتل ما يملكه غيره من حيوان أو يجرحه أو يكسر آلته أو يحرق ثوبه أو يفسد حرثه أو يهدم بناءه الى غير ذلك عن عمد أو خطأ أو سهو فتلزمه في ماله قيمة ما هلك وأرش ما نقص.

والثاني على ضروب : منها أن يحدث في طريق المسلمين أو في الملك المشترك بغير اذن الشركاء أو في ملك الغير بغير اذنه فضمن ما اثر ذلك من فساد أو حصل عنده من تلف أو نقص.

ومن ذلك أن يرسل كلبا عقورا أو جملا هائجا أو دابة مفسدة فيضمن ما يجنونه ، فان ربط واحترزت فأفلت من غير تفريط منه لم يضمن.

ومن ذلك أن يرسل غنمه ليلا فيضمن ما تجنيه على كل حال ، ولا يضمن ما تجنيه نهارا الا ان يرسلها في ملك غيره.

ومن ذلك ما تجنيه دابة(1) المركوبة بيديها على كل حال ، وكذلك حكمه ان كان قائدا ، وبيديها ورجليها ان كان سائقا ولم يحذر ، أو موقوفا لها في غير ملكه

__________________

(1) الدابة. ظ.


والمباح عدا الطريق على كل حال ، وحاملا عليها من لا يعقل(1) على كل حال ، ومنفرا لها كذلك ، الا أن ينفرها عن أذيته ومن يجري مجراه وعما يملكه من حرث فلا يضمن(2) .

ومنها أن يفصد غيره أو يحجمه أو يسقيه دواء أو يقطع له عضوا معالجا أو يعالج له دابة ولا يبرأ اليه أو الى وليه من تبعة ذلك ، فإنه يضمن جميع ما يحدث عنه فعله من موت أو فساد عضو أو نقص ، وان برء اليه لم يضمن.

والثالث ما يقع من الرقيق أو المضمون الجريرة والمحجور عليه من قتل خطأ أو فساد عن(3) مقصود أو عمد ممن لا يعقل فيلزم الولي دية النفس وقيمة المتلف وأرش الجناية.

ولا دية ولا قيمة ولا أرش لما يحدث من البهيمة في ملك صاحبها ، أو المباح كالجبال والبراري ، ولا البئر في الملك ، وللانتفاع بها في غيره ، ولا انهدام البنيان ابتداء ولا بفعل الهالك(4) ، ويضمن ما يحصل(5) من ذلك الى ملك غيره أو طريق المسلمين.

ولا دية للغريق بإيثاره السباحة وللهالك بشرب الدواء أو السم أو قطع العضو باختياره أو وليه مع التبري إليه من جريرته.

ولا دية للمتردى من علو بنفسه أو تفريطه أو بهبوب الرياح.

ولا دية للمستأجر فيما يحدث عليه في إجارته بفعله أو عبد له في نفسه ولا أعضائه ولا آلته ولا دابته الى غير ذلك.

ولا دية للص والمفسد المدافع عن النفس والمال.

__________________

(1) من لا يغفل. خ.

(2) في بعض النسخ : فلا يضمن بدونها.

(3) في بعض النسخ : أو مقصود ، وفي المختلف : غير مقصود.

(4) كذا.

(5) كذا ، ولعل الصحيح : يحمل.


ولا دية للمحمول على الواجب والممنوع من القبيح بالأمر والنهي في حقه كشرب الخمر وترك الصلاة وحق غيره كمريد المرأة على نفسها أو الغلام عليه(1) .

ولا دية للهاجم دار غيره أو المطلع على عورته.

ولا دية لمقتول الحدود أو الآداب المشروعة أو القصاص من غير تعد والمقابل بمثل اعتدائه.

وكل موضع تسقط فيه الدية يسقط فيه قيمة المتلف وأرش الجناية ، ولا ضمان على من حذر ، ولا دية ولا قيمة ولا أرش لما يهلك بعد تحذيره ، ولا دية ولا قود لمن قتل على سب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو أحد الأئمةعليهم‌السلام أو المجاهرة بالسحر.

ويلزم من سمع سابا لبعض الحججعليهم‌السلام أو رأى مجاهرا بالسحر أن يرفع خبره الى السلطان ليقتله ، وان سبق عليه فقتله لم يكن لأحد عليه سبيل إذا ثبت أنه قتله لذلك.

__________________

(1) في بعض النسخ : غلبة.


الضرب الثامن من الأحكام

قد بينا انقسام القبائح العقلية والسمعية إلى فعل كالظلم والكذب والزنا والربا وشرب الخمر ، والإخلال بواجب كالصدق والإنصاف والصلاة والزكاة.

وإيثار القبائح والإخلال بالواجب على ضربين : أحدهما يوجب الحد ، والثاني يوجب التعزير ، فالأول : الكفر والقتل والحرب ـ وقد بينا أحكام ما يقتضونه(1) ـ والزنا واللواط والسحق والقيادة والسرق وشرب الخمر وشرب الفقاع ، ونحن نذكر ما يقتضيه كل واحد من هذه القبائح ، والضرب الثاني : ما عدا ما ذكرناه من القبائح فعلا وإخلالا.

فصل في حد الزنا

انما يكون المرء زانيا في الشريعة بأن يقر به أربع مرات عاقلا مختارا ، أو يشهد به أربعة رجال عدول في وقت واحد ولفظ واحد متفق المعنى بمعاينة الفرج في الفرج كالميل في العين ، أو يعلمه سلطان الحد زانيا ، وهو ممن يصح منه القصد اليه سواء كان مختارا أو مكرها ، صاحيا أم سكران ، صحيحا

__________________

(1) راجع ص 248 ـ 251 و 282.


أو مريضا أو ذا عمى أو عرج.

فان كان حرا مسلما محصنا بزوجة غبطة حرة أو أمة أو ملك يمين حاضرة يتمكن من الوصول إليها وكان شيخا جلد مائة سوط وأمهل حتى يبرأ الضرب ثم رجم حتى يموت ، وان كان شابا رجم حسب ، وان كان أحدهما محصنا بغايبة عنه أو حاضرة لا يتمكن من الوصول إليها جلد مائة سوط وغرب عاما ، وان لم يكن محصنا جلد مائة سوط ، سواء كانت المزني بها حرة أو أمة ، مسلمة أو ذمية ، صغيرة أو كبيرة أو معقودا عليها عقدا لا تحل معه لنسب أو رضاع أو سبب ، عاقلة أو مجنونة ، حية أو ميتة.

وان كانت الزانية حرة مسلمة عاقلة مؤثرة فعليها ان كانت محصنة بزوج حاضر يصل إليها الرجم ، وان كانت بكرا أو محصنة بزوج لا يصل إليها جلدت مائة ولا تغريب عليها ، سواء كان الزاني بها حرا أو عبدا ، مسلما أو كافرا ، صغيرا أو كبيرا ، عاقلا أو مجنونا.

وان كان الزاني عبدا أو الزانية أمة فعلى كل واحد منهما نصف الحد خمسون سوطا على كل حال.

وان كانت ذمية فولي الحد مخير بين أن يحكم فيها بحكم الإسلام وبين أن يسلمها الى أهل دينها ليحكموا فيها بحكمهم.

وان كانت مجنونة لا تفيق فلا شي‌ء عليها ، وان كانت ممن تفيق وأقرت بالزنا أو قامت به البينة أو حصل العلم به في حال إفاقتها ، فعليها ما على العاقلة.

وان كانت صغيرة عزرت.

وان كانت من المحرمات بالنسب قتلا جميعا محصنين كانا أو بكرين ، حرين أم عبدين.


وان كان الزاني عبدا أو مكاتبا لم يتحرر منه شي‌ء أو مدبرا جلد خمسين سوطا ، محصنا كان أو غير محصن ، وان كان مكاتبا قد تحرر منه بعضه جلد من حد الحرية بحسب ما تحرر منه ومن حد العبودية بحسب ما رق منه.

وان كان ذميا بذمية فولى الحد مخير بين ما ذكرناه في أهل الذمة ، وان كان بمسلمة حرة أو أمة صغيرة أو كبيرة ، عاقلة أو مجنونة ، حية أو ميتة قتل لخروجه عن حرمة الذمة ، وغلظ الحد على المسلمة ، فإن أسلم قبل إسلامه وأجريت عليه أحكامه ولم يدرأ ذلك عنه الحد.

وان كان مجنونا مطبقا لا يفيق ولا يهتدى شيئا فلا شي‌ء عليه ، وان كان ممن يصح منه القصد الى الزنا وقامت بفعله البينة أو علمه الامام جلد مائة جلدة محصنا كان أو غير محصن ، ولا يعتد بإقراره ، وان كان ممن يفيق فيثبت إقراره به في حال إفاقته أو قامت به البينة أو حصل العلم للإمام رجم ان كان محصنا ، وجلد ان كان بكرا ، وان كان ذلك في حال جنونه فلا شي‌ء عليه.

وان كان غاصبا مغالبا للمرأة على نفسها قتل صبرا ، حرا كان أم عبدا ، مسلما كان أم كافرا ، ولا شي‌ء عليها.

والصبي إذا فعل بالصبية أو فعل ببالغ أو فعل بها بالغ أدبا بحسب سنهما.

فان رجع المقر بالزنا عن إقراره قبل اقامة الحد عليه أو في حاله لم يعرض له.

وان رجع الشهود أو بعضهم عن الشهادة أو اختلفت أقوالهم جلدوا جميعا حد المفتري ودرئ الحد عن المشهود عليه ، فان كان ذلك بعد إقامته فليقتص ممن رجع منهم بما وقع بالمشهود عليه من قتل أو رجم أو جلد.

فإذا أراد ولي الأمر إقامة الحد على الزانيين أو أحدهما فليكن ذلك بمحضر من جماعة المسلمين ، وان كان حدهما أو أحدهما رجما فليحفر زبية


ويجعل فيها المرجوم ويرد ( كذا ) التراب عليه الى صدره ان كانت اقامة الحد بعلم الإمام أو بينة ، وان كانت بإقرار لم يرد عليهما التراب ، ثم يرجمهما ، ويبدء بالرجم الامام فيما علم والشهود فيما يقام بشهادتهم ، ثم ولي الأمر ، ثم من حضر من أبرار المسلمين وعدولهم دون الفساق حتى يفوت المرجوم ، فان فر من العذاب رد اليه ويرجم حتى يموت ، ويبدأ فيما يقام بالإقرار الإمام ثم أبرار الأمة ، فإن فر المقر من العذاب لم يعرض له لان فراره رجوع عن الإقرار.

وان كان حدهما أو أحدهما جلدا ورجما بدي‌ء بالجلد ، فاذا بري‌ء الضرب أوقع الرجم وان كان الحد جلدا فقط وجب عن بينة تولى إقامته الشهود ، وان كان عن إقرار أو علم تولاه ولى الأمر أو من يأذن له.

فان قامت البينة أو حصل العلم أو الإقرار بفعله عاريا جلد عريانا ، وان كان في ثيابه جلد فيها ويضرب سائر بدنه أشد الضرب ما عدا رأسه وفرجه ، ويجلد الرجل قائماً والمرأة جالسة قد شدت عليها ثيابها لان لا تبدو عورتها ، ولا تجلد في زمان القبط في الهواجر ولا في زمان القر في السوابر ، وان كان المجلود مريضا حفف ضربه فان مات فلا قود له ولا دية.

فإن تاب الزاني أو الزانية قبل قيام البينة عليه وظهرت توبته وحمدت طريقته سقط عند الحد ، وان تاب بعد قيام البينة فالإمام العادل مخير بين العفو والإقامة وليس ذلك لغيره إلا باذنه ، وتوبة المرء سرا أفضل من إقراره ليحد.

وإذا جلد الحر أو الحرة في الزنا ثلاث مرات قتل في الرابعة ، ويقتل العبد والأمة في الثامنة بعد قيام الحد سبع مرات.


فصل في اللواط وحده

اللواط يثبت في الشريعة بما يثبت به الزنا من إقرار أربع مرات أو شهادة أربعة نفر أو علم الامام على الشروط المعتبرة في الزنا. وهو على ضربين : إيقاب وهو الإيلاج والثاني ما دونه من التفخيذ ، ففي الإيقاب قتل الفاعل والمفعول به ان كانا كاملي العقل ، ويقتل الفاعل إذا كان عاقلا ، محصنا كان أو غير محصن ، حرين كانا أو عبدين مسلمين أو ذميين أو مسلما أو ذميا(1) أو حرا أو عبدا(2) وفيما دونه جلد مائة سوط للفاعل(3) والمفعول به.

وحكم الصبي والمجنون في التلوط أو التلوط به ما بيناه في الزنا.

وإذا تلوط الذمي بمسلم صغير أو كبير ، حر أو عبد ، قتل على كل حال.

وإذا أراد ولي الحد إقامته فليقمه بمحضر من جماعة أهل المصر من المسلمين فان كان الواجب منه قتلا فهو مخير بين قتله صبرا(4) بضرب العنق وبين الرجم وبين الدهدهة(5) من العلو حتى يهلك أو طرح الحائط عليه حتى يهلك تحته وان كان مما يوجب الجلد جلد أشد الضرب كالزنا وفي وقته وعلى صفته.

فان كان عن شهادة ابتدأه الشهود بالرجم وتولوا الجلد ، وان كان بإقرار أو علم تولاه ولى الأمر أو من يأمره ، فإن فرا أو أحدهما فكانت(6) إقامته ببينة أو علم رد الفار وكمل اقامة الحد عليه وان كان بإقرار لم يعرض له ، لان

__________________

(1) وذميا. ظ.

(2) وعبدا. ظ.

(3) كذا.

(4) في بعض النسخ : وضرب.

(5) في بعض النسخ : الدحرجة.

(6) وكانت. ظ.


فراره رجوع عن الإقرار.

وإذا تابا أو أحدهما قبل قيام البينة والإقرار توبة ظاهرة ظهر معها صلاحهما سقط عن التائب الحد ، وان كانت التوبة بعد الإقرار أو العلم أو البينة فالإمام العادل مخير بين العفو والإقامة ، وان كانت التوبة بعد الإقرار فلا خيار لغيره في العفو(1) .

وإذا جلد المرء العاقل في اللواط ثلاث مرات قتل في الرابعة صبرا أو رجما أو دهدهة حرا كان أو عبدا مسلما كان أو كافرا أو ذميا.

ومن غصب غلاما على نفسه قتل على كل حال ولا شي‌ء على الغلام.

وإذا تفاعل الصبيان أو أتى ذلك أحدهما أو أتى اليه وجب التأديب بحسب السن.

وإذا تزيا الذكر بزي المرأة واشتهر بالتمكين من نفسه وهو المخنث في عرف العادة قتل صبرا وان فقد البينة والإقرار بإيقاع الفعل به ، لنيابة الشهرة منابهما.

فصل في السحق وحده

يثبت السحق في الشريعة بما يثبت به الزنا من الإقرار أو البينة وبشروطه ، ويجب حده بحيث يجب حد الزنا ويسقط بحيث يسقط وهو مائة جلدة ، محصنتين كانتا المتفاعلتان أو خليتين ، حرتين أو أمتين ، أو حرة وأمة ، مسلمتين أو ذميتين

__________________

(1) كذا في النسخ ، وفي المختلف : قال أبو الصلاح : وإذا تابا أو أحدهما قبل قيام البينة والإقرار توبة ظاهرة ظهر معها صلاح عملهما سقط عن التائب الحد فان تاب بعد الإقرار أو العلم أو البينة فالإمام العادل مخير في العفو والإقامة ولا خيار لغيره في العفو.


أو مسلمة وذمية.

وإذا أراد ولى الأمر إقامته فبمحضر جماعة النساء مشدودتا الثياب في طرفي نهار القبط ووسط نهار القر.

وحكمهما أو إحديهما في الرجوع عن الإقرار وظهور التوبة قبل البينة والإقرار وبعدهما ما سلف مثله في حد الزنا واللواط.

فاذا حدث المرأة في السحق ثلاثا قتلت في الرابعة حرة كانت أو أمة ، مسلمة أو ذمية.

فصل في القيادة وحدها

انما يثبت هذا الحكم بشاهدي عدل أو بإقرار من يعتد بإقراره مرتين بالجمع بين الرجال والنساء والغلمان ، أو النساء والنساء ، فيه جلد خمسة وسبعين سوطا ويحلق رأس الرجل ويشهر في المصر ولا يحلق رأس المرأة ولا تشهر.

وحكم المقر والمعلوم والمشهود عليه بهذا الفعل في إقامة حده والتوبة منه قبل ذلك وبعده والفرار والرجوع عن الإقرار ما تقدم في الحدود الماضية.

فإن عاد ثانية جلد ونفى عن المصر ، فان عاد ثالثة جلد ، فان عاد رابعة استتيب فان تاب قبلت توبته وجلد ، وان أبى التوبة قتل ، وان تاب ثم أحدث بعد التوبة خامسة قتل على كل حال.

وحد القيادة للمرقوق كالحر والذمي(1) كالمسلم وللمرأة كالرجل.

__________________

(1) وللذمي. ظ.


فصل في السرق وحده

السرق الموجب للقطع مشترط بكون السارق عاقلا ، مختارا له(1) لا حظ له في المسروق ، ولا شبهة عليه فيه ، ما مقداره ربع دينار فما زاد ، من حرز لا يجوز له دخوله إلا بإذن وإخراجه عنه ، بإقرار من يعتد بإقراره من الأحرار مرتين ، أو شهادة عدلين بذلك على كل حال.

فاذا تكاملت هذه الشروط وجب قطع أصابع السارق الأربع من اليد اليمنى من أصولها دون الراحة والإبهام ، حرا كان أو عبدا ، مسلما أو ذميا ، قريبا أو أجنبيا الا سرق الوالدين من ولدهما على كل حال ، أو الولد منهما بشرط الحاجة واخلالهما بفرضه ، فان سرق ثانية قطع مشط رجله اليسرى من المفصل دون مؤخر القدم والعقب ، فان سرق ثالثة خلد الحبس ، فان سرق في الحبس قتل صبرا.

فان كان السراق جماعة مشتركين في المسروق قطعوا جميعا بربع دينار فما زاد ، وان كانوا منفردين كل منهم يسرق لنفسه قطع منهم من بلغ ما أخذه ربع دينار فما فوقه ، ولا يقطع من نقصت سرقته عن ذلك.

وإذا ثبت سرق الصبي هدد في الأولة ، وحكت أصابعه بالأرض حتى تدمى في الثانية ، وقطعت أطراف أنامله الأربع من المفصل الأول في الثالثة ومن المفصل الثاني في الرابعة ، ومن أصول الأصابع في الخامسة.

ولا يعتد بإقرار العبد فيما يوجب قطعه ، ولا الرجوع بما أقر به على سيده لأنه أقر في مال غيره لكن يؤدب.

ولا يقبل إقرار الصبي ولا المأوف العقل ويؤدبا ، ولا يعتد بإقرار المكره

__________________

(1) كذا.


ولا الملجإ اليه بالضرب.

والغرم لازم للسارق الحر وان كان المسروق ينقص عما يوجب القطع ، وإذا رجع المقر بالسرق عن إقراره اغرم ما أقر به ولم يقطع.

ويقطع النباش إذا أخذ من الأكفان ما يجب في مثله القطع ويقطع الطرار من الجيب والكم الباطن ويؤدب طرار الكم الظاهر.

وإذا سرق ولم يخرج السرق من الحرز ، أو اختل بعض الشروط أخذ منه ما أخذوا نهك عقوبة ولم يقطع وإذا أقر بسرقات كثيرة أو قامت بذلك بينة قطع لأولها اغرم جميعا(1) .

ويجوز لمن ظفر بالسارق إطلاقه قبل أن يرفعه إلى ولى الأمر فإذا رفعه وجب على ولى الحد قطعه ولم يجز له العفو عنه ، فان تاب السارق وظهر صلاحه قبل أن يرفع خبره الى السلطان سقط عنه القطع ، وعليه غرم ما سرق ، وان تاب بعد ما رفع إليه فالإمام خاصة مخير بين قطعه والعفو عنه ، ولا خيار لغيره.

ومن باع حرة زوجة أو أجنبية قطع(2) لفساده في الأرض ، وفرق بين المبتاع وبينها(3) فان كان قد وطئها مع(4) العلم بحالها حد حد الزاني وحدت ان طاوعته ، وان غصبها نفسها قتل ولا شي‌ء عليها ، ولا يرجع على بائعها بشي‌ء ، بل يؤخذ الثمن فيسلم الى المغلوبة على نفسها ، ويتصدق به في المطاوعة ، وان لم يكن يعلم بحالها فلا شي‌ء عليه ويرجع على البائع بما أخذه فيعطى للمغلوبة ويتصدق به مع المطاوعة(5) .

__________________

(1) جميعها.

(2) كذا.

(3) في بعض النسخ : وبينهما.

(4) بعد العلم.

(5) راجع المختلف كتاب الحدود ص 224.


وقد تقدم أحكام قاطع الطريق ومخيف السبيل في كتاب الجهاد فلا وجه لإعادته.

فصل في حد الخمر والفقاع

يجب على من أقر مرتين أو قامت البينة عليه بشاهدين بشرب قليل المسكر وان اختلفت أجناس ما يعتصر منه ، صرفا أو مختلطا بماء أو دواء أو بغيرهما ، أو بقيئه أو حصول السكر منه أن يجلد ثمانين جلدة عريانا على ظهره وكتفيه من أشد الضرب ، فان عاد جلد ثانية فان عاد قتل في الثالثة.

وحكم شارب الفقاع محرما له ، صرفا أو ممزجا(1) بغيره حكم شارب المسكر(2) في الحد ، وان كان مستحلا فهو كافر يجب قتله. فان تاب شاربهما أو أحدهما قبل الإقرار(3) والبينة توبة يظهر صلاح التائب معها درأت عنه الحد وان تاب بعد ذلك فالإمام مخير بين الاستيفاء والعفو.

فصل في القذف وحده

القذف قول يفيد بصريحه أو دلالة عرف قائله كون المقذوف زانيا أو لاطيا(4) أو متلوطا به ، سواء قصد السب أو شهد بمعناه أو أخبر عنه ، بشرط توجهه الى حر أو حرة من حر أو عبد مسلم أو ذمي.

فمتى تكاملت هذه الشروط فالقائل قاذف بإقرار مرتين أو شهادة عدلين ، والمقول فيه مقذوف يستحق مطالبة بحق القذف جلد السلطان ثمانين جلدة ،

__________________

(1) ممتزجا.

(2) في المختلف : شارب الخمر.

(3) أو البينة.

(4) لائطا.


وله العفو عنه ، وان اختل شرط فهو تعريض يوجب التأديب فان كان القاذف عبدا أو حرة أو أمة جلد كل منهم حد الرجل الحر ، وان كان القاذف ذميا لذمي أو ذمية ترافعا الى حاكم المسلمين فعليه أن يجلده كما يجلد المسلم للمسلم ، وان كان المقذوف منه مسلما أو مسلمة حرا أو رقيقا قتل لخروجه عن الذمة بسب أهل الايمان.

والصريح يا زان ، أو زانية أو قد زنيت(1) أو قد زنا بك فلان ، أو قد زنيت بفلانة ، أو يا لائط ، أو لطت بفلان ، أو ليط بك أو فلان لائط.

والكناية المفيدة يا قحبة أو يا فاجرة أو يا عاهرة أو يا فاجر أو يا عاهر أو يا فاسق أو يا فاسقة أو يا مؤاجر(2) أو يا علق(3) أو يا مأبون أو يا قرنان أو يا كشخان أو ديوث الى غير ذلك من الألفاظ الموضوعة لكون الموصوف بها زانيا أو لائطا أو متلوطا به.

والمعتبر في كنايات القذف عرف القاذف دون المقذوف.

فان قال لغيره زنيت بفلانة أو زنا بك فلان أو لطت بفلان أو لاط بك فلان فهو قاذف للاثنين يحد لكل منهما حدا ، وان قذف جماعة بلفظ واحد فقال يا زناة أو يا لاطة(4) أو يا أولاد الزنا أو ما يفيد ذلك فهو قاذف لجميعهم فان جاءوا به مجتمعا جلد حدا واحدا وان جاء به كل واحد منهم منفردا حد له حدا منفردا ، وان قذف كل واحد من جماعة بلفظ مفرد فقال لكل منهم يا زان أو فلان زان وفلان زان فعليه لكل واحد منهم حد ، جاءوا به مجتمعين أو متفرقين

__________________

(1) في الأصل : وقد زنتا.

(2) كذا.

(3) في بعض النسخ : يا غلق.

(4) في بعض النسخ : يا لائطة.


وان قذف جماعة لجماعة فعلى كل واحد منهم حد.

وقذف الرجل زوجته بالزنا يوجب الجلد ، وبالمعاينة أو إنكار الحمل أو الولد يوجب اللعان مع الإصرار ، والحد للرجوع عنه ، وشهادة الواحد والاثنين والثلاثة بالزنا أو اللواطة يوجب جلد كل منهم حد المفتري وشهادة الأربعة بالزنا أو اللواطة أو قذفهم أو اخبارهم من غير شهادة بمعاينة الفرج في الفرج تقتضي جلد جميعهم حد المفتري.

وكذلك حكمهم إذا اختلفوا في الشهادة أو جاءوا بها متفرقين ، وان كان أحد الشهود الزوج جلد(1) الثلاثة حد المفتري ولا عن الزوج.

وإذا أقر الرجل بالزنا بامرأة بعينها أو عدة نساء معينات ، أو أقرت المرأة بالزنا مع رجل بعينه أو رجال معينين ، وأنكر المدعى عليهم ، فعلى كل واحد منهما حد الزنا لإقراره وبعدد(2) المقذوفات أو المقذوفين من حدود الافتراء.

ومن قال لولد ملاعنته أو لقيط أو ولد أمة أو ذمية من حر مسلم يا ولد زنا فهو قاذف يجب عليه الحد.

فان كان القذف مختصا بالمقذوف صريحا أو كناية كقوله يا زان أو يا زانية أو يا عاهر أو يا عاهرة أو يا لائط أو ليط بك ، فالولاية فيه للمقذوف ، ان شاء طالب بالحد وان شاء عفا عن القاذف ما دام حيا ، ويقوم ورثته في ذلك مقامه.

وان كان القذف مقصودا به استخفاف المخاطب وسب غيره صريحا(3) أو كناية كقوله يا بن الزانية أو أخا الزانية أو زوج الزانية أو أبا الزانية أو

__________________

(1) حدوا. كذا في المختلف.

(2) في بعض النسخ : تعدد.

(3) في بعض النسخ : صريح.


يا قرنان أو يا كشخان في كون(1) ذلك استخفافا بالمخاطب وسبا لأمه أو بنته أو أخته أو زوجته فالولاية لهما ، فان مات أحدهما قام ورثته في ذلك مقامه.

وإذا كانت الولاية في القذف لاثنين فما زاد عليهما فلكل واحد منهما المطالبة بالحد ، فإذا أقيم له سقط حق الباقين ، وان عفا بعضهم سقط حقه وكان لمن لم يعف المطالبة بالحد واستيفاؤه والعفو عنه ، فان مات المقذوف وليس له ولى فعلى سلطان الإسلام الأخذ بحقه وليس له العفو.

وتوبة القاذف قبل رفعه الى السلطان وبعده لا تسقط عنه حد القاذف ولا يسقط ذلك الا بعفو المقذوف أو وليه من ذوي الأنساب.

ومن سب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو أحد الأئمة من آله أو بعض الأنبياءعليهم‌السلام فعلى السلطان قتله ، وان قتله من سمعه من أهل الايمان لم يكن للسلطان سبيل عليه ، وان أضاف إلى بعضهم قبيحا جلد مغلظا لحرمتهمعليهم‌السلام وثبوت عصمتهم ، وقد روى عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : « لا اوتي برجل يزعم أن داود عشق امرأة « أو رياه » الا حددته حدين حدا للإسلام وحدا للنبوة »(2) .

