كتاب التجارة
وفيه مقاصد وفصول :
مُقدّمة
التجارة في الجملة من المستحبات الأكيدة في نفسها ، وقد تستحب لغيرها ، وقد تجب ـ كذلك ـ إذا كانت مقدمة لواجب أو مستحب ، وقد تكره لنفسها أو لغيرها ، وقد تحرم كذلك ، والمحرم منها أصناف ، وهنا مسائل :
مسألة 1 : لا يجوز التكسب بالخمر وباقي المسكرات المائعة ، والخنزير ، والكلب غير الصيود ، وكذا الميتة النجسة على الأحوط ، ولا فرق بين أنواع التكسب من البيع والشراء وجعلها ثمنا في البيع وأجرة في الإجارة وعوضا عن العمل في الجعالة وغير ذلك من أنحاء المعاوضة عليها ، وفي حكم ذلك جعلها مهرا في النكاح وعوضا في الطلاق الخلعي ، بل وكذا هبتها والصلح عليها بلا عوض على الأظهر. نعم ما يكون منها ذو منفعة محللة مقصودة عند العقلاء فلا بأس بإعارته وأجارته لمنافعه المحللة ككلب الماشية والزرع والبستان والدور وكشف الجرائم ونحو ذلك.
وأما سائر الأعيان النجسة غير ما ذكر فالظاهر جواز بيعها إذا كانت لها منفعة محللة معتد بها كبيع العذرة للتسميد والدم للتزريق ونحو ذلك ، وكذلك تجوز هبتها والمعاوضة عليها بسائر أنحاء المعاوضات.
مسألة 2 : الأعيان المتقدمة التي مر أنه لا يجوز بيعها ولا سائر أنحاء المعاوضة عليها لا يبعد ثبوت حق الاختصاص لصاحبها فيها ، فلو صار خله
خمرا أو ماتت دابته أو استولى على كلب غير كلب الصيد لا يجوز أخذ شيء من ذلك قهرا عليه ، وكذا الحكم في سائر الموارد ، ويجوز له أن يأخذ مبلغا من المال ليرفع يده عنه ويخلي بينه وبين الباذل فيصير هو صاحب الحق باستيلائه عليه ، كما يجوز له نقل حقه إلى غيره بلا عوض كالصلح مجانا ، وأما نقله مع العوض فلا يخلو عن إشكال.
مسألة 3 : الظاهر أن الميتة الطاهرة ـ كالسمك الطافي ـ يجوز بيعها والمعاوضة عليها ، فيما إذا كانت لها منفعة محللة معتد بها عند العرف بحيث يصح عندهم بذل المال بإزائها ، وإن كان الأولى رعاية الاحتياط بالاجتناب عن بيعها وبذل المال بإزاء رفع اليد عنها لا بإزاء العين نفسها كما مر في الميتة النجسة.
مسألة 4 : يجوز بيع ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة النجسة إذا كانت له منفعة محللة معتد بها كشعرها وصوفها ونحوهما.
مسألة 5 : يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة في غير الجهة المحرمة مثل التسميد بالعذرات ، والإشعال بها ، والطلي بدهن الميتة النجسة ، والصبغ بالدم ، وغير ذلك.
مسألة 6 : يجوز بيع الأرواث الطاهرة إذا كانت لها منفعة محللة معتد بها ـ كما هي كذلك اليوم ـ وكذلك الأبوال الطاهرة.
مسألة 7 : يجوز بيع المتنجس القابل للتطهير كالفراش وكذا غير القابل له مع عدم توقف منافعه المتعارفة السائغة على الطهارة ـ كبعض الأدهان والصابون المتنجس ـ بل حتى مع توقفها عليها كالدبس والعسل والدهن المعد للأكل والسكنجبين فيما إذا كانت لها منفعة محللة معتد بها عند العرف ، ولولم تكن لها منفعة محللة لا يجوز بيعها ولا المعاوضة عليها على الأحوط وجوبا ، والظاهر بقاؤها على ملكية مالكها ، ويجوز أخذ شيء
بإزاء رفع اليد عنها.
مسألة 8 : يجب على البائع إعلام المشتري بنجاسة المتنجس فيما إذا كان مع عدم الإعلام في معرض مخالفة تكليف إلزامي تحريمي ـ كاستعماله في الأكل أو الشرب ـ أو وجوبي ـ كاستعمال الماء المتنجس في الوضوء أو الغسل وأتيان الفريضة بهما ـ هذا مع احتمال تأثير الإعلام في حقه بأن لم يحرز كونه غير مبال بالدين مثلا والا لم يجب الإعلام.
مسألة 9 : لا تجوز التجارة بما يكون آلة للحرام بأن يكون بماله من الصورة الصناعية ـ التي بها قوام ماليته عند العرف ولأجلها يقتنيه الناس غالبا ـ لا يناسب أن يستعمل إلا في عمل محرم ، وله أنواع ( منها ) الأصنام وشعائر الكفر كالصلبان و ( منها ) آلات القمار كالنرد والشطرنج و ( منها ) آلات اللهو المحرم ، إلى غير ذلك من الأنواع التي سيأتي ذكر بعضها الآخر إن شاء الله تعالى.
مسألة 10 : الآلات المخترعة لالتقاط الأصوات والصور أو تسجيلها أو إذاعتها ونشرها هي ـ في الغالب ـ من الآلات المشتركة بين الحلال والحرام ، فيجوز بيعها والعاوضة عليها واقتناؤها واستعمالها في منافعها المحللة ، كإسماع القرآن المجيد وأستماعه ونشر الأحكام الشرعية والمواعظ الدينية والتعزية والأخبار وتعليم العلوم والصنائع المحللة والتعريف بالأمتعة والبضائع التجارية ومشاهدة عجائب الخلقة ونحو ذلك ، ويحرم استعمالها في الأمور المحرمة كالأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ونشر الأفكار الهدامة والصور الخلاعية المثيرة للشهوات الشيطانية وكل ما يوجب الانحطاط الفكري والخلقي للمسلمين وأذا صار بعض ما ذكر من الآلات مصداقا لآلة الحرام بالمعنى المتقدم فلا إشكال في عدم جواز بيعه والمعاوضة عليه.
مسألة 11 : كما يحرم بيع آلة الحرام يحرم عملها ، وأخذ الأجرة عليها ، بل يجب إعدامها ولو بتغيير هيئتها فيما إذا توقف على ذلك النهي
عن المنكر المترتب عليه والا لم يجب وإن كان أحوط ، ويجوز بيع مادتها من الخشب والنحاس والحديد بعد تغيير هيئتها بل قبله ، لكن لا يجوز دفعها إلى المشتري إلا مع الوثوق بأن المشتري يغيرها ، أما مع عدم الوثوق بذلك فالظاهر جواز البيع وإن أثم بترك التغيير مع انحصار الفائدة في الحرام ، أما إذا كانت لها فائدة محللة ولو قليلة لم يجب تغييرها.
مسألة 12 : تحرم ولا تصح المعاملة بالنقود الساقطة عن الاعتبار أو المدلسة التي يغش بها الناس ، فلا يجوز جعلها عوضا أو معوضا عنها في المعاملة مع جهل من تدفع إليه ، أما مع علمه ففيه إشكال ، والأظهر الجواز ، بل الظاهر جواز دفع الظالم بها من دون إعلامه بأنها مغشوشة ، وفي وجوب إزالة صورتها إشكال ، والأظهر عدمه.
مسألة 13 : يجوز بيع السباع ، كالهر والأسد والذئب ونحوها إذا كانت لها منفعة محللة وكذا يجوز بيع الحشرات وغيرها مما يحرم أكله ـ إلا الكلب والخنزير ـ فيما إذا كانت كذلك كالعلق الذي يمص الدم ودود القز ونحل العسل والفيل ، أما إذا لم تكن لها منفعة محللة فلا يصح بيعها على الأحوط.
مسألة 14 : المراد بالمنفعة المحللة في المسألة السابقة هي الفائدة المحللة التي بلحاظها تكون للشيء قيمة سوقية معتد بها وإن اختص العلم بوجودها ببعض أصحاب الاختصاص ، سواء أكانت مرغوبا فيها لعامة الناس أم لصنف خاص منهم ، في مطلق الحالات أم في الحالات الطارئة. كما في الأدوية والعقاقير المحتاج إليها للتداوي.
مسألة 15 : المشهور المنع عن بيع أواني الذهب والفضة للتزيين أو لمجرد الاقتناء ، والأقوى الجواز ، وإنما يحرم استعمالها في الأكل والشرب بل وفي غيرهما أيضا على الأحوط كما مر.
مسألة 16 : لا يصح على الأحوط بيع المصحف الشريف على الكافر
ويحرم تمكينه منه فيما إذا كان في معرض الإهانة والهتك وأما إذا كان تمكينه لإرشاده وهدايته مثلا فلا بأس به ، والأحوط استحبابا الاجتناب عن بيعه على المسلم فإذا أريدت المعاوضة عليه فلتجعل المعاوضة على الغلاف ونحوه ، أو تكون المعاوضة بنحو الهبة المشروطة بعوض ، وأما الكتب المشتملة على الآيات والأدعية وأسماء الله تعالى فالظاهر جواز بيعها على الكافر فضلا عن المسلم ، وكذا كتب أحاديث المعصومينعليهمالسلام كما يجوز تمكينه منها.
مسألة 17 : يحرم بيع العنب أو التمر ليعمل خمرا ، أو الخشب ـ مثلا ـ ليعمل صنما ، أو آلة لهو ، أونحو ذلك سواء أكان تواطؤهما على ذلك في ضمن العقد أم في خارجه مع وقوع العقد مبنياً عليه ، وأذا باع وأشترط الحرام صح البيع وفسد الشرط ، وكذا تحرم ولا تصح إجارة المساكن لتباع فيها الخمر ، أو تحرز فيها ، أو يعمل فيها شيء من المحرمات ، وكذا تحرم ولا تصح إجارة السفن أو الدواب أو غيرها لحمل الخمر ، والأجرة في ذلك محرمة وأما بيع العنب ممن يعلم أنه يعمله خمرا ، أو إجارة المسكن ممن يعلم أنه يحرز فيه الخمر ، أو يعمل به شيئا من المحرمات من دون تواطؤهما على ذلك في عقد البيع أو الإجارة أو قبله ، فقيل أنه حرام وهو الأحوط ولكن الأظهر الجواز ، نعم لا يجوز بيع الخشب ونحوه لمن يصنع منه شعائر الكفر كالصلبان والأصنام ولو من غير تواطؤ على ذلك على الأظهر.
مسألة 18 : التصوير على ثلاثة أقسام :
الأول : تصوير ذوات الأرواح من الإنسان والحيوان وغيرهما تصويرا مجسما كالتماثيل المعمولة من الخشب والشمع والحجر والفلزات ، وهذا محرم مطلقا على الأحوط. سواء كان التصوير تاما أو ما بحكمه كتصوير الشخص جالسا أو واضعا يديه خلفه أم كان ناقصا ، من غير فرق بين أن يكون النقص لفقد ما هو دخيل في الحياة كتصوير شخص مقطوع الرأس أو
لفقد ما ليس دخيلا فيها كتصوير شخص مقطوع الرجل أو اليد ، وأما تصوير بعض بدن ذي الروح كرأسه أو رجله ونحوهما مما لا يعد تصويرا ناقصا لذي الروح فلا بأس به كما لا بأس باقتناء الصور المجسمة وبيعها وشرائها وإن كان يكره ذلك.
الثاني : تصوير ذوات الأرواح من غير تجسيم سواء كان بالرسم أم بالحفر أم بغيرهما ، وهذا جائز على الأظهر ، ومنه التصوير الفوتغرافي والتلفزيوني المتعارف في عصرنا.
الثالث : تصوير غير ذوات الأرواح كالورد والشجر ونحوهما ، وهذا جائز مطلقا وإن كان مجسما.
مسألة 19 : يحرم تصوير ما يكون وسيلة عادية لعمل محرم كالأصنام ونحوها سواء أكان لإنسان أو حيوان أو غيرهما ، وكذا يحرم تصوير شخص تخليدا لذكراه وتعظيما له إذا كان اللازم شرعا امتهانه ومحو ذكره ، وكذا يحرم تصوير الصور الخلاعية التي تعتبر وسيلة لترويج الفساد وأشاعة الفاحشة بين المسلمين ، وكذا يحرم تصوير المقدسات على نحو يستلزم هتكها وأهانتها ولعل منه تصوير أهل الجاهلية إبراهيم وأسماعيلعليهماالسلام وفي أيديهما الأزلام ـ كما قيل ـ ولا فرق في حرمة ما ذكر كله بين أن تكون الصورة مجسمة أولا ، ولا بين كونها تامة أو ناقصة ، ولا بين أن تكون معمولة باليد أو بالمكائن والآلات الحديثة ، وكما يحرم عملها لا يصح بيعها ويحرم أخذ الأجرة عليها والتزيين بها ، نعم لا بأس باقتناء الفرش التي عليها التماثيل التي تعظمها الكفار ـ مما تستحق الإهانة ـ إذا افترشت على الأرض ووطأت بالمشي عليها.
مسألة 20 : الغناء حرام فعله وأستماعه والتكسب به ، والظاهر أنه الكلام اللهوي ـ شعرا كان أو نثرا ـ الذي يؤتى به بالألحان المتعارفة عند أهل اللهو واللعب ، وفي مقومية الترجيع والمد له إشكال ، والعبرة بالصدق
العرفي ، ولا يجوز أن يقرأ بهذه الألحان القرآن المجيد والأدعية والأذكار ونحوها بل ولا ما سواها من الكلام غير اللهوي على الأحوط وجوبا.
وقد يستثنى من الغناء المحرم : غناء النساء في الأعراس إذا لم يضم إليه محرم آخر من الضرب بالطبل والتكلم بالباطل ودخول الرجال على النساء وسماع أصواتهن على نحو يوجب تهيج الشهوة ولكن هذا الاستثناء لا يخلو عن إشكال ، وأما الحداء المتعارف فليس بغناء ولا بأس به كما لا بأس بما يشك ـ من جهة الشبهة المصداقية ـ في كونه غناء أو ما بحكمه ـ وأما الموسيقى فما كان منها مناسبا لمجالس اللهو واللعب كما هو الحال فيما يعزف بآلات الطرب كالعود والطنبور والقانون والقيثارة ونحوها فهي محرمة كالغناء ، وأما غيرها كالموسيقى العسكرية والجنائزية فالأحوط الأولى الاجتناب عنها أيضا.
مسألة 21 : معونة الظالمين في ظلمهم ، بل في كل محرم حرام أما معونتهم في غير المحرمات من المباحات والطاعات فلا بأس بها ، إلا أن يعد الشخص بها من أعوانهم والمنسوبين إليهم فتحرم ، وسيأتي ما يسوغها في المسألة (39) إن شاء الله تعالى.
مسألة 22 : اللعب بآلات القمار كالشطرنج ، والدوملة ، والنرد ( الطاولي ) وغيرها مما أعد لذلك حرام مع الرهن ، ويحرم أخذ الرهن أيضا ، ولا يملكه الغالب ، وأما اللعب بها إذا لم يكن رهن فيحرم في النرد والشطرنج على الأقوى ، بل ولا يترك الاحتياط في غيرهما أيضا ، ويحرم اللعب بغير الآلات المعدة للقمار إذا كان مع الرهن ، كالمراهنة على حمل الوزن الثقيل ، أو على المصارعة أو على القفز أونحو ذلك ، ويحرم أخذ الرهن ، وأما إذا لم يكن رهن فالأظهر الجواز.
مسألة 23 : عمل السحر وتعليمه وتعلمه والتكسب به حرام مطلقا وإن
كان لدفع السحر على الأحوط ، نعم يجوز بل يجب إذا توقفت عليه مصلحة أهم كحفظ النفس المحترمة المسحورة ، والمراد بالسحر ما يوجب الوقوع في الوهم بالغلبة على البصر أو السمع أو غيرهما ، وفي كون تسخير الجن أو الملائكة أو الإنسان من السحر إشكال ، والأظهر تحريم ما كان مضرا بمن يحرم الإضرار به دون غيره.
مسألة 24 : القيافة حرام. وهي إلحاق الناس بعضهم ببعض أو نفي بعضهم عن بعض استنادا إلى علامات خاصة على خلاف الموازين الشرعية في الإلحاق وعدمه ، وأما استكشاف صحة النسب أو عدمها باتباع الطرق العلمية الحديثة في تحليل الجينات الوراثية فليس من القيافة ولا يكون محرما.
مسألة 25 : الشعبذة ـ وهي : إراءة غير الواقع واقعا بسبب الحركة السريعة الخارجة عن العادة ـ حرام ، إذا ترتب عليها عنوان محرم كالإضرار بمؤمن ونحوه.
مسألة 26 : الكهانة حرام. وهي : الإخبار عن المغيبات بزعم أنه يخبره بها بعض الجان ، أما إذا كان اعتمادا على بعض الأمارات الخفية فالظاهر أنه لا بأس به إذا اعتقد صحته أو اطمأن به ، وكما تحرم الكهانة يحرم التكسب بها والرجوع إلى الكاهن وتصديقه فيما يقوله.
مسألة 27 : النجش ـ وهو : أن يزيد الرجل في ثمن السلعة ، وهولا يريد شراءها ، بل لأن يسمعه غيره فيزيد لزيادته ـ حرام مطلقا وإن خلا عن تغرير الغير وغشه على الأحوط ، ولا فرق في ذلك بين ما إذا كان عن مواطاة مع البائع وغيره.
مسألة 28 : التنجيم حرام ، وهو : الإخبار عن الحوادث ، مثل الرخص والغلاء والحر والبرد ونحوها ، استنادا إلى الحركات الفلكية والطوارئ الطارئة على الكواكب ، من الاتصال بينها ، أو الانفصال ، أو الاقتران ، أونحو ذلك ، باعتقاد تأثيرها في الحادث ، على وجه الاستقلال أو الاشتراك مع الله تعالى ، دون مطلق التأثير ، نعم يحرم الإخبار بغير علم عن هذه الأمور وغيرها مطلقا ،
وليس من التنجيم المحرم الإخبار عن الخسوف والكسوف والأهلة وأقتران الكواكب وإنفصالها بعد كونه ناشئا عن أصول وقواعد سديدة وكون الخطأ الواقع فيه أحيانا ناشئا من الخطأ في الحساب وأعمال القواعد كسائر العلوم.
مسألة 29 : الغش حرام. فعن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال : « من غش أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه ، وسد عليه معيشته ووكله إلى نفسه » ، ويكون الغش بإخفاء الأدنى في الأعلى ، كمزج الجيد بالرديء وبإخفاء غير المراد في المراد ، كمزج الماء باللبن ، وبإظهار الصفة الجيدة مع أنها مفقودة واقعا ، مثل رش الماء على بعض الخضروات ليتوهم أنها جديدة وبإظهار الشيء على خلاف جنسه ، مثل طلي الحديد بماء الفضة أو الذهب ليتوهم أنه فضة أو ذهب وقد يكون بترك الإعلام مع ظهور العيب وعدم خفائه ، كما إذا أحرز البائع اعتماد المشتري عليه في عدم إعلامه بالعيب فاعتقد أنه صحيح ولم ينظر في المبيع ليظهر له عيبه ، فإن عدم إعلام البائع بالعيب ـ مع اعتماد المشتري عليه ـ غش له.
مسألة 30 : الغش وإن حرم لا تفسد المعاملة به ، لكن يثبت الخيار للمغشوش بعد الاطلاع ، إلا في إظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع المطلي بماء الذهب أو الفضة على أنه منهما ، فإنه يبطل فيه البيع ، ويحرم الثمن على البائع ، هذا إذا وقعت المعاملة على شخص ما فيه الغش ، وأما إذا وقعت على الكلي في الذمة وحصل الغش في مرحلة الوفاء فللمغشوش أن يطلب تبديله بفرد آخر لا غش فيه.
مسألة 31 : لا تصح الإجارة على ما علم من الشرع لزوم الإتيان به مجانا ، واجبا كان أو مستحبا ، عينيا كان أو كفائيا ، عباديا كان أو توصليا ، ومن هذا القبيل فعل الفرائض اليومية ونوافلها وصوم شهر رمضان وحجة الإسلام إذا كان المقصود أن يأتي بها الأجير عن نفسه ، ومنه أيضا القضاء بين الناس
والأذان للصلاة وتغسيل الأموات وتكفينهم والصلاة عليهم ـ على إشكال في الأمثلة الأربعة الأخيرة لا يترك معه الاحتياط ـ وأما ما لا يعتبر فيه المجانية شرعا فيجوز الاستئجار له سواء أكان مستحبا من نفسه كما لو استأجره على أن ينوب عن غيره في عبادة من صلاة أو غيرها إذا كانت مما تشرع فيه النيابة ، أم كان واجبا كما لو استأجر الطبيب ليصف الدواء للمريض أو يعالجه من مرضه ونحو ذلك ، وكذا لو استأجر من يقوم بفعل الواجبات التي يتوقف عليها النظام كتعليم بعض علوم الزراعة والصناعة والطب ، ولو استأجره لتعليم الأحكام الشرعية فيما هو محل الابتلاء فالأحوط البطلان وحرمة الأجرة ، وفي عموم الحكم لما لا يكون محلا للابتلاء إشكال والأظهر الجواز والصحة.
مسألة 32 : يحرم النوح بالباطل ، أي بما يكون كذبا ولا بأس بالنوح بالحق.
مسألة 33 : يحرم هجاء المؤمن ، وهو ذكر نواقصه ومثالبه ـ شعرا كان أو نثرا ـ ولا يستحسن هجاء مطلق الناس إلا إذا اقتضته المصلحة العامة ، وربما يصير واجبا حينئذ كهجاء الفاسق المبتدع لئلا يؤخذ ببدعته.
مسألة 34 : يحرم الفحش من القول ، وهو ما يستقبح التصريح به أما مع كل أحد أو مع غير الزوجة ، فيحرم الأول مطلقا ويجوز الثاني مع الزوجة دون غيرها.
مسألة 35 : تحرم الرشوة على القضاء بالحق أو الباطل ، وأما الرشوة على استنقاذ الحق من الظالم فجائزة ، وإن حرم على الظالم أخذها.
مسألة 36 : يحرم حفظ كتب الضلال ونشرها وقرائتها وبيعها وشرائها مع احتمال ترتب الضلال لنفسه أو لغيره ، فلو أمن من ذلك جاز ، كما يجوز إذا كانت هناك مصلحة أهم والمقصود بكتب الضلال ما يشتمل على العقائد والآراء الباطلة سواء ما كانت مخالفة للدين أو المذهب.
مسألة 37 : يحرم على الرجل لبس الذهب كالتختم به ونحوه بل الأحوط لزوما ترك التزين به من غير لبس أيضا كتلبيس مقدم الأسنان به أو
جعل أزرار اللباس منه.
مسألة 38 : يحرم الكذب : وهو : الإخبار بما ليس بواقع ، ولا فرق في الحرمة بين ما يكون في مقام الجد وما يكون في مقام الهزل ما لم ينصب قرينة حالية أو مقالية على كونه في مقام الهزل والا ففي حرمته إشكال. ولو تكلم بصورة الخبر ـ هزلا ـ بلا قصد الحكاية والإخبار فلا بأس به ومثله التورية بأن يقصد من الكلام معنى من معانيه مما له واقع ، ولكنه خلاف الظاهر ، كما أنه يجوز الكذب لدفع الضرر عن نفسه أو عن المؤمن ، بل يجوز الحلف كاذبا حينئذ ، ويجوز الكذب أيضا للإصلاح بين المؤمنين ، والأحوط ـ وجوبا ـ الاقتصار فيهما على صورة عدم تيسر التورية ، وأما الكذب في الوعد ، بأن يخلف في وعده فالأحوط الاجتناب عنه مهما أمكن ولو بتعليق الوعد على مشيئة الله تعالى أو نحوها ، وأما لو كان حال الوعد بانيا على الخلف فالظاهر حرمته ، بلا فرق في ذلك بين الوعد مع الأهل وغيرها على الأحوط.
مسألة 39 : يحرم الدخول في الولايات والمناصب من قبل السلطة الجائرة وهو على قسمين : ( الأول ) : فيما إذا كان أصل العمل مشروعا في نفسه مع قطع النظر عن توليه من قبل الجائر ، كجباية الحقوق الشرعية من الخراج والمقاسمة والزكاة بشرائطها المقررة شرعا ، وكتعليم العلوم المحللة وكإدارة المصانع والدوائر ونحو ذلك.
وهذا يسوغه أمران : أ ـ أن يكون للقيام بمصالح المسلمين وأخوانه في الدين ، فإنه لا بأس به حينئذ ، بل لو كان بقصد الإحسان إلى المؤمنين ودفع الضرر عنهم كان راجحا بل ربما صار واجبا في بعض أنواعه بالنسبة إلى بعض الأشخاص.
ب ـ الإكراه ، بأن يوعده الجائر على الترك بما يوجب الضرر على نفسه
أو عرضه أو ماله المعتد به أو على بعض من يتعلق به بحيث يكون الإضرار بذلك الشخص إضرارا بالمكره عرفا كالإضرار بأبيه أو أخيه أو ولده أو نحوهم ممن يهمه أمره ، ومثل الإكراه الاضطرار لتقية ونحوها.
الثاني : فيما إذا كان العمل محرما في نفسه ، وهذا يسوغه الأمر الثاني المتقدم إذا كان عدم مشروعية العمل من حقوق الله تعالى ولم يكن يترتب على الإتيان به فساد الدين وأضمحلال حوزة المؤمنين ونحو ذلك من المهمات ، وأما إذا كان عدم مشروعيته من حقوق الناس فإن كان فيه إتلاف النفس المحترمة لم يجز ارتكابه لأجل الإكراه ونحوه مطلقا ، والا فإن وجب عليه التحفظ على نفسه من الضرر المتوعد به فاللازم الموازنة بين الأمرين وتقديم ما هو الأكثر أهمية منهما في نظر الشارع ، وهنا صور كثيرة لا يسع المقام بيانها.
مسألة 40 : ما تأخذه الحكومة من الضرائب الشرعية المجعولة ـ بشرائط خاصة ـ على الأراضي والأشجار والنخيل يجوز أخذه منها بعوض أو مجانا ، بلا فرق بين الخراج وهو ضريبة النقد ، والمقاسمة وهي ضريبة السهم من النصف أو العشر ونحوهما ، وكذا المأخوذ بعنوان الزكاة ، والظاهر براءة ذمة المالك بالدفع إليها إذا لم يجد بدا من ذلك. بل الظاهر إنه لولم تباشر الحكومة أخذه وحولت شخصا على المالك في أخذه منه جاز للمحول أخذه وبرئت ذمة المحول عليه إذا كان مجبورا على دفعه إلى من تحلوله عليه. والأقوى عدم الفرق فيما ذكر بين الحاكم المخالف المدعي للخلافة العامة وغيره حتى الحاكم المؤالف ، نعم في عموم الحكم للحاكم الكافر ومن تسلط على بلدة خروجا على حكومة الوقت إشكال.
مسألة 41 : إذا دفع إنسان مالا إلى آخر ووكله في توزيعه على طائفة من الناس وكان المدفوع إليه منهم ، فإن لم يفهم من الدافع الإذن له في الأخذ من ذلك المال لم يجز له الأخذ منه أصلا ، وإن فهم الإذن جاز له أن
يأخذ منه مثل أحدهم أو أقل أو أكثر على حسب ما فهم من الإذن ، وإن فهم الإذن في أصل الأخذ دون مقداره جاز له أن يأخذ بمقدار ما يعطيه لغيره.
مسألة 42 : جوائز الظالم حلال ، وإن علم إجمالا أن في ماله حراما ، وكذا كل ما كان في يده يجوز أخذه منه وتملكه والتصرف فيه بإذنه ، إلا أن يعلم أنه غصب ، فلو أخذ منه ـ حينئذ ـ وجب رده إلى مالكه ، إن عرف بعينه ، فإن جهل وتردد بين جماعة محصورة أعلمهم بالحال فإن ادعاه أحدهم وأقره عليه الباقي أو اعترفوا أنه ليس لهم سلمه إليه ، وإن ادعاه أزيد من واحد فإن تراضوا بصلح أو نحوه فهو ، والا تعين الرجوع إلى الحاكم الشرعي في حسم الدعوى ، وإن أظهر الجميع جهلهم بالحال وأمتنعوا عن التراضي بينهم فالأظهر لزوم العمل بالقرعة والأحوط تصدي الحاكم الشرعي أو وكيله لإجرائها.
وإن تردد المالك بين جماعة غير محصورة تصدق به عنه مع الإذن من الحاكم الشرعي على الأحوط لزوما إن كان يائسا عن معرفته ، والا وجب الفحص عنه وأيصاله إليه.
مسألة 43 : يكره احتراف بعض المعاملات كبيع الصرف ، وبيع الأكفان ، وبيع الطعام ، كما يكره أن يكون الإنسان جزارا أو حجاما ، ولا سيما مع الشرط بأن يشترط أجرة ، ويكره أيضا التكسب بضراب الفحل ، بأن يؤجره لذلك ، أو بغير إجارة بقصد العوض ، أما لو كان بقصد المجانية فلا بأس بما يعطى بعنوان الهدية.
مسألة 44 : لا يجوز بيع أوراق اليانصيب ، فإذا كان الإعطاء بقصد البدلية عن الفائدة المحتملة فالمعاملة باطلة ، وأما إذا كان الإعطاء مجانا كما إذا كان بقصد الاشتراك في مشروع خيري فلا بأس به ، وعلى كلا التقديرين فالمال المعطى لمن أصابت القرعة باسمه إذا كان المتصدي لها شركة غير أهلية من المال المجهول مالكه ، لابد من مراجعة الحاكم الشرعي
لإصلاحه.
مسألة 45 : يجوز إعطاء الدم إلى المرضى المحتاجين إليه ، كما يجوز أخذ العوض في مقابله على ما تقدم.
مسألة 46 : يحرم حلق اللحية وأخذ الأجرة عليه على الأحوط لزوما إلا إذا أكره على الحلق أو اضطر إليه لعلاج أو نحوه ، أو خاف الضرر على تقدير تركه ، أو كان تركه حريجاً بالنسبة إليه كما إذا كان يوجب سخرية ومهانة شديدة لا يتحملها ، ففي هذه الموارد لا إشكال في جواز الحلق.
آداب التجارة
مسألة 47 : يستحب للمكلف أن يتعلم أحكام التجارة التي يتعاطاها ، بل يجب عليه ذلك إذا كان في معرض الوقوع في مخالفة تكليف إلزامي بسبب ترك التعلم ، وأذا شك في صحة معاملة وفسادها بسبب الجهل بحكمها لم يجز له ترتيب آثار أي من الصحة والفساد فلا يجوز له التصرف فيما أخذه من صاحبه ولا فيما دفعه إليه ، بل يتعين عليه أما التعلم أو الاحتياط ولو بالصلح ونحوه ، نعم إذا أحرز رضاه بالتصرف في المال المأخوذ منه حتى على تقدير فساد المعاملة جاز له ذلك.
مسألة 48 : يستحب أن يساوي بين المبتاعين في الثمن ، فلا يفرق بين المماكس وغيره بزيادة السعر في الأول أو بنقصه ، أما لو فرق بينهم لمرجحات شرعية كالفقر والعلم والتقوى ونحوها فلا بأس به ، ويستحب أن يقيل النادم ويتشهد الشهادتين عند الجلوس في السوق للتجارة وإن يكبر الله تعالى عند العقد وإن يأخذ الناقص ويعطي الراجح.
مسألة 49 : يكره مدح البائع سلعته ، وذم المشتري لها ، وكتمان العيب إذا لم يؤد إلى غش ، والا حرم كما تقدم ، والحلف في المعاملة إذا
كان صادقا والا حرم ، والبيع في المكان المظلم الذي يستتر فيه العيب ، بل كل ما كان كذلك ، والربح على المؤمن زائدا على مقدار الحاجة ، وعلى الموعود بالإحسان ، والسوم ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس ، وإن يدخل السوق قبل غيره والمعاملة مع من لم ينشأ في الخير والمحارفين ، وطلب تنقيص الثمن بعد العقد ، والزيادة وقت النداء لطلب الزيادة أما الزيادة بعد سكوت المنادي فلا بأس بها ، والتعرض للكيل أو الوزن أو العد أو المساحة إذا لم يحسنه حذرا من الخطأ ، والدخول في سوم المؤمن ، بل الأحوط استحباباً تركه. والمراد به الزيادة في الثمن الذي بذله المشتري ، أو بذل مبيع له غير ما بذله البائع ، مع رجاء تمامية المعاملة بينهما ، فلو انصرف أحدهما عنها أو علم بعدم تماميتها بينهما فلا كراهة ، وكذا لو كان البيع مبنيا على المزايدة ، وإن يتوكل بعض أهل البلد لمن هو غريب عنها بل الأحوط استحبابا تركه ، وتلقي الركبان الذين يجلبون السلعة وحده إلى ما دون أربعة فراسخ ، فلو بلغ أربعة فراسخ فلا كراهة ، وكذا لو اتفق ذلك بلا قصد. والظاهر عموم الحكم لغير البيع من المعاملة ، كالصلح والإجارة ونحوهما.
مسألة 50 : الاحتكار وهو حبس السلعة والامتناع من بيعها ـ حرام إذا كان لانتظار زيادة القيمة مع حاجة المسلمين ومن يلحق بهم من سائر النفوس المحترمة إليها ، وليس منه حبس السلعة في زمان الغلاء إذا أراد استعمالها في حوائجه وحوائج متعلقيه أو لحفظ النفوس المحترمة عند الاضطرار ، والظاهر اختصاص الحكم بالطعام ، والمراد به هنا القوت الغالب لأهل البلد ، وهذا يختلف باختلاف البلدان ، ويشمل الحكم ما يتوقف عليه تهيئته كالوقود والات الطبخ أو ما يعد من مقوماته كالملح والسمن ونحوهما ، والضابط هو حبس ما يترتب عليه ترك الناس وليس لهم طعام. والأحوط استحبابا ترك الاحتكار في مطلق ما يحتاج إليه كالملابس والمساكن
والمراكب والأدوية ونحوها ، ويجب النهي عن الاحتكار المحرم بالشروط المقررة للنهي عن المنكر ، وليس للناهي تحديد السعر للمحتكر ، نعم لو كان السعر الذي اختاره مجحفا بالعامة ألزم على الأقل الذي لا يكون مجحفا.
الفصل الأول
شروط العقد
البيع هو : نقل المال إلى الغير بعوض ، والمقصود بالعوض هو المال الذي يجعل بدلا وخلفا عن الآخر ، والغالب فيه في هذه الأزمنة أن يكون من النقود ، فالبيع متقوم بقصد العوضية والمعوضية ، وباذل المعوض هو البائع وباذل العوض هو المشتري ، ومن ذلك يتضح معنى الشراء ، وأما المعاوضة بين المالين من دون قصد العوضية والمعوضية فهي معاملة مستقلة صحيحة ولازمة سواء أكانا من الأمتعة أم من النقود ولا تترتب عليها الأحكام المختصة بالبيع كخياري المجلس والحيوان دون ما يشمل مطلق المعاوضات كحرمة الربا.
مسألة 51 : يعتبر في البيع الإيجاب والقبول ، ويقع بكل لفظ دال على المقصود ، وإن لم يكن صريحا فيه مثل : بعت وملكت ، وبادلت ونحوها في الإيجاب ، ومثل : قبلت ورضيت وتملكت وأشتريت ونحوها في القبول ، ولا تشترط فيه العربية ، كما لا يقدح فيه اللحن في المادة أو الهيئة إذا لم يمنع من ظهوره في المعنى المقصود عند أبناء المحاورة ، ويجوز إنشاء الإيجاب بمثل : اشتريت ، وأبتعت ، وتملكت وإنشاء القبول بمثل : شريت وبعت وملكت.
مسألة 52 : إذا قال : بعني فرسك بهذا الدينار ، فقال المخاطب : بعتك فرسي بهذا الدينار فالأظهر صحته وترتب الأثر عليه بلا حاجة إلى ضم القبول من الآمر إذا كان المتفاهم منه عرفا إعطاء السلطنة للمخاطب في نقل الدينار إلى نفسه ونقل فرسه إليه ، والظاهر أن الأمر كذلك ، ومثله ما إذا كان
لشخص واحد حق التصرف في المالين بأن كان ـ مثلا ـ وليا على المالكين أو وكيلا عنهما.
مسألة 53 : يعتبر في تحقق العقد الموالاة بين الإيجاب والقبول فلو قال البائع : بعت ، فلم يبادر المشتري إلى القبول حتى انصرف البائع عن البيع لم يتحقق العقد ، ولم يترتب عليه الأثر ، أما إذا لم ينصرف وكان ينتظر القبول ، حتى قبل صح ، كما أنه لا تعتبر وحدة المجلس فلو تعاقدا بالتليفون فأوقع أحدهما الإيجاب وقبل الآخر صح. أما المعاملة بالمكاتبة ففيها إشكال ، والأظهر الصحة ، إن لم ينصرف البائع عن بيعه حتى قبل المشتري.
مسألة 54 : الظاهر اعتبار التطابق بين الإيجاب والقبول في الثمن والمثمن ، وفي سائر حدود البيع والعوضين ـ ولو بلحاظ من تضاف إليه الذمة فيما إذا كان أحد العوضين ذميا ـ فلو قال : بعتك هذا الكتاب بدينار بشرط أن تخيط قميصي ، فقال المشتري : اشتريت هذا الدفتر بدينار أوهذا الكتاب بدرهم أو بشرط أن أخيط عباءتك أو بلا شرط شيء أو بشرط أن تخيط ثوبي أو اشتريت نصفه بنصف درهم ، أو قال : بعتك هذا الكتاب بدينار في ذمتك فقال : اشتريته بدينار لي في ذمة زيد لم يصح العقد ، وكذا في نحو ذلك من أنحاء الاختلاف ، ولو قال : بعتك هذا الكتاب بدينار فقال : اشتريت كل نصف منه بنصف دينار ففي الصحة إشكال ، وكذا إذا كان إنشاء أحد الطرفين مشروطا بشيء على نفسه وإنشاء الآخر مطلقا كما إذا قال : بعتك هذا الكتاب بدينار فقال : اشتريته بشرط أن أخيط لك ثوبا ، أو قال : بعتك هذا الكتاب بدينار بشرط أن أخيط ثوبك فقال : قبلت بلا شرط فإنه لا ينعقد مشروطا بلا إشكال وفي انعقاده مطلقا وبلا شرط إشكال.
مسألة 55 : إذا تعذر اللفظ لخرس ونحوه قامت الإشارة مقامه وإن
تمكن من التوكيل ، وكذا الكتابة مع العجز عن الإشارة. أما مع القدرة عليها ففي تقديم الإشارة أو الكتابة وجهان بل قولان ، والأظهر الجواز بكل منهما ، بل لا يبعد ذلك حتى مع التمكن من اللفظ.
مسألة 56 : الظاهر وقوع البيع بالمعاطاة ، بأن ينشئ البائع البيع بإعطائه المبيع إلى المشتري ، وينشئ المشتري القبول بإعطاء الثمن إلى البائع ، ولا فرق في صحتها بين المال الخطير والحقير ، وقد تحصل بإعطاء البائع المبيع وأخذ المشتري بلا إعطاء منه ، كما لو كان الثمن كليا في الذمة أو بإعطاء المشتري الثمن وأخذ البائع له بلا إعطاء منه ، كما لو كان المثمن كليا في الذمة.
مسألة 57 : الظاهر أنه يعتبر في صحة البيع المعاطاتي جميع ما يعتبر في البيع العقدي من شرائط العقد والعوضين والمتعاقدين ، كما أن الظاهر ثبوت جميع الخيارات ـ الآتية إن شاء الله تعالى ـ على نحو ثبوتها في البيع العقدي حتى ما يتوقف منها على اشتراطه على كلام سيأتي في المسألة (59).
مسألة 58 : الظاهر جريان المعاطاة في غير البيع من سائر المعاملات بل الإيقاعات إلا في موارد خاصة ، كالنكاح والطلاق والنذر واليمين ، والظاهر جريانها في الرهن والوقف أيضا.
مسألة 59 : في قبول البيع المعاطاتي للشرط سواء أكان شرط خيار في مدة معينة ، أم شرط فعل ، أم غيرهما : إشكال ، وإن كان القبول لا يخلو من وجه ، فلو أعطى كل منهما ماله إلى الآخر قاصدين البيع ، وقال أحدهما في حال التعاطي : جعلت لي الخيار إلى سنة ـ مثلا ـ وقبل الآخر صح شرط الخيار ، وكان البيع خياريا ، وكذا إذا ذكر الشرط في المقاولة ووقع التعاطي مبنيا عليه.
مسألة 60 : لا يجوز تعليق البيع على أمر غير حاصل حين العقد سواء أعلم حصوله بعد ذلك ، كما إذا قال : بعتك إذا هل الهلال ، أم جهل حصوله ، كما لو قال : بعتك إذا ولد لي ولد ذكر ، ولا على أمر مجهول الحصول حال العقد ، كما إذا قال : بعتك إن كان اليوم يوم الجمعة مع جهله بذلك ، أما مع علمه به فالوجه الجواز.
مسألة 61 : إذا قبض المشتري ما اشتراه بالعقد الفاسد ، فإن علم برضا البائع بالتصرف فيه حتى مع فساد العقد جاز له التصرف فيه والا وجب عليه رده إلى البائع ، وأذا تلف ـ ولو من دون تفريط ـ وجب عليه رد مثله إن كان مثليا وقيمته إن كان قيميا ، وكذا الحكم في الثمن إذا قبضه البائع بالبيع الفاسد ، وأذا كان المالك مجهولا جرى عليه حكم المال المجهول مالكه ، ولا فرق في جميع ذلك بين العلم بالحكم والجهل به ، ولو باع أحدهما ما قبضه كان البيع فضوليا وتوقفت صحته على إجازة المالك وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
الفصل الثاني
شروط المتعاقدين
مسألة 62 : يشترط في كل من المتعاقدين أمور :
الأول : البلوغ ، فلا يصح عقد الصبي في ماله ، وإن كان مميزا ، إذا لم يكن بإذن الولي بل وإن كان بإذنه إذا كان الصبي مستقلا في التصرف إلا في الأشياء اليسيرة التي جرت العادة بتصدي الصبي المميز لمعاملتها فإن الصحة فيها لا تخلو من وجه وأما إذا كانت المعاملة من الولي ، وكان الصبي وكيلا عنه في إنشاء الصيغة فالأظهر الصحة ، وكذا إذا كان تصرفه في مال غيره بإذن المالك ، وإن لم يكن بإذن الولي.
الثاني : العقل ، فلا يصح عقد المجنون ، وإن كان قاصدا إنشاء البيع.
الثالث : الاختيار ـ بمعنى الاستقلال في الإرادة ـ فلا يصح بيع المكره وشراؤه ، وهو من يأمره غيره بالبيع أو الشراء على نحو يخاف من الإضرار به لو خالفه بحيث يكون لخوف الضرر من الغير دخل في صدور البيع أو الشراء منه ، وأما لولم يكن له دخل فيه وإن حصل له الخوف من تركه كما لولم يكن مباليا بالضرر المحتمل أو المعلوم فلا يضر بالصحة ، وكذا إذا اضطر إلى البيع أو الشراء فإنه يصح وإن اضطره الغير إليه كما لو أمره بدفع مقدار من المال ولم يمكنه إلا ببيع داره فباعها فإنه يصح بيعها ، نعم إذا حصل الاضطرار بمواطأة الغير مع ثالث ، كما لو تواطئا على أن يحبسه أحدهما في مكان ليضطر إلى بيع خاتمه ـ مثلا ـ على الثاني إزاء ما يسد به رمقه فالأظهر فساد المعاملة وضمانه لما اضطر إلى التصرف فيه بقيمته السوقية.
مسألة 63 : لو رضي المكره بالبيع بعد زوال الإكراه صح وإن كان الأحوط حينئذ تجديد العقد.
مسألة 64 : إذا أكره أحد الشخصين على بيع داره ، كما لو قال الظالم : فليبع زيد أو عمرو داره فباع أحدهما داره خوفا منه بطل البيع ، وأما إذا علم إقدام الآخر على البيع وباعها صح البيع.
مسألة 65 : لو أكره على بيع داره أو فرسه فباع أحدهما بطل ، ولو باع الآخر بعد ذلك صح ، ولو باعهما جميعا دفعة بطل فيهما جميعا إذا كان للإكراه دخل في بيعهما مجتمعين كما في بيع أحدهما منفردا والا فالظاهر صحة البيع بالنسبة إلى كليهما.
مسألة 66 : لو أكرهه على بيع دابته فباعها مع ولدها بطل بيع الدابة ، وصح بيع الولد إلا إذا كان للإكراه دخل في بيعه معها ، كما لولم يمكن حفظه مع بيع أمه.
مسألة 67 : يعتبر في صدق الإكراه عدم إمكان التفصي عنه بغير التورية ، وهل يعتبر فيه عدم إمكان التفصي بالتورية ولو من جهة الغفلة عنها أو الجهل بها أو حصول الاضطراب المانع عن استعمالها أونحو ذلك؟ وجهان ، لا يخلو أولهما عن وجه.
مسألة 68 : المراد من الضرر الذي يخافه ، على تقدير عدم الإتيان بما أكره عليه ما يعم الضرر الواقع على نفسه وماله وشأنه ، وعلى بعض من يتعلق به ممن يهمه أمره فلولم يكن كذلك فلا إكراه ، فلو باع ـ حينئذ ـ صح البيع.
الرابع : من شروط المتعاقدين ـ أن يكون مالكا للتصرف الناقل ، كأن يكون مالكا للشيء من غير أن يكون محجورا عن التصرف فيه لسفه أو فلس أو غيرهما من أسباب الحجر ، أو يكون وكيلا عن المالك أو مأذونا من قبله أو وليا عليه ، فلولم يكن العاقد مالكا للتصرف لم يصح البيع بل توقفت صحته على إجازة المالك للتصرف ، فإن أجاز صح والا بطل ، فصحة العقد الصادر من غير مالك العين تتوقف على إجازة المالك ، وصحة عقد السفيه على إجازة الولي ، وصحة عقد المفلس على إجازة الغرماء ، فإن أجازوا صح والا بطل ، وهذا هو المسمى بـ ( عقد الفضولي ) والمشهور أن الإجازة بعد الرد لا أثر لها ولكنه لا يخلو عن إشكال وأما الرد بعد الإجازة فلا أثر له جزما.
مسألة 69 : لو منع المالك من بيع ماله فباعه الفضولي ، فإن أجازه المالك صح ، ولا أثر للمنع السابق في البطلان.
مسألة 70 : إذا علم من حال المالك أنه يرضى بالبيع فباعه لم يصح وتوقفت صحته على الإجازة.
مسألة 71 : إذا باع الفضولي مال غيره عن نفسه لاعتقاده أنه مالك ، أو لبنائه على ذلك ، كما في الغاصب ، فأجازه المالك لنفسه صح البيع ويكون الثمن له.
مسألة 72 : لا يكفي في تحقق الإجازة الرضا الباطني ، بل لابد في تحققها من قول مثل : رضيت ، وأجزت ، ونحوهما ، أو فعل مثل : أخذ الثمن ، أو بيعه ، أو الأذن في بيعه أو إجازة العقد الواقع عليه أونحو ذلك.
مسألة 73 : الظاهر أن الإجازة كاشفة عن صحة العقد من حين وقوعه كشفا انقلابيا بمعنى اعتبار الملكية من حين تحقق العقد في زمن حدوث
الإجازة ، فنماء الثمن من حين العقد إلى حين الإجازة ملك لمالك المبيع ونماء المبيع ملك للمشتري.
مسألة 74 : لو باع اعتقاد كونه وليا أو وكيلا فتبين خلافه فإن أجازه المالك صح وإن رد بطل ، ولو باع باعتقاد كونه أجنبيا فتبين كونه وليا أو وكيلا صح ، ولم يحتج إلى الإجازة ، ولو تبين كونه مالكا ففي صحة البيع ـ من دون حاجة إلى إجازته ـ إشكال والأظهر هو الصحة فيما لو كان البيع لنفسه.
مسألة 75 : لو باع مال غيره فضولا ، ثم ملكه قبل إجازة المالك أما باختياره كالشراء أو بغير اختياره كالأرث. ففي صحته ـ بلا حاجة إلى الإجازة ـ أو توقفه على الإجازة أو بطلانه رأسا ـ وجوه أقواها الأخير.
مسألة 76 : لو باع مال غيره فضولا فباعه المالك من شخص آخر صح بيع المالك ، وبطل بيع الفضولي ولا تنفع في صحته إجازة المالك ولا المشتري.
مسألة 77 : إذا باع الفضولي مال غيره ولم تتحقق الإجازة من المالك ، فإن كانت العين في يد المالك فلا إشكال ، وإن كانت في يد البائع جاز للمالك الرجوع بها عليه ، وإن كان البائع قد دفعها إلى المشتري جاز له الرجوع على كل من البائع والمشتري ، وإن كانت تالفة رجع على البائع إن لم يدفعها إلى المشتري ، أو على أحدهما إن دفعها إليه بمثلها ، إن كانت مثلية ، وبقيمتها إن كان قيمية.
مسألة 78 : المنافع المستوفاة مضمونة ، وللمالك الرجوع بها على من استوفاها ، وكذا الزيادات العينية ، مثل اللبن والصوف والشعر والسرجين ونحوها ، مما كانت له مالية ، فإنها مضمونة على من استولى عليها كالعين ، أما المنافع غير المستوفاة ففي ضمانها إشكال ، ولا يبعد التفصيل فيها بين المنافع المفوتة والفائتة بثبوت الضمان في الأول دون الثانية والمقصود
بالمنافع المفوتة ما تكون مقدرة الوجود عرفا كسكنى الدار وبالفائتة ما لا تكون كذلك كمنفعة الكتب الشخصية غير المعدة للإيجار.
مسألة 79 : المثلي : ما يكثر وجود مثله في الصفات التي تختلف باختلافها الرغبات ـ والقيمي : ما لا يكون كذلك ، فالآلات والظروف والأقمشة المعمولة في المعامل في هذا الزمان من المثلي ، والجواهر الأصلية من الياقوت والزمرد والألماس والفيروزج ونحوها من القيمي.
مسألة 80 : إذا تفاوتت قيمة القيمي من زمان القبض إلى زمان الأداء بسبب كثرة الرغبات وقلتها فالأظهر أن المدار في القيمة المضمون بها قيمة زمان التلف وإن كان الأحوط الأولى التراضي والتصالح فيما به التفاوت بين قيمة زمان القبض والتلف والأداء.
مسألة 81 : إذا لم يمض المالك المعاملة الفضولية فعلى البائع الفضولي أن يرد الثمن المسمى إلى المشتري ، فإذا رجع المالك على المشتري ببدل العين من المثل أو القيمة فليس للمشتري الرجوع على البائع في مقدار الثمن المسمى. ويرجع في الزائد عليه إذا كان مغرورا وأذا رجع المالك على البائع رجع البائع على المشتري بمقدار الثمن المسمى إذا لم يكن قد قبض الثمن ، ولا يرجع في الزائد عليه إذا كان غارا. وأذا رجع المالك على المشتري ببدل نماء العين من الصوف واللبن ونحوهما أو بدل المنافع المستوفاة أو غير ذلك ، فإن كان المشتري مغرورا من قبل البائع ، بأن كان جاهلا بأن البائع فضولي ، وكان البائع عالما فأخبره البائع بأنه مالك ، أو ظهر له منه أنه مالك رجع المشتري على البائع بجميع الخسارات التي خسرها للمالك ، وإن لم يكن مغرورا من البائع كما إذا كان عالما بالحال ، أو كان البائع أيضا جاهلا لم يرجع عليه بشيء من الخسارات المذكورة ، وأذا رجع المالك على البائع ببدل النماءات ، فإن كان المشتري مغرورا من قبل
البائع لم يرجع على المشتري ، وإن لم يكن مغرورا من قبل البائع رجع البائع عليه في الخسارة التي خسرها للمالك وكذا الحال في جميع الموارد التي تعاقبت فيها الأيدي العادية على مال المالك ، فإنه إن رجع المالك على السابق رجع السابق على اللاحق إن لم يكن مغرورا منه ، والا لم يرجع على اللاحق ، وإن رجع المالك على اللاحق لم يرجع إلى السابق إلا مع كونه مغرورا منه ، وكذا الحكم في المال غير المملوك لشخص خاص كالزكاة المعزولة ، ومال الوقف المجعول مصرفا في جهة معينة أو غير معينة ، أو في مصلحة شخص أو أشخاص فإن الولي يرجع على ذي اليد عليه ، مع وجوده ، وكذا مع تلفه على النهج المذكور.
مسألة 82 : لو باع إنسان ملكه وملك غيره صفقة واحدة صح البيع فيما يملك ، وتوقفت صحة بيع غيره على إجازة المالك ، فإن أجازه صح ، والا فلا ، وحينئذ يكون للمشتري خيار تبعض الصفقة ، فله فسخ البيع بالإضافة إلى ما يملكه البائع.
مسألة 83 : طريق معرفة حصة كل واحد منهما من الثمن : أن يقوم كل من المالين بقيمته السوقية ، فيرجع المشتري بحصة من الثمن نسبتها إلى الثمن نسبة قيمة مال غير البائع إلى مجموع القيمتين ، فإذا كانت قيمة ماله عشرة وقيمة مال غيره خمسة ، والثمن ثلاثة يرجع المشتري بواحد وهو ثلث الثمن ، ويبقى للبائع اثنان. وهما ثلثا الثمن ، هذا إذا لم يكن للاجتماع دخل في زيادة القيمة ونقصها ، أما لو كان الأمر كذلك وجب تقويم كل منهما في حال الانضمام إلى الآخر ثم تنسب قيمة كل واحد منهما إلى مجموع القيمتين ، فيؤخذ من الثمن بتلك النسبة. مثلا إذا باع الفرس ومهرها بخمسة ، وكانت قيمة الفرس في حال الانفراد ستة ، وفي حال الانضمام أربعة ، وقيمة المهر بالعكس فمجموع القيمتين عشرة ، فإن كانت الفرس
لغير البائع رجع المشتري بخمسين ، وهما اثنان من الثمن ، وبقي للبائع ثلاثة أخماس ، وإن كان المهر لغير البائع رجع المشتري بثلاثة أخماس الثمن ، وهو ثلاثة وبقي للبائع اثنان.
مسألة 84 : إذا كانت الدار مشتركة بين شخصين على السوية فباع أحدهما نصف الدار ، فإن قامت القرينة على أن المراد نصف نفسه ، أو نصف غيره ، أو نصف في النصفين عمل على القرينة ، وإن لم تقم القرينة على شيء من ذلك حمل على نصف نفسه لا غير.
مسألة 85 : يجوز للأب والجد للأب وإن علا التصرف في مال الصغير بالبيع والشراء والإجارة وغيرها ، وكل منهما مستقل في الولاية فلا يعتبر الإذن من الآخر ، كما لا تعتبر العدالة في ولايتهما ، ولا أن تكون مصلحة في تصرفهما ، بل يكفي عدم المفسدة فيه نعم إذا دار الأمر بين الصالح والأصلح لزم اختيار الثاني إذا عد اختيار الأول ـ في النظر العقلائي ـ تفريطا من الولي في مصلحة الصغير ، كما لو اضطر إلى بيع مال الصغير ، وأمكن بيعه بأكثر من قيمة المثل ، فلا يجوز له البيع بقيمة المثل ، وكذا لو دار الأمر بين بيعه بزيادة درهم عن قيمة المثل ، وزيادة درهمين ، لاختلاف الأماكن أو الدلالين ، أونحو ذلك لم يجز البيع بالأقل ، وإن كانت فيه مصلحة إذا عد ذلك تساهلا عرفا في مال الصغير ، والمدار في كون التصرف مشتملا على المصلحة أو عدم المفسدة على كونه كذلك في نظر العقلاء ، لا بالنظر إلى علم الغيب فلو تصرف الولي باعتقاد المصلحة فتبين أنه ليس كذلك في نظر العقلاء بطل التصرف ، ولو تبين أنه ليس كذلك بالنظر إلى علم الغيب صح ، إذا كانت فيه مصلحة بنظر العقلاء.
مسألة 86 : يجوز للأب والجد التصرف في نفس الصغير بإجارته لعمل ما أو جعله عاملا في المعامل ، وكذلك في سائر شؤونه مثل تزويجه نعم
ليس لهما طلاق زوجته ، وهل لهما فسخ نكاحه عند حصول المسوغ للفسخ ، وهبة المدة في عقد المتعة وجهان ، والثبوت أقرب. ويشترط في نفوذ تصرفهما في نفس الصغير خلوه عن المفسدة وتقديم الأصلح عند دوران الأمر بينه وبين الصالح على نحو ما تقدم في تصرفهما في ماله.
مسألة 87 : إذا أوصى الأب أو الجد إلى شخص بالولاية بعد موته على القاصرين نفذت الوصية ، وصار الموصى إليه وليا عليهم بمنزلة الموصي تنفذ تصرفاته مع الغبطة والمصلحة في جميع ما يتعلق بهم مما كان للموصي الولاية فيه ـ على كلام في تزويجهم يأتي في محله ـ إلا أن يعين تولي جهة خاصة وتصرفا مخصوصا فيقتصر عليه ، ويشترط في الوصي الرشد والوثاقة ، ولا تشترط فيه العدالة على الأقوى. كما يشترط في صحة الوصية فقد الآخر ، فلا تصح وصية الأب بالولاية على الطفل مع وجود الجد ، ولا وصية الجد بالولاية على حفيده مع وجود الأب ، ولو أوصى أحدهما بالولاية على الطفل ، بعد فقد الآخر لا في حال وجوده ، ففي صحتها إشكال.
مسألة 88 : ليس لغير الأب والجد للأب والوصي لأحدهما ولاية على الصغير ، ولو كان عماً أوأما أو جداً للأم أو أخاً كبيراً ، فلو تصرف أحد هؤلاء في مال الصغير ، أو في نفسه ، أو سائر شؤونه لم يصح ، وتوقف على إجازة الولي.
مسألة 89 : إذا فقد الأب والجد والوصي لأحدهما يكون للحاكم الشرعي ـ وهو المجتهد العادل ـ ولاية التصرف في أموال الصغار مشروطا بالغبطة والصلاح ، بل الأحوط له الاقتصار على ما إذا كان في تركه الضرر والفساد ، كما لو خيف على ماله التلف مثلا فيبيعه لئلا يتلف ، ومع فقد الحاكم أو تعذر الرجوع إليه فالولاية لعدول المؤمنين مشروطاً بما تقدم ، ولو تعذر وجود العادل لم يبعد ثبوت الولاية لسائر المؤمنين. ولو اتفق احتياج
المكلف إلى دخول دار الأيتام والجلوس على فراشهم ، والأكل من طعامهم ، وتعذر الاستئذان من وليهم لم يبعد جواز ذلك ، إذا عوضهم عن ذلك بالقيمة ، ولم يكن فيه ضرر عليهم وإن كان الأحوط استحباباً تركه ، وأذا كان التصرف مصلحة لهم جاز من دون حاجة إلى عوض. والله سبحانه العالم.
الفصل الثالث
شروط العوضين
يشترط في المبيع أن يكون عينا ، سواء أكان موجودا في الخارج أم في الذمة ، وسواء أكانت الذمة ذمة البائع أم غيره ، كما إذا كان له مال في ذمة غيره فباعه لشخص ثالث ، فلا يجوز بيع المنفعة ، كمنفعة الدار ، ولا بيع العمل كخياطة الثوب ولا بيع الحق كحق التحجير ـ على إشكال فيه أحوطه ذلك ـ ، وأما الثمن فيجوز أن يكون عينا أو منفعة أو عملا أو حقا كما سيأتي.
مسألة 90 : المشهور على اعتبار أن يكون المبيع والثمن مالا يتنافس فيه العقلاء ، فكل ما لا يكون مالا كبعض الحشرات لا يجوز بيعه ، ولا جعله ثمنا ، ولكن هذا لا يخلو عن إشكال وإن كان هو الأحوط.
مسألة 91 : إذا كان الحق قابلا للنقل والانتقال كحق التحجير جاز جعله ثمنا على الأظهر ، كما يجوز جعل متعلقه بما هو كذلك ثمنا ، ويجوز جعل شيء بإزاء رفع اليد عن الحق ، حتى فيما إذا لم يكن قابلا للنقل والانتقال ، وكان قابلا للإسقاط ، كما يجوز جعل الإسقاط ثمنا ، بأن يملك البائع عليه فعل الإسقاط فيجب عليه الإسقاط بعد البيع.
مسألة 92 : يشترط في كل من العوضين أن يكون معلوما مقداره المتعارف تقديره به عند البيع من كيل أو وزن أو عد أو مساحة ، فلا تكفي المشاهدة في مثله ، ولا تقديره بغير المتعارف فيه عند البيع كبيع المكيل بالوزن أو بالعكس وكبيع المعدود بالوزن أو بالكيل أو بالعكس ، نعم لا بأس بجعل الكيل وسيلة لاستعلام الوزن أو العدد ونحو ذلك ، كأن يجعل كيل
يحوي كيلو غراما من السكر مثلا فيباع السكر به ، وأذا كان الشيء مما يباع في حال بالمشاهدة ، وفي حال أخرى بالوزن أو الكيل ، كالثمر يباع على الشجر بالمشاهدة وفي المخازن بالوزن ، والحطب محمولا على الدابة بالمشاهدة وفي المخزن بالوزن ، واللبن المخيض يباع في السقاء بالمشاهدة وفي المخازن بالكيل فصحة بيعه مقدراً أو مشاهداً تابعة للمتعارف.
مسألة 93 : يكفي في معرفة التقدير إخبار البائع بالقدر ، كيلاً أو وزناً ، أو عداً ، ولا فرق بين عدالة البائع وفسقه ، والأحوط وجوباً اعتبار حصول اطمئنان المشتري بإخباره ، ولو تبين الخلاف بالنقيصة كان المشتري بالخيار في الفسخ والإمضاء ، فإن فسخ يرد تمام الثمن وإن أمضاه ينقص من الثمن بحسابه ، وإن تبين الزيادة كانت الزيادة للبائع وكان المشتري بالخيار بين الفسخ والإمضاء بتمام الثمن.
مسألة 94 : لابد في مثل القماش والأرض ونحوهما ـ مما يكون تقديره بالمساحة دخيلاً في زيادة القيمة ـ معرفة مقداره ، ولا يكتفى في بيعه بالمشاهدة إلا إذا تعارف بيعه بها كما في بيع بعض الدور والفرش ونحوهما.
مسألة 95 : إذا اختلفت البلدان في تقدير شيء ، بأن كان موزوناً في بلد ، ومعدوداً في آخر ، ومكيلاً في ثالث ، فالظاهر أن المدار في التقدير بلد المعاملة.
مسألة 96 : قد يؤخذ الوزن شرطاً في المكيل أو المعدود ، أو الكيل شرطاً في الموزون ، مثل أن يبيعه عشرة أمنان من الدبس ، بشرط أن يكون كيلها صاعاً ، فيتبين أن كيلها أكثر من ذلك لرقة الدبس ، أو يبيعه عشرة أذرع من قماش ، بشرط أن يكون وزنها ألف مثقال ، فيتبين أن وزنها تسعمائة ، لعدم إحكام النسج ، أو يبيعه عشرة أذرع من الكتان ، بشرط أن يكون وزنه مائة مثقال ، فيتبين أن وزنه مائتا مثقال لغلظة خيوطه ونحو ذلك مما كان
التقدير فيه ملحوظاً صفة كمال للمبيع لا مقوماً له ، والحكم أنه مع التخلف بالزيادة أو النقيصة يكون الخيار للمشتري ، لتخلف الوصف ، فإن أمضى العقد كان عليه تمام الثمن ، والزيادة إن كانت فهي له.
مسألة 97 : يشترط معرفة جنس العوضين وصفاتهما التي تختلف القيمة باختلافها ، كالألوان والطعوم والجودة والرداءة والرقة والغلظة والثقل والخفة ونحو ذلك ، مما يوجب اختلاف القيمة ، أما ما لا يوجب اختلاف القيمة منها فلا تجب معرفته ، وإن كان مرغوباً عند قوم ، وغير مرغوب عند آخرين ، والمعرفة أما بالمشاهدة ، أو بتوصيف البائع ، أو بالرؤية السابقة.
مسألة 98 : يشترط أن يكون كل واحد من العوضين ملكاً ، مثل أكثر البيوع الواقعة بين الناس ، أو ما هو بمنزلته ، كبيع الكلي في الذمة فلا يجوز بيع ما ليس كذلك ، مثل بيع السمك في الماء والطير في الهواء ، وشجر البيداء قبل أن يصطاد أو يحاز ، ولا فرق في ما يكون ملكا بين أن يكون ملكا لشخص أو لجهة فيصح بيع ولي الزكاة بعض أعيان الزكاة وشراؤه العلف لها.
مسألة 99 : يشترط أن يكون كل من العوضين طلقاً ، بأن لا يتعلق به لأحد حق يقتضي بقاء متعلقه في ملكية مالكه ، والضابط فوت الحق بانتقاله إلى غيره ، ومن هذا القبيل حق الرهانة على الأظهر ، فلا يجوز بيع العين المرهونة إلا إذا أذن المرتهن أو أجاز أو فك الرهن فإنه يصح بيعها حينئذ.
مسألة 100 : لا يجوز بيع الوقف إلا في موارد :
منها : أن يخرب بحيث لا يمكن الانتفاع به في جهة الوقف مع بقاء عينه ، كالحيوان المذبوح ، والجذع البالي ، والحصير المخرق.
ومنها : أن يخرب على نحو يسقط عن الانتفاع المعتد به ، مع كونه ذا منفعة يسيرة ملحقة بالمعدوم عرفا.
ومنها : ما إذا اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر ، من قلة المنفعة أو
كثرة الخراج ، أو كون بيعه أنفع ، أو وقوع خلاف بين الموقوف عليهم أو احتياجهم إلى عوضه ، أونحو ذلك.
ومنها : ما إذا طرأ ما يستوجب أن يؤدي بقاؤه إلى الخراب المسقط له عن المنفعة المعتد بها عرفا ، واللازم حينئذ تأخير البيع إلى آخر أزمنة إمكان البقاء.
مسألة 101 : إذا وقع الاختلاف الشديد بين الموقوف عليهم بحيث لا يؤمن من تلف النفوس والأموال ففي صحة بيع الوقف حينئذ إشكال فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه.
مسألة 102 : ما ذكرناه من جواز البيع في الصور المذكورة لا يجري في المساجد ، فإنها لا يجوز بيعها على كل حال. نعم يجري في مثل الخانات الموقوفة للمسافرين ، وكتب العلم والمدارس والرباطات الموقوفة على الجهات الخاصة.
مسألة 103 : إذا جاز بيع الوقف فإن كان له متول خاص قد عهد إليه الواقف بجميع شؤونه فله بيعه من دون حاجة إلى إجازة غيره ، والا فاللازم ـ مطلقا على الأحوط ـ مراجعة الحاكم الشرعي والاستئذان منه في البيع.
وإذا بيع الوقف لطرو الخراب عليه أو ترقب طروه فالأحوط لزوماً أن يشتري بثمنه ملك ويوقف على نهج وقف الأول ـ بل الأحوط أن يكون الوقف الجديد معنوناً بعنوان الوقف الأول مع الإمكان والا فيما هو أقرب إليه فالأقرب ـ نعم لو خرب بعض الوقف جاز بيع ذلك البعض وصرف ثمنه في مصلحة المقدار العامر إن أمكن والا ففي وقف آخر إذا كان موقوفاً على نهج وقف الخراب ، وأذا خرب الوقف ولم يمكن الانتفاع به في الجهة الموقوف عليها وأمكن بيع بعضه وتعمير الباقي بثمنه فالأحوط الاقتصار على بيع بعضه فيعمر الباقي بثمنه.
مسألة 104 : لا يجوز بيع رقبة الأرض الخراجية. وهي : الأرض المفتوحة عنوة العامرة ـ لا بالأصالة ـ حين الفتح ، فإنها ملك للمسلمين من وجد ومن يوجد 0 ولا فرق بين أن تكون فيها آثار مملوكة للبائع من بناء أو شجر أو غيرهما ، وإن لا تكون. بل الظاهر عدم جواز التصرف فيها إلا بإذن الحاكم الشرعي ، ولو ماتت فلا يبعد بقاؤها على ملك المسلمين وعدم تملكها بالإحياء ، وأما الأرض العامرة بالأصالة حين الفتح فهي ملك للإمامعليهالسلام ، وأذا حازها أحد كان أولى بها من غيره ما لم يمنع عنه مانع شرعي وأذا كان مؤمنا لم يجب عليه دفع عوض إزاء ذلك ، وكذا الأرض الميتة في زمان الفتح فإنها ملك للإمامعليهالسلام ، وأذا أحياها أحد كان أحق بها من غيره ـ لولا طرو عنوان ثانوي يقتضي خلافه ـ مسلماً كان المحيي أو كافراً ، وليس عليه دفع الخراج وأجرة الأرض إذا كان مؤمناً ، وأذا تركها لمنع ظالم ونحوه حتى ماتت فهو على أحقيته بها ، ولكنه إذا ترك زرعها وأهملها ولم ينتفع بها بوجه ، جاز لغيره زرعها ، فيكون أحق بها منه وإن كان الأحوط استحباباً عدم زرعها بلا إذن من الأول إذا عرفه أو تمكن من معرفته ، إلا إذا علم أنه قد أعرض عنها ، وأذا أحياها السلطان المدعي للخلافة على أن تكون للمسلمين لحقها حكم الأرض الخراجية.
مسألة 105 : في تعيين أرض الخراج إشكال ، وقد ذكر العلماء والمؤرخون مواضع كثيرة منها. وأذا شك في أرض أنها كانت ميتة أو عامرة ـ حين الفتح ـ تحمل على أنها كانت ميتة ، فيجوز إحياؤها وحيازتها إن كانت حية ، كما يجوز بيعها من حيث كونها متعلقة لحقه وكذا نحوه من التصرفات.
مسألة 106 : يشترط في كل من العوضين أن يكون مقدوراً على تسليمه فلا يصح بيع الجمل الشارد ، أو الخاتم الواقع في البحر مثلاً ولا فرق بين العلم بالحال والجهل بها ، نعم لو كان من انتقل إليه قادراً على تسلمه
وإن لم يكن من انتقل عنه قادراً على تسليمه فالظاهر صحة المعاملة كما لو باع العين المغصوبة وكان المشتري قادرا على أخذها من الغاصب فإنه يصح البيع ، كما يصح بيعها على الغاصب أيضاً وإن كان البائع لا يقدر على أخذها منه ثم دفعها إليه ، وأذا كان المبيع مما لا يستحق المشتري أخذه ، كما لو باع من ينعتق على المشتري صح ، وإن لم يقدر على تسليمه.
مسألة 107 : لو قطع بالقدرة على التسليم فباع فانكشف الخلاف بطل ، ولو قطع بالعجز عنه فانكشف الخلاف فالظاهر الصحة.
مسألة 108 : لو انتفت القدرة على التسليم في زمان استحقاقه ، لكن علم بحصولها بعده ، فإن كانت المدة يسيرة صح ، وأذا كانت طويلة لا يتسامح بها ، فإن كانت مضبوطة كسنة أو أكثر فالظاهر الصحة مع علم المشتري بها وكذا مع جهله بها ، لكن يثبت الخيار للمشتري ، وهكذا الحال ـ على الأقرب ـ فيما لو كانت المدة غير مضبوطة كما لو باعه دابة غائبة يعلم بحضورها لكن لا يعلم زمانه.
مسألة 109 : إذا كان العاقد هو المالك فالاعتبار بقدرته ، وإن كان وكيلاً في إجراء الصيغة فقط فالاعتبار بقدرة المالك ، وإن كان وكيلاً في المعاملة كعامل المضاربة ، فالاعتبار بقدرته أوقدرة المالك فيكفي قدرة أحدهما على التسليم في صحة المعاملة ، فإذا لم يقدرا بطل البيع.
مسألة 110 : يجوز بيع غير المقدور تسليمه مع الضميمة ، إذا كانت ذات قيمة معتد بها.
الفصل الرابع
الخيارات
الخيار حق يقتضي السلطنة على فسخ العقد برفع مضمونه وهو أقسام :
أي مجلس البيع فإنه إذا وقع البيع كان لكل من البائع والمشتري الخيار في المجلس ما لم يفترقا ، فإذا افترقا ـ عرفا ـ لزم البيع وإنتفى الخيار ولو كان المباشر للعقد الوكيلان في إجراء الصيغة لم يكن الخيار لهما بل لموكليهما بشرط اجتماعهما في مجلس العقد أو في مجلس آخر للمبايعة ، وأما مع عدم اجتماعهما فلا خيار لهما أيضا ، فليس لهما توكيل الوكيلين في الفسخ بعد أن لم يكن لهما حق في ذلك. وهكذا الحال لو اجتمع الوكيل في إجراء الصيغة ـ من دون حضور موكله ـ مع المالك ـ مثلاً ـ في الطرف الآخر فإنه لا يثبت الخيار لأي من الطرفين ، ولو تصدى العقد الوكيل المفوض من قبل المالك في تمام المعاملة وشؤونها ثبت الخيار له دون الموكل وإن كان حاضراً في مجلس العقد ، والمدار على اجتماع المتبايعين وأفتراقهما سواء أكانا هما المالكين أم غيرهما ، ولو فارقا المجلس مصطحبين بقي الخيار لهما حتى يفترقا ، ولو تصدى البيع شخص واحد وكالة عن المالكين أو ولاية عليهما ففي ثبوت الخيار إشكال بل الأظهر العدم.
مسألة 111 : هذا الخيار يختص بالبيع ولا يجري في غيره من المعاوضات.
مسألة 112 : يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في العقد ، كما يسقط
بإسقاطه بعد العقد.
كل من اشترى حيواناً ثبت له الخيار ثلاثة أيام مبدؤها زمان العقد ، وأذا كان العقد في أثناء النهار لفق المنكسر من اليوم الرابع ، والليلتان المتوسطتان داخلتان في مدة الخيار ، وكذا الليلة الثالثة في صورة تلفيق المنكسر ، وأذا لم يفترق المتبايعان حتى مضت ثلاثة أيام سقط خيار الحيوان ، وبقي خيار المجلس للبائع دون المشتري على الأقوى.
مسألة 113 : يسقط هذا الخيار باشتراط سقوطه في متن العقد ، كما يسقط بإسقاطه بعده ، وبالتصرف في الحيوان تصرفاً يدل على إمضاء العقد وأختيار عدم الفسخ ، أو تصرفاً مغيراً له أما حقيقة ـ كنعلها أو أخذ حافرها أو جز صوفها ـ أو حكماً كتقبيل الجارية المشتراة أو لمسها.
مسألة 114 : يثبت هذا الخيار للبائع أيضاً ، إذا كان الثمن حيواناً.
مسألة 115 : يختص هذا الخيار أيضاً بالبيع ، ولا يثبت في غيره من المعاوضات.
مسألة 116 : إذا تلف الحيوان قبل القبض أو بعده في مدة الخيار كان تلفه من مال البائع فيبطل البيع ، ويرجع المشتري عليه بالثمن إذا كان قد دفعه إليه.
مسألة 117 : إذا طرأ عيب في الحيوان من غير تفريط من المشتري لم يمنع من الفسخ والرد ، وإن كان بتفريط منه سقط خياره.
والمراد به : الخيار المجعول باشتراطه في العقد ، إما لكل من المتعاقدين أو لأحدهما بعينه ، أو لأجنبي.
مسألة 118 : لا يتقدر هذا الخيار بمدة معينة ، بل يجوز اشتراطه في
أي مدة كانت قصيرة أو طويلة ، متصلة أو منفصلة عن العقد ، نعم لابد من تعيين مبدأها وتقديرها بقدر معين ، ولو ما دام العمر ، فلا يجوز جعل الخيار مهملاً من حيث المدة ابتداءً وإنتهاءً والا بطل الشرط وصح العقد ، وأما جعله محدوداً بحد معين في الواقع مجهول عند المتعاقدين أو أحدهما ففي صحته وصحة العقد معه إشكال.
مسألة 119 : إذا جعل الخيار شهراً كان الظاهر منه المتصل بالعقد وكذا الحكم في غير الشهر من السنة أو الأسبوع أو نحوهما ، وأذا جعل الخيار شهراً مردداً بين الشهور من غير تعين له في الواقع فالظاهر بطلان الشرط وصحة العقد.
مسألة 120 : لا يجوز اشتراط الخيار في الإيقاعات ، كالطلاق والإبراء ، ولا في العقود الجائزة ، كالوديعة والعارية ، ويجوز اشتراطه في العقود اللازمة عدا النكاح ، وفي جواز اشتراطه في الصدقة وفي الهبة اللازمة وفي الضمان إشكال ، وإن كان الأظهر الجواز في الثاني.
مسألة 121 : يجوز اشتراط الخيار للبائع في مدة معينة متصلة بالعقد ، أو منفصلة عنه ، على نحو يكون له الخيار في حال رد الثمن بنفسه مع وجوده أو ببدله مع تلفه كأن يبيع الدار التي قيمتها مائة ألف دينار بثلاثين ألف دينار ويشترط لنفسه الخيار لو أرجع الثمن في المدة المحددة إلى المشتري ، ويسمى هذا بـ ( بيع الخيار ) وإنما يصح لو كان الطرفان قاصدين للبيع والشراء حقيقة ، فإذا مضت مدة الخيار لزم البيع وسقط الخيار وأمتنع الفسخ ، وأذا فسخ في المدة من دون رد الثمن أو بدله مع تلفه لا يصح الفسخ ، وكذا لو فسخ قبل المدة فلا يصح الفسخ إلا في المدة المعينة ، في حال رد الثمن أو رد بدله مع تلفه ، ثم إن الفسخ أما أن يكون بإنشاء مستقل في حال الرد ، مثل فسخت ونحوه ، أو يكون بنفس الرد ، على أن يكون إنشاء الفسخ بالفعل وهو
الرد ، لا بقوله ( فسخت ) ونحوه.
مسألة 122 : المراد من رد الثمن إحضاره عند المشتري وتمكينه منه ، فلو أحضره كذلك جاز له الفسخ وإن امتنع المشتري من قبضه.
مسألة 123 : الظاهر أنه يجوز اشتراط الفسخ في تمام المبيع برد بعض الثمن ، كما يجوز اشتراط الفسخ في بعض المبيع بذلك.
مسألة 124 : إذا تعذر تمكين المشتري من الثمن لغيبة ، أو جنون ، أو نحوهما مما يرجع إلى قصور فيه فالظاهر أنه يكفي في صحة الفسخ تمكين وليه ، ولو كان الحاكم الشرعي أو وكيله ، فإذا مكنه من الثمن جاز له الفسخ ، هذا إذا جعل الخيار للبائع مشروطاً برد الثمن أو بدله إلى المشتري وأطلق ، وأما لو اشترط الرد إلى المشتري نفسه وأيصاله بيده فلا يتعدى منه إلى غيره.
مسألة 125 : نماء المبيع من زمان العقد إلى زمان الفسخ للمشتري ، كما أن نماء الثمن للبائع.
مسألة 126 : لا يجوز للمشتري فيما بين العقد إلى انتهاء مدة الخيار التصرف الناقل للمبيع من هبة أو بيع أو نحوهما ولو تصرف كذلك صح وإن كان آثماً ، وكذا لا يجوز له التصرف المتلف فيه ، ولو تلف كان ضمانه على المشتري ، ولا يسقط بذلك كله خيار البائع ، إلا إذا كان المقصود من الخيار المشروط خصوص الخيار في حال وجود العين بحيث يكون الفسخ موجباً لرجوعها لنفسها إلى البائع ، لكن الغالب الأول.
مسألة 127 : إذا كان الثمن المشروط رده ديناً في ذمة البائع كما إذا كان للمشتري دين في ذمة البائع فباعه بذلك الدين ، وأشترط الخيار مشروطاً برده بكون رده بإعطاء فرد منه وإن برأت ذمة البائع عما كان عليها بجعله ثمناً ، وأذا كان الثمن عيناً في يد البائع فالظاهر عدم ثبوت الخيار إلا في حال دفعها بعينها إلى المشتري ، نعم لو صرحا في شرطهما برد ما يعم بدلها مع عدم
التمكن من رد العين أو كان ذلك مقتضى الإطلاق ـ كما إذا كان الثمن مما انحصر الانتفاع المتعارف منه بصرفه لا ببقائه كالنقود ـ كفى رد البدل أيضاً. وأذا كان الثمن كلياً في ذمة المشتري فدفع منه فرداً إلى البائع بعد وقوع البيع فالظاهر كفاية رد فرد آخر في صحة الفسخ ، إلا إذا صرح باشتراط كون المردود عين ذلك الفرد المقبوض.
مسألة 128 : لو اشترى الولي شيئاً للمولى عليه ببيع الخيار ، فارتفع حجره ـ قبل انقضاء المدة ـ كان الفسخ مشروطاً برد الثمن إليه ، ولا يكفي الرد إلى وليه ، ولو اشترى أحد الوليين كالأب ببيع الخيار جاز الفسخ بالرد إلى الولي الآخر كالجد ، إلا أن يكون المشروط الرد إلى خصوص الولي المباشر للشراء.
مسألة 129 : إذا مات البائع ـ قبل إعمال الخيار ـ انتقل الخيار إلى ورثته ، فلهم الفسخ بردهم الثمن إلى المشتري ، ويشتركون في المبيع على حساب سهامهم ، ولو امتنع بعضهم عن الفسخ لم يصح للبعض الآخر الفسخ ، لا في تمام المبيع ولا في بعضه ، ولو مات المشتري كان للبائع الفسخ برد الثمن إلى ورثته ، نعم لو جعل الشرط رد الثمن إلى المشتري بشخصه فالظاهر عدم قيام ورثته مقامه فيسقط هذا الخيار بموته.
مسألة 130 : يجوز اشتراط الخيار في الفسخ للمشتري برد المبيع إلى البائع ، والظاهر منه رد نفس العين ، فلا يكفي رد البدل حتى مع تلفها إلا أن تقوم قرينة على إرادة ما يعم رد البدل عند التلف ، كما يجوز أيضاً اشتراط الخيار لكل منهما عند رد ما انتقل إليه بنفسه أو ببدله عند تلفه.
مسألة 131 : لا يجوز اشتراط الخيار في الفسخ برد البدل مع وجود العين ، بلا فرق بين رد الثمن ورد المثمن ، وفي جواز اشتراطه برد القيمة في المثلي ، أو المثل في القيمي مع التلف إشكال ، وإن كان الأظهر أيضاً
العدم.
مسألة 132 : يسقط هذا الخيار ، بانقضاء المدة المجعولة له ، مع عدم الرد وبإسقاطه بعد العقد.
إذا باع بأقل من قيمة المثل ، ثبت له الخيار ، وكذا إذا اشترى بأكثر من قيمة المثل ، وتعتبر الأقلية والأكثرية مع ملاحظة ما انضم إليه من الشرط ، ولا يثبت هذا الخيار للمغبون ، إذا كان عالما بالحال أو مقدما على المعاملة من غير اكتراث بأن لا يكون ما انتقل إليه أقل قيمة مما انتقل عنه.
مسألة 133 : يشترط في ثبوت الخيار المغبون أن يكون التفاوت موجباً للغبن عرفاً ، بأن يكون مقداراً لا يتسامح به عند غالب الناس فلو كان جزئياً غير معتد به لقلته لم يوجب الخيار ، وحده بعضهم بالثلث وأخر بالربع وثالث بالخمس ، ولا يبعد اختلاف المعاملات في ذلك فالمعاملات التجارية المبنية على المماكسة الشديدة يكفي في صدق الغبن فيها العشر بل نصف العشر وأما المعاملات العادية ـ ولا سيما الأشياء اليسيرة ـ فقد لا يكفي فيها ذلك والمدار على ما عرفت من عدم المسامحة الغالبية.
مسألة 134 : الظاهر كون الخيار المذكور ثابتاً من حين العقد لا من حين ظهور الغبن فلو فسخ قبل ظهور الغبن صح فسخه مع ثبوت الغبن واقعاً.
مسألة 135 : ثبوت هذا الخيار إنما هو بمناط الشرط الارتكازي في العرف العام ، فلو فرض كون المرتكز في عرف خاص ـ في بعض أنحاء المعاملات أو مطلقا ـ هو اشتراط حق استرداد ما به التفاوت وعلى تقدير عدمه ثبوت الخيار يكون هذا المرتكز الخاص هو المتبع في مورده ، وأما في غيره فالمتبع هو المرتكز العام من ثبوت حق الفسخ ابتداءً فليس للمغبون
مطالبة الغابن بالتفاوت وترك الفسخ ، ولو بذل له الغابن التفاوت لم يجب عليه القبول بل يتخير بين فسخ البيع من أصله وأمضائه بتمام الثمن المسمى ، نعم لو تصالحا على إسقاط الخيار بمال صح الصلح وسقط الخيار ووجب على الغابن دفع عوض المصالحة.
مسألة 136 : يسقط الخيار المذكور بأمور :
الأول : إسقاطه بعد العقد وإن كان قبل ظهور الغبن ، ولو أسقطه بزعم كون التفاوت فاحشاً فتبين كونه أفحش ، فإن كان الإسقاط معلقاً ـ لباً ـ على كون التفاوت فاحشاً كما لعله الغالب بطل الإسقاط ، وإن لم يكن معلقاً عليه بل كان هو من قبيل الداعي له صح ، وكذا الحال لو صالحه عليه بمال.
الثاني : اشتراط سقوطه في متن العقد ، وأذا اشترط سقوطه بزعم كونه فاحشاً فتبين أنه أفحش جرى فيه التفصيل السابق.
الثالث : تصرف المغبون ـ بائعاً كان أو مشترياً فيما انتقل إليه ـ تصرفاً يدل على الالتزام بالعقد ، هذا إذا كان بعد العلم بالغبن ، أما لو كان قبله فالمشهور عدم السقوط به ولا يخلو من تأمل ، بل البناء على السقوط به ـ لو كان دالاً على الالتزام بالعقد ـ لا يخلو من وجه ، نعم إذا لم يدل على ذلك كما هو الغالب في التصرف حال الجهل بالغبن فلا يسقط الخيار به ولو كان متلفاً للعين أو مخرجاً لها عن الملك أو مانعاً عن الاسترداد كاستيلاد الجارية.
مسألة 137 : إذا ظهر الغبن للبائع المغبون ففسخ البيع فإن كان المبيع موجوداً عند المشتري استرده منه ، وإن كان تالفاً بفعله أو بغير فعله رجع بمثله ، إن كان مثلياً ، وبقيمته إن كان قيمياً ، وإن وجده معيباً بفعله أو بغير فعله أخذه مع أرش العيب ، وإن وجده خارجاً عن ملك المشتري بأن نقله إلى غيره بعقد لازم كالبيع والهبة المعوضة أو لذي الرحم ، فالظاهر أنه
بحكم التالف فيرجع عليه بالمثل أو القيمة وليس له إلزام المشتري بإرجاع العين بشرائها أو استيهابها ، بل لا يبعد ذلك لو نقلها بعقد جائز كالهبة والبيع بخيار فلا يجب عليه الفسخ وأرجاع العين ، بل لو اتفق رجوع العين إليه بإقالة أو شراء أو ميراث أو غير ذلك بعد دفع البدل من المثل أو القيمة لم يجب عليه دفعها إلى المغبون ، نعم لو كان رجوع العين إليه قبل دفع البدل وجب إرجاعها إليه وأولى منه في ذلك لو كان رجوعها إليه قبل فسخ المغبون ، بلا فرق بين أن يكون الرجوع بفسخ العقد السابق وإن يكون بعقد جديد ، فإنه يجب عليه دفع العين نفسها إلى الفاسخ المغبون ولا يجتزي بدفع البدل من المثل أو القيمة ، وأذا كانت العين باقية عند المشتري حين فسخ البائع المغبون لكنه قد نقل منفعتها إلى غيره بعقد لازم كالإجارة اللازمة أو جائز كالإجارة المشروط فيها الخيار لم يجب عليه الفسخ أو الاستقالة مع إمكانها ، بل يدفع العين وأرش النقصان الحاصل بكون العين مسلوبة المنفعة مدة الإجارة.
مسألة 138 : إذ فسخ البائع المغبون وكان المشتري قد تصرف في المبيع تصرفاً مغيراً له فإما أن يكون بالنقيصة أو بالزيادة أو بالامتزاج بغيره فإن كان بالنقيصة أخذ البائع من المشتري المبيع وبدل التالف بالإضافة إلى أرش النقيصة الحاصلة من زوال الهيئة الاجتماعية إذا كان لها دخل في زيادة القيمة وكان التالف قيمياً أو مثلياً متعذراً بحيث لا يتدارك تمام النقص بدفع قيمة التالف فقط. وإن كان بالزيادة فإما أن تكون الزيادة صفة محضة كطحن الحنطة وصياغة الفضة وقصارة الثوب ، وأما أن تكون صفة مشوبة بالعين كصبغ الثوب ، وأما أن تكون عيناً غير قابلة للفصل كسمن الحيوان ونمو الشجرة أو قابلة للفصل كالثمرة والبناء والغرس والزرع. فإن كانت صفة محضة أو صفة مشوبة بالعين ، فإن لم توجب زيادة قيمة العين فالمبيع للبائع
ولا شيء للمشتري ، والا فالأقوى شركة الغابن مع المغبون في المالية الثابتة للمبيع بلحاظ تلك الصفة الكمالية بلا فرق في ذلك بين أن يكون وجود تلك الصفة بفعل الغابن أولا ، كما إذا اشترى منه عصا عوجاء فاعتدلت ، أو خلا قليل الحموضة فزادت حموضة ، وهكذا الحال فيما إذا كانت الزيادة عينية غير قابلة للانفصال كسمن الحيوان ونمو الشجرة. وأما ان كانت قابلة للانفصال كالصوف واللبن والشعر والثمر والبناء والزرع كانت الزيادة للمشتري ، وحينئذ فإن لم يلزم من فصل الزيادة حال الفسخ ضرر على المشتري كان للبائع إلزام المشتري بفصلها حينه كاللبن والثمر ، بل له ذلك وإن لزم الضرر على المشتري من فصلها ولكن يحتمل حينئذ أن يكون ضامناً للضرر الوارد على المشتري خصوصاً فيما إذا كان ـ أي المشتري ـ جاهلاً بالغبن فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط في ذلك ، وأذا أراد المشتري فصل الزيادة فليس للبائع منعه عنه ، وأذا أراد المشتري فصلها بقلع الشجرة أو الزرع أو هدم البناء فحدث من ذلك نقص على الأرض تداركه ، فعليه طم الحفر وتسوية الأرض ونحو ذلك ، وإن كان بالامتزاج فإن كان بغير جنسه وعد المبيع مستهلكاً فيه عرفاً كامتزاج ماء الورد المبيع بالماء ضمنه المشتري ببدله من المثل أو القيمة ، والا فإن عد الموجود طبيعة ثالثة للتفاعل بين الممتزجين مثلاً كالسكنجبين المصنوع من الخل والسكر ، فحكمه الشركة من المزيج بنسبة المالية. وإن لم يكن كذلك بأن عد الموجود خليطاً من موجودات متعددة لا يمكن إفراز بعضها عن بعض إلا بكلفة بالغة كمزج طن من حب الحنطة بطن من حب الشعير فلو فسخ البائع فليس له إلزام المشتري بالإفراز أو بدفع بدل ماله بل يتصالحان بوجه لا يستلزم الربا. وهكذا الحال في الامتزاج بالجنس إذا لم يعد الموجود شيئاً واحداً كخلط حب الحنطة بحب الحنطة سواءأكان الخلط بمثله أو كان بالأجود أو بالأردأ ، وأما إذا عد شيئاً
واحداً كخلط دقيق الحنطة بدقيق الحنطة أو خلط السمن بالسمن فلا يبعد في مثله الحكم بالشركة في العين بنسبة المالية.
مسألة 139 : إذا فسخ المشتري المغبون وكان قد تصرف في المبيع تصرفاً غير مسقط لخياره لجهله بالغبن على ما تقدم ، فتصرفه أيضاً تارة لا يكون مغيراً للعين وأخرى يكون مغيراً لها بالنقيصة أو الزيادة أو بالمزج. وتأتي فيه الصور المتقدمة وتجري عليه أحكامها ، وهكذا لو فسخ المشتري المغبون وكان البائع قد تصرف في الثمن أو فسخ البائع المغبون وكان هوقد تصرف في الثمن تصرفا غير مسقط لخياره فإن حكم تلف العين ونقل المنفعة ونقص العين وزيادتها ومزجها بغيرها وحكم سائر الصور التي ذكرناها هناك جار هنا على نهج واحد.
مسألة 140 : الظاهر اعتبار الفورية العرفية في خيار الغبن ، بمعنى عدم التأخير في الفسخ أزيد مما هو متعارف فيه حسب اختلاف الموارد ، فلو أخره لانتظار حضور الغابن أو حضور من يستشيره في الفسخ وعدمه ونحو ذلك فإن لم يعد عرفاً توانياً ومماطلة في أعمال الخيار لم يسقط خياره والا سقط ، والعبرة بالفورية من زمن حصول العلم بثبوت الغبن وثبوت الخيار للمغبون فلو كان جاهلاً بالغبن أو بثبوت الخيار للمغبون أو غافلاً عنه أو ناسياً له جاز له الفسخ متى علم أو التفت مع مراعاة الفورية العرفية.
مسألة 141 : إذا كان مغبوناً حين العقد بأن اشترى بأكثر من قيمة المثل أو باع بالأقل منها ثم ارتفع الغبن قبل أن يفسخ بأن نقصت القيمة أو زادت ففي بقاء خياره إشكال.
مسألة 142 : الظاهر ثبوت خيار الغبن في كل معاملة لا تبتني على السماح وأغتفار الزيادة والنقيصة كالإجارة ونحوها ، وأما غيرها كالصلح في موارد قطع النزاع والخصومات فلا يثبت فيها خيار الغبن.
مسألة 143 : إذا باع أو اشترى شيئين بثمنين صفقة واحدة أي بشرط الاجتماع وكان مغبوناً في أحدهما دون الآخر لم يكن له التبعيض في الفسخ بل عليه أما فسخ البيع بالنسبة إلى الجميع أو الرضا به كذلك.
مسألة 144 : إذا تلف ما في يد الغابن بفعله أو بأمر سماوي وكان قيمياً ففسخ المغبون رجع عليه بقيمة التالف ، وفي كونها قيمة زمان التلف أو زمان الفسخ أو زمان الأداء وجوه أقواها الأول ، ولو كان التلف بإتلاف المغبون لم يرجع عليه بشيء ، ولو كان بإتلاف أجنبي ففي رجوع المغبون بعد الفسخ على الغابن أو على الأجنبي أو يتخير في الرجوع على أحدهما وجوه أقواها الأول ، ويرجع الغابن على الأجنبي ، وكذا الحكم لو تلف ما في يد المغبون ففسخ بعد التلف فإنه إن كان التلف بفعل الغابن لم يرجع على المغبون بشيء ، وإن كان بآفة سماوية أو بفعل المغبون أو بفعل أجنبي رجع على المغبون بقيمة يوم التلف ورجع المغبون على الأجنبي إن كان هو المتلف وحكم تلف الوصف الموجب للأرش حكم تلف العين.
إطلاق العقد يقتضي أن يكون تسليم كل من العوضين فعلياً فلو امتنع أحد الطرفين عنه أجبر عليه فإن لم يسلم كان للطرف الآخر فسخ العقد بل لا يبعد جواز الفسخ عند الامتناع قبل الإجبار أيضاً ، ولا يختصر هذا الخيار بالبيع بل يجري في كل معاوضة ويختص البيع بخيار وهو المسمى بخيار التأخير ، ويتحقق فيما إذا باع سلعة ولم يقبض الثمن ولم يسلم المبيع حتى يجيء المشتري بالثمن فإنه يلزم البيع ثلاثة أيام فإن جاء المشتري بالثمن فهو أحق بالسلعة والا فللبائع فسخ البيع ، ولو تلفت السلعة كانت من مال البائع سواء أكان التلف في الثلاثة أم بعدها ، حال ثبوت الخيار وبعد سقوطه.
مسألة 145 : مورد هذا الحكم ما إذا أمهل البائع المشتري في تأخير تسليم الثمن من غير تعيين مدة الإمهال صريحاً أو ضمناً بمقتضى العرف والعادة ، وأما أن لم يمهله أصلاً فله حق فسخ العقد بمجرد تأخير المشتري في تسليم الثمن ، وإن أمهله مدة معينة أو اشترط المشتري عليه ذلك في ضمن العقد لم يكن له الفسخ خلالها سواء أكانت أقل من ثلاثة أيام أم أزيد ويجوز له بعدها.
مسألة 146 : إذا كان المبيع مما يتسرع إليه الفساد كبعض الخضر والبقول والفواكه فالإمهال فيه محدود طبعاً بأقل من ثلاثة أيام فيثبت الخيار للبائع بمضي زمانه ، فإذا فسخ جاز له أن يتصرف في المبيع كيف يشاء ، ويختص هذا الحكم بالمبيع الشخصي.
مسألة 147 : الظاهر أن قبض بعض الثمن كلا قبض ، وكذا قبض بعض المبيع.
مسألة 148 : المراد بالثلاثة الأيام : الأيام البيض وتدخل فيها الليلتان المتوسطتان دون غيرهما ويجزي في اليوم الواحد أن يكون ملفقاً من يومين كما تقدم في مدة خيار الحيوان.
مسألة 149 : لا إشكال في ثبوت الحكم المذكور فيما لو كان المبيع شخصياً ، وفي ثبوته فيما إذا كان كلياً في الذمة قولان ، لا يخلو أولهما عن رجحان ، وإن كان الأحوط عدم الفسخ بعد الثلاثة إلا برضى الطرفين.
مسألة 150 : يسقط هذا الخيار بإسقاطه بعد الثلاثة ، وفي سقوطه بإسقاطه قبلها ، وباشتراط سقوطه في ضمن العقد إشكال ، والأظهر السقوط ، والظاهر عدم سقوطه ببذل المشتري الثمن بعد الثلاثة قبل فسخ البائع ولا بمطالبة البائع للمشتري بالثمن ، نعم الظاهر سقوطه بأخذه الثمن منه بعنوان الجري على المعاملة لا بعنوان العارية أو الوديعة ، ويكفي ظهور الفعل في
ذلك ولو بواسطة بعض القرائن.
مسألة 151 : في كون هذا الخيار على الفور أو التراخي قولان ، أقواهما الثاني.
و يتحقق فيما إذا اعتقد المشتري وجدان العين الغائبة حين البيع لبعض الأوصاف ـ أما لإخبار البائع أو اعتماداً على رؤية سابقة ـ ثم ينكشف أنها غير واجدة لها ، فإن للمشتري الخيار بين الفسخ والإمضاء.
مسألة 152 : لا فرق في الوصف الذي كون تخلفه موجباً للخيار بين وصف الكمال الذي تزيد به المالية لعموم الرغبة فيه وغيره إذا اتفق تعلق غرض للمشتري به ، سواء أكان على خلاف الرغبة العامة مثل كون العبد أمياً لا كاتباً ولا قارئاً أم كان مرغوباً فيه عند قوم ومرغوباً عنه عند قوم آخرين ، مثل اشتراط كون القماش أصفر لا أسود.
مسألة 153 : الخيار هنا بين الفسخ والرد وبين ترك الفسخ وأمساك العين مجاناً ، وليس لذي الخيار المطالبة بالأرش لو ترك الفسخ ، كما أنه لا يسقط الخيار ببذل البائع الأرش ولا بإبدال العين بعين أخرى واجدة للوصف ، نعم لو كان للوصف المفقود دخل في الصحة توجه أخذ الأرش لكن لأجل العيب لا لأجل تخلف الوصف.
مسألة 154 : كما يثبت خيار الرؤية للمشتري عند تخلف الوصف في المبيع كذلك يثبت للبائع عند تخلف الوصف في الثمن الغائب حين البيع ، بأن اعتقد وجدانه للوصف أما لإخبار المشتري أو اعتماداً على رؤية سابقة ثم ينكشف أنه غير واجد له فإن له الخيار بين الفسخ والإمضاء ، وكذا يثبت الخيار للبائع الغائب حين البيع عند تخلف الوصف إذا باعه باعتقاد أنه على ما رآه سابقاً فتبين خلافه أو باعه بوصف غيره فانكشف خلافه.
مسألة 155 : الظاهر اعتبار الفورية العرفية في هذا الخيار.
مسألة 156 : يسقط هذا الخيار بإسقاطه بعد الرؤية بل قبلها ، وبالتصرف بعد الرؤية إذا كان دالاً على الالتزام بالعقد وكذا قبل الرؤية إذا كان كذلك ، وفي جواز اشتراط سقوطه في ضمن العقد وجهان ، أقواهما ذلك فيسقط به.
مسألة 157 : مورد هذا الخيار بيع العين الشخصية ولا يجري في بيع الكلي ، فلو باع كلياً موصوفاً ودفع إلى المشتري فرداً فاقداً للوصف لم يكن للمشتري الخيار وإنما له المطالبة بالفرد الواجد للوصف ، نعم لو كان المبيع كلياً في المعين كما لو باعه صاعاً من هذه الصبرة الجيدة فتبين الخلاف كان له الخيار.
وهو فيما لو اشترى شيئاً فوجد فيه عيباً فإن له الخيار بين الفسخ برد المعيب وأمضاء البيع ، فإن لم يمكن الرد جاز له الإمساك والمطالبة بالأرش ، ولا فرق في ذلك بين المشتري والبائع ، فلو وجد البائع عيباً في الثمن كان له الخيار المذكور.
مسألة 158 : يسقط هذا الخيار بالالتزام بالعقد ، بمعنى اختيار عدم الفسخ ، ومنه التصرف في المعيب تصرفاً يدل على اختيار عدم الفسخ.
مسألة 159 : تجوز المطالبة بالأرش دون الفسخ في موارد :
الأول : تلف العين.
الثاني : خروجها عن الملك ببيع أو هبة أونحو ذلك.
الثالث : التصرف الخارجي في العين الموجب لتغيير العين مثل تفصيل الثوب وصبغه وخياطته ونحوها.
الرابع : التصرف الاعتباري إذا كان كذلك مثل إجارة العين ورهنها.
الخامس : حدوث عيب فيه بعد قبضه من البائع ففي جميع هذه الموارد ليس له فسخ العقد برده نعم يثبت له الأرش إن طالبه.
نعم إذا كان حدوث عيب آخر في زمان خيار آخر للمشتري كخيار الحيوان مثلاً جاز رده.
مسألة 160 : يسقط الأرش فيما لو كان العيب لا يوجب نقصاً في المالية كالخصاء في العبيد إذا اتفق تعلق غرض نوعي به بحيث صارت قيمة الخصي تساوي قيمة الفحل ، وأذا اشترى ربوياً بجنسه فظهر عيب في أحدهما ، قيل لا أرش حذراً من الربا ، ولا يخلو عن وجه فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط في ذلك.
مسألة 161 : يسقط الرد والأرش بأمرين :
الأول : العلم بالعيب قبل العقد.
الثاني : تبرؤ البائع من العيوب بمعنى اشتراط عدم رجوع المشتري عليه بالثمن أو الأرش ، ولو تبرأ من عيب خاص فظهر فيه عيب آخر فللمشتري الفسخ به وأذا لم يتمكن من الرد أخذ الأرش على ما تقدم.
مسألة 162 : الظاهر اعتبار الفورية العرفية في هذا الخيار أيضاً بمعنى عدم التأخير في الفسخ أزيد مما يتعارف فيه حسب اختلاف الموارد ، ولا يعتبر في نفوذه حضور من عليه الخيار.
مسألة 163 : المراد من العيب ما كان على خلاف الجري الطبيعي أو الخلقة الأصلية سواء أكان نقصاً مثل العور والعمى والصمم والخرس والعرج ونحوها أم زيادة مثل الإصبع الزائد واليد الزائدة ، أما ما لم يكن على خلاف الجري الطبيعي والخلقة الأصلية لكنه كان عيباً أيضاً في العرف مثل كون الأرض مورداً لنزول العساكر ففي كونه عيباً بحيث يثبت الأرش إشكال وإن كان الثبوت هو الأظهر.
مسألة 164 : إذا كان العيب موجوداً في أغلب أفراد ذلك الصنف مثل
الثيبوية في الكبيرة من الإماء ، فالظاهر عدم جريان حكم العيب عليه.
مسألة 165 : لا يشترط في العيب أن يكون موجباً لنقص المالية ، بل ربما يوجب ازديادها كما إذا اشترى دابة فوجدها ذا رأسين فإنه قد يبذل بإزائها مال كثير من قبل بعض المهتمين بحفظ أمثالها من عجائب المخلوقات ولكنه على كل حال عيب يحق للمشتري أن يفسخ البيع به وإن لم يثبت الأرش.
مسألة 166 : كما يثبت الخيار بالعيب الموجود حال العقد كذلك يثبت بالعيب الحادث بعده قبل القبض فيجوز رد العين به ، وفي جواز أخذ الأرش به إذا لم يتمكن من الإرجاع قولان أظهرهما : الجواز إذا لم يكن العيب بفعل المشتري والا فلا خيار له.
مسألة 167 : كيفية أخذ الأرش أن يقوم المبيع صحيحاً ثم يقوم معيباً وتلاحظ النسبة بينهما ثم ينقص من الثمن المسمى بتلك النسبة فإذا قوم صحيحاً بثمانية ومعيباً بأربعة وكان الثمن أربعة ينقص من الثمن النصف وهو اثنان وهكذا ، ويرجع في معرفة قيمة الصحيح والمعيب إلى أهل الخبرة وتعتبر فيهم الوثاقة.
