الشفاعة حقيقة اسلامية
التجميع مفاهيم عقائدية
الکاتب مركز الرسالة
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404



الشفاعة حقيقة إسلاميّة






المؤلف: محمد هادي الأسدي


بسم الله الرحمن الرحيم




مقدِّمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام علىٰ أشرف الخلق أجمعين ، نبينا محمد المصطفىٰ وعلىٰ آله الطيّبين الطاهرين.

كانت مسائل العقيدة في حياة الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واضحة بسيطة خالية من التعقيد والاستدلالات الفلسفية والكلامية ، إذ لم يكن هناك مصدر لاختلاف المسلمين سوىٰ شبهات كان أهل الكتاب يثيرونها أحياناً بين المسلمين ، أو سوء فهم بعض الأصحاب لبعض الآيات ، أو قصر نظرهم عليها وغفلتهم عن البعض الآخر منها ، أو جهلهم بيانات الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

ولم يعد لهذه الاُمور أي تأثير علىٰ عقائد المسلمين في العهد النبوي بفضل وجود النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الذي كان يبيّن للمسلمين كلّ ما من شأنه أن يكون مدعاة لاختلافهم.

ولما كانت سُنة الله قد خلت من قبل أن لا يخلد أحد في هذه الدنيا ولو كان رسولاً نبياً ، ولكون رسالة الإسلام هي الرسالة الخاتمة الخالدة ، فمن غير المعقول جداً أن يدع الرسول دينه نهباً من غير أن يكون له واقٍ يقيه وحامٍ يحميه بعد رحيله لكي يدرأ عنه أية شبهة ويدفع عنه أي اشكال. ومن هنا كان التأكيد النبوي المستمر بحديث الثقلين وغيره علىٰ أهل بيته ليبيّن للناس جميعاً مقامهم وأنهم هم الذين سيخلفونه في ذلك كلّه «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً ».

وبعد أن بلّغ الرسول أُمته وصدع بالحق أمره لم تلبث الاُمور هكذا في حياته ، ولكن سرعان ما ظهرت بوادر الاختلاف حين وداعه ثم ازدادت بعد وفاته شيئاً فشيئاً حتىٰ انسحب ـ فيما بعد ـ إلىٰ أكثر مفردات العقيدة الإسلامية خصوصاً عند توسع رقعة الإسلام الجغرافية علىٰ أثر الفتوحات الإسلامية ، وتأثر


الفكر الإسلامي بفلسفتي الفرس والرومان ، ونتج عن ذلك ـ بتقادم الأيام ـ بروز حركة الترجمة وتطور علم الكلام الذي كانت بوادره موجودة في عصر صدر الإسلام ولكن بصورتها الغضة الطرية.

وعلىٰ أثر تلاقح الفكر الإسلامي بغيره كان من الطبيعي أن تؤثر مدارسه الكلامية تأثيراً مباشراً علىٰ عقائد المسلمين صياغةً واستدلالاً ، ومن هنا نشأ الخلاف الحاد ـ في بعض المفردات العقائدية بين المدارس الكلامية ـ ليكون بمثابة الإعلان الصريح عن الابتعاد عن مسار الإسلام الصحيح في ضرورة الرجوع في فهم الإسلام عقيدة وفكراً إلى أهل البيتعليهم‌السلام الثقل الثاني الذي أمرنا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالتمسك به بعد القرآن الكريم.

نعم هناك كثير من العقائد كانت محل اتفاق المسلمين الأوائل إلاّ أنه قد ظهر في بعض العصور من خالف وشذَّ اتباعاً للهوىٰ أو انحرافاً عن المنهج السليم في البحث والتحقيق.

ولعل من تلك العقائد التي هي احدىٰ الحقائق الإسلامية مسألة الشفاعة.

إنّ الشفاعة تفضّل من الله تعالىٰ ودعوة مستجابة لنبينا ادّخرهاصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأهل الكبائر من أُمته.

وهي ـ كما دلّت عليه الأدلّة ـ علىٰ أنواع ، منها الشفاعة التي يختصُّ بها نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهناك شفاعة يشاركه فيها الأنبياء والشهداء والعلماء.

وهنا لا بدَّ من التنبيه أيضاً إلىٰ أنّ هذه الشفاعة المدّخرة لا ينبغي أن تُفهم فهماً خاطئاً فيتصور البعض أنَّ بامكانه التهاون بالواجبات والتساهل في المحرمات طمعاً في الشفاعة.

وهذه الدراسة قد تكفّلت بايضاح الأدلّة علىٰ الشفاعة ، وبمناقشة ما أُثير حولها من شبهات باسلوب علمي مناسب ، وقدّمت معالجة دقيقة ، نرجو الله تعالىٰ أن ينفع بها.

والله المسدد للصواب

مركز الرسالة


مقدِّمة الكتاب :

 لا شكّ أن الشفاعة حقيقة نطقت بها نصوص القرآن الكريم ، وتواترت في السُنّة النبوية المطهّرة ، وأكدها علماء الإسلام في دراساتهم العقيدية. ومن هنا فلا يسعُ مسلماً إنكارها ، ومع ذلك فقد نجم في بعض العصور وخاصة في عصرنا الحالي من حاول إثارة الغبار حولها ، والتشكيك فيها.

ونظراً لأهمية الموضوع ، وبغية إزالة ما حصل من التباسات في فهم هذه المسألة ، تصدّت هذه الدراسة لتتناول مفهوم الشفاعة والامور المتعلقة بها.

وقد حاولنا جهد الإمكان أن يكون تناولنا للمسألة مستنداً إلىٰ آيات القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف مما اتفق عليه المسلمون ورواه علماؤهم.

كما حاولنا أن نقدم فهماً صحيحاً متوازناً بعيداً عن التمحّل والتطرف الذي قد نجده عند الرافضين لها أو عند القائلين بها.

لقد درسنا المسألة في جوانبها المختلفة ووزعنا البحث علىٰ أربعة فصول ، تناولنا فيالفصل الأول : مفهوم الشفاعة في اللغة والقرآن الكريم وعرضنا الآيات القرآنية المتعلقة بها والأحاديث النبوية .

ثم عرضنا فيالفصل الثاني : آراء العلماء من الفريقين السُنّة والشيعة ،
وناقشنا الإشكالات المثارة في المقام.

ثم انتقلنا إلىالفصل الثالث : فتحدثنا على ٰالشفاعة في الدنيا والشفاعة في الآخرة.

وأخيراً ناقشنا فيالفصل الرابع : مسألة الشفعاء والمشمولين بالشفاعة .

ولقد كان تناولنا لذلك كلّه باسلوبٍ واضحٍ ، ملتزمين اُصول البحث العلمي ، مراعين المنهج السليم في العرض والتحليل.

ومن الله نستمد العون والتسديد


الفصل الأول

مفهوم الشفاعة وحقيقتها في القرآن والسُنّة المطهّرة

أولاً : الشفاعة في اللغة والاصطلاح :

في اللغة شَفَعَ شفعاً ، الشيء صيّره شفعاً أي زوجاً بأن يضيف إليه مثله ، يقال كان وتراً فشفعهُ بآخر « أي قرنهُ به ».

وتقول « شُفِعَ لي الأشخاص » أي أرىٰ الشخص شخصين لضعف بصري ، وشَفَعَ شفاعةً لفلان ، أو فيه إلىٰ زيد : طلب من زيد أن يعاونه وشفعَ عليه بالعداوة : أعان عليه وضادّهُ.

وتشفّع لي وإليَّ بفلان أو في فلان : طلب شفاعتي.

وأما التعريف الاصطلاحي فلم يخرج عن الدلالة اللغوية كثيراً ، إذ الشفاعة هي : « السؤال في التجاوز عن الذنوب »(1) ، أو هي : « عبارة عن طلبه من المشفوع إليه أمراً للمشفوع له ، فشفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو غيره

__________________

(1) راجع : التعريفات للجرجاني : 56. والنهاية في غريب الحديث ، لابن الأثير 2 : 485. والكليات ، لأبي البقاء : 536 ، وفيه ( وأما المشفوع له فصاحب الكبيرة عندنا ).


عبارة عن دعائه الله تعالىٰ لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج ، فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء »(1) .

ثانياً : الشفاعة في القرآن الكريم

وردت مادة الشفاعة في القرآن الكريم بعدة معاني نفياً وإثباتاً ، فقد بلغ مجموع الآيات الشريفة التي تحدثت بصورة مباشرة عن هذا المفهوم خمس وعشرين آية توزعت علىٰ ثمانية عشر سورة قرآنية شريفة.

والشفاعة الواردة في القرآن الكريم تتعرض كلها إلىٰ الجانب الأول من المعنى الاصطلاحي وهو رفع العقاب عن المذنبين ، وليس علو الدرجة والمقام.

في موضوع الشفاعة يتحرك النص القرآني الشريف باتجاهين ،

الأول : الاتجاه الذي يُحدد الشفعاء.

والثاني : الاتجاه الذي يحدد الأفراد والمجموعات الذين تنالهم الشفاعة من جهة ، والذين لا تنالهم الشفاعة من جهة ثانية.

والقرآن إذ يُحدد ذلك فإنّه يحددهم موضوعياً من خلال طبيعة السلوك العام للأفراد في الحياة الدُنيا.

وهناك من يرىٰ أنّ في الآيات القرآنية اتجاهاً ثالثاً رئيسياً وهو اتجاه نفي مطلق الشفاعة. ونحن هنا نحاول معرفة الشفاعة بين النفي والاثبات.

__________________

(1) كشف الارتياب ، للسيد محسن الامين العاملي : 196.


لم يَرِد في القرآن الكريم ما ينفي الشفاعة بصورة مطلقة ، بل الملاحظ هو أنّ النفي جاء بصورة خاصة متعلقاً بفئة معينة من النّاس ممن حددهم الله سبحانه وتعالىٰ في القرآن الكريم بمواصفاتهم ، ومن هنا فإنّ الثابت هو أنّ قسماً معيناً من الناس ممن يدخلون ضمن دائرة التعريف ب‍ « الكفر » بكلِّ معنىً من معانيه هم المحرومون من الشفاعة.

والقرآن الكريم حين ينفي استحقاق مجموعة معينة من الناس للشفاعة فإنّه من جهة ثانية يؤكد وجودها لصنف آخر من الناس ممن يدخلون ضمن دائرة التعريف ب‍ « المؤمنين ».

ومثال ذلك قوله تعالى :( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا ) (1) .

والاستثناء من نيل الشفاعة كما ورد في الآية الشريفة واضحٌ فهو ينصرف إلىٰ الذينَ اتخذوا دينهم لعباً ولهواً وغرّتهم الحياة الدنيا.

أو قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .

ومع أنّ الخطاب القرآني هنا موّجه بشكلٍ خاص إلىٰ المؤمنين( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلاّ أنّ نفي الشفاعة في الآية الشريفة لم يكن نفياً مطلقاً بل هي بقرينة ذيلها ، وهو قوله تعالى :( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ )

__________________

(1) الانعام 6 : 70.

(2) البقرة 2 : 254.


تدلّ علىٰ حرمان الكافرين من الشفاعة ، غير أنّ الآية الكريمة جاءت لتقول للمؤمنين : إنَّ الامتناع من الانفاق في سبيل الله كفر ، فيكون « الممتنع عن الانفاق » محروماً من الشفاعة لكونه من مصاديق « الكافرين » هكذا قال العلاّمة الطباطبائي في تفسير الآية المباركة(1) .

والآية القرآنية الشريفة المتقدمة هي من أكثر الآيات القرآنية التي وقعت في موقع الاستدلال على نفي الشفاعة ، وهذا الاستدلال علىٰ نفي مطلق الشفاعة صحيح لو لم تُعقب الآية بجملة( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) حيثُ كان فيها إيضاح بأنّ الذين لا ينفقون مما رزقهم الله في سبيله هم الذين لا تنالهم الشفاعة ؛ لأنّهم يدخلون في عداد الكافرين بناءً علىٰ ما تقدم.

