المحسن السبط مولود أم سقط
التجميع مناظرات وردود
الکاتب السيد محمد مهدي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

المحسن السّبط مولود أم سقط







المؤلف: السيد محمد مهدي السيد حسن الموسوي الخرسان


بسم الله الرحمن الرحيم




الإهداء

إلى أوّل مظلوم وأوّل من غُصب حقه

سيدي ومولاي أمير المؤمنينعليه‌السلام

إلى المطهرة النقيّة بضعة النبي المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الممتحنة فوجدها الله صابرة محتسبة ، فهو يرضى لرضاها ويغضب لغضبهاعليها‌السلام .

أهدي هذه السطور عن أوّل شهداء الأسباط ، السيد السبط المحسن السقطعليه‌السلام .

يا سادتي تقبلوا بلطفكم وأجيزوا بعطفكم ، فاشفعوا لي عند الله ، فإنّ لكم جاهاً عظيماً ، ومقاماً كريماً ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عبدكم وولدكم المقرّ بالرق لكم

محمّد مهدي السيد حسن الموسوي

الخرسان ( عفي عنه )



( قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ ) (1)

المحسن السبط مولودٌ أم سقط ؟

إنّ بني فاطمةٍ ثلاثةٌ

وكلُّ فردٍ سيّدٌ سبط

فالحسنان أنسلا وأعقبا

سوى المحسّن إنّه السقط

فإن عرى الريبُ بإسقاطه

معانداً من شأنه الخبط

فذي سطورٌ أظهرت حقّه

من بعد ما أغفلها الغمط

فمن تعامى الحقّ في أمره

معاندٌ بالنُصب يشتط

* * *

__________________

(1) الزمر : 46 ـ 48.



مقدمة المؤلفّ:



بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

اللّهم صلّ على محمّد وآل محمّد ، الأوصياء الراضين المرضيين بأفضل صلواتك ، وبارك عليهم بأفضل بركاتك إنّك حميد مجيد.

اللهم والعن من حادّك وحادّ رسولك ، وناصبه العداوة والبغضاء في أهل بيتهعليهم‌السلام .

وبعد ، فهذه سطور ما كنت أحسب أنّي أكتبها لوضوح الرؤية عندي فيما تضمّنته ، إلاّ أنّي وجدت وضوح الرؤية عندي لا يعني ولا يُغني عند الآخرين شيئاً ، فالناس يتفاوتون إدراكاً ومشارباً ، كما يختلفون عقائداً ومذاهباً.

وكثير منهم يرى تقديس الموروث بحجة أو بغير حجة ، فهو يعيش في كيانه على تراث موبوء ، أخذه الخلف عن السلف ، فضاعت عنده معالم الحقائق لتراكم المخلّفات ، وبقي النشّؤ الجديد يدور في حلقة مُفْرَغة ، لم يمسك بطرف يهديه الطريق ، ولم يجد الملجأ الوثيق ، وكلّ ما حاول ـ إذا ما حاول ـ فلا يجد سوى الاجترار والتكرار ، ومقولة ( عدالة الصحابة ) التي أصبحت هي الذكر الخفي ، ويجب إسدال الستار على ما حدث بينهم ، فما من دخان إلاّ من وراء نار. فالسكوت عمّا حدث أولى ؟!


وهكذا ضاعت معالم الاهتداء بين تركة الموروث من تاريخنا ، والذي تلقيناه محاطاً بسياج من الحصانة وهالة من العنعنة ، تنفي ـ في نظر القاصر طبعاً ـ عنه معرّة النقد الخارجي وهو السند ، كما تضفي عليه نسجاً كثيفاً يغطّي تبعة النقد الداخلي وهو المتن.

وبين هذا وذاك كادت تضيع معالم الدلالة ، وبالتالي نبقى مع الحدَث نتحدّث عنه وكأنّه من أحاديث السمر.

لذلك ـ ولا أكون مغالياً ـ فقد وجدت صعوبة بالغة في تفهيم القارئ صورة الحدَث وملابساته ، وهو يعيش عنده كموروث في الذاكرة ، وشجت عليه أصوله ونمت عليه فروعه ، أما أنا فأعيش معه من خلال عالم التصور عندي لطبيعة الحدَث وملابساته ، ومن خلال المقروء في نصوص التاريخ المقبول عند العامة والخاصة ، لذلك كان لزاماً عليّ وأنا أريد التحدث عن ( المحسن السبط ) أن أستعرض ما يمتّ إلى الحديث عنه بصلة ، وأعني ما ينفع في الجواب على السؤال المذكور في عنوان الرسالة ، هل هو مولود أم سقط ؟ وذلك لما أثير حوله في هذه الأيّام من نقض وإبرام.

ولقد كنت أحسب أنّي بالغ ما أريد في بعض صفحات قد لا تتجاوز العشرة ، ولكن نتيجة الترابط بين الأحداث التي كانت يوم حدث السقط للسبط بدءاً وختاماً ، حرباً وسلاماً ، عنفاً وانتقاماً ، فقد تلاحقت في الحضور السطور والكلمات ، وتتابعت في الظهور صفحات وصفحات ، لذلك جاوزت القدر المظنون ، فبلغت ما يراه القارئ.

ولا تزال هناك جوانب أخرى لم تبحث ، وإن كان لها الدور الفاعل في تهيئة أجواء الحدَث ، والحديث عن ملابسات ذلك الحدَث الخطير ، لابد أن يدخلنا في متاهات من ركام التاريخ ، تترتب على الخوض فيها نتائج ذات مرارة بالغة ، ولكنّها شفاء لما في الصدور ، فكثير من الدواء مرّ الطعم ولكن فيه الشفاء ، وفي


اعتقادي أنّ ما قدمته في هذه الأوراق يسدّ حاجة في نفس يعقوب ، ويروي من ظمأ التساؤل كما يسدّ من لغوب السغوب ، وبالتالي يقلّل من معاناة الذبذبة الفكرية التي يعيشها الشباب ، من جراء انغلاقهم على جوانب ملؤها تقديس الموروث ، وقد صكّت أسماعهم تلاوة :( بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) (1) .

ومن جهة أخرى لما تفتح الوعي عندهم فانفتحوا على نوافذ في التاريخ ، فأخذوا يحدقون من خلالها لينظروا إلى الأحداث على حقيقتها ، فساورتهم الشكوك في أمانة التسجيل ، فهم يرون الصورة ليست واقعية ، بل ومشوّهة ومبتورة عفّى على وجهها غبار السنين ، لذلك فهم يعانون الكثير من الصعوبات ، من جرّاء التذبذب بين ذلك الانغلاق الموروث وهذا الانفتاح المكتسب ، وهم في دوامة البلبلة ، وهم وهم وهم مع ذلك لا يزالون ينشدون السلامة الفكرية بنشدانهم الحقيقة الواقعية ، تخلصاً من ويلات العويل الذي أصمّ أسماعهم من محيطهم ، بل وحتى من داخل أنفسهم فهم يتلون :( تِلْكَ اُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْألُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (2) ؛ وهم يقرأون قوله تعالى :( أَفَمَن يَهْدِي إِلَىٰ الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِي إِلا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (3) .

فهذه الأوراق فيها إقامة الشاهد تلو الشاهد على أنّ ( المحسن السبط ) ليس مولوداً بل هو سقط ، وبالأصح فقد أسقط.

وعلى القارئ الذي يضيق ذرعاً من مواجهة الحقيقة المُرّة ، أن لا يزعج نفسه كثيراً ، بل ليلوم من أوقع الحدث بكل ما فيه من تمرّد وعنفوان حتى كان ما كان.

__________________

(1) لقمان : 21.

(2) البقرة : 134.

(3) يونس : 35.


وأخيراً أسأل الله تعالى أن ينفع الضال والمضلَّل بما سيقرأ :( وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ) (1) .

ماذا في هذه الرسالة ؟

إنّ فيها ثلاثة أبواب وخاتمة :

الباب الأول : نبحث فيه ما دلّ على صحة السلب عن حديث إكتناء الإمام بأبي حرب. وذلك في ثلاثة فصول :

الفصل الأول : في مصادر الحديث.

الفصل الثاني : في رجال الإسناد.

الفصل الثالث : في متن الحديث ، ونبحث فيه النقاط التالية :

1 ـ التعريف بحرب ، وهل هو اسم علم ؟ أم اسم معنى ؟ ومن المراد منهما ؟

2 ـ هل كان اسم حرب من الأسماء المحبوبة أم الأسماء المبغوضة ؟

3 ـ ماذا كان يعني إصرار الإمام ـ إن صدقت الأحلام ـ في تسمية أبنائه بحرب ، اسم المعنى ؟

4 ـ ما هي الدوافع المغرية في اسم حرب ، اسم العلم ؟

5 ـ في كُنى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وما هي أحبّ كُناه إليه ؟

6 ـ ماذا وراء الأكمة من تعتيم لتضليل الأمة ؟

الباب الثاني : ونبحث فيه عن ( المحسن السبط ) هل هو مولود أم سقط ؟

وذلك من خلال ثلاثة فصول نستعرض فيها ما قاله المؤرخون والنسّابون من أهل السنة خاصة.

الفصل الأول : فيمن ذكر ( المحسن السبط ) ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن موته.

الفصل الثاني : فيمن ذكر ( المحسن السبط ) وأنّه مات صغيراً.

__________________

(1) مريم : 76.


الفصل الثالث : فيمن ذكر ( المحسن السبط ) وأنّه سقط.

وفي خلال هذا الفصل قد نمرُّ ببعض المصادر الشيعية لأنّها تسلّط الضوء على ما أُبهم ذكره واستُبْهِم ـ عن عمد ـ أمره.

الباب الثالث : ونبحث فيه عن مسيرة الأحداث التي رافقت حدَث السقط للمحسن السبط ، وذلك من خلال ثلاثة فصول :

الفصل الأول : وقفة مع الأحداث ، ونظرة في المصادر.

الفصل الثاني : مسيرة مع المؤرّخين جرحاً وتعديلاً.

الفصل الثالث : نصوص ثابتة في الإدانة.

الخاتمة : في نتائج البحث وأنّ المحسن السبط هو أول ضحايا العُنف في أحداث السقيفة ، وقد أجهز عليه وهو حمل وأنّه المحسن السقط.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

15 ذي الحجة الحرام

1416 ه‍


تمهيد

إنّ حديث إكتناء الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بأبي حرب ، حديث حسبه بعضهم من المفاخر ، فشاع ذكره في المصادر ، ورواه الحاضر عن الغابر ، من معاندٍ وناصرٍ.

وبين هذا وذاك ضاعت آثار الزيف ، وبين أولا وهؤلاء خفيت معالم الحقيقة ، وسط قرع الطبول ، وتزمير الزامر ، حتى صكت الأذان ، وكثر حوار الطرشان.

أتدرون أيّها القرّاء الكرام ماذا يعني ذلك الحديث ؟

إنّه يعكس رغبة الإمام أميرالمؤمنين أن يسمّي أحد أولاده ( حرباً ) !! إنّه يصوّر لنا تهافته ليكنّى بأبي حرب !!

إنّه كرّر تجربة فاشلة ثلاث مرّات فلم ينجح !!

وإن صدقت أحلام الوضّاعين فسيفصح ذلك عن مدى تعلّقه بتلك الكنية ـ البغيضة ـ وهيامه بذلك الاسم ، لكن لم تتحقق له رغبته الملحّة ، حيث كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يغيّر كلّ مرّة حاول الإمام فيها تنفيذ رغبته فيما زعم الرواة.

وتبقى بعدُ في الحديث سمات ذات دلالات ، تبعث على التساؤل وتُثير الشكوك ، فهذا هو الباعث لي على النظر في الحديث سنداً ومتناً ودلالة ، لعلّي


أستطيع أن أنفع القارئ بشيء عن ذلك ، يُلقي الضوء على مخبئات الدسّ الذي جاء متراكماً في كثير من المصادر حول هذا الحديث المزعوم.

وبالتالي ف‍( هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) (1) .

وقبل الخوض في الحديث سنداً ومتناً ودلالةً ، أودّ تنبيه القارئ على أمرٍ هو من الخطورة بمكان ، وذلك هو تسرّب الحديث على علاّته وسماته إلى المصادر الشيعية نقلاً عن المصادر السنيّة ، وفي غفلة عمّا فيه من هنات ، وإلى القارئ أسماء تلك المصادر :

المصادر الشيعية التي تسرّب إليها الحديث المزعوم :

1 ـ صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام ، والحديث عنها مذكور في عيون أخبار الرضاعليه‌السلام (2) ، وفي مستدرك الوسائل(3) إسناده عن عليّ بن الحسين قال : حدثتني أسماء بنت عميس قالت : قبّلت جدتك فاطمةعليها‌السلام بالحسن والحسينعليهما‌السلام ، فلما ولد الحسنعليه‌السلام جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : يا أسماء هاتي ابني ، فدفعته إليه في خرقة صفراء ، فرمى بها النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وقال : يا أسماء ألم أعهد إليكم أن لا تلفّوا المولود في خرقة صفراء ، فلففته في خرقة بيضاء فدفعته إليه ، فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى.

ثم قال لعليعليه‌السلام : بأيّ شيء سمّيت ابني هذا ؟ ، قال عليّعليه‌السلام : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله ـ وقد كنت أحب أسميه حرباً ـ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : وأنا لا أسبق باسمه ربي( عزّ وجلّ ) ، فهبط جبرئيل وقال : العليّ الأعلى يقرؤك السلام ويقول : عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبي بعدك ، فسمّ ابنك هذا بابن هارون ،

__________________

(1) آل عمران : 138.

(2) عيون أخبار الرضا 2 : 25.

(3) مستدرك الوسائل 2 : 621.


فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : وما إسم ابن هارون يا جبرئيل ؟ ، قال : شبّر ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : لساني عربي ، قال : سمّه الحسن.

إلى أن قالت : فلمّا كان بعد حول من مولد الحسن ولد الحسينعليه‌السلام ، فجاءنيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : يا أسماء هاتي ابني ، فدفعته إليه في خرقة بيضاء ، فأذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى ووضعه في حجره وبكى ، قالت أسماء : ـ وسألته عن سبب بكائه فأخبرها بمقتله إلى أن قالت : ـ ثم قال لعليعليه‌السلام : بأيّ شيء سمّيت ابني هذا ؟ فقال : ما كنت لاسبقك باسمه يا رسول الله ، وقد كنت أحب أن أسميه حرباً ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ما كنت لأسبق باسمه ربي( عزّ وجلّ ) ، فأتاه جبرئيل فقال : الجبّار يقرؤك السلام ويقول : سمّه باسم ابن هارون ، قال : وما اسم ابن هارون ؟ قال : شبير ، قال : لساني عربي ، قال : سمّه الحسين ، فسمّاه الحسين.

أقول : وأوّل ما في هذا الخبر : أنّ أسماء بنت عميس لم تكن يومئذٍ بالمدينة لتُقبّل فاطمةعليها‌السلام بابنيها الحسن والحسين ، لأنّها كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب بالحبشة ، ولم يرجع جعفر إلى المدينة إلاّ بعد فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة ، وولادة الحسنعليه‌السلام كانت في السنة الثالثة ، والحسين في السنة الرابعة ، ومهما يكن فولادة الحسنينعليهما‌السلام كانت قبل رجوع جعفر بأكثر من ثلاث سنين ، وهذا يكفي في توهين الحديث المزعوم من حبّ الإمام أن يُسمي ابنيه حرباً.

2 ـ مناقب ابن شهرآشوب(1) ، أخرج الحديث عن أحمد ، وهو الحديث الآتي برقم (3) كما في سُلّم المصادر السنّية فراجع للمقارنة ، ستجد أن أحمد ذكر في حديثه ولادة الأبناء الثلاثة ، بينما لم يذكر في المصدر المذكور إلاّ

__________________

(1) مناقب ابن شهرآشوب 3 : 166.


ولادة الحسنين ، فلماذا لم يذكر ولادة الثالث ومَن حذفها ؟ وهل أُلحقت بالمسند بعد ذلك ؟ أو حذفت من المناقب ؟

3 ـ فضائل الخمسة(1) ، وحكاه نقلاً عن الأدب المفرد للبخاري ، وسيأتي برقم (4) في سُلّم المصادر السنيّة ، وعن مستدرك الصحيحين وهو الآتي برقم (7) في سُلّم المصادر السنيّة ، ونقله في ص 171 عن مسند الطيالسي الآتي برقم (2) في أول المصادر السنيّة.

ولمّا كانت المصادر الشيعية نقلت الحديث عن المصادر السنيّة ، فلا حاجة إلى الإطناب في تزييف ما ورد فيها بعد ملاحظة المصادر السنيّة ومناقشتها.

والآن إلى البابالأول ، وفيه ثلاثة فصول :

__________________

(1) فضائل الخمسة 3 : 169.


الفَصْلُ الأوَّلُ

مصادر الحديث واختلاف صوره

أخرج الحديث كثير من أئمة الصحاح والسنن والمسانيد ، وأرباب التاريخ والسير من قُدامى ومحدثين.

وسأكتفي بذكر اثنى عشر مصدراً من خيرة المصادر الأولى المعتبرة عند المحققين من علماء المسلمين ، فأذكر المصدر حسب وفاة مؤلّفه مع تعيين محلّ ذكر الحديث فيه ، ثم صورة لما ذكره ، وقد أذكر بعض ما يمتّ إلى ذلك تبعاً.

فالأول من المصادر هو سيرة ابن إسحاق(1) ( ت 151 ه‍ )

قال : أنا يونس ، عن يونس بن عمرو ، وعن أبيه عن هانئ بن هانئ ، عن علي قال : لمّا ولد حسن سميته حرباً ، قال : فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني بُني ماذا سمّيتموه ؟ فقلت : سميته حرباً ، فقال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : لا ولكن اسمه حسن ، فلمّا ولدت حسيناً سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميّتموه ؟ فقلنا : سمّيناه حرباً ، فقال : لا ولكن اسمه حسين ، فلمّا ولدت الثالث سميته حرباً ، فجاء

__________________

(1) سيرة ابن إسحاق : 247.


رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ماذا سميتموه ؟ فقلنا : سمّيناه حرباً ، فقال : لا ولكن اسمه محسن ، ثم قال : إنّي سميتهم ببني هارون : شبّر ، وشبيراً ، يقول : حسن وحسين.

الثاني من المصادر هو مسند أبي داود الطيالسي(1) ( ت 204 ه‍ ) ، فقد ورد فيه الحديث مرّة واحدة كما يلي :

حدّثنا أبو داود قال : حدّثنا قيس عن أبي إسحاق قال : سمعت هانئ بن هانئ يحدّث عن عليّ قال : لما ولد الحسن بن عليّ قلت : سمّوه حرباً ـ وقد كنت أحب أن أكتني بأبي حرب ـ فأتى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فدعا به ، قلنا : سمّيناه حرباً ، قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : بل هو الحسن ، فلمّا ولد الحسين سمّيناه حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : هو حسين.

وراجع منحة المعبود في ترتيب مسند أبي داود للساعاتي(2) تجد الحديث أيضاً.

الثالث من المصادر : الطبقات الكبرى لابن سعد(3) ( ت 231 ه‍ ) الطبقة الخامسة ، جاء فيه الحديث بصورتين :

1 ـ قال : أخبرنا عبيد الله بن موسى ، قال : حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ قال : لمّا ولد الحسن سمّيته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ، ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسن ، فلمّا ولد الحسين سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ، ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو محسّن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشبير ومشبّرا.

__________________

(1) مسند أبي داود الطيالسي 1 : 19 ، ح 129.

(2) منحة المعبود في ترتيب مسند أبي داود للساعاتي 2 : 129 ـ 130.

(3) الطبقات الكبرى لابن سعد 1 : 240.


2 ـ قال : أخبرنا الحسن بن موسى ، قال : حدّثنا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق قال : لما ولد الحسن سمّاه عليّ حرباً ، قال : وكان يُعجبه أن يكنّى أبا حرب ، فقال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : وما سميتم ابني ؟ قالوا : حرباً ، قال : ما شأن حرب وهو حسن.

فلمّا ولد حسين سماه عليّ حرباً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميتم ابني ؟ قالوا : حرباً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما شأن حرب ؟ بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سمّاه حرباً ، فقال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميتم ابني ؟ قالوا : حرباً ، فقال : ما شأن حرب هو محسِن أو محسّن.

الرابع من المصادر هو مسند أحمد بن حنبل(1) ( ت241 ه‍ ) ، فقد ورد فيه الحديث كما يلي :

حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، حدّثنا يحيى بن آدم ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميته ؟ قال : قلت : حرباً ، قال : بل هو حسن ، فلمّا ولد الحسين سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميته ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلما ولد الثالث سميته حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميته ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشبير ومشبّر.

وأورده مرّة ثانية وثالثة(2) بسند آخر ، وتفاوت في اللفظ وإليك نصّه :

حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، حدّثنا حجاج ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسن جاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو حسن ، فلمّا ولد الحسين قال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلمّا ولد

__________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 1 : 98.

(2) المصدر نفسه 1 : 118.


الثالث جاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشبير ومشبّر.

