اعلام الهداية - الإمام علي بن موسى الرضا (ع)
التجميع الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
الکاتب المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

أعلام الهداية

الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام

المجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة



أهل البيت في القرآن الكريم

( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )

الأحزاب: 33 / 33


أهل البيت في السنة النبويّة

(إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبد)

(الصحاح والمسانيد)


فهرس إجمالي

الباب الأول:

الفصل الأوّل: الإمام الرضاعليه‌السلام في سطور... 17

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمامعليه‌السلام ... 19

الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمامعليه‌السلام ... 25

الباب الثاني:

الفصل الأول: نشأة الإمام الرضاعليه‌السلام ... 45

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الرضاعليه‌السلام ... 49

الفصل الثالث: الإمام الرضاعليه‌السلام في ظل أبيه الكاظمعليه‌السلام ... 51

الباب الثالث:

الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام ومحنة أبيه الكاظمعليه‌السلام ... 65

الفصل الثاني: مظاهر الانحراف في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام ... 71

الفصل الثالث: دور الإمام الرضاعليه‌السلام قبل ولاية العهد... 89

الباب الرابع:

الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام وظاهرة ولاية العهد... 117

الفصل الثاني: نشاطات الإمام الرضاعليه‌السلام بعد البيعة بولاية العهد... 145

الفصل الثالث: مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام ، احتجاجاته وتراثه... 173



المقدمة

الحمد لله الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، ثم الصلاة والسلام على من اختارهم هداةً لعباده، لا سيَّما خاتم الأنبياء وسيّد الرسل والأصفياء أبو القاسم المصطفى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى آله الميامين النجباء.

لقد خلق الله الإنسان وزوّده بعنصري العقل والإرادة، فبالعقل يبصر ويكتشف الحقّ ويميّزه عن الباطل، وبالإرادة يختار ما يراه صالحاً له ومحقّقاً لأغراضه وأهدافه.

وقد جعل الله العقل المميِّز حجةً له على خلقه، وأعانه بما أفاض على العقول من معين هدايته؛ فإنّه هو الذي علّم الإنسان ما لم يعلم، وأرشده إلى طريق كماله اللائق به، وعرّفه الغاية التي خلقه من أجلها، وجاء به إلى هذه الحياة الدنيا من أجل تحقيقها.

وأوضح القرآن الحكيم بنصوصه الصريحة معالم الهداية الربّانية وآفاقها ومستلزماتها وطرقها، كما بيّن لنا عللها وأسبابها من جهة، وأسفر عن ثمارها ونتائجها من جهة أخرى.

قال تعالى:


( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ) (الأنعام (6): 71).

( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (البقرة (2): 213).

( وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ) (الأحزاب (33): 4).

( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (آل عمران (3): 101).

( قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (يونس (10): 35).

( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (سبأ (34): 6).

( ومن أضلّ ممن اتّبع هواه بغير هدىً من الله ) (القصص (28):50).

فالله تعالى هو مصدر الهداية. وهدايته هي الهداية الحقيقية، وهو الذي يأخذ بيد الإنسان إلى الصراط المستقيم وإلى الحقّ القويم.

وهذه الحقائق يؤيدها العلم ويدركها العلماء ويخضعون لها بملء وجودهم.

ولقد أودع الله في فطرة الإنسان النزوع إلى الكمال والجمال ثمّ مَنّ عليه بإرشاده إلى الكمال اللائق به، وأسبغ عليه نعمة التعرّف على طريق الكمال، ومن هنا قال تعالى: ( وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدونِ ) (الذاريات (51): 56). وحيث لا تتحقّق العبادة الحقيقية من دون المعرفة، كانت المعرفة والعبادة طريقاً منحصراً وهدفاً وغايةً موصلةً إلى قمّة الكمال.

وبعد أن زوّد الله الإنسان بطاقتي الغضب والشهوة ليحقّق له وقود الحركة نحو الكمال؛ لم يؤمَن عليه من سيطرة الغضب والشهوة؛ والهوى الناشئ منهما، والملازم لهما فمن هنا احتاج الإنسان - بالإضافة إلى عقله وسائر


أدوات المعرفة - إلى ما يضمن له سلامة البصيرة والرؤية؛ كي تتمّ عليه الحجّة، وتكمل نعمة الهداية، وتتوفّر لديه كلّ الأسباب التي تجعله يختار طريق الخير والسعادة، أو طريق الشرّ والشقاء بملء إرادته.

ومن هنا اقتضت سُنّة الهداية الربّانية أن يُسند عقل الإنسان عن طريق الوحي الإلهي، ومن خلال الهداة الذين اختارهم الله لتولِّي مسؤولية هداية العباد وذلك عن طريق توفير تفاصيل المعرفة وإعطاء الإرشادات اللازمة لكلّ مرافق الحياة.

وقد حمل الأنبياء وأوصياؤهم مشعل الهداية الربّانية منذ فجر التاريخ وعلى مدى العصور والقرون، ولم يترك الله عباده مهملين دون حجة هادية وعلم مرشد ونور مُضيء، كما أفصحت نصوص الوحي - مؤيّدةً لدلائل العقل - بأنّ الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه، لئلاّ يكون للناس على الله حجّة، فالحجّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، ولو لم يبق في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة، وصرّح القرآن - بشكل لا يقبل الريب - قائلاً: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد (13): 7).

ويتولّى أنبياء الله ورسله وأوصياؤهم الهداة المهديّون مهمّة الهداية بجميع مراتبها، والتي تتلخّص في:

1 - تلقِّي الوحي بشكل كامل واستيعاب الرسالة الإلهية بصورة دقيقة. وهذه المرحلة تتطلّب الاستعداد التام لتلقّي الرسالة، ومن هنا يكون الاصطفاء الإلهي لرسله شأناً من شؤونه، كما أفصح بذلك الذكر الحكيم قائلاً: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام (6): 124) و ( اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (آل عمران (3): 179).


2 - إبلاغ الرسالة الإلهية إلى البشرية ولمن أرسلوا إليه، ويتوقّف الإبلاغ على الكفاءة التامّة التي تتمثّل في (الاستيعاب والإحاطة اللازمة) بتفاصيل الرسالة وأهدافها ومتطلّباتها، و (العصمة) عن الخطأ والانحراف معاً، قال تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَـشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة (2): 213).

3 - تكوين اُمة مؤمنة بالرسالة الإلهية، وإعدادها لدعم القيادة الهادية من أجل تحقيق أهدافها وتطبيق قوانينها في الحياة، وقد صرّحت آيات الذكر الحكيم بهذه المهمّة مستخدمةً عنواني التزكية والتعليم، قال تعالى: ( يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (الجمعة (62): 2) والتزكية هي التربية باتجاه الكمال اللائق بالإنسان. وتتطلّب التربية القدوة الصالحة التي تتمتّع بكلّ عناصر الكمال، كما قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (الأحزاب (33): 21).

4 - صيانة الرسالة من الزيغ والتحريف والضياع في الفترة المقرّرة لها، وهذه المهمة أيضاً تتطلّب الكفاءة العلمية والنفسية، والتي تسمّى بالعصمة.

5 - العمل لتحقيق أهداف الرسالة المعنوية وتثبيت القيم الأخلاقية في نفوس الأفراد وأركان المجتمعات البشرية وذلك بتنفيذ الأطروحة الربّانية، وتطبيق قوانين الدين الحنيف على المجتمع البشري من خلال تأسيس كيان سياسيٍّ يتولّى إدارة شؤون الأمة على أساس الرسالة الربّانية للبشرية، ويتطلّب التنفيذ قيادةً حكيمةً، وشجاعةً فائقةً، وثباتاً كبيراً، ومعرفةً تامةً بالنفوس وبطبقات المجتمع والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية وقوانين الإدارة والتربية وسنن الحياة، ونلخّصها في الكفاءة العلمية لإدارة دولة عالمية دينية، هذا فضلاً عن العصمة التي تعبّر عن الكفاءة النفسية التي تصون القيادة


الدينية من كلّ سلوك منحرف أو عمل خاطئ بإمكانه أن يؤثّر تأثيراً سلبيّاً على مسيرة القيادة وانقياد الأمة لها بحيث يتنافى مع أهداف الرسالة وأغراضها.

وقد سلك الأنبياء السابقون وأوصياؤهم المصطفون طريق الهداية الدامي، واقتحموا سبيل التربية الشاقّ، وتحمّلوا في سبيل أداء المهامّ الرسالية كلّ صعب، وقدّموا في سبيل تحقيق أهداف الرسالات الإلهية كلّ ما يمكن أن يقدّمه الإنسان المتفاني في مبدئه وعقيدته، ولم يتراجعوا لحظة، ولم يتلكّأوا طرفة عين.

وقد توّج الله جهودهم وجهادهم المستمرّ على مدى العصور برسالة خاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحمّله الأمانة الكبرى ومسؤولية الهداية بجميع مراتبها، طالباً منه تحقيق أهدافها. وقد خطا الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الطريق الوعر خطوات مدهشة، وحقّق في أقصر فترة زمنية أكبر نتاج ممكن في حساب الدعوات التغييرية والرسالات الثورية، وكانت حصيلة جهاده وكدحه ليل نهار خلال عقدين من الزمن ما يلي:

1 - تقديم رسالة كاملة للبشرية تحتوي على عناصر الديمومة والبقاء.

2 - تزويدها بعناصر تصونها من الزيغ والانحراف.

3 - تكوين اُمة مسلمة تؤمن بالإسلام مبدأً، وبالرسول قائداً، وبالشريعة قانوناً للحياة.

4 - تأسيس دولة إسلامية وكيان سياسيٍّ يحمل لواء الإسلام ويطبّق شريعة السماء.

5 - تقديم الوجه المشرق للقيادة الربّانية الحكيمة المتمثّلة في قيادتهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .


ولتحقيق أهداف الرسالة بشكل كامل كان من الضروري:

أ - أن تستمرّ القيادة الكفوءة في تطبيق الرسالة وصيانتها من أيدي العابثين الذين يتربّصون بها الدوائر.

ب - أن تستمرّ عملية التربية الصحيحة باستمرار الأجيال؛ على يد مربٍّ كفوء علمياً ونفسياً حيث يكون قدوة حسنة في الخلق والسلوك كالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يستوعب الرسالة ويجسّدها في كل حركاته وسكناته.

ومن هنا كان التخطيط الإلهيّ يحتّم على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إعداد الصفوة من أهل بيته، والتصريح بأسمائهم وأدوارهم؛ لتسلّم مقاليد الحركة النبويّة العظيمة والهداية الربّانية الخالدة بأمر من الله سبحانه وصيانة للرسالة الإلهية التي كتب الله لها الخلود من تحريف الجاهلين وكيد الخائنين، وتربية للأجيال على قيم ومفاهيم الشريعة المباركة التي تولّوا تبيين معالمها وكشف أسرارها وذخائرها على مرّ العصور، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

وتجلّى هذا التخطيط الربّاني في ما نصّ عليه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: (إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض).

وكان أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم خير من عرّفهم النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى لقيادة الأمة من بعده.

إنّ سيرة الأئمّة الاثني عشر من أهل البيتعليهم‌السلام تمثّل المسيرة الواقعية للإسلام بعد عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ودراسة حياتهم بشكل مستوعب تكشف لنا عن صورة مستوعبة لحركة الإسلام الأصيل الذي أخذ يشقّ طريقه إلى أعماق الأمة بعد أن أخذت طاقتها الحرارية تتضاءل بعد وفاة


الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فأخذ الأئمة المعصومونعليهم‌السلام يعملون على توعية الأمة وتحريك طاقتها باتجاه إيجاد وتصعيد الوعي الرساليِّ للشريعة ولحركة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وثورته المباركة، غير خارجين عن مسار السنن الكونية التي تتحكّم في سلوك القيادة والأمة جمعاء.

وتبلورت حياة الأئمّة الراشدين في استمرارهم على نهج الرسول العظيم وانفتاح الأمة عليهم والتفاعل معهم كأعلام للهداية ومصابيح لإنارة الدرب للسالكين المؤمنين بقيادتهم، فكانوا هم الأدلاّء على الله وعلى مرضاته، والمستقرّين في أمر الله، والتامّين في محبّته، والذائبين في الشوق إليه، والسابقين إلى تسلّق قمم الكمال الإنسانيّ المنشود.

وقد حفلت حياتهم بأنواع الجهاد والصبر على طاعة الله وتحمّل جفاء أهل الجفاء حتّى ضربوا أعلى أمثلة الصمود لتنفيذ أحكام الله تعالى، ثم اختاروا الشهادة مع العزّ على الحياة مع الذلّ، حتى فازوا بلقاء الله سبحانه بعد كفاح عظيم وجهاد كبير.

ولا يستطيع المؤرّخون والكتّاب أن يلمّوا بجميع زوايا حياتهم العطرة ويدّعوا دراستها بشكل كامل، ومن هنا فإنّ محاولتنا هذه إنّما هي إعطاء قبسات من حياتهم، ولقطات من سيرتهم وسلوكهم ومواقفهم التي دوّنها المؤرّخون واستطعنا اكتشافها من خلال مصادر الدراسة والتحقيق، عسى الله أن ينفع بها إنّه وليّ التوفيق.

إنّ دراستنا لحركة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية تبدأ برسول الإسلام وخاتم الأنبياء محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وتنتهي بخاتم الأوصياء، محمد بن الحسن العسكري المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه وأنار الأرض بعدله.


ويختصّ هذا الكتاب بدراسة حياة الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، ثامن أئمة أهل البيتعليهم‌السلام بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو المعصوم العاشر من أعلام الهداية والذي تمثلت في حياته كل جوانب الشريعة، فكان نبراساً ومثلاً أعلى للبشرية بعد خاتم المرسلين وآبائه الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً.

ولا بدَّ لنا من تقديم الشكر إلى كل الإخوة الأعزّاء الذين بذلوا جهداً وافراً وشاركوا في إنجاز هذا المشروع المبارك وإخراجه إلى عالم النور، لا سيَّما أعضاء لجنة التأليف بإشراف سماحة السيد منذر الحكيم (حفظه الله تعالى).

ولا يسعنا إلاّ أن نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء والشكر لتوفيقه على إنجاز هذه الموسوعة المباركة فإنه حسبنا ونعم النصير.

للمجمع العالمي لأهل البيتعليهم‌السلام

قم المقدسة               


الباب الأول

فيه فصول:

الفصل الأوّل: الإمام الرضاعليه‌السلام في سطور.

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمامعليه‌السلام .

الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمامعليه‌السلام .



الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام في سطور

الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام هو الثامن من أئمة أهل البيتعليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً. وهم الثقل الذي لا يفارق القرآن الكريم، ولا يضل المتمسك بهما معاً، وهم سفينة النجاة التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.

وقد ولد هذا الإمام العظيم - الذي بشّر به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - في عصر المنصور العباسي وبعد استشهاد جدّه الصادقعليه‌السلام ونشأ في أكرم بيت من بيوتات قريش أَلا وهو البيت الهاشمي العلوي، بيت الإمامة والشهادة. وترعرع في أحضان أبيه الكاظمعليه‌السلام وعاش معه أكثر من ثلاثة عقود، وعاصر فيها كلاًّ من المنصور والمهدي والهادي والرشيد من خلفاء بني العبّاس الذين لم يألوا جُهداً في إطفاء نور هذا البيت الرفيع.

وبرز الإمام الرضاعليه‌السلام على مسرح الحياة السياسية الإسلاميّة كألمع سياسي عرفه التأريخ الإسلامي في عصره. لقد كان الرضاعليه‌السلام صلباً في مواقفه السياسيّة وصريحاً كلّ الصراحة. ولم تخدعه الأساليب الخبيثة والمزيَّفة التي سلكها أذكى الخلفاء العباسيين وهو المأمون الذي رشّحه للخلافة أوّلاً ثم فرض عليه قبول ولاية العهد ثانياً في عصر كانت الانتفاضات العلويّة تزلزل عرش الأكاسرة العباسيين.


إنّ دوافع المأمون غير النزيهة لم تخف على الإمام الرضاعليه‌السلام ، كما لم تخف عليه متطلبات الظرف الذي كان يعيشه صلوات الله عليه، وقد اُكره على قبول ولاية العهد، ولكنّه فوّت الفرص الذهبيّة التي كان يطمع المأمون بتحقيقها من خلال إكراهه على قبول ولاية العهد. فاغتنم الإمام الرضاعليه‌السلام هذا الظرف الذهبي الذي جاءت به ولاية العهد على الوجه الأكمل بهدف نشر معالم الإسلام الحق وتثبيت دعائم أطروحة مذهب أهل البيتعليهم‌السلام ،متحدِّياً كل الخطوط الفكرية والمذهبية المنحرفة آنذاك.

وقد أدرك المأمون عمق الخطر الذي كان يحيق به وبحكومته من خلال تواجد الإمام الرضاعليه‌السلام في مركز حكمه، كما لاحظ نموّ وشموخ خطّ الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام . فلم يجد بدّاً بحسب مقاييسه الباطلة من القضاء على شخص الإمام واغتياله بطريقة خبيثة.

وقد استشهد هذا الإمام العظيم بعد أن أرسى قواعد الرسالة والمذهب الحق لفهم الإسلام وتبليغه، كما ربّى عدّة أجيال من العلماء النابهين الذين حملوا مشعل الهداية في تلك الظروف العصيبة التي عانت منها الأمة الإسلاميّة في ظلّ الحكم العباسي.

وأسفرت مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام العلميّة عن تخريج كوكبة من العلماء الذين كان عددهم يناهز الثلاثمئة. والذي يراجع مسند الإمام الرضاعليه‌السلام ويلاحظ النصوص التي وصلتنا عنه يعرف حجم نشاطه العلمي ويلمس عمق المستوى الذي بلغته مدرسة الإمام الفكرية وما أبدعه هذا الإمام العظيم من قواعد وأساليب لتحقيق أهداف مدرسة أهل البيت للوصول إلى القمة التي كانت تستهدفها حركة أهل البيت الرسالية في مجالي العلم والسياسة معاً. فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً.


الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الرضاعليه‌السلام

إنّ شخصيّة الإمام أبي محمّد الرضاعليه‌السلام قد احتلت عواطف العلماء والمؤلّفين في كلّ جيل وعصر، وتمثّل ذلك في جمل الثناء والتعظيم على شخصيّته، وإليك بعض ما ورد من الثناء عليه:

الإمام الكاظمعليه‌السلام :

لقد أشاد الإمام الكاظمعليه‌السلام بولده الإمام الرضا، وقدّمه على السادة الأجلاّء من أبنائه، وأوصاهم بخدمته، والرجوع إليه في أمور دينهم، فقال لهم: (هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، سلوه عن أديانكم، واحفظوا ما يقول لكم، فإنّي سمعت أبي جعفر بن محمدعليه‌السلام يقول لي: إنّ عالم آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لفي صلبك، وليتني أدركته فإنّه سميُّ أمير المؤمنين...)(1) .

المأمون:

وأعلن المأمون العباسي فضل الإمام الرضاعليه‌السلام في كثير من المناسبات:

1 - قال المأمون للفضل بن سهل وأخيه: (ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل (يعني الإمام علي بن موسى) على وجه الأرض)(2) .

____________________

(1) كشف الغمة: 3 / 107، أعيان الشيعة: 4 / ق 2 / 100.

(2) الإرشاد: 2/261، أعيان الشيعة: 4 / ق 3 / 133.


2 - أشاد المأمون بالإمام الرضاعليه‌السلام أيضاً في رسالته التي بعثها للعباسيين الذين نقموا عليه بولاية العهد للإمامعليه‌السلام قائلاً: (ما بايع له المأمون (أي للإمام الرضا) إلاّ مستبصراً في أمره عالماً بأنّه لم يبق أحد على ظهرها (أي على ظهر الأرض) أبين فضلاً، ولا أظهر عفّة، ولا أورع ورعاً، ولا أزهد زهداً في الدنيا، و لا أطلق نفساً، ولا أرضى في الخاصّة والعامّة، ولا أشدّ في ذات الله منه، وانّ البيعة له لموافقة لرضى الربّ)(1) .

قال أبو الصلت عبد السلام الهروي، وهو من أعلام عصره: (ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ولا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجلس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم، حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل وأقرَّ على نفسه بالقصور...)(2) .

وقال زعيم الشيعة الشيخ محمّد بن محمّد النعمان العكبري البغدادي الملَقَّب بالشيخ المفيد: (وكان الإمام القائم بعد أبي الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ابنه أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام لفضله على جماعة إخوته، وأهل بيته، وظهور علمه وحلمه وورعه، واجتماع الخاصّة والعامّة على ذلك فيه، ومعرفتهم به منه)(3) .

وقال جمال الدين أحمد بن علي النسّابة، المعروف بابن عنبة:

____________________

(1) الطرائف: 279.

(2) إعلام الورى: 2/64 وعنه في كشف الغمة: 3/106، 107.

(3) الإرشاد: 2/247.


(الإمام الرضا يكنى أبا الحسن ولم يكن في الطالبيّين في عصره مثله، بايع له المأمون بولاية العهد، وضرب اسمه على الدراهم والدنانير، وخطب له على المنابر)(1) .

وقال جمال الدين، أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي: (الإمام أبو الحسن الهاشمي العلوي، الحسيني، كان إماماً عالماً. وكان سيد بني هاشم في زمانه، وأجلّهم، وكان المأمون يعظّمه ويبجّله ويخضع له، ويتغالى فيه، حتى جعله وليّ عهده..)(2) .

وقال ابن ماجة: (كان - أي الإمام الرضا - سيد بني هاشم، وكان المأمون يعظّمه، ويبجّله، وعهد له بالخلافة، وأخذ له العهد..)(3)

قال ابن حجر: (كان الرضا من أهل العلم والفضل مع شرف النسب..)(4) .

قال اليافعي: (الإمام الجليل المعظَّم، سلالة السادة الأكارم: علي بن موسى الرضا، أحد الأئمة الإثني عشر، أولي المناقب الذين انتسبت الإمامية إليهم، وقصروا بناء مذهبهم عليهم..)(5) .

والذهبي الذي عرف بالبغض والعداء لأهل البيتعليهم‌السلام لم يسعه إلاّ الاعتراف بفضل الإمام الرضاعليه‌السلام ، بقوله:

(الإمام أبو الحسن بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي العلوي.. وكان

____________________

(1) عمدة الطالب: 198.

(2) مسند الإمام الرضا: 1/136.

(3) أعيان الشيعة: 4 / ق 2 / 85.

(4) تهذيب التهذيب: 7 / 389.

(5) مرآة الجنان: 2 / 11.


سيد بني هاشم في زمانه، وأحلمهم، وأنبلهم، وكان المأمون يعظّمه، ويخضع له ويتغالى فيه، حتى انه جعله ولي عهده..)(1) .

قال الشبراوي: (كان رضي الله عنه كريماً جليلاً، مهاباً موقّراً وكان أبوه موسى الكاظمعليه‌السلام يحبّه حبّاً شديداً)(2) .

مدحه أبو نؤاس - الشاعر المشهور - الذي ترك مدحه إعظاماً له، وقد أجاد فيما قال، حين عوتب على عدم مدحه الإمام الرضاعليه‌السلام بعد توليته لولاية العهد(3) فقال مجيباً:

قيل لي أنت أوحد الناس طرّاً

في فنون من المقال النبيه

لك من جوهر الكلام نظام

يثمر الدر في يدي مجتنيه

فلماذا تركت مدح ابن موسى

والخصال التي تجمّعن فيه

قلت: لا اهتدي لمدح إمام

كان جبريل خادماً لأبيه

وخرج الإمام الرضاعليه‌السلام يوماً على بغلة فارهة، فدنا منه أبو نؤاس، وسلّم عليه وقال له: (يا ابن رسول الله! قلت فيك أبياتاً أحب أن تسمعها مني)، فقال له: (قل). فانبرى أبو نؤاس قائلاً:

مطهّرون نقيّات ثيابهم

تجري الصلاة عليهم كلّما ذكروا

من لم يكن علويّاً حين تنسبه

فما له في قديم الدهر مفتخر

أولئك القوم أهل البيت عندهم

علم الكتاب وما جاءت به السور(4)

____________________

(1) تاريخ الإسلام: 8 / 34.

(2) الإتحاف بحب الأشراف: ص 88.

(3) الأئمة الاثني عشر، لابن طولون: 98 - 99.

(4) خلاصة الذهب المسبوك: 200.


وأعجب الإمامعليه‌السلام بهذه الأبيات فقال لأبي نؤاس: (قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد..). ثم التفت إلى غلامه فقال له: ما معك من فاضل نفقتنا؟ فقال: ثلاثمئة دينار، قال: ادفعها له. فلما ذهب إلى بيته، قال لغلامه: لعلّه استقلّها، سق إليه البغلة(1) .

وهام دعبل الخزاعي في الإمام الرضاعليه‌السلام ، وكان مما قاله فيه:

لقد رحل ابن موسى بالمعالي

وسار بيسره العلم الشريف

وتابعه الهدى والدين طرّاً

كما يتتبع الألف الأليف(2)

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف: 60، نزهة الجليس: 2 / 105، كشف الغمة: 3/107.

(2) ديوان دعبل: 108.



الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام الرضاعليه‌السلام

لقد كانت شخصيّة الإمام الرضاعليه‌السلام ملتقى للفضائل بجميع أبعادها وصورها، فلم تبق صفة شريفة يسمو بها الإنسان إلاّ وهي من نزعاته، فقد وهبه الله كما وهب آباءه العظام وزيّنه بكل مكرمة، وحباه بكل شرف وجعله علماً لأمة جده، يهتدي به الحائر، ويسترشد به الضال، وتستنير به العقول.

إنّ مكارم أخلاق الإمام الرضاعليه‌السلام نفحة من مكارم أخلاق جده الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي امتاز على سائر النبيين بهذه الكمالات، فقد استطاعصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسمو أخلاقه أن يطور حياة الإنسان، وينقذه من أحلام الجاهلية الرعناء، وقد حمل الإمام الرضاعليه‌السلام أخلاق جده، وهذا إبراهيم بن العباس يقول عن مكارم أخلاقه:

(ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ؛ ما جفا أحداً قط، ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردَّ أحداً عن حاجة، وما مدَّ رجليه بين جليسه، ولا اتكأ قبله، ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكة، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه. قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من


أوَّلها إلى آخرها، كثير المعروف والصدقة، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة)(1) .

ومن معالي أخلاقه أنه كما تقلد ولاية العهد التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلاميّة لم يأمر أحداً من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وإنّما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، حتى قيل: إنه احتاج إلى الحمّام فكَرِه أن يأمر أحداً بتهيئته له، ومضى إلى حمّام في البلد لم يكن صاحبه يظن أن ولي العهد يأتي إلى الحمّام في السوق فيغسل فيه، وإنما حمامات الملوك في قصورهم.

ولما دخل الإمام الحمّام كان فيه جندي، فأزال الإمام عن موضعه، وأمره أن يصب الماء على رأسه، ففعل الإمام ذلك، ودخل الحمّام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! فذعر الجندي، ووقع على الإمام يقبل أقدامه، ويقول له متضرّعاً: (ياابن رسول الله! هلاّ عصيتني إذ أمرتك؟). فتبسّم الإمام في وجهه وقال له، برفق ولطف: (إنّها لمثوبة، وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه)(2) .

ومن سموّ أخلاقه أنه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السائس والبوّاب وقد أعطى بذلك درساً لهم، لقاء التمايز بين الناس، وأنهم جميعاً على صعيد واحد، ويقول إبراهيم بن العباس: سمعت علي بن موسى الرضاعليه‌السلام يقول: (حلفت بالعتق، ولا أحلف بالعتق إلاّ أعتقت رقبة، وأعتقت بعدها جميع ما أملك، إن كان يرى أنه خير من هذا، وأومأ إلى عبد أسود من غلمانه، إذا كان ذلك

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1/184 وعنه في بحار الأنوار: 49/90، 91، وعنه في حياة الإمام محمد الجوادعليه‌السلام للقرشي: 35.

(2) نور الأبصار: 138، عيون التواريخ: 3 / 227 مصور.


بقرابة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إلاّ أن يكون له عمل صالح فأكون أفضل به منه)(1) .

وقال له رجل: والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً. فقالعليه‌السلام : (التقوى شرّفتهم، وطاعة الله أحفظتهم).

وقال له شخص آخر: أنت والله خير الناس... فردّ عليه قائلاً: (لا تحلف يا هذا! خير مني من كان أتقى لله عَزَّ وجَلَّ، وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية:( وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (2) .

زهده:

ومن صفات الإمام الرضاعليه‌السلام الزهد في الدنيا، والإعراض عن مباهجها وزينتها، وقد تحدث عن زهده محمد بن عباد حيث قال: كان جلوس الرضا على حصيرة في الصيف، وعلى مسح(3) في الشتاء، ولباسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيَّا(4) .

والتقى به سفيان الثوري - وكان الإمام قد لبس ثوباً من خز - فأنكر عليه ذلك وقال له: لو لبست ثوباً أدنى من هذا. فأخذ الإمامعليه‌السلام يده برفق، وأدخلها في كُمّه فإذا تحت ذلك الثوب مسح، ثم قال له: (يا سفيان! الخزّ للخلق، والمسح للحق...)(5) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2/95، 96 وعنه في بحار الأنوار: 49 / 95 - 96.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/236 وعنه في بحار الأنوار: 49 / 95.

(3) المسح: الكساء من الشعر.

(4) عيون أخبار الرضا: 2 / 178، المناقب: 4 / 389.

(5) المناقب: 4/389 - 390.


وحينما تقلّد ولاية العهد لم يحفل بأي مظهر من مظاهر السلطة، ولم يقم لها أي وزن، ولم يرغب في أي موكب رسمي، حتى لقد كره مظاهر العظمة التي كان يقيمها الناس لملوكهم.

سخاؤه:

ولم يكن شيء في الدنيا أحبّ إلى الإمام الرضاعليه‌السلام من الإحسان إلى الناس والبر بالفقراء. وقد ذكرت بوادر كثيرة من جوده وإحسانه، وكان منها ما يلي:

1 - أنفق جميع ما عنده على الفقراء، حينما كان في خراسان، وذلك في يوم عرفة فأنكر عليه الفضل بن سهل، وقال له: إنّ هذا لمغرم... فأجابه الإمامعليه‌السلام : (بل هو المغنم لا تعدّنّ مغرماً ما ابتغيت به أجراً وكرماً)(1) . إنه ليس من المغرم في شيء صلة الفقراء والإحسان إلى الضعفاء ابتغاء مرضاة الله تعالى، وإنّما المغرم هو الإنفاق بغير وجه مشروع كإنفاق الملوك والوزراء الأموال الطائلة على المغنّين والعابثين.

2 - وفد عليه رجل فسلّم عليه، وقال له: (أنا رجل من محبيك ومحبي آبائك وأجدادكعليهم‌السلام ، ومصدري من الحج، وقد نفدت نفقتي، وما معي ما أبلغ مرحلة، فإن رأيت أن ترجعني إلى بلدي، فإذا بلغت تصدقت بالذي تعطيني عنك، فقال له: اجلس رحمك الله. وأقبل على الناس يحدّثهم حتى تفرّقوا، وبقي هو وسليمان الجعفري، وخيثمة، فاستأذن الإمام منهم ودخل الدار ثم خرج وردّ الباب وأخرج من أعلى الباب صرّة، وقال: أين الخراساني؟ فقام إليه

____________________

(1) المناقب: 4 / 390.


فقالعليه‌السلام له: خذ هذه المئتي دينار واستعن بها في مؤنتك ونفقتك، ولا تتصدّق بها عني. وانصرف الرجل مسروراً قد غمرته نعمة الإمام. والتفت إليه سليمان فقال له: جعلت فداك لقد أجزلت ورحمت، فلماذا سترت وجهك عنه؟

فأجابه الإمامعليه‌السلام : إنما صنعت ذلك مخافة أن أرى ذل السؤال في وجهه لقضائي حاجته، أمَا سمعت حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجة، والمذيع بالسيئة مخذول... أما سمعت قول الشاعر:

متى آته يوماً لأطلب حاجتي

رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه)(1)

3 - وكان إذا أتي بصحفة طعام عمد إلى أطيب ما فيها من طعام، ووضعه في تلك الصحفة ثم يأمر بها إلى المساكين، ويتلو قوله تعالى:( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) ثم يقول: (علم الله عزَّ وجلَّ أن ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل له السبيل إلى الجنة)(2) .

4 - وروي: (أن فقيراً قال له: أعطني على قدر مروّتك. فأجابه الإمامعليه‌السلام : (لا يسعني ذلك). والتفت الفقير إلى خطأ كلامه فقال ثانياً: أعطني على قدر مروّتي. وهنا قابله الإمامعليه‌السلام ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً له: إذن، نعم. ثم قال: يا غلام! أعطه مائتي دينار)(3) .

5 - ومن معالي كرمه ما رواه أحمد بن عبيد الله عن الغفاري، قائلاً: كان لرجل من آل أبي رافع - مولى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - عليَّ حق فتقاضاني، وألحَّ

____________________

(1) الكافي: 4/23 و 24 و مناقب آل أبي طالب: 4/390، وعن الكافي في بحار الأنوار: 49/101، ح 19.

(2) المحاسن للبرقي: 2/146، ح 20 وعنه في بحار الأنوار: 49/97، ح 11.

(3) مناقب آل أبي طالب: 4/390.


عليَّ، فلما رأيت ذلك صليت الصبح في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم توجهت نحو الإمام الرضاعليه‌السلام وكان في العُريض، فلما قربت من بابه خرج وعليه قميص ورداء فلما نظرت إليه، استحييت منه، ووقف لما رآني فسلمت عليه وكان ذلك في شهر رمضان، فقلت له: جعلت فداك لمولاك - فلان - عليَّ حق، شهرني. فأمرني بالجلوس حتى يرجع فلم أزل في ذلك المكان حتى صليت المغرب، وأنا صائم وقد مضى بعض الوقت فهممت بالانصراف، فإذا الإمام قد طلع وقد أحاط به الناس، وهو يتصدّق على الفقراء والمحوجين، ومضيت معه حتى دخل بيته، ثم خرج فدعاني فقمت إليه، وأمرني بالدخول إلى منزله فدخلت، وأخذت أحدثه عن أمير المدينة فلما فرغت من حديثي قال لي: ما أظنّك أفطرت بعد، قلت: لا، فدعا لي بطعام، وأمر غلامه أن يتناول معي الطعام. ولمّا فرغت من الإفطار أمرني أن أرفع الوسادة، وآخذ ما تحتها، فرفعتها، فإذا دنانير فوضعتها في كُمّي، وأمر بعض غلمانه أن يبلغوني إلى منزلي، فمضوا معي، ولمّا صرت إلى منزلي دعوت السراج ونظرت إلى الدنانير، فإذا هي ثمانية وأربعون ديناراً، وكان حق الرجل علي ثمانية وعشرين ديناراً، وقد كتب على دينار منها: إنّ حقّ الرجل عليك ثمانية وعشرون ديناراً وما بقي فهو لك(1) .

تكريمه للضيوف: كانعليه‌السلام يكرم الضيوف، ويغدق عليهم بنعمه وإحسانه وكان يبادر بنفسه لخدمتهم، وقد استضافه شخص، وكان الإمام يحدثه في بعض الليل فتغيّر السراج فبادر الضيف لإصلاحه فوثب الإمام،

____________________

(1) أصول الكافي: 1/486، ح 4، وعنه في الإرشاد: 2/255 وعنه في بحار الأنوار: 49/97، ح 12.


وأصلحه بنفسه، وقال لضيفه: (إنّا قوم لا نستخدم أضيافنا)(1) .

عتقه للعبيد:

ومن أحب الأمور إلى الإمام الرضاعليه‌السلام عتقه للعبيد، وتحريرهم من العبودية، ويقول الرواة: أنه أعتق ألف مملوك(2) .

إحسانه إلى العبيد:

وكان الإمامعليه‌السلام كثير البر والإحسان إلى العبيد، وقد روى عبد الله بن الصلت عن رجل من أهل (بلخ)، قال: كنت مع الإمام الرضاعليه‌السلام في سفره إلى خراسان فدعا يوماً بمائدة فجمع عليها مواليه، من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة، فأنكر عليه ذلك وقال له: (مه، إن الربّ تبارك وتعالى واحد، والأم واحدة، والأب واحد والجزاء بالأعمال...)(3) .

إن سيرة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام كانت تهدف إلى إلغاء التمايز العرقي بين الناس، وإنهم جميعاً في معبد واحد لا يفضل بعضهم على بعض إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.

علمه:

والشيء البارز في شخصية الإمام الرضاعليه‌السلام هو إحاطته التامة بجميع أنواع العلوم والمعارف، فقد كان بإجماع المؤرخين والرواة أعلم أهل زمانه،

____________________

(1) الكافي: 6/283 وعنه في بحار الأنوار: 49/102، ح 20.

(2) الإتحاف بحب الأشراف: 58.

(3) الكافي: 4/23 وعنه في بحار الأنوار: 49/101، ح 18.


وأفضلهم وأدراهم بأحكام الدين، وعلوم الفلسفة والطب وغيرها من سائر العلوم، وقد تحدّث عبد السلام الهروي عن سعة علومه، وكان مرافقاً له، يقول: (ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا، ما رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين، فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، واقرّ له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته يقول: كنت أجلس في (الروضة) والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا عيّ الواحد منهم عن مسألة أشاروا إليّ بأجمعهم، وبعثوا إليّ المسألة فأجيب عنها.. )(1) .

لقد كان الإمام أعلم أهل زمانه، كما كان المرجع الأعلى في العالم الإسلامي الذي يرجع إليه العلماء والفقهاء فيما خفي عليهم من أحكام الشريعة، والفروع الفقهيّة.

قال إبراهيم بن العباس: (ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قط إلاّ علم، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الأول، إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيبه الجواب الشافي)(2) .

قال المأمون: (ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل - يعني الإمام الرضا - على وجه الأرض...)(3)

____________________

(1) إعلام الورى: 2/64 وعنه في كشف الغمة: 3/106 - 107 وعنهما في بحار الأنوار: 49/100.

(2) عيون أخبار الرضا: 2 / 180، الفصول المهمّة: 251.

(3) الإرشاد: 2/261.


معرفته بجميع اللغات:

وظاهرة أخرى من علومه هي: معرفته التامة وإحاطته الشاملة بجميع اللغات، قال أبو إسماعيل السندي: (سمعت بالهند أن لله في العرب حجة، فخرجت في طلبه، فدُلِلت على الرضاعليه‌السلام فقصدته وأنا لا أحسن العربية، فسلّمت عليه بالسندية، فرد عليَّ بلغتي، فجعلت أكلمه بالسندية، وهو يرد عليّ بها، وقلت له: إني سمعت أن لله حجة في العرب، فخرجت في طلبه، فقالعليه‌السلام : أنا هو، ثم قال لي: سل عما أردته، فسألته عن مسائل فأجابني عنها بلغتي)(1) .

وقد أكد هذه الظاهرة الكثيرون ممن اتصلوا بالإمام، يقول أبو الصلت الهروي: كان الرضاعليه‌السلام يكلِّم الناس بلغاتهم، فقلت له: في ذلك فقال: يا أبا الصلت أنا حجة الله على خلقه، وما كان الله ليتخذ حجة على قوم، وهو لا يعرف لغاتهم. أوَما بلغك قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : (أوتينا فصل الخطاب) وهل هو إلاّ معرفته اللغات؟!(2) .

وروى ياسر الخادم فقال: كان لأبي الحسنعليه‌السلام في البيت صقالبة، وروم، وكان أبو الحسن قريباً منهم فسمعهم يتكلمون بالصقلبية والرومية، ويقولون: إنا كنا نفصد كل سنة في بلادنا، ولا نفصد ها هنا، ولمّا كان من الغد بعث إليهم من يفصدهم(3) .

____________________

(1) الخرائج والجرائح: 1/340، ح 5 وعنه في بحار الأنوار: 49 / 50، ح 51.

(2) المناقب: 4 / 362.

(3) المناقب: 4/362، والفَصد: ضرب العِرق للحجامة.


الإمامعليه‌السلام والملاحم:

وأخبر الإمام الرضاعليه‌السلام عن كثير من الملاحم والأحداث قبل وقوعها، وتحققت بعد ذلك على الوجه الأكمل الذي أخبر به، وهي تؤكد - بصورة واضحة - أصالة ما تذهب إليه الشيعة من أن الله تعالى قد منح أئمة أهل البيتعليهم‌السلام المزيد من الفضل والعلم، كما منح رسله، ومن بين ما أخبر به ما يلي:

1 - روى الحسن بن بشار فقال: (قال الرضاعليه‌السلام : إن عبد الله - يعني المأمون - يقتل محمداً - يعني الأمين -، فقلت له: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون؟! قال: نعم، عبد الله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد.. وكان يتمثل بهذا البيت:

وإنّ الضغن بعد الضغن يفشو

عليك، ويخرج الداء الدفينا(1)

ولم تمض الأيام حتى قتل المأمون أخاه الأمين.

2 - ومن بين الأحداث التي أخبر عنها: (أنّه لما خرج محمد بن الإمام الصادق بمكة، ودعا الناس إلى نفسه، وخلع بيعة المأمون، قصده الإمام الرضا، وقال له: يا عم لا تكذب أباك، ولا أخاك - يعني الإمام الكاظمعليه‌السلام - فإنّ هذا الأمر لا يتم. ثم خرج، ولم يلبث محمّد إلاّ قليلاً حتى لاحقته جيوش المأمون بقيادة الجلودي، فانهزم محمد ومن معه، وطلب الأمان، فآمنه الجلودي، وصعد المنبر وخلع نفسه، وقال: إن هذا الأمر للمأمون وليس لي فيه حق)(2) .

3 - روى الحسين نجل الإمام موسىعليه‌السلام قال: (كنّا حول أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، ونحن شبّان من بني هاشم إذ مرّ علينا جعفر بن عمر العلوي وهو

____________________

(1) المناقب: 4 / 363، جوهرة الكلام: 146.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/207 وفي بحار الأنوار: 47/247 باب 30، ح 5.


رثّ الهيئة فنظر بعضنا إلى بعض وضحكنا من هيئته، فقال الرضا: لترونه عن قريب كثير المال، كثير التبع، فما مضى إلاّ شهر ونحوه، حتى ولي المدينة وحسنت حاله)(1) .

4 - روى محول السجستاني فقال: (لما جاء البريد بأشخاص الإمام الرضاعليه‌السلام إلى خراسان كنت أنا بالمدينة فدخل المسجد ليودع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فودعه مراراً كل ذلك يرجع إلى القبر، ويعلو صوته بالبكاء والنحيب، فتقدمت إليه، وسلمت عليه، فيرد السلام، وهنأته، فقال: ذرني فإني أخرج من جوار جدي، فأموت في غربة، وأُدفن في جنب هارون، قال: فخرجت متبعاً طريقه، حتى وافى خراسان فأقام فيها وقتاً ثم دفن بجنب هارون)(2) .

وتحقق ما أخبر به فقد مضى إلى خراسان، ولم يعد منها وأغتاله المأمون العباسي، ودفن إلى جانب هارون.

5 - روى صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو إبراهيم - يعني الإمام الكاظمعليه‌السلام - وتكلم أبو الحسنعليه‌السلام خفنا عليه، فقيل له: إنك قد أظهرت أمراً عظيماً، وأنا نخاف عليك هذا الطاغية - يعني هارون - فقالعليه‌السلام : (ليجهد جهده فلا سبيل له عليّ)(3) .

وتحقق ذلك فإن هارون لم يتعرّض له بسوء، وقد أكد الإمام هذا المعنى لبعض أصحابه، فقد روى محمد بن سنان قال: قلت لأبي الحسن الرضا في أيام هارون: أنّك قد شهرت نفسك بهذا الأمر، وجلست مجلس أبيك، وسيف

____________________

(1) الفصول المهمة: 229، بحار الأنوار: 12 / 13.

(2) الإتحاف بحب الأشراف: 59، أخبار الدول: 114.

(3) عيون أخبار الرضا: 2/226.


هارون يقطر الدم - أي من دماء أهل البيت وشيعتهم - فقالعليه‌السلام : (جرّأني على هذا ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إنْ أخذ أبو جهل من رأسي شعرة، فاشهدوا أني لست بنبي، وأنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أني لست بإمام)(1) .

لقد أعلنعليه‌السلام غير مرّة أن هارون لا يعرض له بسوء، وأنه يدفن إلى جانب هارون، فقد روى حمزة بن جعفر الارجاني: خرج هارون من المسجد الحرام من باب، وخرج علي الرضا من باب فقالعليه‌السلام : (يا بعد الدار وقرب الملتقى؛ إنّ طوس ستجمعني وإيّاه)(2) .

وأكّد الإمام دفنه بالقرب من هارون في كثير من الاحاديث فقد روى موسى بن هارون قال: رأيت علياً الرضا في مسجد المدينة، وهارون الرشيد يخطب، قالعليه‌السلام : (تروني وإياه ندفن في بيت واحد)(3) .

6 - ومن الأحداث التي اخبر عنها نكبة البرامكة، فقد روى مسافر أنه كان مع ابي الحسن علي الرضا، فمرّ يحيى بن خالد البرمكي، وهو مغط وجهه بمنديل من الغبار، فقالعليه‌السلام : (مساكين هؤلاء ما يدرون ما يحل بهم في هذه السنة.

وأضاف الإمام قائلاً: وأعجب من هذا انا وهارون كهاتين، وضمَّ إصبعيه السبابة والوسطى).

قال مسافر: فوالله ما عرفت معنى حديثه في هارون إلاّ بعد موت الرضا، ودفنه بجانبه(4) .

7 - روى محمد بن عيسى عن ابي حبيب النباجي فقال: رأيت

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب: 4/368 وعنه في بحار الأنوار: 45/59.

(2) الإتحاف بحب الأشراف: 59.

(3) الإتحاف بحب الأشراف: 59.

(4) الإتحاف بحب الأشراف: 59.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام، قد وافى النباج(1) ونزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كل سنة وكأني مضيت اليه، وسلّمت عليه، وكان بين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، وكأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني فعدّدته فكان ثماني عشر تمرة، فتأولت الرؤيا بأني اعيش بعدد كل تمرة سنة فلمّا كان عشرين يوماً كنت في أرض تعمر لي بالزراعة، إذ جاءني من اخبرني بقدوم الرضاعليه‌السلام من المدينة ونزوله في ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه في المنام، وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، واستدناني فناولني قبضة من ذلك التمر فعدّدته فإذا هو بعدد ما ناولني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقلت: زدني يابن رسول الله، فقال: (لو زادك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لزدناك)(2) .

8 - روى جعفر بن صالح قال: (أتيت الرضاعليه‌السلام ، فقلت: امرأتي حامل فادع الله ان يجعله ذكراً، فقال: هما اثنان، فانصرفت وقلت: اُسمِّي احدهما محمداً، والآخر علياً، ثم اتيته فقال لي: سمِّ واحداً علياً والآخر اُمّ عمرو فلما قدمت الكوفة رأيتها ولدت غلاماً وبنتاً، فسمّيت الذكر علياً، والانثى اُمّ عمرو)(3) .

____________________

(1) النباج: منزل لحجاج البصرة.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/210، ودلائل الإمامة: 189، واعلام الورى: 2/54 عن الحاكم الحسكاني، كشف الغمة: 3 / 103، جامع كرامات الأولياء: 2 / 156.

(3) جوهرة الكلام: 146.


عبادته وتقواه:

ومن ابرز ذاتيات الإمام الرضاعليه‌السلام انقطاعه إلى الله تعالى، وتمسّكه به، وقد ظهر ذلك في عبادته، التي مثلت جانبا كبيراً من حياته الروحية التي هي نور، وتقوى وورع، يقول إبراهيم بن عباس في حديث: (... كانعليه‌السلام قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أوّلها إلى الصبح وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر...)(1) .

ويقول الشبراوي عن عبادته: إنه كان صاحب وضوء وصلاة، وكان في ليله كلّه يتوضّأ ويصلّي، ويرقد هكذا إلى الصباح(2) .

لقد كان الإمامعليه‌السلام أتقى أهل زمانه، وأكثرهم طاعة لله تعالى. لنقرأ ما يرويه رجاء بن أبي الضحاك عن عبادة الإمام، إذ كان المأمون قد بعثه إلى الإمام ليأتي به إلى خراسان، فكان معه في المدينة المنورة إلى مرو يقول:

والله ما رأيت رجلاً كان اتقى لله منه، ولا أكثر ذكراً له في جميع أوقاته منه، ولا أشدّ خوفاً لله عزّ وجلّ، كان إذا أصبح صلّى الغداة فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبح الله، ويحمده ويكبره، ويهلله، ويصلي على النبي وآلهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى تطلع الشمس، ثم يسجد سجدة يبقى فيها حتى يتعالى النهار، ثم يقبل على الناس يحدثهم، ويعظهم إلى قرب الزوال، ثم جدد وضوءه، وعاد إلى مصلاه، فاذا زالت الشمس قام وصلَّى ست ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد، وقل يا أيها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ويقرأ في

____________________

(1) بحار الأنوار: 49/91 عن عيون أخبار الرضا: 2/184.

(2) الاتحاف بحب الاشراف: 59.


الأربع في كل ركعة الحمد لله، وقل هو الله أحد، ويسلّم، وفي كل ركعتين يقنت فيهما في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذّن، ثم يصلّي ركعتين ثم يقيم، ويصلي الظهر، فاذا سلّم سبّح الله وحمّده، وكبّره، وهلّله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ويقول فيها مائة مرة شكراً لله، فاذا رفع رأسه قام فصلَّى ست ركعات، يقرأ في كل ركعة الحمد لله، وقل هو الله أحد، ويسلم في كل ركعتين، ويقنت في ثانية كل ركعتين قبل الركوع وبعد القراءة، ثم يؤذن، ثم يصلي ركعتين ويقنت في الثانية، فاذا سلم قام وصلَّى العصر، فإذا سلّم جلس في مصلاه يسبّح الله، ويحمّده، ويكبّره، ويهلّله، ثم يسجد سجدة يقول فيها:

مائة مرة حمداً لله، فإذا غابت الشمس، توضأ وصلّى المغرب ثلاثاً بأذان واقامة، وقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، فاذا سلّم جلس في مصلاّه يسبّح الله ويحمّده، ويكبّره، ويهلّله ما شاء الله، ثم يسجد سجدة الشكر، ثم يرفع رأسه ولا يتكلم، حتى يقوم ويصلّي اربع ركعات بتسليمتين، يقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة، وكان يقرأ في الاُولى من هذه الأربع الحمد وقل يا ايها الكافرون، وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، ثم يجلس بعد التسليم في التعقيب ما شاء الله حتى يمسي، ثم يفطر، ثم يلبث حتى يمضي من الليل قريب من الثلث، ثم يقوم فيصلي العشاء الآخرة اربع ركعات، ويقنت في الثانية قبل الركوع وبعد القراءة فإذا سلّم جلس في مصلاه يذكر الله عز وجل ويسبّحه ويحمّده ويكبّره ويهلّله ما شاء الله، ويسجد بعد التعقيب سجدة الشكر ثم يأوي إلى فراشه.

واذا كان الثلث الأخير من الليل قام من فراشه بالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والاستغفار، فاستاك (استعمل السّواك) ثم توضّأ ثم قام إلى


صلاة الليل، فصلّى ثمان ركعات ويسلّم في كل ركعتين، يقرأ في الأولين منها في كل ركعة الحمد وثلاثين مرة قل هو الله أحد.

ويصلّي صلاة جعفر بن أبي طالب اربع ركعات يسلّم في كل ركعتين، ويقنت في كل ركعتين في الثانية قبل الركوع، ويحتسب بها من صلاة الليل، ثم يصلي الركعتين الباقيتين، يقرأ في الاُولى الحمد وسورة الملك، وفي الثانية الحمد وهل أتى على الإنسان، ثم يقوم فيصلّي ركعتي الشفع، يقرأ في كل ركعة الحمد مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات، ويقنت في الثانية، ثم يقوم فيصلّي الوتر ركعة يقرأ فيها الحمد، وقل هو الله أحد ثلاث مرات وقل اعوذ برب الفلق مرة واحدة، وقل اعوذ برب الناس مرة واحدة، ويقنت فيها قبل الركوع وبعد القراءة، ويقول في قنوته:

(اللهم صلّ على محمد وآل محمد، اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما اعطيت، وقنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك انه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت وتعاليت...).

ثم يقول: (استغفر الله وأسأله التوبة ( سبعين مرة، فاذا سلّم جلس في التعقيب ما شاء الله، وإذا قرب الفجر قام فصلّى صلاة الفجر يقرأ في الأولى الحمد وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية الحمد وقل هو الله أحد، فاذا طلع الفجر أذّن وأقام وصلّى الغداة ركعتين، فاذا سلّم جلس في التعقيب حتى تطلع الشمس، ثم سجد سجدة الشكر حتى يتعالى النهار...(1) .