مسألة 168 : إذا اختلف أهل الخبرة في قيمة الصحيح والمعيب فإن اتفقت النسبة بين قيمتي الصحيح والمعيب على تقويم بعضهم مع النسبة بينهما على تقويم البعض الآخر فلا إشكال ، كما إذا قوم بعضهم الصحيح بثمانية والمعيب بأربعة وبعضهم الصحيح بستة والمعيب بثلاثة فإن التفاوت على كل من التقويمين يكون بالنصف فيكون الأرش نصف الثمن ، وأذا اختلفت النسبة كما إذا قوم بعضهم الصحيح بثمانية والمعيب بأربعة وبعضهم الصحيح بعشرة والمعيب بستة ففيه وجوه وأقوال ، والصحيح منها ـ مع تقارب المقومين في الخبرة والاطلاع ـ أن يؤخذ من القيمتين للصحيح ـ كما في المثال ـ النصف ، ومن الثلاث الثلث ، ومن الأربع الربع وهكذا في
المعيب ، ثم تلاحظ النسبة بين المأخوذ للصحيح وبين المأخوذ للمعيب وتؤخذ بتلك النسبة وهي في المثال 5 / 9 فيكون الأرش 4 / 9 من الثمن المسمى.
مسألة 169 : إذا اشترى شيئين صفقة واحدة أي بشرط الاجتماع فظهر عيب في أحدهما كان له الخيار في رد المعيب وحده ، كما له الخيار في ردهما معاً ، ولكن إذا اختار رد المعيب فقط كان للبائع الفسخ في الصحيح أيضاً.
مسألة 170 : إذا اشترك شخصان في شراء شيء فوجداه معيباً جاز لأحدهما الفسخ في حصته ويثبت الخيار للبائع حينئذ على تقدير فسخه.
مسألة 171 : لو زال العيب قبل ظهوره للمشتري ففي بقاء الخيار إشكال.
مسألة 172 : كما يجب الوفاء بالعقد اللازم يجب الوفاء بالشرط المجعول فيه بل يجب الوفاء بالشرط المجعول في العقد الجائز ما دام العقد باقياً ، فإذا باع فرساً بثمن معين وأشترط على المشتري أن يخيط له ثوبه استحق على المشتري الخياطة بالشرط ، فتجب عليه خياطة ثوب البائع ، وكذا لو أعاره كتاباً لمدة شهر مثلاً وأشترط عليه أن يقرأ الفاتحة لروح والده في كل يوم منه لزمه العمل بالشرط وقراءة الفاتحة في كل يوم ما لم يرجع العارية.
و يشترط في وجوب الوفاء بالشرط أمور :
منها : أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة بأن لا يكون محللاً لحرام أو محرماً لحلال ، والمراد بالأول ما يشمل ارتكاب محرم كأن يشرب الخمر ، أو ترك واجب كأن يفطر في شهر رمضان ، أو الإخلال بشرط وجودي أو عدمي
في متعلقات الأحكام أو موضوعاتها كأن يأتي بالصلاة في أجزاء السباع أوينكح نكاح الشغار أو يطلق زوجته طلاقاً بدعياً ، ومنه اشتراط وقوع أمر على نحو شرط النتيجة في مورد عدم جوازه كاشتراط أن يكون زوجته مطلقة أوإن لا يرث منه ورثته أو بعضهم وأمثال ذلك ، والمراد بالثاني تحريم ما حل عنه عقدة الحظر في الكتاب والسنة مما كان محظوراً في الشرائع السابقة أو العادات المنحرفة فيكون الشرط مقتضياً لإحياء ذلك الحكم المنسوخ كاشتراط عدم أكل البحيرة أو السائبة ونحوهما ، وبعبارة جامعة يعتبر في الشرط أن لا يكون هدماً لما بناه الإسلام تشريعاً ولا بناءً لما هدمه الإسلام كذلك.
ومنها : أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد كما إذا باعه بشرط أن لا يكون له ثمن أو آجره الدار بشرط أن لا تكون لها أجرة.
ومنها : أن يكون مذكوراً في ضمن العقد صريحاً أو ضمناً كما إذا قامت القرينة على كون العقد مبنياً عليه ومقيداً به إما لذكره قبل العقد أو لأجل التفاهم العرفي مثل اشتراط التسليم حال استحقاق التسليم ، فلو ذكر قبل العقد ولم يكن العقد مبنياً عليه عمداً أو سهواً لم يجب الوفاء به.
ومنها : أن يكون متعلق الشرط محتمل الحصول عند العقد ، فلو كانا عالمين بعدم التمكن منه كأن كان عملاً ممتنعاً في حد ذاته أولا يتمكن المشروط عليه من إنجازه بطل ولا يترتب على تخلفه الخيار ، وأما لو اعتقد التمكن منه ثم بان العجز عنه من أول الأمر أو تجدد العجز بعد العقد صح الشرط وثبت الخيار للمشروط له ، وكذا الحال لو اعتقد المشروط عليه التمكن منه دون المشروط له ثم بان العجز ، وأما لو اعتقد المشروط عليه العجز والمشروط له التمكن ففي صحته وترتب الأثر عليه إشكال.
ومنها : أن لا يكون متعلق الشرط أمراً مهملاً لا تحديد له في الواقع كاشتراط الخيار له مدة مهملة فإن في مثله يلغو الشرط ويصح البيع كما مر في
شرط الخيار ، وأما إذا كان متعلق الشرط متعيناً في الواقع وإن لم يكن معلوماً لدى الطرفين أو أحدهما فإن استتبع ذلك جهالة أحد العوضين كما لو باع كلياً في الذمة بشرط أن يكون واجداً للأوصاف المسجلة في القائمة الكذائية الغائبة حين البيع بطل البيع والشرط معاً ، والا كما إذا باعه وأشترط أن يصلي عما فات من والده ولم يعينه وكان مردداً بين صلاة سنة وسنتين مثلاً ففي صحة كل من البيع والشرط إشكال فلا يترك مراعاة الاحتياط في مثله.
مسألة 173 : لا بأس بأن يبيع ماله ويشترط على المشتري بيعه منه ثانياً ولو بعد حين ، نعم لا يجوز ذلك فيما إذا باعه نسيئة وأشترط على المشتري أن يبيعه نقداً بأقل مما اشتراه ، أو يشترط المشتري على البائع بأن يشتريه نسيئة بأكثر مما باعه نقداً ، والبيع في هذين الفرضين محكوم بالبطلان.
مسألة 174 : لا يعتبر في صحة الشرط أن يكون منجزاً بل يجوز فيه التعليق كما إذا باع داره وشرط على المشتري أن يكون له السكنى فيها شهراً إذا لم يسافر ، أو باعه العين الشخصية بشرط أن تكون ذات صفة كذائية ، فإن مرجعه إلى اشتراط الخيار لنفسه على تقدير التخلف ولا إشكال فيه.
مسألة 175 : الظاهر أن فساد الشرط لا يسري إلى العقد المشروط فيه ـ فيصح العقد ويلغو الشرط ـ إلا إذا أوجب فقدان بعض شرائطه كما مر.
مسألة 176 : إذا امتنع المشروط عليه من فعل الشرط جاز للمشروط له إجباره عليه ولو باللجوء إلى الحاكم أياً كان ، والظاهر أن خياره غير مشروط بتعذر إجباره على العمل بالشرط بل له الخيار عند مخالفته وعدم إتيانه بما اشترط عليه حتى مع التمكن من الإجبار.
مسألة 177 : إذا لم يتمكن المشروط عليه من فعل الشرط كان للمشروط له الخيار في الفسخ وليس له المطالبة بقيمة الشرط سواء كان عدم
التمكن لقصور فيه كما لو اشترط عليه صوم يوم فمرض فيه أو كان لفوات موضوع الشرط كما لو اشترط عليه خياطة ثوب فتلف الثوب ، وفي الجميع له الخيار لا غير.
الفصل الخامس
أحكام الخيار
مسألة 178 : الخيار حق من الحقوق فإذا مات من له الخيار انتقل إلى وارثه ، ويحرم منه من يحرم من أرث المال بالقتل أو الكفر أو الرق ويحجب عنه ما يحجب عن أرث المال ، ولو كان العقد الذي فيه الخيار متعلقاً بمال يحرم منه الوارث كالحبوة المختصة بالذكر الأكبر والأرض التي لا ترث منها الزوجة ففي حرمان ذلك الوارث من أرث الخيار وعدمه أقوال ، أقربها عدم حرمانه ، والخيار لجميع الورثة ، فلو باع الميت أرضاً وكان له الخيار أو كان قد اشترى أرضاً وكان له الخيار ورثت منه الزوجة كغيرها من الورثة.
مسألة 179 : إذا تعدد الوارث للخيار فالظاهر أنه لا أثر لفسخ بعضهم بدون انضمام الباقين إليه في تمام المبيع ولا في حصته إلا إذا رضي من عليه الخيار فيصح في حصته.
مسألة 180 : إذا فسخ الورثة بيع مورثهم فإن كان عين الثمن موجوداً دفعوه إلى المشتري وإن كان تالفاً أو بحكمه أخرج من تركة الميت كسائر ديونه.
مسألة 181 : لو كان الخيار لأجنبي عن العقد فمات فإن كان المقصود من جعل الخيار له مباشرته للفسخ أو كونه بنظره لم ينتقل إلى وارثه ، وإن جعل مطلقاً انتقل إلى الوارث.
مسألة 182 : إذا تلف المبيع في زمان الخيار في بيع الحيوان فهو من مال البائع ، وكذا إذا تلف قبل انتهاء مدة الخيار في خيار الشرط إذا كان الخيار للمشتري ، أما إذا كان للبائع أو تلف في زمان خيار المجلس بعد القبض فالأظهر أنه من مال المشتري.
الفصل السادس
ما يدخل في المبيع
مسألة 183 : من باع شيئاً دخل في المبيع ما يقصد المتعاملان دخوله فيه دون غيره ، ويعرف قصدهما بما يدل عليه لفظ المبيع وضعاً أو بالقرينة العامة أو الخاصة ، فمن باع بستاناً دخل فيه الأرض والشجر والنخل والطوف والبئر والناعور والحضيرة ونحوها مما هو من أجزائها أو توابعها ، أما من باع أرضاً فلا يدخل فيها الشجر والنخل الموجودان وكذا لا يدخل الحمل في بيع الأم ولا الثمرة في بيع الشجرة ، نعم إذا باع نخلاً فإن كان التمر مؤبراً فالتمر للبائع وإن لم يكن مؤبراً فهو للمشتري ويختص هذا الحكم ببيع النخل ، أما في نقل النخل بغير البيع أو بيع غير النخل من سائر الشجر فالثمر فيه للبائع مطلقاً وإن لم يكن مؤبراً ، هذا إذا لم تكن قرينة على دخول الثمر في بيع الشجر أو الشجر في بيع الأرض أو الحمل في بيع الدابة ، أما إذا قامت القرينة على ذلك ـ وإن كانت هي التعارف الخارجي ـ عمل عليها وكان جميع ذلك للمشتري.
مسألة 184 : إذا باع الشجر وبقيت الثمرة للبائع مع اشتراط إبقائها أو ما في حكمه وأحتاجت الثمرة إلى السقي يجوز للبائع أن يسقي الشجر وليس للمشتري منعه ، وكذا إذا احتاج الشجر إلى السقي جاز للمشتري سقيه وليس للبائع منعه ، ولو تضرر أحدهما بالسقي والآخر بتركه ولم يكن بينهما شرط في ذلك فالأظهر عدم جواز السقي للثاني سواء أكان هو البائع أم المشتري ، وإن كان الأحوط لهما التصالح والتراضي على تقديم أحدهما ولو بأن يتحمل ضرر الآخر.
مسألة 185 : إذا باع بستانا وأستثنى نخلة مثلا فله الممر إليها
والمخرج منها ومدى جرائدها وعروقها من الأرض وليس للمشتري منع شيء من ذلك.
مسألة 186 : إذا باع داراً دخل فيها الأرض والبناء الأعلى والأسفل إلا أن يكون الأعلى مستقلاً من حيث المدخل والمخرج والمرافق وغير ذلك مما قد يكون أمارة على خروجه وأستقلاله ، وكذا يدخل في بيع الدار السراديب والبئر والأبواب والأخشاب الداخلة في البناء وكذا السلم المثبت بل لا يبعد دخول ما فيها من نخل وشجر وأسلاك كهربائية وإنابيب الماء ونحو ذلك مما يعد من توابع الدار حتى مفتاح الغلق فإن ذلك كله داخل في المبيع إلا مع الشرط.
مسألة 187 : المعادن من الأنفال ـ أي أنها مملوكة للإمامعليهالسلام ـ وإن لم تكن أرضها منها على الأظهر ولكن من استخرج شيئاً من المعادن المتكونة في جوف الأرض ملكه وعليه خمسة على تفصيل تقدم في كتاب الخمس ، وأما قبل الاستخراج فهي على ملك الإمامعليهالسلام ولا تدخل في بيع الأرض ، كما لا تدخل في بيعها الأحجار المدفونة فيها ولا الكنوز القديمة أو الجديدة المودعة فيها ونحوها.
الفصل السابع
التسليم والقبض
مسألة 188 : يجب على المتبايعين تسليم العوضين عند انتهاء العقد إذا لم يشترطا التأخير ولكن وجوب التسليم على كل منهما مشروط بعدم امتناع الآخر ، ولو امتنع أحدهما مع تسليم صاحبه أجبر الممتنع ولو اشترط أحدهما تأخير التسليم إلى مدة معينة جاز مطلقاً ، وليس لصاحبه الامتناع عن تسليم ما عنده حينئذ ، ولو اشترط كل منهما تأخير التسليم جاز ذلك في الأعيان الشخصية أو ما بحكمها من الكلي في المعين ولا يجوز في الكلي في الذمة لأنه يكون حينئذ من بيع الدين بالدين.
مسألة 189 : يجوز أن يشترط البائع لنفسه سكنى الدار أو ركوب الدابة أو زرع الأرض أونحو ذلك من الانتفاع بالمبيع مدة معينة.
مسألة 190 : التسليم الواجب على المتبايعين في المنقول وغيره هو التخلية برفع يده عنه ورفع المنافيات بحيث يتمكن صاحبه من التصرف فيه ، والظاهر اختلاف صدقها بحسب اختلاف الموارد والمقامات.
مسألة 191 : إذا تلف المبيع بآفة سماوية أو أرضية قبل قبض المشتري انفسخ البيع وكان تلفه من مال البائع ورجع الثمن إلى المشتري وكذا إذا تلف الثمن قبل قبض البائع ، فإنه ينفسخ البيع ويكون تلفه من مال المشتري ويرجع المبيع إلى البائع.
مسألة 192 : يكفي في القبض الموجب للخروج عن الضمان التخلية بالمعنى المتقدم في غير المنقولات كالأراضي وأما في المنقولات فقيل أنه لابد فيها من الاستيلاء عليها خارجاً مثل أخذ الدرهم والدينار واللباس وأخذ لجام الفرس أو ركوبه ، ولكن لا يبعد كفاية التخلية فيها أيضاً في الخروج عن
الضمان ، نعم لابد من الاستيلاء في تحقق القبض في بعض المقامات كما في بيع الصرف والسلم.
مسألة 193 : في حكم التلف تعذر الوصول إليه كما لو سرق أو غرق أو نهب أو أبق العبد أو أفلت الطائر أونحو ذلك.
مسألة 194 : لو أمر المشتري البائع بتسليم المبيع إلى شخص معين فقبضه كان بمنزلة قبض المشتري ، وكذا لو أمره بإرساله إلى بلده أو غيره فأرسله كان بمنزلة قبضه ، ولا فرق بين تعيين المرسل معه وعدمه.
مسألة 195 : إذا أتلف المبيع البائع أو الأجنبي الذي يمكن الرجوع إليه في تدراك خسارته فالأقوى صحة العقد وللمشتري الرجوع على المتلف بالبدل من مثل أو قيمة وهل له الخيار في فسخ العقد لتعذر التسليم؟ إشكال ، والأظهر ذلك.
مسألة 196 : إذا حصل للمبيع نماء فتلف الأصل قبل قبض المشتري كان النماء للمشتري.
مسألة 197 : لو حدث في المبيع عيب قبل القبض كان للمشتري الرد ، وفي ثبوت الأرش له قولان ، أظهرهما الثبوت لولم يتمكن من الرد كما تقدم.
مسألة 198 : لو باع جملة فتلف بعضها قبل القبض انفسخ البيع بالنسبة إلى التالف ورجع إليه ما يخصه من الثمن وكان له الخيار في الباقي.
مسألة 199 : يجب على البائع مضافاً إلى تسليم المبيع المبادرة إلى تفريغه عما فيه من متاع أو غيره إلا مع اشتراط عدمها صريحاً أو استفادته من المتعارف المختلف باختلاف الموارد ، فلو كان المبيع مشغولاً بزرع لم يأت وقت حصاده فإن اشترط المالك إبقاءه مجاناً أو بأجرة أو كان ذلك مقتضى التعارف في مثله بحيث أغنى عن التصريح به جاز له إبقاؤه إلى وقت الحصاد والا وجبت عليه إزالته ، ولو أزال الزرع وبقيت له عروق تضر بالانتفاع
بالأرض أو كانت في الأرض حجارة مدفونة وجبت إزالتها وتسوية الأرض إلا مع اشتراط عدم الإزالة أو تعارفه كما تقدم.
مسألة 200 : من اشترى شيئاً ولم يقبضه فإن كان مما لا يكال ولا يوزن جاز له بيعه قبل قبضه ، وكذا إذا كان مما يكال أو يوزن وكان البيع برأس المال أو بوضعية منه وأما لو كان بربح ففيه قولان ، أظهرهما المنع فيما عدا الثمار ، وأما فيها فالظاهر الجواز. هذا فيما إذا باع غير المقبوض على غير البائع وأما إذا باعه عليه فالظاهر جوازه مطلقاً ، وكذا إذا ملك شيئاً بغير الشراء كالميراث والصداق فإنه يجوز بيعه قبل قبضه ، كما لا يبعد اختصاص المنع في الصورة المذكورة بالبيع فلا بأس بجعله صداقاً أو أجرة قبل قبضه.
الفصل الثامن
النقد والنسيئة
مسألة 201 : من باع ولم يشترط تأجيل الثمن كان الثمن حالاً فللبائع المطالبة به بعد انتهاء العقد ، كما يجب عليه أخذه إذا دفعه إليه المشتري وليس له الامتناع من أخذه.
مسألة 202 : إذا اشترط تأجيل الثمن يكون نسيئة لا يجب على المشتري دفعه قبل الأجل وإن طالبه به البائع ولكن يجب على البائع أخذه إذا دفعه إليه المشتري قبله إلا أن تكون قرينة على كون التأجيل حقاً للبائع أيضاً.
مسألة 203 : يجب أن يكون الأجل معيناً لا يتردد فيه بين الزيادة والنقصان ، فلو جعل الأجل قدوم زيد أو الدياس أو الحصاد أو جذاذ الثمر أونحو ذلك بطل العقد.
مسألة 204 : لو كانت معرفة الأجل محتاجة إلى الحساب مثل أول الحمل أو الميزان فالظاهر البطلان ، نعم لو كان الأجل أول الشهر القابل مع التردد في الشهر الحالي بين الكمال والنقصان فالظاهر الصحة.
مسألة 205 : إذا عين ـ عند المقاولة ـ لبضاعته ثمناً نقداً وأخر مؤجلاً بأزيد منه فابتاعها المشتري بأحدهما المعين صح ، وأما لو باعها بثمن نقداً وبأكثر منه مؤجلاً بإيجاب واحد ـ بأن قال : بعتك الفرس بعشرة نقداً وبعشرين إلى سنة ـ فقبل المشتري فالمشهور البطلان ، وقيل بالصحة بأقل الثمنين مؤجلاً ولا يخلو عن وجه فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه ، وأما لو باع بثمن إلى أجل وبأزيد منه إلى آخر فالأظهر البطلان.
مسألة 206 : لا يجوز تأجيل الثمن الحال بل مطلق الدين بأزيد منه بأن يزيد فيه مقداراً ليؤخره إلى أجل وكذا لا يجوز أن يزيد في الثمن المؤجل
ليزيد في الأجل ، ويجوز عكس ذلك بأن يعجل المؤجل بنقصان منه على وجه الإبراء بل على وجه المعاوضة أيضاً ما لم يستلزم الربا.
مسألة 207 : يجوز بيع الأكثر المؤجل بالأقل الحال في غير ما يكال ويوزن وأما فيهما فلا يجوز لأنه ربا ، ولا يجوز للدائن في الدين المؤجل أن يزيد في الأجل على أن ينقد المدين بعضه قبل حلول الأجل.
مسألة 208 : إذا اشترى شيئاً نسيئة جاز شراؤه منه قبل حلول الأجل أو بعده بجنس الثمن أو بغيره مساوياً له أو زائداً عليه أو ناقصاً عنه ، حالاً كان البيع الثاني أو مؤجلاً ، نعم إذا اشترط البائع على المشتري في البيع الأول أن يبيعه عليه نقداً بعد شرائه بأقل مما اشتراه به نسيئة أو شرط المشتري على البائع في البيع الأول أن يشتريه منه نسيئة بأكثر مما اشتراه منه نقداً فإن الأظهر فيه البطلان.
إلحاق
في المساومة والمرابحة والمواضعة والتولية
التعامل بين البائع والمشتري تارة يكون بملاحظة رأس المال الذي اشترى به البائع السلعة وأخرى لا يكون كذلك ، والثاني يسمى مساومة وهذا هو الغالب المتعارف ، والأول تارة يكون بزيادة على رأس المال وأخرى بنقيصة عنه وثالثة بلا زيادة ولا نقيصة ، والأول يسمى مرابحة والثاني مواضعة ، والثالث يسمى تولية.
مسألة 209 : لابد في جميع الأقسام المذكورة غير المساومة من ذكر الثمن تفصيلاً فلو قال بعتك هذه السلعة برأس مالها وزيادة درهم أو بنقيصة درهم أو بلا زيادة ولا نقيصة لم يصح حتى يقول : بعتك هذه السلعة بالثمن الذي اشتريتها به وهو مائة درهم بزيادة درهم مثلاً أو نقيصته أو بلا زيادة ولا
نقيصة.
مسألة 210 : إذا قال البائع : بعتك هذه السلعة بمائة درهم وربح درهم في كل عشرة فإن عرف المشتري أن الثمن مائة وعشرة دراهم صح البيع وإن لم يعرف المشتري ذلك حال البيع لم يصح وإن كان يعرفه بعد الحساب ، وكذلك الحكم في المواضعة كما إذا قال : بعتك بمائة درهم مع خسران درهم في كل عشرة ، فإن المشتري إذا عرف أن الثمن تسعون صح البيع وإن لم يعرف ذلك بطل البيع وإن كان يعرفه بعد الحساب.
مسألة 211 : إذا كان الشراء بالثمن المؤجل وجب على البائع مرابحة أن يخبر بالأجل فإن أخفى تخير المشتري بين الرد والإمساك بالثمن مؤجلاً بذلك الأجل.
مسألة 212 : إذا اشترى جملة صفقة بثمن لم يجز له بيع أفرادها مرابحة بالتقويم إلا بعد الإعلام.
مسألة 213 : إذا تبين كذب البائع في إخباره برأس المال كما إذا أخبر أن رأس ماله مائة وباع بربح عشرة وكان في الواقع رأس المال تسعين صح البيع وتخير المشتري بين فسخ البيع وأمضائه بتمام الثمن المذكور في العقد وهو مائة وعشرة.
مسألة 214 : إذا اشترى سلعة بثمن معين مثل مائة درهم ولم يعمل فيها شيئاً كان ذلك رأس مالها وجاز له الإخبار بذلك ، أما إذا عمل في السلعة عملاً فإن كان بأجرة جاز ضم الأجرة إلى رأس المال فإذا كانت الأجرة عشرة جاز له أن يقول بعتك السلعة برأس مالها مائة وعشرة وربح كذا.
مسألة 215
: إن باشر العمل بنفسه وكانت له أجرة لم يجز له أن يضم الأجرة إلى رأس المال بل يقول رأس المال مائة وعملي يساوي كذا وبعتكها بما ذكر وربح كذا.
مسألة 216
: إذا اشترى معيباً فرجع على البائع بالأرش كان الثمن ما بقي بعد الأرش ، ولو أسقط البائع بعض الثمن تفضلاً منه أو مجازاة على الإحسان لم يسقط ذلك من الثمن بل رأس المال هو الثمن في العقد.
الفصل التاسع
في الربا
الأول : ما يكون في المعاملة.
الثاني : ما يكون في القرض ويأتي حكمه في كتاب الدين والقرض إن شاء الله تعالى.
أما الأول : فهو كبيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية في أحدهما كبيع مائة كيلو من الحنطة بمائة وعشرين منها ، أو خمسين كيلو من الحنطة بخمسين كيلو حنطة ودينار ، أو زيادة حكمية كبيع عشرين كيلو من الحنطة نقداً بعشرين كيلو من الحنطة نسيئة ، وهو حرام ، وهل يختص تحريمه بالبيع أو يجري في غيره من المعاوضات؟ قولان ، والأظهر اختصاصه بما كانت المعاوضة فيه بين العينين ، سواء كانت بعنوان البيع أو المبادلة أو الصلح مثل أن يقول : صالحتك على أن تكون هذه العشرة التي لك بهذه الخمسة التي لي ، أما إذا لم تكن المعاوضة بين العينين كأن يقول : صالحتك على أن تهب لي تلك العشرة واهب لك هذه الخمسة ، أو يقول : أبرأتك عن الخمسة التي لي عليك بشرط أن تبرئني عن العشرة التي لك عليّ ونحوهما فالظاهر الصحة.
مسألة 217 : يشترط في تحقق الربا في المعاملة النقدية أمران :
الأول : اتحاد الجنس والذات عرفا وإن اختلفت الصفات ، فلا يجوز بيع مائة كيلو من الحنطة الجيدة بمائة وخمسين كيلو من الرديئة ولا بيع عشرين كيلو من الأرز الجيد كالعنبر بأربعين كيلو منه أو من الردئ كالحويزاوي ، أما إذا اختلفت الذات فلا بأس كبيع مائة وخمسين كيلو من
الحنطة بمائة كيلو من الأرز.
الثاني : أن يكون كل من العوضين من المكيل أو الموزون ، فإن كانا مما يباع بالعد مثلاً كالبيض والجوز في بعض البلاد فلا بأس ، فيجوز بيع بيضة ببيضتين وجوزة بجوزتين في تلك البلاد ، وأما إذا كانت المعاملة نسيئة ففي اشتراط تحقق الربا فيها بالشرطين المذكورين نظر ، فيشكل صحة المعاملة في موردين :
1 ـ أن يكون العوضان من المكيل أو الموزون مع الاختلاف في الجنس كبيع مائة كيلو من الأرز بمائة كيلو من الحنطة إلى شهر.
2 ـ أن يكون العوضان من المعدود ونحوه مع اتحادهما في الجنس وكون الزيادة عينية كبيع عشر جوزات بخمس عشرة جوزة إلى شهر.
مسألة 218 : المعاملة الربوية باطلة إذا صدرت من العالم بحرمة الربا تكليفياً ، وأما إذا صدرت من الجاهل بها سواء أكان جهله بالحكم أو بالموضوع ثم علم بالحال فتاب فلا يبعد حلية ما أخذه حال الجهل ، والظاهر أن الحلية حينئذ من جهة صحة المعاملة لا الحلية التعبدية لتختص به دون الطرف الآخر إذا كان عالماً بالحرمة.
مسألة 219 : الحنطة والشعير في الربا جنس واحد فلا يباع مائة كيلو من الحنطة بمائتي كيلو من الشعير وإن كانا في باب الزكاة جنسين ، فلا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب ، فلو كان عنده نصف نصاب حنطة ونصف نصاب شعير لم تجب فيهما الزكاة.
مسألة 220 : ذكر بعضهم أن العلس نوع من الحنطة والسلت نوع من الشعير فإن ثبت ذلك لحقهما حكمهما والا فلا.
مسألة 221 : اللحوم والألبان والأدهان تختلف باختلاف الحيوان فيجوز بيع كيلو من لحم الغنم بكيلوين من لحم البقر نقداً وكذا الحكم في
لبن الغنم ولبن البقر فإنه يجوز بيعهما مع التفاضل نقداً.
مسألة 222 : التمر بأنواعه جنس واحد والحبوب كل واحد منها جنس ، فالحنطة والأرز والماش والذرة والعدس وغيرها كل واحد جنس ، والفلزات من الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص وغيرها كل واحد منها جنس برأسه.
مسألة 223 : الضأن والمعز جنس واحد والبقر والجاموس جنس واحد والإبل العراب والبخاتي جنس واحد ، والطيور كل صنف يختص باسم فهو جنس واحد في مقابل غيره ، فالعصفور غير الحمام وكل ما يختص باسم من الحمام جنس في مقابل غيره فالفاختة والحمام المتعارف جنسان ، والسمك أجناس مختلفة بحسب اختلاف أصنافه في الاسم.
مسألة 224 : الوحشي من كل حيوان مخالف للأهلي فالبقر الأهلي يخالف الوحشي فيجوز التفاضل بين لحميهما نقداً ، وكذا الحمار الأهلي والوحشي ، والغنم الأهلي والوحشي.
مسألة 225 : المشهور أن كل أصل مع ما يتفرع عنه جنس واحد وكذا الفروع بعضها مع بعض كالحنطة والدقيق والخبز ، وكالحليب واللبن والجبن ، وكالبسر والرطب والتمر والدبس ، ولكن الكلية المذكورة محل إشكال في بعض مواردها كاتحاد الحليب والزبد ، والخل والتمر ، والسمسم ودهنه ، ونظائر ذلك.
مسألة 226 : إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن وكان فرعه لا يكال ولا يوزن جاز بيعه مع أصله بالتفاضل كالصوف الذي هو من الموزون والثياب المنسوجة منه التي ليست منه فإنه يجوز بيعها به مع التفاضل ، وكذلك القطن والكتان والثياب المنسوجة منهما.
مسألة 227 : إذا كان الشيء في حال موزوناً أو مكيلاً وفي حال أخرى
ليس كذلك لم يجز بيعه بمثله متفاضلاً في الحال الأولى وجاز في الحال الثانية.
مسألة 228 : الأحوط عدم بيع لحوم حيوان بحيوان حي من جنسه كبيع لحم الغنم بالغنم بل ولا بغير جنسه أيضاً كبيع لحم الغنم بالبقر.
مسألة 229 : إذا كان للشيء حالتان حالة رطوبة وحالة جفاف كالرطب يصير تمراً والعنب يصير زبيباً والخبز اللين يكون يابساً يجوز بيعه نقداً جافاً بجاف منه ورطباً برطب منه متماثلاً ولا يجوز متفاضلاً ، وأما بيع الرطب منه بالجاف متماثلاً ففيه إشكال والأظهر جوازه نقداً على كراهة ولا يجوز بيعه متفاضلاً حتى بمقدار الرطوبة بحيث إذا جف يساوي الجاف.
مسألة 230 : إذا كان الشيء يباع بالعد مثلاً في بلد ومكيلاً أو موزوناً في آخر فلكل بلد حكمه سواء أكان مكيلاً أو موزوناً في غالب البلاد أم لا ، فلا يجوز بيعه متفاضلاً في بلد يباع فيه بالكيل أو الوزن ويجوز ذلك نقداً في بلد يباع فيه بالعد. وأما إذا كان الشيء يباع بكل من الوزن والعد مثلاً في بلد واحد فالأحوط عدم التفاضل فيه وإن بيع بالعدّ نقداً.
مسألة 231 : يتخلص من الربا بضم غير الجنس إلى الطرف الناقص بأن يبيع مائة كيلو من الحنطة ومنديلاً بمائتي كيلو من الحنطة إذا قصدا كون المنديل بإزاء المقدار الزائد وكانت المعاملة نقدية ، وكذا يتخلص منه بضم غير الجنس إلى كل من الطرفين ولو مع التفاضل فيهما كما لو باع منديلين ومائتي كيلو من الحنطة بمنديل ومائة كيلومنها وتصح المعاملة مطلقاً إذا قصدا كون المنديل في كل طرف بإزاء الحنطة في الطرف الآخر وكذا تصح نقداً إذا قصدا كون المنديل من الطرف الناقص بإزاء المنديلين والمقدار الزائد من الحنطة في الطرف الآخر.
مسألة 232 : لا ربا بين الوالد وولده ولا بين الرجل وزوجته فيجوز
لكل منهما أخذ الزيادة من الآخر ، وكذا لا ربا بين المسلم والحربي إذا أخذ المسلم الزيادة. وأما الذمي فتحرم المعاملة الربوية معه على الأظهر ولكن يجوز للمسلم أخذ الزيادة منه بعد وقوع المعاملة إذا كان إعطاؤها جائزاً في شريعته ، ولا فرق فيما ذكر بين ربا البيع وربا القرض.
مسألة 233 : لا فرق في الولد بين الذكر والأنثى والخنثى ولا بين الصغير والكبير ولا بين الصلبي وولد الولد ، كما لا فرق في الزوجة بين الدائمة والمتمتع بها ، وليست الأم كالأب فلا يصح الربا بينها وبين الولد.
مسألة 234 : الأوراق النقدية بما أنها من المعدود لا يجري فيها الربا ، فيجوز بيع بعضها ببعض متفاضلاً مع اختلافها جنساً نقداً أو نسيئة فيجوز بيع خمسة دنانير كويتية بعشرة دنانير عراقية مطلقاً ، وأما مع الاتحاد في الجنس فيجوز التفاضل في البيع بها نقداً ، وأما نسيئة فلا يخلو عن إشكال ، ولا بأس بتنزيل الأوراق المالية نقداً بمعنى أن المبلغ المذكور فيها إذا كان الشخص مديناً به واقعاً جاز خصمها في المصارف وغيرها بأن يبيعه الدائن بأقل منه حالا ويكون الثمن نقداً.
مسألة 235 : ما يتعارف في زماننا من إعطاء شخص للآخر سنداً بمبلغ من الأوراق النقدية من دون أن يكون مديناً له به فيأخذه الثاني فينزله عند شخص ثالث بأقل منه الظاهر عدم جوازه ، نعم لا بأس به في المصارف غير الأهلية بجعل ذلك وسيلة إلى أخذ مجهول المالك والتصرف فيه بعد إصلاحه بمراجعة الحاكم الشرعي ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في رسالة ( مستحدثات المسائل ، المسألة 28 ).
الفصل العاشر
بيع الصرف
وهو بيع الذهب أو الفضة ، بالذهب أو الفضة ولا فرق بين المسكوك منهما وغيره.
مسألة 236 : لا يجوز بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مع الزيادة.
مسألة 237 : لا بأس ببيع الذهب بالفضة وبالعكس نقداً ولا يعتبر تساويهما في الوزن وأما بيع أحدهما بالآخر نسيئة فلا يجوز مطلقاً على الأظهر.
مسألة 238 : يشترط في صحة بيع الصرف التقابض قبل الافتراق ، فلولم يتقابضا حتى افترقا بطل البيع ولو تقابضا في بعض المبيع صح فيه وبطل في غيره.
مسألة 239 : لو باع النقد مع غيره بنقد صفقة واحدة ولم يتقابضا حتى افترقا صح في غير النقد وبطل في النقد.
مسألة 240 : لو فارقا المجلس مصطحبين وتقابضا قبل الافتراق صح البيع.
مسألة 241 : لا يشترط التقابض في الصلح الجاري في النقدين بل تختص شرطيته بالبيع.
مسألة 242 : لا يجري حكم الصرف على الأوراق النقدية كالدينار العراقي والنوط الهندي والتومان الإيراني والدولار والباون ونحوها من الأوراق المستعملة في هذه الأزمنة استعمال النقدين فيصح بيع بعضها ببعض وإن لم
يتحقق التقابض قبل الافتراق كما أنه لا زكاة فيها.
مسألة 243 : إذا كان له في ذمة غيره دين من أحد النقدين فباعه عليه بنقد آخر وقبض الثمن قبل التفرق صح البيع ولا حاجة إلى قبض المشتري ما في ذمته.
مسألة 244 : لو كان له دين على زيد فباعه على عمرو بنقد وقبضه من عمرو ووكل عمرو زيداً على قبض ما في ذمته ففي صحته بمجرد التوكيل إشكال ، بل لا يبعد عدم الصحة حتى يقبضه زيد ويعينه في مصداق بعينه قبل التفرق.
مسألة 245 : إذا اشترى منه دراهم معينة بنقد ثم باعها عليه أو على غيره قبل قبضها لم يصح البيع الثاني فإذا قبض الدراهم بعد ذلك قبل التفرق صح البيع الأول وأذا لم يقبضها حتى افترقا بطل البيع الأول أيضاً.
مسألة 246 : إذا كان له دراهم في ذمة غيره فقال له حولها دنانير في ذمتك فقبل المديون صح ذلك وتحول ما في الذمة إلى دنانير وإن لم يتقابضا ، وكذا لو كان له دنانير في ذمته فقال له حولها دراهم وقبل المديون فإنه يصح وتتحول الدنانير إلى دراهم ، وكذلك الحكم في الأوراق النقدية إذا كانت في الذمة فيجوز تحويلها من جنس إلى آخر.
مسألة 247 : لا يجب على المتعاملين بالصرف إقباض المبيع أو الثمن حتى لو قبض أحدهما لم يجب عليه إقباض صاحبه ولو كان للمبيع أو الثمن منفعة قبل القبض كانت لمن انتقل عنه لا لمن انتقل إليه.
مسألة 248 : الدراهم والدنانير المغشوشة إن كان رائجة في المعاملة بها يجوز خرجها وإنفاقها والمعاملة بها سواء أكان غشها مجهولاً أم معلوماً وسواء أكان مقدار الغش معلوماً أم مجهولاً ، وإن لم تكن رائجة فلا يجوز خرجها وإنفاقها والمعاملة بها إلا بعد إظهار حالها.
مسألة 249 : يجوز صرف المسكوكات من النحاس وأمثاله إلى أبعاضها ولو مع التفاضل بين الأصل وأبعاضه كما هو الغالب ، نعم لا يجوز ذلك في المسكوكات الذهبية والفضية فإنها من الموزون فلا يجوز تصريفها إلى أبعاضها مع التفاضل إلا مع الضميمة.
مسألة 250 : يكفي في الضميمة التي يتخلص بها عن الربا الغش الذي يكون في الذهب والفضة المغشوشين إذا كان الغش غير مستهلك وكانت له قيمة في حال كونه غشاً ولا يكفي أن تكون له قيمة على تقدير التصفية ، فإذا كان الطرفان مغشوشين كذلك صح مع التفاضل مطلقاً إذا قصدا كون الغش في كل طرف بإزاء الخالص في الطرف الآخر ، وأذا كان أحدهما مغشوشاً دون الآخر جاز التفاضل فيما إذا كانت المعاملة نقدية وكانت الزيادة في طرف الخالص وقصدا كونها بإزاء الغش في الطرف الآخر ولا يصح إذا كانت الزيادة في المغشوش مطلقاً.
مسألة 251 : الآلات المحلاة بالذهب يجوز بيعها بالذهب إذا كان أكثر من الذهب المحلى به وقصدا كون الزائد بإزاء نفس الآلة وكانت المعاملة نقدية ـ كما مر ـ والا لم يجز ، نعم لو بيع السيف بالسيف وكان كل منهما محلى جاز البيع وإن كانت الحلية في أحدهما أكثر من الحلية في الآخر ، ويصح مطلقاً إذا قصدا كون الحلية في كل طرف بإزاء السيف في الطرف الآخر ويصح نقداً خاصة إذا قصدا كون السيف والزيادة في الطرف الزائد بإزاء السيف في الطرف الآخر.
مسألة 252 : الكلبتون المصنوع من الإبريسم والفضة يجوز بيعه نقداً ـ كما مر ـ بالفضة إذا كانت أكثر من الفضة الموجودة فيه وزناً ، والمصنوع من الإبريسم والذهب يجوز بيعه كذلك بالذهب إذا كان أكثر من الذهب الموجود فيه وزنا.
مسألة 253 : إذا اشترى فضة معينة بفضة أو بذهب وقبضها قبل التفرق فوجدها جنساً آخر رصاصاً أو نحاسا أو غيرهما بطل البيع وليس له المطالبة بالإبدال ، ولو وجد بعضها كذلك بطل البيع فيه وصح في الباقي وله حينئذ رد الكل لتبعض الصفقة ، وإن وجدها فضة معيبة فإن كان العوض من جنسها كان له الرد ولم يكن له أخذ الأرش ولو مع عدم التمكن من الرد على الأحوط ، وإن كان العوض من غير جنسها كان بالخيار بين الرد وبين المطالبة بالأرش مع عدم التمكن من الرد ولا فرق في ذلك بين كون أخذ الأرش قبل التفرق وبعده.
مسألة 254 : إذا اشترى فضة في الذمة بفضة أو بذهب وبعد القبض وجدها جنساً آخر رصاصاً أو نحاساً أو غيرهما ، فإن كان قبل التفرق جاز للبائع إبدالها فإذا قبض البدل قبل التفرق صح البيع وإن وجدها جنساً آخر بعد التفرق بطل البيع ولا يكفي الإبدال في صحته ، وأذا وجدها فضة معيبة كالمغشوشة ومضطربة السكة فالأقوى أن المشتري مخير بين رد المقبوض وأبداله وبين الرضا به من دون أرش وليس له فسخ العقد من أصله ، ولا فرق بين كون الثمن من جنس المبيع وغيره ولا بين كون ظهور العيب قبل التفرق وبعده.
مسألة 255 : لا يجوز أن يشتري من الصائغ أو غيره خاتماً أو غيره من المصوغات من الفضة أو الذهب بجنسه مع زيادة بملاحظة أجرة الصياغة ، بل أما أن يشتريه بغير جنسه أو بأقل من مقداره من جنسه مع الضميمة على ما تقدم ليتخلص من الربا.
مسألة 256 : لو كان له على زيد نقود كالليرات الذهبية وأخذ منه شيئاً من المسكوكات الفضية كالربيات فإن كان الأخذ بعنوان الاستيفاء ينقص من الليرات في كل زمان أخذ فيه بمقدار ما أخذ بسعر ذلك الزمان ، فإذا كان الدين
خمس ليرات وأخذ منه في الشهر الأول عشر روبيات وفي الثاني عشراً ، وفي الثالث عشراً وكان سعر الليرة في الشهر الأول خمس عشرة روبية ، وفي الثاني اثنتي عشرة روبية ، وفي الثالث عشر روبيات نقص من الليرات ثلثا ليرة في الشهر الأول وخمسة أسداسها في الثاني وليرة تامة في الثالث ، وإن كان الأخذ بعنوان القرض كان ما أخذه ديناً عليه لزيد وبقي دين زيد عليه ، وفي جواز احتساب أحدهما دينه وفاءاً عن الآخر إشكال ، والأظهر الجواز ، وتجوز المصالحة بينهما على إيراء كل منهما صاحبه مما له عليه.
مسألة 257 : من اشتغلت ذمته لآخر بنقد معين من الذهب أو الفضة كأن اقترض منه ألف دينار مثلاً أو أصدق زوجته مهراً كذلك أو جعله ثمناً في البيع مؤجلاً أو حالاً فتغير سعره لزمه النقد المعين ولا اعتبار بالقيمة وقت اشتغال الذمة.
مسألة 258 : لا يجوز أن يبيع مثقالاً من فضة خالصة بمثقال من فضة مغشوشة بغش غير متمول بشرط أن يصوغ له خاتماً مثلاً ، ويجوز ذلك في المعاملة النقدية إذا كان الغش متمولاً وقصدا كون الزيادة في طرف الخالص بإزاء الغش وصياغة الخاتم في الطرف الآخر ، كما يجوز أن يقول له صغ لي هذا خاتماً وأبيعك مثقالاً من فضة خالصة بمثقال من فضة مغشوشة بغش غير متمول على أن يكون البيع جعلاً لصياغة الخاتم لا بأن تكون الصياغة شرطاً في البيع ، ويجوز أيضاً أن يشتري منه مثقال فضة مصوغاً خاتماً بمثقال غير مصوغ.
مسألة 259 : لو باع عشر روبيات بليرة ذهبية إلا عشرين فلساً صح بشرط أن يعلما مقدار نسبة العشرين فلساً إلى الليرة ـ بحسب سعر الوقت ـ حتى يعلما المقدار المستثنى من الليرة.
مسألة 260 : المصوغ من الذهب والفضة معاً لا يجوز بيعه بأحدهما
بلا زيادة ، بل إما أن يباع نقداً بأحدهما مع الزيادة أو بهما معاً ـ على ما تقدم ـ أو يباع بجنس آخر غيرهما.
مسألة 261 : ما يقع في التراب عادة من أجزاء الذهب والفضة ويجتمع فيه عند الصائغ إذا أحرز عدم مطالبة المالك به وأعراضه عنه ـ ولو بلحاظ جريان العادة على ذلك ـ جاز للصائغ تملكه ، والا لزم أن يتصدق به أو بثمنه عن مالكه مع الجهل به والاستئذان منه مع معرفته ، ويطرد التفصيل المذكور في الخياطين والنجارين والحدادين ونحوهم فيما يجتمع عندهم من الأجزاء المنفصلة من أجزاء الثياب والخشب والحديد فإنه إذا كان المتعارف في عملهم انفصال تلك الأجزاء لم يضمنوا شيئاً بسبب ذلك سواء أكانت لتلك الأجزاء مالية عند العرف أم لا ، ولكن يجري فيها التفصيل المتقدم.
الفصل الحادي عشر
في السلف
ويقال له السلم أيضاً ، وهو ابتياع كلي مؤجل بثمن حال ، عكس النسيئة ، ويقال للمشتري المسلّم ( بكسر اللام ) وللبائع المسلّم إليه وللثمن المسلّم وللمبيع المسلّم فيه ( بفتح اللام ) في الجميع.
مسألة 262 : يصح في السلف صدور الإيجاب من كل واحد من البائع والمشتري وصدور القبول من الآخر ، فالإيجاب من البائع بلفظ البيع وأشباهه بأن يقول مثلاً ( بعتك طناً من الحنطة بصفة كذا إلى أجل كذا بثمن كذا ) فيقول المشتري ( قبلت ) أو ( اشتريت ) ، وأما الإيجاب من المشتري فهو بلفظ ( أسلمت ) أو ( أسلفت ) بأن يقول أسلمت إليك أو أسلفتك مائة دينار مثلاً في طن من الحنطة بصفة كذا إلى أجل كذا فيقول المسلّم إليه ـ وهو البائع ـ ( قبلت ).
مسألة 263 : يجوز في السلف أن يكون المبيع والثمن من غير الذهب والفضة ـ على تفصيل يأتي في المسألة التالية ـ كما يجوز أن يكون أحدهما من الذهب أو الفضة والآخر من غيرهما ثمناً كان أو مثمناً ولا يجوز أن يكون كل من الثمن والمثمن من الذهب أو الفضة أو أحدهما من الذهب والآخر من الفضة.
مسألة 264 : يشترط في السلف أمور :
الأول : أن يكون المبيع مضبوط الأوصاف التي تختلف القيمة باختلافها كالجودة والرداءة والطعم والريح واللون وغيرها ، ولا يلزم التدقيق والاستقصاء بل يكفي التعيين بنحو يكون المبيع مضبوطاً عرفاً ، فيصح السلف
في الحيوان والخضر والفواكه والحبوب والجوز والجوز والبيض والملابس والأشربة والأدوية والات السلاح والات النجارة والنساجة والخياطة وغيرها من الأعمال وغير ذلك ، ولا يصح فيما لا يمكن ضبط أوصافه كغالب أنواع الجواهر واللآلي والبساتين وغيرها مما لا ترتفع الجهالة فيها إلا بالمشاهدة.
الثاني : قبض الثمن قبل التفرق ، ولو قبض البعض صح فيه وبطل في الباقي ، ولو كان الثمن ديناً في ذمة البائع فالأقوى الصحة إذا كان الدين حالاً ، أو حل قبل افتراقها والا لم يصح.
الثالث : تقدير المبيع ذي الكيل أو الوزن أو العد بمقداره ، والمتاع الذي يباع بالمشاهدة يجوز بيعه سلفاً ولكن يلزم أن يكون التفاوت بين أفراده غير معتنى به عند العقلاء كبعض أقسام الجوز والبيض.
الرابع : تعيين أجل مضبوط للمسلّم فيه بالأيام أو الشهور أو السنين أو نحوها ، ولو جعل الأجل زمان الحصاد أو الدياس أو الحضيرة بطل البيع ، ويجوز فيه أن يكون قليلاً كيوم ونحوه وإن يكون كثيراً كعشرين سنة.
الخامس : تعيين مكان تسليم المسلّم فيه مضبوطاً على الأحوط ، إذا لم يكن له تعين عندهما ولو لانصراف ونحوه كما سيأتي.
السادس : إمكان دفع ما تعهد البائع دفعه وقت الحلول وفي البلد الذي شرط التسليم فيه إذا كان قد شرط ذلك سواء أكان عام الوجود أم نادره ، فلولم يمكن ذلك ولو تسبيباً لعجزه عنه ولو لكونه في سجن أو في بيداء لا يمكنه الوصول إلى البلد الذي اشترط التسليم فيه عند الأجل بطل.
السابع : أن لا يلزم منه الربا ، فإذا كان المبيع سلفاً من المكيل أو الموزون لم يجز أن يجعل ثمنه من جنسه بل ولا من غير جنسه من المكيل والموزون على الأحوط ، وأذا كان من المعدود لم يجز على الأحوط جعل ثمنه من جنسه بزيادة عينية.
مسألة 265 : إطلاق العقد يقتضي تسليم المسلّم فيه في بلد العقد إلا أن تقوم قرينة على خلافه ، وحينئذ أن اقتضت تعيين غيره يؤخذ به والا فالأحوط لزوماً ـ كما مر ـ تعيين مكان التسليم.
مسألة 266 : إذا جعل الأجل شهراً حمل على ما ينصرف إليه إطلاقه في عرف المتبايعين من الشهر الهلالي أو الشهر الشمسي ـ على اختلاف أنواعه ـ فإن وقع البيع في أول الشهر فالمراد تمام ذلك الشهر وإن كان في أثناء الشهر ففي كون المراد به ثلاثين يوماً أو مجموع ما بقي من الشهر الأول مع إضافة مقدار من الشهر الثاني يساوي الماضي من الشهر الأول وجهان ، لا يخلو أولهما عن وجه وإن كان الأحوط هو التعيين من الأول ومع عدمه فالأحوط التصالح بلحاظ أصل البيع.
وإن جعل الأجل شهرين أو عدة شهور ووقع البيع في أثناء الشهر جعل الشهر الثاني وما بعده هلالياً أو شمسياً ـ كما مر ـ ويجري الوجهان المتقدمان في الشهر الأول.
مسألة 267 : إذا جعل الأجل جمادى أو ربيعاً حمل على أولهما من تلك السنة وحل بأول جزء من ليلة الهلال ، وأذا جعله الجمعة أو الخميس حمل على الأول من تلك السنة وحل بأول جزء من نهار اليوم المذكور.
مسألة 268 : إذا اشترى شيئاً سلفاً جاز بيعه من بائعه قبل حلول الأجل نقداً وكذا بعده نقداً ونسيئة بجنس الثمن ـ بشرط عدم الزيادة على الأحوط ـ أو بجنس آخر ما لم يستلزم الربا على التقديرين ، ولا يجوز بيعه من غير البائع قبل حلول الأجل ويجوز بعده سواء باعه بجنس آخر أو بجنس الثمن مع الزيادة أو النقيصة أو التساوي ما لم يستلزم الربا. هذا في غير المكيل والموزون وأما فيهما ـ ما عدا الثمار ـ فلا يجوز بيعهما لغير البائع قبل القبض مرابحة مطلقاً كما تقدم في المسألة 200.
مسألة 269 : إذا دفع البائع المسلّم فيه دون الصفة لم يجب على المشتري القبول ، ولو رضى بذلك صح ، وكذلك إذا دفع أقل من المقدار ، وتبرأ ذمة البائع إذا أبرأه المشتري من الباقي ، وأذا دفعه على الصفة والمقدار وجب عليه القبول ، وأذا دفع فوق الصفة فإن كان شرط الصفة راجعاً إلى استثناء ما دونها فقط وجب القبول أيضاً ، وإن كان راجعاً إلى استثناء ما دونها وما فوقها لم يجب القبول ، ولو دفع إليه زائداً على المقدار لم يجب القبول.
مسألة 270 : إذا حل الأجل ولم يتمكن البائع من دفع المسلّم فيه تخير المشتري بين أن ينتظر إلى أن يتمكن البائع من دفع المبيع إليه في وقت آخر وبين الفسخ والرجوع بالثمن أو بدله بلا زيادة ولا نقصان ، ولا يجوز له بيعه من البائع بأكثر مما اشتراه على الأحوط ، ولو تمكن من دفع بعضه وعجز عن الباقي كان له الخيار في الباقي بين الفسخ فيه والانتظار ، وفي جواز فسخه في الكل حينئذ إشكال ، والأظهر الجواز ، نعم لو فسخ في البعض جاز للبائع الفسخ في الكل.
مسألة 271 : لو كان المبيع موجوداً في غير البلد الذي عين للتسليم فيه فإن تراضيا بتسليمه في موضع وجوده جاز ، والا فإن أمكن وتعارف نقله إلى بلد التسليم وجب على البائع نقله ، والا فيجري الحكم المتقدم من الخيار بين الفسخ والانتظار.
الفصل الثاني عشر
بيع الثمار والخضر والزرع
مسألة 272 : لا يجوز بيع ثمرة النخل والشجر قبل ظهورها عاماً واحداً بلا ضميمة ويجوز بيعها عامين فما زاد وعاماً واحداً مع الضميمة على الأقوى ، وأما بعد ظهورها فإن استبان حالها وإن بها آفة أم لا بحيث أمكن تعين مقدارها بالخرص أو كان البيع في عامين فما زاد أو مع الضميمة أو كان المبيع نفس ما هو خارج منها فعلاً ـ بشرط أن تكون له مالية معتد بها ـ وإن لم يشترط على المشتري أن يقتطفها في الحال جاز بيعها وأما مع انتفاء هذه الأربعة فجواز البيع محل إشكال.
مسألة 273 : يعتبر في الضميمة المجوزة لبيع الثمر قبل استبانة حاله أن تكون مما يجوز بيعه منفرداً ويعتبر كونها مملوكة لمالك الثمر ، وكون الثمن لها وللمنضم إليه على الإشاعة. ولا يعتبر فيها أن تكون متبوعة على الأقوى فيجوز كونها تابعة. نعم يشترط فيها ـ على الأحوط لزوماً ـ أن تكون بحيث يتحفظ معها على رأس مال المشتري إن لم تخرج الثمرة.
مسألة 274 : يكفي في الضميمة في ثمر النخل مثل السعف والكرب والشجر اليابس الذي في البستان على الشرط المتقدم.
مسألة 275 : لو بيعت الثمرة قبل استبانة حالها مع أصولها جاز بلا إشكال.
مسألة 276 : إذا ظهر بعض ثمر البستان وأستبان حاله جاز للشرط المتقدم بيع المتجدد في تلك السنة معه وإن لم يظهر ، اتحد الجنس أم
اختلف ، اتحد البستان أم تكثر ، على الأقوى.
مسألة 277 : إذا كانت الشجرة تثمر في السنة الواحدة مرتين ففي جريان حكم العامين عليهما إشكال ، أظهره الجريان.
مسألة 278 : إذا باع الثمرة سنة أو سنتين أو أكثر ثم باع أصولها على شخص آخر لم يبطل بيع الثمرة بل تنتقل الأصول إلى المشتري مسلوبة المنفعة في المدة المعينة ، وله الخيار في الفسخ مع الجهل.
مسألة 279 : لا يبطل بيع الثمرة بموت بائعها بل تنتقل الأصول إلى ورثة البائع بموته مسلوبة المنفعة ، وكذا لا يبطل بيعها بموت المشتري بل تنتقل إلى ورثته.
مسألة 280 : إذا اشترى ثمرة فتلفت قبل قبضها انفسخ العقد وكانت الخسارة من مال البائع كما تقدم ذلك في أحكام القبض ، وتقدم أيضاً إلحاق السرقة ونحوها بالتلف وحكم ما لو كان التلف من البائع أو المشتري أو الأجنبي.
مسألة 281 : يجوز لبائع الثمرة أن يستثني ثمرة شجرات أو نخلات بعينها وإن يستثنى حصة مشاعة كالربع والخمس وإن يستثني مقداراً معيناً كمائة كيلو لكن في هاتين الصورتين لو خاست الثمرة وزع النقص على المستثنى والمستثنى منه على النسبة ، ففي صورة استثناء حصة مشاعة يوزع الباقي بتلك النسبة وأما إذا كان المستثنى مقداراً معيناً فطريقة معرفة النقص تخمين الفائت بالثلث أو الربع مثلاً فيسقط من المقدار المستثنى بتلك النسبة ، فإن كان الفائت الثلث يسقط منه الثلث وإن كان الربع يسقط الربع وهكذا.
مسألة 282 : يجوز بيع ثمرة النخل وغيره في أصولها بالنقود وبغيرها كالأمتعة والحيوان والطعام وبالمنافع والأعمال وغيرها ، كغيره من أفراد البيع.
مسألة 283 : لا تجوز المزابنة وهي بيع ثمرة النخل ـ تمراً كانت أو رطباً أو بسراً أو غيرها ـ بالتمر دون الرطب والبسر أو غيرهما ، سواء من ثمره أم من ثمر غيره ، في الذمة أم معيناً في الخارج ، ويستثنى من ذلك بيع العرية كما سيأتي.
مسألة 284 : لا يجوز بيع ثمر غير النخل بثمره أيضاً ، وأما بيعه بغير ثمره فلا بأس به.
مسألة 285 : يجوز أن يبيع ما اشتراه من الثمر في أصله بثمن زائد على ثمنه الذي اشتراه به أو ناقص أو مساو ، سواء أباعه قبل قبضه أم بعده.
مسألة 286 : لا يجوز بيع الزرع بذراً قبل ظهوره على الأحوط وجوباً ، ويجوز بيعه تبعاً للأرض لو باعها معه ، أما بعد ظهوره فيجوز بيعه مع أصله بمعنى بيع المقدار الظاهر مع أصوله الثابتة فإن شاء المشتري قصله وإن شاء أبقاه مع اشتراط الإبقاء ـ أو ما بحكمه من اقتضاء التعارف ذلك ـ أو بإذن من صاحب الأرض ، فإن أبقاه حتى يسنبل كان له السنبل وعليه أجرة الأرض إذا لم يشترط الإبقاء مجاناً ، وإن قصله قبل أن يسنبل فنمت الأصول الثابتة في الأرض حتى سنبلت كان له أيضاً ولا تجب عليه أجرة الأرض إلا إذا كان قد اشترط عليه إزالة الأصول فلم يفعل.
مسألة 287 : يجوز بيع الزرع لا مع أصله بل قصيلاً إذا كان قد بلغ أوان قصله أو قبل ذلك على أن يبقى حتى يصير قصيلاً أو قبل ذلك ، فإن قطعه ونمت الأصول حتى صارت سنبلاً كان السنبل للبائع وإن لم يقطعه كان لصاحب الأرض فسخ البيع كما أن له إلزامه بقطعه فإن لم يمكن جاز له قطعه والأحوط أن يكون بعد الاستئذان من الحاكم الشرعي مع الإمكان ، وله إبقاؤه والمطالبة بالأجرة فلو أبقاه فنما حتى سنبل ففي كون السنبل للمشتري وعليه أجرة الأرض أو مشتركاً بينه وبين البائع وجهان ، والأحوط التصالح. وكذا
الحال لو اشترى نخلاً بشرط القلع فلم يقلعه حتى أثمر.
مسألة 288 : يجوز بيع الزرع محصوداً ولا يشترط معرفة مقداره بالكيل أو الوزن ، بل تكفي فيه المشاهدة.
مسألة 289 : لا تجوز المحاقلة وهي بيع سنبل الحنطة بالحنطة ولو من غيره ، كما لا يجوز بيع سنبل غير الحنطة من الحبوب بحب منه والأحوط استحباباً عدم بيع سنبل الشعير بالشعير من غيره.
مسألة 290 : الخضر كالخيار والباذنجان والبطيخ لا يجوز بيعها قبل ظهورها على الأحوط وجوباً ، ويجوز بعد ظهورها لقطة واحدة أو لقطات معلومة ، والمرجع في تعيين اللقطة عرف الزراع.
مسألة 291 : إنما يجوز بيع الخضر كالخيار والبطيخ مع مشاهدة ما يمكن مشاهدته من خلال الأوراق ولا يضر عدم مشاهدة بعضها المستورة كما لا يضر عدم تنامي عظمها كلاً أو بعضاً.
مسألة 292 : لو كانت الخضرة مستورة كالشلغم والجزر ونحوهما فالظاهر جواز بيعها أيضاً.
مسألة 293 : إذا كانت الخضرة مما يجز كالكراث والنعناع واللفت ونحوها يجوز بيعها بعد ظهورها جزة وجزات ولا يجوز بيعها قبل ظهورها على الأحوط لزوماً ، والمرجع في تعيين الجزة عرف الزراع كما سبق في اللقطة. وكذا الحكم فيما يخرط كورق الحناء والتوت فإنه يجوز بيعه بعد ظهوره خرطة وخرطات.
مسألة 294 : إذا كان نخل أو شجر أو زرع مشتركاً بين اثنين جاز أن يتقبل أحدهما حصة صاحبه بعد خرصها بمقدار معين فيتقبلها بذلك المقدار فإذا خرص حصة صاحبه بمائة كيلو غراماً مثلاً جاز أن يتقبلها بتلك المائة زادت عليها في الواقع أو نقصت عنها أو ساوتها.
مسألة 295 : الظاهر أنه لا فرق بين أن يكون الشركاء اثنين أو أكثر وكون المقدار المتقبل به منها وفي الذمة ، نعم إذا كان منها فتلفت الثمرة فلا ضمان على المتقبل بخلاف ما لو كان في الذمة فإنه باق على ضمانه ، والظاهر أن هذه المعاملة خاصة برأسها ، نعم فيما إذا كان المقدار المتقبل في الذمة فالظاهر أن مرجعها إلى الصلح على نقل حصة الشريك ـ بعد تعيينها في كمية خاصة ـ إلى ذمة المتقبل ، ويكفي فيها كل لفظ دال على المقصود بل تجري فيها المعاطاة كما في غيرها من العقود.
مسألة 296 : إذا مر الإنسان بشيء من النخل أو الشجر أو الزرع جاز له أن يأكل ـ ولو من غير ضرورة ـ من ثمره بلا إفساد للثمر أو الأغصان أو الشجر أو غيرها.
مسألة 297 : الظاهر جواز الأكل للمار وإن كان قاصداً له من أول الأمر ، ولا يجوز له أن يحمل معه شيئاً من الثمر وأذا حمل معه شيئاً حرم ما حمل ولم يحرم ما أكل ، وأذا كان للبستان جدار أو حائط أو ظن كراهة المالك أو كان قاصراً ففي جواز الأكل إشكال والاجتناب أحوط.
مسألة 298 : لا بأس ببيع العرية وهي النخلة الواحدة لشخص في دار غيره يشق دخوله إليها فيبيع منه ثمرتها قبل أن تكون تمراً بخرصها تمراً.
الفصل الثالث عشر
في بيع الحيوان
مسألة 299 : يجوز شراء بعض الحيوان مشاعاً كنصفه وربعه ، ولا يجوز شراء بعض معين منه كرأسه وجلده إذا لم يكن في معرض الذبح أو نحوه كأن كان المقصود الإبقاء عليه حياً للركوب أو الحمل أو غيرهما.
مسألة 300 : لو كان الحيوان في معرض الذبح أو نحوه جاز شراء بعض معين منه فأن ذبح يكون للمشتري ما اشتراه وإن لم يذبح لمانع كما إذا كان مريضاً فبرئ فكان في ذبحه ضرر مالي كان المشتري شريكاً بنسبة الجزء أي بأن ينسب ذلك الجزء على تقدير الذبح إلى قيمة البقية فلهم من الحيوان بتلك النسبة ، وكذا لو باع الحيوان وأستثنى الرأس والجلد مثلاً ، وأما إذا اشترك اثنان أو جماعة وشرط أحدهم أن يعين حصته ـ بعد ذبح الحيوان ـ في الرأس والجلد مثلاً فلم يذبح ـ لما مر ـ كان شريكاً فيه بنسبة المال لا بنسبة الرأس والجلد.
مسألة 301 : لو قال شخص لآخر : اشتر حيواناً بشركتي صح ، ويثبت البيع لهما على السوية مع الإطلاق ويكون على كل واحد منهما نصف الثمن ، ولو قامت القرينة على كون المراد الاشتراك على التفاضل كان العمل عليها.
مسألة 302 : لو دفع المأمور عن الآمر بالشراء شركة ما عليه من جزء الثمن فإن كان الأمر بالشراء على وجه الشركة قرينة على الأمر بالدفع عنه رجع الدافع عليه بما دفعه عنه والا كان متبرعاً وليس له الرجوع عليه به.
مسألة 303 : يجوز في البهائم تفرقة الأم عن الولد ، ما لم يؤد إلى إتلاف المال المحترم.
خاتمة
في الإقالة
وهي فسخ العقد من أحد المتعاملين بعد طلبه من الآخر ، والظاهر جريانها في عامة العقود اللازمة ـ غير النكاح ـ حتى الهبة اللازمة ، وفي جريانها في الضمان والصدقة إشكال ، وتقع بكل لفظ يدل على المراد وإن لم يكن عربياً بل تقع بالفعل كما تقع بالقول ، فإذا طلب أحدهما الفسخ من صاحبه فدفعه إليه كان فسخاً وأقالة ووجب على الطالب إرجاع ما في يده إلى صاحبه.
مسألة 304 : لا تجوز الإقالة بزيادة على الثمن أو المثمن أو نقصان عنهما فلو أقال كذلك بطلت وبقي كل من العوضين على ملك مالكه.
مسألة 305 : إذا جعل له مالاً في الذمة أو في الخارج ليقيله بأن قال له أقلني ولك هذا المال أو أقلني ولك عليّ كذا فالأظهر الصحة.
مسألة 306 : لو أقال بشرط مال عين أو عمل كما لو قال للمستقيل أقلتك بشرط أن تعطيني كذا أو تخيط ثوبي فقبل صح.
مسألة 307 : لا يجري في الإقالة فسخ أو إقالة.
مسألة 308 : في قيام وارث المتعاقدين مقام المورّث في صحة الإقالة إشكال والظاهر العدم.
مسألة 309 : تصح الإقالة في جميع ما وقع عليه العقد وفي بعضه ويتقسط الثمن حينئذ على النسبة ، وأذا تعدد البائع أو المشتري تصح الإقالة بين أحدهما والطرف الآخر بالنسبة إلى حصته ولا يشترط رضى الآخر.
مسألة 310 : تلف أحد العوضين أو كليهما لا يمنع من صحة الإقالة ،
فإذا تقايلا رجع كل عوض إلى صاحبه الأول فإن كان موجوداً أخذه وإن كان تالفاً رجع بمثله إن كان مثلياً وبقيمته يوم التلف إن كان قيمياً.
مسألة 311 : الخروج عن الملك ببيع أو هبة أو نحوهما بمنزلة التلف وتلف البعض كتلف الكل يستوجب الرجوع بالبدل عن البعض التالف.
مسألة 312 : العيب في يد المشتري يستوجب الرجوع عليه بالأرش مع الإقالة. والحمد لله رب العالمين.
كتاب الشفعة
وفيه فصول :
إذا باع أحد الشريكين حصته على ثالث كان لشريكه ـ مع اجتماع الشرائط الآتية ـ حق أن يتملك المبيع بالثمن المجعول له في البيع ويسمى هذا الحق بالشفعة ، وصاحبه بالشفيع.
فصل
في ما تثبت فيه الشفعة
مسألة 313 : تثبت الشفعة في بيع ما لا ينقل إذا كان يقبل القسمة كالأرضين والدور والبساتين بلا إشكال ، وهل تثبت فيما ينقل كالآلات والثياب والحيوان وفيما لا ينقل إذا لم يقبل القسمة كالضيقة من الأنهار والطرق والآبار؟ قولان أقواهما الأول حتى في الحيوان والسفينة والنهر والطريق والحمام والرحى ، لكن الأحوط للشريك عدم الأخذ فيها بالشفعة إلا برضا المشتري كما أن الأحوط إجابة الشريك إن أخذ بها.
مسألة 314 : لا تثبت الشفعة بالجوار فإذا باع أحد داره فليس لجاره الأخذ بالشفعة.
مسألة 315 : إذا كانت داران مختصة كل واحدة منهما بشخص وكانا مشتركين في طريقهما فبيعت إحدى الدارين مع الحصة المشاعة من الطريق تثبت الشفعة لصاحب الدار الأخرى سواء أكانت الداران قبل ذلك مشتركتين وقسمتا أم لم تكونا كذلك.
مسألة 316 : يجري هذا الحكم في الدور المختصة كل واحدة منها بواحد مع الاشتراك في الطريق ، فإذا بيعت واحدة منها مع الحصة من الطريق ثبتت الشفعة للباقين.
مسألة 317 : إذا بيعت إحدى الدارين بلا ضم حصة الطريق إليها لم تثبت الشفعة للشريك في الطريق.
مسألة 318 : إذا بيعت الحصة من الطريق وحدها تثبت الشفعة للشريك.
مسألة 319 : هل يختص الحكم المذكور بالدار أو يعم غيرها من الأملاك المفروزة المشتركة في الطريق؟ وجهان ، ولا يترك مراعاة الاحتياط.
مسألة 320 : ألحق جماعة بالطريق النهر ، والساقية ، والبئر ، فإذا كانت الداران المختصة كل منهما بشخص مشتركتين في نهر أو ساقية أو بئر فبيعت إحداهما مع الحصة من النهر أو الساقية أو البئر كان لصاحب الدار الأخرى الشفعة في الدار أيضاً ، وفيه إشكال بل منع.
مسألة 321 : إذا بيع المقسوم منضماً إلى حصة من المشاع صفقة واحدة كان للشريك في المشاع الأخذ بالشفعة في الحصة المشاعة بما يخصها من الثمن بعد توزيعه وليس له الأخذ في المقسوم.
مسألة 322 : تثبت الشفعة في البيع ويلحق به على الأقرب ما يفيد فائدته ـ كالهبة المعوضة والصلح بعوض ـ دون غيره كجعل الحصة صداقاً أو فدية للخلع.
مسألة 323 : إذا كانت العين بعضها ملكاً وبعضها وقفاً فبيع الملك لم يكن للموقوف عليهم الشفعة على الأقوى وإن كان الموقوف عليه واحداً.
مسألة 324 : إذا بيع الوقف في مورد يجوز بيعه ففي ثبوت الشفعة للشريك قولان أقربهما ذلك.
مسألة 325 : يشترط في ثبوت الشفعة أن تكون العين المبيعة مشتركة بين اثنين ، فإذا كانت مشتركة بين ثلاثة فما زاد وباع أحدهم لم تكن لأحدهم شفعة ، وإذا باعوا جميعاً إلا واحداً منهم ففي ثبوت الشفعة له إشكال بل منع.
مسألة 326 : إذا كانت العين بين شريكين فباع أحدهما بعض حصته ثبتت الشفعة للآخر ، وكذا لو باع حصته من اثنين ـ مثلاً ـ دفعة أو تدريجاً فصارت العين بين ثلاثة بعد البيع تثبت الشفعة للشريك الآخر ، وحينئذ هل له التبعيض بأن يأخذ الشفعة بالنسبة إلى أحد المشتريين وبترك الآخر أوليس له ذلك أو يفصّل بين وقوع البيع تدريجاً ووقوعه دفعة فيحق له التبعيض في الأول دون الثاني؟ وجوه لا يخلو أخيرها من قوة.
فصل
في الشفيع
مسألة 327 : يعتبر في الشفيع الإسلام إذا كان المشتري مسلماً فلا شفعة للكافر على المسلم وإن اشترى من كافر ، وتثبت للمسلم على الكافر وللكافر على مثله.
مسألة 328 : يشترط في الشفيع أن يكون قادراً على أداء الثمن فلا تثبت للعاجز عنه وإن بذل الرهن أو وجد له ضامن إلا أن يرضى المشتري بذلك. نعم إذا ادعى غيبة الثمن أمهل ثلاثة أيام فإن لم يحضره بطلت شفعته إلا أن يذكر أن الثمن في بلد آخر فيمهل بمقدار وصول المال إليه مضافاً إلى الأيام الثلاثة ، فإن انتهت المهلة ولم يدفع الثمن فلا شفعة له. ويكفي في الثلاثة أياماً التلفيق نظير ما تقدم في خيار الحيوان ، ومبدأها زمان الأخذ بالشفعة لا زمان البيع.
مسألة 329 : إذا كان الإمهال ثلاثة أيام أو إلى زمان وصول المال من البلد الآخر ـ حيث يدعي وجوده فيه ـ يوجب الضرر المعتد به على المشتري فالظاهر سقوط الشفعة ، وكذا إذا استغرق إحضاره من البلد الآخر وقتاً أزيد من المتعارف.
مسألة 330 : إذا كان الشريك غائباً عن بلد البيع وقت البيع جاز له الأخذ بالشفعة إذا حضر البلد وعلم بالبيع وإن كانت الغيبة طويلة.
مسألة 331 : إذا كان له وكيل في البلد إما في خصوص الأخذ بالشفعة أو فيما هو أعم من ذلك جاز لذلك الوكيل الأخذ بالشفعة عنه.
مسألة 332 : تثبت الشفعة للمفلس إذا رضي المشتري ببقاء الثمن
في ذمته أو كان له مال تجدد له بعد الحجر ـ ولو بالاستدانة أو قبول الهدية مثلاً ـ أو أذن له الغرماء بدفع الثمن من ماله المحجور عليه.
مسألة 333 : تثبت الشفعة للشريك وإن كان سفيهاً أو صبياً أو مجنوناً فيأخذ لهم الولي بها ، بل إذا أخذ السفيه بها بإذن الولي صح. نعم إذا كان الولي هو الوصي أو الحاكم ليس له ذلك إلا مع رعاية الغبطة والمصلحة بخلاف الأب والجد فإنه تكفي فيهما رعاية عدم المفسدة كما هو الحال في سائر التصرفات.
مسألة 334 : إذا أسقط الولي عن الصبي أو المجنون أو السفيه حق الشفعة ـ مع رعاية ما تقدم ـ لم يكن لهم المطالبة بها بعد البلوغ والعقل والرشد ، وكذا إذا لم يكن الأخذ بها مصلحة فلم يطالب. أما إذا ترك المطالبة بها مساهلة منه في حقهم فالظاهر أن لهم المطالبة بها بعد البلوغ والعقل والرشد.
مسألة 335 : إذا كان المبيع مشتركاً بين الولي والمولى عليه فباع الولي سهم المولىّ عليه جاز له أن يأخذ بالشفعة لنفسه على الأقوى.
مسألة 336 : إذا باع الولي سهم نفسه جاز له أن يأخذ بالشفعة للمولى عليه ، وكذا الحكم في الوكيل إذا كان شريكاً مع الموكل.
فصل
في الأخذ بالشفعة
مسألة 337 : الأخذ بالشفعة من الإنشائيات المعتبر فيها الإيقاع ويتحقق ذلك بالقول مثل أن يقول : أخذت المبيع الكذائي بثمنه ، وبالفعل مثل أن يدفع الثمن إلى المشتري ويستقل بالمبيع.
مسألة 338 : لا يجوز للشفيع أخذ بعض المبيع وترك بعضه الآخر بل إما أن يأخذ الجميع أو يدع الجميع.
مسألة 339 : الشفيع يتملك المبيع بإعطاء قدر الثمن إلى المشتري لا بأكثر منه ولا بأقل سواء أكانت قيمة المبيع السوقية مساوية للثمن أم زائدة أم ناقصة ، ولا يلزم أن يعطي عين الثمن في فرض التمكن منها بل له أن يعطي مثله إن كان مثلياً.
مسألة 340 : إذا كان الثمن قيمياً ففي ثبوت الشفعة للشريك بأن يأخذ المبيع بقيمة الثمن حين البيع إشكال ، فالأحوط له عدم الأخذ بالشفعة إلا برضى المشتري كما أن الأحوط للمشتري إجابته إذا أخذ بها.
مسألة 341 : إذا غرم المشتري شيئاً من أجرة الدلال أو غيرها أو تبرع بشيء للبائع من خلعة ونحوها لم يلزم الشفيع تداركه.
مسألة 342 : إذا حط البائع شيئاً من الثمن للمشتري بعد البيع لم يكن للشفيع تنقيصه.
مسألة 343 : الأقوى لزوم المبادرة إلى الأخذ بالشفعة فيسقط مع المماطلة والتأخير بلا عذر ولا يسقط إذا كان التأخير عن عذر ـ ولو كان عرفياً ـ كجهله بالبيع أو جهله باستحقاق الشفعة ، أو توهمه كثرة الثمن فبان قليلا ،
أو كون المشتري زيداً فبان عمراً ، أو أنه اشتراه لنفسه فبان لغيره أو العكس ، أو أنه واحد فبان اثنين أو العكس ، أوإن المبيع النصف بمائة فتبين أنه الربع بخمسين ، أو كون الثمن ذهباً فبان فضة ، أو لكونه محبوساً ظلماً أو بحق يعجز عن أدائه ، وكذا أمثال ذلك من الأعذار.
مسألة 344 : المبادرة اللازمة في استحقاق الأخذ بالشفعة يراد منها المبادرة على النحو المتعارف الذي جرت به العادة ، فإذا كان مشغولاً بعبادة واجبة أو مندوبة لم يجب عليه قطعها.
مسألة 345 : إذا كان مشغولاً بأكل أو شرب لم يجب قطعه ولا يجب عليه الإسراع في المشي.
مسألة 346 : يجوز له إن كان غائباً انتظار الرفقة إذا كان الطريق مخوفاً ، أو انتظار زوال الحر أو البرد إذا جرت العادة بانتظاره لمثله ، وقضاء وطره من الحمام إذا علم بالبيع وهو في الحمام وأمثال ذلك مما جرت العادة بفعله لمثله ، نعم يشكل مثل عيادة المريض وتشييع المؤمن ونحو ذلك إذا لم يكن تركه موجباً للطعن فيه وكذا الاشتغال بالنوافل ابتداءً ، والأظهر السقوط في كل مورد صدقت فيه المماطلة عرفاً.
مسألة 347 : إذا كان غائباً عن بلد البيع وعلم بوقوعه وكان يتمكن من الأخذ بالشفعة ولو بالتوكيل فلم يبادر إليه سقطت الشفعة.
مسألة 348 : لا ينتقل المبيع إلى الشفيع بمجرد قوله : ( أخذت بالشفعة ) مثلاً ، بل لابد من تعقبه بدفع الثمن إلا أن يرضى المشتري بالتأخير ، فإذا قال ذلك وهرب أو ماطل أو عجز عن دفع الثمن بقي المبيع على ملك المشتري لا أنه ينتقل بالقول إلى ملك الشفيع وبالعجز أو الهرب أو المماطلة يرجع إلى ملك المشتري.
مسألة 349 : إذا باع المشتري قبل أخذ الشفيع بالشفعة لم تسقط بل
جاز للشفيع الأخذ من المشتري الأول بالثمن الأول فيبطل الثاني وتجزي الإجازة منه في صحته له ، وله الأخذ من المشتري الثاني بثمنه فيصح البيع الأول.
مسألة 350 : إذا زادت العقود على اثنين فإن أخذ بالأول بطل ما بعده ويصح مع إجازته ، وإن أخذ بالأخير صح ما قبله ، وإن أخذ بالمتوسط صح ما قبله وبطل ما بعده ويصح مع إجازته.
مسألة 351 : إذا تصرف المشتري في المبيع بوقف أو هبة غير معوضة أو بجعله صداقاً أو غير ذلك مما لا شفعة فيه كان للشفيع الأخذ بالشفعة بالنسبة إلى البيع فتبطل التصرفات اللاحقة له.
مسألة 352 : الشفعة من الحقوق فتسقط بالإسقاط ، ويجوز أخذ المال بإزاء إسقاطها وبإزاء عدم الأخذ بها ، لكن على الأول لا يسقط إلا بالإسقاط فإذا لم يسقطه وأخذ بالشفعة صح ولم يستحق المال المبذول ، بل الظاهر صحة الأخذ بالشفعة على الثاني أيضاً. ويصح الصلح على سقوطها فيسقط بذلك.
مسألة 353 : الظاهر أنه لا إشكال في أن حق الشفعة لا يقبل الانتقال إلى غير الشفيع.
مسألة 354 : إذا باع الشريك نصيبه قبل الأخذ بالشفعة فالظاهر سقوطها خصوصاً إذا كان بيعه بعد علمه بالشفعة.
مسألة 355 : المشهور اعتبار العلم بالثمن في جواز الأخذ بالشفعة ، فإذا أخذ بها وكان جاهلاً به لم يصح لكن الصحة لا تخلو من وجه.
مسألة 356 : إذا تلف تمام المبيع قبل الأخذ بالشفعة سقطت.
مسألة 357 : إذا تلف بعضه دون بعض لم تسقط وجاز له أخذ الباقي بتمام الثمن من دون ضمان على المشتري.
مسألة 358 : إذا كان التلف بعد الأخذ بالشفعة فإن كان التلف بفعل المشتري ضمنه.
مسألة 359 : إذا كان التلف بغير فعل المشتري ضمنه المشتري أيضاً فيما إذا كان التلف بعد المطالبة ومسامحة المشتري في الإقباض.
مسألة 360 : في انتقال الشفعة إلى الوراث إشكال وعلى تقدير الانتقال ليس لبعض الورثة الأخذ بها ما لم يوافقه الباقون.
مسألة 361 : إذا أسقط الشفيع حقه قبل البيع لم يسقط ، وكذا إذا شهد على البيع أو بارك للمشتري إلا أن تقوم القرينة على إرادة الإسقاط بالمباركة بعد البيع.
مسألة 362 : إذا كانت العين مشتركة بين حاضر وغائب وكانت حصة الغائب بيد ثالث فعرضها للبيع بدعوى الوكالة عن الغائب جاز الشراء منه والتصرف فيه ما لم يعلم كذبه في دعواه ، وهل يجوز للشريك الحاضر الأخذ بالشفعة بعد إطلاعه على البيع؟ إشكال ، وإن كان الجواز أقرب فإذا حضر الغائب وصدق فهو ، وإن أنكر كان القول قوله بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر فإذا حلف انتزع الحصة من يد الشفيع وكان له عليه الأجرة إن كانت ذات منفعة مستوفاة أو غيرها على تفصيل تقدم في المسألة (78) ، فإن دفعها إلى المالك رجع بها على مدعي الوكالة.
مسألة 363 : إذا كان الثمن مؤجلاً جاز للشفيع الأخذ بالشفعة بالثمن المؤجل ، والظاهر جواز إلزامه بالكفيل ، ويجوز أيضاً الأخذ بالثمن حالاً إن رضي المشتري به أو كان شرط التأجيل للمشتري على البائع.
مسألة 364 : إذا تقايل المتبايعان قبل أخذ الشريك بالشفعة فالمشهور عدم سقوطها بالإقالة ، بل لو أخذ الشفيع بها كشف ذلك عن بطلان الإقالة فيكون نماء المبيع بعدها للمشتري ونماء الثمن للبائع كما كان الحال قبلها
كذلك ، ولكن لا يبعد سقوطها حينئذ ، وأما لو كان التقايل بعد أخذ الشريك بالشفعة لم يمنع ذلك عن صحة الإقالة فيرجع البائع بعوض المبيع إلى المشتري.
مسألة 365 : إذا كان للبائع خيار رد العين فالظاهر أن الشفعة لا تسقط به لكن البائع إذا فسخ قبل أخذ الشريك بالشفعة يرجع المبيع إليه ولا شفعة وإن فسخ بعده رجع بالمثل أو القيمة ، وهكذا الحكم في سائر الخيارات الثابتة للبائع أو المشتري غير ما يسقط بخروج العين عن ملك المشتري كخيار العيب.
مسألة 366 : إذا كانت العين معيبة فإن علمه المشتري فلا خيار له ولا أرش ، فإذا أخذ الشفيع بالشفعة فإن كان عالماً به فلا شيء له وإن كان جاهلاً كان له الخيار في الرد وليس له اختيار الأرش ، وأذا كان المشتري جاهلاً كان له الرد فإن لم يمكن ـ ولو لأخذ الشريك بالشفعة قبل ذلك ـ كان له الأرش ، وأما الشفيع الجاهل بالعيب حين أخذه بالشفعة فيتخير بين الرد إلى المشتري وبين مطالبته بالأرش حتى وإن كان قد أسقطه عن البائع على الأقرب.
مسألة 367 : إذا اتفق اطلاع المشتري على العيب بعد أخذ الشفيع فالظاهر أن له أخذ الأرش وعليه دفعه إلى الشفيع ، وأذا اطلع الشفيع عليه دون المشتري فليس له مطالبة البائع بالأرش بل له إعلام المشتري بالحال ويتخير بين رد العين المعيبة إليه وبين مطالبته بالأرش.
كتاب الإجارة
وهي المعاوضة على المنفعة عملاً كانت أو غيره ، فالأول مثل إجارة الخياط للخياطة ، والثاني مثل إجارة الدار.
وفيه فصول :
فصل في شروطها
مسألة 368 : لابد فيها من الإيجاب والقبول ، فالإيجاب مثل قول الخياط : آجرتك نفسي ، وقول صاحب الدار : آجرتك داري ، والقبول مثل قول المستأجر : قبلت ، ويجوز وقوع الإيجاب من المستأجر ، مثل : استأجرتك لتخيط ثوبي وأستأجرت دارك ، فيقول المؤجر : قبلت ، ويكفي في الأخرس الإشارة المفهمة للإيجار أو الاستئجار.
مسألة 369 : تجري المعاطاة في الإجارة ـ كما تجري في البيع ـ فلو سلّم المؤجر ماله للمستأجر بقصد الإيجار وقبضه المستأجر بقصد الاستئجار صحت الإجارة.
مسألة 370 : يشترط في صحة الإجارة أمور بعضها في المتعاقدين ، وبعضها في العين المستأجرة ، وبعضها في المنفعة المقصودة بالإجارة ، وبعضها في الأجرة.
( شرائط المتعاقدين )
يشترط في المؤجر والمستأجر أن يكون كل منهما بالغاً عاقلا مختارا ، كما يشترط في المؤجر أن يكون مالكا للمنفعة المقصودة بالإيجار وفي المستأجر أن يكون مالكاً للأجرة ، ويشترط فيهما أن لا يكونا محجورين لسفه أو تفليس ، فلا تصح إجارة الصبي والمجنون والمكره ـ إلا أن يكون الإكراه بحق ـ كما لا تصح إجارة الفضولي ، ولا إجارة السفيه أمواله مطلقاً ، ولا إجارة المفلس أمواله التي حجر عليها.
مسألة 371 : إذا أجر السفيه نفسه لعمل فالأظهر بطلان الإجارة ـ ما لم تتعقب بإجازة الولي ـ وأما إذا آجر المفلس نفسه فالأظهر صحتها.
مسألة 372 : إذا لم يكن المؤجر مالكاً للمنفعة ـ ولم يكن ولياً ولا وكيلاً ـ توقفت صحة الإجارة على إجازة المالك ، وأذا كان محجوراً عليه لسفه توقفت صحتها على إجازة الولي ، وإن كان محجوراً عليه لفلس توقفت صحتها على إجازة الغرماء ، وإن كان مكرهاً توقفت صحتها على الرضا لا بداعي الإكراه.
( شرائط العين المستأجرة )
وهي أمور :
1 ـ التعيين ، فلا يصح إجارة المبهم كما لو قال : ( آجرتك إحدى دوري ) نعم يصح إجارة الكلي في المعين كسيارة من عدة سيارات متماثلة.
2 ـ المعلومية ، فإن كانت عيناً معينة فإما بالمشاهدة وأما بذكر الأوصاف التي تختلف بها الرغبات في إجارتها لو كانت غائبة ، وكذا لو كانت كلية.
3 ـ التمكن من التسليم ، فلا تصح الإجارة من دونه حتى مع الضميمة على الأحوط ، نعم يكفي تمكن المستأجر من الاستيلاء على العين المستأجرة فتصح إجارة الدابة الشاردة مثلاً إذا كان المستأجر قادراً على أخذها.
4 ـ إمكان الانتفاع بها مع بقاء عينها ، فلا تصح إجارة الخبز ونحوه من المأكولات للأكل.
5 ـ قابليتها للانتفاع المقصود من الإجارة ، فلا تصح إجارة الأرض للزراعة إذا لم يكن المطر وافياً ولم يمكن سقيها من النهر أو غيره.
( شرائط المنفعة المقصودة بالإجارة )
وهي أمور :
1 ـ أن تكون محللة ، فلو انحصرت منافع المال في الحرام أو اشترط الانتفاع بخصوص المحرم منها ، أو أوقع العقد مبنياً على ذلك بطلت الإجارة ، كما لو آجر الدكان بشرط أن يباع أو يحفظ فيه الخمر ، أو آجر الحيوان بشرط أن يحمل الخمر عليه.
2 ـ أن تكون لها مالية يبذل المال بإزائها عند العقلاء على الأحوط.
3 ـ تعيين نوع المنفعة إذا كانت للعين منافع متعددة ، فلو أجر حيواناً قابلاً للركوب ولحمل الأثقال وجب تعيين حق المستأجر من الركوب أو الحمل أو كليهما.
4 ـ معلومية المنفعة ، وهي أما بتعيين المدة مثل سكنى الدار سنة أو شهراً ، وأما بتعيين المسافة مثل ركوب السيارة فرسخاً أو فرسخين ، وأما بتعيين العمل كخياطة الثوب المعين على كيفية معينة أو سياقة السيارة إلى مكة أو غيرها من البلاد المعروفة من طريق معين.
ولابد في الأولين من تعيين الزمان ، فإذا استأجر الدار للسكنى سنة ، والسيارة للركوب فرسخا من دون تعيين الزمان ، بطلت الإجارة ، إلا أن تكون قرينة على التعيين كالإطلاق الذي هو قرينة على التعجيل.
مسألة 373 : لا يعتبر تعيين الزمان في الإجارة على الخياطة ونحوها من الأعمال ، فيجب الإتيان به متى طالب المستأجر ، هذا إذا لم تختلف الأغراض باختلاف الأزمنة التي يقع فيها العمل ، والا فلابد من تعيين الزمان فيه أيضاً.
( شرائط الأجرة )
يعتبر في الأجرة معلوميتها ، فإذا كانت من المكيل أو الموزون أو المعدود لابد من معرفتها بالكيل أو الوزن أو العد ، وما يعرف منها بالمشاهدة لابد من مشاهدته أو وصفه على نحو ترتفع الجهالة.
ويجوز أن تكون الأجرة عيناً خارجية أو كلياً في الذمة ، أو عملاً أو منفعة أو حقاً قابلاً للنقل والانتقال كحق التحجير.
مسألة 374 : إذا استأجر سيارة للحمل فلابد من تعيين الحمل ، وأذا استأجر دراجة للركوب فلابد من تعيين الراكب ، وأذا استأجر ماكنة لحرث جريب من الأرض فلابد من تعيين الأرض. نعم إذا كان اختلاف الراكب أو الحمل أو الأرض لا يوجب اختلافاً في الأغراض النوعية لم يجب التعيين.
مسألة 375 : إذا قال آجرتك الدار شهراً أو شهرين أو قال آجرتك كل شهر بدرهم مهما أقمت فيها بطلت الإجارة ، وأذا قال : آجرتك شهراً بدرهم فإن زدت فبحسابه صح في الشهر الأول وبطل في غيره ، هذا إذا كان بعنوان الإجارة ، أما إذا كان بعنوان الجعالة بأن يجعل المنفعة لمن يعطيه درهماً أو كان من قبيل الإباحة بالعوض بأن يبيح المنفعة لمن يعطيه درهما فلا
بأس.
مسألة 376 : إذا قال : إن خطت هذا الثوب بدرز فلك درهم وإن خطته بدرزين فلك درهمان ، فإن قصد الجعالة كما هو الظاهر صح وإن قصد الإجارة بطل ، وكذا إن قال : إن خطته هذا اليوم فلك درهم وإن خطته غداً فلك نصف درهم. والفرق بين الإجارة والجعالة أن في الإجارة تشتغل ذمة العامل بالعمل للمستأجر حين العقد وكذا تشتغل ذمة المستأجر بالعوض ولأجل ذلك صارت عقداً وليس ذلك في الجعالة فإن اشتغال ذمة المالك بالعوض يكون بعد عمل العامل من دون اشتغال لذمة العامل بالعمل أبداً ، ولأجل ذلك صارت إيقاعا.
مسألة 377 : إذا استأجره على عمل مقيد بقيد خاص من زمان أو مكان أو آلة أو وصف فجاء به على خلاف القيد لم يستحق شيئاً على عمله ، فإن لم يمكن العمل ثانياً تخير المستأجر بين فسخ الإجارة وبين مطالبة الأجير بأجرة المثل للعمل المستأجر عليه فإن طالبه بها لزمه إعطاؤه أجرة المثل ، وإن أمكن العمل ثانياً وجب الإتيان به على النهج الذي وقعت عليه الإجارة.
مسألة 378 : إذا استأجره على عمل بشرط ، بأن كان إنشاء الشرط في ضمن عقد الإجارة أو وقع العقد مبنياً عليه فلم يتحقق الشرط ، كما إذا استأجره ليوصله إلى مكان معين وشرط عليه أن يوصله في وقت محدد فأوصله ولكن في غير ذلك الوقت أو استأجره على خياطة ثوبه وأشترط عليه قراءة سورة من القرآن فخاط الثوب ولم يقرأ السورة ـ كان له فسخ الإجارة وعليه حينئذ أجرة المثل وله إمضاؤها ودفع الأجرة المسماة ، والفرق بين القيد والشرط أن متعلق الإجارة في موارد التقييد حصة خاصة مغايرة لسائر الحصص وأما في موارد الاشتراط فمتعلق الإجارة هو طبيعي العمل ولكن العقد معلق على التزام الطرف بتحقق أمر كالإيصال في الوقت المحدد أو القراءة في المثالين ، ولازم
ذلك أن يكون التزامه بالعقد مشروطاً بنفس تحقق الملتزم به ، ومعنى ذلك جعل الخيار لنفسه على تقدير عدم تحققه.
مسألة 379 : إذا استأجر سيارة إلى «كربلاء» مثلاً بدرهم وأشترط له على نفسه أنه إن أوصله المؤجر نهاراً أعطاه درهمين صح.
مسألة 380 : لو استأجر سيارة مثلاً إلى مسافة بدرهمين وأشترط على المؤجر أن يعطيه درهماً واحداً إن لم يوصله نهاراً صح ذلك.
مسألة 381 : إذا استأجر سيارة على أن يوصله المؤجر نهاراً بدرهمين أو ليلاً بدرهم بحيث تكون الإجارة على أحد الأمرين مردداً بينهما فالإجارة باطلة.
مسألة 382 : إذا استأجره على أن يوصله إلى «كربلاء» وكان من نيته زيارة ليلة النصف من شعبان ولكن لم يذكر ذلك في العقد ولم تكن قرينة على التعيين استحق الأجرة وإن لم يوصله ليلة النصف من شعبان.
فصل
في مسائل تتعلق بلزوم الإجارة
مسألة 383 : الإجارة من العقود اللازمة لا تنفسخ إلا بالتراضي بين الطرفين أو يكون للفاسخ الخيار ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الإجارة منشأة باللفظ أو بالمعاطاة.
مسألة 384 : إذا باع المالك العين المستأجرة قبل تمام مدة الإجارة لم تنفسخ الإجارة بل تنتقل العين إلى المشتري مسلوبة المنفعة مدة الإجارة وإذا كان المشتري جاهلاً بالإجارة أو معتقداً قلة المدة فتبين زيادتها كان له فسخ البيع وليس له المطالبة بالأرش ، وإذا فسخت الإجارة رجعت المنفعة إلى البائع.
مسألة 385 : لا فرق فيما ذكرناه من عدم انفساخ الإجارة بالبيع بين أن يكون البيع على المستأجر وغيره ، فلو استأجر داراً ثم اشتراها بقيت الإجارة على حالها ويكون ملكه للمنفعة في بقية المدة بسبب الإجارة لا من جهة تبعية العين فلو انفسخت الإجارة رجعت المنفعة في بقية المدة إلى البائع ، ولو فسخ البيع بأحد أسبابه بقي ملك المشتري المستأجر للمنفعة على حاله.
مسألة 386 : إذا باع المالك العين على شخص وأجرها وكيله مدة معينة على شخص آخر واقترن البيع والإجارة زماناً صحا جميعاً فيكون المبيع للمشتري مسلوب المنفعة مدة الإجارة ويثبت الخيار له حينئذ.
مسألة 387 : لا تبطل الإجارة بموت المؤجر ولا بموت المستأجر حتى فيما إذا استأجر داراً على أن يسكنها بنفسه فمات ، فإنه لا تبطل الإجارة بموته
ولكن يثبت للمؤجر مع التخلف خيار الفسخ ، نعم إذا اعتبر سكناه على وجه القيدية تبطل بموته.
مسألة 388 : إذا أجر نفسه للعمل بنفسه فمات قبل إنجازه بطلت الإجارة ، نعم إذا تعمد ترك الإتيان به قبل موته لم تبطل الإجارة بل يتخير المستأجر بين الفسخ وبين المطالبة بأجرة مثل العمل.
مسألة 389 : إذا لم يكن المؤجر مالكا للعين المستأجرة بل مالكا لمنفعتها ما دام حياً ـ بوصية مثلاً ـ فمات أثناء مدة الأجارة بطلت حينئذ بالنسبة إلى المدة الباقية ، نعم لما كانت المنفعة في بقية المدة لورثة الموصي فلهم أن يجيزوها بالنسبة إلى تلك المدة فتقع لهم الإجارة وتكون لهم الأجرة.
مسألة 390 : إذا أجر البطن السابق من الموقوف عليهم العين الموقوفة فانقرضوا قبل انتهاء مدة الإجارة بطلت بالنسبة إلى بقية المدة إذا لم تجزها الطبقة المتأخرة ، وفي صورة أخذ الطبقة الأولى للأجرة كلها يكون للمستأجر استرجاع مقدار إجارة المدة الباقية منها من أموال الطبقة الأولى ، وأما إذا أجرها المتولي ـ سواء أكان هو البطن السابق أم غيره ـ ملاحظاً بذلك مصلحة الوقف لم تبطل بموته ، وكذا إذا أجرها لمصلحة البطون اللاحقة إذا كانت له ولاية على ذلك فأنها تصح ويكون للبطون اللاحقة حصتهم من الأجرة.
مسألة 391 : إذا أجر نفسه للعمل أما بالإتيان به مباشرة أو تسبيباً فمات قبل ذلك بطلت الإجارة على تفصيل تقدم في المسألة (388) ، وأما إذا تقبل العمل الكلي في ذمته من دون التقييد بذلك فمات قبل تحقيقه لم تبطل المعاملة بل يجب أداء العمل من تركته كسائر الديون.
مسألة 392 : إذا أجر الولي مال الطفل مدة ، وبلغ الطفل أثناءها كانت صحة الإجارة بالنسبة إلى ما بعد بلوغه موقوفة على إجازته حتى فيما إذا كان
عدم جعل ما بعد البلوغ جزءاً من مدة الإيجار على خلاف مصلحة الطفل ، وهكذا الحكم فيما إذا أجر الولي الطفل نفسه إلى مدة فبلغ أثناءها ، نعم إذا كان امتداد مدة الإيجار إلى ما بعد البلوغ هو مقتضى مصلحة ملزمة شرعاً بحيث يعلم عدم رضا الشارع بتركها صح الإيجار كذلك بإذن الحاكم الشرعي ولم يكن للطفل أن يفسخه بعد بلوغه.
مسألة 393 : إذا أجرت المرأة نفسها للخدمة مدة معينة فتزوجت في أثنائها لم تبطل الإجارة وإن كانت الخدمة منافية لحق الزوج.
مسألة 394 : إذا أجرت نفسها بعد التزويج توقفت صحة الإجارة على إجازة الزوج فيما ينافي حقه ونفذت الإجارة فيما لا ينافي حقه.
مسألة 395 : إذا وجد المستأجر في العين المستأجرة عيباً فإن كان عالما به حين العقد فلا أثر له وإن كان جاهلاً به فإن كان موجباً لفوات بعض المنفعة كخراب بعض بيوت الدار قسطت الأجرة ورجع على المالك بما يقابل المنفعة الفائتة وله فسخ العقد من أصله ، هذا إذا لم يكن الخراب قابلاً للانتفاع أصلاً ولو بغير السكنى وإلا لم يكن له إلا خيار العيب. وإن كان العيب موجباً لنقص في المنفعة كبطء سير السيارة كان له الخيار في الفسخ وليس له مطالبة الأرش ، وإن لم يوجب العيب شيئا من ذلك لكن يوجب نقص الأجرة ككون السيارة مخسوفة البدنة كان له الخيار أيضاً ، وإن لم يوجب ذلك أيضاً فلا خيار. هذا إذا كانت العين شخصية أما إذا كانت كلية وكان المقبوض معيباً كان له المطالبة بالصحيح ولا خيار في الفسخ ، وإذا تعذر الصحيح كان له الخيار في أصل العقد.
مسألة 396 : إذا وجد المؤجر عيباً في الأجرة وكان جاهلاً به كان له الفسخ وليس له المطالبة بالأرش وإذا كانت الأجرة كلية فقبض فرداً معيباً منها فليس له فسخ العقد بل له المطالبة بالصحيح فإن تعذر كان له الفسخ.
مسألة 397 : يجري في الإجارة خيار الغبن ـ على تفصيل تقدم نظيره في البيع ـ كما يجري فيها خيار العيب وخيار الشرط ـ حتى للأجنبي ـ ومنه خيار شرط رد العوض نظير شرط رد الثمن ، وكذا خيار تخلف الشرط الصريح أو الارتكازي ومنه خيار تبعض الصفقة وتعذر التسليم والتفليس والتدليس والشركة ، ولا يجري فيها خيار المجلس ولا خيار الحيوان ولا خيار التأخير على النحو المتقدم في البيع ، نعم مع التأخير في تسليم أحد العوضين عن الحد المتعارف يثبت الخيار للطرف.
مسألة 398 : إذا حصل الفسخ في عقد الإيجار ابتداء المدة فلا إشكال وإذا حصل أثناء المدة فإن لم يكن الخيار مجعولاً للفاسخ على نحو يقتضي التبعيض وبطلان الإجارة بالنسبة إلى ما بقي خاصة ـ كما هو الحال في شرط الخيار غالباً ـ فالأقوى كونه موجباً لانفساخ العقد في جميع المدة فيرجع المستأجر بتمام المسمى ويكون للمؤجر أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى.
فصل
في أحكام التسليم في الإجارة
مسألة 399 : إذا وقع عقد الإجارة ملك المستأجر المنفعة في إجارة الأعيان والعمل في الإجارة على الأعمال بنفس العقد وكذا المؤجر والأجير يملكان الأجرة بنفس العقد ، لكن ليس للمستأجر المطالبة بالمنفعة والعمل مع تأجيل الأجرة وعدم تسليمها إلا إذا كان قد شرط ذلك صريحاً أو كانت العادة جارية عليه ، كما أنه ليس للأجير والمؤجر المطالبة بالأجرة مع عدم تسليم العمل والمنفعة إلا إذا كانا قد اشترطا تقديم الأجرة وإن كان لأجل جريان العادة.
مسألة 400 : يجب على كل منهما تسليم ما عليه تسليمه في الزمان الذي يقتضيه العقد ، ولكن وجوب التسليم على كل منهما مشروط بعدم امتناع الآخر ، ولو امتنع المؤجر من تسليم العين المستأجرة مع بذل المستأجر الأجرة جاز للمستأجر إجباره على تسليم العين كما جاز له الفسخ وأخذ الأجرة إذا كان قد دفعها وله إبقاء الإجارة والمطالبة بقيمة المنفعة الفائتة ، وكذا إذا دفع المؤجر العين ثم أخذها من المستأجر بلا فصل أو في أثناء المدة ، ومع الفسخ في الأثناء يرجع بتمام الأجرة وعليه أجرة المثل لما مضى ، وكذا الحكم فيما إذا امتنع المستأجر من تسليم الأجرة مع بذل المؤجر للعين المستأجرة.
مسألة 401 : تسليم المنفعة يكون بتسليم العين ، وتسليم العمل فيما لا يتعلق بعين للمستأجر في يد الأجير يكون بإتمامه ، وفيما يتعلق بعين له في يد الأجير يكون بإتمام العمل فيها مع تسليمها ـ على تقدير عدم تلفها ـ
إلى المستأجر.
مسألة 402 : إذا كان العمل المستأجر عليه في العين التي هي بيد الأجير فتلفت العين بعد تمام العمل قبل دفعها إلى المستأجر من غير تفريط استحق الأجير المطالبة بالأجرة ، فإذا كان أجيراً على خياطة ثوب فتلف بعد الخياطة وقبل دفعه إلى المستأجر استحق مطالبة الأجرة فإذا كان الثوب مضموناً على الأجير استحق عليه المالك قيمة الثوب مخيطاً وإلا لم يستحق عليه شيئا.