فصل فيما يوجب التعزير

التعزير تأديب تعبدا لله سبحانه به لردع المعزر وغيره من المكلفين ، وهو مستحق للإخلال بكل واجب وإيثار كل قبيح لم يرد الشرع بتوظيف الحد

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : فيكون ذلك.

(2) رواه في المبسوط بهذه العبارة : روى عن علىعليه‌السلام انه قال : لا اوتى برجل يذكر أن داود صادف المرأة إلا جلدته مائة وستين ، فان جلد الناس ثمانون وجلد الأنبياء مائة وستون.


عليه ، وحكمه يلزم بإقرار مرتين أو شهادة عدلين.

فمن ذلك أن يخل ببعض الواجبات العقلية كرد الوديعة وقضاء الدين ، أو الفرائض الشرعية كالصلاة والزكاة والصوم والحج الى غير ذلك من الواجبات والفرائض المبتدئة والمسببة والمشترطة ، فيلزم سلطان الإسلام تأديبه بما يردعه وغيره عن الإخلال بالواجب ويحمله وسواه على فعله.

ومن ذلك أن يفعل بعض القبائح وهي على ضروب : منها وجود الرجل والمرأة لا عصمة بينهما في إزار واحد ، أو بيت واحد ، الى غير ذلك من ضم أو تقبيل فما فوقهما ، فيعزرا بحسب ما يراه ولى التأديب من عشرة أسواط إلى تسعة وتسعين سوطا ، وكذلك حكم الرجلين في شعار واحد مجردين ، والمرأتين كذلك ، والرجل والغلام في بيت واحد وفي شعار واحد مع الريبة على كل حال ، الى غير ذلك مع(1) ضم وتقبيل يوجب التعزير.

ويعزر الصبي المتلوط به ، والناقص العقل ، والصبيان المتلاوطان ، والصغيرتان المتفاعلتان ، والصبي العابث بالمرأة ،(2) والصغير والصبية والمأوفة المفعول بها ، والأمة إذا ادعت إكراه السيد لها على السحق ، والعبد المفعول به إذا ادعى إكراه السيد له على التلوط به ، ويعزر مالك الأمة إذا أكرهها على البغاء وتحد هي.

ويعزر من أقر على نفسه بزنا أو لواط أو سحق أقل من أربع مرات مع الإقامة عليه ، ويعزر من أقر مرتين أو شهد عليه شاهدان بوطء دون الفرج.

ويعزر واطئ الأمة المشتركة بالابتياع أو الغنيمة ، والأمة المكاتبة إذا تحرر بعضها. وكذلك حكم من عقد نكاح شبهة ووطئ معه ، ويعزر من افتض بكرا

__________________

(1) كذا في النسخ ، والظاهرة : من ضم.

(2) في بعض النسخ : أو الصغير والصبية و.


بإصبعه ويغرم مهر مثلها.

ويعزر من استمنى بكفه أو أتى بهيمة أو جامع بعض حلائله بعد الموت أو بعض المحرمات بعد الحد.

ويعزر من عرض بغيره بما يفيد القذف بالزنا(1) أو اللواط كقوله يا ولد خبث ، أو حملت أمك بك في حيضها ، أو أتيت بهيمة ، أو استمنيت ، أو سرقت ، أو قدت ، أو شربت خمرا ، أو أكلت محرما أو كذبت ، وللمرأة يا ساحقة.

أو نبزه بما يقتضي النقص كقوله يا سفلة ، أو يا ساقط ، أو يا سفيه ، أو يا أحمق ، أو فاسق ، أو مجرم ، أو كافر ، أو تارك الصلاة ، أو الصوم ، وهو غير مشهور بما يقتضي ذلك ، فان كان مشهورا به لم يعزر من قرنه بفعله أو وصفه بما يقتضيه كالمجاهرين بشرب الخمر أو الفقاع أو بيعهما ، أو ضرب العود وغيره من الملاهي ، أو ترك الصلاة والإفطار في الصوم ، لا تأديب على من قال لمن هذه حاله يا فاسق أو ساقط أو مجرم أو عاص ، كما لأحد على من قال لمعترف بالزنا يا زان وباللواط يا لائط.

وإذا تقاذفا العاقلان عزرا جميعا. وإذا قذف الحر المسلم أو المسلمة الحرة عبدا أو أمة أو ذميا أو ذمية أو صبية أو مجنونا أو مجنونة عزر. ويعزر العبيد والإماء وأهل الذمة إذا تقاذفوا.

وإذا قذف المسلم أو الكافر غيره بما هو مشهور به ومعترف بفعله من كفر أو فسق فلا شي‌ء عليه ، بل المسلم عابد ( كذا ) بذلك.

وإذا عير المسلم ببعض الآفات كالعمى والعرج والجنون والجذام والبرص

__________________

(1) في بعض النسخ : والزنا.


عزر ، وان عيره بذلك كافر أنهك(1) عقوبة ، وان كان المعير كافرا من مسلم فلا شي‌ء عليه.

وحكم تعريض الواحد بالجماعة بما يوجب التعزير بلفظ واحد أو لكل منهم بتعريض يخصه(2) ما قدمناه في القذف.

وإذا قذف المرء ولده أو عبده أو أمته عزر.

ويعزر من سرق مالا يوجب القطع لاختلال بعض الشروط ، كسرقة العبد من سيده ، والوالد(3) من ولده ، ومن تجب نفقته ممن تجب عليه ، والشريك من شريكه ، والمتأول(4) ، وما نقص عن ربع دينار ، وما بلغه فما فوقه من غير حرز مأذون فيه(5) ، أو منه ولما يخرجه عنه ، أو من مال مشترك كالمغنم ، أو اختلس ، أو مكر ، أو بنج غيره ، أو طفف(6) عليه ويرجع عليه بما أخذه.

ويعزر من أكل أو شرب أو باع أو ابتاع أو تعلم أو علم أو نظر أو سعى أو بطش أو أصغى(7) أو آجر(8) أو استأجر أو أمر أو نهى على وجه قبيح(9) .

فان كان من اتى ما يوجب التعزير عاقلا في يوم أو ليلة معظمان كيوم

__________________

(1) نهك.

(2) في بعض النسخ : بحصة ، والظاهر ما أثبتناه.

(3) في بعض النسخ : « والولد من والده » مكان هذه الجملة. والصحيح ما أثبتناه.

(4) كذا.

(5) كذا في النسخ ، والصحيح هكذا : من غير حرز أو من حرز مأذون فيه.

(6) كذا في بعض النسخ. وفي السرائر : طفف في كيل.

(7) في بعض النسخ : أصفى. وهو تصحيف ظاهرا.

(8) في بعض النسخ : أخر ، وهو تصحيف ظاهرا.

(9) يقبح.


الجمعة والعيد وزمان الصوم أو ليلته أو مكان معظم كالمسجد الحرام أو مسجد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله أو مسجد الكوفة أو بعض مشاهد الأئمةعليهم‌السلام أو مسجد الجامع أو المحلة غلظت عليه العقوبة.

وان كان ذلك مما يوجب الحد أضيف إليه لحرمة الزمان أو المكان تعزير مغلظ.

فان رجع من وجب عليه التأديب بإقراره عنه ، أو تاب قبل رفعه الى السلطان وكان من حقوق الله ، سقط عنه فرض إقامته ، وان كان من حقوق الآدميين لم تؤثر التوبة ولا الرجوع عن الإقرار في إسقاطه ، وكان ذلك الى ولي الاستيفاء والعفو.

والتعزير لما يناسب القذف من التعريض والنبز والتلقب(1) من ثلاثة أسواط إلى تسعة وسبعين(2) سوطا ولما عدا ذلك من ثلاثة إلى تسعة وتسعين سوطا.

وحكمه يلزم القاصد العالم أو المتمكن من العلم دون الساهي بفعله والطفل الذي لا يصح منه القصد والمجنون المطبق.

وإذا عاود المعزر الى ما يوجبه ، عزر ثانية وثالثة ورابعة واستتيب ، فان أصر وعاود بعد التوبة قتل(3) صبرا.

__________________

(1) في بعض النسخ : والتلقيب.

(2) كان في بعض النسخ « تسعين » ، والصحيح ما أثبتناه.

(3) في بعض النسخ : ختم صبرا ، وهو تصحيف ظاهرا.


فصل في تنفيذ الأحكام

المقصود في الأحكام المتعبد بها تنفيذها ، وصحة التنفيذ يفتقر إلى :

معرفة من يصح حكمه ويمضي تنفيذه ممن لا يصح ذلك منه.

الثاني بيان ما يصح الحكم به وترتبه.

الثالث كيفية إيقاعه.

الفصل الأول من التنفيذ

تنفيذ الأحكام الشرعية والحكم بمقتضى التعبد فيها من فروض الأئمةعليهم‌السلام المختصة بهم دون من عداهم ممن لم يؤهلوه لذلك ، فان تعذر تنفيذها بهمعليهم‌السلام وبالمأهول لها من قبلهم لأحد الأسباب لم يجز لغير شيعتهم تولي ذلك ولا التحاكم اليه ولا التوصل بحكمه إلى الحق ولا تقليده الحكم مع الاختيار ، ولا لمن لم يتكامل له شروط النائب عن الإمام في الحكم من شيعته ، وهي :

العلم بالحق في الحكم المردود اليه ، والتمكن من إمضائه على وجهه ، واجتماع العقل والرأي ، وسعة الحلم ، والبصيرة بالوضع ، وظهور العدالة ، والورع ، والتدين بالحكم ، والقوة على القيام به ووضعه مواضعه.


ومنعنا من صحة الحكم لغير أهل الحق لضلالهم عنه ، وتعذر العلم عليهم بشي‌ء منه لأجله وتدينهم(1) بالباطل وتنفيذه ، وفقد الاذن من ولي الحكم بالحق فيما يحكمون به منه ، وذلك مقتض لاختلال معظم الشروط فيهم ، ولبعض ذلك حرم على من لم يتكامل شروط الحكم فيه من أوليائهم النيابة في تنفيذ الأحكام وتقليده ذلك والتحاكم اليه.

واعتبرنا العلم بالحكم لما بيناه من وقوف صحة الحكم على العلم ، لكون الحاكم مخبرا بالحكم عن الله سبحانه وتعالى ونائبا في إلزامه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقبح الأمرين من دون العلم.

واعتبرنا التمكن من إمضائه على وجهه من حيث كان تقلد الحكم بين الناس مع تعذر تنفيذ الحق يقتضي الحكم بالجور ، وفيه مع كونه كذلك ما في الحكم بغير علم(2) .

واعتبرنا اجتماع العقل والرأي ، لشديد(3) حاجة الحكم إليهما وتعذره صحيحا من دونهما.

واعتبرنا سعة الحلم ، لتعرضه بالحكم بين الناس للبلوى بسفهائهم فيسعهم بحلمه.

واعتبرنا البصيرة بالوضع ، من حيث كان الجهل بلغة المتحاكمين اليه يسد طريق العلم بالحكم عنه ، ويمنع من وضعه موضعه.

واعتبرنا الورع ، من حيث كان انتفاؤه لا يؤمن معه الحيف في الحكم

__________________

(1) في بعض النسخ وفي السرائر : وأقدامهم بالباطل.

(2) في بعض النسخ وفي السرائر هكذا : وهو مع كونه كذلك ينافي الحكم لغير علم.

(3) لشدة.


لعاجل رجاء أو خوف من غيره سبحانه.

واعتبرنا الزهد(1) ، لان لا تطمح نفسه الى ما لم يؤته سبحانه فيبعثه ذلك الى تناول أموال الناس لقدرته عليها وانبساط يده بالحكم فيها.

واعتبرنا التدين ، من حيث كان تقلد الحكم رئاسة دنيوية ، أو للاستعلاء على النظراء ، أو للمعيشة لا يؤمن معه جوره ولا ينفي(2) ضرره.

واعتبرنا القوة وصدق العزيمة في تنفيذ الأحكام ، من حيث كان الضعف مانعا من تنفيذ الحكم على موجبه ومقصرا بصاحبه عن القيام بالحق لصعوبته وعظم المشقة في تحمله.

فمتى تكاملت هذه الشروط فقد أذن له في تقلد الحكم وان كان مقلده ظالما متغلبا ، وعليه متى عرض لذلك أن يتولاه ، لكون هذه الولاية أمرا بمعروف ونهيا عن منكر تعين فرضها بالتعريض للولاية عليه ، وان كان في الظاهر من قبل المتغلب ، فهو نائب عن ولي الأمرعليه‌السلام في الحكم ومأهول له لثبوت الاذن منه وآبائهمعليهم‌السلام لمن كان بصفته في ذلك ، ولا يحل له القعود عنه.

وان لم يقلد من هذه حاله النظر بين الناس فهو في الحقيقة مأهول لذلك بإذن ولاة الأمر ، وإخوانه في الدين مأمورون بالتحاكم وحمل حقوق الأموال اليه والتمكين من أنفسهم لحد أو تأديب تعين عليهم ، لا يحل لهم الرغبة عنه ولا الخروج عن حكمه ، وأهل الباطل محجوجون بوجود من هذه صفته مكلفون الرجوع اليه وان جهلوا حقه لتمكنهم من العلم(3) لكون ذلك

__________________

(1) الزهد لم يعتبر من قبل الا ان يكون هو المقصود من ظهور العدالة.

(2) ولا يتقى.

(3) من العلم به. كذا في السرائر.


حكم الله سبحانه وتعالى الذي تعبد ( يعتد ـ خ ) بقوله وحظر خلافه.

ولا يحل له مع الاختيار وحصول الأمن من معرة(1) أهل الباطل الامتناع من ذلك ، فمن رغب عنه ولم يقبل حكمه من الفريقين فعن دين الله رغب ، ولحكمه سبحانه رد ، ولرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خالف ، ولحكم الجاهلية ابتغى ، والى الطاغوت تحاكم.

وقد تناصرت الروايات عن الصادقينعليهما‌السلام بمعنى ما ذكرناه :

فروى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انه قال : أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه الى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى الا أن يرافعه إلى هؤلاء ، كان بمنزلة الذين قال اللهعزوجل (2) ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ) (3) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله (4) انه قال : إياكم أن يخاصم بعضكم بعضا الى أهل الجور ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم فاني قد جعلته(5) قاضيا فتحاكموا اليه(6) .

وروى عن عمر بن حنظلة قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجلين من

__________________

(1) مضرة.

(2) سورة النساء ، الاية : 60.

(3) الوسائل ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب الأول ، الحديث الثاني.

(4) كذا.

(5) في بعض النسخ : جعلته عليكم قاضيا.

(6) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الأول ، الحديث الخامس ، وفيه « يحاكم » مكان « يخاصم ».


أصحابنا تكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما الى السلطان والى القاضي أيحل ذلك؟ قال : من تحاكم الى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتا وان كان حقه ثابتا ، لأنه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله عزوجل أن يكفر بها قلت : كيف يصنعان؟ قال : أنظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا فليرتضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله(1) .

واعلم أن فرض هذا التحاكم مشترط بوجود عارف من أهل الحق وكون المتنازعين من أهله ، فأما ان فقد العارف وكان الخصم الدافع للحق(2) جاز التوصل بحكم المنصوب من قبل الظالم الى المستحق ، ولا يحل ذلك بين أهل الحق ، فإن فقد العارف بالحق من اخوانهما في مصرهما فليرحلا اليه أو يصطلحا.

وروى عن أمير المؤمنينعليه‌السلام لشريح : قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي(3) .

يعنى بالشقي من جلس بغير اذن من الله ورسوله وولي الأمر ، لأن المأذون له في الحكم ، بحكم الله يحكم فيجلس في الحكم مجلسهما(4) .

وروى عن أبي جعفرعليه‌السلام انه قال : الحكم حكمان : حكم الله وحكم

__________________

(1) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الأول ، الحديث الرابع ، والباب 11 الحديث الأول ، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ.

(2) في السرائر : للحق مخالفا.

(3) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الثالث ، الحديث الثاني.

(4) في السرائر : فمجلسه في الحكم مجلسهما.


الجاهلية ، وقد قال الله تعالى( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) وأشهد على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية(1) .

وروى عن أبي عبد الله انه قال : الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله فقد حكم بحكم الجاهلية(2) .

وروى عن أبي جعفرعليه‌السلام انه قال : من أفتى الناس بغير علم ولا هدى لعنته ملائكة الرضا وملائكة العذاب فيلحقه وزره ووزر من يعمل بفتياه(3) .

وروى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انه قال : من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله فهو كافر بالله العظيم(4) وقد قال الله تعالى( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) و( الظّالِمُونَ ) و( الْفاسِقُونَ ) .

وروى عنهعليه‌السلام انه قال : إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه وعن يساره ما ترى؟ ما تقول؟ فعلى ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين الا يقوم من مجلسه ويجلسهما مكانه(5) .

مقتضى هذا الحديث ظاهر ، لان الحاكم إذا كان مفتقرا إلى مسألة غيره كان جاهلا بالحكم ، وقد بينا قبح الحكم بغير علم ، وجواب من يسأله لا يقتضي حصول العلم له بالحكم بغير شبهة ، فلهذا حقت عليه اللعنة ، ولأنه عند مخالفينا ان كان من أهل الاجتهاد فهو مستغن عن غيره ولا يحل له تقليده ، وان

__________________

(1) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الرابع ، الحديث الثامن ، والآية في سورة المائدة : 50.

(2) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الرابع ، الحديث السابع.

(3) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الرابع ، الحديث الأول مع اختلاف يسير.

(4) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الخامس ، الحديث الثاني.

(5) الوسائل ، أبواب آداب القاضي ، الباب الرابع ، الحديث الأول.


كان عاميا لم يحل له تقليد الحكم بين الناس ، فقد حقت لعنته(1) بإجماع.

وروى عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انه قال : القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة : رجل قضى بجور وهو لا يعلم أنه جور فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم انه حق فهو من أهل النار ، ورجل قضى بالجور وهو يعلم انه جور فهو في النار ، ورجل قضى بالحق وهو يعلم أنه حق فهو في الجنة(2) .

وهذا صريح بوقوف الحكم على العلم ووجوبه واستحقاق الحاكم به الثواب ، وفساده من دونه واستحقاق الحاكم من دونه النار.

وقد تجاوز التحريم الحكم بالجور والتحاكم الى حكامه الى تحريم مجالسة أهله.

فروى عن محمد بن مسلم الثقفي انه قال : مر بي أبو جعفرعليه‌السلام أو أبو عبد اللهعليه‌السلام وأنا جالس عند قاضي المدينة ، فدخلت عليه من الغد فقال لي : ما مجلس رأيتك فيه أمس؟ فقلت : جعلت فداك ان هذا القاضي لي مكرم فربما جلست اليه ، فقالعليه‌السلام لي : وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعم من في المجلس(3) .

لفظ الحديث ومعناه مطابق لما تقرر الشرع به من وجوب إنكار المنكر وقبح الرضا به ، والحكم بالجور من أعظم المنكرات ، فمجالس الحكام به لغير الإنكار والتقية راض بما يجب إنكاره من الجور واستحقاق اللعنة(4) معا وإذا كانت هذه حال الجليس فحال الحاكم بالجور ومقلده النظر والتحاكم اليه والأخذ بحكمه أغلظ ، لارتفاع الريب في رضا هؤلاء بالقبيح.

__________________

(1) في السرائر : فلهذا حقت عليه اللعنة.

(2) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الرابع ، الحديث السادس.

(3) الوسائل ، أبواب صفات القاضي ، الباب الأول ، الحديث العاشر.

(4) كذا في أكثر النسخ وفي السرائر وفي بعض النسخ فاستحقا اللعنة معا وهو الصحيح.


الفصل الثاني من تنفيذ الأحكام

لا يصح الحكم إيجابا ولا حظرا ولا تمليكا ولا منعا ولا إلزاما ولا إسقاطا ولا امضاء ولا فسخا الا عن علم بما يقتضي ذلك أو إقرار المدعي عليه ، أو ثبوت البينة بالدعوى ، أو يمين المدعى عليه ، أو المدعى ، دون ما عدا ذلك ، ولكل حكم.

فصل في العلم بما يقتضي الحكم

علم الحاكم بما يقتضي تنفيذ الحكم كاف في صحته ومغن عن إقرار وبينة ويمين ، سواء علم ذلك في حال تقلد الحكم أو قبلها ، لسكون نفس الحاكم العالم الى ما علمه في حال حكمه بمقتضاه ، سواء كان علمه حادثا في حال(1) أو باقيا إليها(2) أو متولدا عن أمثاله الماضية أو حادثا حالا بعد حال في كيفية تعلقه(3) بالمعلوم على حد واحد وانتفاء الشبهة عنه في صحته ، وعدم السكون لصحة(4) الدعوى مع الإقرار أو البينة أو اليمين و(5) انتفاء الثقة بشي‌ء من ذلك ، وانما يعلم الحاكم مع الإقرار أو الشهادة أو اليمين صحة التنفيذ متى علم التعبد دون صدق المدعي مع ذلك أو المدعى عليه مع يمينه ، وهو مع ذلك العلم عالم بالأمرين صدق المدعى في الدعوى وصحة الحكم بها ، ولا

__________________

(1) في بعض النسخ : حادثا في الحال ثابتا أو.

(2) في السرائر المطبوع : ومتولدا.

(3) في بعض النسخ : في كيفية التعلق بالمعلوم.

(4) بصحة.

(5) في بعض النسخ : أو انتفاء.


شبهة على متأمل في أن الظن لا حكم له مع إمكان العلم فكيف بثبوته.

وكيف يتوهم عاقل صحة الحكم مع صحة الظن(1) وفساده مع العلم به وهو يفرق بين حالتي العالم والظان.

وأيضا فصحة الحكم بالإقرار أو البينة أو اليمين فرع للعلم بالإقرار وقيام البينة وحصول اليمين وثبوت التعبد ، فلو كان العلم بصحة الدعوى أو الإنكار غير متعبد به لم يصح حكم بإقرار ولا بينة ولا يمين ، لوقوف صحته على العلم الذي لا يعتد بمثله ، لان العلم بالشي‌ء ان اعتد به في موضع فهذا حكمه في كل موضع(2) وفي هذا خروج عن الحق جملة إذ لا برهان عليه له يميز من الباطل غير العلم(3) .

وأيضا فلو لم يلزم الحاكم الحكم بما علمه من غير توقف على إقرار أو بينة أو يمين ، لاقتضى ذلك الحكم بما يعلم خلافه إذا حصل به إقرار أو بينة أو يمين ، من تسليم ما يجب المنع منه ، والمنع مما يجب تسليمه ، وقتل وقطع من علم عدم استحقاقه لهما ، وإلحاق نسب من يعلم براءته منه الى غير ذلك مما لا شبهة في فساده.

وأيضا فلو لم يكن الحكم بالعلم معتبرا لم يصح للحاكم تنفيذ ما تقدم الإقرار به أو الشهادة لزمان التنفيذ ، لأنه ان حكم في هذه الحال فإنما يحكم لعلمه بماضي الإقرار أو البينة ، فإذا كان الحكم بالعلم لا يصح هاهنا(4) والمعلوم خلاف ذلك ، إذ لا فرق بين أن يحكم للعلم بالإقرار والبينة وبين العلم بصحة

__________________

(1) في السرائر : مع ظن الصدق.

(2) في السرائر : وان ألغى حكمه في موضع فهذا حاله في كل موضع.

(3) في بعض النسخ : عن العلم وهو تصحيف.

(4) في السرائر : لا يصح لم يصح هاهنا.


الدعوى أو الإنكار ، بل الثاني أظهر.

وأيضا فلو كان يعتبر في الحكم بالإقرار(1) والبينة واليمين دون العلم لم يجز إبطال ذلك متى علم الحاكم كذب المقر أو الشهود أو الحالف ، والإجماع بخلاف ذلك ، فثبت كون العلم أصلا في الأحكام ، وسقط قول من منع من تنفيذها له(2) .

وليس لأحد أن يمنع من الحكم بالعلم للنهى عنه أو فقد تعبد بمقتضاه ، من(3) حيث كان ما قدمناه من الأدلة على صحة الحكم به وكونه غير مستند الى علم أصلا فيها وتعذر الحكم فيها من دونه مسقطا لهاتين الدعويين ، وكيف يشتبه فسادهما على عارف بالتكليف الموقوف صحته في الأصول والفروع على العلم وحصول اليقين بفساد(4) الظن فيهما مع إمكان العلم وبالظن مع تعذر العلم والمظنون غير مستند الى علم.

وكيف يجتمع له اعتقاد ذلك مع علمه بصحة الحكم مع ظن صدق المدعى أو المنكر ونفى الحكم مع العلم بصدق أحدهما لولا جهل الذاهب الى ذلك بمقتضى التكليف وطريق صحة العمل فيه وتعويله على استحسان فاسد ورأى قائل.

وليس(5) العلم حاصلا لكل سامع للأخبار بإمضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحكم لخزيمة بن ثابت وسماه لذلك ذا الشهادتين(6) ، وإمضاء ما حكم به أمير

__________________

(1) في السرائر : في الإقرار : ولعل الصحيح : الإقرار ، بدون الواو وفي.

(2) في السرائر : به.

(3) العبارة لا تخلو من سقم فلا تغفل.

(4) في السرائر : وفساد.

(5) في بعض النسخ : إذ ليس ، ولعل الصحيح : أو.

(6) راجع الوسائل ج 18 ص 201.


المؤمنينعليه‌السلام في قصة الأعرابي والناقة(1) لعلمهما بصدقهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مع ما ينضاف الى ذلك من مشهور إنكار أمير المؤمنين على شريح لما طالبه بالبينة على ما ادعاه في درع طلحة : ويلك خالفت السنة بمطالبة إمام المسلمين بينة وهو مؤتمن على أكثر من ذلك(2) ، فأضاف الحكم بالعلم إلى السنة على رءوس الجميع(3) من الصحابة والتابعين ، فلم ينكر عليه منكر ، وهذا مع ما تقدم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله برهان واضح على جهل طالب البينة مع العلم وكونه مقدما عليها.

وليس للمخالف فيما نصرناه أن يمنع منه لظنه أن الحكم بالعلم يقتضي تهمة الحاكم به ، لان ذلك رجوع عن مقتضى الأدلة استحسانا ولا شبهة في فساده ، على أن ذلك لو منع من الحكم بالعلم لمنع من الحكم بالشهادة والإقرار الماضين ، إذا كان الحكم في المجلس الثاني بالإقرار الحاصل في المجلس الأول أو البينة مستندا الى العلم وإذا لم تمنع التهمة هاهنا من الحكم بالعلم فكذلك هناك.

وبعد فحسن الظن بالحاكم المتقابل(4) الشروط يقتضي الرجوع الى(5) حكمه بالعلم ، ويمنع من تهمته ، بالإقرار(6) أو البينة ، لولا ذلك لم يستقر له حكم ولم يسمع قوله أقر عندي بكذا أو قامت البينة بكذا أو ثبت عندي كذا أو صح عندي ، الا أن يكون حصول الإقرار والبينة بمحضر من لا يجوز الكذب عليه وهذا يقتضي نقص نظام الأحكام بغير اشكال.

__________________

(1) راجع الوسائل ج 18 ص 200.

(2) راجع الوسائل ج 18 ص 194.

(3) جمع.

(4) في السرائر : المتكامل للشروط.

(5) في السرائر : لحكمه.

(6) كذا في النسخ.


وإذا كان علمه بالمدعى عليه(1) مقرا أو مشهودا عليه أو له أو حالفا أو محلوفا له موجبا عليه الحكم وان لم يعلم ذلك أحد سواه ولا يحل له(2) الامتناع لخوف التهمة ، فكذلك يجب أن يحكم متى علم صدق المدعى أو المنكر بأحد أسباب العلم من مشاهدة أو تواتر أو نص صادق أو ثبوت عصمة الى غير ذلك من طرق العلم لعدم الفرق ، بل ما توزعنا(3) فيه أولى.