لقد سرى حب الله في قلب الإمام، وتفاعل في عواطفه ومشاعره حتى صار من خصوصيات شخصيّته.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2/180 - 183 وعنه في بحار الأنوار: 49 / 93 وفي الحديث بقية إلى بيان بعض أذكاره وعباداته وقرائته لبعض السور في صلواته المندوبة.


تسلّحه بالدعاء:

ومن مظاهر حياة الإمام الروحية تسلحه بالدعاء إلى الله والتجاؤه إليه في جميع أموره، وكان يجد فيه متعة روحية لا تعادلها أية متعة من متع الحياة.

وأثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام كوكبة من الأدعية الشريفة كان من بينها ما يلي:

1 - قالعليه‌السلام : (يا من دلّني على نفسه، وذلّل قلبي بتصديقه، أسألك الأمن والإيمان في الدنيا والآخرة..)(1) .

وحفل هذا الدعاء على إيجازه، بظاهرة من ظواهر التوحيد وهي أنّ الله تعالى دلّ على ذاته، وعرّف نفسه لخلقه، وذلك بما أودعه، وأبدعه في هذا الكون من العجائب والغرائب، وكلها تنادي بوجوده.

2 - وقالعليه‌السلام : (اللهم أعطني الهدى وثبّتني عليه، واحشرني عليه آمناً، أمن من لا خوف عليه، ولا حزن ولا جزع إنك أهل التقوى، وأهل المغفرة..)(2)

لقد دعا الإمامعليه‌السلام بطلب الهداية، والانقياد الكامل إلى الله الذي هو من أعلى درجات المقربين والمنيبين إلى الله تعالى.

____________________

(1) اُصول الكافي: 2 / 579.

(2) أعيان الشيعة: 4 / ق 2 / 197.



الباب الثاني:

فيه فصول:

الفصل الأول: نشأة الإمام الرضاعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الرضاعليه‌السلام .

الفصل الثالث: الإمام الرضاعليه‌السلام في ظل أبيه الكاظمعليه‌السلام .



الفصل الأوّل: نشأة الإمام الرضاعليه‌السلام

انحدر الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام من سلالة طاهرة مطهرة، ارتقت سلّم المجد والكمال، وكان ابناؤها قمة في جميع مقومات الشخصية الإنسانية؛ في الفكر والعاطفة والسلوك، فهم نجوم متألّقة في المسيرة الإنسانية، والقدوة الشامخة في تاريخ الإسلام، استسلموا لله واقتدوا برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكانوا عِدلاً للقرآن الكريم.

أبوه الإمام موسى بن جعفر الكاظمعليه‌السلام الوارث لجميع الخصال والمآثر الحميدة كما وصفه ابن حجر الهيثمي قائلاً: ( وارث أبيه علماً ومعرفة وكمالاً وفضلاً، سمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم)(1) .

واُمّه أم ولد سمّيت بأسماء عديدة منها: نجمة، وأروى، وسكن، وسمان، وتكتم، وهو آخر أساميها(2) ، ولما ولدت الرضاعليه‌السلام سمّاها

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 307.


الإمام الكاظمعليه‌السلام بالطاهرة(1) .

ولدعليه‌السلام في مدينة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سنة (148 هـ )(2) ، وقيل سنة (151 هـ ) وقيل: (153 هـ )(3) ، والقول الأول هو الأشهر(4) .

وحينما ولد هنّأ أبوه اُمَّه قائلاً لها: (هنيئاً لك يا نجمة كرامة ربّك)، فناولته إياه في خرقة بيضاء، فأذَّن في اُذنه اليمنى وأقام في اليسرى، ودعا بماء الفرات فحنّكه به، ثم قال: (خذيه، فإنّه بقية الله تعالى في أرضه)(5) ، وسمّاه باسم جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام .

وقد لقّب بألقاب كريمة أشهرها: الرضا، الصابر، الزكي، الوفي، سراج الله، قرة عين المؤمنين، مكيدة الملحدين، الصدّيق، والفاضل(6) .

وأشهر كناه: ابو الحسن. وللتمييز بين الإمام الكاظمعليه‌السلام والرضاعليه‌السلام يقال للأب: ابو الحسن الماضي، وللأبن: ابو الحسن الثاني(7) .

ولدعليه‌السلام بعد ستة عشر عاماً من سقوط الدولة الاُموية وتأسيس الدولة العباسية، في ظروف اتّسع فيها الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام وتجذرت مفاهيمهم في عقول الاغلبية العظمى من المسلمين، وكان التعاطف معهم قائماً على قدم وساق، وذلك واضح من حوار هارون العباسي مع الإمام الكاظمعليه‌السلام حيث قال له: أنت الذي تبايعك الناس سرّاً؟، فأجابعليه‌السلام : (أنا إمام

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 15.

(2) الوافي بالوفيات: 22 / 248.

(3) شذرات الذهب: 2 / 6.

(4) الحياة السياسية للإمام الرضا: 140.

(5) عيون أخبار الرضا: 1 / 20.

(6) حياة الإمام علي بن موسى الرضا: 1 / 23 - 25.

(7) حياة الإمام علي بن موسى الرضا: 1 / 125.


القلوب وأنت إمام الجسوم)(1) .

وكانت الأنظار متوجهة إلى الوليد الجديد الذي سيكون له شأن في المسيرة الإسلامية؛ لترعرعه في أحضان العلم والفضائل والمكارم.

وكان الرضاعليه‌السلام كثير الرضاع، تام الخَلق، فقالت اُمّه: أعينوني بمرضع، فقيل لها: أنقص الدرّ؟! فقالت: ما أكذب، والله ما نقص الدرّ، ولكن عليّ ورد من صلاتي وتسبيحي، وقد نقص منذ ولدت(2) .

وفي ظلّ المكارم والمآثر ترعرع الإمام الرضاعليه‌السلام ، وتجسّدت فيه جميع القيم الصالحة بعد أن نهلها من المعين الزاخر بالتقوى والاخلاص والسيرة الصالحة مقتدياً بأبيه الكاظم للغيظ وأجداده العظام، وكان الإمام الكاظمعليه‌السلام يحيطه برعاية فائقة وعناية خاصّة.

فعن المفضّل بن عمر قال: (دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفرعليه‌السلام ، وعلي ابنه في حجره، وهو يقبّله ويمصّ لسانه ويضعه على عاتقه ويضمه اليه، ويقول: بأبي أنت وأُمي ما أطيب ريحك وأطهر خلقك وأبين فضلك! قلت: جعلت فداك لقد وقع في قلبي لهذا الغلام من المودّة ما لم يقع لأحد إلاّ لك، فقالعليه‌السلام : يا مفضل هو منّي بمنزلتي من أبيعليه‌السلام ذريةٌ بعضها من بعض والله سميع عليم، قلت: هو صاحب هذا الأمر من بعدك؟ قال:نعم)(3) .

وكان الإمام الكاظمعليه‌السلام يحيط ابنه الرضاعليه‌السلام بالمحبة والتقدير والتكريم ويخاطبه بلقبه وكنيته، فعن سليمان بن حفص المروزي قال: (كان موسى بن جعفر بن محمد... يسمّي ولده علياًعليه‌السلام : الرضا، وكان يقول: (اُدعوا

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 309.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 24.

(3) عيون أخبار الرضا: 1 / 32.


اليَّ ولدي الرضا، وقلت لولدي الرضا، وقال لي ولدي الرضا، وإذا خاطبه قال له: يا أبا الحسن)(1) .

وكان يلهج بذكره ويثني عليه ويذكر فضله ليوجّه الأنظار إلى دوره الرائد في المستقبل القريب وكان يبتدئ بالثناء على ابنه علي ويطريه، ويذكر من فضله وبرّه ما لا يذكر من غيره، كأنه يريد أن يدلّ عليه(2) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 14.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 30.


الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الرضاعليه‌السلام

تنقسم حياة الإمام الرضاعليه‌السلام إلى قسمين رئيسين كحياة سائر الأئمة الأطهارعليهم‌السلام .

القسم الأوّل: مرحلة ما قبل التّصدي للإمامة واستلام زمام القيادة الربّانيّة.

القسم الثاني: مرحلة التّصدي للقيادة الشرعيّة حتى الشهادة.

وينقسم كل قسم منهما إلى مراحل متعددة حسب طبيعة الظروف التي تكتنف حياة كل واحد منهم.

والإمام الرضاعليه‌السلام قد عاش في كنف أبيه حوالي ثلاثين سنة على أقل التقادير، وستّةً وثلاثين سنة على أكبر التقادير. وهي مرحلة ما قبل التصدي للإمامة.

وخلالها عاصر كلاً من المنصور والمهدي والهادي والرشيد. وتبدء هذه المرحلة بولادته سنة (148 هـ ) حتى استشهاد أبيه في سنة (183 هـ ).

وبعد التصدي للإمامة بعد استشهاد أبيه عاصر كلاً من هارون الرشيد


ومحمّد الأمين وعبد الله المأمون.

وكانت ولاية عهده في عهد المأمون.

ومن هنا أمكن تقسيم هذه الفترة إلى مرحلتين متميّزتين:

1 - مرحلة التصدي للإمامة الإلهية حتى ولاية العهد.

2 - مرحلة قبول ولاية العهد قسراً حتى الشهادة في سبيل الله.

وبهذا تصبح حياة الإمام الرضاعليه‌السلام ذات مراحل ثلاث:

المرحلة الأولى: من الولادة حتى استشهاد والده الإمام الكاظمعليه‌السلام سنة (183 هـ ).

المرحلة الثانية: تبدأ باستشهاد والده سنة (183 هـ ) وتنتهي بولاية العهد سنة (200 هـ ).

المرحلة الثالثة: تبدأ بفرض ولاية العهد عليه سنة (200 هـ ) وتنتهي بقتله على يد المأمون العباسي سنة (203 هـ ).


الفصل الثالث: الإمام الرضا في ظلّ أبيه الكاظمعليهما‌السلام

في المرحلة التاريخيّة التي عاشها الإمام الرضا مع أبيهعليهما‌السلام برزت عدّة ظواهر كانت ذات تأثير على نشاط ومواقف الإمام الرضاعليه‌السلام أثناء تصدّيه للإمامة. ونشير إلى أهمها كما يلي:

1 - الانحراف الفكري والديني:

لقد تعدّدت التيارات المنحرفة في تلك الفترة مثل تيّار المشبّهة والمجسّمة والمجبّرة والمفوّضة، وتيّار القياس والاستحسان والرأي، وحابى بعض الفقهاء الحكام الطغاة فكانت هذه الفترة خطيرة جدّاً إذ كانت الأجواء مليئة بالاختلافات الفقهيّة والتوتر السياسي الخانق.

2 - الفساد الأخلاقي والمالي:

وعاصر الإمام الرضاعليه‌السلام وهو في ظلّ أبيه حكّاماً يتلاعبون بأموال المسلمين ويرونها ملكاً لهم، لا يردعهم أيّ تشريع أو نقد وإنما كان الإنفاق قائماً على أساس هوى الحاكم العبّاسي ورغباته الشخصية أو رغبات زوجاته وإمائه(1) .

وقد خلّف المنصور عند وفاته ستمائة ألف ألف درهم وأربعة عشر ألف

____________________

(1) مروج الذهب: 3 / 308.


ألف دينار(1) .

ودخل مروان بن أبي حفصة على المهدي العبّاسي فأنشده شعراً مدح فيه بني العبّاس وذمّ أهل البيتعليهم‌السلام فأجازه سبعين ألف درهم(2) .

وأرسل عبد الله بن مالك إلى المهدي جارية مغنّية فأرسل إليه أربعين ألفاً(3) .

وكان الرشيد مولعاً بالشراب مع جعفر البرمكي ومع اُخته العبّاسة بنت المهدي، وكان يحضرها إذا جلس للشرب، ثمّ يقوم من مجلسه ويتركهما يثملان من الشراب(4) .

3 - الفساد السياسي:

وشاهد الإمام كيفية تعامل العباسيين مع الخلافة حيث كانوا يفهمونها على أنها موروثة لهم من قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن طريق عمّه العباس، واتّبعوا اُسلوب الاستخلاف دون النظر إلى آراء المسلمين ولم يرجعوها إلى أهلها الشرعيين الذين نصبهم الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأمر من الله تعالى. وأخضع العباسيّون القضاء لسياستهم فاستخدموا الدين ستاراً يموّهون به على الناس إذ أشاعوا أنّهم الولاة من قبل الله تعالى فلا يجوز للناس نقدهم أو محاسبتهم.

4 - تعاطف المسلمين مع أهل البيتعليهم‌السلام :

وعاش الإمام الرضاعليه‌السلام روح المودّة والتآلف والموالاة مع أهل البيتعليهم‌السلام وهي ثمرة جهود آبائه السابقينعليهم‌السلام (5) .

____________________

(1) مروج الذهب: 3 / 308.

(2) تاريخ الطبري: 8 / 182.

(3) تاريخ الطبري: 8 / 185.

(4) تاريخ الطبري: 8/294.

(5) تاريخ العلويين، محمد أمين غالب الطويل: 200.


واعترف بهذا هارون الرشيد نفسه حيث قال للإمام الكاظمعليه‌السلام : أنت الذي تبايعك الناس سرّاً(1) .

كما عاش الإمام الرضاعليه‌السلام أساليب الرشيد الماكرة واستدعاءاته المتكررة لأبيه الكاظمعليه‌السلام وسجنه الطويل الذي أدّى إلى اغتياله.

5 - الحركات المسلّحة:

ومن الظواهر المهمّة البارزة في حياة الإمام الرضا مع أبيه كثرة الثورات المسلّحة التي استمرت طول الفترة التي نشأ فيها في كنف أبيهعليه‌السلام ، فمن الثورات المهمة ثورة الحسين بن علي بن الحسن بن الإمام الحسنعليه‌السلام المعروف بصاحب فخ الذي قاد ثورة مسلّحة ضد الوالي العبّاسي في المدينة والتي انتهت بمقتل الحسين وأهل بيته رضوان الله تعالى عليهم.

واستمرت المعارضة المسلّحة ضد الحكم العبّاسي ففي سنة (176 هـ ) خرج يحيى بن عبد الله بن الحسن، فبعث هارون آلاف الجنود لقتاله ثم أعطاه الأمان وحبسه فمات في الحبس(2) .

لقد كانت هذه الثورات انعكاساً طبيعياً للسياسة العباسية الظالمة.

هذا ملخّص لأهمّ الأحداث التي برزت في حياة الإمام الرضاعليه‌السلام وهو في ظلّ أبيه الكاظمعليه‌السلام لنرى كيف واجهها الإمامعليه‌السلام فيما بعد وكيف مارس مسؤولياته وقت تصدّيه للإمامة في بحوث قادمة إن شاء الله تعالى.

الإمام الكاظم والتمهيد لإمامة الرضاعليهما‌السلام

حدّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إحدى مسؤوليات الإمام بقوله: (في كل خلف من اُمّتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين،

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 309.

(2) الصواعق المحرقة: 309.


وتأويل الجاهلين... ((1) .

والإمام الرضاعليه‌السلام باعتباره أحد ائمة أهل البيت المعصومينعليه‌السلام مكلّف بهذه المسؤولية، وتتأكد هذه المسؤولية حينما يتصدّى بالفعل لإمامة المسلمين، أمّا في ظل إمامة والده الإمام الكاظمعليه‌السلام فان مسؤوليته تكون تبعاً لمسؤولية الإمام المتصدّي، والمتصدّي هو الاولى بتحمّل الأعباء والتكاليف، ويبقى غيره صامتاً الاّ في حدود خاصة، وفي هذا الصدد أجاب الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام عن سؤال حول تعدد الائمة في وقت واحد، فقال: (لا، الاّ وأحدهما صامت)(2) .

ففي عهد الإمام الكاظمعليه‌السلام كان الإمام الرضاعليه‌السلام صامتاً بمعنى عدم تصدّيه للامامة، وعدم اتخاذ المواقف بشكل مستقل واتباع مواقف الإمام المتصدّي بالفعل لمنصب الامامة، والصمت لا يعني التوقف عن العمل الاصلاحي والتغييري داخل الامة، فقد كانعليه‌السلام يعمل ويتحرك داخل الامة تبعاً لمسؤوليته المحددّة له، فكانعليه‌السلام ينشر المفاهيم والقيم الاسلامية، ويردّ على الاسئلة العقائدية والفقهية وكان يفتي في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو ابن نيف وعشرين سنة(3) .

وقال الذهبي: أفتى وهو شاب في أيّام مالك(4) .

وكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في عهد إمامة والدهعليه‌السلام ، كما كان يروي عن والده وعن أجداده، وينشر أحاديث أهل البيتعليه‌السلام وسنّة

____________________

(1) الصواعق المحرقة: 231.

(2) الكافي: 1 / 178.

(3) تهذيب التهذيب: 7 / 339.

(4) سير أعلام النبلاء: 9 / 388.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروى عنه جماعة من الرواة منهم: أبو بكر أحمد بن الحباب الحميري، وداود بن سليمان بن يوسف الغازي، وسليمان بن جعفر وآخرون(1) .

وكان الإمام الكاظمعليه‌السلام يوجّه الأنظار اليه ويُرجع أصحابه إليه، ومما قاله بحقّه:

(هذا ابني كتابه كتابي، وكلامه كلامي، وقوله قولي، ورسوله رسولي، وما قال فالقول قوله)(2) .

وكان يقول لبنيه: (هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فسلوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم)(3) .

وكانعليه‌السلام يهيّء الأجواء للامام الرضاعليه‌السلام ليقوم بالأمر من بعده، وممّا قاله لعلي بن يقطين: (يا علي بن يقطين هذا عليّ سيّد ولدي أما إنّه قد نحلته كنيتي)(4) .

الوصيّة بالإمامة

الإمامة مسؤولية إلهية كبيرة ولذا فهي لا تكون إلاّ بتعيين ونصب من الله ونص من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا اختيار للمسلمين فيها لعدم قدرتهم على تشخيص الإمام المعصوم الذي أكّد الله عصمته بقوله تعالى: (لا ينال عهدي

____________________

(1) تهذيب الكمال: 21 / 148.

(2) اُصول الكافي: 1/312، وعيون أخبار الرضا: 1/31، والارشاد: 2/250 والغيبة للطوسي: 37. وروضة الواعظين: 1 / 222، الفصول المهمة: 244

(3) اعلام الورى: 2/64 وعنه في كشف الغمة: 3/107 وعنهما في بحار الأنوار: 49/100.

(4) الارشاد: 2/249 وعنه في اعلام الورى: 2/43 وعن الارشاد في كشف الغمة: 3/60 وعن العيون في بحار الأنوار: 49/13.


الظالمين)(1) ، وقد أكّدت الروايات النبويّة على هذه الحقيقة، ومنها ما صرّح به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بداية الدعوة بقوله: (انّ الأمر لله يضعه حيث يشاء)(2) .

وصرّح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في غير مرّة بأنّ الائمة اثنى عشر وأنّ جميعهم من قريش، وقد ورد النص على ذلك بألفاظ عديدة(3) .

ووردت روايات تؤكد أن الائمة من بني هاشم ومن تلك النصوص قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (بعدي اثنى عشر خليفة... كلهم من بني هاشم)(4) .

ووردت روايات عديدة لتفسّر بني هاشم بعلي بن ابي طالبعليه‌السلام وأولاده، ثم تحصرها بالحسينعليه‌السلام وذريته(5) .

ووردت روايات عديدة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ذكر فيها اسماء الائمة الاثني عشر، بعضه عام وبعضها خاص، ومن هذه الروايات قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (الائمة من بعدي اثناعشر، أولهم علي ورابعهم عليّ وثامنهم علي...)(6) .

وعلى ضوء ذلك فإن الإمامة تعيّن بالوصية، فكل امام يوصي إلى الإمام من بعده بعهد معهود من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يتناقله كل امام عن الإمام قبله.

قال الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام : (أترون الأمر الينا نضعه حيث نشاء؟! كلاّ والله إنّه لعهد معهود من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى رجل فرجل، حتى ينتهي إلى صاحبه)(7) .

وفي خصوص تعيين الإمام الرضاعليه‌السلام إماماً للمسلمين، فإنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام قد نصَّ عليه تلميحاً وتصريحاً لخاصة أصحابه ليقوموا بدورهم

____________________

(1) البقرة (2): 124.

(2) تاريخ الطبري: 2 / 350، السيرة الحلبية: 2 / 3، السيرة النبوية لابن كثير: 2 / 159.

(3) مسند أحمد: 1 / 657، سنن ابي داود: 4 / 106، سنن الترمذي: 4 / 501، تاريخ الخلفاء للسيوطي: 11، كنز العمّال: 12 / 32.

(4) ينابيع المودة: 1 / 308، مودة القربى: 445، احقاق الحق: 13 / 30.

(5) كفاية الاثر: 23، 29، 35.

(6) جامع الأخبار: 62.

(7) بحار الأنوار: 23 / 70 عن الصدوق في كمال الدين.


في إثبات امامته في الاُمة، ولم يعلن عن إمامته أمام الملأ لأن ظروف الملاحقة والمطاردة من قبل السلطة العباسية كانت تحول دون ذلك.

وقد تظافرت النصوص على تعيين الإمام الكاظمعليه‌السلام لابنه الإمام الرضاعليه‌السلام اماماً وقائماً بالأمر من بعده.

فعن نعيم بن قابوس قال: قال لي ابو الحسنعليه‌السلام : (علي ابني اكبر ولدي وأسمعهم لقولي وأطوعهم لأمري، ينظر معي في كتاب الجفر والجامعة، وليس ينظر فيه الاّ نبي أو وصيّ نبي)(1) .

وقد صرّحعليه‌السلام بامامته منذ نشأته الأُولى، ففي رواية قال المفضل بن عمر للامام الكاظمعليه‌السلام : (جعلت فداك لقد وقع في قلبي لهذا الغلام من المودة ما لم يقع لأحد إلاّ لك، فقال: يا مفضل هو منّي بمنزلتي من أبيعليه‌السلام ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم، قلت: هو صاحب هذا الأمر من بعدك؟ قال: نعم)(2) .

الوصية في المراحل الأُولى ( 150 - 178 هـ)

في المراحل الاولى من تصدّي الإمام الكاظمعليه‌السلام للامامة نجده يوصي بإمامة ولده علي الرضاعليه‌السلام لخاصة اصحابه وللثقات الذين يحفظون الاسرار ولا يبوحون بها في المحافل العامة، وكان يصرّح أحياناً ويلمح اُخرى.

فعن داود بن رزين قال: (حملت إلى ابي ابراهيم مالا فأخذ منّي بعضه، وردّ عليّ الباقي، فقلت له: جعلت فداك لِمَ رددت عليّ هذا، فقال: امسكه حتى يطلبه منك صاحبه بعدي، فلما مضى موسىعليه‌السلام بعث اليّ الرضاعليه‌السلام أن:

____________________

(1) اُصول الكافي: 1/311 ح 2 وعيون أخبار الرضا: 1 / 31 والارشاد: 2/249 عن الكليني، وعنه الطوسي في الغيبة: 36.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 32.


هات المال الذي قبلك فوجّهت به إليه)(1) .

فالإمام في هذه الرواية لم يصرّح لداود باسم الإمام الموصى اليه وإنّما جعل الأمر لولده الرضاعليه‌السلام ليؤكد له إمامته فيما بعد.

وكان الإمام الكاظمعليه‌السلام يجمع بين التلميح والتصريح على امامة الرضاعليه‌السلام في قول واحد لاختلاف المستويات الفكرية والعقلية في درجة التلقي والادراك.

فعن علي بن عبد الله الهاشمي قال: (كنّا عند القبر - أي قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - نحو ستين رجلاً منّا ومن موالينا، إذ أقبل أبو ابراهيم موسى ابن جعفرعليهما‌السلام ويد عليّ ابنه في يده، فقال: أتدرون من أنا؟ قلنا: أنت سيدنا وكبيرنا، فقال: سمّوني وانسبوني، فقلنا: انت موسى بن جعفر بن محمد، فقال: من هذا معي؟ قلنا: هو علي بن موسى بن جعفر، قال: فاشهدوا أنّه وكيلي في حياتي ووصيّي بعد موتي)(2) .

وهذا النص هو نص بالامامة وهو في نفس الوقت قابل للتفسير الظاهري وهو الوصية العادية للأب إلى الابن، جعله الإمامعليه‌السلام من الالفاظ المتشابهة بسبب سوء الاوضاع السياسية من إرهاب وملاحقة وكبت للحريّات.

وكان الإمام الكاظمعليه‌السلام يعلن إمامة الرضاعليه‌السلام أمام بعض الافراد أحياناً، وأمام تجمع من اصحابه وأهل بيته احياناً اخرى تبعاً لمتطلّبات الظروف.

____________________

(1) اُصول الكافي: 1/313، واختبار معرفة الرجال: 313، والارشاد: 1/251، 252، وعنه في اعلام الورى: 2/47 و كشف الغمة: 3/61، 62 والغيبة للطوسي: 93 ح18، وبحار الأنوار: 49/25.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 27.


فعن داود بن كثير الرقي، قال: (قلت لموسى الكاظمعليه‌السلام جعلت فداك اني قد كبرت سنّي فخذ بيدي وأنقذني من النار، مَن صاحبنا بعدك؟ فأشار إلى ابنه أبي الحسن الرضا، فقال: هذا صاحبكم بعدي)(1) .

وعن حيدر بن أيوب قال: كنّا بالمدينة في موضع يعرف بالقبا فيه محمد بن زيد بن علي، فجاء بعد الوقت الذي كان يجيئنا فيه، فقلنا له: جعلنا الله فداك ما حبسك؟ قال: دعانا ابو ابراهيمعليه‌السلام اليوم سبعة عشر رجلاً من ولد علي وفاطمةعليهما‌السلام ، فأشهدَنا لعليّ ابنه بالوصية والوكالة في حياته وبعد موته، وأنّ أمره جايز عليه وله.

ثم وضّح محمد بن زيد مقصود الإمامعليه‌السلام فقال: والله يا حيدر لقد عقد له الامامة اليوم...)(2) .

وكان يستعمل لتثبيت إمامته ألفاظاً واضحة لا تحتاج إلى تأويل، فعن عبد الله بن الحارث وامّه من ولد جعفر بن أبي طالب انه قال: (بعث إلينا أبو ابراهيمعليه‌السلام فجمعنا ثم قال: أتدرون لم جمعتكم؟ قلنا: لا، قال: اشهدوا أنّ عليّاً ابني هذا وصيي والقيّم بأمري وخليفتي من بعدي... ومن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني الاّ بكتابه)(3) .

هذا في اجتماعاته الخاصّة بينما كان لا يصرّح بذلك في التجمّعات العامة وانّما يأتي بالفاظ متشابهة ويترك للمجتمعين حرية التأويل والتفسير لكلامه.

____________________

(1) الفصول المهمة: 243 - 244.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 28.

(3) اُصول الكافي: 1/312، وفي عيون أخبار الرضا: 1/27 والارشاد: 2/250، 251 عن الكليني وعنه في اعلام الورى: 2/45 والطوسي في الغيبة: 37 وعنها جميعاً في بحار الأنوار: 49/16.


قال حسين بن بشير: (أقام لنا أبو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام ابنه علياًعليه‌السلام كما أقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علياًعليه‌السلام يوم غدير خم، فقال: يا أهل المدينة أو يا أهل المسجد هذا وصيي من بعدي)(1) .

وفي رواية اُخرى قال عبدالرحمن بن الحجّاج: أوصى ابو الحسن موسى بن جعفرعليهما‌السلام إلى ابنه عليّعليه‌السلام ، وكتب له كتاباً أشهد فيه ستين رجلاً من وجوه أهل المدينة(2) .

وفي سنة ( 178 هـ ) أخبر محمد بن سنان بوصيته بامامة ابنه علي الرضاعليه‌السلام (3) .

الوصية في مرحلة الاعتقال

لقد اعتقل الإمام الكاظمعليه‌السلام في سنة (179 هـ ) قبل التروية بيوم، أي في اليوم السابع من ذي الحجة سنة ( 179 هـ ) على رواية، وفي يوم (27) رجب سنة (179 هـ ) كما في رواية أخرى(4) .

وبعد خمسين يوماً من اعتقاله دخل اسحاق وعلي ابنا عبد الله بن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام على عبدالرحمن بن أسلم وهو في مكة ومعهما كتاب الإمام الكاظمعليه‌السلام بخطه فيه حوائج قد أمر بها، فقالا: إنه أمر بهذه الحوائج من هذا الوجه، فاذا كان من أمره شيء فادفعه إلى ابنه

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 29.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 28.

(3) عيون أخبار الرضا: 1 / 32.

(4) بحار الأنوار: 48 / 206 - 207.


عليّ فإنه خليفته والقيّم بأمره(1) .

وفي طريقهعليه‌السلام إلى سجن البصرة أرسل على عبد الله بن مرحوم فدفع اليه كتباً وأمره ان يوصلها إلى ابنه عليّ وقال له: فإنّه وصيي والقيّم بأمري وخير بنيّ(2) .

ومن داخل سجن البصرة أرسل كتباً إلى أصحابه يوصي بها إلى ابنه الإمام الرضاعليه‌السلام :

فعن الحسين بن مختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي الحسنعليه‌السلام - وهو في الحبس - عهدي إلى أكبر ولدي(3) .

في سنة (180 هـ ) - بناءً على رواية بقاء الإمام سنة في البصرة - وصل الإمام الكاظمعليه‌السلام إلى بغداد، فدخل عليه علي بن يقطين فوجد عنده عليّ الرضاعليه‌السلام فقال له: (يا علي بن يقطين هذا عليّ سيّد ولدي، أما إني قد نحلته كنيتي).

وحينما حدّث هشام بن الحكم بذلك قال له هشام: أخبَرك أنّ الأمر فيه من بعده(4) .

وفي الفترة بين سنة (181 هـ ) وسنة ( 183 هـ ) كتب من الحبس إلى عليّ ابن يقطين: (ان ابني سيد ولدي وقد نحلته كنيتي)(5) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا 1 / 39.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 27.

(3) الكافي: 1 / 312، وعيون أخبار الرضا: 1/300، والإرشاد: 2/250 عن الكليني وعنه في الغيبة للطوسي: 36/12 وإعلام الورى: 2/46 وعن الإرشاد في كشف الغمة: 3/61 وعن الإرشاد والإعلام والغيبة في بحار الأنوار: 49/24.

(4) الكافي: 1 / 311 وعنه في الإرشاد: 2/249 وعيون أخبار الرضا: 1/21، والغيبة للطوسي: 35.

(5) الكافي: 1 / 313، يبدو أن الإبهام من الراوي في ظرف نقل الخبر باعتبار حراجة الظرف والمقصود به الإمام الرضاعليه‌السلام فالنص هكذا: إنّ علياً ابني سيّد ولدي.


إمامة الرضاعليه‌السلام وزمن الإعلان عنها

إنّ الظروف التي عاشها الإمام الكاظمعليه‌السلام كانت تستدعي الكتمان والسرية في القرار والموقف السياسي وخصوصاً فيما يتعلق بالامام من بعده لذا نرى أنه كان يتكتم في إعلان ذلك، ولكنه كان قد عيّن زمناً خاصاً للامام الرضاعليه‌السلام لإعلان إمامتهعليه‌السلام .

فعن يزيد بن سليط الزيدي قال: (لقينا أبا عبد اللهعليه‌السلام في طريق مكة ونحن جماعة، فقلت له: بأبي أنت واُمّي أنتم الأئمة المطهرون والموت لا يعرى أحد منه، فأحدِث اليّ شيئاً ألقيه إلى من يخلفني، فقال لي: نعم هؤلاء ولدي وهذا سيّدهم - واشار إلى ابنه موسىعليه‌السلام - ثم لقيت أبا الحسن بعد، فقلت له: بأبي أنت واُمّي أريد أن تخبرني بمثل ما أخبرني به أبوك، قال: كان أبي في زمن ليس هذا مثله،... اني خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى بنيّ فاشركتهم مع ابني علي وأفردته بوصيتي في الباطن... يا يزيد انّها وديعة عندك، فلا تخبر بها إلاّ عاقلاً أو عبداً امتحن الله قلبه للإيمان أو صادقاً... وليس له ان يتكلم الاّ بعد هارون بأربع سنين، فإذا مضت أربع سنين فاسأله عمّا شئت يجيبك إن شاء الله تعالى)(1) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 24 - 26.


الباب الثالث:

فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام ومحنة أبيه الكاظمعليه‌السلام .

الفصل الثاني: مظاهر الانحراف في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام .

الفصل الثالث: دور الإمام الرضاعليه‌السلام قبل ولاية العهد.



الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام ومحنة أبيه الكاظمعليه‌السلام

أدرك هارون الرشيد عمق الارتباط بين الإمام الكاظمعليه‌السلام والمسلمين، ووجد أنّ القاعدة الشعبية للامامعليه‌السلام تتوسّع بمرور الزمن، فما دام الإمام حيّاً فإنّ المسلمين يقارنون بين منهجين: منهج الإمام الكاظمعليه‌السلام ومنهج هارون، وبالمقارنة يشخّصون النهج السليم المستقيم عن النهج المنحرف.

ومن هنا أدرك خطورة بقاء الإمامعليه‌السلام حرّاً نشيطاً، فأخذ يخطط لسجنه، وتجميد نشاطه والمنع من تأثيره في المسلمين.

إضافة إلى ذلك فإنّ مواجهة الإمامعليه‌السلام له في أكثر من موقف واعتراضه عليه أمر لا يمكن لشخصية مثل هارون أن تسكت عنه، كما لم يسكت الإمام على تصرفات هارون العدوانية على الأمة الاسلامية وشريعة سيد المرسلين، وتجلت المعارضة والمواجهة في مواقف وممارسات لم يستطع هارون استيعابها، فحينما قال له: يا أبا الحسن حُدَّ فدك حتى أردّها عليك، فأجابه: «لا آخذها الاّ بحدوده (، وقد حدّدها له بـ (عدن، وسمرقند، وافريقية، وسيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية)، وقد وضّح الإمامعليه‌السلام بأنّ فدكاً هي الخلافة


المغتصبة، وعند ذلك عزم على قتله(1) .

وسلّم هارون على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عند قبره قائلاً: السلام عليك يا رسول الله يا ابن العم، فقال الإمام الكاظمعليه‌السلام : (السلام عليك يا ابه)، فقال هارون: هذا هو الفخر. ثم لم يزل ذلك في نفسه حتى استدعاه في سنة ( 169 هـ ) وسجنه فأطال سجنه(2) ثم أفرج عنه بعد ذلك.

واُدخل الإمام الكاظمعليه‌السلام على هارون مرّة، فقال له ما هذه الدار؟ فقالعليه‌السلام : (هذه دار الفاسقين)(3) .

وكثرت الوشايات ضد الإمامعليه‌السلام عند هارون تحرضه عليه وكانت منها وشاية يحيى البرمكي حيث قال له: إنّ الاموال تحمل إليه من المشرق والمغرب، وانّ له بيوت أموال(4) .

فقام هارون باعتقال الإمامعليه‌السلام سنة ( 179 هـ ) وبقي في سجن البصرة سنة كاملة كما تقدم.

وفي سنة ( 180 هـ ) سجن ببغداد، ونقل من سجن إلى آخر حتى اغتاله أحد عملائه وهو في السجن.

وكان الإمام الرضاعليه‌السلام يزوره في السنين الاولى من سجنه كما هو المستفاد من رواية علي بن يقطين حول الوصية له(5) .

وأمر الإمام الكاظمعليه‌السلام الإمام الرضاعليه‌السلام أن: «ينام على بابه في كل ليلة ما كان حيّاً إلى أن يأتيه خبره، فمكث على هذه الحالة أربع سنين، فلما

____________________

(1) ربيع الأبرار: 1 / 316 وعنه في تذكرة الخواص: 314.

(2) البداية والنهاية: 10 / 183.

(3) الاختصاص: 262 وعنه في بحار الانوار: 48 / 156.

(4) مقاتل الطالبيين: 415.

(5) الكافي: 1 / 311.


كان ليلة من الليالي أبطأ عن فراشه ولم يأت فاستوحش العيال، فلما كان من الغد أتى الدار ودخل إلى العيال وقصد إلى أم أحمد زوجة أبيه، فقال لها: هات التي أودعك أبي، فصرخت وقالت: مات والله سيدي، فكفّها وقال لها: لا تكلمي بشيء ولا تظهريه، حتى يجيئ الخبر إلى الوالي(1) .

وقد أوصل محمد بن الفضل الهاشمي خبر استشهاد الإمام الكاظمعليه‌السلام إلى الإمام الرضاعليه‌السلام بأمر منه ودفع اليه بعض الودائع لإرسالها اليه.

وفي اليوم نفسه ذهب محمّد إلى البصرة ليبلّغ خبر استشهاد الإمامعليه‌السلام ثم تبعه الإمام الرضاعليه‌السلام بعد ثلاثة أيام من وصوله، فأقرّ له بعض أهل البصرة بالإمامة فرجع في نفس اليوم إلى المدينة. ثم اتّجه الإمام الرضاعليه‌السلام إلى الكوفة والتقى بأتباع أبيه ثم عاد إلى المدينة(2) .

ولمّا شاع خبر رحيل الإمام الكاظمعليه‌السلام في المدينة اجتمع أتباع أهل البيتعليهم‌السلام على باب أم أحمد، واجتمعوا مع أحمد ابن الإمام الكاظمعليه‌السلام فذهب بهم إلى أخيه الإمام الرضاعليه‌السلام فبايعوه على الإمامة(3) .

ولم يتصدّ الإمامعليه‌السلام علناً لإمامة المسلمين، وإنّما كان الأمر سرّياً ولم يعلن عنه الاّ بعد أربع سنين طبقاً لوصية أبيه.

وقد عاش الإمام الرضاعليه‌السلام محنة أبيه وانتقالاته من سجن إلى سجن حتّى استشهاده ولم تكن الظروف ملائمة، ولم توجد مصلحة في إعلان المعارضة، فبقي الإمامعليه‌السلام يتجرّع الألم ومرارة المحنة كاتماً أنفاسه مراعياً للظروف العصيبة التي تمر بالمسلمين عموماً وبأتباع أهل البيتعليهم‌السلام خصوصاً.

____________________

(1) الكافي: 1 / 381 - 382.

(2) الخرائج والجرائح: 1/341 ح 1 وعنه في بحار الانوار: 49 / 73.

(3) المختار من تحفة العالم للسيد جعفر بحر العلوم، الملحق ببحار الأنوار: 48 / 307 - 308.


الانفراج النسبي في عهد هارون

لقد استشهد الإمام الكاظم مسموماً سنة (183 هـ )(1) وبايعاز من هارون الرشيد، وكان هارون يخشى تسرّب خبر السم والاغتيال إلى المجتمع الاسلامي. من هنا خطط لتفادي ذلك، وذلك حين جمع القوّاد والكتّاب والقضاة وبني هاشم، ثم كشف عن وجه الإمامعليه‌السلام وقال: أترون أنّ به أثراً ما يدلّ على اغتيال؟ قالوا: لا(2) .

وأدخل السندي بن شاهك الفقهاء ووجوه أهل بغداد، ليتفحصوا في جثمانه، فنظروا إليه ولا أثر به من جراح أو خنق، وأشهدهم على أنه مات حتف أنفه، فشهدوا على ذلك، وأخرج الجثمان الطاهر ووضعه على الجسر ببغداد ونودي: هذا موسى بن جعفر قد مات فانظروا إليه(3) .

وبقيت الهواجس محيطة بهارون، حيث كان يحتمل أن تنفجر الأوضاع متمثلة في حركة شعبية واسعة تهدّد سلطانه، لذا اتّخذ اُسلوب التخفيف من محاصرة الإمام الرضاعليه‌السلام وأهل بيته لامتصاص النقمة الشعبية وتقليل ردود الأفعال، ولم يتخذ أيّ إجراء متشدّد مع الإمامعليه‌السلام ، ورفض الاستجابة لمن أراد منه قتله، كما نلاحظ في موقفه من عيسى بن جعفر حيث قال لهارون: اُذكر يمينك التي حلفت بها في آل أبي طالب، فإنّك حلفت إنْ ادّعى أحد بعد موسى الإمامة ضربتَ عنقه صبراً، وهذا عليّ ابنه يدّعي هذا الأمر، ويُقال فيه ما يقال في أبيه، فنظر اليه مغضباً فقال: وما ترى؟! تريد أن

____________________

(1) مروج الذهب: 3 / 355.

(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 414.

(3) الارشاد: 2/242 وعنه في اعلام الورى: 2/34 وفي كشف الغمة: 3/24.


أقتلهم كلهم؟!(1) .

وحينما حرّضه خالد بن يحيى البرمكي على قتل الإمام الرضاعليه‌السلام قال هارون: يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعاً؟!(2) .

إن موقف هارون هذا كان ناجماً عن رغبته في امتصاص النقمة الشعبية أوّلاً، ولم يلاحظ أيّ نشاط معارض لسلطانه من الإمام الرضاعليه‌السلام على الرغم من كثرة الجواسيس والوشايات وشدّة المراقبة له.

التصدّي للإمامة

وفي الفترة الواقعة بين سنة ( 183 هـ ) إلى سنة ( 187 هـ ) لم يعلن الإمام الرضاعليه‌السلام عن إمامته، ولم يظهر له أيّ تحرّك علني في المدينة من خطب أو لقاءات عامّة، ولم يسجّل عليه أي حضور في المحافل العامة.

وقد أدرك هارون من خلال أخبار عيونه أنه كان بعيداً عن الأحداث، وهذا ظاهر من الرواية التالية التي تقول:

(دخل أبو الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام السوق، فاشترى كلباً وكبشاً وديكاً، فلما كتب صاحب الخبر إلى هارون بذلك، قال: قد أمنّا جانبه)(3) .

ولم يصدّق هارون الأخبار الواردة عن غير طريق عيونه السرّيّة، كالخبر الذي أورده أحد أحفاد الزبير بن العوّام على هارون من أنّه: قد فتح بابه ودعا إلى نفسه، فقال هارون عند وصول الخبر: واعجباً من هذا! يكتب أنّ

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 226.

(2) الفصول المهمة: 245.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 205.


علي بن موسىعليه‌السلام قد اشترى كلباً وكبشاً وديكاً، ويكتب فيه ما يكتب(1) .

فلم يلتفت إلى قول الزبيري، وترك الإمام الرضاعليه‌السلام وشأنه، إلى أن مضت أربع سنين من استشهاد الإمام الكاظمعليه‌السلام فقام الإمام الرضاعليه‌السلام بالأمر علناً عملاً بوصية من أبيه - كما تقدم - وكان ذلك في سنة (187 هـ ) وهي السنة التي قام فيها هارون بقتل البرامكة، وكان لقتلهم دور كبير في خلخلة الأوضاع السياسة لأنّهم كانوا أركان الحكومة ومشيّدي صرحها، وبقتلهم انتهت أو خفّت الوشايات على الإمام الرضاعليه‌السلام لأنهم كانوا من أشدّ المحرِّضين على قتل أهل البيتعليهم‌السلام ، وهذه الظروف ساعدت الإمامعليه‌السلام على التصدّي للإمامة، فقام بالأمر وهو مطمئن إلى عدم قدرة هارون على سجنه أو قتله، وقد حذّره بعض أنصاره من التصدّي للإمامة وقالوا: إنّك أظهرت أمراً عظيماً وإنّا نخاف عليك من هذا الطاغية فقالعليه‌السلام : (ليجهدنّ جهده فلا سبيل له علي)(2) .

وأجابهم في موقف آخر قائلاً: (إنْ خُدشت خدشاً من قبل هارون فأنا كذّاب)(3) .

وتصدّي الإمام الرضاعليه‌السلام لا يعني المعارضة السياسية، فقد تصدّى الإمامعليه‌السلام لمحاربة الأفكار والعقائد الهدّامة واهتم بنشر الفكر الاسلامي السليم في مجالي العقيدة والشريعة، وهذا الأمر لا يهمّ هارون مادام الإمامعليه‌السلام لا يعارض سلطانه.

ومما ساعد على هذا الانفراج النسبي هو انتقال هارون إلى الرّي سنة (189 هـ)، ثم إلى خراسان سنة (192 هـ)، ثم وفاته سنة (193 هـ).

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2/226.

(2) إعلام الورى: 2/60 وفي الفصول المهمة: 245.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 213.


الفصل الثاني: مظاهر الانحراف في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام

نستعرض في هذا الفصل مظاهر الانحراف المختلفة في العهد العباسي وفي فترة حكومة هارون وابنه محمد حتى قتله من قبل جيش أخيه المأمون سنة (198 هـ) وهي الفترة الواقعة بين سنة (183 هـ) و (198 هـ)، ثم نتبعه في فصل آخر ببيان دور الإمام الرضاعليه‌السلام لمعالجة أنواع الانحراف في هذه الفترة.

الانحراف الفكري

لقد راجت التيارات الفكرية المنحرفة في عهد العباسيين، ووجدت لها أتباعاً وأنصاراً، وكثر الجدل والمراء وانشغلت الأمة بذلك، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على منهج الحكّام العباسيين في الترويج لها وتشجيع القائمين عليها؛ لإشغال الأمة عن الأحداث والمواقف التي يتخذونها في السياسة والاقتصاد والحياة العامة، و إبعادهم عن ما يثيرهم اتخاذ الموقف المعارض للسياسات القائمة.

فعلى مستوى أصحاب الديانات نجد اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والبراهمة وهكذا الملحدين والدهرية وباقي أصناف الزنادقة كان لهم مطلق الحرية في التعبير عن أفكارهم وعقائدهم.

وتعددت المذاهب الإسلامية بتعدد أربابها، وانتشرت الأفكار العقلية


الصرفة والفلسفية المثالية، وكثر الجدل في الجبر والتفويض والإرجاء والتجسيم والتشبيه، وتحوّلت المذاهب السياسية إلى مذاهب عقائدية. فالزيدية والإسماعيلية كانتا من الحركات والمذاهب السياسية التي تتبنى الجهاد المسلّح فتحوّلت إلى مذاهب عقائدية وفكرية، وانتشرت الادّعاءات الباطلة والمُزيّفة،كادّعاء النبوة، وكادّعاء أحد الأفراد انه إبراهيم الخليل. ولولا تشجيع الحكّام ومنح الحرية للتيارات والمذاهب المنحرفة لما انتشرت ولما استشرت هذه المذاهب في أوساط المسلمين.

وكان الحكّام يفتعلون الآراء والنظريات أو يتبنونها لإشغال المسلمين بالجدال والنقاش وكثرة القيل والقال، وكانوا يعاقبون المخالفين لآرائهم المتبنّاة بالسجن والقتل على الرغم من عدم وجود تأثير واقعي لتلك الآراء، فقد شجّع هارون على القول بانّ القرآن قديم، وقام بقتل من يخالف رأيه. فحينما سُئِل عن رجل مقتول بين يديه أجاب: قتلته لأنه قال القرآن مخلوق(1) .

وتغيَّرَ الرأي في عهد ابنه المأمون وناقض قرار والده والتزم بالقول بخلق القرآن وأنه ليس قديماً، وكان يمتحن العلماء في ذلك(2) .

وكان هارون يشجّع على الروايات والأحاديث الكاذبة المنسوبة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخصوصاً روايات وأحاديث الخرافة ويعاقب كل من يعارض الترويج لهذه الروايات، ومن الأمثلة على ذلك: أنه دخل أبو معاوية الضرير على هارون وعنده رجل من وجوه قريش، فجرى الحديث إلى أن ذكر أبو معاوية حديث أبي هريرة المنسوب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :(إن موسى

____________________

(1) البداية والنهاية: 10 / 215.

(2) تاريخ الخميس: 2 / 334.


لقيَ آدم فقال :أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة) ، فقال القرشي: أين لقيَ آدم موسى؟! فغضب هارون، وقال: النطع والسيف، زنديق والله! يطعن في حديث رسول الله)، فما زال أبو معاوية يسكنه ويقول: كانت منه بادرة، ولم يفهم يا أمير المؤمنين حتى سكّنه(1) .

وكان هارون يشجّع ويكرّم العلماء الذين ينسجمون مع آرائه وأهوائه، في الوقت الذي كان يسجن العلماء العظام، والأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام ويحاصرهم. ومن تشجيعه في هذا المجال أنه صبّ الماء على يد أبي معاوية، وقال له: أتدري من يصبّ على يديك؟ قال: لا، قال: أنا، قال أبو معاوية: أنت يا أمير المؤمنين، قال: نعم إجلالاً للعلم(2) .

وكان هارون يشجّع الأفكار والآراء والأقوال التي تلبس حكمه لباساً مقدساً، فقد أنشده أحد الشعراء أربعة أبيات لقّب فيها هارون بأمين الله، فأمر له لكل بيت بألف دينار، وقال: لو زدتنا لزدناك(3) ، فانساق الشعراء وراء الأموال وأخذوا يروّجون لقدسية الحكّام حتى قال أحدهم مادحاً هارون:

حب الخليفة حبّ لا يدين له

عاصي الإله وشار يلقح الفتنا(4)

وقال سَلْم الخاسر يمدح الأمين وهارون:

قد بايع الثقلان مهديَّ الهدى

لمحمد بن زُبيدة ابنة جعفر

قد وفق الله الخليفة إذ بنى

بيت الخلافة للهجان الأزهر

فأعطته زبيدة جوهراً باعه بعشرين ألف دينار(5) .

____________________

(1) تاريخ بغداد: 14/8.

(2) تاريخ بغداد: 14 / 8.

(3) مروج الذهب: 3 / 365.

(4) تاريخ الخلفاء: 233.

(5) تاريخ الخلفاء: 233.


ومن أجل إبعاد المسلمين عن نهج أهل البيتعليهم‌السلام قام العباسيون بمحاصرة الفقهاء المؤيّدين لهم، وشجّعوا على نشوء التيارات الهدّامة، وهذا واضح من خلال عدم ملاحقتهم لأتباعها وأنصارها. فقد نشأ تيار الواقفة وتيار الغلاة، ولم يبادر العباسيون إلى تطويقهما في بداية نشوئهما، سعياً منهم لتشويه منهج أهل البيتعليهم‌السلام وتفتيت كيانهم.

وقام المأمون بترجمة كتب الفلسفة من اليونانية إلى العربية(1) وبطبيعة الحال تؤدّي الترجمة إلى انتشار الأفكار والمصطلحات المنطقية والفروض الذهنية البعيدة عن الواقع.

وفي عهدهم كثر الإفتاء بالرأي، وتفسير القرآن بالرأي، وراج القياس الباطل القائم على أساس قياس حكم فرعي بحكم فرعي آخر، وأصبحت الفتاوى تابعة لأهواء الحكّام وشهواتهم، فعن ابن المبارك انّه قال: لما أفضت الخلافة إلى الرشيد وقعت في نفسه جارية من جواري المهدي، فراودها عن نفسها، فقالت: لا أصلح لك، إنّ أباك قد طاف بي، فشغف بها، فأرسل إلى أبي يوسف، فسأله: أعندك في هذا شيء؟ فقال: يا أمير المؤمنين أو كلّما ادّعت أَمة شيئاً ينبغي أن تصدَّق؟ لا تصدّقها فإنّها ليست بمأمونة، قال ابن المبارك: فلم أدر ممن أعجب: من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين وأموالهم يتحرج عن حرمة أبيه؟! أو من هذه الأَمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين؟! أو من هذا فقيه الأرض وقاضيها؟! قال: أهتك حرمة أبيك، واقض شهوتك، وصيره في رقبتي(2) .

وعن عبد الله بن يوسف قال: قال الرشيد لأبي يوسف: إني اشتريت جارية وأريد أن أطأها قبل الاستبراء، فهل عندك حيلة؟ قال: نعم، تهبها

____________________

(1) مآثر الإنافة في معالم الخلافة: 1 / 209.

(2) تاريخ الخلفاء: 233.


لبعض ولدك، ثم تتزوّجها(1) .

وهكذا أصبح الفقهاء تبعاً للحكّام يفتون بما ينسجم مع أهوائهم ورغباتهم باستثناء الفقهاء من أتباع أهل البيتعليهم‌السلام ممن كانت لديهم شجاعة لمقارعة الظالمين فإنهم كانوا مطاردين وملاحقين من قبل الحكّام وأعوانهم.