مسألة 403 : يجوز للأجير بعد إتمام العمل حبس العين إلى أن يستوفي الأجرة ، وإذا حبسها لذلك فتلفت من غير تفريط لم يضمن.
مسألة 404 : تبطل الإجارة بسقوط العين المستأجرة عن قابلية الانتفاع منها بالمنفعة الخاصة المملوكة ، فإذا استأجر داراً سنة ـ مثلاً ـ فانهدمت قبل دخول السنة أو بعد دخولها بلا فصل بطلت الإجارة ، وإذا انهدمت أثناء السنة تبطل الإجارة بالنسبة إلى المدة الباقية وكان للمستأجر الخيار في فسخ الإيجار ، فإن فسخ رجع على المؤجر بتمام الأجرة المسماة وعليه له أجرة المثل بالنسبة إلى المدة الماضية ، وإن لم يفسخ قسطت الأجرة بالنسبة وكان للمالك حصة من الأجرة بنسبة المدة الماضية.
مسألة 405 : إذا استأجر داراً فانهدم قسم منها ، فإن كانت بحيث لو أعيد بناء القسم المهدوم على الوجه المتعارف لعدت بعد التعمير مغايرة لما قبله في النظر العرفي كان حكمه ما تقدم في المسألة السابقة ، وإن لم تعد كذلك فإن أقدم المؤجر على تعميرها فوراً على وجه لا يتلف شيء من منفعتها عرفاً لم تبطل الإجارة ولم يكن للمستأجر حق الفسخ ، وإن لم يقدم على ذلك وكان قادراً عليه فللمستأجر الزامه به ـ فإن لم يفعل كان له مطالبته بأجرة مثل المنفعة الفائتة كما إن له الخيار في فسخ الإجارة رأساً ـ ولو مع
التمكن من إلزامه على الأظهر ـ فإن فسخ كان عليه للمؤجر أجرة مثل ما استوفاه من المنافع ويرجع عليه بتمام الأجرة المسماة ، وإن لم يقدم على تعميرها على الوجه المذكور لتعذره ولو في حقه فتلف مقدار من منفعة الدار بطلت الإجارة بالنسبة إلى المنافع الفائتة ، وكان للمستأجر حق فسخ أصل الإجارة فإن فسخ جرى عليه ما تقدم في الصورة السابقة عند الفسخ.
مسألة 406 : إذا قبض المستأجر العين المستأجرة ولم يستوف منفعتها اختياراً حتى انقضت مدة الإجارة ـ كما إذا استأجر سيارة أو سفينة للركوب أو حمل المتاع فلم يركبها ولم يحمل متاعه عليها أو استأجر داراً وقبضها ولم يسكنها حتى مضت المدة ـ استقرت عليه الأجرة ، وكذا إذا بذل المؤجر العين المستأجرة فامتنع المستأجر من قبضها واستيفاء المنفعة منها حتى انقضت مدة الإجارة ، وكذا الحكم في الإجارة على الأعمال فإنه إذا بذل الأجير نفسه للعمل وامتنع المستأجر من استيفائه اختياراً ـ كما إذا استأجر شخصاً لخياطة ثوبه في وقت معين فهيأ الأجير نفسه للعمل فلم يدفع المستأجر إليه الثوب حتى مضى الوقت ـ فإنه يستحق الأجرة سواء اشتغل الأجير في ذلك الوقت بشغل لنفسه أو غيره أم لم يشتغل ، كما لا فرق على الأقوى في الإجارة الواقعة على العين بين أن تكون العين شخصية مثل أن يؤجره السيارة فيبذلها المؤجر للمستأجر فلا يركبها حتى يمضي الوقت وأن تكون كلية كما إذا أجره سيارة كلية فسلم فرداً منها إليه أو بذله له فلم يستوف منافعه حتى انقضت المدة فإنه يستحق تمام الأجرة على المستأجر ، كما لا فرق فيما ذكرناه في جميع الأقسام بين تعيين الوقت وعدمه فإنه مع عدم تعيين الوقت أيضاً إذا مضى زمان يمكن فيه استيفاء المنفعة تستقر الأجرة على المستأجر وإن لم يستوفها ، نعم إذا كانت الإجارة واقعة على العين ولم يكن التسليم بعنوان الوفاء بل بعنوان الأمانة لكي يستوفي المنفعة حينما يشاء فحينئذ لا يحكم
باستقرار الأجرة بذلك.
مسألة 407 : إذا لم يكن عدم استيفاء المستأجر للمنفعة مستنداً إلى التفويت الاختياري بل كان لمانع فإن كان عاماً مثل سوء الأحوال الجوية المانع من السفر على السيارة أو الطائرة بطلت الإجارة وليس على المستأجر شيء من الأجرة ، هذا مع تعيين الوقت وأما مع عدم تعيينه وعدم وجود مانع عن استيفاء المنفعة في غير هذا الوقت فلا تبطل الإجارة ، وإن لم يكن المانع عاماً كما إذا مرض المستأجر فلم يتمكن من السفر فلا إشكال في الصحة فيما لم تشترط فيه المباشرة بحيث أمكن استيفاء المنفعة ولو بالإجارة أو نحوها ، بل الأقوى هو الصحة فيما إذا اشترطت مباشرته في الاستيفاء أيضا فتستقر عليه الأجرة ، نعم لا يبعد أن يكون مقتضى الارتكاز العام في أمثال ذلك ثبوت حق الفسخ للمستأجر مع إعلام الطرف بالحال قبل موعد استيفاء المنفعة بفترة كافية أو مطلقاً حسب اختلاف الموارد.
مسألة 408 : إذا لم يستوف المستأجر المنفعة في بعض المدة جرت الأقسام المذكورة بعينها وتعرف أحكامها مما تقدم.
مسألة 409 : إذا استأجر طبيباً لإجراء عملية جراحية فزال موجبها قبل إجرائها فإن كان على نحو يكون إجراؤها محرماً عليه فالإجارة باطلة ، وإلا فللمستأجر حق الفسخ بمقتضى الشرط الارتكازي في أمثال هذه الموارد ، ومن ذلك ما إذا استأجره لقلع ضرسه فعرض ما أوجب حرمته عليه لكونه موجباً للضرر البليغ به ـ كالنزيف المستمر ـ أو صار قابلاً للمعالجة بحيث لم يكن قلعه عقلائياً.
مسألة 410 : إذا غصب العين المستأجرة غاصب فتعذر استيفاء المنفعة فإن كان الغصب قبل القبض تخير المستأجر بين الفسخ فيرجع على المؤجر بالأجرة إن كان قد دفعها إليه والرجوع على الغاصب بأجرة المثل وإن
كان الغصب بعد القبض تعين الثاني ، وكذلك إذا منعه الظالم من الانتفاع بالعين المستأجرة من دون غصب العين أو منعه من قبضها فيرجع عليه بالمقدار الذي فوته عليه من المنفعة.
مسألة 411 : إتلاف المستأجر للعين المستأجرة بمنزلة قبضها واستيفاء منفعتها فتلزمه الأجرة.
مسألة 412 : إذا أتلفها المؤجر تخير المستأجر بين الفسخ والرجوع عليه بالأجرة وبين الرجوع عليه بقيمة المنفعة.
مسألة 413 : إذا أتلفها الأجنبي فإن كان بعد القبض رجع المستأجر عليه بالقيمة وإن كان قبل القبض تخير بين الفسخ والرجوع إلى المؤجر بالأجرة وبين الإمضاء والرجوع إلى المتلف بالقيمة.
مسألة 414 : لو ظهر بطلان الإجارة بعد انقضاء مدتها وجب على المستأجر أداء أجرة المثل ، فلو استأجر داراً سنة بمائة دينار وظهر بطلانها بعد مضي المدة ، فإن كانت أجرته المتعارفة خمسين ديناراً لم يجب على المستأجر أزيد من خمسين ديناراً ، نعم لو كانت الأجرة المتعارفة مائتي دينار مثلاً وكان المؤجر هو المالك أو وكيله المفوض إليه أمر تحديد الأجرة ـ وكان عالماً بأجرة المثل ـ لم يكن له أخذ الزائد على الاجرة المسمى وهو المائة ديناراً ، ولو ظهر بطلان الإجارة أثناء المدة فحكمه بالنسبة إلى ما مضى حكم ظهور البطلان بعد تمام المدة.
مسألة 415 : المواضع التي تبطل فيها الإجارة وتثبت للمالك أجرة المثل لا فرق فيها بين أن يكون المالك عالماً بالبطلان وجاهلاً به.
مسألة 416 : تجوز إجارة الحصة المشاعة من العين ـ سواء أكان المؤجر مالكا للكل أو للجزء المشاع خاصة ـ لكن لا يجوز تسليمها إلى المستأجر إلا بإذن الشريك إذا كانت العين مشتركة.
مسألة 417 : يجوز أن يستأجر اثنان داراً أو دابة فيكونان مشتركين في المنفعة فيقتسمانها بينهما كالشريكين في ملك العين.
مسألة 418 : يجوز أن يستأجر شخصين لعمل شيء معين كحمل متاع أو غيره أو بناء جدار أو هدمه أو غير ذلك فيشتركان في الأجرة وعليهما معاً القيام بالعمل الذي استؤجرا عليه.
مسألة 419 : لا يشترط اتصال مدة الإجارة بالعقد على الأقوى فيجوز أن يؤجر داره سنة مثلاً متأخرة عن العقد بسنة أو أقل أو أكثر ولابد من تعيين مبدأ المدة ، وإذا أطلقت الإجارة ولم يذكر المبدأ انصرف إلى الاتصال.
مسألة 420 : إذا آجره عيناً كلية ودفع فرداً منها فتلف كان على المؤجر دفع فرد آخر.
فصل
في أحكام التلف
مسألة 421 : العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر في مدة الإجارة لا يضمنها إذا تلفت أو تعيبت إلا بالتعدي أو التفريط ، وإذا اشترط المؤجر ضمانها بدونهما بمعنى أداء قيمتها أو أرش عيبها صح ، وأما بمعنى اشتغال الذمة بمثلها أو قيمتها فالظاهر عدم صحة اشتراطه ، كما أن الظاهر أنه لا ضمان في الإجارة الباطلة إذا تلفت العين أو تعيبت.
مسألة 422 : العين التي للمستأجر بيد الأجير الذي أجر نفسه على عمل فيها كالثوب الذي أخذه ليخيطه لا يضمن تلفه أو نقصه إلا بالتعدي أو التفريط.
مسألة 423 : إذا اشترط المستأجر ضمان العين على الأجير بمعنى أداء قيمتها أو أرش عيبها صح الشرط.
مسألة 424 : إذا تلف محل العمل في الإجارة أو أتلفه الأجنبي قبل العمل أو في الأثناء قبل مضي زمان يمكن فيه إتمام العمل بطلت الإجارة ورجعت الأجرة كلاً أو بعضاً إلى المستأجر.
مسألة 425 : إذا أتلفه المستأجر كان إتلافه بمنزلة قبضه فيستحق الأجير عليه تمام الأجرة.
مسألة 426 : إذا أتلفه الأجير كان المستأجر مخيراً بين فسخ العقد وإمضائه فإن أمضى جاز له مطالبة الأجير بقيمة العمل الفائت.
مسألة 427 : المدار في القيمة على زمان التلف.
مسألة 428 : كل من أجر نفسه لعمل في مال غيره إذا أفسد ذلك
المال ضمنه وإن كان بغير قصده ، بل وإن كان استاذاً ماهراً وقد أعمل كمال النظر والدقة والاحتياط في شغله كالخياط والنجار والحداد أن أفسدوا.
مسألة 429 : الختّان إن قصر أو أخطأ في عمله كأن تجاوز عن الحد المتعارف فتضرر الطفل أو مات كان ضامناً ، وإن تضرر أو مات بأصل الختان لم يكن عليه ضمان إذا لم يعهد إليه إلا أجراء عملية الختان ـ دون تشخيص ما إذا كان الطفل يتضرر بها أم لا ـ ولم يكن يعلم بتضرره مسبقاً.
مسألة 430 : لو عالج الطبيب المريض مباشرة أو وصف له الدواء حسب ما يراه ، فاستعمله المريض وتضرر أو مات كان ضمانه عليه وإن لم يكن مقصراً.
مسألة 431 : إذا تبرأ الطبيب من الضمان وقبل المريض أو وليه بذلك ومات المريض أو تضرر بطبابته لم يضمن إذا كان حاذقاً وقد أعمل دقته واحتاط في المعالجة.
مسألة 432 : إذا عثر الحمال فسقط ما كان على رأسه أو ظهره فانكسر ضمنه مع التقصير في مشيه ولا يضمنه مع عدمه ، وكذلك إذا عثر فوقع ما على رأسه على إناء غيره فكسره.
مسألة 433 : إذا قال للخياط : إن كان هذا القماش يكفيني قميصا فاقطعه فقطعه فلم يكفه ضمن ، وأما إذا قال له : هل يكفيني قميصاً فقال : نعم ، فقال : اقطعه فلم يكفه فالظاهر أنه لا ضمان إذا كان الخياط مخطئاً في اعتقاده.
مسألة 434 : إذا استأجر دابة لحمل متاع فعثرت فتلف أو نقص فلا ضمان على صاحبها إلا إذا كان هو السبب بنخس أو ضرب غير متعارف ، وإذا كان غيره السبب كان هو الضامن.
مسألة 435 : إذا استأجر سفينة أو سيارة لحمل متاع فنقص أو سرق
لم يضمن صاحبها ولو شرط عليه أداء قيمة التالف أو أرش النقص صح الشرط ولزم العمل به.
مسألة 436 : إذا حمّل السيارة المستأجرة أكثر من المقدار المقرر بينهما بالشرط أو لأجل التعارف فتلفت أو تعيبت ضمن ذلك وعليه أجرة المثل للزيادة مضافة إلى الأجرة المسماة ، وكذا إذا استأجرها لنقل المتاع مسافة معينة فزاد على ذلك.
مسألة 437 : إذا استأجر سيارة لحمل متاعه مسافة معينة فأركبها عائلته مثلاً أو بالعكس لزمته الأجرة المسماة وما به التفاوت بينها وبين أجرة المثل للمنفعة المستوفاة إن كان ، فلو استأجرها للحمل بخمسة دراهم فركبها وكانت أجرة الركوب عشرة دراهم لزمته العشرة ، ولولم يكن تفاوت بينهما لم تلزم عليه إلا الأجرة المسماة ، وكذا الحكم في أمثاله مما كانت المنفعة المستوفاة فيه مضادة للمنفعة المقصودة بالإجارة ، هذا في الإجارة الواقعة على الأعيان كالدار والسيارة وأما في الإجارة الواقعة على الأعمال كما إذا استأجره لكتابة فاستعمله في الخياطة فللأجير أجرة المثل لما عمله خاصة ، نعم مع تعمد المستأجر وغفلة الأجير واعتقاده أنه العمل المستأجر عليه يجري عليه نظير ما تقدم في إجارة الأعيان.
مسألة 438 : إذا استأجر العامل للخياطة فاشتغل العامل بالكتابة للمستأجر ـ من دون أمر منه ـ عمداً أو خطأً تخير المستأجر بين فسخ العقد فلا يستحق العامل حينئذ شيئاً عليه وبين الإبقاء عليه فيستحق الأجرة المسماة وله مطالبته بأجرة المثل للعمل الفائت.
مسألة 439 : إذا أجر سيارته لحمل متاع زيد فحمّلها متاع عمرولم يستحق أجرة على عمرو ، كما لا يستحق أجرة على زيد إذا اختار فسخ العقد وإلا استحق عليه الأجرة المسماة وله حينئذ مطالبته بأجرة المثل للعمل
الفائت.
مسألة 440 : إذا استأجر سيارة معينة من زيد للركوب إلى مكان معين فسلمها إليه ولكنه ركب غيرها عمداً أو خطأ لزمته الأجرة المسماة للأولى وأجرة المثل للثانية ، وإذا اشتبه فركب سيارة عمرو لزمته أجرة المثل لها مضافة إلى الأجرة المسماة لسيارة زيد.
مسألة 441 : إذا استأجر سفينة لحمل الخل المعين مسافة معينة فحمّلها خمراً مع الخل المعين استحق المالك عليه الأجرة المسماة وأجرة المثل لحمل الخمر لو فرض أنه كان حلالاً.
مسألة 442 : يجوز لمن استأجر دابة للركوب أو الحمل أن يضربها أو يكبحها باللجام على النحو المتعارف او مع اشتراط عدمه في ضمن العقد ـ أو ما هو بحكم الاشتراط ـ وإذا تعدى عن المتعارف ـ أو مع اشتراط العدم ضمن نقصها أو تلفها وفي صورة الجواز لا ضمان للنقص على الأقوى.
مسألة 443 : صاحب الحمّام لا يضمن الثياب أو نحوها لو سرقت إلا إذا جعلت عنده وديعة وقد تعدى أو فرط.
مسألة 444 : إذا استؤجر لحراسة متاع فسرق لم يضمن إلا مع التقصير في الحراسة ، والظاهر أن غلبة النوم اتفاقاً مع مكافحته لا تعد من التقصير ، نعم إذا اشترط عليه أداء القيمة إذا سرق المتاع وجب الوفاء به ، والظاهر استحقاقه الأجرة مع عدم التقصير وقيامه بالحراسة على النحو المتعارف ، إلا إذا اشترط عليه إسقاطها مع حدوث السرقة.
مسألة 445 : إنما يجب تسليم العين المستأجرة إلى المستأجر إذا توقف استيفاء المنفعة على تسليمها كما في إجارة آلات النساجة والنجارة والخياطة أو كان المستأجر قد اشترط ذلك وإلا لم يجب ، فمن استأجر سفينة للركوب لم يجب على المؤجر تسليمها إليه.
مسألة 446 : يكفي في صحة الإجارة أن يكون للمؤجر حق التصرف في المنفعة بتمليكها للغير ولا يتوقف ذلك على كونه مالكاً للعين ، فيجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة من المؤجر أو من غيره إلا إذا اشترط عليه عدم إيجارها صريحاً أو كان الإيجار غير متعارف خارجاً بحيث أغنى ذلك عن التصريح باشتراط عدمه. وإذا جاز إيجارها من الغير ففي جواز تسليمها إليه من دون رضا المالك المستكشف ولو من قرائن الحال إشكال ، وعلى هذا فلو استأجر دابة للركوب أو لحمل المتاع مدة معينة فأجرها في تلك المدة أو في بعضها من آخر صح ولكن لا يسلمها إليه بل يكون هو معها وإن ركبها ذلك الآخر أو حمّلها متاعه. هذا إذا كانت الإجارة مطلقة وأما إذا كانت مقيدة كما إذا استأجر داراً بشرط أن ينتفع بها هو بنفسه فيجوز له إيجارها على نحو يرجع الانتفاع بها إليه كأن تستأجر المرأة داراً ثم تتزوج فتؤجر الدار لبعلها لسكناها ، وأما إيجارها على وجه ينتفع بها الغير فلا يجوز ، فإذا أجرها كذلك بطلت الإجارة فإذا استوفى المستأجر الثاني منافعها وكان عالماً بالفساد كان آثماً وتلزم المستأجر الأول للمالك الأجرة المسماة في الإجارة الأولى وما به التفاوت بينها وبين أجرة المثل للمنفعة المستوفاة إن كان ، وأما المستأجر الثاني ففي كونه ضامناً للمالك أو للمستأجر الأول بشيء إشكال بلا فرق في ذلك بين كونه عالماً بالفساد وكونه جاهلاً به.
مسألة 447 : إذا أجر الدار للسكنى مثلاً واشترط على المستأجر استيفاء المنفعة بنفسه أوإن لا يؤجرها من غيره فأجرها قيل : بطلت الإجارة ، فإذا استوفى المستأجر الثاني المنفعة كان ضامناً للمستأجر الأول أجرة المثل لا للمالك ، ولكن الأظهر صحة الإجارة وثبوت الخيار للمالك في فسخ عقده ومطالبة المستأجر الأول بأجرة المثل.
مسألة 448 : إذا استأجر الدكان مثلاً مدة فانتهت وجب عليه إرجاعه
إلى المالك ولم يجز له البقاء فيه من دون رضاه ، كما لا يجوز له إيجاره من ثالث إلا بإذنه ولا يجوز ، أيضا أخذ مال من ثالث إزاء تخليته المسمى في عرفنا بـ ( السرقفلية ) إلا إذا كان له شرط على المالك كما سيأتي ، وإذا مات المستأجر والحال هذه لم يجز لوارثه أخذ السرقفلية من المستأجر الجديد ، نعم إذا تبرع المستأجر بدفع مبلغ إلى الوارث جاز له أخذه ولم يجب عليه إخراج الثلث للميت منه إذا كان قد أوصى بإخراج ثلثه إلا إذا كان التبرع مشروطا بإخراج الثلث.
مسألة 449 : إذا أخذ المالك مبلغا من المال من المستأجر واشترط له على نفسه في عقد الإجارة أو في عقد لازم آخر أن يجدد الإيجار سنويا للمستأجر أو لمن يعينه مباشرة أو مع الواسطة جاز للمستأجر حينئذ أن يأخذ السرقفلية أي يأخذ إزاء تنازله عن حقه للغير مبلغا يساوي ما دفعه إلى المالك أو أكثر أو أقل.
وكذا الحال لو اشترط المالك للمستأجر على نفسه أن يكون له أو لمن يعينه مباشرة أو بواسطة حق إشغال المحل والاستفادة منه إزاء مبلغ معين سنوياً أو بالقيمة المتعارفة في كل سنة. وإذا مات المستأجر والحال هذه كان حقه في أخذ السرقفلية موروثاً لوارثه ووجب إخراج ثلثه إذا كان قد أوصى به ، كما أن حقه هذا إذا كان قد اشتراه من أرباح سنته يجب عليه إخراج خمسه في نهاية السنة بقيمته وربما زادت القيمة وربما نقصت وربما ساوت ما دفعه.
مسألة 450 : يجوز للمستأجر مع عدم اشتراط المباشرة وما بمعناها أن يؤجر العين المستأجرة بأقل قيمة مما استأجرها به وبالمساوي ، وكذا بالأكثر منه إذا أحدث فيها حدثاً أو غرم فيها غرامة ولو لحفظها وصيانتها وإلا لم يجز له ذلك ، هذا في الدار والسفينة والحانوت وكذا الحال في غيرها من
الأعيان المستأجرة حتى الأراضي الزراعية على الأحوط ، ولا فرق في عدم جواز الإيجار بالأزيد بين أن يؤجرها بنفس الجنس الذي استأجرها به أو بغير ذلك الجنس سواء كان من النقود أم من غيرها على الأظهر.
مسألة 451 : لا يجوز أن يؤجر بعض أحد هذه الثلاثة بل ولا غيرها أيضاً على الأحوط بأكثر من الأجرة كما إذا استأجر داراً بعشرة دراهم فسكن بعضها وأجر البعض الآخر بأكثر من عشرة دراهم إلا أن يحدث فيها حدثاً كالترميم ، وأما إذا أجره بأقل من العشرة فلا إشكال والأقوى الجواز بالعشرة أيضاً.
مسألة 452 : إذا استؤجر على عمل من غير تقييد بالمباشرة ولا مع الانصراف إليها يجوز أن يستأجر غيره لذلك العمل بتلك الأجرة أو الأكثر ولا يجوز بالأقل قيمة منها إلا إذا أتى ببعض العمل ولو قليلاً كما إذا تقبل خياطة ثوب بدرهمين ففصله أو خاط منه شيئاً ولو قليلاً فإنه يجوز أن يستأجر غيره على خياطته بدرهم ، وفي الاكتفاء في جواز الاستئجار بالأقل بشراء الخيوط والإبرة إشكال.
مسألة 453 : في الموارد التي يتوقف العمل المستأجر عليه على تسليم العين إلى الأجير إذا جاز للأجير أن يستأجر غيره على العمل الذي استؤجر عليه لم يجز له على الأحوط أن يسلم العين إلى الأجير الثاني إلا برضا المالك نظير ما تقدم في تسليم العين المستأجرة إلى المستأجر الثاني.
مسألة 454 : إذا استؤجر للعمل بنفسه مباشرة ففعله غيره بطلت الإجارة ولم يستحق العامل ولا الأجير الأجرة ، وكذلك إذا استؤجر على عمل في ذمته لا بقيد المباشرة ففعله غيره لا بقصد التبرع عنه وأما إذا فعله بقصد التبرع عنه كان أداءً للعمل المستأجر عليه واستحق الأجير الأجرة.
مسألة 455 : إجارة الأجير على قسمين.
الأول : أن تكون الإجارة واقعة على منفعته الخارجية من دون اشتغال ذمته بشيء نظير إجارة الدابة والدار ونحوهما من الأعيان المملوكة.
الثاني : أن تكون الإجارة واقعة على عمل في الذمة فيكون العمل المستأجر عليه ديناً في ذمته كسائر الديون ، وستأتي أحكامهما في المسائل الآتية.
مسألة 456 : إذا آجر نفسه وكانت الإجارة واقعة على جميع منافعه الخارجية في مدة معينة لا يجوز له في تلك المدة العمل لنفسه ولا لغيره لا تبرعاً ولا بإجارة ولا بجعالة ، نعم لا بأس ببعض الأعمال التي تنصرف عنها الإجارة ولا تشملها ولا تكون منافية لما شملته كما إنه إذا كان مورد الإجارة أو منصرفها الاشتغال بالنهار مثلاً فلا مانع من الاشتغال ببعض الأعمال في الليل له أو لغيره تبرعاً أو بإجارة أو جعالة إلا إذا أدى إلى ضعفه في النهار عن القيام بما استؤجر عليه ، فإذا عمل في المدة المضروبة في الإجارة بعض الأعمال المشمولة لها فإن كان العمل لنفسه تخير المستأجر بين فسخ الإجارة واسترجاع تمام الأجرة وبين إبقاء الإجارة ومطالبته بقيمة العمل الذي عمله لنفسه وكذا إذا عمل لغيره تبرعاً ، ولكن في هذه الصورة إذا كان عمله للغير بأمر من ذلك الغير يجوز له أيضاً مطالبة ذلك الغير بقيمة العمل الذي استوفاه ، وأما إذا عمل لغيره بعنوان الإجارة أو الجعالة فله الخيار بين الأمور الثلاثة وبين إمضاء الإجارة أو الجعالة وأخذ الأجرة أو الجعل المسمى فيها ، ثم إذا اختار المستأجر فسخ الإجارة الأولى في جميع الصور المذكورة ورجع بالأجرة المسماة فيها وكان قد عمل الأجير بعض العمل للمستأجر كان له عليه أجرة المثل.
مسألة 457 : إذا آجر نفسه وكانت الإجارة واقعة على منفعة خارجية معينة وعمل مخصوص بالمباشرة كالخياطة في مدة معينة فليس له أن يعمل
ذلك العمل لنفسه ولا لغيره لا تبرعاً ولا بإجارة ولا بجعالة فإذا خالف وعمل لنفسه تخير المستأجر بين فسخ الإجارة واسترجاع تمام الأجرة وبين إبقاء الإجارة ومطالبته بقيمة العمل الذي عمله لنفسه ، وإن عمل لغيره تبرعاً بأمر من ذلك الغير تخير بين الأمرين المذكورين وبين مطالبة ذلك الغير بقيمة العمل الذي استوفاه ، وإن عمل لغيره بإجارة أو جعالة تخير بين الأمور الثلاثة وبين إمضاء الإجارة أو الجعالة وأخذ الأجرة أو الجعل المسمى فيها ، وفي مفروض المسألة لا مانع من أن يعمل لنفسه أو لغيره بإجارة أو جعالة غير ذلك العمل إذا لم يكن منافياً له ، فإذا آجر نفسه في يوم معين للصوم عن زيد جاز له أن يخيط لنفسه أو لغيره بإجارة أو جعالة وله الأجر أو الجعل المسمى ، وأما إذا كان منافياً له كما إذا آجر نفسه للخياطة فاشتغل بالكتابة تخير المستأجر بين فسخ الإجارة والمطالبة بقيمة العمل المستأجر عليه الذي فوته على المستأجر.
مسألة 458 : إذا آجر نفسه وكانت الإجارة واقعة على عمل في الذمة في وقت معين فتارة تؤخذ المباشرة قيداً وأخرى شرطاً ، وعلى التقديرين يجوز له كل عمل لا ينافي الوفاء بالإجارة ولا يجوز له ما ينافيه سواء أكان من نوع العمل المستأجر عليه أم من غيره ، وإذا عمل ما ينافيه فإن كانت المباشرة قيداً تخير المستأجر بين فسخ الإجارة وبين المطالبة بقيمة العمل الفائت المستأجر عليه ، وإن كانت المباشرة شرطاً تخير بين فسخ الإجارة وبين إلغاء شرطه فيجب على الأجير العمل له لا بنحو المباشرة.
وإذا آجر نفسه لما ينافيه فإن كانت المباشرة قيداً بطلت الإجارة واستحق الأجير على من عمل له أجرة المثل وكان المستأجر الأول مخيراً بين فسخ الإجارة الأولى ومطالبته بقيمة العمل الفائت ، وإن كانت المباشرة شرطاً تخير المستأجر الأول بين فسخ الإجارة الأولى وبين إلغاء شرطه فإن ألغى
شرطه وجب على الأجير العمل له لا بنحو المباشرة والعمل للمستأجر الثاني بنحو المباشرة.
فصل
في مسائل متفرقة
مسألة 459 : لا تجوز إجارة الأرض للزرع بما يحصل منها كحنطة أو شعير مقداراً معيناً كما لا تجوز إجارتها بالحصة من زرعها مشاعة ربعاً أو نصفاً ولا تجوز أيضاً إجارتها بالحنطة أو الشعير أو غيرهما من الحبوب في الذمة مشروطاً بأن تدفع من حاصلها ، نعم إذا كان الحاصل موجوداً فعلاً تصح الإجارة.
مسألة 460 : تجوز إجارة حصة مشاعة من أرض معينة كما تجوز إجارة حصة منها على نحو الكلي في المعين.
مسألة 461 : لا تجوز إجارة الأرض مدة طويلة لتوقف مسجداً ولا تترتب آثار المسجد عليها ، نعم تجوز إجارتها لتعمل مصلى يصلى فيه أو يتعبد فيه أونحو ذلك من أنواع الانتفاع ولا تترتب عليها أحكام المسجد.
مسألة 462 : يجوز استئجار الشجرة لفائدة الاستظلال ونحوه كربط الدواب ونشر الثياب ، ويجوز استئجار البستان لفائدة التنزه.
مسألة 463 : يجوز استئجار الإنسان للاحتطاب والاحتشاش والاستقاء ونحوها ، فإن كانت الإجارة واقعة على المنفعة الخاصة وحدها أو مع غيرها ملك المستأجر العين المحازة إذا كان قد قصد تملكها ، وإلا فهو أولى بها من غيره ولا عبرة ـ على كل حال ـ بقصد الأجير حيازتها لنفسه أو لشخص آخر غير المستأجر ، وإن كانت واقعة على العمل في الذمة فإن قصد الأجير تطبيق العمل المملوك عليه على فعله الخاص بأن كان في مقام الوفاء بعقد الإجارة ملك المستأجر المحاز أيضاً ـ على ما تقدم ـ وإن لم يقصد
ذلك بل قصد الحيازة لنفسه أو غيره فيما يحق الحيازة له كان المحاز ملكاً لمن قصد الحيازة له ـ على ما تقدم ـ وكان للمستأجر الفسخ والرجوع بالأجرة المسماة ، والإمضاء والرجوع بقيمة العمل المملوك له بالإجارة الذي فوته عليه.
مسألة 464 : يجوز استئجار المرأة للإرضاع بل للرضاع أيضاً بمعنى ارتضاع اللبن وإن لم يكن بفعل منها أصلاً مدة معينة ولا يعتبر في صحة إجارتها لذلك إذن الزوج ورضاه ، نعم لو أوجب ذلك تضييع حقه توقفت صحة الإجارة على إجازته. ولابد من معرفة الصبي الذي استؤجرت لإرضاعه ولو بالوصف على نحو ترتفع الجهالة كما لابد من معرفة المرضعة كذلك كما لابد أيضاً من معرفة مكان الرضاع وزمانه إذا كانت تختلف المالية باختلافهما.
مسألة 465 : لا بأس باستئجار الشاة والمرأة مدة معينة للانتفاع بلبنها الموجود في ثديها فعلاً وما يتكون فيها بعد الإيجار ، وكذلك الحال في استئجار الشجرة للثمرة والبئر للاستقاء.
مسألة 466 : تجوز الإجارة لكنس المسجد ، والمشهد ، ونحوهما وإشعال سراجهما ونحو ذلك.
مسألة 467 : تجوز الإجارة للنيابة عن الميت في العبادات الواجبة عليه نظير الصلاة والصيام والحج ، ولا يجوز ذلك عن الحي إلا في الحج عن المستطيع العاجز عن المباشرة أو عمن استقر عليه الحج ولا يتمكن من المباشرة.
مسألة 468 : تجوز الإجارة عن الميت في جميع المستحبات العبادية وعن الحي في بعضها كالحج المندوب وزيارة الأئمةعليهمالسلام وما يتبعهما من الصلاة ، وتجوز أيضاً الإجارة على أن يعمل الأجير عن نفسه ويهدي ثواب عمله إلى غيره.
مسألة 469 : إذا أمر غيره بإتيان عمل فعمله المأمور فإن قصد المأمور التبرع لم يستحق أجرة وإن كان من قصد الآمر دفع الأجرة ، وإن قصد الأجرة استحقها وإن كان من قصد الآمر التبرع إلا أن تكون قرينة على قصد المجانية كما إذا جرت العادة على فعله مجاناً أو كان المأمور ممن ليس من شأنه فعله بأجرة أونحو ذلك مما يوجب ظهور الطلب في مجانية الفعل.
مسألة 470 : إذا استأجره على الكتابة أو الخياطة فمع إطلاق الإجارة يكون المداد والخيوط على الأجير ، وكذا الحكم في جميع الأعمال المتوقفة على بذل عين فإنها لا يجب بذلها على المستأجر إلا أن يشترط كونها عليه أو تقوم القرينة على ذلك.
مسألة 471 : يجوز استئجار الشخص للقيام بكل ما يراد منه مما يكون مقدوراً له ويتعارف قيامه به ، والأقوى أن نفقته حينئذ على نفسه لا على المستأجر إلا مع الشرط أو قيام القرينة ولو كانت هي العادة.
مسألة 472 : يجوز أن يستعمل العامل ويأمره بالعمل من دون تعيين أجرة ولكنه مكروه ، ويكون عليه أجرة المثل لاستيفاء عمل العامل وليس من باب الإجارة.
مسألة 473 : إذا استأجر أرضاً مدة معينة فغرس فيها أو زرع ما يبقى بعد انقضاء تلك المدة فإذا انقضت المدة جاز للمالك أن يأمره بقلعه وكذا إذا استأجرها لخصوص الزرع أو الغرس ، وليس له الإبقاء بدون رضا المالك وإن بذل الأجرة ، كما أنه ليس له المطالبة بالأرش إذا نقص بالقلع ، وأما إذا غرس ما لا يبقى فاتفق بقاؤه لبعض الطوارئ ففي جواز إجباره على قلعه وعدم وجوب الصبر على المالك ولو مع الأجرة إشكال.
مسألة 474 : خراج الأرض المستأجرة ـ إذا كانت خراجية ـ على المالك ، نعم إذا شرط أن تكون على المستأجر صح على الأقوى.
مسألة 475 : لا بأس بأخذ الأجرة على ذكر مصيبة سيد الشهداءعليهالسلام وفضائل أهل البيتعليهمالسلام والخطب المشتملة على المواعظ ونحو ذلك مما له فائدة عقلائية دينية أو دنيوية.
مسألة 476 : لا تجوز الإجارة على تعليم الحلال والحرام وتعليم الواجبات مثل الصلاة والصيام وغيرهما مما هو محل الابتلاء على الأحوط وجوباً ، بل إذا لم يكن محل الابتلاء فلا يخلو عن إشكال أيضاً وإن كان الأظهر الجواز فيه.
ولا يجوز أخذ الأجرة على تغسيل الأموات وتكفينهم ودفنهم على الأحوط.
نعم الظاهر أنه لا بأس بأخذ الأجرة على حفر القبر على نحو خاص من طوله وعرضه وعمقه ، أما أخذ الأجرة على مسمى حفر القبر اللازم فلا يجوز ولا تصح الإجارة عليه على الأحوط.
مسألة 477 : إذا بقيت أصول الزرع في الأرض المستأجرة للزراعة بعد انقضاء مدة الإجارة فنبتت فإن أعرض المالك عنها وإباحها للآخرين فهي لمن سبق إليها وتملكها بلا فرق بين مالك الأرض وغيره ، نعم لا يجوز الدخول في الأرض إلا بإذنه ، وإن لم يعرض عنها فهي له.
مسألة 478 : إذا استأجر شخصاً لذبح حيوان فذبحه على غير الوجه الشرعي فصار حراماً ضمن ، وكذا لو تبرع بلا إجارة فذبحه كذلك.
مسألة 479 : إذا استأجر شخصاً العمل في ذمته ـ كخياطة ثوب معين ـ لا بقيد المباشرة فخاطه غيره تبرعاً عنه استحق الأجير الأجرة المسماة لا العامل ، وإذا خاطه لا بقصد التبرع عنه بطلت الإجارة كما تقدم.
هذا فيما إذا لم تكن الخياطة من غير الأجير بأمر من المستأجر أو بإجارته ثانية وإلا فالظاهر أن الأجير يستحق الأجرة لأن التفويت حينئذ مستند
إلى المستأجر نفسه كما إذا كان هو الخائط.
وأما الخائط فيستحق على المالك أجرة المثل إن خاط بأمره ، وأما إذا كان قد استأجره ثانية للخياطة فقيل أن الإجارة الثانية باطلة ويكون للخائط أجرة المثل ولكن الأظهر صحتها واستحقاق الأجير الأجرة المسماة.
وإن خاط بغير أمره ولا إجارته لم يستحق عليه شيئاً وإن اعتقد أن المالك أمره بذلك.
مسألة 480 : إذا استأجره ليوصل متاعه إلى بلد كذا في مدة معينة فسافر بالمتاع وفي أثناء الطريق حصل مانع عن الوصول بطلت الإجارة ، فإن كان المستأجر عليه نفس إيصال المتاع لم يستحق شيئاً وإن كان هو السير بالمتاع في مجموع تلك المسافة على نحو تعدد المطلوب استحق من الأجرة بنسبة ما قطع من المسافة إلى مجموعها ، أما إذا كان على نحو وحدة المطلوب فالأظهر عدم استحقاقه شيئاً.
مسألة 481 : إذا كان للأجير الخيار في الفسخ لغبن أو تخلف شرط أو وجود عيب في الأجرة مثلاً أو غيرها فإن فسخ قبل الشروع في العمل فلا شيء له ، وإن كان بعد تمام العمل كان له أجرة المثل ، وإن كان في أثنائه استحق بمقدار ما أتى به من أجرة المثل إلا إذا كان مجموع العمل ملحوظاً بنحو وحدة المطلوب كما إذا استأجره على الصلاة أو الصيام فإنه لو فسخ في الأثناء لم يكن له شيء ، وكذا إذا كان الخيار للمستأجر ويحتمل بعيداً أنه إذا كان المستأجر عليه هو المجموع على نحو وحدة المطلوب ففسخ المستأجر في الأثناء ـ كما إذا استأجره على الصلاة ففسخ في أثنائها ـ أن يستحق الأجير بمقدار ما عمل من أجرة المثل.
مسألة 482 : إذا استأجر عيناً مدة معينة ثم اشتراها في أثناء المدة فالإجارة باقية على صحتها ، وإذا باعها في أثناء المدة ففي تبعية المنفعة للعين
وجهان أقواهما ذلك.
مسألة 483 : تجوز إجارة الأرض مدة معينة بتعميرها داراً أو تعميرها بستاناً بكري الأنهار ، وتنقية الآبار ، وغرس الأشجار ونحو ذلك ، ولابد من تعيين مقدار التعمير كماً وكيفاً.
مسألة 484 : تجوز الإجارة على الطبابة ومعالجة المرضى سواء أكانت بمجرد وصف العلاج أم بالمباشرة كجبر الكسير وتضميد القروح والجروح ونحو ذلك.
مسألة 485 : تجوز المقاطعة على العلاج بقيد البرء إذا كانت العادة تقتضي ذلك كما في سائر موارد الإجارة على الأعمال الموقوفة على مقدمات غير اختيارية للأجير وكانت توجد حينها عادة.
مسألة 486 : إذا أسقط المستأجر حقه من العين المستأجرة لم يسقط وبقيت المنفعة على ملكه.
مسألة 487 : لا يجوز في الاستئجار للحج البلدي أن يستأجر شخصاً من بلد الميت إلى ( النجف ) مثلاً وآخر من ( النجف ) إلى ( المدينة ) وثالثاً من المدينة إلى ( مكة ) بل لابد من أن يستأجر من يسافر من البلد بقصد الحج إلى أن يحج.
مسألة 488 : إذا استؤجر للصلاة عن الميت فنقص بعض الأجزاء أو الشرائط غير الركنية سهواً ، فإن كانت الإجارة على الصلاة الصحيحة كما هو الظاهر عند الإطلاق استحق تمام الأجرة وكذا إذا كانت على نفس الأعمال المخصوصة وكان النقص على النحو المتعارف ، وإن كان على خلاف المتعارف فإن كان الاشتمال على تمام الأجزاء قيداً مخصصاً للعمل المستأجر عليه لم يستحق الأجير شيئاً وإن كان شرطاً في ضمن العقد فظاهر الشرط جعل الخيار للمستأجر عند تخلفه فلو فسخ فعليه للأجير أجرة المثل ،
نعم مع وجود قرينة على لحاظه على نحو تنبسط الأجرة عليه نقص منها بالنسبة.
مسألة 489 : إذا استؤجر لختم القرآن الشريف كان منصرفاً إلى ما هو المتعارف وهو القراءة مع مراعاة الترتيب بين السور بعضها مع بعض وبين آيات السور وكلماتها ، وإذا قرأ بعض الكلمات غلطاً وإلتفت إلى ذلك بعد الفراغ من السورة أو الختم فإن كان بالمقدار المتعارف لم ينقص من الأجرة شيء ، وإن كان بالمقدار غير المتعارف فالأقرب إمكان تداركه بقراءة ذلك المقدار صحيحاً وإن كان الأحوط للأجير أن يقرأ السورة من مكان الغلط إلى آخرها.
مسألة 490 : إذا استؤجر للصلاة عن ( زيد ) فاشتبه وصلى عن ( عمرو ) فإن كان على نحو الخطأ في التطبيق بأن كان مقصوده الصلاة عمن استؤجر للصلاة عنه فأخطأ في اعتقاده أنه عمرو صح عن زيد واستحق الأجرة ، وإن كان على نحو آخر لم يستحق الأجرة ولم يصح عن زيد.
مسألة 491 : الموارد التي يجوز فيها استئجار البالغ للنيابة في العبادات المستحبة يجوز فيها أيضاً استئجار الصبي. والله سبحانه العالم.
كتاب المزارعة
المزارعة هي : ( الاتفاق بين مالك التصرف في الأرض والزارع على زرع الأرض بحصة من حاصلها ).
مسألة 492 : يعتبر في المزارعة أمور :
(الأول ) الإيجاب من المالك والقبول من الزارع بكل ما يدل على تسليم الأرض للزراعة وقبول الزارع لها من لفظ كقول المالك للزارع مثلاً ( سلمت إليك الأرض لتزرعها ) فيقول الزارع ( قبلت ) أو فعل دال على تسليم الأرض للزراعة وقبول الزارع لها من دون كلام ، ولا يعتبر في صيغتها العربية والماضوية كما لا يعتبر تقديم الإيجاب على القبول ولا أن يكون الإيجاب من المالك والقبول من الزارع بل يجوز العكس.
(الثاني ) أن يكون كل من المالك والزارع بالغاً عاقلاً ومختاراً وغير محجور عليه لسفه أو فلس ، نعم لا بأس أن يكون الزارع محجوراً عليه لفلس إذا لم تستلزم المزارعة تصرفه في أمواله التي حجر عليها.
(الثالث ) أن يجعل لكل منهما نصيب من الحاصل وإن يكون محدداً بالكسور كالنصف والثلث ، فلولم يجعل لأحدهما نصيب أصلاً ، أو عين له مقدار معين كعشرة أطنان ، أو جعل نصيبه ما يحصد في الأيام العشرة الأولى من الحصاد والبقية للآخر لم تصح المزارعة.
(الرابع ) أن يجعل الكسر مشاعاً في جميع حاصل الأرض ـ على الأحوط ـ وإن كان الأظهر عدم اعتبار ذلك ، فلا بأس أن يشترط اختصاص أحدهما بنوع ـ كالذي يحصد أولاً ـ والآخر بنوع آخر فلو قال المالك ( ازرع ولك النصف الأول من الحاصل ، أو النصف الحاصل من القطعة الكذائية )
صحت المزارعة.
(الخامس ) تعيين المدة بالأشهر أو السنين أو الفصول بمقدار يمكن حصول الزرع فيه وعليه فلو جعل آخر المدة إدراك الحاصل بعد تعيين أولها كفى في الصحة.
(السادس ) أن تكون الأرض قابلة للزرع ولو بالعلاج والإصلاح ، وأما إذا لم تكن كذلك كما إذا كانت الأرض سبخة لا يمكن الانتفاع بها أو نحوها بطلت المزارعة.
(السابع ) تعيين المزروع من حيث نوعه ، وإنه حنطة أو شعير أو رز أو غيرها ، وكذا تعيين صنفه إذا كان للنوع صنفان فأكثر تختلف فيها الأغراض ، ويكفي في التعيين الانصراف المغني عن التصريح ـ لتعارف أو غيره ـ ولو صرحا بالتعميم أو كانت قرينة عليه صح ويكون للزارع حق اختيار أي نوع أو صنف شاء.
(الثامن ) تعيين الأرض فيما إذا كانت للمالك قطعات مختلفة في مستلزمات الزراعة وسائر شؤونها ، فلولم يعين واحدة منها والحال هذه بطلت المزارعة ، وأما مع التساوي فالأظهر الصحة وعدم الحاجة إلى التعيين في العقد ، وأما بعده فيكون التعيين بيد المالك.
(التاسع ) تعيين ما عليهما من المصارف كالبذر ونحوه بأن يجعل على أحدهما أو كليهما ، ويكفي في ذلك المتعارف الخارجي لانصراف الإطلاق إليه.
مسألة 493 : يجوز للعامل أن يزرع الأرض بنفسه أو بغيره أو بالشركة مع غيره هذا فيما إذا لم يشترط المالك عليه المباشرة والا لزم أن يزرع بنفسه.
مسألة 494 : لو أذن شخص لآخر في زرع أرضه على أن يكون الحاصل بينهما بالنصف أو الثلث أو نحوهما صح ذلك مزارعة على الأظهر
ولكنها تختلف عن المزارعة المصطلحة في بعض الأحكام ، وكذلك الحال لو أذن لكل من يتصدى للزرع وإن لم يعين شخصاً معيناً بأن يقول : لكل من زرع أرضي هذه نصف حاصلها أو ثلثه.
مسألة 495 : لو اتفق المالك مع الزارع على أن يكون مقدار معين من الحاصل كخمسة أطنان لأحدهما ، ويقسم الباقي بينهما بنسبة معينة بطلت المزارعة وإن علما ببقاء شيء من الحاصل بعد استثناء ذلك المقدار ، نعم لو اتفقا على استثناء مقدار الخراج وكذا مقدار البذر لمن كان منه صحت على الأظهر.
مسألة 496 : إذا عين المالك نوعاً خاصاً من الزرع من حنطة أو شعير أونحو ذلك في ضمن عقد المزارعة تعين ذلك على الزارع فلا يجوز له التعدي عنه ولكن لو تعدى إلى غيره وزرع نوعاً آخر منه فللمالك الخيار بين الفسخ والإمضاء فإن أمضاه أخذ حقه وإن فسخ رجع على العامل بأجرة مثل المنفعة الفائتة للأرض ، ويكون الحاصل للعامل إن كان البذر له ، وإن كان البذر للمالك فله المطالبة ببدله أيضاً وعلى تقدير بذل البدل يكون الحاصل للعامل أيضاً وليست له مطالبة المالك بأجرة العمل مطلقاً.
هذا إذا علم المالك بذلك بعد بلوغ الحاصل ، وأما إذا علم به قبل بلوغه فإن كان البذر للعامل فللمالك مطالبته ببدل المنفعة الفائتة والزامه بقطع الزرع ولهما أن يتراضيا على إبقائه بعوض أو مجاناً ، وأما إذا كان البذر للمالك فله المطالبة ببدل المنفعة الفائتة وبدل البذر أيضاً ومع بذله يكون الزرع للعامل فيجري فيه ما تقدم.
هذا إذا كان التعيين على نحو الاشتراط وأما إذا كان على نحو التقييد بطلت المزارعة ، وحكمه ما تقدم في فرض الفسخ.
مسألة 497 : إذا ظهر بطلان المزارعة بعد الزرع فإن كان البذر
للمالك كان الزرع له وعليه للزارع ما صرفه من الأموال وكذا أجرة عمله وأجرة الآلات التي استعملها في الأرض ، وإن كان البذر للزارع فالزرع له وعليه للمالك أجرة الأرض وما صرفه المالك وأجرة آلاته التي استعملت في ذلك الزرع.
مسألة 498 : إذا كان البذر للزارع فظهر بطلان المزارعة بعد الزرع ورضي المالك والزارع ببقاء الزرع في الأرض بأجرة أو مجاناً فلا إشكال ، وإن لم يرض المالك بذلك قيل أن له إجبار الزارع على إزالة الزرع وإن لم يدرك الحاصل وليس للزارع إجبار المالك على بقاء الزرع في الأرض ولو بأجرة ، ولكنه لا يخلو عن إشكال ، وليس للمالك إجبار الزارع على إبقاء الزرع في الأرض ولو مجاناً لو أراد قلعه.
مسألة 499 : إذا حددا للمزارعة أمدا معيناً يدرك الزرع خلاله عادة فانقضى ولم يدرك ، فإن لم يكن للتحديد المنفق عليه بينهما إطلاق يشمل صورة عدم إدراك الزرع على خلاف العادة ألزم المالك ببقاء الزرع في الأرض إلى حين الإدراك ، وإن كان له إطلاق هذا القبيل فمع تراضي المالك والزارع على بقاء الزرع ـ بعوض أو مجاناً ـ لا مانع منه ـ وإن لم يرض المالك به فله أن يجبر الزارع على إزالته وإن يضرر الزارع بذلك ، وليس للزارع إجبار المالك على بقاء الزرع ولو بأجرة.
مسألة 500 : يصح أن يشترط أحدهما على الآخر شيئاً على ذمته أو من الخارج من ذهب أو فضه أو نحوهما مضافاً إلى حصته.
مسألة 501 : المزارعة عقد لازم لا ينفسخ إلا بالتقايل أو الفسخ بخيار الشرط أو بخيار تخلف بعض الشروط المشترطة فيه ولا ينفسخ بموت أحدهما فيقوم الوارث مقامه ، نعم ينفسخ بموت الزارع إذا قيدت المزارعة بمباشرته للعمل ولا تنفسخ به إذا كانت المباشرة شرطاً فيها وإن كان للمالك حق فسخها حينئذ ، وأذا كان العمل المستحق على الزارع كلياً مشروطاً بمباشرته
لم ينفسخ بموته ـ وإن كان للمالك حق فسخها ـ كما لا تنفسخ إذا مات الزارع بعد الانتهاء مما عليه من العمل مباشرة ولو قبل إدراك الزرع فتكون حصته من الحاصل لورثته ، كما أن لهم سائر حقوقه ويحق لهم أيضاً إجبار المالك على بقاء الزرع في أرضه حتى انتهاء مدة الزراعة.
مسألة 502 : إذا ترك الزارع الأرض بعد عقد المزارعة فلم يزرع حتى انقضت المدة فإن كانت الأرض في تصرفه ضمن أجرة المثل للمالك ، ولا فرق في ضمانه في هذه الصورة بين أن يكون المالك عالماً بالحال وإن يكون غير عالم ، وإن لم تكن الأرض تحت يده بل كانت تحت يد المالك فحينئذ إن كان المالك مطلعاً على ذلك فالظاهر عدم ضمان الزارع وإن لم يكن المالك مطلعاً فالظاهر ضمانه ، هذا إذا لم يكن ترك الزرع لعذر عام كانقطاع الماء عن الأرض أو تساقط الثلوج الكثيرة عليها والا كشف ذلك عن بطلان المزارعة.
مسألة 503 : يجوز لكل من المالك والزارع أن يتقبل أحدهما حصة صاحبه بعد خرصها بمقدار معين بشرط رضا الآخر به وعليه فيكون الزرع له وللآخر المقدار المعين ، ولا فرق في ذلك بين كون المقدار المتقبل به من الزرع أو في الذمة ، نعم إذا كان منه فتلف كلاً أو بعضاً كان عليهما معاً ولا ضمان على المتقبل بخلاف ما لو كان في الذمة فإنه باق على ضمانه.
مسألة 504 : إذا زارع على أرض ثم تبين للزارع أنه لا ماء لها فعلاً لكن أمكن تحصيله بحفر بئر ونحوه صحت المزارعة ولكن يثبت للعامل خيار تخلف الشرط ـ إذا كان بينهما شرط بهذا المسمى ولو ضمناً ـ وكذا لو تبين كون الأرض غير صالحة للزراعة إلا بالعلاج التام ، كما إذا كان مستولياً عليها الماء لكن يمكن إزالته عنها ، نعم لو تبين أنه لا ماء لها فعلا ولا يمكن تحصيله او كانت مشغولة بمانع لا يمكن إزالته ولا يرجى زواله كان باطلا.
مسألة 505 : إذا غرقت الأرض قبل القبض أو بعده قبل ظهور الزرع
أو قبل إدراكه بطلت المزارعة ، وأذا غرق بعضها تخير المالك والعامل في الباقي بين الفسخ والإمضاء ، وهكذا الحال في طرو سائر الموانع القهرية عن زراعة الأرض.
مسألة 506 : يجوز للزارع أن يشارك غيره في مزارعته بجعل حصة من حصته لمن شاركه بحيث كأنهما معاً طرف للمالك ، كما أنه يجوز أن يزارع غيره بحيث يكون الزارع الثاني كأنه هو الطرف للمالك لكن لابد أن تكون حصة المالك محفوظة ، فإذا كانت المزارعة الأولى بالنصف لم يجز أن تجعل المزارعة الثانية بالثلث للمالك والثلثين للعامل ، نعم يجوز أن يجعل حصة الزارع الثاني أقل من حصة الزارع في المزارعة الأولى ، فيأخذ الزارع الثاني حصته والمالك حصته وما بقي يكون للزارع في المزارعة الأولى ، مثلاً إذا كانت المزارعة الأولى بالنصف وجعل حصة الزارع في المزارعة الثانية الربع كان للمالك نصف الحاصل وللزارع الثاني الربع ويبقى الربع للزارع في المزارعة الأولى ، ولا فرق في ذلك كله بين أن يكون البذر في المزارعة الأولى على المالك أو على العامل ، ولو جعل في الأولى على العامل يجوز في الثانية أن يجعل على المزارع أو على الزارع ، ولا يشترط في صحة التشريك في المزارعة ولا في إيقاع المزارعة الثانية إذن المالك نعم لا يجوز تسليم الأرض إلى الغير إلا بإذنه ، كما أنه لو شرط عليه المالك أن يباشر بنفسه بحيث لا يشاركه غيره ولا يزارعه ـ أو كان ذلك غير متعارف خارجاً بحيث أغنى عن التصريح باشتراط عدمه ـ كان هو المتبع.
مسألة 507 : يصح عقد المزارعة بين أكثر من اثنين بأن تكون الأرض من واحد والبذر من آخر والعمل من ثالث والعوامل من رابع ، وكذا الحال إذا وقع العقد بين جماعة على النحو المذكور لا بعنوان المزارعة.
مسألة 508 : لا فرق في صحة عقد المزارعة بين أن يكون البذر من
المالك أو العامل أو منهما معاً ولكن كل ذلك يحتاج إلى تعيين وجعل في ضمن العقد إلا أن يكون هناك متعارف ينصرف إليه الإطلاق.
وكذا لا فرق بين أن تكون الأرض مختصة بالمزارع أو مشتركة بينه وبين العامل ، كما أنه لا يلزم أن يكون تمام العمل على العامل فيجوز أن يكون عليهما وكذا الحال في سائر التصرفات والآلات.
والضابط أن كل ذلك تابع للجعل في ضمن العقد.
مسألة 509 : خراج الأرض ومال الإجارة للأرض المستأجر على المزارع وليس على الزارع إلا إذا شرط عليه كلاً أو بعضاً ، وأما سائر المؤن كشق الأنهار وحفر الآبار وأصلاح النهر وتهيئة آلات السقي ونصب الدولاب ونحو ذلك فلابد من تعيين كونها على أي منهما إلا إذا كانت هناك عاده تغني عن التعيين.
مسألة 510 : إذا وجد مانع في الأثناء قبل ظهور الزرع أو قبل بلوغه وأدراكه كما إذا انقطع الماء عنه ولم يمكن تحصيله أو استولى عليه الماء ولم يمكن إزالته أو وجد مانع آخر لم يمكن رفعه فالظاهر بطلان المزارعة من الأول لكشفه عن عدم قابلية الأرض للزراعة ، وعليه فيكون الزرع الموجود لصاحب البذر فإن كان البذر للمالك فعليه أجرة مثل عمل العامل وإن كان للعامل فعليه أجره مثل أرضه.
مسألة 511 : إذا كانت الأرض التي وقعت المزارعة عليها مغصوبة بطلت المزارعة بالإضافة إلى المزارع ، فإن كان البذر له فالزرع له وعليه للعامل أجرة مثل عمله وللمالك الأرض أجرة مثل أرضه وإن كان للعامل وأجاز المالك عقد المزارعة وقع له والا كان الزرع للزارع وعليه أجرة المثل لمالك الأرض.
وإذا انكشف الحال قبل بلوغ الزرع وأدراكه كان المالك مخيراً أيضاً
بين الإجازة والرد فإن رد فله الأمر بالإزالة أو الرضا ببقائه ولو بأجرة وعلى الزارع أجرة المثل بالنسبة إلى ما مضى.
مسألة 512 : كيفية اشتراك العامل مع المالك في الحاصل تابعة للجعل والقرار الواقع بينهما ، فتارة يشتركان في الزرع من حين طلوعه وبروزه فيكون حشيشه وقصيله وتبنه وحبه كلها مشتركة بينهما ، وأخرى يشتركان في خصوص حبة أما من حين انعقاده أو بعده إلى زمان حصاده فيكون الحشيش والقصيل والتبن كلها لصاحب البذر ، هذا مع التصريح منهما ، وأما مع عدمه فالظاهر أن مقتضى وضع المزارعة عند الإطلاق الوجه الأول ، فالزرع بمجرد خروجه يكون مشتركاً بينهما.
مسألة 513 : تجب على كل من المالك والزارع الزكاة إذا بلغت حصة كل منهما حد النصاب وتجب على أحدهما إذا بلغت حصته كذلك.
هذا إذا كان الزرع مشتركاً بينهما من الأول أو من حين ظهور الحاصل قبل صدق الاسم.
وأما إذا اشترطا الاشتراك بعد صدق الاسم أو من حين الحصاد والتصفية فالزكاة على صاحب البذر سواء أكان هو المالك أم العامل.
مسألة 514 : الباقي في الأرض من أصول الزرع بعد الحصاد وإنقضاء المدة إذا نبت في السنة الجديدة وأدرك فحاصله لمالك البذر إن لم يشترط في عقد المزارعة اشتراكهما في الأصول ، والا كان بينهما بالنسبة.
مسألة 515 : إذا اختلف المالك والزارع في المدة فادعى أحدهما الزيادة والآخر القلة فالقول قول منكر الزيادة بيمينه ما لم يكن مدعياً قلة المدة بمقدار لا يكفي عادة لبلوغ الحاصل ، ولو اختلفا في الحصة قلة وكثرة فالقول قول صاحب البذر المدعي للقلة بيمينه ما لم يدع كونها أقل مما يجعل عادة لغير صاحب البذر في مثل تلك المزارعة بملاحظة خصوصياتها.
وأما إذا اختلفا في اشتراط كون البذر أو العمل أو العوامل على أيهما فالمرجع التحالف ومع حلفهما أو نكولهما تنفسخ المعاملة.
مسألة 516 : إذا قصر الزارع في تربية الأرض فقل الحاصل تخير المالك بين فسخ المزارعة وأمضائها ، فإن فسخ فالحاصل لصاحب البذر فإن كان هو المالك فعليه للزارع أجرة مثل عمله وإن كان هو الزارع فعليه للمالك أقل الأمرين من أجرة مثل الأرض وقيمة حصته من الحاصل على تقدير عدم التقصير ، وإن لم يفسخ المالك فالحاصل بينهما بالنسبة المتفق عليها.
مسألة 517 : لو ادعى المالك على الزارع عدم العمل بما اشترط عليه في ضمن عقد المزارعة من بعض الأعمال أو ادعى تقصيره فيه على وجه يضر بالزراعة أو تقصيره في الحفظ أونحو ذلك وإنكره الزارع فالقول قوله بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر.
و كذلك الحال في كل مورد ادعى أحدهما شيئاً وإنكره الآخر ما لم يثبت ما ادعاه شرعاً.
مسألة 518 : إذا أوقع المتولي للوقف عقد المزارعة على الأرض الموقوفة على البطون إلى مدة ملاحظاً في ذلك مصلحة الوقف والبطون لزم ولا يبطل بموته وأما إذا أوقعه البطن المتقدم من الموقوف عليهم ثم مات في الأثناء قبل انقضاء المدة بطل العقد من ذلك الحين إلا إذا أجاز البطن اللاحق.
مسألة 519 : يجوز لكل من المالك والعامل بعد ظهور الحاصل أن يصالح الآخر عن حصته بمقدار معين من جنسه أو غير جنسه بعد التخمين بحسب المتعارف في الخارج كما يجوز ذلك قبل ظهور الحاصل مع الضميمة.
مسألة 520 : لا يعتبر في عقد المزارعة على الأرض أن تكون قابلة
للزرع من حين القعد وفي السنة الأولى بل يصح العقد على أرض بائرة وخربة لا تصلح للزرع إلا بعد إصلاحها وتعميرها سنة أو أكثر.
وعليه فيجوز للمتولي أن يزارع الأراضي الموقوفة وقفاً عاماً أو خاصاً التي أصبحت بائرة إلى عشر سنين أو أقل أو أكثر حسب ما يراه صالحاً.
كتاب المساقاة
المساقاة هي : ( اتفاق شخص مع آخر على رعاية أشجار ونحوها وأصلاح شؤونها إلى مدة معينة بحصة من حاصلها ).
مسألة 521 : يشترط في المساقاة أمور :
الأول : الإيجاب والقبول ، ويكفي فيهما كل ما يدل على المعنى المذكور من لفظ أو فعل أو نحوهما ولا تعتبر فيهما العربية ولا الماضوية.
الثاني : أن يكون المالك والفلاح بالغين عاقلين مختارين غير محجورين لسفه أو تفليس ، نعم لا بأس بكون الفلاح محجوراً عليه لفلس إذا لم تستلزم المساقاة تصرفه في أمواله التي حجر عليها.
الثالث : أن تكون أصول الأشجار مملوكة عيناً ومنفعة أو منفعة فقط أو يكون تصرفه فيها نافذاً بولاية أو وكالة أو تولية.
الرابع : أن تكون معلومة ومعينة عندهما.
الخامس : تعيين مدة العمل فيها إما ببلوغ الثمرة المساقى عليها مع تعيين مبدأ الشروع وأما بالأشهر أو السنين بمقدار تبلغ فيها الثمرة غالباً فلو كانت أقل من هذا المقدار بطلت المساقاة.
السادس : أن يجعل لكل منهما نصيب من الحاصل وإن يكون محدداً بأحد الكسور كالنصف والثلث ، ولا يعتبر في الكسر أن يكون مشاعاً في جميع الحاصل على الأظهر كما تقدم نظيره في المزارعة ، وإن اتفقا على أن تكون من الثمرة عشرة أطنان مثلاً للمالك والباقي للفلاح بطلت المساقاة.
السابع : تعيين ما على المالك من الأمور وما على العامل من الأعمال ،
ويكفي الانصراف ـ إذا كان ـ قرينة على التعيين.
الثامن : أن تكون المساقاة قبل ظهور الثمرة أو بعده قبل البلوغ إذا كان قد بقي عمل يتوقف عليه اكتمال نمو الثمرة أو كثرتها أو جودتها أو وقايتها من الآفات ونحو ذلك ، وأما إذا لم يبق عمل من هذا القبيل وإن احتيج إلى عمل من نحو آخر كاقتطاف الثمرة وحراستها أو ما يتوقف عليه تربية الأشجار ففي الصحة إشكال.
مسألة 522 : تصح المساقاة في الأصول غير الثابتة كالبطيخ والخيار على الأظهر.
مسألة 523 : تصح المساقاة في الأشجار غير المثمرة إذا كانت لها حاصل آخر من ورق أو ورد ونحوهما مما له مالية يعتد بها عرفاً كشجر الحناء الذي يستفاد من ورقه.
مسألة 524 : يصح عقد المساقاة في الأشجار المستغنية عن السقي بالمطر أو بمص رطوبة الأرض إذا احتاجت إلى أعمال أخرى مما تقدم بيانها في الشرط الثامن.
مسألة 525 : يجوز اشتراط شيء من الذهب أو الفضة أو غيرهما للعامل أو المالك زائداً على الحصة من الثمرة ، وهل يسقط المشروط مع عدم ظهور الثمرة كلاً أو بعضاً أو تلفها بعد الظهور كذلك أو أنه يقسط بالنسبة إذا ظهر أو سلم البعض دون البعض ، أو أنه لا ينقص منه شيء على كل حال فيستحقه المشروط له بتمامه؟ وجوه أظهرها الأخير ، إلا مع اقتضاء الشرط خلافه ولو لانصراف إطلاقه إلى غيره.
مسألة 526 : يجوز تعدد المالك وأتحاد العامل فيساقي الشريكان عاملاً واحداً ، ويجوز العكس فيساقي المالك الواحد عاملين بالنصف له مثلاً والنصف الآخر لهما ، ويجوز تعددهما معاً.
مسألة 527 : خراج الأرض على المالك إلا إذا اشترطا كونه على العامل أو عليهما معاً.
مسألة 528 : يملك العامل مع إطلاق العقد الحصة في المساقاة من حين ظهور الثمرة ، وأذا كانت المساقاة بعد الظهور ملك الحصة من حين تحقق العقد.
مسألة 529 : يبطل عقد المساقاة بجعل تمام الحاصل للمالك ومع ذلك يكون تمام الحاصل والثمرة له وليس للعامل مطالبته بالأجرة حيث أنه أقدم على العمل في هذه الصورة مجاناً ، وأما إذا كان بطلان المساقاة من جهة أخرى وجب على المالك أن يدفع للعامل أجرة مثل ما عمله حسب المتعارف.
مسألة 530 : عقد المساقاة لازم لا يبطل ولا ينفسخ إلا بالتقايل والتراضي أو الفسخ ممن له الخيار ولو من جهة تخلف بعض الشروط التي جعلاها في ضمن العقد أو بعروض مانع موجب للبطلان.
مسألة 531 : إذا مات المالك قام وارثه مقامه ولا تنفسخ المساقاة وأذا مات العامل قام وارثه مقامه إن لم تؤخذ المباشرة في العمل قيداً ولا شرطاً ، فإن لم يقم الوارث بالعمل ولا استأجر من يقوم به فللحاكم الشرعي أن يستأجر من مال الميت من يقوم بالعمل ويقسم الحاصل بين المالك والوارث.
وأما إذا أخذت المباشرة في العمل قيداً انفسخت المعاملة ، كما أنها إذا أخذت شرطاً كان المالك بالخيار بين فسخ المعاملة والرضا بقيام الوارث بالعمل مباشرة أو تسبيباً.
مسألة 532 : الأعمال التي تحتاج إليها البساتين والنخيل والأشجار في إصلاحها وتعميرها وأستزادة ثمارها وحفظها على قسمين :
الأول : ما يتكرر في كل سنة ، مثل إصلاح الأرض وتنقية الأنهار وإصلاح طريق الماء وأزالة الحشيش المضر وتهذيب جرائد النخل والكرم والتلقيح واللقاط والتشميس وأصلاح موضعه وحفظ الثمرة إلى وقت القسمة وغير ذلك.
الثاني : ما لا يتكرر غالباً كحفر الآبار وشق الأنهار وبناء الحائط والدولاب والدالية ونحو ذلك.
ومقتضى إطلاق عقد المساقاة أن القسم الثاني على المالك ، وأما القسم الأول فمقتضى إطلاقه كونه على العامل والمالك معاً لا على خصوص واحد منهما ، نعم إذا كان هناك تعيين أو انصراف في كون شيء على العامل أو المالك ـ ولو لأجل جريان العادة عليه ـ فهو المتبع.
مسألة 533 : إذا خالف العامل فترك ما اشترط عليه من بعض الأعمال فللمالك إجباره على العمل المزبور كما أن له حق الفسخ من جهة تخلف الشرط وإن فات وقت العمل ، وهل له أن لا يفسخ ويطالبه بأجرة العمل المشروط عليه؟ فيه إشكال.
مسألة 534 : لا يعتبر في المساقاة أن يكون العامل مباشراً للعمل بنفسه إن لم يشترط عليه المباشرة فيجوز له أن يستأجر شخصاً في بعض أعمالها أو في تمامها وعليه الأجرة ، كما أنه يجوز أن يشترط كون أجرة بعض الأعمال على المالك.
مسألة 535 : إذا كان البستان مشتملاً على أنواع من الأشجار كالنخل والكرم والرمان ونحوها من أنواع الفواكه فلا يعتبر العلم بمقدار كل واحد من هذه الأنواع تفصيلاً في صحة المساقاة عليها بل يكفي العلم بها إجمالاً بمشاهدة أو نحوها.
مسألة 536 : لا فرق في صحة المساقاة بين أن تكون على المجموع
بالنصف أو الثلث أو نحوهما وبين أن تكون على كل نوع منها بحصة مخالفة لحصة نوع آخر كأن يجعل في النخل النصف مثلاً وفي الكرم الثلث وفي الرمان الربع وهكذا.
مسألة 537 : تصح المساقاة مردداً مثلاً بالنصف إن كان السقي بالآلة وبالثلث إن كان السقي بالسيح ولا يضر هذا المقدار من الجهالة بصحتها.
مسألة 538 : إذا ظهر بطريق شرعي أن الأصول في عقد المساقاة مغصوبة فعندئذ إن أجاز المالك المعاملة صحت المساقاة بينه وبين العامل والا بطلت وكان تمام الثمرة للمالك وللعامل أجرة المثل يرجع بها إلى الغاصب إذا كان جاهلاً بالحال إلا إذا كان مدعياً عدم الغصبية وإن الأصول للمساقي وقد أخذ المدعي الثمرة منه ظلماً.
مسألة 539 : إذا كان ظهور غصب الأصول بعد تقسيم الثمرة وتلفها فعندئذ للمالك أن يرجع إلى الغاصب فقط بتمام عوضها وله أن يرجع إلى كل منهما بمقدار حصته ، وليس له أن يرجع إلى العامل بتمام العوض إلا مع ثبوت يده على تمام الثمرة.
مسألة 540 : تجب الزكاة على كل من المالك والعامل إذا بلغت حصة كل منهما حد النصاب فيما إذا كانت الشركة قبل زمان الوجوب والا فالزكاة على المالك فقط.
مسألة 541 : إذا اختلف المالك والعامل في اشتراط شيء على أحدهما وعدمه فالقول قول منكره بيمينه ، ولو اختلفا في صحة العقد وفساده قدم قول مدعي الصحة بيمينه.
مسألة 542 : لو اختلف العامل والمالك في مقدار حصة العامل فالقول قول المالك المنكر للزيادة بيمينه وكذا الحال فيما إذا اختلفا في المدة ، وأما إذا اختلفا في مقدار الحاصل زيادة ونقيصة بأن يطالب المالك
العامل بالزيادة فالقول قول العامل بيمينه ، وكذا لو ادعى المالك على العامل الخيانة أو السرقة أو الإتلاف أو كون التلف بتفريط منه.
مسألة 543 : تقديم قول المالك أو العامل بيمينه في الموارد المتقدمة منوط بعدم مخالفته للظاهر ، مثلاً لو اختلفا في مقدار حصة العامل فادعى المالك قلتها بمقدار لا يجعل عادة لعامل المساقاة كواحد في الألف وأدعى العامل الزيادة عليه بالمقدار المتعارف قدم قول العامل بيمينه وهكذا الحال في سائر الموارد.
مسألة 544 : المغارسة جائزة على الأظهر وهي : أن يدفع أرضاً إلى الغير ليغرس فيه أشجاراً على أن يكون الحاصل لهما ، سواء اشترط كون حصة من الأرض أيضاً للعامل أم لا ، وسواء كانت الأصول من المالك أم من العامل ، والأحوط الأولى ترك هذه المعاملة ، ويمكن التوصل إلى نتيجتها بمعاملة لا إشكال في صحتها كإيقاع الصلح بين الطرفين على النحو المذكور ، أو الاشتراك في الأصول بشرائها بالشركة ثم إجازة الغارس نفسه لغرس حصة صاحب الأرض وسقيها وخدمتها في مدة معينة بنصف منفعة أرضه إلى تلك المدة أو بنصف عينها مثلاً.
كتاب الجعالة
الجعالة هي : ( الالتزام بعوض معلوم ـ ولو في الجملة ـ على عمل كذلك ) ، وهي من الإيقاعات ولابد فيها من الإيجاب أما عاماً مثل : من رد دابتي أو بنى جداري فله كذا ، أو خاصاً مثل : إن خطت ثوبي فلك كذا ، ولا يحتاج إلى القبول لأنها ليست معاملة بين طرفين حتى يحتاج إلى قبول بخلاف العقود كالمضاربة والمزارعة والمساقاة ونحوها.
مسألة 545 : مما تفترق به الجعالة عن الإجارة على العمل وجوب العمل على الأجير بعد العقد دون العامل في الجعالة ، كما تشتغل ذمة المستأجر للأجير قبل العمل بالأجرة ، ولا تشتغل ذمة الجاعل للعامل ما لم يأت بالعمل.
مسألة 546 : يعتبر في الجاعل البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لسفه أو فلس ، فلا تصح جعالة الصبي ولا المجنون ولا المكره ولا السفيه ولا المفلس فيما حجر عليه من أمواله.
وأما العامل فلا يعتبر فيه إلا إمكان إتيانه بالعمل خارجاً ولو كان إتيانه به متوقفاً على مقدمة محرمة ، كما لو أوقع الجعالة على كنس المسجد فأتى به الجنب أو الحائض فإنهما يستحقان الجعل على الأظهر ، نعم لو خص الجعل بكنس الجنب أو الحائض لم يصح فلو كنساه لم يستحقا الجعل وفي استحقاقهما لأجرة المثل إشكال. ولا يعتبر في العامل نفوذ التصرف فيجوز أن يكون صبياً مميزاً ولو بغير إذن الولي بل يجوز أن يكون صبياً غير مميز أو يكون مجنوناً على الأظهر ، فجميع هؤلاء يستحقون الجعل المقرر بعملهم.
مسألة 547 : إنما تصح الجعالة على كل عمل محلل مقصود عند العقلاء فلا تصح الجعالة على المحرم ـ كشرب الخمر ـ ولا على ما يكون خالياً من الفائدة كالدخول ليلاً في محل مظلم إذا لم يكن فيه غرض عقلائي.
مسألة 548 : كما لا تصح الإجارة على ما علم من الشرع لزوم الإتيان به مجاناً ، واجباً كان أو مستحباً عينياً كان أو كفائياً ، عبادياً كان أو توصلياً كما تقدم في المسألة (31) كذلك لا تصح الجعالة عليه.
مسألة 549 : يجوز أن يكون العمل مجهولاً في الجعالة بما لا يغتفر في الإجارة فإذا قال ( من رد دابتي فله كذا ) صح وإن لم يعين المسافة ولا شخص الدابة مع شدة اختلاف الدواب في الظفر بها من حيث السهولة والصعوبة ، وكذا يجوز أن يوقع الجعالة على أحد الأمرين مخيراً مع اتحاد الجعل كما إذا قال ( من رد سيارتي أو دابتي فله كذا ) أو بالاختلاف كما إذا قال ( من رد إحداهما فإن كانت السيارة فله عشرة وإن كانت الدابة فله خمسة ) نعم لا يجوز جعل موردها مجهولاً صرفاً ومبهماً بحتا لا يتمكن العامل من تحصيله كما إذا قال ( من وجد وأوصلني ما ضاع مني فله كذا ) بل وكذا لو قال ( من رد حيواناً ضاع مني فله كذا ) ولم يعين أنه من جنس الطيور أو الدواب أو غيرها.
هذا كله في العمل ، وأما العوض فلا يعتبر أيضاً تعيين خصوصياته ، بل يكفي أن يكون معلوماً لدى العامل بحد لا يكون الإقدام على العمل معه سفهياً فلو قال ( بع هذا المال بكذا والزائد لك ) صح ، وكذا لو قال ( من رد فرسي فله نصفها أو له كذا مقدار من الحنطة ) ، ولو كان العوض مجهولاً محضاً مثل ( من رد فرسي فله شيء ) بطلت الجعالة وللعامل أجرة المثل.
مسألة 550 : إذا جعل الجعل على عمل وقد عمله شخص قبل إيقاع
الجعالة أو بعده بقصد التبرع وعدم أخذ العوض يقع عمله ضائعاً وبلا جعل وأجرة.
مسألة 551 : إذا أخبره مخبر بأن فلاناً قال ( من رد دابتي فله كذا ) فردها اعتماداً على إخباره مع أنه لم يقله لم يستحق شيئاً لا على صاحب الدابة ولا على المخبر الكاذب ، نعم لو كان قوله حجة شرعية كالبينة أو أوجب الاطمئنان لديه لا يبعد ضمانه أجرة مثل عمله.
مسألة 552 : لا يعتبر أن يكون الجعل ممن له العمل ، فيجوز أن يجعل جعلاً من ماله لمن خاط ثوب زيد أو باشر علاجه ، فإذا قام به أحد استحق الجعل على الجاعل دون زيد ، هذا مع رضا زيد بالتصرف في ماله أو نفسه ـ حتى لا يكون العمل محرماً ـ والا لم تصح الجعالة.
مسألة 553 : لو عين الجعالة لشخص وأتى بالعمل غيره لم يستحق الجعل ذلك الشخص لعدم العمل ولا ذلك الغير لأنه ما أمر بإتيان العمل ولا جعل لعمله جعل فهو كالمتبرع ، نعم لو جعل الجعل على العمل لا بقيد المباشرة بحيث لو حصل ذلك الشخص العمل بالإجارة أو الاستنابة أو الجعالة شملته الجعالة وكان عمل ذلك الغير تبرعاً عن المجعول له بطلب منه استحق المجعول له بسبب عمل ذلك العامل الجعل المقرر.
مسألة 554 : لو قال ( من دلني على مالي فله كذا ) فدله من كان ماله في يده لم يستحق شيئاً لأنه واجب عليه شرعاً ، وأما لو قال ( من رد مالي فله كذا ) فإن كان مما لا يجب رده على من في يده بل تجب عليه التخلية بينه وبين المال فقام برده استحق الجعل المقرر والا لم يستحقه.
مسألة 555 : إنما يستحق العامل الجعل بالتسليم فيما إذا كان المجعول عليه التسليم ، وأما إذا كان المجعول عليه غيره كما إذا قال ( من خاط هذا الثوب فله درهم ) استحق الخياط الدرهم بمجرد الخياطة ، وإذا قال
( من أوصل دابتي إلى البلد كان له درهم ) استحق العامل الدرهم بمجرد الإيصال إلى البلد وإن لم يسلمها إلى أحد ، ولو كان الجعل على مجرد الدلالة عليها وأعلام محلها استحق بذلك الجعل وإن لم يكن منه إيصال أصلاً.
مسألة 556 : لو جعل جعلاً لشخص على عمل كبناء حائط أو خياطة ثوب فشاركه غيره في ذلك العمل يسقط من جعله المعين ما يكون بإزاء عمل ذلك الغير فإن كانت المشاركة بالنصف كان له نصف الجعل والا فبالنسبة ، وأما الآخر فلا يستحق شيئاً لكونه متبرعاً ، نعم لولم يشترط على العامل المباشرة بل أريد منه العمل مطلقاً ولو بمباشرة غيره وكان اشتراك الغير معه بطلب منه بعنوان التبرع عنه ومساعدته استحق المجعول له تمام الجعل.
مسألة 557 : إذا جعل جعلين بأن قال : من خاط هذا الثوب فله درهم ثم قال : من خاط هذا الثوب فله دينار ، كان العمل على الثاني فإذا خاطه الخياط لزم الجاعل الدينار لا الدرهم.
ولو انعكس الفرض لزم الجاعل الدرهم لا الدينار ، وأذا لم تكن قرينة على العدول من الأول إلى الثاني لزمه الجعلان معاً.
مسألة 558 : إذا جعل جعلاً لفعل فصدر جميعه من جماعة ـ من كل واحد منهم بعضه ـ كان للجميع جعل واحد لكل واحد منهم بعضه بمقدار عمله ، ولو صدر الفعل بتمامه من كل واحد منهم كان لكل واحد منهم جعل تام.
مسألة 559 : إذا جعل جعلاً لمن رده من مسافة معينة فرده من بعضها كان له من الجعل بنسبة عمله مع قصد الجاعل التوزيع.
مسألة 560 : يجوز للجاعل الرجوع عن الجعالة قبل الشروع في العمل ، وأما بعد الشروع فيه فيشكل ذلك إلا مع التوافق مع العامل.
مسألة 561 : الجعالة لا تقتضي وجوب إتمام العمل على العامل إذا شرع فيه ، نعم قد تقتضيه لجهة أخرى كما إذا أوجب تركه الإضرار بالجاعل أو من يكون له العمل ، كأن يقول : ( كل من عالج عيني فله كذا ) فشرع الطبيب بإجراء عملية في عينه بحيث لولم يتمها لتعيبت عينه فيجب عليه الإتمام.
مسألة 562 : لا يستحق العامل شيئاً من العوض إذا لم يتم العمل الذي جعل بأزائه ، فإذا جعل العوض على رد الدابة الشاردة إليه مثلاً فجاء بها إلى البلد ولم يوصلها إليه لم يستحق شيئاً ، وكذا لو جعل العوض على مثل خياطة الثوب فخاط بعضه ولم يكمله ، نعم لو جعله موزعاً على أجزاء العمل من دون ترابط بينها في الجعل استحق العامل منه بنسبة ما أتى به من العمل.
مسألة 563 : إذا تنازع العامل والمالك في الجعل وعدمه أو في تعيين المجعول عليه أو القدر المجعول عليه أو في سعي العامل كان القول قول المالك بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر.
مسألة 564 : إذا تنازع العامل والجاعل في تعيين الجعل فالأظهر أنه مع التنازع في قدره يكون القول قول مدعي الأقل بيمينه بشرط عدم كونه مخالفاً للظاهر ، ومع التنازع في جنسه يكون القول قول الجاعل بيمينه ـ بالشرط المذكور ـ في نفي دعوى العامل ، وتجب عليه التخلية بين ما يدعيه للعامل وبينه.
مسألة 565 : عقد التأمين للنفس أو المال ـ سيكورته ـ من العقود المستحدثة الصحيحة وقد ذكرنا أحكامه في رسالة ( مستحدثات المسائل ) وبالإضافة إلى ذلك يمكن تخريجه على بعض العقود الأخرى فتترتب عليه أحكام ذلك البعض ، كأن يكون بعنوان الهبة المشروطة فيدفع المؤمن له مقداراً من المال هبة ويشترط على المتهب أنه على تقدير حدوث حادثة نص عليها في
الاتفاقية أن يقوم بتدارك الخسارة الناجمة له ، أو يكون بعنوان المعاوضة إذا كان المتعهد بالتأمين يقوم للمؤمن له بعمل محترم له مالية وقيمة عند العقلاء من وصف نظام للأكل أو الشرب أو غيرهما أو تعيين حارس على المال أو غير ذلك من الأعمال المحترمة فيكون نوعاً من المعاوضة وأخذ المال من الطرفين حلال.
كتاب السبق والرماية
السبق هو المعاملة على إجراء الخيل وما شابهها في حلبة السباق لمعرفة الأجود منها والأفرس من المتسابقين ، والرماية هي المعاملة على المناضلة بالسهام مثلاً ليعلم حذق الرامي ومعرفته بواقع الرمي ، وفائدة العقدين بعث النفس على الاستعداد للقتال والهداية لممارسة النضال في الحرب دفاعاً عن النفس والدين والعرض والمال.
مسألة 566 : لابد فيهما من إيجاب وقبول بما يدل عليهما من لفظ أو فعل.
مسألة 567 : يصح العقدان في السهام والحراب والسيوف والإبل والفيلة والخيل والبغال والحمير ، ولا يبعد صحتهما في جميع الآلات المستعملة في الحرب ومنها الآلات المتداولة في زماننا.
مسألة 568 : لابد في المسابقة من تعيين الجهات التي يكون الجهل بها موجباً للنزاع ، فلابد من تقدير المسافة والعوض وتعيين الدابة ولابد في الرماية من تقدير عدد الرمي وعدد الإصابة وصفتها وقدر المسافة والغرض والعوض ونحو ذلك.
مسألة 569 : قد يدخل شخص بين المتراهنين في المسابقة ولا يبذل معهما عوضاً بل يجرى دابته بينهما أو في أحد الجانبين على وجه يتناوله العقد على أنه إن سبق بنفسه أو مع غيره أخذ العوض أو بعضه ـ على حسب الشرط ـ وأن لم يسبق لم يغرم شيئاً ، وهذا الشخص يسمى بـ ( المحلل ) وليس وجوده شرطاً في صحة المسابقة.
مسألة 570 : يجوز أن يكون العوض المقرر في السبق أو الرماية عيناً وأن يكون ديناً ، وأن يبذله أجنبي أو أحد الطرفين أو من بيت المال ، ويجوز جعله للسابق وللمحلل.
مسألة 571 : إذا قالا بعد أن عين كل منهما عوضاً من نفسه وأدخلا محللاً : من سبق منا ومن المحلل فله العوضان ، فمن سبق من الثلاثة فهما له ، فإن سبقا اشتركا في المالين ، وإن سبق أحدهما والمحلل فالمتبع في استحقاق العوضين وتقسيمه كيفية الجعل.
مسألة 572 : العبرة في تحقق السبق بالصدق العرفي إلا إذا اتفق الطرفان على غيره.
مسألة 573 : إذا فسد العقد قيل : لا أجرة للغالب ، ولو ظهر العوض مستحقاً للغير مع عدم إجازته قيل : وجب على الباذل مثله أو قيمته ، ولكن كلا القولين لا يخلو عن إشكال فلا يترك الاحتياط بالتراضي بصلح أو نحوه.
كتاب الشركة
تطلق الشركة على معنيين :
الأول : كون شيء واحد لاثنين أو أزيد.
الثاني : العقد الواقع بين اثنين أو أزيد على الاشتراك فيما يحصل لهم من ربح وفائدة من الإتجار أو الاكتساب أو غيرهما ، وتسمى بـ ( الشركة العقدية ).
مسألة 574 : تتحقق الشركة بالمعنى الأول باستحاق شخصين فما زاد عيناً أو ديناً أو منفعة أو حقا ، وسببها قد يكون إرثاً وقد يكون عقداً ناقلاً كما إذا اشترى اثنان معاً مالاً أو شرك أحدهما الآخر في ماله أو استأجرا عيناً أو صولحا على حق تحجير مثلاً ، ولها أسباب ثلاثة أخرى تختص بالشركة في الأعيان :
الأول : الإحياء كما إذا حفرا بئراً أو شقا نهراً أو قناة وما شاكل ذلك.
الثاني : الحيازة كما إذا اصطادا صيداً أو اقتلعا شجرة مباحة أو اغترفا ماءً مباحا بآنية واحدة دفعة ونحو ذلك.
الثالث : الامتزاج ، كما إذا امتزج خل شخص بخل شخص آخر.
مسألة 575 : الامتزاج والخلط قد يوجب الشركة وقد لا يوجبها ، ومن الأول ما إذا حصل خلط وامتزاج تام بين ما يعين من جنس واحد كالماء بالماء والدهن بالدهن سواء وقع ذلك قهراً أو اختياراً ، ومثله خلط الجامدات الناعمة من جنس واحد بعضها ببعض كخلط دقيق الحنطة بدقيق الحنطة فيما إذا كان الخلط بمثله ، وأما إذا كان الخلط بالأجود أو بالأردأ ، أو كان الخلط بغير الجنس مع عد الموجود طبيعة ثالثة كخلط دهن اللوز بدهن الجوز وخلط
الخل بالسكر وحصول السكنجبين منهما فإن حصل ذلك على وجه لا يكون مضموناً على أحد المالكين كان المجموع مشتركاً بينهما وإلا كان لصاحبه المطالبة ببدل ماله من المثل أو القيمة وله عدم المطالبة به والرضا بالاشتراك في الخليط بنسبة المالية مع أخذ ما به التفاوت بين قيمة ماله قبل الخلط وقيمته بعده لو كان الخلط سببا في تنزل قيمته كما سيأتي في المسألة 853.
عد الموجود خليطا من موجودات متعددة وإن لم يمكن إفراز بعضها عن بعض إلا بكلفة بالغة كمزج طن من حب الحنطة بطن من حب الشعير ، ومثله على الظاهر الامتزاج بالجنس فيما إذا لم يعد الموجود شيئاً واحداً كخلط اللوز باللوز والجوز بالجوز وخلط حب الحنطة بحب الحنطة سواء أكان الخلط بمثله أو بالأجود أو بالأردأ ، فإن في مثل ذلك كله لا تتحقق الشركة ولا تجري عليها أحكام المال المشترك بل لابد من أن يتصالح الطرفان بوجه لا يستلزم الربا.
مسألة 576 : لا يجوز لبعض الشركاء التصرف في المال المشترك إلا برضا الباقين ، بل لو أذن أحد الشريكين في التصرف جاز للمأذون ولم يجز للآذن إلا أن يأذن له المأذون أيضاً ، ويجب أن يقتصر المأذون بالمقدار المأذون فيه كماً وكيفاً ، نعم الإذن في الشيء إذن في لوازمه العرفية عند الإطلاق ولكنها تختلف حسب اختلاف الموارد فربما يكون الإذن للشخص في سكنى الدار إذناً له عرفاً في إسكان أهله وعياله وأطفاله وتردد أصدقائه ونزول ضيوفه بالمقدار المعتاد فيجوز ذلك كله إلا أن يمنع عنه كلاً أو بعضاً فيتبع.
مسألة 577 : إذا كان الاشتراك في أمر تابع مثل البئر والطريق غير النافذ والدهليز ونحوها مما كان الانتفاع به مبنياً عرفاً على عدم الاستئذان جاز التصرف وإن لم يأذن الشريك.
مسألة 578 : إذا كان ترك التصرف موجباً لنقص العين كما لو كانا مشتركين في طعام فإذا امتنع أحدهما من الإذن في التصرف فيه ولم يرض بتقسيمه رجع الشريك في ذلك إلى الحاكم الشرعي ليسلم من الضرر.
مسألة 579 : إذا كانا شريكين في دار مثلاً فتعاسرا وامتنع أحدهما من الإذن للآخر بالتصرف فيها بحيث أدى ذلك إلى الضرر رجع الشريك إلى الحاكم الشرعي ليأذن في التصرف الأصلح حسب نظره.
مسألة 580 : إذا طلب الشريك بيع ما يترتب على قسمته نقص ليقسم الثمن تجب إجابته ويجبر الشريك عليه لو امتنع.
مسألة 581 : تتصور الشركة العقدية على أنحاء :
النحو الأول : شركة العنان ، وهي الاتفاق بين شخصين مثلاً على الإتجار والتكسب بأعيان من أموالهما على أن يكون بينهما ما يحصل من ذلك من ربح أو خسران ، وهذا النحو يمكن أن يقع على قسمين يختلفان في جملة من الأحكام كما سيأتي:
القسم الأول : اتفاق شخصين مثلاً على الإتجار بالمال المشاع بينهما بأحد أسباب الإشاعة في مرحلة سابقة على العقد ، وهذا من العقود الإذنية ونعبر عنه بـ ( الشركة الإذنية ).
القسم الثاني : إنشاء شخصين مثلاً المشاركة في رأس مال مكون من مالهما للإتجار والتكسب به بكيفية وشروط معينة ، وهذا من العقود المعاوضية لتضمنه انتقال حصة من المال المختص بكل من الطرفين إلى الطرف الآخر بنفس العقد ، ونعبر عنه بـ ( الشركة المعاوضية ).
النحو الثاني : شركة الأبدان ، وهي الاتفاق بين شخصين مثلاً على الاشتراك فيما يربحانه من حاصل عملهما سواء اتفقا في العمل كالخياطين أو اختلفا كالخياط والنساج ، ومن ذلك معاقدة شخصين على أن كل ما يحصل
كل منهما بالحيازة من الحطب أو الحشيش مثلاً يكون مشتركاً بينهما.
وهذه الشركة باطلة فيختص كل من الطرفين بأجرة عمله وبما حازه ، نعم لو صالح أحدهما الآخر بنصف منفعته إلى مدة معينة بإزاء نصف منفعة الآخر إلى تلك المدة وقبل الآخر صح واشترك كل منهما فيما يحصله الآخر في تلك المدة بالأجرة أو الحيازة ، وكذا لو صالح أحدهما الآخر عن نصف منفعته إلى مدة بعوض معين وصالح الآخر أيضاً نصف منفعته في تلك المدة بذلك العوض ، ولو اتفقا في ضمن عقد لازم على أن يعطي كل منهما نصف أجرته للآخر صح ذلك ووجب العمل بالشرط.
النحو الثالث : شركة الوجوه ، وهي الاتفاق بين طرفين مثلاً على أن يشتري كل منهما متاعاً نسيئة لنفسه ويكون ما يبتاعه كل منهما بينهما فيبيعانه ويؤديان الثمن ويشتركان فيما يربحانه منه ، وهذه الشركة باطلة أيضاً ، نعم لا بأس بأن يوكل كل منهما صاحبه في أن يشاركه فيما اشتراه بأن يشتري لهما وفي ذمتهما فإذا اشترى شيئاً كذلك يكون لهما ويكون الربح والخسران أيضاً بينهما.
النحو الرابع : شركة المفاوضة ، وهي أن يتفق طرفان مثلاً على أن يكون كل ما يحصل لكل منهما من ربح تجارة أو فائدة زراعة أو أجرة عمل أو إرث أو وصية أو غير ذلك يكون بينهما وكذا كل غرامة وخسارة ترد على أحدهما تكون عليهما معا.
وهذه الشركة باطلة أيضاً ، نعم لو اتفقا في ضمن عقد لازم على أنه إن ربح أحدهما أعطى صاحبه نصف ربحه وإن خسر أحدهما تدارك صاحبه نصف خسارته صح ولزم العمل به.
مسألة 582 : لو آجر اثنان نفسهما بعقد واحد لعمل واحد بأجرة معينة كانت الأجرة مشتركة بينهما ، وكذا لو حاز اثنان معاً مباحاً كما لو اقتلعا معاً
شجرة أو اغترفا ماءً دفعة بآنية واحدة كان ما حازاه مشتركاً بينهما وليس ذلك من شركة الأبدان حتى تكون باطلة وتقسم الأجرة وما حازاه بنسبة عملهما ولولم تعلم النسبة فالأحوط التصالح.
مسألة 583 : لابد في عقد الشركة من إيجاب وقبول ، ويكفي قولهما ( اشتركنا ) أو قول أحدهما ذلك مع قبول الآخر ، وتجري فيها المعاطاة أيضاً.
مسألة 584 : يعتبر في الشركة العقدية كل ما يعتبر في العقود المالية في المتعاقدين من البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لسفه أو فلس ، فلا تصح شركة الصبي والمجنون والمكره والسفيه والمفلس فيما حجر عليه من أمواله.
مسألة 585 : لو اشترطا في عقد الشركة أن يشتركا في العمل كل منهما مستقلاً أو منضماً مع الآخر أو يعمل أحدهما فقط أو يعمل ثالث يستأجر لذلك وجب العمل على طبق الشرط ، ولولم يعينا العامل فإن كانت الشركة إذنية لم يجز لأي منهما التصرف في رأس المال بغير إذن الآخر ، وإن كانت الشركة معاوضية فمقتضى إطلاق العقد جواز تصرف كل منهما بالتكسب برأس المال بأي نحولا يضر بالشركة.
مسألة 586 : يجب على العامل أن يكون عمله على طبق ما هو المقرر بينهما ، فلو قررا ـ مثلاً ـ أن يشتري نسيئة ويبيع نقداً ، أو يشتري من المحل الخاص وجب العمل به ولولم يعين شيء من ذلك لزم العمل بما هو المتعارف على وجه لا يضر بالشركة.
مسألة 587 : لو تخلف العامل عما شرطاه أو عمل على خلاف ما هو المتعارف في صورة عدم الشرط فالأظهر صحة المعاملة ، فإن كانت رابحة اشتركا في الربح وإن كانت خاسرة أو تلف المال ضمن العامل الخسارة أو التلف.
مسألة 588 : إطلاق الشركة يقتضي بسط الربح والخسران على الشريكين بنسبة ماليهما فإن تساوى المالان تساويا في الربح والخسران وإلا كان الربح والخسران بنسبة المالين ، فلو كان مال أحدهما ضعف مال الآخر كان ربحه وضرره ضعف الآخر سواء تساويا في العمل أو اختلفا أولم يعمل أحدهما أصلاً.
ولو اشترطت زيادة الربح عما تقتضيه نسبة المالين لمن يقوم بالعمل من الشريكين أو الذي يكون عمله أكثر أو أهم من عمل الآخر صح الشرط ووجب الوفاء به ، وهكذا الحال لو اشترطت الزيادة لغير العامل منهما أو لغير من يكون عمله أكثر أو أهم من عمل صاحبه على الأظهر ، ولو اشترطا أن يكون تمام الربح لأحدهما أو يكون تمام الخسران على أحدهما ففي صحة العقد إشكال.
مسألة 589 : الشريك العامل في رأس المال أمين فلا يضمن التالف كلاً أو بعضاً من دون تعد أو تفريط.
مسألة 590 : لو ادعى العامل التلف من مال الشركة فإن كان مأموناً عند صاحبه لم يطالبه بشيء وإلا جاز له رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ويكون القول قول العامل بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر ـ كما لو كان بين أمواله فادعى تلفه بحريق أصابه وحده دون غيره ـ ، وهكذا لو ادعى عليه التعدي أو التفريط فأنكر.
مسألة 591 : الشركة الأذنية عقد جائز من الطرفين ، فيجوز لكل منهما فسخه فينفسخ لكن لا تبطل بذلك الشركة في رأس المال ، وكذا ينفسخ لعروض الموت والجنون والإغماء والحجر بالفلس أو السفه وتبقى أيضاً الشركة في رأس المال ، وأما الشركة المعاوضية فعقد لازم لا ينفسخ إلا بانتهاء أمد الشركة أو بالتقايل أو الفسخ ممن له الخيار ولو من جهة تخلف
بعض الشروط التي جعلاها في ضمن العقد.
مسألة 592 : لو جعلا للشركة أجلاً فإن كانت معاوضية لزم مطلقاً وإن كانت إذنية لم يلزم فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه ، نعم لو اشترطا عدم فسخها إلى أجل معين ـ بمعنى التزامهما بأن لا يفسخاها إلى حينه ـ صح الشرط ووجب العمل به سواء جعلا ذلك شرطاً في ضمن نفس عقد الشركة أو في ضمن عقد خارج لازم ، ولكن مع ذلك تنفسخ بفسخ أيهما وإن كان الفاسخ آثماً.
مسألة 593 : إذا تبين بطلان عقد الشركة بعد أن أتجر أحد الشريكين بمال الشركة ، فإن لم يكن الإذن في التصرف مقيداً بصحة الشركة صحت المعاملة ويرجع ربحها إليهما وإن كان الإذن مقيدا بصحة العقد كان العقد بالنسبة إلى الآخر فضولياً فإن أجاز صح وإلا بطل.
القسمة وأحكامها
وهي تعيين الحصة المشاعة من المال المشترك في جزء معين منه سواء اقتضى إزالة الشيوع عنه بالمرة أو اقتضى تضييق دائرته كما إذا قسم المال المشترك بين أربعة أشخاص إلى قسمين يشترك كل اثنين منهم في قسم ، وهي ليست ببيع ولا معاوضة ، نعم تشتمل قسمة الرد على تعويض بعض الحصة المشاعة بما هو خارج عن المال المشترك فتحتاج إلى المصالحة أو نحوها.
مسألة 594 : لابد في القسمة من تعديل السهام بحسب القيمة والمالية ، وهو يتحقق بالأنحاء الثلاثة التالية :
النحو الأول : تعديل السهام بحسب الكمية كيلاً أو وزناً أو عداً أو مساحة ، وتسمى ( قسمة الإفراز ) ، وموردها ما إذا كان كل سهم مساو مع السهم
الآخر في الكمية مساوياً معه في المالية أيضاً ، فتجري في الصنف الواحد من الحبوب والأدهان والألبان وفي الدراهم والدنانير والمصنوعات بالمكائن الحديثة من آلات وأدوات وأوانى ومنسوجات وسيارات ومكائن ونحوها ، وكذا في الأرض الوسيعة البسيطة بالشرط المتقدم. هذا إذا لم تكن للهيئة الاجتماعية للسهام دخلاً في ماليتها وإلا لم تجر فيها قسمة الإفراز لاستلزامها الحيف والضرر بالشركاء ، فلا تجري في طاقة عباءة واحدة أو سجادة واحدة أو قطعة أرض ضيقة لو أفرزت بعض أجزائها لم تصلح للبناء مثلاً.
النحو الثاني : تعديل السهام بجعل بعضها أو جميعها متشكلاً من شيئين أو أشياء مختلفة وتسمى ( قسمة التعديل ) ، وموردها ما إذا كان المال المشترك مشتملاً على أشياء مختلفة من حيث القيمة والمالية ولكن أمكن تعديل السهام فيها على النحو المذكور ، كما إذا اشترك اثنان في ثلاثة أغنام قد ساوى أحدها الآخرين في القيمة فيجعل الواحد سهماً والاثنان سهماً ، أو اشترك شخصان في سيارة وسجادة وحانوت وغنم وبقر وقد ساوى اثنان منها البقية في القيمة.
النحو الثالث : تعديل السهام بضم مقدار من المال مع بعض السهام ليعادل البعض الآخر وتسمى ( قسمة الرد ) ، كما إذا كانت بين اثنين سيارتان قيمة إحداهما ألف دينار وقيمة الأخرى خمسمائة دينار فإنه إذا ضم إلى الثانية مأتان وخمسون ديناراً يحصل التساوي اللازم في مقام القسمة.
مسألة 595 : الأموال المشتركة قد لا يتأتى فيها إلا نحو واحد من القسمة كقسمة الرد كما في مثال السيارتين المتقدم آنفاً فإن في مثله لا يتأتى قسمة الإفراز والتعديل ، وقد يتأتى فيها نحوان من القسمة كقسمة التعديل والرد كما إذا كان بينهما ثلاث سيارات قيمة إحداها ألف دينار وقيمة كل من الأخريين خمسمائة دينار ، فيمكن أن تجعل الأولى سهماً والأخريان سهما
فتكون من قسمة التعديل ، ويمكن أن تجعل الأولى مع واحدة من الأخريين سهماً والأخرى منهما مع خمسمائة دينار سهماً فتكون من قسمة الرد.
وقد تتأتى فيها الأنحاء الثلاثة ، كما إذا اشترك اثنان في مائة كيلو غراماً من الحنطة قيمتها عشرة دنانير مع مائة كيلو غراما من الشعير قيمتها خمسة دنانير ومائة كيلو غراما من الحمص قيمتها خمسة عشر ديناراً فإذا قسمت كل واحدة منها بانفرادها كانت قسمة إفراز ، وإن جعلت الحنطة مع الشعير سهماً والحمص سهماً كانت قسمة تعديل ، وإن جعل الحمص مع الشعير سهماً والحنطة مع خمسة دنانير سهماً كانت قسمة الرد ، والظاهر صحة الجميع مع التراضي حتى قسمة الرد مع إمكان غيرها.
مسألة 596 : لا يعتبر في القسمة العلم بمقدار السهام بعد أن كانت معدلة ، فلو كانت صبرة من حنطة مجهولة الوزن بين ثلاثة فجعلت ثلاثة أقسام معدلة بمكيال مجهول المقدار ، أو كانت بينهم عرصة أرض متساوية الأجزاء قيمة فجعلت ثلاثة أجزاء متساوية المقدار بخشبة أو حبل لا يدرى أن طولها كم ذراع صح.
