من هو الصدّيق ؟
و من هي الصدّيقة
تأليف علي الشهرستاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للهربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمّد
وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد ، فإن هناك مفردات كثيرة في التاريخ والشريعة يجب الوقوف عندها والتأمّل في معانيها وإيحاءاتها ؛ لكونها أموراً ترتبط بالعقائد والأحكام والسيرة.
والصدّيقية من تلك المفردات التي تحمل في طيّاتها معاني عالية وتشير إلى مقامات إلهية ، وحيث أنّيـوحسب معلوماتيـلم أقف على رسالة مستقلة في هذا المجال ، وكلّ ما هو موجود في كلمات الأعلام إنّما هو إشارات عابرة إلى معنى الصدّيقية ذكروها استطراداً في بحوثهم الكلامية ولم ينقحوها تنقيحاً يلائم عقيلة الباحث الموضوعي اليوم ، وإسهاماً منّا في إثراء المكتبة الإسلامية قدمنا هذا الجهد المتواضع ليكون نواة لعمل مستقبلي لنا ولإخواننا الباحثين والمحققين.
فإنّ حياة السيدة فاطمة الزهراء تحمل بين جوانبها تراثاً تاريخياً وعقائدياً وفقهياً ضخماً ، بل إنّ في كل مفردة من مفردات حياتها (سلام اللهعليها) دروساً وعبراً ومواعظ ومعطيات يجب التأسّي بها. حتى في أسمائها وألقابها ، فهيتشير
إلى مقامات ومفاهيم عالية.
فالصدّيقية مثلاً ترتبط بعصمتها ، وهي إشارة إلى أوّل حياتها الطاهرة حيث صدّقت بأبيها وبكل ما أتى به ، وصدّقت بارئها أكمل التصديق حتى أوقف سبحانه رضاه على رضاها وغضبه على غضبها.
ومثل ذلك لقب المحدّثة فهو إشارة إلى ما بعد حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله حيث كان جبرائيل يكلمها ويسليها ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها.
وبعد لقب الصدّيقة ولقب المحدثة لقب الشهيدة فهو إشارة إلى مظلوميتها وختامِ حياتها المباركة مكللّة بالشهادة.
إذاً أسماء وألقاب السيدة فاطمة(1) الزهراء لم تكن أسماءً وألقاباً عابرة ، بل تحمل في جوانبها معاني قدسية ، حاول البعض أن يسرقها ويمنحها جُزافاً لآخرين.
وبما أن التسمية بفاطمة عللت في بعض روايات أهل البيت ، بكونهاعليهاالسلام تفطم شيعتها من النار ، ومثل ذلك جاء في الإمام علي أنه يفرق بين الحقّ والباطل ، نرى القوم يطلقون لقب الصدّيقة على أُخريات ، كما يطلقون لقب الفاروق على آخرين اعتقاداً منهم بأنه يفصل بين الحق والباطل.
فما وجه الشبه والارتباط بين ما روي عن النبي أنّه قال في عمر : قد كان فيما مضى قبلكم من الأُمم محدثون وأنه لو كان في أُمتي هذه منهم فإنّه عمر بن الخطاب(2) ، أو ما نسب إلى الإمام علي من قوله : كنّا نتحدث أن ملكا ينطق
_______________________________________
1. وحتى أن هذا العلم الشريف (فاطمة) يستحق مدلوله الوقوف عنده وبحثه لما يحوي معاني ومفاهيم إلهية.
2. صحيح البخاري 3 : 1279 ح 3282 ، 1349 ح 3486 ، صحيح مسلم 4 : 1864 ، سنن الترمذي 5 :
على لسان عمر(1) وبين ما سميت به السيدة فاطمة الزهراء والمحدثين من آل بيت رسول الله.
ولا أدري هل فكر أحد معي في مداليل ومعاني كلمة الزهراء وارتباطها بالنور الإلهي ، وهل أنّ هذا هو لقب ومنزلة لها فحسب؟ أم أنّه يمكن تعميمه على الأُخريات من بنات رسول الله حتى يمكن لعثمان بن عفان أن يلقب بذي النورين لتزوّجه بنتين من بنات رسول الله أو ربائبه؟
ولعل النابه يقف على محاولات الخلفاء وأنصارهم لإطلاق هذه الأسماء والألقاب على من يريدونه ، ففي الوقت الذي يطلقون كلمة«الشهيد المظلوم»على عثمان بن عفان ، يهابون من إطلاق كلمة«الشهيدة المظلومة»على فاطمة الزهراء.
إن ألقاب الصدّيقة والمحدثة والشهيدة مفردات تحمل بين جوانبها معاني : العصمة ، والعلم ، والمظلومية ، وتشير إلى ثلاث مراحل من حياتها سلام الله عليها ، وما جرى لها وعليها.
وهذه الرسالة الموجزة ما هي إلا توضيح لمفردةٍ واحدة من تلك المفردات الكثيرة في التاريخ والشريعة فإنّ هذه الاسماء والألقاب وأمثالها جديرة بالوقوف عندها والتأمّل في مضامينها ، وهذا ما نرجوه من الأخوة أن يجعلوه نصب أعينهم في دراساتهم وبحوثهم عن هذه السيدة العظيمة سلام الله عليها.
وختاماً أسأل الله سبحانه أن يتقبل هذا القليل ، وأن يجعله في حسناتي مكفراً
_______________________________________
622 ، ح 3693 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 92 ، ح 4499 ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 39 ، ح 8119.
1. تاريخ واسط 1 : 167 ، حلية الأولياء 1 : 42 ، الرياض النضرة 1 : 376 ، المعجم الأوسط 7 : 18 ح 6726 ، مجمع الزوائد 9 : 69.
به عن سيّئاتي ، وأن يسعدني بشفاعة مولاتي « فاطمة الزهراء » ، مصلياً عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها بهذه الصلوات :
اللّهم صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها بعدد ما أحاط به علمك. |
والحمد للهأوّلاً وأخراً ، وله الشكر باطناً وظاهراً ، وصلواته على نبيه محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين.
علي الشهرستاني في السابع عشر من جمادي الأولى لسنة 1426 أيام شهادة الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراءعليهاالسلام |
_______________________________________
عنوان المؤلف البريدي : ايران ـ مشهد ـ ص. ب : 4766 / 91375
عنوانالمؤلف الالكتروني : |
E-mail:info@shahrestani.org |
موقع المؤلف على الانترنيت : |
http://www.shahrstani.org |
من سمات البحث الموضوعي أن يتعامل المرء مع المفردات والمصطلحات بذهنيّة واقعية ، قد تجبره على تحقيق ذلك من خلال شواهد السيرة والتاريخ وأمثالها ، لا سيّما إذا واجه مفرداتٍ متعارضة أو متضاربة أو متضادّة لا يمكن الجمع بينها جمعاً تبرعياً ، كما لا يمكن توجيهها توجيهاً شرعياً أو عقليّاً متماسكا.
والمطالع في التاريخ الإسلامي والفقه والحديث يقف على مفردات متضاربة ، وفي بعض الأحيان متناقضة أو متضادة ، لا يدري كيف يتعامل معها أو يجمع بينها ؛ لأنّها تراكمات وصلتنا من عصور سابقة ، وقد استحكمت هذه الاشكالية عند البعض ، لأنّهم أرادوا أن يقدسوا اناساً لم يقدسهم الله ورسوله ، فجدّوا أن يجمعوا بين النهجين (الصحابة وآل البيت) ، فمن جهة تراهم يظهرون محبة آل الرسول ، ومن جهة أخرى لا يرتضون بيان ما جرى عليهم ، فيطالبون أتباع النهج الآخر بالاغماض عما فعله الآخرون ، بدعوى أنهم رجال ذهبوا ، لهم ما لهم ، وعليهم ما عليهم ، وما لنا والدخول فيما كانوا فيه؟
وهذا التبرير قد يبدو وجيها في أول وهلة ، ولكنك بتأمّل بسيط تقف على سقمه ؛ وذلك لأن هؤلاء الرجال لم يكونوا أناساً عاديين في التاريخ حتى يقال : لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، ويُرجَأُ الأمر إلى الله كي يحكم في أمرهم.
بل كان لهؤلاء دور في الشريعة والتاريخ ، وإن كثيراً من المواقف التييتخذها بعض المسلمين اليوم قد أُخذت عن أولئك ، فلابُدّ من الوقوف على سيرتهم وسلوكهم لأنّ ذلك يرتبط بحياتنا الاجتماعية وسيرتنا العلمية والعملية اليوم ، لأن الأشياء تعرف بأضدادها ، فلا يمكننا أن نعرف علياً وفاطمة إلّا بعد أن نعرف معاوية وأبا بكر ، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى يجب أن نعرف بأن الحكم المنزل من الله جلّت أسماؤه ، على لسان رسوله ، هو واحد ، والحقّ واحد ، وسواه باطل ، فإن كان عليٌ مع الحقّ فمعاوية على الباطل ، وإن كانت فاطمة الزهراء صادقة في مدّعاها فأبو بكر ليس كذلك ، ولا ثالث لهما ؛ إذ قد قال سبحانه وتعالى :( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ) .(1)
وقالصلىاللهعليهوآله : «ستفترق أُمتي إلى نيف وسبعين فرقة ، فرقة ناجية والباقي في النار»(2) وهذان النّصان يؤكدان وبكل وضوح وحدة الحقّ وتشعب الباطل والضّلال ، بل الإسلام كلّه مبتن على وحدة الفكر والمضمون.
وقد قال الإمام علي : وأن الباطل لو«خَلَصَ من مِزاج الحقّ لم يَخفَ على المُرتادينَ ، ولكن يؤخذ من هذا ضِغثٌ ، ومِن هذا ضِغث فيُمزجان ، فهنالك يستولي الشيطان على أوليائه ، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى».(3)
وقال عليهالسلام للحارث بن حوط الليثي : يا حارث إنك ملبوس عليك ، إن
_______________________________________
1. يونس : 321.
2. شرح الأخبار 2 : 124 ، الخصال : 585 ، سنن ابن ماجة 2 : 3993 / 1322 ، في الزوائد اسناده صحيح ورجاله ثقات ، سنن الترمذي 4 : 135 ، حديث غريب مفسر ، المستدرك على الصحيحين 1 : 129.
3. نهج البلاغة 1 : 99 ـ 100 خطبة 50 ، وشرح النهج 3 : 240.
الحق لا يعرف بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله.(1)
فإضفاء هالة من الأُبهّة على السلف هو الذي أوقع البعض في هذه المفارقات ، لأن الصحابة هم أُناس كسائر البشر يخضعون للمقاييس الإلهية ، فمن آمن بالله ورسوله وكتبه وأحكامه وسار على هداها فإنّما اهتدى لنفسه ، ومن ضل عن ذلك فإنّما يضل عليها.
فمجرد الصحبة للنبيصلىاللهعليهوآله ليست بعاصمة للصحابي عن مناقشة آرائه ومواقفه ، لأنّ مكانة النبيصلىاللهعليهوآله كالشمس المشعة ، ومن صاحبه كالمرايا ، فما صفا منها عكس ضوء النبوة بمقدار صفائه ، وما كدر منها لم يزده ضوء الشمس إلّا صدأً وتهرؤاً ، فالنقص إذن في المصاحِب لا المصاحَبصلىاللهعليهوآله .
والإمام علي بن الحسين زين العابدين قد مدح صحابة رسول الله الذين ثبتوا على منهاجهصلىاللهعليهوآله ولم يبدّلوا ولم يُغيّروا ، وذلك في دعائهعليهالسلام في الصلاة على اتباع الرسل ومصدّقيهم ، فقال :
اللّهم وأصحاب محمد خاصّة الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه ، وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له حيث اسمعهم حجة رسالاته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته ، وانتصروا به ، ومن كانوا منطوين على محبته ، يرجون تجارة لن تبور في مودته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته ، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك وأرضِهم من رضوانك. |
_______________________________________
1. تفسير القرطبي 1 : 340 ، وانظر وسائل الشيعة 27 : 135 / 32.
اللّهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ) خير جزائك ، الذين قصدوا سمتهم إلى آخر الدعاء.(1) |
كان هذا هو منهج أهل البيت في التعامل مع الصحابة ، وهو منهج صحيح يزن الأمور بميزانها ، لكنا نرى المنهج الآخر يخلط الأوراق ، فيجعل الطليق كالمهاجر والُمحَاصِر كالُمحَاصَر والمحقّ كالمبطل(2) فيقول وبكل جرأة : سيدنا معاوية حارب سيدنا علياً ، أو أن سيدتنا عائشة خرجت على سيدنا علي ، أو أن سيدنا يزيد قتل سيدنا الحسين ، إلى ما شابه ذلك من المفردات المتناقضة.
ومن تلك المفارقات التي يجب علينا الوقوف عندها ما يلهج به المنهج الآخر دوماً في النزاع بين أبي بكر وفاطمة الزهراء : إن سيدنا الصدّيق اختلف مع الصدّيقة في فدك وميراثها من رسول الله؟
بهذه التعابير والمفردات لبّسوا الأمر على بعض المسلمين ، فلا يُدرَى من هو الصادق في هذه الدعوى ومن هو الكاذب ، وذلك بتشويه معنى الصدّيق والصدّيقة منهما.
وعلى أي حال ، فلو كان أحدهما صادقاً فالآخر كاذب بلا كلام ، وكذا الحال بالنسبة إلى الصدّيقية ، ـ والتي تعني كمال الصدق في الحديث والتصديق لرب العالمين ولرسوله الكريمـفلا يمكن تصورها في الاثنين معاً ، لأنّا نرى كل طرف يكذّب الآخر إمّا تصريحاً وإمّا تلويحاً ؛ فالسيدة فاطمة الزهراء قد كذّبت أبا بكر
_______________________________________
1. الصحيفة السجادية : 43 ـ 42.
2. انظر ما قاله الإمام علي في رسالته إلى معاوية ( ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق ، ولا المحق كالمبطل ، ولا المؤمن كالمدغل ...) نهج البلاغة 3 : 18 / 17.
صراحة بقولها :لقد جئت شيئاً فريا ، وفي الجهة المقابلة لم يجرؤ أبو بكر على تكذيب الزهراءعليهاالسلام صراحة ، لكنه عمد إلى أُمور من لوازمها التكذيب.
والآن لنَسِرْ معاً ، برفقة هذه السطور لنقف على معنى الصدّيق لغة واستعمالاً.
*
الصدّيق مشتق من مادة (ص ، د ، ق) والصدق نقيض الكذب ، والصدّيق فعيّل ، والصدّيقة فعيّلة ، وتأتي للدلالة على كثرة اتصاف الموصوف بالصفة ، والمبالغة في الصدق والتصديق ، وهي أبلغ من الصدوق ، وقيل : إنه يطلق على الكامل في الصدق الذي يصدّق قوله عمله ، وقيل : إنه لمن لم يكذب قط.
وقد اشتهر عند أهل السنة والجماعة أنه لقب لأبي بكر بن أبي قحافة وإن كانت عندهم روايات تقول إنه لقب لعلي بن أبي طالب ، وهي توافق روايات الشيعة الإمامية الناصّة على أن«الصدّيق»لقب للإمام علي وأن القوم سرقوه وأعطوه لأبي بكر.
أما لقب الصدّيقة فقد أطلق في القرآن الكريم على مريم بنت عمران ، وجاء على لسان رسول الله أنّه لقب لفاطمة الزهراء وخديجة الكبرى ، وهناك محاولات لإضفاء هذا اللقب على عائشة ، لكنا سنثبت سقم تلك الدعوى لاحقاً.
ونحن لو أردنا الوصول إلى الحقيقة ليس لنا إلا تنقيح معنى الصدّيقية لنعرف هل أنها مرتبة معنوية ربانية ، أم أنّها ألقاب ممنوحة تقابل الألقاب الممنوحة اليوم لهذا أو ذاك؟
وهل هناك فرق بين ما يمنحه رسول الله وما يمنحه الآخرون ، بل هل يعقل أن تكون الألقاب المعطاة من قبل الله ورسوله قد أعطيت جزافاً وبمجرد واقعة ، أم أن وسم النبيّ لشخص بسمة ما يدلّ على امتلاكه لها واقعاً ؟
وهل إن الألقاب تعطى طبقاً للمؤهلات والماهيات ، أم تشجيعاً وترغيباً للأشخاص؟
ولِمَ لم يُمنح أبا ذر لقب الصدّيق مع كونه أصدق ذي لهجة حسب تعبير الرسول الأمين؟
بل ماذا تعني الصدّيقية وهل إنّ للصدّيق مراتب وأقسام :
قال ابن البطريق (ت 600 هـ.) في العمدة :
الصدّيق ينقسم إلى ثلاثة أقسام .. 1 ـ صدّيق يكون نبياً. 2 ـ صدّيق يكون إماماً. 3 ـ صدّيق يكون عبداً صالحاً ، لا نبي ولا إمام. فاما ما يدل على أول الأقسام فقوله سبحانه وتعالى :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) وكل نبي صديق ، وليس كل صديق نبياً ، وقوله تعالى :( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) . وأما ما يدل على كون الصدّيق إماماً ، فقوله تعالى :( فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ) . فذكر النبيين ثم ثنى بذكر الصدّيقين ، لأنه ليس بعد النبيين في الذكر أخص من الأئمة. ويدل عليه أيضاً الأخبار الواردة بأنّ الصدّيقين ثلاثة : حبيب وحزقيل وعلي وهو أفضلهم ، فلما ذكر عليّاًعليهالسلام مع هذين المذكورين دخل معهما |
في لفظة الصدّيقين وهما ليسا بنبيين ولا إمامين ، فأراد إفرادهعليهالسلام عنهما بما لا يكون لهما وهي الإمامة ، فقالصلىاللهعليهوآله : وهو أفضلهم. فليس في لفظة الصدّيق بينهم تفاضل ، لأنهصلىاللهعليهوآله قال : الصدّيقونثلاثة ، فقد استووا في اللفظ ، فأراد الإخبار عن اختلافهم في المعنى وهواستحقاق الإمامة فقال : وهو أفضلهم ، تنبيها على كونهعليهالسلام صديقاً إماماً.(1) |
وبما أن البحث في أطراف هذه المسألة يستوجب بيان عدة مسائل ويستدعي التّدرج في طرحها ، كان لا بدّ من الوقوف على الصادق والكاذب ، ثمّ الوقوف على الصدّيقيّة وأنّها في أيّ الطرفين تكون.
وقبل كل شيء يجب أن نذكّر بأن النبي محمد بن عبداللهصلىاللهعليهوآله كان يُلّقب في الجاهلية بالصادق الأمين ، وأنّ السيدة خديجة الكبرى وابنتها فاطمة الزهراء لقبت كل واحدة منهما من قبل رسول الله بالصدّيقة ، وقد أنجب الصدّيق علي بن أبي طالب من الصدّيقة فاطمة الزهراء أولاداً مطهرين صادقين هم أئمة المسلمين الذين طهّرهم رب العالمين في آية التطهير ، وأمر باتباعهم في قوله :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، وقد حدثت وما زالت تحدث محاولات فاشلة لتحريف هذا
_______________________________________
1. العمدة : 223.
2. انظر تفسير القمي 1 : 307 ، تفسير فرات 137. أي كونوا مع علي وأولاد علي ، وقد روى هذا المعنى كل من :
الإمام الباقر ، كما في الدر المنثور 3 : 290 ، وفتح القدير 2 : 395 ، وشواهد التنزيل 1 : 260 آية 55 ح 353 وكفاية الطالب : 235 ـ 236.
والإمام الصادق كما في شواهد التنزيل 1 : 259 آية 55 ح 350 وغاية المرام : 248 عن أبي نعيم الاصفهانى.
وعبداللهبن عباس كما في مناقب أمير المؤمنين للخوارزمي : 198 وشواهد التنزيل 1 : 262 آية 55 ح 356 ، والدر المنثور 3 : 290 ، وفتح القدير 2 : 395.
وعبداللهبن عمر كما في شواهد التنزيل 1 : 262 آية 55 ح 357.
اللقب عنهم ، ولكن أنّى للمحرفين ذلك؟! حيث إنهم صلوات الله عليهم كانوا في أصلاب شامخة وأرحام مطهرة لم تنجسهم الجاهلية بأنجاسها ولم تلبسهم من مدلهمات ثيابها.(1) إذ عُرف جدهم بالصادق الأمين في الجاهلية ، لصدقه ووفائه بالمواثيق والعهود ، وكانت العرب تحترمه وتجله وتتحاكم إليه لأنه لا يداري ولا يماري ،(2) وقد اشتركصلىاللهعليهوآله في حلف الفضول وعمره لا يتجاوز العشرين عاماً مناصرة للمظلوم أمام الظالم(3) ووفاءً للعهود والمواثيق.
وقد حُكّمصلىاللهعليهوآله بين القبائل في وضع الحجر الأسود ، وذلك بعد أن أتمت القبائل تجديد البيت الحرام ، فتنازعوا بينهم في الذي يضع الحجر مكانه ، فاقترح أبو أُمية بن المغيرةـوالد أم سلمةـأن يُحكّموا أول داخل عليهم منباب السلام ، فإذا بمحمد بن عبداللهصلىاللهعليهوآله دخل ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا.
فأُخبرصلىاللهعليهوآله الخبر ، فبسط إزارهـوفي نص طلب ثوباً ـثم أخذ الحجر فوضعه
_______________________________________
ومقاتل ابن سليمان كما في شواهد التنزيل 1 : 262 آية 55 ح 356. وجاء في التفسير المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله :( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ) فعن أبي جعفر( مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ) حمزة وجعفر( وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ) علي بن أبي طالب.
1. فعن رسول الله : انا دعوة أبي إبراهيم. (مسند الشاميين 2 : 341 ، تفسير الطبري 1 : 773 ح 1707 ، الجامع الصغير 1 : 414 ح 703 ، شواهد التنزيل 1 : 411 ح 435.
وعنهصلىاللهعليهوآله : نقلت من كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح ، وما مسني عرق سفاح قط ، وما زلت أنقل من الأصلاب السليمة من الوصوم البرية من العيوب (شرح نهج البلاغة 11 : 70).
وروى أحمد في فضائل الصحابة 2 : 662 عن النبي أنه قال : خلقت أنا وعلي بن أبي طالب من نور واحد قبل أن يخلق الله آدم فلمّا خلق الله آدم أسكن ذلك النور في صلبه إلى أن افترقنا في صلب عبد المطلب فجزء في صلب عبدالله، وجزء في صلب أبي طالب.
2. السيرة الحلبية 1 : 145.
3. طبقات ابن سعد 1 : 129 ، المنمق : 52 ـ 54.
فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ، ثم رفعوه جميعاً ، فلما حاذى الموضع ، أخذه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بيده الشريفة فوضعه في مكانه.(1)
وجاء عنه فيما روته بعض كتب العامة أنه قال عند الصفاـفي بداية دعوته المباركة ـ :
يا بني فهر ، يا بني عدي ، يا بني عبد المطلب ، وذكر الأقرب فالأقرب حتى اجتمعوا ، ومن لم يستطع أن يخرج إليه أرسل رسولاً لينظر له ما يريد ، فقالصلىاللهعليهوآله : « أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً في سفح هذا الجبل قد طلعت عليكم أكنتم مصدقي » ؟ فقالوا بلسان واحد : نعم ، أنت عندنا غير متّهم ، وما جربنا عليك كذباً قط. قالصلىاللهعليهوآله : إني نذير لكم من عذاب شديد ، يا بني عبدالمطلب ، ويا بني عبد مناف ، ويا بني زهرة ، ويا بني تيم ، ويا بني مخزوم وأسد ، ومضى يعدد جميع قبائل مكة وفروعها ، ثم قال : إن الله أمرني أن أنذركم من عقابه ، وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا في الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا : لا اله إلّا الله. فنهض أبو لهب ـ وكان رجلاً بدينا سريع الغضب ـ وصاح به : تَبّاً لك ، سائر اليوم ، ألهذا جمعت الناس؟ وتفرقوا عنه يتشاورون في أمره.(2) |
بلى ، إن القبائل العربية عارضته وكذبته لا لنفسه ، بل لما جاءهم به من أفكار وآراء عن الكون والحياة ، والتي لم يكن لهم بها عهد من قبل ، فصار شأنه شأن باقي المرسلين المكَذّبين من قِبَلِ أقوامهم ، فكان مثل قومه كمثل قوم نوح ، وعاد ،
_______________________________________
1. السيرة النبوية لابن هشام 1 : 209 ، تاريخ الطبري 2 : 41 البداية والنهاية 2 : 303 ، شرح نهج البلاغة 14 : 129.
2. انظر صحيح البخاري 6 : 95 ، في تفسير الآية :( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ) ، وصحيح مسلم 1 : 134.
وثمود ، ولوط وأصحاب الرس إذ قال تعالى :( وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُوَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ) .(1)
إذا قومه لم يرموهصلىاللهعليهوآله بالكذب الذاتي والخيانة والظلم ، بل رموه بالسحر والكذب المستجدّ بزعمهم ؛ لعدم دركهم كنه الإعجاز ، ونعتوه بمجنون لما كانوا يرون عليه من ثقل الوحي ، وفي هذا غاية الوضوح في أنّ العرب كانت تعرف صدقه ، وأمانته ووفاءه وحكمتهصلىاللهعليهوآله قبل الإسلام.
فالصادق والصدّيق إذا قبل كل شي هو لقب لرسول الله والأنبياء والمرسلين من قبله كإبراهيم ، وإدريس ، وإسماعيل ، وموسى ، وعيسى ؛ لقوله تعالى عن رسول الله :( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) ،(2) وقوله سبحانه عن إبراهيم : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) ،(3) وقوله عنه أيضاً :( وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا * وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ) ،(4) وقوله عن إدريس :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) ،(5) وقوله عن إسماعيل :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) (6) وقوله عن موسى :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ) .(7)
_______________________________________
1. سوره الحج 22 : 42 و 43.
2. سورة الزمر : 33.
3. سورة مريم : 41.
4. سورة مريم : 49 ، 50.
5. سورة مريم : 56.
6. سورة مريم : 54.
7. سورة مريم : 51.
إذاً الصدّيقية هي إحدى الصفات ومميّزات الاصطفاء ، فهي تكون أولاً للأنبياء والمرسلين ، ثم للأوصياء والصالحين ، لما مرَّ عليك في الآيات السابقة ، ولقوله تعالى :( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ ) ،(1) وهذا التخصيص بعد البيان يشير إلى أن الكاذبين من الذين آمنوا لا يمكن أن يكونوا صدّيقين ، بل المعنيُّ بهذه الآية هم آل البيت لكونهم صادقين وصدّيقين حسبما يأتي تفصيله.
روى ابن شهرآشوب في مناقب آل أبي طالب عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ) .
( مِّنَ النَّبِيِّينَ ) يعني محمدا( وَالصِّدِّيقِينَ ) يعني علياً ، وكان أوّل من صدّقه ، ( وَالشُّهَدَاءِ ) يعني علياً وجعفراً ، وحمزة والحسن والحسينعليهمالسلام .
ثمّ قال :
النبيّون كلهم صدّيقون ، وليس كل صدّيق نبياً ، والصدّيقون كلهم صالحون ، وليس كل صالح صدّيقاً ، ولا كل صدّيق شهيد.
وقد كان أمير المؤمنين صدّيقاً ، شهيداً ، صالحاً ، فاستحق ما في الاثنين من وصف سوى النبوة.
وكان أبو ذر يحدث شيئاً فكذبوه ، فقال النبيصلىاللهعليهوآله : ما أظلت الخضراء [ على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ] فدخل وقتئذ عليعليهالسلام فقالصلىاللهعليهوآله : ألا أن هذا الرجل المقبل فإنّه الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم.(2)
_______________________________________
1. سورة الحديد : 19.
2. المناقب لابن شهرآشوب 3 : 89 ـ 90.
وبما أنّ الرسول المصطفى هو الصادق الأمين ، الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، فكل ما يقوله عن الآخرين هو الحق ، فيكون تلقيبه للآخرين بالألقاب غير متأتٍّ عن أحاسيس وعواطف ، بل لما يحمله الآخرون من صفات وممّا لا يمكن إنكاره هو إن الإسلام انتشر وفق عاملين أساسين :
أحدهما : أموال خديجة.
وثانيهما : سيف أمير المؤمنين علي.
وبما أنّ هاتين الشخصيتين كانتا أول من آمن بمحمد بن عبداللهوصدّقه في رسالته وبذلا الغالي والنفيس في نشر دعوته ، نرى الرسول الأمين قد لقب أولهما بالصدّيقة ، والثاني بالصدّيق ، لكثرة تصديقهما لرسول الله في كل قولٍ وفعل ، أي أن مصداقية الصدّيقية تؤخذ من فم الرسولصلىاللهعليهوآله بناءً على كمالاتهم الذاتية وسيرتهم ، ولا يمكن إطلاق الألفاظ جزافاً بعيداً عن الذات والسيرة ، وهذا أقل ما يقال.
فقد جاء في تاريخ دمشق : عن الضحاك ومجاهد ، عن ابن عمر قال :
نزل جبرئيل على رسول الله بما أرسل به ، وجلس يحدث رسول الله إذ مرت خديجة بنت خويلد ، فقال جبرئيل : من هذه يا محمد؟
قال: «هذه صدّيقة أُمتي».
قال جبرئيل : معي إليها رسالة من الرب : تبارك وتعالى يقرئها السلام ويبشرها ببيت في الجنة من قصب بعيد من اللهب لا نصب فيه ولا صخب قالت : الله السلام ومنه السـلام والسـلام عليكما ورحمـة الله وبـركاته على رسول الله ، ما ذلك البيت الذي من قصب؟ قال : لـؤلـؤة جوفاء بين بيت مريـم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم وهما من أزواجي يوم القيامة.(1)
_______________________________________
1. تاريخ دمشق 7 : 118 وعنه في البداية والنهاية 2 : 62 ، وقد روي هذا الخبر في كتب الفريقين
وهذا السلام من الربّ الجليل يُعلم أفضلية خديجة على من سواها من نساء النبيّ وهو مشعر بمرتبتها العالية ، لأنّ إبلاغ السلام لا يأتي إلّا للمعصوم أو من بلغ مرتبة العصمة كسلمان وأبو ذر وعمار ، نعم انهم حكوا هذا السلام لآخرين لكن التحقيق والبحث في سيرتهم يثبت عدم صحة تلك النقول.
قال العسقلاني في فتح الباري وعند شرحه لهذا المقطع : «فقالت : هو السلام وعن جبرائيل السلام وعليك يا رسول الله السلام» :
قال العلماء : في هذه القصة دليل على وفور فقهها ، لأنّها لم تقل « وعليه السلام» كما وقع لبعض الصحابة فعرفت خديجة لصحة فهمها أن الله لا يردّ عليه السلام كما يرد على المخلوقين.(1)
وروى الحاكم النيسابوري بإسناده عن أنس : أنّ النبي قال : « حسبك من نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسيه امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ».(2)
وفي سنن الترمذي عن عبداللهبن جعفر قال : سمعت علي بن أبي طالب
_______________________________________
بأسانيد وأشكال متعددة ، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة في صحيحه 4 : 231 / كتاب بدء الخلق / باب تزويج النبيّصلىاللهعليهوآله خديجة (رض) وفيه إشارة مقتضبة ، وفي سيرة ابن هشام 1 : 159 عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب ، وفيه : الله السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبرائيل السلام.
ورواه الدولابي في الذرية الطاهرة : 36 عنه ، ووالحاكم في مستدركه 3 : 186 ، عن أنس ، وفيه : إنّ الله هو السلام ، وعليك السلام ، ورحمة الله وبركاته ، قال : حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وفي المعجم الكبير 23 : 15 ، والسنن الكبرى للنسائي 5 : 94 / 8359 ، عن أنس أيضاً وعنه في الإصابة 8 : 102 ، وفيه : إن الله هو السلام ، وعلى جبرائيل السلام ، وعليك السلام.
وفي تفسير العياشي 2 : 279 / 12 عن أبي سعيد الخدري ، وعنه في بحار الأنوار 16 : 7.
1. فتح الباري 7 : 105.
2. المستدرك على الصحيحين 3 : 157 ورواه الترمذي 5 : 367 رقم 3981 في أبواب المناقب ، مسند أحمد3 : 135 ، أخبار اصبهان 2 : 117.
يقول : سمعت رسول الله يقول : خير نسائها خديجة بنت خويلد ، وخير نسائها مريم بنت عمران.(1) وكانت السيدة خديجة وزيرة صدق للنبيصلىاللهعليهوآله (2) وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة.(3)
وجاء في فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل(4) وتاريخ دمشق(5) وغيرهما(6) بالإسناد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه ، قال : قال رسول الله : « الصدّيقون ثلاثة : حبيب بن موسى النجارـمؤمن آل ياسينـالذي قال :( يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ، وحزقيلـمؤمن آل فرعونـالذي قال :( أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا ) ، وعلي بن أبي طالب الثالث وهو أفضلهم ».
وفي سنن ابن ماجة بسنده عن عبّاد بن عبدالله، قال : قال علي : أنا عبدالله وأخو رسولهصلىاللهعليهوآله ، وأنا الصدّيق الأكبر ، لا يقولها بعدي إلا كذّاب ، صليت قبل الناس بسبع سنين. في الزوائد. هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات ، رواه الحاكم في المستدرك عن المنهال وقال : صحيح على شرط الشيخين.(7)
_______________________________________
1. سنن الترمذي 5 : 367 ح 3980 فضل خديجة ، مسند أحمد 1 : 116 ، صحيح البخاري 4 : 138 بتقديم وتأخير.
2. البداية والنهاية 3 : 157 ، فتح البارى 7 : 148 ، والذرية الطاهرة للدولابي : 40 ، اسدالغابة 5 : 439.
3. مجمع الزوائد 97 : 218 ، فتح البارى 7 : 100 ، المعجم الكبير 22 : 448 ، اسدالغابة 5 : 434 ، تاريخ دمشق 3 : 131 ، البداية والنهاية : 329 ، السيرة النبوية لابنكثير 4 : 608.
4. فضائل الصحابة 2 : 655 و 267.
5. تاريخ دمشق لابن عساكر 42 : 43 و 313.
6. الفردوس بماثور الخطاب 2 : 421 ، فيض القدير 4 : 238 ، كنز العمال 11 : 601 ، شرح النهج 9 : 172 ، مناقب ابن شهرآشوب 2 : 286 ، الجامع الصغير 2 : 115 ، الدرالمنثور 5 : 262 وشذّ القرطبي في تفسيره 15 : 306 عن جميع المحدثين والمفسرين فذكر أن الثالث هو أبو بكر لا علي.
7. سنن ابن ماجة 1 : 44 ، مصباح الزجاجة 1 : 22 ، السيرة النبوية لابن كثير 1 : 431 ، المستدرك
وعن معاذة العدوية ، قالت : سمعت علياً رضي الله عنه يخطب على المنبر وهو يقول : أنا الصدّيق الأكبر ، آمنتُ قبلَ أن يُؤمن أبو بكر ، وأسلمتُ قبل أنيُسلم.(1)
وفي الإصابة لابن حجر وأسد الغابة لابن الأثير عن أبي ليلى الغفاري ، قال : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : « سيكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالتزموا علي بن أبي طالب ، فإنه أول من آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأُمة ، وهو يعسوب المؤمنين ».(2)
وفي تاريخ دمشق بإسناده عن ابن عباس أنه قال : « ستكون فتنة فمن أدركها منكم فعليه بخصلتين : كتاب الله وعلي بن أبي طالب ، فإني سمعت رسول الله يقول وهو آخذ بيد علي : هذا أول من آمن بي ، وأول من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأُمة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتى منه ، وهو خليفتي من بعدي ».(3)
وعن أبي سخيلة قال : حججت أنا وسلمان ، فنزلنا بأبي ذر ، فكنّا عنده ماشاء الله ، فلما حان منا خفوف ، قلت : يا أبا ذر إني أرى أموراً قد حدثت ، وإني خائف
_______________________________________
للحاكم 3 : 111 ، المصنف لابن أبى شيبة 7 : 498 ، الآحاد والمثانيللضحاك 1 : 148 ، السنة لابن أبي عاصم 584 ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 106 ، خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 46 ، تاريخ الطبري 2 : 56 ، تهذيب الكمال 22 : 514 ، شرح النهج 13 : 200 ، وفيه : وفي غير رواية الطبري أنا الصدّيق الأكبر وأنا الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام أبي بكر ، وصليت قبل صلاته بسبع سنين ؛ كأنّهعليهالسلام لم يرتضِ أن يذكر عمر ولا رآه أهلاً للمقايسة بينه وبينه ، وذلك لأن إسلام عمر كان متأخراً.
1. الآحاد والمثاني للضحاك 1 : 151 ، التاريخ الكبير للبخاري 4 : 23 ، تاريخ دمشق 1 : 62 الرقم 88. 42 : 33 ، المعارف لابن قتيبة في إسلام أبي بكر : 73 أنساب الأشراف 2 : 146 الرقم : 146 ، مناقب آل أبي طالب 1 : 289 ، شرح نهج البلاغة 13 : 240 ، كنز العمال 13 : 164 الرقم 36497 ، سمط النجوم العوالي 2 : 476 الرقم 8 وغيرها.
2. الإصابة 7 : 293 ، أُسد الغابة 5 : 287 ، ونحوه عن ابن عباس انظر اليقين لابن طاووس : 500.
3. تاريخ دمشق 42 : 42 و 43 ونحوه عن أبي ذر انظر ص 41 من المجلد 42.
أن يكون في الناس اختلاف ، فإن كان ذلك فما تأمرني؟ قال : الزم كتاب الله عزوجل وعلي بن أبي طالب ، فأشهد أني سمعت رسول الله يقول : علي أولمن آمن بي ، وأول من يصافحني يوم القيامة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو الفاروق يفرق بين الحق والباطل.(1)
وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله إنه قال لعليعليهالسلام : «أُوتيت ثلاثاً لم يؤتهن أحد ولا أنا : أُوتيتَ صهراً مثلك ولم أُوت أنا مثلي ، وأُوتيت زوجةً صدّيقة مثل ابنتي ولم أُوتَ مثلها زوجةً ، وأُوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم أُوت من صلبي مثلهما ، ولكنكم مني وأنا منكم».(2)
وهذا الحديث واضح الدلالة للغاية في أنّ السيّدة البتول ، فاطمة الزهراء سلام الله عليها ، صدّيقة ؛ إذ قد مر عليك أنّ خديجة سلام الله عليها صدّيقة بنص النبوة ، والحديث أعلاه ينص على أنّ فاطمة أفضل منها ، فالرسولصلىاللهعليهوآله قال : ولم أوتَ مثلهاـأي مثل فاطمةـزوجة ، ومجموع ذلك يكشف لنا أنّ مرتبة الصدّيقية ليست واحدة بل هي مراتب ، لخديجة مرتبة ، ولفاطمة الزهراء مرتبة أعلى منها.
وعنهصلىاللهعليهوآله في حديث طويل : «يا علي ، إني قد أوصيت فاطمة ابنتي بأشياء وأمرتها أن تلقيها إليك ، فأنفذها فهي الصادقة الصدّيقة ، ثم ضمها إليه وقبَّل رأسها ، وقال : فداك أبوك يا فاطمة».(3)
وعن مفضَّل بن عمر قال : قلت لأبي عبداللهعليهالسلام : من غسَّل فاطمةعليهاالسلام ؟ قال : ذاك أمير المؤمنينعليهالسلام ، فكأنّما استضقت ذلك من قوله ، فقال لي : كأنك ضقت مما أخبرتك به؟! فقلت : قد كان ذلك جعلت فداك ، فقال : لا تضيقنّ فإنها صدّيقة
_______________________________________
1. تاريخ دمشق 41 : 42 ، المعجم الكبير 6 : 269 ، مجمع الزوائد للهيثمى 9 : 102.
2. الرياض النضرة 2 : 202 كما في الغدير 2 : 305.
3. كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد : 120 ، بحار الأنوار 2 : 491.
لم يكن يغسلها إلا صدّيق ، أما علمت أنّ مريم لم يغسلها إلا عيسى؟(1)
وعن علي بن جعفر ، عن أخيه أبي الحسنعليهالسلام قال : إن فاطمةعليهاالسلام صدّيقة شهيدة.(2)
فالصدّيقة الكبرى خديجة سلام الله عليها أنجبت من الصادق الأمينـمحمّد بن عبد اللهـالصدّيقة فاطمـة الزهـراء ، وقد زُوّجت سلام الله عليها من الصدّيق علي بن أبي طالب. فكانا هما عليهما السلام ملتقى الانـوار ومجـمع البحـرين.
وقد مرّ عليك أن الإمام عليّاً والصدّيقة خديجة الكبرى هما اللذان صدّقا بالرسول حينما كذبه الناس ، وقد أكد رسول الله لعائشة ذلك حينما غارت من خديجة ، بقولها :
ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت ، قد أبدلك الله خيراً منها ،(3) فتغير وجه رسول الله تغيّراً لم أره تغـيّر عند شـيء قط إلّا عند نزول الوحي أو عند المخـيلة حتى يعلم رحمة أو عـذاباً ،(4) فقالصلىاللهعليهوآله : لا تقولي ذلك ، فقد صدقتنـي إذ كذبَـني النـاس ،(5) إلى آخـر الخبر.