ومن هنا فليس في القرآن الكريم نفي مطلق للشفاعة ، وإنما يصحُّ أن يقال إنّ النفي الموجود في القرآن المجيد هو نفيٌ مقيد للشفاعة بقيد موضوعي فإذا ارتفع القيد ارتفع النفي.

وفي مقابل ذلك نجد أنَّ القرآن الكريم زاخر بالآيات التي تؤكد وجود الشفاعة ، مثل قوله تعالىٰ :( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (2) . ومع أنَّ الآية الكريمة تتحدث عن نموذج معين من النّاس من الذين كانوا يفترون علىٰ الله الكذب ، وهي تنفي أن تنالهم الشفاعة يوم

__________________

(1) الميزان في تفسير القرآن ، للسيد محمد حسين الطباطبائي 2 : 323.

(2) الاعراف 7 : 53.


القيامة لأنّهم كما يقول القرآن قد( خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ ) فإنّها توضح من جهة أُخرىٰ حقيقة وجود الشفاعة بحيثُ يطلبها هؤلاء فلا ينالونها أبداً.

أو قوله تعالىٰ :( لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ) (1) .

أو قوله عزّ شأنه :( يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) (2) .

وكقوله تعالى :( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (3) .

وهذهِ الآيات الشريفة وغيرها كثير تصرّح بوجود الشفاعة يوم القيامة ، غاية الأمر أنّ القرآن الكريم يصف الشفعاء بعدّة صفات ، فمنهم( مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَٰنِ عَهْدًا ) ومنهم( مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ ) ومنهم( مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) وأصحاب هذه الصفات الثلاثة وغيرها قد أعطاهم الله سبحانه وتعالى المنزلة العالية التي تجعلهم قادرين علىٰ أن يشفعوا فيمن يرتضي الرحمن شفاعتهم فيهم.

وخلاصة القول هي أنّ الشفاعة موجودة بصريح القرآن وغاية الأمر هي محدودة بحدود في طرف الشفعاء وفي طرف المشفع فيهم ، وأنّها لا تنال قسماً من النّاس.

ولتيسير الأمر علىٰ القارىء الكريم نحيله إلىٰ مطالعة الآيات القرآنية

__________________

(1) مريم 19 : 87.

(2) طه 20 : 109.

(3) الزخرف 43 : 86.


التي تحدثت عن هذا المفهوم والتي سنذكرها أثناء البحث أيضاً وهي كالآتي :

سورة البقرة : 48 ، 123 ، 254 ، 255. سورة النساء : 85. الأعراف : 53. الأنبياء : 28. الشعراء : 100. المدّثر : 48. الأنعام : 51 ، 70 ، 94. يونس : 3 ، 18. مريم : 87. طه : 109. سبأ : 23. الزمر : 43 ، 44. الزخرف : 86. يس : 23. النجم : 26. الفجر : 3. غافر : 18. الروم : 13.

آيات نفي الشفاعة ومفهومها :

تقدم القول بأن الشفاعة لم تنفَ مطلقاً ، فالقرآن الكريم يصرّح بوجودها في أكثر من مكان وإنّما الذين لا تنالهم هم الكافرون بأصنافهم المختلفة ، وقد جاءت الآيات القرآنية تبين مصاديقهم وكما يأتي :

جاء التعبير عن الكفار في القرآن الكريم بصور متعددة فهم :( الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ ) مرة ، واُخرىٰ هم ( المكذبون بيوم الدين ) ، وغير ذلك من الاوصاف والتعريفات بما في ذلك كفر النعمة.

1 ـ كفر النعمة :

وعلىٰ هذا الصعيد جاءت الآيات القرآنية الشريفة التالية :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (1) .

إذ المنفي هنا هو استحقاق الكافرين للشفاعة ، وقد تقدّم عن ( الميزان )

__________________

(1) البقرة 2 : 254.


بيان ذلك وهو : أنّ الاستنكاف عن الإنفاق مما رزق الله هو كفرٌ وظلمٌ ، فإذا ما أُعيد آخر الآية إلى صدرها يتّضح أنّ المقصود اعتبار الذين لا ينفقون مما رزقهم الله في سبيله من الكافرين ، ولا ريب أنّ الكافرين لاتنالهم الشفاعة يوم الدين.

فالمنفي بحكم السياق استحقاق قسم خاص من النّاس ، للسّبب المذكور ، إذن ، لا دلالة في الآية علىٰ نفي الشفاعة بنحو الاطلاق.

2 ـ إتباع الشيطان :

قوله تعالىٰ :( يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) (1) .

وقوله تعالىٰ :( فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ *وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ *قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ *تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ *إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المُجْرِمُونَ *فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ *وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) (2) .

ويتبين من خلال الآيتين الشريفتين المارتين أنَّ الذين نسوا الدين ، واتبعوا الشيطان وأهل الغواية محرومون من الشفاعة.

3 ـ المكذِّبون بيوم القيامة :

ولاحظ قوله تعالىٰ عن الذين كذّبوا بيوم الدين وأنكروا القيامة

__________________

(1) الأعراف 7 : 53.

(2) الشعراء 26 : 94 ـ 101.


والحساب :( وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ *فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) (1) .

4 ـ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً :

أما الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً فيخبر سبحانه وتعالىٰ عن حالهم يوم القيامة بقوله عزَّ شأنه( وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ) (2) .

5 ـ الظالمون :

فيقول عنهم سبحانه وتعالىٰ :( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) (3) .

6 ـ المشركون :

ينص صريح القرآن علىٰ حرمان المشركين من شفاعة الشافعين يوم القيامة حيثُ لا ينفعهم شركاؤهم الذين عبدوهم من دون الله.

يقول عزّ شأنه :( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ

__________________

(1) المدثر 74 : 46 ـ 48.

(2) الانعام 6 : 70.

(3) غافر 40 : 18.


سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (1) .

وقوله تعالى :( وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ) (2) .

وقوله تعالى :( وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) (3) .

وقوله تعالى شأنه :( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ) (4) .

وقوله سبحانه :( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ ) (5) .

ويظهر أنّ آيات نفي الشفاعة عن المشركين تؤدي وظيفتين ، الأولىٰ تؤكد أنّ الشركاء أصناماً أو غيرها لا تملك لمن يؤمن بها شيئاً تقدمه له يوم القيامة مع استحقاقه للعذاب بسبب الشرك ، وبهذا فإنّ تلك الآيات تنفي قدرة الشركاء على تقديم الشفاعة والوظيفة الثانية هي أنّ المشركين بالله محرومون من شفاعة الشافعين لأنّهم لا يستحقونها.

ومما تقدم يتضح أنّ الآيات الشريفة المارة كلّها ركّزت على مفاهيم

__________________

(1) يونس 10 : 18.

(2) الروم 30 : 13.

(3) الانعام 6 : 94.

(4) الزمر 39 : 43.

(5) يس 36 : 23.


واضحة للشفاعة وحددت أُولئك الذين لاتنالهم الشفاعة يوم القيامة ، فالمفاهيم الخاصة التي تدور حولها الآيات الشريفة المارة هي مفاهيم الكفر والشرك بشتىٰ أنواعهما وأصنافهما ، وأنّ الكافر والمشرك لن يجد يوم القيامة من يشفع له ممن أذن الله لهم بالشفاعة.

ومن هنا يتضح أنّ نفي الشفاعة في القرآن الكريم ليس نفياً مطلقاً ، بل هو نفي خاص لمجاميع خاصة حدد الله صفاتهم وأعمالهم في الحياة الدنيا.

ثالثاً : الشفاعة في السُنّة المطهّرة

إنّ مسألة الشفاعة قد تختلف عن الكثير من المسائل العقائدية الاُخرىٰ ، التي كثر الجدل والكلام حولها ، في أنّها جاءت بعبارات واضحة وصريحة في القرآن الكريم كما وردت بنفس الوضوح في أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمة أهل البيت:  ، واليك هذه الأحاديث :

1 ـ عن جابر بن عبدالله قال ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أُعطيتُ خمساً لم يعطهنَّ أحدٌ قبلي وأُعطيت الشفاعة ولم يعطَ نبي قبلي »(1) .

2 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «... فمن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة »(2) .

3 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «... إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي »(3) .

4 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «... اشفعوا تُشفَّعوا ويقضي الله عزَّ وجل علىٰ لسان

__________________

(1) سنن النسائي 1 : 211. صحيح البخاري 1 : 86 ـ 113.

(2) سنن النسائي 2 : 26.

(3) من لا يحضره الفقيه 3 : 376.


نبيه ما شاء »(1) .

5 ـ عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا أوّل شفيع في الجنة ... »(2) .

6 ـ عن كعب الأحبار ونفس الحديث عن أبي هريرة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «لكلِّ نبي دعوة يدعوها فاُريد أن أختبىء دعوتي شفاعة لاُمتي يوم القيامة »(3) .

7 ـ عن أبي نضرة قال خطبنا ابن عباس علىٰ منبر البصرة فقال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّه لم يكن نبي إلاّ له دعوة قد تَنَجَّزها في الدنيا وإني قد اختبأت دعوتي شفاعة لاُمتي وأنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر فيقال ارفع رأسك وقل تُسمع وسل تُعط واشفع تُشفّع ، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :فارفع رأسي فأقول أي ربي أُمتي أُمتي فيقال لي أخرِج من النار من كان في قلبه كذا وكذا فأخرجهم »(4) .

8 ـ عن ابن عباس ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «أُعطيت خمساً لم يعطهنَّ نبي قبلي ولا أقولهن فخراً بُعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود ، ونُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر ، وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ، وأُعطيت الشفاعة فاخرتها لاُمتي فهي لمن لا يشرك بالله شيئاً »(5) .

__________________

(1) سنن النسائي 5 : 78.

(2) صحيح مسلم 1 : 130.

(3) صحيح مسلم 1 : 130 ـ 132. صحيح البخاري 7 : 145 و 8 : 193. مسند أحمد 2 : 313 ، 396.

(4) الحديث بأكمله في مسند أحمد 1 : 295 ـ 296.

(5) مسند أحمد 1 : 301.


9 ـ عن عبدالله بن عمرو بن العاص يقول : إنّه سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قول : «إذا سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليَّ فإنّه من صلّىٰ عليَّ صلّىٰ الله عليه بها عشراً ثم سلوا لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأله لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة »(1) .

10 ـ عن أبي هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قوله تعالىٰ :( عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ) قال : «الشفاعة »(2) .

11 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رأيتُ ما تلقىٰ أُمتي بعدي فسألت ان يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل »(3) .

12 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليخرجنَّ قوم من أُمتي من النار بشفاعتي يسمّون الجهنميين »(4) .

13 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئاً »(5) .

14 ـ وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام قوله : «لنا شفاعة ولأهل مودتنا شفاعة »(6) .

15 ـ قال الإمام زين العابدينعليه‌السلام : «اللهمّ صلِّ علىٰ محمد وآل محمد

__________________

(1) مسند أحمد 2 : 168.

(2) مسند أحمد 2 : 444.

(3) مسند أحمد 6 : 428.

(4) سنن الترمذي 4 : 114. وسنن ابن ماجه 2 : 1443.

(5) مسند أحمد 2 : 426.

(6) أمالي الصدوق : 291.


وشرّف بنيانه وعظّم بُرهانه ،وثقّل ميزانه وتقبل شفاعته »(1) .

16 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يا بني عبدالمطلب إنَّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم ، ولكني وعدت الشفاعة »(2) .

17 ـ قال الإمام زين العابدينعليه‌السلام : «... وتعطف عليَّ بجودك وكرمك ، وأصلح مني ما كان فاسداً ، وتقّبل مني ما كان صالحاً ، وشفّع فيَّ محمداً وآل محمد ، واستجب دعائي وارحم تضرعي وشكواي ... »(3) .

18 ـ عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : «المؤمن مؤمنان : مؤمن وفىٰ لله بشروطه التي شرطها عليه ، فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا وذلك من يشفع ولا يشفع له وذلك ممن لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة ، ومؤمن زلت به قدم فذلك كخامة الزرع كيفما كفئته الريح انكفأ وذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا والآخرة ويشفع له وهو علىٰ خير »(4) .

