العلويون بين الاسطورة والحقيقة
هاشم عثمان
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الطبعة جديدة بكلّ معنى الكلمة، وهي تختلف عن الطبعة السابقة كثيراً ؛ ذلك أنّا أعَدْنا النظر في مجمل فصول الكتاب، فأضفنا فقرات وحذفنا فقرات، وتناولتْ يد التعديل - بصورة خاصّة - القسم الثاني من الكتاب الذي يبحث عن عقائد النصيرية.
فأعَدنا صياغة هذا القسم من جديد، وعَرَضنا كلّ ما قيل حول النصيرية في القديم والحديث، وقارنّا بين هذه الأقوال وناقشناها مناقشةً هادئةً من واقع التاريخ، وفي المقابل عَرَضنا عقائد العلويين من خلال آثارهم الشِعرية والنثرية، وقدّمنا للقارئ نماذج من آثارِهم التي تُلقي الضوء على حقيقة معتقداتهم، وقد أضفنا إلى هذه الطبعة فصلاً جديداً بعنوان(النصيرية بين الغنوصية والعلي الَّهية والبكتاشية) بيّنا فيه بالأدلّة أنّ النصيرية تبتعد عن الغنوصية والعليالَّهية والبكتاشية كثيراً، لكنّها تقترب بعض الشيء من البكتاشية.
وبشكل عام بقيَ جوهر الكتاب كما هو، لم يطرأ عليه أيّ تغيير، لكنّ التعديل طالَ بعض الفصول من حيث المـَبنى لا المعنى، بحيث يمكن القول: إنّ هذه الطبعة هي طبعة مَزيدة ومنقّحة.
ولَمّا كان مجال القول حول العلويين واسعاً، لا تحيط به دراسة واحدة، فقد تابَعنا الحديث في دراسةٍ ثانية بعنوان(هل العلويون
شيعة؟) (1) ، حيث تعتبر جزءاً من هذه الدراسة لا ينفصل عنها، وسنعقّبها بدراسةٍ ثالثة عن(تاريخ الجبل العلوي) ، عسانا بذلك أن نكون قد بيّنا حقيقة هذه الطائفة، التي اختلفت فيها الأقوال، وكثُر من حولها الهمس والغمز.
والله وليُ التوفيق.
المؤلّف
____________________
(1) صدرَ الكتاب عن مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات في بيروت.
المقدّمة
لا نَعدو الحقيقة إذا قلنا: قليلةٌ هي الطوائف الإسلامية التي اتُّهمت في عقيدتها، مثل: الطائفة العلويّة أو النصيرية، كما يحلو للبعض أن يسمّيها جهلاً وتعصّباً.
والعاقل الأريب ليحار في تعليل تلك الغايات، التي يهدف إليها أُولئك المختلقون في القديم والحديث.
فهذه الطائفة - ككلّ الطوائف الشيعية التي تأخذ بمدرسة أهل البيت - واجهت حرباً شعواء من قِبَل الطواغيت، وطلاّب المـُلك العقيم على مرّ التاريخ، حتى أضحى أتباع هذه المدرسة في فتراتٍ مُظلمةٍ من تاريخنا مجرمون، تنزل بحقّهم أقسا العقوبات وأشدّ أنواع المظالم.
قتلٌ في النفوس، وسلبٌ في الأموال، وحرمان في الحقوق، وتبرئةٌ في الدين، وما لَهُم إلاّ موالاتهم لآل طه ذنبٌ، وقولهم: إنّ علي بن أبي طالبعليهالسلام هو صاحب الحقّ الأوّل في زعامة المسلمين الدينية والزمنية بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الأحقّ بالخلافة مِن سواه، وأنّه وصيّ النبي ووزيره.
ولإعطاء فكرة عن المظالم التي حاقت بأتباع أهل البيت، أعرِضُ قصّة قنبر مولى الإمام عليعليهالسلام مع الحجّاج بن يوسف الثفقي.
قال الحجّاج ذات يوم: أُحبّ أنْ أُصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب (علي بن أبي طالب)، فأتقرّب إلى اللهِ بدَمه! فقيل له: ما نعلم أحداً كان أطول صُحبة لأبي تراب من قنبر مولاه، فبعثَ في طلبه، فأُتي به.
فقال له: أنت قنبر... قال: نعم، قال: أبو همدان... قال: نعم، قال: مولى علي بن أبي طالب، قال: الله مولاي، وأمير المؤمنين علي وليّ نعمتي، قال: اِبرَأ من دينه، قال: فإذا برئتُ من دينه تدلّني على دينٍ غيره أفضل منه،.. قال: إنّي قاتلكَ، فاختَر أيّ قتلة أحبّ إليك،.. قال: صيّرتُ ذلك إليك،.. قال: ولِمَ؟.. قال: لأنّك لا تقتلني قتلةً إلاّ قتلتكَ مثلها، وقد أخبَرني أمير المؤمنين أنّ منيّتي تكون ذَبحاً ظلماً بغير حقّ، فأُمرَ به، فذُبح.
هكذا كان يعامَل أشياع أهل البيت.
وكما تفنّن الحُكّام والولاة - من أمويين وعباسيين - في قَتل الشيعة، وغيرها من الفِرق الإسلامية، التي لا تأخذ بمذهب أهل السنّة الذي يدين به الحُكام، ويتعصّبون له، تفنّن المؤرّخون، وكتّاب الفِرق، وأرباب الأقلام، في تقسيم أُمّة الإسلام إلى فرقٍ كثيرة، وقسّموا الشيعة إلى فرقٍ كثيرةٍ جداً، زادَ عددها عند بعضهم على الثلاثمئة فرقة، وتفنّنوا أيضاً في إلصاق شتّى التّهم بتلك الفِرق، فنسبوا إليها جميعاً الزيغ والضلال، والكفر والزندقة، والمروق من الدين.
وفي الجهة المقابلة، كان جمهورُ المسلمين يتعرّض لمحاولات تعتيم شديدة على كلّ ما يجري حولَه، ويتعرّض لعمليات (غَسل دماغ) مستمرّة، يشترك فيها الحُكام والولاة والموالون لهم من الكتّاب،.. وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً، ومن أبلغ الأدلّة على ذلك القصّتين التاليتين:
الأُولى:
إنّه لَمّا حُمل السجّاد مع سائر سبايا أهل البيت إلى الشام، بعد مقتل سبط رسول الله الحسين، وأُوقفوا على مدرج جامع دمشق في محل عَرض السبايا، دَنا منه شيخ، وقال له: الحمد لله الذي قَتلكم وأهلككم، وأراحَ العباد من رجالكم، وأمكَن أمير المؤمنين منكم.
فقال له علي بن الحسين: (يا شيخ، هل قرأتَ القرآن؟).
قال: نعم.
قال: أقرأتَ هذه الآية:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟
قال الشيخ: قرأتها.
قال: وقرأتَ قوله تعالى:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ ) ، وقوله تعالى:( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) ؟
قال الشيخ: نعم.
فقال: نحنُ والله القربى في هذه الآيات، وهل قرأت قوله تعالى:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟
قال: نعم.
قال: نحن أهل البيت الذي خصّنا بآية التطهير.
قال الشيخ: بالله عليكم، أنتم هُم...
قال: وحق جَدِّنا رسول الله إنّا لنحن هم.. من غير شكّ).
فبقيَ الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به، ثمّ رفعَ رأسه إلى السماء، وقال: الّلهم إنّي أتوبُ إليك من بغض هؤلاء، وإنّي أبرأ إليك من عدوّ محمد وآل محمد من الجنّ والإنس(1) .
الثانية:
إنّه لَمّا ظهرت دعوة أبي مسلم الخراساني، أرسلَ نصر بن سيار إليه رجلاً من بني ليث، ورجلاً من باهلة، يسألانه عن حاله، ودَعوته وسبب خروجه، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير ووجوه مَن معه، فلمّا حضروه، قال لهم: إنّ هذين أتياني برسالة نصر، فكرهتُ أن أسمع منهما، أو أُجيبهما بشيء، حتى تحضروا ذلك. وقد حضرهم وقت الصلاة، فأذّنَ
____________________
(1) مقتل الخوارزمي: الجزء 2، ص61، طبعة النجف.
المؤذِّن، فقام أسلم بن أبي سلام، فقال له أبو مسلم: أين؟ قال: أتوضّأ وأعود، فقال لرسولَي نصر: ونحن نريد ذلك، فإن شئتما فأقيما حتى نفرغ من أمر صلاتنا، وإن كانت بِكُما حاجة إلى الوضوء فامضيا مع أسلم، حتى تقضيا حاجتكما ثمّ ننظر ما معه، ونتفرّغ فيما جئتما له.
فنهضا مع أسلم إلى منزله، فقال أحدهما: والله ما كنّا نحسبكم تصلّون! فقال أسلم: وَمن يُقيم الصلاة لحقّها غيرنا؟ ألستما تعرفاني قبل اليوم؟ قالا: بلى، قال: أفتَرياني كنتُ خارجاً عن الإيمان داخلاً في الكفر؟!
لا تغترّا بأقاويل مَن يشنّع علينا، فو الله إن أصبحَ الحقّ في شيء من المواطن يُدار به إلاّ في موضعنا هذا، الذي نحن فيه، فلا تَغبنا حظّكما منه.
فتوضّأ ودعا لهما بوضوء فتوضّيا وصلّيا، ثمّ دعَوا بهما إلى أبي مسلم، فدخلا عليه وهو يصلّي، فكبّرا وجلسا، ونظرَ أحدهما إلى سَنّور يتردّد في البيت، فكبّر.
فلمّا فرغَ أبو مسلم من صلاته، قال لهما: لِمَ كبّرتما؟ قال أحدهما:كان يقال لنا إنّكم لا تصلّون، وإنّكم تعبدون السنانير، فلمّا رأيناك تصلّي، ورأينا السنّور (مهيناً لديكم) عَلمنا أنّ ما يقال فيكم باطل (1) .
من هاتين القصّتين يتبيّن: أنّ جمهور المسلمين كان مُخدّراً تخديراً تامّاً، مأخوذاً بالدعايات المسمومة، التي كان الحُكام وولاتهم، والموالون لهم من الكتّاب ينفثونها، فكان ينظر إلى كلّ معارضٍ على أنّه كافرٌ ملحدٌ، لا يصلّي ولا يصوم، يرتكب الكبائر، ويبيح الحرمات،... وإنّ أمير المؤمنين (وحده) الذائد عن الدين، المتربّص (بالكَفَرة والزنادقة والمارقين).
وهكذا يتبيّن: أنّ دراسة أيّة فِرقة إسلامية بالاستناد إلى ما كتبه مؤرّخو تلك العهود، مسألة في غاية الصعوبة ؛ لضياع الحقيقة في ركام الدسّ والاختلاق التي تحفل به كتب هؤلاء المؤرّخين، بالإضافة إلى ما فيها من تناقضٍ وتضاربٍ في الأقوال والروايات.
وممّا يؤسف له: أنّ مفكّري الشيعة تأثّروا بدَوْرِهم بما كتَبه المؤرّخون
____________________
(1) أخبار الدولة العباسية: مؤلّف مجهول من القرن الثالث الهجري.
عن النصيرية، ووقَعوا بنفس تناقضاتهم وأخطائهم، ولو تحرّوا الدقّة في تلك الكتابات والأقوال، لَمَا فاتهم إدراك مراميها والقصد منها.
يقول ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) (1) :
ثمّ تفاقَم أمر الغلاة بعد المغيرة، وأمعنوا في الغلو، فادّعوا حلولَ الذات الإلهية المقدّسة في قومٍ من سلالة أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقالوا بالتناسخ، وجَحدوا البعث والنشور، وأسقطوا الثواب والعقاب، وقال قومٌ منهم: إنّ الثوابَ والعقاب إنّما هو ملاذُ هذه الدنيا ومشاقّها، وتولّدت من هذه المذاهب القديمة - التي قال بها سلفهم - مذاهب أفحش منها قال بها خَلفهم، حتى صاروا إلى المقالة المعروفة بالنصيرية، وهي التي أحدَثها محمد بن نصير النميري، وكان من أصحاب الحسن العسكريعليهالسلام .
وكان محمد بن نصير من أصحاب الحسن بن علي بن محمد بن الرضا، فلمّا ماتَ ادّعى وكالة لابن الحسن، الذي تقول الإمامية بإمامته، ففضحهُ الله تعالى بما أظهره من الإلحاد والغلو والقول بتناسخ الأرواح، ثمّ ادّعى أنّه رسول الله، ونبيٌ من قِبَل الله تعالى، وأنّه أرسله علي بن محمد بن الرضا، وجَحد إمامة الحسن العسكري وإمامة ابنه، وادّعى بعد ذلك الربوبية، وقال بإباحة المحارم.
وقد أخذَ السيد هاشم معروف هذا الكلام، وردّده حرفياً في كتابه الموسوم(عقيدة الشيعة الإمامية)، ولا يخفى أنّ هذا القول يتناقض مع ما ذكره النوبختي في(فِرَق الشيعة) .
وعن النصيرية يقول صاحب العرفانالشيخ أحمد عارف الزين (2) :
أمّا النصيرية أو العَلوية، فهُم طائفة من الشيعة، غالَوا في الإمام عليعليهالسلام ، حتى قالوا به ما قالَه النصارى في المسيح، وبقوا في جهلٍ مطبَقٍ
____________________
(1) الجزء 3 - ص12.
(2) مجلّة العرفان: العدد 5، المجلّد 20، رجب 1349، ك 1، 1930.
عدّة قرون، عائشين في عزلةٍ عن الناس، نافرين من غيرهم أشدّ النفور.
أمّا اليوم، فأصبحَ فيهم فريق من العلماء والأدباء، وكثيرٌ منهم يعتقدون العقائد الجعفرية، ومنهم مَن يعملون بها، ومَن يطالع تاريخ العلويين لا يرى فَرقاً بينهم وبين الشيعة الإمامية.
وكَتب الشيخمحمد حسين الزين العاملي يقول(1) :
وفي أيّام الحسن العسكريعليهالسلام ظهرت (النصيرية)، أتباع محمد بن نصير الفهري أو النميري، وكَثروا بعد وفاة الحسن، ثمّ قلّوا، ولم يزَالوا كذلك إلى اليوم، وجُلّهم في جبال اللاذقية، وقد تبرّأ الحسن العسكري من عقائد ابن نصير وأتباعه.
لكن إلى جانب هذه الأقوال، نَجد نفراً من مفكّري الشيعة، قد برّأ ساحة النصيرية من كل التّهم التي أُلصقت بها زوراً، وأعلنَ صراحةً أنْ:(لا عَلوي بين العلويين) ، أي ليس بين العلويين مَن يعبُد الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، كالشيخ محمد جواد مغنية في كتابه(الفقه على المذاهب الخمسة)، وآخرون غيره.
* * *
وممّا تجدر الإشارة إليه: أنّ الطعن نالَ من كبار الشخصيات الشيعية، كهشام بن الحَكم، كما نالَ من غيرهم.
فابن قتيبة في(المعارف) يَعتبر سفيان الثوري من غلاة الروافض.
ومن المؤرّخين المحدَثين، رأينا عبد السلام رستم يَعتبر آل البيت من الغلاة، يقول في كتابه(أبو جعفر المنصور) - ص 20 -:
وكانت الجمعية المتحالفة مكوّنة في بدء تأسيسها من أخوة ثلاثة، هُم:إبراهيم الإمام، والعباس، وأبو جعفر المنصور، وهُم أبناء محمد بن علي بن
____________________
(1) الطوائف المتشعّبة عن الشيعة وكيف تشعّبت: العرفان، ذو الحجة 1354، آذار 1936.
العباس، ومعهم عبد الله بن علي، وابنه محمد (ذو النفس الزكية)، وأخوه إبراهيم، وغيرهم من الغلاة.
لكلّ ذلك لم نأخذ أقوال المؤرّخين ودارِسي الفِرق والمِلل والمذاهب على علاتها، بل أخضعناها للمناقشة والتمحيص، وعَقَدنا المقارنات بين الأقوال ؛ لنستطيع أن نستخلص أقربها إلى الحقيقة.
ولئن كانت قد ظهرت دراساتٍ شتّى عن الفِرق الإسلامية: كالإسماعيلية، والأباضية، والقرامطة، والدروز، والخوارج، والمعتزلة وغيرهم ؛ فإنّ العلويين لم يصدر عنهم أيّ دراسة كاملة شاملة دقيقة، تُظهر هذه الِفرقة على حقيقتها.
وسدّاً لهذا النقص قُمنا بهذه الدراسة، وهدفنا منها:الكشف عن (أسرار) هذه الفِرقة الإسلامية، التي حارَ بأمرِها المؤرّخون، وذهبت أقوالهم فيها كلّ مذهب.
والطريق التي سلكناها في البحث تتلخّص بما يلي:
أوّلاً: تحدّثنا عن الإيمان، وبيَّنا الاختلافات حول تحديد مفهوم الإيمان وتعريفه، وألمـَعنا إلى أنّ الإيمان والإسلام واحد، فلا يصحّ في الشرع أن يُحكم على أحدٍ أنّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ.
ثمّ تحدّثنا عن الفِرق الإسلامية، واختلافات أصحاب الفِرق في عددها، وفي أسمائها، وفي نسبتها، وفي مقالاتها.
إذ من الملاحَظ أنّ ثمّة خلافٍ كبيرٍ بين أصحاب الفِرق في عدد هذه الفِرق، فمنهم مَن هبطَ بالعدد إلى (11) فرقة كابن قتيبة في(المعارف) ، على حين جَعل البعض الآخر عدد فِرق الشيعة - فقط - أكثر من ثلاثمئة فِرقة.
ومن جهةٍ أُخرى، فإنّ أصحاب الفِرق لم يتّفقوا فيما بينهم على أسماء تلك الفِرق، فنَجد الواحد منهم يذكر فِرَقاً لم يذكرها الباقون.
وشمل الاختلاف أيضاً نسبة الفِرقة الواحدة، فكلّ واحد من أصحاب الفِرق ينسبها إلى شخصٍ يختلف اسمه من واحدٍ إلى آخَر.
وتحدّثنا بعدئذٍ عن الفِرق التي اختلفوا في مقالاتها، مُنوّهين بأنّ الاختلاف في مقالات الفِرق كان على نوعين:
الأوّل: اختلاف جزئي، يتمثّل في إضافاتٍ قليلةٍ ذَكرها الواحد دون الآخَر.
الثاني: اختلاف كلّي، بحيث يتضادّ قول الواحد مع أقوال الآخَرين.
وانتقلنا بعد ذلك إلى الحديث عن: أصلِ تسميةِ النصيرية، وتاريخ ظهور النصيرية، ومَواطن النصيرية، لننتقل من ثَمّ إلى الحديث عن عقائد النصيرية.
وتحت هذا العنوان تحدّثنا عمّا كَتبه الشهرستاني في(المِلل والنِحل) ، وابن الأثير في(الكامل) ، وأوردنا نصّ السؤال الذي وجّهه مجهول إلى ابن تيمية، وردّ هذا الأخير عليه، ثمّ ذكرنا ما ذكره القلقشندي في(صبح الأعشى).
مع مقارنة هذه الأقوال مع بعضها البعض، وتبيان ما فيها من اختلاف وتناقض.
ثمّ تحدّثنا عن النصيرية عند المؤرّخين المحدَثين، وحَصرنا كتابات هؤلاء في عدّة اتجاهات:
الاتجاه الأوّل: ترديد ما قاله الشهرستاني في الملل والنحل على الانقياد والتسليم.
الاتجاه الثاني: ترديد ما قاله القلقشندي في صبح الأعشى إمّا كلياً أو جزئياً.
الاتجاه الثالث: يخلط أصحابه في حديثهم عن النصيرية ما بينها وبين الإسماعيلية.
الاتجاه الرابع: أصحاب هذا الاتجاه نوّعوا مصادرهم، فلم يقفوا عند مصدرٍ واحد.
الاتجاه الخامس: عكس الآراء السابقة تماماً، وأصحابه يُبرّئون ساحة النصيرية، وينفون عنها التّهم التي أُلصقت بها.
ولمـّا كان المؤرّخون - القدماء منهم والمحدَثون - لم يستندوا فيما كَتبوا عن النصيرية إلى كتابات رجالات هذه الفرقة، فقد أفردنا فصلاً خاصّاً، تحدّثنا فيه عن العلويين من خلال آثارهم ؛ ذلك أنّ العلويين ككل شعبٍ من الشعوب، أنتجوا خلال تاريخهم أدباً، شِعراً كان أم نثراً، فتتبّعنا ما كتبوه، وأثبتنا الشواهد الشِعرية والنثرية التي تتضمّن تاريخهم ومعتقداتهم.
ومن هذه الشواهد استخلصنا أهمّ عقائد العلويين.
وبذلك نكون قد قدّمنا للقارئ هذه الفرقة من خلال جميع الأقوال التي قيلت فيها، وبالاستناد إلى أقوال رجالاتها هي.
وعسانا نكون قد وفِّقنا في إظهار هذه الفرقة الإسلامية على حقيقتها.
والله وليّ التوفيق.
هاشم عثمان
الإيمانُ والإسلام
إنّ دراسة أيّة فرقةٍ من الفِرق الإسلامية الكثيرة - التي عرفتها أُمّة الإسلام - مرتبط من قريبٍ أو بعيد بموضوع الإيمان.
ومفهوم الإيمان أمرٌ عسير ؛ لأنّه يتعلّق بجوهر الديانة ذاتها، فلا غرابة أن يخوض في ذلك أصحاب الديانات بصفة عامّة من عهودٍ بعيدة إلى يوم الناس هذا(1) ، وقد اختلفَ الفقهاء قديماً وحديثاً في تحديد مفهوم الإيمان وفي تعريفه، فمن قائلٍ: إنّ الإيمان قولٌ باللسان وإن اعتقدَ الكفر بقلبه، فهو مؤمنٌ عند الله عزّ وجل من أهل الجنّة، وهذا قول محمد بن كرام السجستاني وأصحابه.
ومن قائلٍ: إنّ الإيمان عقدٌ بالقلب وإن أعلنَ الكفر بلسانه بلا تقية، وعَبَد الأوثان، أو لزِم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعَبَد الصليب، وأعلن التثليث، وماتَ على ذلك، فهو مؤمنٌ كامل الإيمان عند الله عزّ وجل من أهل الجنّة، وهذا قول جهم بن صفوان والأشعري(2) .
____________________
(1) سعد غراب: مفهوم الإيمان عند الفِرق الإسلامية، مجلّة الفكر الإسلامي، ربيع الأوّل 1395هـ.
(2) ابن حزم: الفصل في المِلل والأهواء والنحل.
ومن قائلٍ: إنّ أُمّة الإسلام جامعة لكلّ مَن أقرّ بشهادَتي الإسلام لفظاً، فكل مَن قال: لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، فهو مؤمنٌ حقّاً، وهو من أهل الإسلام، سواء كان مخلصاً فيه، أو منافقاً يضمر الكفر فيه والزندقة(1) .
وأشمل تعريف للإيمان: هو تعريف الإمام عليعليهالسلام له.
قال الإمام عليعليهالسلام :
(الإيمان على أربع دعائم: على الصبر، واليقين، والعدل، والجهاد. والصبرُ منها على أربع شُعب: على الشوق، والشَفق، والزهد، والترقّب.
فمَن اشتاقَ إلى الجنّة سلا عن الشهوات، ومَن أشفقَ من النار اجتنبَ المحرّمات، ومَن زهدَ في الدنيا استهانَ بالمصيبات، ومَن ارتقبَ الموت سارع إلى الخيرات.
واليقينُ منها على أربع شُعب: على تبصرة الفطنة، وتأوّل الحكمة، وموعظة العِبرة، وسُنّة الأوّلين. فمَن تبصّر في الفطنة تبيّنت له الحكمة، ومَن تبيّنت له الحكمة عرفَ العِبرة، ومَن عرفَ العِبرة فكأنّما كان في الأوّلين.
والعدلُ منها على أربع شُعب: على غائص الفَهم، وغور العلم، وزهرة الحكم، ورساخة الحلم. فمَن فَهم عَلِم غور العلم، ومَن عَلِم غور العلم صدرَ عن شرائع الحكم، ومَن حلم لم يفرط في أمره وعاشَ في الناس حميداً.
والجهاد منه على أربع شُعب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين. فمَن أمرَ بالمعروف شدّ ظهور المؤمنين، ومَن نهى عن المنكر أرغمَ أنوف المنافقين، ومَن صَدق في المـَواطن قضى ما عليه، ومَن شنأ الفاسقين وغضبَ لله أرضاه يوم القيامة.
____________________
(1) البغدادي: الفَرقُ بين الفِرق.
والكفر على أربع دعائم: على التعمّق، والتنازع، والزيغ، والشقاق. فمَن تعمّق لم ينب إلى الحق، ومَن أكثَر نزاعه بالجهل دام عَماه عن الحق، ومَن زاغَ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيّئة وسَكرَ سكر الضلالة، ومَن شاقَ وعَرت عليه طُرقه، وأعضلَ عليه أمره وضاقَ عليه مخرجه.
والشك على أربع شُعب: على التماري والجهل، والهول، والتردّد، والاستسلام. فمَن جعل المراء ديدَناً له لم يصبح لَيله، ومَن هالَه ما بين يديه نكص على عقبيه، ومَن تردّد في الريب وطَأَته سنابك الشياطين، ومَن استسلم لهلكة الدنيا والآخرة هلكَ فيهما).
والإيمان المجمل يتمّ بشهادةٍ واحدة عند أبي حنيفة، ثمّ يجب عليه الثبات والتقرير بأوصاف الإيمان، وعند الشافعي يتمّ بشهادتين، ثمّ يجب عليه سائر أوصاف الإيمان وشرائطه، ولم يثبت التقيّد من الشارع بلفظ أشهد أن لا إله إلاّ الله، بل يصحّ بكل لفظٍ دالٍّ على الإقرار والتصديق، ولو بغير العربية مع إحسانها، وكذا يصحّ بترك القول(1) .
وقد وضَع أبو حنيفة القاعدة:(أهلُ القبلة كلّهم مؤمنون، ولا يُخرجهم من الإيمان ترك شيء من الفرائض) .
والغزالي يزيد تحديداً، فيقول: (اعلَم أنّ شرح ما يكفر به ولا يكفر يستدعي تفصيلاً طويلاً، فاقتنِع الآن بوصية وقانون. أمّا الوصية، فأنْ تكفّ لسانك عن أهل القبلة ما أمكنك، ما داموا قائلين لا إله إلاّ الله محمد رسول الله، وأمّا القانون فهو أن تعلم أنّ النظريات قسمان: قسمٌ يتعلّق بأُصول القواعد، وقسمٌ يتعلّق بالفروع.
وأصول الإيمان ثلاثة: الإيمان بالله، ورسوله، وباليوم الآخر، وما عداه فروع، واعلم أنّه لا تكفير في الفروع أصلاً، إلاّ في مسألةٍ واحدةٍ هي: أن ينكر أصلاً دينياً من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالتواتر، ولكن في بعضها تخطئة، كما في الفقهيات، وفي بعضها
____________________
(1) الكفوي: الكليات.
تبديع...)(1) .
والإيمان والإسلام واحد ؛ لأنّ الإسلام هو الخضوع والانقياد، بمعنى قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق على ما مرّ.. ويؤيّده قوله تعالى:( فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (الذاريات: 35 - 36).
وبالجملة: لا يصحّ في الشرع أن يحكم على أحدٍ أنّه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، فالإيمان لا ينفكّ عن الإسلام حُكماً، فلا يتغايران(2) .
خلاصة القول: يتبيّن ممّا تقدّم:
1 - إنّ الإيمان والإسلام واحد، فلا يصحّ في الشرع أن يحكم على أحدٍ أنّه مؤمنٌ وليس بمسلمٍ، أو مسلمٌ وليس بمؤمنٍ.
2 - إنّ الإيمان هو الإقرار باللسان، فمَن نطَق بالشهادتين وهما: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله صارَ مسلماً، أي مواطناً في دولة الإسلام، وتمتّع بجميع الحقوق التي يتمتّع بها المسلم(3) .
من هذا المفهوم للإيمان - وعلى أساسه - تكون دراسة أيّة فرقة من الفِرق الإسلامية الكثيرة وتقويمها.
____________________
(1) عبد الحليم الجندي: الشريعة الإسلامية.
(2) السعد التفتازاني: شرح العقائد النفسية.
(3) علي الطنطاوي: تعريف عام بدين الإسلام.
الفِرقُ الإسلامية والاختلاف حولها
(افترَقَت أُمّة موسى على إحدى وسبعين فرقة، فرقةٌ ناجية والباقون في النار، وافترَقت أُمّة عيسى على اثنين وسبعين فرقة، فرقة ناجية، والباقون في النار، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة واحدة ناجية، والباقون في النار، قيل: مَن الناجية يا رسول الله؟ قال: ما أنا وأصحابي عليه اليوم).
هذا الحديث، كان نقطةُ البدء في تقسيم أُمّة الإسلام إلى فرقٍ كثيرة جداً، إذ استغلّه أصحاب الأهواء والنزعات، لِبَثّ الفرقة بين أبناء الأُمّة الواحدة، وكان هدف هؤلاء - على ما يبدو - تفريغ الدين الإسلامي القويم من خاصيّته، وإظهاره بصورة آراء متنافرة متضاربة، لا اتّفاق بينها، ولا انسجام.
ومن الملاحظ، أنّ الكتابة عن الفِرق الإسلامية في آثار الأقدَمين التي وصلت إلينا، جاءت على شكلين:
الأوّل:
عرَضيّاً في سياق الحديث عن موضوعٍ من المواضيع، فدراسة الفِرق في هذه الحالة لم تكن مقصودة لذاتها، وهذا ما نلمسه عند:
الجاحظ في(الحيوان) ، ابن قتيبة في(المعارف) ، الرازي في(الزينة) ، البلخي في(البدء والتاريخ) ، المسعودي في(مروج الذهب) ، ابن عبد ربّه في(العقد الفريد) ، المقدسي في(أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) ، ابن الجوزي في(تلبيس إبليس) ، المقريزي في(الخطط المقريزية)، وغيرهم... وغيرهم...
الثاني:
دراسة الفِرَق مقصودة بذاتها، مستقلّة عن أيّ موضوع آخَر، وهذا ما نَجده في:
(فِرَق الشيعة) للنوبختي، و(التنبيه والرد على أهل الأهواء والبِدع) للملطي، و(الفَرق بين الفِرَق) للبغدادي، و(الفصل في المِلل والأهواء والنِحل) لابن حزم الأندلسي، و(مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين) للأشعري، و(التبصير في الدين وتمييز الفِرَق الناجية عن الفِرَق الهالكين) للأسفرايني، و(المِلل والنِحل) للشهرستاني، و(اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين) لفخر الدين الرازي و... و... وغيرهم وغيرهم...
وكل مَن يمعن النظر في كتابات أصحاب الفِرق يجد أنّهم قد اختلفوا فيما بينهم في:1 - عدد الفِرق 2 - وفي أسمائها 3 - وفي نسبتها 4 - وفي مقالاتها.
أوّلاً - عددُ الفِرَق:
لم يتّفق كُتّاب الفِرَق على عدد هذه الفِرَق، فابن قتيبة في(المعارف) لم يذكر غير إحدى عشرة فرقة، على حين أنّ بعض كتّاب الفِرق تجاوزوا في العدد رقم (73)، والبعض منهم عدّ أكثر من ثلاثمئة فرقة، ومنهم مَن جعلَ فِرق الشيعة وحدها أكثر من ثلاثمئة فرقة.
حتى أنّ بعضهم - المقريزي - جعلَ عدد فِرق الرافضة ثلاثمئة فرقة.
وقد برّرَ فخر الدين الرازي الزيادة في عدد الفِرق بقوله: (فإن قيل: إنّ هذه الطوائف التي عددهم أكثر من ثلاث وسبعين، ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يُخبِر بأكثر، فكيف ينبغي أن يعتقد في ذلك؟
والجواب عن هذا: أنّه يجوز أن يكون مرادهصلىاللهعليهوآلهوسلم من ذكر الفِرق، الفِرَق الكبار، وما عَدَدْنا من الفِرق ليست من الفِرق العظيمة، وأيضاً فإنّه أخبرَ أنّهم يكونون على ثلاث وسبعين فرقة لم يجز أن يكونوا أقل، وأمّا إذا كانت أكثر فلا يضرّ ذلك، وكيف لم نذكر في هذا المختصر كثيراً من الفِرق المشهورة، ولو ذكرناها كلّها مستقصاة لجازَ أن يكون أضعاف ما ذكرنا، بل ربّما وجِد في فرقة من فِرق الروافض - وهم الإمامية - ثلاث وسبعون فرقة).
ثانياً - أسماءُ الفِرَق:
ومن جهة أُخرى ؛ فإنّ كل واحد من الذين تصدّوا للكتابة عن الفِرق الإسلامية، ذَكر فِرَقاً لم يذكرها غيره.
فالنوبختي في(فِرَق الشيعة) ذكرَ: الماصرية، والحسينية، والنفيسية.. ولم يذكرها غيره.
والرازي في(الزينة) ذكر: الشمرية، والطاحنية، والنهدية، ولم نَجد لها ذكراً عند غيره.
والبلخي في(البدء والتاريخ) ذكرَ: الكرنبية، واليعفورية، والقحطبية، والطيارة، والخشعبية، ولم يذكرها غيره.
والملطي في(التنبيه والرد) ذكر: الجمهورية، والسرية، والضررية، والتغلبية، والنجرانية، والعطوية، والجعدية، ولم نجدها عند غيره.
والمقدسي المعروف بالبشاري في(أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) ذكر: المنذرية، والراهوية، والعطائية، والأبيضية، والسرخسية، والكلابية، والشفعوية، والداودية، ولم يذكرها سواه.
وابن الجوزي في(تلبيس إبليس) ذكر: الكنزية، والأحمرية، والوهمية، والناكثية، والقاسطية، والملتزقة، والواردية، والمخلوقية، والفانية، والقبرية، واللفظية، والتاركية، والراجية، والمنقوصية، والمستثنية، والآمرية، واللاعنة، والمتربّصة، والمضطربة، والأفعالية، والمفروغية، والحبية، والخوفية، والفكرية، والمعية، والمتأنية، ولم يذكرها غيره.
وفخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين) ذكرَ: الأخشيدية، والناموسية، والعمادية، والعسكرية، والبنانية، والخالدية، واليونانية، والسورمية، والحوارية، والسبعية، والأزلية، والحماقية، ولم يذكرها غيره.
والمقريزي في(الخطط) ذكر: المزدارية، والجولقية، والبطيخية، والصباحية، والمجدرية، والزيادية، والبسلمية، والأهومية، ولم نجد لها ذكراً عند غيره.
والجيلاني في(توفيق التطبيق) ذكر: المرتاضون، والمشاؤون، ولم يذكرها سواه. إلخ... إلخ...
ثالثاً - نسبةُ الفِرَق:
ثمّة فِرَق عديدة اختلفَ أصحاب الفِرق في نسبتها، منها على سبيل المثال:
البيانية:
نَسَبَها كلٌ من النوبختي والرازي إلى بيان النهدي.
أمّا الملطي، فقال: سُموا بيانية ببيانٍ قالوا...
بينما نَسبها البغدادي، ومثله الإسفرايني والشهرستاني إلى بيان بن سمعان التميمي.
الحارثية:
قال الرازي، ومثله النوبختي: إنّها تنتسب إلى عبد الله بن الحارث.
البغدادي، ومثله الإسفرايني ذكر: أنّهم أتباع حارث بن مزيد الأباضي.
العجلية:
النوبختي والرازي ينسبونها إلى هارون بن سعيد العجلي.
والشهرستاني ينسبها إلى عمير بن بيان العجلي.
أمّا البغدادي، فيُطلق على أتباع عمير بن بيان العجلي اسم (العجرية).
البشرية:
قال النوبختي: إنّهم أصحاب محمد بن بشير.
وأمّا البغدادي، ومثله الشهرستاني، وفخر الدين الرازي، فقالوا: إنّهم أتباع بِشر بن المعتمر.
الأزارقة:
قال كلٌ من الرازي، والإسفرايني، والبغدادي، والشهرستاني: إنّهم أصحاب نافع الأزرق.
أمّا الملطي، فقال: إنّهم أصحاب عبد الله بن الأزرق.
بينما قال فخر الدين الرازي: أتباع أبي نافع راشد الأزرق.
رابعاً - مقالاتُ الفِرق:
الأهمّ من الاختلاف في عدد الفِرق، وفي نسبتها: الاختلاف في مقالات تلك الفِرق، وهذا الاختلاف جاء على أحد شكلين:
جزئي: يتمثّل في إضافاتٍ قليلة على قول الفرقة الواحدة، ذكرها كاتب دون أن يذكرها الآخر.
كلّي: بحيث يتضاد قول الواحد من أصحاب الفِرق، مع ما ذكره غيره عن نفس الفرقة.
والفِرق التي اختلفوا في مقالاتها كثيرةً جداً جداً، منها على سبيل المثال:
الخطّابية : يذكر النوبختي في(فِرَق الشيعة) : وأمّا أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي، ومَن قال بقولها، فإنّهم افترقوا لمـّا بلغهم أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمدعليهالسلام لعنَه، وبريء منه ومن أصحابه، فصاروا أربعَ فِرق، وكان أبو الخطاب يدّعي أنّ أبا عبد الله جعفر بن محمّدعليهالسلام جعله قيّمه ووصيّه من بعده، وعلّمه اسم الله الأعظم، ثمّ ترقّى إلى أن ادّعى النبوّة، ثمّ ادّعى أنّه من الملائكة، وأنّه رسول الله إلى أهل الأرض والحجّة عليهم.
أمّا الرازي في(الزينة) فيقول: الخطّابية نُسبوا إلى أبي الخطّاب، واسمه محمد بن زينب الأسدي الأجدع، وكان يقول بإمامة إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه جعفر، فلمّا مات إسماعيل رجعوا إلى القول بإمامة جعفر، وغَلَوا في القول غُلواً شديداً، وخرجَ أبو الخطّاب في حياة جعفر بالكوفة في المسجد، في زمن عيسى بن موسى بن علي بن عبد الله بن العباس، وأظهرَ الدعوة إلى جعفر، فتبرّأ منه جعفر ولعنهُ ودعا عليه، وقُتل هو وأصحابه كلّهم.
وكان أبو الخطّاب يقول بإلوهية جعفر، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وثبتَ قومٌ من أهل مقالته بعده على القول بذلك، وقالوا في الأئمة كلّهم بالغلو الشديد، وخرَجت فِرقة منهم إلى القول بإمامة محمد بن إسماعيل بعد أبيه إسماعيل، وزعموا أنّ أبا الخطّاب أمرَهم بذلك، ودلّهم عليه.
الملطي في(التنبيه والرد) يقول: وهُم يزعمون أنّ أبا بكر وعمر
(رضي الله عنهما) الجبت والطاغوت، وكذلك الخمر والميسر عليهم لعنة الله، وقد فسّروا في كتاب الله أشياءً كثيرةً ما يشبه هذا.
وعن الخطّابية يقول الشهرستاني في(المِلل والنحل): أصحاب أبي الخطّاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع، مولى بني سعد.
زعمَ أبو الخطّاب أنّ الأئمة أنبياء، ثمّ آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمد، وإلهية آبائه رضي الله عنهم، وهم أبناء الله وأحبّاؤه.
والإلهية نورٌ في النبوّة، والنبوّة نورٌ في الإمامة، ولا يخلو العالَم من هذه الآثار والأنوار، وزعمَ أنّ جعفراً هو الإله في زمانه، وليس هو المحسوس الذي يرونه، ولكن لمـّا نزلَ إلى هذا العالَم لَبس تلك الصورة فرآه الناس فيها.
وعن هذه الفرقة، يقول فخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين): وهُم يزعمون أنّ الله تعالى حلّ في علي، ثمّ في الحسن، ثمّ في الحسين، ثمّ في زين العابدين، ثمّ في الباقر، ثمّ في الصادق، وتوجّه هؤلاء إلى مكّة زمن جعفر الصادق وكانوا يعبدونه، فلمّا سمعَ الصادق بذلك، فأبلغَ ذلك أبا الخطّاب، وهو رئيسهم، فزعمَ: أنّ الله تعالى قد انفصلَ عن جعفر، وحلّ فيه، وأنّه هو أكمل من الله تعالى، ثمّ إنّه قُتل.
الخلفية: وهي إحدى فِرق (العجاردة):
يقول عنها البغدادي في(الفَرق بين الفِرق) : لا يرون القتال إلاّ مع إمامٍ منهم، وقد كفّوا أيديهم عن القتال ؛ لفَقدهم مَن يصلح للإمامة منهم.
وصارت الخلفية إلى قول الأزارقة في شيءٍ واحد، وهو: دعواهم أنّ أطفال مخالفيهم في النار.
ومثل هذا القول، نقلَ الأسفرايني في(التبصير في الدين) : أمّا الشهرستاني، فقال في(المِلل والنحل): خالَفوا الخمرية في القولِ بالقدر، وأضافوا القَدر خَيره وشَرّه إلى الله تعالى، وسلكوا في ذلك مسلك أهل السنّة، وقالوا: الخمرية ناقضوا، حيث قالوا: لو عذّب الله العباد على أفعالٍ قدّرها عليهم، أو على ما لم يفعلوه، كان ظالماً، وقضَوا بأنّ أطفال
المشركين في النار، ولا عملَ لهم ولا تَرك، وهذا من أعجب ما يعتقد من التناقض. ابن الجوزي في(تلبيس إبليس) يقول عن الخلفية: زعموا أنّ مَن تركَ الجهاد من ذكر وأنثى، فقد كَفر.
وعنها يقول فخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين) : وهُم لا يرون أنّ الخير والشر من الله تعالى.
* * *
إنّ اختلاف كتّاب الفِرق، في عدد الفِرق، وفي أسمائها، وفي نسبتها، وفي مقالاتها، ذلك الاختلاف البيّن يجعلنا نشكّ في وجود هذه الفِرق أصلاً، خاصّةً وأنّه قد ثبتَ بالتدقيق أنّ ثمّة فِرقاً كثيرة مُبتَدعة لا وجود لها في دنيا الواقع: كالكيسانية، والكرنبية، والحارثية، والمعمرية، والمزيغية، والراوندية، والأبي مُسلمية، والأبي هريرية(1) ... كما ثبتَ أيضاً: أنّ ثمّة شخصيات زعموا أنّ لها تأثيراً كبيراً في الفِرق ومقالاتها، كانت مختلقة، لا مكان لها بين البشر، كعبد الله بن سبأ مثلاً.
وما يهمّنا في هذا المقام: هو المبحث عمّا إذا كان هنالك فرقة تسمّى بالنصيرية، أمْ أنّ هذا الاسم هو واحدٌ من أسماء عديدة، أُطلقت على فرقةٍ واحدة، خاصّةً وأنّ كتُب الفِرق حَملت إلينا أكثر من اسم لبعض الفِرق، مثالُ ذلك: يذكر أبو حاتم الرازي في(الزينة) : إنّ للمارقة خمسة ألقاب، يقال لهم: المارقة، والشراة، والخوارج، والحرورية، والمحكمة.
وفي حديثه عن السبأية يذكر: (ولهم في كلِ بلدٍ (لقب) يُلقّبون به، وهُم يسمّون ببلاد أصبهان الخرمية والكوذلية، وبالري وغيرها من أرض الجبال المزادكة والسنباذية وبالماهين المحمرة، وبأذربيجان الدقولية).
كما يذكر الغزالي في(المستظهري) ، وابن الجوزي في(المنتظم)
____________________
(1) عبد الواحد الأنصاري: مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام.
وآخَرون غيرهما: أنّ ألقاب الإسماعيلية التي تداولتها الألسنة على اختلاف الأمصار والأزمنة، هي: الإسماعيلية، والباطنية، والقرامطة، والخرمية، والبابكية، والمحمرة، والسبعية، والتعليمية...
أصلُ التسمية
ليس من السهل معرفة أصل تسمية (نصيرية)، ولا من أين جاء ذلك ؛ لأنّ الأقوال فيها متناقضة، وهي إلى جانب تناقضها لا تستند إلى دليلٍ مُقنع، ولا تخرج عن نطاق التخمين والتكهّنات.
الأكثرون يُرجعونها إلى محمد بن نصير، أحد دُعاة، أو أشياع، أو أصحاب، أو بوّاب الإمام الحسن العسكريعليهالسلام ، لكنّ أصحاب هذا الرأي يختلفون فيها بينهم اختلافاً كبيراً حول اسم محمد بن نصير وكُنيته.
وها هي أسماء الرجل وكُناه، كما وردتنا على ألسِنتهم:
محمد بن نصير.
محمد بن نصير النميري.
أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري.
محمد بن نصير الكوفي.
أبو شعيب بن نصير البصري النميري.
ابن نصير.
محمد بن شعيب البصري.
محمد بن نصير الفهري أو النميري.
أبو شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري.
وهناك مَن يشكّك في نسبة هذه التسمية إلى محمد بن نصير، دون أن يبيّن سبب تشكّكه مصرّحاً بأنّه لا يوجد ما يثبت هذا القول(1) .
ونحن مع هذا الرأي ؛ لجملة من الأسباب هي:
أوّلاً : كُتّاب الفِرق الأقدمون لم ينسبوا هذه الفرقة إلى محمد بن نصير، كما أنّهم لم ينسبوها إلى شخصٍ معيّن بالذات.
ثانياً : محمد بن نصير - كما تذكر كتب التراجم - توفي سنة 259هـ/ 873م، بينما اصطلاح النصيرية وردَ ذكره أوّل مرّة - في أوائل المئة الرابعة للهجرة - على لسان حمزة بن علي، أحد مؤسّسي المذهب الدرزي، في(الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري)، وعلى لسان أبي العلاء المعري في(رسالة الغفران) ، و(اللزوميات) .
ثالثاً: أتباع محمد بن نصير يسمّون بالنميرية، على ما يذكر النوبختي المتوفّى سنة 288هـ، إذ يقول:
(وقد شذّت فِرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته، فقالت: بنبوّة رجلٍ يقال له محمد بن نصير، وكان يدَّعي أنّه نبيٌ بعثه أبو الحسن العسكريعليهالسلام ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم، ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أنّ ذلك من التواضع والتذلّل، وأنّه إحدى الشهوات والطيّبات، وأنّ الله عزّ وجل لم يحرّم شيئاً من ذلك، وكان يقوّي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، فلمّا توفي قيل له في علّته - وكان اعتقلَ لسانه -: لِمَن هذا الأمر من بعدك؟ فقال: لأحمد، فلم يدروا مَن هو؟ فافترقوا ثلاث فِرق:
(فرقة) قالت: إنّه أحمد ابنه، و(فرقة) قالت: هو أحمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، و(فرقة) قالت: أحمد بن أبي الحسين محمد بن محمد بن بشر بن زيد، فتفرّقوا فلا يرجعون إلى شيء،
____________________
(1) عارف تامر: الإمامة في الإسلام.
وادّعى هؤلاء النبوّة عن أبي محمد، فسمّيت النميرية)(1) .
رابعاً: إذا أمعَنا النظر في ما كَتبه الشهرستاني عن النصيرية، نَجد أنّه استعملَ صيغة الجمع، (لهم جماعة ينصرون مذهبهم، ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم)، بحيث يُفهم من ذلك أنّ أصحاب مقالة النصيرية أكثر من شخصٍ واحد.
ثمّة آراء أُخرى قليلة ترى أنّ تسمية نصيرية، نسبةً إلى نصير غلام الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ويبدو لنا خطل هذه الآراء، إذا عَلمنا أنّ أيّاً من كُتب التاريخ أو سواها، لم تذكر أنّ للإمام علي غلاماً يسمّى نصيراً.
ومن بين الآراء المطروحة رأيٌ مفرد، يعزو هذه التسمية إلى تغلب اسم الجبل على هذه الفئة(2) ، والمقصود بالجبل:جبل النصيرية .
ويبدو أنّ هذا الاسم قد حرِّف إلى نصيرية.
والذي يُعزّز القناعة بصحة هذا الرأي هو: أنّ إطلاق اسم نصيرية على هذا الجبل، لم يظهر إلاّ أثناء الحَملات الصليبية، أي بعد عام 488هـ (1096م)، أي ما قبل هذا التاريخ، فكان الاسم الشائع لهذا الجبل هو جبل اللكام.
يقول الاصطخري: (وكورة الشام هي من حدّ فلسطين، وحدّ الشام، وثغور الجزيرة جبل اللكام، وهو الفاصل بين الثغرين، وجبل اللكام داخل في بلد الروم، وينتهي إلى نحو مئتي فرسخ، ويظهر في بلاد الإسلام من مرعش والهارونية وعين زربة، فيسمّى لكام إلى أن يجاوز اللاذقية)(3) .
فإذا كانت الحروب الصليبية بدأت سنة 488هـ وانتهت سنة 690هـ، وإذا كان الشهرستاني ولِد سنة 469هـ وتوفّي سنة 548هـ، كان معنى ذلك: أنّ اسم نصيرية قد تغلّب على اسم الجبل في زمن
____________________
(1) فِرَق الشيعة.
(2) محمد كرد علي: خطط الشام.
(3) كتاب الأقاليم.
الشهرستاني.
وترجع أسباب تسميةNazarie على ما نرى، إلى وجود الطائفة الإسماعيلية النزارية في أماكن معيّنة من هذا الجبل - مصياف - قدموس - سلمية -، والدّور الهامّ الذي لعبتهُ مصياف منذ أن انتزَعها الإسماعيليون من بني منقذ سنة 535هـ، وكذلك إلى الدّور الهامّ الذي قامَ به شيخ الجبل سنان راشد الدين، زعيم الطائفة الإسماعيلية النزارية في مصياف وفدائييه، أثناء الحروب الصليبية، ممّا جعلَ اسم هذه الطائفة على كلِ شفةٍ ولسان.
وهناك نقطة أُخرى مهمّة تتعلّق بأصل التسمية، من الضروري الوقوف عندها قليلاً، وهي: ما ذكره بعض المؤرّخين المحدَثين، من أنّ العلويين تسمّوا نصيرية أوّلاً، ثمّ أُطلق عليهم - حسب إرادتهم - اسم العلويين في أيّام الانتداب الفرنسي(1) ، ولم يقدّموا أي دليل يدعم أقوالهم.
والحقيقة: أنّه وجِدت فِرقة من الشيعة تسمّى بالعلوية، عُرفت بهذا الاسم منذ القديم، ذكرها كلٌ من: المسعودي في(مروج الذهب) ، وياقوت الحموي في(معجم البلدان) .
يقول المسعودي: (والغلاة أيضاً ثمان فِرق: المحمدية منهم أربع، والمعتزلة أربع، وهُم العلوية).
كما ذكرَ ياقوت الحموي عند حديثه عن مدينة قاشان ما نصّه: (مدينة قرب أصبهان، تُذكر مع قُم، وأهلها كلّهم شيعة إمامية.
قرأتُ في كتاب ألّفه أبو العباس أحمد بن علي بن بابه القاشي، وكان رجلاً أديباً، قَدِم مرو وأقام بها إلى أن مات بعد الخمسمئة، ذَكر في كتابٍ ألّفه في فِرق الشيعة إلى أن انتهى إلى ذكر المنتظر، ومن عجائبه ما يذكر ما شاهدته في بلادنا قومٌ من العلوية من أصحاب التنايات يعتقدون هذا المذهب).
____________________
(1) يوسف الحكيم: سورية والعهد العثماني، ص (68)، ود. صبحي محمصاني: فلسفة التشريع في الإسلام، ص(85)، ومحمد كرد علي: خطط الشام، ص (112).
وهذا دليل على أنّ أصل التسمية هو (العلوية)، لكن تبدّلت التسمية مع الزمن إلى (نصيرية) لأسباب سياسية، أمْلَتها ظروف معيّنة.
تاريخ ظهور النصيرية:
تحديد تاريخ ظهور النصيرية على وجه الدقّة، أمرٌ من الصعوبة بمكان كبير ؛ لكثرة الأقوال وتناقضها، ثمّ ابتعادها عن بعضها بعضاً ابتعاداً عظيماً.
فنحن إذا أخذنا بالرأي القائل: إنّ أصل تسمية نصيرية، جاءت من نصير مولى الإمام عليعليهالسلام ، كان معنى ذلك: أنّ تاريخ ظهور النصيرية هو زمن الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ، أي ما بين سنة 23/ قبل الهجرة و40هـ.
أمّا إذا مِلْنا إلى الرأي الآخَر، الذي يقول: إنّ أصل التسمية نسبةً إلى محمد بن نصير،.... المتوفّى سنة 259هـ، كان معنى ذلك: أنّ تاريخ ظهور النصيرية بين سَنَتَي 232هـ، و259هـ، وكما هو واضح ؛ فإنّ بين هذا التاريخ وذاك مدىً زمنياً واسعاً شاسعاً.
ثمّة نفر من المؤرّخين جعلَ تاريخ ظهور النصيرية - على وجه العموم - دون تحديد لسَنةٍ معيّنة (في القرن الثالث الهجري)(1) ، أو (في النصف الثاني من القرن الثالث)(2) ، وهناك مَن يقول: إنّ المذهب النصيري أو العلوي، معاصر للدعوة الدرزية(3) .
وأوّل إشارة إلى ظهور النصيرية وصَلت إلينا، ما كَتبه أبو الفرج الملطي في (تاريخ الدول السرياني) في أخبار سنة 891م = 278هـ، وهي:
____________________
(1) الدكتور صبحي المحمصاني: فلسفة التشريع في الإسلام.
(2) كامل مصطفى الشيبي: الصلة بين التصوّف والتشيّع.
(3) عمر فروخ: تاريخ الفكر العربي.
(رغبَ الكثيرون أن يعرفوا مَن هم النصيريون؟ فنقول: في السنة 1202 لليونان (891م)، ظهرَ شيخ في أطراف الكوفة بقرية الناصرية، كان يُكثر من الصوم والصلاة ويتظاهر بالزهد، وتبعهُ كثيرون من أهل البلد.
واصطفى اثني عشر رجلاً بعدد الرسل، وأوصاهم أن يبثّوا بين الناس تعليماً غريباً، ولمـّا اطّلع حاكم البلد على خبره أرسل فقُبض عليه، وحبسهُ في إحدى غرف داره، وأقسم أنّه صباح الغد يشنقه، وشربَ الحاكم تلك الليلة خمراً حتى سكر، وفرشوا له لينام.
فطلبَ مفتاح الغرفة التي حُبس فيها الشيخ، ووضعهُ تحت وسادته، وغرقَ في النوم، وكان للحاكم خادمة تنام عنده، سبقت فاطّلعت على صوم الشيخ وصلاته، فأخذَتها الشفقة عليه، وقصَدت مولاها وهو غارق في سباتٍ عميقٍ، والتقفت المفتاح، وذهبت فأطلقت الشيخ، ثمّ أغلقت الباب، وردّت المفتاح إلى مكانه.
ولمـّا أفاقَ الحاكم تناولَ المفتاح، وفتحَ باب الغرفة فلم يجد فيها أحداً، فأخذه الدهش، وتخوّفت الخادمة أن تُعلمه بأنّها هي التي فتحت وأطلقته، وهكذا ذاعَ الخبر بأنّ الشيخ خرجَ والأبواب مغلقة.
وما عتمَ أن شاهدَ الشيخ اثنين من تلامذته يسوقان فداناً في أراضٍ بعيدة عن القرية، فقصدَ نحوهما، وأكّد لهما أنّ الملائكة أطلقوه وجعلوه في البرية، ثمّ كَتب كتاب مذهبه، ودَفعه إليهما ليُعلما الناس بموجبه، وقد أثبتَ فيه ما يلي: إنّي أنا فلان الذي يُظنّ أنّه ابن عثمان من قرية الناصرية، قد ظهرَ لي في الرؤية المسيح يسوع الكلمة الهادئ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، من ولدِ علي، وهو جبرائيل الملاك، وقال لي:
إنّك أنت الداعي، أنت الحق، أنت جمل يحقد على غير المؤمنين، أنت بهيمة حاملة ثقل المؤمنين، أنت روح، أنت يوحنا بن زكريا، فانذرْ الناس ليجثوا أربع ركعات في صلاتهم، ركعتين قبل بزوغ الشمس، وركعتين قبل الغروب، شطر أورشليم، ويقولون في كل مرّة هذه العبارات الثلاث: الله السامي على الكل، الله الأعظم من الكل، الله الأكبر من الكل، وأن لا يشتغلوا في يَومي الاثنين والجمعة، وأن يصوموا يَومين في السنة، وأن يقلّلوا من غسل أعضاء التناسل، ولا يشربوا المسكر، بل يشربوا ما أرادوا
من الخمر، ولا يأكلوا لحوم الحيوانات الضارية. وبعدما لقّنهم تعليماً مثل هذا سقيماً سخيفاً، انتقلَ إلى فلسطين، وجعلَ يلقّن الناس الجَهلة القرويين، ثمّ اختفى من هناك، ولم يوقَف على مكانه حتى اليوم).
بحسب هذه الرواية، يكون تاريخ ظهور النصيرية هو سنة 278هـ في الكوفة، وهذا التاريخ هو عينه مبدأ ظهور القرامطة.
وما ذكرهُ الملطي يشابه إلى حدٍ بعيد، ما رواه ثابت بن سنان بن قرّة الصابئ (ت 365هـ)، في تاريخه عن بدء ظهور القرامطة:
(في سنة مئتين وثمانية وسبعين من الهجرة، فيها تحرّك بسواد الكوفة قومٌ يُعرفون بالقرامطة، وكان ابتداء أمرِهم - فيما ذكر - أنّ زعيم هذه الطائفة قَدِم من بلدةِ خوزستان إلى عاصمة الكوفة، فنزلَ بموضعٍ يقال له النهرين، وتظاهرَ بالزهد والورع والتقشّف، وكان يسف الخوص، ويأكل من كسب يده، ويكثر من الصلاة.
وأقامَ على ذلك زمناً كبيراً، وكان إذا جاءه شخص وجلسَ معه تحدّث معه في أمر الدين، وزهده في الدنيا، وأخبرهُ أنّ الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يومٍ وليلة، حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثمّ أعلَمهم أنّه يدعو إلى إمامٍ من أهل البيت، فأقامَ على الدعاية حتى اجتمعَ حوله جمعٌ كبير.
واصطحبَ برجلٍ بقّال، وكان يكثر الجلوس على باب حانوته، فجاء يوماً قومٌ إلى البقّال، وطلبوا منه رجلاً يحفظ عليهم ما حُرموا من نخلهم، فدلّهم عليه، وقال لهم: (إن أجابكم إلى حفظ تَمْركم فإنّه بحيث تحبّون)، فكلّموه في ذلك، فأجابهم إلى ذلك بأجرٍ معلوم.
فكان يحفظ لهم ويصلّي أكثر نهاره ويصوم، ويأخذ عند إفطاره رطلاً من التمر من البقّال فيأكله، ويجمع النوى ويعطيه البقّال، فلمّا حَمل التجّار تَمْرَهم عند البقّال ودفعوا إليه أجرته، وحاسب الأجير البقّال على ما أخذه من التمر، ودفعَ له ثمن النوى، فسمعَ أصحاب التمر محاسبته للبقّال بثمن النوى فضربوه، وقالوا له: (لم ترضَ بأكل تَمْرِنا، حتى بعتَ النوى)، فقال لهم البقّال: (لا تفعلوا)، وقصّ عليهم القصّة، فندموا على ضربه
، واستحلّوا منه، ففعل، وازدادَ بذلك نُبلاً عند أهل القرية، لمـّا وقفوا من زهده. ثمّ مَرض فمكثَ على الطريق مطروحاً، وكان في القرية رجل يُدعى (كرميته) ؛ لحمرة عينيه، وهو بالنبطية أحمر العينين، يحمل على أثوار له، فكلّم البقّال في حمل المريض إلى بيته، فحَمله وأقام حتى بريء.
ودعا أهل القرية إلى اعتناق مذهبه فأجابوه، وكان يأخذ من كلِ رجلٍ ديناراً، ويزعم أنّه للإمام، واتّخذ منهم اثني عشر نقيباً، وأمَرَهم أن يدعوا الناس إلى نِحلته، وقال لهم: أنتم كحواريي عيسى.
فاشتغلَ أهل كور عن أعمالهم بما رسمَ لهم من الصلوات، وكان للهيصم ضياع، فرأى تقصير أهل القرية في عمارتها، فسألَ عن ذلك، فأُخبر بخبر القرمطي، فأخذهُ وحبسه، وحلفَ أن يقتله ؛ لِمَا اطّلع على مذهبه، وأغلق باب البيت عليه، وجعلَ مفتاح البيت تحت وسادته، واشتغلَ بالشرب.
فسمعَ بعض مَن في الدار من الجواري بقصّته، فرقّت للرجل، فأخذت المفتاح - حين نام سيّدها - وفتحت الباب وأخرجته، ووضَعت المفتاح مكانه، فلمّا أصبح الهيصم فتحَ الباب ليقتله فلم يجده، وشاعَ ذلك في الناس، فافتتنَ به خلقٌ كثير من تلك القرية، وقالوا: رُفع.
ثمّ ظهرَ في ناحية أُخرى، واجتمعَ بأصحابه وغيرهم، وسألوه عن أمره، فأخبرَ أنّه لا يمكن أحداً أن يصل إليه بسوء، فعظمَ من ذاك الوقت في أعينهم، ثمّ خافَ على نفسه، فخرجَ إلى ناحية الشام، فلم يوقَف له على أثَر.
وسمّى نفسه باسم الرجل الذي كان في داره (كرميته، صاحب الأثوار)، ثمّ خُفّف فقيل: قرمط. هكذا ذَكر أصحاب زكرويه عنه.
وقيل: إنّ قرمط لقب رجل بسواد الكوفة، كان يحمل غلّته على أثوارٍ له، واسمه حمدان.
ثمّ فشا مذهب القرامطة بسواد الكوفة، ووقفَ الطائي أحمد بن محمد على أمرهم، فجعلَ على الرجلِ منهم ديناراً في العام، فقَدِم قومٌ من الكوفة، فرفعوا أمرَ القرامطة والطائي إلى السلطان، وأخبروه أنّهم أحدثوا ما ليس في دين الإسلام، وأنّهم يرون السيف على أُمّة محمد (صلّى الله عليه وسلّم) إلاّ مَن بايعهم، فلم يلتفت إليهم، ولم يسمع منهم.
وفيما حُكي عن القرامطة من مذهبهم: أنّهم جاؤوا بكتاب فيه (بسم الله الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان، وهو من قريةٍ يقال لها نصرانة، داعية المسيح وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل.
وذكرَ أنّ المسيح تَصوّر له في جسم إنسان، وقال له: أنت الداعية، وإنّك الحجّة، وإنّك الناقة، وإنّك الدابّة، وإنّك يحيى، وإنّك روح القدس، وأخبرهُ أنّ الصلاة أربع ركعات، ركعتان قبل الشروق، وركعتان بعد الغروب، ويقيم الأذان في كلّ صلاة، يكبّر ثلاثاً (أشهد أن لا إله إلاّ الله مرّتين، أشهد أنّ آدم رسول الله، أشهد أنّ نوحاً رسول الله، أشهد أنّ إبراهيم رسول الله، أشهد أنّ موسى رسول الله، أشهد أنّ عيسى رسول الله، أشهد أنّ محمداًَ رسول الله، وأشهد أنّ أحمد بن محمد بن الحنفية رسول الله، ويقرأ في كلّ ركعة الاستفتاح المـُنزل على أحمد بن محمد بن الحنفية، والقبلة إلى بيت المقدس، وأنّ الجمعة يوم الاثنين، لا يُعمل فيه شيء، والسورة:
(الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتّخذ لأوليائه بأوليائه، قل إنّ الأهلّة مواقيتُ للناس، ظاهرها ليعلم عدد السِنين والحساب والشهور والأيّام، وباطنها أوليائي الذين عَرّفوا عبادي سبيلي، اتّقوني يا أُولي الألباب، وأنا الذي لا أُسأل عمّا أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلو عبادي وأمتحن خلقي، فمَن صبرَ على بلائي ومحنتي واختباري ألقيته في جنّتي وأخلدتهُ في نعمتي، ومَن زالَ عن أمري وكذّب رسلي أخذتهُ مهاناً في عذابي، وأتممتُ أجَلي، وأظهرت أمْري على ألسِنة رُسلي، وأنا الذي لم يعلُ عليّ جبّار إلاّ وضعتهُ، ولا عزيز إلاّ أذللته، وليس الذي أصرّ على أمره ودامَ على جهالته، وقالوا: لن نبرحَ عليه عاكفين وبه موقنين أولئك الكافرون، ثمّ يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربّي ربّ العزّة وتعالى عمّا يَصف الظالمون)، يقولها مرّتين، فإذا سجدَ قال: (الله أعلى) مرّتين، (الله أعظم) مرّتين.
ومن شريعته الصوم يومين في السنة، وهما المهرجان، والنبيذ حرام والخمر حلال، وألاّ يغتسلوا من الجنابة إلاّ الوضوء كوضوء الصلاة، وأنّ مَن حاربهُ وجبَ قتله، ومَن لم يحاربه ممّن خالفهُ وجبَ عليه الجزية، ولا يأكل كلّ ذي ناب ولا كلّ ذي مخلب).
يستفاد من ذلك: أنّ الملطي - المعروف بابن العبري، المتوفّى سنة 685هـ - اعتبرَ النصيرية هم القرامطة، وهذا خطأ.
ثمّ إنّه ناقضَ نفسه بنفسه، في كتابه(تاريخ مختصر الدول) عند حديثه عن القرامطة ؛ إذ ذَكر عنهم نفس ما قاله عن النصيرية، في روايته التي بيّناها، وإذاً فإنّ تحديد تاريخ ظهور النصيرية بسنة 278هـ، أخذاً بما ذَكره الملطي، في غير محلّه.
ويبقى أقرب الأقوال إلى الصواب القول: بأنّ ظهور النصيرية هو النصف الثاني من القرن الثالث ؛ لأنّه عندما كتبَ حمزة بن علي رسالته في الردّ على النصيري بين عامي 408 و410هـ، كانت الفرقة النصيرية موجودة ومعروفة، وهذا يعني أنّ وجودها سابق لهذا التاريخ، لكنّ تحديد ظهورها بسنةٍ معيّنة، أمر من الصعوبة بمكان كبير ؛ لعدم وجود الدليل القاطع.
***
مَوطِن النصيرية
يُفهم من الآثار التي وصلت إلينا: أنّ النصيرية تنتشر في أماكن وأقاليم متعدّدة، عربية وأجنبية.
في سورية أطلقَ المؤرّخون على أماكن تواجد النصيرية أسماء كثيرة: جبال اللاذقية، جبال النصيرية، بلاد العلويين، منطقة العلويين، منطقة اللاذقية، الجبل العلوي، جبل الشام، جبل اللكام، إلخ...
ومن الأسماء التي ذُكرت أيضاً، جبل السمان (اتخذوا جبل السمان، الذي يسمّى الآن جبل النصيرية)(1) .
ولم نعثر في الكتب على أيّ ذِكر لهذا الاسم، الذي انفردَ به شيخنا محمد أبو زهرة دون سواه، ولعلّ الشيخ يقصد جبل السماق، وهو كما ذَكر ياقوت الحموي في معجم البلدان(2) ، جبل عظيم من أعمال حلب الغربية.
وثمّة مَن ذَكر اسماً آخَر، بعيد كل البُعد عن الأسماء المألوفة المتداولة، وهو جبل بلاطنس(3) .
أمّا الاختلاف الذي يُذكر فهو في تحديد موقع جبل اللكام ؛ لأنّ
____________________
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية: الجزء 1، ص63.
(2) الجزء 2، ص100.
(3) أبو الفداء: المختصر في تاريخ البشر.
الجغرافيين العرب لم يتّفقوا على رأيٍ واحدٍ بصدده.
فالمقدسي المعروف بالبشاري يقول: (أمّا جبل اللكام، فإنّه أعمر جبال الشام، وأكبرها وأكثرها ثماراً، وهو اليوم بِيَد الأرمن، وطرسوس ورائه، وأنطاكية دونه)(1) .
أمّاالاصطخري فيذكر: (وكورة الشام إنّما هي من حدّ فلسطين، وحدّ الشام، وثغور الجزيرة جبل اللكام، وهو الفاصل بين الثغرين، وجبل اللكام داخل في بلد الروم، وينتهي إلى نحو مئتي فرسخ، ويظهر في بلاد الإسلام من مرعش والهارونية وعين زربة فيسمّى لكام، إلى أن يجاوز اللاذقية ثمّ تسمّى بهراء وتنوخ، إلى حمص ثمّ تسمّى جبل لبنان)(2) .
وياقوت الحموي يقول: (اللكام وهو الجبل المشرف على أنطاكية، وبلاد ابن ليون والمصيصة وطرسوس، وتلك الثغور)(3) .
وفي لبنان توجد النصيرية في شمال عكار(4) ، وفي وادي التيم(5) ، كما توجد في جبال الظنيين.
ويقولابن الوردي : (أحاطت عساكر الشام بجبال الظنيين المنيعة، وكانوا عصاة مارقين، وترجّلوا عن الخيل، وصعدوا في تلك الجبال من كل جانب، وقتلوا وأسّروا جميع مَن فيها من النصيرية)(6) .
ولم يحدّد ابن الوردي مكان وجود هذه الجبال، ونعتقد أنّه المقصود بجبال الظنيين هو جبل الضنية أو الظنية، الواقع إلى الشمال من بشري.
يقولأنطوان شكر الله حيدر: (وهذا الجبل يحمِل إلى هذا اليوم اسم الجماعة الشيعية التي استقرّت به، وهي الضنية أو الظنية على الأصحّ، وهو
____________________
(1) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم.
(2) كتاب الأقاليم.
(3) معجم البلدان: الجزء5، ص22.
(4) أحد الآباء اليسوعيين: مختصر تاريخ سورية ولبنان.
(5) الدكتور محمد علي مكي: لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني.
(6) تتمة المختصر في أخبار البشر.
الاسم الذي أُطلق على عدد من الفِرق الباطنية، وبخاصة الإسماعيلية)(1) .
وبهذا المعنى كتبَ الشيخ طه الولي (وكان آل عمار على مذهب الشيعة الإمامية، وقد امتدّ سلطانهم حتى شملت - بالإضافة إلى طرابلس - مناطق عكار، والضنية، وبلاد جبيل، والبترون، وما تزال الجبال المطلّة على طرابلس من جهة الشرق تحمل حتى اليوم اسم (الضنية)، والضاد هنا حلّت مكان الظاء، وهذه الكلمة أُطلقت في الماضي على هذه الجبال ؛ لأنّ أهلَها كانوا يُعرفون آنذاك باسم الظنية، وهو الاسم الذي اشتهروا به ؛ لأنّهم كانوا على مذهب الشيعة، الذين يقولون بالظنّ والتأويل في تفسير أحكام الشريعة الإسلامية، الواردة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة)(2) .
وتوجد النصيرية أيضاً في العراق، في الشرطة، وهي كما يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان: (كورة كبيرة من أعمال واسط، بينها وبين البصرة، لكنّها عن يمين المنحدر إلى البصرة).
كما توجد في بعض أجزاء شمال فلسطين.
أمّا في البلاد الأوروبية، فتوجد النصيرية في كلٍّ من: تركيا، واليونان، وبلغاريا، وألبانيا السفلى.
وبنتيجة الهجرة، توطّنت جماعات كثيرة منهم في أمريكا الجنوبية، وبشكلٍ خاص في الأرجنتين والبرازيل.
____________________
(1) مجلّة الحوادث: العدد 1143 تاريخ 29/9/1987.
(2) جريدة اللواء، العدد 3381، تاريخ 29/6/1980.
عقائدُ النصيرية
ذهبت أقوال المؤرّخين حول عقائد النصيرية في كلّ اتجاه، واختلطت الأقوال اختلاطاً عجيباً، وتشابكت وبَلَغ تشابكها حدّاً استحالَ معه إيجاد نقطة تلاقٍ واحدة، ما بين قول وقول، وبالتالي أصبحت معرفة ما هو حقيقي، وما هو موضوع مدسوس من أشقّ الأمور على الباحث.
وليس بخافٍ أنّ اصطلاح (نصيرية) ظهرَ في عدد كثُرت فيه الفتن، والانقسامات والميول، والأهواء والنزعات، والمذاهب الفلسفية، والعداوات المذهبية، كما كثر فيه الدسّ والاختلاق والتحريف، وتزييف الحقائق وتشويهها.
وأوّل ما يلاحظ أنّ عقائد النصيرية - كما وردتنا - مأخوذة كلّها من خصوم هذا المذهب، ولم نرَ أيّاً من المؤرّخين مَن ذَكر اسم كتابٍ واحدٍ من كتب النصيرية، أو ذَكر اسم رجلٍ واحدٍ من رجالاتها.
ولمـّا كان أخذ المذهب من خصومه مغامرة جريئة، تحتاج إلى كثيرٍ من التحرّي والدقّة، لذلك فإنّنا تعامَلنا مع مختلف الأقوال بمنتهى الحيطة والحذر، ووقفنا عند كلّ نقطة، وحاولنا جهد المستطاع إرجاع الأشياء إلى أُصولها، ولا غنى عن القول: إنّه لابدّ عند البحث عن عقائد النصيرية من التمييز ما بين نوعين من الكتابات:
الأوّل: كتابات المؤرّخين الأقدَمين.
الثاني: كتابات المؤرّخين المحدَثين، ثمّ المعاصرين، وهناك اختلافُ كبير، بين هذين النوعين من الكتابات.
ونحن في هذا الفصل، سنتكلّم عن عقائد النصيرية كما تحدّث عنها القدماء، ثمّ كما تحدّث عنها المحدّثون، ثمّ كما تحدّث عنها رجالات العلويين وشيوخهم، وكما تظهر في كتاباتهم وأشعارهم.
النصيريةُ عند الأقْدمين
كان ما كتَبه حمزة بن علي (ت 433هـ)، أحد مؤسّسي المذهب الدرزي، في رسالته المسمّاة(الرسالة الدامغة في الردّ على النصيري)، أوّل إشارة وصَلت إلينا عن عقائد النصيرية.
وهذه الرسالة جاءت ردّاً على كتاب(الحقائق وكشف المحجوب) ، الذي ألّفه شخصٌ من النصيرية لم نعرف اسمه، أثارتهُ - على ما يبدو - دعوى القائلين بتأليه الحاكم، فصنّفَ كتابه للتشنيع عليهم، والطعن في مقالتهم، كما يُفهم ممّا أورده حمزة في رسالته، لم يكن لهذا الفاسق النصيري - لعنة المولى عليه - بُغية غير الفساد في دين مولانا جلّ ذِكره، ودين المؤمنين، ودين مولانا لا ينفسد أبداً.
لذلك رأينا حمزة يُحذّر من قبول كلام هذا النصيري، مُعلناً أنّ (مَن قَبِل كلامه عَبَد إبليس، واعتقد التناسخ، وحلّل الفروج، واستحلّ الكذب والبهتان).
ومن خلال ردّ حمزة على (النصيري) قارنَ بين أقوال النصيرية، وأقوال القائلين بإلوهية الحاكم، موضّحاً حقيقة أقوال مؤلّهة الحاكم، من ذلك مثلاً قوله: (مَن اعتقدَ التناسخ مثل النصيرية المعنوية، في علي بن أبي طالب وعَبَده - خسرَ الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين).
وقوله: (ثمّ إنّه إذا ذكرَ علياً يقول: علينا سلامه ورحمته، وإذا ذكرَ مولانا جلّ ذكره يقول: علينا سلامه. فيطلب الرحمة من المفقود المعدوم
ويجحد الموجود الحاكم بذاته المنفرد عن مبدعاته، ولا يكون في الكفر أعظم من هذا، فصحّ عند الموحّد العارف بأنّ الشرك الذي لا يُغفر أبداً (هو): بأن يُشرك بين علي بن أبي طالب وبين مولانا جلّ ذكره، ويقول: علي مولانا الموجود، ومولانا هو علي، لا فرق بينهما، والكفر ما اعتقدهُ هذا الفاسق من العبادة في علي بن أبي طالب والجحود لمولانا جلّ ذكره).
وإلى جانب اتّهام حمزة بن علي النصيرية، باعتقادهم التناسخ، وعبادة علي بن أبي طالب، فقد اتّهمهم بأمورٍ أخلاقية تنال من سمعتهم وشرفهم، من ذلك: (إنّ النصيريين لا يُحرّمون القتل ولا السرقة، ولا الكذب ولا الافتراء، ولا الزنا حتى ولا اللواطة، ولا يحجب عريقو النصيرية نساءهم وبناتهم عن بعضهم، ولا يعبأون بكلّ ما يمكن حدوثه بين الرجال والنساء، وإلاّ فلا يكمل إيمانهم).
وكان هذا الاتّهام ردّاًَ على اتّهام النصيريين، القائلين بإلوهية الحاكم بأنّ (جميع ما حرّموه من القتل والسرقة والكذب والبهتان والزنا والفاحشة، فهو مطلق للعارف والعارفة)، ونحن لا نستطيع أن نطمئن إلى صحة اتّهامات كل واحدٍ منهما إلى الآخَر ؛ لأنّ الدافع إليها خلاف عقائدي شديد، فلا عجب إذاً أن يَصمَ كلٌ منهما الآخَر بأقبح وأشنع التّهم ؛ للحطّ من مقامه.
وأوّل مَن تنبّه إلى بطلان الاتّهامات التي كالَها حمزة بن علي إلى النصيرية، صاحبا (ولاية بيروت)، رفيق التميمي، ومحمد بهجت، إذ قالا: (لعلّ هذه الاتّهامات مختلَقة، إذ لا يُعثر في كتب النصيرية، ولا في أغانيهم أدنى إشارة تدلّ على صحتها، وقد أجمعَ كلّ مَن احتكّ بهذه الطائفة واختبرها أنْ لا صحة لوجود تلك الرذائل الأخلاقية فيهم، ولعلّ مؤلّف الرسالة الدامغة استهجنَ من النصيريين عدم الاحتجاب فضربَ أخماسه بأسداسه، وتشفّى منهم بهذه التّهمة المشينة).
وقد تناسى المؤرّخون كتاب النصيري، وتمسّكوا بكل ما جاء في رسالة حمزة التي ذاعت وانتشرت، وكانت نقطة الانطلاق لكلّ مَن يريد أن يطعن في أخلاقيات النصيرية.
ومن القدماء الذين أشاروا إلى شيء من عقائد النصيرية أيضاً، المعرّي في (اللزوميات)، بقوله:
يا آكِلَ التُفّاحِ لا تَبعَدَن |
وَلا يُقِم يَومُ رَدىً ثاكِلَك |
|
قالَ النُصَيريُّ وَما قُلتُهُ |
فَاِسمَع وَشَجِّع في الوَغى ناكَلَك |
|
قَد كُنتَ في دَهرِكَ تُفّاحَةً |
وَكانَ تُفّاحُكَ ذا آكِلَك |
|
وَحَرفَ هاجٍ لُحتَ فيما مَضى |
وَطالَما تَشكُلُهُ شاكَلَك |
وفي(رسالة الغفران) عند حديثه عن التناسخ، إذ قال: (وتؤدّي هذه النحلة إلى التناسخ، وهو مذهبٌ عتيقٌ يقول به أهل الهند، وقد كثر في جماعة من الشيعة، نسأل الله التوفيق والكفاية، وينشد لرجلٍ من النصيرية:
أعَجَبي أمنّا لصرف الليالي |
جعلتْ أختَنا سكينة قاره |
|
فازجري هذه السنانير عنها |
واتركيها وما تضمّ الغراره |
وقال آخَرٌ منهم:
تبارك الله كاشفَ المِحن |
فقد أرانا عجائب الزمن |
|
حمار شيبان شيخُ بلدتنا |
صيّره جارنا أبو السكن |
|
بدّل من مَشيته بحلته |
مَشيته في الحزام والرسن |
وهذه الأبيات - التي رواها المعرّي عن اثنين من النصيرية لم يسمِّهما - لا تعطينا أيّة فكرة عن مذهب النصيرية، وهي تفيد السخرية والدعابة لا أكثر.
وأوّل مَن تعرّض للحديث عن النصيرية - من كتّاب الفِرق - الشهرستاني في(الملل والنحل) ، وجميع الذين كَتبوا عن الفِرق الإسلامية من قَبله، وهم: ابن قتيبة (ت 276هـ)، النوبختي (ت: 288هـ)، الأشعري القمي (ت: 301هـ)، أحمد بن حمدان الرازي (ت 332هـ)، الأشعري (ت 324هـ)، البلخي (ت: 340هـ)، المسعودي (ت 346هـ)، الملطي (ت 377هـ)، البغدادي (ت: 429هـ)، لم يأتِ
أيٌ منهم على ذكر للنصيرية، والشهرستاني عندما تكلّم عن النصيرية، لم يتكلّم عنها لوحدها، وإنّما تكلّم عنها وعن الإسحاقية معاً، معتبراً إيّاهما فرقة واحدة، قال:
(النصيرية والإسحاقية من جملة غلاة الشيعة، ولهم جماعة ينصرون مذهبهم، ويذبّون عن أصحاب مقالاتهم، وبينهم خلافٌ في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة أهل البيت).
قالوا: ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمرٌ لا ينكره عاقل، أمّا في جانب الخير فكظهور جبريلعليهالسلام ببعض الأشخاص والتصوّر بصورة أعرابي، والتمثّل بصورة البشر، وأمّا في جانب الشر فكظهور الشيطان بصورة إنسان حتى يعمل الشرّ بصورته، وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلّم بلسانه.
فكذلك نقول: إنّ الله تعالى ظهرَ بصورة أشخاص، ولمـّا لم يكن بعد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) شخص أفضل من علي (رضي الله عنه) وبعده أولاده المخصوصون، وهُم خيرُ البريّة، فظهرَ الحقّ بصورتهم، ونطق بلسانهم، وأخذ بأيديهم، فعن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم، وإنّما أثبتنا الاختصاص لعليعليهالسلام دون غيره ؛ لأنّه كان مخصوصاً بتأييد إلهي من عند الله تعالى، فيما يتعلّق بباطن الأسرار.
قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (أنا أحكم بالظاهر والله يتولّى السرائر)، وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وقتال المنافقين إلى علي (رضي الله عنه)، ومن هذا شبّهه بعيسى بن مريمعليهالسلام فقال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (لولا أن يقولَ الناس فيكَ ما قالوا في عيسى بن مريم عليه السلام لقلتُ فيكَ مقالاً)، وربّما أثبتوا له شركة في الرسالة ؛ إذ قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (فيكم مَن يقاتل على تأويله، كما قاتلتُ على تنزيله، ألا وهو خاصف النعل).
فعِلم التأويل، وقتال المنافقين، ومكالمة الجن، وقلع باب خيبر لا بقوّة جسدانية، من أوّل الدليل على أنّ فيه جزءاً إلهياً وقوّة ربّانية، أو يكون هو الذي ظهرَ الإله بصورته وخلق بِيَده وأمر بلسانه. وعن هذا قالوا: كان هو موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، قال: (كنّا أظلّة على يمين العرش، فسبّحنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا)، فتلك الظِلال وتلك الصور التي تُنبئ عن الظِلال هي
حقيقته، وهي مشرقة بنور الربّ، إشراقاً لا ينفصل عنها، فسواء كانت في هذا العالَم أو في ذلك العالم، وعن هذا قال علي (رضي الله عنه): (أنا مِن أحمد كالضوء من الضوء، لا فرق بين النورين، إلاّ أنّ أحدهما سابقٌ، والثاني لاحقٌ به تالٍ له).
قالوا: وهذا يدلّ على نوع من الشركة، فالنصيرية أمْيَل إلى تقرير الجزء الإلهي، والإسحاقية أمْيَل إلى تقرير الشركة في النبوّة، ولهم اختلافات أُخرى لا نذكرها.
وقد نجزت الفِرق الإسلامية وما بقيت إلاّ فرقة الباطنية....).
وتستوقفنا في هذا النص الملاحظات التالية:
1 - لم يذكر الشهرستاني أسماء أصحاب مقالة النصيرية والإسحاقية، كما أنّه لم يَنسب أيّاً من الفرقتين إلى شخصٍ معيّن بالذات.
2 - ذكرَ للبيانية مقالة تشبه مقالة النصيرية شبهاً كاملاً، هي: (أتباع بيان بن سمعان التميمي، قال: حلّ في علي جزء إلهي، واتّحد بجسده، فبه كان يعلم الغيب ؛ إذ أخبرَ عن الملاحم وصحّ الخبر، وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر، وبه قلع باب خيبر، وعن هذا قال: (والله، ما قلعتُ باب خيبر بقوّة جسدانية، ولا بحركة غذائية، ولكن قلعته بقوّة رحمانية ملكوتية بنور ربّها مضيئة).
3 - إذا تأمّلنا قوله: (وقد نجزت الفِرق الإسلامية وما بقيت إلاّ فرقة الباطنية)، وقارنّاه بما ذكره عن الإسماعيلية (وأشهر ألقابهم الباطنية، وإنّما لزمَهم هذا اللقب لحُكمهم بأنّ لكلّ ظاهر باطناً، ولكلّ تنزيل تأويل، ولهُم ألقابٌ كثيرة، سوى هذه على لسان قوم قوم، فبالعراق يسمّون الباطنية، والقرامطة، والمزدكية، وبخراسان التعليمية، والملحدة...) تبيّن لنا أنّ النصيرية غير القرامطة والباطنية، وأنّه لا رابطة تجمع ما بينهم وبين هؤلاء.
4 - يُفهم من كلامه: أنّ مقالة الإسحاقية هي ذاتها مقالة النصيرية، والخلاف ما بينهما محصور فقط في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة أهل البيت، وأنّ النصيرية أمْيَل إلى تقرير الجزء الإلهي، بينما الإسحاقية
أمْيَل إلى تقرير الشركة في النبوّة.
لكنّه أوقَع نفسه في تناقضٍ كبير، حينما ذكر للإسحاقية مقالة تختلف تماماً مع ما تقدّم بيانه ؛ وذلك عند حديثه عن الكرامية، قال:
(أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام،... وهُم طوائف بَلَغ عددهم اثنتي عشرة فرقة، وأصولها ستة: العابدية، والتونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية، ولكلّ واحدٍ منهم رأي، إلاّ أنّه لمـّا لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين، بل عن سفهاء اغتام جاهلين، لم نفردها مذهباً، وأوردنا مذهب صاحب المقالة، وأشرنا إلى ما يتفرّع منه.
نصّ أبو عبد الله على أنّ معبوده على العرش استقراراً، وعلى أنّه بجهة فوق ذاتاً، وأطلقَ عليه اسم الجوهر، فقال في كتابه المسمّى عذاب القبر: إنّه أحَدي الذات، أحَدي الجوهر، وإنّه مماس للعرش من الصفحة العليا، وجوّز الانتقال، والتحوّل، والنزول،... وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه....
ومن مذهبهم جميعاً: جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى، ومن أصلهم: أنّ ما يحدث في ذاته فإنّما يحدث بقدرته، وما يحدث مبايناً لذاته فإنّما يحدث بواسطة الأحداث... ويفرّقون بين الخلق والمخلوق، والإيجاد والموجود والموجِد، وكذلك بين الإعدام والمعدوم.....
وزعموا أنّ في ذاته سبحانه حوادث كثيرة، مثل: الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، والكتب المنزلة على الرسلعليهمالسلام ، والقصص والوعد والوعيد والأحكام، ومن ذلك المـُسمعات والمـُبصرات فيما يجوز أن يُسمع ويُبصر، والإيجاد والإعدام هو القول والإرادة، وذلك قوله (كُن) للشيء الذي يريد كونه، وإرادته لوجود ذلك الشيء، وقوله للشيء كُن، صورتان.
وعلى قول الأكثرين منهم: الخلق عبارة عن القول والإرادة.
ومن أصلهم: أنّ الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء، حتى يستحيل عدمها.
ومن أصلهم: أنّ المـُحدث إنّما يحدث في ثاني حال ثبوت الأحداث بلا فصل، ولا أثَر للأحداث في حال بقائه.
ومن أصلهم: أن ما يحدث في ذاته من الأمر فمنقسم إلى أمر
التكوين، وإلى ما ليس أمر التكوين،..... وممّا أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولهم: الباري تعالى عالِم بعلم، قادر بقدرة، حيٌّ بحياة، شاءٍ بمشيئة، وجميع هذه الصفات صفات قديمة أزلية قائمة بذاته.
واتّفقوا على أنّ العقل يحسّن ويقبّح قبل الشرع، وتجب معرفة الله تعالى بالعقل.
وقالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب، ودون سائر الأعمال.
وقالوا في الإمامة: إنّها تثبت بإجماع الأمّة، دون النصّ والتعيين كما قال أهل السنّة، إلاّ أنّهم جوّزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين.
ومذهبهم الأصلي: اتّهام علي (رضي الله عنه) في الصبر على ما جرى مع عثمان (رضي الله عنه) والسكوت عنه، وذلك عرق نزع).
وإزاء هذا التناقض بتنا لا نعلم أيّ القولين هو الصحيح. وتزداد حيرتنا إذا عَلمنا أنّ كتّاب الفِرق، نقلوا عن الإسحاقية كلاماً يختلف جذرياً، عمّا أوردهُ الشهرستاني.
فالخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) يذكر(1) :
(سمعتُ أبا القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي يقول: إسحاق بن محمد بن أبان النخعي الأحمر كان خبيث المذهب، رديء الاعتقاد، يقول: إنّ علياً هو الله جلّ جلاله وأعز، قال: وكان أبرص، فكان يطلي البرص بما يُغيّر لونه فسمّي الأحمر لذلك، قال: وبالمدائن جماعة من الغلاة يُعرفون بالإسحاقية، يُنسبون إليه.
سألتُ بعض الشيعة ممّن يعرف مذاهبهم، ويخبر أحوال شيوخهم عن إسحاق، فقال: لي مثل ما قاله عبد الواحد بن علي سواء.
وقال: لإسحاق مصنّفات في المقالة المنسوبة إليه، التي يعتقدها الإسحاقية، ثمّ وقَع إليّ كتاب لأبي محمد الحسن بن يحيى النوبختي من تصنيفه، في الردّ على الغلاة، وكان النوبختي هذا من متكلّمي الشيعة الإمامية، فذكرَ أصناف مقالات الغلاة، إلى أن قال: وقد كان ممّن جوَّد الجنون في الغلو في عصرنا، إسحاق بن محمد المعروف بالأحمر، وكان ممّن يزعم
____________________
(1) المجلّد 6، ص380.
أنّ علياً هو الله، وأنّه يظهر في كلّ وقت، فهو الحسن في وقت الحسن، وكذلك هو الحسين، وهو واحد، وأنّه هو الذي بعثَ بمحمد (صلّى الله عليه وسلّم)، وقال في كتابٍ له: لو كانوا ألْفاً لكانوا واحداً.
وكان راوية للحديث، وعمل كتاباً ذَكر أنّه كتاب التوحيد، فجاء فيه بجنون وتخليط لا يتوهّمان، فضلاً مَن يدلّ عليهما، وكان ممّن يقول: باطن صلاة الظهر محمد (صلّى الله عليه وسلّم) ؛ لإظهاره الدعوة، قال: ولو كان باطنها هو هذه التي هي الركوع والسجود، لم يكن لقوله: ( إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر ) يعني أنّ النهي لا يكون إلاّ من حي قادر.
وعن الإسحاقية، قال ابن الجوزي في (تلبيس إبليس): (قالوا: إنّ النبوّة متّصلة إلى يوم القيامة، وكلّ مَن يعلم علم أهل البيت فهو نبي).
فخر الدين الرازي في(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين) ، يسمّي الإسحاقية (الإسجافية) ويقول عنها: (ويزعمون أنّ الله تعالى كان يحلّ في علي في بعض الأوقات، وفي اليوم الذي قلعَ علي باب خيبر كان الله تعالى قد حلّ فيه).
5 - ما تجدر الإشارة إليه: أنّ الشهرستاني كان يتلاعب في الأقوال، ويورد النصّ بصيغة بعيدة عن الحقيقة، مثال ذلك قوله: (عن هذا قالوا: كان هو موجوداً قبل خلق السموات والأرض، قال...)، بحيث يُفهم من صيغة هذا الكلام: أنّ قائله هو جماعة النصيرية أو الإسحاقية، مع أنّ الحقيقة خلاف ذلك، وعبارة (كان هو موجوداً قبل خلق السماوات والأرض)... ليست من كلام النصيرية أو الإسحاقية، وإنّما هي نصّ حديث شريف، جاء في كتاب(غاية المرام) للعلاّمة البحريني، عن(فرائد السمطين)، و(مسند أحمد)، و(فضائل الخوارزمي) ، و(مناقب الخطيب) أنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، قال: ( كنتُ أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى، قبل أن يخلق الخلق، فلمّا خلقَ آدم ركّبَ ذلك النور في صلبه، فلم يزل في شيء واحد حتى أفرق في صلب عبد المطلب).
وهو حديث مشهور ذكره المعري في قصيدته ذات المطلع:
علّلاني فإنّ بيضَ الأماني |
فنيتُ والزمان ليس بفانِ |
يقول:
أحَد الخمسة الذين هُم الأغراض |
في كلّ منطقٍ والمعاني |
|
والشخوص الذين خَلقن ضياء |
قبل خلق المِرّيخ والميزان |
|
قبل أن تُخلق السماوات أو تؤمر |
أفلاكهنّ بالدوران ... |
هذا التلاعب في الأقوال من قِبَل الشهرستاني، يجعلنا نتساءل: هل كان الشهرستاني يختلق الأقوال ويحرِّفها؟ لا نستبعد ذلك، وهو على كلّ حال متّهم في عقيدته، وفي نزاهته، وفي أمانته العلمية.
يقول معاصره أبو محمد الخوارزمي: (ولولا تخبّطه في الاعتقاد، ومَيله إلى هذا الإلحاد لكانَ هو الإمام، وكثيراً ما كنّا نتعجّب من وفور فضله وكمال عقله، وكيف مالَ إلى شيء لا أصل له، واختارَ أمراً لا دليل عليه لا معقولاً ولا منقولاً، ونعوذ بالله من الخذلان والحرمان من نور الإيمان)(1) ، ومثل هذا الكلام عن الشهرستاني يروي السبكي في(طبقات الشافعية) .
ويذكر ظهير الدين البيهقي في(تاريخ حكماء الإسلام): إنّ الشهرستاني كان يصنّف تفسيراً ويؤّول الآيات على قوانين الشريعة والحكمة وغيرها، فلمّا قيل له: هذا عدول عن الصواب، امتلأَ من ذلك غضباً.
وكان ممّن جرَحوا الشهرستاني أيضاً، عبد الحسين أحمد الأميني في (الغدير)، الذي سجّلَ عليه كثيراً من المآخذ والسقطات ؛ وذلك في تعليقه على قول الشهرستاني: (اختلفَ الشيعة بعد موت علي بن محمد العسكري أيضاً، فقال قوم: بإمامة جعفر بن علي، وقال قوم: بإمامة الحسن بن علي، وكان لهم رئيس يقال له علي بن فلان الطاحن، وكان من أهل الكلام، قوّى أسباب جعفر بن علي،
____________________
(1) ياقوت الحموي: معجم البلدان، مادة شهرستان.
وأمالَ الناس إليه، وأعانه فارس بن حاتم بن ماهويه ؛ وذلك أنّ محمداً قد مات، وخلّف الحسن العسكري، قالوا: امتحنّا الحسن ولم نَجِد عنده عِلماً، ولقّبوا مَن قال بإمامة الحسن الحمارية، وقوّوا أمر جعفر بعد موت الحسن، واحتجّوا بأنّ الحسين مات بلا خلف، فبطلت إمامته ؛ لأنّه لم يعقّب، والإمام لا يكون إلاّ ويكونَ له خلفٌ وعَقب، وحاز جعفر ميراث الحسن بعد دعوةٍ ادّعاها عليه، أنّه فعلَ ذلك من صلب جواريه وغيره، وانكشفَ أمرهم عند السلطان والرعية وخواصّ الناس وعوامّهم، وتشتّتت كلمة مَن قال بإمامة الحسن، وتفرّقوا أصنافاً كثيرة، فثبتت هذه الفرقة على إمامة جعفر، ورجع إليهم كثير ممّن قال بإمامة الحسن، منهم الحسن بن علي بن فضّال، وهو من أجَلّ أصحابهم وفقهائهم، كثير الفقه والحديث، ثمّ قالوا بعد جعفر، بعلي بن جعفر، وفاطمة بنت علي أخت جعفر، وقال قومٌ: بإمامة علي بن جعفر دون فاطمة السيدة، ثمّ اختلفوا بعد موت علي وفاطمة اختلافاً كثيراً).
فكان ردّ الأميني على هذا الكلام: (ليتَ شِعري متى وقعَ الخلاف في الإمامة بين الإمام الحسن العسكريعليهالسلام ، وبين أخيه جعفر، الذي ادّعى الإمامة بعد وفاة أخيه؟ ومَن هو علي بن فلان الطاحن، الذي قوّى أسباب جعفر، وأمالَ الناس إليه؟! ومتى خُلق؟! ومتى مات؟ ولستُ أدري أي هي بن بي هو؟ وهل وجَد لنفسه مقيلاً في مستوى الوجود؟
أنا لا أدري والشهرستاني لا يدري والمنجّم أيضاً لا يدري، وكيف أعانَ جعفراً فارس بن حاتم بن ماهويه، وقد قتلهُ جنيد بأمر والده الإمام علي الهاديعليهالسلام ، ومَن هو محمد الذي خَلف الإمام الحسن العسكري؟! أهو الإمام محمد الجواد؟! ولم يَخلف إلاّ ابنه الإمام الهادي سلام الله عليه، أو هو أبو جعفر محمد بن علي صاحب البقعة المعظّمة بمقربة بلد، وقد مات بحياة أبيه الطاهر والإمامة مستقرّة لوالده، ومتى كان إماماً أو مدّعياً الإمامة حتى يخلف غيره عليها؟! ومَن هؤلاء الذين امتحنوا الحسن الزكي العسكري فلم يجدوا عنده عِلماً؟! ثمّ وجدوه في جعفر، الذي لم يُعرف عنه شيء غير أنّه ادّعى الإمامة باطلاً بعد أخيه؟!
وقصارى ما عندنا: أنّه أدرَكته التوبة، ولم يوجد له ذكر بعلم أو ترجمة في أيّ من الكتب، ولا نَشرت عنه كتب الأحاديث شيئاً من علومه المدّعاة له عند الشهرستاني، لو صدقت الأوهام، وهذا الحسن العسكريعليهالسلام تجده في التراجم والمعاجم من الفريقين مذكوراً بالعلم والثقة، وملأ كتب العلم والحديث تعاليمه ومعارفه، ومَن هُم الذين لقّبوا أتباع الحسنعليهالسلام بالحمارية؟!
نعم، أهل بيت النبوّة محسودون في كل وقت، فكان يحصل لكلّ منهم في وقته مَن يسبّه حسداً، ويسبّ أتباعه، لكن لا يذهب لقباً له أو لأشياعه، وإنّما يتدهور في مهوى الضعة.
ومتى كان الحسن بن علي بن فضّال في عهد الإمام الحسن العسكري؟! حتى يرجع عنه جعفر إلى جعفر، وقد توفّي ابن فضّال سنة 221 ونطفة الحسن وجعفر بعدُ لم تنعقد، وقبل أن يبلغ الحُلم والدهما الطاهر الإمام الهادي المتولّد سنة 212هـ، ومَن ذا الذي ذَكر للإمام الهادي بنتاً اسمها فاطمة؟! حتى يقولَ أحدٌ بإمامتها ؛ فإنّ الإمامعليهالسلام لم يُخلّف من الذكور إلاّ الحسن والحسين وجعفراً، ومن الإناث إلاّ عليّة، باتّفاق المؤرّخين).
ومهما يكن من أمر، فإنّ لظهور الروحاني بالجسد الجسماني، أدلّة كثيرة في الكتاب والسنّة، قال تعالى في سورة مريم:( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بِالرّحْمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً... ) .
وفي السنّة عن عمر (رحمه الله)، قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) ذات يوم، إذ طلعَ علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منّا أحد، حتى جلسَ إلى النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فأسندَ ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبِرني عن الإسلام؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن
استطعتَ إليه سبيلاً) قال: صدقتَ. فعجبنا له، يسأله ويصدّقه!.
قال: فأخبِرني عن الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبهُ ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه).
قال: صدقتَ.
قال: فأخبِرني عن الإحسان؟
قال: (أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك).
قال: فأخبِرني عن الساعة؟
قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
قال: فأخبِرني عن إماراتها؟
قال: (أن تلد الأمَة ربّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).
ثمّ انطلقَ، فلبثتُ مليّاً، ثمّ قال: (يا عمر، أتدري مَن السائل؟)، قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنّه جبريل، أتاكم يعلّمكم دينكم) (رواه مسلم، متن الأربعين النووية، الحديث الثاني).