وأخرجه عن أحمد الديار بكري في تاريخ الخميس ، والكنجي الشافعي في كفاية الطالب(1) ، وأخرجه أحمد أيضاً في كتاب الفضائل كما في ( الحسين والسنة )(2) .

والغريب أنّ من الشيعة من أخرج ذلك دون التنبيه إلى ما فيه من خفايا البلايا ، كما مرّ في ذكر المصادر الشيعية التي تسرّب إليها الحديث.

الخامس من المصادر هو الأدب المفرد للبخاري(3) ( ت 256 ه‍ ) ، جاء فيه الحديث بصورة واحدة :

حدّثنا أبو نعيم ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسنرضي‌الله‌عنه سميته حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسن.

فلما ولد الحسينرضي‌الله‌عنه سميته حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلما ولد الثالث سميته حرباًَ ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : إنّي سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشبير ومشبّر.

وعقّب المحقق على ذلك فقال : ليس في شيء من الكتب الستة ، وجاء في كتاب فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد(4) ، تأليف فضل الله الجيلاني استاذ في الجامعة العثمانية ما يلي : أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب من طريقين

__________________

(1) تاريخ الخميس 1 : 418 , كفايه الطالب : 352.

(2) الحسين والسنة : 15.

(3) الأدب المفرد للبخاري : 213.

(4) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد تأليف فضل الله الجيلاني 2 : 288.


كلاهما عن إسرائيل إلى آخره ، والحاكم وقال : صحيح الاسناد ، وأحمد ، وقال الحافظ في الإصابة : إسناده صحيح.

السادس من المصادر هو أنساب الأشراف للبلاذري(1) ( ت 279 ه‍ ) ، فقد جاء فيه :

حدّثني أبو عمرو الزيادي ، حدّثنا عبد الله بن رجاء ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق أنّ علياً قال : لمّا ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، فقال : هو الحسن ، فلمّا ولد الحسين سميناه حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، فقال : هو الحسين ، فلما ولد الثالث جاء فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً قال : هو محسن ، إنّما سميتهم بأسماء ولد هارون شبر شبير ومشبر.

حدّثنا عبد الله بن صالح ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق بنحوه ، ورواه أيضاً بسندٍ آخر عن ابن سعد ، ذكره في ترجمة الحسينعليه‌السلام (2) .

السابع من المصادر هو المعجم الكبير للطبراني(3) ( ت 360 ه‍ ) ، جاء فيه الحديث بخمسة أسانيد :

1 ـ حدّثنا عثمان بن عمر الضبّي ، حدّثنا عبد الله بن رجاء ، أخبرنا إسرائيل ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ فقلت : حرباً ، فقال : بل هو حسن ، فلمّا ولد الحسين سميناه حرباً ، فأتى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : ائتوني بابني ما سميتموه ؟ فقلت : حرباً ، فقال : بل هو حسين ، فلما ولد الثالث سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ فقلت : حرباً ، فقال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بولد هارون شبر وشبير ومشبّر.

__________________

(1) أنساب الأشراف للبلاذري 1 : 404.

(2) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام 3 : 144.

(3) المعجم الكبير للطبراني 3 : 100 ـ 101.


2 ـ حدّثنا محمّد بن يحيى بن سهل بن محمّد العسكري ، ثنا سهل بن عثمان ، ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسن ابن عليّرضي‌الله‌عنه جاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو حسن ، فلمّا ولد الحسين بن عليّرضي‌الله‌عنه جاء فقال مثل قوله ، فقلت : سميته حرباً ، فقال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث جاء فقال مثل قوله ، فقلت : سميته حرباً ، فقال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بولد هارون شبر وشبير ومشبر.

3 ـ حدّثنا محمّد بن أبان الأصبهاني ، حدّثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ، ثنا قيس بن الربيع ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : كنت أحبّ أن أكتني بأبي حرب ، فلمّا ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : ما سميتم ؟ فقلت : سميته حرباً ، فقال : هو الحسن.

4 ـ حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا أبو كريب ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فقال لي : لا ولكن سمّه حسناً ، ثم ولد الحسين فسميته حرباً ، فقال لي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميته ؟ فقلت : حرباً ، قال : بل سمّه حسيناً ، ثم ولد آخر فسميته حرباً ، فقال( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميته ؟ قلت : حرباً ، قال : سمّه محسناً.

5 ـ حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي ، ثنا عبد الله بن عمر بن أبان ، ثنا يحيى بن عيسى الرملي التميمي ، ثنا الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد قال : قال عليّرضي‌الله‌عنه : كنت رجلاً أحب الحرب ، فلمّا ولد الحسن هممت أن أسميه حرباً ، فسمّاه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) الحسن ، فلما ولد الحسين هممت أن أسميه حرباً فسمّاه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) الحسين ، وقال( صلّى الله عليه وسلّم ) : إنّي سميت إبنيّ هذين باسم إبني هارون شبراً وشبيراً.

الثامن من المصادر هو المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري(1) ( ت 405 ه‍ ) ، جاء فيه بصورتين :

__________________

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري 3 : 165.


1 ـ أخبرنا أبو العباس محمّد بن أحمد المحبوبي بمرو ، ثنا سعيد بن مسعود ، ثنا عبيد الله بن يونس ، أنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّرضي‌الله‌عنه قال : لما ولدت فاطمة الحسن جاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قال : قلت : حرباً ، قال : بل هو حسن.

فلمّا ولدت الحسين جاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو حسين ، ثم ولدت الثالث جاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : أروني ابني ما سمّيتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : إنّما سميتهم باسم ولد هارون شبر وشبير ومشبر.

وعقّب الحاكم على الحديث بقوله : هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، وتبعه الذهبي في التلخيص ، فذكر الحديث مبتدءاً بالسند من هانئ بن هانئ ثم قال في آخره : صحيح ، رواه إسرائيل عن جدّه.

ثم إنّ الحاكم أخرج الحديث مرّة ثانية(1) كما يلي :

2 ـ حدّثنا أبو الحسن عليّ بن محمّد الشيباني بالكوفة ، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الزهري ، ثنا جعفر بن عون ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ قال : لما أن ولد الحسن سميته حرباً ، فقال لي النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميت ابني ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو الحسن ، فلمّا ولد الحسين سميته حرباً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميت ابني ؟ قلت : حرباً ، قال : هو الحسين ، فلما ولد محسن قال : ما سميت ابني ؟ قلت : حرباً ، قال هو محسن ، ثم قال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : إنّي سمّيت بَنيّ هؤلاء بتسمية هارون بنيه شبّراً وشبيراً ومشبّراً.

وعقّب الحاكم على الحديث بقوله : هذا الحديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ، وذكره الذهبي في التلخيص مختصراً وعقب بقوله : قلت مرّ من حديث إسرائيل.

__________________

(1) المصدر نفسه 3 : 168.


التاسع من المصادر هو السنن الكبرى للبيهقي(1) ( ت 458 ه‍ ) ، جاء فيه :

أخبرنا أبو عليّ الروذباريّ ، أنبأ عبد الله بن عمر بن أحمد بن شوذب المقري بواسط ، أنبأ شعيب بن أيوب ، ثنا عبيد بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ قال : لمّا ولد الحسن سمّيته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ فقلت : حرباً ، فقال : بل هو حسن.

ثم ولد الحسين فسميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ماسميتموه ؟ فقلت : حرباً ، فقال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر وشبير ومشبّر.

ثم قال البيهقي : رواه يونس بن أبي إسحاق عن أبيه ، وقال في الحديث : إنّي سميت بَنيّ هؤلاء بتسمية هارون بنيه ، وروي في هذا المعنى أخبار كثيرة.

وجاء فيه أيضاً(2) : أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان ، أنبأ أحمد بن عبيد ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا ابن رجا ، ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، ح ( حيلولة ) وحدّثنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو الحسن عليّ بن محمّد الشيباني بالكوفة ، ثم ساق الحديث سنداً ومتناً كما مرّ في الحديث الثاني عند الحاكم في المستدرك حرفاً بحرف ، ثم عقّب البيهقي بقوله : لفظ حديث يونس ، وفي رواية إسرائيل : أروني ابني ما سميتموه ؟ والباقي بمعناه.

العاشر من المصادر هوتاريخ دمشق لابن عساكر ( ت 571 ه‍ ) ، ( ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام بتحقيق المحمودي )(3) جاء الحديث فيه بثلاث صور :

__________________

(1) السنن الكبرى للبيهقي 6 : 163.

(2) المصدر نفسه 7 : 63.

(3) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من تاريخ دمشق : 17 ـ 18.


1 ـ أخبرنا أبو العز بن كادش ، أخبرنا أبو محمّد الجوهري ، أخبرنا عليّ بن محمّد بن أحمد ابن نصير ، أخبرنا جعفر بن محمّد بن عتيب ، أخبرنا محمّد بن خالد بن خداش ، أخبرنا سالم بن قتيبة ، أخبرنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميت ابني ؟ قلت : حرباً ، قال : هو الحسن.

فلما ولد الحسين سميته حرباً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميت ابني ؟ قلت : حرباً ، قال : هو الحسين ، فلما ولد محسن سميته حرباً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميت ابني ؟ قلت : حرباً ، قال : فهو محسن ، ثم قال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : إنّي سميت بَنيّ هؤلاء تسمية هارون بنيه شبراً وشبيراً ومشبراً.

2 ـ أخبرنا أبو غالب ابن البناء ، أخبرنا أبو الحسين ابن الآبنوس ، أخبرنا أبو الحسن الدارقطني ، أخبرنا محمّد بن القاسم بن زكريا ، أخبرنا أبو كريب ، أخبرنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، أنّه حدّثه عن عليّ قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فقال لي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميته ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : لا ولكن اسمه حسن ، ثم ولد لي الحسين سميته حرباً ، فقال لي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ما سميته ؟ قلت : سميته حرباً ، فقال : لا اسمه حسين ، ثم ولد لي فقال : ما سميته ؟ قلت : سميته حرباً ، فقال : لا اسمه محسن.

قال الدارقطني : تفرد به إبراهيم بن يوسف عن أبيه.

3 ـ أخبرنا أبو عليّ بن السبط ، أخبرنا أبو محمّد الجوهري ، وأخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أخبرنا أبو عليّ ابن المذهب ، قالا : أخبرنا أحمد بن جعفر ، أخبرنا عبد الله ، حدّثني أبي ، أخبرنا يحيى بن آدم ، أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قال : قلت : حرباً ، قال : بل هو حسن.


فلما ولد الحسين سمّاه حرباً ، فجاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قال : قلت : حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث سمّيته حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبّر شبير مشبر.

الحادي عشر من المصادر هو أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير(1) ( ت 630 ه‍ ) ، جاء فيه في ترجمة الحسن :

قال عليّ بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : لما ولد الحسن جاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو حسن ، فلما ولد الحسين سمّيناه حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : سميته حرباً ، قال : بل هو حسين ، فلمّا ولد الثالث جاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلت : حرباً ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر.

وجاء أيضاً ثانياً(2) ذكر الحديث الآنف الذكر في ترجمة الحسين مع ذكر اسناده المنتهي إلى أحمد بن حنبل ، وحيث تقدّم في المصدر الثالث فلا حاجة إلى إعادته.

وجاء فيه أيضاً(3) في ترجمة المحسن اعادة الحديث بنفس السند السابق.

الثاني عشر من المصادر هو ( مجمع الزوائد )(4) للهيثمي ( ت 807 ه‍ ) ، جاء فيه ذكر الحديث المروي عن هانئ بن هانئ ، ثم قال الهيثمي : رواه أحمد والبزار إلاّ أنّه قال : سميتهم بأسماء ولد هارون جبر وجبير ومجبّر. والطبراني ، ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح غير هانئ بن هانئ ، وهو ثقة.

__________________

(1) اُسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير 2 : 10 ـ 18.

(2) المصدر نفسه 2 : 18.

(3) المصدر نفسه 4 : 308.

(4) مجمع الزوائد للهيثمي 8 : 52.


ثم ورد في المصدر المذكور الحديث الآخر : وعنه ـ عن عليّ ـ قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، وكنت أحب أن أكتني بأبي حرب ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فحنكه ، فقال : ما سميتم ابني ؟ فقلنا : حرباً ، فقال : هو الحسن ، ثم ولد الحسين فسميته حرباً ، فأتى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فحنكه فقال : ما سميتم ابني ؟ فقلنا : حرباً ، فقال : هو الحسين.

ثم قال الهيثمي : رواه البزار والطبراني بنحوه بأسانيد ، ورجال أحدهما رجال الصحيح.

الثالث عشر من المصادر هو عيون الأخبار وفنون الآثار(1) للداعي المطلق إدريس عماد الدين القرشي ( ت 872 ه‍ ) ، جاء فيه ما لفظه :

وروي عن أبي غسان بإسناده عن عليّ أمير المؤمنينعليه‌السلام قال : لما ولد الحسن بن عليّ سمته أمّه حرباً ، فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا بل هو حسن.

فلما ولد الحسين سمته أمّه أيضاً حرباً ، فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا بل هو حسين ، فلمّا ولد محسن سمّته أمه حرباً ، فجاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : لا ، بل هو محسن ، ثم قال : إنّي سميتهم بأسماء أولاد هارون شبر وشبير ومشبر.

وعقّب المؤلف على ذلك بقوله : ومن هذه الرواية دليل على أنّ محسن ولد على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأشهر الذي عليه الإجماع أيضاً أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاه وهو في بطن فاطمة ، وأنّها أسقطته حين راعها عمر بن الخطاب ودفع على بطنها الباب ، والله أعلم بالصواب.

تعقيب على صور الحديث :

هذه نماذج من صور الحديث في مختلف المصادر ، وهي من الأمهات التي يرجع إليها المتأخرون وعنها يأخذون ، وحسب القارئ هذه المصادر الإثنى عشر

__________________

(1) عيون الأخبار وفنون الآثار 4 : 6.


فهي تُغني عن غيرها ، ولنعد الآن إلى صور الحديث فنُلقي عليها نظرة فاحصة ، لنعرف مدى التفاوت الذي حصل بين ما جاء في أقدم مصدر ، وبين ما جاء بعده ، مع العلم بأنّ الحديث واحد ، وراويه الأول واحد ، ثم الذي رواه عنه أيضاً هو واحد ، فلماذا نجدُ التفاوت ؟

ومهما كان ذلك لفظياً أو بسيطاً ، فهو بالتالي يكشف عن عدم الدقة في النقل ، ويورث ذلك عدم الثقة بالناقل ، وبالتالي إلى عدم اعتبار الحديث ، فخذ أمثلة على ذلك :

1 ـ جاء في ثاني المصادر وهو كتاب ( مسند الطيالسي ) فقد روى حديث أبي إسحاق بن يحيى ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّ ، وقد ورد فيه أنّ علياً كان يحب أن يكتنى بأبي حرب فسمّى ولده حرباً ، فغيّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّاه حسناً ، ثم ولد الحسين سماه عليّ حرباً وغيّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمّاه حسيناً.

وإلى هنا انتهى الحديث ولم يأت عن ولادة الثالث شيئاً ، ولا عن تسمية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لهما باسم ابني هارون ، بينما نجد نفس الحديث بنفس السند في المصادر التالية فيه نقص وفيه زيادة ، ففي بعضها ليس فيه ذكر لمحبة عليّ أن يكتني بأبي حرب ، بينما فيه زيادة ذكر ولادة المحسن وأنّ علياً سمّاه حرباً ، فغيّره النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وسمّاه المحسن ، مضافاً إلى زيادة قوله( صلّى الله عليه وسلّم ) : سميتهم بأسماء ولد هارون الخ. فمن أين جاءت تلك الزيادة ؟ ولماذا طرأ ذلك النقصان ، فاختفت محبة عليّ أن يكتنى بأبي حرب !!

2 ـ وخذ مثالاً ثانياً ما جاء في الحديث الثاني الذي رواه ابن سعد في الطبقات ، وهو الثالث في سُلّم المصادر ، تجد الحديث يرويه أبو إسحاق مرسلاً ليس فيه ذكر عمّن أخذه ، وفيه تجد حبّ عليّ أن يكتني بأبي حرب ، وفيه زيادة أخرى هي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في كل ولادة : ( ما شأن حرب وهو حسن ) ( ما شأن حرب وهو حسين ) ( ما شأن حرب وهو محسن أو محسّن ) [ بالتشديد ] وهذه الزيادة


الأخيرة لم ترد إلاّ في حديث أبي إسحاق المرسل الذي أخرجه ابن سعد في الطبقات ، ولم ترد في بقية المصادر التي أوردت الحديث.

3 ـ وخذ مثالاً ثالثاً حديث هانئ بن هانئ عن عليّ ، وقارن بين ألفاظه في مختلف مصادره تقف على التفاوت فيها ، ولابدّ لنا من الإشارة إلى أنّ هانئ بن هانئ الذي حدّث عن عليّعليه‌السلام لم يروِ عنه غير أبي إسحاق ، كما سيأتي بيان ذلك.

فهذا التفاوت والاختلاف إما أن يكون منه أو من أبي إسحاق ، وفي كلتا الحالتين يتطرق الريب إلى صدقهما في النقل ، أما الحمل على رجال السند من بعد أبي إسحاق حتى أصحاب المصادر ربّما كان فيه تجنٍ عليهم ، لأنّهم رووا ما سمعوا ، وإن كانت المؤاخذة قد ترد عليهم حين رووا ذلك على ما فيه من تفاوتٍ وتهافت.

4 ـ وخذ مثالاً رابعاً ما جاء في المصدر الثاني عشر ، ففيه مضافاً إلى إرساله أنّ الذي سمّى الأبناء بحرب هي أمهم فاطمةعليها‌السلام ، وهذا بخلاف ما مرّ أنّ علياًعليه‌السلام هو الذي سمى أو أحبّ أن يسمّي ، فجميع هذه الملاحظات تسقط الحديث المذكور عن الاعتبار.

والآن لنقرأ شيئاً عن الرواة لنعرف وزنهم في ميزان الجرح والتعديل.



الفصل الثاني

البحث عن رجال الاسناد

ولنبدأ بهم حسب ذكرهم في المصادر ، فرجال الحديث فيالمصدر الأول ـ وهو سيرة ابن إسحاق ـ قال : أنا ( أخبرنا ) يونس ، عن يونس بن عمرو ، عن أبيه ، عن هانئ بن هانئ.

فيونس الأول هو : ابن بكير ، قال الآجري عن أبي داود : ليس هو عندي بحجة ، كان يأخذ ابن إسحاق فيوصله بالأحاديث ، ومع ذلك قالوا عنه : كان صدوقاً إلاّ أنّه كان يتبع السلطان ، وكان مرجّئاً ، ومع ذلك روى له مسلم متابعة !!

ويونس الثاني هو : ابن عمرو ـ أبي إسحاق ـ السبيعي روى عن أبيه ، وقد أثنوا عليه في كتب الرجال ، ومن الثناء عليه : كان يقدم عثمان على عليّ ، ولعل ذلك هو سبب قول أبي حاتم : صدوق لا يحتج به ( خلاصة تهذيب الكمال ).

وفي المصدر الثاني : وهو ( مسند أبي داود الطيالسي ) : حدّثنا قيس ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، عن عليّعليه‌السلام .

فأما قيس ـ شيخ أبي داود ـ فقد قال هو نفسه عنه : ما أخرجت له إلاّ ثلاثة أحاديث ، حدّث بأحاديث عن منصور هي عن عبيدة ، وأحاديث عن مغيرة هي


عن فراس ، وقال أحمد : روى أحاديث منكرة ، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس ، وكان ابن معين يقول عنه : ليس بشيء ، وقال : ضعيف الحديث لا يساوي شيئاً(1) .

أما باقي رجال السند فستأتي حالهم عند ذكر المصادر التالية حسب تسلسلها.

وفي المصدر الثالث : وهو الطبقات الكبرى فقد روى ابن سعد عن عبيد الله بن موسى ، قالوا عنه : ثقة يتشيع ، عن إسرائيل بن يونس : ثقة تكلّم فيه بلا حجة ، عن أبي إسحاق السبيعي ثقة عابد اختلط بآخره ، عن هانئ بن هانئ الهمداني الكوفي ، قال ابن المديني : مجهول ، وقال الشافعي : لا يُعرف ، وأهل العلم لا ينسبون حديثه لجهالة حاله(2) .

وقال ابن سعد في الطبقات(3) : كان يتشيع وهو منكر الحديث.

وقال الذهبي(4) : ليس بالمعروف ، وقد ورد ذكره في كتب الرجال الشيعية ، ولم يذكر فيه مدح ، نعم روي أنّه كان من آخر رسل أهل الكوفة إلى الحسينعليه‌السلام ، هو وسعيد بن عبد الله الحنفي يطلبون منه القدوم عليهم ، وأنّهم ينتظرونه ولا رأي لهم في غيره ، فأجابهمعليه‌السلام وأرسل الجواب مع الرسولين المذكورين ، كما ذكر ذلك الشيخ المفيد في الإرشاد(5) ، والطبري(6) وغيره ذكروا مثل ذلك.

__________________

(1) تهذيب التهذيب 8 : 393.