19 ـ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم وشفّع محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفوراً لكم » ، قال : وزاد غير الثمالي انه قال : «إلاّ أهل التبعات فإن الله عدل يأخذ للضعيف من القوي » فلما كانت ليلة جمع لم يزل يناجي ربه ويسأله لأهل التبعات فلما وقف بجمع قال لبلال : «قل للناس فلينصتوا » فلما نصتوا قال : «إنّ ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم وشفّع محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفوراً لكم »

__________________

(1) الصحيفة السجادية ، دعاء رقم 43.

(2) الكافي ، للكليني 4 : 58.

(3) الصحيفة السجادية 2 : 282 ، الطبعة المحققة.

(4) الكافي ، للكليني 2 : 248.


وضمن لأهل التبعات من عنده الرضا(1) .

20 ـ عن الإمام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام في ذكر فضل القرآن : «إنّه ما توجّه العباد إلى الله تعالى بمثله ، واعلموا انه شافع مشفّع وقائلٌ مصدّق ، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفّع فيه »(2) .

وهذه الاحاديث وغيرها كثير تدلل بما لا يدع مجالاً للشك ، أنّ مسألة القول بالشفاعة لدىٰ المسلمين قد نشأت معهم وكوّنت جزءاً من ثقافتهم وعقيدتهم الإسلامية ، وقد أقرّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة من أهل بيتهعليهم‌السلام ذلك الإيمان.

فهناك دلائل تاريخية توضّح اهتمام المسلمين في عصر الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بطلب شفاعته لهم يوم القيامة ، فقد روي عن أنس بن مالك عن أبيه قوله : سألت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يشفع لي يوم القيامة ، فقال : «أنا فاعل » قال ، قلتُ : يا رسول الله فأين أطلبك ؟ ، فقال : «إطلبني أول ما تطلبني علىٰ الصراط »(3) .

جاء في متن الواسطية : ( وأوّل من يستفتح باب الجنة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأوّل من يدخل الجنة من الأُمم أُمّته ، ولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في القيامة ثلاث شفاعات : أمّا الشفاعة الأولىٰ ، فيشفع في أهل الموقف حتىٰ يُقضىٰ بينهم بعد أنْ يتراجع الأنبياء آدم ، ونوح ، وابراهيم ، وموسىٰ ، وعيسىٰ بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل

__________________

(1) الكافي ، للكليني 4 : 258.

(2) نهج البلاغة : خطبة 176.

(3) سنن الترمذي 4 : 621 كتاب صفة القيامة الباب 9.


الجنة أنْ يدخلوا الجنة ، وهاتان الشفاعتان خاصتان له ، وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار ، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم ، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها )(1) .

وجاء في السيرة النبوية للحلبي أنّ أبا بكر أقبل إلىٰ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته فكشف عن وجهه وأكبَّ عليه وقال « بأبي أنت وأُمي طبت حيّاً وميّتاً ، إذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن في بالك »(2) .

__________________

(1) متن العقيدة الواسطية ، لابن تيمية : 58 ـ 59 ، نشر مكتبة السوادي ، السعودية.

(2) السيرة النبوية ، للحلبي 3 : 474.



الفصل الثاني

الشفاعة عند علماء المسلمين

يكاد يجمع علماء المسلمين علىٰ وجود الشفاعة وأنها تنال المؤمنين لكن بعضهم ناقش في سعة المفهوم وضيقه ، فيما يجمع أغلب أئمة الفرق والمذاهب الإسلامية علىٰ أنّ الشفاعة تنفع في دفع الضرر والعذاب.

أولاً : آراء وأقوال العلماء حول مفهوم الشفاعة :

1 ـ قال الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري ( ت 413 ه‍ ) :

« إتفقت الإمامية على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمته ، وأنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته ، وأنّ أئمة آل محمدعليهم‌السلام كذلك ، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين ».

وقال في مكان آخر : « ويشفع المؤمن البرّ لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ويشفّعه الله. وعلى هذا القول إجماع الإمامية إلاّ من شذّ


منهم »(1) .

2 ـ وقال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي ( ت 460 ه‍ ) في تفسيره ( التبيان ) : « حقيقة الشفاعة عندنا أنْ تكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع ، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيشفّعه الله تعالىٰ ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما رُوي من قوله عليه السلام : «إدّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمتي ».

والشفاعة ثبتت عندنا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وكثير من أصحابه ولجميع الأئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين »(2) .

3 ـ وقال العلاّمة المحقق الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت 548 ه‍ ) :

« وهي ثابتة عندنا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولأصحابه المنتجبين والأئمة من أهل بيته الطاهرين: ولصالحي المؤمنين وينجّي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين »(3) .

4 ـ ويقول العلاّمة الشيخ محمد باقر المجلسي ( ت 1110 ه‍ ) :

« أما الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين وذلك بأنّ الرسول يشفع لاُمته يوم القيامة ، بل للاُمم الاُخرىٰ ، غير أنّ الخلاف هو في معنىٰ الشفاعة وآثارها ، هل هي بمعنىٰ الزيادة في المثوبات أو إسقاط العقوبة عن المذنبين ؟

__________________

(1) أوائل المقالات في المذاهب والمختارات ، للشيخ المفيد : 29 تحقيق مهدي محقق.

(2) التبيان ، للشيخ الطوسي : 213 ـ 214.

(3) مجمع البيان في تفسير القرآن ، للشيخ الطبرسي : 103.


والشيعة ذهبت إلىٰ أنّ الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر ، ويعتقدون بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمةعليهم‌السلام من بعده ، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله تعالىٰ لهم بذلك »(1) .

ما تقدم كان نماذج من أقوال علماء الشيعة الإمامية حول الشفاعة معنىً وحدوداً ، أما علماء المذاهب الإسلامية الاُخرىٰ فقد أقرّوا بالشفاعة والإيمان بها ، وننقل فيما يلي نماذج من آراءهم وأقوالهم.

1 ـ الماتريدي السمرقندي ( ت 333 ه‍ ) :

عند تفسيره لقوله تعالىٰ :( وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) (2) ، وقوله تعالىٰ :( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) (3) .

« إنّ الآية الاُولىٰ وإن كانت تنفي الشفاعة ، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الإسلام وهي التي تشير إليها هذه الآية »(4) ويقصد بها الآية 28 من سورة الأنبياء.

2 ـ أبو حفص النسفي ( ت 538 ه‍ ) :

يقول في عقائده المعروفة ب‍ ( العقائد النسفية ) : « الشفاعة ثابتة للرُسُلِ

__________________

(1) بحار الانوار ، للشيخ المجلسي 8 : 29 ـ 63.

(2) البقرة 2 : 48.

(3) الانبياء 21 : 28.

(4) تأويلات أهل السُنّة ، لابي منصور الماتريدي السمرقندي : 148.


والأخيار في حق الكبائر بالمستفيض من الأخبار »(1) .

3 ـ ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي :

يقول في الانتصاف « وأما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها ، وأما من آمن بها وصدّقها وهم أهل السُنّة والجماعة فاُولئك يرجون رحمة الله ، ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وإنّما ادُخرّت لهم »(2) .

4 ـ القاضي عياض بن موسىٰ ( ت 544 ه‍ ) :

« مذهب أهل السُنة هو جواز الشفاعة عقلاً ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق ، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين ، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السُنة عليها »(3) .

وقد ذهب الكثير من علماء المسلمين إلىٰ حقيّة وجود الشفاعة مما لا يسع في هذا البحث الموجز حصره من أقوالهم وآرائهم لضيق المجال.

ويتضح مما تقدم ، أنّ الشفاعة ـ واعتماداً علىٰ نصوص القرآن الكريم الصريحة والأحاديث الشريفة المتواترة المنقولة عن النبي الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأئمة أهل البيتعليهم‌السلام ـ هي من القضايا المقبولة عند أغلب الفرق والمذاهب الإسلامية ، مع وجود من يناقش في معنىٰ الشفاعة ،

__________________

(1) العقائد النسفية ، لابي حفص النسفي : 148.

(2) الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال ، للامام ناصر الدين الاسكندري المالكي المطبوع بهامش الكشاف 1 : 214.

(3) نقلاً عن : شرح صحيح مسلم ، للنووي 3 : 35.


فقد رفض المعتزلة الشفاعة وناقشوا فيها حيثُ يقول أحد أعلامهم وهو أبو الحسن الخياط وهو يفسر قوله تعالىٰ :( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ ) (1) : « إنّ الآية تنص علىٰ أنّ من استحق العذاب لا يمكن للرسول أن ينقذه من جهنم » وفي ردّ ذلك يقول الشيخ المفيدرضي‌الله‌عنه : « إنّ القائلين بالشفاعة لا يدّعون بأنّ الرسول هو المنقذ للمستحقين النار وإنّما الذي يدّعونه إنّ الله سبحانه ينقذهم منها إكراماً لنبيّه والطيبين من أهل بيتهعليهم‌السلام .

هذا من جهة ، ومن جهة أخرىٰ ، فإنّ المفسرين يذهبون إلىٰ أنّ الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم الكفار ، وإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يشفع لهم »(2) ومن هنا يكون هذا الإحتجاج بالآية الشريفة الآنفة علىٰ نفي الشفاعة احتجاجاً غير صحيح.

ثانياً : إشكالات وردود :

مع وضوح الشفاعة كمفهوم ثابت في القرآن الكريم ، فإنّ تطوّر المسائل الكلامية عند المسلمين أدّت إلىٰ أن يثور الجدل حول هذا المفهوم من جوانب متعددة ، ومن ثم إيراد الإشكالات عليه ، وهي إشكالات تنبع عادة من خلال الثوابت التي يؤمن بها كل فريق من الفرق الإسلامية التي ناقشت هذا المفهوم.

ونورد أهم الإشكالات التي أُثيرت هنا ثم نناقشها ونبيّن بطلانها

__________________

(1) الزمر 39 : 19.

(2) الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة ، لهاشم معروف الحسني : 212 ـ 213 نقلاً عن الفصول المختارة : 50.


وفسادها وكما يأتي :

الإشكال الأول :

إنّ ( نفس الذنب ) الذي قد يرتكبه المؤمن يرتكبه الكافر ، وإنّ الله سبحانه وتعالى قد وضع سُنّة العقاب والثواب جزاءً لأفعال عباده ، وإنّ رفع العقاب عن المؤمنين المذنبين بواسطة الشفاعة ، وإنزالهِ علىٰ غيرهم من الكافرين ، مُخلّ بعدالته ( سبحانه وتعالىٰ عن ذلك عُلوّاً كبيراً ) وهذا الإشكال يمكن أن نسميه ب‍ « مشكلة الاثنينية في الجزاء مع وحدة الذنب ».

والجواب عليه :

لابدّ من بيان : هل الذنب من المؤمن والكافر واحد ؟ وهل أنّ قبول الله لشفاعة الشافعين بالمؤمن المذنب وحرمان الكافر منها اثنينية في الجزاء أم لا ؟

لا ريب أنّ الذنب من أي شخص ولأي شخص كان يقتضي استحقاق الذم والعقاب ، كما أن الإطاعة من أي شخص كان ولأيّ شخص كانت تقتضي الثواب والمدح ، وإلاّ لم يبق فرق بين المطيع والعاصي.

إلاّ أنّ الله سبحانه فرّق ـ وكلامنا فعلاً في المعصية ـ بين ما إذا كانت من مؤمن به ، وما إذا كانت من كافر ، فجعل الشفاعة للمؤمنين العصاة كما فتح لهم باب التوبة ، وأمّا الكافرون فإنّ نيلهم الشفاعة أو قبول التوبة من الذنوب معلّق علىٰ أصل الإيمان بالله عزَّ وجل تماماً كالحسنات ، فإنّهم ما لم يؤمنوا لا يثابون عليها أبداً.