فنحن إذاً لا نستطيع أن نُنزّل كلام الشهرستاني منزلة اليقين ونعطيه الحجّية المطلقة، وعلينا أن نتعامل معه بمنتهى الحذر، وأن نضعه في غربال التدقيق والتمحيص. ومع ذلك، فإنّ ما كُتب عن النصيرية في مرحلة ما بعد الشهرستاني لا يتلاقى مع ما كَتبه الشهرستاني، ولا في نقطةٍ واحدة، مثال ذلك: ما رواه ابن الأثير في (الكامل) عند حديثه عن الشلمغاني ومذهبه، قال(1) : (وكان مذهبهُ أنّه إله الآلهة، يحقّ الحقّ. وأنّه الأوّل القديم الظاهر الباطن الرازق التام، الموما إليه بكلّ معنى. وكان يقول: إنّ الله سبحانه وتعالى يحلّ في كل شيء على قدر ما يحتمل، وإنّه خلقَ الضدّ ليدلّ على المضدود، فمِن ذلك أنّه حلّ في آدم لمـّا خلقهُ، وفي إبليسه أيضاً، وكلاهما ضدّ لصاحبه ؛ لمضادّته إيّاه في معناه، وأنّ الدليل على الحقّ أفضل من الحق، وأنّ الضد أقرب الشيء من شبهه، وأنّ الله عزّ وجل إذا حلّ في جسد ناسوتي ظهرَ من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو، وأنّه لمـّا غابَ آدم ظهرَ اللاهوت في خمسة ناسوتية، كلمّا غابَ منهم واحد ظهرَ مكانه آخَر. وفي
____________________
(1) حوادث سنة 322هـ.
خمسة أبالسة أضداد لتلك الخمسة. ثمّ اجتمعت اللاهوتية في إدريس وإبليسه، وتفرّقت بعدهما، كما تفرّقت بعد آدم. واجتمعت في نوحعليهالسلام وإبليسه، وتفرّقت عند غيبتهما. واجتمعت في إبراهيمعليهالسلام وإبليسه نمرود، وتفرّقت لمـّا غابا. واجتمعت في هارون وإبليسه فرعون، وتفرّقت بعدهما. واجتمعت في سليمان وإبليسه، وتفرّقت بعدهما. واجتمعت في عيسى وإبليسه، فلمّا غابا تفرّقت في تلامذة عيسى وأبالستهم. ثمّ اجتمعت في علي بن أبي طالب وإبليسه.
ثمّ إنّ الله يظهر في كلّ شيء، وكلّ معنى، وإنّه في كلِ أحَد، بالخاطر الذي يخطر بقلبه، فيتصوّر له ما يغيب عنه، حتى كأنّه يشاهده. وإنّ الله اسم لمعنى، وإنّ مَن احتاج الناس إليه فهو إله ؛ ولهذا المعنى يستوجب كل أحَد أن يسمّى إلهاً. وإنّ كل أحَد من أشياعه يقول: إنّه ربّ لِمَن هو دون درجته، وإنّ الرجلَ منهم يقول: أنا ربٌّ لفلان، وفلان ربٌّ لفلان، وفلان ربُّ ربّي، حتى يقع الانتهاء إلى ابن أبي القراقر، فيقول: أنا ربُّ الأرباب، لا ربوبية بعده، ولا يُنسب الحسن والحسين (رضي الله عنهما) إلى علي (كرم الله وجهه) ؛ لأنّ مَن اجتمعت له الربوبية لا يكون له ولَد ولا والد.
وكانوا يسمّون موسى ومحمداً (صلّى الله عليه وسلّم) الخائنين ؛ لأنّهم يدّعون أنّ هارون أرسلَ موسى، وعلياً أرسلَ محمداً، فخاناهما.
ويزعمون أنّ علياً أمهلَ محمداً عدد سِنين أصحاب الكهف، فإذا انقضت هذه المدّة - وهي ثلاثمئة وخمسون سنة - انتقلت الشريعة، ويقولون: إنّ الملائكة كلّ مَن مَلَك نفسه وعرفَ الحق، وإنّ الجنة مَعرفتهم وانتحال مذهبهم، والنار الجهل بهم والعدول عن مذهبهم.
ويعتقدون تَرك الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات، ولا يتناكحون بعقدٍ، ويبيحون الفروج، ويقولون: أن يمتحنَ الناس بإباحة فروج نسائهم، وإنّه يجوز أن يجامع الإنسان مَن يشاء من ذوي رحمه، وحَرَم صديقه وابنه، بعد أن يكون على مذهبه، وأن لابدّ للفاضل منهم أن ينكح المفضول ؛ ليولج النور فيه، ومَن امتنعَ عن ذلك قُلب في الدَّور الذي يأتي بعدَ هذا العالَم امرأة ؛ إذ كان من مذهبهم التناسخ.
وكانوا يعتقدون إهلاك الطالبيين والعباسيين (تعالى الله عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً)، وما أشبه هذه المقالة بمقالة النصيرية، ولعلّها هي هي ؛ فإنّ النصيرية يعتقدون في ابن
الفرات ويجعلونه رأساً في مذهبهم...).
وإذا كان ابن الأثير شبّه مقالة الشلمغاني بمقالة النصيرية، وصرّح: (لعلّها هي هي) ؛ فإنّ الحقيقة خلاف ما يزعمه، والأدلّة على ذلك كثيرة، منها:
1 - الشلمغاني مات قتلاً سنة 322هـ، واصطلاح النصيرية - كما رأينا - ظهرَ لأوّل مرّة في مطلع المئة الرابعة.
2 - ياقوت الحموي - الذي نقلَ ابن الأثير عنه - لم يقُل: إنّ مقالة الشلمغاني تشبه مقالة النصيرية، ولم ترد على لسانه كلمة نصيرية(1) .
وكذلك فإنّ جميع المؤرّخين الذين كتبوا عن الشلمغاني: كالمسعودي (ت 345هـ)، وابن النديم (ت 385هـ)، والبغدادي (ت 429هـ)، والأسفرايني (ت 471هـ)، وابن الجوزي (ت 597هـ)، والحموي (ت 626هـ)، وابن خلّكان (ت 681هـ)، وأبي الفداء (ت 732هـ)، واليافعي اليمني (ت 768هـ)، والسيوطي (ت 911هـ)، وابن العماد (ت 1089هـ)، والمؤلّف المجهول، لم يقُل أيّ منهم: إنّ مقالة الشلمغاني تشبه مقالة النصيرية، ومنهم مَن جاء قبل ابن الأثير، ومنهم بعده.
3 - ما وردنا من أخبار عن مقالة النصيرية على لسان الشهرستاني، لا يأتلف مع ما ذكره ابن الأثير.
4 - ثمّة أقوال أوردها ابن الأثير على أنّها من مذهب الشلمغاني، قرأناها في كتب الفِرق منسوبة إلى القرامطة، كالقول بالتناسخ وإباحة نساء بعضهم لبعض، والقول بالناسوت في اللاهوت، وإسقاط فرائض العبادات.
يقول الملطي في(التنبيه والرد) عن القرامطة: (وقومٌ منهم يقولون
____________________
(1) إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب: الجزء الأوّل، ص (296) تحت عنوان (إبراهيم بن أبي عون).
بتناسخ الروح، وهم يقولون: بالناسوت في اللاهوت، على قول النصارى سواء، وزعموا أنّ نساء بعضهم حلال لبعض، وكذلك أولادهم وأبدانهم، مباحة من بعضهم لبعض، لا تحظير بينهم ولا منع...).
وفي كُتب الفِرق: أنّ فرقة المخمِّسة هي التي تقول: إنّ الله حلّ في خمسة أشخاص.
وذكرَ البغدادي في (الفَرق بين الفِرق) عند حديثه عن الشريعية: أنّ الشريعي هو الذي زعمَ أنّ الله تعالى حلّ في خمسة أشخاص، وهُم: النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وزعموا أنّ هؤلاء الخمسة آلهة، ولها أضداد خمسة.
ولم يقُل أيُّ أحدٍ من كتّاب الفِرق: إنّ المخمسة، أو الشريعية هي النصيرية، أو أنّ مقالتها تشبه مقالة النصيرية.
5 - على رأي الشلمغاني، كما ذكرَ ابن الأثير: يوجد أربابٌ عديدون على شكلٍ هَرَمي، رأسه الشلمغاني (ربّ الأرباب، لا ربوبية بعده)، بينما مقالة النصيرية - كما ذكرَ الشهرستاني -: أنّ في عليعليهالسلام جزءٌ إلهي وقوةٌ ربّانية، أو يكون هو الذي ظهرَ الإله بصورته.
6 - ولنا أن نتساءل: مَن هو (ابن الفرات) الذي قال ابن الأثير: إنّ النصيرية يعتقدون فيه، ويجعلونه رأساً في مذهبهم، وما مقام هذا الكلام هنا؟!
ابن الأثير لم يُصرّح باسمه، وكُتب التاريخ ذكرتْ لنا أسماءً كثيرةً من بني الفرات، منهم: علي بن محمد بن موسى بن الفرات وزير المقتدر، وأسد بن الفرات فاتح صقلية، وإسحاق بن الفرات قاضي ديار مصر، وجعفر بن الفضل بن الفرات، والفضل بن جعفر بن موسى بن الفرات، وأحمد بن الفرات، والمحسن بن فرات، ووثيمة بن الفرات، وعمر بن الفرات.
وكتّاب الفِرق ذَكروا اثنين من بني الفرات:
الأوّل : هو عمر بن الفرات، والفرقة التي تُنسب إليه تسمّى بالعمرية، على ما يذكر الحافظ رجب البرسي
في(مشارق أنوار اليقين) . والثاني : هو محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات، الذي كان يقوّي أسباب النميري، على ما روى النوبختي في(فِرق الشيعة) .
ويميل ذهننا إلى الظنّ بأنّ المقصود هو علي بن محمد بن موسى بن الفرات، وزير المقتدر ؛ لأنّ ابن الأثير في أخبار سنة اثنتي عشرة وثلاثمئة - عند ذكره اعتراض أبي طاهر القرمطي الحاج في طريق مكّة - قال: (انقلبت بغداد واجتمعَ حرم المأخوذين إلى حرم المنكوبين، الذين نكبهم ابن الفرات، وجعلنَ ينادين: القرمطي الصغير أبو طاهر قَتل المسلمين في طريق مكّة، والقرمطي الكبير ابن الفرات قَتل المسلمين ببغداد،... فقال له نصر الحاجب: ومَن الذي سَلّم الناس إلى القرمطي غيرك ؛ لِمَا يجمع بينكما من التشيّع والرفض).
7 - وأخيراً نشير إلى أنّ البغدادي في(الفَرق بين الفِرق) أطلقَ على الفرقة التي تُنسب إلى الشلمغاني، اسم العذاقرية، وذكرها مرّتين: مرّة عند حديثه عن مذاهب المشبّهة وأصنافهم، ومرّة ثانية عند ذكر أصناف الحلولية، وفي المرّتين لم يذكر أنّ مقالة الشلمغاني أو العذاقرية، تشبه مقالة النصيرية، ولم يشِر إلى وجود أيّة صلة ما بين العذاقرية والنصيرية.
ما دام الأمر كذلك، لماذا شبّه ابن الأثير مقالة الشلمغاني بمقالة النصيرية، واعتبرها هي نفسها؟!
الجواب برأينا ؛ لأنّ الشلمغاني اتُّهم بالرفض، وهذا ما يُفهم من أقوال المؤرّخين: (أظهر الرفض)، و(دعا إلى الرفض)، و(إنّ زعيم الرافضة الحسين بن روح أظهرَ شأنه)، وكذلك لِمَا نُقل عنه من قول: (إنّ الله عزّ وجل إذا حلّ في هيكل ناسوتي أظهرَ من القدرة والمعجزة ما يدلّ على أنّه هو).
***
[تغيُّر وتبدُّل أقوال النصيرية بحسب مؤرِّخي الفِرق:
أ - فتواى ابن تيميَّة. ]
وممّا يسترعي الانتباه: أنّه كلمّا تقدّمنا في الزمن، وجَدنا أقوال النصيرية تتغيّر وتتبدّل عند كتّاب الفِرق والمؤرّخين، بحيث تختلف هذه
الأقوال عن بعضها البعض، من واحدٍ إلى آخَر، ومن عصرٍ إلى عصر، فبتنا - من خلال ركام الأقوال - لا نعرف على وجه الدقّة، ماهية أقوال النصيرية، إذ لم يعُد ينطبق قولٌ على قول، وما يقوله الأوّل، لا يقوله الثاني أو الثالث، وأكبر مثال على ذلك: ما جاء في كتاب(مجموع الفتاوى) لابن تيمية، المتوفّى سنة 728هـ، جواباً على سؤالٍ موجّه إليه حول النصيرية، ونصّ السؤال هو:
(409 مسألة في النصيرية القائلين: باستحلال الخمر، وتناسخ الأرواح، وقِدَم العالَم، وإنكار وجود البعث والنشور والجنّة والنار في غير الحياة، وبأنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء، وهي: علي، وحسن، وحسين، ومحسن، وفاطمة، فذِكر هذه الأسماء الخمسة يجزئهم عن الغسل من الجنابة والوضوء، وبقية شروط الصلوات الخمس وواجباتها.
وبأنّ الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلاً وثلاثين امرأة، يعدّونهم في كُتبهم، ويضيق هذا الموضع عن إيرادهم، وأنّ الذي خلقَ السماوات والأرض هو علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فهو عندهم الإله في السماء والإمام في الأرض، فكانت الحكمة في ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أنّه يواسي خَلقه وعبيده، ويعلّمهم كيف يعبدونه، وبأنّ النصيري عندهم لا يصير نصيرياً مؤمناً، يجالسونه ويشربون معه، ويطلعونه على أسرارهم، ويزوّجونه من نسائهم، حتى يخاطبه معلّمه، وحقيقة الخطاب عندهم: أن يحلّفوه على كتمان دينه، ومعرفة مشايخه وأكابر أهل مذهبه، وأن لا ينصح مسلماً ولا غيره، إلاّ مَن كان من أهل دينه، وعلى أن يعرف إمامه دونه بظهوره في أكواره وأدواره، فيعرف انتقال الاسم والمعنى في كلِ حينٍ وزمان، فالاسم عندهم في أوّل القياس آدم، والمعنى شيث، والاسم هو يعقوب، والمعنى هو يوسف، ويستدلّون على هذه الصورة كما يزعمون بها في القرآن العزيز، حكاية عن يعقوب ويوسفعليهماالسلام فيقولون:
أمّا يعقوب فإنّه كان الاسم، فما قَدر أن يجاوز منزلته، فقال: سوف أستغفر لكم ربّي إنّه هو الغفور الرحيم، وأمّا يوسف فكان هو المعنى المطلوب، فقال: لا تثريب عليكم اليوم، فلم يعلّق الأمر بغيره ؛ لأنّه عَلم أنّه هو الإله المتصرّف، ويجعلون موسى هو الاسم، ويوشع هو المعنى، ويقولون:
يوشع رُدّت له الشمس لمـّا أمرها، فأطاعت أمره، وهل تردّ الشمس إلاّ لربّها؟
ويجعلون سليمان هو الاسم، وآصف المعنى، ويقولون: سليمان عجزَ عن إحضار عرش بلقيس، وقَدر عليه آصف ؛ لأنّ سليمان كان الصورة، وآصف كان المعنى القادر المقتدر.
ويعدّون الأنبياء والمرسلين واحداً واحداً على هذا النمط إلى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، فيقولون: محمد هو الاسم، وعلي هو المعنى، ويوصِلون العدد على هذا الترتيب في كل زمانٍ إلى وقتنا هذا.
ومن حقيقة الخطاب والدين عندهم: أن يُعلم أنّ علياً هو الربّ، ومحمد هو الحجاب، وسلمان هو الباب ؛ فإنّ ذلك على الترتيب لم يزَل ولا يزال، وكذلك الخمسة الأيتام والاثنا عشر نقيباً، وأسماؤهم معروفة عندهم في كُتبهم الخبيثة، فهُم لا يزالون يظهرون مع الربّ والحجاب والباب في كلّ كورٍ ودور أبداً سرمداً، وإنّ أبلس الأبالسة عمر بن الخطّاب، واثنين في رتبة الإبليسية أبو بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعهم ونزّههم، وأعلى رتبهم على أقوال الملحدين وانتحال الغالين المفسدين، فلا يزالون في كلّ وقت موجودين حسبما ذكر، ولمذاهبهم الفاسدة سعة وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول.
وهذه الطائفة الملعونة استولَت على جانبٍ كبيرٍ من الشام، فهُم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب، وقد حقّق أحوالهم كلُّ مَن خالَطهم، وعَرفهم من عقلاء المسلمين، وعامّة الناس أيضاً في هذا الزمان ؛ لأنّ أحوالهم كانت مستورة عن كثيرٍ من الناس، وقت استيلاء الإفرنج المخذولين على البلاد الساحلية، فلمّا كانت أيّام الإسلام، انكشفت حالهم، وكَثر ضَلالهم، والابتلاء بهم كثيراً جداً، فهل يَجوز للمسلم أن يُزّوجهم، أو يتزوّج منهم؟ وهل يحلّ لهم أكل ذبائحهم والحالة هذه، وأكلَ الجبن المعمول من ذبيحتهم؟ وما حُكم أوانيهم وملابسهم؟ ولا يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا؟ وهل يجوز استخدامهم في ثغور المسلمين وتسليمها إليهم، أم يجب على ولي الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من الرجال المسلمين الأكفّاء؟ وهل يأثم إذا أصرّ على طردهم، أم يجوز له التمهّل؟ مع أنّ في عزمه ذلك، فإذا استخدَمهم ثمّ قطعهم، أو لم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المسلمين عليهم؟ وإذا صرفها وتأخّر لبعضهم بقية من معلومه المسمّى فأخّره ولي الأمر عنه، وصرفهُ على
غيره من المسلمين أو المستحقّين، أو أرصدهُ لذلك هل يجوز له مثل هذه الصور، أم يجب عليه؟ وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة، وأموالهم فيء حلال أم لا؟ وإذا جاهدهم ولي الأمر باحتمال باطلهم وقطعهم عن حصون المسلمين، وتحذير أهل الإسلام من مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، وأمرهم بالصوم والصلاة، ومنعهم من إظهار دينهم الباطل، وهُم يلونه من الكفار، هل ذلك أفضل وأكثر أجراً من التصدّي والترصّد لقتال التتار في بلادهم، وهُم بلاد سيبس وبلاد الإفرنج على أهلها، أم هذا أفضل؟ وهل يُعدّ مجاهد النصيرية المذكورين مرابطاً، ويكون أجره كأجر المرابط في الثغور على ساحل البحر، خشية قصد الإفرنج، أم هذا أكثر أجراً؟ وهل يجب على مَن عَرف لمذكورين ومذاهبهم أن يشهد أمرَهم، ويساعدهم على إبطال باطلهم، وإظهار الإسلام، ولعلّ الله تعالى أن يجعل ذرّيتهم وأولادهم مسلمين، أم يجوز له التغافل والإهمال؟ وما أجر المجتهد في ذلك، والمجاهد فيه والمرابط له والعازم عليه؟ وأبسطوا القول في ذلك مثابين).
الجواب:
(الحمد لله، هؤلاء القوم الموصوفون المسمّون بالنصيرية، وسائر أصناف القرامطة الباطنية، أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثيرٍ من المشركين، ضررهم على أمّة محمد (صلّى الله عليه وسلّم) أعظم ضرراً من الكفار المحاربين، مثل: كفار الترك والإفرنج، وغيرهم ؛ فإنّ هؤلاء يتظاهرون عند جهّال المسلمين بالتشيّع وموالاة أهل البيت، وهُم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه، ولا بأمرٍ ولا نهيٍ، ولا ثوابٍ ولا عقابٍ، ولا جنةٍ ولا نارٍ، ولا بأحدٍ من المرسلين مثل محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، ولا بملّةٍ من الملل السالفة، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند المسلمين يتأوّلونه على أمورٍ يغيّرونها، ويدّعون أنّها من علم الباطن، من جنس ما ذكره السائل، ومن غير هذا الجنس، فإنّهم ليس لهُم حدٌّ محدود، فيما يدّعونه من الاتّحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، إذ مقصودهم إنكار الإيمان وشرائع الإسلام
بكلّ طريق مع الباطن، بأنّ لهذه الأمور حقائقٌ يعرفونها من جنس ما ذكر السائل، ومن جنس قولهم: إنّ الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، والصيام المفروض كتمان أسرارهم، وحجّ البيت العتيق زيارة شيوخهم، وأنّ يدا أبي لهب: أبي بكرٍ وعمر، وأنّ النبأ العظيم والإمام المـُبين: علي بن أبي طالب، ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائعٌ مشهورة، وكُتب مصنّفة، وإذا كانت لهم أمكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا الحجّاج وألقوه في زمزم، وأخذوا مرّة الحجر الأسود فبقي معهم مدّة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم مَن لا يحصي عدده إلاّ الله، وصنّفوا كُتباً كثيرة، فيها ما ذكره السائل وغيره، وصنّف علماء المسلمين كُتباً في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبيّنوا فيها ما هُم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد، الذين هُم فيه أكفر من اليهود والنصارى، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام، وما ذكره السائل في وصفهم قليلٌ من الكثير الذي يعرفه العلماء من وصفهم.
ومن المعلوم عندهم أنّ السواحل الشاميّة إنّما استولَت عليها النصارى من جهتهم، وهُم دائماً مع كلّ عدوٍ للمسلمين، فهُم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم فتح المسلمين للساحل وانقهار النصارى، بل ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار، ومن أعظم أعيادهم إذا استولى - والعياذ بالله - النصارى على ثغور المسلمين ؛ فإنّ ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين حتى جزيرة قبرص، فتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، فتحها معاوية بن أبي سفيان في أثناء المئة الرابعة ؛ فإنّ هؤلاء العادين لله ورسوله كثروا حينئذٍ بالسواحل وغيرها، واستولى النصارى على الساحل وبسببهم استولوا على القدس وغيره، فإنّ أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك.
ثمّ لمـّا أقامَ الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله: كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين وأتباعهما، وفتحوا السواحل من النصارى، وممّن كان بها منهم، وفتحوا أيضاً أرض مصر ؛ فإنّهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة، واتّفقوا هُم والنصارى، فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالبلاد المصرية والشاميّة.
ثمّ إنّ التتار إنّما
دخلوا ديار الإسلام، وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك المسلمين بمعاونتهم ومؤازرتهم ؛ فإنّ منجّم هلاوون - الذي كان وزيره النصير الطوسي - كان وزيراً لهُم، وهو الذي أمرهُ بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء.
ولهُم ألقابٌ معروفة عند المسلمين: تارة يسمّون الملاحدة، وتارةً يسمّون القرامطة، وتارةً يسمّون الباطنية، وتارةً الإسماعيلية، وتارةً يسمّون النصيرية، وتارةً يسمّون الحرمية، وتارةً يسمّون المحمرة، وهذه الأسماء منها ما يعمّهم، ومنها ما يخصّ بعض أصنافهم، كما أنّ اسم الإسلام والإيمان يعمّ المسلمين.
ولبعضهم اسم يخصّهم، إمّا لسببٍ، وإمّا لمذهبٍ، وإمّا لبلدٍ، وإمّا لغير ذلك، وشرح مقاصده يطول كما قال العلماء، فهُم ظاهر مذهبهم الرفض، وباطنه الكفر المحض.
وحقيقة أمرِهم: أنّهم لا يؤمنون بشيء من الأنبياء والمرسلين، لا بنوحٍ، ولا بإبراهيم، ولا موسى، ولا عيسى، ولا بشيء من كُتب الله المنزلة، لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يعتقدون أنّ للعالَم خالقاً خَلقه، ولا بأنّ له ديناً أمَر به، ولا بأنّ له داراً يجزي الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار، وهُم تارةً يبنون قولهم على مذهب المتفلسفة الطبيعيين، وتارةً يبنونها على قول المجوس الذين يعبدون النور، ويصبون إلى ذلك الرفض، ويحتجّون لذلك من كلام النبوّات، إمّا بلفظٍ مكذوب، ينقلونه كما ينقلون عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أنّه قال:(أوّل ما خلقَ الله العقل) ، والحديث موضوع باتّفاق أهل العلم بالحديث، ولفظه:(أوّل ما خلقَ الله العقل، فقال: أقبِل، فأقبلَ، فقال له: أدبِر فأدبَر) ، فيصحّحون لفظه ويقولون: أوّل ما خلقَ الله العقل ؛ ليوافق قول المتفلسفة، أتباع أرسطو، في قوله: أوّل الصادرات عن واجب الوجود هو العقل.
وإمّا بلفظٍ ثابتٍ عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فيُحرّفونه عن مواضعه، كما يفعل أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ؛ فإنّهم من أئمتهم، وقد دخلَ كثير من باطلهم على كثير من المسلمين، وراجَ عليهم، حتى صار في كُتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين، وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم ؛ فإنّ هؤلاء لهُم في إظهار دعوتهم الملعونة - التي يسمّونها الدعوة الهادية - درجات متعدّدة، ويسمّون: النهاية، البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم، ومضمون البلاغ الأكبر، جحد الخالق والاستهزاء به، وبمَن يقرّ به، حتى يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رِجله، وفيه أيضاً جحد شرائعه
ودينه، وجحد ما جاء به الأنبياء، ودعوى بأنّهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة، فمنهم مَن أحسن في طلبها، ومنهم مَن أساء في طلبها حتى قُتل، ويجعلون محمداً وموسى في القسم الأوّل، ويجعلون المسيح في القسم الثاني، وفيها من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ومن تحليل نكاح ذوي المحارم وسائر الفواحش ما يطول وصفه.
ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضاً، وهُم إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يُخفون على مَن لا يعرفهم، وأمّا إذا كثروا فإنّه يعرفهم عامّة الناس، فضلاً عن خاصّتهم، وقد اتّفق علماء المسلمين على أنّ مثل هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح موليته منهم، ولا يتزوّج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم.
وأمّا الجبن المعمول بأنفحتهم، ففيه قولان مشهوران للعلماء: كسائر أنفحة الميتة، وكأنفحة ذبيحة المجوس، الذين يقال عنهم: إنّهم يذكّون، فمذهب أبو حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنّه يحلّ هذا الجبن ؛ لأنّ أنفحة الميتة على هذا القول لا تموت بموت البهيمة، وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا تنجس، ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية الأخرى أنّ الجبن نجس ؛ لأنّ الأنفحة عند هؤلاء نجسة ؛ لأنّ لبن الميتة وأنفحتها عندهم نجس، ومَن لا تؤكل ذبيحتهم، فذبيحته كالميتة، وكلٌ من أصحاب القولين، يحتجّ بآثار ينقلها عن الصحابة، فأصحاب القول الأوّل: نقلوا أنّهم أكَلوا جبن المجوس، وأصحاب القول الثاني: نقلوا أنّهم إنّما أكَلوا ما كانوا يظنّونه من جبن النصارى، فهذه مسألة اجتهاد، للمقلّد أن يقلّد مَن يفتي بأحد القولين.
وأمّا أوانيهم وملابسهم، فكأواني المجوس، على ما عُرف من مذاهب الأئمة، ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، ولا يصلّى عليهم ؛ فإنّ الله نهى عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أُبيّ ونحوه، وكانوا يتظاهرون بالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد مع المسلمين، لا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام، لكن يُسرّون ذلك، فقال تعالى:( وَلاَ تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ) ، فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق، لا يظهرون إلاّ الكفر والإلحاد.
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين وحصونهم أو جندهم، فهو من
الكبائر، بمنزلة مَن يستخدم الذئاب لرعي الغنم ؛ فإنّهم من أغشّ الناس للمسلمين، ولولاة الأمور، وأحرص الناس على فساد الملّة والدولة، وهُم شرٌّ من المخامِر، الذي يكون في العسكر ؛ فإنّ المخامر قد يكون له غرض، إمّا مع أمير العسكر، وإمّا مع العدو، وهؤلاء غرضهم مع الملّة ونبيّها ودينها، وملوكها وعلمائها، وعامّتها وخاصّتها، وهُم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين، وعلى إفساد الجند على ولي الأمر، وإخراجهم عن طاعته.
والواجبُ على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المقاتلة، ولا يستخدمهم في ثغرٍ ولا في غير ثغر، وضررهم في الثغر أشد، وأن يستخدموا بدَلهم مَن يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام، وعلى النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامّتهم، بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم مَن يغشّه، وإن كان مسلماً فكيف يستخدم مَن يغشّ المسلمين، ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه، بل أي وقتٍ قدرَ على الاستبدال بهم، وجبَ عليه ذلك ؛ لأنّهم عوقِدوا على ذلك، فإن كان العقد صحيحاً وجب المسمّى، وإن كان فاسداً وجبت أجرة المثل، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجارة اللازمة فهو من جنس الجعالة الجائزة، لكنّ هؤلاء لا يجوز استخدامهم ؛ فالعقد عقدٌ فاسد، لا يستحقّون إلاّ قيمة عملهم، فإن لم يكونوا عملوا عملاً فلا شيء لهم، لكنّ دماؤهم وأموالهم مباحة.
وإذا أظهروا التوبة ففي قبولها منهم نزاع بين العلماء، فمَن قَبِل توبتهم، إذا التزموا شريعة الإسلام، أقرّ أموالهم إليهم، ولم تُنقل على ورثتهم من جنسهم ؛ فإنّ مالَهم فيء لبيت المال، لكنّ هؤلاء إذا أُخذوا فإنّهم يظهرون التوبة، إذ أصل مذهبهم الاتّقاء وكتمان أمرِهم، وفيهم مَن يعرف، وفيهم مَن قد لا يعرف، فالطريق أن يحتاط في أمرِهم، فلا يُتركون مجتمعين، ولا يُمكّنون من حمل السلاح، وأن لا يكونوا في المقاتلة، ويلزمون شرائع الإسلام من الصلوات الخمس وقراءة القرآن، ويُترك بينهم مَن يعلّمهم دين الإسلام، ويُحال بينهم وبين معلّميهم ؛ فإنّ أبا بكر الصديق (رضي الله عنه)، هو وسائر الصحابة، لمـّا ظهروا على أهل الردّة، وجاءوا إليه، قال لهم الصدّيق: اختاروا منّي: إمّا الحرب الملجئة، وإمّا السلْم المخزية؟ قالوا: يا خليفة رسول الله، هذه الحرب الملجئة قد عرفناها، فما
السلْم المخزية؟ قال: تدون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وتشهدون أنّ قتلانا في الجنّة وقتلاكم في النار، ونغنم ما أصبنا من أموالكم وتردّون ما أصبتم من أموالنا، وننزع منكم الحلقة والسلاح، وتُمنعون من ركوب الخيل، وتُتركون ترتعون أذناب الإبل، حتى يرى الله وخليفة رسول الله والمؤمنين أمراً يعذرونكم به، فوافقهُ الصحابة على ذلك، إلاّ في تضمين قتلى المسلمين ؛ فإنّ عمر قال له: هؤلاء قُتلوا في سبيل الله، وأجورهم على الله، يعني هُم استشهدوا فلا ديّة لهم، فاتّفقوا على قول عمر في ذلك.
وهذا الذي اتّفق عليه الصحابة هو مذهب أئمة العلماء، والذي تنازعوا فيه تنازعَ فيه العلماء، فمذهب أكثرهم أنّ مَن قتَله المرتدّون الممتنعون المحاربون لا يضمن، كما اتّفق عليه العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأُخرى، وهو القول الأوّل، فهذا الذي فعلهُ الصحابة بأولئك المرتدّين بعد عودهم إلى الإسلام، يُفعل بمَن أظهر الإسلام والتّهمة ظاهرة فيه، فيُمنع من ركوب الخيل، والسلاح، والدروع التي تلبسها المقاتلة، ولا يُترك في الجند يهودي ولا نصراني، ويلزمون شرائع الإسلام، حتى يظهر ما يفعلونه من خير وشر.
ومَن كان من أئمة ضَلالهم وأظهرَ التوبة، أُخرج عنهم، وسُيّر إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم فيها ظهور، فإمّا أن يهديه الله، أو يموت على نفاقه من غير مضرّة للمسلمين، ولا ريبَ أنّ جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكثر الواجبات، وهو أفضل من جهاد مَن يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب ؛ فإنّ جهاد هؤلاء حفظ لِمَا فُتح من بلاد الإسلام، ولِمَا دخل فيه من الخوارج، وجهاد مَن يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب، من زيادة إظهار الدين، وحفظ الأصل مقدّم على الفرع، وأيضاً فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك، بل ضرر هؤلاء في الدين على كثيرٍ من الناس أشدّ من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب.
ويجب على كلّ مسلمٍ أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب، فلا يحلّ لأحدٍ أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم، بل يفشيها ويظهرها ؛ ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحلّ لأحدٍ أن يعاونهم على بقائهم في الجند والمستخدمين، ولا يحلّ لأحدٍ السكوت عن القيام
عليهم بما أمرَ الله به رسوله ؛ فإنّ هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وقد قال تعالى لنبيّه:( يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) ، وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقون، والمعاون على كفّ شرّهم وعلى هدايتهم - بحسب الإمكان - له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلاّ الله ؛ فإنّ المقصود هدايتهم كما قال تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنّاسِ ) . قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس، فيأتون بهم في السلاسل والقيود حتى يدخلونهم الإسلام، فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هداية العباد لصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان، فمَن هداهُ الله سَعد في الدنيا والآخرة، ومَن لم يهتدِ كفّ الله ضرره عن غيره.
ومعلوم أنّ الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أفضل الأعمال، كما قال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وفي الصحيحين عنه أنّه قال: (إنّ في الجنّة لمئة درجة، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض، أعدّها الله للمجاهدين في سبيله)، وقال (صلّى الله عليه وسلّم): (رباط يوم وليلة خيرٌ من صيام شهر وقيامه، ومَن مات مرابطاً مجاهداً أجرى عليه عمله، وأجرى عليه رزقه من الجنّة، وأمِن من الفتن، والجهاد أفضل من الحج والعمرة، كما قال تعالى:( أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشّرُهُمْ رَبّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ).
***
[من هو ابن تيميَّة؟]
وكانت فتوى ابن تيمية هذه، وراء المذبحة التي قامَ بها جمال الدين أقوش الأفرم، في حملته سنة 705هـ على جبال الظنيين، تلك الحملة المعروفة في التاريخ بالحملة الكسروانية، وقبل أن نُسجّل ملاحظاتنا على السؤال وجوابه، لنا وقفة قصيرة عند صاحب الجواب ؛ لنبيّن أيّ رجلٍ هو.
ابن تيمية (661هـ - 728هـ): هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني الحنبلي، ولِد بحران، بلاد الصابئة، يوم الاثنين عاشر ربيع الأوّل سنة 661هـ، هاجرَ والده به وبأخوته إلى الشام من جوّ التتار، أثارَ في حياته أكثر من ضجّة ؛ بسبب مخالفته أئمة المذاهب في كثيرٍ من المسائل.
قالابن الوردي في تتمّة المختصر: (أعانَ أعداءه على نفسه بدخوله في مسائل كبار: كمسألة التكفير في الحلف بالطلاق، ومسألة أنّ الطلاق بالثلاث لا يقع إلاّ مرّةً واحدة، وأنّ الطلاق في الحيض لا يقع، وفي آخر الأمر ظفروا له بمسألة السفر لزيارة قبور النبيين، وأنّ السفر وشدّ الرحال لذلك منهي عنه ؛ لقوله (صلّى الله عليه وسلّم): (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد)، مع اعترافه بأنّ الزيارة بلا شدّ رَحل قربة، فشنّعوا عليه بها(1) .
وقالاليافعي اليمني (2) : (وله مسائل غريبة أُنكرَ عليه فيها، وحُبس بسببها ؛ مباينةً لمذهب أهل السنّة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وطعنه في مشايخ الصوفيّة العارفين: كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، والأستاذ الإمام أبي القاسم القشيري، والشيخ ابن العريف، والشيخ أبي الحسن الشاذلي، وخلائق من أولياء الله الكبار الصفوة وغيرها، وكذلك ما قد عُرف من مذهبه، كمسألة الطلاق وغيرها، وكذلك عقيدته في الجهة وما نُقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك ممّا هو معروف في مذهبه...).
وقالتقي الدين السبكي (3) : (ثمّ جاء في أواخر المئة السابعة رجلٌ له فضل ذكاء واطّلاع، ولم يجِد شيخاً يهديه، وهو على مذهبهم، وهو جَسور، متجرّد لتقرير مذهبه، ويجد أموراً بعيدة، فبجسارته يلتزمها، فقال بقيام
____________________
(1) ج2، ص363.
(2) مرآة الجنان، أخبار سنة 728هـ.
(3) السيف الصقيل في الردّ على ابن زفيل.
الحوادث بذات الربّ سبحانه وتعالى، وأنّ الله سبحانه وتعالى ما زالَ فاعلاً، وأنّ التسلسل ليس بمحالٍ فيما مضى - كما هو فيما سيأتي - وشَقّ العصا، وشوّش عقائد المسلمين، وأغرى بينهم، ولم يقتصر ضرره على العقائد في علم الكلام، حتى تعدّى، وقال: إنّ السفر لزيارة النبي (صلّى الله عليه وسلّم) معصية، وقال: إنّ الطلاق الثلاث لا يقع، وإنّ مَن حلفَ بطلاق امرأته وحنثَ لا يقع عليه طلاق.
واتّفق العلماء على حبسه الحبس الطويل، فحبسهُ السلطان ومُنع من الكتابة).
وكان ابن تيمية يقول: بنزول الله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا، وهذا مشهور عنه، ذكره ابن بطوطة في رحلته، تحت عنوان (حكاية الفقيه ذي اللوثة)، قال: (وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية، كبير الشام، يتكلّم في الفنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً، وكنتُ إذ ذاك بدمشق، فحضرتهُ يوم الجمعة، وهو يَعظ الناس على منبر الجامع ويُذكّرهم، فكان من جملة كلامه، أن قال: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزلَ درجةً من درج المنبر، فعارضهُ فقيه مالكي، يُعرف بابن الزهراء...).
وكان المذكور منحرفاً عن الإمام عليعليهالسلام ، تبدو على كلامه آثار بغضه إيّاه، في كل خطوةٍ من خطوات تحدّثه عنه، كما يذكر صاحب (الحاوي).
ولم يكن يَعتبر إسلام عليعليهالسلام صحيحاً ؛ لأنّه برأيه أسلم صبياً، والصبي لا يصحّ إسلامه، وقد لخّص ابن حجر العسقلاني في(الدرر الكامنة) موقف الناس من ابن تيمية، قال: (وافترقَ الناس فيه شِيعاً، فمنهم مَن نسبه إلى التجسيم ؛ لِمَا ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرها من ذلك، كقوله: إنّ اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله، وإنّه مستوٍ على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيّز والانقسام.
ومنهم مَن نسبه إلى الزندقة ؛ لقوله: إنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لا يُستغاث به، وإنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي (صلّى الله عليه وسلّم).
ومنهم مَن ينسبه إلى النفاق ؛ لقوله على ما تقدّم، ولقوله: إنّه كان مخذولاً حيث ما توجّه، وإنّه حاولَ الخلافة مراراً فلَم ينَلها، وإنّما قاتل للرئاسة، ولقوله: أبو بكر أسلَم شيخاً، يدري ما يقول، وعلي أسلَم صبياً، والصبي لا يصحّ إسلامه، على قول.
وبكلامه قصّة خطبة بنت أبي جهل مات وما نسبها من الثناء عليه، وقصّة أبي العاص ابن الربيع، وما يؤخذ من مفهومها ؛ فإنّه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق ؛ لقوله (صلّى الله عليه وسلّم): (لا يبغضك إلاّ منافق).
وقد حُبس مراراً ؛ بسبب عقائده، واستُتيب مراراً، كما صدرت بحقّه مراسيم سلطانية تمنعه من الإفتاء، ونودي في دمشق وغيرها: مَن كان على عقيدة ابن تيمية حلّ مالَه ودمَه.
وفي ما يلي صورة من تلك المراسيم، منقولة من خطّ الحافظ شمس الدين بن طولون(1) :
(نسخة مقال شريف سلطاني ملكي، تاريخه ثامن عشري رمضان سنة 705:
الحمد لله الذي تنزّه عن الشَبه والنظير، وتعالى عن المثال، فقال:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )، نحمده على ما ألهمنا العمل بالسنّة والكتاب، ورفعَ في أيّامنا أسباب الشكّ والارتياب، ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادةَ مَن يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير، ونزّه خالقه عن التحيّز في جهة ؛ لقوله: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .
ونشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، الذي نهجَ سبيل النجاة، بمَن سلك طريق مرضاته، وأمرَ بالتفكّر في آلائه، ونهى عن التفكّر في ذاته، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين علا بهم منار الإيمان، ورفعَ وشيّد بهم قواعد الشرع، وأخمدَ بهم كلمة مَن حادَ عن الحقّ ومالَ إلى البدع.
وبعد، فإنّ العقائد الشرعية وقواعد الإسلام المرعيّة، وأركان الإيمان العليّة، ومذاهب
____________________
(1) مجلّة مجمع اللغة العربية بدمشق: المجلّد (33)، ج2، نيسان 1958.
الدين المرضيّة، هي الأساس الذي يُبنى عليه، والموئل الذي يرجع كلُ أحدٍ إليه، والطريق التي مَن سلكها فقد فازَ فوزاً عظيماً، ومَن زاغَ عنها فقد استوجبَ عذاباً أليماً، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكّد دوامها، وتُصان عقائد هذه الملّة عن الاختلاف، وتُزان بالائتلاف، وتخمد نوائر البدع، ويُفرّق من فِرقها ما اجتمع، وكان التقي ابن تيمية في هذه المدّة قد بسطَ لسانَ قَلَمه، ومدّ عَنان كَلَمه، وتحدّث في مسائل الصفات والذات، ونصّ في كلامه على أمورٍ مُنكَرات، وتكلّم فيما سكتَ عنه الصحابة والتابعون، وفاهَ بما تجنّبه السلف الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكرهُ أئمة الإسلام، وانعقدَ على خلافه إجماع العلماء والحكّام، وشهرَ من فتاويه ما استخفّ به عقول العباد، وخالفَ في ذلك فقهاء عصره، وعلماء شامه ومصره، وبعثَ برسائل إلى كلّ مكان، وسمّى فتاواه بأسماء ما أنزلَ الله بها من سلطان، فلمّا اتّصل بنا أنّه صرّح في حقّ الله بالحرف والصوت والتجسيم، قُمنا في الله مشفقين من هذا النبأ العظيم، وأنكرنا هذه البدعة، وعزّ علينا أن يشيع عمّن تضمّ ممالكنا هذه السمعة، وكرهنا ما فاهَ به المبطلون، وتَلَونا قوله:( سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ) ؛ فإنّه جلّ جلاله تنزّه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير.
وتقدّمت مراسيمنا باستدعاء التقي ابن تيمية إلى أبوابنا، عندما سارت فتاواه في شامِنا ومَصرِنا، وصرّح فيها بألفاظ ما سمعها ذو فَهم إلاّ وتلا ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) ، ولمـّا وصَل إلينا تقدّمنا بجمع أُولي العقد والحلّ، وذوي التحقيق والنقل، وحضرَ قضاة الإسلام، وحكّام الأنام، وعلماء الدين وفقهاء المسلمين، وعقدوا له مجلس شرع، في ملأ من الأئمة وجَمْع، فثبتَ عند ذلك جميع ما نُسب إليه بمقتضى خطّ يده الدال على سوء معتقده، وانفصلَ ذلك الجَمْع وهُم عليه وعلى عقيدته مُنكرون، وأخذوه بما شهد به قَلَمه، قائلين: ستُكتب شهادتهم، ويُسألون، وبَلَغنا أنّه استُتيب مراراً فيما تقدّم وأخّره الشرع، لمـّا تعرّض إليه وأقْدَم، ثمّ عاد بعدَ منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه.
ولمـّا ثبتَ عليه ذلك في مجلس الحكم العزيز المالكي، حَكم الشرع الشريف أنّه يُسجن هذا المذكور، ويُمنع من التصرّف والظهور، ومن يومنا هذا نأمر بأن لا يسلك أحد
مسلك المذكور من المسالك، وننهى عن التشبّه به في اعتقاده مثل ذلك، أو يعودَ له في هذا القول مُتبعاً، أو لهذه الألفاظ مُستمعاً، وأن يسري في التجسيم مسراه، أو يفوهَ بحدّ العلو مخصّصاً كما فاه، أو يتحدّث إنسانٌ في صوتٍ أو حرفٍ، أو يوسّع القول في ذاتٍ أو وصفٍ، أو ينطق بتجسيم، أو يحيد عن الصراط المستقيم، أو يخرج عن رأي الأئمة، وينفرد به عن علماء الأُمّة، أو يجيز الله تعالى في جهةٍ، أو يتعرّض إلى حيث وكيف، فليس لمـَن يعتقد هذا المجموع عندنا إلاّ السيف، فليقف كلّ واحدٍ على هذا الحد، ولله الأمرُ من قبلُ ومن بعد.
وليلزم كلّ الحنابلة بالرجوع عمّا أنكره الأئمة من هذه العقيدة، والخروج من هذه التشبيهات الشريدة، ولزوم ما أمرَ الله به، والتمسّك بأهل المذاهب الحميدة ؛ فإنّه مَن خرجَ عن أمر الله فقد ضلّ سواء السبيل، وليس له غير السجن الطويل، مستقرٌّ ومُقيل، فقد رسمنا أنْ يُنادى في دمشق المحروسة، والبلاد الشاميّة، وتلك الجهات مع النهي الشديد، والتخويف والتهديد، أن لا يُتّبع التقي ابن تيمية في هذا الأمر الذي أوضحناه، ومَن تابعه منهم تركناه في مثل مكانه، وأحللناه، ووضعناه من عيون الأُمّة كما وضعناه، ومَن أعرض عن الامتناع وأبى إلاّ الدفاع، أمَرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم، وإسقاطهم من مراتبهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا حُكمٌ ولا قضاء، ولا إمامة ولا شهادة، ولا ولاية ولا إقامة ؛ فإنّنا أزَلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد، وأبطلنا عقيدته التي ضَلّ بها العباد أو كاد، ولتثبت المحاضر الشرعية على الحنابلة، بالرجوع عن ذلك، ولتسير إلينا المحاضر بعد إثباتها، على قضاة الممالك، فقد أعذرنا حيث أنذرنا، وأنصفنا حيث حذّرنا، وليُقرأ مرسومنا هذا على المنابر ؛ ليكونَ أبلغَ واعظٍ وزاجر، وأجملَ ناهٍ وآمِر، والاعتماد على الخطّ الشريف أعلاه الحمد لله، صلّى الله على سيدنا محمّد وآله وسلّم).
كما أُلّفت في الردّ على ابن تيمية مصنّفات عديدة، منها:(الملجمة للمجسّمة) لعلاء الدين البخاري، الذي قال: (مَن سمّى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافراً، لا تصحّ الصلاة وراءه).
ومنها:(الدرّة المُضيّة في الردّ على ابن تيمية) لعلي بن عبد الكافي.
ومنهم أيضاً: عفيف الدين أبو محمد عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان بن فلاح، شيخ الحجاز اليافعي اليمني، وكان إماماً يُسترشد بعلومه ويُقتدى، وعَلماً يُستضاء بأنواره ويُهتدى، كما وصفه ابن الحنبلي في(شذرات الذهب) .
وكَتب إليه شمس الدين الذهبي رسالة جاء فيها: (يا خيبة مَن اتّبعك ؛ فإنّه معرّض للزندقة والانحلال، لاسيّما إذا كان قليل العلم والدين، باطولياً شهوانياً،... فهل معظم أتباعك إلاّ مقيّدٌ مربوط، خفيف العقل، أو عامي كذّاب، بليد الذهن، أو غريب واجم، قوي المـَكر، أو ناشفٌ صالح، عديم الفَهم ؛ فإن لم تصدّقني ففتّشهم، وزيّنهم بالعدل).
هذا هو ابن تيمية، ومَن تكن هذه حاله، كيف تكون أقواله؟! لننظر إليها أوّلاً، ثمّ نحكُم، لكي لا يأتي حُكمنا متأثّراً بما كَتبه الأقدَمون عنه.
وأوّل ما يلاحظ على نصّ السؤال:
1 - إنّ الغرض منه سياسي، بقصد الحصول على فتوى تُبيح إهدار دم فئةً مسلمةً، تُدين بمذهبٍ مغايرٍ للمذهب الرسمي، وهذا ما يُفهم ممّا ورد في نصّ السؤال: (وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة، وأموالهم فيء حلال أم لا؟).
لأنّه بالاستناد إلى هذه الفتوى أُهدرت دماءُ عددٍ كبيرٍ من النصيرية، في الحملة المعروفة في التاريخ بالحملة الكسروانية، سنة 705هـ.
قال ابن الوردي في (تتمة المختصر):
(وفيها.. أحاطَت عساكر الشام بجبال الظنيين المنيعة،... وصعدوا في تلك الجبال من كلّ جانب، وقتلوا وأسّروا جميع مَن بها من النصيرية والظنيين،... وكان الذي أفتى بذلك ابن تيمية، وتوجّه مع العسكر).
2 - مُنشئ السؤال أوّل مَن أشار إلى وجود كتب للنصيرية، لكنّه لم
يذكر اسم كتابٍ واحدٍ من هذه الكتب ؛ لنرجع إليه ونتحقّق من صحة الأقوال التي ذكرها.
3 - صاحب السؤال تكلّمَ عن انتقال الاسم والمعنى، وقد رأينا ابن الأثير تحدّثَ فيما زعمه عن النصيرية، عن انتقال اللاهوت والناسوت، فهل المعنى هو اللاهوت؟!
إذا كان المعنى هو اللاهوت، يكون تسلسل الألوهة بحسب رواية ابن الأثير كالتالي:
خمسة ناسوتية: إدريس، نوح، إبراهيم، هارون، سليمان، عيسى، علي، بينما تسلسل الألوهة كما جاء في نصّ السؤال، كان على الشكل التالي:
شيث، يوسف، يوشع، آصف، علي.
وشتّان ما بين القولين.
4 - لم تذكر كُتب التاريخ أنّه كان للنصيرية أي دَور سياسي، أو عسكري، حتى يصحّ قول صاحب السؤال: إنّ هذه الطائفة الملعونة استولَت على جانبٍ كبيرٍ من الشام، على عكس القرامطة والفاطميين ؛ فإنّهم لعبوا دَوراً سياسياً، واستولَوا على جانبٍ كبيرٍ من الشام، وغيرها من دول المشرق والمغرب.
إنّ الإفرنج - كما تُحدّثنا كُتب التاريخ - استولَوا على البلاد الساحلية سنة 503هـ، وكانوا قبل هذا التاريخ غزوها مراراً، وتراجعوا عنها مراراً، وظلّت هذه البلاد بأيديهم إلى أن انتزعها منهم السلطان صلاح الدين الأيوبي، سنة 584هـ، لكن ظِلّهم لم ينحصر عن الساحل نهائياً إلاّ على يد الناصر بن قلاوون سنة 686هـ، فيكون بدء انكشاف حال النصيرية، أخذاً بأقوال صاحب السؤال بعد سنة 686هـ.
وهذا يعني أنّ كل ما كُتب عن النصيرية قبل هذا التاريخ، تخرّصات وأوهام، بما في ذلك ما قاله الشهرستاني، وما تلبّس على ابن الأثير، وذَكره في (الكامل) عند حديثه عن
الشلمغاني ومذهبه.
6 - لم يذكر أحدٌ من كتّاب الفِرق ممّن كَتبوا عن النصيرية، أنّ هذه الفرقة تأوّلت أركان الشريعة على أشخاص، والذين تأوّلوا أركان الشريعة على أشخاصٍ هم: الكيسانية، والمنصورية، كما ذكرَ الشهرستاني، الذي قال عن الكيسانية: (ويجمعهم القول: بأنّ الدينَ طاعةُ رجل، حتى حَملهم ذلك على تأويل الأركان الشرعية، من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وغير ذلك على رجال).
وعن المنصورية قال: (وتأوّلوا الفرائض على أسماء رجالٍ، أُمرنا بموالاتهم).
فإذا انتقلنا إلى جواب ابن تيمية، رأينا خليطاً عجيباً من الأقوال الشاذّة المتنافرة.
أوّلاً: ابن تيمية عندما تكلّم عن النصيرية، خلَط ما بينهم وبين الإسماعيلية، وهذا ما يفهم من قوله: (ولهم ألقابٌ معروفة عند المسلمين، تارة يسمّون الملاحدة، وتارةً يسمّون القرامطة، وتارةً يسمّون الباطنية، وتارةً يسمّون الإسماعيلية، وتارةً يسمّون النصيرية، وتارةً يسمّون الحرمية، وتارةً يسمّون المحمرة).
وقوله: (أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم ؛ فإنّهم من أئمتهم).
وهذا الكلام لم يقُله أحدٌ من المؤرّخين، أو كتّاب الفِرق، لا في القديم ولا في الحديث.
يقول الغزالي في ردّه على الباطنية: (ألقابهم التي تداولتها الألسنة على اختلاف الأعصار والأزمنة، وهي عشرة: الباطنية، والقرامطة، والقرمطية، والخرمية، والخرمدينية، والإسماعيلية، والسبعية، والبابكية، والمحمرة، والتعليمية).
ومثل ذلك ذَكر ابن الجوزي في(المنتظم) ، والديار بكري في(تاريخ الخميس) ، وغيرهم... وغيرهم...
ومن جهة أُخرى، فقد أجمعت كافة المصادر التاريخية، على أنّ القرامطة هُم الذين قتلوا الحِجّاج، وألقَوا بهم في بئر زمزم، وهُم الذين أخذوا الحجر الأسود وبقي عندهم مدّة، وليس النصيرية.
ثانياً: في كلام ابن تيمية مغالطات كثيرة، لا تصدر عن ذي علم واطّلاع، منها حديثه عن فتح قبرص، إذ قال: (فإنّ ثغور المسلمين ما زالت بأيدي المسلمين، حتى جزيرة قبرص فتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفّان، فتحها معاوية بن أبي سفيان في أثناء المئة الرابعة).
فإذا كان عثمان قُتل سنة 35هـ، ومعاوية توفّي سنة 60هـ، فكيف حصلَ فتح قبرص في (أثناء المئة الرابعة)؟!
ومن ذلك أيضاً قوله:
ثمّ لمـّا أقامَ الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل الله: كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين، وأتباعهما، وفتحوا السواحل من النصارى، وممّن كان بها منهم، وفتحوا أيضاً أرض مِصر ؛ فإنّهم كانوا مستولين عليها نحو مئتي سنة، واتّفقوا هُم والنصارى، فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالبلاد المصرية والشاميّة.
إذا كانت دعوة الإسلام انتشرت في البلاد المصرية والشامية زمن نور الدين الشهيد المتوفّى سنة 569، وصلاح الدين المتوفّى 589 وأتباعهما، كان معنى ذلك: أنّ الإسلام ظلّ حبيساً في الجزيرة العربية طوال خمسة قرون كاملة، وعلينا في هذه الحالة، أن نُكذّب كُتب التاريخ كلّها، التي حدّثتنا عن انتشار الإسلام في مصر والشام عند فتح هذين المصرين، سنة 14هـ (الشام)، و19هـ (مصر).
ومن جهةٍ أُخرى، ألَمْ يكن الإسلام منتشراً وراسخ القَدم في مصر والشام زمن الحُكمين الأموي (من 37هـ إلى 132هـ)، والعباسي (من 132هـ إلى 656هـ)؟
وما تجدر الإشارة إليه: أنّ دولة صلاح الدين الأيوبي، قامت على أنقاض الحُكم الفاطمي، فهل الفاطميّون نصيرية، وإلاّ فما معنى قول ابن تيمية (كانوا مُستولين عليها نحو مئتي سنة)؟!
ثالثاً: ومن المغالطات أيضاً، قوله: (ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائعٌ مشهورة، وكُتب مصنّفة)، فما هي هذه الوقائع؟! لَيْتَه ذَكر لنا واقعةً واحدةً منها ؛ لأنّ الآثار التي وصَلت إلينا من الأقدَمين، لا تتضمّن أيّة إشارة إلى هذه الوقائع المزعومة.
ويقول أيضاً: (وصنّفَ علماء المسلمين كُتباً في كشف أسرارهم، وهتك أستارهم، وبيّنوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد).
فما هي أسماء هذه الكتب التي أُلّفت في الردّ على النصيرية؟! ومَن هُم مؤلّفوها؟! لأنّنا لم نجِد مُصَنّفاً واحداً في الردّ على النصيرية، كفرقةٍ أو مذهب.
حتى الكُتب التي صنّفها علماء المسلمين قديماً، في الردّ على الجهمية والباطنية وسواها، لا تتضمّن أيّة إشارة إلى النصيرية، لا من قريبٍ ولا من بعيد.
رابعاً: جواب ابن تيمية يتناقض مع السؤال الموجّه إليه، فصاحب السؤال ذَكر: أنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي: علي، وحسن، وحسين، ومحسن، وفاطمة،... وبأنّ الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلاً وثلاثين امرأة).
بينما يقول ابن تيمية: (إنّ الصلوات الخمس مَعرفة أسرارهم، والصيام المفروض كتمان أسرارهم).
ومن التناقض أيضاً، يقول صاحب السؤال: (وإنّ الذي خلقَ السموات والأرض، وهو علي بن أبي طالب عليه السلام).
أمّا ابن تيمية، فيقول: (ولا يقرّون أنّ للعالَم خالقاً خلقه).
فعلى أيّ شيء يدلّ هذا التناقض؟!
خامساً: نسبَ صاحب السؤال إلى النصيرية القول: بقِدَم العالَم، وكان من جملة المآخذ التي أخذها العلماء على ابن تيمية قوله: بقِدَم العالَم.
ذكرَ علي ابن الكافي في(الدرّة المُضيّة في الردّ على ابن تيمية) ، ما نصّه:
(وقال بما يقتضي الجسمية والتركيب في الذات المقدّسة، وبأنّ الافتقار إلى الجزء ليس بمحال، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وإنّ القرآن مُحدَث تكلّم الله به بعدَ أن لم يكن، وإنّه يتكلّم ويسكت، ويُحدِث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدّى في ذلك إلى استلزام قِدَم العالَم، والتزامه بالقول: بأنّه لا أوّل للمخلوقات، فقال: بحوادث لا أوّل لها، فأثبتَ الصفة القديمة حادثة، والمخلوق الحادث قديماً).
هذا غيضٌ من فيض، ممّا في كلام ابن تيمية من بُعد عن الحقيقة والواقع، وبالاستناد إلى هذه الأقوال المهزوزة، أُهدرت دماءٌ بريئة ظلماً وعدواناً.
***
[ب - شمس الدين محمد الأنصاري.]
وهناك شخصٌ معاصر لابن تيمية، هو شمس الدين محمد الأنصاري، المعروف بشيخ الربوة (ت 727)، تكلّم عن النصيرية أيضاً، من خلال حديثه عن جبل السماق(1) ، قال:
(جبل السماق، وهذا الجبل معمور بطائفة تسمّى النصيرية، غلاة في غلاء علي بن أبي طالب عليه السلام، فالنصيرية نِحلتهم وآراءهم مركّبة على أربعة مذاهب:
الأول: فلسفية يعتقدون النسخ، وقَبله المسخ والفسخ، ثمّ آخر ذلك الرسخ، فالمسخ: انقلاب صورة إنسانية إلى صورة حيوانية، كالقردة والخنازير، فجأة بغتة ؛ جزاءً نكالاً، وانقلاب معنى إلى معنى، كذلك والنسخ: انتقال المعنى من صورة إلى صورة بالبدل، ويسمّون الصور قمصاناً، وكلّ
____________________
(1) نخبة الدهر في عجائب البر والبحر.
صورة هيكلية قميص، ويزعمون أنّ الإنسان الراقي في درج السعادة بأعماله الزكية، لا يزال ينتقل بروحه من قميصٍ سعيد إلى قميصٍ سعيد، حتى ينتقل في سبعين قميصاً إلى الملائكة.
وإنّ الإنسان النكاص في دركٍ أمَدّ درج الشقاوة إلى أسفل السافلين، لا يزال كذلك ينتقل متردّداً في سبعين قميصاً منه شقياً، (وأشقى ومعذّباً وأشدّ عذاباً منه)، وكلّها قُمص إنسانية، حتى يبلغ آخِرها فيدخل في الفسخ، فيدخل في الصور الحيوانية: كالجمل، والفرس، والحمار، والبغل، والبقر، والمعز، والضان، والكلب، والخنزير، والدب، وسائر الحيوانات، فييأس حينئذٍ من الروح والرحمة، ويكون من الجهنميين المعذّبين بأنواع العذاب: كالذبح، والقتل، وأنواع التعذيب بالأغلال والسلاسل، والتقييد والتغلغل والصمت والحجب عن الربّ، وغلق أبواب السماء عنه، (ولا يُقبل منه قولاً، ولا يُسمع له شكوى).
ويزعمون أنّ الروح المعذّبة الواصلة في قمصٍ حيوانية إلى هذه الدركات لا يدخلون الجنّة، ولا يجِدون ريحتها، ولا تُفتّح لهم أبواب السماء، ولا يزالون في عذابٍ مستمر، إلى أن يدخل الجمل في سَمِ الخِياط من دقّته، وحقارة خلقته، وذمامة صورته، فيكون كدود الخلّ في الذمامة والحقارة (فيدخل بجسده الحقير في خرم الإبرة، الذي هو سَمُ الخِياط)، وهناك يصير بعد الفسخ إلى الرسخ في المعدن والنبات قبله (ثمّ فيه بعده، وإذا رسخَ لطيفه في المعدن، وصارت المعادن صورة قميصٍ له، عُذّب بالنار الحامية، ونار السبك، وضُرب بالمزارب كالحديد، ويمرَق كلّ مُمرّق، وهناك الخلود، فلا موت أبدَ الآباد، فهذا ما يزعمونه من أمر المعاد.
وهذا مأخوذ من كلام الصابية، ومن عَبدة الأصنام الهنود الجاهلية، وغيرهم ممّن لا يدين بدين الرسلعليهمالسلام ، وهو رأيٌّ فاسدٌ، ونِحلةٌ منقوضةٌ عقلاً وشرعاً، ولا مبادئ لها ولا مستند، ومن نقضها: إيراد الملاحم الكبار، وإيراد المبدأ في خلق الإنسان، وإيراد نشأة السيد عندهم وحال طفولية، وإيراد حال جزاء الحيّة والعقرب، على مقتضى ما زعموه، ولا يجدون لإيرادٍ منه جواباً.
والنِحلة الثانية: اعتقادهم الحلول، وكفرهم بالله تعالى، حيث يزعمون الصورة المرئية هي الغاية الكليّة، يعنون أن لا شيء أصلاً غير الصورة والمادّة، فبالوجود الوجود ظاهره خلق، وباطنه خالقه، وأنّ هذا الوجود ظهر
في كلّ موجودٍ، فاستعلن في الصورة الإنسانية، واستعلن من النوع الإنساني في صورة مخصوصة: كآدم وشيث بعده، ونوح، وإبراهيم، وهارون، ويوسف، والمسيح، وعلي بن أبي طالب.
ويزعمون أنّ كلّ صورة وصورة معناها واحد هو هو، فظاهر الصورة نبوءة وإمامة، وباطنه غيبٌ لا يُدرك، بل فعّال لِمَا يريد، وهو مُنفعل كما يريد، وأنّ له باباً لا يدخله عِلمُ عالِمٍ به، ولا عقلُ عاقلٍ له، ولا معرفةُ عارفٍ به، إلاّ من ذلك الباب، وأنّه لا سبيل إلى رؤيته، والتمتّع بالنظر إلاّ من وراء حجاب، لابدّ من ذلك الحجاب.
ويزعمون أنّ محمداً (صلّى الله عليه وسلّم) حجابُ علي، وأنّ سلمان الفارسي بابٌ إليه، ولهم خرافات لا يمكن للعقلاء الإصغاء إليها والفَهم لها، فالتصدي للردّ عليهم ببيان هذيانهم ؛ لجهالتهم بالقِدَم والحادث، وإطلاق الوجود والوجود المطلق والذات والصفات، وما يجب وما يجوز وما يستحيل، وهُم في ذلك غلاة كالأنعام، بل هُم أضلّ سبيلاً، وهذا ما أخذوه من النصارى، الذين أخذوه من كفر الفلاسفة، فإنّهم ذهبوا إلى العالَم لا سواه، وشكّلوا عِلله ومعلولاته إلى علّة العِلل، وانتهوا إليها ووقفوا عندها، وكان الوجود بأسره عندهم عاقلٌ وعقلٌ ومعقولٌ، وعالٍ وعلةٍ ومعلولٍ، وروح ونفس وجسد، وأب وابن وروح قدس وباب وحجاب ومعنى، وقد أوضحت أصول التثليث بهذه الإشارات، وتعالى الله الحقّ الأحَد عمّا يقول الظالمون والجاحدون علوّاً كبيراً.
والنِحلة الثالثة: زعموا فيما زعموه، في الديانة والتعبّد والاقتداء والتشريع، أخذوا الغلو من أبي طاهر القرمطي، ومن ملوك مصر الفاطميين: كالآمر، والحاكم، والمعزّ، ومَن دسّ أصحاب الرسائل، وكتّاب النطقاء، ومن آراء الباطنية في معنى الصلاة والزكاة والحج والصوم، وتأويل ألفاظ القرآن بما أرادوه دون ما هو المراد منه، فكانوا بذلك رافضة من وجه، وزنادقة من وجه، وكفار من وجه، ومنافقين من وجه، وجاهلية جهلاً من وجه، وخلاصة ما هُم عليه: توفية الطبع حقّه من الأكل والشرب والنكاح لا غير ذلك).
هذا الكلام يختلف عن الأقوال السابقة من عدّة نقاط، هي:
1 - يقول شيخ الربوة: إنّ نحلة النصيرية مركّبة على أربع مذاهب، لكنّه لم يذكر غير ثلاثة.
2 - يتبيّن من حديثه أنّه لا يعلم معنى النسخ والمسخ والرسخ والفسخ. والتناسخية يسمّون تعلّق روح الإنسان ببدنِ إنسانٍ آخَر: نسخاً، أو ببدنِ حيوانٍ آخَر: مسخاً، وبجسمٍ نباتيٍ: فسخاً، وبجسمٍ جماديٍ: رسخاً(1) . ولم يذكروا أنّ الروح تنتقل من المسخ إلى الفسخ، ثمّ تصير بعد الفسخ إلى الرسخ.
3 - يقول شيخ الربوة: إنّ الوجود ظهرَ في كلّ موجودٍ، فاستعلن في الصورة الإنسانية، واستعلن من النوع الإنساني في صورةٍ مخصوصةٍ: كآدم، وشيث بعده، ونوح، وإبراهيم، ويوسف، والمسيح، وعلي بن أبي طالب.
وهذا الكلام يتناقض مع ما ذكره صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية، عن انتقال الاسم والمعنى، فعند صاحب السؤال انتقال الاسم والمعنى بالتسلسل التالي:
4 - صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية، يتّهم النصيرية بالقول:
____________________
(1) الكفوي: الكليات ج2، ص(90).
بقِدَم العالَم. أمّا شيخ الربوة، فينفي هذه التهمة عنهم ويقول: (لجهالتهم بالقِدَم والحادث، وإطلاق الوجود والوجود المطلق والذات والصفات، وما يجب وما يجوز وما يستحيل).
5 - إنّ جميع الآثار التي وصلتنا، تذكر أنّ سكّان جبل السمّاق من الإسماعيلية.
يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان: جبل السمّاق... هو جبلٌ عظيم من أعمال حلب الغربية، يشتمل على مدن كثيرة وقرى وقلاع، عامّتها للإسماعيلية.
ويذكر القزويني في(آثار البلاد وأخبار العباد) ، ما نصّه: (وبها جبل السمّاق، وهو جبلٌ عظيم من أعمال حلب، يشتمل على مدن وقرى أكثرها للإسماعيلية،... وحُكي أنّ نور الدين صاحب الشام أنكر مَلك الإسماعيلية في وسط بلاده، فجاءه قاصداً أخْذَه، فلمّا نزلَ عليه في لَيلته الأُولى أصبحَ فرأى عند رأسه رقعة وسكيناً، وكان في الرقعة: إنْ لم ترحل الليلة الآتية تكون هذه السكين في بطنك، فارتحلَ عنه).
وذَكر أحد بن إبراهيم الحنبلي في(شفاء القلوب في مناقب بني أيوب) : (بعثَ العادل إلى بلاد الإسماعيلية وأحرق سرمين ومعرة مصرين، وجبل السمّاق، وقتلَ معظم أهله).
وإذاً، فإنّ شيخ الربوة يتحدّث عن الإسماعيلية من حيث لا يدري، وهذا ما يُفهم من قوله أيضاً: (أخذوا الغلو من أبي طاهر القرمطي)، والمعروف تاريخياً: أنّ القرامطة هُم إسماعيلية، ولو أنّ النصيرية هُم القرامطة، لتكلّم عنهما أصحاب الفِرق كفرقةٍ واحدة، لكنّهم اعتبروهما فِرقتين مستقلّتين، وتحدّثوا عن كلّ فرقةٍ منهما على حدة، وما قالوه عن هذه يختلف عمّا قالوه عن تلك.
وهناك شخصٌ آخَر معاصر لابن تيمية ولشيخ الربوة، هو شهاب الدين بن العمري (ت 749هـ)، تكلّم عن النصيرية أيضاً من خلال حديثه
عن(إيمان طوائف من أهل البدع) (1) ، وممّا قاله: (فأمّا النصيرية فهُم القائلون بإلوهية علي، وإذا مرّ بهم السحاب قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن، يزعمون أنّ السحاب مسكنه، ويقولون: إنّ الرعد صوته، وإنّ البرق ضحكه، وإنّ سلمان الفارسي رسولَه، ويحبّون ابن ملجم، ويقولون: إنّه خلّص اللاهوت من الناسوت، ولهم خطابٌ بينهم، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم ولا يذيعه ولو ضُربت عنقه، وجرّب هذا كثيراً، وهي طائفة ملعونة مرذولة مجوسية المعتقد لا تحرّم البنات ولا الأخوات ولا الأمّهات، ويُحكى عنهم في هذا حكايات، ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر ويرون أنّها من النور، ولهم قولٌ في تعظيم النور مثل قول المجوس أيضاً أو ما يقاربه.
أيمانهم:
إنّني وحقّ العليّ الأعلى، وما أعتقده في المظهر الأسنى، وحقّ النور وما نشأ منه والسحاب وساكنه، إلاّ برئتُ من مولاي علي العليّ العظيم وولائي له ومظاهر الحق، وكشفتُ حجاب سلمان بغير إذن، وبرئتُ من دعوة الحجّة نصير وخضتُ مع الخائضين في لعنة ابن مُلجم، وكفرتُ بالخطاب، وأذعتُ السرّ المصون، وأنكرتُ دعوى أهل التحقيق، وإلاّ قلعتُ أصل شجرة العنب من الأرض بيدي حتى اجتثّت أصولها وأمنع سبيلها، وكنت مع قابيل على هابيل، ومع النمرود على إبراهيم، وهكذا مع كلّ فرعون قامَ على صاحبه، إلى أن ألقى العليّ العظيم وهو عليَّ ساخطٌ، وأبرأ من قول قنبر، وأقول: إنّه بالنار ما تطهّر).
هذا القول يجعلنا نتساءل عن وجه الشبه ما بينه وبين الأقوال السابقة، كما يجعلنا نتساءل أيضاً: هل ما ذكره العمري، هو قول النصيرية حقّاً؟! لأنّنا إذا رجعنا إلى كُتب الفِرق وجَدنا هذه الأقوال منسوبة إلى فرقة السبأيّة، وكذلك إلى القرامطة.
____________________
(1) التعريف بالمصطلح الشريف.
يقول الملطي في(التنبيه والرد) : (والفرقة الثانية من السبأيّة يقولون: إنّ علياً لم يمُت، وإنّه في السحاب، وإذا نشأت سحابة بيضاء صافية منيرة، مُبرقة مُرعدة قاموا إليها يبتهلون ويتضرّعون، ويقولون: قد مرّ علي بنا في السحاب).
ويذكر البغدادي في(الفَرق بين الفِرق) : (وزعم بعض السبأيّة أنّ علياً في السحاب، وأنّ الرعد صوته، والبرق صوته، ومَن سمع من هؤلاء صوت الرعد، قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين).
ويذكر الأسفرايني في(التبصير في الدين): (فلمّا قُتل علي، قال عبد الله بن سبأ: إنّ علياً حيٌ لم يُقتل ولم يمُت... بل هو في السماء، وعن قريب ينزل وينتقم من أعدائه، وقال بعضهم: إنّه في الغيم، والرعد صوته، والبرق ضحكه، وإذا سمعوا صوت الرعد، قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين).
ومثل ذلك يذكر الشهرستاني، وغيره... وغيره...
وهناك مَن نسب هذا القول إلى فرقة تسمّى المنصورية.
يقول ابن عبد ربّه في(العقد الفريد) : (إنّ من الروافض مَن يزعم أنّ علياً (رضي الله عنه) في السحاب، فإذا أطلّت عليهم سحابة، قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن، وهؤلاء من الرافضة، يقال لهم: المنصورية، وهُم أصحاب أبي منصور الكسف، وإنّما سمّي الكسف ؛ لأنّه كان يتأوّل في قول الله عزّ وجلّ: ( وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السّماءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ) (1) .
وما دمنا بصدد الحديث عن(علي في السحاب) ، فمن المفيد أن نذكر كيف انتقل هذا القول إلى الألسن.
يقول ابن حجر الهيتمي في(الصواعق المحرقة) :
____________________
(1) الجزء الثاني، ص(404).
(وأخرجَ ابن عساكر أنّه لمـّا قُتل - أي علي عليه السلام - حملوه ليدفنوه مع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، فبينما هُم في مسيرهم لَيلاً إذ ندا الجَمل الذي عليه، فلم يُدرَ أين ذهب ولم يُقدر عليه، فلذلك يقول أهل العراق: هو في السحاب، وقال غيره: إنّ البعير وقَع في بلاد طيّ، فأخذوه ودفنوه).
وجاء في(الغدير) للأميني(1) :
(قال أبو الحسن الملطي في - التنبيه والرد - ص(26)، قولهم - (يعني الروافض) -: علي في السحاب، فإنّما ذلك قول النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لعلي: (أقبِل)، وهو مُعتم بعمامة للنبي (صلّى الله عليه وسلّم) كانت تدعى (السحاب)، فقال (صلّى الله عليه وسلّم): (قد أقبلَ علي في السحاب)، يعني في تلك العمامة التي تسمّى السحاب، فتأوّلوه هؤلاء على غير تأويله).
وقال الغزالي فيالبحر الزخار (ج1/ 215): (كانت له عمامة تسمّى السحاب فوهبها من علي، فربّما طَلَع عليٌ فيها، فيقول (صلّى الله عليه وسلّم): (أتاكم علي في السحاب).
وقال الحلبي فيالسيرة (ج3 / ص369): (كان له (صلّى الله عليه وسلّم) عمامة تسمّى السحاب، كساها علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه، فكان ربّما طَلَع عليه علي كرّم الله وجهه، فيقول (صلّى الله عليه وسلّم): (أتاكم علي في السحاب)، يعني عمامته التي وهبها له (صلّى الله عليه وسلّم).
قالالأميني: (هذا معنى ما يُعزى إلى الشيعة من قولهم: إنّ علياً في السحاب، لم يؤوله أيُّ أحدٍ منهم قط، من أوّل يومهم على غير تأويله كما حسب الملطي، وإنّما أوّلَه الناس افتراءً علينا، والله من ورائهم حسيب).
أمّاالقول : (وهي طائفة ملعونة مرذولة، مجوسية المعتقد، لا تحرّم البنات ولا الأخوات ولا الأمّهات، ولهم اعتقادٌ في تعظيم الخمر...).
____________________
(1) الجزء الأوّل، ص(290).
فلا يختلف في معناه عمّا نُسب إلى الخرمية والقرامطة.
وأمّاأيمانهم - كما رسمها ابن العمري - فلنا عودة إليها في مكانٍ آخَر من الكتاب.
وقد نقلَ القلقشندي (ت 821هـ) في(صبح الأعشى) ما كَتبه عن النصيرية(1) ، عن ابن العمري، وما كَتبه في (التعريف بالمصطلح الشريف)، وعن الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري في(إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد)، ولا يوجد في كلام القلقشندي ما يستحقّ الوقوف عنده بعد أن وقفنا عند الذين أخَذَ عنهم. هذه هي أهم أقوال الأقدَمين في النصيرية.
[الخلفيات السياسية للتقوُّل على النصيرية:
أ - الأُمويون.]
وهي كما تبيّن لم تسِر في خطوطٍ متوازيةٍ متقاربة، ونحن إذا تجاوزنا كلّ ما فيها من تناقضٍ وسقطات، ومجانبة للحقيقة، وسلّمنا بصحتها جميعها أو بعضها، فمن الغباء أن نتجاهل الخلفيات السياسية، والموقف من الشيعة عموماً، على الصعيدين: الرسمي، والعام، منذُ بِدء تكوّن نواة الشيعة وحتى نهاية الخلافة العباسية وما بَعد.
فمن المعلوم: أنّ معاوية بن أبي سفيان نالَ الخلافة بالخديعة والمـَكر، وكان أكبر خطر يتهدّد حُكمه وجود الإمام عليعليهالسلام ، وهو ليس بالخصم الهيّن ؛ نظراً لِمَا له من شخصية طاغية لها سحرها الخاص في نفوس المسلمين ؛ لجملةٍ من الأسباب: أهمّها كونُه ربيب رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وابن عمّه، وزوج ابنته الزهراء، ومنها أيضاً، مواقفه المشهورة في الدفاع عن الإسلام وتوطيد أركانه ؛ لذلك كان هَمّ معاوية الوحيد حجب بريق هذه الشخصية والحدّ من تأثيرها.
واستخدمَ في سبيل ذلك حرباً (إعلامية) مسعورة، سارت في اتّجاهين:
____________________
(1) الجزء 13، ص(222).
الاتّجاه الأوّل: شتمُ علي على المنابر ؛ لزرع بغضه في قلوب الناس وأذهانهم، وكان معاوية يقول في آخِر خطبة الجمعة: (الّلهم إنّ أبا تراب ألْحَدَ في دينك، وصدّ عن سبيلك، فالعنهُ لعناً وبيلاً، وعذّبه عذاباً أليماً)، وكَتب بذلك إلى الآفاق، فكانت هذه الكلمات تسير بها المنابر إلى خلافة عمر بن عبد العزيز(1) ، وقد رَوى الجاحظ: أنّ قوماً من بني أميّة قالوا لمعاوية: (يا أمير المؤمنين، إنّك قد بَلغتَ ما أمِلتَ فلو كففتَ عن لعنِ هذا الرجل، فقال: لا والله، حتى يربو عليها الصغير ويهرم عليها الكبير، ولا يذكر له ذاكر فضلاً)(2) .
كما كان يوصي وُلاتَه بشتم علي، وإقصاء أصحابه وترك الاستماع منهم، فلمّا وُلّي المغيرة بن شعبة الكوفة (في جمادى سنة إحدى وأربعين، دعاه فحمدَ الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا |
وما علم الإنسان إلاّ ليعلَما |
وقد يجزي عنك الحكيم بغير تعليم، وقد أردت إيصاءك بأشياءٍ كثيرة، فأنا تاركها اعتماداً على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني ويصلح به رعيّتي، ولستُ تاركاً إيصاءك بخصلةٍ: لا تتحم عن شتم علي وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعَيب على أصحاب علي، والإقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه، والإدناء لهم، والاستماع منهم)(3) .
الاتّجاه الثاني: حَمل صنائعه بالمغريات المادّية، على وضع الأخبار القبيحة في عليعليهالسلام ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه.
____________________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج1، ص463.
(2) تاريخ الطبري: ج5، ص253، طبعة دار المعارف بمصر.
(3) المرجع السابق.
ذكرَ ابن أبي الحديد(1) نقلاً عن أبي جعفر الاسكافي قوله: (إنّ معاوية وضعَ قوماً من الصحابة، وقوماً من التابعين على رواية أخبارٍ قبيحة في عليعليهالسلام ، تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعلَ لهم على ذلك جَعلاً يرغِّب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه).
وهكذا فتحَ باب الدسّ والاختلاق على مصراعَيه، وراحَ معاوية ووُلاته يختلقون الكتب على ألسِنة الناس، ويحملونهم على الشهادات الكاذبة، من ذلك مثلاً: شهادة أبي بردة بن أبي موسى في حِجر بن عَدي، وهي(2) :
(بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما شهدَ عليه أبو بردة بن أبي موسى لله ربّ العالمين، شهدتُ أنّ حجر بن عدي خَلع الطاعة، وفارقَ الجماعة، ولعنَ الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة، وجَمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخَلْع أمير المؤمنين معاوية، وكفر بالله عزّ وجلّ كُفرةً صلعاء، فقال زياد على مثل هذه الشهادة، فاشهدوا أمَا والله لأجهدنّ على قطع عنق الخائن الأحمق، فشهدَ رؤوس الأرباع على مثل شهادته).
ومن ذلك أيضاً، كتاب زياد بن أبي سفيان إلى معاوية، ونصّه:
(بسم الله الرحمن الرحيم: لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان، أمّا بعد، فإنّ الله قد أحسنَ عند أمير المؤمنين البلاء فكادَ له عدوه، وكفاه مؤنة مَن بغى عليه.
إنّ طواغيت من هذه الترابية السبأيّة، رأسهم حِجر بن عَدي خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونَصَبوا لنا الحرب، فأظهَرَنا الله عليهم، وأمكننا منهم، وقد دعوتُ خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السنّ والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثتُ بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبتُ شهادة صلحاء أهل
____________________
(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج5، ص467.
(2) تاريخ الطبري: ج5، ص271.
المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا)(1) .
وذكرَ ابن تغري بردي في(النجوم الزاهرة) : (قال هشام بن محمد، عن أبي مخنف، وجه آخر في حديث قيس بن سعد ومعاوية، قال: لمـّا آيَسَ معاوية من قيس بن سعد، شَقّ عليه ؛ لِمَا يعرف من حزمه وبأسه، فأظهرَ للناس أنّ قيساً قد بايعه، واختلقَ معاوية كتاباً فقرأهُ على أهل الشام، فيه:
أمّا بعد، لمـّا نظرتُ أنّه لا يسعني مظاهرة قومٍ قتلوا إمامهم مُحرماً مسلماً برّاً تقيّاً مستغفراً، وإنّي معكم على قتله بما أحببتم من الأموال والرجال متى شئتم عجّلتُ عليكم)(2) .
وكثيراً ما كانت هذه الكُتب المختلَقة، تتضمّن إلصاق شتّى التّهم بخيارِ الناس وصُلحائهم، ممّن والَوا علياً، وانضمّوا إلى صفّه، وكان الاتّهام بشرب الخمر من أيسر التّهم، ذكرَ الطبري في تاريخه ما قاله ابن زياد لمسلم بن عقيل، متّهماً إيّاه بشرب الخمر:
(إيه يا بن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع، وكلمتهم واحدة لتُشتّتهم وتفرّق كلمتهم، وتحمل بعضهم على بعضٍ، قال: كلا، لستُ أتيت، ولكنّ أهل المصر زعموا أنّ أباك قتلَ خيارهم وسفك دماءهم، وعملَ فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب، قال: وما أنت وذاك يا فاسق، أو لَم نَكُ نعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر، قال: أنا أشرب الخمر! والله، إنّ الله ليعلم أنّك غير صادق، وأنّك قلتَ بغير علم، وأنّي لستُ كما ذكرتَ)(3) .
ولم يكتفِ صنائع معاوية باختلاق الأقاويل، بل تعدّوا ذلك إلى اختلاق الشخصيات والروايات، اختلقوا مئة وخمسين صحابياً، نسبوا
____________________
(1) المرجع السابق.
(2) الجزء الأوّل، ص100.
(3) تاريخ الطبري: ج5، ص377.
إليهم كثيراً من الأقوال الباطلة(1) ، كما اختلقوا شخصية ابن السوداء، أو عبد الله بن سبأ، وحرصوا على جعل أصله يهودياً ؛ حتى يتمكّنوا بذلك من ربط أصول الفكر الشيعي الأُولى بجذورٍ يهودية.
وهكذا أخَذت شيعة عليعليهالسلام نَعْتَ السبأيّة، ونَسبوا إلى ابن سبأ القول بإلوهية علي بن أبي طالب، كما نَسبوا إليه أقوالاً أُخرى، وهي: القول بالغَيبة، القول بالرجعة، القول بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعدَ عليعليهالسلام ، والطعن على أبي بكر وعمر وعثمان... إلخ.
وهُم - كما يبدو - أخذوا الأحاديث في فضائل عليعليهالسلام وأقوال الإمام التي يتحدّث فيها عن نفسه، من خلال خطبه، وتأوّلوها على أنّها شركة في الرسالة وادّعاء بالربوبية، ونَسبوها إلى عبد الله بن سبأ ؛ للتلبيس على العامّة وتضليلها، وقد نجحوا في ذلك أيّما نجاح.
من ذلك مثلاً: قول الإمامعليهالسلام عند فتح خيبر: (والله، ما قلعتُ باب خيبر بقوّة جسدية، وإنّما بقوّة إلهية).
ومن ذلك أيضاً: قولهعليهالسلام لسعيد بن الفضل بن الربيع بن مدركة: (سَل عمّا بدا لك، فأنا كنز الملهوف، أنا الموصوف بالمعروف، أنا الذي قرعتني الصمم الصلاب، وهطلَ بأمري صوب السحاب، وأنا المنعوت في الكتاب، أنا الطود والأسباب، أنا ق والقرآن المجيد، أنا النبأ العظيم، أنا الصراط المستقيم، أنا البارع أنا العسوس، أنا القلمس، أنا الفعوس، أنا المداعس، أنا ذو النبوّة والسطوة، أنا العليم، أنا الحكيم، أنا الحفيظ، أنا الرفيع، بفضلي نطقَ كلّ كتاب، وبعلمي شهدَ ذوو الألباب، أنا علي أخو رسول الله)(2) .
ومن ذلك أيضاً: قولهعليهالسلام :
____________________
(1) السيد مرتضى العسكري: خمسون ومئة صحابي مختلق.
(2) حسين بن عبد الوهّاب: عيون المعجزات.
(سلوني قبل أن تفقدوني، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة إلاّ أنبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها، ومحطّ رحالها، ومَن يُقتل من أهلها قتلاً، ومَن يموت موتاً).
وقد تنبّه شارح نهج البلاغة إلى ما تحمله هذه الكلمات من معاني، فقال:
(وهذه الدعوى ليست منهعليهالسلام ادّعاء الربوبية ولا ادّعاء النبوّة، ولكنّه كان يقول: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أخبرهُ بذلك، وقد امتحنّا إخباره فوجدناه موافقاً فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة، كإخباره عن الضربة التي يضربها في رأسه فتخضب لحيته، وإخباره بمِلك معاوية الأمر من بعده، وإخباره عن الحجّاج وعن يوسف بن عمر، وما أخبرَ به من أمر الخوارج بالنهروان، وما قدّمه إلى أصحابه من أخبار بقتل مَن يُقتل منهم وصلب مَن يُصلب...).
وقد راجت أسطورة عبد الله بن سبأ في الأذهان، وتناقلها الكتّاب على أنّها حقيقة واقعة، إلى أن تنبّه إلى زيفها الكتّاب المعاصرون: كطه حسين، وعلي الوردي، والسيد مرتضى العسكري، وسواهم.
يقول طه حسين في (الفتنة الكبرى):
(وأكبر الظنّ كذلك أنّ خصوم الشيعة أيّام الأمويين والعباسيين قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا ؛ ليشكّكوا في بعض ما نُسب من الأحداث إلى عثمان ووُلاته من ناحية، وليشنّعوا على علي وشيعته من ناحيةٍ أُخرى، فيردّوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلَم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنّعَ خصوم الشيعة على الشيعة، وما أكثر ما شنّع الشيعة على خصومهم في أمر عثمان وفي غير أمر عثمان.
فلنقف من هذا كلّه موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط، ولْنُكبِر
المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم رجلٌ أقبلَ من صنعاء، وكان أبوه يهودياً وكانت أمّه سوداء، وكان هو يهودياً ثمّ أسلَم لا رغباً ولا رهباً، ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثمّ أُتيحَ له من النجح ما كان يبتغي، فحرّضَ المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شِيَعاً وأحزاباً.
هذه كلّها أمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ).
ويذكر الدكتور علي الوردي في(وعّاظ السلاطين) :
(إنّ ابن سبأ لم يكن سوى عمار بن ياسر، فلقد كانت قريش تعتبر عماراً رأس الثورة على عثمان، ولكنّها لم تشأ في أوّل الأمر أن تصرّح باسمه، فرمزت عنه بابن سبأ أو ابن السوداء، وتناقلَ الرواة هذا الأمر غافلين، وهُم لا يعرفون ماذا كان يجري وراء الستار...).
فالشيعة - زمن الأمويين - كانت بالمنظار الرسمي فئة كافرة، سبأيّة تُألّه علياً، رجالاتها فسّاق يشربون الخمر.
وهذا ما يتّضح من التّهم التي أُلصقت بعليعليهالسلام ، وحِجر بن عَدي، ومسلم بن عقيل.
عليعليهالسلام ألْحَد في دين الله، وصدّ عن سبيله، وحِجر بن عَدي (رأس السبأيّة الكافرة)، كفرَ بالله عزّ وجلّ كُفرةً صلعاء، ومسلم بن عقيل فاسق يشرب الخمر.... إلخ.
[ب - العبَّاسيون:]
ولمـّا دالت دولة الأمويين وجاء العبّاسيون، لم تتغيّر النظرة إلى الشيعة ؛ ذلك لأنّ الشيعة في العهد العباسي أصبحت قوّة كبيرة يُحسب حسابها، أرقت مضاجع خلفاء بني العباس، وخاصّةً بعدما لَمسوا التفافَ الناس حول العلويين في الثورات التي قاموا بها ضدّ الحُكم العباسي، أو في الثورات التي قامت باسمهم، وازدادَ الأمر سوءاً بعد ظهور الدولة الفاطميّة على مسرح الأحداث ؛ ولهذا فلا عجبَ أن رأينا خلفاء بني العباس، قد سلكوا
نفس المسلك الذي سلكه من قَبلهم خلفاء الأمويين، وهو اللجوء إلى سلاح الدسّ والاختلاق ؛ لحَمل الناس على الصدود عن الشيعة، وخضد شوكتهم. فالخليفة المهدي - حَكم من 158هـ إلى 169هـ - أمَر المتكلّمين أن يضعوا الكُتب على أهل (الإلحاد)، والمقصود بهم: الشيعة الإسماعيلية، والشيعة الإمامية، والمعتزلة.
[الخليفة القادر بالله وفتوى التكفير:]
والخليفة القادر بالله - حَكم من 381هـ إلى 422هـ - أمَر بكتابة محضر يتضمّن الطعن في نسب العلويين خلفاء مصر، جاء فيه: (وإنّ هذا الناجم بمصر هو وسلفه كفّار وفسّاق فجّار ملحدون زنادقة، معطّلون وللإسلام جاحدون، ولمذهب الثنوية والمجوسية معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروج، وأحلّوا الخمور، وسفكوا الدماء، وسبّوا الأنبياء، ولعنوا السلف، وادّعوا الربوبية)(1) ، كما وضعَ كتاباً بمذهب السنّة، وكفّر كلّ مَن يقول بخلافه، وهو:
(يجب على الإنسان أن يعلم أنّ الله عزّ وجلّ وحده لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولم يتخذ صاحبةً ولا ولداً ولم يكن له شريكٌ في الملك، وهو أوّل لم يزل، وآخِر لا يزال، قادرٌ على كل شيء غير عاجز عن شيء، إذا أراد شيئاً قال له: كن فيكون.
غنيٌ غير محتاج إلى شيء، لا إله إلاّ هو الحي القيّوم لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم، يُطعِم ولا يُطعَم، لا يستوحش من وحدةٍ ولا يأنس بشيء وهو الغني عن كلّ شيء، لا تخلفه الدهور والأزمان، وكيف تُغيّره الدهور والأزمان وهو خالق الدهور والأزمان، والليل والنهار، والضوء والظلمة، والسماوات والأرض وما فيها من أنواع الخلق والبَرّ والبحر، وما فيها وكلّ شيء حي أو مَوات أو جماد كان، ربّنا وحده لا شيء معه ولا مكان يحويه، فخلقَ كلّ شيء بقدرته، وخلقَ العرش لا لحاجة إليه فاستوى عليه كيف شاء وأراد، لا استقرار راحة كما يستريح الخلق، وهو مدبّر السماوات والأرضين، ومدبّر ما فيها ومَن في البَرّ والبحر
____________________
(1) ابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج7، ص255.
ولا مدبّر غيره ولا حافظ سواه، يرزقهم ويحرّضهم ويعافيهم ويميتهم ويحييهم، والخلق كلّهم عاجزون والملائكة والنبيّون والمرسلون والخلق كلّهم أجمعون، وهو القادر بقدرة والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع والمبصر ببصر يعرف صفتهما من نفسه، لا يبلغ كُنههما أحدٌ من خلقه، متكلّم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، ولا يوصف إلاّ بما وصفَ به نفسه أو وصفه به نبيّهعليهالسلام ، وكلّ صفةٍ وصَفَ بها نفسه أو وصَفَه بها رسوله فهي صفةٌ حقيقيةٌ لا مجازية.
ويعلم أنّ كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلّمَ به تكليماً وأنزلهُ على رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) على لسان جبريل بعدما سمعه جبريل منه، فتلاهُ جبريلُ على محمدٍ، وتلاهُ محمدُ على أصحابه وتلاهُ أصحابُه على الأمّة، ولم يصِر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً ؛ لأنّه ذلك الكلام بعينه الذي يتكلّم الله به فهو غير مخلوق، فبكل حالّ متلوّاً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً، ومَن قال: إنّه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر حلال الدم بعد الاستتابة منه.
ويعلم أنّ الإيمان قولٌ وعمل ونيةٌ، وقولٌ باللسان وعملٌ بالأركان والجوارح وتصديقٌ به، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهو ذو أجزاء وشُعب، فأرفع أجزائه لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء من الإيمان، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، والإنسان لا يدري كيف هو مكتوب عند الله ولا بماذا يُختم له ؛ فلذلك يقول: مؤمنٌ إن شاء الله، وأرجو أن أكونَ مؤمناً، ولا يضرّه الاستثناء والرجاء، ولا يكون بهما شاكّاً ولا مرتاباً ؛ لأنّه يزيد بذلك ما هو مغيّب عنه من أمر آخِرَته وخاتمته، وكلّ شيء يتقرّب به إلى الله تعالى، ويعمل لخالص وجهه من أنواع الطاعات فرائضه وسنّته وفضائله، فهو كلّه من الإيمان منسوب إليه، ولا يكون للإيمان نهايةً أبداً ؛ لأنّه لا نهاية للفضائل ولا للمتبوع في الفرائض أبداً.
ويجب أن يحبّ الصحابة من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وسلّم) كلّهم، ويعلم أنّهم خير الخلق بعد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وأنّ خيرهم كلّهم وأفضلهم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان بن عفّان، ثمّ علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، ويشهد للعشرة بالجنّة، ويترحّم على أزواج رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ومَن سَبّ عائشة فلا حظّ له في الإسلام، ولا يقول في معاوية إلاّ خيراً، ولا
يدخل في شيء شَجَرَ بينهم، ويترحّم على جماعتهم، قال الله تعالى:( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ، وقال فيهم:( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ) ، ولا يكفر بترك شيء من الفرائض غير الصلاة المكتوبة وحدها ؛ فإنّه مَن تَركها من غير عذرٍ وهو صحيح فارغ حتى يخرج وقت الأُخرى فهو كافر وإن لم يجحدها ؛ لقول النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (بين العبد والكفر ترك الصلاة، فمَن تركها فقد كفر)، ولا يزال كافراً حتى يندم ويعيدها، فإن ماتَ قبل أن يندم ويعيد أو يضمر أن يعيد لم يُصَلَّ عليه، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأُبي بن خلف، وسائر الأعمال لا يكفر بتركها وإن كان يفسق حين يجحدها، ثمّ قال:
هذا قول أهل السنّة والجماعة، الذي مَن تمسّك به كان على الحقّ المـُبين وعلى منهاج الدين والطريق الواضح، ورجى به النجاة من النار ودخول الجنّة إن شاء الله، وقال النبي (صلّى الله عليه وسلّم): (وعلم الدين النصيحة)، قيل: لِمَن يا رسول الله؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، ولعامّتهم)، وقالعليهالسلام : (أيّما عبدٍ جاءته موعظة من الله تعالى في دينه فإنّها نعمة من الله سبقت إليه، فإن قَبِلها يشكر، وإلاّ كانت حجّة عليه، والله، ليزداد بها إثماً ويزداد بها من الله سخطاً)، جعلنا الله لآلائه من الشاكرين، ونَعمائه ذاكرين، وبالسنّة معتصمين، وغفرَ لنا ولجميع المسلمين)(1) .
وبموجب (الاعتقاد القادري) أصبحت الشيعة، وكل مَن لفّ لفّها، فرقة كافرة، وأفتى الفقهاء بقتلهم وقطعهم ونفيهم، وهذا ما أشارَ إليه صراحة كتاب الأمير، يمين الدولة أبي القاسم محمود، إلى الخليفة القادر بالله، ونصّه:
(سلامٌ على سيّدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، فإنّ كتاب العبد صدرَ من معسكره بظاهر الري، غرّة جمادى الآخرة سنة عشرين، وقد
____________________
(1) المرجع السابق: ج8، ص38.
أزالَ الله عن هذه البقعة أيدي الظلمة، وطهّرها من دعوة الباطنية الكفرة والمبتدعة الفجرة، وقد تناهت إلى الحضرة المقدّسة حقيقة الحال في ما قصر العبد عليه سعيه واجتهاده، من غزو أهل الكفر والضَلال، وقمع مَن نبغ ببلاد خراسان من الفئة الباطنية الفجّار، وكانت مدينة الري مخصوصة بالتجائهم إليها، وإعلانهم بالدعاء إلى كفرهم فيها يختلطون بالمعتزلة المبتدعة، والغالية من الروافص المخالفة لكتاب الله والسنّة، يتجاهرون بشتم الصحابة ويرون اعتقاد الكفر، ومذهب الإباحة.
وكان زعيمهم رستم بن علي الديلمي، فعطف العبد عنانه بالعساكر فطلعَ بجرجان وتوقّف بها إلى انصراف الشتاء، ثمّ دلفَ منها إلى دامغان، ووجّه علياً الحاجب في مقدّمة العسكر إلى الري، فبرزَ رستم بن علي من وجاره على حُكم الاستسلام والاضطرار، فقبضَ عليه وعلى أعيان الباطنية من قوّاده، وطلعت الرايات إثر المقدّمة بسواد الري غدوة الاثنين السادس عشر من جمادى الأُولى، وخرجَ الديالمة معترفين بذنوبهم شاهدين بالكفر والرفض على نفوسهم، فرجعَ إلى الفقهاء في تعرّف أحوالهم، فاتّفقوا على أنّهم خارجون عن الطاعة وداخلون في أهل الفساد، مستمرّون على العناد، فيجب عليهم القتل والقطع والنفي على مراتب جناياتهم، وإن لم يكونوا من أهل الإلحاد، وكيف واعتقادهم في مذاهبهم لا يعدو ثلاثة أوجه تسوّد بها الوجوه في القيامة: التشيّع، والرفض، والباطن.
ولا يؤتون الزكاة ولا يعرفون شرائط الإسلام، ولا يميّزون بين الحلال والحرام، بل يجاهرون بالقذف وشتم الصحابة، ويعتقدون ذلك ديانة، والأمثل منهم يتقلّد مذهب الاعتزال، والباطنية منهم لا يؤمنون بالله عزّ وجلّ وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخِر، وإنّهم يعدّون جميع المِلل مخاريق الحكماء، ويعتقدون مذاهب الإباحة في الأموال والفروج)(1) .
[الشيعة والمشاعر الجماهيرية المناوئة لهم:]
هذا على الصعيد الرسمي، أمّا على الصعيد العام، فكان الشعور ضدّ الشيعة في أعلى درجات الاحتقان والتهييج، ونتيجة لهذا الشعور العدائي تجاه الشيعة، كانت الاعتداءات عليهم تتوالى، وعلى مرأى ومسمع من
____________________
(1) المرجع السابق: ج8، ص109.
الحّكام الذين لم يحرّكوا ساكناً. وقد تمثّلت هذه الاعتداءات في منع الشيعة من عمل عاشوراء، وحرق ضريح قبر موسى بن جعفر، وقبر زبيدة، وقبور ملوك بني بوَيه وجميع الترب التي حواليها، وقتل رجالاتهم والتشهير بهم، وهَدْم مساجدهم، كمسجد براثا الذي اعتُبر مسجد ضرار.
من ذلك مثلاً: ما رواه ابن الجوزي(1) عن البديع صاحب أبي النجيب، وكان هذا متصوّفاً يعظ الناس، فحُمل إلى الديوان وأُخذ من عنده ألواح من طين فيها، قيل: عليها مكتوب أسماء الأئمة الاثنا عشر، فاتّهموه بالرفض، فشُهّر بباب النوبي، وكُشف رأسه وأُدّب وأُلزم بيته.