ونشر فقهاء البلاط مفاهيم خاطئة عن الزهد ومفاهيم التصوّف المنحرف لإبعاد المسلمين عن التدخل في السياسة أو الاعتراض على مواقف الحكّام، فانتشر التصوّف وانزوى الكثير واعتزلوا الحياة، ولم يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التلاعب بأموال المسلمين

خالف العباسيون أسس النظام الاقتصادي الإسلامي التي تنصّ على أنّ الأموال هي وديعة عند الحاكم وليست ملكاً خاصاً له، وانّ إنفاقها يجب أن يكون مقيداً بقيود شرعية، فكانوا يتصرّفون بالأموال حسب رغباتهم وشهواتهم، فكانوا ينفقونه لشراء الذمم من أجل تثبيت سلطانهم، وكانوا يعيشون أعلى درجات البذخ والترف، وكان للجواري والمغنيين والمتملّقين نصيبٌ كبيرٌ في بيت المال، وقد جيء إلى هارون بخراج عظيم وأموال طائلة من الموصل، فأمر بصرف المال إلى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك وتحدّثوا به، فقال أبو العتاهية: أيدفع هذا المال الجليل إلى امرأة، ولا تتعلق كفّي بشيء منه، ثم دخل على هارون فانشده ثلاثة أبيات، فأعطاه عشرين ألف درهم، وزاده الفضل بن الربيع خمسة الآف(2) .

____________________

(1) تاريخ الخلفاء: 233.

(2) الأغاني: 4 / 67


وأسمعه إبراهيم بن المهدي أغنية فأمر له بألف ألف درهم(1) .

واشترى هارون جارية بسبعين ألف درهم، واشترى لها جوهراً باثني عشر ألف دينار، ثم حلف ألا تسأله يومه ذلك شيئاً إلاَّ أعطاها(2) .

وفي مقابل ذلك نجد أن كثيراً من المسلمين كانوا يعيشون الفقر والحرمان، كما هو ظاهر من حوار رجلين من قريش مع هارون إذ قالا له: نهكتنا النوائب، وأجحفت بأموالنا المصائب(3) .

وكان الترف والبذخ من نصيب الحكّام والمقربين لهم، من وزراء وولاة حتى بلغت أموال والي هارون على خراسان ثمانين ألف ألف(4) .

وقد وصلت ملكية هارون حداً غير متصور فقد خلّف مائة ألف ألف دينار، ومن الأثاث والجوهر والورق والدواب ما قيمته مائة ألف ألف دينار، وخمسة وعشرون ألف دينار(5) .

وسار أولاده على نهجه في البذخ والترف والتلاعب بأموال المسلمين، فقد بنى محمد الأمين قبة اتخذ لها فراشاً مبطناً بأنواع الحرير والديباج المنسوج بالذهب الأحمر وغير ذلك من أنواع الإبريسم...(6) .

وفي الوقت الذي يعيش فيه المسلمون أجواء الفقر والحرمان نجد الأمين يتلاعب بالأموال دون قيود، فقد صيدت له سمكة وهي صغيرة

____________________

(1) الأغاني: 10 / 99.

(2) الأغاني: 16 / 342 - 343.

(3) الأغاني: 16 / 261.

(4) تاريخ الطبري: 8 / 324.

(5) تاريخ الخلفاء: 237.

(6) مروج الذهب: 3 / 392.


فقرّطها حلقتين من ذهب فيهما حبتا درّ، وقيل ياقوت(1) ، وكان ينفق الأموال على لهوه وعلى جلسائه والخصيان(2) .

وانفق المأمون في زواجه أموالاً طائلة لا حصر لها، وأمر بإعطاء خراج فارس والأهواز إلى والد زوجته يجبى إليه لمدة سنة(3) ، وكان بطانة والي بغداد في عهده ينهبون أموال الناس وممتلكاتهم ولا أحد يمنعهم من ذلك(4) .

الانحراف الأخلاقي

لعبت أجواء الترف والرفاهية دوراً كبيراً في انتشار وتفشي الانحراف الأخلاقي، عند الحاكم ومؤسساته الحكومية وعند الأمة، فكان الحاكم يعيش مظاهر اللهو واللعب والانسياق وراء الشهوات، فهارون أول خليفة لعب بالصوالجة والكرة ورمي النشاب في البرجاس، وأول خليفة لعب الشطرنج من بني العباس(5) .

وكان يجري سباق الخيل فجاء في أحد الأيام فرسه سابقاً فأمر الشعراء ان يقولوا فيه شعراً فسبقهم أبو العتاهية، فأجزل صلته(6) .

وبعض هذه الأمور وان كانت مباحة إلاّ أنها لا تليق بالحاكم الذي يحكم دولة إسلامية مترامية الأطراف، ومعرضة لمخاطر ومؤامرات من قبل أعداء الإسلام.

____________________

(1) مروج الذهب: 3 / 394.

(2) الكامل في التاريخ: 6 / 294.

(3) مروج الذهب: 3 / 443.

(4) تاريخ الطبري: 8 / 551.

(5) تاريخ الخلفاء: 237.

(6) الأغاني: 4 / 43.


وكان مولعاً بالغناء، ومن اهتمامه وتشجيعه للغناء أن جعل للمغنين مراتب وطبقات(1) .

وكان ينفق الأموال والهدايا على المغنين - كما تقدّم - وكان مولعاً بحب ثلاث من الجواري المغنيات حتى انشد شعراً في ذلك قال فيه:

ملك الثلاث الآنسات عناني

وحللن من قلبي بكلِّ مكانِ

مالي تطاوعني البرية كلها

وأطيعهنَّ وهنَّ في عصياني

ما ذاك إلاَّ أن سلطان الهوى

وبه غُلبت غرزن من سلطاني(2)

وفي الوقت الذي يذهب الآف الجنود ضحايا في الغزوات تجده لا يكترث من كثرة القتلى والمعوّقين وإنّما يؤلمه موت جارية من جواريه تسمى هيلانة، فيرثيها بأبيات شعر:

فلها تبكي البواكي

ولها تشجي المراثي

خلقت سقماً طويلاً

جعلت ذاك تراثي(3)

وكان مدمناً على شرب الخمر وربما كان يتولّى بنفسه سقاية ندمائه(4) .

وكان من حبّه للضحك والفكاهة أن اختص بابن أبي مريم المدني، وكان لا يصبر عن فراقه ولا يملّ من محادثته، وبلغ من خاصته به أن بوّأه منزلاً في قصره، وخلطه بحريمه وبطانته ومواليه وغلمانه(5) .

وكان لا يتحرّج من سماع ألفاظ الفحش والبذاء في مجلسه، فحينما أهدى له العباس بن محمد إناءً من خزف فيه مسك وعنبر وهبه هارون إلى

____________________

(1) تاريخ الخلفاء: 237.

(2) الأغاني: 16 / 345، فوات الوفيات: 4 / 226

(3) فوات الوفيات: 4 / 226.

(4) حياة الإمام علي بن موسى الرضا: 2 / 224.

(5) تاريخ الطبري: 8 / 349.


ابن أبي مريم، فتألم العباس وقال لابن أبي مريم: أمه فاعلة إن دهن به إلاَّ إسته، فضحك هارون، ثم وثب ابن أبي مريم، وأدخل يده في الإناء ثم دهن بها عورته وجميع جوارحه ثم أمر غلامه أن يذهب بما تبقى إلى زوجته وأن يقول لها: ادهني بها حرك إلى أن انصرف فأ... وهارون يضحك وهو يسمع ألفاظ الفحش، ولم يكتف بذلك وإنّما وهب لابن أبي مريم مائة ألف درهم(1) .

ولما وصل الأمين إلى منصبه في رئاسة الحكومة طلب الخصيان وابتاعهم وغالى فيهم، فصيّرهم لخلوته ليله ونهاره... وفرض لهم فرضاً، ثم وجّه إلى جميع البلدان في طلب الملهّين، وضمّهم إليه، وأجرى عليهم الأرزاق، واحتجب عن أخويه وأهل بيته، واستخف بهم وبقوّاده، وقسم ما في بيوت الأموال وما بحضرته من الجواهر في خصيانه، وجلسائه، ومحدثيه، وأمر ببناء مجالس لمتنزهاته، ومواضع خلواته ولهوه ولعبه، وعمل خمس حرّاقات في دجلة على صورة الأسد والفيل والعقاب والحية والفرس، وأنفق في عملها مالاً عظيماً(2) .

وأمر أن يفرش له على دكان في ساحة مفتوحة، ففرش عليها أفخر الفراش، وهُيّئ من آنية الذهب والفضة والجواهر أمر عظيم، وأمر قيّمة جواريه أن تهيّئ له مائة جارية صانعة فتصعد إليه عشراً عشراً بأيديهن العيدان، يغنّين بصوت واحد...(3) .

وذكر الأمين عند الفضل بن سهل بخراسان فقال: كيف لا يستحل قتل محمد وشاعره يقول في مجلسه:

____________________

(1) تاريخ الطبري 8 / 349 - 350.

(2) الكامل في التاريخ: 6 / 293 - 294.

(3) الكامل في التاريخ: 6 / 295.


ألا فاسقني خمراً

وقل لي هي الخمر

ولا تسقني سرّاً

إذا أمكن الجهر(1)

وقال ابن الأثير واصفاً له: ولم نجد في سيرته ما يستحسن ذكره من حلم، أو معدلة، أو تجربة، حتى نذكرها(2) .

وتابع المأمون أباه وأخاه في اللهو واللعب وحب الغناء والطرب، قال إسحاق بن إبراهيم بن ميمون: وكان المأمون من أشغف خلق الله بالنساء، وأشدّهم ميلاً اليهنَّ واستهتاراً بهنَّ(3) .

وكان يشرب الشراب مع ندمائه فيأخذ الشراب منهم مأخذاً(4) .

وأخرج من طرق عدة أن المأمون كان يشرب النبيذ(5) .

وكان يسهر الليالي مع الجواري والمغنيين في شراب وغناء حتى الصباح، ففي ليلة من الليالي كان محمد بن حامد واقفاً على رأس المأمون وهو يشرب، فاندفعت عريب فغنّت... فأنكر المأمون أن لا تكون ابتدأت بشيء... فقال محمد بن حامد: أنا يا سيدي أومأت إليها بقبلة... فقال المأمون:... لقد زوجت محمد بن حامد عريب مولاتي، ومهرتها عنه أربعمائة درهم... فلم تزل تغنّيه إلى السحر وابن حامد على الباب(6) .

ومن مصاديق الانحراف الأخلاقي أن أحد قضاة الأمين ثم المأمون كان يمارس اللواط حتى اشتهر به، فاشتكى المسلمون إلى المأمون منه فأجابهم:

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 6 / 295.

(2) الكامل في التاريخ: 6 / 295.

(3) العقد الفريد: 8 / 156.

(4) الكامل في التاريخ: 6 / 437.

(5) تاريخ الخلفاء: 260.

(6) تاريخ الخلفاء: 260.


لو طعنوا عليه في أحكامه قبل ذلك منهم، وبعد ازدياد الشكاوي عليه عزله، ثم أصبح فيما بعد من ندمائه ورخّص له في أمور كثيرة(1) .

وكان الانحراف واضحاً لدى المقربين من الحكام، ففي بداية عهد المأمون كان بعض الجنود والشرطة في بغداد والكرخ يجهرون بالفسق وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء علانية من الطرق... وكانوا يجتمعون فيأتون القرى... ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك، لا سلطان يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم، لان السلطان كان يعتزّ بهم، وكانوا بطانته(2) .

الانحراف السياسي

1 - الأوضاع السياسية في عهد هارون

عاصر الإمام الرضاعليه‌السلام في مرحلة إمامته حكومة هارون عشر سنين من سنة (183 هـ) إلى سنة (193 هـ )، ولم تختلف سياسة هارون عن سياسة من سبقه من الحكّام، ولا عن سياسته السابقة في مرحلة الإمام الكاظمعليه‌السلام إلاّ أنه لم يتعرض تعرضاً مباشراً للإمام الرضاعليه‌السلام ؛ لأن الظروف والأوضاع السياسية لم تساعده على ذلك، فاغتيال الإمام الكاظمعليه‌السلام مسموماً لا زال يثير هواجسه خوفاً من ردود فعل الحركات المسلّحة المرتبطة بأهل البيتعليهم‌السلام ، ولذا نجده في بداية استشهاد الإمامعليه‌السلام أحضر القوّاد والكتّاب والهاشميين والقضاة، ثم كشف عن وجهه، وقال: أترَوْن به أثراً أو ما يدل على اغتيال؟(3) .

____________________

(1) مروج الذهب: 3 / 435.

(2) تاريخ الطبري: 8 / 551.

(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 414.


ولهذا لم يقدم على اتخاذ نفس الأسلوب مع الإمام الرضاعليه‌السلام ورفض الاستجابة لمن حرّضه على قتله - كما تقدّم - وإضافة إلى ذلك فإن الإمام الرضاعليه‌السلام اتخذ أسلوباً واعياً في التحرك السياسي، ولم يعط لهارون أيّ مبرّر للتخوف من تحركه، على أنّ أغلب الرسائل التي رفعت إليه لم تتطرق إلى نشاط سياسي ملحوظ للإمام الرضاعليه‌السلام .

إذن كان حكم هارون أكثر هدوءً وسلاماً مع الإمام الرضاعليه‌السلام ، وإن كان قد اتّسم بالمظاهر التالية:

أولاً: الإرهاب

إن وصول هارون للحكم كغيره من بني أُمية وبني العبّاس لم يكن بنص من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولا باختيار من المسلمين، ولم يختاره أهل الحل والعقد طبقاً للنظريات السائدة آنذاك. وإنّما وصل عن طريق العهد والاستخلاف من قبل من سبقه، وهذا الشعور دفعه للتشبث بالحكم بأيّ أسلوب أمكن، ولهذا استخدم الإرهاب إلى جانب الإغراء في تثبيت حكمه، فلم يسمح لأي معارضة وان كانت سلمية كما لم يسمح لأيّ نصح أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، ففي أحد خطبه قام إليه رجل فقال:( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (1) ، فأمر بضربه مائة سوط(2) .

وفي سنة (188 هـ) أخذ هارون أحد المقرّبين إلى أحمد بن عيسى العلوي، وضربه حتى مات - على الرغم من تجاوزه التسعين من عمره - لأنه لم يعلمه بمكان العلوي(3) .

____________________

(1) سورة الصف (61): 3.

(2) العقد الفريد: 1 / 51.

(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 423.


وطارد هارون يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن، ثم آمنه، وحينما حمل إليه، سجنه وبقي في السجن إلى أن مات فيه، وقيل إن الموكل به منعه من الطعام أياماً فمات جوعاً(1) .

وفي عهده قتل حميد بن قحطبة الطائي ستين علوياً ورماهم في البئر بأمر من هارون حينما كان بطوس(2) .

وعلى الرغم من ممارساته للإرهاب وقتله للعلويين إلاّ أنه لم يقدم على قتل الإمامعليه‌السلام ، وإنّما كان يكتفي بالتهديد أو التخطيط لقتله دون تنفيذ، ففي أحد المواقف قال: لأخرجن العام إلى مكة ولآخذنَّ علي ابن موسى ولأوردنّه حياض أبيه، وحينما وصل الخبر إلى الإمامعليه‌السلام قال: (ليس عليّ منه بأس)(3) .

وحينما طلبه هارون للمثول أمامه قالعليه‌السلام لمن معه: (إنه لا يدعوني في هذا الوقت إلاّ لداهية، فوالله لا يمكنه أن يعمل بي شيئاً اكرهه) ولما دخل على هارون أكرمه وطلب منه أن يكتب حوائج أهله، وحينما خرجعليه‌السلام قال هارون: أردت وأراد الله وما أراد الله خير(4) .

وبقي الإمامعليه‌السلام تحت رقابة شديدة من قبل عيون وجواسيس هارون، وكانوا ينقلون له كل ما يقوله، وكل ما يفعله، ويحصون عليه لقاءاته وزياراته، إلاّ أنه كان شديد الحذر من أجل أن يأمن هارون جانبه.

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 408.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 109.

(3) إثبات الوصية: 174.

(4) بحار الأنوار: 49 / 116، عن مهج الدعوات.


ثانياً: الاستبداد

لقد استبد هارون بالحكم وجعله موروثاً لأولاده الثلاث من بعده، واختار ابنه محمداً بن زبيدة إرضاءً لها على الرغم من اعترافه بعدم أهلية محمد للخلافة، حيث اعترف بذلك قائلاً: وقد قدمت محمداً... وإني لأعلم أنّه منقاد إلى هواه، مبذر لما حوته يداه، يشارك في رأيه الإماء والنساء، ولولا أم جعفر - يعني زبيدة - وميل بني هاشم إليه لقدمت عبد الله عليه(1) .

فاختار ابن زبيدة لهواها فيه، ولم يكترث ممّا سيحل بالمسلمين من كوارث جراء التنافس بين ولديه الذي ذهب ضحيته الآف المسلمين في قتال دموي وإنفاق لأموال المسلمين في ذلك القتال.

ومن مظاهر الاستبداد هو إسناد المناصب الحكومية والعسكرية إلى أقربائه وخواصّه والمتملّقين إليه دون النظر إلى مؤهلاتهم الدينية والخلقية والإدارية.

ثالثاً: الأخطار الخارجية

كانت الدولة والحكومة محاطة بمخاطر خارجية ففي بداية عهد الإمام الرضاعليه‌السلام أوقع الخزر بالمسلمين وقعة شديدة الوطأة، قتل فيها الآلاف وأسر فيها من النساء والرجال أكثر من مائة ألف، وكما يقول المؤرخون: جرى على الإسلام أمر عظيم لم يسمع قبله بمثله أبداً(2) .

وكان الروم يتحيّنون الفرص للوثوب على المسلمين، وكانوا ينقضون الصلح بين فترة وأخرى، ولا يرجعون إليه إلاّ بمعارك طاحنة، وكان الغزو غير

____________________

(1) تاريخ الخميس 6 2 / 334.

(2) تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة ( 181، 191): 12.


قائم على أسس نشر الإسلام وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية، وإنّما الدافع إليه هوى الحاكم ورغبته في السيطرة على أكبر مساحة وأكثر عدد من الناس، وإضافة إلى إشغال المسلمين وإبعادهم عن السياسة والمعارضة وسلوك هارون خير شاهد على هذه الحقيقة، فالحريص على الإسلام والمسلمين لا ينشغل بالجواري والأمسيات الفكاهية، ولا ينشغل بالترف والملذات.

رابعاً: اختلال الجبهة الداخلية

بسبب السياسات الخاطئة التي مارسها هارون في مرحلة حكمه، ظهر الخلل والاضطراب في الجبهة الداخلية، ففي سنة (184 هـ) خرج أبو عمرو حمزة الشاري، واستمر في خروجه إلى سنة (185 هـ )، وقمع هارون حركته بعد مقتل عشرة آلاف من أنصاره والخارجين معه.

وفي نفس السنة قتل أهل طبرستان والي هارون.

وفي السنة نفسها خرج أبو الخصيب للمرّة الثانية وسيطر على نسا وأبيورد وطوس ونيسابور وزحف إلى مرو وسرخس وقوي أمره، ولم تنته حركته إلاّ بمقتل الآلاف من الطرفين سنة ( 186 هـ)(1) .

وتوسع الخلل في الجبهة الداخلية سنة (187 هـ) حينما قام هارون بقتل البرامكة وهم أركان الحكم والمشيدون له(2) ، وقد كان لهم دور كبير في القضاء على خصوم العباسيين ومخالفيهم.

وفي السنة نفسها سجن هارون بن عبد الملك بن صالح بن علي العباسي، لسعي ابنه به وادعائه بأنه يطلب الخلافة(3) .

____________________

(1) تاريخ الطبري: 8 / 272 - 273.

(2) تاريخ الطبري: 8 / 287.

(3) الكامل في التاريخ: 6 / 180.


وقتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك لطلبه بثأر البرامكة(1) .

وفي سنة (189 هـ) توجه هارون إلى الري بعد ما وصلته الأخبار بأنّ علي بن عيسى بن ماهان - والي خراسان - قد أجمع على خلافه، إضافة إلى القطيعة بينه وبين أهل خراسان، وعاد بعد أربعة أشهر إلى بغداد دون أن يعزله(2) .

وكان هارون كثير العزل والإقصاء لقادة الأجهزة الحسّاسة في الحكومة، فمنصب قائد الشرطة قد تناوب عليه ثمانية أشخاص يعزل أحدهم ويستبدله بثان وهكذا(3) .

والسياسة الخاطئة أدّت إلى ضعف العلاقة بين هارون والأمة، والتي وصلت إلى حد الكراهية والبغضاء، فعند مرور هارون على فضيل بن عياض بمكة قال فضيل: الناس يكرهون هذا(4) .

وخلاصة القول: إن الأوضاع السياسية التي كان يمرّ بها حكم هارون جعلته يستثني من قتل الإمام الرضاعليه‌السلام لقرب العهد بمقتل والده مسجوناً، إضافة إلى أن عهد الإمام كان خالياً من الثورات العلوية التي قد تنسب مسؤوليتها إلى الإمامعليه‌السلام لو كانت قائمة.

وكان دور الإمامعليه‌السلام في هذه المرحلة هو الإصلاح الهادئ لجميع الأوضاع، ومن أعماله القيام بتوضيح المفاهيم السياسية السليمة دون إعلان المعارضة الصريحة.

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 6 / 186.

(2) الكامل في التاريخ: 6 / 191، 192.

(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 429.

(4) تاريخ بغداد: 14 / 12.


2 - الأوضاع السياسية في عهد محمد ( الأمين )

عاصر الإمامعليه‌السلام حكومة محمد بن هارون خمس سنين، من سنة (193 هـ) إلى سنة (198 هـ )، وفي هذه المرحلة لم تظهر من محمد بن هارون أي مبادرة إرهابية باتجاه الإمامعليه‌السلام وباتجاه أهل البيت عموماً، فلم يهدّد بقتله وقتل بقية العلويين، ولم يذكر لنا التأريخ تصريحاً منه بالتفكير في ذلك، ولعلّ الظروف والأوضاع التي أحاطت به لم تساعده على ذلك، ففي بداية حكومته بدأ الخلاف بينه وبين أخيه عبد الله المأمون، وانقسمت الدولة الإسلامية في الحكم إلى قسمين، فلكل منهما أنصار وأتباع ومصادر قوة من أموال وسلاح.

وفي سنة (194 هـ) تمرّد أهل حمص على الحكومة العباسية فقام قائد جيش محمد الأمين بقتل وجوه أهالي حمص وسجن أهاليها وإلقاء النار في نواحيها، ولم ينته التمرّد إلا بعد مزيد من القتلى والخراب الاقتصادي.

وفي السنة نفسها أمر الأمين بالدعاء على المنابر لابنه موسى بولاية العهد من بعده، ثم أمر أخاه المأمون أن يقدم ابنه موسى عليه فرفض.

وفي سنة ( 195 هـ) أرسل جيشاً إلى خراسان لقتال أخيه المأمون ولكن مني جيشه بالهزيمة، واستمر بإرسال الجيوش تباعاً إلى سنة ( 197 هـ) ولم تفلح جيوشه بالسيطرة على خراسان بل عادت متقهقرة، ولاحقتها جيوش المأمون إلى أن حاصرت بغداد حصاراً شديداً دام سنة كاملة.

وفي سنة (198 هـ) سيطرت جيوش المأمون على بغداد بعد قتال دام ذهب ضحيته عشرات الآلاف من الطرفين، وقُتِل الأمين ومن بقي معه من أصحابه، وأصبح المأمون هو الحاكم الوحيد الذي لا ينازعه منازع


بعد مقتل أخيه(1) .

وهذه الظروف أدّت إلى عدم توفر فرصة لملاحقة الإمام الرضاعليه‌السلام وغيره من العلويين. وبطبيعة الحال، كان الإمامعليه‌السلام يستثمر هذه الظروف لإصلاح ما أمكن إصلاحه مما فسد في المجتمع الإسلامي والقيام بتوسيع القاعدة الشعبية الشيعية، ونشر المفاهيم والأفكار السليمة. وكان العلويون يقومون بإعادة بناء تنظيماتهم العسكرية، والإعداد لمرحلة مقبلة تبعاً للظروف التي تمر بها الحكومة والأمة الإسلامية معاً.

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 6 / 222 - 282.


الفصل الثالث: دور الإمام الرضاعليه‌السلام قبل ولاية العهد

لقد كان الإمامعليه‌السلام محطّ أنظار الفقهاء ومهوى أفئدة طلاّب العلم، ويشهد لذلك قولهعليه‌السلام : (كنت أجلس في الروضة، والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا أعيى الواحد منهم عن مسألة أشاروا عليّ بأجمعهم وبعثوا إليّ بالمسائل فأجبت عنها)(1) .

وكانعليه‌السلام يأمر أتباعه بمداراة عقول الناس وعدم تحميلها ما لا تطيق من أفكار وعقائد، فقد قال لمحمد بن عبيد: (قل للعبّاسي: يكفّ عن الكلام في التوحيد وغيره، ويكلم الناس بما يعرفون، ويكفّ عمّا ينكرون)(2) .

الإصلاح الفكري والديني

وضّح الإمامعليه‌السلام حقيقة التآمر الفكري في بلبلة عقول المسلمين، وأعطى قاعدة كلية في الأساليب والممارسات التي يستخدمها أعداء الإسلام لتشويه الأفكار والمفاهيم الإسلامية فقالعليه‌السلام : (إن مخالفينا وضعوا أخباراً في فضائلنا وجعلوها على ثلاثة أقسام أحدها: الغلو، وثانيها: التقصير في أمرنا، وثالثها: التصريح بمثالب أعدائنا، فإذا سمع الناس الغلوّ فينا كفّروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول

____________________

(1) إعلام الورى: 2/64 وعنه في كشف الغمة: 3/107 وفي بحار الأنوار: 49/100.

(2) التوحيد: 95.


بربوبيتنا، وإذا سمعوا التقصير اعتقدوه فينا، وإذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم؛ ثلبونا بأسمائنا...)(1) .

واتخذ الإمامعليه‌السلام عدّة أساليب في مجال الإصلاح الفكري وإليك إيضاحها:

أوّلاً: الرد على الانحرافات الفكرية

قام الإمامعليه‌السلام بالرد على جميع ألوان الانحراف الفكري من أجل كسر الألفة بين المنحرفين وبينها، وكان يستهدف الأفكار والأقوال تارة، كما يستهدف الواضعين لها والمتأثرين بها تارة أخرى.

ففي ردّه على المشبّهة قالعليه‌السلام : (إلهي بدت قدرتك ولم تبد واهية فجهلوك، وقدروك والتقدير على غير ما به وصفوك وإنّي بريء يا إلهي من الذين بالتشبيه طلبوك ليس كمثلك شيء)(2) .

وفي ردّه على المجبرة والمفوضة قالعليه‌السلام : (من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها، فقد قال بالجبر، ومن زعم أنّ الله عَزَّ وجَلَّ فوض أمر الخلق والرزق إلى حججهعليهم‌السلام ، فقد قال بالتفويض، والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك)(3) .

وله ردود عديدة على الغلاة والمجسّمة وأصحاب التفسير بالرأي والقياس، كما أن له ردوداً على الفرق غير الإسلامية كالزنادقة واليهود والنصارى وغيرهم.

وفنّد الإمامعليه‌السلام جميع الروايات التي يعتمد عليها المنحرفون، ووضّح

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 304.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 117.

(3) عيون أخبار الرضا: 1 / 124.


بطلان صدورها عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأرشد المسلمين إلى الروايات الصحيحة، ففي رده على الرواية المفتعلة والمنسوبة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي جاء فيها: (أن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا)، قالعليه‌السلام : (لعن الله المحرّفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله كذلك، وإنما قال: إن الله تعالى ينزل ملكاً إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه، هل من مستغفر فاغفر له... حدثني بذلك أبي عن جدي عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(1) .

كما دعا الإمام الرضاعليه‌السلام إلى مقاطعة المنحرفين كالمجبّرة والمفوّضة والغلاة مقاطعة كلية لمنع تأثيرهم في الأمة، وأسند هذه الأوامر إلى أجدادهعليهم‌السلام تارة وإليه ابتداءً تارة أخرى.

قالعليه‌السلام : (حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمدعليهما‌السلام ، أنه قال: من زعم أن الله تعالى يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون، فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلّوا ورائه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً)(2) .

وقالعليه‌السلام عن مقاطعة الغلاة والمفوّضة: (الغلاة كفّار والمفوّضة مشركون، من جالسهم أو خالطهم أو وأكلهم، أو شاربهم، أو وأصلهم، أو زوّجهم، أو تزوّج منهم، أو آمنهم، أو ائتمنهم على أمانة أو صدّق حديثهم، أو أعانهم بشطر كلمة خرج من ولاية الله عَزَّ وجَلَّ وولاية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وولايتنا أهل البيت)(3) .

بل أمر بمقاطعة جميع أصناف الغلاة فقالعليه‌السلام : (لعن الله الغلاة ألا كانوا يهوداً، ألا كانوا مجوساً، ألا كانوا نصارى، ألا كانوا قدريّة، ألا كانوا مرجئة، ألا كانوا

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 126، 127.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 124.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 203.


حرورية... لا تقاعدوهم ولا تصادقوهم، وابرؤوا منهم برئ الله منهم)(1) .

وأمّا موقفهعليه‌السلام من الواقفة فيمكن تلخيصه بما يلي:

بعد أن استشهد الإمام الكاظمعليه‌السلام طالب الإمام الرضاعليه‌السلام جماعة من وكلائه بإرسال المال الذي كان بحوزتهم إليه، ولكنهم طمعوا به، فأجابوه: إن أباك (صلوات الله عليه) لم يمت وهو حي قائم، ومن ذكر أنّه مات فهو مبطل(2) .

واستطاع هؤلاء أن يستميلوا بعض الناس لترويج فكرة أنّ الإمام الكاظمعليه‌السلام لم يمت وأنّه القائم المنتظر.

وكان دور الإمامعليه‌السلام هو إثبات موت أبيه في المرحلة الأولى من مواجهة هذه الأفكار الهدّامة.

واستمر في مواجهتهم بشتى الأساليب، وكانت الحكومة آنذاك تشجع مثل هذه الأفكار الهدّامة لتفتيت التآزر والتآلف بين أتباع أهل البيتعليهم‌السلام . وما كان من الإمامعليه‌السلام إلاّ أن يعلن المواجهة مع الواقفة للقضاء عليهم، فقد لعنهم أمام أصحابه فقالعليه‌السلام : (لعنهم الله ما أشدّ كذبهم)(3) .

وأمر بعدم مجالستهم تحجيماً لأفكارهم ومدّعياتهم، فقال لمحمد بن عاصم: (بلغني أنّك تجالس الواقفة؟) قال: نعم، جعلت فداك أجالسهم وأنا مخالف لهم، قال: (لا تجالسهم)(4) .

وقالعليه‌السلام فيمن سأله عن الواقفة: (الواقف حائد عن الحق ومقيم على سيئة إن مات بها كانت جهنّم مأواه وبئس المصير)(5) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام : 2 / 202.

(2) الغيبة للطوسي: 65 ح 67 وعنه في بحار الأنوار: 48 / 253.

(3) رجال الكشي: 458 ح 868.

(4) رجال الكشي: 457 ح 864.

(5) رجال الكشي: 455 ح 860.


وأمر بمنع الزكاة عنهم فعن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام أعطي هؤلاء الذين يزعمون أن أباك حيّ من الزكاة شيئاً؟ قال: (لا تعطهم فإنهم كفار مشركون زنادقة)(1) .

وبذلك استطاع تحجيم دورهم وإيقاف حركتهم داخل كيان أنصار أهل البيتعليهم‌السلام ، ولم تنتشر أفكارهم إلا عند أصحاب المطامع والأهواء.

ثانياً: نشر الأفكار السليمة

ابتدأ الإمامعليه‌السلام بالرد على الأفكار المنحرفة ثم أمر بمقاطعة واضعيها والقائلين بها والمتأثرين بها؛ لتطويقها في مهدها والحيلولة دون استشرائها في الواقع، ثم عمل على نشر الأفكار السليمة لتتم المحاصرة من جميع الجوانب.

فكانعليه‌السلام يقوم بتفسير الآيات القرآنية التي تتناول أصول وقواعد العقيدة والشريعة، ويهتمّ بنشر الأحاديث الشريفة عن آبائه وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لكي تكون هي الحاكمة على أفكار وتصورات المسلمين.

وكان يستثمر جميع الفرص المتاحة لتبيان الفكر السليم والمفاهيم الشرعية الصحيحة.

ففي مجال التوحيد قالعليه‌السلام : (حسبنا شهادة أن لا اله إلا الله أحداً صمداً لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، قيّوماً سميعاً بصيراً قوياً قائماً باقياً نوراً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنياً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، خلق كل شيء، ليس كمثله شيء، لا شبه له، ولا ضدّ، ولا ندّ، ولا كفوء)(2) .

وصنّفعليه‌السلام أصناف القائلين بالتوحيد فقال: (للناس في التوحيد ثلاثة

____________________

(1) رجال الكشي: 456 ح 862.

(2) تحف العقول: 310.


مذاهب: نفي وتشبيه وإثبات بغير تشبيه، فمذهب النفي لا يجوز، ومذهب التشبيه لا يجوز لأن الله تبارك وتعالى لا يشبهه شيء، والسبيل في الطريقة الثالثة إثبات بلا تشبيه)(1) .

وسئلعليه‌السلام : أيكلّف الله العباد ما لا يطيقون؟ فقال: (هو أعدل من ذلك)، قيل له: فيستطيعون أن يفعلوا ما يريدون؟ قال: (هم أعجز من ذلك)(2) .

ونشر الأفكار الإسلامية يشكّل الركن الأساسي في الإصلاح الفكري لأنه يستبدل فكراً بفكر ورأياً برأي وتشريعاً بتشريع.

ثالثاً: إرجاع الأمة إلى العلماء

بعد توسّع القاعدة الشعبية لأهل البيتعليهم‌السلام وصعوبة الالتقاء بالإمامعليه‌السلام باستمرار، قام الإمامعليه‌السلام بإرجاع الأمة إلى عدد من العلماء لأخذ معالم دينهم، فعن عبد العزيز بن المهتدي قال: سألت الرضا، فقلت: إني لا ألقاك في كل وقت فعن من آخذ معالم ديني؟ قال: (خذ من يونس بن عبد الرحمن)(3) .

وكان له أتباع من الفقهاء منتشرين في جميع الأمصار، يُرجع لهم أنصاره وسائر المسلمين لأخذ معالم الدين من عقائد وتشريعات وأحكام، منهم: أحمد بن محمد البزنطي، ومحمد بن الفضل الكوفي، وعبد الله بن جندب البجلي، والحسين بن سعيد الأهوازي.

وكان يتابع حركة الرواة لكي لا يكذبوا عليه أو على آبائه، فكان يقول عن يونس مولى علي بن يقطين: (كذب - لعنه الله - على أبي)(4) .

____________________

(1) بحار الأنوار: 3 / 263.

(2) الوافي بالوفيات: 22 / 249.

(3) رجال الكشي: 483 ح 910.

(4) بحار الأنوار: 49 / 261 - 262 عن السرائر: 3/580.


الاصلاح الاقتصادي

لم يكن الإمامعليه‌السلام على رأس سلطة حتى يستطيع إصلاح الأوضاع الاقتصادية إصلاحاً فعلياً، ولذا اكتفى بنشر المفاهيم الإسلامية المتعلقة بالحياة الاقتصادية والنظام الاقتصادي الإسلامي، فقد حدّد جوامع الشريعة في رسالة له طويلة اعتبر الانحراف عن نهج الإسلام الاقتصادي من الكبائر التي يعاقب عليها الإنسان، ومما جاء في هذه الرسالة: (واجتناب الكبائر، وهي... أكل مال اليتامى ظلماً... وأكل الربا والسحت بعد البينة، والميسر، والبخس في الميزان والمكيال... وحبس الحقوق من غير عسر... والإسراف والتبذير)(1) .

وكان يدعو إلى دفع الزكاة فيقول: (إن الله أمر بثلاثة مقرون بها ثلاثة أخرى: أمر بالصلاة والزكاة، فمن صلّى ولم يزكّ لم تقبل منه صلاته...)(2) .

وكان يوضّح أسباب الظواهر السلبية ومنها حبس الزكاة فيقول: (إذا كذبت الولاة حبس المطر، وإذا جار السلطان هانت الدولة، وإذا حبست الزكاة ماتت المواشي)(3) .

وكانعليه‌السلام يدعو إلى إيصال الزكاة إلى مستحقيها، فحينما سئل عن إعطاء الزكاة فيمن لا يعرف - إي بالإيمان - قال: ( لا، ولا زكاة الفطرة)(4) .

وكان يقول: (وزكاة الفطرة فريضة... لا يجوز أن تعطى غير أهل الولاية لأنها فريضة)(5) .

____________________

(1) تحف العقول: 316.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 258.

(3) وسائل الشيعة 9 / 31، عن أمالي الطوسي: 1 / 77.

(4) وسائل الشيعة: 9/221، عن الكافي: 3 / 547.

(5) وسائل الشيعة: 9 / 339.


وهذا تصريح يكشف التلاعب بأموال المسلمين من قبل الحكّام بتوزيعهم الأموال حسب أهوائهم ورغباتهم دون التقيّد بميزان شرعي.

وكان يدعو إلى إعطاء الخمس إلى الإمام الحقّ وليس إلى الحاكم المغتصب للخلافة ففي كتابه إلى أحد تجّار فارس ردّاً على سؤال له يقول: (... لا يحلّ مال إلاّ من وجه أحله الله. إن الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالاتنا وعلى موالينا، وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته، فلا تزووه عنّا... فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم، وتمحيص ذنوبكم...)(1) .

وكان يدعو إلى التكافل الاقتصادي ويحثّ عليه قالعليه‌السلام : (السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه)(2) .

وقال لعلي بن يقطين: (أضمن لي الكاهلي وعياله وأضمن لك الجنّة)(3) .

وكان يحارب الإسراف والتبذير، فعن ياسر الخادم قال: أكل الغلمان يوماً فاكهة، فلم يستقصوا أكلها ورموا بها فقال لهم أبو الحسنعليه‌السلام : (سبحان الله! إن كنتم استغنيتم فإنّ إناساً لم يستغنوا، اطعموه من يحتاج إليه)(4) .

وكان ينفق ما يصل إليه من أموال على الفقراء والمعوزين حتى إنه وزع جميع ما يملك في يوم عرفة(5) .

وكان قدوة في الصدقة والعطاء لتقتدي به الأُمة، ويكون عمله ميزاناً تزن به الأُمة ممارسات الحكّام المالية، لتميز بين منهجين اقتصاديين، منهج أهل البيتعليهم‌السلام ومنهج الحكّام المتلاعبين بأموال المسلمين.

____________________

(1) وسائل الشيعة: 9 / 538، عن الكافي 1 / 460.

(2) فرائد السمطين: 2 / 223.

(3) رجال الكشي: 435 ح 820.

(4) الكافي: 6 / 297.

(5) بحار الأنوار: 49 / 100، عن: مناقب آل أبي طالب: 4 / 390.


وكان يحارب التصوّف ومفاهيم الزهد الخاطئ، الذي شجّع عليه الحكّام لإبعاد الأُمة عن المطالبة بحقوقها، أو الدعوة إلى التوازن الاقتصادي، فكانعليه‌السلام يجلس في الصيف على حصير وفي الشتاء على بساط من شعر، ويلبس الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيّن لهم(1) .

ودخل عليه قوم من الصوفية فقالوا له:... والأئمة تحتاج إلى من يأكل الجشب ويلبس الخشن ويركب الحمار ويعود المريض؟ فأجابهم بالقول: (كان يوسف نبياً يلبس أقبية الديباج المزردة بالذهب ويجلس على متكئات آل فرعون، ويحكم! إنما يراد من الإمام قسطه وعدله، إذا قال صدق وإذا حكم عدل، وإذا وعد أنجز. إن الله لم يحرم لبوساً ولا مطعماً...)(2) .

والدعوة إلى رفض المفاهيم الخاطئة للزهد هي معارضة صامتة للحكّام الذين سمحوا بانتشار هذه المفاهيم.

الإصلاح الأخلاقي

كان الإمامعليه‌السلام يستثمر جميع الفرص المتاحة للإصلاح والتغيير الأخلاقي والاجتماعي وبناء واقع جديد مغاير لما عليه عامة الناس، ولهذا تعددت أساليبه التربوية الإصلاحية فكانت كما يلي:

أولاً: إحياء روح الاقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

قام الإمامعليه‌السلام بتوجيه الأنظار والقلوب للاقتداء بأرقى النماذج البشرية وهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهو قدوة للحكّام باعتباره حاكماً ورئيس دولة، وقدوة

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 178.

(2) كشف الغمة: 3 / 100 عن الآبي في نثر الدرر، الفصول المهمة: 254.


للفقهاء، وقدوة لسائر المسلمين من أفراد وجماعات.

وإذا كانت الحكومات المعاصرة للإمامعليه‌السلام تضيّق الخناق على الإمامعليه‌السلام في حالة التدخل في السياسة فإنها لا تستطيع أن تمنعه من الحديث المتعلق بأخلاق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخصوصاً أخلاقه كحاكم، ولذا وجدعليه‌السلام الظروف مناسبة للدعوة إلى الاقتداء بهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقد كان يذكر الأحاديث عن أجداده حول أخلاق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنها الحديث المروي عن الإمام الحسنعليه‌السلام عن أبيهعليه‌السلام في صفات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الأخلاقية:

(... وكان من سيرته في جزء الأُمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيشاغل ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأُمة من مسألته عنهم وأخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: ليبلّغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته... كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يخزن لسانه إلاَّ عما يعنيه... ويكرم كريم قوم ويولّيه عليهم... ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس... خيارهم عنده وأعمهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة... وقد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أباً رحيماً، وصاروا عنده في الحق سواء... كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب... وترك من الناس من ثلاث كان لا يذم أحداً ولا يعيّره ولا يطلب عثراته ولا عورته... وجمع له الحلم مع الصبر، فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر مع أربع: أخذه الحسن ليقتدى به، وتركه الباطل لينتهى عنه، واجتهاده الرأي في إصلاح أمته والقيام فيما جمع لهم من خير الدنيا والآخرة)(1) .

وهذه الدعوة دعوة صامتة لتقوم الأُمة بتشخيص منهجين في الأخلاق: منهج الحكّام ومنهج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي هو منهج أهل البيتعليهم‌السلام . وقد

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 317 - 319.


فوّت الإمامعليه‌السلام على الحكّام فرصة منعه من التحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الجانب الخلقي. وهكذا كانت الدعوة إلى الاقتداء برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دعوة صامتة وسلميّة لكشف حقيقة أخلاق الحكّام.

ثانياً: القيام بدور القدوة

إن دور الإمامعليه‌السلام هو دور القدوة، وقد أدى الإمامعليه‌السلام هذا الدور أداءً مطابقاً لقيم الإسلام الثابتة، وأبرز للمسلمين نموذجاً من أرقى نماذج الخلق الإسلامي الرفيع، وكان قمة في الصدق وأداء الأمانة والوفاء بالعهد، والتواضع، واحترام الآخرين، والاهتمام بالمسلمين، وقضاء حوائجهم.

وكان يعالج الواقع الفاسد في العلاقات معالجة عملية، ومن مواقفه العملية انه دعا يوماً بمائدة، فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقيل له: لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: (إن الربّ تبارك وتعالى واحد والأم واحدة والأب واحد والجزاء بالأعمال)(1) .

وقال لخدّامه: (إن قمت على رؤوسكم وأنتم تأكلون، فلا تقوموا حتى تفرغوا).

وكان لا يستخدم أحداً من خدّامه حتى يفرغ من طعامه(2) .

ووصفه إبراهيم بن العباس: ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضاعليه‌السلام ، ما جفا أحداً ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردّ أحداً عن حاجة، وما مدّ رجليه بين يدي جليس، ولا اتكئ قبله، ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكة، وكان يجلس على مائدة مماليكه... كثير

____________________

(1) بحار الأنوار: 49 / 102 عن فروع الكافي.

(2) الكافي: 6 / 289.


المعروف والصدقة في السر...(1) .

وكان متواضعاً للناس، دخل الحمام فقال له بعض الناس: دلّكني يا رجل. فجعل يدلّكه فعرّفوه، فجعل الرجل يعتذر منه، وهو يطيب قلبه ويدلّكه(2) .

وكانعليه‌السلام كثير العفو والصفح لا يقابل الإساءة بالإساءة، رحيماً لا يحمل حقداً ولا عداءاً لمن يؤذيه من عامة الناس أو من خواصهم، فقد عفى عن الجلودي الذي سلب حلي نساء أهل البيتعليهم‌السلام عندما هجم على دار الإمام الرضاعليه‌السلام في عهد هارون، وطلب من المأمون أن لا يمسّه بسوء(3) .

وقال شعراً يصف به أخلاقه الكريمة لتقتدي به الأُمة:

إذا كان من دوني بليت بجهله

أبيت لنفسي أن أقابل بالجهل

وإن كان مثلي في محلّي من النهى

أخذت بحلمي كي أجلّ عن المثل

وإن كنت أدنى منه في الفضل والحجى

عرفت له حق التقدّم والفضل (4)

ثالثاً: الدعوة إلى مكارم الأخلاق

كانعليه‌السلام يدعو إلى التمسك بمكارم الأخلاق ومحاسنها، ويعمق هذه الدعوة من خلال نشر أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي ترسم للمسلمين المنهج السلوكي السليم، ومن تلك الأحاديث التي رواها:

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (المستتر بالحسنة يعدل سبعين حسنة، والمذيع بالسيئة

____________________

(1) إعلام الورى: 2/64 وعنه في كشف الغمة: 3/106 وفي مناقب آل أبي طالب: 4 / 389.

(2) مناقب آل أبي طالب: 4 / 391.

(3) أعيان الشيعة: 2 / 25.

(4) مناقب آل أبي طالب: 4 / 402.


مخذول، والمستتر بها مغفور له)(1) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إن الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق)(2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (عدة المؤمن نذر لا كفارة لها)(3) .

وكانعليه‌السلام يدعو للاندكاك بقيم الإسلام والسنن الصادرة من الله تعالى ومن رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن أولياء الله فيقول: (لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال: سنة من ربّه، وسنة من نبيّه، وسنة من وليّه، فأمّا سنة من ربّه فكتمان أمره... وأما السنة من نبيّه فمداراة الناس... وأما السنة من وليّه فالصبر في البأساء والضرّاء)(4) .

وحدّدعليه‌السلام المفهوم الحقيقي للتواضع والذي هو حركة سلوكية شاملة، تبتدأ بالنفس وتنتهي بالمجتمع، فقال: (التواضع درجات، منها: إن يعرف المرء قدر نفسه فينزلها منزلتها بقلب سليم، ولا يحبّ أن يأتي إلى أحد إلا مثل ما يؤتى إليه، إن رأى سيئة درأها بالحسنة، كاظم الغيظ، عاف عن الناس، والله يحب المحسنين)(5) .

وكان يضرب الأمثال في خطوات الإصلاح ويقصّ قصص الصالحين لتبقى شاخصة في العقول والنفوس، ومما جاء في ذلك قولهعليه‌السلام : (إنّ رجلاً كان في بني إسرائيل عَبَدَ الله تبارك وتعالى أربعين سنة، فلم يقبل الله منه، فقال لنفسه: ما أتيت إلا منك، ولا الذنب إلا لك، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: ذمك نفسك أفضل من عبادة أربعين سنة)(6) .

وكان ينشد الشعر لتأثيره السريع على الإسماع والممارسات،

____________________

(1) الكافي: 2 / 428.

(2) الكافي: 2 / 159.

(3) كشف الغمة: 3/58 عن الجنابذي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

(4) الكافي: 2 / 242.

(5) الكافي: 2 / 124.

(6) قرب الإسناد: 392.


ويستخدمه كوسيلة لإصلاح الأخلاق، ومما انشدهعليه‌السلام في العلاقات الاجتماعية:

اعذر أخاك على ذنوبه

واستر وغطّ على عيوبه

واصبر على بهت السفيه

وللزمان على خطوبه

ودع الجواب تفضلاً

وكِلِ الظلوم إلى حسيبه (1)

وانشد شعراً لربط المسلمين باليوم الآخر وعدم الانخداع بالأماني، ولاستحضار اليوم الآخر في الأذهان باعتبار تأثيره الكبير في إصلاح الأخلاق قالعليه‌السلام :

كلنا يأمل مداً في الأجل

والمنايا هنّ آفات الأمل

لا تغرنّك أباطيل المنى

والزم القصد ودع عنك العلل

إنّما الدنيا كظل زائل

حل فيه راكب ثم ارتحل (2)

وكانعليه‌السلام يدعو المسلمين إلى إقامة العلاقات الاجتماعية الصالحة ويدعو إلى الإخاء والتآلف والتآزر، ويدعو إلى نبذ الأخلاق الطالحة التي تؤدّي إلى التقاطع والتدابر، أو تؤدّي إلى إرباك العلاقات، كالكذب والغيبة والنميمة والبهتان، والاعتداء على أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم، وينهى عن جميع الانحرافات الأخلاقية، لكي تكون الأخلاق مطابقة للمنهج الإسلامي السليم، الذي أرسى دعائمه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيتهعليهم‌السلام .

رابعاً: بناء الجماعة الصالحة

كان الإمامعليه‌السلام يقوم بأداء دوره التربوي على مستويين:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2/176 ح 4 وكشف الغمة: 3/59 و: 119 عن إعلام الورى: 2/69.

(2) البداية والنهاية: 10 / 250.


الأوّل: مجموع الأُمة الاسلامية.

الثاني: الجماعة الصالحة.

فعلى المستوى الأول كان الإمامعليه‌السلام يوجه الأُمة للالتزام بالأخلاق الفاضلة والخصائص الحميدة، ويبعدها عن مزالق الانحراف والرذيلة، تنفيذاً لمسؤوليته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومجموع الأُمة يشمل الحكّام والمحكومين وهم جميع المسلمين بما فيهم أتباع أهل البيتعليهم‌السلام . وعلى المستوى الثاني فإنّ الإمامعليه‌السلام مسؤول عن بناء الجماعة الصالحة التي تتبنى مذهب أهل البيتعليهم‌السلام منهاجاً في الحياة، لكي يربّي كوادر ونماذج رسالية تقوم بدورها في إصلاح الأخلاق وتغيير الانحراف السائد في المجتمع، وهو في هذا المستوى يقوم بأداء دوره بصورة أكثف، ويبدي عناية إضافية ووقتاً إضافياً ليربي عدداً اكبر من المصلحين القادرين على إنجاح مهمات الإصلاح والتغيير، لذا نجدهعليه‌السلام يعمل ليل نهار، ويلتقي بالإفراد فرداً فرداً أو جماعة جماعة من أنصاره، ويراسل وكلاءه وأتباعه في الأمصار ليقوّم سلوكهم ويهذّب أخلاقهم.

وكان يرسم لأتباعه المنهج السلوكي القويم، فعن الحسن بن الحسين أنه قال: استحل أحمد بن حمّاد منّي مالاً له خطر، فكتبت رقعة إلى أبي الحسنعليه‌السلام وشكوت فيها أحمد بن حماد، فوقّع فيها: خوِّفه بالله!، ففعلت ولم ينفع، فعاودته برقعة أخرى أعلمته أنّي قد فعلت ما أمرتني به فلم انتفع، فوقع: إذا لم يحلّ فيه التخويف بالله، فيكف تخوفه بأنفسنا(1) .

وكانعليه‌السلام يشتري العبيد ثم يعتقهم بعد أن يعدّهم إعداداً تربوياً في

____________________

(1) رجال الكشي: 561 ح 1059.


داره فقد أعتق ألف مملوك(1) طول سني حياته، وهذا العدد الكبير له تأثير في سير الأخلاق، حيث يصبح هؤلاء بعد التربية والإعداد الخلقي تياراً من المخلصين الواعين يعمل في وسط الأُمة، ويقوم بأداء دور الإصلاح مبتدءاً بنفسه وأسرته ثم المجتمع الكبير.

وقد تخرج من هذا الإعداد مئات المربين والمصلحين، وازداد أتباع الإمامعليه‌السلام في عصره وتوسعت قاعدته الشعبية في مساحة واسعة من الدولة الإسلامية.

الإصلاح السياسي

1 - الإمام الرضاعليه‌السلام وقيادة الحركة الرسالية

للتعرف على أسلوب الإمام الرضاعليه‌السلام في قيادة الحركة الرسالية ينبغي إلقاء صورة مختصرة واضحة عن أساليب الأئمةعليهم‌السلام في قيادتهم للحركة الرسالية، لنتعرف من خلالها على أساليب قيادة الإمامعليه‌السلام للحركة الرسالية في عصره.

إن من مسؤولية الإمام القائد هي بناء الإنسان والمجتمع بناءً عقائدياً، وخلقياً، واجتماعياً، وسياسياً، ويتم البناء عن طريق بناء قاعدة شعبية تقتدي بنهج أهل البيتعليهم‌السلام ونظرتهم الإسلامية إلى الكون والحياة والمجتمع، ولذلك لم يقتصر العمل على التحرك السياسي أو الوصول إلى قمة السلطة والحكومة، وإنما كان العمل السياسي جزءاً من كل، والسلطة وسيلة من وسائل تحقيق الأهداف وليست هدفاً بحد

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف: 155.