ان قيل : فلو شاهد الإمام أو الحاكم رجلا يزني أو يلوط أو سمعه يقذف غيره أو يطلق زوجته أو يظاهر منها أو يعتق غلامه أو يبيع غيره شيئا أكان يحكم بعلمه أو يبطل ذلك؟

قيل : ان كان ما علمه الامام عقدا أو إيقاعا شرعيا حكم بعلمه ، وان كان بخلاف ذلك لاختلال بعض الشروط كعلمه بغيره ناطقا بكنايات الطلاق أو صريحه(4) في الحيض أو بغير شهادة ، أو ظهار بغير لفظه أو بغير إشهاد أو قصد ، أو بيع من غير افتراق الى غير ذلك ، لم يحكم ، لفقد ما معه يصح الحكم من صحة العقد أو الإيقاع ، فأما ما يوجب الحد فان كان العالم بما يوجب الامام فعليه الحكم بعلمه ، لكونه معصوما مأمونا ، فإن كان غيره من الحكام الذين يجوز عليهم الكذب لم يجز له الحكم بمقتضاه ، لأن إقامة الحد أولا ليست من فرضه ، ولأنه بذلك شاهد على غيره بالزنا واللواط وغيرهما وهو واحد ، وشهادة الواحد بذلك قذف يوجب الحد وان كان عالما ، يوضح ذلك أنه إذا علم ثلاثة نفر غيرهم زانيا لم يجز لهم الشهادة عليه ، فالواحد أحرى أن لا يشهد عليه ، وليست هذه حال الامام المعصوم ولا تنفيذ الأحكام بالعلم على من أمل ذلك.

__________________

(1) في السرائر : بكون المدعى عليه.

(2) كان في الأصل : سواه دلالة الامتناع.

(3) كذا يقرأ ما في بعض النسخ.

(4) في بعض النسخ : صريحة.


فصل في الإقرار

الإقرار مقتض لسقوط حق المقر فيما أقر به لغيره ، إذا كان من حر كامل العقل سليم الرأي مريضا كان أو صحيحا.

فان كان مبتدءا مما وصفنا حاله كقوله هذه الدار لفلان ، أو هذا الثوب أو المال لفلان ، أو لفلان على كذا ، وكان غير مأمون لم يمض إقراره ، وان كان مأمونا مضى إقراره واستحق المقر له تسليم ما أقر به ما لم يمنع مانع من يد أو بينة أو وثيقة أو رهن أو دين فيبطل الإقرار ، فإن تسلم المقر له ما حصل الإقرار به واستحق بعض وجوه الاستحقاق نزع من يده ورد الى مستحقه ولا درك له على المقر لاختصاص فائدة الإقرار بإسقاط حق المقر حسب فان اقترن إقراره بضمان الدرك فمنع المانع من التسليم أو استحق بعده فعليه دركه من حيث كان ضمان المقر للدرك دلالة للحكم على أن الإقرار حصل عن استحقاق يقتضي ضمان الدرك.

وان كان الإقرار بعد تقدم دعوى بقائم العين كالدار أو الفرس ، أو بمعين في الذمة كالدين وثمن المبيع والأجر والأرش وأمثال ذلك ، فعلى الحاكم إلزامه بالخروج الى المقر له مما تعلق بذمته وتسليم ما في يده من الأعيان القائمة ، فإن قامت بينة بعد التسليم باستحقاق عين المقر به بالضمان أو تكون من حقوق


الذمم كالديون وغيرها فيضمن على كل حال.

ولا يعتد بإقرار الصبي ولا المأوف العقل والسفيه ولا العبد ولا الأمة فيما يتعدى ضرره الى المالك كالمال والجراح والقتل ولا بما يعلم كذب المقر فيه.

وإذا اشتبه الأمر على الحاكم في صفة المقر فقبل إقراره ثم انكشف له كونه ممن لا يعتد بإقراره لأجل ما ذكرنا لسقط(1) حكمه ورجع بما حكم به على المحكوم له به.

وإذا أقر بعض الورثة بوارث لزمه في حق إرثه ، وان كانا اثنين وكانا عدلين قبلت شهادتهما وثبتت نسبته الى الموروث ، وان لم يكونا كذلك فهما مقران يلزمهما حكم نسبه في حقهما دون سائر الورثة.

وإذا رجع المقر بحق غيره عليه لم يؤثر رجوعه عنه في صحة الحكم به.

وقد سلف بيان حكم الإقرار بما يوجب القصاص أو الحد أو التأديب بصفة المقر وأين يعتد بإقراره ويعتد برجوعه عنه وأين لا يعتد بذلك بما أغنى عن تكراره هاهنا.

__________________

(1) أسقط ، كذا في بعض النسخ.


فصل في الشهادات

تنفيذ الأحكام بالشهادة يتعلق بتكاليف خمسة : أولها العلم بما معه تقبل ، وثانيهما ما يلزم متحملها ومؤديها ، وثالثها معرفة كمية أعيانها ، ورابعها الحكم بها إذا تعارضت ، وخامسها معرفة ما يبطلها.

التكليف الأول من الشهادات

العدالة شرط في صحة الشهادة على المسلم ويثبت حكمها بالبلوغ وكمال العقل والايمان واجتناب القبائح أجمع وانتفاء الظنة بالعداوة أو الحسد أو المناقشة(1) أو المملكة أو الشركة ، والعلم بتكامل هذه الشروط للشاهد من فروض المشهود عنده في حال إقامتها دون تحملها.

فاذا تكاملت ثبتت العدالة ولزم القبول حرا كان الشاهد أو عبدا قريبا أو أجنبيا رجلا أم امرأة بحيث يصح شهادتهما ، وان اختل شرط لم تقبل الشهادة.

ولا تقبل شهادة العبد على سيده ولا الولد على والده فيما ينكرانه وتقبل شهادتهما عليهما بعد الوفاة ، ولا تقبل شهادة العبد لسيده على كل حال ،

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : المنافسة كما في مختلف العلامة.


ولا تقبل شهادة الشريك فيما هو شريك فيه ولا الأجير لمستأجره ولا ذمي على مسلم(1) ولا مبطل على محق وتقبل شهادة بعضهم على بعض ولأهل الحق عليهم.

ولا تقبل شهادة النساء فيما يوجب الحد إلا شهادة امرأتين مع ثلاثة رجال في الزنا خاصة ولا الطلاق ولا رؤية الهلال ، ويقبل فيما عدا ذلك امرأتان برجل ، ولا يقتص بشهادتهن ويؤخذ بها الدية ، ولا تقبل شهادة أحد من أهل الضلال على مسلم الا عدول(2) الذمة في الوصية في السفر خاصة بشرط عدم أهل الايمان.

وتقبل شهادة الصبيان فيما يجرى بينهم بعض على بعض فيما دون القتل ويؤخذ بأول كلامهم قبل أن يتفرقوا دون ما عدا ذلك.

وتقبل شهادة ذوي الأرحام بعض لبعض وعليهم والأجانب ، والزوج لزوجته وعليها ، والزوجة له وعليه ، وتقبل شهادة الأعمى والخصي والخنثى(3) إذا تكاملت شروط العدالة فيهم.

التكليف الثاني من الشهادات

يلزم من دعي من أهل الشهادة أو تحملها أو ( الى ظ ) اقامة ما تحمله منها الإجابة الى ذلك إذا كان تحمله عن إشهاد ، ولا يجوز له أن يشهد الا ان يستشهد ، وهو مخير فيما يسمعه ويشاهده بين تحمله وإقامته وتركهما ، ولا يحل له أن يتحمل ولا يقيم شهادة لا يعلم مقتضاها من أحد طرق العلم وان رأى خطه.

__________________

(1) في بعض النسخ : لمسلم ، والظاهر ما أثبتناه.

(2) أهل الذمة. ظ.

(3) والأصم ، كذا في المختلف نقلا عن أبى الصلاح.


فان كانت شهادة بما يوجب حدا أو تعزيرا لم يحل له أن يشهد بما لا يعلمه مشاهدة على الوجه الذي قررته الشريعة وسلف بيانه ، وعلى إقرار الفاعل أو المفعول به ، وان كانت بإقرار بحق أو وصية أو هبة أو صدقة أو غير ذلك فبعد العلم بعين المقر والموصي والمتصدق والواهب واسمه ونسبه وتميزه من غيره وصحة رأيه وولايته وإيثاره للإقرار.

وان كانت بملك فبعد العلم بسببه من بيع أو ميراث وغيرهما من أسباب التمليك أو ظاهر تصرف لا مانع منه ، وعين المستحق.

وان كان بعقد أو إيقاع أو إسقاط أو فسخ الى غير ذلك ، فبعد العلم بنفس العقد أو الإيقاع أو الإسقاط أو الفسخ وما يناسب ذلك وموافقته للمشروع فيه ومعرفة المتعاقدين والموقع والمسقط والفاسخ ومن يتعلق به ذلك.

ولا يجزيه في ذلك شهادة(1) المشهود له أو عليه ولا تخليته(2) ولا وجود خطه ولما يعلم ما تضمنه ، ولا شهادة من لا يوجب خبره العلم من العدد وان كانوا عدولا ، لأنه مخبر بما يشهد به ولا يجوز الاخبار بما لا يعلمه المخبر.

وإذا أشهد على تمليك ما يصح تمليكه وما لا يصح وعلى ما يسوغ في الشريعة وما لا يسوغ فليشهد بما يصح تمليكه وما يسوغ في الشريعة دون ما لا يصح ويسوغ.

ولا يجوز لأحد أن يقيم شهادة تبطل حقا أو تقتضي باطلا أو تعديا على من لا يستحق أو ضررا في الدين أو عند حاكم جور يعلم أو يظن أنه لا يقبلها وان كان عالما بمقتضاها.

ولا يجوز الشهادة على شهادة من ليس بعدل في الحقيقة ، ولا حكم لشهادة

__________________

(1) في أكثر النسخ : مشاهدة المشهود له.

(2) كذا.


الواحد على شهادة الواحد ، ويحكم بشهادة الاثنين على شهادة الواحد ويقوم شهادتهما مقام شهادته.

ولا يجوز لمن شهد على شهادة غيره أن يشهد بنفس ما شهد به الأول ، لكن يقول : أشهد أن فلانا أشهدني أنه يشهد بكذا.

وإذا كان الشاهد عالما بتملك(1) غيره دارا أو أرضا أو غير ذلك ثم رأى غيره متصرفا فيها من غير منازعة من الأول ولا علم بإذن وما يقتضي إباحة التصرف من إجارة أو غير ذلك لم يجز له أن يشهد بملكها لواحد منهما حتى يعلم ما يقتضي ذلك في المستقبل.

وإذا غاب العبد أو الأمة عن مالكه لم يجز له أن يشهد بما كان يعلمه من تملكه لهما الا أن يعلم غيبته ( غيبتهما ظ ) لإباق أو اذن المالك.

وإذا لم يعلم الشاهد في حال إقامة الشهادة كون المشهود له مالكا للشي‌ء لم يجز له أن يشهد بالملك وان كان عالما بسببه الماضي.

التكليف الثالث من الشهادات

بينة الزنا واللواط والسحق أربعة رجال عدول بمعاينة الفرج في الفرج بلفظ واحد في وقت واحد ، أو ثلاثة رجال وامرأتان في الزنا خاصة ، وبينة ما عدا ذلك مما يوجب حدا أو تعزيرا أو قصاصا بقتل أو جراح وغير ذلك من جميع الحقوق بشاهدي عدل(2) بلفظ واحد ، وليس من شرط صحتها الوقت ، ويقوم شهادة الواحد ويمين المدعى في الديون خاصة مقام الشهادة الكاملة ،

__________________

(1) في بعض النسخ : بتمليك.

(2) في بعض النسخ : بشاهدين.


وتقوم شهادة امرأتين بحيث تصح شهادة النساء مناب الرجل الواحد ، ويحكم بشهادتهما منفردتين فيما لا يعاينه الرجل من أحوالهن ، وتقبل شهادة القابلة المأمونة في الولادة والاستهلال ، ويحكم بربع الدية أو الميراث.

والقسامة في القتل خمسون رجلا يقسمون مع ولي الدم خمسين يمينا ، فان نقصوا عن ذلك كررت عليهم الايمان حتى تكمل خمسون يمينا ، ولا يحل له ولا لغيره ممن يتقسم(1) معه على قتل صاحبهم أن يقسموا على قاتل معين بالشبهة حتى يعلموا ذلك من حاله مشاهدة أو بما يقوم مقامها من طرق العلم.

والقسامة فيما يوجب الدية من الأعضاء ستة نفر ، وفيما دون ذلك بحساب الستة ، وأدناه يمين واحدة.

فان لم يقسم أولياء الدم اقسم المتهم بالقتل وأولياؤه خمسين يمينا أنهم لم يقتلوا أو برئوا ، وكذلك القول في الجراح ، فان لم يكن للمتهم أولياء أقسم هو خمسين يمينا.

وتقبل شهادة امرأتين في نصف دية النفس أو العضو أو الجرح ، أو المرأة الواحدة في الربع ، ويجوز شهادتهن في النكاح مع الرجال ، ولا يجوز في الطلاق على حال(2) .

التكليف الرابع من الشهادات

البينة يبطل حكم اليد ، ويقتضي تسليم ما قامت به(3) . فان كان للمدعي بينة وللمدعي عليه بينة ولا يد لأحدهما حكم لأعدلهما شهودا ، فان تساووا

__________________

(1) يقسم معه.

(2) في بعض النسخ : على كل حال.

(3) في بعض النسخ : ما فاتت به.


في العدالة حكم لأكثرهما شهودا مع يمينه ، فان تساووا في العدد والعدالة أقرع بينهما واحلف من خرج سهمه وحكم له بالملك ، وان كان لأحدهما يد وبينة تشهد باليد وللآخر بينة تشهد بالملك حكم للخارج اليد ، بالملك ، وان كانت البنتان تشهدان بالملك حكم به لذي اليد ، فان كانا جميعا متصرفين فيه ولا بينة لأحدهما قسم بينهما ، وان كان لأحدهما بينة نزعت يد(1) الأخر وسلم إلى ذي البينة.

التكليف الخامس من الشهادات

إذا انكشف أن الشاهد شهد بالزور بإقراره أو بينة أو علم عزر وأشهر(2) في المصر ، فان كان الحاكم حكم بها أبطل حكمه ورجع على المحكوم له بما أخذه فان لم يقدر على ذلك رجع به على الشاهد(3) بالزور فان كان قتلا أو جراحا أو حدا قيد(4) بالقتل واقتص منه بالجراح والحد.

وان رجع عن الشهادة لشبهة دخلت عليه فعليه الدية في القتل والجراح وإرضاء المحدود ومثل المستهلك بشهادته.

وان كانوا جميع الشهود شهدوا زورا أو راجعين عن شهادتهم بالشبهة فالقصاص أو الدية أو المثل لازم لجميعهم كلزومه لكل جماعة اشتركت في جناية عمدا أو خطأ.

وإذا انكشف أن الشهود أو بعضهم فساق أبطل الحكم.

__________________

(1) كذا.

(2) وشهر.

(3) في بعض النسخ : الشهادة.

(4) في بعض النسخ : قتل بالقتل.


وإذا قامت البينة بطلاق وتزوجت المرأة ورجع الشاهدان أو أحدهما اغرما أو أحدهما المهر للزوج الثاني ان كان دخل بها وردت إلى الأول ، ولا يقربها حتى تعتد من الثاني ، وان لم يقربها فرق بينهما ولا شي‌ء لها وهي زوجة الأول ولا عدة عليها.

وكذلك الحكم فيمن شهد بوفاة زوج [ و ] تزوجت امرأته.

وإذا قامت البينة على امرأة بالزنا فادعت أنها بكر فوجدت كذلك درئ عنها الحد.

وإذا قامت البينة بما يعلم الحاكم كذب الشهود فيه أو كون الأمر بخلافها أبطلهما لعلمه وعزر الشهود لتعمد الكذب ، مثال الأول أن تقوم بينة بما يوجب قودا أو قصاصا أو حدا على شخص معين في وقت معين يعلم الحاكم برائته منه في ذلك الوقت بكونه جليسا له فيه ، ومثال الثاني أن تقوم بينة بحق معين من جهة معينة يعلم الحاكم خروج المدعى عليه مما قامت به ، ولا تأديب على الشهود هاهنا لجواز كونهم عالمين بأصل الاستحقاق دون الخروج منه الا ان يقولوا تعمدنا كذبا فيؤدبوا.


فصل في الايمان

الايمان واجبة في حق كل دعوى عدا ما يوجب القصاص على المنكر ، وتأثيرها إسقاط الدعوى في الحال وما يليها ، فان حلف بري‌ء من حق الدعوى وان نكل عنها لزمه مقتضاها ، وله ردها على المدعى ومتى يفعل يجب عليه ، فان نكل عنها سقط حق(1) دعواه وان حلف ثبت حقه.

وأما دعوى القتل والجروح مع الإنكار وفقد البينة فموجبة لليمين على المدعي حسب ما بيناه من القسامة ، فمتى يفعل يجب له الحكم بصحة الدعوى ، وله أن يطالب المدعي عليه بها قسامة(2) فمتى يفعل تبرأ ذمته من تهمة الدعوى ، وان تنكل ( كذا ) يلزم الحكم بمقتضاها.

ولا يمين الا بعد دعوى ولا يحل دعوى ولا يمين عليها الا عن يقين بصحة استحقاق ما تعلقت به.

ويكفي فيها اسم الله الأعظم كقوله « والله » متجردا عن(3) الصفات ، والتأكيد بتكريرها « الذي لا إله الا هو الطالب الغالب المدرك المهلك الضار

__________________

(1) في بعض النسخ : حتى دعواه.

(2) في بعض النسخ : قسامته.

(3) في بعض النسخ : من الصفات.


النافع عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم » أبلغ في الزجر.

ويجوز الاستحلاف بكل مكان ، وفي المسجد الجامع تجاه القبلة أولى.

ولا يحل لمن علم غريمه معسرا أن يحبسه مقرا ولا يستحلفه منكرا ، ويكره له استحلافه مع الإنكار واليسار(1) تعظيما لاسمه سبحانه ، وجزما في بقاء الاستحقاق وصحة الدعوى به ، فإن أحلفه أخل بالفضل وفرط بالجزم ، ولم تحل له مطالبته فيما بعد ، ولا اقامة بينة عليه وان أقامها لم تقبل ، فان ظفر له بمال لم يحل له أخذه غيلة ، وان جاءه بحقه بعد اليمين له نادما من عصيانه حل له أخذه والعفو عنه أفضل ، وان احتسبه عند الله تعالى قبل اليمين أو بعدها لم يجز له أخذه بحال.

والأولى بذي الدين والفضل إذا بلى بدعوى باطلة أن يخرج منها ولا يحلف ان كانت لا تؤثر في حاله ، وان رد غريمه اليمين عليه فيما يعلم صحته أن لا يحلف تنزها عن الحلف وتعظيما لأسماء الله تعالى ، ومحرم ذلك على المدعي عليه ، ويكره له ان يرد اليمين على ذي الدعوى الباطلة ليسلمها اليه بل يمينه هاهنا أولى. وأولى من الجميع ما قدمناه من الخروج عن موجبها ولا يحلف ولا يستحلف وان كان لو حلف صادقا أو استحلف من يعلمه كاذبا لم يأثم وانما يخل بفضل ويرغب عن نفل(2) .

ولا يجوز الاستحلاف عند قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ما لا يوجب مثله القطع.

__________________

(1) في بعض النسخ : الإيسار.

(2) في بعض النسخ : نقل.


الفصل الثالث من تنفيذ الأحكام

يلزم المؤهل لتنفيذ الأحكام أن يفرد(1) لنظره بين الناس وقتا لا يثبتونه(2) بشي‌ء من الأغراض الدينية ولا الدنيوية سواه وينظر في ما عداه من الأوقات فيما يؤثره منهما(3) .

ولا يجلس وهو غضبان ولا جائع ولا عطشان ولا مهموم ولا ذا داع الى بعض المشتهيات ، وأولى المجالس به مسجد الجامع أو مسجد المحلة ولا حرج في الجلوس عليه في منزله.

فإذا عزم على ذلك فليتطهر ويلبس أجمل زيه ويمس طيبا ويصلى ركعتين يعقبهما بالتسبيح والرغبة الى الله تعالى في توفيقه وتسديده ومعونته على ما يبتلى به ، ثم ليجلس مستدبر القبلة ليكون وجوه الخصوم إليها ، وعليه السكينة والوقار ، وليتق في مجلسه المجون والدعابة بنفسه ولينزهه عنهما من غيره ، وليجلس شهوده ناحية عنه ، وليوطن نفسه على القوة في أمر الله تعالى وصحة العزيمة في تنفيذ حكمه.

ثم ليأمر أمينا أن يكتب أسماء كل خصمين في رقعة ويرفع الرقاع إليه

__________________

(1) في بعض النسخ : يفرده.

(2) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : لا يشوبه.

(3) منها.


فيخلطها ثم يخرج منها رقعة فيقدم النظر بين من تضمنت ذكره من المتحاكمين اليه ، ثم كذلك ثانية وثالثة حتى يأتي على(1) جميعها ، وان لم يحضر الا خصمان أحضرهما بغير رقعة.

فاذا انتهى الخصمان اليه فليسو بينهما في المجلس واللحظ(2) والإشارة ، فإن سلما أو أحدهما فليرد عليهما ، ولا يبدأهما بخطاب الا أن يصمتا فيقول : ان كنتما حضرتما لشي‌ء فاذكراه فان أمسكا أقامهما ونظر في حكومة غيرهما.

وان ادعى أحدهما شيئا مجهولا قال له حقق دعواك فان فعل والا أقامهما وان كان متميزا أقبل الحاكم على خصمه وقال له ما تقول في دعواه؟ فإن أقربها اعتبر حاله فان كان حرا عاقلا مختارا للإقرار ألزمه الخروج الى خصمه مما أقربه ، فإن امتنع أمره بملازمته ،(3) وان سام(4) حبسه حبسه وان سام إثبات اسمه في ديوان حكمه لم يجز له ذلك الا أن يكون عارفا بالمقر بعينه واسمه ونسبه أو يشهد بذلك عنده شاهدا عدل ، وان كان المقر عبدا أو أمة أو مئوف العقل أو صغيرا أو سفيها أو مكرها على الإقرار لم يعتد بإقراره.

وان أنكر فكان عالما بصدق المدعي أو المدعى عليه على كل حال وفي تلك القضية حكم بعلمه ولم يحتج الى بينة ولا يمين إلى صحة دعوى ولا إنكار الا أن تقوم بينة تمنع من استمرار العلم فيحكم بمقتضاها ، كعلمه بأن زيدا باع دارا من عمرو فالحكم بالعلم يقتضي تسليم الدار الى عمرو ، فان قامت بينة عادلة بأن زيدا ابتاع تلك الدار بعينها من عمرو بعد تاريخ علمه ، فالواجب

__________________

(1) في بعض النسخ : عليه بجميعها.

(2) في بعض النسخ : واللفظ.

(3) في بعض النسخ : بملازمة.

(4) كان في النسخ : ان سام وحبسه حبسه.


أن يحكم في ذلك بالبينة ، لأن العلم بالابتياع الأول لم يسلم استمراره ، ونظائر ذلك من المعلومات.

ولا يتوقع قيام بينة تكذب من علمنا صدقه بالبرهان في دعوى أو إنكار لعصمته أو لغير ذلك ، وان حصلت حكم ببطلانها.

وان لم يعلم صدق أحدهما قال للمدعي : قد أنكر دعواك فما تريد؟ فان قال : لي بينة ، قال : أحضرها ، فان حضرت بينة قد تقدم للحاكم العلم بتكامل شروطها حكم بمقتضاها كإقرار ، وان كان عالما باختلال الشروط فيها ردها ، وان كانت مجهولة أوقف الحكم حتى يكشف عن حالها ، فان وضح له تكامل الشروط المعتبرة في قبول الشهادة حكم بها ، وان ظهر له خلاف ذلك أو التبس الحال فيها ألغاها.

وان ادعى بينة غائبة ضرب له أجلا لإحضارها وفرق بينه وبين خصمه ، فان سام تضمين إحضاره متى حضرت البينة الزم خصمه بذلك ، فان قضت(1) المدة ولما يحضر بينة سقط تضمين(2) خصمه فان لم يكن له الا شاهد واحد وامرأتان قال له : أتحلف مع بينتك على دعواك؟ فان حلف الزم خصمه بالخروج اليه من الدعوى وان امتنع أقامهما.

وليفرق بين الشهود في حال إقامة الشهادة فيسمع ما يشهد به كل واحد منهم منفردا ويكتبه ، فان اتفق معنى الشهادتين والدعوى حكم بها ، وان اختلفت أبطلها وان تعتع الشاهد أو تشكك لم يسدده فان تسدد وحقق الشهادة(3) أثبتها والا أبطلها ، وكذلك يجب أن يصنع في الشهادات الموجبة للحدود والقصاص.

__________________

(1) فان انقضت.

(2) في بعض النسخ : سقط تضمين ، إحضاره ومتى خصمه.

(3) في بعض النسخ : وحقق الشهادة فليسمع ما يشهد به كل واحد منهم منفردا أثبتها.


ولا يحتاج مع البينة إلى يمين الا فيما يثبت بها على ميت أو غائب.

وان لم تكن له بينة قال له : ما تريد؟ فإن أمسك أقامهما ، وان قال : يمينه ، أقبل على خصمه فقال له : أتحلف؟ فان قال : نعم ، خوفه الله تعالى وبالغ في تخويفه ، فإن أقر بالدعوى الزمه الخروج اليه منها ، وان أقام على الإنكار عرض عليهما الصلح ، فإن أجابا اليه رفعهما الى من يتوسط بينهما ولا يتولى ذلك بنفسه لان الحاكم نصب للقطع بالحكم وبت الحق والوسيط شافع ويجوز له في الاصطلاح ما يحرم على الحاكم. فإن أبيا الصلح اعلم المدعى أن استحلاف خصمك يسقط حق دعواك ويمنع من سماع بينة ان كانت لك ، فان رغب عن الاستحلاف أقامهما ، وان رضي استحلفه فاذا حلف بري‌ء من حق دعواه وتأثير بينة ان قامت له.

وان نكل عن اليمين ألزمه الخروج اليه من حق دعواه ، وان قال : يحلف ويأخذ ما ادعاه ، أقبل الحاكم على المدعى فقال له : أتحلف على دعواك؟

فان قال : لا ، أقامهما وان قال : نعم ، خوفه الله تعالى ، فان رجع عن اليمين أقامهما وان حلف الزم خصمه الخروج اليه مما حلف عليه ، وان قال لا احلف حتى يحضر حقي ألزم الحاكم خصمه بذلك.

فان عاد بعد رد اليمين على المدعى فقال : أنا أحلف ، لم يلتفت الحاكم الى قوله الا أن يختار خصمه.

وان امتنع المردود عليه اليمين منها سقط حق دعواه في المجلس ، فإن أقام بينة فيما بعد بصحة دعواه حكم بها.

وان ادعى المقر أو المشهود عليه إعسارا يعلمه الحاكم أو تقوم به بينة في الحال لم يحبسه ولكن يقرر عليه ما يفضل من مكسبه عن قوته وعياله لغريمه ، وان لم يعلم ذلك من حاله ولا قامت به البينة حبسه وكشف عن أمره ، فإن وضح


له إعساره أخرجه من الحبس وصنع فيما عليه من الحق ما تقدم.

فان تجلد الغريم على الحبس وأصر على الامتناع من الخروج الى خصمه من الحق وله ذمة ضيق عليه أصر أخذ من ماله باليد وفي غريمه(1) وان لم يكن له مال باع عليه العقار والرقيق والانعام والدواب وغير ذلك حتى يستوفي غريمه ما ثبت له في الحكم.

وكذلك يصنع الحاكم في أموال المحجور عليهم وما يثبت عليهم من الحقوق.

ويلزم الحاكم إخراج المحبسين في الحقوق إلى الجمعة والعيدين فاذا قضيت الصلاة ردهم الحبس(2) .

فان ورد عليه ما لا يعلم وجه الحق فيه أوقفه الى أن يصح له(3) ذلك ، فان حكم بما يظنه حقا أثم ، فان انكشف له أنه حق فهو ماض ، وان انكشف خطأه فيه عن الصواب أبطل ما حكم به ، فان لم يتمكن في استدراكه فهو ضامن لما أخذ بحكمه من مال ومطالب بما نفذ بقضائه من قتل أو جراح أو حد أو تأديب.