ومن ذلك أيضاً: ما جرى لأبي السعادات ابن قرايا، الذين زعموا أنّهم وجَدوا عنده كُتباً كثيرة فيها سَبّ الصحابة وتلقيفهم، فأُخذ فقُطع لسانه بكرة الجمعة وقُطعت يده، ثمّ حطّ إلى الشط ليحمل إلى المارستان فضربه العوّام بالآجر في الطريق فهربَ إلى الشط، فجعلَ يسبح وهُم يضربونه حتى مات، ثمّ أخرجوه وأحرقوه، ثمّ رُمي باقيه إلى الماء(2) .
ومن ذلك أيضاً: ما جرى للطبري المؤرّخ ؛ فإنّه لمـّا مات سنة 310هـ دُفن ليلاً بداره ؛ لأنّ العامّة اجتمعت ومَنعت من دفنه نهاراً، وادّعوا عليه الرفض، ثمّ ادّعوا عليه الإلحاد(3) .
وكما دخلتْ إلى قاموس السياسة في زمن الأمويين، تهمة السبأيّة لأصحاب علي وشيعته، دخلتْ إليه في العهد العباسي تهمة الزندقة والقرمطة، وكما قالوا عن ابن سبأ أنّه: من أصلٍ يهودي، قالوا عن ميمون القداح أنّه: كان يهودياً ديصانياً.
وصارت تهمة الدعاية للمذهب القرمطي تطال كلّ شيعي، ذكرَ ابن الجوزي(4) ، عن أبي القاسم الخاقاني: أنّه في أيّام وزارته لم يزَل يبحث عمّن يدّعي عليه من أهل بغداد أنّه يكاتب القرمطي
____________________
(1) المنتظم: ج10، ص147.
(2) المرجع السابق.
(3) ابن الأثير: الكامل.
(4) المنتظم: ج6، ص195.
ويتديّن بدين الإسماعيلية، إلى أن تظاهرت عنده الأخبار بأنّ رجلاً يُعرف بالكعكي ينزل في الجانب الغربي رئيس للرافضة، وأنّه من الدعاة إلى مذهب القرامطة، فتقدّمَ إلى نازوك بالقبض عليه، فمضى ليقبض عليه، فتسلّقَ من الحيطان وهرب، ووقعَ برجلٍ في داره كان خليفته، ووجد في الدار رجالاً يجرون مجرى المتعلّمين، فضربَ الرجلَ ثلاثمئة سوط، وشهّره على جملٍ، ونوديَ عليه: هذا جزاءُ مَن شَتَم أبا بكر وعمر، وحبسَ الباقين.
وبَلَغ كُره الشيعة أقصاه، بوَصم علمائهم الكبار بخبث المذهب، والغلو، والزيغ، وترك الصلاة، والشرب، والجهل، و...، من ذلك - مثلاً - ما جاء في(شذرات الذهب) للحنبلي: (أبان بن تغلب الكوفي القارئ المشهور، وكان من ثقات الشيعة، يروي عن الحكم طائفة، قال في المغني: أبان بن تغلب ثقة معروف، قال ابن عدي وغيره: غالٍ في التشيّع، وقال الجوزجاني: زائغٌ مذموم المذهب، ووثّقه أحمد وابن معين وأبو حاتم)(1) .
وذَكر الحنبلي أيضاً، في أخبار سنة 355هـ: (وفيها توفّي الحافظ أبو بكر الجعابي محمد بن عمر بن أحمد بن سلم التميمي البغدادي، وكان حافظ مكثراً، وصنّف الكُتب، وكان عديم المثل في حفظه، قال الدارقطني: ثمّ خلط، ثمّ ذكر وهو شيعي، قيل: كان يترك الصلاة، وقال ابن ناصر الدين: كان شيعياً رُمي بالشرب، وغيره)(2) .
وقال أيضاً: (المسبحي الأمير المختار عبد الملك بن محمد بن عبيد الله بن أحمد الحراني، الأديب العلاّمة صاحب التأليف، وكان رافضياً جاهلاً)(3) .
وذكرَ ابن الجوزي في(المنتظم) : (الحسن بن الحسن أبو محمد
____________________
(1) الجزء الأوّل: ص210.
(2) المرجع السابق: ج3، ص17.
(3) المرجع السابق: ج3، ص216.
النوبختي...، قال البرقاني: كان معتزلياً وكان يتشيّع، إلاّ أنّه يتبيّن أنّه صدوق، وقال الأزهري: كان رافضياً رديء المذهب)(1) .
وذكرَ ابن تغري بردي في(النجوم الزاهرة) - عند حديثه عن أخبار سنة 537هـ -: (وفيها توفّي الحسن بن محمد بن علي بن أبي الضوء الشريف أبو محمد الحسيني البغدادي، نقيب مشهد موسى بن جعفر ببغداد، وكان إماماً فاضلاً فصيحاً شاعراً، إلاّ أنّه كان على مذهب القوم، متغالياً في التشيّع)(2) .
ونحبّ أن نشير هنا إلى أنّ موجة الاتّهام، لم تطل الشيعة (عموماً) لوحدهم فحسب، بل شملت فِرقاً ومذاهب أخرى: كالمعتزلة الحنفية، والجهمية، والمشبّهة، والحنابلة، والأشعرية... فعندما أظهرَ الخليفة المأمون القول بخلق القرآن، أرسلَ إلى أبي الحسين إسحاق بن إبراهيم كتاباً يتّهم فيه أهل السنّة بالضَلال، هو:
(أمّا بعد، فإنّ حقّ الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوّة التي أورثهم، وأثَر العلم الذي استودعهم والعمل بالحق في رعيّتهم، والتشمير لطاعة الله فيهم، والله يسأل أمير المؤمنين أن يوفّقه لعزيمة الرشد وصريمته، والإقساط فيما ولاّه الله من رعيّته برحمته ومنّته.
وقد عَرف أمير المؤمنين: أنّ الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشوِ الرعية وسفلة العامّة ممّن لا نظر له، ولا رؤية ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، ولا استضاء بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق، أهل جهالة بالله وعمي عنه، وضَلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصور أن يقدّروا الله حقّ قدره، ويعرفوه كُنْه معرفته، ويفرّقوا بينه وبين خلقه، بضعف آرائهم ونقص عقولهم، وخفائهم عن التفكير والتذكّر ؛ وذلك أنّهم ساروا بين الله تبارك
__________________
(1) ج7، ص 258.
(2) ج5، ص 271.
وتعالى وبين ما أنزل من القرآن، وأطبقوا مخضعين واتّفقوا غير متجامعين على أنّه قديم أوّل، لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه، وقد قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه، الذي جعلهُ لِمَا في الصدور شفاءً، وللمؤمنين هدىً ورحمةً: ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) فكلّ ما جعلهُ الله فقد خلقه الله، وقال: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ) ، وقال عزّ وجلّ:( كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ) ، فأخبرَ أنّه قَصَصَ لأمورٍ أحدثها بعده، وتلا بها فتقدّمها، وقال:( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) .
وكلُ مُحكم مفصّل فله مُحكم مفصّل، والله جلّ وعزّ مُحكِم كتابه ومُفصِّله فهو خالقه ومبتدعه، ثمّ هُم أولئك الذين جادلوا بالباطل إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنّة، وفي كل فصلٍ من كتاب الله قصص من تلاوته مُبطل قولهم، ومُكذّب دعواهم، يردّ عليهم قولهم ونِحلتهم، ثمّ أظهروا مع ذلك أنّهم هُم أهلُ الحقّ والدين والجماعة، وأنّ مَن سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة فاستطالوا بذلك على الناس، وغرّوا به الجهّال حتى مالَ قومٌ من أهل السمت الكاذب والتخشّع لغير الله، والتقشّف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيء آرائهم ؛ تزيّناً بذلك عندهم وتصنّعاً للرئاسة والعدالة فيهم، فتركوا الحقّ إلى باطلهم، واتّخذوا دون هدى الله وليجة إلى ضَلالتهم فقُبلت - بتزكيتهم لهم - شهاداتهم ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم، وبطلَ أديمهم وفساد نيّاتهم وتفنّنهم، وكان ذلك غايتهم التي إليها أجروا، وإيّاها طلبوا في متابعتهم، والكذب على مَولاهُم، وقد أخذَ عليهم ميثاق الكتاب ألاّ يقولوا على الله إلاّ الحقّ، ودرسوا ما فيه:( أُولئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلاَ يَتَدَبّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) .
فرأى أمير المؤمنين أنّ أولئك شرّ الأمّة، ورؤوس الضَلالة، والمنقوصون من التوحيد حظّاً، والمخسوسون من الإيمان نصيباً وأوعية الجهالة، وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين الله، وأحقّ مَن اتّهم في صدقه، وأُطرحَت شهادته، ولم يوثق بقوله ولا عمله، فإنّه لا عمل إلاّ بعدَ يقين، ولا يقين إلاّ بعدَ استكمال
حقيقة الإسلام، وإخلاص التوحيد، ومَن عَمى عن رشده وحفظه من الإيمان بالله وبتوحيده، كان عمّا سوى ذلك من عمله والقصد من شهادته أعمى وأضلُ سبيلاً، ولعمر أمير المؤمنين إنّ أحجى الناس بالكذب في قوله، وتخرّص الباطل في شهادته مَن كَذب على الله ووحيه، ولم يعرف الله حقيقة معرفته، وإنّ أوْلاهم أن يردّ شهادة الله جلّ وعزّ على كتابه، وبهت حقّ الله بباطله، فاجمع مَن بحضرتك من القضاة واقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وابدأ بامتحانهم فيما يقولون، وتكشيفهم عمّا يعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه.
وأعلِمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيما قلّده الله واستحفظه في أمور رعيّته مَن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقرّوا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمُرهُم بنظر مَن بحضرتهم من الشهود على الناس، ومساءلتهم عن علمهم في القرآن، وترك الإثبات بشهادة مَن لم يقرّ أنّه مخلوق مُحدث، ولم يروا الامتناع من توقيعها عنده، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يأتيك من قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك، ثمّ أشرِف عليهم وتفقّد آثارهم ؛ حتى لا تنفذ أحكام الله إلاّ بشهادة أهل البصائر في الدين والإخلاص للتوحيد، واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون منك في ذلك، وكتب في شهر ربيع الأوّل سنة ثماني عشرة ومئتين)(1) .
كما أنّ الخليفة الراضي بالله أصدر بحقّ الحنابلة كتاباً ينسبهم فيه إلى الكفر والضَلال، ونصّه:
(بسم الله الرحمن الرحيم، مَن نافَق بإظهار الدين وتوثّب على المسلمين، وأكلَ به أموال المعاهدين كان قريباً من سخط ربّ العالمين وغضب الله وهو من الضالّين.
وقد تأمّلَ أمير المؤمنين أمرَ جماعتكم، وكشفت له الخبرة عن مذهب صاحبكم، زيّن لحزبه المحظور ويدلي لهم حبل الغرور، فمِن ذلك تشاغلكم بالكلام في ربّ العزّة تباركت أسماؤه، وفي
____________________
(1) ابن طيفور: بغداد في تاريخ الخلافة العباسية.
نبيه والعرش والكرسي، وطعنكم على خيار الأمّة، ونَسبكم شيعة أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إلى الكفر والضَلال، وإرصادهم بالمكاره في الطرقات والمحال، ثمّ استدعاؤكم المسلمين إلى الدين بالبدع الظاهرة والمذاهب الفاجرة، التي لا يشهد بها القرآن ولا يقتضيها فرائض الرحمان، وإنكاركم زيارة قبور الأئمة صلوات الله عليهم، وتشنيعكم على زوّارها بالابتداع ؛ وإنّكم - مع إنكاركم ذلك - تتلفّقون وتجتمعون لقصد رجلٍ من العوام ليس بذي شرف، ولا نسب، ولا سبب برسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وتأمرون بزيارة قبره والخشوع لدى تربته والتضرّع عند حفرته، فلعنَ الله ربّاً حَملكم على هذه المنكرات ما أرداه، وشيطاناً زيّنها لكم ما أغواه، وأمير المؤمنين يُقسم بالله قَسماً جهد ألية يلزمه الوفاء به، لئن لم تنصرفوا عن مذموم مذهبكم ومعوّج طريقتكم ليوسعنّكم ضرباً وتشريداً وقتلاً وتبديلاً، ويستعملنّ السيف في رقابكم والنار في محالّكم ومنازلكم، فليبلّغ الشاهد منكم الغائب، فقد أعذر مَن أنذر، وما توفيق أمير المؤمنين إلاّ بالله عليه يتوكّل وعليه ينيب)(1) .
[نتائج البحث السابق:]
يُستخلص من ذلك: أنّ ما أُلصق بالشيعة من تُهم، كان لغاياتٍ سياسية ؛ إذ اتّخذ الخلفاء من هذا الاتّهام وسيلةً للقضاء على خصومهم من الهاشميين، ولم يقتصر (الأمر على الخلفاء في اتّهام الخصوم بالكفر والرفض و... لأغراض سياسية، بل كان هناك من الوزراء، مَن يتّخذون الاتّهام سبيلاً للكيد والوقيعة بنظرائهم أو خصومهم الذين يحقدون عليهم).
ويُستخلص أيضاً: أنّ كلمة شيعة كانت تعني طوال العهد العباسي (الرفض)، ومن معاني هذه الكلمة في قاموس السياسة: الغلو والكفر.
وعليه، تكون التّهم التي وجِّهت للشيعة عموماً، منذ بدء تكوّن نواة التشيّع، وحتى نهاية الخلافة العباسية، هي: 1 - الإلحاد، 2 - الغلو، 3 - الرفض، 4 - إباحة المحارم، 5 - التناسخ، 6 - الجهل، 7 - شرب الخمر، 8 - ترك الصلاة.
____________________
(1) ابن مسكويه: تجارب الأمم.
وهكذا جعلوا الشيعة = السبأيّة + القرمطة + المجوسية + الدهرية(1) + الباطنية + الحلولية، ولمـّا كانت النصيرية فرقة من فِرق الشيعة، فقد حمّلوها كل هذه التّهم، بالإضافة إلى تّهمٍ أخرى: كممالئة التتار، والإفرنج و... إلخ.
[الاتهامات للشيعة: مسائل خلافية.](*)
ونحن إذا رجعنا إلى خلفيّات هذه الاتّهامات وبحثنا في الجذور، تبيّن لنا أنّها من المسائل الخلافية، التي اشتدّ حولها الجدل بين الفقهاء والمتكلّمين، وانقسمت حولها الآراء، ولم ينتصر رأيٌ على رأي، وتبيّن لنا أنّ الأيدي الخفيّة اختارتها عن قصد للتلبيس على العامّة، وإثارة مشاعرها ؛ لأنّها حمّالة على وجوه، كما سنبيّن ذلك عند وقفتنا القصيرة أمام هذه الاتّهامات.
[1 - ] التناسخ:
التناسخ: هو وصول روح إذا فارقَ البدن إلى جنينٍ قابل للروح، أو هو خروج الروح من جسد وحلولها في جسد آخَر.
والحديث عن التناسخ، يجرّنا إلى الحديث عن المعاد، والقائلون بالمعاد فِرق(2) :
- فرقة تجعل المعاد للأبدان وحدها.
- وفرقة تجعله للنفوس وحدها.
- وفرقة تجعله للنفوس والأبدان جميعاً.
القول بالمعاد للنفوس هو ما يعنينا، والقائلون به فِرق:
____________________
(1) الدهرية: فرقة لا تؤمن بدينٍ ولا إله، وتقول: بقِدَم العالَم، ولا تؤمن إلاّ بالمحسوس، ولا تعتقد بوجود عالَم وراء هذا العالَم المادّي، ولا تؤمن بالبعث والثواب والعقاب.
(2) ابن سينا: رسالة أضحوية في أمر المعاد.
(*) لا نختلف مع الكاتب في أن القضايا التي ذكرها مما اختلاف فيه المسلمون على مذاهب وأقوال كثيرة، ولكن إن كان مقصوده إضفاء الشرعية على القول بها بمجرد وجود الخلاف فيها، أو أن ذلك مما يؤمن به الشيعة عامة، فهو خطأ لا نوافقه عليه، على الأقل لدى المذهب الإمامي الاثني عشري، فقد أجمعت كلمتهم قاطبة على بطلان القول بالتناسخ وقدم العالم (القدم بالذات)، وعلى حرمة تعاطي الخمر والقول بالغلو. ومصنفاتهم معروفة مشهورة في ذلك، يمكن للجميع مراجعتها.[شبكة الإمامين الحسنين عليهماالسلام للتراث والفكر الإسلامي] .
- فرقة تقول بتجسيم النفس.
- وفرقة تعتقدها جوهراً نورانياً من عالَم النور مخالطاً للبدن الذي هو جوهر مظلم، من عالَم الظلمة، وسعادته خلاص النور من الظلمة وخروجه إلى عالم النور، وشقاوته بقاؤه في عالَم الظلمة.
- وفرقة ترى ذلك لها بالكرور في الأبدان، وهُم أهل التناسخ.
- وفرقة ترى لها ذلك بالاحتباس في العالَم العنصري، والانفلات منه.
وفرقة ترى ذلك لها باستكمالها لجوهرها، وخلوصها عن تمكّن آثار الطبيعة فيها، وضدّ ذلك.
وأهل التناسخ أيضاً فِرق:
- فرقة يجوّزون كرور النفس في جميع الأجساد النامية، نباتية كانت أو حيوانية.
- وفرقة يجوّزون ذلك في الأبدان الحيوانية.
- وفرقة لا يجوّزون دخول نفسٍ إنسانية في نوعٍ غير الإنسان أصلاً، وهُم فِرقتان:
* فرقة توجب التناسخ للنفس الشقيّة وحدها، حتى تستكمل وتستعد فتخلص عن المادّة.
* وفرقة توجب ذلك للنفسين جميعاً: الشقيّة، والسعيدة. الشقيّة في أبدانٍ تعبة، والسعيدة في أبدانٍ ذوات نعمة وراحة.
فتكون الروح والحالة هذه، محور نظرية التناسخ.
وقد اتّفق علماء المسلمين على أنّ الأرواح بعد المفارقة عن الأبدان تنتقل إلى جسمٍ آخَر(1) ، بحديث: (إنّ أرواح المؤمنين في أجوافِ طيرٍ خُضرٍ تعلّق من ثمار الجنّة)، ولكنّهم اختلفوا مع الحكماء في نقطة، هي: هل تكون
____________________
(1) الكفوي: الكليات ج2، ص376، والمنّاوي: فيض القدير ج2، ص422.
مدبّرة لذلك الجسم أو لا؟ هُم قالوا: تكون مدبّرة، بدليل آخِر الحديث، وقال الحكماء: لا يصحّ أن تكون مدبّرة لتلك الأبدان. ومن هنا قال مَن قال: ما من مذهب إلاّ وللتناسخ فيه قَدَمٌ راسخ(1) ، وكان ثمّة كثيرون ممّن يميلون أشدّ الميل إلى مذهب التناسخ، ومنهم فلاسفة معروفون كنجم الدين النخجواني، الذي كان ذا يدٍ قوية في الفضائل وعارضة عريضة في علوم الأوائل(2) ، تفلسفَ ببلاده وسار في الآفاق وطوّف وولّي المناصب الكبار، ثمّ كره كدر الولاية ونَصْبَها، فارتحلَ إلى الشام وأقامَ بحلب منقطعاً في دارٍ اتّخذها لسُكناه، لا يمشي إلى مخلوق ولكن يُمشى إليه إلى أن مات بها.
ومنهم أيضاً: محمد بن زكريا الرازي (طبيب المسلمين غير منازع، وأحد المشهورين في علم المنطق والفلسفة وغيرها من العلوم)(3) .
ومذهب التناسخ نشأ في الإسلام من فكرة الرجعة، وإذا علمنا أنّ الاعتقاد في الرجعة هو من متفرّدات الشيعة، وكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تنبذ به الشيعة، ويشنّع به عليهم، إذ اعتبرهُ خصومهم إنكاراً منهم للبعث والنشور، وضحَ لدينا السبب الذي من أجله صار اتّهام الشيعة، وكلّ مَن ينتمي إليها بسبب القول بالتناسخ ؛ لأنّ الرجعة في نظرهم تناسخاً، والتناسخ يعني إنكار البعث والنشور.
ومن جهة أُخرى، إذا كان علماء المسلمين اتّفقوا على أنّ الأرواح بعد مفارقتها الأبدان تنتقل إلى جسمٍ آخَر، وكان انتقال الروح من جسدٍ إلى جسدٍ آخَر، هو التناسخ، فأيّ معنى يبقى لاتّهام الشيعة، أو النصيرية، أو غيرهم من الفِرق، بالقول بالتناسخ؟!
____________________
(1) التفتازاني: شرح العقائد النسفية ص108.
(2) ابن العبري: تاريخ مختصر الدول.
(3) القفطي: أخبار الحكماء.
[2 - ] القول بقِدَم العالَم:
من أيّ شيء خلقَ الله هذا العالَم؟! هل هو شيء حدث بعد أن لم يكن، وخرجَ إلى الوجود بعد العدم؟! أمْ هو أمرٌ كان موجوداً فيما سلف ولم يسبقه العدم بوجهٍ من الوجوه، حول الجواب عن هذا التساؤل، انقسمَ المفكّرون إلى قسمين:
قسمٌ قال: بأنّ العالَم قديمٌ، وهُم الفلاسفة.
وقسمٌ قال: بأنّه مُحدَث، وهُم المتكلّمون.
والحدوث : الخروج من العدم إلى الوجود، أو كون الوجود مسبوقاً بالعدم اللازم للوجود، أو كون الوجود خارجاً من العدم اللازم للوجود، وأظهر التعريفات للحدوث: هو أنّه حصول الشيء بعدما لم يكن(1) ،والحدوث الذاتي عند الحكماء: هو ما يحتاج وجوده إلى الغير، فالعالَم بجميع أجزائه مُحدَث بالحدوث الذاتي عندهم، كما أنّالقِدَم الذاتي : هو أن لا يكون وجود الشيء من الغير وهو الباري جلّ شأنه،والقِدَم المطلق : هو أن لا يكون وجوده مسبوقاً بالعدم.
وأمّا الحدوث الزماني: فهو ما سبقَ العدم على وجوده سبقاً زمانياً، فيجوز قِدَم بعض أجزاء العالَم بمعنى القِدَم الذي بإزاء المـُحدَث بالحدوث الزماني عندهم، ولا منافاة بينهما، ويكون جميع الحوادث بالحدوث الزماني عندهم ما لا أوّل لها، فإنّه لا يوجد لها سبق العدم على وجودها سبقاً زمانياً.
والحدوث الإضافي: هو الذي مضى من وجود الشيء أقلّ ممّا مضى من وجود شيء آخَر، واتّفقوا على أنّ الحادث القائم بذاته يسمّى حادثاً، وما لا يقوم بذاته من الحوادث يسمّى مُحدثاً لا حادثاً.
____________________
(1) الكفوي: الكليات ج2، ص254.
والممكن: إمّا أن يكون مُحدَث الذات والصفات بحدوثٍ زماني، وإليه ذهب أرباب المِلل من المسلمين إلاّ قليلاً، وإمّا أن يكون قديم الذات والصفات بالقِدَم الزماني، وإليه ذهب أرسطو ومتابعوه، وإمّا أن يكون قديم الذات بالقِدَم الزماني مُحدَث الصفات بالحدوث الزماني، وإليه ذهب قدماء الفلاسفة، وأمّا كونه مُحدَث الذات قديم الصفات، فممّا لم يذهب إليه أحد.
وفي الجملة: إنّ الكلّ اتّفقوا على أنّ جميع الموجودات - غير الواجب سبحانه - مُحدَث الذات من غير نكير، وتحيّر البعض في الباقي ولم يجد إليه سبيلاً.
واختلفَ في أنّ افتقار الموجودات إلى المؤثّر هل هو من حيث الحدوث، أو من حيث الإمكان والحدوث جميعاً؟ فإلى الأوّل ذهبَ المتكلّمون، والثاني مختار محقّقي المتكلّمين على خلاف في كون الحدوث شرطاً، أو شطراً في العلّيّة.
قال بعضهم: مسلك الحكماء في إثبات الصانع الإمكان، ومسلك المتكلمين فيه الحدوث، وقال بعضهم: كِلا المسلكين للمتكلّمين، والفلاسفة وافقتهم في مسلك الإمكان، وفي(تلخيص المحصّل) القائلون بكَون الإمكان علّة الحاجة هُم: الفلاسفة والمتأخّرون من المتكلّمين، والقائلون بكَون الحدوث علّيّة هُم: الأقدَمون منهم.
أمّا القديم: فهو عبارة عمّا ليس قبله زماناً شيء، وقد يُطلق على الموجود الذي لا يكون وجوده من الغير، وقد يطلق أيضاً على الموجود الذي ليس وجوده مسبوقاً بالعدم.
والأوّل: هو القديم بالذات (وهو الله سبحانه)، ويقابله الحادث بالذات.
والثاني: هو القديم بالزمان، ويقابله المـُحدَث بالزمان.
وإكفار القائلين بتعدّد القديم بالإجماع، إنّما هو في القِدَم الذاتي بمعنى عدم المسبوقية بالغير لا في القِدَم الزماني ؛ فإنّ قِدَم الصفات زماني.
والكلام في القديم والمـُحدَث من أصعب الأمور عند جلّة الفلاسفة وقُدَمائها، وقد بيّن جابر بن حيّان وجه الصعوبة في ذلك بقوله:
(اعلَم أنّ الكلام في القديم والمـُحدَث - عافاك الله - من أصعب الأمور عند جلّة الفلاسفة وقُدَمائها، ولو قلتُ: إنّ أكثرهم ماتَ بحسرته، لكنتُ صادقاً. فأرباب هذا العلم هم أشدّ الناس تعظيماً لعلمهم هذا، وصيانةً له، وحفظاً من غير مستحقّه، وإن يكن تحصيله سهلاً عليهم، يسيراً لديهم ؛ لأنّهم يدركون الحقيقة بالشهود المباشر، ويفيضون بها فيضاً، فلا يحتاجون في ذلك إلى إعمال فكر في إقامة الدليل على ما قد أدركوا، ولا إلى استعمال لفظٍ في التعبير عمّا قد أدركوا. غير أنّهم وإن كانوا كذلك في شهودهم للحقّ وإدراكهم له، فإنّ علمهم لا ينتقل إلى سواهم إلاّ إذا كان هؤلاء في منزلةٍ قريبةٍ من منزلتهم، فليس الناس في إدراك الحق سواء، بل منهم مَن يحتاج إلى واسطة، ومنهم مَن يتّصل بالحقّ صلةً مباشرة لا واسطة بينه وبينه.
وإذا أدركنا القديم استطعنا أن ندرك خصائص المـُحدَث بالاستدلال ؛ لأنّ القديم والمـُحدَث ضدّان، والعلم بأحد الضدّين علمٌ بالضدّ الآخَر. فطريق الفكر هو من القديم إلى المـُحدَث، ندرك الأوّل إدراكاً مباشراً، ثمّ نستدلّ الثاني معه. وليس العكس، كما ظنّ جهلة المتكلّمين في هذا الباب، إذ استدلّوا على الغائب (القديم) بالشاهد (المـُحدَث)، على بُعدٍ ما بينهما، فكأنّهم استشهدوا بالجزء على وجود الكل، برغم ما في هذا المنطق من فساد.
إنّ أخصّ صفةً (للقديم) هو الوجود الذي يستغني به عن الفاعل، أي أنّه وجودٌ بغير موجِد ؛ وذلك لأنّه موجودٌ أزليٌ. ولو كان موجودٌ بفعل فاعلٍ، لكان هذا الفاعل أسبق منه وجوداً، وأيّ كائنٍ يتقدّمه غيره في الوجود يكون مُحدَثاً وغير أزلي، لكنّه إذا كان الوجودُ صفةٌ من صفات القديم، فهو كذلك صفة من صفات المـُحدَثات، بل إنّ وجود المـُحدَثات ليس عرضاً، بل هو وجود بالضرورة أيضاً ؛ وذلك لأنّ الآثار تكون شبيهةٌ بمؤثّرها. وإذا
كان الأمر كذلك، وجبَ الوجود للمـُحدَث عن وجود القديم. والفَرق بين الوجودين هو: أنّ وجود القديم يستغني عن الفاعل، ويكون علّةٌ لوجود غيره. وأمّا وجود المـُحدَث، فهو يحتاج إلى فاعل يكون علّة لغيره.
ومن خواصّ القديم أيضاً: أن تكون جميع المـُحدَثات من فعله وأثره، إذ لابدّ لجميعها من انتهاءٍ إليه، ورجوع إلى كونه علّة لها: إمّا قريبةً، وإمّا بعيدة. فليس للقديم سوى هاتين الخاصّتين، وهما في الحقيقة واحدة ؛ وذلك أنّ الوجود له هذه الصفة التي بها أوجد آثاره، أي أنّ وجوده تضمّن أن يكون علّة لوجود المـُحدَثات)(1) .
وكان أهل السنّة والجماعة، يرونَ أنّ الله سبحانه وتعالى خلقَ العالَم من العدم مرّةً واحدة على ما هو عليه الآن، والله خلقَ هذا العالَم حينما أراد، ولو شاء لأخّر خلقه أو قدّمه، ولو شاء لخلَق معه عالَماً آخَر أو أكثر من عالَم، أو لخلقهُ أكبر ممّا هو عليه أو أصغر، والله قادر على أن يعدم العالَم حينما يشاء.
أمّا الفلاسفة، فيقولون: بقِدَم العالَم، أي بقِدَم المادّة الموجودة من الأزل. وحينما يتكلّمون عن صنع الله سبحانه وتعالى للعالَم، يقولون: إنّ الله هو العلّة الأُولى التي دفعت المادّة الأزليّة في الحركة، حتى تطوّرت تلك المادّة تدريجياً إلى الحال التي نرى العالَم عليها اليوم.
وقد انقسمَ الفلاسفة المسلمون حول القول بقِدَم العالَم وحدوثه، إلى فريقين:
الفريق الأوّل: يقول بأنّ العالَم مُحدَث. ومن أهمّ المدافعين عن هذا القول الغزالي.
والفريق الثاني: يقول بقِدَم العالَم. ومن أهمّ المدافعين عن هذا القول: ابن سينا، وابن رشد.
ولم ينتصر فريقٌ على فريق، على الرغم من أنّ أصحاب مقالة الحدوث هُم الأكثر عدداً.
____________________
(1) كتاب القديم.
وشنّعَ بعضهم على بعض، فسمّى الحديثون القِدَميين دهرية، وصار من الأسماء الشُّنْعة عند السامعين. يعتقد الجمهور في معناها جحد الخالق، المبدأ الأوّل، ورفعه.
وسمّى أهل القِدم أهل الحدوث مُعطِّلة ؛ لأنّهم قالوا بتعطيل الله تعالى عن وجوده مدّة لا نهاية لها في البداية(1) .
[3 - ] الخمر:
لم يختلف الناس في أمرٍ من الأمور التي وقعَ فيها الحظر والطلاق كاختلافهم في الأشربة، وكيفية ما يحلّ منها وما يحرم. وقد أجمعَ الناس على تحريم الخمر بكتاب الله، إلاّ قوماً قالوا: ليست الخمر محرّمة، وإنّما نهى الله عن شربها تأديباً، كما أنّه أمر في الكتاب بأشياء ونهى فيه عن أشياء، على جهة التأديب، وليس منها فرض.
والخمر التي أجمعوا على تحريمها: هي ما غلا وقذف بالزبد من عصير العنب من غير أن تمسّه النار، وأنّه لا يزال خمراً حتى يصير خلاًّ.
واختلفوا في الحال التي يخرج بها من منزلة الخمر إلى منزلة الخل، فقال بعضهم: هو أن يتناهى في الحموضة حتى لا يبقى فيها مستزاد. وقال آخرون: هو أن تغلب عليها الحموضة وتفارقها النشوة ؛ لأنّ الخمر ليست محرّمة العين كما حرّم عين الخنزير، وإنّما حُرّمت بعرضٍ دخلها. فإذا زايلها ذلك العرض، عادت حلالاً كما كانت قبل الغليان حلالاً. وعينها في كلّ واحدة قائمة، وإنّما انتقلت أعراضها من حلاوةٍ إلى مرارة، ومن مرارةٍ إلى حموضة، كما ينتقل طعم الثمرة إذا أينعت من حموضةٍ إلى حلاوة والعين قائمة، وكما ينتقل طعم الماء بطول المكث، فيتغيّر طعمه وريحه والعين قائمة(2) .
____________________
(1) أبو البركات البغدادي: المعتبر في الحكمة ج3، ص43.
(2) ابن الرقيق: قطب السرور في أوصاف الخمور.
وأمّا النبيذ، فاختلفوا في معناه، فقال قوم: هو ماء الزبيب وماء التمر من قبل أن يغليا، فإذا اشتدّ ذلك وصلب فهو خمر، وقالوا: إنّما كان الأوّلون من الصحابة والتابعين يشربون ذلك.
أمّا المسكر، فإنّ فريقاً يذهبون إلى أنّ كل شيء أسْكَرَ كثيره فقليله حرام. فلم يفرّقوا بين ابن ثلاث ليالٍ من نبيذ التمر إذا غلا، وبين ابن ثلاث أحوال من عتيق المسكر وعتيق الخمر. ولا فرّقوا في ذلك بين منفرد وخليطين، ولا بين شديد وسهل، ولا بين ما استخرج بالماء وما استخرج بالنار، وقضوا عليه كلّه بأنّه حرام وبأنّه خمر(1) . وبنظرهم أنّ كل مسكر حرام، أي يقوم مقام الخمر ويكون فيه من الصدّ عن ذكر الله، وفساد العقل ما يكون في الخمر.
والفريق الثاني - وهُم المطلِقون - قالوا: إنّما حُرّمت الخمر التي أجمع الناس على صفتها وكيفيتها بعينها، وما سوى ذلك - كائناً ما كان - فهو نبيذ، ما دون السكر منه حلال. فسوّوا بين النقيع والطبيخ، والحديث والعتيق، والتمر والزبيب، والمفرد والخليطين، والسهل والشديد، وما اتُخذ من عصير العنب إذا ذهبَ منه الثلثان ؛ لأنّه جاء في الحديث أنّ (الثلثين حظّ الشيطان)، ورد عليه الماء.
واحتجّوا من النظر بأنّ الأشياء كلّها حلال إلاّ ما حرّمه الله، قالوا: فلا نزيل يقين الحلال بالاختلاف. وقالوا: وجدنا الناس ثلاثة أصناف: أصحاب الرأي، وهُم جميعاً مجمعون على تحليله. وأصحاب الحديث، وأكثرهم على التحليل. وأصحاب الكلام، وهُم أيضاً على ذلك. وكيف نزيل يقين التحليل بطائفة من الناس.
قالوا: ومثل النبيذ مثل نهر طالوت.
وقالوا: لم يحرّم الله شيئاً إلاّ وقد جعلَ منه عوضاً في مثل معناه. فلو كان النبيذ خمراً، ما كان العوض من الخمر. وإنّما خلقَ الله الأقوات والثمرات قدراً لحاجة الناس إليها.
____________________
(1) ابن قتيبة: الأشربة.
وقالوا: والله، لا يحرّم شيئاً إلاّ لعلّة الاستعباد. ولو كان تحريم الخمر للسكر، لم يُطلقها الله تعالى للأنبياء والأُمم قَبْلَنا، فقد شربها نوحعليهالسلام حين خرجَ من السفينة، واعترس الحبلة حتى سكر منها وبدت فخذه، وشربها لوط، وشربها عيسىعليهالسلام ليلة رُفع، وشربها المسلمون في صدر الإسلام.
وقالوا: وأمّا قولهم: إنّ الخمر ما خمر، والمسكر مخمر، فهو خمر مثله. فإنّ الأشياء قد تتشاكل في بعض المعاني، فيسمّى بعضها بعلّةٍ فيه وهي في آخَر، ولا يطلق ذلك الاسم على الآخَر ؛ ألا ترى أنّ اللبن يخمر بروبة تُلقى فيه ويُترك حتى يروب، ولا يسمّى اللبن خمراً.
ونتيجةً لاختلاف النظر في الخمر ؛ فقد كان شرب الخمر متفشّياً. وحملت لنا الكتب أخبار مَن حدّوا في الخمر، ومنهم: عبد الرحمان بن عمر بن الخطّاب المعروف بأبي شحمة، وعاصم بن عمر بن الخطّاب. ومنهم - أيضاً -: الوليد بن عتبة، الذي استعملهُ عثمان، وعُزل سنة 29هـ عن الكوفة بسبب أنّه شربَ الخمر، وصلّى بالمسلمين الفجر أربع ركعات وهو سكران، ثمّ التفت إلى الناس، وقال: هل أزيدكم؟ فقال ابن مسعود: ما زلنا معك في زيادةٍ منذ اليوم.
وفي ذلك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة يوم يلقى ربّه |
أنّ الوليد أحقّ بالعذر |
|
نادى وقد فرغت صلاتهم |
أأزيدكم سكراً ولا يدري |
|
ليزيدهم خيراً ولو قبلو |
فيه لقادهم على عشر |
|
فأبوا أبا وهب ولو أذّنو |
لقرنت بين الشفع والوتر |
|
حبسوا عنانك إذ جريت ولو |
حلّوا عنانك لم تَزل تجري |
وقال فيه أيضاً:
تكلّم في الصلاة وزادَ فيها |
علانية وجاهرَ بالنفاق |
|
ومجّ الخمر عن سُنن المصلّي |
ونادى بالجميع إلى افتراق |
|
أزيدكم على أن تحمدوني |
فما لكم ومالي من خلاقي |
وفي زمن معاوية، بيعت الخمر علناً. وأوّل مَن باعها: سمرة بن
جندب، الذي ولّي الكوفة سنة 50هـ. وقد شرب الخمر خلفاء بني أُمية ونساؤهم، ومن أشهرهنّ: أُمّ الحكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة، التي كانت معاقرة الشراب، مدمنة عليه لا تكاد تفارقه، واشتهرَ كأسها الذي كانت تشرب به بكأس أُمّ حكيم، وفيه يقول الوليد بن يزيد بن عبد الملك:
عللاني بعاتقات الكروم |
واسقياني بكأس أُمّ حكيم |
|
إنّها تشرب الرساطون صرفاً |
في إناء من الزجاج عظيم |
وكان بعض ولاة بني أُميّة يشرب الخمر في الجامع. جاء في الأخبار: أنّ قرة بن شريك القيسي الذي ولّي مصر سنة 90هـ، من قِبَل الوليد بن عبد الملك بن مروان، وكان ظالماً جبّاراً، بنى جامع مصر، وكان إذا انصرفَ الصنّاع من البناء دعا بالخمور والزمور والطبول، فيشرب الخمر في المسجد طول الليل، ويقول: لنا الليل ولهم النهار(1) .
ومثل خلفاء بني أُميّة، شربها خلفاء بني العباس أيضاً، وكثرت في عهدهم الحانات التي تبيعها علناً، وصارت الخمريات فنّاً من فنون الشعر.
وقد وجِد من الحكّام مَن رخّص فيها ببلاده، كسيف الدين غازي بن مودود بن الأتابك زنكي ابن أقسنقر، الذي أدارَ الخمر والفواحش ببلاده(2) .
كما كان يتعاطاها علماء ومشايخ وقضاة مَن عِلْيَة القوم.
ذكرَ الحنبلي في(شذرات الذهب) في أخبار سنة 401هـ ما نصّه: (توفّي فيها أبو عبيد الهروي، أحمد بن محمد بن محمد صاحب الغريبين، غريب القرآن وغريب الحديث، قال ابن خلّكان: كان من العلماء الأكابر، وكان يُنسب إلى تعاطي الخمر)(3) .
____________________
(1) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة ج1، ص218.
(2) شمس الدين أبو عبد الله: كتاب دول الإسلام.
(3) ج3، ص161.
وذَكرَ أيضاً: (كان الشيخ إسماعيل بن يوسف الأنبابي يعمل مَولِد يجتمع فيه من الخلق مَن لا يحصى عددهم، بحيث إنّه وجِد في صبحة المولد سنة 790هـ مئة وخمسين جرّة من جرار الخمر فارغات، إلى ما كان في تلك الليلة من الفساد والزنا واللواط والتجاهر بذلك)(1) .
وذكرَ الثعالبي في(يتيمة الدهر) : أنّه كان جماعة من الكبراء ينادمون الوزير المهلّبي، ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على إطراح الحشمة والتبسّط في القصف والخلاعة، منهم ثلاثة قضاة، هم: ابن قريعة، وابن معروف، والتنوخي، وما منهم إلاّ أبيض اللحية طويلها. فإذا تكاملَ الأُنس وطاب المجلس ولذّ السماع وأخذ الطرب منهم مأخذه، وضعَ في يد كلّ منهم كأس ذهب وزنه ألف مثقال مملوء شراباً قطربيلياً، أو عكبرياً، فيغمس لحيته فيه، بل ينقّعها حتى تشرب أكثره، ويرشّ منه بعضهم على بعض، ويرقصون أجمعهم وعليهم لباس الشراب من المصبغات. فإذا أصبحوا عادوا إلى عادتهم من التزمّت والتوقّر والتحفّظ بأبّهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء.
وقد جرت محاولات كثيرة من بعض الخلفاء وولاتهم لمنع الخمور وإبطالها، دون أن تسفر هذه المحاولات عن أيّة نتيجة: فعلي بن سليمان، الذي ولاّه الخليفة الهادي على مصر سنة 170هـ، منعَ في أيّامه الملاهي والخمور(2) .
وفي أيّام المقتدر بالله سنة 311هـ، عندما ولّى الوزارة علي بن عيسى، سارَ بعفّةٍ وعدلٍ وتقوى، وأبطلَ الخمور(3) .
وفي زمن القاهر بالله سنة 321هـ، نوديَ في بغداد بإبطال القينات
____________________
(1) المرجع السابق ج6، ص311.
(2) ابن تغري بردي - النجوم الزاهرة ج2.
(3) السيوطي، تاريخ الخلفاء.
والخمر والمخانيث وكسر آلات الطرب(1) .
وفي أيّام المقتدي بالله سنة 478هـ، أُريقت الخمور وكُسرت الملاهي ونُقضت دور النساء، وفي سنة 479هـ تقدّم الخليفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونوديَ بذلك في الأسواق، وأُريقت الخمور وكُسرت الملاهي ونُقضت دور يلجأ إليها المفسدون.
وفي أيّامه أيضاً - سنة 486هـ، أُريقت الأنبذة والخمور وكُسرت آلات الملاهي.
وفي خلافة المسترشد سنة 514هـ، تقدّم الخليفة بإراقة الخمور التي بسوق السلطان ونقض بيوتهم(2) .
وفي زمن ابن تيمية، كان شرب الخمر متفشّياً ويجري علناً، وقد صدرت مراسيم عديدة بإبطال الخمور دون جدوى.
ففي سنة 663هـ، لمـّا رجعَ الظاهر بيبرس، أخذ يستعد لحروبٍ جديدة وينظّم داخليته، فأبطلَ ضمان المزر وجهاته، وأمرَ بإراقة الخمور وأبطلَ المنكرات(3) .
وفي سنة 665هـ أبطلَ أيضاً ضمان الحشيشة وأمرَ بإحراقها وخرّب بيوت المسكرات، وكسرَ ما فيها من الخمور وأراقها، ومنعَ الحانات من الخواطي، واستتاب العلوق واللواطي، وعمّ هذا الأمر سائر الجهات المصرية، وبرزت المراسيم بمنع ذلك من سائر الجهات الشاميّة، فطهرت في أيّامه سائر البقاع، ومنعَ الناس من ذلك غاية الامتناع، ثمّ أحضروا إليه في أثناء هذه الوقعة شخصاً يسمّى ابن الكازروني وهو سكران، فأمرَ بصلبه، فصُلب بعدَ حدّ عظيم في مستحقّه وعلّقت الجرّة والقدح في عنقه. فلمّا عاينَ أرباب المجون والخلاعة ما جرى لابن الكازروني، امتثلوا أمر السلطان بالسمع والطاعة. وقد قال قائل:
____________________
(1) شمس الدين أبو عبد الله: كتاب دول الإسلام.
(2) ابن الجوزي: المنتظم ج9.
(3) سيد علي الحريري: كتاب الأخبار السنّية في الحروب الصليبية.
لقد كان حدّ السكر من قبل صلبه |
خفيف الأذى إذ كان في شرعنا جلدا |
|
فلمّا بدا المصلوبُ قلتُ لصاحبي |
ألا تب فإنّ الحدّ قد جاوز الحدّا (1) |
كما أُريقت في زمنه أيضاً الخمور كلّها من دمشق، أقامَ ذلك شيخ السلطان الشيخ خضر العدوي سنة 668هـ.
وفي زمن الناصر بن قلاوون سنة 717هـ، أُبطلت الفاحشة والقمار والخمور بالسواحل، وقويت بذلك المراسيم(2) .
وقد ذّكر المقدسي في(أحسن التقاسيم) عند حديثه عن مصر: (لا يتورّع مشايخهم عن شرب الخمور، ولا نساؤهم عن الفجور: للمرأة زوجان، وترى الشيخ سكران، وفي المذهب حزبان...).
[4 - ] الغلو:
لكلمة غلو معانٍ كثيرة، منها: مجاوزة الحدّ والإفراط فيه.
أمّا بالاصطلاح السياسي، فكان لهذه اللفظة - في كل عصر ومصر - معنىً مختلفاً. وقد ذكرَ ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) ما نصّه: (الشيعي الغالي في زمان السلف وعُرفهم هو: مَن تكلّم في عثمان والزبير وطلحة وطائفة ممّن حارب علياً (رضي الله عنه) وتعرّض لسبّهم، والغالي في زماننا وعُرفنا هو: الذي كفّر هؤلاء السادة وتبرّأ من الشيخين أيضاً).
____________________
(1) ابن إياس: بدائع الزهور ج1.
(2) شمس الدين أبو عبد الله: كتاب دول الإسلام ج2.
النصيرية عند المؤرّخين المحدَثين
[أ - نوفل نوفل:]
كان كتاب(الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية) لسليمان الأذني أو الأضني، المطبوع سنة 1862م، المعطف الذي خرجَ منه، جميع الذين كتبوا عن النصيرية في العصر الحديث، وخاصّةً نوفل نوفل في(سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان) ، ومحمد بهجت ورفيق التميمي في(ولاية بيروت) ،... وغيرهما.
ونحن نشكّ في وجود شخصٍ باسم سليمان الأذني، ويترجّح لدينا أنّه مختلَق اختلَقه المرسلون الأجانب في بيروت، ووضعوا على لسانه أقوالاً نَسبوها إلى النصيرية. وهناك جملة من الأدلّة تحملنا على الظنّ بعدم وجوده، وبأنّه لم يوجد إلاّ في مخيّلة مختلقيه منها:
أوّلاً: أسطورة حياته. إذ قالوا: إنّه مولودٌ سنة 1832م، وكان نصيرياً ثمّ انسلخَ عنها إلى اليهودية، ثمّ أسلَم ولم يلبث أن انتسبَ إلى البروتستانتية، وألّف كتابه في بيروت وطبعه على عهدته، وقد حنقَ عليه أبناء النصيرية ؛ لأنّه أوّل مَن فضحَ دينهم وأظهره، ففتكوا به في قصبة طرسوس.
لأنّ هذا الكلام، يتناقض مع ما سلف بيانه، من أنّ (لهم خطابٌ بينهم، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنه ولا يذيعه، ولو ضربت عنقه، وجرّب هذا كثيراً).
ثمّ إذا كان هو أول مَن فضح (دين) النصيرية وأظهرهُ، كان معنى ذلك أنّ كلّ ما كُتب عن النصيرية زور وبهتان.
ثانياً: في كتاب (المجموع) - الذي نشره الأذني في (الباكورة) - أكثر من دليل على أنّ هذا الكتاب مختلق، وأنّه مكتوب بعد عام 1828م:
منها : (روى الخبر عن أبي (كذا بالأصل)، شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري، أنّه قال: مَن أراد النجاة من حرّ النيران فليقول: اللهم العن فئة أسّست الظلم والطغيان: الذين هم التسعة رهط، المفسدين الذين أفسدوا وما أصلحوا بالدين، الذين هم إلى جهنّم سائرين وإليها ضالين، أولهم: أبو بكر اللعين، وعمر بن الخطّاب الضدّ الأثيم، وعثمان بن عفّان الشيطان الرجيم، وطلحة، وسعد، وسعيد، وخالد بن الوليد صاحب العمود الحديد، ومعاوية، وابنه يزيد، والحجاج بن يوسف الثقفي النكيد، وعبد الملك بن مروان البليد، وهارون الرشيد. خَلِّد عليهم اللعنة تخليداً ليوم الوعيد، يوم يقال لجهنّم: هل امتلأت فتقول هل من مزيد.
ثمّ إنّك يا علي بن أبي طالب، تفعل ما تشاء وتحكم بما تريد، وأسألك أن تنزل سخطك وعذابك على إسحاق الأحمر المخذول، وإسماعيل بن خلاّد الجهول، والعن الشيخ أحمد البدوي، والشيخ أحمد الرفاعي، والشيخ إبراهيم الدسوقي، والشيخ محمد المغربي..).
هذا الكلام يفضح نفسه بنفسه.
فمحمد بن نصير توفِّي سنة 259هـ = 873م، والشيخ أحمد الرفاعي توفِّي سنة 1182م، والشيخ أحمد البدوي توفِّي سنة 1276م، والشيخ إبراهيم الدسوقي توفِّي سنة 1277م، والشيخ محمد المغربي توفِّي في اللاذقية سنة 1828م.. فكيف يقول محمد بن نصير بلعن هؤلاء وقد جاءوا بعده بمئات السنين؟!
ثمّ إنّ وجود اسم الشيخ محمد المغربي المتوفّى سنة 1828م، يؤكّد لنا أنّ كتاب (المجموع) مكتوب بعد عام 1828م، أي زمن حياة الشخص الوهمي، سليمان الأذني.
وإلى جانب ذلك، ففي(المجموع) ثمّة إشارات كثيرة تدل على أنّه موضوع مختلَق.
[و]منها :
1 - ما جاء في السورةالأُولى (الأول)، وهو: (قال السيد أبو شعيب محمد بن نصير ليحيى بن معين السامري: يا يحيى، إذا نَزلت بك نازلة،... وقد دلّنا إليه وأرشدنا إليه شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي...).
فكيف ينقل محمد بن نصير المتوفّى سنة 259هـ، عن الحسين بن حمدان الخصيبي المتوفّى سنة 358هـ؟!
2 - ومن ذلك أيضاً، ما جاء في سورة(الإشارة) ، ونصّه: (ونشير إلى ما أشار إليه شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي، ونشير إلى ما أشار إليه جدّه محمد بن نصير العبدي البكري النميري).
فكيف جعلَ مختلق (المجموع) محمد بن نصير (جد) الخصيبي؟! لست أدري. والأول عراقي، والثاني مصري، وبين الاثنين نحو مئتي سنة!!
3 - إذا أخذنا ما جاء في السورةالأولى (الأول)، وهو: (شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي)، وما جاء في السورة الحادية عشرة(الشهادة) ، وهو: (ولا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي، الذي شرّع الأديان في سائر البلدان...)، وقارنّا هذين القولين بما جاء في سورة الشهادة أيضاً، ونصّه: (أشهدُ بأنّني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني الطريقة، خصيبي المذهب، جلي المقال، ميموني الفقه) ؛تبيّن لنا: أنّ الخصيبي ليس قدوة الدين، كما جاء في السورة الأولى، وهناك مَن ينازعه هذه المكانة. كما يتبيّن أنّ الرأي ليس رأيه، كما
جاء في السورة الحادية عشرة، وإنّما رأي جندب. وليس من المعقول أن يقع شخص يغترف من بئره، في مثل هذا التناقض.
4 - وفضلاً عن ذلك، يُفهم ممّا جاء في نصوص السور الست عشرة، التي تضمّنها كتاب (المجموع): أنّ هناك (إلهاً) هو علي بن أبي طالب، إذ تكرّر القول في أكثر من سورة أنّه (لا إله إلاّ علي).
وهناك أيضاً (ربّين) اثنين: محمد المصطفى، وسلمان الفارسي، جاء في سورة (السلام) ما نصّه: (وأقرّ بربوبيّة محمد المصطفى).
وجاء في سورة (الفتح): (وأشهد بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره، وجَعله بابه وحامل كتابه، فهو سلسل وسلسبيل، وهو جابر وجبرائيل، وهو الهدى واليقين، وهو بالحقيقة رب العالمين).
كما يوجد أكثر من خالق ؛ بدليل ما جاء في سورة (الفتح) أيضاً، ونصّه: (وأشهد بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره،... وأشهدُ بأنّ السيد سلمان خلقَ الخمسة الأيتام الكرام،... وهم خَلقوا هذا العالَم).
ثالثاً: ثمّ إنّنا إذا قارنّا بين إيمان النصيرية كما صوّرها ابن العمري، وبين إيمانهم كما صوّرها مختلق (الباكورة) و(المجموع)، وهي: (أمّا اليمين الثابتة عند النصيرية كافة، فهي: أن تضع يدك في يده وتقول: أُحلفك بأمانتك عقد علي أمير المؤمنين، وبعقد ع م س. فلا يمكنه بعد هذه اليمين أن يكذب، وأيضاً بِل إصبعك بريقه واجعلها في عُنقه وتقول: تبرّيت من خطاياي وأوضعتها في عنقك، وأُحلّفك أيضاً بأساس دينك بسرّ عقد ع م س أن تخبرني عن صحة أمر كذا. فلا يمكنه الكذب بعد هذا) ؛ تأكّدَ لنا أنّ كلّ ما كُتب على لسان النصيرية موضوع مدسوس.
هذه السقطات كافية لنبذ كلّ ما في كتاب (الباكورة) وطرحهُ تحت
الأقدام. لكن ممّا يؤسف له، أنّه بالرغم ممّا في الكتاب المذكور من دس مفضوح واختلاق، فإنّ جميع مَن كتبوا عن النصيرية في العصر الحديث، أخذوا ما جاء فيه على الانقياد والتسليم من دون تدقيق أو تمحيص، وأول هؤلاء: نوفل نوفل (+ 1812/ - 1887)، الذي لم يكتفِ بأنّه أخذَ بكلّ ما في (الباكورة) من أقوال باطلة، وتخرّصات وأوهام، بل أضافَ إليها من عنده، ففضحَ نفسه ودلّ على حقيقة ذاته.
ومن جهة أخرى، فهو عندما نقل عن (الباكورة) لم يتقيّد حرفياً بما نقله، وإنّما لجأ إلى التحريف، فجاء ما كتبه في(سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان) المطبوع سنة 1876م، نسخة محرّفة ومشوّهة عن (الباكورة).
من ذلك مثلاً، يقول صاحب (الباكورة) في الفصل الرابع، وعنوانه "في الهبطة"، ما نصّه: (ثمّ ظهرَ لهم في القبب السبع: فالقبّة الأولى اسمها: الحن، وكان اسم المعنى فيها فقط، والاسم شيث، والباب جداح، والضد روباء. وظهرَ لهم بعدها في القبّة: البن، وكان اسم المعنى فيها هرمس الهرامسة، والاسم اسمه مشهور، والباب أذرى، والضد عشقاء. والقبّة الثالثة اسمها: الطم، وكان المعنى اسمه فيها أردشير - أي أحشورش الوثني -، والاسم ذو قناء، والباب ذو فقه، والضد عطرفان. والقبّة الرابعة اسمها: الرم، كان اسم المعنى فيها أخنوخ، والاسم هندمه، والباب شرامه، والضد عزرائيل. والقبّة الخامسة اسمها: الجان، كان اسم المعنى فيها درّة الدرر، والاسم ذات النور، والباب أشادي، والضد سوفصط. القبّة السادسة اسمها: الجن، كان اسم المعنى فيها البر الرحيم، والاسم يوسف بن ماكان، والباب أبو جاد، وكانت خالية من الضد. القبّة السابعة واسمها: اليونان، فكان اسم المعنى فيها أرستطاليس الحكيم، والاسم أفلاطون، والباب سقراط، واسم الضد درميل...).
(آذرى) صارت عند نوفل نوفل (أدريا)، وعشقاء (عشكا)، وذو قناء (دوقتا)، وأشادي (أشاذيا)،... وهذا يدل على أنّ نوفل نوفل ينقل عن لغة أجنبية وليست عربية.
ثمّ لم يكتفِ بهذا التحريف المتعمّد، بل راحَ يشطح في الخيال ويختلق الأقوال، فمن المغالطات التي ذكرها في(السوسنة) قوله: (ثمّ يأخذه المرشد إلى بيته ليعلّمه قواعد دينه، وأول ما يُعلّمه التبرُّؤ، وهي سورة الشتائم التي يبتدئون بها في صلوات أعيادهم، وبعدها يُطلعه على ست عشرة سورة أخرى يتلونها في الصلوات أيضاً، ويسمّون كلّ واحدة منها قداساً، وكلّها تنطوي على عبادة علي بن أبي طالب، والذي ألّف لهم صورة الشتائم المذكورة يزعمون أنّه أبو سعيد الميمون بن قاسم الطبراني...).
أولاً: لم يذكر صاحب (الباكورة) أنّ هناك صورة باسم التبرّؤ أو سورة الشتائم، ولو أنّها موجودة لمـَا فاتهُ ذكرها، مع أنّه ذكرَ السور التالية:
السورة الأُولى: واسمها: الأول
السورة الثانية: واسمها: ابن الولي
السورة الثالثة: واسمها: تقديسة أبي سعيد
السورة الرابعة: واسمها: النسبة
السورة الخامسة: واسمها: الفتح
السورة السادسة: واسمها: السجود
السورة السابعة: واسمها: السلام
السورة الثامنة: واسمها: الإشارة
السورة التاسعة: واسمها: العين العلوية
السورة العاشرة: واسمها: العقد
السورة الحادية عشرة: واسمها: الشهادة
السورة الثانية عشرة: واسمها: الإمامية
السورة الثالثة عشرة: واسمها: المسافرة
السورة الرابعة عشرة: واسمها: البيت المعمور
السورة الخامسة عشرة: واسمها: الحجابية
السورة السادسة عشرة: واسمها: النقيبية
وإلى جانب هذه السور ذكرَ الأذني أربع قداسات، هي: قداس
الطيب، قداس البخور، قداس الأذان، قداس الإشارة. الأمر الذي يدلّ على أنّ للسور أسماء، وللقداسات أسماء، خلافاً لِما ذكر نوفل نوفل: أنّ كل سورة يسمّونها قداساً.
ومن جهة أخرى، ثمّة سور ليس فيها أي ذكر لعليعليهالسلام ، كسورة المسافرة، وسورة النقيبية.
جاء في سورة النقيبية ما نصّه: (فنقّبوا في البلاد هل من محيص)، نذكر أسامي السادة النقباء الذين اختارهم السيد محمد من السبعين رجلاً في ليلة العقبة في وادي مِنى، أولهم: أبو الهيثم مالك بن التيهان الأشهلي، والبراء بن معرور الأنصاري، والنضر بن لودان بن كناس السامري، ورافع بن مالك العجلاني، والأسد بن حصين الأشهلي، والعباس بن عبادة الأنصاري، وعبادة بن الصامت النوفلي، وعبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري، وسالم بن عمير الخزرجي، وأُبي بن كعب، ورافع بن ورقة، وبلال بن رياح الثنوي، سرّ نقيب النقباء ونجيب النجباء سيدنا محمد بن سنان الزاهري (علينا من ذكرهم الرضى والسلام)).
ثانياً: إنّ نوفل نوفل، المؤرّخ المشارك في بعض العلوم كما وصفهُ صاحب معجم المؤلّفين، يرمي بالكلام على عواهنه، من دون روية أو تدقيق، يقول: (والذي ألّف لهم صورة الشتائم المذكورة، يزعمون أنّه أبو سعيد بن الميمون بن قاسم الطبراني).
إنّ الطبراني توفِّي سنة 426هـ = 1035م، وفي السورة التي سمّاها نوفل نوفل بسورة الشتائم، وردت أسماء شخصيات دينية توفيت بعد الطبراني بسنوات طويلة: كالشيخ عبد القادر الكيلاني المتوفّى سنة 1165م، والشيخ أحمد البدوي المتوفّى سنة 1276م، والشيخ محمد المغربي المتوفّى سنة 1828م.
فكيف لم ينتبه نوفل نوفل إلى ذلك، وهو معاصر للشيخ محمد
المغربي؟!
ومن جهة أخرى، في كتاب (المجموع) المختلق، سورة باسم "تقديسة أبي سعيد" جاء فيها ما نصّه: (نذكر حضرة شيخنا وسيدنا الأجل الأكبر الشاب التقي، أبي سعيد الميمون بن قاسم الطبراني، العارف معرفة الله، المـُكف عمّا حرّم الله، الذي أخذَ حقه بيده من قفا أبي دهيبة، وعلى أبي دهيبة لعنة الله، وعلى أبي سعيد السلام ورحمة الله، سر أبي سعيد الشاب التقي الحر الميمون ابن قاسم الطبراني سرّه أسعد الله).
وهذا ما ينفي الزعم القائل بأنّ الطبراني هو الذي وضعَ سورة الشتائم أو سور (المجموع).
ثالثاً: عن اعتقاد النصيرية في الصلاة يقول نوفل نوفل:
(وأمّا اعتقادهم في الصلاة ويسمّونها الخمسة المصطفية ؛ لكون فروض أوقات الصلوات هي خمسة، فهي الفرض الأول صلاة الظهر لمحمد، والثاني صلاة العصر لفاطر (وهي فاطمة)، والثالثة صلاة المغرب للحسن بن علي بن أبي طالب، والرابع صلاة العشاء لأخيه الحسين، والخامس صلاة الصبح لمحسن السرّ الخفي).
وهذا القول يتعارض مع ما ذكرهُ صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية، الذي ذكرَ بأنّ الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء وهي: علي، وحسن، وحسين، ومحسن، وفاطمة.
فيكون نوفل نوفل اعتبرَ محمداً من أشخاص الصلاة، بينما اعتبرَ صاحب السؤال علياً من أشخاص الصلاة، فأيّ القولين هو الصحيح يا ترى؟!
***
[ب - رفيق التميمي، ومحمد بهجت:]
ومن المعاصرين الذين تحدّثوا عن النصيرية أيضاً: رفيق التميمي، ومحمد بهجت، في كتابهما(ولاية بيروت) المطبوع سنة 1335هـ =
1916م، بهمّة الوالي عزمي بك أفندي.
ويعتَبر ما كتبهُ التميمي ورفيقه، أوسع ما كُتب في هذا المجال، والمواضيع التي شملتها دراستهما عن النصيرية، هي: مقدّمة تاريخ النصيرية - الديار والنفوس - منشأ النصيرية - تاريخ النصيرية - دين النصيرية - أقسام النصيريين - تقاليد الدخول في النصيرية - أعياد النصيريين - الطعن في النصيرية.
وقد اعتمدا في هذه الدراسة - كما ادّعيا - على العديد من الكتب هي:
1 - تاريخ النصيرية ودينهم لرنيه دوسو.
2 - كتاب الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية لسليمان الأذني.
3 - كتاب المجموع.
4 - كتاب مجموع فيه الأعياد والدلالات.
5 - كتاب الأسوس.
كما اعتمدا أيضاً على كتابات كل من: دي غوبينو ورينان ولامنس وهوار، لكنّ أكثر اعتمادهما كان على كتاب (الباكورة السليمانية)، وليس في دراستهما ما يدلّ على أنّهما اطّلعا على كتاب (مجموع الأعياد) أو كتاب (الأسوس) ؛ لأنّ كلّ الاستشهادات التي ذكراها مأخوذة من (الباكورة) وحده.
وبدون أدنى جهد يستطيع المرء أن يتلمّس نقاط الزلل والتناقض في أقوالهما، من ذلك: ما قالاه عن كتاب (المجموع)، وهو: (اختُلفَ في مؤلّفه، فمنهم مَن يسنده إلى عبد الله بن حمدان الخصيبي...).
والذي نعلمه: أنّه لا يوجد شخص باسم عبد الله بن حمدان الخصيبي، وإنّما الحسين بن حمدان الخصيبي، المكنّى بأبي عبد الله. ولم يقل أحد ممّن ترجَموا للخصيبي أنّ له كتاباً باسم (المجموع)،
والكتب التي عدّوها له، هي: أسماء النبي، أسماء الأئمة، الأخوان، المائدة(1) . وله أيضاً: الهداية الكبرى، وديوان شِعر.
وعلى كلّ حال، فلنا وقفة متأنية عند كتاب (المجموع) في مكان آخر من هذا الكتاب.
وعن نسبة النصيرية قالا: (برهنَ الفحص الفنّي على أنّ اسم هؤلاء القوم منسوب إلى محمد بن نصير، الذي هو من أتباع حسن العسكري).
ولم يذكرا ماهيّة هذا الفحص الفنّي، ولا كيف أثبتَ أنّ اسم النصيرية نسبة إلى محمد بن نصير. وكنّا قد بيّنا عند حديثنا عن (أصل التسمية) أنّه من المشكوك فيه نسبة النصيرية إلى محمد بن نصير ؛ لأنّ محمد بن نصير توفِّي سنة 259هـ، بينما اصطلاح النصيرية وردَ ذكره للمرّة الأولى على لسان حمزة بن علي في مطالع المئة الرابعة للهجرة.
يضاف إلى ذلك: أنّ كتّاب الفِرَق، لم ينسبوا هذه الفرقة إلى محمد بن نصير، بل لم ينسبوها إلى شخص معيّن بالذات.
ومن جهة أخرى، فإنّ المؤلّفين ناقضا نفسيهما بنفسيهما، فهما عند حديثهما عن تاريخ النصيرية قالا: (كان النصيريون في أيام الرومان أيضاً، ويروي إسترابون - من مؤرّخي يونان - أنّ النصيريين حافظوا على كيانهم واستقلالهم تجاه الفينيقيين في العصر الأول للميلاد، وشدّ ما أمعنت النصرانية في الانتشار والتعمّم بين الوثنيين في سورية، ولكنّها لم تستطع ولوج تلك الجبال على النصيريين، فكانوا في معزلٍ عن تبشيرها،... واسم النصيرية لم يدخل التاريخ إلاّ منذ القرن الحادي عشر).
من المعروف أنّ سورية خضعت للحكم الروماني عام 64ق. م،
____________________
(1) العسقلاني: لسان الميزان ج2، ص79.
عندما جعلها بومبيوس ولاية رومانية، وفي سنة 395م أمست جزءاً من مملكة بيزنطية، ثمّ انحسرَ ظل الرومان عنها نهائياً سنة 635م، وكان آخر ملوكهم فيها هرقل. فكيف كان النصيريون موجودين في أيام الرومان إذا كان محمد بن نصير - الذين يُنسبون إليه - توفِّي سنة 873م أي بعد نهاية الحكم الروماني في سورية، بأكثر من مئتي سنة؟! ثمّ لماذا وكيف دخلوا التاريخ منذ القرن الحادي عشر، إذا كانوا موجودين أيام الرومان وذكرهم المؤرّخ اليوناني إسترابون؟!
إنّنا لنستغرب أشدّ الاستغراب كيف لم ينتبه المؤلّفان إلى هذا التناقض؟! لكنّ استغرابنا يزول عندما نقرأ قولهما: (ولا جرمَ أنّ الحاكم بأمر الله الفاطمي، استعانَ بهذه العقيدة النصيرية لمـّا توسّع في معنى إلوهية علي، وادّعى أنّه تمثال لها، وأسّس الدرزية بمعونة وزيره (حمزة)، وهكذا فعلَ (رشيد الدين سنان) واتبع عين الخطّة...).
معنى هذا الكلام: أنّ النصيرية هم أصل المذهب الدرزي والمذهب الإسماعيلي، وهذا القول غير صحيح البتة، ولم يقله أحد قبل التميمي وبهجت. ولو أنّه كان صحيحاً، لمـَا ألّف حمزة بن علي مؤسّس المذهب الدرزي(الرسالة الدامغة في الرد على الفاسق النصيري) ، الذي اتّهم النصيرية فيها بشتّى التُهم، ومنها حلول المعنى في عليعليهالسلام وعبادته.
أمّا رشيد الدين سنان، فليس هذا اسمه، واسمه الصحيح هو: سنان بن سليمان بن محمد المعروف بسنان راشد الدين، وهو لم يؤسّس أيّ مذهب، وإنّما كان من دعاة الإسماعيلية، أرسلهُ الإمام الإسماعيلي في (ألموت) ممثّلاً له ؛ ليتدبّر شئون إسماعيلية سورية، وجَعل مقرّه منطقة
(مصياف)، ولم يذكر له صاحب (أعلام الإسماعيلية)(1) أي كتاب، أو أيّة مقولة مذهبية أو عقائدية.
وإذا نظرنا فيما جاء في (ولاية بيروت) عن (دين النصيرية)، رأينا الاضطراب الشديد والتناقض الصارخ. يذكر المؤلّفان: أنّ أوّل اعتقاد النصيرية هو"تثليث الآلهة"، أي إيمانهم بثلاثة آلهة، ويسمّون أول هؤلاء الآلهة (المعنى)، والثاني (الاسم)، والثالث (الباب). ويقصدون الغيب المطلق من المعنى، والاسم: الصورة الظاهرة للمعنى. وأمّا الباب: فهو الطريق الموصِل إلى الغيب المطلق...).
ثمّ بعدئذ وجدناهما يقولان: (إنّ النصيريين يعتقدون بحلول الإلوهية في علي، ونرى في السورة الحادية عشرة من كتاب المجموع هذه العبارة: (أشهدُ بأنّ ليس إلهاً إلاّ علي بن أبي طالب الأصلع المعبود)، وهي (تنطق بحقيقة تلك العقيدة وأُسسها).
ويقولان أيضاً: (ويزعمون أنّ الأوقات الخمسة يُقصد بها الأشخاص الخمسة المقدّسة لديهم، ويقيمون صلاة الظهر باسم (محمد)، والعصر باسم (فاطمة) - أو بتعبيرهم (فاطر) -، وصلاة المغرب باسم (الحسن)، والعشاء باسم (الحسين)، والصبح باسم (محسن). ويعتقدون أيضاً بأنّ الإلوهية تمثّلت في هؤلاء الخمسة، كما تمثّلت في علي).
فبموجب هذا الكلام، كم إلهاً صارَ لدينا؟! ويبدو أنّه غابَ عن ذهن مؤلّفي(ولاية بيروت) أنّ الفرقة المسمّاة بالمخمّسة هي التي تقول إنّ الله جلّ وعزّ ظهرَ في خمسة أشباح وخمس
____________________
(1) مصطفى غالب: أعلام الإسماعيلية، ص295.
صور مختلفة، ظهرَ في صورة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين.
وقد أطلقَ الشهرستاني على هذه الفرقة اسم(العلبائية) ، وقال: (ومنهم مَن قال بالإلهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء، وهم: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين).
هذا أهمّ ما كتبه المؤرّخون المحدّثون عن النصيرية.
[النصيرية عند المؤرّخين المعاصرين]
أمّا بالنسبة إلى المؤرّخين المعاصرين، ونقصد بهم المؤرّخين منذ عصر النهضة وحتى اليوم، فقد وجدنا أقوالهم عن النصيرية، سارت في خمسة اتجاهات:
الاتجاه الأول:
ترديد أقوال الشهرستاني في(المِلل والنحل) على الانقياد والتسليم، وعلى رأس ممثّلي هذا الاتجاه:
1- الدكتور علي سامي النشار في(نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام) .
2- والدكتور كامل مصطفى الشيبي في(الصلة بين التصوّف والتشيّع) .
وبما أنّنا عَرضنا ما قاله الشهرستاني عن النصيرية، والمآخذ عليه، فليس ثمّة من ضرورة إلى تكرار الحديث.
الاتجاه الثاني:
من أصحاب هذا الاتجاه مَن اعتبرَ النصيرية فرعاً من فرع الإسماعيلية، ككامل الغزّي في(نهر الذهب في تاريخ حَلب) ، والدكتور فيليب حتّى في(تاريخ سورية ولبنان وفلسطين) ، والدكتور عمر فروخ في(تاريخ الفكر العربي).
ومنهم مَن خلطَ بين النصيرية وبين الإسماعيلية، كالشيخ محمد أبو زهرة في(تاريخ المذاهب الإسلامية) .
* يقولالغزّي (1) في آخر حديثه عن طائفة الإسماعيلية: (والناس في هذه النواحي لا يفرّقون بينهم وبين طائفة النصيرية، التي هي فرع من فروعهم).
* أمّا الدكتورفيليب حتَّى فيقول(2) : (والنصيرية: فرع آخر من الفروع الإسماعيلية الباقية، والراجح أنّ اسمهم متحدّر من محمد بن نصير الكوفي (زها في أواخر القرن التاسع)، وهو أحد مشايعي الحسن العسكري (ت 874)، الإمام الحادي عشر من أئمّة العَلويين. وقد وردت أقدم إشارة هامة إلى ابن نصير وأتباعه في بعض آثار حمزة، وغير حمزة من فقهاء الدروز السابقين، على أنّ آخر مؤسّسي هذه الشيعة - على ما في مدوّناتهم - هو الحسين بن حمدان الخصيبي (ت حوالي 957)، وقد كان قبلاً مولى إسماعيلياً من موالي الحمدانيين في حَلب.
أمّا المعروف عن مذهبهم، فليس بالشيء الكثير، إنّه مذهب سرّي الطابع، كهنوتي النظام، باطني التعليم، ومدوّناتهم المقدّسة لم يُعرف عنها بمقدار ما عُرف عن مدوّنات الدروز ؛ فإنّ الكثير من هذه قد كُشف في أعقاب الفتن الأهلية التي نَشبت في غضون القرن التاسع عشر.
وإذ وجدت هذه الملّة نفسها جماعة صغيرة خارجة، بين أكثرية معادية، آثرت اللجوء إلى العمل في الخفاء، وهي الآن اللغز الديني الذي لم يُحل حلاً كاملاً في الشرق الأدنى.
وبعد، فالمعروف من أمرهم هو هذا: إنّ النصيرية - شأن غلاة الشيعة - يؤلّهون علياً، وهو - في ما يرون - آخر مراحل التجسّد الإلهي وأهمّها.
أمّا المتأخّرون من أتباع هذه الملّة، فمنهم:(التختخية) ،(الخطّابون) في غربي الأناضول، و(القزلباشية) (ذوو الرءوس الحمراء) في شرقي
____________________
(1) نهر الذهب في تاريخ حلب: ج2، ص214.
(2) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين: ج2، ص219، وأيضاً لبنان في التاريخ: ص322.
الأناضول، و(العلي إلهية) في فارس وتركستان. ولذلك يسمّى النصيرية أحياناً بالعَلويين، وقد اشتهروا بهذا الاسم عندما حوّل الفرنسيون المنطقة التي تكتنف اللاذقية إلى دويلة منفصلة سمّوها (العلويين)، لكنّهم سُمّوا في تاريخ الصليبيين (النزري) (Nazarei )، ويتمثّل مذهب هذه الملّة في آراء شيعية متطرّفة نابتة في أصل وثني، أو هو بتعبير آخر: رواسب من مِلل سورية وثنيّة مغلّفة بغشاء من التعليم الشيعي المنحرف.
وينبغي أن يكون أعلامها قد تحوّلوا من الوثنية إلى المذهب الإسماعيلي بصورة مباشرة، ثمّ تبنّوا بعض الظواهر السطحية، فهم مثلاً يحتفلون جماعياً لأداء بعض شعائرهم بما يشبه (القداس)، ويشاركون النصارى في عيد الميلاد وعيد القيامة، ويستخدمون أسماء انفردَ بها النصارى نظير:متّي، وجبرائيل، ويوحنّا، وهيلانة .
أمّا طبقة (الشيوخ)، التي تقابل (العقال) في نظام الدروز، فمنظّمة في ثلاث مراتب كهنوتية. وأمّا سائر الملّة، فتؤلّف طبقة العاميين. والنصيرية يخالفون الدروز في أنّهم لا يتيحون للنساء الدخول في طبقة المكرّسين، وهم يقيمون اجتماعاتهم ليلاً في أماكن خفيّة، ولقد اتُهموا بإتيان بعض المنكرات في مجتمعاتهم الليلية هذه، ونسبوا إلى عبادة أشياء غريبة، وقد طالما اتُهم بمثل ذلك سائر أصحاب المذاهب السرّية).
وكلام الدكتور حتى تنقصه الدقّة ؛ إذ لم نجد من المؤلّفين القدامى مَن قال: إنّ النصيرية فرع من فروع الإسماعيلية.
والدكتور عارف تامر - وهو من مؤلّفي الإسماعيلية المعتبرين في يومنا هذا - عدّد في كتابه(الإمامة في الإسلام) فِرَق الإسماعيلية واحدة واحدة، ولم يذكر من بينها النصيرية، والفِرَق التي ذكرها كفروع من الإسماعيلية: المستعلية أو الطيبية، الداءودية، السليمانية، النزارية، المؤمنية، القاسمية أو الآغاخانية، الدروز، القرامطة، الخسروية. ولو أنّ النصيرية إحدى فِرق الإسماعيلية، لمـَا فات على الدكتور تامر ذكرها.
ومن جهة أُخرى، فإنّ الحسين بن حمدان الخصيبي، لم يكن في يوم من الأيام مولى إسماعيلياً، وإنّما كان إمامياً، وهو أحد المصنّفين في فقه الإمامية، كما يصفه ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان)، وكذلك كان سيف الدولة إمامياً.
ويبدو عدم التروّي جلياً في قول حتى: (وينبغي أن يكون أعلامها تحوّلوا من الوثنية إلى المذهب الإسماعيلي)، فالمصادر التاريخية المتوفِّرة بين أيدينا، تشير إلى أنّ الحركة الإسماعيلية نشأت نشأتها الأولى سنة 128هـ = 745م، فهل كانت توجد الوثنية بعد انتشار الديانة المسيحية في العهد البيزنطي الذي انتهى في سورية سنة 635م، وبعد انتشار الإسلام مع فتوح الشام سنة 637م؟
وليس النصيريون هم المعنيون باسم (النزري) (Nazarei ) كما جاء في تاريخ الصليبيين، وهذه التسمية أُطلقت على الإسماعيليين، إذ كانت لهم في زمن الصليبيين شبه دولة مستقلّة وخاصة في عصر سنان راشد الدين، وصلاح الدين الأيوبي، وهؤلاء كانوا من الإسماعيليين النزاريين، فنزري: أقرب إلى (نزاري) منها إلى نصيري.
* ويقول الدكتورعمر فروخ: (المذهب النصيري أشدّ إيغالاً في تأويل الباطن ونسبة الإلوهية إلى الأئمة من سائر المذاهب الإسماعيلية).
* أمّا الشيخمحمد أبو زهرة فقد قال(1) : (وبجوار الحاكمية في دمشق طائفة خلعت الربقة، وإن كانت لا تنسب نفسها للإسماعيلية، ولكنّها تتلاقى مع بعضها في المخالفة للأصول وانحلال بعضها وانخلاعه عن الإسلام، وهذه الطائفة هي (النصيرية). وهي لم تنسب نفسها للإسماعيلية، ولكن تربّت في أحضان الذين خلعوا الربقة منها.
____________________
(1) تاريخ المذاهب الإسلامية: ج1، ص63.
وإنّ هؤلاء سكنوا الشام في الماضي كالحاكمية وكانوا مع الاثنا عشرية، أو هم يدّعون الانتساب إليهم، ويعتقدون أنّ آل البيت أُوتوا المعرفة المطلقة، ويعتقدون أنّ علياً لم يمت وأنّه إله أو قريب من الإله. وهم يشتركون مع الباطنية في أنّ للشريعة ظاهراً وباطناً، وأنّ باطنها عند الأئمة ؛ إذ إنّ إمام العصر هو الذي أشرقَ عليه النور فجعلهُ يفهم حقيقة هذه الشريعة وباطنها، لا ظاهرها فقط.
وفي الجملة كانت آراء هذه الطائفة مزيجاً من الآراء المغالية في الفِرَق المنسوبة للشيعة، والتي يتبرّأ أكثرهم منها: فأخذوا عن السبئية الكافرة المنقرضة إلوهية علي وخلوده ورجعته، ومن الباطنية كون الشريعة لها ظاهر وباطن.
خلعَ أولئك الغلاة ربقة الإسلام وأطرحوا معانيه، ولم يُبقوا لأنفسهم منه إلاّ الاسم، وقد اتّسع عملهم في عهد قيام الدولة الفاطمية بمصر والشام، ولقد وجدوا من الحاكم بأمر الله مَن يتلاقى معهم في أهوائهم، ولذلك كان ظهور زعيمهم الحسن بن الصباح في فارس في عهد الحاكم بأمر الله، وقد أخذَ يثير الفتن ضدّ الدولة العباسية في الوقت الذي كان يدّعي الحاكم الإلوهية، وقد بثّ الحسن دعاته في الشام يدعون إلى نحلته.
وقد كثُر بعد ذلك أولئك الغلاة في الشام واتخذوا لهم مقرّاً هو جبل (السمان)، الذي يسمّى الآن(جبل النصيرية) . وقد كان بعض كبرائهم يستهوون مريديهم بالتخدير بالحشيش، ولذلك سمّوا في التاريخ: " الحشّاشين ". وعند الهجوم الصليبي على البلاد الشامية، ومن ورائها البلاد الإسلامية، مالئوا الصليبيين ضدّ المسلمين. ولمـّا استولى أولئك على بعض البلاد الإسلامية، قرّبوهم وأدنوهم وجعلوا لهم مكاناً مرموقاً.
ولمـّا جاء نور الدين زنكي، وصلاح الدين من بعده، ثمّ الأيوبيين، اختفوا عن الأعين واقتصر عملهم على تدبير المكايد والفتك بكبراء المسلمين وقوّادهم العظام، إن أمكنتهم الفرصة وواتاهم الزمان. ولمـّا أغارَ التتار من بعد ذلك على الشام مالأهم أولئك
النصيريون، كما مالئوا الصليبيين من قبل، فمكّنوا للتتار من الرقاب، حتى إذا انحسرت غارات التتار، قبعوا في جبالهم قبوع القواقع في أصدافها ؛ لينتهزوا فرصة أخرى...).
يبدو من هذا الكلام: أنّ شيخنا (رحمة الله عليه) لا يدري ما يقول، وأنّه خلطَ ما بين النصيرية وبين الإسماعيلية، مثله في ذلك مَثل ابن تيمية وغيره وغيره... وهذا ما يتّضح من قوله: (ظهور زعيمهم الحسن بن الصباح)، وقوله: (سُمّوا في التاريخ: " الحشّاشين "). فالحسن بن الصباح - شيخ الجبل الثاني - كان إسماعيلياً، وهو الذي أسّس دولة (ألموت) النزارية في بلاد فارس سنة 483هـ، ولم نجد أحداً من المؤرّخين قال عنه إنّه كان نصيرياً أو كان زعيماً لهم. وكذلك فإنّ لقب (الحشّاشين) أطلقهُ المؤرّخون على الإسماعيليين، بدعوى أنّهم يكثرون من تدخين الحشيش، أو يستهوون مريديهم بالتخدير بالحشيش، وهي تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة.
ولسنا ندري من أين جاء شيخنا باسم (جبل السمان)، الذي يسمّى الآن (جبل النصيرية) على حدّ زعمه، وأغلب الظن أنّ المقصود هو (جبل السماق) وهو - كما ذكر ياقوت الحموي - (جبل عظيم من أعمال حلب الغربية، يشتمل على مُدن كثيرة وقرى وقلاع عامتها للإسماعيلية). وكان هذا الجبل يُعتبر من بلاد الإسماعيلية كما ذكرَ أحمد بن إبراهيم الحنبلي في كتابه(شفاء القلوب في مناقب بني أيوب) ، إذ قال: (بعثَ العادل إلى بلاد الإسماعيلية وأحرقَ سرمين، ومعرة مصرين، وجبل السماق وقتلَ معظم أهله) ؛ لأنّ جبال النصيرية - قبل أن يُطلق عليها هذا الاسم في زمن الصليبيين - كانت تسمّى (جبل اللكام).
وكنا نتمنّى على شيخنا الجليل، أن يذكر لنا اسم كبير من كبراء المسلمين أو (قوّادهم العظام) فتكَ به النصيريون، أو دبّروا له المكايد ؛ لأنّنا لم نجد في الآثار التي وصلتنا من الأقدَمين ما يثبت هذا الزعم، وكذلك ليس في الآثار ما يثبت ممالئة
النصيرية للصليبيين أو للتتار، وأنّ هذا الفعل فَعَله غيرهم.
ذكر ابن شداد في(الأعلاق الخطيرة) ما نصّه(1) : (واتفق في ذلك الوقت أنّ الزين الحافظي(2) (لا بَلَّ الله له ثرى) وصلَ من عند هولاكو إلى ماردين، فكتبَ إلى التتار الذين على حصار الموصل، وعرّفهم أنّ شمس الدين البرلي في جماعة قليلة، وأشارَ عليهم بقصده وقتاله).
ويذكر محمد كرد علي في (خطط الشام) ما نصّه: (آذنت شمس الدولة الأتابكية، دولة أبناء طغتكين، بالمغيب لهلاك الرجال الغيورين، ولأنّ أربابها أخذوا يتقوون بالفرنج على بناء نحلتهم، حبّاً بأن يبقوا في ملكهم ورفاهيّتهم)(3) .
ويذكر ابن أبي الحديد في(شرح نهج البلاغة) (4) : اختلفَ أهل أصبهان في سنة ثلاث وثلاثين وستمئة، وهم طائفتان:حنفية، وشافعية ، وبينهم حروب متصلة وعصبية ظاهرة. فخرجَ قوم من أصحاب الشافعي إلى مَن يجاورهم ويتاخمهم من ممالك التتر، فقالوا لهم: اقصدوا البلد حتى نسلّمه إليكم. فنُقل ذلك إلى قاآن بن جنكزخان بعد وفاة أبيه، والملك يومئذٍ منوط بتدبيره، فأرسلَ جيوشاً من المدينة المستجِدَّة التي بنوها وسمّوها قراحرقم، فعبرت جيحون مغربة. وانضمّ إليها قوم ممّن أرسله صرماغون على هيئة المدد لهم، فنزَلوا على أصبهان في سنة ثلاث وثلاثين المذكورة وحصروها. فاختلفَ سيفا الشافعية والحنفية في المدينة حتى قُتل كثير منهم، وفُتحت أبواب المدينة، فتحها الشافعية على عهدٍ بينهم وبين التتر: أن يقتلوا الحنفية ويعفوا عن الشافعية. فلمّا دخلوا البلد، بدءوا بالشافعية
____________________
(1) ج3، القسم الأول، ص210.
(2) هو سليمان بن المؤيد بن عامر العقرباني الطبيب.
(3) ج2، ص24.
(4) ج2، ص553.
فقتلوهم قتلاً ذريعاً، ولم يقفوا مع العهد الذي عهدوه لهم، ثمّ قَتلوا الحنفية، ثمّ قتلوا سائر الناس، وسبوا النساء وشقّوا بطون الحبالى، ونهبوا الأموال وصادروا الأغنياء، ثمّ أضرموا النار فأحرقوا أصبهان...).
وقد أجمعت المصادر التاريخية، على أنّ أبناء صلاح الدين الأيوبي كان الواحد منهم يتقوّى بالصليبيين على أخيه للإبقاء على إمارته..
فكيف تغاضى شيخنا الجليل عن هذه الوقائع؟ لست أدري، ولا أظنّه يجهلها.
الاتجاه الثالث:
أصحاب هذا الاتجاه أخذوا أقوالهم عن أكثر من مصدر واحد، وألّفوا بين الأقوال، من هؤلاء: محمد كرد علي في(خطط الشام) ، ومحمد عزة دروزة في(العرب والعروبة) ، والدكتور عبد الرحمان بدوي في(مذاهب الإسلاميين) ، والدكتور مصطفى الشكعة في(إسلام بلا مذاهب) .. وغيرهم.. وغيرهم.
* محمد كرد علي نقلَ ما كتبهُ عن النصيرية، عن القلقشندي في(صبح الأعشى)، وعن محمد أمين غالب الطويل في(تاريخ العلويين)، ونصّ كلامه هو(1) : (قال القدماء: هم أتباع نصير، غلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهم يدّعون إلوهية علي (رضي الله عنه) مغالاة فيه، ويزعمون أنّ مسكنهُ السحاب. وإذا مرّ بهم السحاب، قالوا: السلام عليك يا أبا الحسن. ويقولون: إنّ الرعد صوته والبرق ضحكهُ ؛ وهم من أجل ذلك يعظّمون السحاب. ويقولون: إنّ سلمان الفارسي رسوله. وإنّ كشفَ الحجاب عمّا يقوله من أيّ كتاب - بغير إذن - ضلال. ويحبّون ابن مُلجم قاتل علي ويقولون: إنّه خلّصَ
____________________
(1) خطط الشام: ج6، ص260.
اللاهوت من الناسوت، ويخطِّئون مَن يلعنه. وإنّ لهم خطاباً بينهم، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنهم ولا يذيعه ولو ضربَ عُنقه. وهم يُخفون مقالتهم، ومَن أذاعها فقد أخطأ عندهم. ولهم اعتقاد في تعظيم الخمر ويرون أنّها من النور، ولزَمهم من ذلك أن عظّموا شجرة العنب التي هي أصل الخمر حتى استعظموا قَلعها. ويزعمون أنّ الصدّيق وأمير المؤمنين عمر وأمير المؤمنين عثمان تعدّوا على علي ومنعوه حقّه من الخلافة.
وقال المحدّثون منهم أنفسهم، على ما ذكره صاحب تاريخ العلويين: إنّ النصيرية رجعَ لهم اسمهم القديم بعد انتهاء الحرب العامة (1918) وسمّيت العلوية، وكانت محرومة مدة 412 سنة، أي من قتال الأتراك للعلويين. وإنّ اسم العلويين - الذي كان يُطلق على طائفتهم - دُثرَ عدة قرون، وسمّي الموجود باسم الجبل. ويظنّ بعضهم أنّ اسم النصيرية هو نسبة للسيد أبي شعيب محمد بن نصير البصري النميري، مع أنّ الأصح هو لأنّه تغلّب اسم الجبل عليهم وأصبحت كلمة نصيري أشنع كلمات التحقير.
وقال: إنّ قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، معناه: كمال الدين، وكمال الدين هو ولاية علي، وهذه هي الحكمة المقصودة من نزول القرآن بالتدريج. ويقول العلويون: إنّه لمـّا أُعلنَ كمال الإسلام، كان لا يزال بعض العقائد مكتوماً وخفياً، ولذلك بقيَ إلى هذا اليوم مكتوماً بخصوصيته. وبتعبير أصح: إنّ بقاء عقيدة العلويين مكتومة هو من كمال الإسلام وإعلانها مضرّ به ؛ لأنّ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) بشّر المؤمنين بولاية علي وبذلك كملَ الإسلام، ولكنّه بقيَ حريصاً على كتمان البقية، ولذلك كان كتمان البقية من كمال الإسلام أيضاً ؛ وهذا هو تعليل تكتّم العلويين في عقيدتهم.
وهم يقولون أيضاً: إنّ بني هاشم كانوا يعرفون في زمن النبي أحكاماً ما كان يعرفها الأُمويون، وإنّ أهل البيت تعلّموا علوماً لم يسمعها غيرهم، وهنا مبدأ أسرار العلويين. ومن جملة تكتّم العلويين: أنّ بيعة غدير خم لم تكن إلاّ إفشاء لبعض حقوق أهل البيت والأمر باتباعها واحترامها...).
من هذا الكلام يتأكّد لنا أنّه غربَ عن بال الأستاذ الرئيس - وهو
المحقّق المدقّق والمؤرّخ الرصين - أنّ أحداً من المؤرّخين، أو كتاب السيَر والتراجم، لم يذكر أنّ للإمام عليعليهالسلام غلاماً يُدعى نصيراً، وقد ذكروا أنّ له مولى يسمّى بقنبر. ثمّ مَن هم هؤلاء القدماء الذين قالوا: إنّ النصيرية هم أتباع نصير غلام أمير المؤمنين؟! لقد بيّنا أنّ القدماء لم ينسبوا النصيرية إلى شخصٍ معيّن بالذات، ومَن نَسَبهم إلى نصير غلام أمير المؤمنين، هو أبو الفداء في(تقويم البلدان) نقلاً عن ابن سعيد المغربي، وكذلك الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري في(إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد) ، والأول توفِّي سنة 732هـ، والثاني توفِّي سنة 794هـ، مع أنّ أوّل إشارة إلى النصيرية - كما سبق أن ذكرنا - كانت في أوائل المئة الرابعة.
* أمّا ما كتبهُ محمد عزة دروزة(1) فكان ترديداً لِما جاء في(ولاية بيروت) لرفيق التميمي ومحمد بهجت، و(تاريخ العلويين) لمحمد أمين غالب الطويل.
لكنّ دروزة - خلافاً لمحمد كرد علي - كان خلال عرضه لأقوال صاحب(ولاية بيروت) و(تاريخ العلويين) يقف عند بعض الأفكار ويناقشها، مبيّناً رأيه فيها، متّخذاً في بعض الأحيان موقف المدافع كقوله: (وواضح ممّا نقلناه وما ذكره الطويل في كتابه: أنّ النحلة شيعية إمامية اثنا عشرية في الأصل، وقد غَدت بما تسرّب إليها من أفكار وعقائد ذات طابع خاص كالنحلة الدرزية، وقد أُحيطت مثلها بالمراسم والشكليات للتأثير والإيهام. ولنرجّح أنّ كثيراً ممّا تسرّب إليها قد تسرّب بعد الداعية الأول الطبراني، وإن كان من المحتمل أن يكون هو الذي غرسَ النواة ؛ لأنّ انحرافاً مثل انحرافهم قد غرسَ في مثل هذه الظروف في النحلة الشيعية الدرزية، متمثِّلاً بنوع خاص في تجلّي الله في الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي على
____________________
(1) العرب والعروبة: ج2، ص14 وما بعدها.
على ما شرحناه في بحث تنوخيِّي لبنان في الجزء الأول. وإنّ جهلَ الدعاة والمدعوّين معاً، والظروف السياسية والاجتماعية التي عاشَ فيها النصيريون خلال قرون عديدة، ونظرة الاستعلاء والعداء التي كان ينظر إليهم بها السنّيون المسلمون، قد ساعدت على تسرّبها، كما ساعدت على إبقاء أصحابها منطوين على أنفسهم، محتفظين بسرّية نحلتهم ومتمسّكين بها.
ولقد خَفت من جهة شدّة هذه الظروف، بل زالت أو كادت أن تزول، ووجدَ العلم من جهة أخرى طريقه إلى النصيريين، فأخذَ المستنيرون والمثقفون منهم يدركون ما كانوا عليه من أفكار وتأويلات وعادات باطلة، ويتراجعون عنها: فيعترفون بالقرآن ويتعلّمونه، ويقومون بالطقوس الإسلامية العادية، ويطبّقون شئونهم الشخصية، من: نكاح، وطلاق، وإرث على المذهب الجعفري الإمامي، بل لقد ذَهبوا إلى أكثر من ذلك حيث أذاعَ رجالهم الدينيون بلاغاً في تموز 1936 قالوا فيه: دَحضاً لِما يُشاع عن أنّ المسلمين العَلويين غير مسلمين، وبعد التداول بالرأي والرجوع إلى النصوص الشرعية قرّرنا البندين الآتيين:
1 - كلّ عَلوي مسلم، والعَلويون المسلمون هم الذين يعتقدون بالشهادتين ويقيمون أركان الإسلام الخمسة.
2 - كلّ مَن لا يعترف بالإسلام وينكر أنّ القرآن الشريف كتابه، وأنّ محمداً (صلّى الله عليه وسلّم) نبيه، لا يُعد في نظر الشرع عَلوياً.
وحيث وضعَ مؤتمر علوي شَهده جمهور من رجال العلويين البارزين - من مدنيين ودينيين في الشهر نفسه - قرارات من جملتها: أنّ العلويين ليسوا سوى أنصار الإمام، وما الإمام سوى ابن عم رسول الله ووصيه، وأنّ القرآن الشريف هو كتاب العلويين قاطبة. وكان هذا رداً على مكيدة استعمارية تبشيرية في عهد الانتداب الإفرنسي المشئوم، حيث أرادَ المستعمرون والمبشّرون اليسوعيون - لمآرب استعمارية - استغلال فكرة التثليث الملموحة في العقيدة النصيرية (علي الأب، ومحمد الابن، وسلمان روح القدس)، فأخذوا يبدون ويعيدون في زعم أنّ النصيريين من أحفاد الصليبيين، وأنّهم نصارى العقيدة في الأصل، ممّا هو وَهم من الأوهام التي يتعمّد المستعمرون
والمبشّرون المأجورون لهم إثارتها في المناسبات المماثلة، فعروبة معظم سكان المنطقة حقيقة من حقائق التاريخ التي لا تحتمل مكابرة، ومظاهر الدعوة والتلقينات الشيعية والأسماء والعادات الإسلامية هي الغالبة على النحلة، بحيث لا يصح لمنصف أن يتجاهلها ويتمسّك بفكرة التثليث، التي قوامها أسماء إسلامية، ليتخذها دليلاً على أصالة العقيدة النصرانية في النصيريين. وهذا فضلاً عن أنّ فكرة التثليث ليست فكرة نصرانية أصيلة، حيث تُلمح في الأفكار والعقائد الدينية العديدة قبل المسيح وفي بلاد لا صلة لها بالمسيحية.
ولقد انتهى ذلك العهد المشئوم وقويَ اندماج العلويين في الدولة وسائر طبقات أهلها، بحيث صارَ من المأمول أن لا يمرّ جيل أو جيلان حتى يتمّ الاندماج والانسجام الاجتماعي والثقافي والروحي معاً).
النقطة التي يجب الوقوف عندها في كلام دروزة هي قوله: (المرجّح أنّ كثيراً ممّا تسرّب إليها قد تسرّب بعد الداعية الأول الطبراني، وإن كان من المحتمل أن يكون هو الذي غرسَ النواة).
فما هو دليل الأستاذ محمد عزة دروزة على أنّ الطبراني هو (الداعية الأول)؟! والذي حَدا بنا إلى طرح هذا السؤال، ما قرأناه في سور (المجموع)، إذ جاء في بعضها ما نصّه: (شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي...).
وجاء في بعضها أيضاً: (لا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي، الذي شرّع الأديان في سائر البلدان). وأيضاً: (أشهدُ بأنّني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني الطريقة، خصيبي المذهب، جلي المقال، ميموني الفقه).
فبموجب ذلك يجب أن يكون الطبراني هو (الداعية الأخير)، لا الأول ؛ لأنّه جاء آخر الحلقة بعد محمد بن نصير، ومحمد بن جندب،
وعبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني، والحسين بن حمدان الخصيبي، ومحمد بن علي الجلي.
ومن جهة أخرى، لم يبيّن لنا الأستاذ دروزة الأسباب والأدلّة التي جَعلته يرجّح أنّ الطبراني هو الذي غرسَ نواة الانحراف؟! لأنّ الكلام غير المقرون بدليل ساقطٌ عن درجة الاعتبار.
* أمّا الدكتور عبد الرحمان بدوي، فقد نقلَ كلام الشهرستاني والقلقشندي عن النصيرية بحذافيره، ثمّ أوردَ نص السؤال الموجّه إلى ابن تيمية، وفتوى ابن تيمية في ذلك، معتبراً أنّ هذا النصّ من النصوص المفيدة في معرفة مذهب النصيرية، لكنّه بدلاً من أن يرجع إلى(كتاب مجموع الفتاوى) لابن تيمية - وهو مطبوع في مطبعة كردستان العلمية سنة 1326هـ - قدّم نصّ الفتوى نقلاً عن الجمعية الآسيوية JA سنة 1871.
وهناك اختلاف واضح في نصّ السؤال الذي وجِّه إلى ابن تيمية، بين مخطوط الجمعية الآسيوية الفرنسية، وبين(كتاب مجموع الفتاوى) ، مثال ذلك جاء في المخطوط: (ويجعلون موسى هو الاسم، ويوشع المعنى، ويقولون: يوشع ردّت له الشمس لمـّا أمرَها فأطاعت أمرَه، وهل ترد الشمس إلاّ لربها، ويجعلون سليمان هو الاسم، وآصف هو المعنى القادر المقتدر).
بينما وردت هذه العبارات في(مجموع الفتاوى) على الشكل التالي: (ويجعلون موسى هو الاسم، ويوشع هو المعنى، ويقولون: يوشع ردّت له الشمس لمـّا أمرَها فأطاعت أمره، وهل ترد الشمس إلاّ لربّها، ويجعلون سليمان هو الاسم، وآصف هو المعنى، ويقولون: سليمان عجزَ عن إحضار عرش بلقيس وقدرَ عليه آصف ؛ لأنّ سليمان كان الصورة، وآصف كان المعنى القادر المقتدر).
وجاء في المخطوط أيضاً: (ومن شِعر بعض فضلائهم المشهور عنه، قوله الملعون:
أشهد أن لا إله إلّا |
علي الأنزع البطين |
|
ولا حجاب عليه إلّا |
محمد الصادق الأمين |
|
ولا طريق إليه إلّا |
سليمان ذو القوّة المكين |
ولم نجد هذه العبارة، ولا هذه الأبيات، في نص السؤال كما جاء في(كتاب مجموع الفتاوى) ، لكنّا وجدنا هذه الأبيات في جواب ابن تيمية عن المسألة 210: (في طائفة من رعيّة البلاد كانوا يرون مذهب النصيرية، ثمّ أجمعوا على رجل منهم واختلفت أقوالهم فيه: فمنهم مَن يَزعم أنّه إله، ومنهم مَن يزعم أنّه نبي مرسل، ومنهم مَن ادّعوا أنّه محمد بن الحسن، يعنون المهدي).