ذاتها. ومن هذا المنطلق كان عمل الأئمةعليهم‌السلام .

وإذا سمحت الظروف للائمة الثلاث الإمام علي والحسن والحسينعليهم‌السلام بقيادة الحركة الرسالية بجميع مجالاتها قيادة مباشرة، فإنها قد تغيّرت في عهد الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام وبقية الأئمةعليهم‌السلام ، لذا نجدهم قد التجئوا إلى الإشراف غير المباشر على سير الأحداث وخصوصاً الأوضاع السياسية والعسكرية منها، فكانوا يقودون جميع خطوط الحركة الرسالية في آن واحد، دون أن تصل الحكومة إلى معرفة خطوط الحركة ونشاطاتها التنظيمية ومدى قربها وبعدها من الإمامعليه‌السلام ومدى إشرافه عليها.

والعوامل التي كانت تحدد أسلوب التحرك لديهم تتمثل بما يلي:

أولاً: المصلحة الإسلامية العامة.

ثانياً: المصلحة الإسلامية الخاصة بحركة أهل البيتعليهم‌السلام باعتبارهم مسؤولين عن إصلاح الأوضاع.

ثالثاً: الظروف العامة والخاصة من حيث قوة الحركة وقوة القاعدة الشعبية.

وبذلك فإن الأئمةعليهم‌السلام قد قادوا جميع النشاطات في آن واحد بما فيها الحركات المسلحة ولكن بأسلوب غير مباشر تحيطه السرّية والكتمان، من أجل أن لا يتعرض الإمامعليه‌السلام إلى القتل في بداية إمامته، لأنّ إصلاح الأُمة وتربيتها مقدّم على كل شيء، فلو قاد الإمامعليه‌السلام حركة عسكرية أو ثورية فإنه سيقتل وتبقى الأُمة بحاجة إلى من يرفدها بالفكر السليم بإعداد الفقهاء والعلماء، ومن يرفدها ببناء طليعة من العبّاد والزهاد والسياسيين وقادة الحركات الثورية.

وبتعبير آخر: إنّ الإمامعليه‌السلام كان يقود خطين من خطوط


العمل الرسالي:

الخط الفكري: ومهمّته طلب العلم ونشره، وأداء مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأسلوب هادئ سلميّ.

خط المواجهة: ومهمّته إعلان التمرد على الحكومات الجائرة، واستخدام القوة لإيقاف انحرافها عن النهج الإسلامي الأصيل.

وهذا الأسلوب يتّضح من خلال سيرة الأئمةعليهم‌السلام ، فالإمام زين العابدينعليه‌السلام بعد استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام وسبي نسائه اتّبع هذا الأسلوب، لأنّ الظروف السياسية قد تغيّرت، إضافة إلى توسّع القاعدة الشعبية لأهل البيتعليهم‌السلام واختلاف أتباعه وأنصاره في قدراتهم وطاقاتهم. فالتوّابون ثاروا في عهده، ولكن لم تحصل الحكومة الأموية على دليل واحد تثبت فيه علاقة الإمامعليه‌السلام بهم، وثار المختار في عهده، وفاتحه عمّه محمد بن الحنفية حول تأييده للثورة، فقالعليه‌السلام : (يا عم لو أنَّ عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت، لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولّيتك هذا الأمر، فاصنع ما شئت)(1) . وقد كان هذا التخطيط سرّياً للغاية ولم يتسرّب إلاّ إلى بعض أتباع أهل البيتعليهم‌السلام .

وحينما جاء البعض إلى محمد بن الحنفية حثّهم على الاشتراك مع المختار، وأرسل كتاباً إلى إبراهيم الأشتر يحثّه على ذلك(2) .

وحينما حاصر عبد الله بن الزبير محمد بن الحنفية وتوعّده بالقتل

____________________

(1) رسالة ذوب النُضّار في شرح الثار لجعفر بن نما الحلي رواية عن والده محمد بن نما، وعنه في بحار الأنوار: 45 / 363 - 364.

(2) الكامل في التاريخ: 4 / 214 - 215.


والإحراق كتب إلى المختار طالباً نجدته فأرسل له المختار جيشاً فأنقذه ممّا هو فيه(1) .

وتدلّنا هذه الوقائع على أن الإمام زين العابدينعليه‌السلام قد عيّن ابن الحنفية قائداً للخط والجناح العسكري، وكانت الأوامر تصدر منه مباشرة وليست من الإمامعليه‌السلام .

وحينما سيطر المختار على الكوفة وانتهت سيطرة الأمويين على العراق والحجاز وبعض الأمصار أعلن الإمامعليه‌السلام عن ثنائه على المختار لبعض المقرّبين إليه فقال: (الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى المختار خيراً)(2) .

وفي الوقت نفسه كان الإمامعليه‌السلام قد أرفد الأُمة بعدد من العلماء والفقهاء والرواة، كعبد الله بن الحسن، والزهري، وعمرو بن دينار، وعلي بن زيد بن جدعان، ويحيى بن أم الطويل(3) .

واستمر الإمام بأعداد القادة للمرحلة القادمة، فقد أعدّ ابنه محمداً الباقرعليه‌السلام للإمامة والقيادة العامة، وأعدّ ابنه زيداً لقيادة الثورة والحركة المسلحة.

وحينما أراد زيد الخروج أتى إلى الإمام محمد الباقرعليه‌السلام للقيام بالثورة أجابهعليه‌السلام : (لا تفعل يا زيد فإني أخاف أن تكون المقتول المصلوب بظهر الكوفة)(4) ، ولم يخرج زيد في عهده.

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 4/250 - 251.

(2) رجال الكشي: 127 ح 203.

(3) سير أعلام النبلاء: 4 / 391.

(4) الخرائج والجرائح: 1 / 281.


وزيد معترف بإمامة الباقرعليه‌السلام ومن بعده الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام كما يظهر ذلك في شعره التالي:

ثوى باقر العلم في ملحد

إمام الورى طيّب المولد

فمن لي سوى جعفر بعده

إمام الورى الأوحد الأمجد (1)

وتصريح الإمام الباقرعليه‌السلام حول نصرة زيد شاهد على أن الأئمةعليهم‌السلام كانوا يقودون الخط العسكري بصورة غير مباشرة. قالعليه‌السلام : (إن أخي زيد بن علي خارج فمقتول على الحق، فالويل لمن خذله، والويل لمن حاربه، والويل لمن يقتله)(2) .

وفي عهد الإمام الصادقعليه‌السلام جاءته جماعة قبل خروج زيد فأخبرته ببيعة زيد، فقالعليه‌السلام : (بايعوه)(3) .

وكانعليه‌السلام يقول: (أشركني الله في تلك الدماء مضى والله عمّي زيد وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه)(4) .

وكان الثوّار لا يحدّدون اسم الإمام القائد وإنّما يكتفون بالدعوة إلى الرضى من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ لأن الظروف كانت تستوجب عدم التصريح، وكان الإمامعليه‌السلام يحذّر أصحابه من الخروج مع غير المرتبطين به وكان يقول: (إذا أتاكم آت منّا فانظروا على أيّ شيء تخرجون؟ ولا تقولوا: خرج زيد، فإنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنما دعاكم إلى الرّضى من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو ظهر لوفى بما دعاكم إليه...)(5) .

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب: 4/213 وعنه في بحار الأنوار: 46 / 296.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 113.

(3) الكامل في التاريخ: 5 / 243.

(4) عيون أخبار الرضا: 1 / 253.

(5) فروع الكافي: 8 / 264.


والخط العسكري هو درع الأئمة من جهتين:

الأولى: الاحتفاظ بالحالة الثورية للمجتمع كي تبقى مستعدة للقيام والتضحية.

الثانية: انه من خلاله يمكن الاستمرار في العمل الإصلاحي. وبانشغال الحاكم بمطاردة أتباع هذا الخط يكون المجال مفتوحاً لجميع الأعمال غير العسكرية، ويضمن وجوده سلامة أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم، لأن الحاكم يخشى من تشديد الملاحقة والإرهاب الذي قد يؤدي إلى انخراط الجميع في الخط العسكري، فكان يعطي قدراً من الحرية لمن لا يحمل السلاح ويتظاهر بطلب العلم أو التجارة أو غير ذلك.

وقد عبّر الإمام الصادقعليه‌السلام عن هذه الظاهرة بقوله: (كفّوا ألسنتكم والزموا بيوتكم، فإنّه لا يصيبكم أمر تخصّون به أبداً، ولا تزال الزيدية لكم وقاءً أبداً)(1) .

ويبقى الإشراف على الخط العسكري من قبل الإمامعليه‌السلام في طي الكتمان، وفي أقصى غايات السرّية، ولا يطّلع عليه إلا من له دور مؤثر في العمل الرسالي، ولم تستطع السلطة كشف العلاقة بين الثوار والإمام من حيث التخطيط والتنسيق والتنفيذ إلاّ إنها كانت تتهم الإمام المعصومعليه‌السلام بإسناد الثورات أو تحريكها ولكن لا دليل لها عليه، وكان أبو جعفر المنصور يقول: من يعذرني من جعفر هذا؟ قدّم رِجلاً وأخّر أخرى، ويقول: اتنحّى عن محمد ابن عبد الله بن الحسن فإن ظفر فإنّما الأمر لي، وإن تكن الأخرى فكنت قد أحرزت نفسي(2) .

وكان قادة الخط العسكري لا يصرّحون بذكر اسم الإمامعليه‌السلام وإنما

____________________

(1) أصول الكافي: 2 / 225.

(2) مهج الدعوات: 188 وعنه في بحار الأنوار: 47 / 192.


يلمّحون بذلك أمام أتباعهم، فعن الحسين بن علي صاحب فخّ ويحيى بن عبد الله بن الحسن قالا: ما خرجنا حتى شاورنا أهل بيتنا، وشاورنا موسى بن جعفر فأمرنا بالخروج(1) .

وكان الإمام الكاظمعليه‌السلام يقول للحسين بن علي: (إنّك مقتول فأحدّ الضراب... فانّا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله عَزَّ وجَلَّ احتسبكم من عصبة)(2) .

وكان الحاكم العباسي موسى الهادي يهدّد بقتل الإمام الكاظمعليه‌السلام ويقول: والله ما خرج حسين إلا عن أمره، ولا اتّبع إلاّ محبته؛ لأنّه صاحب الوصية في أهل هذا البيت، فقتلني الله إن أبقيت عليه، فأقنعه أبو يوسف القاضي بعدم صحة ذلك، فسكن غضبه(3) .

واتّبع الإمام الرضاعليه‌السلام نفس الأسلوب في التحرك الرسالي فكان يقود جميع الخطوط في آن واحد دون أن تعلم السلطة بخفايا التحرك العسكري حيث كان محاطاً بسريّة تامة يصعب التعرف على خصوصياته.

إنّ تأكيد المأمون فيما بعد على أن ينزل الإمام الرضاعليه‌السلام عند رغبة المأمون في قضية ولاية العهد تعتبر شاهداً على مخاوف المأمون من تحرّكات العلويين ويكون قبول الإمام لولاية العهد خطوة لاستيعاب هذه الحركات التي ترى في الإمام قدوة لها وبذلك سوف يفقد العلويون مبرّرات المعارضة للحكم الذي يكون الإمام فيه وليّاً للعهد.

____________________

(1) مقاتل الطالبيين: 383.

(2) مقاتل الطالبيين: 376.

(3) مهج الدعوات: 217 وعنه في بحار الأنوار: 48 / 151.


2 - الدور السياسي للإمامعليه‌السلام في عهد هارون ومحمد

استثمر الإمامعليه‌السلام أجواء وظروف الانفراج السياسي النسبي لبناء وتوسعة القاعدة الشعبية، وتسليحها بالفكر السياسي السليم المنسجم مع رؤية أهل البيتعليهم‌السلام ، وتعبئة الطاقات لاتخاذ الموقف المناسب في الوقت المناسب، ولهذا لم تنفجر أي ثورة علوية في هذين العهدين لعدم اكتمال العدة والعدد.

وكان الإمامعليه‌السلام يقدّم للأمة المفاهيم والأفكار السياسية بأسلوب حذر لكي لا يعطي للحكّام مبرراً لمنعه أو سجنه أو قتله، فقد أكّدعليه‌السلام على ضرورة الإمامة في كل زمن ونقل عن آبائه وأجداده الروايات التي تتعلق بهذا المفهوم السياسي الذي هو جزء من عقيدة أهل البيتعليهم‌السلام ، فنقل عبر السلسلة الذهبية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: (يدعى كل أناس بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنة نبيّهم)(1) .

وحدّدعليه‌السلام علامات الإمام لكي تتمكن الأُمة من تشخيص الإمام الحق في ظرف كثر فيه التدليس وقلب الحقائق فقالعليه‌السلام : (للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس...)(2) .

ويؤكّد الإمام الرضاعليه‌السلام على وحدة الإمامة فلابد من نصب إمام واحد غير متعدد(3) ، ويذكر العلّة من ذلك وهي توحيد جيمع الأعمال والمواقف والحيلولة دون حدوث الاضطراب في الدولة والأمة. وهذا يعني أن تعدد الأئمة مخالف لأسس العقيدة الإسلامية في السياسة والحكم، وفي هذه الحالة

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب: 3 / 80.

(2) عيون أخبار الرضا: 1 / 213.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 101.


لا بد وأن يكون أحد الأئمة إمام حق والبقية أئمة ضلالة لا تجب طاعتهم وإن كانوا في قمة السلطة الزمنية.

وقام الإمامعليه‌السلام بنشر الأحاديث المتعلقة بفضائل أهل البيتعليهم‌السلام ودورهم في الحياة الإسلامية، فقد روى عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: (مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها زج في النار)(1) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأمتي)(2) .

وروى عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: (يا علي، أنت قسيم الجنة والنار...)(3) .

ووجّهعليه‌السلام الأنظار إلى أهل البيتعليهم‌السلام وإلى موقعهم القيادي في الأُمة، ثم وجّه الأنظار إلى فضائل أنصار أهل البيتعليهم‌السلام كعمّار وأبي ذر والمقداد وسلمان؛ ليتم تشخيص أهل الحق وأهل الباطل على طول الأجيال، فقد روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال، لعلي بن أبي طالبعليه‌السلام : (الجنّة تشتاق إليك وإلى عمّار وسلمان وأبي ذر والمقداد)(4) .

وحدّث عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال: (تقتل عماراً الفئة الباغية)(5) .

كما أكّد على أهميّة ولاية أهل البيتعليهم‌السلام والبراءة من أعدائهم بقولهعليه‌السلام : (كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدونا)(6) .

وحثّ الأُمة على تكريم ذريّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما حدّث به عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال:

____________________

(1) كنز العمال: 12 / 98 ح 34170.

(2) كنز العمال: ج12، ح 34155.

(3) عوالم العلوم: 22/295، باب فضل أمير المؤمنين عليعليه‌السلام .

(4) سنن الترمذي: 5/594، مناقب الإمام عليعليه‌السلام ح 3718.

(5) كنز العمال: ج11، ح 33555.

(6) أُنس العالم للصفواني في مستطرفات السرائر: 3/640 وعنه في بحار الأنوار: 27 / 58.


(أربعة أنا لهم شفيع يوم القيامة: المكرم لذرّيتي من بعدي، والقاضي لهم حوائجهم، والساعي لهم في أمورهم عند اضطرارهم إليه، والمحب لهم بقلبه ولسانه)(1) .

وفي خضم الأحداث الصاخبة وما طرأ من تشويه وتدليس في الحقائق والمعتقدات، بيّن الإمامعليه‌السلام للأمة المفهوم الحقيقي للتشيّع، وشخص النماذج المجسدة له في الواقع فقال في شيعة عليعليه‌السلام : (إنما شيعته الحسن والحسين وأبو ذر وسلمان والمقداد ومحمد بن أبي بكر، الذين لم يخالفوا شيئاً من أوامره، ولم يركبوا شيئاً من فنون زواجره...)(2) .

وقالعليه‌السلام : (شيعتنا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويحجّون البيت الحرام، ويصومون شهر رمضان، ويوالون أهل البيت ويتبرّؤن من أعدائهم، أولئك أهل الإيمان والتقى وأهل الورع والتقوى)(3) .

واستثمر الإمامعليه‌السلام ذكرى استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام فحثّ على إحيائها إحياءً حقيقياً ينسجم مع عمق الأهداف التي ضحّى من أجلها الحسينعليه‌السلام ، ليتعمق الولاء العاطفي والسياسي لنهج الإمام الحسين الثوري، وإحياء الذكرى عامل من عوامل إثارة الحس الثوري المعارض للانحراف.

قالعليه‌السلام : (إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا وأذلّ عزيزنا... فعلى مثل الحسين فليبك الباكون، فإنّ البكاء عليه يحط الذنوب العظام)(4) .

وحثّعليه‌السلام على تمنّي الكون مع أصحاب الحسينعليه‌السلام وهو حثّ على تصعيد روح الثورة والتمرد على الواقع الفاسد، قالعليه‌السلام : (إن سرّك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسينعليه‌السلام فقل متى

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 253.

(2) بحار الأنوار: 65 / 158.

(3) صفات الشيعة للصدوق: 4.

(4) مناقب آل أبي طالب: 4 / 93.


ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً)(1) .

وحثّعليه‌السلام على زيارة قبر الحسينعليه‌السلام للتزود من مواقفه الشجاعة ولتجديد العهد معه على رفض الانحراف والظلم والطغيان، قالعليه‌السلام : (زيارة قبر الحسين صلوات الله عليه تعدل عمرة مبرورة متقبلة)(2) .

وإقامة مراسيم العزاء وزيارة القبر الشريف هو بمثابة معارضة ولكنها سلميّة، إضافة إلى ذلك فإنه وسيلة لجمع الأنصار والموالين بأسرع الأوقات دون أن تقوم السلطة بملاحقتهم لأنّ مبرر اجتماعهم هو الحزن على الحسينعليه‌السلام . وفعلاً أثمر الموقف هذا، فإن الذين ثاروا فيما بعد على المأمون، انطلقوا من قبر الحسين وأعلنوا الثورة(3) .

واستطاع الإمامعليه‌السلام بهذا الأسلوب أن يوسع القاعدة الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام دون أن تلاحقه السلطات القائمة أو تمنع نشاطه السياسي، واستطاععليه‌السلام كسب عناصر جديدة مقربة للحكام من وزراء وقادة جيش وفقهاء، وكانت تصل إليه الأخبار - كما تقدم - من داخل البلاط الحاكم.

وكانعليه‌السلام يقود جميع خطط التحرك بسرّية تامة - كما تقدم - ولم تقم في عهد هارون وابنه محمد أيّ ثورة مسلحة، لأن أنصار أهل البيتعليهم‌السلام كانوا منشغلين بإعادة بناء قواتهم المسلحة بعد إخفاق الثورات السابقة كثورة صاحب فخ وغيره.

____________________

(1) بحار الأنوار: 44 / 299 عن الصدوق في أماليه وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام .

(2) بحار الأنوار: 98 / 29 وفي ط 2 ج: 101/29 عن ابن قولويه في كامل الزيارات: 154 والصدوق في ثواب الأعمال: 111 - 115.

(3) بحار الأنوار: 10 / 351.


الباب الرابع:

فيه فصول:

الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام وظاهرة ولاية العهد.

الفصل الثاني: نشاطات الإمام الرضاعليه‌السلام بعد البيعة بولاية العهد.

الفصل الثالث: مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام ، احتجاجاته وتراثه.



الفصل الأول: الإمام الرضاعليه‌السلام وظاهرة ولاية العهد

وقائع وأحداث سياسية قبل ولاية العهد

استلم المأمون زمام الحكم بعد حرب دامية استمرت خمس سنين قتل فيها آلاف القادة والجنود، وحدث تفتت في التحالف العباسي وانقسم إلى قسمين، مؤيدين ومعارضين لحكم المأمون الذي قد حدث فيه انفراج سياسي للإمام الرضاعليه‌السلام ولأهل بيته بعد أربع سنين، فكان الإمامعليه‌السلام يتحدث بحرية تامة ويتحرك في دائرة أوسع من قبل وهي دائرة البلاط الحاكم لاتصاله بالوزراء والقادة مباشرة.

والمأمون كوارث لأبيه وأجداده لم يستطع أن يخرج عن النهج السياسي السابق إلاّ في حدود ضيّقة، وكان كسابقيه يؤطّر حكمه بإطار شرعي مقدس وهذا يظهر من الكتب والمخاطبات التي وجهت إليه، ومنها ما كتبه إليه طاهر بن الحسين قائد الجيش الذي قتل أخاه الأمين حيث جاء فيه:

قد قتل الله المخلوع، وأسلمه بغدره ونكثه، وأحصد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظره من سابق وعده، والحمد لله الراجع إلى أمير المؤمنين حقّه، الكائد له فيمن خان عهده، ونقض عقده، حتى ردّ به الألفة بعد


فرقتها، وجمع له الأُمة بعد شتاتها، فأحيا به أعلام الدين بعد دثور سرائرها(1) .

وعلى الرغم من إضفاء الشرعية على حكمه ومساندة بعض الفقهاء والقضاة له، إلا أن كثيراً من المسلمين كانوا يرونه مغتصباً للخلافة، ونتيجة للظلم المتراكم على طول عهود الحكّام العباسيين، وانحرافهم عن النهج الإسلامي، تفاعلت روح الثورة والتمرد في نفوس المسلمين، من قبل الثوار ومن قبل الموالين لأخيه الأمين.

ففي أول سنة من حكمه وهي سنة (198 هـ) أظهر نصر بن شيث العقيلي الخلاف في حلب وتغلّب على ما جاورها من البلدان، ولم ينته خلافه إلا في سنة (199 هـ) بعد القضاء عليه(2) .

وفي السنة نفسها حدثت فتنة في الموصل بين اليمانية والنزارية قتل فيها من النزارية نحو ستة آلاف.

وفي سنة (199 هـ) انفجرت المعارك بين بني ثعلبة وبني أسامة(3) .

وكانت سنة (199 هـ) فاتحة لثورة عظيمة قادها العلويون، حيث خرج أبو السرايا السري بن منصور الشيباني بالعراق ومعه محمد بن إبراهيم بن إسماعيل الحسني، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة وسيّر جيوشه إلى البصرة وواسط ونواحيها.

وتوزعت الثورة على عدة جبهات:

جبهة البصرة بقيادة العباس بن محمد بن عيسى الجعفري.

وجبهة مكة بقيادة الحسين بن الحسن الأفطس.

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 442.

(2) الكامل في التاريخ: أحداث سنة (198 هـ).

(3) تاريخ الموصل: 332 - 336.


وجبهة اليمن بقيادة إبراهيم بن موسى بن جعفرعليه‌السلام .

وجبهة فارس بقيادة إسماعيل بن موسى بن جعفرعليه‌السلام .

وجبهة الأهواز بقيادة زيد بن موسى بن جعفرعليه‌السلام .

وجبهة المدائن بقيادة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسنعليه‌السلام .

واستمرت هذه الثورة أكثر من سنة إلى أن قضي عليها(1) .

وفي سنة ( 200 هـ) خرج محمد بن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام ولكنّه استسلم وأرسل إلى المأمون(2) .

وكان لثورات العلويين أثر كبير في تخلخل الأوضاع الداخلية وإرباك المواقف العسكرية والسياسية.

وفي سنة (201 هـ) أصاب أهل بغداد بلاء عظيم حتى كادت تتداعى بالخراب، وجلا كثير من ساكنيها بسبب النهب والسبي والغلاء وخراب الدور(3) .

وعلى الرغم من إعلان المأمون العفو عن قادة الثورة من العلويين إلاّ أن ذلك لا يعني أنه كان متجنباً للإرهاب، بل كان كسابقه يستخدم الإرهاب لإخماد أصوات المعارضين أو من يفكر بإزالة الحكم العباسي، حتى إنه أقدم على قتل هرثمة بن أعين على الرغم من إخلاصه له بدسيسة الحسن بن سهل المنافس له(4) .

ولم يسمح للمعارضة بإبداء وجهات نظرها أن كانت مخالفة لمواقفه، فقد أقدم على نفي أحد الشعراء إلى السند لأنه أنشد قصيدة يذمّ بها قاضياً

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 6 / أحداث سنة (199 - 200 هـ).

(2) عيون أخبار الرضا: 2 / 207.

(3) العبر في خبر من غبر: 1 / 263.

(4) تاريخ ابن خلدون: 5 / 521.


منحرفاً له علاقة مع المأمون(1) .

وفي مقابل الاضطراب في الوضع الداخلي كانت هنالك تحدّيات خطيرة تواجه الحكومة العباسية، فالدول الكافرة والمشركة تتحيّن الفرص للقضاء على الحكومة وعلى الوجود الإسلامي، وهي تعدّ العدّة لوقتها المناسب، ولهذا أعلن المأمون العفو العام عن قادة الثورات.

الموقف السياسي للإمام الرضاعليه‌السلام

استثمر الإمامعليه‌السلام الظروف المناسبة فاتخذ ما يناسبها من مواقف، وقد عاشعليه‌السلام الانفراج الحقيقي بالانطلاق بحرية في نشر الفكر السياسي والعقيدة السياسية لأهل البيتعليهم‌السلام لأن ظروف الاقتتال بين الأمين والمأمون وما أفرزته من اضطراب وخلل في الجبهة الداخلية وانقسام البيت العباسي، حالت دون ملاحقتهعليه‌السلام ومطاردته أو إيقاف تحركه، وقامعليه‌السلام بتوسيع قاعدته الشعبية في كل مصر من الأمصار الإسلامية.

وكانعليه‌السلام كآبائه وأجداده يشرف على جميع خطوط التحرك بما في ذلك خط المواجهة، وهو محاط بسرية وكتمان شديدين، وقد اسند قيادته المباشرة إلى إخوانه وأبناء عمومته لكي لا يكون في موقع المواجهة العلنية مع الحكم القائم، لأنّ القيادة المباشرة تؤدّي إلى قتله في معركة من المعارك أو إلى قتله على أيدي أعوان الحاكم، قبل أن يهيّء الأجواء لإمامة من يأتي بعده.

ومن معطيات القيادة غير المباشرة للمواجهة، أن جميع الأخطاء والممارسات التي ترتكب أثناء الثورة من قبل الثوار لا تحسب على

____________________

(1) مروج الذهب: 3 / 345.


الإمامعليه‌السلام وإنما على القائد المباشر المشرف على الخط العسكري.

وكان الإمامعليه‌السلام يحيط تحركه بسرية تامة ففي سنة (199 هـ) قبل انطلاق الثورة على المأمون، اجتمع أنصار محمد بن سليمان العلوي بالمدينة وطلبوا منه أن يبعث إلى الإمام الرضاعليه‌السلام ويدعوه للقيام معه، فأرسل إليه أحد المقترحين فأجابه الإمامعليه‌السلام : (إذا مضى عشرون يوماً أتيتك)، فمكثوا أياماً فلما كان يوم ثمانية عشر قامت القوات العباسية بمحاربتهم والقضاء على ثورتهم في مهدها(1) .

والظروف السياسية قد تعطي انطباعاً لدى المسلمين من عدم علاقة الإمام بالثوار، وقد يكون الإمامعليه‌السلام قد أعطى صلاحيات مطلقة لقادة الخط العسكري دون الرجوع إليه باستمرار وإنما متابعة الأحداث والمواقف عن بعد، فحينما أراد محمد بن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام الثورة في يوم معيّن أرسل إليه الإمامعليه‌السلام : (لا تخرج غداً فإنك إن خرجت هزمت وقتل أصحابك)(2) .

وبعد سنتين من سيطرة المأمون على زمام الحكم، وبالتحديد في سنة (200 هـ) كتب إلى الإمام الرضاعليه‌السلام يدعوه للقدوم إلى خراسان، فاعتلعليه‌السلام بعلل كثيرة، واستمر المأمون يكاتبه ويسأله حتى علمعليه‌السلام أنّه لا يكف عنه، فاستجاب له، وأمر الموكل بالإمامعليه‌السلام أن لا يسير به عن طريق الكوفة وقم، فسار به عن طريق البصرة والأهواز وفارس حتى وصل إلى مرو، وهنالك عرض عليه المأمون أن يتقلّد الخلافة والإمرة، فأبىعليه‌السلام ذلك، وجرت في هذه القضية مخاطبات كثيرة دامت نحواً من شهرين، وكان الإمامعليه‌السلام يأبى أن يقبل ما يعرض عليه، فلما كثر الكلام والخطاب في هذه

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 208.

(2) أصول الكافي: 1/491، مناقب آل أبي طالب: 4 / 368، وعن الكافي في بحار الأنوار: 49/57.


القضية، قال المأمون: فولاية العهد، فأجابه الإمامعليه‌السلام بعد الإلحاح والتلويح بالقتل إلى ذلك. وشرطعليه‌السلام بعض الشروط وقالعليه‌السلام : (إني ادخل في ولاية العهد على أن لا آمر ولا أنهى ولا أقضي ولا أغيّر شيئاً ممّا هو قائم وتعفيني من ذلك كله)(1) . فأجابه المأمون إلى ذلك، فتمّت ولاية العهد في الخامس من رمضان سنة (201 هـ)(2) .

دوافع المأمون لفرض ولاية العهد على الإمامعليه‌السلام

لم تكن دوافع المأمون من جعل الإمامعليه‌السلام ولياً لعهده نابعة من ولائه لأهل البيتعليهم‌السلام ؛ لأن مغريات السلطة والرئاسة متغلبة على جميع الولاءات والميول، ولم يكن المأمون صادقاً في ولائه، وكان ميله للعلويين اصطناعاً(3) ، ولا يمكن التصديق بعمق الولاء حتى يكون دافعاً للتنازل عن الحكم وتسليمه إلى الإمام الرضاعليه‌السلام أو توليته للعهد من بعده، فهل يُعقل أن يضحّي المأمون بالحكم الذي قتل من أجله الآلاف من الجنود والقادة، وقتل أخاه وبعض أهل بيته، ثم يسلّمه إلى غيره؟!

وبالفعل لم يدم الأمر طويلاً، ورحل الإمامعليه‌السلام إلى ربّه والمأمون حي يرزق، فدوافع المأمون نابعة من مصلحة حكمه ومستقبل أهل بيته، وهو حال جميع أو أغلب الحكام المتعاقبين على دفة الحكم، وإلا فما معنى الإلحاح على الإمامعليه‌السلام حتى وصل إلى درجة التلويح بل التصريح بالقتل - كما سيأتي - ويمكن تحديد دوافع المأمون بالنقاط التالية:

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 149، 150.

(2) عيون أخبار الرضا: 2 / 245.

(3) شذرات الذهب: 2 / 3.


أولاً: تهدئة الأوضاع المضطربة

كانت الأوضاع في عهد المأمون مضطربة للغاية، فبعد قتال دام مع أخيه واستيلائه على الحكم فوجئ بعدة ثورات وحركات مسلحة، ومنها ثورات العلويين، وكان المعارضون لحكمه منتشرين في جميع الأمصار الإسلامية، وقد وضّح المأمون حقيقة الأوضاع قائلاً: والله ما أنزلت قيساً من ظهور خيولها إلاّ وأنا أرى أنّه لم يبق في بيت مالي درهم واحد... وأمّا اليمن، فو الله ما أحببتها، ولا أحبتني قطّ، وأمّا قضاعة فساداتها تنتظر السفياني، حتى تكون من أشياعها، وأما ربيعة فساخطة على ربّها مذ بعث الله نبيّه من مُضر(1) .

وقد خلخلت الثورات المسلحة الوضع العسكري والسياسي، فقد نظر في الدواوين فوجد من قتل من أصحاب السلطان في وقائع أبي السرايا مائتا ألف رجل(2) .

فأراد المأمون من تقريب الإمامعليه‌السلام وتولّيه العهد أن يستقطب أعوانه وأنصاره، ويوقف زحفهم ونشاطهم العسكري، بل يستميلهم إلى جانبه ليتفرّغ إلى بقية الثائرين والمتمردين الذين لا يعتد بهم قياساً للثوار العلويين.

وأراد كسب الأغلبية العظمى من المسلمين لارتباطهم العاطفي والروحي بالإمامعليه‌السلام وخصوصاً أهل خراسان الذين أعانوه على احتلال بغداد، والشاهد على ذلك استقبال الإمامعليه‌السلام من قبل العلماء والفقهاء وأصحاب الحديث، والذين بلغ عددهم عشرين ألفاً في نيسابور(3) .

وبتقريب الإمامعليه‌السلام كان يمكنه امتصاص نقمة المعارضة، وتفويت

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 6 / 432، 433.

(2) مقاتل الطالبيين: 550.

(3) الفصول المهمة: 251، نور الابصار: 170.


الفرصة عليها للمطالبة بالحكم، وشق صفوفها عن طريق تقريب البعض وإقناعهم بترك الثورة المسلحة دون البعض الآخر.

ثانياً: إضفاء الشرعية على حكمه

إنّ شرعية الحاكم عند المسلمين مستمدة من النص عليه من قبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو رأي أهل البيتعليهم‌السلام أو من الشورى وموافقة أهل الحل والعقد، أو العهد من قبل السابق مشروطاً برضى الأُمة المتأخّر عن زمن العهد وهو رأي بقية الفقهاء، وهؤلاء الفقهاء وإن أقرّوا حكومة المأمون إلا أن إقرارهم كان نابعاً من الترغيب والترهيب، أو استسلاماً منهم للأمر الواقع وعدم قدرتهم على إزالته.

من هنا فالمأمون أدرك أن حكمه بحاجة إلى إضفاء الشرعية عليه، لذا اظهر استعداد التنازل عن الحكم ليقوم الإمام الرضاعليه‌السلام بالتصدّي له، وحينما رفض الإمامعليه‌السلام استلام الحكم عرض عليه ولاية العهد فاضطره إلى قبولها، والإمامعليه‌السلام موضع قبول ورضى من قبل جميع المسلمين كما عبّر الإمام محمد الجوادعليه‌السلام عن هذه الحقيقة بقوله: (رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائهعليهم‌السلام ، فلذلك سمي من بينهم الرضا)(1) .

وقبوله للعهد - في رأي المأمون ورأي كثير من المسلمين - يعني اعترافه بشرعية حكم المأمون، والرضا الظاهري بتقبّل ولاية العهد، يعني رضاه عن الحكم الواقع وعدم معارضته له، ورضاه هو رضا الأُمة التي تواليه عاطفياً وفكرياً.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 13 وعنه في البحار: 49/4.


ثالثاً: منع الإمام من الدعوة لنفسه

إن الإمامعليه‌السلام مسؤول عن دعوة الأُمة للارتباط بالإمام الحق وبالمنهج الحق، والمتجسّد بإمامته وبمنهج أهل البيتعليهم‌السلام ، ولذلك فإنّه لا يتوانى عن هذه المسؤولية، ومن هنا كان تفكير المأمون منصباً على منع الإمام من الدعوة لنفسه، أو تحجيم سعة الدعوة، والمتعارف عليه أن ولي العهد يدعو للحاكم الفعلي ثم يدعو لنفسه، وقد عبّر المأمون عن دوافعه بالقول: قد كان هذا الرجل مستتراً عنّا يدعو إلى نفسه دوننا، فأردنا أن نجعله وليّ عهدنا ليكون دعاؤه إلينا(1) .

رابعاً: إبعاد الإمام عن قواعده

وجود الإمامعليه‌السلام في العاصمة إلى جنب المأمون يعني ابتعاده عن قواعده الشعبية، وتحجيم الفرص المتاحة للاجتماع بوكلائه ونوّابه المنتشرين في شرق الأرض وغربها، وإبعاد الإمامعليه‌السلام عن قواعده يعني التقليل من التوجيه والإرشاد المباشر لها، ومن خلال ذلك يمكن مراقبة الإمامعليه‌السلام مراقبة دقيقةً ومعرفة تحركاته ولقاءاته اليومية، فقد قام المأمون بتقريب هشام بن إبراهيم الراشدي، وقد كان ممّن يتقرّب إلى الإمامعليه‌السلام ويحاول الاختصاص به وولاّه حجابة الإمامعليه‌السلام ، فكان ينقل الأخبار إليه، وكان يمنع من اتصال كثير من مواليه به، وكان لا يتكلم الإمام في شيء إلاّ أورده هشام على المأمون(2) .

خامساً: إيقاف خطر الإمام على الحكم القائم

إن التفاف المسلمين حول الإمامعليه‌السلام وتوسع قاعدته الشعبية كان

____________________

(1) فرائد السمطين: 2 / 214.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/153 ح 22 وعنه في بحار الأنوار: 49 / 139.


يشكل خطراً على الحكم القائم وخصوصاً أن الحكم قد خرج من معارك طاحنة بين الأمين والمأمون، وبين المأمون والمعارضين، فقوة الإمامعليه‌السلام تعني ضعف المأمون، وقد اعترف المأمون بذلك فقال: وقد خشينا إن تركناه على تلك الحالة أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه، ويأتي علينا ما لا نطيقه(1) .

سادساً: تشويه سمعة الإمامعليه‌السلام

أراد المأمون من خلال تولية الإمامعليه‌السلام للعهد أن يشوه سمعته بالتدريج عن طريق عيونه ووسائل إعلامه، وقد كشف الإمامعليه‌السلام هذه الحقيقة للمأمون بقوله: (تريد بذلك أن يقول الناس إن علي بن موسى الرضا لم يزهد في الدنيا بل زهدت الدنيا فيه، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعاً بالخلافة)(2) .

وصرّح المأمون للعباسيين ببعض دوافعه بقوله: ولكنّا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً حتى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحق هذا الأمر(3) .

سابعاً: تفتيت جبهة المعارضة

إن المعارضين لحكم المأمون سينظرون إلى الإمامعليه‌السلام على أنه جزء من الحكومة القائمة، وتتعمّق هذه النظرة حينما يجدون أن إخوة الإمامعليه‌السلام وأبناء عمومته قد أصبحوا ولاة وأمراء على الأمصار، وبالفعل فقد عيّن المأمون العباس وإبراهيم أخويّ الإمامعليه‌السلام ولاة على الكوفة واليمن(4) .

ففي هذه الحالة أصبح باقي المعارضين وجهاً لوجه أمام أنصار

____________________

(1) فرائد السمطين: 2 / 214.

(2) علل الشرائع: 238.

(3) فرائد السمطين: 2 / 215.

(4) تاريخ ابن خلدون: 5 / 527، 532.


الإمامعليه‌السلام ، وهذا يعني تفتيت جبهة المعارضة، فإذا أرادت المعارضة القيام بحركة مسلحة فإنها ستواجه الوالي العلوي مباشرة، ويقوم الوالي بإصدار الأوامر لقمعها، وتلقى المسؤولية عليه، وكان المأمون يتمنى هذا الأمر فلجأ إلى تولية الإمامعليه‌السلام ولاية العهد ليحقق هذه الأمنية، وإضافة إلى ذلك فإنه أراد أن يلقي مسؤولية بعض المفاسد الإدارية والحكومية على من نصّبهم في الأمصار من أهل البيتعليهم‌السلام أو من أتباعهم.

أسباب قبول الإمامعليه‌السلام بولاية العهد

قال المأمون للإمام الرضاعليه‌السلام : يا ابن رسول الله قد عرفت فضلك وعلمك وزهدك وورعك وعبادتك، وأراك أحقّ بالخلافة منّي.

فقال الإمامعليه‌السلام : (بالعبودية لله عَزَّ وجَلَّ أفتخر، وبالزهد في الدنيا أرجو النجاة من شر الدنيا، وبالورع عن المحارم أرجو الفوز بالمغانم، وبالتواضع في الدنيا أرجو الرفعة عند الله تعالى).

فقال له المأمون: إني قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة وأجعلها لك وأبايعك!.

فقال له الرضاعليه‌السلام : (إن كانت هذه الخلافة لك وجعلها الله لك فلا يجوز لك أن تخلع لباساً ألبسكه الله وتجعله لغيرك، وإن كانت الخلافة ليست لك، فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك).

فقال له المأمون: يا ابن رسول الله لا بدّ من قبول هذا الأمر.

فقالعليه‌السلام : (لست أفعل ذلك طايعاً أبداً).

فما زال يجهد به أيّاماً حتى يئس من قبوله، فقال له: فإن لم تقبل


الخلافة ولم تحب مبايعتي لك فكن ولي عهدي لتكون لك الخلافة بعدي.

ثم جرى بينهما كلام أوضح فيه الإمام دوافع المأمون من ذلك، فغضب المأمون ثم قال: إنك تتلقاني أبداً بما أكرهه، وقد أمنت سطوتي، فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد وإلاّ أجبرتك على ذلك، فإن فعلت وإلا ضربت عنقك.

فقال الإمامعليه‌السلام : (قد نهاني الله عَزَّ وجَلَّ أن أُلقي بيدي إلى التهلكة فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك وأنا أقبل ذلك على أن لا أولي أحداً ولا أعزل أحداً ولا أنقضنّ رسماً ولا سنة وأكون في الأمر بعيداً مشيراً)، فرضي منه بذلك وجعله وليّ عهده على كراهة منهعليه‌السلام لذلك(1) .

وفي رواية أخرى، أن المأمون قال له: إن عمر بن الخطاب جعل الشورى في ستة، أحدهم جدك أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه، ولابد من قبولك ما أريده منك، فإني لا أجد محيصاً منه(2) .

وقد صرّح الإمامعليه‌السلام باضطراره للقبول لمن سأله أو اعترض عليه بسبب قبوله فقالعليه‌السلام : (قد علم الله كراهيتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل أخترت القبول على القتل، ويحهم! أما علموا أن يوسفعليه‌السلام كان نبياً ورسولاً، فلما دفعته الضرورة إلى تولّي خزائن العزيز، قال:( اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) (3) ، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الإشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى وهو المستعان)(4) .

وقيل له: يا ابن رسول الله ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟

____________________

(1) علل الشرايع: 237 - 238.

(2) الارشاد: 2/259، 260.

(3) يوسف (12): 55.

(4) عيون أخبار الرضا: 2 / 139.


فقالعليه‌السلام : (ما حمل جدي أمير المؤمنينعليه‌السلام على الدخول في الشورى)(1) .

والإمامعليه‌السلام لم يستسلم للقبول خائفاً من قتل نفسه، وإنما يكون قتله خسارة للحركة الرسالية، وإن الأُمة في تلك المرحلة بحاجة إلى قيادته في جميع مجالات الحياة، فلو قتل فإن الاضطراب والخلل سيعم قواعده الشعبية، وكذلك سيكون قتله فاتحة لقتل أهل بيته وأعوانه وأنصاره، وقد يؤدّي قتله إلى قيام ثورات مسلّحة دون تأنٍّ ورويّة، يدفعها طلب الثأر والانتقام إلى ثورة عاطفية مفاجئة دون تخطيط مسبق، وبالتالي تنهار القوة العسكرية دون أن تغيّر من الأحداث شيئاً.

نعم، هذا هو السبب الوحيد - كما يبدو - لقبول الإمامعليه‌السلام لولاية العهد عن إكراه واضطرار. ومن هنا فالإمامعليه‌السلام لا بد أن يستثمر ما يمكنه استثماره لإحياء السنن وإماتة البدع وتعبئة الطاقات وإفشال خطط المأمون المستقبلية وتصحيح ما يمكنه من أفكار ومفاهيم سياسية خاطئة.

استثمار الإمامعليه‌السلام للظروف

أولاً: استثمار الظروف لإقامة الدين وإحياء السنّة

إن الحرية النسبية الممنوحة للإمامعليه‌السلام ولأهل بيته وأنصاره هي فرصة مناسبة لتبيان معالم الدين وإحياء السنة، ونشر منهج أهل البيتعليهم‌السلام في مختلف الأوساط الاجتماعية والسياسية، فالإمامعليه‌السلام يمكنه التحرك في البلاط والالتقاء بالوزراء وقادة الجيش وخواص المأمون، ويمكن لإخوانه الذين أصبحوا ولاة التحرك في أمصارهم، وكذلك أنصاره يمكنهم التحرك في

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 141.


وسط الأُمة، وفي هذا الصدد قالعليه‌السلام : (اللهم إنك قد نهيتني عن الإلقاء بيدي إلى التهلكة، وقد أكرهت واضطررت كما أشرفت من قبل عبد الله المأمون على القتل متى لم أقبل ولاية عهده... اللهم لا عهد إلاّ عهدك، ولا ولاية إلاّ من قبلك، فوفقني لإقامة دينك، وإحياء سنة نبيك محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فإنك أنت المولى وأنت النصير، ونعم المولى أنت ونعم النصير)(1) .

وقد سمحت الظروف للإمامعليه‌السلام لتبيان المنهج السليم أمام الوزراء والقضاة والفقهاء وأهل الديانات الذين جمعهم المأمون لمناظرة الإمام، إضافة إلى قيامه بتوجيه المأمون إلى اتخاذ الرأي والموقف الأصوب، وحل المسائل المستعصية.

ثانياً: تعبئة الطاقات

بعد فشل الثورات العلوية وانكسارها عسكرياً، أصبح الظرف مناسباً لإعادة بناء قوّاتها، وتعبئة الطاقات عن طريق إيقاف الملاحقة والمطاردة لها، فهي بحاجة إلى قسط من الراحة لإدامة التحرك فيما بعد، وهذه المكاسب لا تتحقق إن لم يقبل الإمامعليه‌السلام بولاية العهد.

ثالثاً: إفشال مخططات المأمون

من المتوقع أن يقوم المأمون - في حالة رفض الإمامعليه‌السلام لقبول ولاية العهد - بتولية العهد لأحد العلويين، ويستثني عن إكراه الإمامعليه‌السلام وقتله، والعلوي الذي ينصبه ولياً للعهد، إما أن يكون مساوماً وانتهازياً، أو مخلصاً قليل الوعي، أو مخلصاً معرّضاً للانزلاق في مغريات السلطة، وفي جميع الحالات، فإنّ هذا الموقف سيؤدي إلى شق

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 19.


صفوف أنصار أهل البيتعليهم‌السلام ، أو توريط العلوي بممارسات خاطئة تؤدّي إلى تشويه سمعة أهل البيتعليهم‌السلام ، أو إلقاء المسؤولية عليه، وقد يؤدّي انزلاق من يتولى العهد من العلويين إلى قيامه بمعارضة الإمامعليه‌السلام أو ملاحقة أتباعه وأنصاره.

وبقبول الإمامعليه‌السلام لولاية العهد فوّت الفرصة على المأمون لإمرار مخططاته في شق صفوف أنصار أهل البيتعليهم‌السلام أو إلقاء تبعية المفاسد على من ينسب إليهم.

رابعاً: تصحيح الأفكار السياسية الخاطئة

من الأفكار السائدة عند كثير من المسلمين هي عدم ارتباط الدين بالسياسة، وأنّه لا يليق بالأئمة والفقهاء أن يكونوا سياسيين، أو يتولوا المناصب السياسية، وأن الزهد في الحكومة والخلافة هو مقياس التقييم، وقد حاول العباسيون تركيز هذا المفهوم عند المسلمين، فأراد الإمامعليه‌السلام بقبوله بولاية العهد أن يصحح هذه الأفكار السياسية الخاطئة ويوضّح للمسلمين وجوب التصدي للحكم إن كانت الظروف مناسبة للتصدي.

والأفكار الخاطئة حقيقة قائمة، فقد دخل أحد أنصار الإمامعليه‌السلام عليه وقال له: يا ابن رسول الله، إن الناس يقولون إنك قبلت ولاية العهد، مع إظهارك الزهد في الدنيا(1) .

ولا يمكن إزالة هذه الأفكار عن طريق التربية والتوجيه البياني فقط لأن هذه المهمة تحتاج إلى وقت طويل ونشاط إضافي، ولكنّها ستزول بالتوجيه العملي المباشر، وهو قبول ولاية العهد.

____________________

(1) علل الشرائع: 239.


كيف تحقّقت البيعة بولاية العهد؟

بعد قبول الإمام الرضاعليه‌السلام بولاية العهد مضطراً، جمع المأمون خواصه من الأمراء والوزراء والحجّاب والكتّاب وأهل الحل والعقد، وأمر الفضل بن سهل أن يخبرهم حول ولاية العهد، وأن يلبسوا الخضرة بدلاً من السواد، ثم أعطاهم استحقاقاتهم من الأموال لسنة متقدمة ثم صرفهم، وبعد أسبوع حضر الناس وجلسوا، كلٌ في موضعه، وجلس المأمون ثم جيء بالإمام الرضاعليه‌السلام فجلس وهو لابس الخضرة وعلى رأسه عمامة مقلد بسيف، فأمر المأمون ابنه العباس بان يكون أول من يبايعهعليه‌السلام ، فرفع الإمامعليه‌السلام يده وحطها من فوق، فقال له المأمون: ابسط يدك فقال الإمامعليه‌السلام : (هكذا كان يبايع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يضع يده فوق أيديهم)، فقال المأمون: افعل ما ترى. ثم وزعت الهدايا على الحاضرين، وقام الخطباء والشعراء فذكروا ولاية العهد، وعدّدوا فضائل ومآثر الإمامعليه‌السلام .

وطلب المأمون من الإمامعليه‌السلام أن يخطب الناس، فقامعليه‌السلام فحمد الله وأثنى عليه وعلى نبيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال: (أيها الناس إن لنا عليكم حقاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكم علينا حق به، فإذا أدّيتم إلينا ذلك، وجب لكم علينا الحكم والسلام)(1) .

ثم صعد المأمون المنبر فقال: (أيها الناس جاءتكم بيعة علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، والله لو قرأت

____________________

(1) الإرشاد: 2/262 وعنه في إعلام الورى: 2/74 وفي الفصول المهمة: 255 - 256، وانظر خطبته في عيون أخبار الرضا: 2/146.


هذه الأسماء على الصم البكم لبرؤوا بإذن الله عزّ وجل)(1) .

وقد توقع الإمامعليه‌السلام أن ولاية العهد لا تتم، فحينما رأى سرور بعض مواليه، قال له بهمس: (لا تشغل قلبك بشيء مما ترى من هذا الأمر ولا تستبشر، فإنّه لا يتم)(2) . وبالفعل فقد صدق ما قاله، فإنه توفّي قبل وفاة المأمون.

فقرات من كتاب العهد بخط المأمون

كتب المأمون كتاب العهد بخط يده، ووضّح فيه سبب اختياره للإمامعليه‌السلام ، وإليك فقرات منه: وكانت خيرته... علي بن موسى الرضا بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لما رأى من فضله البارع، وعلمه الذائع، وورعه الظاهر الشائع، وزهده الخالص النافع، وتخليته من الدنيا، وتفرده عن الناس، وقد استبان ما لم تزل الأخبار عليه مطبقة والألسن عليه متفقة والكلمة فيه جامعة، والأخبار واسعة ولما لم نزل نعرفه به من الفضل، يافعاً وناشئاً وحدثاً وكهلاً، فلذلك عقد بالعهد والخلافة من بعده... ودعا أمير المؤمنين ولده وأهل بيته وخاصته، وقواده، وخدمه فبايعه الكل مطيعين مسارعين مسرورين...(3) .

فقرات مكتوبة بظهر كتاب العهد بخط الإمامعليه‌السلام

كتب الإمام بخطه على ظهر كتاب العهد كتاباً جاء فيه: (... أنه جعل إليَّ

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 147.

(2) الإرشاد: 2/263 عن المؤرخ المدائني وعنه في إعلام الورى: 2/74 وعن الإرشاد في بحار الأنوار: 49/147 وفي الفصول المهمة: 256.

(3) الفصول المهمة: 258.


عهده والإمرة الكبرى إن بقيت بعده... وخوفاً من شتات الدين واضطراب أمر المسلمين، وحذر فرصة تنتهز وناعقة تبتدر؛ جعلت لله على نفسي عهداً إن استرعاني أمر المسلمين وقلدني خلافة العمل فيهم... أن أعمل فيهم بطاعة الله تعالى وطاعة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا أسفك دماً حراماً، ولا أبيح فرجاً، ولا مالاً إلاّ ما سفكته حدوده، وأباحته فرائضه، وأن أتخير الكفاة جهدي وطاقتي... وإن أحدثت أو غيّرت أو بدّلت كنت للعزل مستحقاً، وللنكال متعرّضاً... وما أدري ما يفعل بي وبكم، إن الحكم إلاّ لله، يقصّ الحق وهو خير الفاصلين...)(1) .

فقد وضّح الإمامعليه‌السلام للأمة المنهج السياسي للحاكم الإسلامي، ودوره في تطبيق أحكام الشريعة، وأسباب عزله وغير ذلك من المفاهيم السياسية، وكان الكتابان قد كتبا في السابع من شهر رمضان سنة (201 هـ ).

أوامر المأمون بعد البيعة

أمر المأمون بطرح السواد وهو شعار العباسيين، واستبداله بالخضرة، وأمر الجميع بذلك وبالبيعة للإمامعليه‌السلام وكتب إلى الأمصار بذلك، وضرب الدراهم باسم الإمام، فلما وصل كتابه إلى بغداد أجابه البعض وامتنع البعض الآخر(2) .