وجاء عن الصحابة والتابعين في تفسير قوله تعالى( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) بأن( الَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ) هو رسول الله ، والذي( صَدَّقَ بِهِ )
_______________________________________
1. الكافي 1 : 459 / ح 24 ، 3 : 159 / ح 13 ، علل الشرائع : 184 / ح 1 ، التهذيب 1 : 440 / ح 1422 ، الاستبصار 1 : 199 / ح 15703.
2. الكافي 1 : 458 / ح 12 ، ومرآة العقول 5 : 315 وفيه كلام للمجلسي على أن الصدّيقة تعني العصمة فراجع.
3. صحيح البخاري 4 : 231 كتاب بدء الخلق / باب تزويج النبيصلىاللهعليهوآله خديجة وفضلها ، صحيح مسلم 7 : 134 مستدرك الحاكم 4 : 286 ، مسند ابن راهويه 2 : 587 ، صحيح بن حبان 15 : 468 ، سير أعلامالنبلاء 2 : 117.
4. مسند أحمد 6 : 15 ، 154 ، البداية والنهاية 3 : 158.
5. المعجم الكبير 12 : 23 ، الإفصاح للمفيد : 217 ، التعجب للكراجكي : 37.
علي بن أبي طالب.(1)
وعن علي بن أبي طالبعليهالسلام في قوله تعالى( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ) قال : الصدق ولايتنا أهل البيت.(2)
فاتباع الاتجاه الحاكم لم يرق لهم إطلاق هذا اللقب على فاطمة وخديجة وعلي ، فجدّوا لتحريف هذه الحقيقة إلى آخرين ، فلقبوا أبا بكر بالصدّيق وعائشة بالصدّيقة وفسروا قوله تعالى( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) أي كونوا مع أبي بكر وعمر(3) !!!! وضعفواـأو أعرضوا عمداً عنـالأخبار الناصّة على أنّ الإمام عليّاً هو الصدّيق.
فنحن نريد هنا أن نسلط بعض الضوء على سيرة أبي بكر وعائشة ، لنرى هل حقاً أنهما كانا يحملان صفات وسمات الصدّيق والصدّيقة؟ أم أنها أعطيت لهما طبقاً لقناعات وظروف لاحقة؟
_______________________________________
1. وقد روى هذا المعنى ابن عباس كما في شواهد التنزيل 2 : 180 آية 140 ، ح 813 و 814.
وأبو هريرة كما في الدر المنثور 5 : 328.
وأبو الطفيل كما في شواهد التنزيل 2 : 181 آية 140 ح 815.
وأبو الأسود كما في البحر المحيط 7 : 411.
ومجاهد كما في البحر المحيط 7 : 411 ، تفسير القرطبي 15 : 256 ، وشواهد التنزيل 2 : 180 آيه 140 ح810 و 811 و 812 ، ومناقب الإمام علي لابن المغازلي 269 ح 317 وترجمة الإمام أمير المؤمنين من تاريخ دمشق 42 : 359 ، 360.
2. الامالي للطوسي : 364 ، المجلس 13 ح 17 ، مناقب ابن شهرآشوب 2 : 288 ، البحار 24 : 37 ، الزمر 11.
3. تفسير الطبري 11 : 84 ، زاد المسير لابن الجوزي 3 : 349 ، تفسير القرطبي 8 : 288 ، الدر المنثور 3 : 289 ، فتح القدير 2 : 414 ، تاريخ دمشق 30 : 310 ، 337. 42 : 361.
4. انظر ضعفاء العقيلي 2 : 130 ، 137 ، الكامل لابن عدي 3 : 274 ، الموضوعات لابن الجوزي 1 : 341 ، فانهم ضعفوا هذا الخبر اتباعاً لعمر الذي هدد الإمام عليّاً إن لم يبايع ، فقالعليهالسلام : إذا تقتلون عبداللهوأخا رسوله فقال عمر : أما عبداللهفنعم ، وأما أخو رسوله فلا.
فالصدّيق إن لم يكن نبياً أو وصياً يجب عليه أن يكون ممن صدّق الرسالة بكل وجـوده وآمن برسالة السـماء إيمان قلب وعقيدة ، لا أن يكون مشككاً في الرسالة ، كما في كلام الصدّيقة عائشة!! حيث أنها وبعد تشكيكها بعدالة الرسول قالت : ألست تزعم أنك رسول الله؟ فلطمها أبوها في وجهها.(1)
وقالت مرّة أُخرى للنبيّصلىاللهعليهوآله : اتق الله ولا تقل إلّا حقّاً ، فرفع أبو بكر يده فرشم أنفها وقال : أنتِ لا أُم لكِ يا بنة أُم رومان تقولين الحق أنت وأبوكِ ، ولا يقولها رسول اللهصلىاللهعليهوآله .(2)
والصدّيقة هي التي لا تكذب بتاتاً ـحتى على ضرتهاـوذلك لا يتماشى مع ما جاء في الاستيعاب لابن عبد البر والإصابة لابن حجر من : أن رسول الله تزوج أسماء بنت النعمان ، فقالت حفصة لعائشة أو عائشة لحفصة : اخضبيها أنت ، وأنا أُمشطها ، ففعلن ، ثم قالت إحداهما لأسماء : إن النبي يعجبه من المرأة إذا دخلت عليه أن تقول : أعوذ باللهمنك.
فلما دخل رسول الله عليها وأرخى الستر مد يده إليها ، فقالت : أعوذ بالله منك ، فتلّ بكمه على وجهه(3) واستتر ، وقال : عُذتِ معاذاً ، ثلاث مرات ، ثم ألحقها بأهلها.(4)
_______________________________________
1. مسند أبي يعلى 8 : 130 / ح 4670 ، مجمع الزوائد 4 : 322 ، المطالب العالية لابن حجر 8 : 188 / باب كيد النساء / ح 1599.
2. سبل الهدى والرشاد 11 : 173 عن ابن عساكر بسنده عن عائشة ، وانظر عين العبرة : 45 والطرائف : 492 عن إحياء العلوم للغزالي 2 : 43.
3. أي أرخى بكمه على وجهه.
4. الاستيعاب 4 : 1785 ، ت 3232 ، الإصابة 8 : 20 ت 10815 ، المستدرك للحاكم 4 : 36 ، الطبقات
ألا تعدّ مثل هكذا ممارسات من عائشة ضمن الأعمال البعيدة عن حريم الصادقين ، لان فيها تفريقاً بين المرء وزوجه.
ولا أدري كيف يقبل المسلم أن تكون عائشة هي الصدّيقة وهو يعلم بنزول سورة التحريم في شأنها ، وأنها هي التي ألزمت رسول الله أن يحرم على نفسه ما أحل الله له فيما هو مطروح.
وكيف بصدّيقة كعائشة أن تتظاهر مع حفصة على النبي حتى أنزل سبحانه وتعالى فيهما قوله :( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ) .(1)
وقد سأل ابن عباس عمر بن الخطاب بقوله : من المرأتان المتظاهرتان على رسول الله؟ فما قضى كلامه حتى قال : عائشة وحفصة.(2)
وقد عيّر عثمان عائشة بذلك ، فقد أخر عثمان عن عائشة بعض أرزاقها فغضبت ، ثم قالت : يا عثمان أكلت أمانتك ، وضيعت الرعية ، وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك ، واللهلولا الصلوات الخمس لمشى إليك أقوام ذوو بصائر يذبحونك كما يذبح الجمل ، فقال عثمان :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ) (3) الآية.
_______________________________________
8 : 145 ، المحبر : 95 ، المنتخب من ذيل المذيل : 106.
1. التحريم : 3 ـ 4.
2. تفسير الطبري 28 : 207 ح 26678 ، صحيح البخاري 6 : 69 ، تفسير سورة التحريم الباب 3 و 4 و ج 7 : 46 كتاب اللباس ، باب ما كان يتجوز رسول الله من اللباس والزنية ، صحيح مسلم 4 : 190ـ192 ، كتاب الطلاق ، باب في الإيلاء واعتزال النساء ، مسند أحمد 1 : 48.
3. المحصول للرازي 4 : 343 ، الفتوح 2 : 421.
بل كيف بصدّيقة تتنابز بالألقاب(1) وتغتاب مؤمنة(2) .قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ) نزل في نساء النبيّ يسخرن من أم سلمة عن أنس. وابن عباس : ان أم سلمة ربطت حقويها بسبنّية(3) وسدلت طرفها ، وكانت تجرّ ، فقالت عائشة لحفصة : انظري ما تجر خلفها ، كأنه لسان كلب.(4)
وقيل : إنّها عيرتها بالقصر ، وأشارت بيدها أنها قصيرة.
بل هل يعقل بصدّيقة أن تتطبع بطبائع غير مشروعة وقبيحة كالحسد. جاء في سنن الترمذي عن عائشة أنها قالت : ما حسدت امرأة ما حسدت خديجة ، وما تزوجني رسول الله إلّا بعد ما ماتت ، وذلك إن الله بشرها ببيت في الجنة منقصب لا صخب فيه ولا نصب.(5) بل لِمَ يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله؟! فلو كانت عائشة هي الصدّيقة حقا فهل يمكن أن يعدها رسول الله مع بقية زوجاته ويقول عنهن (إنكن صويحبات يوسف).(6) بل كيف بعائشة الصدَّيقة!! تعترض على ما نزل من قبل رب العالمين( تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ
_______________________________________
1. قال سبحانه وتعالى :( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ ) الحجرات : 11.
2. قال سبحانه وتعالى( وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ) الحجرات : 12.
3. السبنية : ضرب من الثياب ، تتخذ من مشاقة الكتان. منسوب إلى موضع بناحية المغرب يقال له : سبن.
4. الكشاف 4 : 373 ، تفسير القرطبي 16 : 326 ، زاد المسير 7 : 182 ، تفسير بحر المحيط 8 : 112.
5. سنن الترمذي 5 : 366 ح 3979 فضل خديجة.
6. إحياء علوم الدين 4 : 47 ، المسترشد في الإمامة : 141 وجاء عن صحيح البخاري 1 : 165 ، كتاب الإذن ، باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة ، وصحيح مسلم 2 : 25 ، كتاب الصلاة ، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم ، وسنن الدارمي 1 : 39 ، باب في وفاة النبي ، بلفظ« وصواحب يوسف» .
مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ) (1) وتقول متهكـمـة لـرسـول الله : واللهما أرى ربّـك إلا يسـارع لك في هـواك.(2)
وهل حقا أن رسـول الله كان يتّبع هواه أو أنّ الباري سبحانه كان يسارع للنبي في هـواه!! ألم يكن في كلامها ازدراء بالرسول والرسالة ، وهل هذه هي المعرفة الحقّة المرجوّة من الصدّيقة؟! بل هل أن رب محمد يختلف عن رب عائشـة حتى تخاطبه وتقول : ما أرى ربّك إلّا يسـارع لك في هواك.
وهل الصدّيقة يؤثر فيها الهوى وتغلب عليها غيرة النساء ، فتكتم الحقوتخبر بغير الصدق؟!
إن النبيصلىاللهعليهوآله أرسل عائشة لتنظر إلى امرأة أراد أن يخطبها ، فذهبت ثم رجعت فقالصلىاللهعليهوآله ما رأيتِ؟
قالت : ما رأيتُ طائلاً.
قال لها رسول الله : لقد رأيتِ خالاً بخدها اقشعرت منه ذؤابتك.
فقالت : ما دونك سر ، ومن يستطيع أن يكتمك.(3)
كانت هذه صورة إجمالية عن الصدّيقة عائشة ، وأراها كافية في رسم شخصيتها والوقوف على التمايز بينها وبين فاطمة الزهراء أو خديجة الكبرى. وقد يكون في الخبر الآتي ما يجسم نفسية عائشة والفرق بينها وبين فاطمة وخديجة :
_______________________________________
1. الأحزاب : 51.
2. صحيح مسلم 5 : 174 ، كتاب الرضاع ، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ، صحيح البخاري 6 : 24 ، كتاب التفسير ، تفسير سورة الأحزاب ، وفي كتاب النكاح ، باب هل للمرأة أن تهب نفسها 6 : 128 ، تفسير الطبري 22 : 33 ، تفسير ابن كثير 3 : 508.
3. تاريخ بغداد 1 : 317 ، تاريخ دمشق 51 : 36 ، ذكر أخبار إصفهان 2 : 188 ، كنز العمال 12 : 418 ح 35460 ، وانظر طبقات ابن سعد 8 : 161 ، سبل الهدى والرشاد 11 : 235.
فقد جاء في تاريخ دمشق : إنّ عائشة زوج النبي رأت النبي يقطع اللحم لفاطمة وابنيها ، فقالت : يا رسول الله لابنة الحمراء [ تعني بها خديجة]أوحش من رأيته تقطع اللحم ، فغضب النبي ، فترك عائشة لا يكلمها ، وإن أُم رومان كلمته فقالت : يا رسول الله ان عائشة بُنيَّة فلا تؤاخذها ، فقال : وتدرين ما قالت؟ إنها قالت كذا وكذا في خديجة ، وقد فُضِّلت خديجة على نساء أُمتي كما فُضِّلت مريم على نساء العالمين.(1)
وفي سنن الترمذي عن عائشة أنها قالت : ما غرت على أحد من أزواج النبي ما غـرت على خديجـة ، وما بي أن أكون أدركتها ، وما ذاك إلّا لكثرةذكر رسول الله لها وإن كان ليذبح الشـاة فيتتبع بها صدايق خديجة فيهديها لهن.(2)
والآن لنقف هنيئة عند أبي بكر لنرى هل أنه حقاً هو الصدّيق ، أم أن الصدّيق ، علي بن أبي طالب؟ بعيداً عن كل الخلفيات التي يحملها كل طرف ، أي لندرس شخصية الاثنين من خلال أقوالهما وأفعالهما لا من خلال أقوال أتباعهما.
إذ من المعلوم بأنّ الصدق مقابل الكذب ، فلو كانت الصدّيقة فاطمة هي المحقة في قولها ، فيكون الصدّيق أبو بكر كاذباً ، وكذا إن كان عليٌ محقاً فيلزم أن يكون الطرف الآخر مبطلاً.
_______________________________________
1. تاريخ دمشق 70 : 114.
2. سنن الترمذي 3 : 249 / 2086 ، 5 : 366 / 3977 ، وانظر مسند أحمد 6 : 279 ، وصحيح البخاري 4 : 230 / كتاب بدء الخلق / باب تزويج النبيصلىاللهعليهوآله خديجة وفضلها (رض) ، الطرائف : 291 ، وفتح الباري 7 : 102 وقد علق قائلا : وفيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن!
والآن مع بعض تلك الفقرات والنماذج من كلمات ومواقف أئمة النهجين لنعرف من هو الصادق ومن هو الكاذب في تلك الأمور المختلف فيها ، ثم نعرّج بعد ذلك على الصدّيق لنعرف أيّهما هو الأحق بالاتصاف بهذه الصفة وفقاً للمعطيات :
النموذج الأوّل :
هناك فقرة من خطبة السيدة فاطمة الزهراء وهي تخاطب القوم ، تقول فيها :
وأنتم تزعمون أن لا إرث لنا( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أفلا تعلمون؟ بلى تجلّى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته. أيّها المسلمون أأغلب على إرثيه؟! يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ، ولا أرث أبي؟!( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) . أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا عليهما السلام إذ قال :( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّايَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، وقال : ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ ) ، وقال :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) ، وقال :( إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) ، وزعمتم أن لا حظوة لي ، ولا إِرث من أبي ولا رحم بيننا! أفخصكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم هل تقولون : أهل ملتين لا يتوارثان ، أو لست أنا وأبي من ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولا ينفعكم إذ تندمون( لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَمَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) . |
وهذا النص صريح ولا يحتاج إلى مزيد تفسير وتحليل ، فالصدّيقة فاطمة الزهراء كذّبت الصدّيق أبا بكر بقولها : يا ابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ،( لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) .
وكذا في كلامها بأنّ أبا بكر وأنصاره زعموا أن لا حظوة ولا إِرث لها من أبيها جريا مع أحكام الجاهلية ، وهو ما يخالف عمومات القران في الوصية والإرث ، فكيف بأبي بكر يرث أباه ، والزهراء لا ترث أباها؟ أفخصهم الله بآية أخرج منها النبي محمداًصلىاللهعليهوآله ؟ أم يقولون أهل ملتين لا يتوارثان؟ أو أنهم يريدون أن يقولوا بأنّ الزهراء ليست بابنة الرسولصلىاللهعليهوآله والعياذ بالله.
لان العقول لا تصدق أن يكون الرسول قد بين هذا الحكم لغير الوارث وتركه البيان للوارث؟
بل كيف تصدّق العقول تخصيص الكتاب بالخبر الواحد الذي لم يصدّقه علي وفاطمة سلام الله عليهما ؟
وكيف تصدّق العقول تخصيص الكتاب بالخبر الواحد الذي لم يصح الأخذ بعموم ظاهره ، لمخالفته لما ثبت من سيرة الأنبياء الماضين صلوات الله على نبينا وآله عليهم؟
هذا وإن الزهراء بكلامها قررت ترك القوم العمل بكتاب الله ، لأنّ كلمة (ورث) عامة وتدل على المال كما هو المشاهد في عدة آيات ولم تقيد بقيد إضافي ، لكنهم صرفوا الإرث إلى وراثة الحكمة والنبوة دون الأموال ؛ تقديماً للمجاز على الحقيقة ، مع العلم بأنّ وراثة النبوة والعلم لا تعني إبطال الميراث المالي ، بل وراثة النبوة ملازمة للوراثة المالية ، وهذه الوراثة ملازمة لأهلها من الأزل عند بارئها و( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) .
قال الرازي في تفسيره : إنّ المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال ، وهذا قول ابن عباس والحسن والضحاك.(1)
وقال الزمخشري في الكشاف : ورث سليمان عن أبيه ألف فرس.(2)
وقال البغوي في معالم التنزيل في تفسير الآية من سورة مريم ، قال الحسن : معناه يرث مالي.(3)
ونحن لو تأمّلنا في استدلال الصدّيق الأكبر علي ، والصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء ، والعباس عم النبي ، لرأيناهم يستدلون على خطأ أبي بكر وسقم دعواه إلزاماً له بما ألزم به نفسه حينما نهى الناس عن التحديث عن النبي قائلاً : بيننا وبينكم كتاب الله ،(4) أي أنهم استدلوا بعمومات القرآن في الإرث والوصية على خطئه ، لكنه رجع هو إلى ما نهاهم عنه من الحديث عن رسول الله ، حيث استدل بالحديث مقابل آيات القرآن ، وهي مُفارَقَةٌ تحتاج إلى تأمل.
النموذج الثاني :
تكذيب الزهراء أبا بكر فيما نقله عن رسول الله : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) بالعمومات القرآنية السابقة وسيرة الخليفة نفسه.
إذ لو صح كلام أبي بكر فكيف صح له أن يدفع آلة رسول الله ودابته وحذاءه إلى علي بن أبي طالب ،(5) ويمكّن زوجاته من التصرف في حجراتهن كما يتصرف
_______________________________________
1. التفسير الكبير 21 : 156.
2. الكشاف 4 : 93.
3. تفسير البغوي 3 : 189.
4. تذكرة الحفاظ 1 : 3 ، توجيه النظر للجزائري 1 : 60.
5. شرح النهج 16 : 214 وانظر صحيح البخاري 5 : 114ـ115 كتاب المغازيـحديث بني النضيرـ صحيح مسلم 3 : 1377 ـ 1379 كتاب الجهاد والسير باب حكم القيء.
المالك في ملكه؟ حتى وصل الأمر به إلى أن يستأذن عائشة في الدفن في حجرتها ، في حين نراه قد انتزع فدك من الزهراء بدعوى عدم ملكيتها لها؟
بل هل يجوز للنبي أن يموت ولا يُعلِم ابنته وصهره بأنْ ليس لهما حق في إرثه؟ وكيف به يُعلِم الآخرين ويخبرهم ولا يُعلم صهره وابنتهـأصحاب الحقـهذا الحكم الخاص بهم لو فرض وجوده؟
ثمّ إن كان أبو بكر على ثقة من حديثه ، فلِمَ ناقضه بكتاب كتبه لفاطمة بفدك؟(1) لكنّ عمر أخذ الكتاب فشقه.
فأبو بكر بادّعائه هذا على رسول الله نسب إليهصلىاللهعليهوآله إلغاء قانون الإرث للأنبياء ، وهذا يخالف الثابت عنهصلىاللهعليهوآله من أنّه مكلّف كغيره من الناس بالفرائض والتكاليف ، وأنّ تعاليم السماء تجري عليه كما تجري على غيره من بني الإنسان ، ولم يثبت أن ذلك من مختصاته ، ولأجل ذلك رمتِ الزهراء أبا بكر بالكذب.
النموذج الثالث :
تكذيب أبا بكرـوفي نص آخر عمرـلعلي بن أبي طالب بعد أن هدّدوه بالقتل إن لم يبايع أبا بكر ، فقال علي : إذا تقتلون عبداللهوأخا رسوله ، فقال عمر : أما عبداللهفنعم ، وأما أخو رسوله فلا.(2)
لا أدري كيف ينكر الخليفة!! مؤاخاة علي مع رسول الله مرتين : الأولى في مكة قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة ، والثانية في المدينة بعد الهجرة بخمسة أشهر حيت آخى بين المهاجرين والأنصار ، وفي كلتا المرّتين كانصلىاللهعليهوآله يصطفي لنفسه علياً
_______________________________________
1. شرح النهج 16 : 274 ، الاحتجاج 1 : 122 ، وانظر تهذيب الأحكام 4 : 148 ، تفسير القمي 2 : 155 ، السيرة الحلبية 3 : 488.
2. الإمامة والسياسة 1 : 20 ، تحقيق الزيني ، الاحتجاج للطبرسي 1 : 109.
فيتخذه من دونهم أخاً ، ويقول لعلي : أنت أخي في الدنيا والآخرة ،(1) هذا ناهيك عن أنّ عليّاً هو نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآله بنص آية المباهلة( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) .
وقالصلىاللهعليهوآله لعلي في تبوك : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي.(2)
كانصلىاللهعليهوآله قد جعله أخاً ووصياً وخليفة من بعده في نأنأة الإسلام حين نزل قوله تعالى :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) حيث دعاهم إلى دار عمهـأبيطالبـ وهم يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، وقام خطيبا فيهم ، وقال :
يا بني عبد المطلب ، إني واللهما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به! إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ فنكل القوم عنها غير عليـوكان أصغرهمـفأخذ رسول الله برقبته وقال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاستمعوا له وأطيعوا ، فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تَسمع لابنك وتطيع.(3)
ولما زفّتْ سيدة النساء لعليعليهالسلام قال النبي : يا أم أيمن ادعي لي أخي ، فقالت : هو أخوك وتنكحه؟ قال : نعم يا أم أيمن ، فدعت عليا فجاء الخبر.(4)
_______________________________________
1. سنن الترمذي 5 : 300 ح 3804 ، حديث حسن غريب ، مستدرك الحاكم 143.
2. صحيح مسلم 7 : 120 كتاب فضائل الصحابة ، باب من فضائل علي ، مسند أبي يعلى 1 : 286 ح 344 ، صحيح ابن حبان 15 : 270ـ271 ، مناقب علي بن أبي طالب (عليهالسلام ) ، الآحاد والمثاني 5 : 170 / 2707 ، تاريخ مدينة دمشق 21 : 415 ، 42 : 53.
3. تاريخ الطبري 2 : 63 ، سيرة ابن كثير 1 : 458ـ459 ، كنز العمال 13 : 133 / 36419 ، عن ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم.
4. مستدرك الحاكم 3 : 159 ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 142 ح 8509.
وقد خاطبه رسول اللهصلىاللهعليهوآله أكثر من مرة بالأخوة ، فمرة قال : أنت أخي وصاحبي في الجنة.(1)
وأُخرى : أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي.(2)
وثالثة : هذا أخي وابن عمي وصهري وأبو ولدي(3) .
ورابعة : ادعوا لي أخي ، فدعوا علياً ، فقال : ادن مني ، فدنا منه وأسنده إليه فلم يزل كذلك وهو يكلّمه حتى فاضت نفسه الزكية.(4)
وخامسة : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : مكتوب على باب الجنة « لا اله إلا الله ، محمد رسول الله ، علي أخو رسول الله » ،(5) وسادسة ، وسابعة ، ووو .
وقد أوحى اللهـليلة مبيت الإمام عليّ على فراش رسول اللهـإلى جبرئيل وميكائيل : إني آخيت بينكما وجعلت عُمر أحدكما أطول من عُمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة ، فأوحى الله إليهما : ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب؟! آخيتُ بينه وبين محمّد فبات على فراشه ليفديه بنفسه ويؤثره بالحياة ، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا ، فكان جبرئيل الخبر.(6)
_______________________________________
1. تاريخ بغداد 12 : 263 ، وفيه : يا علي أنت أخي وصاحبي ورفيقي في الجنة ، وهو كذلك في تاريخ دمشق 42 : 61.
2. المعجم الكبير 12 : 321 وفيه : فمن أحبك في حياة مني فقد قضى بحبه ، ومن أحبك بعدي ولم يرك ختم الله له بالأمن ، وأمنه يوم الفزع الأكبر ، ومن مات وهو يبغضك يا علي ، مات ميتة جاهلية يحاسبه الله بما عمل في الإسلام ، وعنه في مجمع الزوائد 9 : 121 ، وكنز العمال 11 : 611 / 32955.
3. كنز العمال 5 : 291 / 12914 ، 11 : 609 / 32947 عن الشيرازي في الألقاب ، وابن النجارـعن ابن عمر ، وانظر مسند أحمد 5 : 204 ، ومستدرك الحاكم 3 : 217 ، المعجم الكبير 1 : 160 ح 378.
4. طبقات ابن سعد 2 : 263.
5. المعجم الأوسط 5 : 343 ، تاريخ بغداد 7 : 398 ، فيض القدير 4 : 468 ح 5589 ، ترجمة الإمام الحسين لابن عساكر : 186 ح 167.
6. أسد الغابة 4 : 25 ، جواهر المطالب 1 : 217 ، شواهد التنزيل 1 : 123 ح 133.
هذا وإن الإمام عليّاً كان قد استشهد بهذه المواخاة عدّة مرات ، فمّما قالهعليهالسلام يوم الشورى لعثمان وعبدالرحمن وسعد والزبير وطلحة :
أُنشدكم الله هل فيكم أحد آخى رسول الله بينه وبينه إذ آخى رسول بين المسلمين غيري؟ قالوا : اللهم لا.(1)
وقال عليعليهالسلام للوليد يوم بدر لما برز لقتاله حيث ، قال له الوليد : من أنت؟ قال علي : أنا عبداللهوأخو رسوله.(1)
وقد أشارت السيدة فاطمة الزهراء في خطبتها المشهورة إلى هذه الاخوّة بقولهاعليهاالسلام :
قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأَ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدوداً في ذات الله ، مجتهداً في أمر الله ، قريباً من رسول الله ، سيد أولياء الله ، مشمّراً ناصحاً ، مجداً كادحاً ، وأنتم في رفاهية من العيش ، وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر ، وتتوكفون الأخبار ، وتنكصون عند النزال ، وتفرون عند القتال ....(2)
ولما سمع أبو بكر حجة الزهراء تأثّر بكلامها ، فجاء ليطيّب خاطرها ، معترفاً بأنّ عليّاً هو أخ الرسول دون الأخلّاء فقال :
يا ابنة رسول الله ، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً ، رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً ، وعقاباً عظيماً ، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء ،وأخاً لبعلك دون الأخلّاء ، آثره على كل حميم ، وساعده في كل أمر جسيم ، لا يحبكم إلا سعيد ، ولا يبغضكم إلا شقي ؛ فأنتم عترة رسول اللهصلىاللهعليهوآله الطيبون ، والخيرة
_______________________________________
1. الاستيعاب 3 : 1098.
2. طبقات ابن سعد : 2 : 23 ، تاريخ مدينة دمشق 42 : 60.
3. أنظر شرح النهج لابن أبي الحديد 16 : 25 ، وجواهر المطالب 1 : 156.
المنتجبون ، على الخير أدلّتنا ، وإلى الجنة مسالكنا ، وأنتِ ياخيرة النساء وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقك ،ولا مصدودة عن صدقك ، ووالله، ما عدوتُ رأي رسول اللهصلىاللهعليهوآله إني سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً ، وإنما نورث الكتاب والحكمة ، والعلم والنبوة ، وما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه».(1)
وقد جعلنا ما حاوَلْتِه في الكراع والسلاح يقاتل به المسلمون ، ويجاهدون الكفار ، ويجالدون المردة الفجار ، وذلك بإجماع من المسلمين لم أتفرد به وحدي ، ولم أستبد بما كان الرأي فيه عندي. وهذه حالي ومالي ، هي لك وبين يديك ، لا تزوى عنك ، ولا تدخر دونك ، وأنت سيدة أمّة أبيك ، والشجرة الطيبة لبنيك ، لا يدفع ما لك من فضلك ، ولا يوضع من فرعك وأصلك ؛ حكمك نافذ فيما ملكت يداي ، فهل ترين أن أخالف في ذلك أباكصلىاللهعليهوآله ؟
فقالت عليهاالسلام:
سبحان الله! ما كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن كتاب الله صادفا ، ولا لأحكامه مخالفا ، بل كان يتبع أثره ، ويقفو سُورَهُ ، أفتجمعون إلى الغدر اعْتِلالاً عليه بالزور ، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته. هذا كتاب الله حكماً عدلاً ، وناطقاً فصلاً ، يقول :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، ويقول :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ، وبيّن عزوجل فيما وزع من الأقساط ، وشرَّع من الفرائض والميراث ،
_______________________________________
1. نقول : ونحن حتّى لو سلّمنا قول أبي بكر أنّ النبي قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدي ، فنحن حتّى لو سلّمنا ذلك فالنصوص المتواترة أعلنت أنّ عليّاً هو وليّ الأمر لا أبو بكر ولا غيره ، وحديث الغدير والثقلين والمنزلة وعشرات غيرها أدلّة ناصعة على ذلك.
وأباح من حظ الذكران والإناث ما أزاح به عِلَّةالمبطلين ، وأزال التظني والشبهات في الغابرين ، كلا( بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ) .
فقال أبو بكر : صدق الله ورسوله ، وصدقت ابنته ، أنتِ معدن الحكمة ، وموطن الهدى والرحمة ، وركن الدين وعين الحجة ، لا أبعد صوابك ، ولا أنكر خطابك ، هؤلاء المسلمون بيني وبينك ، قلدوني ما تقلدت ، وباتفاق منهم أخذتُ ، ما أخذتُ غير مكابر ولا مستبد ولا مستأثر ، وهم بذلك شهود.
فالتفتت فاطمة عليهاالسلام إلى النّاس وقالت : معاشر الناس المسرعة إلى قيِل الباطل ، المُغضية على الفعل القبيح الخاسر( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ، كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم ، فأخذ بسمعكم وأبصاركم ، ولبئس ما تأولتم ، وساء ما به أشرتم ، وشر ما منه اعتضتم ، لتجدن ـواللهـمَحمِلهُ ثقيلاً ، وغِبّهُ وبيلاً ، إذا كشف لكم الغطاء ، وبان ما وراءه الضراء( وبدالكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون ) و( خَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) .(1)
النموذج الرابع :
تشكيك الصدّيق!! في توريث الصدّيقة واعتبار ما تقوله دعوى تحتاج إلى دليل ، مع علمه بأنّها المعنية في آية التطهير ، الصريحة بابتعادها عن الرجس والخيانة والكذب ، وهي التي قال عنها الصادق الأمينـالذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحىـ: إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ، ومعنى كلامه أنّ فاطمة معصومة عن الخطأ والهوى ، إذ لا يعقل أن يتعلق رضا الله تعالى
_______________________________________
1. الاحتجاج 1 : 141 ـ 144 ، وعنه في البحار 29 : 232 ـ 233.
وغضبه برضى وغضب شخص غير معصوم.
فالرسول الأمين لم يقل : إن فاطمة تغضب لغضب الله وترضى لرضاه ، بل قالصلىاللهعليهوآله : إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ، وفي هذا معنى عظيم يدركه الواعي البصير ؛ إذ أنّ الإنسان الذي يريد الوصول إلى كمال العبادة والمعرفة يسعى ويجدّ كي يكسب رضا الله تعالى ، لكن الأمر يختلف هنا حيث أنّ رضا الله سبحانه وغضبه يدور مدار رضا وغضب الصدّيقة الزهراء ، وهنايقف الفكر حائرا ، ولا يمكن لأحد الوصول إلى كنه هذا الكلام إلا الكُمَّل.
والآن لننظر كيف تعامل أبو بكر معها :
عن حماد بن عثمان ، عن أبي عبداللهعليهالسلام ، قال : لما بويع أبو بكر ، واستقام له الأمر على جميع المهاجرين والأنصار ، بعث إلى فدك مَن أخرج وكيل فاطمة عليهاالسلام بنت رسول الله منها ، فجاءت فاطمة الزهراءصلىاللهعليهوآله إلى أبيبكر ثم قالت : لِمَ تمنعني ميراثي من أبي رسول الله؟ وأخرجت وكيلي من فدك ، وقد جعلها لي رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأمر من الله تعالى؟ فقال : هاتي على ذلك بشهود. فجاءت بأم أيمن ، فقالت له أم أيمن : لا أشهد يا أبا بكر حتى أحتجَّ عليك بما قال رسول الله : أنشدك باللهألست تعلم أن رسول الله قال : «أم أيمن امرأة من أهل الجنة»؟ فقال : بلى ، قالت : فأشهد أن الله عزوجل أوحى إلى رسول الله :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) ، فجعل فدكاً لها طعمة بأمر الله ، فجاء علي عليهالسلام فشهد بمثل ذلك.
فكتب أبو بكر : لها كتاباً ودفعه إليها ، فدخل عمر فقال : ما هذا الكتاب؟ فقال : إنّ فاطمة ادّعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي (عليهالسلام) ، فكتبته لها ، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة ، فتفل فيه ومزّقَه. فخرجت فاطمة عليهاالسلام تبكي ، فلما كان بعد ذلك جاء علي عليهالسلام إلى أبي بكر وهو في
المسجد وحوله المهاجرون والأنصار ، فقال : يا أبا بكر ، لِمَ منعتَ فاطمة ميراثها من رسول الله وقد ملكته في حياة رسول الله؟ فقال أبو بكر : هذا فيءٌ للمسلمين ، فإن أقامت شهوداً أن رسول الله جعله لها ، وإلّا فلا حق لها فيه.
فقال أمير المؤمنينعليهالسلام : يا أبا بكر ، تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين؟ قال : لا ، قال : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ، ثم ادعيتُ أنا فيه ، من تسأل البينة؟ قال : إياك أسأل البينة ، قال : فما بال فاطمة سألتَها البينة على ما في يديها وقد ملكته في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبعده ، ولم تسألالمسلمين بينةً على ما ادعوها شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم؟ فسكت أبو بكر ، فقال عمر : يا علي دعنا من كلامك ، فإنّا لا نقوى على حجّتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلا فهو فيء للمسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه.
فقال أمير المؤمنينصلىاللهعليهوآله : يا أبا بكر تقرأ كتاب الله؟ قال : نعم ، قال : أخبرني عن قول الله عزوجل :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ؛ فيمن نزلت ، فينا أم في غيرنا؟ قال : بل فيكم ، قال : فلو أن شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله بفاحشة ، ما كنت صانعاً بها؟ قال : كنتُ أقيم عليها الحدّ كما أقيمه على نساء المسلمين ، قال : إذن كنت عند الله من الكافرين ، قال : ولِمَ؟ قال : لأنك رددتَ شهادة الله لها بالطهارة ، وقبلتَ شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدكاً قد قبضتها في حياته ، ثم قبلت شهادة أعرابي بائل على عقبيه(1) عليها ، وأخذت منها فدكاً ،
_______________________________________
1. إشارة إلى مالك بن أوس بن الحدثان النضري الذي لم تكن له صحبة ، ومع ذلك روى أكثر من رواية عن النبيصلىاللهعليهوآله ، وقد اتهمه ابن خراش بوضع حديث« نحن معاشرالأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة»
وزعمت أنه فيء للمسلمين ، وقد قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « البينة على المدّعي ، واليمين على المدّعى عليه » ، فرددتَ قول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : البينة على من ادّعى ، واليمين على من ادّعي عليه.
قال : فدمدم الناس وأنكروا ، ونظر بعضهم إلى بعض وقالوا : صدق واللهعلي بن أبي طالب. ورجع إلى منزله.(1)
وفي هذا النص مفارقة يجب الوقوف عندها ، وهي : هل إن فدك إرث لرسول الله ، أو إنّها نحلة وهدية قدّمها رسول الله إلى فاطمة؟
فان كانت إرثاً ، فالمطالبة بالميراث لا تحتاج إلى شهود إلا أن يقولوا والعياذ باللهبأنّهم يشكون في كون فاطمة ابنة رسول الله.
وإن كانت نحلةً وهدية كما هو المفهوم من طلب أبي بكر الشهود ، فتكون خارجةً عن مدّعى أبي بكر ولا ينطبق عليها قوله : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) لأنها خارجة عن ملكهصلىاللهعليهوآله وداخلة في ملك الزهراء.
ولو صح أن الأنبياء لا يورّثون ، فكيف وُرِّثت نساء النبي ولم تورث ابنته؟ وإن كانتاـدار الرسول وفدك وغيرهماـنحلة وهدية فكيف يقبل أبو بكر من عائشة وأضرابها الادعاء دون شاهد ، ولا يقبل من الزهراءعليهاالسلام ـوهي المطهرة بنص آية التطهير ـ مع إتيانها بالشهود؟
بل كيف بأبي بكر يوصي بالدفن عند رسول الله مع اطمئنانه بصدور خبر : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) عنهصلىاللهعليهوآله ؟
_______________________________________
انظر تاريخ البخاري 7 : 305 ، والجرح والتعديل 8 : 203 ، والثقات لابن حبان 3 : 11 ، 5 : 382 ، وإكمال الدين 2 : 401 ، تاريخ دمشق 56 : 360 ـ 372 / 7161 ، والكامل لابن عدي 4 : 321.
1. الاحتجاج 1 : 119ـ123 ، تفسير القمي 2 : 155 عن عثمان بن عيسى وحماد بن عثمان عن أبي عبداللهعليهالسلام .
والآن نسائل أبا بكر : إن بيت رسول الله إما خاصة له ، أو من جملة تركتهصلىاللهعليهوآله ؟
فإن كان له خاصة فهو صدقة وقد جعله للمسلمين كما زعمه (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة) فلا يجوز أن يختص به واحدٌ دون آخر.
وإن كان من جملة تركته وميراثه ، وأنهصلىاللهعليهوآله يورِّث كغيره من المسلمين ، فهما ـأبو بكر وعمر ـ لم يكونا ممن يرث رسول الله يقينا!
لا يقال : إنّ ذلك من حصّة عائشة وحفصة.
فإنه يقال : إن نصيبهما لا يبلغ مفحص قطاة ، لأنهصلىاللهعليهوآله مات عن تسع نسوة و بنتٍ لصلبه ، فلكلّ واحدة من نسائه تسع الثمن ، فما بال عائشة وحفصة ترثان ولا ترث فاطمة وهي بنته من صلبه؟!
ولو كان أبو بكر واثقاً من صحة ما حدّث به وما ذهب إليه ، فلماذا يسعى لاسترضاء الزهراءعليهاالسلام ويتأسّف في أخريات حياته متمنيا أنه لم يكشف بيتها؟(1)
ولو صح ما قاله أبو بكر عن الأنبياء أنهم لا يورّثون ، لاشتهر بين الأمم الأخرى والأديان السماوية ولعرفه أتباع الأنبياء؟ مع العلم بأن فدكا مما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، بل استسلم أهلها خوفاً ورعباً ، فهي للنبي خاصة خالصة باتفاق علماء الفريقين ؛ لقوله تعالى :( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .(2)
قال ابن أبي الحديد : لقد كان التكرم ورعاية حقّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله وحفظ عهده ، يقتضي أن تعوض ابنته بشيء يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فدك ،
_______________________________________
1. المعجم الكبير 1 : 62 ح 43 ، تاريخ الطبري 2 : 619 ، تاريخ دمشق 30 : 418 ، 420 ، الخصال للصدوق : 172 ح 228.
2. سورة الحشر : 6.