فكان من ضمن جواب ابن تيمية، هذا القول: (والنصيرية يكتمون أمرهم، بل هم معروفون عند جميع المسلمين، لا يصلّون الصلوات الخمس، ولا يصومون شهر رمضان، ولا يحجّون البيت، ولا يؤدّون الزكاة، ولا يقرّون بوجوب ذلك، ويستحلّون الخمر وغيرها من المحرّمات، ويعتقدون أنّ الإله علي بن أبي طالب، ويقولون:
أشهد أن لا إله إلّا |
علي الأنزع البطين |
|
ولا حجاب عليه إلّا |
محمد الصادق الأمين |
|
ولا طريق إليه إلّا |
سليمان ذو القوّة المكين |
والذي يبعث على الدهشة اعتبار الدكتور بدوي نصّ السؤال الذي وجِّه إلى ابن تيمية، من النصوص المفيدة في معرفة مذهب النصيرية، مع أنّه صادر عن شخصٍ مجهول من غير النصيرية، بل من خصومهم.
ونحن إذا نظرنا إلى ما أوجزه الدكتور بدوي من عقائد النصيرية، نقلاً عن القلقشندي، وإلى ما جاء في نص الفتيا - التي اعتبرها من النصوص المفيدة في معرفة مذهب النصيرية - حصلَ لدينا قولان، لا توجد نقطة التقاء واحدة في ما بينهما، ومن الغرابة أن لا ينتبه الدكتور بدوي إلى ما في هذين القولين من تناقضٍ صارخ.
ومن جهة أخرى، كان من جملة المصادر التي اعتمدها الدكتور بدوي في دراسته عن النصيرية، كتابات المستشرقين الفرنسيين والألمان، المنشورة في المجلّة الآسيوية، ومجلّة جمعية المستشرقين الألمان المعروفة باسمZDMG وغيرها، حيث نقلَ عنها جدولاً بأسماء كتب النصيرية، وفقرات من كتاب(مجموع الأعياد) ، و(كتاب المشيخة) ، و(كتاب تعليم الديانة النصيرية) ، ونصوص ثلاثة قُدَّاسات، ونتيجةً لاعتماده على النقل عن مصادر أجنبية - من دون تحقيق أو تدقيق - فقد غَمت عليه أمور كثيرة، رأينا أن نقف عندها قليلاً مصحّحين موضّحين.
نقلَ الدكتور بدوي عن ماسينيون جدولاً بأسماء كتب النصيرية، وقد وقعت عند ترجمته لأسماء الأشخاص والكتب بعض التحريفات، نوجزها بما يلي:
أولاً - الأشخاص:
* أبو الفضل محمد بن حسن منتجب الدين.
وليس هناك مَن يعرفه بهذا الاسم، وإنّما هو معروف باسم منتجب الدين العاني.
* الشيخ الأمير حسن بن مخزون السنجاري.
والصحيح هو: (حسن بن مكزون السنجاري).
* مضر بن معالي الخرقي.
والصحيح هو: (نصر بن معالي الخرقي).
* الشيخ حسن العجرود العيني.
والصحيح: (حسن الأجرود).
* الشيخ محمود بامره (أو بعمره).
الصحيح: (بعمره)، وبعمره اسم مكان.
* بنو مهرز.
الصحيح: (محرز).
* حسين الأحمد همين.
الصحيح: (حمين)، وحَمين اسم مكان، وهي قرية بالقرب من طرطوس.
ثانياً - الكتب:
* كتاب الأساس.
الصحيح: (الأسوس).
* كتاب الأشباه والأظلة.
الصحيح: (الأشباح والأظلّة)، هكذا ورد اسم الكتاب في كثير من المخطوطات.
* كتاب جامع الأصول (كتاب درج المراتب).
الصحيح: (كتاب الدرج والمراتب).
* كتاب البحث والدلالة (في شكل الرسالة، عن صفات الله الأربع الخليقة والمخلوقة).
الصحيح: (كتاب البحث والدلالة عن مشكل الرسالة، وهو كتاب البيان والبرهان).
* كتاب حجّة العارف على البائن والمخالف.
الصحيح: (كتاب حجّة العارف في إثبات العدل على المباين والمخالف).
* كتاب حقائق أسرار الدين (ربّما كان هو بعينه كتاب موضّح الأسرار).
والصحيح: أنّ اسم الكتاب هو (رسالة موضّحة حقائق الأسرار
لِمن يستيقظ من الأبرار) رواية محمد بن شعبة الحراني.
* كتاب تسمية الأعياد، كتاب العالم والمتعلّم، كتاب الحياة الروحية.
هذه الكتب الثلاثة منسوبة إلى أبي الفضل محمد بن حسن منتجب الدين، المعروف باسم منتجب الدين العاني.
والحقيقة: ليس للمنتجب غير كتابين نثريَين مفقودَين، هما: "الجداول الروحانية" و"العالم والمتعلّم"، وقد ذكرهما مع ديوانه أبو عبد الله جلال الدين بن معمار الصفوي في كتابه (جدول تقويم الأسماء في معرفة أشخاص الأرض والسماء).
أمّا كتاب (تسمية الأعياد) و(الحياة الروحية)، فلم يذكرهما أحد.
* كتاب الأسيفر.
والصحيح: (الأصيغر) بالصاد والغين.
* * *
وقبل أن نتناول بالحديث كتاب(تعليم الديانة النصيرية) و(المشيخة) وغيرها، التي عرَضها الدكتور بدوي في صلب دراسته عن النصيرية، نجعل وقفتنا عند كتابٍ هامٍ لم يولِه الدكتور بدوي التفاتة جدّية، وإنّما أشارَ إليه إشارة عابرة، وهو يستعرض (مؤلّفو النصيرية الأقدمون)، حيث ذكرَ من كتب الخصيبي(كتاب المجموع) ، وقال عنه: كتاب المجموع (16 سورة) نشرهُ الأذني، ونشره ديسو ص181، ويسمّى أيضاً كتاب الدستور ("الباكورة" 7 و88 و92).
وقد سبقَ أن تحدّثنا عن هذا الكتاب ونحن نستعرض كتاب(الباكورة السليمانية) ، وها نحن نعود إليه مرّة ثانية.
نستطيع أن نقول: إنّه من خلال تتبّعنا لكُتب النصيرية المنسوبة إليها، تأكّدَ لنا أنّه لا يوجد لديهم كتاباً باسم (المجموع)، وصحّ عندنا أنّه
مختلق ومنسوب إلى الخصيبي، وهناك أدلة كثيرة على ذلك، منها:
1 - إنّ الذين ترجموا للخصيبي في القديم والحديث، لم يذكروا له هذا الكتاب، والكتب التي ذكروها له هي: أسماء النبي، أسماء الأئمة، الإخوان، المائدة، الهداية الكبرى، وديوان شِعر.
2 - في السور التي تضمّنها كتاب (المجموع) أكثر من دليل على أنّه ليس للخصيبي، من ذلك ما جاء في السورة الأولى ونصّه: (وقد دلّنا إليه وأرشدنا إليه شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا، السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي). وما جاء في السورة الحادية عشرة ونصّه: (ولا رأي إلاّ رأي شيخنا الحسين بن حمدان الخصيبي، الذي شرّعَ الأديان في سائر البلدان).
ومن غير المعقول أن يكتب شخص عن نفسه هذا الكلام.
3 - جاء في السورة الثالثة واسمها(تقديسة أبي سعيد) ما نصّه: (نذكر حضرة شيخنا وسيدنا الأجل الأكبر، الشاب التقي، أبي سعيد الميمون بن قاسم الطبراني).
فإذا كان الطبراني ولِدَ سنة وفاة الخصيبي، أي سنة 358هـ، فكيف يذكره الخصيبي في كتابه(المجموع) ، وينعته باسم (شيخنا وسيدنا) وهو لم يره، ولم يسمع به؟!
4 - يضاف إلى ذلك: أنّ في (المجموع) نصوص (16) سورة و(3) قُدَّاسات، هي: قُدَّاس الطيب، قُدَّاس البخور، قُدَّاس الأذان، وليس في كتب الخصيبي أي ذكر لهذه القُدَّاسات، أو أيّة إشارة إليها.
ومن جهة أُخرى، هذه القُدَّاسات نَشرها كتفاجو في مجلّة جمعية المستشرقين الألمان، ونَقلها عنه الدكتور بدوي بنصّها، ونحن إذا قارنّا نصوص القُدَّاسات التي نشَرها كتفاجو، بنصوص القُدَّاسات التي نشرها الأذني في(الباكورة السليمانية)، وجدنا اختلافات كثيرة في ما بينها ؛ ممّا
يدل على أنّ كتاب(المجموع) مختلق.
وتوضيحاً للحقيقة نضع أمام القارئ نصّ كل قُدَّاس إلى جانب الآخر للمقارنة.
قُدَّاس الطيب:
في" الباكورة " :
يا أيها المؤمنون، انظروا إلى مقامكم هذا الذي أنتم به مجمعون، وانزعوا الغلّ من قلوبكم، والشك والحقد من صدوركم ؛ ليكمل لكم دينكم بمعرفة معينكم، ويستجاب منكم دعاؤكم ويكرم مثواكم مولانا ومولاكم، اعلَموا أنّ علياً بن أبي طالب قائم معكم وحاضر بينكم ويسمع ويرى ويعلم، ويعلم ما فوق السماوات السبع وما تحت الثرى، وهو عليم بذات الصدور العزيز الغفور.
إيّاكم، إيّاكم - يا إخوان - من الضحك والقهقهة في أوقات الصلاة مع الجهّال ؛ فإنّها بئس الفعال، وتقرّب الآجال، وتُهبط صالح الأعمال، ولكن اصغوا واسمعوا لمقال السيد الإمام ؛ لأنّه قائم فيكم كقيام الفرد الصمد العلي العلاّم، إنّا مَزجنا لكم هذا الطيب على هذه النيّة، كما مُزجت السماوات في السبعة الإمامية في خالص عقد النفوس الجوهرية، تنزيهاً للصورة البشرية المرئية الأنزعية، طيّبوا بها أنفسكم الطاهرة الزكية من سائر الأفعال الرديّة. لقد خصّ بها من الميم للسين في كلّ وقت وحين، إليها إليها فهو علياً إله، له الدين الخالص، إنّما يدعون من دونه باطل، وعبادة المخلوقات هي الرأي العاطل ؛ لأنّه تعالى عزّ شأنه في علو مكانه السميع العلي العظيم. انتهى.
في" مجلّة جمعية المستشرقين الألمان ":
أيها المؤمنون، اسمعوا وأطيعوا وانظروا إلى مقامي هذا الذي فيه (نحن) مجتمعون، انزعوا الغلّ والحسد والحقد من قلوبكم، يكمل لكم دينكم ويستجيب الله لدعائكم، واعلَموا أنّ الله حاضر موجود بينكم يسمع ويرى، إنّه عليم بذات
الصدور إياكم يا مؤمنين، من الضحك والقهقهة في أوقات الصلاة مع الجهّال، فمنها تحبط الأعمال وتتغيّر الأحوال ؛ لأنّها من طريق إبليس اللعين (لعنه الله تعالى). اسمعوا ما يقول لكم الإمام ؛ لأنّه قائم فيكم في طاعة العلي العلاّم، إنّ هذا قُدَّاس الطيب بعد عقد النيّة (على) الصلاة الحقيقية التي خصّ بها السيد المسيح إلى سين، عطاء كل نفس هواها.
قال في القداس المبارك: سبحان مَن جعل من الماء كلّ شيء حي، سبحان مَن يُحيي الميت في صرصر بقدرته. العلي الكبير. الله أكبر. أسألك اللهمّ مولاي بحقّ هذا قُدَّاس الطيب، بحقّ السيد محمد الحبيب، الذي اخضرّ في يده القضيب، (أن) تحلّ في دياركم البركة يا أصحاب هذا الفضل وهذا الطيب، ونقدّس أرواح إخواننا المؤمنين البعيد منهم والقريب، يا مولاي يا أمير النحل، يا علي، يا عظيم.
قُدَّاس البخور:
في" الباكورة ":
قُدَّاس البخور وروايح تدور في البيت المعمور، في محلّ الهَنا والفرح والسرور. قال: إنّه كان شيخنا وسيدنا محمد بن سنان الزاهري (علينا سلامه) يقوم إلى صلاة الجامعة في كل يوم وليلة مرّة أو مرّتين، ويأخذ بيده ياقوتة حمراء وقيل: صفراء، وقيل: خضراء، تنزيهاً لفاطمة الزهراء، ويبخر الأقداح وتتمّ الأفراح، ويبخر بها عبد النور في وقت الزينة والزهور.
اعلَموا يا مؤمنين، أنّ النور محمد، والليل سلمان، بَخّروا أقداحكم، وأنيروا مصباحكم، وقولوا بأجمعكم: الحمد لله، الحمد لله الذي جعلَ لها فضله تامم. وسرّه كاتم. إنّه جواد كريم، علي عظيم. آمِنوا وصدِّقوا يا مؤمنين، إنّ شخص عبد النور حلال لكم معكم، حرام عليكم مع غيركم. انتهى.
في" مجلّة جمعية المستشرقين الألمان ":
قال: كان سيدنا محمد بن سنان الزهري يقوم بالصلاة مرّة ومرتين، في يده ياقوتة حمراء، وقيل: مرجانة صفراء، يبخِّر بها عبد النور ويقول: يا أيها المؤمنون، بخّروا أقداحكم، أنجِزوا أعمالكم تنالوا بها الآمال. ويقول: (بأجمعكم) الحمد لله الذي جعلَ نوره تاماً، وفضله عاماً
علينا وعلى سائر إخواننا، براح وريحان وجنّة الله والنعيم. أسألك اللهمّ مولاي بحقّ هذا قُدَّاس البخور، وبحقّ البراء بن معروف، وبحقّ أبي الحسين المدني وتلميذه أبي الطاهر سابور، تحل في دياركم البركة يا أصحاب هذا الفضل وهذا البخور، يا أمير النحل يا علي، يا عظيم.
قُدَّاس الأذان:
في" الباكورة " :
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وجّهتُ وجهي إلى السيد محمد المحمود، وطالب سرّه المقصود، وعينه الودود، مقرّاً بالمعرفة والتجليات والصفات، ومنزّهاً المعنى بالذات، هو عين العلوية الذاتية الأنزعية، هو المعنى علي المتعال. وأمّا فاطر ذو الجلال والحسن ذو الكمال، ومحسن سرّ الخفي المفضال، إنّي عبد يا مؤمنين، مقرّ بما أقرّ به السيد سلمان في وقت النداء والأذان، أذّن المؤذّن في المأذنة وبلغَ القوم في أذانه وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد بأنّ ليس إله إلاّ علي أمير النحل الأصلع المعبود، ولا حجاب إلاّ محمد الحمد الأجلّ الأعظم المحمود، ولا باب إلاّ السيد سلمان الفارسي المقصود.
وأنّ السيد محمد حجابه المتصل، ونبيه المرسل، وكتابه المنزل، وعرشه العظيم، وكرسيه المتين. وأنّ السيد سلمان سلسل سلسبيل بابه الكريم ونهجه القويم، الذي لا يؤتى إليه إلاّ منه، وسفينة النجاة وعين الحياة. حي على الصلاة، حي على الصلاة. صلّوا يا معشر المؤمنين تدخلوا الجنّة التي أنتم بها موعودين.
حي على الفلاح، حي على الفلاح، تفلحون يا مؤمنين. تخلصون من كثايف الأبدان وظلمة الأجسام، وتسكنون بين الحور والولدان، وتعاينون مولاكم الجليل أمير النحل العلي الكبير. الله أكبر، الله أكبر، مولاكم أمير النحل علي. أكبر ممّن تكبّر وأعظم ممّن تجبّر. حَمداً لا يُرام، عزيزاً لا يُضام، قيّوماً لا ينام. الله أكبر، الله أكبر، قد قامت الصلاة على أربابها، وثبتت الحجّة على أصحابها. أسألك يا أمير النحل يا علي بن أبي طالب، أن تقيها وتديمها كما دامتا السماء والأرض. واجعل السيد محمد ختامها وصيامها وصلاتها، والسيد سلمان سلامها وزكاتها، والمقداد يمينها ومعينها، وأبو الذر شمالها
وكمالها، والعالمين سبيلها، والمؤمنين دليلها إلى الأبد آمين.
في" مجلّة جمعية المستشرقين الألمان " :
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيراً، الحمد لله كثيراً، وجّهتُ وجهي إلى محمد المحمود، طالباً سرّه المقصود، المتقرّب بتجلّي الصفات وعين الذات وفاطر الفطر، ذو الجلال والحسن، ذو الكمال. اتّبعوا ملّة أبيكم إبراهيم الخليل هو الذي سمّاكم مسلمين، حنيفاً مسلماً ولا أنا من المشركين، ديني سلسل، طاعة إلى القديم الأزل. أُقر كما أقرّ السيد سلمان حين أذّن المؤذن في أُذنه وهو يقول: شهدتُ أن لا إله إلاّ هو العلي المعبود، ولا حجاب إلاّ السيد محمد المحمود، ولا باب إلاّ السيد سلمان الفارسي، ولا ملائكة إلاّ الملائكة الخمسة الأيتام الكرام، ولا ربّ إلاّ ربّي شيخنا، (وهو) شيخنا وسيدنا الحسين بن حمدان الخصيبي سفينة النجاة، وعين الحياة.
حي على الصلاة، حي على الفلاح، تفلحوا يا مؤمنون. حي على خير العمل، يعينه الأجل. الله أكبر، الله أكبر، قد قامت الصلاة على أربابها، وثبتت الحجّة على أصحابها. الله مولاي يا علي، أسألك أن تقيمها وتديمها ما دامت السماوات والأرض، وتجعل السيد محمد خاتمها، والسيد سلمان زكاتها، والمقداد يمينها، وأبا ذر شمالها. نحمد الله بحمد الحامدين، ونشكر الله بشكر الشاكرين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أسألك اللهمّ مولاي، بحقّ هذا قُدَّاس الأذان، وبحقّ متّي وسمعان، والتواريخ والأعوام، بحقّ يوسف بن ماكان، بحقّ الأحد عشر كوكباً الذين رآهم يوسف بالمنام، تحلّ في دياركم البركة بالتمام، يا مولاي: يا علي، يا عظيم.
وفي عرضه لكتاب(تعليم ديانة النصيرية) يقول الدكتور بدوي: (نستطيع أن نجد خلاصة وافية لتعاليم النصيرية في كتيب صغير بعنوان (كتاب تعليم ديانة النصيرية)، ومنه مخطوط في المكتبة الأهلية بباريس برقم 6182، وقد حلّله بالألمانية القس الدكتور فولفWolf من روتفيلRottweil في ألمانيا بمقالٍ له فيZDMG ، ج 3 (سنة 1849)، ص302 - ص309، وهو على طريقة السؤال والجوابCatechisme ، ويتألّف من 101 سؤال. ونحن نورد فيما يلي خلاصة لهذه الأسئلة والإجابات عنها، وهي تتألّف من قسمين:قسم نظري، وقسم عملي، وهناك أسئلة القسم النظري وخلاصة الإجابات عنها).
وقد رجعنا إلى هذا المخطوط، وقارنّا ما بينه وبين ما أورده الدكتور بدوي، فتبيّن لنا وجود اختلافات كثيرة مهمة، لا ندري هل هي من فعل الدكتور بدوي، أم ناتجة عن خطأ في الترجمة؟!
مثال ذلك:
* لفظة (احتجبَ) في المخطوط صارت (تحوّل) عند الدكتور بدوي:
س5: كم مرّة تحوّل ربّنا ليتجلّى في صورة إنسانية؟
ونصّ هذا السؤال في المخطوط هو: كم مرّة احتجبَ مولانا وظهرَ بالإنسانية.
* ولفظة (اخترع) في المخطوط، صارت (خلق) عند الدكتور:
س11: كيف خلقَ المعنى الاسم، وكيف خلقَ الاسم الباب؟
وفي المخطوط: كيف المعنى اخترعَ الاسم، وكيف الاسم اخترعَ الباب؟
* ولفظة (القبّة) في المخطوط، تحوّلت عند الدكتور إلى (دور).
س19: ما أسماء الاسم في دور إبراهيم.
وفي المخطوط: أخبِرني عن أسماء الاسم في القبّة الإبراهيمية، وغيرها … وغيرها.
ومن جهة أخرى، يذكر الدكتور بدوي أنّ هذا الكتاب يتألّف من مئة سؤال وسؤال، لكنّه عرضَ مئة سؤال. وبالتدقيق تبيّن لنا: أنّه سها عن ذكر السؤال (88)، وهو: ما هو القُدَّاس الثاني؟
يضاف إلى ذلك: أنّ صيَغ الأسئلة - كما أوردها الدكتور - جاءت مشوّهة ومبتّرة، وبعيدة تماماً عن صيغة المخطوط، وهذا ما أدّى إلى قلب المعنى رأساً على عقب.
وفي ما يلي بعض الأمثلة على ذلك:
بدوي
س 6: كيف احتجبَ هكذا ثمّ ظهر؟
س 11: كيف خلقَ المعنى الاسم، وكيف خلق الاسم الباب؟
ج: ماهية الماهيات خَلقت الاسم من نور وحدتها.
س 14: ما هي أسماء الاسم الثلاثة والستون الدالّة على المعنى، أي تلك التي استخدمها الله للظهور في أشخاص الأنبياء والرسل؟
س 15: ما هي الأسماء الخاصّة بالاسم ولكنّها في الحق تُنسب إلى المعنى؟
ج: الله، الرحمان، النور.
س 16: ما هي الأسماء السرّية للاسم؟
س 17: ما هي الأسماء الشخصية للاسم؟
س 18: ما هي أسماء الاسم المجّردة؟
س 30: وفي الأدوار الفارسية؟
س 42: وفي الحادي عشر؟
س ج: خطيب محمد.
س 72: ما القرآن؟
ج: المبشّر بظهور مولانا في صورة البشرية.
س 97: ما معنى الكلمة الظاهرة والكلمة الباطنة؟
ج: الباطنة هي إلوهة مولانا، والظاهرة هي قدرته، فظاهراً نقول عنه: مولانا علي بن أبي طالب، ويعني هذا باطناً المعنى الاسم والباب، الله الغفور الرحيم.
المخطوط
س 6: كيف احتجبَ مولانا في الحجب في كورهم ودورهم وظهرَ بالإنسانية؟
س 11: كيف المعنى اخترعَ الاسم وكيف الاسم اخترعَ الباب؟
ج: اعلم أنّ عنصر العناصر وجوهر الجواهر قد اخترعَ الاسم من نور وحدانيته، وجعله نوراً منبجلاً من جوهر معنويته وحركة من سكونه، واصطفاه وسمّاه باسمه، واجتباه ولم يكن له ربّاً سواه، وجَعله وحده الخالق …
س 14: أخبِرني عن أسماء الاسم الثلاثة والستون المـَثلية المعنى والذاتية الاسم، وهي التي قامَ فيها في النبوة والرسالة.
س 15: ما هي الأسماء الصفاتية التي تسمّى بها الاسم وهي للمعنى خاصة؟
ج: ليس في الأسماء التي وردت في (المخطوط): " النور "، بل القدير المنير السراج.
س 16: ما هي أسماء الاسم في اصطلاح اللغة؟
س 17: أخبِرني عن أسماء الاسم في التسعة الذاتية؟
س 18: أخبِرني عن أسماء الاسم في الأظلة؟
س 30: أخبِرني عن أسماء أشخاص الباب في القباب البهمنية؟
س 42: … في المطلع الحادي عشر.
ج: اعلم أنّ اسم الباب في المطلع الحادي عشر أبو شعيب محمد بن نصير البكري النميري العبدي.
س 72: ما هو القرآن؟
ج: هو دليل سابق على ظهور مولانا بالإنسانية.
س 97: ما هو الباطن وما هو الظاهر؟
ج: اعلم أنّ لفظة الباطن تدل على لاهوت مولانا، والظاهر يدل على إنسانيته، ففي الظاهر نقول: مولانا علي بن أبي طالب. ومعناه في الباطن: المعنى والاسم والباب، وهو الله الرحمان الرحيم،... إلخ.
وهناك كثير من الأدلّة التي تجعلنا نجزم بأنّ هذا الكتاب مختلق، اختلقهُ المرسلون الأجانب لتوكيد نظريتهم حول أصل النصيريين، إذ قام من بين المستشرقين مَن زعمَ بأنّ كلمة نصيرية جاءت من نصرانية، وأنّ النصيريين هم نصارى بالأصل(1) . ولأنّ النصارى تقول: الأب + الابن + روح القدس = إله واحد. فإنّهم حرصوا على جعل (العقيدة) النصيرية تقوم أيضاً على أنّ الثلاثة = واحد. أي: علي + محمد + سلمان الفارسي = إله واحد. وهذا ما يتبيّن بجلاء من جواب السؤال التاسع:
س 9: ما هو الاسم والمعنى والباب؟
ج: هو ثالوث غير منفصل، تدل وحدانيته على إلهية مولانا، ولهذا نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. فلفظة الله تدلّ على المعنى، ولفظة الرحمن الرحيم تدلّ على الاسم والباب.
لكنّ مختلق كتاب(تعليم ديانة النصيرية) فضحَ نفسه بنفسه، وكشفَ عن حقيقة ذاته من غلطة صغيرة وقعَ فيها، هي قوله في السؤال التاسع والعشرين:
س 29: أخبِرني عن اسم الباب في المقام السادس؟
ج: اعلَم أنّ اسمه روزبه ابن المرزبان، وأيتامه يوحنا فم الذهب، ويوحنا الديلمي، وبولس، وبطرس، ومتّي (عليهم أفضل الصلاة والسلام).
فروزبه ابن المرزبان، هو اسم سلمان الفارسي قبل اعتناقه الإسلام، وأيتام سلمان كما جاء في جواب السؤال (70) من الكتاب نفسه هم:
____________________
(1) الأب هنري لامنس: هل كان النصيريون نصارى؟ مجلّة العالم المسيحي العدد 3 و6/1901.
المقداد بن الأسود الكندي، وأبو ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وعثمان بن مظعون النجاشي، وقنبر بن كادان الدوسي، ولا يُعقل أن يقع شخص نصيري يؤلّف كتاباً تعليمياً عن (ديانته) في مثل هذا التناقض.
وبعد، أليس من المؤسف أن يغفل الدكتور عبد الرحمان بدوي - بمكانته العلمية السامية - عن مثل هذه الأمور، ويتقبّل أقوال المستشرقين على علاّتها، من دون تدقيق أو تمحيص.
* ومن الذين نوّعوا مصادر دراستهم أيضاً: الدكتورمصطفى الشكعة في كتابه(إسلام بلا مذاهب) ، ويتبيّن ممّا كتبهُ المذكور عن النصيرية، أنّه اعتمدَ اعتماداً كبيراً على: (الباكورة السليمانية)، و(ولاية بيروت)، و(سوسنة سليمان). وفي ما يلي أهمّ فقرات ما كتبه عن النصيرية وتعليقنا عليها.
(العلويون: فرقة من فِرَق الشيعة التي ذاعَ الغلو عند عدد وفير من أفرادها، وغلبَ الاعتدال على العقلاء المنصفين المثقَّفين منهم، وتسميتهم بالعلويين تسمية حديثة لا تتجاوز بضع عشرات من السنين، فقد كانوا قبل ذلك - ولعام 1920 على وجه التحديد - يسمّون النصيرية، وهو اسمهم القديم الذي عُرفوا به على مرّ الأجيال والقرون، … والنصيرية نسبة إلى أحد رجال الشيعة وكان يسمّى محمد بن نصير النميري).
عقيدة العلويين:
(العلويون فرقة باطنية تفرّعت عن الشيعة الإمامية أول أمرها، ثمّ ما لبثت أن باعدت التيارات العقائدية المتطرّفة بينها وبين الإمامية، إلاّ مَن ظلّ منهم محافظاً على روح العقيدة الأولى، فإنّ هؤلاء لا زالوا متمسّكين بإسلامهم الصحيح، وهم بين القوم من الكثرة بمكان، يؤدُّون الفرائض في ظلّ روح الإيمان الكامل، كما ينبغي أن تؤدّى في غير تحريف أو تغيير.
هذا ما كان من أمر العلويين النصيرية في الماضي. فلمّا سار ركب الزمان ومرّت عليهم القرون، عادَ منهم إلى العقيدة في سلامتها مَن عاد، وأخذت بالباقين أسباب من التغيير والتطوّر، بعضُها باعدهم عن الإسلام وبعضها الآخر قرّبهم.
فأمّا الذين ساروا في طريق التباعد، فقد وقعوا تحت تأثير التعلاّت الجاهلة التي خرّوا ضحية لها؛ لأنّ بعضها جاء من المجوسية، والبعض الآخر جاء من التثليث المسيحي، أو فتنة عبد الله بن سبأ، فهم يؤلّفون ثالوثاً من: علي، ومحمد، وسلمان الفارسي، ويتخذون من ذلك شعاراً يتكوّن من الحروف الثلاثة(ع م س) ، أو ما يسمّى(سر عقد ع م س) . وهذا الثالوث يفسَّر عندهم بـ(المعنى، والاسم، والباب) ، فالمعنى هو: الغيب المطلق، أي الله الذي يُرمز إليه بحرف ع، والاسم هو: صورة المعنى الظاهر ويُرمز إليه بحرف م، والباب هو: طريق الوصول ويُرمز إليه بحرف س.
فللعقيدة عند العلويين هيكلان:هيكل نصراني، وآخر إسلامي ، ولعلّ ذلك يفسّر لنا احتفالهم الكامل بالأعياد المسيحية، واحتفالهم بالأعياد الإسلامية. فهم يحتفلون بعيد الميلاد ويقدّمون فيه النبيذ، ويحتفلون بعيد الغطاس والنيروز والبربارة، وهي أعياد مسيحية. وفي نفس الوقت يحتفلون بمولد النبي، وعيد آخر يسمّى عيد الفراش، أي ليلة مبيت علي في الفراش مكان النبي (صلّى لله عليه وسلّم).
ومن عقيدتهم: الحلول، أي أنّ الله تجلّى للمرة الأخيرة بعلي كما تجلّى قبل ذلك - حسب اعتقادهم - بهابيل، وشيث، وسام، وإسماعيل، وهارون، وشمعون. واتخذ في كلّ دور رسولاً ناطقاً يمثّل على الترتيب في: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. فعلي إله في الباطن، إمام في الظاهر، لم يلد ولم يولد ولم يمت ولم يُقتل ولا يأكل أو يشرب. وبحسب الاعتقاد السابق فقد اتخذ علي محمداً، ومحمد متصل بعلي ليلاً منفصل عنه نهاراً، وعلي خَلقَ محمداً، ومحمد خلقَ سلمان الفارسي، وسلمان خلقَ الأيتام الخمسة الذين بيدهم مقاليد السماوات والأرض، وهم: المقداد (رب الناس وخالقهم الموكّل
بالرعود والصواعق والزلازل)، وأبو الدر - أي أبو ذر الغفاري - الموكّل بدوران الكواكب والنجوم، وعبد الله بن رواحة الأنصاري الموكّل بالرياح وقبض أرواح البشر، وعثمان بن مظعون الموكّل بالمعدة وحرارة الجسد وأمراض الإنسان، وقنبر بن كادان الموكّل بنفخ الأرواح في الأجسام.
والعلويون يعتقدون بالتقمّص، وهم في ذلك يتَّفقون مع الدروز، ويرون أنّ البشر كانوا كواكب ألقت بهم الخطيئة إلى الأرض، فينبغي أن تنتقل أرواحهم من جسد إلى آخر سبع مرات، ثمّ تعاد إلى مكانها من السماء بعد أن تكون قد انصقلت.
وأمّا البعث والحساب، فإنّهم ينكرونهما. والجنّة والنار تكونان في الدنيا وحدها، ويقولون: إنّ الشياطين مخلوقون من معاصي الناس، وإنّ الناس خُلقت من معاصي الشياطين، كما أنّهم يلعنون الصحابة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعداً، وخالد بن الوليد، والخلفاء الأمويين والعباسيين، والرفاعي، والدسوقي، والبدوي، والجيلاني، وأبا حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وكلّ مَن تبعَ مذهبهم [أي الأشخاص اللذين عدَّدهم أعلاه] ؛ لأنّهم يأكلون من خيرات علي ويعبدون غيره.
وهؤلاء الغلاة المعاصرون ينقسمون إلى فِرق ثلاث هي: البناوية، والكلازية، والمواخسة.
فأمّا البناوية: فهم الذين ادّعى الإلوهة بينهم شخص اسمه سلمان المرشد، وقسم آخر ظلّ على حاله من السير على العقيدة العلوية العادية.
أمّا فريق الكلازية: فهم يعتقدون بحلول علي في القمر ولذلك يعبدونه، وبعضهم يعتقدون بحلوله في الشمس نهاراً ولذلك يعبدونها أيضاً).
العبادات عند العلويين:
(وجدنا التكاليف على درجات، فهي جبرية على بعض الناس، وغير جبرية على البعض الآخر. فرجال الدين - وهم المعروفون بأصحاب العهد السرّي - عليهم جبرية التكاليف. وأمّا غيرهم من الناس، ويُطلق عليهم اسم
(الجهّال)، فليسوا مكلّفين.
أمّا الصلاة، فهي خمسة أوقات تماماً كالمذاهب الإسلامية الأخرى، إلاّ أنّها تختلف في الأداء، وبعضها يختلف في عدد الركعات.
فإذا انتقلنا إلى الزكاة، فهي في جوهرها تماماً كما هي عند جمهور المسلمين، يضاف إليها الخُمس المعروف عند الشيعة.
وأمّا الصيام، فمعروف عندهم، وهو كصيام جمهور المسلمين، ويزاد عليه البُعد عن معاشرة النساء طول الشهر …).
في هذا الحديث أكثر من نقطة تدعونا إلى الوقوف عندها ومناقشتها. فقبل كلّ شيء، ليس في كلام الدكتور الشكعة ما يدل على أنّه اطّلع على أيّ كتاب من كتب النصيرية، وإنّما اكتفى بترديد ما قاله الأذني في (الباكورة)، وكان عليه أن يأتي بالكلام من مظانّه الأصلية.
ثمّ لم يبيّن لنا دليله على أنّ النصيرية نسبة إلى محمد بن نصير، وقد سبقَ أن بيّنا عدم صحّة هذه النسبة.
ومن جهة أخرى، إنّ الدكتور الشكعة يفسّر احتفال العلويين بعيد الغطاس والنيروز وعيد الميلاد - إذا صحّ احتفالهم بهذه الأعياد - بأنّ للعقيدة عندهم هيكلاً نصرانياً، مع أنّ الاحتفال بالأعياد مظاهر اجتماعية بحتة لا تمتّ إلى العقيدة بسبب. ثمّ إنّه يَعتبر عيد النوروز عيداً مسيحياً، وهذا غير صحيح. فعيد النيروز عادة فارسية أخذها العرب عن الفرس منذ فجر العصر الإسلامي، وكان الحجّاج أوّل مَن رسمَ هدايا النيروز والمهرجان، على ما يذكر أبو هلال العسكري في (الأوائل). وهل غابَ عن ذهن الدكتور أنّه في العصر العباسي شاركَ المسلمون النصارى واليهود في أعيادهم ومطارحهم، فكان الخلفاء يمتّعون أنفسهم بزينة جواريهم في أيام الشعانين.
وشملَ احتفال الخلفاء العباسيين الأعياد الفارسية القديمة: كالنيروز والمهرجان والرام، التي أصبحت في العصر العباسي من أهم أعياد المسلمين الرسمية، وقد جعلَ العبّاسيون النيروز عيداً قومياً يتهادون فيه، ويقيمون الولائم والحفلات.
وفي مصر، كان للخلفاء الفاطميين في طول السنة أعياد ومواسم، وهي: موسم رأس السنة أول العام، ويوم عاشوراء، ومولد النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ومولد علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ومولد الحسن، ومولد الحسينعليهماالسلام ، ومولد فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، ومولد الخليفة الحاضر، وليلة أول رجب، وليلة نصفه، وليلة أول شعبان، وليلة نصفه، وموسم ليلة رمضان، وغرّة رمضان، وسماط رمضان، وليلة الختم، وموسم عيد الفطر، وموسم عيد النحر، وعيد الغدير، وكسوة الشتاء، وكسوة الصيف، وموسم فتح الخليج، ويوم النوروز، ويوم الغطاس، ويوم الميلاد، وخميس العدس، وأيام الركوبات(1) .
وقد وصفَ المسعودي في (مروج الذهب) احتفال الناس في مصر - مسلمين ونصارى - بعيد الغطاس، ومشاركة الأخشيد محمد بن طغج بهذا العيد، قال(2) : (لليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها، لا ينام الناس فيها، وهي ليلة إحدى عشرة (من طوبة، وستة) من كانون الثاني. ولقد حضرتُ سنة ثلاثين وثلاثمئة ليلة الغطاس بمصر، والأخشيد محمد بن طغج في داره المعروفة بالمختارة في الجزيرة الراكبة للنيل، والنيل يطيف بها. وقد أمرَ فأسرجَ من جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل، غير ما أسرجَ أهل مصر من المشاعل والشمع. وقد حضرَ النيل في تلك الليلة مئة ألف من الناس من المسلمين والنصارى: منهم في الزوارق، ومنهم في الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط. لا يتناكرون الحضور، ويحضرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس، وآلات الذهب والفضّة والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً..).
فهل كان الفاطميون نصارى؟! وهل كان الإخشيد محمد بن طغج
____________________
(1) المقريزي: كتاب المواعظ والاعتبار ج1، ص490.
(2) ج3، ص222.
نصرانياً؟! وهل في عقيدة المسلمين المصريين، هيكلاً نصرانياً؟!
إنّنا لم نستغرب من الدكتور الشكعة مثل هذه الأحكام بعد أن رأيناه يرمي بالكلام جزافاً، من مثل قوله: (فأمّا الذين ساروا في طريق التباعد، فقد وقعوا تحت تأثير التعلاّت الجاهلة التي خرّوا ضحية لها ؛ لأنّ بعضها جاء من المجوسية، والبعض الآخر جاء من التثليث المسيحي، أو من فتنة عبد الله بن سبأ).
فمَن هم هؤلاء الذين ساروا في طريق التباعد؟! ما اسمهم؟! وما هي خلاصة أقوالهم؟! وما هي عقائدهم؟! وبماذا يفترقون عن غيرهم؟! وما هي التعلاّت الجاهلة التي خرّوا ضحية لها؟! كل هذه النقاط قفزَ من فوقها الدكتور الشكعة، ولم يوضّحها لنا، وهي تحتاج إلى إيضاح، ثمّ كيف وجدَ التكاليف على درجات؟! بأيّة وسيلة، وبأي أسلوب؟!
وممّا قاله أيضاً، وهو يحتاج إلى مناقشة: (ومن عقيدتهم الحلول، أي: أنّ الله تجلّى للمرة الأخيرة، بعلي كما تجلّى قبل ذلك - حسب اعتقادهم - بهابيل، وشيث، وسام، وإسماعيل، وهارون، وشمعون،... واتّخذ في كلّ دور رسولاً ناطقاً يمثّل على الترتيب في: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى...).
هذا الكلام نقلهُ الدكتور عن صاحب(الباكورة السليمانية) ، وهو إن دلّ على شيء، فإنه يدل على أنّ دكتورنا لم يطّلع على ما كتبه الأقدَمون عن النصيرية، وما نسبوه إليهم من قول بظهور اللاهوت في الناسوتية، أو انتقال المعنى، أو ظهور الوجود بالصورة الإنسانية ؛ لذلك رأينا أن نضع أقوال الأقدمين كلّها مع أقوال الدكتور الشكعة، إلى جانب بعضها البعض للمقارنة.
لنتساءل أين وجه الشبه بين هذه الأقوال؟! وعلى ماذا يدلّ هذا الاختلاف؟!
وإذا سلّمنا جَدلاً أنّ أقوال الأقدَمين غابت عن ذهن الدكتور الشكعة، أو لم تكن في متناول يده وهو يعد كتابه، فهل غابَ عن ذهنه - وهو يكتب عن الإسماعيلية أيضاً - أنّ الأدوار والأكوار والفترات والقرانات هي نظرية إسماعيلية، وعندهم أنّ الفترة هي المدّة بين الناطق والناطق، والنطقاء هم بحسب التسلسل:
الناطق(آدم) ، الأساس - أو الوصي -(شيث) ، أصحاب الفترة (مهدئيل، يارد، لامك).
الناطق(نوح) ، الأساس - أو الوصي -(سام) ، أصحاب الفترة (تارح، لوط، آزر).
الناطق(إبراهيم) ، الأساس - أو الوصي -(إسماعيل) ، أصحاب الفترة (قيدار، يهوذا، لاوي).
الناطق(موسى) ، الأساس - أو الوصي -(هارون ثمّ يوشع) ، أصحاب الفترة (عمران، يونس، بشر ذو الكفل).
الناطق(عيسى) ، الأساس - أو الوصي -(شمعون الصفا) ، أصحاب الفترة (أصطفانوس، مرقيا، إلياس).
الناطق(محمد (صلّى الله عليه وسلّم)) ، الأساس - أو الوصي -(علي بن أبي طالب).
ومن المفيد في هذا المقام أن نذكر الحديث الشريف: (مَن أرادَ أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في طاعته، وإلى إبراهيم في خلته، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب).
ولا نشكّ مطلقاً في أنّ خصوم النصيرية، قد أوّلوا هذا الحديث على غير معناه، وسبق أن بيّنا كيف تأوّلوا (علي في السحاب) للدسّ والطعن.
أمّا تقسيم العلويين إلى فِرَق ثلاث هي:البناوية، والكلازية، والمواخسة ، والقول: إنّ البناوية هم الذين ادّعى الإلوهية بينهم شخص اسمه سلمان المرشد، فقول غريب، لم يذكره غير الشكعة، ولا ندري من أين جاء الدكتور بهذه المعلومات المغلوطة. فسلمان المرشد من عشيرة تسمّى بالعمامرة، ولا يوجد في العلويين فرقة أو عشيرة تُدعى البناوية.
ويطول بنا الحديث إذا أردنا مناقشة كل ما في كلام الشكعة من نقاط، لكنّنا نكتفي بهذا القدر اختصاراً للوقت، وكنّا نتمنّى عليه ألاّ يتورّط في الحديث عن موضع شائك ودقيق، لم يهيِّئ له عِدته الكافية ؛ لأنّ موضوعاً كهذا لا يؤخذ شفاهاً من أفواه مغرضين.
الاتجاه الرابع:
أصحاب هذا الاتجاه يبرِّئون ساحة النصيرية، وينفون عنهم ما اتُّهموا به من قولٍ بالتناسخ وتقديس الخمر، وتأليه عليعليهالسلام .
من هؤلاء: منير الشريف في(العلويون مَن هم وأين هم؟)، وعارف الصوص في(مَن هو العلوي؟) ، ومحمد علي الزعبي، والدكتور صبحي محمصاني في(فلسفة التشريع في الإسلام) ،... وغيرهم.
* يقولمنير الشريف:
(وحيث إنّني عشتُ بين هذه الطائفة عدّة سنين، وتجوّلت في كل أطراف محافظة اللاَّذقية، ودرستُ حالة العلويين عن كثب، وصادقتُ رجالهم وخبرتهم، رأيتُ الواجب يدفعني إلى تأليف هذا الكتاب لأُبعد عن هذه الطائفة الشبهات والترارية والظنون، وأُطلع الناس على الحقيقة: بأنّها فئة عربية الدم واللسان والخصائل والغاية، وإسلامية كبقية الطوائف الإسلامية غير السنّية، كتابها القرآن الكريم. وإنّها رغم ما نزلَ بها من البلايا والرزايا الشعوبية، ما تزال مرتبطة بالعروبة والإسلام...
... إنّ العلويين هم فرقة إسلامية لا تنفك تقرأ القرآن الكريم باحترام، وتُعلّمه الأحداث. وإنّ فيهم اليوم الحَفظة له، ولقد كنتُ أدخل على بعض بيوتهم في القرى النائية، بدون أن يعلموا بي، فكنتُ أجد الأولاد منهمكين في تعلّم القرآن الكريم. وإنّ طقوسهم الدينية هي عين الطقوس الإسلامية، وإن لم يكن في قراهم الصغيرة مساجد...).
* ويقولعارف الصوص :
(لقد تبيّن لي أنّ العلويين هم فرقة مسلمة تدين بهذا الدين الحنيف، ويقرّون بشهادة أن لا إله إلاّ الله، والاعتراف بنبوة محمد النبي العربي الأمّي، سيدنا محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وسلّم)، رسول الهدى وخاتم الأنبياء والمرسلين. كما أنّهم يقولون بإمامة أخيه وابن عمّه سيد الوصيين علي بن أبي طالبعليهالسلام وأبنائه الأحد عشر المعصومين.
سمعتهم يتلون القرآن الكريم الذي أنزله الله على نبيه محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، فلم أرَ في هذا القرآن ما يخالف القرآن الذي يقرؤه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ويتوجّهون في صلواتهم إلى القبلة التي يستقبلها كل المسلمين في صلواتهم، ويصومون الشهر الذي فرضَ الله على العباد صومه، ويؤتون الزكاة كما أمرَ الله، بل يتمسّكون تمسّكاً شديداً بإيتاء الزكاة حتى ولو كان المزكّي فقيراً مدقعاً، ومَن يستطيع الحج إلى البيت الحرام منهم فإنّه
يحج، إلى غير ذلك من كافة الفروض التي فرَضها الله تعالى على عباده. والعلوي يحافظ على التقاليد العلوية، فلا تطِب له إلاّ الأحاديث التي تتحدّث عن آل البيت، ولا يقول إلاّ بالوصايا والتعاليم التي سنّها ووضعها علي وأبناؤه، نقلاً عن الرسول العظيم...).
* ويقولمحمد علي الزعبي (1) :
(لم أرَ مؤلِّفاً نادى بالفصل بين الأقلّية الجنبلانية الماخوسية المرشدية، التي تعتمد على كتب: الأعياد ودرّة الدرر والمجموع، وبين الأكثرية المطلقة من سكان الجبل الذي عرفناه أخيراً باسم (علوي)، وهي الأكثرية المسلمة البريئة من مرض الغلو، التي تعبد الله وتتقرّب له وحده بمذهب أئمة أهل البيت النبوي (مذهب الإمام جعفر الصادق).
... نحن إذا تحدّثنا عن البناوية المرشدية لا نعني الجبل المشهور بالعلوي، بل نعني المرشدية وحدهم، وهم لا يتجاوزون الثلاثين ألف نسمة، يقيمون في بعض قرى الحفة وحمص، إذ معروف موقفنا في هذا الحقل، وقد سبقَ لنا أن نشرنا في " العرفان " بحثاً مطوّلاً بعنوان(لا علوي في العلويين) ، أي: لا عبادة للإمام علي...).
* ويقولالدكتور صبحي محمصاني :
(وهي من الفِرق الباطنية التي اتصفت بكتم تعاليمها، فلذا اختلفَ كثيراً في حقيقة هذه التعاليم. فالبعض نسبَ خطأ إلى النصيرية الاعتقاد بتناسخ الأرواح وبتقديس الخمر وبتأليه الإمام علي، مع تثليث الإلوهية: على اعتبار أنّ هذا الإمام هو الرب أو المعنى، ومحمد (صلّى الله عليه وسلّم) هو الحجاب أو الاسم، وسلمان الفارسي هو الباب. واعترضَ البعض الآخر على هذه النسبة باعتبارها من افتراء المستعمرين، وأصرّ على أنّ هذه الفرقة من فِرق الشيعة المسلمين، ونحن نميل إلى صوابية هذا الرأي).
____________________
(1) حول الفِرق المتطرّفة: العرفان المجلّد 53 - العدد 7/8 ك 2 - شباط 1966.
* ويدخل تحت هذا الباب الانطباعات والمشاهدات الحسّية، التي سجّلها مندوب جريدة (الإرشاد) تحت عنوان(من اللاذقية للجبل... في خدمة الصحافة) (1) ، وهي:
(وطرتُ بنفسي إلى قرية كنكارو المتفرّعة إلى بضعة عشر حيَّاً، والتي تشرئب أحياؤها فوق شعاب الروابي والهضاب وكأنّها تناجي المبدع الخلاّق، وتشكّل الآخرة حيّزاً من وجود أبناء كنكارو، ففوق كلّ هضبة ضربت قبّة، وفي كل قبّة ضريح ما برحت ألسِنة الأحياء تلهج بفضائله ومآثره، وحول كل قبّة اعتادَ أبناء القرية أن يعقدوا حلقة لقراءة القرآن وعبادة الرحمان، واقتبال الكعبة وإقامة شعائر الإسلام، فقأ الله عَيْنَي كل مَن باعدَ بين أمثال هؤلاء من أبناء الجبل وبين العروبة والإسلام.
فشَددنا الرحال إلى قرية(بنزلي) مقرّ نائب بانياس الشيخ إبراهيم صالح، وموطن أسرة الصوفي الورع الشيخ صالح ناصر الحكيم. وتقع قرية بَنزلي في وسط من الرجال الأشدّاء المعروفين بـ(الصرامتة)، وللصرامتة تاريخ من نار مع الفاتح المصري إبراهيم باشا الذي ردّوه على أعقابه دفاعاً عن قدس الجبل ومنعته. وكانت بطاح الصرامتة سدّاً عظيماً وقفَ عندها زحف الجيش المصري، وما برحت عشيرة الصرامتة تعتصم في دكنات الجبال وتؤلّف الأكثرية الساحقة في ناحية سمت قبلي التابعة جبلة.
وبالإضافة إلى هذا الوضع الجغرافي لقرية بنزلي، فإنّ لها في نفوس جميع أبناء العشائر في الجبال والمـُدن موقعاً دينياً ممتازاً، وقد مضى ردح من الزمن كانت فيه قرية بنزلي - في حياة المرحوم الشيخ صالح ناصر الحكيم - محجّة يقصدها الوافدون من مختلف بقاع الجبل، يرتشفون منها فضائل الزهد والورع وأصول الفقه وتعاليم الدين الحنيف، وما برحَ الجبل من أقصاه إلى أدناه ينظر إلى مقام الشيخ صالح ناصر نظرة التقديس والخشوع، ويعطّر المجالس
____________________
(1) الأعداد 692، تاريخ 15/8/1946، و693، تاريخ 16/8/1946 و694، تاريخ 19/8/1946 و(695) تاريخ 20/8/1946.
بذكر كراماته التي اختصّ بها الله أولياءه الصالحين.
وفي قرية بنزلي جمال طبيعي، ففي قمّتها المتعالية نحو السحاب، منبسط تضيف عليه القبّة التي تشمل ضريح الشيخ صالح جلالاً وروعة وبهاء، يلتصق بالقبّة مسجد جامع شيّده النائب الشيخ إبراهيم نجل المرحوم الشيخ صالح، ما سَمعتْ أُذناي أروع من أذان الصبح فيه، فما أن يتعالى صوت (الله أكبر، الله أكبر) في تلك القمّة الشاهقة، حتى تتجاوب أصداء صرخة التكبير، وهي هتفة الحق والوحدانية، التي دوّخت العالم مجلجلة مدوّية في البطاح الخضر والذرى الشم والغابات المكتظّة.
وكلمة (الله أكبر) يرسلها المؤذّن من أعلى قمّة في الجبل العلوي عند السحر البليل، وترتفع حتى تصل الملأ الأعلى دعوة إلى النفوس الحيّة والضمائر الساذجة من أبناء القرى، إلى الاعتصام بكتاب الله وسنّة نبيه محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وسلّم)، مقتفين آثار تلك الشخصية الصوفية الإسلامية الرفيعة، شخصية علي كرّم الله وجهه، في القناعة والشجاعة والعفّة والسخاء.
الاتجاه الخامس:
أصحاب هذا الاتجاه حاولوا دراسة عقائد النصيرية من خلال بعض الكتب المخطوطة المنسوبة إليهم، وأبرز ممثّلي هذا الاتجاه:عبد الحميد الدجيلي، ومصطفى غالب .
* عبد الحميد الدجيلي، تكلّم عن النصيرية تحت اسم الخصيبية في مقاله(كتاب مجموع الأعياد والطريقة الخصيبية) ، معتبراً النصيرية طريقة وليست فرقة أو مذهباً.
ونصّ مقاله هو(1) : (كتاب(مجموع الأعياد)، ويُعرف بكتاب(سبيل راحة الأرواح ودليل
____________________
(1) مجلّة المجمع العلمي العراقي: المجلّد (4) ج2، سنة 1956.
السرور والأفراح إلى فالق الإصباح) ، تأليف أحد كبار دعاة الطريقة الخصيبية أبي سعيد ميمون بن قاسم الطبراني، نُشر حديثاً، ويُعد من أهمّ كتب أصحاب هذه الطريقة، فإليه يرجعون في شعائرهم الدينية، وصلواتهم وأدعيتهم وأعيادهم الموسمية، وبه يُقسمون ويأخذون عهد التكتّم والميثاق حينما يريدون أن يعلِّموا أحداً أسرار نِحلتهم وطريقتهم.
والطبراني هذا، واسمه سرور، ولقبه ميمون، وكنيته أبو سعيد، وولادته في طبرية سنة 358هـ، نشأ في بلدته، وتعلّم القراءة والكتابة، ثمّ ذهب إلى حَلب مركز الدعوة الخصيبية فتتلمذ على أحد كبار رجال الدعوة: محمد بن علي الجلي الحلبي، ولِد في جلة من توابع اللاذقية، وسكنَ حَلب للدراسة، ونشرَ الطريقة.
ودرسَ هذا الطبراني وتعلّم وتقدّم في الطريقة التي خلفَ أستاذه في الرئاسة الدينية، وألّف الكتب المتنوّعة في ذلك، منها: كتابالحاوي في واجبات التلاميذ ، وكتابالدلائل بمعرفة المسائل ، وكتابضدّ المذهب القرمطي ردّ فيه على علي بن قرمط وعلى ابن كشكة، وكتابمجموع الأعياد الذي خصصنا به بحثنا، وله كتب أخرى.
ومن جرّاء المخاصمات التي وقعت بين أصحاب الطبراني هذا وبين الفرقة الإسحاقية في حلب، ومعاداته لأبي دهيبة إسماعيل بن خلاد البعلبكي رئيس الفرقة الإسحاقية في عصره، اضطرّ الطبراني إلى مغادرة حلب والإقامة في اللاذقية، وبذلك تحوّل مركز الطريقة إلى اللاذقية، ولا يزال هناك حتى يومنا هذا.
وقد شاهدَ أبو سعيد مصائب ومحناً في حياته من جرّاء هذه المخاصمة، التي انتهت بمحاربة أصحابه للإسحاقية والتغلّب عليهم ومعاملتهم معاملة قاسية، فقتلوهم وشرّدوهم وأحرقوا بيوتهم وآثارهم، وقتلوا رئيسهم أبا ذهيبة إسماعيل بن خلاد البعلبكي، وبقتله لم يبقَ للإسحاقية إلاّ بقايا كتب وأفراد اندمجوا بأصحاب أبي سعيد.
وفي القرن الثامن الهجري حينما حلّ الأمير حسن المكزون السنجاري، زعيم الطريقة الخصيبية في حلب، جمعَ كُتب الإسحاقية وحرَقها وقضى على بقية هذه
النِحلة وعقيدة أصحابها في تلك المنطقة، وتوفِّي أبو سعيد ميمون بن قاسم الطبراني سنة 462هـ، وقبره في اللاذقية لا يزال قائماً داخل المسجد المعروف بمسجد الشعراني.
وقد أشارت كتب الفِرق إلى الإسحاقية أصحاب إسحاق النخعي الأحمر، وكان من أصحاب الحسن العسكري ومَن ادّعى النيابة عنه بعد وفاته، ثمّ تسلسلت هذه النيابة فتولاَّها بعده همام الأعسر، ثمّ اللقيني، ثمّ الحقيني، ثمّ أبو ذهيبة إسماعيل بن خلاد.
وقد فصّل القول في هذه الفرقة والخلاف بينها وبين الطريقة الخصيبية الشهرستاني في(كتاب المِلل والنحل) ، كما أشارَ إليهم فخر الدين الرازي في كتابه(اعتقادات فِرق المسلمين والمشركين) ، وابن حجر العسقلاني في(لسان الميزان) ، والخطيب البغدادي في(تاريخ بغداد). ..
أمّا سلسلة رجال الدعوة الخصيبية فهي كما يلي:
1 - أبو شعيب محمد النميري البكري البصري: وهو الباب الأول، وأساس النحلة الجنبلانية، وواضع هذه الفكرة الغالية، كان من أصحاب الحسن العسكري، ثمّ بقيت الوكالة والبابية له بعد وفاته نيابة عن الإمام المهدي كما ادّعى. وقد سكنَ سامراء مدّة طويلة في عهد الحسن العسكري وفي عهد الغيبة، وقد ذكرهُ الشيخ الطوسي في "الغَيبة" ، والنوبختي في "الفِرق".
2 - محمد بن جندب: وقد قامَ مقامه كما يدّعي أصحاب هذه الطريقة، ولم تُعرف له ترجمة في كتب الفِرق الشائعة المطبوعة.
3 - عبد الله بن الجنان الجنبلاني: من بلد جنبلا من عراق العجم، وهو المؤسّس الثاني بعد أبي شعيب، وواضع الآراء الباطنية للعبادات الظاهرية، وكان من كبار رؤساء هذه النِحلة، عالماً متبحّراً في العلوم الإسلامية والفلسفية، قصدهُ جماعة من أصحاب هذه النحلة إلى جنبلا، وتعلّموا على يده أُسس الطريقة، وتنقّل هو في العراق وسورية ومصر، وفي مصر تعرّفَ عليه المؤسّس الثالث لهذه الدعوة الحسين بن حمدان الخصيبي.
ولمـّا رجعَ إلى جنبلا، لم يفارقه الخصيبي، بل سافرَ معه إلى جنبلا، وبقيَ يدرس على يده،... وبقيَ معه حتى توفِّي الجنبلاني سنة 287هـ عن ثلاث وأربعين سنة، فرجعَ الخصيبي يحمل فكرتين: فكرة التأويل الباطني، وفكرة البغض للعرب، وتولّى بعده الزعامة الدينية.
وحلّ في بغداد مدّة، أخذَ عنه جماعة يزيدون على الاثنين والخمسين تلميذاً، وكوّن مركزاً للطريقة الخصيبية في كرخ بغداد، وعيّن لها تلميذاً قوياً من تلاميذه، هو السيد علي الجسري ناظر الجسور في بغداد،.... ثمّ سافرَ الخصيبي إلى حَلب، وأقامَ هناك الدعوة، وألّف الكتب في ظلّ الحمدانيين، وأهدى كتابه (الهداية الكبرى) - وهو في تراجم الرسول وفاطمة والأئمة - إلى سيف الدولة، وفيه من الغلو والتمهيد للطريقة الخصيبية ما يدهش.
كما أهدى كتابه (راسباش) إلى عضد الدولة البويهي أيام سكناه في بغداد،... وهو كتاب في الطريقة الباطنية، ومعناه (كُن مستقيماً) وقد كتبهُ بالفارسية.
ولِدَ الخصيبي في مصر سنة 260هـ، وتوفِّي في حلب سنة 346هـ، وخَلفهُ في الزعامة الدينية تلميذه السيد محمد بن علي الجلي الحلبي، سكنَ حَلب أيام الخصيبي، وتعلّم على يده، وقامَ مقامه، وأسّس مركز الدعوة في حَلب، ثمّ تحوّل هذا المركز إلى اللاذقية في زمن الطبراني. أمّا مركز الدعوة في بغداد، فبقيَ حتى مجيء هولاكو، فأُغلِق، وبعده تولّى الزعامة الطبراني، ثمّ تُركت الزعامة المطلقة، وحوّلت بعد الطبراني إلى مشايخ الدين...).
وقبل أن نلخّص لك بعض ما في كتاب مجموع الأعياد، لابدّ لنا من ذكر بعض التعاليم القديمة لهذه الطريقة:
1 - لا حشر إلاّ للأرواح، وحَشرُها حلولها في السماء بين الكواكب المنيرة.
2 - ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الكلازية، والحيدرية، والنياصفة، ومرجع انقسامهم إلى الاختلاف في تفسير نصوص الأدعية، أو السور الست عشرة التي تُعد مرجع النحلة الجنبلانية، وقد ذكرها كلّها في (الباكورة)
وشَرحها، وأشار إلى مواقع الخلاف في التفسير.
3 - الحقيقة الإلهية مجهولة الهويّة، وُمظهرها وموضع إبداعها ووجودها في الإمام علي بن أبي طالب، فهو أكمل ذات في الوجود الخاص، وهذه الحقيقة الإبداعية العلوية تجلّت في الإمام علي، وتجلّت في أبنائه الاثني عشر، كما تجلّت في جميع الأنبياء والقدّيسين.
4 - أغلب شعائرهم وتعابيرهم في كتبهم رمزيةٌ: فالميم محمد، والعين علي، والسين سلمان، وسهف علي، والكيم سلمان، ودلام عمر، وسلسل سلمان، وفاطر فاطمة، والحاءات الثلاث الحسن والحسين ومحسن، وذو زمد أبو بكر.
5 - لا يعلمون بالظواهر الشرعية، ولكل طقس تفسير باطني، فالحج حبّ أهل بيت محمد، وعلي، والحسن، والحسين، ومحسن. وسر صاحب البيت علي، والبيت كلّه محمد،... ومعنى الطبقات السبع لجهنّم: التحوّل بعد الموت من فسخ ومسخ ونسخ.
6 - لكلّ إمام باب، على النسق التالي: علي (سلمان)، الحسن (قيس بن ورقة)، الحسين (رشيد الهجري)، علي بن الحسين (عبد الله الكابلي)، الباقر (يحيى بن معمر الثمالي)، الصادق (جابر بن يزيد الجعفي)، الكاظم (محمد بن أبي زينب)، الرضا (المفضل بن عمر)، الجواد (محمد بن المفضل بن عمر)، الهادي (عمر بن الفرات)، العسكري (أبو شعيب النميري)، أمّا الإمام المهدي فلم يكن له باب، بل بقيت البابية لأبي شعيب.
7 - لا يجوز أن يتعلّم النساء القراءة والكتابة ؛ لأنّها خُلِقت من ذنوب الأبالسة، ولا يجوز شرب الدخان ؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لعنَ هذه النبتة، ولا يجوز أكل البانية. وفي كل شعائرهم يستعملون الشراب ويرمزون إليه بعبد النور، كما هي العادة عند البكتاشية، وغيرهم من الفِرق الغالية المتصوّفة.
8 - من كتبهم: كتاب الهفت، أي الأيام السبعة، وينسبونه إلى الإمام
جعفر الصادق، ويتضمّن الوصايا العشر التي يجب على كل خصيبي أن يعمل بها، وإن اختلفوا في تفسير بعض عباراتها.
9 - سلسلة العهد للداخل في الطريقة يحلف بكتاب مجموع الأعياد، ويتعهّد بكتم السر، وأنّه على النحو التالي: الشعيبي مذهباً، الجندبي رأياً، الجنبلاني حقيقة، الخصيبي طريقة، الطبراني فقهاً.
10 - جميع أعياد الدين الإسلامي وأعياد الفرس وأعياد المسيحيين أعيادهم، وعلى كلّ رجل ثري أن يقيم عيداً أو عيدين أو ثلاثة في أثناء السنة، فتقام الأفراح في بيته، وتجتمع جماعات يأكلون ويشربون، ويرتّلون الأدعية والأوراد، وفي أفراحهم هذه يرتّلون أشعار كبار نحلتهم كشعر الخصيبي، وشعِر الشيخ منتجب الدين العاني، ويُعد شعره من أسمى شِعر التصوّف والعرفان،.. فظهرَ لي أنّه أسمى من شعر ابن الفارض، ولو طُبع هذا الديوان لهذا الشاعر العراقي، لأماتَ كثيراً من شِعر المتصوّفة.
ويغلب على ناحيتهم الأدبية - شعراً ونثراً - ضعف وركّة في أسلوب عامي في كثير من الأحيان، ما عدا السور الست عشرة، فهي قوية جزيلة.
أمّا كتاب (الهداية الكبرى)،.. فهو من كتب الحديث والرواية، بأسلوب بليغ للغاية، وعلى نمطه تقريباً كتاب (مجموع الأعياد). وقد عثرَ المستشرق الألماني (شترطمان) صاحب مجلّة (دير إسلام) على نسخة من "مجموع الأعياد"، فنَشرها كاملة في المجلّد السابع والعشرين من هذه المجلّة في ثلاثة متوالية.
وقد اعتمدتُ على هذه النسخة المطبوعة، وأوّلها: (الحمد لله العلي الأحد، الفرد الصمد،.... قال الشاب الثقة أبو سعيد ميمون بن القاسم الطبراني: حدّثني أبو الحسين الجهمدي بمدينة طرابلس الشام سنة ثمان وسبعين وثلاثمئة، قال: حدّثني أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي،... قال: حدّثنا محمد بن سنان،... قال: دخلتُ على مولاي العالِم (الحسن العسكري) وعنده جماعة، فسلّمتُ فردّ السلام، وقال لي: (ما حاجتك؟)، فقلت: يا سيدي، قد أشكل عليّ معرفة الأعياد
العربية والعجمية، فمنّ عَليّ بمعرفة ذلك،... فسكت هنيهة، ثمّ قال: (يا محمد،... الأعياد العربية عشرة: الغدير، ويوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم الأحد، الذي أمرَ أمير المؤمنين فيه سلمان أن يدخل المسجد ويخطب بالناس، واليوم الذي خاطب الباقر منه السلام جابر بن يزيد الجعفي ووضعَ يده على صدره، واليوم الذي أمرَ محمد بن علي الرضا لعمر بن الفرات بالدعاء وقال: (ائتوني من باب عمر بن الفرات)، واليوم الذي نَصب السيد جعفر منه السلام محمد الزينبي وأقامهُ للناس عَلماً،... إلخ. أمّا الأعياد العجمية: فيوم النوروز، ويوم المهرجان، والتاسع من شهر ربيع الأول، ويوم الفراش... إلخ).
وبعد أن عدّ هذه الأعياد التي شملت الأعياد الإسلامية والفارسية والمسيحية وأعياد القدّيسين، شرعَ في شرح ما ترمز إليه هذه الأعياد من تأويلات باطنية ما أنزلَ الله بها من سلطان، ولم يقتصر في تأويله الباطني على الأعياد، بل عمّ بحثه العبادات الظاهرة وما يعني بها في الباطن، والتأويل على أُسس التأويل الإسماعيلي: فالصيام الدعاء، ثمّ يذكر ذلك الدعاء الذي يُتلى بدل الصوم، وكما أنّ محمداً أول الأعداد، وجبَ أن يكون عيد الفطر أول الأعياد.
والمؤلّف - في كلّ ما روى من تأويل باطني للأعياد والعبادات - ينقله نصّاً عن كتاب (راسباش) للخصيبي،... ثمّ يتكلّم عن "عيد الأضحى"، وممّا قاله هناك: (استعمَلَت العامة وظاهرية الشيعة فيه الضحايا والذبائح، والتقرّب إلى الله بإهراق الدم، وعند أهل الباطن أنّ شخص عيد الأضحى هو القائم منه السلام، وظهوره بالسيف وإهراق دم كل ضد). والحديث عن معنى الأضحية وأنّها رمز لا حقيقة، يطيله المؤلّف، وفي ضمنه أدعية رمزية وخطبة العيد المملوءة غلواً، وابتهالات إلى معلّل العِلل ومظهر القدرة الأزلية.
ويتلو هذا العيد ذكر "عيد الغدير ومنزلته"، ويعقب ذلك بقصيدة طويلة للحسين بن حمدان الخصيبي في تفسير مقاصد هذا العيد وأهدافه، وبخطبة العيد ودعائه، وبالتعاليم التي يجب أن يقوم بها
المؤمن العارف،...
ويتلو ذلك ذكر "عيد المباهلة"، وقد بحثَ الموضوع بحثاً دقيقاً فلسفياً في التأويل وتفسير التجلّي الإلهي، وأنّ المباهلين من أهل العباء والقبّة المحمدية، وهم: محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وسلمان، وقد ظهروا للمباهلين بمظهر النور الإلهي، وكانت الأنوار المثالية السماوية النورانية تنطق عنهم، حتى قال قائل المباهلين: (يا محمد، إنّما وقعَ القول على أنّك تباهلنا بأهل الأرض، فنباهلك بأهل الأرض. وأمّا أهل السماء، فلهم أهل السماء).
ويتلو ذلك "عيد الفراش"، وقد أطالَ فيه القول،... وقد وردَ هذا الذي ذكرهُ هنا الطبراني، في كتاب الهداية أيضاً، كما اعتمدَ على الهداية في كثير ممّا يذكره هنا من الأحاديث والتأويلات. ويتلو ذلك قصيدة لشاعر هذه النحلة (الصائغ) في مدح هذا العيد ومقاصده، وبدعاء الفراش بأسلوب رمزي، عن معنى التجلّي الإلهي والحلول الباطني في المظهر العلوي.
ويتلو ذلك ذكر "عيد عاشوراء وخبره" كما يسمّيه، ولم يكتم آراءه هنا في التأليه العلوي، بل يصول ويجول، ويسخر ممّن قالَ بقتل الحسين، وممّا جاء قوله: (وهو اليوم الذي روت فيه العامّة وظاهر الشيعة، وزعمت أنّ فيه مقتل مولانا الحسين، تعالى الله عمّا يقول الظالمون المفترون ويظنّه المـُلحدون، وما كان مولانا الحسين إلاّ كعيسى، حيث تجلّى لهم جسمه تخيّلاً، فظنّت النصارى أنّه صُلب، وما صُلب، وكذلك الحسين ؛ لأنّه هو المسيح، والمسيح هو الحسين)، ثمّ استشهدَ بشِعر كثير للخصيبي وغيره في هذا المعنى الذي أشار إليه،... وحديثه عن هذا العيد طويل وكلّه تفسير للتجلّيات الإلهية وفكرة الحلول.
ويتلو ذلك الحديث عن "اليوم التاسع من شهر ربيع الأول"، وفكرة هذا العيد وأحاديثه التي انتشرَ في العصر الصفوي بين بقية الشيعة كلّها من أصحاب هذه النحلة.
ويتلو ذلك "عيد ليلة النصف من شعبان"، وما يجب العمل فيها. وهذه الليلة معظّمة عند هذه النحلة تعظيماً شديداً، ويُلزم أن يزار فيها قبر
الحسين، كما يلزم أن تُذكر فاطر (فاطمة) ذكراً جميلاً في الأوراد والأدعية. وقد روى المؤلّف في هذا الباب الزيارات الرمزية المتنوّعة والأدعية التقديسية لفاطر، ولم نعرف سرّ العلاقة بين هذه الليلة وفاطمة الزهراء لدى هؤلاء الغلاة، وكلّ ما نعرفه أنّ في يوم الثالث من شعبان ولادة الحسين، كما أنّ في ليلة النصف من شعبان ولادة المهدي محمد بن الحسن العسكري.
وقد ذكرَ الكثير من الأحاديث عن فاطمة.
ويَعقب هذه الأعياد العربية - كما يسمّيها - ذِكر الأعياد العجمية، ويبدؤها بـ"عيد الميلاد وما فيه من الفضل" ؛ لأنّ المسيح - الذي هو مظهر من مظاهر القبّة المحمدية - ولِدَ فيها وتجلّى للملأ ؛ ولأنّ مريم صورة أخرى عن آمنة بنت وهب، وهي مولّدة الحاءات الثلاث ومظهر الحقيقة العلوية.
ويتلو ذلك ذكر "يوم النوروز". والحديث عن هذا العيد في هذا المؤلّف طويل حتى فاق الأعياد في مراسيمه ومنزلته. وقد ذكرَ المؤلّف أدعية وأوراداً كثيرة تُتلى في هذا اليوم. ويَعقب ذلك روايات متنوّعة في فضل هذا اليوم مروية، ورواها المؤلّف كما هي مروية عن الحسن العسكري، وعن الصادق وموسى بن جعفر وغيرهم من الأئمة. ولم يقتصر على ذلك، فيحدّثنا حديثاً تاريخياً عن الفرس وطبقات دولهم الأربع، وكيف غيّروا في آخر دولتهم الرابعة أيام كسرى أبرويز، فزالت عنهم الأنوار التي كانت في بلاد فارس، وأشرَقت بأرض العرب.
ويتلو الكلام على النوروز الكلام على "عيد المهرجان"، وبَحثه كلّه على نَسق عيد نوروز في القداسة وفي الأدعية الرمزية، والشعائر الحلولية وتأليهات للحقيقة العلوية، وبذلك يتم الكتاب.
في هذا المقال نقاط كثيرة يجب مناقشتها، منها:
أولاً: اسم الكتاب، ذكره الأستاذ الدجيلي (سبيل راحة الأرواح ودليل السرور والأفراح إلى فالق الإصباح).
وفي كتابه (مذاهب الإسلاميين) تحدّث الدكتور عبد الرحمان بدوي عن كتاب "مجموع الأعياد"، وذكرَ له عنواناً آخر هو: (مجموع الأعياد والدلالات والأخبار المبهرات، وما فيها من الدلائل والعلامات، جلَّ مُظهِرها عن الآباء والأمهات والأخوة والأخوات)، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن حقيقة اسم الكتاب، وأي العنوانين هو الصحيح؟!
ثانياً: الذي جذبَ نظرنا في المقال: أنّ الأستاذ الدجيلي تكلّم عمّا أسماه (الطريقة الخصيبية) من خلال كتاب (مجموع الأعياد) للطبراني. والخصيبية: نسبة إلى الحسين بن حمدان الخصيبي، فلماذا لم يتحدّث الأستاذ الدجيلي عن هذه الطريقة من خلال كتب الخصيبي، خاصّة وأنّه يذكر في معرض حديثه عن كتاب (مجموع الأعياد): أنّ مؤلّفه - في كلّ ما روى من تأويل باطني للأعياد والعبادات - ينقله نصاً عن كتاب (راسباش) للخصيبي.
فلماذا تركَ الأصل وجاء إلى الفرع؟!
ثالثاً: لم يبيّن الأستاذ الدجيلي ما إذا كان (أبو شعيب محمد النميري البكري البصري) هو نفسه (أبو شعيب محمد بن نصير العبدي البكري النميري)، الذي جاء ذكرهُ في كتاب (الباكورة السليمانية)، أحد مراجع الأستاذ الدجيلي، وكان عليه أن يوضّح لنا سبب هذا الاختلاف في الاسم ؛ منعاً للالتباس.
رابعاً: من خلال حديثه عمّا أسماه (الطريقة الخصيبية)، وردَ على لسانه ذكر (النحلة الجنبلانية)، ولم يبيّن لنا ما إذا كانت الخصيبية هي الجنبلانية أم لا؟! والفرق بينهما، كما أنّه لم يبيّن لنا سبب تبدّل الأسماء.
خامساً: جاء في المقال أنّ (سلسلة العهد للداخل في الطريقة يحلف بكتاب مجموع الأعياد، ويتعهّد بكتم السر، وأنّه على النحو التالي: الشعيبي مذهباً، الجندبي رأياً، الجنبلاني حقيقة، الخصيبي طريقة، الطبراني فقهاً).
وكنّا قرأنا في كتاب (الباكورة السليمانية) - أحد مراجع الأستاذ الدجيلي - ما نصّه: (أشهد بأنّني نصيري الدين، جندبي الرأي، جنبلاني
الطريقة، خصيبي المذهب، جَلي المقال، ميموني الفقه) ولا ندري سبب هذا الاختلاف.
ومن جهة أخرى، فإنّ مؤلّف (الباكورة) لم يقل إنّه يُحلِف المريد على كتاب (مجموع الأعياد)، بل على كتاب (المجموع)، وكتاب (المجموع) - كما نشره الأذني - يختلف اختلافاً جذرياً عن كتاب (مجموع الأعياد) للطبراني.
سادساً: وكذلك لم يبيّن لنا الأستاذ الدجيلي الفرق ما بين البابية والنيابة، فهو في مقاله قد ذكرَ - عند حديثه عن إسحاق النخعي الأحمر -: (وكان من أصحاب الحسن العسكري ومَن ادّعى النيابة عنه بعد وفاته). ثمّ إنّه في حديثه عن رجال الدعوة الخصيبية قال: (أبو شعيب محمد النميري البكري البصري: وهو الباب الأول. كان من أصحاب الحسن العسكري، ثمّ بقيت الوكالة والبابية له بعد وفاته نيابة عن الإمام المهدي كما ادّعى).
سابعاً: الأستاذ الدجيلي يناقض نفسه بنفسه، فهو يقول ما حرفيته: (ويغلب على ناحيتهم الأدبية - شعراً ونثراً - ضعف وركة، في أسلوب عامي في كثير من الأحيان).
ونحن إذا رجعنا إلى أسماء الكتب التي ذكرها في مقاله - لأصحاب هذه النحلة التي قال إنّه اطلع عليها - لوجدناها: منتخبات من شعر المنتجب العاني، كتاب الهداية الكبرى للخصيبي، كتاب مجموع الأعياد للطبراني، وقد قال عن هذه الكتب ما حرفيّته: (الشيخ منتجب الدين العاني، ويُعد شِعره من أسمى شعر التصوّف والعرفان، وقد رأيت بعض منتخبات من ديوان شعره في خزانة كتب الأستاذ المحامي صادق كمونة، فظهرَ لي أنّه أسمى من شعر ابن الفارض، ولو طُبع هذا الديوان لهذا الشاعر العراقي، لأماتَ كثيراً من شِعر المتصوّفة).
وقال أيضاً: (أمّا كتاب (الهداية الكبرى) - وقد شاهدتُ منه نسخة كانت في كتب الشيخ محمد السماوي، واليوم هي في مكتبة الأستاذ المحامي صادق كمونة - فهو من كتب الحديث والرواية، بأسلوب بليغ للغاية، وعلى نَمطه تقريباً كتاب (مجموع الأعياد)).
وإذاً فما معنى قوله: إنّه (يغلب على ناحيتهم الأدبية - شعراً ونثراً - ضعف وركة، في أسلوب عامي...) وهو لم يطّلع إلاّ على القليل القليل من كتبهم، وقد بهرهُ أسلوبها البليغ.
ثامناً: من الملاحظ أنّ لقلم الأستاذ الدجيلي شطحات وتهويمات، وهذا واضح في كثير من أقواله، ومنها: (من كتبهم "الهفت"، أي الأيام السبعة، وينسبونه إلى الإمام جعفر الصادق، ويتضمّن الوصايا العشر التي يجب على كلّ خصيبي أن يعمل بها).
كتاب "الهفت" طُبع مرّتين: المرّة الأولى بعنوان(كتاب الهفت والأظلة) ، بتحقيق عارف تامر وأغناطيوس عبدة خليفة، والثانية بعنوان(كتاب الهفت الشريف) بتحقيق مصطفى غالب. وقد رجعنا إليه في الطبعتين المذكورتين فلم نجد فيه أيّة وصايا، ممّا يؤكّد لنا أنّ الأستاذ الدجيلي لم يطّلع على هذا الكتاب، وكذلك لم يطّلع على كتاب(راسباش) الذي قال عنه: إنّ الطبراني في(كتاب مجموع الأعياد) نقلَ عنه كلّ تأويل باطني للأعياد، ومن ذلك أيضاً قوله: (وقد فصّل القول في هذه الفرقة - أي الإسحاقية -، والخلاف بينها وبين الطريقة الخصيبية، الشهرستاني في (كتاب الملل والنحل)).
وقد أثار هذا الكلام دهشتنا ؛ ذلك لأنّ الشهرستاني لم يذكر الخصيبية إطلاقاً، وهو عندما تحدّث عن الإسحاقية جمعَ ما بينها وبين النصيرية، وقد ذكرنا ما كتبه بنصه، وعن نقاط الاختلاف ما بين النصيرية والإسحاقية قال: (فالنصيرية أميَل إلى تقرير الجزء الإلهي، والإسحاقية أميَل إلى تقرير الشِركة في النبوّة، ولهم اختلافات أخرى لم نذكرها). فأين هو تفصيل القول في الخلاف ما بين الخصيبية وبين الإسحاقية؟ لست أدري!
تاسعاً: إذا صحّ ما قاله الأستاذ الدجيلي أنّه (لا يجوز شرب الدخان) عند الخصيبية، تكون هذه الفرقة قد سَبقت الوهّابية في هذا التحريم بمئات السنين.
وفي مقال الأستاذ الدجيلي نقاط أخرى تحتاج إلى مناقشة، لكنّنا نغضّ النظر عنها، حتى لا يتشعّب الحديث ويطول، وما أبديناه من ملاحظات يكفي لتوضيح حقيقة الحال. لكن إلى جانب هذه المآخذ، كان الأستاذ الدجيلي أول مَن حاولَ دراسة النصيرية، بالاستناد إلى بعض الكتب الخاصّة المنسوبة إليها، وإذا كان ظهرَ في دراسته بعض الخلل والتناقض، فمردّ ذلك إلى أمرين:
الأول: اعتماده على كتب مدسوسة كُتبت في زمن كان يتطلّب مثل هذه الكتابات لغايات معيّنة معروفة، من مثل: (الباكورة السليمانية)، و(سوسنة سليمان) وغيرها.
الثاني: قلّة المـَرَاجع بين يديه. ونقصد بالمراجع: كتب رجالات النصيرية، أو الخصيبية كما شاء أن يسمّيها.
* وإذا انتقلنا إلى ما كتبهُ مصطفى غالب تحت عنوان (الحركة النصيرية (العلوية): أصولها، تاريخها، عقائدها)(1) وجدناه يقول:
(لو ترجمنا المصطلحات والرموز العقائدية النصيرية، لوجدنا بأنّ الغاية الرئيسية التي ترمي إليها هي: أنّ لكلّ عمل وكل قول تأويلاً خاصاً لا يعرفه إلاّ المشائخ الذين تعلّموه عن الأئمة، وهذا التأويل الباطني هو الذي يفرّقهم عن إخوانهم الشيعة، لغلو النصيرية في تأويلاتهم، بسبب إسباغ مناقب خاصة وصفات قدسية عالية على الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام . هذا بالإضافة إلى الغموض الشديد الذي يشوب الأصول والأحكام النصيرية، ممَّا
____________________
(1) الحركات الباطنية في الإسلام: الفصل السابع، ص265.
يحملنا على التروّي والحذر، والانتباه للمعنى المقصود من وراء الرموز والمصطلحات والكرامات والمعجزات التي بنو عليها عقيدتهم ومصطلحاتهم. وبالإضافة إلى اعتقاد النصيرية بالمسوخية ؛ فإنّهم يؤمنون بالحلول، أي حلول العلوية الروحانية بالأشخاص البشرية، ولهذا المعتقد ظاهر وباطن، فالظاهر أحرف معدودة تشير إلى أشخاص معلومة، والمعنوية قد استقرّت أخيراً في علي الأعلى.
ويعتقدون أنّ الباري ظهرَ بالنورانية ولم يزل ظاهراً. ويعتقدون بالقدود، أي أنّ الله تعالى هو الذي أقرّ القدود وصوّر الصور وخَلق النور، ثمّ حجبَ النار بالريح، ثمّ خلقَ الماء وحَجبها بالريح، وخلقَ الطين من زبد البحر فحجبَ به الماء، ومن النور خلقَ الملائكة مصوّرين، والنار خلقَ منها الجن مصوّرين، والطين صورة آدم، وخلقَ آدم من الطين والنار والريح والماء، وذلك من أجل الدنيا، وخلقَ تعالى النور من شأن الآخرة.
ويلاحظ في كتب النصيرية الإيمان العميق بالحجب والأشباح والأظلّة. وتذهب النصيرية إلى أنّ الله تعالى أول ما خلقَ المؤمنين أشباحاً قبل أن يخلقهم أظلّة، والأشباح يومئذٍ كالشيء الذي لا يتبيّن بالعين المجرّدة. ثمّ خلقَ الله الأظلّة، فسبّح الله نفسه وهلّل نفسه، فأجابته الأشباح ثمّ الأظلّة. ثمّ خلقَ الله الأرواح، فسمّيت أرواحاً لراحتها في معرفة الله. وحديث النصيرية عن الحجب والأشباح والأظلّة يطول، ولكن يمكننا أن نختصره بأنّ الله تعالى خلقَ الحجب ليحتجب فيها هو وكافة المؤمنين من حدوده وأشباحه وأظلّته.
ومن خلال صفحات بعض الكتب النصيرية السرّية المقدّسة، يتبيّن لنا بأنّ الأحرف كان لها عندهم دلالات وميزات، ولها سرّ عظيم عن ظهور الصورة النورانية، وسمّاهم تعالى بالحروف المعجمة لحاجة المخلوقين إلى الأسماء والكنايات كحاجتهم إلى النطق. ويذكرون أنّ الأحرف الأبجدية على نوعين: النوع الأول، الحروف المنقطة فهي حروف نورانية، والحروف غير المنقطة فهي حروف ظلمانية. وكذلك نجد في كتبهم أحاديث كثيرة عن
الأيتام والقباب والأكوار والأدوار، وخاصة في كتاب "الأسوس"، الذي يمكننا أن نعتبره الأساس الذي بُنيت عليه التأويلات الباطنية والرموز والمصطلحات النصيرية، وهو قريب الشبه بكتاب "أساس التأويل" المعروف لدى الإسماعيلية.
ولابدّ من الإشارة إلى أنّ النصيرية يعتمدون أكثر ما يعتمدون في كتبهم الباطنية السرّية، على الآيات القرآنية والأحاديث المروّية عن الأئمة الأطهار، وخاصة الروايات المنقولة عن المفضل بن عمر الجعفي، ومعلّى بن خنيس الأسدي، وجابر بن يزيد الجعفي (المذحجي). هؤلاء كانوا من أعيان الشيعة ومن أشهر رواة الحديث عن الأئمة من آل البيت. هذا بالإضافة إلى الأحاديث المروية عن أركان الشيعة الأربعة (عمّار بن ياسر، المقداد، سلمان الفارسي، أبي ذر الغفاري)، وعن باب المذهب النصيري ومؤسّسه سيدنا أبو شعيب محمد بن نصير النميري البصري.
ومن الأُسس التي ترتكز عليها العقائد النصيرية: اعتقادهم العميق بأنّ الأئمة وحدودهم الدينية يعلمون الغيب، ولهم في ذلك كرامات ومعجزات وخوارق لا يستطيع الإتيان بها أي إنسان غيرهم مهما بلغَ من السمو والارتقاء، لذلك نرى أكثر كتبهم مشحونة بعشرات الخوارق التي تروى على أنّ الأئمة قد فعلوها).
والملاحظات التي يمكن تسجيلها على ما كتبه مصطفى غالب هي:
1 - لم يبيّن الأستاذ مصطفى غالب دليله على أنّ محمد بن نصير هو مؤسّس المذهب النصيري، وقد بيّنا عدم صحة نسبة نصيرية إلى محمد بن نصير.
2 - إنّ الأستاذ غالب لم يذكر أسماء كتب النصيرية التي اطّلع عليها، واستقى منها أقواله، وقد ذكرَ في هامش الصفحة (276) اسم كتابين هما:
- فترة المنصان ونزهة القلب والعيان.
- الهفت الشريف.
ولم يذكر اسم مؤلّف الكتاب الأول، وكذلك لم يرد اسم هذا الكتاب في الجدول الذي كتبهُ ماسينيون في سنة 1937 عن كتب النصيرية، الأمر الذي يجعلنا نشك في صحة نسبته إلى النصيرية. كما أنّنا لم نجد له ذكراً في الكتب المنسوبة إلى النصيرية، مع أنّ هذه الكتب أوردت فقرات كثيرة من كتب مخطوطة، عرفنا منها: كتاب الصراط، كتاب حقائق أسرار الدين، كتاب الابتداء، كتاب الأشباح والأظلّة، كتاب الأنوار والحجب، كتاب الجدول النوراني، كتاب المراتب والدرج، كتاب الحقائق، كتاب المقنع، كتاب السبعين، كتاب المثال والصورة، كتاب التوحيد، كتاب حكمة سليمان بن داوود، رسالة النجحية، كتاب المعارف، رسالة الصلاة، كتاب الظهورات، كتاب الرد على المرتد، وغيرها... وغيرها. ولو أنّ كتاب "فترة المنصان" من كتب النصيرية المعتبرة، لوردت الإشارة إليه ضمن كتبهم الباطنية ورسائلهم.
أمّا كتاب "الهفت"، فإنّ الأستاذ مصطفى غالب - الذي حقّقه ونَشره - اعترفَ في الطبعة الثانية للكتاب بأنّه لغير النصيرية، وما قاله هو: (ولابدّ من الإشارة إلى أنّ كتاب (الهفت الشريف)، الذي نسبناه في طبعته الأولى - عن طريق السهو - إلى طائفة شقيقة نُجلّها ونُقدّرها، قد تبيّن لنا بعد دراسة وتمحيص أنّه ليس من كتبها أو كتب غيرها، ولا يمكننا أن نقطع بماهية المعتقدات التي يجسّدها).
وكان هذا الاعتراف منه بعد صدور كتاب (الحركات الباطنية في الإسلام) الذي تكلّم فيه عن النصيرية. لهذا لا نستطيع أن نقطع بصحة ما جاء في (الحركات الباطنية في الإسلام) عن النصيرية ؛ لعدم توفّر الدليل المقنع على أنّ هذا الكلام من أقوال النصيرية.
ونختم حديثنا عن (النصيرية عند المؤرّخين المحدّثين) بوقفة قصيرة،
مع البيان الذي نشرَته جريدة (الحياة) البيروتية(1) ، تحت عنوان(بيان كشف النوايا المبيَّتة لخلق الدولة النصيرية) ، الموقَّع باسم الشيخ عبد الرحمان خ. والذي يهمّنا من البيان المذكور، الفقرة التي تتحدّث عن(كيف أُسّس المذهب النصيري) وهي بالحرف:
(تاريخ الباطنية في الإسلام يرمز من طرف خفي إلى أولئك الغلاة، أصحاب البِدع الذين تبرّأ منهم جعفر الصادق على رءوس الأشهاد قبل وفاته، عندما شعرَ بخطر الأفكار التي راحوا يبشّرون بها على الإسلام، ووحدة الصف الإسلامي. وبعد وفاة الإمام جعفر الصادق، استطاعَ هؤلاء أن يتلاعبوا في صفوف الشيعة، ففرّقوا شملها وجعلوها فِرقاً وأحزاباً، يتزعّم كل منهم إحداها، ويضع لها الأُسس والمبادئ التي تتَّفق مع ميوله، والغاية التي ينهد إليها، والهادفة إلى تقويض دعائم الدين.
ومن هؤلاء:
- ميمون القداح الديصاني، اليهودي الفارسي، مؤسّس الفرقة الميمونية، وواضع المبادئ القرمطية الهدّامة.
- والمفضل الجعفي، أصل كل رواية باطنية، ومؤسّس الفرقة المفضلية الغالية.
- وأبو الخطاب المجوسي الذي يمتّ بصلة القربى لأحد الكهّان اليهود في البصرة. ولمـّا شعرَ الإمام الصادق بأنّه استطاعَ أن يغوي ولده إسماعيل بن جعفر تبرّأ منه، ونزعَ ولاية العهد عن ولَده إسماعيل، وبالرغم من هذا تمكن من إيجاد الفرقة الخطابية وساهمَ بوضع مبادئ الإسماعيلية والقرامطة.
- ومحمد بن سنان، خازن علم الباطن ومؤسّس الفرقة السنانية.. أصل الغلو والزندقة والتطرّف.
هؤلاء الأربعة مجتمعين ؛ لأنّهم - كما يُشتم من تاريخهم الأسود - اعتنقوا الإسلام وافتعلوا الولاء لآل البيت للتغطية، وليتمكَّنوا من تنفيذ المخطّط اليهودي الهادف إلى تحطيم الدين الإسلامي، هؤلاء هم الذين وضعوا الأُسس والمبادئ العقائدية الباطنية الغالية، وظلّت الفِرَق التي نوّهنا عنها آنفاً تعمل بموجبها حتى عام 260 هجرية، حيث
____________________
(1) العدد 6783، الأحد 19 أيار 1968.
أُعلنت غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن حسن العسكري، عندما ظهرَ من أحفاد هؤلاء شيخ آخر (وحيد العين)، يتمتّع بذكاء خارق ودهاء منقطع النظير، هو: أبو شعيب بن نصير البصري النميري، الذي عكفَ على دراسة المبادئ والأُسس لكافة الفِرَق الشيعية المتطرّفة، فصهرها جميعها في بوتقة واحدة، وصاغَ منها المعتقدات النصيرية السرّية، التي لا يزال - حتى يومنا هذا - القسم الأكبر من المشايخ السذّج يطبّقونها وينطلقون منها في وعظهم.
ولقد جعلَ (أبو شعيب)، أو سيدنا وحيد العين (قدّس الله سرّه)، المحور الرئيسي الذي تدور عليه العقيدة: إطلاق صفة الإلوهية على الإمام علي بن أبي طالب، وتسميته (بأمير النحل)، حيث شبّه المؤمنين بالنحل، وهو أميرهم، كما منحَ نفسه لقب الباب الذي يحلّ محل (أمير النحل) ويمثّله.
ثمّ جاء بعده: الشيخ الجنبلاني، والجلي، والزاهري، وجبين المذهب الشيخ علي الصوري، والخصيبي، فأوجدوا المراتب، والحجب، والأظلّة، والقباب، والنقبا، والنجبا... إلخ، ودَعوا إلى عبادة الشمس والقمر والحلول، أي حلول (الإلوهية) في (أمير النحل)، وبابه سلمان الفارسي، وسلمان خلّف المقداد، والمقداد خلّف الناس، لذلك فهو ربّ الناس، وأوجدوا الاجتماعات السرّية والقداسات والصلوات).
هذا البيان المدسوس من ألفهِ إلى يائه، يدلّ على سخف مُنشئه من جهة، وتزويره للحقائق من جهة ثانية ؛ ابتغاء الفتنة والوقيعة، فهو يريد أن يقنعنا أنّ أربعة أشخاص فقط، استطاعوا أن يلعبوا بعقول فئات مسلمة كثيرة العدد، ظهرَ فيها على مدار التاريخ من الجهابذة العلماء قدر عدد شعر الرأس.
ونحن إذا صدّقنا أنّ هؤلاء الأربعة هم أصل الغلو والزندقة والتطرّف، كان معنى ذلك: أنّ ما ذكره من أنّ الشخص الأسطوري عبد الله بن سبأ، هو أصل الغلو والتطرّف، زور وبهتان، وهذا ما يجعلنا نشك في صحة هذه الأقوال جميعها.
ثمّ ما هي الفرقة السنانية؟! وما هي أقوالها؟! ومَن قال بوجودها؟! لأنّنا لم نجد في كتب الفِرَق التي وصلتنا من الأقدَمين أي ذِكر لهذه الفرقة؟!
ومن جهة أخرى، يقول منشئ البيان: (عام 260 هجرية حيث أُعلنت غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن حسن العسكري)، وهذا التاريخ غير صحيح، والمراجعُ التاريخية كلّها أجمَعت على أنّ الإمام محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا، الحجّة والقائم والمهدي والمنتظر وصاحب الزمان، دخلَ السرداب في سرّ مَن رأى سنة 265هـ، ولم نجد مصدراً واحداً ذكر أنّ دخوله السرداب كان سنة 260هـ.
وجاء في البيان أيضاً: (حتى عام 260هـ، حيث أُعلنت غيبة الإمام الثاني عشر محمد بن حسن العسكري، عندها ظهرَ من أحفاد هؤلاء شيخ آخر (وحيد العين)، يتمتع بذكاء خارق ودهاء منقطع النظير، هو: أبو شعيب بن نصير...
فإذا أخذنا بهذا الكلام، يكون أبو شعيب محمد بن نصير، قد صاغَ المعتقدات النصيرية وهو في قبره ؛ لأنّ أبا شعيب - كما تذكر كتب التراجم - توفيَ سنة 259هـ.
ومن أراجيف صاحب البيان قوله: (ولقد جعلَ أبو شعيب... المحور الرئيسي الذي تدور عليه العقيدة: إطلاق صفة الإلوهية على الإمام علي بن أبي طالب، وتسميته بأمير النحل، حيث شبّه المؤمنين بالنحل، وهو أميرهم. كما منحَ نفسه لقب الباب الذي يحلّ محلّ أمير النحل ويمثّله).
وهذا الكلام تزوير فاضح لمرويات التاريخ، وجميع المصادر التاريخية تقول: إنّ الشخص المختلق المسمّى عبد الله بن سبأ، هو أول مَن أطلقَ صفة الإلوهية على الإمامعليهالسلام بقوله له: أنت، أنت،... وبين عبد الله بن سبأ وبين محمد بن نصير مئات السنين.
ثمّ إنّ محمد بن نصير لم يَطلق على الإمامعليهالسلام اسم أمير
النحل، ولم يكن في زمنه، وقد جاء في الأثر أنّ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) أخذَ بيد أمير المؤمنين علي وقال: (إنّ هذا أوّل مَن آمنَ بي، وهذا فاروق هذه الأمّة، وهذا يعسوب المؤمنين، وأول مَن يصافحني يوم القيامة، وهذا الصدّيق الأكبر).
واليعسوب مَلِك النحل وأميرها، ومن هنا أُطلق على الإمام عليعليهالسلام اسم أمير النحل، وكانت هذه التسمية قبل أن يولد ابن نصير بمدّة طويلة.
وكذلك لم يروِ أحد أنّ محمد بن نصير يحلّ محلّ أمير النحل ويمثّله، بل قيل: إنّه كان يدّعي أنّه نبي بعثه أبو الحسن العسكريعليهالسلام ، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن، ويقول فيه بالربوبية، على ما يذكر النوبختي المتوفّى سنة 288هـ في كتابه (فِرَق الشيعة).
ولم يكتفِ كاتب البيان بكل هذا التزوير للحقائق، والافتئات على التاريخ، بل راحَ يخترع من عنده (صلوات) ويلصقها زوراً بالنصيرية، من طراز الصلوات التي اخترَعها قبله مؤلّف (الباكورة السليمانية)، ممّا يدلّ على أنّ أحفاد صاحب الباكورة لم يموتوا.
وها نحن نضع بين يدي القارئ الدليل الناصع على الاختلاق والدس المتعمّد:
في كتاب (الباكورة) - الذي بيّنا بالأدلّة اختلاقه - سورة اسمها "الأول"، جاء فيها:
(قد أفلح مَن أصبح بولاية الأجلح، أستفتحُ بأنّي عبد، استفتحتُ بأول إجابتي بحب قدس معنوية أمير النحل علي بن أبي طالب، المكنّى بحيدرة أبي تراب. فيه استفتحتُ، وفيه استنجحت. وبذكره أفوز، وفيه أنجو، وإليه ألجأ. وفيه تباركت، وفيه استعنت، وفيه بدأت، وفيه ختّمت بصحة الدين وإثبات اليقين. قال السيد أبو شعيب محمد بن نصير ليحيى بن معين السامري: يا يحيى، إذا نزلت بك نزلة بالحياة ودهت بك دهية بالممات، فادعُ دعوة خالصة مخلصة، تقية نقية، بيضاء علوية، طاهرة زكية، مشعشعة نورانية، تُخلّصك من هذه
القمصان البشرية اللحمية الدموية، وتُلحقك بالهياكل النورانية، فقل منك: تباركت يا دليلاً بدلّته، يا ظاهراً بقدرته. وقد دلّنا إليه وأرشدنا إليه شيخنا وسيدنا وتاج رءوسنا وقدوة ديننا وقرّة أعيننا: السيد أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي (قدّس العلي روحه) ؛ لأنّ مقامه مقام الصفاء، ومحلّه محلّ الصدق والوفاء. بسم الله وبالله، سرّ السيد أبي عبد الله العارف معرفة الله، سرّ تذكاره الصالح، سرّه أسعد الله، انتهت).
هذه السورة نقلها كاتب البيان على الشكل التالي:
(مقتطفات من صلاة الترابية:
بسم الله الرحمن الرحيم
قد فاز وأفلح وأمسى وأصبح بمعنوية مولاي علي أمير المؤمنين، الأنزع الأصلع والأجلح، ابتديت بأول إجابته بالإقرار لقدس معنوية مولاي أمير النحل علي، حيدرة أبي تراب. منه أستفتح، وفيه أحيا وأنجى، وفيه أفوز، وفيه أستغني، وفيه أختتم، وهو ربّي ورب آبائي الأولين وربّ الآخرين، وربّ الخلائق أجمعين. وأقول كما قال وحيد العين سيدي أبو شعيب محمد بن نصير إلى يحيى بن معين السامري، قال: إذا دَهت بك داهية في الحياة ونزلت بك نازلة في الممات، فقل: يا مولاي يا علي، بك استعنتُ وعليك توكلتُ، يا دليل الأدلّة... ونقول كما قال شيخنا وسيدنا أبو عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي: شرّف الله العلي مقامه ونزّه الله شخصه).