مسألة 597 : إذا طلب أحد الشريكين القسمة بأحد أقسامها ، فإن كانت قسمة رد أو كانت مستلزمة للضرر فللشريك الآخر الامتناع عنها ولم يجبر عليها لو امتنع ، وتسمى القسمة ( قسمة تراض ) ، بخلاف ما إذا لم تكن قسمة رد ولا مستلزمة للضرر فإنه يجبر عليها الممتنع لو طلبها الشريك الآخر ، وتسمى القسمة ( قسمة إجبار ) ، فإن كان المال المشترك مما لا يمكن فيه إلا قسمة الإفراز أو التعديل فلا إشكال ، وأما فيما أمكن كلتاهما فإن طلب قسمة الإفراز يجبر عليها الممتنع ، بخلاف ما إذا طلب قسمة التعديل ، فإذا كانا شريكين في أنواع متساوية الأجزاء قيمة كحنطة وشعير وتمر وزبيب فطلب أحدهما قسمة كل نوع بانفراده قسمة إفراز أجبر الممتنع ، وإن طلب قسمتها
بالتعديل بحسب القيمة لم يجبر ، وكذا إذا كانت بينهما قطعتا أرض أو داران أو دكانان فإنه يجبر الممتنع لو طلب أحد الشريكين قسمة كل منها على حده ولم يجبر إذا طلب قسمتها بالتعديل ، نعم لو كانت قسمتها منفردة مستلزمة للضرر دون قسمتها بالتعديل أجبر الممتنع على الثانية إن طلبها أحد الشريكين دون الأولى.
مسألة 598 : إذا اشترك اثنان في دار ذات علو وسفل وأمكن قسمتها قسمة إفراز على نحو يصل إلى كل منهما بمقدار حصته من العلو والسفل ، وقسمتها على نحو يحصل لكل منهما حصته من العلو والسفل بالتعديل ، وقسمتها على نحو يحصل لأحدهما العلو وللآخر السفل ، فإن طلب أحد الشريكين النحو الأول ولم يستلزم الضرر يجبر الآخر لو امتنع ، ولا يجبر لو طلب أحد النحوين الآخرين ، هذا مع إمكان النحو الأول وعدم استلزامه الضرر وأما مع عدم إمكانه أو استلزامه الضرر وانحصار الأمر في النحوين الأخيرين فالظاهر تقدم الأول فلو طلبه أحدهما يجبر الآخر لو امتنع بخلاف الثاني ، نعم لو انحصر الأمر فيه يجبر إذا لم يستلزم الضرر ولا الرد وإلا لم يجبر كما مر.
مسألة 599 : لو كانت دار ذات بيوت أو خان ذات حجر بين جماعة وطلب بعض الشركاء القسمة أجبر الباقون ، إلا إذا استلزم الضرر من جهة ضيقهما وكثرة الشركاء.
مسألة 600 : إذا كان بينهما بستان مشتمل على نخيل وأشجار فقسمته بأشجاره ونخيله بالتعديل قسمة إجبار إذا طلبها أحدهما يجبر الآخر ، بخلاف قسمة كل من الأرض والأشجار على حده فإنها قسمة تراض لا يجبر عليها الممتنع.
مسألة 601 : إذا كانت بينهما أرض مزروعة يجوز قسمة كل من الأرض
والزرع ـ قصيلاً كان أو سنبلاً ـ على حده وتكون القسمة قسمة إجبار ، وأما قسمتهما معاً فهي قسمة تراض لا يجبر الممتنع عليها إلا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر فيها فيجبر عليها ، هذا إذا كان الزرع قصيلاً أو سنبلاً وأما إذا كان حباً مدفوناً أو مخضراً في الجملة بحيث لم يمكن تعديل السهام فلا إشكال في قسمة الأرض وحدها وبقاء الزرع على إشاعته كما أنه لا إشكال في عدم جواز قسمة الزرع مستقلاً ، وفي جواز قسمة الأرض بزرعها بحيث يجعل من توابعها إشكال والأحوط قسمة الأرض وحدها وإفراز الزرع بالمصالحة.
مسألة 602 : إذا كانت بينهم دكاكين متعددة متجاورة أو منفصلة ، فإن أمكن قسمة كل منها بانفراده وطلبها بعض الشركاء وطلب بعض آخر منهم قسمة بعضها في بعض بالتعديل لكي يتعين حصة كل منهم في دكان تام أو أزيد يقدم ما طلبه الأول ويجبر البعض الآخر ، إلا إذا انحصرت القسمة الخالية عن الضرر في النحو الثاني فيجبر الأول.
مسألة 603 : إذا كان بينهما حمام وشبهه مما لم يقبل القسمة الخالية عن الضرر لم يجبر الممتنع ، نعم لو كان كبيراً بحيث يقبل الانتفاع بصفة الحمامية من دون ضرر ولو بإحداث مستوقد أو بئر آخر فالأقرب الإجبار.
مسألة 604 : لو كان لأحد الشريكين عشر من دار مثلاً وهولا يصلح للسكنى ويتضرر هو بالقسمة دون الشريك الآخر ، فلو طلب هو القسمة بغرض صحيح يجبر شريكه ولم يجبر هولو طلبها الآخر.
مسألة 605 : يكفي في الضرر المانع عن الإجبار ترتب نقصان في العين أو القيمة بسبب القسمة بما لا يتسامح فيه في العادة وإن لم يسقط المال عن قابلية الانتفاع بالمرة.
مسألة 606 : لابد في القسمة من تعديل السهام ثم القرعة ، وفي
الاكتفاء بالتراضي بعد التعديل من غير حاجة إلى القرعة وجه ولكن الأحوط استحباباً خلافه. أما كيفية التعديل فإن كانت حصص الشركاء متساوية ـ كما إذا كانوا اثنين ولكل منهما نصف أو ثلاثة ولكل منهم ثلث وهكذا ـ يعدل السهام بعدد الرؤوس ، فيجعل سهمين متساويين إن كانوا اثنين وثلاثة أسهم متساويات إن كانوا ثلاثة وهكذا ، ويعلم كل سهم بعلامة تميزه عن غيره ، فإذا كانت قطعة أرض متساوية الأجزاء قيمة بين ثلاثة مثلاً تجعل ثلاث قطع متساوية بحسب المساحة ويميز بينها إحداها الأولى والأخرى الثانية والثالثة الثالثة ، وإذا كانت دار مشتملة على بيوت بين أربعة مثلاً تجعل أربعة أجزاء متساوية بحسب القيمة وتميز كل منها بمميز كالقطعة الشرقية والغربية والشمالية والجنوبية المحدودات بحدود كذائية ، وإن كانت الحصص متفاوتة ـ كما إذا كان المال بين ثلاثة سدس لعمرو وثلث لزيد ونصف لبكر ـ يجعل السهام على أقل الحصص ، ففي المثال السهام ستة وتعلم كل منها بعلامة كما مر.
ثم إنه إذا أمكن تعديل السهام على أنواع متعددة تختلف بحسب الأغراض العقلائية كما يتصور ذلك في مثال الأرض المذكورة حيث يمكن تعديل السهام على أشكال هندسية مختلفة كالمربع والمستطيل والمثلث ونحوها فإن حصل التراضي بنوع التعديل فهو وإلا لا يجبر أحد على نوع معين منه إلا بالقرعة.
وأما كيفية القرعة بعد التعديل ففي الأول ـ وهو فيما إذا كانت الحصص متساوية ـ تؤخذ رقاع بعدد رؤوس الشركاء رقعتان إذا كانوا اثنين وثلاث إن كانوا ثلاثة وهكذا ، ويتخير بين أن يكتب عليها أسماء الشركاء على إحداها زيد وعلى الأخرى عمرو وعلى الثالثة بكر وهكذا وبين أن يكتب عليها أسماء السهام على إحداها الأول وعلى الأخرى الثاني وعلى الثالثة الثالث وهكذا ، ثم تشوش وتستر ويؤمر من لم يشاهدها فيخرج واحدة واحدة ، فإن كتب عليها أسماء
الشركاء يعين أحد السهام كالأول مثلاً ويخرج رقعة باسم ذلك السهم بقصد أن يكون هذا السهم لكل من خرج اسمه ، فكل من خرج اسمه يكون ذلك السهم له ، ثم يعين السهم الثاني ويخرج رقعة أخرى لذلك السهم فكل من خرج اسمه كان السهم له وهكذا ، وإن كتب عليها أسماء السهام يعين أحد الشركاء ويخرج رقعة فكل سهم خرج اسمه كان ذلك السهم له ، ثم يخرج رقعة أخرى لشخص آخر وهكذا. وأما في الثاني ـ وهو ما كانت الحصص متفاوتة كما في المثال المتقدم الذي قد تقدم أنه يجعل السهام على أقل الحصص وهو السدس ـ فتؤخذ أيضاً رقاع بعدد رؤوس الشركاء ويتعين فيها كتابة أسمائهم فيكتب مثلاً على إحداها زيد وعلى الأخرى عمرو وعلى الثالثة بكر وتستر كما مر ، ويقصد أن كل من خرج اسمه على سهم كان له ذلك فإن لم يكن تمام حصته كان له أيضاً ما يليه بما يكمل تمامها ، ثم يخرج إحداها على السهم الأول فإن كان عليها اسم صاحب السدس تعين له ، ثم يخرج أخرى على السهم الثاني فإن كان عليها اسم صاحب الثلث كان الثاني والثالث له ، ويبقى الرابع والخامس والسادس لصاحب النصف ولا يحتاج إلى إخراج الثالثة ، وإن كان عليها اسم صاحب النصف كان له الثاني والثالث والرابع ويبقى الأخيران لصاحب الثلث ، وإن كان ما خرج على السهم الأول صاحب الثلث كان الأول والثاني له ، ثم يخرج أخرى على السهم الثالث فإن خرج اسم صاحب السدس كان ذلك له ويبقى الثلاثة الأخيرة لصاحب النصف ، وإن خرج صاحب النصف كان الثالث والرابع والخامس له ويبقى السادس لصاحب السدس ، وقس على ذلك غيرها.
مسألة 607 : الظاهر أنه ليست للقرعة كيفية خاصة ، وإنما تكون الكيفية تابعة لمواضعة القاسم والمتقاسمين بإناطة التعيين بأمر ليس لإرادة المخلوق مدخلية فيه مفوضاً للأمر إلى الخالق جل شأنه ، سواء كان بكتابة
رقاع أو إعلام علامة في حصاة أو نواة أو ورق أو خشب أو غير ذلك.
مسألة 608 : إذا بنوا على التقسيم وعدلوا السهام وأوقعوا القرعة ـ في مورد الحاجة إليها ـ فقد تمت القسمة ولا يحتاج إلى تراض آخر بعدها فضلاً عن إنشائه ، نعم في قسمة الرد تتوقف على المصالحة أو نحوها كما مر.
مسألة 609 : إذا طلب بعض الشركاء المهاياة في الانتفاع بالعين المشتركة أما بحسب الزمان بأن يسكن هذا في شهر وذاك في شهر مثلاً ، وأما بحسب الأجزاء بأن يسكن هذا في الفوقاني وذاك في التحتاني مثلاً ، لم يلزم على شريكه القبول ولم يجبر إذا امتنع ، نعم يصح مع التراضي لكن ليس بلازم ، فيجوز لكل منهما الرجوع ، هذا في شركة الأعيان ، وأما في شركة المنافع فينحصر إفرازها بالمهاياة لكنها فيها أيضاً غير لازمة ، نعم لو حكم الحاكم الشرعي بها في مورد لأجل حسم النزاع والجدال يجبر الممتنع وتلزم.
مسألة 610 : القسمة في الأعيان إذا وقعت وتمت لزمت وليس لأحد من الشركاء إبطالها وفسخها ، بل الظاهر أنه ليس لهم فسخها وإبطالها بالتراضي ، لأن الظاهر عدم مشروعية الإقالة فيها.
مسألة 611 : لا تشرع القسمة في الديون المشتركة ، فإذا كان لزيد وعمرو معاً ديون على الناس بسبب يوجب الشركة كالإرث فأرادا تقسيمها قبل استيفائها فقسماها سهمين متعادلين وجعلا ما على الحاضر مثلاً لأحدهما وما على البادي للآخر لم تفرز بل تبقى على إشاعتها ، فكل ما حصل كل منهما يكون لهما وكل ما يبقى على الناس يكون بينهما ، ولو اشتركا في دين على أحد واستوفى أحدهما حصته ـ بأن قصد كل من الدائن والمديون أن يكون ما يأخذه وفاءً وأداءً لحصته من الدين المشترك ـ ففي تعينه له وبقاء حصة الشريك في ذمة المديون إشكال.
مسألة 612 : لو ادعى أحد الشريكين الغلط في القسمة أو عدم التعديل فيها وأنكر الآخر لا تسمع دعواه إلا بالبينة ، فإن أقيمت على دعواه انتقضت القسمة وأعيدت من جديد ، وإن لم تكن بينة كان له إحلاف الشريك.
مسألة 613 : إذا اشترط أحد الشريكين على الآخر في عقد لازم عدم القسمة إلى أجل بعينه لم تجب الإجابة عليه إلى القسمة حينئذ إلى أن ينتهي الأجل.
مسألة 614 : إذا قسم الشريكان فصار في حصة هذا بيت وفي حصة الآخر بيت آخر وقد كان يجري ماء أحدهما على الآخر لم يكن للثاني منعه إلا إذا اشترطا حين القسمة رد الماء عنه ، ومثل ذلك لو كان مسلك البيت الواقع لأحدهما في نصيب الآخر من الدار.
مسألة 615 : لا تصح قسمة الوقف بين الموقوف عليهم إلا مع اشتراطها من قبل الواقف عند وقوع التشاح بينهم أو مطلقاً ، نعم يجوز تقسيمه بمعنى تخصيص انتفاع كل قسم منه ببعض الموقوف عليهم ما لم يكن ذلك منافياً لشرط الواقف.
مسألة 616 : يصح إفراز الوقف عن الملك المطلق بالقسمة بأن كان ملك واحد نصفه المشاع وقفاً ونصفه ملكاً ، بل الظاهر جواز إفراز وقف عن وقف آخر ، وهو فيما إذا كان ملك بين اثنين فوقف أحدهما حصته على ذريته مثلاً والآخر حصته على ذريته فيجوز إفراز أحدهما عن الآخر بالقسمة ، والمتصدي لذلك الموجودون من الموقوف عليهم وولي البطون اللاحقة.
كتاب المضاربة
المضاربة هي عقد واقع بين شخصين على أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً ليعمل به على أن يكون الربح بينهما.
مسألة 617 : يعتبر في المضاربة أمور :
الأول : الإيجاب من المالك والقبول من العامل ، ويكفي في الإيجاب كل لفظ يفيده عرفاً كقوله ( ضاربتك ) أو ( قارضتك ) وفي القبول ( قبلت ) وشبهه ، وتجرى المعاطاة والفضولية في المضاربة فتصح بالمعاطاة وإذا وقعت فضولاً من طرف المالك أو العامل تصح بإجازتهما.
الثاني : البلوغ والعقل والاختيار في كل من المالك والعامل.
وأما عدم الحجر من سفه أو فلس فهو إنما يعتبر في المالك دون العامل إذا لم تستلزم المضاربة تصرفه في أمواله التي حجر عليها.
الثالث : أن يكون تعيين حصة كل منهما من الربح بالكسور من نصف أو ثلث أونحو ذلك إلا أن يكون هناك تعارف خارجي ينصرف إليه الإطلاق.
الرابع : أن يكون المال معلوماً قدراً ووصفاً ، ولا يعتبر أن يكون معيناً فلو أحضر المالك مالين متساويين من حيث القدر والصفات وقال ( قارضتك ) بأحدهما صحت وإن كان الأحوط أن يكون معيناً.
الخامس : أن يكون الربح بينهما فلو شرط مقدار منه لأجنبي لم تصح المضاربة إلا إذا اشترط عليه القيام بعمل متعلق بالتجارة المتفق عليها في المضاربة.
السادس : أن يكون الاسترباح بالتجارة فلو دفع إلى شخص مالاً ليصرفه في الاسترباح بالزراعة أو بشراء الأشجار أو الأنعام أونحو ذلك
ويكون الحاصل والنتاج بينهما أو دفع إلى الطباخ أو الخباز أو الصباغ مثلاً مالاً ليصرفوه في حرفتهم ويكون الربح والفائدة بينهما لم تقع مضاربة ولكن يمكن تصحيحها جعالة.
السابع : أن يكون العامل قادراً على التجارة فيما كان المقصود مباشرته للعمل فإذا كان عاجزاً عنه لم تصح.
هذا إذا أخذت المباشرة قيداً ، وأما إذا كانت شرطاً لم تبطل المضاربة ولكن يثبت للمالك الخيار عند تخلف الشرط.
وأما إذا لم يكن لا هذا ولا ذاك وكان العامل عاجزاً عن التجارة حتى مع الاستعانة بالغير بطلت المضاربة.
ولا فرق في البطلان بين تحقق العجز من الأول وطروه بعد حين فتنفسخ المضاربة من حين طرو العجز.
مسألة 618 : لا فرق بين أن يقول المالك خذ هذا المال قراضاً ولكل منا نصف الربح وبين أن يقول والربح بيننا ، أو يقول ولك نصف الربح أو لي نصف الربح في أن الظاهر أنه جعل لكل منهما نصف الربح ، وكذلك لا فرق بين أن يقول خذه قراضاً ولك نصف ربحه أو يقول لك ربح نصفه ، فإن مفاد الجميع واحد عرفاً.
مسألة 619 : تصح المضاربة بغير الذهب والفضة المسكوكين بسكة المعاملة من الأوراق النقدية ونحوها ، وفي صحتها بالمنفعة والدين إشكال.
مسألة 620 : تصح المضاربة على المشاع كالمفروز ، فلو كانت دنانير معلومة مشتركة بين اثنين فقال أحدهما للعامل قارضتك بحصتي من هذه الدنانير صح مع العلم بمقدار حصته.
مسألة 621 : إذا دفع إلى غيره البضاعة وقال بعها وخذ ثمنها قراضاً فنفذ ذلك صح على الأقرب.
مسألة 622 : إذا كان له دين على أحد يجوز أن يوكل أحداً في
استيفائه ثم إيقاع المضاربة عليه ، بأن يكون موجباً من طرف المالك وقابلاً من نفسه ، وكذا لو أراد أن يكون المدين هو العامل فإنه يجوز أن يوكله في قبض ما يعينه من دنانير أو دراهم وفاءً لدينه ثم إيقاع عقد المضاربة عليها موجباً وقابلاً من الطرفين.
مسألة 623 : لا يعتبر في صحة المضاربة أن يكون المال بيد العامل فلو كان بيد المالك وتصدى العامل للمعاملة صحت.
مسألة 624 : إذا كان لشخص مال في يد غيره أمانة أو غيرها فضاربه عليه صح.
مسألة 625 : إذا كان مال غيره في يده على وجه الضمان بغصب ونحوه فضاربه عليه مالكه فهل يرتفع الضمان بذلك أم لا؟ قولان ، الأقوى هو الأول ، وذلك لأن عقد المضاربة في نفسه وإن لم يقتض رضا المالك ببقاء المال في يده لما عرفت من أنه لا يعتبر في صحته كون المال بيد العامل إلا أن عقد المضاربة من المالك على ذلك المال قرينة عرفية على رضاه ببقاء هذا المال في يده وتصرفه فيه.
نعم إذا لم تكن قرينة على ذلك لم يرتفع الضمان.
مسألة 626 : المضاربة الأذنية عقد جائز من الطرفين بمعنى أن للمالك أن يسحب إذنه في تصرف العامل في ماله متى شاء كما إن للعامل أن يكف عن العمل متى ما أراد سواء أكان قبل الشروع في العمل أو بعده وسواء أكان قبل تحقق الربح أو بعده وسواء أكان العقد مطلقاً أو مقيداً بأجل خاص. نعم لو اشترطا عدم فسخه إلى أجل معين ـ بمعنى التزامهما بأن لا يفسخاه إلى حينه ـ صح الشرط ووجب العمل به سواء جعلا ذلك شرطاً في ضمن نفس العقد أو في ضمن عقد خارج لازم ولكن مع ذلك ينفسخ بفسخ أيهما وإن كان الفاسخ آثماً.
مسألة 627 : لا يجوز للعامل خلط رأس المال مع مال آخر لنفسه أو لغيره إلا مع إذن المالك خصوصاً أو عموماً كأن يقول : ( اعمل به على حسب ما تراه مصلحة ) فيجوز الخلط إن رآه مصلحة ، ولو خلط بدون إذنه ضمن ما تلف تحت يده من ذلك المال ولكن هذا لا يضر بصحة المضاربة بل هي باقية على حالها والربح بينهما على النسبة.
مسألة 628 : مع إطلاق العقد يجوز البيع حالاً ونسيئةً إذا كان البيع نسيئة أمراً متعارفاً في الخارج يشمله الإطلاق ، وأما إذا لم يكن أمراً متعارفاً فلا يجوز بدون الإذن الخاص.
مسألة 629 : لو خالف العامل المضارب وباع نسيئة بدون إذنه فعندئذ أن استوفى الثمن قبل اطلاع المالك فهو ، وإن اطلع المالك قبل الاستيفاء فإن أجاز صح البيع وإلا بطل.
مسألة 630 : إطلاق العقد لا يقتضي بيع الجنس بالنقد المتعارف بل يجوز بيعه بغيره ـ نقداً كان أو بضاعة ـ إلا مع انصراف الإطلاق عنه لتعارف أو غيره.
مسألة 631 : العامل أمين لا ضمان عليه لو تلف المال أو تعيب تحت يده إلا مع التعدي أو التفريط كما أنه لا ضمان عليه من جهة الخسارة في التجارة بل هي واردة على صاحب المال ، ولو اشترط المالك على العامل أن يكون شريكاً معه في الخسارة كما يكون شريكاً معه في الربح بطل الشرط ، ولو اشترط أن يكون تمام الخسارة عليه فالأظهر صحة الشرط ولكن يكون تمام الربح للعامل أيضاً من دون مشاركة المالك فيه ، ولو اشترط عليه أن يتحمل الخسارة ـ بعضاً أو كلاً ـ أي يتداركها من ماله صح الشرط ولزم الوفاء به.
مسألة 632 : يجب على العامل بعد عقد المضاربة العمل بما يعتاد بالنسبة إليه ، وعليه أن يتولى ما يتولاه التاجر لنفسه من الأمور المتعارفة في
التجارة اللائقة بحاله ، فيجوز له استئجار من يكون متعارفاً استئجاره كالدلال والحمال والوزان والكيال والمحل وما شاكل ذلك.
ومن هنا يظهر أنه لو استأجر فيما كان المتعارف مباشرته فيه بنفسه فالأجرة من ماله لا من أصل المال كما أنه لو تولى ما يتعارف الاستئجار فيه جاز له أن يأخذ الأجرة إن لم يتصد له مجاناً.
مسألة 633 : كما يجوز للعامل الشراء بعين مال المضاربة بأن يعين دراهم شخصية ويشترى بها شيئاً كذلك يجوز له الشراء بالكلي في الذمة على أن يدفعه من مال المضاربة ، كأن يشري بضاعة بألف درهم كلي على ذمة المالك على أن يؤديه من رأس المال ، ولو تلف رأس المال حينئذ قبل أدائه بطل الشراء إلا أن يجيزه المالك فيؤديه من مال آخر ، وهكذا الحال لو اشترى شيئاً نسيئة على ذمة المالك بإذنه فتلف رأس المال قبل أدائه ، ولو كان الشراء بالثمن الكلي في المعين فتلف مال المضاربة قبل أدائه بطل الشراء ولا يصحح بالإجازة.
مسألة 634 : لا يجوز للعامل أن يسافر بمال المضاربة براً وبحراً وجواً والإتجار به في بلاد آخر غير بلد المال إلا مع إذن المالك أو كونه متعارفاً ـ ولو بالنسبة إلى ذلك البلد أو الجنس ـ بحيث لا ينصرف الإطلاق عنه ، ولو سافر ضمن التلف والخسارة ، لكن لو حصل الربح يكون بينهما كما مر ـ وكذا لو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها.
مسألة 635 : ليس للعامل أن ينفق في الحضر على نفسه من مال المضاربة شيئاً وإن قل وكذا الحال في السفر إذا لم يكن بإذن المالك ، وأما لو كان بإذنه فله الاتفاق من رأس المال إلا إذا اشترط المالك أن تكون نفقته على نفسه ، والمراد بالنفقة ما يحتاج إليه من المأكل والمشرب والملبس والمسكن وأجرة الركوب وغير ذلك مما يصدق عليه النفقة اللائقة بحاله على
وجه الاقتصاد ، فلو أسرف حسب عليه ولو قتر على نفسه أو حل ضيفاً عند شخص فلم يحتج إليها لم يحسب له ، ولا تكون من النفقة هنا جوائزه وعطاياه وضيافاته وغير ذلك فهي على نفسه إلا إذا كانت لمصلحة التجارة.
مسألة 636 : المراد بالسفر المجوز للإنفاق من المال هو العرفي لا الشرعي ، فيشمل ما دون المسافة ، كما أنه يشمل إقامته عشرة أيام أو أزيد في بعض البلاد فيما إذا كان لأجل عوارض السفر كما إذا كان للراحة من التعب أو لانتظار الرفقة أو لخوف الطريق وغير ذلك ، أو لأمور متعلقة بالتجارة كما إذا كان لدفع الضريبة وأخذ الوصل بها ، وأما إذا بقي للتفرج أو لتحصيل مال لنفسه ونحو ذلك فالظاهر كون نفقته على نفسه خصوصاً لو كانت الإقامة لأجل مثل هذه الأغراض بعد تمام العمل.
مسألة 637 : إذا كان الشخص عاملاً لاثنين مثلاً أو عاملاً لنفسه ولغيره فسافر لأجل إنجاز العملين فإن كان سفره بتمامه مقدمة لكليهما توزعت نفقته عليهما بالسوية ، وإن كان بعضه مقدمة لأحدهما بالخصوص توزعت عليهما بالنسبة ، فلو توقف إنجاز أحد العملين على المقام في بلدة يوماً واحداً وتوقف إنجاز الثاني على المقام فيها خمسة أيام كانت نفقته في الأيام الأربعة الباقية على الثاني.
مسألة 638 : لا يشترط في استحقاق العامل النفقة تحقق الربح بل ينفق من أصل المال ، نعم إذا حصل الربح بعد هذا تحسب منه ويعطى المالك تمام رأس ماله فإن بقي شيء من الربح يكون بينهما.
مسألة 639 : إذا مرض العامل في السفر فإن لم يمنعه من شغله فله أخذ النفقة نعم ليس له أخذ ما يحتاج إليه للبرء من المرض ، وأما إذا منعه عن شغله فليس له أخذ النفقة على الأحوط.
مسألة 640 : إذا فسخ العامل عقد المضاربة في أثناء السفر أو انفسخ
فنفقة الرجوع عليه لا على المال المضارب به.
مسألة 641 : إذا أتجر العامل برأس المال وكانت المضاربة فاسدة فإن لم يكن الإذن في التصرف مقيداً بصحة المضاربة صحت المعاملة ويكون تمام الربح للمالك ، وإن كان الإذن مقيداً بصحة العقد كانت المعاملة فضولية فإن أجاز المالك صحت وإلا بطلت.
وأما العامل فيستحق أقل الأمرين من أجرة مثل عمله وما جعل له من الربح ، وعلى هذا إذا لم تكن التجارة رابحة أو كان فساد المضاربة من جهة اشتراط تمام الربح للمالك لم يستحق العامل عليه شيئاً.
مسألة 642 : يجوز للعامل مع إطلاق عقد المضاربة الإتجار بالمال على حسب ما يراه من المصلحة من حيث الجنس المشترى والبائع والمشتري ومكان البيع وغير ذلك ، نعم لو شرط عليه المالك أن لا يشتري الجنس المعين أو إلا الجنس المعين أولا يبيع من الشخص المعين أو يبيع بسعر معين أو في بلد معين أو سوق معين لم يجز له التعدي والمخالفة ، ولو خالف فالأظهر صحة المعاملة فإن كانت رابحة شارك المالك في الربح على ما قرراه وإن كانت خاسرة أو تلف المال ضمن العامل الخسارة أو التلف.
مسألة 643 : يجوز أن يكون المالك واحداً والعامل متعدداً سواء أكان المال أيضاً واحداً أو كان متعدداً ، وسواء أكان العمال متساوين في مقدار الجعل في العمل أم كانوا متفاضلين.
وكذا يجوز أن يكون المالك متعدداً والعامل واحداً بأن كان المال مشتركاً بين اثنين أو أزيد فقارضا شخصاً واحداً.
مسألة 644 : إذا كان المال مشتركاً بين شخصين وقارضاً واحداً واشترطا له النصف وتفاضلا في النصف الآخر بأن جعل لأحدهما أكثر من الآخر مع تساويهما في رأس المال أو تساويا فيه بأن كانت حصة كل منهما
مساوية لحصة الآخر مع تفاضلهما في رأس المال فلا يبعد صحة المضاربة وإن لم تكن الزيادة في مقابل عمل.
ولو كان المقصود من ذلك النقص على حصة العامل ـ بمعنى أن أحدهما قد جعل للعامل في العمل بماله أقل مما جعله الآخر ، مثلاً جعل أحدهما له ثلث ربح حصته وجعل الآخر له ثلثي ربح حصته ـ صحت المضاربة بلا إشكال.
مسألة 645 : إذا كان رأس المال مشتركاً بين شخصين فضاربا واحداً ثم فسخ أحد الشريكين دون الآخر فالظاهر بقاء عقد المضاربة بالإضافة إلى حصة الآخر.
مسألة 646 : لو ضارب بمال الغير من دون ولاية ولا وكالة وقعت المضاربة فضولية ، فإن أجازها المالك وقعت له ويترتب عليها حكمها من أن الخسران عليه والربح بينه وبين العامل على ما اشرطاه ، وان ردها فان كان قبل أن يعامل بماله طالبه ويجب على العامل رده إليه ، وإن تلف أو تعيب كان له الرجوع على كل من المضارب والعامل مع تسلمه المال ولكن يستقر الضمان على من تلف أو تعيب المال عنده ، نعم إذا كان هو العامل وكان جاهلاً بالحال مع علم المضارب به فقرار الضمان على المضارب دون العامل ، وإن كان بعد أن عومل به كانت المعاملة فضولية ، فإن أمضاها وقعت له وكان تمام الربح له وتمام الخسران عليه ، وإن ردها رجع بماله إلى كل من شاء من المضارب والعامل كما في صورة التلف ، ويجوز له أن يجيزها على تقدير حصول الربح ويردها على تقدير وقوع الخسران ، بأن يلاحظ مصلحته فإذا رآها تجارة رابحة أجازها وإذا رآها خاسرة ردها.
هذا حال المالك مع كل من المضارب والعامل ، وأما معاملة العامل مع المضارب فإذا لم يعمل عملاً لم يستحق شيئاً ، وكذا إذا عمل وكان عالماً
بكون المال لغير المضارب ، وأما إذا عمل ولم يعلم بكونه لغيره استحق على المضارب أقل الأمرين من أجرة مثل عمله والحصة المقررة له من الربح إن كان هناك ربح ، وإلا لم يستحق شيئاً.
مسألة 647 : تبطل المضاربة الإذنية بموت كل من المالك والعامل أما على الأول فلفرض انتقال المال إلى وارثه بعد موته فإبقاء المال بيد العامل يحتاج إلى مضاربة جديدة ، وأما على الثاني فلفرض اختصاص الإذن به.
مسألة 648 : لا يجوز للعامل أن يوكل وكيلاً في الإتجار أو يستأجر شخصاً لذلك ـ بأن يوكل إلى الغير أصل التجارة ـ إلا أن يأذن له المالك ، فلو فعل ذلك بدون إذنه وتلف ضمن.
نعم لا بأس بالاستئجار أو التوكيل في بعض المقدمات والمعاملات حسب ما هو المتعارف في الخارج بحيث لا ينصرف عنه الإطلاق.
مسألة 649 : لا يجوز للعامل أن يضارب غيره أو يشاركه فيها إلا بإذن المالك ، ومع الإذن إذا ضارب غيره كان مرجعه إلى فسخ المضاربة الأولى وإيقاع مضاربة جديدة بين المالك وعامل آخر أو بينه وبين العامل مع غيره بالاشتراك ، وأما لو كان المقصود إيقاع مضاربة بين العامل وغيره ـ بأن يكون العامل الثاني عاملاً للعامل الأول ـ فصحته لا تخلو عن إشكال.
مسألة 650 : يجوز لكل من المالك والعامل أن يشترط على الآخر في ضمن عقد المضاربة مالاً أو عملاً كخياطة ثوب أو نحوها أو إيقاع بيع أو صلح أو وكالة أو قرض أونحو ذلك ويجب الوفاء بهذا الشرط ما دام العقد باقياً لم يفسخ سواء أتحقق الربح بينهما أم لم يتحقق ، وسواء أكان عدم تحقق الربح من جهة مانع خارجي أم من جهة ترك العامل العمل بالتجارة.
مسألة 651 : الظاهر أنه يملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره ولا يتوقف على الإنضاض ـ بمعنى جعل الجنس نقداً ـ ولا على القسمة ،
كما أن الظاهر صيرورته شريكا مع المالك في نفس العين الموجودة بالنسبة ، وسيأتي حكم مطالبته بالقسمة ونفوذ تصرفاته في حصته بالبيع أو الهبة أو نحوهما في المسألة (656) و (658).
مسألة 652 : الخسارة الواردة على مال المضاربة تجبر بالربح ما دامت المضاربة باقية فملكية العامل له بالظهور متزلزلة كلها أو بعضها بعروض الخسران فيما بعد إلى أن تستقر ، والاستقرار يحصل بانتهاء أمد المضاربة أو حصول الفسخ ولو من غير إنضاض ولا قسمة ، وهل تكون قسمة تمام الربح والمال بينهما فسخاً فيحصل بها الاستقرار؟ الظاهر ذلك.
مسألة 653 : كما يجبر الخسران في التجارة بالربح كذلك يجبر به التلف ، فلو كان المال الدائر في التجارة تلف بعضه بسبب غرق أو حرق أو سرقة أو غيرها وربح بعضه يجبر تلف البعض بربح البعض حتى يكمل مقدار رأس المال لرب المال ، فإذا زاد عنه شيء يكون بينهما.
مسألة 654 : إذا اشترط العامل على المالك في عقد المضاربة عدم كون الربح جابراً للخسران المتقدم على الربح أو المتأخر عنه فالظاهر الصحة.
مسألة 655 : إذا ضاربه على خمسمائة دينار مثلاً فدفعها إليه وعامل بها وفي أثناء التجارة دفع إليه خمسمائة أخرى للمضاربة فالظاهر أنهما مضاربتان فلا تجبر خسارة إحداهما بربح الأخرى ، نعم لو ضاربه على ألف دينار مثلاً فدفع إليه خمسمائة أولاً فعامل بها ثم دفع إليه خمسمائة أخرى فهي مضاربة واحدة تجبر خسارة كل من التجارتين بربح الأخرى.
مسألة 656 : إذا ظهر الربح وتحقق في الخارج فطلب أحدهما قسمته فإن رضى الآخر فلا مانع منها وإن لم يرض لم يجبر عليها إلا إذا طلب الأول الفسخ.
مسألة 657 : إذا اقتسما الربح ثم عرض الخسران على رأس المال فإن حصل بعد ، ربح جبر به إذا كان بمقداره أو أكثر وأما إذا كان أقل منه أولم يحصل ربح وجب على العامل رد أقل الأمرين مما أخذه من الربح وما تجبر به الخسارة الفعلية من الربح المأخوذ.
مسألة 658 : إذا تصرف العامل في حصته من الربح تصرفاً ناقلاً كبيع أو هبة ثم طرأت الخسارة على رأس المال فإن لم يكن تصرفه بموافقة المالك لم يصح وإلا صح ، ولكن إذا كانت موافقته مشروطة بقيام العامل بدفع أقل الأمرين مما تصرف فيه من الربح وما يخص المتصرف فيه من الخسارة على تقدير طروها ولم يفعل العامل ذلك بطل تصرفه إلا أن يجيزه المالك.
مسألة 659 : لا فرق في جبر الخسارة والتلف بالربح بين الربح السابق واللاحق ما دام عقد المضاربة باقياً ، بل الأظهر الجبر وإن كان التلف قبل الشروع في التجارة كما إذا سرق في أثناء سفر التجارة قبل الشروع فيها أو في البلد قبل الشروع في السفر.
هذا في تلف البعض ، وأما لو تلف الجميع قبل الشروع في التجارة فالظاهر أنه موجب لبطلان المضاربة إلا فيما إذا كان تلفه على وجه مضمون على الغير فإن المضاربة لا تبطل حينئذٍ مع قيام ذلك الغير بتعويض المالك عما تلف.
مسألة 660 : إذا حصل فسخ أو انفساخ في المضاربة فإن كان قبل الشروع في العمل ومقدماته فلا إشكال ولا شيء للعامل كما لا شيء عليه وكذا إن كان بعد تمام العمل والإنضاض إذ مع حصول الربح يقتسمانه ومع عدمه يأخذ المالك رأس ماله ولا شيء للعامل ولا عليه.
مسألة 661 : إذا حصل الفسخ أو الانفساخ في الأثناء بعد التشاغل بالعمل فإن كان قبل حصول الربح ليس للعامل شيء ولا أجرة لما مضى من
عمله سواء كان الفسخ منه أو من المالك أو حصل الانفساخ القهري ، ولو كان في المال عروض لا يجوز للعامل التصرف فيه بدون إذن المالك كما أنه ليس للمالك إلزامه بالبيع والإنضاض ، وإن كان بعد حصول الربح فإن كان بعد الإنضاض فقد تم العمل فيقتسمان الربح ويأخذ كل منهما حقه ، وإن كان قبل الإنضاض فعلى ما مر من تملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره شارك المالك في العين فإن رضيا بالقسمة على هذا الحال أو انتظر إلى أن تباع العروض ويحصل الإنضاض كان لهما ذلك ولا إشكال ، وأما إن طالب أحدهما بالقسمة ولم يرض الآخر أجبر عليها إلا إذا كانت قسمة رد أو كانت مستلزمة للضرر كما هو شأن الأموال المشتركة على ما تقدم في كتاب الشركة.
مسألة 662 : لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك وصرف مقدار من رأس المال في نفقته ففي ضمانه لما صرفه وعدمه وجهان ، فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيه.
مسألة 663 : إذا كانت في مال المضاربة ديون فهل يجب على العامل أخذها بعد الفسخ أو الانفساخ أولا وجهان ، والأحوط أن لم يكن أقوى إجابة المالك لو طلب منه ذلك.
مسألة 664 : لا يجب على العامل بعد الفسخ إلا التخلية بين المالك وبين ماله وأما الإيصال إليه فلا يجب ، نعم إذا أرسله إلى بلد آخر غير بلد المالك وجب الرد إلى بلده على الأظهر.
مسألة 665 : إذا اختلف المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل بأن ادعى المالك الزيادة وأنكرها العامل قدم قول العامل مع يمينه إذا لم تكن للمالك بينة عليها ، ولا فرق في ذلك بين كون رأس المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل ، هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى النزاع في
مقدار نصيب العامل من الربح كما إذا كان نزاعهما بعد حصول الربح وعلم أن الذي بيده هو مال المضاربة ، إذ حينئذٍ النزاع في قلة رأس المال وكثرته يرجع إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود إذ على تقدير قلة رأس المال يصير مقدار الربح منه أكثر فيكون نصيب العامل أزيد وعلى تقدير كثرته بالعكس ، فالقول حينئذٍ قول المالك مع يمينه إذا لم تكن بينة للعامل عليها.
مسألة 666 : إذا اختلفا في المقدار الذي جعل نصيباً للعامل في المضاربة بأن يدعي المالك الأقل والعامل يدعي الأكثر فالقول قول المالك بيمينه إذا لم يكن للعامل بينة عليها.
مسألة 667 : إذا ادعى المالك على العامل الخيانة والتقصير ولم يكن له بينة فالقول قول العامل بيمينه.
مسألة 668 : لو ادعى المالك على العامل مخالفته لما شرط عليه ولم يكن له بينة قدم قول العامل بيمينه سواء أكان النزاع في أصل الاشتراط أو في مخالفته لما شرط عليه ، كما إذا ادعى المالك أنه قد اشترط عليه أن لا يشتري الجنس الفلاني وقد اشتراه فخسر وأنكر العامل أصل هذا الاشتراط أو أنكر مخالفته لما اشترط عليه ، نعم لو كان النزاع في صدور الإذن من المالك فيما لا يجوز للعامل إلا بإذنه كما لو سافر بالمال فتلف أو خسر فادعى كونه بإذن المالك وأنكره قدم قول المالك بيمينه.
مسألة 669 : لو ادعى العامل التلف وأنكره المالك قدم قول العامل وكذا الحال إذا ادعى الخسارة أو عدم حصول المطالبات مع فرض كونه مأذوناً في المعاملات النسيئة ، ولا فرق في سماع قول العامل في هذه الفروض بين أن تكون الدعوى قبل فسخ المضاربة أو بعده ، بل الأظهر سماع قوله حتى
فيما إذا ادعى بعد الفسخ التلف بعده إلا إذا كان بقاء المال في يده بعد الفسخ على وجه مضمون عليه.
مسألة 670 : لو اختلفا في الربح ولم يكن بينة قدم قول العامل سواء اختلفا في أصل حصوله أو في مقداره ، بل وكذا الحال فيما إذا قال العامل ربحت كذا لكن خسرت بعد ذلك بمقداره فذهب الربح.
مسألة 671 : إذا ادعى العامل رد المال إلى المالك وأنكره قدم قول المالك بيمينه.
مسألة 672 : إذا اشترى العامل سلعة فظهر فيها ربح فقال اشتريتها لنفسي وقال المالك اشتريتها للقراض ، أو ظهر خسران فادعى العامل أنه اشتراها للقراض وقال صاحب المال بل اشتريتها لنفسك قدم قول العامل بيمينه.
مسألة 673 : إذا حصل تلف أو خسارة فادعى المالك القرض ليحق له المطالبة بالعوض وادعى العامل المضاربة ليدفع التلف والخسارة عن نفسه قدم قول العامل بيمينه ويكون التلف والخسارة على المالك.
مسألة 674 : إذا حصل ربح بما يزيد حصة العامل منه على أجرة مثل عمله فادعى المالك المضاربة الفاسدة لئلا يكون عليه غير أجرة المثل ويكون الربح له بتمامه ، وادعى العامل الفرض ليكون له الربح فالقول قول المالك بيمينه وبعده يحكم بكون الربح للمالك وثبوت أجرة المثل للعامل.
مسألة 675 : إذا ادعى المالك أنه أعطاه المال بعنوان البضاعة ـ وهي دفع المال إلى الغير للتجارة مع كون تمام الربح للمالك ـ فلا يستحق العامل شيئا عليه ، وادعى العامل المضاربة لتكون له حصة من الربح قدم قول المالك بيمينه فيحلف على نفي المضاربة فلا يكون للعامل شيء ويكون تمام الربح ـ لو كان ـ للمالك ، ولولم يكن ربح أصلاً فلا ثمرة في هذا النزاع.
مسألة 676 : تقديم قول المالك أو العامل بيمينه في الموارد المتقدمة إنما هو فيما إذا لم يكن مخالفاً للظاهر وإلا قدم قول خصمه بيمينه إذا لم يكن كذلك ، مثلا واختلفا في رأس المال فادعى العامل كونه بمقدار ضئيل لا يناسب جعله رأس مال في التجارة المقررة في المضاربة وادعى المالك الزيادة عليه بالمقدار المناسب قدم قول المالك بيمينه ، وكذا لو اختلفا في مقدار نصيب العامل من الربح فادعى المالك قلته بمقدار لا يجعل عادة لعامل المضاربة كواحد في الألف وادعى العامل الزيادة عليه بالمقدار المتعارف قدم قول العامل بيمينه ، وهكذا في سائر الموارد.
مسألة 677 : إذا أخذ العامل رأس المال ليس له ترك الإتجار به وتعطيله عنده بمقدار لم تجر العادة على تعطيله وعد متوانياً متسامحاً كالتأخير بضعة أشهر مثلاً ، فإن عطله كذلك ضمنه لو تلف لكن لم يستحق المالك عليه غير أصل المال ، وليس له مطالبته بالربح الذي كان يحصل على تقدير الإتجار به.
مسألة 678 : يجوز إيقاع الجعالة على الإتجار بمال وجعل الجعل حصة من الربح ، بأن يقول صاحب المال مثلاً إذا اتجرت بهذا المال وحصل ربح فلك نصفه أو ثلثه ، فتكون جعالة تفيد فائدة المضاربة ، لكن لا يشترط فيها ما يشترط في المضاربة فلا يعتبر كون رأس المال من النقدين أو ما بحكمهما بل يجوز أن يكون ديناً أو منفعة.
مسألة 679 : يجوز للأب والجد المضاربة بمال الصغير مع عدم المفسدة ، وكذا القيم الشرعي كالوصي والحاكم الشرعي مع الأمن من الهلاك وملاحظة الغبطة والمصلحة ، بل يجوز للوصي على ثلث الميت أن يدفعه إلى الغير بالمضاربة وصرف حصة الميت من الربح في المصارف المعينة للثلث إذا أوص به الميت ، بل وإن لم توص به لكن فوض أمر الثلث
بنظر الوصي فرأى الصلاح في ذلك.
مسألة 680 : إذا مات العامل وكان عنده مال المضاربة فإن علم بوجوده فيما تركه بعينه فلا إشكال ، وإن علم بوجوده فيه من غير تعيين ـ بأن كان ما تركه مشتملاً على مال نفسه ومال المضاربة أو كان عنده أيضاً ودائع أو بضائع لأناس آخرين واشتبه أعيانها بعضها مع بعض يعمل بما هو العلاج في نظائره من اشتباه أموال ملاك متعددين بعضها مع بعض ، وهل هو بإيقاع المصالحة أو بإعمال القرعة أو بإيقاع الأولى فإن لم يتيسر فبإعمال الثانية؟ وجوه أظهرها الأخير.
نعم لو علم المال جنساً وقدراً وقد امتزج بمال العامل على نحو تحصل به الشركة يكون المجموع مشتركاً بين رب المال وورثة الميت فيقاسمانه بالنسبة.
مسألة 681 : إذا مات العامل وعلم بعدم بقاء مال المضاربة في تركته واحتمل أنه قد رده إلى مالكه أو تلف بتقصير منه أو بغيره فالظاهر أنه لا يحكم على الميت بالضمان ويكون الجميع لورثته بلا تعلق حق للمالك بها ، وكذا لو احتمل بقاؤه فيها على الأظهر.
كتاب الوديعة
الوديعة هي : ( جعل صيانة عين وحفظها على عهدة الغير ) ويقال للجاعل ( المودع ) ولذلك الغير ( الودعي ) و( المستودع ).
مسألة 682 : تحصل الوديعة بإيجاب من المودع بلفظ أو فعل مفهم لمعناها ـ ولو بحسب القرائن ـ وبقبول من الودعي دال على التزامه بالحفظ والصيانة.
مسألة 683 : إذا طلب شخص من آخر أن يكون ماله وديعة لديه فلم يوافق على ذلك ولم يتسلمه منه ومع ذلك تركه المالك عنده ومضى فتلف المال لم يكن ضامناً ، وإن كان الأولى أن يحفظه بقدر الإمكان.
مسألة 684 : من لا يتمكن من حفظ الوديعة لا يجوز له قبولها على الأقوى ، ولو تسلمها كان ضامناً ، نعم مع علم المودع بحاله يجوز له القبول ولا ضمان عليه.
مسألة 685 : الوديعة جائزة من الطرفين وإن كانت مؤجلة فيجوز لكل منهما فسخها متى شاء ، نعم مع اشتراط عدم فسخها إلى أجل معين ـ بمعنى التزام المشروط عليه بأن لا يفسخها إلى حينه ـ يصح الشرط ويجب عليه العمل به سواء جعل ذلك شرطا في ضمن نفس عقد الوديعة أو في ضمن عقد خارج لازم ولكن مع ذلك ينفسخ بفسخه وإن كان آثماً.
مسألة 686 : لو فسخ الودعي الوديعة وجب عليه أن يوصل المال فوراً إلى صاحبه أو وكيله أو وليه أو يخبره بذلك ، وإذا لم يفعل من دون عذر شرعي وتلف فهو ضامن.
مسألة 687 : يعتبر في المودع والودعي : البلوغ والعقل والاختيار
والقصد فلا يجوز استقلال الصبي بإيداع ماله عند آخر وإن كان مميزا وإذن وليه في ذلك ، كما لا يصح استيداعه مطلقاً ، نعم يجوز أن يودع الطفل المميز مال غيره بإذنه كما مر نظيره في البيع ، ويعتبر في المودع أيضاً أن لا يكون سفيهاً ولا محجوراً عليه لفلس إلا إذا لم تكن الوديعة من أمواله التي حجر عليها ، كما يعتبر في الودعي أن لا يكون محجوراً عليه في ماله لسفه أو فلس إذا كانت صيانة الوديعة وحفظها تتوقف على التصرفات الناقلة أو المستهلكة فيه.
مسألة 688 : لا يجوز تسلم ما يودعه الصبي من أمواله ومن أموال غيره بدون إذن مالكه ، فإن تسلمه الودعي ضمنه ووجب رد مال الطفل إلى وليه ، ورد مال الغير إلى مالكه ، نعم لو خيف على ما في يد الطفل من التلف والهلاك جاز أخذه منه حسبة ووجب رده إلى الولي أو المالك ولا يضمنه الآخذ حينئذ من دون تعد أو تفريط.
مسألة 689 : إذا أودع عند الصبي أو المجنون مالا لم يضمناه بالتلف ، بل ولا بالإتلاف إذا لم يكونا مميزين ، وإلا ضمناه بالإتلاف ولا يضمنانه بمجرد القبض ، وفي ضمانهما بالتفريط والإهمال إشكال والأظهر عدم الضمان.
مسألة 690 : يجب على الودعي حفظ الوديعة بما جرت العادة بحفظها به ووضعها في الحرز الذي يناسبها كالصندوق المقفل للثوب والدراهم والحلي ونحوها والاصطبل المضبوط بالغلق للدابة ، وبالجملة حفظها في محل لا يعد معه عند العرف مضيعاً ومفرطاً وخائناً ، حتى فيما إذا علم المودع بعدم وجود حرز مناسب لها عند الودعي فيجب عليه بعدما قبل الاستيداع تحصيله مقدمة للحفظ الواجب عليه ، وكذا يجب عليه القيام بجميع ما له دخل في صونها من التعيب والتلف كالثوب ينشره في الصيف
إذا كان من الصوف أو الإبريسم والدابة يعلفها ويسقيها ويقيها من الحر والبرد فلو أهمل وقصر في ذلك ضمنها.
مسألة 691 : إذا عين المودع لحفظ ماله محلاً وقال للودعي : ( احفظه هنا ولا تنقله إلى محل آخر وإن احتملت تلفه فيه ) لم يكن له حينئذ أن ينقله إلى محل آخر ولو فعل وتلف ضمن ، نعم إذا علم بأن بقاءه في ذلك المحل يؤدي إلى تلفه وهلاكه جاز له نقله منه إلى مكان يؤمن عليه من ذلك.
مسألة 692 : إذا عين المودع للوديعة محلاً معيناً وكان ظاهر كلامه ـ ولو بحسب القرائن ـ أنه لا خصوصية لذلك المحل عنده وإنما كان تعيينه نظراً إلى أنه أحد موارد حفظه فللودعي أن يضعه في محل آخر أحفظ من المحل الأول أو مثله ، ولو تلف المال ـ حينئذ ـ لم يضمن.
مسألة 693 : لو تلفت الوديعة في يد الودعي من دون تعدٍّ منه ولا تفريط لم يضمنها وكذا لو أخذها منه ظالم قهراً سواء انتزعها من يده أو أمره بدفعها إليه بنفسه فدفعها كرهاً ، نعم لو سبب إلى استيلائه عليها ضمنها بل يضمنها بمجرد الأخبار بوجودها عنده أو إظهارها للغير في محل يكون بذلك في معرض اطلاع الظالم واستيلائه عليها ما لم يرتفع خطره عنها.
مسألة 694 : لو تمكن من دفع الظالم بالوسائل المشروعة الموجبة لسلامة الوديعة وجب حتى أنه لو توقف دفعه عنها على إنكارها كاذباً بل الحلف على ذلك جاز بل وجب فإن لم يفعل ضمن ، وفي وجوب التورية عليه مع التفاته إليها وتيسرها له إشكال وإن كان هو الأحوط لزوماً.
مسألة 695 : إذا كانت مدافعته الظالم مؤدية إلى الضرر على بدنه من جرح وغيره او هتك في عرضه أو خسارة في ماله لا يجب تحمله ، بل لا يجوز في بعض مراتبها ، نعم لو كان ما يترتب عليها يسيراً جداً بحيث يتحمله غالب الناس ـ كما إذا تكلم معه بكلام خشن لا يكون هاتكاً له بالنظر إلى
شرفه ورفعة قدره وإن تأذى منه بالطبع ـ فالظاهر وجوب تحمله.
مسألة 696 : لو توقف دفع الظالم عن الوديعة على بذل مال له أو لغيره ، فإن كان يندفع بدفع بعضها وجب ، فلو أهمل فأخذ الظالم كلها ضمن المقدار الزائد على ما يندفع به منها لإتمامها ، فلو كان يندفع بدفع نصفها فأهمل فأخذ تمامها ضمن النصف ، ولو كان يقنع بالثلث فأهمل فأخذ الكل ضمن الثلثين وهكذا ، وكذا الحال فيما إذا كان عنده من شخص وديعتان وكان الظالم يندفع بدفع إحداهما فأهمل حتى أخذ كلتيهما ، فإن كان يندفع بإحداهما المعين ضمن الأخرى ، وإن كان بإحداهما لا بعينها ضمن أكثرهما قيمة ، ولو توقف دفعه على المصانعة معه بدفع مال من الودعي لم يجب عليه دفعة تبرعاً ومجاناً ، وأما مع الرجوع به على المالك فإن أمكن الاستئذان منه أو ممن يقوم مقامه كالحاكم عند عدم الوصول إليه لزم ، فإن دفع بلا استئذان لم يستحق الرجوع به عليه وإن كان من قصده ذلك ، وإن لم يمكن الاستئذان فإن كان يعد عرفاً مقصراً في حفظ الوديعة لولم يدفع المال لأجله وجب عليه دفعه ويجوز له الرجوع به على المالك إذا كان من قصده الرجوع عليه.
مسألة 697 : لو كانت الوديعة دابة يجب عليه سقيها وعلفها بالمقدار المتعارف ولولم يأمره المالك بذلك بل ولو نهاه عنه إذا كان تركه مؤدياً إلى تلفها ، ولا يجب إن يكون ذلك بمباشرته ، وإن يكون ذلك في موضعها ، فيجوز أن يسقيها بخادمه مثلاً ، وكذا يجوز إخراجها من منزله للسقي وإن أمكن سقيها في موضعها بعد جريان العادة بذلك ، نعم لو كان الطريق مخوفاً لم يجز إخراجها ، كما أنه لا يجوز أن يولي غيره لذلك إذا كان غير مأمون إلا مع مصاحبته أو مصاحبة أمين معه ، وبالجملة لابد من مراعات حفظها على المعتاد بحيث لا يعد معها عرفاً مفرطاً ومتعدياً.
هذا بالنسبة إلى أصل سقيها وعلفها ، وأما بالنسبة إلى نفقتها فإن
وضع المالك عنده عينها أو قيمتها أو إذن له ـ ولو ضمناً ـ في الإنفاق عليها من ماله على ذمته فلا إشكال ، وإلا فالواجب أولا الاستئذان من المالك أو وكيله ، فإن تعذر رفع الأمر إلى الحاكم ليأمره بما يراه صلاحاً ولو ببيع بعضها للنفقة ، فإن تعذر الحاكم أنفق هو من ماله ويجوز له الرجوع به على المالك مع نيته.
مسألة 698 : لو جن المالك المودع جنونا إطباقياً أو أغمي عليه كذلك بطلت الوديعة ووجب على الودعي أن يوصل المال إلى وليه فوراً أو إخبار الولي به ، ولو تركه من غير عذر شرعي وتلف ضمن ، وأما لو كان جنونه أو إغماؤه أدوارياً ففي بطلان الوديعة به إشكال.
مسألة 699 : إذا مات المالك المودع بطلت الوديعة ، فإن انتقل المال إلى وارثه من دون أن يكون متعلقاً لحق الغير وجب على الودعي إيصاله إلى الوارث أو وليه أو إعلامه بذلك ـ بخلاف ما إذا لم ينتقل إليه أصلاً كما لو أوصى بصرفه في الخيرات وكانت وصيته نافذة أو انتقل متعلقاً لحق الغير كأن يكون عيناً مرهونة اتفق الراهن والمرتهن على إيداعها عند ثالث ـ فإن أهمل لا لعذر شرعي ضمن ، ومن العذر عدم علمه بكون من يدعي الإرث وارثاً أو انحصار الوارث فيه ، فإن في مثل ذلك يجوز له التأخير في رد المال لأجل التروي والفحص عن حقيقة الحال ولا يكون عليه ضمان مع عدم التعدي والتفريط.
مسألة 700 : لو مات المودع وتعدد مستحق المال وجب على الودعي أن يدفعه إلى جميعهم أو إلى وكيلهم في قبضه ، فلو دفع تمام الوديعة إلى أحدهم من دون إجازة الباقين ضمن سهامهم.
مسألة 701 : لو مات الودعي أو جن جنوناً مطبقاً أو أغمي عليه كذلك بطلت ووجب على من بيده المال إعلام المودع به أو إيصاله إليه فوراً ، وأما
لو كان جنونه أو إغماؤه أدوارياً ففي بطلان الوديعة به إشكال.
مسألة 702 : يجب رد الوديعة عند المطالبة في أول وقت الإمكان وإن كان المودع كافراً محترم المال ، بل وإن كان حربياً مباح المال فإنه يحرم خيانته ولا يصح تملك وديعته ولا بيعها على الأحوط ، والذي هو الواجب عليه رفع يده عنها والتخلية بين المالك وبينها لا نقلها إلى المالك ، فلو كانت في صندوق مقفل أو بيت مغلق ففتحهما عليه فقال هاهي وديعتك خذها فقد أدى ما هو تكليفه وخرج عن عهدته ، كما أن الواجب عليه مع الإمكان الفورية العرفية ، فلا يجب عليه الركض ونحوه والخروج من الحمام فوراً وقطع الطعام والصلاة وإن كانت نافلة ونحو ذلك ، وهل يجوز له التأخير ليشهد عليه؟ قولان أقواهما ذلك إذا كان في معرض المطالبة بها بعد ذلك سواء أكان الإيداع مع الإشهاد أم لا ، هذا إذا لم يرخص المودع في التأخير وعدم الإسراع والتعجيل ، وإلا فلا إشكال في عدم وجوب المبادرة.
مسألة 703 : لو أودع اللص ما سرقه عند أحد لا يجوز له رده عليه مع الإمكان ، بل يكون أمانة شرعية في يده ، فيجب عليه إيصاله إلى صاحبه أو إعلامه به إن عرفه وإلا عرف به ، فإن يأس من الوصول إليه تصدق به عنه ، والأحوط أن يكون ذلك بإجازة الحاكم الشرعي ، ولو صادف فوجد المالك ولم يرض بالتصدق ضمنه له على الأحوط.
مسألة 704 : كما يجب رد الوديعة عند مطالبة المالك يجب ردها إذا خاف عليها من تلف أو سرق أو عيب ونحو ذلك ، فإن أمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله الخاص أو العام أو إعلامه بذلك تعين ، وإلا فليوصلها إلى الحاكم الشرعي أو يعلمه بالحال لو كان قادرا على حفظها ، ولو فقد الحاكم أولم يكن متمكناً من حفظها بسبب من الأسباب أودعها ـ مع الاستئذان من الحاكم على تقدير وجوده ـ عند ثقة أمين متمكن من حفظها.
مسألة 705 : إذا أحس الودعي بأمارات الموت في نفسه ولم يكن وكيلاً في تسليمها إلى غيره فإن أمكنه إيصالها إلى صاحبها أو وكيله أو وليه أو إعلامه بذلك تعين عليه ذلك على الأحوط ، وإن لم يمكنه لزمه الاستيثاق من وصولها إلى صاحبها بعد وفاته ولو بالإيصاء بها والاستشهاد على ذلك وإعلام الوصي والشاهد باسم صاحب الوديعة وخصوصياته ومحله.
مسألة 706 : يجوز للودعي أن يسافر ويبقي الوديعة في حرزها عند أهله وعياله إذا لم يتوقف حفظها على حضوره ، وإلا فإن لم يكن السفر ضرورياً لزمه أما الإقامة وترك السفر ، وأما إيصالها إلى مالكها أو وكيله أو وليه أو إعلامه بالحال ، وإن لم يمكنه الإيصال ولا الإعلام تعين عليه الإقامة وترك السفر ، ولا يجوز له أن يسافر بها ولو مع أمن الطريق ولا إيداعها عند الأمين.
وأما لو كان السفر ضرورياً فإن تعذر إيصالها إلى المالك أو وكيله أو وليه أو إعلامه بالحال فالظاهر أنه يتخير بين أن يسافر بها مع أمن الطريق أو إيداعها عند أمين ، ولو سافر بها حافظ عليها بقدر الإمكان ولا ضمان عليه لو تلفت ، نعم في الأسفار الخطرة اللازم أن يعامل فيه معاملة من ظهر له أمارات الموت وقد تقدم آنفا.
هذا كله فيما إذا لم يكن مأذوناً في السفر بها أو تسليمها إلى غيره عند طرو السفر له وإلا فلا إشكال في أن له ذلك.
مسألة 707 : المستودع أمين ليس عليه ضمان لو تلفت الوديعة أو تعيبت بيده إلا عند التفريط أو التعدي كما هو الحال في كل أمين ، أما التفريط فهو الإهمال في محافظتها وترك ما يوجب حفظها على مجرى العادات بحيث يعد معه عند العرف مضيعاً ومسامحاً ، كما إذا طرحها في محل ليس بحرز وذهب عنها غير مراقب لها ، أو ترك سقي الدابة وعلفها على
النحو المتعارف أو ترك إيداعها أو السفر بها مع توقف حفظها على ذلك ، أو ترك نشر ثوب الصوف أو الإبريسم في الصيف وما يقوم مقامه في حفظه ، أو ترك التحفظ من الندى فيما تفسده النداوة كالكتب وبعض الأقمشة وغير ذلك.
وأما التعدي فهوإن يتصرف فيها بما لم يأذن له المالك ، مثل أن يلبس الثوب أو يفرش الفراش أو يركب الدابة إذا لم يتوقف حفظها على التصرف ، كما إذا توقف حفظ الثوب والفراش من الدود على اللبس والافتراش ، أو يصدر منه بالنسبة إليها ما ينافي الأمانة وتكون يده عليها على وجه الخيانة ، كما إذا جحدها لا لمصلحة الوديعة ولا لعذر من نسيان ونحوه ، وقد يجتمع التفريط مع التعدي ، كما إذا طرح الثوب أو القماش أو الكتب ونحوها في موضع يعفنها أو يفسدها ، ولعل من ذلك ما إذا أودعه دراهم مثلاً في كيس مختوم أو مخيط أو مشدود فكسر ختمه أو حل خيطه وشده من دون ضرورة ومصلحة ، ومن التعدي خلط الوديعة بماله ، سواء أكان بالجنس أم بغيره ، وسواء أكان بالمساوي أم بالأجود أم بالأردأ ، ومنه أيضا مالو خلطه بالجنس أم بغيره ، وسواء أكان بالمساوي أم بالأجود أم بالأردأ ، ومنه أيضاً ما لو خلطه بالجنس من مال المودع من دون مبرر ومن غير أن يكون مأذوناً في ذلك كما إذا أودع عنده دراهم في كيسين غير مختومين ولا مشدودين فجعلهما كيساً واحداً.
مسألة 708 : معنى كونها مضمونة بالتفريط والتعدي كون بدلها عليه لو تلفت ولولم يكن تلفها مستندا إلى تفريطه وتعديه ، وبعبارة أخرى تتبدل يده الأمانية غير الضمانية إلى الخيانية الضمانية.
مسألة 709 : لو نوى التصرف في الوديعة ولم يتصرف فيها لم يضمن بمجرد النية ، نعم لو نوى الغصبية بأن قصد الاستيلاء عليها والتغلب على مالكها كسائر الغاصبين ضمنها لصيرورة يده يد عدوان بعدما كانت يد استئمان ، ولو رجع عن قصده فلا يبعد زوال الضمان ، وأما لو جحد الوديعة
أو طلبت منه فامتنع من الرد مع التمكن عقلاً وشرعاً ضمنها بمجرد ذلك ولم يبرأ من الضمان لو عدل عن جحوده أو امتناعه.
مسألة 710 : لو كانت الوديعة في كيس مختوم أو ما بحكمه ففتحه وأخذ بعضها ضمن الجميع ، بل المتجه الضمان بمجرد الفتح كما سبق ، وأما لولم تكن كذلك فأخذ بعضها فإن كان من قصده الاقتصار عليه فالظاهر قصر الضمان على المأخوذ دون ما بقي ، وأما لو كان من قصده عدم الاقتصار بل أخذ التمام شيئاً فشيئاً فلا يبعد أن يكون ضامناً للجميع.
مسألة 711 : لو أودعه كيسين فتصرف في أحدهما ضمنه دون الآخر.
مسألة 712 : إذا كان التصرف لا يوجب صدق الخيانة كما إذا كتب على الكيس بيتاً من الشعر أو نقش عليه نقشاً أونحو ذلك فإنه لا يوجب ضمان الوديعة وإن كان التصرف حراماً لكونه غير مأذون فيه.
مسألة 713 : لو سلم الوديعة إلى زوجته أو ولده أو خادمه ليحرزوها ضمن إلا أن يكونوا كآلاته لكون ذلك بمحضره وباطلاعه ومشاهدته.
مسألة 714 : إذا فرط في الوديعة ثم رجع عن تفريطه بإن جعلها في الحرز المضبوط وقام بما يوجب حفظها ، أو تعدى ثم رجع كما إذا لبس الثوب ثم نزعه فهل يبقى الضمان أولا؟ وجهان أوجههما العدم.
مسألة 715 : لو ادعى الودعي تلف الوديعة فإن كان مأموناً عند المودع لم يطالبه بشيء وإلا جاز له رفع أمره إلى الحاكم الشرعي ، ويكون القول قوله ـ أي الودعي ـ بيمينه بشرط أن لا يكون مخالفاً لظاهر الحال ، كما لو كانت بين أمواله فادعى تلفها بحريق أصابها وحدها دون غيرها.
مسألة 716 : لو اتفقا على تلف الوديعة ولكن اختلفا في التفريط أو التعدي أو في قيمة العين ـ ولو لأجل الاختلاف في خصوصياتها ـ كان القول قول الودعي بيمينه بالشرط المتقدم.
مسألة 717 : لو اختلفا في الرد فالأظهر أن القول قول المالك مع يمينه بالشرط المتقدم ، وكذلك الحال لو اختلفا في أنها دين أو وديعة مع التلف.
مسألة 718 : لو دفعها إلى غير المالك وادعى الإذن من المالك فأنكر المالك ولا بينة فالقول قول المالك بيمينه بالشرط المتقدم ، وكذا لو صدقه على الإذن ولكن أنكر التسليم إلى من إذن له.
مسألة 719 : إذا أنكر الوديعة ثم أقر بها ـ عند إقامة المالك البينة عليها أو بدون ذلك ـ ولكنه ادعى تلفها لم تقبل دعواه بيمينه ، فإن ادعى أنها تلفت قبل إنكاره من غير تعدٍ ولا تفريط وكذبه المالك كلف الودعي بإقامة البينة على دعواه فإن أقامها فهو ، وإلا توجه الحلف على المالك فإذا حلف كلف الودعي بتسليم العين ما لم يتبين تلفها ، وأما لو ادعى تلفها بعد الإنكار فللمالك أن يأخذ منه بدلها وله يطالبه بالعين وحينئذٍ فإن أقام البينة على تلفها حكم بضمانه بدلها وإلا توجه الحلف على المالك فإن حلف كلف الودعي بتسليم العين ما لم يتبين تلفها كما تقدم في الصورة الأولى.
مسألة 720 : إذا أقر بالوديعة ثم مات فإن عينها في عين شخصية معينة موجودة حال موته أخرجت من التركة ، وكذا إذا عينها في ضمن مصاديق من جنس واحد موجودة حال الموت ، كما إذا قال إحدى هذه الشياه وديعة عندي من فلان ولم يعينها فعلى الورثة إذا احتملوا صدق المورث ولم يميزوا الوديعة عن غيرها إن يعاملوا معها معاملة ما إذا علموا إجمالاً بإن إحدى هذه الشياه لفلان ، وإذا عين الوديعة ولم يعين المالك كانت من مجهول المالك فيترتب عليها حكمه وسيأتي في كتاب اللقطة.
وهل يعتبر قول المودع ويجب تصديقه لو عينها في معين واحتمل صدقه؟ وجهان أظهرهما العدم.
وإذا لم يعينها بأحد الوجهين المذكورين بحيث لم يظهر من كلامه وجودها في ضمن تركته ولم يعلم الورثة بذلك فلا اعتبار بقوله حتى إذا ذكر الجنس ولم يوجد من ذلك الجنس في تركته إلا واحد ، إلا إذا علم أن مراده ذلك الواحد.
مسألة 721 : الأمانة على قسمين مالكية وشرعية :
أما الأول : فهو ما كان باستيمان من المالك وإذنه ، سواء كان عنوان عمله ممحضاً في الحفظ والصيانة كالوديعة أو بتبع عنوان آخر مقصود بالذات كما في الرهن والعارية والإجارة والمضاربة ، فإن العين بيد المرتهن والمستعير والمستأجر والعامل أمانة مالكية ، حيث أن المالك قد استأمنهم عليها وتركها بيدهم من دون مراقبة فجعل حفظها على عهدتهم.
وأما الثاني : فهو ما لم يكن الاستيلاء فيه على العين ووضع اليد عليها باستيمان من المالك ولا إذن منه وقد صارت تحت يده لا على وجه العدوان ، بل أما قهراً كما إذا أطارتها الريح أو جاء بها السيل مثلاً فصارت في يده ، وأما بتسليم المالك لها بدون اطلاع منهما ، كما إذا اشترى صندوقاً فوجد فيه المشتري شيئاً من مال البائع بدون اطلاعه ، أو تسلم البائع أو المشتري زائداً على حقهما من جهة الغلط في الحساب ، وأما برخصة من الشرع كاللقطة والضالة وما ينتزع من يد السارق أو الغاصب من مال الغير حسبة للإيصال إلى صاحبه ، وكذا ما يؤخذ من الصبي أو المجنون من مالهما عند خوف التلف في أيديهما حسبة للحفظ ، وما يؤخذ مما كان في معرض الهلاك والتلف من الأموال المحترمة ، كحيوان معلوم المالك في مسبعة أو مسيل ونحو ذلك ، فإن العين في جميع هذه الموارد تكون تحت يد المستولي عليها أمانة شرعية يجب عليه حفظها ، فإن كان يعرف صاحبها لزمه إيصالها إليه في أول أزمنة الإمكان ولو مع عدم المطالبة.
ويحتمل عدم وجوب الإيصال وكفاية إعلامه بكونها عنده وتحت يده والتخلية بينها وبينه بحيث كلما أراد أن يأخذها أخذها ، بل هذا هو الأقوى. وأما لو كان صاحبها مجهولاً كما في اللقطة والضالة وغيرهما من مجهول المالك فيجب فيها التعريف والفحص عن المالك على تفصيل يأتي في كتاب اللقطة.
ولو كانت العين أمانة مالكية سواء بعنوان الوديعة أو بعنوان آخر فارتفع ذلك العنوان مع بقاء العين في يده من دون طرو عنوان العدوان عليها ، فإن كان البقاء من لوازم ذلك العنوان أو كان برضا المالك فالأمانة مالكية وإن كان مستنداً إلى عجزه من الرد إلى مالكه أو من بحكمه فالأمانة شرعية.
كتاب العارية
العارية هي : ( تسليط الشخص غيره على عين ليستفيد من منافعها مجاناً ).
مسألة 722 : تحصل العارية بالإيجاب من المعير والقبول من المستعير ، ولكن لا يعتبر أن يكونا لفظيين فلو دفع ثوبه لشخص بقصد الإعارة وقصد الآخذ بأخذه الاستعارة صحت العارية.
مسألة 723 : يعتبر في المعير أن يكون مالكاً للمنفعة أو بحكمه فلا تصح إعارة الغاصب منفعة وإن لم يكن غاصباً عيناً إلا بإجازة المغصوب منه.
مسألة 724 : لا تصح إعارة الطفل والمجنون مالهما ، كما لا تصح إعارة المحجور عليه ـ لسفه أو فلس ـ ماله إلا مع إذن الولي أو الغرماء ، وإذا رأى ولي الطفل مصلحة في إعارة ماله جاز إن يكون الطفل وسيطاً في إيصاله إلى المستعير.
مسألة 725 : لا يعتبر في المعير ملكية العين بل يكفي ملكية المنفعة بالإجارة أو بكونها موصى بها له بالوصية ، نعم إذا اشترط في الإجارة استيفاء المنفعة بنفسه ليس له الإعارة ، كما ليس له تسليم العين المستأجرة إلى المستعير من غير إذن مالكها على الأحوط.
مسألة 726 : يعتبر في المستعير أن يكون أهلاً للانتفاع بالعين فلا تصح استعارة الصيد للمحرم لا من المحل ولا من المحرم ، وكذا يعتبر فيه التعيين ، فلو أعار شيئاً أحد شخصين أو أحد أشخاص لم يصح ، ولا يشترط أن يكون واحداً ، فيصح إعارة شيء واحد لجماعة ، كما إذا قال : ( أعرت هذا الكتاب أو الإناء لهؤلاء العشرة ) فيستوفون المنفعة بينهم بالتناوب أو القرعة
كالعين المستأجرة ، وأما إعارته لعدد غير محدود كما إذا قال : ( أعرت هذا الشيء لكل الناس ) فالظاهر عدم صحتها نعم تصح إباحته كذلك.
مسألة 727 : يعتبر في العين المستعارة كونها مما يمكن الانتفاع بها منفعة محللة مع بقاء عينها كالعقارات والدواب والثياب والكتب والأمتعة والحلي وكلب الصيد والحراسة وأشباه ذلك ، فلا يجوز إعارة ما لا ينتفع به إلا بإتلافه كالخبز والدهن والأشربة وأشباهها ، كما لا يجوز إعارة ما تنحصر منافعه المتعارفة في الحرام ـ كآلات اللهو المحرم والقمار ـ لينتفع به في ذلك ، ولا تجوز إعارة آنية الذهب والفضة للأكل والشرب بل ولا لغيرهما من الاستعمالات على الأحوط ، ولا يبعد جواز إعارتها للزينة.
مسألة 728 : تصح إعارة الشاة للانتفاع بلبنها وصوفها وإعارة الفحل للتلقيح.
مسألة 729 : تصح الإعارة للرهن وليس للمالك حينئذٍ إبطاله وأخذ ماله من المرتهن ، كما ليس له مطالبة الراهن بالفك إذا كان الدين مؤجلاً إلا عند حلول الأجل وأما في غيره فيجوز له ذلك مطلقاً.
مسألة 730 : إذا لم يفك الرهن جاز للمرتهن بيعه كما يبيع ما كان ملكاً لمن عليه الدين ـ على تفصيل يأتي في محله ـ ويضمنه المستعير لمالكه بما بيع به لو بيع بالقيمة أو بالأكثر وبقيمته تامة لو بيع بالأقل من قيمته ، وفي ضمان الراهن العين لو تلفت بغير فك إشكال والظاهر عدم الضمان إلا مع اشتراطه.
مسألة 731 : لا يشترط تعيين العين المستعارة عند الإعارة ، فلو قال : ( أعرني إحدى دوابك ) فقال : ( أدخل الأصطبل وخذ ما شئت منها ) صحت العارية.
مسألة 732 : العين التي تعلقت بها العارية إن انحصرت جهة الانتفاع
المتعارف بها في منفعة خاصة كالبساط للافتراش واللحاف للتغطية والخيمة للاكتنان وأشباه ذلك لا يلزم التعرض لجهة الانتفاع بها عند إعارتها واستعارتها ، وإن تعددت جهات الانتفاع بها كالأرض ينتفع بها للزرع والغرس والبناء والسيارة ينتفع بها لنقل الأمتعة والركاب ونحو ذلك ، فإن كانت إعارتها واستعارتها لأجل منفعة أو منافع خاصة من منافعها يجب التعرض لها واختص حلية الانتفاع للمستعير بما خصصه المعير ، وإن كانت لأجل الانتفاع المطلق جاز التعميم والتصريح بالعموم ، بأن يقول : ( أعرتك هذه السيارة ـ مثلا ـ لأجل أن تنتفع بها كل انتفاع مباح يحصل منها ) كما أنه يجوز إطلاق العارية بأن يقول : ( أعرتك هذه السيارة ) فيجوز للمستعير الانتفاع بسائر الانتفاعات المباحة المتعلقة بها ، نعم ربما يكون لبعض الانتفاعات بالنسبة إلى بعض الأعيان خفاء لا يندرج معه في الإطلاق ، ففي مثله لابد من التنصيص عليه أو التعميم على وجه يعمه ، وذلك كالدفن فإنه وإن كان من أحد وجوه الانتفاعات من الأرض كالبناء والزرع والغرس ومع ذلك لو أعيرت الأرض إعارة مطلقة لا يعمه الإطلاق.
مسألة 733 : العارية جائزة من الطرفين وإن كانت مؤجلة فلكل منهما فسخها متى شاء ، نعم مع اشتراط عدم فسخها إلى أجل معين ـ بمعنى التزام المشروط عليه بأن لا يفسخها إلى ذلك الأجل ـ يصح الشرط ويجب عليه العمل به سواء جعل ذلك شرطاً في ضمن نفس العارية أو في ضمن عقد خارج لازم ، ولكن مع ذلك تنفسخ بفسخه وإن كان آثماً.
مسألة 734 : إذا أعار أرضه للدفن فليس له بعد الدفن والمواراة الرجوع عن الإعارة ونبش القبر وإخراج الميت على الأصح ، وأما قبل ذلك فله الرجوع حتى بعد وضعه في القبر قبل مواراته ، وليس على المعير أجرة الحفر ومؤنته إذا رجع بعد الحفر قبل الدفن ، كما أنه ليس على ولي الميت
طم الحفر بعد ما كان بإذن من المعير.
مسألة 735 : لو استعار أرضاً للزرع فالظاهر أنه يتضمن ـ بحسب الارتكاز العرفي ـ اشتراط عدم فسخ العقد بعد شروعه في العمل إلى أن يدرك الزرع ويستحصد وينتهي أمده. فعلى المالك المعير الوفاء للمستعير بشرطه والعمل به ولكن لو عصى وفسخ العقد انفسخ ، وحينئذٍ فهل يجوز له إجبار المستعير على إزالة الزرع مع الأرش أو بدونه ، أو أنه ليس له ذلك بل للمستعير إجباره على الإبقاء ولو بأجرة حتى يدرك ويستحصد؟ وجوه ، والأحوط لهما التراضي والتصالح ، ومثل ذلك ما لو استعار أرضاً للبناء أو جذوعاً للتسقيف ثم رجع المالك بعد ما بنى الأرض أو أثبت الجذوع في البناء.
مسألة 736 : حكم العارية في بطلانها بموت المعير أو جنونه أو إغمائه حكم الوديعة في ذلك ، وقد تقدم في المسألتين ( 698 ـ 699 ).
مسألة 737 : يجب على المستعير الاقتصار في نوع المنفعة على ما عينها المعير ، فلا يجوز له التعدي إلى غيرها ولو كانت أدنى وأقل ضرراً على المعير ، وكذا يجب أن يقتصر في كيفية الانتفاع على ما جرت به العادة ، فلو أعاره سيارة للحمل لا يحملها إلا القدر المعتاد بالنسبة إلى تلك السيارة وذلك المحمول والزمان والمكان ، فلو تعدى نوعاً أو كيفية كان غاصباً وضامناً وعليه أجرة ما استوفاه من المنفعة بتمامها ، نعم لو زاد على القدر المسموح له من الانتفاع كما لو أعاره سيارة للركوب إلى مسافة معينة فجاوزها ضمن أجرة ما تجاوز به فقط ، هذا مع عدم التقييد بعدم الزيادة وإلا ضمن أجرة الجميع.
مسألة 738 : العارية أمانة بيد المستعير لا يضمنها لو تلفت إلا بالتعدي أو التفريط ، نعم لو شرط الضمان ضمنها وإن لم يكن تعدٍّ ولا
تفريط ، كما أنه لو كانت العين المعارة ذهباً أو فضة ضمنها إلا إذا اشترط عدم ضمانها.
مسألة 739 : لا يجوز للمستعير إعارة العين المستعارة ولا إجارتها إلا بإذن المالك ، فتكون إعارته حينئذٍ في الحقيقة إعارة المالك ويكون المستعير وكيلاً عنه ، فلو خرج المستعير عن قابلية الإعارة بعد ذلك ـ كما إذا مات أو جن مطبقاً ـ بقيت العارية الثانية على حالها.
مسألة 740 : حكم العارية في وجوب الإعلام بالنجاسة في إعارة المتنجس حكم البيع في ذلك ، وقد تقدم في المسألة (8).
مسألة 741 : إذا تلفت العارية أو نقصت بفعل المستعير ، فإن كان بسبب الاستعمال المأذون فيه من دون تعدٍّ عن المتعارف ليس عليه ضمان ، كما إذا هلكت الدابة المستعارة للحمل بسبب الحمل عليها حملاً متعارفاً ، وإن كان بسبب آخر ضمنها.
مسألة 742 : لا يتحقق رد العارية إلا بردها إلى مالكها أو وكيله أو وليه ، ولو ردها إلى حرزها الذي كانت فيه بلا يد للمالك ولا إذن منه ، كما إذا رد الدابة إلى الأصطبل وربطها فيه فتلفت أو أتلفها متلف ضمنها.
مسألة 743 : إذا علم المستعير بأن العارية مغصوبة وجب عليه إرجاعها إلى مالكها ، ولم يجز دفعها إلى المعير.
مسألة 744 : إذا استعار ما يعلم بغصبيته فللمالك أن يطالبه أو يطالب الغاصب بعوضه إذا تلف كما أن له أن يطالب كلا منهما بعوض ما استوفاه المستعير أو تلف في يده أو الأيادي المتعاقبة عليها من المنافع ، وإذا استوفى المالك العوض من المستعير فليس للمستعير الرجوع به على الغاصب.
مسألة 745 : إذا لم يعلم المستعير بغصبية العارية وتلفت في يده ورجع المالك عليه بعوضها فله أن يرجع على المعير بما غرمه للمالك إلا إذا
كانت العارية ذهباً أو فضة أو اشترط المعير ضمان العارية عليه عند التلف ، وإن رجع المالك عليه بعوض المنافع جاز له الرجوع إلى المعير بما دفع.
كتاب اللقطة
وهي ـ بمعناها الأعم ـ : ( كل مال ضائع عن مالكه ولم يكن لأحد يد عليه ) ، وهي على قسمين : حيوان ، وغير حيوان ، ويسمى الأول بـ ( الضالة ) ، ويطلق على الثاني ( اللقطة ) بقول مطلق و( اللقطة بالمعنى الأخص ).
وللضائع نوع آخر وهو الطفل الذي لا كافل له ولا يستقل بنفسه على السعي فيما يصلحه ودفع ما يضره ويهلكه ، ويقال له ( اللقيط ) ، وفيما يلي جملة من أحكام الأنواع الثلاثة.
أحكام اللقيط
مسألة 746 : يستحب أخذ اللقيط ، بل يجب كفاية إذا توقف عليه حفظه سواء أكان منبوذاً قد طرحه أهله في شارع أو مسجد ونحوهما ـ عجزا عن النفقة أو خوفاً من التهمة ـ أم غيره ، ولا يعتبر عدم كونه مميزاً بعد صدق كونه ضائعاً تائهاً لا كافل له.
مسألة 747 : من أخذ اللقيط فهو أحق من غيره بحضانته وحفظه والقيام بضرورة تربيته بنفسه أو بغيره إلى أن يبلغ فليس لأحد أن ينتزعه من يده ويتصدى حضانته غير من له حق الحضانة تبرعاً بحق النسب ـ كالأبوين والأجداد ـ أو بحق الوصاية كوصي الأب أو الجد للأب ، فإذا وجد أحد هؤلاء خرج بذلك عن عنوان ( اللقيط ) لما تقدم من أنه الضائع الذي لا كافل له.
مسألة 748 : كما أن لهؤلاء حق الحضانة فلهم انتزاعه من يد آخذه ، كذلك عليهم ذلك ، فلو امتنعوا أجبروا عليه.
مسألة 749 : الظاهر وجوب تعريف اللقيط إذا أحرز عدم كونه منبوذاً من قبل أهله واحتمل الوصول إليهم بالفحص والتعريف.
مسألة 750 : يشترط في ملتقط الصبي : البلوغ والعقل فلا اعتبار بالتقاط الصبي والمجنون ، بل يشترط فيه الإسلام إذا كان اللقيط محكوماً بالإسلام.
مسألة 751 : ما كان مع اللقيط من مال فهو محكوم بأنه ملكه.
مسألة 752 : اللقيط إن وجد من ينفق عليه من حاكم بيده بيت المال أو من كان عنده حقوق تنطبق عليه من زكاة أو غيرها أو متبرع فهو ، وإلا فإن كان له مال من فراش أو غطاء زائدين على مقدار حاجته أو غير ذلك كحلي ونحوه جاز للملتقط صرفه في إنفاقه مع الاستئذان من الحاكم الشرعي أو وكيله إن أمكن ، وإلا فبإذن بعض عدول المؤمنين ، وإن لم يمكن أيضاً فله أن يتصدى لذلك بنفسه ولا ضمان عليه.
ولو أنفق عليه من مال نفسه مع وجود من ينفق عليه من أمثال ما ذكر أو مع وجود مال للقيط نفسه لم يكن له الرجوع عليه بما أنفقه بعد بلوغه ويساره وإن نوى الرجوع عليه ، وأما إذا لم يكن له مال ولا من ينفق عليه أنفق الملتقط عليه من مال نفسه وكان له الرجوع عليه مع قصد الرجوع لا بدونه.
مسألة 753 : لا ولاء للملتقط على اللقيط بل له أن يتولى بعد بلوغه من شاء ، فإن لم يتول أحداً ومات ولا وارث له فميراثه للإمامعليهالسلام كما أنه عاقلته.
مسألة 754 : لا يجوز للملتقط أن يتبنى اللقيط ويلحقه بنفسه ، ولو فعل لم تترتب عليه شيء من أحكام البنوة والأبوة والأمومة.
أحكام الضالة
مسألة 755 : إذا وجد حيوان مملوك في غير العمران كالبراري والجبال والآجام والفلوات ونحوها ، فإن كان الحيوان يحفظ نفسه ويمتنع عن صغار السباع كالذئب والثعلب لكبر جثته أو سرعة عدوه أو قوته كالبعير والفرس والجاموس والثور ونحوها لم يجز أخذه ، سواء أكان في كلاء وماء أم لم يكن فيهما إذا كان صحيحاً يقوى على السعي إليهما ، فإن أخذه الواجد حينئذٍ كان آثماً وضامناً له وتجب عليه نفقته ولا يرجع بها على المالك ، وإذا استوفى شيئاً من نمائه كلبنه وصوفه كان عليه مثله أو قيمته وإذا ركبه أو حمله حملاً كان عليه أجرته ، ولا تبرأ ذمته من ضمانه إلا بدفعه إلى مالكه ولا يزول الضمان ولو بإرساله في الموضع الذي أخذه منه ، نعم إذا يئس من الوصول إليه ومعرفته تصدق به عنه بإذن الحاكم الشرعي.
مسألة 756 : إذا كان الحيوان المذكور لا يقوى على الامتناع من صغار السباع ـ سواء أكان غير ممتنع أصلاً كالشاة أم لم يبلغ حد الامتناع كصغار الإبل والخيل أم زال عنه لعارض كالمرض ونحوه ـ جاز أخذه ، فإن أخذه عرفه في موضع الالتقاط إن كان فيه نزال ، فإن لم يعرف المالك جاز له تملكه والتصرف فيه بالأكل والبيع ـ والمشهور أنه يضمنه حينئذ بقيمته وقيل لا يضمن بل عليه دفع القيمة إذا جاء صاحبه من دون اشتغال ذمته بمال وهذا هو الأوجه ـ ويجوز له أيضاً إبقاؤه عنده إلى أن يعرف صاحبه ما دام لم ييأس من الظفر به ولا ضمان عليه حينئذٍ.
مسألة 757 : إذا ترك الحيوان صاحبه وسرحه في الطرق والصحاري والبراري فإن كان قد أعرض عنه وأباح تملكه لكل أحد جاز أخذه
كالمباحات الأصلية ولا ضمان على الآخذ ، وإذا تركه للعجز عن الإنفاق عليه أو عن معالجته أو لجهد الحيوان وكلاله بحيث لا يتيسر له أن يبقى عنده ولا أن يأخذه معه فإن كان الموضع الذي تركه فيه آمناً مشتملاً على الكلاء والماء أو يقوى الحيوان فيه على السعي إليهما بحيث يقدر على التعيش فيه لم يجز لأي أحد أخذه فمن أخذه كان ضامناً له ، وأما إذا كان الموضع مضيعة لا يقدر الحيوان على التعيش فيه فإن لم يكن مالكه ناوياً للرجوع إليه قبل ورود الخطر عليه جاز لكل أحد أخذه وإلا لم يجز ذلك.
مسألة 758 : إذا وجد الحيوان في العمران ـ وهي مواضع يكون الحيوان مأموناً فيها من السباع عادة كالبلاد والقرى وما حولها مما يتعارف وصول الحيوان منها إليه ـ لم يجز أخذه ، ومن أخذه ضمنه ويجب عليه حفظه من التلف والإنفاق عليه بما يلزم وليس له الرجوع على صاحبه بما أنفق ، كما يجب عليه تعريفه ويبقى في يده مضموناً إلى أن يؤديه إلى مالكه ، فإن يئس منه تصدق به بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط ، نعم إذا كان غير مأمون من التلف لبعض الطوارئ كالمرض ونحوه جاز له أخذه لدرء الخطر عنه من دون ضمان ويجب عليه أيضاً الفحص عن مالكه ، فإن يئس من الوصول إليه تصدق به كما تقدم.
مسألة 759 : إذا دخلت الدجاجة أو السخلة مثلاً في دار إنسان ولم يعرف صاحبها لم يجز له أخذها ، ويجوز له إخراجها من الدار وليس عليه شيء إذا لم يكن قد أخذها ، وأما إذا أخذها فالظاهر عدم جريان حكم اللقطة عليها ، بل يجري عليها حكم مجهول المالك الآتي في المسألة (765) ، نعم لا يبعد جواز تملك مثل الحمام إذا ملك جناحيه ولم يعرف صاحبه من دون فحص عنه.
مسألة 760 : إذا احتاجت الضالة إلى النفقة فإن وجد متبرع بها أنفق
عليها ، وإلا أنفق عليها من ماله فإن كان يجوز له أخذها ولم يكن متبرعاً في الإنفاق عليها جاز له الرجوع بما أنفقه على المالك وإلا لم يجز له ذلك.
مسألة 761 : إذا كان للضالة نماء أو منفعة جاز للآخذ ـ إذا كان ممن يجوز له أخذها ـ أن يستوفيها ويحتسبها بدل ما أنفقه عليها ، ولكن لابد أن يكون ذلك بحساب القيمة على الأقوى.
أحكام اللقطة
مسألة 762 : يعتبر فيها الضياع عن مالكها المجهول ، فما يؤخذ من يد الغاصب والسارق ليس من اللقطة لعدم الضياع عن مالكه ، بل لابد في ترتيب أحكامها من إحراز الضياع ولو بشاهد الحال ، فالحذاء المتبدل بحذائه في المساجد ونحوها لا يترتب عليه أحكام اللقطة وكذا الثوب المتبدل بثوبه في الحمام ونحوه لاحتمال تقصد المالك في التبديل أو حصوله اشتباهاً ومعه يكون من مجهول المالك لا اللقطة.
مسألة 763 : يعتبر في صدق اللقطة وثبوت أحكامها الأخذ والالتقاط ، فلو رأى شيئاً وأخبر به غيره فأخذه كان حكمها على الآخذ دون الرائي وإن تسبب منه ، ولو قال ناولنيه ، فأخذه المأمور لنفسه كان هو الملتقط دون الآمر ، وكذا لو أخذه للآمر وناوله إياه على الأقرب.
مسألة 764 : لو عثر على مال وحسب أنه له فأخذه ثم ظهر أنه ضائع عن غيره كان لقطة وتجري عليه أحكامها ، ولو رأى مالاً ضائعاً فنحاه من جانب إلى آخر من دون أخذه فالظاهر عدم صيرورته بذلك لقطة وإن ضمنه ، ولو دفعه برجله أو عصاه مثلاً ليتعرفه فالظاهر عدم الضمان أيضاً.
مسألة 765 : المال المجهول مالكه غير الضائع لا يجوز أخذه ووضع اليد عليه ، فإن أخذه كان غاصباً ضامناً إلا إذا كان في معرض التلف فإنه يجوز
أخذه في هذه الحالة بقصد الحفظ أما بعينه أو ببدله ـ حسب اختلاف الموارد كما سيأتي ـ ويكون عندئذ أمانة شرعية في يد الآخذ لا يضمنه إلا بالتعدي أو التفريط ، وعلى كل من تقديري جواز الأخذ وعدمه إذا أخذه وجب الفحص عن مالكه مع احتمال ترتب الفائدة عليه وإلا لم يجب وحينئذٍ فما دام لم ييأس تماماً من الوصول إلى المالك حفظ المال له ومع اليأس يتصدق به أو يبيعه أو يقومه على نفسه ويتصدق بثمنه.
هذا إذا كان المال مما يحتفظ بصفاته الدخيلة في ماليته إلى أن يفحص عن المالك ويحصل له اليأس من الوصول إليه وإلا فلابد أن يتصدق به أو بثمنه مع صيرورته في معرض فقدان بعض تلك الصفات فإنه يسقط التحفظ والفحص إذا صار كذلك ، والأحوط لزوماً أن يكون التصدق وكذا البيع التقويم في الموردين المذكورين بإذن الحاكم الشرعي ، كما أن الأحوط ضمان المتصدق لو صادف أن جاء المالك ولم يرض بالتصدق.
مسألة 766 : كل مال غير الحيوان إن أحرز ضياعه عن مالكه المجهول ولو بشاهد الحال ـ وهو الذي يطلق عليه ( اللقطة ) كما مر ـ يجوز على كراهة أخذه والتقاطه ، ولا فرق في ذلك بين ما يوجد في الحرم ـ أي حرم مكة زادها الله شرفاً ـ وغيره وإن كانت الكراهة في الأول أشد وآكد.
هذا فيما إذا احتمل أنه لولم يأخذه أحد لطلبه صاحبه وأخذه ، وأما فيما لم يحتمل ذلك احتمالاً معتداً به ـ ولو لقلة قيمته مما يستوجب عادة إعراضه عنه بعد ضياعه ـ فلا كراهة في أخذه سواء أكان مما يجب تعريفه بعد الأخذ أم لا.
مسألة 767 : إذا لم تكن للمال الملتقط علامة يصفه بها من يدعيه كالمسكوكات المفردة وغالب المصنوعات في المصانع المتداولة في هذه الأزمنة جاز للملتقط أن يتملكه وإن بلغت قيمته درهماً أو زادت عليه على
الأظهر ، ولكن الأحوط أن يتصدق به عن مالكه.
مسألة 768 : إذا كانت للقطة علامة يمكن أن يصفها بها من يدعيها وكانت قيمتها دون الدرهم لم يجب تعريفها والفحص عن مالكها على الأقرب ، وفي جواز تملكها للملتقط إشكال والأحوط أن يتصدق بها عن مالكها.
مسألة 769 : اللقطة إذا كانت لها علامة يمكن الوصول بها إلى مالكها وبلغت قيمتها درهماً فما زاد وجب التعريف بها والفحص عن مالكها ، فإن لم يظفر به فإن كانت لقطة الحرم ـ أي حرم مكة ـ وجب عليه إن يتصدق بها عن مالكها على الأحوط ، وأما إذا كانت في غير الحرم تخير الملتقط بين أن يحفظها لمالكها ولو بالإيصاء ما لم ييأس من إيصالها إليه وله حينئذ أن ينتفع بها مع التحفظ على عينها ، وبين أن يتصدق بها عن مالكها ، والأحوط وجوباً عدم تملكها.
مسألة 770 : المراد من الدرهم ما يساوي ( 6 ، 12 ) حمصة من الفضة المسكوكة ، فإن عشرة دراهم تساوي خمسة مثاقيل صيرفية وربع مثقال.
مسألة 771 : المدار في القيمة على مكان الالتقاط وزمانه في اللقطة وفي الدرهم دون غيرهما من الأمكنة والأزمنة.
مسألة 772 : يسقط وجوب التعريف فيما إذا كان الملتقط يخاف من التهمة والخطر إن عرف باللقطة ، كما يسقط مع الاطمئنان بعدم الفائدة وفي تعريفها ـ ولو لأجل إحراز أن مالكها قد سافر إلى مكان بعيد غير معروف لا يصله خبرها وإن عرفها ـ وفي مثل ذلك فالأحوط أن يحتفظ باللقطة لمالكها ما دام لم ييأس من الوصول إليه ـ ولو لاحتمال أنه بنفسه يتصدى للتعريف بماله الضائع ليصل إلى الملتقط خبره ـ ومع حصول اليأس من ذلك يتصدق بها عن المالك ، ولو صادف مجيئه كان بالخيار بين أن يرضى بالتصدق وبين
أن يطالبه ببدلها.
مسألة 773 : تجب المبادرة إلى التعريف من حين الالتقاط ، فإن لم يبادر إليه كان عاصياً إلا إذا كان لعذر ، ولا يسقط عنه وجوبه على كل تقدير ، بل تجب المبادرة إليه بعد ذلك إلا إذا كان التأخير بحد لا يرجى معه العثور على مالكها وإن عرف بها ، وهكذا الحكم لو بادر إليه من حين الالتقاط ولكن تركه بعد فترة ولم يستمر فيه فإنه يجب العود إليه إلا مع اليأس من الوصول إلى المالك.
مسألة 774 : مدة التعريف سنة كاملة ، والأحوط مراعاة التتابع فيها مع الإمكان فلا يلفقها من عدة سنين ولو مع تتابعها كأن يعرف في كل سنة ثلاثة أشهر ثم يترك التعريف بالمرة إلى السنة التالية حتى يكمل مقدار السنة في أربع سنوات مثلاً.
ويلزم صدق كونه في هذه المدة معرفاً ومعلناً عنه بحيث لا يعد في العرف متسامحاً ومتساهلاً في إيصال خبره إلى مالكه ، ولا يعتبر فيه كيفية خاصة ولا عدد معين بل العبرة بالصدق العرفي ، فكما يتحقق بالنداء في مجامع الناس ولو في كل ثلاثة أيام مرة بل ولو في كل أسبوع مرة فكذا يتحقق بغيره من وسائل النشر والإعلام مما يفيد فائدته بل ربما يكون أبلغ منه كالإعلان المطبوع في الجرائد المحلية ، أو المكتوب على أوراق ملصقة في الأماكن المعدة لها بالقرب من مجامع الناس ولمواقع أبصارهم كما هو المتعارف في زماننا.
مسألة 775 : لا تعتبر مباشرة الملتقط للتعريف فيجوز له الاستنابة فيه مجاناً أو بأجرة مع الاطمئنان بوقوعه ، والأقوى كون الأجرة عليه لا على المالك وإن كان الالتقاط بنية إبقائها في يده للمالك ، ويسقط وجوب التعريف عن الملتقط بتبرع غيره به.
مسألة 776 : إذا عرفها سنة كاملة ولم يعثر على مالكها جاز له التصدق بها ـ كما مر ـ ولا يشترط في ذلك حصول اليأس له من الوصول إليه ، بخلاف الحال في غيرها من المجهول مالكه فإنه لا يتصدق به إلا بعد اليأس من الوصول إلى المالك.
مسألة 777 : إذا يأس من الظفر بمالكها قبل تمام السنة لزمه التصدق بها بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط ولا ينتظر بها حتى تمضي السنة.
مسألة 778 : إذا كان الملتقط يعلم بالوصول إلى المالك لو زاد في التعريف على السنة فالأحوط لولم يكن أقوى لزوم التعريف حينئذ وعدم جواز التصدق.
مسألة 779 : إذا تعذر التعريف في أثناء السنة انتظر رفع العذر وليس عليه بعد ارتفاع العذر استئناف السنة بل يكفي تتميمها.
مسألة 780 : لو كانت اللقطة مما لا تبقى سنة لزم الملتقط أن يحتفظ بها لأطول فترة تبقى محتفظة لصفاتها الدخيلة في ماليتها ، والأحوط أن يعرف بها خلال ذلك فإن لم يظفر بمالكها كان بالخيار بين أن يقومها على نفسه ويتصرف فيها بما يشاء وبين أن يبيعها ويحفظ ثمنها لمالكها ، ولا يسقط عنه بذلك ما سبق من التعريف فعليه أن يحفظ خصوصياتها وصفاتها ويتم تعريفها سنة كاملة فإن وجد صاحبها دفع بدلها إليه وإلا عمل فيه بما تقدم في المسألة (769).
هذا فيما إذا اختار الملتقط أن يقومها على نفسه أو تيسر بيعها فباعها ، ومع عدم الأمرين فيجب عليه أن يتصدق بها ولا يلزمه تعريفها بعد ذلك ولو عثر على مالكها لم يضمن له قيمتها على الأظهر ، والأحوط وجوباً أن يكون التقويم والبيع والتصدق في مواردها بإجازة الحاكم الشرعي أو وكيله أن أمكنت.
مسألة 781 : إذا ضاعت اللقطة من الملتقط قبل الشروع في التعريف أو قبل تكميله فالتقطها آخر وعلم بالحال ولم يعرف الملتقط الأول ولا المالك وجب عليه التعريف بها أو تكميله سنة ، فإن وجد المالك دفعها إليه وإن لم يجده ووجد الملتقط الأول دفعها إليه إذا كان واثقاً بإنه يعمل بوظيفته ، وعليه إكمال التعريف سنة ولو بضميمة تعريف الملتقط الثاني وإن لم يجد أحدهما حتى تمت السنة جرى التخيير المتقدم من التصدق أو الإبقاء للمالك.
مسألة 782 : يجب أن يعرف اللقطة في المكان الذي يظن أو يحتمل وصول خبرها إلى المالك بسبب التعريف فيه ، ولا يتعين أن يكون موضع الالتقاط ، بل ربما يكون غيره كما إذا التقطها في بلد وعلم أن مالكها مسافر قد غادره إلى بلد آخر بحيث لا يجدي معه التعريف في بلد الالتقاط فإنه يجب في مثله التعريف بها في البلد الثاني مع الإمكان.
وكذا لو التقطها في البراري أو الطرق الخارجية وعلم أن مالكها قد دخل بلداً معيناً بحيث لو عرف فيه لاحتمل وصول خبرها إليه فإنه يلزمه التعريف في ذلك البلد مع الإمكان دون موضع الالتقاط إذا لم يكن كذلك.
وبالجملة : العبرة في مكان التعريف بما تقدم من كونه بحيث لو عرف باللقطة فيه لاحتمل احتمالاً معتداً به وصول خبرها إلى المالك ـ مع تقديم ما هو الأقوى احتمالاً على غيره عند عدم تيسر الاستيعاب ـ وعلى هذا ينزل ما قيل : من أنه لو كان الالتقاط في مكان متأهل من بلد أو قرية ونحوهما وجب التعريف فيه ، وإن كان في البراري والقفار ونحوهما فإن كان فيها نزال عرفهم وإن كانت خالية عرفها في المواضع القريبة التي هي مظنة وجود المالك.
مسألة 783 : إذا التقط في موضع الغربة أو في بلده وأراد السفر جاز له ذلك ، ولكن لا يسافر بها بل يضعها عند أمين ويستنيب في التعريف من يوثق
به في ذلك ، ولو التقطها في منزل السفر جاز له السفر بها والتعريف بها في بلد المسافرين وقوافلهم.
مسألة 784 : يعتبر في التعريف أن يكون على نحولو سمعه المالك لاحتمل ـ احتمالاً معتداً به ـ أن يكون المال المعثور عليه له ، وهذا يختلف بحسب اختلاف الموارد ، فقد يكفي أن يقول : ( من ضاع له شيء أو مال ) وقد لا يكفي ذلك بل لابد أن يقول : ( من ضاع له ذهب ) أو نحوه ، وقد لا يكفي هذا أيضاً بل يلزم إضافة بعض الخصوصيات إليه كأن يقول : ( من ضاع له قرط ذهب ) مثلاً ، ولكن يجب على كل حال الاحتفاظ بإبهام اللقطة ، فلا يذكر جميع صفاتها حتى لا يتعين ، بل الأحوط عدم ذكر ما لا يتوقف عليه التعريف.
مسألة 785 : لو ادعى اللقطة أحد وعلم صدقه وجب دفعها إليه ، وإلا سئل عن أوصافها وعلاماتها ، فإذا توافقت الصفات والعلائم التي ذكرها مع الخصوصيات الموجودة فيها وحصل الاطمئنان بأنها له ـ كما هو الغالب ـ أعطيت له ، ولا يعتبر أن يذكر الأوصاف التي لا يلتفت إليها المالك غالباً ، وأما مع عدم حصول الاطمئنان فلا يجوز دفعها إليه ، ولا يكفي فيه مجرد التوصيف بل لا يكفي حصول الظن أيضاً.