(2) المصدر نفسه 11 : 12.

(3) طبقات ابن سعد 6 : 155.

(4) المغني في الضعفاء 2 : 707.

(5) الارشاد : 203.

(6) تاريخ الطبري 6 : 198.


ولدى التحقيق في أسماء شهداء الطف لم أقف على ذكر لهانئ بن هانئ المذكور بينهم ، بينما ورد اسم سعيد بن عبد الله الحنفي في عداد الشهداء ، وكان من المفترض فيه أن يكون كزميله الحنفي ولم يذكر أنه كذلك ، ونكتفي بهذا عنه ، ويتضح أنّ الرجل مجهول الحال أو مجروح ، ومَن وثقه لا يقوم بحجة ترفع أقوال الجارحين من أئمة الفن.

وقد قال ابن عبد البر في الاستقصاء ( ترجمة رقم 2182 ) : كل مَن لم يرو عنه إلاّ رجل واحد لا يعرف إلاّ بذلك ، فهو مجهول عندهم لا تقوم به حجة.

فتبيّن أنّ الحديث بهذا السند الضعيف لا يصح أن يحتج به.

أما الحديث الثاني في الطبقات فهو عن الحسن بن موسى ، وهو الأشيب أبو عليّ البغدادي ثقة ، عن زهير بن معاوية أبو خيثمة ثقة ثبت وسماعه عن أبي إسحاق بآخرة ، وقد تقدم أن أبا إسحاق اختلط بآخرة فلاحظ ذلك ، فالحديث مضاف إلى إرساله إذ لم يدرك أبو إسحاق الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ليروي عنه ، فأبو إسحاق في هذا إما مرسِل أو مدلِّس ، لأنّه روى الحديث كما مرّ بالسند الأول عن هانئ بن هانئ وهو هنا لم يذكره.

أما أسانيد المصادر الباقية فحيث أنّها تنتهي إلى إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ ، وقد عرفنا حال هؤلاء ، فلا حاجة إلى بسط القول في الرجال الّذين رووا الحديث عن إسرائيل ، يبقى لنا و قفة عابرة مع أولئك الّذين اهتموا بتصحيح الاسناد كالبزار والحاكم والهيثمي وغيرهم ممّن سبقت الإشارة إلى أقوالهم ، فإنّ حجتهم ـ الواهية ـ أنّ رجال بعض أسانيده هم رجال الصحيح ، كما مرّ عن رجال أحمد والبزار وحكاه الهيثمي. وكأنّ الصحيح عندهم هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وأسفي على تلك الجهود المضاعة لإثبات أنّ صحيح البخاري هو أصح كتاب بعد كتاب الله ، مع كثرة ما فيه من هنات وهفوات ، وما أخذ عليه وفيه من مؤاخذات ، يعرفها أولئك المخرفون قبل غيرهم.


ومهما يكن حالهم فلسنا بصددهم ، وإنّما الذي يهمنا أن نقوله : إنّ جميع الأسانيد في الحديث في جميع المصادر تنتهي إلى أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ ، ومرّت بنا كلمة الشافعي وغيره ، فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يحتج بالحديث المذكور ، وكذلك بالنسبة إلى الحديث الثاني الذي رواه أبو إسحاق مرسلاً.

بقى هنا شيء يجب أن ننبه عليه ، هو ما جاء مرسلاً عن سالم بن أبي الجعد ، قال عليّ : كنت رجلاً أحبّ الحرب ، فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حرباً ، فسمّاه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) الحسن ، قال : فلما ولد الحسين فهممت أن أسميه حرباً لأنّي كنت أحبّ الحرب ، وسماه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) الحسين ، وقال : إنّي سميت ابنيّ هذين باسمي ابني هارون شبراً وشبيراً.

وهذا الحديث أخرجه ابن سعد في الطبقات(1) ، والهيثمي في مجمع الزوائد(2) ، والطبراني في المعجم الكبير(3) ، ولمّا كان مرسلاً فلا حاجة إلى عطف النظر إلى رجال السند فيه.

كما لا حاجة إلى البحث عن أبي غسان الراوي للحديث مرسلاً عن عليّعليه‌السلام كما في المصدر الثاني عشر ، فلا تغني معرفة حاله ، مع جهالة الراوي عنهم من رجاله ، وهذا هو المصدر الوحيد الذي ذكرته وصاحبه من غير أهل السنة ، كما أنّه ليس من الشيعة الإمامية ، بل هو من الإسماعيلية ، وإنّما ذكرته للتنبيه على تسرّب حديث الاكتناء بأبي حرب في التراث الإسلامي ، دون الالتفات إلى ما فيه من هناة.

__________________

(1) طبقات ابن سعد : 239.

(2) مجمع الزوائد 8 : 52.

(3) المعجم الكبير 3 : 97.


الفصل الثالث

البحث عن متن الحديث

والبحث في هذا المجال يكون من خلال ست نقاط على النحو التالي :

النقطة الأولى : وفيها تحقيق المراد من اسم حرب ، فهل هو اسم المعنى الوصفي ؟ أم اسم العلم الشخصي ؟ وما المراد منهما في الحديث.

النقطة الثانية : هل كان اسم حرب من الأسماء المبغوضة أم المحبوبة ؟

النقطة الثالثة : ماذا كان يعني إصرار الإمام ـ إن صدقت الأحلام ـ في تسمية أبنائه بحرب اسم المعنى الوصفي ، أم اسم العلم الشخصي ؟

النقطة الرابعة : ما هي الدوافع المغرية في شخصية حرب اسم العلم الشخصي ؟ بدءاً من آبائه ، ومروراً به ، وانتهاءاً بأبنائه ؟

النقطة الخامسة : في كنى الإمام وما هي أحبّ كناه إليه ؟

النقطة السادسة : وأخيراً ماذا وراء الأكمة من تعتيم وظلمة لتضليل الأمة ؟



النقطة الأولى

في تحقيق المراد من اسم حرب

النقطة الأولى : في تحقيق المراد من اسم حرب وهل هو اسم المعنى ؟ أم اسم العلم ؟ ومن المراد منهما في الحديث ؟

إذا رجعنا إلى المصدر الأول والحديث الثالث من المصدر الخامس ، وجدنا قول الإمام ـ فيما نسب إليه ـ : « وقد كنت أحبّ أن أكتني بأبي حرب » وفي مرسل أبي إسحاق كما في المصدر الثاني نقرأ قول أبي إسحاق : « وكان يعجبه أن يكنّى أبا حرب » ، أما في مرسل سالم بن أبي جعد نقرأ قول الإمام : « كنت رجلاً أحبّ الحرب ».

ومهما أغضينا النظر عن الاختلاف في معاني الكلمات الثلاث ، فإنّ هذا إن دل على شيء فيدلّ على أنّ المراد بحرب هو اسم المعنى الوصفي ، ولعله إستناداً إلى ذلك ذهب العقّاد ـ وربما غيره أيضاً ـ إلى أنّ المراد من حب الإمام أن يكتني بأبي حرب ؛ لأنّه رجل شجاع يحب الحرب ، فلنقرأ ما يقوله العقّاد ، وهو يتحدث عن سيرة الإمام مع بنيه ، بعد أن حكى قول الإمام في حق الوالد على الولد ، وحق الولد على الوالد وهو : ( أن يحسّن اسمه ، ويحسّن أدبه ، ويعلّمه القرآن ).

قال العقّاد : ومن إحسان التسمية أنّه همّ بتسمية ابنه حرباً ، لأنّه يرشحه للجهاد وهو أشرف صناعاته ، لولا أنّ رسول الله سمّاه الحسن وهو أحسن ، فجرى على


هذا الاختيار في تسمية أخويه الحسين والمحسن ، وأتم حق أبنائه في إحسان أسمائهم ، فاختار لهم أسماء النبي ، وأسلافه من الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان(1) .

ولا نريد مناقشة العقّاد في تعليله العليل ؛ بأنّ علياً لشجاعته المنقطعة النظير ، كان يحبّ أن يعدّ ابنه فيرشحه لتلك الشجاعة عن طريق تسميته بحرب ؟!

وكأنّ مجرّد التسمية باسم صفة ، سوف يؤثّر خصائص تلك الصفة في المسمّى ! ؟ وما أدري بماذا يجيب ـ لو كان حياً ـ عن تخلّف الصفة فعلاً عن الموصوف بها اسماً ، فكم من اسمه اسد وهو في الحروب نعامة ، وكم من اسمه حاتم وهو في بخله زاد على ما در ، وكم وكم ، ولنا في أسماء الأضداد ما يغني عن إكثار الشواهد ، إذن ليس الأمر كما ذهب إليه العقّاد وغيره.

ثم هل لنا أن نسأل عن شجاعة أبناء عليّ التي ورثوها ، وكانت ظاهرة للعيان خصوصاً في حرب الجمل ، وصفين ، والنهروان ، هل كانت نتيجة تسميتهم بحرب ؟! وهذا ما لم يكن ولم يقع ، أم هي صناعة على نحو صناعات أبيهم كما قاله العقّاد فيه ! ثمّ ما بالنا نجد التفاوت في تلك الصناعة ، فيمتاز بعضهم على بعض في الحروب ، أوليسوا هم جميعاً خرّيجوا مدرسة واحدة ، والمربّي لهم واحد.

وما دام الإمام ـ إن صدقت الأحلام التي راودت مخيّلة الوضّاعين ـ كان يحب أن يكتنى بأبي حرب لأنّه يحبّ الحرب ، وقد حاول ثلاث مرّات أن يسمّي أحد أبنائه من ولد فاطمةعليها‌السلام فلم يقرّه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلماذا لم يسمّ أحد الباقين من أبنائه الّذين هم من غير فاطمةعليها‌السلام بهذا الاسم المحبّب إليه !! ولم يكن ثمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله موجوداً حتى يغيّره مثلاً.

__________________

(1) موسوعة العقّاد ( العبقريات الإسلامية ) : 821.

أما عن تسمية أبناء الإمام بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان , فقد روى البلاذري في أنساب الأشراف 2 : 192 ، قال : وكان عمر ابن الخطاب سمّى عمر بن عليّ باسمه ووهب له غلاماً. أقول : وما يدرينا لعلّ في مخبآت الآثار ما يكشف أنّ عمر تبع مَنْ قبله في ذلك , ومن أتى بعده كان على وتيرته , على أنّه ورد في تسمية ابنه عثمان : سماه باسم عثمان بن مظعون السلف الصالح , كما ورد في وصفه.


وأيضاً ما دام الإمام كان مغرماً باسم حرب لأنّه شجاع ، ويحب أن يكتني بأبي حرب وقد غيّره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لماذا لم يعدل إلى ما يرادف ذلك في المعنى كالهيجاء والوغى والقتال والنزال والطعان ، فينال بذلك مبتغاه حين يلقّب بأبي الهيجاء مثلاً ، أو أبي الوغى ، وأبي مقاتل ، وأبي منازل ، وأبي مطاعن ، كما كان العرب يفعلون ذلك ، وحتى كانوا يكتنون بأسماء آلات الحرب كالصارم والهندي والخطي ، فهذا أبو الصوارم ، وذاك أبو الخطي ، وثالث أبو الهندي ، وهكذا دواليك ، فخذ ما شئت من أمثلة لديك.

فقد جاء في حديث رواه الصدوق في معاني الأخبار(1) بسنده عن أحمد بن أشيم ، قال للرضاعليه‌السلام : جعلت فداك لم سمّوا العرب أولادهم بكلب ونمر وفهد وأشباه ذلك ؟ قال : كانت العرب أصحاب حرب ، فكانت تهوّل على العدو بأسماء أولادهم ، ويسمون عبيدهم فرج ومبارك وميمون وأشباه ذلك يتيمّنون بها.

ثم لو كانت ارادته اسم المعنى الوصفي من حرب ، لتحول بعد التغيير الأول إلى بعض مشتقاته اللفظية ، مثل ( محارب ) فيسمى ولده الثاني أو الثالث ، ولينظر هل كان النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يقرّه على ذلك أم يغيّره ؟

ثم أنّ سيرة الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام في حروبه كلّها كانت سيرة مثلى ، تأبى على مناوئيه وأعدائه فضلاً عن أوليائه أن يقولوا بأنّه كان يحب الحرب ، لأنّه شجاع متعطش لإراقة الدماء وإزهاق الأرواح.

فإنّا نقرأ حياته في الحروب التي خاض غمارها أيّام الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله بدءاً من بدر ثم اُحد وحنين والأحزاب وخيبر وإلى آخرها ، فلم يكن يعدو أوامر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يرهق الناس بطشاً حتى يؤذن له.

وما حديث مبارزته لعمرو بن عبدود إلا دليل على تلك السيرة المثلى ، فهو حيث يقرّره بأنّه يجيب إلى إحدى خصال ثلاث ، فيبدأ بدعوته إلى الاسلام ،

__________________

(1) معاني الأخبار للصدوق : 391 ؛ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 1 : 315.


وحين يأبى عليه ذلك ، يطلب منه أن يرجع بالجيش عن محاربة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ثانياً ، وحين يأبى ذلك يطلب إليه الن ـ زول إلى الحرب.

وأما الحروب التي بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقد فرضت عليه ، ولم يكن راغباً في إثارتها ، لولا بغي البغاة عليه ، من ناكثين وقاسطين ومارقين ، ومع ذلك كله كان لا يبدؤهم بقتال حتى يعذر إليهم ، يتريّث طويلاً ، ويبعث الرسل تلو الرسل إلى أعدائه ، بالأعذار تلو الأعذار ، ثم الإنذار تلو الإنذار ، يخوفهم عواقب البغي والعدوان ، ويحذّرهم مغبّة إغواء الشيطان لهم ، حذار عواقب الحرب الوخيمة ، حتى إذا تمادوا في طغيانهم ، وأصرّوا على منابذته ومناجزته ، ثم هُم بدؤوه بالقتال ، شمّر للحرب عن ساعده ، فخاض الغمرة وأصلاهم نارها ، وألزم عقباهم عارها.

هذا عليّعليه‌السلام الذي كان يحب الحرب !؟ نعم يخوض الحرب حين لا مناص من خوضها وقد شبّت وقدتها ، أما أنه يحبها ويدعو إليها فلا ، بل هو رجل السلم والسلام ، وما علم المسلمون الحكم في قتال أهل القبلة إلاّ من سيرته في الحروب الثلاثة : الجمل وصفين والنهروان.

فهل مثل هذا الإنسان يمكن أن يقال فيه كان يحب أن يكتني بأبي حرب ، لأنه يحب الحرب ، ويجعل العقّاد من ذلك دليلاً على حسن اختيار الإمام لأحسن الأسماء لأبنائه ، على أنّ في باقي قوله بعد ذلك : وأتمّ حق أبنائه في إحسان أسمائهم فاختار لهم أسماء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وأسلافه ، ما يستبعد اسم المعنى الوصفي ( لحرب ) فلاحظ.

والآن وبعد هذه التساؤلات التي استبعدت أن يكون المراد بحرب في زعم الزاعمين أن علياً أحب أن يكتنى بأبي حرب ، يعني الحرب ضد السلم ، إذن هل المراد بحرب اسم علم شخصي شغف الإمام به حباً ، فأحبّ أن يسمّي أحد أبنائه باسمه تيمناً به ، وإذا كان ذلك فمن هو ذلك صاحب الاسم المزعوم ؟


وإذا رجعنا إلى تاريخ تلك الحقبة التي ذكروا أن علياً سمّى أوهمّ أو أحبّ أن يكتني بتسمية ابنه الأول ( حرب ) لانجد إلاّ حرب بن أمية بن عبد شمس ، وهذا هو والد أبي سفيان صخر بن حرب ، وهو جدّ معاوية بن أبي سفيان.

ولعل القارئ داعبت مخيلته ظنون توحي إليه بأنّ الحديث من نسيج أحفاد حرب ، ليجعلوا من أبيهم انساناً محبباً ومرموقاً حتى همّ عليّ ، أو سمّى ، أو أحبّ أن يسمّي أحد أبنائه باسمه ، وكرر ذلك ثلاث مرّات إلاّ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله غيّر ، إذن كان لحرب ذكر ونباهة ومقام معلوم مزعوم ، ولنترك التعقيب فعلاً على ذلك حتى نقرأ ما يلي من النقطة الثانية ، ولكن أود تنبيه القارئ إلى أنّ الذي يشير إلى المراد بحرب هو اسم العلم الشخصي ، هو قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( ما شأن حرب ) ؟ كما مرّ في الحديث الثاني في المصدر الثاني.

* * *



النقطة الثانية

هل كان اسم حرب من الأسماء المحبوبة أم المبغوضة ؟

هذا سؤال يصح أن يقال إذا كان القارئ على علم بأنّ هناك أسماء محبوبة وأخرى مبغوضة ، ورد التنبيه عليها من الشرع ، وليس المقصود هنا بالمحبوبية والمبغوضية ما يراه الإنسان في نفسه.

وإذا رجعنا إلى الأحاديث التي وردت عن صاحب الشرع في تلك المسألة ، نجد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يغيّر الاسم القبيح ـ كما في حديث عائشة ( في الفتح الكبير للنبهاني ) نقلاً عن الترمذي وهو في جامعه(1) .

وقد روى الحميري في قرب الإسناد(2) بسنده عن الإمام الصادقعليه‌السلام عن آبائهعليهم‌السلام ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والبلدان.

وقد غيّر بعض الأسماء ، كما في حديث سعيد بن المسيب بن حزن أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال لجده حزن : ما اسمك ؟ قال : حزن ، قال : أنت سهل ، قال له : السهل يوطأ أو يمتهن ، قال سعيد : فما زالت الحزونة فينا بعد. والحديث أخرجه أبو داود في السنن(3) كما أخرجه غيره.

__________________

(1) الفتح الكبير للنبهاني 2 : 385 ، عن سنن الترمذي 2 : 107.

(2) قرب الإسناد للحميري : 45.

(3) سنن أبي داود 4 : 289.


وإلى القارئ نموذجاً من الأسماء التي غيّرها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال أبو داود : وغيّر النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) اسم العاص ، وعزيز ، وعقلة ، وشيطان ، والحكم ، وغراب ، وحباب ، وشهاب فسماه هشاماً ، وسمى حرباً سلماً ، وسمى المضطجع المنبعث ، وأرضاً تسمى عَفِرَة سماها خَضِرة ـ بمعجمة ـ وشعب الضلالة سماه شعب الهدى ، وبنو الزنية سمّاهم بني الرشدة ، وسمى بني مغوية بني رشدة.

قال أبو داود : وتركت أسانيدها للاختصار(1) .

وأخرج الترمذي في صحيحه(2) والبغوي في مصابيح السنّة(3) أنه غيّر اسم عاصية بنت عمر فسماها جميلة.

وقد ذكر البخاري في صحيحه في كتاب الأدب بعض تلك الأسماء ، وزاد في كتاب الأدب المفرد كثيراً من الأحاديث في ذلك فلتراجع.

وإذا علمنا أنّ هناك أسماء مبغوضة غيّرها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكان منها اسم حرب فغيّره وسمّاه سلماً ـ كما مرّ عن أبي داود ـ فما بال الإمام عليّعليه‌السلام يحبّ أن يكتني بحرب ؟ أو لم يكن يعلم بما رواه أبو وهب الجشمي في خصوص حرب ؟ وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد(4) وغيره بأسانيدهم عن أبي وهب ـ وكانت له صحبة ـ عن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّه قال : ( تسمّوا بأسماء الأنبياء ، وأحبّ الأسماء إلى الله( عزّ وجلّ ) عبد الله وعبد الرحمن ، وأصدقها حارث وهمام ، وأقبح الأسماء حرب ومرّة )(5) .

__________________

(1) سنن أبي داود 4 : 289.

(2) صحيح الترمذي 2 : 137.

(3) مصابيح السنّة للبغوي 2 : 148.

(4) الأدب المفرد للبخاري : 211 ، وأبو داود في السنن 2 : 307 ؛ والبيهقي في السنن الكبرى 9 : 306 ؛ وأحمد في المسند 4 : 345 ، وابن القيم في زاد المعاد : 258 ـ 260 ؛ والنبهاني في الفتح الكبير 2 : 385 ؛ وابن عبد البر في الاستيعاب 2 : 78.

(5) لقد ورد الحديث عن طريق أهل البيتعليهم‌السلام كما في الجعفريات ملحقاً بكتاب قرب الإسناد ؛


أفهل يُعقل أنّ أباوهب الجشمي ، وهو رجل كانت له صحبة كما يصفونه ، يروي هذا الحديث وعلي لا يرويه ولا يدريه ؟ وهو هو في سابقته وصحبته ومكانته وحظوته ؟ وهو القائل :« ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه ، يرفع لي كلّ يوم علماً من أخلاقه ، ويأمرني بالاقتداء به » (1) .

أوليس يدل اصرار الإمام على التسمية بحرب ـ سواء قلنا بأنّه اسم معنى أي ضد السلم ، أو قلنا بأنّه اسم علم كما يحلو لواضعيه ـ أنّ علياً يصرّ على مخالفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأستغفر الله من ذلك.