فصحيحٌ أنّ « الكذب » مثلاً الصادر من المؤمن والصادر من الكافر واحد ، إلاّ أنهما يختلفان حكماً ، وقد دلّت على هذا الاختلاف الأدلة الواردة من قِبَل نفس المولىٰ الذي اعتبر الكذب معصيةً له ، وهي الأدلة التي فرّقت بين المؤمن والكافر.

فهذا الإشكال إنّما نشأ ـ في الحقيقة ـ من توهّم وحدة الذنب ، وقد بيّنا أنّه يختلف ويتعدد باختلاف صاحب الذنب ، وبهذا اللحاظ يختلف الحكم بجعل من المولىٰ نفسه.

إنّ القرآن الكريم ، في آياته الشريفة ، قد صنّف موقف الناس يوم القيامة إلى عدة أصناف ، فهناك مؤمنون ، وهناك كافرون.

والكافرون هم أولئك الذين لم يؤمنوا بالله في الحياة الدنيا أو أشركوا بعبادته أحداً ، ومثل هؤلاء لا تنالهم الشفاعة بصريح القرآن :( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ ) (1) .

أو قوله تعالىٰ :( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (2) . وواضح أنّ الخلود في النار يتنافىٰ مع مفهوم الشفاعة ..

كما نجد آيات أُخرىٰ تؤكد علىٰ ذلك.

إنّ ما قرّره الله سبحانه وتعالىٰ من جزاء للمؤمنين والكافرين هي من __________________

(1) الزمر 39 : 43.

(2) البقرة 2 : 257.


مختصاته سبحانه وتعالىٰ ، وإنّ الوعد بالثواب للمؤمنين والوعيد بالعقاب للكافرين والمشركين هو أمر ثابت لا يتخلف عنه الحكم الإلهي ، حيثُ لم ترد في كلِّ القرآن الكريم آية واحدة تدلّ علىٰ أنّ للكافرين فرصة لنيل الشفاعة يوم القيامة بل هم خالدون في النار.

ومن هنا فإنَّ حرمان الكافرين من الشفاعة يوم القيامة ليس تخلفاً عن الحكم الالهي ، بل هو وفاء للوعيد الذي سبق أنْ أخبر به الله سبحانه وتعالىٰ الكافرين علىٰ لسان أنبيائه ورُسله.

أما المؤمن فإنّه قد فتح له باب التوبة ، فقد يرتكب ذنباً « فيتوب منه » ، وتوبته تصحُّ بالندم علىٰ ارتكاب الفعل وبالتالي تركه وعدم العودة إليه ؛ لأنّ الندم علىٰ ارتكاب الذنب يستدعي ترك العودة إليه ، وإلاّ فإنّ العودة إلى الذنب تعني الإصرار عليه ، فإذا مات مذنباً أمكن أن يغفر له بالشفاعة التي وعدها الله للمؤمنين ، وعلى هذا الأساس يكون قبول الشفاعة في المؤمنين المذنبين وعدم قبولها في الكافرين ، وفاء للوعد الإلهي الذي جاء على لسان الأنبياء والمرسلين.

وهنا نقدم نماذج من القرآن الكريم لكلٍّ من الوعدين :

قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ) (1) .

وقوله تعالى :( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ __________________

(1) البقرة 2 : 161 ـ 162.


حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1) .

وهاتان الآيتان توضحان بجلاء حقيقة الوعد الإلهي لمن مات وهو كافر ، وهو الخلود في النار ، ومعلوم أنّ الخلود في النار يتناقض تماماً مع مفهوم الشفاعة.

وقوله تعالىٰ :( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ ) (2) .

وقوله تعالىٰ :( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (3) .

وهناك آيات كثيرة أُخرىٰ تحدثت عن التوبة.

وبعد هذه الشواهد نقول ردّاً علىٰ الإشكال المتقدم ، إنّ الاثنينية في الجزاء إنّما جاءت بتبع الإثنينية في الذنب ، ويتلخص الجواب في عدم الوحدة في الذنب ، فإنّ المولىٰ قرّر وأخبر منذ البدء عن الفرق في تعامله بين المؤمن والكافر بالنسبة إلى الذنوب الصادرة منهما ، وعلىٰ أساس ذلك كان الكافر محروماً من الشفاعة في الآخرة بخلاف المؤمن فقد تناله ، كما تقبل التوبة من ذنوبه إذا تاب. فكان جزاء كلٍّ منهما في الآخرة مطابقاً لما قرّره وأخبر به الناس علىٰ لسان الأنبياء وأوصيائهمعليهم‌السلام .

__________________

(1) البقرة 2 : 217.

(2) النساء 4 : 17.

(3) المائدة 5 : 39.


وقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ شفاعته لا تنال من أشرك بالله عزَّ وجل وإنها تنال غير المشركين ، فقد روىٰ أبو ذر أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صلّى ليلة فقرأ آية حتى أصبح ، يركع بها ويسجد بها :( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) (1) ، فلما أصبح قلت : يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتىٰ أصبحت تركع بها وتسجد بها ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «... إني سألت ربي عزَّ وجل الشفاعة لاُمتي فأعطانيها فهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله عزَّ وجل شيئاً »(2) .

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «شفاعتي لمن شهد أنْ لا إله إلاّ الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه ... »(3) .

الإشكال الثاني :

إنّ رفع العقاب عن المذنبين يوم القيامة بعد أن أثبته الله بالوعيد به « أي العقاب » يوم القيامة إما أن يكون عدلاً أو يكون ظلماً.

فإن كان رفع العقاب عدلاً كان الحكم بالعقاب ظُلماً « تعالىٰ الله عنه علواً كبيراً ».

وإن كان رفع العقاب ظلماً ، فإنّ طلب الأنبياء والمرسلين والصالحين للشفاعة ، هو طلبٌ للظلم وهذا جهلٌ لا تجوز نسبته إليهمعليهم‌السلام وهم المرسلون الذين عصمهم الله من الخطأ والزلل.

__________________

(1) المائدة 5 : 118.

(2) مسند أحمد 5 : 149.

(3) مسند أحمد 2 : 307 و 518.


والجواب عليه :

وهو إشكالية التعارض بين أن يكون رفع العقاب ( عدلاً ) فالعقوبة الناتجة عن الذنب ( ظلمٌ ) لا يجوز علىٰ الله سبحانه وتعالىٰ ، وبين أن يكون رفعه ( العقاب ) ظلماً ـ بعد أن تقدّم الوعيد به في الحياة الدنيا ـ فإنّ طلب الأنبياء أو الشفعاء بشكل عام ، يُعدُّ طلباً للظُلم ، وهم أبعد وأسمىٰ من ذلك.

قد ذكرنا أنّ الذنب من المؤمن ليس علةً تامةً لوقوع العقاب عليه ، وإنّما هو مقتضٍ للعقاب ، فإن حصل هناك ما يمنع من وقوعه من الموانع التي قرّرها المولىٰ نفسه كالتوبة والشفاعة ارتفع العقاب ، وإلاّ أثّر الذنب أثره.

وقد ورد عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «إذا قمتُ المقام المحمود تشفّعتُ في أصحاب الكبائر من أُمتي فيشفّعني الله فيهم ، والله لا تشفعّت فيمن آذى ٰذريتي »(1) .

وعلى هذا ، فإنّ عقاب الله سبحانه للعبد المؤمن المذنب عين العدل ، كما أنّ إعطاء الثواب للعبد المؤمن المطيع عين العدل ، فلولا استحقاق العاصي للعقاب لم يبق فرق بينه وبين المطيع ، إلاّ أنّ هذا الاستحقاق قد لا يصل إلىٰ مرحلة الفعلية لتحقق مانع عنها كالشفاعة والتوبة.

وبهذا اتضح عدم التنافي بين قانون العدل الإلهي ، وقانون الشفاعة.

وحاصل ذلك : إنّ « الشفاعة » ما هي إلاّ « فضل ورحمة من الله » جعلها

__________________

(1) أمالي الصدوق : 177.


عزَّ وجل للمؤمنين ، وبها وقع الفصل بين المؤمن والكافر ، غير أنها « رحمة » منه ، وأي تعارض بين « الرحمة » و « العدل » ؟

إنّ الوعد الإلهي بقبول الشفاعة بحق بعض عباده يختص باُولئك الذين حددهم بصورة عامة داخل دائرة ومساحة الإيمان به وكتبه ورسله.

ومن هنا فإنّ رفع العقوبة عن المؤمن المرتكب للذنب هو نوع من التفضّل الإلهي علىٰ عبادهِ المؤمنين.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «خُيرّت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمتي الجنّة فأخترت الشفاعة لأنّها أعم وأكفىٰ أترونها للمتقين ؟ لا ، ولكنّها للمذنبين الخطائين المتلوّثين »(1) .

وقال الإمام الحسنعليه‌السلام : «إنّ النبي قال في جواب نفر من اليهود سألوه عن مسائل : وأما شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم »(2) .

أما إنزال العقاب علىٰ المشركين والكافرين فقد تقدّم بها الوعيد الإلهي ، ومن هنا فإن الأنبياء والأوصياء والذين ارتضى سبحانه وتعالىٰ شفاعتهم ، لا يشفعون أصلاً في الكافرين أو المشركين أو الذين وعد الله سبحانه وتعالىٰ بخلودهم في جهنم ، ويتضّح من هذا الرد أننا أمام صنفين من الناس ، صنف آمن وأذنب وصنف كفر وأشرك ، ومن هنا فإنّ افتراض أن يطّرد الجزاء وينطبق من ناحية « الهوية » علىٰ الصنفين معاً هو افتراض غير صحيح.

__________________

(1) سنن ابن ماجة 2 : 1441 / 4311. ومسند أحمد 6 : 23 و 24 و 28.

(2) الخصال ، للصدوق : 355.


نعم الإشكال يرد فيما لو تمّ رفع العقاب عن فرد من الصنف الأول ولم يُرفع عن فرد آخر من نفس الصنف مع أنهما متساويان في الصفات تماماً.

هذا من جهة ، ومن جهة أُخرىٰ فإنّ « وقوع الشفاعة وارتفاع العقاب وذلك إثر عدّة من الأسباب ، كالرحمة والمغفرة والحكم والقضاء وإعطاء كلّ ذي حق حقه ، والفصل في القضاء ، لا يوجب اختلافاً في السُنّة الجارية وضلالاً عن الصراط المستقيم »(1) .

الإشكال الثالث :

إنّ الشفاعة المعروفة لدىٰ الناس هي : أن يدعو المشفوع عنده إلىٰ فعل شيء أو ترك الفعل الذي حكم به علىٰ المشفوع له ، وهذا أمرٌ لا يمكن حصوله ، إلاّ إذا حدث للمشفوع عنده عِلمٌ جديد يوجب عنده قبول الشفاعة في المشفوع له ، أو أنّه ينصرف عن إجراء الحكم الذي قرره رعاية للشفيع ومنزلته عنده ولو كان علىٰ حساب الحق والعدل والإنصاف ، وهذه افتراضات لا يجوز نسبتها إلىٰ الله ( تعالىٰ عن ذلك علوّاً كبيراً ).

والجواب عليه :

فهو افتراض باطل من أساسه ، لأنّ الفعل الذي قررّه سبحانه وتعالىٰ ـ وهو العقاب ـ لم يكن أثراً غير قابل للانفكاك عن « الذنب » ، لما تقدّم من أنّ الذنب ليس إلاّ مقتضياً للعقاب ، فالشفاعة ـ بعد أنْ كان الذنب مجرد مقتضٍ للعقاب ـ تقدّم الوعد بها ، وأثبتها القرآن الكريم بصورها وحدودها

__________________

(1) الميزان في تفسير القرآن ، للطباطبائي 1 : 164.


ومواصفات أشخاصها ، لا تمثل عند قبولها انصرافاً عن الفعل الذي قرره سبحانه وتعالىٰ ، بل هي وفاءٌ لما قرره بحق عباده ، وهي بعد هذا لا توجب معنىٰ حصول علم جديد بعد أن تقدم العلم بها حتىٰ ذكرها سبحانه وتعالىٰ وأوضح الطريق والباب الذي يمكن للمؤمنين المذنبين أن يلجوه وصولاً إلىٰ رضوانه تعالىٰ.

هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فإنّ الله سبحانه وتعالىٰ قد سبق في علمه ، مصائر عباده وحالهم في الدنيا والآخرة ، وبعد هذا العلم الشامل ، فليس في قبول الشفاعة علم جديد يحصل عنده ، ( تعالىٰ عن ذلك علوّاً كبيراً ).

ويتضح ذلك من قوله تعالىٰ :( يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (1) .

ويقول العلاّمة الطباطبائيقدس‌سره : « نعم تغيّر العلم والإرادة المُستحيل عليه تعالىٰ هو بطلان انطباق العلم علىٰ المعلوم والإرادة علىٰ المراد مع بقاء المعلوم والمراد علىٰ حالهما ، وهو الخطأ والفسخ ، مثل أن ترىٰ شبحاً فتحكم بكونه إنساناً ثم يتبيّن أنّه فرس فيتبدل العلم ، أو تريد أمراً لمصلحة ما ثم يظهر لك أنّ المصلحة في خلافهِ فتنفسخ إرادتك ، وهذان غير جائزين في مورده تعالىٰ ، والشفاعة ورفع العقاب بها ليس من هذا القبيل كما عرفت »(2) .

__________________

(1) الرعد 13 : 39.

(2) الميزان 1 : 165.


الإشكال الرابع :

إنّ معرفة الناس بثبوت الشفاعة لمن أذنب بواسطة الأنبياء والصالحين يخلق عندهم الجرأة علىٰ ارتكاب الذنب علىٰ أمل نيل الشفاعة منهم يوم القيامة.

وهذا الأمر سيؤدي إلىٰ عبثية الأحكام المتعلقة بالجزاء حيثُ سيضطرب النظام الإجتماعي ويشيع الفساد في الناس وتنتهك أحكام الله التي وضعها لعبادهِ.

والجواب عليه :

إنَّ مشكلة هذا الإشكال وضعفه : هو أنّه تجاهل ظاهرة مهمة في الآيات القرآنية التي تناولت بصورة مباشرة موضوع الشفاعة وقبولها ، وكذلك الآيات التي تحدثت عن خلود الكافرين في النار وهذه الظاهرة هي : إنّ آيات الشفاعة لم تُعيّن علىٰ سبيل التحديد أفراد النّاس ومجاميعهم ممن تنالهم الشفاعة ، كما أنّها لم تُعيّن الذنوب التي تُقبل الشفاعة فيها ...

فإذا كان الأمر كذلك ، فكيف تطمئن نفسٌ أن تنالها الشفاعة ، وكيف تطمئن أيضاً إلىٰ أن ذنبها الذي ترتكبه هو من الذنوب التي تقبل بها الشفاعة.

ومن هنا فإنّ النفس والحال هذه ستبقىٰ متعلقة ، وجلةً تتملكها الخشية من ارتكاب الذنب والمعصية خوفاً أن لا تكون ممن تنالها الشفاعة ، أو أن يكون ذنبها مما لا تقبل فيه الشفاعة.

أما الآيات الشريفة التي تحدثت عن الكافرين وخلودهم في النار


وأنواع العذاب ، وعدم غفران ذنوبهم ، فإنها شخّصت الاطار العام للصفات والافعال التي إذا تميّز بها الإنسان فإنّه يدخل النار ، ومن ذلك علىٰ سبيل المثال قوله تعالىٰ :( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (1) .

والآية كما ترىٰ تتحدث عن المغفرة يوم القيامة ، وأنّها لا تنال الذين ماتوا وهم مشركون.

وعلىٰ هذا فكيف تكون الشفاعة موجبة لجرأة الناس علىٰ الذنوب والمعاصي ؟ مع أنّ ارتكاب الذنب من قبل المؤمن لابدّ أن تعقبه التوبة طلباً للغفران لأنّ هذه صفة المؤمن بالله تعالىٰ واليوم الآخر ، فإنه دائماً يراقب نفسه لئلا يقع في معصية ، فإنْ استولىٰ عليه الشيطان وأغواه وارتكب المعصية تذكّر وتاب إلىٰ الله توبةً نصوحاً فضلاً عن أن يصرّ علىٰ الذنب الواقع منه.

فالإيمان ليس لوناً نضفيه على الإنسان ، بل هو يتجسد في المحتوىٰ الداخلي للإنسان وعلاقته بربه وسلوكه الإجتماعي المنضبط بأوامر الله سبحانه وتعالىٰ ونواهيه.

ولعل ما يشير إلىٰ ذلك الآية الشريفة :( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (2) .

__________________

(1) النساء 4 : 48.

(2) آل عمران 3 : 135.


فالآية القرآنية هنا تتحدث عن صنفٍ من الناس حددت طبيعة سلوكهم ولم تعيّن أشخاصهم كما أنّها لم تحدد نوع الفاحشة أو الظُلم ولكنها تشير إلىٰ أنّهم بعد ارتكابهم الظلم والفاحشة يذكرون الله ويستغفرون لذنوبهم وأنّهم لا يُصرّون عليها هؤلاء الناس يغفر الله ذنوبهم ، ولولا الاستغفار لما نالوا هذا الوعد الإلهي بغفران ذنوبهم.

وإلىٰ ذلك يشير الحديث الشريف ، فعن علي بن ابراهيم ، عن محمد ابن عيسىٰ ، عن يونس ، عن عبدالله بن سنان ، قال : سألت أبا عبداللهعليه‌السلام عن الرجل يرتكبُ الكبيرة من الكبائر فيموت هل يُخرجه ذلك من الإسلام ؟ وإن عُذّب كان عذابه كعذاب المشركين ، أم له مُدّة وانقطاع ؟ فقالعليه‌السلام : «من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنّها حلال أخرجه ذلك من الإسلام وعذّب أشدّ العذاب ، وإن كان مُعترفاً أنّه أذنب ومات عليه ـ أي مصرّاً على ٰالذنب ـ أخرجه من الإيمان ولم يخرجه من الإسلام وكان عذابه أهون من عذاب الأول »(1) .

الإشكال الخامس :

إنّ العقل قد يحكم بإمكانية وقوع الشفاعة بالإفادة من آيات القرآن الكريم ، ولكنه لا يستطيع أن يحكم بفعلية وقوعها خصوصاً وأنّ في القرآن ما ينفي الشفاعة مطلقاً كقوله تعالىٰ :( لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ ) (2) ، وبعضها الآخر يقيّد الشفاعة بقيود كما في قوله تعالىٰ :( إِلاَّ

__________________

(1) البقرة 2 : 254.

(2) اُصول الكافي 2 : 285 / 23 كتاب الايمان والكفر باب الكبائر.


بِإِذْنِهِ ) (1) ، وقوله تعالىٰ( إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) (2) ، ولكن هذهِ الآيات وغيرها لا تدل دلالة قطعية علىٰ وقوع الشفاعة وحصولها اليقيني ، فالقرآن الكريم ينفي الشفاعة آونة ، ويقيّدها أُخرىٰ برضا الله سبحانه وتعالىٰ ، ويذكر القرآن الكريم مرة اُخرىٰ أنّ الشفاعة لا تنفع ، كقوله تعالىٰ( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) (3) .

والجواب عليه :

إنّ ملخص الجواب هو أنّ الآيات التي يُستدل بها علىٰ نفي الشفاعة ، لا تنفي الشفاعة مطلقاً ، بل إنّها تنفيها عن بعض الناس وقد وردت هذه الاستثناءات في آيات عديدة.

أما فيما يتعلق بالقيود الموجودة في حصول الشفاعة من جهة ، وقبولها من جهة أخرىٰ ، فإنّ ذلك لا يعني نفيها بل يؤكد وقوعها واثباتها ، علىٰ خلاف ما ادّعاه النافون من أنّها لا تنفع ، مُستدليّن علىٰ ذلك ، بقوله تعالىٰ :( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) (4) .

وهذا الاستدلال غير صحيح ؛ لأنّ سياق الآيات التي تسبق هذه الآية تتحدث كلّها عن المجرمين المستقرين في سقر ، حيثُ تقول الآيات :( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ *إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ) ثم تقول الآيات الشريفة :( عَنِ المُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ __________________

(1) البقرة 2 : 255.

(2) الانبياء 21 : 28.

(3) المدثر 74 : 48.

(4) المدثر 74 : 48.


المُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ *فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) (1) .

وهكذا يتضح من خلال هذا السياق : إنّ الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين هم هؤلاء المستقرون في سقر الذين لم يكونوا من المُصلّين ، وكانوا يكذّبون بيوم الدين ، حتىٰ أتاهم اليقين حين وجدوا أنفسهم في سقر فلا تنفعهم بعد صفاتهم تلك شفاعة الشافعين.

بعد هذا العرض السريع للإشكالات التي يوردها النافون للشفاعة والردود عليها ، يتضح أنّ الشفاعة ليست من الاُمور التي تقع ضمن دائرة الاثنينية في الجزاء الإلهي ، والمقصود بالاثنينية « تعدد الجزاء مع وحدة الفعل » ولا هي متناقضة مع عدالة الله بل هي تثبيت لهذا العدل باعتبارها كانت وعداً تقدم والجزاء به هو وفاء لذلك الوعد.

كما أنّها ليست ناتجة عن علم جديد أو انصراف عن فعل مقرر من قبل ، بل هي علم سابق وفعل مقرر ، وهي أيضاً لا توجب الجرأة علىٰ المعصية بل توجب الحيطة والحذر ، والخشية من ارتكاب الذنب ، إذ لم تُصرح الآيات بجميع الذنوب التي تقبل فيها الشفاعة.

وهي أخيراً ثابتة موجودة ، لكنها لا تنال بعض الأصناف من الناس الذين وردت صفاتهم في القرآن الكريم ، وأنّها لا تحصل إلاّ بإذن الله تعالىٰ ورضاه.

قال الإمام علي بن موسىٰ الرضاعليه‌السلام عن آبائه الطيبين الطاهرين عن

__________________

(1) المدثر 74 : 38 ـ 48.


جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله شفاعتي ـ ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـإنّما شفاعتي لأهل الكبائر من اُمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل » ، قال الحسين بن خالد : فقلتُ للرضاعليه‌السلام : يا بن رسول الله فما معنىٰ قول الله عزَّ وجل :( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) (1) قالعليه‌السلام : «لا يشفعون إلاّ لمن ارتضىٰ الله دينه »(2) .

__________________

(1) الأنبياء 21 : 28.

(2) أمالي الصدوق : 5.


الفصل الثالث

أثر الشفاعة في المصالح الدنيوية

تقدم في الفصول السابقة ، الحديث عن الشفاعة فيما يتعلق بالآخرة ، حيثُ غفران من الذنوب ورفع العقاب يوم الحساب.

وقد ناقشنا هناك الإشكالات التي وردت علىٰ الشفاعة ، وبات واضحاً أن الشفاعة وأثرها في الحياة الآخرة هي قضية ثابتة بصريح القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة. لكن هناك مناقشات ، تدور حول أثر الشفاعة في الحياة الدنيا ، وهي مناقشات تتمحور حول الاجابة عن السؤال التالي :

هل أنَّ طلب الشفاعة في أمور الدنيا من غير الله جائزٌ شرعاً ، وهل أنَّ لها أثراً ايجابياً في الحياة الدنيا كالرزق والشفاء من الأمراض والنجاح في الأعمال ، أو الإنقاذ من الأخطار وغيرها من شؤون الحياة الدنيا ، أم أنّها غير جائزة ، وغير ذات فائدة في الدنيا ؟

أما في مسألة الجواز : فقد تقدم أنَّ الله سبحانه وتعالىٰ قد أخبر عن رجال ارتضاهم ليشفعوا عنده في عباده الذين ارتضىٰ وقد وردت عدة روايات تؤيد ذلك نقلناها سابقاً ، هذا فيما يتعلق بالشق الأول من السؤال.