وقام المأمون بسجن ثلاثة من قواده لرفضهم البيعة(3) .

وتمرّد العباسيون على المأمون رافضين للبيعة وبايعوا لإبراهيم بن المهدي في بغداد(4) .

____________________

(1) الفصول المهمة: 258 - 259 وانظر صورة الكتابين في عيون أخبار الرضا: 2/154 - 159.

(2) الكامل في التاريخ: 6 / 326.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 150.

(4) الكامل في التاريخ: 6 / 327.


وتمرّدوا في الكوفة وكان شعارهم يا إبراهيم يا منصور لا طاعة للمأمون(1) .

ولم يستطيعوا الاستمرار في التمرّد، فقد أطاعت جميع الأمصار المأمون، وبايعت للإمام بولاية العهد، وكان الدعاء للإمامعليه‌السلام بالصورة التالية:

(ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليعليهم‌السلام .

ستة آباءهم ما هم

أفضل من يشرب صوب الغمام)(2)

أحداث ما بعد البيعة

بحلول العيد أي بعد ثلاثة وعشرين يوماً من كتابة العهد بعث المأمون إلى الإمامعليه‌السلام يسأله أن يصلي بالناس صلاة العيد ويخطب ليطمئن قلوب الناس، ويعرفوا فضله، وتقرّ قلوبهم على هذه الدولة، فبعث إليه الإمامعليه‌السلام بالقول: (قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر)، فقال المأمون: إنما أريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامة والجند والشاكرية هذا الأمر، فتطمئن قلوبهم، ويقرّوا بما فضّلك الله به.

فلم يزل يرادّه الكلام في ذلك، فلما ألحَّ عليه، قال: (... إن أعفيتني من ذلك فهو أحبُّ إليَّ، وإن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكما خرج أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام )، فقال المأمون: اخرج كما تحب.

____________________

(1) تاريخ الطبري: 8 / 560.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/145 وفي مقاتل الطالبيين: 565 وفي الإرشاد: 2/262 والشعر للنابغة الذُبياني والمستشهد به حاكم المدينة عبد الجبّار سعيد المُساحقي.


وأمر المأمون القوّاد والناس فقعدوا عند باب الإمامعليه‌السلام وفي الطرقات والسطوح، فلما طلعت الشمس، خرج الإمام متعمّماً بعمامة بيضاء وألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفه، ورفع ثوبه وهو حاف، ومعه مواليه على نفس الحالة، ثم رفع رأسه إلى السماء، وكبّر أربع تكبيرات، وقال: (الله أكبر الله أكبر الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا...) ورفع صوته فأجهش الناس بالبكاء والعويل، ونزل القوّاد عن دوابهم وترجّلوا، وضجّت مرو ضجّة واحدة، ولم يتمالك الناس من البكاء والضجيج، وكان الإمامعليه‌السلام يمشي ويقف في كل عشر خطوات وقفة، ولما سمع المأمون بذلك، قال له الفضل بن سهل: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع، فبعث إليه وسأله الرجوع، فدعا الإمامعليه‌السلام بخفّه فلبسه ورجع(1) .

واستطاع الإمامعليه‌السلام بفعله هذا أن يعيد سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في صلاة العيد، بعد أن اندثرت معالمها لعدم اهتمام الحكّام والولاة بها، واستطاع الإمامعليه‌السلام أن يدخل إلى قلوب الناس، في هذا العمل الآني، فقد تأثر به الجميع بما فيهم قوّاد المأمون.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 150 - 151.


مكتسبات القبول بولاية العهد

إن الموقف الذي يتخذه الإمامعليه‌السلام لابد من اشتماله على مصلحة ذات عائد مقبول للإسلام والمسلمين ولأتباع أهل البيتعليهم‌السلام ، وقد حصل الإمامعليه‌السلام على مكتسبات عديدة بعد اضطراره للقبول بولاية العهد، ولولا قبوله لما تحققت تلك المكتسبات، ومن هذه المكتسبات:

أوّلاً: اعتراف المأمون بأحقيّة أهل البيتعليهم‌السلام

قام الأمويون ومن بعدهم العباسيون بمحاولة طمس فضائل أهل البيتعليهم‌السلام والتقليل من شأنهم، واستخدموا جيمع طاقاتهم للحد من ذلك، تحت الترغيب والترهيب، ولكنّ الوضع تغيّر بعد قبول الإمامعليه‌السلام بولاية العهد، فقد قام المأمون بتوضيح هذه الفضائل، وتوضيح مظلومية أهل البيتعليهم‌السلام من قبل الحكّام السابقين.

فقد أجاب المأمون على كتاب كتبه له بنو هاشم، وضّح فيه تلك الحقائق إذ جاء فيه: (... فلم يقم مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحد من المهاجرين كقيام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام فإنه آزره ووقاه بنفسه... وهو صاحب الولاية في حديث غدير خم، وصاحب قوله: (أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي...) وكان أحب الخلق إلى الله تعالى وإلى رسوله، وصاحب الباب، فتح له وسدّ أبواب المسجد، وهو صاحب الراية يوم خيبر، وصاحب عمرو بن عبد ود في المبارزة، وأخو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين آخى بين المسلمين).

ثم وضّح في الكتاب نفسه مظلومية أهل البيتعليهم‌السلام معترفاً بجرائم العباسيين بحقهم فقال: (... ثم نحن وهم يد واحدة كما زعمتم، حتى قضى الله


تعالى بالأمر إلينا، فأخفناهم، وضيّقنا عليهم، وقتلناهم أكثر من قتل بني أميّة إياهم)(1) .

وفي موضع آخر احتجّ المأمون على الفقهاء بفضائل الإمام عليعليه‌السلام وأحقيّته بالخلافة، فما كان من الفقهاء إلاَّ تأييد ما قاله، فقال يحيى بن أكثم القاضي: يا أمير المؤمنين، قد أوضحت الحق لمن أراد الله به الخير، وأثبت ما يقدر أحد أن يدفعه، واتّبعه الفقهاء بالقول: كلنا نقول بقول أمير المؤمنين أعزَّه الله(2) .

وكان المأمون يتحدّث عن فضائل أهل البيتعليهم‌السلام في أغلب جلساته، وهذا يعني تشجيعاً للولاة والأمراء ليتحدّثوا عن أهل البيتعليهم‌السلام بمثل ما تحدّث به، وتشجيع لأنصار أهل البيتعليهم‌السلام في ذكر فضائلهم بحرية تامّة، وهذا ما يزيد من توسّع القاعدة الشعبية الموالية لأهل البيت فكراً وعاطفة وسلوكاً.

واعترف المأمون أيضاً بأفضلية الإمام الرضاعليه‌السلام وأحقيته بالخلافة وأخبر خواصه بأنّه: نظر في ولد العباس وولد عليّ (رضي الله عنهم)، فلم يجد في وقته أحداً أفضل ولا أحق بالأمر من علي بن موسى الرضا(3) .

ثانياً: توظيف وسائل الإعلام لصالح الإمامعليه‌السلام

وظّف المأمون وسائل الإعلام لصالح الإمامعليه‌السلام فأصبح من أكثر الناس شيوعاً صيتهُ، وتحققت معرفة المسلمين وغير المسلمين به، فالولاة

____________________

(1) بحار الأنوار: 49 / 210، عن كتاب: نديم الفريد، لابن مسكويه.

(2) العقد الفريد: 5 / 358 - 359.

(3) مروج الذهب: 3 / 441، وفي الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الاثني عشر عند الإمامية المنشور باسم: الأئمة الاثنا عشر لابن طولون: 97.


والأمراء وأئمة الجمعة، يدعون له من على المنابر كل يوم وكل جمعة وكل مناسبة، إضافة إلى طبع اسمه على الدارهم والدنانير المعمول بها في جميع الأمصار، ووجد الخطباء والشعراء الفرصة مناسبة للترويج لشخصية الإمامعليه‌السلام وآبائه وأجداده، فكثرت الخطب والأشعار المادحة له، والذاكرة لفضائله وفضائل أهل بيته، وانتشرت في جميع الأمصار، وهذا إن دل على شيء فإنما يدلّ على تعميق الارتباط بالإمامعليه‌السلام وتبنّي أفكاره وآرائه المطابقة للمنهج الإسلامي السليم، ولولا قبوله بولاية العهد لما كان ذلك بالصورة الأوسع والأمثل، مادامت وسائل الإعلام الرسمية موجودة في جميع الأمصار، دون الحاجة إلى بث الدعاة لمنهجه ومنهج أهل بيتهعليهم‌السلام .

وقد كان المأمون سبّاقاً لغيره في نظم الشعر، ومما جاء في شعره، بعد ولاية العهد:

أُلام على حب الوصيّ أبي الحسن

وذلك عندي من عجائب ذي الزمن

خليفة خير الناس والأوّل الذي

أعان رسول الله في السر والعلن

وقال أيضاً:

لا تقبل التوبة من تائب

إلاّ بحب ابن أبي طالب

أخو رسول الله حلف الهدى

والأخ فوق الخل والصاحب(1)

وهذا الشعر وغيره من مدائح المأمون لأهل البيتعليهم‌السلام قد أثمر فيما بعد، حتى إنه بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام بثمان سنين أي في سنة (211 هـ) أمر المأمون أن ينادى:

(برئت الذمة ممّن يذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علي بن أبي طالب)(2) .

____________________

(1) تذكرة الخواص: 320 عن كتاب الأوراق للصولي.

(2) تذكرة الخواص: 319 وتاريخ الخلفاء: 247.


ثالثاً: حرية الإمامعليه‌السلام في مناظرة أهل الأديان والمذاهب

منح المأمون نوعاً من الحرية للإمامعليه‌السلام للتحدث بما يؤمن به من أفكار ومعتقدات وآراء سياسية، وأمر المأمون الفضل بن سهل أن يجمع للإمامعليه‌السلام أصحاب المقالات: ومنهم: الجاثليق وهو رئيس الأساقفة، (معرّب: كاثوليك) ورأس الجالوت عالم اليهود، ورؤساء الصابئين، وعظماء الهنود من أبناء المجوس، وأصحاب زردشت، وعلماء الروم، والمتكلمين، وقد احتجّ الإمامعليه‌السلام بالكتب المعتبرة عندهم، وقد اعترف الجميع بأعلمية الإمامعليه‌السلام ، بعد ان فنّد حججهم، فأذعنوا لقوله، واعترفوا بصحة أفكاره وآرائه.

وبعد جدال ونقاش طويل قال الجاثليق: (القول قولك، ولا اله إلاّ الله)(1) .

وبعد حوار طويل أسلم عمران الصابي وقال: (أشهد أن الله تعالى على ما وصفت ووحّدت، وأشهد أنّ محمداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحق ثم خرّ ساجداً نحو القبلة).

ولما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي، وكان جدلاً لم يقطعه عن حجته أحد منهم قط، لم يدن من الإمامعليه‌السلام أحد منهم ولم يسألوه عن شيء(2) .

وفي مجلس آخر بعث المأمون على الإمامعليه‌السلام ليناظر متكلم خراسان سليمان المروزي، فتناظرا في البداء، وصفات الله تعالى والفرق بين صفات ذات الله وصفات فعله، فأجابه الإمامعليه‌السلام على جميع أسئلته، وكان يقطعه في الحجج إلى أن سكت لا يستطيع أن يجيب على آراء الإمامعليه‌السلام ، فقال المأمون

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب: 4 / 352.

(2) الاحتجاج، الطبرسي: 2 / 419.


عند ذلك: (يا سليمان، هذا أعلم هاشمي)(1) .

وفي مجلس آخر جمع المأمون عدداً من علماء الأديان وأهل المقالات، فلم يتكلم أحد إلاّ وقد ألزمه الإمامعليه‌السلام حجته، وقام إليه علي بن محمد بن الجهم، وأثار الشبهات حول عصمة الأنبياءعليهم‌السلام اعتماداً على الآيات المتشابهة الواردة في القرآن الكريم، وأثار الشبهات حول عصمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فأجابه الإمامعليه‌السلام وأزال الشبهات عن ذهنه، واثبت له بالعقل والنقل عصمة جميع الأنبياءعليهم‌السلام ، فبكى علي بن محمد بن الجهم وقال: يا ابن رسول الله أنا تائب إلى الله عزّ وجلّ من أن انطق في أنبياء اللهعليهم‌السلام بعد يومي هذا إلاّ بما ذكرته(2) .

وفي مجلس آخر تساءل المأمون عن عصمة الأنبياء وأورد الآيات المتشابهة في ذلك فأجابه الإمامعليه‌السلام جواباً شافياً، وأوّل له تلك الآيات على خلاف ظاهرها، فقال المأمون: (لقد شفيت صدري يا ابن رسول الله، وأوضحت لي ما كان ملتبساً عليّ)(3) .

وكان هدف المأمون - كما يرى الشيخ الصدوق - هو الحرص على انقطاع الرضاعليه‌السلام عن الحجة مع واحد منهم، وذلك حدّاً منه له ولمنزلته من العلم(4) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 179 - 191.

(2) الاحتجاج، الطبرسي: 2 / 423.

(3) الاحتجاج: 2 / 436.

(4) عيون أخبار الرضا: 1 / 191. راجع جملة من هذه الاحتجاجات في الفصل الثالث من الباب الرابع من الكتاب.


رابعاً: نشر مفاهيم أهل البيتعليهم‌السلام وفضائلهم

استثمر الإمامعليه‌السلام الفرصة المتاحة له لنشر مفاهيم أهل البيتعليهم‌السلام ونشر فضائلهم، وخصوصاً بين الفقهاء والقضاة والقوّاد والوزراء، ومن يرتبط بالبلاط الحاكم بصلة.

فقد وضّح الإمامعليه‌السلام تلك الفضائل بعد أن حاول الحكّام طمسها، ونشر أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بحقهم ومنها:

قوله (صلّى الله عليه وآله): (علي إمام كل مؤمن بعدي)(1) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله): (يا علي أنت حجة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى، يا علي أنت إمام المسلمين وأمير المؤمنين وخير الوصيّين وسيد الصدّيقين، يا علي أنت الفاروق الأعظم وأنت الصديق الأكبر... إن حزبك حزبي، وحزبي حزب الله، وإن حزب أعدائك حزب الشيطان)(2) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله): (ما زوّجت فاطمة إلا لما أمرني الله بتزويجها)(3) .

وتحدث الإمامعليه‌السلام عن عشرات الأحاديث الواردة في ذلك.

وفي مجلس عقده المأمون لجماعة من علماء العراق وخراسان سأل عن معنى الآية الكريمة:( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (4) .

فأجابه العلماء: أراد الله عَزَّ وجَلَّ بذلك الأُمة كلها.

فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال الإمامعليه‌السلام : (لا أقول كما قالوا، ولكنّي أقول: أراد الله عَزَّ وجَلَّ بذلك

____________________

(1) كشف اليقين، العلاّمة الحلي: 17.

(2) بحار الأنوار: 28 / 111.

(3) فرائد السمطين: 1 / 90.

(4) سورة فاطر (35): 32.


العترة الطاهرة).

ثم ذكر الإمامعليه‌السلام اثني عشر آية قرآنية تدل على أفضلية العترة الطاهرة، فقال المأمون والعلماء ك (جزاكم الله أهل بيت نبيكم عن هذه الأُمة خيراً، فما نجد الشرح والبيان فيما اشتبه علينا إلاّ عندكم)(1) .

وسأل المأمون الإمامعليه‌السلام أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار، فكتب إليه أصول العقائد ومنها الإمامة، ومما جاء في ذلك الكتاب: (وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين والقائم بأمور المسلمين والناطق عن القرآن، والعالم بإحكامه، أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى، علي بن أبي طالبعليه‌السلام أمير المؤمنين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، ووارث علم النبيين والمرسلين، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

ثم بيّن أسماء الأئمةعليهم‌السلام وقال: ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وأن من دينهم الورع والعفّة والصدق والصلاح والاستقامة والاجتهاد وأداء الأمانة إلى البر والفاجر...(2) .

ووضّح الإمامعليه‌السلام مفاهيم الإمامة ومسؤوليات الإمام فقال: (إن الإمامة أس الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف، الإمام يحلل حلال الله ويحرم حرام الله، ويقيم حدود الله ويذب عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجة البالغة)(3) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 228 - 240، وفي تحف العقول: 425 - 436.

(2) بحار الأنوار: 68 / 263، ح 20.

(3) الاحتجاج، الطبرسي: 2 / 441 - 442.


وذكرعليه‌السلام في لقاءاته المختلفة وفي أجوبته المتعددة صفات الإمام، ووحدة الإمامة، وواجبات وحقوق الإمام لكي يعطي للأمة الفرصة لتشخيص الإمام الحقّ وإن لم يكن مبسوط اليد، فليس كل من استلم الحكم أصبح إماماً، وإنما الإمام له صفات خاصة ثابتة في الإسلام ومنها أن يكون (أعلم الناس وأحكم الناس وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس)(1) .

واستثمر الإمامعليه‌السلام الفرصة لنشر الأحاديث التوحيدية لأهل البيتعليهم‌السلام وردّ على جميع الشبهات العقائدية التي تتعلق بصفات الله، وبالتشبيه، وفنّد آراء المشبّهة والمجسّمة والمجبّرة والمفوّضة والغلاة.

خامساً: حقن دماء أهل البيتعليهم‌السلام

من مكتسبات قبول ولاية العهد من قبل الإمامعليه‌السلام هو حقن دماء أهل البيتعليهم‌السلام ، فقد قام المأمون تقرباً للإمامعليه‌السلام بإعلان العفو العام عن جميع قادة الثورات، ومنهم زيد أخو الإمامعليه‌السلام وإبراهيم، ومحمد بن جعفر، وأردف العفو بتنصيب بعضهم ولاة في بعض الأمصار، فكانت خير فرصة لهم للقيام بإصلاح الأوضاع بصورة سلمية هادئة، وخير فرصة لإعادة بناء القاعدة الشعبية الموالية لأهل البيتعليهم‌السلام وتنظيم صفوفها، والاستفادة من الإمكانيات المتاحة لتطوير الحركة الرسالية، ولولا قبول الإمامعليه‌السلام بولاية العهد لسفكت دماء كثيرة قبل أن تؤدّي دورها ومسيرتها في داخل الأُمة، فقد جاء قبول الإمامعليه‌السلام في وقت كان خط أهل البيتعليهم‌السلام بحاجة إلى قسط من التفرّغ للعمل الرسالي السلمي بعيداً عن شهر السلاح الذي يكلّف كثيراً ويربك الأوضاع الداخلية له.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 1 / 213.


الفصل الثاني: نشاطات الإمام الرضاعليه‌السلام بعد البيعة بولاية العهد

لم يحصل المأمون من بيعته للإمام الرضاعليه‌السلام إلاّ على بعض الامتيازات والمكاسب والتي منها إيقاف العمليات العسكرية المسلحة، وقطع علاقة الإمامعليه‌السلام بأغلب قواعده الشعبية المقيمة في العراق وفي الحجاز واليمن، وأمّا الإمامعليه‌السلام ومنهج أهل البيتعليهم‌السلام فقد حصلا على امتيازات واسعة، واستثمر الإمامعليه‌السلام الفرصة للقيام بأداء دوره الإصلاحي والتغييري بشكل كبير، وتتحدد معالم هذه المرحلة بالمظاهر والممارسات التالية:

إفشال خطط المأمون

أراد المأمون أن يجعل الإمامعليه‌السلام وسيلة لإضفاء الشرعية على حكمه، وإيقاف نشاط الحركات الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وقد طلب من الإمامعليه‌السلام أن يولّي أحد أتباعه على البلدان التي تمرّدت على حكمه، ولكي يوقف تمرّدها حينما يكون الوالي من أنصار وأتباع الإمامعليه‌السلام ، أو يجعل المعارضة وجهاً لوجه أمام بعضها البعض.

ولكنّ الإمامعليه‌السلام أفشل خطة المأمون بهدوء طبقاً للشروط التي اشترطها، كما روي عنهعليه‌السلام أنه قال: (قال لي المأمون: يا أبا الحسن انظر


بعض من تثق به تولّيه هذه البلدان التي فسدت علينا، فقلت له: تفي لي وأفي لك، فإنّي إنما دخلت فيما دخلت على أن لا آمر فيه ولا أنهى ولا أعزل ولا أولِّي ولا أسير، حتى يقدمني الله قبلك، فوالله أن الخلافة لشيء ما حدّثت به نفسي، ولقد كنت بالمدينة أتردّد في طرقها على دابّتي، وإن أهلها وغيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم، فيصيرون كالأعمام لي، وأنّ كتبي لنافذة في الأمصار، وما زدتني في نعمة هي عليّ من ربي، فأجابه المأمون: أفي لك).

ولم يراجعه المأمون في نفس القضية بعد ذلك، وليس أمامه إلاّ إصلاح الأوضاع العامة لتجنّب الثورات والتمرّدات المسلّحة.

ولم يتدخل الإمامعليه‌السلام في تعيين مسؤولي سائر المناصب كالقضاة وأمراء الجيش وأصحاب بيوتات الأموال، وتجنب جميع التصريحات والمواقف التي تمنح الشرعية لحكم المأمون، ولم يتدخل إلاّ في إصلاح المفاهيم والقضايا القضائية، وكل ما فيه مصلحة للإسلام والمسلمين.

إصلاح القضاء

كان المأمون يجلس في ديوان المظالم يوم الاثنين ويوم الخميس، ويجلس الإمامعليه‌السلام إلى جانبه الأيمن، فرفع إليه أن صوفياً من أهل الكوفة سرق، فأمر بإحضاره فرأى عليه سيماء الخير فقال: سوءاً لهذه الآثار الجميلة بهذا الفعل القبيح، فقال الرجل: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً، وقد منعت من الخمس والغنائم، فمنعتني حقي وأنا مسكين وابن السبيل وأنا من حملة القرآن.

فقال المأمون: لا أعطل حداً من حدود الله وحكماً من أحكامه في السارق من أجل أساطيرك هذه.


قال: فابدأ أوّلاً بنفسك فطهرها ثم طهّر غيرك، وأقم حدود الله عليها ثم على غيرك.

فالتفت المأمون إلى الإمامعليه‌السلام فقال: ما تقول؟

فقالعليه‌السلام : (إنه يقول سرقت فسرق).

فغضب المأمون ثم قال: والله لأقطعنك.

قال الرجل: أتقطعني وأنت عبد لي؟ أليس أمك اشتريت من مال الفيء، فأنت عبد لمن في المشرق والمغرب من المسلمين حتى يعتقوك وأنا منهم وما أعتقتك، والأخرى أن النجس لا يطهر نجساً إنّما يطهره طاهر، ومن في جنبه حدّ لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه...

فالتفت المأمون إلى الإمامعليه‌السلام فقال: ما تقول؟

قالعليه‌السلام : (أن الله عَزَّ وجَلَّ قال لنبيّه:( قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ) (1) وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه، والدنيا والآخرة قائمتان بالحجة وقد احتج الرجل).

فأمر المأمون بإطلاق الرجل الصوفي(2) .

وكان الإمام يتدخل في مثل هذه القضية دفاعاً عن المظلومين والمحرومين، وتطبيق أحكام القضاء طبقاً للمنهج الإسلامي السليم، ففي أحد الأيام أُدخل إلى المأمون رجلٌ أراد ضربَ عنقه والإمامعليه‌السلام حاضر، فقال له المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال: (أقول إن الله لا يزيدك بحسن العفو إلاَّ عزاً)، فاتبع المأمون قول

____________________

(1) الأنعام (6): 149.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/237 - 238، وفي مناقب آل أبي طالب: 4 / 398 - 399، بحار الأنوار: 49/288.


الإمامعليه‌السلام وعفى عنه(1) .

وأُتيَ المأمون بنصراني قد فجر بهاشمية، فلما رآه المأمون أسلم النصراني؛ فغاضه ذلك، وسأل الفقهاء فقالوا: أهدر الإسلام ما قبل ذلك، فسأل المأمون الرضاعليه‌السلام فقال: (اقتله؛ لأنه أسلم حين رأى البأس؛ قال الله عَزَّ وجَلَّ:( فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ) (2) ).

إصلاح الأعمال الإدارية

لم يتدخل الإمامعليه‌السلام في الشؤون الإدارية إلاّ في الحالات التي كان يجد فيها مصلحة إسلامية عامة تخص الإسلام والمسلمين، وتمنع الأعداء من اختراق الجهاز الإداري أو الحكومي، فكان يبدي نصائحه وتوجيهاته القيّمة في هذا المجال.

ومن هذه الشؤون، تعيين الولاة الذين أسلموا حديثاً، ففي ذات مرّة دخل الفضل بن سهل على المأمون وقال له: قد وليت الثغر الفلاني فلاناً التركي، فسكت المأمون، فقال الإمامعليه‌السلام : (ما جعل الله تعالى لإمام المسلمين وخليفة ربّ العالمين القائم بأمور الدين، أن يولي شيئاً من ثغور المسلمين أحداً من سبي ذلك الثغر، لأن الأنفس تحنّ إلى أوطانها، وتشفق على أجناسها، وتحب مصالحها، وإن كانت مخالفة لأديانها)، فقال المأمون: اكتبوا هذا الكلام بماء الذهب(3) .

فالإمام أعطى قاعدة كليّة في شؤون تعيين الولاة وأمراء الثغور، وليس ذلك اعترافاً بإمامة المأمون، وإنّما هو وضع قاعدة كلية لمطلق إمام المسلمين والذي ينصرف إلى الإمام العادل.

____________________

(1) نثر الدر: 1 / 362.

(2) سورة غافر (40): 84، نثر الدر: 1/361 وعنه في بحار الأنوار: 49/173.

(3) الأنوار البهية في تواريخ الحجج الإلهية: 219 - 220 عن الدرّ النظيم في مناقب الأئمةعليهم‌السلام : 683، الباب العاشر ذكر مولانا علي بن موسى الرضاعليه‌السلام .


نشر الآراء السديدة في داخل البلاط

استثمر الإمامعليه‌السلام فرصة وجوده في البلاط الحاكم لنشر الآراء السديدة في مختلف جوانب الفكر والعقيدة، ليطّلع الحاكم ووزراؤه والمقربون إليه من قادة وأمراء وفقهاء وخدم وبوّابين على آراء مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام ومتبنياتهم الفكرية والعقائدية، وفضائلهم ومكارمهم.

وكان الإمامعليه‌السلام يتحدث ابتداءً حسب الظروف، ويجيب في ظروف أخرى على الأسئلة الموجهة إليه.

سأل الفضل بن سهل الإمامعليه‌السلام في مجلس المأمون فقال: (يا أبا الحسن؛ الخلق مجبورون؟ فقالعليه‌السلام : الله أعدل أن يجبر ثم يعذّب، قال: فمطلقون؟ قالعليه‌السلام : الله أحكم، أن يهمل عبده ويكله إلى نفسه(1) .

وقال له المأمون: يا أبا الحسن؛ أخبرني عن جدك عليّ بن أبي طالب بأي وجه هو قسيم الجنة والنار؟ فقال:... ألم ترو عن أبيك عن آبائه عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: (حب علي إيمان وبغضه كفر)، فقال بلى، فقال الإمامعليه‌السلام : فقسمة الجنة والنار إذا كانت على حبّه وبغضه، فهو قسيم الجنة والنار).

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )(2) .

واستطاع الإمامعليه‌السلام بفكره الثاقب وأسلوبه الواعي أن يجعل المأمون وغيره يبادلونه الأسئلة، وأن يعترفوا بنفسهم بفضائل أهل البيتعليهم‌السلام تقرباً

____________________

(1) نثر الدر: 1 / 361.

(2) نثر الدر: 1 / 364.


إليه، وكان المأمون: يعقد مجالس النظر ويجمع المخالفين لأهل البيتعليهم‌السلام ويكلمهم في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام وتفضيله على جميع الصحابة، تقرباً إلى أبي الحسن علي بن موسى الرضا(1) .

ومن الطبيعي أن لا يعترض المخالفون على أقوال المأمون رغبة أو رهبة، وهذا له تأثيره المباشر على من يحضر هذه المجالس ويرى سكوت الفقهاء وعدم اعتراضهم على الآراء المطروحة أما لضعف الدليل أو استسلاماً للمأمون.

فاستطاع الإمامعليه‌السلام أن ينشر آراء أهل البيتعليهم‌السلام في جميع الفرص المتاحة له.

نصائح الإمام الرضاعليه‌السلام للمأمون

وكان الإمامعليه‌السلام يكثر وعظ المأمون إذا خلا به، ويخوفه بالله، ويقبّح ما يرتكبه به، فكان المأمون يظهر قبول ذلك منه، ويبطن كراهته واستثقاله(2) .

ودخل عليه في أحد المرّات فرآه يتوضّأ، والغلام يصبّ على يده الماء، فقالعليه‌السلام : (لا تشرك بعبادة ربّك أحداً)، فصرف المأمون الغلام، وتولّى إتمام وضوئه بنفسه(3) .

وقال له يوماً: (ما التقت فئتان قط إلاّ نصر الله أعظمهما عفواً)(4) .

ودخل عليه المأمون وقرأ عليه كتاب فتح بعض قرى كابل، فلما فرغ،

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 184 - 185.

(2) الإرشاد: 2/269.

(3) مجمع البيان: 6/771 وعنه في بحار الأنوار: 69 / 283.

(4) تاريخ اليعقوبي: 453.


قال له الإمامعليه‌السلام : (وسرّك فتح قرية من قرى الشرك)، فقال المأمون: أوليس في ذلك سرور؟ فقال الإمامعليه‌السلام : (... اتق الله في أُمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما ولاّك الله من هذا الأمر، وخصّك به، فإنك قد ضيعت أمور المسلمين، وفوضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم الله، وقعدت في هذه البلاد وتركت بيت الهجرة ومهبط الوحي، وإن المهاجرين والأنصار يظلمون دونك ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ويأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ويعجز عن نفقته ولا يجد من يشكو إليه حاله، ولا يصل إليك، فاتق الله يا أمير المؤمنين في أمور المسلمين وارجع إلى بيت النبوة ومعدن المهاجرين والأنصار...).

قال المأمون: يا سيدي فما ترى؟

قالعليه‌السلام : (أرى أن تخرج من هذه البلاد وتتحول إلى موضع آبائك وأجدادك، وتنظر في أُمور المسلمين ولا تكلهم إلى غيرك، فإن الله سائلك عمّا ولاّك).

فقال المأمون: نِعْمَ ما قلت يا سيدي! هذا هو الرأي(1) .

وقد وجد المأمون في هذه النصيحة أفضل المواقف السياسية التي كان لابد من اتخاذها، وبالفعل رجع إلى بغداد بعد هذه النصيحة.

الحفاظ على الوجود الإسلامي

من مسؤوليات الأئمةعليهم‌السلام - بعد إقصائهم عن الخلافة - الحفاظ على الوجود الإسلامي وحمايته أمام مؤامرات الأعداء والطامعين، فقد كانواعليهم‌السلام يبذلون ما بوسعهم من أجل ذلك، ويقومون بحل المسائل المستعصية على الحكّام من أجل إدامة الوجود والكيان الإسلامي، ومنعه من الانهيار والتفكك.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 159 - 160.


ومن ذلك كشف مؤامرة الفضل بن سهل، حيث إنه أراد قتل المأمون، فلم يسمع كلامه ولعنه وكان قصد الفضل هو السيطرة على الحكم، واستغلال الإمامعليه‌السلام لإسكات المسلمين ويبقى الإمامعليه‌السلام حاكماً محجوراً عليه في البلاط، ويكون الفضل هو الحاكم الفعلي، إضافة إلى ذلك فإن مثل هذا العمل يؤدّي إلى انقسام خطير في الكيان الإسلامي، وتفتيت لوحدة الأمة والدولة، فقام الإمامعليه‌السلام بتحذير المأمون من الفضل وأن يتعامل معه بحيطة وحذر(1) لأن المقصود هو الكيان الإسلامي وليس شخص المأمون.

وقال له ذات يوم: (إن العامّة تكره ما فعلت بي، وإن الخاصة تكره ما فعلت بالفضل بن سهل، فالرأي لك أن تنحينا عنك حتى يصلح أمرك)(2) .

واخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قُتل أخوه، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه مِنَ الأخبار، وأن الناس - خصوصاً العباسيين - ينقمون عليك مكان الفضل وأخيه الحسن، ومكان يوم كان بيعتك لي من بعدك(3) .

وجاءت نصائح الإمامعليه‌السلام له مطابقة للمصلحة الإسلامية الكبرى لأنّ الكيان الإسلامي معرض للانهيار والانحلال بإثارة الفتن الداخلية والحروب الدامية من أجل الحصول على كرسي الحكم.

وحينما قُتل الفضل بن سهل اتهم رجاله المأمون بقتله، فاجتمعوا على بابه فقالوا: اغتاله وقتله، فلنطلبن بدمه، فقال المأمون للإمامعليه‌السلام : يا سيدي، ترى أن تخرج إليهم وتفرقهم، فخرج إليهم الإمام وقد اجتمعوا وجاءوا بالنيران ليحرقوا الباب، فصاح الإمامعليه‌السلام بهم، وأومى إليهم بيده، فتفرقوا،

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 167.

(2) نثر الدر: 1 / 363.

(3) تاريخ الطبري: 8 / 564.


وأقبل الناس يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلاّ هرب مسرعاً، ومرّ ولم يقف له أحد(1) .

وقتلُ المأمون في تلك الظروف يعني انقسام الكيان الإسلامي إلى كيانات متعددة، فأنصار الفضل سيكون لهم كيان في خراسان، ويستقل الحسن ابن سهل بالبلاد التي بإمرته، وسيبايع العباسيون لإبراهيم بن المهدي المغني الشهير، إضافة إلى خلخلة أوضاع الجيش الذي يقطن في الثغور، ولهذا قام الإمامعليه‌السلام بمنع إحراق بيت المأمون وقتله.

إظهار الكرامات واستثمارها في الإصلاح

وبعد البيعة ظهرت كرامات الإمامعليه‌السلام فاستثمرهاعليه‌السلام في إصلاح الناس بإرشادهم وتوجيههم، ففي بداية ولاية العهد احتبس المطر، فجعل بعض حاشية المأمون والمبغضين للإمامعليه‌السلام يقولون: انظروا لمّا جاءنا علي بن موسى وصار ولي عهدنا، حبس الله عنّا المطر، وسمع المأمون بذلك فاشتدّ عليه، وطلب من الإمامعليه‌السلام أن يدعو الله لكي يمطر الناس، فخرجعليه‌السلام إلى الصحراء وخرج الناس ينظرون، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (اللهم يا رب أنت عظّمت حقنا أهل البيت، فتوسّلوا بنا كما أمرت وأمّلوا فضلك ورحمتك وتوقّعوا إحسانك ونعمتك، فاسقهم سقياً نافعاً عاماً غير رايث، ولا ضائر، وليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم ومقارّهم).

ويقول الإمام محمد الجوادعليه‌السلام راوي الخبر: (فو الذي بعث محمداً بالحق نبياً لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم وأرعدت وأبرقت وتحرك الناس كأنهم يريدون

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 164.


التنحي عن المطر).

وأخبرهم الإمامعليه‌السلام أن هذا السحاب هو للبلد الفلاني، وهكذا إلى أن أقبلت سحابة حادية عشر، فقالعليه‌السلام : (أيها الناس هذه سحابة بعثها الله عَزَّ وجَلَّ لكم، فاشكروا الله على تفضله عليكم وقوموا إلى مقاركم ومنازلكم فإنها مسامتة لكم ولرؤوسكم ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا إلى مقاركم ثم يأتيكم من الخير ما يليق بكرم الله تعالى وجلاله).

فانصرف الناس ونزل المطر بكثافة فجعل الناس يقولون: هنيئاً لولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كرامات الله عَزَّ وجَلَّ.

ثم برز إليهم الإمامعليه‌السلام بعد تجمعهم ثانية، واستثمر هذه الكرامة للوعظ والإرشاد، لأن الناس يتأثرون بمن له كرامة عند الله ويتقبلون ما يقوله، فقام فيهم خطيباً وقال: (أيها الناس اتقوا الله في نعم الله عليكم، فلا تنفروها عنكم بمعاصيه، بل استديموها بطاعته وشكره على نعمه وأياديه، واعلموا أنكم لا تشكرون الله تعالى بشيء بعد الإيمان بالله وبعد الاعتراف بحقوق أولياء الله من آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحب إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم إلى جنان ربهم، فإنّ من فعل ذلك كان من خاصة الله تبارك وتعالى)(1) ثم حدثهم عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعض الأحاديث التربوية.

وظهرت للإمامعليه‌السلام كرامات أخرى استثمرها الإمامعليه‌السلام في التأثير على قلوب حاضريها، ومن هذه الكرامات أن بعض أفراد البلاط كانوا يخدمون الإمامعليه‌السلام ويرفعون الستر عند مجيئه وعند خروجه، فاتفقوا يوماً على عدم رفع الستر له، فلما جاء على عادته لم يملكوا أنفسهم، وقاموا ورفعوا

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 168 - 169.


الستر على عادتهم، فلما دخل لامَ بعضهم بعضاً، واتفقوا ثانية، فلما كان اليوم الثاني نفّذوا ما اتفقوا عليه ولم يرفعوا له الستر، فجاءت ريح شديدة فرفعته حين دخوله، وحين خروجه، فقال بعضهم لبعض: إن لهذا الرجل عند الله منزلة وله منه عناية، انظروا إلى الريح كيف جاءت ورفعت له الستر عند دخوله وعند خروجه من الجهتين ارجعوا إلى ما كنتم عليه من خدمته(1) .

وبما أن الكرامات أكثر إيقاعاً في النفس الإنسانية، نجد أن الناس قد مالت إلى الإمامعليه‌السلام عاطفياً، حتى إننا نجد أن شعبية الإمامعليه‌السلام قد اتسعت لتشمل حتى المنحرفين، والشاهد على ذلك أن بعضهم قطع الطريق على دعبل الخزاعي ليأخذوا منه جبة الإمامعليه‌السلام التي أهداها له، لغرض التبرك بها(2) ، وفي رواية ارجعوا جميع أموال القافلة بعد ما عرفوا أن دعبل معهم(3) .

تشجيع الشعراء الرساليين

ومن أجل نشر فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ودورهم الريادي في الأمة، وتبيان مظلوميتهم على مرّ التاريخ؛ شجّع الإمامعليه‌السلام الشعراء على نظم الشعر في هذا الخصوص لأنه خير وسيلة إعلامية في ذلك العصر، لسرعة انتشاره وسهولة حفظه وإنشاده، فقد دخل عليه الشاعر دعبل الخزاعي وأنشده قصيدته التي جاء فيها:

مدارس آيات خلت من تلاوة

ومنزل وحي مقفر العرصات

لآل رسول الله بالخيف من منى

وبالبيت والتعريف والجمرات

ديار علي والحسين وجعفر

وحمزة والسجاد ذي الثفنات

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف: 157.

(2) سير أعلام النبلاء: 9 / 391.

(3) الفصول المهمة: 250.


منازل جبريل الأمين يحلها

من الله بالتسليم والرحمات

أئمة عدل يقتدى بفعالهم

ويؤمن فيهم زلة العثرات

أرى فيئهم في غيرهم متقسماً

وأيديهم عن فيئهم صفرات

ثم بدأ بإبراز مظلوميتهم وما جرى عليهم من قبل الحكّام المتعاقبين على الحكم، ثم ختم القصيدة بخروج الإمام العادل الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً وهو الإمام المهدي الذي تنتظره الأمم والشعوب.

ولما فرغ من إنشادها، قام الإمامعليه‌السلام وأنفذ إليه صرة فيها مئة دينار(1) ، وقيل ستمئة دينار(2) فردها دعبل وقال: (والله ما لهذا جئت وإنما جئت للسلام عليه والتبرك بالنظر إلى وجهه الميمون وإني لفي غنى فإن رأى أن يعطيني شيئاً من ثيابه للتبرك فهو أحب إليَّ)، فأعطاه الإمامعليه‌السلام جبة خز وردّ عليه الصرة(3) .

النشاطات العلميّة للإمام الرضاعليه‌السلام

إنّ الإمامعليه‌السلام وإن كان يعيش تحت رقابة شديدة، إلاّ أن ذلك لم يكن ليمنعه من ممارسة دوره العلمي في الأوساط التي كان يعيش فيها، وبالنسبة لكل من يلتقي معه من الوزراء والفقهاء والقضاة وأمراء الجيش فضلاً عن الخدم وسائر الناس.

لقد كانعليه‌السلام ينشر علوم أهل البيتعليهم‌السلام على أتم صورة. وإضافة إلى ذلك كان المأمون وغيره يطلبون منه أن يحدّثهم أو يجيب على أسئلتهم. وكان

____________________

(1) الفصول المهمة: 249.

(2) اختيار معرفة الرجال: 504 ح 970، الإرشاد: 2/263، 264 وعنه في إعلام الورى: 2/66 - 68 وعيون أخبار الرضا: 2/263 - 266، وكمال الدين: 373 - 376، ودلائل الإمامة: 182، وسير أعلام النبلاء: 9 / 391، وانظر القصيدة في ديوان دعبل بن علي الخزاعي: 124.

(3) الفصول المهمة: 249 - 250.


ممّا كتبه الإمام الرضاعليه‌السلام للمأمون رسالة في محض الإسلام وشرائع الدين، وبيّن لآخرين علل الشرائع كالصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسباب تحريم الموبقات والمنكرات، كما كتب رسالة في الطب وأرسلها إلى المأمون فكتبها المأمون بماء الذهب.

وقام الإمام الرضاعليه‌السلام بمهمّة تفسير القرآن الكريم، وعلّم الناس الأدعية المأثورة عنه وعن آبائه وأجداده المعصومين، كما بيّن للناس التاريخ الصحيح للأنبياء والمرسلين، وللأمم السابقة، وأرشدهم إلى الصحيح من سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيرة الإمام عليعليه‌السلام وسيرة أهل البيتعليهم‌السلام (1) .

نعم، إنّ الإمام الرضاعليه‌السلام بالرغم من ملاحقته بالعيون والتضييق السياسي عليه بشكل غير منظور لعامّة الناس استطاع أن يستغلّ الظرف المهيّأ لنشر العلم والمعبّأ بالألغام ليصون شريعة جدّه سيد المرسلين مما يحيط بها من محاولات المسخ والتحريف ويوظّف الطاقات المتوفرة لديه بشكل مباشر وغير مباشر لتحقيق أهدافه الرسالية التي عيّنتها له الشريعة وبيّنها له الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وآباؤه الطاهرين.

ومن هنا عمد الإمامعليه‌السلام إلى بيان حقيقة الخطّ الرسالي الذي يتزعّمه أهل البيتعليهم‌السلام وبيان خصائصه ومعالمه التي يتفرّد بها ويتميّز عن خط الخلفاء المتحكمين في رقاب المسلمين، مؤكّداً ضرورة استمرار هذا الخط حتى قيام يوم الدين، ومن هنا كان ينبغي له أن ينظر إلى المستقبل المشرق بعين القائد الحريص على سعادة الأمة ويوجّه إليه عامة المسلمين.

____________________

(1) مسند الإمام الرضاعليه‌السلام : 1/307.


الإمامعليه‌السلام والمستقبل

إن دور الإمامعليه‌السلام لا يتحدد بحدود المرحلة الزمنية التي يعاصرها، بل يمتد بامتداد الزمان، فله دور مرحلي، ودور شمولي، فهو المسؤول عن ثبات المنهج الإسلامي وخلوده مع الزمن، وحفظه من التشويه والتحريف، ومن هنا فان دور الإمام ينصبّ في المهام التالية:

1 - طرح الأفكار والعقائد الصحيحة وتبيان الأحكام الشرعية، وإبطال ما عداها من أفكار وأحكام.

2 - إصلاح الواقع طبقاً للمنهج الإسلامي.

3 - رفد الأمة بالعناصر الواعية المخلصة القادرة على نشر الأفكار والعقائد والأحكام، وإصلاح الواقع.

4 - تعيين الإمام التالي طبقاً للنصوص والوصايا الواردة عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والتي ينقلها إمام عن إمام.

5 - توجيه الأنظار والقلوب إلى المستقبل المشرق الذي سيقوده الإمام المهديعليه‌السلام في آخر الزمان، والتركيز على خصوصيات الإمام من حيث الولادة والنشأة والغيبة، والمظاهر البارزة في دوره الرسالي.

وقد عرفت فيما مرّ الدور الذي قام به الإمام الرضاعليه‌السلام فيما يرتبط بالنقاط الثلاثة الأولى، وأما النقطة الرابعة والمهمة التي تتضمن استمرار خط الإمامة من بعده فقد نصّ على إمامة ابنه محمد الجواد بحسب ما كانت تتطلبه هذه المهمة مع مراعاة مجموع الظروف المحيطة به.


النصّ على إمامة محمّد الجوادعليه‌السلام

نصّ الإمام الرضاعليه‌السلام على إمامة ابنه محمّد الجواد قبل أن يولد واستمر بالتنصيص عليه رغم السنوات القليلة التي عاشها الجواد مع أبيه الرضاعليه‌السلام .

وإليك صورة من تسلسل هذه النصوص وتدرّجها بحسب مراحلها الزمنية.

1 - عن صفوان بن يحيى قال: (قلت للرضاعليه‌السلام : قد كنّا نسألك قبل أن يهب الله أبا جعفرعليه‌السلام فكنت تقول: يهب الله لي غلاماً، فقد وهبه الله لك، فأقرّ عيوننا؛ فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟

فأشار بيده إلى أبي جعفرعليه‌السلام وهو قائم بين يديه.

فقلت: جعلت فداك، هذا ابن ثلاث سنين؟

فقال: ما يضرّه من ذلك فقد قام عيسىعليه‌السلام بالحجة وهو ابن ثلاث سنين)(1) .

وهذه الواقعة يمكن تحديدها بسنة (198 هـ) أي بعد ولادة الإمام الجوادعليه‌السلام (195 هـ) بثلاث سنين.

ولكن هذا النصّ صريح في أن الإمام كان يشير إلى إمامة ابنه الجوادعليه‌السلام حتى قبل ولادته.

نعم، كان الإمام الرضاعليه‌السلام يوجه الأنظار إلى إمامة ولده الجوادعليه‌السلام إمّا تلميحاً أو تصريحاً، فمن أقواله في ذلك:

2 - (هذا المولود لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه)(2) .

وقد نستفيد من هذا النصّ أنه كان قد صدر من الإمام الرضاعليه‌السلام بُعَيْد ولادة الجوادعليه‌السلام .

____________________

(1) الكافي: 1 / 321، الفصول المهمة 265.

(2) الكافي: 1 / 321.


3 - وعن معمر بن خلاّد قال: سمعت الرضاعليه‌السلام وذكر شيئاً، فقال: (ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني إنّا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة)(1) .

4 - وعلى الرغم من ابتعاد الإمام الرضاعليه‌السلام عن المدينة إلا أنه كان دائم الاتصال بابنه الجوادعليه‌السلام وكان يخاطبه في رسائله بالتعظيم والتوقير، وما كان يذكر محمداً ابنه إلا بكنيته فيقول: (كتب إلي أبو جعفر، وكنت أكتب إلى أبي جعفر)... فيخاطبه بالتعظيم، وكانت ترد كتب أبي جعفرعليه‌السلام في نهاية البلاغة والحُسن، ويضيف الراوي - أبو الحسين بن محمد بن أبي عباد - أنه سمع الرضاعليه‌السلام يقول: (أبو جعفر وصيّي وخليفتي في أهلي من بعدي)(2) .

وكان يبدي له التوجيهات والإرشادات لكي يفهم أتباع أهل البيتعليهم‌السلام بأنها جاءت في مقام إعداده للإمامة من بعده، وجاءت معللة برفع الله تعالى له، فقد كتب إليه: (يا أبا جعفر، بلغني أن الموالي إذا ركبت أخرجوك من الباب الصغير فإنما ذلك من بخل بهم لئلا ينال منك أحد خيراً، فأسئلك بحقي عليك لا يكن مدخلك ومخرجك إلا من الباب الكبير، وإذا ركبت فليكن معك ذهب وفضة ثم لا يسألك أحد إلاّ أعطيته، ومن سألك من عمومتك أن تبره فلا تعطه أقل من خمسين ديناراً والكثير إليك، ومن سألك من عماتك فلا تعطها أقل من خمسة وعشرين ديناراً، والكثير إليك، إني أريد أن يرفعك الله، فانفق ولا تخش من ذي العرش إقتاراً)(3) .

وكانت النصوص على إمامة الجوادعليه‌السلام عديدة ومتظافرة، اختلفت في ظاهرها بسبب اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية التي تحيط بالإمام

____________________

(1) الكافي: 1 / 320، الفصول المهمة: 265.

(2) الصراط المستقيم: 2/166، وبحار الأنوار: 50/18.

(3) عيون أخبار الرضا: 2 / 8.


الرضاعليه‌السلام وبابنه الجوادعليه‌السلام وبأتباعه وأنصاره، وبسبب اختلاف أصحابه في الوعي ودرجة التلقي، وكتمان السر، وقربهم وبعدهم عن الإمامعليه‌السلام من حيث الولاء السياسي والعاطفي.

5 - عن جعفر بن محمد النوفلي قال: (أتيت الرضاعليه‌السلام فسلمت عليه، ثم جلست، وقلت: جعلت فداك إن أناساً يزعمون أنّ أباك حيٌّ، فقال: كذبوا لعنهم الله... فقلت له: ما تأمرني؟ قال: عليك بابني محمّد من بعدي، وأما أنا فإني ذاهب في وجه الأرض لا أرجع منه...)(1) .

وجاء في بحار الأنوار نقلاً عن المصدر نفسه:(2) .

6 - وعن البزنطي قال: قال لي ابن النجاشي: (من الإمام بعد صاحبك؟ فأحب أن تسأله حتى أعلم. فدخلت على الرضاعليه‌السلام فأخبرته، فقال لي: الإمام ابني)(3) .

7 - واجتمع جماعة عند الإمام الرضاعليه‌السلام فلما نهضوا قال لهم: (القوا أبا جعفر فسلّموا عليه وأحدثوا به عهداً، ثم قال: يرحم الله المفضل إنه لكان ليقنع بدون ذلك)(4) .

وفسّر العلامة المجلسي قولهعليه‌السلام : (ليقنع بدون ذلك، أي: بأقلّ مما قلت لكم في العلم بأنه إمام بعدي، ونبّههم إلى أن غرضه النصّ عليه، ولم يصرّح به تقية واتقاء)(5) .

____________________

(1) بحار الأنوار: 48/260، و 49/285.

(2) بحار الأنوار: 50 / 18.

(3) الكافي: 1/ 320.

(4) الكافي: 1/ 320.

(5) بحار الأنوار: 50 / 25.


وقد نصّعليه‌السلام على إمامة الإمام الجوادعليه‌السلام بالشكل الذي تثبت إمامته عند المقربين من الإمامعليه‌السلام وأتباعه المخلصين، والكوادر الرسالية التي أعدها للمستقبل، ووكلائه الثقاة.

وقد أعدّ الإمامعليه‌السلام طليعة من الكوادر لإسناد منهج أهل البيتعليهم‌السلام وإسناد إمامة الإمام الجوادعليه‌السلام ومنهم: عمّه علي بن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام ، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمد بن أبي نصر.

وانقاد أتباع الإمام الرضاعليه‌السلام للإمام الجوادعليه‌السلام وانقادت القاعدة الشعبية لإمامته إلا من شذّ منهم، واستقرت الإمامة على الإمام الجوادعليه‌السلام طبقاً للنصوص المتظافرة عليه من قبل أبيه وجده وأجداده، ولم تخف إمامته حتى عند الحكومة العباسية وولاتها وقوّادها.

الإعداد لدولة المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه)

إنّ إمامة الإمام المهديعليه‌السلام من الحقائق الثابتة عند المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وهو المصلح الأكبر والمنقذ الأعظم للبشرية من شتّى أنواع الانحراف، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد امتلائها ظلماً وجوراً.

وقام الإمام الرضاعليه‌السلام بدوره ومسؤوليته في توجيه الأنظار إلى حقيقة هذا المبدأ الإسلامي المتمثّل في قضية الإمام المهديعليه‌السلام ، لقرب العهد بولادته وغيبته، وقد جاءت رواياته وإخباراته مطابقة لما صدر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من روايات وأحاديث:

فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً)(1) .

____________________

(1) سنن ابي داود: 4 / 107.


كما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(1) ، وقال: (المهدي من ولد الحسين)(2) .

ووردت روايات عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تصرّح بغيبة الإمام المهديعليه‌السلام ، بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبنّ القائم من ولدي بعهد معهود إليه منّي، حتى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً بشكّه...)(3) .