وان انكشف له أن المقر كان عبدا أو أمة أو مأوف العقل أو مكرها رجع في القضية ورد ما أخذ بحكمه من المحكوم له أن تمكن منه والا من ماله(4) على سيد العبد أو الأمة وولي المحجور عليه والمكره.

وإذا انكشف له كذب الشهود أو فسقهم أو شهادتهم بما لا يعلمون أو رجوعهم عن الشهادة أبطل الحكم ورجع بما أخذ بشهادتهم حسب ما تقدم بيانه.

__________________

(1) كذا في النسخ.

(2) المحبس.

(3) كذا والظاهر : يتضح.

(4) كان في النسخ : والأمر ماله.


وإذا تقابلت عنده البينات حكم بما سلف ذكره.

فاذا تساوت الأيدي في التصرف وفقدت البينات حكم بالشركة ، أرضا كانت أم دارا أم سقفا أم حائطا لا عقد فيه الى أحد المتصرفين ولا تصرف خاص ، فان كان عقد الحائط إلى أحدهما أو التصرف مختص(1) به كالخشب وشبهه حكم له به دون الأخر.

ولا يجوز له أن يحكم بقول غيره من الحكام : ثبت عندي حق فلان على فلان بعلم أو إقرار أو بينة ، ولا بكتابة منفردا من بينة تشهد بضمنه لذوي الدعوى أو إقرار ، لخروج(2) ذلك عن موجبات الحكم من العلم والإقرار والبينة واليمين.

فان شهد عنده بإقرار الخصم عنده بدعوى أو يمين وكان عدلا حكم بشهادته ويمين المدعى.

وان شهد عنده بقيام البينة عليه مع إنكاره لم يحكم الا أن يشهد عنده شاهد آخر بصفة الشهادة فيحكم بشهادتهما من غير يمين لقيام شهادة الاثنين مقامهما.

فان شهد عنده اثنان على شهادة واحد حكم بها مع يمين المدعى كشهادة الواحد المنفرد على ما سلف بيانه ، ولا مزية للحاكم العدل هاهنا [ على ] غيره.

وإذا علم عقدا أو إيقاعا أو تملكا مخالفا للمشروع فيه أو قامت بذلك بينة أو حصل به إقرار حكم بفساد مقتضاه.

وإذا ثبت عنده ردة(3) بعض الناس حكم بها وان شهد عنده ألف بالبراءة منها ، وإذا ثبت عنده التسبب ( كذا ) لم يسمع بينة ولا إقرارا بنفيه ، ولا يحل لأحد

__________________

(1) يختص به.

(2) في النسخ : الخروج ، والظاهر ما أثبتناه.

(3) رده. كذا في النسخ. ظ.


أن يدعى على غيره ما لا يعلم استحقاقه وان كانت هناك شبهة ظاهرة وظن قوي.

وإذا قال المدعى في مجلس الحكم : ادعى عليه ، أو اتهمه ، أو حدث ما يقتضي استناد دعواه إلى التهمة دون العلم أسقط دعواه ، ولا يقبل من الدعاوي إلا قوله : « استحق » وما أفاد معنى ذلك ، وليتق الله هذا المدعى من دعوى الكذب والمطالبة بالباطل ، وليتق الله هذا المنكر من الكذب ودفع الحق.

وإذا تحاكم اليه بعض كفار الأصل كاليهود والنصارى أو كفار الملة كالمجبرة والمشبهة والوعيدية فليحكم بينهم بما يقتضيه المشروع دون ما يرونه أولئك في دينهم وهؤلاء في مذهبهم.

وليعلم أن الحكم بين الناس رتبة عظيمة ومنزلة جليلة ورئاسة نبوية وخلافة إمامية لم يبق في أعصارنا هذه وما قبلها بأعصار من رئاسات الدين غيرها ، فبحسب قوة المأهول لها(1) في الدين وصحة عزيمته في تنفيذ الأحكام وصادق نيته في القيام بما جعل اليه واضطلاعه به وبصيرته فيه تعلوا كلمة الإسلام ويعز الدين ، وبحسب ضعفه عن ذلك أو جهله به يضمحل الحق وتندرس أعلامه.

فليتق الله من عرض لذلك ، فلا يتقلده الا بعد الثقة من نفسه بالقيام بما جعل اليه ، وإذا علم من نفسه تكامل الشروط فعرض للحكم وجب عليه تكلفه ، لكونه أمرا بمعروف ونهيا عن منكر ، فاذا تقلده فليصمد(2) للنظر في مصالح المسلمين وما عاد بنظام الملة وقوى الحق ، وليجتهد في إحياء السنن واماتة البدع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإبطال ما يمكن منه من أحكام الجور وإنفاذ ما استطاعة من الحق.

وليتخير الحكام النائبين عنه في البلاد ، ولا يقلد الحكم من لا يتكامل له

__________________

(1) كذا يقرء ما في بعض النسخ.

(2) في بعض النسخ : فليحمل.


شروطه ، فان لم يجد فليجعل وسائط يمنعهم عن إنفاذ حكم من غير رأيه ، فليجتهد في تخيره المأهولين في الوساطة(1) بين الناس ، ولا يعدل شاهدا لم يتكامل شروط العدالة فيه ولا يجعل أمينا على أموال الناس الا بعد سبر(2) حاله والاجتهاد في تخيره.

فان انكشف له أن من قلده الحكم أو جعل اليه الصلح أو أهله للشهادة أو تحمل الامانة(3) غير متكامل الشروط فليعزل الحاكم وليستبدل بالوسيط والأمين ويسقط عدالة الشاهد.

فان وقع من بعضهم ما يتعدى ضرره الى غيره في الأنفس أو الأموال بغير حق فليرجع عليه بدركه حسب ما تقدم ذكره.

وليجعل لدرس العلم وادامة الفكر فيه وقتا خاليا له وللمذاكرة به والمناظرة وقتا ليكون ذلك عونا على ما يلي به من الحكم بين الناس ، وما لعله يحدث مما لم يتقدم له علمه.

__________________

(1) في بعض النسخ : للوساطة.

(2) في بعض النسخ : سير.

(3) في بعض النسخ : الإمامة.


فصل في الصلح

الصلح حكم جائز لا خيار لأحد الخصمين بعد مضيه سواء كان المصلح عالما بما يقع عليه أو جاهلا ، ولا يحل لأحد الخصمين أن يأخذ بالصلح ما لا يستحقه ولا يمنع له ما يستحق عليه كما لا يحل ببينة ولا يمين.

فان اقترن بالصلح تحليل في الحقيقة لم يصح الرجوع بشي‌ء منه على حال ، وان كان لضرورة دعت الى حفظ بعض الحق بالصلح فلذي الحق الباقي بعد مضيه أن يتوصل بغير الحكم إلى أخذه وان لم يأذن له غريمه ، ولا حق له بعده في الحكم.

ويلزم من أخذ بالصلح ما لا يستحقه أو أسقط به ما يستحق عليه أن يخرج منه الى مستحقه أو يستحله ، ولغريمه أخذه والعفو عنه.

ويجوز لمن اضطره غريمه الى ما لا يقدر عليه من جملة الحق أن يصالح على بعضه بشرط العزم على أداء ما يسقط بالصلح حين التمكن منه أو العفو عنه.

ومن كان عليه حق لغيره فمات قبل الخروج اليه منه لم يجز للغريم مصالحة الورثة على بعضه الا بعد علمهم بمبلغه وان كان لو صالحهم من دون ذلك لمضي الصلح في الظاهر وبقيت تبعته عند الله عزوجل الا أن تحلله الورثة.

ومن كان عليه دين إلى أجل فقال له صاحبه : عجل لي البعض واترك لك


الباقي ، ففعل ، مضى(1) إسقاطه وحل للغريم ما أسقط ولم يصح رجوعه بشي‌ء منه.

وإذا تنازع اثنان شيئين في أيديهما أو لا يد لأحدهما فيهما فقال الواحد منهما : هما لي ، وقال الأخر : هما شركة بيننا ، فأحد الشيئين لمن قال : هما لي ، ويقسم الأخر بينهما صلحا ، وان قال كل واحد منهما : هما لي قسما بينهما.

ومن كان عليه سلف في ثوب عشرون درهما وفي ثوب ثلاثون درهما فعملهما وأنفذهما الى المسلمين فلم يتميزا ، فالحكم أن يباعا ويكون لصاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن وللآخر خمسان.

ومن كانت عنده وديعة ديناران لمودع ولآخر دينار فهلك من حرزه دينار لم يتميز فالحكم لصاحب الدينارين دينار خاص ويقسم الأخر بينهما.

تم التكليف السمعي بحمد الله تعالى.

__________________

(1) في بعض النسخ : ففعل ما مضى إسقاطه.


المستحق بالتكليف وأحكامه



فصل في المستحق بالتكليف وأحكامه

إذا كنا قد أتينا على ذكر جملة التكليف عقلا وسمعا فينبغي أن نبين المستحق به وأحكامه وكيفية استحقاقه وشروط ثبوته وزواله وحال اتصاله ، إذ هو الغرض المجرى(1) بالتكليف اليه والباعث عليه وماله حسن تحمل(2) مشاقة فعلا واجتنابا.

والمستحق بالتكليف مدح وثواب وشكر وذم وعقاب.

فأما المدح

فهو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح.

وقلنا : القول ، لتميزه من سائر الأجناس عداه ، و : المنبئ ، ليخصه بنوع الاخبار ، ولهذا يحسن فيه التصديق أو التكذيب ، و : عن عظم حال الممدوح ، لتميزه من كل خبر لا يفيد ذلك.

ويفتقر الى شرطين : أحدهما أن يكون موضوعا في عرف المادح للمدح ، الثاني ان يقصد به تعظيم الممدوح.

واشترطناه بالوضع لوقوف الفائدة عليه ، واشترطناه بالقصد لأن الساهي والملجإ والخائف والراجي واللاهي لا يكون مادحا بما وضع من الألفاظ للممدوح

__________________

(1) كان في النسخ : المجرد.

(2) في بعض النسخ : يحمل.


من حيث تجرد قوله من القصد.

وينقسم في عرفنا إلى شيئين : أسماء ودعاء.

والأسماء : مؤمن وصالح وبر وتقى ومسلم وعابد وزاهد وأمثال ذلك.

والدعاء :رحمه‌الله ، ورضي‌الله‌عنه ، ورفع درجته ، وأعلاه ، وصلوات الله عليه ، وعليه‌السلام (1) وهذان اللفظان مختصان بالأنبياء ومن ضارعهم في الحجة من الأئمة.

والدليل على صحة هذا الحد أنه متى تكاملت هذه الشروط وصف القائل مادحا وقوله مدحا والمقول فيه ممدوحا.

وهو مستحق بفعل الندب والواجب واجتناب القبيح ، لعلم كل عاقل اختصاص استحقاقه بذلك.

ومن شرط حسنه أن يعلم المادح ثبوت ما يستحق به المدح ولا يكفي فيه الظن ، لان المادح مخبر والاخبار بما لا يعلمه المخبر قبيح ، فان علم الطاعة ووقوعها لوجهها أطلق المدح وان علمها دون الوجه اشترطه.

وطريق العلم باستحقاقه من الوجوه المذكورة الضرورة ، لعموم العلم بذلك لكل عاقل وحال(2) على وجه لا يمكن دخول شبهة فيه.

وهو مستحق على جهة الدوام ، لوجوب فعله في كل حال ، وإذا ثبت لم يسقط بندم ولا زائد مستحق على ما نبينه.

ومن شرط استحقاقه أن يفعل الواجب والندب للوجه الذي له كانا كذلك ويتجنب القبيح لوجه قبحه ، لما بيناه من تخصيص التكليف في جميع ضروب الحسن والقبيح بالوجوه التي لها كانت كذلك.

__________________

(1) الجملتان الأخيرتان توجدان في بعض النسخ.

(2) كذا.


وأما الثواب فهو النفع المستحق الواقع على جهة التعظيم.

وقلنا : نفع ، لان الضرر لا يكون ثوابا ، و : مستحق ، لقبح التفضل بالثواب ، واشترطنا التعظيم لتميزه من العوض.

وهو مستحق من الوجوه التي استحق منها المدح بشرط اقتران المشقة به ، واشترطناها إذ لا وجه من دونها يجب له استحقاق الثواب ، ولأنه تعالى يستحق المدح بما يستحق به الثواب ولا يستحقه لفقد شرطه من المشقة ، وشرطنا ثبوته بشرط ثبوت المدح من اعتبار الوجوه في إيثار الحسن واجتناب القبيح.

وطريق العلم باستحقاقه العقل ، وسبب حصوله النظر حسب ما سلف لنا(1) في بيان الغرض بالتكليف ، والمعلوم من جهة العقل استحقاقه دون دوامه ، لعلمنا ضرورة بحسن تحمل المشاق لنفع منقطع ، ولو كان دوام المستحق شرطا في حسن تحمل المشاق لم يحسن منا في الشدائد تحمل شي‌ء من المشاق لنفع منقطع ، والمعلوم خلاف ذلك ، وقد ذكرنا ما يتعلق به من قال بدوامه في كتاب « التقريب » وبينا فساد متعلقة ، وانما نعلم دوامه بالسمع ، وهو العلم العام لكل مخالط من دين نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله بدوامه ، وإذا ثبت استحقاقه لم يزل بندم ولا زائد عقاب على ما نوضحه.

واستحقاقه مختص به تعالى ، لاختصاص شرط استحقاقه به سبحانه من المشاق المستندة إلى جعله تعالى الحي نافرا عن الحسن ومائلا إلى القبيح ، وهو مستحق عقيب الطاعة وفي كل حال مستقبلة أقساطا مخصوصة الى ما لا آخر له ، والتزايد بين ثوابي الطاعتين والمطيعين يرجع الى المقادير المفعولة في كل وقت من الكثرة والقلة وان كان الجميع لا آخر له.

ولا بد ان يكون المستحق منه بالغا مبلغا يحسن لمثله تحمل مشقته وخالصا

__________________

(1) راجع ص 37 ـ 38.


من الشوائب حسب ما أخبر به تعالى.

وأما الشكر فهو الاعتراف بالنعمة على وجه التعظيم للمنعم.

وقلنا ذلك ، لأنه متى قرن بالتعظيم كان شكرا ومتى انفرد أحدهما من الأخر لم يكن شكرا.

وهو من أفعال القلوب ومن جنس الاعتقادات والعلوم ، ولذلك يوصف من علم معترفا خاضعا بأنه شاكر وان كان ساكتا أو أخرس ، وانما يفتقر الى القول المعرب عن حال الشاكر ليعلم أنه قد أدى ما يجب عليه منه ، فهو واجب لرفع الإبهام ، فإن زال اللبس سقط فرض النطق بما ينبئ عنه ، ولذلك لم يجب النطق به في حق شكره سبحانه في كل حال ذكر وان كان شكره فيها واجبا ، فأما ما يختص القلب في الاعتراف والخضوع فواجب في كل حال ذكر.

والحمد والشكر صيغتان وضعتا لمعنى واحد ، إذ لا فرق بين قولنا : حامد وشاكر.

وهو مستحق بالانعام خاصة ، وهو كل عمل قصد به نفع الغير أو من يتعدى اليه نفعه أو دفع ضرر عنه أو عن من يتعدى اليه ضرره ، أو ما أدى إليهما ، لأن كل من علم ما له هذه الصفات علمه نعمة ، وقد تقع النعمة على وجه فيكون شكرها عبادة ، وعلى وجه فيكون طاعة ، وعلى وجه فيكون اعترافا وخضوعا فقط.

فالأول أن تكون أصولا للنعم وبالغة مبلغا لا تبلغه نعمة منعم ولا يتقدر نعمة من دونها ، وذلك مختص بنعمة سبحانه ، لكونها أصولا للنعم من الحياة والعقل والحواس ومدركاتها والشهوة والمشتهيات ، وغاية في الأنعام لبلوغها مبلغا لا يوفى جميع نعم المنعمين بواحدها ولا يتقدر من دونها كالحياة والشهوة ، فلذلك استحق سبحانه من الشكر مبلغا لا يدانيه شكر منعم ، ووصف لذلك بعبادة ، لكونه غاية في الخضوع له تعالى ، وكون الخاضع عابدا ، ولذلك قلنا : ان


العبادة لا يحق لغيره تعالى من حيث كانت كيفية لشكر لا يصح أن يستحقه سواه.

والثاني أن تكون النعمة مستغرقة جميع منافع المنعم عليه كنعمة الوالد على ولده والسيد على رقيقه وما يجرى مجرى ذلك من الانعام ، لعلمنا بوجوب طاعة من هذه حاله حسب ما سلف في أول الكتاب(1) .

وما خرج عن ذين النعمتين فرض شكره مختص بالاعتراف والخضوع.

ويترتب في العظم والصغر بحسب تعاظم الانعام وصغره.

ومن شرط ثبوته علم المنعم عليه أو ظنه أو تمكنه من ذلك بأن المنعم قصد به الإحسان اليه على وجه يحسن ، لأنه متى لم يعلمه أو يظنه قاصدا نفعه لم يتعين عليه شكره ، ومتى علم أو ظن قبح ما قصده وان كان نفعا قبح شكره من حيث علمنا فساد استحقاق المدح والشكر بما يستحق الذم(2) .

وطريق العلم باستحقاقه أوائل العقول ، لعمومه لكل عاقل وحال على وجه لا مجال للشبهة فيه.

وهو مستحق على جهة الدوام وإذا ثبت لم يزل بندم ولا عظم إساءة على ما نوضحه.

وإذا تكاملت شروط الانعام استحق به المدح على من علمه والشكر على المنعم عليه خاصة ، واما التعظيم والتبجيل فكيفية للقول الموضوع للمدح للعبارة(3) عن الشكر بالقلب والاعتراف بالنعمة وللنفع المقصود به الإثابة على ما تقدم بيانه ، فلذلك لم نفردهما بذكر.

وقد يفردان من ذلك أجمع فيقعان بأفعال الجوارح التي ليست قولا

__________________

(1) راجع ص 33.

(2) في بعض النسخ : للذم.

(3) كذا في بعض النسخ.


ولا اعترافا ولا مدحا ولا نفعا مدركا في الحقيقة كالقيام للغير في المجلس ، وتقبيل يده أو رجله ، والجلوس دونه ، وغض البصر والصوت له ، والقيام على رأسه ، وأعلاه السجود وتقبيل الأرض ، ولا تكون هذه الأفعال تعظيما الا بقصد ولا يحسن معه الا مستحقا ، وتحسن صورها من غير استحقاق خوفا أو رجاء أو مداراة ، ولا يجوز ان يقصد بها التعظيم لقبح فعله بغير استحقاق.

واما الذم فهو القول المنبئ عن اتضاع حال المذموم.

وخصصناه بالقول والإنباء عن خفوض رتبة المذموم ، لما قدمناه في المدح.

ويفتقر الى الوضع والقصد كالمدح وبرهانه. ويفتقر حسنة إلى العلم بما به يستحق ، لكونه خبرا عن حال المذموم وقبح الاخبار عن غير علم ، ولا شرط فيه.

وينقسم إلى أسماء ودعاء :

فالأسماء : فاسق وكافر وظالم وضال وفاجر وزان ولائط وأمثال ذلك.

والدعاء. الله وجدد عليه العذاب وأخزاه(1) وأشباه ذلك.

هذا متى تكاملت هذه الشروط وصف القول بأنه ذم وقائله ذام والمقول فيه مذموم.

وهو حقيقة في القول ومجاز في الفعل على ما ذكرناه في المدح.

وهو مستحق بفعل القبيح والإخلال بالواجب ، بشرط كون من تعلقا(2) به عالما بهما أو متمكنا من العلم بكمال العقل ، بدليل عموم العلم باستحقاقه بهما لكل عاقل علم فاعلا لقبيح أو مخلا بواجب وفي كل حال.

وهذا برهان كون العلم بذلك ضروريا من أوائل العقول.

__________________

(1) في بعض النسخ : وأجزأه.

(2) في بعض النسخ : تعلق به.


وهو مستحق على جهة الدوام ، ويجوز إسقاطه بالعفو عنه ابتداء وعند توبة أو شفاعة حسب ما نبينه.

واما العقاب فهو الضرر المستحق الواقع على جهة الاستخفاف والإهانة

وقلنا : ضرر ، لان النفع لا يكون عقابا من حيث كان النفع داعيا والعقاب صارفا ، و : مستحق ، لتميزه من ضروب المضار الحسنة ، وقيدناه بالاستخفاف بيانا ، إذ به يتميز من أقسام الضرر ، وأما الاستخفاف فكيفية للقول المعرب عن الذم والضرر المستحق ، ولا يكون كذلك الا بالقصد ، وقد ينفرد منهما فيقع بأفعال الجوارح كالتعظيم ، كرفع الصوت على الغير للاستعلاء عليه والاعراض عن حديثه وترك القيام لمن جرت العادة بالقيام له فما فوق ذلك ، لعلمنا بكون الفاعل مستخفا بكل واحد من هذه الأفعال كالقول.

والعقاب مستحق بفعل القبيح والإخلال بالواجب بشرط كونه لطفا.

وطريق حسنه العقول من حيث كان العلم باستحقاقه على فعل القبيح صارفا عنه وبالإخلال بالواجب داعيا اليه.

وكونه بهذه الصفة لا يقتضي القطع باستحقاقه ، لصحة قيام استحقاق الثواب بفعل الواجب واجتناب القبيح مقامه.

وطريق ثبوته السمع دون العقل ، وقد علم من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك ضرورة وهو على ضربين : دائم وهو مختص بالكفر ، ومنقطع وهو مستحق بما دونه من جميع القبائح فعلا وإخلالا.

وأيهما ثبت لم يزل عقلا ولا سمعا الا عن تفضل مبتدء أو عند توبة أو شفاعة دون ما تدعيه « الوعيدية » من سقوطه بندم أو زائد ثواب عليه.

والعفو المبتدء جائز من طريق العقل عن جميعه ، وقد منع السمع من الابتداء به عن الكفر وعند الشفاعة ، وورد بسقوطه عند التوبة ، وورد مؤكدا


لسقوط عقاب ما عداه ابتداء وعند توبة أو شفاعة.

ونحن ندل على صحة ما ذهبنا اليه من هذه المسائل ونسقط شبهة المخالف.

أما الدلالة على خلو العقل من دليل بالقطع على العقاب فهي أنه لا يخلو أن يكون ذلك ضروريا أو مكتسبا وليس من قبيل الضروريات لحسن الخلاف فيه ، وقبحه فيما يعلم ضرورة ، وليس مكتسبا لأنه قد سبرنا أدلة العقل فلم نجد فيها ما يدل على استحقاقه.

ان قيل : ألسنا جميعا متفقين على أن العلم باستحقاق العقاب على فعل القبيح والإخلال بالواجب داع الى الواجب وصارف عن القبيح ، فكيف لا تكون العقول دالة على استحقاقه؟

قيل : العلم بذلك انما يقتضي حسن استحقاقه دون ثبوته الموقوف على عدم بدل منه في الاستغلاظ(1) وقد علمنا أن استحقاق الثواب بفعل الواجب واجتناب القبيح كاف للدعاء والصرف ، ولهذا اقتصر الكل من أهل العدل في الدلالة على حسن تكليف المشاق فعلا واجتنابا على استحقاق الثواب دون العقاب.

ولو كان شرطا في حسنه كالثواب. حسنه على إثباته(2) والمعلوم خلاف ذلك واعتمادا به سبحانه. الفعل والاجتناب مع(3) عظيم المشقة وكونه. على رفعها بتقوية الشهوة إلى الواجب والنفور عن القبيح لا. خوف الضرر لولا ذلك لوجبت النوافل والمكاسب ظاهر الفساد ، لاتفاقنا جميعا على ما وضح برهانه من القول بأن كل شي‌ء وجب فإنما وجب لأحد

__________________

(1) في بعض النسخ : في الاصطلاح.

(2) في بعض النسخ : على الثانية.

(3) من عظيم.


أمرين : اما لما هو عليه كالصدق والإنصاف ، أو لكونه داعيا إليهما كالصلاة والزكاة ، واستحقاق الثواب والعقاب تابع لثبوت الوجه فيما به يستحقان ، فكيف يجعل من هذه أصوله استحقاقهما أو أحدهما وجها لما به استحقا لولا الغفلة عنها أو الجهل بوجه المناقضة فيها وأى شبهة على ذي بصيرة بالتكليف [ على ذا استحقاق العقاب دون غيره لا ](1) يفرقان ما بين ماله وجب الواجب مما استحق به ، وأدنى ما في ذلك أن لا يعلم وجوب فعل الصدق والإنصاف واجتناب الظلم والكذب الا من يعلم استحقاق العقاب للإخلال بذين وفعل هذين والمعلوم خلاف ذلك.

وبعد فكان يجب عليهم أن يقتصروا في حسن التكليف على استحقاق العقاب دون غيره ، إذ هو الوجه عندهم ، وهم لم يفعلوا ذلك ، ولو فعلوه لنقض الأصول الثابتة بالأدلة.

فأما المشاق فشرط في التكليف ، وجهة تكليفها ما اتفقنا عليه وقاد اليه البرهان من التعريض للثواب من غير افتقار بنا الى استحقاق العقاب.

فأما النوافل والمكاسب فإنما لم تحب لأنه لا وجه لوجوبها ، وما لا وجه لوجوبه لا يجوز الحكم بإيجابه.

وتعلقه وأصحابه في ذلك أن العقاب لو لم يكن مستحقا لكان المكلف مغري بالقبيح من حيث كان النفع بالثواب المتأخر لا يقابل داعي الشهوة البطلان.(2) لان علم المكلف باستحقاق الثواب بفعل الواجب. الدعاء والصرف(3) ومجز في حسن تكليفها ، إذ لا. بالنفع العظيم في الفعل ومصروفا عن القبيح. العلم بكون العاقل ملجئا برجاء النفع العظيم وفوته

__________________

(1) ما بين [] ليس في بعض النسخ.

(2) كذا في بعض النسخ ، ولعل الصحيح : واضح البطلان.

(3) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : ادعى واصرف.


حاصل كحصوله مع خوف الضرر.

وبعد فلو كان استحقاق العقاب شرطا في حسن التكليف للمشاق ، لم يصح أن يعتمد أحد منهم في حسن التكليف على مجرد التعريض للثواب ، إذ كان غير كاف في وجه الحسن ، وفي اتفاقهم على ذلك مع وضوح البرهان به دليل على سقوط هذه الشبهة.

فاما تأخير الثواب فغير قادح في كونه داعيا وصارفا لعلمنا بكون النفع المرجو داعيا وصارفا كالحاضر ، لولا ذلك لقبح التكليف ، إذ كان وجه حسنه بغير شبهة التعريض لثواب آجل.

على أن التأخير لو أثر في كون الثواب داعيا وزاجرا لأثر تأخير العقاب وكان اعتباره في الزجر مع التأخير جهلا منهم.

على انه لو سلم أن الزجر بالضرر شرط في حسن التكليف لكان التجويز كافيا دون القطع ، كسائر المضار المخوفة في الشاهد(1) ، الزجر حاصل بها وان كانت مجوزة غير مقطوع بها.

وإذا لم يكن في العقل دليل على استحقاق العقاب سقط ما يتعلقون به فيه من الاعتبار على دوامه ، إذ القول بذلك فرع لثبوت استحقاقه.

وإذا خلي العقل من دليل على الأمرين وجب الرجوع فيهما الى السمع ، وقد علم كل مخالط من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله استحقاق العقاب بكل قبيح واتفقت الأمة. انقطاع عقاب ما عداه الى زمان حدوث.(2) الحادث بعد انقراض العصر بالإجماع لا.(3) العقاب السمع الا قال بانقطاع عقاب لاقتضى اجتماع دائم

__________________

(1) كذا.

(2) هنا بياض في بعض النسخ.

(3) هنا بياض في بعض النسخ.