أما فيما يتعلق بالشق الثاني منه ، وهو : هل أنَّ للشفاعة أثراً وفائدة في تحصيل المصالح والمنافع الدنيوية أم لا ؟

فنقول : إنّ الشفاعة تعطي ـ بالاضافة إلىٰ المعاني التي تقدمت في أول البحث ـ معنىٰ الدعاء أيضاً ، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عندما يشفع لمؤمن فإنه يدعو الله سبحانه وتعالىٰ ، فقد ذكر السيد العاملي أنَّ « شفاعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو غيره عبارة عن دعائهِ الله تعالىٰ لأجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج ، فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء. حكىٰ النيسابوري في تفسير قوله تعالىٰ :( مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ) (1) عن مقاتل أنَّه قال : الشفاعة إلىٰ الله إنما هي الدعوة لمسلم ، لما رُوي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولكَ مثلُ ذلك »(2) .

وعلىٰ هذا الأساس ، فإنَّ دعاء المؤمن لأخيه المؤمن في حياته في حاجة من حوائج الدنيا أمر مقبول لا غبار عليه ولا مناقشة فيه بعد الذي تقدم ، ولما ورد من الحث علىٰ دعاء المؤمنين للمؤمنين : عن ابراهيم بن أبي البلاد رفعه وقال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من سألكم بالله فاعطو ، ومن آتاكم معروفاً فكافوه ، وإن لم تجدوا ما تكافونه فادعوا الله له حتىٰ تظنّوا أنكم قد كافيتموه »(3) .

__________________

(1) النساء 4 : 85.

(2) كشف الارتياب ، للسيد محسن العاملي : 196.

(3) وسائل الشيعة إلىٰ تحصيل مسائل الشريعة ، للشيخ محمد الحر العاملي 11 : 537 / 5 كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبواب فعل المعروف.


وقولك لأخيك المؤمن « جزاك الله خيراً » هو نوع من الدعاء والشفاعة له عند الله ، أو غير ذلك من الدعاء الذي نمارسه في حياتنا العادية مع أصدقائنا وإخواننا وأقاربنا.

وهذا اللون من الدعاء والشفاعة لا غبار عليه ولا مناقشة فيه كما قدّمنا.

لكن المناقشة تدور عادة بين المنكرين لجواز الشفاعة وتأثيرها في حاجات الدنيا ، وبين القائلين بجوازها وتأثيرها ، حول طلب الشفاعة من الأموات أو الذين غادروا الحياة الدنيا علىٰ قول أدقّ.

رأي ابن تيمية ومناقشته :

فقد ذهب ابن تيمية ومن تابعه إلىٰ أنَّ طلب الشفاعة في حاجات الدنيا أو غيرها من « الاموات » شرك « وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلىٰ الله مني ليشفع في هذه الاُمور ، لأني أتوسل إلىٰ الله كما يُتَوَسَل إلىٰ السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال الذين يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم ، والمشركين الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا :( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَىٰ ) »(1) .

وتهافت وفساد هذا الرأي الذي يذهب إليه ابن تيمية أنّه جعل طلب الدعاء والشفاعة بمنزلةٍ مساويةٍ ل‍ « عبادة غير الله » ، مع أنَّ الشفاعة أصلاً لا تعني العبادة لا بمعناها اللغوي ولا بمعناها الاصطلاحي ، كما أنّ الداعي الداخلي والنفسي لطلب الشفاعة تعني شيئاً آخراً غير الداعي النفسي لعبادة الأصنام والبشر أو غير ذلك مما يتوسل بها المشركون والكافرون

__________________

(1) زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور ، لابن تيمية : 156. والآية من سورة الزمر 39 : 3.


لتقربهم على حدٍ زعمهم إلىٰ الله زلفىٰ.

وقد تقدّم في هذا البحث أنَّ أبا بكر جاء إلىٰ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد وفاته وكشف عن وجهه وسلّم عليه وطلب منه الدعاء له عند الله ، كما ورد نفس الأمر عن الإمام عليعليه‌السلام . وطلبه ذلك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الذي قال عنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أنا مدينة العلم وعلي بابها »(1) يدل بما لا مزيد عليه على صحة الطلب من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى بعد وفاته.

وإذا دققنا في الآية القرآنية الشريفة :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (2) والآية الشريفة :( وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) (3) نجد أنهما واضحتان في الدلالة علىٰ الحياة بعد مفارقة الدنيا ، ولكن الإنسان بطبيعته المادية لا يدرك هذه الحياة ولا يلمسها ولا يعرف حقيقتها إلاّ بعد الموت. ويقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره لآية( وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ ) : فالآية تدلُ دلالة واضحة علىٰ حياة الانسان البرزخية ، كالآية النظيرة لها وهي قوله تعالىٰ :( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (4) .

أما الموتىٰ من المؤمنين من غير الشهداء فإنَّهم كما عبّرت روايات

__________________

(1) فتح الملك العلي في اثبات صحة حديث باب مدينة العلم علي ، للسيد أحمد بن الصديق الغماري الشافعي ـ طبعة حديثة 1995 م.

(2) آل عمران 3 : 169.

(3) البقرة 2 : 154.

(4) الميزان في تفسير القرآن ، للطباطبائي 1 : 347 ـ 348.


كثيرة يعيشون في البرزخ ويزورون أهلهم ...

عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عُمير ، عن حفص بن البختري ، عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال : «إنّ المؤمن ليزور أهله فيرى ما يُحب ويُستر عنه ما يكره ، وانّ الكافر ليزور أهله فيرىٰ ما يكره ويُستر عنه ما يُحب ، ومنهم من يزور كل جمعة ، ومنهم من يزور علىٰ قدر عمله »(1) .

وبعد وضوح كل ذلك ، فما المانع من أن يكون هؤلاء الذين غادروا الحياة الدنيا إلىٰ الحياة الآخرة ، يسمعون ويرون ويدعون الله للذين لم يلحقوا بهم من المؤمنين والشهداء في قضاء حوائجهم( فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ *يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ ) (2) .

وكل ما تقدم يدل دلالة واضحة علىٰ أنَّ الإنسان بعد الانتقال من الحياة الدنيا فإنَّه يعيشُ حياة اُخرى ، يرىٰ الكافر فيها العذاب فيتألم ، ويرىٰ المؤمنون فيها النعيم فيفرحون ويستبشرون ، وهكذا يبطلُ زعم القائلين بأنَّ الإنسان إذا مات انقطعت كل أسباب العلاقة بينه وبين الأحياء في الدنيا وهو مذهب القائلين بعدم جواز التوسل بالأموات ، وهو مذهب فاسد كما علمت لأنّه مخالف لصريح القرآن الكريم.

وقبل أن نختم هذا الفصل لا بأس بإيراد رواية صحيحة تروىٰ عن

__________________

(1) الكافي 3 : 230 / 1 باب ان الميت يزور أهله.

(2) آل عمران 3 : 170 ـ 171.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مما تنفع في هذا الباب.

بعد أن انتهت معركة بدر الكبرىٰ بانتصار المسلمين ، وقف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم علىٰ قتلىٰ المشركين فقال : «يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذّبتموني وصدّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ـ حتىٰ قال ـ :هل وجدتم ما وعدكم ربي حقاً »(1) .

فلو كان هؤلاء القتلىٰ الذين غادروا الحياة الدنيا لا يسمعون ، فهل كان عبثاً حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم معهم ، وهو الذي لا ينطق عن الهوىٰ إن هو إلاّ وحي يُوحى ؟

__________________

(1) السيرة النبوية 1 : 639. والسيرة الحلبية 2 : 179 ـ 180. كما أشار إلىٰ قصة حديث الرسول الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع قتلىٰ قريش وقوله للسائلين يا رسول الله أتكلم قوماً موتىٰ ؟ «وما أنتم باسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون ان يجيبوني » ذكر ذلك الكثير من المحدثين والمؤرخين من الفريقين ، وتجد ذلك في صحيح البخاري 5 : 76 ـ 77 و 86 ـ 87 في معركة بدر. وصحيح مسلم 8 : 163 كتاب الجنة باب مقعد الميت. وسنن النسائي 4 : 89 ـ 90 باب أرواح المؤمنين. وبحار الانوار 19 : 346.


الفصل الرابع

الشفعاء والمشفّع فيهم

أولاً : الشفعاء :

هل حدد القرآن الكريم الشفعاء ؟ وهل أخبر عن اسمائهم أو عن صفاتهم ؟

إنّ التدبر في آيات القرآن الكريم يوضّح أنّ الله سبحانه وتعالى لم يحدد في الآيات القرآنية الشريفة وفي آيات الشفاعة اسم أحد من الشافعين ، لكن القرآن الكريم أشار إلىٰ مجموعة من الصفات التي إن توفرت في أحد فهو من الشفعاء بعد أن يأذن الله له في ذلك.

ونجد من خلال دلالة الآيات القرآنية الشريفة أنَّ الأنبياء يشفعون ، والملائكة يشفعون ، والمؤمنون الصالحون يشفعون أيضاً ، والعمل الصالح يشفع لصاحبه كذلك.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يشفع النبيّون والملائكة والمؤمنون فيقول


الجبّار : بقيت شفاعتي »(1) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء »(2) .

وإلىٰ جانب ذلك فإنّ تعلّم القرآن يعطي لصاحبه الأهلية لأن يشفع ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من تعلم القرآن فاستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله الله به الجنة وشفّعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار »(3) ، وجاء في نهج البلاغة : «إنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفع فيه »(4) .

وانّ العمل الصالح والالتزام بالتعاليم الإسلامية يعطي لصاحبه الأهلية لأن يشفع ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ أقربكم مني غداً وأوجبكم عليَّ شفاعة : أصدقكم لساناً ، وآداكم لأمانتكم ، وأحسنكم خلقاً ، وأقربكم من الناس »(5) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الشفعاء خمسة : القرآن ، والرحم ، والأمانة ، ونبيكم ، وأهل بيت نبيكم »(6) .

وجاء عن الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهما‌السلام في دعائه : «اللهمّ اجعل نبينا صلواتك عليه وعلىٰ آله يوم القيامة أقرب النبيين منك مجلساً وأمكنهم

__________________

(1) صحيح البخاري 9 : 160.

(2) سنن ابن ماجه 2 : 1443 / 4313. وراجع الخصال ، للشيخ الصدوق : 142 بلفظ آخر : « ثلاثة يشفعون إلىٰ الله عزَّ وجل فيشفعون. الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء ».

(3) سنن الترمذي 4 : 245.

(4) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد 2 : 92.

(5) تيسير المطالب في أمالي الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، للسيد يحيىٰ بن الحسين : 442 ـ 443.

(6) المناقب ، لابن شهر آشوب 2 : 14.


منك شفاعة »(1) .

وسنستعرض بإيجاز الآيات القرآنية الشريفة التي تعطي الدلالة الواضحة علىٰ كلِّ صنف من أولئك الشفعاء.

أ ـ الأنبياء :

فالآية الشريفة التالية تؤكد أنَّ الأنبياء يشفعون قال تعالىٰ :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) (2) وفي الآية أعلاه قيود دقيقة لابدّ من الالتفات إليها وهي :

جاء في تفسير( ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ ) أي بخسوها حقّها بادخال الضرر عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب ، وتفويت الثواب بفعل الطاعة ، وقيل( ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ ) بالكفر والنفاق( جَاءُوكَ ) تائبين مقبلين عليك مؤمنين بك( فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ ) لذنوبهم ونزعوا عمّا هم عليه( وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ) أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم( لَوَجَدُوا اللهَ ) أي لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم(3) .

وإلىٰ جانب الآية المتقدمة ، فالآية التالية توضح أيضاً شفاعة الرُسل قال تعالىٰ :( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ *لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ *يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا

__________________

(1) الصحيفة السجادية 2 : 198.

(2) النساء 4 : 64.

(3) مجمع البيان ، للطبرسي 1 : 87.


يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) (1) .

والآية تشير إلىٰ الرسل الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالىٰ إلىٰ البشر فقال الكافرون : إنّهم أبناء الله ، لكن القران الكريم يصرّح بأنّهم عباد الله أكرمهم بالرسالة وإنّهم لا يشفعون إلاّ لمن ارتضىٰ سبحانه ...