قال ابن قيّم الجوزية في زاد المعاد(2) :

( فصل ) ولمّا كان مسمى الحرب والمرة أكره شيء للنفوس وأقبحها عندها ، كان أقبح الأسماء حرباً ومرة ، وعلى قياس هذا حنظلة وحزن وما أشبههما ، وما أجدر هذه الأسماء بتأثيرها في مسمياتها كأثر اسم حزن الحزونة في سعيد وأهل بيته.

وقال أيضاً في فصل آخر بعده : ولمّا كان الأنبياء سادات بني آدم كانت أسماؤهم أشرف الأسماء ، فندب النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أمّته إلى التسمّي بأسمائهم ، كما في سنن أبي داود والنسائي عنه : « تسمّوا بأسماء الأنبياء ».

ولو لم يكن في ذلك من المصالح إلاّ أنّ الاسم يذكّر بمسماه ، ويقتضي التعلق بمعناه لكفى به مصلحة ، مع ما في ذلك من حفظ أسماء الأنبياء وذكرها ، وأن لا تنسى وأن يذكر أسماؤهم بأوصافهم وأحوالهم.

__________________

بلفظ ( نعم الأسماء عبد الله وعبد الرحمن والأسماء المعبّدة ، وشرها همام والحارث ) وأخرجه السيد الراوندي في نوادره : 9 ، وفيه : ( نعم الأسماء عبد الله وعبد الرحمن والأسماء المعبدة ، وشرها همام والحارث ) ونقله عن النوادر في البحار 104 : 130 ، ومستدرك الوسائل 3 : 618 ، ولقد ورد في حديث جابر مرفوعاً أنّه ( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( وشر الأسماء ضرار ومرّة وحرب وظالم ) راجع الخصال للصدوق : 228.

(1) نهج البلاغة ، شرح محمّد عبدة 2 : 182.

(2) زاد المعاد لابن قيّم الجوزية 2 : 6.


أقول : فإذا كان الحال هكذا في الأسماء ، فمنها محبوب ومنها مبغوض ، وكان حرب من الأسماء المبغوضة ، فهل يعقل أنّ الإمام عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، كان يحب الاكتناء بأبي حرب ـ الاسم المبغوض ـ ليكون على ذكر منه ؟ إنّها فرية عليه ، ولكم افترى عليه أعداؤه.

والآن لابدّ لنا من وقفة وتأمل عند هذا الإصرار المزعوم ، لنطلع من خلال ذلك على طبيعة الحدث الذي عاشه الإمام يوم أحب أن يكتني بأبي حرب كما يزعمون.

* * *


النقطة الثالثة

ماذا يعني إصرار الإمام في تسمية أبنائه بحرب ؟

النقطة الثالثة : ماذا كان يعني إصرار الإمام ـ إن صدقت الأحلام ـ في تسمية أبنائه بحرب ؟

إنّ في زعم إصرار الإمام عليّعليه‌السلام تكرار التجربة الفاشلة ـ إن صدقت أحلام صُنّاعي الحديث ـ حمل كثير من الآصار على عليّ ؟!

فعليٌ يحب أن يُسمي أوّل أبنائه حرباً ـ الاسم المبغوض ـ وكأنّه إنسان لا يعلم أنّ ذلك من أقبح الأسماء ؟ وعلي يكرّر تلك الرغبة الملحّة مع تغيير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لذلك الاسم أول مرّة ، وعلي لا ينتفع بتلك التجربة ، ولا يأخذ منها عبرة ، وكأنّه إنسان لا تعظه التجارب ! فيعاود مُصرّاً على اسم حرب والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يغيّره ، وعلي يكرر تجربته الثالثة ـ كما يقولون ـ ثم يغيّر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الاسم.

ثم عليّعليه‌السلام لا يدرك مغزى قول النبي :صلى‌الله‌عليه‌وآله ( ما شأن حرب هو حسن ) ومرّة ثانية يقول كلمته : ( ما شأن حرب هو حسين ) وثالثة يقول أيضاً : ( ما شأن حرب هو محسن ) ؟

ففي كلّ هذه المرّات وعليعليه‌السلام بعد على اصراره ؟ يا لله أهكذا كان أبو الحسن عليّ بن أبي طالب يضحي بكل ما لديه من رصيد الجهاد والجهود في خدمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودينه الحنيف ، وهو أول من آمن به! كيف يضحي بجميع ذلك على مذبح الشهوات والرغبات ؟ أهي الأنانية ؟ ليحقق مكسباً عظيماً حين يسمي أحد أبنائه حرباً ولا يصغي لتغيير النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سمعاً ؟ أهذا هو عليّ الذي همّ أو


أحب أو سمّى أبناءه حرباً فغيّرها النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ نعم ، فهو كذلك بهذه الصورة التي رسمها له أعداؤه من خلال هذا الحديث ، ولكن أهكذا كان عليّعليه‌السلام حقيقة ؟

لاها الله إنّها الشناشن الأخزمية ، والضغائن الجاهلية ، ووراء ذلك كله بعدُ سر مصون ، ليس في الغيب المكنون ، ولكن من باب ذر الرماد في العيون ، وإذا تمّ لهم ما يريدون ، ففي ذلك مكسب عظيم يجني المفترون الأفّاكون ، في طمس الحقائق وتشويه التاريخ ، وسنكشف عنه بعد أن نقرأ البيان عن النوازع المغرية في اسم حرب ، وذلك في النقطة الرابعة.

ولم يكن هذا هو الافتراء الوحيد على عليّعليه‌السلام ، فقد افترى عليه في زمانه وبعد زمانه ، كما افتري على أخيه الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله من قبل ، وما ذلك الافتراء إلاّ نتائج الحكم الأموي البغيض ، الذي شوّه ما استطاع لذلك سبيلاً ، فكانت سماسرة الوضع يلهثون وراء أصفره الرنّان ، فيضعون له ما يشاء ويطلب منهم الحكام ، ولا نريد الخوض في تفاصيل ذلك لئلاّ يطول الكلام.

ولنرجع البصر إلى خصوص الافتراء على عليّعليه‌السلام في خصوص الأسماء ، فقد أخرج الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب(1) باسنادهما عن معمر بن خثيم قال : قال لي أبو جعفرعليه‌السلام :« ما تكتني » ؟ قال : ما اكتنيت بعدُ ، ومالي من ولد ولا امرأة ولا جارية ، قال :« فما يمنعك من ذلك » ؟ قال : قلت : حديث بلغنا عن عليّعليه‌السلام قال : من اكتنى وليس له أهل فهو أبو جعر ، فقال أبو جعفرعليه‌السلام :« شوه ، ليس هذا من حديث عليّ ، إنّا لنكنّي أولادنا في صغرهم مخافة النبز أن يلحق بهم » .

فانظر بربك إلى هذا الحديث الذي كشف عن دوافع الافتراء المؤلم في أيّام الإمام الباقرعليه‌السلام الذي توفي سنة 114 ، فما ظنك بما حدث من بعد ذلك ؟

* * *

__________________

(1) الكافي 2 : 87 ، التهذيب للطوسي 7 : 438 و 2 : 246.


النقطة الرابعة

الدوافع المغرية في شخصية حرب ؟

النقطة الرابعة : في بحث الدوافع المغرية في شخصية حرب بدءاً من آبائه ومروراً به وانتهاءاً بأبنائه.

ليس العجب من رواة السوء حين يروون مثل ذلك الحديث المزعوم ، وليس العجب من زوامل الأسفار الّذين يثبتون الحديث في أسفارهم ، وليس العجب من تهالك بعض الحفاظ في تصحيح الاسناد ، ليثبت للأشهاد أنّه حصل على صك الغفران بصحة السند ، وكأنّ ذلك يكفي ويغني عن النظر في المتن ، وإن كان منكراً من القول وزوراً.

ليس العجب من كل أولئك ، ما داموا جميعاً في صف المعسكر المناوئ لعليعليه‌السلام ، أو ممّن شايع مناوئيه.

ولكن العجب كل العجب أن نقرأ الحديث في بعض كتب شيعة عليّعليه‌السلام ، ينقلونه عن الخصوم ويمرّون عليه مرور الكرام ، وكأنّهم لم يفقهوا ما فيه ، وتلك ـ لعمر الحق ـ مصيبة سلامة الطوية التي تجني البلية ، مع فقدان الرويّة ، وفتح الشهيّة لجمع كل ما هبّ ودبّ مما روى الأولياء والأعداء من دون تمحيص ، غافلين عن دس السم في العسل.

وأعجب من ذلك كلّه أن يكون ضحية الكذب والافتراء عليه شخصية الإسلام الأولى بعد نبيه الكريم ، والذي صحّ فيه قول زائره : ( أشهد أنّك أوّل مظلوم وأوّل من غصب حقه ).


وقد يهون ذلك العجب إذا تذكرنا أنّ الافتراء عليه كان منذ عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى أن الأفّاكين رفعوا عليه شكاوى إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يشكهم ونهرهم وقال لهم :« ما تريدون من عليّ ، عليّ منّي وأنا من عليّ » (1) .

ولكن العجب أشد العجب من أن يفترى على عليّ فيضحى به باسم الإسلام ، وهو أوّل من آمن به ، فيجعل منه إنسان كأنّه لا يفقه من الإسلام حكماً ولا أدباً ، وهو الذي لولاه ما قام للإسلام عمود ، ولا اخضرّ له عود ، وحين تقرع طبول أعدائه ، وتتراقص على أنغامهم أقلام بعض السذّج من أوليائه ، دون أن يشعروا ، بأنّ ذلك الطبل إنّما كان للحرب ، وليس هو طبل الميلاد أو طبل الأفراح ، ولم يشعروا ـ ويا للأسف ـ أنّ بني حرب ـ حزب الشيطان ـ قد حاربوا علياً بكل حول وطول ، وبشتى الوسائل التي واتتهم السبل إليها.

فلئن حاربوه بالسيف ولم يشف ذلك غليلهم ، ولئن حاربوه باللعن على منابر المسلمين تنقيصاً له ولم يبرد بذلك أوار حقدهم ، ولئن قعدوا له بكل مرصد فافتروا عليه خطبة ابنة أبي جهل ، ونسجوا لها ما ساعدتهم أنوالهم ، ولئن ولئن وفي كل ذلك لم يصنعوا شيئاً ، بل كانت النتائج عكس ما أرادوا.

فهم كلّما أرادوا النيل منه وإذا هم كأنّما يأخذون بضبعيه ، ويرفعونه إلى سماء المجد والعظمة ، والآن ماذا يمنعهم أن يصوروه إنساناً يحبهم ؟ وإن كانوا هم لا يحبّونه ؟ وما الذي يمنعهم أن يبنوا لهم صرحاً ممرداً من قوارير الأحلام على قاعدة عليّعليه‌السلام الصُلبة في الإسلام ، فيجعلوا من آبائهم وأجدادهم شخوصاً محببة ، يتمنّى إنسان مثل عليّ في مكانته المفضّلة أن يكتني باسم جدهم ، وهذا هو ما يوحيه الحديث المزعوم ، حديث يروي : كان عليّ يحب أن يكتني بأبي حرب.

__________________

(1) راجع كتاب ( عليّ إمام البررة ) 2 : 80 ـ 95.


والآن لنقرأ عن حرب وآبائه وأبنائه في مواقفهم من آباء وأجداد عليّ ، لنرى هل يُعقل أن يكون عليّ أحبّ أن يكتني بأبي حرب ؟ فنقول :

في ذكر حرب بن أميّة :

إنّه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وفي عبد مناف يجتمع نسب عليّعليه‌السلام والهاشميين مع أبناء عبد شمس.

قال المقريزي : وقد كانت المنافرة لا تزال بين بني هاشم وبين عبد شمس(1) .

وقال : وكانت المنافرة بين هاشم بن عبد مناف بن قصي ، وبين ابن أخيه أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وسببها أن هاشماً كانت إليه الرفادة مع السقاية ، وذلك أنّ أخاه عبد شمس كان يسافر وكان يقيم بمكة ، وكان رجلاً مقلاً وله ولد كثير ، فاصطلحت قريش على أن يلي هاشم السقاية والرفادة ، وكان هاشم رجلاً موسراً ، وكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال :

يا معشر قريش إنّكم جيران الله وأهل بيته ، وإنّكم يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله يعظمون حرمة بيته ، وهم ضيوف الله ، وأحق المضيّف بالكرامة ضيفه ، وقد خصّكم الله بذلك وأكرمكم به ، حفظه منكم أفضل ما حفظ جار من جاره ، فأكرموا ضيفه وزوّاره ، فإنّهم يأتون شعثاً غُبراً من كلّ بلد على ضوامر كالقداح ، وقد أزحفوا وتفلوا وقملوا ، فأقروهم وأنموهم وأعينوهم.

وكانت قريش ترافد على ذلك ، حتى أن كان أهل البيت يرسلون اليسير على قدرهم ، فيضمّه هاشم إلى ما أخرج من ماله وما جمع مما يأتيه به الناس فإن عجز كمّله ، وكان هاشم يخرج في كلّ سنة مالاً كثيراً ، وكان قوم من قريش يترافدون فكانوا أهل يسار ، فكان كلّ إنسان منهم ربما أرسل بمائة مثقال هرقلية.

وكان هاشم يأمر بحياض من أدُم فتجعل في موضع زمزم ـ من قبل أن تحفر زمزم ـ ثم يستقي فيها من البئار التي بمكة فيشرب الحاج ، وكان أوّل ما

__________________

(1) النزاع والتخاصم : 18.


يطعمهم قبل التروية بيوم بمكة ، ويطعمهم بمنى وبعرفة وبجمع ، فكان يثرد لهم الخبز ، واللحم والخبز والسمن ، والسويق والتمر ، ويحمل لهم الماء حتى يتفرق الناس لبلادهم ، وكان هاشم يسمّى عمرواً ، وإنّما قيل له هاشم لهشمه الثريد بمكة ، وفيه يقول مادحه :

عمرو العلا هشم الثريد لقومه

ورجال مكة مسنتون عجاف

وكان أمية بن عبد شمس ذا مال ، فتكلّف أن يفعل كما فعل هاشم من إطعام قريش فعجز عن ذلك ، فشمت به ناس من قريش وعابوه ، فغضب ونافر هاشماً على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة ، وعلى جلاء عشر سنين ، وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي ـ جد عمرو بن الحمق ـ وكان منزله عسفان ، وخرج مع أمية أبو همهمة حبيب بن عامر بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر بن مالك الفهري.

فقال الكاهن : والقمر الباهر ، والكوكب الزاهر ، والغمام الماطر ، وما بالجو من طائر ، وما اهتدي بعَلَم مسافر ، من مُنجد وغائر ، لقد سبق هاشمُ أمية إلى المآثر ، أوّل منه وآخر ، وأبو همهمة بذلك خابر.

وأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر ، وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين(1) .

قال العقّاد : فكان هذا أوّل عداوة وقعت في بني هاشم وبني أمية.

أقول : وتجد حديث هذه المنافرة في جملة من المصادر التاريخية منها المنمّق لمحمد بن حبيب(2) ، ثم قال ابن حبيب :

ومن ثم يقال : انّ أمية استلحق أبا عمرو ابنه ، وهو ذكوان وهو رجل من أهل صفورية ، فخلف أبو عمرو على امرأة أبيه بعده ، فأولدها أمية وهو أبو معيط ، ويقال : استلحق ذكوان أيضاً أبان.

__________________

(1) شخصيات اسلامية ضمن موسوعة العقّاد : 549.

(2) المنمق : 103.


أقول : وما ذكره ابن حبيب منسوباً إلى القيل ، فقد ذكره المقريزي في النزاع والتخاصم(1) كحقيقة ثابتة وبما هو أقبح من ذلك ، حيث قال : وصنع أمية في الجاهلية شيئاً لم يصنعه أحد من العرب ، زوّج ابنه أبا عمرو بن أمية امرأته في حياة منه ، والمقتيون في الاسلام هم الّذين أولدوا نساء آبائهم واستنكحوهن من بعد موتهم ، وأما أن تزوجها في حياته ويبنى عليها وهو يراه ، فإنّ هذا لم يكن قط(2) ، وأمية جاوز هذا المعنى ولم يرض بهذا المقدار حتى نزل عن ماله وزوّجها منه ثم قال : وأبو معيط بن أبي عمرو بن أمية قد زاد في المقت درجتين ، يشير إلى ما مرّ عن ابن حبيب.

قال المقريزي في النزاع والتخاصم(3) : ولم يكن أمية في نفسه هناك ، وإنما يرفعه أبوه وبنوه ، وكان مضعوفاً ، وكان صاحب عهار ، يدل على ذلك قول نفيل بن عبد العزى جد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين تنافر حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم ، فنفر عبد المطلب ، وتعجب من اقدامه عليه وقال :

أبوك معاهر وأبوه عفّ

وذاد الفيل عن بلد الحرام

وذلك أنّ أمية كان تعرض لامرأة من بني زهرة ، فضربه رجل منهم ضربة بالسيف ، وأراد بنو أمية ومن تابعهم إخراج بني زهرة من مكة ، فقام دونهم قيس بن عدي السهمي وكانوا أخواله ، وكان منيع الجانب ، شديد العارضة ، حميّ الأنف ، أبيّ النفس ، فقام دونهم وقال : ( أصبح ليل ) فذهبت مثلاً ، ونادى : ( ألا إنّ الظاعن

__________________

(1) النزاع والتخاصم : 22.

(2) ذكر ذلك الجاحظ في رسالته الثانية من رسائله ، وهي من كتاب فضل هاشم على عبد شمس راجع ص 75 ، جمع وتحقيق حسن الهندوبي ، ط : مصر سنة 1352 ه‍.

(3) النزاع والتخاصم : 21.


مقيم ) ففي هذه القصة يقول وهب بن عبد مناف بن زهرة :

مهلاً أميّ فإنّ البغي مهلكة

لا يكسبنّك يومٌ شرّه ذكر

تبدو كواكبه والشمس طالعة

يصبّ في الكأس منه الصاب والمقر

أقول : فهذا أمية والد حرب ، وكان كأبيه فقد حسد عبد المطلب بن هاشم على مآثره ، فنافره إلى نفيل بن عبد العزّى جد عمر بن الخطاب ، فقال حين تنافرا إليه وقد عجب من اقدام حرب على منافرة عبد المطلب ، فقال كما في النزاع والتخاصم(1) كما مرّ :

أبوك معاهر وأبوه عفّ

وذاد الفيل عن بلد الحرام

ثم قال له : يا أبا عمرو أتنافر رجلاً هو أطول منك قامة ، وأعظم منك هامة ، وأوسم منك وسامة ، وأقلّ منك لامة ، وأكثر منك ولداً ، وأجزل منك صفداً ـ عطاءً _. وحديث هذه المنافرة في المحبّر والمنمّق وغيرهما فليرجع إليهما طالبها(2) .

هذا هو حرب الذي زعموا أنّ علياً أحب اسمه فأراد أن يكتني به ، فهل نسي عليّعليه‌السلام أنّه الذي نافر جديه هاشم وعبد المطلب فحكم لهما المحكمون ، وأخزوه حتى أجلي عن مكة إلى الشام ، فأقام بها عشر سنين ؟

ثم هل أنّ علياً نسي أنّ حرب هو والد أبي سفيان رأس الكفر والشقاق ، والذي كان زنديقاً(3) كما يقول عنه المؤرّخون ، ويكفي في خزايته ، مواقفه بدءاً من بدء الدعوة ومروراً بحروب بدر وأحد والأحزاب ، وأخيراً بفتح مكة ؟

__________________

(1) المصدر نفسه.

(2) المحبّر : 173 ، المنمّق : 94.

(3) عليّ سامي النشار في كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام 1 : 231 ، وقال في كتابه أيضاً 2 : 66 : وكان من أخطر الزنادقة أبو سفيان الأموي وعدو الإسلام العتيد.


ثم هل نسي عليّ أنّ حرب هو والد أم جميل ـ وهي حمالة الحطب ـ التي كانت تؤذي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى نزلت سورة في ذمها وذم زوجها ، فقال تعالى :( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ *تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ *مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ *سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ *وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الحَطَبِ *فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِن مَّسَدٍ ) (1) فهل يُعقل أنّ علياً لا يعرف مَن هو حرب ؟ ومن هم آباء حرب ؟ ومن هم أبناء حرب حتى يغرم باسم حرب ؟

والآن بعد هذا الخطو السريع في رحاب التاريخ ، فهل رأينا من دافعٍ أو شافع مغرٍ يحمل علياً على التهالك في تسمية أبنائه ( بحرب ) ؟

هل كانت بين البيتين في ميزان التفاضل موازنة صحيحة ، في منكب أو موكب يتساوى فيها رجال البيتين ؟ هل كانت لدى المقارنة بين رجال الحييّن مساواة في حول أو طول ؟ ثم أليس هو القائل في هذا المضمار رداً على معاوية حفيد حرب :

وأما قولك : إنّا بنو عبد مناف فكذلك نحن ، ولكن ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق ، ولا المحق كالمبطل ، ولا المؤمن كالمدغل ، ولبئس الخلف خلفاً يتبع سلفاً هوى في نار جهنم(2) .