ثواب المعارف ودائم عقاب القبيح أو منع الثواب أو انحطاط(1) أحدهما بالآخر.

واجتماعهما ومنع الثواب فاسد بإجماع ، والتحابط باطل على ما نبينه ، ولان طريق استحقاق العقاب السمع على ما وضحت حجته ، وليس في السمع ما يقتضي دوام عقاب ما ليس بكفر ، وسنورد ما يتعلقون به من السمع ونبين فساد متعلقهم منه.

وقلنا : ان المستحق لا يسقط بندم ولا زائد ثواب ، لانفصال أحد الأمرين من الأخر وعدم التنافي بينهما ، إذ لا تنافي بين عقاب المعصية والندم عليها ، لكون العقاب معدوما في حال وجود الندم والموجود لا ينافي المعدوم(2) ، وان كان التنافي بين ثواب الندم وعقاب المعصية فأبعد ، لكونهما معا معدومين واستحالة التنافي بين المعدومات.

وبهذا يبطل قولهم ان إسقاط الزائد من الثواب أو العقاب لما نقص عنه من الأخر.

ولان(3) الثواب من جنس العقاب وليس بضد له في الجنس فلا يصح بينهما تناف.

وبهذا الاعتبار يعلم فساد القول بسقوط ثواب الطاعة بالندم عليها أو زائد عقاب.

وقد استوفينا الكلام في التحابط في كتاب « التقريب » وبينا فساد ما يتعلقون به من الشبهة ،(4) وفيما ذكرناه هاهنا بلغة.

__________________

(1) كذا.

(2) في بعض النسخ : للمعدوم.

(3) في بعض النسخ : « لان » بدون الواو.

(4) في بعض النسخ : الشبه.


وقلنا : ان التوبة وجه لسقوط العقاب عندها لإجماع الأمة على ذلك.

وقلنا : ان العقاب يسقط عندها تفضلا منه تعالى لأنه توبة منه ولأنها لو أسقطت عقاب ما هي توبة منه. الإحباط وقد أفسدناه ، ولأنها لو أسقطت العقاب على جهة. فيمن تاب من الكفر ان لا يضره عقاب شي‌ء من المعاصي. من حيث تزايد عقابه على عذاب ما عداه من العصيان ، فينبغي أن يكون ما زاد ثوابه من التوبة على عقابه أعظم من عقاب كل معصية دونه ، فيلزم على ذلك أن يمنع ثواب التوبة من الكفر من ثبوت عقاب ما دونه ، وذلك ينقض جملة ما يذهبون إليه في الوعيد ، وقد استوفينا الكلام في التوبة وما يتعلق بها بحيث ذكرناه من الكتاب.

وقلنا : ان العفو ابتداء جائز من طريق العقل وأن العقاب يسقط به لحصول العلم الضروري بكونه إحسانا كالابتداء بالنفع وانه حق مستحق اليه قبضه واستيفاؤه ، فيجب أن يسقط بإسقاطه كالدين ، ولا نزاع فيما ذكرناه بين العقلاء ، وانما يدعى « البغداديون » من المعتزلة أن هناك وجه قبح من كون ذلك اغراء ، ولان الزجر من فعل القبيح والإخلال بالواجب مع تجويزه غير واقع موقعه.

وتلك دعوى ظاهرة الفساد لما بيناه ودللنا عليه أولا من حسن التكليف من دون ثبوت العقاب فضلا عن تجويز زواله بعد ثبوته ، ولعلمنا ضرورة أن تجويز الضرر كاف في الزجر ، ولولا ذلك لم يكن في الشاهد أحد مزجورا لضرر لا يعلمه أو يعلمه ولا يقطع على نزوله به والمعلوم حصول الإلجاء(1) في أكثر المواضع مع التجويز فضلا عن الزجر.

وبعد فيلزم على قول هذا قبح قبول التوبة لحصول أعظم المزية لها على العفو للقطع على سقوط. وارتفاع ذلك في العفو فان كان تجويز العفو يقتضي. فأما

__________________

(1) في بعض النسخ : حصول الحياء وهو تصحيف.


غاية الزجر فإن أرادوا به ما يقتضيه. مع التجويز كالقطع وان أرادوا كل ممكن لزم عليه. حتى يعلم المكلف انه لا طريق الى الخلاص من عقاب عصيانه فهو زجر بغير شبهة وحتى يكون العقاب عاجلا أو عقيب انقطاع التكليف ، والمعلوم فساد ذلك ، وان السمع ورد مؤكدا لجواز العفو عن الفساق لعلمنا بتمدحه سبحانه في غير موضع من كتابه بالعفو والغفران والرحمة المعلوم تخصصه بإسقاط المستحق من العقاب ، وفساد توجه ذلك الى الكفار والى ذوي الصغائر والتائبين ، لوجوب سقوط عقاب القبيلتين وقبح التمدح بالواجب ، ولان سقوط عقاب الصغيرة عندهم مؤثر عن زائد الثواب عليها ، وسقوط العقاب بالتوبة مؤثر بها دون فعله تعالى ، ودلالة صريح الظاهر يقتضي إضافة الغفران اليه تعالى وذلك يحيل تناوله لذوي الصغائر والتائبين بغير اشكال.

ومن ذلك قوله تعالى( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ ) (1) وهذا نص صريح بتمدحه بغفران ذنب الظالم في حال ظلمه.

وقوله تعالى( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) (2) .

وقوله تعالى( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ) (3) وهذا خطاب لا يجوز توجهه الى الكفار ولا الى من لا ذنب له من المؤمنين ، لقبح التمدح بالغفران عن الفريقين ، فلم يبق الا توجهه الى من جمع بين طاعته ومعصيته.

وبهذا يسقط حملهم الآيات على ذوي الصغائر والتائبين ، لأن أولئك لا ذنب لهم يغفر ، ولما قدمناه من إضافتهم سقوط عقاب الصغائر بثواب الكبائر من الطاعات

__________________

(1) سورة الرعد ، الاية : 6.

(2) سورة التوبة ، الاية : 106.

(3) سورة الإسراء ، الاية : 54.


وعقاب معاصي التوبة(1) بها دونه سبحانه وكون الآيات. الغفران اليه سبحانه.

وقلنا : ان الشفاعة وجه.(2) عندها لإجماع الأمة على ثبوتها لهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومضى.(3) الى زمان حدوث « المعتزلة » على الفتيا بتخصيصها بإسقاط العقاب فيجب الحكم بكونها حقيقة في ذلك لانعقاد الإجماع في الأزمان السابقة لحدوث هذه الفرقة.

ويدل على ذلك ما نقله محدثوا الشيعة وأصحاب الحديث ولم ينازع في صحته أحد من العلماء من قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي »(4) وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لي اللواء الممدود ( كذا ) والحوض المورود والمقام المحمود واني اسجد أمام العرش فلا ارفع رأسي وفي النار أحد من أمتي ».

وهذان الحديثان صريحان بتخصيص الشفاعة بإسقاط العقاب ، ولا قدح بما يتأولون به الحديث الأول من حمله على التائبين من الكبائر ، لأنه رجوع عن الظاهر بغير دلالة ، ووصف التائبين من الكبائر بكونهم أهل كبائر ، والإجماع بخلاف ذلك ، ولإجماع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك وإجماعهم حجة.

وقد تعلقوا في تخصيص الشفاعة بزيادة المنافع لأهل الجنة بآيات لا دلالة لها على موضع الخلاف :

__________________

(1) كذا.

(2) هنا بياض في بعض النسخ.

(3) هنا بياض في بعض النسخ.

(4) رواه الشيخ في التبيان 1 ـ 213 مرسلا ، وقال الطبرسي في مجمع البيان 104 ـ 1 تلقته الأمة بالقبول.


منها قوله تعالى( وَلا يَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضى ) (1) قالوا : وهذا يدل على تخصيص الشفاعة بالمرتضين.

وقوله تعالى( وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ) (2) فنفى أن يكون للظالم ناصر.

وقوله تعالى( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) (3) .

وقوله تعالى( ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ) (4) .

والجواب عن ذلك من وجوه :

أولها أن تكون محمولة على الكفار بدلالة إجماعنا على حصول الشفاعة لأهل. بتخصيصها بزيادة المنافع ولما قدمناه من. في مرتكبي الكبائر ولأنه لا دلالة في شي‌ء منها. فيها متعلق بمن لا يرتضى ولا يتم لهم ما يرمونه الا بتقدير ليس. من قولهم ارتضى أفعاله وليسوا بذلك بأولى منا إذا قدرنا لمن ارتضى أن يشفع له ، على أنا لو حملناها على ما قالوه لم يمنع من مقصودنا لها لأنا لا نجيز(5) الشفاعة إلا لمن(6) ارتضى ايمانه وطاعاته دون من لم يرتض شيئا من أفعاله إذ ذاك هو الكافر.

وأما الآية الثانية فمتعلقة بنفي النصرة دون الشفاعة ، وهما مختلفان ، لأن الشفاعة سؤال وطلب الى المشفوع اليه ، والنصرة مدافعة عن المنصور ، ولا شبهة في انه لا ناصر للظالمين منه تعالى ولا مدافع عنهم.

واما الآية الثالثة فصريح في الكفار لأنه تعالى قال :( فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ

__________________

(1) سورة الأنبياء ، الاية : 28.

(2) سورة البقرة ، الاية : 270.

(3) سورة الشعراء ، الاية : 101.

(4) سورة الغافر ، الاية : 18.

(5) نخير. خ.

(6) فيمن. خ.


وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) فأخبر أن المذكورين غير مؤمنين إذ لو كانوا مؤمنين لم يتمنوا الرجعة ليؤمنوا ومن لا ايمان له لا يكون الا كافرا لا تصح الشفاعة فيه وسنبين أن الايمان قد يثبت مع ارتكاب الكبائر.

وأما الآية الرابعة فمختصة بنفي شفيع يطاع ولسنا نقول ان الشفيع يطاع ، وانما يطاع الأمر وليس بمأمور تعالى ، والشافع سائل وقبول شفاعته اجابة وانما كان ( كذا ) يكون في الآية حجة لو تضمنت : « ولا شفيع يجاب ».

ولا يمنع من تجويز العفو عن فساق المسلمين وسقوط عقاب المعفو عنه ما يتعلقون به من الآيات :

كقوله تعالى :( وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها ) (2) .

وقوله سبحانه :( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ) (3) .

[ وقوله تعالى( مَنْ يَقْتُلْ ] مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ) (4) ونظائر ذلك.

قالوا : وهذه الآيات عامة في كل عاص وقاتل وزان وقد تضمنت.(5) الوعيد للمذكورين فيها بالخلود ، لان التعلق بها في موضع الخلاف مبني على

__________________

(1) سورة الشعراء ، الاية : 101 ـ 102.

(2) سورة النساء ، الاية : 14.

(3) سورة الفرقان ، الاية : 68 ـ 69.

(4) سورة النساء ، الاية : 93.

(5) هنا بياض في بعض النسخ.


العموم وليس بصحيح على ما ذكرناه في غير موضع وذكره غيرنا.

وأيضا فإن ورودها عامة عندهم لم يمنع من خروج التائب وذي الصغيرة منها ، لتقدم العلم بسقوط عقابهما ، فكذلك لا يمنع من خروج المعفو عنه لتقدم العلم بجواز العفو وسقوط العقاب بتركهما لعدم الفرق بين الجميع.

وأيضا فعمومهما ( كذا ) معارض بعمومين : أحدهما آيات العفو التي ذكرناها وما لم نذكره ، الثاني عموم آيات الوعيد للمطيعين ، والعمومان إذا تعارضا وقف العمل بهما أو خص أحدهما بالآخر ، والوجه الأول لا يمكن في خطابه تعالى ، فلا بد من تخصيص أحدهما بالآخر ، وعموم آيات العفو لا يحتمل غير ما ذكرناه ولا يجوز تخصيصها بمن ذكروه ، فإنه [ مخالف ] لظواهرها فلم يبق الا حمل ما ذكروه من الآيات على الكفار ان كان وعيدها دائما ، أو انها عامة في كل عاص ووعيدها منقطع ، ويكون لفظ الخلود والتأبيد فيها مفيدا لطول المكث على ما يعهده المخاطبون لها من معاني لفظ الخلود والتأبيد.

وكذلك القول في معارضة عموم آيات الوعيد لها مع فساد التحابط وقبح المنع من الثواب وفساد اجتماع الثواب والعقاب الدائمين في اقتضائه توجه وعيدها ان كان. بانقطاعه ان كان عاما من حيث كان القول بدوامه. لكل مؤمن أو مطيع أو مضل أو مزل أو تائب. بدوام كلها فاسد اما اجتماع الثواب الدائم والعقاب الدائم. أو منعه سبحانه من الثواب وهو ظلم لا يجوز عليه سبحانه أو إحباط أحد المستحقين للآخر وقد بينا فساده وقد بلغنا من استيفاء(1) الكلام على متعلقهم في الآيات في الكتاب المذكور أبعد غاية لم ينته إليها غيرنا وفيما ذكرناه هاهنا مقنع.

وقدمنا الكلام في أسماء فاعلي الحسن والقبح وأحكامهم عاجلا وآجلا بحيث

__________________

(1) استقصاء.


يجب ذكره من أبواب العبادات فلا وجه لإيراده هاهنا.

وإذا كانت الأمة متفقة على دوام ثواب الايمان وعقاب الكفر وانهما لا يجتمعان لمكلف وقبح منع الثواب وإسقاط عقاب الكفر وفسد التحابط ، فلا بد من القول بأن من ثبت ايمانه عند الله تعالى لا يكفر فيما بعد ، لما يؤدي إليه ذلك من اجتماع ثواب دائم وعقاب دائم أو المنع من الثواب أو إسقاط عقاب الكفر أو إحباط أحدهما الأخر مع فساد ذلك أجمع.

ولا يعترض هذا ظهور الكفر ممن كان مظهرا للايمان ، ولا ما تضمنه القرآن من الاخبار بالكفر بعد الايمان في قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ) (1) وأمثال ذلك ، لان الثواب انما يستحق بالايمان عنده تعالى دون الظاهر ، ولا مظهر له الا ويجوز خلافه ، وليست هذه حال الكفر لأنه لا باطن له ولا شك في ثبوته لمظهر شعاره بإجماع. على الايمان الصحيح اقتضى ذلك(2) حملها على من كان مظهرا للايمان أو معتقدا له على الوجه المتعبد به(3) .

فصل

القطع على استحقاق المصدق بجملة المعارف الموصوف لذلك بالايمان حسب ما دل الدليل عليه وذكرناه العقاب الدائم والمنع من سقوطه تفضلا فرع لكون عقاب ما ليس بكفر من المعاصي دائما لا يجوز سقوطه بعفو ولا شفاعة وان هناك كبير يزيد عقابه على ثواب الايمان وما يقاربه من الطاعات وان زيادته عليه تقتضي سقوطه ، لان انقطاع عقاب ما ليس بكفر ، أو جواز

__________________

(1) سورة النساء ، الاية : 137.

(2) العبارة ناقصة ظاهرا.

(3) في بعض النسخ : المعتد به.


إسقاطه تفضلا بعد ثبوته ، أو فقد العلم بتزايده على ثواب الايمان وما يضاهيه من الطاعات ، أو فساد إحباط هذا الثواب بالزائد عليه ، يمنع كل واحد من ذلك من القول بوعيد الفساق من المسلمين على ما يذهبون اليه فيه.

فاما فساد القول بدوامه فقد سلف برهانه وسقوط دعوى ثبوته عقلا وسمعا.

وأما سقوطه بالعفو فقد بينا جوازه عقلا وثبوته سمعا.

وأما طريق العلم بتزايد العقاب على ثواب الايمان فمتعذر عقلا وسمعا حسب ما بيناه في الكتاب المذكور.

واما إحباط العقاب لثواب الايمان فقد تقدم فساد دعوى صحته واستوفينا الكلام. واجتنب سائر الكبائر المعينة وأخل بما عدا ذلك من جميع الواجبات وارتكب سائر القبائح العقلية والسمعية بم تسمعون وتحكمون عليه؟ فان قالوا : نسميه فاسقا ونحكم عليه بعقاب الفساق من الخلود في النار قيل لهم : وأي يدلكم(1) مع قولكم بأن إطلاق هذا الاسم وإثبات حكمه مختص بذوي الكبائر وهذا قد اجتنبها ، وكيف يصح وصفه بالفسق والحكم عليه بما يقتضيه مع تجويز ثبوت ايمانه واجتنابه الكبائر وثبوت ثوابهما وسقوط عقاب جميع ما أتاه من القبح في جنب هذا الثواب.

وبعد فكلكم يذهب الى ان اجتناب الكبائر مقتض لتكفير ما عداها ويعتمد في ذلك على قوله تعالى( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ) (2) فكيف يتم لكم مع هذا المذهب وصف مجتنبها بالفسق والحكم عليه بحكمه؟

فان قالوا : تكفير السيئات وثبوت ثواب الايمان مشترط باجتناب سائر

__________________

(1) كذا.

(2) سورة النساء ، الاية : 31.


الكبائر ، وهذا قد أتى ببعضها وان لم يتميز لنا كتميز معاصي الحدود فلذلك سميناه فاسقا وحكمنا عليه بحكم الفساق.

قيل لهم : ومن أين لكم ان في جملة ما أتاه كبير ، مع تجويز كم أن تكون جملته صغائر مكفرة بثواب. ذلك انتقالا عن المعلوم بالظن وذلك معلوم الفساد وهم لا يذهبون فكفونا مؤنة الاحتجاج له وان كنا قد أوضحناه فتعذر عليهم وصفه بالفسق والحكم عليه بموجبه.

وبعد فاذا كان القديم تعالى قد نص عندهم على أن اجتناب الكبائر يكفر ما عداها من السيئات ودانوا به عقلا ودل عندهم الدليل بزعمهم على أن فعلها أو واحدة منها يسقط ثواب الايمان وسائر الطاعات الماضية والمستقبلة ويقتضي بعد ذلك تعذيب العاصي عذابا دائما لا آخر له ، وجب في عدله تعالى تعيينها كمعاصي الحدود ليجتنبها المكلف فيجوز بذلك ثواب طاعاته المقصود بالتكليف ويسقط عذاب معاصيه الخارجة عنها لأنه قد كلف اجتنابها ودل في الجملة على عظم عقابها وكونها مانعا من ثبوت ثواب شي‌ء من طاعاته ، إذ من القبيح أن يكلف ماله هذه الصفة مع تعذر العلم به.

الا ترى ان التوبة لما كانت عندهم مسقطة للعقاب كلفها ودل عليها بصفتها وشروطها ، فماله وجب تعيين التوبة قائم في كبائر الطاعات والمعاصي ، وماله قبح التكليف للتوبة من دون العلم بها له يقبح تكليف الكبائر من دون العلم.

وإذا وجبت هذه القضية وكانوا لا يعينون كبيرا الا ما أوجب حدا وجب القطع على انها كسائر الاثام حسب لا يوصف فاعلها بالفسق ولا يحكم عليه أو فساد ما يذهبون اليه مسقطا للعقاب وهم القطع على ان ما عدا فاسقا والحكم عليه لكان المكلف مغري بما عداها من القبائح والإغراء قبيح لا يجوز في حكمته.


قيل : لا شبهة في أن تعيينها مع ثبوت التحابط يقتضي الإغراء بما عداها ، وكذلك تكليف اجتنابها مع ما هي عليه من الصفة مع تعذر العلم بها قبيح أيضا ، فلم يبق بعد هذا الا القول بنفي كبائر على ما يقولونه لما يؤدي إليه من الفساد.

وان قالوا : نسميه مسلما ومؤمنا ونحكم بالثواب الدائم.

قيل لهم : وكيف لكم بذلك ، وقد اتى بمعاصي تجيزون ان يكون معظمها كبائر تمنع من وصفه بالايمان وحكمه ويقتضي خلوده في النار مع ما تضمن التنزيل من وعيدها كمعاصي الحدود ، كأكل مال اليتيم والفرار من الزحف والحكم بغير ما انزل الله سبحانه والظلم والهمز واللمز والإخلال ببعض الفرائض ومن أي جهة أمنتم عذابه؟ وعلى اي وجه وصفتموه بالايمان وحكمتم له بثوابه مع تجويز كونه فاسقا مستحقا لدائم العقاب وورود النص من الله تعالى بذمة وعقابه مع قولكم باستحالة اجتماع الاسمين وما يستحق بهما مع مدح ذم ، وثواب عقاب؟.

وان قالوا : نسميه مسلما بشرط ان لا تكون فيما أتاه كبيرة.

قيل لهم : هذا أولا مخالف لأصولكم لان. على الإطلاق ومستحقا للثواب حسب اوقا. كافرا يزيد عقابه على عقابه. عن مذهبكم ودخول. يخلو ان يكون التعظيم. مؤمن على الإطلاق وقد بينا ما يلزمهم على القول بإيمانه. فهو فاسق على الإطلاق وقد بينا ما يلزمهم على القول بفسقه ، وسقوط فرض المدح والذم مع ثبوت تكليفه لا يجوز بإجماع ، فلم يبق الا القول باستحقاقه سمة الايمان بتصديقه وطاعاته واجتناب كبائر المعاصي والثواب على ذلك ، ووصفه بالفسق مقيدا بما فعله من القبائح واستحقاقه العقاب المنقطع المرجو سقوطه بعفو مبتدء أو شفاعة ، وسقط لذلك ما يذهبون اليه من القول بكبير مسقط وصغير ساقط وما تفرع على ذلك من التحابط والوعيد.


وبعد فاذا كان وعيد من ثبت ايمانه على القبيح وسلبه سمة الايمان وحكمه فرعا لثبوت كبائر معينة يزيد عقابها على ثوابه وكانوا يجيزون فيما عدا معاصي الحدود كونه صغيرا وكنا ومن سبقنا من السلفرضي‌الله‌عنهم قد بينا في كتابنا وغيره وبينوا أن ثبوت الحد على المعصية لا يقتضي تزايد عقابها على ثواب الايمان لتجويز كون الحد امتحانا أو قسطا من عقابه أو جميعه مع ثبوت ثوابه ، تعذر طريق العلم بإثبات شي‌ء من المعاصي كبيرا ، واقتضى ذلك فساد ما يذهبون اليه من التحابط المتفرع عليه ، وسقط مذهبهم في الوعيد وأسماء العصاة اليه.

إلزام آخر يقال لهم : إذا كنتم. بوعيدها وحكم على فاعلها.

على معاصي الحدود دون سائرها. الفسق ونفى العدالة بفعلها. والقذف لأنه تعالى قد نص على عقاب أكل مال اليتيم والفرار من الزحف والحكم بغير ما أنزل الله تعالى وفعل الربا وسائر المحرمات وترك الصلاة والحج ومنع الزكاة وسائر الفرائض ، وأجمع المسلمون به وطابق إجماعها قوله تعالى :( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) (1) فعم بالجزاء كل شي‌ء ، وقوله تعالى : «وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ . الاية »(2) فعم كل عاص بالوعيد ، وقوله تعالى( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ) (3) وهذا متناول لقليل الظلم وكثيره ، وأمثال ذلك من وعيد القرآن الوارد مورد معاصي الحدود. واجمع المسلمون على تفسيق من وقع منه بعض القبائح وذمه ونفى عدالته ورد شهادته وكراهية مناكحته وإبطال عقد النكاح عند كثير منهم ، ومنع آخرون الصلاة خلفه كإجماعهم

__________________

(1) سورة النساء ، الاية 123.

(2) سورة الجن ، الاية 23.

(3) سورة الفرقان ، الاية 19.


على وصف الزاني والسارق والقاذف بذلك ، وأجروا الأحكام عليه ، فان صاروا الى مقتضى الحجة من هذا الإلزام سقط ما يذهبون اليه من كبير وصغير ، وفسد لذلك ما يتفرع عليه من التحابط ويبنى عليه من الوعيد ، ودخلوا في مذهبنا المحكوم فيه باستحقاق العقاب بكل معصية وثبوت ذلك الا ان يتفضل مالكه بإسقاطه ابتداء أو عند توبة أو شفاعة ، لأن كل من قال بأحد الأمرين قال بالآخر ، وان امتنعوا من ذلك نقضوا ما يذهبون اليه من ان القطع بوعيد المعصية وثبوت سمة الفسق بها.

فان قالوا : لم تنازع في استحقاق العقاب بكل معصية. الكبائر وان لم يتعين لنا منها. جهة الاستحقاق دلالة على انتفاء ما يقابله. اجتماعها فاما ما عداها فوعيدها مشترط بأن يكون. تفرقتكم بين الأمرين مع تناول الوعيد لهما على وجه واحد وثبوت سمة الفسق وأحكامه بكل منهما وتعلق الذم واللعن عليه لان قوله تعالى( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ) (1) وقوله( وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً ) (2) «وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ ... الاية »(3) و( مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ) الاية(4) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ... الاية »(5) «وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... الاية »(6) وأمثال ذلك من الوعيد

__________________

(1) سورة النساء ، الاية 10.

(2) سورة الفرقان ، الاية 19.

(3) سورة النساء ، الاية 14.

(4) سورة النساء ، الاية 123.

(5) سورة البقرة ، الاية 278.

(6) سورة التوبة ، الاية 34.


القاطع لكل فاعل قبيحا أو مخل بواجب مساو لقوله تعالى( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً ) (1) ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ ) (2) ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ) (3) ( وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ ) (4) . الآيات فان جاز لهم أن يشترطوا عند أحد الظاهرين جاز لنا اشتراط الأخر وتخصيصه بالمستحيل ( كذا ) من حيث كان تقييد بعض دون بعض اقتراحا.

فاما اقتران الحدود بالاستخفاف ومنافاته للتعظيم فقد استوفينا الكلام عليه في كتاب « التقريب » ونبهنا فيما سلف على ذلك ، وان الحد امتحان مساو للتنكيل ، ( للتكبيل خ ) وان وقوعه عقوبة لا يمنع من ثبوت الثواب لكونه بعض المستحق أو جملته ، وان اجتماع المدح والذم والثواب معلوم حسنه بشرط اختلاف الفعلين فبطل بذلك معتمدهم من الحدود على. قبيحا أو أخل بفرض بالفسق وإجراء أحكامه. مع قولهم أن ثبوت سمة الفسق علم. مساواة ذلك لمعاصي الحدود في الكبير. معاصي الحدود وليس لهم أن يقولوا. كافة أهل الوعيد لان المعلوم ضرورة من دين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وكافة المسلمين تسمية من ترك الصلاة ومنع الزكاة أو أفطر من الصوم مختارا أو قعد عن الجهاد المتعين عليه أو فر من زحف يجب عليه فيه الثبوت أو أكل مال اليتيم أو عامل بربا أو أكل ميتة أو لحم خنزير الى غير ذلك من القبائح بالفسق ونفى العدالة ورد الشهادة الى غير ذلك من أحكامه كحصول العلم من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودينهم

__________________

(1) سورة النساء ، الاية 93.

(2) سورة الفرقان ، الاية 68.

(3) سورة النور ، الاية 4 و 23.

(4) سورة المائدة ، الاية 38.


بوصف الزاني والقاذف بالفسق والحكم عليهما بأحكامه وأي مسلم يتحاسر(1) وعيدي أو مرجى‌ء تقدم وجوده أو تأخر يحكم بعدالة من اجتنب معاصي الحدود وأتى ما عداها من القبائح؟ وكل من الفريقين قد نص على ذلك في كتبه وصرح به في فتياه وعم العلم بتدين كافة المسلمين به من زمنه وصحابته والى الان ، فمنع ذلك من دعوى خلاف يعتد به.

وانما ذهبت « الوعيدية » الى اتفاق ( كذا ) سمة الفسق على مرتكب ما علموه كبيرا في كتب الكلام حسب ما اقتضته فيها أصولهم الفاسدة في الوعيد إطراحا لما عم العلم به من دين المسلمين عنادا للحق أو سهوا عنه مع بعده أو قلة تأمل.