وفي(الباكورة السليمانية) سورة اسمها الفتح، هي:
(( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ) ، أشهد بأنّ مولاي أمير النحل علي اخترعَ السيد محمد من نور ذاته وسمّاه اسمه، ونعتُه وعرشه وكرسيه وصفاته متصل به، ولا منفصل عنه ولا متصل به بحقيقة الاتصال، ولا منفصلاً عنه في مباعدة الانفصال. متصل به بالنور، منفصل عنه بمشاهدة الظهور. فهو منه كحسّ النفس من النفس، أو كشعاع الشمس من القرص، أو كدوي الماء من
الماء، أو كالفتق من الرتق، أو كلمع البرق من البرق، أو كالنظرة من الناظر، أو كالحركة من السكون. فإن شاء علي بن أبي طالب بالظهور أظهَرَه، وإن شاءَ بالمغيب غيّبه تحت تلالي نوره. وأشهدُ بأنّ السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره، وجعله بابه وحامل كتابه. فهو سلسل وسلسبيل، وهو جابر وجبرائيل، وهو الهدى واليقين، وهو بالحقيقة ربّ العالمين. وأشهد بأنّ السيد سلمان خلقَ الخمسة الأيتام الكرام: فأوّلهم اليتيم الأكبر، والكوكب الأزهر، والمسك الأذفر، والياقوت الأحمر، والزمرّد الأخضر: المقداد بن أسود الكندي، وأبو الذر الغفاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وعثمان بن مظعون النجاشي، وقنبر بن كادان الدوسي، هم عبيد مولانا أمير المؤمنين لذكره الجلال والتعظيم).
وهذه السورة نقلها كاتب البيان، على الشكل التالي:
(مقتطفات من صلاة الفتح :
(قوله تعالى:( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ) .
آمنتُ وصدّقت، وبالحقيقة نطقت ونطق لساني، وأقرّت جوارحي بشهادة أن لا إله إلاّ مولاي علي أمير المؤمنين، فتحَ لنا فتحاً مبيناً، وثبّتنا على الحق إلى صراط مستقيم، وأشهد أنّ مولاي أمير المؤمنين اخترعَ السيد (محمد) من نور ذاته وغايته، متجلياً منه كالفتق من الرتق، وكالحركة من السكون، وكشعاع الشمس. وأشهد أنّ السيد محمد خَلقَ السيد سلمان بأمر ربه وغايته طلاَّبه، لا يدخل إليه إلاّ منه. وأشهد أنّ السيد سلمان اختصّ لنفسه الخمسة الأيتام الكرام، الذين ما ضمّتهم ضم وسمّاهم وكنّاهم وجَعلهم رؤساء العلم والإيمان: أولهم أعلاهم، يتيم دين الله الأكبر، والمسك الأذفر، والياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، الألف الأولى: سيدنا المقداد، وأبو الدر، وعبد الله بن رواحة، طريق الهدى للنديان. ويا أمير النحل: يا علي، يا عظيم).
***
[ التناقضات في نقل عقائد النصيرية: ]
وعلى الرغم من التناقضات والاختلافات الكثيرة ما بين أقوال المؤرّخين القدماء، وبين أقوال المؤرّخين المحدَثين، حول عقائد النصيرية، فإنّنا نقف عند بعضها باعتبارها الأهم، وهي:
أولاً: حول عدم إيمان النصيرية بالله، وعدم قيامهم بشعائر الإسلام.
لقد اتُّهم النصيريون بعدم الإيمان بالله، وبعدم القيام بشعائر الإسلام، والذين اتهموهم بهذا الاتهام، لم يقدّموا دليلاً من كتب النصيرية يؤيد هذا الاتهام.
وفي المقابل رأينا فريقاً من الكتّاب، عاشَ بين هذه الطائفة سنين طويلة، ودرسَ حالتها عن كثب، وصّرح بأنّ العلويين فرقة إسلامية، لا تنفك تقرأ القرآن وتُعلّمه الأحداث، وأنّ طقوسهم الدينية هي عين الطقوس الإسلامية، وأنّهم في صلواتهم يتوجّهون إلى القبلة، ويصومون الشهر الذي فرضَ الله على العباد صومه ويؤتون الزكاة... إلخ.
وهذه المشاهدات الحسّية، أولَى بالاعتبار من كلام غير مؤيّد بدليل.
وهناك شهادة قديمة، تؤكد إيمان النصيريين بالله، بل والذوبان في هذا الإيمان، هي: ما كتبه ابن الجوزي (ت 597هـ) في(صفوة الصفوة)، تحت عنوان:(ذكر المصطفين من عبّاد جبل اللكام) (1) . فكما هو معروف تاريخياً: أنّ جبل اللكام هو موطن النصيرية الأساسي، وأكثريتهم الساحقة تعيش فيه، وقد شاء البعض إطلاق اسم جبل النصيرية على هذا الجبل ؛ لأنّ أكثرية أهله من النصيرية. ولقد كان هذا الجبل معروفاً بكثرة الزهّاد والمتعبّدين فيه، وأنّ شهرة هؤلاء المتعبّدين قد دَفعت بذي النون المصري، لطلبهم والسماع منهم.
____________________
(1) الجزء الرابع، ص308 وما بعدها.
ونكتفي هنا بذكر بعض عبّاد جبل اللكام، نقلاً عن ابن الجوزي:
عابد آخر:
(جعفر بن محمد بن سهل السامري قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر في جبل اللكام، مررتُ على وادٍ كثير الأشجار والنبات، فبينا أنا واقف أتعجّب من حسن زهرته ومن خضرة العشب في جنباته، إذ سمعتُ صوتاً أهطلَ مدامعي وهيّج بلابلي. فاتّبعتُ الصوت حتى وقفني بباب مغار في سفح ذلك الوادي، فإذا الكلام يخرج من جوف المغار. فاطّلعت فيه، فإذا أنا برجل من أهل التعبّد والاجتهاد! فسمعته يقول:
سبحان مَن أخرجَ قلوب المشتاقين في رياض الطاعة بين يديه، سبحان مَن أوصلَ الفهم إلى عقول ذوي البصائر فهي لا تعتمد إلاّ عليه، سبحان مَن أوردَ حياض المودّة نفوس أهل المحبّة فهي لا تحِن إلاّ إليه. ثمّ أمسكَ.
فقلت: السلام عليك يا حليف الأحزان وقرين الأشجان.
فقال: وعليك السلام. ما الذي أوصلكَ إلى مَن أفردهُ خوف المساءلة عن الأنام، واشتغل بمحاسبة نفسه من التنطّع في الكلام.
قلت: أوصَلني إليك الرغبة في التصفّح والاعتبار.
فقال: يا فتى، إنّ لله عزّ وجلَّ عبَّاداً قدحَ في قلوبهم زنداً لشغف نار الومق، فأرواحهم لشدّة الاشتياق تسرح في الملكوت، وتنظر إلى ما ذُخر لها في حجب الجبروت.
قلت: صفهم لي؟.
قال: أولئك قوم أووا إلى كنف رحمته.
ثمّ قال: يا سيدي، بهم فألحِقني ولأعمالهم فوفّقني.
قلت: ألا توصيني بوصية؟
قال: أحِبّ الله شوقاً إلى لقائه ؛ فإنّ له يوماً يتجلّى فيه لأوليائه.
وأنشأ يقول:
قد كان لي دمع فأفنيته |
وكان لي جفن فأدميته |
|
وكان لي جسم فأبليته |
وكان لي قلب فأضنيته |
|
وكان لي يا سيدي ناظر |
أرى به الجو فأعميته |
|
عبدك أضحى سيدي موثقاً |
لو شئت قبل اليوم داويته |
عابد آخر:
أبو صالح الدمشقي قال: كنت أدور في جبل اللكام أطلب الزهّاد والعبّاد، فرأيت رجلاً عليه مرقعة جالساً على حجر، مطرِقاً إلى الأرض. فقلت له: يا شيخ، ما تصنع هاهنا؟
قال: أنظر وأرعى.
فقلت له: ما أرى بين يديك إلاّ الحجارة! فما الذي تنظر وترعى؟!
قال: فتغيّر لونه ثمّ نظرَ إليّ مغضباً وقال:
- أنظر خواطر قلبي وأرعى أوامر ربّي، وبحقّ الذي أظهركَ عليّ إلاّ جزتَ عني.
فقلت: كلّمني بشيء أنتفعُ به حتى أمضي.
فقال: مَن لزمَ الباب أُثبِت في الخدم، ومَن أكثر ذكر الذنوب أكثر من الندم، ومَن استغنى بالله أمِن العدم، ثمّ ترَكني ومضى.
عابد آخر:
بَلغنا عن بعض السلف أنّه قال: مضيتُ إلى جبل اللكام فما رأيت أعبد من شاب أصفر اللون كان يصفّ قدَميه، فيصلي ركعتين من أول الليل إلى آخره فيختم القرآن، ثمّ يجلس فيعتذر إلى الصباح.
ومن عقلاء المجانين بجبل اللكام:
بَلغنا عن ذي النون المصري قال: وصِفَ لي رجل من أهل المعرفة في جبل اللكام فقصدتهُ، فلقيَني جماعة من المتعبّدين فسألتهم عنه؟
فقالوا: يا ذا النون، تسأل عن المجانين؟
فقلت: وما الذي رأيتم من جنونه؟
قالوا: نراه في أكثر أوقاته هائماً ساهياً يُكلّم فلا يجيب!، ويتكلّم فلا نفقه ما يقول!، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه ويبكي!
فقلت في نفسي: ما أحسن أوصاف هذا المجنون، ثمّ قلت لهم: دلّوني عليه.
فقالوا: إنّه يأوي في الوادي الفلاني، فانطلقتُ إلى الوادي وأشرفتُ على وادٍ وعِر، فجعلت أنظر يميناً وشمالاً، فإذا أنا بصوت محزون شج من وجد قلب، وهو يقول:
يا ذا الذي أنِسَ الفؤادُ بذكرِه |
أنت الذي ما إن سواه أريدُ |
تفنى الليالي والزمانُ بأسرِه |
وهواكَ غضٌّ في الفؤادِ جديدُ |
قال ذو النون: فاتبعتُ الصوت فإذا أنا بفتى حَسن الوجه، حسن الصوت، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها. نحيلٌ قد احترقَ، وهو شبيه بالواله الحيران، فسلّمتُ عليه، فردّ السلام وبقيَ شاخصاً يقول:
أعميتُ عيني عن الدنيا وزينتها |
فأنتَ والروح شيءٌ غير مفترِقِ |
|
إذا ذكرتُك وافى مقلتي أرقٌ |
من أول الليلِ حتى مطلعِ الفلقِ |
|
وما تطابقت الأجفان عن سِنَة |
إلاّ رأيتك بين الجفن والحدقِ |
ثمّ قال: يا ذا النون، ما لكَ وطلب المجانين؟!
قلت: أوَ مجنون أنت؟!
قال: قد سمّيتُ به.
فقلت: مسألة؟!
فقال: سل.
قلت: أخبِرني ما الذي حبّب إليك الانفراد، وقطعكَ عن المؤانسين، وهيّمك في الأودية؟
فقال: حبّي له هيّمني، وشوقي إليه هيّجني، ووجدي به أفرَدني. ثمّ قال: يا ليت شعري - يا فتى - إلى متى تتركني مقلقلاً في محبّتي؟!
فقلت: أخبرني أين محلّ الحبّ منك، وأين مسكن الشوق فيك؟
قال: مسكن الحبّ سواد الفؤاد.
فقلت: ما الذي تجد في خلوتك؟
قال: الحقّ سبحانه.
قلت: كيف تجده؟
قال: بحيث ولا حيث. ثمّ قال: يا ذا النون! أعجبكَ كلام المجانين؟
قلت: إي والله، وأشجاني. ثمّ قلت له: ما صَدَقَ وجدانك الحقّ تعالى، فصرخَ صرخة ارتجّ لها الجبل، ثمّ قال: يا ذا النون، هكذا موت الصادقين، ثمّ سقطَ إلى الأرض ميّتاً، فتحيّرت في أمره ولا أدري ما أصنع به، وإذا به قد غابَ عنّي فلا أدري أين ذهب).
ثانياً: الباب والحجاب.
أول ذكر للباب والحجاب، جاء على لسان صاحب السؤال الموجّه إلى ابن تيمية، إذ وردَ فيه: (فمِن حقيقة الخطاب عندهم والدين: أن يُعلم أنّ علياً هو (الرب)، ومحمد هو (الحجاب)، وسلمان هو (الباب)، وذلك على الترتيب...).
أي:
علي محمّد سلمان
رب حجاب باب
- في(ولاية بيروت) جاء: (أول اعتقادهم هو تثليث الآلهة، أي: إيمانهم بثلاثة آلهة يسمّون أول هؤلاء الآلهة(المعنى)، والثاني(الاسم) ، والثالث(الباب)، ويعبّر عن التثليث برمز قدسي يسمّونهع، م، س .
ع م س
علي محمد سلمان
معنى اسم باب
- في سورة الفتح من(الباكورة السليمانية) : سلمان باب محمد (السيد محمد خلقَ السيد سلمان من نور نوره، وجَعلهُ بابه وحامل كتابه...).
- في(سوسنة سليمان) نرى شيئاً مغايراً (الإلوهة لها اسم ومعنى، أي ظاهر وباطن. فالظاهر: هو أحرف معدودة تشير إلى أشخاص معلومة ؛ لأنّ الله اسم والاسم يحتوي على ثلاثة أحرف، وهي: الألف، والسين، والميم. ويبتدئون بأحرف الاسم من آخره، ويجعلون الميم (محمد) الذي تقرّ بربوبيته الشمالية، س (سلمان الفارسي) هو الباب والحجاب، الألف هو (المقداد بن الأسود) يسمّونه رب الناس).
أي:
م س أ
محمد سلمان مقداد
باب + حجاب
والسؤال المطروح: هل أحرف ع م س، ترمز في الحقيقة إلى علي
ومحمد وسلمان الفارسي؟ أم أنّ هنالك سوء فهم للمقصود من رمز هذه الأحرف، وقعَ فيه هؤلاء فراحوا يتخبّطون على غير هدى؟
لا يخفى على المطّلع أنّ من العلوم الكثيرة التي عَرفتها الحضارة العربية عِلماً فذّاً هو: علم الحروف. وحدود هذا العلم كثيرة، بيّنها جابر بن حيَّان (ت 180هـ) في (كتاب الحدود)، ومنها: حد علم الحروف الروحاني، بما أثر له من النور والظلمة، بكونها أشكالاً لهما على حق وجودها بالتأثير وأصدقه.
وللفارابي كتاب باسم (كتاب الحروف) يتطرّق فيه إلى مسألة اللغة الفلسفية ومصطلحاتها، ويبحث عن أصل اللغة وعلاقتها بالفلسفة والدين، وعلاقة الدين بالفلسفة.
وفي علم الحروف، كتبَ جابر بن حيَّان وخصّص (كتاب الماجد) للحديث عن أحرف: ع م س. مع الإشارة إلى أنّ ابن حيَّان - من كبار الشيعة وأحد الأبواب(1) - ولِدَ ومات قبل أن يظهر اصطلاح النصيرية بمئات السنين، وهذا نصّ ما كتبهُ جابر في (كتاب الماجد):
(إنّ الماجد هو الذي قد بلغَ بنفسه وكدّه وكدحه من العلم إلى منزلة الناطقين فصارَ ناطقاً ملاحظاً للصامت، وصارت منزلته من الصامت منزلة السين من الميم، وذلك على رأي أصحاب العين، لا على رأي أصحاب السين.
وأمّا على رأي أصحاب السين، فكمنزلة العين من السين، على الخلاف الذي يقتضيه اختلاف المذهبين. وذلك أنّ رأي أصحاب العين لا يحتاج أحد، فهم في ذلك إلى فرق. فأمّا أصحاب السين، فيحتاجون إلى فرق ؛ لأنّ أصحاب السين لا يقولون: إنّ الماجد هو بمنزلة العين من الميم، والعين لم تزل مقدّمة للميم وعاطفة لها إلى ذاتها ومشبّهة لها بذاتها، بحيث ما في قوّة الميم من ذلك التشبيه، ولذلك فأجازَ انعطافها ورجوعها إلى ذاتها، فصارت بعد أن كانت لأجل جذب العين لها وتشبيهها لها بالذات.
____________________
(1) ابن النديم: الفهرست.
وذلك لطول الصحبة وكثرة التجاور.
والماجد فليس هذه حاله، بل بحيث كونه أفضل بكثير من الميم، إذ قد بلغَ منزلة الميم من غير مجاورة للعين ولا مراعاة منها لها، ولا ألفة ولا صحبة ولا تقويم ولا رجوع وتشبّه بالعين، إلاّ في الفضيلة التي بلغها بنفسه، ولا بتثقيف مثقّف ولا تقويم مقوّم.
إذا ثبتَ هذا، وكان أيضاً الماجد ثلثاه ظلماني وثلثه نوراني، وكان الميم ربعه ظلماني، وهذا الفرق يشترك في الحاجة إليه أصحاب العين وأصحاب السين، وينفرد أصحاب السين بالفرق الآخر الذي يستغني عنه أصحاب العين. وفي هذا يا أخي - وحق سيدي - معجزة عظيمة من معجزات العين، وهي الفارقة بين حقّه وباطل غيره إن فطنتَ لها ؛ وذلك أنّ السين مستقى من العين، وإنّما ظهر له، ظهر ممّن نسبَ إليه ما هو للعين، لما أخذَ من أنواره وضعفت تلك الأبصار عن إدراك علّة تلك الأنوار - تعالت واستعظمت - وأكثرت من أنوار السين، وإنّما هي أمدّت الميم لما رأت من ظلمة الميم.
وذهبَ في ذلك إلى رأيٌ نجومي فلسفي طبيعي. وذلك أنّهم لمـّا رأوا الظلمة في الميم ظاهراً، قالوا: إنّ ما جاء فيه من أجزاء النور الظاهرة والمتضاعفة ليس له من ذاته ؛ لأنّ الذات الواحدة الطبيعية لا يكون فيها فعلان متضادان، فقالوا: إنّ السين تجدها لما رأوا من قلّة تلك الأجزاء الظلمانية في السين ؛ وذلك أنّ جزءها الظلماني لا حركة له، فهو فيها خفي جداً ؛ لأنّه مشابه في الصورة لأعظم الأنوار قدراً، وهي الهمزة الفاعلة للحروف التي هي العين الأولى، وهي البسيط الأول لأجل الاختراع والنطق الشريف الفاضل. فاعلم ذلك فإنّه - وحقّ سيدي - أصول هذا العلم الذي به علونا على طبقات الناس ولحقنا بالسادة علينا صلواتهم.
وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لك في هذه، فقد عكسَ أصحاب السين مع فضله ومنزلته من العين أمر العين كلّه، وهم عند أنفسهم له مستنرون، وكذلك أكثر هذا الأمر - يا أخي - ولنا في ذلك كلام يطول، فليؤخذ من أحق الأماكن به من هذه الكتب وغيرها ؛ فإنّا إنّما نذكر في هذا الكتاب ما يكون سلّماً ومرقاة إلى ما نأتي به بعده من هذه العلوم اللاهوتية.
فإذا كان ما ذكرناه بيّناً، فمعجزة العين في هذا القول العظيمة هي: أنّ
الفرق لازم له ولهم، ولم يجز أن يلزمه دونهم ؛ لأنّ في ذلك وقوع الشبهة لغلبة الهوى، غير أنّ ما لزمهم من الفرق لما شاركهم في لزومه بعينه له اتّضح وجهه ؛ إذ كانت أنواره مضيئة مبيّنة لكلّ شكل.
والفرق الذي اختصّوا به دون العين، إنّما أُريد بالعين والسين أصحابهما ؛ لأنّ الخطأ الصواب واقع في هذا المذهب من التلاميذ والأصحاب، فاعلم ذلك، إذ لم يتّجهوا فيه إلى فضل، بل أظلم عليهم فلم يكن له وجه. فظاهر الفرق اللازم لهما - الذي اشتركا فيه - أعظم وأفحش وأصعب في ظاهر أمره من الفرق الذي اختصّت به أصحاب السين، مع كونه بالعكس ؛ وذلك أنّ الصحبة والألفة في ظاهرها أقرب فرقاً من تضاعف الحروف الظلمانية وتضاعف الحروف النورانية ؛ وذلك أنّ تضاعف هذه يقتضي بياناً طبيعياً، وليس الصحبة والمجاورة بمقتضية لأمثاله على كل وجه، فلو اقتضته لكان اقتضاؤها إياه دون اقتضاء الحروف لِما تقتضيه ؛ وذلك أنّ الأمور العرضية لا محالة لا تزن شيئاً عند الأمور الطبيعية.
ونحتاج أن نقول: كيف ذلك؟
فأقول: إنّ الفرق اللازم للجميع العظيم الظاهر، الذي إنّما فعله قصداً في إنارة كشفه أنوار العين النصية إلى أصحابه وتلاميذه وأبوابه هو: أنّ الميم فيه حرف واحد ظلماني، وفي الماجد حرفان ظلمانيان، وفي السين - الذي الماجد بمنزلته - حرف واحد خفي.
فالذي لزمَ أصحاب العين من هذا الفرق أن يقولوا قولاً سهلاً، وهو: أن يبيّنوا أنّ الماجد لا متشبّه بالسين، قابلاً عن الميم، لم يكن به أن يقصر عن ذات الميم إذا كان قابلاً عن قابل، والقابل الأول لابدّ أن يقصر عن المعطي الذي يعطيه ؛ لأنّه إذا كان مثله كان قولهما عن واحد، ولم يحتج الثاني إلى واسطة إذا كان قبوله كقبول القابل الأول، فلو لم يحتج إلى واسطة لكان قابلاً عن المعطي الذي قبلَ عنه الأول الذي صار هو قابلاً عنه.
وهذا كلّه محال، فاعلم ذلك، ولذلك صارَ في الماجد من حروف الظلمة حرفان (في الماجد)، وكان في الميم الذي عنه قبل وبه تشبّه حرف واحد. وأمّا السين التي صار بمنزلتها من الميم ؛ فإنّ السين لأجل طول الصحبة والمجاورة لم يجز أن تكون
كالماجد، بل كان حرفها الظلماني وسيطاً خفيَّاً ساكناً، ولا تبيّن فيه حركة تشبه في شيء من أحواله وحيثما وقعَ من المواضع، ولذلك صارَ حيناً واحداً نجمياً. فافهم هذا ؛ فإنّه من الأسرار العجيبة والرموز الظريفة.
واتضح الفرق على رأي أصحاب العين، وصحّ التشبيه والتمثيل على رأي أصحاب السين. فإنّ العين نوراني كلّه، والميم ظلماني في الربع الأخير، فهو في الجملة لا يصح عليه القضاء ؛ وذلك أنّ القضية كانت أنّ الماجد أفضل من الميم، إذ بلغَ ما بَلَغته بنفسه وذاته بغير صحبة ولا جذب، وكذلك يجب أن يكون الرأي الآخر إذا أُضيف إلى السين.
فهذا ما لا فرق فيه بين القولين، والذي يحتاج إلى الفرق الصحبة، ولا صحبة. فإذا كان هذا محتاجاً إلى الفرق حاجة ضرورية، وقد بيّنا أنّ فصل المنزلتين أنّ هذا أبلغ منزلة بغير الصحبة التي كانت للميم والسين، غير أنّ الميم أطول صحبة وأكثر أُنساً ومجانسة من السين في ظاهرها، فلنقل في هذا قولاً قليلاً ؛ فإنّه موضع صعب جداً:
وذلك أنّ الماجد لابدّ أن يكون بالطبع أقرب مجانسة من السين والميم جميعاً، وأتم قبولاً عن العين، غير أنّه يكون بعيد المكان. ولولا ذلك ما جاز أن ينال منزلة مَن له الصحبة والمجاورة مع بُعد الدار وقلّة الأنس والاختلاط، ولذلك وجبَ أن يكون أفضل. لكنّ القول بأنّه أفضل من الميم مع ما في الماجد من كثرة أجزاء الظلمة وقلّتها في الميم، فأقول: إنّ الأمر في ذلك بيّن جداً، وهو مبرهن من كلام المنجّمين والطبيعيين جميعاً إن فهمتَ ذلك، إنّ الدال حرف ظلماني في الميم وهي بعينها في الماجد).
وإذاً، فإنّ أحرف: ع م س، لا تدل على علي ومحمد وسلمان كما توهّم الذين كتبوا عن النصيرية، بل هي من علم أسرار الحروف.
الخلاصة:
إنّ أقوال المؤرّخين المحدَثين عن النصيرية، كأقوال المؤرّخين الأقدَمين عنها، مستقاة من أقوال مجهولين، فضلاً عن أنّها غير مؤيّدة بدليل من كتب النصيرية، حتى يمكن الوثوق بها وأخذها بعين الاعتبار.
فالشهرستاني الذي قال: (وشرطي على نفسي أن أُورد مذهب كلّ فرقة على ما وجدتهُ في كتبهم، من غير تعصّب لهم)، لم يتقيّد بهذا الشرط، فهو لم يذكر اسم كتاب واحد من كتب النصيرية، أو اسم رجل من رجالاتهم نقل عنه.
وكذلك بالنسبة إلى الشخص المجهول الذي توجّه بالسؤال إلى ابن تيمية، فلا نعرف مَن هو، ولا من أين استقى معلوماته؟
ومحمد فريد وجدي - الذي كتبَ عن النصيرية في(دائرة معارف القرن العشرين) - نقلَ ما كتبه عن مقالٍ منشور في جريدة الأهرام بتوقيع (فاضل من اللاذقية)... إلخ.
والاعتماد على أقوال مجهولين أدّى إلى هذا التناقض في الأقوال على النحو الذي بيّناه، إذ لو كانت تلك الكتابات مستندة إلى أصول حقيقية لمـَا وقعَ هذا التناقض.
وبعد أن عَرضنا لمختلف أقوال الأقدَمين والمحدَثين عن النصيرية، نستطيع أن نقول: إنّ النصيرية ليست فرقة خاصة، أو مذهباً جديداً، وإنّ هذا الاسم هو أحد النعوت التي أُلصقت بالشيعة الإمامية الاثني عشرية لغايات معيّنة، وأدلّتنا على ذلك كثيرة، وكثيرة جداً، منها:
1 - الأحاديث التي أوردها الشهرستاني على لسان النصيرية، هي أحاديث ترويها الشيعة في كتبها مروّية عن ألسِنة أكابر رجالات المذهب، ممّن فتقوا الكلام في الإمامة.
2 - أوضح دليل على أن النصيرية نعت للشيعة الإمامية، ما ذكره
القلقشندي عن النصيرية من أقوال،منها :
- (إخفاء مقالتهم). هذه العبارة تفيد معنى (التقية)، لكنّ صاحب (التعريف بالمصطلح الشريف) - الذي نقلَ عنه القلقشندي هذه العبارة - لم يذكر كلمة تقيّة صراحة، وإنّما عبّرَ عنها بصيغة تحمل معناها.
والشيعة تقول بالتقية، متأثرين في ذلك بما نُقلَ عن الأئمة آل البيت، قال الإمام جعفر الصادق: (التقيةُ دين الله، والتحصّن سيفه، ولولاهما ما عُبد الله).
وعنه أيضاً: (ما عُبد الله بأحسن من التقية)(1) .
وعنه أيضاً: (فإنّ أبي كان يقول: وأيّ شيء أقرّ للعين من التقية، إنّ التقية جنّة المؤمن، ولولا التقية ما عُبد الله)(2) .
ومنها:
- القول: (ولهم خطاب بينهم، مَن خاطبوه به لا يعود يرجع عنه، ولا يذيعه ولو ضربَ عنقه) هذا الخطاب هو (سرّ آل محمد). جاء في وصايا أمير المؤمنين عليعليهالسلام : (مَن أذاعَ سرّنا أذاقهُ الله بأس الحديد)(3) ، وقال أيضاً في وصية كميل بن زياد: (يا كميل، إذاعة سرّ آل محمد لا يقبل منها ولا يحتمل أحد عليها، وما قالوه فلا تُعلّم إلاّ مؤمناً موفّقاً)(4) .
وقال الصادقعليهالسلام في وصيته لأبي جعفر محمد بن النعمان الأحول: (المذيع علينا سرّنا كالشاهر بسيفه علينا، رحمَ الله عبداً سمعَ بمكنون علمنا فدَفنهُ تحت قَدميه)(5) .
____________________
(1) الحِكم الجعفرية.
(2) ابن شعبة الحراني: تُحف العقول عن آل الرسول.
(3) ابن شعبة الحراني: تحف العقول عن آل الرسول.
(4) المرجع السابق.
(5) المرجع السابق.
وقال أيضاً: (إنّ المذيع ليس كقاتلنا بسيفه، بل هو أعظم وزراً، بل هو أعظم وزراً، بل هو أعظم وزراً)(1) .
وعقيدة الشيعة في التقية، استغلّها مَن أراد التشنيع على الشيعة، فجعلوها من جملة المطاعن فيهم(2) .
وكذلك:
- القول: (علي في السحاب)....
3- القول باعتقاد النصيرية باثني عشر نقيباً، وبخمسة أيتام.
فالاثنا عشر نقيباً هم الأئمة الاثنا عشر، والاعتقاد بهم هو اعتقاد الشيعة الإمامية، عن الشعبي عن مسروق قال: (بينا نحن عند ابن مسعود نعرض عليه مصاحفنا، إذ قال له فتى: هل عهدَ إليكم نبيكم كم يكون من بعده خليفة، قال له: إنّك لَحَديث السِن وإنّ هذا الشيء ما سَألني عنه أحد قبلك! نعم، عهدَ إلينا (صلّى الله عليه وسلّم) أنّه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل)(3) .
وقال الصادقعليهالسلام (4) : (روى بإسناد صحيح سلمان الفارسي (رضي الله عنه) قال: دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، فلمّا نظرَ إليّ قال (صلّى الله عليه وسلّم): (يا سلمان، إنّ الله عزّ وجلّ لن يبعث نبياً ولا رسولاً إلاّ وله اثنا عشر نقيباً.
قال: قلت: يا رسول الله، عرفتَ هذا من أهل الكتابين؟
قال: يا سلمان، هل عرفتَ نقبائي الاثنا عشر الذين اختارهم الله تعالى للإمامة من بعدي؟
فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: يا سلمان، خَلَقني الله تعالى من صفوة نوره ودعاني فأطعتهُ، فخلقَ من نوري علياً ودعاه فأطاعه، فخَلقَ من نوري ونور علي فاطمة، ودعاها
____________________
(1) المرجع السابق.
(2) عقائد الإمامية: محمد رضا المظفر.
(3) المضامير: عبد الحسين الصادق.
(4) مصباح الشريعة: جعفر الصادق.
فأطاعته، فخلقَ مني ومن علي وفاطمة الحسن والحسين، فدعاهما فأطاعاه. فسمّانا الله تعالى بخمسة أسماء من أسمائه، فالله تعالى المحمود وأنا محمد، والله العلي وهذا علي، والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين. وخلقَ من نور الحسين تسعة أئمة فدعاهم، فأطاعوه من قبل أن يخلق الله تعالى سماء مبنية، وأرضاً مدحية، أو هواء، أو مَلكاً، أو بشراً. وكنّا أنواراً نسبّحهُ ونسمع له ونطيع.
قال: فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما لِمن عرفَ هؤلاء حقّ معرفتهم؟
فقال: يا سلمان، مَن عَرفهم حقّ معرفتهم واقتدى بهم، فوالاهم وتبرّأ من عدوّهم، كان - والله - منّا، يرد حيث نرد ويَكُنُّ حيث نُكِنُّ. فقلت: يا رسول الله، فهل إيمان بغير معرفتهم بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: لا يا سلمان. قلت: يا رسول الله، فأنّى لي بهم. فقال (صلّى الله عليه وآله سلّم): قد عرفتَ إلى الحسينعليهالسلام ؟ قلت: نعم.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (ثمّ سيد العابدين علي بن الحسين، ثمّ ابنه محمد بن علي، باقر علم الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، ثمّ جعفر بن محمد لسان الله الصادق، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبر في الله تعالى، ثمّ علي بن موسى الرضا الراضي بسرّ الله تعالى، ثمّ محمد بن علي المختار من خلق الله، ثمّ علي بن محمد الهادي إلى الله، ثمّ الحسن بن علي الصامت الأمين على سرّ الله، ثمّ م ح م د سمّاه بابن الحسن الناطق القائم بحق الله تعالى).
قال سلمان: فبكيتُ ثمّ قلت: يا رسول الله، إنّي مؤجّل إلى عهدهم؟
قال: يا سلمان، اقرأ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مّفْعُولاً * ثمّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ) .
قال (رضي الله عنه): فاشتدّ بكائي وشوقي، قلت: يا رسول الله، أبعهدٍ منك.
قال: إي والذي بَعثني وأرسلني لبعهدٍ مني، وبعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وتسعة أئمة من ولد الحسينعليهمالسلام ، وبك، ومَن هو منّا ومظلوم فينا، وكلّ مَن محضَ الإيمان محضاً. إي والله يا سلمان، ثمّ ليحضرنّ إبليس وجنوده وكلّ مَن محضَ الكفر محضاً، حتى يؤخذ بالقصاص والأوتار والتِرات، ولا يظلم ربّك أحداً، ونحن تأويل هذه الآية:( وَنُرِيدُ أَن
نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) .
قال سلمان: فقمتُ من بين يدي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما يبالي سلمان كيف لقي الموت أو لقاه).
4 - إنّ الحسين بن حمدان الخصيبي - الذي يعتبره الكثيرون شيخ النصيرية - هو أحد المصنّفين في فقه الإمامية.
5 - يستفاد من أقوال المؤرّخين حول الحملة الكسروانية التي جرت سنة 705هـ - بتحريض من ابن تيمية - أنّه (رفعت أيدي الرافضة) من تلك الجبال.
والرافضة: لقب عُرِفت به الشيعة فقط من بين مختلف المذاهب الإسلامية.
6 - الأيتام الخمسة هم: المقداد بن أسود الكندي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وعثمان بن مظعون النجاشي، وقنبر بن كادان الدوسي، هم من أعيان صحابة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن رجال الشيعة الأوائل.
وكان الغرض من إطلاق اسم (نصيرية) على الشيعة الإمامية: الطعن في الشيعة والتشكيك في عقيدتها، وتشويه سمعة التشيّع وحشر الأباطيل في تعاليمه، وإدخال المنتسبين إلى الشيعة في عداد الفِرَق الضالّة. وهذا ما يفسّر التفنّن في تقسيم الشيعة إلى عدد كبير من الفِرَق، أوصلها البعض إلى أكثر من ثلاثمئة فرقة. وهذا ما يفسّر - أيضاً - الطعن في رجالات الشيعة واتهامهم بالغلو والإلحاد، خدمة لأغراض السياسة، وقد بيّنا نوعية هذه الاتهامات، وتحدّثنا عنها وعن جذورها التاريخية.
ولأنّ هناك بعض نقاط التشابه ما بين أقوال الشيعة وأقوال
الإسماعيلية، فإنّ المؤرّخين القدامى عندما تحدّثوا عن النصيرية، خلطوا ما بينها وبين الإسماعيلية من حيث لا يدرون، وجاراهم في ذلك أغلبية المؤرّخين المعاصرين.
* * *
النصيريةُ بين الغنوصية والعلي الَّهية والبكتاشية
تحت تأثير كتابات المستشرقين عن الفِرق الإسلامية، أخذنا نقرأ كلمات تَعتبر (غلاة الشيعة) من الغنوصية، كما نقرأ كلمات تَعتبر النصيرية هي (العلي الَّهية).
وهذا يحتّم علينا البحث في الغنوصية، والعلي الَّهية، ونقارن ما بين أقوال كلّ منهما مع أقوال النصيرية.
الغنوصية:
من المصطلحات التي دخلت إلى لغتنا العربية، وشاعَ استعمالها في الكتابات الفلسفية بخاصة، مصطلح غامض، هو غنص (gnose ) وغنوصية (gnostieisme ).
وكلمة(غنص) : تعني في اللغة العربية ضيق الصدر، ويبدو أنّ العاملين في مجالَي الثقافة والفكر عندنا، عجزوا عن إيجاد ما يقابل كلمة (gnose ) و(gonstieisme )، فنقلوها إلى لغتنا العربية بلفظها الأجنبي.
ونظراً لعدم اتفاقهم على صيغة واحدة لهذه الكلمة، فقد تعدّدت
مترادفاتها التي تؤدي إلى معناها: غنوصية، غنوتيسية، غنوستيسية، غنوسطية، الأدرية، العرفانية، الإشراقية أو اللاأدرية، المعرفة، مذهب العرفان...
وغنوص وغنوصية، هي الأكثر استعمالاً.
وكان الدكتور حسن إبراهيم ومحمد زكي إبراهيم، أول مَن تحدّثا عن الغنوصية من المؤلّفين العرب، وذلك في هامش الصفحة (75) من الترجمة العربية لكتاب فان فلوتن (السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات) المطبوع في سنة 1934م. بَيْد أنّهما لم يستعملا لفظة غنوصية، في مقابل كلمة (gnostieisme )، بل ترجما هذه الكلمة بمعنى (الإشراقية أو اللاأدرية). أمّا أول مَن استعملَ لفظة (غنوطسية)، فهو محمد عبد الهادي أبو ريدة، في هامش الصفحة (12) من الترجمة العربية لكتاب دي بور (تاريخ الفلسفة في الإسلام) المطبوع سنة 1938م.
وإذا تتبّعنا أقوال مؤلّفينا عن الغنوصية، رأيناها تبتعد عن بعضها البعض، وتختلف اختلافاً كبيراً، بحيث يبدو مصطلح (غنوصية) لِمن يقرأ هذه المؤلّفات، غامضاً، مبهماً، ويطول بنا الحديث، إذا تتبّعنا كلّ ما كُتب عن الغنوصية. لذلك سنكتفي بما ذكرَ عنها في المعاجم والموسوعات العربية اختصاراً للوقت.
* يقولمجدي وهبه في (معجم مصطلحات الأدب):
(الغنوصية: مذهب تلفيقي يجمع بين الفلسفة والدين، ويقوم على أساس فكرة الصدور ومزج المعارف الإنسانية بعضها ببعض، ويشتمل على طائفة من الآراء المضنون بها على غير أهلها، وفيه تلتقي الأفكار القبالية بالأفلاطونية الحديثة، وبعض التعاليم الشرقية: كالمزدكية، والمانوية، وكان له أثره في التفكير الفلسفي في المسيحية والإسلام).
* ويقولمحمد شفيق غربال في (الموسوعة العربية الميسّرة):
(غنوصية نسبة إلى غنوصيص، أي المعرفة. وهي حركة فلسفية ودينية نشأت في العصر الهلينستي، وأساسها: أنّ الخلاص يتمّ بالمعرفة أكثر ممّا يتمّ بالإيمان والأعمال الخيّرة. ويقول الغنوصيون بالثنائية، أي بالتمييز بين الخير والشر، المعتبرين عنصرَين أساسيين للوجود، وأدمجوا في تعاليمهم شيئاً من السحر والشعوذة.
تأثّرت بالغنوصيين بعض الفِرَق اليهودية، مثل: الأسينيين الذي رفضوا فكرة الإله العادل، واستبدلوا لها الحكمة الإلهية. ونبذت الغنوصية المسيحية الأولى الأُسس اليهودية للمسيحية، وكذلك العهد القديم، ونادت في القرن الثاني بأنّ الخلاص يتم عن طريق الحكمة (صوفيا)، وقسّمت الناس إلى ثلاث طبقات: الغنوصيون وخلاصهم مضمون، والمسيحيين غير الغنوصيين، ويمكنهم أن يُخلصوا أنفسهم بالإيمان، ومَن عدا هؤلاء وأولئك هالكون.
وانتهى الأمر بالغنوصية إلى إدماجها في المانوية، بقية من الغنوصية استمرّت إلى اليوم. كان للغنوصية أثرها في المسيحية، فقد حَملتها على تجديد العقيدة ومحاربة الهرطقة والإلحاد. ومعلوماتنا عن الغنوصية مستمدّة في أغلبها من نصوص قبطية وجِدت بنجع حمادي، وبعض كتب الحكمة المستمدّة من السودييروفا).
* وعن الغنوصية، يقول الدكتورجميل صليبا في (المعجم الفلسفي):
العرفان: هو العلم بأسرار الحقائق الدينية، وهو أرقى من العلم الذي يحصل لعامة المؤمنين أو لأهل الظاهر من رجال الدين. والعرفاني (gnostique ): هو الذي لا يقنع بظاهر الحقيقة الدينية، بل يغوص على باطنها لمعرفة أسرارها: كالعارفين من اليهود، والأفلوطينيين، والمسيحيين وغيرهم. وهم خمس فِرق: 1 - الفلسطينيون، 2 - والسريانيون، 3 - والمصريون، 4 - والآسيويون، 5 - وأنصار الأفلاطونية الحديثة الذي أخذوا بنظرية
التوفيق بين العقائد المختلفة.
ويُطلق اسم العرفانية أو الغنوصية (gnostieisme ) على المذهب الذي انتشرَ في القرنين الثاني والثالث للميلاد، وامتدّ بطريق الأفلاطونية الحديثة إلى فلاسفة الإسلام، وخلاصته: أنّ العقل البشري قادر على معرفة الحقائق الإلهية، وأنّ الحقيقة واحدة وإن اختلف تعليمها، وأنّ الموجودات فاضت عن الواحد ولها مراتب مختلفة أعلاها مرتبة العقول المفارقة، وأدناها مرتبة المادّة التي هي مقرّ الشر والعدم.
أمّا النفس التي هبطت إلى هذا العالم، فإنّه لا خلاصَ لها إلاّ بالمعرفة، بل الخلاص بالمعرفة أفضل من الخلاص بالإيمان والأعمال الصالحة. ومع أنّ بعض العرفانيين يقولون بالاثنينية ويمزجون تعليمهم بشيء من الوهم والخيال، فإنّ العرفانية المسيحية تقول: إنّ الخلاص لا يتم إلاّ بطريق الحكمة. وللناس في نظرهم ثلاث مراتب: أولاها مرتبة العارفين وخلاصهم بالحكمة، وثانيتها مرتبة المؤمنين وخلاصهم بالإيمان، وثالثتها مرتبة الجهّال وهم هالكون لا محالة. وكلّ مذهب يزعم أنّه يمكن تفسير حقائق الوجود تفسيراً عقلانياً فهو مذهب عرفاني...).
ولمـّا كان ثَمَّة مَن يشير صراحة إلى أنّه تلتقي في الغنوصية الأفكار القبالية بالأفلاطونية الحديثة، وبعض التعاليم الشرقية: كالمزدكية، والمانوية، فقد باتَ من الضروري الوقوف عند أقوال كلّ من: المزدكية، والمانوية، والأفلاطونية الحديثة، ومقارنتها بأقوال الغنوصيين للتثبّت من صحّة هذا الزعم.
المانوية:
أهم مرجع في العربية عن المانوية هو:(الفهرست) لابن النديم (ت 483هـ)، الذي بسطَ القول في هذا المذهب، وفصّله تفصيلاً وافياً.
وابن النديم يسمّي مذهب ماني (المنانية)، وهو ينقل ما كتبهُ عن هذا المذهب عن محمد بن إسحاق، قال ماني: إنّ مبدأ العالَم كونين: أحدهما
نور، والآخر ظلمة، كلّ واحد منهما منفصل عن الآخر. فالنور هو العظيم الأول ليس بالعدد، وهو الإله ملك جنان النور، وله خمسة أعضاء: الحلم، والعلم، والعقل، والغيب، والفطنة. وخمسة أُخر روحانية، وهي: الحب، والإيمان، والوفاء، والمروءة، والحكمة. وزعمَ أنّه بصفاته هذه أزلي. ومعه شيئان اثنان أزليان: أحدهما الجو، والآخر الأرض. وأعضاء الجو خمسة: الحلم، والعلم، والعقل، والغيب، والفطنة. وأعضاء الأرض: النسيم، والريح، والنور، والماء، والنار.
والكون الآخر هو الظلمة، وأعضاؤها خمسة: الضباب، والحريق، والسموم، والسم، والظلمة. وذلك الكون النيّر مجاور للكون المظلم، ولا حاجز بينهما، والنور يلقي الظلمة بصفحته، ولا نهاية للنور من علوه، ولا يمنته، ولا يسرته، ولا نهاية للظلمة في السفل، ولا اليمنة، ولا اليسرة.
ومن تلك الأرض المظلمة كان الشيطان، فلمّا تكوّن هذا الشيطان من الظلمة تسمّى إبليس القديم:ازدرد، واسترط، وأفسد، ومرّ يمنة ويسرة، ونزلَ إلى السفل في كل ذلك يُفسد ويُهلك مَن غالَبه. ثمّ إنّه رامَ العلو فَعلِمت الأرض النيّرة بأمر الشيطان، وما هم به من القتال والفساد. فلمّا عَلِمت به، عَلِم به عالم الفطنة، ثمّ عالم العلم، ثمّ عالم الغيب، ثمّ عالم العقل، ثمّ عالم الحلم، ثمّ عَلم به ملك جنان النور فاحتالَ لقهره، وأراد أن يتولّى ذلك بنفسه فأولدَ - بروح يمنته، وبخمسة عاليه وبعناصره الاثني عشر - مولوداً، هو الإنسان القديم، ونَدَبه لقتال الظلمة. وتدرّع الإنسان القديم بالأجناس الخمسة، وهي الآلهة: النسيم، والريح، والنور، والماء، والنار، واتّخذهم سلاحاً. وعمدَ إبليس إلى أجناسه الخمسة، وهي: الدخان، والحريق، والظلمة، والسموم، والضباب، فتدرّعها وجعلها جنّة له ولقيَ الإنسان القديم. فاقتتلوا مدّة طويلة، واستظهرَ إبليس القديم على الإنسان القديم واسترط من نوره، وأحاطَ به مع أجناسه وعناصره، وأتبعهُ ملك جنان النور بآلهة أُخر (حبيب الأنوار) واستنقذه واستظهرَ على الظلمة. فلمّا شابك إبليس القديم بالإنسان القديم بالمحاربة، اختلطَ من أجزاء النور الخمسة بأجزاء الظلمة الخمسة، وأمرَ ملك عالَم النور بعض ملائكته بخلق هذا العالَم وبنائه من تلك الأجزاء الممتزجة، لتخلّص تلك الأجزاء النورية من الأجزاء الظلمية، فبنى عشر
سماوات وثماني أرضين، ووكل مَلكاً يحمل السماوات، وآخر يرفع الأرضين. وجعلَ لكل سماء أبواباً اثني عشر، كل واحد من الأبواب بإزاء صاحبه وقبالته، ووصلَ الجو بأسفل الأرضين على السماوات، وجعلَ حول هذا العالم خندقاً، ليطرح فيه الظلام الذي يستصفى من النور، وجعلَ خلف ذلك الخندق سوراً لكي لا يذهب شيء من تلك الظلمة المفردة عن النور.
وبحسب شريعة "ماني" ينبغي للذي يريد الدخول في الدين أن يمتحن نفسه، فإن رآها تقدر على قمع الشهوة والحرص، وترك أكل اللحمان، وشرب الخمر والتناكح، وتركَ أذية الماء والنار والسحر والرياء، فليدخل الدين. وإن لم يقدر على ذلك كلّه، فلا يدخل في الدين. وإن كان يحبّ الدين ولم يقدر على قمع الشهوة والحرص، فليغتنم حفظ الدين والصدّيقين، ولكن له بإزاء أفعاله القبيحة أوقات يتَّجر فيها للعمل والبرّ والتهجّد والمسألة والتضرّع، فإنّ ذلك يقنعه في عاجله وآجله، ويكون صورته الصورة الثانية في المعاد.
وقد فرضَ "ماني" على أصحابه عشر فرائض على السماعين ويتبعها ثلاث خواتيم، وصيام سبعة أيام أبداً في كل شهر. فالفرائض هي الإيمان بالعظائم الأربعة: الله، ونوره، وقوّته، وحكمته. فالله جلّ اسمه ملك جنان النور، ونوره الشمس والقمر، وقوّته الأملاك الخمسة، وهي: النسيم والريح والنور والماء والنار. وحكمته الدين المقدّس، وهو على خمسة معانٍ: المعلّمين أبناء الحلم، المشمسين أبناء العلم، القسّيسين أبناء العقل، الصدّيقين أبناء الغيب، السمّاعين أبناء الفطنة. والفرائض العشر: ترك عبادة الأصنام، ترك الكذب، ترك البخل، ترك القتل، ترك الزنا، ترك السرقة، وتعليم العِلل والسحر، والقيام بهمَّتين: وهو الشك في الدين والاسترخاء والتواني في العلم.
المزدكية:
وهم أصحاب مزدك، أمرَهم بتناول اللذات والانعكاف على بلوغ الشهوات والأكل والشرب والمواساة والاختلاط، وترك الاستبداد بعضهم
على بعض، ولهم مشاركة في الحرم والأهل، لا يمتنع الواحد منهم من حرمة الآخر ولا يمنعه. ومع هذه الحال فيرون أفعال الخير، وترك القتل، وإدخال الآلام على النفوس، وإذا ضافوا إنساناً لا يمنعوه من شيء يلتمسه كائناً ما كان(1) .
حكى الورّاق(2) : إنّ قول المزدكية كقول كثير من المانوية في الكونين والأصلين، إلاّ أنّ مزدك كان يقول: إنّ النور يفعل بالقصد والاختيار، والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق، والنور عالَم حسّاس والظلام جاهل أعمى، وإنّ المزاج كان على الاتفاق، والخبط لا بالقصد والاختيار، وكذلك الخلاص إنّما يقع بالاتفاق دون الاختيار.
ومذهبهُ في الأصول والأركان أنّها ثلاثة: الماء والأرض والنار. ولمـّا اختلطت حدَث عنها مدبّر الخير ومدبّر الشر، فما كان من صفوها فهو مدبّر الخير، وما كان من كدرها فهو مدبّر الشر. وروى عن مزدك: أنّ معبوده قاعد على كرسيه في العالم الأعلى، وبين يديه أربع قوى: قوى التمييز، والفهم، والحفظ، والسرور. وتلك الأربع يدبّرون أمر العالم بسبعة من ورائهم، وهذه السبعة تدور في اثني عشر روحانيين، وكلّ إنسان اجتمعت له هذه القوى الأربع والسبع والاثنا عشر، صارَ ربّانياً في العالم السفلي وارتفعَ عنه التكليف.
وشتّان ما بين المانوية والمزدكية، فعلى حين أنّ المزدكية مذهب إباحي يَطلق العنان للشهوات ويبيح الزنا، فإنّ المانوية على العكس من ذلك، تقوم على قمع الشهوات وترك التناكح والزنا، هذا إلى جانب الاختلافات الكثيرة الأُخرى.
____________________
(1) ابن النديم: الفهرست.
(2) الشهرستاني: الملل والنحل.
الأفلاطونية الجديدة: Neo – platonistes, Neo-platonisme
الأفلاطونية الجديدة أو الحديثة، أو المحدَثة، أو المستحدَثة: هي محاولة لوضع فلسفة دينية أو دين مفلسف، وهي مذهب قام على أصول أفلاطونية، وتمثّل عناصر من جميع المذاهب: فلسفية ودينية، يونانية وشرقية، بما في ذلك السحر والتنجيم والعرافة(1) . ويمثّل هذا المذهب: نومينوس، أمونيوس، ساكاس، أفلوطين، فرفو ريوس، يا مبليخوس، أبروقلوس.
ويمكن تقسيم فلسفة أفلوطين إلى أقسام:
الأول: نظرية الفيض، النفس الإنسانية، الاتحاد، العالم المحسوس(2) .
وزبدة تعاليم الأفلاطونية الجديدة: أنّ العالَم بما فيه يُشتق من الله ويرجع إليه، وفوق جميع الموجودات يوجد (الواحد)، وليس هو كائن محدود، ولا فكر محدود، ولكنّه شيء فوق الكائنات والأفكار، وبتمخّض داخلي ضروري اشتقّ منه الروح، محور الأفكار الإلهية، ومن الروح انبثقت نفس الكون العامة التي تُحيي وتنظّم وتحرّك سائر الكائنات، وهذه الكائنات تنبثق من الواحد بتمخّض داخلي دائم ؛ لأنّها ليست إلاّ لمعان النفس الإلهية العامة للكون كلّه، وهذه الكائنات تحِن دائماً للرجوع إلى الله، فالامتزاج بذاته الأزلية(3) .
وما دمنا بصدد الحديث عن الأفلاطونية الجديدة، فلابدّ من الإشارة إلى أنّ فكرة الصدور - التي هي فكرة غنوصية شرقية - كانت واسعة الانتشار في عهد أفلوطين، لكن هناك فرقاً بين صدور أفلوطين وصدور الغنوصيين. فالغنوصيون(4) لم يبيّنوا كيفية هذا الصدور، بل عمدوا إلى الرمزية
____________________
(1) يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية.
(2) أحمد أمين وزكي نجيب محمود: قصّة الفلسفة اليونانية.
(3) الأب نعمة الله العنداري: تاريخ الفلسفة العربية.
(4) المرجع السابق.
والأسطورة والتهاويل والتصوّرات الغامضة، إذ هم يشبّهون الصدور بعملية الولادة، ويتحدّثون عنه بتعابير مأخوذة من لغة الولادة، وبهذا تفوّقَ عليهم أفلوطين، فقد استطاعَ أن يبيّن لنا في دقّة وإحكام كيفية صدور الموجودات عن الأول، ونشوء الكثرة عن الواحد، وتسلسل الموجودات بعضها عن بعض، وأن يرتّب ذلك كلّه في نظام منطقي معقول كأنّه نسج واحد محكم الأجزاء(1) .
النتيجة التي نصل إليها، هي: أنّ مؤلِّفينا - وهذا أمرٌ يؤسف له - عندما انبروا للحديث عن الغنوصية، أخذوا أقوال المستشرقين كما هي في مظانّها، وفي دوائر المعارف الأجنبية، ونقلوها على علاّتها من دون تدقيق، ومن دون الوقوف على خلفيات هذه الأقوال والقصد منها، فوقعوا من حيث لا يدرون في أحابيل المستشرقين، وانطلت عليهم مراميهم التي قصدوا منها ربط جذور الفكر العربي - بشتّى مناحيها - بجذور وثنية ويهودية.
عقيدة العلي الَّهية:
يدين بهذه العقيدة أقوام من: كردستان الشرقي، وزهاب، وخوزستان، ونظراً لأنّ هؤلاء يؤلّهون علياً، فقد سُمّيت نِحلتهم بـ(العلي الَّهية).
ويقول هؤلاء(2) : بما أنّ سيدنا جبريل ظهرَ في صورة دحية الكلبي، فإنّ هذا يدلّ على إمكان ظهور الروحانية في ثوب الجسمانية، وصارَ من الجائز أن يحلّ الله سبحانه وتعالى في صورة جسمانية، فحلّ سبحانه وتعالى في جسم سيدنا عليعليهالسلام تفضّلاً منه على الإنسانية.
ويعتقد العلي الَّهية: بأنّ النبي محمداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أُرسل إلى البشر هادياً من قِبل علي، وأنّ القرآن المتداول بين الناس لا يُعتدّ به ؛ لأنّه ليس القرآن الذي أوحاه عليعليهالسلام
____________________
(1) الدكتور محمد عبد الرحمان مرحبا: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية.
(2) محمد أمين زكي بك: خلاصة تاريخ الكرد والكردستان.
إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما يعتقدون: أنّ علياً رُفعَ إلى السماء حتى اندمجَ في الشمس، فلذا يقولون: إنّ الشمس لا تتحرّك ولا تصدر إلاّ بأمر عليعليهالسلام الذي هو عين الشمس، فيطلقون على الشمس (علي الله)، وعلى الفلك الرابع (دلدل)، اسم الجواد الذي كان يركبه سيدنا عليعليهالسلام (1) .
وعندهم قَتل الكائنات الحيّة غير جائز، وأكل اللحوم حرام ؛ لأنّ علياً الله قال: لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات.
وعلى رأي العلي الَّهية: أنّ روح الإلوهية حلّت على التوالي في أبدان بعض الأشخاص مثل: بنيامين، موسى، إلياس، داوود، عيسى، علي وخلفائه: سلمان الفارسي، والإمام الحسين، وهفت تن أي: الرجال السبعة، فما هؤلاء الأشخاص إلاّ أرواح إلهية متجسّدة.
وعندهم غير هذا أولياء كثيرون يعتبرونهم ممثّلين ووكلاء لخالق الكائنات، حيث يقدّسونهم ويقدّمون لهم الطاعات والعبادات.
البكتاشية:
أمّا البكتاشية، فقد اعتُبروا من غلاة الشيعة(2) يؤلّهون علياً، ويذمّون أبا بكر وعمر وعثمان، ويعترفون بالأئمة الاثني عشر، ويبجّلون من بينهم بصفة خاصة الإمام جعفر الصادق، وينظرون بعين الإكبار إلى الشهداء الأربعة عشر وجلّهم من آل علي (معصوم باك) أي: الأطفال الأبرياء الأطهار.
والبكتاشية يجلّون قبور الأولياء، إلى حد أنّهم يضعون الدعاء لهم في مرتبة الشعائر الدينية. وعندهم عقيدة التثليث، وقد أحلّوا فيها علياً مكان
____________________
(1) دبستان مذاهب.
(2) دائرة المعارف الإسلامية، ج7.
عيسى (الله، محمد، علي)(1) ، ومن النادر أن تجد عندهم أسماء أبي بكر وعمر وعثمان. وهم يعتبرون الجنّة والنار من اختراع الفقهاء، ويصومون ثلاثة أيام في رمضان، ولكنّهم يصومون تسعة أيام أخرى في شهر محرّم، وتقول الشهادة لديهم:(لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، وعلي ولي الله) .
وتبيح شريعتهم شرب الخمر، وقد أقرّ مؤتمرهم الكبير المنعقد في سنة 1921، ألاّ تزيد الخمر التي تُشرب قبل النوم عن كمية معيّنة.
ويؤمنون كذلك بتقمّص الأرواح وبأنّ للحيوان روحاً، ويصلّون في مكان خاص ليس بالمسجد (عبادة خانه)، حيث تُشعل (12) قنديلاً رمزاً عن الأئمة، ولا يتوضئون أو يركعون أو يسجدون، بل يجلسون حول الدرويش وينحنون على فترات منتظمة.
على ضوء ما تقدّم، يمكننا القول:
إنّ النصيرية - بالاستناد إلى الأقوال التي وصلتنا عنها - ليس غنوصية ؛ لاختلاف مقالتها عن مقالة الغنوصية. لكنّها تشبه العلي الَّهية في نقطة واحدة فقط هي: القول بإمكان ظهور الروحاني بالجسد الجسماني.
أمّا بالنسبة للبكتاشية، فهناك تطابق شبه تام بين أقوالها وأقوال النصيرية، على الرغم من أنّ البكتاشيين يقولون عن أنفسهم إنّهم سنّيون.
* * *
____________________
(1) مجلّة دراسات عربية: العدد (5)، آذار 1980.
العلويون من خلال آثارهم
العلويون - كأي شعبٍ من الشعوب، أو أُمّة من الأمم - أنتجوا أدباً، شعراً كان أو نثراً، ضمنوه تاريخهم ومعتقداتهم، وقد رجعنا إلى كتاباتهم لنتعرّف منها على تاريخهم وأصلهم ومعتقداتهم:
1 - النثر:
وأوّل دراسة عن العلويين بقلم أحد رجالاتهم وصلت إلينا، هي ما كتبه محمد أمين غالب الطويل في كتابه الموسوم (تاريخ العلويين)، الذي نَشره أولاً باللغة التركية قبل عام 1919م، ثمّ نُشر ثانية باللغة العربية سنة 1925م.
وأوّل ما يلاحَظ: أنّ الأستاذ الطويل استعملَ كلمة علوي وشيعي ونصيري بمعنى واحد، وهذا ما يتّضح من فصول الكتاب التي تحدّث فيها عن: الإمام عند العلويين، ودولة الفاطميين العلوية، ودولة بني حمدان العلوية، وحكومة التنوخيين العلوية، وإبراهيم باشا المصري وتأثيره على العلويين، و...
ويبدو جلياً من فصول الكتاب أنّ الطويل حرصَ على توكيد فكرتين رئيسيتين هما: عروبة العلويين، وإسلاميَّتهم.
وحرصه على توكيد عروبة العلويين، جعلهُ يقصر كتابه على (العلويين
العرب نسباً)، وهذا ما عبّر عنه صراحة بقوله في الصفحة (12): (ولكنّني في تاريخي هذا لا أُطلق لفظة العلويين إلاّ على العلويين العرب نسباً (أي النصيرية). أمّا بقية فِرَق الشيعة، فسأطلقُ عليها أسماءها المعروفة المتداولة: كالزيدية، والإسماعيلية، والدرزية وغير ذلك. وفضلاً عن ذلك فتاريخي هذا لا يتناول البحث عن العلويين المنتمين إلى عناصر أخرى غير العناصر العربية، ولو كانت متحدة في عقائدها مع النصيرية: كعَلَويي خراسان وفارس، وعَلَويي الأتراك القاطنين في أذربيجان والألبانيين الطوسقة، وعلويي البلغار والروم إيلي وغيرها...).
ويقصد الطويل بالعلويين (العرب نسباً): الفرقة التي تابعت الباب السيد أبا شعيب، كما يستفاد من قوله: (إنّ العلويين بعد الأئمة اتخذوا الباب مرجعاً لهم، ولكنّهم لم يكونوا متّحدين في ذلك، لذلك انقسموا إلى ثلاثة أقسام أساسية هي:
1 - العلويون الذين هم موضوع هذا التاريخ، فهؤلاء بقوا تابعين للباب، أي للسيد أبي شعيب عمر البصري النميري...) ص200.
ويفهم ممّا جاء في (تاريخ العلويين): أنّ العلوية بدأت يوم بيعة غدير خم، وأنّ العلويين هم (عرب خلّص أجدادهم من: بني غسان، والتنوخيين، والفينيقيين من بني قحطان، والمحارزة، والمضرية، وبني ربيعة، ومن بني عدنان، وقليلاً من الجراكسة والأتراك) ص46.
وسبب تسميتهم بالنصيرية هي أنّه: (لمـّا فُتحت جهات بعلبك وحمص، استمدّ أبو عبيدة نجدة، فأتاه من العراق خالد بن الوليد، ومن مصر عمرو بن العاص، وأتاه من المدينة جماعة من العلويين وهم ممّن حضروا بيعة غدير خم، وهم من الأنصار، وعددهم يزيد على أربعمئة وخمسين مجاهداً. ولمـّا وصلت هذه النجدة والتحقت بالجيش، نجحَ نجاحاً جزئياً، فسمّيت هذه القوّة الصغيرة (نصيرة). وإذ كان من قواعد الجهاد تمليك الأراضي التي يفتحها الجيش إلى ذلك الجيش نفسه، فقد سمّيت الأراضي
التي امتلكها جماعة (النصيرة)(جبل النصيرة) : وهو عبارة عن جهات جبل الحلو وبعض قضاء العمرانية المعروف الآن، ثمّ أصبحَ هذا الاسم عَلماً خاصاً لكلّ جبال العلويين من جبل لبنان إلى أنطاكية) ص 87.
وأول ما يلاحظه الباحث المدقّق: أنّ الطويل لم يتحدّث عن عقائد العلويين بشكل مستقل مترابط، وإنّما بثّها هنا وهناك في صفحات الكتاب وهو يعالج فكرة ما.
وما أُورده في هذا الصدد يكفي في إعطاء فكرة مجملة عن عقائد العلويين، ومنها:
1 - يقول العلويون: إنّ إيمان مَن آمنَ من قريش بعد التحاق عليعليهالسلام بالنبي (صلّى الله عليه وسلّم) في قبا غير كامل، وإنّهم يعتبرون العباس نفسه غير كامل الإيمان ؛ لأنّه أسلمَ بعد التحاق عليعليهالسلام بالرسول (صلّى الله عليه وسلّم).
2 - إنّ العلويين لا يُصدّقون إسلام أبي سفيان، وابنه معاوية، وزوجته هند.
3 - يقول العلويون: إنّ أبا سفيان ومعاوية ويزيد هم كرجل واحد، وإنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لعَنهم جميعاً، إذ كان أبو سفيان راكباً حماراً ومعاوية يسوقه من ورائه ويزيد يقوده من أمامه، فقال النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لمـّا رآهم: (لعنَ الله الراكب، والقائد، والسائق).
4 - ليلة الفراش - أي يوم بات علي في فراش الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) - ذات شأن كبير عند العلويين، وهم يقدّسون مثل تلك الليلة في كلّ عام ويحتفلون بها، وكذلك يوم بيعة غدير خم في الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة، أعظم يوم لدى العلويين، وهم ينظرون إليها كأعظم حادثة تاريخية.
5 - يقول العلويون: إنّ الإسلامية لم تقرّر على شكلها المعروف دفعة واحدة، وإنّما كانت ترتّب تدريجاً. فإنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ابتدأ ببيان دعوته تحت طي الكتمان، ولم يبح بها في أول الأمر إلاّ إلى أهل بيته، ثمّ
تدرّج إلى بعض الأفراد، ولم تُعلن كلمة الشهادة إلاّ بعد أن بلغَ عدد المسلمين أربعين، واقتصرَ في أول الأمر على إعلان الشهادة، ثمّ بعض الأحكام من القرآن، وبقيت البقية مخفيّة فلم تُعلن إلاّ تدريجاً وبانتظام تام.
ويقول العلويون أيضاً: إنّه لمـّا أُعلن كمال الإسلام، كان لا يزال بعض العقائد مكتوماً وخفياً، ولذلك بقيَ إلى هذا اليوم مكتوماً لخصوصيته.. وهذا هو تعليل تكتّم العلويين في عقيدتهم.
وهم يقولون أيضاً: إنّ بني هاشم كانوا يَعرفون في زمن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أحكاماً ما كان يعرفها الأمويون، وإنّ أهل البيت تعلّموا علوماً لم يسمعها غيرهم، وهنا مبدأ أسرار العلويين.
6 - أمّ سلمى هي أمّ العلويين، وروايتها أهم مستنداتهم، وكذلك فإنّ أبا ذر من أعاظم الرجال المؤسّسين للعلوية، والعلويون يقدّسونه ويبجّلونه، وكذلك حجر بن عدي الكندي.
7 - يقول العلويون: إنّه عندما استلّ عمر سيفه وقصدَ علياً لحمله على مبايعة أبي بكر، عارَضته فاطمة في الباب ومَنعته من الدخول، لطمَها فكسرَ سوارها وجُرحت أُذنها، وأنّها كانت حامل فولِدت بسبب هذه الحادثة جنيناً لم يُكمل مدّة الحمل وسمّي (المحسن)، ولكنّه توفِّي بسبب هذه الحادثة، وكان مع عمر خالد بن الوليد وسعد وسعيد، ولهذا فإنّ العلويين يكرهونهم.
8 - اتّخذ العلويون المسبّة لِمن خالفوا الرسول وأهل البيت فريضة إلى يوم الدين، وهم يشملون بالمسبّة كلّ مَن عادى الرسول ولو أسلمَ بعد ذلك، وكلّ مَن عادى علياً ولو كان من أصحاب الرسول، وكلّ مَن عادى فاطمة ولو صاحبَ علياً، وكلّ مَن عادى الحسين ولو صاحبَ آبائهم، وكلّ مَن عادى بقية الأئمة الاثني عشر، وسبب ذلك: اعتقاد العلويين أنّ الأئمة الاثني عشر وآبائهم معصومون، فالمخالفة لأحدهم تكون مخالفة للعصمة، ومعاداة أحدهم معاداة لِمن هو صاحب الحق.
9 - أهمّ مباحث تاريخ العلويين: هو ما يتعلّق منه بصفات وقدسية
الأئمة الاثني عشر، وأنّ العلويين يخصّصون كلمة الإمام بالأئمة الاثني عشر فقط، وللأئمة عند العلويين ميزات خصوصية، بمعنى أنّهم يمتازون على بقية البشر من حيث مزاياهم الروحية.
والعلويون يخصّصون كلمة العلم - الكاملة المعنى - في علوم أهل البيت، وهم يرون أنّ حقّ تفسير القرآن منحصر بأهل البيت الذين أذهبَ الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وأنّ الإصابة في تفسير القرآن منحصرة بهم.
10 - يستند العلويون في معاملاتهم على أقوال الأئمة الاثني عشر، ولكنّهم يعتمدون في الأكثر على أقوال ومؤلّفات جعفر الصادق.
11 - يرى العلويون أنّ كلّ إمام من الأئمة الاثني عشر اتّخذ لنفسه باباً، والأبواب هم:
الإمام علي بن أبي طالب وبابه: سلمان الفارسي
الإمام الحسن المجتبى وبابه: قيس بن ورقة المعروف بالسفينة
الإمام الحسين الشهيد وبابه: رشيد الهجري
الإمام علي زين العابدين وبابه: عبد الله الغالب الكابلي وكنيته كنكر
الإمام محمد الباقر وبابه: يحيى بن معمر بن أم الطويل الثمالي
الإمام جعفر الصادق وبابه: جابر بن يزيد الجعفي
الإمام موسى الكاظم وبابه: محمد بن أبي زينب الكاهلي
الإمام علي الرضا وبابه: المفضل بن عمر
الإمام محمد الجواد وبابه: محمد بن المفضل بن عمر
الإمام علي الهادي وبابه: عمر بن الفرات المشهور بالكاتب
الإمام حسن العسكري وبابه: أبو شعيب محمد بن نصير البصري النميري
أمّا الإمام محمد المهدي، فلم يكن له باب، بل بقيت صفة الباب مع السيد أبي شعيب، والباب من جملة التشكيلات الدينية الأساسية. والعلويون اتّخذوا بعد الأئمة البابَ مرجعاً لهم، ولكنّهم لم يكونوا متّحدين في ذلك، ولهذا انقسموا إلى ثلاثة أقسام:
أ - الذين بقوا تابعين للباب السيد أبي شعيب محمد بن نصير.
ب - الذين اتّبعوا أبا يعقوب النخعي الملقّب بالأحمر، وقد كان من أصحاب الحسن العسكري، ثمّ ادّعى أنّه هو الباب فاتّبعه بعض العلويين، وهؤلاء هم الإسحاقية.
ج - الذين لم يتّبعوا محمد بن نصير، ولا إسحاق الأحمر، بل بقوا على ما جاء في كتب جعفر الصادق بدون أن يكون لهم رئيس ديني وكيلاً للباب، وقد سمّوهم الجعفرية.
والمآخذ على كتاب الطويل أكثر من أن تُعد وتحصى، وها نحن نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: إنّ الطويل في حديثه عن مدلول كلمة (علويين) يناقض نفسه بنفسه. فهو يطلق لفظة علويين على العلويين نَسباً، الذين هم بنظره (النصيرية) كما يُفهم من قوله: (ولكنّني في تاريخي هذا لا أُطلق لفظة علويين إلاّ على العلويين العرب نَسباً (أي النصيرية). أمّا بقية فِرَق الشيعة، فسأُطلق عليها أسماءها المعروفة المتداولة: كالزيدية، والإسماعيلية، والدرزية، وغير ذلك).
ثمّ رأيناه يذكر أنّ (العلوية المحضة هي الاثنا عشرية التي تمتّ بنسبها إلى النبعة العربية الصافية، وهي موضوع تاريخنا هذا).
والاثنا عشرية - كما يُفهم ممّا جاء في كتابه - هي: الجعفرية، والعلويين، والمتأولة.
لكنّنا إذا قارنّا كلامه هذا بقوله: (إنّ العلويين بعد الأئمة اتخذوا الباب مرجعاً لهم، ولكنّهم لم يكونوا متّحدين في ذلك، لذلك انقسموا إلى ثلاثة أقسام أساسية هي:
1 - العلويون الذين هم موضوع هذا التاريخ، فهؤلاء بقوا تابعين للباب، أي للسيد أبي شعيب...
2 - الذين اتّبعوا أبا يعقوب إسحاق النخعي الملقّب بالأحمر،.... وهؤلاء هم الإسحاقية.
3 - الذين لم يتّبعوا الباب ولم يتّبعوا إسحاق الأحمر، بل بقوا على ما جاء في كتب جعفر الصادق، بدون أن يكون لهم رئيس ديني وكيلاً للباب، وقد سمّوهم الجعفرية).
تبيّن لنا أنّ الجعفرية ليسوا من العلويين العرب نَسباً ؛ لأنّ الكتاب مقصور على العلويين الذين تابعوا الباب السيد أبي شعيب... وهذا ما يتناقض مع قوله: (إنّ العلوية المحضة هي الاثنا عشرية)، وإنّ (الاثني عشرية هي: الجعفرية، والعلويين، والمتأولة).
ثانياً: يَعتبر الطويل أنّ الصوفي الشهير محيي الدين ابن عربي (علوياً)، إذ يقول: (هدّمَ تربة يزيد التي كانت بتلك الأيام مظهراً للتوقير والاحترام، وأخذَ عن القبر الشبكة المصنعة ووضعها على قبر العلوي العظيم محيي الدين العربي)...
وهذا قول غريب ؛ لأنّ الذين ترجَموا لابن عربي - ومنهم ابن مسدي - قالوا: إنّه كان ظاهري المذهب في العبادات، باطني النظر في الاعتقادات. وعلى فرض أنّه كان باطنياً، فليس كلّ باطني بعلوي.
وكذلك فإنّه يَعتبر الصوفي الشهير إبراهيم بن أدهم علوياً، وهذا ما لم يقله أحد.
ثالثاً: إنّ الطويل يتكلّم عن أمورٍ لا دليل عليها، من ذلك مثلاً: أنّه يَعتبر دولة بني بويه الديلمية (علوية)، وكذلك دولة بني حمود في الأندلس ودولة بني الأحمر...
ومن ذلك أيضاً: اعتباره المؤرّخ أبي الفداء عَلوياً.
رابعاً: في الكتاب نقاط كثيرة تحتاج إلى إيضاح، أشارَ إليها المؤلّف إشارة عابرة، من دون أيّة تفاصيل، منها على سبيل المثال (الطريقة
الجنبلانية)، التي أحدَثها بين العلوي أبو محمد عبد الله بن محمد الجنان الجنبلاني. وكان عليه أن يبيّن أُسس هذه الطريقة ومقوّماتها، ليستطيع القارئ - من خلال ذلك - تكوين فكرة عامّة عنها، ويقارن ما بينها وبين النصيرية، وبماذا تختلف الواحدة منهما عن الأخرى.
وكذلك بالنسبة إلى حديثه عن الجرانة، والغيبية، والكلازية، والحيدرية، والماخوسية، والنياصفة، والظهوراتية، وما ذكرهُ من افتراقٍ بينها لا ينقع غليلاً، ولا يعطي أيّة فكرة عن طبيعة هذا الافتراق.
يقول: (لم يكن بين العلويين افتراق مذهبي قطعاً، ولكن في أيام الفترة، أي ما بين سنة ستمئة إلى سبعمئة هجرية، وعند مجيء الأتراك الصابئية، اشتدّت الحالة على العلويين فاعتقدوا إذ ذاك أنّ المصائب لم تكن إلاّ من الله لتربيتهم، وأحبّوا أن يُصلحوا أعمالهم ويأتوا بدعاء خاص يخلّصهم من بلواهم، فبحثوا عن وجوه التقوى فلم يروا وجهاً تاماً لها ؛ لأنّ كلّ حاجاتهم كانت من صُنع أهل بقية المذاهب، وكانوا إذا نووا الصيام لم يكونوا يجدوا وعاء من صنعهم لوضع الأكل أو لشرب الماء، فكانوا يشربون منه أيام دعائهم، وقد سمّي أصحاب هذا العمل الأتقياء"جرانة" أي الذين شربوا من الأجران أثناء العبادة، وهذا الاسم كان يدلّ على التوسّع في التوسّل لإرضاء الله.
وقرية جرانة: هي في جبال بشراغي التابعة لجبلة بجانب قرية الحمام، وبعض العلويين توسّعوا في التوكل والانقياد للتقادير، فلذلك سمّيت هذه الفرقة"الغيبية" ، أي الذين آمنوا بالله ورضوا على ما كُتب عليهم في الغيب، وتركوا التوسّل والتحرّي.
ثمّ ظهرَ أخيراً رجل من الجرانة وشرحَ فضائل حزبه، اسمه الشيخ محمد بن يونس كلازو، من قرية كلازو التابعة لأنطاكية وذلك في سنة 1011 هجرية، فتغلّب اسم"الكلازية" على الجرانة.
وظهرَ رجل في القرن التاسع في جهات أنطاكية اسمه الشيخ علي
حيدر، وقد دافعَ هذا عن فضائل الغيبيين وكثرَ حزبه بين المشايخ، وغلبَ على الغيبيين اسم"الحيدرية" .
وافترقَ رجل من بين الكلازية، وهو الشيخ علي الماخوس، فاتّبع الحيدرية فسمّي مَن اتّبعوه في أقواله"الماخوسية" ، وهي اسم قرية في جهات اللاذقية.
ثمّ اشتهرَ رجل في جهات جبل الحلو ودافعَ عن أقوال الغيبية حتى بقيَ له اسم، ولمـّا كان اسمه الشيخ ناصر الحاصوري من نيصاف سمّي مَن اتّبعوه النياصفة.
واشتهرَ رجل يُدعى الشيخ يوسف بن إبراهيم العبيدي المسمّى بالظهور، وجاهرَ ببعض الأقوال، فسمّي مَن اتّبعوا أقواله"الظهوراتية" ).
هذا الكلام يجعلنا نتساءل عن الفرق ما بين الحيدرية والنياصفة؟ لأنّ الطويل لم يذكر لنا أيّ شيء عن ذلك، وكلّ ما قاله إنّه ظهرَ رجل اسمه الشيخ علي حيدر دافعَ عن فضائل الغيبيين، فكثرَ حزبه وغلبَ على الغيبية اسم (الحيدرية). وكذلك اشتهرَ رجل اسمه الشيخ ناصر الحاصوري، دافعَ عن أقوال الغيبية فسمّي مَن اتّبعوه (النياصفة). وكذلك لم يبيّن لنا الطويل ما هي أقوال الشيخ علي الماخوس، والفرق بين أقواله وأقوال الكلازية الذين افترقَ عنهم...
وعلى الرغم من المآخذ التي تؤخذ على (تاريخ العلويين)، فقد طارَ الكتاب شرقاً ومغرباً وذاعَ صيته، واعتبرهُ الباحثون والمؤرّخون أحد المراجع الهامّة عن العلويين.
وبعد الطويل نشطت أقلام العلويين في الخروج من قمقمها، وبدأت تنهمر على الصحف والمجلاّت المقالات التي تهدف إلى التعريف بحقيقة العلويين ومعتقداتهم، وأهمّ هذه المقالات: ما نُشر على صفحات مجلّتي
الأمان (1) ، والنهضة (2) . وأغلبها يدور في فلك الطويل، ويعالج الفكرتين اللتين عالجهما كتاب (تاريخ العلويين) وهما: عروبة العلويين وإسلاميّتهم، وهذه وقفة قصيرة مع تلك المقالات، نتناول فيها أهم الأفكار التي تضمّنتها.
أولاً: مقالات مجلّة "الأماني".
بدءاً من العدد الأول من مجلّة (الأماني) الصادر في مطلع شهر تشرين الأول 1930م، أخذَ الشيخ عيسى سعود - قاضي العلويين في اللاذقية - ينشر سلسلة مقالات بعنوان: (ما أغفلهُ التاريخ... العلويون أو النصيرية)، على مدار ستة أعداد هي: 1 (ت 1/ 1930)، 2 (ت 2/ 1930)، 3 (ك 1/1930)، 6 (آذار /1931)، 7 (نيسان /1931)، 8 (أيار /1931). وقد تركّزت هذه المقالات حول نقطتين اثنتين:
الأولى: حقيقة العلويين وسبب نَعتهم بالنصيرية.
الثانية: الخمسة الأيتام وسبب اعتقاد العلويين بهم.
يقول الشيخ عيسى سعود:
(العلويون فرقة شيعية انسلخت عن جماعة السنّة لأسباب سياسية أكثر منها دينية، وذلك على عهد معاوية بن أبي سفيان،... وهي مخلصة الولاء لأهل البيت، شديدة الحرص على وفائهم، عُرفت بالعلوية لفَرط حبّها ومفاداتها لعليعليهالسلام ، وصدْقِ عواطفها له في مواقفه الحربيّة والدينية، وقد استخلصها واصطفاها من قبائل شتّى ودعاها بأهل خاصّته.
وأمّا نعتها بالنصيرية، فيعود إلى عهد السيد أبي شعيب محمد بن نصير
____________________
(1) أصدرها في اللاذقية: إبراهيم عثمان سنة 1930.
(2) أصدرها في طرطوس: الدكتور وجيه محيي الدين سنة 1937.
النميري العلوي، بوّاب الإمام الحسن الآخر العسكري سنة 250هـ، الذي جمعَ شتاتها بمساعدة الإمام الموما إليه بعد أن كادت تمزّقها الحروب والأيام.
وفي أيام إمارة بيت الدولة في حلب سنة 283هـ، نبغَ من العلويين شيخهم المعروف بالحسين بن حمدان الخصيبي، أحد أقارب سيف الدولة علي بن حمدان ممدوح المتنبّي، وصاحب كتاب الهداية الكبرى، فساعَده هذا الأمير على بثّ دعوته وجمع كلمة هذه الطائفة، والتفّ حوله من الأمراء والشعراء والمؤلّفين العدد الكثير، فأخذوا عنه ونشروا دعوته في: سوريا، والعراق، ومصر، وبلاد العجم، وفارس، وغيرها من البلدان...).
وعن تأسيس هذه الفرقة قال:
(إنّ الإمام علياًعليهالسلام هو مؤسّس هذه الأمّة، والعامل على إرشادها إلى التعاليم النبوية، وقد اجتمعَ حوله طائفة من الأنصار الذين برزوا في عالم الإسلام: كأبي عبد الله سلمان الفارسي، والمقداد بن أسود الكندي، وأبي ذر جندب بن جنادة بن سكن الغفاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وعثمان بن مظعون النجاشي، وقنبر بن كادان الدوسي، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي الهيثم مالك بن تيهان الأشهلي، والمنذر بن عمر بن كناس بن لوزان الساعدي،....
والعلويون ينظرون إلى خمسة من أولئك المجاهدين نظرة عالية مشبعة بالاحترام. وقد أُطلقَ عليهم اسم الخمسة الأيتام الكرام، وهم: المقداد بن أسود الكندي، وأبي ذر جندب بن جنادة الغفاري، وعبد الله بن رواحة الأنصاري، وعثمان بن مظعون النجاشي، وقنبر بن كادان الدوسي. عُرفوا بالأيتام لاتخاذهم من سلمان الفارسي أباً صادقاً يغمرهم بعطفه وحنوّه، وقد عُرفوا - لفرط إذعانهم لأقواله - بأيتام سلمان ليس إلاّ.
وبعض رجال العلويين رُموا بوصمات مختلفة وعقائد متباينة: كالقرمطة، والزندقة، والحلول وغيرها... والعلويون بُراء من ذلك، وقد حُبس شيخهم الكبير الحسين بن حمدان الخصيبي من أجل القرمطة، فقال وهو في سجن
بغداد:
ليس حبسي بضائري أن أتاحَ اللَّه |
من بعد طولِ حيناً بفضله |
|
صرتُ أُدعى ومذهب الحقّ ديني |
قرمَطياً وصرتُ أُعزى بدَخله |
|
حسبي الله والنبي وخمس |
بعد سبع فهم مناهج سُبله |
|
وسلامي على تقيٍ نقيٍ |
يتولاّهمُ بصالح عقله |
وكان تدخّل العلويين البيئات في أدوار مختلفة تضطرّهم إلى الظهور بمظهر الوسط الذي يعيشون فيه، غير أنّ سرّ المحافظة على مبدئهم بقيَ يلهب نفوسهم رغم ظاهراتهم الاجتماعية البيّنة، وقد قال في ذلك أحد أكابر شعرائهم:
وموسوي مسيحي أنا وإلى |
محمّد رِحتُ عن قصدٍ ببرهانِ |
|
فَسمِّني وادعني في كلّ نازلةٍ |
بمسلمٍ ويهوديٍّ ونصراني |
|
وخلِّني ويقيني في أبي حسنٍ |
فليس شانك في حُكم الهوى شاني |
وعن معتقدات العلويين قال:
(ويعتقد العلويون أنّ مَن ماتَ منهم أو قُتل في سبيل مبدأ، ماتَ شهيداً وتحوّل إلى دار البقاء، ولديهم من المخطوطات القيّمة ما يرجع تاريخها إلى ما قبل القرن الثاني عشر للهجرة، لم تختلف أحكامها شيئاً عن أحكام الكتاب والسنّة، ولم يتناولها التأويل كبقية الكتب في المذاهب المختلفة، بل بقيت مثالاً صادقاً للرسالة الهاشمية الغرّاء، ولأسبابٍ قاهرة بقيت تلك الأسفار في ضمير الخفاء حتى اليوم، وهذا ما شجّعَ كلّ فرد على اتهامهم بما يصوّره له الخيال).
وأوّل ما يلاحَظ على هذا المقال: أنّ هناك اختلافاً ما بينه وبين ما جاء في (تاريخ العلويين) حول سبب تسمية العلويين بالنصيرية، ونتيجة لهذا الاختلاف البيّن بِتنا لا نعرف وجه الصواب في أصل هذه التسمية ؛ لأنّ كِلا القولين غير مقنع.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى كنّا نتمنّى أن يذكر لنا الشيخ عيسى سعود الحروب والأيام التي كادت تمزّق النصيرية أو العلويين، ومتى حصلت؟! لأنّه ليس في المصادر التي بين أيدينا أيّة إشارة إليها!
وكذلك مَن هم الأمراء والشعراء والمؤلّفون الذين التفّوا حول الخصيبي وأخذوا عنه، ونشروا دعوته في سوريا والعراق ومصر وبلاد العجم؟!... ليت الشيخ ذكرَ لنا اسم واحد منهم.
ثانياً: مقالات مجلّة "النهضة".
في عام 1937 طالعتنا مجلّة (النهضة) بمقالٍ طويل بعنوان(يقظة المسلمين العلويين) ، كتبهُ الأستاذ عبد الرحمان الخير، تَوزّع على أربعة أعداد هي: 3 (ك 2/1937)، 4 (شباط /1937)، 5 (آذار /1937)، 7 (أيار /1937)، 8 (تموز /1937) عالجَ فيه النقاط التالية:
مَن هم العلويون، أسباب الجمود والانحطاط، بشائر اليقظة الأولى، بشائر اليقظة الثانية، خاتمة.
تحت عنوان(مَن هم العلويون؟) كتبَ يقول:
النصيريون (كما كانوا يُدعون من قبل) والعلويون (كما دُعوا في عصر الاحتلال) هم إحدى فِرَق الإسلام، رضيَ السفهاء المغرضون أم كرهوا، وأقرّوا بذلك أم نفوه، مسلمون إماميون، عرب أقحاح، قضت عليهم أسباب جمّة أهمّها: ضغط بعض الحكّام الظالمين في عصور التاريخ الإسلامي أن يتجمّعوا في جبال هذه البلاد منذ بضعة قرون ونيّف، ملتجئين من جور السياسة الخرقاء والتعصّب الأعمى إلى أحراج البلاد ومعاقلها المنيعة، وإلى التكتّم في إقامة شعائرهم الإسلامية الخاصّة، والتساهل في التظاهر ببعض شعائر الأقوياء المسيطرين يومئذٍ، حفظاً لكيانهم الطائفي وحقناً لدمائهم.
وعلى توالي الأيام أصبح التكتّم شبه غريزة فيهم، ودخلَ ذلك في التظاهر
ببعض الشعائر الأجنبية عن الإسلام في عداد عاداتهم، لا ينكره جمهورهم ولا تقرّه خاصتهم، وهذا ما جعلَ الظنون تحوم حول معتقداتهم، وذهاب الآراء في التخمين والتقوّل كلّ مذهب.
وإنّا لا نعلم بالتدقيق تاريخ تظاهرهم بالعادات الغريبة عن الإسلام، ولكنّا نرجّح أنّ بعضه كان على عهد الصليبيين، نستند في ترجيحنا هذا إلى أنّ السَلف لم يكونوا ليعترفوا بهذه العادات كشعائر مذهبية ؛ لأنّها لم ترد البتّة في أشعارهم ولا رسائلهم التي بين أيدينا، ولأنّه في بعض نواحي البلاد لا أثرَ البتّة لهذه العادات...).
وعن خصائص العلويين وثقافاتهم ومظاهرهم الفكرية، يقول:
(أبين ما عُرِف به العلويون: تخصّصهم للاشتغال الدائم - منذ أقدم أيامهم حتى اليوم - بعلم التوحيد، أي: معرفة الله بالبراهين العقلية المستندة إلى الشواهد النقلية من النص الكريم والحديث الشريف وروايات الأئمة من آل الرسول (صلّى الله عليه وسلّم). فإنّ تبويب هذا العلم، والتوسّع فيه وتعليمه إلى أتقياء الطلبة المجتهدين، رافقَ خاصتهم منذ افتراقهم عن سواهم من الفِرَق الإسلامية حتى عصرنا هذا.
وممّا لا يترك مجالاً للتردّد في صحة هذا القول، كثرة ما عندهم من المؤلّفات القيّمة التي يرجع تاريخ أسبقها إلى صدر الإسلام، ولم ينقطع حتى اليوم ظهورها، وكلّها تدور تقريباً حول المسائل الآتية: إثبات وجود الخالق سبحانه بالمعقول والمنقول، إثبات النبوّة عن طريق البرهان والدليل، إثبات الإمامة بالحجج العقلية والنقلية، اللفظ والمعنى وعلاقتهما بصفات الخالق، وجوب صفات الكمال للباري تعالى، تنزيهه عن صفات المحدثات، أصل الشر، آداب العبادة والرياضة الروحية، المعاد، حدوث الكون وفناؤه... إلخ.
ومن أظهر ما يُعرف به العلويون: عنايتهم بالفلسفة الروحية العالمية ومقابلتها بالأديان الإلهية، وتوفيق ما يمكن توفيقه، وردَ ما يختلف إلى البدع والهرطقات التي كان يلفّقها معارضو الدين والفلسفة الصحيحة، ويستنتجون من كل ذلك: وحدة الأديان، ووحدة غايتها التي جاء الإسلام.
الحنيف بالبرهان عليها ودعمها بالحجج).
أمّا أسباب جمود وانحطاط العلويين، فقد ردّها كاتب المقال إلى ما يلي:
1 - توالي الاعتداءات على هذه الطائفة، اعتداءات كان يستهلك بعضُها كلّ ما تملك، فتُنهَب مواشيها وأموالها وتُحرق بيوتها، ويُقتل علماؤها ومشاهيرها ؛ الأمر الذي أضاعَ آثارها الفكرية القديمة إلاّ ما حفظته صدور الحفظة من رجالها، أو ما وعاه علماؤها.
2 - الانزواء في هذه الجبال والعيش الفطري.
3 - القول بكراهية طلب أيّ فرعٍ كان من العلوم غير علم معرفة الله.
4 - مبالغة علمائهم في الزهد وهربهم من الشهرة، وتعمّدهم عيشة الخمول والتقشّف.
5 - ومن الأسباب الحديثة العهد في العمل على انحطاط العلويين، اعتبارِهم منذ زمن قريب المشيخة - أي الرئاسة الدينية - وراثية، وإغداقهم الهبات باسم "الزكاة" على... ممّن ينتمي إليها ولو بشارة فقط... وإنزال سوادهم الخرافات من الروايات منزلة الحقائق المسلّم بها، الأمر الذي سمحَ لكثيرٍ من الممخرِقين أن يلعبوا بالعقول الساذجة ما شاءت لهم الغايات والجهل.
هذا أهمّ ما في مقال الأستاذ عبد الرحمان الخير. ونحن إذا قارنّاه بما كتبهُ الطويل في(تاريخ العلويين) ، وجدنا بعض نقاط الاختلاف فيما بينهما، أهمّها: السبب في تكتّم العلويين. فعلى حين يذكر الطويل أنّه (لمـّا أُعلن كمال الإسلام كان لا يزال بعض العقائد مكتوماً وخفياً، ولذلك بقيَ إلى هذا اليوم مكتوماً لخصوصيته، وهذا هو تعليل تكتّم العلويين في عقيدتهم)، نرى عبد الرحمان الخير يقول: إنّ جور السياسة الخرقاء والتعصّب الأعمى قضت عليهم أن يتجمّعوا في جبال هذه البلاد، و(إلى التكتّم في
إقامة شعائرهم الإسلامية الخاصة،... وعلى توالي الأيام أصبحَ التكتّم شبه غريزة فيهم).
وفي عام 1938، أصدرت مجلّة "النهضة" أيضاً، عدداً خاصّاً عن العلويين هو العدد الثامن الصادر في تموز 1938، تضمّن المقالات التالية:
-منشأ العلويين للدكتور وجيه محيي الدين (صاحب المجلّة)
-العلويون عرب خُلّص للأستاذ منير الشريف (صاحب كتاب العلويون مَن هم وأين هم؟)
-عروبة العلويين وإسلاميَّتهم لعلي حمدان الزاوي قاضي العلويين في طرطوس
-العلويون بين المسلمين والإسلام لأحمد سلمان إبراهيم
-العلويون شيعيون لمحمد ياسين
-الشباب العلوي ليوسف تقلا
-نشأة العلويين لحامد حسن
-مستقبل العلويين لمحمد علي علوش
-أزواج محمد (صلّى الله عليه وسلّم) وعلي عليهالسلام وأولادهما لمحمود إبراهيم حسن جابر
-كلمتي إلى الشباب لحامد المحمد
-حصانة العلويين الطائفية أمام التيار الاجتماعي لعبود أحمد
-إلى صفين بيت من الشِعر يبدّل وجه التاريخ لمحمد فاضل
-العلويون والإسلام لمحمد محمود قرفول
-حكومات العلويين الماضية لخديجة الحامد
وهذه وقفة عند أهم الأفكار التي عالجتها هذه المقالات.
عالجَ الدكتور وجيه محيي الدين في هذا المقال ثلاث نقاط هي:منشأ العلويين، دين العلويين، عروبتهم ونسبهم.
عن منشأ العلويين قال:
(... ساعة السقيفة تشكّل الحزبُ العلوي القريشي الهاشمي، هذا الحزب الذي اختصّ بآل البيت وفضَّل آل هاشم على أُميّة وحرب، وجعل من دمه قرباناً، ومن قلبه مسكناً، ومن عقله وعلمه وماله وسيلة لتوحيد ملكهم وإعلاء شأنهم، فالحزب العلوي خُلقَ في فجر الرسالة. والحزب العلوي - كبقية الأحزاب - ابتدأ بفكرة هي: تفضيل هاشم على أُميّة، وانتهى بعقيدة يستمات في سبيلها هي أفضلية آل البيت، وعلى رأسهم عليعليهالسلام على بقية الأصحاب والمقرّبين...).
وعن دين العلويين قال:
(إنّهم شيعة يَعتبرون علياًعليهالسلام رئيسهم الأعلى، مفضّليه على كلّ عربي بعد محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، مؤتمّين بإمامته وإمامة بنيه وأحفاده بعده، مبتدئين بالحسن والحسين، منتهين بالإمام محمد بن الحسن الحجّة،... وإنّ تعاليمهم مستمدّة من إرشاداتهم، وأحكامهم الشرعية مأخوذة عن تعاليمهم، وخصوصاً الإمام الكبير جعفر بن محمد الباقر الملقّب بالصادق، نابذين ما نبذوه، محلّلين ما حلّلوه، محرّمين ما حرّموه، فهم والحالة هذه شيعة متمسّكون بجميع طقوسها، ومتعصّبون لمبادئها).
يدور هذا المقال حول فكرتين:عروبة العلويين، وإسلاميتهم .
عن عروبة العلويين، قال كاتب المقال: (العلويون منحدرون من أعرق بطون العرب: كربيعة، ومضر، وبكر، وتغلب، وغسّان...).
وعن سبب تسميتهم بالعلويين يقول: (فالعلويون دُعوا علويين ؛ لتمسّكهم بولاية علي بن أبي طالبعليهالسلام . والمذهب العلوي شعاره: الاعتقاد أنّ الدين عند الله الإسلام،
وتمسّكهم بعلي وأهل بيته بالدرجة الأولى، ورأيهم الخاص بأفضليّته، وأخذهم التعاليم عن حفيده الإمام جعفر الصادق).
هذا المقال زفرة حرى من قلبٍ محزون، وعتابٍ شديد وجّهه أحمد سلمان إبراهيم إلى الإخوان في الدين، وها نحن نستعرض أهمّ ما فيه من فقرات:
(ما أنكد حظّ هذه الطائفة العلوية، وما أقلّ إنصاف جيرانها لها. وقلّة الإنصاف ممّن؟ أمِن التاريخ الذي سوّد صحائفه بمذمّتنا وانتقاصنا!! أم من الدهر الظالم الذي عبثَ بقوانا وهدّم أركان رابطتنا، وسارَ بنا إلى حيث الانحطاط السحيق!! أم من إخواننا في الدين الذي ناصرناه في سائر الوقائع وشتّى الميادين؟ ظلم! نعم، ظلم ولماذا؟ ألأنّنا هدّمنا أركان الكعبة، ورَجمنا قبر النبي، وقَتلنا وسبينا آله ونساءه وسِرنا بهنّ من الكوفة إلى الشام سوافر لواطم الوجوه؟ اللهمّ لا!!
ألأنّنا كفرنا بالله وأعلنا مسبّة الأئمة الأطهار من أعلى المنابر، وكذّبنا بوحي القرآن، وعطّلنا شريعة المسلمين والإسلام؟ اللهمّ لا، ولكن لأنّنا قلنا ولا نزال نقول: إنّ علي بن أبي طالب هو صاحب الحق الأول في زعامة المسلمين الدينية والزمنية بعد النبي (صلّى الله عليه وسلّم). نعم ؛ لأنّنا نؤمن بأنّ علياً هو الأحقّ بالخلافة من سواه، وأنّه وصيّ النبي ووزيره. لهذا فقط يقوم إخواننا في الدين - الذي ناصرناه كما ناصروه وآمنّا به قبل أن يؤمنوا - فيوجّهون إلينا أقسى المظالم وأفدح الاضطهادات.
مظالم! أجل، مظالم هي: قتل في النفوس، وسلب في الأموال، وحرمان في الحقوق، وتبرئة في الدين، أبعد بهذه المظالم من مظالم؟!
اضطهدونا، طعنونا في الصميم، وقوّلونا ما لم نقل، ونسبوا لنا الزيغ والضلال، اتّهمونا بالمروق عن الإسلام ولم يجيزوا الرجوع، ليستلزم
القتل، في حين أنّنا ما كنّا - ولن نكون بحمد الله - إلاّ على جادّة الهدى، وما نحن من الإسلام إلاّ كالأصل من الفرع. لم ندرِ نحن العلويين - وأيم الله - لماذا تُبعدوننا أيها الإخوان ونحن الأقربون، وتُقصوننا ونحن الأدنون! فيا ترى هل الإسلام إلاّ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسوله ونبيه، والتمسّك والاعتصام بأوامره ونواهيه، والقيام بما افترضه علينا من الحدود الخَمس، وهي: الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والجهاد.
أليسَ الإيمان بمحمد والقرآن هو عين الإسلام؟ نحن نقول بصدقٍ وإخلاص: إنّ كلّ علوي يؤمن بهذا الإيمان ويقرّ به في السرّ والعَلن، ويتبرّأ إلى الله من كلّ ما ينعتهُ به أهل الزور والبهتان.
وأمّا القول في أنّ العلويين ينقصهم القيام بمراسيم الإسلام، فهذا نقص يشعر به العلويون قبل سواهم، وكم هو ألّمَ مفكريهم شديداً لهذا النقص، ولكنّ الشلل الاجتماعي الذي أصابَ العلويين - بسبب ما انتابهم من ويلات ونكبات - دبّ في قلوبهم اليأس.
وبعد، فليعلم الذين لا يريدون أن يعلموا: أنّ العلويين هم من صميم الإسلام، وأنّ نزاعهم وإخوانهم المسلمين، لا يعني نزاعهم والإسلام ؛ لأنّ المسلمين أمّة، والإسلام دين، ولا غرابة في أن يكون بين أتباع الدين الواحد تباين في النظر، لا يخرجهم عن كونهم أبناء أمّة واحدة باعتبارهم أتباع دين واحد).
في هذا المقال، يبيّن الشيخ محمد ياسين الأسباب التي حَدت بالعلويين إلى اتّباع مذهب آل البيت، ويدافع عن إسلام العلويين، ويردّ بنفس الوقت على الذين ينكرون إسلام العلويين، وفيما يلي أهمّ فقرات المقال:
(لمـّا كان أمير المؤمنين علي وصي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وخليفته، وأخاه،
وصهره، وابن عمّه، وناصره، وقاضي دَينه، ومنجز وعده، ومفرّج كربه، وأوّل الناس إسلاماً وأعلاهم سابقة، وأفضل الصحابة، وأعلمهم، وأعبدهم، وأحلمهم، وأشجعهم، وأزهدهم، وأقضاهم، وأسخاهم، وأتقاهم، هامَت به فرقة من المسلمين وأحبّته حبّاً عظيماً، فسُمّوا علويين نسبة إليه، وغلبَ عليهم هذا الوصف حتى صارَ خاصّاً بهم، وهم هذا الشعب العلوي - الذي نحن بصدده والذي كلمتنا فيه - وحده.
ونسبةُ العلويين إلى علي لفظية لا تتعدّى أنّهم يحبّونه ويتوّلونه، فهي لا تتناول أنّ لعلي ديناً غير الإسلام تابعهُ العلويون عليه.
وتوالى العلويون بعد أمير المؤمنين، الأئمة من الحسن المجتبى إلى المهدي صاحب الزمان، وبذلك سمّوا إماميين، وبتقليدهم الإمام جعفر الصادقعليهالسلام سادس الأئمة في أحكام الصلاة والفقه، سُمّوا جعفريين.