وقد قام الإمام الرضاعليه‌السلام بالترويج لهذا المبدأ الإسلامي عند المقرّبين لديه. وقد بلغت النصوص الخاصة بالإمام الرضاعليه‌السلام عن هذه القضية الإسلامية كما أحصاها مسند الإمام الرضاعليه‌السلام ستّة وثلاثين نصّاً. وإليك نماذج منها:

1 - عن أيوب بن نوح قال: قلت للرضاعليه‌السلام : إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يردّه الله عَزَّ وجَلَّ إليك من غير سيف، فقد بويع لك، وضربت الدراهم باسمك. فقالعليه‌السلام : (ما منا أحد اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع، وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله عَزَّ وجَلَّ لهذا الأمر رجلاً خفيّ المولد والمنشأ غير خفيّ في نسبه)(4) .

2 - عن محمد بن أبي يعقوب البلخي قال: سمعت أبا الحسن الرضاعليه‌السلام يقول: (إنّه سيبتلون بما هو أشدّ وأكبر، يبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع، حتى يقال:

____________________

(1) سنن ابي داود: 4 / 107، سنن ابن ماجة: 2 / 1368، عقد الدرر: 42.

(2) عقد الدرر: 46، كفاية الطالب: 503.

(3) كمال الدين وتمام النعمة: 1 / 51.

(4) الكافي: 1 / 341، كمال الدين وتمام النعمة: 2 / 370.


غاب ومات، ويقولون: لا إمام...)(1) .

3 - وصرّحعليه‌السلام بخصوصية الإمام المهدي - عجّل الله فرجه - بأنه الثالث من ولده فقال: (كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه، فقال له علي بن الحسن بن فضّال: ولم ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: لأنّ إمامهم يغيب عنهم... لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف)(2) .

4 - ثم صرّح بأكثر من ذلك فحدّد اسمه فقالعليه‌السلام : (لابد من فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض وحرّى وحرّان، وكل حزين لهفان، بأبي أنت وأمي سميّ جدّي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران...)(3) .

وكان العباسيون يدركون أن قضيّة الإمام المهديعليه‌السلام حقيقة إسلامية لابدّ منها، ويتخّوفون من زوال حكمهم على يديه، لذا كانت الروايات في شأنه في غاية السرّية والكتمان. ولعلّ إشخاصهم للائمةعليهم‌السلام إلى مركز حكمهم وعاصمتهم كان قائماً على أساس ترقب ولادة المهديعليه‌السلام والقضاء عليه في مهده إن لم يمكنهم الحيلولة دون ولادته.

فالمأمون أشخص الإمام الرضاعليه‌السلام إلى خراسان، وأشخص ابنه الإمام الجوادعليه‌السلام أيضاً إلى بغداد بعد انتقال مركز خلافته إليها. ولعلّ تزويجه للإمامعليه‌السلام من ابنته كان باعتبار هذا الهدف، إضافة إلى محاولة اختلاط النسب بين العباسيين وأئمة أهل البيتعليهم‌السلام فضلاً عن الحضور داخل حياتهم الشخصية ليكونوا على معرفة بما يستجدّ في حياة أهل البيتعليهم‌السلام .

____________________

(1) بحار الأنوار: 51 / 155، عن الغيبة للنعماني.

(2) بحار الأنوار: 51 / 152.

(3) كمال الدين وتمام النعمة: 2 / 372، الفصول المهمة: 251.


وقد أشخص الحكّام من بعد المأمون الأئمة الباقين إلى مركز حكمهم كالإمام الجوادعليه‌السلام والإمامين الهادي والعسكريعليهما‌السلام (1) .

ولعلّ سمّ الأئمة منهم واغتيالهم من قبل الحكّام وعمّالهم واقع في هذا الطريق، فالإمام الجوادعليه‌السلام مات مسموماً وعمره خمس وعشرون سنة، والإمام الهادي سُمّ وهو في الثانية والأربعين من عمره والإمام الحسن العسكريعليه‌السلام مات مسموماً وعمره ثمان وعشرون سنة(2) .

ويؤيّد هذا التحليل النصّ المروي عن الإمام أبي محمد الحسن العسكريعليه‌السلام إذ قال: قد وضع بنو أُمية وبنو العبّاس سيوفهم علينا لعلّتين: أحداهما أنهم كانوا يعلمون ليس لهم في الخلافة حق فيخافون من ادّعائنا إياها، وتستقرّ في مركزها. وثانيها أنهم قد وقفوا من الأخبار المتواترة على أن زوال ملك الجبابرة والظلمة على يد القائم منّا، وكانوا لا يشكّون أنهم من الجبابرة والظلمة فسعوا في قتل أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإبادة نسله طمعاً منهم في الوصول إلى منع تولّد القائمعليه‌السلام أو قتله، فأبى الله أن يكشف أمره لواحد منهم، إلاّ أن يتم نوره، ولو كره المشركون.

وبوجود الأئمةعليهم‌السلام في البلاط كان يسهل على الحكّام متابعة نشاطهم وحركتهم والتدخل في شؤونهم الخاصة؛ لذا فإن الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام والد الإمام المهديعليه‌السلام لم يتزوّج زواجاً عادياً ورسمياً، وحينما ولد له الإمام المهديعليه‌السلام أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وشدة طلب السلطان له، واجتهاده في البحث عن أمره، لما كان قد شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه وعرف ذلك من انتظارهم له(3) .

____________________

(1) والملفت للنظر لدى الباحث التاريخي أن الأئمة من بعد الرضاعليه‌السلام لم يولد لهم مثل ما ولد لآبائهم من قبل، وهو شاهد على مدى تحديدهم وإحكام الرقابة عليهم، وكما أنه مؤشّر إلى تخوّف الحكّام منهم خشية من ظهور المهدي الموعود من بين أبنائهمعليهم‌السلام .

(2) راجع منتخب الأثر: الباب 34 من أبواب الفصل الثاني عن أربعين الخاتون آبادي.

(3) الإرشاد: 2/337 وعنه في بحار الأنوار: 50 / 334.


وهذه المواقف التي كانت تبدر من السلطة والتحفّظات الكثيرة هي التي جعلت الإمام المهديعليه‌السلام يختفي دون أن تقوم السلطات باعتقاله، وهي نتيجة للتخطيط الدقيق الذي كان قد بدأه الإمام الرضاعليه‌السلام وتلميحاته وتصريحاته السرية في خصوص الإيمان بالمهديعليه‌السلام وولادته واسمه. وقد تابع الأئمة من بعده نفس التخطيط، دون أن تشعر بهم السلطات القائمة.

وخلاصة القول: إن الإمام الرضاعليه‌السلام قد رسم مستقبل الرسالة بالتمهيد لها من خلال الوصية بإمامة ابنه الجوادعليه‌السلام ، ثمّ عليّ الهادي ثمّ الحسن العسكري ثم ابنه الإمام المهدي المنتظر؛ لتواصل الأمة ولاءها وتستمر في انتمائها الفكري والعاطفي والسلوكي.

اغتيال الإمام الرضاعليه‌السلام

لقد كان الإمام الرضاعليه‌السلام يعلم بأنه سوف يُقتل، وذلك لروايات وردت عن آبائه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إضافة إلى الإلهام الإلهي له، لوصوله إلى قمة السموّ والارتقاء الروحي. ولا غرابة في ذلك، فقد شاهدنا في حياتنا المعاصرة أن بعض الأتقياء يحدّدون أيام وفاتهم أو سنة وفاتهم، لرؤيا رأوها أو لإلهام إلهي غير منظور. فما المانع أن يعلم الإمام الرضاعليه‌السلام بمقتله وهو الشخصية العظيمة التي ارتبطت بالله تعالى ارتباطاً حقيقياً في سكناتها وحركاتها، وأخلصت له إخلاصاً تاماً.

وقد أخبر الإمامعليه‌السلام جماعة من الناس بأنّه سيدفن قرب هارون، بقولهعليه‌السلام : (أنا وهارون كهاتين)، وضم إصبعيه السبابة والوسطى(1) .

وكان هارون يخطب في مسجد المدينة والإمام حاضر، فقالعليه‌السلام :

____________________

(1) الكافي: 1/491، عيون أخبار الرضا: 2/225 - 226، والإرشاد: 2/258 وعنه في إعلام الورى: 2/60 والإتحاف بحب الأشراف: 158.


(تروني وإياه ندفن في بيت واحد)(1) .

وفي ذات مرّة، خرج هارون من المسجد الحرام من باب، وخرج الإمام من باب آخر فقالعليه‌السلام : (يا بعد الدار وقرب الملتقى إن طوس ستجمعني وإياه)(2) .

وقال ابن حجر: أخبر بأنه يموت قبل المأمون، وأنّه يدفن قرب الرشيد فكان كما أخبر(3) .

وحينما أراد المأمون أشخاصه إلى خراسان، جمع عياله وكانعليه‌السلام يقول: (إني حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي، فأمرتهم أن يبكوا عليّ حتى اسمع، ثم فرقت فيهم اثنى عشر إلف دينار، ثم قلت: أما أني لا أرجع إلى عيالي أبداً)(4) .

وحينما أنشده دعبل الخزاعي قصيدته - بعد ولاية العهد - وانتهى إلى قوله:

(وقبر ببغداد لنفس زكية

تضمّنها الرحمن في الغرفات

قال له الإمامعليه‌السلام : (أفلا اُلحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟

فقال: بلى يا ابن رسول الله، فقالعليه‌السلام :

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

توقد في الأحشاء بالحرقات

فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟

فقال الإمامعليه‌السلام : قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري...)(5) .

وقد تقدم أنه أخبر عن عدم إتمام ولاية العهد.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2/216 وكشف الغمة: 3/93 وإعلام الورى: 2/59 والإتحاف بحبّ الأشراف: 158.

(2) عيون أخبار الرضا: 2/216 وفي إعلام الورى: 2/59 وعنه في كشف الغمة: 3/105، وفي الإتحاف بحبّ الأشراف: 158.

(3) الصواعق المحرقة: 309.

(4) عيون أخبار الرضا: 2 / 218، إعلام الورى: 2/59 - 60.

(5) عيون أخبار الرضا: 2/263 - 264.


الأدلة على شهادته مسموماً

اختلفت الروايات في سبب موت الإمامعليه‌السلام بين الموت الطبيعي وبين السمّ، وقال الأكثر إنّه مات مسموماً، وفيما يلي نستعرض بعض الروايات - الدالة على ذلك - باختصار.

قال صلاح الدين الصفدي: وآل أمره مع المأمون إلى أن سمّه في رمّانة... مداراة لبني العباس(1) .

وقال اليعقوبي: فقيل إن علي بن هشام أطعمه رمّاناً فيه سمّ(2) .

وقال ابن حبّان: ومات علي بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه إياها المأمون فمات من ساعته(3) .

وقال شهاب الدين النويري:... وقيل إن المأمون سمّه في عنب، واستبعد ذلك جماعة وأنكروه(4) .

وقال القلقشندي: يقال إنه سمّ في رمّان أكله(5) .

وكان أهل طوس يرون أن المأمون سمّه، وقد اعترف المأمون بتهمة الناس له فقد دخل على الإمامعليه‌السلام قبيل موته فقال: (يا سيدي والله ما أدري أي المصيبتين أعظم علي؟ فقدي لك، وفراقي إياك؟ أو تهمة الناس لي أني اغتلتك وقتلتك...)(6) .

____________________

(1) الوافي بالوفيات: 22/251.

(2) تاريخ الطبري: 5/148، أحداث سنة 203 هـ.

(3) الثقات: 8 / 457.

(4) نهاية الإرب: 22 / 210.

(5) مآثر الإنافة في معالم الخلافة: 1 / 211.

(6) عيون أخبار الرضا: 2 / 241.


ولما كان اليوم الثاني اجتمع الناس وقالوا: إن هذا قتله واغتاله، يعنون المأمون(1) .

ومن الشواهد على أن المأمون قتله مسموماً، أنه كان يخطط للتخلص منه.

قال المأمون لبني العباس:... فليس يجوز التهاون في أمره، ولكنّا نحتاج أن نضع منه قليلاً قليلاً، حتى نصوّره عند الرعايا بصورة من لا يستحق هذا الأمر، ثم ندبّر فيه بما يحسم عنّا مواد بلائه(2) .

ويأتي موت الإمامعليه‌السلام بعد قرار المأمون بالتوجه إلى العراق ونقل عاصمة حكمه إليه، فقد وجد أنّ العباسيين في العراق سيبقون معارضين له ما دام الإمامعليه‌السلام ولياً لعهده، لذا نجده قد كتب لهم ليستميلهم: إنكم نقمتم عليّ بسبب توليتي العهد من بعدي لعلي بن موسى الرضا، وها هو قد مات، فارجعوا إلى السمع والطاعة.

ولا يستبعد من المأمون أن يقدم على قتله، وقد قتل من أجل الملك والسلطة أخاه وآلاف المسلمين من جنوده وجنود أخيه، فالملك عقيم كما أخبره أبوه من قبل.

أسباب إقدام المأمون على سمّ الإمامعليه‌السلام واغتياله

من الأسباب التي دعت المأمون إلى سمّ الإمام انّه لم يحصل على ما أراد من توليته للعهد، فقد حدثت له فتنة جديدة وهي تمرّد العباسيين عليه، ومحاولتهم القضاء عليه.

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 241.

(2) فرائد السمطين: 2/214، 215.


ومن الأسباب التي وردت عن أحمد بن علي الأنصاري عن أبي الصلت الهروي في قوله: (... وجعل له ولاية العهد من بعده ليرى الناس أنه راغب في الدنيا؛ فيسقط محلّه من نفوسهم، فلمّا لم يظهر منه في ذلك للناس إلا ما ازداد به فضلاً عندهم، ومحلاًّ في نفوسهم، وجلب عليه المتكلمين من البلدان طمعاً من أن يقطعه واحد منهم فيسقط محله عند العلماء، وبسببهم يشتهر نقصه عند العامة، فكان لا يكلمه خصم من اليهود والنصارى والمجوس والصابئية والبراهمة والملحدين والدهرية، ولا خصم من فرق المسلمين المخالفين إلا قطعه وألزمه الحجة.

وكان الناس يقولون: والله إنّه أولى بالخلافة من المأمون، فكان أصحاب الأخبار يرفعون ذلك إليه، فيغتاظ من ذلك ويشتد حسده ).

وكان الرضا لا يُحابي المأمون في حق، وكان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله؛ فيغيظه ذلك، ويحقد عليه، ولا يظهره له، فلمّا أعيته الحيلة في أمره اغتاله فقتله بالسم(1) .

وقد نصحه الإمامعليه‌السلام - كما تقدم - بأن يبعده عن ولاية العهد لبغض البعض لذلك، وقد علّق إبراهيم الصولي على ذلك بالقول: كان هذا والله السبب فيما آل الأمر إليه(2) .

إضافة إلى ذلك أن بعض وزراء المأمون وقوّاده كانوا يبغضون الإمامعليه‌السلام ويحسدونه، فكثرت وشاياتهم على الإمامعليه‌السلام ، فأقدم المأمون

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 239 - 240.

(2) نثر الدر: 1 / 363.


على سمّه(1) .

وبدأت علامات الموت تظهر على الإمامعليه‌السلام بعد أن أكل الرمان أو العنب الذي أطعمه المأمون، وبعد خروج المأمون ازدادت حالته الصحية تدهوراً، وكان آخر ما تكلم به:( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (2) ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) (3) .

ودخل عليه المأمون باكياً، ثم مشى خلف جنازته حافياً حاسراً يقول: (يا أخي لقد ثلم الإسلام بموتك وغلب القدر تقديري فيك) وشق لحد هارون ودفنه بجنبه(4) .

وقد رثاه دعبل الخزاعي قائلاً:

أرى أمية معذورين إن قتلوا

ولا أرى لبني العباس من عذر

أربع بطوس على قبر الزكي به

إن كنت تربع من دين على خطر

قبران في طوس خير الناس كلّهم

وقبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قرب الزكي وما

على الزكي بقرب الرجس من ضرر(5)

وكانت شهادة الإمام الرضاعليه‌السلام في آخر صفر سنة (203 هـ) كما ذكر على ذلك أغلب الرواة والمؤرخين.

____________________

(1) النصوص التوضيحية في كيفية استشهاده راجعها في العوالم ص 488 - 498.

(2) آل عمران (3): 154.

(3) الأحزاب (33): 38.

(4) عيون أخبار الرضا: 2 / 241.

(5) عيون أخبار الرضا: 2 / 251.


كرامة زيارته

قال ابن حبّان: قد زرته مراراً كثيرة، وما حلّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس فزرت قبر علي بن موسى الرضا، صلوات الله على جده وعليه ودعوت الله إزالتها عني إلا استجيب لي، وزالت عني تلك الشدة، وهذا شيء جربته مراراً، فوجدته كذلك(1) .

وقد اشتهرت هذه الكرامات على مدى القرون ولا سيّما في عصرنا الراهن حتى إن القائمين بشؤون الحرم الرضوي قد أسّسوا قسماً خاصاً بتسجيل هذه الكرامات وتدوينها مع شواهدها وذاع صيتها واشتهر أمرها وأصبحت من الواضحات لدى عامة المؤمنين بل جملة من الأطباء الذين كانوا يشرفون على تطبيب بعض المرضى الذين لا علاج لهم.

____________________

(1) الثقات: 8 / 457.


الفصل الثالث: مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام احتجاجاته وتراثه

عاش الإمام الرضاعليه‌السلام في عصر انفتاح الأمة الإسلامية على تراث الأمم الأخرى التي أخذت تدخل في حاضرة المسلمين وتساهم معهم في بناء صرح حضارتهم الإسلامية.

وقد بلغ هذا الانفتاح مبلغاً عظيماً في عصر الإمام الرضاعليه‌السلام بشكل واضح حتى كان يهدّد الثقافة الإسلامية إن لم يتصدّ له المعنيّون بحفظ أصالة الثقافة الإسلامية من الذوبان في الثقافات الدخيلة عليها بشكل أو آخر.

وقد اعتنى الإمام الرضاعليه‌السلام بهذا الجانب الخطير فقام بإعداد وتربية أجيال من العلماء ليحرصوا على صيانة التراث الإسلامي من الذوبان والانهيار، ويقوموا بمهمة نشر الفكر الإسلامي الصائب في أرجاء العالم الإسلامي ويهتمّوا بتربية أجيال تحمل هذه الرسالة إلى العالم أجمع.

من هنا كانت للإمام الرضاعليه‌السلام مدرسة حيّة تتقوّم بعناصر عالمة ومتعلّمة وذات ثقافة رسالية فريدة.

وهذه المدرسة تعتبر جزءً من التراث الحي للإمام الرضاعليه‌السلام . وهي بعدٌ متميّز من تراثه الثرّ.

وتأتي احتجاجات الإمام الطويلة والمتنوّعة مع أرباب شتى المذاهب


والأديان لتشكّل علامة فارقة أخرى في حياة الإمام الرضاعليه‌السلام وهي الجزء الآخر من تراثه المعطاء.

كما يعتبر كل ما دوّن وروي عن الإمام الرضاعليه‌السلام من أحاديث ورسائل وكتب في شتى ميادين المعرفة الإسلامية الجزء الثالث من تراثه الخالد للأمة الإسلامية بل البشرية جمعاء.

من هنا سوف نتكلّم عن هذه الحقول والأجزاء الثلاثة ضمن ثلاثة بحوث تأتي تباعاً.


البحث الأول: مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام

يتراوح عدد الرواة عن الإمام الرضاعليه‌السلام كما جاء في المصادر الموجودة بأيدينا بين (313) إلى (367) راوياً. وهؤلاء يعتبرون طلاّب مدرسته والمتخرجين على يديه. وقد أحصى عددهم صاحب مسند الإمام الرضا وترجم لِـ 313 راوياً منهم بشكل موجز جدّاً استناداً إلى ما جاء لهم من ذكر في أسناد روايات المسند.

على أن الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) قد ذكر ثلاثمائة وخمسة عشر رجلاً من أصحاب الإمام الرضاعليه‌السلام ، بينما أنهاهم الشيخ باقر شريف القرشي إلى (367) راوياً(1) .

ونظرة سريعة إلى مسند الإمام الرضاعليه‌السلام تعطينا صورة إجمالية عن اتجاهات مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام وملامح عصره في مجالات التربية العلمية والأخلاقية كما كانت تتطلّبها الظروف التي عاشها الإمامعليه‌السلام هذا فضلاً عن الإعداد الخاص للمستقبل القريب والبعيد الذي كان قد خطط له الأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام كما هو واضح لمن يتدبّر مجموع ما صدر عنهم من نصوص وما تضمّنتها من التوجيه إلى آفاق المستقبل المشرق الذي ينتظر أتباع أهل البيتعليهم‌السلام وهم الجماعة الصالحة التي التزمت خطّهم الفكري والسياسي وأصرّت على التضحية في سبيل العقيدة الصحيحة والمبدأ الحق.

وقد ازداد النشاط العلمي لشيعة أهل البيتعليهم‌السلام في هذا العصر وتمثّل

____________________

(1) انظر مسند الإمام الرضا، وحياة الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام (دراسة وتحليل).


في كثرة التأليف والتدوين، والتدريس والرواية وشمل جميع الحقول المعرفية المعروفة آنذاك.

كما ازداد عدد الأفراد المنتمين لمدرسة الفقهاء الرواة من أتباع أهل البيتعليهم‌السلام ازدياداً ملحوظاً، ونلمس ذلك بوضوح من خلال عدد رواة الإمام الرضاعليه‌السلام حيث تكشف قائمة الرواة عن مدى الاهتمام منهم بانتهال العلم من مدرسة الإمام الرضاعليه‌السلام الرسالية في عصره، لا سيّما إذا لاحظنا تنوّع مستوياتهم وتنوّع اتجاهاتهم وتنوع بلدانهم واهتماماتهم العلمية من خلال تنوع الأسئلة والمجالات التي رووا فيها الأحاديث عن الإمام الرضاعليه‌السلام .

ونشير فيما يلي إلى بعض أصحاب الإمام وإلى جملة من مؤلفاتهم.

لقد ذكرت كتب التراجم ليونس بن عبد الرحمن(1) الكتب التالية:

1 - كتاب الشرايع، 2 - جوامع الآثار، 3 - الجامع الكبير في الفقه، 4 - الصلاة، 5 - الوضوء، 6 - يوم وليلة، 7 - السهو، 8 - الزكاة، 9 - اختلاف الحج، 10 - العلل الكبير، 11 - علل الحديث، 12 - الفرائض، 13 - الفرائض الصغير، 14 - الاحتجاج في الطلاق، 15 - التجارات، 16 - المزارعات، 17 - الآداب والدلالة على الخير، 18 - علل النكاح وتحليل المتعة، 19 - البيوع، 20 - الديات، 21 - الحدود.

____________________

(1) يونس بن عبد الرحمن هو أبو محمد مولى آل يقطين ثقة من أصحاب الكاظم والرضاعليهما‌السلام ، كان وجهاً في أصحابنا متقدماً عظيم المنزلة قال ابن النديم: (يونس بن عبد الرحمن من أصحاب موسى بن جعفرعليهما‌السلام من موالي آل يقطين علاّمة زمانه كثير التصنيف والتأليف على مذاهب الشيعة) ثم عد كتبه. وكان يونس من أصحاب الإجماع، ولد في أيام هشام بن عبد الملك ورأى جعفر بن محمدعليهما‌السلام بين الصفا والمروة ولم يرو عنه، وروى عن الكاظم والرضاعليهما‌السلام ، وكان الرضاعليه‌السلام يشير إليه في العلم والفتيا، وكان ممن بذل على الوقف مالاً جزيلاً فما قبل، مات (رحمه الله) سنة 208.


وذكرت لصفوان بن يحيى(1) ما يلي:

1 - كتاب الوضوء، 2 - الصلاة، 3 - الصوم، 4 - الحج، 5 - الزكاة، 6 - النكاح، 7 - الطلاق، 8 - الفرائض، 9 - الوصايا، 10 - الشراء والبيع، 11 - العتق والتدبير، 12 - البشارات، 13 - النوادر.

وذكرت للحسن بن محبوب أيضاً: 1 - كتاب المشيخة، 2 - الحدود، 3 - الديات، 4 - الفرائض، 5 - النكاح، 6 - الطلاق، 7 - النوادر نحو ألف ورقة، 8 - التفسير، 9 - العتق.

كما ذكرت كتب أخرى لعثمان بن عيسى الرؤاسي ومحمد بن أبي عمير وعلي بن يقطين ومحمد بن عيسى اليقطيني حتى جاء عنه في مناقب ابن شهر آشوب أنه جمع من مسائل أبي الحسن الرضا مما سئل عنه وأجاب ثمانية عشر ألف مسألة أو خمسة عشر ألف مسألة(2) .

____________________

(1) هو أبو محمد صفوان بن يحيى البجلي الكوفي، بياع السابري من أصحاب الإمام السابع والثامنعليهما‌السلام وأقرّوا له بالفقه والعلم، ثقة من أصحاب الإجماع وكان وكيل الرضاعليه‌السلام وصنف كتباً كثيرة كان من الورع والعبادة ما لم يكن احد في طبقته. ونقل الشيخ: (إنه أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث وأعبدهم كان يصلي كل يوم خمسين ومائة ركعة ويصوم في السنة ثلاثة أشهر ويخرج زكاة ماله كل سنة ثلاث مرات وذاك أنه اشترك هو وعبد الله بن جندب وعلي بن النعمان في بيت الله الحرام فتعاقدوا جميعا إن مات واحد منهم يصلي من بقي بعده صلاته ويصوم عنه ويحج عنه ويزكي عنه ما دام حياً فمات صاحباه وبقى صفوان بعدهما وكان يفي لهما بذلك وكان يصلي عنهما ويزكي عنهما ويصوم عنهما ويحج عنهما وكل شيء من البر والصلاح يفعل لنفسه كذلك يفعله عن صاحبيه - إلى أن قال -: وروى عن أربعين رجلاً من أصحاب أبي عبد اللهعليه‌السلام . وله كتب كثيرة مثل كتب الحسين بن سعيد وله مسائل عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام وروايات).

مات (رحمه الله) بالمدينة وبعث إليه أبو جعفر بحنوطه وكفنه وأمر إسماعيل بن موسى بالصلاة عليه.

(2) راجع عبد الهادي الفضلي: تاريخ التشريع الإسلامي: 180.


البحث الثاني: احتجاجات الإمام الرضاعليه‌السلام

إن انفتاح الأمة الإسلامية على الأمم والثقافات الأخرى - بأيّ سبب كان(1) - كان يتطلّب من القيادة الرساليّة التي كانت مهمّتها الأولى صيانة الرسالة الإسلامية والأمة المسلمة من الانهيار والسقوط أن تقوم بتحصين الأمة والمجتمع الإسلامي تحصيناً علمياً وثقافياً يجعلها تصمد أمام الاختراق الثقافي المقصود أو غير المقصود.

وقد عرفنا أن عصر الإمام الرضاعليه‌السلام قد تميّز بانفتاح هذا الباب على مصراعيه، وأصبح الخطر محدقاً بالأمة، وكان المأمون يبدي رغبة جامحة وشديدة في الحوار بين الإمام الرضاعليه‌السلام وسائر أرباب الأديان والمذاهب والاتجاهات العاملة في المجتمع الإسلامي آنذاك.

وقد تحقق هذا الحوار المفتوح على أصعدة شتّى، وتحدّى فيه الإمام الرضاعليه‌السلام - باعتباره الشخصية العلمية الوحيدة اللامعة في العالم الإسلامي - كل أصحاب الأديان والمذاهب والفرق وفاقهم جميعاً، وسجّل بذلك للعالم الإسلامي تفوّقه وقيمومته العلمية بالنسبة لهم، وتلألأت بذلك شخصية الإمام الرضاعليه‌السلام

____________________

(1) قد يكون هذا الانفتاح نتيجة طبيعية لدخول الأمم الأخرى في الحاضرة الإسلامية بعد اعتناق الإسلام أو معايشتها للمسلمين، وقد يكون السبب محاولة الاختراق منهم رغم الفتوحات الإسلامية التي أنتجت خضوعهم للدولة الإسلامية، كما يحتمل أن يكون للخلفاء دور في التشجيع على الترجمة للتراث الآخر رغبةً منهم في التوسع العلمي والاطلاع على سائر الثقافات أو رغبة منهم لانشغال طلاّب العلم بالثقافات الأخرى لئلا يتفرّغوا للتوجه إلى معين أهل البيتعليهم‌السلام الرسالي، لأنّ هذا التوجه سيؤدي إلى مرجعيتهم العلمية والتي تستتبعها مرجعيتهم السياسية ولو بعد فترة طويلة، وهذا مما لا يروق لهم بحال من الأحوال.


بشكل خاص(1) .

ولا ندري هل سجّلت كتب التراث كل ساحات الحوار ونصوصه التي دارت بين الإمام الرضاعليه‌السلام وسائر أرباب الأديان والمذاهب، غير أنّ ما وصل إلينا من حوارات غني في بابه وتنوّع مجالاته، بالرغم من وجود شواهد تأريخية على إصرار المأمون لحجب هذه الحوارات عن الانتشار.

وتكفّلت كُتب الاحتجاج بثبت جملة من هذه الحوارات وتجدها في كتاب الاحتجاج للطبرسي وبحار الأنوار للمجلسي فضلاً عن كتاب عيون أخبار الرضاعليه‌السلام .

وقد أنتجت هذه الحوارات المهمة ما يلي:

1 - تحدي أرباب الأديان والمذاهب، وإثبات التفوّق العلمي لمدرسة أهل البيتعليهم‌السلام الرسالية.

2 - فتح الباب لانتشار ثقافة أهل البيتعليهم‌السلام في أوساط المجتمع الإسلامي.

3 - توجيه المسلمين إلى خط أهل البيتعليهم‌السلام الرسالي ودعوتهم للانشداد بهم دون غيرهم دعوة صامتة.

4 - دعم الدولة الإسلامية لأنها قدّمت للإنسانية الرصيد العلمي الذي تمتلكه الحضارة الإسلامية.

5 - ولا نستبعد أن تكون هذه الفتوحات الكبيرة سبباً من أسباب

____________________

(1) ولعل هذا التفوّق كان أحد أسباب استعجال المأمون في القضاء على شخص الإمام الرضاعليه‌السلام بعد أن ثبت للعالم الإسلامي إشراق هذه الشخصية، وأن المأمون لا يستطيع استيعابها واحتوائها، فيكون وجود المأمون حينئذ وجوداً هامشياً - كما هو كذلك - ولكن الملك عقيم والخلافة منصب لا يزهد فيه أصحاب المطامع الدنيوية، من هنا تجرّأ المأمون بكل قساوة وخطّط للقضاء على هذه الشخصية المشرقة التي أصبحت تنافسه في أعين الناس بل أصبحت تفوقه بما لا يتحمّله من أنواع التفوّق.


الإسراع في القضاء على شخص الإمام الرضاعليه‌السلام ، لأن تفوقه واشراقه يعود بنتائج سلبية على شخص الخليفة، فيكون وجوده مزاحماً لمثل المأمون الذي يحمل أكبر الآمال في إحكام السيطرة على العالم الإسلامي.

وعلى كل حال فقد تنوّعت مجالات الحوار فشملت التوحيد، والنبوّة والأنبياءعليهم‌السلام والإمامة والأئمة، والمذاهب الإسلامية، والخلافة والصحابة، وغيرها من مسائل الخلاف بين المسلمين.

ونستعرض فيما يلي نماذج من هذه الاحتجاجات لنقف على جانب من عظمة الإمام العلمية ونشاطه الخاص في هذا المجال الخطير.

1 - حواره مع الثنوية

روى الصدوق عن الفضل بن شاذان: سأل رجلٌ من الثنوية أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام وأنا حاضر فقال له: إنّي أقول: إنّ صانع العالم اثنان فما الدّليل على أنّه واحد؟ فقال: (قولك: إنّه اثنان دليل على أنّه واحد لأنّك لم تدّع الثاني إلاّ بعد إثباتك الواحد، فالواحد مجمع عليه وأكثر من واحد مختلف فيه)(1) .

____________________

(1) التوحيد: 250.


2 - حواره مع أصحاب الأديان

قال الحسن بن محمد النوفليّ: لمّا قدم علي بن موسى الرضاعليه‌السلام إلى المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر، وأصحاب زردهشت وقسطاس الرّومي والمتكلّمين ليسمع كلامه وكلامهم فجمعهم الفضل بن سهل، ثم أعلم المأمون باجتماعهم، فقال: أدخلهم عليّ، ففعل، فرحّب بهم المأمون.

ثم قال لهم: إني إنّما جمعتكم لخير، وأحببت أن تناظروا ابن عمّي هذا المدنيّ القادم عليّ، فإذا كان بكرة فاغدوا عليَّ ولا يتخلّف منكم أحد، فقالوا: السمع والطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكّرون إن شاء الله.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضاعليه‌السلام إذ دخل علينا ياسر الخادم وكان يتولّى أمر أبي الحسنعليه‌السلام فقال: يا سيدي إنّ أمير المؤمنين يقرئك السلام فيقول: فداك أخوك إنه اجتمع إليّ أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلّمون من جميع الملل، فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم وإن كرهت كلامهم فلا تتجشّم وإن أحببت أن نصير إليك خفّ ذلك علينا.

فقال أبو الحسنعليه‌السلام : أبلغه السلام وقل له: قد علمت ما أردت وأنا صائر إليك


بكرة إن شاء الله. قال الحسن بن محمّد النوفلي: فلمّا مضى ياسر التفت إلينا، ثم قال لي: يا نوفليّ أنت عراقي ورقّة العراقي غير غليظ فما عندك في جمع ابن عمّك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟ فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحبّ أن يعرف ما عندك، ولقد بنى على أساس غير وثيق البنيان وبئس - والله - ما بنى.

فقال لي: وما بناؤه في هذا الباب؟ قلت: إن أصحاب البدع والكلام خلاف العلماء وذلك أنّ العالم لا ينكر غير المنكر وأصحاب المقالات والمتكلّمون وأهل الشرك أصحاب إنكار ومباهتة، وإن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا: صحّح وحدانيّته وإن قلت: إن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رسول الله قالوا: أثبت رسالته، ثم يباهتون الرجل وهو يبطل عليهم بحجّته، ويغالطونه حتى يترك قوله فاحذرهم جعلت فداك.

قال: فتبسّمعليه‌السلام ثم قال: يا نوفلي أتخاف أن يقطعوا عليّ حجّتي؟

قلت: لا والله ما خفت عليك قطّ وإنّي لأرجو أن يظفرك الله لهم إن شاء الله.

فقال لي: يا نوفلي تحبّ أن تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم.

قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزّبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم وعلى الهرابذة بفارسيتهم وعلى أهل الرّوم بروميتهم وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم فإذا قطعت كلّ صنف ودحضت حجّته وترك مقالته ورجع إلي قولي علم المأمون أنّ الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحق له فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم.

فلمّا أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ابن عمّك ينتظرك، وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟

فقال الرضاعليه‌السلام : تقدمني فإنّي صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثم، توضأعليه‌السلام


وضوء الصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثمّ خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون، فإذا المجلس غاص بأهله ومحمّد بن جعفر في جماعة الطالبيين والهاشميين والقوّاد حضور.

فلما دخل الرضاعليه‌السلام قام المأمون وقام محمد بن جعفر وقام جميع بني هاشم فما زالوا وقوفاً والرضاعليه‌السلام جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا، فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدّثه ساعة، ثم التفت إلى الجاثليق، فقال: يا جاثليق هذا ابن عمّي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن أبي طالبعليهم‌السلام فأحب أن تكلّمه وتحاجّه وتنصفه.

فقال الجاثليق: يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلاً يحتجّ عليّ بكتاب أنا منكره ونبيّ لا أؤمن به؟

فقال له الإمام الرضاعليه‌السلام : يا نصرانيّ فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقرّ به؟!

قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل، نعم والله أقرّ به على رغم أنفي.

فقال له الرضاعليه‌السلام : سل عمّا بدا لك وافهم الجواب.

قال الجاثليق: ما تقول في نبوّة عيسىعليه‌السلام وكتابه هل تنكر منهما شيئاً؟

قال الرضاعليه‌السلام : أنا مقرّ بنبوّة عيسى وكتابه وما بشّر به أمته وأقرّ به الحواريون وكافر بنبوّة كل عيسي لم يقرَّ بنبوة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكتابه ولم يبشّر به أمته.

قال الجاثليق: أليس إنّما تقطع الأحكام بشاهدي عدل؟

قال: بلى.

قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوّة محمد ممّن لا تنكره النصرانية وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملّتنا.

قال الرضاعليه‌السلام : الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل منّي العدل المقدّم عند


المسيح عيسى بن مريم؟

قال الجاثليق: ومن هذا العدل؟ سمه لي؟

قال: ما تقول في يوحنا الدّيلمي.

قال: بخ بخ ذكرت أحبّ الناس إلى المسيح.

قال: فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أنّ يوحنا قال إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي وبشّرني به إنه يكون من بعده، فبشّرت به الحواريين فآمنوا به؟!

قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشّر بنبوّة رجل وبأهل بيته ووصيّه ولم يلخّص متى يكون ذلك ولم يسمّ لنا القوم فنعرفهم.

قال الرضاعليه‌السلام : فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمّد وأهل بيته وأمته أتؤمن به؟

قال: شديداً.

قال الرضاعليه‌السلام لقسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟

قال: ما أحفظني له.

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: ألست تقرأ الإنجيل؟!

قال: بلى لعمري.

قال: فخذ على السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمّد وأهل بيته وأمته سلام الله عليهم فاشهدوا لي، وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي.

ثم قرأعليه‌السلام السّفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقف، ثم قال: يا نصراني، إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل؟ قال: نعم، ثم تلا علينا ذكر محمّد وأهل بيته وأمته ثم قال: ما تقول يا نصرانيّ؟ هذا قول عيسى بن مريم فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت عيسى وموسىعليهما‌السلام ومتى أنكرت هذا الذّكر وجب عليك القتل لأنّك تكون قد كفرت بربّك وبنبيّك وبكتابك.


قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل وإنّي لمقرّ به.

قال الرضاعليه‌السلام : اشهدوا على إقراره. ثم قال: يا جاثليق، سل عمّا بدا لك.

قال الجاثليق: أخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدّتهم، وعن علماء الإنجيل كم كانوا.

قال الرضاعليه‌السلام : على الخبير سقطت، أمّا الحواريون فكانوا اثنى عشر رجلاً وكان أفضلهم وأعلمهم لوقا.

وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنّا الأكبر بأج، ويوحنّا بقرقيسيا، ويوحنّا الدّيلمي بزجان، وعنده كان ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وذكر أهل بيته وأُمته وهو الذي بشر أُمة عيسى وبني إسرائيل به، ثم قالعليه‌السلام : يا نصراني، والله إنّا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وما ننقم على عيساكم شيئاً إلاّ ضعفه وقلّة صيامه وصلاته.

قال الجاثليق: أفسدت والله علمك وضعّفت أمرك، وما كنت ظننت إلاّ أنّك أعلم أهل الإسلام.

قال الرضاعليه‌السلام : وكيف ذلك؟

قال الجاثليق: من قولك: إنّ عيساكم كان ضعيفاً قليل الصيام قليل الصلاة، وما أفطر عيسى يوماً قطّ، ولا نام بليل قطّ، ومازال صائم الدّهر، قائم الليل.

قال الرضاعليه‌السلام : فلمن كان يصوم ويصلي؟

قال: فخرس الجاثليق وانقطع.

قال الرضاعليه‌السلام : يا نصراني! إني أسألك عن مسألة.

قال: سل فإن كان عندي علمها أجبتك.

قال الرضاعليه‌السلام : ما أنكرت أنّ عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عَزَّ وجَلَّ؟

قال الجاثليق: أنكرت ذلك من قبل، إنّ من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه


والأبرص فهو ربّ مستحق لأن يعبد.

قال الرضاعليه‌السلام : فإنّ اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء وأحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص، فلم يتّخذه أُمته رباً ولم يعبده أحد من دون الله عَزَّ وجَلَّ، ولقد صنع حزقيل النبيعليه‌السلام مثل ما صنع عيسى بن مريمعليه‌السلام فأحيا خمسة وثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستّين سنة.

ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: يا رأس الجالوت، أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة أختارهم بخت نصر من سبي بني إسرائيل حين غزا بيت المقدّس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عَزَّ وجَلَّ إليهم فأحياهم، هذا في التوراة لا يدفعه إلاّ كافر منكم.

قال رأس الجالوت: قد سمعنا به وعرفناه.

قال: صدقت. ثم قالعليه‌السلام : يا يهوديّ، خذ على هذا السفر من التوراة فتلاعليه‌السلام علينا من التوراة آيات، فأقبل يهودي يترجّح لقراءته ويتعجّب.

ثم أقبل على النصراني فقال: يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟

قال: بل كانوا قبله.

قال الرضاعليه‌السلام : لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فسألوه أن يحيي لهم موتاهم فوجّه معهم علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فقال له: اذهب إلى الجبانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك، يا فلان و يا فلان و يا فلان، يقول لكم محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوموا بإذن الله عَزَّ وجَلَّ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن أمورهم.

ثم أخبروهم أنّ محمّداً قد بعث نبيّاً، وقالوا: وددنا أنا أدركناه فنؤمن به ولقد ابرأ الأكمه والأبرص والمجانين وكلّمه البهائم، والطير والجن والشياطين ولم نتخذه ربّاً من دون


الله عَزَّ وجَلَّ ولم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم، فمتى اتّخذتم عيسى رباً جاء لكم أن تتخذوا اليسع وحزقيل ربّاً لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى وغيره، أنّ قوماً من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف حذر الموت.

فأماتهم الله في ساعة واحدة فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم وصاروا رميماً، فمرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجّب منهم ومن كثرة العظام البالية فأوحى الله إليه: أتحبّ أن أحييهم لك فتنذرهم؟ قال: نعم يا ربّ، فأوحى الله عَزَّ وجَلَّ إليه أن نادهم.

فقال: أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عَزَّ وجَلَّ فقاموا أحياء أجمعون ينفضون التراب عن رؤوسهم ثم إبراهيمعليه‌السلام خليل الرحمن حين أخذ الطيور وقطعهنّ قطعاً ثمّ وضع على كل جبل منهنّ جزءً، ثم ناديهن فأقبلن سعياً إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه والسبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له: إنّك قد رأيت الله سبحانه فأرناه كما رأيته.

فقال لهم: إني لم أره. فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم وبقي موسى وحيداً، فقال: يا ربّ اخترت سبعين رجلاً من بني إسرائيل فجئت بهم وارجع وحدي فكيف يصدّقني قومي بما أخبرهم به، فلو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أفتهلكنا بما فعل السفهاء منّا، فأحياهم الله عَزَّ وجَلَّ من بعد موتهم.

وكل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه، لأنّ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان قد نطقت به، فإن كان كل من أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص والمجانين يتّخذ ربّاً من دون الله، فاتّخذ هؤلاء كلّهم أرباباً، ما تقول يا نصراني؟

قال الجاثليق: القول قولك ولا إله إلاّ الله.

ثم التفتعليه‌السلام إلى رأس الجالوت فقال: يا يهوديّ أقبل عليَّ أسألك بالعشر الآيات التي أنزلت على موسى بن عمرانعليه‌السلام ، هل تجد في التوراة مكتوباً نبأ محمّد وأُمته


إذا جاءت الأمة الأخيرة أتباع راكب البعير يسبّحون الربّ جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد، فليفرغ بنو إسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئنّ قلوبهم فإنّ بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة في أقطار الأرض. هكذا هو في التوراة مكتوب؟!

قال رأس الجالوت: نعم إنّا لنجده كذلك.

ثم قال للجاثليق: يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟ قال: أعرفه حرفاً حرفاً.

قال الرضاعليه‌السلام لهما: أتعرفان هذا من كلامه: يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابساً جلابيب النور، ورأيت راكب البعير ضوؤه مثل ضوء القمر.

فقالا: قد قال ذلك شعيا.

قال الرضاعليه‌السلام : يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى: إني ذاهب إلى ربّي وربّكم والفار قليطا جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له وهو الذي يفسّر لكم كلّ شيء وهو الذي يبدي فضائح الأمم، وهو الذي يكسر عمود الكفر؟

فقال الجاثليق: ما ذكرت شيئاً ممّا في الإنجيل إلاّ ونحن مقرّون به.

فقال: أتجد هذا في الإنجيل ثابتاً يا جاثليق؟!

قال: نعم.

قال الرضاعليه‌السلام : يا جاثليق ألا تخبرني عن الإنجيل الأوّل حين افتقدتموه عند من وجدتموه ومن وضع لكم هذا الإنجيل؟

قال له ك ما افتقدنا الإنجيل إلاّ يوماً واحداً حتى وجدناه غضّاً طريّاً فأخرجه إلينا يوحنّا ومتي.

فقال له الرضاعليه‌السلام : ما أقلّ معرفتك بسرّ الإنجيل وعلمائه، فإن كان كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل؟ إنّما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم فلو كان على العهد الأوّل لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، اعلم أنّه لمّا افتقد الإنجيل الأوّل


اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريمعليه‌السلام وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم؟

فقال لهم لوقا ومرقابوس: إنّ الإنجيل في صدورنا، ونحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كل أحد، فلا تحزنوا عليه ولا تخلّوا الكنائس، فإنّا سنتلوه عليكم في كلّ أحد سفراً سفراً حتّى نجمعه لكم كلّه، فقعد لوقاء ومرقابوس ويوحنّا ومتي ووضعوا لهم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأوّل وإنّما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ تلاميذ الأوّلين، أعلمت ذلك؟

قال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل وسمعت أشياء ممّا علمته، شهد قلبي أنّها حقّ فاستزدت كثيراً من الفهم.

فقال له الرضاعليه‌السلام : فكيف شهادة هؤلاء عندك؟

قال: جائزة، هؤلاء علماء الإنجيل وكلّ ما شهدوا به فهو حقّ.

فقال الرضاعليه‌السلام للمأمون ومن حضره من أهل بيته ومن غيرهم: اشهدوا عليه، قالوا: قد شهدنا.

ثم قال للجاثليق: بحقّ الابن وأمه هل تعلم أنّ متي قال: إن المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهودا بن خضرون، وقال مرقابوس: في نسبة عيسى بن مريم: إنه كلمة الله أحلّها في جسد الآدمي فصارت إنساناً، وقال الوقا: إن عيسى بن مريم وأمه كانا إنسانين من لحم ودم فدخل فيهما روح القدس.

ثم إنّك تقول من شهادة عيسى على نفسه، حقّاً أقول لكم يا معشر الحواريين إنّه لا يصعد إلى السماء إلاّ ما نزل منها إلاّ راكب البعير خاتم الأنبياء، فإنّه يصعد إلى السماء وينزل، فما تقول في هذا القول؟

قال الجاثليق: هذا قول عيسى لا ننكره.


قال الرضاعليه‌السلام : فما تقول في شهادة الوقا، ومرقابوس ومتي على عيسى وما نسبوه إليه؟

قال الجاثليق: كذبوا على عيسى.

قال الرضاعليه‌السلام : يا قوم أليس قد زكّاهم وشهد أنهم علماء الإنجيل وقولهم حقّ؟

فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحبّ أن تعفيني من أمر هؤلاء.

قال الرضاعليه‌السلام : فإنا قد فعلنا، سل يا نصراني، عمّا بدالك؟

قال الجاثليق: ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.

فالتفت الرضاعليه‌السلام إلى رأس الجالوت فقال له: تسألني أو أسألك؟

قال: بل أسألك، ولست أقبل منك حجة إلاّ من التوراة أو من الإنجيل أو من زبور داود أو ممّا في صحف إبراهيم وموسى.

فقال الرضاعليه‌السلام : لا تقبل منّي حجة إلاّ بما تنطق به التوراة، على لسان موسى بن عمران، والإنجيل على لسان عيسى بن مريم، والزبور على لسان داود.

فقال رأس الجالوت: من أين تثبت نبوّة محمد؟

قال الرضاعليه‌السلام : شهد بنبوّته (صلّى الله عليه وآله) موسى بن عمران وعيسى بن مريم وداود خليفة الله عَزَّ وجَلَّ في الأرض.

فقال له: أثبت قول موسى بن عمران.

قال الرضاعليه‌السلام : هل تعلم يا يهوديّ أن موسى أوصى بني إسرائيل فقال لهم: إنّه سيأتيكم نبيّ هو من إخوتكم فيه فصدّقوا، ومنه فاسمعوا، فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل والنسب الذي بينهما من قبل إبراهيمعليه‌السلام ؟

فقال رأس الجالوت: هذا قول موسى لا ندفعه.


فقال له الرضاعليه‌السلام : هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبي غير محمد (صلّى الله عليه وآله).

قال: لا.

قال الرضاعليه‌السلام : أوليس قد صحّ هذا عندكم؟!

قال: نعم ولكنّي أحب أن تصحّحه لي من التوراة.

فقال له الرضاعليه‌السلام : هل تنكر أن التوراة تقول لكم: جاء النور من جبل طور سيناء، وأضاء لنا من جبل ساعير واستعلن علينا من جبل فاران؟

قال رأس الجالوت: أعرف هذه الكلمات وما أعرف تفسيرها.

قال الرضاعليه‌السلام : أنا أخبرك به، أما قوله: جاء النّور من جبل طور سيناء فذلك وحي الله تبارك وتعالى الذي أنزله على موسىعليه‌السلام على جبل طور سيناء، وأما قوله: وأضاء لنا من جبل ساعير، فهو الجبل الذي أوحى الله عَزَّ وجَلَّ إلى عيسى بن مريمعليه‌السلام وهو عليه، وأما قوله: واستعلن علينا من جبل فاران، فذلك جبل من جبال مكّة بينه وبينها يوم.

وقال شعيا النبيعليه‌السلام فيما تقول أنت وأصحابك في التوراة: رأيت راكبين أضاء لهما الأرض أحدهما راكب على حمار، والآخر على جمل، فمن راكب الحمار ومن راكب الجمل؟!

قال رأس الجالوت: لا أعرفهما فخبّرني بهما.

قالعليه‌السلام : أما راكب الحمار فعيسى بن مريم، وأما راكب الجمل، فمحمد (صلّى الله عليه وآله) أتنكر؟ هذا من التوراة، قال لا، ما أنكره.

ثم قال الرضاعليه‌السلام : هل تعرف حيقوق النبي؟ قال: نعم إنّي به لعارف، قالعليه‌السلام فإنّه قال وكتابكم ينطق به: جاء الله بالبيان من جبل فاران، وامتلأت السماوات من تسبيح أحمد وأُمته، يحمل خيله في البحر كما يحمل في البرّ يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدّس - يعني بالكتاب القرآن - أتعرف هذا وتؤمن به؟


قال رأس الجالوت: قد قال ذلك حيقوقعليه‌السلام ولا ننكر قوله.

قال الرضاعليه‌السلام : وقد قال داود في زبوره وأنت تقرأ: اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف نبياً أقام السنّة بعد الفترة غير محمد (صلّى الله عليه وآله)؟

قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره، ولكن عنى بذلك عيسى، وأيّامه هي الفترة.

قال الرضاعليه‌السلام : جهلت أنّ عيسى لم يخالف السنّة وقد كان موافقاً لسنّة التوراة حتى رفعه الله إليه، وفي الإنجيل مكتوب: إن ابن البرّة ذاهب والفارقليطا جاء من بعده وهو الذي يخفّف الآصار، ويفسّر لكم كلّ شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل أتؤمن بهذا في الإنجيل؟

قال: نعم لا أنكره.

فقال الرضاعليه‌السلام : يا رأس الجالوت أسألك عن نبيّك موسى بن عمران؟

فقال: سل.

قال: ما الحجّة على أنّ موسى ثبتت نبوّته؟

قال اليهوديّ: إنّه جاء بما لم يجيء به أحد من الأنبياء قبله.

قال له: مثل ماذا؟

قال: مثل فلق البحر، وقلبه العصا حيّة تسعى وضربه الحجر فانفجرت منه العيون، وإخراجه يده بيضاء للناظرين وعلامات لا يقدر الخلق على مثلها.

قال له الرضاعليه‌السلام : صدقت إذا كانت حجة على نبوّته أنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله أفليس كلّ من ادّعى أنّه نبيّ ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟

قال: لا؛ لأن موسى لم يكن له نظير لمكانته من ربّه، وقربه منه ولا يجب علينا الإقرار بنبوّة من ادّعاها حتى يأتي من الأعلام بمثل ما جاء به.


قال الرضاعليه‌السلام : فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسىعليه‌السلام ولم يفلقوا البحر ولم يفجروا من الحجر اثنتي عشرة عيناً، ولم يخرجوا أيديهم بيضاء مثل إخراج موسى يده بيضاء ولم يقلب العصا حيّة تسعى؟!

قال له اليهودي: قد خبرتك أنه متى جاءوا على دعوى نبوّتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على مثله ولو جاءوا بما لم يجيء به موسى، أركان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم.