مسألة 786 : إذا شهدت البينة بأن مالك اللقطة فلان وجب دفعها إليه وسقط التعريف سواء أكان ذلك قبل التعريف أم في أثنائه أم بعده ، نعم إذا كان ذلك بعد التصدق بها ولم يرض المالك بالصدقة ضمنها كما تقدم.
مسألة 787 : إذا التقط شيئاً وبعدما صار في يده ادعاه شخص حاضر وقال : ( إنه مالي ) يشكل دفعه إليه بمجرد دعواه بل يحتاج إلى الإثبات ، إلا إذا كان بحيث يصدق عرفاً أنه تحت يده فيحكم بكونه ملكاً له ويجب دفعه إليه.
مسألة 788 : إذا وجد مقداراً من الأوراق النقدية مثلاً وأمكن معرفة صاحبها بسبب بعض الخصوصيات التي هي فيها مثل العدد الخاص والزمان
الخاص والمكان الخاص وجب التعريف ولا تكون حينئذٍ مما لا علامة له الذي تقدم جواز تملكه من غير تعريف.
مسألة 789 : إذا التقط الصبي أو المجنون فإن كانت اللقطة غير ذات علامة بحيث يمكن تعريفها بها جاز للولي أن يقصد تملكها لهما ، وأما إن كانت ذات علامة وبلغت قيمتها درهماً فما زاد فللولي أن يتصدى لتعريفها ـ بل يجب عليه ذلك مع استيلائه عليها ـ وبعد التعريف سواء أكان من الولي أم من غيره يجري التخيير المتقدم بين الإبقاء للمالك والتصدق.
مسألة 790 : إذا تصدق الملتقط بها فعرف صاحبها غرم له المثل أو القيمة وليس له الرجوع بالعين إن كانت موجودة ولا الرجوع على المتصدق عليه بالمثل أو القيمة إن كانت مفقودة ، هذا إذا لم يرض المالك بالصدقة ، وإلا فلا رجوع له على أحد وكان له أجر التصدق.
مسألة 791 : اللقطة أمانة في يد الملتقط لا يضمنها إلا بالتعدي عليها أو التفريط بها ـ ومن التفريط إرجاعها إلى موضع التقاطها أو وضعها في مجامع الناس ـ ولا فرق في ذلك بين مدة التعريف وما بعدها ، نعم يضمنها إذا أخل بوظيفته في المبادرة إلى التعريف بها متوالياً ـ على ما مر ـ كما يضمنها بالتصدق بها على ما عرفت.
مسألة 792 : إذا تلفت العين قبل التعريف فإن كانت غير مضمونة بأن لم يخل بالمبادرة إلى التعريف ولم يكن تعد أو تفريط سقط التعريف وإذا كانت مضمونة لم يسقط ، وكذا إذا كان التلف في أثناء التعريف ففي الصورة الأولى يسقط التعريف وفي الصورة الثانية يجب إكماله فإذا عرف المالك دفع إليه المثل أو القيمة.
مسألة 793 : يجوز دفع اللقطة إلى الحاكم الشرعي ولكن تبقى أمانة في يده ولا يسقط وجوب التعريف بذلك عن الملتقط ، وإذا انتهت سنة
التعريف ولم يجد المالك فإن شاء استرجع اللقطة من الحاكم واحتفظ بها للمالك وإن شاء تصدق بها بنفسه أو أذن للحاكم في ذلك.
مسألة 794 : إذا حصل للقطة نماء متصل أو منفصل بعد الالتقاط ، فإن عرف المالك دفع إليه العين والنماء ، وأما إن لم يعرفه وقد عرف اللقطة سنة فلا إشكال في كون النماء المتصل تابعاً للعين ، وأما المنفصل فهل هو كذلك أي يكون الملتقط مخيراً فيه بين إبقائه للمالك ما لم يحصل اليأس من الوصول إليه مع جواز الانتفاع منه بما لا يؤدي إلى تلفه ـ إن كان قابلاً لذلك ـ وبين التصدق به ولو مع عدم حصول اليأس من الوصول إلى المالك ، أم يجري عليه حكم مجهول المالك وهو ـ كما تقدم ـ لزوم الاستمرار في الفحص ما دام يحتمل الفائدة فيه مع الاحتفاظ بالعين من دون الاستفادة منها إلى حين حصول اليأس من الوصول إلى المالك فيتصدق به حينئذٍ؟ وجهان ، أحوطهما الثاني.
مسألة 795 : لو عرف المالك قبل التعريف أو بعده ولم يمكن إيصال اللقطة إليه ولا إلى وكيله المطلق ولا الاتصال بأحدهما للاستئذان منه في التصرف فيها ولو بمثل الصدقة بها أو دفعها إلى الأقارب أو غيرهم فاللازم أن يحتفظ بها للمالك أو وارثه ما لم ييأس من الوصول إليه ، وأما مع حصول اليأس فيتصدق بها بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط.
مسألة 796 : إذا مات الملتقط وعنده اللقطة فإن كان بعد التعريف بها واختيار إبقائها لمالكها قام الوارث مقامه في الاحتفاظ بها له ما لم ييأس من الوصول إليه وإلا تصدق بها بإذن الحاكم الشرعي على الأحوط ، وإن كان قبل ذلك فالأحوط إجراء حكم مجهول المالك عليها.
مسألة 797 : لو أخذ من شخص مالاً ثم علم أنه لغيره قد أخذ منه بغير وجه شرعي وعدواناً ولم يعرف المالك يجري عليه حكم مجهول المالك
لا اللقطة ، لما مر أنه يعتبر في صدقها الضياع عن المالك ولا ضياع في هذه الصورة.
مسألة 798 : إذا التقط اثنان لقطة واحدة فإن لم تكن ذات علامة يمكن أن يصفها بها من يدعيها جاز لهما تملكها وتكون بينهما بالتساوي ، وإن كانت ذات علامة كذلك وبلغت قيمتها درهماً فما زاد وجب عليهما تعريفها وإن كانت حصة كل منهما أقل من درهم ، فإن تصدى له أحدهما أو كلاهما ولو بتوزيع الحول بينهما ـ بالتساوي أو بالتفاضل ـ فقد تأدى الواجب ، ولو تبرع به الغير سقط عنهما كما مر ، وحينئذ يتخيران فيها بين الإبقاء أمانة والتصدق ، والأحوط إن يتفقا في ذلك فلا يختار أحدهما غير ما يختاره الآخر ، وأما مع ترك التعريف لا لعذر ـ لأي سبب كان ـ فيضمنان اللقطة ولا يسقط وجوب التعريف عنهما على ما تقدم.
مسألة 799 : إذا وجد مالاً في صندوقه ولم يعلم أنه له أو لغيره فهو له ، إلا إذا كان غيره يدخل يده فيه أو يضع فيه شيئاً فإنه يعرفه إياه فإن ادعاه دفعه إليه وإن أنكره فهو له ، وإن قال لا أدري فإن أمكن التصالح معه فهو وإلا فلا يبعد الرجوع إلى القرعة كما في سائر موارد تردد المال بين مالكين.
هذا إذا كان الغير واحداً ، وإن كان متعدداً فإن كان محصوراً عرفه لهم فإن أنكروه كان له وإن ادعاه أحدهم فقط فهو له وإن ادعاه أزيد من واحد فإن تراضوا بصلح أو نحوه فهو وإلا تعين الرجوع إلى الحاكم الشرعي في حسم النزاع ، وإن قال الجميع لا ندري جرى فيه ما تقدم ، وأما إذا لم يكن الغير محصوراً جرى عليه حكم مجهول المالك ، نعم إذا كان احتمال كونه لنفسه معتداً به كخمسة في المائة فلا يبعد الرجوع إلى القرعة ويجعل عدد السهام حينئذٍ بنسبة الاحتمال كعشرين في المثال فإن خرجت القرعة باسمه كان له وإن خرجت باسم غيره عمل فيه بإحكام مجهول المالك.
مسألة 800 : إذا وجد مالاً في دار سكناه ولم يعلم أنه له أو لغيره فإن لم يدخلها أحد غيره أو يدخلها قليل فهو له ، وإن كان يدخلها كثير كما في المضائف ونحوها جرى عليه حكم اللقطة.
مسألة 801 : لو وجد مالاً في دار معمورة يسكنها الغير ، سواء كانت ملكاً له أو مستأجرة أو مستعارة بل أو مغصوبة عرفه الساكن ، فإن ادعى ملكيته فهو له فليدفعه إليه بلا بينة ، وكذا لو قال لا أدري ، وإن سلبه عن نفسه فإن أحرز كونه ضائعاً عن مالكه جرى عليه حكم اللقطة وإلا جرى عليه حكم مجهول المالك.
مسألة 802 : إذا اشترى دابة أو سمكة أو حيواناً غيرهما فوجد في جوفها مالاً فقد تقدم حكمه في كتاب الخمس المسألة (1197).
مسألة 803 : ما يوجد مدفوناً في الخربة الدارسة التي باد أهلها وفي المفاوز وفي كل أرض لا رب لها فقد تقدم حكمه في مبحث الكنز من كتاب الخمس. وأما ما يوجد فيها مطروحاً غير مستتر في الأرض ونحوها فإن علم بشهادة بعض العلائم والخصوصيات أنه لأهل الأزمنة القديمة جداً بحيث عد عرفاً ـ بلحاظ تقادم السنين ـ مالاً بلا مالك فالظاهر جواز تملكه إذا كان كذلك شرعاً ، وإن علم بملاحظة العلائم والشواهد أنه ليس لأهل زمن الواجد ولكن من دون أن يعد مالاً بلا مالك بل مالاً مجهول المالك فاللازم حينئذ الفحص عن مالكه فإن عرفه رده إلى وارثه إن كان وإلا كان للإمامعليهالسلام لأنه وارث من لا وارث له ، وإن لم يعرف المالك تصدق به مع الاستئذان من الحاكم الشرعي على الأحوط ، وإن علم بملاحظة العلائم والقرائن أنه لأهل زمن الواجد فإن أحرز كونه ضائعاً عن مالكه جرى عليه حكم اللقطة وإلا جرى عليه حكم مجهول المالك.
مسألة 804 : إذا انكسرت سفينة في البحر فتركها أصحابها وأباحوا ما
فيها لمستخرجه فاستخرج شخص لنفسه شيئاً منها فهو له سواء أكان ذلك بغوص أم بغيره.
مسألة 805 : إذا تبدل حذاء الشخص بحذاء غيره جاز له التصرف فيه بكل نحو يحرز رضا صاحبه به ، ولو علم أنه قد تعمد التبديل ظلماً وعدواناً جاز له أن يقابله بالمثل فيأخذ حذاءه بدلاً عن حذاء نفسه بشرط أن لا تزيد قيمة المتروك على قيمة المأخوذ ، وإلا فالزيادة من مجهول المالك وتترتب عليه أحكامه ، وهكذا الحكم فيما لو علم أنه قد اشتبه أولاً ولكنه تسامح وتهاون في الرد بعد الالتفات إلى أشباهه ، وأما في غير هاتين الصورتين ـ سواء علم باشتباهه حدوثاً وبقاءاً أم احتمل الاشتباه ولم يتيقنه ـ فتجري على المتروك حكم مجهول المالك.
هذا فيما إذا لم يكن الشخص هو الذي بدل ماله بمال غيره ـ عمداً أو اشتباهاً ـ وإلا فلا يجوز له التقاص منه بل يجب عليه رده إلى مالكه.
الغصب هو : ( الاستيلاء عدواناً على مال الغير أو حقه ) ، وقد تطابق العقل والنقل كتاباً وسنة على حرمته ، فعن النبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم : من غصب شبراً من الأرض طوقه الله من سبع أرضين يوم القيامة ، وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : الحجر الغصب في الدار رهن على خرابها.
مسألة 806 : المغصوب أما عين مع المنفعة من مالك واحد أو مالكين ، وأما عين بلا منفعة ، وأما منفعة مجردة ، وأما حق مالي متعلق بالعين ، فالأول كغصب الدار من مالكها ، وكغصب العين المستأجرة إذا غصبها غير المؤجر والمستأجر ، فهو غاصب للعين من المؤجر وللمنفعة من المستأجر ، والثاني كما إذا غصب المستأجر العين المستأجرة من مالكها مدة الإجارة ، والثالث كما إذا غصب العين المؤجرة وانتزعها من يد المستأجر واستولى على منفعتها مدة الإجارة ، والرابع كما إذا استولى على أرض محجرة أو عين مرهونة بالنسبة إلى المرتهن الذي له فيها حق الرهانة.
مسألة 807 : المغصوب منه قد يكون شخصاً كما في غصب الأعيان والمنافع المملوكة للأشخاص والحقوق كذلك ، ونظيره غصب الأعيان والحقوق العائدة للكعبة المشرفة والمساجد ونحوها ، وقد يكون هو النوع كما في غصب مال تعين خمساً أو زكاة قبل أن يدفع إلى المستحق وغصب الرباط المعد لنزول القوافل والمدرسة المعدة لسكنى الطلبة.
مسألة 808 : للغصب حكمان تكليفيان وهما : الحرمة ووجوب الرد إلى المغصوب منه أو وليه ، وحكم وضعي وهو الضمان بمعنى كون
المغصوب على عهدة الغاصب وكون تلفه وخسارته عليه فإذا تلف أو عاب يجب عليه دفع بدله أو أرشه ، ويقال لهذا الضمان ( ضمان اليد ).
مسألة 809 : يجري الحكمان التكليفيان في جميع أقسام الغصب ، ففي الجميع الغاصب آثم ويجب رد المغصوب إلى المغصوب منه ، وأما الحكم الوضعي وهو الضمان فيجري فيما إذا كان المغصوب من الأموال مطلقاً عيناً كان أو منفعة ، وأما إذا كان من الحقوق فيجري في بعض مواردها كحق الاختصاص ولا يجري في البعض الآخر كحق الرهانة.
مسألة 810 : لو استولى على حر فحبسه لم يتحقق الغصب لا بالنسبة إلى عينه ولا بالنسبة إلى منفعته وإن أثم بذلك وظلمه ، سواء أكان كبيراً أو صغيراً فليس عليه ضمان اليد الذي هو من أحكام الغصب ، فلو أصابه حرق أو غرق أو مات تحت استيلائه من غير استناد إليه لم يضمن ، وكذا لا يضمن منافعه إلا إذا كان كسوباً لم يتمكن من الاشتغال بكسبه في الحبس فإنه يضمن أجرة مثله ضمان تفويت على الأقوى ، وكذا لو كان أجيراً لغيره فتعطل عن عمله فإنه يضمن منفعته الفائتة للمستأجر ضمان تفويت أيضاً ، ولو استوفى منه بعض منافعه ـ كما إذا استخدمه ـ ضمن أجرة مثل عمله ضمان استيفاء ، إلا إذا كان كسوباً فاستخدمه في غير ما هو عمله فإنه يضمن حينئذ من أجرة مثل المنفعتين ـ المنفعة المستوفاة والمنفعة المفوتة ـ أعلاهما ، ولو تلف الحر المحبوس بتسبيب من الحابس مثل ما إذا حبسه في دار فيها حية فلدغته أو قصر في تأمين الوسائل اللازمة لحفظه من مرض أصابه فأدى ذلك إلى موته ضمن من جهة سببيته للتلف لا لأجل الغصب واليد.
مسألة 811 : لو منع غيره عن إمساك دابته المرسلة أو من القعود على فراشه أو عن الدخول في داره أو عن بيع متاعه لم يكن غاصباً لعدم وضع اليد على ماله وإن كان عاصياً وظالماً له من جهة منعه ، فلو هلكت الدابة أو تلف
الفراش أو انهدمت الدار أو نقصت القيمة السوقية للمتاع بعد المنع لم يكن على المانع ضمان من جهة الغصب واليد ، وهل عليه ضمان من جهة أخرى أم لا؟ أقواهما العدم في الأخير وهو ما إذا تنقصت القيمة السوقية ، وأما في غيره فإن كان الهلاك والتلف والانهدام غير مستند إلى منعه ـ بأن كانت بآفة سماوية وسبب قهري لا تفاوت في ترتبها بين ممنوعية المالك وعدمها ـ لم يكن عليه ضمان قطعاً ، وأما إذا كان مستنداً إليه كما إذا كانت الدابة ضعيفة أو في موضع السباع وكان المالك يحفظها فلما منعه المانع ولم يقدر على حفظها وقع عليها الهلاك فلا يبعد ثبوت الضمان.
مسألة 812 : يتقوم الغصب ـ كما عرفت ـ باستيلاء الغاصب على المغصوب وصيرورته تحت يده عرفاً ، ويختلف ذلك باختلاف المغصوبات فيتحقق في المتاع والطعام ونحوهما من المنقولات بأخذها باليد مثلاً ، وكذا بنقلها إلى ما تحت يده من بيت أو دكان أو مخزن أو نحوها ولولم يكن ذلك بمباشرته بل بأمر الغير به كأن ينقل الحمال بأمره متاعاً للغير بدون إذنه إلى بيته أو طعاماً منه إلى مخزنه فإنه يكون بذلك غاصباً للمتاع والطعام.
ويتحقق في مثل الفرس والبغل والجمل من الحيوانات بالركوب عليها وأخذ مقودها وزمامها ، كما يتحقق في مثل الغنم بسوقها بعد طرد المالك أو عدم حضوره إذا كانت تمشي بسياقه وتكون منقادة لسائقها ، فلو كانت قطيع غنم في الصحراء معها راعيها فطرده واستولى عليها بعنوان القهر والانتزاع من مالكها وجعل يسوقها وصار بمنزلة راعيها يحافظ عليها ويمنعها عن التفرق والتشتت فالظاهر كفاية ذلك في تحقق الغصب لصدق الاستيلاء ووضع اليد عرفاً.
هذا في المنقول وأما في غيره فيكفي في غصب الدار أن يسكنها أو يسكن غيره ممن يأتمر بأمره فيها بعد إزعاج المالك عنها أو عدم حضوره ،
وكذا لو أخذ مفاتحها من صاحبها قهراً وكان يغلق الباب ويفتحه ويتردد فيها ، وكذا الحال في الدكان والخان ومثلها البستان إذا لم يكن لها باب وحيطان وأما إذا يكن لها باب وحيطان فيكفي دخولها والتردد فيها ـ بعد طرد المالك ـ بعنوان الاستيلاء وبعض التصرفات فيها ، وكذا الحال في غصب القرية والمزرعة.
هذا كله في غصب الأعيان ، وأما غصب المنافع فإنما هو بانتزاع العين ذات المنفعة عن مالك المنفعة وجعلها تحت يده ، كما في العين المستأجرة إذا أخذها المؤجر أو شخص ثالث من المستأجر واستولى عليها في مدة الإجارة سواء استوفى تلك المنفعة التي ملكها المستأجر أم لا.
مسألة 813 : لو دخل الدار وسكنها مع مالكها ، فإن كان المالك ضعيفاً غير قادر على مدافعته وإخراجه فإن اختص استيلاؤه وتصرفه بطرف معين منها اختص الغصب والضمان بذلك الطرف دون الأطراف الأخر ، وإن كان استيلاؤه وتصرفاته وتقلباته في عامة أطراف الدار وأجزائها فالأظهر كونه غاصباً وضامناً لتمام الدار لا ضامناً لها بالنسبة ، فلو انهدم بعضها ضمن تمام ذلك البعض كما يضمن منافعها المستوفاة بل والمفوتة دون ما استوفاها المالك بنفسه.
هذا إذا كان المالك ضعيفاً ، وأما لو كان الساكن ضعيفاً ـ بمعنى أنه لا يقدر على مقاومة المالك وأنه كلما أراد أن يخرجه من داره أخرجه ـ فالظاهر عدم تحقق الغصب بل ولا اليد فليس عليه ضمان اليد ، نعم عليه بدل ما استوفاه من منفعة الدار ما دام كونه فيها.
مسألة 814 : لو أخذ بمقود الدابة فقادها وكان المالك راكباً عليها ، فإن كان في الضعف وعدم الاستقلال بمثابة المحمول عليها كان القائد غاصباً لها بتمامها ويتبعه الضمان ، ولو كان بالعكس ـ بأن كان المالك
الراكب قوياً قادراً على مقاومته ومدافعته ـ فالظاهر عدم تحقق الغصب من القائد أصلاً فلا ضمان عليه لو تلفت الدابة في تلك الحال ، نعم لا إشكال في ضمانه لها لو اتفق تلفها بسبب قوده لها ، كما يضمن السائق لها لو كان لها جماح فشردت بسوقه فوقعت في بئر أو سقطت عن مرتفع فتلفت.
مسألة 815 : إذا اشترك اثنان في الغصب فإن اشتركا في الاستيلاء على جميع المال كان كل منهما ضامناً لجميعه سواء أكان أحدهما أو كلاهما متمكناً لوحده من الاستيلاء على جميعه أم كان بحاجة في ذلك إلى مساعدة الآخر وتعاونه ، فيتخير المالك في الرجوع إلى أيهما شاء كما في الأيادي المتعاقبة.
مسألة 816 : إذا غصب شيئاً من الأوقاف العامة فإن كان من قبيل التحرير لم يستوجب الضمان لا عيناً ولا منفعة وإن كان عمله محرماً ويجب رفع اليد عنه ، فلو غصب مسجداً لم يضمن ما يصيب عرصته تحت يده من الأضرار كالخسف ونحوه ، كما لا يضمن أجرته مدة استيلائه عليه ، نعم إذا انهدم بناؤه تحت يده ضمنه لأنه ليس تحريراً بل ملك غير طلق للمسجد على الأظهر.
وأما إذا لم يكن الوقف العام من قبيل التحرير سواء أكان وقف منفعة أم وقف انتفاع فالأظهر كونه ضامناً لكل من العين والمنفعة ، فلو غصب مدرسة أو رباطاً أو بستاناً موقوفةً على الفقراء أونحو ذلك فتلفت تحت يده كان ضامناً لعينها ، ولو استولى عليها مدة ثم ردها كان عليه أجرة مثلها كما هو الحال في غصب الأعيان غير الموقوفة.
مسألة 817 : يلحق بالغصب في الضمان المقبوض بالعقد المعاوضي الفاسد وما يشبهه ، فالمبيع الذي يأخذه المشتري والثمن الذي يأخذه البائع في البيع الفاسد يكون في ضمانهما كالمغصوب سواء أعلما بالفساد أم جهلا
به ، أم علم أحدهما وجهل الآخر ، وكذلك الأجرة التي يأخذها المؤجر في الإجارة الفاسدة ، والمهر الذي تأخذه المرأة في النكاح الفاسد ، والفدية التي يأخذها الزوج في الطلاق الخلعي الفاسد ، والجعل الذي يأخذه العامل في الجعالة الفاسدة وغير ذلك مما لا يكون الأخذ فيه مبنياً على التبرع.
وأما المقبوض بالعقد الفاسد غير المعاوضي وما يشبهه فليس فيه الضمان ، فلو قبض المتهب ما وهب له بالهبة الفاسدة ليس عليه ضمان ، وكذا يلحق بالغصب على المشهور بين الفقهاء ( رض ) المقبوض بالسوم ، والمراد به ما يأخذه الشخص لينظر فيه أو يضع عنده ليطلع على خصوصياته لكي يشتريه إذا وافق نظره ، فإن المشهور أنه يكون في ضمان آخذه فلو تلف عنده ضمنه ، ولكنه محل إشكال.
مسألة 818 : يجب رد المغصوب إلى مالكه ما دام باقياً وإن كان في رده مؤنة ، بل وإن استلزم رده الضرر عليه ، حتى أنه لو أدخل الخشبة المغصوبة في بناء لزم عليه إخراجها وردها لو أرادها المالك وإن أدى إلى خراب البناء ، وكذا إذا أدخل اللوح المغصوب في سفينة يجب عليه نزعه فورا إلا إذا خيف من قلعه الغرق الموجب لهلاك نفس محترمة أو مال محترم ، وهكذا الحال فيما إذا خاط ثوبه بخيوط مغصوبة ، فإن للمالك إلزامه بنزعها ويجب عليه ذلك وإن أدى إلى فساد الثوب ، وإن ورد نقص على الخشب أو اللوح أو الخيط بسبب إخراجها ونزعها يجب على الغاصب تداركه ، هذا إذا كان يبقى للمخرج من الخشبة والمنزوع من الخيط قيمة وأما إذا كان بحيث لا يبقى له قيمة بعد الإخراج فللمالك المطالبة ببدله من المثل أو القيمة وعلى تقدير بذل البدل تكون عينه للغاصب ، وهل له ـ أي المالك ـ المطالبة بالعين دون البدل فيلزم الغاصب نزعها وردها إليه وإن لم تكن لها ماليه؟ الظاهر أن له ذلك.
مسألة 819 : لو مزج المغصوب بما يمكن تميزه عنه ولكن مع المشقة ـ كما إذا مزج الشعير المغصوب بالحنطة أو الدخن بالذرة ـ يجب عليه أن يميزه ويرده.
مسألة 820 : يجب على الغاصب مع رد العين دفع بدل ما كانت لها من المنافع المستوفاة بل وغيرها على تفصيل تقدم في المسألة (78) ، فلو غصب الدار مدة وجب عليه أن يعوض المالك عن منفعتها ـ أي السكنى ـ خلال تلك المدة سواء استوفاها أم تلفت تحت يده كأن بقيت الدار معطلة لم يسكنها أحد.
مسألة 821 : إذا كان للعين منافع متعددة وكانت معطلة فالمدار على المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين ، ولا ينظر إلى مجرد قابليتها لبعض المنافع الأخرى ، فمنفعة الدار بحسب المتعارف هي السكنى وإن كانت قابلة في نفسها بأن تجعل محرزاً أو مسكناً لبعض الدواب وغير ذلك ، ومنفعة بعض الدواب كالفرس بحسب المتعارف الركوب ، ومنفعة بعضها الحمل وإن كانت قابلة في نفسها لأن تستعمل في إدارة الرحى والدولاب أيضاً ، فالمضمون في غصب كل عين هو المنفعة المتعارفة بالنسبة إلى تلك العين ، ولو فرض تعدد المتعارف منها فيها ـ كبعض الدواب التي يتعارف استعمالها في الحمل تارة وفي الركوب أخرى ـ فإن لم تتفاوت أجرة تلك المنافع ضمن تلك الأجرة ، فلو غصب يوماً دابة تستعمل في الركوب والحمل معاً وكانت أجرة كل منهما في كل يوم ديناراً كان عليه دينار واحد ، وإن كانت أجرة بعضها أعلى ضمن الأعلى ، فلو فرض أن أجرة الحمل في كل يوم ديناران وأجرة الركوب دينار كان عليه ديناران. والظاهر أن الحكم كذلك مع الاستيفاء أيضاً ، فمع تساوي المنافع في الأجرة كان عليه أجرة ما استوفاه ، ومع التفاوت كان عليه أجرة الأعلى ، سواءً استوفى الأعلى أو الأدنى.
مسألة 822 : إن كان المغصوب منه شخصاً يجب الرد إليه أو إلى وكيله إن كان كاملاً وإلى وليه إن كان قاصراً ، كما إذا كان صبياً أو مجنوناً ، فلو رد في الثاني إلى نفس المالك لم يرتفع منه الضمان ، وإن كان المغصوب منه هو النوع كما إذا كان المغصوب وقفاً على الفقراء وقف منفعة أو وقف انتفاع فإن كان له متولٍ خاص يرده إليه وإلا فيرده إلى الولي العام وهو الحاكم الشرعي ، وليس له أن يرده إلى بعض أفراد النوع بأن يسلمه في المثال المذكور إلى أحد الفقراء ، نعم في مثل المساجد والشوارع والقناطر بل الربط إذا غصبها يكفي في ردها رفع اليد عنها وإبقاؤها على حالها ، بل يحتمل أن يكون الأمر كذلك في المدارس فإذا غصب مدرسة يكفي في ردها رفع اليد عنها والتخلية بينها وبين الطلبة التي كانوا فيها عند الغصب مع انطباق عنوان الموقوف عليهم عند الرد ، ولكن الأحوط لزوماً الرد إلى الناظر الخاص لو كان وإلا فإلى الحاكم.
مسألة 823 : إذا كان المغصوب والمالك كلاهما في مكان الغصب فلا إشكال ، وكذا إن نقل المال إلى مكان آخر وكان المالك في مكان الغصب ، فإنه يجب عليه إعادة المال إلى ذلك المكان وتسليمه إلى المالك ، وأما إن كان المالك في غير مكان الغصب فإن كان في مكان وجود المال فله إلزام الغاصب بأحد الأمرين : أما بتسليمه له في ذلك المكان وأما بنقله إلى مكان الغصب ، وأما إن كان في مكان آخر فلا إشكال في أن له إلزامه بنقل المال إلى مكان الغصب ، وهل له إلزامه بنقله إلى مكانه الذي هو فيه؟ فيه إشكال وإن كان لا يبعد ذلك في بعض الموارد.
مسألة 824 : لو حدث في المغصوب نقص وعيب وجب على الغاصب أرش النقصان ـ وهو التفاوت بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً ـ ورد المعيوب إلى مالكه ، وليس للمالك إلزامه بأخذ المعيوب ودفع تمام القيمة ،
ولا فرق على الظاهر بين ما كان العيب مستقرا وبين ما كان مما يسري ويتزايد شيئاً فشيئاً حتى يتلف المال بالمرة كالبلة الحاصلة في الحنطة المؤدية إلى عفونتها وتلفها فإنه لا يضمن الغاصب في مثلها إلا أرش النقصان وتفاوت القيمة بين كونها مبلولة وغير مبلولة ، نعم لو كان حدوث العيب المذكور منتسباً إلى الغاصب ولو من جهة تعديه أو تفريطه ولم يكن المالك قادراً على المنع من تزايده ولا على بيع المال مثلاً للحصول على عوضه فتزايد العيب حتى تلف ضمن الغاصب تمام قيمته لا خصوص الأرش.
مسألة 825 : لو كان المغصوب باقياً لكن نزلت قيمته السوقية رده ولم يضمن نقصان القيمة ما لم يكن ذلك بسبب نقصان في العين.
مسألة 826 : لو تلف المغصوب أو ما بحكمه كالمقبوض بالعقد الفاسد قبل رده إلى المالك ضمنه بمثله إن كان مثلياً وبقيمته إن كان قيمياً ، والمراد بالمثلي ـ كما مر في كتاب البيع ـ ما يكثر وجود مثله في الصفات التي تختلف باختلافها الرغبات ، والقيمي ما لا يكون كذلك ، فالحبوبات من الحنطة والشعير والأرز والذرة والماش والعدس ونحوها من المثلي وكذلك الآلات والظروف والأقمشة والأدوية المعمولة في المصانع في هذه الأزمنة ، والجواهر الأصلية من الياقوت والزمرد ونحوهما وغالب أنواع الحيوان كالفرس والغنم والبقر من القيمي.
مسألة 827 : المراد بضمان المثلي بمثله ما يكون موافقاً له في الصنف ولا يكفي الاتحاد في النوع ، وإنما يحصل التغاير بين الصنفين باختلافهما في بعض الصفات والخصوصيات التي تختلف باختلافها رغبات العقلاء دون الاختلاف الذي لا يكون كذلك فإنه لا ينظر إليه في هذا المقام.
مسألة 828 : لو تعذر المثل في المثلي ضمن قيمته ، وإن تفاوتت
القيمة وزادت ونقصت بحسب الأزمنة بإن كان له حين الغصب قيمة وفي وقت تلف العين قيمة أخرى ويوم التعذر قيمة ثالثة واليوم الذي يدفع إلى المغصوب منه قيمة رابعة فالمدار على الأخير فيجب عليه دفع تلك القيمة ، فلو غصب طناً من الحنطة كانت قيمتها دينارين فأتلفها في زمان كانت الحنطة موجودة وكانت قيمتها ثلاثة دنانير ثم تعذرت وكانت قيمتها أربعة دنانير ثم مضى زمان وأراد أن يدفع القيمة من جهة تفريغ ذمته وكانت قيمة الحنطة في ذلك الزمان خمسة دنانير يجب عليه دفع هذه القيمة.
مسألة 829 : يكفي في التعذر الذي يجب معه دفع القيمة فقدانه في البلد وما حوله مما ينقل منها إليه عادة.
مسألة 830 : لو وجد المثل بأزيد من ثمن المثل وجب عليه الشراء ودفعه إلى المالك ، نعم إذا كانت الزيادة كثيرة بحيث عد المثل متعذراً عرفاً لم يجب.
مسألة 831 : لو وجد المثل ولكن تنزل قيمته لم يكن على الغاصب إلا إعطاؤه ، وليس للمالك مطالبته بالقيمة ولا بالتفاوت ، فلو غصب طناً من الحنطة في زمان كانت قيمتها عشرة دنانير وأتلفها ولم يدفع مثلها ـ قصوراً أو تقصيراً ـ إلى زمان قد تنزلت قيمتها وصارت خمسة دنانير لم يكن عليه إلا إعطاء طن من الحنطة ولم يكن للمالك مطالبة القيمة ولا مطالبة خمسة دنانير مع طن من الحنطة ، بل ليس له الامتناع من الأخذ فعلاً وإبقائها في ذمة الغاصب إلى أن تترقى القيمة إذا كان الغاصب يريد الأداء وتفريغ ذمته فعلاً.
مسألة 832 : لو سقط المثل عن المالية بالمرة من جهة الزمان أو المكان فالظاهر أنه ليس للغاصب إلزام المالك بأخذ المثل ، ولا يكفي دفعه في ذلك الزمان أو المكان في ارتفاع الضمان لولم يرضى به المالك ، فلو غصب جمداً في الصيف وأتلفه وأراد أن يدفع إلى المالك مثله في الشتاء ،
أو غصب قربة ماء في مفازة فأراد أن يدفع إليه قربة ماء عند النهر ليس له ذلك وللمالك الامتناع ، وحينئذ فإن تراضيا على الانتظار إلى زمان أو مكان يكون للمثل فيه قيمة فهو وإلا فللغاصب دفع قيمة المغصوب إلى المالك وليس للمالك الامتناع من قبولها ، وهل يراعى في القيمة زماناً ومكاناً وعاء الغصب أو التلف أو أدنى القيم وهو قيمته في الزمان أو المكان المتصل بسقوطه عن المالية؟ وجوه والأحوط التصالح.
مسألة 833 : لو تلف المغصوب وكان قيمياً ضمن قيمته ـ كما تقدم ـ فإن لم تتفاوت قيمته في الزمان الذي غصبه مع قيمته في زمان تلفه وقيمته في زمان أداء القيمة ولا في أثناء ذلك فلا إشكال ، وإن تفاوتت بحسب اختلاف الأزمنة كأن كانت قيمته يوم الغصب أزيد أو أقل من قيمته يوم التلف أو كانت قيمته يوم التلف أزيد أو أقل من قيمته يوم الأداء كانت العبرة بقيمته في زمان التلف على الأظهر وإن كان الأحوط التراضي والتصالح فيما به التفاوت.
هذا إذا كان تفاوت القيمة السوقية لمجرد اختلاف الرغبات وقاعدة العرض والطلب ، وأما إذا كان بسبب تبدل بعض أوصاف المغصوب أو ما في حكمها بأن كان واجداً لوصف كمال أوجب زيادة قيمته حين الغصب وقد فقده حين التلف أو بالعكس كالسمن في الشاة واللون المرغوب فيه في القماش والفيروزج ونحو ذلك فلا إشكال في أن العبرة حينئذ بأعلى القيم وأحسن الأحوال.
ولولم تتفاوت قيمة زماني الغصب والتلف من هذه الجهة ولكن حصلت في المغصوب صفة يوجب الارتفاع بين الزمانين ثم زالت تلك الصفة ، فإن لم يكن ذلك بفعل الغاصب فالأقوى أنه كذلك أي يضمن قيمته حال الاتصاف بتلك الصفة كما لو كان الحيوان مريضاً ثم صار صحيحاً ثم عاد مرضه وتلف ، وأما إن كان بفعل الغاصب كما لو كان الحيوان هازلاً
فأعلفه كثيراً وأحسن طعامه حتى سمن ثم عاد إلى الهزال وتلف فالأظهر أنه لا يضمن قيمته حال سمنه وإن كان هو الأحوط.
مسألة 834 : إذا اختلفت القيمة السوقية باختلاف المكان ـ كما إذا كان المغصوب في مكان الغصب بعشرين وفي مكان التلف بعشرة أو بالعكس ـ فهل يلحق ذلك باختلاف الزمان فتكون العبرة بمكان التلف مطلقاً ، أو يلحق باختلاف الأوصاف فتكون العبرة بأعلى القيم؟ فيه وجهان والأوجه أولهما وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط.
مسألة 835 : إذا تعذر عادة إرجاع المغصوب إلى مالكه فإن كان بحيث يعد تالفاً عرفاً أي يعد مالاً بلا مالك كما إذا انفلت الطائر الوحشي أو وقع السمك في البحر ونحو ذلك ترتبت عليه أحكام التلف فيجب على الغاصب دفع بدله إلى المالك مثلاً أو قيمة ، وأما لولم يعد كذلك فمع اليأس من الحصول عليه كالمسروق الذي ليس له علامة يجب على الغاصب إعطاء مثله أو قيمته ما دام كذلك ويسمى ذلك البدل : ( بدل الحيلولة ).
وهل يملكه المالك مع بقاء المغصوب في ملكه وإن كان للغاصب استرجاعه فيما إذا صادف أن تمكن من إرجاع المغصوب إليه ، أو أنه يملكه موقتاً وينتقل المغصوب إلى الغاصب موقتاً أيضاً ، أوإن الانتقال في كل منهما دائمي؟ وجوه أوجهها الثاني.
مسألة 836 : لو كان للبدل نماء ومنافع في تلك المدة كان للمغصوب منه ، ولو كان للمبدل نماء أو منافع كان للغاصب ، نعم النماء المتصل كالسمن يتبع العين فمتى ما استرجعها صاحبها استرجعها بنمائها.
مسألة 837 : القيمة التي يضمنها الغاصب في القيميات وفي المثليات عند تعذر المثل إنما تحتسب بالنقد الرائج من الذهب والفضة
المسكوكين بسكة المعاملة وغيرهما من المسكوكات والأوراق النقدية المتداولة في العصور الأخيرة ، فهذا هو الذي يستحقه المغصوب منه كما هو كذلك في جميع الغرامات والضمانات فليس للضامن دفع غيره إلا بالتراضي بعد مراعاة قيمة ما يدفعه مقيساً إلى النقد الرائج.
وإذا اختلف النقد الرائج ـ بحسب اختلاف الأمكنة ـ كأن كان النقد الرائج في بلد التلف غيره في بلد الأداء فالعبرة بالنقد الرائج في بلد التلف على الأظهر ، وأما إذا اختلف بحسب اختلاف الأزمنة فإن كان الاختلاف في النوع بأن سقط النوع الرائج في زمن التلف وأبدل بغيره كان العبرة بالثاني وإن كان الاختلاف بحسب المالية بإن كان الرائج في يوم التلف أكثر مالية منه في يوم الأداء فالظاهر عدم كفاية احتساب قيمة التالف بما كانت تتقدر به في زمن التلف بل اللازم احتسابها بما تتقدر به في زمن الأداء ، ولو انعكس الأمر ففي كفاية احتساب قيمته في زمن الأداء بما يساويها مالية في زمن التلف أو لزوم احتسابها بنفس المقدار السابق إشكال ، والأحوط في مثله التصالح.
مسألة 838 : الفلزات والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص والنحاس كلها مثلية حتى الذهب والفضة مضروبين أو غير مضروبين ، وحينئذ تضمن جميعها بالمثل ، وعند التعذر تضمن بالقيمة كسائر المثليات المتعذرة المثل ، نعم في خصوص الذهب والفضة تفصيل ، وهو أنه إذا قوم بغير الجنس ـ كما إذا قوم الذهب بالدرهم أو قوم الفضة بالدينار ـ فلا إشكال ، وأما إذا قوم بالجنس ـ بأن قوم الفضة بالدرهم وقوم الذهب بالدينار ـ فإن تساوى القيمة والمقوم وزناً كما إذا كانت الفضة المضمونة المقومة عشرة مثاقيل فقومت بثمانية دراهم وكان وزنها أيضاً عشرة مثاقيل فلا إشكال أيضاً ، وإن كان بينهما التفاوت ـ بأن كانت الفضة المقومة عشرة مثاقيل مثلاً وقد
قومت بثمانية دراهم وزنها ثمانية مثاقيل ـ فيشكل دفعها غرامة عن الفضة لاحتمال كونه داخلاً في الربا فيحرم كما أفتى به جماعة ، فالأحوط أن يقوم بغير الجنس ، بأن يقوم الفضة بالدينار والذهب بالدرهم حتى يسلم من شبهة الربا.
مسألة 839 : المصنوع من الفلزات والمعادن المنطبعة هل يعد مثلياً أو قيمياً أو أنه مثلي بحسب مادته وقيمي بحسب هيئته؟ الظاهر هو التفصيل بين الموارد فإن كانت الصنعة بمثابة من النفاسة والأهمية تكون هي ـ في الأساس ـ محط أنظار العقلاء ومورد رغباتهم كالمصنوعات الأثرية العتيقة جداً أو البديعة النادرة ، ففي مثل ذلك يعد المصنوع قيمياً ، فيقوم بمادته وهيئته ويدفع الغاصب قيمته السوقية ، وأما إن لم تكن كذلك فإن كان يكثر وجود مثله في الصفات التي تختلف باختلافها الرغبات ـ كالمصنوع بالآلات والمعامل المعمولة في هذه الأزمنة من الظروف والآلات ـ فهو مثلي مع صنعته يضمن بالمثل مع مراعاة صنفه ، وهكذا الحال فيما إذا لم تكن لهيئته مالية أصلاً وعد وجودها وعدمها سيّين فإنه يضمن بالمثل حينئذ.
وأما إذا لم يكن المصنوع من القسمين المذكورين فالظاهر أنه يعد بمادته مثلياً وبهيئته قيمياً كغالب أنواع الحلي والمصوغات الذهبية والفضية ، فلو غصب قرطاً ذهبياً كان وزنه مثقالين فتلف عنده أو أتلفه ضمن مثقالين من الذهب مع ما به التفاوت بين قيمته مصوغاً وقيمته غير مصوغ.
مسألة 840 : لو غصب المصنوع وتلفت عنده الهيئة والصنعة دون المادة رد العين وعليه الأرش أيضاً ـ أي ما تتفاوت به قيمته قبل تلف الهيئة وبعده ـ لو كان للهيئة مالية ، ولو طلب الغاصب أن يعيد صناعته كما كان فراراً عن إعطاء الأرش لم يجب على المالك القبول؛ كما أن المالك ليس له
إجبار الغاصب بإعادة الصنعة وإرجاع المغصوب إلى حالته الأولى.
مسألة 841 : لو كانت في المغصوب المثلي صنعة محرمة غير محترمة ـ كما في آلات القمار واللهو المحرم ـ لم يضمن الصنعة سواء أتلفها خاصة أو مع ذيها ، فيرد المادة لو بقيت ومثلها لو تلفت إلى المالك وليس عليه شيء لأجل الهيئة والصنعة.
مسألة 842 : لو تعاقبت الأيادي الغاصبة على عين ثم تلفت ـ بإن غصبها شخص عن مالكها ثم غصبها من الغاصب شخص آخر ثم غصبها من الثاني شخص ثالث وهكذا ثم تلفت ـ ضمن الجميع ، فللمالك أن يرجع ببدل ماله من المثل أو القيمة إلى كل واحد منهم وإلى أكثر من واحد بالتوزيع متساوياً أو متفاوتاً ، حتى أنه لو كانوا عشرة مثلاً له أن يرجع إلى الجميع ويأخذ من كل منهم عشر ما يستحقه من البدل وله أن يأخذ من واحد منهم النصف والباقي من الباقين بالتوزيع متساوياً أو بالتفاوت.
هذا حكم المالك معهم ، وأما حكم بعضهم مع بعض : فأما الغاصب الأخير الذي تلف المال عنده فعليه قرار الضمان بمعنى أنه لو رجع عليه المالك وغرمه لم يرجع هو على غيره بما غرمه ، بخلاف غيره من الأيادي السابقة ، فإن المالك لو رجع إلى واحد منهم فله أن يرجع على الأخير الذي تلف المال عنده ، كما أن لكل منهم الرجوع على تاليه وهو على تاليه وهكذا إلى أن ينتهي إلى الأخير.
مسألة 843 : لو اشترى شيئاً جاهلاً بالغصب رجع بالثمن على الغاصب وبما غرم للمالك عوضاً عما لا نفع له في مقابله أو كان له فيه نفع ، ولو كان عالماً فلا رجوع بشيء مما غرم للمالك.
مسألة 844 : إذا تعيب المغصوب في يد الغاصب كان عليه أرش النقصان ، ولا فرق في ذلك بين الحيوان وغير الحيوان ، نعم قد اختص العبيد
والإماء ببعض التفاصيل والأحكام مما لا يسع المقام بيانها.
مسألة 845 : لو غصب شيئين تنقص قيمة كل واحد منهما منفرداً عن قيمته مجتمعاً مع الآخر كمصراعي الباب وفردي الحذاء فتلف أحدهما أو أتلفه ، فإن كان قيمياً أو مثلياً متعذراً ضمن قيمة التالف مجتمعاً ورد الباقي مع ما نقص من قيمته بسبب انفراده ، وإن كان مثلياً متوفراً دفع مثله مع رد الباقي ، فلو غصب حذاءً قيمياً كان قيمة فردية مجتمعين عشرة وكان قيمة كل منهما منفرداً ثلاثة فتلف أحدهما عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعاً وهي خمسة ورد الآخر مع ما ورد عليه من النقص بسبب انفراده وهو اثنان ، فيعطي للمالك سبعة مع أحد الفردين ، ولو غصب أحدهما وتلف عنده ضمن التالف بقيمته مجتمعاً وهي خمسة في الفرض المذكور ، وهل يضمن النقص الوارد على الثاني وهو اثنان حتى تكون عليه سبعة أم لا؟ وجهان لا يخلو أولهما من رجحان.
مسألة 846 : لو حصلت بفعل الغاصب زيادة في العين المغصوبة فهي على أقسام ثلاثة :
أحدها : أن تكون أثرا محضاً ، كتعليم الصنعة في العبد وخياطة الثوب بخيوط المالك وغزل القطن ونسج الغزل وطحن الحنطة وصياغة الفضة ونحو ذلك.
ثانيها : أن تكون عينية محضة ، كغرس الأشجار والبناء في الأرض البسيطة ونحو ذلك.
ثالثها : أن تكون أثراً مشوباً بالعينية ، كصبغ الثوب والباب.
مسألة 847 : لو زاد في العين المغصوبة بما يكون أثراً محضاً ردها كما هي ولا شيء له لأجل تلك الزيادة ولا من جهة أجرة العمل ، وليس له إزالة الأثر وإعادة العين إلى ما كانت بدون إذن المالك ، حيث أنه تصرف في مال
الغير بدون إذنه ، ولو أزاله بدون إذنه ففي ضمانه للأرش نظر سيما مع تكرر إيجاد الأثر وإزالته ، وللمالك إلزامه بإزالة الأثر وإعادة الحالة الأولى للعين إذا كان له غرض في ذلك ولا يضمن الغاصب حينئذ قيمة الصنعة ، نعم لو ورد نقص على العين ضمن أرش النقصان.
مسألة 848 : لو غصب أرضاً فغرسها أو زرعها فالغرس والزرع ونماؤهما للغاصب ، وإذا لم يرض المالك ببقائها في الأرض مجاناً ولا بأجرة وجب عليه إزالتهما فورا وإن تضرر بذلك ، كما أن عليه أيضا طم الحفر وأجرة الأرض ما دامت مشغولة بهما ، ولو حدث نقص في قيمة الأرض بالزرع أو القلع وجب عليه أرش النقصان ، ولو بذل صاحب الأرض قيمة الغرس أو الزرع لم يجب على الغاصب إجابته ، وكذا لو بذل الغاصب أجرة الأرض أو قيمتها لم يجب على صاحب الأرض قبولها ، ولو حفر الغاصب في الأرض بئراً كان عليه طمها مع طلب المالك وليس له طمها مع عدم الطلب فضلاً عما لو منعه ، ولو بنى في الأرض المغصوبة بناءً فهو كما لو غرس فيها ، فيكون البناء للغاصب إن كانت أجزاؤه له وللمالك إلزامه بالقلع ، فحكمه حكم الغرس في جميع ما ذكر.
مسألة 849 : لو غرس أو بنى في أرض غصبها وكان الغراس وأجزاء البناء لصاحب الأرض كان الكل له وليس للغاصب قلعها أو مطالبة الأجرة ، وللمالك إلزامه بالقلع والهدم إن كان له غرض في ذلك.
مسألة 850 : لو غصب شيئاً وصبغه بصبغة فإن كان الباقي فيه من أثر الصبغ عرضاً لا جرم له عرفاً كما هو الغالب في صبغ الأثواب ونحوها لزمه رده كما هو ولا شيء له إزاء صبغه التالف بالاستعمال وليس له إزالة أثر الصبغ إلا برضا المالك كما إن عليه دفعه الأرش لو نقص قيمته بالصبغ ، وإن كان الباقي فيه مما له جرم عرفاً كالأصباغ الدهنية المتعارفة في طلي الأخشاب
والحديد ونحوهما فإن أمكن إزالته كان له ذلك وليس للمالك منعه ، كما أن للمالك إلزامه بها ، ولو ورد نقص على المغصوب بسبب إزالة صبغه ضمنه الغاصب ، ولو طلب المالك أن يملكه الصبغ بعوض لم يجب عليه إجابته كالعكس بأن يطلب الغاصب منه أن يملكه المغصوب بقيمته. هذا إذا أمكن إزالة الصبغ وإن لم يمكن الإزالة أو تراضيا على بقائه فالظاهر اشتراكهما في مالية المغصوب بالنسبة ، فلو كان التفاوت بين قيمته مصبوغاً وقيمته غير مصبوغ بنسبة السدس كان اشتراكه مع المالك في ماليته بهذه النسبة.
هذا إذا زادت قيمة المغصوب بصبغة وإلا فلو نقصت بذلك ضمن الغاصب النقص ومع التساوي لا شيء للغاصب كما لا شيء عليه.
مسألة 851 : لو صبغ المغصوب من شخص بصبغ مغصوب من آخر فإن كان الباقي فيه عرضاً لا جرماً ضمن لمالك الصبغ بدله من المثل أو القيمة وإن كان الباقي جرماً فله مطالبته بالبدل فإن بذل له صار الصبغ ملكاً للغاصب فيجري عليه ما تقدم في المسألة السابقة ، وإن لم يطالب بالبدل واتفق مع مالك المصبوغ على بقاء الصبغ اشترك في ماليته بالنسبة وله أن يأخذ من الغاصب ما به التفاوت بين حصته منها وبين قيمة الصبغ قبل الاستعمال إن وجد ، هذا إذا زادت قيمة المغصوب بصبغه ولو نقصت ضمن الغاصب النقص كما يضمن بدل الصبغ لمالكه.
مسألة 852 : لو مزج الغاصب المغصوب بغيره أو امتزجا في يده بغير اختيار وعد المزيج موجوداً واحداً لا خليطاً من موجودات متعددة فإن كان المزج بجنسه وكانا متماثلين ليس أحدهما أجود من الأخر ولا أردأ تشاركا في المجموع بنسبة ماليهما ، وليس على الغاصب غرامة بالمثل أو القيمة بل الذي عليه هو عدم التصرف فيه إلا برضا المغصوب منه والقبول بإفراز حصته منه وتسليمها إليه لو كان مطالباً بذلك كما هو الحال في سائر الأموال المشتركة.
وإن مزج المغصوب بما هو أجود أو أردأ منه فللمغصوب منه أن يطالب الغاصب ببدل ماله وله أن يقبل بالمشاركة في الخليط بنسبة المالية ، فلو خلط لتراً من الزيت الرديء قيمته خمسة دنانير بلتر من الزيت الجيد قيمته عشرة دنانير وقبل المغصوب منه بالشركة كان للأول ثلث المجموع وللثاني ثلثاه.
هذا إذا مزج المغصوب بجنسه ، وأما إذا مزجه بغير جنسه فإن كان فيما يعد معه تالفاً كما إذا مزج ماء الورد المغصوب بالزيت ضمن البدل ، وإن لم يكن كذلك كما لو خلط دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو خلط الخل بالعسل فالظاهر أنه بحكم الخلط بالأجود أو الاردأ من جنس واحد فيتخير المغصوب منه بين أخذ البدل وبين الرضا بالاشتراك في العين بنسبة المالية.
مسألة 853 : لو خلط المغصوب بالأجود أو الأردأ واختار المغصوب منه المشاركة في المخلوط بنسبة المالية ولكن كان قيمة المخلوط أنقص من قيمة الخليطين منفردين فورد بذلك النقص المالي على المغصوب منه ضمن الغاصب هذا النقص ، كما لو غصب لتراً من الزيت الجيد قيمته عشرة دنانير وخلطه بلتر منه رديء قيمته خمسة دنانير وبسبب الاختلاط صار قيمة اللترين اثنى عشر ديناراً فصار حصة المغصوب منه بعد التقسيم ـ وهو الثلثان ـ يساوي ثمانية دنانير والحال أن زيته غير المخلوط كان يساوي عشرة دنانير فنقص منه اثنان فهذا النقص يغرمه الغاصب.
مسألة 854 : ما يعد من فوائد المغصوب من الأعيان الخارجية كالولد واللبن والشعر والثمر ملك للمغصوب منه فيجب على الغاصب رده إليه ما دام باقياً ورد عوضه على تقدير تلفه ، وأما منافعه الأخرى كسكنى الدار وركوب الدابة فهي أيضاً مضمونة على الغاصب سواء المستوفاة منها والمفوتة ـ دون الفائتة كما مر ـ وكذا كل صفة حصلت في المغصوب لا بفعل
الغاصب وأوجبت زيادة قيمته ثم زالت ونقصت بزوالها قيمته فإنه يضمنها وإن رد العين كما كانت قبل الغصب على ما مر في المسألة (833) ، ولو زادت القيمة بزيادة صفة ثم زالت تلك الصفة ثم عادت الصفة بعينها لم يضمن قيمة الزيادة التالفة إلا إذا نقصت الزيادة الثانية عن الأولى فيضمن التفاوت ، ولو زادت القيمة لنقص بعضه مما له مقدر كالجب فعلى الغاصب دية الجناية ، ولو تجددت فيه صفة لا قيمة لها ثم زالت لم يضمنها.
مسألة 855 : لو حصلت فيه صفة لا بفعل الغاصب فزادت قيمته ثم زالت فنقصت ثم حصلت فيه صفة أخرى زادت بها قيمته لم يزل ضمان الزيادة الأولى ولم ينجبر نقصانها بالزيادة الثانية.
مسألة 856 : لو غصب خمراً فصار خلاً كان للمغصوب منه لا الغاصب ولو غصب حباً فزرعه تخير المغصوب منه بين أخذ الزرع وبين المطالبة ببدل الحب ، ولو بذل له البدل كان الزرع للغاصب وهكذا الحال لو غصب بيضاً فاستفرخه أو غصب عصيراً فصار عنده خمراً ثم صار خلاً.
مسألة 857 : لو غصب فحلاً فأنزاه على الأنثى فأولدها كان الولد لصاحب الأنثى وإن كان هو الغاصب وعليه أجرة الضراب.
مسألة 858 : يضمن المسلم للذمي الخمر والخنزير بقيمتهما عندهم مع الاستتار وكذا يضمن للمسلم حق اختصاصه فيما إذا استولى عليهما لغرض صحيح كتصنيع الخمر خلاً أو استعمالها دواءً.
مسألة 859 : جميع ما مر من الضمان وكيفيته وأحكامه وتفاصيله جارية في كل يد جارية على مال الغير بغير حق وإن لم تكن عادية وغاصبة وظالمة ، إلا في موارد الأمانات مالكية كانت أو شرعية كما تقدم تفصيل ذلك في كتاب الوديعة ، فتجري في جميع ما يقبض بالمعاملات المعاوضية الفاسدة
وما هي بحكمها ، وما وضع اليد عليه بسبب الجهل والاشتباه كما إذا لبس حذاء غيره أو ثوبه اشتباهاً أو أخذ شيئاً من سارق عارية باعتقاد أنه ماله وغير ذلك مما لا يحصى.
مسألة 860 : كما أن اليد الغاصبة وما يلحق بها موجبة للضمان ـ وهو المسمى بـ ( ضمان اليد ) وقد تقدم تفصيله في المسائل المتقدمة ـ كذلك للضمان سببان آخران هما الإتلاف والتسبيب ، وبعبارة أخرى له سبب آخر وهو الإتلاف سواءً كان بالمباشرة أو السبب من غير فرق بين أن يكون المتلف عيناً خارجية أو صفة كمالية.
مسألة 861 : الإتلاف بالمباشرة واضح لا يخفى مصاديقه كما إذا ذبح حيواناً أو رماه بسهم فقتله أو ضرب على إناء فكسره أو رمى شيئاً في النار فأحرقه وغير ذلك مما لا يحصى ، وأما الإتلاف بالتسبيب فهو إيجاد شيء يترتب عليه الإتلاف ، كما لو حفر بئراً في المعابر فوقع فيها إنسان أو حيوان أو طرح المعاثر والمزالق كقشر البطيخ والموز في المسالك أو أوتد وتداً في الطريق فأصاب به عطب أو جناية على حيوان أو إنسان أو وضع شيئا على الطريق فتمر به الدابة فتنفر بصاحبها فتعقره أو ألقى صبياً أو حيواناً يضعف عن الفرار في مسبعة فقتله السبع ، ومن ذلك ما لو فك القيد عن الدابة فشردت أو فتح قفصاً على طائر فطار مبادراً أو بعد مكث وغير ذلك ، ففي جميع ذلك يكون فاعل السبب ضامناً ويكون عليه غرامة التالف وبدله إن كان مثلياً فبالمثل وإن كان قيمياً فبالقيمة ، وإن صار سبباً لتعيب المال كان عليه الأرش كما مر في ضمان اليد.
مسألة 862 : لو غصب شاة ذات ولد فمات ولدها جوعاً أو حبس مالك الماشية أو راعيها عن حراستها فاتفق تلفها لم يضمن بسبب التسبيب إلا إذا انحصر غذاء الولد بارتضاع من أمه وكانت الماشية في محال السباع ومظان
الخطر واحتاج حفظها إلى حراسة المحبوس فعليه الضمان على الأقرب.
مسألة 863 : لو فك وكاء ظرف فيه مائع فسال ما فيه كان ضامناً له وأما لو فتح رأس الظرف ثم اتفق أنه قلبته الريح الحادثة أو انقلب بوقوع طائر عليه مثلاً فسال ما فيه ففي الضمان إشكال ، نعم يقوى الضمان فيما كان ذلك في حال هبوب الرياح العاصفة أو في مجتمع الطيور ومظان وقوعها عليه.
مسألة 864 : لو فتح باباً على مال فسرق أو دل سارقاً عليه فسرقه ضمنه فيما إذا كان التلف مستنداً إليه عرفاً كما لا يبعد كونه كذلك في بعض الموارد.
مسألة 865 : إذا انهار الجدار فوقع على الجار أو على الطريق العام فأصاب إنساناً أو حيواناً أو غيرهما فصاحب الجدار ضامن إذا كان الجدار في معرض الانهيار وعلم بالحال فلم يصلحه ولم يهدمه وتركه حتى انهدم فأصاب عيناً فأتلفها ولكن ضمانه مشروط بجهل التالف بالحال إن كان إنساناً وبجهل مالكه إن كان من الأموال ، فلو وقف شخص تحت الجدار المشرف على الانهيار أو ربط حيوانه هناك مع علمه بالحال فانهدم الجدار فتلف الإنسان أو الحيوان لم يكن على صاحب الجدار ضمان.
مسألة 866 : لو وضع كوزا مثلا على حائطه وكان في معرض السقوط فسقط فتلف به مال أو نفس ضمن ، وإن لم يكن كذلك وسقط اتفاقاً لعارض لم يضمن.
مسألة 867 : لو أشعل ناراً في ملكه من شأنها السراية إلى ملك غيره فسرت إليه ضمنه ، وإذا لم يكن من شأنها السراية فاتفقت السراية لعصف الرياح بغتة أو لنحو ذلك لم يضمن.
مسألة 868 : إذا أرسل الماء في ملكه فتعدى إلى ملك غيره فأضر به ضمنه إذا كان في معرض التعدي إليه وإلا لم يضمنه.
مسألة 869 : لو تعب حمال الخشبة فأسندها إلى جدار الغير ليستريح بدون إذن صاحب الجدار فوقع بإسنادها إليه ضمنه وضمن ما تلف بوقوعه عليه ، ولو وقعت الخشبة فأتلفت شيئاً ضمنه إذا كان قد أسندها على وجه تكون في معرض الوقوع وإلا فلا ضمان عليه.
مسألة 870 : لو فتح قفصاً على طائر فخرج وكسر بخروجه قارورة شخص مثلاً ضمنها الفاتح وكذا لو كان القفص ضيقاً مثلاً فاضطرب بخروجه فسقطت وانكسرت ضمنها.
مسألة 871 : إذا أكلت دابة شخص زرع غيره أو أفسدته فإن كان معها صاحبها راكباً أو سائقاً أو قائداً أو مصاحباً ضمن ما أتلفته ، وإن لم يكن معها ـ كأن انفلتت من مراحها مثلاً فدخلت زرع غيره ـ لم يضمن ما أتلفته إذا كان ذلك في الوقت الذي يكون فيه حفظ الزرع على صاحبه كالنهار ـ على ما جرت العادة به ـ وأما إذا كان في غير ذلك الوقت فهو ضامن لما أتلفته.
مسألة 872 : كل حيوان جنى على غيره من إنسان أو حيوان أو غيرهما ضمن صاحبه جنايته إذا كان بتقصير منه أما بترك ربطه أو بحله من الرباط إذا كان الحيوان من شأنه أن يربط وقت الجناية للتحفظ منه.
مسألة 873 : لو كانت الشاة أو غيرها في يد الراعي أو الدابة في يد المستعير أو المستأجر فأتلفتا زرعاً أو غيره كان الضمان على الراعي والمستأجر والمستعير لا على المالك والمعير.
مسألة 874 : لو اجتمع سببان للإتلاف بفعل شخصين اشتركا في الضمان سواء أكان أحدهما أسبق في التأثير أم لا على الأظهر ، فلو حفر شخص بئراً في الطريق ووضع شخص آخر حجراً بقربها فعثر به إنسان أو حيوان فوقع في البئر كان الضمان على واضع الحجر وحافر البئر معاً.
مسألة 875 : لو اجتمع السبب مع المباشر كان الضمان على المباشر
دون فاعل السبب ، فلو حفر شخص بئراً في الطريق فدفع غيره فيها إنساناً أو حيواناً كان الضمان على الدافع دون الحافر ، نعم لو كان السبب أقوى من المباشر كان الضمان عليه لا على المباشر ، فلو وضع قارورة تحت رجل شخص نائم فمد رجله وكسرها كان الضمان على الواضع دون النائم.
مسألة 876 : لو أكره على إتلاف مال غيره وساغ له الإتلاف لأجله كان الضمان على من أكرهه وليس عليه ضمان ، هذا إذا لم يكن المال مضموناً في يده ، بإن أكرهه على إتلاف ما ليس تحت يده أو على إتلاف الوديعة التي عنده مثلاً ، وأما إذا كان المال مضموناً في يده ـ كما إذا غصب مالاً فأكرهه شخص على إتلافه ـ فالظاهر ضمان كليهما ، فللمالك الرجوع على أيهما شاء ، فإن رجع على المكره ـ بالكسر ـ لم يرجع على المكره ـ بالفتح ـ بخلاف العكس ، هذا إذا أكره على إتلاف المال ، وأما لو أكره على قتل أحد معصوم الدم فقتله فالضمان على القاتل من دون رجوع على المكره ـ بالكسر ـ وإن كان عليه عقوبة ، فإنه لا إكراه في الدماء.
مسألة 877 : لو غصب مأكولاً مثلاً فأطعمه المالك مع جهله بأنه ماله ـ بأن قال له هذا ملكي وطعامي أوقدمه إليه ضيافة مثلاً ـ أو غصب شاة واستدعى من المالك ذبحها فذبحها مع جهله بأنها شاته ضمن الغاصب وإن كان المالك هو المباشر للإتلاف ، نعم لو دخل المالك دار الغاصب مثلاً ورأى طعاماً فأكله على اعتقاد أنه طعام الغاصب فكان طعام الآكل فالظاهر عدم ضمان الغاصب وقد برئ عن ضمان الطعام.
مسألة 878 : لو غصب طعاماً من شخص وأطعمه غير المالك على أنه ماله مع جهل الآكل بأنه مال غيره ـ كما إذا قدمه إليه بعنوان الضيافة مثلاً ـ ضمن كلاهما ، فللمالك أن يغرم أيهما شاء ، فإن أغرم الغاصب لم يرجع على الآكل وإن أغرم الآكل رجع على الغاصب.
مسألة 879 : إذا سعى إلى الظالم على أحد أو اشتكى عليه عنده بحق أو بغير حق فأخذ الظالم منه مالاً بغير حق لم يضمن الساعي والمشتكي ما خسره وإن أثم بسبب سعايته أو شكايته إذا كانت بغير حق وإنما الضمان على من أخذ المال.
مسألة 880 : ضمان الإنسان يتعلق بذمته في ماله لا على عاقلته ، نعم يجب على العاقلة في القتل الخطأ المحض وما بحكمه تحمل الدية عن الجاني على تفصيل مذكور في محله.
مسألة 881 : يجوز لمالك العين المغصوبة انتزاعها من الغاصب ولو قهراً ، وإذا انحصر استنقاذ الحق بمراجعة الحاكم الجائر جاز ذلك ولا يجوز له مطالبة الغاصب بما صرفه في سبيل أخذ الحق.
مسألة 882 : إذا كان له دين على آخر وامتنع من أدائه فصرف مالا في سبيل تحصيله لا يجوز له أن يأخذه من المدين إلا إذا اشترط عليه ذلك في ضمن معاملة لازمة.
مسألة 883 : إذا وقع في يده مال الغاصب جاز أخذه مقاصة ولا يتوقف على إذن الحاكم الشرعي ، كما لا يتوقف ذلك على تعذر الاستيفاء بواسطة الحاكم الشرعي أو غيره.
مسألة 884 : لا فرق في مال الغاصب المأخوذ مقاصة بين أن يكون من جنس المغصوب وغيره كما لا فرق بين أن يكون وديعة عنده وغيره.
مسألة 885 : إذا كان مال الغاصب أكثر قيمة من ماله أخذ منه حصة تساوي ماله وكان بها استيفاء حقه ، ولا يبعد جواز بيعه أجمع ـ ولو على نفسه ـ واستيفاء حقه من الثمن ، والأحوط لزوماً أن يكون ذلك بإجازة الحاكم الشرعي ويرد الباقي من الثمن إلى الغاصب.
مسألة 886 : إذا حلف الغاصب على عدم الغصب فإن كان عن تبرع
لم يسقط حق المغصوب منه في المقاصة من أمواله ، وإن كان عن استحلاف منه ففيه قولان : أظهرهما عدم السقوط أيضاً ، نعم يسقط فيما لو استحلفه الحاكم الشرعي وحكم له بعد حلفه.
مسألة 887 : إذا تلف المغصوب وتنازع المالك والغاصب في القيمة ولم يكن بينة فالقول قول الغاصب مع يمينه وكذا لو تنازعا في صفة تزيد بها الثمن بأن ادعى المالك وجود تلك الصفة فيه يوم غصبه أو حدوثها بعده لا بفعل الغاصب وإن زالت فيما بعد ، وأنكره الغاصب ولم يكن بينة فالقول قول الغاصب مع يمينه.
مسألة 888 : إذا كان على الدابة المغصوبة رحل أو علق بها حبل واختلفا فيما عليها فقال المغصوب منه هو لي وقال الغاصب هو لي ولم يكن بينة فالقول قول الغاصب مع يمينه.
مسألة 889 : تقدم قول الغاصب بيمينه في الموارد المتقدمة مشروط بعدم كونه مخالفاً للظاهر وإلا قدم قول المغصوب منه بيمينه إذا لم يكن كذلك على ما مر في نظائرها.
كتاب إحياء الموات
المراد بالموات : الأرض المتروكة التي لا ينتفع بها انتفاعاً معتداً به ولو بسبب انقطاع الماء عنها أو استيلاء المياه أو الرمال أو الأحجار أو السبخ عليها ، سواءٌ ما لم يكن ينتفع منها أصلاً وما كان الانتفاع الفعلي منها غير معتد به كالأراضي التي ينبت فيها الحشيش فتكون مرعى للدواب والأنعام ، وأما الغابات التي يكثر فيها الأشجار فليست من الموات بل هي من الأراضي العامرة بالذات.
مسألة 890 : الموات على نوعين :
1 ـ الموات بالأصل ، وهو ما لم تعرض عليه الحياة من قبل وفي حكمه ما لم يعلم بعروض الحياة عليه كأكثر البراري والمفاوز والبوادي وسفوح الجبال ونحو ذلك.
2 ـ الموات بالعارض ، وهو ما عرض عليه الخراب والموتان بعد الحياة والعمران.
مسألة 891 : الموات بالأصل وإن كان ملكاً للإمامعليهالسلام حيث أنه من الأنفال ولكن يجوز لكل أحد إحياؤه ، فلو أحياه كان أحق به من غيره سواء أكان في دار الإسلام أم في دار الكفر وسواء أكان في أرض الخراج أم في غيرها وسواء أكان المحيي مسلماً أم كافراً ، وليس عليه دفع الخراج أو أجرة الأرض إذا كان مؤمناً.
هذا إذا لم يطرء عنوان ثانوي يقتضي المنع من إحياءه ككونه حريماً لملك الغير أو كون إحيائه على خلاف بعض المصالح العامة فنهى عنه ولي
المسلمين ونحو ذلك.
مسألة 892 : الموات بالعارض على أقسام :
الأول : ما باد أهله أو هاجروا عنه وعد بسبب تقادم السنين ومرور الأزمنة مالاً بلا مالك كالأراضي الدارسة المتروكة والقرى أو البلاد الخربة والقنوات الطامسة والتي كانت للأمم الماضية الذين لم يبق منهم أحد بل ولا اسم ولا رسم أو أنها تنسب إلى طائفة لم يعرف عنهم سوى الاسم.
الثاني : ما كان عامراً بالذات حين الفتح ولكن طرء عليه الموتان بعد ذلك.
الثالث : العامر المفتوح عنوة إذا طرء عليه الخراب.
الرابع : ما كان لمالك مجهول مردد بين أفراد غير محصورين.
الخامس : ما كان لمالك معلوم أما تفصيلاً أو إجمالاً لتردده بين أفراد محصورين.
أما القسم الأول والثاني فهما من الأنفال ويجري فيهما ما مر في الموات بالأصل.
وأما القسم الثالث فلا يبعد بقاؤه على ملك المسلمين فيكون أمره بيد ولي الأمر.
وأما القسمان الأخيران ففيهما صور :
الأولى : ما إذا أعرض عنه صاحبه وأباح ما بقي فيه من الأجزاء والمواد لكل أحد ، ففي هذه الصورة يجوز إحياؤه لكل من يريد ذلك فيكون بالاحياء أحق به من صاحبه الأول.
الثانية : ما إذا كان صاحبه عازماً على تجديد إحيائه ولكنه غير متمكن من ذلك في الوقت الحاضر لمنع ظالم أو لعدم توفر الآلات والأسباب المتوقف عليها الأحياء أو لنحو ذلك ، وفي هذه الصورة لا إشكال في أنه ليس
لأحد حق التصرف فيه بإحياء أو غيره من دون إذنه أو إذن وليه.
الثالثة : ما إذا لم يكن قاصداً لإحيائه بل قصد إبقاءه مواتاً للانتفاع القليل الحاصل منه بوضعه الفعلي كالاستفادة من حشيشه أو قصبه أو جعله مرعى لدوابه وأنعامه ، وحكم هذه الصورة ما تقدم في سابقتها من غير فرق.
الرابعة : ما إذا كان قد أبقاه مواتاً من جهة عدم الاعتناء به وكونه غير قاصد لإحيائه ولا الاستفادة منه بوضعه الفعلي ، وحينئذ فهل تزول علقته به ـ سواء أكان سببها الإحياء مباشرة أو عن طريق تلقيه عن محيي سابق بالإرث أو الشراء أو نحوهما أو كان سببها غيره ككونه من الأراضي التي أسلم أهلها طوعاً ـ فيجوز إحياؤه للغير أم لا؟ فيه إشكال ، وإن كان الأظهر فيما كان من قبيل الأراضي الزراعية ومرافقها جواز إحيائها بكري أنهارها وإعمارها وإصلاحها للزرع أو الغرس فيكون بذلك أحق بها من الأول ، وأما غيرها فإن كان من قبيل معلوم المالك فالأحوط ترك إحيائه من دون إذن صاحبه وعلى تقدير الإقدام عليه من دون إذنه فالأحوط لهما التراضي بشأنه ولو بالمصالحة بعوض ، وأما إن كان من قبيل مجهول المالك فالأحوط أن يفحص عن صاحبه وبعد اليأس عنه فإما أن يشتريه من الحاكم الشرعي أو وكيله المأذون في ذلك ويسلم الثمن إليه ليصرفه على الفقراء أو يستأذنه في صرفه عليهم بنفسه وإما أن يتصدق به على الفقير ـ بإذنٍ من الحاكم الشرعي ـ ثم يستأجره منه بأجرة معينة ولو كانت قليلة.
مسألة 893 : كما يجوز إحياء البلاد القديمة الخربة والقرى الدارسة التي باد أهلها كذلك يجوز حيازة موادها وأجزائها الباقية من الأخشاب والأحجار والآجر وما شاكل ذلك ويملكها الحائز إذا أخذها بقصد التملك.
مسألة 894 : الأراضي الموقوفة التي طرأ عليها الموتان والخراب على أقسام :
1ـ ما لا يعلم كيفية وقفها أصلاً وإنها وقف خاص أو عام أو أنها وقف على الجهات أو على أقوام.
2 ـ ما علم أنها وقف على أقوام ولم يبق منهم أثر أو على طائفة لم يعرف عنهم سوى الاسم خاصة.
3 ـ ما علم إنها وقف على جهة من الجهات ولكن تلك الجهة غير معلومة أنها مسجد أو مدرسة أو مشهد أو مقبرة أو غير ذلك.
4 ـ ما علم إنها وقف على أشخاص ولكنهم غير معلومين بأشخاصهم وأعيانهم كما إذا علم أن مالكها وقفها على ذريته مع العلم بوجودهم فعلاً.
5 ـ ما علم أنها وقف على جهة معينة أو أشخاص معلومين بأعيانهم.
6 ـ ما علم إجمالاً بأن مالكها قد وقفها ولكن لا يدري أنه وقفها على جهة كمدرسته المعينة أو أنه وقفها على ذريته المعلومين بأعيانهم ولم يكن طريق شرعي لإثبات وقفها على أحد الأمرين.
أما القسم الأول والثاني فالظاهر أنه يجوز إحياؤهما لكل أحد ويكون المحيي أحق بهما ، فحالهما من هذه الناحية حال سائر الأراضي الموات.
وأما القسم الثالث فالمشهور جواز إحيائه ولكنه لا يخلو عن إشكال ، فالأحوط لمن يريد القيام بإحيائه وعمارته بزرع أو نحوه أن يراجع الحاكم الشرعي أو وكيله ـ مع عدم وجود المتولي الخاص له ـ ويتفق معه بشأنه ، فإن آجره عليه فاللازم أن يدفع الأجرة إليه ليصرفها في وجوه البر أو يستأذنه في صرفها فيها ، وكذلك الحال في القسم الرابع إلا أن الأجرة فيه تصرف على الفقراء ، والأظهر أنه لا تصل النوبة في القسمين إلى بيع العين الموقوفة كلاً ، أو بعضاً لتعمير البعض الآخر مع إمكان استنمائهما بوجه من الوجوه.
وأما القسم الخامس فلا إشكال في أنه لا يجوز التصرف فيه بإحياء أو نحوه ولا صرف بدل التصرف في موارده إلا بمراجعة المتولي ولو كان هو
الحاكم الشرعي أو الموقوف عليهم المعينين إذا كان الوقف عليهم ولم يكن له متولٍ خاص.
وأما القسم السادس فيجب على من يريد القيام بعمارته وإحيائه مراجعة متولي الجهة الخاصة والذرية معاً والاتفاق معهم بشأنه واستئجاره منهم وحينئذٍ فإن أجاز الذرية صرف الأجرة في الجهة المعينة تعين ذلك وإلا فينتهي الأمر إلى القرعة لتعيين الموقوف عليه ، والأحوط تصدي الحاكم الشرعي أو وكيله لإجرائها.
مسألة 895 : من أحيا أرضاً مواتاً تبعها حريمها بعد الإحياء ، وحريم كل شيء مقدار ما يتوقف عليه الانتفاع به ولا يجوز لأحد أن يحيي هذا المقدار بدون رضا صاحبه.
مسألة 896 : حريم الدار عبارة عن مسلك الدخول إليها والخروج منها في الجهة التي يفتح إليها باب الدار ، ومطرح ترابها ورمادها وثلوجها ومصب مائها وما شاكل ذلك.
مسألة 897 : حريم حائط البستان ونحوه مقدار مطرح ترابه والآلات والطين والجص إذا احتاج إلى الترميم والبناء.
مسألة 898 : حريم النهر مقدار طرح ترابه وطينه إذا احتاج إلى الإصلاح والتنقية والمجاز على حافتيه للمواظبة عليه.
مسألة 899 : حريم البئر موضع وقوف النازح إذا كان الاستقاء منها باليد وموضع تردد البهيمة والدولاب والمضخة والموضع الذي يجتمع فيه الماء للزرع أو نحوه ومصبه ومطرح ما يخرج منها من الطين عند الحاجة ونحو ذلك.
مسألة 900 : حريم العين ما تحتاج إليه في الانتفاع منها على نحو ما مر في غيرها.
مسألة 901 : حريم القرية ما تحتاج إليه في حفظ مصالحها ومصالح أهلها من مجمع ترابها وكناستها ومطرح سمادها ورمادها ومجمع أهاليها لمصالحهم ومسيل مائها والطرق المسلوكة منها وإليها ومدفن موتاهم ومرعى ماشيتهم ومحتطبهم وما شاكل ذلك.
كل ذلك بمقدار حاجة أهل القرية بحيث لو زاحم مزاحم لوقعوا في ضيق وحرج ، وهي تختلف باختلاف سعة القرية وضيقها وكثرة أهليها وقلتهم وكثرة مواشيها ودوابها وقلتها وهكذا وليس لذلك ضابط غير ذلك وليس لأحد أن يزاحم أهاليها في هذه المواضع.
مسألة 902 : حريم المزرعة ما يتوقف عليه الانتفاع منها ويكون من مرافقها كمسالك الدخول إليها والخروج منها ومحل بيادرها وحظائرها ومجتمع سمادها ومرعى مواشيها ونحو ذلك.
مسألة 903 : الأراضي المنسوبة إلى طوائف العرب والعجم وغيرهم لمجاورتها لبيوتهم ومساكنهم من دون أحقيتهم بها بالإحياء باقية على إباحتها الأصلية فلا يجوز لهم منع غيرهم من الانتفاع بها ولا يجوز لهم أخذ الأجرة ممن ينتفع بها ، وإذا قسموها فيما بينهم لرفع التشاجر والنزاع لا تكون القسمة صحيحة فيجوز لكل من المتقاسمين التصرف فيما يختص بالآخر بحسب القسمة.
نعم إذا كانوا يحتاجون إليها لرعي الحيوان أونحو ذلك كانت من حريم أملاكهم ولا يجوز لغيرهم مزاحمتهم وتعطيل حوائجهم.
مسألة 904 : للبئر حريم آخر وهوإن يكون الفصل بين بئر وبئر أخرى بمقدار لا يكون في أحداث البئر الثانية ضرر على الأولى ضرراً معتداً به كجذب مائها تماماً أو بعضاً أو منع جريانه إليها من عروقها وهذا هو الضابط الكلي في جميع أقسامها.
مسألة 905 : للعين والقناة أيضاً حريم آخر وهو ـ على المشهور ـ أن يكون الفصل بين عين وعين أخرى وقناة وقناة ثانية في الأرض الصلبة خمسمائة ذراع وفي الأرض الرخوة ألف ذراع.
ولكن الظاهر أن هذا التحديد غالبي حيث أن الغالب اندفاع الضرر بهذا المقدار من البعد وليس تعبدياً.
وعليه فلو فرض أن العين الثانية تنقص من ماء الأولى مع هذا البعد وتضر بها ضرراً معتداً به فالظاهر عدم جواز إحداثها ولابد من زيادة البعد بما يندفع به الضرر أو يرضى به مالك الأولى ، كما أنه لو فرض عدم ورود الضرر المعتد به عليها من إحداث قناة أخرى في أقل من هذا البعد فالظاهر جوازه بلا حاجة إلى الإذن من صاحب القناة الأولى.
ولا فرق في ذلك بين إحداث قناة في الموات وبين إحداثها في ملكه فكما يعتبر في الأول أن لا يكون مضراً بالأولى فكذلك في الثاني.
كما أن الأمر كذلك في الآبار والأنهار التي تكون مجاري للماء فيجوز إحداث نهر يجري فيه الماء من منبعه قرب نهر آخر كذلك.
وكذلك إحداث بئر قرب أخرى وليس لمالك الأولى منعه إلا إذا استلزم ضرراً معتداً به فعندئذٍ يجوز منعه.
مسألة 906 : يجوز إحياء الموات التي في أطراف القنوات والآبار والعيون في غير المقدار الذي يتوقف عليه الانتفاع منها فإن اعتبار البعد المذكور في القنوات والآبار والعيون إنما هو بالإضافة إلى إحداث قناة أو بئر أو عين أخرى فقط.
مسألة 907 : إذا لم تكن الموات من حريم العامر ومرافقه على النحو المتقدم جاز إحياؤها لكل أحد وإن كانت بقرب العامر ولا تختص بمن يملك العامر ولا أولوية له.
مسألة 908 : الظاهر أن الحريم مطلقاً ليس ملكاً لمالك ما له الحريم
سواء أكان حريم قناة أو بئر أو قرية أو بستان أو دار أو نهر أو غير ذلك وإنما لا يجوز لغيره مزاحمته فيه باعتبار أنه من متعلقات حقه.
مسألة 909 : لا حريم للأملاك المتجاورة مثلاً لو بنى المالكان المتجاوران حائطاً في البين لم يكن له حريم من الجانبين وكذا لو بنى أحدهما في نهاية ملكه حائطاً أو غيره لم يكن له حريم في ملك الآخر.
مسألة 910 : إذا لزم من تصرف المالك في ملكه ضرر معتد به على جاره فإن كان مثل هذا الضرر أمراً متعارفاً فيما بين الجيران كإطالة البناء الموجبة لتنقيص الاستفادة من الشمس أو الهواء فالظاهر أنه لا بأس به ، وإلا لم يجز ولو تصرف وجب عليه رفعه ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون تصرفه في ملكه مستلزماً للتصرف الحقيقي في ملك الجار أو مستلزماً للتصرف الحكمي فيه.
والأول كما إذا تصرف في ملكه بما يوجب خللاً في حيطان جاره أو حبس ماءً في ملكه بحيث تسري الرطوبة إلى بناء جاره أو أحدث بالوعة أو كنيفاً بقرب بئر الجار فأوجب فساد مائها أو حفر بئراً بقرب جاره فأوجب نقصان مائها سواء أكان النقص مستنداً إلى جذب البئر الثانية ماء الأولى أو إلى كونها أعمق منها.
والثاني كما إذا جعل ملكه معمل دباغة أو حدادة في منطقة سكنية مما يوجب عدم قابلية الدور المجاورة للسكنى فيها.
مسألة 911 : الظاهر أنه لا فرق في عدم جواز تصرف المالك في ملكه بما يوجب الإضرار بالجار على أحد النحوين المتقدمين بين أن يكون ترك تصرفه فيه مستلزماً للضرر على نفسه أم لا ، فلا يجوز للمالك حفر بالوعة في داره على نحو تضر ببئر جاره وإن كان في ترك حفرها ضرر عليه ، ولو فعل ضمن الضرر الوارد عليه إذا كان مستنداً إليه عرفاً.
نعم لو كان حفر البئر متأخراً عن حفر البالوعة فلا شيء عليه ولا يجب عليه طمها وإن تضررت بئر الجار.
مسألة 912 : قد حث في الروايات الكثيرة على رعاية الجار وحسن المعاشرة مع الجيران وكف الأذى عنهم وحرمة إيذائهم ، وقد ورد في بعض الروايات : إن حسن الجوار يزيد في الرزق ، وفي بعضها الآخر : أن حسن الجوار يعمر الديار ويزيد في الأعمار ، وفي الثالث : من كف أذاه عن جاره أقال الله عثرته يوم القيامة ، وفي الرابع : ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره ، وغيرها مما قد أكد في الوصية بالجار وتشديد الأمر فيه.
مسألة 913 : لا يجوز لأحد أن يبني بناءً على حائط جاره أو يضع جذوع سقفه عليه إلا بإذنه ورضاه وإذا طلب ذلك من الجار لم يجب عليه إجابته وإن استحب له استحباباً مؤكداً من جهة ما ورد من التأكيد والحث الأكيد في قضاء حوائج الأخوان ولا سيما الجيران ، ولو بنى أو وضع الجذوع بإذنه ورضاه فإن كان ذلك بعنوان ملزم كالشرط في ضمن عقد لازم أو بالإجارة أو بالصلح عليه لم يجز له الرجوع ، وأما إذا كان مجرد الإذن والرخصة جاز له الرجوع قبل البناء والوضع ، وأما بعد ذلك فهل يجوز له الرجوع مع دفع الأرش أو بدونه أم لا يجوز مطلقاً وحينئذٍ فهل يستحق عليه الأجرة أم لا؟ وجوه وأقوال ، فلا يترك الاحتياط بالتصالح والتراضي بينهما ولو بالإبقاء مع الأجرة أو الهدم مع الأرش.
مسألة 914 : لا يجوز للشريك في الحائط التصرف فيه ببناء ولا تسقيف ولا إدخال خشبة أو وتد أو غير ذلك إلا بإذن شريكه أو إحراز رضاه بشاهد الحال كما هو الحال في التصرفات اليسيرة كالاستناد إليه أو وضع يده أو طرح ثوبه عليه أو غير ذلك ، ولو صرح بالمنع عنها أو أظهر الكراهة لم تجز.
مسألة 915 : لو انهدم الجدار المشترك في أساسه وجميع بنائه وأراد أحد الشريكين تعميره لم يكن له إجبار الآخر على المشاركة فيه ولا تعميره من ماله مجاناً بدون إذن شريكه ، وحينئذٍ فإن كان قابلاً للقسمة كأن كان سميكاً جداً تكفي قاعدته لبناء جدارين مستقلين عليها جاز له المطالبة بالقسمة ويجبر الممتنع عليها ، فيتصرف كل منهما في حصته المفروزة بما شاء إلا بما يتضرر به الآخر ، وإن لم يكن قابلاً للقسمة بوجه ولم يوافقه الشريك في شيء جاز له رفع أمره إلى الحاكم ليخيره بين عدة أمور من بيع أو إجارة أو المشاركة معه في العمارة أو الرخصة في تعميره وبنائه من ماله مجاناً.
وكذا الحال لو كانت الشركة في بئر أو نهر أو قناة واحتاج إلى التعمير أو التنقية ونحوهما فإنه لا يجبر الشريك على المشاركة فيه كما أنه ليس لأحد الشريكين الاستقلال فيه من ماله تبرعاً من دون إذن الآخر ، بل إذا تعذر الاتفاق معه بأي نحو يرفع أمره إلى الحاكم ليخيره بين عدة أمور نظير ما تقدم.
ولو أنفق في تعميرها أو تنقيتها من ماله فنبع الماء أو زاد من أجل ذلك فليس له أن يمنع شريكه غير المنفق من نصيبه من الماء لأنه فوائد ملكهما المشترك.
مسألة 916 : لو كانت جذوع دار أحد موضوعة على حائط جاره ولم يعلم على أي وجه وضعت حكم في الظاهر بكونه عن حق واستحقاق حتى يثبت خلافه ، فليس للجار أن يطالبه برفعها عنه بل ولا منعه من التجديد لو انهدم السقف ، وكذا الحال لو وجد بناء أو مجرى ماء أو ميزاب منصوب لأحد في ملك غيره ولم يعلم سببه فإنه يحكم في أمثال ذلك بكونه عن حق واستحقاق إلا أن يثبت كونها عن عدوان أو بعنوان العارية التي يجوز فيها الرجوع.
مسألة 917 : لو تنازعا في جدار ولم يكن لأي منهما بينة فإن كان تحت يد أحدهما فهو له بيمينه وكذا لو اتصل ببناء أحدهما دون الآخر أو كان له عليه طرح فإنه يحكم له به مع اليمين ، وأما لو كان تحت يد كليهما أو خارجاً عن يدهما فإن حلفا أو نكلا حكم به لهما وإن حلف أحدهما ونكل الآخر حكم به للحالف.
مسألة 918 : لو اختلف مالك العلو ومالك السفل في ملكية السقف الفاصل بين الطابقين فإن لم يكن لأي منهما بينة على دعواه كان ذلك من باب التداعي فيتحالفان إلا إذا كانت هناك عادة قطعية تقضي باختصاص أحدهما به فيقدم قوله بيمينه.
وإن اختلفا في ملكية جدران السفل كان القول قول مالك السفل بيمينه إذا لم يكن السقف قائماً عليها ـ كما في بعض الأبنية الحديثة حيث يتم بناء الجدران بعد الفراغ عن بناء الهيكل الأساسي للبناية ـ وأما مع قيام السقف عليها فحكمها حكم السقف.
وإن اختلفا في المصعد فالقول قول صاحب العلو بيمينه ، وأما المخزن تحت الدرجة فالقول فيه قول صاحب السفل بيمينه ، وأما طريق العلو في الصحن فحكمه حكم السقف ، نعم لا إشكال في أن لصاحب العلو حق الاستطراق فيه وأما الباقي فالقول فيه قول صاحب السفل بيمينه.
مسألة 919 : إذا اختلف صاحب السفل مع الجار في الغرفة الفوقانية المفتوح بابها إلى الجار من غير يد له عليها ولا بينة لأي منهما على دعواه كان القول قول صاحب السفل بيمينه.
مسألة 920 : إذا خرجت أغصان شجرة إلى فضاء ملك الجار من غير استحقاق فله أن يطالب مالك الشجر بعطف الأغصان أو قطعها من حد ملكه ، وإن امتنع صاحبها يجوز للجار ـ بإذن الحاكم الشرعي ـ عطفها أو
قطعها ، ومع إمكان الأول لا يجوز الثاني.
مسألة921 : من حاز أرضاً عامرة بالأصالة كالغابات ونحوها كان أحق بها من غيره لولم يمنع عنه مانع شرعي ، وإذا كان مؤمناً لم يجب عليه دفع عوض أزاء استفادته منها.
مسألة 922 : يعتبر في حصول الأولوية بالإحياء أن لا يسبق إليه سابق بالتحجير وإلا لزم الاستئذان منه ، فلو أحياه أحد من دون إذنه لم يحدث له حق فيه ويتحقق التحجير بكل ما يدل على إرادة الإحياء كوضع أحجار أو جمع تراب أو حفر أساس أو غرز خشب أو قصب أونحو ذلك في أطرافه وجوانبه.
مسألة 923 : لابد من أن يكون التحجير مضافاً إلى دلالته على أصل إرادة الإحياء دالاً على مقدار ما يريد إحيائه ، فلو كان ذلك بوضع الأحجار مثلاً فلابد من أن يكون في جميع الجوانب حتى يدل على أن جميع ما أحاطت به العلامة يريد إحيائه ، نعم في مثل إحياء القناة الدارسة الخربة يكفي حفر بئر من آبارها فإنه يعد تحجيراً بالإضافة إلى بقية آبار القناة بل هو تحجير أيضاً بالإضافة إلى الأراضي الموات التي تسقى بمائها بعد جريانه فلا يجوز لغيره إحياؤها.
مسألة 924 : لو حفر بئراً في الموات لإحداث قناة فيها فالظاهر أنه تحجير بالإضافة إلى أصل القناة وبالإضافة إلى الأراضي الموات التي يصل إليها ماؤها بعد تمامها وليس لغيره إحياء تلك الأراضي.
مسألة 925 : التحجير ـ كما عرفت ـ يفيد حق الأولوية في الإحياء ، وهو قابل للنقل والانتقال فيجوز الصلح عنه ويورث ويقع ثمناً في البيع وأما جعله مثمناً فلا يخلو عن إشكال ، نعم يصح بيع ما تعلق به بما هو كذلك.
مسألة 926 : يعتبر في كون التحجير مانعاً تمكن للمحجّر من القيام بعمارته وإحيائه فعلاً ولو بالتسبيب فإن لم يتمكن من إحياء ما حجره لمانع
من الموانع كالفقر أو العجز عن تهيئة الأسباب المتوقف عليها الإحياء جاز لغيره إحياؤه.
مسألة 927 : لو حجر زائداً على ما يقدر على إحيائه لا أثر لتحجيره بالإضافة إلى المقدار الزائد.
مسألة 928 : لو حجر الموات من كان عاجزاً عن إحيائها ليس له نقلها إلى غيره بصلح أو هبة أو بيع أونحو ذلك.
مسألة 929 : لا يعتبر في التحجير أن يكون بالمباشرة بل يجوز أن يكون بالتوكيل والاستئجار ، وعليه فالحق الحاصل بسبب عملهما يكون للموكل والمستأجر لا للوكيل والأجير.
مسألة 930 : إذا وقع التحجير من شخص نيابة عن غيره ثم أجاز النيابة فهل يثبت الحق للمنوب عنه أولا؟ وجهان ، لا يبعد عدم الثبوت.
مسألة 931 : إذا انمحت آثار التحجير قبل أن يقوم المحجر بالتعمير فإن كان من جهة إهمال المحجر بطل حقه وجاز لغيره إحياؤه وإذا لم يكن من جهة إهماله وتسامحه وكان زوالها بدون اختياره كما إذا أزالها عاصف ونحوه ففي بطلان حقه إشكال بل منع إلا إذا علم بالحال وتسامح في تجديد تحجيره.
مسألة 932 : اللازم على المحجر أن يشتغل بالعمارة والإحياء عقيب التحجير فلو أهمل وترك الإحياء وطالت المدة ففي جواز إحيائه لغيره بدون إذنه إشكال ، فالأحوط أن يرفع أمره إلى الحاكم الشرعي أو وكيله فيلزم المحجر بأحد أمرين إما الإحياء أو رفع اليد عنه ، نعم إذا أبدى عذراً مقبولاً يمهل بمقدار زوال عذره فإذا اشتغل بعده بالتعمير ونحو فهو وإلا بطل حقه وجاز لغيره إحياؤه ، وإذا لم يكن الحاكم أو وكيله موجوداً أولم يمكنه الإلزام فالظاهر سقوط حق المحجر إذا أهمل بمقدار يعد عرفاً تعطيلاً له والأحوط
الأولى مراعاة حقه إلى ثلاث سنين.
مسألة 933 : لا يعتبر في حصول حق الأولوية بالإحياء قصد حصوله ، بل يكفي قصد الإحياء والانتفاع به بنفسه أو بمن هو بمنزلته ، فلو حفر بئراً في مفازة بقصد أن يقضي منها حاجته كان أحق بها من غيره ، نعم لو ارتحل وأعرض عنها فالظاهر سقوط حقه فتكون مباحة للجميع.
مسألة 934 : لابد في صدق إحياء الموات من العمل فيها إلى حد يصدق عليها أحد العناوين العامرة كالدار والبستان والمزرعة والحظيرة والبئر والقناة والنهر وما شاكل ذلك ، ولذلك يختلف ما اعتبر في الإحياء باختلاف العمارة فما اعتبر في إحياء البستان والمزرعة ونحوهما غير ما هو معتبر في إحياء الدار وما شاكلها ، وعليه فحصول الأولوية تابع لصدق أحد هذه العناوين ونحوها ويدور مداره وجوداً وعدماً وعند الشك في حصولها يحكم بعدمها.
مسألة 935 : الإعراض عن الملك لا يوجب زوال ملكيته ، نعم إذا أباح تملكه للآخرين فسبق إليه من تملكه ملكه وإلا فهو يبقى على ملك مالكه فإذا مات فهو لوارثه ولا يجوز التصرف فيه إلا بإذنه أو إعراضه عنه.
كتاب المشتركات
المراد بالمشتركات : الطرق والشوارع والمساجد والمدارس والربط وكذا المياه والمعادن على ما سيأتي.
مسألة 936 : الطريق على قسمين : نافذ وغير نافذ ، أما الأول فهو الطريق المسمى بالشارع العام والناس فيه شرع سواء ، ولا يجوز التصرف لأحد في أرضه ببناء حائط أو حفر بئر أو شق نهر أو نصب دكة أو غرس أشجار ونحو ذلك وإن لم يكن مضراً بالمستطرقين ، نعم لا بأس بما يعد من مكملاته ومحسناته ومنها أن يشق فيه المجاري لتجتمع فيها مياه الأمطار ونحوها ، ومنها أن يجعل فيه حاويات الأزبال والنفايات ومنها غرس الأشجار ونصب المظلات وأعمدة الإنارة في الأماكن المناسبة منه كما هو المتعارف بالنسبة إلى جملة من الشوارع والطرق في العصر الحاضر ، فإن هذا كله مما لا بأس به إذا لم يكن مضراً بالمستطرقين.
مسألة 937 : يجوز الاستفادة من فضاء الطرق النافذة والشوارع العامة بإحداث جناح أو نحوه إذا لم يكن مضراً بالمستطرقين بوجه ، وليس لأحد منعه حتى صاحب الدار المقابلة وإن استوعب الجناح عرض الطريق بحيث كان مانعاً عن إحداث جناح في مقابله ما لم يضع منه شيئاً على جداره ، نعم إذا استلزم الإشراف على دار الجار ففي جوازه إشكال وإن قيل بجواز مثله في تعلية البناء في ملكه فلا يترك الاحتياط.
مسألة 938 : لو أحدث جناحاً على الشارع العام ثم انهدم أو هدم فإن كان من قصده تجديده ثانياً فالظاهر أنه لا يجوز للطرف الآخر إشغال ذلك الفضاء وإن لم يكن من قصده تجديده جاز له ذلك.
مسألة 939 : لو أحدث شخص جناحاً على الطريق العام فلا إشكال في أنه يجوز للطرف المقابل إحداث جناح آخر في طرفه سواء أكان أعلى من الجناح الأول أو أدنى منه أو موازياً له بشرط أن لا يكون مانعاً بوجه من استفادة الأول من جناحه كما هو الحال في الشوارع الوسيعة جداً.
وأما إذا كان مانعاً منها ولو بلحاظ إشغال الفضاء الذي يحتاج إليه صاحب الجناح الأول بحسب العادة ففي جواز إحداثه من دون إذنه إشكال بل منع.
مسألة 940 : كما يجوز إحداث الأجنحة على الشوارع العامة يجوز فتح الأبواب المستجدة فيها سواء أكانت له باب أخرى أم لا وكذا فتح الشبابيك والروازن عليها ونصب الميزاب فيها وكذا بناء ساباط عليها إذا لم يكن معتمداً على حائط غيره مع عدم إذنه ولم يكن مضراً بالمارة ولو من جهة الظلام ، وإذا فرض أنه كما يضرهم من جهة ينفعهم من جهة كالوقاية من الحر والبرد فلابد من مراجعة ولي الأمر ليوازن بين الجهتين ويراعي ما هو الأصلح ، وكذا يجوز نقب سرداب تحت الجادة مع إحكام أساسه وبنيانه وسقفه بحيث يؤمن من الثقب والخسف والانهدام.
مسألة 941 : الطريق غير النافذ الذي لا يسلك منه إلى طريق آخر أو أرض مباحة لكونه محاطاً بالدور من جوانبه الثلاثة وهو المسمى بـ ( السكة المرفوعة ) و( الدريبة ) عائد لمستطرقيه وهم أرباب الدور التي أبوابها مفتوحة إليه ، دون كل من كان حائط داره إليه ، وهو مشترك بينهم في حق الاستطراق بمقدار ما يشتركون في استطراقه ، فيكون أوله مشتركاً بين جميعهم ويقل عدد الشركاء كلما قرب إلى آخره وربما ينحصر ذو الحق في واحد ، وهو فيما إذا اختص آخر الدريبة بفتح باب واحد إليه.
هذا إذا لم يعلم كون الدريبة عائدة لبعضهم بالخصوص أو عائدة
للجميع على وجه التساوي أو التفاضل وإلا ترتبت أحكامه.
مسألة 942 : لا يجوز لمن له باب في الدريبة فتح باب آخر فيها أدخل من الباب الأول سواء مع سد الباب الأول أم بدونه ، إلا مع الاستئذان في ذلك ممن له حق الاستطراق في المكان الثاني من أرباب الدور.
مسألة 943 : لا يجوز لمن كان حائط داره إلى الدريبة إحداث جناح أو بناء ساباط أو نصب ميزاب أو نقب سرداب أو غير ذلك من التصرفات فيها إلا بإذن أربابها ، كما لا يجوز له فتح باب إليها للاستطراق إلا بإذنهم نعم له فتح ثقبة وشباك إليها ، وأما فتح باب لا للاستطراق بل لمجرد التهوية أو الاستضاءة فلا يخلو عن إشكال.
مسألة 944 : يجوز لكل من أصحاب الدريبة استطراقها والجلوس فيها من غير مزاحمة المستطرقين وكذا التردد منها إلى داره بنفسه وعائلته وضيوفه وكل ما يتعلق بشؤونه من دون إذن باقي الشركاء وإن كان فيهم القصر ، ومن دون رعاية المساواة معهم.
مسألة 945 : يجوز لكل أحد الانتفاع من الشوارع والطرق العامة كالجلوس أو النوم أو الصلاة أو البيع أو الشراء أونحو ذلك ما لم يكن مزاحماً للمستطرقين ، وليس لأحد منعه عن ذلك وإزعاجه.
مسألة 946 : إذا جلس أحد في موضع من الطريق ثم قام عنه ، فإن كان جلوسه جلوس استراحة ونحوها جاز لغيره أن يشغل موضع جلوسه ، وإن كان لحرفة ونحوها فإن كان قيامه بعد استيفاء غرضه أو أنه لا ينوي العود كان الحال كذلك وليس للأول منعه ، وإن كان قيامه قبل استيفاء غرضه وكان ناوياً للعود فعندئذٍ إن بقي منه فيه متاع أو رحل أو بساط لم يجز لغيره إزاحته وإشغال ذلك الموضع وإلا ففي جوازه إشكال ، والاحتياط لا يترك فيما إذا كان في يوم واحد وأما إذا كان في يوم آخر فالظاهر إنه لا إشكال في جوازه.
مسألة 947 : كما لا يجوز مزاحمة الجالس في موضع جلوسه كذلك لا يجوز مزاحمته فيما حوله قدر ما يحتاج إليه لوضع متاعه ووقوف المعاملين فيه ، بل ليس لغيره أن يقعد حيث يمنع من رؤية متاعه أو وصول المعاملين إليه.
مسألة 948 : يجوز للجالس للمعاملة أو نحوها أو يظلل على موضع جلوسه بما لا يضر بالمارة بثوب أو بارية أو نحوهما ، وليس له بناء دكة ونحوها فيه.
مسألة 949 : يتحقق الشارع العام بأمور :
الأول : كثرة الاستطراق والتردد ومرور القوافل في الأرض الموات.
الثاني : جعل الإنسان ملكه شارعاً وتسبيله تسبيلاً دائمياً لسلوك عامة الناس ، فإنه يصير طريقاً وليس للمسبل الرجوع بعد ذلك.
الثالث : قيام شخص أو جهة بتخطيط طريق في الأرض الموات وتعبيده وجعله طريقاً لسلوك عامة الناس.
الرابع : إحياء جماعة أرضاً مواتاً وتركهم طريقاً نافذاً بين الدور والمساكن.
مسألة 950 : لو كان الشارع العام واقعاً بين الأملاك فلا حد له ، كما إذا كانت قطعة أرض موات بين الأملاك عرضها ثلاثة أذرع أو أقل أو أكثر واستطرقها الناس حتى أصبحت جادة فلا يجب على الملاك توسيعها وإن تضيقت على المارة.
وكذا الحال فيما لو سبل شخص في وسط ملكه أو من طرف ملكه المجاور لملك غيره مقداراً لعبور الناس.
مسألة 951 : إذا كان الشارع العام محدوداً بالموات من أحد طرفيه أو كليهما وكان عرضه أقل من خمسة أذرع لم يجز إحياء الأراضي المتصلة به
بحيث يبقى ضيقاً على حاله بل لابد من مراعاة أن لا يقل الفاصل المشتمل عليه عن خمسة أذرع والأفضل أن لا يقل عن سبعة أذرع ، فلو أقدم أحد على إحياء حريمه متجاوزاً على الحد المذكور لزم هدم المقدار الزائد.
هذا إذا لم يلزم ولي المسلمين حسب ما يراه من المصلحة أن يكون الفاصل أزيد من خمسة أذرع وإلا وجب اتباع أمره ولا يجوز التجاوز على الحد الذي يعينه.
مسألة 952 : إذا انقطعت المارة عن الطريق ولم يرج عودهم إليه جاز لكل أحد إحياؤه سواء أكان ذلك لعدم وجودهم أو لمنع قاهر إياهم أو لهجرهم إياه واستطراقهم غيره أو لغيرها من الأسباب.