ألم يسمع علي قول أبيه في بني حرب حيث يقول :

قديماً أبوهم كان عبداً لجدنا

بني أمة شهلاء جاش بها البحر

لقد سفهوا أحلامهم في محمّد

فكانوا كجعر بئس ما ظفطت جعر(3)

__________________

(1) المسد : 1 ـ 5.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 219.

(3) نفس المصدر 4 : 467.


كيف لم يسمع ؟ وكيف لم يعلم ؟ والأمر بين الحييّن من الوضوح حتى كان يعرفه بنو هاشم كما يعرفه أبناء حرب أنفسهم.

فهذا ابن جعفر يقول ليزيد بن معاوية مفاخراً له بحضور أبيه معاوية : بأيّ آبائك تفاخرني ؟! أبحرب الذي أجرناه ؟ أم بأمية الذي ملكناه ؟ أم بعبد شمس الذي كفلناه ؟ فقال معاوية : لحرب بن أمية يقال هذا ؟ ما كنت أحسب أن أحداً في عصر حرب يزعم أنّه أشرف من حرب ، فقال عبد الله بن جعفر : بلى أشرف منه من كفأ إناءه عليه وجلّله بردائه ، فنهى معاوية ولده عن مفاخرة بني هاشم ، وأنّهم لا يجهلون ما علموا ، ولا يجد مبغضهم لهم سباً(1) .

فاتضح من خلال ما تقدم أن ليس في شخصية حرب من دوافع مغرية تدعو الإمام علياًعليه‌السلام لأن يحب أن يكتنى باسمه ، فيبقى الحديث المزعوم الذي لم يثبت لصنّاعه ما أرادوه ، حبراً على ورق فلا يسمن ولا يغني إذا ما قرأنا ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير(2) بسنده عن سورة بنت مشرح قالت : كنت فيمن حضر فاطمة( رضي الله عنها ) حين ضربها المخاض في نسوة ، فأتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : ( كيف هي ؟ ) قالت : إنها لمجهودة يا رسول الله ، قال : ( فإذا هي وضعت فلا تسبقين فيه بشيء ) قالت : فوضعت فسروّه ولغفوه في خرقة صفراء ، فجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : ( ما فعلت ؟ ) قالت : قد ولدت غلاماً وسررته ولففته في خرقة ، قال : ( عصيتني ) قالت : أعوذ بالله من من معصية الله ومن غضب رسوله ، قال : ( ائتيني به ) فأتيته به ، فألقى الخرقة الصفراء ، ولفّه في خرقة بيضاء ، وتفل في فيه ، وألبأه بريقه ، فجاء عليرضي‌الله‌عنه فقال : ( ما سميته يا علي ؟ ) قال : سمّيته جعفراً يا رسول الله ، قال : ( لا ولكن حسن وبعده حسين ، وأنت أبو حسن الخير )(3) .

__________________

(1) نفس المصدر 4 : 435.

(2) المعجم الكبير 3 : 23.

(3) قال محقق الكتاب في الهامش : قال في المجمع 9 : 175 ، رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما


فالآن حصحص الحق ، وتبيّن الصدق ، بأنّ علياً أراد تسمية ابنه الأول باسم أخيه جعفر شهيد مؤتة ، إلا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاه حسناً كما سمى الوليد الثاني حسيناً قبل أن يولد ، مما دلّ على أن الوحي الإلهي تصرّف في المقام ، فأين يكون موضع الحديث المزعوم بعد ما نقرأ حديث سورة بنت مسرح القابلة ؟

وبعد بيان زيف الحديث المزعوم من هذا الجانب ، فهل ثمة جانب آخر يريد الوضاعون الاستفادة منه ؟

نعم ، وذلك هو الجانب الأهم ، وهو الذي أخفوه أو حاولوا إخفاءه وذلك هو : إثبات ولادة المحسن السبط الثالث للرسول( صلّى الله عليه وسلّم ) في عهده ، وهذا الوليد الذكر هو الثالث من أبناء الإمام أمير المؤمنين من الصديقة فاطمة الزهراءعليها‌السلام .

وهذا ما سنقرأ عنه شيئاً في النقطة السادسة.

* * *

__________________

عمر بن فيروز وعمر بن عمير ولم أعرفهما ، وبقية رجاله وثّقوا. وسيأتي ( 786 / 24 ).

أقول : ولدى مراجعة الموضع المشار إليه ، وجدت الحديث كما هو إلا أن فيه اسم القابلة سودة بنت مسرح ، ولم ينبه المحقق على ذلك ، والصواب ما في الموضع الثاني ، وقد ذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة 4 : 318 ، وأشار إلى الحديث المذكور باختصار.



النقطة الخامسة

في كنى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام

النقطة الخامسة : في كنى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :

كان من حق هذا الموضوع تقديمه في البحث على ما سيق لو كنّا نبحث عن كنى الإمامعليه‌السلام وكم هي ؟ وما هي ؟ إلاّ أن بحثنا لم يكن في ذلك ، وإنما تطرقنا إليه بسبب حديث الاكتناء بأبي حرب الذي نسجه النسّاجون ، وطبّل له المهرّجون ، فحمله زوامل الاسفار والمخرّفون ولمّا انتهينا إلى تزييفه سنداً ومتناً ، لزمنا أن نعرّج على موضوع كنى الإمامعليه‌السلام ؛ لنرى هل كانت له كنى يعرف بها قبل ولادة أبنائه ؟ وبماذا كان يكنى ؟ ومن كنّاه ؟ وما هي أحب كنا إليه ؟

والجواب عن جميع هذه التساؤلات إنّما يكفي فيه البحث عن كنيته بأبي تراب دون بقية كناه كأبي الحسن وأبي الحسين أو أبي الحسنين أو أبي الرياحنتين أو أبي السبطين ، ونحو ذلك ما هو حادث بعد ولادة الأبناء له ، وإن كانت بعضها كنّاه بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كأبي الريحانتين ، وقد سلّم بها عليه كما في حديث جابر قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« سلام عليك أبا الريحانتين ، أوصيك بريحانتي من الدنيا فعن قليل ينهد ركناك والله خليفتي عليك » ، قاله لعلي ( أبو نعيم وابن عساكر ـ عن جابر )(1) .

ولمّا كان الحديث عن كنيته ( بأبي تراب ) يستدعي معرفة الزمن الذي حصلت فيه ، وإذا عرفنا أنها وردت في أحاديث كثيرة وكانت من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد

__________________

(1) كنز العمّال 12 : 220.


كنّاه بها مراراً حين يراه في كل مرّة متوسداً التراب وقد أثر فيه ، فيقول له : أنت أبو تراب ، وتلك الأحاديث اختلف زمانها وتفاوتت أحداثها ، فلابد لنا من عرضها حسب تسلسلها الزمني :

المرة الأولى في حديث المؤاخاة :

وهو حديث مستفيض نقلاً ، أخبت بصحته الحفّاظ ، وأخرجه أصحاب الحديث والسير والتواريخ ، ولا يتطرق إليه ريب ، ويكفي في روايته المصادر التالية : المعجم الكبير(1) والأوسط وهما للطبراني ، ومجمع الزوائد للهيثمي(2) عن ابن عباس قال :

لما آخى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار ، فلم يؤاخ بين علي بن أبي طالب وبين أحد منهم ، وخرج مغضباً حتى أتى جدولاً فتوسّد ذراعه فسفت عليه الريح ، فطلبه النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) حتى وجده ، فوكزه برجله فقال له : قم فما صلحت أن تكون إلا أبا تراب ؟ أغضبت عليّ حين آخيت بين المهاجرين والأنصار ولم أؤاخ بينك وبين أحد منهم ؟ أما أن ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبي بعدي ، ألا من أحبّك حُفّ بالأمن والإيمان ، ومن أبغضك أماته الله ميتة جاهلية ، وحوسب بعمله في الإسلام.

أقول : وأخرجه المتقي الهندي في كنز العمال(3) ، والخوارزمي الحنفي في المناقب(4) ، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة(5) .

__________________

(1) المعجم الكبير 11 : 62.

(2) مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 111.

(3) كنز العمّال 12 : 206.

(4) المناقب : 22.

(5) الفصول المهمّة : 22.


وهذا الحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه(1) بسنده عن سماك بن حرب ، قال : قلت لجابر : إنّ هؤلاء القوم ـ يعني بني أمية ـ يدعونني إلى شتم علي ، قال : وما عسيت أن تشتمه به ؟ قال : أكنيه بأبي تراب.

قال : فوالله ما كانت لعلي كنية أحب إليه من أبي تراب ، انّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) آخى بين الناس ولم يؤاخ بينه وبين أحد ، فخرج حتى أتى كثيباً من رمل فنام عليه ، فأتاه النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : قم أبا تراب ، وجعل ينفض التراب عن ظهره وبردته ويقول : قم أبا تراب ، أغضبت إن أنا آخيت بين الناس ولم أواخ بينك وبين أحد ؟ قال : نعم ، فقال له : أنت أخي وأنا أخوك. وجاءت عدة أحاديث بهذا المعنى.

وإذا عرفنا أنّ المؤاخاة كانت مرّتين مرّة قبل الهجرة وأخرى بعد الهجرة بخمسة أشهر ، فإنّ تكنية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بأبي تراب كانت في الثانية ، كما هو صريح حديث ابن عباس ؛ لذكر المؤاخاة فيها بين المهاجرين فقط ، وبناء على ذلك فتكون تكنية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأبي تراب قد وقعت بعد الهجرة بخمسة أشهر ، وهذا التحديد الزمني يعني أنّها كانت قبل ولادة الحسن أول أبنائه بأكثر من سنتين ونصف تقريباً ، لأنّ ولادة الحسنعليه‌السلام كانت في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.

ولئن كانت تلك المرة هي الأولى التي كنى بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله علياً بأبي تراب ، فانّها لم تكن الأخيرة ، فقد تكررّت أيضاً مرّة أخرى.

المرة الثانية في غزوة العُشيرة :

أخرج ابن عساكر في تاريخه(2) بأسانيده عن عمار بن ياسر ، والنسائي في الخصائص(3) عن عمار بن ياسر واللفظ له ، قال : كنت أنا وعلي بن أبي طالب

__________________

(1) تاريخ ابن عساكر ( ترجمة الإمام ) 1 : 23.

(2) المصدر نفسه 3 : 285.

(3) الخصائص : 39.


رفيقين في غزوة العُشيرة من بطن ينبع ، فلما نزلها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أقام بها شهراً ، فصالح فيها بني مدلج وحلفاءهم من ضمرة فوادعهم ، فقال لي علي : هل لك يا أبا اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم ، فننظر كيف يعملون ؟ قال : قلت : إن شئت ، فجئناهم فنظرنا إلى أعمالهم ساعة ، ثم غشينا النوم ، فانطلقت أنا وعلي حتى اضطجعنا في ظل صور(1) من النخل وفي دقعاء(2) من التراب فنمنا ، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يحرّكنا برجله ، وقد تربنا من تلك الدقعاء التي نمنا فيها.

فيومئذٍ قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لعلي : مالك يا أبا تراب ؟ لما يرى عليه من التراب ، ثم قال : ألا أحدثكما بأشقى الناس رجلين ؟ قلنا : بلى يا رسول الله ، قال : أحيمر ثمود الذي عقر الناقة ، والذي يضربك على هذه ـ ووضع يده على قرنه ـ حتى يبلّ منها هذه ، وأخذ بلحيته.

وهذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده(3) ، وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد(4) عن البزار ، والأسفراييني في معالم الاسلام كما في تاريخ ابن الوردي(5) ، والديار بكري في تاريخ الخميس(6) ، وورد في شرح المواهب للزرقاني(7) ، ودلائل النبوة لأبي نعيم ، وليس فيه : ( قم أبا تراب ) فمن الذي حذف

__________________

(1) الصور وصيران وأصوار : النخل الصغير.

(2) الدقعاء : التراب اللين.

(3) مسند أحمد بن حنبل 2 : 262 ؛ والحاكم في المستدرك 3 : 140 ؛ والطحاوي في مشكل الآثار 1 : 351 ؛ والمتقي الهندي في كنز العمّال 15 : 123 ، وقال أخرجه البغوي ، والطبراني ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، وابن عساكر ، وابن النجار.

(4) مجمع الزوائد 9 : 136.

(5) تاريخ ابن الوردي 1 : 219.

(6) تاريخ الخميس 1 : 364.

(7) شرح المواهب 1 : 395.


ذلك يا ترى ؟ وأخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل ، والحمويني في فرائد السمطين(1) وغيرهم.

أقول : إنّ غزوة العُشيرة ـ بضم العين مصغراً بالشين وقيل بالسين المهملة آخرها هاء ـ بخلاف العسرة فهي غزوة تبوك ، أما هذه فمنسوبة لموضع بني مدلج بينبع.

وإذا رجعنا نستجوب كتب السيرة عن زمانها ، فهي تعيّن زمانها بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله خرج إليها في جمادى الأولى أو الآخرة على رأس ستة عشر شهراً من الهجرة ، وسبب تلك الغزوات كانت وقعة بدر ، وقد ذكر الحلبي(2) حديث تكنية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي بأبي تراب ، فعلى هذا التحديد الزمني ظهر أن التكنية كانت للمرّة الثانية ، وبعد مرور ما يقرب على سنة بعد المرة الأولى ، وأيضاً هي قبل ولادة الحسنعليه‌السلام أول أبناء الإمام بأكثر من سنة ونصف.

المرة الثالثة في المسجد النبوي الشريف :

أخرج ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام(3) بأسانيده عن أبي حازم أنّ رجلاً جاء إلى سهل بن سعد فقال :

هذا فلان ـ لأمير المدينة ـ يدعو علياً عند المنبر ، قال : فيقول ماذا ؟ قال : يقول له : أبو تراب ، فضحك قال : والله ما سمّاه إلاّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وما كان له اسم أحبّ إليه منه ، فاستطعمت الحديث سهلاً وقلت : يا أبا عباس كيف ؟ قال : دخل علي على فاطمة ثم خرج فاضطجع في المسجد ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : أين ابنُ عمّكِ ؟ قالت : في المسجد ، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره ، فجعل يمسح التراب عن ظهره فيقول : اجلس يا أبا تراب يا أبا تراب مرّتين.

__________________

(1) فرائد السمطين 1 : 384.

(2) السيرة الحلبية 2 : 126 ؛ وسيرة زيني دحلان بهامش الحلبية 1 : 361.

(3) تاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام 1 : 22.


وهذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه في أربعة مواضع بتفاوت في ألفاظه مع انتهاء إسناده إلى راوٍ واحد ، وتلكم المواضع هي :

1 ـ كتاب بدء الخلق في باب مناقب علي بن أبي طالب(1) .

2 ـ كتاب الصلاة في باب نوم الرجال في المسجد(2) .

3 ـ كتاب الأدب في باب التكني بأبي تراب(3) .

4 ـ كتاب الاستيذان في باب القائلة في المسجد(4) .

ورواه أيضاً في الأدب المفرد في باب من كنى رجلاً بشيء هو فيه.

ورواه الطبري في تاريخه(5) .

وأخرجه مسلم في صحيحه في مكانين :

1 ـ في باب مناقب أمير المؤمنين(6) .

2 ـ كتاب الصلاة في باب نوم الرجل في المسجد(7) .

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى(8) .

وتوجد عدة أحاديث وردت فيها تكنية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام بأبي تراب ، ولم يذكر فيها زمان أو مكان يمكن أن نحدد على ضوئها زمان الصدور.

1 ـ فمنها حديث عليعليه‌السلام قال : طلبني رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فوجدني في جدول نائماً ، فقال : ما ألوم الناس يسمونك أبا تراب ، فرآني كأنّي وجدت في نفسي من

__________________

(1) صحيح البخاري ، كتاب بدء الخلق في باب مناقب علي بن أبي طالب 5 : 18.

(2) المصدر نفسه ، كتاب الصلاة في باب نوم الرجال في المسجد 1 : 92.

(3) المصدر نفسه ، كتاب الأدب في باب التكني بأبي تراب 8 : 45.

(4) المصدر نفسه ، كتاب الاستيذان في باب القائلة في المسجد 8 : 63.

(5) تاريخ الطبري 2 : 124 ـ 363.

(6) صحيح مسلم ، في باب مناقب أمير المؤمنين 7 : 124 وفيه ذكر المغاضبة.

(7) صحيح مسلم ، كتاب الصلاة في باب نوم الرجل في المسجد.

(8) السنن الكبرى للبيهقي 2 : 446.


ذلك ، فقال : قم والله لأرضينّك ، أنت أخي وأبو ولدي ، تقاتل على سنتي ، وتبرئ ذمتي ، من مات في عهدي فهو كبّر الله ، ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه ، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان ما طلعت شمس أو غربت ، ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية وحوسب بما عمل في الإسلام. أخرجه أبو يعلى في مسنده ، والسيوطي في الجامع الكبير كما في كنز العمّال(1) ، وقال البوصيري : رواته ثقات.

2 ـ ومنها حديث أبي الطفيل قال : جاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وعلي نائم في التراب ، فقال : أحق اسمائك أبو تراب ، أنت أبو تراب. أخرجه ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام(2) ، والطبراني في معجمه الكبير والأوسط ، وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد(3) وقال : ورجاله ثقات.

3 ـ ومنها ما رواه ابن هشام في سيرته بعد ذكره لحديث عمار المتقدم ، قال ابن إسحاق : وقد حدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إنّما سمّى علياً أبا تراب أنّه كان إذا عتب على فاطمة في شيء لم يكلّمها ولم يقل لها شيئاً تكرهه إلا أنّه يأخذ تراباً فيضعه على رأسه ، قال : فكان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إذا رأى عليه تراباً عرف أنّه عاتب على فاطمة ، فيقول : مالك يا أبا تراب ؟

وعقّب ابن هشام على ذلك بقوله : فالله أعلم أيّ ذلك كان ، وليس في تعقيبه ما يدعونا إلى التعليق عليه إذ يبدوا أنّه لم يجزم بواحد منهما ، ولكنه لا يعدوها.

ولكن هلمّ الخطب فيما يقوله السهيلي في الروض الانف(4) ، وهو في شرح سيرة ابن هشام ، قال السهيلي وقد ذكر الحديثين الأولين في تكنية علي بأبي

__________________

(1) كنز العمّال 12 : 206.

(2) تاريخ ابن عساكر في ترجمة الإمام 1 : 24.

(3) مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 101.

(4) الروض الأنف للسهيلي 2 : 58.


تراب : وأصحّ من ذلك ما رواه البخاري في جامعه ، وهو أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وجده في المسجد نائماً ، وقد ترب جنبه فجعل يحث ـ كذا في النسخة ولعل الأصوب يحتّ بالمثناة ـ التراب عن جنبه ويقول : قم أبا تراب ، وكان قد خرج إلى المسجد مغاضباً لفاطمة.

وهذا معنى الحديث ، وما ذكره ابن إسحاق عن حديث عمار مخالف له إلا أن يكون رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كنّاه بها مرّتين ، مرّة في المسجد ومرّة في هذه الغزوة ، فالله أعلم.

أقول : ونحن قد ذكرنا مواضع الحديث في صحيح البخاري ، وأنّه ذكره في أربعة مواضع من جامعه ، وأشرنا إلى أنّه لم تتفق صور رواياته للحديث على صورة واحدة ، مع أنّها عن راوٍ واحد ، وهو أبو حازم عن سهل بن سعد ، مما يكشف عن عدم دقة البخاري في نقله ، ومع ذلك التفاوت في روايات البخاري ، فراجع وقارن بين ما حكاه السهيلي عن البخاري ، وبين ما هو موجود في الجامع الصحيح ، فسوف تجده لا يتفق مع أيّ صورة منها.

نعم ، لقد تخلّص السهيلي بلباقة حيث قال موهماً : وهذا معنى الحديث ! فهل يعني أنّ ما حكاه عن البخاري كان نقلاً بالمعنى لما رواه البخاري ؟ وكان عليه أن يعيّن الرواية التي أرادها ، ومهما يكن ذلك فلا يهمنا تفسيره ، ونتركه له ولقومه.

ذكر الزرقاني في شرح المواهب(1) ما قاله السهيلي ، وما ذكره غيره كابن حجر الذي أبى وأصرّ إلا أن تكون التكنية مرّة واحدة ، وقال بامتناع الجمع بين ما جاء في حديث المؤاخاة في حديث عمار ، وبين ما جاء في حديث سهل بن سعد ، ثم قال : ولم يظهر من تعليله امتناع الجمع فإنه ممكن بمثل ما جمعوا به بين الحديثين قبله ، فيكون كنّاه ثلاث مرّات :

أولها : يوم المؤاخاة في المسجد.

__________________

(1) شرح المواهب للزرقاني 1 : 396.


وثانيها : في هذه الغزوة في نخل بني مدلج.

وثالثها : بعد بدر في المسجد لما غاضب الزهراء ( ؟) وإنما يمتنع لو قال في رواية الصحيحين أنه أول يوم كنّاه فيه كما ادعى ابن القيّم.

أقول : أتدري لماذا يصرّ القوم على الالتزام بما جاء في صحيح البخاري في المقام ؛ لأنّه ذكر في رواياته أن سبب خروج علي إلى المسجد كان مغاضبته الزهراء ، وبذلك يكون علي قد أغضب فاطمة ، ومن أغضب فاطمة أغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن أغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد أغضب الله ، ومن أغضب الله فقد باء بغضبٍ منه وعذاب أليم ؟!