وتسلم إليها تطييباً لقلبها ، وقد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه.(1)
كان هذا بياناً لجانب في هذا النص ، وهناك جانب آخر تجب الإشارة إليه ، وهو : أن الإمام عليّاً والصدّيقة الزهراء قد استدلا على أبي بكرـمضافاً لما سبقـ بقاعدة اليد ، وأنّ على المدّعي [ وهو أبو بكر ] البينة وعلى المنكر اليمين. وقد مرت عليك حجة الإمام عليعليهالسلام بقوله : فإن كان في يد المسلمين شيء يملكونه ثم ادّعيتُ أنا فيه ، من تسأل البينة؟
قال : إياك أسال البينة.
قال : فما بال فاطمة سألتها البينة على ما في يدها وقد ملكته في حياة رسول الله وبعده ، ولم تسأل المسلمين البينة على ما ادعوه شهوداً كما سألتني على ما ادّعيت عليه؟
فسكت أبو بكر ، فقال عمر : يا علي! دعنا من كلامك ، فإنّا لا نقوى على حجّتك ، فإن أتيت بشهود عدول ، وإلّا فهو فيء للمسلمين ، لا حقّ لك ولا لفاطمة فيه.
قال علي : يا أبا بكر! تقرأ كتاب الله؟
قال : نعم.
قال : أخبرني عن قوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) فينا نزلت أو في غيرنا؟
قال : بل فيكم.
قال : فلو أن شهودا شهدوا على فاطمة بنت إلى آخر الخبر.
_______________________________________
1. شرح النهج 16 : 286.
فانظر إلى استدلال الإمام علي والصدّيقة الزهراء وقوة حجتهما على الخصم ، بحيث قال عمر : دعنا من كلامك ، فإنّا لا نقوى على حجّتك. وإن الأنصار لما سمعوا حجتها عليهاالسلام في كون الخلافة في علي قالوا لها : يا بنت رسول الله ؛ قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنّ زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.(1)
وفي آخر : لو سمعنا حجتكم ما عدلنا عنكم.(2)
وكيف لا تفيد شهادة عليـوخصوصاً لو ضم إليها شهادة غيرهـللقطع واليقين.
بل لم تعتبر الصديقة الطاهرة كأحد النساء المؤمنات الصالحات ويطلب في إثبات دعواها إلى بينة؟!
مع علمنا بأن البينة طريق ظني مجعول لاثبات ما يحتمل ثبوته ، فلا مورد لها مع القطع واليقين المستفاد في المقام من قول سيّدة النساء التي طهّرها الله تعالى وجعلها بضعة من سيّد أنبيائه ، لأنّ القطع طريق ذاتيّ إلى الواقع لا بجعل جاعل ، فلا يمكن رفع طريقيّته أو جعل طريق ظاهريّ على خلافه ، ولذا كان الأمر في قصّة شهادة خزيمة للنّبيصلىاللهعليهوآله هو ثبوت ما ادّعاه النّبيصلىاللهعليهوآله بلا بيّنة مع مخاصمة الأعرابي له ، فإنّ شهادة خزيمة فرع عن قول النبيصلىاللهعليهوآله وتصديق له ، فلا تفيد أكثر من دعوى النبيصلىاللهعليهوآله ، بل كان اللازم على أبي بكر والمسلمين أن يشهدوا للزّهراءعليهاالسلام
_______________________________________
1. الاحتجاج للطبرسي 1 : 122 ، تفسير القمي 2 : 156 ، وسائل الشيعة 27 : 293 ح 33781. ومثل هذا الكلام أطلقته أم المؤمنين عائشة قبل حرب الجمل الكبرى حيث احتج عليهم أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقالت عائشة في جوابها لعبد الله بن عباس وزيد بن صوحان اللذين بلغاها رسالة علي بن أبي طالبعليهالسلام قالت : ما أنا برادة عليكم شيئا ، فإنّي أعلم لا طاقة لي بحجيج علي بن أبي طالب. الفتوح لابن أعثم 1 : 471.
2. الإمامة والسياسة 1 : 19 ، شرح النهج 6 : 13 ، بحار الأنوار 28 : 186 ، 352 ، 355.
تصديقاً لها ، كما فعل خزيمة مع النبيصلىاللهعليهوآله وأمضى النبيصلىاللهعليهوآله فعله.(1)
وقال السيد المرتضى في ردّه على قاضي القضاة : إنّ البيّنة إنّما تراد ليغلب في الظنّ صدق المدّعي ، ألا ترى أنّ العدالة معتبرة في الشهادات لمّا كانت مؤثّرة في غلبة الظنّ ؛ لما ذكرناه ولهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة ؛ لأنّ علمه أقوى من الشهادة ، ولهذا كان الإقرار أقوى من البيّنة من حيث كان أبلغ في تأثير غلبة الظنّ ، وإذا قدّم الإقرار على الشهادة لقوّة الظنّ عنده فأولى أن يقدم العلم على الجميع ، وإذا لم يُحْتَج مع الإقرار إلى شهادةـلسقوط حكم الضعيفمع القويّـفلا يحتاج أيضاً مع العلم إلى ما يؤثّر الظنّ من البينات والشهادات ....(2)
إذن الحق مع علي بن أبي طالب ، والكلّ يعلم هذه المسألة ، لكنّ الأهواء دعتهم إلى أن يدّعوا شيئاً مخالفاً للقران الكريم ، والسنة النبوية ، والعقل السليم.
وحسبك أن المأمون العباسي أحرج العلماء الذين حضروا مجلسه وتعرضوا إلى مسالة فدك وإرث الرسول ، فسألهم المأمون عن فضائل لعلي فذكروا طُرَفاً جليلة لهعليهالسلام ، وسألهم عن فاطمة فرووا لها عن أبيها فضائل جمة ، وسألهم عن أم أيمن وأسماء بنت عميس فرووا عن النبي محمّدصلىاللهعليهوآله أنهما من أهل الجنة.
فقال المأمون : أيجوز أن يقال أو يعتقد أنّ علي بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حقّ ، وقد شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له؟
أو يجوز مع علمه وفضله أن يقال : إنّ فاطمة مع طهارتها وعصمتها وأنها سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنةـكما رويتمـتطلب شيئاً ليس لها ، تظلم فيه جمع المسلمين ، وتقسم عليه باللهالذي لا إله إلا هو؟
_______________________________________
1. دلائل الصدق 2 : 39.
2. الشافي 4 : 96 ـ 97 وعنه في شرح نهج البلاغة 16 : 273 ـ 274.
أو يجوز أن يقال عن أم أيمن وأسماء بنت عميس : أنهما شهدتا بالزور ، وهما من أهل الجنة؟ إن الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله وإلحاد في دين الله ، حاشا الله أن يكون ذلك كذلك.(1)
ولا أدري كيف ردّ أبو بكر شهادة علي ، في حين أن عليا ليس بأقلّ من خزيمة بن ثابت (ذي الشهادتين) ، بل هو أعلى وأسنى ، وهو المطهّر والمنّزه وأخو الرسول الأمين بل هو نفسهصلىاللهعليهوآله .
ولو تنزلنا فسلمنا أن شهادة الإمام كشهادة غيره من عدول المسلمين ، فهلّا استحلف أبو بكر فاطمة بدلاً من الشاهد الثاني ، فإن حلفت وإلّا رُدّت دعواها؟ وهذا ما لم نره في فعل أبي بكر ، وإنما رد الدعوى ملغيا شهادة علي وأُم أيمن وأسماء؟
إنها مصيبة والله، بل أعظم مصيبة وفتنة ، إنها فتنة تدنيس المقدّسات وتغيير أحكام الله باسم رسول الله والدين ، فحقَّ للزهراء البتول أن تقول( أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) .(2)
وحريٌ بنا هنا أن نأتي بكلام الفارقي وهو أحد شيوخ ابن ابي الحديد المعتزلي ، إذ سأله ، فقال له : كانت فاطمة صادقة في دعواها النحلة؟
قال : نعم.
قال له ابن أبي الحديد : فلِمَ لم يدفع لها أبو بكر فدكاً وهي عنده صادقة؟ فتبسم ، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلّة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فدكاً ، بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادّعت لزوجها الخلافة
_______________________________________
1. الطرائف : 250.
2. وهو قولهاعليهاالسلام في خطبتها التي نقلنا بعضها آنفا : زعمتم خوفَ الفتنة( أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) .
وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه حينئذ الاعتذار بشيء ، لأنّه يكون قد سجلَّ على نفسه بأنها صادقة فيما تدّعِي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود.(1)
والآن أرجع متسائلاً :
هل يعقل أن تطلب فاطمةعليهاالسلام ـوهي سيدة نساء أهل الجنة وسيدة العالمين ، مع طهارتها وعصمتها وأن الله أوقف رضاه على رضاها وغضبه علىغضبهاـشيئاً ليس لها فيه حق؟!
وهل تريد بفعلها ظلم جميع المسلمين بأخذها أموالهم؟
وهل يجوز لعليّ أن يشهد لفاطمة بغير حق؟! أو يمكن تصوّر مخالفته للحق ، ورسول الله يقول : علي مع الحق والحق مع علي ؛ ويقول : اللهم أدر الحق معه حيث دار. وهل يجوز القول عن أم أيمن ـ المشهود لها بالجنة ـ أنها قد شهدت زوراً ؟
نعم إننا لا يمكننا أن نزكّي أبا بكر والزهراء معاً ، إذ لو صدّقنا أبا بكر في دعواه ـوهي دعوى كاذبة قطعاً ـللزمنا تكذيب الدعوى المقابلة ، وإن كان أبو بكر كاذباً فالزهراءـكما هو الحقـصادقة لا محالة. فلا يمكن أن نجمع بينهما بجامع الصدّيقية. إنها مفارقة!
وهكذا الحال بالنسبة إلى أحاديث (من خرج على إمام زمانه) أو (مات وليس في عنقه بيعة) أو (لم يعرف أمام زمانه) أو (من خرج من طاعة السلطان شبراً مات ميتة جاهلية).
فنحن لو قبلنا هذه النصوص معتبرين أبا بكر إماماً لزمانه ، للزم أن تكون الزهراءـسيدة نساء العالمين والمطهرة بنص القران والحديثـقد ماتت ميتة جاهلية!!!
وأما لو شككنا في كونه إمامَ ذلك العصر ؛ لعدم النصّ عليه ، وعدم أهليته
_______________________________________
1. شرح نهج البلاغة 16 : 284.
للخلافة ، ولِتَخَلُّف عيون الصحابة عنهـكعلي والعباس وبني هاشم والزبير والمقداد وسعد بن عبادة وغيرهمـلجاز خروج الزهراء عليه واعتقادها بانحرافه وضلالته ، ولا يمكن تصحيح الموقفين معاً.
بل كيف يردّان شهادة علي بن أبي طالب ويقولان أنهـيجرّ إلى نفسه؟! مع أنهعليهالسلام ما كان طالباً للدنيا ولا راغباً فيها ، كما يطمئن بذلك كل من تصفح سيرة ابن أبي طالب وكلماته في نهج البلاغة ، وكفاك كلامه في رسالته لعثمان بنحنيف واليه على البصرة : وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غدٍ جدث.(1)
وإذا لم يقبل أبو بكر شهادة علي بن أبي طالب لكونه المنتفع ، فكيف قبل رسول الله شهادة خزيمة بن ثابت وعدّ شهادته شهادتين ، وكان النبيصلىاللهعليهوآله هو المنتفع.
بل كيف به لا يقطع بشهادة علي الذي قال عنه رسول الله أنه (مع الحقّ والحقّ مع علي يدور معه حيثما دار)(2) مع علمه بأنه عدل القرآن ، وأحد الثقلين ، وأنه الشاهد الذي قبل الله شهادته في حقّ نبيه ، وجعله شاهد صدق في تصديق رسالته لقوله تعالى :( أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) .(3)
ولو صحّ ما استدلوا به من أن الشهادة لم تكتمل في قضية فدكـمقتصرين على شهادة الإمام عليعليهالسلام وأم أيمنـفماذا تفعل بما جاء عن سيرة الحكّامـومنهم أبو بكر ـ وحكمهم بالشاهد الواحد مع اليمين؟!
ففي كتاب الشهادات من كنز العمال : إن رسول الله وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا
_______________________________________
1. نهج البلاغة 3 : 71 / 45.
2. شرح أبي الحديد 2 : 297 ، الفصول المختارة : 97 / 97 ، التعجب للكراجكي : 15.
3. هود : 17 وتفسير الدر المنثور 3 : 324.
يقضون بشهادة الواحد مع اليمين.(1)
وروى الدارقطني عن علي : إن أبا بكر وعمر وعثمان يقضون باليمين مع الشاهد.(2)
وعن علي أيضاً انه قال : نزل جبرائيل على النبيصلىاللهعليهوآله باليمين مع شاهد.(3)
وعن ابن عباس ، إن رسول الله قضى بيمين وشاهد.(4)
قال النووي في الشرح : جمهور علماء الإسلام من الصحابة والتابعين : من بعدهم من علماء الأمصار يقضي بشاهد ويمين المدعي في الأموال وما يقصد به الأموال. وبه قال أبو بكر وعلي وعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي وأحمد وفقهاء المدينة وسائر علماء الحجاز ، ومعظم علماء الأمصار ، وحجتهم في ذلك أحاديث كثيرة في هذه المسألة.(5)
وفي كتاب شرح التلويح على التوضيح : المروي عن عليعليهالسلام : أن النبيصلىاللهعليهوآله وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يقضون بشهادة الواحد واليمين.(6)
فنحن لو جمعنا هذه النصوص مع ما ورد عن أبي بكر وقوله للزهراء :وأنت صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقك ، ولا مصدودة عن صدقك.
وفي آخر : صدق الله وصدق رسوله ،وصدقت ابنته ....
_______________________________________
1. كنز العمال 7 : 26 ح 17786 ، عن الدارقطني.
2. سنن الدارقطني 4 : 137 ، سنن البيهقي 10 : 173.
3. كنز العمال 5 : 826 / 14498 ، الدر المنثور 6 : 135.
4. صحيح مسلم كتاب الأقضية باب القضاء باليمين والشاهد 5 : 128.
5. شرح النووي : 412.
6. شرح التلويح على التوضيح 4 : 12.
فلو كان صادقاً في كل ما يقوله فلماذا لم يعطها فدكاً ، وليس بعد اليقين غاية يطلبها الحاكم في المرافعات ، ففي سنن أبي داود انه إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد يجوز أن يقرّ به.(1)
وروى الترمذي : بسنده عن أبي جحيفة ، قال : رأيت رسول الله أبيضَ قد شاَبَ ، وأمر لنا بثلاثة عشر قلوصاً ، فذهبنا نقبضها فأتانا موته فلم يعطونا شيئاً ، فلما قام أبو بكر قال : من كانت له عند رسول اللهصلىاللهعليهوآله عِدةٌ فليجئْ ، فقمت إليه فأخبرته ، فأمر لنا بها.(2)
وأخرج البخاري في كتاب الكفالة « باب من يكفل عن ميت ديناً» : انّ جابر بن عبداللهالأنصاري ادّعى [ في زمن أبي بكر ] أن رسول الله وعده أن يعطيه من مال البحرين ، فأعطاه [ أبو بكر ] ألفاً وخمسمائة دينار من بيت المال دون أن يطلب منه بينة على ذلك.
قال ابن حجر في فتح الباري (باب من يكفل عن ميت ديناً ) : وفيه قبول خبر الواحد العدل من الصحابة ولو جر ذلك نفعاً لنفسه.(3)
وهنا يحق السؤال : أكان أبو جحيفة وجابر أصدق عند أبي بكر من الصدّيقة فاطمة سلام الله عليها؟! وخصوصاً مع اقترانها بشهادة زوجها الصدّيق الذي هو نفس رسول الله ووصيه ، وأم أيمن وأسماء بنت عميس وكلّهم من أهل الجنة؟ أم أنّ المسالة مسالة سياسية ودنيوية؟
وبعد هذا هل تقتنع بما علّله الايجي لأبي بكر :
_______________________________________
1. سنن أبي داود 2 : 166.
2. سنن الترمذي 4 : 210 ح 2983 ، المعجم الكبير 22 : 128.
3. انظر صحيح البخاري 3 : 58 كتاب الإجارة ، باب الكفالة في القرض والديون و ص 137 من كتاب المظالم ، باب من لم يقبل الهدية لعلة ، فتح الباري 4 : 389.
فان قيل : ادّعت [ فاطمة ] أنّهصلىاللهعليهوآله نحلها ، وشهد عليٌّ والحسن والحسين وأم كلثوم ، فردّ أبوبكر شهادتهم. قلنا : أما الحسن والحسين فللفرعية ، وأما عليٌّ وأم كلثوم فلقصورهما عن نصاب البينة ، ولعله لم يَرَ الحُكْمَ بشاهد ويمين ، لأنّه مذهب كثير من العلماء.(1)
اقرأ واعجبْ ، ثم احكم بما تشاء ؛ لأنك قد وقفت على قضاء أبي بكر بشهادة العدل الواحد ولو جر ذلك نفعاً لنفسه ، بل وقفت على إعطائه المال المدّعى بمجرّد الدعوى!!
هذا وإن الإمام عليّاً قد أشار إلى مظلوميته مخاطباً هذا الإتجاه بقوله : ما زلتُ مُذْ قُبض رسول اللهصلىاللهعليهوآله مظلوماً ، ولقد بلغني أنكم تقولون : عليٌّ يكذب ، قاتلكم الله ، فعلى من أكذب؟! أعلى الله فأنا أول من آمن به ، أم على نبيه؟ فأنا أول من صدّقه.(2)
وهذا النص يختزن في طيّاته أدق وأروع معاني الاحتجاج والتنظير ، فما الوجه والمبرر لئن يكذب علي على الله وهو الذي نزل فيه وفي آله الذكر الحكيم كما في آيات التطهير ، والمباهلة ، والمودة في القربى ، وسورة الدهر ، وقوله تعالى ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ) (3) و( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (4) _______________________________________
1. المواقف للايجي 3 : 598 في المقصد الرابع.
2. نهج البلاغة ، 1 : 119 الخطبة رقم 71 ، خصائص الأئمة للرضي : 99 ، الإرشاد للمفيد 1 : 279 ، بحار الأنوار 39 : 352 ينابيع المودة 3 : 436.
3. آل عمران : 103.
4. التوبة : 119.
و( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ) (1) و( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) (2) و( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (3) و( مَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (4) و( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (5) و( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (6) إلى غيرها من الآيات.
وأما الكذب على رسوله فإنه شأن المتملقين وأصحاب الأهواء والمطامع وأعداء الإسلام والمندسين في صفوف المسلمين ، الذين آذوا الرسول وكذبوه ، مخافة كشف أمرهم ، وهم الذين رموه بالقمامة ، وجعلوا في طريقه الشوك و ...
وأما الإمام علي بن أبي طالب فهو أخ الرسول وابن عمه ، والمدافع عنه بنفسه ومهجته ، وهو أول من صدقه بالنبوة والرسالة ، ونام على فراشة دَرءاً للخطر عنهصلىاللهعليهوآله ، فمن كان هذا حاله ، فهل يعقل أن يكذب على الرسول؟ ونحن نرى مئات النصوص منهصلىاللهعليهوآله في مدحهعليهالسلام منها قوله عنه (إمام المتقين وقائد الغر المحجلين).(7)
_______________________________________
1. الأنعام : 153.
2. النساء : 59.
3. النحل : 43.
4. النساء : 115.
5. الرعد : 7.
6. المائدة : 55.
7. انظر مصادر ذلك في كتاب المراجعات المراجعة ، 12.
وقوله : (هذا أمير البررة ، وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله).(1)
وقوله : (أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب).(2)
وقوله : (أنت تبين لأمتي ما اختلفوا فيه من بعدي).(3)
وقوله : (أنا المنذر وعلي الهادي ، وبك يا علي يهتدي المهتدون من بعدي).(4)
وقوله لعلي : (إن الأُمة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملتي ، وتقتل على سنتي ، من أحبك أحبني ، ومن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب من هذا ، يعني لحيته من رأسه).(5)
وعن عمر بن الخطاب أنه قال : لقد أعطي علي بن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي خصلة منها أحب إليّ من أن أُعطى حمر النعم.
قيل : وما هن يا أمير المؤمنين؟ قال : تزوجه فاطمة بنت رسول الله ، وسكناه المسجد مع رسول الله يحل له فيها ما يحل له ، والراية يوم خيبر.(6)
_______________________________________
1. المستدرك للحاكم 3 : 129 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، تاريخ بغداد 4 : 441 ت 2231.
2. المعجم الكبير 11 : 55 عن ابن عباس وأيضا في المستدرك على الصحيحين 3 : 126 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه و 3 : 127 عن جابر بن عبدالله، فيض القدير 1 : 49 ، أُسد الغابة 4 : 22.
3. المستدرك ، للحاكم 3 : 122 وفيه : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، تاريخ دمشق 42 : 387.
4. تفسير الطبري 13 : 142 عن ابن عباس ، وقال ابن حجر إسناده حسن انظر فتح الباري 8 : 285 ، الدر المنثور 4 : 45 ، قال : أخرجه ابن جرير ، وابن مردويه ، وأبو نعيم في المعرفة ، والديلمي ، وابن عساكر ، وابن النجار. وكذلك أخرجه الحاكم عن عباد بن عبداللهالأسدي عن علي وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه انظر : مستدرك الحاكم 3 : 130.
5. أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 142 ، صحيح ، وصححه الذهبي في تلخيصه ، كنز العمال 11 : 297 ح 13562 وجاء قريب منه من طرق الشيعة كما عيون أخبار الرضا 1 : 72 ح 306.
6. مصنف ابن أبي شيبة 7 : 500 ح 36 ، المستدرك علي الصحيحين 3 : 125 ، قال : هذا حديث
وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص(1) وابن عباس قريباً منه.(2)
فمن كان هذا حظه من الله ورسوله ، فهل هناك من داع لأن يكذب على الله ورسوله؟ بل إنّ عدم تصديق علي أو الردّ عليه وعلى فاطمة تكذيبٌ للنبيّ في تلك الصحاح والمتواترات التي نطقت بفضلهما وخاصّة تلك التي هي مورد اتفاق المسلمين.
والذي يتصفح التاريخ الإسلامي يرى أنّ غالبية الكاذبين على الله ورسوله كانوا ذوي نزعات جاهلية أو ميول نفسانية أو عجز فكري فاضح ، وهم في الغالب ممن أسلموا خوفاً من السيف ، أو تركوا الجهاد خوفاً على أنفسهم ، أو اندسوا في صفوف المسلمين كمسلمة الفتح ومن بعدهم وكالمنافقين و ...
وهذه الدواعي الثقيلة في الحسابات السماويّة كلها منتفية في حق علي بن أبي طالب ، وفاطمة الزهراء ، والسيدة خديجة الكبرى ، وعموم من طهرهم الله تطهيرا من أهل البيت ، ولذلك قال الصدّيق الأكبر علي بن أبي طالب : ما كَذِبْتُ ولا كُذِبْتُ.(3)
وهذه الدواعي منتفية أيضاً عند أتباع أهل البيت كالمقداد وسلمان وأبي ذر وعمار وابن عباس وحذيفة بن اليمان ، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين و إذ وردت نصوص عن رسول الله في مدحهم وصدقهم ، وهم أُناس منزهون
_______________________________________
صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، مجمع الزوائد 9 : 120.
1. صحيح مسلم : 120 كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل علي ، سنن الترمذي 5 : 301 ح 3808.
2. المعجم الأوسط 8 : 212 ، مجمع الزوائد 9 : 120 ، مستدرك الحاكم 3 : 111 ، تاريخ دمشق 42 : 72 ، شواهد التنزيل 1 : 22.
3. مسند أحمد 1 : 139 ، 140 ، 141 ، مستدرك الحاكم 2 : 154 حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، السنن الكبرى للبيهقي 2 : 371 ، مسند أبي داود : 24 ، المصنف لعبد الرزاق 3 : 358 ح 5962.
معروفون بالصدق ، ولم يذعنوا للأهواء والتيارات ولم يتّهم واحد منهم بالوضع والكذب ، بخلاف ما نراه عند أتباع الاتجاه الحكومي ، المتهمين بالوضع ككعب الأحبار ، ووهب بن المنبه ، وسمرة بن جندب ، وأبي هريرة وأمثالهم.
نعم ، إن السيدة فاطمة الزهراء هي الصادقة المصدّقة وقد كُذِّبَتْ وكُذِّب ابنُ عمها أمير المؤمنين لأُمور سياسية ومطامع شخصية ، وإنها جاءت لتؤكد للناس على أنها ابنة رسول الله وأنها الصادقة في قولها وفعلها ، فلا تقول ما تقول غلطاً ، ولا تفعل ما تفعل شططا وذلك بقولها :
أيها الناس ، اعلموا أني فاطمة ، وأبي محمّدصلىاللهعليهوآله ، أقول عوداً وبدءاً ولا أقول غلطاً ولا أفعل ما أفعل شططاً( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) فان تعزّوه وتعرّفوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزي إليهصلىاللهعليهوآله ، فبلّغ الرسالة صادقاً بالنذارة إلى آخر الخطبة. |
فالقوم كانوا لا يجهلون مكانتها في الإسلام ، بل يتجاهلونها ، وإذا أقروا بها فعلى مضض وبتدبير جديد يبعدون به الزهراء عن مكانتها التي وضعها الله بها. ونحن لو أردنا أن نحمل فعل القوم على أحسن محمل كان علينا أن نقول : إنهم لا يدركون عمق الرسالة والحقائق الإلهية ، ولو تأمّلت احتجاج الإمام عليّ على أبي بكر لعرفت بأنّ الأخير لا يعرف كنه الرسالة وما جاء به الوحي حق المعرفة ، فإنّ الإمام علياً لما استدرجه في كون آية التطهير نزلت فيهم قال : فلو أنّ شهوداً شهدوا على فاطمة بنت رسول الله بفاحشة ما كنت صانعاً بها؟
قال : كنت أقيم عليها الحدّ ، كما أقيمه على نساء المسلمين.
فقال (علي) : إذاً كنت عند الله من الكافرين.
قال : ولِمَ؟
قال : لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها ، كما رددت حكم الله وحكم رسوله أن جعل لها فدكاً قد قبضته في حياته ، ثم قبلت شهادة أعرابيـبائل على عقبيهـعليها ، وأخذت منها فدكاً وزعمت أنه فيءٌ للمسلمين ، وقد قال رسول الله : (البينة على المدَّعي ، واليمين على المدّعَى عليه) ، فرددتَ قول رسول الله : (البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه).
ومن المعلوم بأن المشركين والجاهليين كانوا يعيشون في إطار أفكار خاصة بهم ، فتراهم يعترضون على النبي لعدم إدراكهم كنه الرسالة وما أتى به الرسول ، فكانوا يقولون : لِمَ لا يكون للنبي ملك عظيم ، أو ذَهَبٌ كثير ، وكيف يحيي الله الموتى ، وكيف يبعثون بعد الموت؟ وكيف وكيف ...؟
إنها كانت أسئلة المشركين ، وغالبها ترجع إلى أمور مادية محسوسة لا ترتبط بالغيب ، في حين أن الله أراد من المؤمنين أن يؤمنوا بالغيب ، فلا يتعاملوا مع القضايا تعاملاً مادياً بعيداً عن الغيب.
هذا وإن المصادر قد تناقلت عن أبي بكر أنه تعاملـفي غزوة حنينـمع بعض المفردات الغيبيّة تعامل مادة ، فقال : (لن نغلب اليوم من قلة) ، فلم يرض الله ورسوله بهذه الفكرة ؛ لوجوب الإيمان بكنه المسائل والاستعانة بمدد الغيب ، ولذلك نزل قوله تعالى( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) .(1)
هذا وقد آمن بهذه الظاهرة طائفة من المسلمين ، فأخذوا يتعاملون مع الأمور تعاملاً حسياً مادياً ، ويأخذون الأمور بسطحيتها مشككين بمقامات الأنبياء
_______________________________________
1. التوبة : 25.
والأولياء والصالحين وأدوارهم المعنوية ، مدَّعين أنّ هؤلاء لا يمكنهم الاتصال بعالم الدنيا بعد فناء أجسادهم جرياً مع الظواهر الطبيعية التي عرفوها في الحياة المادية الدنيوية وما اعتادوا على فهمه في الجاهلية؟
فلو كان هؤلاء قد عرفوا قوله تعالى :( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (1) حق معرفته لعرفوا مقامات أولئك المصطفين وما منحهم رب العالمين من مكانة ، ولَمَا شكّكوا ولما قالوا جزافاً. فإبليس معطغيانه يخاطب رب العزة بأنه سيجدّ ويسعى لإضلال أبناء آدم ، لكنه لا يقدر على فئة منهم لقوله :( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) (2) أو قوله :( فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَإِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) .(3)
وعليه فالوقوف على أسرار عالم الغيب يجعلنا نفهم وندرك الأمُور بعمق أكثر مما نحن فيه ، ونحنـوالحق يقالـلا ندرك كنه مقام النبي وفاطمة والأئمة عليهم السلام ؛ لأن عالمهم الغيبي أسمى من عالمنا بكثير ؛ ولأنّ أبعاد ذلك العالم وصلاحياته وذاتياته مجهولة لكثير منا ، فلا يمكن للذين يفكرون تفكيراً مادّياً وحسياً كالوهابية اليوم أن يعرفوا كيف يكون الرسول شهيداً علينا وبعد أربعة عشر قرناً ؟ وذلك في قوله تعالى :( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ،(4) وقوله تعالى :( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ _______________________________________
1. البقرة : 249.
2. الإسراء : 62.
3. ص : 82 ، 83.
4. البقرة : 143.
فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) ،(1) وقوله تعالى :( قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) .(2)
فنتساءل : هل أنّ شهادة الرسول ، ورؤيته للأعمال ، مختصّتان بعصر الصحابة ومن عاصروا الرسول الأكرم ، أم لهما الشمولية لكل الأزمان والأمكنة وجميع الأجيـال؟
بل ما معنى قوله :( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) ،(3) وهل هي مختصة بعصر الرسالة فقط ، أم أنها تشمل سائر الأزمان؟ وإذا اختصت الآية بعصر الرسالة ، ألم يكن هذا إجحافاً في حقّ الأجيال اللاحقة؟
وما معنى شهادة الرسول في الآية السابقة؟ وكيف يمكن تصور شهادته على الناس طبق الظوابط المادية التي نعرفها؟ مع أنهصلىاللهعليهوآله ميت وأنهم ميتون في الظاهر؟!
إن ذلك كله من الغيب الإلهي الذي لابدّ من الإيمان به ، وإن لم نعرف تفاصيل حقيقته وكيفيته ، لأنّ المسلم يجب أن يؤمن بالغيب طبقاً لقوله تعالى :( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) ، فهناك مفاهيم معنوية غيبية كثيرة في حياتنا الإسلامية يجب معرفتها والوقوف عليها.
وباعتقادي أن تسليط الضوء على هذه الزاوية سيحل الكثير من المسائل العقائدية التي لا يدرك عمقها الآخرون؟! لأنّ التعامل مع الأمور تعاملاً حسياً
_______________________________________
1. التوبة : 105.
2. الرعد : 43.
3. النساء : 64.
مادياً هي نظرة ماركسية وهابيةـوليست نظرة إسلامية إلهيّةـوقد جاءتنا في القرنين الأخيرين ، غافلة أو متغافلة عن أنّ الإيمان بمقامات الأنبياء والأوصياء والصالحين تشابه تسبيح الموجودات لربّ العالمين التي لا نفقه تسبيحها ، وهي كضيافة الله لعباده في شهر رمضان والتي لا تشابه ضيافة الناس بعضهم لبعض ، إذ أنّ مفهوم الأكل عند الباري يختلف عن مفهوم الأكل عندنا ، وهكذا مفهوم الشهادة والشهود وغيرها من الجهات المعنوية الملحوظة في الفكر الإسلامي لا يمكن فهمها ببساطة وسطحية في التفكير. فهي مختصة بالرسول ومن عنده علم الكتاب.
ومن هذا المنطلق نقول : إن كثيراً من أفراد الأُمة الإسلاميةـفي عهد الرسول الأكرم ومن بعدهـكانوا لا يدركونـأو لا يريدون أن يدركواـعمق الرسالة ومكانة الرسول ، فكانوا يتعاملون معه كإنسان عادي يصيب ويخطيء ، ويقول في الغضب ما لا يقوله في الرضا ، فالإمام علي أراد أن يوضّح لأبي بكر بأنّه لا يدرك عمق العقيدة الإسلاميّة ، ويخالف بفعله القرآن الكريم ، ويتعامل مع الأُمور بسطحيّة وبساطة ، بعكس أقوال وأفعال ومواقف الإمامعليهالسلام الصـادحة الصـادعة بأنّه يدرك عمق الرسالة تمام الإدراك ، ويعتبر أمر الرسـول أهم من الصـلاة ، فتراه لا يتحرك حين نـزول الوحي على النبي ورأسه في حجر علي امتثـالاً لأمر الله ورسـوله حتى كادت تغيب الشمس وفاته وقت الفضيلة ، فأكرمه الله سبحانه بردّ الشمس عليه.(1)
وعلى عكس ذلك الحال بالنسبة إلى أبي سعيد بن المعلى الأنصاري ، فقد نقلت كتب التاريخ بأنه كان في الصلاة ، فدعاه رسول الله فتباطأ حتى أكمل صلاته ثم جاء إلى رسول الله ، فاعترض رسول الله على هذا التباطؤ موبّخاً إياه
_______________________________________
1. حديث رد الشمس لعليعليهالسلام سبق تخرجه.
بقوله : ألم تسمع قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) .(1)
وجاء في كتب التاريخ والحديث : إنّ رسول الله اشترى فرسا من سواد بن قيس المحاربي فجحده ، فشهد له خزيمة بن ثابت ، فقال له رسول الله ما حملك على الشهادة ولم تكن معنا حاضراً ؟ قال : صدّقتك بما جئتَ به وعلمتُ أنك لا تقول إلّا حقاً. فقال رسـول الله : من شهد له خزيمـة أو شهد عليهفحسبه.(2)
وأخيرا أنقل لك ما رواه جابر بن عبداللهالأنصاري أنّه شهد أعرابياً وقف على باب فاطمة وطلب منهاعليهاالسلام ما يسد جوعه ويكسي جسده ، فعمدت فاطمة إلى جلد كبش مدبوغ بالقرظ كان ينام عليه الحسن والحسين ، فقالت : خذ هذا أيُها الطارق! فعسى الله أن يرتاح لك ما هو خير منه.
قال الأعرابي : يا بنت محمد شكوت إليك الجوع فناولتيني جلد كبش! ما أنا صانع به مع ما أجد من السغب؟
قال : فعمدتعليهاالسلام لما سمعت هذا من قوله إلى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمها حمزة بن عبد المطلب ، فقطعته من عنقها ونبذته إلى الأعرابي فقالت : خذه وبعه فعسى الله أن يعوّضك به ما هو خير منه.
فأخذ الأعرابي العقد وانطلق إلى مسجد رسول الله ، والنبي جالس في أصحابه ، فقال : يا رسول الله ، أعطتني فاطمة [ بنت محمّد ] هذا العقد وقالت :
_______________________________________
1. الأنفال : 24. وقد ذكر الخبر البخاري في صحيحه 5 : 146 ، 199 ، 222 ، من كتاب تفسير القرآن ، و 6 : 103 من كتاب فضائل القرآن ، ومسند أحمد 3 : 450 ، 4 : 211 ، سنن أبي داود 1 : 328 / 1458 ، سنن النسائي 2 : 139 ، صحيح ابن حبان 3 : 56 ، المعجم الكبير 22 : 303 ، وفي سنن الترمذي 4 : 231 / 3036 ، مسند الحاكم 1 : 558 ، سنن البيهقي الكبرى 2 : 276.
2. الآحاد والمثاني 4 : 115 ، المعجم الكبير 4 : 87 ، مستدرك الحاكم 2 : 18.
بعه فعسى أن يصنع الله لك.
قال : فبكى النبيصلىاللهعليهوآله وقال : وكيف لا يصنع الله لك ، وقد أعطتكه فاطمة بنت محمد سيدة بنات آدم.
فقام عمار بن ياسر رحمه الله فقال : يا رسول الله أتأذن لي بشراء هذا العقد؟
قالصلىاللهعليهوآله : اشتره يا عمار ، فلو اشترك فيه الثقلان ما عذّبهم الله بالنار.
فقال عمار : بكم العقد يا أعرابي؟
قال : بشبعة من الخبز واللحم ، وبردة يمانية أستر بها عورتي واُصلي فيها لربي ، ودينار يبلغني إلى أهليـوكان عمار قد باع سهمه الذي نفّله رسول الله من خيبر ولم يبق منه شيئا ـ.
فقال : لك عشرون ديناراً ومائتا درهم هجريّة ، وبردة يمانية ، وراحلتي تبلغك أهلك ، وشبعة من خبز البّر واللحم.
فقال الأعرابي : ما أسخاك بالمال أيها الرجل ، وانطلق به عمار فوفّاه ما ضمن له وعاد الأعرابي إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال له رسول الله : أشبعت واكتسيت؟
قال الأعرابي : نعم واستغنيت بأبي أنت وأمي ، قال إلى آخر الخبر.(1)
فعمار بن ياسرـلأجل معرفته بمنزلة أهل البيتـعرف قيمة هذه الهدية ، أما الأعرابي فلم يكن يعرفها إلّا على مَلْء البطن والكسوة ، ولما أُعطي ما أُعطي فرح ، وهو لا يدري ما الذي خسره وما الذي حصل عليه الآخر ، إنها المعرفة ، وكفى لعمار بها تعريفاً.
إذاً التركيز على الجانب المعنوي وتبيّن المفاهيم الإلهية كما هي ، يفتح لنا آفاقاً كثيرة ، وعلى ضوئها يمكننا أن نعرف معنى الإسراء والمعراج ، وتكلّم الله مع
_______________________________________
1. بشارة المصطفى 219 ، وعنه في البحار 43 : 57.
موسى ، وإجابة الرسول لمن يسلّم عليه وهو في القبر ، وإجابة الأئمة لنا حين نخاطبهم ، لأنّ الموت بالمنظور الإلهي هو الحياة الدائمة لا الفناء ، وهو وجود لا عدم ؛ لأنّه جل وعلا خلقهما معا لقوله تعالى :( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ) .(1)
فلو كان الموت هو الحياة ، فما أوجه الشبه بينه وبين الحياة الدنيوية؟ وهل يعقل أن يحيا شخص دون أن يتكلم أو يأكل أو يشرب و ...
هذه أمُور يجب أن تطرح ويُبحث في جوانبها ، لكنّ من المؤسف حقاً أنّهناك طوائف من الأُمة لا تدرك عمق هذه الأفكار ، فيتعاملون مع النبي والأئمة كأنهم أُناسٌ عاديّون بعيدون عن الملكات المعنوية الإلهية ، فترى أبا بكر مثلاً لا يعرف كنه آية التطهير فيتعامل مع الصدّيقة فاطمة الزهراء كما يتعامل مع أدنى امرأة من المسلمين تماماً ، وعمله هذا مخالف لصريح القرآن المجيد وما جاء به الرسول الأمين.
إن عدم تفهّمهم ودركهم لهذه الخصائص الإلهية قد يرجع إلى قلّة المعرفة بمكانة هؤلاء العباد المخلصين ، وقد يكونـعلاوة على ذلكـلمطامع شخصيّة ، والثاني هو الأقرب إلى الحقيقة ومجريات الأحداث.
*
_______________________________________
1. سورة الملك : 2.
اتضح لكـوفق الصفحات السابقةـمن هو الصادق ومن هو الكاذب ، والآن نريد أن نوضّح من هو الصدّيق ومن هي الصدّيقة في المنظومة الإلهية ؛ لأن مرتبة الصدّيق هي أسمى وأرفع من مرتبة الصادق ، إذ هي صيغة مبالغة وهي غالباً ما جاءت في القرآن الكريم صفة للأنبياء :
كقوله تعالى :( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ) .(1)
وعن إبراهيم :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) .(2)
وعن إدريس :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا ) ،(3) وغـيرها.
ولم تلحظ هذه التسمية في القرآن الكريم لأشخاص عاديين وغير معصومين.
إذاً الصدّيقية هي صفة للأنبياء والأوصياء ، وإذا توسّعنا في مدلولها فإنّها ربّما أُطلقت على الصالحين الكُمّل من العباد الذين آمنوا باللهورسله إيمان قلب
_______________________________________
1. يوسف : 46.
2. مريم : 41.
3. مريم : 56.
وعقيدة لا إيمان لسان ومصالح.
ولكي ندرس الموضوع بموضوعية أكثر ، ولنضع النقاط على الحروف ، لابد من ذكر بعض المعايير والسمات المتصورة للصدّيق ، لكونها مرتبة عالية في التقييم البشري ، ثمّ نأتي لنطبقها على ما نحن فيه.