هذا إذا لم يكن مسبلاً وإلا ففي جواز إحيائه من دون مراجعة ولي الأمر إشكال.
مسألة 953 : إذا زاد عرض الطريق عن خمسة أذرع ، فإن كان مسبلاً لم يجز لأحدٍ اقتطاع ما زاد عليها وإخراجه عن كونه طريقاً ، وأما إذا كان غير مسبل فإن كان الزائد مورداً لاستفادة المستطرقين ولو في بعض الأحيان والحالات لم يجز ذلك أيضاً وإلا ففي جوازه إشكال والأحوط العدم.
مسألة 954 : يجوز لكل مسلم أن يتعبد ويصلي في المسجد وينتفع منه سائر الانتفاعات إلا بما لا يناسبه ، وجميع المسلمين في ذلك شرع سواء ، ولو سبق واحد إلى مكان منه للصلاة أو لغيرها من الأغراض الراجحة كالدعاء وقراءة القرآن والتدريس لم يجز لغيره إزاحته عن ذلك المكان أو إزاحة رحله عنه ومنعه من الانتفاع به سواء توافق السابق مع المسبوق في الغرض أو تخالفا فيه ، نعم يحتمل عند التزاحم تقدم الطواف على غيره في المطاف والصلاة على غيرها في سائر المساجد فلا يترك الاحتياط للسابق بتخلية المكان للمسبوق في مثل ذلك.
مسألة 955 : من سبق إلى مكان للصلاة فيه منفرداً فليس لمريد الصلاة فيه جماعة منعه وإزعاجه ، وإن كان الأولى للمنفرد حينئذٍ أن يخلي المكان للجامع إذا وجد مكاناً آخر فارغاً لصلاته ، ولا يكون مناعا للخير.
مسألة 956 : إذا قام الجالس من المسجد وفارق المكان ، فإن أعرض عنه جاز لغيره إن يأخذ مكانه ، ولو عاد إليه وقد أخذه غيره فليس له منعه وإزعاجه ، وأما إذا كان ناوياً للعود فإن بقي رحله فيه لم يجز إزاحته وأخذ مكانه وإن لم يبق ففي جواز أخذ مكانه إشكال والأحوط تركه ، ولا سيما فيما إذا كان خروجه لضرورة كتجديد الطهارة أو نحوه ، ولكن لو أقدم على أخذه لم يجز للأول إزاحته عنه عند العود.
مسألة 957 : العبرة في عدم جواز المزاحمة والإزعاج بصدق السبق إلى المكان عرفاً ، والظاهر صدقه بفرش سجادة الصلاة ونحوها مما يشغل مقدار مكان الصلاة أو معظمه بل لا يبعد صدقه بمثل وضع الخمرة أو السبحة أو المشط أو السواك ونحوها.
مسألة 958 : إذا كان بين حجزه مكاناً في المسجد وبين مجيئه للاستفادة منه طول زمانٍ بحيث استلزم تعطيل المكان جاز لغيره إشغاله قبل مجيئه ورفع ما وضعه فيه والاستفادة من مكانه إذا كان قد شغل المحل بحيث لا يمكن الاستفادة منه إلا برفعه ، والظاهر أنه لا يضمنه الرافع حينئذٍ بل يكون أمانة في يده إلى أن يوصله إلى صاحبه ، وكذا الحال فيما لو فارق المكان معرضاً عنه مع بقاء حاجة له فيه.
مسألة 959 : المشاهد المشرفة كالمساجد فيما ذكر من الأحكام ، ويحتمل فيما هو من قبيل المزار منها تقدم الزيارة وصلاتها على غيرهما من الأغراض الراجحة عند التزاحم فلا ينبغي ترك مقتضى الاحتياط في مثله.
مسألة 960 : جواز السكن في المدارس لطالب العلم وعدمه تابعان
لكيفية وقف الواقف ، فإذا خصها الواقف بطائفة خاصة كأهالي البلد أو الأجانب ، أو بصنف خاص كطالبي العلوم الشرعية أو خصوص الفقه أو الكلام مثلاً ، فلا يجوز لغير هذه الطائفة أو الصنف السكنى فيها كما لا يجوز لهؤلاء الاستقلال في حيازة غرفة منها من دون الاستئذان من المتولي إلا إذا كان ذلك مقتضى وقفيتها ، وحينئذٍ إذا سبق أحد إلى غرفة منها وسكنها فهو أحق بها بمعنى أنه لا يجوز لغيره أن يزاحمه ما لم يعرض عنها وإن طالت المدة ، إلا إذا اشترط الواقف مدة خاصة كخمس سنين مثلاً ، فعندئذ يلزمه الخروج بعد انقضاء تلك المدة بلا مهلة.
مسألة 961 : إذا اشترط الواقف اتصاف ساكنها بصفة خاصة ، كأن لا يكون معيلاً أو يكون مشغولاً بالتدريس أو بالتحصيل أو بالمطالعة أو التصنيف فإذا زالت عنه هذه العناوين لزمه الخروج منها ، والضابط أن جواز السكنى ـ حدوثاً وبقاءً ـ تابع لوقف الواقف بتمام شرائطه ، فلا يجوز السكنى لفاقدها حدوثاً أو بقاءً.
مسألة 962 : لا يبطل حق السكنى لساكنها بالخروج لحوائجه اليومية من المأكول والمشروب والملبس وما شاكل ذلك وإن لم يترك فيها رحلاً ، كما لا يبطل بالخروج منها للسفر يوماً أو يومين أو أكثر ، وكذلك الأسفار المتعارفة التي تشغل مدة من الزمن كشهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر أو أكثر ، كالسفر إلى الحج أو الزيارة أو لملاقاة الأقرباء أونحو ذلك مع نية العود وبقاء رحله ومتاعه ، فلا بأس بها ما لم تناف شرط الواقف ، نعم لابد من صدق عنوان ساكن المدرسة عليه ، فإن كانت المدة طويلة بحيث توجب عدم صدق العنوان عليه بطل حقه.
مسألة 963 : إذا اعتبر الواقف البيتوتة في المدرسة في ليالي التحصيل خاصة أو في جميع الليالي فبات ساكنها في مكان آخر بطل حقه.
مسألة 964 : لا يجوز للساكن في غرفة منع غيره عن مشاركته إلا إذا كانت الحجرة حسب الوقف أو بمقتضى قابليتها معدة لسكنى طالب واحد.
مسألة 965 : الربط وهي المساكن المعدة لسكنى الفقراء أو الغرباء كالمدارس في جميع ما ذكر.
مسألة 966 : مياه الشطوط والأنهار الكبار كدجلة والفرات وما شاكلهما ، وهكذا الصغار التي جرت بنفسها من العيون أو السيول أو ذوبان الثلوج وكذا العيون المتفجرة من الجبال أو في أراضي الموات ونحوها من الأنفال ـ أي أنها مملوكة للإمامعليهالسلام ـ ولكن من حاز منها شيئاً بآنية أو حوض أو غيرهما وقصد تملكه ملكه من غير فرق في ذلك بين المسلم والكافر.
مسألة 967 : كل ماء من مطر أو غيره لو اجتمع بنفسه في مكان بلا يد خارجية عليه فهو من المباحات الأصلية فمن حازه بإناء أو غيره وقصد تملكه ملكه من دون فرق بين المسلم والكافر في ذلك.
مسألة 968 : مياه الآبار والعيون والقنوات التي جرت بالحفر لا بنفسها ملك للحافر ، فلا يجوز لأحد التصرف فيها بدون إذن مالكها.
مسألة 969 : إذا شق نهراً من بعض الأنهار الكبار سواء أكان بشقه في أرض مملوكة له أو بشقه في الموات بقصد إحيائه نهراً ملك ما يدخل فيه من الماء إذا قصد تملكه.
مسألة 970 : إذا كان النهر لأشخاص متعددين ، ملك كل منهم بمقدار حصته من النهر ، فإن كانت حصة كل منهم من النهر بالسوية اشتركوا في الماء بالسوية اشتركوا في الماء بالسوية وإن كانت بالتفاوت ملكوا الماء بتلك النسبة ، ولا تتبع نسبة استحقاق الماء نسبة استحقاق الأراضي التي تسقى منه.
مسألة 971 : الماء الجاري في النهر المشترك حكمه حكم سائر الأموال المشتركة ، فلا يجوز لكل واحد من الشركاء التصرف فيه بدون إذن
الباقين.
وعليه فإن أباح كل منهم لسائر شركائه أن يقضي حاجته منه في كل وقت وزمان وبأي مقدار شاء جاز له ذلك.
مسألة 972 : إذا وقع بين الشركاء تعاسر وتشاجر فإن تراضوا بالتناوب والمهاياة بالأيام أو الساعات فهو ، وإلا فلا محيص من تقسيمه بينهم بالأجزاء بأن توضع في فم النهر حديدة مثلاً ذات ثقوب متعددة متساوية ويجعل لكل منهم من الثقوب بمقدار حصته ، ويوصل كل منهم ما يجري في الثقبة المختصة به إلى ساقيته ، فإن كانت حصة أحدهم سدساً والآخر ثلثاً والثالث نصفاً ، فلصاحب السدس ثقب واحد ولصاحب الثلث ثقبان ولصاحب النصف ثلاثة ثقوب فالمجموع ستة.
مسألة 973 : القسمة بحسب الأجزاء لازمة ليس لأحدهم الرجوع عنها بعد وقوعها ، والظاهر أنها قسمة إجبار ، فإذا طلبها أحد الشركاء أجبر الممتنع منهم عليها.
وأما القسمة بالمهاياة والتناوب فهي ليست بلازمة ، فيجوز لكل منهم الرجوع عنها حتى فيما إذا استوفى تمام نوبته ولم يستوف الآخر نوبته وإن ضمن المستوفي حينئذٍ مقدار ما استوفاه بالمثل.
مسألة 974 : إذا اجتمعت أملاك على ماء عين أو واد أو نهر أونحو ذلك من المشتركات كان للجميع حق السقي منه ، وليس لأحد منهم إحداث سد فوقها ليقبض الماء كله أو ينقصه عن مقدار احتياج الباقين.
وعندئذٍ فإن كفى الماء للجميع من دون مزاحمة فهو ، وإلا قدم الأسبق فالأسبق في الإحياء إن كان وعلم السابق ، وإلا قدم الأعلى فالأعلى والأقرب فالأقرب إلى فوهة العين أو أصل النهر ، وكذا الحال في الأنهار المملوكة المنشقة من الشطوط ، فإن كفى الماء للجميع وإلا قدم الأسبق فالأسبق
ـ أي : من كان شق نهره أسبق من شق نهر الآخر ـ إن كان هناك سابق ولاحق وعلم ، وإلا فيقبض الأعلى بمقدار ما يحتاج إليه ثم ما يليه وهكذا.
مسألة 975 : تنقية النهر المشترك وإصلاحه ونحوهما على الجميع بنسبة ملكهم إذا كانوا مقدمين على ذلك باختيارهم وأما إذا لم يقدم على ذلك إلا البعض لم يجبر الممتنع ، كما أنه لا يجوز التصرف فيه لغيره إلا بإذنه ، وإذا أذن لهم بالتصرف فليس لهم مطالبته بحصته من المؤنة إلا إذا كان إقدامهم بطلبه وتعهده ببذل حصته.
مسألة 976 : إذا كان النهر مشتركاً بين القاصر وغيره ، وكان إقدام غير القاصر متوقفاً على مشاركة القاصر إما لعدم اقتداره بدونه أو لغير ذلك ، وجب على ولي القاصر ـ مراعاةً لمصلحته ـ إشراكه في التنقية والتعمير ونحوهما وبذل المؤنة من مال القاصر بمقدار حصته.
مسألة 977 : ليس لصاحب النهر تحويل مجراه إلا بإذن صاحب الرحى المنصوبة عليه بإذنه ، وكذا غير الرحى أيضاً من الأشجار المغروسة على حافتيه وغيرها.
مسألة 978 : ليس لأحد أن يحمي المرعى ويمنع غيره عن رعي مواشيه إلا أن يكون المرعى ملكاً له فيجوز له أن يحميه حينئذٍ ، نعم لولي المسلمين أن يحمي المراعي العامة ويمنع من الرعي فيها حسب ما تقتضيه المصلحة.
مسألة 979 : المعادن من الأنفال وهي على نوعين :
الأول : المعادن الظاهرة ، وهي الموجودة على سطح الأرض كبعض معادن الملح والقير والكبريت والنفط ونحوها.
الثاني : المعادن الباطنة ، وهي الموجودة في باطن الأرض مما يتوقف استخراجها على الحفر وذلك كغالب معادن الذهب والفضة.
أما الأولى فمن حاز منها شيئاً ملكه قليلاً كان أو كثيراً ، ويبقى الباقي على حاله.
وأما الثانية فهي تملك بالاستخراج على تفصيل تقدم في المسألة 1194 من كتاب الخمس ، وأما إذا حفر ولم يبلغ نيلها فهو يفيد فائدة التحجير.
مسألة 980 : من يجوز له استخراج معدن إذا تصرف في الأرض بإيجاد بعض مقدماته ثم أهمله وعطله أجبره الحاكم أو وكيله على إتمام العمل أو رفع يده عنه ، ولو أبدى عذراً أمهله إلى أن يزول عذره ثم يلزمه أحد الأمرين.
مسألة 981 : المعادن الباطنة لا تملك بإحياء الأرض سواء أكانت قريبة من السطح أم كانت بعيدة عنه في الأعماق كمعظم معادن النفط المحتاجة إلى حفر زائد للوصول إليها أو ما شاكلها ، فهي على التقديرين لا تتبع الأرض ولا تملك بإحيائها.
مسألة 982 : لو حفر أرض المعدن وقال لغيره استخرجه منه ولك نصف الخارج فإن كان بعنوان الإجارة بطل ، وفي صحته بعنوان الجعالة إشكال.
كتاب الدين والقرض
الدين هو المملوك الكلي الثابت في ذمة شخص لآخر بسبب من الأسباب ، ويقال لمن اشتغلت ذمته به ( المديون ) و ( المدين ) وللآخر ( الدائن ) ويطلق الغريم عليهما معاً ، وسبب الدين إما معاملة متضمنة لإنشاء اشتغال الذمة به كالقرض والضمان وبيع السلم والنسيئة والإجارة مع كون الأجرة كلياً في الذمة والنكاح مع جعل الصداق كذلك ، وأما غيرها كما في أروش الجنايات وقيم المتلفات ونفقة الزوجة الدائمة ونحوها ، وله أحكام مشتركة وأحكام مختصة بالقرض.
أحكام المدين
مسألة 983 : الدين أما حال وهو ما ليس لأدائه وقت محدد ، وأما مؤجل وهو بخلافه ، وتعيين الأجل تارة يكون بجعل المتداينين كما في السلم والنسيئة وأخرى بجعل الشارع كالنجوم والأقساط المقررة في الدية.
مسألة 984 : يتأجل الدين الحال باشتراطه في ضمن عقد لازم أو جائز ، فلو اشترى منه شيئاً وأشترط عليه تأجيل دينه الحال لمدة شهر مثلاً لم تجز له المطالبة به قبل ذلك إلا أن يفسخ العقد ويسقط الشرط.
مسألة 985 : إذا كان الدين حالاً أو مؤجلاً وقد حل الأجل يجب على المديون الموسر أداؤه عند مطالبة الدائن كما يجب على الدائن أخذه وتسلمه إذا صار المديون بصدد أدائه وتفريغ ذمته ، وأما الدين المؤجل قبل حلول الأجل فليس للدائن حق المطالبة به إلا إذا كان التأجيل حقاً له فقط لا حقاً
للمدين أو لهما جميعاً ، وهل يجب على الدائن القبول لو تبرع المدين بأدائه أم لا؟ الظاهر أن عليه ذلك إلا إذا كان التأجيل حقاً له أو لهما معاً فإن له حينئذٍ الامتناع عن القبول قبل حلول الأجل.
مسألة 986 : إذا امتنع الدائن عن أخذ الدين عند حلوله أجبره الحاكم عليه لو طلب منه المديون ذلك ، ولو تعذر إجباره فله أن يسلمه إلى الحاكم وقد فرغت ذمته ، وهل يجب على الحاكم القبول؟ فيه إشكال ، ولولم يمكن الوصول إلى الحاكم أولم يقبله بقي الدين في ذمته إلى أن يأخذه الدائن أو من يقوم مقامه ، ولو كان الدائن غائباً ولا يمكن إيصال المال إليه وأراد المديون تفريغ ذمته جرى عليه ما تقدم.
مسألة 987 : يجوز التبرع بأداء دين الغير سواء أكان حياً أم كان ميتاً وتبرأ ذمته به ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون التبرع به بإذن المدين أو بدونه بل وإن منعه المدين عن ذلك ، وفي وجوب القبول على من له الدين وجريان الأحكام المتقدمة عليه لو امتنع عنه إشكال بل منع.
مسألة 988 : لا يتعين الدين في ما عينه المدين وإنما يتعين بقبض الدائن أو من يقوم مقامه ، فلو تلف قبل قبضه فهو من مال المدين وتبقى ذمته مشغولة به.
مسألة 989 : إذا مات المدين حل الأجل ويخرج الدين من أصل ماله ، وأذا مات الدائن بقي الأجل على حاله وليس لورثته مطالبته قبل انقضاء الأجل ، وعلى هذا فلو كان صداق المرأة مؤجلاً ومات الزوج قبل حلوله استحقت الزوجة مطالبته بعد موته ، وهذا بخلاف ما إذا ماتت الزوجة فإنه ليس لورثتها المطالبة قبل حلول الأجل ، ويلحق بموت الزوج طلاقه إذا كان اشتراط التأجيل في أداء الصداق منصرفاً إلى جواز التأخير مع بقاء الزوجية كما لعله الغالب.
مسألة 990 : إذا فقد المدين دائنه ويئس من الوصول إليه أو إلى ورثته في المستقبل لزمه أن يؤديه إلى الفقير صدقة عنه ، والأحوط أن يستجيز في ذلك الحاكم الشرعي ، وإن لم يكن الدائن هاشمياً فالأولى أن يؤدي المديون دينه إلى غير الهاشمي ، وأما إذا احتمل الوصول إليه أو إلى ورثته ولم يفقد الأمل في ذلك لزمه الانتظار والفحص عنه فإن لم يجده أوصى به عند الوفاة حتى يجيء له طالبه ، وأذا كان الدائن مفقوداً عن أهله وجب تسليم دينه إلى ورثته مع انقطاع خبره بعد مضي عشر سنين من غيبته ، بل يجوز ذلك بعد مضي أربع سنين إذا فحص عنه في هذه المدة.
مسألة 991 : يصح بيع الدين بمال خارجي وإن كان أقل منه ما لم يستلزم الربا ولا يصح بيعه بدين مثله إذا كانا دينين قبل العقد ، ولا فرق في المنع بين كونهما حين العقد حالين ومؤجلين ومختلفين ، ولو كانا دينين بالعقد بطل في المؤجلين وصح في غيرهما ، ولو كان أحدهما ديناً قبل العقد والآخر ديناً بالعقد فإن كان الثاني مؤجلاً بطل والا بأن كان كلياً في الذمة من دون تأجيل في دفعه صح إلا في بيع المسلم فيه قبل حلوله فإنه لا يجوز بيعه من غير بائعه مطلقاً ، ويجوز بيعه من غير بائعه بعد حلوله ومن بائعه مطلقاً على تفصيل تقدم.
مسألة 992 : يجوز تعجيل الدين المؤجل بنقصان مع التراضي ، وهو الذي يسمى بـ ( تنزيل الدين ) ، ولا يجوز تأجيل الحال ولا زيادة أجل المؤجل بزيادة لأنه ربا ، وقد يتخلص منه بجعل الزيادة المطلوبة في ثمن مبيع مثلاً ويجعل التأجيل والتأخير إلى أجل معين شرطاً على البائع ، بأن يبيع الدائن من المدين مثلاً ما يساوي عشرة دنانير بخمسة عشر ديناراً على أن لا يطالب المشتري بالدين الذي عليه إلى وقت كذا ، ولكنه لا يخلو عن الإشكال والأحوط لزوماً الاجتناب عنه ، ومثله ما إذا باع المديون من الدائن
ما يكون قيمته خمسة عشر ديناراً بعشرة دنانير شارطاً عليه تأخير الدين إلى وقت كذا.
مسألة 993 : لا تجوز قسمة الدين ، فإذا كان لاثنين دين مشترك على ذمم أشخاص متعددة ، كما إذا افترضنا إنهما باعا مالاً مشتركاً بينهما من أشخاص عديدة أو ورثا من مورثهما دينا على أشخاص ثم قسما الدين بينهما بعد التعديل ، فجعلا ما في ذمة بعضهم لأحدهما وما في ذمة الباقي للآخر لم يصح ، ويبقى الدين على الاشتراك السابق بينهما ، ولو كان لهما دين مشترك على واحد ففي جواز أن يستوفي أحدهما حصته منه فيتعين له وتبقى حصة الآخر في ذمة المدين إشكال كما مر في كتاب الشركة.
مسألة 994 : يجب على المدين أداء الدين الحال فوراً عند مطالبة الدائن إن قدر عليه ولو ببيع سلعته ومتاعه أو عقاره أو مطالبة غريمه أو استقراضه إذا لم يكن حرجياً عليه أو إجارة أملاكه ، وأما إذا لم يقدر عليه بذلك فهل يجب عليه التكسب اللائق بحاله والأداء منه؟ الأحوط ذلك خصوصاً فيما لا يحتاج إلى تكلف وفيمن شغله التكسب بل وجوبه حينئذٍ لا يخلو من قوة ، نعم يستثنى من ذلك بيع دار سكناه وثيابه المحتاج إليها ولو للتجمل وسيارته ونحو ذلك مما يحتاج إليه ولو بحسب حاله وشؤونه ، والضابط هو كل ما احتاج إليه بحسب حاله وشرفه وكان بحيث لولاه لوقع في عسر وشدة أو حزازة ومنقصة.
مسألة 995 : لا فرق في استثناء هذه الأشياء بين الواحد والمتعددة ، فلو كانت عنده دور متعددة وأحتاج إلى كل منها لسكناه ولو بحسب حاله وشرفه لم يبع شيئا منها ، وكذلك الحال في السيارة ونحوها ، نعم إذا لم يحتج إلى بعضها أو كانت داره أزيد مما يحتاج إليه وجب عليه بيع الزائد أو بيعها وأشتراء ما هو أدون مما يليق بحاله.
مسألة 996 : إذا كانت له دار مملوكة وكانت بيده دار أخرى يمكنه السكنى فيها ـ كما إذا كانت موقوفة تنطبق عليه ـ ولم يكن في ذلك حرج عليه ولا في معرض قصر يده عنها وجب عليه أن يبيع داره المملوكة لأداء دينه.
مسألة 997 : إنما لا تباع دار السكنى في أداء الدين ما دام المديون حيا ، فلو مات ولم يترك غير دار سكناه تباع وتصرف في الدين.
مسألة 998 : المقصود من كون الدار ونحوها من مستثنيات الدين أنه لا يجبر على بيعها لأدائه ولا يجب عليه ذلك ، وأما لو رضي هو بذلك وقضى به دينه جاز للدائن أخذه وإن كان ينبغي له أن لا يرضى ببيع داره.
مسألة 999 : لو كانت عنده بضاعة أو عقار زائدة على مستثنيات الدين ولكنها لا تباع إلا بأقل من قيمتها السوقية وجب عليه بيعها بالأقل لأداء دينه ، نعم إذا كان التفاوت بين القيمتين بمقدار فاحش لا يقبل به العقلاء إلا في حال الضرورة لم يجب.
مسألة 1000 : كما لا يجب على المدين المعسر الأداء يحرم على الدائن إعساره بالمطالبة والاقتضاء ، بل عليه الصبر والنظرة إلى الميسرة.
مسألة 1001 : مماطلة الدائن مع القدرة على الأداء حرام ، بل يجب نية القضاء مع عدم القدرة عليه أيضا بأن يكون من قصده الأداء عند التمكن منه.
أحكام القرض
وهو تمليك مال لآخر بالضمان في الذمة بمثله إن كان مثليا وبقيمته إن كان قيمياً ، ويقال للمتملّك ( المقرض وللمملّك (المقترض) و(المستقرض).
مسألة 1002 : يكره الاقتراض مع عدم الحاجة وتخف كراهته مع
الحاجة وكلما خفت الحاجة اشتدت الكراهة ، وكلما اشتدت خفت إلى أن تزول ، والأحوط لمن لم يكن عنده ما يوفي به دينه ولم يترقب حصوله عدم الاستدانة إلا عند الضرورة أو مع علم المستدان بحاله.
مسألة 1003 : إقراض المؤمن من المستحبات الأكيدة سيما لذوي الحاجة لما فيه من قضاء حاجته وكشف كربته ، وعن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : من أقرض مؤمناً قرضاً ينظر به ميسوره كان ماله في زكاة وكان هو في صلاة من الملائكة حتى يؤديه ، وعن الصادقعليهالسلام : أيما مؤمن نفس عن مؤمن كربة وهو معسر يسر الله له حوائجه في الدنيا والآخرة ، وعنهعليهالسلام أنه قال : والله في عون المؤمن ما كان المؤمن في عون أخيه ، وعنهعليهالسلام : ما من مؤمن أقرض مؤمناً يلتمس به وجه الله إلا حسب الله له أجره بحساب الصدقة حتى يرجع ماله إليه.
مسألة 1004 : حيث أن القرض عقد من العقود يحتاج إلى إيجاب كقوله : ( أقرضتك ) وما يؤدي معناه ، وقبول دال على الرضا بالإيجاب ، ولا يعتبر في عقده العربية بل يقع بكل لغة ، بل الظاهر عدم اعتبار الصيغة فيه فلو دفع مالاً إلى أحد بقصد القرض وأخذه المدفوع بهذا القصد صح قرضاً.
مسألة 1005 : يعتبر في المقرض والمقترض ما يعتبر في المتعاقدين في سائر المعاملات والعقود من البلوغ والعقل والقصد والاختيار والرشد وكذا عدم الحجر لفلس في المقرض.
مسألة 1006 : يعتبر في القرض أن يكون المال عيناً ، فلو كان ديناً أو منفعة لم يصح القرض ، نعم يصح إقراض الكلي في المعين كإقراض درهم من درهمين معينين ، ولا يصح إقراض المبهم كأحد هذين المالين.
مسألة 1007 : يعتبر في القرض أن يكون المال مما يصح تملكه ، فلا يصح إقراض الخمر والخنزير ، ولا يعتبر فيه تعيين مقداره وأوصافه
وخصوصياته التي تختلف المالية باختلافها إذا كان مثلياً ولا قيمته إذا كان قيمياً ، نعم على المقترض تحصيل العلم بذلك مقدمة لأدائه ، وهذا أجنبي عن اعتباره في صحة القرض.
مسألة 1008 : يعتبر في القرض القبض ، فلا يملك المستقرض المال المقترض إلا بعد قبضه ، ولا يتوقف على التصرف.
مسألة 1009 : القرض عقد لازم ليس للمقرض ولا المقترض فسخه حتى ترجع العين المقترضة إلى المقرض لو كانت موجودة ، نعم للمقرض فيما إذا لم يكن القرض مؤجلاً لمصلحة المقترض عدم إنظاره ومطالبته بالأداء ولو قبل قضاء وطره بل ولو قبل مضي زمان يمكن فيه ذلك ، كما أن للمقترض فيما إذا لم يكن القرض مؤجلاً لمصلحة المقرض أن يؤديه إليه وليس له حق الامتناع من قبوله.
مسألة 1010 : لو كان المال المقترض مثلياً كالحنطة والشعير والذهب والفضة ونحوها ثبت في ذمة المقترض مثل ما اقترض ، ولو كان قيمياً كالغنم ونحوها ثبت في ذمته قيمته وقت التسليم إلى المقترض.
مسألة 1011 : يحرم اشتراط الزيادة على المقترض بأن يقرضه مالاً على أن يؤديه بأزيد مما اقترضه ، سواء اشترطاه صريحاً أو أضمراه بحيث وقع القرض مبنيا عليه ـ وتستثنى من ذلك موارد تقدمت في المسألة 232 ـ ، وهذا هو الربا القرضي المحرم الذي وعدنا ذكره في كتاب البيع ، وحرمته تعم المعطي والآخذ.
مسألة 1012 : الظاهر أن القرض لا يبطل باشتراط الزيادة ، بل يبطل الشرط فقط ، فيملك المقترض ما يأخذه قرضاً ولا يملك المقرض ما يأخذه من الزيادة ، فلو أخذ الحنطة مثلاً بالقرض الربوي فزرعها جاز له التصرف في حاصله ، وكذا الحال فيما إذا أخذ مالاً بالقرض الربوي ثم اشترى بعينه
شيئاً كالثوب ، وأما لو اشترى المقرض شيئاً بعين الزيادة التي أخذها في القرض لم يملكه ولم يجز له التصرف فيه ، نعم إذا كان المعطي راضياً بتصرفه فيما أخذه من الزيادة حتى لو فرض أنه لم يكن بينهما معاملة ربوية جاز له التصرف فيه.
مسألة 1013 : لا فرق في حرمة اشتراط الزيادة بين أن تكون الزيادة عينية كما إذا أقرضه عشرة دراهم على أن يؤدي اثني عشر ، أو عملاً كخياطة ثوب له ، أو منفعة أو انتفاعا كالانتفاع بالعين المرهونة عنده ، أو صفة مثل أن يقرضه دراهم فضية مكسورة على أن يؤديها صحيحة ، كما لا فرق فيها بين أن تكون الزيادة راجعة إلى المقرض أو غيره ، فلو قال : أقرضتك ديناراً بشرط أن تهب زيداً أو تصرف في المسجد أو المأتم درهماً لم يجز ، وكذا إذا اشترط عليه أن يعمر المسجد أم يقيم المأتم أونحو ذلك مما لوحظ فيه المال فإنه حرام.
وأما اشتراط ما لم يلحظ فيه المال أو ما هو واجب على المقترض فلا بأس به مثل أن يقول : أقرضتك بشرط أن تدعو لي أو تدعو لزيد أو تصلي أو تصوم لنفسك ، أو بشرط أن تؤدي زكاتك أو دينك مما كان مالاً لازم الأداء ، فهذا كله جاز لأن المدار في المنع ما لوحظ فيه المال ولم يكن ثابتاً بغير القرض.
مسألة 1014 : إذا أقرضه شيئاً وشرط عليه أن يبيع منه شيئاً بأقل من قيمته أو يؤاجره بأقل من أجرته كان داخلاً في شرط الزيادة فيحرم ، وقد يتخلص منه بأن يبيع المقترض من المقرض مالاً بأقل من قيمته أو يشتري منه شيئاً بأكثر من قيمته ويشترط عليه أن يقرضه مبلغاً معيناً ، ولكن هذا محل إشكال فلا يترك الاحتياط بالاجتناب عنه.
مسألة 1015 : إنما تحرم الزيادة مع الشرط ، وأما بدونه فلا بأس به ، بل يستحب ذلك للمقترض ، حيث أنه من حسن القضاء وخير الناس
أحسنهم قضاءً ، بل يجوز ذلك إعطاءاً وأخذاً لو كان الإعطاء لأجل أن يراه المقرض حسن القضاء فيقرضه كلما احتاج إلى الاقتراض ، أو كان الإقراض لأجل أن ينتفع من المقترض لكونه حسن القضاء ويكافئ من أحسن إليه بأحسن الجزاء بحيث لولا ذلك لم يقرضه ، نعم يكره أخذه للمقرض خصوصاً إذا كان إقراضه لأجل ذلك ، بل يستحب له أنه إذا أعطاه المقترض شيئاً بعنوان الهدية ونحوها يحسبه عوض طلبه بمعنى أنه يسقط منه بمقداره.
مسألة 1016 : إنما يحرم شرط الزيادة للمقرض على المقترض ، وأما إذا شرطها للمقترض فلا بأس به ، كما إذا أقرضه عشرة دنانير على أن يؤدي تسعة دنانير ، كما لا بأس أن يشترط المقترض على المقرض شيئاً له.
مسألة 1017 : يجوز دفع النقد قرضا إلى تاجر في بلد ليحوله إلى صاحبه في بلد آخر بأقل مما دفعه.
مسألة 1018 : لا يجوز دفع مال إلى أحد في بلد لأخذ أزيد منه في بلد آخر إذا كان المدفوع مما يباع بالكيل أو الوزن كالحنطة والذهب والفضة لأنه من الربا ، ولو أعطى الدافع متاعاً أو قام بعمل بأزاء الزيادة جاز ، ولا يجوز أخذ الزيادة في المعدود ـ كالأوراق النقدية ـ قرضاً ، ويجوز ذلك بيعاً إلا في البيع نسيئة مع الاتحاد في الجنس فإن جوازه محل إشكال كما مر في محله.
مسألة 1019 : المال المقترض إن كان مثلياً كالدراهم والدنانير والحنطة والشعير كان وفاؤه وأداؤه بإعطاء ما يماثله في الصفات من جنسه سواء أبقي على سعره الذي كان له وقت الاقتراض أم ترقى أم تنزل.
وهذا هو الوفاء الذي لا يتوقف على التراضي ، فللمقرض أن يطالب المقترض به وليس له الامتناع ولو ترقى سعره عما أخذه بكثير ، كما إن المقترض لو أعطاه للمقرض ليس له الامتناع ولو تنزل بكثير.
ويمكن أن يؤدى بالقيمة أو بغير جنسه بأن يعطي بدل الدراهم دنانير مثلاً أو بالعكس ، ولكن هذا النحو من الأداء يتوقف على التراضي ، فلو أعطى بدل الدراهم دنانير فللمقرض الامتناع من أخذها ولو تساويا في القيمة ، بل ولو كانت الدنانير أغلى ، كما أنه لو أراده المقرض كان للمقترض الامتناع وإن تساويا في القيمة أو كانت الدنانير أقل قيمة.
هذا إذا كان المال المقترض مثلياً وأما إذا كان قيمياً فقد مر أنه تشتغل ذمة المقترض بالقيمة ، وإنما تكون بالنقود الرائجة ، فأداؤه الذي لا يتوقف على التراضي يكون بإعطائها ، ويمكن أن يؤدى بجنس آخر من غير النقود بالقيمة لكنه يتوقف على التراضي.
ولو كانت العين المقترضة موجودة فأراد المقرض أداء الدين بإعطائها أو أراد المقترض ذلك فالظاهر جواز امتناع الآخر.
مسألة 1020 : يجوز في قرض المثلي أن يشترط المقرض على المقترض أن يؤديه من غير جنسه ، بأن يؤدي عوض الدراهم مثلا دنانير وبالعكس ، ويلزم عليه ذلك بشرط أن يكونا متساويين في القيمة أو كان ما شرط عليه أقل قيمة مما اقترضه.
مسألة 1021 : لو شرط التأجيل في القرض صح ولزم العمل به وكان كسائر الديون المؤجلة وقد مر حكمها في المسألة (985).
مسألة 1022 : لو اشترط في القرض أداؤه في مكان معين صح ولزم العمل به ، فلو طالب المقرض به في غير ذلك المكان لم يلزم على المقترض القبول ، كما أنه لو أداه المقرض في غيره لم يلزم على المقرض القبول ، هذا إذا كان الشرط حقاً لهما معاً ، أو لأحدهما ولم يسقطه وأما إذا أسقطه كان كأن لم يشترط ، وسيأتي حكمه.
مسألة 1023 : في حكم الاشتراط وجود قرينة حالية أو مقالية على
تعيين مكان التسليم كبلد القرض أو غيره ، ومع فقدها فإن وجدت قرينة صارفة عن بعض الأمكنة بالخصوص ـ ولو كانت هي لزوم الضرر والاحتياج إلى المؤنة في الحمل إليه ـ كان ذلك في حكم تعيين غيره ولو إجمالاً ، وحينئذٍ فالأحوط لهما التراضي وإن كان الأظهر وجوب الأداء على المقترض لو طالبه المقرض في أي مكان غيره ووجوب القبول على المقرض لو أداه المقترض في أي مكان كذلك.
مسألة 1024 : يجوز أن يشترط في القرض إعطاء الرهن أو الضامن أو الكفيل ، وكل شرط سائغ لا يكون فيه النفع المالي للمقرض ولو كان مصلحة له.
مسألة 1025 : إذا اقترض دنانير ذهبية مثلاً ثم أسقطتها الحكومة عن الاعتبار وجاءت بنقد آخر غيرها كانت عليه الدنانير الأولى ، ولو اقترض شيئاً من الأوراق النقدية المسماة بـ ( إسكناس ) ثم أسقط عن الاعتبار لم تفرغ ذمة المقترض بأدائه بل عليه قيمته قبل زمن الإسقاط.
مسألة 1026 : إذا أخذ الربا في القرض وكان جاهلاً ـ سواء أكان جهله بالحكم أم بالموضوع ـ ثم علم بالحال فإن تاب حل له ما أخذه حال الجهل وعليه أن يتركه فيما بعد ، ولا فرق في ذلك بين كون الطرف الآخر عالماً بالحال وجاهلاً به.
مسألة 1027 : إذا ورث مالاً فيه الربا ، فإن كان مخلوطاً بالمال الحلال فليس عليه شيء ، وإن كان معلوماً ومعروفاً وعرف صاحبه رده إليه وإن لم يعرف عامله معاملة المال المجهول مالكه.
كتاب الرهن
الرهن هو : ( جعل وثيقة للتأمين على دين أو عين مضمونة ).
مسألة 1028 : الرهن عقد مركب من إيجاب من الراهن وقبول من المرتهن ، ولا يعتبر فيهما اللفظ بل يتحققان بالفعل أيضاً ، فلو دفع المديون مالاً للدائن بقصد الرهن وأخذه الدائن بهذا القصد كفى.
مسألة 1029 : يعتبر في الراهن والمرتهن البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم كون الراهن سفيهاً ولا محجوراً عليه لفلس إلا إذا لم تكن العين المرهونة ملكاً له أولم تكن من أمواله التي حجر عليها.
مسألة 1030 : يجوز لولي الطفل والمجنون رهن مالهما والارتهان لهما مع المصلحة والغبطة.
مسألة 1031 : لا يعتبر في صحة الرهن القبض على الأظهر وإن كان هو الأحوط ، نعم مقتضى إطلاقه كون العين المرهونة بيد المرتهن إلا أن يشترط في كونها بيد ثالث أو بيد الراهن ما لم يناف التأمين المقوم له.
مسألة 1032 : يعتبر في المرهون أن يكون عيناً خارجية مملوكة يجوز بيعها وشراؤها فلا يصح رهن الدين قبل قبضه ولا المنفعة ولا الحر ولا الخمر والخنزير ولا الأرض الخراجية ولا الطير المملوك في الهواء إذا كان غير معتاد العود ولا الوقف ولو كان خاصاً إلا مع وجود أحد مسوغات بيعه.
مسألة 1033 : يعتبر في العين المرهونة جواز تصرف الراهن فيها ولو بالرهن فقط ، فإذا رهن مملوك الغير فصحته موقوفة على إجازة المالك ، ولو ضمه إلى مملوكه فرهنهما لزم الرهن في ملكه وتوقف في الضميمة على إجازة مالكها.
مسألة 1034 : لو كان له غرس أو بناء في الأرض الخراجية صح رهن ما فيها مستقلاً ، وأما رهن أرضها ولو بعنوان التبعية ففي صحته إشكال بل منع.
مسألة 1035 : لا يعتبر أن يكون الرهن ملكاً لمن عليه الدين ، فيجوز لشخص أن يرهن ماله على دين شخص آخر تبرعاً ولو من غير إذنه ، بل ولو مع نهيه ، وكذا يجوز للمديون أن يستعير شيئاً ليرهنه على دينه على ما تقدم في كتاب العارية ، ولو عين له المعير أن يرهنه على حق مخصوص من حيث القدر أو الحلول أو الأجل أو عند شخص معين لم يجز له مخالفته ، ولو أذن له في الرهن مطلقاً جاز له الجميع وتخير.
مسألة 1036 : لو كان الرهن على الدين المؤجل وكان مما يسرع إليه الفساد قبل الأجل من دون أن يمكن دفعه عنه كتجفيف الثمر فإن شرط بيعه قبل أن يطرأ عليه الفساد وجعل ثمنه مكانه في استيفاء الدين صح الرهن ويبيعه الراهن أو يوكل المرتهن في بيعه ، وإن امتنع أجبره الحاكم فإن تعذر باعه الحاكم أو وكيله ومع فقده باعه المرتهن فإذا بيع جعل ثمنه مكانه في استيفاء الدين ، وأما لو شرط عدم البيع إلا بعد الأجل بطل الرهن وكذا لو أطلق ولم يشترط البيع ولا عدمه على الأقرب.
ولو رهن ما لا يتسارع إليه الفساد فعرض ما صيره عرضة للفساد كالحنطة تبتل ولم يمكن دفع الفساد عنه فالظاهر انفساخ الرهن أيضاً.
مسألة 1037 : يعتبر في المرهون كونه معيناً ، فلا يصح رهن المبهم كأحد هذين ، نعم يصح رهن الكلي في المعين كصاع من صبرة وشاة من هذا القطيع ، كما أن الظاهر صحة رهن المجهول حتى من حيث الجنس والنوع إذا كان معلوماً من حيث القيمة والمالية بحد يتحقق معه التأمين المقوم للرهن.
مسألة 1038 : يشترط فيما يرهن عليه أن يكون دينا ثابتا في الذمة
لتحقق موجبه من اقتراض أو إسلاف مال أو شراء نسيئة أو استئجار عين بالذمة وغير ذلك حالاً كان الدين أو مؤجلاً ، فلا يصح الرهن على ما يقترض أو على ثمن ما يشتريه فيما بعد ، فلو رهن شيئاً على ما يقترض ثم اقترض لم يصر بذلك رهناً ، ولا على الدية قبل استقرارها بتحقق الموت وإن علم أن الجناية تؤدي إليه ، ولا على مال الجعالة قبل تمام العمل.
مسألة 1039 : كما يصح في الإجارة أن يأخذ المؤجر الرهن على الأجرة التي في ذمة المستأجر ، كذلك يصح أن يأخذ المستأجر الرهن على العمل الثابت في ذمة الأجير.
مسألة 1040 : يصح الرهن على الأعيان المضمونة كالمغصوبة والعارية المضمونة ونحوهما ، وأما عهدة الثمن أو المبيع أو الأجرة أو عوض الصلح وغيرها لو خرجت مستحقة للغير ففي صحة الرهن عليها إشكال.
مسألة 1041 : لو اشترى شيئاً بثمن في الذمة جاز جعل المبيع رهناً على الثمن.
مسألة 1042 : لو رهن على دينه رهناً ثم استدان مالاً آخر من المرتهن جاز جعل ذلك الرهن رهناً على الثاني أيضاً ، وكان رهناً عليهما معاً ، سواء كان الثاني مساوياً للأول في الجنس والقدر أو مخالفاً ، وكذا له أن يجعله على دين ثالث ورابع إلى ما شاء ، وكذا إذا رهن شيئاً على دين جاز أن يرهن شيئاً آخر على ذلك الدين وكانا جميعاً رهناً عليه.
مسألة 1043 : لو رهن شيئاً عند زيد ثم رهنه عند آخر أيضاً باتفاق من المرتهنين كان رهناً على الحقين إلا إذا قصدا بذلك فسخ الرهن الأول وكونه رهناً على خصوص الدين الثاني.
مسألة 1044 : لو استدان اثنان من واحد كل منهما ديناً ثم رهنا عنده مالاً مشتركا بينهما ولو بعقد واحد ثم قضى أحدهما دينه انفكت حصته عن
الرهانة وصارت طلقاً ، ولو كان الراهن واحداً والمرتهن متعدداً ـ بأن كان عليه دين لاثنين فرهن شيئاً عندهما بعقد واحد ـ فكل منهما مرتهن للنصف مع تساوي الدين ، ومع التفاوت فالظاهر التقسيط والتوزيع بنسبة حقهما ، فإن قضى دين أحدهما انفك عن الرهانة ما يقابل حقه.
هذا كله في التعدد ابتداءً ، وأما التعدد الطارئ فالظاهر أنه لا عبرة به ، فلو مات الراهن عن ولدين لم ينفك نصيب أحدهما بأداء حصته من الدين ، كما أنه لو مات المرتهن عن ولدين فأعطي أحدهما نصيبه من الدين لم ينفك بمقداره من الرهن.
مسألة 1045 : توابع العين المرهونة كالحمل والصوف والشعر والوبر واللبن في الحيوان ، والثمرة والأوراق والأغصان اليابسة في الشجر لا تكون رهناً بتبع الأصل إلا إذا اشترط ذلك صريحاً أو كانت قرينة عليه من تعارف أو غيره ، بلا فرق في ذلك بين الموجود منها حين العقد والمتجدد منها بعده.
مسألة 1046 : الرهن لازم من جهة الراهن جائز من طرف المرتهن فليس للراهن انتزاعه بدون رضاه إلا أن يسقط حقه من الارتهان أو ينفك الرهن بفراغ ذمة الراهن من الدين بالأداء أو غير ذلك ، ولو برئت ذمته من بعض الدين فالظاهر بقاء الجميع رهناً على ما بقي ، إلا إذا اشترطا التوزيع فينفك منه على مقدار ما برأ منه ويبقى رهناً على مقدار ما بقي ، أو شرطا كونه رهناً على المجموع من حيث المجموع فينفك الجميع بالبراءة عن بعض الدين.
مسألة 1047 : يجوز لمالك العين المرهونة سواء أكان هو الراهن أم غيره أن يتصرف فيها بما لا ينافي حق الرهانة بأن لا يكون متلفاً لها أو موجباً للنقص في ماليتها أو مخرجاً لها عن ملكه ، فيجوز له الانتفاع من الدابة بركوبها ومن الكتاب بمطالعته ومن الدار بسكناها بل يجوز له أن يسكن غيره
فيها ونحو ذلك ، وأما التصرف المتلف أو المنقص لماليتها كاستعمال ما تنقص قيمته بالاستعمال أو إيجار الدار على نحو تكون مسلوبة المنفعة على تقدير الحاجة إلى بيعها لاستيفاء الدين من ثمنها فغير جائز إلا بإذن المرتهن ، وكذلك التصرف الناقل فيها ببيع أو هبة أو نحوهما فإنه لا يجوز إلا بإذنه ، وإن وقع توقفت صحته على إجازته فإن أجاز بطل الرهن ، ولو أذن في بيعها على أن يجعل ثمنه مكانه في استيفاء الدين فلم يفعل بطل البيع إلا أن يجيزه.
مسألة 1048 : لا يجوز للمرتهن التصرف في العين المرهونة بدون إذن مالكها ـ من الراهن أو غيره ـ فلو تصرف فيها بركوب أو سكنى أو نحوهما ضمن العين لو تلفت أو تعيبت تحت يده للتعدي ولزمه أجرة المثل لما استوفاه من المنفعة ، ولو كان ببيع ونحوه أو بإجارة ونحوها وقع فضولياً فإن أجازه المالك صح وإن لم يجز كان فاسداً.
مسألة 1049 : لو باع المرتهن العين المرهونة قبل حلول الأجل بإذن مالكها ففي كون ثمنها كالأصل في استيفاء الدين منه إشكال بل منع ، وكذلك لو باعها فأجازه المالك.
مسألة 1050 : منافع الرهن كالسكنى والخدمة وكذا نماءاته المنفصلة كالنتاج والثمر والصوف والشعر والوبر والمتصلة كالسمن والزيادة في الطول والعرض كلها لمالكه ـ سواء أكان هو الراهن أو غيره ـ دون المرتهن من غير فرق فيها بين ما كانت موجودة حال الارتهان وما وجدت بعده.
مسألة 1051 : لو شرط المرتهن في عقد الرهن استيفاء منافع العين في مدة الرهن مجاناً فإن لم يرجع ذلك إلى الاشتراط في القرض أو في تأجيل أداء الدين صح ، وكذلك ما لو شرط استيفاءها بالأجرة مدة ، وأذا صح الشرط لزم العمل به إلى نهاية المدة وإن برئت ذمة الراهن من الدين.
مسألة 1052 : لو رهن الأصل والثمرة أو الثمرة منفردة صح ، فلو كان
الدين مؤجلاً وأدركت الثمرة قبل حلول الأجل ، فإن لم تكن في معرض الفساد إلى حينه فلا إشكال والا كان حكمها حكم ما يتسرع إليه الفساد قبل الأجل وقد تقدم في المسألة (1036).
مسألة 1053 : إذا حان زمان قضاء الدين وطالبه الدائن فلم يؤده جاز له بيع العين المرهونة وأستيفاء دينه إذا كان وكيلاً عن مالكها في البيع وأستيفاء دينه منه ، والا لزم استجازته فيهما ، فإن لم يتمكن من الوصول إليه استجاز الحاكم الشرعي على الأحوط ، وأذا امتنع من الإجازة رفع أمره إلى الحاكم ليلزمه بالوفاء أو البيع ، فإن تعذر على الحاكم إلزامه باعها عليه بنفسه أو بتوكيل الغير ولو كان هو المرتهن نفسه ، ومع فقد الحاكم أو عدم اقتداره على الإلزام بالبيع وعلى البيع عليه لعدم بسط اليد باعها المرتهن بنفسه مع الاستئذان من الحاكم الشرعي على الأحوط إن أمكن ، وعلى كل حال لو باعها وزاد الثمن على الدين كان الزائد عنده أمانة شرعية يوصله إلى صاحبه.
مسألة 1054 : لو وفى بيع بعض الرهن بالدين اقتصر عليه وبقي الباقي أمانة عنده ، إلا إذا لم يمكن التبعيض ولو من جهة عدم الراغب أو كان فيه ضرر على المالك فيباع الكل.
مسألة 1055 : إذا كان الرهن من مستثنيات الدين كدار سكناه ودابة ركوبه جاز للمرتهن بيعه وأستيفاء طلبه منه كسائر الرهون.
مسألة 1056 : لو شرط في عقد الرهن وكالة المرتهن أو غيره في البيع لم ينعزل ما دام حياً.
مسألة 1057 : لو رهن ماله وأوصى إلى المرتهن أن يبيع العين المرهونة ويستوفي حقه منها لزمت الوصية وليس للوارث إلزامه برد العين وأستيفاء دينه من مال آخر.
مسألة 1058 : إذا لم يكن عند المرتهن بينة مقبولة لإثبات دينه وخاف
أن يجحده الراهن لو اعترف بالرهن عند الحاكم فيؤخذ منه بموجب اعترافه ويطالب بالبينة على حقه جاز له بيع الرهن مع الاستئذان من الحاكم الشرعي على الأحوط ، وكذا لو مات الراهن وخاف المرتهن جحود الوارث.
مسألة 1059 : المرتهن أحق بالعين المرهونة من باقي الغرماء إذا صار الراهن مفلساً أو مات وعليه ديون الناس ، ولو فضل من الدين شيء شاركهم في الفاضل ، ولو فضل من الرهن وله دين بغير رهن تساوى الغرماء فيه.
مسألة 1060 : الرهن أمانة في يد المرتهن لا يضمنه لو تلف أو تعيب من دون تعد ولا تفريط ، نعم لو كان في يده مضموناً لكونه مغصوباً أو عارية مضمونة مثلا ثم ارتهن عنده لم يزل الضمان ، إلا إذا أذن له المالك في بقائه تحت يده فيرتفع الضمان على الأقوى ، وأذا انفك الدين بسبب الأداء أو الإبراء أو غير ذلك يبقى أمانة مالكية في يده على تفصيل تقدم في كتاب الوديعة.
مسألة 1061 : لا تبطل الرهانة بموت الراهن ولا بموت المرتهن فينتقل الرهن إلى ورثة الراهن مرهوناً على دين مورثهم وينتقل إلى ورثة المرتهن حق الرهانة ، فإن امتنع الراهن من استئمانهم كان له ذلك فإن اتفقوا على أمين والا سلمه الحاكم إلى من يرتضيه ، وإن فقد الحاكم فعدول المؤمنين.
مسألة 1062 : إذا كانت العين المرهونة بيد المرتهن وقد ظهرت له أمارات الموت وجب عليه الاستيثاق من عدم ضياع حق مالكها ولو بالوصية بها وتعيين المرهون والراهن والاستشهاد على ذلك ، ولولم يفعل كان مفرطاً وعليه ضمانها.
مسألة 1063 : لو كان عنده الرهن قبل موته ثم مات وعلم بعدم بقائه في تركته ولكن احتمل أنه قد رده إلى مالكه أو أنه باعه وأستوفى ثمنه أو أنه
تلف عنده بتقصير منه أو بغيره لم يحكم بكونه في ذمته بل يحكم بكون جميع تركته للورثة من دون حق لمالك الرهن فيها ، وهكذا الحال فيما لو احتمل بقاءه في تركته ولم يعلم ذلك لا تفصيلاً ولا إجمالاً فإنه لا يحكم ببقائه فيها مطلقاً على الأظهر.
مسألة 1064 : لو اقترض من شخص ديناراً مثلاً برهن وديناراً آخر منه بلا رهن ثم دفع إليه دينارا بنية الأداء والوفاء. فإن نوى كونه عن ذي الرهن سقط وإنفك رهنه ، وإن نوى كونه عن الآخر سقط ولم ينفك الرهن ، وإن لم يقصد إلا أداء دينار من الدينارين من دون تعيين كونه عن ذي الرهن أو غيره حسب ما دفعه أداءً لغير ذي الرهن ويبقى ذو الرهن بتمامه لا ينفك رهنه إلا بأدائه.
مسألة 1065 : تقدم أن المرتهن أمين لا يضمن من دون تعدٍ ولا تفريط ويضمن معه لمثله إن كان مثلياً والا فلقيمته يوم التلف ، والقول قوله مع يمينه في قيمته وعدم التعدي والتفريط وقول الراهن مع يمينه في قدر الدين ، بشرط عدم مخالتفهما للظاهر كما مر في نظائره.
مسألة 1066 : إذا اختلفا فادعى المالك أن المال كان وديعة وأدعى القابض أنه كان رهناً ، فإن كان الدين ثابتاً فالقول قول القابض بيمينه والا فالقول قول المالك.
كتاب الحجر
والمقصود به كون الشخص ممنوعا في الشرع عن التصرف في ماله بسبب من الأسباب ، وهي كثيرة أهمها أمور :
مسألة 1067 : الصغير وهو الذي لم يبلغ حد البلوغ محجور عليه شرعاً لا تنفذ تصرفاته الاستقلالية في أمواله ببيع وصلح وهبة وأقراض وأجارة وأيداع وأعارة وغيرها وإن كان في كمال التمييز والرشد وكان التصرف في غاية الغبطة والصلاح ، بل لا يجدي في الصحة إذن الولي سابقاً كما لا تجدي إجازته لاحقاً على المشهور ، ويستثنى من ذلك موارد ، منها : الأشياء اليسيرة التي جرت العادة بتصدي الصبي المميز لمعاملتها كما تقدم في المسألة (62) ، ومنها : وصيته لذوي أرحامه وفي الميراث والخيرات العامة كما سيأتي في المسألة (1354).
مسألة 1068 : كما أن الصبي محجور عليه بالنسبة إلى ماله كذلك محجور بالنسبة إلى ذمته ، فلا يصح منه الاقتراض ولا البيع والشراء في الذمة بالسلم والنسيئة وإن كان وقت الأداء مصادفاً لزمان البلوغ ، وكذلك بالنسبة إلى نفسه فلا ينفذ منه التزويج ولا الطلاق ـ على كلام في طلاق البالغ عشراً يأتي في محله ـ ولا إجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملاً في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة وغير ذلك ، نعم يجوز حيازته المباحات بالاحتطاب والاحتشاش ونحوهما ويملكها بالنية ، بل وكذا يملك الجعل في الجعالة بعمله وإن لم يأذن له الولي فيهما.
مسألة 1069 : علامة البلوغ في الأنثى إكمال تسع سنين هلالية ، وفي الذكر أحد الأمور الثلاثة :
الأول : نبات الشعر الخشن على العانة ، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف.
الثاني : خروج المني ، سواء خرج يقظة أو نوماً بجماع أو احتلام أو غيرهما.
الثالث : إكمال خمس عشرة سنة هلالية على المشهور.
مسألة 1070 : لا يبعد كون نبات الشعر الخشن في الخد وفي الشارب علامة للبلوغ ، وأما نباته في الصدر وتحت الإبط ، وكذا غلظة الصوت ونحوهما فليست أمارة عليه.
مسألة 1071 : لا يكفي البلوغ في زوال الحجر عن الصبي ، بل لابد معه من الرشد وعدم السفه بالمعنى الآتي.
مسألة 1072 : ولاية التصرف في مال الطفل والنظر في مصالحه وشؤونه لأبيه وجده لأبيه ، ومع فقدهما للقيم من أحدهما ، وهو الذي أوصى أحدهما بأن يكون ناظراً في أمره ، ومع فقد الوصي تكون الولاية والنظر للحاكم الشرعي ، وأما الأم والجد للأم والأخ فضلاً عن الأعمام والأخوال فلا ولاية لهم عليه بحال ، نعم الظاهر ثبوتها لعدول المؤمنين مع فقد الحاكم ولسائر المؤمنين مع فقدهم.
مسألة 1073 : لا تشترط العدالة في ولاية الأب والجد ، فلا ولاية للحاكم مع فسقهما ، لكن متى ظهر له ولو بقرائن الأحوال تعديهما على حقوق المولى عليه في نفسه أو ماله منعهما من التصرف ، ولا يجب عليه الفحص عن عملهما وتتبع سلوكهما.
مسألة 1074 : الأب والجد مشتركان في الولاية ، فينفذ تصرف
السابق منهما ويلغى تصرف اللاحق ، ولو اقترنا فالأقوى بطلانهما إلا في النكاح فيقدم عقد الجد.
مسألة 1075 : لا فرق في الجد بين القريب والبعيد ، فلو كان له أب وجد وأب الجد وجد الجد اشتركوا كلهم في الولاية.
مسألة 1076 : يعتبر في نفوذ تصرف الأب والجد عدم المفسدة فيه ، وأما غيرهما من الأولياء من الوصي والحاكم وعدول المؤمنين فنفوذ تصرفاتهم مشروط بالغبطة والصلاح كما تقدم في كتاب البيع.
مسألة 1077 : يجوز للولي المضاربة بمال الطفل وأبضاعه بشرط وثاقة العامل وأمانته ، فإن دفعه إلى غيره ضمن.
مسألة 1078 : يجوز للولي تسليم الصبي إلى أمين يعلمه الصنعة أو إلى من يعلمه القراءة والخط والحساب والعلوم النافعة لدينه ودنياه ، ويلزم عليه أن يصونه عما يفسد أخلاقه فضلاً عما يضر بعقائده.
مسألة 1079 : يجوز لولي اليتيم إن يخلطه بعائلته ويحسبه كأحدهم فيوزع المصارف عليهم على الرؤوس ، ويختص هذا بالمصارف التي يتشارك فيها أفراد العائلة الواحدة عادة ولا يفرد لصنف منهم أو لكل واحد مصرفاً مستقلاً كالمأكل والمشرب وكذا المسكن وشؤونه المتعارفة ، وأما غيرها كالكسوة وما يشبهها فلابد من إفراده فيه ولا يحسب عليه إلا ما يصرف منه عليه مستقلاً ، وهكذا الحال في اليتامى المتعددين فيجوز لمن يتولى الإنفاق عليهم أن يخلطهم فيما هو من قبيل المأكول والمشروب ويوزع المصارف عليهم على الرؤوس دون غيره فإنه يحسب على كل واحد ما يصرف عليه مستقلاً.
مسألة 1080 : إذا كان للصغير مال على غيره جاز للولي أن يصالحه عنه ببعضه مع المصلحة ، لكن لا يحل على المتصالح باقي المال وليس
للولي إسقاطه بحال.
مسألة 1081 : ينفق الولي على الصبي بالاقتصاد لا بالإسراف ولا بالتقتير ملاحظاً في طعامه وكسائه وغيرهما ما يليق بشأنه.
مسألة 1082 : لو ادعى الولي الإنفاق على الصبي أو على ماله أو دوابه بالمقدار اللائق وإنكر بعد البلوغ أصل الإنفاق أو مقداره وكيفيته فالقول قول الولي بيمينه ـ ما لم يكن مخالفاً للظاهر ـ إلا أن يكون مع الصبي البينة.
مسألة 1083 : لا ينفذ تصرف المجنون إلا في أوقات إفاقته ، وحكمه حكم الصغير في جميع ما تقدم ، نعم في ولاية الأب والجد ووصيهما عليه إذا تجدد جنونه بعد بلوغه ورشده أو كونها للحاكم إشكال ، فلا يترك الاحتياط بتوافقهما معاً.
السفيه هو الذي ليس له حالة باعثة على حفظ ماله والاعتناء بحاله يصرفه في غير موقعه ويتلفه بغير محله ، وليس معاملاته مبنية على المكايسة والتحفظ عن المغابنة ، لا يبالي بالانخداع فيها ، يعرفه أهل العرف والعقلاء بوجدانهم إذا وجدوه خارجاً عن طورهم ومسلكهم بالنسبة إلى أمواله تحصيلاً وصرفاً.
مسألة 1084 : السفيه محجور عليه شرعاً لا ينفذ تصرفاته في ماله ببيع وصلح وأجارة وأيداع وعارية وغيرها ، ولا يتوقف حجره على حكم الحاكم على الأقوى ، ولا فرق بين أن يكون سفهه متصلاً بزمان صغره أو تجدد بعد البلوغ ، فلو كان سفيهاً ثم حصل له الرشد ارتفع حجره ، فإن عاد إلى حالته السابقة حجر عليه ، ولو زالت فك حجره ، ولو عاد عاد الحجر عليه وهكذا ، ولا يزول الحجر مع فقد الرشد وإن طعن في السن.
مسألة 1085 : ولاية السفيه للأب والجد ووصيهما إذا بلغ سفيهاً ، وأما من طرأ عليه السفه بعد البلوغ ففي كون الولاية عليه للجد والأب أيضاً أو للحاكم خاصة إشكال فلا يترك الاحتياط بتوافقهما معاً.
مسألة 1086 : كما أن السفيه محجور عليه في أمواله كذلك في ذمته ، بأن يتعهد مالاً أو عملاً ، فلا يصح اقتراضه وضمانه ولا بيعه وشراؤه بالذمة ولا إجارة نفسه ولا جعل نفسه عاملاً في المضاربة أو المزارعة أو المساقاة وغير ذلك.
مسألة 1087 : معنى عدم نفوذ تصرفات السفيه عدم استقلاله ، فلو كان بإذن الولي أو إجازته صح ونفذ ، نعم في العتق ونحوه مما لا يجري فيه الفضولية يشكل صحته بالإجازة اللاحقة من الولي ، ولو أوقع معاملة في حال سفهه ثم حصل له الرشد فأجازها كانت كإجازة الولي.
مسألة 1088 : لا يصح زواج السفيه بدون إذن الولي أو إجازته على الأحوط ، لكن يصح طلاقه وظهاره وخلعه ، كما تصح وصيته في غير أمواله كتجهيزه ونحوه ، ويقبل إقراره إذا لم يتعلق بالمال كما لو أقر بالنسب أو بما يوجب القصاص ونحو ذلك ، ولو أقر بالسرقة يقبل في القطع دون المال.
مسألة 1089 : لو وكل السفيه أجنبي في بيع أو هبة أو إجارة مثلاً جاز ولو كان وكيلاً في أصل المعاملة لا في مجرد إجراء الصيغة.
مسألة 1090 : إذا حلف السفيه أو نذر على فعل شيء أو تركه مما لا يتعلق بماله انعقد حلفه ونذره ، ولو حنث كفر كسائر ما أوجب الكفارة كقتل الخطأ والإفطار في شهر رمضان ، وهل يتعين عليه الصوم لو تمكن منه أو يتخير بينه وبين كفارة مالية كغيره؟ وجهان أحوطهما الأول ، نعم لولم يتمكن من الصوم تعين غيره ، كما إذا فعل ما يوجب الكفارة المالية على التعيين كما في كثير من كفارات الإحرام.
مسألة 1091 : لو كان للسفيه حق القصاص جاز أن يعفو عنه بخلاف الدية وأرش الجناية.
مسألة 1092 : إذا اطلع الولي على بيع أو شراء مثلاً من السفيه ولم ير المصلحة في إجازته ، فإن لم يقع إلا مجرد العقد ألغاه ، وإن وقع تسليم وتسلم للعوضين فما سلمه إلى الطرف الآخر يسترده ويحفظه ، وما تسلمه وكان موجوداً يرده إلى مالكه وإن كان تالفاً ضمنه السفيه ، فعليه مثله أو قيمته لو قبضه بغير إذن من مالكه وإن كان بإذن منه وتسليمه لم يضمنه إلا مع إتلافه إياه ، نعم يقوى الضمان في صورة التلف أيضاً لو كان المالك الذي سلمه الثمن أو المبيع جاهلا بحاله ، وكذا الحال فيما لو اقترض السفيه وأتلف المال.
مسألة 1093 : لو أودع إنسان وديعة عند السفيه فأتلفها ضمنها على الأقوى ، سواء علم المودع بحاله أو جهل بها ، نعم لو تلفت عنده لم يضمنها حتى مع تقصيره في حفظها إذا كان المودع عالماً بحاله.
مسألة 1094 : لا يسلم إلى السفيه ماله ما لم يحرز رشده ، وأذا اشتبه حاله يختبر بأن يفوض إليه مدة معتد بها بعض الأمور مما يناسب شأنه كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار لمن يناسبه مثل هذه الأمور والرتق والفتق في بعض الأمور مثل مباشرة الإنفاق في مصالحه أو مصالح الولي ونحو ذلك فيمن يناسبه ذلك ، فإن أنس منه الرشد ـ بأن رأى منه المداقة والمكايسة والتحفظ عن المغابنة في معاملاته وصيانة المال من التضييع وصرفه في موضعه وجريه مجاري العقلاء ـ دفع إليه ماله والا فلا.
مسألة 1095 : الصبي إذا احتمل حصول الرشد له قبل البلوغ فالأحوط اختباره قبله ليسلم إليه ماله بمجرد بلوغه لو أنس منه الرشد ، والا لزم في كل زمان احتمل فيه ذلك عند البلوغ أو بعده ، وأما غيره فإن ادعى حصول الرشد له وأحتمله الولي يجب اختباره ، وإن لم يدع حصوله ففي
وجوب الاختبار بمجرد الاحتمال إشكال بل لا يبعد عدمه.
مسألة 1096 : يثبت الرشد في الرجال بشهادة أمثالهم ، وفي النساء بشهادة الرجال ، وفي ثبوته بشهادة رجل وأمرأتين أو بشهادة النساء منفردات إشكال.
المفلس هو الذي حجر عليه أي منع من التصرف بماله لقصوره عن ديونه.
مسألة 1097 : من كثرت عليه الديون ولو كانت أضعاف أمواله يصح له التصرف فيها بأنواعه وينفذ أمره فيها بأصنافه ولو بإخراجها جميعاً عن ملكه مجاناً أو بعوض ما لم يحجر عليه الحاكم الشرعي ، نعم لو كان صلحه عنها أو هبتها مثلاً لأجل الفرار من أداء الديون تشكل الصحة ، خصوصاً فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه.
مسألة 1098 : لا يجوز الحجر على المفلس إلا بشروط أربعة :
الأول : أن تكون ديونه ثابتة شرعاً.
الثاني : أن تكون أمواله من عروض ونقود ومنافع وديون على الناس ما عدا مستثنيات الدين قاصرة عن ديونه.
الثالث : أن تكون الديون حالة ، فلا يحجر عليه لأجل الديون المؤجلة وإن لم يف ماله بها لو حلت ، ولو كان بعضها حالاً وبعضها مؤجلاً فإن قصر ماله عن الحالة يحجر عليه والا فلا.
الرابع : أن يرجع الغرماء كلهم أو بعضهم إلى الحاكم ويطلبوا منه الحجر عليه ، فليس للحاكم أن يتبرع بالحجر عليه أو عند طلبه نفسه ، نعم إذا كان الدين لمن يكون الحاكم وليهم كاليتيم والمجنون جاز له الحجر عليه مع مراعاة مصلحتهم.
مسألة 1099 : يعتبر في الحجر عليه بطلب بعض الغرماء أن يكون
دينه بمقدار يجوز الحجر به عليه وإن عم الحجر حينئذٍ له ولغيره من ذي الدين الحال الذي يستحق المطالبة به.
مسألة 1100 : إذا حجر الحاكم على المفلس تعلق حق الغرماء بأمواله عيناً كانت أم ديناً ، ولا يجوز له التصرف فيها بعوض كالبيع والإجارة وبغير عوض كالوقف والهبة والإبراء إلا بإذنهم أو إجازتهم.
مسألة 1101 : إذا اشترى شيئاً بخيار ثم حجر عليه جاز له إسقاط خياره وأما جواز فسخه فمحل إشكال.
مسألة 1102 : إنما يمنع الحجر عن التصرف في أمواله الموجودة في زمان الحجر عليه دون الأموال المتجددة الحاصلة له بغير اختياره كالإرث أو باختياره بمثل الاحتطاب والاصطياد وقبول الوصية والهبة ونحو ذلك ، نعم لا إشكال في جواز تجديد الحجر عليها إذا كانت مع الأموال السابقة قاصرة عن ديونه والا بطل الحجر.
مسألة 1103 : لو اقترض المفلس بعد الحجر عليه أو اشترى في الذمة لم يشارك المقرض والبائع الغرماء ، ولو أتلف مال غيره فالأظهر عدم مشاركة صاحبه للغرماء وكذا لو أقر بدين سابق أو بعين ، نعم ينفذ الإقرار في حق نفسه فلو سقط حق الغرماء عن العين وإنفك الحجر لزمه تسليمها إلى المقر له أخذاً بإقراره.
مسألة 1104 : إذا حكم الحاكم بحجر المفلس أمره ببيع أمواله بالاتفاق مع غرمائه وقسمتها بينهم بالحصص وعلى نسبة ديونهم ، فإن أبى باعها عليه بالاتفاق معهم وقسمها كذلك ويزول الحجر عنه بالتقسيم والأداء ، ويستثنى من أمواله مستثنيات الدين وقد مرت في كتاب الدين ، وكذا أمواله المرهونة عند الديان لو كانت ، فإن المرتهن أحق باستيفاء حقه من العين المرهونة ولا يحاصه فيها سائر الغرماء إلا في المقدار الزائد منها على
دينه كما مر في كتاب الرهن.
مسألة 1105 : إذا كان من جملة مال المفلس عين اشتراها وكان ثمنها في ذمته كان البائع بالخيار بين أن يفسخ البيع ويأخذ عين ماله وبين الضرب مع الغرماء بالثمن ولولم يكن له مال سواها.
مسألة 1106 : الظاهر أن هذا الخيار ليس على الفور ، فله أن لا يبادر بالفسخ والرجوع في العين ، نعم ليس له الإفراط في تأخير الاختيار بحيث يعطل أمر التقسيم على الغرماء ، فإذا وقع منه ذلك خيره الحاكم بين الأمرين ، فإن امتنع عن اختيار أحدهما ضربه مع الغرماء بالثمن.
مسألة 1107 : يعتبر في جواز رجوع البائع بالعين حلول الدين فلا رجوع لو كان مؤجلاً ولم يحل قبل القسمة وأما مع حلوله قبلها فله ذلك على الأقرب.
مسألة 1108 : لو كانت العين من مستثنيات الدين ليس للبائع أن يرجع إليها على الأظهر.
مسألة 1109 : المقرض كالبائع في أن له الرجوع في العين المقترضة لو وجدها عند المقترض ، وأما المؤجر فهل له فسخ الإجارة إذا حجر على المستأجر قبل استيفاء المنفعة؟ فيه إشكال فلا يترك مقتضى الاحتياط فيه.
مسألة 1110 : لو باع شقصاً وفلس المشتري كان للشريك الأخذ بالشفعة ويضرب البائع مع الغرماء في الثمن.
مسألة 1111 : لو وجد البائع أو المقرض بعض العين المبيعة أو المقترضة كان لهما الرجوع إلى الموجود بحصته من الدين والضرب بالباقي مع الغرماء كما إن لهما الضرب بتمام الدين معهم.
مسألة 1112 : لو حصلت العين المبيعة أو المقترضة زيادة منفصلة كالولد ونحوه فهي للمشتري والمقترض وليس للبائع والمقرض إلا الرجوع إلى الأصل ، وأما لو حصلت لها زيادة متصلة فإن كانت غير قابلة للإنفصال
كالسمن والطول فهي تابعة للعين فيرجع البائع أو المقترض إلى العين كما هي إلا إذا كانت كثيرة كما سيأتي ، وإن كانت قابلة له كالصوف والثمرة ونحوهما ففي التبعية إشكال والأظهر عدمها.
مسألة 1113 : إذا زرع الحب أو استفرخ البيض لم يكن للبائع أو المقرض الرجوع إلى الزرع أو الفرخ ، وكذا في كل مورد حصل تغير في المبيع أو المال المقترض بحيث لا يصدق أنه عين ماله وإن كان ذلك بسبب حصول نماء متصل فيه غير قابل للانفصال كما لو باعه الفرخ في أول خروجه من البيض فصار دجاجاً فإن ذلك يمنع من الرجوع فيه ، نعم لا يمنع منه حدوث صفة أو ما بحكمها فيه وإن أوجبت زيادة قيمته السوقية.
مسألة 1114 : لو اشترى ثوباً فقصره وصبغه لم يبطل حق البائع في العين ، وأما لو اشترى غزلاً فنسجه أو دقيقاً فخبزه فالأظهر بطلان حقه فيهما.
مسألة 1115 : لو تعيبت العين عند المشتري مثلاً ، فإن كان بآفة سماوية أو بفعل المشتري فللبائع أن يأخذها كما هي بدل الثمن وإن يضرب بالثمن مع الغرماء ، وكذا لو كان بفعل البائع أو الأجنبي على الأقرب.
مسألة 1116 : لو اشترى أرضاً فأحدث فيها بناء أو غرساً ثم فلس كان للبائع الرجوع إلى أرضه لكن البناء والغرس للمشتري فإن تراضيا على البقاء مجاناً أو بعوض جاز وإن لم يرض البائع بالبقاء قيل : إن له إجبار المشتري على القلع والهدم وليس للمشتري إجباره على البقاء ولو بأجرة ، ولكنه لا يخلو عن إشكال ، ولو أراد المشتري القلع أو الهدم فليس للبائع إجباره على البقاء ولو مجاناً بلا إشكال.
مسألة 1117 : إذا خلط المشتري ما اشتراه بمال آخر على نحو يعد معه تالفاً أو موجباً للشركة في الخليط فالأظهر سقوط حق البائع في العين فيضرب مع الغرماء في الثمن.
مسألة 1118 : غريم الميت كغريم المفلس ، فإذا وجد عين ماله في تركته كان له الرجوع إليه ، لكن بشرط أن يكون ما تركه وافياً بدين الغرماء ، والا فليس له ذلك بل هو كسائر الغرماء يضرب بدينه معهم وإن كان الميت قد حجر عليه.
مسألة 1119 : إذا كان في التركة عين زكوية قدمت الزكاة على الديون وكذلك الخمس وأذا كانا في ذمة الميت كانا كسائر الديون.
مسألة 1120 : يجري على المفلس إلى يوم قسمة ماله نفقته وكسوته ونفقة وكسوة من يجب عليه نفقته وكسوته على ما جرت عليه عادته ، ولو مات قدم كفنه بل وسائر مؤن تجهيزه من السدر والكافور وماء الغسل ونحو ذلك على حقوق الغرماء ويقتصر على الواجب على الأحوط ، وإن كان القول باعتبار المتعارف بالنسبة إلى أمثاله لا يخلو من قوة.
مسألة 1121 : لو قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه ثم ظهر غريم آخر نقضت القسمة وشاركهم.
مسألة 1122 : المريض إذا لم يتصل مرضه بموته فهو كالصحيح يتصرف في ماله بما شاء وكيف شاء وينفذ جميع تصرفاته في جميع ما يملكه إلا فيما أوصى بأن يصرف شيء بعد موته فإنه لا ينفذ فيما زاد على ثلث ما يتركه ، كما أن الصحيح أيضاً كذلك وسيأتي تفصيل ذلك في محله.
وأما إذا اتصل مرضه بموته فلا إشكال في عدم نفوذ وصيته بما زاد على الثلث كغيره ، كما أنه لا إشكال في جواز انتفاعه بماله بالأكل والشرب والإنفاق على نفسه ومن يعوله والصرف على أضيافه وفي حفظ شأنه وأعتباره وغير ذلك مما يليق به ولا يعد سرفاً وتبذيراً أي مقدار كان ، وكذا لا إشكال في نفوذ تصرفاته المعاوضية المتعلقة بماله إذا لم تكن مشتملة على المحاباة
كالبيع بثمن المثل والإجارة بأجرة المثل ، وإنما الإشكال في تصرفاته الأخرى المبنية على المحاباة والمجانية أو على نحومنها كالوقف والصدقة والإبراء والهبة والصلح بغير عوض أو بعوض أقل من القيمة والبيع بأقل من ثمن المثل والإجارة بأقل من أجرة المثل ونحو ذلك مما يستوجب نقصاً في ماله ، وهي المعبر عنها بـ ( المنجزات ) فقد وقع الإشكال في أنها هل هي نافذة من الأصل ـ بمعنى نفوذها وصحتها مطلقاً وإن زادت على ثلث ماله بل وإن تعلقت بجميع ماله بحيث لم يبق شيء للورثة ـ أو هي نافذة بمقدار الثلث ، فإذا زادت يتوقف صحتها ونفوذها في الزائد على إمضاء الورثة ، والأقوى هو الثاني.
مسألة 1123 : الواجبات المالية التي يؤديها المريض في مرض موته كالخمس والزكاة والكفارات تخرج من الأصل.
مسألة 1124 : الصدقة وإن كانت من المنجزات كما تقدم لكن الظاهر أنه ليس منها ما يتصدق المريض لأجل شفائه وعافيته مما يليق بشأنه ولا يعد سرفاً.
مسألة 1125 : يقتصر في المرض المتصل بالموت على ما يكون المريض معه في معرض الخطر والهلاك ، فمثل حمى يوم خفيف اتفق الموت به على خلاف مجاري العادة لا يمنع من نفوذ المنجزات من أصل التركة ، وكذا يقتصر فيه على المرض الذي يؤدي إلى الموت ، فلو مات لا بسبب ذلك المرض بل بسبب آخر من قتل أو افتراس سبع أو لدغ حية ونحو ذلك لم يمنع من نفوذها من الأصل ، وأيضاً يقتصر في المرض الذي يطول بصاحبه فترة طويلة على أواخره القريبة من الموت فالمنجزات الصادرة منه قبل ذلك نافذة من الأصل.
مسألة 1126 : لا يبعد أن يلحق بالمرض كون الإنسان في معرض الخطر
والهلاك كأن يكون في حال المراماة في الحرب أو في حال إشراف السفينة على الغرق.
مسألة 1127 : لو أقر بدين أو عين من ماله في مرض موته لوارث أو أجنبي ، فإن كان مأموناً غير متهم نفذ إقراره في جميع ما أقر به ، وإن كان زائداً على ثلث ماله بل وإن استوعبه ، والا فلا ينفذ فيما زاد على ثلثه.
هذا إذا كان الإقرار في مرض الموت وأما إذا كان في حال الصحة أو في مرض غير مرض غير مرض الموت نفذ في الجميع وإن كان متهماً.
والمراد بكونه متهماً وجود أمارات يظن معها بكذبه ، كأن يكون بينه وبين الورثة معاداة يظن معها بأنه يريد بذلك إضرارهم ، أو كان له محبة شديدة مع المقر له يظن معها بأنه يريد بذلك نفعه.
مسألة 1128 : إذا لم يعلم حال المقر وإنه كان متهماً أو مأموناً ففي الحكم بنفوذ إقراره في الزائد على الثلث وعدمه إشكال ، فالأحوط التصالح بين الورثة والمقر له.
مسألة 1129 : إنما يحسب الثلث في مسألتي المنجزات والإقرار بالنسبة إلى مجموع ما يتركه في زمان موته من الأموال عيناً أو ديناً أو منفعة أو حقاً مالياً يبذل بأزائه المال كحق التحجير ، وهل تحسب الدية من التركة وتضم إليها ويحسب الثلث بالنسبة إلى المجموع أم لا؟ وجهان أوجههما الأول.
مسألة 1130 : ما تقدم من عدم النفوذ فيما زاد على الثلث في الوصية وفي المنجزات إنما هو فيما إذا لم يجز الورثة والا نفذتا بلا إشكال ، ولو أجاز بعضهم نفذ بمقدار حصته ، ولو أجازوا بعضاً من الزائد عن الثلث نفذ بقدره.
مسألة 1131 : لا إشكال في صحة إجازة الوارث بعد موت المورث ، وهل تصح منه في حال حياته بحيث تلزم عليه ولا يجوز له الرد بعد ذلك أم
لا؟ قولان أقواهما الأول خصوصاً في الوصية ، وأذا رد في حال الحياة يمكن أن يلحقه الإجازة بعد ذلك على الأقوى وإن رده بعد الموت لم تنفع الإجازة بعده.
كتاب الضمان
الضمان هو : ( التعهد بمال لآخر ) ويقع على نحوين :
تارة على نحو نقل الدين من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن للمضمون له ، وأخرى على نحو التزام الضامن للمضمون له بأداء مال إليه فليست نتيجته سوى وجوب الأداء عليه تكليفاً ، فالفرق بين النحوين : أن الضامن على النحو الأول ـ وهو المقصود بالضمان عند الإطلاق ـ تشتغل ذمته للمضمون له بنفس المال المضمون ، فلو مات قبل وفائه أخرج من تركته مقدماً على الإرث ، وأما الضامن على النحو الثاني فلا تشتغل ذمته للمضمون له بنفس المال بل بأدائه إليه فلو مات قبل ذلك لم يخرج من تركته شيء إلا بوصية منه.
مسألة 1132 : يعتبر في الضمان : الإيجاب من الضامن والقبول من المضمون له بلفظ أو فعل دال ـ ولو بضميمة القرائن ـ على تعهد الأول بالمال ورضا الثاني بذلك.
مسألة 1133 : يعتبر في الضامن والمضمون له : البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم السفه ، وعدم التفليس أيضاً في خصوص المضمون له ، وأما في المديون فلا يعتبر شيء من ذلك فلو ضمن شخص ما على المجنون أو الصغير من الدين صح.
مسألة 1134 : الأحوط اعتبار التنجيز في عقد الضمان فلو علقه على أمر كأن يقول : أنا ضامن لما على فلان إن أذن لي أبي ، أو أنا ضامن إن لم يف المديون إلى زمان كذا أوإن لم يف أصلاً لم يصح على الأحوط ، نعم لا يعتبر التنجيز في الضمان على النحو الثاني فيصح أن يلتزم بأداء الدين مثلاً
على تقدير خاص كعدم قيام المدين بوفائه فيلزمه العمل بالتزامه وللدائن مطالبته بالأداء على ذلك التقدير.
مسألة 1135 : يعتبر في الضمان كون الدين الذي يضمنه ثابتاً في ذمة المضمون عنه سواء كان مستقراً كالقرض والثمن أو المثمن في البيع الذي لا خيار فيه أو متزلزلاً كأحد العوضين في البيع الخياري أو كالنصف الثاني من المهر قبل الدخول ونحو ذلك ، فلو قال أقرض فلاناً أو بعه نسيئة وإنا ضامن لم يصح ، نعم لو قصد الضمان على النحو الثاني المتقدم صح ، فلو تخلف المقترض عن أداء القرض أو تخلف المشتري عن أداء الثمن المؤجل وجب على الضامن أداؤه.
مسألة 1136 : يعتبر في الضمان تعين الدين والمضمون له والمضمون عنه فلا يصح ضمان أحد الدينين ولو لشخص معين على شخص معين ، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو لواحد معين ، ولا ضمان دين أحد الشخصين ولو على واحد معين.
مسألة 1137 : إذا كان الدين معيناً في الواقع ولو يعلم جنسه أو مقداره أو كان المضمون له أو المضمون عنه متعيناً في الواقع ولم يعلم شخصه صح على الأقوى ، خصوصاً في الأخيرين ، فلو قال ضمنت ما لفلان على فلان ولم يعلم أنه درهم أو دينار أو انه دينار أو ديناران صح على الأصح ، وكذا لو قال ضمنت الدين الذي على فلان لمن يطلبه من هؤلاء العشرة ، ويعلم بأن واحداً منهم يطلبه ولم يعلم شخصه ثم قبل بعد ذلك الواحد المعين الذي يطلبه ، أو قال ضمنت ما كان لفلان على المديون من هؤلاء ولم يعلم شخصه صح الضمان على الأقوى.
مسألة 1138 : إذا تحقق الضمان الجامع للشرائط انتقل الحق ـ كما تقدم ـ من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن وبرئت ذمته ، فإذا أبرء
المضمون له ـ وهو صاحب الدين ـ ذمة الضامن برئت الذمتان الضامن والمضمون عنه ، وأذا أبرء ذمة المضمون عنه كان لغواً لأنه لم تشتغل ذمته بشيء حتى يبرئه.
مسألة 1139 : عقد الضمان لازم فلا يجوز للضامن فسخه ولا المضمون له.
مسألة 1140 : يشكل ثبوت الخيار لأي من الضامن والمضمون له بالاشتراط أو بغيره.
مسألة 1141 : إذا كان الضامن حين الضمان قادراً على أداء المضمون فليس للدائن فسخ الضمان ومطالبة المديون الأول وإن عجز الضامن عن الأداء بعد ذلك ، وكذلك إذا كان الدائن عالماً بعجز الضامن ورضي بضمانه ، وأما إذا كان جاهلاً بذلك ففي ثبوت حق الفسخ له إشكال.
مسألة 1142 : إذا ضمن من دون إذن المضمون عنه وطلبه لم يكن له الرجوع عليه بالدين والا فله الرجوع عليه ولو قبل وفائه على الأظهر ، نعم إذا أبرء المضمون له ذمة الضامن عن تمام الدين لم يستحق على المضمون عنه شيئاً وأذا أبرء ذمته عن بعضه لم يستحق عليه ذلك البعض ، ولو صالح المضمون له الضامن بالمقدار الأقل لم يستحق الضامن على المضمون عنه إلا ذلك المقدار دون الزائد ، وكذا الحال لو ضمن الدين بأقل منه برضا المضمون له ، والضابط أن الضامن لا يستحق على المضمون عنه بالمقدار الذي يسقط من الدين بغير أدائه ، ومنه يظهر أنه ليس له شيء في صورة تبرع أجنبي لأداء الدين.
مسألة 1143 : لو دفع المضمون عنه الدين إلى المضمون له من دون إذن الضامن برئت ذمته وليس له الرجوع عليه.
مسألة 1144 : إذا احتسب المضمون له ما على ذمة الضامن خمساً
أو زكاة بإجازة من الحاكم الشرعي ، أو صدقة ، فالظاهر أن للضامن أن يطالب المضمون عنه بذلك وكذا الحال إذا أخذه منه ثم رده إليه بعنوان الهبة أو نحوها ، وهكذا إذا مات المضمون له وورث الضامن ما في ذمته.
مسألة 1145 : يجوز ضمان الدين الحال حالاً ومؤجلاً ، وكذا ضمان الدين المؤجل مؤجلاً وحالاً ، وكذا يجوز ضمان الدين المؤجل مؤجلاً بأزيد من أجله وبأنقص منه.
مسألة 1146 : إذا كان الدين حالاً وضمنه الضامن مؤجلاً كان الأجل للضمان لا الدين ، فلو أسقط الضامن الأجل سقط فيكون للمضمون له مطالبته حالاً كما كان له مطالبة المضمون عنه كذلك ، وهكذا الحال ما لو مات الضامن قبل انقضاء الأجل.
مسألة 1147 : إذا كان الدين مؤجلاً وضمنه شخص بإذن المضمون عنه كذلك ثم أسقط الأجل فليس له مطالبة المضمون عنه به قبل حلول الأجل ، وكذا الحال إذا مات الضامن في الأثناء فإن المضمون له يأخذ المال المضمون من تركته حالا ولكن ليس لورثته مطالبة المضمون عنه قبل حلول الأجل.
مسألة 1148 : إذا كان الدين مؤجلاً وضمنه شخص حالاً بإذن المضمون عنه جاز له الرجوع إليه كذلك لأنه المتفاهم العرفي من إذنه بذلك.
مسألة 1149 : إذا كان الدين مؤجلاً وضمنه بإذن المضمون عنه بأقل من أجله كما إذا كان أجله ثلاثة أشهر مثلاً وضمنه بمدة شهر فله مطالبة المضمون عنه بالدين عند حلول الأجل الثاني وهو أجل الضمان.
وإذا ضمنه بأكثر من أجله ثم أسقط الزائد فله مطالبة المضمون عنه بذلك وكذلك الحال ما إذا مات الضامن بعد انقضاء أجل الدين وقبل انقضاء
المدة الزائدة.
مسألة 1150 : إذا أدى الضامن الدين من غير جنسه لم يكن له إجبار المضمون عنه بالأداء من خصوص الجنس الذي دفعه إلى الدائن.
مسألة 1151 : يجوز الضمان بشرط الرهانة من المضمون له على الضامن فيرهن بعد الضمان ، ولولم يفعل ففي ثبوت الخيار للمضمون له إشكال.
مسألة 1152 : إذا كان على الدين الثابت في ذمة المضمون عنه رهن فهو ينفك بالضمان إلا إذا اشترط عدمه فلا ينفك حينئذٍ.
مسألة 1153 : يجوز الترامي في الضمان بأن يضمن مثلاً عمرو عن زيد ، ثم يضمن بكر عن عمرو ثم يضمن خالد عن بكر وهكذا ، فتبرأ ذمة الجميع ويستقر الدين على الضامن الأخير ، فإن كان جميع الضمانات بغير إذن من المضمون عنه لم يرجع واحد منهم على سابقه ، وإن كان جميعها بالإذن يرجع الضامن الأخير على سابقه وهو على سابقه إلى أن ينتهي إلى المديون الأصلي ، وإن كان بعضها بالإذن وبعضها بدونه فإن كان الأخير بدون الإذن كان كالأول لم يرجع واحد منهم على سابقه وإن كان بالإذن رجع هو على سابقه وهو على سابقه لو ضمن بإذنه والا لم يرجع وإنقطع الرجوع عليه.
مسألة 1154 : لا إشكال في جواز ضمان اثنين عن واحد بالاشتراك بأن يكون على كل منهما بعض الدين فتشتغل ذمة كل منهما بمقدار منه على حسب ما عيناه ولو بالتفاوت ، ولو أطلقا يقسط عليهما بالنصف وإن كانوا ثلاثة فبالثلث وهكذا ، ولكل منهما أداء ما عليه وتبرأ ذمته ولا يتوقف على أداء الآخر ما عليه ، وللمضمون له مطالبة كل منهما بحصته ومطالبة أحدهما أو إبراؤه دون الآخر ، ولو كان ضمان أحدهما بالإذن دون الآخر رجع هو إلى المضمون عنه بما ضمنه دون الآخر ، والظاهر أنه لا فرق في جميع ما ذكر
بين أن يكون ضمانهما بعقدين ـ بأن ضمن أحدهما عن نصف الدين ثم ضمن الآخر عن نصفه الآخر ـ أو بعقد واحد كما إذا ضمن عنهما وكيلهما في ذلك فقبل المضمون له ، هذا كله في ضمان اثنين عن واحد بالاشتراك ، وأما ضمانهما عنه بالاستقلال ـ بأن يكون كل منهما ضامناً لتمام الدين ـ فهو محل إشكال بل منع.
مسألة 1155 : إذا كان المديون فقيراً لم يصح أن يضمن شخص عنه بالوفاء من الخمس أو الزكاة أو المظالم ، ولا فرق في ذلك بين أن تكون ذمة الضامن مشغولة بها فعلاً أم لا.
مسألة 1156 : إذا كان الدين الثابت على ذمة المدين خمساً أو زكاةً صح أن يضمن عنه شخص للحاكم الشرعي أو وكيله.
مسألة 1157 : إذا ضمن شخص في مرض موته صح الضمان ، فإن كان بإذن المضمون عنه فلا إشكال في خروجه من أصل التركة ، وإن لم يكن بإذنه فالأقوى خروجه من الثلث.
مسألة 1158 : يصح أن يضمن شخص للمرأة نفقاتها الماضية ، وأما ضمانه لنفقاتها الآتية فلا يصح إلا على النحو الثاني المتقدم كما لا يصح ضمان نفقة الأقارب إلا على ذلك النحو.
مسألة 1159 : كما يجوز الضمان عن الأعيان الثابتة في الذمم يجوز الضمان عن المنافع والأعمال المستقرة في الذمم ، فكما أنه يجوز أن يضمن عن المستأجر ما عليه من الأجرة كذلك يجوز أن يضمن عن الأجير ما عليه من العمل ، نعم لو كان ما عليه يعتبر فيه مباشرته ـ كما إذا كان عليه خياطة ثوب مباشرة ـ لم يصح ضمانه.
مسألة 1160 : يصح ضمان الأعيان الخارجية على النحو الثاني المتقدم أي الالتزام بردها مع بقاء العين المضمونة ورد بدلها من المثل أو
القيمة عند تلفها ، ومن هذا القبيل ضمان شخص عهدة الثمن للمشتري إذا ظهر المبيع مستحقاً للغير أو ظهر بطلان البيع من جهة أخرى.
مسألة 1161 : في صحة ضمان ما يحدثه المشتري في الأرض المشتراة من بناء أو غرس أونحو ذلك إذا ظهر كونها مستحقة للغير إشكال ، ولكن الأقوى صحته على النحو الثاني المتقدم.
مسألة 1162 : لو ادعى شخص على شخص ديناً فقال ثالث للمدعي عليّ ما عليه فرضي به المدعي صح الضمان ، بمعنى انتقال الدين إلى ذمته على تقدير ثبوته ، فيسقط الدعوى عن المضمون عنه ويصير الضامن طرف الدعوى ، فإذا أقام المدعي البينة على ثبوته يجب على الضامن أداؤه ، وكذا لو ثبت إقرار المضمون عنه قبل الضمان بالدين ، وأما إقراره بعد الضمان فلا يثبت به شيء على الضامن لكونه إقراراً على الغير.
مسألة 1163 : إذا اختلف الدائن والمدين في أصل الضمان ، كما إذا ادعى المديون الضمان وإنكره الدائن فالقول قول الدائن ، وهكذا إذا ادعى المديون الضمان في تمام الدين وإنكره المضمون له في بعضه.
مسألة 1164 : إذا ادعى الدائن على أحد الضمان فأنكره فالقول قول المنكر ، وأذا اعترف بالضمان وأختلفا في مقداره أو في اشتراط التعجيل إذا كان الدين مؤجلاً ، فالقول قول الضامن ، وأذا اختلفا في اشتراط التأجيل مع كون الدين حالاً ، أو في وفائه للدين ، أو في إبراء المضمون له قدم قول المضمون له.
مسألة 1165 : إذا اختلف الضامن والمضمون عنه في الإذن وعدمه ، أو في مقدار الدين المضمون ، أو في اشتراط شيء على المضمون عنه ، قدم قول المضمون عنه ما لم يكن مخالفاً للظاهر وكذا الحال في الموارد المتقدمة.
مسألة 1166 : من ادعى عليه الضمان فأنكره ، ولكن استوفى
المضمون له الحق منه بإقامة بينة ، فليس له مطالبة المضمون عنه ، لاعترافه بأن المضمون له أخذ المال منه ظلماً.
مسألة 1167 : لو كان على أحد دين فطلب من غيره أداءه فأداه بلا ضمان عنه للدائن جاز له الرجوع على المدين.
مسألة 1168 : إذا قال شخص لآخر إلق متاعك في البحر وعليّ ضمانه فألقاه ضمنه ، سواء أكان لخوف غرق السفينة أو لمصلحة أخرى من خفتها أو نحوها ، وهكذا لو أمره بإعطاء دينار مثلاً لفقير أو أمره بعمل لآخر أو لنفسه فإنه يضمن إذا لم يقصد المأمور المجانية.
كتاب الحوالة
الحوالة هي : ( تحويل المدين ما في ذمته من الدين إلى ذمة غيره بإحالة الدائن عليه ) فهي متقومة بأشخاص ثلاثة : ( المحيل ) وهو المديون و ( المحال ) وهو الدائن و ( المحال عليه ).
مسألة 1169 : يعتبر في الحوالة الإيجاب من المحيل والقبول من المحال وأما المحال عليه فيعتبر قبوله في الحوالة على البريء وفي الحوالة على المدين بغير جنس الدين وفيما إذا كان الدين المحال به معجلاً والدين الذي على ذمته للمحيل مؤجلاً ، أو كانا مؤجلين جميعاً مع تأخر أجل الثاني عن الأول ، وهل يعتبر قبوله في غير هذه الموارد أيضاً أم لا؟ الأظهر اعتباره.
مسألة 1170 : يكفي في الإيجاب والقبول من الأطراف الثلاثة كل ما يدل عليهما من لفظ أو فعل أو كتابة.
مسألة 1171 : يعتبر في المحيل والمحال والمحال عليه : البلوغ والعقل والقصد والرشد والاختيار ، ويعتبر في الأولين عدم الحجر لفلس أيضاً ، إلا في الحوالة على البريء فإنه يجوز فيها أن يكون المحيل مفلساً.
مسألة 1172 : يعتبر في الحوالة أن يكون الدين ثابتاً في ذمة المحيل فلا تصح في غير الثابت في ذمته وإن وجد سببه كمال الجعالة قبل العمل فضلاً عما إذا لم يوجد سببه كالحوالة بما سيقترضه.
مسألة 1173 : يعتبر أن يكون المال المحال به معيناً ، فإذا كان الشخص مديناً لآخر بمن من الحنطة ودينار لم يصح أن يحيله بأحدهما من غير تعيين.
مسألة 1174 : للدائن أن لا يقبل الحوالة وإن كان المحال عليه ملياً غير مماطل في أداء الحوالة.
مسألة 1175 : يستحق المحال عليه البريء أن يطالب المحيل بالمحال به ولو قبل أدائه على الأظهر ، نعم إذا كان الدين المحال به مؤجلاً لم يكن له مطالبة المحيل به إلا عند حلول أجله وإن كان قد أداه قبل ذلك ، ولو تصالح المحال مع المحال عليه على أقل من الدين لم يجز له أن يأخذ من المحيل إلا الأقل.
مسألة 1176 : الحوالة عقد لازم فليس للمحيل ولا المحال عليه فسخها وكذلك المحال وإن أعسر المحال عليه بعد ما كان موسراً حين الحوالة ، بل لا يجوز فسخها مع إعسار المحال عليه حين الحوالة إذا كان المحال عالماً به ، نعم لولم يعلم به ـ حينذاك ـ كان له الفسخ إلا إذا صار المحال عليه غنياً حين استحقاق المحال للدين فإن في ثبوت حق الفسخ له في هذه الصورة إشكالاً ، والمراد بإعسار المحال عليه أن لا يكون عنده ما يوفي به الدين زائداً على مستثنيات الدين.
مسألة 1177 : يجوز اشتراط حق الفسخ للمحيل والمحال والمحال عليه أو لأحدهم.
مسألة 1178 : إذا أدى المحيل الدين برأت ذمة المحال عليه ، فإن كان ذلك بطلبه وكان مديوناً للمحيل فله أن يطالبه بما أداه ، وإن لم يكن بطلبه أولم يكن مديوناً فليس له ذلك.
مسألة 1179 : إذا تبرع أجنبي عن المحال عليه برئت ذمته ، وكذا إذا ضمن شخص عنه برضا المحال.
مسألة 1180 : لا فرق في المحال به بين كونه عيناً في ذمة المحيل وبين كونه منفعة أو عملاً لا يعتبر فيه المباشرة ، فتصح إحالة مشغول الذمة
بخياطة ثوب أو زيارة أو صلاة أو حج أو قراءة قرآن ونحو ذلك على بريء أو على من اشتغلت ذمته له بمثل ذلك ، وكذلك لا فرق بين كونه مثلياً كالحنطة والشعير أو قيمياً كالحيوان ، فإذا اشتغلت ذمته بشاة موصوفة مثلاً بسبب كالسلم جاز له إحالتها على من كان له عليه شاة بذلك الوصف أو كان بريئاً.
مسألة 1181 : لا إشكال في صحة الحوالة مع اتحاد الدين المحال به مع الدين الذي على المحال عليه جنساً ونوعاً ، كما إذا كان عليه لرجل دراهم وله على آخر دراهم فيحيل الأول على الثاني ، وأما مع الاختلاف ـ بأن كان عليه دراهم وله على آخر دنانير فيحيل الأول على الثاني ـ فهو يقع على أنحاء : فتارة يحيل الأول على الثاني بالدنانير بأن يستحق عليه بدل الدراهم دنانير ، وأخرى يحيله عليه بالدراهم بأن يستحق عليه الدراهم بدل ما عليه للمحيل من الدنانير ، وثالثة يحيله عليه بالدراهم بأن يستحق عليه دراهمه وتبقى الدنانير على حالها ، والأظهر صحة الأنحاء الثلاثة.
مسألة 1182 : إذا تحققت الحوالة جامعة للشرائط برئت ذمة المحيل عن الدين وأشتغلت ذمة المحال عليه للمحال بما أحيل عليه ، هذا حال المحيل مع المحال ، والمحال مع المحال عليه ، وأما حال المحال عليه مع المحيل فإن كانت الحوالة بمثل ما عليه برئت ذمته مما عليه وكذا إن كانت بغير الجنس ووقعت على النحو الأول أو الثاني من الأنحاء الثلاثة المتقدمة ، وأما إذا وقعت على النحو الأخير أو كانت الحوالة على البريء اشتغلت ذمة المحيل للمحال عليه بما أحال عليه وإن كان له عليه دين يبقى على حاله.
مسألة 1183 : إذا أحال البائع دائنه على المشتري بدينه وقبلها المشتري على أساس كونه مديناً للبائع بالثمن ثم تبين بطلان البيع بطلت الحوالة وكذا إذا أحال المشتري البائع بالثمن على شخص آخر ثم ظهر بطلان البيع فإنه تبطل الحوالة أيضاً بخلاف ما إذا انفسخ البيع بخيار أو
بالإقالة فإنه تبقى الحوالة ولم تتبع البيع فيه.
مسألة 1184 : إذا كان للمدين عند وكيله أو أمينه مال خارجي فأحال دائنه عليه فرجع إليه لأخذه لم يجز له الامتناع من دفعه إليه مع علمه بالحوالة ، ولولم يتحقق الدفع فله الرجوع على المحيل لبقاء شغل ذمته.
مسألة 1185 : إذا طالب المحال عليه المحيل بما حوله عليه ، وأدعى المحيل أن له عليه مالاً مثل ما حوله عليه وإنكره المحال عليه ، فالقول قوله مع عدم البينة فيحلف على براءته.
مسألة 1186 : إذا اختلف الدائن والمدين في أن العقد الواقع بينهما كان حوالة أو وكالة ، فمع عدم قيام البينة يقدم قول المنكر الحوالة ، سواء أكان هو الدائن أم المدين ، ما لم يكن مخالفاً للظاهر وهكذا الحال فيما تقدم كما مضى في نظائرهما.
كتاب الكفالة
الكفالة هي : ( التعهد لشخص بإحضار شخص آخر له حق عليه عند طلبه ذلك ) ويسمى المتعهد ( كفيلاً ) وصاحب الحق ( مكفولاً له ) ومن عليه الحق ( مكفولاً ).
مسألة 1187 : تصح الكفالة بالإيجاب من الكفيل بلفظ أو بفعل مفهم ـ ولو بحسب القرائن ـ للتعهد المذكور وبالقبول من المكفول له ، وفي اعتبار رضا المكفول إشكال والأحوط اعتباره بل الأحوط كونه طرفاً للعقد بأن يكون عقدها مركباً من إيجاب وقبولين من المكفول له والمكفول.
مسألة 1188 : يعتبر في الكفيل والمكفول له وكذا في المكفول بناءً على اعتبار رضاه : البلوغ والعقل والاختيار ، كما يعتبر في الكفيل القدرة على إحضار المكفول وعدم الحجر عليه من التصرف في ماله لسفه أو فلس إذا كان إحضار المكفول يتوقف على التصرف فيه.
مسألة 1189 : لا تعتبر في الكفالة أن يكون الحق للمكفول له بشخصه فيجوز أن يكون لمن هو ولي عليه شرعاً كالصبي والمجنون ، فلو كان لهما حق على الغير جاز للولي أن يأخذ الكفيل عليه.
مسألة 1190 : تصح الكفالة بالتعهد بإحضار المكفول إذا كان عليه حق مالي ولا يشترط العلم بمبلغ ذلك المال.
مسألة 1191 : إذا كان المال ثابتاً في الذمة فلا شبهة في صحة الكفالة ، وأما إذا لم يكن ثابتاً في الذمة فعلاً ، ولكن وجد سببه كالجعل في عقد الجعالة وكالعوض في عقد السبق والرماية وما شاكل ذلك ففي صحة
الكفالة البدنية في هذه الموارد إشكال ، نعم يصح فيها الكفالة المالية بمعنى الالتزام بدفع الجعل أو العوض المقرر في السبق مثلاً للمكفول له على تقدير تخلف من عليه الدفع عن ذلك.
مسألة 1192 : تصح كفالة كل من يستحق عليه الحضور إلى مجلس الشرع ، بأن تكون عليه دعوى مسموعة وإن لم تقم البينة عليه بالحق ، ولا تصح كفالة من عليه حد أو تعزير.