فتكون النتيجة أنّ علياً ما دام مغاضباً للزهراء فهو لا يستحق الولاية ، لأنّ الله سبحانه يقول في آخر سورة الممتحنة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ) (1) وهذا هو بعض المطلوب لمن لا يخفى نصبه وعناده.

ولنترك البخاري وأحاديثه ومن هلج في تركاضه وراءه ، فيكفي في رد فرية المغاضبة نفس حديث التسمية بأبي تراب ، فإذا عرفنا أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي سمّاه بأبي تراب ـ كما مرّ في حديث ابن عباس وحديث عمّار ـ عرفنا لماذا كان علي يعتزّ بذلك ، ولم يكن أحبّ إلى علي من ذلك الاسم ، كما في حديث سهل بن سعد وجابر ؛ لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاه به دون غيره ، وعرفنا كذلك أيضاً لماذا كان بنو أمية ينتقصون علياً بذلك الإسم منذ حياته وحتى بعد وفاته ، لأنّهم كانوا يحسدونه وينفذون من وراء سبّه إلى سبّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا ما أدركه غير واحد من الحفاظ.

فمنهم الحاكم ابن البيع فقد قال : كان بنوا أمية تنقص علياًعليه‌السلام بهذا الاسم الذي سمّاه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ويلعنوه على المنبر بعد الخطبة مدة ولايتهم ، وكانوا

__________________

(1) الممتحنة : 13.


يستهزئون به ، وانّما استهزأوا الذي سمّاه به ، وقد قال الله تعالى :( قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ) الآية(1) .

ومنهم الحافظ سبط ابن الجوزي ، قال في التذكرة(2) معقباً على قول الحاكم وقد ذكره : والذي ذكره الحاكم صحيح ، فإنّهم يتحاشون من ذلك ، بدليل ما روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنّه دخل على معاوية بن أبي سفيان فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب ، الحديث(3) .

ومنهم أبو رياش قال في شرحه على هاشميات الكميت(4) كما سيأتي : فجعل ذلك بنو أمية من حسدهم ذماً لهرضي‌الله‌عنه . انتهى.

والشواهد على ذلك كثيرة ، ويكفي أنّ بني أمية كانوا إذا غضبوا على الرجل لموالاته لعلي قالوا له : ترابي. فهذا معاوية ـ وهو أول من سنّ السبّ لعلي بذلك ـ قال لعبد الله الحضرمي ، وقد أرسله إلى البصرة فأوصاه بقوله : ودع عنك ربيعة فلن ينحرف عنك أحد سواهم لأنّهم كلهم ترابية(5) .

وجاء في تاريخ ابن الأثير(6) في ذكر سرية أرسلها معاوية بقيادة زهير بن مكحول العامري لتغير على أطراف السماوة ، وبلغ الإمام عليعليه‌السلام فأرسل سرية بقيادة الحلاّس بن عمير لردّ عادية الغزاة ، جاء في تلك الحادثة قول الغزاة لراعٍ هناك : أين أخذ هؤلاء الترابيون ؟

__________________

(1) التوبة : 65 ـ 66.

(2) تذكرة الخواص : 4.

(3) صحيح مسلم 7 : 120.

(4) شرح هاشميات الكميت : 36.

(5) تاريخ ابن الأثير 3 : 165.

(6) المصدر نفسه 3 : 165.


وجاء في حديث الحجاج مع الحسن البصري ، وقد سكت عن الخوض في سب الإمام : ترابي عراقي(1) .

ويكفي في شيوع ذلك اللقب على الشيعة ما جاء في مختصر فتح رب الأرباب بما أهمل في لب الألباب من واجب الأنساب(2) : ( الترابي ) إلى أبي تراب كنية أمير المؤمنين ـ كرّم الله وجهه ـ وهو في أيام بني أمية من يميل إلى أبي تراب المذكور ، وعلى ذلك جاء قول الكميت بن زيد الأسدي(3) :

وقالوا ترابيّ هواه ورأيه

بذلك أدعى فيهم وألقّب

على ذلك أجرياي فيكم ضريبتي

ولو أجمعوا طُراً عليّ وأجلبوا

نعود فنقول : إذا عرفنا جميع ذلك فهل يبقى مجال لمجرد التوهم ـ فضلاً عن الظن واليقين ـ أن علياً أحبّ أن يكتني بأبي حرب ، وهو الذي كانت كنيته أبا تراب ، وكنّاه بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانت أحبّ كناه إليه ؟ يا ترى ما الذي حدث لأن يحب ثانياً غير حبه الأول ؟ وهل أبقى الحب الأو ل مكاناً ليحب ثانياً أن يكتني بأبي حرب ؟

نعم ، اللهمّ إلاّ أن يطرأ طارئ فيزيل الحب الأول عن مكانه ، وهذا لم يحدث أبداً ، إذن ما الذي حدث حتى ذكروا أنّه أحب حرباً وأحب أن يكتني بأبي حرب ؟ إنّ كل ما حدث هو أنّ الحكام الأمويين اتخذوا بطانة سوء ، تضع لهم ما يشاؤون من أحاديث بحسب أهوائهم ، فكان حديث حبّ الاكتناء بأبي حرب من بعض تلك المفتريات.

__________________

(1) شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 94 ـ 95.

(2) مختصر فتح رب الأرباب : 10.

(3) الهاشميات : 36 ـ 37.


أولاً : فهم بهذا الحديث قد رفعوا بضبع جدهم حرب إلى أن جعلوا مثل الإمام يحب أن يكتني به.

ثانياً : بهذا الحديث قد ضيّعوا فضيلة للإمام علي ، وهي كنيته بأبي تراب التي كنّاه بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانت أحبّ كناه إليه.

ثالثاً : وهم بهذا الحديث قد تزيدوا وتزايدوا في انتقاص الإمام ، إذ اختلقوا له سبباً هو مغاضبة الزهراءعليها‌السلام ، وبذلك يكون علي ممّن أغضب فاطمة ، ومن أغضبها فقد أغضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما مرّت الإشارة إلى ذلك.

كل ذلك رواه لهم رواة السوء ، وأثبته من جاء بعدهم في كتبهم أمثال البخاري ممّن لا يخفى نصبه وعناده.

رابعاً : جعلوا من حديث الاكتناء بأبي حرب دليل اثبات على ولادة المحسن السبطعليه‌السلام على عهد جده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا هو بيت القصيد في معزوفة الأمويين ، وزادوا في الطين بلّة أن تقوّلوا على الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بأنه قال : « أما حسن وحسين ومحسن فإنّما سمّاهم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وعقّ عنهم ، وحلق رؤوسهم ، وتصدّق بوزنها ، وأمر بهم فسرّوا وختنوا ».

وهذا ما أخرجه الطبراني وابن عساكر فيما نقله عنهما المتقي الهندي في كنز العمّال(1) ، وبذلك يكون الستار قد أسدل على جريمة قتله سقطاً ، وهو حمل لم تكتمل شهور حمله.

وهذا هو المطلوب للأمويين وأشياعهم ، ولسوف نقرأ في النقطة السادسة أنّ هذا ما وراء الأكمة.

وقبل أن أودّع القارئ في حديثي عن كنية الإمام بأبي تراب أحب له أن يقرأ ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي حين يخاطب الإمام بكنيته تلك ، ويستعرض

__________________

(1) كنز العمال 16 : 268.


بأسى ومرارة ما لاقاه من أولئك الذئاب على حد تعبيره ، فاقرأ ما يقوله في كتابه دول العرب وعظماء الإسلام(1) :

مالك والناس أبا تراب

ليس الذئاب لك بالأتراب

هم طرّدوا الكليم كل مطردِ

وأتبعوا عصاه بالتمرّدِ

وزيّن العجل لهم لما ذهب

وافتتنوا بالسامريّ والذهب

وبابن مريم وشوا ونمّوا

واحتشدوا لصلبه وهمّوا

وأخرجوا محمداً من أرضه

وسرحت ألسنهم في عرضه

إلى أن قال :

وهب من لحقّك اختلس

وفجعوك بالصلاة في الغلس

واشرقوا الحسين بالدماء

ملوّحاً بين عيون الماء

فاسم سمّو الزاهد الحواري

في درجات القرب والجوار

إن زال مُلك الأرض عنك من مَلَك

يا طول مُلكٍ في السماء تم لك

* * *

__________________

(1) دول العرب وعظماء الإسلام : 58.



النقطة السادسة

ماذا وراء الأكمة ؟

النقطة السادسة : وأخيراً ـ لا آخراً ـ ماذا وراء الأكمة من تعتيم وظلمة لتضليل الأمة ؟

لقد سبق منّا في استعراض البيانات السابقة ما انتهينا إليه من النتائج التالية ، ففي البيان الأول قرأنا :

كشفاً بمصادر الحديث المزعوم في حب علي أن يكتني بأبي حرب ، واستعرضنا اختلاف صوره والتفاوت تزيّداً ونقصاناً في حديث الراوي الواحد في المصادر.

وقرأنا في البيان الثاني حال رجال الاسناد ، وما قاله أئمة الجرح والتعديل منهم ، وانتهينا إلى زيف حالهم ، وقرأنا في البيان الثالث عن متن الحديث النقاط الخمس الآتية ، فكانت النتائج كما يلي :

في النقطة الأولى حول تحقيق اسم ( حرب ) وهل هواسم معنى أم أسم علم ؟ وأنّ المطلوب لصنّاعي الحديث هو الثاني.

وفي النقطة الثانية كان التحقيق في اسم ( حرب ) هل كان محبوباً أو مبغوضاً ، وانتهينا إلى أنّ اسم حرب من الأسماء المبغوضة.

وفي النقطة الثالثة بحثنا عن السرّ وراء إصرار الإمام على التكنية بأبي حرب مع أنّه اسم مبغوض شرعاً ، وما يعني منه ذلك الإصرار المزعوم ـ إن صدق رواة


الأخبار ـ وانتهينا إلى أنّ سماسرة الوضاعين أرادوا تشويه تاريخ الإمام باثبات مخالفاته ـ كما يزعمون ـ لما جاء عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي النقطة الرابعة استعرضنا تاريخ حرب وآل حرب ، ومواقفهم من علي وآباء علي مما لا يمكن تصديق أن يكون علي يحب أن يكتنى باسم عدو لدود هو وآله لعلي وآله.

وفي النقطة الخامسة بحثنا موضوع كنى الإمام ، وهل كانت له كنية قبل أن يولد له ولد فيكنّى به ؟ وأثبتنا أنّه كان يكنّى بأبي تراب ، وهي كنيته لم يعرف بها أحد سواه ، وهي كانت من أحبّ كناه إليه ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذي كنّاه بها ، كما أنّها كانت من أبغض كناه إلى أعدائه ، فكان بنو أمية يستهزئون بها ، ويعيّرون شيعته بها ، ويأمرون بسبّه بها.

وما حديث سهل بن سعد الساعدي إلا في ذلك ، قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1) : وذكر سهل بن سعد الساعدي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كنّاه بأبي تراب ، وكانت من أحبّ ما يكنّى به إليه ، وكانت بنو أمية دعت سهل إلى أن يسبّه على المنبر ، ثم ساق أبو الفرج حديث سهل في سبب الكنية ، وفي آخره قال : وكنّا نمدح علياً إذا قلنا له أبو تراب.

وذكر أيضاً قول سهل : إن كان لأحب أسماء علي إليه أبو تراب ، وان كان يفرح أن يدعى بها ، وما سمّاه بذلك إلاّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهذا كله ، وجميع ما مر من نقاط بالغة الأهمية ، ليس بذي بال ، إذا ما رجعنا إلى الحديث المزعوم ، ورأينا ما في غيابته وغياهبه ، من مزاعم مكذوبة تثبت

__________________

(1) مقاتل الطالبيين : 25 ، وانظر تاريخ بغداد 1 : 133 ، مرآة الجنان 1 : 108 ؛ ومسند أحمد 4 : 263 ؛ وإرشاد الساري للقسطلاني 6 : 138 ؛ وعمدة القاري 22 : 214 ؛ وصفة الصفوة 4 : 145.


ولادة ( المحسن ) الوليد الثالث من أولاد علي الذكور على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبهذا بدت غياهب الظُلمة من الظَلَمة ، وبدأت نسائج الأفاكين تلفّ حقائق الواقع المرير عن أنظار الأمة ، لتختفي معالم الجريمة ، ويلفّها الغموض ولا أقل من الشك في مأساة ولادة المحسن السبط ، هل هو مولود أم سقط ؟

وهذه هي الغاية في تلبيس إبليس من أصحاب التدليس ، لغرض التشويه والتمويه ، فوضعوا حديث الإكتناء بأبي حرب ، ولو لم يحصل لهم إلا الطعن في شخصية الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام طعناً لا هوادة فيه ، إذ طعنوه في دينه ، وطعنوه في سلوكه ، وطعنوه في فهمه وعلمه ، كل ذلك ما يوحي به حديثهم المزعوم ، والذي رواه الخصوم ، وتسرب إلى غيرهم ممّن أحسن ظناً بهم ، دون الالتفات إلى ما يقتضيه لو التفت إليه.

ولا أود أن أستبق النتائج السيّئة لهذا التعتيم المتعمد ، بل علينا أن نقرأ عن ( المحسن ) شيئاً نستجلي به حقائق الأمور ، وأقولها بكل صراحة ومرارة ، إنّ هذا الوليد لئن ظلم عن عمد من أعداء أبيه وأمه ، فقد ظلم عن غير عمد من شيعة أبيه وأمه أيضاً ، حيث نجد مصادرهم المعنية بذكره تمر على ذكره مروراً عابراً ، ولم يخص ـ ولو بشيء يسير ـ كما خص أخواه الحسن والحسينعليهما‌السلام .

ولا أعني بتآليف خاصة ، لأنّه لم ير نور الحياة الدنيا حتى يكون له دور فيها ، بل أسقط جنيناً ولما تكتمل مدة حمله.

ولهذا فإنّي ليس عندي من جديد عنه سوى ما أسجله مما وصلت إليه يدي من مختلف المصادر السنيّة حول موته ، عسى أن أكون قد أديت بعض حقه في نصرته مظلوماً ضاع حقه في الحياة كما ضاع قبره بعد الممات ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.


جاء في معجم الطبراني الكبير(1) ما رواه عبد الله بن عمر قال : بينما أنا مع النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) في ظل بالمدينة وهو يطلب علياًرضي‌الله‌عنه ، إذ انتهينا إلى حائط ، فنظرنا فيه ، فنظر إلى علي وهو نائم في الأرض وقد اغبرّ فقال : ( لا ألوم الناس يكنونك أبا تراب ) فلقد رأيت علياً تغيّر وجهه واشتد ذلك عليه فقال : ( ألا أرضيك يا علي ؟ ) قال : بلى يا رسول الله قال : ( أنت أخي ووزيري تقضي ديني وتنجز موعدي وتبرئ ذمتي ، فمن أحبّك في حياة مني فقد قضى نحبه ، ومن أحبك في حياة منك بعدي ختم الله له بالأمن والإيمان ، ومن أحبك بعدي ولم يرك ختم الله له بالأمن والإيمان وآمنه يوم الفزع الأكبر ، ومن مات وهو يبغضك يا علي مات ميتتة جاهلية يحاسبه الله بما عمل في الإسلام ).

أقول : لقد علّق السلفي محقق الكتاب فقال : قال في المجمع ( 9/ 121 ) وفيه من لم أعرفه ، قلت : ـ والقائل هو السلفي ـ يقصد عبد الله بن محمد الطهوي ، ومع هذا فيه ليث بن أبي سليم وعرفت حاله ، ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي وهو ضعيف.

أقول : إنّ الخدش في اسناد هذا الحديث بضعف وجهالة بعض رجاله تهرباً مما جاء في آخر متنه مما ينطبق على السلفي وأضرابه ، مع أنّهم يقولون كما قال إمامهم وشيخ حديثهم الإمام أحمد بن حنبل : فهذه الرواية ذكرت ما يجري قبل وقوعه ، وقائلها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَىٰ *عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَىٰ ) (2) .

وقد صدّق الخبرُ الخَبر ، وجاءت الأخبار بحدوث ما جرى يوم الاسقاط ، وليس هو عند من رواه كان كشهاب برز فجأة من المجهول ، وتوهج ساعته في

__________________

(1) المعجم الكبير للطبراني 12 : 321.

(2) النجم : 3 ـ 5.


الظلام على غير انتظار وانتظام ، ثم ذاب وانتهى الأمر وضاع في غياهب الكون الفسيح ، لا ليس كذلك ، ولا ينبغي أن يتخيل بأنّه حدث بافتعال ، نتيجة تشنّج وانفعال ، لا وليس كذلك.

( فلا شيء في التاريخ يحدث على هذا النحو ، لأنّ التاريخ سياق متصل ، وإذا ظهرت أمامنا في سياقه فجوات ، فهذه الفجوات في الحقيقة حلقات ناقصة في علمنا بما جرى ويجري )(1) .

والآن إلى الباب الثاني فيما يخص المحسن السبطعليه‌السلام .

__________________

(1) محمد حسنين هيكل / حديث المبادرة : 45.


الباب الثاني




تمهيد :

والبحث فيه عن المحسن السبط هل مولود أم سقط ؟ وذلك من خلال ثلاثة فصول نستعرض فيها ما قاله المؤرخون والنسابون من أهل السنة خاصة.

الفصل الأول : فيمن ذكر المحسن السبط ولم يذكر شيئاً عن ولادته ولا عن سقوطه.

الفصل الثاني : فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً.

الفصل الثالث : فيمن ذكر المحسن السبط وأنّه سقطٌ.

وفي خلال هذا الفصل قد نمرّ ببعض المصادر الشيعية ، لأنّها تسلّط الضوء على ما أبهم ذكره ، واستبهم ـ عن عمد ـ أمره.

ولابد لنا من المرور بالمصادر التاريخية التي ذكرت المحسن كحقيقة ثابتة ، لها وجود خارجي وليس وجوداً ذهنياً أو خيالاً وهمياً.

وليكن البحث في المصادر السنية المعتبرة لدى الباحثين ، لنرى من هم من أصحابها الذين ذكروا المحسن ، سواء ذكروه مولوداً ، أم قالوا عنه مات صغيراً ، أم قالوا عنه مات سقطاً(1) .

__________________

(1) وتمادى الغي ببعضهم فقالوا : إنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) سقطاً ، وقد أشار اليهم الحافظ ابن شهرآشوب السروي في مقدمة كتابه مناقب آل أبي طالب 1 : 5. بقوله : وجماعة من السفساف ـ الرديّ ـ حملهم العناد على أن قالوا : كان أبو بكر أشجع من علي ، وأن مرحباً قتله محمد بن مسلمة ، وأن ذا الثدية قتل بمصر ، وأن في أداء سورة براءة كان أبو بكر أميراً على علي ، وربما


ومن المجازفات الخطيرة إنكار وجوده بعد أن نجد ما يناهز المائة مصدر من المصادر تذكره ، ولا يختص الشيعة بذكره ، والإنكار ليس يغني المنكر شيئاً ، ولئن قال عمر أبو النصر : ( واختلف المؤرّخون في وجوده كما قدمنا ، وإن كان اليعقوبي والمسعودي وغيرهما يؤكدون وجوده )(1) ، وقال أيضاً نحو ذلك وذكر المسعودي ، وأبا الفداء(2) ، فإنّا سنذكر المصادر التي نيّفت على المائة وليس بينها المسعودي واليعقوبي ، لئلاّ يقال أنّهما من الشيعة.

ثم من الطبيعي أن نقرأ أولاً كتب الأنساب ؛ لأنّها تعد من المصادر التاريخية التي يرجع إليها في مثل المقام ، ولأنّها تعنى بذكر الأعقاب ، غير أنّا نرى بعضها أهملت ذكر المحسن ، فلا نقف عندها طويلاً في الحساب ، فلعلّ بعضها إنّما لم تذكره سداً لباب السؤال والجواب ، فمتى ولد وكم عاش ؟ وكيف انتهى أمره ؟ وفي الجواب على ذلك يعني كشف ما لا يريدون البوح به ، إما تقية ، أو ستراً على بعض الرموز.

ومهما كان السبب فلنا في المصادر التي ذكرته كفاية ، وأصحابها كلّهم من أعلام المؤرخين والنسابين ، وهم من أهل السنة ، وإنّما اخترناهم من بين سائر الفرق ؛ لأنّهم أحرى بالقبول عند الخصم المنكر للمحسن ، وأبعد عن تطرق الريب فيما يروون مما فيه إدانة السلف ، وألزم للمعاند من الخلف ، على أنّ

__________________

قالوا : قرأها أنس بن مالك ، وأنّ محسناً ولدته فاطمة في زمن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) سقطاً ، وأن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنونني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم , وان صدقة النبي كانت بيد علي والعباس فمنعها علي عبّاساً فغلبه عليها ، ومن ركب الباطل زلت قدمه وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين ، انتهى.

ولعل مراد الحافظ بما أراد جعل موت المحسن سقطاً في أيام النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) ما سيأتي تعقيباً على الفصل الأول.