الأوّل : الصدق
إنّ أوّل سمات الصدّيقية هي كون الشخص صادقاً في كلامه ومواقفه ، وقد اعتبر سبحانه وتعالى الكاذب ظالماً لنفسه بقوله :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ) .(1)
وقوله :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ) .(2)
وقوله :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) .(3)
وفي رابع قوله :( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ) .(4)
وفي خامس قوله :( فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) .(5)
ويوسف الصدّيق كان صادقاً مع فرعون حين( قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَ _______________________________________
1. الأنعام : 21 ، الأعراف : 37 ، يونس : 17.
2. العنكبوت : 68.
3. الأنعام : 144.
4. هود : 18.
5. آل عمران : 94.
إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) .(1)
فتأكد لك قول الإمام علي في قوله تعالى :( فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ) (2) حيث قال : الصدق ولايتنا أهل البيت.(3)
كما مرّ عليك أنّ الزهراءعليهاالسلام بخطبتها المشهورة شككت في كل مدعيات أبي بكر ، وكان مما قالته له :
... أم أنتم أعلم بخصوص القرآن من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخظومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعةيخسر المبطلون ، ولا ينفعكم إذ تندمون ، ولكل نبأ مستقر ، وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب عظيم ، ثم أشارت إلى قوله تعالى( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) .
فأجابها أبو بكر بأنه سمع رسول الله يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً وإنّما نورث الكتاب والحكمة والعلم والنبوة ...
فقالتعليهاالسلام : سبحان الله ما كان رسول الله عن كتاب الله صادفاً ولا لأحكامه مخالفاً ، بل كان يتبع أثره ويقفو سوره ، أفتجمعونإلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور ؟ وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته ، هذا كتاب الله حكماً عدلاً وناطقاً فصلاً يقول :( يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) و( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) فبين عزوجل فيما وزّع من الأقساط وشرع من الفرائض والميراث ، وأباح من حظ
_______________________________________
1. يوسف : 26.
2. الزمر : 32.
3. مناقب آل أبي طالب 3 : 92 ، الأمالي للطوسي : 364 المجلس 13 ح 17.
الذكران والإناث ما أزاح به علة المبطلين ، وأزال التظني والشبهات في الغابرين ، كلا بل سولت لكم أنفسكم أمراً فصبر جميل واللّهالمستعان على ما تصفون.
فقال أبو بكر : صدق الله وصدق رسوله ، وصدقت ابنته ، أنت معدن الحكمة ، وموطن الهدى والرحمة ، وركن الدين ، وعين الحجة ، لا أبعد صوابك ، ولا أنكر خطابك إلى آخر.(1)
وبهذا فقد رأيت أن الزهراء كذّبت أبا بكر لكنه لم يجرؤ على تكذيبها. بل أقر بصحة كلامها ، وقد وقفت سابقاً على كلام عمر بن الخطاب للإمام علي (إنا لا نقوى على حجتك).
ووفي الوقت الذي رأينا فيه أبا بكر يقول للأنصار في السقيفة : نحن الأُمراء وأنتم الوزراء ، ثمّ لم يصدّق فعلهُ قوله ، حيث أبعد الأنصار عن جميع المسؤوليات فضلاً عن الوزراء ، في نفس هذا الوقت نرى تصريحات الكتاب والسنّة بأنّ عليّاً هو المعنيّ بـ«الصادقين»، بل سيرة عليّ كلّها تدل على أنّه الصدّيق الأكبر وأنّه إمام الصادقين.
قال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان في تفسير قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .
القراءة : في مصحف عبدالله، وقراءة ابن عباس : « من الصادقين»وروى ذلك عن أبي عبداللهعليهالسلام .
اللغة : الصادق : هو القائل بالحق العامل به ؛ لأنّه صفة مدح ، ولا يطلق إلّا على من يستحق المدح على صدقه.
المعنى : ثمّ خاطب الله سبحانه المؤمنين المصدقين باللهالمقرين بنبوة نبيهصلىاللهعليهوآله ،
_______________________________________
1. الاحتجاج 1 : 144.
فقال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ) أي اتقوا معاصي الله واجتنبوها( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) الذين يصدقون في أخبارهم ولا يكذبون ، ومعناه : كونوا على مذهب من يستعمل الصدق في أقواله وأفعاله ، وصاحبوهمورافقوهم ، كقولك : أنا مع فلان في هذه المسألة ، أي أقتدي به فيها ، وقد وصف الله الصادقين في سورة البقرة ، بقوله :( وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) إلى قوله :( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ، فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء الصادقين المتقين. وقيل : المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في كتابه ، وهو قوله :( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ ) يعني ، حمزة بن عبد المطلب ، وجعفر بن أبي طالب( وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ) يعني ، علي بن أبي طالبعليهالسلام .
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال :( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) مع علي وأصحابه.
وروى جابر عن أبي جعفرعليهالسلام في قوله :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال : مع آل محمّدصلىاللهعليهوآله . وقيل : مع النبيين والصديقين في الجنة وقيل : إن معنى( مَعَ ) هنا معنى (من) فكأنه أمر بالكون من جملة الصادقين ، ويعضده قراءة من قرأ : ( مِنَ الصَّادِقِينَ ) والمعنيان متقاربان هنا ؛ لأنّ( مَعَ ) للمصاحبة ، و (من) للتبعيض ، فإذا كان من جملتهم فهو معهم وبعضهم ، وقال ابن مسعود ، لا يصلح من الكذب جد ولا هزل ، ولا أن يَعِدَ أحدكم صبيه ثمّ لا ينجز له ، اقرؤوا إن شئتم هذه الآية ، هل ترون في الكذب رخصة؟(1)
وعن ابن اذينة ، عن بريد بن معاوية العجلي ، قال : سألتُ أبا جعفرعليهالسلام عن قول الله عزوجل :( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال : إيانا عنى.(2)
_______________________________________
1. انظر مجمع البيان في تفسير الآية 119 من سورة التوبة.
2. بصائر الدرجات : 51 / 1 ، الكافي 1 : 208 / 1.
وروى الصفار ، عن الحسين بن محمد ، عن معلى بن محمد ، عن الحسن عن أحمد بن محمد ، قال : سألت الرضاعليهالسلام عن قول الله عزوجل :( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، فقال :( الصَّادِقِينَ ) الأئمة الصديقون بطاعتهم.(1)
وفي حديث المناشدة قال أمير المؤمنينعليهالسلام : فأنشدكم الله أتعلمون أن الله أنزل :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) فقال سلمان : يا رسول الله أعامة هي أم خاصة؟ قال : أمّا المأمورون فالعامة من المؤمنين أُمِروا بذلك ، وأما الصادقون فخاصة لأخي علي والأوصياء من بعده إلى يوم القيامة؟ قالوا : اللهم نعم.(2)
وروى ابن شهرآشوب من تفسير أبي يوسف ، يعقوب بن سفيان حدثنا مالك بن أنس ، عن نافع عن ابن عمر ، قال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ) قال : أمر الله الصحابة أن يخافوا الله ثمّ قال :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) يعني مع محمد وأهل بيته.(3)
وجاء عنهعليهالسلام : نحن شيعة علي ، إنّما شيعة علي من صدق قوله فعله.(4)
فالتمسك بتلك الآية لإثبات الإمامة والصدّيقية في المعصومين ، بين الشيعة معروف ، وقد ذكره المحقق الطوسي في كتاب التجريد ووجه الاستدلال بالآية الكريمة ، فقال :
إن الله تعالى أمر كافة المؤمنين بالكون مع الصادقين ، وظاهر أن ليس المراد به
_______________________________________
1. بصائر الدرجات : 51 / 1 ، وعنه في بحار الأنوار 24 : 31.
2. كتاب سليم بن قيس : 201 ، التحصين : 635 ، ينابيع المودة 1 : 344.
3. مناقب ابن شهرآشوب 2 : 288 ، ينابيع المودة 1 : 358 / الباب 39 / 15 عن الموفق بن أحمد الخوارزمي ، الفضائل لابن شاذان : 138.
4. الكافي 8 : 228 / 290.
الكون معهم بأجسامهم ، بل المعنى لزوم طرائقهم ومتابعتهم في عقائدهم وأقوالهم وأفعالهم ، ومعلوم أن الله تعالى لا يأمر عموماً بمتابعة من يعلم صدور الفسق والمعاصي عنه مع نهيه عنها ، فلا بد من أن يكونوا معصومين لا يخطأونفي شيء حتى يجب متابعتهم في جميع الأمور ، وأيضاً لا يختص بزمان دون زمان ، فلا بد من وجود معصوم من الصادقين في كلّ زمان ليصح أمر مؤمن كل زمان بمتابعتهم.(1)
قال الشاعر :
إذا كذبت أسماءُ قومٍ عليهم |
فإِسمكَ صدّيقٌ له شاهدٌ عدلُ |
بعد كل هذا ، لك أن تحكم من هو الصديق؟ ومن هي الصديقة؟
الثاني : العصمة
إنّ صفة الصدّيقيّة تعني بأن الشخص قد بلغ مرتبة الكمال والعصمة لأنه اختير وانتجب من قبل الله ، وهي أسمى من الصادقية ، فالصدق يرجع إلى الفرد ، أما الصدّيق فيرجع إلى الباري تعالى ، والمعصوم ليس صادقاً وحسب بل هو صدّيقٌ ، وليس طاهراً فحسب بل هو مطهَر ، فالذي يُصطفى من العباد من قبل الله ويُجتبى يجب أن يكون مسدّداً في قوله وفعله ، كما هو الملاحظ في السيدة مريم بنت عمران سلام الله عليها لقوله تعالى :( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ) .(2)
وقال سبحانه وتعالى عنها :( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ _______________________________________
1. كشف المراد : 222.
2. المائدة : 75.
الرَّاكِعِينَ * ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) .(1)
ولما قال القوم لمريم :( يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ) (2) أي مفترى مكذوباً ، أو عظيماً في المناهي ،( يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ) (3) فأشارت مريم إلى عيسى وهو في المهد وطلبت منهم أن يستفسروا منه عن الأمر ، فقالوا :( كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) (4) فأنطق الله عيسى ، ( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) .(5)
فمريم هي الصدّيقة بنص القرآن الكريم ، وبينها وبين فاطمة الزهراء مشتركات كثيرة ، منها أنهما من سلالة النبوة ، والنبوة سلالة بعضها من بعض ، لقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ،(6) فهي ابنة نبي وفاطمة ابنة خاتم الأنبياء ، ومريم أم لنبي وفاطمة أُم لأبيها وأم لوصيَّين بل أمّ الأوصياء ، ومريم ولدت من غير زوج على نحو الإعجاز حيث لم يكن لها كفو ، وفاطمة أنجبتمن
_______________________________________
1. آل عمران : 42 ـ 44.
2. مريم : 27.
3. مريم : 28.
4. مريم : 29.
5. مريم : 30 ـ 33.
6. آل عمران : 33 ـ 35.
بعل كعلي ولولاه لما كان لها كُفْءٌ.
وكلاهما كفلا من قبل نبي فمريم( وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) وفاطمة قد كفلها سيد الانبياء محمّد المصطفى ، وجاء عن الإمام الرضا انه قال في جواب ابن ابي سعيد المكاري : انّ الله تبارك وتعالى أوحىٰ الى عمران : أني واهب لك ذكراً ، فوهب له مريم ، ووهب لمريم عيسىٰ ، فعيسىٰ من مريم ، ومريم من عيسىٰ ، ومريم وعيسىٰ شيء واحد ، وأنا من أبي ، وأبي مني ، وانا شيء واحد.(1)
وقد روت الخاصة والعامة أن علياً أصبح ساغباً(2) فسأل فاطمة طعاماً ، فقالت : والذي أكرم أبي بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أصبح عندي شيء يطعمه بشر ، وما كان من شيء أطعمك منه يومين إلّا شيء كنت أوثرك به على نفسي وعلى الحسن والحسين.
قالعليهالسلام : أعلى الصبيين؟ إلّا أعلمتِني فآتيكم بشيء.
قالت : يا أبا الحسن إنّي لاستحيي من إلهي أن أكلّفك ما لا تقدر عليه.
فخرج واثقا باللهحسن الظن به ، فاستقرض من النبي ديناراً فخرج يشتري به شيئاً ، إذ عرض له المقداد في يوم شديد الحر قد لوّحته الشمس من فوقه وتحته ، فأنكرعليهالسلام شأنه فقال : يا مقداد ما أزعجك هذه الساعة؟
قال : خل سبيلي يا أبا الحسن ولا تكشفني عما ورائي.
قالعليهالسلام : إنّه لا يسعني أن تجاوزني حتى أعلم علمك.
قال : يا أبا الحسن إلى الله ثمّ إليك أن تخلي سبيلي ولا تكشف عن حالي.
فقال علي : إنّه لا يسعك أن تكتمني حالك.
_______________________________________
1. بحارالأنوار 25 : 1 عن معاني الاخبار : 65.
2. أي جائعاً.
فقال : إذا أبيت فوالذي أكرم محمداً بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني إلّا الجهد ، ولقد تركت عيالي بحال لم تتحملني لها الأرض فخرجت مهموماً راكباً رأسي ، فهذه حالي.
فهملت عينا عليعليهالسلام بالدموع حتى أخضلت دموعُهُ لحيتَه ، ثمّ قال : أحلف بالذي حلفت به ما أزعجني ، من أهلي إلّا الذي أزعجك ولقد استقرضت ديناراً فخذه ، فدفع الدينار إليه وآثره به على نفسه.
فوضععليهالسلام رأسه فنام ، فخرج النبي فإذا هو به فحرّكه ، وقال : ما صنعت ، فأخبره ، فقام وصلى معه ، فلما قضى النبي صلاته قال : يا أبا الحسن هل عندك شيء نطعمه؟ فمكثعليهالسلام مطرقاً لا يحير جواباً حياءً من رسول الله وهو يعلم ما كان من أمر الدينار ، ثم قالعليهالسلام : نعم يا رسول الله على الرحب والسعة ، وقد كان أوحى الله إلى نبيه محمد أن يتعشى عند علي بن أبي طالب ، فانطلقا حتى دخلا على فاطمة وهي في مصلّاها وجنبها جفنة تفور دخاناً ، فأخرجت فاطمة الجفنة فوضعتها بين أيديهما ، فسأل عليٌّ : أنى لك هذا؟
قالت : هو من فضل الله ورزقه ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
قال : فوضع النبيُّ كفّه المبارك بين كتفي علي ثمّ قال : يا علي هذا بدل دينارك ، ثمّ استعبر النبي باكياً وقال : الحمد للّهالذي لم يمتني حتى رأيت في ابنتي ما رأى زكريا لمريم.(1)
وجاء في أخبارنا أنّ الأئمة من ولد فاطمة ، هم أفضل من أنبياء بني إسرائيل ،
_______________________________________
1. انظر مناقب ابن شهرآشوب 1 : 350 ، أمالي الطوسي : 617 ، الخرائج والجرائح 2 : 522 ، ذخائر العقبى : 46 ، فضائل سيدة النساء لعمر بن شاهين : 26 ، تفسير فرات : 84 ، كشف الغمة 2 : 98 ، تأويل الآيات 1 : 109 ، ينابيع المودة 2 : 136.
وفي روايات العامة (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) ،(1) وفي روايات الفريقين ما يصدّق قول الإمامية ، حيث روى الفريقان أنّ في الأخبار بأن عيسىعليهالسلام حين يأتي في آخر الزمان سوف يصلي خلف الإمام المهدي عند ظهوره عجل الله تعالى فرجه الشريف ،(2) وهو دليل على أفضلية أئمة أهل البيت على أنبياء بني إسرائيل.
ولو قايست بين كلام إبراهيمعليهالسلام والإمام علي لوقفت على المنزلة المعرفية الكبرى لعليعليهالسلام ، فسبحانه جلّ وعلا قال لنبي الله إبراهيم :( أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ،(3) وأما الإمام علي فقال :(لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً ) ،(4) وفي هذا معنى عظيم يدركه العالم البصير.
وبنفس المنطق ، وبنص كلام الرسولصلىاللهعليهوآله كانت السيدة الزهراء هي أفضل من السيدة مريم ، لأنّ رسولَ الله قال في وصفهاـوهو الذي نزل عليه القرآن المصرح باصطفاء مريمـ: إنّها [ فاطمة ] سيدة نساء العالمين ، فقيل : يا رسول الله هي سيدة نساء عالمها؟ فقالصلىاللهعليهوآله : ذاك لمريم بنت عمران ، أما ابنتي فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.(5) فكيف بعائشة!
*
_______________________________________
1. المحصول للرازي 5 : 72 ، سبل الهدى والرشاد 10 : 337.
2. الآحاد والمثاني 2 : 446ـ449 / 1249 ، كنز العمال 14 : 266 / 38673 عن أبي نعيم في كتاب المهدي عن ابي سعيد. فتح الباري 6 : 358 ، تفسير القرطبي 16 : 106.
3. البقرة : 260.
4. تفسير أبي السعود 1 : 56 ، 4 : 4 ، الصواعق المحرقة 2 : 379 ، حاشية السندي 8 : 96 ، مناقب ابن شهرآشوب 1 : 317 ، والفضائل لابن شاذان : 137.
5. أمالي الصدوق : 575 وعنه في شرح الأخبار 3 : 520 / 959 وبحار الأنوار 24 / 20 : 43 ، بشارة المصطفى : 374 / 89 من طريق آخر وعنه في البحار 37 : 85 / 52.
شبهة وجواب :
وهنا لابد لي وأنا أسير في البحث من الإجابة عن شبهة قد ترد على ذهن بعض الأشخاص ، وهي : كيف تكون فاطمة سيدة نساة العالمين مع أنّ رب العالمين قال في محكم كتابه عن مريم :( يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) ؟
نجيب عن ذلك بجوابين ، أحدهما نَقْضي ، والآخر حَلّيٌ.
أما الجواب النقضي : فنسأل المستشكل ماذا يقول في قوله تعالى :( وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ ) .(1)
فهل هو يعتقد ، أو هل هناك أحد يقول بأن هؤلاء الأنبياء هم أفضل من نبينا محمّدصلىاللهعليهوآله ؟ كلّا وألف لا ، فالرسل على مراتب وأفضلهم خاتمهم ، فالتفاضل حقيقة ربانية لكن لا على جميع العصور :( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) .(2)
والأوضح من ذلك أن نرى الله قد فضّل اليهود على العالمين في كتابه ؛ لقوله تعالى :( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) .(3)
فهل هناك مسلم أو مسيحي يعتقد بأنّ اليهود هم أفضل العالمين؟ كلا وألف لا ، خصوصاً بعد عِلمنا بما فعله أبناء تلك الأمة بأنبيائهم وتحريفهم للشريعة ،
_______________________________________
1. الأنعام : 86.
2. البقرة : 253.
3. البقرة : 122.
وبهذا يتّضح أنّ المقصود من جملة :( عَلَى الْعَالَمِينَ ) في زمانهملا في جميع الأزمنة ، لأن الزمن الأخير مختص برسول الله والصدّيقة الزهراء والإمام علي وأولادهم المعصومين الذين هم أفضل من أنبياء بني إسرائيل بلا شك.
وأما الجواب الحَلّي فنقول : إنّ الذي قال : فاطمة هي أفضل من مريم ، وأنها سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء أهل الجنة بما فيهم مريم ، هو الذي نزل عليه القرآن الذي فيه اصطفاء مريم ، ولو تأمّلت في كلام رسول الله وما قاله في بنته ، وما جاء فيها : من أن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها ، لعرفت أن في هذه النصوص تصريحا لها بالعصمة والاصطفاء ، وأنّها تفوق في الفضل والمرتبة مريم بنت عمران.
عود على بدء :
والآن لنرجع لما نحن فيه كي نرى هؤلاء الأربعة (علي ، فاطمة ، أبو بكر ، عائشة) أيهما هو الأحق في الاتصاف بصفة الصدّيقية؟ ومن منهم يتّصف بالعصمة وله سمات ومواصفات هذا اللقب؟
من المعلوم الذي لا خلاف فيه بأنّ أحداً من المسلمين لم يدّعِ العصمة لأبي بكر ولا لعمر ولا لعائشة ، ولم يدّعوا هم لأنفسهم ذلك ، بعكس الأمر بالنسبة الى فاطمة والإمام عليعليهالسلام ، فقد جزما بذلك لأنفسهما كما جزم كثير من المسلمين لهم بذلك ، ونزل فيهم الذكر الحكيم كآية التطهير وأمثالها الدالة على ذلك ، وقد قال النبي فيهما ما يدل على عصمتهما بلا ريب ، وهذا يكفي في ترجيح كون لقب الصدّيقة لفاطمة لا لعائشة ، والصدّيق لعلي بن أبي طالبعليهالسلام لا لأبي بكر.
ولنقايس الآن بين أبي بكر ويوسف الصدّيق ، كي نعرف معيار الصدّيقية
وكيف جاءَتهما.فيوسف لُقِّبَ بهذا اللقب لصدقه في تعبير رؤيا عزيز مصر الذي رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، فقال سبحانه حاكياً هذه الواقعة على لسان العزيز( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) .(1)
فسبحانه وتعالى صدَّق يوسف في تعبيره للرؤيا بعد أن لبث في السجن بضع سنين.
أما أبو بكر الذي حاولوا إضفاء لقب الصدّيق عليه ، فإنّه لا يصلح أن يكون كذلك طبق الميزان الذي عرفته ، فهو ليس بصدّيق معصوم ، ولا صدّيق غير معصوم ، بل كان لا يعرف مرامي القرآن والسنة ، لانه كان يسال الصحابة عن الاي الحكيم وكثيراً ما كان يُخطا من قبل الصحابة في افتائه وتفسيره ، فقد فسر كلمة (بضع) الواردة في القرآن بدون رويّة وعلى عجل طبقا لرايه ، فقد ورد في سنن الترمذي عن ابن مكرم الأسلمي ، قال :
ما نزلت « ألَم غُلبت الرُّوم في أدنى الأرضِ وهُم من بعدِ غَلَبهِم سيغلبُون في بِضعِ سِنِين » فكانت فارسُ يومَ نزلت هذه الآية قاهرين للروم ، وكان المسلمون يُحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب ، وفي ذلك قولُ الله تعالى( وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ |
_______________________________________
الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) ، وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنّهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث ، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديقُ يصيح في نواحي مكَّة( الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ) ، فقال ناس من قريش لأبي بكر : فذلك بيننا وبينكم ، زعم صاحبك أنّ الروم ستغلب فارس في بضع سنين ، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال : بلى ، وذلك قبل تحريم الرِّهان ، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرِّهان ، وقالوا لأبي بكر : كم تجعل البضع؟ البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين ، فسمِّ بيننا وبينك وسطاً تنتهي إليه ، قال : فسمُّوا بينهم ست سنين ، قال : فمضت الستّ سنين قبل أن يظهروا ، فأخذ المشركون رهن أبي بكر ، فلمّا دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنينَ ، قال : لأن الله تعالى قال :« في بضع سنين » . (1) |
وقد ورد في حديث آخر عن ابن عباس ، قال : قال النبي : «ألّا احتطت يا أبا بكر فإنّ البضعَ ما بين ثلاثٍ إلى تسع».(2)
إذن ، أبو بكر فسر كلمة قرآنية عربية محدّدة المعنى وبتَّ جازماً بأنها ست سنوات خلافاً لإرادة رب العالمين ، ولأجل ذلك قال له رسول الله : ألا احتطت يا أبا بكر فإن البضع ما بين الثلاث إلى التسع!
وأمّا يوسف الصديق ، فإنه عبّر رؤيا رآها عزيز مصر فجاءت مطابقة للواقع ، وهذا هو الفرق الذي لا ينبغي تناسيه بين الصدّيقين. فالقرآن وفق هذه المعطيات يرفض رفضاً باتاً أن يكون أبو بكر صديقاً ، في حين يجزم بلا شك أن
_______________________________________
1. سنن الترمذي 5 : 25 / 32465.
2. سنن الترمذي 5 : 24 / 3245.
أن يكون يوسف صديقاً ، وأن يكون عليّ صديقا.
بلى ، لقد ولد من الصدّيق علي والصدّيقة فاطمة صادقون هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وهؤلاء كانوا من القلة الذين حُفظوا من كيد الشيطان الرجيم ، وكانوا من عباده الذين لا سلطان للشيطان عليهم ، على رغم توعد إبليس لأولاد آدم بأن يضلهم ويغويهم بقوله :( لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) .(1)
وقد احتج الإمام علي على أهل الشورى بقوله :
أنشدكم الله ، أفيكم مطهّر غيري ، إذ سد رسول اللهصلىاللهعليهوآله أبوابكم وفتح بابي وكنت معه في مساكنه ومسجده ، فقام إليه عمه فقال : يا رسول الله ، غلقت أبوابنا وفتحت باب علي؟
قال : نعم ، أَمَرَ الله بفتح بابه وسدِّ أبوابكم؟
قالوا : اللهم لا.(2)
وعن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن علي بن أبي طالب ، قال : أخذ رسول الله بيدي وقال : إن موسى سأل ربه أن يُطهّر مسجده بهارون ، وإنّي سألت ربي أن يُطهّر مسجدي بك وبذريتك ، ثمّ أرسل إلى أبي بكر : أن سد بابك ، فاسترجع ، ثمّ قال : سمعاً وطاعةً ، فسدّ بابه.
ثمّ أرسل إلى عمر ، ثمّ أرسل إلى العباس بمثل ذلك.
_______________________________________
1. الإسراء : 62 ، وقال سبحانه في سورة النساء : 83 :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ) .
2. تاريخ دمشق 42 : 432 ، 435 واللفظ له ، مناقب ابن المغازلي : 117 ، الخصال للصدوق 552 الرقم 30 ، 31 ، الأمالي للطوسي : 548 الرقم 1168 و 555 الرقم 1169 مناقب الخوارزمي : 315 ، كتاب سليم بن قيس : 74 ، فرائد السمطين 1 : 322 الرقم 251 ، كنز العمّال 5 : 726 ، الرقم 14243.
ثمّ قال رسول الله : ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي ، ولكنّ الله فتح باب علي وسدَّ أبوابكم.(1)
هذا ، مع أنّ أبا بكر لم يدّع طهارته وابتعاده عن الشيطان ، بل صرح بأن له شيطاناً يعتريه ، حيث قال :
أما واللهما أنا بخيركم ، ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً ، ولوددت أن فيكم من يكفيني ، فتظنون أني أعمل فيكم بسنّة رسول الله؟ إذن لا أقوم لها ، إن رسول الله كان يُعصَمَ بالوحي ، وكان معه ملك ، وإنّ لي شيطاناً يعتريني ، فإذا غضبت فاجتنبوني ....(2)
وأخرج تمام بن محمد الرازي (ت 414 هـ.) في كتاب الفوائد بإسناده عن أبي القموص ما يشير إلى أنّ أبا بكر قد سيطر عليه الشيطان وقتاً ما ، فقال : شرب أبو بكر الخمر في الجاهلية فانشأ يقول :
نحيّي أم بكر بالسلام |
وهل لي بعد قوم من سلام |
فبلغ ذلك رسول الله ، فقام يجر إزاره حتى دخل ، فتلقّاه عمر وكان مع أبي بكر ، فلما نظر إلى وجهه محمراً قال : نعوذ باللهمن غضب رسول الله ، واللهلا يلج لنا رأساً أبداً ، فكان أول من حرمها على نفسه.(3)
وقال ابن حجر في فتح الباري ، والعيني في عمدة القاري :
_______________________________________
1. مسند البزار 2 : 144 / 506 واللفظ له ، مجمع الزوائد 9 : 115 ، مناقب ابن المغازلي : 299 الرقم 343 ، كنز العمال 13 : 1175 الرقم 36521.
2. المصنّف لعبد الرزاق 11 : 336 / 20701 واللفظ له. وانظر الإمامة والسياسة 1 : 22 ، وتاريخ دمشق 30 : 303 ، وتاريخ الطبري 2 : 460 ، وطبقات ابن سعد 3 : 212.
3. الفوائد 2 : 228 ، وانظر الإصابة 7 : 39 / 9637.
ومن المستغربات ما أورده ابن مردويه في تفسيره من طريق عيسى بن طهمان عن أنس أن أبا بكر وعمر كانا [ ضمن العشرة الذين شربوا الخمر فيهم ]. وهو منكر مع نظافة سنده ، وما أظنه إلّا غلطاً. وقد أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء في ترجمة شعبة من حديث عائشة ، قالت : حرّم أبو بكر الخمر على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام. ويحتمل إن كان محفوظاً أن يكون أبو بكر وعمر زارا أبا طلحة في ذلك اليوم ولم يشربا معهم ، ثم وجدت عند البزار من وجه آخر عن أنس قال : كنت ساقي القوم ، وكان في القوم رجل يقال له : أبو بكر ، فلما شرب قال : نحيي بالسلامة أم بكر .... فدخل علينا رجل من المسلمين فقال : قد نزل تحريم الخمر الحديث. وأبو بكر هذا يقال له : ابن شغوب ، فظن بعضهم أنه أبو بكر الصدّيق وليس كذلك ، ولكن قرينة ذكر عمر تدل على عدم الغلط في وصف الصدّيق ، فحصلنا تسمية عشرة ، انتهى.(1) |
فالقضية لا يمكن تصورها في الجاهلية ، لأنّ رسول الله لم تكن له تلك الحكومة عليهم حتى يخافوه ويهابوه ، وكذا لا يمكن أن تكون قبل نزول قوله تعالى : ( وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) وقوله تعالى :( لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ ) وقوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ ) (2) لأنّه عقاب قبل البيان ، ولو راجعت صحيح البخاري وصحيح مسلم(3) لرأيت أن نادي الخمر هذا ، كان عام الفتح سنة ثمان من
_______________________________________
1. فتح الباري 10 : 31 ـ 32.
2. المائدة : 91.
3. صحيح البخاري كتاب التفسير ، في سورة المائدة آية الخمر ، صحيح مسلم كتاب الأشربة باب تحريم
الهجرة ، في دار أبي طلحة زيد بن سهل ، وكانت السقاية لأنس بن مالك. والتحريم كان في السنه الثانيه أو الرابعة ، والسادسة من الهجرة.
فأبو بكر لم يأخذ درساً ولم يعتبر من غضَب رسول الله ، بل تراه يولّي خالد بن الوليد الذي تبرأ منه نبي الإسلام أكثر من مرة ، ومن ضرار بن الأزور وأمثالهما الشاربين للخمور وأصحاب الفجور ، كل ذلك لأنه إنسان يخضع لهواه ويقدّم مصلحته على دستور ربِّ العالمين.
كان هذا طرف من حال الخليفة.
والآن لنستمع للإمام علي ماذا يقول عن رسول الله وعن نفسه :
... ولقد قرن الله بهصلىاللهعليهوآله من لدن أن كان فطيما أعظم ملكٍ من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت اتّبعه اتّباع الفصيل إثر اُمّه ، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه عَلَماً ، ويأمرني بالاقتداء به ، ولقد كان يجاور في كل سنةٍ بحراء ، فأراهُ ولا يراهُ غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة ، وأشم ريح النبوة ، ولقد سمعت رنَّة الشيطان حين نزل الوحي عليهصلىاللهعليهوآله فقلت : يا رسول الله ، ما هذه الرنة؟ فقال : هذا الشيطان قد أيس من عبادته ، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى ، إلّا أنّك لست بنبي ، ولكنك وزير ، وإنّك لعلى خير ....(1)
وفي بغية الباعث والمطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية والجمع بين الصحيحين وغيرها : أنّ النبي قال لعلي بن أبي طالب : يا علي خُذ الباب ، فلا يدخلن عليّ أحد فإن عندي زوراً من الملائكة ، استاذنوا ربهم أن يزوروني.
_______________________________________
الخمر ، والدر المنثور 2 : 321 ، مسند أحمد 3 : 181 ، 227 ، تفسير الطبري 7 : 24 السنن الكبرى للبيهقي 8 : 286 ، 290 ، تفسير ابن كثير 2 : 93.
1. نهج البلاغة الخطبة 2 : 157 ، الخطبة 192.
فأخذ علي الباب ، وجاء عمر فاستأذن ، فقال : يا علي : استأذن لي على رسول الله.
فقال : ليس على رسول الله إذن.
فقال : ولِمَ؟
قال : لأن زوراً من الملائكة عنده واستأذنوا ربهم أن يزوروه.
قال : وكم هم يا علي؟
قال : ثلاثمائة وستون ملكاً ...
فذكر ذلك عمر لرسول اللهصلىاللهعليهوآله فقال : يا رسول الله إنّه أخبرني ....
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعلي : أنت أخبرت بالزوار؟
قال : نعم يا رسول الله.
قال : وأخبرته بعدّتهم؟
قال : نعم.
قالصلىاللهعليهوآله : فكم يا علي؟
قال : ثلاثمائة وستون ملكاً.
قالصلىاللهعليهوآله : وكيف علمت ذلك؟
قال : سمعت ثلاثمائة وستين نقلة [ نغمة ] فعلمت أنهم ثلاثمائة وستون ملكاً ، فضرب رسول اللهصلىاللهعليهوآله على صدره ثم قال : يا علي زادك الله إيماناً وعلماً.(1)
وبهذا فقد اتضح لك بأن أهل البيت لا يقاس بهم أحد من الصحابة ولا من غيرهم ، إذ هم شجرة النبوة وقد اختارهم الله لهذا الأمر ، وهم أول من آمن
_______________________________________
1. بغية الباعث : 295 ، المطالب العالية بزوائد الثمانية 16 : 90 ، الجمع بين الصحيحين 4 : 263 ، سبل الهدى والرشاد 10 : 246.
وصدّق بهصلىاللهعليهوآله ، ولهم صفات لا يدانيهم فيها أحد من الخلق ، فقد جاء في كتاب الإمام علي إلى معاوية قوله :
« إن محمداً لمّا دعا إلى الإيمان باللهوالتوحيد كنّا أهل البيت أول من آمن به ، وصدّق بما جاء به ، فلبثنا أحوالاً مجرَّمة(1) وما يعبد الله في ربع ساكن من العرب غيرنا ...».(2)
وقال الإمام الحسن بن عليـلما أجمع على صلح معاويةـوذلك بعد حمد الله والثناء عليه وذكر جده المصطفى ، قال :
إنّا أهل بيت أكرمنا الله بالإسلام ، واختارنا واصطفانا ، وأذهب عنا الرجس وطهرنا تطهيراً ، لم تفترق الناس فرقتين إلّا جعلنا الله في خيرهما من آدم إلى جدي محمد ، فلما بعث الله محمداً للنبوة واختاره للرسالة وأنزل عليه كتابه كان أبي أول من آمن وصدّق الله ورسوله ، وقد قال الله في كتابه المنزل على نبيه المرسل( أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ) .
فجدي الذي على بينة من ربه ، وأبي الذي يتلوه ، وهو شاهد منه ...(3)
وجاء في كتاب محمد بن أبي بكر إلى معاوية : ثم اختارهم على عمله ، فاصطفى وانتجب منهم محمدا فاختصه برسالته ، واختاره لوحيه ، وائتمنه على أمره ، وبعثه مصدِّقاً لما بين يديه من الكتب ، ودليلاً على الشرائع ، فدعا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، فكان أول من أجاب وأناب ، وصدَّقووافق ، وأسلم وسلّم ، أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب ، فصدَّقه بالغيب المكتوم ، وآثره
_______________________________________
1. أي سنين كاملة والأحوال جمع (حَوْل).
2. كتاب صفين : 89 واللفظ له ، شرح نهج البلاغة 15 : 76 ، بحار الأنوار 33 : 111.
3. ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 3 : 364 و 366.
على كل حميم ، فوقاه كل هول ، وواساه بنفسه في كل خوف ، فحارب حربه وسالم سلمه إلى آخره.(1)
ومن حديث أبي بكر الهذلي وداود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : هذا أوّل من آمن بي وصدّقني وصلى معي.(2)
وقد وصى الإمام عليٌّ كميلاً بقوله : يا كميل إنّ الأرض مملوءة من فخاخهم(3) فلن ينجو منها إلّا من تشبّث بنا ، وقد أعلمك الله عزوجل أنه لن ينجو منها إلّا عباده ، وعبادُهُ أولياؤُنا.
يا كميل وهو قول الله عزوجل :( إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) ، وقوله عزوجل :( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) .
يا كميل انج بولايتنا من أن يشركك في مالك وولدك كما أمر.(4)
وهذا يعلن أنّ أهل البيت هم المعصومون والمصدّقون ، وهم الذين عناهم الباري في قوله :( كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) لا أبو بكر وعمر ؛ لأن مساواتهم بالقرآن كما في حديث الثقلين يرشدنا إلى لزوم التمسّك بهم كما يجب التمسّك بالقرآن ، فلو كان الخطأ يقع منهم لما صح الأمر بالتمسك بهم ، وكما أن القرآن لا ريب فيه فما جاء عن أهل البيت لا ريب فيه ، ولو لم يكن أهل البيت معصومين لكان في اتّباعهم احتمال الضلال ، ولكنهم حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض ، والواسطة بين الله والخلق ، وهم كالقرآن ، فاختلاف أهلالبيت مع أحدٍ من الناس يرشدنا إلى ضلال
_______________________________________
1. مروج الذهب 2 : 59 ، كتاب صفين : 118 واللفظ له ، شرح ابن أبي الحديد 3 : 188 ، جمهرة الرسائل 1 : 477 / 502.
2. شرح ابن أبي الحديد 13 : 225.
3. أي من فخاخ الشياطين ، والفخاخ جمع فخ وهو آلة يصاد بها.
4. بشارة المصطفى لشيعة المرتضى : 55 ، تحف العقول : 174.
الآخر بلا شك ، ونحن مأمورون بالتمسك بالقرآن والعترة معاً ؛ لأنهما العاصمان من الضلالة ، ولأنهما قرينان مقترنان لا يفترقان حتى يردا على رسول الله الحوض.
فلا ترى فرقة من الفرق الإسلامية قد ادعت في مذهبها باستمرارية الاقتران ـبين القرآن والعترة حتى ورودهما على الحوضـإلا ما لوحظ عند الشيعة الإمامية القائلين بإمامة الأئمة الاثني عشر ، أوّلهم الصدّيق الأكبر ، وآخرهم مهديهم المنتظر ، وهو معنى آخر لما جاء عن رسول الله من قوله : خلفائي اثنا عشر كلهم من قريش ،(1) فتحديد خلفاء الرسول باثني عشر هو دليل على طول عمر الإمام الثاني عشرـالذي تعتقد الشيعة وكثير من أعلام العامة بوجوده اليوم حياً غائباً ـوأنّه باق مقترن بالقرآن حتى يردا الحوض ، ومن هنا قال الإمام علي عن أهل بيته وهو يخاطب كميل بن زياد :
... اللّهم بلى ، لا تخلو الأرض من قائم للهبحجة ، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته ، وكم ذا؟ وأين أولئك؟ أولئكَ واللهَالأقلّون عدداً ، والأعظمون عند الله قدراً ، يحفظ الله بهم حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم به العلم على حقيقة البصيرة ، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون ، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه ، والدعاة إلى دينه ، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم.(2)
وقالعليهالسلام : أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا؟ كذباً وبغياًعلينا ، أن رفعنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يستعطى
_______________________________________
1. صحيح مسلم 6 : 4 باب الناس تبع لقريش ، عن جابر بن سمرة قال سمعت رسول الله يقول لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش.
2. نهج البلاغة 4 : 37 / 147.
الهدى ، ويستجلى العمى ، إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم.(1)
قال ابن شهرآشوب في المناقب قوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) أمرنا سبحانه أمراً مطلقاً بالكون مع الصادقين من غير تخصيص ، وذلك يقتضي عصمتهم لقبح الأمر على هذا الوجه باتباع من لا يؤمن منه القبيح ؛ من حيث يؤدي ذلك إلى الأمر بالقبيح ، وإذا ثبت ذلك في الإمامة ثبت تخصصها بأمير المؤمنين وأولاده المعصومين بالإجماع ؛ لأن أحداً من الأُمة لم يقل ذلك فيها إلّا خصّها بهم ؛ ولأنّه لم تثبت هذه الصفات لغيرهم ولا ادعيت لسواهم.(2)
الثالث : أن يكون مطهّراً
لا يخفى عليك أنّ التطهير يدخل ضمن العصمة ، لكنا جعلناه قسيماً للعصمة لاعتبارات خاصة ، إذ مر عليك قبل قليل أن الله أمر موسى أن يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيره وغير هارون وابنيه ، وهذا بعينه ما أمر الله به رسوله في وصيه وخليفته ،(3) وجاء في مناشدة الإمام علي :
أنشدكم بالله، أفيكم مطَهَّر غيري ، إذ سدَّ رسول الله أبوابكم وفتح بابي ، وكنت معه في مساكنه ومسجده؟ فقام إليه عمّه فقال : يا رسول الله ، غلّقت أبوابنا وفتحت باب علي؟
قال : نعم ، أمر الله بفتح بابه وسدّ أبوابكم؟
_______________________________________
1. نهج البلاغة 2 : 27 / 144.
2. مناقب ابن شهرآشوب 1 : 247.