وكيف لا يكون الأمر كذلك ونحن نجدهم أجمع يحكمون برد شهادة من علموه مرتكبا لبعض المعاصي وقد نصوا على ذلك في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وتجاوزوه الى تفسيق من أخطأ فيما طريقته الاجتهاد من الولاية والعداوة في الدين. في الوعيد حين ذكروا أحكام العدالة في أصول الفقه. من ذلك فيها مع مطابقة المعلوم من دين الأمة من اتفاق. معاصي الحدود خاصة وليس لهم أن يقولوا انما لم يحكم بعد. لتجويزنا أن يكون ما أتاه كبيرا لان ذلك يوجب عليهم كما. بالعدالة لتجويزهم كون ما أتاه كبيرا الا يصفوه بالفسق لتجويزهم كونه صغيرا ويقفوا فيه والإجماع بخلاف ذلك وهم داخلون فيه ومذهبهم ينافيه لأنهم لا يقفون في مكلف بل يقطعون بكفره أو فسقه أو إيمانه ويبدعون ( كذا ) من شك أو قطع باجتماع الايمان والفسق.

وليس لهم ان يقولوا ان العدالة حكم شرعي منعت الشريعة من ثبوته

__________________

(1) كذا في أقدم نسخنا ، وفي بعض النسخ : يتجانب.


مع بعض القبائح وان كان صغيرا ، لأن أول ما في ذلك أنه ترك المعلوم من مذهبهم في ان الصغائر لا يقدح في العدالة ، فكيف نسوا ذلك هاهنا؟ للغفلة أم عنادا أم رغبة عنه ، والغفلة والعناد لا يليقان بالمحققين من العلماء لا سيما منتحلي الحذق والتحقيق والتدقيق ، والرغبة عنه توجب عليهم نفى عدالة الأنبياء والأئمة وإجماع الأمة ، لاتفاقهم على صحة الصغائر منهم ووقوعها من أكثرهم ، وذلك ضلال ، فلم يبق الا تمسكهم بأن الصغائر لا يقدح في العدالة فتسقط الشبهة ، ويلزمهم الحكم بكبر كل معصية منعت من العدالة ، فإذا كانت الأمة وهم من جملتهم ينفون عدالة من اثر بعض القبائح فعلا وإخلالا كحكمهم ذلك في معاصي الحدود وجب عليهم ان يحكموا بكبر الجميع.

وبعد فليس بين التعديل والتفسيق. اما أن يثبت الفسق فتنفى العدالة ويتبعها رد. أو يجهل ما يقتضي أحد الأمرين فيتوقف على البيان. من دين الأمة ووجدناها ترد شهادة من علمته مرتكبا. كفعلها مثل ذلك في الزاني والقاذف دل ذلك على. وكون ما أتاه كبيرا لاتفاقنا جميعا على أن طريق إثبات أسماء أهل الطاعة أو المعصية السمع دون العقل والإجماع آكد دلالة السمع بغير اشكال.

ان قيل : فاذا كان الوعيد ثابتا بكل معصية ومن جملته صريح الخلود والتأبيد وكيف يتم لكم ما تذهبون اليه من انقطاع عقاب بعض العصاة؟

قيل : ثبوت الوعيد على كل معصية لا ينافي قولنا في عصاة أهل القبلة ، لأنا نقول بموجبه ، وانما نمنع من دوامه لغير الكفار ، وثبوته منقطعا يجوز سقوطه بأحد ما ذكرناه لا يمنع منه إجماع ولا ظاهر قرآن ، من حيث كان الإجماع حاصلا باستحقاق العقاب وسمة الفسق في العاجل دون دوامه وفعله في الأجل ، وانما يعلم به دوام عقاب الكفر وفعله في الآخرة.


فأما آيات الخلود والتأبيد فقد بينا فيما سلف واستوفيناه في الكتاب المذكور انه ليس في لغة العرب لفظ يفيد ما لا آخر له ، فلا يجوز حمل خطابه تعالى على ما لا يعرفه المخاطبون ، وقلنا : ان لفظة الخلود مختصة بالسكون والطمأنينة فمن قوله تعالى( أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ) (1) أي سكن إليها واطمأن ، وقولهم : قد أخلد فلان الى كذا إذا سكن اليه واطمأن ، وان لفظ التأبيد عبارة عما يعهده المخاطبون. حسب من قولهم لا أكلمك أبدا ولا أقاتل أبدا لا يخطر له ببال مما(2) لا آخر له وبينا انا انما علمنا ان. الكفار لا آخر لهما من قصده. العقاب دائما أو منقطعا على كل معصيته أو منقسما. برهانه لا يمنع مما نذهب اليه من جواز سقوطه عن عصاة الملة لعفو مبتدء أو عند شفاعة كما لم يمنع كونه دائما عند جميعهم من جواز سقوطه عند أكثرهم عقلا وعند كافتهم بتوبة أو زائد ثواب.

وفي هذا القدر من الكلام في أحكام المستحق كفاية ومريد الغاية منه يجده في كتاب « التقريب ».

__________________

(1) سورة الأعراف ، الاية 176.

(2) ما. ظ.


الحال التي يثبت فيها

المستحق والتي يفعل فيها



فصل في بيان الحال التي يثبت فيها المستحق والتي يفعل فيها

إذا كان الغرض بالتكليف التعريض للثواب واقتضت المصلحة ما ورد السمع به من الزجر بالعقاب ، وجب الحكم بثبوت استحقاقهما عقيب الطاعة والمعصية لوقوع كل منهما على الوجه المقتضى للاستحقاق ، فلو لم يكونا مستحقين عقبيهما لم يثبت استحقاقهما ، لأنه لا حال بثبوته أولى من حال ، والحكمة تقتضي تأخيرهما عن زمان التكليف وحال انقطاعه زمانا غير معلوم ، لأنهما لو أوصلا الى مستحقهما. لاقتضى ذلك الإلجاء إلى فعل الواجب واجتناب القبيح وذلك مناف. شاق تنغمر مشقته في جنبه ، والى ضرر عظيم متى أخل به تنغمر في جنبه راحة تركه. تنفع على الاجتناب والضرر على الفعل هو ملجأ.

والحال المفعول فيها الثواب والعقاب غير معلومة. وقد نص عليها سبحانه في كتابه وعلى لسان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعين المستحقين وكيفيتهما ومحل ايصالهما فوجب القطع به.

وتأخيرهما إلى تلك الحال وهو يوم البعث ، للمانع الذي ذكرناه ، لا يمنع من استحقاقهما عقيب الطاعة والمعصية ، لأنه قد يعرض في الحقوق ما يقتضي تأخيرها إذا علم أو ظن ان في تعجيلها فسادا ، فإذا أوصل المثاب الى مستحقه فرقت عليه في أوقات الإثابة ما فاته من الاقساط المستحقة في الأزمنة الماضية


إلى حين وصل اليه ، من حيث كان منع ذلك ظلما لا يجوز عليه تعالى.

وكذلك القول في عقاب الكفار وما لا يتفضل سبحانه بإسقاطه من ماضى عقاب الفساق ، لقيام الدلالة على قبح العفو عن الكفار وحسنه فيمن عداهم ، وذلك يقتضي انقطاع تكليف كل عاقل ، لأنه ان لم ينقطع تكليفه مع ما ثبت قبحه من إيصاله إلى مستحقه عقيب فعله اقتضى ذلك انتقاض الغرض المجرى بالتكليف اليه ، وقد كان جائزا من جهة العقل استمرار إيجاد جميع الخلق حالا بعد حال الى ما لا نهاية له وتكليفهم أبدا ، وإيصاله جميع من انقطع تكليفه منهم الى مستحقه ، لكن السمع ورد بانقطاع تكليف البشر واماتتهم اجمع وقطع إيجاد أمثالهم. بعد الموت للاثابة والمعاقبة والتعويض والتفضل ، فقطعنا بذلك وارد ( كذا ).

وبقينا في الجن والملائكة على ما كنا عليه من جواز إيجادهم وتكليفهم حالا فحالا لفقد دليل فيهم بمثل ما علمناه في البشر والدلالة. بمقدوره سبحانه العالم في كل ما يصح تعلق القدرة به والجواهر. الاعراض الباقية في مقدوراته تعالى وقد أحدثها تعالى ابتداء. بكونه سبحانه قادرا على إعادتها بعد الفناء ثانية إذ كانت. للثانية فما له وجب تعلق الأولة به تعالى له يصح تعلق الثانية ، والدلالة على ذلك حصول العلم بفناء العالم بقوله تعالى( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ ) (1) وانما كان أولا لكونه تعالى سابقا للموجودات ، فكذلك انما يكون آخرا ببقائه بعدها.

وقوله تعالى :( كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى ) .(2) .

والدلالة على وجوب اعادة الخلق بعد فنائه حصول العلم بذلك من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) سورة الحديد ، الاية 3.

(2) سورة الرحمن ، الاية 27.


وتضمن القرآن له.

والواجب من جهة العقل اعادة من له مستحق لم يصل إليه في دار التكليف من أهل الثواب ، ومن لم يستوف عوض إيلامه به سبحانه أو بغيره ، لما تقتضيه حكمته سبحانه من ذلك ، وما في منعه من وجوه القبح التي لا تجوز عليه تعالى.

فاما المعاقب والمتفضل عليه فاعادتهما غير واجبة لحسن العفو عن المعاقب أو إيقاف معاقبته ابدا وانتفاء وجوه القبح عن منع التفضل.

وانما علمنا وجوب اعادة الجميع بالسمع المعلوم من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والواجب إعادته من جملة الحي عقلا ما به يكون حيا من البنية وهي التي إذا انتقضت خرج عن كونه حيا ، دون أعضائه وسمته وما ليس من جملته. حيا من دون ذلك اجمع.

وانما قلنا ان الله يعيد الأحياء على. الكاملة لحصول الإجماع بذلك.

وقد أجمعت الأمة على إعادة الحي بعد الموت في القبر والمسائلة والتنعيم أو التعذيب.

وأجمعت الفرقة المحقة على اعادة من محض الكفر أو الإيمان من أمتنا في دولة المهدىعليه‌السلام .

وكل واحد. من جهة العقل لتعلقه بمقدوره سبحانه وطريق القطع.

المذكور.

وليس لأحد أن يقول : كيف يصح احياء الميت في القبر مع. لان محييه سبحانه قادر على توسيعه لبشارة المؤمن وتعذيب الكافر ولأن أجسام متولي التعذيب شفافة لا تفتقر الى كثير سعة.


ان قيل : فقد كان ينبغي ان يسمع كلام الملائكة والمحى(1) لان حصول ذلك بحيث يكون بقرب القبر سامع ليس بواجب ، فاذا لم يجب وانتفى ادراك ذلك وجب القطع على تخصصه بوقت لا يكون هناك سامع ، وبمثل هذا نجيب من سأل فقال : كيف يصح ذلك ونحن اى وقت كشفنا عن الميت وجدناه بحاله ، لان حالة إحيائه غير مختصة بوقت.

وبعد فالعلم بنشر كل ميت مرتفع.

فان قيل : في الراجعة ( كذا ) أخبرونا عن المكرورين أعقلاء أم لا ، فان كانوا عقلاء فمن كمال العقل التكليف وذلك يصحح ايمان الكافر وكفر المؤمن أو فسقه ، والإجماع بخلاف ذلك.

قيل : المكرورون عقلاء ، ويصح أن يكونوا مكلفين ، ولا يلزم كفر المؤمن لما بيناه من وجوب الموافاة بالايمان وتعذر حصول الكفر بعد ثبوته ، وفسقه مأمون لأنه تعالى لا يرجع من يعلم من حاله أنه يفسق ، وأما ايمان الكافر فذلك جائز من جهة العقل ، لكن الإجماع مانع منه وهو اتفاقهم على أن من مات كافرا فلا بد أن يوافي القيامة بكفره ، وقد نطق القرآن بذلك في غير موضع ونص سبحانه زائدا على ذلك بأنهم لو ردوا لعادوا بقوله تعالى( وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ ) (2) فعلى هذا لا يكر من الكفار من يعلم حاله انه يختار الايمان. ويصح ان يكونوا غير مكلفين. في نشرهم تعجيل قسط من الثواب لأهل الإيمان بمشاهدة دولة. ذلك من المسار وتعجيل قسط من العقاب لأهل الضلال. الغم عليهم بما يشاهدونه من علو الحق واهله المستضعفين. أو أمرهم وهلاك إخوانهم فيه والإشارة بذم المعظمين عندهم. بالقتل نكالا فيكون حال الفريقين

__________________

(1) العبارة ناقصة ظاهرا.

(2) سورة الانعام ، الاية 28.


في الرجعة كحالهم في الآخرة على ما نبينه.

ان قيل : أفليس قد منعهم من تعجيل المستحق قبل البعث فكيف بذلك وما قطعتم به من عذاب القبر والرجعة وثوابهما؟

قيل : انما منعنا من تعجيل ما يقتضي الإلجاء وذلك مختص بجملة المستحق ، فاما ما ليست له هذه الصفة فتعجيله جائز.

يوضح ذلك المدح والذم واقامة الحد والقصاص.

واما الإعادة القصوى فمختصة بيوم البعث ، وهو يوم القيامة(1) ويوم الازفة ويوم القارعة ويوم الحاقة والصارخة والطامة ويوم النشور وبعثرة القبور ويوم الحساب والمآب ، الى غير ذلك من أسمائه المفيدة للمعاني المختلفة المعلومة وما يقع من المسمى بها وكيفيته بالسمع ، وقد قطع التعذر صحة ( كذا ) بأن الله تعالى يبعث الخلق لهذا اليوم وتكور له الشمس ويخسف القمر وتنثر الكواكب وتكشط السماء وتبدل الأرض وتسجر البحار وتسير الجبال وتدكدك وتنسف وتسعر الجحيم وتبرز وتزلف الجنة وتزخرفت ويضع كتاب الأعمال لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا [ أحصاها ]. وتنشر صحف الأعمال ويضع الموازين القسط فلا تظلم نفس شيئا ويصح ( كذا ) الصراط لأهل النعيم ، ويحشر الخلق كله كاملي العقول عالمين بما كلفوا علمه. ولا مرجئين بل ملجئين الى ترك القبيح. من الحجج المأمونين(2) وتبدوا ملائكة الغضب. للتنعيم ، وتدعى كل امة بامامها. ويحبسون لأول. الانتصاف للمظلومين فلا يجاوزه أحد عليه تبعة لم تخرج منها ، وكل مرتهن بعمله ، مشغول بنفسه عن اهله و

__________________

(1) أكثر هذه العبارات الى قوله : متميزة. مقتبسة من القرآن الكريم ومستفادة منه.

(2) في بعض النسخ : المأمومين.


خاصته واخلائه وأهل مودته ، محاسب في حقه تعالى.

وأصحاب اليمين مبيضة وجوههم ، فرحة قلوبهم ، مبشرون بالرضوان ، لا يحزنهم الفزع الأكبر ، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون ، كتبهم بأيمانهم ، معظمون في الموقف ، محشورون الى ما وعدوا به من دائم الثواب ، كل على قدر مستحقه ، مستغن به عن غيره ، راض بنعيمه عن كل نعيم لسواه ، بالغ منه غاية مأثوره.

وأصحاب الشمال مسودة وجوههم ، كتبهم بشمائلهم من وراء ظهورهم ، موبخون على فارط زللهم ، مبكتون على قبيح عملهم ، محاسبون على ما أسلفوا ، عاجزون عن عذر ، شاهدة عليهم جوارحهم بقبيح فعلهم ، نادمون على ما فرطوا ، يتمنون الراجعة ( كذا ) ولات حين مناص ، مسحوبون على وجوههم ، في أعناقهم الأغلال ، وفي النار هم يسجرون ، سرابيلهم من قطران ، وتغشى وجوههم النار ، لهم من جهنم مهاد ، ومن فوقهم غواش ، نزلهم الزقوم ، وشرابهم الحميم ، يصهر به ما في بطونهم والجلود ، ولهم مقامع من حديد ، كلما نضجت جلودهم وأشرفوا على الفوت وظنوه الموت بدلوا جلودا طرية ليذوقوا العذاب بما كسبوا وهم لا يظلمون ، ولا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ، كذلك نجزي كل كفور ، كل معذب على قدر جريرته.

متميزة حال فساق المؤمنين من الفريقين بخروجهم بالايمان. الكفار وبالفسق عن مرتب الأبرار معرضون. فان يعف عنهم أو يشفع فيهم يصيروا من جملة الأبرار. ثواب الايمان والطاعات وان يحرموهما. عذابا منقطعا لا دليل على غايته ، كل منهم على حسب فارطه ومتى يقطع بالاستيفاء أو الشفاعة فلا بد من مصيرهم الى ما استحقوا من الثواب.

مخالف لحال الكل حال من ابتدأه الله تعالى في النعيم أو عوض ممن ليس بكامل من البهائم والأطفال والمجانين لتعذر استحقاق الثواب والعقاب عنهم.


ولرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف صلوات الله عليه وآله في ذلك اليوم المقام الأشرف والمحل الأعظم ، له اللواء المعقود ( كذا ) ولواء الحمد والحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة المقبولة والمنزلة العلية والدرجة المنيعة على جميع النبيين وأتباعهم.

وكل شي‌ء خص به من التفضيل ورشح له من التأهل فأخوه وصنوه ووارث علمه ووصيه في أمته وخليفته على رعيته أمير المؤمنين وسيد المسلمين علي بن ابي طالب بن عبد المطلبعليه‌السلام شريك فيه وهو صاحب الأعراف وقسيم الجنة والنار بنصه الصريح وقوله الفصيح.

وأعلام الأزمنة وتراجمة الملة بعدهما صلوات الله عليهم أعوان عليه ومساهمون فيه حسب ما أخبر به وأشار بذكره.

ولشيعتهم من ذلك الحظ الأوفر والقسط الأكبر لتحققهم بالإسلام ممن عداهم وتخصصهم بالايمان دون من سواهم. الكفر وشيعتهم وأنصار الباطل. دعونا اليه.

فأهل الجنة على ثلاثة. استحقاقهم وهو دائم غير منقطع. مختلفة بحسب تزايد مستحقهم. على دوامه لأنه لو كان دائما لم يحسن منا إدخال ضرر على أنفسنا ولا تعريض الغير له لنفع منقطع ، والمعلوم خلاف ذلك ، ويجوز ان يتفضل الله تعالى بادامة نعيم المعوضين عقلا وقد قطع السمع به في أهل الجنة. والضرب الثالث أهل التفضل خاصة ممن لم يألم في الدنيا وان كان مستبعدا ، وإذا لم يكن في العقل دليل على لزوم التفضل فكيف بدوامه ، وانما يعلم دوام من يتفضل تعالى بتنعيمه بالسمع ويجوز ان يتفضل على أهل الثواب بمنافع تقترن بثوابهم خالصة من صفة الثواب.

ويجوز ان يقترن الى ذلك ما يستحقونه من أعواض على ما دخل عليهم من


الالام ويجوز أن ينقطع ما يتفضل به تعالى عليهم من النعيم ويجوز ان يديمه بدوام الثواب ، فاما العوض فلا بد من انقطاعه لكون المستحق منه محصورا وإذا قطع التفضل أو انقطع العوض عن المثاب فلا بد ان يصرفه الله تعالى عن الفكر فيه أو يكون يسيرا منغمرا في جنب ثوابه فلا يجد لفقده مسا لان لا يتكدر ثوابه الواجب خلوصه حسب ما أخبر به سبحانه ، ويجوز ان يكون ما يتفضل به تعالى من النعيم على أهل الثواب وغيرهم من أهل الجنة أو يفعل لهم. في المقدار على الثواب انما يبين من العوض والتفضل بوقوعه. التزايد ومن جملة نعيمهم وكامل سرورهم. العذاب وما ورثوه من منازلهم التي كانت أعدت. منازل أهل النار التي كانت أعدت لهم في الجنة لو أطاعوا. في ذلك حال الرجال.

وأهل النار من الأولين والآخرين ضربان : كفار مخلدون وان زاد عقاب بعض على بعض بحسب كفره ، وفساق مقطوع على خروجهم من النار بعفو مبتدء أو عند شفاعة أو انتهاء عقابهم إلى غاية مستحقه ، وحالهم في مراتب التعذيب بحسب عصيانهم ، ولا يجوز ان يبلغ عقابهم في العظم عقاب الكفار لاقتران ما استحقوا به العقاب من المعصية بالمعرفة بالمعصى تعالى والخوف منه والرجاء لفضله وتسويف التوبة ، وانتفاء ذلك اجمع عن عصيان الكفار. ولا سبيل الى العلم بمقدار إقامتهم فيها. فالنار إذا لا يدخلها الا مستحق للتعذيب لقبح الابتداء به ، والجنة يدخلها المستحق والمتفضل عليه لحسن الابتداء بالتنعيم.

ان قيل : ما الوجه الحكمي في ما ذكرتموه من أحوال الموقف واهله؟

قيل : وجه ذلك أولا كونه مستندا إلى إرادة حكيم لا يجوز عليه تعالى العبث ولا يقع منه القبيح.

وبعد فهو محتمل لوجوه كل منها يصح ان يكون مقصودا يحسن لأجله : منها تعجيل قسط من ثواب أهل الايمان وعقاب الكفار.


ومنها ان العلم بذلك الان لطف في التكليف ، إذ لا شبهة في أن العلم الان بما ذكرناه من حال أهل الموقف داع الى الحسن وصارف عن القبيح.

ومنها ان. أهل الايمان وتسويد وجوه الآخرين. التعظيم فتعظمه الملائكة والمؤمنون. به الملائكة والصالحون فكل من هذه. فيما ذكرناه بل جميعها حاصل فيه لمن تأمل ذلك بحسن بصره لارتفاع الشبهة في كون ما يفعله تعالى بأهل الموقف ثوابا لأهل طاعته وعقابا لأهل معصيته ولطفا للمكلفين العالمين به الان ولتمكنهم من ذلك وكونه مميزا لمستحقي التعظيم من مستحقي الاستخفاف.

ان قيل : فعلى أي وجه تنطق الجوارح وليست حية ولا مبنية بنية يصح منها النطق؟

قيل : يصح ذلك على وجوه :

منها : ان يبني الله تعالى كل جارحة بنية يصح منه النطق فينطق بما وقع من الحي لكونها بعضا له.

ومنها : ان يبنيها الله تعالى بنية يصح بها النطق كاللسان ، فيكون المتكلم الحي وهي آلة في الكلام كاللسان واللهوات ( كذا ) ويصح ان يكون المتكلم الشاهد على نفسه هو الحي وعبر عنه ببعضه كقولهم : يد فلان لا تبطش ولسانه لا ينطق ورجله لا تسعى ، وهم يريدون بالجميع الحي ، وانما عبروا عنه بالالة من حيث كانت آلة في الفعل الموصوف به.

ومنها : ان يريد تعالى بشهادة الجوارح وضوح الأمر وقوة الحجة وحصول العلم لهم بما فعلوه كما يقول الفصيح لمن يعلم مثل هذا من حاله : شهدت عيناك بكذا وأقرت يداك واعترفت جوارحك ، وانما يريد وضوح الأمر له وتيقنه ما أخبر أن جوارحه شاهدة به.


ومنها : ان يكون تقريره سبحانه العصاة على أفعال جوارحهم المعلوم لهم إضافتها إليها شهادة منها بها بمعنى أنها لو كانت.( قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ) (1) ( وَ [ تَقُولُ ] هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ) (2) وهو تعالى. كانت ممن تقول لقالت : أتينا طائعين وهل من مزيد. عيناك تخبرني بكذا وتشهد بكذا قال الشاعر : يخبرني.

وقال الأخر :

امتلأ الحوض وقال : قطني

مهلا رويدا قد ملأت [ بطني ]

[ وقال الأخر ] :

وقالت له العينان : أهلا ومرحبا

وحدرتا كالدر لما يثقب

والمراد ان الحوض لو كان ممن يقول لقال : حسبي ، ولو كانت العينان قائلتين لقالتا : أهلا ومرحبا ، ونظائر ذلك من كلام العرب نظما ونثرا.

ان قيل : على الوجهين الأولين كيف يجوز ان يصف ما بنى بنية حي أو بنية لسان بأنه يد أو رجل وليس كذلك؟.

قيل : ذلك جائز لأن جواهر أيديهم وأرجلهم وما فيها من المعاني إذا كانت هي بعينها المبنية حيا أو آلة نطق جاز ان يطلق عليها بأنها أيديهم وأرجلهم ، لأنها هي هي في الحقيقة وليست غيرها ، كما أن من بنى من جواهر بعض الأجسام جسما أخر فالثاني في الحقيقة هو الأول ويصح ان يسمى باسمه.

ان قيل : فما معنى الموازين والأعمال أعراض يستحيل وزنها أو وزن المستحق بها لعدمه؟.

قيل : الموازين عبارة عن العدل في أهل الموقف وإيصال كل منهم الى مستحقه ، الا ترى قوله تعالى :( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ

__________________

(1) سورة فصلت ، الاية 11.

(2) سورة ق ، الاية 30.


شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ) (1) فنص سبحانه على أن الموازين عبارة عن عدله في توفية كل ذي حق حقه ، وقد وصفت العرب المخاطبون التسوية الصحيحة والقسمة العادلة بذلك فقالوا : أفعال فلان موزونة وكلامه بالميزان ، وانما يعنون. ان يكون هناك موازين في الحقيقة ويكون الوزن مختصا بصحف الأعمال. يصح وزنها وتكون العبادة بالرجحان والثقل مختصة. من المعاصي والعبادة يخصها من عدم الطاعات جملة. كلها تتضمن القطع بثواب من ثقلت موازينة. بعذاب وعقاب من خفت موازينه وبائنة(2) من الثواب وذلك يقتضي تخصيص الوزن بمن تخص الايمان أو الكفر دون المؤمن العاصي لقيام البرهان على انتفاء القطع له بالثواب أو العقاب ، وهذا شائع في عرف المخاطبين بالقرآن يقولون : ميزان فلان راجح عندي أو عند فلان ، أي اعماله ثابتة كبيرة ، وميزان فلان خفيفة ولا وزن لأفعاله ، أي لا طاعة له ولا فعل يقتضي مدحه.

ويحتمل ان يجعل سبحانه لذي الطاعات نورا في كفة الميزان فيرجح ، وظلمة للكافر فيخف ، ليكون ذلك دلالة على نجاة الطائع وهلاك الكافر.

وكل هذه الوجوه شائع والمعتمد الوجه الأول.

ان قيل ما معنى الصراط وأنتم لا تجيزون التكليف في الآخرة؟

قيل : يحتمل أحد أمرين : أحدهما أن يكون المراد به طريق الجنة والنار فأما أهل الجنة فيتسع لهم مسلكه مقترنا بتعظيم الملائكة وتبشيرهم بالثواب فيكون ذلك قسطا من ثوابهم ، وأما أهل النار فيضيق عليهم مسلكه ويصعب عليهم قطعه مقترنا بإهانة الزبانية واستحقاقهم وسحبهم على وجوههم الى النار فيكون ذلك قسطا من عذابهم.

__________________

(1) سورة الأنبياء ، الاية 47.

(2) كذا تقرأ ما في بعض النسخ.


والذي يقتضيه الظاهر كونه طريقا لأهل الجنة خاصة لأن كل موضوع ذكر سبحانه فيه الصراط وصفه بالاستقامة ومدح سالكه ، فمنه قوله تعالى( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1) وقوله سبحانه( اهْدِنَا )

( الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضّالِّينَ ) (2) وأمثال ذلك. وهذا الظاهر مانع من كونه. وقد سمى الله تعالى برهان الحق صراطا فقال تعالى( وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (3) وقوله تعالى( وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ [ مُسْتَقِيمٍ ] ) (4) ( وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً ) (5) فذكر الصراط هاهنا لا يحتمل الا برهان الحق الذي تعبد به سبحانه.

ان قيل فاذا كان القديم تعالى يستحيل إدراكه واختصاصه بالجهات فعلى اى وجه تقع المحاسبة.