(1) فاطمة بنت رسول الله محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) : 44.

(2) المصدر نفسه : 93 ، في الهامش.


المصادر الشيعية هي أوثق نقلاً في المقام ، وأقوى حجة عند الخصام ، ولكن لا تقطع ألسنة المعاندين من السلفيين ، لذلك لا نذكر منها إلا ما ألقى ضوءاً على ما رواه الغير وفيه تعتيم وإبهام ، والآن إلى معرفة تلك المصادر ، والبحث في ثلاثة فصول :

الفصل الأول : فيمن ذكرت المحسن فقط ، وطوت ذكر شيء عن موته.

الفصل الثاني : فيمن ذكرته ، وفيها أنّه مات صغيراً.

الفصل الثالث : فيمن ذكرته وقال أصحابها : مات سقطاً.

وهؤلاء أقوى جناناً وأفصح بياناً ، ومع ذلك فلا يخلو بعضهم من تأثير الرواسب الموروثة عليه ، كما سنقرأ ماذا قال أصحاب المصادر في الغابر والحاضر ، وحسبنا في المقام أن نسوق للقارئ شاهداً على ذلك ما قاله بعض الكتاب المصريين ممّن زعم له نسباً كما جاء لقبا ، وهو علي جلال الحسيني ، فقد قال في كتابه ( الحسينعليه‌السلام )(1) :

قال محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول في مناقب آل الرسول : إنّ أقوال الناس اختلفت في عدد أولاد عليعليه‌السلام ، فمنهم من أكثر فعدّ السقط ، ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب به ، فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك .

( ثم ذكر الأولاد نقلاً عن صفوة الصفوة وغيره من تآليف الأئمة المعتبرين ).

ثم قال : وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك ، وذكروا فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين كان سقطاً ، وروى نور الدين علي بن محمد بن الصباغ في الفصول المهمة مثل ذلك وقال : وذكروا أنّ فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين ، ذكرته الشيعة وأنّه كان سقطاً.

__________________

(1) مقتل الحسين وما يتعلق به ونساؤه وأولاده : 115 ـ 117 ، في كلامه في ( أخوة الحسين ).


ثم قال علي جلال في الكتاب الثاني ( محسّن ) : قال الزرقاني في شرح المواهب ، والصبان في إسعاف الراغبين : مُحَسِّنْ ـ بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين مشددة ـ وقد روينا في أوّل هذا الكتاب انّه لما وُلد سماه جدّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محسّناً وهو الصحيح ، وقال بعضهم : إنّه كان سقطاً ، قال الصبان في اسعاف الراغبين(1) : محسن أدرج سقطاً.

وقال أحمد بن محمد القسطلاني في المواهب اللدنية(2) : مات محسّن صغيراً ، وكذلك قال ابن الأثير في اُسد الغابة(3) : توفى المحسّن صغيراً ، أخرجه أبو موسى.

وقال السيد محمود الآلوسي في شرح القصيدة العينية(4) عند ذكر أولاد فاطمة( رضي الله عنها ) : ومن الناس من يذكر من أولادها الذكور محسّناً ، وقد مات صغير جداً ، وزعم الشيعة أنّه كان سقطاً لقصة يكذبونها مما لا أصل له.

وقال المفيد في الارشاد(5) : وفي الشيعة من ذكر أنّ فاطمة صلوات الله عليها أسقطت بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذكراً ، كان سماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو حمل محسناً.

وقال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(6) : من الأمور الشنيعة المستهجنة التي ذكرها الشيعة أنّ عمر أضغط فاطمةعليها‌السلام بين الباب والجدار ، فصاحت يا أبتاه يا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وألقت جنينها ميتاً.

ثم قال علي جلال الحسيني المصري تعقيباً على جميع ما مرّ :

__________________

(1) اسعاف الراغبين : 63.

(2) المواهب اللدنية 1 : 258.

(3) اُسد الغابة 4 : 308.

(4) شرح القصيدة العينية : 71.

(5) الارشاد للمفيد 1 : 190.

(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 135.


ورأيي أنّ هذه القصة لا أصل لها ، لأنّ عمر كما كان شديداً في دينه ، صلباً في حق الله ، كان رحيماً بالضعيف ، رؤوفاً بالمسلمين ، بريئاً من ارتكاب مثل هذه الجناية ، ولو كان لها أصل لصدقها جميع الشيعة.

هذا ما ساقه علي جلال وما قاله ، وما أظن أنّه خفي على القارئ تأثير الرواسب الموروثة فيما حكاه عن غيره وما قاله من نفسه ، ومهما يكن فلنقرأ الآن ما في الفصول الثلاثة ، ولننظر هل أنّ المحسن السبط مولود أم سقط ؟

* * *



الفصل الأول

فيمن ذكر المحسن من أولاد أمير المؤمنين وفاطمةعليهما‌السلام

وبدءاً فليعلم القارئ أنّ من هؤلاء من يأتي ذكره مكرراً في الفصل الثاني أيضاً ، وربما في الفصل الثالث أيضاً ؛ لأنّه يدخل في عنواني الفصلين فتنبه.

1 ـ محمد بن إسحاق ( ت 151 ه‍ ) في كتاب السير والمغازي(1) ، وذكر حديث الاكتناء بأبي حرب وفيه ذكر المحسن ، وقد مرّ في الباب الأول.

2 ـ محمد بن سعد ( ت 231 ه‍ ) في الطبقات ، وقد مرّ ذكر حديثه في الباب الأول من هذه الرسالة ( صحة السلب عن حديث اكتناء الإمام بأبي حرب ) برقم (2) في سلّم المصادر فراجع.

3 ـ أحمد بن حنبل ( ت 241 ه‍ ) في المسند ، وقد مرّ حديثه في الباب الأوّل كسابقه ، فراجع رقم (3).

4 ـ محمد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 ه‍ ) في الأدب المفرد ، ومرّ حديثه في الباب الأول برقم (5) فراجع.

__________________

(1) السير والمغازي : 247.


5 ـ ابن قتيبة ( ت 276 ه‍ ) في كتاب المعارف(1) فقال : فولد علي الحسن والحسين ومحسناً ، وسيأتي ذكره في الفصل الثاني وقوله : فهلك وهو صغير ، كما سيأتي في الفصل الثالث حكاية قوله في كتاب المعارف : انّ المحسن فسد من زحم قنفذ ، وسيأتي تحقيق وافٍ عن كتابيه ( الإمامة والسياسة ) و ( المعارف ) في الملاحق آخر الرسالة.

6 ـ البلاذري ( ت 279 ه‍ ) ذكره في أنساب الأشراف ، وقد مرّ حديثه في الباب الأول برقم (6) في سلّم المصادر ، ويأتي ذكره في الفصل الثاني أيضاً.

7 ـ ابن حبان البستي ( ت 354 ه‍ ) ذكره في كتابه الثقات(2) ، وفي السيرة النبوية ، وأخبار الخلفاء(3) .

8 ـ الطبراني ( ت360 ه‍ ) ذكره في المعجم الكبير ، ومرّ حديثه في الباب الأول برقم (7) في سلم المصادر.

9 ـ ابن خالويه اللغوي ( ت 370 ه‍ ) حكى عنه ابن منظور في لسان العرب تفسيره للأسماء الثلاثة شبر وشبير ومشبر ، كما سيأتي ذلك.

10 ـ الدارقطني ( ت 385 ه‍ ) ذكره في كتابه الافراد ، كما حكاه عنه السيوطي في الجامع الكبير ، وتبعه المتقي الهندي في كنز العمّال(4) .

11 ـ الحاكم النيسابوري ( ت 405 ه‍ ) ذكره في المستدرك على الصحيحين ، ومرّ حديثه في الباب الأول برقم (8) فراجع.

12 ـ محمد بن سلامة القضاعي ( ت 454 ه‍ ) الأنباء بأبناء الأنبياء(5) .

__________________

(1) المعارف : 210.

(2) كتاب الثقات 2 : 144.

(3) أخبار الخلفاء : 409 و 553.

(4) كنز العمّال 13 : 103.

(5) الأنباء بأبناء الأنبياء : 137.


13 ـ البيهقي ( ت 458 ه‍ ) ذكر حديثه في دلائل النبوّة(1) وفي السنن الكبرى ، وقد مرّ ذكره في الباب الأول برقم (9) فراجع.

14 ـ الأمير ابن ماكولا ( ت 475 ه‍ ) ذكر في الإكمال(2) فقال : وأما مشبّر ـ بشين معجمة وباء معجمة بواحد وكسرها ـ فهو أحد أولاد هارونعليهما‌السلام .

حدث أبو إسحاق عن الحارث عن عليرضي‌الله‌عنه قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني فماذا سميتموه ؟ فقلت : سميته حرباً ، فقال : بل هو حسن ، وقال في الحسين مثل ذلك ، وقال في محسن مثل ذلك ، ثم قال : إنّي سميتهم بأسماء ولد هارون شبراّ وشبيراً ومشبراً.

15 ـ الحافظ ابن مندة ( ت 512 ه‍ ) قال في كتابه المعرفة : وولدت ـ يعني فاطمة ـ لعلي الحسن ، والحسين ، والمحسن ، وأم كلثوم الكبرى ، وزينب الكبرى.

كما حكاه عنه الخوارزمي في مقتل الحسين(3) .

16 ـ أخطب خوارزم ( ت 568 ه‍ ) ذكر في كتابه مقتل الحسينعليه‌السلام (4) ، ما تقدم نقله عن ابن مندة ولم يعقب عليه بشيء ، فهو قد ارتضاه.

17 ـ ابن عساكر ( ت 571 ه‍ ) ذكر في ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام (5) ما تقدم نقله فراجع حديث الباب الأول برقم (10).

__________________

(1) دلائل النبوّة 3 : 162.

(2) الاكمال 7 : 254.

(3) مقتل الحسين 1 : 83.

(4) المصدر نفسه.

(5) ترجمة الإمام الحسينعليه‌السلام من تاريخ دمشق : 17 ـ 18.


18 ـ ابن الأثير ( ت630 ه‍ ) في اُسد الغابة(1) ، وقد مرّ حديثه في الباب الأول برقم (11) من سلم المصادر. ذكره أيضاً في تاريخ الكامل(2) ، وسيأتي ما عنده في الفصل الثاني.

19 ـ حسام الدين محلي ( ت652 ه‍ ) في الحدائق الوردية(3) قال : أولاد أمير المؤمنينعليه‌السلام : الحسن والحسين صلوات الله عليهما والمحسّن درج صغيراً أمهم فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

20 ـ النووي ( ت 676 ه‍ ) في تهذيب الأسماء واللغات(4) ، قال : ولعلي من الولد الحسن ، والحسين ، ومحسن ، وأم كلثوم الكبرى ، وزينب الكبرى ، كلّهم من فاطمة. ولكنه أسقط ذكر المحسن حين ذكر أولاد فاطمة الزهراءعليها‌السلام في ترجمتها فراجع(5) .

21 ـ ظهير الدين بن الكازروني ( ت 697 ه‍ ) في مختصر التاريخ(6) .

22 ـ الذهبي ( ت 741 ه‍ ) ذكره في كتابه المشتبه(7) فقال : وبالتثقيل محسّن بن علي بن أبي طالب ، وذكره في سير أعلام النبلاء(8) .

23 ـ الخطيب التبريزي ( ت 741 ه‍ ) في كتاب الاكمال في أسماء الرجال(9) .

__________________

(1) اُسد الغابة 2 : 10.

(2) الكامل 3 : 172.

(3) الحدائق الوردية 1 : 89.

(4) تهذيب الأسماء واللغات 1 : 349.

(5) المصدر نفسه 2 : 353.

(6) مختصر التاريخ : 54.

(7) المشتبه : 576.

(8) سير أعلام النبلاء 2 : 88.

(9) الاكمال في أسماء الرجال : 87.


24 ـ ابن منظور الافريقي ( ت 711 ه‍ ) ذكره في لسان العرب(1) فقال : قال ابن بري : لم يذكر الجوهري شبّراً وشبيراً في اسم الحسن والحسينعليهما‌السلام قال : ووجدت ابن خالويه قد ذكر شرحهما فقال : شبر وشبير ومشبّر هم أولاد هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام ، معناه بالعربية حسن وحسين ومحسن ، قال : وبها سمّى عليعليها‌السلام أولاده شبراً وشبيراً ومشبراً يعني حسناً وحسيناً ومحسناً رضوان الله عليهم أجمعين.

25 ـ ابن كثير ( ت774 ه‍ ) ذكره في السيرة النبوية(2) فقال في عد أولاد فاطمةعليها‌السلام : ويقال : ومحسّناً ، وقال في مكان آخر(3) : ويقال ومحسّن.

ولم تفارقه لهجة التمريض بالقيل في البداية والنهاية(4) فقال : وأما فاطمة فتزوّجها ابن عمها علي بن أبي طالب في صفر سنة اثنتين ، فولدت له الحسن والحسين ويقال : محسّن. ولولا أنه جزم بذكره في مكان آخر(5) لم أذكره أصلاً ، لكنه قال عند ذكر وفاة فاطمةعليها‌السلام : فولدت له ـ لعلي ـ حسناً وحسيناً ومحسناً وأم كلثوم التي تزوج بها عمر بن الخطاب بعد ذلك.

26 ـ نور الدين الهيثمي ( ت 807 ه‍ ) ذكره في مجمع الزوائد ، وقد مرّ حديثه في الباب الأول برقم (12) في سلّم المصادر.

27 ـ ابن الشحنة ( ت 817 ه‍ ) ذكره في تاريخه روضة المناظر(6) فقال : ولد لعلي من الذكور فمن فاطمة الحسن والحسين ومحسن.

__________________

(1) لسان العرب 4 : 393.

(2) السيرة النبوية 4 : 582.

(3) المصدر نفسه 4 : 611.

(4) البداية والنهاية 5 : 309.

(5) المصدر نفسه 6 : 332.

(6) روضة المناظر 11 : 132.


28 ـ الفيروزآبادي ( ت 817 ه‍ ) ذكره في القاموس المحيط(1) فقال : ومشبّر كمحدّث أبناء هارونعليهم‌السلام ، قيل : وبأسمائهم سمى النبي الحسن والحسين والمحسّن.

29 ـ القلقشندي ( ت 821 ه‍ ) ذكره في مآثر الانافة(2) فقال : وكان له ـ لعلي ـ من الولد أربعة عشر ذكراً ، منهم الحسن والحسين ومحسن من فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

30 ـ ابن حجر العسقلاني ( ت 821 ه‍ ) ذكره في كتابه تبصير المتنبه(3) وفي فتح الباري(4) ، فقال : وأولاده ـ يعني الإمام ـ الحسن والحسين ومحسّن.

وسيأتي ذكره في الفصل الثاني حيث ذكره في الاصابة ، وذكر موته صغيراً.

31 ـ ابن طولون الدمشقي ( ت953 ه‍ ) ذكره في كتابه الأئمة الاثنا عشر(5) .

32 ـ الاشخر اليماني ( القرن العاشر ) ذكره في شرح بهجة المحافل(6) .

33 ـ المناوي ( ت 1031 ه‍ ) ذكره في اتحاف السائل(7) .

34 ـ البرهان الحلبي ( ت 1044 ه‍ ) ذكره في السيرة الحلبية(8) ، وقد ذكر حديثه كما في الباب الأول من أحاديث الاكتناء بأبي حرب وفي آخره : انّي سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبّر.

__________________

(1) القاموس المحيط 2 : 55 ، شبر.

(2) مآثر الانافة 1 : 100.

(3) تبصير المتنبه 4 : 264.

(4) فتح الباري 8 : 79.

(5) الأئمة الاثنا عشر : 58.

(6) شرح بهجة المحافل : 2 : 238.

(7) اتحاف السائل : 33.

(8) السيرة الحلبية 2 : 292.


35 ـ العصامى المكي ( ت 1111 ه‍ ) ذكره في سمط النجوم العوالي(1) قال : فولدت فاطمة حسناً وحسيناً ومحسّناً ـ بميم مضمومة فحاء مهملة فسين مشددة مكسورة ـ وسيأتي ذكره ثانياً في الفصل الثاني حيث ذكر موته صغيراً(2) .

36 ـ المرتضى الزبيدي ( ت 1205 ه‍ ) ذكره في تاج العروس ( حسن ) قال : وكمحدّث محسّن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

37 ـ ابن خير الله العمري ( ت حدود 1232 ه‍ ) ذكره في مهذب الروضة الفيحاء طبع وزارة الثقافة والارشاد العراقية ، قال : وذكر في التبيين أنها ـ فاطمة ـ ولدت ثالثاً غير الحسن والحسين فسماه النبي محسّن.

38 ـ النبهاني ( ت 1350 ه‍ ) ذكره في الشرف المؤبد لآل محمد(3) في حديث الاكتناء بأبي حرب على نحو ما مرّ في الباب الأول ، وفيه ذكر المحسّن.

39 ـ الشنقيطي ( ت 1363 ه‍ ) ذكره في كفاية الطالب(4) فقال : ولعليرضي‌الله‌عنه من الولد الحسن والحسين ومحسّن.

40 ـ وأخيراً ـ لا آخراً ـ حسين محمد يوسف في كتابه سيد شباب أهل الجنة(5) ، ذكره نقلاً عن تاريخ الخلفاء للسيوطي ، ولم أقف على ذلك في تاريخ الخلفاء للسيوطي في مظانه ، وذكره أيضاً في مكان آخر نقلاً عن الاستيعاب(6) .

وهناك آخرون من الباحثين المحدثين لم نذكرهم اكتفاء بالإربعين الذين ذكرناهم ، ونختم هذا الفصل بما ذكره علي جلال الحسيني الذي افتتحنا نقولنا ببعض

__________________

(1) سمط النجوم العوالي 1 : 437.

(2) المصدر نفسه 2 : 512.

(3) الشرف المؤبد : 78.

(4) كفاية الطالب : 122.

(5) سيد شباب أهل الجنة : 68.

(6) المصدر نفسه : 111.


كلامه ، فقال(1) : وفي اللغة العبرية الآن شبّر معناه كسر ومشبر كاسر وشبير مكسور ، وعلى هذا يكون وجه الشبه بين أسماء بني علي وبين هارون أنّ أسماء أبناء كليهما مشتقة من مادة واحدة في اللغة ، غير أنّ هذه الأسماء ربما كان لها في اللغة العبرية القديمة معنى لم نقف عليه ، وهو الذي ذكره ابن خالويه ، لأنّه كما قال شمعون يوسف مويال في التلمود(2) : بعد سبي بابل اختلفت اللغة العامة من اللغة الأصلية ، حتى صار يعسر فهم بعض ألفاظ التوراة نفسها على بعض الخاصة.

وأسماء أولاد هارون فيما هو موجود في أيدينا من نسخ التوراة وكتب تاريخ القوم هي : ناداب ، وأبيهو ، والعازار ، وايثاما(3) ، وفي التوراة في أخبار الايام الأولى في الإصحاح الثاني العدد 48 ما نصه : وأما معكة سرية طالب فولدت شبر وترحنة.

وقفة عابرة مع أصحاب المصادر :

لابد لنا من وقفة تحقيق مع تلك المجموعة الكبيرة والكثيرة من حفاظ السنة ، وأعلام المؤرخين والكتاب المحدثين ، الذين مرّ ذكرهم وما قالوه في المحسنعليه‌السلام .

وهم على ما قرأنا ماعندهم يمكن أن نجعلهم قسمين ، فقسم منهم ذكر المحسن مولوداً مع خصوصيات لم ترد عنه ، والقسم الثاني فقد ذكروه موجوداً ، دون التعرض لذكر زمان ومكان ولادته.

فأما الذين ذكروه مولوداً ، فهم الذين مرّ ذكرهم وما عندهم في الباب الأول في حديث الاكتناء بأبي حرب ، فقد ذكروا المحسن وشاركوه مع أخويه الحسنين في تمني الإمامعليه‌السلام الاكتناء بأبي حرب عند ولادتهم ، إلاّ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) مقتل الحسين وما يتعلق به 1 : 23 ـ 24.

(2) التلمود : 48.

(3) التوراة عدد 1 من الإصحاح 24 من أخبار الأيام الأولى ، والتاريخ المقدّس تأليف ميشل ماير الحاخام المساعد لحاخام باريس الأكبر : 95.


سمّى الأبناء الثلاثة ، كما أنّ بعضهم أيضاً شاركه مع أخويه في العقيقة ، وحلق الرأس ، والتصدق بزنة شعره ، والأمر بقطع سرته ، ثم الأمر بختانه.

وفي اثبات هذا يكون جده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد ساوى بين الأسباط الثلاثة ، وما دام أولئك الذين ذكروه يحاولون اثبات هذا مصرين على ما يقولون ، فلسائل أن يسأل منهم ـ ومن حقه ذلك ـ لماذا أهملوا ذكر جوانب أخرى تتبع حديث الولادة ، ولم يهملوها عند ذكر أخويه الحسن والحسين ؟ فمثلاً :

لماذا لم يذكروا لنا اسم القابلة التي تولّت أمر ولادته ، فقبّلت أمه الزهراءعليها‌السلام ، كما صرحوا باسمها في ولادة أخويه الحسنين ، وذكروا لنا حديث أسماء بنت عميس حدثت به علي بن الحسين ، وأنّها قبّلت جدته فاطمة في ولادة الحسن والحسين ، وهذا ما تسرب ذكره إلى المصادر الشيعية فذكرته بعضها ، كما مر في أول حديث ذكرته هذه المصادر كما مرت مناقشته وأنّه لا يصح بوجه ، لأنّ أسماء بنت عميس لم تكن زمان ولادة الحسنين في المدينة ، بل كانت في الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالبعليه‌السلام .