قال الرضاعليه‌السلام : يا رأس الجالوت فما يمنعك من الإقرار بعيسى بن مريم، وقد كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله؟

قال رأس الجالوت: يقال إنّه فعل ذلك ولم نشهده.

قال له الرضاعليه‌السلام : أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟! أليس إنّما جاء في الأخبار به من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك.

قال: بلى.

قال: فكذلك أتتكم الأخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم فكيف صدقتم بموسى ولم تصدّقوا بعيسى.

فلم يحر جواباً.

قال الرضاعليه‌السلام : وكذلك أمر محمد (صلّى الله عليه وآله) وما جاء به وأمر كلّ نبي بعثه الله ومن آياته أنه كان يتيماً فقيراً راعياً أجيراً لم يتعلّم كتاباً ولم يختلف إلى معلّم، ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء وأخبارهم حرفاً حرفاً وأخبار من مضى ومن بقى إلى يوم القيامة.

ثم كان يخبرهم بأسرارهم وما يعملون في بيوتهم، وجاء بآيات كثيرة لا تحصى.

قال رأس الجالوت: لم يصحّ عندنا خبر عيسى ولا خبر محمّد ولا يجوز لنا أن نقرّ لهما بما لم يصحّ.


قال الرضاعليه‌السلام : فالشاهد الذي شهد لعيسى ولمحمد (صلّى الله عليه وآله) شاهد زور.

فلم يحر جواباً.

ثم دعاعليه‌السلام بالهربذ الأكبر فقال له الرضاعليه‌السلام : أخبرني عن زردهشت الذي تزعم أنه نبي ما حجّتك على نبوّته؟

قال: إنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله ولم نشهده، ولكن الأخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحلّه غيره فاتّبعناه.

قالعليه‌السلام : أفليس إنّما أتتكم الأخبار فاتبعتموه؟!

قال: بلى.

قال: فكذلك سائر الأمم السالفة أتتهم الأخبار بما أتى به النبيّون، وأتى به موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم فما عذركم في ترك الإقرار لهم، إذ كنتم أقررتم بزردهشت من قبل الأخبار المتواترة، بأنّه جاء بما لم يجيء به غيره؟!

فانقطع الهربذ مكانه.

فقال الرضاعليه‌السلام : يا قوم إن كان فيكم أحدٌ يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم.

فقام إليه عمران الصابي وكان واحداً في المتكلمين فقال: يا عالم الناس لو لا أنّك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً ليس غيره قائماً بوحدانيّته أفتأذن لي أن أسألك؟

قال الرضاعليه‌السلام : إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو!

فقال: أنا هو.

فقالعليه‌السلام : سل يا عمران وعليك بالنصفة وإيّاك والخطل والجور!

قال: والله يا سيدي ما أريد إلاّ أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به فلا أجوزه.


قالعليه‌السلام : سل عمّا بدا لك، فازدحم عليه الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض.

فقال عمران الصابي: أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق.

قالعليه‌السلام : سألت فافهم أما الواحد فلم يزل واحداً كائناً لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض، ولا يزال كذلك ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة لا في شيء أقامه ولا في شيء حدّه ولا على شيء حذاه ولا مثّله له.

فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير صفوة واختلافاً وائتلافاً وألواناً وذوقاً وطمعاً لا لحاجة كانت منه إلى ذلك ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلاّ به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصاناً، تعقل هذا يا عمران؟

قال: نعم والله يا سيدي.

قالعليه‌السلام : واعلم يا عمران! أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلاّ من يستعين به على حاجته ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق، لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنّه لم يحدث من الخلق شيئاً إلاّ حدثت فيه حاجة أخرى ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض وفضّل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضّل ولا نقمةٍ منه على من أذلّ، فلهذا خلق.

قال عمران: يا سيدي هل كان الكائن معلوماً في نفسه عند نفسه؟

قال الرضاعليه‌السلام : إنّما تكون المعلمة بالشيء لنفي خلافه وليكون الشيء نفسه بما نفي عنه موجوداً، ولم يكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد علم منها، أفهمت ياعمران؟

قال: نعم والله يا سيدي فأخبرني بأيّ شيء علم ما علم أبضمير أم بغير ذلك؟

قال الرضاعليه‌السلام : أرأيت إذا علم بضمير هل تجد بدّاً من أن تجعل لذلك الضمير حداً ينتهى إليه المعرفة؟!


قال عمران: لابدّ من ذلك.

قال الرضاعليه‌السلام : فما ذلك الضمير؟

فانقطع ولم يحر جواباً.

قال الرضاعليه‌السلام : لا بأس، إن سألتك عن الضّمير نفسه تُعرّفُه بضمير آخر؟!

ثم قال الرضاعليه‌السلام : أفسدت عليك قولك ودعواك يا عمران، أليس ينبغي أن تعلم أنّ الواحد ليس يوصف بضمير، وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع وليس يتوهّم منه مذاهب وتجزئة كمذاهب المخلوقين وتجزئتهم فاعقل ذلك وابن عليه ما علمت صواباً.

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن حدود خلقه؟ كيف هي؟ وما معانيها؟ وعلى كم نوع يتكوّن؟

قالعليه‌السلام : قد سألت فافهم إنّ حدود خلقه على ستّة أنواع: ملموس وموزون ومنظور إليه، وما لا وزن له، وهو الروح ومنها منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حسّ ولا ذوق والتقدير، والأعراض، والصور والعرض والطول، ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعلمها وتغييرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها.

وأما الأعمال والحركات فإنّها تنطلق لأنّها لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرق من الشيء انطلق بالحركة وبقي الأثر ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره.

قال له عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لا شيء غيره ولا شيء معه، أليس قد تغيّر بخلقه الخلق.

قال الرضاعليه‌السلام : يتغير عَزَّ وجَلَّ بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره.

قال عمران: فبأي شيء عرفناه.

قالعليه‌السلام : بغيره.

قال: فأي شيء غيره؟


قال الرضاعليه‌السلام : مشيّته واسمه وصفته وما أشبه ذلك، وكلّ ذلك محدث مخلوق مدبّر.

قال عمران: يا سيدي فأيّ شيء هو؟

قالعليه‌السلام : هو نور بمعنى أنه هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الأرض، وليس لك عليَّ أكثر من توحيدي إيّاه.

قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتاً قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟

قال الرضاعليه‌السلام : لا يكون السكوت إلاّ عن نطق قبله، والمثل في ذلك أنّه لا يقال للسراج هو ساكت لا ينطق ولا يقال إنّ السراج ليضيء فيما يريد أن يفعل بنا، لأنّ الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون وإنّما هو ليس شيء غيره، فلما استضاء لنا قلنا قد أضاء لنا حتى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك.

قال عمران: يا سيدي فإنّ الذي كان عندي أن الكائن قد تغيّر في فعله عن حاله بخلقه الخلق.

قال الرضا: أحلت يا عمران في قولك: إن الكائن يتغيّر في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره، يا عمران هل تجد النار تغير نفسها؟ أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيراً قطّ رأى بصره؟

قال عمران: لم أرَ هذا، ألا تخبرني أهو في الخلق أم الخلق فيه.

قال الرضاعليه‌السلام : جلّ يا عمران عن ذلك ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالى عن ذلك، وسأعلّمك وتعرفه به، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟! فان كان ليس واحد منكما في صاحبه، فبأي شيء استدللت بها على نفسك؟

قال عمران: بضوء بيني وبينها.

فقال الرضاعليه‌السلام : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر ممّا تراه في عينك؟

قال نعم.


قال الرضاعليه‌السلام : فأرناه؟ فلم يحر جواباً.

قال الرضاعليه‌السلام : فلا أرى النور إلاّ وقد دلّك ودلّ المرّاة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالاً ولله المثل الأعلى.

ثم التفتعليه‌السلام إلى المأمون قال: الصلاة قد حضرت.

فقال عمران: يا سيدي لا تقطع عليّ مسألتي فقد رقّ قلبي.

قال الرضاعليه‌السلام : نصلّي ونعود، فنهض ونهض المأمون، فصلّى الرضاعليه‌السلام داخلاً وصلّى الناس خارجاً خلف محمد بن جعفر، ثم خرجاً، فعاد الرضاعليه‌السلام إلى مجلسه ودعا بعمران فقال: سل يا عمران.

قال: يا سيدي ألا تخبرني عن الله عَزَّ وجَلَّ هل يوحد بحقيقة أم يوحد بوصف؟

قال الرضاعليه‌السلام : إنّ الله المبدئ الواحد الكائن الأوّل، لم يزل واحداً لا شيء معه، فرداً لا ثاني معه لا معلوماً ولا مجهولاً، ولا محكماً ولا متشابهاً، ولا مذكوراً ولا منسياً، ولا شيئاً يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره، ولا من وقت كان ولا إلى وقت يكون ولا بشيء قام ولا إلى شيء يقوم، ولا إلى شيء استند، ولا في شيء استكن، وذلك كلّه قبل الخلق إذ لا شيء وما أوقعت عليه من الكلّ فهي صفات محدثة وترجمة يفهم بها من فهم.

واعلم أنّ الإبداع والمشيّة والإرادة معناها واحد، وأسماؤها ثلاثة، وكان أوّل إبداعه وإرادته ومشيّته الحروف التي جعلها أصلاً لكل شيء ودليلاً على كلّ مدرك وفاصلاً لكلّ مشكل. وتلك الحروف تفريق كلّ شيء من اسم حقّ وباطل أو فعل أو مفعول أو معنى أو غير معنى، وعليها اجتمعت الأمور كلّها، ولم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهي ولا وجود لأنها مبدعة بالإبداع، والنّور في هذا الموضع أوّل فعل الله الذي هو نور السماوات والأرض.


والحروف هي المفعول بذلك الفعل وهي الحروف التي عليها الكلام والعبارات كلّها من الله عَزَّ وجَلَّ، علّمها خلقه، وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً، فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدل على اللغات السريانيّة، والعبرانيّة، ومنها خمسة أحرف متحرّفة في سائر اللغات من العجم لأقاليم اللغات كلّها وهي خمسة أحرف تحرّفت من الثمانية والعشرين الحرف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً.

فأمّا الخمسة المختلفة فتحجج لا يجوز ذكرها أكثر ممّا ذكرناه ثمّ جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدّتها فعلاً منه كقوله عَزَّ وجَلَّ:( كُنْ فَيَكُونُ ) وكن منه صنع وما يكون به المصنوع، فالخلق الأوّل من الله عَزَّ وجَلَّ الإبداع لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حسّ.

والخلق الثاني الحروف لا وزن لها ولا لون، وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها، والخلق الثالث ما كان من الأنواع كلّها محسوساً ملموساً ذا ذوق منظوراً إليه والله تبارك وتعالى سابق للإبداع لأنّه ليس قبله عَزَّ وجَلَّ شيء، ولا كان معه شيء والإبداع سابق للحروف والحروف لا تدلّ على غير أنفسها.

قال المأمون: وكيف لا تدلّ على غير أنفسها؟ قال الرضاعليه‌السلام : لأن الله تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً، فإذا ألّف منها أحرفاً أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقلّ لم يؤلفها لغير معنى ولم يك إلاّ لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئاً.

قال عمران: فكيف لنا بمعرفة ذلك؟

قال الرضاعليه‌السلام : أمّا المعرفة فوجه ذلك وبابه أنّك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير أنفسها ذكرتها فرداً فقلت: ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، فإذا ألفتها وجمعت منها أحرفاً وجعلتها اسماً وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها داعية إلى الموصوف بها، أفهمته؟ قال: نعم.


قال الرضاعليه‌السلام : واعلم أنّه لا يكون صفة لغير موصوف ولا اسم لغير معنى ولا حدّ لغير محدود، والصفات والأسماء كلّها تدلّ على الكمال والوجود ولا تدلّ على الإحاطة كما تدلّ على الحدود التي هي التربيع والتثليث والتسديس، لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ وتقدّس تدرك معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلّة والكثرة واللّون والوزن وما أشبه ذلك، وليس يحلّ بالله جلّ وتقدّس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا.

ولكن يدلّ على الله عَزَّ وجَلَّ بصفاته ويدرك بأسمائه ويستدلّ عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين، ولا استماع أذن ولا لمس كفّ ولا إحاطة بقلب، فلو كانت صفاته جل ثناؤه لا تدلّ عليه وأسماؤه لا تدعو إليه والمعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه، فلو لا أنّ ذلك كذلك لمكان المعبود الوحد غير الله تعالى، لأنّ صفاته وأسماءه غيره، أفهمت؟ قال: نعم يا سيدي زدني.

قال الرضاعليه‌السلام : إياك وقول الجهّال أهل العمى والضلال الذي يزعمون أن الله عَزَّ وجَلَّ وتقدّس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب، وليس بموجود في الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عَزَّ وجَلَّ نقص واهتضام لم يوجد في الآخرة أبداً، ولكنّ القوم تاهوا وعموا وصمّوا عن الحقّ من حيث لا يعلمون، وذلك قوله عَزَّ وجَلَّ:( وَمَن كَانَ فِي هذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلّ سَبِيلاً ) يعنى أعمى عن الحقائق الموجودة.

وقد علم ذوو الألباب أنّ الاستدلال على ما هناك لا يكون إلاّ بما ههنا، ومن أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلاّ بعداً، لأنّ


الله عَزَّ وجَلَّ جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون(1) .

قال له عمران: أخبرني عن الإبداع خلقٌ هو أم غير خلق؟

قال الرضاعليه‌السلام : بل خلقٌ ساكنٌ لا يُدرَك بالسكون وإنّما صار خلقاً، لأنّه شيءٌ محدَثٌ، والله الذي أحدثه. فصار خلقاً له. وإنّما هو الله عَزَّ وجَلَّ وخلقُهُ لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق الله عَزَّ وجَلَّ لم يعد أن يكون خلقه وقد يكون الخلقُ ساكناً ومتحرِّكاً ومختلفاً ومؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً وكلُّ ما وقع عليه حدٌّ فهو خلق الله عَزَّ وجَلَّ)(2) .

واعلم أنّ كلّما أوجدتك الحواسّ فهو معنى مدرك للحواسّ، وكلّ حاسّة على ما جعل الله عَزَّ وجَلَّ لها في إدراكها، والفهم من القلب بجميع ذلك كلّه واعلم أنّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد، خلق خلقاً مقدّراً بتحديد وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدّر، فليس في كل واحد منهما لون ولا ذوق ولا وزن، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بأنفسهما، ولم يخلق شيئاً فرداً قائماً بنفسه دون غيره للّذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده.

والله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يمسكه، والخلق يمسك بعضه بعضاً بإذن الله ومشيئته، وإنّما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا وتحيّروا وطلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة أنفسهم فازدادوا من الحق بعداً.

ولو وصفوا الله عَزَّ وجَلَّ بصفاته ووصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم واليقين ولما اختلفوا، فلما طلبوا من ذلك ما تحيّروا فيه ارتبكوا والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

قال عمران: يا سيدي أشهد أنّه كما وصفت، ولكن بقيت لي مسألة.

____________________

(1) مسند الإمام الرضاعليه‌السلام : 2 / 88 - 90.

(2) مسند الإمام الرضاعليه‌السلام : 2 / 88 - 90.


قال: سل عمّا أردت.

قال: اسألك عن الحكيم في أي شيء هو؟ وهل يحيط به شيء؟ وهل يتحوّل من شيء إلى شيء؟ أو به حاجة إلى شيء؟

قال الرضاعليه‌السلام : أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فانّه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم وليس يفهمه المتفاوت عقله، العازب علمه ولا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون.

أما أوّل ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول: يتحوّل إلى ما خلق لحاجته إلى ذلك، ولكنه عَزَّ وجَلَّ لم يخلق شيئاً لحاجته ولم يزل ثابتاً لا في شيء ولا على شيء إلاّ أنّ الخلق يمسك بعضه بعضاً ويدخل بعضه في بعض ويخرج منه، والله عَزَّ وجَلَّ وتقدّس بقدرته يمسك ذلك كلّه، وليس يدخل في شيء ولا يخرج منه ولا يؤوده حفظه، ولا يعجز عن إمساكه، ولا يعرف أحد من الخلق كيف ذلك إلاّ الله عَزَّ وجَلَّ.

ومن أطّلعه عليه من رسله وأهل سرّه والمستحفظين لأمره وخزّانه القائمين بشريعته، وإنّما أمره كلمح البصر أو هو أقرب إذا شاء شيئاً، فإنّما يقول له ( كن فيكون) بمشيّته وإرادته، وليس شيء من خلقه أقرب إليه من شيء، ولا شيء منه هو أبعد منه من شيء، أفهمت يا عمران؟

قال: نعم يا سيدي قد فهمت، واشهد أن الله على ما وصفته ووحدته، وأن محمّداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ، ثم خرّ ساجداً نحو القبلة وأسلم.

قال الحسن بن محمد النوفلي: فلمّا نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابي وكان جدلاً لم يقطعه عن حجّته أحد قطّ، لم يدنُ من الرضاعليه‌السلام أحد منهم ولم يسألوه عن شيء وأمسيناه فنهض المأمون والرضاعليه‌السلام فدخلا وانصرف الناس وكنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلي محمد بن جعفر فأتيته.

فقال لي: يا نوفليّ أما رأيت ما جاء به صديقك لا والله ما ظننت أنّ عليّ


ابن موسى خاضّ في شيء من هذا قطّ. ولا عرفناه به إنّه كان يتكلّم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام.

قلت: قد كان الحاجّ يأتونه ويسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وكلّمه من يأتيه لحاجة.

فقال محمّد بن جعفر: يا أبا محمد إنّي أخاف عليه أن يحسده هذا الرّجل فيسمّه أو يفعل به بليّة، فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء، قلت: إذاً لا يقبل منّي، وما أراد الرّجل إلاّ امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائهعليهم‌السلام فقال لي: قل له إنّ عمك قد كره هذا الباب وأحبّ أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى.

فلمّا انقلبت إلى منزل الرضاعليه‌السلام أخبرته بما كان من عمّه محمد بن جعفر فتبسّم ثم قال: حفظ الله عمّي ما أعرفني به، لِمَ كره ذلك؟ يا غلام صر إلى عمران الصابي فأتني به.

فقلت: جعلت فداك أنا أعرف موضعه هو عند بعض إخواننا من الشيعة.

قالعليه‌السلام : فلا بأس، قرّبوا إليه دابّة، فصرت إلى عمران فأتيته به فرحّب به ودعا بكسوة فخلعها عليه وحمله، ودعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها.

فقلت: جعلت فداك حكيت فعل جدّك أمير المؤمنينعليه‌السلام .

قال: هكذا نحبّ، ثم دعاعليه‌السلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه وأجلس عمران عن يساره حتّى إذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحباً وبكّر علينا نطعمك طعام المدينة، فكان عمران بعد ذلك يجتمع عليه المتكلّمون من أصحاب المقالات فيبطل أمرهم حتّى اجتنبوه، ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، وأعطاه الفضل مالاً وحمله، وولاّه الرضاعليه‌السلام صدقات بلخٍ فأصاب الرّغائب(1) .

____________________

(1) التوحيد: 417 - 441، والعيون ك 1 - 154.


3 - حواره مع علي بن الجهم

عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن القاسم بن محمد البرمكي عن أبي الصلت الهروي: أن المأمون لما جمع لعلي بن موسى الرضاعليه‌السلام أهل المقالات من أهل الإسلام والديانات من اليهود والنصارى والمجوس والصابئين وساير أهل المقالات فلم يقم أحد إلاّ وقد ألزمه حجّته كأنّه قد ألقم حجراً.

فقام إليه علي بن محمد بن الجهم فقال له: يابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبياء؟

قال: بلى.

قال: فما تعمل في قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَعَصَى آدَمُ رَبّهُ فَغَوَى ) وقوله عَزَّ وجَلَّ:( وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لَن نّقْدِرَ عَلَيْهِ ) وقوله في يوسف: ( وَظَنّ دَاوُدُ أَنّمَا فَتَنّاهُ ) وقوله في نبيّه محمد (صلّى الله عليه وآله):( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ ) ؟

فقال الإمام الرضاعليه‌السلام : ويحك يا علي! اتق الله ولا تنسب إلى أنبياء الله الفواحش ولا تتأوّل كتاب الله عَزَّ وجَلَّ برأيك، فإنّ الله عَزَّ وجَلَّ يقول:( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلّا اللّهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) .

أما قوله عَزَّ وجَلَّ في آدمعليه‌السلام ( وَعَصَى آدَمُ رَبّهُ فَغَوَى ) فإن الله عَزَّ وجَلَّ خلق آدم حجة في أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنة وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في الأرض لتتمّ مقادير أمر الله عَزَّ وجَلَّ. فلما أهبط إلى الأرض وجعل حجة وخليفة عصم بقوله عَزَّ وجَلَّ:( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) .

وأما قوله عَزَّ وجَلَّ:( وَذَا النّونِ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنّ أَن لَن نّقْدِرَ عَلَيْهِ ) إنّما ظن أنّ


الله عَزَّ وجَلَّ لا يضيق عليه رزقه ألا تسمع قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَأَمّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ ) أي ضيّق عليه، ولو ظنّ أن الله لا يقدر عليه لكان قد كفر.

وأما قوله عَزَّ وجَلَّ في يوسف:( وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا ) فإنّها همّت بالمعصية وهمّ يوسف بقتلها إن أجبرته لعظم ما داخله، فصرف الله عنه قتلها والفاحشة، وهو قوله:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوءَ ) يعني القتل ( وَالْفَحْشَاءَ ) يعني الزنا.

وأما داود فما يقول من قبلكم فيه؟

فقال علي بن الجهم يقولون: إنّ داود كان في محرابه يصلّي إذ تصوّر له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور، فقطع صلاته وقام ليأخذ الطير فخرج الطير إلى الدار، فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح فصعد في طلبه فسقط الطير في دار أوريا بن حنان، فاطلع داود في أثر الطير فإذا بامرأة أُوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وكان أُوريا قد أخرجه في بعض غزواته، فكتب إلى صاحبه أن أقدم أُوريا أمام الحرب، فقدّم فظفر أُوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود.

فكتب الثانية أن قدّمه أمام التابوت فقتل أُوريا رحمه الله وتزوّج داود بامرأته.

قال: فضرب الرضاعليه‌السلام بيده على جبهته، وقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! لقد نسبتم نبياً من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير، ثم بالفاحشة ثم بالقتل.

فقال: يابن رسول الله! فما كانت خطيئته؟

فقالعليه‌السلام : ويحك إنّ داود إنّما ظن أن ما خلق الله عَزَّ وجَلَّ خلقاً هو أعلم منه فبعث الله عَزَّ وجَلَّ إليه الملكين فتسوّرا المحراب فقالا: ( خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ) فعجّل داودعليه‌السلام على المدّعى عليه، فقال:( قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ ) ولم يسأل المدّعي البيّنة على ذلك، ولم يُقبل


على المدعي عليه فيقول ما يقول.

فكان هذا خطيئة حكمه، لا ما ذهبتم إليه، ألا تسمع قول الله عَزَّ وجَلَّ يقول:( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ ... ) .

فقلت: يا بن رسول الله فما قصته مع أُوريا؟

فقال الإمام الرضاعليه‌السلام : إنّ المرأة في أيام داود إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوّج بعده أبداً، وأول من أباح الله عَزَّ وجَلَّ له أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داودعليه‌السلام ، فذلك الذي شقّ على أُوريا. أما محمد نبيّه (صلّى الله عليه وآله) وقول الله عَزَّ وجَلَّ له:( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مِبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ ) فإن الله عَزَّ وجَلَّ عرّف نبيه (صلّى الله عليه وآله) أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الآخرة وإنّهنّ أمهات المؤمنين واحد من سمي له زينب بنت جحش وهي يومئذٍ تحت زيد بن حارثة.

فأخفى (صلّى الله عليه وآله) اسمها في نفسه ولم يبده له لكيلا يقول أحد من المنافقين أنه قال في امرأة في بيت رجل أنها أحد أزواجه من أمهات المؤمنين، وخشي قول المنافقين قال الله عَزَّ وجَلَّ: (وَاللّهُ أَحَقّ أَن تَخْشَاهُ ) في نفسك وأن الله عَزَّ وجَلَّ ما تولى تزويج أحد من خلقه إلاّ تزويج حواء من آدم وزينب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفاطمة من عليعليه‌السلام .

قال: فبكى علي بن الجهم وقال: يابن رسول الله أنا تائب إلى الله عَزَّ وجَلَّ أن أنطق في أنبياء الله بعد يومي هذا إلاّ بما ذكرته(1) .

4 - حواره مع صاحب الجاثليق

عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن صفوان بن يحيى صاحب السابريّ، قال: سألني أبو قرّة صاحب الجاثليق أن أوصله إلى الرضاعليه‌السلام فستأذنته في ذلك.

____________________

(1) أمالي الصدوق: 55.


فقالعليه‌السلام : أدخله عليّ. فلما دخل عليه قبّل بساطه وقال: هكذا علينا في ديننا أن نفعل بأشراف أهل زماننا، ثم قال: أصلحك الله ما تقول في فرقة ادّعت دعوى فشهدت لهم فرقة أخرى معدّلون؟

قال: الدعوى لهم.

قال: فادعت فرقة أخرى دعوى، فلم يجدوا شهوداً من غيرهم؟

قال: لا شيء لهم.

قال: فإنّا نحن ادّعينا أنّ عيسى روح الله وكلمته ألقاها، فوافقنا على ذلك المسلمون، وادّعى المسلمون أن محمّداً نبيّ، فلم نتابعهم عليه وما أجمعنا عليه خير ممّا افترقنا فيه.

فقال له الرضاعليه‌السلام : ما اسمك؟

قال: يوحنا.

قال: يا يوحنا إنّا آمنا بعيسى بن مريمعليه‌السلام روح الله وكلمته الذي كان يؤمن بمحمد (صلّى الله عليه وآله)، ويبشّر به، ويقرّ على نفسه أنه عبد مربوب. فإن كان عيسى الذي هو عندك روح الله وكلمته ليس هو الذي آمن بمحمد (صلّى الله عليه وآله)، وبشّر به، ولا هو الذي أقرّ لله عَزَّ وجَلَّ بالعبوديّة والربوبية، فنحن منه بُراء فأين اجتمعنا؟

فقام وقال لصفوان بن يحيى: قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس!(1)

5 - حواره مع أرباب المذاهب الإسلامية

لما حضر عليُّ بن موسى الرضاعليهما‌السلام مجلس المأمون وقد اجتمع فيه جماعة علماء أهل العراق وخراسان. فقال المأمون: (أخبروني عن معنى

____________________

(1) عيون الأخبار: 2 / 230.


هذه الآية( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (1)؟

فقالت العلماء: أراد الله الأمة كلّها.

فقال المأمون: ما تقول يا أبا الحسن؟

فقال الرضاعليه‌السلام : لا أقول كما قالوا ولكن أقول: أراد الله تبارك وتعالى بذلك العترة الطاهرةعليهم‌السلام .

فقال المأمون: وكيف عنى العترةَ دون الأمة؟

فقال الرضاعليه‌السلام : لو أراد الأمة لكانت بأجمعها في الجنة؛ لقول الله:( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (2) . ثم جعلهم في الجنة فقال عَزَّ وجَلَّ:( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) (3) فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم. ثم قال الرضاعليه‌السلام : هم الذين وصفهم الله في كتابه فقال:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (4) . وهم الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إني مخلّفٌ فيكم الثَقَلين كتابَ الله وعترتي أهلَ بيتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض. انظروا كيف تَخْلُفوني فيهما، يا أيها الناس لا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم.

قالت العلماء: أخبرنا يا أبا الحسن عن العترة هم الآل أو غيرُ الآل؟

فقال الرضاعليه‌السلام : هم الآل.

فقالت العلماء: فهذا رسول الله يؤثَر عنه(5) أنه قال: أمتي آلي وهؤلاء أصحابه يقولون بالخبر المستفيض الذي لا يمكن دفعه: آل محمد أُمته.

____________________

(1) سورة فاطر (35): 32.

(2) سورة فاطر (35): 32.

(3) سورة فاطر (35): 33.

(4) الأحزاب (33): 33.

(5) أي ينقل عنه: يقال أثر الحديث من بابي - ضرب ونصر -: نقله.


فقال الرضاعليه‌السلام : أخبروني هل تحرم الصدقة على آل محمد؟

قالوا: نعم.

قالعليه‌السلام : فتحرم على الأمة؟

قالوا: لا.

قالعليه‌السلام : هذا فرقٌ بين الآل وبين الأمة. ويحكم! أين يذهب بكم؟! أصرفتم عن الذكر صفحاً أم أنتم قومٌ مسرفون؟! أما علمتم أنّما وقعت الرواية في الظاهر على المصطفين المهتدين دون سائرهم؟!

قالوا: من أين قلت يا أبا الحسن؟

قالعليه‌السلام : من قول الله( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) (1) فصارت وراثة النبوَّة والكتاب في المهتدين دون الفاسقين، أما علمتم أنَّ نوحاً سأل ربّه( فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُُّّ ) (2) وذلك أنَّ الله وعده أن ينجيه وأهلَه، فقال له ربُّه تبارك وتعالى:( إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (3) .

فقال المأمون: فهل فضَّل الله العترة على سائر الناس؟

فقال الرضاعليه‌السلام : إنَّ الله العزيز الجبّار فضّل العترة على سائر الناس في محكم كتابه.

قال المأمون: أين ذلك من كتاب الله؟

فقال الرضاعليه‌السلام : في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ) (4) وقال الله في موضع آخر: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ

____________________

(1) الحديد (57): 26.

(2) هود (11): 45.

(3) هود (11): 46.

(4) آل عمران (3): 33 - 34.


وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ) (1) ثمّ ردَّ المخاطبة في أثر هذا إلى سائر المؤمنين فقال:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2) يعني الذين أورثهم الكتاب والحكمة وحُسِدوا عليهما بقوله:( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيماً ) يعني الطاعة للمصطفين الطاهرين والمُلْكُ ههنا الطاعة لهم.

قالت العلماء: هل فسَّر الله تعالى الاصطفاء في الكتاب؟

فقال الرضاعليه‌السلام : فسَّر الاصطفاء في الظاهر سوى الباطن في اثني عشر موضعاً. فأوّل ذلك قول الله:( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (3) - ورهطك المخلصين - هكذا في قراءة أُبي بن كعب وهي ثابتةٌ في مصحف عبد الله بن مسعود فلمّا أمر عثمان زيدَ ابن ثابت أن يجمع القرآن خَنَسَ هذه الآية(4) وهذه منزلةٌ رفيعة وفضلٌ عظيم وشرف عال حين عنى الله عَزَّ وجَلَّ بذلك الآل فهذه واحدة.

والآية الثانية في الاصطفاء قول الله:( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وهذا الفضل الذي لا يجحده معاند لأنَّه فضلٌ بيِّن.

والآية الثالثة حين ميَّز الله الطاهرين من خلقه أمر نبيَّه في آية الابتهال فقال:( قُلْ - يا محمد -تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (5) فأبرز النبي (صلى الله عليه وآله) عليّاً والحسنَ والحسينَ وفاطمةَعليها‌السلام فقَرَن أنفسهم بنفسه. فهل تدرون ما معنى قوله:( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ؟ قالت العلماء: عنى به نفسَه. قال أبو الحسنعليه‌السلام : غلطتم، إنما عنى به عليّاًعليه‌السلام . ومما

____________________

(1) النساء (4): 54.

(2) النساء (4): 59.

(3) الشعراء (26): 214.

(4) خنس الشيء: من بابي ضَرَبَ ونَصَرَ - ستر. ومن قوله: (أمر عثمان - إلى قوله - وخنسه) ليست في العيون.

(5) آل عمران (3): 61، وليس في القرآن كلمة (يا محمد) وهو تفسير وتوضيح منهعليه‌السلام .


يدلُّ على ذلك قولُ النبي (صلى الله عليه وآله) حين قال: لينتهينَّ بنو وليعةَ(1) أو لأبعثنَّ إليهم رجلاً كنفسي يعني عليّاًعليه‌السلام . فهذه خصوصيَّة لا يتقدَّمها أحدٌ. وفضل لا يختلف فيه بشر. وشرف لا يسبقه إليه خلقٌ؛ إذ جعل نفسَ عليٍّعليه‌السلام كنفسه فهذه الثالثة.

وأمّا الرابعة: فإخراجه الناسَ من مسجده ما خلا العترةَ حين تكلّم الناسُ في ذلك، وتكلم العبّاسُ، فقال: يا رسول الله تركت عليّاً وأخرجتنا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما أنا تركته وأخرجتكم ولكنَّ الله تركه وأخرجكم. وفي هذا بيان قوله لعليعليه‌السلام : أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

قال العلماء: فأين هذا من القرآن؟

قال أبو الحسنعليه‌السلام : أوجِدُكُم في ذلك قرآناً أقرؤه عليكم، قالوا: هات. قالعليه‌السلام : قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) (2) ففي هذه الآية منزلةُ هارون من موسى وفيها أيضاً منزلةُ عليٍّعليه‌السلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله). ومع هذا دليل ظاهر في رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قال: إن هذا المسجد لا يحلُّ لجُنُب ولا لحائض إلاّ لمحمد وآل محمد.

فقالت العلماء: هذا الشرح وهذا البيان لا يوجد إلاّ عندكم معشرَ أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟

قال أبو الحسنعليه‌السلام : ومن ينكر لنا ذلك ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد مدينةَ العلم فليأتها من بابها). ففيما أوضحنا وشرحنا من الفضل والشرف والتقدمة والاصطفاء والطهارة ما لا يُنكره إلاّ معاندٌ. ولله عَزَّ وجَلَّ الحمدُ على ذلك. فهذه الرابعة.

وأمّا الخامسة: فقولُ الله عَزَّ وجَلَّ:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (3) خصوصية خصَّهم

____________________

(1) بنو وليعة - كسفينة -: حيّ من كندة.

(2) يونس (10): 87.

(3) الإسراء (17): 26.


الله العزيز الجبّار بها واصطفاهم على الأمة. فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ادعوا لي فاطمة فدعوها له. فقال: يا فاطمة. قالت: لبيّك يا رسول الله. فقال: إنَّ فدك لم يُوجَف عليها بخيل ولا ركاب وهي لي خاصَّة دون المسلمين. وقد جعلتها لك لما أمرني الله به فخُذيها لك ولولدك. فهذه الخامسة.

وأمّا السادسة: فقول الله عَزَّ وجَلَّ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) فهذه خصوصية للنبي (صلى الله عليه وآله) دون الأنبياء وخصوصيَّة للآل دون غيرهم. وذلك أنَّ الله حكى عن الأنبياء في ذكر نوحعليه‌السلام ( وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) (2) وحكى عن هودعليه‌السلام قال:( ...يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (3) .

وقال لنبيِّه (صلى الله عليه وآله):( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) . ولم يفرض الله مودَّتهم إلا وقد علم أنّهم لا يرتدون عن الدين أبداً ولا يرجعون إلى ضلالة أبداً. وأخرى أن يكون الرجل وادّاً للرجل فيكون بعضُ أهل بيته عدوَّاً له فلا يَسلَمُ قلبٌ فأحبَّ الله أن لا يكون في قلبِ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين شيءٌ. إذ فرض عليهم مودَّة ذي القربى، فمن أخذ بها وأحبَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) وأحبَّ أهل بيتهعليهم‌السلام لم يستطع رسولُ الله أن يبغضه. ومن تركها ولم يأخذها وأبغض أهل بيت نبيِّه (صلى الله عليه وآله) فعلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يبغضه؛ لأنّه قد ترك فريضة من فرائض الله. وأيُّ فضيلة وأيُّ شرف يتقدم هذا. ولمّا أنزل الله هذه الآية على نبيِّه (صلى الله عليه وآله):( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أصحابه، فَحَمِد الله وأثنى عليه وقال: أيُّها الناس إنَّ الله قد فرض عليكم فرضاً فهل أنتم مؤدُّوه فلم يجبه أحدٌ. فقام فيهم يوماً ثانياً، فقال مثل ذلك. فلم

____________________

(1) الشورى (42): 23.

(2) هود (11): 29.

(3) هود (11): 51.


يجبه أحدٌ. فقام فيهم يومَ الثالث، فقال: أيُّها الناس إنَّ الله قد فرض عليكم فرضاً فهل أنتم مؤدُّوه فلم يجبه أحد. فقال: أيُّها الناس إنَّه ليس ذهباً ولا فضة ولا مأكولاً ولا مشروباً. قالوا: فهات إذاً؟ فتلا عليهم هذه الآية. فقالوا: أمَّا هذا فنعم. فما وفى به أكثرُهم.

ثمَّ قال أبو الحسنعليه‌السلام : حدثني أبي، عن جدّي، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليهم‌السلام قال: اجتمع المهاجرون والأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إن لك يا رسول الله مؤونةً في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم بها بارَّاً مأجوراً، أعطِ ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج. فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ عليه الروح الأمين فقال: يا محمد( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) لا تؤذوا قرابتي من بعدي، فخرجوا، فقال أناس منهم: ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحُثَّنا على قرابته من بعده إن هو إلاّ شيء افتراه في مجلسه وكان ذلك من قولهم عظيماً. فأنزل الله هذه الآية( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (1) فبعث إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: هل من حدث؟ فقالوا: إي والله يا رسول الله، لقد تكلّم بعضنا كلاماً عظيماً [فـ]ـكرهناه، فتلا عليهم رسول الله فبكوا واشتدَّ بكاؤهم، فأنزل الله تعالى ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (2) فهذه السادسة.

وأمّا السابعة فيقول الله:( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) (3) وقد علم المعاندون [منهم] أنّه لمّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، قد عرفنا التسليم [عليك] فكيف الصلاة عليك؟ فقال: تقولون: (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد) وهل بينكم معاشر الناس في هذا اختلافٌ؟ قالوا: لا.

فقال المأمون: هذا ما لا اختلاف فيه

____________________

(1) الأحقاف (46): 7.

(2) الشورى (42): 25.

(3) الأحزاب (33): 56.


[أصلا] وعليه الإجماع فهل عندك في الآل شيء أوضح من هذا القرآن؟

قال أبو الحسنعليه‌السلام : أخبروني عن قول الله: ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1) فمن عنى بقوله: يس؟ قال العلماء: يس محمد ليس فيه شك. قال أبو الحسنعليه‌السلام : أعطى الله محمداً وآل محمد من ذلك فضلاً لم يبلغ أحدٌ كنه وصفه لمن عقله وذلك أنَّ الله لم يسلّم على أحد إلاّ على الأنبياء [صلوات الله عليهم] فقال تبارك وتعالى:( سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ) (2) وقال:( سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (3) وقال:( سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ) (4) ولم يقل: سلامٌ على آل نوح ولم يقل: سلامٌ على آل إبراهيم ولا قال: سلامٌ على آل موسى وهارون؛ وقال عَزَّ وجَلَّ:( سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) (5) يعني آل محمد. فقال المأمون: لقد علمت أنَّ في معدن النبوة شرح هذا وبيانه. فهذه السابعة.

وأمَّا الثامنة فقول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (6) فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسوله (صلى الله عليه وآله) فهذا فصل بين الآل والأمة، لأنَّ الله جعلهم في حيِّز وجعل الناس كلَّهم في حيِّز دون ذلك ورضي لهم ما رضي لنفسه واصطفاهم فيه، وابتدأ بنفسه ثم ثنّى برسوله ثم بذي القربى في كلّ ما كان من الفيء والغنيمة وغير ذلك مما رضيه عَزَّ وجَلَّ لنفسه ورضيه لهم فقال وقوله الحقُّ:( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) فهذا توكيد مؤكد وأمرٌ دائم لهم إلى يوم القيامة في كتاب الله الناطق الذي( لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ

____________________

(1) يس (36): 1 - 4.

(2) الصافات (37): 77. أي سلام ثابت أو مستمر أو مستقر على نوح في العالمين من الملائكة والجن والانس.

(3) الصافات (37): 109.

(4) الصافات (37): 120.

(5) الصافات (37): 130.

(6) الأنفال (8): 41.


يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) . وأما قوله:( وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ) فإنَّ اليتيم إذا انقطع يتمُهُ(1) خرج من المغانم ولم يكن له نصيبٌ وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيبٌ في المغنم ولا يحلُّ له أخذه وسهم ذي القربى إلى يوم القيامة قائم فيهم للغنيِّ والفقير، لأنَّه لا أحد أغنى من الله ولا من رسوله (صلى الله عليه وآله) فجعل لنفسه منها سهماً ولرسوله (صلى الله عليه وآله) سهماً، فما رضي لنفسه ولرسوله رضيه لهم وكذلك الفيء ما رضيه لنفسه ولنبيَّه (صلى الله عليه وآله) رضيه لذي القربى كما جاز لهم في الغنيمة فبدأ بنفسه، ثمَّ برسوله (صلى الله عليه وآله)، ثمَّ بهم، وقرن سهم بسهم الله وسهم رسوله (صلى الله عليه وآله) وكذلك في الطاعة قال عَزَّ وجَلَّ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2) فبدأ بنفسه، ثمَّ برسوله (صلى الله عليه وآله) ثم بأهل بيته وكذلك آية الولاية( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ) (3) فجعل ولايتهم مع طاعة الرسول مقرونةً بطاعته كما جعل سهمه مع سهم الرسول مقروناً بأسهمهم في الغنيمة والفيء فتبارك الله ما أعظم نعمته على أهل هذا البيت، فلمّا جاءت قصةُ الصدقة نزَّه نفسه عزَّ ذكره ونزَّه رسوله (صلى الله عليه وآله) ونزَّه أهل بيته عنها فقال:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ) (4) فهل تجد في شيء من ذلك أنّه جعل لنفسه سهماً أو لرسوله (صلى الله عليه وآله) أو لذي القربى لأنّه لمّا نزَّههم عن الصدقة نزَّه نفسه ونزَّه رسولَه ونزَّه أهل بيته لا بل حرَّم عليهم، لأنَّ الصدقة محرّمةٌ على محمد وأهل بيته وهي أوساخ الناس لا تحِلُّ لهم لأنهم طُهِّروا من كل دنس ورسخ، فلمّا طهَّرهم واصطفاهم رضي لهم ما رضي لنفسه وكره لهم ما كره لنفسه.

وأما التاسعة فنحن أهل الذكر الذين قال الله في محكم كتابه: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ

____________________

(1) اليتم - بالضم مصدر يتم ييتم -: الانفراد. وأيضاً حالة اليتيم.

(2) النساء (4): 59.

(3) المائدة (5): 55.

(4) التوبة (9): 60.


إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (1) فقال العلماء(2) إنما عنى بذلك اليهود والنصارى. قال أبو الحسنعليه‌السلام : وهل يجوز ذلك؟ إذاً يدعونا إلى دينهم ويقولون: إنه أفضل من دين الإسلام. فقال المأمون: فهل عندك في ذلك شرح يخالف ما قالوا يا أبا الحسن؟ قال: نعم. الذِّكرُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن أهله وذلك بيّن في كتاب الله بقوله في سورة الطلاق:( فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ ) (3) فالذِّكر رسول الله ونحن أهله. فهذه التاسعة.

وأمّا العاشرة فقول الله عَزَّ وجَلَّ في آية التحريم:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ - ) (4) أخبروني هل تصلح ابنتي أو ابنة ابنتي أو ما تناسل من صلبي لرسول الله أن يتزوّجها لو كان حيّاً؟ قالوا: لا. قالعليه‌السلام : فأخبروني هل كانت ابنةُ أحدكم تصلَحُ له أن يتزوّجها؟ قالوا: بلى. قال: فقالعليه‌السلام : ففي هذا بيان أنّا من آله ولستم من آله ولو كنتم من آله لحرمت عليه بناتكم كما حرمت عليه بناتي. لأِنّا من آله وأنتم من أُمته، فهذا فرق بين الآل والأمة، إذا لم تكن الآل فليست منه. فهذه العاشرة.

وأمّا الحادية عشرة فقوله في سورة المؤمن حكايةً عن قول رجل:( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ) (5) فكان ابنَ خال فرعون فنسبه إلى فرعون بنسبه ولم يضفه إليه بدينه. وكذلك خُصِّصنا نحن إذ كنا من آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادتنا منه وعُمِّمنا الناسَ بدينه، فهذا فرق ما بين الآل والأمة فهذه الحادية عشرة.

____________________

(1) النحل (16): 43، الأنبياء (21): 7.

(2) في العيون: (نحن أهل الذكر فاسألونا ان كنتم لا تعلمون) فقالت العلماء... الخ.

(3) الطلاق (65): 10 - 11.

(4) النساء (4): 23.

(5) غافر (40): 28.


وأمّا الثانية عشرة فقوله:( وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) (1) فخصّنا بهذه الخصوصية إذ أمرنا مع أمره، ثم خصَّنا دون الأمة، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجيء إلى باب عليٍّ وفاطمةعليهما‌السلام بعد نزول هذه الآية تسعة أشهر في كل يوم عند حضور كل صلاة خمس مرّات فيقول الصلاةَ يرحمكم الله، وما أكرم الله أحداً من ذراري الأنبياء بهذه الكرامة التي أكرمنا الله بها وخصّنا من جميع أهل بيته فهذا فرق ما بين الآل والأمة. وصلّى الله على ذرّيته والحمد لله رب العالمين وصلّى الله على محمد نبيه(2) .

6 - حواره مع المأمون

عن أبي الصلت الهروي قال: قال المأمون يوماً للرضاعليه‌السلام : يا أبا الحسن أخبرني عن جدّك أمير المؤمنين بأيّ وجه هو قسيم الجنّة والنار؟ وبأي معنى؟ فقد كثر فكري في ذلك!

فقال له الرضاعليه‌السلام : (يا أمير المؤمنين ألم ترو، عن أبيك، عن آبائه، عن عبد الله بن عباس أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: حبّ علي إيمان وبغضه كفر؟ فقال: بلى! فقال الرضاعليه‌السلام : فقسمة الجنة والنار إذا كانت على حبّه وبغضه فهو قسيم الجنّة والنار.

فقال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، أشهد أنك وارث علم رسول الله (صلى الله عليه وآله).

قال أبو الصلت الهروي: فلما انصرف الرضاعليه‌السلام إلى منزله أتيته، فقلت له، ياابن رسول الله ما أحسن ما أجبت به أمير المؤمنين؟ فقال الرضاعليه‌السلام : يا أبا الصلت إنما كلمته من حيث هو، ولقد سمعت أبي يحدّث عن آبائه عن

____________________

(1) طه (20): 132.

(2) تحف العقول: 313.


عليّعليه‌السلام أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أنت قسيم الجنة والنار يوم القيامة، تقول للنار هذا لي وهذا لك)(1) .

7 - حواره مع متكلمي الفرق الإسلامية

عن الحسن بن الجهم، قال: (حضرت مجلس المأمون يوماً وعنده عليّ ابن موسى الرضاعليه‌السلام وقد اجتمع الفقهاء وأهل الكلام من الفرق المختلفة فسأله بعضهم، فقال له: يابن رسول الله بأيّ شيء تصح الإمامة لمدّعيها؟

قالعليه‌السلام : بالنصّ والدليل، قال له: فدلالة الإمام فيما هي؟ قال: في العلم واستجابة الدّعوة، قال: فما وجه إخباركم بما يكون؟ قال: ذلك بعهد معهود إلينا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فما وجه إخباركم بما في قلوب الناس. قالعليه‌السلام : أما بلغك قول الرسول (صلى الله عليه وآله) اتقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله، قال: بلى؛ قال: وما من مؤمن إلاّ وله فراسة ينظر بنور الله على قدر إيمانه، ومبلغ استبصاره وعلمه، وقد جمع الله الأئمة منّا ما فرّقه في جميع المؤمنين، وقال عَزَّ وجَلَّ في محكم كتابه:( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) فأوّل المتوسمين رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أمير المؤمنينعليه‌السلام من بعده ثمّ الحسن والحسين والأئمة من ولد الحسينعليهم‌السلام إلى يوم القيامة.

قال فنظر إليه المأمون فقال له: يا أبا الحسن زدنا ممّا جعل الله لكم أهل البيت، فقال الرضاعليه‌السلام : إنّ الله عَزَّ وجَلَّ قد أيدنا بروح منه مقدّسة مطهرة ليست بملك لم تكن مع أحد ممّن مضى إلاّ مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهي مع الأئمة منّا تسدّدهم وتوفقهم وهو عمود من نور بيننا وبين الله عَزَّ وجَلَّ.

قال له المأمون: يا أبا الحسن بلغني أنَّ قوماً يغلون فيكم ويتجاوزون

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 86.


فيكم الحدّ؟

فقال الرضاعليه‌السلام : (حدَّثني أبي موسى بن جعفر؛ عن أبيه، عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه علي بن أبي طالبعليهم‌السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا ترفعوني فوق حقّي فإنَّ الله تبارك وتعالى اتّخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً.

قال الله تبارك وتعالى:( مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) .

قالعليه‌السلام : (يهلك فيَّ إثنان ولا ذنب لي، محبّ مفرط ومبغض مفرّط وأنا أبرء إلى الله تبارك وتعالى ممن يغلو فينا ويرفعنا فوق حدّنا كبراءة عيسى بن مريمعليه‌السلام من النصارى، قال الله تعالى:( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (1) . وقال عَزَّ وجَلَّ:( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ) وقال عَزَّ وجَلَّ:( مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ) ومعناه إنهما كانا يتغوَّطان، فمن ادّعى للأنبياء ربوبية وادّعى للائمة ربوبية أو نبوة أو لغير الأئمة إمامة فنحن منه براء في الدنيا والآخرة.

فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرّجعة؟

فقال الرضاعليه‌السلام : إنها لحقّ قد كانت في الأمم السالفة ونطق به القرآن وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكون في هذه الأمة كلّ ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. قالعليه‌السلام : إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريمعليه‌السلام فصلّى خلفه.

____________________

(1) المائدة (5): 117.


وقالعليه‌السلام : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنَّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ثمّ يكون ماذا؟ قال: ثمّ يرجع الحق إلى أهله.

فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في القائلين بالتناسخ؟

فقال الرضاعليه‌السلام : من قال بالتناسخ فهو كافر بالله العظيم مكذّب بالجنة والنار.

قال المأمون: ما تقول في المسوخ؟

قال الرضاعليه‌السلام : أولئك قوم غضب الله عليهم، فمسخهم، فعاشوا ثلاثة أيام ثم ماتوا ولم يتناسلوا، فما يوجد في الدنيا من القردة والخنازير وغير ذلك مما وقع عليهم اسم المسوخيّة فهو مثل ما لا يحلّ أكلها والانتفاع بها.

قال المأمون: لا أبقاني الله بعدك يا أبا الحسن، فو الله ما يوجد العلم الصحيح إلا عند أهل هذا البيت وإليك انتهت علوم آبائك فجزاك الله عن الإسلام وأهله خيراً.

قال الحسن بن الجهم: فلما قام الرضاعليه‌السلام تبعته فانصرف إلى منزله، فدخلت عليه وقلت له: يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي وهب لك من جميل رأي أمير المؤمنين ما حمله على ما أرى من إكرامه لك وقبوله لقولك.

فقالعليه‌السلام : يابن الجهم لا يغرنَّك ما ألفيته عليه من إكرامي والاستماع منّي فإنه سيقتلني بالسمّ وهو ظالم إليَّ، إني أعرف ذلك بعهد معهود إليَّ من آبائي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاكتم هذا ما دمت حياً.

قال الحسن بن الجهم: فما حدَّثت أحداً بهذا الحديث إلى أن مضىعليه‌السلام بطوس مقتولاً بالسمّ ودفن في دار حميد بن قحطبة الطائي في القبة التي فيها قبر هارون الرشيد إلى جانبه(1) .

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 200.


8 - حواره مع يحيى بن الضّحاك السمرقندي

لقد كان المأمون يحبّ سقطات الرضاعليه‌السلام وأن يعلوه المحتج وإن أظهر غير ذلك، فاجتمع عنده الفقهاء والمتكلمون فدس إليهم أن ناظروه في الإمامة.

فقال لهم الرضاعليه‌السلام : اقتصروا على واحد منكم يلزمكم ما يلزمه، فرضوا برجل يعرف بيحيى بن الضحاك السمرقندي ولم يكن بخراسان مثله، فقال الرضاعليه‌السلام : يا يحيى سل عما شئت.

فقال: نتكلّم في الإمامة، كيف ادّعيت لمن لم يؤمّ وتركت من أمَّ ووقع الرضا به؟

فقال له: يا يحيى أخبرني عمن صدّق كاذباً على نفسه أو كذّب صادقاً على نفسه أيكون محقّاً مصيباً أو مبطلاً مخطئاً؟ فسكت يحيى.