3. خصائص السيوطي 2 : 424 ، غاية المرام 3 : 191 ، كتاب سليم : 195 ، 321 ، 400.
قالوا : نعم.(1)
ومن احتجاجهعليهالسلام على أبي بكر قوله :
فأنشدك بالله، ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرّجس ، أم لك ولأهل بيتك قال أبو بكر : بل لك ولأهل بيتك؟
قال : فأنشدك بالله، أنا الذي طهَّره الله من السفاح من لدن آدم إلى أبيه ؛ يقول رسول الله : خرجت أنا وأنت من نكاح لا من سفاح من لدن آدم إلى عبد المطلب ، أم أنت؟
قال أبو بكر : بل أنت ....(2)
وعنهعليهالسلام أنه قال : احذروا على دينكم ثلاثة إلى أن قال :
رجل آتاه الله عزوجل سلطاناً فزعم أن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ، وكَذِبَ ، لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، إنما الطاعة للهولرسوله ولولاة أمره الذين قرنهم الله بنفسه وبنبيه فقال :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) ، لأن الله أمر بطاعة الرسول لأنه معصوم مطهَّر لا يأمر بمعصية الله وإنّما أمر بطاعة أُولي الأمر ؛ لأنهم معصومون مطّهرون لا يأمرون بمعصية الله.(3)
وعن أبي عبدالله[ الصادق ] عن أبيه عن جدهعليهمالسلام قال : خطب أمير المؤمنين علي على منبر الكوفة وكان فيما قال :
فنحن أهل بيت عصمنا الله من أن نكون فتانين أو كذّابين أو ساحرين أو زيافين ، فمن كان في شيء من هذه الخصال فليس منا ولا نحن منه.
إنّنا أهل بيت طهّرنا الله من كلّ نجس ، نحن الصادقون إذا نطقنا ، والعالمون إذا
_______________________________________
1. تاريخ دمشق 42 : 432 ، كنزل العمال 5 : 726 / 14243 ، مناقب الخوارزمي : 315 ، الخصال : 559 / 31.
2. الاحتجاج 1 : 171 وانظر الحد الفاصل : 470 ، والجامع الصغير 1 : 602 / 3901.
3. كتاب سليم بن قيس 405 / 54 وعنه في الخصال : 139 / 158 بتفاوت وبحار الأنوار 25 : 200 / 11.
سُئلنا ، أعطانا الله عشر خصال لم تكن لأحد قبلنا ولا تكون لأحد بعدنا :
الحلم ، والعلم ، واللب ، والنبوة ، والشجاعة ، والسخاوة ، والصبر ، والصدق ، والعفاف ، والطهارة ، فنحن كلمة التقوى ، وسبل الهدى ، والمثل الأعلى ، والحجة العظمى ، والعروة الوثقى ، والحق الذي أقرّ للهبه( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ ) .(1)
وعن عبداللهبن عمر بن الخطاب ، قال : لقد أُوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إليّ من حمر النعم : زوّجه رسول الله ابنته فولدت له ، وسد الأبواب إلّا بابه في المسجد ، وأعطاه الراية يوم خيبر.(2)
وجاء مثل هذا عن أبي سعيد الخدري(3) وعمر بن الخطاب إلّا أن في المروي عن عمر قوله : وسُكناهُ المسجد مع رسول الله يحل له فيه ما يحل له.(4)
وعن حذيفة بن أسيد الأنصاري ، قال : قام النبيـيوم سدّ الأبوابـخطيباً فقال : إن رجالاً يجدون في أنفسهم شيئاً أَنْ أسكنت علياً في المسجد وأخرجتهم ، واللهما أخرجتهم وأسكنته بل الله أخرجهم وأسكنه ، إن الله عز وجل أوحى إلى موسى وأخيه أن تبوّءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وإن علياً بمنزلة هارون من موسى وهو أخي ، ولا يحل لأحد أن ينكح فيه النساء إلّا هو).(5)
_______________________________________
1. تفسير فرات الكوفي : 178 / 230 ، بحار الأنوار 39 : 350 الرقم 24.
2. مسند أحمد 2 : 26 ، مجمع الزوائد 9 : 120 ، فتح الباري 7 : 12 ، كنز العمال 13 : 110 / 36359.
3. المستدرك للحاكم 3 : 117.
4. المستدرك للحاكم 3 : 125 ، مجمع الزوائد 9 : 120 ، مصنف ابن أبي شيبة 7 : 500 / 36 ، مناقب الخوارزمي : 261 ، البداية والنهاية 7 : 377.
5. ينابيع المودة 1 : 259 الباب 17 / ح 8 ، الطرائف : 61 / ح 59 ، وانظر مسند أحمد 4 : 369 ، والمستدرك للحاكم 3 : 125.
هذا وقد قلب القومـوعداوةً للإمام عليـروايات سد الأبواب إلّا باب علي إلى أنهصلىاللهعليهوآله سد الأبواب إلّا خوخة أبي بكر.(1)
قال الشيخ الأمينيـوبعد ذكره كلاماً مفصلاً عن حديث سد الأبواب وخوخة أبي بكرـإنّ الأخذ بمجامع هذه الأحاديث يُعطي خُبْراً بأن سدّ الأبواب الشارعة في المسجد كان لتطهيره عن الأدناس الظاهرية والمعنوية ، فلا يمر به أحد جنباً ، ولا يجنب فيه أحد.
وأمّا ترك بابهصلىاللهعليهوآله وباب أمير المؤمنين فلطهارتهما عن كل رجس ودنس بنص آية التطهير ، حتى أن الجنابةَ لا تحدث فيهما من الخبث المعنوي ما تحدث في غيرهما ، كما يعطي ذلك التنظير بمسجد موسى الذي سأل ربّه أن يطهره لهارون وذريته ، أو أن ربّه أمره أن يبني مسجداً طاهراً لا يسكنه إلّا هو وهارون ، وليس المراد تطهيره من الأخباث فحسب فإنّه حكم كل مسجد.
ويعطيك خبراً بما ذكرنا ما مر من الأحاديث من أن أمير المؤمنينعليهالسلام كان يدخل المسجد وهو جنب(2) وربما مرّ وهو جنب(3) وكان يدخل ويخرج منه وهو جنب ، وما ورد عن أبي سعيد الخدري من قولهصلىاللهعليهوآله : لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك.(4)
وقوله : ألا إنّ مسجدي حرام على كل حائض من النساء وكل جنب من
_______________________________________
1. صحيح البخاري 4 : 254 ، صحيح مسلم 7 : 108 ، مسند أحمد 1 : 270 ، وقال ابن الجوزي في الموضوعات 1 : 367 : فقد روى بعض المتحذلقين في حديث أبي بكر زيادة لا تصح.
2. لحديث عبداللهبن عباس أخرجه النسائي في الخصائص : 76 ، فتح الباري 7 : 12 وقال رجاله ثقات ، إرشاد الساري 6 : 891 عن أحمد والنسائي ووثق رجاله. وهو في كتاب السنة لأبي عاصم : 589.
3. مجمع الزوائد 9 : 115 ، فتح الباري 7 : 13 والطبراني في الكبير 2 : 246 عن إبراهيم بن نائلة الأصبهاني عن إسماعيل بن عمرو البجلي عن ناصح عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة.
4. سنن الترمذي 5 : 303 / 3811 ، السنن الكبرى للبيهقي 7 : 66.
الرجال إلّا على محمد وأهل بيته : علي وفاطمة والحسن والحسينعليهمالسلام .(1)
فالتطهير هو أعلى شرف وامتياز لهم ، وهو يؤكد كونهم من نور واحد وطراز فريد ، ولهذا ترى أنّ المعصوم لا يغسّله إلّا معصوم حسبما جاءت به الروايات :
عن موسى بن جعفرعليهالسلام قال : قال لي أبي : قال عليعليهالسلام : لما قرأت صحيفة وصية رسول الله فإذا فيها : يا علي ، غسلني ، ولا يغسلني غيرك.
قال : فقلت يا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأبي أنت وأُمي ، أنا أقوى على غسلك وحدي؟!
قال : بذا أمرني جبرائيل ، وبذلك أمر الله تبارك وتعالى.
قال : فقلت له : فإن لم أقو على غسلك وحدي ، فأستعين بغيري يكون معي؟ فقال جبرائيل : يا محمد ، قل لعليّ : إن ربك يأمُركَ أنْ تُغسِّل ابن عمك ، فإنّها السنّة ، لا يغسّل الأنبياء غيرُ الأوصياء ، وإنّما يُغسّل كلَّ نبي وصيُّه من بعده ، وهي من حجج الله لمحمد على أُمّته فيما أجمعوا عليه من قطيعة ما أمرهم به.
واعلَم يا علي ، أن لَكَ على غسلي أعواناً هم نِعمَ الأعوان والإخوان. فقال عليعليهالسلام : فقلت : يا رسول الله ، من هم ، بأبي أنت وأمّي؟
قال : جبرائيل ، وميكائيل ، وإسرافيل ، وملك الموت ، وإسماعيل صاحب السماء الدنيا أعوان لك.
قال علي : فخررت للهساجداً ، وقلت : الحمد للّهالذي جعل لي أخواناً وأعواناً هم أُمناءُ الله.(2)
_______________________________________
1. السنن الكبرى للبيهقي 7 : 66 ، سبل الهدى والرشاد 10 : 423 ، تفسير الثعلبي 3 : 313 ، تلخيص الحبير 3 : 136 ، وانظر تاريخ دمشق 14 : 166 ، أخبار أصبهان 1 : 191 ، كنز العمال 12 : 101 / 34183 ، وراجع الغدير 3 : 202 ـ 215.
2. الطرف للسيد ابن طاووس : 44 ، وعنه في بحار الأنوار 22 : 456 / 64 ، واللفظ له ، الصراط المستقيم 2 : 94 / 14 ، وانظر كنز العمال كذلك 7 : 249 / 18780 / تاريخ دمشق 13 : 129 ، سمط النجوم العوالي 3 : 41 / 45.
ومن كلامه لهعليهالسلام : ولقد قُبض رسول الله وأن رأسهُ لفي حجري ، ولقد وليت غسله بيدي وحدي ، وتقلِّبه الملائكة المقربون معي ، وأيمُ الله ما اختلفت أُمة قط بعد نبيها إلّاظهر أهل باطلها على أهل حقها إلّا ما شاء الله.(1)
وقال أيضاً : أوصى رسول الله أن لا يغسله أحدٌ غيري ، فإنّه لا يرى أحدٌ عورتي إلّا طمست عيناه. فكان العباس وأسامة يناولان الماء من وراء الستر ، فما تناولت عضواً إلّا كأنّهُ يُقلبهُ معي ثلاثون رجلاً حتى فرغت من غسله.(2)
وعنهعليهالسلام في حديث المناشدة : نشدتكم باللهأفيكم أحدٌ وَلِيَ غَمْضَ رسول الله مع الملائكة غيري؟
قالوا : اللهمّ لا.
قالعليهالسلام : نشدتكم باللهأفيكم أحدٌ ولي غسل النبي مع الملائكة يقلبونه لي كيف أشاء غيري؟
قالوا : اللهمّ لا.(3)
وروى مفضل بن عمر عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال : فاطمة صدّيقةٌ لم يكن يغسّلها إلّا صدّيق.(4)
_______________________________________
1. كتاب صفين : 224 ، جمهرة خطب العرب 1 : 346 ، شرح نهج البلاغة 5 : 181 ، أمالي المفيد : 235. وما تنبأ به الإمامعليهالسلام وأخبر به جرى على لسان معاوية ، فعن الشعبي قال : خطب معاوية حين بويع له ، فقال : ما اختلفت أُمة بعد نبيها إلّا ظهر أهل باطلها على أهل حقها ، ثمّ إنّه انتبه فندم ، فقال : إلّا هذه الأمة فإنها وإنها مقاتل الطالبيين : 45 ، سبل الهدى والرشاد 10 : 364.
2. طبقات ابن سعد 2 : 278 ، مجمع الزوائد 9 : 36 ، كنز العمال 7 : 250 / 18784.
3. تاريخ دمشق 42 : 433 ، 435 ، الطرائف : 413 ، شرح الأخبار 2 : 189 / 529 ، مناقب الخوارزمي : 315.
4. الكافي 1 : 459 / باب مولد الزهراء / ح 4 ، 3 : 159 / باب الرجل يغسل المرأة / ح 13 ، علل الشرايع 1 : 184 / باب العلة التي من أجلها غسل فاطمة أمير المؤمنين لما توفيت / ح 13 ، الاستبصار 1 : 200 / 15703 / التهذيب 1 : 440 / 1422.
ومجموع ذلك يعرفنا أن التطهير هو أعلى سمات الصدّيقية ، وبما أن الكذب هو من الرجس ، فالصدّيقـالذي هو صيغة مبالغة للصدوقـيجب أن يبتعد عن الرجس ، بل يجب أن يكون صادقاً أميناً مراعياً للعهود والمواثيق أولاً كي يكون صدّيقاً في المرتبة الثانية. ولذلك يلحظ التأكيد والمبالغة في آية التطهير في قوله تعالى :( إِنَّمَا ) وقوله تعالى :( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) . والتي نزلت في محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين ، وهو يشابه ما جاء في مريم بنت عمران من قوله: ( اصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (3) وفي اخرى( وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ) (4) فمريم بنت عمران وفاطمة بنت محمّد كانتا المثال الاكمل للتطهير ، فقال سبحانه( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ) (5) وجاء نحو ذلك عن ابي عبد اللهعليهالسلام انه قال : ومريم ابنت عمران التي احصنت فرجها مثلاً ضربة الله لفاطمة وقال : انّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذريتها على النار.
الرابع : كونه على الحنيفية
بما أن الصدّيقية منزلة ربانية ، فحريّ بالصدّيق أن يكون ممن كان يعبد الله قبل الإسلام ، ولم يسجد لصنم قط ، وكان على الحنفية قبل الإسلام ، أو أن يكون مسلماً من أوّل الأمر إن ولد في الإسلام أي أن لا يكون إسلامه مسبوقاً بشرك أو كفر.
ومن الثابت المعلوم أن الإمام علياً كان هو ذاك الذي لم يسجد لصنم قط ،
_______________________________________
1. آل عمران : 42.
2. المؤمنون : 50.
3. التحريم : 13.
4. البرهان في تفسير القرآن 4 : 358.
وهذا ما لا يشك فيه أحد ، وهو أول من أسلم ، وقد عبد الله قبل الناس بسبع سنين أو تسع ، وكذا الصدّيقة فاطمة الزهراء فإنها ولدت في الإسلام ولم تشرك بالله طرفة عين.
أما أبو بكر فقد عبد الأصنام في الجاهلية ، وكان من المشركين فيها ، وممن صدرت منه أفعالٌ بعد الإسلام عليها أكثر من علامة استفهام.(1)
نصوص في ذلك
قال الإمام علي : فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة.(2)
وعن الإمام الصادق عن أبيهعليهماالسلام عن ابن عباس ، قال : نظر علي بن أبي طالب في وجوه الناس فقال : إني لأخو رسول الله ، ووزيره ، وقد علمتم أني أولكم إيماناً باللهورسوله ثمّ دخلتم في الإسلام بعدي رَسَلاً رَسَلاً.(3)
وعنهعليهالسلام أنه قال : ما أعرف أحداً من هذه الأمّة عبدَ الله بعد نبينا غيري ، عبدتُ الله قبل أن يعبده أحدٌ من هذه الأمة تسع سنين(4) وفي نص آخر : خمس ، أو سبع سنين.(5)
_______________________________________
1. أحكام القرآن 1 : 398.
2. نهج البلاغة الخطبة 1 : 106 / 57 ، وسائل الشيعة 16 : 228 / 21431 ، شرح نهج البلاغة 4 : 114 ، مناقب آل أبي طالب 2 : 107 ، بحار الأنوار 41 : 317.
3. مناقب ابن المغازلي : 111 الرقم 154 ، كشف الغمة 1 : 78 ، الرَسَل : الجماعة ، بحار الأنوار 38 : 330 / 2.
4. الخصائص للنسائي : 47.
5. تاريخ دمشق 42 : 30 ، مسند أبي يعلى الموصلي 1 : 348 / 447 ، أسد الغابة 4 : 17 ، تذكرة الخواص : 108 ، القول المسدد في مسند أحمد : 64 ، الآحاد والمثاني 1 : 148 / 178 مسند أحمد 1 : 99 ، كنز العمال 13 : 42 / 3639 و 36391 ، سمط النجوم العوالي 3 : 28 / 6 ، مجمع الزوائد 9 : 102 ، كشف الغمة 1 : 80 ، بحار الأنوار 38 : 257 ، الكامل في التاريخ 1 : 582.
وقال أيضاً : صليت مع رسول الله كذا وكذا لا يصلي معه غيري إلّا خديجة.(1)
وعن أبي أيوب الأنصاري قال : قال رسول الله : لقد صلّت الملائكة عليَّ وعلى علي سبع سنين ، لأنّا كنّا نصلي ليس معنا أحد يصلي غيرنا.(2)
وعن أنس قال : قال رسول الله : صَلَّت عليّ الملائكة وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين ، ولم تصعد أو ترتفع شهادة أن لا إله إلّا الله من الأرض إلى السماء إلّا مني ومن علي بن أبي طالب.(3)
وعن أبي ذر قال : قال رسول الله : إن الملائكة صلّت عليّ وعلى علي سبع سنين قبل أن يسلم بشر.(4)
وعنهعليهالسلام : أنزلت النبوة على النبي يوم الإثنين وأسلمتُ غداة يوم الثلاثاء ، فكان النبيصلىاللهعليهوآله يصلّي وأنا أصلي عن يمينه ، وما معه أحد من الرجال غيري فأنزل الله :( وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ ) .(5)
ومن كلام لهعليهالسلام : اللهم إني أول من أناب وسمع وأجاب لم يسبقني إلا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالصلاة.(6)
وقال أيضاً : اللهم لا أعرف أن عبداً من هذه الأُمة عبدك قبلي غير نبيهاعليهالسلام ،
_______________________________________
1. الاستيعاب 3 : 1096 ، شرح نهج البلاغة 4 : 120.
2. تاريخ دمشق 42 : 39 ، أُسد الغابة 4 : 18 ، مناقب الكوفي 1 : 238 / 198 ، روضة الواعظين : 85 ، شرح الأخبار 2 : 409 / 755.
3. الفصول المختارة : 266 ، أعلام الورى 1 : 361 ، كنز الفوائد : 125.
4. شواهد التنزيل 2 : 184 / 818 ، كنز العمال 11 : 616 / 32989 ، كنز الفوائد : 125 ، مناقب ابن شهرآشوب 1 : 291.
5. شواهد التنزيل 2 : 300 / 396 عن جابر الجعفي.
6. نهج البلاغة 2 : 13 / 131 ، شرح النهج 8 : 263 ، النزاع والتخاصم : 43 ، وانظر الأمالي للصدوق : 491 ، مجمع الزوائد 9 : 103 ، الإصابة 4 : 326 / 5602 ، كشف الغمة 1 : 83.
ثمّ قال : لقد صلّيت قبل أن يصلّي أحدٌ سبعاً.(1)
وقالعليهالسلام مخاطباً لأهل الكوفة : يا أهل الكوفة ، أخبركم بما يكون قبل أن يكون لتكونوا منه على حذر ولتنذروا به من اتعظ واعتبر ، كأني بكم تقولون : أن علياً يكذب ، كما قالت قريش لنبيها وسيدها نبيالرحمة محمد بن عبداللهحبيب الله ، فيا ويلكم أفعلى من أكذب!؟ أعلى الله ، فأنا أول من عبده ووحّده ، أم على رسوله ، فأنا أول من آمن به وصدّقه ونصره! كلّا ، ولكنّها لَهْجَة خَدْعَة كُنتم عنها أغبياء.(2)
الخامس : العلم
وهو من المقدمات الضرورية الأُخرى للصدّيق ، فلا يمكن للذي لا يعلم أن يكون صدّيقاً في الحديث والمواقف كلّها ، ذلك العلم الإلهي الذي يستلزم أن يكون صاحبه ممن آمن برسالة السماء والغيب إيمان قلب وعقيدة لا إيمانلسان وعواطف.
وعليه فالصديقية ترتبط بالقيمة المعرفية للفرد ، فكلما ازداد علمُهُ وإيمانه ازداد تصديقه لرب العالمين.
ومن المعلوم بأن أبا بكر لم يكن عالماً بكل ما قاله رسول الله ، فتراه يسأل الصحابة عن الأحكام ، وقد نشاهده خطّاءً يفتي بأمر يختلف معه فيه بعض الصحابة ،(3) لكنّ هذا الأمر لم يكن في عليٍّ ؛ إذ الكل يشهد بعلمه وقضائه.
فقد روى الحاكم النيسابوري بإسناده عن ابن عباس (رض) وعن جابر بن
_______________________________________
1. تاريخ دمشق 42 : 32 ، مسند أحمد 1 : 99 ، كشف الغمة 1 : 81 ، نظم درر السمطين : 82 ، مجمع الزوائد 9 : 102 ، كنز العمال 3 : 122 / 36391.
2. الإرشاد للمفيد 1 : 279 ، الاحتجاج للطبرسي 1 : 255 ، بحار الأنوار 40 : 111.
3. انظر تفصيل ذلك في كتاب (منع تدوين الحديث) و (تاريخ الحديث) لنا.
عبدالله، قالا : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأت الباب».(1)
وروى المتقي الهندي بإسناده عن ابن عباس : «علي عيبة علمي».(2)
وروى ابن عساكر بإسناده عن عبدالرحمن بن بهمان ، قال : «سمعت جابراً يقول : سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول يوم الحديبية ، وهو آخذ بضبع علي بن أبي طالب وهو يقول : هذا أمير البررة وقاتل الفجرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ، ثمّ مد بها صوته وقال : «أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد الدار ، فليأت الباب».(3)
وروى المتقي الهندي عن ابن مسعود : «قسمت الحكمة عشرة أجزاء ، فأعطى عليٌ تسعة أجزاء والناس جزءً وعليّ أعلم بالواحد منهم».(4)
وروى ابن عساكر بإسناده عن عبدالله[ بن مسعود ] ، قال : «كنت عند النبيصلىاللهعليهوآله فسئل عن علي ، فقال : قسمت الحكمة عشرة أجزاء فأُعطي عليتسعة أجزاء ، والناس جزءً واحداً».(5)
وروى الخطيب البغدادي بإسناده عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «أنا مدينة الحكمة وعليٌ بابها ، فمن أراد الحكمة فليأت الباب ».(6)
وروى الدوري في تاريخ ابن معين بإسناده عن سعيد بن المسيب قال : « ما كان
_______________________________________
1. مستدرك الحاكم 3 : 126 ، المعجم الكبير 11 : 55.
2. كنزل العمال 11 : 602.
3. ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق 2 : 476 / 996.
4. كنز العمال 11 : 615 / 32982 ، 13 : 146 / 36461 ، فيض القدير 3 : 60.
5. ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق 2 : 482 / 1000 ، مناقب الخوارزمي : 82.
6. تاريخ بغداد 11 : 204 / 5908.
في أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله أحدٌ يقول : سلوني ، غير علي بن أبي طالبعليهالسلام ».(1)
وروى الخوارزمي بإسناده عن أبي البختري ، قال : «رأيت علياًعليهالسلام متقلداً بسيف رسول اللهصلىاللهعليهوآله متعمماً بعمامة رسول اللهصلىاللهعليهوآله وفي إصبعه خاتم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقعد على المنبر ، وكشف عن بطنه ، فقال : سلوني قبل أن تفقدوني ، فإنما بين الجوانح مني علم جم ، هذا سَفَطُ العلم ، هذا لُعابُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، هذا ما زقّني رسول اللهصلىاللهعليهوآله زقّاً من غير وحي أوحي إلي ، فواللهلو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم ، حتى ينطق الله التوراة والإنجيل فيقول : صدق علي قد أفتاكم بما أنزل فيَّ وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون».(2)
وروى ابن عساكر بإسناده عن زكريا ، قال : سمعت عامراً [ الشعبي ] يقول : سأل ابن الكوا علياًعليهالسلام : أي الخلائق أشد؟
فقال : أشد خلق ربك عشرة ، الجبال الرواسي ، والحديد تنحت به الجبال ، والنار تأكل الحديد ، والماء يطفيء النار ، والسحاب المسخر بين السماء والأرض ، يعني يحمل الماء ، والريح تقل السحاب ، والإنسان يغلب الريح يعصمها(3) بيده ويذهب لحاجته ، والسكر يغلب الإنسان ، والنوم يغلب السكر ، والهم يغلب النوم ،
_______________________________________
1. تاريخ ابن معين 1 : 106 ، قال الدوري حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب الحديث ، مناقب الخوارزمي : 91 ، أُسد الغابة 4 : 22 ، ذخائر العقبى : 83 هذا وقد أخرج الحديث أحمد في المناقب ، والبغوي في المعجم ، وأبو عمر ، ولفظه ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب.
2. المناقب : 91 وانظر أمالي الصدوق : 422 ، والاختصاص : 235 ، والاحتجاج 1 : 384 ، عن الأصبغ ابن نباتة.
3. يعصمها : أي يمنعها.
فأشد خلق ربكم الهم.(1)
وروى الخوارزمي بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إن أقضى أمتي علي بن أبي طالب.(2)
وروى ابن سعد بأسانيده عن أبي هريرة ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، قالوا : قال عمر : «علي أقضانا».(3)
وروى أحمد بإسناده عن أبي البختري عن عليعليهالسلام قال : «بعثني رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى اليمن وأنا شاب ، فقلت لرسول الله : تبعثني إلى قوم أقضي بينهم ، ولا علم لي بالقضاء ، فقال : ادنُ مني ، فدنوتُ ، فضرب يده على صدري وقال : اللهم اهد قلبه وثبت لسانه ، قال : فما شككت في قضاء بين اثنين».
وروى ابن عساكر بإسناده عن عبدالله[ بن مسعود ] قال : « يقولون : أن أعلم أهل المدينة بالفرائض علي بن أبي طالب ».(4)
وروى ابن عبدالبر بأسناده عن أنس قال : « قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : أقضاكم عـليعليهالسلام ».(5)
_______________________________________
1. ترجمة الإمام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق 42 : 401 ، والغارات 1 : 182 وفيه يتقيها بيده بدل يعصمها بيده ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط 1 : 276 عن الحارث عن علي وفيه يتقي الريح بيده بدل يعصمها وعنه في مجمع الزوائد 8 : 132 وقال : رجاله ثقاة ، وكنز العمال 6 : 177 / 15252.
2. المناقب : 81 ، وأمالي الصدوق : 642 عن سلمان الفارسي ، وتاريخ دمشق 42 : 241 عن ابن عباس.
3. طبقات ابن سعد 2 : 339ـ340 ، وانظر مسند أحمد 5 : 113 ، المصنف لابن أبي شيبة 7 : 183 / 3 ، مستدرك الحاكم 3 : 305 ، المناقب للخوارزمي : 92 ، البداية والنهاية 7 : 397.
4. انظر مسند أحمد 1 : 83 ، سنن ابن ماجة 2 : 774 / 2310 ، مستدرك الحاكم 3 : 135.
5. تاريخ دمشق 42 : 405.
6 ـ الاستيعاب 1 : 68 ، وانظر الحديث في تفسير القرطبي 15 : 162 ، وتاريخ ابن خلدون 1 : 197 ، وجواهر المطالب لابن الدمشقي 1 : 76 ، وغريب الحديث للخطابي 2 : 201.
وعن عبداللهبن عمر ، قال : جاء رجل إلى أبي بكر فقال : أرأيت الزنا بقدر؟ قال : نعم ، قال : فإن الله قدّره عليّ ثمّ يعذّبني؟
قال : نعم ، يابن اللخناء ، أما واللهلو كان عندي إنسان لأمرته أن يجأ أنفك.(1)
وهذا الأمر لا نشاهده عند الإمام علي ، فإنه كان يقول للناس : (سلوني قبل أن تفقدوني) ؛ لأنّ العالم بالأحكام لا يهاب السؤال ، بل يعجبه أن يُسأل ليجيب ، بعكس الذي لا يعرف الحكم الشرعي فتراه يتخوف من السؤال ، وهذا ما شاهدناه عند أبي بكر وعمر، فقد روى أبو عثمان النهدي قال : سأل رجلـمن بني يربوع أو من بني تميمـعمر بن الخطاب عن الذاريات ، والمرسلات والنازعات أو عن بعضهن.
فقال عمر : ضع عن رأسك ، فإذا له وفرة ، فقال عمر : أما واللهلو رايتك محلوقاً لضربتُ الذي فيه عينك.
ثمّ كتب إلى أهل البصرة أو قال : إلينا أن لا تجالسوه ، فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا. اسم هذا الرجل صبيغ بن عسيل(2)
وفي المقابل روى الحاكم النيسابوري بسنده عن أبي الطفيل ، قال : رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قام على المنبر فقال : سلوني قبل أن لا تسألوني ، ولن تسألوا بعدي مثلي ، قال : فقام ابن الكواء ، فقال : يا أمير المؤمنين ما( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ) ؟ قال : الرياح.
قال : فما( الْحَامِلَاتِ وِقْرًا ) ؟ قال : السحاب.
_______________________________________
1.رواه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة 4 : 663 / 1205 ، وعنه في كنز العمال 1 : 334 / 1537 ، تاريخ الخفاء 1 : 95.
2. مسائل أحمد 1 : 478 ، ح 81.
قال فما( فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا ) ؟ قال : السفن.
قال فما( الْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا ) ؟ قال : الملائكة.
قال فمن( الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ...جَهَنَّمَ ) قال : منافقوا قريش.
قال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.(1)
قال ابن شهرآشوب : قوله :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) يدل على عصمتهم ؛ لأنّه أخبر أن العلم يحصل بالرد إلى أُولي الأمر كما يحصل بالرد إلى الرسول ، والعلم لا يصح حصوله يقينا ممن ليس بمعصوم ، ولأنّه تعالى لا يجيز أن يأمر باستفتاء من لا يؤمن منه بالقبيح من حيث كان في ذلك أمره تعالى بالقبيح ، وإذا اقتضت الآية عصمة أوليالأمر ، ثبتت إمامتهم ؛ لأنّ أحداً لم يفرق بين الأمرين ، وإذا ثبت ذلك ثبت توجه الآية إلى آل محمد ، وقد روي أنّها نزلت في الحجج الاثنى عشر.(2)
قال الشاعر :
علي هو الصدّيق علامة الورى |
وفاروقها بين الحطيم وزمزم |
وقال آخر :
فقال من الفاروق إن كنت عالماً |
فقلت الذي قد كان للدين يُظهِرُ |
_______________________________________
1. المستدرك على الصحيحين 2 : 467 ، وانظره وطرقه في عمدة القاري 19 : 190 ، تغليق التعليق 318 ـ319 ، كنز العمال 2 : 565 / 4740 ، الأحاديث المختارة 2 : 124 ، ح 494 و 176 ، ح 556 و 298 ، ح 678 ، مسند الشاشي 2 ، 96 ، ح 620 ، تاريخ دمشق 27 : 99 ، المعيار والموازنة : 298 ، فتح الباري 8 : 599 ، الغارات 1 : 178 ، الاحتجاج 1 : 386 ، جواهر المطالب 1 ، 300 ، وفي بعض هذا المصادر ذكر الحديث مطولاً جدا وفيه أسئلة كثيرة أجاب عنها أمير المؤمنين ومن أحب فليراجعها.
2. المناقب لابن شهرآشوب 1 : 247 ـ 248.
علي أبو السبطين علامة الورى |
وما زال للأحكام يبدي وينشر |
السادس : لزوم السنخية بينها وبين النبوة
لقوله تعالى :( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ) (1) وهذه النسخية واضحة جلية بين النبيّ وعليّ ، لكنها غير موجودة أصلاً بين النبيّ وبين من ألصق به لقب الصدّيقية من قِبل أتباعه.
إذ لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ، دعا أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة ، فلما سار غير بعيد نزل عليهصلىاللهعليهوآله جبرائيلعليهالسلام وقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول : لا يؤدي عنك إلّا أنت أو رجل منك.
فاستدعى رسولُ الله علياً وقال : اركب ناقتي العضباء والحق أبا بكر وخذ براءة من يده ، وامض بها إلى مكة فانبذ بها عهد المشركين إليهم ، وخَبِّر أبا بكر إمّا أن يسير مع ركابك أو يرجع إليَّ.
فركب أمير المؤمنين الناقة العضباء ، وسار حتى لحق أبا بكر ، فلما رآه جزع من لحوقه واستقبله وقال : فيم جئت يا أبا الحسن ، أسائر أنت معي أم بغير ذلك؟
فقال عليعليهالسلام : إن رسول الله أمرني أن أخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه؟ فقال : بل أرجع إلى النبي.
فلما دخل على النبي ، قال : يا رسول الله إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق إليَّ فيه ، فلما توجهت إليه رددتني عنه ، مالي؟ أنزل فيَّ قرآن؟
قال النبي : لا ، ولكن الأمين هبط عليّ عن الله بأنّه لا يؤدي عنك إلّا أنت أو
_______________________________________
1. النساء : 69.
رجلٌ منك ، وعلي مني ولا يؤدّي عنّي إلّا علي.
وهذا الإنفاذ كان أول يوم من ذي الحجة سنة سبع من الهجرة ، وأداها الإمام علي إلى الناس يوم عرفة ويوم النحر ، وهذا هو الذي أمر الله به إبراهيم وولدهعليهمالسلام حين قال( طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) فكأنّ الله تعالى أمر الخليل بالنداء أولاً بقوله( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ) وأمر الولي بالنداء الأخير.
ومن المعلوم بأن العهد مختصٌ بمن عقدهـوهو رسول اللهـأو من يقوم مقامه في فرض الطاعة وجلالة القدر ، وعلو الرتبة ، وشرف المقام ، وعظيم المنزلة ، وعلي هو الذي يصلح لهذه الأُمة ، لأنّه نفس رسول الله ،(1) وصنوه ،(2) وزوج بنته ،(3) وأحب الخلق إليه ،(4) وفي ذلك إشارة إلى عدم صلاحية أبي بكر لتأدية آيات سورة من كتاب الله ، فكيف به أن يصلح لإمامة المسلمين ، ويكون الملقب بالصدّيق مع وجود الإمام علي! وهذا حالهما عند الله وعند رسوله.
ولو تأمّلت في النصوص الصادرة في الإمام عليٌ والزهراء والحسن والحسين لوقفت على السنخية بينهم وبين رسول الله ، بل للوصي شبه بجمع من الأنبياء.
فعن ابن عباس قال ، قال رسول الله : من أراد ان ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في حكمته ، وإلى إبراهيم في حلمه ، فلينظر إلى علي.(5)
_______________________________________
1. في قوله تعالى( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) .
2. الأمالي للطوسي : 626 / 1192 ، الأمالي المفيد المجلس الأول الرقم 3 ، كشف الغمة : 412 ، بحار الأنوار 39 : 240.
3. مسند أبي يعلى 1 : 388 / 503 ، شرح الأخبار 3 : 28 / 964.
4. تاريخ دمشق 37 : 406 ، 42 : 245 ، مناقب الخوارزمي : 222 و 225 ، الخصال 2 : 554 ، الأمالي للطوسي 333 / 667.
5. وفي رواية المحب الطبري 3 : 249 وإلى يوسف في جماله.
وعن أبي الحمراء قال ، قال رسول الله : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى يحيى بن زكريا في زهده ، وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب.(1)
قال البياضي : اسند ابن جبير إلى ابن عباس قول النبي : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى موسى في مناجاته ، وإلى عيسى في سمته ، وإلى محمّد في تمامه ، فلينظر إلى هذا الرّجل ، فتطاولت الاعناق وإذا هم بعلي.(2)
فقد شبهه رسول الله بآدم في علمه ، لأن الله علم آدم الأسماء : «وعلم آدم الاسماء كلها»فما من شـيء ولا حادثه ولا واقعه إلا وعند علي فيها علم وله في استنباط معناها فهم ، وقد خلق الله آدم من تراب وسـمى النبي علـيّاً أبا تراب ، وشبهه بنوح في فهمه وحكمته ، لان نوحاً صبر مع قومه وقال :( اللهم اهدقومي فانهم لا يعلمون ) ، وهذا ما قاله الإمام علي كذلك : « فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى » ، وان نوحاً لم يدعوا على قومه إلّا بعد علمه باصرارهم على العدوان فقال :( رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ) فقالعليهالسلام ما يقارب كلام نوح بقوله : اللهم ان الناس قد مللتهم وملوني وسأمتهم وسأموني اللّهم أبدلهم مني شر بدل وأبدلني منهم خير بدل.
وشبههصلىاللهعليهوآله بإبراهيم في حكمته ، لأن الله لقن إبراهيم الحجة وهو صغير حتى خرج وناظر أباه وقومه كما في قوله تعالى( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا ) (3) وقوله :( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ) (4) وقوله :
_______________________________________
1. مناقب الخوارزمي : 40 الفصل السابع ، ورواه الحاكم في شواهد التنزيل 1 : 80.
2. الصراط المستقيم 1 : 103.
3. سورة مريم : 43.
4. سورة الصافات : 85.
( فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ) ونظائرها من الآيات الاخرى كقوله تعالى : ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ) ، وكذلك كان الإمام علي حيث لقنه الله حجته وهو صبي لم يراهق الحلم فناظر قومه وكسر الاصنام ، وأمر إبراهيم بتطهير البيت :( وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ) واللّهتعالى طهر بيت علي : ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) .
وهذا يشابه ما قاله سبحانه ليحيى( يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ) فأُوتي علم التوراة وهو صبي صغير في حجر أبويه ، وقوله( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) وقد كان يحيىعليهالسلام( بَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا ) و( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ) .
وقد روي ان زكريا وجد ابنه يحيى يبكي فقال له : يا بني ما هذا؟ قال : أخبرتني أنّ جبرئيل أخبرك أنّ بين الجنّة والنّار مفازه من نار لا يطفي حرها إلّا الدمع.
وكان علي بن أبي طالب كذلك ، فعن الامامين الصادق والباقر أنهما قالا : كان علي بن الحسين اذا اخـذ كتاب علي فنظر في عبادة علي قال : من يطـيق هذا.
وقد شبههصلىاللهعليهوآله بموسى في بطشه حكاية عن قول الباري عن موسى( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ) ،(1) فكان موسىعليهالسلام معروفاً بالقوة ، وكذلك كان الإمام علي صلباً في ذات الله وقد قتل صناديد قريش والمشركين دفاعاً عن الدين وعن رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
أما شبهه بعيسى بن مريم ، فقد روى النسائي في الخصائص الكبرى عن علي قال ، قال رسول الله : يا علي فيـك مثل من مثل عيسـى ابغضته اليهـود حتّى بهتوا امه
_______________________________________
1. القصص : 15.
واحبتهالنصارى حتى أنزلوه بالمنزل الذي ليس به.
فكان شبهه بهعليهالسلام لعلمه بالكتاب طفلاً ولم يبلغ مبلغ الرجال فقال سبحانه( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ) وكان عبداً مطيعاً للهكعيسى حيث قال :( إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ ) .
إلى غيرها من عشرات الصفات التي كان يشبه بها آدم وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ونوحاً ، ويحيى ، وأيوب ، ويوسف ، وسليمان ، وداود.(1)
وفي بصائر الدرجات عن أبي جعفرعليهالسلام ، قال : كانت في علي سنّة ألف نبي.(2)
السابع : الثبات على القيم والتفاني فيها
إن من أهم صفات العبودية للههو التفاني في ذات الله وكمال الطاعة للرسول الأمين ، والسعي لنشر الدعوة بالمال والنفس ، فالمصدِّق هو الذي يُصدق بما آمن به عملاً ويجسّمه في واقع حياته عبر أقواله وأفعاله. والصدّيق هو من كان في أعلى مراتب هذا التفاني ، لا أن يُقدِّمَ المصلحة على القيم كما هو المشاهد في سيرة أبي بكر.
جاء عن الإمام عليعليهالسلام أنه قال يوم صفين : ولقد كُنا مع رسول الله نقتلُ آباءنا وأبناءنا ، وإخواننا وأعمامنا ، ما يزيدنا ذلك إلّا إيمانا وتسليماً ، ومضيّاً على اللّقم ،(2) وصبراً على مضض الألم ، وجِدّا في جهاد العدو.
ولقد كان الرَّجلُ منّا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاولالفحلين ، يتخالسان أنفسهما ، أيهما يسقي صاحبه كأس المنون ، فمرّة لنا من عدوّنا ، ومرّة لعدوّنا منا ، فلمّا
_______________________________________
1. انظر في ذلك مناقب آل أبي طالب 3 : 241 ـ 266 وكتاب : قادتنا 1 : 271 ـ 344.
2. بصائر الدرجات : 134.
3. اللّقم : معظم الطريق أو جادته.