وقد تنطبق هذه الاية علىٰ الملائكة ، فقد تكرّر في القرآن الكريم وفي مواضع عديدة الإشارة إلىٰ قول الكافرين والمشركين بأنَّ الملائكة بنات الله ، تعالى سبحانه عن ذلك علواً كبيراً.

ب ـ الملائكة :

وأما شفاعة الملائكة فتدلّ عليها الآية التالية قال تعالىٰ :( وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ) (2) .

ودلالة الآية جلّية وواضحة علىٰ أنَّ الملائكة تشفعُ بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضىٰ.

ج‍ ـ المؤمنون :

وأما شفاعة المؤمنين والشهداء فتدلّ عليها الآية الشريفة قال تعالىٰ :( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (3) .

__________________

(1) الانبياء 21 : 26 ـ 28.

(2) النجم 53 : 26.

(3) الزخرف 43 : 86.


والذين شهدوا بالحق هم المؤمنون الصالحون الذين جعلهم الله شهوداً على أممهم مع الأنبياء والأوصياء.

وقد جعل الله المؤمنين مع الشهداء حيثُ قال تعالىٰ :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ ) (1) .

وقد جاءت الروايات مؤكدة لهذه الآيات ومبينة لها ، فقد روىٰ الصدوق بسنده عن الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «ثلاثة يشفعون إلى ٰالله عزَّ وجلّ فيشفّعون : الأنبياء ، ثم العلماء ، ثم الشهداء »(2) .

وقبل أن نغادر هذا الفصل نلفت نظر القاريء الكريم إلىٰ ظاهرة مهمة تكررت في الآيات القرآنية الشريفة التي تحدثت عن الشفيع أو المشفوع له ، وهي ظاهرة « الرضىٰ » الإلهي عمن يريد أن يشفع وعمن يراد أن يُشفع له ، واعتبار ذلك الرضىٰ قيداً لازماً لا تؤتي الشفاعة ثمارها بدونه ، فالشفيع يجب أن يرضىٰ الله شفاعته لتكون في محلها. والمشفوع له يجب أن يكون مرضيّاً عنده سبحانه وتعالىٰ ليقبل فيه شفاعة الشافعين.

وبناء علىٰ هذا لو راجعنا الآيات القرآنية الكريمة والتي أشارت إلىٰ « رضى » الله تعالىٰ عن بعض عباده ، نجدها تشير إلىٰ مواصفات غاية في السمو والتألّق ونحن هنا نورد أمثلة من الآيات القرآنية التي ذكرت بالصراحة « رضىٰ » الله عن بعض عباده الصالحين.

قوله تعالىٰ :( قَالَ اللهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي __________________

(1) الحديد 57 : 19.

(2) الخصال : 142.


مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (1) . والآية الشريفة هنا تشير بصراحة إلىٰ « الصادقين » بكلِّ ما لكلمة الصدق من معنى.

وقوله عزّ شأنه :( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (2) .

وقوله تعالىٰ :( لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (3) . وفي الآية الكريمة إشارة صريحة إلىٰ المؤمنين الحقيقيين الذين لا يُلقون بالود لأعداء الله والرسول ولو كان هؤلاء الأعداء آباءً أو ابناءً أو إخواناً لهم ، وهذه الصفة هي من صفات المبدأية والرسالية العالية التي يجب أن يتصف بها المؤمنون.

وقوله عزّ من قائل :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ *جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) (4) .

__________________

(1) المائدة 5 : 119.

(2) التوبة 9 : 100.

(3) المجادلة 58 : 22.

(4) البينة 98 : 7 ـ 8.


نحسب أنَّ التدبر في مضامين هذه الآيات الشريفة سيكشف أمامنا أُفقاً واسعاً من المعرفة بهؤلاء الذين هم خالدون في جنات تجري من تحتها الأنهار أبداً ، وأنَّ الله عزَّ وجل قد رضي عنهم ، وأنّهم رضوا عنه.

وهنا هي قمة العظمة والسمو في الوصف والبيان فمن هم هؤلاء الذين رضوا عنه ؟

إنّهم الصادقون في إيمانهم وأعمالهم مع الله الذين عملوا الصالحات وخشوا الله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والتابعون لهم « باحسان » ، والمؤمنون الذين لا يوادّون من حآدَّ الله ورسوله.

ثانياً : المشمولون بالشفاعة :

لقد عرفنا فيما تقدّم من البحث أنّ الكافرين ـ بشكل خاص ـ والذين هم في النار خالدون ، لا تنالهم الشفاعةُ مطلقاً بدلالة الخلود في النار أبداً.

إذن فمن هم اُولئك الذين تنالهم الشفاعة ؟ ومن هم الذين لا تنالهم ؟

أ ـ المؤمنون المذنبون :

السؤال الذي يُطرح هنا هو أنّ مفهوم الشفاعة يعني غفران الذنب ورفع العقاب المستتبع له ، فكيف يمكن الجمع إذن بين صفة الإيمان بالله واليوم الآخر وبين صفة ارتكاب الذنب ومقارفة المعصية ؟

وللجواب علىٰ ذلك نقول : إنّ للمؤمنين درجاتٌ بما امتلك كل مؤمن من الصفات ، وقد أشار القرآن الكريم في مواضع عديدة إلىٰ حقيقة التفاوت والدرجات بين المؤمنين ، مثل قوله تعالىٰ :( لاَّ يَسْتَوِي


الْقَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ) (1) .

والتأمل في الآية الشريفة الآنفة يكشف عن عدّة أمور مهمة ، منها أنّ القاعدين عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم مع عدم وجود ما يمنعهم من عذر شرعي من نقص في الأعضاء أو فقر لا يتساوون مع المجاهدين ، لكنّ الله وعد كليهما الحسنىٰ في الآخرة ، لكنّ الله سبحانه وتعالىٰ فضّل المجاهدين على القاعدين من ناحية الأجر والثواب ، ووصفه بأنّه أجرٌ عظيم.

إنَّ المؤمن يذنب لكنه يستغفر الله ويتوب ، وهو أيضاً يحتاج إلىٰ الشفاعة ، فقد سُئل الإمام جعفر بن محمد الصادقعليه‌السلام عن : المؤمن هل له شفاعة ؟ قال : «نعم » ، فقال رجل من القوم : هل يحتاج المؤمن إلىٰ شفاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال : «نعم ، إنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً وما من أحدٍ إلاّ يحتاج إلىٰ شفاعة محمد يومئذ »(2) .

ولا محل هنا بعدما تقدم للاعتراض : بأنّ المؤمنين لا يكونون مؤمنين حتىٰ يتحركوا بنفس المستوىٰ من الفعل عند اتحاد الداعي للفعل ، لأنّ هذا الاعتراض تغافل عن مقتضيات الطبيعة البشرية ، والله أعلم بعباده وقوله عزّ شأنه يوضح قانوناً من قوانين الخلقة وبعد هذا فالتفاوت بين البشر حقيقة ثابتة لا يمكن نكرانها وإن كان بين المؤمنين.

__________________

(1) النساء 4 : 95.

(2) تفسير العياشي 2 : 314.


كما أنّ الحديث المروي عن الإمام الصادقعليه‌السلام يكشف صراحة عن أنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً ، وإنّهم بحاجة إلىٰ شفاعة الرسول محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لهم يوم القيامة.

وننقل القاريء الكريم إلىٰ التدبر في الآيات القرآنية الشريفة التالية :( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ *الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ *وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) (1) .

ومحل الشاهد في الآيات الشريفة هو التصريح بأنّ الذين يستغفرون الله لذنوبهم بعد فعل الفاحشة أو ظلم النفس ولم يصرّوا علىٰ الاستمرار على ذلك الفعل فإنَّ الله وعدهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويتضح أنَّ عدم الإصرار علىٰ الذنب ومن ثم الاستغفار والتوبة هي من صفات المؤمنين ؛ لأنّ الله لا يعدُ أحداً بالجنة والنعيم إنْ لم يكن مؤمناً مرضيّاً عند الله سبحانه وتعالىٰ.

ولكن المؤمن إذا ارتكب معصية أو اقترف إثماً وأصرّ عليه ، فهل يبقىٰ علىٰ صفة الإيمان بمعناه الحقيقي الذي يريده سبحانه وتعالىٰ متجسداً عند الإنسان بالفعل والسلوك والعمل وليس بمجرد الادعاء والعادة ؟

__________________

(1) آل عمران 3 : 133 ـ 136.


وبدون شك ، فإنَّ الإصرار علىٰ الذنب قد يُخرج المؤمن عن صفة الإيمان الحقيقي التام « وذلك لأنّ الإصرار علىٰ الذنب يستوجب الاستهانة بأمر الله والتحقير لمقامه سواء كان الذنب المذكور من الصغائر أو الكبائر »(1) .

وقد تقدّم في جواب الإمام أبي عبدالله الصادقعليه‌السلام لعبدالله بن سنان بأنّ الإصرار على الذنب يخرج الإنسان من الإيمان.

وهل هناك عاقل يقول : إنَّ من يستهين بأوامر الله ، هو ومن يمتثل أوامره ونواهيه كلها كما أمر ونهىٰ ، علىٰ حدٍ سواء ؟

ومن الآيات الشريفة ننقل القارىء إلىٰ التدبر في الأحاديث المروية عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام .

عن أبي عبداللهعليه‌السلام في رسالته إلىٰ أصحابه قال : «وإياكم ان تشرهَ أنفسكم إلىٰ شيء حرّم الله عليكم ، فإنَّ من انتهك ما حرّم الله عليه ههنا في الدنيا ، حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لأهل الجنة أبد الآبدين .. ـ إلىٰ أن قال ـوإياكم والإصرار علىٰ شيء مما حرّم الله في القرآن .. »(2) .

وجاء في وصية الرسول الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للصحابي الجليل أبي ذررضي‌الله‌عنه قوله : «يا أبا ذر إنَّ المؤمن ليرىٰ ذنبه كأنّه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه ، والكافر يرى ذنبه كأنّه ذبابٌ مرّ علىٰ أنفه »(3) .

__________________

(1) الميزان في تفسير القرآن ، للطباطبائي 4 : 21.

(2) وسائل الشيعة ، للحر العاملي 6 : 201.

(3) أعلام الدين في صفات المؤمنين ، للديلمي : 191 ـ تحقيق مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام لاحياء التراث.


عن علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عُمير ، عن منصور بن يونس عن أبي بصير قال : سمعتُ أبا عبداللهعليه‌السلام يقول : «لا والله لا يقبل الله شيئاً من طاعته علىٰ الإصرار على شيء من معاصيه »(1) .

وبعد كل ما تقدم أصبح واضحاً وجليّاً أنَّ المؤمن إنما يخرج عن ربقة الإيمان التام الحقيقي بالإصرار علىٰ الذنب والمعصية ، ويغدو واضحاً أيضاً أنَّ المؤمن قد يُذنب الذنب الكبير أو الصغير ، لكنّه يُسارع إلىٰ الاستغفار والتوبة فيتوب الله عليه ، وقد تقدّم فيما مضىٰ أنَّ الشفاعة هي لأهل المعاصي من المؤمنين.

قال الحسين بن خالد : فقلت للرضاعليه‌السلام : يا بن رسول الله فما معنىٰ قوله عز وجل( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَىٰ ) ؟ قالعليه‌السلام : «لا يشفعون إلاّ لمن ارتضىٰ الله دينه »(2) .

وعن البرقي عن علي بن الحسين الرقي ، عن عبدالله بن جبلة ، عن الحسن بن عبدالله ، عن آبائه ، عن جدّه الحسن بن عليعليهم‌السلام في حديث طويل قالعليه‌السلام : «إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال في جواب نفرٍ من اليهود سألوه عن مسائل : وأما شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ما خلا أهل الشرك والظلم »(3) . وهذا الحديث يجري مجرىٰ الحديث السابق في الكشف الواضح عن عدم رضى الله سبحانه وتعالىٰ عن الذين يموتون وهم مشركون أو ظالمون.