وإنّ حبّ العلويين لأهل البيت كان أكبر ذنوبهم عند أعدائهم، ولقد جرّ عليهم هذا الحبّ كثيراً من النكبات، فكم من أخيارٍ قُتلوا وعُذّبوا وليس لهم ذنب إلاّ أنّهم يحبّون الوصي ويوالون آل النبي.
والعَجب أنّ أُناساً من المسلمين ينعون علينا اقتداءنا بأهل البيت، وتقليدنا إياهم ورجوعنا إليهم [ في ] المشاكل المشكلة والمسائل الخلافية، ولا ينعون على أنفسهم ترك الأئمة الأطهار، وتقليدهم مالكاً وأبا حنيفة وابن حنبل، وأضرابهم ممّن هم - مع الاحترام لهم - دون الأئمة بدرجات، ونسبتهم إليهم نسبة القطرة إلى البحر والحصاة إلى البدر.
اقتدينا بهؤلاء الأئمة الأبرار دون سواهم للأسباب الآتية:
أولاً: لقربهم من جدّهم رسول الله صلوات الله عليه.
ثانياً: لأنّ علومهم وآثارهم مهذّبة صادقة يأخذها بالتسلسل الآخر عن الأول، واللاحق عن السابق.
ثالثاً: لأنّهم كانوا يختارون الرواة الصادقين ويُفضون إليهم بأحاديثهم، ويوصونهم بأن لا يودعوها إلاّ لِمن يحقّقون إيمانهم واستقامتهم، وبهذه الطريقة صينت رواياتهم من التحريف والتبديل، فجاءتنا نقيّة سالمة، كما قالوها.
رابعاً: لأنّهم معصومون، والعصمة هي: التنزّه عن الخطأ والشوائب البشريّة قولاً وفعلاً، سهواً وعمداً.
خامساً: لأنّهم كانوا يمتازون عن أهل زمانهم وعمّن تقدّمهم وتأخّر عنهم: نَسباً وفضلاً وعلماً وتُقى وزهداً، لا يساويهم في هذه الخصائص مساوٍ.
سادساً: لأنّ كلاً منهم نصّ على إمامة الآخر، وهذا النص وحده كافٍ لإثبات إمامتهم، وهو ثابت بالتواتر، رواه صادق عن صادق.
سابعاً: لأنّ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قرَنهم بالقرآن، وأمرَ بالاقتداء بهم دون سواهم.
لهذه الأسباب ونحوها نقتدي بهؤلاء الأئمة ونفضّلهم ونأخذ عنهم، نتلقّى ما يرد عنهم بالقبول، معتقدين أنّ ما يرد عنهم وارد عن الله.
من الغريب أنّ فريقاً من أهل الأغراض ينكرون إسلام العلويين، ويعلّلون أقوالهم بتعاليل كذّابة، ويستندون إلى أقوال مختلقة، وأغرب منه موافقة فئة من المسلمين أنفسهم لهذه الأقوال وشكّهم في إسلامنا. لنتساءل ما هو الإسلام؟
هو بلا ريب: شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله، والالتزام بأحكام الشرع. وكلّ مَن قال هذا القول مسلم، وكلّ علوي في الدنيا يقوله، فإذاً كلّ علوي مسلم.
كان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في بدء دعوته يضمن لكلّ مَن ينطق بالشهادة الجنّة، وكان يَقنع بإسلام مَن يتظاهر بالإسلام وهو يُضمر النفاق والكفر، ويقول (صلّى الله عليه وسلّم): (علينا ما ظهرَ وعلى الله ما بطن...). وإذا كان ما جرى مثل هذا
الإغضاء والتساهل من النبي... على العلم واليقين، فكيف يجوز اتّهام العلويين بعدم الإسلام على الظنّ والشك؟! ولِمَ لا تعترف بقيّة فِرَق المسلمين بإسلام العلويين وهم ينطقون بالشهادتين، ويقرءون القرآن، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف ويأتمرون به، وينهون عن المنكر وينتهون عنه، ويحلّلون ما حلّل الله ورسوله، ويحرّمون ما حرّم الله، ويوالون في الله، ويعادون في الله، ويقطعون في الله، ويعظّمون حُرمات الله، ويجاهدون في سبيل الله.. فإذا لم يكونوا بعد هذا مسلمين، فأين المسلمون وما هم المسلمون؟! وإذا لم يكن هذا هو الإسلام فما هو الإسلام؟!
وإذا كانت الرغبة والرهبة دعتا بعض المنافقين إلى التظاهر بالإسلام قديماً، فأيّ شيء يدعو العلويين إلى ادّعائه حديثاً، وإذا كانت أسباب الرغبة والرهبة متوفّرة هنالك، فأين أسباب الرغبة والرهبة هنا؟! إذا كان لغير الإسلام مصلحة في نفي إسلاميّة العلويين، فما هي مصلحة بعض المسلمين يا ترى؟! على أنّنا رغم الظروف العصيبة التي تعاقبت علينا ما برحنا محافظين على شعائر الدين الإسلامي وآدابه وتعاليمه وتقاليده، شأننا في ذلك شأن بقية الفِرَق الإسلامية، لم يسبقونا في شيء إلاّ اثنين:بناء المساجد، وحج البيت .
وللعلويين بعض العذر في هذين:
أمّا عذرهم في الأول: فإنّهم أصحاب قرى فقراء، وأكثرهم عاملون وأعمالهم خارج القرى، فلا يمكن لأحدهم أن يترك عمله ويأتي المسجد كلّما حانَ وقت الصلاة، فيصلّي حيث يكون، معتقداً أنّ الأرض لله وأنّ الله يقبل صلاته أينما كان، ومَن كان في القرية من الكهول والشيوخ صلّى في بيته، فكلّ محل عندهم مسجد متى كان نظيفاً.
وهذا العذر وإن كان مقبولاً من أكثر نواحيه، فإنّه لا ينفي وجوب بناء مسجد في كلّ قرية يصلّي فيها أهلها العاملون أثناء فراغهم، والمتفرّغون في كل وقت.
وعذرهم في الثاني: أنّ أكثرهم فقراء والحج يحتاج إلى سعة واسعة، فيندر بينهم مَن يقدر أن يقوم بنفقات الحج. وعسى أن يهتمّ هذا الشعب بهذين الواجبين، فيبني المساجد، ويؤدي موسروه فريضة الحج، فيكون قد سدّ هذا الخلل
وماثلَ إخوانه المسلمين من سائر الجهات، فلا يعيّر بنقص ولا يُعاب على تقصير...).
* * *
بعد هذه الطفرة الكتابية سكتت الأقلام وأخلدت إلى السكينة، فلم نعُد نقرأ شيئاً ذا علاقة بالعلويين، إلى أن صدرَ كتاب الشيخ محمود الصالح(النبأ اليقين عن العلويين) المطبوع سنة 1961م، الذي أعادنا إلى جو (تاريخ العلويين) ؛ نظراً للتشابه في المواضيع بين الكتابين، فالشيخ محمود الصالح تكلّم في كتابه(النبأ اليقين) عن المواضيع التالية:
تعريف العلوي، دين العلوي ومذهبه، معتقدات العلويين، عادات العلويين، في ذكر بعض رجال الفكر القدماء في العلويين، في الأدوار التاريخية التي تعاقبت على العلويين، في نهضة العلويين.
ومن إلقاء نظرة سريعة على مضمون الكتاب، يتبيّن أنّ مؤلّفه - خلافاً للطويل في(تاريخ العلويين) - تحدّث عن دين العلويين ومذهبهم ومعتقداتهم في فصل مستقل، لكن ما كتبهُ بهذا الخصوص أقلّ سعة وشمولية وتفصيلاً ممّا كتبهُ الطويل عن دين العلوي ومذهبه يقول:
(فدينُ العلوي: التوحيد المحض، وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق، والإقرار بنبوّة سيّد الرسل محمد (صلّى الله عليه وسلّم)، والاعتقاد بالمعاد، والعمل بدعائم الإسلام الخمس. ويتَّفق وجميع الشيعة الإمامية على زيادة ركن خامس على هذه الأركان الأربعة، ألا وهو: الاعتقاد بالإمامة، يعني أنّ العلوي يعتقد أنّ الإمامة منصب إلهي يختار الله لها مَن يشاء اختياره للنبوّة والرسالة. وكما أنّ تأييد النبي بالمعجزة نصّ عليه من الله، فالبارئ سبحانه يأمر نبيه بالنصّ على مَن يُنصّبه إماماً للناس من بعده ؛ للقيام بالوظائف التي كان يقوم بها النبي، سوى أنّ الإمام لا يوحى إليه.
والأئمة عند العلويين اثنا عشر، كل سابق ينصّ على اللاحق، والاعتقاد بعصمتهم شرط في صحة إمامتهم، وإلاّ لزالت الثقة بهم. وأولهم آخر الأوصياء لآخر الأنبياء الإمام علي المرتضى، فالحسن المجتبى،
فالحسين شهيد كربلاء، فعلي زين العابدين، فمحمّد الباقر، فجعفر الصادق، فموسى الكاظم، فعلي الرضا، فمحمد الجواد، فعلي الهادي، فالحسن العسكري، فمحمد بن الحسن المعروف بالمهدي، القائم المنتظر، حجّة العصر والزمان.. صلوات الله عليهم أجمعين.
والعلوي شديد التمسّك بولائهم، حريص على الاعتقاد بأنّهم أمناء الله في أرضه وخزَنة علمه، وحججه على خلقه، وأنّهم أئمة معصومون.
وقصارى القول: فالعلوي مسلم مؤمن يدين لله دين الحق دين الإسلام، كتابه القرآن، وقبلته الكعبة. يعرف ما افترضهُ الله عليه في يومه وعامه وعمره، فيؤدّي من ذلك ما يستطيع. يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويُصلح ما أمكنه الإصلاح. ويحلّل ما حلّل الله ورسوله، ويحرّم ما حرّم الله ورسوله، لا يخاف في الله لومة لائم. جعفري، يرجع في فتاويه المذهبية ومسائله الفقهية إلى أحكام مذهب الإمام أبي عبد الله جعفر الصادقعليهالسلام ، وعن هذا الإمام المعصوم يأخذ العلوي الفقه ويروي العلم، وعلى مذهبه يقيم الصلاة، وفيه يؤلّف مصنّفاته).
وعن معتقدات العلويين يقول:
(لا خلاف البتّة بين المسلمين العلويين وبين بقية إخوانهم المسلمين في جوهر الدين وأصوله، فأصول الدين عندهم هي نفسها الأصول الخمسة عند جميع الإماميين، وهي: التوحيد، والعدل، والنبوة، والإمامة، والمعاد.
يعتقد المسلمون العلويون: أنّ الله عزّ شأنه خلقَ العبد ومَنحه الاستطاعة على الفعل والترك قطعاً، لعذره في ترك ما يؤمر به أو فعل ما يُنهى عنه، وأوجَدهُ مختاراً له حرّية الإرادة والمشيئة في أفعاله الشخصية، فهي منه وله، وهو موكول في أعماله إلى نفسه بعد أن وضحت له مناهج الخير والشر.
ويعتقد العلويون: أنّ ما ينزل بالعباد من مصائب ويحيق بهم من مكاره، هو نتيجة ما كسبوا، وجزاء ما عملوا ؛ لثبوت اعتبار العدل الإلهي أصلاً من
أصول الدين عندهم.
وقد حرصَ المؤلّف على تعريفنا بأسماء بعض فقهاء وأدباء العلويين القدماء، فعرفنا منهم:
1 - الفقهاء:
- أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني، صاحب كتاب (تُحف العقول عن آل الرسول).
- أبو محمد يزيد بن شعبة.
- أبو الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمنشد.
- أبو حمزة الكتاني.
- أبو الحسن علي بن بطّة الحلبي.
- حيدر بن محمد القطيعي.
- عبد الرحمان الجرجري.
2 - الأدباء:
- أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري.
- الوزير أبو القاسم إسماعيل بن عباد بن العباس الطالقاني، المعروف بالصاحب.
- أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الخطيب الخصيبي.
- أبو الفتح عثمان بن جني النحوي.
- أبو محمد عبد الله بن عمرو بن محمد الفياض، كاتب سيف الدولة ونديمه.
- السري بن أحمد الكندي، المعروف بالسري الرفاء.
- أبو بكر محمد بن أحمد بن حمدان، المعروف بالخبّاز البلدي.
- الأمير حسن بن مكزون السنجاري.
- محمّد منتجب الدين العاني.
وغيرهم... وغيرهم...
وفي عام 1972 أصدرَ الشيخ علي عزيز آل إبراهيم كرّاساً صغيراً بعنوان(العلويون فدائيو الشيعة المجهولون) تحدّث فيه بإيجاز شديد عن المواضيع التالية: مَن هم العلويون، العلويون في التاريخ، ما هي عقيدة العلويين، العلويون والعالم الشيعي.
وفي عام 1976 أُعيد طبع هذا الكرّاس مرّة ثانية، بعد أن أضاف إليه مؤلّفه فصولاً جديدة هي: الطريقة الجنبلانية، العقيدة في الإمام المعصوم، العقيدة في كمال الإيمان، علم الباطن، التناسخ، الجبر والاختيار والتفويض، وقفة مع كتاب "إسلام بلا مذاهب"، بيان العلويون شيعة أهل البيت.
لكنّ هذا الكتيب لا يضيف جديداً إلى ما كتبهُ الطويل في (تاريخ العلويين).
وهكذا يتبيّن أنّ(تاريخ العلويين) هو الباب الواسع الذي خرجت منه جميع الدراسات والبحوث والمقالات، التي نُشرت منذ عام 1930، وإلى يومنا هذا.
2 - الشِعر:
وعقائد العلويين أوضح ما تكون في شعر شعرائهم القدامى من أمثال: الخصيبي، ومنتجب الدين العاني، والمكزون السنجاري، وغيرهم.
ويُعد المكزون أبرز الشعراء العلويين على الإطلاق، ونستطيع أن نقول بكل ثقة: إنّ مَن أراد أن يتعرّف إلى حقيقة عقائد العلويين بكلّ دقائقها عليه بالمكزون ؛ لأنّه صاغَ هذه العقائد وفصّلها تفصيلاً دقيقاً
شاملاً في أشعاره. مع الاعتراف بأنّ ثمّة صعوبات جمّة تَحول دون فهم الكثير من هذه العقائد من خلال شعر المكزون ؛ ذلك لأنّه سَكبها بلغة فلسفية، وفي أسلوب رمزي كعادة الشعراء الصوفيين، تتخلّله إشارات ورموز عرفانية صوفية، يدقّ فهمها على غير المتعمّق في علم الباطن.
وقد ظلّ ديوان المكزون مئات السنين طي الكتمان، بعيداً عن متناول اليد، إلى أن قام الدكتور أسعد علي بتحقيقه ونشره في جزئين، بعنوان(معرفة الله والمكزون السنجاري) سنة 1972م.
وأول ما يلاحَظ في شعر المكزون: أنّ قصائده - جميعها تقريباً - ذات طبيعة واحدة، تكلّم فيها عن: المعنى والصورة، الاسم، دوائر الوجود، المعنى أو الذات، التجلّي، طبقات المؤمنين، ذات الله، أسماء الله وصفاته.
هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإنّ أشعاره ليست على وتيرة واحدة، منها المطوّلات، ومنها المقطوعات الصغيرة، والرباعيات، وقد اخترنا منها ما وجدناه أكثر تمثيلاً لدراستنا.
اللبسُ الجديد
أَنا في فَقدي وُجودي |
وَمَغيبي في شُهودي |
|
وَاِنتِباهي في مَنامي |
وَاِعتِرافي في جُحودي |
|
وَحَياتي في مَماتي |
وَقُصوري في لُحودي |
|
وَقُيودي في سَراحي |
وَسَراحي في قُيودي |
|
وَصُعودي في هُبوطي |
وَهُبوطي في صُعودي |
|
وَنَعيمي في جَحيمي |
نَضَجَت فيهِ جُلودي |
|
وَبَخَلعي لِخَليعٍ |
فُزتَ بِاللُبسِ الجَديدِ |
* * *
الاِسمُ لِلوَصفِ غَدا باطِناً |
وَهوَ لِمَعنى كَونِهِ ظاهِرُ |
|
كَالشَمسِ يُبدي عَينَها نورُها |
وَهوَ لَنا عَن كَنهِها ساتِرُ |
* * *
مَعنى الـمَعاني اِسمُهُ ظاهِرٌ |
وَظاهِرُ الاِسمِ لَهُ رَسولُ |
|
دَلَّ عَلَيهِ نورُهُ بِنورِهِ |
وَهوَ إِلى دَليلِهِ دَليلُ |
* * *
ولاية
قَولُ الإِلَهِ جَلَّ في كِتابِهِ |
عَلى عَلِيٍّ جاءَ نَصّاً قاطِعا |
|
أَنا الوالي وَرَسولي وَالَّذي |
أَتى الزَكاةَ في الصَلاةِ راكِعا |
|
فَخَصَّهُ مِنهُ بِوصَفٍ لَم يَكُن |
بِغَيرِهِ فيما رَوَوهُ واقِعا |
|
فَأَوجَبَ اللَهُ لَهُ وِلايَةً عَلى |
الَّذي لِلذِكرى أَضحى تابِعا |
* * *
قوم
قَومٌ بِهِم شَفَعَ الإِلَهُ رَسولَهُ |
وَكِتابهُ بِهِمُ الرَسولَ لَقَد شَفَع |
|
أَيَرومُ في الإِسلامِ حَظّاً مِن عَدا |
أَبوابِهِم وَإِلى مُعاديهِم رَجَع |
|
لا وَالهُدى لَم يُهدَ مَن ناواهُم |
يَوماً وَلا ضَلَّ الَّذي لَهُم اِتبَع |
* * *
آل محمّد
قالوا: الجَماعَةُ، قُلتُ: آلَ مُحَمَّدٍ |
قَومٌ بِهِم شَفعُ الإِلَهِ رَسولَهُ |
|
وَبِهِم عَلى تَوحيدِهِ في عُصبَةِ ال |
إِسلامِ إِذ جَحَدوا أَقامَ دَليلَهُ |
|
أَفَغَيرِهِم أَبغي السَبيلَ إِلى الهُدى |
وَهُمُ الَّذينَ بِهِم أَبانَ سَبيلَهُ |
* * *
إِذا كانَتِ الآياتُ مِن عِندِ خالِقٍ |
وَلَيسَ بِها يَأتي سِواهُ مِنَ الخَلقِ |
|
فَوَحِّد بِرُؤياها وُلاةَ ظُهورِها |
كَتَوحيدِكَ الأَشخاصَ في النَوعِ وَالنُطقِ |
* * *
تَعالَت ذاتُ مَولايَ |
عَنِ الإِدراكِ بَالعَينِ |
|
وَعَن دائِرَةِ الأَينِ |
وَإِن شوهِدَ في الأَينِ |
* * *
إنَّ الَّذي عايَنتْهُ |
عَيني بِمِرآةِ وَقتي |
|
هو هي وجوداً وما هي |
هو في حدودٍ ونَعْتِ |
* * *
واحدةُ الحُسْنِ
بدتْ لعيني بالسُتورِ والكِلَل |
ثمّ اختفت برفعها عن الـمُقَل |
|
غزالةٌ بين الصَريمِ واللَوى |
علَّمني الوجدُ بها نَظْمَ الغَزَل |
|
بذلتُ فيها مُهجتي وَلَيْتَها |
تَقَبَّلتْ من الـمُحِبِّ ما بَذَل |
|
تلكَ الَّتي ما حَدُثَتْ صبابتي |
بحُبِّها لكنَّها من الأزل |
|
واحدةُ الحُسنِ الَّتي عن حُسْنِها |
سارتْ تفاصيلُ الجَمالِ والجُمَل |
|
محجوبةٌ يُظِهرُها حِجابُها |
كالشمسِ يجْلُوها على الطَرفِ الطَفَل |
|
ليس لها بالحُسنِ مِثلٌ إنَّما |
تمثَّلت عند الظُهورِ بالمـَثَل |
|
موصوفةٌ بين الوَرى وحُسنُها |
تحت النُعوتِ والصِفاتُ ما دَخَل |
|
ملحوظةُ الذاتِ بعينِ ذاتِها |
وباطنُ الملحوظِ منها قد جُهِل |
وظاهرُ الحُسنِ الذي باطُنُه |
ظاهرُهُ باطنُ حُسنٍ قد كَمَل |
|
وهي وإنْ بانَ لنا جَمالُها |
عن الكَيانِ بالعَيانِ لم تَزْل |
|
بَدت بخَمسٍ واختفتْ بخمسةٍ |
وأظهرتْ خمساً بها الـمُرتابُ ضَل |
|
هامَ بها بَيْنَ الظَلامِ والضيا |
وصَدَّ عنها إذ دَعَتْهُ في الظَلَل |
|
وما دَرَى بأن عَينَ حُسنِها |
بِالضالِ عَينُ حُسنها بذي الأثَل |
|
خَلَّفها مِن خَلفِه سافرةً |
وأمُّ معنىً من معانيها عَطِل |
|
وفرَّ عنها إذ دَعته وانثنى |
بجهلِه يطلُبُها عند الطَلَل |
|
فاعجَب به مِن عاشقٍ مُغفَّلٍ |
يجهلُ من ذاتِ الخمارِ ما عَقَل |
|
فابعُد به وانْحُ سبيلي واطَّرِح |
عنك الـمَراءَ في الشُكوكِ والجَدَل |
|
واسلم كإسلامي لها تسلَمْ بها |
في قصدها من العَناءِ والكَلَل |
|
وإن عراكَ خَبَلٌ في قصدِها |
فَاتْلُ أساميها يَزُل عنكَ الخَبَل |
|
وعُذْ بها من غفلةٍ من أمرِها |
في سَتْرِها تُعْقِبُ في الكشفِ الخَجَل |
|
واعْمَل بمسنونِ الهُدى في مِلَّتي |
وارفُض فُروضَ غيرِها من المِلَل |
|
واسلُك سبيلي في هَواها نَحوَها |
ولا تَمِل دون الحِمى إلى الطَلَل |
|
وَاِتَّخِذِ القَبْلَةَ شَطرَ وَجهِها |
فَهيَ لِأَهلِ العِشقِ مِن أَسنى القِبَل |
|
وَقُل إِذا قُمتَ إِلى صَلاتِها |
حَيَّ عَلى خَيرِ الصَلاةِ وَالعَمَل |
|
حَيَّ عَلى مَعرِفَةِ الحُسنِ الَّذي |
قَد وَهَبَ الحُسنَ لِرَبّاتِ الكِلَل |
|
وَجَهتُ وَجهي لِلَّتي جَمالُها |
عَن جِهَةِ الأَوصافِ بِالتَحديدِ جَل |
|
مُستَسلِماً مُسَلِّماً لِأَمرِها |
مُعتَصِماً بِحَبلِها مِنَ الزَلَل |
|
وَاِتلُ ثَناها راكِعاً وَساجِداً |
عَساكَ تَحظى بِالقُبولِ وَلَعَل |
|
وَدُم عَلى فِعلِ الصَلاةِ تَتَّصِل |
بِمَن إِلَيها بِالصَلاةِ قَد وَصَل |
|
لِأَنَّها مَعرِفَةُ السِرِّ الَّذي |
باطِنُهُ اِسمٌ عَلى مَعناهُ دَل |
|
وَصُم لَها بِالصَونِ لِلسِرِّ الَّذي |
حُمِّلتَ مِنها عَن جَهولٍ ما حَمَل |
|
وَقَنِّعِ النَفسَ وَكُن مُذكِياً |
عَلى مَواليها بِما عَنكَ فَضَل |
|
تَزْكو بإخراجِ الزكاةِ فَتَجِدْ |
معنى الزكاةِ سينَ ميمٍ ما انفَصَل |
|
وزُر حِمىً حلَّ به جَمالُها |
تَسْتَغْنِ عن حثِّ السَرى إلى الجَبَل |
ولا تزُر معهدَ رَبْعٍ قد خلا |
وزُر حِمىً عنه سنَاهَا ما انتَقَل |
|
فذلك الحجّ الذي إنْ نِلته |
نلتَ حجّاً لم تنلهُ بالإبِل |
|
واجهد على مرضاتها النفس وكُن |
مجاهداً بالسيف فيها من عَدَل |
|
ولا يُخِيْفَنَّك في طِلاَبها |
بيضُ ظُبى الهِندِ ولا سُمْرُ الأسَل |
|
ولا يَصُدَّنك عن موردِها الـ |
عذبَ النميرَ مَصَّةٌ من الوَشَل |
|
وكُنْ لِما شرَعتَهُ في حبِّها |
متّبعاً مُطَّرِحاً عنكَ الكَسَل |
|
ترقَ إلى الباطنِ من ظاهرِ ما |
شرَعْتُه فعندها اصمُتْ واعتزِل |
|
واقطعْ أخا الجهلِ وصِلْ كلّ فتى |
شَبّ على دينِ الغرامِ واكْتَهَل |
* * *
رشد الطريقة
سَرَتْ موْهِناً نحوي فأبدتْ مسرّتي |
وحَيّت فأحيتني بحسن التحيةِ |
|
ومَنَّت فمنَّت في مآبي إلى الحِمى |
فؤادي بوصِل الوَصلِ بعدَ القطيعةِ |
|
فآيسني بُعدُ المسافةِ بيننا |
وتقصيرُ نضوُ السعي من قربِ أوبتي |
|
وأطمعني في وصلِها بَعدَ هجرِها |
تفضُّلُها المحجوبُ عن عينِ مُنْيَتي |
|
وإن حَملتني ناقتي نحو دارها |
وصَلتُ وإلاّ مُت في دارِ غُربتي |
|
عزيزةُ وصلٍ عزَّني الصبرُ بعدَها |
فقابلت عِزَّ الوصلِ منها بذِلَّتي |
|
عَلَقتُ هواها في الظلال فعلَّقتُ |
أمانيَّ في إعراضها بمنيَّتي |
|
وما أعرضتْ عني وحقِ وصالِها |
لغير اجترامي في الهوى وخطيئتي |
|
ولو لم ترَ الإضلال منّي بحقّها |
لـمَا مَنعتني الوصل وهي خليلتي |
|
وكنتُ بها والقلبُ في قبضِ بسْطِها |
أرى سائر الأكوان في قبضِ بسطتي |
|
فأمسيتُ في ليلِ الجَفا بَعدَ وصلِها |
أُردِّدُ في نار الجوى بَعدَ جنّتي |
|
إذا أخرَجتني من لظاها مطامعي |
أُعادُ بيأسي وارداً نار خيفتي |
|
فكم جسدِ أنضَجْتُ في نارِ هجْرِها |
وتُبْدِلُني منه جديداً لشَقْوتي |
|
وكم كرّةٍ كرَّت عليَّ بُكورِها |
تردِّدني في دورةٍ بَعدَ دورة |
|
وحُزْني على ما فات من زمني بها |
يُقطِّر أجفاني بتصعيدِ زفرتي |
ألـمّتْ فلمَّتْ بالأسى شَعَثَ الأسى |
فأخْلَقَ تجديدُ الأسى ثوبَ جِدَّتي |
|
وأشفت بما شفّت به الجسمَ من ضنى |
عذولي على وجْدِي ولم تشفِ غِلّتي |
|
وأهَدَتْ لعيني في المنام خيالَها |
يُعاتب جَفني بالكرى بعد هَجْعتي |
|
وقالوا: سلوت الحبّ، قلت: أعوذ |
بالغرام من السلوان إلاّ لسلوتي |
|
فساء فؤادي بالتودّع ساعةً |
وردَّ سروري بالوعود الجميلة |
|
ولولا اعتلاقي في الهوى بوعودِها |
لـمَا سَلمَتْ من لوعةِ البَيْنِ مُهجتي |
|
دَنت في عُلاها من حضيضِ مقاميَ الـ |
لَذي هبطت نفسي به بعد رِفْعَتي |
|
وأبدا عتابي لطفَها بي على الرضى |
بوعْرِ القلا من بعد ظلّ الأظلّة |
|
ولاحت بمعناها لعينيَ صورةً |
وما اقترنت عند الظهورِ بصورةِ |
|
وما انتقلت عن كونِ تجريدِ ذاتِها |
وإنْ شُوهِدت في حِلْيةٍ مِثلَ حِليتي |
|
تُقلّب أبصار الورى وقلوبَهم |
إذا استترتْ بعدَ الظهورِ بغيبةِ |
|
ليعْرِفَها في البدوِ مَن كان عارفاً |
وينكرُها ذو الجهل أوَّلَ مرّة |
|
وتُظهر في حال المكافاةِ فضلَها |
على عَدْلِها في مستحِقِّ العقوبة |
|
حَكاني على طور التجلّي صفاؤها |
فكانت لعيني في جلا العينِ جَلوتي |
|
فما شهدته العينُ معنىً فذاتُها |
ومن هيئةٍ فهي المثالُ لهيئتي |
|
حَميتُ حِمى سمعي بها عن عواذلي |
بصدق موالاتي لها وحميّتي |
|
وعاصيتُ فيها العاذلاتِ وَلَيْتَها |
على بعضِ ما أمّلتُ منها مُطِيَعتي |
|
ووِقْفاً غَدا قلبي لجامعِ حُسنِها |
فأضحى لها مني تفاصيلَ جملتي |
|
فصُنتُ صباباتي بها عن أقاربي |
وأخفيتُ أمراضي بها عن أحبّتي |
|
وما بُحتُ بالمستورِ تحتَ خِمارَها |
إلى مائلٍ في الحبِّ عن نَهجِ ملّتي |
|
وما الصوم في شرع الهوى غير صونِ ما |
تَحمَّل حيُ الحبّ عن كلّ ميت |
|
وباعدتُ بين الأقربين مقارِباً |
على حبِّها أهلَ الشعوبِ البعيدة |
|
وهاجرتُ فيها الهاجرِين لحُسنِها |
وواصلتُ فيها المولعِينَ بلوعتي |
|
وجاهدتُ فيها النفسَ حقّ جهادِها |
بصبري على ما سرَّها مِن بليتي |
|
وفي الصوم أدّيتُ الزكاةَ لأهلِها |
وفي شعبِهم أخرجتُ في الفطرِ فطرتي |
وقمتُ بأحكام الفرائضِ ظاهراً |
وأتبَعْتُها بالنفلِ بعدَ الفريضةِ |
|
ووَاليتُ مَن والى ذويها معادياً |
على الحبّ مَن عادى وليّ وليتي |
|
ودُنتُ كما دان الدعاةُ لحُسنِها |
بخلع التُقى فيها ولِبْس التقية |
|
ولـمّا تمادت بيننا مدّةُ النَوى |
وضاقتْ بحالي في التباعدِ حِيلتي |
|
جَعلتُ صلاتي في الغرامِ بذكرِها |
إلى وَصْلِها بعدَ القطيعةِ وَصْلَتي |
|
وطهّرتُ أعضائي بعرفانِ مَن على |
مراتبهم في عالمِ العشقِ دَلْت |
|
ووجّهتُ وجهي في اتجاهي لوجهها |
فمِن حيثُ ما استقبلْتُها فهي قبلتي |
|
إليها أُصلّي قانتاً لمفيضها |
بأسمائها الحسنى بحسنِ التثبّت |
|
وحين رأى عشّاقُ سلمى تَسنُّنِي |
بسُنَّتها صاروا كما شئتُ شيعتي |
|
تجلّت فجَلّت ظلمةَ السخطِ بالرضى |
وحلّت فحلّت مرّ عيشٍ أمَرَّت |
|
فأقبلَ إقبالي بها حين أقبلت |
وأدبرَ لـمَّا أدبرت وجه لذّتي |
|
وأبدتْ لعيني في دجى الستر نارها |
ليكشف عنّي نورُها حُجْبَ غفلتي |
|
فصحتُ بأصحابي: امكثوا ؛ علَّنا نرى |
هدانا على الأنوار من نارِ عَلْوة |
|
ولـمّا نزلنا وادي القدس أشرَقت |
علينا شموسُ الأنسِ من بَعدِ وحشة |
|
فبشّرني بالبِشْرِ قلبي وعندها |
دعتني بعبدٍ صرتُ مولىً لرفْقَتي |
|
فلبّيت داعيها وأسرعت نحوها |
وجئتُ صحابي من سَناها بجَذوة |
|
وما كنتُ لو لم تهدني لسبيلها |
بمهديِّ الهدى للناسِ من بعدِ ضَلة |
|
ولـمّا وردنا ماءَ مَدينَ حبِّها |
وجدنا عليه للهدى خيرَ أُمَّة |
|
يذودون عنه كلّ سالٍ عن الهوى |
ويسقون منه كل صبٍ بصبوة |
|
فنلتُ بهم علَّاً على نَهْلِ الهوى |
وقد كنتُ أرجو أن أفوز بنهلة |
|
ومِلْتُ على ريٍّ إلى الظلِّ أبتغي |
غنىَ الفقرِ من ذاتِ العطايا السَنيَّة |
|
مُحَجَّبةٍ لـمّا اختفتْ بجلالها |
عن الوهم أبداها الجمال لمقلتي |
|
فأُثْبِتُ في محوِ العَيان عيانَها |
بنفي حدودِ الأينِ في حالِ رُؤيتي |
|
وأُشهدني عَيْبي حضوراً وغيبةً |
وحاشا لها من غيبةٍ بَعدَ حَضْرَة |
|
ولكن كِلال الطرفِ بالسَّقمِ في الهوى |
أراني مغيبي في شهادتِيَ التي |
|
وإنَّ ضياءَ الشمسِ عندَ طلوعِها |
لمحتجِبٌ عن كلِ عينٍ عَمِيَّة |
|
وشاهد عيني في عياني لذاتها |
كَذَاتي شهيدٌ في حضورٍ وغَيبتي |
وإن كَذَبَ النفسَ العيانُ لعينِها |
تبصّرتُ في رؤيا الكرى برويَّتي |
|
وأيقنتُ أنّ اللطف منها دنا بها |
خيالاً لعيني بالكرى بعد هجعتي |
|
فجرَّدتُ معناها المصوَّرَ إذ بدا |
كصورة حد الأين من كلّ صورة |
|
ونزّهتُ عن كون المكان كِيانَها |
وأوصافَها عن رؤيةِ الحديثة |
|
وأعطيت معناها التقدّم في الهوى |
على نورِها الموصوفِ بالأزليَّة |
|
وأفردتهُ من غير فصلٍ ولم أقُلْ |
مع الوصل إنّ النورَ غيرَ المنيرة |
|
أُقيم لها وجهَ الزمان مصلِّياً |
بتوحيدها في ذاتها الصمدَّية |
|
وأُثبت في المِثلِ الظهور إذا اختفى |
المثال وأنفي مَزْجَهُ بالهوية |
|
وأنكر من ليلى الحلولَ بحُلّة |
ترحِّلها عنّا مطايا المنية |
|
ولستُ كمَن أمسى على الحبّ كاذباً |
مضرّاً لأصحاب العقول السخيفة |
|
يمين على الجهّال من عُصبة الهوى |
بنسبته في الحبّ من غير نسبة |
|
ويوهِمُ وصلاً من سليمى وقد رمى |
به التيه عنها مُبعَداً بالرمية |
|
ويزعم طوراً أنّه عينُ عينها |
ويُنكر طوراً أنّها فيه حلّت |
|
فيجمع ما بين النقيضين جَهْلَةً |
وذاكَ محالٌ في العقولِ الصحيحة |
|
ويَعْدِلُ عن عدل الهوى بادِّعائه |
اتّحاداً لأعيان الوجود الكثيرة |
|
وكيف يصحُ الاتّحاد وشاهدُ الـ |
عيان على الأضداد بعض الأدلّة |
|
وما الحقّ إلاّ ما أقول فإنْ تُرِدْ |
زوال الصدى رُدْ في الغرامِ شريعتي |
|
وخُذْ في الهوى عنّي حديث هوى التي |
محاسنها عن ألسُنِ الوصفِ جَلّت |
|
بديعةُ حُسنٍ دَقّ معنى جمالِها |
وعنها بدتْ كلُّ المعاني الدقيقة |
|
قضى جودُها فيضَ الوجود فأظهرت |
مشيئتها قِدماً حجابَ المشيئة |
|
فقام له من نورِه بابُ رحمةٍ |
بَدَتْ عنه ذاتُ الرتبةِ الألفية |
|
فكان به كونُ النقيبِ وعن سنا |
نقيب الهدى صارَ انتجاب النجيبة |
|
وعنه بدا مختصُّ عالَمِ قُدسها |
وعنه تَبدّى مخلّصٌ في المحبّة |
|
وممتحَنٌ في الحبّ الذي كونه بدا |
بمخلصها أبدى الفطور لفطرتي |
|
وأتقنَ بالأقدار من ربّة الخبا |
صنائعَ ما شاءت بغير روية |
|
بُدورً بدَت من غير نقصٍ لِهَدينا |
إلى عود أعياد اللقا كالأهِلَّة |
|
وأبدت سِراراً في العيون ولم تزلْ |
على الأوج في أُفق البروج العَلِيَّة |
ولم تسكنِ الأجسامَ عند ظهورها |
لأبصارنا بالصورةِ البشرية |
|
ولا خُذِلتْ بالقهر بعد انتصارها |
ولا عَجَزتْ في ذاتها بَعدَ قُدرة |
|
أدلةُ قلبي في هوى مَن بحُسنها |
على حسنها كلّ الأدلّة دلّت |
|
ولو لم تكن عينَ الدليلِ لعينِها |
وحجَّتها لم تُبدَ فيها محجّتي |
|
ولستُ دعيَّاً بانتسابي إلى الهوى |
وقد ثبتت عند المحبّين نِسْبَتي |
|
فإنْ شئت أن تحظى بحلّ رموزها |
عقدتُ عليه في الغرام عقيدتي |
|
فلُذْ بأمينٍ لا يميل عن الهوى |
يُبِنْ لك بَعدَ الغيِّ رُشْدَ طريقتي |
|
فإنْ تَغْدُ مولوداً له رُحتَ والداً |
لنفسٍ بمفهوم الغرامِ تزّكت |
|
ومَن قَطعَ الأميال في حبّ عَلوةٍ |
تناهى إلى ميقاتِ أهل المحبّة |
|
ولـمّا ينَلْ عند الوصالِ وصالها |
مُيمّمها إلاّ بعقر المطيّة |
|
وما الحجّ في شَرع الهوى غيرَ صورةٍ |
تُعبِّرُ عن كونِ المعاني الخفيّة |
|
سبيل الهدى للسالكين سبيلُه |
وأميالُه أقمارُ شمسِ الأبوّة |
|
وخيرُ دليلٍ للرشادِ دليلُه |
وصحبتُه للمهتدي خيرَ صحبة |
|
وزاد التقى عند المحبّين زاده |
ومركوبهم فيها مطايا العزيمة |
|
ومشعره المستور عن غير شاعر |
بما اقترضته بالغرام قريحتي |
|
وفي حجره حَجْر على كلّ لائذٍ |
به أن يوالي عصبةَ العصبية |
|
صفاه صفاءُ القلبِ من كدرٍ به |
ومروته فيها كمال المروءة |
|
وزمزمهُ ميم طميس بمائها |
يزول الصدى عن كلّ نفس زكية |
|
وكعبته ميم بنار بياضها استَعدّت |
لإبصار الجمال بصيرتي |
|
وغايته من غاية الحسن ظاهر |
لباطنه المحجوب عن كلّ مقلة |
|
وإنّي لممّن حجّ كعبة حُسنها |
وأكملتُ حَجّي في هواها بعُمرتي |
|
وفي عرفاتِ الوصلِ عرّفني الهوى |
مقام ازدلافي في الغرام بزُلفتي |
|
وإنّي لفي أوجِ الغرامِ بحبّها |
وإنْ سفّه الجهّال بي نقصَ رتبة |
الرائية الكبرى أو الشمسية
ومغرب الشمس ومشرق القمر |
وكوكبِ الصبحِ إذا الليل دَبرْ |
|
والفتْقِ بعد الرتقِ والسكونِ والت |
حريك والمقدور فيه والقدر |
|
والخنّس الكنّس في أفلاكها |
وما طوى منها الضحى وما نَشر |
|
والمدّ في العيان للظل الذي |
على الصفاء دونه العقل قَصر |
|
وسرِّ إعلان الهدى في ستره |
لـمّا بَدا وكشفه لـمّا ستر |
|
وعود عيد العهد في أسبوعه الد |
ائر في شهوره التي شهر |
|
والكرّة البيضاء في رجعتها الز |
هراء والداعي إلى شيء نكر |
|
لقد شهدتُ عالَم الغيب ومَن |
حلّ به مشاهِداً على النظر |
|
لم يغوِ فيما قد روى فؤاده |
وما رآه عنه ما زاغَ البصر |
|
وزار بي مشاهد الغيب الذي |
غيّبني بي عنه فيه إذ حضر |
|
فَلَاحَ لي صبُح فلاحي في دجى الـ |
ستر بنور وجهه قبل السحر |
|
وراحَ بي مؤيّداً بجنده الـ |
خميس يوم جمعة السبت الأغر |
|
مراتبٌ سبع وفيها ضربها |
منازل والهاء في الغين نفر |
|
أسماءُ حجب آي أنوار السما |
شموسُ أفلاك الغمام المعتصر |
|
مشارق مغارب أقمارها |
أهلّة نجوم رعد للمطر |
|
بروقها صلاتها زكاتها |
صوم وحجّ هجرة لِـمن هجر |
|
جهادها دعاؤها جبالها |
والمعصرات والبحار والنهر |
|
رياحها سحابها صواعق |
ليل نهار بالغداة قد سفر |
|
عشيها غدوّها آصالها |
سبلها أنعامها فيها زمر |
|
دوابّها إبلها ونحلها |
والطير في صامع لا من مدر |
|
بِيعها بيوتها مساجد |
والنخل والأعتاب رزق وسكر |
|
رمّانها وحَبّها وتينها |
زيتونها ظل ظليل وثمر |
|
هنّ السماوات العلى لسبع أر |
ضين بهنّ ماء غاديها انهمر |
|
مقرّب به الكروبي غَدَا |
مروّحاً مقدّساً براً وبر |
|
وسائحٌ مستمعٌ ولاحق |
هُم الـمَقَرُّ لفتىً بهم أقر |
عديدهم بضرب ما للغين في الـ |
قاف وفي الياء وفي الطاء انحصر |
|
جنّات عدن فُتحت أبوابها |
لِـمن غَدت أركانها له وزر |
|
فيها بإسلامي غدوتُ مؤمناً |
وصار مستودعُ علمي مُستقِر |
|
ورحتُ مستودع أسراري بها |
مستحفظاً فازَ بخير الـمُختبر |
|
ورحتُ بالفرقان والإيقان والـ |
وجدان مستحفظ خبر المختبر |
|
معنى قديم بالحديث مشهد |
لناظري مغيّبٍ عن الفِكر |
|
فمنهُ ما عنه غدوتُ سامعاً |
والعين أغنتني به عن الأثر |
|
منفرداً منزّهاً مجرّداً |
عن الأسامي والصفاتِ والصور |
|
لم يجرِ ما أجرى عليه لا ولا |
ساواه في الرتبة ما عنه صدر |
|
جلّ عن التحويل والحلول في |
الأين وعن هجر مقال مَن هجر |
|
ليس بمسبوق الوجود جوده |
لذاك لا ينفدهُ مرّ الدهر |
|
شاء فأبدى للبدا مشيئةً |
فاطرةً بأمره أصلَ الفِطر |
|
القلمُ الجاري الذي مِداده |
لأحرف التنزيل في اللوح سطر |
|
وحل من تركيبها بسائطاً |
في قبضها البسط لأرواح البشر |
|
له بهم فيّ عَليّ شاهد |
غادرني في مأمني على حذر |
|
ومكرُ فكري في خفي مكرِه |
من خاطري فيه أنا على خطر |
|
قدّرهم بجوده أودية |
فسالَ منها كلّ وادٍ بقدر |
|
فاحتملَ الآخر منها ماكثاً |
بنفعه ينفي عن الناس الضرر |
|
أهبَطَهُ من راحة الظلال في |
دار الفنا اختيارُه عند النظر |
|
ملّ السكون فغدا محرِّكاً |
عن عَلمي نجدٍ إلى غَور الغير |
|
لو ارتضى ظِلّ الغَمَام لم يبت |
من بعد حيّ الأنس في القفر الوعر |
|
وإنّما باللطف إذ عاوده |
مذكّراً من بعد نسيان ذكر |
|
معراجه في كوره ودوره |
إخلاصه وبرّه لكلّ بر |
|
والصدق والتصديق والإسلام والـ |
إيمان والإحسان من غير ضجر |
|
والزبد الرابي الجفاء ذاهباً |
عن مذهب الرشد إلى الغي نفر |
|
أورده العدل بسوء ظنّه |
من الردى ما صدّه عن الصدر |
|
هَديَ سبيلي رشده وغيّه |
مخيّراً فيما يرى وما يَذر |
حتى إذا جَاز بظُلم نفسه |
قال على الجور إلى العدل جَبَر |
|
بالظل ذي الثلاث مركوساً إذا |
علا به التكوير في الدار انحدر |
|
بالسبع في السبعين مسلوكاً إذا |
أُخرج من غمٍ أُعيد في أشر |
|
أدبر واستكبر ظلماً فإلى |
صغاره آل صغيراً إذ كبر |
|
وعن مواليه تولى ولدى |
إعطائه أكدى عبوساً وبسر |
|
شرى بما استحسن عوناً حاملاً |
لوزره فضَّل عنه وخسر |
|
علا بتيهِ التيهِ عن طاعةِ مو |
لاه فما أخفرَه تلك الخفر |
|
بدَّل بعد العز ذُلاً فغدا |
من بعد ما كان مهاباً محتقر |
|
أسلمه المال إلى مالك في |
قعرِ جحيمٍ نحوه تُرمى الشرر |
|
وظنَّ أنَّ ماله أخلده |
فكان ما ظن ولكن في سقر |
|
دار متى دارت بحيٍ لم يجد |
من الردى عمر المدى عنها مفر |
|
فحرُّها مستعرٌ ببردها |
وبردُها للأبحُر السبعِ سجر |
|
فيها الجمادات مذابات إذا |
التفت بها في ظل أفنان الشجر |
|
محل من عن طاعة الله أبى |
مستكبراً فباء منها بالصغر |
|
عيونها السبع حميمٌ ماؤُها |
والظلُّ ذو اليحموم طاويها الأشر |
|
جهنم هاوية جحيمها |
لظى سعير زمهرير وسقر |
|
نعوذ بالإقرار من قرارها |
وشر تقرين ذويها في الزبر |
|
حميت إلاَّ مِن حمى أنفاسها |
وذاك ما ألقاه من برد وحر |
|
جاورتُها بذلتي لتوبتي |
فأصبحتْ لي جنَّةً ذاتَ خُضَر |
|
أنعمُ فيها بشقاء أهلِها |
وسجرُها بهم لحرِّيْ قد أقر |
|
لأنني في حالة الظاهر والـ |
باطن للمشهد بالغيب مُقِر |
|
رأيتُ في عين اليقين رؤيةً |
عن زين عينيَّ نفت شَيْنَ العور |
|
لم يطغَ فيها بصري مجاوزاً |
عن رتبتي وإن تناهى بي السدر |
|
فما رأى ما قد رأيت غير من |
من وحشة الأنس إلى الجن فر |
|
وصار جنّياً وليّاً لشيا |
طين سليمان الأُلى غاصوا البحر |
|
سعى لسمع الذكر وانقاد إلى |
دعوة عبد الله منهم في نفر |
|
أبوهم جدي وهم لي رحمٌ |
موصولة بالنار ليس تنبسر |
عدمت أُنس الإنسِ لافتخارهم |
على الصفا النير بالطين الكدر |
|
تباً لـمَن أصبح في تقصيره |
عن العُلى يفخر بالعظم النخِر |
|
هيهات أن يفهمني غير فتىً |
حج كحجي وبعُمرتي اعتمر |
|
والحج قصدٌ ظاهرٌ بباطنٍ |
له معانٍ بالرسوم تُعتبَر |
|
يا حبّذا الحجُّ الذي استمتعتُ بالـ |
عمرة فيه وقضتْ نفسي الوطر |
|
وحبَّذا به وضوئي لادا |
فريضة جلَّ عليها المصطبر |
|
والصلوات الخمس في أوقاتها الـ |
خمسة، والخمسة عَوْنُ من صبر |
|
نعم ، صلاة أجزلت صلاتها |
لـمَن على قيامها الدهر اصطبر |
|
لا يفسح التقصير فيها لسوى |
مَن لم ينل شأو ذويها للقصر |
|
أقمتها والغير ساه للصدى |
بسمعه عن دعوة الحق وقر |
|
ومذ شهدتُ الشهر صرت صائمَ الـ |
دهر وإفطاري إخراج الفطر |
|
مستشرق الشموس من أيامه الـ |
غر وأقمار لياليه الغرر |
|
هذي إشاراتي اللواتي استغمضت |
فلا ترى من غير باب معتبر |
|
كل لبيب عارف بسرها |
وإنما ينكر معناها الغمر |
|
طوبى لـمَن زار رياضَ طيبة |
تلك البيوت وهو عارٍ متزر |
|
واستلم الأركان بالتسليم للـ |
ثاوي بها وفي الصلاة ما قصر |
|
ومنح الخمس من النصاب من |
آل إليهم فتزكّى وطهر |
|
ودان بالتوحيد في تثليثه |
بأحدٍ وواحدٍ وما فطر |
|
فوحّد المعنى وقدَّس اسمه الـ |
أعلى وللوصف تلا كما أمر |
|
وعرف الأيام والذكرى بها |
وما تجلى في ضحاها واعتكر |
|
للشيء تعريفاً ومنه نسبة |
وعنه تمييزاً به اسماً شهر |
|
كهو بيان العدل في تكليفه |
فيه بفضل غامر الكون عمر |
|
تجلياتٌ واؤه عَبَرَتُها |
وهاؤه جهاتها للمعتبر |
|
لم، كيف، ما، كم، أين والخَمسُ لمـَن |
بالست إذ حاد عن الحد أسر |
|
حم تنزيل الكتاب رقّه الـ |
منشور في طي الدجى الذي انتشر |
|
اسم لمعنى فعله بحرفه |
مبتدأي كون الورى له خبر |
|
صبت إذا استصبى القلوب نحوه |
حنيفة هاد إليها من نصر |
وفي لؤي لويت أنواره |
من دار سابور فقرَّت في مضر |
|
بها أرسطو في ذرى أفلاطونه |
بنجمه للزاهريين زهر |
|
وفي قباب الصين أي قبة |
شيدها لبهمن منوشهر |
|
موبذ نار قدسها المعنى الذي |
لقبة الحكمة بالهند اعتمر |
|
بُدّي الذي ما عنه لي بدٌ ويز |
داني الذي بناره قلبي استعر |
|
وسائل عن خِرقتي فإنها |
بكرية راجعة إلى عمر |
|
فيها بعثمان غدت ولايتي |
لحيدر بريئة من الهذر |
|
طلحتها القصد وعن حدودها |
حد الزبير الملحدين وزبر |
|
وعبدها بحبه تعبدي |
وإن قلاه من عن الحق انبتر |
|
وسعدها فوز سعيد لأبي |
عبيدة الأمين والى ونصر |
|
ورافضٌ لسنتي بجهله |
يذم من لسعيه اللهُ شكر |
|
مهاجر المهاجرين خاذل الـ |
أنصار للعدل على الجور أحر |
|
قد ألبس الإيمان ظلماً ظاهراً |
بقطع ما بوصله الله أمر |
|
فيها غدت مسكنتي مُسكنتي |
غضي الرضى والفقر سنّى لي الفقر |
|
يا حسنها من خرقة بلبسها |
خرقتُ ثوب اللبس عني فانحسر |
|
وأصبحت طريقتي حقيقة |
سارت بها في فِرَق الجمع السير |
|
ألبسها محمد مفضَّلاً |
وهو إلى محمّد بها أسر |
|
جاء بها جابر عن يحيى وفي |
كنكر ألقى رحلها فتى هجر |
|
وفي اقتراب ساعة الشمس بشخـ |
ص سينها بقيسها انشق القمر |
|
وقيل فصل الامتزاج جاء جبر |
يل بها وبيت ياييل عمر |
|
ومن حمى حام إلى دان دنت |
ونجل سمعان بها منه اِتَّزر |
|
دحية والليل من عنعنها |
عن آدمٍ إلى الإمام المنتظر |
|
يا بأبي غرابها القاتل والـ |
مقتول والقبر الذي له احتفر |
|
مقرها أنجى المقر مُهِلكاً |
لعقر الباغي الذي له عقر |
|
قدوم إبراهيم صاع يوسف |
سارقه العصا وصفراء البقر |
|
والهدهد المرسل والخاتم والـ |
نملة والكالي لمَن بالكهف قر |
|
ما هَانَ مَن ماهانُ فيها شيخُه |
ومن بني بشار وافته البشر |
فيها غدا معروفُ معروفاً وكم |
فيها السري مطلق البال أسر |
|
وأصبح الجنيد من جنودها |
وشبله الشبلي بالنار اختبر |
|
جِنانها جَنانها أخصبها |
بابن الخصيبي فَزَها بها الزهر |
|
وبالولي مَن توالى قومها |
أخمد من نار الضلال ما استعر |
|
كل جهات قصدها واحدة |
لخاطر فيها بسلطان خطر |
|
حيّ على تصوفٍ بمثله |
فليطل العجب لأرباب القصر |
|
حيّ على مورد عين عذبت |
ما دونها ريّ ولا عنها صدر |
|
حيّ على معرفتي لأنها |
عصا هدى تلقف ما الجبت سحر |
|
فيها بتقليدي غدوت عارفاً |
بمضمر المظهر في آي السور |
|
تبصّرتْ لمبصرٍ محجّتي |
وحُجّتي عِبرة مَن لها اعتبر |
|
لا مفخرٌ لِابنِ أبٍ ولا اِبـ |
نِ الأبوينِ فهي نِعمَ المفتخر |
|
لا يستطاع قرع أبكار لها |
لغير من بنفسه القصد مهر |
|
كل لبيب رام كشف سترها |
بحدسه أصبح مفضوح الحصر |
|
لأنني كفرت أعمالي فأو |
ردت سراباً عنده الله حضر |
|
وإذ رأيت الكفر للإيمان إتما |
ماً غدا المؤمنُ عندي مَن كفر |
|
عدلي عن العدل الذي صيّرني |
موالياً في الناس جبّاراً قهر |
|
رغبت في النار فرحت زاهداً |
في جنةٍ بوعدها غيري يغر |
|
أمنت طاغي الماء في أظلة |
منها غدت ألواح فلكي والدسر |
|
على الخليل ظاهر سلامها |
لَمَّا لَظاها بمعاديه استعر |
|
شهدت فيها ذَبحه وذِبْحه |
وما به في رؤية الذبح ظفر |
|
ورؤية الصديق والأخوة والـ |
جب ومن فهم له فيه طمر |
|
والوارد المدلي إليه دلوه |
حتى رأى بهاءه الذي بهر |
|
والثمن البخس الذي بيع به |
ولم غدا عبداً ولم يبرح حر |
|
ومن به هام وما النسوة |
والأيدي التي منهنَّ مراه بسر |
|
وقمصه والدم والقد وما |
رد ليعقوب به نور البصر |
|
ومصر والأبواب واختلافها |
ومن إلى عزيزها فيها عبر |
وما الذي أسجد يعقوب العُلى |
ليوسف وهو النبي المعتبر |
|
وأم موسى إذ رمت تابوته |
ورده وعينها التي أقر |
|
ووكزه المصري والخوف الذي |
أظهر عند موته حالة فر |
|
ومدين والظل إذ آوى به |
ومَن إلى استنزاله الرزق ابتدر |
|
والأجل المقضي والسير وما |
آنس فوق الطور من عليا الشجر |
|
وكيد فرعون و ما السحر الذي |
جاء به ومَن به البحر عبر |
|
والتيه والغمام والـمَنُّ به |
وباطن السلوى وأعين الحجر |
|
وقبة الزمان والصرح وما |
غادر في الصندوق موسى مدخر |
|
وآية التابوت والألواح إذ |
جاءت وفي الإلقاء ما منها انكسر |
|
والسامري وخوار عجله |
ونسفه في اليم لـمّا صار ذر |
|
وقتل داوود لجالوت وطا |
لوت وما النهر الذي عنه نهر |
|
وما الذي أوّب من جبالها |
والطير والعود وكم فيه وتر |
|
وصاحب الملك الذي لا ينبغي |
إلاَّ له أين ثوى حالة خر |
|
وما الذي غادره في طلب الـ |
عرش وقد كان غنياً مفتقر |
|
وغسل أيُّوب وظِل يونسٍ |
وشيخ يحيى إذ شكى وَهْنَ الكبر |
|
وحمْل عيسى وصيام أمه |
ومهده ونطقه عند الصغر |
|
وباطن الصليب والملقى على |
ظاهره بالصلب لـمَّا أن كفر |
|
والكهف والرقيم والفتية والكالي |
وما أظهر منهم وستر |
|
وسير ذي القرنين واَتِّباعه إلا |
سباب والسد الـمُشاد والزبر |
|
ونورُ نارِ بيّن في محوه الأذى الَّـ |
ذي لا دجن به بهر |
|
ومن أتى من طور سيناء إلى |
جبال ساعير وفي فاران قر |
|
والصحف الأُولى وتوراة الرضى |
موسى وإنجيل المسيح والزبر |
|
وباطن القرآن والفرقان والتنـ |
زيل والتأويل سر مستسر |
|
وناسخ الآيات والمنسوخ والـ |
محكم والمشبَّهات بأُخر |
|
وأحرف النور التي إعجامها |
معرَّب الحكم بآخر الزمر |
|
ولم غدت أسماء الاسم دون ما |
اختص به المعنى إماماً للسور |
|
وما غدا في رمضان منزلاً |
وما الذي أُنزل قبل في صفر |
وكل أيام الكتاب لمعا |
د الخلق مثل القمطرير والعسر |
|
ويوم ضرب النون في الغين وما |
يعرج فيه وبغين ما حصر |
|
وما السموات التي تعدّدت |
وما لها الفطر وما لا ينفطر |
|
وما طوى السجّل بالنظرة في |
الليل البهيم من كتاب منتشر |
|
والسائرت الدائرات والأولى |
عند انفطار ما حواها تنكدر |
|
وموقف الأعراف والقرآن واللوا |
ء والحوض وماؤه الخضر |
|
والمؤمنون والخلود فيهما |
من أجل إيمانٍ تبدّى فكفر |
|
والقسط والصراط والميزان والنْ |
نَاكب والنافخ إثر من نقر |
|
رويت عن زيد حديثاً ظاهراً |
رأيته فصدّق الخُبر الخَبر |
|
عدول قومي شاهدون مشهدي |
إن غاب عنه الفاسقون لا ضرر |
|
على العيان ما شهدت لم يكن |
وهماً وتقليداً وحَذَر من حَذر |
|
وكلُّ ما رويته شاهدُه |
آيُ الكتاب أو حديث أو أثر |
|
لم ألبس الباطل بالحق كمَن |
يستاك بالطيب وفي فيه بخر |
|
ما صدني عن صوت داعيه الصدى |
ولم يُؤخّر قدمي عنه الخور |
|
دخلتُ بابَ حِطّةٍ في خُطّة |
مسجد سمعي وفؤادي والبصر |
|
بسُّنةٍ لا تقبل النسخ وآ |
يات كتاب طيُّها فيّ انتشر |
|
صدق يقيني خصني بعلمه |
وعينه وحقه لـمّا استمر |
|
وسائلٌ أجبته إن كنت مَن |
يعرفُ ما أجْنِحَةُ الرسلِ فَطِر |
|
أو فسِّر الإسراء والحرام والأقـ |
صى إلى أسِرَّة الخُلدِ فسِر |
|
وإن عرفت الموت مُت تحيى به |
وأمسِ له عبداً به تصبح حر |
|
وبالنعيم أنعم وجانب الشقا |
وَوَزرُ زوَّارِ القبور لا تزر |
|
أو إفقه الإفراج والمزاج والمثـ |
ال والمثل عن الغر فغر |
|
أو فزت بالعدل والإحسان والقر |
بى فعن قصد السبيل لا تجر |
|
وإنه عن الفحشاء والمنكر والإنكـ |
ار والبغي وبالمعروف مر |
|
وإن ترد دار البقاء بسوى |
بني نمير الفائزين لا تدر |
|
فإن غدوت رائداً لوردهم |
فَأَلُ إلى الآلِ وللبرّ فبر |
|
لو سمع السامر بعض فضلهم |
بغيرهم بين البرايا ما سمر |
أو شعَر الشاعر بالمجد الذي |
خصوا به بمَن عداهم ما شعر |
|
أهل الوفا والرفق إخوان الصفا |
والصدق غيث الجدب أرواح البشر |
|
يا طالب الري إلى آلهم أَ |
لُ تلق بحراً بالفرات قد زخر |
|
وكن برفض الشحِّ مستنَ السخا |
بالنفس تلق فيه ربح المتجر |
|
وتنثني حلاً بأحلى بلد |
حرامه لناظر العيش أقر |
|
ومِلْ إلى بابهم بلا مرا |
ومن عدا نهج أبي ذر فذر |
|
وبائن الميل ومل عن مللٍ |
واصحب إليه بالرواح من بكر |
|
وارق إلى سطح سطيح تجد الـ |
جنّات والولدان فيها والسرر |
|
وخض ببحر لبُحيرا تلق في |
قراره من اليواقيت بدر |
|
وقِسْ على قِسٍ ورح مواسياً |
أويس بالنفس ولله فقُر |
|
معتقلاً رمح عقيل طالباً |
لطالبٍ وجعفراً من البحر |
|
فما قضى للحق حقاً من قضى |
نحباً بحب غيره والنفس غر |
|
رقيت في الأسباب حتى صرت مِن |
فوق السحاب طرت عن كون القمر |
|
وجبت بالآفاق آفاق السما |
وات العُلى مراجِعاً فيها النظر |
|
ففُتُّ مِن فيها رأى تفاوتاً |
وهل يرى كيوان أعشى ذو سدر |
|
يظن بيْ الجامدُ أني جامدٌ |
ولو رأى رأى السحاب في الممر |
|
تطرب سمعي نغمات مسمعي |
وناظري يرتع في الروض النضر |
|
ببدر بدر جليت غياهب الأحـ |
زانَ عن عيني ومرّ العيش قر |
|
فهل إلى قصيدتي من قاصد |
فنظمها بكل معنى قد نثر |
|
ذات بيان معجم إعرابها |
عبرت فيها عن تصانيف العبر |
|
فراستي فريسة لدورتي |
في دستبندى تحت إكليل الخُضُر |
|
فاعل على أرجوحتي مكللاً |
تصبح في بيضاء حيني مبتكر |
|
وأْت بيوتي من لدى أبوابها |
فإنها مفتوحة لمن عبر |
|
بكل بيت شدتُ قصراً آهلاً |
بقاصرات دونها الطرف قصر |
|
وفي فراتي كل بئر عُطِّلت |
فيها اليواقيت وأيتام الدرر |
|
يتيمة الدهر التي كافلها |
وَلِيُّ ذي الكفل وصاحب الخضر |
|
بكر على الأيام لا يقرعها |
غير خبيرٍ بالذي لها اختبر |
جرت معانيها الصعاب سهلة |
إلى معانيها كميل منحدر |
|
هل شافع في زمني بمثلها |
فإنها وتر المدى الذي غبر |
|
إيرادها عند اللبيب ساخر |
ممّن لفا فيها ومن فيها سخر |
|
ظاهرها يسرُّ كلَّ سامعٍ |
ولو وعى باطنها كان أُسر |
|
ختامها مسك فهل منافس |
وإنما المزكوم يجهل العطر |
|
أبرزتها لحرب من ناصبني |
في نصرة الحق فولَّاني الدبر |
|
جيش قريض ضمُّه بفتحِ تو |
حيد العليِّ راية الشرك كسر |
* * *
وإذا انتقلنا إلى أشعار العلويين المعاصرين، رأيناها تدور في أغلبها حول النقاط التالية:
1 - موالاة آل البيت والاستنان بسننهم الطاهرة.
2 - مدائح نبوية للنبي (صلّى الله عليه وسلّم) ولآل البيت الأطهارعليهمالسلام .
3 - الحض على ذكر الله، والتقوى، والعمل الصالح، ومكارم الأخلاق.
4 - محاولات تقليد الفلاسفة المسلمين، في الحديث عن النفس شعراً.
5 - الزهد.
6 - توسلات وابتهالات دينية.
7 - التقية.
وتطالعنا من خلال هذه المواضيع، شذرات من آرائهم التي تدل على حقيقة معتقدهم، ممّا يؤكد إسلاميتهم وتمذهبهم بمذهب آل البيت.
وفي ما يلي بعض الشواهد الشعرية التي تمثِّل حقيقتهم خير تمثيل:
الشيخ إبراهيم عبد اللطيف (ت 1915م)
كم شجيٍّ أسال بين الطلول |
حرّ دمعٍ لبينهم مطلولِ |
|
سارت العِيس بالأحبةِ عنه |
فتمشّى الفؤادُ إثرَ الحمول |
|
شرق الجفن منه بالدمع لما |
شرق الربعُ فيه بعد الرحيل |
|
فهو بين الرسوم يُمسي ويُضحي |
رهن حالين زفرةً وعويل |
|
حاضرُ الشخصِ نازحُ القلبِ حيـ |
رانُ قصيُّ الحبيب دانِ العذول |
|
مستعيضاً عن الشراب سراباً |
وعن الحيّ رثِّ رسمٍ محيل |
|
سائقَ الظعن إنْ مررتَ بنجدٍ |
خل عن ذكر حوملٍ والدخول |
|
واعطف الركب نحو حيِّ سعاد |
حيث بُرءِ الضنى وبَردِ الغليل |
|
حيث تهوى الركبان فوق قلاص |
ضامرات من وخدها والزميل |
|
حيث تهوى القلوب من كلِّ فجٍ |
لتنال القبول بالتقبيل |
|
حيث عينٍ المها منيعةُ وصلٍ |
بين سمر القنا وبيض النصول |
|
لهفَ نفسي متى أفوز بقربٍ |
يشتفي فيه داءُ قلبٍ عليل |
|
ليس إلاّ ولايتي واعتصامي |
لسفين النجاة آل الرسول |
* * *
الشيخ سليمان الأحمد (ت 1942م)
يا ساكنيْ النجفَ الشريفِ عليكم |
من ذي الجلال تحيةٌ وسلامُ |
|
حبِّي لكم في الله يذكي غرسه |
بفؤادي الإيمان والإسلام |
* * *
فكّرتُ فيما يريحُ الفكرَ من وصبٍ |
وينقذُ القلبَ من همٍّ ومن حَزَنِ |
|
فما وجدت فتىً يصفو له زمنٌ |
ولا أخا منحةٍ يخلو من المحن |
|
ولم أجدْ راحةً للنفسٍ كاملة |
ضمن الشرائع والأسفار والسنن |
|
إلاَّ التقية والتسليم يعضده |
صدق الولاء يقيناً في أبي الحسن |
* * *
إنْ ترهبِ الموت فما بعدَه |
أسرُّ للأنفسِ أو أرهبُ |
|
فاغتنم الوقت لفعل التقى |
فإنما عمر الفتى يُنهبُ |
* * *
سيأتي عليك اليوم لا ليل بعده |
أو الليلة الليلاء ليس لها صبحُ |
|
فمَن ربح التقوى، ولو خسر الدُنى |
فإقتاره يُسرٌ وخسرانه ربحُ |
* * *
لا يفخرنَّ أخو التنسُّك |
بالعبادة والزهاده |
|
أنا في اعتقادي كل فعلِ |
الواجبات من العباده |
|
مثْل الفقيه بدينه |
مستنبطاً، بذَل اجتهاده |
|
رجلٌ يسود قبيلةً |
أدّى بها حقَّ السياده |
|
وأميرُ جيشٍ باذلٍ |
دمه يصون به بلاده |
|
ومعلم الأولاد يُكثر |
في رقيِّهمُ اجتهاده |
|
وكذاك راعي السِّربِ |
يدأب مخلصاً عنه ذياده |
|
كلٌّ يوفَّى حسب منزله |
غداً أجر الإجاده |
|
ومن السعادة أن تكون |
مُلهماً طلبَ السعاده |
* * *
مالي عرفتُ معايبي |
فضربت عنها الذكر صفحا |
|
وطفقتُ أشرح ما أرا |
ه من عيوب سواي شرحا |
|
وغدوت أسهِب كي أحطَّ |
مقامه طعناً وجرحا |
|
هذا وداعي العقل يز |
جرني فأطوي عنه كشحا |
|
لم يألني حر الضمير |
عن اجتناب القبح نصحا |
|
أبذاك تأمرنا الولا |
ية ربنا عفواً وصفحا |
* * *
الشيخ عبد اللطيف سعود (ت 1954م)
تفكَّر إذا صلَّيتَ فيما تقوله |
فلَلْنوم خيرٌ من صلاةٍ بلا فكرِ |
|
وإنْ صمت فاطعم جائعاً واكسِ عا |
رياً وإلاّ فخلّ الصوم للجاهل الغمر |
* * *
إن كنت تطمع بالنجا |
ة لدى الإله ولا نجاه |
|
فاعمل بذي وبتلك فيما |
قد أُمرت تنل رضاه |
|
ودع الرياء ولا تكن |
إلاّ بذكر الله لاه |
* * *
أيُّها القائلون بالإلحاد |
لا هُديتم إلى سبيلِ الرشادِ |
|
مَن تُرى علَّم الخلائق أم |
مَن قد أناط الأرواح في الأجساد |
|
ما هي الروح كيف تحيي مواتاً |
هو طبعاً بدونها كالجماد |
|
جمعت فيه بين ماء ونارٍ |
وأرته الأشياء ضمن الرقاد |
|
مَن تُرى علَّم الطبيعة حتّى |
ألَّفتْ بين هذه الأضداد |
* * *
الشيخ أحمد محمد حيدر (ت 1975م)
النفس البئيسة
بين نعمى العرفان والتوحيد |
إهنأي في عوالم من خلودِ |
|
وافتحي العين للضياء فقد |
أشرق ملء الرُّبى وملء النجود |
|
تستنيري بومضة العلم، رفَّتها |
معاني الإيقان، والتجريد |
|
فتكوِّني من شُعَّة القدس |
رعشاتِ ضياءٍ بمظلمات وجودي |
|
آه يا نفس والطريق وعير |
آمتٌ بين مهْبَطٍ وصعود |
|
وثغور الورود آهٍ من الأشواك |
تُنحَّي على ثغور الورود |
|
واشتباك الأحراج يمنع ضوء الشـ |
مس رغم الضحى البهير المديد |
|
وزئير الأسود تمزج فيه |
نغمات التلحين، والتغريد |
آهٍ للمفرد البئيس إذا ما |
اجتاز بيداءَ عن آلافِ بيد |
|
سائر والكلال يأخذ منه |
بين شقَّي أساود وأسود |
|
عضه الويل، والمخاوف والضر |
بأدهى سلاسل وقيود |
|
مَن وُبِيء المزاج، من مزعجات |
الجسم، يأوي إلى المقر اللدود |
|
أين منه الإخلاص، أيسر ما ير |
جوه، من دونه طويل الهجود |
|
لا ينال الخلاص، إلاَّ ولاء |
عارف، جلَّ عن خمود الجمود |
|
عمَّ آفاق نفسه فهو منها |
مشرق الشمس بالرُبى والنجود |
|
كل أعماله الوضيئات تنساب |
عليها حلاوة التوحيد |
|
لذة بارتشافها، ما تراءت |
لأخي الشوق، بالشتيت البرود |
|
يشرق الليل من سناها فيضحي |
كالضحى، في سنائه المشهود |
* * *
آية الرشد
ليس دونيَ بابُ الهداية يوصد |
مذ تدرّعت حبّ آل محمّدِ |
|
فهم العروة التي راح يلقى اللْـ |
لَه مستمسكاً بها كل مهتد |
|
إنَّما الكائنات سفر عليهم |
أبداً لا يزال يثنى ويحمد |
|
فنجوم السماء لولا ولاهم |
لم أخَلْ أن نورها يتوقّد |
|
وبهم تلكم الكوائن ما زالت |
وما إن تزال تشقى وتسعد |
|
لي فيهم وفي سواهم حديث |
لا يعيه العقل الجهول المبلَّد |
|
إنهم سر نشأة الكون والو |
حي إلى الأنبياء بذلك يشهد |
|
آية الرشد والصلاح ولاهم |
لا فروض لها يقام ويقعد |
* * *
أسيرة البدن
أأسيرة الأبدان هل نعمت بغربتها أسيره |
فارقت مأواك النضير وتلكم الحال النضيرة |
|
لا تكتمي عني الحديث، وأحسني إعلانه |
فأنا الكتوم إذا أردت على المدى كتمانه |
ليس الوفي فتىً يكاتم سرَّه.. خلاَّنه |
ارتكت روض القدس رنَّحتْ الصَبا أغصانه |
|
والطير في سمع الأزاهر ساكباً ألحانه |
والحور تشجي في أحاديث الهوى ولْدانه |
|
أتركت مجبرة رياض القدس والنعم الوفيره؟! |
أم كنت راضية بما جرت عليك يد الجريره؟! |
|
مالي أراك نثرت هذا الدمع؟ مالك باكيه؟! |
أتركت ذياك الترفه والحياة الصافيه؟! |
|
أتركت ما قد كان من، دنيا الخلود النائيه؟! |
أذكرتهن لذا دموعك لا تني متتاليه؟! |
|
سيري على وضح الطريق، وجانبي تلك الوعوره |
فلقد أنار لقاصديه، ومهد السبل الوعيره |
|
فترفّقي بي إنما، أشقيتني وشقيت بي |
واستوبئي يا نفس هذا العيش، والعمر الوبي |
|
وتجمّلي بالصالحات، وآثِرِي شرْع النبي |
مَن ضلَّ عنه، ضلَّ عن سنن المآل الطيب |
|
ما زلت في بهماء مظلمة الجوانب سبسب |
ما فاز في الدارين إلَّا المخلص الصافي السريره |
كلا ولا غير الذي تخذ الولا... بهما ذخيره
* * *
الهبطة
(مقاطع مختارة)
تنازعني حيناً وجوبي وممكني |
ففاز وجوبي بي، وتمَّ له الغلب |
|
ومذْ أشرقتْ شمسي تكبّدت الضحى |
وجلّت بأن ينتابها الشرق والغرب |
|
فكنت لعمر الله مجلى مظاهر |
تنافس في إكبارها العجم والعرب |
|
وقد كُشفتْ عنِّي ستورٌ دجنتي |
فأبصرتُ لا ستر هناك ولا حجب |
|
فلا لبّ إلاَّ وهو لبي وإن يكن |
فسري له سر، ولبي له لب |
|
ولا أذن إلاَّ من سماعي صماخها |
ولا قلب إلاَّ من فؤادي له قلب |
|
ولا ناظر إلاَّ وعقلي شعاعه |
ولا من رحى إلاَّ وكوني لها قطب |
|
فيوضاتُ أسماء الإله تبرّجت |
عليَّ تحاماها الجلالة والعجب |
|
هبطت إلى ذي الدار أمتار ريعها |
بما سنه المختار والآل والصحب |
|
هبطت وليس الذنب مصدر هبطتي |
وفي جنب عفو الله يحتقر الذنب |
|
ولا باعتراضي قيل عنه كناية |
وأخبر عنها الله والرسل والكتب |
|
هبطت ليعطى الكون في كماله |
وأكمل فيه هكذا حكم الرب |
|
وأبصرت آيات الإله سوافراً |
يضاحكني في ظلها الأمل الرطب |
|
تعاقب أبداني على الروح ريثما |
تطهر والتكرير يحتاجه العذب |
|
علمت بأني في بلائي فائز |
بنعمى جلال القدس فاستسهل الصعب |
|
فإن تك بي تلك المصائب صبّة |
فإنّي بها من ذلكم مغرم صب |
|
وإن نفضتني الحادثات فريعها |
بكفي أسلاب وإنتاجها نهب |
|
وإن حبست روحي بجسمي فإنها |
مع القيد بالإطلاق منزلها رحب |
* * *
الشيخ محمد ياسين (ت 1976م)
مالي سوى حب النبي وآله |
حرز غداً نار الجحيم يقيني |
|
يا رب زدني في ولاهم رغبة |
وتمسّكاً وهوىً وحسن يقيني |
* * *
مَن اتخذ الحطام الدهر كسباً |
فإن ولا أمير النحل كسبي |
|
عقدت على محبته ضميري |
وأخلصت الولاء له وحسبي |
* * *
إذا قيل لي ماذا تزوَّدتَ للقا |
أقول مبيناً مقصدي ومرادي |
|
تزوَّدتُ حب الغر آل محمد |
وحسبي به زاداً ليوم معادي |
|
نشأت عليه مذ نشأت وإنني |
عليه أُوالي مَن أرى وأُعادي |
|
فيا رب ثبتني عليه وأبقه |
بلبِّي ما دام المدى وفؤادي |
* * *
سألتك يا مَن عن دواعي الفنا جلاّ |
ويا مَن لإرشاد الورى أرَسَل الرُسلا |
|
ويا ذاري الأكوان قدماً بأيده |
ويا كافياً مِن خلقه البعض والكلاَّ |
|
ويا مسبغ النعمى على الناس رحمة |
ومثقلهم طولاً وموسعهم بذلا |
|
دعوتك لا إني أمت بصالح |
ولا إنني فرضاً أقمت ولا نفلا |
|
ولا إن لي ما أستعين به سوى |
محبة أهل البيت أعلى الورى نبلا |
|
شموس الهدى الغر الألى من أحبهم |
وأخلص عن علم فقد فاز واستعلى |
|
أئمتنا الأطهار بشرى لكل مَن |
بهديهم المولى له وَصَلَ الحبلا |
|
هداة البرايا آل أحمد من بهم |
وطاب رجائي قد تأملت أن تملا |
|
أُولي النسب العالي الأولى بولائهم |
بحشري لميزاني غداً أرتجي الثقلا |
|
محمد سبطاه علي محمد |
وجعفر موسى فالرضا ذكره جلا |
|
محمد فالهادي علي حسن محمد |
القائم المهدي مَن ينشر العدلا |
|
إليك بهم ربي توسّلت ضارعاً |
ودمعي خوفُ الذنب وجهي قد بلا |
|
فكن لي وللإخوان يا رب سامعاً |
فإنك مولانا ويا حبَّذا المولى |
|
بلطفك ما نرجوه من فضلك أحبنا |
وانجز لنا الميعاد واجمع لنا الشملا |
|
وصفِّ نوايانا وقوِّ ضعيفنا |
وبلْعِز فابدل يا كريم لنا الذلا |
|
وسُقْنَا لِمَا ترضاه واغفر ذنوبنا |
وبالكثر بدّل يا رحيم لنا القلا |
|
وبدد جيوش البؤس عنا وخصَّنا |
بعونك وامنحنا الفضيلة والفَضلا |
وكفِّر خطايانا واغْنِ فقيرنا |
وأنجح مساعينا وحْسِن لنا الفعلا |
|
وطهِّر من الأدناس لطفاً قلوبنا |
وللمجد فاجْعلنا إله الورى أهلا |
|
وبالعلم والإيمان فاشْرح صدورنا |
ونوِّر لنا يا ذا العُلى الذهن والعقلا |
|
وأتمم لنا يا خالق الخلق نورنا |
وسامح لـمَن منّا على غَرةٍ ذلاَّ |
|
وأصلح لنا الأحوال فضلاً واعطنا |
أجلَّ العطايا والمآرب والسؤلا |
|
وشد أيا مبدي الوجود محالنا |
بيوم به عدلاً سرائرنا تبلى |
|
وحقّق بك اللَّهُم ربِ ظنوننا |
ودر علينا خيرك الوافر الجزلا |
|
ولا تُقصنا عن سرعة الحق وأهدنا |
كما أنت مولانا طريقتك المثلا |
|
وفي هذه الدنيا فَسِر خالقي بنا |
على الوجهة البيضاء والخطة الفضلى |
|
وإن نقض فانقلنا لجنتك التي |
جديد علاها لا يرِثُّ ولا يبلى |
|
وسدِّد مرامينا ومِن عفوك اسقنا |
شراباً من الماذي في طعمه أحلى |
* * *
الشيخ محمد حمدان الخير (ت: 1978م)
أتحسب أنني يا دهر آسى |
على فقد الطعام أو الشراب |
|
كفاني من نعيم العيش أنّي |
أُوالي المصطفى وأبا تراب |
|
وكلُّ مرفَّهٍ بمتاعِ دنيا |
فذلك لم يرد غير السراب |
* * *
رضيت الأخذ بالثقلين ديناً |
ولم أعدل عن النص الصريح |
|
ولم أسبغ على وحيٍ غشاءً |
كثيفاً من إبطيل الشروح |
|
ولا أوردتُ فجَّ الغي قومي |
ولا سرحت بواديه سروحي |
|
ولا هبّت على أبناء طه |
بنار الحقد والشنآن ريحي |
|
ولكن بالقلى طهّرت نفسي |
كما بهواهم نجّيت روحي |
|
هنائي بالأذى فيهم فزدني |
ولا تأل النكاية من جروحي |
* * *
لا تدعونّي للوفاق على الهدى |
بيني وبينك في الولاء فراسخ |
|
نَسَخَ الكتابُ القِبلةَ الأُولى فهل |
للحب في القربى كتابٌ ناسخ |
|
هيهات يدنو الزيغ مني بعد ما |
هو في من سر الولاية راسخ |
|
وتقول أنت أخي ويغرّق في الأذى |
بدمي ولحمي منك ناب فاسخ |
|
ولقد علمت بأنه سبحانه |
مستدرج للمعتدين وماسخ |
* * *
مالي تفيَّأت من مخضلِّ عاجلتي |
ظلاً فما رفَّ بالنعمى ولا ورفا |
|
وما بكيت شبابي حين ودّعني |
إنّي لأبكيه إذ ضيّعتُه ترفا |
|
ألْقيتُ حبل غروري أبتغي قنصاً |
فما أصبتُ ولم أحبِس له طرفا |
|
صرفتُ جِدة عمري غيرَ مقتصدٍ |
وهل يَئُوب من الأيام ما انصرفا |
|
حتَّام ركب الليالي ينتحي أجلي |
كالسيل يجرف حسب السيل ما جرفا |
|
قلْ للشباب الذي خرمت بردته |
هذا المشيب لما خرقت منه رفا |
|
عاجت على الشاطئ المأمون راحلتي |
وكم تقحّم بي إيغالها جرفا |
|
لأهدين بني الزهراء من عمري |
بقية تستميح الفوز والشرفا |
|
تمحو الولاية ما تأتيه آثمة |
نفسي الولي وتذرو كل ما اقترفا |
|
وكيف يوجِس خوفاً مَن أعَدَّ له |
خلائف المصطفى من أمنهم غُرفا |
|
غاليت فيهم على علم وبيِّنة |
ليس المغالاة في آل الهدى سرفا |
|
وحاشى للهِ ما أنكرت وحدته |
إن الوجود ومَن فيه بها اعترفا |
|
لكنّهم سفراء في خليقته |
معرفون فلولاهم لَمَا عُرفا |
|
وما استقام به والله في مقة |
حيران عن غيرهم لم يلفِ منحرفا |
|
ولا رعى الحب قلباً راح قارفُه |
من الطفوف يداوي منه ما قرفا |
|
وربَّما غرَّت المفتون غيّته |
فما ارعوى بل بما لم يدره هرفا |
|
لا تكرعنّ هداك الله من نهر |
ما فاز شاربه إلاّ مَن اغترفا |
|
ليس الأوائل شراً من أواخرها |
إنّ البكار تلون الجلة الشرفا |
* * *
هذه هي الطائفة العلوية، أو (النصيرية) كما يحلو للبعض أن يسمِّيها
تجنِّياً، التي حار بأمرها المؤرّخون، وذهبت أقوالهم فيها كل مذهب. والتي اعتبرها فيليب حتّى (اللغز الديني الذي لم يحل حلاً كاملاً في الشرق الأدنى)(1) .
وفي الحقيقة ليست هي باللغز، بل فرقة إسلامية، إمامية، جعفرية، إثنا عشرية، تدين بمذهب آل البيت، وعقائدها واضحة تفصح عنها أشعارهم وكتاباتهم.
* * *
____________________
(1) تاريخ سورية ولبنان وفلسطين، ج2، ص219.
كتاب الهداية الكبرى(1)
للشيخ أبي عبد الله الحسين بن حمدان الخصيبي
هذا الكتاب يشتمل على أسماء رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأسماء أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، في السرياني والعبراني والعربي وجميع اللغات المختلفة، وأسماء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، وعلى الأئمة الراشدين الحسن والحسين ابنا علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن الحجّة، سَمّي جدّه
____________________
(1) يقول بروكلمان في (تاريخ الأدب العربي) ج3: (إنّ الخصيبي قدّم كتاب (الهداية الكبرى) وكتاب آخر اسمه (المائدة)، إلى سيف الدولة الحمداني ونوّه بأنّ الكتابين مفقودان). وذكرَ بروكلمان - نقلاً عن ماسينيون - أنّ كتاب الهداية ما زال يُقرأ في إيران.
والنسخة التي بين أيدينا كثيرة الأخطاء ؛ تدلّ على جهل ناسخها باللغة العربية وقواعدها، ولم يتسنَّ لنا الحصول على نسخة أخرى لمطابقتها بالنسخة التي لدينا، ولذلك رأينا أن ننشر الفصل محاولين جهد المستطاع تصحيح بعض الأخطاء، تاركين الأخطاء الأخرى ليرى القارئ ما أصاب هذه المخطوطات من تحريف بسبب النسّاخة.
رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكنيته كنية جدّه، ولقبه: المهدي، والغائب، والمنتظر، صلوات الله عليهم أجمعين،... وأسمائهم وكناهم، والخاص والعام منهم، وأسماء أُمهاتهم ومواليدهم وأولادهم ودلائلهم وبراهينهم في الأوقات، ووفراً من كلامهم وشاهدهم وأبوابهم، والدلالة من كتاب الله عزّ وجل والأخبار المروية المأثورة بالأسانيد الصحيحة، وفضل شيعتهم...
باب: مولانا أمير المؤمنينعليهالسلام وعلى آل بيته وذريته الطاهرين.
مضى أمير المؤمنين وله ثلاثة وخمسون سنة، في عام الأربعين من أول سِني الهجرة، وكان مقامه بمكّة مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثلاث وعشرين سنة، منها ثلاث عشرة سنة في ظهور الرسالة، وقامَ معه بالمدينة عشرة سنين، ثمّ قُبض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقامَ بعده أيام أبي بكر سنتين وشهور، وأيام عمر تسع سنين وشهور، وأيام عثمان اثنتي عشرة سنة، وأيامهعليهالسلام ست سنوات، الجميع ثلاثون سنة.
ومضى عليعليهالسلام بضربة من عبد الرحمان بن ملجم المرادي، في ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، ورووا أنّ شَبهه وقعَ على شبث بن ربعي الخيبري وكان اسمه علي، وفي القرآن مبيّن، وقوله في قصّة إبراهيمعليهالسلام :( وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ) ، وقوله تعالى إجابة لإبراهيمعليهالسلام :( وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاً جَعَلْنَا نَبِيّاً * وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِن رّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً ) ، وقوله:( وَإِنّهُ فِي أُمّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيّ حَكِيمٌ ) .
وله في القرآن ثلاثمئة اسم، وروت الأسانيد الصحيحة. ووجدتُ في قرآن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه)، الذي قال: قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : (مَن أراد أن يسمع القرآن غضّاً طريّاً كما أنزلهُ الله تعالى، فليسمعه من فم أُم عبد الله) (هي أُم عبد الله بن مسعود)، وبهذا كان يدعوه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأبيه، ففي قرآنه: إنّ علياً جَمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه، ثمّ إنّ علياً بيانه). وقوله تعالى:( إِنّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، والمنذر رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ،
والهادي عليعليهالسلام . وقوله تعالى:( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيّنَةٍ مِنْ رَبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ) ، والشاهد منه عليعليهالسلام . وقوله تعالى:( عَمّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَبأ الْعَظِيمِ * الّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ) .
وقول أمير المؤمنينعليهالسلام لعلي بن دراع الأسدي، وقد دخلَ عليه وهو محتبي في جامع الكوفة، فوقفَ بين يديه فقالعليهالسلام : (أرقتَ مدى ليلتك)، فقال له: ما أعلمك يا أمير المؤمنين بأرَقي؟ قال: (ذكرتني والله في أرقك، فإن شئتَ ذكّرتك وأخبرتُك به)، فقال علي بن دراع: أنعِم عليَّ يا أمير المؤمنين بذلك، فقال له: (ذكرتَ في ليلتك هذه قول الله عزّ وجل:( عَمّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَبأ الْعَظِيمِ * الّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ) فأرقك وفكّرت فيه. وتالله يا علي، ما اختلفَ الملأ إلاّ بي، وما لله نبي هو أعظم مني، ولي ثلاثمئة اسم ما لا يمكن التصريح بها ؛ لئلاّ يكبر على قومٍ لا يؤمنون بفضل الله عزّ وجل على رسوله وأمير المؤمنين والأئمة الراشدين).
واسمه عليهالسلام في صحف شيث، وإدريس، ونوح، وإبراهيم، وبالسرياني: مبين. وباللسان العبراني: الهيولى، والأمين، والثبات، والبيان، واليقين، والإيمان. وفي التوراة: إليا. وفي الزبور: أريا. وبلغة الزنج: جينا. وبلسان الحبشة: تبريك. وسُمّي يوم القليب - وقد سقطَ عثمان في البير من ذاته الهلالية فعلُق أمير المؤمنين برجله وأخرجه فسمته -: ميموناً، وبلسان الأرمن: إفرقيا، وباللسان العربي: حيدرة. وسمّاه أبو طالب، وهو صغير يصرع أكابر إخوته: ظهيراً، وكنّاه: أبو الحسن والحسين، وأبو شبّر، وأبو شبير، وأبو الأتراب، وأبو النور، وأبو السبطين، وأبو الأئمّة.
وألقابه: أمير المؤمنين، وهو اللقب الأعظم الذي خصّه الله به وحده، ولم يُسمّ أحداً قبله ولا يسمّى به أحد بعده، وإلاّ كان مأفوناً في عقله ومأبوناً في ذاته، وأمير النَحل، والنحل هم المؤمنون، والوصي، والإمام، والخليفة، وسيد الوصيين، والصدّيق الأعظم، والفاروق الأكبر، وقسيم الجنّة والنار، وقاضي الدَين، ومنجز الوعد، والمحنة الكبرى، وصاحب اللواء، والراد عن الحوض، ومهلك الجان الأعظم، الأنزع البطين، الأصلع الأمين، وكاشف
الكرب، ويعسوب الدين، وباب حطة، وباب المقام، وحجّة الخصام، ودابة الأرض، وصاحب القضايا، وفاصل القضاء، وسفينة النجاة، والمنهج الواضح، والمحجّة البيضاء، وقصد السبيل، وجرارة قريش، ومُفتي القرون، ومكر الكرات، ومديل الدولات، وراجع الرجعات، والقرم الحديد الذي هو في الله أبداً جديداً.
وأُمّه: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، ولم يكن في زمانه هاشمي ابن هاشمية غيره وغير إخوته: جعفر، وطالب، وعقيل، وابنيه الحسن والحسين، وابنتيه زينب وأُم كلثومعليهمالسلام .
ومشهده في الذكوات البيض بالغريّين غربي الكوفة. وفي مشهده خبر، قال الحسين بن حمدان الخصيبي: حدّثني أحمد بن صالح، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الإمام التاسععليهالسلام ، عن أبيه علي الرضا وموسى الكاظم وجعفر الصادقعليهمالسلام ، أنّ الصادقعليهالسلام قال للشيعة بالكوفة، وقد سألوه عن فضل الغريّين والبقعة التي دُفن فيها أمير المؤمنين (ولِمَ سُمّي الغريّان غريين)، فقال: (إنّ الجبّار المعروف بالنعمان بن المنذر كان يَقتل أكابر العرب ومَن ناوأهُ من جبابرتهم وكبرائهم، وكان الغريان على يمين الجادّة، فإذا قَتلَ رجلاً أمرَ بحمل دمه إلى جادّة العلمين حتى يغريانه، يريد بذلك يشهده المقتول إذا رأى دمه على العلمين، من أجل ذلك سُمّي الغريان).
وأمّا البقعة التي فيها قبر أمير المؤمنينعليهالسلام ، فإنّ نوحاً (صلوات الله عليه) لمـّا طافت بهم السفينة وأُهبط جبرائيلعليهالسلام على نوح، فقال: (إنّ الله يأمرك أن تنزل ما بين السفينة والركن اليماني، فإذا استقرّت قَدماك على الأرض فابحث بيدك هناك ؛ فإنّه يخرج تابوت آدم فاحمِله معك في السفينة، فإذا غاصَ فابحث بيدك الماء، فادفنه بظهر النجف بين الذكوات البيض والكوفة ؛ لأنّها بقعة اخترتُها لك يا نوح، ولعلي بن أبي طالب وصي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم . ففعلَ نوح ذلك ووصّى ابنه سام أن يدفنه في البقعة مع التابوت الذي لآدم، فإذا زُرتم مشهد أمير المؤمنين فزوروا آدم ونوح وعلي بن أبي طالبعليهمالسلام ).
وُلِد لأمير المؤمنينعليهالسلام من فاطمةعليهاالسلام : الحسن، والحسين، ومحسن الذي مات صغيراً، وزينب وأُم كلثوم (عليهم السلام جميعاً). وكان له من خولة الحنفية: أبو هاشم محمد بن الحنفية. وكان له: عبد الله، والعباس، وجعفر، وعثمان من أُم البنين، وهي جعدة بنت خالد بن زيد الكلابية. وكان له من أم عمر التغلبية: عمر، ورقية، وهي من سبي خالد بن الوليد. وكان له يحيى من أسماء بنت عميس الخثعمية. وكان له محمد الأصغر من أم ولد. وكان له الحسين ورملة وأُمهما أُم شعيب المخزومية. وكان له: أبا بكر، وعبد الله، وأُمّهما المهلا بنت مسعود النهشلية. والذي أعقبَ من ولد أمير المؤمنين الحسن والحسين عليه وعليهما السلام، ومحمد بن الحنفية، والعباس، وعمر.
قال: ومضى أمير المؤمنينعليهالسلام وخلّف منهنّ: أمامة بنت زينب ابنة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليلى التميمية، وأسماء بنت عميس الخثعمية، وأم البنين الكلابية، وثمانية عشر ولَداً، ولم يكن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم تزوّج وتمتّع بحرّة ولا بأمَة في حياة خديجةعليهاالسلام إلاّ بعد وفاتها، وكذلك أمير المؤمنين ما تزوّج ولا تمتّع بحرّة ولا بأمَة في حياة فاطمةعليهاالسلام إلاّ بعد وفاتها.
وكان اسم أبي طالب: عبد مناف بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، وروي عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: (إنّا أهل بيت نبوّة ورسالة وإمامة، وإنّه لا تقبلنا عند ولادتنا القوابل، وإنّ الإمام لا يتولّى ولادته ووفاته وتغميضه وتغسيله وتكفينه ودفنه والصلاة عليه، إلاّ الإمام الذي يتولّى بعده).
وقد تولّى وفاة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وتغميضه عليعليهالسلام ، وغسّله وكفّنه وصلّى عليه، وتولّى أمر أمير المؤمنينعليهالسلام ولَداه الحسن والحسينعليهماالسلام ، توليا تغميضه وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولم يحضر أحد غيرهما ودفناه ليلاً، ولم يظهر على مشهده أحد إلاّ بدلالة صفوان الجمّال، وكان جمّال دلّه الصادقعليهالسلام ، ثمّ دلّت عليه الأئمة من موسى بن جعفر، وعلي الرضا، ومحمد المختار، وعلي الهادي، والحسن العسكري، ورواه شيعتهم،
وكان دلالة صفوان على مشهد أمير المؤمنين وله دلالة ظهرت للناس.
قال الحسين بن حمدان: حدّثني محمد بن يحيى الفارسي، عن محمد بن جمهور القمي، عن عبد الله الكرخي، عن علي بن مهران الأهوازي، عن محمد بن صدقة، عن محمد بن سنان الزاهري، عن المفضّل بن عمر الجعفي، عن مولانا الصادقعليهالسلام ، قال المفضّل: دعاني سيدي الصادق في جنح الليل وهو مقتم أسود، فحضرتُ داره وهي تزهو نوراً بلا ظلمة، فلمّا مثلتُ بين يديه قال: (يا مفضّل، مُر صفواناً أن يصلح لي على ناقتي السعداء رحلها وأقم في الباب إلى وقت رجوعي إليك)، ثمّ خرجَ مولاي الصادقعليهالسلام وقد أحضرَ صفوان الناقة، وأصلحَ رحلها فاستوى عليها وأثارها، ثمّ قال: (يا صفوان، خذ بحقاب الناقة وارتدف)، قال: ففعلَ صفوان ذلك ومرّت الناقة كالبرق الخاطف وكاللحظ السريع، وجلسَ بالباب حتى مضى من الليل سبع ساعات من وقت ركوب سيدي الصادقعليهالسلام .
قال المفضّل: فرأيتُ الناقة - وهي كجناح الطير - وقد انقضت إلى الباب ونزلَ عنها مولايعليهالسلام ، فانقلبَ صفوان إلى الأرض خافتاً، فأمهلتهُ وأقبلتُ أنظر إلى الناقة وهي تخفق والعرق يجري منها حتى أنابَ صفوان، فقلت: خذ ناقتك إليك وعُد، إلى أن خرجَ مغيث خادم مولاي الصادق فقال: سَل يا مفضّل صفوان عمّا رأى، ويا صفوان حدّثه ولا تكتمهُ.
قال: فجلس صفوان بين يدي وقال: يا مفضّل، أُخبرك بالذي رأيتُ الليلة، قد أذِن لي مولاي، قال: نعم، قال: أمرَني سيديعليهالسلام فارتدفت على الناقة ولم أعلم أنا في سماء أم في أرض، غير أنّي أحسّ بالناقة وكأنّها الكوكب المنقض حتى أناخت، ونزلَ مولايعليهالسلام ونزلتُ وصلّى ركعتين وقال: (يا صفوان، صلِّ واعلم أنّك في بيت الله الحرام)، قال: فصلّيت ثمّ ركبتُ وارتدفت، وهبّت الناقة كهبوب الريح العاصف ثمّ انقضّت فأناخت فنزلَ مولايعليهالسلام فقال: (صلِّ يا صفوان ركعتين واعلم أنّك في المسجد الأقصى)، قال: ثمّ ركبَ وارتدفت وسارت الناقة وهبطت فأناخت فنزلَ عنها ونزلتُ، ثمّ قال: (صلِّ يا صفوان واعلَم أنّك بين قبر جدّيعليهالسلام
ومنبره)، قال: فصلّيت فقال: (يا صفوان، ارتدف من ورائي)، فارتدفتُ فسارت مثل سيرها وانقضت منزل مولايعليهالسلام وصلّى وصلّيت، فقال: (يا صفوان، أنت على جبل طور سيناء الذي كلّم الله عليه موسى بن عمرانعليهالسلام ، ثمّ ركبَ وارتدفت وانقضت فنزلَ عنها ونزلتُ، فإذا هو يحمر بالبكاء يقول: (جَللتَ من مقامٍ ما أعظمك، ومصرع ما أجلّك، أنت والله البقعة المباركة والربوة ذات قرار ومعين، وفيك والله كانت الشجرة التي كلّم الله منها موسىعليهالسلام بكربلا، ما أطول حزننا بمصابنا فيك إلى أن يأخذ الله بحقّنا).
قال: وتكلّم بكلام خفي عنّي، ثمّ صلّى ركعتين وأنا أبكي وأُخفي بكاي، ثمّ ركبَ وارتدفتُ فنزلَ عن قريب ونزلتُ، وصلّى وصليت، فقال: (يا صفوان، هل تعلم أين أنت)، قلت: يا مولاي، عرّفني حتى أعرف، قال: (أنت بالغريّين في الذكوات البيض، في البقعة التي دُفن فيها أمير المؤمنين عليعليهالسلام )، قال: فقلت: يا مولاي، فاجعل لي إليها دليلاً، قال: (ويحكَ بعهدي أو بعدي)، قال: فقلت: يا مولاي بعهدك وبعدك، قال: (على أنّك لا تدلّ عليها ولا تزورها إلاّ بأمري)، قال: فقلت: يا مولاي، إنّي لا أدلّ عليها ولا أزورها إلاّ بأمرك، قال: (يا صفوان، خذ من الشعير الذي تزوّدته الناقة، فانثُر منه حبّاً إلى مسجد السهلة وبكِّر عليه ؛ تستدلّ وتعرف البقعة بعينها، وزرها إذا شئتَ ولا تظهرها إلى أحد إلاّ مَن تثِق به، ومَن يتلوني من الأئمةعليهمالسلام إلى وقت ظهور مهديّنا أهل البيت (صلوات الله عليه)، ثمّ يكون الأمر إلى الله ويظهر فيها ما يشاء حتى تكون معقلاً لشيعتنا وتضرّعاً إلى الله ووسيلة للمؤمنين).
قال المفضّل: فظلتُ باقي ليلتي راكعاً وساجداً أسأل الله إلى صباح ذلك اليوم، فلمّا أصبحتُ دخلت على مولايعليهالسلام ، فقلت: أُريد الفوز العظيم والسعي إلى البقعة التي بين الذكوات البيض في الغريّين، قال: (امضِ وفّقك الله يا مفضّل وصفوان معك).