رأى الله صدقنا أنزل بعدوِّنا الكبت ، وأنزل علينا النّصر ، حتى استقر الإسلامُ مُلقياً جرانه ،(1) ومتبوئاً أوطانه ، ولعمري لو كنّا نأتي ما أتيتم ، ما قام للدّين عمود ، ولا اخضرَّ للإيمان عود ، وأيمُ الله لتحتلبنّها دماً ، ولتتبعنها ندماً.(2)
وعنهعليهالسلام أنه قال : فدعاني رسول الله ، فقال : إنّ قريشاً دبرت كيت وكيت في قتلي ، فنم على فراشي حتى أخرج أنا من مكة فقد أمرني الله تعالى بذلك.
فقلت له : السمع والطاعة ، فنمت على فراشه ، وفتح رسول الله الباب وخرج عليهم وهم جميعاً جلوس ، ينتظرون الفجر وهو يقول :( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ) ومضى وهم لا يرونه)(3) إلى آخر الخبر.
وقالعليهالسلام : ولقد عَلِم المستحفظون من أصحاب محمد أني لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعةً قطّ ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال وتتأخر فيها الأقدام ، نجدةً أكرمني الله بها.(4)
ومن كلام لهعليهالسلام لرأس اليهود : لقد كنتُ عاهدتُ الله ورسولهُ أنا وعمّي حمزة وأخي جعفر وابن عمّي عبيدة على أمرٍ وَفَينا به للهولرسوله ، فتقدّمني أصحابي وتخلّفتُ بعدهم لمِا أراد الله عزوجل ، فأنزل الله فينا :( مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ) .
_______________________________________
1. جران البعير : مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره ، وإلقاء الجران كناية عن التمكن.
2. نهج البلاغة 1 : 1042 / 56 ، إرشاد المفيد 1 : 268 ، وانظر كتاب سليم بن قيس : 247 ، شرح النهج 4 : 33.
3. الخرائج والجرائح 1 : 143 ح 231 ، الاختصاص للمفيد : 146.
4. نهج البلاغة 2 : 171 / 197 ، عيون الحكم والمواعظ : 506 ، ينابيع المودة 1 : 265 / 19 ، بحار الأنوار 38 : 319 / 32.
فمن قضى نحبه : حمزة وعبيدة وجعفر ، وأنا المنتظِر يا أخا اليهود وما بدّلت تبديلاً.(1)
وقال ابن عباس : إن علياًعليهالسلام كان يقول في حياة رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إن الله عزوجل قال :( أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) ، واللهلا ننقلب على أعقابنا بعد أن هدانا الله ، واللهلئن مات أو قتل لأقتلن على ما قاتل عليه حتى أموت ، واللهإني لأخوه ووليه ، وابن عمه ووارثه ، فمن أحق به مني.(2)
إلى غيرها الكثير من النصوص الصادرة عنهعليهالسلام ، وعن رسول الله ، وعن الصدّيقة فاطمة الزهراء ، وأهل البيت ، والصحابة فيه.
فعليٌّ هو أوّل من أسلم وصلّى مع رسول الله وصدّقه في رسالته ، وثبت على الأمر حتى النهاية ، ولم يكذبه في شيء ، والآن نأتي لنلخص ما أشار إليه الإمامعليهالسلام لنرى موقع أبي بكر في تلك المواقف :
1ـإنه أول من أسلم وصلّى. وهذه المسألة قد كتب الأعلام فيها كتباً ورسائل كثيرة ، والتفصيل فيها قد يخرجنا عن أصل الموضوع.(3)
2ـالتفاني في الله ورسوله بحيث لا ميزة مقابل الدين للآباء والأبناء والأخوة والأعمام ، وهذا ما لا نلحظه في أبي بكر حسبما سنذكر قسماً منه بعد قليل.
3ـالسمع والطاعة لرسول الله ، وهي لا تنطبق على أبي بكر ، ويكفي في عدم انطباقهما على أبي بكر أن رسول الله أمره بقتل المتنسك ، فدخل أبو بكر فوجده
_______________________________________
1. الاختصاص للمفيد : 174 ، الخصال للصدوق : 376 ، بحار الأنوار 31 : 349 / 3 ، تأويل الآيات 2 : 449 / 8.
2. خصائص أمير المؤمنين للنسائي : 86 ، المعجم الكبير 1 : 107 الرقم 176 ، مناقب الكوفي 1 : 339 / 265 ، شواهد التنزيل 1 : 177 / 24 ، تاريخ دمشق 42 : 56 ، المستدرك للحاكم 3 : 126.
3. للمزيد انظر الغدير للعلامة الأميني 3 : 221 ، 241.
يصلي ، فقال أبو بكر في نفسه : إن للصلاة حرمة وحقاً ، فترك الناسك ولم يمتثل أمر رسول الله.(1)
4ـثباته على الدين وعدم انقلابه على الأعقاب ، وخطبة الزهراءعليهاالسلام صريحة في انقلاب القوم على أعقابهم ، وفي حديث الحوض وآية الانقلاب ما يؤكد ذلك.
هذا ، والملاحظ في سيرة أبي بكر أنه كان يقدّم المصلحة على الفروض الإلهية حينما تدعوه مصلحته إلى ذلك ، إذ أبطل الحدّ عن خالد بن الوليد برغمإجماع المسلمين على لزوم قتله ، وقد كان عمر بن الخطاب ممن يرى قتله ، لكونه زنى بزوجة مالك بن نويرة وهي في العدّة ، لكنّ أبا بكر رفض إجراء الحد قائلاً : يا عمر! تأوّل فأخطأ ، فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيمُ سيفا سلّه الله على الكافرين.(2)
ولما أصرّ أبو قتادة الأنصاريـالذي شهد الزنا وكان في السريّة مع خالدـ على موقفه ، دعاه أبو بكر ونهاه عن ذلك.(3)
وبمنطق التأويل وبمنطق كون أعدائه كافرينـوإن كانوا في الواقع مسلمينـ عَذَرَ أبو بكر خالداً لاحتياجه إليه في مواقف أُخرى.
وبنفس هذه الوتيرة عفى عن الأشعث بن قيس حين ارتدَّ ، وقد تأسف أبو بكر عند موته من فعلته هذه بقوله : ثلاث وثلاث وثلاث ، وعدّ من اللاتي ودّ فعلها ولم يفعلها : ضرب عنق الاشعث حين جيء به أسيراً ، فإنه يخيّل إليّ أنه لا يرى شراً إلّا أعان عليه.(4)
_______________________________________
1. مسند أبي يعلى 6 : 341 ح 3668 ، حلية الأولياء 3 : 227 ، مسند أحمد 3 : 15 ، البداية والنهاية 7 : 330.
2. تاريخ الطبري 2 : 503 وانظر طبقات ابن سعد 7 : 396 ، البداية والنهاية 6 : 354 ، الإصابة 5 : 755 ، وغيرها.
3. الكامل في التاريخ 2 : 358.
4. تاريخ الطبري 1 : 620 ، تاريخ دمشق 30 : 418 ، كنز العمال 5 : 632 / 14113.
إنما كان فِعْل أبو بكر كل ذلك لأن الأشعث زعيم كندة ، وممن يحتاج إليه في مواقف ومشاهد أُخرى.
ولم يكتف الخليفة بإطلاق سراحه ، بل زوّجه أخته وأشركه في المهامّ ، لمصالح كان يرجوها.
هذا وعطّل أبو بكر فرض الصدقة المصرَّح بها في القرآن للمؤلفة قلوبهم نزولاً عند رغبة عمر بن الخطاب لما رآه من مصلحة ، وأن الإسلام قد قوي ولا حاجة للمؤلفة قلوبهم!!
ومثله منعه الزهراءعليهاالسلام فدكاً ، وقد احتجّت عليه بالقرآن على مشروعية ملكيّتها بعمومات آيات الوصية والإرث وتوريث الأنبياء أبناءهم.
وقبل كل ذلك فراره يوم أُحد وحنين وخيبر وعدم الثبات والتفاني فيها. كل ذلك لمصلحة كان يراها!!
قال اليعقوبي عن غزوة أُحد : وانهزم المسلمون حتى بقي رسول الله وما معه إلّا ثلاثة نفر : علي والزبير وطلحة.(1)
وروى الحاكم في مستدركه وصحّحه عن عائشة ، قالت : قال أبو بكر : لما جال الناس عن رسول الله يوم أحد كنت أول من فاء إلى رسول الله.(2)
ونقل صاحب كنز العمالـفي غزوة أُحدـعن أبي داود الطيالسي وابن سعد ، والبزار والدارقطني وابن حبّان وأبي نعيم وغيرهم بأسانيدهم عن عائشة أنّها قالت : وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أُحد بكى ثمّ أنشأ يحدّث ، قال : كنت أول من فاء يوم أُحد.(3)
_______________________________________
1. تاريخ اليعقوبي 2 : 47.
2. المستدرك 3 : 27.
3. مسند أبي داود : 3 ، كنز العمال 10 : 425 / 30025.
قال ابن أبي الحديد : قال الجاحظ : وقد ثبت أبو بكر مع النبي يوم أُحدكما ثبت علي ...
قال شيخنا أبو جعفر : أما ثباته يوم أُحد فأكثر المؤرخين وأرباب السير ينكرونه ، وجمهورهم يروي أنه لم يبق مع النبي إلّا علي وطلحة والزبير وأبو دجانة ، وقد روي عن ابن عباس أنه قال : ولهم خامس وهو عبداللهبن مسعود ، ومنهم من أثبت سادساً وهو المقداد بن عمرو.(1)
قال زيد بن وهب : قلت لابن مسعود : فأين كان أبو بكر وعمر؟
قال : كانا فيمن تنحّى ، فقلت : فأين كان عثمان؟ قال : جاء بعد ثلاثة[أيام ] من الوقعة ، فقال له رسول الله : لقد ذهبت فيها عريضة.(2)
وفي المغازي عن محمد بن مسلمة ، قال : سمعتْ أُذناي وأبصرتْ عيناي رسول الله يقول يومئذ ، وقد انكشف الناس إلى الجبل ، وهم لا يلوون عليه ، وإنه ليقول : إليّ يا فلان إليّ يا فلان ، أنا رسول الله ، فما عرّج عليه واحد منهما ومضيا.(3)
وواضح أن الكناية هنا عن الشيخين وإنما لم يذكرهما الراوي صريحاً لأنهما أصحاب سلطان ، ولأن أتباعهما لا يروق لهما ذلك ، ولعله من تبديل النسّاخ.
وروي أن امرأة جاءت عمر أيام خلافته تطلب من برودٍ كانت بين يديه ، وجاءت معها بنت لعمر تطلب بُرداً أيضاً ، فأعطى المرأةَ وردّ ابنته ، فقيل له في ذلك ، فقال : إن أبا هذه ثبت يوم أحد ، وأبا هذه [ يعني نفسه ] فرَّ يوم أُحد ولم يثبت.(4)
_______________________________________
1. شرح نهج البلاغة 13 : 293.
2. كشف الغمة 1 : 193 ، الإرشاد 1 : 84 ، انظر شرح النهج 15 : 21 ، تاريخ الطبري 2 : 203 ، البداية والنهاية 4 : 32.
3. المغازي 1 : 237 ، وعنه في شرح النهج 15 : 23.
4. شرح النهج 15 : 22.
قال الواقدي : ولما صاح إبليس : (إن محمداً قد قُتل) تفرّق الناس ، فمنهم من ورد المدينة وكان مِمَّنْ ولّى فلان ، والحارث بن حاطب.(1)
لكن ابن أبي الحديد رواه عن الواقدي صريحاً دون كناية ، فقال : وكان ممن ولّى عمر وعثمان والحارث بن حاطب.(2)
قال رافع بن خديج : وإني لأنظر إلى فلان وفلان في عرض الجبل يَعْدون ، فكان عمر يقول : لما صاح الشيطان (قتل محمّد) أقبلتُ أرقى فيالجبل كأنني أُرْويَّة.(3)
وذكر محمد بن إسحاق في المغازي : أنّ الناس فرّوا عن رسول الله يوم أحد حتى عثمان بن عفان فإنه أول من فرّ ودخل المدينة ، وفيه نزل :( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) .(4)
وقال الفخر الرازي : ومن المنهزمين عمر ، إلّا أنه لم يكن في أوائل المنهزمين ولم يبعد ، بل ثبت على الجبل إلى أن صعد النبي ، ومنهم عثمان بن عفان انهزم مع رجلين من الأنصار يقال لهما : سعد وعقبة ، انهزموا حتى بلغوا موضعاً بعيداً ، ثمّ رجعوا بعد ثلاثة أيام.(5)
قال النيسابوري : قال القفال : الذي تدل عليه الأخبار في الجملة أن نفراً قليلاً تولّوا وأبعدوا فمنهم من دخل المدينة ، ومنهم من ذهب إلى سائر الجوانب ومن
_______________________________________
1. المغازي 1 : 277 وفي نسخة عمر وعثمان بدل فلان.
2. شرح النهج 15 : 24.
3. المغازي 1 : 295 ، شرح النهج 15 : 22 ، ومثله في المغازي 1 : 321 ، والدر المنثور 2 : 89.
4. تذكرة الخواص : 38 ، انظر صحيح البخاري 5 : 35 ، عن عثمان بن موهب ، مجمع الزوائد 9 : 115 والآية من سورة آل عمران : 155.
5. التفسير الكبير 9 : 42.
المنهزمين عمر.(1)
وقال الآلوسي : وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا على الجبل وعمر بن الخطاب كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير.(2)
وبهذا ، فقد عرفت بأن الثلاثة كانوا من المنهزمين في وقعة أُحد ، ولم يثبت فيها إلّا علي بن أبي طالب وبعض الصحابة.
وفي حديث عمران بن حصين ، قال : لما تفرق الناس عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله في يوم أُحد جاء علي متقلداً سيفه حتى قام بين يديه ، فرفع رسول اللهصلىاللهعليهوآله رأسه ، فقال له : مالك لم تفر مع الناس؟
فقال : يا رسول الله أأرجع كافراً بعد إسلامي؟
فأشار إلى قوم انحدروا من الجبل ، فحمل عليهم فهزمهم ، ثمّ أشار إلى قوم آخرين فحمل عليهم فهزمهم ، ثمّ أشار إلى قوم فحمل عليهم فهزمهم ، فجاء جبرائيلعليهالسلام فقال : يا رسول الله لقد عجبت الملائكة من حُسن مواساة علي لك بنفسه.
فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : وما يمنعه من هذا وهو مني وأنا منه.
فقال جبرائيلعليهالسلام : وأنا منكما.(3)
ومن كلام لهعليهالسلام في حديث المناشدة :
فهل فيكم أحد قال له جبرائيلعليهالسلام : هذه هي المواساة ، وذلك يوم أُحد ، فقال رسول الله : إنّه مني وأنا منه ، فقال جبرائيل : وأنا منكما ، غيري؟
_______________________________________
1. تفسير النيسابوري 2 : 287.
2. روح المعاني 4 : 99.
3. الإرشاد للمفيد 1 : 85 ، كشف الغمة 1 : 194 ، بحار الأنوار 20 : 85.
قالوا : لا.(1)
وفي أُسد الغابة : وقال علي لمّا تخلّى الناس عن رسول الله يوم أُحد : نظرت في القتلى فلم أر رسول الله فقلت : واللهما كان رسول الله ليفرّ وما أراه في القتلى ، ولكنّ الله غضب علينا بما صنعنا فرفع نبيه ، فما فِيَّ خيرٌ من أن أقاتل حتى أُقتل ، فكسرت جفنَ سيفي ، ثم حملت على القوم فأفرجوا لي فإذا برسول الله بينهم ، وقد أصابت علياً يوم ذاك ستّة عشر ضربة ، كل ضربة تلزمه الأرض ، فما كان يرفعه إلّا جبرائيل.(2)
ومن كلام آخر لهعليهالسلام : فقلت : يا رسول الله! ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها؟
فقال : يا علي! إن أُمتي سيفتنون من بعدي.
فقلت : يا رسول الله ، أو ليس قد قلتَ لي يوم أُحدٍ حيث استُشهدَ مَن استُشهد من المسلمين ، وحيزت عنّي الشهادة ، فشَقَّ ذلك عليّ ، فقلت لي : أبشر يا صدّيق فإن الشهادة من ورائك.
فقال لي : فإنّ ذلك كذلك ، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا ، وأهوى بيده إلى لحيتي ورأسي ....(3)
بلى إنها فتنة ، فماذا نقول فيمن ترك القتال وولّى الدُبر وأسلم رسول الله للكفار ، هل هو الكفر ، أم أنه الفسق ، أم شيء آخر؟
من الثابت المسلّم أن رسول الله استاء أشدّ الاستياء من هذا الفعل وغضب من
_______________________________________
1. الأمالي للطوسي : 547 ، المجلس 20 الرقم 1168 / 4 ، الخصال 2 : 556 ، مناقب الكوفي 1 : 486 / 392 ، تاريخ الطبري 2 : 197 ، المعجم الكبير 1 : 318 / 941 ، كشف اليقين : 424.
2. أُسد الغابة 4 : 20 ـ 21.
3. نهج البلاغة 2 : 49 من كلام له خاطب به أهل البصرة ، وانظر كنز العمال 16 : 194 / 44217 ، والمعجم الكبير 11 : 295 ، وأُسد الغابة 4 : 34.
الذين هربوا من القتال.
قال الواقدي : وكان طلحة بن عبيدالله، وابن عباس ، وجابر بن عبداللهيقولون : صلى رسول الله على قتلى أحد ، وقال رسول الله : أنا على هؤلاء شهيد ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ألسنا إخوانهم أسلمنا كما أسلموا ، وجاهدنا كما جاهدوا!
قالصلىاللهعليهوآله : بلى ، ولكنّ هؤلاء لم يأكلوا من أجورهم شيئاً ، ولا أدري ما تُحدثون بعدي ، فبكى أبو بكر وقال : إنا لكائنون بعدك؟!(1)
وجاء عن رسول الله أنه قال لعمر لما اعترض عليه في صلح الحديبية : أنسـيتم يوم أُحد إذ تُصعدِون ولا تلوون على أحد ، وأنا أدعوكم فيأُخراكم.(2)
وقد مر عليك كلام رسول الله في عثمان : لقد ذهبتَ فيها عريضة.
أما يوم خيبر ، فقد جاء في السيرة الحلبية قول رسول الله في خيبرـلما فر الشيخانـبرايته : لأعطينَّ الراية غدا رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، يفتح على يديه ليس بفارٍّ ، وفي لفظ : كرار غير فرّار.
فدعا علياً وهو أرمد فتفل في عينه ، ثمّ قال : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك.(3)
قال أبو سعيد الخدري : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أخذ الراية فهزها ، ثمّ قال : من يأخذها بحقها؟ فجاء فلان [ أبو بكر ] فقال : أنا ، قال : أَمِطْ ، ثم جاء جاء رجل
_______________________________________
1. المغازي 1 : 310 ، شرح النهج 15 : 38 واللفظ له ، وانظر الموطأ 2 : 461 / 987 ، والتمهيد لابن عبد البر 21 : 228 / 203.
2. المغازي 2 : 609 وعنه في شرح النهج 15 : 42 ـ 25 وانظر الدر المنثور 6 : 68 ، وعيون الأثر 2 : 125.
3. السيرة الحلبية 2 : 737 ، سيرة ابن هشام 3 : 797 ، مسند أحمد 1 : 99 ، الأحاديث المختارة 2 : 275 ، فتح الباري 7 : 365 ، مجمع الزوائد 9 : 124 ، وقد رواه البخاري في صحيحه 5 : 76 ، ومسلم 5 : 195 ، مختصراً.
آخر [ عمر]فقال : أنا ، فقال : أَمِطْ ، ثم قال النبي : والذي كرّم وجه محمد لأعطيّنها رجلاً لا يَفرُ ، فقال : هاك يا علي ، فانطلق حتى فتح الله عليه خيبر.(1)
فقولهصلىاللهعليهوآله : (غير فرار)(2) أو (رجلاً لا يفر)(3) تعريض بالشيخين ، وأيّ فرار أسوأ من الفرار عن الزحف ، إذ في النصوص عبارات مؤلمة مثل أن أبا بكر أخذ الراية (فانهزم بها)(4) وعمر (سار غير بعيدٍ ثم انهزم) ،(5) أو أن عمر وأصحابه رجعوا إلى النبي وعمر (يجبّن أصحابه ويجبّنونه)(6) أو (وأخذ اللواء أبو بكر فلم يفتح له ، ثمّ أخذه عمر من الغد فرجع ولم يفتح له وأصاب الناس شدة وجهد)(7) و (قد كان النبي دفع لواءه إلى رجُلٍ من أصحابه من المهاجرين [ أبو بكر ] فرجع ولم يصنع شيئاً ، ثم ّ دفعه إلى آخر [ عمر ] فرجع ولم يصنع شيئاً).(8)
وقد كانت البيعة [ بيعة الشجرة ] على أن لا يفرّوا ، وقد فرّ الشيخان ، وفي ذلك
_______________________________________
1. مسند أحمد 3 : 16 ، فضائل أحمد 2 : 583 ، سيرة ابن كثير 3 : 352 ، مجمع الزوائد 6 : 151 ، تالي تلخيص المتشابه للخطيب البغدادي 2 : 528.
2. تاريخ اليعقوبي 2 : 56 ، مناقب الخوارزمي : 170 ، الكافي 8 : 351 / 548 ، كنز العمال 13 : 123 / 36393.
3. مسند أحمد 3 : 16 ، مجمع الزوائد 9 : 124 ، مناقب الكوفي 2 : 495 / 995 ، البداية والنهاية 4 : 212 ، 7 : 375.
4. مصنف بن أبي شيبة 7 : 497 / 17 ، 8 : 522 / 11 ، مجمع الزوائد 9 : 124 ، كنز العمال 13 : 121 / 36388.
5. كشف اليقين : 140.
6. المصنف لابن أبي شيبة 8 : 521 / 7 ، مستدرك الحاكم 3 : 38 ، تاريخ دمشق 42 : 97. الكافي 1 : 294 / 3.
7. سنن النسائي الكبرى 5 : 109 / 8402 ، مجمع الزوائد 6 : 150 ، وقال : رجاله رجال الصحيح ، البداية والنهاية 7 : 373.
8. السيرة الحلبية 3 : 732 ، وعنه في الغدير 7 : 203.
نكث للعهد والأيمان ، وقد تعرّض الإمام علي والعباسـعم الرسولـلهذا المطلب لما جاءا يطلبان ميراث رسول الله ، فكان مما قالاه هو أن أبا بكر وعمر كاذبان آثمان غادران خائنان.
ولهذا فإن النبيصلىاللهعليهوآله لما هادن أهل مكة بعد البيعة تحت الشجرة حمل المسلمون بالسلاح على قريش فهزمتهم قريش ، فبعثصلىاللهعليهوآله علياً فردهم فتابوا ، فقال النبي : الآن عودوا إلى البيعة فقد نقضتم ما كان في أعناقكم ، فبايعوا على أن لا يفروا فسميت بيعة الرضوان ، لوقوعها بعد العصيان. وإن فرار الشيخينـبخيبر وحنينـ وجماعة من المسلمين هو نكث لبيعة الرضوان».(1)
وقد جاء في صحيح مسلم أن عمر قال لعلي والعباس : قال أبو بكر : قال رسول الله (لا نورث ما تركناه صدقة) فرأيتماه كاذباً آثماً غادراًخائناً ، ثم توفى أبو بكر فقلت : أنا ولي رسول الله وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً.(2)
فأبو بكر في منطق عم الرسول (العباس) ، وصهر الرسول (علي) ، وبنت الرسول (فاطمة) كان كاذباً آثماً ، والكاذب ليس بصادق فكيف يكون صدّيقاً.
قال ابن شهرآشوب في المناقب : وقال المتكلمون : ومن الدلالة على إمامة عليعليهالسلام قوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) فوجدنا علياً بهذه الصفة لقوله :( وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ) يعني الحرب( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) فوقع الإجماع بأن علياً أولى
_______________________________________
1. الصراط المستقيم 3 : 100 ـ 101.
2. صحيح مسلم 5 : 152ـ 153 كتاب الجهاد والسير ، باب حكم الفيء ، وانظر في منازعة الإمام علي والعباس صحيح البخاري 4 : 44 باب فرض الخمس وكتاب الجهاد والسير 5 : 23ـ24 وتفسير ابن كثير 4 : 359 وشرح نهج البلاغة 16 : 222 ، تاريخ المدينة لابن شبة 1 : 204.
بالإمامة من غيره ؛ لأنّه لم يفر من زحف قط كما فر غيره في غير موضع.(1)
روى الشيخ المفيد في كتاب الجمل والنصرة لسيد العترة في حرب البصرة عن عمر بن ابان قال : لمّا ظَهَرَ أميرُ المؤمنينعليهالسلام على اهل البصرة ، جاءه رجال منهم فقالوا : يا اميرالمؤمنين ما السببُ الذي دعا عائشة بالمظاهرة عليك حتّى بَلَغَتْ مِنْ خلافِك وشِقاقِك ما بَلَغَتْ؟ وهي امرأةٌ مِنَ النساءِ لم يُكْتَبْ عليها القتالُ ولا فُرِضَ عليها الجهادُ ، ولا أُرْخِصَ لها في الخروجِ مِنْ بيتها ولا التَبَرُّجِ بينَ الرجالِ ، ولَيْسَتْ مِمَّنْ تَوَلَّتْهُ في شيءٍ على حالٍ.
فقالعليهالسلام : «سأذْكُرُ لكم أشياءَ ممّا حَقدَتْها عليَّ ليس لي في واحدٍ منها ذَنْبٌ إليها ولكنّها تَجَرَّمَتْ بها عليَّ.
أحدها : تفضيلُ رسولِ اللهصلىاللهعليهوآله لي على أبيها وتقديمِهِ إيّايَ في مواطنِ الخير عليه ، فكانتْ تَضْطَغِنُ ذلك عليَّ ، فتعرفه منه فَتَتْبَعُ رأيَهُ فيه.
وثانيها : لمّا أخى بينَ أصحابِهِ أخى بينَ أبيها وبين عُمَرَ بْنِ الخطّاب ، واختصَّنِي بأُخُوَّتِهِ فَغَلُظُ ذلك عليها وحَسَدَتْني منه.
ثالثها : وأوْحَى الله تعالىصلىاللهعليهوآله إليه بِسَدِّ أبوابٍ كانتْ في المسجدِ لجميع أصحابِهِ إلّا بابي ؛ فلمّا سَدَّ بابَ أبيها وصاحِبِهِ وتَرَكَ بأبي مفتوحاً في المسجدِ تَكَلَّمَ في ذلك بعضُ أهلِهِ ، فقالصلىاللهعليهوآله : « ما أنا سَدَدتُ أبوابَكم وفَتَحْتُ بابَ عليٍّ ، بل الله عزّوجلّ سَدَّ أبوابَكم وفَتَحَ بابَه » فَغَضِبَ لذلك أبو بكرٍ عليه ، وتَكَلَّمَ في أهلِهِ بشيءٍ سَمِعَتْهُ منه ابْنَتُهُ فَاضْطَغَنَتْهُ عليَّ.
[ رابعها ] وكان رسولُ اللهصلىاللهعليهوآله أعْطى أباها الرايةَ يومَ خَيْبَرٍ ، وأمَرَهُ أنْ لا يَرْجعَ حتّى يَفْتَحَ أو يُقْتَلَ ، فلم يَلْبَثْ لذلك وانْهَزَمَ. فأعطاها في الغَدِ عُمَرَ بْنَ الخطّاب ،
_______________________________________
1. مناقب ابن شهرآشوب 3 : 93.
وأمَرَهُ بمثلِ ما أمَرَ صاحِبَهُ ، فَانْهَزَمَ ولم يَثْبُتْ. فساء ذلك رسولَ اللهصلىاللهعليهوآله فقال لهم ظاهراً مُعْلِنا : «لاَعطِيَنَّ الرايةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ الله ورسولَهُ ويُحِبُّهُ الله ورسولُهُ ؛ كَرَّارا غَيْرَ فَرَارٍ ، لا يَرْجِعُ حتّى يَفْتَحَ الله على يَدَيْهِ». فأعطاني الرايةَ ، فصبرتُ حتّى فَتَحَ الله تعالى على يَديّ. فَغَمَّ ذلك أباها وأحْزَنَهُ فَاضْطَغَنَتْهُ عليَّ ، ومالي إليها مِنْ ذنْبٍ في ذلك ، فحَقِدتْ لِحقْد أبيها.
[ خامسها ] وبعث رسـولُ اللهصلىاللهعليهوآله بسورةِ براءَةٍ وأمَرَهُ أنْ يَنْبَذَ العهدَ للمشركين ويُنادي فيهم ، فمضى حتّى انحرف ، فأوْحى الله تعالى إلى نبيِّهِصلىاللهعليهوآله : أنْ يَرُدَّهُ ويأخُذَ الآياتِ فيُسَلِّمَها إليَّ فَسَلَّمَها إليَّ ، فَصَرَفَ أباها بإذنِ الله عزّ وجلّ. وكان فيما أوّحى إليه الله أنْ لا يؤدِّيَ عنك إلّا رجلٌ منك ، فكُنْتُ مِنْ رسولِ الله وكان منّي ، فَاضْطَغَنَ لذلك عليَّ أيضاً ، واتَّبَعَتْهُ ابْنَتُهُ عائشةُ في رأيه.
[ سادسها ] وكانت عائشةُ تَمْقُتُ خديجةَ بنتَ خُوَيْلِدٍ ، وتَشْنَؤُها شَنَآنَ الضَرائرِ ، وكانتْ تَعْرِفُ مكانَها مِنْ رسولِ اللهصلىاللهعليهوآله فَيَثْقُلُ ذلك عليها ، وتَعَدّىمَقْتَها إلى ابنتِها فاطمةَ ، فَتَمْقُتُني وتَنْقُتُ فاطمةُ وخديجةَ ؛ وهذا معروفٌ في الضَرائر.
[ سابعها ] ولقد دخلتُ على رسولِ اللهصلىاللهعليهوآله ذاتَ يومٍ قبل أنْ يُضْرَبَ الحجابُ على أزواجِهِ وكانت عائشةُ بِقُرْبِ رسولِ الله فلمّا رآني رَحَّبَ بي وقال : اُدنُ منّي يا عليُّ ، ولم يَزَلْ يُدْنِيني حتّى أجْلَسَنِي بينه وبينها ؛ فَغَلُظَ ذلك عليها ، فأقْبَلَتْ إليَّ وقالت بِسُوءِ رأيِ النساءِ وتَسَرُّعِهِنَّ إلى الخطابِ : ما وَجَدتَ لأسْتِك يا عليُّ موضعاً غير موضع فَخذي؟! فَزَجَرَها النبيُّصلىاللهعليهوآله وقال لها : « ألِعليٍّ تقولين هذا؟! إنّه واللهِأوَّلُ مَنْ آمَنْ بي وصَدَّقَني وأوَّلُ الخَلْقِ وروداً عليَّ الحوضَ ؛ وهو أحَقُّ الناسِ عَهْداً إليَّ ؛ لا يُبْغِضُهُ أحدٌ إلّا أكَبَّهُ الله على مَنْخِرِهِ في النارِ » فَازْدادَت بذلك غَيْظا عليَّ.
[ ثامنها ] ولمّا رُمِيَتْ بما رُمِيَتْ اشتدَّ ذلك على النبيِّصلىاللهعليهوآله ، واستشارني في أمْرِها ، فقلتُ : يا رسولَ الله سَلْ جاريتَها بَريرَةَ واسْتَبْرِى حالَها منها ؛ فإنْ وَجَدْتَ عليها شيئاً فَخَلِّ سبيلَها ، فإنّ النساءَ كثيرةٌ فأمَرني رسولُ الله أنْ أتَوَلَى مسألةَ بَريرَةَ وأسْتَبْرىَ الحالَ منها ففعلتُ ذلك فَحَقِدَتْ عليِّ ، وواللهما أرَدْتُ بها سُوءً لكنّي نَصَحْتُ للهولرسولهصلىاللهعليهوآله .
وأمثال ذلك ، فإنّ شئتم فَاسْألوها ما الذي نَقَمَتْ عليَّ! حتّى خَرَجَتْ مع الناكثين لِبَيْعَتي ، وسَفْكِ دِماءِ شيعتي ، والتظاهرِ بينَ المسلمين بعداوتي لِلْبَغْي والشِقاقِ والمَقْتِ لي بغيرِ سببِ يُوجِبُ ذلك في الدينِ ؛ واللهالمستعانُ».
فقال القومُ : القولُ واللهما قلتَ يا أميرَ المؤمنين ، ولقد كشفتَ الغُمَّةَ ؛ ولقد نَشْهَدُ أنّك أوْلى باللهورسولِهِصلىاللهعليهوآله ممَّنْ عاداك. فقام الحَجّاجُ بْنُ عَمْروٍ الأنصاريُّ فَمَدَحَهُ في أبياتٍ نكتفي بما ذكرناه مِنْ هذه الجملة عن إيرادِها.
هذا ولو تأمل القارئ في خطبة الزهراءعليهاالسلام لرآها تذكّرهم بأن الله قد اختار أباها محمداً إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وانتجبه قبل أن يُرسله إلى الخلائق ، ومعنى كلامهاعليهاالسلام بأنهصلىاللهعليهوآله كان المصطفى عند الله في الأزل وقبل أن يخلقالخلق ، وقد أكد هوصلىاللهعليهوآله على هذه الحقيقة بقوله : كنت نبياً وآدم بين الماء والطين.(1)
والإمام علي أكّد للحارث الهمداني بأنه صدّق بمحمد بن عبداللهصلىاللهعليهوآله وآدم بين الروح والجسد ، وذلك بقوله : إلا إني عبداللهوأخو رسوله وصدّيقه الأوّل ؛ صدقته
_______________________________________
1. مناقب ابن شهرآشوب 1 : 183 ، عوالي اللئالي 2 : 121 ، ينابيع المودة 1 : 46 ، وفي طبقات ابن سعد 1 : 148 قولهصلىاللهعليهوآله (بين الروح والطين من آدم) وفي سيرة ابن كثير 1 : 317 (وآدم منجدل في الطين) ، وانظر مسند أحمد 4 : 66 ، المستدرك للحاكم 2 : 609 ، مصنف ابن أبي شيبة 8 : 438 ، المعجم الكبير 12 : 73 ، الاحتجاج للطبرسي 2 : 248 ، الفضائل لابن شاذان : 24 ، أُسد الغابة 3 : 132 وغيرها وفيها قوله (وآدم بين الروح والجسد).
وآدم بين الروح والجسد ، ثمّ إني صدّيقه الأول في أمتكم حقاً.(1)
وقد مر عليك كلامهعليهالسلام من أن الله قرن بهصلىاللهعليهوآله من لدن أن كان فطيماً أعظم مَلك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم وأنهعليهالسلام كان يتبعه اتباع الفصيل إثر أُمه.
وبهذا فقد عرفت بأن الصدّيقية هي سمةٌ ربانية تمنح لمن له صفات كمالية عالية ومن صدّق بفعله قوله وآمن بكل ما عرفه روحاً وجسداً ، وقال : (ما شككت في الحقّ منذ أريتهْ).(2)
ولا يخفى على مسلم بأنّ الهدف من الخلق هو معرفة الله وعبادته ، وهذه المعرفة لا تحصل إلّا من طريق الوحي ، وبذلك يكون النبي والوصي والكُمّل من المعصومين هم هدف الخلقة ، وهذه المعرفة وصلت ذروتها ببعثة خاتم النبيين محمد المصطفى واكتملت في يوم الغدير( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) .
وقد كانت الصدّيقة فاطمة الزهراءعليهاالسلام هي حلقة الوصل بين النبوة والوصاية ؛ إذ هي ابنة الرسول وزوجة الوصي ، وأبناؤها كانوا هم الأوصياء الذين انتهت إليهم مواريث الأنبياء(3) وقد أشار الإمام علي والصدّيقة الزهراء إلى هذه
_______________________________________
1. الأمالي للمفيد : 6 ، المجلس الأول الرقم 3 ، الأمالي للطوسي : 626 الرقم 1292 ، كشف الغمة 1 : 412 ، بحار الأنوار 39 : 39.
2. خصائص الأئمة للشريف الرضي : 107 ، إرشاد المفيد 1 : 254 ، من كلامه عليهالسلام حين قتل طلحة وأنفض أهل البصرة ، شرح النهج 18 : 374.
3. بصائر الدرجات : 83 / 10 ، أمالي الصدوق : 383 / 489.
الحقائق في كلماتهم وخطبهم ، فمما قالته السيدة فاطمةعليهاالسلام في خطبتها :
وأشهد أن أبي محمداً عبده ورسوله ، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله ، وسماه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة ، علماً من الله بمآيل الأُمور ، وإحاطةً بحوادث الدهور ، ومعرفة بمواقع المقدور ، ابتعثه الله إتماماً لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذا لمقادير حتمه(1) |
إذاً السيّدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام لم تذكّرهم بأصل النبوة لأن الأمة كانت قد قبلت النبي محمداً نبياً في الظاهر ، لكنها جاءت لتصف لهم ما لنبي الله من مكانة ومنزلة عند الله ، لأن أكثر الناس كانوا لا يدركون مكانة الرسول وعمق الرسالة ، بل كانوا ينظرون إلى الأمور نظرة سطحية ، فهي سلام الله عليها أرادت أن تفهمهم بأن المعرفة لا تتأتى إلّا عن طريق هؤلاء ، وبما أن الإنسان خليفة الله في الأرض ، فيجب أن يكون قائد الأُمّة هو الإنسان الكامل منهم ، وهم الأنبياء المرسلون ، والأوصياء المنتجبون ، وهؤلاء هم الذين اصطفاهم الله من بين عباده ، وهم أفضل الناس قدراً وأرفعهم درجة من جميع المخلوقات الأرضيةوالسماوية.
وإنا على رغم معرفتنا بعض الشيء عن الرسول الصادق الأمين ، والوصي الصدّيق الأمين علي بن أبي طالب ، والصدّيقة فاطمة الزهراء ، لكن مجهولاتنا عن ذواتهم هي الأكثر ، فهم الذوات السامية الذين خلقوا من نور عظمة الباري جل وعلا ،(2) ولذلك صرّح الإمام الصادق بأنّ فاطمة سميت بفاطمة لأنّ الخلق فُطموا عن معرفتها.(3)
_______________________________________
1. الاحتجاج 1 : 133 ، السقيفة وفدك : 140 ، بلاغة النساء لابن طيفور : 15.
2. الإمامة والتبصرة : 133 / 144 ، معاني الأخبار : 351 ، الفضائل لابن شاذان : 158.
3. تفسير فرات : 581 ، البحار 43 : 65.
ولعلّ الإمام الصادقعليهالسلام استخدم كلمة (الخلق) لأنّها أوسع مفهوماً من كلمة الناس لشمولها جميع مخلوقات ربِّ العالمين من الجن والإنس وحتى الملائكة ، فنتساءل : لماذا فُطم الخلق عن معرفتها؟ لقصور إدراكهم؟ أم لعلوّ مقام الزهراء؟ أم للأعمال التي اقترفوها ضدها جرياً مع الهوى وحب الذات؟ أم لكل من ذلك نصيب في الأمر؟
بلى إنّ منزلة الزهراء عالية لا يمكننا أن ندركها كما هي ، لكنّ الإمام علياً كان يدرك مكانتها ، لأنه من نفس النور وذلك الاصطفاء ،(1) فقد جاء في كتاب مقتل الحسين للخوارزمي أن الإمام قال ـ بعد صلاته على الزهراء ـ مخاطبا ربّالعالمين :
هذه بنت نبيك أخرجتَها من الظلمات إلى النور ، فأضاءت الأرض ميلاً في ميل.(2) |
فالإمام أراد بكلامه هذا أن يقول : أخذتها يا رب العالمين من هذه الدنيا المظلمة إلى نورك المطلق( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ، الزجاجة كأنها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء) أي أنها رجعت إلى ما خلقت منه ،
_______________________________________
1. جاء في كتاب الإمام عليعليهالسلام إلى عثمان بن حنيف الأنصاريـعامله على البصرة : وأنا من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد. انظر شرح النهج 16 : 289 ، والمراد من هذا التشبيه شدة الامتزاج والاتحاد والقرب بينهما.
وفي آخر : أنا من أحمد كالضوء من الضوء ، نهج البلاغة 3 : 73 / كتاب 44 ومعناه أن أصلهعليهالسلام وأصل الرسول واحد كالنخلتين تخرجان من أصل واحد. ويؤيده ماجاء عن النبي صلىاللهعليهوآله حيث قال لعلي عليهالسلام : يا علي من قتلك فقد قتلني ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، ومن سبك فقد سبني ، لأنك مني كنفسي ، روحك من روحي ، وطينتك من طينتي. عيون أخبار الرضا 2 : 266 ، إقبال الأعمال 1 : 37 ، بحار الأنوار 42 : 190.
2. بحار الأنوار 43 : 215.