مسألة 1193 : إذا كان الحق حالاً صح إيقاع الكفالة حالة ومؤجلة ، ومع الإطلاق تكون حالة ، وأذا كان الحق مؤجلاً صح إيقاعها مؤجلة فقط ، ويلزم في المؤجلة تعيين الأجل على وجه لا يختلف زيادة ونقصاً.
مسألة 1194 : الكفالة عقد لازم لا يجوز فسخه من طرف الكفيل إلا بالإقالة أو بجعل الخيار له.
مسألة 1195 : إذا تحققت الكفالة جامعة للشرائط جازت مطالبة المكفول له الكفيل بالمكفول عاجلاً إذا كانت الكفالة حالة ، وبعد الأجل إن كانت مؤجلة ، فإن كان المكفول حاضراً وجب على الكفيل إحضاره ، فإن أحضره وسلمه تسليماً تاماً بحيث يتمكن المكفول له منه فقد برئ مما عليه وإن امتنع عن ذلك كان له رفع أمره إلى الحاكم فيحبسه حتى يحضره ، نعم إذا كان ما عليه من الحق قابلاً للأداء من قبل الغير كالدين فأداه الكفيل أخلي سبيله ، وإن كان غائباً فإن كان موضعه معلوماً ويمكن الكفيل إحضاره أمهل بقدر ذهابه ومجيئه ، فإذا مضى قدر ذلك ولم يأت به من غير عذر حبس كما مر ، وإن كان غائباً غيبة منقطعة لا يعرف موضعه وإنقطع خبره ولا يرجى الظفر به لم يكلف الكفيل إحضاره ، وهل يلزم بأداء ما عليه؟ الأقرب عدمه إلا فيما إذا كان ذلك بتفريط من الكفيل بأن طالبه المكفول له وكان متمكناً منه فلم يحضره حتى هرب.
مسألة 1196 : إذا لم يحضر الكفيل المكفول فأخذ منه المال ، فإن لم تكن الكفالة ولا الأداء بطلب المكفول لم يكن له الرجوع عليه بما أداه ، وإن كان الأداء بطلبه كان له أن يرجع به عليه ، سواء أكانت الكفالة بطلبه أيضاً أم لا ، وأما إذا كان قد طلب منه الكفالة دون الأداء فهل يرجع عليه أم لا؟ الظاهر عدم الرجوع وإن كان غير متمكن من إحضاره عند طلب المكفول له ذلك.
مسألة 1197 : إذا عين الكفيل في الكفالة مكان التسليم تعين فلا يجب عليه تسليمه في غيره ، ولو طلب ذلك المكفول له لم تجب إجابته ، كما أنه لو سلمه في غير ما عين لم يجب على المكفول له تسلمه ، وفي حكم التعيين صريحاً وجود قرينة حالية أو مقالية عليه كقيامها على تعيين بلد المكفول له ، ومع فقدها فإن وجدت قرينة صارفة عن بعض الأمكنة بالخصوص ـ كوجود الموانع الخارجية عادة من إحضاره فيه أو احتياجه إلى مؤونةٍ غير متعارفة ـ كان ذلك في حكم تعيين غيره ولو إجمالاً ، وحينئذ فالظاهر وجوب إحضاره على الكفيل لو طالب به المكفول له في أي مكان غيره.
مسألة 1198 : يجب على الكفيل التوسل بكل وسيلة مشروعة لإحضار المكفول ، فإذا احتاج إلى الاستعانة بشخص قاهر ولم تكن فيها مفسدة دينية وجبت الاستعانة به.
مسألة 1199 : إذا كان المكفول غائباً وأحتاج إحضاره إلى مؤونة فالظاهر أنها على الكفيل إلا إذا كان صرفها بطلب من المكفول.
مسألة 1200 : تبرأ ذمة الكفيل بإحضار المكفول أو حضوره وتسليم نفسه تسليماً تاماً ، وكذا تبرأ ذمته لو أخذ المكفول له المكفول طوعاً أو كرهاً بحيث تمكن من استيفاء حقه أو إحضاره مجلس الحكم ، أو أبرأ المكفول
عن الحق الذي عليه أو أبرأ الكفيل من الكفالة.
مسألة 1201 : لو نقل المكفول له الحق الذي له على المكفول إلى غيره ببيع أو صلح أو حوالة بطلت الكفالة.
مسألة 1202 : إذا مات الكفيل أو المكفول بطلت الكفالة ، بخلاف ما لو مات المكفول له فإنه تكون الكفالة باقية وينتقل حق المكفول له منها إلى ورثته.
مسألة 1203 : من خلى غريماً من يد صاحبه قهراً أو حيلة ضمن إحضاره أو أداء ما عليه من الحق إن كان قابلاً للأداء كالدين ، ولو خلى القاتل عمداً من يد ولي الدم لزمه إحضاره ويحبس لو امتنع عن ذلك ، فإن تعذر الإحضار لموت أو غيره دفع إليه الدية.
مسألة 1204 : يكره التعرض للكفالات فعن مولانا الصادقعليهالسلام : الكفالة خسارة ، غرامة ، ندامة.
كتاب الصلح
الصلح هو : ( التسالم بين شخصين على تمليك عين أو منفعة أو على إسقاط دين أو حق بعوض مادي أو مجانا ) ولا يشترط كونه مسبوقا بالنزاع ، ويجوز إيقاعه على كل أمر وفي كل مقام إلا إذا كان محرما لحلال أو محللا لحرام ، وقد مر المقصود بهما في المسألة (172) من كتاب التجارة.
مسألة 1205 : الصلح عقد مستقل بنفسه ولا يرجع إلى سائر العقود وإن أفاد فائدتها ، فيفيد فائدة البيع إذا كان على عين بعوض وفائدة الهبة إذا كان على عين بلا عوض وفائدة الإجارة إذا كان على منفعة بعوض وفائدة الإبراء إذا كان على إسقاط حق أو دين وهكذا ، فعلى ذلك فلا يلحقه أحكام سائر العقود ولا يجري فيه شروطها وإن أفاد فائدتها ، فما أفاد فائدة البيع لا يلحقه أحكامه وشروطه فلا يجري فيه الخيارات المختصة بالبيع كخياري المجلس والحيوان ، ولا يشترط فيه قبض العوضين في المجلس إذا تعلق بمعاوضة النقدين ، وما أفاد فائدة الهبة من تمليك عين بلا عوض لا يعتبر فيه قبض العين كما اعتبر في الهبة وهكذا.
مسألة 1206 : لما كان الصلح عقدا من العقود يحتاج إلى الإيجاب والقبول مطلقاً حتى فيما أفاد فائدة الإبراء وأسقاط الحق ، فإبراء المديون من الدين وأسقاط الحق عمن عليه الحق وإن لم يتوقفا على قبول من عليه الدين أو الحق لكن إذا وقعا بعنوان الصلح توقفا على القبول.
مسألة 1207 : يتحقق الصلح بكل ما يدل عليه من لفظ أو فعل أونحو ذلك ، ولا تعتبر فيه صيغة خاصة ، نعم لفظ ( صالحت ) كالصريح في إفادة
هذا المعنى من طرف الموجب فيقول مثلاً : ( صالحتك عن الدار أو منفعتها بكذا أو على كذا ) فيقول المتصالح : ( قبلت المصالحة ).
مسألة 1208 : عقد الصلح لازم في نفسه حتى فيما إذا كان بلا عوض وكانت فائدته فائدة الهبة ولا ينفسخ إلا بتراضي المتصالحين بالفسخ أو بفسخ من جعل له حق الفسخ منهما في ضمن الصلح.
مسألة 1209 : لا يجري خيار المجلس ، ولا خيار الحيوان في الصلح كما مر ، وفي جريان خيار الغبن فيه إشكال بل الظاهر عدم جريانه في الصلح الواقع في موارد قطع النزاع والخصومات ، وكذا لا يجري فيه خيار التأخير على النحو المتقدم في البيع ، نعم لو أخر تسليم المصالح به عن الحد المتعارف ، أو اشترط تسليمه نقداً فلم يعمل به فللآخر أن يفسخ المصالحة ، وأما بقية الخيارات التي سبق ذكرها في البيع فهي تجري في الصلح أيضاً.
مسألة 1210 : لو ظهر العيب في المصالح به جاز الفسخ ، وأما أخذ التفاوت بين قيمتي الصحيح والمعيب ففيه إشكال.
مسألة 1211 : متعلق الصلح أما عين أو منفعة أو دين أو حق ، وعلى التقادير أما أن يكون مع العوض أو بدونه ، وعلى الأول أما أن يكون العوض عيناً أو منفعة أو ديناً أو حقاً ، فهذه عشرون صورة كلها صحيحة ، فيصح الصلح عن عين بعين ومنفعة ودين وحق وبلا عوض وعن منفعة بمنفعة وعين ودين وحق وبلا عوض وهكذا.
مسألة 1212 : إذا تعلق الصلح بعين أو منفعة أفاد انتقالهما إلى المتصالح ، سواء أكان مع العوض أم بدونه ، وكذا إذا تعلق بدين للمصالح على ثالث أو حق قابل للانتقال كحقي التحجير والاختصاص وحق الأولوية لمن بيده الأرض الخراجية ، وأذا تعلق بدين على المتصالح أفاد سقوطه ، وكذا الحال إذا تعلق بحق قابل للإسقاط وغير قابل للنقل والانتقال كحق
الشفعة ونحوه ، وأما مالا يقبل الانتقال ولا الإسقاط فلا يصح الصلح عليه.
مسألة 1213 : يصح الصلح على مجرد الانتفاع بعين ، كأن يصالح شخصاً على أن يسكن داره أو يلبس ثوبه في مدة ، أو على أن يكون جذوع سقفه على حائطه ، أو يجري ماءه على سطح داره ، أو يكون ميزابه على عرصة داره ، أو يكون له الممر والمخرج من داره أو بستانه ، أو على أن يخرج جناحاً في فضاء ملكه ، أو على أن يكون أغصان أشجاره في فضاء أرضه ، وغير ذلك ، ولا فرق فيه بين أن يكون بلا عوض أو معه.
مسألة 1214 : يعتبر في المتصالحين : البلوغ ، والعقل ، والاختيار ، والقصد ، كما يعتبر فيمن تقتضي المصالحة أن يتصرف في ماله من الطرفين أن لا يكون محجوراً عليه من ذلك لسفه أو فلس.
مسألة 1215 : يجري الفضولي في الصلح ـ كما يجري في البيع ونحوه ـ حتى فيما إذا تعلق بإسقاط دين أو حق وأفاد فائدة الإبراء والإسقاط اللذين لا تجري فيهما الفضولية.
مسألة 1216 : يجوز الصلح على ثمار وخضر وزرع العام الواحد قبل ظهورها من دون ضميمة وإن كان لا يجوز ذلك في البيع على ما مر.
مسألة 1217 : لا يعتبر في الصلح العلم بالمصالح به فإذا اختلط مال أحد الشخصين بمال الآخر جاز لهما أن يتصالحا على الشركة بالتساوي أو بالاختلاف كما يجوز لأحدهما أن يصالح الآخر بمال خارجي معين ، ولا يفرق في ذلك بين ما إذا كان التمييز بين المالين متعذراً وما إذا لم يكن متعذراً.
مسألة 1218 : لو علم المديون بمقدار الدين ولم يعلم به الدائن وصالحه بأقل مما يستحقه لم تبرأ ذمته عن المقدار الزائد ، إلا أن يعلم رضا الدائن بالمصالحة حتى لو علم بمقدار الدين أيضاً ، وهكذا لولم يعلم
بمقدار الدين تحديداً ولكنه علم إجمالاً زيادته على المقدار المصالح به فإنه لا تبرأ ذمته عن المقدار الزائد إلا في الحالة المذكورة ، ويجري نظير هذا الكلام في العين أيضاً.
مسألة 1219 : إذا كان شخصان لكل منهما مال في يد الآخر أو على ذمته وعلمت زيادة أحدهما على الآخر ، فإن كان المالان بحيث لا يجوز بيع أحدهما بالآخر لاستلزامه الربا لم يجز التصالح على المبادلة بينهما أيضاً ، لأن حرمة الربا تعم الصلح على هذا النحو على الأظهر ، وهكذا الحكم في صورة احتمال الزيادة وعدم العلم بها على الأحوط ، ويمكن الاستغناء عن الصلح على المبادلة بين المالين بالصلح على نحو آخر بأن يقول أحدهما لصاحبه في الفرض الأول : ( صالحتك على أن تهب لي ما في يدي وأهب لك ما في يدك ) فيقبل الآخر ، ويقول في الفرض الثاني : ( صالحتك على أن تبرأني مما لك في ذمتي وأبرأك مما لي في ذمتك ) فيقبل الآخر.
مسألة 1220 : لا بأس بالمصالحة على مبادلة دينين على شخص واحد أو على شخصين فيما إذا لم يستلزم الربا على ما مر في المسألة السابقة ، مثلاً إذا كان أحد الدينين الحالين من الحنطة الجيدة والآخر من الحنطة الرديئة وكانا متساويين في المقدار جاز التصالح على مبادلة أحدهما بالآخر ، ومع فرض زيادة أحدهما ـ في المثال ـ لا تجوز المصالحة على المبادلة بينهما على الأظهر.
مسألة 1221 : يصح الصلح في الدين المؤجل بأقل منه إذا كان الغرض إبراء ذمة المديون من بعض الدين وأخذ الباقي منه نقداً ، هذا فيما إذا كان الدين من جنس الذهب أو الفضة أو غيرهما من المكيل أو الموزون ، وأما في غير ذلك فيجوز الصلح والبيع بالأقل نقداً من المديون وغيره ، وعليه فيجوز للدائن تنزيل ( الكمبيالة ) في المصرف وغيره في عصرنا الحاضر على
ما مر في المسألة (234).
مسألة 1222 : يجوز للمتنازعين في دين أو عين أو منفعة أن يتصالحا بشيء من المدعى به أو بشيء آخر حتى مع إنكار المدعى عليه ، ويسقط بهذا الصلح حق الدعوى ، وكذا يسقط حق اليمين الذي كان للمدعي على المنكر ، فليس للمدعي بعد ذلك تجديد المرافعة ، ولكن هذا قطع للنزاع ظاهراً ولا يحل به لغير المحق ما يأخذه بالصلح ، وذلك مثل ما إذا ادعى شخص على آخر ديناً فأنكره ثم تصالحا على النصف فهذا الصلح وإن أثر في سقوط الدعوى ، ولكن المدعي لو كان محقاً فقد وصل إليه نصف حقه ويبقى نصفه الآخر في ذمة المنكر وإن لم يكن عليه إثم إن كان معذوراً في اعتقاده ، نعم لو فرض رضا المدعي باطناً بالصلح عن جميع ماله في الواقع فقد سقط حقه ، ولو كان المدعي مبطلاً في الواقع حرم عليه ما أخذه من المنكر إلا مع فرض طيب نفسه واقعاً بأن يكون للمدعي ما صالح به لا أنه رضي به تخلصاً من دعواه الكاذبة.
مسألة 1223 : لو قال المدعى عليه للمدعي ( صالحني ) لم يكن ذلك منه إقراراً بالحق ، لما عرفت من أن الصلح يصح مع الإقرار والإنكار ، وأما لو قال ( بعني ) أو ( ملكني ) كان إقراراً.
مسألة 1224 : يجوز أن يصطلح الشريكان بعد انتهاء الشركة على أن يكون لأحدهما رأس المال والربح للآخر والخسران عليه.
مسألة 1225 : لو تصالح مع الراعي بأن يسلم نعاجه إليه ليرعاها سنة مثلاً بإزاء لبنها ، وأشترط عليه أن يعطي له مقداراً معيناً من الدهن صحت المصالحة ، بل لو آجر نعاجه من الراعي سنة على أن يستفيد من لبنها بعوض مقدار معين من الدهن غير المقيد بالدهن المأخوذ منها صحت الإجارة أيضاً.
مسألة 1226 : إذا كان لواحدٍ ثوب اشتراه بعشرين درهماً ولآخر ثوب اشتراه بثلاثين وأشتبها ، ولم يميز كل منهما ماله عن مال صاحبه ، فإن خير أحدهما صاحبه فلا إشكال ، فكل ما اختاره يحل له ويحل الآخر لصاحبه ، وأما مع عدمه فإن توافقا على بيعهما بيعا وقسم الثمن بينهما بنسبة رأس مالهما فيعطي صاحب العشرين في المثال سهمين من خمسة والآخر ثلاثة أسهم منها ، ولو تعاسرا في البيع ولو من جهة كون مقصود أحدهما أو كليهما نفس المال لا ثمنه فلابد من القرعة.
مسألة 1227 : لو اشترط في عقد الصلح وقف المال المصالح به على جهة خاصة ترجع إلى المصالح نفسه أو إلى غيره أو جهة عامة في حياة المصالح أو بعد وفاته صح ، ولزم الوفاء بالشرط.
مسألة 1228 : إذا كان شخصان لكل منهما مال فاختلطا ثم تلف البعض من المجموع ، فإن كان الاختلاط على نحو يوجب الشركة بينهما في الخليط حسب التالف عليهما بنسبة المالين ، وإن لم يكن يوجب الشركة فيه ـ سواء أكانا مثليين أو قيميين ـ فإن تساوى المالان في المقدار حسب التالف عليهما وقسم الباقي بينهما نصفين ، وأما مع الاختلاف فيه فإن كان احتمال وقوع التلف ممن ماله أقل ضعيفاً يوثق بخلافه حكم بوقوعه في مال الآخر ، كما إذا كان المجموع عشرة آلاف درهم ، لأحدهما درهم أو درهمان والبقية للآخر وكان التالف درهماً أو درهمين أيضاً فإن احتمال كون التالف ممن ماله أقل واحد من عشرة آلاف أو خمسة آلاف وهو احتمال ضعيف لا يعبأ به العقلاء.
وأما إذا لم يكن كذلك فالأقوى احتساب التالف عليهما بنسبة ماليهما فلو كان المجموع عشرة لأحدهما درهم واحد وللآخر تسعة دراهم وكان التالف درهماً واحداً أعطي لصاحب الواحد تسعة أعشار الدرهم ولصاحب
التسعة ثمانية دراهم وعشر الدرهم ، ولو كان التالف في المثال خمسة أعطى لصاحب الدرهم نصف درهم ولصاحب التسعة أربعة دراهم ونصف وهكذا.
كتاب الإقرار
الإقرار هو : ( إخبار الشخص عن حق ثابت عليه أو نفي حق له سواء أكان من حقوق الله تعالى أم من حقوق الناس ).
مسألة 1229 : لا يعتبر في الإقرار لفظ خاص فيكفي كل لفظ مفهم له عرفاً ، بل لا يعتبر أن يكون باللفظ فتكفي الإشارة المفهمة له أيضاً.
مسألة 1230 : يعتبر في الإقرار الجزم بمعنى عدم اشتمال الكلام على الشك والترديد ، فلو قال أظن أو احتمل أنك تطلبني كذا لم يكن إقراراً.
مسألة 1231 : يعتبر في الإخبار الذي يعد بلحاظ نفسه أو لوازمه إقراراً أن يكون واضحاً في مدلوله أما على نحو الصراحة أو الظهور ، فلا عبرة بالكلام المجمل وإن كان إجماله طارئاً ناشئاً من اقترانه ببعض الخصوصيات التي تمنع من انعقاد الظهور له عند أهل المحاورة.
مسألة 1232 : لا يعتبر في تحقق الإقرار دلالة الكلام عليه بأحد طرق الدلالة اللفظية ( المطابقة والتضمن والالتزام ) ولا كونه مقصوداً بالإفادة فيؤخذ المتكلم بلازم كلامه وإن لم ينعقد له ظهور فيه ـ بعد أن كان ظاهراً في ملزومه ـ بل وحتى مع جهل المقر بالملازمة أو غفلته عنها ، فإذا نفى الأسباب الشرعية لانتقال مال إليه واحداً بعد واحد كان ذلك إقراراً منه بعدم مالكيته له فيلزم به.
مسألة 1233 : يعتبر في المقر به أن يكون مما لو كان المقر صادقاً في إخباره لأمكن إلزامه به شرعاً وذلك بأن يكون المقر به مالاً في ذمته أو عيناً خارجية أو عملاً أو حقاً كحق الخيار والشفعة وحق الاستطراق في ملكه أو إجراء الماء في نهره أو نصب ميزاب على سطح داره أو يكون فعلاً مستوجباً
للحد شرعاً كالزنا وشرب الخمر وما شاكل ذلك ، وأما إذا أقر بما لا يمكن إلزامه به شرعاً فلا أثر له ، فإذا أقر بأن عليه لزيد شيئاً من ثمن خنزير ونحو ذلك لم ينفذ إقراره.
مسألة 1234 : إنما ينفذ الإقرار بالنسبة إلى المقر ويمضي عليه فيما يكون ضرراً عليه لا فيما يكون ضرراً على غيره ولا فيما يكون فيه نفع المقر إذا لم يصدقه الغير ، فإذا أقر بزوجية امرأة ولم تصدقه نفذ إقراره بالنسبة إلى حرمة تزويجه من أمها مثلاً لا بالنسبة إلى وجوب تمكينها منه.
مسألة 1235 : يصح الإقرار بالمجهول والمبهم ويقبل من المقر ، وللمقر له أن يلزمه بالتفسير والبيان ورفع الإبهام ، ويقبل منه ما فسره به ويلزم به لو طابق التفسير مع المبهم بحسب العرف واللغة وأمكن بحسبهما أن يكون مرادا منه ، فلو قال : ( لك عليّ شيء ) فله إلزامه بالتفسير ، فإذا فسره بأي شيء يصح أن يكون في ذمة المقر للمقر له يقبل منه وإن لم يكن متمولاً كحبة من حنطة ومثلها الخمر والخنزير إذا كان الطرفان ذميين ، وأما لو قال : ( لك عليّ مال ) لم يقبل منه إلا إذا كان ما فسره به من الأموال وإن كانت ماليته قليلة لا مثل حفنة من التراب.
مسألة 1236 : إذا أقر بنقد أو وزن أو كيل يرجع في تعيينه إلى القرائن إن وجدت ومع الإبهام يرجع إلى تفسيره وتعيينه فإذا اتحد بلد الإقرار والمقر والمقر له حمل على المتعارف فيه وإن تعدد البلد أو تعدد المتعارف في البلد الواحد ولم توجد قرينة على التعيين يرجع إلى تفسير المقر.
مسألة 1237 : لو أقر بشيء وإنكره المقر له ، فإن كان المقر به ديناً على ذمة المقر فلا أثر للإقرار ولا يطالب المقر بشيء ، وإن كان عيناً خارجية قيل أن للحاكم انتزاعها من يده ولكن الأظهر عدمه.
هذا بحسب الظاهر وأما بحسب الواقع فعلى المقر بينه وبين الله تفريغ
ذمته من الدين وتخليص نفسه من العين بالإيصال إلى المالك وإن كان بدسه في أمواله ، ولو رجع المقر له عن إنكاره فله إلزام المقر بالدفع إليه لو كان باقيا على إقراره.
مسألة 1238 : لو أبهم المقر به وأدعى عدم معرفته به حتى يعينه فإن صدقه المقر له في ذلك وقال أنا أيضاً لا أدري فلا محيص عن الصلح إن أمكن والا فالقرعة ، وإن ادعى المعرفة وعينه فإن صدقه المقر فذاك والا فله أن يطالبه بالبينة ، ومع عدمها فله أن يحلفه ، وإن نكل أولم يمكن إحلافه يكون الحال كما لو جهلا معا فلا محيص عن الصلح وإن لم يمكن فالقرعة.
مسألة 1239 : كما لا يضر الإبهام والجهالة في المقر به لا يضران في المقر له ، فلو قال : ( هذه الدار التي بيدي لأحد هذين ) يقبل ولهما إلزامه بالتعيين ، فمن عينه يقبل ويكون هو المقر له ، فإن صدقه الآخر فذاك والا تقع المخاصمة بينه وبين من عينه المقر ، ولو ادعى عدم المعرفة وصدقاه في ذلك سقط عنه لزوم التعيين ، ولو ادعيا أو أحدهما عليه العلم كان القول قوله بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر كما مر في نظائره.
مسألة 1240 : لو أقر بالمظروف لم يدخل الظرف.
مسألة 1241 : لو أقر بالدين المؤجل ثبت المؤجل ولم يستحق المقر له المطالبة به قبل الأجل ، ولو أقر بالمردد بين الأقل والأكثر ثبت الأقل.
مسألة 1242 : يعتبر في المقر البلوغ والعقل والقصد والاختيار ، فلا ينفذ إقرار الصبي والمجنون والسكران وكذا الهازل والساهي والغافل وكذا المكره ، نعم لا يبعد صحة إقرار الصبي إذا تعلق بما يحق له أن يفعله كبيع الأشياء اليسيرة كما مر في المسألة (62).
مسألة 1243 : السفيه إن أقر بمال في ذمته أو تحت يده لم يقبل ويقبل فيما عدا المال كالطلاق والخلع ونحوهما ، وإن أقر بأمر مشتمل على مال
وغيره كالسرقة لم يقبل بالنسبة إلى المال وقبل بالنسبة إلى غيره ، فيحد إذا أقر بالسرقة ولا يلزم بأداء المال.
مسألة 1244 : لا ينفذ إقرار المفلس فيما يتعلق بماله الذي حجر عليه وينفذ فيما عداه كدار سكناه وأثاث بيته ونحوهما ، وكذا ينفذ إقراره في الدين سابقاً ولاحقاً ولكن لا يشارك المقر له الغرماء كما مر في كتاب الحجر.
مسألة 1245 : ينفذ إقرار المريض كالصحيح إلا إذا كان في مرض الموت مع التهمة ، فلا ينفذ إقراره فيما زاد على الثلث سواء أقر لوارث أو أجنبي كما مر في كتاب الحجر.
مسألة 1246 : إذا ادعى الصبي البلوغ ، فإن ادعاه بالإثبات اختبر ولا يثبت بمجرد دعواه ، وكذا إن ادعاه بالسن فإنه يطالب بالبينة ، وأما لو ادعاه بالاحتلام في الحد الذي يمكن وقوعه فثبوته بقوله بلا يمين بل مع اليمين محل إشكال.
مسألة 1247 : يعتبر في المقر له أن يكون له أهلية الاستحقاق ، فلو أقر بدين لدابة مثلاً لغى ، نعم لو أقر لمسجد أو مشهد أو مقبرة أو رباط أو مدرسة ونحوها بمال فالظاهر قبوله وصحته ، حيث أن المقصود من ذلك في المتعارف اشتغال ذمته ببعض ما يتعلق بها من غلة موقوفاتها أو المنذور أو الموصى به لمصالحها ونحوها.
مسألة 1248 : إذا أقر بشيء ثم عقبه بما يضاده وينافيه يؤخذ بإقراره ويلغى ما ينافيه ، فلو قال : ( له عليّ عشرة لا بل تسعة يلزم بالعشرة ) ، ولو قال : ( له عليّ كذا وهو من ثمن الخمر أو بسبب القمار ) يلزم بالمال ولا يسمع منه ما عقبه ، وكذا لو قال : ( له عندي وديعة وقد هلكت ) ، فإن إخباره بتلف الوديعة وهلاكها ينافي قوله : ( له عندي ) الظاهر في وجودها عنده ، نعم لو قال ( كانت له عندي وديعة وقد هلكت ) فهو بحسب الظاهر إقرار بالإيداع عنده سابقا ولا
تنافي بينه وبين طرو الهلاك عليها ، لكن هذا دعوى منه لابد من فصلها على الموازين الشرعية.
مسألة 1249 : ليس الاستثناء من التعقيب بالمنافي ، بل يكون المقر به ما بقي بعد الاستثناء إن كان الاستثناء من المثبت ونفس المستثنى إن كان الاستثناء من المنفي. فلو قال له عليّ عشرة إلا درهما أوهذه الدار التي بيدي لزيد إلا الغرفة الفلانية كان إقراراً بالتسعة وبالدار ما عدا الغرفة ، ولو قال ما له عليّ شيء إلا درهم أوليس له من هذه الدار إلا الغرفة الفلانية كان إقراراً بدرهم والغرفة ، هذا إذا كان الإخبار بالإثبات أو النفي متعلقاً بحق الغير عليه ، وأما لو كان متعلقاً بحقه على الغير كان الأمر بالعكس ، فلو قال لي عليك عشرة إلا درهماً أو لي هذه الدار إلا الغرفة الفلانية كان إقراراً بالنسبة إلى نفي حقه عن الدرهم الزائد على التسعة ونفي ملكية الغرفة ، فلو ادعى بعد ذلك استحقاقه تمام العشرة أو تمام الدار حتى الغرفة لم يسمع منه ، ولو قال ليس لي عليك إلا درهم أوليس لي من هذه الدار إلا الغرفة الفلانية كان إقراراً منه بنفي استحقاق ما عدا الدرهم وما عدا الغرفة.
مسألة 1250 : لو أقر بعين لشخص ثم أقر بها لشخص آخر ـ كما إذا قال هذه الدار لزيد ثم قال بل لعمرو ـ حكم بكونها للأول وأعطيت له وأغرم للثاني قيمتها.
مسألة 1251 : لو ادعى البائع إن إقراره بقبض الثمن كان مواطأة للإشهاد عليه عند الحاكم لغرض تصديقه وثيقة البيع مثلاً وأنه لم يقبض الثمن في الواقع كان عليه إقامة البينة على دعواه أو إحلاف المشتري على إقباض الثمن.
مسألة 1252 : إذا أقر بولد أو أخ أو أخت أو غير ذلك نفذ إقراره مع احتمال صدقه فيما عليه من وجوب إنفاق أو حرمة نكاح أو مشاركة في إرث
ونحو ذلك ، وأما بالنسبة إلى غير ذلك مما عليه من الأحكام ففيه تفصيل ، فإن كان الإقرار بالولد فيثبت النسب بإقراره مع احتمال صدقه عادة وشرعاً وعدم المنازع إذا كان الولد صغيراً وكان تحت يده ، ولا يشترط فيه تصديق الصغير ، ولا يلتفت إلى إنكاره بعد بلوغه ويثبت بذلك النسب بينهما وكذا بين أولادهما وسائر الطبقات على إشكال لا يترك معه مراعاة الاحتياط ، وأما في غير الولد الصغير فلا أثر للإقرار إلا مع تصديق الآخر فإن لم يصدقه الآخر لم يثبت النسب وإن صدقه ـ ولا وارث غيرهما ـ توارثا ، وفي ثبوت التوارث مع الوارث الآخر إن لم يكن مقراً إشكال والاحتياط لا يترك وكذلك في تعدي التوارث إلى غيرهما ، ولا يترك الاحتياط أيضاً فيما لو أقر بولد أو غيره ثم نفاه بعد ذلك.
مسألة 1253 : لو أقر الوارث بأولى منه دفع ما في يده إليه ولو كان مساوياً دفع بنسبة نصيبه من الأصل ، ولو أقر باثنين دفعة فتناكرا لم يلتفت إلى تناكرهما فيعمل بالإقرار ، ولكن تبقى الدعوة قائمة بينهما ، ولو أقر بأولى منه في الميراث ثم أقر بأولى من المقر له أولاً كما إذا أقر العم بالأخ ثم أقر بالولد فإن صدقه المقر له أولاً دفع إلى الثاني والا فإلى الأول ويغرم الثاني.
مسألة 1254 : لو أقر الولد بآخر ثم أقر بثالث وإنكر الثالث الثاني كان للثالث النصف وللثاني السدس ، ولو كانا معلومي النسب لم يلتفت إلى إنكاره فيكون المال بينهم أثلاثاً.
مسألة 1255 : إذا كان للميت ولدان وأقر أحدهما له بثالث وإنكر الآخر لم يثبت نسب المقر به فيأخذ المنكر نصف التركة ويأخذ المقر الثلث ، حيث أن هذا نصيبه بمقتضى إقراره ويأخذ المقر به السدس ، وهو تكملة نصيب المقر وقد تنقص بسبب إقراره.
مسألة 1256 : إذا كانت للميت زوجة وأخوة مثلا وأقرت الزوجة بولد
له فإن صدقتها الأخوة كان ثمن التركة للزوجة والباقي للولد ، وإن لم تصدقها أخذت الأخوة ثلاثة أرباع التركة وأخذت الزوجة ثمنها والباقي وهو الثمن للمقر له.
مسألة 1257 : إذا مات صبي مجهول النسب فأقر إنسان ببنوته قيل ثبت بذلك نسبه ويكون ميراثه للمقر إذا كان له مال ولكنه محل إشكال.
مسألة 1258 : يثبت النسب بشهادة عدلين ولا يثبت بشهادة رجل وأمرأتين ولا بشهادة رجل ويمين.
مسألة 1259 : لو شهد الأخوان بابن للميت وكانا عدلين كان أولى منهما ويثبت النسب ، ولو كانا فاسقين لم يثبت النسب ويثبت الميراث إذا لم يكن لهما ثالث والا كان إقرارهما نافذاً في حقهما دون غيرهما.
مسألة 1260 : لو أقر الورثة بأسرهم بدين على الميت أو بشيء من ماله للغير كان مقبولاً لأنه كإقرار الميت ، ولو أقر بعضهم وإنكر البعض فإن أقر اثنان وكانا عدلين ثبت الدين على الميت ، وكذا العين للمقر له بشهادتهما ، وإن لم يكونا عدلين أو كان المقر واحداً نفذ إقرار المقر في حق نفسه خاصة ، ويؤخذ منه للدين الذي أقر به مثلاً بنسبة نصيبه من التركة ، فإذا كانت التركة مائة ونصيب كل من الوارثين خمسين فأقر أحدهما لأجنبي بخمسين وكذبه الآخر أخذ المقر له من نصيب المقر خمسة وعشرين ، وكذا الحال فيما إذا أقر بعض الورثة بأن الميت أوصى لأجنبي بشيء وإنكر البعض.
كتاب الوكالة
الوكالة هي : ( تسليط الغير على معاملة من عقد أو إيقاع أو ما هو من شؤونهما كالقبض والإقباض ) ، وتفترق عن الإذن المجرد ـ الذي هو إنشاء الترخيص للغير في مقام بعمل تكويني كالأكل أو اعتباري كالبيع ـ في جملة أمور :
منها : توقف الوكالة على القبول وعدم توقف الإذن عليه.
ومنها : انفساخ الوكالة بفسخ الوكيل وعدم ارتفاع الإذن برفضه من قبل المأذون له.
ومنها : نفوذ تصرف الوكيل حتى مع ظهور عزله عن الوكالة حين صدوره منه ما لم يبلغه العزل وعدم نفوذ تصرف المأذون له إذا ثبت رجوع الإذن عن إذنه قبل وقوعه.
وتختلف الوكالة عن النيابة ـ التي هي الإتيان بالعمل الخارجي المعنون بعنوان اعتباري قصدي الذي ينبغي صدوره عن الغير بدلاً عنه ـ في جملة أمور :
منها : إن العمل الصادر عن الوكيل كالبيع ينسب إلى الموكل ويعد عملاً له فيقال باع زيد داره وإن كان المباشر للبيع وكيله ، وأما العمل الصادر من النائب كالصلاة والحج فلا يعد عملاً للمنوب عنه ولا ينسب إليه فلا يقال حج زيد لو كان الحاج نائبه.
ومنها : إن النيابة على قسمين : ما تكون عن استنابة وما تكون تبرعية ، وأما الوكالة فلا تقع على وجه التبرع.
مسألة 1261 : الوكالة من العقود فلابد فيها من الإيجاب والقبول
بكل ما يدل عليهما من لفظ أو فعل ، فلو دفع ماله إلى شخص ليبيعه وقبضه الوكيل بهذا العنوان صحت الوكالة.
مسألة 1262 : يصح التوكيل بالكتابة ، فإذا قبل الوكيل صحت الوكالة وإن كان الوكيل في بلد آخر وتأخر وصول الكتاب إليه.
مسألة 1263 : لا يعتبر التنجيز في الوكالة على الأظهر ، فيجوز تعليقها على شيء كأن يقول مثلاً إذا قدم زيد أو جاء رأس الشهر فأنت وكيلي في أمر كذا ، وأما تعليق متعلق الوكالة والتصرف الذي سلطه عليه فلا إشكال فيه أصلاً كما لو قال أنت وكيلي في أن تبيع داري إذا قدم زيد أو وكلتك في شراء كذا في وقت كذا.
مسألة 1264 : يعتبر في الموكل والوكيل : العقل والقصد والاختيار ، ويعتبر في الموكل البلوغ أيضا إلا فيما تصح مباشرته من الصبي المميز ، ولا يعتبر البلوغ في الوكيل فيصح أن يكون الصبي المميز وكيلا ولو بدون إذن وليه.
مسألة 1265 : يعتبر في الموكل كونه جائز التصرف فيما وكل فيه فلا يصح توكيل المحجور عليه لسفه أو فلس فيما حجر عليهما فيه دون غيره كالطلاق ونحوه ، كما يعتبر في الوكيل كونه متمكناً عقلاً وشرعاً من مباشرة ما وكل فيه فلا يجوز وكالة المحرم فيما يحرم عليه كابتياع الصيد وقبضه وأيقاع عقد النكاح.
و يعتبر فيما وكل فيه أن يكون في نفسه أمراً سائغاً شرعاً فلا تصح الوكالة في المعاملات الفاسدة كالبيع الربوي وبيع الوقف من دون مسوغ له والطلاق الفاقد للشرائط الشرعية ونحو ذلك.
مسألة 1266 : لا يشترط في الوكيل الإسلام ، فتصح وكالة الكافر بل والمرتد وإن كان عن فطرة عن المسلم والكافر ، نعم في وكالته على المسلم
في استيفاء حتى منه أو مخاصمة معه إشكال ولا يبعد جوازها أيضاً.
مسألة 1267 : تصح وكالة المحجور عليه لسفه أو فلس عن غيرهما ممن لا حجر عليه لاختصاص ممنوعيتها بالتصرف في أموالهما.
مسألة 1268 : الظاهر أنه لا يشترط في الموكل أن يكون حال التوكيل مالكاً للتصرف في العمل الموكل فيه ، فيجوز للشخص أن يوكل غيره فيما لا يتمكن شرعاً أو عقلاً من إيقاعه إلا بعد حصول أمر غير حاصل حين التوكيل كطلاق امرأة سيتزوجها أو بيع دار سيشتريها أو أداء دين سيستدينه ونحو ذلك ، والظاهر أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون الوكالة شاملة لما يتمكن منه حين الوكالة بأن يوكله في إيقاع الموقوف عليه ثم ما يتوقف عليه كأن يوكله في تزويج امرأة ثم طلاقها أو شراء مال ثم بيعه ونحو ذلك ، وبين أن تكون مختصة بالموقوف سواء أكان الموقوف عليه غير قابل للتوكيل كانقضاء العدة أو قابلاً له كالزواج والشراء في المثالين المتقدمين.
مسألة 1269 : لا تصح الوكالة فيما يعتبر إيقاعه مباشرة ، ويعرف ذلك ببناء العرف والرجوع إلى مرتكزات المتشرعة ، ومنه اليمين ولا سيما إذا كانت في مقام فصل الخصومة ، ولا يبعد أن يكون منه أيضاً النذر والعهد واللعان والإيلاء والظهار والشهادة والإقرار.
مسألة 1270 : إذا وكل غيره في إرجاع مطلقته الرجعية إليه قيل : إن ذلك بنفسه رجوع إليها ، ولو وكله في الإقرار عليه لزيد مثلاً بمال قيل : أنه يعد بنفسه إقراراً منه لزيد به ، ولكنهما محل إشكال أو منع.
مسألة 1271 : يصح التوكيل في جميع العقود كالبيع والصلح والإجارة والهبة والعارية والوديعة والمضاربة والمزارعة والمساقاة والقرض والرهن والشركة والضمان والحوالة والكفالة والوكالة والنكاح إيجاباً وقبولاً في الجميع ، وكذا في الوصية والوقف وفي الطلاق والإبراء والأخذ بالشفعة
وإسقاطها وفسخ العقد في موارد ثبوت الخيار وأسقاطه.
مسألة 1272 : يصح التوكيل ـ كما تقدم ـ في القبض والإقباض ، سواء في موارد لزومهما كما في القرض بالنسبة لمتعلقة والصرف بالنسبة إلى العوضين والسلم بالنسبة إلى الثمن وفي موارد عدم لزومهما كما إذا باع داره من زيد ووكل عمراً في قبض الثمن فإن قبض الوكيل في جميع هذه الموارد بمنزلة قبض الموكل وكذلك الحال في الإقباض ، ولا يعتبر في صحة التوكيل حينئذٍ قدرة الموكل على القبض خارجاً فيجوز للبائع غير القادر على أخذ الثمن من المشتري أن يكون من يقدر على أخذه منه فيكون أخذه بمنزلة أخذ الموكل.
مسألة 1273 : يجوز التوكيل في الطلاق غائباً كان الزوج أم حاضراً ، بل يجوز توكيل الزوجة في أن تطلق نفسها بنفسها ، أو بأن توكل الغير عن الزوج أو عن نفسها.
مسألة 1274 : يشترط في الموكل فيه التعيين ، بأن لا يكون مجهولاً أو مبهماً ، فلو قال : ( وكلتك ) من غير تعيين ( أو في أمر من الأمور ) ( أو في شيء مما يتعلق بي ) ونحو ذلك لم يصح ، نعم لا بأس بالتعميم أو الإطلاق ولو كان بدلياً كما سيأتي.
مسألة 1275 : الوكالة : أما خاصة ، وأما عامة ، وأما مطلقة :
فالأولى ما تعلقت بتصرف معين في مورد معين ، كما إذا وكله في شراء كتاب شخصي معين ، وهذا مما لا إشكال في صحته.
وأما الثانية فأما عامة من جهة التصرف وخاصة من جهة متعلقه ، كما إذا وكله في جميع التصرفات الممكنة المشروعة في داره المعينة من بيعها وهبتها وأجارتها وغيرها ، وأما بالعكس كما إذا وكله في بيع جميع ما يملكه ، وأما عامة في كلتا الجهتين ، كما إذا وكله في جميع التصرفات الممكنة المشروعة في جميع ما يملكه أو في إيقاع جميع ما يحق له بحيث يشمل
التزويج له وطلاق زوجته.
وأما الثالثة فقد تكون مطلقة من جهة التصرف خاصة من جهة متعلقة ، كما إذا وكله في أن يبيع داره المعينة بيعاً لازماً أو خيارياً أو يرهنها أو يؤجرها أونحو ذلك وأوكل التعيين إلى نظره ، وقد تكون بالعكس كما إذا احتاج إلى بيع أحد أملاكه من داره أو عقاره أو دوابه أو غيرها فوكل شخصاً في أن يبيع أحدها وفوض الأمر في تعيينه بنظره ومصلحته ، وقد تكون مطلقة من كلتا الجهتين ، كما إذا وكله في إيقاع أحد العقود المعاوضية من البيع أو الصلح أو الإجارة مثلاً على أحد أملاكه من داره أو دكانه أو مخزنه مثلاً وأوكل التعيين من الجهتين إلى نظره ، والظاهر صحة الجميع.
مسألة 1276 : الوكيل في معاملة يكون على ثلاثة أقسام :
الأول : أن يكون وكيلاً في مجرد إجراء العقد.
الثاني : أن يكون وكيلاً مفوضاً إليه أمر المعاملة وما يتبعها كعامل المضاربة ، والظاهر أنه حينئذٍ بحكم المالك المباشر للعقد ، فيرجع عليه البائع بالثمن ويدفع إليه المبيع ويرجع عليه المشتري بالمثمن ويدفع إليه الثمن ، ويثبت له الخيار عند تحقق موجبه ولو ثبت الخيار للطرف الآخر لعيب أو غيره رد عليه العين وأخذ منه العوض.
الثالث : أن يكون وكيلاً مفوضاً في المعاملة فقط دون ما يتبعها ، والحال فيه كما في سابقه إلا فيما إذا ثبت الخيار للطرف الآخر فإنه إذا فسخ رجع إلى المالك في الرد والاسترداد لا إلى الوكيل.
مسألة 1277 : يقتصر الوكيل في التصرف على ما شمله عقد الوكالة صريحاً أو ظاهراً ولو بمعونة القرائن الحالية أو المقالية ، ولو كانت هي العادة الجارية على أن من يوكل في أمر كذا يريد ما يشمل كذا ، كما لو أعطى المال بيده ووكله في بيعه أو الشراء به فإنه يشمل تسليم المبيع حال قبض الثمن في البيع وتسليم الثمن حال قبض المثمن في الشراء دون إعمال الخيار بعيب أو
غبن أو غيرهما إلا إذا شهدت قرائن الأحوال على أنه قد وكله فيه أيضاً.
مسألة 1278 : الإطلاق في الوكالة في البيع يقتضي البيع حالاً بثمن المثل بنقد البلد وفي الشراء يقتضي ابتياع الصحيح والرد بالعيب.
مسألة 1279 : إذا خالف الوكيل عما عين له وأتى بالعمل على نحولم يشمله عقد الوكالة ، فإن كان مما يجري فيه الفضولية كالعقود توقفت صحته على إجازة الموكل والا بطل ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون التخالف بالمباينة ، كما إذا وكله في بيع داره فآجرها ، أو ببعض الخصوصيات كما إذا وكله في أن يبيع نقداً فباع نسيئة أو بالعكس ، أو يبيع بخيار فباع بدونه أو بالعكس ، أو يبيعه من فلان فباعه من غيره وهكذا ، وليس منه ما لو علم شمول التوكيل لفاقد الخصوصية أيضاً كما إذا وكله في أن يبيع السلعة بدينار فباعها بدينارين إذا كان الظاهر منه عرفاً أن تحديد الثمن بدينار إنما هو من طرف النقيصة فقط لا من طرف النقيصة والزيادة معاً فكأنه قال (أن بعها بما لا يقل عن دينار) ، نعم لولم يكن كذلك بأن احتمل أن يكون مقصوده التحديد به زيادة ونقيصة كان بيعها بالزيادة كبيعها بالنقيصة فضولياً يحتاج إلى الإجازة ، ومن هذا القبيل ما إذا وكله في أن يبيعها في سوق مخصوصة بثمن معين فباعها في غيرها بذلك الثمن ، فإنه ربما يفهم عرفاً أنه ليس الغرض إلا تحصيل الثمن المحدد ، فيكون ذكر السوق المخصوص من جهة أنه أحد الإفراد التي يحصل فيها الغرض ، وربما يحصل الإجمال عرفاً ويحتمل ـ احتمالاً معتدا به ـ تعلق غرضه بخصوص السوق التي ذكرها فلا يجوز التعدي عنه.
مسألة 1280 : يجوز للولي كالأب والجد من جهته للصغير أن يوكل غيره فيما يتعلق بالمولى عليه مما له الولاية فيه.
مسألة 1281 : لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره في إيقاع ما وكل فيه لا عن نفسه ولا عن الموكل إلا بإذن الموكل ، ويجوز بإذنه بكلا النحوين ، فإن
عين الموكل في إذنه أحدهما أو الجامع بينهما صريحاً بأن قال مثلاً ( وكل غيرك عني أو عنك ) فهو المتبع ، وكذا لولم يصرح بالتعيين ولكنه فهم من كلامه لقرينة حالية أو مقالية ، وأما مع الإجمال والإبهام فيتوقف على التفسير والتعيين لاحقاً.
مسألة 1282 : لو كان الوكيل الثاني وكيلاً عن الموكل كان في عرض الوكيل الأول ، فليس له أن يعزله ولا ينعزل بانعزاله ، بل لو مات الأول يبقى الثاني على وكالته ، وأما لو كان وكيلاً عن الوكيل كان له أن يعزله وكانت وكالته تبعاً لوكالته فينعزل بانعزاله أو موته ، وهل للموكل أن يعزله حينئذٍ من دون أن يعزل الوكيل الأول؟ الظاهر أن له ذلك.
مسألة 1283 : يجوز أن يتوكل اثنان فصاعداً عن واحد في أمر واحد ، فإن فهم من كلام الموكل إرادته انفرادهما فيه جاز لكل منهما الاستقلال في التصرف من دون مراجعة الآخر ، والا لم يجز الانفراد لأحدهما ولو مع غيبة صاحبه أو عجزه سواء صرح بالانضمام والاجتماع أو أطلق بأن قال مثلاً : ( وكلتكما ) أو ( أنتما وكيلاي ) ونحو ذلك ، ولو مات أحدهما بطلت وكالة الجميع مع شرط الاجتماع أو الإطلاق المنزل منزلته ، وبقي وكالة الباقي فيما لو فهم منه إرادة الانفراد.
مسألة 1284 : الوكالة عقد جائز من الطرفين ، فللوكيل أن يعزل نفسه مع حضور الموكل وغيبته ، وكذا للموكل أن يعزله ، لكن انعزاله بعزله مشروط ببلوغه إياه ، فلو أنشأ عزله ولكن لم يطلع عليه الوكيل لم ينعزل ، فلو أمضى أمراً قبل أن يبلغه العزل بطريق معتبر شرعاً كان ماضياً نافذاً.
مسألة 1285 : تبطل الوكالة بموت الوكيل أو الموكل وكذا بجنون أحدهما أو إغمائه إن كان مطبقاً ، وأما إن كان أدوارياً فبطلانها في زمان الجنون أو الإغماء ـ فضلاً عما بعده ـ محل إشكال ، وتبطل الوكالة أيضاً
بتلف موردها كالحيوان الذي وكل في بيعه وبفعل الموكل ما تعلقت به الوكالة كما لو وكله في بيع سلعة ثم باعها وبفعل الموكل ما ينافيه كما لو وكله في بيع دار ثم أوقفه.
مسألة 1286 : إذا عرض الحجر على الموكل فيما وكل فيه كان ذلك موجباً لعدم صحة تصرف الوكيل ما دام الموكل محجوراً عليه ولكن في كونه مبطلاً للوكالة بحيث لا يصح تصرفه بعد زوال الحجر أيضاً إشكال بل منع.
مسألة 1287 : يجوز التوكيل في الخصومة والمرافعة ، فيجوز لكل من المدعي والمدعى عليه أن يوكل شخصاً عن نفسه ، بل يكره لذوي المروات أن يتولوا المنازعة والمرافعة بأنفسهم ، خصوصاً إذا كان الطرف بذي اللسان ، ولا يعتبر رضا صاحبه فليس له الامتناع عن خصومة الوكيل.
مسألة 1288 : يجوز للحاكم التوكيل لمن له الولاية عليه من سفيه أو غيره إذا حصل بينه وبين غيره منازعة استدعت المرافعة عند الحاكم فيتخذ له وكيلاً ليدافع عن حقه أمامه.
مسألة 1289 : الوكيل في المرافعة إن كان وكيلاً عن المدعي كانت وظيفته بث الدعوى على المدعى عليه عند الحاكم وأقامة البينة وتعديلها وطلب تحليف المنكر والحكم على الخصم والقضاء عليه ، وبالجملة كل ما يقع وسيلة إلى الإثبات ، وأما الوكيل عن المدعى عليه فوظيفته الإنكار والطعن على الشهود وأقامة بينة الجرح ومطالبة الحاكم بسماعها والحكم بها ، وبالجملة عليه السعي في الدفع ما أمكن.
مسألة 1290 : لو ادعى منكر الدين مثلاً في أثناء مرافعة وكيله ومدافعته عنه الأداء أو الإبراء انقلب مدعياً ، وصارت وظيفة وكيله إقامة البينة على هذه الدعوى وطلب الحكم بها من الحاكم ، وصارت وظيفة وكيل خصمه الإنكار والطعن في الشهود وغير ذلك.
مسألة 1291 : لا يقبل إقرار الوكيل في الخصومة على موكله ، فإذا أقر وكيل المدعي بالقبض أو الإبراء أو قبول الحوالة أو المصالحة أو بأن الحق مؤجل أوإن الشهود فسقة أو أقر وكيل المدعى عليه بالحق للمدعي لم يقبل وبقيت الخصومة على حالها ، سواء أقر في مجلس الحكم أو في غيره ، لكن ينعزل وتبطل وكالته وليس له المرافعة لأنه بعد الإقرار ظالم في الخصومة بزعمه.
مسألة 1292 : الوكيل في المرافعة لا يملك الصلح عن الحق ولا الإبراء منه إلا أن يكون وكيلاً في ذلك أيضاً.
مسألة 1293 : يجوز أن يوكل اثنين فصاعداً في المرافعة كسائر الأمور ، فإن لم يفهم من كلامه استقلال كل واحد منهما فيها لم يستقل بها أحدهما ، بل يتشاوران ويعضد كل واحد منهما صاحبه ويعينه على ما فوض إليهما.
مسألة 1294 : إذا وكل الرجل وكيلاً بحضور الحاكم في خصوماته وأستيفاء حقوقه مطلقاً أو في خصومة شخصية ثم قدم الوكيل خصماً لموكله ونشر الدعوى عليه يسمع الحاكم دعواه عليه ، وكذا إذا ادعى عند الحاكم أنه وكيل في الدعوى وأقام البينة عنده على وكالته ، وأما إذا ادعى الوكالة من دون بينة عليها فإن لم يحضر خصماً عنده أو أحضر ولم يصدقه في وكالته لم يسمع دعواه ، وأما إذا صدقه فيها فالظاهر أن يسمع دعواه لكن لن يثبت بذلك وكالته عن موكله بحيث يكون حجة عليه ، فإذا قضت موازين القضاء بحقية المدعي يلزم المدعى عليه بالحق ، وأما إذا قضت بحقية المدعى عليه فالمدعي على حجته ، فإذا أنكر الوكالة تبقى دعواه على حالها.
مسألة 1295 : إذا وكله في الدعوى وتثبيت حقه على خصمه وثبته لم يكن له قبض الحق فللمحكوم عليه أن يمتنع عن تسليم ما ثبت عليه إلى
الوكيل.
مسألة 1296 : لو وكله في استيفاء حق له على غيره فجحده من عليه الحق لم يكن للوكيل مخاصمته والمرافعة معه وتثبيت الحق عليه ما لم يكن وكيلاً في الخصومة.
مسألة 1297 : يجوز جُعلٍ جعل للوكيل ولكنه إنما يستحق الجُعل بتسليم العمل الموكل فيه ، فلو وكله في البيع أو الشراء وجعل له جُعلاً كان للوكيل مطالبة الموكل به بمجرد إتمام المعاملة وإن لم يتسلم الموكل الثمن أو المثمن ، وكذا لو وكله في المرافعة وتثبيت حقه استحق الجعل بمجرد إتمام المرافعة وثبوت الحق وإن لم يتسلمه الموكل.
مسألة 1298 : لو وكله في قبض دينه من شخص فمات قبل الأداء بطلت الوكالة ولم يكن له مطالبة وارثه ، نعم لو كانت الوكالة شاملة لأخذ الدين ولو من الورثة لم تبطل الوكالة وكان حينئذٍ للوكيل مطالبة الورثة بذلك.
مسألة 1299 : لو وكله في استيفاء دينه من زيد فجاء إلى زيد للمطالبة فقال زيد للوكيل خذ هذه الدراهم وأقض بها دين فلان يعني موكله فأخذها صار الوكيل وكيل زيد في قضاء دينه وكانت الدراهم باقية على ملك زيد ما لم يقبضها صاحب الدين ولو بوكيله أو وليه ، فلزيد استردادها ما دامت في يد الوكيل ، ولو تلفت عنده بقي الدين بحاله ، ولو قال خذها عن الدين الذي تطالبني به لفلان فأخذها كان قابضاً للموكل وبرئت ذمة زيد وليس له الاسترداد.
مسألة 1300 : الوكيل أمين بالنسبة إلى ما دفعه إليه الموكل لا يضمنه إلا مع التعدي أو التفريط ، فلو تلف اتفاقاً من دون أن يقصر في حفظه أو يتصرف فيه بغير ما أجازه الموكل فيه لم يكن عليه شيء ، وأما لو قصر في حفظه أو تعدى وتصرف فيه بغير ما أجازه الموكل وتلف ضمنه ، فلو لبس
الثوب الذي وكل في بيعه وتلف حينذاك لزمه عوضه ، وأما لو رجع عن تعديه ثم تلف فالظاهر براءته عن الضمان.
مسألة 1301 : لو تصرف الوكيل في المال الذي دفعه الموكل إليه بغير ما أجازه لم تبطل وكالته ، فيصح منه الإتيان بما هو وكيل فيه ، فلو توكل في بيع ثوب فلبسه ثم باعه صح البيع.
مسألة 1302 : يجب على الوكيل تسليم ما في يده إلى الموكل أو وكيله مع القدرة والمطالبة ، فلو تخلف عنه كان ضامناً.
مسألة 1303 : لو وكله في إيداع مال فأودعه بلا إشهاد فجحد الودعي لم يضمنه الوكيل إلا إذا وكله في أن يودعه عنده مع الإشهاد ـ ولو لانصراف إطلاقه إليه ـ فأودع بلا إشهاد ، وكذا الحال فيما لو وكله في قضاء دينه فأداه بلا إشهاد وإنكر الدائن.
مسألة 1304 : إذا وكله في بيع سلعة أو شراء متاع فإن صرح بكون البيع أو الشراء من غيره أو بما يعم نفسه فلا إشكال ، وإن أطلق وقال أنت وكيلي في أن تبيع هذه السلعة أو تشتري لي المتاع الفلاني فالظاهر أنه يعم نفس الوكيل فيجوز له أن يبيع السلعة من نفسه أو يشتري له المتاع من نفسه إلا مع انصراف الإطلاق إلى غيره.
مسألة 1305 : لا تثبت الوكالة عند الاختلاف إلا بشاهدين عدلين.
مسألة 1306 : لو زوجه فأنكر الموكل الوكالة حلف وعلى الوكيل نصف المهر لها وعلى الموكل إن كان كاذباً في إنكاره الزوجية طلاقها ، ولولم يفعل وقد علمت الزوجة بكذبه رفعت أمرها إلى الحاكم ليطلقها.
مسألة 1307 : إذا اختلفا في الوكالة فالقول قول منكرها بيمينه ، ولو اختلفا في التلف أو في تقصير الوكيل أو في العزل أو العلم به أو في التصرف فالقول قول الوكيل بيمينه ، وأذا ادعى الوكيل الإذن في البيع بثمن معين وإنكره
الموكل فالقول قوله بيمينه فإن وجدت العين استعيدت وإن فقدت أو تعذرت فالمثل ، أو القيمة إن لم تكن مثلية.
مسألة 1308 : إذا اختلفا في رد المال إلى الموكل فالقول قول الموكل بيمينه ، وكذا الحال فيما إذا اختلف الوصي والموصى له في دفع المال الموصى به إليه ، أو اختلف الأولياء ـ حتى الأب والجد ـ مع المولى عليه بعد زوال الولاية عليه في دفع ماله إليه ، فإن القول قول المنكر في جميع ذلك ، نعم لو اختلف الأولياء مع المولى عليهم في الإنفاق عليهم أو على ما يتعلق بهم في زمان ولايتهم كان القول قول الأولياء بيمينهم.
مسألة 1309 : قبول قول الوكيل أو غيره مع اليمين في الموارد المتقدمة منوط بعدم كونه مخالفاً للظاهر ، مثلاً لو ادعى الوكيل تلف ما دفعه إليه الموكل بحريق أصابه وحده وقد كان بين أمواله لم يقبل قوله إلا بالبينة.
كتاب الهبة
الهبة هي : ( تمليك عين من دون عوض عنها ) ويعبر عن بعض أقسامها بالعطية والنحلة والجائزة والصدقة.
مسألة 1310 : الهبة عقد يتوقف على إيجاب وقبول ، ويكفي في الإيجاب كل ما دل على التمليك المذكور من لفظ أو فعل أو إشارة ولا يعتبر فيه صيغة خاصة ولا العربية ويكفي في القبول كل ما دل على الرضا بالإيجاب من لفظ أو فعل أونحو ذلك.
مسألة 1311 : يعتبر في الواهب البلوغ والعقل والقصد والاختيار وعدم الحجر عليه من التصرف في الموهوب لسفه أو فلس ، وتصح الهبة من المريض بمرض الموت على تفصيل تقدم في كتاب الحجر.
مسألة 1312 : يعتبر في الموهوب له قابليته لتملك الموهوب شرعاً فلا تصح هبة الخنزير للمسلم ولو من قبل الكافر ، ولا يعتبر فيه البلوغ والعقل والقصد والاختيار إلا إذا كان هو القابل بنفسه أو بوكيله دون ما إذا كان القائل وليه.
مسألة 1313 : يعتبر في الموهوب أن يكون عيناً فلا تصح هبة المنافع ، وأما الدين فتصح هبته لغير من هوعليه ويكون قبضه بقبض مصداقه ، وأما هبته لمن هوعليه بقصد إسقاطه فهو إبراء ولا يحتاج إلى القبول.
مسألة 1314 : يشترط في صحة الهبة القبض ولابد فيه من إذن الواهب إلا أن يهب ما في يده فلا حاجة حينئذٍ إلى قبض جديد وإن كان
الأحوط لزوماً اعتبار الإذن في القبض بقاءً.
مسألة 1315 : للأب والجد من جهته ولاية القبول والقبض عن الصغير والمجنون إذا بلغ مجنوناً ، أما لو جن بعد البلوغ والرشد ففي كون ولاية القبول والقبض لهما أو للحاكم الشرعي إشكال فلا يترك الاحتياط بتوافقهما معاً ، ولو وهب الولي أحدهما وكانت العين الموهوبة بيد الولي لم يحتج إلى قبض جديد.
مسألة 1316 : يتحقق القبض في المنقول وغير المنقول باستيلاء الموهوب له على الموهوب وصيرورته تحت يده وسلطانه ، والظاهر اختلاف صدق ذلك بحسب اختلاف الموارد.
مسألة 1317 : تصح هبة المشاع ويمكن قبضه ولو بقبض المجموع بإذن الشريك أو بتوكيل الموهوب له إياه في قبض الحصة الموهوبة عنه ، بل الظاهر تحقق القبض الذي هو شرط للصحة في المشاع باستيلاء الموهوب له عليه من دون إذن الشريك أيضاً ، وترتب الأثر عليه وإن فرض كونه تعدياً بالنسبة إليه.
مسألة 1318 : لا تعتبر الفورية في القبض ولا كونه في مجلس العقد فيجوز فيه التراخي عن العقد بزمان كثير ، ومتى تحقق القبض صحت الهبة من حينه فإذا كان للموهوب نماء سابق على القبض قد حصل بعد الهبة كان للواهب دون الموهوب له.
مسألة 1319 : لو مات الواهب بعد العقد وقبل القبض بطل العقد وإنفسخ ، وإنتقل الموهوب إلى ورثته ولا يقومون مقامه في الإقباض. فيحتاج إلى إيقاع هبة جديدة بينهم وبين الموهوب له ، كما أنه لو مات الموهوب له لا يقوم ورثته مقامه في القبض بل يحتاج إلى هبة جديدة من الواهب إياهم.
مسألة 1320 : إذا تمت الهبة بحصول القبض فإن كانت لذي رحم
أباً كان أوأما أو ولداً أو غيرهم لم يكن للواهب الرجوع في هبته ، كما لا يحق له الرجوع فيها بعد التلف أو مع التعويض عنها ولو بشيء يسير ، من غير فرق بين ما كان دفع العوض لأجل اشتراطه في الهبة وبين غيره بأن أطلق في العقد لكن الموهوب له أثاب الواهب وأعطاه العوض ، وكذا لا يحق له الرجوع فيها لو قصد بهبته القربة وأراد بها وجه الله تعالى.
مسألة 1321 : في إلحاق الزوج والزوجة بذي الرحم في لزوم الهبة إشكال ، والأقرب عدمه ، وإن كان الأحوط عدم الرجوع فيها ولو قبل القبض.
مسألة 1322 : يلحق بالتلف في عدم جواز الرجوع في الهبة التصرف الناقل كالبيع والهبة والتصرف المغير للعين بحيث لا يصدق معه كون الموهوب قائماً بعينه كطحن الحنطة وخبز الدقيق وصبغ القماش أو تقطيعه وخياطته ثوباً ونحو ذلك ، وأما التصرف غير المغير كلبس الثوب وفرش السجادة وركوب الدابة وأمثال ذلك فلا يمنع من الرجوع ، ومن الأول الامتزاج الموجب للشركة كما أن من الثاني قصارة الثوب.
مسألة 1323 : فيما جاز للواهب الرجوع في هبته لا فرق بين الكل والبعض فلو وهب شيئين لأجنبي بعقد واحد يجوز له الرجوع في أحدهما ، بل لو وهب شيئاً واحداً يجوز له الرجوع في بعضه مشاعاً أو معيناً ومفروزاً.
مسألة 1324 : الهبة أما معوضة أو غير معوضة ، والمراد بالأولى ما شرط فيها الثواب والعوض وإن لم يعط العوض وما عوض عنها وإن لم يشترط فيها العوض.
مسألة 1325 : إذا وهب وأطلق لم يلزم على الموهوب له إعطاء الثواب والعوض ، سواء أكانت من الأدنى للأعلى أو العكس أو من المساوي للمساوي وإن كان الأولى بل الأحوط في الصورة الأولى إعطاؤه ، ولو أعطى العوض لم يجب على الواهب قبوله ، وإن قبل وأخذه لزمت الهبة ولم يكن له
الرجوع فيما وهبه ولم يكن للموهوب له أيضاً الرجوع فيما أعطاه.
مسألة 1326 : إذا شرط الواهب في هبته على الموهوب له أن يعوضه عليها كأن يهبه شيئاً مكافاة لهبته ووقع منه القبول على ما اشترط وكذا القبض للموهوب وجب عليه العمل بالشرط ، فإذا تعذر أو امتنع من العمل به جاز للواهب الرجوع في الهبة ولولم يكن الموهوب قائماً بعينه ، بل الظاهر جواز الرجوع في الهبة المشروطة قبل العمل بالشرط أيضاً ، نعم إذا كان تدريجياً وشرع فيه الموهوب له لم يكن للواهب الرجوع إلا مع عدم الإكمال في المدة المضروبة أو المتعارفة.
مسألة 1327 : لو عين العوض في الهبة المشروط فيها العوض تعين ويلزم على الموهوب له بذل ما عين ، ولو أطلق ـ بأن شرط عليه أن يعوض ولم يعين العوض ـ فإن اتفقا على شيء فذاك ، والا فالأحوط أن يعوض بالمساوي من مثل أو قيمة إلا إذا كانت قرينة من عادة أو غيرها على الاجتزاء باليسير.
مسألة 1328 : لا يعتبر في الهبة المعوضة سواءً أكان التعويض وفاءً بالشرط أم تبرعاً أن يكون العوض هبة الموهوب له عيناً للواهب بل يجوز أن يكون غيرها من العقود أو الإيقاعات كبيع شيء على الواهب بأقل من قيمته السوقية مثلاً أو إبراء ذمته من دين له عليه ونحو ذلك ، بل يجوز أن يكون عملاً خارجياً ـ ولو في العين الموهوبة ـ يتعلق به غرض الواهب كأن يشترط على الموهوب له أن يبني في الأرض الموهوبة مدرسة أو مسجداً أو غيرهما.
مسألة 1329 : لو رجع الواهب في هبته فيما جاز له الرجوع وكان للموهوب نماء منفصل حدث بعد العقد والقبض كالولد كان من مال الموهوب له ولا يرجع إلى الواهب ، وإن كان النماء متصلاً فإن كان غير قابل للانفصال كالسمن والطول فهو تابع للعين فيرجع الواهب إلى العين كما هي
إلا إذا كان النماء كثيراً كما سيأتي ، وإن كان قابلاً للانفصال كالصوف والثمرة ونحوهما ففي التبعية إشكال والأظهر عدمها وإن الزيادة للموهوب له بعد رجوع الواهب أيضاً.
مسألة 1330 : إذا كان النماء المتصل غير القابل للانفصال بحيث لا يصدق معه كون الموهوب قائماً بعينه ، كما لو وهبه فرخاً في أول خروجه من البيضة فصار دجاجاً لم يكن للواهب الرجوع.
مسألة 1331 : لو مات الواهب بعد إقباض الموهوب لزمت الهبة وإن كانت لأجنبي ولم تكن معوضة وليس لورثته الرجوع ، وكذلك لو مات الموهوب له ، فينتقل الموهوب إلى ورثته انتقالاً لازماً.
مسألة 1332 : لو باع الواهب العين الموهوبة فإن كانت الهبة لازمة بأن كانت لذي رحم أو معوضة أو قصد بها القربة يقع البيع فضولياً ، فإن أجاز الموهوب له صح والا بطل ، وإن كانت غير لازمة فالظاهر صحة البيع ووقوعه من الواهب وكان رجوعاً في الهبة ، هذا إذا كان ملتفتاً إلى هبته ، وأما لو كان ناسياً أو غافلاً وذاهلاً ففي كونه رجوعاً قهرياً إشكال فلا يترك الاحتياط.
مسألة 1333 : الرجوع أما بالقول ، كأن يقول : ( رجعت ) وما يفيد معناه ، وأما بالفعل كاسترداد العين وأخذها من يد الموهوب له بقصد الرجوع ، ومن ذلك بيعها بل وأجارتها ورهنها إذ كان ذلك بقصد الرجوع.
مسألة 1334 : لا يشترط في الرجوع اطلاع الموهوب له ، فلو أنشأ الرجوع من غير علمه صح.
مسألة 1335 : يستحب العطية للأرحام الذين أمر الله تعالى أكيداً بصلتهم ونهى شديداً عن قطيعتهم ، فعن الباقرعليهالسلام : ( في كتاب عليعليهالسلام : ثلاثة لا يموت صاحبهن أبداً حتى يرى وبالهن : البغي ، وقطيعة الرحم ، واليمين الكاذبة يبارز الله بها ، وإن أعجل الطاعة ثواباً لصلة
الرحم ، وإن القوم ليكونون فجاراً فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون ، وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها ) وخصوصاً الوالدين الذين أمر الله تعالى ببرهما ، فعن الصادقعليهالسلام : ( أن رجلاً أتى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وقال : أوصني قال : لا تشرك بالله شيئاً وإن أحرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان ، ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين ، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل فإن ذلك من الإيمان ).
ولا سيما الأم التي يتأكد برها وصلتها أزيد من الأب فعن الصادقعليهالسلام : ( جاء رجل إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يا رسول الله من أبر؟ قال : أمك ، قال : ثم من؟ قال : أمك ، قال ثم من؟ قال : أمك ، قال ثم من؟ قال : أباك ).
مسألة 1336 : يجوز تفضيل بعض الولد على بعض في العطية على كراهية ، وربما يحرم إذا كان سبباً لإثارة الفتنة والشحناء والبغضاء المؤدية إلى الفساد ، كما أنه ربما يفضل التفضيل فيما إذا أمن من الفساد وكان لبعضهم خصوصية موجبة لأولوية رعايته.
كتاب الوصية
وهي قسمان :
1 ـ الوصية التمليكية : وه ي أن يجعل الشخص شيئاً مما له من مال أو حق لغيره بعد وفاته ، كأن يجعل شيئا من تركته لزيد أو للفقراء بعد مماته ، فهي وصية بالملك أو الاختصاص.
2 ـ الوصية العهدية : وه ي أن يعهد الشخص بتولي أحد بعد وفاته أمراً يتعلق به أو بغيره كدفنه في مكان معين أو في زمان معين أو تمليك شيء من ماله لأحدٍ أو وقفه أو بيعه ، أو الاستنابة عنه في صلاة أو صوم أو حج أو القيمومة على صغاره ونحو ذلك ، فهي وصية بالتولية.
مسألة 1337 : تتضيق الواجبات الموسعة إذا لم يطمئن المكلف بالتمكن من الامتثال مع التأخير كقضاء الصلاة والصيام وأداء الكفارات والنذور ونحوها من الواجبات البدنية وغيرها فتجب المبادرة إلى أدائها.
وإن ضاق الوقت عن أدائها فإن كان له مال لزمه الاستيثاق من أدائها عنه بعد وفاته ولو بالوصية به ، وإن لم يكن له مال وأحتمل ـ احتمالاً معتداً به ـ أن يؤديها شخص آخر عنه تبرعاً وجبت عليه الوصية به أيضا ، وربما يغني الإخبار عن الوصية كما لو كان له من يطمئن بأدائه لما وجب عليه كالولد الأكبر فيكفي حينئذٍ إخباره بما عليه من الواجبات.
وأما أمانات الناس من الوديعة والعارية ومال المضاربة ونحوها مما يكون تحت يده فإن أمكنه إيصاله إلى صاحبه أو وكيله أو وليه أو إعلامه بذلك تعين عليه ذلك على الأحوط ، وإن لم يمكنه لزمه الاستيثاق من وصوله إلى
صاحبه بعد وفاته ولو بالإيصاء به والاستشهاد على ذلك وأعلام الوصي والشاهد باسم صاحبه وخصوصياته ومحله.
وأما ديون الناس فإن كان له تركة لزمه الاستيثاق من وصولها إلى أصحابها بعد مماته ولو بالوصية بها والاستشهاد عليها ، هذا في الديون التي لم يحل أجلها بعد أو حل ولم يطالبه بها الديان أو حل وطالبوا ولم يكن قادراً على وفائها ، والا فتجب المبادرة إلى وفائها فوراً وإن لم يخف الموت.
وأما الحقوق الشرعية مثل الزكاة والخمس والمظالم فإن كان متمكناً من أدائها فعلاً وجبت المبادرة إليه ولا يجوز التأخير وإن علم ببقائه حياً ، وإن عجز عن الأداء وكانت له تركة وجب عليه الاستيثاق من أدائها بعد وفاته ولو بالوصية به إلى ثقة مأمون ، وإن لم يكن له تركة وأحتمل أن يؤدي ما عليه بعض المؤمنين تبرعاً وأحساناً وجبت الوصية به أيضاً ونحوه في ديون الناس إذا لم يكن له تركة.
مسألة 1338 : يكفي في تحقق الوصية كل ما دل عليها من لفظ ـ صريح أو غير صريح ـ أو فعل وإن كان كتابة أو إشارة ، بلا فرق فيه بين صورتي الاختيار وعدمه ، بل يكفي وجود مكتوب بخطه أو بإمضائه بحيث يظهر من قرائن الأحوال إرادة العمل به بعد موته.
مسألة 1339 : إذا قيل للشخص هل أوصيت؟ فقال : لا ، فقامت البينة على أنه قد أوصى ، كان العمل على البينة ولم يعتد بخبره ، نعم إذا كان قد قصد من إنكاره إنشاء العدول عن الوصية صح العدول منه.
وكذا الحكم لو قال : نعم ، وقامت البينة على عدم الوصية منه فإنه إن قصد الإخبار كان العمل على البينة ، وإن قصد إنشاء الوصية صح الإنشاء وتحققت الوصية.
مسألة 1340 : الوصية التمليكية لها أركان ثلاثة : الموصي ،
والموصى به ، والموصى له ، وأما الوصية العهدية فيكون قوامها بأمرين : الموصي ، والموصى به ، نعم إذا عين الموصي شخصاً لتنفيذها كانت أطرافها ثلاثة بإضافة الموصى إليه وهو الذي يطلق عليه الوصي ، وأذا كان الموصى به أمراً متعلقاً بالغير كتمليك مال لزيد مثلاً كانت أطرافها أربعة بإضافة الموصى له.
مسألة 1341 : إذا لم يعين الموصي في الوصية العهدية وصياً لتنفيذها ، تولى الحاكم أمرها أو عين من يتولاه ، ولولم يكن الحاكم ولا منصوبه تولاه بعض عدول المؤمنين.
مسألة 1342 : الوصية العهدية لا تحتاج إلى القبول ، نعم إذا كان الموصى به أمراً متعلقاً بالغير فربما احتاج إلى قبوله ، كما أنه إذا عين وصياً لتنفيذها فلابد من عدم ردها من قبله ـ كما سيأتي ـ ولكن هذا معتبر في وصايته لا في أصل الوصية.
وأما الوصية التمليكية فإن كانت تمليكاً لعنوان عام كالوصية للفقراء والسادة والطلبة فهي كالعهدية لا يعتبر فيها القبول وإن كانت تمليكاً للشخص فالأظهر أنه يعتبر فيها القبول من الموصى له والقول بعدم اعتباره وكفاية عدم الرد ضعيف.
مسألة 1343 : يكفي في القبول كل ما دل على الرضا قولاً أو فعلاً ، كأخذ الموصى به بقصد القبول.
مسألة 1344 : لا فرق في القبول بين وقوعه في حياة الموصي أو بعد موته ، كما أنه لا فرق في الواقع بعد الموت بين أن يكون متصلاً به أو متأخراً عنه مدة.
مسألة 1345 : الظاهر أن رد الموصى له الوصية في الوصية التمليكية مبطل لها إذا كان الرد بعد الموت ولم يسبق بقبوله ، أما إذا سبقه القبول بعد
الموت أو في حال الحياة فلا أثر له وكذا الرد حال الحياة.
مسألة 1346 : لو أوصى له بشيئين فقبل أحدهما ورد الآخر صحت فيما قبل وبطلت فيما رد إلا إذا أوصى بالمجموع من حيث المجموع ، وكذا لو أوصى له بشيء واحد فقبل في بعضه ورد في البعض الآخر.
مسألة 1347 : لا يجوز للورثة التصرف في العين الموصى بها قبل أن يختار الموصى له أحد الأمرين من الرد والقبول ، وليس لهم إجباره على الاختيار معجلاً إلا إذا كان تأخيره موجباً للضرر عليهم فيجبره الحاكم حينئذٍ على اختيار أحدهما.
مسألة 1348 : لو مات الموصى له في حياة الموصي أو بعد موته قبل أن يصدر منه رد أو قبول قام ورثته مقامه في الرد والقبول ، فيملكون الموصى به بقبولهم كمورثهم لولم يرجع الموصى عن وصيته قبل موته.
مسألة 1349 : إذا قبل بعض الورثة ورد بعضهم صحت الوصية فيمن قبل وبطلت فيمن رد بالنسبة إلا إذا أوصى بالمجموع من حيث المجموع فتبطل مطلقاً.
مسألة 1350 : الظاهر أن الوارث يتلقى المال الموصى به من الموصي ابتداءً لا أنه ينتقل إلى الموصى له أولاً ثم إلى وارثه وإن كانت القسمة بين الورثة في صورة التعدد على حسب قسمة المواريث ، فعلى هذا لا يخرج من الموصى به ديون الموصى له ولا تنفذ فيه وصاياه.
مسألة 1351 : المدار على الوارث للموصى له عند موته لا الوارث عند موت الموصي.
مسألة 1352 : إذا مات الوارث في حياة الموصي أيضاً ففي انتقال الموصى به إلى ورثته أيضاً إشكال ، والانتقال أظهر.
مسألة 1353 : إذا أوصى إلى أحد أن يعطي بعض تركته لشخص مثلا
فهل يجري الحكم المذكور من الانتقال إلى الوارث لو مات في حياة الموصي بتمليكه؟ الظاهر ذلك.
مسألة 1354 : يشترط في الموصي أمور :
الأول : البلوغ فلا تصح وصية الصبي إلا إذا بلغ عشراً فإنه تصح وصيته في المبرات والخيرات العامة وكذا لأرحامه وأقربائه ، وأما الغرباء ففي نفوذ وصيته لهم إشكال ، وكذا في نفوذ وصية البالغ سبع سنين في الشيء اليسير فلا يترك مراعاة مقتضى الاحتياط فيهما.
الثاني : العقل ، فلا تصح وصية المجنون والمغمى عليه والسكران حال جنونه وأغمائه وسكره ، وأذا أوصى حال عقله ثم جن أو سكر أو أغمي عليه لم تبطل وصيته.
الثالث : الرشد ، فلا تصح وصية السفيه في أمواله وتصح في غيرها كتجهيزه ونحوه.
الرابع : الاختيار ، فلا تصح وصية المكره.
الخامس : الحرية ، على تفصيل مذكور في محله.
السادس : أن لا يكون قاتل نفسه ، فإذا أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه من جرح أو شرب سم أونحو ذلك لم تصح وصيته إذا كانت في ماله ، أما إذا كانت في غيره من تجهيز ونحوه صحت ، وكذا تصح الوصية في ماله وغيره إذا فعل ذلك لا عن عمد بل كان خطأً أو سهواً أو كان لا بقصد الموت بل لغرض آخر ، أو على غير وجه العصيان مثل الجهاد في سبيل الله ، وكذا إذا عوفي ثم أوصى ، بل الظاهر الصحة أيضاً إذا أوصى بعد ما فعل السبب ثم عوفي ثم مات.
مسألة 1355 : إذا أوصى قبل أن يحدث في نفسه ذلك ثم أحدث فيها صحت وصيته وإن كان حين الوصية بانياً على أن يحدث ذلك بعدها.
مسألة 1356 : تصح الوصية من كل من الأب والجد بالولاية على الطفل مع فقد الآخر ولا تصح مع وجوده.
مسألة 1357 : لا يجوز للحاكم الوصية بالولاية على الطفل بعد موته ، بل بعد موته يرجع الأمر إلى حاكم آخر غيره.
مسألة 1358 : لو أوصى وصية تمليكية لصغير من أرحامه أو من غيرهم بمال ولكنه جعل أمره إلى غير الأب والجد وغير الحاكم لم يصح هذا الجعل بل يكون أمر ذلك المال للأب والجد مع وجود أحدهما وللحاكم مع فقدهما ، نعم لو أوصى أن يبقى ماله بيد الوصي حتى يبلغ فيملكه إياه صح ، وكذا إذا أوصى أن يصرف ماله عليه من دون أن يملكه إياه بشرط عدم منافاته لحقي الحضانة والولاية.
مسألة 1359 : يجوز أن يجعل الأب والجد الولاية والقيمومة على الأطفال لاثنين أو أكثر كما يجوز جعل الناظر على القيم المذكور بمعنى كونه مشرفاً على عمله أو بمعنى كون العمل بنظره وتصويبه كما يأتي في الوصية بالمال.
مسألة 1360 : إذا قال الموصي لشخص : أنت ولي وقيم على أولادي القاصرين وأولاد ولدي ولم يقيد الولاية بجهة بعينها جاز له التصرف في جميع الشؤون المتعلقة بهم من حفظ نفوسهم وتربيتهم وحفظ أموالهم والإنفاق عليهم وأستيفاء ديونهم ووفاء ما عليهم من نفقات أو ضمانات أو حقوق شرعية واجبة كالخمس أو مستحبة كالزكاة في بعض الموارد ، وغير ذلك من الجهات ، نعم في ولايته على تزويجهم كلام سيأتي إن شاء الله.
مسألة 1361 : إذا قيد الموصي الولاية بجهة دون جهة وجب على الولي الاقتصار على محل الإذن دون غيره من الجهات وكان المرجع في الجهات الأخرى الحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله.
مسألة 1362 : ينفق الولي والقيم على الصبي من غير إسراف ولا تقتير ، فيطعمه ويلبسه عادة أمثاله ونظرائه ، فإن أسرف ضمن الزيادة ، ولو بلغ فأنكر أصل الإنفاق أو ادعى عليه الإسراف فالقول قول القيم بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر ، وكذا لو ادعى عليه أنه باع ماله من غير حاجة ولا غبطة ، نعم لو اختلفا في دفع ماله إليه بعد البلوغ فادعاه القيم وإنكره الصبي قدم قول الصبي بيمينه ما لم يكن مخالفاً للظاهر.
مسألة 1363 : يجوز للقيم على اليتيم أن يأخذ من ماله أجرة مثل عمله إذا كانت له أجرة وكان فقيراً أما إذا كان غنياً ففيه إشكال والأحوط الترك.
فصل في الموصى به
مسألة 1364 : يشترط في الموصى به في الوصية التمليكية أن يكون مالاً أو حقاً قابلاً للنقل كحقي التحجير والاختصاص ـ لا مثل حق القذف ونحوه ـ من غير فرق في المال بين كونه عيناً أو ديناً في ذمة الغير أو منفعة ، وفي العين كونها موجودة فعلاً أو مما سيوجد ، فتصح الوصية بما تحمله الدابة أو تثمر الشجرة في المستقبل.
مسألة 1365 : لابد أن تكون العين الموصى بها ذات منفعة محللة معتد بها ، فلا تصح الوصية بالخمر والخنزير والات اللهو المحرم والقمار ، نعم لو أوصى لشخص بالخمر القابلة للتخليل أو التي ينتفع بها فيما عدا الشرب من المنافع المحللة أو أوصى بآلات اللهو المحرم والقمار مع كونها مما ينتفع بها بعد الكسر انتفاعاً معتداً به صح.
مسألة 1366 : يعتبر في المنفعة الموصى بها أن تكون محللة مقصودة فلا تصح الوصية بمنفعة المغنية والات اللهو المحرم مثلاً.
مسألة 1367 : يشترط في الوصية العهدية أن يكون ما أوصى به عملاً سائغاً فلا تصح الوصية بصرف ماله في معونة الظالمين وقطاع الطرق وتعمير الكنائس ونسخ كتب الضلال ونحوها ، كما يعتبر فيها أن لا تعد سفهاً وعبثاً من الموصي والا لم تصح.
مسألة 1368 : إذا كان ما أوصى به جائزاً عند الموصي باجتهاده أو تقليده وليس بجائز عند الوصي كذلك لم يجز للوصي تنفيذ الوصية ، وأذا كان الأمر بالعكس وجب على الوصي العمل بها.
مسألة 1369 : لو أوصى لغير الولي بمباشرة تجهيزه كتغسيله والصلاة عليه مع وجود الولي فالظاهر نفوذها وتقديمه على الولي وإن كان الأحوط إن
يكون ذلك بتوافقهما بأن يستأذن الوصي من الولي ويأذن الولي للوصي.
مسألة 1370 : يشترط في الموصى به ـ في الوصية التمليكية وكذا العهدية بغير الديون ونحوها من الحقوق المالية ـ أن لا يكون زائداً على الثلث فإذا أوصى بما زاد عليه بطل الإيصاء في الزائد إلا مع إجازة الوارث. وأذا أجاز بعضهم دون بعض نفذ في حصة المجيز دون الآخر ، وأذا أجازوا في بعض الموصى به وردوا في غيره صح فيما أجازوه وبطل في غيره.
مسألة 1371 : لا إشكال في الاجتزاء بالإجازة بعد الوفاة وفي الاجتزاء بها حال الحياة أو عدمه قولان أقواهما الأول.
مسألة 1372 : ليس للمجيز الرجوع عن إجازته حال حياة الموصي ولا بعد وفاته كما لا أثر للرد حال حياته إذا لحقته الإجازة بعد وفاته ، وأما إذا رد بعد وفاته فلا أثر للإجازة بعده.
مسألة 1373 : لا فرق بين وقوع الوصية حال مرض الموصي وحال صحته ، ولا بين كون الوارث غنياً وفقيراً.
مسألة 1374 : لا يشترط في نفوذ الوصية قصد الموصي كونها من الثلث الذي جعله الشارع له فإذا أوصى بعين مثلاً غير ملتفت إلى ذلك وكانت بقدره أو أقل صح.
مسألة 1375 : إذا أوصى بثلث ما تركه ثم أوصى بشيء وقصد كونه من ثلثي الورثة فإن أجازوا صحت الثانية أيضاً والا بطلت.
مسألة 1376 : إذا أوصى بعين وأوصى بالثلث فيما عداها أيضاً نفذت الوصية في ثلثها وتوقفت في ثلثيها على إجازة الورثة ، كما إذا قال : ( فرسي لزيد وثلثي من باقي التركة لعمرو ) فإنه تصح وصيته لعمرو وأما وصيته لزيد فتصح إذا رضي الورثة والا صحت في ثلث الفرس وكان الثلثان للورثة.
مسألة 1377 : إذا أوصى بعين ولم يوص بالثلث فإن لم تكن الوصية زائدة
على الثلث نفذت ، وإن زادت على الثلث توقف نفوذها في الزائد على إجازة الورثة.
مسألة 1378 : إذا أوصى بعين معينة أو بمقدار كلي من المال كألف دينار ، يلاحظ في كونه بمقدار الثلث أو أقل أو أكثر بالإضافة إلى أموال الموصي حين الموت لا حين الوصية.
فإذا أوصى لزيد بعين كانت بقدر نصف أمواله حين الوصية وصارت حين الموت بمقدار الثلث إما لنزول قيمتها أو لارتفاع قيمة غيرها أو لحدوث مال له لم يكن حين الوصية صحت الوصية في تمامها.
مسألة 1379 : إذا كانت العين حين الوصية بمقدار الثلث فصارت أكثر من الثلث حال الموت إما لزيادة قيمتها أو لنقصان قيمة غيرها أو لخروج بعض أمواله عن ملكه نفذت الوصية فيما يساوي الثلث وبطلت في الزائد إلا إذا أجاز الورثة.
مسألة 1380 : إذا أوصى بكسر مشاع كالثلث فإن كان حين الوفاة مساوياً له حين الوصية فلا إشكال في صحة الوصية بتمامه ، وكذا إذا كان أقل فتصح فيه بتمامه حين الوفاة.
أما إذا كان حين الوفاة أكثر منه حين الوصية كما لو تجدد له مال فهل يجب إخراج ثلث الزيادة المتجددة أيضاً أو يقتصر على ثلث المقدار الموجود حين الوصية؟ لا يخلو من إشكال وإن كان الأقوى الأول ، إلا أن تقوم القرينة على إرادة الوصية بثلث الأعيان الموجودة حين الوصية لا غير فإذا تبدلت أعيانها لم يجب إخراج شيء أو تقوم القرينة على إرادة الوصية بمقدار ثلث الموجود حينها وإن تبدلت أعيانها فلا يجب إخراج الزائد.
وكذا إذا كان كلامه محفوفاً بما يوجب إجمال المراد فإنه يقتصر حينئذٍ على القدر المتيقن وهو الأقل.
مسألة 1381 : يحسب من التركة ما يملكه الميت بعد الموت كالدية
في الخطأ وكذا في العمد إذا صالح عليها أولياء الميت وكما إذا نصب شبكة في حياته فوقع فيها شيء بعد وفاته ، فيخرج من جميع ذلك الثلث إذا كان قد أوصى به.
مسألة 1382 : إذا أوصى بعين تزيد على ثلثه في حياته وبضم الدية ونحوها تساوي الثلث نفذت وصيته فيها بتمامها.
مسألة 1383 : إنما بحسب الثلث بعد استثناء ما يخرج من الأصل كالدين والحقوق الشرعية فإن بقي بعد ذلك شيء كان ثلث الباقي هو مورد العمل بالوصية.
مسألة 1384 : إذا كان عليه دين فأبرأه الدائن بعد وفاته أو تبرع متبرع في أدائه بعد وفاته لم يكن مستثنى من التركة وكان بمنزلة عدمه.
مسألة 1385 : لابد في إجازة الوارث الوصية الزائدة على الثلث من إمضاء الوصية وتنفيذها ولا يكفي فيها مجرد الرضا وطيب النفس.
مسألة 1386 : لا يعتبر في الإجازة كونها على الفور.
مسألة 1387 : إذا عين الموصي ثلثه في عين مخصوصة تعين وأذا فوض التعيين إلى الوصي فعينه في عين مخصوصة تعين أيضاً بلا حاجة إلى رضا الوارث.
وإذا لم يحصل منه شيء من ذلك كان ثلثه مشاعا في التركة ولا يتعين في عين بعينها بتعيين الوصي إلا مع رضا الورثة.
مسألة 1388 : إذا كان ما أوصى به مالاً معيناً يساوي الثلث أو دونه اختص به الميت أو الموصى له ولا اعتراض فيه للورثة كما تقدم ، ولكن إنما يستقر ملكية الموصى له أو الميت في تمام الموصى به إذا كان يصل إلى الورثة ضعف ما أوصى به ، فإذا كان له مال بيد الورثة بهذا المقدار استقرت ملكية تمام المال المعين فللموصى له أو الوصي أن يتصرف فيه بما يشاء أو بما قرر
له ، وأما إذا لم يكن ما بأيدي الورثة من التركة يبلغ ضعف الموصى به وأحتمل ـ احتمالاً معتداً به ـ عدم وصول هذا المقدار إليهم توقف التصرف في تمام الموصى به على إجازتهم أو وصول ضعفه إليهم ، فمع انتفاء الأمرين يشاركون الموصى له أو الميت في المال المعين بالنسبة ، فلو كان ما عدى الموصى به بتمامه خارجاً عن أيديهم كان ثلث الموصى به للموصى له أو الميت وثلثاه للورثة.
مسألة 1389 : الواجبات المالية تخرج من الأصل وإن لم يوص بها الموصي ، وهي الأموال التي اشتغلت بها ذمته مثل المال الذي اقترضه والمبيع الذي باعه سلفاً وثمن ما اشتراه نسيئة وعوض المضمونات وأروش الجنايات ونحوها ومنها الخمس والزكاة والمظالم ، وأما الكفارات والنذور ونحوها فالظاهر أنها لا تخرج من الأصل.
مسألة 1390 : إذا تلف من التركة شيء بعد موت الموصي وجب إخراج الواجبات المالية من الباقي وإن استوعبه ، وكذا إذا غصب بعض التركة.
مسألة 1391 : إذا تمرد بعض الورثة عن وفاء الدين لم يجب على غيره إلا وفاء ما يخص حصته بالنسبة لا وفاء الجميع.
مسألة 1392 : الحج الواجب بالاستطاعة من قبيل الدين يخرج من الأصل وأما الحج النذري فيخرج من الثلث على الأظهر.
مسألة 1393 : إذا أوصى بوصايا متعددة متضادة كان العمل على الثانية وتكون ناسخة للأولى ، فإذا أوصى بعين شخصية لزيد ثم أوصى بها لعمرو أعطيت لعمرو ، وكذا إذا أوصى بثلثه لزيد ثم أوصى به لعمرو.
مسألة 1394 : إذا أوصى بثلثه لزيد ثم أوصى بنصف ثلثه لعمرو كان الثلث بينهما على السوية.
مسألة 1395 : إذا أوصى بعين شخصية لزيد ثم أوصى بنصفها لعمرو
كانت الثانية ناسخة للأولى بمقدارها.
مسألة 1396 : إذا أوصى بوصايا متعددة غير متضادة وكانت كلها مما يخرج من الأصل وجب إخراجها من الأصل وإن زادت على الثلث.
مسألة 1397 : إذا كانت الوصايا كلها واجبات لا تخرج من الأصل كالواجبات البدنية والكفارات والنذور أخرجت من الثلث فإن زادت على الثلث وأجاز الورثة أخرجت جميعها وإن لم يجز الورثة ورد النقص على الجميع بالنسبة ما لم تكن قرينة حالية أو مقالية على تقديم بعضها على البعض عند التزاحم ، سواء أكانت مرتبة بأن ذكرت في كلام الموصي واحدة بعد أخرى كما إذا قال : ( أعطوا عني صوم عشرين شهراً وصلاة عشرين سنة ) أم كانت غير مرتبة بأن ذكرت جملة واحدة كما إذا قال : ( اقضوا عني عباداتي مدة عمري صلاتي وصومي ).
فإذا كانت تساوي قيمتها نصف التركة فإن أجاز الورثة نفذت في الجميع وإن لم يجز الورثة ينقص من وصية الصلاة الثلث ومن وصية الصوم الثلث.
وكذا الحكم إذا كانت كلها تبرعية غير واجبة فإنها إن زادت على الثلث وأجاز الورثة وجب إخراج الجميع وإن لم يجز الورثة ورد النقص على الجميع بالنسبة.
مسألة 1398 : إذا كانت الوصايا مختلفة بعضها واجب يخرج من الأصل وبعضها واجب لا يخرج من الأصل ، كما إذا قال : ( أعطوا عني ستين ديناراً : عشرين ديناراً زكاة وعشرين ديناراً صلاة وعشرين ديناراً صوماً ) فإن لم يذكر المخرج يبدأ بما يخرج من الأصل فيخرج منه فإن بقي شيء يصرف ثلثه في الاستئجار للصلاة والصوم إذا وفى الثلث بذلك والا فإن أجازت الورثة الوصية في المقدار الزائد وجب العمل بها وإن لم تجزها ورد النقص عليهما
على ما مر. وإن ذكر المخرج بأن أوصى بأن تخرج من الثلث فإن وسعها الثلث أخرج الجميع وكذلك إن لم يسعها وأجاز الورثة وأما إذا لم يسعها ولم يجز الورثة بدأ بما يخرج من الأصل فيخرج من الثلث أولاً فإن بقي منه شيء يصرف في الاستئجار للصلاة والصوم وإن لم يفِ الثلث إلا بما يخرج من الأصل بطلت الوصية في غيره.
مسألة 1399 : إذا تعددت الوصايا وكان بعضها واجباً لا يخرج من الأصل وبعضها تبرعية ولم يف الثلث بالجميع ولم يجز الورثة ما زاد على الثلث ففي تقديم الواجب على غيره إشكال والأظهر هو التقديم.
مسألة 1400 : المراد من الوصية التبرعية الوصية بما لا يكون واجبا عليه في حياته سواء أكانت تمليكية كما إذا قال : ( فرسي لزيد بعد وفاتي ) أم عهدية كما إذا قال : ( تصدقوا بفرسي بعد وفاتي ).
مسألة 1401 : إذا أوصى بثلثه لزيد من دون تعيينه في عين شخصية يكون الموصى له شريكاً مع الورثة فله الثلث ولهم الثلثان ، فإن تلف من التركة شيء كان التلف على الجميع وإن حصل لتركته نماء كان النماء مشتركاً بين الجميع.
مسألة 1402 : إذا أوصى بصرف ثلثه في مصلحته من طاعات وقربات يكون الثلث باقياً على ملكه فإن تلف من التركة شيء كان التلف موزعاً عليه وعلى بقية الورثة وإن حصل النماء كان له منه الثلث.
مسألة 1403 : إذا عين ثلثه في عين معينة تعين كما عرفت ، فإذا حصل لها نماء كان النماء له وحده وإن تلف بعضها أو تمامها اختص التلف به ولم يشاركه فيه بقية الورثة.
مسألة 1404 : إذا أوصى بثلثه مشاعاً ثم أوصى بشيء آخر معيناً كما إذا قال : ( أنفقوا علي ثلثي وأعطوا فرسي لزيد ) وجب إخراج ثلثه من غير الفرس
في نفقته وتصح وصيته بثلث الفرس لزيد ، وأما وصيته بالثلثين الآخرين من الفرس لزيد فصحتها موقوفة على إجازة الورثة فإن لم يجيزوا بطلت كما تقدم.
وإذا كان الشيء الآخر غير معين كما إذا قال : ( أنفقوا علي ثلثي وأعطوا زيداً مائة دينار ) توقفت الوصية بالمائة على إجازة الورثة فإن أجازوها في الكل صحت في تمامها ، وإن أجازوها في البعض صحت في بعضها وإن لم يجيزوا منها شيئاً بطلت في جميعها ، ونحوه إذا قال : ( اعطوا ثلثي لزيد وأعطوا ثلثاً آخر من مالي لعمرو ) فإنه تصح وصيته لزيد ولا تصح وصيته لعمرو إلا بإجازة الورثة.
أما إذا قال : ( اعطوا ثلثي لزيد ) ثم قال : ( اعطوا ثلثي لعمرو ) كانت الثانية ناسخة للأولى كما عرفت ، والمدار على ما يفهم من الكلام.
مسألة 1405 : إذا أوصى بحرمان بعض الورثة من الميراث فلم يجز ذلك البعض لم يصح.
نعم إذا لم يكن قد أوصى بالثلث وأوصى بذلك وجب العمل بالوصية بالنسبة إلى الثلث بصرف سهم ذلك البعض من الثلث إلى غيره من الورثة ، فإذا كان له ولدان وكانت التركة ستة فأوصى بحرمان ولده زيد من الميراث أعطي زيد اثنين وأعطي الآخر أربعة.
وإذا أوصى بسدس ماله لأخيه وأوصى بحرمان ولده زيد من الميراث أعطى أخوه السدس وأعطي زيد الثلث وأعطي ولده الآخر النصف.
مسألة 1406 : إذا أوصى بشيء من مال زيد بعد وفاة نفسه لكن في حياة زيد لم يصح وإن أجازها زيد ، وأذا أوصى بشيء في مال زيد بعد وفاة زيد فأجازها زيد صح.
مسألة 1407 : قد عرفت أنه إذا أوصى بعين من تركته لزيد ثم أوصى بها لعمرو كانت الثانية ناسخة ووجب دفع العين لعمرو ، فإذا اشتبه المتقدم
والمتأخر فإن تصالحا فهو والا تعين الرجوع إلى القرعة في تعيين الموصى له.
مسألة 1408 : إذا دفع إنسان إلى آخر مالاً وقال له إذا مت فأنفقه عني ولم يعلم أنه أكثر من الثلث أو أقل أو مساوٍ له أو علم أنه أكثر وأحتمل أنه مأذون من الورثة في هذه الوصية ، أو علم أنه غير مأذون من الورثة لكن احتمل أنه كان له ملزم شرعي يقتضي إخراجه من الأصل فهل يجب على الوصي العمل بالوصية حتى تثبت زيادته على الثلث وبطلانها في الزائد عليه؟ فيه إشكال ولا سيما في الفرضين الأخيرين.
مسألة 1409 : إذا أوصى بشيء لزيد وتردد بين الأقل والأكثر اقتصر على الأقل وأذا تردد بين المتباينين ولم يتصالحا عين بالقرعة.
مسألة 1410 : إذا أوصى من لا وارث له إلا الإمام بجميع ماله للمسلمين والمساكين وأبن السبيل ففي نفوذ وصيته في جميع المال كما ذهب إليه بعض أو عدم نفوذها في الزائد على الثلث كما هو المشهور إشكال ، ولا يبعد الثاني كما هو الحال فيما لو أوصى بجميع ماله في غير الأمور المذكورة.
فصل في الموصى له
مسألة 1411 : لا يعتبر في الوصية العهدية وجود الموصى له حال الوصية أو عند موت الموصي ، فتصح الوصية للمعدوم إذا كان متوقع الوجود في المستقبل ، فلو أوصى بإعطاء شيء من ماله لأولاد ولده الذين لم يولدوا حال الوصية ولا حين موت الموصي فإن وجدوا في ظرف الإعطاء أعطي لهم والا كان ميراثاً لورثة الموصي إن لم تكن هناك قرينة على كونها من باب تعدد المطلوب والا صرف فيما هو الأقرب إلى نظر الموصي من وجوه البر.
مسألة 1412 : لا تصح الوصية التمليكية للمعدوم إلى زمان موت الموصي ، كما لو أوصى للميت أو لما تحمله المرأة في المستقبل أو لمن يوجد من أولاد فلان ، وتصح للحمل بشرط وجوده حين الوصية وإن لم تلجه الروح فإن تولد حياً ملك الموصى به بقبول وليه والا بطلت الوصية ورجع المال إلى ورثة الموصي.
مسألة 1413 : تصح الوصية للكافر الذمي وللمرتد حتى عن فطرة وللحربي.
مسألة 1414 : إذا أوصى لجماعة ذكوراً أو أناثاً أو ذكوراً وإناثاً بمال اشتركوا فيه على السوية إلا أن تكون قرينة على التفضيل.
مسألة 1415 : إذا أوصى لأبنائه وبناته أو لأعمامه وعماته أو أخواله وخالاته أو أعمامه وأخواله أونحو ذلك كان الحكم في الجميع التسوية إلا أن تقوم القرينة على التفضيل فيكون العمل على القرينة.
فصل في الوصي
مسألة 1416 : يجوز للموصي أن يعين شخصاً لتنفيذ وصاياه ، ويقال له : ( الوصي ) كما مر ، ويشترط فيه أمور :
الأول : البلوغ على المشهور ، فلا تصح الوصاية إلى الصبي منفرداً إذا أراد منه التصرف في حال صباه مستقلاً ، ولكنه لا يخلو عن إشكال ، فلو أوصى إليه كذلك فالأحوط أن يكون تصرفه بإذن الحاكم الشرعي.
أما لو أراد أن يكون تصرفه بعد البلوغ أو مع إذن الولي ، فالأظهر صحة الوصية ، وتجوز الوصاية إليه منضماً إلى الكامل سواء أراد أن لا يتصرف الكامل إلا بعد بلوغ الصبي أم أراد أن يتصرف منفرداً قبل بلوغ الصبي ، لكن في الصورة الأولى إذا كان عليه تصرفات فورية كوفاء دين عليه ونحوه يتولى ذلك الحاكم الشرعي ، وفي الصورة الثانية إذا بلغ الصبي شارك الكامل من حينه وليس له الاعتراض فيما أمضاه الكامل سابقاً إلا ما كان على خلاف ما أوصى به الميت فيرده إليه.
الثاني : العقل فلا تصح الوصية إلى المجنون في حال جنونه سواء أكان مطبقاً أم أدوارياً ، وأذا أوصى إليه في حال العقل ثم جن فإن كان مطبقاً بطلت الوصاية إليه ، وإن كان أدوارياً لم تبطل على الأظهر ، فتنفذ تصرفاته حال إفاقته.
الثالث : الإسلام ، إذا كان الموصي مسلماً على الأحوط.
مسألة 1417 : الظاهر عدم اعتبار العدالة في الوصي بل يكفي الوثوق والاطمئنان بتنفيذه للوصية.
هذا في أداء الحقوق الواجبة على الموصي وما يتعلق بالتصرف في مال الأيتام ونحو ذلك.
أما في غيره كما إذا أوصى إليه في أن يصرف ثلثه في الخيرات والقربات ففي اعتبار الوثوق به إشكال.
مسألة 1418 : إذا ارتد الوصي بطلت وصايته بناء على اعتبار الإسلام في الوصي ولا تعود إليه إذا أسلم إلا إذا نص الموصي على عودها.