قال المفضّل: فأخذَ بيدي وقصدَ مسجد السهلة، ثمّ استدللنا بحبّات الشعير المنثور حتى وردنا البقعة، فلذنا بها وزرنا وصلّينا ورجعنا، وأنفسنا مريضة خوفاً من أن لا نكون وردنا البقعة بعينها، قال: ودخلنا من مزارنا منها إلى مولانا الصادقعليهالسلام فوقفنا بين
يديه، فقال: (والله، يا مفضّل ويا صفوان، ما خرجتما عن البقعة عقداً واحداً، ولا نقصتما عنها قدماً)، فقلنا: الحمد لله ولك يا مولانا، الشكر لهذه النعمة وقرأ:( كُلّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) .
وروى بهذه الإسناد عن الصادقعليهالسلام ، عن أبيه الباقرعليهالسلام قال: دخلَ سلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود الكندي، وأبو الذر جندب الغفاري، وعمّار بن ياسر، وحذيفة بن اليماني، وأبو الهيثم مالك بن التيهان، وخزيمة بن ثابت، وأبو الطفيل عامر: على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجلسوا بين يديه والحزن ظاهر في وجوههم، فقالوا: فديناك بالآباء والأمّهات يا رسول الله، إنّا نسمع في أخيكعليهالسلام ما يحزننا سماعه، وإنّا نستأذنك في الرد عليهم، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
وما عساهم يقولون في أخي علي، فقالوا: يا رسول الله، إنّهم يقولون أي فضيلة له في سبقه إلى الإسلام، وإنّما أدركه الإسلام طفلاً ونحو هذا، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا ما يحزنكم، قالوا: نعم، يا رسول الله، فقال:
أسألكم بالله، هل عَلمتم من الكتب الأُولى أنّ إبراهيمعليهالسلام هربت به أُمّه وهو طفل من عدو الله وعدوّه النمرود في عهده، فوضعتهُ أُمه بين ثلاث أشجار بشاطئ نهر يتدفّق يقال له: حوران، وهو بين غروب الشمس وإقبال الليل، فلمّا وضعته أُمّه واستقرّ على وجه الأرض قامَ من تحتها فمسحَ رأسه ووجهه وسائر بدنه، وهو يكثر من الشهادة بالله وبالوحدانية، ثمّ أخذَ ثوباً فاتشح به وأُمّه ترى ما يفعل فرَعبت منه رعباً شديداً، فهرولَ من بين يديها مادّاً عينيه إلى السماء فكان منه ما قال الله عزّ وجل:( فَلَمّا جَنّ عَلَيْهِ اللّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هذَا رَبّي ) ، وقصّة الشمس والقمر إلى قوله تعالى:( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) .
وعَلِمتم أنّ موسى بن عمرانعليهالسلام كان فرعون في طلبه يبقر بطون النساء الحوامل ويذبح الأطفال لقتل موسىعليهالسلام ، فلمّا ولدتهُ أُمّه أوحى إليها أن يأخذوه من تحتها وتلقيه في التابوت وتقذفه في اليَم، فبقيت حيرانة حتى كلّمها موسى وقال لها: يا أُم اقذفيني في التابوت، فقالت له هي من كلامه: يا بني إنّي أخاف عليك من الغرق، فقال لها: لا تخافي، إنّ الله رادَّني
إليك، ففعلتْ ذلك، فبقيَ التابوت في اليَم إلى أن ألقاه على الساحل، وردَّ إلى أُمّه، وهو برهة لا يطعم طعاماً ولا يشرب شراباً معصوماً، وروي أنّ المدّة كانت سبعين يوماً، وروي أنّها كانت تسعة أشهر، وقال الله تعالى في حال طفوليته: ( وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ ) .
وهذا عيسى بن مريمعليهالسلام ، قال الله تعالى:( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً ) إلى آخر الآية، فكلّم أُمه وقت مولده فقال لها:( فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْناً فَإِمّا تَرَيِنّ مِنَ الْبَـشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنّي نَذَرْتُ لِلرّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) ، وقال:( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيّاً ) ، فتكلّم عيسى بن مريمعليهالسلام في وقت ولادته فأُعطي الكتاب والنبوّة، وأُوصي بالصلاة والزكاة في ساعة مولده، وكلّمه الناس في اليوم الثالث.
وقد عَلمتم جميعاً خلقني الله وعلياً من نور، ونوري ونوره نوراً واحداً، وكنّا كذلك نسبّح الله ونقدّسه ونمجّده ونسبّحه ونهلّله ونكبّره قبل أن يخلق الملائكة والسماوات والأرضين والهواء ثمّ العرش، وكتبَ أسماءنا بالنور عليه ثمّ أسكَننا صلب آدم، ولم نَزل ننتقل في أصلاب الرجال المؤمنين وفي أرحام النساء الصالحات، يسمع تسبيحنا في الظهور والبطون في كلّ عهد وعصر وزمان إلى أبي عبد المطّلب، فإنّ نورنا يظهر في بلجات وجوه آبائنا وأمهاتنا حتى ثبتت أسماؤنا مخطوطة بالنور على جباههم. فلمّا افترقنا نصفين: في عبد الله نصف، وفي أبي طالب عمّي نصف، كان تسبيحنا في ظهريهما، فكان عمّي وأبي إذا جلسا في ملأ من الناس ناجى نوري من صلب أبي نور علي من صلب أبيه، إلى أن خَرجنا من صلب أبوينا وبطنَيْ أُمّينا.
وقد علم جبريلعليهالسلام في وقت ولادة علي وهو يقول: هذا أول
ظهور نبوّتك، وإعلان وحيك، وكشف رسالتك، إذ أيّدك الله بأخيك ووزيرك وصنوك وخليفتك، ومَن شَدَدّتُ به أزرك وأعلنتُ به ذكرك: علي بن أبي طالب، فقمتُ مبادراً فوجدتُ فاطمة بنت أسد - أم علي بن أبي طالب - وقد جاءها المخاض، فوجدتها بين النساء والقوابل من حولها، فقال حبيبي جبريل: اسجف بينها وبين النساء سجافاً، فإذا وضعتْ علي فتلقّاه بيدك اليمين، ففعلتُ ما أمرَني به ومددتُ يدي اليمين نحو أمّه، فإذا بعلي قائلاً على يدي واضعاً يده اليمين في أذنه يؤذِّن ويقيم بالحقّية، ويشهد بوحدانية الله عزّ وجل وبرسالتي، ثمّ أشار إليّ فقال: يا رسول الله اقرأ، قلت: أقرأ، والذي نفس محمد بيده لقد ابتدأ بالصحف التي أنزلها الله على آدم وابنه شيث، فتلاها حتى تمّت من أول حرف إلى آخر حرف حتى لو حضرَ شيث، لأقرَّ بأنّه أقرأُ لها منه، ثمّ تلا صحف
(مفقودة الصفحات من 59 إلى 64)
قال الحسين بن حمدان: حدّثني جعفر بن مالك، عن محمد بن خلف، عن المخول بن إبراهيم، عن زيد الشحّام، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد بن عبد الله بن حزام الأنصاري، عن حذيفة بن اليمان، ونعمان، وسهل بن حنيف، وخزيمة بن ثابت، بالحديث الذي كان لحذيفة بن اليمان مع أبي بكر، وقصدَ داره بهؤلاء الثلاثة في يوم جمعة، في أول يوم من شهر رمضان فُرِضَ على المسلمين صيامه، وأكل أبي بكر الطعام، وشربه الخمرة، وقوله الشعر الذي لزمه الكفر بالله عزّ وجل وبرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واجتمعت تميم وهي قبيلة أبي بكر، وعدي وهي قبيلة عمر، وأميّة وهي قبيلة عثمان، وزهرة وهي قبيلة عبد الرحمان بن عوف الزهري، والكل من قريش، فقالوا: يا رسول الله، ما لأبي بكر ذنب فلا تحرّم علينا الخمرة، فهَبْ لنا ذنبه واقبل منا الكفّارة، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : (لا حُكم إلاّ حكم الله، وأنا منتظر ما يأتي به جبريلعليهالسلام من الله عزّ وجل)، فأنزلَ الله تبارك وتعالى:( وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً ) ، ونهى بذلك.
وكثر سؤال الناس عن الخمرة إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن شرب الخمر
ونادى في المدينة وكتبَ إلى أهل الإسلام بذلك، واحتجّوا بأنّه مطلق حلال، ولم ينزل تحريمها في كتاب من كتب الله عزّ وجلّ، وذكروا خبر نوحعليهالسلام وأنّه شربَ وسكرَ من الخمر حتى رقد، وخرجَ ابنه حام وقد حَملت الريح ثوب أبيه حتى كشفت عورته، فوقفَ ينظر إليه ويتضاحك ويشيح بوجهه ويعجب من أبيه، فقام سام ينظر إليه ويرى ما يصنع، فقال له: ويحك يا حام بِمَن تهزأ؟!
فلم يخبره بشيء، فنظرَ سام وإذا بالريح قد كشفت ثوب أبيه وهو سكران نائم، فدنا منه وألقى عليه ثوبه وقعدَ يحرسه إلى أن أفاقَ وانتبه من رقدته، فنظرَ إلى سام فقال: يا بني، ما لكَ جالس وملاؤتك عليّ؟ لو أنّك متفكّر ألاّ يكون أحد جنى عليك جناية فعدت تحرسني منها، فقال: الله ورسوله أعلم، فهبطَ جبريلعليهالسلام وقال له: (يا نوح، ربّك يقرئك السلام ويقول لك: إنّ حام فعلَ بك كيت وكيت، وسام ابنك أنكرَ ذلك من فعله وستركَ وطرحَ ملاءته عليك وحرسكَ من أخيه حام ومن الريح.
فقال نوح: بدّل الله ما بحام من جمال قبحاً، ومن خير شراً، ومن إيمان كفراً، والْعَنه لعناً وبيلاً كما صنعَ ما صنعَ بأبيه ولم يشكر لولادته ولا لهدايته. فاستجابَ الله لدعاء نبيه نوحعليهالسلام في ولده حام، واستحالَ جماله سواداً مخبَّأ مفلَّقاً مقحَطاً طمطمانياً، فوثبَ على أبيه نوح يريد قتله، فوثبَ عليه سام فَعَلا هامته بيده وصدرَ عنه، فدعا نوحعليهالسلام أن يُنزل عليه الأمان من ذرّيته، وأن يجعل بين حام وذريته العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة.
واحتجّوا بأنّ القرابين لها منذ أقرب هابيل كانوا يشربون الخمر مفصحاً سفراني وجهه ببهطحاهي لحماً خبزاً سامحاً سد(1) لنا، ويسقون القرابين منها وشرباها ووقفا بقرب منها، وإنّ شبّراً وشبيراً ابنا هارونعليهالسلام قرّبا قرباناً ثمّ سقاه الخمر في بطونهما فقبلا بذلك.
واحتجّوا بقول الله عزّ وجلّ في الزبور على لسان داودعليهالسلام خمراً
____________________
(1) لم نفهم هذه العبارات فصوّرناها كما هي برسمها.
مرئياً جرباً دلناً نزياً، مفصح أثر، فسمحاً لحماً لنا، قلت ترياشا حسرَ خمراً حسراً حراباً(1) .
قال داودعليهالسلام : (معنى خمرة هي: الخمر هي شقيق لنا قلب ترياشا ابن آدم)، ويسقون القرابين منها وإنّها شُربت بعهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاتخذوا الزي والمزفت إلى سكرة أبي بكر، فقال المسلمون: لمَ تنهانا عن شربنا يا رسول الله؟ أنَزَلَ فيها أمر من عند الله فنعمل به؟ فأنزلَ الله عزّ وجلّ:( إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، فقال المسلمون: إِنّما أُمرنا بالاجتناب عنها ولم تحرّم علينا، فأنزلَ الله تبارك وتعالى:( إِنّمَا يُرِيدُ الشّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) ، فقالوا: أُمرنا أن ننتهي ولم تحرّم علينا، فأنزلَ الله عزّ وجلّ:( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهَا ثمّ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَفْعِهِمَا ) ، فقال المسلمون: فيه منافع للناس وإِن كان الإِثم أكبر من المنافع ولم يحرّم شربها علينا، فأنزلَ الله تعالى:( قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ ) ، فصحّ تحريم الخمر من قولهم: إنّ الإثم اسم من أسماء الخمرة، ويستشهد بما تقدّم من قول امرئ القيس ابن حجر الكندي حيث قال:
شربتُ الإثم حتى زال عقلي |
كذاك الإثم يذهب بالعقول (2) |
وممّا عنى به السيد بن محمد الحميري في الخمرة يقول:
لولا عتيق وشوم سكرته |
كانت حلالاً كسابغ العسل |
وفي قصيدة أُخرى نونية يقول:
كانت حلالاً لساكَّن الزمن |
....................................... |
____________________
(1) لم نفهم هذه العبارات فصوّرناها كما هي برسمها.
(2) لم نعثر على هذا البيت في ديوان امرئ القيس.
وله في لقاء أمير المؤمنينعليهالسلام وحمله له إلى مسجد قباء، وخبره مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخطابه له يقول:
لـمّا لقاه أبو الفصيل |
فخلا به وقرينه لم يعلمِ |
|
فتناشدوا في نقضه العهد الذي |
أخذ النبي عليه غير تكتّم |
|
لتسلمنّ إلى الوصي إمامة |
وإمارة صارت له من آدم |
|
قال الغوي من أين لي ذا خبرة |
أدرى ويشهد بالذي قد تزعم |
|
قال الوصي هل لك عنّي مخبراً |
عن النبي فقال: آه حرم |
|
أين النبي وكيف لي بمغيّب... |
بين الجنادل في ضريحٍ مظلم |
|
قال الوصي علي أن تلقاه في |
نادي قبا في مسجد لم يهدم |
|
قال الغوي له بعد مماته |
قال الوصي نعم برغم مرغم |
|
فأتى به فإِذا النبي بمحضر |
حتى يحاوره بغير تجمجم |
|
أنسيت ويلك يا عتيق وكبه |
لجبينه على الأرض صفة النادم |
|
قال النبي له عتيق ردها |
ويلك تنجو من جريرة ظالم |
|
قال الشقي نعم أردت ظلامة |
لعلي ذو الهادي بغير تذمّم(1) |
وله في هذا المعنى قصيدة أخرى يقول:
حتى لقيه أبو الفصيل بجانب |
فخلا به وقرينه لم يشعر |
وعنه بهذا الإسناد عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن سلمان الفارسي، قال: دخلَ أبو بكر وعمر وعثمان على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقالوا: يا رسول الله، ما لك تُفضّل علينا علياً في كلّ الأعمال والأشياء ولا يُرى لنا معه فضل، قال لهم: (ما أنا فضّلته بل الله فضّله)، فقالوا: ما الدليل على ذلك؟ فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : (إذا لم تقبلوا منّي فليس شيئاً عندكم أصدق من أهل الكهف ؛ حتى تسلّموا عليهم وأنا أحملكم وعلي، وأجعل سلمان شاهداً، فمَن أحيا الله
____________________
(1) نقلنا هذه الأبيات من الكتاب كما وردت ؛ لنبيّن للقارئ التحريف الذي أصابَ هذه المخطوطة وسواها.
أصحاب الكهف له وأجابوه كان الأفضل)، قالوا: رضينا يا رسول الله.
فأمرَ رسول الله ببسط بساطٍ له ودعا بعلي فأجلسهُ في البساط، وأجلسَ كلّ واحد منهم قرنة، قال سلمان: وأجلَسني القرنة الرابعة وقال: (يا ريح، احمليهم إلى أصحاب الكهف وردّيهم إليَّ)، فدخَلتْ الريح وسارت بنا فإِذا نحن في كهف عظيم فحطّت عليه، قال أمير المؤمنين: (يا سلمان، هذا الكهف والرقيم فقل للقوم تتقدّمون أو أتقدّم)، فقالوا: نحن نتقدّم، فقامَ كلّ واحد منهم وصلّى ودعا وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف، فلم يجيبهم، فقام بعدهم أمير المؤمنين وصلّى ركعتين ودعا بدعوات فصاحَ الكهف وصاحَ القوم من داخله بالتلبية، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : (أيّها الفتية الذين آمنوا بربّهم وزادهم هدى)، فقالوا: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه، لقد أخذَ العهد علينا بعد إيماننا بالله ورسوله محمد، ولك يا أمير المؤمنين بالولاية إلى يوم الدين.
فسقطَ القوم لوجوههم وقالوا: يا أبا عبد الله ردّنا، فقلت: وما ذلك إلي؟ فقالوا: يا أبا الحسن، رُدّنا؟ فقالعليهالسلام : (يا ريح، ردّيهم بنا إلى رسول الله)، فحملنا فإذا نحن بين يديه فقصّ عليهم رسول الله القصّة كما جرت فقال: (حبيبي جبرائيل أخبرني أنّ علياً فضّله الله عليكم).
وعنه عن يعقوب بن أشر، عن زيد بن عامر الطاطري، عن زيد بن شهاب الأزدي، عن زيد بن كثير اللحمي، عن أبي سمينة محمد بن علي، عن أبي بصير عن مولانا الصادقعليهالسلام قال: (لمـّا أظهرَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فضل أمير المؤمنين، كان المنافقون يتخافتون بذلك ويُسرّونه ؛ خوفاً من رسول الله، إلى أن خطبَ أكابر قريش فاطمة وبذلوا في تزويجها الرغائب، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لا يزوّج أحداً منهم، حتى خطبها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا علي، ما خطبتَها إلاّ والله زوّجك إيّاها في السماء ؛ لأنّ الله وعدَ ذلك فيك وفي ابنتي فاطمة.
فقام إليه أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وقال: يا رسول الله، وقد زوّج الله علياً في السماء بفاطمةعليهاالسلام ، فقال لهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
نعم، يا بن أيوب، أمرَ الله الجنّة أن تتزخرف، وشجرة طوبا أن تنشر أغصانها في السبع سماوات إلى حَملة العرش، وأن تحمل بأغصانها درّاً وياقوتاً ولؤلؤاً ومرجاناً وزبرجداً وزمرّداً صكاكاً، مخطوطة بالنور: هذا ما كان من الله للملائكة وحَملة العرش وسكّان السماوات إكراماً لحبيبه وابنته فاطمة ووصيّه علي، وأمرَ لجبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، واللوح المحفوظ، والقلم، ونون، وهي مخازن وحي الله وتنزيله على أنبيائه ورسله، وأن يقفوا في السماء الرابعة وأن يخطي جبرائيل بأمر الله ويزوّج ميكائيل عن الله، ويشهد جميع الملائكة، وانتثرت طوبا من تحت العرش إلى سماء الدنيا فالتقطت الملائكة تلك النثارة والصكاك، فهو عندهم مدخوراً.
قال أبو أيوب: يا رسول الله، ما كان نحلتها؟ قال: يا أبا أيوب، شطر الجنّة، وخُمس الدنيا وما فيها، والنيل، والفرات، وسيحان، وجيحان، والخمس من الغنائم، كلّ ذلك لفاطمةعليهاالسلام نحلة من الله وحبّاً لا يحلّ لأحدٍ أن يظلمها فيه بورقة، قال أبو أيوب: بخ بخ يا رسول الله، هذا من الشرف العظيم، أقرّ الله بها عيناك وعيوننا يا رسول الله.
فقام حذيفة بن اليماني (رضي الله عنه) على قدميه وقال: يا رسول الله، تزوّجها في يوم الأربعين من تزويجها في السماء، قال حذيفة بن اليماني: ما نحلتها في الأرض يا رسول الله؟ قال: يا عبد الله، نحلتها ما تكون سنّة من نساء أُمّتي مَن آمنَ منهنّ واتقى، قال: وكم هو يا رسول؟ قال: خمسمئة درهم. قال حذيفة: يا رسول الله، ليزيد عليها في نساء الأمّة ؛ فإنّ بيوتات العرب تعظّم النحلة وتتنافس فيها تأديباً من الله ورحمة منه في ابنتي وأخي.
قال حذيفة بن اليماني: يا رسول الله، فمَن لم يبلغ الخمسمئة درهم؟ قال لهصلىاللهعليهوآلهوسلم : تكون النحلة ما ترضى عليه، قال حذيفة: يا رسول الله، فإن أحبّ أحد من الأئمة الزيادة على الخمسمئة درهم؟ فقال لهصلىاللهعليهوآلهوسلم : يجعل ما يعطيها أرض الدنيا براً ولا يزيد على الخمسمئة درهم، فقال حذيفة: صدقتَ يا رسول الله، فيما بلّغتنا إياه عن الله عزّ وجل في قوله عزّ مَن قائل:( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً *
وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَاقاً غَلِيظاً ) . قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما وجبَ لهنّ ذلك إلاّ عند الإفضاء إليهنّ إلى ما ترى يا أبا عبد الله حذيفة وتسمع قوله عزّ وجل:( وَإِن طَلّقْتُمُوهُنّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسّوهُنّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلْتّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) ، فأعلَمَ عزّ ذكره أنّه إذا لم يقضِ إليهنّ ولم يمسسنَ أن لا تأخذوا شيئاً.
قال: فلمّا تمّت الأربعين يوماً أمرَ الله رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يزوّجها من عليعليهالسلام ، فزوّجه في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحضرَ جميع المسلمين وفيهم حاسداً لعلي وشامتاً بفاطمة، وإنّها تزوّجت من فقير ورضا مسروراً إرضاء الله ورسوله، فلمّا اجتمعوا وتكاتفوا قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قد أخبرتُكم معاشر الناس ما أكرَمني الله به وأكرمَ به أخي علي ابنتي فاطمةعليهاالسلام وتزويجها في السماء، وقد أمرَني الله أن أزوّجه في الأرض وأن أجعل له نحلتها خمسمئة درهم، ثمّ تكون بيّنة في أُمتي من أغنيائهم والمقبل فيهم ما تراضيا عليه، ثمّ قال: قم فديتك يا علي، فاخطب لنفسك ؛ فإنّ هذا اليوم كرامتك عند الله وعند رسوله.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : الحمد لله حمداً لأنعُمه وأياديه، لا إله إلاّ الله شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على محمد صلاة تُزلفه وتحضيه، ألا وإنّ النكاح ممّا أمرَ الله ورضيه، ومجلسنا هذا ممّا قدرهُ الله وقضا فيه، هذا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد زوّجني ابنته فاطمة وصداقها على خمسمئة درهم، فاسألوا رسول الله واشهَدوا عَلي، فقال رسول الله: ما زوّجتك حتى زوّجك الله في السماء منذ أربعين يوماً، فاشهدوا رحمكم الله، فخرجَ مولاي لأم سلمة زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنثرَ سكّراً ولوزاً ونثرَ الناس من كل جانب.
وانصرفَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويده في يد أمير المؤمنينعليهالسلام ، حتى دخلَ إلى مشرفة أم المؤمنين أم سلمة، وهي مشرفة عالية البناء كثيرة الأبواب
والطاقات، وانصرفَ الناس إلى منازلهم، وارتفعَ في دور الأنصار نقر الدفوف من مشارف رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأصوات بحمد الله وشكره والثناء عليه، فدعا رسول الله بتمرات كانت له في عقب وفضلة سمن عربي فطرَحه في قصعة كانت له وفتّها في يده وقال: قدّموا الصحاف والقصاع، واحملوا إلى سائر أهل المدينة وأبواب المهاجرين والأنصار، ثمّ سائر المسلمين، وأسرعوا في المدينة للسابلة ما يأكلون ويتزوّدون، فلم تزل يده المباركة فيه تنتقل من قصعته إلى الصحاف من ذلك الخير، وهي تمتلئ وتفيض، حتى امتلأت منها منازل المسلمين في المدينة وأشرعت في الطرقات، فأكلت وتزوّدت السابلة وسائر الناس، وقصعتهُصلىاللهعليهوآلهوسلم كهيئتها بحالها.
وتكلّم المنافقون والحسّاد لأمير المؤمنينعليهالسلام وقالوا لنسائهم: ألقينَ إلى فاطمة ما تصنعنَ تسمعن منّا، فبلّغوها وقلنَ لها: خطبكِ أكابر الناس وأغنيائهم وبذلوا لكِ الرغائب، فزوّجك رسول الله من فقير قريش وليس له خمسمئة درهم، ولا ثمن درعة التي وهبَها له رسول الله، ولا يقدر أن يملك من الدنيا أكثر من فراش أديم ومضوغة محشوّة ليف النخل وأصواف الغنم، فألقينَ نساؤهم إلى فاطمةعليهاالسلام هذا القول وزدنَ فيه.
وحكتهُ أمّ سَلمة لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فخرجَ إلى مسجده واجتمعَ الناس من حوله فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : ما بالَ قوم منكم يؤذون الله ورسوله وعلي وفاطمة؟ فقال الناس: لعنَ الله مَن يؤذيك يا رسول الله، ومَن لم يرضَ ما رضيت ويسخط ما سخطتَ، فقال لهم: بَلَغني عن قومٍ منكم أنّهم يقولون إنّي زوّجتُ فاطمة من أفقر قريش، وقد عَلِم كثير من الناس أنّ الله تعالى أمرَ جبريل أن يعرض عليَّ خزائن الأرض وكنوزها وجبالها وبحارها وأنهارها، فقلت له: وأخي علي يرى ما رأيت ويشهد ما شهدت، فقال: نعم، فقلت: حبيبي جبرائيل، ما عند الله من الملك الذي لا يحول ولا يزول في الآخرة - التي هي دار القرار - أحب إليّ من هذه الدنيا الفانية، فكيف أكون وأخي علي وابنتي فاطمة؟ الله بيني وبين المنافقين من أمتي)، فأنزلَ الله عزّ وجل:( لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّذِينَ قَالُوا إِنّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ) إلى آخر الآية.
وعنه بهذا الإسناد عن أبي جعفرعليهالسلام قال: (لمـّا كثر قول المنافقين وحسّاد أمير المؤمنينعليهالسلام ، فيما يظهره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم من فضل أمير المؤمنين ويبصر الناس ويدلّهم ويأمرهم بطاعته، ويأخذ البيعة له من كبرائهم ومَن لا يؤمن غدره، ويأمرهم بالتسليم عليه بإمرة المؤمنين، ويقول لهم: إنّه وصيّي وخليفتي وقاضي ديني ومنجز وعدي، والحجّة على خلقه من بعدي، مَن أطاعه سعد، ومَن خالفه ضلّ وشقي...
قال المنافقون: لقد ضلّ محمد في ابن عمّه علي وغوى وجُن، والله ما فَتنه فيه ولا حبّبه إليه إلاّ قتلُ الشجعان والفرسان يوم بدر وغيره، من قريش وسائر العرب واليهود، وإنّ كلّ ما يأتينا به ويظهره في علي من هواه، وكلّ ذلك يبلغ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتى اجتمعَ في دار الأقرع بن جانب التميمي وكان مسكنها في وقت صهيب الرومي، وهم التسعة الذين هم أعداء أمير المؤمنينعليهالسلام كان عدادهم عشرة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمان بن عوف الزهري، وخالد بن الوليد، وأبو عبيدة بن الجراح، فقالوا: قد أكثرَ رسول الله في أمر علي وزادَ فيه حتى لو أمكنهُ أن يقول لنا اعبدوه لقال، قال سعد بن أبي وقّاص: ليتَ محمداً أتانا فيه بآية من السماء كما أتاه في نفسه الآيات من شقّ القمر وغيره.
وباتوا ليلتهم تلك، فنزلَ نجم من السماء حتى صارَ على ذروة المدينة ودخلَ ضوءه في البيوت، وفي الآبار والمغارات، وفي المواضع المظلمة من منازل الناس، فذعرَ أهل المدينة ذعراً شديداً وخرجوا وهم لا يعلمون ذلك النجم على دار مَن قد نزلَ، ولا أين هو معلّق، إِلاّ أنّهم يظنّونه على بعض منازل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وسمعَ رسول الله ذلك الضجيج والناس، فخرجَ إلى المسجد وصاحَ بالناس: ما الذي أزعجكم وأعاقكم من هذا النجم النازل على دار علي بن أبي طالب؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا يقول منافقوكم التسعة الذين اجتمعوا في أمسكم في دار صهيب الرومي، فقالوا فيَّ وفي أخي علي ما قالوا، وقال قائل: ليتَ محمداً أتانا بآية من السماء في علي كما أتانا بها في نفسه من شقّ
القمر وغيره، فأنزلَ الله عزّ وجل هذا النجم على دار أخي علي آية له خصَّه الله بها، فلم يزل ذلك النجم معلّقاً على مسربة أمير المؤمنين ومعه في المسجد، إلى أن غابَ كلّ نجم في السماء وهذا النجم معلّق.
فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : هذا حبيبي جبرائيل قد نزلَ عليَّ في هذا النجم وحياً وهو ما سمعتموه، ثمّ قرأصلىاللهعليهوآلهوسلم :( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * وَالنّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) ، ثمّ ارتفعَ النجم وهم ينظرون إليه والشمس قد بَزغت وغابَ كلّ نجم في السماء.
فقال بعض المنافقين: لو شاء محمد لأمرَ هذه الشمس فنادت باسم علي، فقالت: هذا ربّكم فاعبدوه، فهبطَ جبريلعليهالسلام فأخبرَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بما قالوا، وكان هذا في ليلة الخميس وصبيحته، فأقبلَ رسول الله بوجهه الكريم على الله وعلى الناس وقال: استعيدوا علي من منزله، فاستعادوا إليه، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : يا أبا الحسن، إنّ قوماً من منافقي أمّتي ما قَنعوا بآية النجم حتى قالوا: لو شاء محمد لأمرَ الشمس أن تسلّم على علي وتقول: هذا ربّكم فاعبدوه، فبكِّر يا علي بعد صلاتك الفجر إلى بقيع الفرقد وقِف نحو مطلع الشمس، فإذا بزَغت الشمس فادعُ بدعوات نلقّنك إياها وقل للشمس: السلام عليكِ يا خلق الله الجديد، واسمع ما تقول وما تردّ عليك، وانصرِف إلى البقيع.
فسمعَ الناس ما قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسمعَ التسعة المفسدين في الأرض فقال بعضهم لبعض: لا تزالون تقرّون محمداً في ابن عمّه على كلّ شيء، وليس قال مثلما قاله في هذا اليوم، فقال اثنان منهما وأقسما بالله جهد أيمانهما - أبو بكر وعمر - أنّهما لابدّ أن يحضرا ويسمعا ما يكون من علي والشمس. فلمّا صلّى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلاة الفجر، وأمير المؤمنينعليهالسلام معه في الصلاة، فأقبلَ عليه النبي وقال له: قم يا أبا الحسن إلى ما أمركَ الله ورسوله به، فائتِ البقيع حتى تقول للشمس ما قلتُ لك، وأسرّ إليه سرّاً كان في الدعوات التي علّمه إيّاها.
فخرجَ أمير المؤمنينعليهالسلام يسعى إلى البقيع، فأخفوا أشخاصهما بين تلك القبور، ووقفَ أمير المؤمنين بجانب البقيع حتى بزغت الشمس، فَهمهمَ كما علّمه النبي بهمهَمة لم يعرفوا بها، فقالوا: هذه الهمهمَة ممّا علّمه محمد من سحره، فقال: السلام عليكِ يا خلق الله الجديد، فأنطقها الله بلسان عربي مبين وقالت: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه، أشهد أنّك الأول والآخر والباطن والظاهر وأنت بكلّ شيء عليم، وأنّك عبد الله وأخو رسول الله حقاً.
فأرعدَ القوم واختلطت عقولهم، ورجعوا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم مسودّة وجوههم تفيض أنفسهم غيظاً، فقالوا: يا رسول الله، ما هذه العجائب التي لم نسمع بها من النبيين، ولا من المرسلين، ولا في الأمم الغابرة القديمة؟ ليتَ تقول: إنّ علياً ليس بشراً وهو ربّكم فاعبدوه، فقال لهم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بمحضر علي: ما رأيتم؟ فقالوا: ما نقول ونسمع ونشهد بما قال علي للشمس وما قالت له الشمس، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا، بل تقولوا ما قال علي للشمس، فقالوا: قال علي للشمس: السلام عليكِ يا خلق الله الجديد، ثمّ همهمَ هَمهمة تزلزلَ منها البقيع، فأجابته الشمس: وعليك السلام يا أخا رسول الله ووصيه، أشهد أنّك الأول والآخر والباطن والظاهر، وأنت بكلّ شيء عليم، وأنّك عبد الله وأخو رسول الله حقاً.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الحمد لله الذي خصّنا بما تجهلون، وأعطانا ما لا تعلمون، وقد عَلمتم أنّي آخيت علي دونكم، وأُشهدكم أنّه وصيي فما أنكرتم، عساكم تقولون ما قالت له الشمس: أشهدُ أنّك أنت الأول والآخر والباطن والظاهر، قالوا: يا رسول الله، إنّك أخبرتنا أنّ الله هو الأول والآخر والباطن والظاهر في كتابه العزيز المنزل عليك.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وَيحَكم وأتاكم بعلم ما قالت الشمس، أمّا قولها إنّك الأول: فصَدقت أنّه أوّل مَن آمنَ بالله ورسوله ممّن دعوتهم من الرجال إلى الإيمان بالله، وخديجة في النساء. وأمّا قولها له الآخر: فهو آخر الأوصياء وأنا آخر النبيين والأنبياء والرسل. وقولها الظاهر: فهو الذي ظهرَ
على كلّ ما أعطاني الله من علمه، فما علمه معي غيره ولا يعلمه بعدي سواه. وأمّا قولها الباطن: فهو والله باطن علم الأولين والآخرين وسائر الكتب المنزلة على النبيين والمرسلين، وما زاد في الله وخصّني الله من علم. وأمّا قولها له: يا مَن أنت بكل شيء عليم، فإنّ علياً يعلم المنايا والقضايا وفصل الخطاب وما تعلمون، فماذا أنكرتم، قالوا بجمعهم: نحن نستغفر الله، يا رسول الله، لو عَلمنا ما تعلم لسقطَ الاعتذار والفضل لك يا رسول الله ولعلي فاستغفر لنا، فأنزلَ الله تبارك وتعالى:( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) ، وهذا في سورة المنافقون، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام ).
وعنه عن محمد بن منير القمي، عن زيد بن صعصعة التميمي، عن عامر بن عيسى، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن عليعليهالسلام قال: قلت: يا سيدي كم من مرة رُدّت الشمس على جدّك أمير المؤمنين؟ قال: (يا أبا بصير، ردّت له مرّة عندنا بالمدينة، ومرّتين عندكم بالعراق. فأمّا التي عندنا بالمدينة، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم صلّى العصر وخرجَ إلى منفسح في غربي المدينة وأمير المؤمنين يتبعهُ، ولم يكن صلّى العصر، فلحقَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم النعاس، فوضعَ رأسه في حجر أمير المؤمنينعليهالسلام ورقدَ، فلم ينتبه من رقدته إلاّ وقد توارت الشمس بالحجاب. فلمّا انتبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال أمير المؤمنين: يا رسول الله، ما صلّيتُ ولا أيقظتك من رقدتك إجلالاً وتعظيماً وإِشفاقاً عليك يا رسول الله.
قال رسول الله: اللهمّ إنّك تعلم أنّ علياً عظّمَ نبيّك وأشفقَ عليه أن يوقظه من رقدته حتى غَربت الشمس، ولم يصلِّ العصر، فكرِّم نبيك ووصيّك بردّ الشمس عليه حتى يصلّي العصر، فأقبلَت من مغربها راجعة لها زجل بالتسبيح والتقديس حتى صارت في منزلة الشمس لوقت العصر، فصلّى أمير المؤمنينعليهالسلام ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجميع الناس ينظرون. فلمّا قضى صلاته هَوَت إلى مغربها كالبرق الخاطف والكوكب المنقض، فأمرَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يُبنى في موضع صلاة أمير المؤمنين مسجداً يُصلّى فيه ويزار.
قال الحسين بن حمدان (رضي الله عنه): أنا رأيت هذا المسجد في غربي المدينة في أرض سهلة سنة ثلاثة وسبعين ومئتين من الهجرة، وصلّيتُ فيه مع جمع من الناس كثير، والمسجد يجدّد أبداً في كلّ زمان ويُعرَف بموضع ردّة الشمس لعلي أمير المؤمنينعليهالسلام ، وهو مشهد معروف.
وأمّاالأولى من المرّتين في العراق، فإنّ أمير المؤمنين سارَ بعسكره من النخلة مغرباً حتى نهر كربلاء، فمالَ إلى بقعة يتضوّع منها المسك، وقد جنّ عليه الليل مظلماً معتكراً ومعه نفر من أصحابه، وهم: محمد بن أبي بكر، والحارث الأعور الهمداني، وقيس بن عبادة، ومالك الأشتر، وإبراهيم بن الحسن الأزدي، وهاشم المرقاة.
قال ابن عبيد الله بن زياد: فلمّا وقفَ في البقعة وترجّل النفر معه وصلّى، قال لهم: صلّوا كما صلّيتُ ولكم عليّ علم هذه البقعة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لكَ مِنن علينا بمعرفتها، فقالعليهالسلام : هذه والله الربوة التي ذات قرار ومعين التي ولِد فيها عيسىعليهالسلام ، وفي موضع الدالية من ضفة الفرات غَسلته مريم واغتسلت، وهي البقعة المباركة التي نادى الله موسى من الشجرة، وهو محط ركاب مَن هنّأ الله به جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعزّاه. فبكوا وقالوا: يا أمير المؤمنين، هو سيدنا أبو عبد الله الحسين، قال لهم أمير المؤمنينعليهالسلام : اخفضوا من أصواتكم ؛ فإنّه وإخوانه هذا السواد وما أحبّ أن يسمعوا فيحزنوا على الحسين، على أنّ الحسين قد علمَ وفهم ذلك كلّه وأخبره به جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ثمّ قبضَ قبضة من نثر دوحات كأنّهن قضبان اللجين فاشتمّها ثمّ ردّها في أيدينا وقال: تحيوا بها، فأخذناها فإذا هي بغزلان، فقال لهم: لا تظنّوا أنّها من غزلان الدنيا، بل هي من غزلان الجنّة تعمر هذه البقعة وتؤنسها وتنثر فيها الطيب.
قال قيس بن سعد بن عبادة: كيف لنا بأن نرسم هذه البقعة بأبصارنا
وهذا الليل بظلمته يمنعنا من ذلك، فقال لهم: هذا عسكرنا حائر لا يهدي مسيره، فقال لهم محمد بن أبي بكر: يا مولانا ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، فأين فضلك الكبير لا يدركنا؟ فانفردَ أمير المؤمنينعليهالسلام في جانب من البقعة وصلّى ركعتين ودعا بدعوات، فإذا الشمس قد رجعت من مغربها فوقفت في كبد السماء، فهلّلَ العسكر وكبّروا وخرَّ أكثرهم سُجّداً لله، ونظروا إلى البقعة وعرفوها وعلِموا أين هي من الفرات وهي كربلاء، ثمّ سار العسكر على الجادّة وغربت الشمس.
وأمّاالثالثة ، فإنّ أمير المؤمنينعليهالسلام انكفأ من النهروان بعد قتال الخوارج حتى قرب من أرض بابل، وقد وجبت صلاة العصر في أرض بابل، فلمّا وجبت أقبلَ الناس من العسكر وهم سائرون ويقولون: يا أمير المؤمنين، الصلاة ليلاً ثمّ يجري في الأرض قد خسفَ الله فيها بطشه، وهي أرض لا يصلّي بها نبي ولا وصي، فأقبلَ الناس يصلّون إلى أن غربت الشمس.
وقد صلّى أهل العسكر إلاّ أمير المؤمنينعليهالسلام وحويرثة بن مشهور يقول: والله، لأقلدنّ في صلاتي أمير المؤمنين ؛ فإنّي لم أُصلِّها وقد صلاّها سائر العسكر، ولي بأمير المؤمنين أُسوة، فقال له أمير المؤمنين: ما صلّيت؟ فقال: لا، يا أمير المؤمنين ما صلّيت، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : أذِّنْ وأقِم حتى نصلّي العصر، فصلّى أمير المؤمنين وهو منفرد من العسكر، ودعا بدعوات من الإنجيل لم يسمع أحد منها كلمة إلاّ حويرثة، فإنّه سمعهُ يقول: (اللهمّ إنّي أسألك باسمك الأعظم)، ودعا بكلمات إنجيلية، فأقبلت الشمس بعد غروبها راجعة لها ضجيج وزجل بالتسبيح والتقديس حتى صارت في درجة العصر، فصلّى أمير المؤمنينعليهالسلام وصلّى حويرثة معه، وندمَ أهل العسكر في صلاتهم دونه.
قال حويرثة: يا أمير المؤمنين، لم أعلم أنّ الشمس تردّ لصلاتك، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : لا تثريبَ اليوم عليك يا حويرثة، فقال قوم من العسكر: قد صلّينا يا أمير المؤمنين في أرض بابل، فقال لهم أمير
المؤمنين: أنتم المغرورون إذا قلتم ما لا تعلمون، واعلموا - رحمكم الله - أنّ لكلّ شيء حرَماً يكون أربعين ذراعاً إلاّ حَرم مكّة ؛ فإنّه اثني عشر ميلاً، على يمين الكعبة أربعة، وثمانية على يسارها، وكذلك أمَرَكم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن تنتشروا في القبلة، وإذا صلّيتم تباينوا ؛ فإنّكم إذا باشرتم في وسط القبلة خرَجتم عنها، وإنّما صلّيتم في حرم الفرات.
ثمّ رجعت الشمس بعينها منقضّة كالكوكب المنقض أو الشهاب الثاقب. فلمّا توارت بالحجاب أمرَعليهالسلام العسكر بالتوجّه إلى غربي الفرات، فعبروا في ثلاث ساعات وعسكروا بقرب سور العتيق، وأُمروا في الأذان والإقامة، فصلّى أمير المؤمنين بالناس العشاءين، وسارَ من ليلته حتى وردَ الكوفة.
ورويَ أنّه لم ترد الشمس لأحدٍ من خَلق الله تعالى إلاّ ليوشع بن نون وصي موسىعليهالسلام ، وكان آخر قتالهم له يوم الجمعة إلى أن غربت الشمس، وقد ظهرَ على المنافقين أصحاب يوشععليهالسلام وقال: قاتلوهم فقد غلبتموهم بإذن الله، فقالوا: لا نقاتل وقد دخلَ السبت، فانفردَ يوشع فتلا أسفاراً من صحف إبراهيمعليهالسلام ومن التوراة، وسألَ الله عزّ وجل أن يردّ الشمس عليهم حتى لا يحتج المارقون، فقال يوشععليهالسلام : (قاتلوا)، فقالوا: لا نقاتل ؛ لأنّ السبت قد دخلَ، قال: (هذا لا من السبت ولا من الجمعة، وإنّما سألت الله عزّ وجل ردّ الشمس لتظهروا على أعدائكم ولا يظهروا عليكم)، فقاتلوهم فغلبوهم وملكوهم وغربت الشمس.
وكانت صفراء ابنة شعيب النبيعليهالسلام - زوجة موسى بن عمرانعليهالسلام - تقاتل يوشع بن نون مع المارقين من بني إسرائيل على زرافة، كما قاتلت عائشة بنت أبي بكر زوجة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصيّه أمير المؤمنينعليهالسلام ، مع المارقين من أمّته على جمل، وقد رُدّت الشمس ليوشع مرّة ولأمير المؤمنين ثلاث مرّات، وسلّمت عليه بالبقيع.
وهذا نبي الله سليمان بن داودعليهالسلام أمرَ بأن تُعرض عليه خيله حتى عجبَ بها وفتنته، إلى أن غربت الشمس وفاتتهُ صلاة العصر، فذكرَ أنّه لم
يصلِّ صلاة العصر، فأمرَ بردّ خيله، فأمرَ بضرب سوقها وأعناقها ؛ كفارة لِما فاتتهُ صلاة العصر، ولم ترد الشمس له كما رُدّت لأمير المؤمنينعليهالسلام ، والفضل في ذلك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ لأنّه أفضل النبيين والمرسلين، ولأمير المؤمنين ؛ لأنّه أفضل الوصيين والأئمة الراشدين.
وقد قصّ الله خبر سليمانعليهالسلام ، فقال تعالى:( إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيّ الصّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنّي أَحْبَبْتُ حُبّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبّي حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدّوهَا عَلَيّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسّوقِ وَالأَعْنَاقِ ) ، ولم يخبر إلاّ به، ولم يخبر عن نفسهعليهالسلام .
وعنه عن محمد بن جابر بن عبد الله بن خالد الخزاعي، عن محمد بن جعفر الطوسي، عن محمد بن صدقة العنبري، عن محمد بن سنان الزاهري، عن الحسن بن جهم، عن أبي الصامت، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال: (بينما أمير المؤمنينعليهالسلام متجهاً إلى معاوية ويحرِّض الناس على قتاله، اختصمَ إليه رجلان فعجّل أحدهما بالكلام وزادَ فيه، فالتفت إليه أمير المؤمنين وقال له: اخسأ يا كلب، فإِذا برأسه رأس كلب، فبُهت مَن كان حوله، وأقبلَ الرجل بإصبعه المسبحة يتضرّع إلى أمير المؤمنين ويسأله الإقالة، فنظرَ إليه وحرّك شفتيه فعادَ خلقاً سوياً.
فوثبَ بعض أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذه القدرة لك رأيناها وأنت تجهّزنا إلى قتال معاوية، فما لكَ لا تكفينا ببعض ما أعطاك الله من هذه القدرة، فأطرقَ طويلاً ورفع رأسه إليهم فقال: والذي فلقَ الحبّة وبَرَأ النسمة، لو شئتُ لضربت برجلي هذه القصيرة في طول هذه الفيافي والفلوات والجبال والأدوية، حتى أضرب صدر معاوية على سريره فأقلبه على أُم رأسه لفعلت، ولو أقسمتُ على الله عزّ وجل أن آتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا ومن قبل أن يرتدّ إلى أحدكم طرفه لفعلت، ولكن كما وصفَ الله عزّ مَن قائل:( بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) )، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه عن أبي الحسن بن يحيى الفارسي، عن عقيل بن يحيى الحسيني، عن زيد بن عمر بن كثير المدني، عن جعفر بن محمد الحلبي، عن حمران بن أعين، عن ميثم التمار قال: خطبَ بنا أمير المؤمنينعليهالسلام في جامع الكوفة فأطالَ خطبته، وعجبَ الناس من طولها وحسنها وعظمها وترغيبها وترهيبها، إذ دخلَ نذير من ناحية الأنبار وهو مستغيث يقول: الله، الله يا أمير المؤمنين، في رعيتك وشيعتك، هذه خيل معاوية قد شنّت علينا الغارات في سواد الفرات ما بين هيت والأنبار.
فقطعَ أمير المؤمنين خطبته وقال: (ويحك، إنّ خيل معاوية قد دَخلت الدسكرة التي تلي جدران الأنبار، فقتلوا فيها سبع نسوة وسبعة من الأطفال ذكراناً وشهروهم وظهروهم ووطؤهم بحوافر خيلهم، وقالوا: هذا مراغمة لأبي تراب، فقامَ إبراهيم بن الحسن الأزدي بين يدي المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، هذه القدرة التي رأيت بها وأنت على منبرك وفي دارك، وخيل معاوية ابن آكلة الأكباد ما يفعل بشيعتك ويعلم بها هذا النذير ما بالها تقصر عن معاوية، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : ويحك يا إبراهيم، ليهلك مَن هلكَ عن بيّنة ويحيا مَن يحيا عن بيّنة. وصاحَ الناس في جوانب المسجد: يا أمير المؤمنين، إلى متى يهلك مَن هلك وشيعتك تهلك؟
فقال لهمعليهالسلام : ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. فصاحَ زيد بن كثير المرادي فقال: يا أمير المؤمنين، تقول لنا بالأمس وأنت متجهّز إلى معاوية وتحرّضنا على قتاله، ويحتكم الرجلان في البغل فيعجّل أحدهما عليك في الكلام فتجعل رأسه رأس كلب، ويستجيرك فتردّه بشراً سويّاً، ونقول لك: ما بال هذه القدرة لا تبلغ معاوية فتكفينا شرّه، فتقول لنا: وفالق الحبّة وبارئ النسمة لو شئت أن أضرب برجلي هذه القصيرة صدر معاوية فأقلبهُ على أُم رأسه لفعلت، فما بالك اليوم لا تفعل ما تريد الآن أن يضعف يقيننا فنشك فيك فندخل النار، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : لأفعلنّ ذلك ولأعجلنّ على ابن هند، فمدّ رجله المباركة على منبره فخرجت من أبواب المسجد وردَّها إلى فخذه وقال: معاشر الناس افهموا تاريخ الوقت واعلموه فلقد ضربتُ برجلي هذه،
الساعة، صدر معاوية فألقيته على أُم رأسه فظنّ أنّه قد هبطَ به)، فقال: يا أمير المؤمنين، أين النظرة؟ فرددتُ رجلي عنه فتوقّع الناس. ووردَ الخبر من الشام بتاريخ تلك الساعة بعينها في ذلك اليوم بعينه: أنّ رِجلاً جاءت من نحو أبواب كندة ممدودة متصلة فدخلت من أبواب معاوية والناس ينظرون، حتى ضرَبَت صدر معاوية وقلبتهُ عن سريره على أُم رأسه، فصاحَ: يا أمير المؤمنين حقاً، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبي الحسن محمد بن يحيى الفارسي، عن جعفر بن حباب، عن محمد بن علي الآدمي، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي إسحاق القرشي قال: دخلت المنزل الأعظم بالكوفة وإذا أنا بشيخ أبيض شعر الرأس واللحية، يستمد بأعلى صوته ويبكي ودموعه تسيل على خدّيه، فقلت له: يا شيخ ما يبكيك، فقال: إنّه أتى علي نيّف ومئة سنة لم أرَ فيها عدلاً، ولا حقاً، ولا علماً ظاهراً، إلاّ ساعة من الليل وساعة من النهار فأنا أبكي لذلك، فقلت: وما تلك الساعة والليلة واليوم الذي رأيت فيه العدل؟
قال: إنّي كنتُ رجلاً من اليهود وكان لي ضيعة بناحية سور، وكان لنا جار في الضيعة من أهل الكوفة يقال له الأعور الهمداني، وكان مصاباً في إحدى عينيه وكان خلصاً وصديقاً، وإنّي دخلتُ الكوفة يوماً من الأيام بطعام على حمير لي أريد بيعه، فبينما أنا أسوق حميري وإذا بصوت في ساحة الكوفة وذلك بعد عشاء الآخر، فافتقدت حميري فكأنّ الأرض ابتلعتها والسماء تناولتها، أو كأنّ الجنّ اختطفتها فنظرت يميناً وشمالاً فلم أجدها، فأتيتُ منزل الحارس الهمداني من ساعتي أشكو إليه ممّا أصابني، فلمّا أخبرته قال: انطلِق بنا إلى منزل أمير المؤمنين حتى نخبره بالخبر، فانطلقنا إليه وأخبرناه بالخبر، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام للحارس: انطلِق إلى منزلك وخلِّني واليهودي، فأنا ضامن له حميره وطعامه حتى نردّها إليه.
فأخذَ أمير المؤمنين بيدي ومضى حتى أتينا الموضع الذي فقدتُ فيه حميري، فوجّه وجهه عنّي وتحرّكتْ شفتاه بكلام لا أفهمه، ثمّ رفعَ رأسه
فسمعته يقول: والله، لئن لم تردّوا على هذا اليهودي طعامه وحميره، لأنقضنّ عهدكم ولأجاهدنّ فيكم حق جهاد، قال: فو الله ما فرغَ أمير المؤمنين من كلامه حتى رأيتُ حميري وطعامي بين يدي.
فقال أمير المؤمنين: اختر يا يهودي إِحدى الخصلتين: إمّا أن تسوق حميرك وأنا أحرسها من ورائها، وإمّا أن أسوقها أنا وأنت تحرسها، فقلت: أنا أسوقها وتقدّم أنت يا أمير المؤمنين فتقدّمَ وتبعتهُ حتى انتهينا إلى الرحبة، فقال: يا يهودي، أحط عنها وتحفّظها أنت، أو تحط وأحفظها أنا حتى يصبح، فإنّه عليك بقية من الليل. فقلت له: يا مولاي، أنا أقوى عليها بالحط، وأنت أقوى عليها بالحفظ، فخلّني وإياها ونم حتى يطلع الفجر فليس عليك بأس. فلمّا طلعَ الفجر، نبّهني ثمّ قال لي: قد طلعَ الفجر فاحفظ عليك طعامك وحميرك، ولا تغفل عنها حتى أعود إليك.
فانطلقَ وصلّى بالناس الصبح، فلمّا طلعت الشمس أتاني وقال: افتح عن برك على بركة الله، ففعلتُ ثمّ قال: اختر خصلة من خصلتين: إمّا أن تبيع وأستوفي أنا، وإمّا تستوفي أنت وأبيع أنا، فقلت: أنا أقوى على بيعها وأنت أقوى على استيفائها، فبعتُ أنا واستوفى إليّ الثمن ودَفعهُ إليّ وقال: ألكَ حاجة، فقلت: نعم، أُريد أن أدخل إلى السوق في شراء حوائج، فقال: امضِ حتى أعينَك ؛ فإنّك ذمّي، فلم يزل معي حتى فرغتُ من حوائجي ثمّ ودّعني، فقلت له عند الفراق: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّك وصيه وخليفته على الجنّ والإنس، فجزاك الله عن الإسلام خيراً.
ثمّ انطلقتُ إلى ضيعتي وأقمتُ بها شهوراً ونحو ذلك، فاشتقتُ إلى رؤية أمير المؤمنين من تلك الليلة، فقدِمت الكوفة فقيل لي: قد قُتل أمير المؤمنينعليهالسلام ، فاسترجعتُ وصلّيت صلاة كثيرة وقلت عند ذلك: ذهبَ العلم، فكان هذا أوّل عدل رأيته تلك الليلة وآخر عدل رأيته في ذلك اليوم، فما لي لا أبكي.
فهذا كان من دلائلهعليهالسلام .
وعنه عن علي بن محمد الصيرفي قال: حدّثني علي بن محمد بن
عبد الله الخياط قال: حدّثني الحسين بن علي عن أبي حمزة الطائي، وهو علي بن معمر عن جابر بن زيد الجعفي، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال: (خرجَ أمير المؤمنين إلى أصحابه فقال: يا قوم، رأيتم أن لا تذهب الأيام ولا الليالي حتى يجري هاهنا نهر تجري فيه السفن فما أنتم قائلون؟ أأنتم مصدّقون ما قلت أم لا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، أيكون هذا؟ قال: والله، كأنّي أنظر إلى نهر في هذا الموضع يزخر بالماء تجري فيه السفن، بحضرة طاغوت يُنسب إلينا وليس هو منّا يكون على أهل هذه العترة أولاً عذاباً، ورحمة عليهم آخراً).
فلم تذهب الأيام والليالي حتى حُفر خندق بالكوفة حفره المنصور، فكان هذا عذاباً على أهلها أولاً ورحمة آخراً، ثمّ جرى فيه الماء والسفن وانتفعَ به الناس كافة. فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن الحسين عن أبي حمزة، عن أبيه قال: حدّثني مسعود المدائني وحسين بن حمدان، عن فضل الرسول، عن أبي جعفرعليهالسلام : (أنّ أمير المؤمنين قال له أصحابه: لو أريتنا ما تطمئنّ به قلوبنا ممّا في يدك ممّا أنهى إليك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال: لو رأيتم عجيبة من عجائبي لكفرتم وقلتم: ساحر وكاهن، ولكان هذا من أحسن قولكم. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما منّا أحد إلاّ وهو يعلم أنّك ورَثة علم رسول الله وصار إليك. فقال: عِلم العالم صعب مُستصعب لا يحمله إلاّ مَلك مقرّب، أو نبي مرسل، أو مَن امتحنَ الله قلبه للإيمان وأيّده بروحٍ منه، فإذا أبيتم إِلاّ أن أُريكم بعض عجائبي وما آتاني الله من العلم، فاتّبعوا أثري إذا صلّيت العشاء الآخرة.
فلمّا صلّىعليهالسلام أخذَ طريقه إلى ظهر الكوفة واتّبعوه، وهم سبعون رجلاً ممّن كانوا من خيار الناس، وكانوا سبعة له، فقال: إنّي لن أُريكم شيئاً حتى آخذ عليكم عهد الله وميثاقه: لا تكفّروني ولا ترموني بالمعضلات، والله لا أُريكم إلاّ بعض ما أُعطيت من ميراث النبي المرسل، والحجّة عليَّ وعليكم صلوات الله عليه، فأخذَ عليهم عهد الله وميثاقه، ثمّ قال: حوّلوا وجوهكم حتى أدعو بما أريد. فسمعوه جميعاً يدعو بالدعوة التي يعرفونها
ويعلمونها من أسماء الله تعالى، ثمّ قال: حوّلوا وجوهكم. فإذا هم بالقيامة قد قامت، والجنّة والنار قد حضرت وحُشروا جميعهم، فما شكّوا في القيامة وأنّهم بُعثوا وحُشروا جميعهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما هذا؟ فقال: هكذا يوم القيامة، فقال أحسنهم قولاً: إنّ هذا سحر عظيم، ورجعوا من فورهم كفّاراً إلاّ رجلان منهم.
فلمّا صارَعليهالسلام مع الرجلين، قال: سمعتما مقالة أصحابكم وأخذي عليهم العهود والمواثيق ورجوعهم يكفّرونني. أمَا والله إنّهم لفي حجّتي، وهكذا كان أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم يقولون: ساحر، كاهن، كذّاب، وقد عَلمتْ قريش ما خَلق الله خَلقاً كان خيراً منه. وبالله الذي لا يُحلف بأعظم منه، ورسوله ورسله وكتبه كلّها إنّني لست ساحراً ولا كذّاباً، ولا يُعرف هذا لي ولا لرسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنهاه الله إلى رسوله، وأنهاه رسوله إلي، وأنا أنهيته إليكم، فصدقَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وكذّبتموني وكذّبتم رسله، ونبي عن الله، فإذ رَددتم على رسول الله فقد رددتم على الله.
ثمّ قالعليهالسلام للرجلين: وأنتما راجعان معي في قلبيكما مرض وسيرجع أحدكما كافراً، قالا: لا، يا أمير المؤمنين نرجو أن لا نكفر بعد الإيمان، قال: هيهات، المؤمن قليل كما قال الله:( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ ) ، حتى إذا وصلَ إلى مسجد الكوفة ودعا بدعوات فسمعاها، فإذا حصى المسجد درّاً وياقوتاً ولؤلؤاً، فقالا: يا أمير المؤمنين، هذا در وياقوت ولؤلؤ، فقال: لو أقسمتُ على الله فيما هو أعظم من هذا لأبرّ قسمي، فرجعَ أحدهما كافراً وثبت الآخر، وأخذ درّة من ذلك الدر بيضاء فلم ينظر مثلها وقال: يا أمير المؤمنين، قد أخذتُ من ذلك الدر درّة واحدة وهي معي، قال: فما دعاك إلى هذا؟ قال: أحببتُ أن أعلم أحقّ هو أم باطل، قال له أمير المؤمنين: إنّك إن ردَدتها إلى موضعها الذي أخذتها منه عوّضكَ الله، وإن لم تردها عوّضك منها النار، فقامَ الرجل فردّها إلى موضعها فتحوّلت حصاة كما كانت، فأخبرهُ فقال: أحسنت.
وكان ممّا روي عن عمرو بن الحمق، وأبي الحارث الأعور، وميثم التمار، فكان هذا
من دلائلهعليهالسلام .
وعنه عن علي بن الحسن، عن إسماعيل بن دينار، عن عمر بن ثابت، عن حبيب، عن الحارث الأعور، أنّه كان في يوم مع أمير المؤمنينعليهالسلام في مجلس القضايا، إذ أقبلت امرأة مستعدية على زوجها فتكلّمت بحجّتها وتكلّم زوجها بحجّته، فوجبَ بحجّته القضاء عليها، فغضبت غضباً شديداً ثمّ قالت: يا أمير المؤمنين، حَكمتَ عليَّ بالجور وما بهذا أمرَكَ الله، قال أمير المؤمنين: (يا سلفع، يا مهيع، يا فردع، بل حكمتُ عليكِ بالحقّ الذي تعلّمته)، فلمّا سَمعت الكلام قامت من بين يديه منسحبة ولم ترد عليه جواباً.
فاتّبعها عمر بن حريش فقال لها: يا أمَة الله، لقد سمعتُ منك اليوم عجباً، سمعتُ أمير المؤمنين قد قال لك كلاماً فقمتِ من بين يديه منهزمة وما رددتِ عليه حرفاً، فأخبريني ما الذي قال لك حتى لم تقدري أن تردّي عليه جواباً، قالت: يا عبد الله، لقد أخبرَني بما هو أعظم ممّا رَماني به، فصبرتُ على واحدة كانت أجمل من صبري على واحدة بعدها، قال لها: فأخبريني ما الذي قال لكِ؟
قالت: يا عبد الله، إنّه قال لي ما أكره ذكره، فإنّه قبيح أن يعلم الرجل ما في النساء من العيوب، فقال: والله، لا تعرفيني ولا أعرفك، لعلّكِ لا تريني ولا أراكِ بعد يومي هذا، فلمّا رأته قد لَجَّ عليها أخبرته بما قال أمير المؤمنين.
أمّا قوله لي: يا سلفع، والله ما كذبَ، أي لا تحيض من حيث تحيض النساء. وأمّا قوله: يا مهيع، فإنّي والله امرأة صاحبتُ رجالاً. وأمّا قوله: يا فردع، أي أنّي المخرّبة بيت زوجي وما أُبقي عليه شيئاً. فقال: ويحكِ! وما علمتِ بهذا أنّه ساحر أو كاذب أو مجنون، أخبَركِ بما فيكِ وهذا عليك كثير، فقالت: هو والله غير ما قلت يا عدو الله، إنّه ليس ذاك، بل هو من أهل بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد علّمه إياه ؛ لأنّه حجّة الله على خلقه بعد النبي (عليهما الصلاة والسلام)، فكانت أحسن قولاً في أمير المؤمنين من عمر بن حريش (لعنه الله).
وفارقته، وأقبلَ عمر إلى مسجده فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : (يا عمر بن حريش، ما استحللتَ أن ترميني بما رميتني به، أيم الله، لقد كانت المرأة أحسن قولاً فيَّ منك، ولأوقفنّ أنا وأنت موقفاً من الله فانظر كيف تخلص من الله، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا تائب إلى الله وإليك من هذا الذنب ممّا كان، فاغفر لي يغفر الله لك به، قال: والله، لا غفرتُ لك هذا الذنب حتى أقف أنا وأنت بين يدي الله. فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن محمد بن علي الصيرفي، عن علي بن محمد، عن وهب بن حفص الحرايري، عن ابن حسّان العجلي، عن فتوى بنت رشيد الهجري قال لها: أخبريني بما سمعتِ من أبيك، قالت: سمعته يقول: أخبرَني أمير المؤمنينعليهالسلام قال: يا رشيد، كيف صبرك إذا أرسلَ لك داعي بني أميّة فقطعَ يديك ورجليك ولسانك، فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس أختار من ذلك الجنة، قال: بلى، يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة.
قالت فتوى: فو الله ما ذهبت الأيام والليالي حتى أرسلَ إليه عبيد الله بن زياد (لعنه الله)، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنينعليهالسلام فأبى أن يتبرّأ منه، فقال له: فبأي ميتة تحبّ أن تموت؟ قال: أخبرَني أمير المؤمنين أنّك تدعوني إلى البراءة منه فتقطع يدي ورجلي ولساني، فقال: والله، لأُكذبه قوله فيك، فقطعَ يديه ورجليه وترك لسانه، فقلت: يا أبت، هل أصابك ألم، فقال: لا يا ابنتي، إلاّ كالزحام بين النساء والناس، فلمّا احتملنا من داره بالكوفة اجتمعَ الناس من حوله فقال: ائتوني بصحيفة ودواة وكتبَ الناس عنه، وذهبَ اللعين فأخبرهُ أنّه يكتب والناس يأخذون منه علم ما هو كائن إلى يوم القيامة، فأرسلَ إليه عبيد الله بن زياد (لعنه الله) فقطعَ لسانه في تلك الليلة.
وكان أمير المؤمنين يقول له: أنت رشيد البلايا. وكان قد ألقى إليه علم البلايا والمنايا في حياته، فكان إذا لقي الرجل يقول: يا فلان، تموت ميتة كذا وكذا، وتُقتل أنت يا فلان قتلة كذا وكذا، فيكون كما قال رشيد، وكان أمير المؤمنينعليهالسلام يقول: رشيد البلايا، أي: تُقتل بهذه القتلة، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن علي بن ياسين بن محمد بن علي الرازي، عن علي بن محمد بن ميهوب، عن يوسف بن عمران قال: سمعت ميثم التمار يقول: دعاني أمير المؤمنينعليهالسلام فقال: كيف أنت يا ميثم، إذا دعاك داعية بني أُميّة عبيد الله بن زياد (لعنه الله) في البراءة منّي، فقلت: إذاً - والله - لا أبرأ منك يا مولاي، قال: والله، ليقتلك ويصلبك، قلت: إذاً أصبر، وذلك - والله - قليل في حبّك، قال: يا ميثم، إذاً تكون معي في درجتي.
قال: وكان ميثم التمّار يمرّ بعريف قوم عبيد الله بن زياد فيقول له: يا فلان، كأنّي بك وقد دعاك داعي بني أُمية وابن داعيها يطلبني منك فتقول: هو بمكّة، فيقول: ما أدري ما تقول ولا بذلك من أن تأتي به، فتخرج إلى القادسية فتقيم بها أياماً. فإِذا قدمتُ إليك، ذهبتَ بي إليه حتى يقتلني وأُصلب على باب دار عمر بن حريش، فإِذا كان اليوم الرابع ابتدرَ من منخري دَماً عبيطاً.
وكان ميثم يمر بنخلة في السبخة فيضرب بيده عليها ويقول: يا نخل، ما غُرست إلاّ لي، ولا خُلقتُ إلاّ لكِ. وكان يمرّ بعمر بن حريش فيقول: يا عمر، إذا جاورتك أحسِن مجاورتي، فكان عمر يروي عنه ويظن أنّه يشتري داراً وضيعة ويجاوره لذلك، فيقول: ليتك قد فعلت ذلك. ثمّ خرجَ ميثم إلى مكّة، فأرسلَ الطاغوت عبيد الله بن زياد (لعنه الله) عريف ميثم يطلبه منه، فأخبره أنّه بمكّة، فقال: لئن لم تأتني به لأقتلنّك، فأجّله أجلاً.
وخرجَ العريف إلى القادسية ينظر ميثم. فلمّا قدِم ميثم، أخذَ بيده فأتى به إلى ابن زياد (لعنه الله). فلمّا أدخلهُ عليه قال: يا ميثم، قال: نعم، قال: أتبرَأ من علي بن أبي طالب؟ قال: فإنْ لم أفعل؟ قال: إذاً - والله - أقتلك، قال: وأيم الله إنّه قد كان يقول لي: إنّك تقتلني وتصلبني على باب دار عمر بن حريش، فإذا كان اليوم الرابع ابتدرَ من منخري دم عبيط. فأمرَ ابن زياد (لعنه الله) بصلبه على باب دار عمر بن حريش، فقال للناس - وهو مصلوب -: سألوني قبل أن أُقتل، فو الله لأخبرنّكم بعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة وبما يكون من الفتن. فلمّا سألهُ الناس، حدّثهم حديثاً واحداً، فأتى رسول من قِبل عبيد الله بن زياد (لعنه الله)، فألجمهُ بلجام من حديد، فهو أول مَن لُجم بلجام
وهو مصلوب حياً فمنعهُ الكلام، فأقبلَ يشير إلى الناس بيده ويوحي بعينيه وحاجبيه، ففهمَ أكثرهم ما يقول، فأمرَ عبيد الله بن زياد (لعنه الله) بقتله، وهو مصلوب على جذع النخلة التي كان يخاطبها إذا مرّ بها في سبخة الكوفة، وكان في جوار عمر بن حريش، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن محمد بن علي الرازي، عن علي بن محمد بن ميمون الخراساني، عن علي بن أبي حمزة، عن عاصم الخياط، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقرعليهالسلام قال: لمـّا أرادَ أمير المؤمنينعليهالسلام أن يسير إلى الخوارج إلى النهروان واستنفرَ أهل الكوفة، وأمَرهم أن يعسكروا بالمدائن، فتخلّف عنه شبث بن ربعي، والأشعث بن قيس الكندي، وجرير بن عبد الله النخعي، وعمر بن حريش، وقالوا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا أياماً ؛ حتى نقضي حوائجنا ونصنع ما نريد ثمّ نلحق بك.
فقال لهم: خدعتموني بشغلكم وسؤالكم، والله ما كان لكم من حاجة تتخلّفون عليها، ولكنّكم تتخذون سفرة وتخرجون إلى البرية، وتجلسون تنتظرون متكئون عن الجادّة، وتبسطوا سفرتكم بين أيديكم وتأكلون من طعامكم، ويمرّ بكم ضبّ فتأمرون غلمانكم فيصطادونه لكم ويأتونكم به، فتخلعوا أنفسكم عن مبايعتي، وتبايعون الضبّ وتجعلونه إمامكم من دوني.
واعلموا أنّي سمعتُ أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: ما في الدنيا مَن هو أقبح وجهاً منكم ؛ لأنّكم تجعلون أخا رسول الله إمامكم وتنقضون عهده الذي يأخذه عليكم وتبايعون ضبّاً، وسوف تُحشرون يوم القيامة وإمامكم ضَب، وهو كما قال الله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) . قالوا: والله يا أمير المؤمنين، ما نريد إلاّ أن نقضي حوائجنا ونلحق بك ونوفي بعهدك، وهو يقول: عليكم الدمار وسوء الديار، والله ما يكون إلاّ ما قلتُ لكم، وما قلتُ إلاّ الحق.
ومضى أمير المؤمنين، حتى إذا صار بالمدائن وخرجَ القوم إلى الخندق وذهبوا ومعهم سفرة، وبسطوا في الموضع وجلسوا يشربون الخمر، فمرّ بهم ضب فأمروا غلمانهم فصادوه لهم وأتوهم به، فخلعوا أمير المؤمنين وبايعوا له،
وبَسطَ الضبّ يده وقالوا له: أنت والله إمامنا، ما بيعتنا لك ولعلي بن أبي طالب إلاّ واحدة وإنّك لأحبّ إلينا منه، فكان ما قال أمير المؤمنينعليهالسلام ، وكانوا كما قال الله عزّ وجل:( بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً ) .
ثمّ لحقوا به فقال لهم لمـّا وردوا عليه: فعلتم يا أعداء الله وأعداء رسوله وأمير المؤمنين، ما أخبرتكم به. فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما فعلنا؟! فقال: والله، إنّ بيعتكم مع إمامكم، قالوا: قد أفلحنا إذ بايعنا الله معك، قال: وكيف تكونون معي وقد خلعتموني وبايعتم الضب؟! والله، لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة والضب يسوقكم إلى النار، فحلفوا بالله إنّا ما فعلنا ولا خلعناك ولا بايعنا الضب. فلمّا رأوه يكذّبهم ولا يقبل منهم، أقرّوا له وقالوا: اغفر لنا ذنوبنا، قال لهم: والله، لا غفرتُ لكم ذنوبكم واخترتم مسخاً مسخه الله وجعله آية للعالمين، فكذّبتم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد حدّثني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: ويل لِمَن كان رسول الله خصمهُ وابنته فاطمة، ولمـّا قُتل الحسينعليهالسلام كان شبث بن ربعي، وعمر بن حريش، ومحمد بن الأشعث فيما سارَ إليه من الكوفة وقاتلوا بكربلاء فقتلوه، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن عبد الله بن زيد الطبرستاني، عن محمد بن علي، عن الحسين بن علي، عن ابن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال: لمـّا انقضت الهدنة التي كانت بين أمير المؤمنينعليهالسلام وبين معاوية (لعنه الله)، أمرَ أمير المؤمنين بالنداء بالكوفة والبصرة - وهما العراقان وما سواهما -: إنّكم معاشر شيعتنا طالبتمونا بالمراجعة عن قتال معاوية والهدنة لم تنقضِ التي كنتم سببها، وأعوان معاوية عليها، ولم يمكن نقض العهد إلى أن ينقضي الأجل وعهد الهدنة، وها أنا مطيعكم في المسير إليه، فانهضوا بنيّات صحيحة، وقلوب مطمئنّة، ووفاء لله ولرسوله عليكم، طائعين لا مكرهين.
فاجتمعَ من شيعة الكوفة والبصرة زهاء ثلاثين ألف محقّقون سوى مَن لحقَ بالعسكر. فلمّا برزوا وصاروا بالنخيلة وساروا إلى القطقطانيات، وردَ عليه كتاب من عامله بالنهروان أنّ أربعة آلاف رجل من
الخوارج حكموا بالنهروان، ورفعوا راياتهم، وأشهروا أسلحتهم، وردوا بالمعبرة، فأخرجوا عبد الله بن خباب من الحُكم، وأتوا إليه وكبّروا وقالوا: الحمد لله الذي أظفرنا بك أيها الخائن الكافر بكفر علي بن أبي طالب والمقيم معه على ردّته. والله لنقتلنّك وزوجتك تقرّباً إلى الله بدمائكم، وأتوا بخنزير فذبحوه على شط النهروان، وذبحوا عبد الله بن خباب فوقه وقالوا: والله، ما ذبحناك ولا هذا الخنزير إلاّ واحداً، وكان عبد الله بن خباب أعبد شيعة أمير المؤمنين وأفضلهم وأخيرهم، وذبحوا زوجته وطفله فوقه وقالوا: هذا فِعلُنا بشيعة علي وأنصاره، نقتلهم ولا نُبقي منهم أحداً.
فقرأ أمير المؤمنين الكتاب وبكى رحمة لعبد الله وزوجته وطفله وقال: آه يا عبد الله، لئن فجعَ الله بك الدين لقد صرتَ وزوجتك وطفلك إلى جنّات رب العالمين، وسمعَ مَن في المعسكر ما وردَ عليه وصاحَ عليه الناس من المعسكر: ماذا ترى يا أمير المؤمنين؟ قال: اعتدوا بنا إلى هؤلاء المارقين، فهذا وأيم الله أرى بوارهم ولحوقهم بالنار.
فرجعَ إلى النهروان حتى نزلَ بالقرب من القنطرة، وكان في أصحابه رجل يقال له: جندب الأزدي، وكان قد داخلهُ شك في أمير المؤمنينعليهالسلام فلحقَ بالخوارج (لعنهم الله)، فقال له أمير المؤمنين: الْزَمني وكُن معي حيث كنت، وحقّق أمير المؤمنين فحقّقه، إلى أن زالت الشمس فأتاه قنبر فقال له: يا أمير المؤمنين، الصلاة يرحمك الله، فقال له: ائتني بماء فأتاه فأسبغَ وضوءه وصلّى، فأتاه فارس يركض، فقال له: يا أمير المؤمنين، قد عبرَ القوم القنطرة، فقال لهعليهالسلام : ما عبروها، فقال: والله، لقد عبروها، فقال: والله، لقد كذبتَ!! ما عبروها ولا يعبروها، ولا يقتلون منّا إلاّ تسعة ولا يبقى منهم إِلاّ تسعة، فقال جندب الأزدي: الله أكبر هذه دلالة قد أعطاني إياها فيهم.
فأتاه فارس آخر يركض بفرسه فقال: يا أمير المؤمنين، عبروا القنطرة، فقال: والله، لقد كذبت! ما عبروها ولا يعبروها، ولا يبقى منهم إلاّّ تسعة ولا يُفقد منا إلاّ تسعة، قال جندب: الحمد لله، وهذه دلالة أُخرى.
فأتاه فارس آخر فقال: يا أمير المؤمنين، قد أراد القوم أن يعبروها وما عبروها، قال: صدقتَ، وكان لجندب فرس جواد فقال: والله، لا سَبقني أحد ولا تقدّمَني أحد
فيهم برمح، وضرب فيهم بالسيف.
وخرجَ أمير المؤمنينعليهالسلام من العسكر ورجليه في نعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم المخصوف، وعلى منكبيه ملاءة، وعن يمينه عبد الله بن العبّاس، وعن يساره أبو أيوب زيد بن خالد الأنصاري يمشي نحو الخوارج، فوثبَ أصحابه عليه من معسكره بالسلاح وقاموا بين يديه وقالوا: يا أمير المؤمنين، تخرج إلى أعداء الله وأعداء رسوله وأعدائك حاسراً بغير سلاح، وهم مقنّعون بالحديد يريدون نفسك لا غيرها فقال: ارجعوا رحمكم الله، فو الذي فلقَ الحبّة وبَرَأ النسمة لا يكون إلاّ ما يريد الله عزّ وجل.
فلمّا دَنا منهم أشرفَ على القنطرة التي كانوا من ورائها، هاجوا نحوه فصاحَ بهم: معاشر الخوارج إنّي جئتكم لأقدِّم الأعذار والإنذار إليكم، وأسألكم ما تريدون وما تطلبون، وتسمعون ما أقول لكم وأسمع ما تقولون، فخزى الله الظالمين فزجرهم، ثمّ قال: ويلكم أيها الخوارج، أنا أعلم بما تقولون ولا تعلمون ما أقول، فاخفضوا من أصواتكم وصلصلتكم وضجيجكم وليبرز إلي ذو الحكم والرأي، فيفهموا عنّي وأفهم عنهم، فهدأوا وبرزَ إليه منهم ذو رأي، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام :
يا معاشر الخوارج، ما الذي أحكمُ بينكم إن مَرَقتم من دين الله كما يمرق السهم من الرمية، وماذا أنكرتم عليّ، وعلى هذا الأمر الذي تطلبونه بالقتال أن أدفع إليكم بغير قتال تقبلونه وتقومون ؛ حتى لا يعطّل شريعة الله ولا رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا تطيش مسلمة في حُكم الله، ولا يقولون على الله إلاّ الحقّ، فقالوا: لا، فقال: وا عجباً! لقومٍ يطلبون أمراً بقتال أدفعهُ إليهم بغير قتال فلم يقبلوه، قالوا: وكيف نقبله ونحن نريد قتالكم، قال: أخبروني ما الذي أردتم للقتال بغير سؤال وجواب، فقالوا: أنكرنا شيئاً يحلّنا قتلك بواحدة منها، قال لهمعليهالسلام : فاذكروها.
قالوا: أولها أنّك كنتَ أخا رسول الله ووصيه، والخليفة من بعده، وقاضي دَينه، ومنجز وعده، وأخذَ لك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم البيعة في أربعة مواطن على المسلمين: في يوم الدار، وفي بيعة رضوان تحت الشجرة، وفي بيت أُم سلمة، وفي يوم غدير خم، وسمّاك أمير المؤمنين. فلمّا قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
تشاغلتَ بوفاته، وتركتَ قريش والمهاجرين والأنصار يتداولون الخلافة والمهاجرين يقولون: الخلافة لِمن استخلفهُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخذَ له البيعة منها وسمّاه أمير المؤمنين، وهو علي بن أبي طالب، وقريش تقول لهم: لا نرضى ولا نعلم ما تقولون، فقال لهم الأنصار: إذا مُنع علي حقّه فنحن وأنتم أحقّ بها، فقالوا: تعالوا ننصب منا أمير ومنكم أمير، فجاءت قريش فقامت قَسامة أربعين شاهد يشهدون على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: الأئمة من قريش فأطيعوهم ما أطاعوا الله، فإن عصوهم فالحوهم لحي هذا القضيب، ورمى القضيب من يده وكانت هذه أول قسامة أقسمت بهتاناً وزوراً أشهرت في الإسلام.
فاجتمعَ الناس في سقيف بني ساعدة، فعقدوا الأمر باختيارهم لأبي بكر، ودعوكَ إلى بيعته فخرجتَ مكروهاً مسحوباً بعد أن هيّأت مَن يقيم لك فيها عذراً، وتقول للناس: إنّك مشغول بجمع رسول الله وأهل بيته وذرّيته وتعزيتهنّ وتأليف القرآن، وما كان لك في ذلك عذر. فلمّا تركتَ ما جعلهُ الله ورسوله لك، أخرجتَ نفسك منه كما أخرجناك نحن أيضاً وشككنا بك.
فقال: هيه، وماذا أنكرتم.
قالوا: والثانية أنّك حكمتَ يوم الجمل فيهم بحكمٍ خالفتهُ بصفّين، قلت لنا يوم الجمل: لا تقاتلوهم مولّين، ولا مدبرين، ولا نيّاماً، ولا أيقاظاً، ولا تجهزوا على جريح، ومَن ألقى سلاحه فهو كمَن أغلق بابه فلا سبيل عليه، وأحللتَ لنا في محاربتك لمعاوية سبي الكراع وأخذ السلاح وسبي الذراري، فما العلّة في أنّ هذا حلال وهذا حرام، قال: هيه، ثمّ ماذا أنكرتم؟
قالوا: والثالثة أنّك الإمام والحاكم والوصي والخليفة، وأنّك أجبتنا أن حكَّمنا دونك في دين الله الرجال، فكان ينبغي لك أن لا تفعل ولا تجيبنا إلى ذلك وتقاتلنا بنفسك، ونطيعك ونُقتل أو تُقتل ولا تجيبهم عند رفع المصاحف إلى أن يحكم في دين الله عزّ وجل الرجال وأنت الحاكم.
قال: هيه، ثمّ ماذا؟
قالوا: الرابعة أنّك كتبتَ كتاباً إلى معاوية تقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، فردّ الكتاب إليك وكتبَ فيه
يقول: إنّي لو أقررتُ أنّك أمير المؤمنين وقاتلتك فأكون قد ظلمتك، بل اُكتب باسمك واسم أبيك، فكتبتَ إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من علي بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر، فلمّا أجبتَ معاوية إلى إخراج نفسك من إمرة أمير المؤمنين، وكنّا نحن في إخراجك عن الآمرية أولى بالخروج.
قال: هيه، ثمّ ماذا؟
قالوا: والخامسة أنّك قلت هذا كتاب الله فاحكموا به واتلوه من فاتحه إلى خاتمه، فإن وجدتم معاوية أثبت منّي فاثبتوه، وإن وجدتموني أثبت منه فاثبتوني، قالوا: فشككتَ في نفسك فنحن فيك أعظم شكّاً، قال لهم: بقيَ لكم شيء تقولونه، قالوا: لا.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام في الجواب: أمّا ما ذكرتم وأقررتم منّي الأمر فيما أخذهُ الله لي ورسوله على المسلمين من البيعة في أربع مواطن، إلى أن تشاغلتُ فيما ذكرتموه وفعلتم وفعلت قريش والمهاجرين والأنصار ما فعلوا، إلى أن عقدوا الأمر إلى أبي بكر، فما تقولون معاشر الخوارج: هل توجبون على آدم إذا أمرَ الله بالسجود له فعصى اللهَ إِبليس وخالفهُ ولم يسجد لآدم، وأن يدعو إبليس إلى السجود له ثانية، فقالوا له: ولِمَ قال؟ لأنّ الله أمر إبليس بالسجود فعصى الله وخالفه ولم يفعل، فلم يجب لآدم أن يدعوه بعدها قال: فهذا بيت الله الحرام أرأيتم أنّ أمر الله الناس بالحج مَن استطاع إليه سبيلاً، فإنْ تركَ الناس الحجّ ولم يحجّوا للبيت كفرَ البيت، أو كفر الناس بتركهم ما فرضَ الله عليهم من الحج إليه قالوا: بل كفرَ الناس.
قال: ويحَكم معاشر الخوارج أتعذرون آدم وتقولون لا يجب عليه أن يدعو إبليس إلى السجود له، بعد أن أمرَ الله بذلك فعصى وخالف ولم يفعل، وإنّما أمَرَهُ مرّة واحدة، ولا تعذروني وتقولون: كان يجب عليك أن تدعوا الناس إلى البيعة، وقد أقررتم أنّ المسلمين سمّوني بأمير المؤمنين ورسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذَ لي البيعة عليهم في أربع مواطن، وهذا بيت الله فريضة، والإِمام فريضة كسائر الفرائض التي تؤتى ولا تأتي، فتعذرون البيت وتعذرون آدمعليهالسلام ولا تعذروني، فقال الخوارج صدقتَ وكذَبنا والحقّ والحجّة معك.
ثمّ قال: وأمّا في يوم الجمل بما خالفتهُ في صفّين ؛ فإنّ أهل الجمل أخذوا عليهم بيعتي فنكثوا وخرجوا عن حَرم رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى البصرة، ولا إمام لهم ولا دار حرب تجمعهم، وإنّما خرجوا مع عائشة زوجة رسول الله معهم لإكراهها لبيعتي، وقد أخبرَها رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأن يخرجوها خروج بغي وعدوان من أجل قوله عزّ وجل:( يَا نِسَاءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) ، وما من أزواج النبي واحدة أتت بفاحشة غيرها ؛ فإنّ فاحشتها كانت عظيمة أوّلها خلافاً لله فيما أمرها في قوله تعالى:( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنّ وَلاَ تَبَرّجْنَ تَبَرّجَ الْجَاهِلِيّةِ الأُولَى ) ، فأيّ تبرّج أعظم من خروجها، وطلحة، والزبير، وخمسة وعشرون ألف من المسلمين إلى الحجّ. والله ما أرادوا حجّاً ولا عمرة، وسيرها من مكّة إلى البصرة، وإشعالها حرباً قُتل فيه طلحة، والزبير، وخمسة وعشرون ألف من المسلمين، وقد عَلمتم أنّ الله جلّ ذكره يقول:
( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) ، فقلت لكم عندما أظهَرَنا الله عليهم ما قلتهُ لكم ؛ لأنّه لم يكن لهم دار حرب تجمعهم، ولا إمام يداوي جراحهم، ولا يفيدهم إلاّ قتالكم مرّة أُخرى، ولو كنت أحللتُ لكم سبي الذراري أيّكم كان يأخذ عائشة زوجة رسول الله في سهمه، فقالوا: صدقتَ والله في جوابك وأصبتَ وأخطأنا والحقّ والحجّة لك.
فقال لهم: أمّا قولكم: أجبتكم عند رفع المصاحف إلى أن أحكمتم في دين الله الرجال وكنتُ الحاكم، فماذا تقولون أيها الخوارج في ألف رجل من المسلمين قاتلهم ألفا رجل من المشركين، فولّوهم الأدبار فما هم؟ قالوا: كفاراً بالله ؛ لأنّ المسلمين ألف رجل على التمام والمشركين ألفا رجل لا يزيدون، وقد قال الله تعالى:( وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ ) ، فقال لهم أمير المؤمنينعليهالسلام : فإِن نقصَ من عدد الألف رجل من المسلمين والكفار على التمام ما هم عندكم؟ قالوا: المسلمون معذورون في ذلك.
فضحكَ أمير المؤمنين حتى بَدت نواجذه، ثمّ قال: ويحكم يا معاشر الخوارج، تعذرون تسع مئة وتسع وتسعين رجلاً في قتال ألفي رجل، ولا
تعذروني، وقد التقوني رجال بني هند في مئة وعشرين ألف ما جمعَ حكم حاكم، وقد دعوناهم إلى كتاب الله فقالوا: دعنا نُحكّم عليك مَن نشاء، وإلاّ أخرجنا أنفسنا من الفريقين، وأبطلنا الحكمين وارتدينا عن الدين، وقعدنا عن نصرة المسلمين، فقال لي عبد الله بن العباس: حكِّمْ مَن هو منك وأنت منه، فقلت لكم: اختاروا مَن شئتم من بني هاشم فقلتم: لا يحكم فينا مضري ولا هاشمي، فعرَضتم عن المهاجرين والأنصار وأظهرتم مخالفتكم لي، وكتبتم إلى عبد الرحمان بن قيس وقد قعدَ عن نصرتنا وهو فدم حمار فحكّمتموه، وأنا أنصح لكم وأقول لكم: اتقوا الله! ولا تُحكّموا عليّ أحد وإنّي الحاكم عليكم، وأخبرتُكم أنّها خديعة من معاوية، فقلتم: اُسكت وإلاّ قتلناك وسلّمنا هذا الأمر إلى عبدٍ أسود، وجعلناها ردّة عن الإسلام. فمَن هو أولى بالعذر؟
فقالوا: أنت! فو الله لقد أصبتَ وصدقتَ وأخطأنا والحقّ والحجّة لك.
قال لهم: وأمّا قولكم: إنّي كتبتُ كتاباً إلى معاوية بن صخر فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر، فأيّكم يا معاشر الخوارج شهدَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في غزاة الحديبية وقد أمرَني أن أكتب بين يديه كتاباً إلى صخر بن حرب، بدأ رسول الله (صلّى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين) فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى صخر بن حرب بن أُمية،... إلى آخر الكتاب... فأجابوه فقالوا: نعم، حَضرنا هذا الكتاب وأنت تكتبه لأبي سفيان صخر بن حرب، قال: أليسَ عَلمتم أنّ صخر بن حرب ردّه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
وكتبَ إليه: أمّا الرحمان الرحيم فاسمان نعرفهما بالتوراة والإنجيل، وأمّا أنت يا محمد، فإنْ أقرَرنا أنّك رسول الله وقاتلناك فقد ظلمناك، فاكتب باسمك وباسم أبيك حتى نجيبك، فقال لي رسول الله: يا علي، اُكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى صخر بن حرب، ثمّ قال لِمن حوله: إنّي محوتُ اسمي وليرد علي الجواب، فاسمي في الرضا لا ينمحي في السماء، ولا في الأرض، ولا في الدنيا، ولا في الآخرة. وإنّما أرادَ صخر بن حرب أن لا يجيب عن الكتاب، وكتبَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الآباء،
وكتبت أنا إلى الأبناء تأسيّاً برسول الله، وقد قال الله تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ... ) قالوا: صدقتَ وأصبت، وأخطأنا والحق والحجّة لك.
قال لهم: وأمّا قولكم: إنّي قلت هذا كتاب الله فاحكموا به واتلوه من فاتحة الكتاب إلى خاتمته، فإن وجدتموني أثْبَت بكتاب الله من معاوية فاثبتوني، وإن وجدتم معاوية أثبت منّي فاثبتوه. فو الله يا معاشر الخوارج ما قلت لكم هذا إلاّ بعد أن تيقّنت أنّ الرين استولى على قلوبكم، والشيطان قد استحوذ عليكم وأنّكم قد نسيتم الله ورسوله ونسيتم حقّي، وخلا بعضكم إلى بعض وقلتم: ما لنا إلاّ أن ننظر في كتاب الله...
يا معاشر الخوارج، إن لم يكن في كتاب الله عزّ وجل إلاّ قوله:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، وقد عَلمتم أنّه لم يكن أقرب إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم منّي ومن ابنته فاطمة وابني الحسن والحسين، فكان هذا حسبي بهذه الآية، فضلاً عند الله ورسوله في كتاب الله عزّ وجل، في أن لا أسألكم أجراً على ما هداكم الله وأنقذكم من شفا حفرة من النار وجعلكم خير أُمة، وجعلَ الشفاعة والحوض لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيكم إلاّ مودّتنا، فكان في ذلك فضلاً عظيماً.
هذا وقد عَلمتم أنّ الله تبارك وتعالى قد أنزلَ في حقّي( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ، وما أحد من الناس زكّى في ركوعه غيري، فكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم جاءني بخاتم أنزلهُ جبريلعليهالسلام من الله عزّ وجل، ولم يصغه صائغ، عليه ياقوتة مكتوب عليها (الله الملك)، فتختّمت به وخرجتُ إلى مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فصلّيت ركعتين شكراً لله على تلك الموهبة، فأتاني آتٍ من عند الله فسلّم عليّ في الصلاة في الركعة الثانية وقال: هل من زكاة يا رسول الله توصِلها إليّ يشكرها الله لك ويجازيك عنها؟ فوهبتهُ ذلك الخاتم له، وما كان في الدنيا أحبّ إلي من ذلك الخاتم والناس ينظرون.
وأتممتُ صلاتي وجلست أُسبّح لله وحده وأشكره، حتى دخلنا إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فضمّني إليه وقبّلني على لحيتي ووجهي وقال: هنّأك الله يا
أبا الحسن، هنّأني كرامة لي فيك. وعيناه تهملان بالدموع، ثمّ قرأ هذه الآية وما يليها وقال لهم: وليُ آية الخمس في كتاب الله على سائر المسلمين، وهي قول الله عزّ وجل:( وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ ) . وقد عَلمتم أنّ الله لن ينال لحومها ولا دماءها ولكن ينالهُ التقوى منكم، فما هو من خمس الغنائم إلى مَن يرد؟ قالوا: إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: فما هو لله وللرسول إذا قُبض إلى مَن يَرد قالوا: إلى أُولي القربى من الرسول واليتامى والمساكين وابن السبيل، قال: واليتيم إذا بلغَ أشدّه، والمسلمون إذا استغنوا، وابن السبيل إذا لم يحتج إلى مَن يرد ما لهم؟ قالوا: إلى ذوي القربى من رسول الله.
قال: فقد عَلمتم معاشر الخوارج أنّ ما غَنمتم من جهاد، أو في اعتراف، أو في مكسب، أو شفا الحزن، أو مقرض الخياط، ومَن غَنمَ بكسب، فهو لي والحكم لي فيه، وليس لأحد من المسلمين عليّ حق، وأنا شريك كلّ مَن آمن بالله ورسوله في كلّ ما اكتسبه. فإنْ وفاني حقّ الله الذي فرضه الله عليه، كان ممتثلاً لأمر الله وما أنزله على رسوله. ومَن يبخسني حقّي، كانت ظلامتي عنده إلى أن يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
قالوا: صدقتَ وبررتَ وأصبتَ وأخطأنا، والحق والحجّة لك.
قال: هذا هو الجواب عن آخر سؤالكم.
قالوا: صدقتَ.
وانحرَفتْ إليه طائفة كانت استجابَت، إلاّ الأربعة آلاف الذين مرقوا، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نقاتلهم معك، فقال: لا، قفوا لا معنا ولا علينا، وانظروا إلى نفوذ حكم الله فيهم، ثمّ صاحَ فيهم ثلاثاً فسمعَ جميعهم: هل أنتم منيبون؟ قال: هل أنتم راجعون؟ فقالوا بأجمعهم: عن قتالك لا، فقال لأصحابه: والله، لولا أنّي أكره أن تتركوا العمل وتتكلّوا عليّ بالفضل لِمن قاتل، لمـَا قاتلَ هؤلاء القوم غيري، ولكان لي من الفضل عند الله في الدنيا والآخرة، فشُدّوا عليهم فإنّي شاد، فكانوا كرمادٍ اشتدّت به الريح في يوم عاصف، وكيوم قال الله لهم: موتوا فماتوا. فلمّا أخذوا قال أمير المؤمنينعليهالسلام : مَن قُتل منكم فلن يُقتل إلاّ تسعة، وعدُّوا أصحاب أمير المؤمنين فوجدوهم
تسعة. قال: وفالق الحبة وبارئ النسمة ما كَذبتُ ولا كُذِّبت، ولا ظللتُ ولا أظللتُ، وإنّي على بينّة من ربي بيّنها لنبيهصلىاللهعليهوآلهوسلم فبيّنها نبيّه لي.
ثمّ قال لهم: هل وجدتم ذا الثدية في القتلى؟ قالوا: لا، قال: آتوني بالبغلة، فقُدِّمت إليه بغلة رسول الله الدلدل فركبها وسارَ في مصارعهم، فوقفَتْ به البغل وهمهمَت وهزّت ذنبها، فتبسّم أمير المؤمنينعليهالسلام وقال: ويحكم! هذه البغلة تخبرني أنّ ذا الثدية حرقوصاً (لعنه الله) تحت هؤلاء القتلى، فبحثوا عليه فإذا هو في ركن قد دفنَ نفسه تحت القتلى، فأخرجوه وكشفوا عن أثوابه فإذا هو في صورة عظيمة حول حلمته شعرات كشوك الشيهم (والشيهم ذَكَر القنفذ)، قال: مدّوا حِلمته، فمدّوها فبلغت أطراف أنامل رجليه ثمّ أطلقوها فصارت في صدره، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : الحمد لله - يا عدو الله - الذي قتلكَ وعجّل بك وبأصحابك إلى النار، فقتلوه (لعنه الله) وهو جد أحمد بن حنبل.
وقد كانت الخوارج خرجوا إليه قبل ذلك بحروراء في جانب الكوفة، وهو غربي الفرات، في اثني عشر ألف رجل، فأتاه الخبر فخرجَ إليهم في جملة من الناس في ملاءة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومعه بغلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال له الناس: يا أمير المؤمنين، تخرج إليهم في جملة الناس في ملاءة، والقوم شاكون سلاحهم، فقال: إنّه ليس هو يوم قتالهم ولكنّهم يخرجون عليَّ في قتال النهروان أربعة آلاف رجل، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.
فلمّا برزوا قال لهم: ارضوا بمئة منكم، ثمّ قال للعشرة: ارضوا برجل، وقال للرجل: ليس هذا يوم قتالهم سيفرّقون حتى يصيروا أربعة آلاف، ويخرجون عليّ في قابل مثل هذا الشهر وفي مثل هذا اليوم، فأخرج إليكم فأقتلكم حتى لا يبقى إلاّ تسعة أنفار، والذي فلقَ الحبّة وبرَأ النسمة هكذا أخبرَني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فافترقوا حتى صاروا أربعة آلاف رجل يتبرّأ بعضهم من بعض كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقَتلهم حتى لم يبقَ إلاّ تسعة أنفار، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن ابن العباس عن غياث بن يونس الديلمي، عن محمد بن علي، عن علي بن محمد، عن الحسن بن علي، عن أبي مسعود العلاف، عن أبي الجارود عن أبي جعفرعليهالسلام قال:
خطبَ أمير المؤمنين بالكوفة، فبينما هو على المنبر إذ أقبلت عليه حيّة كالخابوط العظيم، سوداء مظلمة حمراء العينين، محدّدة الأنياب حتى دَخلت باب المسجد، ففزعَ الناس منها واضطربوا، فقطعَ أمير المؤمنين الخطبة وقال لهم: أفرِجوا إنّها رسول قوم يقال لهم بنو عامر، فجاءت الحيّة حتى صعدت المنبر، ووصلت إلى أمير المؤمنينعليهالسلام ووضعت فاهها على أُذنه، والناس ينظرون إليها وأنّها تسارره أسراراً وتنقنق كتنقنق الطير، ثمّ كلّمها بكلام يشبه نقيقها، ثمّ ولّت الحيّة خارجة من حيث دَخلت.
ونزلَ أمير المؤمنين عن المنبر فقيل له: ماذا أرادت الحيّة يا أمير المؤمنين وما حالها؟ فقال: هذه الحيّة رسول قوم من الجن يقال لهم بنو عامر، أخبَرَتني أنّه وقعَ بينهم وبين قوم يقال لهم بنو عنترة شر وقتال، فبعثوا إليّ بهذه الحيّة يسألوني الإصلاح بينهم، فوعدّتهم بذلك وأنا آتيهم الليلة، قالوا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا أن نخرج معك، قال: أنا لا أكره ذلك.
فلمّا صلّى بهم العشاء الآخرة انطلقَ والناس من حوله، حتى أتى بهم ظهر الكوفة في غربيها فخطّ خطة عليهم، ثمّ قال لهم: إياكم أن تخرجوا من هذه الخطّة فقعدوا في الخطة وهم ينظرون إليه، وقد نصبَ لهم منبراً فصعدَ عليه ثمّ خطبَ خطبة لم يسمع الأولون بمثلها، ثمّ لم يبرح حتى أصلحَ بينهم واقتدى بعضهم ببعض، وأقبلَ أمير المؤمنينعليهالسلام إلى أصحابه وهم ينظرون إلى الجن حوله يميناً وشمالاً، فقالوا: يا أمير المؤمنين، رأينا عَجباً في المشاهدة، قال: رأيتموهم؟ قالوا: نعم، قال: فصِفوهم، قالوا: هم أقوام شبر بالطول شبه بالزط، قال: صدَقتم فقد رأيتموهم حقاً، إنّهم بعثوا يستغيثوني فأغثتُهم، وكان بينهم دماء فخافوا أن يتفانوا، فأصلحتُ بينهم وقرّبت بعضهم من بعض. فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن جعفر بن مالك، عن موسى بن زيد الجلاب، عن محمد بن علي، عن علي بن محمد، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمار، عن حمزة الثمالي،
عن ميثم التمّار النهرواني، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرجنا مع أمير المؤمنينعليهالسلام وهو يريد صفّين. فلمّا انتهى إلى كربلاء وقفَ بها وقال: هاهنا يُقتل ابني الحسين، وثماني رجال من أولاد عبد المطّلب، وثلاثة وخمسين من أنصاره. ثمّ سارَ مغرباً وعدلَ عن الجادّة بشاطئ الفرات قاصداً، فلمّا توسّطنا البر وكان يوماً قائظاً شديد الحرّ وكان الماء في العسكر يسيراً، إلاّ أنّا كنّا على جادّة الفرات فلم تزوده بقدر الماء الذي كان معنا، وعطشَ أهل العسكر حتى تقطّع الناس عطشاً، وشكوا إلى أمير المؤمنينعليهالسلام .