فرجوعها لم يكن كرجوع أي إنسان إلى الله( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) ، بل إن رجوعها كان رجوعاً نورانياً إلى النور الأكمل وهو نور رب العالمين.
عن جابر بن يزيد الجعفي أنه سأل الإمام الصادقعليهالسلام : لم سُمِّيت فاطمةُ الزهراء؟ فقال : لأن الله عزّ وجلّ خلقها من نور عظمته ، فلما أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها ، وغشيت أبصار الملائكة ، وخرّت الملائكة لله ساجدين ، وقالوا : إلهنا وسيدنا ما هذا النور؟ فأوحى الله إليهم : هذا نور من نوري ، أسكنته في سمائي ، خلقته من عظمتي ، أخرجه من صلب نبي من أنبيائي ، أُفضِله على جميع الأنبياء ، وأُخرج من ذلك النور أئمة يقومون بأمري يهدون إلى حقّي ، وأجعلهم خلفائي في أرضي بعد انقضاء وحيي.(1)
وروى الشيخ الكليني بإسناده عن محمد بن مروان ، عن أبي عبدالله، قال : سمعته يقول : إن الله خلقنا من نور عظمته ، ثمّ صوّر خلقنا من طينةٍ مخزونةٍ مكنونة من تحت العرش ، فأسكن ذلك النور فيه ، فكنّا نحن خلقاً وبشراًنورانيين لم يجعل لأحد في مثل الذي خُلقنا منه نصيباً.(2)
وفي معاني الأخبار : قال رسول الله : خُلق نور فاطمة قبل أن تُخلق الأرض والسماء. فقال بعض الناس : يا نبي الله فليست هي إنسية؟
فقالصلىاللهعليهوآله : فاطمة حوراء إنسية.
قال : يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية؟
فقالصلىاللهعليهوآله : خلقها الله عزوجل من نوره قبل أن يخلق آدم ، إذ كانت الأرواح ، فلما خلق الله عزوجل آدم عرضت على آدم!
_______________________________________
1. الإمامة والتبصرة 133 ، علل الشرايع 1 : 180.
2. الكافي 1 : 389 / 2.
قيل : يا نبي الله وأين كانت فاطمة؟
قال : كانت في حُقَّة تحت ساق العرش ، قالوا : يا نبي الله فما كان طعامها؟
قال : التسبيح والتهليل والتحميد.(1)
وعن أبي حمزة الثمالي أنه سأل الباقرعليهالسلام فقال : أخبرني يابن رسول الله أي شيء كنتم في الأظلة؟ فقالعليهالسلام : كنّا نورا بين يدي الله قبل خلق خلقه ، فلمّا خلق الخلق سبّحنا فسبّحوا ، وهللنا فهللوا ، وكبّرنا فكبّروا.(2)
وفي عيون أخبار الرضا : إن النبيصلىاللهعليهوآله قال لعلي بأن الأنبياء هم أفضل من الملائكة ، وأنّهصلىاللهعليهوآله أفضل من جميع النبيين والمرسلين ، والفضل من بعده لعلي والأئمة من ولده ، فقالصلىاللهعليهوآله : فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؛ لأن أول من خلق الله خلق أرواحنا ، فأنطقنا بتوحيده وتمجيده ، ثمّ خلق الملائكة فلما شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً ، استغظمت فسبحنا لتعلم الملائكة ، إنا خلق مخلوقون ، انا خلق مخلوقون وأنهمنزه عن صفاتنا ، فسبحت الملائكة بتسبيحنا ونزهته عن صفاتنا.(3)
إنها مفردات (التسبيح ، التهليل ، التحميد) تذكرنا بتسبيحات الصلاة التي علّمها النبي الأكرم لابنته فاطمة الزهراء ، وكانت تلك المفردات طعامها تحت العرش ، وهي الأُخرى تذكرنا بارتباط أمر النبوة بأمر الخلافة والوصاية.
نعم إنها مواصفات الحوراء الإنسية التي يشمها رسول الله كلّما اشتاق إلى الجنة ، فعن عائشة قالت : قال رسول الله : لما أُسري بي إلى السماء أدخلت الجنة ،
_______________________________________
1. معاني الأخبار : 369.
2. بحار الأنوار 25 : 24 / 40 وانظر الهداية الكبرى : 240.
3. عيون أخبار الرضا 2 : 237 ، ينابيع المودة 3 : 378 ، تفسير القمي 1 : 18.
فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر في الجنة أحسن منها حُسناً ولا أبيض منها ورقة ولا أطيب منها ثمرة ، فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها ، فصارت نطفة في صلبي ، فلمّا هبطت الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة ، فإذا أنا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت ريح فاطمة.(1)
بلى ، إن فاطمة الزهراءعليهاالسلام مخلوقة من أحسن ثمار الجنّة ، ومن شجرة طوبى ، ثمّ حلت في رحم امرأة من خيرة نساء العالمين هي خديجة ، التي أعطت كل ما تملك لرّبها ، ولما حضرتها الوفاة لم يكن لها كفن تكفن به ، فأنزل الله لها كفناً مع جبرائيل.
فحريٌّ بهذه السيدة أن تكون الصدّيقة والمحدّثة والعليمة ؛ لأنّ لها أُمّاً كخديجة ، وأبا كرسول الله ، وبعلاً كعلي ، وأولاداً كالحسن والحسين ، وقد أدرك هذه المنزلة لفاطمة حتى النصارى ، فقال أسقف النصارى لما رأى رسول الله وعلياً وفاطمة والحسن والحسين يوم المباهلة : يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها ، فلا تباهلوا فتهلكواولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.(2)
هل فكّرت في مفردات القرآن :( أَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) و( نِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ) و( أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) فمن هو علي؟ ومن هي الزهراء؟ ومن هو الحسن ومن هو الحسين؟ إنّها مفردات معنوية وأسماء سماوية يجب الوقوف عندها والتأمل فيها.
إن فاطمة وأباها جوهر واحد ، وعلي والرسول نفس واحدة ، وقد زوّج رسول الله علياً بفاطمة ، لأنه كفؤها وليس لها كفؤ غيره ، وذلك بأمر من الرب الجليل ، فرزقهم الله أولاداً طاهرين مطهرين معصومين هم أئمة المسلمين.
_______________________________________
1. المعجم الكبير 22 : 401 ، الدر المنثور 4 : 153.
2. الكشاف 1 : 369 ، تفسير الرازي 8 : 71 ، السيرة الحلبية 3 : 236 ، الطرائف : 42 ، مجمع البيان 2 : 310.
والآن ، انظر ماذا فعل القوم بعلي والزهراء ، وكيف بهم قد جدّوا لتكذيبهما وإبعادهما عن حقوقهما بطرق ملتوية.
فأبو بكر لا يمكنه أن يكذّبها صريحاً ، بل صرح بأنها الصادقة في قولها المصدّقة في كلام بارئها ، لكنه جاء بأعذار قد تبدو للسُّذّج بالنظر البدوي السطحي أنها صحيحة ، فقال فيما قاله :يا خيرة النساء وابنة خير النساء ، أنت صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقك ، ولا مصدودة عن صدقك ، وواللهما عدوت رأي رسول الله وإني سمعته يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا داراً ولا عقاراً وإنّما نورث الكتاب والحكمة والعلم النبوة ، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه ...إلى آخر كلام أبي بكر وقد مر عليك جواب الزهراء له.
فأبو بكر لا يمكنه أن يرمي الزهراء صريحاً بالكذب ، فتعلل بتعاليل قد تبدو شرعية ، لكن الزهراء صرَّحت بملء فمها حجة ودليلاً بأنه كاذب : «يابن أبي قحافة لقد جئت شيئاً فريَّاً».
هذه هي كلمة الصدّيقة فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ، وهذه الجملة تشير وبكل وضوح إلى أن فاطمة لا تقول شيئاً عن حس عاطفي أو هوى شخصي كما عرفناه من الآخرين ، إذ لا يعقل أن يوقف الله رضاه المطلق لرضا شخص تابع لأهوائه ومصالحه والعياذ بالله، وكذا الأمر بالنسبة إلى غضبها ، وهو يعني بأن الصدّيقة فاطمة الزهراء وصلت إلى مرتبة العصمة ، ولامعنى لأن يكون رضاها هو رضى الله وغضبها غضبه إلّا هذا ، هذا من جهة ، وهذا المقام
يحكي عن انبثاق فاطمةعن مَثَل نور الله وانعكاس غضب الله ورسوله في غضب الصدّيقة الكبرى.
فقولهصلىاللهعليهوآله : (فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها وبغضني ما يبغضها) وكذا قوله لفاطمة : (إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك) يؤكدان بأن إغضاب فاطمة وإيذاءها هو إغضاب لرسول الله وإيذاء له ، وسبحانه قال :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (1) وقال : ( وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ) .(2)
والآن استمع لما رواه البخاري عن عائشة ، وابن قتيبة عن عمر :
قالت عائشة : إن فاطمة بنت النبي أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إن رسول الله قال : لا نورث ما تركنا صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإني واللهلا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله ، ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ، ولم يؤذن بها أبو بكر ، وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه في حياة فاطمة ، فلما توفيت استُنكِرَ عليٌّ وجوه الناس. الحديث.(3)
قال ابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ.) في الإمامة والسياسة : فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة فانا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً ، فاستأذنا على فاطمة ،
_______________________________________
1. الأحزاب : 57.
2. طه : 81.
3. صحيح البخاري 5 : 83 و 4 : 209 ، صحيح مسلم 5 : 154.
فلم تأذن لهما ، فأتيا عليا فكلماه ، فأدخلهما عليها ، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط ، فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام.
فتكلم أبو بكر ، فقال : يا حبيبة رسول الله ، واللهإن قرابة رسول الله أحب إليّ من قرابتي ، وإنك لأحب إليّ من عائشة ابنتي ، وَلَوَدِدْتُ يوم مات أبوك أني مُت ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك ، وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلّا أني سمعت أباك رسول الله يقول : «لا نورث ما تركنا فهو صدقة».
فقالت : أرأيتما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله تعرفانه وتفعلان به؟
قالا : نعم.
فقالت : نشدتكما الله ، ألم تسمعا رسول الله ، يقول : «رضى فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني».
قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله ، قالت : فإني أُشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه.
فقال أبو بكر : أنا عائذ باللهتعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة.
ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون عليك في كلّ صلاة أصليها فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت فاطمة ولم تمكث بعد أبيها إلّا خمساً وسبعين ليلة.(1)
فالنصوص كلّها ناطقةٌ بأن الزهراءعليهاالسلام كانت مستاءة من أبي بكر ، وماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، ناهيك عمّا في خطبتها في المسجد من مقاطع كثيرة يجب الوقوف عندها ، فإنّها وحين قالت : « أيها الناس اعلموا أني فاطمة وأبي
_______________________________________
1. الإمامة والسياسة 1 : 19 ـ 20.
محمد أقول عوداً وبدءاً ولا أقول ما أقول غلطاً ولا أفعل ما أفعل شططاً»(1) أرادت أن توضح حقيقة مهمة وهي أنّي فاطمة التي قال عنها رسول الله (سيدة نساء العالمين)(2) و (الصدّيقة)(3) و (أم أبيها)(4) و (فداها أبوها).(5)
كما أنها أرادت أن تقول : أنا تلك التي قال عنّي رسول الله : فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها.(6)
إذا إني (لا أقول ما أقول غلطاً ولا أفعل ما أفعل شططاً ) وأبي محمد لا يوصي بأحدٍ عن هوى ؛ لأنّه هو الذي( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) ، وقد أكد الإمام عليٌّ هذه الحقيقة بقوله : إن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لم يقرّبني بما تعلمونه من
_______________________________________
1. شرح الأخبار 3 : 34 ، الاحتجاج 1 : 134 ، شرح النهج 16 : 212.
2. مسند أبي داود : 197 ، مصنف ابن أبي شيبة 7 : 257 / 5 ، مستدرك الحاكم 3 : 156 ، وقال : هذا إسناد صحيح ولم يخرجاه.
3. الكافي 1 : 458 / 2 ، منتقى الجُمان 1 : 224.
بل قالت في وصفها أمّ المؤمنين عائشةـكما في سنن الترمذي 5 : 361 / 3964 ، وسنن أبي داود 2 : 522 / 5217 ، والمستدرك للحاكم 24 : 272 ، والبخاري في الأدب المفرد : 202ـ: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ، قالت : وكانت إذا دخلت على النبي قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه ، وكان النبيصلىاللهعليهوآله إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها.
وفي نصّ ثانٍـكما في المستدرك للحاكم 3 : 154 ، والسنن الكبرى للبيهقي 7 : 101ـ: ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً من فاطمة برسول الله ، وكانت إذا دخلت عليه ، رحّبَ بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبلها ، وأجلسها في مجلسه.
وفي نص ثالثٍ عن عائشةـذكره الحاكم في مستدركه 3 : 161 والزرندي في نظم درر السمطين : 182ـ انها إذا ذكرت فاطمة بنت النبي قالت : ما رأيت أحداً كان أصدق لهجةً منها إلّا أن يكون الذي ولدها.
4. المعجم الكبير 22 : 397 ، تاريخ دمشق 3 : 158 ، أُسد الغابة 5 : 520.
5. أمالي الصدوق : 305 / 348 ، روضة الواعظين : 444 ، مناقب ابن شهرآشوب 3 : 121.
6. صحيح البخاري 6 : 158 ، سنن أبي داود 1 : 460 / 2071 ، المعجم الكبير 22 : 404.
القرب ، للنسب واللحمة ، بل للجهاد والنصيحة.(1)
ثم قالت الزهراءعليهاالسلام بعد ذلك : (فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نساءكم وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزيُّ إليهصلىاللهعليهوآله ).
بهذه الكلمات أرادت السيدة الزهراء أن تنوه إلى مقامها المعنوي ، وأن ذلك لم يأت للّحمة النسبية بينها وبين رسول الله.
وحتى لو قلنا أنها أرادت أن تبيّن لهم اللحمة النسبية بينها وبين رسول الله ، فهي أرادت أن تُعرّف نفسها طبق هذه اللحمة حتى تترتّب عليها المطالبة بحقوقها.
كل ذلك وهيعليهاالسلام تؤكد على دور الشيطان في إغوائهم ، وأنه الزمهم السكوت في عهدهصلىاللهعليهوآله حفاظاً على مصالحهم ، لكن حَسيكة النفاق ظهرت عندهم بعد وفاتهصلىاللهعليهوآله فصاروا كأمة موسى من بعده ، ورسولُ الله كان قد أخبر أُمته بذلك بقوله : لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جُحر ضب لاتبعتموهم.(2)
وقالصلىاللهعليهوآله في خطبة الوداع : ويحكُمـأو قال : ويلكمـلا ترجعنّ بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.(3) وقال في حديث الحوض : ألا وإنّه سيجاء برجال من أُمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول ....(4)
بهذه الطريقة بيَّن الرسول الأكرم تخوفه على أُمته ، وأرشدهم إلى الحذر وعدم
_______________________________________
1. شرح النهج 20 : 299 / 414.
2. صحيح مسلم 8 : 58 ، الطرائف : 379 / 21 من المتفق عليه ، مسند أحمد 2 : 511.
3. صحيح البخاري 1 : 38 ، 2 : 191 ، 5 : 126 ، 7 : 112 ، سنن ابن ماجة 2 : 130 / 3943 ، مسند أحمد 2 : 85 ، بغية الباحث : 245 ، وغيره.
4. صحيح البخاري 5 : 240 ، 7 : 206 ، صحيح مسلم 1 : 150 ، 7 : 68 ، سنن الترمذي 4 : 38 ، وغيره.
والوقوع في الضلال ، وبنفس الطريقة صرحت السيدة فاطمة الزهراء في خطبتها المعروفة بوجود مؤامرة على السنّة المحمدية الأصيلة ودعتهم إلى الابتعاد عن الشيطان الغوي الذي أفرد شباكه وزين مرتعه لهم ، فقالت سلام الله عليها :
فلما اختار الله لنبيهصلىاللهعليهوآله دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكةُ النفاق ، وسمل جلبابُ الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغ خاملُ الآفلين ، وهدر فنيقُ المبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسهُ من مغرزه هاتفاً بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا ، فوسمتُم غير أبلِكم ، وأوردتُم غير شربكم ، هذا والعهدُ قريب ، والكلم رحيبٌ ، والجرح لما يندمل ، والرسول لما يُقبر ، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة ،( أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ، فهيهات منكم ، وكيف بكم؟ وأنَّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم اُموره ظاهرةٌ ، وأحكامُهُ زاهرةٌ ، وأعلامه باهرةٌ ، وزواجرُهُ لائحةٌ ، وأوامره واضحة ، وقد خلفتُموه وراء ظهوركم ، أرغبةً عنه تُريدون؟ أم بغيره تحكُمُون؟( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا )( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، ثمَّ لم تلبثوا إلّا ريثَ أن تسكن نفرتُها ، ويُسلس قيادُها ، ثمَّ أخذتم تورونَ وقدتَها ، وتهيجُون جمرتها ، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي ، وإطفاءِ أنوارِ الدين الجليِّ ، وإخمادِ سنن النَّبيَّ الصفيِّ ، تُسِرُّون حسوا في ارتغاء ، وتمشون لأهله وولده في الخَمَرِ الضَّرَّاء ، ونصبر منكم على حزِّ المُدى وَوَخْزِ السَّنانِ في الحَشا. |
بهذا المنهج الوعظي العلمي المتَّزن وبّختْ السيدة فاطمة قومَها وأرشدتهم إلى عدم الوقوع في الفتنة والانقلاب على الأعقاب ؛ لأن الشيطان الرجيم أطلع رأسه من مغرزه ، هاتفاً بهم فألفاهم لدعوته مستجيبين ؛ ذلك الشيطان الذي قال :
( وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ) .(1)
فأما قول عمر في بدء الخلافة : (فلما خفت الاختلاف قلت لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك) ،(2) فهو وجه آخر لكلام ذلك المنافق الذي طلب من النبي إعذاره من محاربة الروم في غزوة تبوك ؛ لأنه رجل يحب النساء ويخاف أن يُفتَن بجمال نساء الروم ويخسر أجره ، فنزل القرآن بقوله تعالى :( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) ،(3) وهذا ما أرادت السيدة فاطمة الزهراء الإشارة إليه في قولها : (زعمت خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا) لأن المنافق أراد أن يقول كما قالت بنو إسرائيل( اذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) .
فتركُ الجهاد في ركاب الرسول هو الفتنة حقاً ، لأنها تستعقب الشرك والكفر بالله، وكذا الحال بالنسبة إلى إبعاد الوصي عن منصبه ، لأنّه قد جرّأ الطلقاءَ والمنافقين أن يفكّروا في الاستخلاف على الأُمة الإسلامية ، إنها فتنة وما أعظمها من فتنة.
إن الزهراءعليهاالسلام وبقولها السابق (فهيهات منكم وكيف بكم وأنّى تؤفكون؟ وكتاب الله بين أظهركم ، أُموره ظاهرة ...) أرادت أن تشير إلى كون منصب الخلافة هو منصب إلهي ، وكيف بالناس لا يعرفون ذلك ، وكتاب الله بين أظهرهم ، وأُموره ظاهرة دالة على الاستخلاف الإلهي ، في مثل قوله تعالى :( وَإِذِ ابْتَلَىٰ
_______________________________________
1. إبراهيم : 22.
2. شرح نهج البلاغة 2 : 24 ـ 25.
3. سورة التوبة : 49.
إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) وقوله( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (2) وغيرها.
فإنهاعليهاالسلام جاءت لتؤنّبهم على تركهم العمل بالقرآن بقولها : خلفتموه وراء ظهوركم ، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا )( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) .(3)
ثمّ عرّجت الزهراءعليهاالسلام لتبيّن تلاعبهم بالأحكام الإلهية ، وكيف بهم يقولون أن لا إرث لها ، فعلى عَمدٍ تركوا كتاب الله ونبذوه وراء ظهورهم ، إذ يقول( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) إلى غيرها من عشرات المقاطع في هذه الخطبة التي تحمل بين جنباتها أعلى معاني الاحتجاج والتنظير.
إذا القوم كانوا يتصورون إمكان إطلاق لفظ الصدّيقية جزافاً على الأفراد ، أو إمكان إبدالها بأحاديث أُخرى مشابهة تخدم مصالحهم ، لكنّ البحث والتحقيق أوضحا لنا حقائق غير ما كانوا يرجونه.
فقد روى المدائني في كتاب الأحداث أن معاوية بن أبي سفيان أمر بوضع الحديث في فضائل عثمان ، ولما كثر الحديث في عثمان وفشا ، كتب إليهم :
فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين ، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا |
_______________________________________
1. البقرة : 124.
2. السجدة : 24.
3. الاحتجاج 1 : 137 ، وانظر شرح النهج 16 : 251 ، وكشف الغمة 2 : 112.
وتأتوني بمناقض له في الصحابة ، فإن هذا أحب إليّ وأقرّ لعيني وأدحض لحجّةِ أبي تراب وشيعته ، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. فقرئت كتبه على الناس ، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها ، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتى أشادوا بذكر ذلك على المنابر ، وألقى إلى معلمي الكتاتيب ، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلّموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله ).(1) |
وكان مما رووه في أبي بكر أنه كان يلقب بالصدّيق في الجاهلية ،(2) وذلك تنظيراً بما كان لرسول اللهصلىاللهعليهوآله من أنّه كان يعرف في الجاهلية بالصادق الأمين.
كما وضعوا أنه المعني بقوله تعالى :( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) ، قال عطاء : الذي جاء بالصدق محمد ، فأفاض من بركات أنوار صدقه على أبي بكر ، فسمي صدّيقاً ،(3) أو أنّه سبحانه سمّى أبا بكر صدّيقاً في تنزيله فقال : والذي جاء بالصدق وصدّق به.(4)
ووضعوا على لسان عليعليهالسلام أنه كان يحلف باللهأن الله تعالى أنزل اسم أبي بكر من السماء : الصدّيق.(5)
كما اختلقوا على عليٍّعليهالسلام أنّه سُئل عن أصحاب رسول الله ، فقالوا له : أخبرنا عن أبي بكر بن أبي قحافة ، قال : ذاك امرؤ سماه الله الصدّيق على لسان جبرائيل
_______________________________________
1. شرح نهج البلاغة 11 : 44.
2. سمط النجوم العوالي 2 : 412.
3. تفسير السّلمي 2 : 199.
4. الأحاديث المختارة 3 : 12 ، تاريخ دمشق 30 : 438.
5. تاريخ دمشق 30 : 75 ، أُسد الغابة 3 : 216.
وعلى لسان محمد ، كان خليفة رسول الله ، رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا.(1)
بل راحوا يؤيّدون التربيع الأموي العباسي ، فقالوا : خطب الإمام علي وقال في آخر خطبته : واعلموا أن خير الناس بعد نبيهم أبو بكر الصدّيق ، ثمّ عمر الفاروق ، ثمّ عثمان ذو النورين ، ثم أنا ، وقد رميت بها في رقابكم وراء ظهوركم فلا حجة لكم علي.(2)
وعن علي : جاء جبرائيل إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال له : من يهاجر معي؟ فقال : أبو بكر وهو الصدّيق(3) وفي آخر : أتاني جبرائيل فقلت : من يهاجر معي؟ قال أبو بكر ، ويَلي أُمّتك من بعدك ، وهو أفضل أُمتك من بعدك.(4)
وعن علي : ينادي مناد يوم القيامة : أين السابقون الأولون؟ فيقال : من؟ فيقول : أين أبو بكر؟ فيتجلى الله لأبي بكر خاصة وللناس عامة.(5)
وعن عليٍّ مرفوعاً : ما طلعت شمس ولا غربت على أحدٍ بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر.(6)
_______________________________________
1. تاريخ الخلفاء 1 : 30 ، اعتقاد أهل السنة 7 : 1295 ، تهذيب الأسماء 2 : 479 ، كنز العمال 3 : 101 / 36698.
2. الرياض النضرة 1 : 381 ، 260 ، الغدير 8 : 38.
3. مستدرك الحاكم 3 : 5 ، قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، تاريخ دمشق 30 : 73 ، كنز العمال 16 : 667 / 46292 ، الكامل لابن عدي 6 : 289.
4. الفردوس بمأثور الخطاب 1 : 404 / 1631 ، كنز العمال 11 : 551 / 325 ، عنه ، الغدير 5 : 355 ، عن كنز العمال.
5. رؤية الله للدارقطني 1 : 70 / 57 ، الرياض النضرة 2 : 75 ، سمط النجوم العوالي 2 : 443 / 74 ، تفسير الرازي 12 : 21 ، اللآلىء المصنوعة 1 : 264 ، وللحديث صيغ مختلفة بمعنى واحد ، هذا وقد ضعف الحديث جداً ونسب راويه إلى الوضع ، لاحظ كشف الحثيث 1 : 185 / 227 ، 585 ، المجروحين 2 : 115 ، المغني في الضعفاء 2 : 575 ، 765 ، ميزان الاعتدال 5 : 148 ، 131 ، 7 : 311 ، الموضوعات 1 : 225 ـ 227 وغيرها من كتب الضعفاء والمجروحين.
6. أنساب السمعاني 2 : 51 ، تاريخ بغداد 12 : 433 ، تاريخ دمشق 30 : 208 ، كنز العمال 11 : 557 /
وعن علي مرفوعاً : يا أبا بكر ، إنّ الله أعطاني ثواب من آمن به منذ يوم خلق آدم إلى أن تقوم الساعة ، وإن الله أعطاك ثواب من آمن بي منذ يوم بعثني إلى أن تقوم الساعة.(1)
وعن رجل عن علي : إن رسول الله لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في الإمارة ، ولكنه شيءٌ رأيناه من قِبَل أنفسنا ، فإن يكن صواباً فمن الله ، وإن يكن خطأ فمن قبل أنفسنا ، ثمّ استخلف أبو بكر فأقام واستقام ، ثمّ استخلف عمر فأقام واستقام ، حتى ضرب الدين بجرانه.(2)
وقال أبو بكر لعلي بن أبي طالب : قد علمت أني كنت في هذا الأمر قبلك؟ قال : صدقتَ يا خليفة رسول الله! فمد يده فبايعه.(3)
وعن علي : ما مات رسول الله حتى عرّفنا أن أفضلنا بعد رسول الله أبو بكر ، وما مات رسول الله حتى عرفنا أن أفضلنا بعد أبي بكر عمر رضي الله تعالى عـنهما.(4)
وعن علي مرفوعاً : يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين إلّا النبيين والمرسلين ، لا تخبرهما يا علي ، قال : فما أخبَرتهما حتى ماتا.(5)
_______________________________________
32622 ، والجميع عن أبي الدرداء وروى في الغدير 7 : 112 عن العلامة الحرفيش في كتابه الروض الفائق : 388 مرفوعاً عن علي.
1. فضائل أحمد 1 : 434 ، الفردوس بمأثور الخطاب 5 : 306 / 8270 ، الرياض النضرة 2 : 121 ، سمط النجوم العوالي 2 : 441 / 69 ، تاريخ بغداد 5 : 10 / 2309 ، تاريخ دمشق 30 : 118.
2. السنة لعبداللهبن أحمد 2 : 269 ، علل الدارقطني 4 : 87 ، الرياض النضرة 2 : 198 ، وانظر مسند أحمد 1 : 114 ، السنة لعمرو بن أبي عاصم : 561.
3. الغدير 8 : 40 / 60.
4. السنة لعمرو بن عاصم : 555 / 1200 ، تاريخ دمشق 30 : 375 ، سبل الهدى والرشاد 11 : 247.
5. مسند أحمد 1 : 80 ، مصنف بن أبي شيبة 7 : 473 ، المعجم الأوسط 4 : 359 ، تاريخ بغداد 7 : 121 ، تاريخ دمشق 30 : 166 ، 168 ، 169 ، 170 ، أُسد الغابة 4 : 63 ، الإمامة والسياسة 1 : 10.
وضعوا هذه الأحاديث على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام ، محاولين إخفاء مطالبة عليعليهالسلام بحقه بالخلافة ، واحتجاجاته واعتراضاته ، وعدم مبايعته للقوم لمدة ستة أشهر أو أكثر ، جاهدين في طمس معالم مؤامرة السقيفة ونزاعاتها ، وتركهم دفن النبي ، والانسلال من جيش أُسامة ، وتنصيب أبي بكر لعمر ، ومؤامرة الشورى ، ومريدين التعتيم على شكاوى أمير المؤمنين وخطبه وكلماته في أيام خلافته المباركة كالخطبة الشقشقية وغيرها من مباثّه الدالة على ظلم القوم له. أرادوا طمس كل تلك الحقائق من خلال موضوعات أموية ومختلقات سلطوية لا تريد أن يظهر الحقّ كما هو.
ومن المضحكات المبكيات ، أنّهم حالوا التعتيم على شجاعة أمير المؤمنين التي هي مضرب المثل ، والتي تحتشد وراءها أرقام تاريخية دامغة من أبطال قتلاه وأعداد الفارّين منه الكاشفين سوءاتهم ، حاولوا التعتيم على كلّ ذلك ونسبة الشجاعة المطلقة لأبي بكر الذي لم نسمع حتى بقتيل واحد له في وقائع الإسلام ، فقالوا :
عن علي أنه قال : أخبروني بأشجع الناس؟ فقالوا : أنت.
قال : أما إنّي ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه ، ولكن أخبروني بأشجع الناس قالوا : لا نعلم ، فمن؟
قال : أبو بكر ، إنّه لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله عريشاً فقلنا : من يكون مع رسول اللهصلىاللهعليهوآله لئلا يهوي إليه أحد من المشركين ، فواللهما دنا أحد إلّا أبو بكر شاهراً بالسيف على رأس رسول الله لا يهوي إليه أحد إلّا أهوى عليه ، فهو أشجع الناس الحديث ،(1) إلى غيرها من عشرات الأخبار عن علي وغيره في أبي بكر.
_______________________________________
1. مسند البزار 3 : 15 / 761 ، سيرة ابن كثير 2 : 410 ، فتح الباري 7 : 129.
بهذه الأخبار المفتعلة أرادوا إثبات الصدّيقية والشجاعة والأولوية في الحكم والخلافة لأبي بكر ، وأنت تراها جميعاً وردت قبالاً لما جاء عن رسول الله في علي بن أبي طالب.
فقد قالوا : بأنه لُقّبَ بالصدّيق في الجاهلية ، والرسالةُ لم تنزل بعد على (محمّد بن عبدالله) الصادق الأمينصلىاللهعليهوآله ، ونقلوا عن رسول الله قوله في أبي بكر : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ، قبالاً لأحاديث مؤاخاة رسول الله لعلي الثابتة عند الفريقين.(1)
ولا أدري لو صح خبر الخلّة فلماذا لا يؤاخيه معه رسول الله بل آخاه مع عمر بن الخطاب؟!!(2)
ألم تكن المؤاخاة ضمّ الشي إلى نفسه؟
ومن تلك الموضوعات روايتهم حديث : لو أُتي بأبي بكر فوضع في كفّة وجيء بجميع أُمتي فوضعوا في كفّة رجح أبو بكر ،(3) قبالاً لما ثبت عن رسول الله من قوله في علي : لمبارزة علي يوم الخندق أفضل من أعمال أُمتي إلى يوم القيامة.(4)
_______________________________________
1. صحيح البخاري 1 : 119 ـ 120 / كتاب الصلاة باب الخوضة والممر في المسجد ، و 4 : 190 / كتاب بدء الخلق / باب قول النبي سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر ، صحيح مسلم 2 : 68 / باب فضل بناء المسجد والحث عليها ، 7 : 108 / كتاب فضائل الصحابة / باب من فضائل أبي بكر ، سنن ابن ماجة 1 : 36 / 93 ، سنن الترمذي 5 : 270 / 3740.
2. المستدرك للحاكم 3 : 14 ، الآحاد والمثاني 5 : 171 / 2707 ، طبقات ابن سعد 2 : 272 / 174 ، سيرة ابن هشام 4 : 986.
3. مسند أحمد 5 : 259 ، مجمع الزوائد 9 : 58 ، المعجم الكبير 8 : 214 ، الموضوعات 2 : 14 ، اللآلي المصنوعة 1 : 378 ، وقالا : لا يصح. وانظر مصادر الحديث في الغدير 7 : 285 / الباب 14 ، أبو بكر في كفة الميزان. ومن لطائف الحديث أنّهم حدّثوا البهلول بهذا الحديث ، فقال : إن صحّ هذا الحديث فالخلل في الميزان.
4. انظر مستدرك الحاكم 3 : 32 ، تاريخ بغداد 13 : 19 ، تاريخ دمشق 5 : 333 ، مناقب الخوارزمي : 107 / 112 ، شواهد التنزيل 2 : 14 ، الطرائف : 514.
وقبالاً لحديث رد الشمس لعلي ،(1) قالوا : إن الشمس توسلت بأبي بكر) ،(2) وكما أن الثابت هو أنّ اسم علي مكتوب على ساق العرش ،(3) قالوا إن اسم أبي بكر مكتوب عليه كذلك.(4)
وجاءوا أمام حديث الطائر المشوي ،(5) بخبر الكبد المشوي لأبي بكر ،(6) إلى غيرها من عشرات الروايات والأخبار الموضوعة.
وفي نهاية المطاف نكون قد وقفنا على من هو الصادق ومن هو الكاذب في قضية فدك وميراث رسول الله ، وذلك من خلال مجريات الأحداث في عهد رسول الله ثمّ من بعده ، مبتنية على المواقف والنصوص لا على الأقوال والمدّعيات ، كما اتضحت لنا بعض معايير الصدّيقية ، وأنها لا تتطابق مع أبي بكر بن أبي قحافة ، كل ذلك بعد أن وقفنا على سيرته.
وعليه فالصدّيقية متّفقة مع عليّ والزهراء وأولادهم المعصومين ، لا مع غيرهم ، وآخر دعوانا أن الحمد للهرب العالمين.
*
_______________________________________
1. قد مر تخرجيه ، وقد أورد السيوطي في اللآلي المصنوعة 1 : 308ـ312 ، طرقه بأسانيد كثيرة وصحيحة بما لا مزيد عليه ، وانظر الغدير 3 : 127.
2. الرواية كاملة في الغدير 7 : 288 عن نزهة المجالس 2 : 184.
3. المعجم الكبير 22 : 200 ، نظم درر السمطين : 120 ، كنز العمال 11 : 624 / 33040 ، شواهد التنزيل 1 : 293 / 300 ، 298 / 304 ، تاريخ بغداد 11 : 173 ، تاريخ دمشق 16 : 456.
4. تاريخ دمشق 37 : 344 ، 44 : 50 ، ميزان الاعتدال 3 : 117 / 5800 ، الكامل في الضعفاء لابن عدي 5 : 33.
5. سنن الترمذي 5 : 300 / 3805 ، مستدرك الحاكم 3 : 130ـ131 ، المعجم الكبير 1 : 253 ، 7 : 82 ، 10 : 282 ، معرفة علوم الحديث 6 ، مسند أبي حنيفة : 234 ، نظم درر السمطين : 101.
6. الرياض النضرة 2 : 135 / 10 ، مرآة الجنان 1 : 68 / أحاديث السنة الثالثة عشرة.
ثبت المراجع
بعد القرآن الكريم
1 ـ الآحاد والمثاني / 6 مجلدات.
للضحاك الشيباني ، أبي بكر ، أحمد بن عمرو بن الضحاك ت (287). تحقيق : فيصل أحمد الجوابرة. الطبعة الأُولى ، دار الدرايةـ الرياض. 1411 هـ.ـ 1991 م.
2 ـ الأحاديث المختارة / 10 مجلدات.
للمقدسي الحنبلي ، أبي عبدالله، محمد بن عبدالواحد بن أحمد ، ت (643) ، تحقيق : عبدالملك بن عبداللهبن دهيش. الطبعة الأُولى ، مكتبة النهضة الحديثةـمكة المكرمة. 1410 هـ.
3 ـ الاحتجاج / مجلدين.
للطبرسي ، أبي منصور ، أحمد بن علي بن أبي طالب ت(548)تحقيق : السيد محمدباقر الخرسان. دار النعمان ـ النجف 1386 هـ.ـ 199 م.
4 ـ أحكام القرآن / 3 مجلدات.
للجصاص ، أبي بكر ، أحمد بن علي الرازي ، ت(370). تحقيق : عبدالسلام محمد علي شاهين ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415 هـ.
5 ـ إحياء علوم الدين / 4 مجلدات.
للغزالي ، أبي حامد ، محمد بن محمد ، ت(505). دار المعرفة ـ بيروت.
6 ـ الاختصاص.
للشيخ المفيد ، أبي عبدالله، محمد بن محمد بن النعمان ، العكبري ، البغدادي ، ت (413). تحقيق علي أكبر الغفاري والسيد محمود الزرندي ، جماعة المدرسين ـ قم.
7 ـ الإرشاد / مجلدين.
للشيخ المفيد ، أبي عبدالله، محمد بن محمد بن النعمان العكبري ، البغدادي ، ت(413). تحقيق : مؤسسة آل البيتعليهمالسلام ، نشر : دار المفيد ـ قم.
8 ـ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري / 10 مجلدات.
للقسطلاني ، أبي العباس ، أحمد بن محمد ، ت(923). دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
9 ـ الاستبصار / 4 مجلدات.
للشيخ الطوسي ، أبي جعفر ، محمد بن الحسن ، ت(460). تحقيق : السيد حسن الموسوي الخرسان ، والشيخ علي الآخوندي. الطبعة الرابعة ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران 1984 م.
10 ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب / 4 مجلدات.
لابن عبدالبر ، أبي عمر ، يوسف بن عبداللهبن محمد النمري ، القرطبي ، ت(463). تحقيق : علي محمد البجاوي ، دار الجيل ـ بيروت 1412.
11 ـ أُسد الغابة / 5 مجلدات.
لابن الأثير ، أبي الحسن ، علي بن أبي الكرم. نشر دار إسماعيليان ـ طهران.
12 ـ الإصابة في تمييز الصحابة / 8 مجلدات.
لابن حجر ، أحمد بن علي العسقلاني ، ت (852). تحقيق : الشيخ عادل أحمد عبدالموجود ، الشيخ علي محمد معوض ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـبيروت 1415 هـ. 1995 م.
13 ـ اعتقاد أهل السنّة / 4 مجلدات.
للالكائي ، أبي القاسم ، هبة الله بن الحسن بن منصور ، ت (418). تحقيق : أحمد سعد حمدان ، دار طيبة ـ الرياض 1402 هـ.
14 ـ الإفصاح.
للشيخ المفيد ، أبي عبدالله، محمد بن محمد بن النعمان ، العكبري ، البغدادي ،
ت(413). تحقيق ونشر : مؤسسة البعثةـقم 1412 هـ.
15 ـ إقبال الأعمال / 3 مجلدات.
لابن طاووس ، السيد رضي الدين ، علي بن موسى بن جعفر ، ت (664). تحقيق : جواد القيومي الأصفهاني ، الطبعة الأُولى ، مكتب الإعلام الإسلامي ـ قم 1414 هـ.
16 ـ الإمامة والتبصرة من الحيرة.
لابن بابويه القمي ، أبي الحسن ، علي بن الحسين بن موسى ، ت (329). تحقيق ونشر : مدرسة الإمام المهدي (عج) ـ قم.
17 ـ الأمالي.
للشيخ الطوسي ، أبي جعفر ، محمد بن الحسن ، ت (460). تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، الطبعة الأُولى ، دار الثقافة ـ قم 1414 هـ.
18 ـ الأمالي.
للشيخ المفيد ، أبي عبدالله، محمد بن محمد بن النعمان ، العكبري البغدادي ، ت(413). تحقيق : الحسين أستاد ولي ، علي أكبر غفاري ، جماعة المدرسين ـ قم.
19 ـ الأمالي.
للشيخ الصدوق ، أبي جعفر ، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ، ت (318). تحقيق : قسم الدراسات الإسلامية ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة البعثة ـ قم 1417 هـ.
20 ـ الإمامة والسياسة / 4 مجلدات.
لابن قتيبة الدينوري ، أبي محمد ، عبداللهبن مسلم ، ت(276). تحقيق : طه محمد الزيني ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الحلبي وشركاؤه ـ القاهرة 1413 هـ.
21 ـ أنساب الأشراف.
للبلاذري ، أحمد بن يحيى بن جابر ، من أعلام القرن الثالث الهجري. تحقيق : الشيخ محمدباقر المحمودي ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1394 هـ. 1974 م.
22 ـ الأنساب / 5 مجلدات.
للسمعاني ، أبي سعد ، عبدالكريم بن محمد بن منصور ، ت(562). تحقيق : عبداللهعمر البارودي.
23 ـ بحار الأنوار / 110 مجلدات.
للمجلسي ، محمد باقر ، ت (1111 هـ.) الطبعة الثانية المصححة ، مؤسسة الوفاءـ بيروت 1403 هـ. 1983 م.