مسألة 1419 : إذا أوصى إلى عادل ففسق فإن ظهر من القرينة التقييد بالعدالة بطلت الوصية ولا تعود بعود العدالة إلا إذا فهم من كلام الموصي ذلك ، وإن لم يظهر من القرينة التقييد بالعدالة لم تبطل ، وكذا الحكم إذا أوصى إلى الثقة.
مسألة 1420 : تجوز الوصاية إلى المرأة والأعمى والوارث.
مسألة 1421 : إذا أوصى إلى صبي وبالغ فمات الصبي قبل بلوغه أو بلغ مجنوناً ففي جواز انفراد البالغ بالوصية قولان أحوطهما الرجوع إلى الحاكم الشرعي فيضم إليه آخر ، إلا إذا كانت هناك قرينة على إرادة الموصي انفراد البالغ بالوصاية في هذه الصورتين.
مسألة 1422 : يجوز جعل الوصاية إلى اثنين أو أكثر على نحو الانضمام وعلى نحو الاستقلال.
فإن نص على الأول فليس لأحدهما الاستقلال بالتصرف لا في جميع ما أوصى به ولا في بعضه.
وإذا عرض لأحدهما ما يوجب سقوطه عن الوصاية من موت ونحوه فإن كان هناك قرينة على إرادة الموصي انفراد الآخر بالوصاية عندئذٍ فهو والا ضم الحاكم آخر إليه ، وإن عرض ذلك عليهما أقام الحاكم شخصين مكانهما ويكفي إقامة شخص واحد أيضاً إذا كان كافياً للقيام بشؤون الوصية ، وإن نص
على الثاني جاز لكل منهما الاستقلال فأيهما سبق نفذ تصرفه ، وإن اقترنا في التصرف مع تنافي التصرفين بأن باع أحدهما على زيد والآخر على عمرو في زمان واحد بطلا معاً ولهما أن يقتسما الثلث بالسوية وبغير السوية.
وإذا سقط أحدهما عن الوصاية انفرد الآخر ولم يضم إليه الحاكم آخر.
وإذا أطلق الوصاية إليهما ولم ينص على الانضمام والاستقلال جرى عليه حكم الانضمام إلا إذا كانت قرينة على الاستقلال كما إذا قال : ( وصيي فلان وفلان فإذا ماتا كان الوصي فلاناً ) فإنه إذا مات أحدهما استقل الآخر ولم يحتج إلى أن يضم إليه الحاكم آخر ، وكذا الحكم في ولاية الوقف.
مسألة 1423 : إذا قال : ( زيد وصيي فإن مات فعمرو وصيي ) صح ويكونان وصيين مترتبين ، وكذا يصح إذا قال : ( وصيي زيد فإن بلغ ولدي فهو الوصي ).
مسألة 1424 : يجوز أن يوصي إلى وصيين أو أكثر ويجعل الوصاية إلى كل واحد في أمر بعينه ولا يشاركه فيه الآخر.
مسألة 1425 : إذا أوصى إلى اثنين بشرط الانضمام فتشاحا ولم يجتمعا بحيث كان يؤدي ذلك إلى تعطيل العمل بالوصية فإن لم يكن السبب فيه وجود مانع شرعي لدى كل منهما عن اتباع نظر غيره أجبرهما الحاكم على الاجتماع ، وإن تعذر ذلك أو كان السبب فيه وجود المانع عنه لدى كليهما فالأظهر أن الحاكم يضم إلى أحدهما شخصاً آخر حسب ما يراه من المصلحة وينفذ تصرفهما.
مسألة 1426 : إذا قال أوصيت بكذا وكذا وجعلت الوصي فلاناً إن استمر على طلب العلم مثلاً ، صح وكان فلان وصياً إذا استمر على طلب العلم فإن انصرف عنه بطلت وصايته وتولى تنفيذ وصيته الحاكم الشرعي.
مسألة 1427 : إذا عجز الوصي عن تنفيذ الوصية لكبر ونحوه ـ ولو
على جهة التوكيل أو الاستئجار ـ ضم إليه الحاكم من يساعده ، وأذا ظهرت منه الخيانة فإن كانت الوصية مقيدة بأمانته انعزل ونصب الحاكم آخر مكانه والا ضم إليه أميناً يمنعه عن الخيانة فإن لم يمكن ذلك عزله ونصب غيره.
مسألة 1428 : إذا مات الوصي قبل تنجيز تمام ما أوصي إليه به نصب الحاكم الشرعي وصياً لتنفيذه.
وكذا إذا مات في حياة الموصي ولم يعلم هو بذلك أو علم ولم ينصب غيره ولم يكن ما يدل على عدوله عن أصل الوصية.
مسألة 1429 : ليس للوصي أن يوصي إلى أحد في تنفيذ ما أوصي إليه به إلا أن يكون مأذوناً من الموصي في الإيصاء إلى غيره.
مسألة 1430 : الوصي أمين لا يضمن ما في يده إلا بالتعدي أو التفريط ، ويكفي في الضمان حصول الخيانة في مورد بالإضافة إلى ضمان موردها ، أما الضمان بالنسبة إلى الموارد الأخر مما لم يتحقق فيها الخيانة ففيه إشكال بل الأظهر العدم.
مسألة 1431 : إذا خرج الوصي عن الوصاية لخيانة أو فسق أو نحوهما ضمن ما في يده من مال الوصاية إلا أن يدفعه إلى من يعود إليه أمر تنفيذها من شريكه في الوصية أو الحاكم الشرعي.
مسألة 1432 : إذا عين الموصي للوصي عملاً خاصاً أوقدراً خاصاً أو كيفية خاصة وجب الاقتصار على ما عين ولم يجز له التعدي فإن تعدى كان خائناً ، وأذا أطلق له التصرف بأن قال له : ( أخرج ثلثي وإنفقه ) عمل بنظر نفسه ولابد له من ملاحظة مصلحة الميت فلا يجوز أن يتصرف كيف يشاء وإن لم يكن صلاحاً للميت أو كان غيره أصلح مع تيسر فعله على النحو المتعارف ، ويختلف ذلك باختلاف الأموات ، فربما يكون الأصلح أداء العبادات الاحتياطية عنه ، وربما يكون الأصلح أداء الحقوق المالية الاحتياطية ، وربما
يكون الأصلح أداء حق بعينه احتياطي دون غيره أو أداء الصلاة عنه دون الصوم ، وربما يكون الأصلح فعل القربات والصدقات وكسوة العراة ومداواة المرضى ونحو ذلك.
هذا إذا لم يكن تعارف يكون قرينة على تعيين مصرف بعينه والا كان عليه العمل.
مسألة 1433 : إذا قال أنت وصيي ولم يعين شيئاً وتردد بين أمور كثيرة كتجهيزه وصرف ثلثه وشؤون أخرى كان لغواً إلا إذا كان تعارف يكون قرينة على تعيين المراد كما يتعارف في كثير من بلدان العراق من أنهم يريدون به أنه وصي في إخراج الثلث وصرفه في مصلحة الموصي وأداء الحقوق التي عليه وأخذ الحقوق التي له ورد الأمانات والبضائع إلى أهلها وأخذها.
نعم في شموله للقيمومة على القاصرين من أولاده إشكال ، والأحوط أن لا يتصدى لأمورهم إلا بعد مراجعة الحاكم الشرعي وعدم نصب الحاكم الشرعي غيره إلا بإذن منه.
مسألة 1434 : لا يجب على الوصي قبول الوصاية وله أن يردها في حياة الموصي بشرط أن يبلغه الرد ، بل الأحوط اعتبار تمكنه من الإيصاء إلى شخص آخر أيضاً ، فلو كان الرد بعد موت الموصي أو قبل موته ولكن الرد لم يبلغه حتى مات ، أو بلغه ولم يتمكن من الإيصاء إلى غيره لشدة المرض مثلاً لم يكن للرد أثر ، وكانت الوصاية لازمة ، نعم إذا كان العمل بالوصية حرجياً على الوصي جاز له ردها.
مسألة 1435 : الرد السابق على الوصية لا أثر له ، فلو قال زيد لعمرو : ( لا أقبل أن توصي إليّ ) فأوصى عمرو إليه لزمته الوصية إلا أن يردها بعد ذلك ، على ما تقدم.
مسألة 1436 : لو أوصى إلى أحد فرد الوصية فأوصى إليه ثانيا ولم
يردها ثانياً لجهله بها ففي لزومها عليه إشكال بل الأظهر خلافه.
مسألة 1437 : يجوز للوصي أن يوكل أمر تنفيذ الوصية ـ كلاً أو بعضاً ـ إلى غيره ممن يوثق به ما لم يكن غرض الموصي مباشرته له بشخصه ، كأن يوكل أمر العبادات التي أوصى بها إلى من له خبرة في الاستنابة في العبادات ويوكل أمر العمارات التي أوصى بها إلى من له خبرة فيها ويوكل أمر الكفارات التي أوصى بها إلى من له خبرة بالفقراء وكيفية القسمة عليهم وهكذا.
وربما يوكل الأمر في جميع ذلك إلى شخص واحد إذا كانت له خبرة في جميعها.
وقد لا يكون الموصي قد أوصى بأمور معينة بل أوصى بصرف ثلثه في مصالحه وأوكل تعيين المصرف كماً وكيفاً إلى نظر الوصي فيرى الوصي من هو أعرف منه في تعيين جهات الصرف وكيفيتها فيوكل الأمر إليه فدفع الثلث إليه بتمامه ويفوض إليه تعيين الجهات كماً وكيفاً كما يتعارف ذلك عند كثير من الأوصياء حيث يدفعون الثلث الموصى به إلى المجتهد الموثوق به عندهم ، فالوصاية إلى شخص ولاية في التصرف ولو بواسطة الإيكال إلى الغير.
فلا بأس أن يوكل الوصي أمر الوصية إلى غيره إلا أن تقوم القرينة على إرادة الموصي منه المباشرة ، فلا يجوز له حينئذٍ ذلك.
مسألة 1438 : لا يجوز للوصي تفويض الوصاية إلى غيره بمعنى عزل نفسه عن الوصاية وجعلها له فيكون غيره وصياً عن الميت بجعل منه.
مسألة 1439 : إذا بطلت وصاية الوصي لفوات شرطها نصب الحاكم الشرعي وصياً مكانه أو تولى تنفيذ الوصية بنفسه ، وكذا إذا أوصى ولم يعين وصياً أصلاً كما تقدم.
مسألة 1440 : إذا اشتبه مصرف المال الموصى به لنسيان أو غيره فإن كانت الشبهة غير محصورة فالأظهر جواز صرفه في وجه من وجوه البر ولكن الأحوط لزوماً أن لا يكون المصرف خارجاً عن أطراف الشبهة بل ولا يكون احتمال كونه مصرفاً أضعف من غيره ، وأما إذا كانت الشبهة محصورة فإن كانت أطرافها عناوين متصادقة في الجملة تعين صرف المال في المجمع ، وأما مع التباين الكلي بينها أو كون الموصى له مردداً بين أفراد فلا يبعد الرجوع إلى القرعة ، ويراعى في عدد السهام درجة الاحتمال ـ قوة وضعفاً ـ في جميع الأطراف ، نعم إذا كانت الوصية تمليكية مرددة بين أفراد فلابد من إعلامهم بالحال فإن رفض الجميع قبولها رجع ميراثاً ولا يبعد أن يكون الحال كذلك فيما إذا قبلها بعض دون بعض ، وأما إذا قبلها الجميع صار المال مردداً بينهم فإن تراضوا بصلح أو غيره فهو والا رجعوا إلى الحاكم الشرعي لفصل النزاع بينهم.
مسألة 1441 : يجوز للموصي أن يجعل ناظراً على الوصي ومشرفاً على عمله ، ووظيفته تابعة لجعل الموصي ، وهو على قسمين :
الأول : ـ ولعله الغالب ـ أن يجعل الناظر رقيبا على الوصي من جهة الاستيثاق على عمله بالوصية مطابقا لما أوصى به حتى أنه لو رأى منه خلاف ما قرره الموصي لاعترض عليه ، ومثل هذا الناظر لا يجب على الوصي استئذانه في تصرفاته ومتابعة رأيه ونظره فيها ، بل إنما يجب أن تكون أعماله باطلاعه وأشرافه فلو أوصى باستنابة من يصلي عنه فاستناب الوصي لها شخصاً واجداً للشرائط وأعلم الناظر بذلك فقد عمل بوظيفته وليس للناظر الاعتراض عليه ومطالبته باختيار غيره ما دام لا يقدح في صلاحية الأول للاستنابة ، وأما لو استناب الموصي شخصاً ولم يعلم الناظر به كان ذلك خيانة منه للوصية وتصرفاً غير مأذون فيه.
الثاني : أن يجعل الناظر مشاوراً للوصي بحيث لا يعمل إلا بإذن منه وموافقته ، فالوصي وإن كان ولياً مستقلاً في التصرف والتنفيذ لكنه غير مستقل في الرأي والنظر فلا يمضى من أعماله إلا ما وافق نظر الناظر وكان بإذنه ، فلو استبد بالعمل على نظره من دون موافقة الناظر لم ينفذ تصرفه ، ففي المثال المتقدم لولم يوافق الناظر على من اختاره الوصي للنيابة عن الموصي في الصلاة لم تصح استنابته بل يتعين استنابة من يتوافقان عليه.
وفي كلا القسمين إذا خان الوصي لم يجب على الناظر ـ بما هو ناظر ـ مدافعته فلولم يدافع لم يكن ضامناً.
مسالة 1442 : إذا مات الناظر لزم الوصي الرجوع إلى الحاكم الشرعي ليقيم شخصاً مكانه.
مسألة 1443 : الوصية جائزة من طرف الموصي ، فله ما دام فيه الروح ـ مع الشرائط المتقدمة من العقل والاختيار وغيرهما ـ ان يرجع أن يرجع عن وصيته وتبديلها من أصلها أو من بعض جهاتها وكيفياتها ومتعلقاتها ، فله تبديل الموصى به كلاً أو بعضاً وتغير الوصي والموصى له وغير ذلك ، ولو رجع عن بعض الجهات يبقى غيرها بحالها ، فلو أوصى بصرف ثلثه في مصارف مخصوصة وجعل الوصاية لزيد ثم بعد ذلك عدل عن وصاية زيد وجعل الوصاية لعمرو تبقى أصل الوصية بحالها ، وكذلك إذا أوصى بصرف ثلثه في مصارف معينة على يد زيد ثم بعد ذلك عدل عن تلك المصارف وعين مصارف أخر وهكذا ، وكما له الرجوع في الوصية المتعلقة بالمال كذلك له الرجوع في الوصية بالولاية على القاصرين.
مسألة 1444 : إذا أوصى إلى شخص ثم أوصى إلى آخر ولم يخبر الوصي الأول بالعدول عنه إلى غيره فمات فعمل الوصي الأول بالوصية ثم علم كانت الغرامة على الميت فتخرج من أصل التركة ثم يخرج الثلث
للوصي الثاني.
هذا إذا لم يكن العدول عن الأول لسبب ظاهر لا يخفى على مثله عادة أما إذا كان لسبب كذلك كما إذا هاجر الوصي الأول إلى بلاد بعيدة أو حدثت بينه وبين الموصي عداوة ومقاطعة فعدل عنه كان ما صرفه الوصي الأول من مال نفسه.
مسألة 1445 : يتحقق الرجوع عن الوصية بالقول مثل أن يقول : ( رجعت عن وصيتي إلى زيد ) وبالفعل مثل أن يوصي بصرف ثلثه ثم يوصي بوقفه ومثل أن يوصي بوقف عين أو بصرفها ثم يبيعها أو يهبها مثلاً وكذا إذا أوكل غيره في بيعها مثلاً مع التفاته إلى وصيته.
مسألة 1446 : لا يعتبر في وجوب العمل بالوصية عدم مرور مدة طويلة عليها فإذا أوصى ثم مات ولو بعد مرور سنين وجب العمل بوصيته ، نعم يعتبر عدم الرجوع عنها ، وأذا شك في الرجوع بنى على عدمه ، هذا فيما إذا كانت الوصية مطلقة بأن كان مقصود الموصي وقوع مضمون الوصية والعمل بها بعد موته في أي زمان توفاه الله ، فلو كانت مقيدة بموته في سفر كذا أو عن مرض كذا مثلاً ولم يتفق موته في ذلك السفر أو عن ذلك المرض بطلت تلك الوصية وأحتاج إلى وصية جديدة.
مسألة 1447 : إذا كان الداعي له على إنشاء الوصية خوف الموت في السفر الذي عزم عليه وجب العمل بوصيته وإن لم يمت في ذلك السفر ، ولأجل ذلك يجب العمل بوصايا الحجاج عند العزم على الحج ومثلهم زوار الإمام الرضاعليهالسلام والمسافرون أسفاراً بعيدة ، فإن الظاهر أن هؤلاء وأمثالهم لم يقيدوا الوصية بالموت في ذلك السفر وإنما كان الداعي على الوصية خوف الموت في ذلك السفر فيجب العمل بوصاياهم ما لم يتحقق الرجوع عنها.
مسألة 1448 : يجوز للوصي أن يأخذ أجرة مثل عمله إذا كانت له
أجرة إلا إذا كان أوصى إليه بأن يعمل مجاناً كما لو صرح الموصي بذلك أو كانت قرينة عليه فلا يجوز له أخذ الأجرة حينئذٍ ويجب عليه العمل بالوصية إن كان قد قبل ، أما إذا لم يقبل ففي الوجوب إشكال والأقرب العدم.
هذا بالنسبة إلى العمل الذي أوصى إليه به كالبيع والشراء وأداء الديون ونحو ذلك من الأعمال التي هي موضوع ولايته.
أما لو أوصى إليه بأعمال أخرى مثل أن يحج عنه أو يصلي عنه أونحو ذلك لم يجب عليه القبول حتى لولم يعلم بذلك في حياة الموصي ، وإن كان أوصى إليه بالعمل مجاناً كالحج مثلاً فقبل في حياته لم يبعد جواز الرد بعد وفاته.
مسألة 1449 : إذا أوصى إلى زيد أن يحج عنه وجعل له أجرة معينة بأن قال له : ( حج عني بمأة دينار ) كان إجارة فإن قبل في حياته وجب العمل بها ويستحق الأجرة ، والا لم يجب.
ولو كان بأجرة غير معينة عندهما بأن قال له : ( حج عني بأجرة المثل ) ولم تكن الأجرة معلومة عندهما فقبل في حياته لم يبعد أيضاً عدم وجوب العمل وجريان حكم الإجارة الفاسدة.
ولو كان بطريق الجعالة لم يجب العمل ، لكنه يستحق الأجرة على تقدير العمل لصدق الوصية حينئذٍ.
مسألة 1450 : تثبت الوصية التمليكية بشهادة مسلمين عادلين وبشهادة مسلم عادل مع يمين الموصى له وبشهادة مسلم عادل مع مسلمتين عادلتين كغيرها من الدعاوي المالية.
مسألة 1451 : تختص الوصية التمليكية بأنها تثبت بشهادة النساء منفردات فيثبت ربعها بشهادة مسلمة عادلة ونصفها بشهادة مسلمتين عادلتين وثلاثة أرباعها بشهادة ثلاث مسلمات عادلات وتمامها بشهادة أربع مسلمات
عادلات بلا حاجة إلى اليمين في شهادتهن.
مسألة 1452 : الوصية العهدية ـ وهي الوصاية بالولاية ـ تثبت بشهادة عدلين من الرجال ولا تقبل فيها شهادة النساء منفردات ولا منضمات إلى الرجال.
مسألة 1453 : تثبت الوصية التمليكية وكذا العهدية على الأقرب بشهادة ذميين عدلين في دينهما عند عدم عدول المسلمين ولا تثبت بشهادة غيرهما من الكفار.
مسألة 1454 : تثبت الوصية التمليكية بإقرار الورثة جميعهم إذا كانوا عقلاء بالغين وإن لم يكونوا عدولاً.
وإذا أقر بعضهم دون بعض تثبت بالنسبة إلى حصة المقر دون المنكر ، نعم إذا أقر منهم اثنان وكانا عدلين تثبت الوصية بتمامها ، وأذا كان عدلاً واحداً تثبت أيضاً مع يمين الموصى له.
مسألة 1455 : تثبت الوصية العهدية بإقرار الورثة جميعهم ، وأذا أقر بعضهم ثبت بعض الموصى به على نسبة حصة المقر وينقص من حقه ، نعم إذا أقر اثنان عدلان منهم ثبتت الوصية بتمامها.
مسألة 1456 : إذا أقر الوارث بأصل الوصية كان كالأجنبي ، فليس له إنكار وصاية من يدعي الوصاية ، ولا يسمع منه هذا الإنكار كغيره ، نعم لو كانت الوصية متعلقة بالقصر أو العناوين العامة كالفقراء أو وجوه القرب كالمساجد والمشاهد أو الميت نفسه كاستئجار العبادات والزيارات له ونحو ذلك كان لكل من يعلم بكذب من يدعي الوصاية خصوصاً إذا رأى منه الخيانة الإنكار عليه والترافع معه عند الحاكم من باب الحسبة ، لكن الوارث والأجنبي في ذلك سيان ، نعم فيما إذا تعلقت بأمور الميت لا يبعد أولوية الوارث من غيره وأختصاص حق الدعوى به مقدماً على غيره.
مسألة 1457 : إذا تصرف الإنسان في مرض موته ، فإن كان معلقاً على موته ـ كما إذا قال : أعطوا فلاناً بعد موتي كذا ، أوهذا المال المعين أو ثلث مالي أو ربعه أو نصفه مثلا لفلان بعد موتي ونحو ذلك ـ فهو وصية وقد تقدم أنها نافذة مع اجتماع الشرائط مالم تزد على الثلث ، وفي الزائد موقوف على إجازة الورثة كالواقعة في مرض آخر غير مرض الموت أو في حالة الصحة ، وإن كان منجزاً ـ بمعنى كونه غير معلق على الموت وإن كان معلقاً على أمر آخر ـ فإن لم يكن مشتملاً على المجانية والمحاباة كبيع شيء بثمن المثل وأجارة عين بأجرة المثل فهو نافذ بلا إشكال ، وإن كان مشتملاً على المحاباة بأن لم يصل ما يساوي ماله إليه سواء كان مجاناً محضاً كالوقف والعتق والإبراء والهبة غير المعوضة أم لا كالبيع بأقل من ثمن المثل والإجارة بأقل من أجرة المثل والهبة المعوضة بما دون القيمة وغير ذلك ـ ففي نفوذه مطلقاً أو كونه مثل الوصية في توقف ما زاد على الثلث على إمضاء الورثة؟ قولان أقواهما الثاني كما تقدم في كتاب الحجر.
مسألة 1458 : إذا وهب المالك في مرض موته بعض أمواله وأوصى ببعض آخر ثم مات نفذا جميعاً إذا وفى الثلث بهما وكذا إذا لم يف بهما ولكن أمضاهما الورثة ، وإن لم يمضوهما أخرجا معاً من الثلث ـ كما مر ـ ويبدأ أولاً بالمنجزة فإن بقي شيء صرف فيما أوصى به.
مسألة 1459 : إذا قال : ( هذا وقف بعد وفاتي ) أونحو ذلك مما يتضمن تعليق الإيقاع على الوفاة فهو باطل لا يصح وإن أجاز الورثة ، فالإنشاء المعلق على الوفاة إنما يصح في مقامين : أحدهما : إنشاء الملك ـ وهي الوصية التمليكية ـ وإنشاء الولاية كما في موارد الوصية العهدية ، ثانيهما : إنشاء العتق وهو التدبير ، ولا يصح في غيرهما من أنواع الإنشاء ، فإذا قال بعت أو آجرت أو صالحت أو وقفت بعد وفاتي بطل ، ولا يجري عليه حكم الوصية
بالبيع أو الوقف مثلاً ، بحيث يجب على الورثة ان يبيعوا أو يوقفوا بعد وفاته الا اذا فهم من كلامه أنه يريد الوصية بالبيع او الوقف فحينئذٍ كانت وصيته صحيحة ووجب العمل بها مع تحقق شرائطها.
مسألة 1460 : اذا قال للمدين : (أبرأت ذمتك بعد وفاتي) واجازه الوارث بعد موته برئت ذمة المدين ، فان اجازة الابراء بنفسها تنازل من قبل الورثة عن حقهم وابراء لذمة المدين.
كتاب الوقف
وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
مسألة 1461 : الوقف على قسمين فإنه أما يتقوم بأمرين هما الواقف والعين الموقوفة ، وأما يتقوم بثلاثة أمور ثالثها الموقوف عليه ، ويختص الأول بوقف المساجد ويكون الثاني في غيرها من الأوقاف ، وحقيقة الوقف في القسم الأول هو التحرير وفك الملك ، وأما في القسم الثاني فحقيقته ـ على الأظهر ـ تمليك العين الموقوفة للموقوف عليه ملكاً غير طلق.
مسألة 1462 : إذا وقف مكاناً على المسلمين لينتفعوا منه ببعض ما ينتفعون به في المساجد أو بجميعها من الصلاة والذكر والدعاء والتدريس وغير ذلك لم يصر مسجداً ولم تجر عليه أحكام المساجد من حرمة التنجيس ونحوها ، وإنما يصير وقفاً على الصلاة وغيرها مما لاحظه الواقف من المنافع ويكون من القسم الثاني المتقدم الذي مر أنه يتقوم بأمر ثالث غير الواقف والعين الموقوفة وهو الموقوف عليه.
مسألة 1463 : ينقسم الوقف باعتبار الموقوف عليه إلى أقسام :
الأول : ما يكون وقفاً على عين أو أعيان خاصة ، سواء أكانت إنساناً أم غيره كوقف الدار أو البستان على الكعبة المشرفة أو على مسجد أو مشهد معين أو على زيد وذريته ونحو ذلك.
الثاني : ما يكون وقفاً على عنوان عام قابل للانطباق على عين أو أعيان خاصة سواء لم يكن له إلا مصاديق طولية كأوقاف الشيعة على الأئمةعليهمالسلام في زمان الحضور أو على المرجع الأعلى في زمن الغيبة ، أو كان له مصاديق طولية وعرضية كالوقف على الفقراء أو علماء البلد أو الطلبة أو الأيتام
ونحو ذلك.
الثالث : ما يكون وقفاً على عنوان غير منطبق على الأعيان ويعبر عنه بالجهة ، سواء أكانت جهة خاصة أو عامة كوقف البستان ليصرف وارده على عزاء الحسينعليهالسلام في الدار الفلانية أو على إطعام ذرية فلان أو على معالجة المرضى أو تعليم القرآن أو تبليغ المذهب أو تعبيد الطرق أو على سبل الخير عامة أونحو ذلك.
مسألة 1464 : كما أن العين الموقوفة في القسم الأول المتقدم تكون ملكاً للموقوف عليه كذلك منافعها تكون ملكاً له ، فالبستان الموقوف على المسجد أو المشهد المعين أو زيد وذريته يكون بنفسه ونماآته ملكاً للموقوف عليه ، نعم قد يشترط الواقف مباشرة الموقوف عليه في الانتفاع بالعين الموقوفة ، كما لو وقف الدار على زيد وأولاده ليسكنوا فيها بأنفسهم ، أو وقف البستان عليهم ليأكلوا من ثماره ، ويصطلح على هذا بوقف الانتفاع ، وحينئذ فلا يكون للموقوف عليه إيجار الدار والانتفاع بأجرتها ، ولا بيع ثمار البستان والاستفادة من ثمنه وإن جاز لهم إجارة البستان للتنزه فيه ونحوه.
نعم إذا لم يمكنهم السكنى في الدار الموقوفة أو الأكل من ثمار البستان لهجرتهم عن المكان أو للضرر أو الحرج أو لغير ذلك فإن كان قيد المباشرة ملحوظاً على نحو تعدد المطلوب كما هو الغالب جاز لهم الاستفادة من منافعها بوجه آخر والا بطل الوقف ورجع إلى الواقف أو إلى ورثته.
مسألة 1465 : إذا كان الموقوف عليه عنواناً عاماً كما في القسم الثاني المتقدم فالعين الموقوفة تكون ملكاً للموقوف عليه ، وأما منافعها فتكون لها إحدى الحالات الثلاث التالية :
أ ـ إن تكون ملكاً للعنوان ولا تدخل في ملك الأفراد أصلاً كما في
وقف المدارس على الطلاب ووقف الخانات على المسافرين والغرباء ووقف كتب العلم والزيارة على أهل العلم والزوار.
ب ـ أن تكون ملكاً للعنوان وتدخل في ملك الأفراد بتمليكها لهم من قبل المتولي وقبضهم إياها كما في وقف البستان على الفقراء.
ج ـ أن تكون ملكاً للأفراد الموجودين في كل زمان على سبيل الإشاعة من دون أن تتوقف ملكيتهم لها على أعمال الولاية من قبل المتولي كما في وقف البستان على علماء البلد على إن يكون نماؤه ملكاً للموجودين منهم من أول ظهوره.
مسألة 1466 : إذا كان الموقوف عليه من الجهات العامة أو الخاصة ـ كما في القسم الثالث المتقدم ـ تكون العين والمنافع ملكاً للجهة ، ولو اشترط الواقف صرف المنافع بأعيانها على الجهة الموقوف عليها لم يجز تبديلها والمعاوضة عليها.
مسألة 1467 : الظاهر أن غصب الوقف بجميع أقسامه ـ عدا ما يكون من قبيل التحرير ـ يستتبع الضمان عيناً ومنفعة ، فلو غصب مدرسة أو رباطاً أو داراً موقوفة على الفقراء أو بناية موقوفة ليصرف واردها في علاج المرضى أونحو ذلك فتلفت تحت يده كان ضامناً لعينها ، ولو استولى عليها مدة ثم ردها كان عليه أجرة مثلها كما هو الحال في غصب الأعيان غير الموقوفة.
مسألة 1468 : إذا كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكوية كالغنم والبقر والإبل لم تجب الزكاة فيها وإن اجتمعت فيها شرائط ثبوتها ، وأما إذا كان نماؤها زكوياً كما إذا وقف بستاناً مشتملاً على أشجار النخيل والعنب فإن صار النماء ملكاً شخصياً للمكلف قبل وقت تعلق الزكاة بحيث تعلقت في ملكه وجبت عليه الزكاة إذا كان بالغاً حد النصاب والا لم تجب ، وقد تقدم توضيح ذلك في المسألة 1086 من كتاب الزكاة.
مسألة 1469 : لا يتحقق الوقف بمجرد النية ، بل لابد من إنشائه بلفظ كـ ( وقفت ) و ( حبست ) ونحوهما من الألفاظ الدالة عليه ولو بمعونة القرائن ، أو فعل سواء أكان معاطاة مثل أن يعطي آلات الإسراج أو الفرش إلى قيم المسجد أو المشهد ، أولم يكن كذلك مثل أن يعمر الجدار أو الاسطوانة الخربة من المسجد أو يبني بناءً على طراز ما تبنى به المساجد بقصد كونه مسجداً ونحو ذلك فإنه يكون وقفاً بذلك.
مسألة 1470 : الظاهر عدم اعتبار القبول في الوقف بجميع أنواعه وإن كان الاعتبار أحوط ولا سيما في الوقف الخاص كالوقف على الذرية فيقبله الموقوف عليهم وإن كانوا صغاراً قام به وليهم ، ويكفي قبول الموجودين ولا يحتاج إلى قبول من سيوجد منهم بعد وجوده.
مسألة 1471 : الأظهر عدم اعتبار القربة في صحة الوقف ولا سيما في الوقف الخاص مثل الوقف على الذرية.
مسألة 1472 : يعتبر في صحة الوقف الخاص قبض الموقوف عليه أو قبض وكيله أو قبض وليه فإذا مات قبل القبض بطل وكان ميراثاً ، نعم يكفي قبض الطبقة الموجودة عن الطبقات اللاحقة بل يكفي قبض الموجود من الطبقة الأولى عمن يوجد منها بعد ذلك ، ولو كان الموجودون جماعة فقبض بعضهم دون بعض صح بالنسبة إلى من قبض وبطل بالنسبة إلى من لم يقبض.
مسألة 1473 : المشهور إنه يشترط أن يكون القبض بإذن الواقف ، فلو قبض الموقوف عليه بدون الإذن لم يكف ولكنه لا يخلو عن إشكال.
مسألة 1474 : إذا وقف على أولاده الصغار وأولاد أولاده وكانت العين في يده كفى ذلك في تحقق القبض ولم يحتج إلى قبض آخر ، وأذا كانت العين في يد غيره فلابد من أخذها منه ليتحقق قبض وليهم.
مسألة 1475 : إذا كانت العين بيد الموقوف عليه كفى ذلك في قبضها
ولم يحتج إلى قبض جديد ، نعم لابد أن يكون بقاؤها في يده بعنوان الوقفية بإذن الواقف بناء على اشتراط كون القبض بإذنه كما تقدم.
مسألة 1476 : يتحقق القبض في المنقول وغير المنقول باستيلاء الموقوف عليه على العين الموقوفة وصيرورتها تحت يده وسلطانه ، والظاهر اختلاف صدق ذلك بحسب اختلاف الموارد.
مسألة 1477 : لا يعتبر في القبض الفورية فلو وقف عيناً في زمان ثم أقبضها في زمان متأخر كفى وتم الوقف من حينه.
مسألة 1478 : الظاهر عدم اعتبار القبض في صحة الوقف على العناوين والجهات العامة ولا سيما إذا كان من نية الواقف أن تبقى في يده ويعمل بها على حسب ما وقف ، وعلى تقدير اعتباره فالظاهر عدم الحاجة إلى قبض الحاكم ، فإذا وقف مقبرة كفى في تحقق القبض الدفن فيها ، وأذا وقف مكاناً للصلاة تكفي الصلاة فيه ، وأذا وقف حسينية تكفي إقامة العزاء فيها ، وكذا الحكم في مثل وقف الخان على المسافرين والدار على سكنى العلماء والفقراء فإنه يكفي في قبضها السكنى فيها.
مسألة 1479 : إذا وقف حصيراً للمسجد كفى في قبضه ـ على تقدير اعتباره ـ وضعه في المسجد بقصد استعماله ، وكذا الحال في مثل آلات المشاهد والحسينيات والمساجد ونحوها.
مسألة 1480 : إذا خرب جانب من جدار المسجد أو المشهد أو نحوهما فعمره عامر فالظاهر كفاية ذلك في تمامية الوقف وإن لم يقبضه قابض ، وأذا مات لم يرجع ميراثاً لوارثه.
مسألة 1481 : يجوز التوكيل في إيقاع الوقف ، وفي جريان الفضولية فيه إشكال وإن كان هو الأقرب.
مسألة 1482 : الوقوف التي تتعارف عند الأعراب بأن يقفوا شاة على
أن يكون الذكر المتولد منها ( ذبيحة ) أي يذبح ويؤكل والأنثى ( منيحة ) أي تبقى وينتفع بصوفها ولبنها ، وأذا ولدت ذكرا كان ( ذبيحة ) وأذا ولدت أنثى كانت ( منيحة ) وهكذا ، فإذا كان وقفهم معلقاً على شفاء مريض أو ورود مسافر أو سلامة غنمهم من الغزو أو المرض أونحو ذلك فهي باطلة.
وأما إذا كانت منجزة غير معلقة فالظاهر صحتها إذا أريد بها وقف الشاة على أن تذبح الذكور من نتاجها ونتاج نتاجها وتصرف على الجهة الموقوفة عليها ، وتبقى الأناث للإنتاج مع استثناء صوفها ولبنها للواقف ومن يتولى شؤون الشاة والنتاج من بعده.
مسألة 1483 : لا يجوز في الوقف توقيته بمدة ، فإذا قال : داري وقف على أولادي سنة أو عشر سنين بطل وقفاً ، وهل يصح حبساً إذا قصد كونه كذلك أم لا؟ الظاهر هو الصحة.
مسألة 1484 : إذا وقف على من ينقرض كما إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده صح وقفاً ويسمى : ( الوقف المنقطع الآخر ) فإذا انقرضوا رجع إلى الواقف أو ورثته حين الموت لا حين الانقراض ، فإذا مات الواقف عن ولدين ومات أحدهما قبل الانقراض وترك ولداً ثم انقرض الموقوف عليهم كانت العين الموقوفة مشتركة بين العم وأبن أخيه.
مسألة 1485 : لا فرق فيما ذكرناه من صحة الوقف ورجوعه إلى الواقف أو إلى ورثته بين كون الموقوف عليه مما ينقرض غالباً وبين كونه مما لا ينقرض غالباً فاتفق انقراضه.
هذا إذا لم يفهم من القرائن أن خصوصية الموقوف عليه ملحوظة بنحو تعدد المطلوب ، وأما إذا فهم منها ذلك ـ كما لعله الغالب في الوقف على من لا ينقرض غالباً ـ بأن كان الواقف قد أنشأ التصدق بالعين وإنشأ أيضاً كونه على نحو خاص بحيث إذا بطلت الخصوصية بقي أصل التصدق فلا إشكال
في أنه إذا انقرض الموقوف عليه لم ترجع العين إلى الواقف أو ورثته بل تبقى وقفاً وتصرف منافعها في جهة أخرى الأقرب فالأقرب إلى نظر الواقف.
مسألة 1486 : من الوقف المنقطع الآخر ما إذا كان الوقف مبنياً على الدوام لكن كان وقفاً على من يصح الوقف عليه في أوله دون آخره كما إذا وقف على زيد وأولاده وبعد انقراضهم على الكنائس والبيع مثلاً فيصح وقفاً بالنسبة إلى من يصح الوقف عليه ويبطل بالنسبة إلى ما لا يصح.
مسألة 1487 : الوقف المنقطع الأول باطل سواء أكان بجعل الواقف كما إذا أوقفه من أول الشهر القادم أو بحكم الشرع بأن وقف أولاً على ما لا يصح الوقف عليه ثم على غيره ، وإن كان الأحوط في الثاني تجديد الوقف عند انقراض الأول.
مسألة 1488 : إذا وقف عيناً على غيره وشرط عودها إليه عند الحاجة ففي صحته قولان والأظهر البطلان.
مسألة 1489 : يشترط في صحة الوقف التنجيز ، فلو علقه على أمر مستقبلي معلوم الحصول أو متوقع الحصول أو أمر حالي محتمل الحصول مع عدم كونه مما تتوقف عليه صحة العقد بطل ، فإذا قال : وقفت داري إذا جاء رأس الشهر أوإذا ولد لي ذكر أوإن كان هذا اليوم يوم الجمعة بطل ، وأذا علقه على أمر حالي معلوم الحصول أو علقه على أمر مجهول الحصول ولكنه كان تتوقف عليه صحة العقد كما إذا قال زيد : وقفت داري إن كنت زيداً أو وقفت داري إن كانت لي صح.
مسألة 1490 : إذا قال هذا وقف بعد وفاتي بطل إلا أن يفهم منه عرفاً أنه أراد الوصية بالوقف فيجب العمل بها عند تحقق شرائطها فيوقف بعده.
مسألة 1491 : يشترط في صحة الوقف إخراج الواقف نفسه عن الوقف فإذا وقف على نفسه بطل ، وأذا قال : ( داري وقف عليّ وعلى أخي ) مثلاً
على نحو التشريك بطل الوقف في نصف الدار ، وأذا كان على نحو الترتيب بأن قصد التلف على نفسه ثم على غيره كان الوقف من المنقطع الأول فيبطل مطلقاً ، وإن قصد الوقف على غيره ثم على نفسه بطل بالنسبة إلى نفسه فقط وكان من الوقف المنقطع الآخر ، وإن قال : ( هي وقف على أخي ، ثم على نفسي ، ثم على زيد ) بطل الوقف بالنسبة إلى نفسه وزيد ، وكان من الوقف المنقطع الوسط.
مسألة 1492 : إذا استثنى في ضمن إجراء الوقف بعض منافع العين الموقوفة لنفسه فالظاهر صحته لأنه يعد خارجاً عن الوقف لا من الوقف على نفسه ليبطل ، فيصح أن يوقف البستان ويستثني السعف وغصون الأشجار وأوراقها عند اليبس ، أو يستثني مقدار أداء ديونه سواء أكان بنحو التوزيع على السنين كل سنة كذا أو بنحو تقديم أداء الديون على الصرف من مصارف الوقف.
مسألة 1493 : إذا وقف بستاناً على من يتبرع من أولاده ـ مثلاً ـ بأداء ديونه العرفية أو الشرعية صح ، وكذا إذا أوقفها على من يقوم من جيرانه مثلاً بالتبرع بأكل ضيوفه أو مؤنة أهله وأولاده حتى في مقدار النفقة الواجبة عليه لهم فإنه يصح الوقف في مثل ذلك.
مسألة 1494 : إذا وقف عيناً على وفاء ديونه الشرعية أو العرفية بعد الموت لم يصح وكذا لو وقفها على أداء العبادات عنه بعد الوفاة.
مسألة 1495 : يمكن التخلص من إشكال الوقف على النفس بطرق أخرى غير استثناء مقدار من منافع العين الموقوفة لنفسه.
منها : أن يملك العين لغيره ثم يقفها الغير على النهج الذي يريد من إدرار مؤنته ووفاء ديونه ونحو ذلك ، ويجوز له أن يشترط ذلك عليه في ضمن عقد التمليك.
ومنها : أن يؤجرها مدة ويجعل لنفسه خيار الفسخ وبعد الوقف يفسخ الإجارة فترجع المنفعة إليه لا إلى الموقوف عليهم.
مسألة 1496 : يجوز انتفاع الواقف بالعين الموقوفة في مثل وقف المساجد والوقف على الجهات العامة ، وكذا الوقف على العناوين الكلية إذا كان الواقف داخلاً في العنوان أو صار داخلاً فيه فيما بعد وكان الوقف عليه من قبيل القسم الأول من الأقسام الثلاثة المذكورة في المسألة (1465) حيث لا تدخل المنافع في ملك الموقوف عليهم أصلاً ، وأما إذا كان من قبيل القسم الثالث حيث تكون المنافع ملكاً للموقوف عليهم على سبيل الإشاعة فلا إشكال في عدم جواز أخذه حصة منها ، بل يلزم أن يقصد من العنوان المذكور حين العقد من عدا نفسه ويقصد خروجه عنه ، وأما في القسم الثاني حيث تدخل المنافع في ملك الموقوف عليهم بتمليك المتولي وأقباضهم إياها ففي جواز دخول الواقف في العنوان وأخذه حصة من المنافع إشكال ، لاسيما إذا كان مقتضى الوقف توزيع المنافع على الموقوف عليهم على نحو الاستيعاب.
مسألة 1497 : إذا تم الوقف كان لازماً لا يجوز للواقف الرجوع فيه ، وإن وقع في مرض الموت لم يجز للورثة رده إلا فيما زاد على الثلث كما تقدم في كتاب الحجر.
فصل في شرائط الواقف
مسألة 1498 : يعتبر في الواقف : البلوغ والعقل والاختيار والقصد وعدم الحجر عن التصرف في الموقوف لسفه أو فلس ، فلا يصح وقف الصبي وإن بلغ عشراً أو أذن فيه الولي ، ولا وقف المجنون ولا المكره ولا الغافل والساهي ولا المحجور عليه ، نعم إذا أوصى الصبي بأن يوقف ملكه بعد وفاته على وجوه الخير أو المبرة لأرحامه وأقربائه وكان قد بلغ عشراً وعقل نفذت وصيته كما تقدم.
مسألة 1499 : لا يشترط في الواقف الإسلام ، فيصح وقف الكافر إذا كان واجداً لسائر الشرائط على الأقوى.
فصل فيما يتعلق بالمتولي والناظر
مسألة 1500 : يجوز للواقف في وقف غير المسجد أن يجعل تولية الوقف ونظارته لنفسه ما دام الحياة أو إلى مدة مستقلاً أو مشتركاً مع غيره ، وكذا يجوز جعلها للغير كذلك ، بل يجوز أن يجعل أمر التولية لنفسه أو لشخص آخر ، بأن يكون المتولي كل من يعينه نفسه أو ذلك الشخص ، بل يجوز أن يجعل التولية لشخص ويجعل أمر تعيين المتولي بعده بيده ، وهكذا كل متول يعين المتولي بعده.
مسألة 1501 : إنما يكون للواقف جعل التولية لنفسه أو لغيره حين إنشاء الوقف وأما بعد تمامه فهو أجنبي عن الوقف ، فليس له جعل التولية لأحد ولا عزل من جعله متولياً عن التولية إلا إذا اشترط إلا إذا اشترط لنفسه ذلك ، بأن جعل التولية لشخص وشرط أنه متى أراد أن يعزله عزله ، ولو فقد المتولي شرط الواقف كما إذا جعل الولاية للعدل ففسق أو جعلها للأرشد فصار غيره أرشد أونحو ذلك انعزل بذلك بلا حاجة إلى عزل.
مسألة 1502 : يعتبر في متولي الوقف أن تكون له الكفاية لإدارة شؤونه ولو بالاستعانة بالغير ، كما يعتبر أن يكون موثوقاً به في العمل على وفق ما يقتضيه الوقف ، فلا يجوز جعل التولية ـ خصوصاً في الجهات والمصالح العامة ـ للخائن أو لمن ليس له الكفاية لذلك وإن كان بالغاً عاقلاً غير سفيه ، ولو كان غير البالغ واجداً للشرطين المذكورين جاز جعله متولياً على الأقرب.
مسألة 1503 : لو جعل التولية لشخص لم يجب عليه القبول ، سواء أكان حاضرا في مجلس إيقاع الوقف أم لم يكن حاضراً فيه ثم بلغ إليه الخبر ولو بعد وفاة الواقف ، ولو جعل التولية لأشخاص على الترتيب وقبل بعضهم
لم يجب القبول على المتولين بعده ، فمع عدم القبول كان الوقف بلا متول منصوب ، ولو قبل التولية فهل يجوز له عزل نفسه بعد ذلك كالوكيل أم لا؟ لا يبعد الجواز وإن كان الأحوط أن لا يعزل نفسه ، ولو عزل يقوم بوظائفه مع المراجعة إلى الحاكم.
مسألة 1504 : إذا ظهرت خيانة من المتولي للوقف كعدم صرفه منافع الوقف في الموارد المقررة من الواقف فللحاكم أن يضم إليه من يمنعه عنها وإن لم يمكن ذلك عزله ونصب شخصاً آخر متولياً له.
مسألة 1505 : لو شرط التولية لاثنين ، فإن فهم من كلامه استقلال كل منهما استقل ولا يلزم عليه مراجعة الآخر ، وأذا مات أحدهما أو خرج عن الأهلية انفرد الآخر ، وإن فهم من كلامه الاجتماع ليس لأحدهما الاستقلال ، وكذا لو أطلق ولم تكن قرينة على إرادة الاستقلال ، وفي الصورتين الأخيرتين لو مات أحدهما أو خرج عن الأهلية يضم الحاكم إلى الآخر شخصاً آخر.
مسألة 1506 : لو عين الواقف وظيفة المتولي وشغله فهو المتبع ، ولو أطلق كانت وظيفته ما هو المتعارف من تعمير الوقف وأجارته وتحصيل أجرته وقسمتها على أربابه وأداء خراجه ونحو ذلك ، كل ذلك على وجه الاحتياط ومراعاة الصلاح ، وليس لأحد مزاحمته في ذلك حتى الموقوف عليهم ، ويجوز أن ينصب الواقف متولياً في بعض الأمور وأخر في الآخر ، كما إذا جعل أمر التعمير وتحصيل المنافع إلى أحد وأمر حفظها وقسمتها على أربابها إلى آخر ، أو جعل لواحد أن يكون الوقف بيده ويحفظه وللآخر التصرف ، ولو فوض إلى واحد التعمير وتحصيل الفائدة وأهمل باقي الجهات من الحفظ والقسمة وغيرهما كان الوقف بالنسبة إلى غير ما فوض إليه بلا متول منصوب فيجري عليه حكمه وسيأتي.
مسألة 1507 : يجوز أن يجعل الواقف للمتولي مقدارا معينا من ثمرة
العين الموقوفة أو منفعتها أو من غيرهما سواء أكان أقل من أجرة المثل أم أكثر أم مساوياً ، فإن لم يجعل له شيئاً كانت له أجرة المثل إن كانت لعمله أجرة إلا أن يظهر من القرائن أن الواقف قصد المجانية.
مسألة 1508 : ليس للمتولي تفويض التولية إلى غيره حتى مع عجزه عن التصدي إلا إذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متولياً ، نعم يجوز له توكيل الغير فيما كان تصديه من وظيفته إذا لم يشترط عليه المباشرة في تنفيذه.
مسألة 1509 : يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولي ، فإن أحرز أن المقصود مجرد اطلاعه على أعماله وأشرافه عليها لأجل الاستيثاق فهو مستقل في تصرفاته ولا يعتبر إذن الناظر في صحتها ونفوذها وإنما اللازم عليه اطلاعه ، وإن أحرز أن المقصود إعمال نظره وتصويبه عمل المتولي لم يجز له التصرف إلا بإذنه وتصويبه ، ولولم يحرز مراده فاللازم مراعاة الأمرين.
مسألة 1510 : ما تقدم في المتولي من عدم إمكان عزله بعد النصب إلا مع الشرط ، وجواز جعل شيء له أزاء عمله ، وعدم وجوب قبول التولية على المعين لها ونحو ذلك من الأحكام يجري نظيرها على الناظر أيضاً.
مسألة 1511 : إذا لم يجعل الواقف متولياً للوقف ولم يجعل حق نصبه لنفسه أو لغيره فالمال الموقوف إن كان موقوفا على أفراد معينة على نحو التمليك كأولاد الواقف مثلاً جاز لهم التصرف في العين الموقوفة بما يتوقف عليه انتفاعهم منها فعلاً من دون أخذ إجازة أحد فيما إذا كانوا بالغين عاقلين رشيدين وإن لم يكونوا كذلك كان زمام ذلك بيد وليهم ، وأما التصرف فيها بما يرجع إلى مصلحة الوقف ومراعاة مصلحة البطون من تعميرها وأجارتها على الطبقات اللاحقة فالأمر فيه بيد الحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله.
وإن كان المال موقوفاً على جهة عامة أو خاصة أو عنوان كذلك
كالأموال الموقوفة على الفقراء أو الخيرات فالمتولي له في حال عدم نصب الواقف أحداً للتولية وعدم جعل النصب لنفسه أو لغيره هو الحاكم الشرعي أو المنصوب من قبله.
مسألة 1512 : الأوقاف التي تكون توليتها للحاكم ومنصوبة إذا فقدا أولم يمكن الوصول إليهما تكون توليتها لعدول المؤمنين.
مسألة 1513 : لا فرق في رجوع الأمر إلى الحاكم بين ما إذا لم يعين الواقف متولياً وبين ما إذا عين ولم يكن أهلاً لها أو خرج عن الأهلية ، فإذا جعل التولية للعادل من أولاده ولم يكن بينهم عادل أو كان ففسق كان كأن لم ينصب ولياً.
مسألة 1514 : لو جعل التولية لعدلين من أولاده مثلاً ولم يكن فيهم إلا عدل واحد ضم الحاكم إليه عدلاً آخرا ، وأما لولم يوجد فيهم عدل أصلاً نصب الحاكم عدلين ، والظاهر كفاية نصب عدل واحد أيضاً إذا كان كافياً للقيام بشؤون الوقف.
فصل
في شرائط العين الموقوفة
مسألة 1515 : يعتبر في الموقوف أن يكون عيناً خارجية فلا يصح وقف الدين ولا وقف المنفعة غير العينية ، فإذا قال : ( وقفت ما هو لي في ذمة زيد من فرش أو إناء أو نحوهما ) أو قال : ( وقفت منفعة داري ) لم يصح ، وأما وقف الكلي في المعين كوقف مائة متر مربع مثلاً من القطعة المعينة من أرض فالظاهر صحته.
مسألة 1516 : يعتبر أن تكون العين مملوكة أو بحكمها ، فلا يصح وقف الحر والمباحات الأصلية قبل حيازتها ، ويجوز وقف إبل الصدقة وغنمها وبقرها من سهم سبيل الله إذا اقتضته المصلحة العامة ، وكان الواقف هو الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله.
مسألة 1517 : يعتبر في العين الموقوفة أن لا تكون متعلقة لحق الغير بحيث يمنع من التصرف الناقل أو ما بحكمه فيها ، فلا يصح وقف العين المرهونة قبل فكها على الأقوى.
مسألة 1518 : يعتبر في العين الموقوفة أن تكون مما يمكن الانتفاع بها مدة معتداً بها مع بقائها ، فلا يصح وقف الأطعمة والخضر والفواكه ونحوها مما فيما لا نفع فيه إلا بإتلاف عينه ولا وقف الورد والريحان ونحوهما للشم مما لا يبقى إلا لفترة قصيرة ، كما يعتبر أن يكون الانتفاع بها محللاً ، فلا يصح وقف الآت اللهو المحرم والآت القمار والصلبان ونحوها مما يحرم الانتفاع به ، ويعتبر أن تكون المنفعة المقصودة بالوقف محللة فلا يصح وقف الدابة لحمل الخمر أو الدكان لحرزها أو بيعها.
مسألة 1519 : لا يعتبر في صحة الوقف أن تكون العين مما يمكن قبضها حال الوقف ، فإذا وقف الجمل الشارد أو الطير المملوك في الهواء وتحقق القبض بعده صح الوقف.
مسألة 1520 : لا إشكال في صحة وقف الثياب والأواني والفرش والدور والبساتين والأراضي والكتب والسلاح والحيوانات إذا كان ينتفع بها في الركوب أو الحمل أو كان لها نماء من اللبن أو الوبر أو الشعر أو الصوف أو غير ذلك وكذا غيرها مما له منفعة محللة ، ويجوز وقف الدراهم والدنانير إذا كان ينتفع بها في التزيين ونحوه ، وأما وقفها لحفظ الاعتبار ففيه إشكال.
مسألة 1521 : المراد من المنفعة أعم من المنفعة العينية مثل الثمر واللبن ونحوهما والمنفعة الفعلية مثل الركوب والحرث والسكنى وغيرها.
مسألة 1522 : لا يشترط في العين الموقوفة أن تكون محللاً للانتفاع حال الوقف بل يكفي كونها معرضاً للانتفاع ولو بعد مدة فيصح وقف الشجرة قبل أن تثمر ووقف الدابة الصغيرة قبل أن تقوى على الركوب أو الحمل عليها.
فصل
في شرائط الموقوف عليه
مسألة 1523 : يشترط في الموقوف عليه أمور :
الأول : التعيين ، فإذا وقف على المردد بين شيئين أو أشياء مثل أحد المسجدين أو أحد المشهدين أو أحد الولدين مثلاً لم يصح ، نعم إذا وقف على الجامع بين أمرين أو أمور صح.
الثاني : وجوده ـ في الوقف الخاص ـ حال الوقف فلا يصح الوقف على المعدوم حاله سواء أكان موجوداً قبل ذلك ، كما إذا وقف على زيد الذي مات أو يوجد بعد الوقف مثل أن يقف على ولده الذي سيولد ، وأما إذا كان حملاً لم ينفصل حين الوقف ففي بطلان الوقف تأمل ، نعم إذا وقف على الحمل أو المعدوم تبعاً للموجود بالفعل بأن يجعل طبقة ثانية أو مساوياً للموجود في الطبقة بحيث لو وجد لشاركه صح كما إذا وقف على أولاده ثم على أولادهم ثم على أولاد أولادهم وهكذا.
مسألة 1524 : إذا وقف على أولاده الموجودين ثم على من سيوجد على أن يكون بعد وجوده مقدماً على الموجودين فالظاهر الصحة.
مسألة 1525 : إذا وقف على الزائرين أو الحجاج أو عالم البلد أونحو ذلك من العناوين العامة التي توجد لها أفراد في وقت ولا توجد في وقت آخر صح وإن لم يكن له فرد حين الوقف ، فإذا وقف بستاناً مثلاً على فقراء البلد ولم يكن في زمان الوقف فقير في البلد لكن سيوجد صح الوقف كما أنه لو كان موجوداً ثم لم يوجد ثم وجد لم يبطل الوقف في فترة عدم وجوده بل هو باق على وقفيته فيحفظ ثمرة في زمان عدم وجود الفقير إلى أن يوجد وإن لم
يمكن حفظه بعينه بيع وحفظ ثمنه إلى ذلك الزمان.
الثالث : أن لا يكون من الجهات المحرمة وما فيه إعانة على المعصية كفعل الزنا وشرب الخمر ونسخ كتب الضلال ونشرها وتدريسها وشراء آلات اللهو المحرم ونحو ذلك.
مسألة 1526 : يجوز وقف المسلم على الكافر في الجهات المحللة.
مسألة 1527 : إذا وقف على ما لا يصح الوقف عليه وما يصح على نحو التشريك بطل بالنسبة إلى حصة الأول وصح بالنسبة إلى حصة الثاني ، وإن كان على نحو الترتيب فإن كان الأول مقدماً فالأقوى بطلانه رأسا وإن كان مؤخراً كان من المنقطع الآخر فيصح فيما يصح الوقف عليه ويبطل فيما بعده كما تقدم.
مسألة 1528 : إذا وقف على ما يصح الوقف عليه ثم على ما لا يصح الوقف عليه ثم على ما يصح الوقف عليه كان من المنقطع الوسط فيصح في الأول ويبطل فيما يعده مطلقاً حتى في الأخير.
فصل
في بيان المراد من بعض عبارات الواقف
مسألة 1529 : إذا وقف على الفقراء أو فقراء البلد اختص بفقراء ملته ونحلته لو وجدت قرينة على الاختصاص كما لو كان ممن لا يعطف على الفقراء من غير أهل نحلته ومذهبه إما مطلقاً أو مع وجود فقير من أهل نحلته ، كما لعله السائد في أتباع مختلف الأديان والمذاهب في غالب الأزمنة والأمكنة ، وعليه فلو كان الواقف من المسلمين اختص الوقف بفقراء المسلمين ولو كان من اليهود أو النصارى اختص بفقرائهم وإن كان الواقف من بعض الفرق والمذاهب اختص بأهل فرقته ومذهبه.
مسألة 1530 : إذا وقف على فقراء البلد أو فقراء القرية أو فقراء المحلة فالظاهر منه أنهم مصرف لمنافعه لا أنها ملك لأشخاصهم ليلزم الاستيعاب ، وعليه فلا يجب توزيعها على جماعة معتد بها منهم فضلاً عن استيعابهم جميعاً ، نعم لو كانت هناك قرينة على ذلك لزم اتباعها ، كما لو كانت منافع الوقف كثيرة والموقوف عليهم قليلون لا سيما مع قلة مصرف كل واحد منهم ، فإنه لابد حينئذ من التوسع في المصرف حسبما تقتضيه القرينة ، ولو كانت قرينة على إرادته الاستيعاب والصرف على الجميع حتى الغائبين منهم تعين العمل بموجبها فإن لم يمكن لغيبة بعضهم أو لتفرقهم عزل حصة من لم يتمكن من إيصال حصته إليه إلى زمان التمكن ، وإذا شك في عددهم اقتصر على الأقل
والأحوط التفتيش والفحص.
مسألة 1531 : إذا قال : ( هذا وقف على أولادي ، أو ذريتي ، أو أصهاري ، أو أرحامي ، أو تلامذتي ، أو مشايخي ، أو جيراني ) ، فالظاهر منه العموم فيجب فيه الاستيعاب.
مسألة 1532 : إذا وقف على المسلمين كان لمن يعتقد الواقف إسلامه ، فلا يدخل في الموقوف عليهم من يعتقد الواقف كفره وإن أقر بالشهادتين ، ويعم الوقف المسلمين جميعاً الذكور والأناث والكبار والصغار والمجانين والسفهاء والعدول والفساق.
مسألة 1533 : إذا وقف على المؤمنين اختص الوقف بمن كان مؤمناً في اعتقاد الواقف ، فإذا كان الواقف اثني عشرياً اختص الوقف بالاثني عشرية من الإمامية ، ولا فرق بين الرجال والنساء والأطفال والمجانين ولا بين العدول والفساق ، وكذا إذا وقف الاثنا عشري على الشيعة ، وأما إذا كان الواقف على الشيعة من بعض الفرق الأخر من الشيعة فقد يقال : أن الظاهر منه العموم لأتباع فرقته وغيرهم ممن يعتقد الخلافة لعليعليهالسلام بلا فصل ، ولكن لا كلية له.
مسألة 1534 : إذا وقف في سبيل الله تعالى أو في وجوه البر فالمراد منه ما يكون قربة وطاعة.
مسألة 1535 : إذا وقف على أرحامه أو أقاربه فالمرجع فيه العرف ، وكذا إذا وقف على الأقرب فالأقرب ما لم تقم قرينة على إرادته الترتيب وفق طبقات الإرث وإلا لزم اتباعها.
مسألة 1536 : إذا وقف على أولاده اشترك الذكر والأنثى والخنثى ،
نعم إذا كان المفهوم في العرف الخاص لبعض البلاد خصوص الذكر اختص به دون الأنثى ، وكذا الحال إذا وقف على أولاده وأولاد أولاده.
مسألة 1537 : إذا وقف على أخوته اشترك الأخوة للأبوين والأخوة للأب فقط والأخوة للأم فقط بالسوية ، وكذا إذا وقف على أجداده اشترك الأجداد لأبيه والأجداد لأمه ، وكذا إذا وقف على الأعمام أو الأخوال فإنه يعم الأعمام للأبوين وللأب وللأم وكذلك الأخوال ولا يشمل الوقف على الأخوة أولادهم ولا الأخوات ولا الوقف على الأعمام والأخوال أعمام الأب والأم وأخوالهما والعمات مطلقاً والخالات كذلك.
مسألة 1538 : إذا وقف على أبنائه لم تدخل البنات ، وإذا وقف على ذريته دخل الذكر والأنثى والصلبي وغيره.
مسألة 1539 : إذا قال : ( هذا وقف على أولادي ما تعاقبوا وتناسلوا فالظاهر منه التشريك ، وإذا قال : ( هذا وقف على أولادي الأعلى فالأعلى ) فالظاهر منه الترتيب ، وإذا قال : ( هذا وقف على أولادي نسلاً بعد نسل ، أو طبقة بعد طبقة ، أو طبقة فطبقة ) ففي كونه للترتيب أو للتشريك قولان ولعل الأول أظهر.
مسألة 1540 : إذا كان الوقف ترتيبياً كانت الكيفية تابعة لجعل الواقف ، فتارة يجعل الترتيب بين الطبقة السابقة واللاحقة ويراعى الأقرب فالأقرب إلى الواقف ، فلا يشارك الولد أباه ولا ابن الأخ عمه وعمته ولا ابن الأخت خاله وخالته ، وأخرى يجعل الترتيب بين خصوص الآباء من كل طبقة وأبنائهم ، فإذا توفي الآباء شارك الأولاد أعمامهم مثلاً ، ويمكن أن يجعل الترتيب على نحو آخر ويتبع ، فإن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها.
مسألة 1541 : لو قال : ( وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة وإذا مات أحدهم وكان له ولد فنصيبه لولده ) فلو مات أحدهم وله ولد يكون نصيبه لولده ، ولو تعدد الولد يقسم النصيب بينهم على الرؤوس ، وإذا مات من لا
ولد له فنصيبه لمن كان في طبقته ولا يشاركهم فيه الولد الذي أخذ نصيب والده.
مسألة 1542 : إذا تردد الموقوف عليه بين عنوانين أو شخصين فإن تصادق العنوانان في مورد أو أمكن التصالح بين الشخصين على شيء فهو وإلا أقرع بينهما ، وإذا شك في الوقف أنه ترتيبي أو تشريكي فإن كان هناك إطلاق في عبارة الواقف كان مقتضاه التشريك وإن لم يكن فيها إطلاق أعطي أهل المرتبة المحتملة التقدم حصتهم ، وأما الحصة المرددة فإن أمكن التصالح بينهم وبين من بعدهم بشأنها فهو وإلا أقرع بينهما فتعطى من خرجت القرعة باسمه.
مسألة 1543 : إذا وقف على العلماء فالظاهر منه ـ بحسب الغالب ـ علماء الشريعة فلا يشمل علماء الطب والنجوم والهندسة والجغرافيا ونحوهم.
وإذا وقف على أهل بلد اختص بالمواطنين والمجاورين منهم ولا يشمل المسافرين وإن نووا إقامة مدة فيه.
مسألة 1544 : إذا وقف على مسجد أو مشهد صرف نماؤه في مصالحه من تعمير وفرش وإنارة وكنس ونحو ذلك من مصالحه ، وفي جواز إعطاء شيء من النماء لإمام الجماعة إشكال إلا أن تكون هناك قرينة على إرادة ما يشمل بذلك فيعطى منه حينئذ.
مسألة 1545 : إذا وقف على الحسينعليهالسلام صرف في إقامة عزائه من أجرة القارئ وما يتعارف صرفه في المجلس للمستمعين من طعام أو غيره ، والأحوط الأولى إهداء ثواب ذلك إليهعليهالسلام ، ولا فرق بين إقامة مجلس للعزاء وإن يعطى الذاكر لعزائهعليهالسلام في المسجد أو الحرم أو الصحن أو غير ذلك ، هذا مع انصراف الوقف عليهعليهالسلام إلى إقامة عزائه ، وإلا جرى عليه ما سيأتي في الوقف على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمةعليهمالسلام .
مسألة 1546 : إذا وقف على أن يصرف على ميت أو أموات صرف في مصالحهم الأخروية من الصدقات عنهم وفعل الخيرات لهم ، وإذا احتمل اشتغال ذمتهم بالديون العرفية أو الشرعية صرف أيضاً في إفراغ ذمتهم.
مسألة 1547 : إذا وقف على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمةعليهمالسلام صرف في إحياء ذكرهم وإعلاء شأنهم كإقامة المجالس لذكر فضائلهم ومناقبهم ووفياتهم وبيان ظلاماتهم ونحو ذلك مما يوجب التبصر بمقامهم الرفيع ، والأحوط الأولى إهداء ثواب ذلك إليهمعليهمالسلام ، ولا فرق بين إمام العصر عجل الله فرجه الشريف وآبائه الطاهرين.
مسألة 1548 : إذا وقف على أولاده فالظاهر العموم لأولاد أولاده ، وأولادهم وإن سفلوا.
مسألة 1549 : إذا قال : ( هذا وقف على أولادي فإذا انقرض أولادي وأولاد أولادي فهو على الفقراء ) فالأقوى أنه وقف على أولاده الصلبيين وغيرهم على التشريك ، وكذا إذا قال : ( هذا وقف على أولادي فإذا انقرضوا وانقرض أولاد أولادي فهو على الفقراء ).
مسألة 1550 : إذا قال : ( هذه الدار وقف على أولادي ) جاز لهم الانتفاع منها بغير السكن فيها كأن يؤجروها ويقسموا بينهم ما يحصلون من الأجرة ، وإن قال : ( هذه الدار وقف على أولادي ليسكنوا فيها ) لم يجز لهم أن يؤجروها ويقتسموا الأجرة ، بل لكل منهم حق الانتفاع منها بالسكنى فقط ، فمن لم يرد السكنى فلا شيء له ، وإن أراده الجميع فإن اتسعت لذلك سكنوا جميعاً وإن تشاحوا في تعيين المسكن لكل واحد فالمرجع نظر المتولي ومع عدمه أو توقفه لفقدان المرجح فالمرجع القرعة ، وإن امتنع بعضهم عن السكنى حينئذ جاز للباقين الاستقلال فيها وليس عليهم شيء لصاحبهم ، وإن لم تتسع لسكنى الجميع اقتسموها بينهم يوماً فيوماً أو شهراً فشهراً أو سنة فسنة ، وإن
اختلفوا في ذلك وتشاحوا فالحكم كما سبق وليس لبعضهم ترك السكنى والمطالبة بالأجرة حينئذ بالنسبة إلى حصته.
مسألة 1551 : إذا قال : ( هذا وقف على الذكور من أولادي ، أو ذكور أولادي نسلاً بعد نسل ، أو طبقة بعد طبقة ) اختص بالذكور من الذكور ولا يشمل الذكور من الأناث.
مسألة 1552 : إذا قال : ( هذا وقف على أخوتي نسلاً بعد نسل ) فالظاهر العموم لأولادهم الذكور والأناث.
مسألة 1553 : إذا قال : ( هذا وقف على أولادي ثم أولاد أولادي ) كان الترتيب بين أولاده الصلبيين وأولادهم ولا يكون بين أولاد أولاده وأولادهم ترتيب بل الحكم بينهم على نحو التشريك.
مسألة 1554 : إذا وقف على زيد والفقراء فالظاهر التنصيف وكذا إذا قال : ( هذا وقف على زيد وأولاد عمرو ) أو قال : ( هذا وقف على أولاد زيد وأولاد عمرو ) أو قال : ( هذا وقف على العلماء والفقراء ).
مسألة 1555 : إذا وقف على الزوار فالظاهر الاختصاص بغير أهل المشهد ممن يأتي من الخارج للزيارة ، وفي كونه كذلك إذا قال : ( هذا وقف على من يزور المشهد ) إشكال.
مسألة 1556 : لو وقف على المشتغلين في النجف مثلا من أهل بلد آخر كلبنان لم يختص بمن هاجر من ذلك البلد إلى النجف للاشتغال بل يعم أولاد المهاجرين ممن ولدوا في النجف وصاروا مشتغلين فيها ، وهل يعم المشتغل الذي جعله وطناً له معرضاً عن بلده الأول أم لا؟ الأظهر الشمول مع صدق نسبته إليه عرفاً.
فصل
في بعض أحكام الوقف
مسألة 1557 : إذا تم الوقف لا يجوز للواقف ولا لغيره التبديل والتغيير في الموقوف عليه بنقله منهم إلى غيرهم وإخراج بعضهم منه وإدخال أجنبي عنهم معهم إذا لم يشترط ذلك ، وأما إذا اشترط إدخال من شاء معهم فالظاهر صحته وحينئذ إذا أدخل غيرهم معهم نفذ وإذا لم يدخل أحدا إلى أن مات بقي الوقف على حاله الأولى ، وإذا اشترط إخراج بعضهم فالظاهر صحته أيضاً.
مسألة 1558 : إذا اشترط الواقف شرطاً في الموقوف عليه كما إذا وقف المدرسة على الطلبة العدول أو المجتهدين ففقد الشرط خرج عن الوقف ، وإذا اشترط عليه شرطاً كما إذا وقف على الطلبة واشترط عليهم التهجد في الليل فالظاهر أن مرجعه إلى ذلك أيضاً ، فلو ترك التهجد خرج عن الوقف لا أنه يجب عليه التهجد تكليفاً بحيث لو تركه بقى مشمولاً للوقف وإن كان عاصياً.
مسألة 1559 : إذا احتاجت الأملاك الموقوفة إلى التعمير أو الترميم لأجل بقائها وحصول النماء منها فإن عين الواقف لها ما يصرف فيها عمل عليه وإلا صرف من نمائها وجوباً مقدماً على حق الموقوف عليهم ، وإذا احتاج إلى التعمير أو الترميم بحيث لولاه لم يبق للبطون اللاحقة فالظاهر وجوبه وإن أدى إلى حرمان البطن السابق.
مسألة 1560 : إذا احتاج الوقف إلى التعمير أو الترميم ولم يكن وجه يصرف
فيه يجوز للمتولي أن يقترض له بما هو متول عليه فلا يكون مديناً بشخصه بل بماله من الولاية على الوقف ، فيؤدي دينه ـ هذا ـ مما يرجع إلى الوقف كمنافعه أو منافع موقوفاته لا من أمواله الخاصة ، ولو صرف من ماله في تعميره بقصد الاستيفاء مما ذكر جاز له ذلك فإن مرجعه إلى ما تقدم.
مسألة 1561 : الثمر الموجود على النخل أو الشجر حين إجراء الوقف باق على ملك مالكها ولا يكون للموقوف عليه ، وكذا الحمل الموجود حين وقف الدابة واللبن والصوف الموجودان حين وقف الشاة ، وكذا ما يتجدد من الثمر أو الحمل أو اللبن أو الصوف ونحوها بعد إنشاء الوقف وقبل القبض فيما يعتبر القبض في صحته ، نعم إذا اكتمل نمو الثمرة أو نحوها بعد تحقق الوقف فالظاهر أن الموقوف عليهم يشاركون الواقف فيها بالنسبة ما لم تكن قرينة على استثناء ذلك عن منافع العين الموقوفة.
مسألة 1562 : إذا جهل الموقوف عليه فإن كانت الشبهة غير محصورة فالأظهر جواز صرفه في وجه من وجوه البر ، والأحوط لزوماً إن لا يكون المصرف خارجاً عن أطراف الشبهة ، بل وأن لا يكون احتمال كونه مصرفاً أضعف من غيره ، وأما إذا كانت الشبهة محصورة فإن كانت أطرافها عناوين متصادقة في الجملة تعين صرف المال في المجمع كما إذا لم يدر أن الوقف وقف على العلماء مطلقاً أو على خصوص العدول منهم أولم يدر أنه وقف على العلماء أو الفقراء فإنه يصرف في الصورة الأولى على العلماء العدول وفي الصورة الثانية على العلماء الفقراء.
وإن كانت المحتملات متباينة كما إذا لم يدر أن الوقف وقف على المسجد الفلاني أو على المسجد الآخر أو أنه وقف لزيد وأولاده الذكور نسلاً بعد نسل أو لعمرو كذلك فالأقرب الرجوع إلى القرعة ويراعى في عدد السهام درجة الاحتمال ـ قوة وضعفا ـ في جميع الأطراف.
هذا كله فيما إذا لم يعتبر في المصرف التوزيع على نحو الاستيعاب وإلا اختلف الحال فيه عما ذكر في الجملة ، ففي موارد العناوين المتصادقة لابد من الرجوع إلى القرعة في غير مورد الاجتماع ، وأيضاً لو كان الوقف على نحو يوجب ملكية المنافع فالمرجع فيه عند التردد في الشبهة المحصورة هو القرعة وفي غير المحصورة يعامل مع النماء معاملة مجهول المالك فيتصدق به ، ولابد أن يكون التصدق على المستحقين من أطراف الشبهة ولا يجوز التصدق على الخارج عنهم مع تيسر التصدق عليهم.
مسألة 1563 : إذا أجر البطن الأول من الموقوف عليهم العين الموقوفة في الوقف الترتيبي وانقرضوا قبل انقضاء مدة الإجارة لم تصح الإجارة بالنسبة إلى بقية المدة وكذا الحكم في الوقف التشريكي إذا ولد في أثناء المدة من يشارك الموقوف عليه المؤجر فإنه لا تصح الإجارة بالنسبة إلى حصته ، والظاهر صحتها بالإجازة من البطن الثاني في الصورة الأولى ومن الشريك في الصورة الثانية فيكون للمجيز حصته من الأجرة ولا يحتاج إلى تجديد الإجارة وإن كان أحوط. نعم إذا كانت الإجارة من الولي لمصلحة الوقف صحت ونفذت وكذا إذا كانت لمصلحة البطون اللاحقة إذا كانت له ولاية على ذلك فإنها تصح ويكون للبطون اللاحقة حصتهم من الأجرة.
مسألة 1564 : إذا كانت للعين الموقوفة منافع مختلفة وثمرات متنوعة كان الجميع للموقوف عليه مع إطلاق الوقف فإذا وقف الشجر أو النخل كانت ثمرتهما ومنفعة الاستظلال بهما والسعف والأغصان والأوراق اليابسة وأكمام الطلع والفسيل ونحوها مما هو مبني على الانفصال للموقوف عليه ولا يجوز للمالك ولا لغيره التصرف فيها إلا على الوجه الذي اشترطه الواقف.
مسألة 1565 : الفسيل الخارج بعد الوقف إذا نما واستطال حتى صار نخلا أو قلع من موضعه وغرس في موضع آخر فنما حتى صار مثمراً لا يكون
وقفاً بل هو من نماء الوقف فيجوز بيعه وصرفه في الموقوف عليه ، وكذا إذا قطع بعض الأغصان الزائدة للإصلاح وغرس فصار شجرة فإنه لا يكون وقفاً بل يجري عليه حكم نماء الوقف من جواز بيعه وصرف ثمنه في مصرف الوقف.
مسألة 1566 : إذا خرب المسجد لم تخرج العرصة عن الوقفية فلا يجوز بيعها وإن تعذر تعميره ، وكذا إذا خربت القرية التي هو فيها حتى بطل الانتفاع به إلى الأبد.
مسألة 1567 : كما لا يجوز بيع عرصة المسجد بعد خرابه كذلك لا يجوز إجارتها ، ولو غصبها غاصب واستوفى منها منافع أخرى ـ كما إذا جعلها مسكناً أو محرزاً ـ لم يكن عليه أجرة المثل وإن كان آثماً ، نعم لو تلف بعض موقوفاته تحت يده أو أتلفه شخص فالظاهر ضمانه فيؤخذ منه البدل من المثل أو القيمة ويصرف على مسجد آخر.
مسألة 1568 : ما يوقف على المساجد والمشاهد ونحوهما من آلات الإنارة والتكييف والفرش وشبهها ما دام يمكن الانتفاع بها باقية على حالها لا يجوز بيعها ، فإن أمكن الانتفاع بها في المحل الذي أعدت له ولو بغير ذلك الانتفاع الذي أعدت له بقيت على حالها في ذلك المحل ، فالفرش المتعلق بمسجد أو مشهد إذا أمكن الانتفاع به في ذلك المحل بقي على حاله فيه ، ولو فرض استغناء المحل عن الافتراش بالمرة لكن يحتاج إلى ستر يقي أهله من الحر أو البرد يجعل ستراً لذلك المحل ، ولو فرض استغناء المحل عنه بالمرة بحيث لا يترتب على إمساكه وإبقائه فيه إلا الضياع والتلف يجعل في محل آخر مماثل له ، بأن يجعل ما للمسجد لمسجد آخر وما للمشهد لمشهد آخر ، فإن لم يكن المماثل أو استغنى عنه بالمرة جعل في المصالح العامة. هذا إذا أمكن الانتفاع به باقيا على حاله ، وأما لو فرض أنه لا يمكن الانتفاع به إلا ببيعه وكان بحيث لو بقي على حاله ضاع وتلف بيع وصرف ثمنه في ذلك المحل إن احتاج إليه وإلا ففي
المماثل ثم المصالح العامة حسبما مر.
مسألة 1569 : غير المسجد من الأعيان الموقوفة مثل البستان والدار لا تخرج عن وصفها وقفاً بمجرد الخراب الموجب لزوال العنوان ، نعم إذا كانت الوقفية قائمة بعنوان كوقف البستان مادام كذلك بطلت الوقفية بذهاب العنوان وترجع ملكاً للواقف ومنه إلى ورثته حين موته ، وهذا بخلاف ما إذا لوحظ في الوقف كل من العين والعنوان فإنه إذا زال العنوان فإن أمكن تعمير العين الموقوفة وإعادة العنوان من دون حاجة إلى بيع بعضها كأن تؤجر لمدة معينة ولو كانت طويلة نسبياً ويصرف بدل الإيجار على تعميرها أو يصالح شخص على إعادة تعميرها على أن تكون له منافعها لفترة معينة لزم وتعين ، وإن توقف إعادة عنوانها على بيع بعضها ليعمر الباقي فالاحوط تعينه ايضاً ، وان تعذر اعادة العنوان اليها مطلقاً وامكن استنماء عرصتها بوجه آخر فالاظهر تعينه ، وان لم يمكن بيعت والاحوط حينئذٍ ان يشتري بثمنها ملك آخر ويوقف على نهج وقف الاول بل الاحوط أن يكون الوقف الجديد معنوناً بعنوان الوقف الأول مع الإمكان وإلا الأقرب فالأقرب إليه ، وإن تعذر هذا أيضاً صرف ثمنها على الجهة الموقوفة عليها.
مسألة 1570 : إذا خرب الوقف ولم تبطل منفعته بل بقيت له منفعة معتد بها قليلة أو كثيرة فإن أمكن تجديده وإن كان بإجارته مدة وصرف الإجارة في العمارة وجب ذلك وإن لم يمكن فالظاهر بقاء الوقفية بحالها وتصرف منافعه في الجهة الموقوف عليها.
مسألة 1571 : إذا وقف على مصلحة فبطل رسمها كما إذا وقف على مسجد أو مدرسة أو حسينية فخربت وصارت شارعاً أو نحوه فإن كانت خصوصية الموقوف عليه ملحوظة على نحو تعدد المطلوب ـ كما لعله الغائب ـ
صرف نماء الوقف على مسجد أو حسينية أو مدرسة أخرى إن أمكن وإلا ففي وجوه البر الأقرب فالأقرب إلى نظر الواقف ، وإن كانت الخصوصية ملحوظة على نحو وحدة المطلوب بطل الوقف ورجع إلى الواقف أو إلى ورثته.
هذا إذا بطل رسمها ولم ترج إعادته وأما مع رجاء إعادته في المستقبل المنظور فاللازم تجميع عوائد الوقف وادخارها لذلك ، نعم إذا انقطع الرجاء عمل في هذه العوائد بما تقدم من الصورة السابقة.
مسألة 1572 : إذا تعذر الانتفاع بالعين الموقوفة لانتفاء الجهة الموقوف عليها وكانت خصوصيتها ملحوظة على نحو تعدد المطلوب صرفت منافعها فيما هو الأقرب فالأقرب إلى نظر الواقف ، فإذا كان الوقف وقفاً على إقامة عزاء الحسينعليهالسلام في بلد خاص بنحو معين ولم يمكن ذلك صرفت منافعه في إقامة عزائهعليهالسلام في ذلك البلد بنحو آخر ، وإن لم يمكن ذلك أيضاً صرفت منافعه في إقامة عزائهعليهالسلام بذلك النحو في بلد آخر.
مسألة 1573 : إذا تعذر الانتفاع بالوقف لانقراض الموقوف عليه تبطل وقفيته ويرجع ملكاً للواقف فإن لم يكن موجوداً كان لورثته على ما تقدم في المسألة (1484).
مسألة 1574 : يجوز وقف البستان واستثناء نخلة منه ويجوز له حينئذٍ الدخول إليها بمقدار الحاجة كما إن له إبقاءها مجاناً وليس للموقوف عليهم قلعها ، وإذا انقلعت لم يبق له حق في الأرض فلا يجوز له غرس نخلة أخرى مكانها ، وكذا يجوز في وقف الدار استثناء غرفة منها ولكن إذا خربت بقيت له الأرض لأن الأرض جزء الغرفة.
مسألة 1575 : إذا كانت العين مشتركة بين الوقف والملك الطلق
جازت قسمتها بتمييز الوقف عن الملك الطلق ويتولى القسمة المالك للطلق ومتولي الوقف ، بل الأقوى جواز القسمة إذا تعدد الواقف والموقوف عليه كما إذا كانت دار مشتركة بين شخصين فوقف كل منهما نصفه المشاع على أولاده ، وكذا إذا اتحد الواقف مع تعدد الموقوف عليه كما إذا وقف مالك الدار نصفها على مسجد ونصفها الآخر على مسجد آخر ، وأما إذا اتحد الواقف والموقوف عليه فالظاهر عدم جواز القسمة إلا مع اشتراطها من قبل الواقف عند وقوع التشاح بين الموقوف عليهم أو مطلقاً ، نعم يجوز تقسيمه بمعنى تخصيص انتفاع كل قسم منه ببعض الموقوف عليهم مالم يكن ذلك منافياً لشرط الواقف ، فإذا وقف أرضاً زراعية مثلاً على أولاده وكانوا أربعة جاز لهم اقتسامها أرباعاً لينتفع كل بقسم منها ، فإذا صار له ولد آخر بطلت القسمة وجاز اقتسامها أخماساً ، فإذا مات اثنان منهم بطلت القسمة وجاز اقتسامها أثلاثاً وهكذا.
مسألة 1576 : لا يجوز تغير عنوان العين الموقوفة إذا كان ظاهر الوقف إرادة بقاء عنوانها سواء فهم ذلك من كيفيته كما إذا وقف داره على السكنى فلا يجوز تغييرها إلى الدكاكين أم فهم من قرينة خارجية ، بل إذا احتمل ذلك ولم يكن إطلاق في إنشاء الوقف لم يجز ذلك ، نعم إذا كان إطلاق في إنشاء الوقف جاز للولي التغيير فيبدل الدار إلى دكاكين والدكاكين إلى دار وهكذا ، وقد يعلم من القرينة إرادة بقاء العنوان ما دام له دخل في كثرة المنفعة فحينئذ ٍلا يجوز التغيير ما دام الحال كذلك ، فإذا قلت المنفعة جاز التغيير.
مسألة 1577 : النخلة الموقوفة للانتفاع بثمرها إذا انقلعت لعاصفة أو نحوها بيعت واشتري بثمنها فسيل أو نخلة أخرى ـ إن أمكن ـ وتوقف على نهج وقف الأولى ، وإن لم يمكن صرف ثمنها على الجهة الموقوفة عليها ، نعم إذا كانت النخلة المقلوعة في ضمن بستان موقوف فالظاهر أن حكمها
حينئذٍ حكم الكرب والأغصان الزائدة فتصرف على الجهة الموقوفة عليها عيناً أو قيمة إلا مع حاجة البستان إلى ثمنها فتباع وتصرف عليه.
مسألة 1578 : الأموال التي تجمع لعزاء سيد الشهداءعليهالسلام من صنف خاص لإقامة مأتمهم أو من أهل بلدة لإقامة مأتم فيها أو للأنصار الذين يذهبون في زيارة الأربعين إلى ( كربلاء ) الظاهر أنها من قسم الصدقات المشروط صرفها في جهة معينة وليست باقية على ملك مالكها ولا يجوز لمالكها الرجوع فيها ، وإذا مات قبل صرفها لا يجوز لوارثه المطالبة بها ، وكذا إذا أفلس لا يجوز لغرمائه المطالبة بها ، وإذا تعذر صرفها في الجهة المعينة فالأحوط صرفها فيما هو الأقرب فالأقرب إلى الجهة الخاصة ، نعم إذا كان الدافع للمال يرى أن الآخذ للمال بمنزلة الوكيل عنه لم يخرج حينئذٍ عن ملك الدافع وجاز له ولورثته ولغرمائه المطالبة به بل يجب إرجاعه إليه أو إلى وارثه مع المطالبة وإلى غرمائه عند تفليسه ، وإذا تعذر صرفه في الجهة الخاصة واحتمل عدم رضاه بصرفه في غيرها وجبت مراجعته في ذلك.
مسألة 1579 : لا يجوز بيع العين الموقوفة إلا في موارد ذكرناها في كتاب البيع.
مسألة 1580 : إذا كان غرض الواقف من الوقف حصول شيء فبان عدم حصوله لا يكون ذلك موجباً لبطلان الوقف ، فإذا علم أن غرض الواقف من الوقف على أولاده أن يستعينوا به على طلب العلم أو الإقامة بالمشهد الفلاني أونحو ذلك فلم يترتب الغرض المذكور عليه لم يكن ذلك موجباً لبطلان الوقف وهكذا الحال في جميع الأغراض والدواعي التي تدعو إلى إيقاع المعاملات أو الإيقاعات ، فإذا كان غرض المشتري الربح فلم يربح لم يكن ذلك موجباً لبطلان الشراء أو التسلط على الفسخ.
مسألة 1581 : الشرائط التي يشترطها الواقف تصح ويجب العمل عليها إذا كانت مشروعة ، فإذا اشترط أن لا يؤجر الوقف أكثر من سنة أولا يؤجر على غير أهل العلم لا تصح إجارته لأكثر من سنة ولا على غير أهل العلم.
مسألة 1582 : تثبت الوقفية بالعلم والاطمئنان الحاصلين من المناشئ العقلائية ـ ومنها الشياع ـ وبالبينة الشرعية وبإقرار ذي اليد وإن لم تكن اليد مستقلة كما إذا كانت دار في يد جماعة فأخبر بعضهم بأنها وقف فإنه يحكم بوقفية الحصة التي تقتضي اليد ملكيته لها لولا الإقرار وإن لم يعترف غيره بها.
مسألة 1583 : إذا أقر بالوقف ثم ادعى أن إقراره كان لمصلحة تسمع منه لكن يحتاج إلى الإثبات ، بخلاف ما إذا أوقع العقد وحصل القبض في موضع الحاجة إليه ثم ادعى أنه لم يكن قاصداً فإنه لا تسمع منه أصلاً ، كما هو الحال في جميع العقود والإيقاعات.
مسألة 1584 : إذا كان كتاب أو مصحف وقد كتب عليه أنه وقف فإن احتف بقرائن تورث الاطمئنان بصحة الكتابة كختم مكتبة معروفة أو عالم مشهور حكم بوقفيته ، وكذا إذا أحرز أنه كان تحت يد الكاتب واستيلائه حين الكتابة فإنه يحكم بوقفيته أخذاً بإقراره على نفسه. ولو ادعى بعد ذلك أن تلك الكتابة كانت لمصلحة فعليه إثباتها بالبينة إلا أن يحصل الوثوق بصدقه.
مسألة 1585 : إذا وجدت ورقة في تركة الميت قد كتب عليها أن بعض ما تركه وقف فإن كان على نحو يعد اعتراًفا منه بوقفيته ، كما إذا كانت مذيلة بتوقيعه أو ختمه أو بصمة يده ولم يحرز فقدانه لبعض شرائط نفوذ الإقرار حين صدوره منه حكم بوقفية ذلك الشيء وإلا لم يحكم بها وإن كانت الورقة بخطه.
مسألة 1586 : لا فرق في حجية إخبار ذي اليد بين أن يكون إخبارا
بأصل الوقف وأن يكون إخبارا بكيفيته من كونه ترتيبيا أو تشريكياً وكونه على الذكور فقط أو على الذكور والأناث وأنه على نحو التساوي أو على نحو الاختلاف ، كما أنه لا فرق في الإخبار بين أن يكون بالقول وأن يكون بالفعل كما إذا كان يتصرف فيه على نحو الوقف أو يتصرف فيه على نحو الوقف الترتيبي أو التشريكي أو للذكور والأناث أو للذكور دون الأناث وهكذا ، فإن تصرفه إذا كان ظاهراً في الإخبار عن حاله كان حجة كخبره القولي.
مسألة 1587 : إذا كان ملك بيد شخص يتصرف فيه بعنوان الملكية لكن علم أنه قد كان في السابق وقفاً لم ينتزع من يده بمجرد ذلك ما لم يثبت وقفيته فعلاً ، وكذا لو ادعى أحد أنه قد وقف على آبائه نسلاً بعد نسل وأثبت ذلك من دون أن يثبت كونه وقفاً فعلا ، نعم لو أقر ذو اليد في مقابل خصمه بأنه قد كان وقفاً إلا أنه قد حصل المسوغ للبيع وقد اشتراه سقط حكم يده وينتزع منه ويلزم بإثبات الأمرين : وجود المسوغ للبيع ، ووقوع الشراء.
مسألة 1588 : إذا أراد المتولي ـ مثلاً ـ بيع العين الموقوفة بدعوى وجود المسوغ للبيع لم يجز الشراء منه إلا بعد التثبت من وجوده ، وأما لو بيعت العين الموقوفة ثم حدث شك للمشتري أو لطرف ثالث في وجود المسوغ للبيع في حينه فالظاهر البناء على صحته ، نعم إذا تنازع المتولي والموقوف عليه مثلاً في وجود المسوغ وعدمه فرفعوا أمرهم إلى الحاكم الشرعي فحكم بعدم ثبوته وبطلان البيع لزم ترتيب آثاره.
إلحاق فيه بابان
الباب الأول
في الحبس وأخواته
مسألة 1589 : يجوز للمالك أن يحبس ملكه على جهة معينة يجوز الوقف عليها على أن يصرف نماؤه فيها ولا يخرج بذلك عن ملكه ، فإن كان حبسه دائمياً أو مطلقاً منزلاً على الدوام لزم ولم يجز له الرجوع فيه ما دامت العين باقية ولها نماء ـ معتد به ـ يمكن صرفه على الجهة المحبوس عليها ، وإن كان مقيداً بمدة معينة لم يجز له الرجوع قبل انقضاء المدة ، وإذا انتهت المدة انتهى التحبيس ، فإذا قال : ( فرسي محبس على نقل الحجاج ، أو عبدي محبس على خدمة العلماء ) لزم ما دامت العين باقية ـ على ما تقدم ـ وإذا جعل المدة عشر سنين مثلاً لزم في العشر وانتهى بانقضائها.
مسألة 1590 : إذا حبس ملكه على شخص فإن عين مدة كعشر سنين أو مدة حياة ذلك الشخص مثلاً لزم الحبس في تلك المدة ، وبعدها يرجع إلى الحابس وإذا مات الحابس قبل انقضاء المدة بقي الحبس على حاله إلى أن تنتهي المدة فيرجع إلى ورثته ، وإذا حبس عليه مدة حياة نفسه ـ يعني الحابس ـ لم يجز له الرجوع ما دام حياً فإذا مات رجع إلى ورثته ، وإذا حبسه على شخص ولم يذكر مدة معينة ولا مدة حياة نفسه ولا حياة المحبس عليه ففي لزومه إلى موت الحابس وبعد موته يرجع إلى ورثته وجوازه فيجوز له الرجوع فيه متى شاء قولان أقربهما الأول.
مسألة 1591 : لا يبعد اعتبار القبول والقبض في الحبس على الشخص وعدم اعتبارهما في الحبس على الصرف في جهة معينة.
مسألة 1592 : الظاهر جواز بيع المحبس قبل انتهاء أجل التحبيس فتنتقل العين إلى المشتري على النحو الذي كانت عليه عند البائع فيكون للمحبس عليهم الانتفاع بالعين حسب ما يقتضيه التحبيس ، ويجوز للمشتري المصالحة معهم على نحولا تجوز لهم مزاحمته في الانتفاع بالعين مدة التحبيس بأن يعطيهم مالاً على أن لا ينتفعوا بالعين ، أما المصالحة معهم على إسقاط حق الانتفاع بها أو المعاوضة على حق الانتفاع بها ففيه إشكال.
مسألة 1593 : يلحق بالحبس السكنى والعمرى والرقبى والأولى تختص بالمسكن والأخيرتان تجريان فيه وفي غيره من العقار والحيوانات والأثاث ونحوها مما لا يتحقق فيه الإسكان ، فإن كان المجعول الإسكان قيل له : ( سكنى ) فإن قيد بعمر المالك أو الساكن قيل له أيضا : ( عمرى ) وإن قيده بمدة معينة قيل له : ( رقبى ) ، وإذا كان المجعول غير الإسكان كما في الأثاث ونحوه مما لا يتحقق فيه السكنى لا يقال له : ( سكنى ) بل قيل : ( عمرى ) إن قيد بعمر أحدهما و( رقبى ) إن قيد بمدة معينة.
مسألة 1594 : الظاهر أن الثلاثة من العقود فتحتاج إلى إيجاب وقبول ويعتبر فيها ما يعتبر في سائر العقود ، كما يعتبر في المتعاقدين هنا ما يعتبر في المتعاقدين في غيرها ، وقد تقدم ذلك في كتاب البيع ، ويعتبر فيها أيضا القبض فلولم يتحقق حتى مات المالك بطلت كالوقف.
مسألة 1595 : إذا أسكنه مدة معينة كعشر سنين أو مدة عمر المالك أو مدة عمر الساكن لم يجز الرجوع قبل انقضاء المدة فإن انقضت المدة في الصور الثلاث رجع المسكن إلى المالك أو ورثته.
مسألة 1596 : إذا قال له : ( أسكنتك هذه الدار لك ولعقبك ) لم يجز له الرجوع في هذه السكنى ما دام الساكن أو عقبه موجوداً فإذا انقرض هو وعقبه رجعت الدار إلى المالك.
مسألة 1597 : إذا قال له : ( أسكنتك هذه الدار مدة عمري ) فمات الساكن في حال حياة المالك فإن كان المقصود جعل حق السكنى له بنفسه وتوابعه كما يقتضيه إطلاق السكنى انتقلت السكنى بموته إلى المالك قبل وفاته على إشكال ، وإن كان المقصود جعل حق السكنى له مطلقاً انتقلت السكنى إلى وارثه ما دام المالك حياً ، فإذا مات انتقلت من ورثة الساكن إلى ورثة المالك ، وكذا الحكم لو عين مدة معينة فمات الساكن في أثنائها.
مسألة 1598 : إذا جعل السكنى له مدة حياته كما إذا قال له : ( أسكنتك هذه الدار مدة حياتك ) فمات المالك قبل الساكن لم يجز لورثة المالك منع الساكن بل تبقى السكنى على حالها إلى أن يموت الساكن.
مسألة 1599 : إذا جعل له السكنى ولم يذكر له مدة ولا عمر أحدهما صح ولزم بالقبض ، ووجب على المالك إسكانه ولو لفترة قصيرة لا يكون الإطلاق منصرفاً عنها ، وجاز له الرجوع بعد ذلك أي وقت شاء ، ولا يجري ذلك في الرقبى والعمرى لاختصاص الأولى بالمدة المعينة والثانية بمدة عمر أحدهما والمفروض انتفاء ذلك كله.
مسألة 1600 : إطلاق السكنى كما تقدم يقتضي أن يسكن هو وأهله وسائر توابعه من أولاده وخدمه وضيوفه بل سيارته إن كان فيها موضع معد لذلك وله اقتناء ما جرت العادة فيه لمثله من غلة وأوان وأمتعة والمدار على ما جرت به العادة من توابعه ، وليس له إجارتها ولا إعارتها لغيره فلو آجره ففي صحة الإجارة بإجازة المالك وكون الأجرة له حينئذٍ إشكال ، نعم إذا فهم من المالك جعل حق السكنى له الشاملة لسكنى غيره جاز له نقل حقه إلى غيره بصلح أو نحوه كما تجوز له إعارتها للغير.
الباب الثاني
في الصدقة
وهي مما تواترت الروايات في الحث عليها والترغيب فيها وقد روي أنها دواء المريض وبها يدفع البلاء وقد أبرم إبراماً وبها يستنزل الرزق وأنها تقع في يد الرب قبل أن تقع في يد العبد وأنها تخلف البركة وبها يقضى الدين وأنها تزيد في المال وأنها تدفع ميتة السوء والداء والداهية والحرق والغرق والجذام والجنون إلى أن عد سبعين باباً من السوء ويستحب التبكير بها فإنه يدفع شر ذلك اليوم وفي أول الليل فإنه يدفع شر الليل.
مسألة 1601 : المشهور كون الصدقة من العقود فيعتبر فيها الإيجاب والقبول ولكن الأظهر اختلاف حكمها من هذه الجهة باختلاف مواردها فإن كانت على نحو التمليك احتاج إلى إيجاب وقبول وإن كانت بالإبراء كفى الإيجاب بمثل أبرأت ذمتك وإن كان بالبذل كفى الإذن في التصرف وهكذا.
مسألة 1602 : المشهور اعتبار القبض فيها مطلقا ولكن الظاهر أنه لا يعتبر فيها كلية وإنما يعتبر فيها إذا كان العنوان المنطبق عليها مما يتوقف على القبض ، فإذا كان التصدق بالهبة أو بالوقف الخاص اعتبر القبض وإذا كان التصدق بالإبراء أو البذل لم يعتبر وهكذا.
مسألة 1603 : يعتبر في المتصدق البلوغ والعقل والاختيار والقصد وعدم الحجر لفلس أو سفه ، نعم في صحة صدقة من بلغ عشر سنين وجه ولكنه لا يخلو عن إشكال.
ويعتبر فيها قصد القربة فإذا وهب أو أبرء أو وقف بلا قصد القربة كان هبة أو إبراءً أو وقفاً ولا يكون صدقة.
مسألة 1604 : تحل صدقة الهاشمي على الهاشمي وعلى غيره حتى زكاة المال وزكاة الفطرة ، وأما صدقة غير الهاشمي ، فإن كانت زكاة المال أو زكاة الفطرة فهي حرام على الهاشمي ولا تحل للمتصدق عليه ولا تفرغ ذمة المتصدق بها عنها وإن كانت غيرهما فالأقوى جوازها سواء أكانت واجبة كرد المظالم والكفارات وفدية الصوم أم مندوبة إلا إذا كانت من قبيل ما يتعارف من دفع المال القليل لدفع البلاء ونحو ذلك ، مما كان من مراسم الذل والهوان فإن في جوازه إشكال.
مسألة 1605 : لا يجوز الرجوع في الصدقة إذا كانت هبة مقبوضة وإن كانت لأجنبي على الأصح.
مسألة 1606 : يكره كراهة شديدة أن يتملك من الفقير ما تصدق به عليه بشراء أو اتهاب أو غيرهما ، نعم لا بأس بأن يرجع إليه منه بالميراث.
مسألة 1607 : تجوز الصدقة المندوبة على الغني والمخالف والكافر غير الحربي.
مسألة 1608 : الصدقة المندوبة سراً أفضل إلا إذا كان الإجهار بها بقصد رفع التهمة أو الترغيب أونحو ذلك مما يتوقف على الإجهار ، أما الصدقة الواجبة ففي بعض الروايات : أن الأفضل إظهارها ، وقيل : الأفضل الإسرار بها ، والأفضل اختلاف الحكم باختلاف الموارد في الجهات المقتضية للإسرار والإجهار.
مسألة 1609 : التوسعة على العيال أفضل من الصدقة على غيرهم ، والصدقة على القريب المحتاج أفضل من الصدقة على غيره ، وأفضل منها الصدقة على الرحم الكاشح يعني المعادي ، ويستحب التوسط في إيصالها إلى المسكين ففي الخبر : لو جرى المعروف على ثمانين كفاً لأجروا كلهم من غير أن ينقص من أجر صاحبه شيء.
مسألة 1610 : يكره رد السائل ولو ظن غناه ، بل يعطيه ولو شيئاً يسيراً.
مسألة 1611 : يكره السؤال مع الحاجة ما لم يبلغ حد الاضطرار ، وأما السؤال من غير حاجة فربما يقال بحرمته ، ولكن لا يبعد كراهته كراهة شديدة ، نعم التظاهر بالحاجة من غير حاجة حرام.
إلى هنا ينتهي الجزء الثاني من رسالة ( منهاج الصالحين ) وقد أضفت إليه مسائل كثيرة معظمها من رسالة وسيلة النجاة للسيد الفقيه الأصفهانيقدسسره والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين.
فهرس
آداب التجارة 20
الفصل الأول. 23
شروط العقد. 23
الفصل الثاني. 27
شروط المتعاقدين. 27
البيع الفضولي : 29
الفصل الثالث.. 36
شروط العوضين. 36
الفصل الرابع. 42
الخيارات.. 42
( الأول ) : خيار المجلس : 42
( الثاني ) : خيار الحيوان : 43
( الثالث ) : خيار الشرط : 43
الرابع : خيار الغبن : 47
الخامس : خيار التأخير : 52
السادس : خيار الرؤية : 54
السابع : خيار العيب. 55
تذنيب في بعض أحكام الشرط : 58
الفصل الخامس.. 62
أحكام الخيار 62
ما يدخل في المبيع. 63
الفصل السابع. 65
التسليم والقبض.. 65
الفصل الثامن. 68
النقد والنسيئة 68
إلحاق. 69
في المساومة والمرابحة والمواضعة والتولية 69
الفصل التاسع. 72
في الربا 72
وهو قسمان : 72
الفصل العاشر 77
بيع الصرف.. 77
الفصل الحادي عشر 83
في السلف.. 83
الفصل الثاني عشر 87
بيع الثمار والخضر والزرع. 87
الفصل الثالث عشر 92
في بيع الحيوان. 92
خاتمة 93
في الإقالة 93
كتاب الشفعة 95
وفيه فصول : 97
فصل. 97
في ما تثبت فيه الشفعة 97
فصل. 100
في الشفيع. 100
فصل. 102
في الأخذ بالشفعة 102
كتاب الإجارة 107
وفيه فصول : 109
فصل في شروطها 109
( شرائط المتعاقدين ) 110
( شرائط العين المستأجرة ) 110
( شرائط المنفعة المقصودة بالإجارة ) 111
( شرائط الأجرة ) 112
فصل. 115
في مسائل تتعلق بلزوم الإجارة 115
فصل. 119
في أحكام التسليم في الإجارة 119
فصل. 125
في أحكام التلف.. 125
فصل. 135
في مسائل متفرقة 135
كتاب المزارعة 143
كتاب المساقاة 155
كتاب الجعالة 163
كتاب السبق والرماية 171
كتاب الشركة 175
القسمة وأحكامها 183
كتاب المضاربة 193
كتاب الوديعة 211
كتاب العارية 225
كتاب اللقطة 233
أحكام اللقيط. 235
أحكام الضالة 237
أحكام اللقطة 239
كتاب إحياء الموات.. 279
كتاب المشتركات.. 295
كتاب الدين والقرض.. 309
أحكام المدين. 311
أحكام القرض.. 315
كتاب الرهن. 323
كتاب الحجر 333
1 ـ الصغر : 335
2 ـ الجنون : 338
3 ـ السفه : 338
4 ـ الفلس : 341
5 ـ مرض الموت : 345
كتاب الضمان. 349
كتاب الحوالة 359
كتاب الكفالة 365
كتاب الصلح. 371
كتاب الإقرار 381
كتاب الوكالة 391
كتاب الهبة 405
كتاب الوصية 413
فصل في الموصى به 422
فصل في الموصى له 431
فصل في الوصي. 432
كتاب الوقف.. 445
فصل في شرائط الواقف.. 456
فصل فيما يتعلق بالمتولي والناظر 457
فصل. 461
في شرائط العين الموقوفة 461
فصل. 463
في شرائط الموقوف عليه 463
فصل. 465
في بيان المراد من بعض عبارات الواقف.. 465
فصل. 471
في بعض أحكام الوقف.. 471
إلحاق فيه بابان. 481
الباب الأول. 481
في الحبس وأخواته 481
الباب الثاني. 484
في الصدقة 484
فهرس. 487