قيل : يصح ذلك منه تعالى بان يفعل لكل واحد من المحاسبين كلاما يتضمن تقريره على اعماله ويضطره الى العلم بكونه كلاما له والى الاعتراف بما عمله وعلم المستحق عليه ثم يأمر ملائكة الرضوان بإدخاله الجنة ان كان من أهلها وملائكة التعذيب بإدخاله النار ان كان من أهلها ، ويصح ان يرد ذلك الى بعض خلقه لولا قوله تعالى متمدحا بتولي المحاسبة( وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ ) (6) وما ورد من النص على وقوع المحاسبة على وجه لا يصح من

__________________

(1) سورة الملك ، الاية : 22.

(2) سورة الحمد.

(3) سورة الانعام ، الاية : 153.

(4) سورة المؤمنون ، الاية 73.

(5) سورة الانعام ، الاية : 126.

(6) سورة الانعام ، الاية : 62.


محدث من سرعة تجاز(1) حساب الخلق مع كثرتهم.

ان قيل : فاذا كانت الإثابة والمعاقبة مختصتين به تعالى فكيف يصح لكم ما تذهبون اليه من الحوض واللواء والوقوف على الأعراف وقسمة النار وإدخال بعض إليها وإخراج بعض منها مع كون ذلك ثوابا وعقابا.

قيل : لا شبهة في اختصاص أمور الآخرة اجمع به تعالى غير انه تعالى إذا ردها أو ما رد ( كذا ) منها الى المصطفين من خلقه رسول الله وأمير المؤمنين والأئمة من آلهما صلوات الله عليهم فأوردوها عن أمره وأصدروها. كما يضاف تعذيب أهل النار وتنزيل أهل الجنة. حاصلا بملائكة المأذون لهم فيه فأما معنى. ان الله تعالى أعطى أمير المؤمنينعليه‌السلام بمعرفة. فيأمر به الى الجنة والكافر بسيماه فيأمر به الى النار. سبحانه على ذلك بقوله سبحانه( وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ ) (2) بعينه والأئمة من ذريتهعليهم‌السلام وقوله تعالى( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ) (3) .

وتحتمل القسمة وجها آخر وهو ان الله تعالى لما جعل ولايتهعليه‌السلام علما على الايمان وعداوته علما على الضلال ، لكونهما من جملة المعارف وكان مستحق الايمان الجنة ومستحق الضلال النار صار لذلك قاسما لهما.

وتحتمل وجها آخر وهو انهعليه‌السلام لما كان شفيعا لمرتكبي المعاصي من شيعته دون منكري إمامته صار قسيما للنار ، يخرج منها من استحقها من عصاة شيعته دون منكري ولايته.

وليس لأحد أن يقول : فأي ميزة لهم بتولي هذه الأمور على غيرهم في

__________________

(1) كذا.

(2) سورة الأعراف ، الاية : 46.

(3) سورة الرحمن ، الاية : 41.


الفضل وهي موقوفة على اذنه تعالى.

لان الآخرة لما كانت أفضل الدارين بكونها دار الجزاء وغاية المستحقين ، وجعل الله سبحانه إلى هؤلاء المصطفين أفضل منازله وأسنى درجاته من اللواء والحوض والشفاعة وقسمة النار دل على تخصصهم من الفضل بما لا مشارك لهم فيه.

وانما قلنا بسقوط تكليف أهل الآخرة لأمور :

منها إجماع الأمة على انه لا يستحق أحد في الآخرة ثوابا ولا عقابا لم يستحقها في دار الدنيا وتجويز. هذا الإجماع بغير ريب.

وأيضا فإن فتيا الأمة بأسرها بأنه لا تكليف في الآخرة سابق لحدوث المخالف في ذلك فلا يجوز. الثواب ويخرجه عن صفته. ويصحح. المعاقب يقتضي صحة سقوط عقابه. لا يستحق ثوابا ولا عقابا لاحق بهما. الآخرة بحضور المستحق من الثواب والعقاب العظيمي القدر. يقتضي قبحه لكون ذلك ملجئا والإلجاء ينافي التكليف.

ولا اعتراض على ما قلنا بقوله تعالى لأهل الجنة( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) (1) وان هذا أمر والأمر تكليف.

لأن الأمر لم يكن امرا للصيغة وانما كان أمرا بالإرادة ، ولهذا لم يكن قوله تعالى( وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ) (2) ( فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ ) (3) امرا وان كانت الصيغة حاصلة ، من حيث لم يرد سبحانه ما تعلقت الصيغة به ، فكذلك قوله تعالى لأهل الجنة( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) انما هو إباحة.

__________________

(1) سورة الحاقة ، الاية : 24 وغيرها.

(2) سورة المائدة ، الاية : 2.

(3) سورة الجمعة ، الاية : 10.


ويصح ان يريد تعالى أكلهم وشربهم لكونه ثوابا مفتقرا إلى إرادة المثيب إيقاع النفع منه على جهة التعظيم ، إذ به يتميز من نوعي العوض والتفضل ، وليس بتكليف لفقد المشقة فيه ، كما لم تكن ارادة أحدنا من غيره ان يلتذ بتناوله الطعام إحسانا إليه تكليفا.

فأما شكر أهل الجنة فما يتعلق منه بالقلب ضروري من فعله تعالى كسائر المعارف على ما نبينه ، وما يتعلق منه باللسان فيه لذة فلا يكون تكليفا.

وقلنا بوجوب إكمال عقولهم وكونهم بجملة المعارف ( كذا ) والمعاقب ( كذا ) والعوض ( كذا ) لأنه لا بد أن يعلم كل واحد منهم وصوله الى مستحقه ليعلم. عليه ويعلم المتفضل عليه كونه محسنا اليه وذلك مفتقر. يقصد فاعل المستحق إلى الإثابة أو المعاقبة. الإحسان وقد يقتضي معرفة القاصد وصفاته. لا تصح من دون كمال العقل.

وقلنا : ان المعرفة. تكليفهم في الآخرة فلم يبق مع وجوب كونهم. ضرورية.

وقلنا : ان أهل الجنة والنار مختارون لأفعالهم من أكلهم وشربهم وغير ذلك من تصرفهم لان ذلك أبلغ في نعيم أهل الجنة.

وقد أجمعت الأمة على وقوع الثواب على أشرف الوجوه وأبلغ المسار.

وأيضا فإنها واقعة على استحقاق ووفاء بوعد ، فيجب وقوعها على الوجه المعهود في الدنيا من الإيثار.

ولان ظواهر قوله تعالى( كُلُوا وَاشْرَبُوا ) وأمثال ذلك تقتضي وقوع أفعالهم عن إيثار.

وأهل النار لاحقون في ذلك بأهل الجنة لأنه لا أحد فرق بين الفريقين.


وقلنا : انهم ملجئون الى ترك القبيح لأنه لولا المنع منه مع كونهم متخيرين في أفعالهم لصح منهم إيثاره واستحقاق العذاب به ، والإجماع بخلاف ذلك وانما يكونون ملجئين بأحد أشياء : اما ان يفعل تعالى في قلوبهم العلم بأنهم متى راموا القبيح منعوا منه ، أو بان يغنيهم بالحسن عن القبيح فلا يبقى لهم داع اليه ، أو بان يفعل في قلوبهم العلم بأنهم متى فعلوه نزل بهم الضرر العظيم عقيب فعله.

وقلنا : ان أهل الجنة لا يهرمون ولا يمرضون ولا يحزنون ولا يخافون ولا يتنافسون ولا يتحاسدون ، لإجماع الأمة على ذلك ، ولما نص عليه تعالى في كتابه ، ولا يستبعد ذلك عارف بمثيبهم سبحانه لأنه. والمرض متولدان عن أمور يفعلها تعالى وعن. متخير في أفعاله فيصح ان لا يفعلها وإذا صح. به وكذلك القول في بقائهم ابدا لتعلقه بمقدوره. فحادثان عن أمور هي منتفية عن أهل الجنة بغير شبهة. فمتولدان عن حصول شهوات لمنازل الغير مع تعذرها.منتفى عن أهل الجنة لأنه تعالى لا يفعل لأحد من أهلها شهوة لمنزلة غيره ، وانما يفعل فيه منها بحسب ما يستحقه أو يتفضل عليه به ، وإذا لم يفعل فيهم شهوة لمنازل غيرهم مع بلوغهم أدناهم منزله إلى غاية منتهاه من النعيم العظيم لما يتألموا بفوتها.

وبمثل هذا يجاب من يقول : أخبرونا عن من ذهبت نفسه إلى منزلة لا يستحقها أو الى مناكح غيره ، لأنه إذا لم يفعل له شهوة إلا لما قد أبيح تناوله [ له ] سقطت الشبهة.

وكذلك لو قيل لنا : ماذا يكون حال المثاب ان ذهبت نفسه الى سماع المطربات من الأغاني والملاهي أو الالتذاذ ببعض المحرمات ، لكان الجواب : ان ذلك مما لا يقبح عقلا وانما قبح هاهنا لتعلقه بالتكليف ولا تكليف هناك ، فان فرضنا


انه تعالى فعل في المثاب شهوة لذلك أو لبعضه أو لما زاد عليه فلا بد من تمكينه من الوصول اليه وان لم يفعل له شهوة لشي‌ء من ذلك سقطت الشبهة فيه.

وقلنا بدوام الثواب وعقاب الكفر ، لحصول العلم بذلك من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومعنى الدوام هو ان جميع المستحق في المعلوم لم يخرج الى الوجود وانما يفعل منه في كل وقت ما يقتضيه استحقاق المثاب أو المعاقب فيها هكذا حالا بعد حال الى مالا آخر له ، لان خروج جميع المستحق الى الوجود.

القول بدوامه وتزايد أحد المستحقين على. من الزائد في كل وقت على غيره وقد ذكرنا.

ان قيل : كيف يصح بقاء أهل النار احياء. وانتفاء ما معه يستحيل وجود حياتهم من البرودات. بناهم بنفوذها في أجسامهم.

قيل : يصح ذلك بأن يفعل القديم تعالى في كل معذب بالبرودة والرطوبة والتأليف ( كذا ) مثل ما نفته(1) النار بحرارتها وشدة نفوذها في جسم المعذب بها حالا بعد حال ، فتأثير النار حاصل في تفكيك بنية المعذب ونفى ما يكون به حيا من المعاني ، والحياة باقية بخلق أمثال ما نفته النار حالا فحالا ليستمر العذاب الذي لولا احداثه لا نتفت الحياة وبطل التعذيب ، وقد نص سبحانه على ذلك بقوله تعالى( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) (2) يعنى سبحانه كلما نضجت النار أجسامهم وأشرفوا على الفوت أعادها الله تعالى إلى هيئتها الأولى ليذوقوا العذاب دائما. أعاذنا الله تعالى برحمته من ذلك.

ان قيل : هل للمعذبين في النار ما يغتذون به أكلا وشربا أم لا؟ فان كانوا

__________________

(1) في بعض النسخ :

(2) سورة النساء ، الاية : 56.


يغتذون ففي ذلك التذاذ وأهل النار عندكم لا يلتذون ، وان كانوا لا يغتذون فكيف تبقى حياتهم؟.

قيل : لولا ما أخبر به تعالى من أكلهم الزقوم وشربهم الحميم لجوزنا فقد الاغتذاء ، ولم يمنع ذلك من بقاء حياتهم ، لان ذلك انما علم في الشاهد لكونه معتادا غير موجب ، إذ لا تأثير للغذاء في بقاء الحيوان ، وانما اجرى تعالى العادة بفعل ما تبقى الحياة معه عند الاغتذاء بالمآكل والمشارب المخصوصة ، وهو سبحانه قادر على ذلك من دون الاغتذاء ، فعلى هذا قد كان جائزا. وان فقدوا الأغذية فتبقى معه حياتهم لكنه. به لا لما توهمه السائل ، وكونهم ذوي أكل وشرب. والمشروب لان الحي لا يلتذ بنفس تناوله الغذاء وانما يكون ملتذا للمتناول. ( كذا ).

ولهذا نجد أحدنا يألم في حال بما كان ملتذا. بالإجماع ان أهل النار لا يلتذون بشي‌ء مع اخباره تعالى عن أكلهم وشربهم ، قطعنا على أنه تعالى لم يفعل فيهم شهوة لشي‌ء منه ، فكيف وقد أخبر بسوء حالهم وعظم المهم عند تناول ذلك الغذاء ، بقوله تعالى( إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ ) (1) وقوله سبحانه( لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) (2) وقوله سبحانه متوعدا( ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ) (3) وقال سبحانه في شرابهم( وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ) (4) وأمثال هذه الآيات

__________________

(1) سورة الدخان ، الاية : 46 ـ 45.

(2) سورة الغاشية ، الاية : 6.

(3) سورة الواقعة ، الاية : 55 ـ 50.

(4) سورة الكهف ، الاية 29.


المتضمنة بوصف طعامهم وشرابهم بغاية الإيلام ، وذلك يدل على انه من جملة عذابهم.

ان قيل : فما القول في خزنة النار وزبانية العذاب؟

قيل : يصح أن يكونوا مكلفين لما يعانوه ، ومستحقين به الثواب فيما بعد ، ويستبدل بهم غيرهم. والقول في صحة بقائهم ان كانوا مباشرين للنار كالقول في بقاء أهل النار. ويصح أن يكونوا. مكلفين ويستحقون أعواضا بما يدخل عليهم من الم ان فعل فيهم سبحانه نفورا عن النار وان فعل فيهم شهوة لإدراكها فهم بذلك ملتذون إحسانا إليهم وأثابه لهم. في ملائكة الرضوان وكونهم مكلفين أو غير.

ان قيل : ما حكم أهل الجنة إذا شاهدوا. عليهم إيلامه في النار وأعداءهم في الدنيا ينعمون في. أهل النار أولادهم وإخوانهم وأهل مودتهم في الجنة يحبرون وأعداءهم في. يقتضي تنقيص عيش المثاب وتكدير ثوابه وتخفيف عذاب الكافر وعظيم مسرته.

قيل : إذا علمنا إجماع الأمة وصريح التنزيل بخلوص ثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار من شوائب ، وجب حمل ما ذكر في السؤال على ما يليق بالمعلوم من محتملاته وهي أشياء :

منها : ان يصرف الله تعالى أهل الجنة والنار عن مشاهدة ذلك ويلهيهم عن الفكر فيه.

ومنها ان يغلظ الله تعالى قلوب أهل الجنة على من في النار من خلصائهم ، وينزع ما في صدورهم من غل وحسد على أهل الجنة كما أخبر سبحانه ، ويبغض أهل الجنة الى أهل النار بمعنى [ ان ] يفعل لهم نفورا عنهم ويحب إليهم أعدائهم من أهل النار.

ومنها ان يكون العلم بذلك منغمرا في جنب عقاب أهل النار لعظمه و


ثواب أهل الجنة لتزايده ، فلا يؤثر فيها شيئا كما لا يؤثر مسح الغبار عن وجه المضروب بالسياط ولا قرض البرغوث في المنغمر في النعيم ، ولا شبهة في عظم عقاب أهل النار لكونه مقابلا لعظيم عصيانهم واستهانتهم وقد نص على ذلك تعالى وفخم أمر العقاب(1) وعظم موقعه مجملا ومفصلا لكونه مقابلا لتحمل عظيم المشاق في الأفعال والتروك ، وقد نص سبحانه على ذلك في غير موضع لو لم يكن منه الا قوله تعالى( وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ) (2) وقوله سبحانه( وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ) (3) فعظم سبحانه ما أعد لأهل طاعته مع تصغيره. بايع الآخرة مع حصول العلم الضروري بتفاوت نعيم كثير. سبحانه لم يذكر الدنيا في موضع من كتابه إلا. إليها وضرب أمثالها بأحقر مذكور وأسفه مطلوب. وما وعد فيها من ثواب أهلها.

وذلك يدل على ان تفاوت ثواب كل مطيع من الجميع نعيم العاجلة ، ولا يجوز ان يعلق التفاوت بالدوام حسب ، لأنه تعالى : « قال( وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ) . الآيات »(4) وذلك يقتضي تعلق العظم بما يشاهد من الإثابة ويدرك من النعيم ، وذلك مختص بالموجود منه في كل وقت دون ما لم يوجد ، فيجب أن يكون المفعول منه في كل حال لكل مطيع ما يصغر في جنبه نعيم الدنيا بأسره ، ولا يجوز ان يحمل وصفه تعالى الثواب بالعظم على جميعه ، لأنه تعالى وعد بما وصفه من ذلك لكل مطيع بإجماع ، فيجب الحكم بصدق هذا الوعد فيه دون ثواب غيره من

__________________

(1) كذا ، والصحيح : أمر الثواب.

(2) سورة الزخرف ، الاية 71.

(3) سورة الدهر ، الاية 20.

(4) سورة الدهر. الاية 21.


المطيعين.

وأيضا فلا فائدة في ترغيب كل مكلف بتعظيم ثواب جميع المطيعين فيجب تخصيص وصفه بالعظم بثواب كل مطيع.

فعلى هذا يصح أن يكون ثواب أدنى أهل الجنة ينغمر في جنبه نعيم الدنيا بأسره ، ولا يستبعد هذا من عرفه سبحانه قادرا من إيجاد المنافع لكل مكلف على ما يزيد على الموجود في الدنيا لجميع أهلها أضعافا كثيرة ، ولا من علمه سبحانه منعما في الدنيا على بعض الكفار أو متملكا ( كذا ) باقداره وتمكينه من المنافع ما لا يجده واصف ولا يبلغ نعته ذاكر وينغمر في جنب بعضه نعيم عالم من الناس لا يخصصهم غيره مع جحد به سبحانه وعبادة غيره ، فكيف تكليف المشاق. ومعرفة المخلص في عبادته والعمل بطاعته مع سابق. انعامه على أهل ولايته على عاجل إحسانه في. خلقه.


[ وجوب الرجوع الى فتيا الأئمة المعصومينعليهم‌السلام ]

وإذا وضح برهان ما قدمناه من مسائل التوحيد والعدل. على الوجه الذي له وجبت على براهينها أمنا من معراتها وضرر ما خالفها قاطعاً بفوز من دان بها ووصوله الى عظيم المستحق بها وضلال من خالفها متدينا أو شاكا أو معتقدا عن غير علم أو علم لغير وجهها وأغناه(1) ذلك عن تتبع ما خالفها من تفاصيل المسائل وسقط عنه فرض النظر في أعيانها إذا كان قيام البرهان بصحة المذهب كافيا في اعتقاد صحته وفساد ما خالفه بغير اشكال.

وعلم من جملة ذلك امامة أئمتناعليهم‌السلام ، وكونهم حفظة للشرع مأمونا منهم الخطاء لعصمتهم ، فوجب عليه الرجوع إليهم والعمل بفتياهم والقطع على خطأ من خالفهم ، لحصول اليقين بفتياهم وصحة إضافته إلى مختارهم لحفظ ملته سبحانه وانتفاء الشبهة عن الحكم بخطإ من خالف الحق المقطوع به وتبليغها ( كذا ) الى من جعلهم حججا عليه من خلفه.

وطريق العلم بفتياهم سماعه شفاها عنهم أو بالتواتر عنهم أو قول من نصوا

__________________

(1) كذا في النسخ والظاهر زيادة الواو.


على صدقه ، لكون كل واحد من هذه طريقا للعلم على ما سلف لنا في أول الكتاب ، وطريق العلم الان وما قبله من أزمنة الغيبة بفتياهم تواتر شيعتهم عنهم أو إجماع علمائنا ، إذ كان التواتر طريقا للقطع بغير إشكال بصحة المنقول ، وإجماع العلماء من الإمامية يقتضي دخول الحجة المعصوم في جملتهم لكونه واحدا منهم دون من عداهم من الفرق الضالة بجحد الأصول وإنكار إمامتهعليه‌السلام [ و ] دون عامتهم لأن الحجة المعصوم المنصوب لحفظ. من أهل الضلال ولا من عامة المحققين لكونه سيد العلماء. لذلك القطع بصحة إجماعهم لكون المعصوم الذي. واحدا منهم.

وطريق العلم بالتواتر والإجماع الاختلاط. وسماع نقلهم وفتياهم وقراءة تصانيفهم وتأمل. به فإنه متى يسلك مكلف العمل بالشريعة طريق العلم بها من الوجه الذي أمر به ، يعلم تواتر الإمامية بمعظم أحكام المسألة ( كذا ) عن أئمتهم الصادقين عن الله سبحانه ، وإجماع العلماء على ما تواتروا به وما لا تواتر فيه من أحكام الملة فيعلمه(1) به ، ويجد ما تضمنه كتابنا هذا وأمثاله من تصانيف علمائنارضي‌الله‌عنهم من الفتيا السمعي مستندا إلى الحفظة المعصومين ، ويعلم اختصاصه بهم كما يعلم اختصاص ما تضمن كتاب « المزني » بمذهب « الشافعي » وما تضمنه « الطحاوي » بمذهب « أبي حنيفة » وأصحابه ، فيلزم العمل بمقتضاها أمنا من زلل مصنفيها وخطأهم في ذلك لتعلقه بفتيا المأمونين من آل محمدعليهم‌السلام ، لاختصاصه بالتواتر عنهم والإجماع الذي قد بينا كونهما طريقين الى فتياهمعليهم‌السلام .

ويكتفي بذلك عن النظر في أعيان المسائل إذ لا فرق في صحة المسألة بين أن يدل دليل مفرد عليها من كتاب أو سنة أو إجماع وبين أن يعلم استنادها الى

__________________

(1) في بعض النسخ : فيعمله به.


فتيا صادق عن الله نبيا كان أو إماما مبلغا عنه ، كما نكتفي جميعا فيما نعلم من دين نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله عن تطلب برهان مفرد بشي‌ء منه ، ولهذا لم يتكلف سلفنا الاستدلال على أعيان المسائل المعلوم إضافتها إلى أئمتهمعليهم‌السلام واقتصروا في. إمامة أئمتهم وعصمتهم وكونهم حفظة. من الحجة بالشريعة على مخالفهم على إيضاح. عليه فان يقروا بها يعلموا ما جهلوه منه. على إنكارها مع ثبوت صحتها يقيموا ( كذا ) محجوجين بالنبوة وما تضمنه من المصالح والمفاسد ، فكذلك القول في المنقول عن أئمتناعليهم‌السلام ان يقر(1) مكلفة الى ( كذا ) ما اقتضاه البرهان من إمامتهم وعصمتهم لكونهم حفظة له يعلم ما جهله من صحة المضاف إليهم وصوا به وان يعاند يقم محجوجا بإمامتهم وما فقده من العلم بالمروي عنهم.

وان اعرض عن سلوك ما نهجناه لبعض الأغراض الفاسدة فالحجة لازمة له ، لأنه أتى في فقد العلم بما كلف العمل به من قبل نفسه كالمعرض من عامة المسلمين عن تأمل حال الفتيا الإسلامي الفاقد لذلك العلم بما أجمعوا عليه أو حصل العلم به من دينه صلوات الله عليه ، وهو محجوج بما كلف علمه لتمكنه منه ، ولا عذر له في الجهل به ، لحصول ذلك بإعراضه عن سلوك طريقه مع قربه ، إذ كان الطريق الى فتيا أئمتناعليهم‌السلام مساويا للطريق الى فتيا نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ومشاركا لكل سبيل إلى مقالة كل متكلم ، كأبي علي وابي هاشم والبلخي والنجار وابن كرام ، وكل فقيه ، كما لك وابي حنيفة والشافعي وداود بن علي الأصفهاني وغيرهم من أرباب المذاهب والمقالات.

والا فليذكر أي طريق شاء يصل سالكه الى علم ما اجتمعت الأمة عليه أو

__________________

(1) كذا في بعض النسخ.


علم من دينهصلى‌الله‌عليه‌وآله أو ثبتت به. لمعتزلي أو اشعري أو كرامي أو نجاري. حتى نريه مثله واضحا الى فتيا أئمتناعليهم‌السلام . وسطروه في كتبهم وسطرناه في كتابنا هذا بل نجد. الى أحد ما ذكرناه أكبر مزية وأوضح دلالة. واحد من الأئمةعليهم‌السلام لأخذ معالم الدين عنه. لم يبلغ عشيرة ولا عشر عشيرة صحابة أحد من أرباب المقالات مع شديد ورعهم وبارع فضلهم وتنسكهم وتحرجهم ، فكما لا عذر لمن فقد العلم بما ذكرناه من مسائل الإجماع وما يجرى مجراها ومقالات رؤساء الفقهاء والمتكلمين من العوام وقطان السواد والاعراب والجند ( كذا ) والأكراد في ذلك لوضوح طريقه ، فكذلك لا عذر لمن فقد العلم بفتيا أئمتناعليهم‌السلام لاشتراك كل واحد من فاقدي العلم بما يلزمه في الاعراض عن سلوك طريقه مع وضوحه.

فان قيل : أشيروا على كل حال الى الطريق الموصل الى فتيا أئمتكمعليهم‌السلام لنعتبره.

قيل : قد مضى من التنبيه على ذلك ما يغني عما نستأنفه ، غير انا نفصل ما أجملناه عنه فنقول : طريق ذلك أن يرجع الطالب المعرض عن سماع دعوتنا إليها فليتأمل حال ناقلينا وأهل الفتيا والمصنفين وأهل الاحتجاج فينظر في نقلهم وفتياهم وتصانيفهم وحجاجهم الذي قد طبق المشرق والمغرب وانتشر في الافاق رواية وتصنيفا ومناظرة من زمن أئمة الهدىعليهم‌السلام والى الان ، مع تطابق معانيه وانتظام مبانيه ووفق الفروع الشرعية لما اقتضته الأصول العقلية ، فمتى يفعل ذلك يعلم صحة إضافة ما نفتي به الى أئمتناعليهم‌السلام كما يعلم من سلك هذا المسلك صحة اضافة كل مقالة الى مبدئها ونحلة الى منشئها وان لا يفعل فالحجة لازمة له لتقصيره عما يجب عليه.


وبهذا التحرير يسقط ما لا يزالون. من الاعتذار لاجتناب فتيانا بفقد العلم بصدق الشيعة. أو الطعن في عدالتهم بضروب القدح لان برهان صحة. أئمة الهدى المعصومينعليهم‌السلام على الوجه الذي ثبتت منه اضافة كل مقالة ومذهب إلى القائل بهما مسقط لهذا الاعتذار بغير شبهة على متأمل.

واستيفاء ما يتعلق بهذا الفن من الكلام يطول ، وقد بسطناه في مقدمة كتاب « العمدة » ومسألتي « الشافية » و « الكافية » وفيما ذكرناه هاهنا مقنع ومريد الغاية في الاستيفاء يجدها بحيث ذكرناه.

فان قيل : فقد استغنيتم إذا كان الأمر على ما ذكرتموه في حفظ الشريعة وتبليغها عن الامام ، ولستم تذهبون الى ذلك.

قيل : قد أجبنا عن هذا السؤال ونحوه بحيث ذكرناه وجملته : انا وان علمنا صحة اضافة ما تفتي به الإمامية إلى أئمة الهدى من إباء حجة الزمانعليهم‌السلام فلو لا وجود الحجة المعصوم من وراء نقلهم ومن جملة المجمعين منهم لم نقطع على صحة إجماعهم ولا تيقنا الوصول إلى جملة الشريعة بنقلهم لتجويزنا بقاء كثير من الأحكام الشرعية لم تنقل إلينا وان علمنا صحة اضافة المنقول الى الصادقينعليهم‌السلام ، وإطباق علمائهم على الخطأ ، وانما ارتفع هذا الجائز من الخطأ عن المجمعين لدخول الحجة المعصوم في جملتهم ، وزال الريب عن بلوغنا جملة ما كلفناه من الشرعيات لوجود الحجة المعصوم المنصوب لبيان ما لا سبيل الى بيانه الا من جهته وإمساكه عن النكير وإيراد زائد ( كذا ) على المضاف إلى آبائهعليهم‌السلام .

فكيف يتوهم عاقل ان وصولنا إلى الحق في أزمان الغيبة الذي لم يتم الا بوجود الحجةعليه‌السلام استغناء عن الحجة لو لا الغفلة الشديدة عن الصواب.