عن عبيد بن زرارة قال : سُئل أبو عبداللهعليه‌السلام عن المؤمن : هل له

__________________

(1) الكافي ، للكليني 2 : 288 / 3 كتاب الإيمان والكفر باب الإصرار علىٰ الذنب.

(2) بحار الانوار ، للمجلسي 8 : 34.

(3) بحار الانوار ، للمجلسي 8 : 39.


شفاعة ؟ قالعليه‌السلام : «نعم » ، فقال له رجلٌ من القوم : هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذٍ ؟ قالعليه‌السلام : «نعم ، إنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً ، وما من أحدٍ إلاّ يحتاج إلىٰ شفاعة محمد يومئذ »(1) .

ب ـ المؤمنون الذين يدخلون النار :

وكما تنفع الشفاعة المؤمنين في القيامة ليغفر لهم الله ذنوبهم فيدخلون الجنة كذلك تنفعهم الشفاعة حتىٰ بعد الدخول في النار فيخرجون منها ، وهذا ما تفيده الأحاديث النبوية الشريفة المروية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته المعصومينعليهم‌السلام التي تتحدث عن أنّ هناك من المؤمنين من يتمّ إخراجهم من النار بشفاعة الرسول والمؤمنين الصالحين.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يشفع الأنبياء في كلِّ من يشهد أن لا إله إلاّ الله مخلصاً ، فيخرجونهم منها .. »(2) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ الله يخرج قوماً من النار بالشفاعة »(3) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «ليخرجنَّ قوم من أُمتي من النار بشفاعتي يُسمون الجهنميين .. »(4) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في حديثٍ : «أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناسٌ أصابتهم نارٌ بذنوبهم أو بخطاياهم فأماتتهم إماتةً

__________________

(1) بحار الانوار ، للمجلسي 8 : 48.

(2) مسند أحمد 3 : 12.

(3) صحيح مسلم 1 : 122.

(4) سنن ابن ماجه 2 : 1443.


حتى إذا كانوا فحماً أُذِنَ في الشفاعة فيخرجون ضبائر ضبائر »(1) .

وقال الإمام علي بن موسىٰ الرضاعليه‌السلام : «مذنبو أهل التوحيد لا يُخلّدون في النار ويُخرجون منها والشفاعة جائزة لهم ... »(2) .

وروي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «... فإذا فرغ الله عزَّ وجل من القضاء بين خلقه وأخرج من النار من يُريد أن يُخرج ، أمر الله ملائكته والرُسل أن تشفع فيعرفون بعلاماتهم : إنّ النار تأكل كل شيء من ابن آدم إلاّ موضع السجود ... »(3) .

وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إذا ميّز أهل الجنة وأهل النار ، فدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار قامت الرُسل وشفعوا ... »(4) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي ربي عبدك فلان سقاني شربة من ماء في الدنيا فشفعني فيه ، فيقول : إذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس في النار حتىٰ يخرجه منها ... »(5) .

يقول العلاّمة الطباطبائي : « فتحصّل أنّ المتحصّل من أمر الشفاعة وقوعها في آخر موقف من مواقف القيامة باستيهاب المغفرة بالمنع عن دخول النار ، أو اخراج بعض من كان داخلاً فيها باتساع الرحمة أو ظهور الكرامة »(6) .

__________________

(1) مسند أحمد 3 : 79.

(2) عيون أخبار الرضا 2 : 125.

(3) سنن النسائي 2 : 18 باب موضع السجود.

(4) مسند أحمد 3 : 325.

(5) مجمع البيان في تفسير القرآن ، للطبرسي 10 : 392.

(6) الميزان في تفسير القرآن ، للطباطبائي 1 : 174.


وقد اتضح من الروايات أنّ الشفاعة إنّما تكون بعد الفراغ من الحساب فإمّا تنفع للحيلولة دون دخول النار وإما تنفع للحيلولة دون البقاء فيها.

ثالثاً : غير المشمولين بالشفاعة :

قد عرفنا أنّ الشفاعة تخص المؤمنين وأنّ الكافرين محرومون منها فلا تنفعهم لا قبل الدخول في النار ولا بعده ، وقد تكرر الوعد الإلهي في القرآن الكريم لعدة أصناف من الناس بأن يكونوا خالدين في النار لا تنالهم شفاعة الشافعين.

فقد جاءت كلمة « خالدون » في العذاب أو النار أو جهنم في ثمانية وثلاثين آية عبر ثمانية وعشرين سورة قرآنية شريفة.

ومع أنّ البحث في هذهِ الآيات الشريفة ليس من مهمة هذا البحث المختصر ، إلاّ أنّ مطالعتها وإلقاء نظرة علىٰ بعض مضامينها ومدلولاتها تنفعنا من جهة ثانية في التأكيد علىٰ أنّ المؤمنين يقعون خارج إطار الذين وعدهم الله سبحانه وتعالىٰ بأن يكونوا من الخالدين في النار.

وعدم الخلود في النار يعني الخروج منها أو يستوهبون منها وهذا الطريق يؤدي إلىٰ الاعتقاد بوجود الشفاعة وثبوتها.

وفيما يلي نستعرض تصنيفاً أولياً للآيات القرآنية التي تحدثت عن الخالدين في النار ، حسب الصفات التي وصفهم الله سبحانه وتعالى بها في قرآنه الكريم.


أ ـ الكافرون :

1 ـ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة 2 : 39.

2 ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ) البقرة 2 : 161 ـ 162.

3 ـ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة 2 : 257.

4 ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) آل عمران 3 : 116.

5 ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا *إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ) النساء 4 : 168 ـ 169.

6 ـ( وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) الرعد 13 : 5.

7 ـ( إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا *خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لاَّ يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) الاحزاب 33 : 64 ـ 65.

8 ـ( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا


وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ *قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ ) الزمر 39 : 71 ـ 72.

9 ـ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ *فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ) الحشر 59 : 16 ـ 17.

10 ـ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ المَصِيرُ ) التغابن 64 : 10.

11 ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) البينة 98 : 6.

12 ـ( وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) التوبة 9 : 68.

13 ـ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ *كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ *تَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ) المائدة 5 : 78 ـ 80.

ب ـ المرتدّون :

1 ـ( وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة 2 : 217.


2 ـ( كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ) آل عمران 3 : 86 ـ 88.

ج‍ ـ المشركون :

1 ـ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ ) التوبة 9 : 17.

2 ـ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ *لَوْ كَانَ هَٰؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ )  الأنبياء 21 : 98 ـ 99.

3 ـ( وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا *يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ) الفرقان 25 : 68 ـ 69.

4 ـ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ) البينة 98 : 6.

5 ـ( وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الانعام 6 : 128.

د ـ المرابون :

( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ


المَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) البقرة 2 : 275.

ه‍ ـ العاصون لله ولرسوله :

1 ـ( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) النساء 4 : 14.

2 ـ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَٰلِكَ الخِزْيُ الْعَظِيمُ ) التوبة 9 : 63.

3 ـ( وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) الجن 72 : 23.

و ـ المكذّبون والمستكبرون :

1 ـ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) الاعراف 7 : 36.

2 ـ( وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا *مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا *خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلاً ) طه 20 : 99 ـ 101.

3 ـ( الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ *إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ *فِي الحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ *ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ *مِن دُونِ اللهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكَافِرِينَ *ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ


الحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ *ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ ) غافر 40 : 70 ـ 76.

4 ـ( فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) السجدة 32 : 14.

5 ـ( ذَٰلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) فُصلّت 41 : 28.

ز ـ المنافقون والمنافقات :

1 ـ( وَعَدَ اللهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) التوبة 9 : 68.

2 ـ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ *لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُم مِّنَ اللهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) المجادلة 58 : 14 ـ 17.

ح ـ قاتلو المؤمنين عمداً :

( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) النساء 4 : 93.

ط ـ الظالمون :

1 ـ( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ


تَكْسِبُونَ ) يونس 10 : 52.

2 ـ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَىٰ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ *فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ ) النحل 16 : 28 ـ 29.

ي ـ المجرمون :

( إِنَّ المُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) الزخرف 43 : 74.

ك ـ الذين كسبوا السيئات :

( وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) يونس 10 : 27.

ل ـ الذين خفّت موازينهم :

( وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ) المؤمنون 23 : 103.

ومن خلال التصنيف المتقدم نرىٰ أنّ الذين هم خالدون في العذاب أو النار ليسوا من المؤمنين الذين تتوفاهم الملائكة وقد تابوا وأصلحوا واستغفروا الله لذنوبهم ولم يُصروا علىٰ ما فعلوا.

وهذا يدعونا إلىٰ الاعتقاد باستحقاق المؤمنين للشفاعة سواء باستيهابهم من العذاب أو بإخراجهم من النار ..

وختام القول ، إنّ لاثبات حقيقة وجود الشفاعة طريقين :


الأول : دلالة الآيات القرآنية الشريفة التي تحدثت عن الشفاعة وشروطها.

والثاني : هو دلالة عدم خلود المؤمنين المذنبين في النار ، وأنّهم يخرجون منها ولا بدّ لخروجهم من وسيلة وهي الشفاعة وهي شفاعة الذين ارتضىٰ الله شفاعتهم من الأنبياء والرُسل والأوصياء والملائكة والصالحين من عباده والعمل الصالح.

والخلاصة : هي أنّ الشفاعة ثابتة ، ينالها المؤمنون الذين ارتضىٰ الله سبحانه وتعالىٰ دينهم وهذا هو القيد المهم والأساسي في الشفاعة وتحققها وفائدتها ، وأنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام والصالحين والعمل الصالح والقرآن والملائكة كلّهم يشفعون للذين يستحقون الشفاعة ، كما انّ الشفاعة لا يمكن أن تُنال إلاّ بعد تحقق الشروط الصارمة في المشفوع لهم. كتبنا الله ممن تناله شفاعة الرسول الأعظم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأهل بيته الطاهرينعليهم‌السلام .

وآخر دعوانا أن الحمدُ لله ربِّ العالمين



المحتويات

الشفاعة حقيقة إسلاميّة 1

الفصل الأول. 9

مفهوم الشفاعة وحقيقتها في القرآن والسُنّة المطهّرة 9

أولاً : الشفاعة في اللغة والاصطلاح : 9

ثانياً : الشفاعة في القرآن الكريم. 10

آيات نفي الشفاعة ومفهومها : 14

1 ـ كفر النعمة : 14

2 ـ إتباع الشيطان : 15

3 ـ المكذِّبون بيوم القيامة : 15

4 ـ الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً : 16

5 ـ الظالمون : 16

6 ـ المشركون : 16

ثالثاً : الشفاعة في السُنّة المطهّرة 18

الفصل الثاني. 25

الشفاعة عند علماء المسلمين. 25

أولاً : آراء وأقوال العلماء حول مفهوم الشفاعة : 25

ثانياً : إشكالات وردود : 29

الإشكال الأول : 30

والجواب عليه : 30

الإشكال الثاني : 34

والجواب عليه : 35

الإشكال الثالث : 37


الإشكال الرابع : 39

الإشكال الخامس : 41

والجواب عليه : 42

أثر الشفاعة في المصالح الدنيوية 45

رأي ابن تيمية ومناقشته : 47

الفصل الرابع. 51

الشفعاء والمشفّع فيهم. 51

أولاً : الشفعاء : 51

أ ـ الأنبياء : 53

ب ـ الملائكة : 54

ج‍ ـ المؤمنون : 54

ثانياً : المشمولون بالشفاعة : 57

أ ـ المؤمنون المذنبون : 57

ب ـ المؤمنون الذين يدخلون النار : 62

ثالثاً : غير المشمولين بالشفاعة : 64

أ ـ الكافرون : 65

ب ـ المرتدّون : 66

ج ـ المشركون : 67

د ـ المرابون : 67

ه‍ ـ العاصون لله ولرسوله : 68

و ـ المكذّبون والمستكبرون : 68

ز ـ المنافقون والمنافقات : 69

ح ـ قاتلو المؤمنين عمداً : 69


ط ـ الظالمون : 69

ي ـ المجرمون : 70

ك ـ الذين كسبوا السيئات : 70

ل ـ الذين خفّت موازينهم : 70

المحتويات.. 73