24 ـ البداية والنهاية / 14 مجلداً.
لابن كثير ، أبي الفداء ، إسماعيل بن كثير الدمشقي ، ت(774). تحقيق : علي شيري الطبعة الأُولى ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1408 هـ.
25 ـ بشارة المصطفى.
للطبري ، أبي جعفر بن أبي القاسم ، من علماء الإمامية في القرن السادس. تحقيق : جواد القيومي الاصفهاني ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1420 هـ.
26 ـ بصائر الدرجات.
للصفار ، محمد بن الحسن بن فروخ ، ت(290)مؤسسة الأعلمي ـ طهران 1404 هـ.
27 ـ بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث.
للهيثمي ، علي بن أبي بكر ، ت(807). تحقيق : مسعد عبدالحميد محمد السعدني ، نشر دار الطلائع ـ بيروت.
28 ـ بلاغات النساء.
لابن طيفور ، أبي الفضل بن أبي طاهر ، ت(380). نشر : مكتبة بصيرتي ـ قم.
29 ـ تاريخ ابن معين (برواية الدوري) / مجلدين.
ليحيى بن معين المري الغطفاني ، ت(233).راويه : الدوري ، أبي الفضل ، العباس بن محمد البغدادي ، ت(271). تحقيق : عبداللهأحمد حسن ، دار القلم ـ بيروت.
30 ـ تاريخ بغداد أو مدينة السلام / 14 مجلداً.
للخطيب البغدادي ، أبي بكر ، أحمد بن علي ، ت (463). تحقيق : مصطفى عبدالقادر عطا ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1417 هـ.
31 ـ تاريخ دمشق / 70 مجلداً.
لابن عساكر ، أبي القاسم ، علي بن الحسن بن نعمة الله ، الشافعي ، ت (571). تحقيق : أبي سعيد عمر بن غرامة العمري ، الطبعة الأُولى ، دار الفكر ـ بيروت 1995 م.
32 ـ تاريخ الحديث النبوي الشريف.
لمؤلف هذا الكتاب. طبعة : دار الغدير ـ قم.
33 ـ تاريخ الخلفاء.
للسيوطي ، جلال الدين ، عبدالرحمن بن أبي بكر ، ت (911). تحقيق : محمد محي الدين عبدالحميد. الطبعة الأُولى ، مطبعة السعادة ـ مصر 1371 هـ. 1952 م.
34 ـ تاريخ الطبري = تاريخ الأُمم والملوك / 8 مجلدات.
للطبري ، أبي جعفر ، محمد بن جرير ، ت (310). تحقيق : نخبة من العلماء ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.
35 ـ التاريخ الكبير / 9 مجلدات.
للبخاري ، أبي عبدالله، إسماعيل بن إبراهيم الجعفي ، ت (256). تحقيق : هاشم الندوي ، الطبعة الأُولى ، دار الفكر ـ بيروت.
36 ـ تاريخ المدينة وأخبار المدينة المنورة / 4 مجلدات.
لابن شبة ، أبي زيد ، عمر بن شبة النميري البصري. تحقيق : فهيم محمد شلتوت ، دار الفكر ـ قم 1410 هـ.
37 ـ تاريخ اليعقوبي / مجلدين.
لأحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن وهب بن واضح ، ت (284). نشر : دار صادرـ بيروت.
38 ـ تالي تلخيص المتشابه / مجلدين.
للخطيب البغدادي ، أبي بكر ، أحمد بن علي ، ت (463). تحقيق : مشهور بن حسن آل سلمان ، أحمد الشقيرات ، الطبعة الأُولى ، دار الصميعيـ الرياض 1417 هـ.
39 ـ تأويل الآيات في فضائل العترة الطاهرة / مجلدين.
للسيد علي الحسيني الأسترآبادي النجفي ، ت (965). تحقيق : مدرسة الإمام المهدي (عج) ، الطبعة الأُولى ، مكتبة أمير ـ قم 1407 هـ.
40 ـ تحف العقول عن آل الرسول صلىاللهعليهوآله .
لابن شعبة الحراني ، أبي محمد ، الحسن بن علي بن الحسين ، من أعلام القرن الرابع. تحقيق : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الثانية ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1404 هـ.
41 ـ تذكرة الحفاظ / 4 مجلدات.
للذهبي ، أبي عبدالله، محمد بن أحمد بن عثمان ، ت (748). الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
42 ـ ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق.
لابن عساكر ، أبي القاسم ، علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي ، ت (517). تحقيق : الشيخ محمدباقر المحمودي ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة المحمودي للطباعة والنشرـ بيروت 1400 هـ. 1980 م.
43 ـ التعجب .
للكراجكي ، أبي الفتح ، محمد بن علي ، ت (449). الطبعة الثانية ، مكتبة مصطفويـ قم 1410 هـ.
44 ـ تعليق التعليق على صحيح البخاري / 5 مجلدات.
لابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي بن محمد ، ت (852). تحقيق : سعيد عبدالرحمن موسى القزقي ، الطبعة الأُولى ، المكتب الإسلامي ، دار عمار ـ بيروت ـ عمان 1405 هـ.
45 ـ تفسير ابن كثير = تفسير القرآن العظيم.
لابن كثير ، أبي الفداء ، إسماعيل بن كثير الدمشقي ، ت (774). تحقيق : يوسف عبدالرحمن المرعشي ، الطبعة الأُولى ، دار المعرفة ـ بيروت 1412 هـ.
46 ـ تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم / 9 مجلدات.
لأبي السعود ، محمد بن محمد العمادي، ت (982). دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
47 ـ تفسير البحر المحيط / 8 مجلدات.
لأبي حيان الأندلسي ، محمد بن يوسف ، ت (654). تحقيق : الشيخ عادل عبدالموجود ، الشيخ علي محمد معوض ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـبيروت 1422 هـ. 2001 م.
48 ـ تفسير البغوي = معالم التنزيل في التفسير / 4 مجلدات.
لأبي محمد ، حسين بن مسعود الفراء البغوي الشافعي، ت (516). تحقيق : خالد عبدالرحمن العك ، دار المعرفة ـ بيروت.
49 ـ تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن / 5 مجلدات.
للثعالبي ، أبي زيد ، عبدالرحمن بن محمد بن مخلوف المالكي ، ت (875). تحقيق : الدكتور عبدالفتاح أبو سنة ، الشيخ علي محمد معوضـالشيخ عادل أحمد عبد الموجود ، الطبعة الأُولى ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1418 هـ.
50 ـ تفسير الدر المنثور / 6 مجلدات.
للسيوطي ، جلال الدين ، عبدالرحمن بن أبي بكر، ت (911). الطبعة الأُولى ، دار المعرفة ـ جدة 1365 هـ.
51 ـ تفسير السلمي = حقائق التفسير / مجلدين.
لأبي عبدالرحمن ، محمد بن الحسين بن موسى الأزدي السلمي ، ت (412). تحقيق : سيد عمران ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1421 هـ. 2001 م.
52 ـ تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آيي القرآن / 30 مجلدا.
للطبري ، أبي جعفر ، محمد بن جرير ، ت (310). تحقيق : الشيخ خليل الميس ، صدقي جميل العطار ، الطبعة الأُولى ، دار الفكر ـ بيروت 1415 هـ.
53 ـ تفسير فرات الكوفي.
لأبي القاسم ، فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي ، ت (352). تحقيق : محمد كاظم ، الطبعة الأُولى ، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ طهران 1410 هـ. 1990 م.
54 ـ تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن / 20 مجلداً.
لأبي عبدالله، محمد بن أحمد الأنصاري ، القرطبي، ت (671). الطبعة الأُولى ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1405 هـ. 1985 م.
55 ـ تفسير القمي / مجلدين.
لأبي الحسن ، علي بن إبراهيم القمي ، ت (329). تحقيق : السيد طيب الجزائري ، الطبعة الثالثة ، دار الكتاب ـ قم 1404 هـ.
56 ـ التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب / 32 مجلداً.
للفخر الرازي ، محمد بن عمر التميمي الشافعي ، ت (606). الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1421 هـ. 2000 م.
57 ـ تفسير الكشاف عن حقائقالتنزيل وعيون الأقاويل في وجوهالتأويل / 4 مجلدات.
للزمخشري ، محمود بن عمر الخوارزمي ، ت (467). تحقيق : عبدالرزاق المهدي ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
58 ـ تفسير النيسابوري ـ تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان / 6 مجلدات.
للنيسابوري ، القمي ، الحسن بن محمد بن حسين ، ت (728). تحقيق : الشيخ زكريا عميران ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1416 هـ. 1996 م.
59 ـ تلخيص الحبير في تخريج الرافعي الكبير / 12 مجلداً.
لابن حجر العسقلاني ، أبي الفضل ، أحمد بن علي، ت (852). دار الفكرـ بيروت.
60 ـ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد / 24 مجلداً.
لابن عبدالبر ، أبي عمر ، يوسف بن عبداللهبن عبدالبر ، النمري ، ت (463). تحقيق : مصطفى بن أحمد العلويـمحمد عبدالكبير البكري ، نشر : وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلاميةـالمغرب 1387 هـ.
61 ـ توجيه النظر إلى أصول الأثر / مجلدين.
للجزائري ، طاهر بن صالح بن أحمد الجزائري ، ثم الدمشقي ، ت (1338). تحقيق : عبدالفتاح أبو غدة ، الطبعة الأُولى ، مكتبة المطبوعات الإسلاميةـحلب 1416 هـ. 1995 م.
62 ـ تهذيب الأسماء.
للنووي ، محي الدين بن شرف ، ت (676). تحقيق : مكتب البحوث والدراسات ،الطبعة الأُولى ، دار الفكر ـ بيروت 1996 م.
63 ـ التهذيب = تهذيب الأحكام في شرح المقنعة للمفيد / 10 مجلدات.
للشيخ الطوسي ، أبي جعفر ، محمد بن الحسن ، ت(460). تحقيق : السيد حسن الخرسان ، الشيخ محمد الآخوندي ، الطبعة الرابعة ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران 1986 م.
64 ـ تهذيب الكمال / 35 مجلداً.
للمزي ، يوسف بن الزكي عبدالرحمن ، ت(742). تحقيق : الدكتور بشار عواد معروف ، الطبعة الرابعة ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1406 هـ.
65 ـ ثقات ابن حبان / 9 مجلدات.
لأبي حاتم ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي البستي ، ت(354). تحقيق : الدكتور عبد المعيد خان مدير دائرة المعارف العثمانية ، الطبعة الأولى ، مجلس دائرة المعارف العثمانيةـحيدر آباد ـ الدكن ـ الهند 1393 هـ. 1973 م.
66 ـ الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير / مجلدين.
للسيوطي ، جلال الدين ، عبدالرحمن بن أبي بكر ، ت(911). الطبعة الأولى ، دار الفكر ـ بيروت 1401 هـ.
67 ـ الجرح والتعديل / 9 مجلدات.
للرازي ، أبي محمد ، عبدالرحمن بن أبي حاتم ، ت(327). الطبعة الأولى ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1371 هـ.
68 ـ الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم / 4 مجلدات.
للحميدي ، محمد بن فتوح ، ت(488). تحقيق : الدكتور علي حسين البواب ، الطبعة الثانية ، دار ابن حزم ـ بيروت 1423 هـ. 2002 م.
69 ـ جواهر المطالب في مناقب الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام / مجلدين.
لابن الدمشقي ، محمد بن أحمد الباعوني الشافعي ، ت(871). تحقيق : الشيخ محمد باقر المحمودي ، الطبعة الأُولى ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ قم 1415 هـ.
70 ـ جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة / 4 مجلدات.
لأحمد زكي صفوت. دار المطبوعات العربية ـ القاهرة.
71 ـ جمهرة خطب العرب / 3 مجلدات.
لأحمد زكي صفوت ، المكتبة العلمية ، بيروت.
72 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء / 10 مجلدات.
للأصبهاني ، أبي نعيم ، أحمد بن عبدالله، ت(430). الطبعة الرابعة ، دار الكتاب العربيـ بيروت 1405 هـ.
73 ـ الخرائج والجرائح / 3 مجلدات.
للراوندي ، قطب الدين ، أبي الحسين ، سعيد بن هبة الله ، ت(573). مؤسسة
الإمام المهدي (عج) ـ قم.
74 ـ خصائص الأئمة.
للشريف الرضي ، أبي الحسن ، محمد بن الحسين بن موسى الموسوي البغدادي ، ت (406). تحقيق : محمد هادي الأميني ، الطبعة الأُولى / مجمع البحوث الإسلامية ، الآستانة الرضوية المقدسة ـ مشهد 1406 هـ.
75 ـ خصائص أمير المؤمنين.
للنسائي ، أبي عبدالرحمن ، أحمد بن شعيب الشافعي ، ت(303). تحقيق : محمد هادي الأميني ، نشر مكتبة نينوى الحديثة.
76 ـ الخصال.
للشيخ الصدوق ، أبي جعفر ، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، ت(381). تحقيق : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الثانية ، جماعة المدرسين ـ قم 1403 هـ.
77 ـ خصائص السيوطي = الخصائص الكبرى / مجلدين.
للسيوطي ، أبي الفضل ، عبدالرحمن بن أبي بكر ، ت(911). دار الكتب العلميةـ بيروت 1405 هـ. 1985 م.
78 ـ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى.
لمحب الدين الطبري ، أحمد بن عبدالله، ت(694). دار الكتب المصرية ـ مصر 1356 هـ.
79 ـ ذكر أخبار أصبهان = أخبار أصبهان / مجلدين.
للأصبهاني ، أبي نعيم ، أحمد بن عبدالله، ت(430). طبعة ليدن ـ بريل 1934 م.
80 ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني / 30 مجلداً.
للآلوسي ، أبي الفضل ، شهاب الدين السيد محمود الآلوسي ، البغدادي ، ت (1270). دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
81 ـ روضة الواعظين.
للفتال النيسابوري ، محمد بن الفتال الشهيد في سنة(508). تحقيق : السيد محمد مهدي حسن الخرسان ، الطبعة الأُولى ، منشورات الرضي ـ قم.
82 ـ رؤية الله.
للدارقطني ، علي بن عمر بن أحمد ، ت(385). تحقيق : مبروك إسماعيل مبروك ، مكتبة القرآن ـ القاهرة.
83 ـ الرياض النضرة في مناقب العشرة / مجلدين.
للطبري ، أبي جعفر ، أحمد بن عبداللهبن محمد ، ت(694). تحقيق : عيسى عبدالله محمد مانع الحميري ، الطبعة الأُولى ، دار القرب الإسلامي ـ بيروت 1996 م.
84 ـ زاد المسير في علم التفسير / 8 مجلدات.
لابن الجوزي ، أبي الفرج ، جمال الدين ، عبدالرحمن بن علي بن محمد الجوزي ، القرشي ، البغدادي ، ت(597). تحقيق : محمد بن عبدالرحمن عبدالله، الطبعة الأُولى ، دار الفكر ـ بيروت 1407 هـ.
85 ـ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد / 12 مجلداً.
للصالحي الشامي ، محمد بن يوسف ت(942). تحقيق : عادل أحمد عبدالموجود ، الشيخ علي محمد معوض ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـبيروت 1414 هـ. 1993 م.
86 ـ السقيفة وفدك.
للجوهري ، أبي بكر ، أحمد بن عبدالعزيز ، البصري ، البغدادي ، ت(323). تحقيق : الدكتور محمد هادي الأميني الطبعة الثانية ، شركة الكتبي ـ بيروت 1413 هـ. 1993 م.
87 ـ سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي / 4 مجلدات.
للعاصمي ، عبد الملك بن حسين بن عبد الله الشافعي المكي ، ت (1111). تحقيق : عادل أحمد عبدالموجود ، علي محمد معوض ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـ بيروت 1419 هـ. 1998 م.
88 ـ سنن ابن ماجة / مجلدين.
لمحمد بن يزيد القزويني ، ت(275). تحقيق : محمد فؤاد عبدالباقي ، دار الفكر ـ بيروت.
89 ـ سنن الترمذي / 5 مجلدات.
لأبي عيسى ، محمد بن عيسى بن سورة ، الترمذي ، ت(279). تحقيق : عبدالوهاب عبداللطيف ، دار الفكر ـ بيروت 1403 هـ.
90 ـ سنن الدارقطني / 4 مجلدات.
للدارقطني ، علي بن عمر ، ت(385). تحقيق : مجدي بن منصور بن سيد الشورى ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1417 هـ. 1996 م.
91 ـ السنن الكبرى للبيهقي / 10 مجلدات.
للبيهقي ، احمد بن الحسين بن علي ت(458). دار الكفر ـ بيروت.
92 ـ السنن الكبرى للنسائي / 6 مجلدات.
للنسائي ، أبي عبدالرحمن ، أحمد بن شعيب ، ت(303). تحقيق : الدكتور عبدالغفار سليمان البنداري ، وسيد حسن كروي ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـبيروت 1411 هـ. 1991م.
93 ـ سنن النسائي (المجتبى) / 8 مجلدات.
للنسائي ، أبي عبدالرحمن ، أحمد بن شعيب ، ت(303). الطبعة الأُولى ، دار الفكرـ بيروت 1348 هـ. 1930 م.
94 ـ السنّة لابن أبي عاصم.
لأبي بكر ، عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني ، ت(287). تحقيق : محمد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الثالثة ، المكتب الإسلامي ـ بيروت 1413 هـ. 1993 م.
95 ـ السيرة الحلبية / 3 مجلدات.
للحلبي ، علي بن برهان الدين ، ت (1044). الطبعة الأولى ، دار المعرفة ـ بيروت 1400 هـ.
96 ـ السيرة النبوية لابن هشام / 6 مجلدات.
لأبي محمد ، عبدالملك بن هشام الحميري ، المعافري ، ت(213). تحقيق : طه عبدالرؤوف سعد ، الطبعة الأولى ، دار الجيلـ بيروت 1411 هـ.
97 ـ السيرة النبوية لابن كثير / 4 مجلدات.
لأبي الفداء ، إسماعيل بن كثير ، ت(747). تحقيق : مصطفى عبدالواحد ، الطبعة الأُولى ، دار المعرفة ـ بيروت 1396 هـ.
98 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار / 3 مجلدات.
للقاضي النعمان ، المغربي ، أبي حنيفة ، النعمان بن محمد التميمي ت(363). تحقيق :
السيد محمد الحسيني الجلالي ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم.
99 ـ شرح نهج البلاغة / 20 مجلداً.
لابن أبي الحديد ، عبدالحميد بن هبة الله المدائني المعتزلي ، ت(655). تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، الطبعة الأولى ، دار إحياء الكتب العربية ـ القاهرة 1378 هـ. 1959م.
100 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل / مجلدين.
للحاكم الحسكاني ، عبيد الله بن أحمد ، ت (ق 5). تحقيق : الشيخ محمد باقر المحمودي ، الطبعة الأولى ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ قم 1411 هـ.
101 ـ صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان / 16 مجلداً.
لأبي حاتم البستي ، محمد بن حبان بن أحمد ، ت(354). علاء الدين ، علي بن بلبان الفارسي ، ت(739). تحقيق : شعيب الأرنؤوط ، الطبعة الثانية ، مؤسسة الرسالةـ بيروت 1414 هـ. 1993 م.
102 ـ صحيح البخاري / 8 مجلدات.
للبخاري ، أبي عبدالله، محمد بن إسماعيل ، الجعفي ، ت(256). الطبعة الأولى ، دار الفكر العربي بالاوفسيت عن طبعة دار الطباعة العامرة باستانبول 1401 هـ. 1981 م.
103 ـ صحيح مسلم / 8 مجلدات.
للقشيري ، أبي الحسين ، مسلم بن الحجاج النيسابوري ، ت(261). دار الفكر ـ بيروت.
104 ـ الصحيفة السجادية.
للإمام زين العابدين ، علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ت (94 هـ). جامعة المدرسين ـ قم.
105 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم / 3 مجلدات.
للبياضي ، أبي محمد ، علي بن يونس العاملي ، ت(877). تحقيق : محمد باقرالمحمودي ، الطبعة الأُولى ، المكتبة الرضوية بالاوفسيت عن المطبعة الحيدرية ـ النجف 1484 هـ.
106 ـ صفين.
للمقري ، نصر بن مزاحم ، ت(212). تحقيق : عبدالسلام محمد هارون الطبعة الثانية ، المؤسسة العربية الحديثة للطباعة والنشر 1382 هـ.
107 ـ الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة / مجلدين.
لابن حجر الهيثمي ، أبي العباس ، أحمد بن محمد بن علي ، ت(974). تحقيق عبدالرحمن بن عبداللهالزكي ، كامل محمد الخراط ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الرسالةـ بيروت 1417 هـ. 1997 م.
108 ـ الضعفاء الكبير = ضعفاء العقيلي / 4 مجلدات.
لأبي جعفر ، محمد بن عمرو بن موسى ، العقيلي ، المكي ، ت(322). تحقيق : الدكتور عبدالمعطي تلعجي ، الطبعة الثانية ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1418 هـ.
109 ـ طبقات ابن سعد = الطبقات الكبرى / 8 مجلدات.
لأبي عبدالله، محمد بن سعد بن منيع ، البصري ، الزهري ، ت(230). دار صادر ـ بيروت.
110 ـ الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف.
لابن طاووس ، أبي القاسم ، رضي الدين ، علي بن موسى الحلي ، ت(664). الطبعة الأُولى ، مطبعة الخيام ـ قم 1399 هـ.
111 ـ العمدة لابن البطريق = عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار.
لابن البطريق ، يحيى بن الحسن الأسدي الحلي ، ت(600). تحقيق : جامعة المدرسين ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1407 هـ.
112 ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري / 25 مجلداً.
للعيني ، بدر الدين محمود بن أحمد ، ت(855). دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
113 ـ علل الدارقطني = العلل الواردة في الأحاديث النبوية / 11 مجلداً.
للدارقطني ، أبي الحسن ، علي بن عمر بن أحمد ، ت(385). تحقيق : محفوظ الرحمن زين الله السلفي ، الطبعة الأُولى ، دار طيبة ـ الرياض 1405 هـ.
114 ـ علل الشرائع / مجلدين.
للشيخ الصدوق ، أبي جعفر ، محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ، ت (381). الطبعة الأُولى ، المكتبة الحديرية ـ النجف 1385 هـ. 1966 م.
115 ـ عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية / 4 مجلدات.
لابن أبي جمهور الإحسائي ، محمد بن علي بن إبراهيم ، ت(880). تحقيق : الشيخ
مجتبى العراقي ، الطبعة الأُولى ، سيد الشهداء ـ قم 1403 هـ. 1983 م.
116 ـ عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير / مجلدين.
لابن سيد الناس ، محمد بن عبداللهبن يحيى ، ت(734). طبعة جديدة مصححة ، مؤسسة عزالدين للطباعة والنشر ـ بيروت 1406 هـ. 1986 م.
117 ـ عيون أخبار الرضا / مجلدين.
للشيخ الصدوق ، أبي جعفر ، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، ت(381). تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1404 هـ.1984 م.
118 ـ عيون الحكم والمواعظ.
للواسطي ، أبي الحسن ، علي بن محمد الليثي (من أعلام الإمامية في القرن السادس). تحقيق : الشيخ حسين الحسني البيرجندي ، الطبعة الأُولى ، دار الحديث ـ قم 1376 هـ.
119 ـ عين العبرة في غبن العترة.
لابن طاووس ، جمال الدين ، السيد أحمد بن سعد الدين أبي إبراهيم ، ت(677). نشر دار الشهاب ـ قم.
120 ـ الغارات / مجلدين.
للثقفي ، أبي إسحاق ، إبراهيم بن محمد الكوفي ، ت(283). تحقيق : السيد جلال الدين المحدث ، دار بهمن للنشر ـ طهران.
121 ـ غايةالمرام وحجةالخصام في تعيينالإمام من طريقالخاص والعام / 7 مجلدات.
للسيد هاشم البحراني ، الموسوي ، التوبلي ، ت (1107). تحقيق : السيد علي عاشور ، بيروت ـ لبنان.
122 ـ الغدير في الكتاب والسنّة والأدب / 12 مجلداً.
للشيخ الأميني ، عبد الحسين أحمد ، ت (1293). الطبعة الرابعة ، دار الكتاب العربيـ بيروت 1398 هـ. 1977 م.
123 ـ غريب الحديث / 3 مجلدات.
للخطابي ، أبي سليمان ، أحمد بن محمد بن إبراهيم البستي ، ت(388). تحقيق : عبدالكريم إبراهيم العزباوي ، جامعة أُم القرى ـ مكة المكرمة.
124 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري / 13 مجلدا.
لابن حجر ، أحمد بن علي العسقلاني ، ت(852). الطبعة الثانية ، دار المعرفة ـ بيروت.
125 ـ فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير / 5 مجلدات
للشوكاني ، محمد بن علي بن محمد ، ت (1250). عالم الكتب ـ بيروت.
126 ـ الفردوس بمأثور الخطاب / 5 مجلدات.
للديلمي ، أبي شجاع ، شيرويه بن شهردار بن شيرويه الهمذاني الملقب الكيا ، ت (509). تحقيق : السعيد بن بسيوني زغلول ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـبيروت 1406 هـ. 1986 م.
127 ـ الفضائل لابن شاذان.
لأبي الفضل ، شاذان بن جبرائيل بن إسماعيل ، ت(660). منشورات المطبعة الحيدريةـ النجف 1381 هـ. 1962 م.
128 ـ فضائل سيدة النساء = جزء فضائل فاطمة.
لابن شاهين ، أبي حفص ، عمر بن أحمد بن عثمان بن أيوب بن شاهين ، ت(385). تحقيق : أبو إسحاق الحويني الأثري ، الطبعة الأُولى ، مكتبة التربية الإسلامية ـ القاهرة 1411 هـ.
129 ـ فضائل الصحابة / مجلدين.
للشيباني ، أبي عبدالله، أحمد بن حنبل ، ت(241). تحقيق : الدكتور وصي الله محمد عباس ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1403 هـ. 1983 م.
130 ـ الفوائد / مجلدين.
للرازي ، أبي القاسم ، تمام بن محمد ، ت(414). تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ، الطبعة الأُولى ، مكتبة الرشد ـ الرياض 1412 هـ.
131 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير / 6 مجلدات.
للمناوي ، محمد عبد الرؤوف ، ت (1331). تحقيق : أحمد عبد السلام ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415 هـ.
132 ـ القول المسدد في مسند أحمد.
لابن حجر العسقلاني ، أحمد بن علي ، ت(852). تحقيق ونشر : مكتبة ابن تيمية،
الطبعة الأُولى ، القاهرة 1401 هـ.
133 ـ الكافي / 8 مجلدات.
للكليني ، أبي جعفر ، محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ، ت(328). تحقيق : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الثالثة ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران 1388 هـ.
134 ـ الكامل في التأريخ / 10 مجلدات.
للشيباني ، محمد بن محمد بن عبد الكريم عبد الواحد ، المعروف بابن الأثير ، ت (630). تحقيق : أبي الفداء ، عبداللهالقاضي ، الطبعة الثانية ، دار الكتب العلميةـبيروت 1415 هـ. 1995 م.
135 ـ الكامل في ضعفاء الرجال / 7 مجلدات.
لابن عدي ، أبي احمد ، عبداللهبن عدي الجرجاني ، ت(365). تحقيق : الدكتور سهيل زكار ، يحيى مختار غزاوي ، الطبعة الثالثة ، دار الفكرـ بيروت 1409 هـ.
136 ـ كتاب سليم بن قيس / 3 مجلدات.
للهلالي ، سليم بن قيس ، ت (76). تحقيق : محمد باقر الأنصاري الزنجاني.
137 ـ الكشف الحثيث عمن روي بوضع الحديث.
للسبط بن العجمي ، أبي الوفاء ، إبراهيم بن محمد بن سبط الحلبي ، ت(841). تحقيق : صبحي السامرائي ، الطبعة الأُولى ، مكتبة النهضة العربية ـ بيروت.
138 ـ كشف الغمة في معرفة الأئمة / 3 مجلدات.
للأربلي ، أبي الحسن ، علي بن عيسى بن أبي الفتح ، ت(693). الطبعة الثانية ، دار الأضواء ـ بيروت 1405 هـ. 1985 م.
139 ـ كشف اليقين في فضائل أمير المؤمنين.
للعلامة الحلي ، الحسن بن يوسف بن المطهر ، ت(726). تحقيق : حسين الدركاهي ، محمد حسن حسين آبادي ، الطبعة الأُولى ، طهران ـ إيران 1411 هـ. 1991 م.
140 ـ كفاية الطالب.
للكنجي الشافعي ، محمد بن يوسف ، ت(658). المطبعة الحيدرية ـ النجف 1356 هـ.
141 ـ الكمال / 7 مجلدات.
لابن ماكولا ، أبي نصر ، علي بن هبة الله بن علي العجلي ، ت(475). دار الكتب الإسلامية ـ القاهرة.
142 ـ كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال / 16 مجلداً.
للمتقي الهندي ، علاء الدين ، علي المتقي بن حسام ، ت(975). تحقيق : الشيخ بكري حياني ، الشيخ صفوة السقا ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1409 هـ. 1989 م.
143 ـ اللألي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة / مجلدين.
للسيوطي ، جلال الدين ، عبدالرحمن بن أبي بكر ، ت(911). تحقيق : أبو عبدالرحمن ، صلاح بن محمد بن عويضة ، الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1417 هـ. 1996 م.
144 ـ المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين / 3 مجلدات.
لابن حبان البستي ، محمد بن حبان بن أحمد التميمي ، ت(354). تحقيق : محمد إبراهيم زايد ، الطبعة الأُولى ، دار الوعي ـ حلب 1396 هـ.
145 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن / 10 مجلدات.
للطبرسي ، أبي علي ، الفضل بن الحسن ، ت(560). تحقيق : لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت 1415 هـ.
146 ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد / 10 مجلدات.
للهيثمي ، نور الدين ، علي بن أبي بكر ، ت(807). الطبعة الأُولى ، دار الكتب العلميةـ بيروت 1408 هـ. 1988 م.
147 ـ المحبر.
للبغدادي ، محمد بن حبيب ، ت(245). نسخة خطية.
148 ـ المحدث الفاصل بين الراوي والواعي.
للرامهرمزي ، الحسن بن عبدالرحمن ، ت(360). تحقيق : الدكتور محمد عجاج الخطيب ، الطبعة الثالثة ، دار الفكر ـ بيروت 1404 هـ.
149 ـ المحصول في علم أُصول الفقه / 6 مجلدات.
للرازي ، محمد بن عمر بن الحسين ، ت(606). تحقيق : الدكتور طه جابر فياض
العلواني ، الطبعة الثانية ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1412 هـ.
150 ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان / 4 مجلدات.
لليافعي ، أبي محمد ، عبداللهبن أسعد بن علي ، ت(768). دار الكتاب الإسلاميـ القاهرة 1413 هـ. 1993 م.
151 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر / 4 مجلدات.
للمسعودي ، أبي الحسن ، علي بن الحسين بن علي ، ت(346). تحقيق : يوسف أسعد داغر ، الطبعة الثانية ، دار الهجرةـقم 1404 هـ. بالاوفسيت عن الطبعة الأُولى ، الصادرة في بيروت 1385 هـ.
152 ـ مسائل أحمد برواية ابنه عبدالله.
لعبداللهبن أحمد بن حنبل ، ت(290). تحقيق : زهير الشاويش ، الطبعة الأُولى ، المكتب الإسلامي ـ بيروت 1401 هـ. 1981 م.
153 ـ المستدرك على الصحيحين.
للحاكم النيسابوري ، أبي عبدالله، ت(405). تحقيق : الدكتور يوسف المرعشلي ، الطبعة الأُولى ، دار المعرفة ـ بيروت 1406 هـ.
154 ـ المسترشد في إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام .
للطبري الإمامي ، محمد بن جرير بن رستم ، ت (أوائل القرن الرابع). الطبعة الأُولى المحققة ، مؤسسة الثقافة الإسلامية ـ طهران 1415 هـ.
155 ـ مسند أحمد / 6 مجلدات.
لأحمد بن حنبل ، ت(241). دار صادر ـ بيروت.
156 ـ مسند البزار / 10 مجلدات.
لأبي بكر ، أحمد بن عمرو بن عبدالخالق البزار ، ت(292). تحقيق : الدكتور محفوظ الرحمن زين الله ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة علوم القرآنـبيروت ، ومكتبة العلوم والحكمـ المدينة المنورة 1409 هـ.
157 ـ مسند أبي حنيفة.
للأصبهاني ، أبي نعيم ، أحمد بن عبداللهبن أحمد ، ت(430). تحقيق : نظر محمد
فاريابي ، الطبعة الأُولى ، مكتبة الكوثر ـ الرياض 1415 هـ.
158 ـ مسند أبي داود الطيالسي.
لسليمان بن داود بن الجارود ، الفارسي البصري ، ت(204). دار الحديث ـ بيروت.
159 ـ مسند أبي يعلى الموصلي / 13 مجلداً.
لأحمد بن علي بن المثنى التميمي ، ت(307). تحقيق : حسين سليم أسد ، دار المأمون للتراث ـ دمشق.
160 ـ مسند الشاشي / مجلدين.
لأبي سعيد ، الهيثم بن كليب الشاشي ، ت(335). تحقيق : الدكتور محفوظ الرحمن زين الله ، الطبعة الأُولى ، مكتبة العلوم والحكم ـ المدينة المنورة 1410 هـ.
161 ـ المطالب العالية بزوائد المسانيدالثمانية / 18 مجلداً.
لابن حجر ، أبي الفضل ، أحمد بن علي العسقلاني الشافعي ، ت(852). تحقيق : الدكتور سعد بن ناصر الشتري ، الطبعة الأُولى ، دار العاصمة ـ السعودية 1419 هـ.
162 ـ مصباح الزجاجة في زائد ابن ماجة / 4 مجلدات.
للكناني ، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل ، ت(840). تحقيق : محمد المنتقي الكشناوي ، الطبعة الثانية ، دار العربية ـ بيروت 1403 هـ.
163 ـ المصنّف لابن أبي شيبة / 8 مجلدات.
للكوفي العبسي ، عبداللهبن محمد بن أبي شيبة ، ت(235). تحقيق : سعيد محمد اللحام ، الطبعة الأُولى ، دار الفكر ـ بيروت 1409 هـ.
164 ـ المصنّف لعبد الرزاق / 11 مجلداً.
للصنعاني ، أبي بكر ، عبد الرزاق بن همام ، ت(211). تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي ، المجلس العلمي ـ بيروت.
165 ـ المعارف.
لابن قتيبة ، أبي محمد ، عبداللهبن مسلم الدينوري ، ت (282 أو 270). تحقيق : الدكتور ثروت عكاشة ، دار المعارف ـ القاهرة.
166 ـ معاني الأخبار.
للشيخ الصدوق ، أبي جعفر ، محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ، ت(381). تحقيق : علي أكبر الغفاري ، الطبعة الأُولى ، دار النشر الإسلامي ـ طهران 1982 م.
167 ـ المعجم الأوسط / 9 مجلدات.
للطبراني ، سليمان بن أحمد أيوب اللخمي ، ت(360). تحقيق : طارق بن عوض الله ، عبد الحسين بن إبراهيم الحسيني ، نشر : دار الحرمين ـ مصر.
168 ـ المعجم الكبير / 25 مجلداً.
للطبراني ، سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي ، ت(360). تحقيق : حمدي عبد المجيد السلفي ، الطبعة الثانية ، مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة.
169 ـ معرفة علوم الحديث.
للحاكم النيسابوري ، أبي عبدالله، محمد بن عبدالله، ت(405). تحقيق : السيد معظم حسين ، الطبعة الرابعة ، دار الآفاق الجديدة ـ بيروت 1400 هـ.
170 ـ المغازي / مجلدين.
للواقدي ، محمد بن عمر بن واقد ، ت(207). تحقيق : الدكتور مارسدن جونس ، الطبعة الأُولى ، مكتب الأعلام الإسلامي ـ إيران 1414 هـ.
171 ـ المغني في الضعفاء.
للذهبي ، أبي عبدالله، محمد بن أحمد بن عثمان ، ت(748). تحقيق نور الدين عتر.
172 ـ المعيار والموازنة.
للإسكافي ، أبي جعفر ، محمد بن عبداللهالمعتزلي ، ت(220). تحقيق : الشيخ محمد باقر المحمودي.
173 ـ مقدمة ابن خلدون.
لعبدالرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي ، ت(808). الطبعة الرابعة ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.
174 ـ مناقب ابن شهرآشوب = مناقب آل أبي طالب / 3 مجلدات.
لأبي عبدالله، محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني ، ت(588). تحقيق : لجنة من
أساتذة النجف ، الطبعة الأُولى ، المكتبة الحيدرية ـ النجف 1376 هـ. 1956 م.
175 ـ مناقب الكوفي = مناقب الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام / مجلدين.
لمحمد بن سليمان الكوفي القاضي ، من أعلام القرن الثالث. تحقيق : الشيخ محمد باقر المحمودي ، الطبعة الأُولى ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ـ قم 1412 هـ.
176 ـ المناقب للخوارزمي.
للموفق بن أحمد بن محمد المكي ، ت(568) ، تحقيق : الشيخ مالك المحمودي ، الطبعة الثانية ، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم 1411 هـ.
177 ـ المنتخب من ذيل المذيل.
للطبري ، أبي جعفر ، محمد بن جرير ، ت(310). الطبعة الأُولى ، مؤسسة الأعلميـ بيروت 1358 هـ. 1939 م.
178 ـ منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان / 3 مجلدات.
للحسن بن زين الدين ، ت (1011) ، الطبعة الأُولى ، جامعة المدرسينـ قم 1403 هـ.
179 ـ منع تدوين الحديث.
لمؤلف هذا الكتاب. الطبعة الثالثة ، دار الغدير ـ قم 1425 هـ. 2005 م.
180 ـ المنمق في أخبار قريش.
للبغدادي ، محمد بن حبيب ، ت(245). تحقيق : خورشيد أحمد فاروق ، عالم الكتب ـ بيروت.
181 ـ المواقف / 3 مجلدات.
للأيجي ، عبدالرحمن بن أحمد ، ت(756). تحقيق : الدكتور عبدالرحمن عميرة ، الطبعة الأُولى ، دار الجيل ـ بيروت 1417 هـ.1997 م.
182 ـ الموضوعات لابن الجوزي / 3 مجلدات.
لابن الجوزي ، أبي الفرج ، عبدالرحمن بن علي القرشي ، ت(597). تحقيق : عبدالرحمن محمد عثمان ، الطبعة الأُولى ، المكتبة السلفية ـ المدينة المنورة 1386 هـ.
183 ـ الموطأ / مجلدين.
لمالك بن أنس ، ت(179). تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، الطبعة الأُولى ، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1406 هـ.
184 ـ ميزان الاعتدال في نقد الرجال / 4 مجلدات.
للذهبي ، أبي عبدالله، محمد بن أحمد بن عثمان ، ت(748). تحقيق : علي محمد البجاوي ، الطبعة الأُولى ، دار المعرفة ـ بيروت 1382 هـ.
185 ـ نهج البلاغة / 4 مجلدات.
من كلام الإمام علي بن أبي طالبعليهالسلام ت (40). جمع : الشريف الرضي ، تحقيق : الشيخ محمد عبده ، دار المعرفة ـ بيروت.
186 ـ الهداية الكبرى.
للخصيبي ، أبي عبدالله، الحسين بن حمدان ، ت(334). الطبعة الرابعة ، مؤسسة البلاغة ـ بيروت.
187 ـ اليقين = اليقين باختصاص مولانا علي عليهالسلام بإمرة المؤمنين.
لابن طاووس ، علي بن موسى الحسيني ، ت(664). تحقيق : الأنصاري ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة دار الكتاب ـ قم 1413 هـ.
188 ـ ينابيع المودة لذوي القربى / 3 مجلدات.
للقندوزي ، الحنفي ، سلميان بن إبراهيم ، ت (1394). تحقيق : السيد علي جمال أشرف الحسيني ، الطبعة الأُولى ، دار الأُسوة للطباعة والنشرـ إيران 1416 هـ.
*
الفهرس
فهرس المواضيع
من هو الصدّيق ؟ و من هي الصدّيقة.......................................... 1
الصدّيق في اللغة والاستعمال!!............................................. 15
عائشة والصدّيقيّة.......................................................... 29
أبو بكر والصديقيّة......................................................... 33
دوافع الكذب عند الطرفين................................................. 55
الغيب والمادة............................................................. 60
بعض معايير الصدّيقية...................................................... 67
بعض منازل الصدّيقة الطاهرة :............................................ 124
بين فاطمة الصدّيقة وأعدائها.............................................. 130
تحريفات محمومة :...................................................... 137
ثبت المراجع............................................................ 145
الفهرس.................................................................. 169
*