وقد استوفينا ما يتعلق بهذا الفن وغيره من مسائل الغيبة بحيث ذكرنا وفي كتاب « التقريب » في الأصول ومسألة. وما أوردناه هاهنا كاف في العلم بصحة


ما تضمنه. شيوخنارضي‌الله‌عنهم وعن السلف ونصر الحق كالمكلف من القضاء الشرعي ان يفسخ(1) الله تعالى في العمر نجرد أعيان مسائل الخلاف ونذكر طريق العلم بصحة كل مسألة على أصول الإمامية وعلى وجه يتمكن معه الناظر من محاجة الخصوم من غير افتقار به الى تصحيح الأصول التي تذهب إليها وان كان تكليفها علما عاما لكل عاقل فيجتمع له علم الحق على الجملة والتفصيل وما ناظرة المخالف في أعيان مسائله حسب ما تقتضيه الأصول الصحيحة وما يذهب اليه المخالف من طريق الاحتجاج استظهارا لحجج الله الواضحة للحق واهله على الباطل واهله.

وإذا كان طريق العلم بفتيا الصادقينعليهم‌السلام واضحا لم يجز لأحد ان يعمل بما لا يعلم من فتياهم بخبر واحد أو تقليد عالم ، لأنه لا حكم للظن مع إمكان العلم والعلم هاهنا. ولما ذكرناه في هذا الكتاب وغيره من معلوم المذهب في فساد العمل بغير علم ، وأبطلنا ان يكون الى العمل بجملة الملة طريق غير فتياهمعليهم‌السلام ، وما أوضحناه من برهان مسائل المستحق بالتكليف وكيفيته وحالة إيصاله إلى مستحقه موجب لاعتقادها والتدين(2) بها وضلال من خالف في شي‌ء منها أو جهله أو شك فيه أو اعتقده على غير وجهه لما قدمناه من وجوب ضلال من لم يعتقد الحق في المعارف على وجهه.

وقد وفينا بما شرطناه على أنفسنا من تقريب العبارة عن جملة التكليفين وكيفية العبارة عن الاستدلال على مسائلهم ، وترتيبها على الوجه الذي اقتضاه التكليف وجهته ، وبلغنا من تحرير ذلك وتهذيبه حدا يعلم كل مصنف ( كذا ) ذو بصيرة تأمله تميزه عن كثير من تصانيف العلماء ، ويقف من فهمه على ما لعله

__________________

(1) كذا ، ولعل الصحيح : يفسح.

(2) في بعض النسخ : التدبر.


لم يقف عليه من غيره من كبار الكتب ، متقربين الى الله سبحانه بتأدية ما تعين فرض نشره والإشارة بذكره ، راغبين اليه سبحانه بالمصطفين من خلقه صلوات الله عليهم في توفير حظنا من مستحقه ، ضارعين اليه سبحانه بأكرم الوسائل عنده في غفران زللنا والصفح عن فارط سيئاتنا وما لعله وقع من تقصير فيما سطرناه أو عدول عن سنن حق فيما نحوناه ، شافعين إلى الحضرة النبوية ( كذا ) في الأنعام بتأمله وقبول شكر أياديها بتأليفه ، طالبين اليه تعالى بابائها المختارين لحجته المصطفين لتبليغ ملته صلوات الله عليهم وسلامه ورحمته عليها في الآخرين تكميل النعمة على كافة أهل الحق ببقائها ودوام نعمائها ونصرة الحق واهله بدوام سلطانها واجزال حظها من عاجل الثناء(1) وأطيب الثناء وآجل الثواب وحميد الجزاء ، انه ولى ذلك والقادر عليه.

__________________

(1) كذا في النسخ ، ولعل الصحيح : السناء.


الفهارس

1 ـ الايات

2 ـ الاحاديث

3 ـ الاشعار

4 ـ الكتب

5 ـ الاعلام

6 ـ القبائل والفرق

7 ـ الامكنة وابلدان

8 ـ مراجع التحقيق والتصحيح

9 ـ التصويبات والتعليقات

10 ـ موضوعات الكتاب


1 ـ الايات

الفاتحة : 6 ـ 7 في 496

البقرة : 3 ، 94 ، 95 ، 195 ، 270 ، 278 في 60 ، 75 ، 175 ، 470 ، 478

آل عمران : 7 ، 37 ، في 56 ، 102

النساء : 10 ، 14 ، 31 ، 56 ، 59 ، 83 ، 93 ، 123 ، 137 ، 164 ، في 56 ، 78 ، 94 ، 95 ، 471 ، 473 ، 474 ، 477 ، 478 ، 479 ، 501

المائدة : 2 ، 38 ، 91 ، في 498 ، 479 ، 111

الانعام : 28 ، 62 ، 126 ، 153 ، في 488 ، 496

الاعراف : 33 ، 46 ، 176 ، في 61 ، 497 ، 482

التوبة : 34 ، 41 ، 106 ، 119 في 478 ، 175 ، 468 ، 95

يونس : 38 في 72

هود : 13 في 72

الرعد : 6 في 468

النحل : 40 ، 43 في 56 ، 93 ، 95 ، 102

الاسراء : 54 ، 88 في 468 ، 72


الكهف : 29 في 502

مريم : 24 ، 29 ، 30 في 102

طه : 81 في 61

الانبياء : 7 ، 28 ، 47 في 93 ، 470 ، 495

المؤمنون : 73 في 496

النور : 4 و 23 في 479

الفرقان : 19 ، 68 ، 69 في 471 ، 477 ، 478 ، 479

الشعراء : 102 ـ 101 في470 ـ 471

القصص : 7 في 101

العنكبوت : 45 في 111

الروم : 2 ـ 1 في 76

الفاطر : 3 في 60

الغافر : 18 في 470

فصلت : 11 في 494

الزخرف : 71 في 504

الدخان : 46 ـ 45 في 502

محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله : 30 في 56

الفتح : 27 في 76

ق : 30 في 494

الذاريات : 58 في 60

القمر : 45 في 76

الرحمن : 41 ، 27 ، في 486 ، 497


الواقعة : 55 ـ 50 في 502

الحديد : 3 في 486

الجمعة : 10 في 61 و 498

الطلاق : 2 في 62

الملك : 22 ـ 21 في 60 و 496

الحاقة : 24 في 498

الجن : 23 في 477

الدهر : 21 ـ 20 في 504

الغاشية : 6 في 502

2 ـ الاحاديث

ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر من امّتي 469

اذا زالت الشمس تفتح أبواب السماء 256

اذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه      426

أنت امام ابن امام أخو امام  99

انّي مخلف فيكم الثقلين       96

ايّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً الى أهل الجور  424

أيّما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق      416

الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهليّة        425

الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية ...   426

(عن) رجلين من أصحابنا تكون بينهما منازعة  424

( كان أمير المؤمنين يوصى أصحابه اذا صافوا العدو ) : عباد الله اتقوا الله


وغضوا الابصار    254

عدد الائمة بعدي عدد نقباء موسى   99

قد جلست مجلساً لا يجلسه الّا نبيّ أو وصيّ نبي أوشقي 425

قضى أمير المؤمنينعليه‌السلام في امرأة ركبت عنق اخرى 394

قضىعليه‌السلام في أربعة نفر تباعجوا بالسكاكين       394

قضىعليه‌السلام في ستة نفر كان يسبحون في الفرات   394

القضاة أربعة ثلاثة في النار   427

( ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ) كان يطوف في كل يوم وليلة عشرة أسبيع         194

( روى عن عليعليه‌السلام انه قال) لا! وتي برجل يذكر أن داود صادف المرأة      416

لا اوتي برجل يزعم أن داود عشق امرأة          416

لي اللواء الممدود والحوض المورود       469

مثل أهل بيتي فيكم كباب حطّة       97

مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح 97

مر بي أبو جعفر وأنا جالس عند قاضي المدينة       427

من أفتى الناس بغير علم ولا هدى     426

من حكم في درهمين بغير ما أنزل الله   426

ويلك (ياشريح) خالفت السنة         431

حديث حكم أمير المؤمنين في قصّة الاعرابي والناقة       431

حديث الخضر      99

حديث تصديق ذي الشهادتين        430

حديث الصحائف  99

حديث اللوح        99


روى انه ان أفطره بشرب خمر أو جماع حرام فعليه الثلاث كفّارات  183

روى في الدجّاج خاصة بثلاثة أيّام     278

3 ـ الاشعار

امتلأ الحوض وقال : قطنى

مهلا رويداً قد ملات بطنى

وقالت له العينان : أهلا ومرحباً

وحدرتا كالدر لما يثقب ص494

4 ـ الكتب

تقريب المعارف للمؤلف      510 ، 482 ، 479 ، 466 ، 458

الشافية للمؤلف    510

الطحاوي  507

العمدة للمؤلف     510

الكافية للمؤلف     510

المزنى       507

مسألة الكافية       510

مسألة الشافية      510

5 ـ الاعلام

آدم 87 ، 162 ، 223

آصف103

الائمة (الاثنا عشر) 87 ، 94 ، 100 ، 103 ، 97 ، 162 ، 226 ، 224 ،


497 ، 506 ، 122 ، 507 ، 508 ، 509 ، 510

ابراهيم 78 ، 122

ابن كرام 70 ، 508

أبو بكر 94

أبو جعفر 425 ، 427

أبو حنيفة 507 ، 508

أبو طالب 92 ، 96 ، 100 ، 161 ، 491

أبو علي 508

أبو عبداللهعليه‌السلام 424 ، 426 ، 427

أبو لهب 266

أبو هاشم 508

الاشعري 70 ، 509

أمير المؤمنين 90 ، 92 ، 116 ، 161 ، 162 ، 122 ، 223 ، 272

ثابت 430 ، 426

جعفر بن محمدعليهما‌السلام 96

جعفر بن أبي طالب 116 ، 161

الحجةعليه‌السلام 96 ، 510

الحسنعليه‌السلام 90 ، 92 ، 94 ، 96 ، 327

الحسينعليه‌السلام 90 ، 92 ، 94 ، 96

حنظلة 424

خزيمة بن ثابت 430

داودعليه‌السلام 181 ، 185


داود بن علي الصفهاني 508

ذو الشهادتين 430

ربيعة 326

رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله 84 ، 85 ، 162 ، 194 ، 272 ، 430

الزبير 251

زكريا 102

الزهراء 124

زيد بن ثابت 426

سليمان 103

الشافعي 507 ، 508

شريح 425 ، 431

صاحب الزمانعليه‌السلام 425 ، 368

الصادقينعليهم‌السلام 424 ، 510 ، 511

طلحة 251 : 431

عائشه 251

عباس 326

عبدالله 71 ، 79 ، 83 ، 491 ،

عبد المطلب 71 ، 79 ، 491

عبد مناف 491

عثمان 94

عطا 71

عمر 94


عمر بن حنظلة 424

علي 508

علي بن أبي طالبعليه‌السلام 92 ، 94 ، 96 ، 100 ، 326 ، 491

علي بن الحسينعليهما‌السلام 96

علي بن محمدعليهما‌السلام 96

علي بن موسىعليهما‌السلام 96

عيسىعليه‌السلام 78 ، 83 ، 84 ، 85 ، 103

فاطمةعليها‌السلام 161 ، 217 ، 223

فزازه 326

كرامى 509

مالك 508

محمد بن عليعليهما‌السلام 96

محمد بن عبداللهصلى‌الله‌عليه‌وآله 71 ، 79 ، 83 ، 491 ، 122

محمد بن مسلم 427

مريم 102

مسلم 427

المسيحعليه‌السلام 78 ، 84 ، 85 ، 102 ، 103

معاوية 251

معتزلى 509

موسىعليه‌السلام 78 ، 80 ، 82 ، 83 ، 85

موسى بن جعفرعليهما‌السلام 96

المهديعليه‌السلام 96


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله 90 ، 92 ، 224

نجار 70 ، 508 ، 509

النصراني 277 ، 299 ، 300

النظام 48

نوحعليه‌السلام 78 ، 162 ، 223

واصل بن عطا 71

وصى سليمان 102

هارون 83

هاشم 491

هود 162

6 ـ القبائل والفرق

آل جعفر 173

آل العباس 173

آل عقيل 173

آل علي 173

آل محمد 174 ، 193 ، 234 ، 469

أصحاب الحديث 469

الامامية 327 ، 507 ، 510 ، 511

أهل العدل 110

أهل النهروان 110

البراهمة 65 ، 78 ، 85


البغداديون 467

بني جعفر 325

بني الحسين 325

بني علي 325

بني فاطمة 325

بني هاشم 156

الخوارج 70 ، 93 ، 100

الزيدية 327

الشيعة الامامية 510

الصابئون 79 ، 245 ، 368

المجبرة 110 ، 326 ، 450

المجوس 79 ، 245 ، 368

محدثوا لشيعة 469

المشبهة 326 ، 450

المعتزلة 101 ، 467 ، 469 ، 509

النصارى 78 ، 79 ، 84 ، 326 ، 450

الوعيدية 450 ، 462 ، 480

اليهود 78 ، 79 ، 80 ، 75 ، 277 ، 299 ، 300 ، 326 ، 450

7 ـ الامكنة والبلدان

الابطح 212

باب الطاق 326


بدر 69 ، 76

البصرة 69

بطن العقيق 202

بغداد 69 ، 326

الجحفة 206

الجعرانة 202

الحرام 208

حنين 69 ، 90

خيبر 76

ذات عرق 202

ذو الحليفة 202

الردم 212

الرقطاء 212

سوق العطارين 196 ، 211

الشام 202

الصفا ( باب الحج )

الطائف 202

عرفة ( باب الحج )

العراق 202

العقبة 198

الغمرة 202

قرن المنازل 202


الكثيب الاحمر 214

الكرخ 326

الكعبة 189

المأزمين 196

المدينة 202 ، 427 ، 272

المروة ( باب الحج )

مسجد النبي 9 186 ، 223 ، 226

مسجد الكوفة 186

مسجد البصره 186

المسجد الحرام 198

مسجد الخيف 198

مسجد الشجرة 202

8 ـ مراجع التحقيق والتصحيح

القرآن الكريم

الاقتصاد للشيخ الطوسي طبع قم

التبيان للشيخ الطوسي طبع النجف

التذكرة للعلامة الحلي

تقريب المعارف للمؤلف مخلوط

السرائر لابن ادريس الطبع الحجري

الغنية لابن زهرة الطبع الحجري

كشف القناع للتستري


المبسوط للشيخ الطوسي

مجمع البحرين المطريحي

مجمع البيان للطبرسي طبع الاسلامية

المختلف للعلامة الحلي الطبع الحجري

المقنعة للشيخ المفيد الطبع الحجري

الملل والنحل للشهرستاني

المعجم المفهرس لايات القرآن الكريم

المنجد في اللغة

وسائل الشيعة للشيخ الحر العاملي

9 ـ التصويبات والتعليقات

كما ذكرنا في المقدمة أن ما بأيدينا من نسخ هذا الكتاب لا توجد فيها نسخة معتبرة مصححة ، ولذلك كنا على علم بأن هذه الطبعة ـ على الرغم من الجهود والمساعي المبذولة في اخراجها صحيحة ـ لا تكون خالية من الاخطاء.

ولذا التمسنا من عدة من الاساتذة الكرام أن يتفضلوا علينا بمطالعة هذه النسخة المطبوعة ويكتبوا لنا ملاحظاتهم وتصحيحاتهم القطعية والاحتمالية فأجابوا طلبنتا ـ ونحن نشكرهم ـ ونضع أهم تلك التصحيحات مع بعض الاغلاط المطبعية في هذه القائمة. والرجاء من القراء الكرام أن يصححوا نسخهم قبل المطالعة. ونرجوا منهم أيضاً أن يصححوا نسخهم قبل المطالعة. ونرجوا منهم أيضاً أن يصححوا الاغلاط المطبعية الطفيفة التي أغمضنا عنها وتركنا تصحيحها اعتماداً على فطنتهم.


37 / 7 الواجبة ـ الواجبة اكتسابها صح ظ

40 / 1 محال ـ محالا صح ظ

40 / 14 متى ـ له متى صح

51 / 17 متعلق ـ متعلقين صح ظ

52 / 9 سقم ـ صحة أو سقم صح

54 / 22 قبحها ـ قبحهما صح

58 / 6 يقع ـ نفع صح ظ

59 / 8 الظالم ـ الظالم من الظلم صح

59 / 18 مما ـ فيما صح

61 / 13 لطف ـ لطفاً صح ظ

66 / 15 صوم ـ صوم صح ظ

67 / 18 و 19 و 21 تسأله ـ نسله صح ظ

69 / 8 لعدم ـ له لعدم صح

73 / 15 الكلام ـ الكلام به صح

73 / 18 القدر ـ القدرة صح ظ

78 / 8 ينقلوه ـ ينقلونه صح

81 / 3 والامر بالقبيح لا ـ أو الامر بالقبيح قبيح لا صح

83 / 13 يختص ـ يخص صح

83 / 11 بشيء ـ نبي صح ظ

86 / 4 بعد ـ لعل الصحيح : بعدل

88 / 4 يقتضى ـ اذخلو المكلفين غير المعصومين من رئاسة معصوم بينهم تنتهي اليه الرئاسات يقتضي خ

89 / 3 معرضهم من ذلك صح

95 / 12 يقتضي ـ يقتضي ثبوت صح

100 / 4 ظرف النقل كذا ـ لعل الصحيح : طرف النقل

100 / 17 مقتض ـ وذلك مقتض صح

123 / 5 العالمين ـ رب العالمين صح

128 / 10 استحاضة ـ مستحاضة صح

136 / 10 فينقضهما ـ فينفضهما صح

137 / 2 صلاته ـ لشيء صلاه بتيممه صح ظ

137 / 14 الحمرة ـ الحمرة منه صح

140 / 10 اشد ـ اشده صح

143 / 7 ثديها ـ ثدييها صح

145 / 2 و 5 مستوفرا ـ مستوفزاً صح

148 / 5 ظنه ـ ظنه به صح

152 / 3 هو ـ وهو صح

153 / 8 اجتناب ـ واجتناب صح


154 / 7 في ـ من

162 / 11 تعلم ـ تعلم ولا اعلم صح

65 / 16 و 17 القرب ـ الغرب

167 / 1 و 3 بها ـ لها صح ظ

173 / 14 اسقاط ـ اسقاط حق صح

173 / 16 اوصى ـ اوصى به صح

180 / 20 هذا ـ زدنا هذا صح

182 / 4 افصلت ـ فصلت صح

182 / 13 تاديباً ـ لعل الصحيح : تأدباً

183 / 4 فرط ـ أفرط صح

187 / 14 بالكل ـ لكل صح

195 / 15 مسها ـ سها صح

200 / 13 و 216 الجزاز ـ الجزار صح

203 / 4 شجرة ـ شجر صح

203 / 15 العرفة ـ عرفة صح

204 / 14 خلاها ـ لعل الصحيح : خلاه

208 / 12 الحرم ـ الى الحرم صح

215 / 3 الحمار ـ الجمار صح

216 / 1 في ـ من

218 / 2 لبئت ـ لبّث صح

218 / 6 يطهر ـ تطهر صح

218 / 13 فيحلق ـ لعل الصحيح : فليحلق

228 / 10 عامة ـ لعل الصحيح : عاقه

228 / 13 بلى ـ وبلى صح

229 / 11 الكذب ـ الكذب ولا اثم عليه بشرط العزم على قضائه اى وقت تمكن منه صح

237 / 13 بغيرها ـ بغيرهما صح

239 / 18 نبى ـ نبيي صح

242 / 3 تخير ـ تحيز صح

244 / 5 الحدو ـ الحداو صح

244 / 18 تبعه ـ يتبعه

249 / 10 منه ـ مسّه

251 / 7 الاصرار ـ الاضرار

253 / 18 يتجاوزا ـ ينحازوا صح

253 / 20 يتخير ـ يتحيز صح ظ

256 / 3 النصر ـ الصبر صح

256 / 4 يؤخر ـ يؤخر الخوف صح

256 / 11 الا ـ الى صح ظ

256 / 14 لمتبتل ـ المتبتّل صح

257 / 6 يجوز ـ لعل الصحيح :


يخور

257 / 20 تحقر ـ تخفر صح

257 / 19 اجازة ـ لعل الصحيح : اجارة

259 / 13 المسلمين ـ المسلمون صح

261 / 6 يردها ـ لعل الصحيح : بورها

270 / 6 الفعلية ـ العقلية صح

273 / 8 تراكم ـ نراكم صح ظ

277 / 15 كل ـ كل من صح

277 / 18 او ـ وصح

281 / 2 يحرم ـ يحرم عمل صح

283 / 3 عمله ـ عمله وتعليمه صح

285 / 13 يقتضي ـ يقتضي الرضاع صح

295 / 16 مقضاة ـ مفضاة صح

302 / 5 ارتداد ـ وارتداد ولكل صح

305 / 11 الحلف ـ لعل لاصحيح :

الجلف

305 / 14 هي فلانة ـ لعل الصحيح : هي

او فلانة

314 / 6 الجزاز ـ الجزار صح

314 / 14 سنة فمادونهما ـ سنة فما دونها

135 / 21 يكن له ـ يكن صح ظ

316 / 7 مبتاعه ـ مبتاعة

323 / 14 يحلبها ـ يحتلبها

324 / 9 تصرفه ـ تصرفه فيه

326 / 17 قرارة ـ لعل الصحيح : فزارة

329 / 13 المعتدى ـ المتعدى

330 / 14 فيها بما تخرج ـ فيهما بما يخرج

331 / 11 تزوج ـ لعل الصحيح : يزوجه

331 / 18 جاء ـ جاءه

332 / 17 تتكلفوا ـ يتكفلوا

334 / 10 رهن ـ فهي رهن صح

340 / 7 في مال ـ من مال

340 / 9 منها ـ منهما

344 / 7 المتاع ـ من المتاع

345 / 14 شيىء ـ بشىء صح

345 / 14 عند ـ عنه صح


348 / 14 حكم وخراج ـ لعل الصحيح حكم خراج ارض بدون الواو

351 / 19 فهى ـ فهي له صح

353 / 10 ومطالبة الثمن ـ ومطالبته

بالثمن

353 / 12 ولمشرط ـ في نسخة ولمشتريه

ولعل الصحيح : ولمشترطه

358 / 6 والارش ـ او الارش

358 / 11 ـ يد ـ لعل الصحيح بد

358 / 17 ترد ـ ترد به

361 / 2 نفذ ـ نقد

361 / 9 شفعة ـ شفعة فيه

362 / 8 المطالبة ـ المطالبة له

373 / 11 خالة ـخالة السدس صح ظ

376 / 17 على فرائضهم بحسب ـ بحسب

صح ظ

377 / 6 تورثه ـ نورثه صح

377 / 11 اصاغر ـ لعل الصحيح : اباعد

380 / 4 لكل واحد منهم سهماً ـ أخذ

كل واحد منهم سهماً صح

386 / 15 ثبق ـ بثق صح

387 / 11 سيد العبد ـ سيداً لعبده

389 / 1 المستفاد ـ المستقاد صح

390 / 10 فيسر ـ لعل الصحيح : قيس

396 / 5 لا يعرف ـ لا يعرف قاتله صح

402 / 6 عنه ـ عند صح ظ

404 / 8 الفقاع ـ الفقاع والقذف صح

407 / 14 القبط ـ القيظ صح

407 / 17 عند ـ عنه صح

410 / 3 القبط ـ القيظ صح

412 / 8 اغرم ـ واغرم صح

412 / 16 يؤخذ ـ يؤخذ منه صح

415 / 12 ملاعنته ـ ملاعنة صح

417 / 13 والصغير والصبية ـ أو

الصغيرة الصبيّىة خ

418 / 10 قرنه ـ لعل الصحيح : قرفه

431 / 1 مع ـ بالمعجز مع صح

431 / 18 نقص ـ نقض صح


432 / 19 أمل ذلك ـ في نسخنا تأمل

ذلك ولعل الصحيح : تأهل ذلك

440 / 14 كانوا ـ كان صح

441 / 9 أبطلهما ـ ابطلها صح ظ

443 / 5 بالجزم ـ لعل الصحيح : بالحزم

445 / 15 الى صحة ـ لعل الصحيح على صحة

448 / 3 اصر ـ فان اصر اصح

451 / 10 المناظرة ـ المناظرة فيه صح

451 / 11 عونا ـ عونا له صح

453 / 8 خمسان ـ خمساه صح

456 / 3 اتصاله ـ لعل الصحيح : ايصاله

458 / 13 متعلقه ـ متعلقه منه صح

461 / 4 صورها ـ لعل الصحيح :

صدورها

468 / 2 طريق ـ طريق له صح

468 / 4 وان السمع ـ وقلنا ان السمع

قد صح

470 / 9 يرمون ـ يرومون

472 / 7 والوجه ـ ان امكن والوجه

صح

472 / 12 لها ـ بها

474 / 10 تسمعون ـ تسمونه صح

474 / 15 القبح ـ القبيح صح

475 / 5 لايذهبون ـ لا يذهبون اليه صح

476 / 4 ونحكم ـ ونحكم له صح

476 / 11 مع مدح الخ ـ مع مدح وذم وثواب وعقاب خ

479 / 4 بالمستحيل ـ لعل الصحيح بالمستحلّ

480 / 1 يتحاسر ـ لعل الصحيح :

يتجاسر

480 / 19 قطع ـ قطع له صح

491 / 10 واشار بذكره ـ لعل الصحيح : واشاد بذكره

495 / 20 استحقاقهم ـ استخفافهم صح

496 / 1 موضوع ـ موضع صح

500 / 15 بلوغهم ـ بلوغ صح

501 / 11 بالبرودة ـ من البرودة


501/20 النسخ : ـ النسخ : تفّته

502/1 لا يلتذون ـ لايلتذون بشيء

502/5 الحيوان ـ الحياة

505/9 لايخصصهم ـ لعل الصحيح : لا

يحصيهم

506/8 مؤ ـ مأ صح

507/3 علمائنا ـ علمائهم

507/11 المسألة ـ لعل الصحيح الملة

512/10 عليه ـ عليه تم الكتاب بحمدالله

تعالى 1197

10 ـ فهرست موضوعات الكتاب

المقدمة 1 ـ 32

ترجمة المؤلف :

اسمه ونسبه

مولده ووفاته

الثناء عليه

شيوخه واستذته

تلاميذه والراوون عنه

بيته

آثاره

الكافي

عملنا في التصحيح

مصادر الترجمة


فهرس الكتاب

الكافى في الفقه............................................................. 1

الفقه الاسلامي وخصائصه الممتعة :.......................................... 4

الفقه في الكتاب والسنة :................................................... 5

تحول الفقه وتقسيمه حسب الأزمان :......................................... 5

الفقه وتطوره التدريجي :..................................................... 5

المذاهب الفقهية المختلفة :................................................... 5

الاجتهاد هو المذهب المختار :............................................... 6

آراء المجتهدين تحل كثيرا من المشاكل :........................................ 6

فقهاء الاسلام لهم المكانة المرموقة :........................................... 6

الفقه الاسلامي يستوعب جميع شؤون الحياة :.................................. 6

طبع الموسوعة الفقهية القيمة ، ( الكافي ) :.................................... 7

شكر وثناء متواصل......................................................... 7

تقديم................................................................... 11

اسمه ونسبه............................................................... 12

مولده ووفاته............................................................. 12

الكافي.................................................................... 39

التكليف العقلي............................................................ 41

التكليف السمعي........................................................ 115

باب تعيين العبادات...................................................... 121

المستحق بالتكليف وأحكامه.............................................. 462

الحال التي يثبت فيها..................................................... 491

المستحق والتي يفعل فيها................................................. 491


فصل في بيان الحال التي يثبت فيها المستحق والتي يفعل فيها                  493

1 ـ الايات............................................................. 522

2 ـ الاحاديث.......................................................... 524

3 ـ الاشعار............................................................ 526

4 ـ الكتب............................................................. 526

5 ـ الاعلام............................................................ 526

6 ـ القبائل والفرق....................................................... 530

7 ـ الامكنة والبلدان..................................................... 531

8 ـ مراجع التحقيق والتصحيح............................................ 533

9 ـ التصويبات والتعليقات................................................ 534

فهرس الكتاب.......................................................... 541