فبينما نحن نسير إذ بقائم من حديد شاهق عالي في رأسه راهب، فقصدََ إليه أمير المؤمنينعليهالسلام فصاح: يا راهب، هل بقربك ماء، فأشرفَ الراهب من رأس القائمة فقال: وأين لنا بالماء إلاّ على بُعد فرسخين؟ كيف يكون الماء في هذه القفرة البيداء؟!
فعدلَ أمير المؤمنين إلى قاع رضراض وحصى ورمل فوقفَ هنيهة، ثمّ أشارَ إلى العسكر أن ينزلوا فنزلَ أكثر الناس، فقال لهم: هنا ماء فابحثوا. فتلقوا صخرة على عين ماء أبيض زلالاً أشدّ بياضاً من اللبن وأحلى من الشهد، فكبّرَ الناس وبحثوا في القاع حتى قلعوا كثباناً من ذلك الرمل والحصى، وظهرت لنا صخرة بيضاء فقال لنا: دونكم إياها فاقلعوها، فبحثنا عليها فصعُبت وامتنعت منّا، فقال: ارموا بأجمعكم، فإنّكم لا تشربون ولا ترون زلالاً إن لم تقلعوها.
وكنّا في العسكر ستين ألف رجل وتبع كثير، ولم تبقَ كف منّا إلاّ رامت قلع تلك الصخرة، فلم نقدر على قلعها، فقلنا: يا أمير المؤمنين، قد بلوتَنا بها فوجدنا ضعفاً فأدركنا بفضلك علينا، فدنا منها وجرّد ذراعه ومدّ يده إلى السماء وتكلّم بكلمات وهو مستقبل الكعبة، فسمعناه يقول كلمات من الإنجيل: طابَ طابَ الماء، والعلم طيبوثا، واليوح اسمينا والحايوثا، ثمّ أهوى بيده المباركة اليمنى على الصخرة واقتلعها كالكرة إِذا انضربت من اللعب، فكبّر الناس وظهرَ الماء على وجه الأرض من تلك العين أبيض كزلال لم يُرَ مثله في ماء الدنيا، فشربنا وروينا وتزوّدنا والراهب مشرِف على
رأس القمّة، فلمّا استقينا أخذَ الصخرة بيده المباركة فردّها على تلك العين فكأنّها لم تزل، ورددنا كلّ ما بحثناه من الرمل وسرنا فلم نبعد حتى قال لنا: ليرجِع بعضكم فلينظر هل لموضع الصخرة أثر، فرجعوا يحلفون بالله أنّهم ما رأوا لها أثراً، وكان وجه القاع عليه سحيق الرمل.
قال: فلمّا نظرَ الراهب إلى فعل أمير المؤمنينعليهالسلام قال: هذا والله وصي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فوجدناه في الإنجيل والزبور، ونزلَ من القائمة ولحقَ بأمير المؤمنينعليهالسلام فقال: أنا أشهد أنّ أبي أخبرَني عن جدّي، وكان من حواري سيدنا المسيح (صلوات الله عليه)، والمسيح أخبَره بقرب هذا القائم الذي كنتَ فيه، وبهذه العين الماء الأبيض من الثلج، وأعذب من كلّ ماء عذب، وأنّه من أجلها بُني ذلك الدير والقائم ؛ فإنّه لا يستخرجها إلاّ نبي أو وصي، وأنا أشهد أنّ لا إِله إِلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّك وصي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمؤدّي عنه والقائم بالحقّ إلى يوم القيامة، وقد رأيتُ يا أمير المؤمنين أنّي أصحبك في سفرك هذا، يصيبني ما أصابك من خير وشر.
فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : جزاك الله خيراً، ودعا له بالخير، فقال له: يا راهب، الزَمني وكُن قريباً منّي ؛ فإنّك تستشهد معي بصفّين وتدخل الجنّة. فلمّا كانت ليلة الهرير بصفّين والتقى الجمعان، قُتل الراهب في تلك الليلة. فلمّا أصبحَ أمير المؤمنينعليهالسلام قال لأصحابه: ادفنوا قتلاكم، وأقبلَ أمير المؤمنين يطلب الراهب، فوجدناه فأخذه وصلّى عليه ودَفنه في لحده، ثمّ قال أمير المؤمنينعليهالسلام : لكأنّي أنظرُ إليه وإلى منزلته في الجنّة وزوجاته اللائي أكرَمه الله بهنّ، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أحمد بن محمد الحجال الصيرفي، عن محمد بن جعفر الطريفي، عن محمد بن علي، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال: مد الفرات عندهم بالكوفة على عهد أمير المؤمنينعليهالسلام وهو بها مقيم مدّة عظيمة، حتى طفا وعَلا كالجبال وصار بإزاء شرفات الكوفة، وكان أمير المؤمنينعليهالسلام في ذلك اليوم قد خرجَ إلى النجف ونفر من أصحابه فنظرَ إلى بعض أصحابه فقال للنفر الذين معه:
إنّي أرى النجف يخبر أنّ الماء قد طفا من الفرات حتى وافى على منازل الكوفة، وإنّ الناس بها ضجّوا وفزعوا إلينا فقوموا بنا إليهم.
فأقبلَ هو والنفر إلى الكوفة وتلقّاه أهلها صارخين مستغيثين، فقال: ما شأنكم طفا الماء عليكم، ما كان الله ليعذّبكم وأنا فيكم، وسارَ يريد الفرات والناس من حوله حتى وردَ على مجلس لثقيف، فتغامزوا عليه وأشاروا إِلى بعض أحداثهم، فالتفتَ إليهم أمير المؤمنين مغضباً فقال: صغار الخدود، قصار الغمود، بقايا ثمود، عبيد بني عبيد، مَن يشتري منّي ثقيف برغيف ؛ فإِنّهم عبيد زيوف.
فقام إليه مشايخهم فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنّ هؤلاء إلاّ شباباً لا يعقلون فلا تؤاخذنا بهم ؛ فوالله إِنّا لهذا كارهون ولا أحد منّا يرضى به، فاعفُ عنا عفا الله عنك. فقالعليهالسلام : لست أعفُ عنكم إلاّ على أن لا أرجع إلى الفرات وتهدّموا مجلسكم هذا، وكان منظراً وروشناً مشرفاً وميزاباً يصبّ إلى طريق المسلمين، وتسدّون بلاليعكم فيها، فقالوا: نفعل يا أمير المؤمنين.
وسكرَ مجلسهم وفعلوا كلّ ما أمرَهم، حتى أتى إلى الفرات وهو يزخر بأمواج كالجبال، فسقطَ الناس لوجوههم وصاحوا: الله الله يا أمير المؤمنين، ارفق برعيّتك، فنزلَ وأخذ قضيب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فقرَعهُ قرعة واحدة وقال: اسكن يا أبا خالد، فانزجرَ الماء، فما تمّ كلامه حتى ظهرت الأرض في بطن الفرات حتى كأن لم يكن فيها ماء، فصاحَ الناس: الله الله، رفقاً برعيتك يا أمير المؤمنين ؛ لئلاّ يموتوا عطشاً، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : اجرِ على قدر يا فرات، فجرى لا زايداً ولا ناقصاً.
ووجدَ فوق الجسر رمّانة، فوقعت على الجسر رمّانة لم يوجد في الدنيا مثلها فمدَّ الناس أيديهم ليحملوها إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فلم تصل أيديهم إليها، فمدَّ يده المباركة وأخذها وقال: هذه الرمّانة من رمان الجنّة لا يمسّها ولا يأكلها إلاّ نبي أو وصي نبي، ولولا ذلك لقسّمتها عليكم في بيت مالكم.
وفي ذلك اليوم كانت فتنة عبد الله بن سبأ وأصحابه العشرة الذين كانوا معه وقالوا ما قالوه، وأحرَقهم أمير المؤمنينعليهالسلام بالنار بعد أن استتابهم ثلاثة أيام فأبوا ولم يرجعوا، فأحرَقهم في صخرة الأخدود، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعن أبيه، عن محمد بن ميمون، عن الحسن بن علي، عن أبي حمزة، عن حيّان بن سدير الصيرفي، عن مراد يقال له رباب بن رياح قال: كنتُ قائماً على رأس أمير المؤمنين بالبصرة بعد الفراغ من أصحاب الجمل، إِذ أتى عبد الله بن عباس فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ لي إليك حاجة، فقال له: عرفتُ حاجتك قبل أن تذكرها لي: أحببتَ أن تطلب منّي الأمان لمروان بن الحَكم. فقال: يا أمير المؤمنين، أُحب أن تؤمنه، قال: فاذهب فجئني به يبايعني ولا تجيئني إلاّ رديفاً.
قال: فما لبثتُ إلاّ قليلاً حتى أقبلَ ابن عباس وخلفه مروان بن الحَكم رديفاً، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : هل تبايعني؟ قال مروان: أُبايعك على أنّ في النفس ما فيها، قال أمير المؤمنين: إنّي لستُ آخذ بيعتك على ما في نفسك وإنّما على ما ظهرَ لي، فمدّ أمير المؤمنين يده، فلمّا بايعهُ قال: هيه يا بن الحَكم، قد كنتَ تخاف أن ترى رأسك يُقطع في هذه المعمعة، كلاّ بالله لا يكون حتى يخرج من صلبك طواغيت يملكون هذه الرعية يسومونهم خوفاً وظلماً وجوراً ويسقونهم كؤوساً مرة.
قال مروان: فما كان منّي إِلاّ ما أخبرَني علي.
ثمّ هربَ فلحقَ بمعاوية، وكان كما قال أمير المؤمنينعليهالسلام ، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن جعفر بن محمد، عن محمد بن عبد الرحمان الزيات، عن الربيع بن محمد الأصم، عن بني الجارود، عن القاسم بن الوليد الهمذاني، عن الحارث الأعور الهمذاني قال: كنّا مع أمير المؤمنينعليهالسلام بالكناس إِذ أقبلَ أسد يهوي، فضعضعنا من حوله حتى انتهى إلى أمير المؤمنين، فقال
له: ارجع ولا تدخل دار هجرتي بعد اليوم، وبلِّغ السباع عنّي تتجافى الكوفة وجميع ما حولها، ألا إنّ طاعتي طاعة الله فإِذا عصوا الله وخلوا طاعتي فقد حكمتُ فيهم.
فلم تزل السباع تتجافى الكوفة إلى أن قضى أمير المؤمنينعليهالسلام ، وتقلّدها زياد بن أبيه، دعيُّ أبي سفيان (لعنه الله)، فلمّا دَخلها سُلّطت السباع على الكوفة وما حولها حتى أفنَت الكثير من الناس، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبيه، عن محمد بن ميمون، عن محمد بن علي، عن أبي حمزة، عن القاسم الهمذاني، عن الحارث الأعور قال: بينما أمير المؤمنينعليهالسلام يخطب في الناس يوم الجمعة في مسجد الكوفة، إذ أقبلت أفعى من ناحية باب الفيل رأسها أعظم من رأس البعير تهوي إلى نحو المنبر، فافترقَ الناس في جانب المسجد خوفاً منها، ثمّ صعدت المنبر وتطاولت إلى أُذن أمير المؤمنين فأصغى إليها، ثمّ جَعلت يسارها مليّاً ونزلت. فلمّا بلغَت باب الفيل، انقطع أثرها وغابت عن أعين الناس، فلم يبقَ مؤمن ولا مؤمنة إلاّ قال هذا من عجائب أمير المؤمنين، ولم يبقَ منافق ولا منافقة إلاّ قال هذا من سحر علي.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : أيها الناس، إنّي لستُ ساحراً، وهذا الذي رأيتموه وصي محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم على الجن وأنا وصيّه على الإنس، وهو يطيعني أكثر ممّا تطيعوني، وهو خليفتي فيهم، وقد جرت بين الجن ملحمة تتهادر فيها الدماء، وهم لا يعلمون ما المخرج منها ولا الحُكم فيها، وقد سألني عن الجواب في ذلك، فأجبتهُ عنه بالحقّ وهذا المثال الذي يمثل بكم أراد به أن يريكم فضلي عليكم الذي هو أعلم به منكم، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه بهذا الإسناد عن الحارث قال: خرجنا مع أمير المؤمنينعليهالسلام حتى انتهينا إلى القاطول بالكوفة على شاطئ الفرات، فإِذا بأصل شجرة قد وقعَ لحاؤها وبقيَ على شاطئ الفرات عودها يابساً، فضربهاعليهالسلام بيده
فضربهاعليهالسلام بيده ثمّ قال لها: ارجعي بإذن الله خضراء ذات ثمر. فإِذا هي تهتزّ بأغصانها مورقة مثمرة الكمثرى الذي لم يُرَ مثله في فواكه الدنيا، فطُعمنا منها وتزوّدنا وحَملنا. فلمّا كان بعد ثلاثة أيام عُدنا إليها بها خضراء فيها الكمثرى، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبيه عن محمد بن عمّار قال: حدّثني عمر بن القاسم، عن عمر بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفرعليهالسلام قال: لمـّا أمرَ أمير المؤمنينعليهالسلام بإنجاز عدات رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقضاء دَينه، نادى منادي أمير المؤمنينعليهالسلام : ألا مَن كان له دَين عند رسول الله أو عدّة فليُقبِل إلينا، وكان الرجل يجيء وأمير المؤمنين لا يملك شيئاً فيقول: اللهم اقضِ عن نبيك، فيجد ما وعدَ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم تحت البساط لا يزيد ولا ينقص.
قال أبو بكر لعمر: هذا يصيب ما وعدَ النبي تحت البساط ونخشى أن يميل الناس إليه، فقال عمر: فلينادي مناديك أيضاً ؛ فإِنّك تقضي كما قضى، فنادى مناديه: ألا مَن كان له عند رسول الله دَين فليُقبل إلينا، فسلّط عليهم أعرابي فقال: أنا لي عند رسول الله ثمانون ناقة، سود المقل، حُمر الأبدان، بأزمّتها ورحالها، فقال أبو بكر: تحضر عندنا غداً.
فمضى الأعرابي، فقال أبو بكر لعمر: لا تزال في ذلك مدّة، ويحك! من أين في الدنيا ثمانين ناقة بهذه الصفات؟ ما تريد إِلاّ أن تجعلنا عند الناس كاذبين، فقال عمر: يا أبا بكر، إنّ ها هنا تخلص منه، قال: وما هي؟ قال: تقول له: أحضِرْ لنا بيّنتك على رسول الله بهذا الذي ذكرته حتى نوفّيك إياه ؛ فإِنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال: إلاّ مَن أتاكم ببيّنة....
فلمّا كان بعد العصر حضرَ الأعرابي فقال: جئتكم ببيّنة، فقال: أوجبتُ الوعد على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال أبو بكر وعمر: أحضِر لنا بيّنتك على رسول الله بهذا حتى نوفّيك، فقال: أتركُ رجلاً يعطيني بلا بيّنة وأجيء إلى قوم لا يعطوني إلاّ ببيّنة؟! ما أرى إلاّ ما قد تقطّعت بكما الأسباب وتزعمون أنّ رسول الله كان كاذباً!! لآتينّ أبا الحسنعليهالسلام ، فلئن قال لي كما قلتما لأرتدّن عن الإِسلام.
فجاء إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقال له: إنّ لي عند رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم
ثمانون ناقة، حمر الأبدان، سود المقل بأزمّتها ورحالها، فقالعليهالسلام : اجلِس يا أعرابي، إنّ الله يقضي عن نبيه، ثمّ قال: يا حسن ويا حسين، اذهبا إلى وادي فلان وناديا عند شفير الوادي: بَعثنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم إليكم وحبيبه ووصيّه، إنّ للأعرابي عند رسول الله ثمانون ناقة، سود المقل، حمر الأبدان بأزمّتها ورحالها.
فمضى الحسن والحسينعليهالسلام ومعهما أهل المدينة إلى حيث أمرهما أبوهما أمير المؤمنينعليهالسلام ، وقالا ما قاله لهما، ومَن تَبعهما من الناس يسمعون ما أجابهما، فجاءوا من الوادي يقولون: نشهد أنّك حبيب محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ووصيّه كما قلتما، فانتظِر حتى نجمعها بيننا، فما جلسنا إِلاّ قليلاً حتى ظهرت ثمانين ناقة، سود المقل، حمر الأبدان. وإنّ الحسن والحسينعليهالسلام ساقاها إلى أمير المؤمنين فدَفعها إلى الأعرابي. فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن محمد بن جبلة التمار، عن موسى بن محمد الأزدي، عن المخول بن إبراهيم، عن رشدة بن يزيد الخيبري، عن الحسن بن محبوب، عن أبي خديجة سالم بن مكرم، عن أبي حمزة الثمالي، عن جابر بن عبد الله بن عمر بن حزام الأنصاري قال: أرسلَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سرّية فقال لهم: إنّكم تصِلون ساعة كذا وكذا من الليل إلى أرض لا تهتدون فيها سيراً، فإذا وصلتم فخذوا ذات الشمال ؛ فإِنّكم تمرّون برجلٍ فاضل خيّر في شأنه فتسترشدونه، فيأبى أن يرشدكم حتى تأكلون من طعامه، فيذبح لكم كبشاً فيطعمكم ويرشدكم الطريق، فأقرأوه منّي السلام وأعلِموه أنّي قد ظهرتُ بالمدينة.
فمَضوا فلمّا وصلوا الموضع في الوقت ضلّوا، فقال قائل منهم: ألَم يقل لكم رسول الله خذوا ذات الشمال؟ ففعلوا فمرّوا بالرجل الذي ذكرهُ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم، فاسترشَدوه الطريق فقال: لا أفعل حتى تأكلوا من طعامنا، فذبحَ لهم كبشاً فأكلوا من طعامه وقامَ معهم فأرشدهم الطريق وقال لهم: ظهرَ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة، قالوا: نعم، وبلَّغوهُ السلام. فخَلَفَ في شأنه مَن
خلَف، ومضى إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو عمرو بن الحمق الخزاعي الكاهن، بن حبيب بن عمر بن الفتى بن رباح بن عمرة بن سعد بن كعب، فلبثَ معه ما شاء الله سبحانه وتعالى، ثمّ قال له رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ارجع إلى الموضع الذي هاجرتَ إليّ منه، فإِذا نزلَ أخي أمير المؤمنين بالكوفة وجَعلها دار هجرته فكُن معه.
فانصرفَ عمرو بن الحمق إلى شأنه، حتى إذا نزلَ أمير المؤمنين بالكوفة أتاه فأقامَ معه بالكوفة، فبينما أمير المؤمنين جالس وعمر بين يديه قال له: يا عمر، لك دار بِعها واجعَلها في الأزد ؛ فإنّي غداً لو غبتُ عنكم لطلَبَتك الأزد حتى تخرج من الكوفة متوجهاً نحو الموصل، فتمرّ برجل نصراني فتقعد عنده وتستقيه الماء، فيسقيك ويسألك عن قصّتك فتخبره وستصادفه مُقعداً فادعوه إلى الإسلام ؛ فإِنّه سينهض صحيحاً سليماً.
وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادّة فتستقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قصّتك، وما الذي أخافكَ وممّن تتوقّى، فحدِّثهُ أنّ معاوية طلبكَ ليقتلك ويمثّل بك ؛ لإيمانك بالله ورسوله وطاعتك لي وإِخلاصك لولايتي ونصحك إليه في دينك، فادعوه إلى الإسلام ؛ فإِنّه يسلم، فمُرّ يدك على عينه فإِنّه يرجع بصيراً بإذن الله تعالى، فيتّبعانك ويكونان هما اللذان يواريان بَدنك في الأرض.
ثمّ تصير إلى دير على نهر يقال له الدجلة ؛ فإِنّ فيه صديقاً عنده من علم المسيحعليهالسلام ، فاتّخذه عوناً من الأعوان على سرّ صاحبيك، وما ذلك إلاّ ليهديه الله بك، فإِذا أحسّ بكَ شرطة ابن الحَكم، وهو خليفة معاوية بالجزيرة، يكون مسكنه بالموصل، فاقصِد إلى الطريق الذي في الدير يتواضع حتى يصير في دورته. فإِذا رآك ذلك في أعلى الموصل فنادهِ ؛ فإِنّه يمتنع عنك، فاذكر اسم الله الذي علّمتك إياه ؛ فإِنّ الدير يتواضع لك حتى يصير في دورته. فإِذا رأى ذلك الراهب الصديق قال لتلاميذ معه: ليس هذا أوان سيدنا المسيح، هذا شخص كريم، ومحمد قد توفّاه الله، ووصيه قد استشهدَ بالكوفة وهذا من حواريه، ثمّ يأتيك خاشعاً ذليلاً فيقول لك: أيها الشخص العظيم أهّلتني لِما لم أستحقهُ
فبِمَ تأمرني؟ فيقول: استر تلميذك هذا من عبدك ويشرف على ديرك فانظر ماذا ترى. فإِذا قال لك: أرى خيلاً غائرة نحونا، فخلِّف تلميذك عنده، وانزِل واركب فرسك واقصِد نحو الغاب على شاطئ الدجلة استتر فيه ؛ فإِنّه لابدّ أن يشترك في دمك فَسقة من الجنّ والإنس، فإِذا استترتَ فيه عَرفك فاسق من مَرَدة الجن، يظهر لك بصورة تنّين أسود ينهشك نهشاً، يبالغ أضفارك وتعثر فرسك، فيندار بك الخيل فيقولون: هذا فرس عمرو بن الحمق ويقْفون أثرك. فإِذا أحسستَ بهم دون الغار فابرِز إليهم بين الدجلة والجادّة وقِف لهم في تلك البقعة ؛ فإنّ الله جَعلها حفرتك وحرمك فالقاهم بنفسك فاقتُل ما استطعتَ حتى يأتيك أمر الله، فإِذا غلبوك حزّوا رأسك وسيّروه على القنا إلى معاوية (لعنه الله)، ورأسك أوّل رأس يُشهر في الإِسلام من بلدٍ إلى بلد.
ثمّ يبكي أمير المؤمنين ويقول: وقرّة عيني ابني الحسين ؛ فإِنّ رأسه يُشهر على قناة وتُسبى حرائره بعدك يا عمرو من كربلاء غربي الفرات إلى يزيد بن معاوية (عليهما لعنة الله)، ثمّ ينزل صاحباك المحجوب والمـُقعد فيواريان بدنك في موضع مصرعك وهو بين الدير والموصل. فكان كما ذكره رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأمير المؤمنينعليهالسلام ، فكان هذا من دلائله ومعجزاته (صلوات الله عليه).
وعنه، عن علي بن بشر، عن علي بن النعمان، عن هارون بن يزيد الخزاعي، عن أحمد بن خالد الطبرستاني، عن حمران بن أعين بن القاسم بن محمد بن بكر، عن رميلة، وكان رجلاً من خواص أمير المؤمنينعليهالسلام ، قال رميلة: وعكتُ وعكاً شديداً في زمان أمير المؤمنين، ثمّ وجدتُ منه خفّة في نفسي في يوم الجمعة فقلت: لا أعمل شيئاً أفضل من أنّي أعلي على الماء وآتي المسجد، فأصلّي خلفَ أمير المؤمنينعليهالسلام ففعلتُ ذلك. فلمّا عَلا المنبر في جامع الكوفة عاوَدني الوعك.
فلمّا خرجَ أمير المؤمنين من المسجد تبعتهُ، فالتفتَ إليَّ وقال لي: أراك مشتكياً بعضُك إلى بعض، قد علمتُ من الوعك وما قلت إنّك لا تعمل شيئاً أفضل من غسلك لصلاتك الجمعة خلفي، وإنّك كنت وجدت خفّاً، فلمّا
صلّيتُ وعلوتُ المنبر عادَ إليك.
قلت: والله، يا أمير المؤمنين ما زدتُ في قصّتي حرفاً ولا نقصتُ حرفاً، فقال: يا رميلة، ما من مؤمن ولا مؤمنة يمرض إلاّ مرضنا لمرضه، ولا يحزن إلاّ حَزنا لحزنه، ولا دعا إِلاّ أمّنا على دعائه، ولا شكا إلاّ مَرضنا لمرضه. فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا لِمن كان معك في هذا المصير، فمَن كان في أطراف الأرض كيف يكون في هذه المنزلة؟ قال: يا رميلة، ليس بغائب عنّا مؤمن ولا مؤمنة في مشارقها ومغاربها، إلاّ وهو معنا ونحن معه، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن جعفر بن يزيد القزويني، عن زيد الشحام، عن أبي هارون المكفوف، عن ميثم التمار، عن سعد العلاف، عن الأصبغ بن نباتة قال: جاء نفر إلى أمير المؤمنينعليهالسلام فقالوا: إنّ المعتمد يزعم أنّك تقول: إنّ هذا الجرّي مسخ، فقال: قفوا مكانكم حتى أخرج إليكم، فتناولَ ثوبه ثمّ خرجَ إليهم ومضى حتى انتهى إلى الفرات بالكوفة، وصاحَ: يا جرّي،
فأجابهُ: لبّيك لبيك.
قال: مَن أنا؟
قال: أنت إِمام المتقين وأمير المؤمنين.
فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : مَن أنت؟
قال: أنا مَن عُرضتَ عليه ولايتك فجحدتُها ولم أقبلها، فمُسختُ جرّياً، وبعض هؤلاء الذين كانوا معك يُمسخون جرّياً.
فقال له أمير المؤمنين: بيِّن ضَيعتك، وفيمَن كنت، ومَن كان معك؟
قال: نعم، يا أمير المؤمنين، كنّا أربعة وعشرون طائفة من بني إسرائيل قد تمرّدنا وطغينا واستكبرنا وتجبّرنا وسكنّا المفاوز ؛ رغبة منّا في البُعد عن المياه والأنهار، فأتانا آتٍ وأنت والله أعرف به منّا يا أمير المؤمنين، فجَمَعنا في صحن الدار وصرخَ بنا صرخة فجمعنا في موضع واحد، وكنّا مبدّدين في تلك المفاوز والقفار، فقال لنا: ما لكم هربتم من المدن والمياه والأنهار وسكنتم هذه المفاوز فأردنا نقول: لأنّنا فوق العالم تكبّراً وتعزّزاً، فقال لنا: قد عَلمتُ ما في نفوسكم فعلى الله تتعزّزون؟! فقلنا له: بلى، فقال: أليسَ قد أخذَ عليكم العهد لتؤمننّ بمحمد بن عبد الله المكّي، قلنا: بلى، قال: وأخذ عليكم العهد بولاية وصيّه وخليفته بعهده وبعهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فسكتنا ولم نُجب بألسنتنا، وقلوبنا ونيّاتنا لا تقبلها، فقال: لا، أو تقولون بألسنَتكم؟
فقلنا بأجمعنا بألسنتنا وقلوبنا ونيّاتنا: لا تقبلها، فصاحَ بنا صيحة وقال: كونوا بإِذن الله مُسوخاً، كلّ طائفة جنساً، ويا أيتها القفار كوني بإذن الله أنهاراً وتسكنكِ هذه المسوخ، وتتصل ببحار الدنيا وأنهارها ؛ حتى لا يكون ماء إلاّ كانوا فيه، فمُسخنا ونحن أربعة وعشرين جنساً، فصاحت اثنتي عشر طائفة منّا: أيها المقتدر علينا بقدرة إلاّ ما أعفيتنا من الماء وجعلتنا على ظهر الأرض قال: قد فعلت.
فقال أمير المؤمنين: هيه يا جرّي، بيِّن ما كان من الأجناس الممسوخات البرّية والبحرية.
فقالوا: أمّا البحرية فنحن: الجرّي، والدواب، والسلاحف، والمرماهي، والزمار، والسراطين، والدلافين، وكلاب الماء، والضفادع، وبنات نقرس، والغرمان، والكوسج، والتمساح.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : هيه بالبرّية.
قال: نعم، الوزغ، والخشّاف، والكلب، والدب، والقرد، والخنازير، والضب، والجربا، والوز، والخنافس، والأرنب، والضبع.
قال أمير المؤمنين: فما فيكم من خلق الإنسانية وطبائعها.
قال الجرّي: أقوامنا صورة وخلقة وكلنا نحيض مثل الإناث.
قال أمير المؤمنين: صَدقتَ أيها الجرّي وحفظتَ ما كان.
قال الجرّي: يا أمير المؤمنين، هل من توبة؟
فقالعليهالسلام : للأجل المحتوم، وهو يوم القيامة، والله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين.
قال الأصبغ بن نباتة: فسمعنا والله ما قال ذلك الجرّي ووعيناه وكتبناه، وعرضناه على أمير المؤمنينعليهالسلام ، فصحّ والله لنا ومُسخ من بعض القوم - الذين حضروا - جرّياً، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبي الحواري، عن عبد الله بن محمد بن فارس بن ماهويه، عن إسماعيل بن علي النهرواني، عن ماهان الأيلي، عن المفضّل بن عمر الجعفي: أنّ أمير المؤمنينعليهالسلام كان حوله من جهة الأنبار في بني مخزوم، وأنّ إنساناً منهم أتاه فقال له: يا خالي، إنّ صاحبي ومربّي مات ضالاً وإنّي عليه لحزين، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : (أتحبّ أن تراه؟ قال: نعم، فلبسَ بردة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخرجَ معه إلى أن أتى القبر فركضَ برجله القبر فخرجَ الرجل من قبره وهو يقول: ويله وبيه سلان، فقال له أخوه المخزومي: أولَم
تمت وأنت رجل من العرب؟ قال: كنّا على سنّة أبي بكر وعمر في العربية، ونحن اليوم على سنّة الفرس، فليتَ ألسنتنا على دين الله بالعربية، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : ارجع إلى مضجعك. وانصرفَ المخزومي معه. فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبيه، عن سعد بن مسلم، عن صباح الأميري، عن الحارث بن خضر، عن الأصبغ بن نباتة قال: خَرجنا مع أمير المؤمنين وهو يطوف بالسوق يأمر بوفاء الكيل والميزان، وهو يطوف إلى أن انتصفَ النهار ومرّ برجلٍ جالس فقامَ إليه فقال له: يا أمير المؤمنين، مُر معي إلى أن تدخل بيتي تتغدّى عندي وتدعو لي وما أحسبك اليوم تغدّيت، قال أمير المؤمنين: على أن لا تدخّر ما في بيتك ولا تتكلّف من وراء بابك، قال: لك شرطك وتدخل، ودَخلنا وأكلنا خبزاً وزيتاً وتمراً، ثمّ خرجَ يمشي حتى انتهى إلى قصر الإمارة بالكوفة فركلَ برجله الأرض فزلزلت، ثمّ قال: أيم الله، لو عَلمتُم ما هاهنا، وأيم الله لو قامَ قائمنا لأخرجَ من هذا الموضع اثني عشر ألف درع واثني عشر ألف بيضة لها وجهات، ثمّ ألبسها اثني عشر ألف من أولاد العجم، ثمّ يأمر بقتل كلّ مَن كان على خلاف ما هم عليه، وإنّي أعلم ذلك وأراه كما أعلم اليوم وأراه، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن محمد بن داوود، عن الحسين بن أبيه، عن عمر بن شمر ومحمد بن سنان الزاهري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن يحيى بن أبي العقب، عن مالك الأشتر (رضي الله عنه) قال: دخلتُ على أمير المؤمنينعليهالسلام في ليلة مظلمة فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليكَ السلام، ما الذي أدخلكَ عليّ في هذه الساعة يا مالك؟ فقلت: خيراً يا أمير المؤمنين وشوقي إليك، فقال: صَدقتَ والله يا مالك، فهل رأيتَ أحداً ببابي في هذه الليلة المظلمة؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين رأيت ثلاثة أنفار، فقام أمير المؤمنينعليهالسلام فخرجَ وخرجنا معه فإِذا بالباب رجل مكفوف، ورجل زمِن، ورجل أبرص، فقال لهم أمير المؤمنين: ما تصنعون ببابي في هذا الوقت؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، جئناك
تشفينا ممّا بنا، فمسحَ أمير المؤمنين يده المباركة عليهم فقاموا من غير زمِن، ولا عمي، ولا برص، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبيه، عن أحمد بن الخصيب، عن أحمد بن نصير، عن عبد الله الأسدي، عن فضيل بن الزبير قال: مرّ ميثم التمار على فرسٍ له مستقبلاً حبيب بن مظاهر، فجلسَ بين بني أسد بالكوفة فتحدّثا حتى اختلفَ أعناق فرسيهما، قال حبيب: لكأنّي شيخ أصلع، ضخم البطن، شبيع البطيح، أزرق العينين، قد صُلبَ في أهل البيت بيت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كأنّي وقد جاء برأسي إلى الكوفة وأخبر الذي جاء به، ثمّ افترقا فقال أهل المجلس:
ما رأينا أعجب من أصحاب أبي تراب يقولون: إنّ علياً علّمهم الغيب، فلم يفترق أهل المجلس حتى جاء رشيد الهجري يطلبهما فسألَ عنهما فقالوا له: قد افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، قال رشيد لهم: رحمَ الله ميثم فقد نسيَ أنّه يزاد في عطاء الذي يجيء برأسه مئة درهم، ثمّ قال أهل المجلس: ميثم مصلوباً على باب عمر بن حريش، وجيء برأس ابن مظاهر من كربلاء - وقد قُتل مع الحسينعليهالسلام - إلى عبيد الله بن زياد (لعنه الله)، ويزيد في عطاء الذي حملَ رأس حبيب مئة درهم، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن محمد بن عبد الرحمان الطريفي، عن يونس بن أحمد الزيات، عن كثير بن جعفر الأدني، عن الحسن بن محبوب، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن سويد بن غفلة قال: بينما نحن عند أمير المؤمنينعليهالسلام إِذ أتى رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قد جئتُ من وادي القرى وقد ماتَ خالد بن عرفطة، فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : مه لم يمت. فأعادَ عليه الرجل ثانية، فقال: لم يمت؟ وأعرضَ عنه بوجهه فأعادَ عليه ثالثة فقال: سبحان الله، قد أخبرتُك أنّه قد مات وتقول لي: إنّه لم يمت؟! فقالعليهالسلام : لم يمت حتى يقود جيش ضلالة ومصيره النار، ويحمل رايته حبيب بن جماز، فأتى إلى أمير المؤمنين فقال له: ناشدتك الله، أنا لك شيعة وقد ذكّرتني يا مولاي شيئاً ما أعرفهُ من نفسي، فقال له: مَن أنت عساكَ حبيب بن جماز؟ فقال له: أنا هو يا أمير المؤمنين، فقال: إنْ كنت هو فلا
يحملها غيرك، فولّى حبيب مغضباً. فقال سويد بن غفلة: فو الله ما ذَهبت الأيام والليالي حتى بعثَ عمر بن سعد بن أبي وقّاص خالد بن عرفطة، على مقدّمة في جيش ضلالة، وحبيب بن جماز يحمل رايته إلى أبي عبد الله الحسين (عليه السلام وعلى آبائه الطاهرين)، حتى استشهدَ وقاتله، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن أبيه أحمد بن الخصيب، عن أبي المطلب جعفر بن محمد بن المفضل، عن محمد بن سنان الزاهري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن مديح بن هارون بن سعد قال: سمعت أبا الطفيل عامر بن واثلة يقول: سمعتُ أمير المؤمنينعليهالسلام يقول لعمر: مَن علّمك الجهالة يا مغرور؟ وأيم الله لو كنتَ بصيراً، وكنت في دنياك تاجراً نحريراً، وكنتَ فيما أمركَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم خبيراً ركبتَ العقد وفرشت القصب، ولمـَا أحببتَ أن يتمثّل لك الرجال قياماً، ولمـَا ظلمتَ عترة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بقبيح الفعال، غير أنّي أراك في الدنيا قتيلاً بجراحة من عبد أُم معمر، تَحكم عليه جوراً فيقتلك، وتوفيقاً يدخل والله الجنان على رغم منك.
والله، لو كنتَ من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سامعاً مطيعاً، لمـَا وضعتَ سيفك على عنقك ولمـَا خطبتَ على المنبر، ولكأنّي بك قد دُعيت فأجبتَ، ونوديَ باسمك فأحجمتَ، لك هتك سُتر، وصلباً لصاحبك الذي اختاركَ وقمتَ مقامه من بعده.
فقال عمر: يا أبا الحسن، أمَا تستحي من نفسك من هذا التهكن؟ قال له أمير المؤمنينعليهالسلام : ما قلتُ إلاّ ما سمعتُ، وما نطقتُ إلاّ ما عَلمتُ، قال: فمتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إِذا أُخرِجت جيفتاكما عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن قبريكما، اللذين لم تُدفنا فيهما إلاّ ليلاً لئلاّ يشك أحد منكما إذا نُبشتما، ولو دُفنتما بين المسلمين لشكّ شاك وارتاب، وستُصلبان على أغصان دوحات نخلة يابسة فتورق تلك الدوحات بكما وتُفرّع وتخضر، فتكونوا لِمن أحبّكما ورضيَ لفعلكما ليميز الله الخبيث من الطيب، ولكأنّي أنظر إليكما والناس يسألون ربّهم العافية ممّا قد بُليتما به.
قال: فمَن يفعل ذلك يا أبا الحسن؟
قال: عصابة قد فرّقت بين السيوف
أغمادها، وارتضاهم الله لنصرة دينه فما يأخذهم في الله لومة لائم، ولكأنّي أنظر إليكما وقد أُخرجتما من قبريكما غضّين طريّين بصورتيكما، حتى تُصلبا على الدوحات فتكون ذلك فتنة لِمن أحبّكما، ثمّ يؤتى بالنار التي أُُضرمت لإبراهيم (صلوات الله عليه) ولجرجيس ودانيال، وكلّ نبي وصدّيق ومؤمن ومؤمنة، وبالنار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقني، وفاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وابني الحسن والحسين، وابنتي زينب وأم كلثوم، حتى تُحرقان بها، ويرسل الله إليكما ريحاً مدبرة فتنسفكما في اليمّ نَسفاً، ويأخذ السيف ما كان منكما ويصير مصيركما إلى النار جميعاً، وتخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال الله:( وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَكَانٍ قَرِيبٍ ) يعني من تحت أقدامكم.
قال: يا أبا الحسن، تُفرّق بيننا وبين رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال: نعم، قال: يا أبا الحسن، إنّك سمعتَ هذا وإنّه حقاً، قال: فحلفَ أمير المؤمنين أنّه سمعهُ من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبكى عمر وقال: أعوذ بالله ممّا تقول، فهل لك علامة؟ قال: نعم، قتلٌ قطيع، وموت سريع، وطاعون شنيع، ولا يبقى من الناس في ذلك إلاّ ثلثهم، وينادي منادٍ من السماء باسم رجل من ولدي، وتكثر الآفات حتى يتمنّى الأحياء الموت ممّا يرون من الأهوال ؛ وذلك ما أسئتما، فمَن هلكَ استراح، ومَن كان له عند الله خيراً نجا، ثمّ يظهر رجل من عترتي فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً، يأتيه الله ببقايا قوم موسى، ويجيء له أصحاب الكهف، وتُنزل السماء قطرها وتُخرج نباتها.
قال له عمر: إنّك لا تحلف إلاّ على حق ؛ فإِنّك تهدّدني بفعال ولدك، فو الله لا تذوق من حلاوة الخلافة شيئاً أنت ولا ولدك، وإن قبل قولي لا ينصرني ولصاحبي من ولدك من قبل أن أصير إلى ما قلت، فقال له أمير المؤمنينعليهالسلام : تباً لك أن تزداد إلاّ عدواناً، فكأنّي بك قد أظهرتَ الحسرة وطلبتَ الإقالة ؛ حيث لا ينفعك ندمك.
فلمّا حضرت عمر الوفاة فأرسلَ إلى أمير المؤمنين، فأبى أن يجيء، فأرسلَ إليه جماعة من أصحابه فطلبوه إليه أن يأتيه ففعلَ، فقال عمر: يا
يا أبا الحسن، هؤلاء قد حالوني ممّا وليتُ من أمرهم، فإن رأيتَ أن تحالني فافعل، فقام أمير المؤمنينعليهالسلام وقال: رأيتُ إن حاللتك فمَن حالل بتحليل ديان يوم الدين، ثمّ ولّى وهو يقول:( وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ ) ، فكان هذا من دلائله الذي يشهد أكثرها وصحّ ما نبأ به فهو حق.
وعنه، عن محمد بن موسى القمي، عن داود بن سليمان الطوسي، عن محمد بن خلف الطاطري، عن الحسن بن سماعة الكوفي، عن راشد بن يزيد المدني، عن المفضل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله الصادقعليهالسلام قال: جلسَ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في رحبة مسجده بالمدينة، وطائفة من المهاجرين والأنصار حوله، وأمير المؤمنين عن يمينه، وعمر بين يديه، إذ طلعت غمامة ولها زجل وتسبيح وحفيف، قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قد شاهدته من عند الله، ثمّ مَدّ يده إلى الغمامة فنزلت ودَنت من يده فبدا منها جام يلمع، حتى غَشيت أبصار مَن في المسجد من لمعانه وشعاع نوره، وفاحَ في المسجد روائح حتى زالت عقولنا بطيبها ومشمّها، والجام يسبّح لله ويقدّسه ويمجّده بلسان عربي مبين، حتى نزلَ في بطن راحة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم اليمين، وهو يقول:
السلام عليك يا حبيب الله وصفيه ونبيه ورسوله، المختار على العالمين، والمفضّل على خلق الله أجمعين من الأولين والآخرين، وعلى وصيّك خير الوصيين، وأخيك خير المؤاخين، وخليفتك خير المستخلفين، وإمام المتقين، وأمير المؤمنين، ونور المستضيئين، وسراج المهتدين، وعلى زوجته فاطمة ابنتك خير نساء العالمين، الزهراء في الزاهرين، والبتول في المتبتلين، والأئمة الراشدين، وعلى سبطيك ونوريك وريحانتيك وقرّة عينيك أبناء علي: الحسن والحسين.
ورسول الله وسائر مَن كان حاضراً يسمعون ما يقول الجام، ويغضّون من أبصارهم من تلألؤ نورهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو يُكثر من حمد الله وشكره حتى قال الجام وهو في كفّه: يا رسول الله، أنا تحية الله إليك، وإلى أخيك علي، وابنتك فاطمة، والحسن والحسين، فرُدّني يا رسول الله في كف علي.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : خذه يا أبا الحسن بتحيةٍ من عند الله، فمدّ يده اليمنى فصارَ في بطن راحته فقبّله واشتمّه، فقال: مرحباً بكرامة الله لرسوله
وأهل بيته، وأكثرَ من حمد الله والثناء عليه، والجام يسبّح لله عزّ وجل ويهلّله ويكبّره ويقول: يا رسول الله، ما بقيَ من طيب في الجنة إِلاّ وأنا أطيب منه، فارددني إِلى فاطمة والحسن والحسين كما أمرَني الله عزّ وجل.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : قم يا أبا الحسن، فارددهُ إلى كف قرّة عيني فاطمة، وكف حبيبي الحسن والحسين، فقام أمير المؤمنينعليهالسلام يحمل الجام ونوره يزيد على نور الشمس والقمر، ورائحته قد ذَهلت العقول طيباً، حتى دخلَ على فاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام من الله ورحمته وبركاته، وردّه في أيديهم فتَحيّوا به وقبّلوه وأكثروا من حمد الله وشكره والثناء عليه.
ثمّ ردّه إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلمّا صارَ في كفّه قام عمر على قدَميه فقال: يا رسول الله، تستأثر بكلّ ما نالكَ من عند الله من تحية وهدية، أنت وعلي وفاطمة والحسن والحسين؟! فقال رسول الله: يا عمر، ما أجرأكَ على الله؟ أمَا سمعتَ الجام حتى تسألني أن أعطيك ما ليس لك، فقال له: يا رسول الله، أتأذن لي بأخذه واشتمامه وتقبيله؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : وما أشدّ جأشك، قم إن نلته؟! فما محمد رسول الله حقاً ولا جاء بحق من عند الله، فمدّ عمر يده نحو الجام فلم يصل إليه، وارتفعَ الجام نحو الغمام وهو يقول: يا رسول الله، هكذا يفعل المزور بالزائر.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم : ويلك يا عمر، ما أجرأك على الله ورسوله؟ قم يا أبا الحسن على قدَميك وامدد يدك إلى الغمام وخذ الجام وقل له: ماذا أمركَ الله به أن تؤدّيه إلينا ثانية؟ فقام أمير المؤمنينعليهالسلام فمدّ يده إلى الغمام فتلقّاه الجام فأخذهُ فقال له: رسول الله يقول لك: ماذا أمرك الله أن تقول له؟ فقال الجام: نعم، يا رسول الله أمرَني أن أقول لكم: أن قد أوقفني على نفس كلّ مؤمن ومؤمنة من شيعتكم بحضور وفاته، فلا يستوحش من الموت، ولا ييأس من النظر السليم، وأن أنزِل على صدره، وأن أكسوه بروائح طيبة، فتقضي روحه وهو لا يشعر.
فقال عمر لأبي بكر: يا ليت مضى الجام بالحديث الأول ولم يذكر شيعتهم، فكان هذا من فضل الله على رسوله وعلى أمير المؤمنينعليهالسلام .
وعنه بهذا الإسناد قال: قال أبو عبد اللهعليهالسلام : خرجَ أمير المؤمنينعليهالسلام ذات يوم إلى بستان البرني ومعه أصحابه، فجلسَ تحت نخلة رطبت ونزلَ منها رطباً، فوضعَ بين أيديهم فأكلوا، فقال رشيد الهجري: يا أمير المؤمنين، ما أطيب هذا الرطب! فقال: يا رشيد، أمَا أنّك تُصلب على جذعها، فقال رشيد: فكنتُ أختلف إليها النهار وأسقيها.
ومضى أمير المؤمنينعليهالسلام فخرجنا يوماً وقد قُطعت وذهبَ نصفها فقلت: قد اقترب أجَلي، فجئتُ اليوم الآخر فإِذا بالنصف الثاني قد جُعلَ زرنوقاً يُستقى عليه، فقلت: والله، ما كذَبني خليلي، فأتاني العريف وقال: أجب الأمير، فأتيتهُ، فلمّا وصلتُ القصر إذا أنا بخشب ملقى وقيه الزرنوق، وجئت حتى ضربت الزرنوق برجلي وقلت: إليك أُعِدت وإنّي أتيت.
ثمّ دخلتُ على عبيد الله بن زياد (لعنه الله)، فقال: هات من كِذب صاحبك، فقلت: والله، ما كان يكذب، ولقد أخبرَني أنّك تقطع يدي ورجلي ولساني، قال: إِذاً لأُكذّبه، اقطعوا يديه ورجليه واطرَحوه. فلمّا حُمل إلى أهله أقبلَ يُحدّث الناس بالعظائم وما يأتي وهو يقول: يا أيها الناس، اسألوني ؛ فإِنّ للناس عندي طلبة لم يقضوها، فدخلَ رجل على عبيد الله بن زياد (لعنه الله) قال: بئسَ ما صنعتَ به قطعتَ يديه ورجليه وتركتَ اللسان ؛ فهو يحدّث الناس بالعظائم، قال: ردّه، فردّه فأمرَ بقطع لسانه وصلبه على جذع النخلة، فكان هذا من دلائلهعليهالسلام .
وعنه، عن جعفر بن المفضل المخلول، عن إِبراهيم، عن جعفر بن يحيى القرني، عن يونس بن ظبيان، عن أبي خالد عبد الله بن غالب، عن رشيد الهجري (رضي الله عنه) قال: كنتُ وأبو عبد الله سلمان، وأبو عبد الرحمان قيس بن ورقاء، وأبو الهيثم مالك بن التيهان، وسهل بن حنيف، بين يدي أمير المؤمنينعليهالسلام بالمدينة، إذ دخلت حبابة الوالبية وعلى رأسها كوراً شبيه السيف، وعليها أطمار سابغة متقلّدة سيفاً وبين أناملها مسباح من الحصى، فسلّمتْ وبكتْ وقالت: آه يا أمير المؤمنين، آه من فقدك، وا أسفاه على غيبتك، وا حسرتاه على ما يفوت من الغيبة منك، لا يلهم عنك ولا يرغب يا أمير المؤمنين من الله فيه الخشية، وإِرادة من أمري معك على يقين وبيان وحقيقة، وإنّي أتيتُك وأنت تعلم ما أريده.
فمدّعليهالسلام يده اليمنى إليها فأخذَ من يدها حصاة بيضاء تلمع وترى من صفائها، وأخذَ خاتمه من يده وطبع له به في الحصاة فانطبعت فقال لها: يا حبابة، هذا كان مرادك مني. فقالت: إي يا أمير المؤمنين، هذا ما أريده ؛ لِما سمعناه من تفرّق شيعتك واختلافهم بعدك، فأردتُ بهذا برهاناً يكون معي إن عمّرتُ بعدك، ويا ليتني وقومي لك الفداء، فإذا وقعت الإشارة وشيئت المشيئة، فمَن يقوم مقامك آتيه بهذه الحصاة، فإِذا فعلَ فعلك بها، علمتُ أنّه الخليفة فأرجو أن لا أؤجّل لذلك.
قال: بلى، والله يا حبابة، لتلقين بهذه الحصاة ابني الحسن والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، وكلاً إذا أتيتيه استدعى بالحصاة منك وطبعها بهذا الخاتم لكِ، فبعهد علي بن موسى ترين في نفسك برهاناً عظيماً تعجبينَ منه فتختارين الموت فتموتين، ويتولّى أمركِ ويقوم على حفرتك ويصلّي عليك، وأنا مبشرّك بأنّكِ من المكرورات مع المهدي من ذرّيتي إذا أظهرَ الله أمره.
فبكت حبابة ثمّ قالت: يا أمير المؤمنين، من أين لأمَتِك الطائعة، الضعيفة اليقين، القليلة العمل، لولا فضل الله، وفضل رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفضلك يا أمير المؤمنين، وأن يأتي هذه المنزلة التي أنا والله بما قلته لي موقنة ؛ ليقيني بأنّك أمير المؤمنين حقّاً لا سواك، فادعُ لي بالثبات على ما هداني الله إليك، ولا أُسلَبه، ولا أُفتن فيه، ولا أضلّ عنه، فدعا لها أمير المؤمنين بذلك وأصحبها خيراً.
قالت حبابة: لمـّا قُبض أمير المؤمنينعليهالسلام بضربة عبد الرحمان بن ملجم المرادي في مسجد الكوفة، أتيت مولاي الحسن، فلمّا رآني قال لي: أهلاً وسهلاً بك يا حبابة، هاتِ الحصاة، فمدّ يده إليهاعليهالسلام كما مدّ أمير المؤمنين يده، فأخذَ الحصاة وطبعها كما طبعها أمير المؤمنين، وخرجَ ذلك الخاتم بعينه. فلمّا ماتَ الحسن بالسم أتيت الحسينعليهالسلام ، فلمّا رآني قال:
مرحباً بكِ يا حبابة، هاتِ الحصاة، فأخذها وختمَ عليها بذلك الخاتم. فلمّا استشهدَعليهالسلام أتيتُ علي بن الحسين وقد شكّ الناس فيه، ومالت شيعة الحجاز إلى محمد بن الحنفية ؛ من شكّهم في زين العابدينعليهالسلام ، وصار من كبارهم جمع، فقالوا: يا حبابة، الله الله فينا، اقصدي إلى علي بن الحسين حتى يتبيّن الحقّ، فسرتُ إليه، فلمّا رآني رحّبَ بي ومدّ يده وقال: هاتِ الحصاة، فأخذَها وطبعها بذلك الخاتم، ثمّ سرتُ بذلك الخاتم إِلى محمد، وإلى جعفر بن محمد، وإلى موسى بن جعفر، وإِلى علي بن موسى الرضا (عليهم السلام أجمعين)، فكلّ يفعل كفعل أمير المؤمنينعليهالسلام ، والحسن والحسينعليهمالسلام .
قالت حبابة: وكبُر سنّي، ورقّ جلدي، ودقّ عظمي، وحالَ سواد شعري بياضاً، وكنتُ بكثرة نظري إليهم صحيحة العقل والبصر والفهم. فلمّا صرتُ إلى علي الرضا بن موسىعليهالسلام رأيت شخصه الكريم فضحكتُ ضحكاً، فقال مَن حضر: قد خرفتي يا حبابة، وإلاّ نقصَ عقلك، فقال لهم علي الرضاعليهالسلام : أنا لكم ما خَرفتْ حبابة ولا نقصَ عقلها، ولكنّ جدّي أمير المؤمنينعليهالسلام أخبرَها بأنّها تكون مع المكرورات مع المهديعليهالسلام من ولدي، فضحكتْ تشوّقاً إلى ذلك وسروراً وفرحاً بقربها منه، فقال القوم: استغفر لنا يا سيدنا وما عَلمنا هذا.
قال: يا حبابة، ما الذي قال لك جدّي أمير المؤمنينعليهالسلام ؟ قالت: قال ترينَ برهاناً عظيماً، قال: يا حبابة، ما ترينَ بياض شعركِ، قلت: بلى يا مولاي، قال: يا حبابة، فتحبّين أن ترينهُ أسوداً حال كما كان في عنفوان شبابكِ؟ قلت: نعم يا مولاي، قال: يا حبابة، أوَ يجزيك ذلك أو نزيدك؟ فقلت: يا مولاي، زِدني من فضلك عَلَي، قال: أتحبّين أن تكوني مع سواد شعركِ شابّة! فقلت: يا مولاي، هذا البرهان عظيم، قال: وهذا أعظم منه ما تجدينه ممّا لا يعلم الناس به! فقلت: يا مولاي، اجعلني لفضلك أهلاً، فدعا بدعوات خفيّة حرّكَ بها شفتيه، فعدتُ والله شابّة طرية عظيمة، سوداء الشعر حالكاً، ثمّ دخلتُ خلوة في جانب الدار ففتّشتُ نفسي فوجدتها بكراً، فرجعت وخررتُ بين يديه ساجدة، ثمّ قلتُ له: يا مولاي، النقلة إلى الله عزّ وجل ؛ فلا حاجة لي في حياة الدنيا،
فقال: يا حبابة، ارحَلي إلى أمّهات الأولاد فجهازك هناك منفرد.
قال الحسين بن حمدان الخصيبي (رضي الله عنه): حدّثني جعفر بن مالك قال: حدّثني محمد بن يزيد المدني قال: كنتُ مع مولاي علي الرضا (سلام الله عليه) حاضراً لأمر حبابة، وقد دخلتْ إلى أُمهات الأولاد، فلم تلبث إِلاّ بمقدار ما عاينت جهازها، حتى تشهّدتْ وقَضت إلى الله رحمها الله.
قال مولانا الرضا (سلام الله عليه): رحمكِ الله يا حبابة، قلنا: يا سيدنا، ولِما قد قُبضت؟ قال: لبثتْ إلى أن عاينتْ جهازها حتى قُبضت إلى الله. وأمرَ بتجهيزها فجُهّزت وخرَجت وصلّينا عليها، وحُملت إلى حفرتها، وأمرَ سيدنا بزيارتها وتلاوة القرآن عندها والتبرّك بالدعاء هناك، فكان هذا من دلائل مولانا أمير المؤمنين وبراهينهعليهالسلام .
وعنه بهذا الإسناد قال: حدّثني جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنّا بين يدي أمير المؤمنينعليهالسلام في مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ دخلَ عمر بن الخطّاب فلمّا جلسَ قال لجماعة: إنّ لنا سرّاً تخفّفوا رحمكم الله، فشمّرتْ وجوهنا وقلنا: ما كذا كان يفعل بنا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لقد كان يأتمننا على سرّه، فما لكَ لمـّا رأيت فتيان المسلمين تسرّيتَ بفتيان رسول الله؟ فقال: للناس أسرار لا يمكن إعلانها، فقمنا مغضبين.
وخَلا عمر بأمير المؤمنين مليّاً، ثمّ قاما من مجلسيهما حتى رقيا منبر رسول الله فقلنا جميعاً: الله أكبر ترى ابن حنتمة رجعَ عن غيّه وطغيانه، ورقا المنبر مع أمير المؤمنين وقد مسحَ يده على وجهه، ورأينا عمر يرتعد ويقول: لا حول ولا قوة إِلاّ بالله العلي العظيم، ثمّ صاحَ ملء صوته: يا سارية، اِلجَأ الجبل! ثمّ لم يلبث أن قبّل صدر أمير المؤمنين ونزلا وهو ضاحك، وأمير المؤمنين يقول له: افعل ما زعمتَ يا عمر أنّك فاعله، وأن لا عهد لك ولا وفاء، فقال له: أمهِلني يا أبا الحسن، حتى أنتظر ما يرد إليّ من خبر سارية، وهل رأيته صحيحاً أم لا؟
قال له أمير المؤمنين: ويحك يا عمر، فإِذا صحّ وورد الأخبار عليك بتصديق ما رأيتَ وما عاينت، وأنّهم قد سمعوا صوتك ولجأوا إلى الجبل كما
رأيتَ هل أنت مُسلم ما ضَمنت؟
قال: لا يا أبا الحسن، ولكنّي أضيف هذا إلى ما رأيت منك ومن رسول الله، والله يفعل ما يشاء، فقال له أمير المؤمنين: ويلك يا عمر، إنّ الذي تقول أنت وحزبك الضالّون أنّه سِحر وكهانة، وليس فيها شك، فقال ذلك قولاً وقد مضى والأمر لنا في هذا الوقت، ونحن أولى بتصديقكم في أفعالكم وما نراه من عجائبكم ؛ لأنّ هذا المـُلك عقيم.
فخرجَ أمير المؤمنينعليهالسلام ولقيناه فقلنا: يا أمير المؤمنين، ما هذه الآية العظيمة وهذا الخطاب الذي سمعناه؟ فقال: هل عَلمتم أوّله؟ فقلنا: ما علمنا يا أمير المؤمنين، ولا نعلمه إلاّ منك.
قالعليهالسلام : إِنّ هذا ابن الخطّاب قال لي: إنّه حزين القلب، باكي العين على جيوشه التي في فتوح الجبل في نواحي نهاوند، وإنّه يحبّ أن يعلم صحّة أخبارهم وكيف مع كثرة جيوش الجبل، وإنّ عمراً بن معدي كرب قُتل ودُفن بنهاوند، وقد ضعُف جيشه، واتّصل الخبر بقتل عمر، فقلت له: ويحك يا عمر، كيف تزعم أنّك الخليفة في الأرض، والقائم مقام رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنت لا تعلم ما وراء أُذنك وتحت قدمك، والإمام يرى الأرض ومَن عليها، ولا يخفى عليه من أعمالهم شيئاً.
فقال لي: يا أبا الحسن، أنت بهذه الصورة، فأتِ بخبر سارية الساعة، وأين هو، ومَن معه، وكيف صورتهم؟ فقلت له: يا بن الخطّاب، فإِن قلتُ لك لم تُصدّقني، ولكنّي أُريك جيشك وأصحابك وسارية، قد كمنَ بهم جيش الجبل في وادٍ قعيد، بعيد الأقطار، كثير الأشجار، فإِن سارَ به جيشك يسيراً خلصوا بها، وإلاّ قُتل أول جيشك وآخره، فقال: يا أبا الحسن، ما لهم ملجأ منهم ولا يخرج من ذلك الوادي؟ فقلت: بلى، لو لحقوا الجبل الذي يلي الوادي سَلموا وتملّكوا جيش الجبل، فقلقَ وأخذَ بيدي وقال: الله الله يا أبا الحسن في جيوش المسلمين، فأرنيهم كما ذكرتَ أو تحذّرهم إن قدرتَ، ولكَ ما تشاء من خَلع نفسي من هذا الأمر وردّه إليك.
فأخذتُ عليه عهد الله وميثاقه، إن رقيتُ به المنبر وكشفتُ له بصره، وأريته جيوشه في الوادي، وأنّه يصيح إليهم فيسمعون منه ويلجئون إلى
الجبل ويظفرون بجيش الجبل، يخلع نفسه ويسلّم حقّي إِليَّ، فقلت له: قم يا شقي، والله، لا وفيتَ بهذا العهد والميثاق، كما لم تفِ لله ولرسوله ولي بما أخذناه عليك من العهد والميثاق والبيعة في جميع المواطن، فقال لي: بلى، والله، فقلت له: ستعلم أنّك من الكافرين.
ورقيتُ المنبر، فدعوتُ بدعوات وسألتُ الله أن يريه ما قلت، ومسحتُ يدي على عينيه، وكشفتُ عنه غطاءه، فنظرَ إلى سارية وسائر الجيش وجيش الجبل وما بقي إلاّ الهزيمة لجيشه، فقلت له: صِحْ يا عمر إن شئت؟ قال: يسمع؟ قلت: نعم، يسمع ويبلغ صوتك إليهم، فصاحَ الصيحة التي سمعتموها: يا سارية، اِلجأ الجبل، فسمعوا صوته ولجئوا إلى الجبل، فَسلموا وظفروا بجيش الجبل، فنزلَ ضاحكاً كما رأيتموه وخاطبته وخاطبني بما سمعتموه.
قال جابر: آمنّا وصدّقنا وشكّ آخرون إلى ورود البريد بحكاية ما حكاه أمير المؤمنين، ورآه عمر ونادى بصوته، فكان أكثر العوام المرتدّين أن يعبدوا ابن الخطّاب وجعلوا هذا له منقبة، والله ما كان إِلاّ منقلباً، فهذا من دلائل أمير المؤمنينعليهالسلام .
تمَّ الكتاب بحمد الله وعونه
المراجع
الكتب المؤلّف
الشخصيات الإسلامية الدكتور محمد عزيز الحبابي
الكلّيات لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي
شرح العقائد النسفية مسعود بن عمر التفتازاني
الحركات السرّية في الإسلام الدكتور محمود إسماعيل
الأعلام خير الدين الزركلي
فلسفة التشريع في الإسلام الدكتور صبحي المحمصاني
الشخصية الإسلامية الدكتورة بنت الشاطئ
قراءات في الفلسفة الدكتور علي سامي النشار، والدكتور محمد علي أبو ريان
مقالات الإِسلاميين الأشعري
الفَرقُ بين الفِرق عبد القاهر البغدادي
المِلل والنِحل الشهرستاني
تاريخ المذاهب الإِسلامية الشيخ محمد أبو زهرة
تقويم البلدان أبو الفداء
الكامل ابن الأثير
الفصل في المِلل والأهواء والنحل ابن حزم
العرب والعروبة محمد دروزة
خطط الشام محمد كرد علي
التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع محمد بن أحمد بن عبد الرحمان الملطي
المعارف ابن قتيبة
البدء والتاريخ أحمد بن سهل البلخي
مُروج الذهب المسعودي
توفيق التوفيق علي بن فضل الله الجيلاني
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم المقدسي المعروف بالبشاري
مجموع فتاوى ابن تيمية ابن تيمية
تاريخ الفكر العربي الدكتور عمر فروخ
دائرة معارف القرن العشرين محمد فريد وجدي
عقيدة الشيعة الإمامية السيد هاشم معروف
سورية والعهد العثماني يوسف الحكيم
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام الدكتور علي سامي النشار
الصلة بين التصوّف والتشيّع الدكتور كامل مصطفى الشيبي
الحركات الباطنية في الإِسلام مصطفى غالب
أعلام الإسماعيلية مصطفى غالب
إسلام بلا مذاهب الدكتور مصطفى الشكعة
تاريخ الموارنة الأب بطرس ضو
الأشباح والأرواح الشيخ راغب العثماني
مختصر تاريخ سورية ولبنان أحد الآباء اليسوعيين
المذكرات محمد كرد علي
التبشير والاستعمار الدكتوران: مصطفى الخالدي، وعمر فروخ
تاريخ سوريا ولبنان وفلسطين الدكتور فيليب حتي
لبنان في التاريخ الدكتور فيليب حتي
رحلة ابن بطوطة ابن بطوطة
مذاهب الإسلاميين الدكتور عبد الرحمان بدوي
أبو جعفر المنصور عبد السلام رستم
السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي الدكتور مصطفى السباعي
أخلاقنا الاجتماعية الدكتور مصطفى السباعي
ضحى الإسلام أحمد أمين
من الفلسفة اليونانية إِلى الفلسفة الإسلامية الدكتور محمد عبد الرحمان مرحبا
بين الدين والفلسفة الدكتور محمد يوسف موسى
النزعة العقلية في فلسفة ابن رشد الدكتور محمد عاطف العراقي
تعريف عام بدين الإسلام علي الطنطاوي
أريج الزهر الشيخ مصطفى الغلاييني
الغلو والفِرَق الغالية في الإسلام الدكتور عبد الله سلوم السامرائي
الزينة أحمد بن حمدان الرازي
رسالة الغفران أبو العلاء المعري (تحقيق بنت الشاطئ)
تتمة المختصر في أخبار البشر ابن الوردي
المختصر في أخبار البشر أبو الفداء
الطبيعة وما بعد الطبيعة يوسف كرم
الروضتين في أخبار الدولتين شهاب الدين أبو شامة
تاريخ الفلسفة الإسلامية الدكتور ماجد فخري
الشيخ الرئيس ابن سينا عباس محمود العقّاد
خواطر وأحاديث الشيخ أحمد حسن الباقوري
الدين عند الله عبد الرحيم قودة
مختصر كتاب البلدان ابن الفقيه
كتاب الأقاليم الاصطخري
تاريخ ابن خلدون ابن خلدون
الدين والضمير الشيخ محمود الشرقاوي
الأوائل أبو هلال العسكري
فيض القدير في شرح الجامع الصغير عبد الرءوف المناوي
تاريخ مختصر الدول ابن العبري
الإمامة في الإسلام عارف تامر
الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي الدكتور محمد البهي
وفيات الأعيان ابن خلّكان
شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد
صبح الأعشى القلقشندي
الغدير عبد الحسين أحمد الأميني
ليس من الإسلام محمد الغزالي
الخطط المقريزية المقريزي
العقد الفريد ابن عبد ربّه
البداية والنهاية ابن كثير
فن المنتجب العاني وعرفانه الدكتور أسعد علي
مصباح الهداة في الرد على البغاة علي محمود منصور
الإسلام في معارفه وفنونه الشيخ حبيب آل إبراهيم
الوجود والخلود في فلسفة ابن رشد الدكتور محمد بيصار
أضواء على مسالك التوحيد الدكتور سامي مكارم
طائفة الدروز الدكتور محمد كامل حسين
لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني الدكتور محمد علي مكي
العودة إلى الإيمان أحمد حسن الباقوري
الشريعة الإسلامية المستشار عبد الحليم الجندي
تلبيس إبليس ابن الجوزي
المضامير الشيخ عبد الحسين الصادق
مشارق أنوار اليقين الحافظ رجب البرسي
تاريخ الإِمامية الدكتور عبد الله فياض
عقائد الإمامية الشيخ محمد رضا المظفر
ابن قتيبة الدكتور محمد زغلول سلام
فِرَق الشيعة النوبختي
ابن سينا الدكتور أحمد فؤاد الأهواني
الفارابي سعد زايد
إخوان الصفا الدكتور جبور عبد النور
ولاية بيروت رفيق التميمي ومحمد بهجت
أخبار العلماء بأخبار الحكماء القفطي
المنتظم في تاريخ الملوك والأمم ابن الجوزي
الفهرست ابن النديم
كتاب الأشربة ابن قتيبة
مختار رسائل جابر بن حيان جمع بول كراوس
التبصير في الدين الأسفرايني
تاريخ سوريا المطران يوسف الدبس
اعتقادات فِرَق المسلمين والمشركين فخر الدين الرازي
رسائل فلسفية محمد بن زكريا الرازي
الفِرق الإسلامية محمود البشبيتي
تاريخ فلاسفة الإسلام الدكتور محمد لطفي جمعة
تاريخ العلويين محمد أمين غالب الطويل
الفقه على المذاهب الخمسة الشيخ محمد جواد مغنية
العلويون فدائيو الشيعة المجهولون الشيخ علي عزيز آل إبراهيم
تُحف العقول عن آل الرسول الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني
أصول الشيعة ميرزا حسن الحائري
اليوبيل الذهبي للعلاّمة الشيخ سليمان الأحمد
النغم القدسي الشيخ أحمد محمد حيدر
سوسنة سليمان في أصول العقائد والأديان نوفل نوفل
الطواسين الحلاج
تاريخ حكماء الإسلام ظهير الدين البيهقي
طبقات الشافعية السبكي
جابر بن حيان الدكتور فؤاد زكريا
الحِكم الجعفرية الإمام جعفر الصادقعليهالسلام
أصل الشيعة وأصولها الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
المِلل والنِحل الشهرستاني
النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس ابن دحية
معجم البلدان ياقوت الحموي
الخلافة ونشأة الأحزاب في الإسلام الدكتور محمد عمارة
بين الخلفاء والخلعاء الدكتور صلاح الدين المنجد
معجم بني أمية الدكتور صلاح الدين المنجد
ثقافة المتنبي وأثرها في شِعره هدى الأرناؤطي
شفاء القلوب في مناقب بني أيوب أحمد بن إبراهيم الحنبلي
بدائع الزهور ووقائع الدهور ابن أياس
مَن هو العلوي؟ عارف الصوص
الأدب الصوفي في مصر في القرن السابع الهجري الدكتور علي صافي حسين
المسلمون العلويون مَن هم وأين هم؟ منير الشريف
أخبار الدولة العباسية مؤرّخ مجهول
تهافت الفلاسفة الغزالي
التاج الجاحظ
يتيمة الدهر الثعالبي
الديارات الشابشتي
المعز لدين الله الفاطمي وتشييد مدينة القاهرة إبراهيم جلال
الجاحظ ومجتمع عصره الدكتور جميل جير
الإنسان ذلك المعلوم الدكتور عادل العوا
فضائل أمير المؤمنين علي قوام الدين القمي الوشنوئي
الحياة الأدبية في الساحل السوري (مخطوط) هاشم عثمان
الحياة السياسية في الساحل السوري (مخطوط) هاشم عثمان
مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام عبد الواحد الأنصاري
الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والإثنى عشرية محمد حسن الأعظمي
نشأة الأشعرية وتطوّرها الدكتور جلال محمد عبد الحميد موسى
مدخل إلى تاريخ الحروب الصليبية الدكتور سهيل زكار
المجلاّت:
1 - العرفان الشيخ أحمد عارف الزين
أعداد السنوات 1930 و1931 و1936 و1947 و1965 و1966
2 - الأماني إبراهيم عثمان
أعداد سنة 1930 و1931
3 - النهضة الدكتور وجيه محي الدين
أعداد سنة 1937 و1938
4 - مجلّة الجامعة الإسلامية محرّم 1395
5 - المورد العددان الثالث والرابع
1392/ 1972
6 - مجلّة الفكر الإسلامي (طهران) 1395و1397و1379
7 - مجلّة الأزهر 1379
8 - مجلّة الحوادث (بيروت) العدد 1134 تاريخ 29 أيلول 1978
9 - مجلّة الفصول الأربعة العدد 8 ابريل 1979
فهرس الأعلام
(أ)
إبراهيمعليهالسلام 38 - 57 - 65 - 76 - 82 - 85 - 152 - 158 - 163 - 164 - 273 - 278 - 294 - 330. إبراهيم بن أدهم 222. إبراهيم باشا 167 - 216. إبراهيم عبد اللطيف 261. إبراهيم السيد إبراهيم مرهج ابن حنبل 66 - 68 - 159 - 235. ابن رشد 111. ابن عباس ابن فضل الله العمري ابن أياس ابن الكازروني ابن أبي الحديد 11 - 90 - 137. ابن حزم 22. ابن الجوزي 22 - 24 - 28 - 52 - 58 - 77 - 99 - 100 - 190 - 191. ابن عبد ربّه 22 - 86. |
ابن الفرات 58 - 59 - 60. ابن نصير 12 - 30 - 187. ابن كثير ابن الوردي 41 - 70 - 75. ابن تيمية 61 - 69 - 70 - 71 - 72 - 73 - 74 - 75 - 77 - 78 - 79 - 80 - 117 - 126 - 136 - 143 - 144 - 193 - 199 - 203. ابن سينا 111. ابن سعد ابن العبري 39. ابن ناووس ابن الأثير 56 - 58 - 59 - 60 - 76. ابن قتيبة 12 - 22 - 47. ابن حوشب ابن الراوندي ابن مسعود 114 - 201. ابن ملجم 85 - 138 - 272 - 334. ابن قريعة ابن معروف |
أبو الدر 203 - 219 - 226 - 278. أبو البركات بن ملكا أبو الجارود أبو مكرم أبو المظفر الإسفرايني 22 - 24 - 25 - 27 - 58 - 86. أبو شعيب محمد بن نصير 30 - 120 - 155 - 170 - 177 - 182 - 185 - 186 - 187 - 188 - 217 - 221 - 225. أبو الهيثم مالك بن تيهان الأشهلي 125 - 278 - 333. أبو الحسن العسكري 31. أبو العلاء المعري 31 - 47 - 52. أبو العباس السفاح أبو العباس القلانسي أبو شمر المرجئ أبو البقاء أيوب بن موسى الكفوي ابن سيرين ابن خلّكان 58 - 115. ابن أبي العذاقر أبو عيسى الورّاق أبو الفداء 58 - 140 - 222. أبو منصور العجلي أبو بكر 26 - 62 - 64 - 67 - 72 - 92 - 96 - 120 - 159 - 172 - 214 - 215 - 219 - 280 - 282 - 288 - 289 - 309 - 321 - 332. |
أبو الفرج المالكي أبو محمد الخوارزمي 53. أبو تمام أبو الخطاب 184. أبو حنيفة 19 - 66 - 68 - 159 - 235. أبو بيهس أبو هلال العسكري 160. أبو عبيدة 217 - 288. أبو الهذيل أبو طالب أبو مسلم 9. أحمد بن إبراهيم الحنبلي 84 - 136. أحمد ديب الخير أحمد سليمان إبراهيم 231 - 233. أحمد بن سهل البلخي 22 - 23 - 47. أحمد بن حمدان الرازي أحمد علي القلع أحمد محمد حيدر 263. أحمد بن عمر بن سريح أحمد الشهرستاني 22 - 24 - 25 - 27 - 32 - 47 - 48 - 49 - 51 - 52 - 53 - 54 - 55 - 56 - 59 - 76 - 77 - 86 - 170 - 179 = |
- 199 أخنوخ 123. الأخشيد محمد بن طغج 161. أدد آدم 38 - 52 - 56 - 61 - 82 - 158 - 163 - 164 - 181 - 274 - 279 - 309. أرام أرفخشد أرسطاليس آزر 163. إسحق إسماعيل 158 - 163. اسكندر إسماعيل بن جعفر 26 - 184. |
أسد بن الفرات 59. آصف 62 - 76 - 143. أصطيفانوس 164. الإصطخري 32 - 41. أشعيا الأشعري 17 - 22 - 47. افرايم اليسع أم عون أنوش إلياس 164. أيوب أخنس بن قيس |
(ب)
الباقر 172 - 174 - 202. العلاّمة البحريني 52. بكر الدين بيليك العثماني المنصوري البدوي بشر بن المعتمر 25. |
بيان النهدي 24. بيان بن سمعان التميمي 24 - 49. بشر ذو الكفل 164. بنان بن إسماعيل النهدي بلال الحبشي |
(ت)
تابال تارح 163. تقي الدين أحمد بن علي المقريزي 22 - 24. |
التنوخي توجرمه |
(ج)
جالينوس جابر بن حيان110 - 195. |
جابر بن عبد الله الأنصاري 226 = |
- 283 - 336. لجاحظ 22 - 89. جبريل 35 - 38 - 48 - 56 - 96 - 122 - 189 - 213 - 274 - 279 - 280 - 284 - 285 - 287 - 289 - 312. الجبائي جعفر الصادق 26 - 27 - 184 - 200 - 201 - 202 - 214 - 220 - 232 - 239 - 271 - 274 - 275 - 276 - 335. جعفر بن الفضل بن الفرات 59. |
جرجس 330. الجمالي جمال الدين أقوش الأفرم 69. جندب بن جنادة بن سكن الغفاري 157 - 278. جنيد 54. جهم بن صفوان 17. جوهر الصقلي جويار الجيلاني 24 |
(ح)
حارث بن مزيد الأباضي 25. حامد بن العباس الحاكم بأمر الله 82 - 129 - 135 - 140. حزقيل حرقبيل حجر بن عدي 90 - 94 - 219. الحجّاج 7 - 93 - 120 - 160. حمل الحسن العسكري 11 - 12 - 30 - 54 - 55 - 128 - 132 - 170 - 173 - 176 - 220 - 221 - 225 - 239 - 271 - 275. الحسن بن موسى النوبختي 11 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 31 - 47 - 51 - 60 - 170 - 187. |
الحسن بن علي بن أبي طالب 27 - 52 - 57 - 59 - 61 - 126 - 131 - 161 - 172 - 175 - 202 - 220 ت 232 - 238 - 271 - 275 - 312 - 322 - 330 - 331 - 332 - 334 - 335. الحسن بن سهل الحسن بن علي بن فضال 54 - 55. الحسن بن الصباح 135 - 136. حسن حيدر حسين أحمد حسين حرفوش الحسين بن حمدان الخصيبي 121 - 132 - 134 - 148 - 152 - 170 - = |
173 - 174 - 177 - 188 - 203 - 219 - 225 - 226 - 241 - 271 - 274 - 275 - 292 - 314 - 336. الحسين بن علي 8 - 27 - 52 - 57 - 59 - 61 - 93 - 126 - 131 - 161 - 172 - 175 - 176 - 202 - 214 - 220 - 232 - 239 - 271 - 292 - 305 - 316 - 322 - 324 - 328 - 330 - 331 - 332 - 334 - 335. |
الحسين بن القثم بن عبد الله بن سليمان بن وهب الحسين الكرابيسي حسين ميهوب الحلبي 87. الحلاج حمدان الخير حمزة بن أدرك حسن بن مكزون السنجاري. |
(خ)
خالد 277 - 219. خزيمة بن ثابت 278 - 280. الخضر خضر الأحمد |
الخطيب الخوارزمي الخليل |
(د)
دانيال 330. داوود 204 - 281 - 282. |
دحية الكلبي 213. الدسوقي 159. |
(ر)
الراضي بن المقتدر 103. الرازي 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 28. راشد الأزرق 25. رزام بن رزم |
رفيق التميمي 46 - 119 - 126 - 140. رنيه دوسو الراوندي رعوه |
(ز)
زارح الزبير 118 - 310. زرقان |
زرافة الزمخشري |
(س)
سابور سام 158 - 163 - 274 - 281. السبكي 53 - 70. سروج سطيح سلامان سلمان الفارسي 62 - 82 - 85 - 122 - 138 - 141 - 150 - 151 - 152 - 156 - 158 - 166 - 172 - 175 - 182 - 185 - 189 - 194 - 195 - 198 - 201 - 202 - 203 - 214 - 220 - 226 - 278 - 283. |
سليمان الأحمد 261. سليمان 57 - 62 - 76 - 294 - 295. سليم الغانم سيف الدولة الحمداني 171 - 225. سلمان المرشد 159 - 164. السعد التفتازاني السندي بن شاهك |
(ش)
شالخ شادي بن الملك الزاهر داوود الشريف الرضي الشعراني الشعبي 201. الشافعي 19 - 66 - 68 - 137. شعيب 294. الشلمغاني 56 - 58 - 59 - 60 - 77. شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري 80 - 83 - 84 - 140. |
شمعون الصفا 164. شهاب الدين قرطاي شيث 61 - 76 - 82 - 123 - 158 - 163 - 273. شيطان الطاق شوقي شموئيل شمعون 158. |
(ص)
صالح صالح الحكيم 167. صالح بن مدرك صبحي محمصاني 164 - 166. |
صموئيل (حوميل) صالح علي صهيب المرقوي |
(ض)
ضغون
ضيا باشا
(ط)
طالوت 113.
طلحة 118 - 120 - 159 - 288 - 310.
طالب
(ظ)
ظهير الدين البيهقي 53.
(ع)
عائشة 96 - 294 - 310. عبد الحسين الأميني 53 - 54 - 87. عبده السلماني عبد الرحمان بدوي 138 - 143 - 144 - 147 - 153 - 154 - 157 - 159 - 176. عبد الله بن سبأ 28 - 86 - 92 - 93 - 94 - 158 - 162 - 185 - 186 - 319. عبيد الله الشيعي عبد الرحمان الخير 228 - 230. عبد العال المعروف بالحاج معلا عبد اللطيف الحاج عبد الرحمان جمعة عبد الله الخير عبد اللطيف سعود 263. عباس جابر عبد الكبيس الحاج عبد الحميد أفندي |
عبد الكريم الخير عبد الكريم محمد عبد الله الأزرق 25. عبد الكريم بن عجرد العباس بن عبد المطّلب 218. عبد القاهر البغدادي 22 - 24 - 25 - 27 - 47 - 51 - 58 - 59 - 60 - 86 - 170. عبد الله بن الحارث 25. عيسى عمران عيسى 38 - 57 - 65 - 76 - 114 - 158 - 175 - 214 - 215 - 292. عبد الله بن محمد بن الحنفية عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر عبد الله بن رواحة 157 - 159 - 189 - علي بن أبي طالب 7 - 8 - 11 - 18 - 27 - 32 - 34 - 45 - 46 - 48 - 49 - 51 - 52 - 57 - 59 -61- = |
62 - 64 - 71 - 72 - 76 - 80 - 82 - 85 - 86 - 87 - 88 - 89 - 90 - 92 - 93 - 94 - 96 - 118 - 120 - 122 - 124 - 125 - 129 - 130 - 131 - 135 - 138 - 139 - 140 - 141 - 149 - 150 - 151 - 155 - 156 - 158 - 159 - 161 - 164 - 165 - 166 - 168 - 172 - 175 - 180 - 185 - 186 - 187 - 188 - 189 - 194 - 198 - 200 - 201 - 213 - 214 - 215 - 218 - 220 - 226 - 232 - 233 - 234 - 238 - 271 - 272 - 273 - 274. علي حيدر 224. علي مناف علي بن محمد العسكري 31 - 53. علي بن فلان الطاحن 53 - 54. علي بن محمد بن الفرات 59 - 60. علي سامي النشار 131. علي عزيز آل إبراهيم 241. علي حمدان البريعيني علي زين العابدين 8 - 27 - 202 - 220 - 239 - 271 - 334 - 335. علي القاضي 231. علي عباس علي سليمان |
علي بن الحسين المسعودي22 - 33 - 47 - 58 - 161. علي بن إسماعيل الأشعري علي بن فضل الجيلاني علي الناعم عارف تامر 133 - 179. عمار بن ياسر 94 - 182 - 226 - 278. عماد الدين أبو الفداء إسماعيل عارف الصوص 164 - 165. عمر بن الفرات 59 - 174. عمران الراوي عبد المطّلب 279 - 316 - 330 - 331 - 332 - 336 - 337 - 338. عمر بن الخطّاب 26 - 55 - 56 - 62 - 64 - 68 - 85 - 92 - 96 - 120 - 139 - 159 - 172 - 214 - 215 - 219 - 280 - 288 - 289 - 321 - 329. عمر فروخ 131 - 134. عمرو بن بحر الجاحظ عمرو بن يحيى الجاحظ عمير بن بيان العجلي 25. عدنان عثمان 51 - 62 - 64 - 78 - 89 - 92 - 93 - 94 - 96 - 114 - 118 - 120 - 139 - 159 - 214 - 215 - 273 - 280 - 283 - 288. |
عطيّة العزيز عيسى بن مريم 21 - 48 - 164 - 278. عبد الخير |
عمران 164. عيراد عثمان بن مظعون عمرو بن العاص 267. |
(غ)
غابر
الغزالي 19 - 28 - 70 - 77 - 87 - 111.
غالب
غانم ياسين
(ف)
فارس بن حاتم بن ماهويه 54 الفارابي 195. فالغ فاطمة 59 - 61 - 126 - 131 - 150 - 161 - 171 - 172 - 175 - 176 - 201 - 202 - 219 - 271 - 275 - 284 - 285 - 286 - 287 - 305 - 312 - 330 - 331 - 332. فاطمة سليمان الأحمد |
الفضل بن سهل فخر الدين الرازي 22 - 23 - 24 - 25 - 27 - 28 - 52 - 170. فرعون 57 - 97 - 278. فهر فينحاس فيدار فيليب حتي 131 - 132 - 133 - 134 - 270. |
(ق)
قاهات القلقشندي 88 - 138 - 200. قنبر بن كادان الدوسي 7 - 8 - 140 - 157 - 159 - 189 - 203 - 226 - 306. |
قيدار 163. قصي قابيل 85. قينان |
(ك)
كامل مصطفى الشيبي 131.
كامل صالح معروف
الكعبي
كلاب
كميل بن زياد 200.
كنانة
(ل)
لامك 163.
لقمان
لود
لوط 114 - 163.
لاوي 163.
لؤي
(م)
متوشلخ محمد 38 - 52 - 55 - 57 - 62 - 63 - 66 - 72 - 82 - 96 - 122 - 126 - 131 - 141 - 150 - 151 - 152 - 156 - 158 - 164 - 165 - 166 - 168 - 172 - 175 - 188 - 189 - 194 - 195 - 198 - 213 - 215 - 232 - 238 - 271 - 274 - 300 - 311 - 320 - 323 - 325. محمد الباقر 27 - 220 - 239 - 271. محمد بن إسماعيل 26. محمد عزة دروزة 138 - 140 - 142 - 143. محمد كامل حسين محمد علي الزعبي 164 - 166. محمد جواد مغنية 12. محمد بهجت 46 - 119 - 126 - 140. محمد ياسين 231 - 234 - 268. محمد سليمان الأحمد (بدوي الجبل) محمد حمدان الخير 268. |
محمد الخير محمد حامد محمد إبراهيم السيد محمد سلمان محمد علي القلع محمد محمود جابر محمد بن الحسن المنتجب العاني 147 - 173 - 178 - 240. محمد يوسف محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي 26. محمد بن نصير 11 - 12 - 30 - 31 - 34 - 120 - 121 - 128 - 129 - 132 - 139 - 142 - 157 - 160. محمد الجواد 54 - 239. محمد علي مكّي. مهلائيل 163. |
محويائيل محمد بن زكريا الرازي 107. محمد عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني 131. محمد بن أحمد بن عبد الرحمان الملطي 22 - 23 - 25 - 26 - 34 - 36 - 39 - 47 - 58 - 86 - 87. محمد بن كرام السجستاني 17 - 50. محمد بن جعفر بن محمد محمد بن بشير 25. محمد بن النعمان 200. محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات 31 - 60. محمد عبده محمد رضا المظفر محمد كرد علي 137 - 138 - 140. محمد فريد وجدي 199. محمد أبو زهرة 40 - 131 - 134. محمود صالح 238. منير الشريف 164 - 165 - 230. المقداد بن أسود الكندي 182 - 185 - 189 - 194 - 203 - 226 - 278. ميمون القداح 184. موسى الكاظم 202 - 220 - 239 - 271. مرقيا 164. موسى بن جعفر 176 - 271 - 275 - 334 - 335. ميمون بن خالد |
مروان بن الحَكم 319. المقتدر بالله 59 - 116. المتنبي 225. المنذر بن عمر بن كناس الساعدي 226. منيرة بن سعيد العجلي مسلم بن جعد محمد علي باشا المأمون متوشائيل موسى 21 - 38 - 57 - 61 - 65 - 66 - 158 - 164 - 214 - 277 - 278 - 292 - 294 - 330. المناوي المقدسي 22 - 23 - 41 - 118. مالك 66 - 235. مرة مروة مرقص مضر مدركة مكرم بن عبد الله العجلي محمد أمين غالب الطويل 138 - 140 - 216 - 230 - 238. مصطفى مرهج |
مصطفى غالب 168 - 179 - 180 - 182. محمد بن يونس كلازو مصطفى الشكعة 138 - 157 - 160 - 162 - 163 - 164. المستنصر مسروق 201. |
معاوية 64 - 78 - 88 - 89 - 90 - 91 - 93 - 96 - 114 - 120 - 218 - 225 - 295 - 296 - 297 - 305 - 308 - 309 - 311 - 319 - 323 - 324. ميرزا حسن الحائري |
(ن)
النجار ناووس ناصر الحكيم نافع الأزرق 25. نبت نصير (غلام الإمام عليعليهالسلام 32 - 34 - 140. النظام نزار نور الدين زنكي 64 - 78 - 135. |
ناصر الحاصوري 224. نوح 38 - 57 - 65 - 76 - 82 - 114 - 158 - 163 - 164 - 273 - 274 - 281. نوفل نوفل 119 - 123 - 125 - 126. نيرون نعمة ناحور النضر نوفل النمرود 57 - 85 - 278. |
(هـ)
هاشم 232. هاشم بن عتبة هارون 57 - 76 - 82 - 158 - 163 - 281. هارون بن سعيد العجلي 25. هرماس هابيل 85 - 158 - 281. هود |
هشام بن سالم الجواليقي هشام بن الحَكم 12. هشام بن عبد الملك هيصم أبي بيهس هيرودوت الهميسع هارون الرشيد 120. |
(و)
وجيه محي الدين 231
وهب بن منبّه
(ي)
يارد 163. يافث ياسين يونس ياقوت الحموي 33 - 40 - 41 - 42 - 58 - 84 - 136. يحيى بن أبي السميط يحيى بن اصدم يحيى (يوحنا) 35 - 38. يقطان يعقوب 61. يعقوب الحسن البريعيني يوسف 61 - 76 - 82. يوسف الحكيم يوشع 61 - 62 - 76 - 163 - 294. |
يوبال يهوذا 163. يوسف بن عمر الثقفي 93. يوسف مي يوسف إبراهيم يونس يوسف يعقول يوسف علي الخطيب يونس بن عبد الرحمان القمي يونس يوسف يونس ياسين يونس 164. يحيى بن عمر يحيى بن خالد البرمكي يوسف إبراهيم العبيدي |
فهرسُ الجماعات والأمم والقبائل
(أ)
الأزلية 24. الأخشيدية 24. الأهومية 24. الأباضية الإمامية 203 - 235. الإسماعيلية 29 - 33 - 42 - 49 - 65 - 77 - 84 - 95 - 100 - 129 - 130 - 132 - 133 - 134 - 136 - 163 - 182 - 184 - 204 - 217. الأخنسية الأفعالية 24. الأحمرية الأزارقة 25 - 27. الأحمرية - 24. الأبيضية 23. الإسحاقية 48 - 49 - 50 - 51 - 52 - 169 - 170 - 179 - 180 - 222. |
الأطرافية الآغاخانية - 133. الآمرية 24. الأموريون أبو مسلمية 28. الاثنا عشرية 135 - 221. الأيوبيون أصحاب الانتظار أهل السنّة 27 - 51 - 70 - 97 - 101. أهل المدائن الأتراك الإفرنج 62 - 63 - 76 - 105 - 137. الأيتام الخمسة 62 - 122 - 152 - 158 - 189 - 201 - 203 - 226. آل يقطين |
(ب)
البشرية 25.
البيانية 24 - 49.
البنانية 24.
البسلمية 24.
البطيخية 24.
البناوية 159. البيهسية البدعية الباطنية 29 - 42 - 49 - 63 - 65 - 77 - 79 - 82 - 98 - 105 - 135 - 157 - 166 - 171 - 184. بنو أسد بنو كندة |
بنو حمدان 171 - 216. بنو غسان 217. بنو نوبخت بنو سهل بنو الفرات بني قحطان 217. بني ربيعة 217. |
(ت)
التتار 63 - 64 - 70 - 105 - 135 - 136 - 137.
التغلبية 23.
التاركية 24.
التناسخية
التنوخيين 141 - 216.
(ث)
الثعالبة
(ج)
الجارودية الجاحظية الجعدية 23. الجعفرية 112 - 221 - 235. |
جرانة 223. الجراكسة 217. الجمهورية 23. الجولقية 24. |
(ح)
الحاكمية 135. الحازمية الحارثية 25 - 28. الحبية 24. الحثّيون الحسينية 23. الحشّاشين 135 - 136. |
الحمارية 54 - 55. الحمزية الحماقية 24. الحلاجية الحلولية 60 - 105. الحوارية 24. الحيدرية 171 - 223 - 224. |
الحكمية
(خ)
الخازمية الخالدية 24. الخسية الخسروية 133. الخشعبية 23. الخرمية 28 - 29 - 77 - 88. |
الخرم دينية 77. الخطابية 26 - 27 - 184. الخلفية 27 - 28. الخوفية 24. الخوارج 28 - 68 - 93 - 293 - 304 - 306 - 307 - 309 - 312 - 313 - 314. |
(د)
الداودية 23 - 133.
الدرزية 31 - 34 - 129 - 132 - 133 - 140 - 159 - 217.
الدروز
(ر)
الراجية 24. الراهوية 23. الرزامية |
الروافض 22 - 23 - 60 - 82 - 86 - 87 - 98 - 203. الروم الرومان |
(ز)
الزندقة 8 - 18 - 64 - 71 - 75 - 82 - 99 - 184 - 185.
الزيادية 24.
الزيدية 217.
(س)
السبعية 24 - 29 - 77. السبئية 28 - 85 - 86 - 90 - 92 - 94 - 99 - 105 - 135. السرية 23. السرخسية 23. |
سلاطين السلاجقة السلاحقة السرحوبية السليمانية 133. السورمية 24. |
(ش)
الشريعية 59.
الشفعوية 23. الشعيبية الشمّرية 23. الشميطية الشمسية الشمالية |
الشيعة 8 - 10 - 11 - 12 - 22 - 33 - 42 - 47 - 51 - 53 - 87 - 88 - 92 - 93 - 94 - 95 - 97 - 99 - 100 - 101 - 104 - 105 - 107 - 110 - 135 - 142 - 157 - 160 - 166 - 175 - 180 - 184 - 199 - 200 - 201 - 203 - 217 - 232 - 238. الشيعة الإمامية 12 - 23 - 33 - 42 - 51 - 95 - 140 - 157 - 199. الشيطانية |
(ص)
الصباحية 24. الصلتية |
الصليبية 32. صاحب الطالقان |
(ض)
الضررية 23.
(ط)
الطاحنية 23. الطيارة 23. |
الطيبية 133. الطالبيون 57. |
(ظ)
الظنيين
الظهوراتية 223 - 224.
(ع)
العجاردة 27. العجلية 25. العطائية 23. العطوية 23. العسكرية 24. |
العمادية 24. العمرية 59. العجرية 25. العذاقرية 60. العباسيون 57 - 93 - 94. |
(غ)
الغلاة 11 - 12 - 33 - 48 - 51 - 80 - 82 - 132 - 135 - 176
=
- 184 - 205 - 214.
الغيبية 223.
الغنوصية 205.
(ف)
الفاطميون 76 - 79 - 82 - 94 - 161 - 216. الفانية 24. الفرس الفضلية |
الفكرية 24. الفينيفيين 128 - 217. الفديكية |
(ق)
القاسطية 24. القاسمية 133. القبرية 24. القدرية القحطبية 23. |
القرامطة 29 - 36 - 37 - 38 - 39 - 58 - 63 - 65 - 76 - 77 - 78 - 84 - 85 - 88 - 100 - 133 - 184. القمرية |
(ك)
الكرنبية 23 - 28. الكنزية 24. الكلابية 23. |
الكلازية 159 - 171 - 223 - 224. الكيسانية 28 - 77. الكنعانيون |
(ل)
اللفظية 24.
اللاعنة 24.
(م)
الماصرية 23. المنذرية 23. المعية 24. المتأنية 24. المفروغية 24. المضطربة 24. المتربصة 24. المنقوصية 24. |
المستثنية 24. الملتزقة 24. المخلوقية 24. المرتاضون 24. المشاؤون 24. المجدرية 24. المزدارية 24. |
المفوضية المعطّلة المتناسخة المكرمية الميمونية 184. المعتزلة 33 - 95 - 98. المنصورية 77 - 86. المغيرية الموسوية المفضلية 184. الممطورة |
المحكمة 28. المعلومية المجهولية المباركية المارقين 28. المخمسة 59. المالكيون المواخسة 159. المستعلية 133. المؤمنية 133. المجوسية 85 - 95 - 105 - 158 - 162. |
(ن)
الناكثية 24. النجرانية 23. النجارية النعمانية الناموسية 24. الناووسية |
النصيرية 7 - 11 - 12 - 28 - 30 - 31 - 32 - 34 - 36 - 39 - 40 - 41 - 42 - 43 - 45 - 46 - 47 - 48 - 49 - 52 - 56 - 57 - 58 - 59 - 60 - 61 - 63 - 65 - 75 - 76 - 77 - 78 - 79 - 80 - 83 - 84 - 85 - 88 - 105 - 107 - 119 - 120 - 122 - 123 - 126 - 127 - 128 - 129 - 130 - 131 - 132 - 133 - 134 - 136 - 137 - 138 - 139 - 140 - 141 - 142 - 144 - 145 - 147 - 153 - 156 - 157 - 158 - 160 - 162 - 164 - 166 - 168 - 179 - 181 - 182 - 183 - 184 - 185 - 187 - 190 - 195 - 199 - 201 - 205 - 215 - 217 - 221 - 223 - 225 - 227 - 228 - 269 - 270. النقباء الاثنا عشر 62 - 201. النصارى 59 - 63 - 64 - 66 - 82 - 133 - 142 - 156 - 158 - 160 - 161 - 175 - 207. |
فهرسُ الأماكن
ألبانيا السفلى 42. الأرجنتين 42. الأستانة أصبهان 28 - 33 - 137 - 138. الموت 136. أنطاكية 41 - 218 - 223. الأندلس أمريكا الجنوبية 42. إيران إيطاليا بابنا بانياس باكستان بعمرا البرازيل 42. البرازين بشري 41. بلاد الإسماعيلية بهرا 41. بعلبك 217. |
بلاد الصين البصرة 42 - 305 - 310. بحوزي بشراغي بغداد 60 - 65 - 170 - 227. بلد 54. بلاد العلويين 40. بلاطنس بلغاريا 42. بحر قزوين بيت الحاج بيت الشيخ يونس بلاد ابن ليون 41. بلاد العجم 229. بلاد الزنج التوركستان 133. تركيا 42. تلة الطليعي تنوخ 41. |
جبل اللو جبال أصفهان جبال الظنيين 41 - 69 - 75. جبال كسروان جبال اللاذقية 40. جبال بلاطنس 40. جبل أبي قبيس جبل النصيرية 32 - 40 - 135 - 190. جبل السمان 40 - 135 - 136. جبل السماق 40 - 80 - 84 - 136. جبل الشام 40. جبل اللكام 32 - 40 - 41 - 136 - 190 - 191 - 192. جبل الضنية 41. جبلة 167 - 223. جورة الجواميس جبل لبنان 41 - 218. جبل عامل حمص 41 - 166 - 217. حلب 40 - 84 - 107 - 136 - 169 - 170 - 171 - 225. حومل حي سعاد خراسان 49 - 98 - 217. الدريكيش |
دمشق 8 - 71 - 72 - 74 - 118 - 134. الدخول دير ماما رأس الخشوفة زمرين الزويبة الزوراء سرمين 84. السلاطة سورية 40 - 128 - 129 - 134 - 170 - 229. الشام 32 - 36 - 41 - 62 - 70 - 71 - 75 - 76 - 78 - 84 - 91 - 107 - 135 - 233 - 297. الشرطة 42. الشيخ بدر الشهباء صافيتا صقلية 59. صهيون ضهر بشير طرابلس 42 - 173. طرابزون طرسوس 41 - 119. طرطوس 146. العراق 42 - 49 - 87 - 170 - 217 = |
- 226 - 290 - 292. عكار العنازة عين زربة 32. الغري 274. غلمشية فارس 1330 - 135 - 176 - 217 - 226. فلسطين 32 - 36 - 42 - 131. القرادحة قرطياوس القطرية قلع الدالي القليعات قرية ناووسا كربلاء 93 - 277 - 292 - 293 - 305 - 316 - 324 - 328. كنكارو 167. الكوفة 35 - 36 - 37 - 114 - 115 - 233 - 274 - 294 - 296 - 297 - 298 - 299 - 300 - 302 - 304 - 305 - 314 - 315 - 317 - 318 - 320 - 323 - 325 - 328. كيليكيا كيمين اللاذقية 32 - 133 - 165 - 169 - 171 - 224. لبنان 41 - 141. |
ما وراء النهرين المدائن 51 - 304. المدينة 217 - 272 - 287 - 288 - 291 - 292 - 322 - 331 - 333. المصيصة 41. مصطبة حمين مصر 59 - 64 - 78 - 82 - 95 - 115 - 116 - 135 - 161 - 170 - 171 - 217 - 226. مصياف 33 - 130. المغرب مرعش 32. المريقب معرة مصرين 84. مزرعة الجباب مزرعة بيت بلول مكة 60 - 272 - 294 - 303 - 310. نجد النجف 317 - 318. نيصاف 224. الهارونية 32. وادي التيم 41. واسط 42. يثرب اليونان 42. |
الفهرس
مقدّمة الطبعة الجديدة 5
مقدّمة الطبعة الأولى. 7
الإيمانُ والإسلام 17
الفِرقُ الإسلامية والاختلاف حولها 21
أصلُ التسمية 30
مَوطِن النصيرية 40
عقائدُ النصيرية 43
النصيريةُ عند الأقْدمين. 45
النصيرية عند المؤرّخين المحدَثين. 119
النصيريةُ بين الغنوصية والعلي الَّهية والبكتاشية 205
العلويون من خلال آثارهم. 216
منشأ العلويين: 231
عروبة العلويين وإسلاميّتهم: 232
العلويون بين المسلمين والإسلام: 233
العلويون شيعيون: 234
الرائية الكبرى أو الشمسية 251
شعراء العلويين. 261
كتاب الهداية الكبرى. 271
المراجع. 339
فهرس الأعلام 345
فهرسُ الجماعات والأمم والقبائل. 358
فهرسُ الأماكن. 365