فقال له المأمون: أجبه، فقال: يعفيني أمير المؤمنين من جوابه، فقال المأمون: يا أبا الحسن عرِّفنا الغرض في هذه المسألة.

فقالعليه‌السلام : لا بدّ ليحيى من أن يخبر عن أئمته أنهم كذبوا على أنفسهم أو صدقوا؟ فإن زعم أنهم كذبوا فلا أمانة لكذّاب، وإن زعم أنهم صدقوا، فقد قال أوّلهم: وليتكم ولست بخيركم، وقال تاليه كانت بيعته فلتة، فمن عاد لمثلها فاقتلوه، فوالله ما رضي لمن فعل مثل فعلهم إلا بالقتل، فمن لم يكن بخير الناس والخيرية لا تقع إلاَّ بنعوت منها العلم، ومنها الجهاد، ومنها ساير الفضائل وليست فيه.

ومن كانت بيعته فلتة يجب القتل على من فعل مثلها، كيف يقبل عهده إلى غيره وهذه صورته؟! ثمّ يقول على المنبر: إنَّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا مال بي فقوموني وإذا أخطأت فأرشدوني فليسوا أئمة بقولهم إن صدقوا أو كذبوا، فما عند يحيى في هذا جواب.


فعجب المأمون من كلامه، وقال: يا أبا الحسن ما في الأرض من يحسن هذا سواك)(1) .

9 - حواره مع سليمان المروزي

قال الحسن بن محمد النوفليّ: قدم سليمان المروزي متكلّم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله.

ثم قال له: إنّ ابن عمّي علي بن موسى قدم عليَّ من الحجاز وهو يحبّ الكلام وأصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته.

فقال سليمان: يا أمير المؤمنين إنّي أكره أن أسأل مثله في مجلس في جماعة من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلّمني ولا يجوز الاستقصاء عليه.

قال المأمون: إنّما وجهت إليك لمعرفتي بقوّتك وليس مرادي إلاّ أن تقطعه عن حجّة واحدة فقط.

فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين. اجمع بيني وبينه وخلّني وإياه وألزم.

فوجّه المأمون إلى الرضاعليه‌السلام ، فقال: إنّه قدم علينا رجلٌ من أهل مرو وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خفَّ عليك أن تتجشّم المصير إلينا فعلت.

فنهضعليه‌السلام للوضوء وقال لنا: تقدّموني وعمران الصابي معنا، فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر وخالد بيديّ فأدخلاني على المأمون، فلمّا سلمت قال: أين أخي أبو الحسن أبقاه الله؟

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 2 / 231.


قلت: خلّفته يلبس ثيابه وأمرنا أن نتقدّم، ثم قلت: يا أمير المؤمنين إنّ عمران مولاك معي وهو بالباب.

فقال: من عمران؟ قلت الصابي الذي أسلم على يدك.

قال: فليدخل، فدخل فرحّب به المأمون، ثم قال له: يا عمران لم تمتْ حتى صرت من بني هاشم.

قال: الحمد لله الذي شرّفني بكم يا أمير المؤمنين.

فقال له المأمون: يا عمران هذا سليمان المروزي متكلّم خراسان.

قال عمران: ياأمير المؤمنين إنّه يزعم أنه واحد خراسان في النظر وينكر البداء.

قال: فلم لا تناظره؟

قال عمران: ذلك إليه.

فدخل الرضاعليه‌السلام فقال: في أيّ شيء كنتم؟

قال عمران: يابن رسول الله هذا سليمان المروزي.

فقال سليمان: أترضى بأبي الحسن وبقوله فيه؟

قال عمران: قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجّة احتجّ بها على نظرائي من أهل النظر.

قال المأمون: يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟

قال: وما أنكرت من البداء يا سليمان؟ والله عَزَّ وجَلَّ يقول:( أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاًً ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ) ويقول:( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) ويقول:( وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ


عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ) .

قال سليمان: هل رويت فيه شيئاً عن آبائك؟

قال: نعم، رويت عن أبي عبد اللهعليه‌السلام أنّه قال: إن لله عَزَّ وجَلَّ علمين، علماً مخزوناً مكنوناً لا يعلمه إلاّ هو، من ذلك يكون البداء وعلماً علّمه ملائكته ورسله، فالعلماء من أهل بيت نبيّه يعلمونه.

قال سليمان: أحبّ أن تنزعه لي من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ.

قالعليه‌السلام : قول الله عَزَّ وجَلَّ لنبيه (صلى الله عليه وآله):( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) أراد هلاكهم ثم بدا لله فقال:( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) .

قال سليمان: زدني جعلت فداك.

قال الرضاعليه‌السلام : لقد أخبرني أبي عن آبائه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: إنّ الله عَزَّ وجَلَّ أوحى إلى نبي من أنبيائه: أن أخبر فلان الملك أني متوفّيه إلى كذا وكذا فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا الله الملك وهو على سريره حتى سقط من السرير، فقال: يا ربّ اجّلني يشبّ طفلي وأفضي أمري فأوحى الله عَزَّ وجَلَّ إلى ذلك النبي أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيت في أجله وزدت في عمرة خمس عشرة سنة.

فقال ذلك النبي: ياربّ إنّك لتعلم أني لم أكذب قطّ، فأوحى الله عَزَّ وجَلَّ إليه: إنّما أنت عبد مأمور، فأبلغه ذلك والله لا يسأل عمّا يفعل، ثم التفت إلى سليمان فقال: أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب.

قال: أعوذ بالله من ذلك، وما قالت اليهود؟

قال: قالت( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) يعنون أن الله قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئاً. فقال الله عَزَّ وجَلَّ:( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ) ولقد سمعت قوماً سألوا أبي موسى بن جعفرعليه‌السلام عن البداء فقال: وما ينكر الناس من البداء وأن يقف الله قوماً


يرجيهم لأمره.

قال سليمان: ألا تخبرني عن( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) في أي شيء أنزلت؟

قال الرضاعليه‌السلام : يا سليمان ليلة القدر يقدّر الله عَزَّ وجَلَّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر، أو رزق فما قدره من تلك الليلة فهو من المحتوم.

قال سليمان الآن قد فهمت جعلت فداك فزدني.

قالعليه‌السلام : يا سليمان إنّ من الأمور أُموراً موقوفة عند الله تبارك وتعالى يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، يا سليمان إنّ علياًعليه‌السلام كان يقول: العلم علمان: فعلم علّمه الله ملائكته ورسله، فما علّمه ملائكته ورسله فإنّه يكون ولا يكذّب نفسه ولا ملائكته ولا رسله.

وعلم عنده مخزون لم يطلع عليه أحداً من خلقه يقدم منه ما يشاء ويؤخّر منه ما يشاء ويمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء.

قال سليمان للمأمون: يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء، ولا أُكذّب به إن شاء الله.

فقال المأمون: يا سليمان سل أبا الحسن عما بدالك وعليك بحسن الاستماع والإنصاف.

قال سليمان: يا سيّدي أسألك؟

قال الرضاعليه‌السلام : سل عمّا بدالك.

قال: ما تقول فيمن جعل الإرادة اسماً وصفة مثل حيّ وسميع وبصير وقدير؟

قال الرضاعليه‌السلام : إنّما قلتم حدثت الأشياء واختلف لأنّه شاء وأراد ولم


تقولوا حدثت واختلفت لأنه سميع وبصير، فهذا دليل على أنها ليست بمثل سميع ولا بصير ولا قدير.

قال سليمان: فإنّه لم يزل مريداً.

قال: يا سليمان فإرادته غيره؟

قال نعم.

قال: فقد أثبتّ معه شيئاً غيره لم يزل.

قال سليمان: ما أثبت؟

قال الرضاعليه‌السلام : أهي محدثة؟

قال سليمان: لا ما هي محدثة.

فصاح المأمون وقال: يا سليمان مثله يعايا أو يكابر؟ عليك بالإنصاف أما ترى من حولك من أهل النظر ثم قال: كلّمه يا أبا الحسن فإنّه متكلّم خراسان، فأعاد عليه المسألة.

فقال: هي محدثة، يا سليمان فإنّ الشيء إذا لم يكن أزليّاً كان محدثاً، وإذا لم يكن محدثاً كان أزليّاً.

قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه منه وبصره منه وعلمه منه.

قال الرضاعليه‌السلام : فإرادته نفسه.

قال: لا.

قالعليه‌السلام : فليس المريد مثل السميع والبصير.

قال سليمان: إنّما أراد نفسه كما سمع نفسه وأبصر نفسه وعلم نفسه.

قال الرضاعليه‌السلام : ما معنى أراد نفسه أراد أن يكون شيئاً أو أراد أن يكون حيّاً أو سميعاً أو بصيراً أو قديراً؟!

قال: نعم.


قال الرضاعليه‌السلام : أفبإرادته كان ذلك؟! ثمّ قالعليه‌السلام : فليس لقولك أراد، أن يكون حيّاً سميعاً بصيراً معنى إذا لم يكن ذلك بإرادته.

قال سليمان: بلى؛ قد كان ذلك بإرادته.

فضحك المأمون ومن حوله وضحك الرضاعليه‌السلام ثم قال لهم: أرفقوا بمتكلّم خراسان. يا سليمان فقد حال عندكم عن حاله وتغيّر عنها وهذا ممّا لا يوصف الله عَزَّ وجَلَّ به، فانقطع.

ثم قال الرضاعليه‌السلام : يا سليمان أسألك مسألة.

قال: سل جعلت فداك.

قال: اخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما يفقهون ويعرفون، أو بما لا يعرفون؟!

قال: بل بما يفقهون ويعرفون.

قال الرضاعليه‌السلام : فالذي يعلم الناس أنّ المريد غير الإرادة وأنّ المريد قبل الإرادة وأنّ الفاعل قبل المفعول وهذا يبطل قولكم: إنّ الإرادة والمريد شيء واحد.

قال: جعلت فداك ليس ذلك منه على ما يعرف الناس ولا على ما يفقهون.

قالعليه‌السلام : فأراكم ادّعيتم علم ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل، فلم يحر جواباً.

ثم قال الرضاعليه‌السلام : يا سليمان هل يعلم الله عَزَّ وجَلَّ جميع ما في الجنة والنار؟!

قال سليمان: نعم.

قال: أفيكون ما علم الله عَزَّ وجَلَّ أنه يكون من ذلك؟

قال: نعم.

قال: فإذا كان حتّى لا يبقى منه شيء إلاّ كان، أيزيدهم أو يطويه عنهم؟!

قال سليمان: بل يزيدهم.


قال: فأراه في قولك: قد زادهم ما لم يكن في علمه أنّه يكون.

قال: جعلت فداك والمزيد لا غاية له.

قالعليه‌السلام : فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيها لم يعلم ما يكون فيها قبل أن يكون، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

قال سليمان: إنّما قلت لا يعلمه لأنّه لا غاية لهذا، لأنّ الله عَزَّ وجَلَّ وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعاً.

قال الرضاعليه‌السلام : ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم لأنّه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم، وكذلك قال الله عَزَّ وجَلَّ في كتابه:( كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ) وقال عَزَّ وجَلَّ لأهل الجنة:( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) وقال عَزَّ وجَلَّ:( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) فهو جَلَّ وعَزَّ يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة أرأيت ما أكل أهل الجنة وما شربوا أليس يخلف مكانه؟

قال: بلى.

قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟

قال سليمان: لا.

قال: فكذلك كل ما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم.

قال سليمان: بل يقطع عنهم فلا يزيدهم.

قال الرضاعليه‌السلام : إذاً يبيد ما فيها، وهذا يا سليمان إبطال الخلود وخلاف الكتاب، لأن الله عَزَّ وجَلَّ يقول:( لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ) ويقول عَزَّ وجَلَّ:( وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ ) .

فلم يحر جواباً.


ثم قال الرضاعليه‌السلام : يا سليمان ألا تخبرني عن الإرادة فعل هي أم غير فعل؟

قال: بل هي فعل.

قال: فهي محدثة لأن الفعل كلّه محدث.

قال: ليست بفعل.

قال: فمعه غيره لم يزل.

قال سليمان: الإرادة هي الإنشاء.

قال: يا سليمان هذا الذي ادّعيتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: إنّ كلّ ما خلق الله عَزَّ وجَلَّ في سماء أو أرض أو بحر أو برّ، من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة، إرادة الله عَزَّ وجَلَّ وإن إرادة الله عَزَّ وجَلَّ تحيا وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب وتنكح وتلد، وتظلم وتفعل الفواحش وتكفر وتشرك، فتبرّء منها وتعاديها، وهذا حدّها.

قال سليمان: إنّها كالسمع والبصر والعلم.

قال الرضاعليه‌السلام : قد رجعت إلى هذا ثانية، فاخبرني عن السمع والبصر والعلم أمصنوع.

قال سليمان: لا.

قال الرضاعليه‌السلام : فكيف نفيتموه فمرّة قلتم لم يرد، ومرة قلتم أراد، وليست بمفعول له؟!

قال سليمان: إنّما ذلك كقولنا مرّة علم ومرة لم يعلم.

قال الرضاعليه‌السلام : ليس ذلك سواء، لأنّ نفي المعلوم ليس بنفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأن الشيء إذا لم يرد لم يكن إرادة، وقد يكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم بمنزلة البصر، فقد يكون الإنسان بصيراً وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتاً وإن لم يكن المعلوم.

قال سليمان: إنّها مصنوعة.


قالعليه‌السلام : فهي محدثة ليست كالسمع والبصر لأن السمع والبصر ليسا بمصنوعين وهذه مصنوعة.

قال سليمان: إنّها صفة من صفاته لم تزل.

قال: فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل، لأن صفته لم تزل.

قال سليمان: لا لأنه لم يفعلها.

قال الرضاعليه‌السلام : يا خراسانيّ ما أكثر غلطك، أفليس بإرادته وقوله تكوّن الأشياء؟

قال سليمان: لا.

قال: فإذا لم يكن بإرادته ولا مشيّته ولا أمره ولا بالمباشرة فكيف يكون ذلك؟! تعالى الله عن ذلك.

فلم يحر جواباً.

ثم قال الرضاعليه‌السلام : ألا تخبرني عن قول الله عَزَّ وجَلَّ:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ) يعني بذلك أنه يحدث إرادة؟!

قال: له نعم.

قال: فإذا أحدث إرادة كان قولك: إن الإرادة هي هو أم شيء منه باطلاً، لأنه لا يكون أن يحدث نفسه ولا يتغيّر عن حاله، تعالى الله عن ذلك.

قال سليمان: إنّه لم يكن عنى بذلك أنّه يحدث إرادة.

قال: فما عنى به؟

قال: عنى فعل الشيء.

قال الرضاعليه‌السلام : ويلك كم تردّد هذه المسألة، وقد أخبرتك أن الإرادة محدثة، لأن فعل الشيء محدث.

قال: فليس لها معنى.

قال الرضاعليه‌السلام : قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له، فإذا


لم يكن لها معنى قديم ولا حديث بطل قولكم: إنّ الله لم يزل مريداً.

قال سليمان: إنّما عنيت أنها فعل من الله لم يزل.

قال: ألا تعلم أنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً وحديثاً وقديماً في حالة واحدة.

فلم يحر جواباً.

قال الرضاعليه‌السلام : لا بأس، أتمم مسألتك.

قال سليمان: قلت: إن الإرادة صفة من صفاته.

قال الرضاعليه‌السلام : كم تردّد عليّ أنها صفة من صفاته، وصفته محدثة أو لم تزل؟!

قال سليمان: محدثة.

قال الرضاعليه‌السلام : الله أكبر فالإرادة محدثة، وإن كانت صفة من صفاته لم تزل.

فلم يرد شيئاً.

قال الرضاعليه‌السلام : إنّ ما لم يزل لا يكون مفعولاً.

قال سليمان: ليس الأشياء إرادة ولم يرد شيئاً.

قال الرضاعليه‌السلام : وسوست يا سليمان فقد فعل وخلق مالم يرد خلقه ولا فعله، وهذه صفة من لا يدري ما فعل، تعالى الله عن ذلك.

قال سليمان: يا سيدي قد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم.

قال المأمون: ويلك يا سليمان كم هذا الغلط والتردّد اقطع هذا وخذ في غيره، إذاً لست تقوى على هذا الردّ.

قال الرضاعليه‌السلام : دعه يا أمير المؤمنين لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجة، تكلّم يا سليمان؟

قال: قد أخبرتك أنها كالسمع والبصر والعلم.

قال الرضاعليه‌السلام : لا بأس أخبرني عن معنى هذه، أمعنى واحد أم معان مختلفة؟!

قال سليمان: بل معنى واحد.


قال الرضاعليه‌السلام : فمعنى الإرادات كلّها معنى واحد.

قال سليمان: نعم.

قال الرضاعليه‌السلام : فإن كان معناها معنىً واحداً كانت إرادة القيام وإرادة القعود وإرادة الحياة وإرادة الموت إذا كانت إرادته واحدة لم يتقدّم بعضها بعضاً ولم يخالف بعضها بعضاً، وكان شيئاً واحداً.

قال سليمان: إن معناها مختلف.

قالعليه‌السلام : فاخبرني عن المريد أهو الإرادة أو غيرها؟

قال سليمان: بل هو الإرادة.

قال الرضاعليه‌السلام : فالمريد عندكم يختلف إن كان هو الإرادة.

قال: يا سيدي ليس إلاّ إرادة المريد.

قالعليه‌السلام : فالإرادة محدثة، وإلاّ فمعه غيره أفهم وزد في مسألتك.

قال سليمان: فإنها اسم من أسمائه.

قال الرضاعليه‌السلام : هل سمّى نفسه بذلك؟

قال سليمان: لا لم يسمّ نفسه بذلك.

قال الرضاعليه‌السلام : فليس لك أن تسمّيه بما لم يسمّ به نفسه؟

قال: قد وصف نفسه بأنه مريد.

قال الرضاعليه‌السلام : ليس صفته نفسه أنّه مريد إخباراً عن أنه إرادة ولا إخباراً عن أنّ الإرادة اسم من أسمائه.

قال سليمان: لأنّ إرادته علمه.

قال الرضاعليه‌السلام : ياجاهل فإذا علم الشيء فقد أراده.

قال سليمان: أجل.

قالعليه‌السلام : فإذا لم يرده لم يعلمه.


قال سليمان: أجل.

قالعليه‌السلام : من أين قلت ذاك؟ وما الدليل على أنّ إرادته علمه وقد يعلم ما لا يريده أبداً، وذلك قوله عَزَّ وجَلَّ:( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) فهو يعلم كيف يذهب به ويذهب به أبداً.

قال سليمان: لأنه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئاً.

قال الرضاعليه‌السلام : هذا قول اليهود، فكيف قال عَزَّ وجَلَّ:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ؟

قال سليمان: إنما عنى بذلك أنه قادر عليه.

قالعليه‌السلام : أفيعد ما لا يفي به؟ فكيف قال عَزَّ وجَلَّ:( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) وقال عَزَّ وجَلَّ:( يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) وقد فرغ الأمر.

فلم يحر جواباً.

قال الرضاعليه‌السلام : يا سليمان هل يعلم أن إنساناً يكون ولا يريد أن يخلق إنساناً أبداً وأن إنساناً يموت اليوم ولا يريد أن يموت اليوم؟

قال سليمان: نعم.

قال الرضاعليه‌السلام : فيعلم أنّه يكون ما يريد أن يكون أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون؟!

قال: يعلم أنّهما يكونان جميعاً.

قال الرضاعليه‌السلام : إذن يعلم أن إنساناً حيّ ميّت، قائم قاعد، أعمى بصير في حال واحدة وهذا هو المحال.

قال: جعلت فداك فإنّه يعلم أنّه يكون أحدهما دون الآخر.

قالعليه‌السلام : لا بأس فأيّهما يكون؟ الذي أراد أن يكون، أو الذي لم يرد أن يكون.

قال سليمان: الذي أراد أن يكون فضحك الرضاعليه‌السلام والمأمون


وأصحاب المقالات.

قال الرضاعليه‌السلام : غلطت وتركت قولك: إنه يعلم أن إنساناً يموت اليوم وهو لا يريد أن يموت اليوم وإنه يخلق خلقاً وهو لا يريد أن يكون.

قال سليمان: فانّما قولي: إن الإرادة ليست هو ولا غيره.

قال الرضاعليه‌السلام : ياجاهل إذا قلت: ليست هو فقد جعلتها غيره وإذا قلت: ليست هي غيره فقد جعلتها هو.

قال سليمان: فهو يعلم، فكيف يصنع الشيء.

قالعليه‌السلام : نعم.

قال سليمان: فإنّ ذلك إثبات الشيء.

قال الرضاعليه‌السلام : أحلت، لأن الرجل قد يحسن البناء، وإن لم يبن، ويحسن الخياط وإن لم يخط، ويحسن صنعة الشيء وإن لم يصنعه أبداً.

ثم قال له: يا سليمان، هل يعلم أنه واحد لا شيء معه؟!

قال: نعم.

قال: أفيكون ذلك إثباتاً للشيء؟!

قال سليمان: ليس يعلم أنه واحد لا شيء معه.

قال الرضاعليه‌السلام : أفتعلم أنت ذاك؟! ثمّ قال: فأنت يا سليمان أعلم إذاً.

قال سليمان: المسألة محال.

قال: محال عندك أنه واحد لا شيء معه، وأنّه سميع بصير، حكيم، عليم، وقادر؟

قال: نعم.

قالعليه‌السلام : فكيف أخبر الله عَزَّ وجَلَّ أنه واحد حيّ سميع، بصير، عليم خبير وهو لا يعلم ذلك؟ وهذا ردّ ما قال وتكذيبه، تعالى الله عن ذلك.

ثم قال الرضاعليه‌السلام : فكيف يريد صنع مالا يدري صنعه، ولا ماهو؟! وإذا كان


الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فإنّما هو متحيّر، تعالى الله عن ذلك.

قال سليمان: فإن الإرادة القدرة.

قال الرضاعليه‌السلام : وهو عَزَّ وجَلَّ يقدر على ما لايريده أبداً، ولابدّ من ذلك لأنّه قال تبارك وتعالى: ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) ، فلو كانت الإرادة هي القدرة، كان قد أراد أن يذهب به لقدرته.

فانقطع سليمان.

قال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا أعلم هاشميّ، ثم تفرّق القوم(1) .

10 - حواره مع فقهاء المذاهب الإسلامية

حلف رجل بخراسان بالطّلاق أنّ معاوية ليس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأفتى الفقهاء بطلاقها.

فسئل الرضاعليه‌السلام ، فأفتى: أنها لا تطلّق.

فكتب الفقهاء رقعة وأنفذوها إليه، وقالوا له: من أين قلت يا ابن رسول الله أنها لا تطلق؟

فوقّععليه‌السلام في رقعتهم: قلت هذا من روايتكم، عن أبي سعيد الخدريّ أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لمسلمة يوم الفتح وقد كثروا عليه: أنتم خير وأصحابي خير ولا هجرة بعد الفتح، فأبطل الهجرة، ولم يجعل هؤلاء أصحاباً له.

قال: فرجعوا إلى قولهعليه‌السلام )(2) .

____________________

(1) التوحيد: 441 - 454.

(2) عيون أخبار الرضا: 2 / 87.


البحث الثالث: تراث الإمام الرضاعليه‌السلام

إن الثروة العلمية الهائلة التي قدّمها الإمام الرضاعليه‌السلام للعالم الإسلامي بل للعالم الإنساني عامة ولأتباع أهل البيت خاصة قد شملت ألوان العلوم والمعارف من فلسفة وكلام وطب وفقه وتفسير وتاريخ و تربية وآداب وسياسة واجتماع...

وقد أتاحَ المأمون من حيث لا يشعر فرصة ذهبية لظهور علم الإمامعليه‌السلام وبروزه إلى الساحة الاجتماعية وتحدّيه لكل العلماء الذين جمعهم لتضعيف الإمام وتسقيطه من خلال المواجهة العلمية التي جمع من أجلها علماء الفرق والأديان.

وقد عرفنا كيف استجاب علماء الفرق والمذاهب الإسلامية لدعوة المأمون حتى طرحوا أعقد الأسئلة على الإمامعليه‌السلام تحقيقاً لرغبة المأمون، فسألوه عمّا كان غامضاً لديهم، وقد روى المؤرخون أن ما طرح على الإمامعليه‌السلام يبلغ أكثر من عشرين ألف مسألة في مختلف أبواب المعرفة فأجابهم الإمامعليه‌السلام على جميعها؛ متحدّياً جبروت المأمون والعباسيين خاصة وسائر من يجهل فضل أهل البيتعليهم‌السلام عامّة.

كما أثرت عن الإمام الرضاعليه‌السلام سوى هذه الاحتجاجات مجموعة من النصوص التي نصّ عليها المعنيّون بالتراجم، مثل (طب الإمام الرضاعليه‌السلام )، و (مسند الإمام الرضاعليه‌السلام )(1) ، أو (صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام ) أو صحيفة

____________________

(1) يشتمل المسند على (240) حديثاً رواها عنهعليه‌السلام عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي.


أهل البيت والمعبّر عنها بالرضويات، و (رسالة جوامع الشريعة)، كما نسب إليه أيضاً كتاب فقهي عُرف بـ (فقه الرضاعليه‌السلام )(1) .

إنّ حديث سلسلة الذهب هو الحديث الذي رواه الإمام الرضاعليه‌السلام عن آبائه المعصومين عن جدّهم سيد المرسلين عن جبرائيل عن ربّ العزّة سبحانه وتعالى ونصّه هو: (لا إله إلاّ الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمِن من عذابي).

قال أحمد بن حنبل عن مثل سند هذا الحديث: (وهذا إسناد لو قرئ على المجنون لأفاق)(2) .

ثم إنّ النصوص التي جُمعت في مسند الإمام الرضاعليه‌السلام تناهز الألفين، وتتنوّع على مجالات شتى، فالعقائد والفقه والأخلاق والتفسير والتاريخ والاحتجاجات هي أهم الموضوعات التي رتب على أساسها المسند، ولكن المجالات المعرفية التي اهتمت بها نصوص الإمامعليه‌السلام لا تنحصر في هذه الأبواب.

على أنا نلاحظ اهتماماً خاصاً بأصول العقيدة والشريعة ولا سيّما قضايا الإمامة بتفاصيلها الكثيرة التي قد نالت اهتماماً خاصاً كما نلاحظه في هذه النصوص(3) وقد تصدى الإمامعليه‌السلام في هذه النصوص إلى سدّ كل الطرق والمنافذ ردّاً على المذاهب والفرق الأخرى التي ابتعدت عن مذهب أهل البيتعليهم‌السلام بشكل أو آخر.

____________________

(1) اختلف الأصحاب في صحة انتسابه إلى الإمامعليه‌السلام على أقوال ثلاثة، راجع عبد الهادي الفضلي، تاريخ التشريع الإسلامي: 175.

(2) مناقب آل أبي طالب: 3/433 وعنه في بحار الأنوار: 48/107 وأعيان الشيعة: 1 / 100.

(3) تبلغ نصوص الإمامة حوالي 500 نص ويضاف إليها ما جاء في احتجاجاته التي دارت حول الإمامة وما جاء في كتابي الاصطفاء والنبوة والأدعية وتفسير القرآن مما يرتبط بالإمامة فيها فتكون حجماً هائلاً بالقياس إلى ما سواها فهي تشكّل ربع تراث الإمام تقريباً.


فاحتجاجات الإمامعليه‌السلام صريحة وصارخة في محتواها ولا تجد فيها أي مجال للتقية أو الاقتصار على طرح بعض الحقائق التاريخية دون بعض، بل نجد الإمامعليه‌السلام يدخل الساحة العقائدية المذهبية بكل ثقله وهو يعلم بأن القتل في سبيل المبدأ والاغتيال الذي ينتظره هو آخر الخطّ. وأنّه يدخل معترك الصراع بكل أبعاده ليقرر حقيقة المذهب وأدلّته ومبررات وجوده وأنه هو الخط الوحيد الذي يمثّل رسالة الله في الأرض وأنه امتداد خط الرسول (صلى الله عليه وآله) دون سواه.

وإليك بعض ما اخترناه من تراثهعليه‌السلام كنموذج للدلالة على عظمة هذا التراث وتنوع أغراضه ومجالاته.

في رحاب العقل والعلم والمعرفة

1 - (العقل حباء من الله والأدب كُلفة، فمن تكلّف الأدب قدر عليه ومن تكلّف العقل لم يزدد إلا جهلاً)(1) .

2 - (ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، وإنّما العبادة التفكّر في أمر الله عَزَّ وجَلَّ)(2) .

3 - (ما استودع الله عبداً عقلاً إلا استنقذه به يوماً)(3) .

____________________

(1) الكافي: 1 / 24.

(2) الكافي: 2 / 55.

(3) أمالي الطوسي: 1 / 55.


في رحاب القرآن الكريم

1 - عن الحسين بن خالد، قال: قلت للرّضا علي بن موسىعليهما‌السلام : ياابن رسول الله أخبرني عن القرآن أخالق أو مخلوق؟ فقال: (ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنّه كلام الله عَزَّ وجَلَّ)(1) .

2 - عن الرّيان بن الصلت، قال قلت للرضاعليه‌السلام : ما تقول في القرآن؟ فقال: (كلام الله لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا)(2) .

3 - عن أبي حيون مولى الرضاعليه‌السلام ، قال: (من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم)، ثم قال: (إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا)(3) .

4 - ذكر الرضاعليه‌السلام يوماً القرآن فعظّم الحجّة فيه والآية والمعجزة في نظمه، فقال: (هو حبل الله المتين، وعروته الوثقى وطريقته المثلى، المؤدّي إلى الجنّة، والمنجي من النار، لا يخلق على الأزمنة ولا يغثّ على الألسنة، لأنه لم يجعل لزمان دون زمان، بل جعل دليل البرهان والحجّة على كل إنسان لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)(4) .

في رحاب التوحيد

1 - سأله رجل عن الدليل على حدوث العالم فقال: (أنت لم تكن ثمّ كنت وقد علمت أنّك لم تكوّن نفسك ولا كوّنك من هو مثلُك)(5) .

____________________

(1) التوحيد: 223.

(2) التوحيد: 223، والأمالي: 226.

(3) عيون أخبار الرضا: 1/290.

(4) عيون أخبار الرضا: 2/130.

(5) التوحيد: 293.


2 - جاء رجل إلى أبي الحسن الرضاعليه‌السلام من وراء نهر بلخ، فقال: (إني أسألك عن مسألة فإن أجبتني فيها بما عندي قلت بإمامتك، فقال أبو الحسنعليه‌السلام : سل عما شئت، فقال: أخبرني عن ربك متى كان؟ وكيف كان؟ وعلى أي شيء كان اعتماده؟

فقال أبو الحسنعليه‌السلام : إنّ الله تبارك وتعالى أيّن الأين بلا أين، وكيّف الكيف بلا كيف، وكان اعتماده على قدرته، فقام إليه الرجل فقبّل رأسه وقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله وأنّ علياً وصيُّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقيّم بعده بما قام به رسول الله، وأنكم الأئمة الصادقون وأنك الخلف من بعدهم)(1) .

3 - حدثنا الحسين بن بشار، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليهما‌السلام فقال: سألته أيعلم الله الشيء الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون؟ أو لا يعلم إلاّ ما يكون؟ فقال: (إنّ الله تعالى هو العالم بالأشياء قبل كون الأشياء).

4 - عن يونس بن عبد الرحمن، قال: قلت: لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام : روينا: أن الله علم لا جهل فيه، حياة لا موت فيه، نور لا ظلمة فيه، قال: (كذلك هو)(2) .

في رحاب النبوة والأنبياء

1 - قال ابن السكيت لأبي الحسن الرضاعليه‌السلام لماذا بعث الله عَزَّ وجَلَّ موسى بن عمران بالعصا ويده البيضاء وآلة السحر وبعث عيسىعليه‌السلام بالطب وبعث محمداً (صلى الله عليه وآله) بالكلام والخطب؟

فقال له أبو الحسنعليه‌السلام : (إنّ الله تبارك وتعالى لما بعث موسىعليه‌السلام كان الأغلب على أهل عصره السحر فأتاهم من عند الله عَزَّ وجَلَّ بما لم يكن في وسع القوم مثله،

____________________

(1) الكافي: 1 / 88.

(2) التوحيد: 138.


وبما أبطل به سحرهم وأثبت به الحجة عليهم وإنّ الله تبارك وتعالى بعث عيسىعليه‌السلام في وقت ظهرت فيه الزمانات واحتاج الناس إلى الطب فأتاهم من عند الله عَزَّ وجَلَّ بما لم يكن عندهم مثله وبما أحيا لهم الموتى وأبرأ لهم الأكمه والأبرص بإذن الله وأثبت به الحجة عليهم.

وإنّ الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) في وقت كان الأغلب على أهل عصره الخطب والكلام [وأظنه قال: ] والشعر، فأتاهم من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ ومواعظه وأحكامه ما أبطل به قولهم وأثبت به الحجة عليهم)، فقال ابن السكيت: تالله ما رأيت مثلك اليوم قطّ، فما الحجة على الخلق اليوم؟ فقالعليه‌السلام : (العقل يعرف به الصادق على الله فيصدّقه والكاذب على الله فيكذِّبه)، فقال ابن السكيت هذا والله الجواب(1) .

2 - وعن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام : (إنما سمي أولوا العزم: أولي العزم؛ لأنهم كانوا أصحاب الشرايع والعزايم وذلك أنّ كل نبي بعد نوحعليه‌السلام كان على شريعته ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى زمن إبراهيم الخليلعليه‌السلام .

وكل نبي كان في أيام إبراهيم وبعده كان على شريعته ومنهاجه، وتابعاً لكتابه إلى زمن موسىعليه‌السلام وكل نبي كان في زمن موسى وبعده كان على شريعة موسى ومنهاجه وتابعاً لكتابه إلى أيام عيسىعليه‌السلام وكل نبي كان في أيام عيسىعليه‌السلام وبعده كان على منهاج عيسى وشريعته وتابعاً لكتابه إلى زمن نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) فهؤلاء الخمسة أولوا العزم فهم أفضل الأنبياء والرسل. وشريعة محمد (صلى الله عليه وآله) لا تنسخ إلى يوم القيامة ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، فمن ادّعى بعده النبوّة أو أتى بعد القرآن بكتاب فدمه مباح لكلِّ من سمع ذلك منه)(2) .

____________________

(1) علل الشرايع: 1 / 115، والعيون: 2 / 79.

(2) عيون الأخبار: 2 / 80.


في رحاب الإمامة والأئمّة

1 - عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا مع الرضاعليه‌السلام بمرو فاجتمعنا في الجامع يوم الجمعة في بدء مقدمنا فأداروا أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيّديعليه‌السلام فأعلمته خوض الناس فيه، فتبسمعليه‌السلام ثمّ قال: (يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن آرائهم، إن الله عَزَّ وجَلَّ لم يقبض نبيه (صلى الله عليه وآله) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كل شيء، بيّن فيه الحلال والحرام، والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملاً، فقال عَزَّ وجَلَّ:( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ) (2) ، وأنزل في حجة الوداع وهي آخر عمره (صلى الله عليه وآله): ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً ) (1) وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمض (صلى الله عليه وآله) حتى بيّن لاُمتّه معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحق وأقام لهم علياًعليه‌السلام علماً وإماماً، وما ترك [لهم] شيئاً يحتاج إليه الأمة إلاّ بيّنه، فمن زعم أن الله عَزَّ وجَلَّ لم يكمل دينه فقد رد كتاب الله، ومن رد كتاب الله فهو كافرٌ به.

هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم، إنَّ الإمامة أجلُّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم، إنّ الإمامة خص الله عَزَّ وجَلَّ بها إبراهيم الخليلعليه‌السلام بعد النبوة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها و أشاد بها ذكره، فقال: ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (3) فقال الخليلعليه‌السلام سروراً بها:( وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ) قال الله تبارك وتعالى: ( لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة وصارت في الصفوة، ثم أكرمها الله تعالى بأن جعلها في ذريّته أهل صفوة والطهارة فقال:

____________________

(1) الأنعام (6): 38.

(2) المائدة (5): 3.

(3) البقرة (2): 124.


( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (1) .

فلم تزل في ذرّيته يرثها بعضٌ عن بعض قرناً فقرناً حتى ورّثها الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال جلّ وتعالى:( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) فكانت له خاصّة فقلّدها (صلى الله عليه وآله) عليّاًعليه‌السلام بأمر الله تعالى على رسم ما فرض الله، فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) (3) فهي في ولد عليّعليه‌السلام خاصّة إلى يوم القيامة؛ إذ لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله) فمن أين يختار هؤلاء الجهّال.

إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء. إن الإمامة خلافة الله وخلافة الرسول (صلى الله عليه وآله) ومقام أمير المؤمنينعليه‌السلام وميراث الحسن والحسينعليهما‌السلام . إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا وعز المؤمنين. إن الإمامة أس الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.

الإمام يحلّ حلال الله، ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة المجلّلة بنورها للعالم وهي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير، والسّراج الزاهر، والنور الساطع، والنجم الهادي في غياهب الدجى وأجواز البلدان والقفار، ولجج البحار، الإمام الماء العذب على الظماء، والدالّ على الهدى والمنجي من الردى، الإمام النار على اليفاع، الحارّ لمن اصطلى به والدليل في المهالك من فارقه فهالك،

____________________

(1) الأنبياء (21): 72 - 73.

(2) آل عمران (3): 68.

(3) الروم (30): 56.


الإمام السحاب الماطر، والغيث الهاطل، والشمس المضيئة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة، والغدير والروضة.

الإمام الأنيس الرفيق، والوالد الشفيق، والأخ الشقيق، والأم البرَّة بالولد الصغير، مفزع العباد في الداهية، الإمام أمين الله في خلقه وحجته على عباده وخليفته في بلاده، والداعي إلى الله، والذاب عن حرم الله.

الإمام المطهّر من الذنوب، والمبرأ من العيوب، المخصوص بالعلم، الموسوم، بالحلم، نظام الدين، وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين، وبوار الكافرين(1) .

2 - عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا، عن أبيه عن آبائهعليهم‌السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحبّ أن يركب سفينة النجاة، ويستمسك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين فليوال علياً بعدي، وليعاد عدوَّه وليأتمَّ بالأئمة الهداة من ولده فإنهم خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي وسادة أمتي وقادة الأتقياء إلى الجنة، حزبهم حزبي وحزبي حزب الله، وحزب أعدائهم حزب الشيطان(2) .

3 - عنه (رحمه الله) - بهذا الإسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أنت أخي ووزيري، وصاحب لوائي في الدنيا والآخرة، وأنت صاحب حوضي، من أحبّك أحبّني ومن أبغضك أبغضني(3) .

في رحاب الغدير:

روي عن أبي الحسن الرضا في يوم الغدير أنه قال: (وهو يوم التهنئة يهنّئ بعضكم بعضاً فإذا لقي المؤمن أخاه يقول: الحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير

____________________

(1) راجع تمام الحديث في: من لا يحضره الفقيه: 4/300، والخصال: 527، وعيون أخبار الرضا: 1/212.

(2) أمالي الصدوق: 13.

(3) أمالي الصدوق: 37.


المؤمنين والأئمةعليهم‌السلام ، وهو يوم التبسّم في وجوه الناس من أهل الإيمان فمن تبسّم في وجه أخيه يوم الغدير نظر الله إليه يوم القيمة بالرحمة، وقضى له ألف حاجة، وبنى له قصراً في الجنة من درّة بيضاء ونضر وجهه.

وهو يوم الزينة فمن تزيّن ليوم الغدير غفر الله له كلَّ خطيئة عملها، صغيرة وكبيرة وبعث الله إليه ملائكة يكتبون له الحسنات، ويرفعون له الدرجات إلى قابل مثل ذلك اليوم، فإن مات مات شهيداً، وإن عاش عاش سعيداً، ومن أطعم مؤمناً كان كمن أطعم جميع الأنبياء والصدّيقين ومن زار فيه مؤمناً أدخل الله قبره سبعين نوراً ووسع في قبره ويزور قبره كلّ يوم سبعون ألف ملك ويبشّرونه بالجنة.

وفي يوم الغدير عرض الله الولاية على أهل السموات السّبع، فسبق إليها أهل السماء السابعة فزيّن بها العرش، ثمَّ سبق إليها أهل السّماء الرابعة، فزيّنها بالبيت المعمور، ثمَّ سبق إليها أهل السماء الدنيا فزيّنها بالكواكب ثمَّ عرضها على الأرضين فسبقت مكة فزيّنها بالكعبة ثمَّ سبق إليها المدينة فزيّنها بالمصطفى محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم سبقت إليها الكوفة فزيّنها بأمير المؤمنينعليه‌السلام وعرضها على الجبال فأوَّل جبل أقرّ بذلك ثلاثة أجبل: العقيق وجبل الفيروزج وجبل الياقوت فصارت هذه الجبال جبالهن وأفضل الجواهر.

في رحاب فقه الإمام الرضاعليه‌السلام

إن التراث الفقهي للإمام الرضاعليه‌السلام يتمثل في النصوص الفقهية التي وصلتنا بشكل مسند. فالعبادات المتمثلة في الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والزيارة تبلغ عدد النصوص الواصلة عنه (437) نصاً. ونصوص النكاح والطلاق تبلغ (162) نصاً ونصوص المعيشة والعيد والأطعمة والأشربة تبلغ (255) نصاً ونصوص التجمل (82) نصاً والجهاد (12) نصاً والحدود والديات والقضاء والشهادة تبلغ (39) نصاً والأيمان والنذور والوصايا والجنائز والمواريث تبلغ (62) نصاً ويبلغ مجموع هذه النصوص


الفقهية حوالي (1049) نصاً وهذا الحجم يشكل أكثر من نصف النصوص التي وصلتنا عنهعليه‌السلام حيث أحصيناها وبلغت حوالي (2033) نصاً.

وفي هذا دلالة واضحة على مدى الاهتمام الذي بذله الإمامعليه‌السلام لإحكام قواعد وأصول مدرسة أهل البيت الفقهية(1) .

في رحاب مواعظه وقصار كلماته

1 - قال الرضاعليه‌السلام : (لا يكون المؤمن مؤمناً حتى تكون فيه ثلاث خصال: سنّة من ربّه وسنّة من نبيِّه (صلى الله عليه وآله) وسنّة من وليِّهعليه‌السلام . فأما السنّة من ربِّه فكتمان السرِّ. أمَّا السنّة من نبيِّه (صلى الله عليه وآله) فمداراة الناس. وأمّا السنّة من وليِّهعليه‌السلام فالصبر في البأساء والضراء).

2 - وقالعليه‌السلام : (صاحب النعمة يجب أن يوسّع على عياله).

3 - وقالعليه‌السلام : (من أخلاق الأنبياء التَّنظّف).

4 - وقالعليه‌السلام : (لم يخنك الأمين، ولكن ائتمنت الخائن).

5 - وقالعليه‌السلام : (إذا أراد الله أمراً سلب العباد عقولهم، فأنفذ أمره وتمّت إرادته. فإذا أنفذ أمره ردَّ إلى كل ذي عقل عقله، فيقول: كيف ذا ومن أين ذا).

6 - وقالعليه‌السلام : (الصمت باب من أبواب الحكمة، إنَّ الصمت يكسب المحبَّة، إنَّه دليلٌ على كل خير).

7 - وقالعليه‌السلام : (التودُّدُ إلى الناس نصف العقل).

8 - وقالعليه‌السلام : (إنَّ الله يبغض القيل والقال وإضاعة المال وكثرة السؤال).

9 - وسُئِل عن خيار العباد؟ فقالعليه‌السلام : (الذين إذا أحسنوا استبشروا. وإذا

____________________

(1) راجع في ذلك مسند الإمام الرضا: 2/155.


أساؤا استغفروا، وإذا أعطوا شكروا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا غضبوا عفوا).

10 - وسُئلعليه‌السلام عن حد التوكُّل؟ فقالعليه‌السلام : (أن لا تخاف أحداً إلاّ الله).

11 - وقالعليه‌السلام : (من السُنَّة إطعام الطعام عند التزويج).

12 - وقالعليه‌السلام : (الإيمان أربعة أركان: التوكل على الله، والرضا بقضاء الله، والتسليم لأمر الله، والتفويض إلى الله، قال العبد الصالح:( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ...* فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) )(1) .

13 - وقالعليه‌السلام : (صل رحمك ولو بشربة من ماء. وأفضل ما تُوصل به الرحم كفُّ الأذى عنها وقال في كتاب الله:( ولا تُبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) )(2) .

14 - وقالعليه‌السلام : (إنَّ من علامات الفقه: الحلم والعلم، والصمت بابٌ من أبواب الحكمة إنَّ الصمتَ يكسب المحبّة، إنّه دليلٌ على كل خير).

15 - وقالعليه‌السلام : (إنَّ الذي يطلُبُ من فضل يكُفُّ به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل الله).

16 - وقيل له: كيف أصبحت؟ فقالعليه‌السلام : (أصبحت بأجل منقوص، وعمل محفوظ، والموتُ في رقابنا، والنارُ من ورائنا، ولا ندري ما يفعل بنا).

ونكتفي بهذه الجولة السريعة في رحاب تراثه الثرّ الذي لازال ينبوعاً فيّاضاً بالعلوم والمعارف الربّانية التي تأخذ المتفقّه فيها إلى منازل السعداء.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

____________________

(1) أرادعليه‌السلام بالعبد الصالح مؤمن آل فرعون والآية في سورة غافر (40): 44 - 45.

(2) البقرة (2): 266.


الفهرس

المقدمة 7

الباب الأول. 15

الفصل الأول: الإمام الرضا عليه‌السلام في سطور 17

الفصل الثاني: انطباعات عن شخصيّة الإمام الرضا عليه‌السلام.... 19

الفصل الثالث: مظاهر من شخصيّة الإمام الرضا عليه‌السلام.... 25

زهده: 27

سخاؤه: 28

تكريمه للضيوف: 30

عتقه للعبيد: 31

إحسانه إلى العبيد: 31

علمه: 31

معرفته بجميع اللغات: 33

الإمام عليه‌السلام والملاحم: 34

عبادته وتقواه: 38

تسلّحه بالدعاء: 41

الباب الثاني: 43

الفصل الأوّل: نشأة الإمام الرضا عليه‌السلام.... 45

الفصل الثاني: مراحل حياة الإمام الرضا عليه‌السلام.... 49

الفصل الثالث: الإمام الرضا في ظلّ أبيه الكاظم عليهما‌السلام..... 51

1 - الانحراف الفكري والديني: 51

2 - الفساد الأخلاقي والمالي: 51

3 - الفساد السياسي: 52

4 - تعاطف المسلمين مع أهل البيت عليهم‌السلام: 52

5 - الحركات المسلّحة: 53


الإمام الكاظم والتمهيد لإمامة الرضا عليهما‌السلام..... 53

الوصيّة بالإمامة 55

الوصية في المراحل الأُولى ( 150 - 178 هـ) 57

الوصية في مرحلة الاعتقال. 60

إمامة الرضا عليه‌السلام وزمن الإعلان عنها 62

الباب الثالث: 63

الفصل الأول: الإمام الرضا عليه‌السلام ومحنة أبيه الكاظم عليه‌السلام.... 65

الانفراج النسبي في عهد هارون. 68

التصدّي للإمامة 69

الفصل الثاني: مظاهر الانحراف في عصر الإمام الرضا عليه‌السلام.... 71

الانحراف الفكري. 71

التلاعب بأموال المسلمين. 75

الانحراف الأخلاقي. 77

الانحراف السياسي. 81

1 - الأوضاع السياسية في عهد هارون. 81

أولاً: الإرهاب.. 82

ثانياً: الاستبداد 84

ثالثاً: الأخطار الخارجية 84

رابعاً: اختلال الجبهة الداخلية 85

2 - الأوضاع السياسية في عهد محمد ( الأمين ) 87

الفصل الثالث: دور الإمام الرضا عليه‌السلام قبل ولاية العهد. 89

الإصلاح الفكري والديني. 89

أوّلاً: الرد على الانحرافات الفكرية 90

ثانياً: نشر الأفكار السليمة 93

ثالثاً: إرجاع الأمة إلى العلماء 94


الاصلاح الاقتصادي. 95

الإصلاح الأخلاقي. 97

أولاً: إحياء روح الاقتداء برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم..... 97

ثانياً: القيام بدور القدوة 99

ثالثاً: الدعوة إلى مكارم الأخلاق. 100

رابعاً: بناء الجماعة الصالحة 102

الإصلاح السياسي. 104

1 - الإمام الرضا عليه‌السلام وقيادة الحركة الرسالية 104

2 - الدور السياسي للإمام عليه‌السلام في عهد هارون ومحمد. 111

الباب الرابع: 115

الفصل الأول: الإمام الرضا عليه‌السلام وظاهرة ولاية العهد. 117

وقائع وأحداث سياسية قبل ولاية العهد. 117

الموقف السياسي للإمام الرضا عليه‌السلام.... 120

دوافع المأمون لفرض ولاية العهد على الإمام عليه‌السلام.... 122

أولاً: تهدئة الأوضاع المضطربة 123

ثانياً: إضفاء الشرعية على حكمه 124

ثالثاً: منع الإمام من الدعوة لنفسه 125

رابعاً: إبعاد الإمام عن قواعده 125

خامساً: إيقاف خطر الإمام على الحكم القائم. 125

سادساً: تشويه سمعة الإمام عليه‌السلام.... 126

سابعاً: تفتيت جبهة المعارضة 126

أسباب قبول الإمام عليه‌السلام بولاية العهد. 127

استثمار الإمام عليه‌السلام للظروف.. 129


أولاً: استثمار الظروف لإقامة الدين وإحياء السنّة 129

ثانياً: تعبئة الطاقات.. 130

ثالثاً: إفشال مخططات المأمون. 130

رابعاً: تصحيح الأفكار السياسية الخاطئة 131

كيف تحقّقت البيعة بولاية العهد؟ 132

فقرات من كتاب العهد بخط المأمون. 133

فقرات مكتوبة بظهر كتاب العهد بخط الإمام عليه‌السلام.... 133

أوامر المأمون بعد البيعة 134

أحداث ما بعد البيعة 135

مكتسبات القبول بولاية العهد. 137

أوّلاً: اعتراف المأمون بأحقيّة أهل البيت عليهم‌السلام.... 137

ثانياً: توظيف وسائل الإعلام لصالح الإمام عليه‌السلام.... 138

ثالثاً: حرية الإمام عليه‌السلام في مناظرة أهل الأديان والمذاهب.. 140

رابعاً: نشر مفاهيم أهل البيت عليهم‌السلام وفضائلهم. 142

خامساً: حقن دماء أهل البيت عليهم‌السلام.... 144

الفصل الثاني: نشاطات الإمام الرضا عليه‌السلام بعد البيعة بولاية العهد. 145

إفشال خطط المأمون. 145

إصلاح القضاء 146

إصلاح الأعمال الإدارية 148

نشر الآراء السديدة في داخل البلاط. 149

نصائح الإمام الرضا عليه‌السلام للمأمون. 150

الحفاظ على الوجود الإسلامي. 151

إظهار الكرامات واستثمارها في الإصلاح. 153

تشجيع الشعراء الرساليين. 155

النشاطات العلميّة للإمام الرضا عليه‌السلام.... 156

الإمام عليه‌السلام والمستقبل. 158


النصّ على إمامة محمّد الجواد عليه‌السلام.... 159

الإعداد لدولة المهديّ المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه) 162

اغتيال الإمام الرضا عليه‌السلام.... 166

الأدلة على شهادته مسموماً 168

أسباب إقدام المأمون على سمّ الإمام عليه‌السلام واغتياله 169

كرامة زيارته 172

الفصل الثالث: مدرسة الإمام الرضا عليه‌السلام احتجاجاته وتراثه 173

البحث الأول: مدرسة الإمام الرضا عليه‌السلام.... 175

البحث الثاني: احتجاجات الإمام الرضا عليه‌السلام.... 178

1 - حواره مع الثنوية 180

2 - حواره مع أصحاب الأديان. 181

3 - حواره مع علي بن الجهم. 204

4 - حواره مع صاحب الجاثليق. 206

5 - حواره مع أرباب المذاهب الإسلامية 207

6 - حواره مع المأمون. 217

7 - حواره مع متكلمي الفرق الإسلامية 218

8 - حواره مع يحيى بن الضّحاك السمرقندي. 221

9 - حواره مع سليمان المروزي. 222

10 - حواره مع فقهاء المذاهب الإسلامية 235

البحث الثالث: تراث الإمام الرضا عليه‌السلام.... 236

في رحاب العقل والعلم والمعرفة 238

في رحاب القرآن الكريم. 239

في رحاب التوحيد. 239

في رحاب النبوة والأنبياء 240

في رحاب الإمامة والأئمّة 242


في رحاب الغدير: 244

في رحاب فقه الإمام الرضا عليه‌السلام.... 245

في رحاب مواعظه وقصار كلماته 246