واحتمل بعضهم أنّها أسماء بنت السكن الأنصارية ، ومهما يكن أمرها ، فلماذا لم تقبل فاطمةعليها‌السلام وليدها الثالث مع أنّ حضور أسماء بنت عميس بالمدينة كان معلوماً ، وترددها على بيت الزهراءعليها‌السلام كان موصولاً ، بالرغم من تزوجها بأبي بكر بعد مقتل زوجها جعفر ، أليست هي التي تولت تمريضها ؟ أليست هي التي منعت عائشة من الدخول عليها فشكتها إلى أبيها وقالت له : هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسأل أبو بكر أسماء عن ذلك ، فقالت : هي أمرتني ألاّ يدخل عليها أحد(1) .

__________________

(1) راجع الاستيعاب 2 : 752 , والسنن الكبرى للبيهقي 4 : 34.


وقد يقول قائل : إنّ الزهراءعليها‌السلام استدعت امرأة اخرى لتلي منها ما تلي النساء من النساء عند الولادة ، ولقد مرّت رواية الطبراني بأنّ التي وليت أمرها في ولادة الحسنعليه‌السلام هي سودة بنت مسرح ، فلعلها هي أو غيرها من النساء ولم يصل اسمها إلينا.

فنقول له : إن صحت الأحلام ، ولم تزغ الأقلام ، وكانت الولادة طبيعية ، فمن هي تلك المرأة ؟ ولماذا كُمّت الأفواه ، وتلجلجت في الجواب ؟ نعم ، تقول مصادر التراث الشيعي وشايعهم على ذلك بعض رجال السنّة ، أنها زُحمت عند الباب فأسقطته ، واستدعت جاريتها فضّة لمساعدتها.

ونعود إلى أصحاب المصادر سواء الفريق الذي قال أنّ المحسن كان مولوداً على عهد جده ، أو الذين لم يذكروا حديث ولادته ، ولكنّهم ذكروه موجوداً ومعدوداً مع أبناء الإمام أمير المؤمنين من فاطمةعليهم‌السلام جميعاً ، فنقول لهم : ما دامت قد صحت عندكم جميعاً ولادته ، فلماذا تغفل مصادركم وغيرها تعيين تاريخ الولادة ـ المزعومة ـ وقد ذكرت ذلك في أخويه الحسنين ؟

فقالوا : إنّ الحسن ولد في الخامس عشر من شهر رمضان السنة الثالثة من الهجرة(1) ، وقالوا : إنّ الحسين ولد في الثالث أو الخامس من شعبان السنة الرابعة من الهجرة(2) ، وقالوا : إنّه لم يكن بين ولادة الحسن والحمل بالحسين إلا طهر واحد(3) ، وقالوا : انّه خمسين ليلة(4) .

وهكذا قالوا وقالوا : فلماذا أغفلوا جميع ذلك في ولادة المحسنعليه‌السلام ، فلم يذكر عن ذلك أيّ شيء ؟ فإنّ هذا لشيء عجاب.

__________________

(1) المستدرك للحاكم 3 : 179 ، واُسد الغابة 2 : 9 ، وتاريخ ابن كثير 8 : 33.

(2) تذكرة الخواص : 234 ، ونظم درر السمطين : 194 ، والاستيعاب 1 : 142.

(3) تاريخ الاسلام للذهبي 3 : 5.

(4) تذكرة الخواص : 243.


ثم هل هو أقلّ شأناً من ابن خالته عبد الله بن عثمان وأمه رقيّة بنت رسول الله ، فقد ذكر ابن سعد في طبقاته(1) ، فقال في ترجمة عثمان :

ولد له ـ عثمان ـ من رقيّة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) غلام سماه عبد الله واكتنى به ، فكناه المسلمون أبا عبد الله ، فبلغ عبد الله ست سنين ، فنقره ديك على عينيه فمرض فمات في جمادى الأولى سنة أربع من الهجرة ، فصلى عليه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ونزل في حفرته عثمان بن عفان.

فلاحظ في هذا النقل ضبط العمر عند الوفاة ، وسبب الوفاة ، وتاريخ الوفاة شهراً وسنة ، وحتى الصلاة عليه ومن نزل قبره ، فما بال الرواة أهملوا ذكر جميع ذلك عند ذكر المحسن بن علي وأمه فاطمة ، وهو وأبوه وأمه أعلا شرفاً من عبد الله بن عثمان وأبويه ؟

* * *

__________________

(1) الطبقات لابن سعد 3 : ق 1 ، ص 37.



الفَصْلُ الثَّانيْ

فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً

1 ـ ابن إسحاق صاحب السيرة(1) ، قال ابن الجوزي في صفة الصفوة(2) : وزاد ابن إسحاق في اولاد فاطمة من علي محسناً ، قال : ومات صغيراً ، ونقله عنه أيضاً غيره كالدولابي في الذرية الطاهرة(3) .

2 ـ ابن قتيبة في كتابه المعارف(4) ، قال : وأما محسن بن علي فهلك وهو صغير(5) .

3 ـ البلاذري في أنساب الأشراف(6) ، قال : ومحسّناً درج صغيراً.

4 ـ الطبري في تاريخه(7) قال : ويذكر أنّه كان لها ـ فاطمة ـ منه ـ من علي ـ ابن آخر يسمى محسناً ، توفي صغيراً.

__________________

(1) السيرة لابن إسحاق : 247.

(2) صفة الصفوة 2 : 3.

(3) الذرية الطاهرة 62 : 114.

(4) المعارف : 211.

(5) سيأتي في الفصل الثالث أنّ المروي عن ابن قتيبة غير ذلك , وأنّ المذكور أعلاه مما طالته يد الخيانة.

(6) أنساب الأشراف 1 : 402.

(7) تاريخ الطبري 5 : 153.


5 ـ المطهر بن طاهر المقدسي في كتاب البدء والتاريخ(1) ، قال : فإنّه هلك صغيراً.

6 ـ ابن الأثير في تاريخه(2) ذكر المحسن وقال : أنّه توفي صغيراً ، وقد ذكر أنه كان له ـ لعلي ـ منها ـ من فاطمة ـ ابناً آخر يقال له محسن.

وقال في كتابه اُسد الغابة(3) وقد ذكره ضمن الصحابة ، وساق باسناده حديث هانئ بن هانئ وقال بعده : رواه غير واحد عن أبي إسحاق كذلك ، ورواه سالم بن أبي الجعد عن علي فلم يذكر محسناً ، وكذلك رواه أبو الخليل عن سلمان ثم قال : وتوفي المحسن صغيراً ، أخرجه أبو موسى.

7 ـ ابن الجوزي في صفة الصفوة(4) نقل عن ابن إسحاق ، ذكر المحسن وقوله ومات صغيراً ، ولم يعقب عليه بشيء.

8 ـ الدولابي ( ت310 ه‍ ) في الذرية الطاهرة(5) ، نقل قول ابن إسحاق : فذهب محسن صغيراً ، ولم يعقب عليه بشيء.

9 ـ ابن حزم في جمهرة أنساب العرب(6) قال : وتزوج فاطمة علي بن أبي طالب فولدت له الحسن والحسين والمحسن ، مات المحسّن صغيراً. وقال(7) : ولد علي بن أبي طالب الحسن أبا محمد ، والحسين أبا عبد الله ، والمحسّن ، وزينب ، وام كلثوم. وقال(8) عند ذكر أولاد الإمام من فاطمةعليهما‌السلام : أعقب هؤلاء كلهم حاشا المحسّن ، فلاعقب له مات صغيراً جداً إثر ولادته.

__________________

(1) البدء والتاريخ 5 : 75.

(2) تاريخ ابن الأثير 3 : 172.

(3) اُسد الغابة 4 : 308.

(4) صفة الصفوة 2 : 3.

(5) الذرية الطاهرة : 27 و 114.

(6) جمهرة أنساب العرب : 16.

(7) المصدر نفسه : 37.

(8) المصدر نفسه : 38.


10 ـ ابن فندق البيهقي ( ت 565 ه‍ ) في لباب الأنساب(1) قال : الحسن بن علي ، والحسين بن علي ، والمحسّن بن عليعليهم‌السلام هلك صغيراً.

11 ـ الصفدي في الوافي بالوفيات(2) قال : فولدت له الحسن والحسين ومحسّناً مات صغيراً.

12 ـ ابن الوردي في تاريخه(3) قال : وولدت له ـ فاطمة لعلي ـ الحسن والحسين ومحسّناً مات صغيراً.

13 ـ ابن كثير ( ت 774 ه‍ ) في تاريخه(4) قال ـ وهو يذكر أولاده من فاطمةعليهما‌السلام ـ ويقال : ومحسناً ومات وهو صغير.

14 ـ ابن حجر في الاصابة(5) ذكره ، ونقل عن ابن فتحون قال : أراه مات صغيراً.

وقال في القسم الثاني فيمن له رؤية(6) : المحسّن ـ بتشديد السين المهملة ـ ابن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي ، سبط النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، استدركه ابن فتحون على ابن عبد البر وقال : أراه مات صغيراً ، واستدركه أبو موسى على ابن مندة ، وأخرج من مسند أحمد ، ثم من طريق هانئ بن هانئ عن علي ، وذكر الحديث الثاني الذي مرّ نقله في المصدر الثالث في سلّم المصادر في الفصل الأول من هذه الرسالة فراجع ، وعقّب عليه ابن حجر بقوله : إسناد صحيح.

15 ـ محمد بن أبي بكر البري التلمساني في كتابه الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة(7) قال : وولدت فاطمة لعلي : الحسن والحسين ومحسناً درج صغيراً.

__________________

(1) لباب الانساب 1 : 227.

(2) الوافي بالوفيات 1 : 82.

(3) تاريخ ابن الوردي 1 : 220.

(4) تاريخ ابن كثير 7 : 331.

(5) الاصابة 3 : 417.

(6) المصدر نفسه 6 : 243.

(7) الجوهرة 2 : 199.


16 ـ سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص(1) قال : وذكر الزبير بن بكار ولداً آخر من فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) اسمه محسن مات طفلاً.

17 ـ النويري في نهاية الارب(2) قال : فولدت فاطمة( رضي الله عنها ) حسناً وحسيناً ومحسناً ، فذهب محسن صغيراً ، قال : وقد قيل أنّها ـ فاطمة ـ ولدت ابناً اسمه محسن توفي صغيراً(3) ، وقال أيضاً : ومحسن على خلاف فيه(4) .

18 ـ البدخشي في نزل الأبرار قال : والمحسن مات صغيراً(5) .

19 ـ المحب الطبري في الرياض النضرة(6) قال : ومحسن مات صغيراً.

وقال في كتابه ذخائرالعقبى(7) عن الليث بن سعد قال : تزوج علي فاطمة فولدت له حسناً وحسيناً ومحسناً ، وزينب ، وأم كلثوم ، ورقية ، فماتت رقية ولم تبلغ ، وقال غيره : ولدت حسناً وحسيناً ومحسناً ، فهلك محسن صغيراً. وقال أيضاً(8) : ومحسن مات صغيراً.

20 ـ الدريا بكري في تاريخ الخميس(9) قال : ومحسن مات صغيراً.

21 ـ أبو الفداء في تاريخه(10) قال : وولد له منها ـ لعلي من فاطمة ـ الحسن والحسين ومحسناً ومات صغيراً.

__________________

(1) تذكرة الخواص : 211.

(2) نهاية الارب 18 : 213.

(3) المصدر نفسه 20 : 221.

(4) المصدر نفسه 20 : 223.

(5) أرجح المطالب : 637.

(6) الرياض النضرة 2 : 248.

(7) ذخائر العقبى : 55.

(8) المصدر نفسه : 116.

(9) تاريخ الخميس 2 : 284.

(10) تاريخ أبو الفداء 2 : 181.


22 ـ الزرقاني في شرح المواهب(1) قال : ومُحسّناً ـ بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المشدّدة ـ فمات صغيراً.

روى أحمد عن علي قال : لما ولد الحسن سميته حرباً ، فجاء( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : أروني ابني ما سميتموه ؟ قلنا : حرباً ، قال : بل هو حسن ، فلما ولد الحسين فذكر مثله ، قال : بل هو حسين ، فلما ولد الثالث فذكر مثله ، قال : بل هو محسن ، ثم قال : سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبر ، اسناده صحيح.

23 ـ الملا علي القارئ في شرح الشمائل(2) قال : وفي مسند البزار عن أبي هريرة قال : ثقل ابن لفاطمة فبعث إلى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، الحديث ، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء. والابن المذكور هو محسن بن علي ، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيراً في حياة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) .

24 ـ سليمان القندوزي الحنفي ( ت 1293 ه‍ ) قال في ينابيع المودة(3) : وولدت فاطمة حسناً وحسيناً ومحسناً ومات محسن صغيراً.

25 ـ الاسحاقي في تاريخه أخبار الدول(4) قال : فاما محسن فمات صغيراً في حياة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) .

26 ـ زينب بنت يوسف فواز في الدر المنثور في طبقات ربات الخدور(5) ، قالت : وأما أولادها ـ تعني فاطمة ـ فالحسن والحسين والمحسن ، وهذا مات صغيراً.

__________________

(1) شرح المواهب 3 : 207.

(2) شرح الشمائل 2 : 122.

(3) ينابيع المودة : 201.

(4) أخبار الدول : 41.

(5) الدر المنثور : 361.


27 ـ الشبلنجي في نور الأبصار(1) قال : وأما أولادها فالحسن والحسين والمحسن وهذا مات صغيراً ، وقال أيضاً(2) : أما الذكور فالحسن والحسين ومحسن ، وفي كلام غيره ـ يعني كتاب بغية الطالب ـ : مات صغيراً.

28 ـ عبيد الله آمرتسري في أرجح المطالب(3) نقله عن البدخشي ، وقد مرّ ذكره وقال : مات صغيراً ، وتبع هؤلاء من الكتّاب المحدثين مثل الكاتب الشهير عباس محمود العقّاد في كتابه فاطمة الزهراء ضمن شخصيات إسلامية(4) ، وطاهر الحبوش في كتابه أصحاب صاحب البراق(5) .

29 ـ الحسين الحسيني السمرقندي ( ت نحو 1043 ه‍ ) قال في كتابه تحفة الطالب(6) : اولادها( رضي الله عنها ) : الحسن والحسين والمحسن وزينب ، ورقية وتكنى أم كلثوم ، الجميع أولاد علي بن أبي طالبعليه‌السلام مات المحسن صغيراً.

30 ـ أحمد محمود صبحي في كتابه نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنا عشرية(7) .

تنبيه وتنوير :

ليس يعنينا كثرة المهوسين وراء من تقدم ذكرهم ، إنّما الذي يعنينا تنبيه القارئ إلى ما جاء عن بعضهم :

1 ـ ما ذكره البلاذري والبري التلمساني في أنّ المحسن ( درج صغيراً ) ، وهذا القول فيه تعمّد إيهام وإبهام ، لأنّ معنى درج في مصطلح أهل النسب من

__________________

(1) نور الأبصار : 43.

(2) المصدر نفسه : 93.

(3) أرجح المطالب : 637.

(4) موسوعة العقّاد 2 : 42.

(5) أصحاب صاحب البراق : 22.

(6) تحفة الطالب ، نشر في مجلة تراثنا العدد 63 ـ 64 ، ص 305.

(7) نظرية الإمامة : 226.


مات صغيراً ولم يبلغ مبلغ الرجال ، كما حكاه الحسن القطان وقال : هو المشهور عند المتأخرين(1) .

وفي مصطلح أهل اللغة : أنّه الذي مات ولم يخلف نسلاً ، وليس كل من مات درج(2) .

فالبلاذري والبري التلمساني لم يقصدا بقولهما درج صغيراً يعني لم يبلغ مبلغ الرجال أو لم يخلف نسلاً ، بل قالا ذلك تحاشياً من ذكر موته سقطاً ، لأنّه لم يذكر أحد أنّ المحسن عاش فترة يصح أن يوصف فيها أنّه لم يخلف نسلاً أو لم يبلغ مبلغ الرجال ، ويدلّك على ذلك قول ابن حزم ـ وكان أحزم منهما في المقام ـ إذ قال : ( مات صغيراً جداً أثر ولادته ) يعني لم يعش يوماً واحداً.

2 ـ ما ذكره النويري في نهاية الأرب يلاحظ فيه تعمد الإيهام ، فهو ذكر المحسن وقال : فذهب محسن صغيراً. ثم ذكره ثانياً فقال : وقد قيل انّها ـ يعني فاطمةعليها‌السلام ـ ولدت ابناً اسمه محسن توفي صغيراً. ثم ذكره ثالثاً فقال : ومحسن على خلاف فيه.

فلاحظ كيف استدرج القارئ من الجزم بوجود المحسن إلى القيل فيه ، ونسبته إلى القيل وإن كانت تشعر بالتمريض كما يقولون ، إلاّ أنّه باح بما يكنّه حيث جزم بذكر الخلاف فيه ، وما يدرينا لو ذكره مرّة رابعة وخامسة لانتهى به المطاف إلى نفيه أصلاً(3) .

3 ـ ما ذكره الملا علي القاري الحنفي في شرح الشمائل نقلاً عن مسند البزار عن أبي هريرة قال : ثقل ابن لفاطمة فبعث إلى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وذكر الحديث وفيه مراجعة سعد بن عبادة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في بكائه ، قال : والابن المذكور هو محسن

__________________

(1) مقدمة منتقلة الطالبية : 29.

(2) تاج العروس : ( درج ).

(3) نهاية الأرب 18 : 213 ، 20 : 221 ، 223.


بن علي ، وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنّه مات صغيراً في حياة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم قال : هذا غاية التحقيق في هذا الحديث ، ولم أر من تعرض بهذا ، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

أقول : أرى لزاماً عليّ أن أذكر الحديث المشار إليه ، وما وقع فيه من تلبيس وتدليس ، وتهويش وتهويس عند بعض شرّاح الحديث ومنهم الملا علي القاري ، لأنّ الحديث المشار إليه يجعل موت المحسن صغيراً في حجر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟! فليقرأ ذلك القارئ.

جاء في شرح الشمائل باب ما جاء في بكاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) في شرح الحديث الرابع من الباب المذكور ، والحديث هو كالآتي :

حدّثنا محمود بن غيلان ، حدّثنا أبو أحمد ، حدّثنا سفيان ، عن عطاء بن السائب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : أخذ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ابنة له تقضي فاحتضنها فوضعها بين يديه فماتت وهي بين يديه ، وصاحت أم أيمن فقال ـ يعني النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ـ : أتبكين عند رسول الله ؟! فقالت : ألست أراك تبكي ؟! قال : إنّي لست أبكي إنّما هي رحمة ، إنّ المؤمن بكل خير ، إن نفسه تنزع من بين جنبيه ، وهو يحمد الله تعالى.

قال الملا علي القارئ في تعقيبه على الحديث المذكور بعد أن شرح ألفاظه : ثم اعلم انّ رواية النسائي في هذا الحديث : فلما حُضرت بنت لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) صغيرة أخذها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وضمها إلى صدره ، ثم وضع يده عليها فقبضت وهي بين يدي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فبكت أم أيمن ، الحديث.

قال ميرك : وهذا الحديث لا يخلو عن اشكال ، لأنّ المراد من قوله : ابنة له ، أو بنت له صغيرة إما بنته حقيقة كما هو ظاهر اللفظ ، فهو مشكل ، لأنّ أرباب السير والحديث والتاريخ أطبقوا على أنّ بناته( صلّى الله عليه وسلّم ) كلهنّ متن في حالة الكبر.

__________________

(1) شرح الشمائل 2 : 121 ـ 122.


وإما أن يراد بنت إحدى بناته ويكون اضافتها إليه مجازية ، فهذا ليس ببعيد ، لكن لم ينقل أنّ ابنة احدى بناته ماتت في حالة الصغر ، إلا ما وقع في مسند أحمد عن أسامة بن زيد قال : اتي النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بأمامة بنت أبي العاص من زينب بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وهي في النزع ، لكنه أشكل من حيث أنّ أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أنّ أمامة عاشت بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) حتى تزوّجها علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بعد وفاة فاطمة ، ثم عاشت عند علي حتى قتل عنها.

ولذا حملوا رواية أحمد على أنّها أشرفت على الموت ، ثم عافاها الله تعالى ببركة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فاما أن يقال : وقع وهم في هذا الحديث.

أما في قوله : ( تقضي ) وقوله : ( وهي تموت بين يديه ) والصواب ابنه ، وإذا كان كذلك فيحتمل أن يكون المراد به أحد بنيه : إما القاسم وإما عبد الله وإما إبراهيم ، فإنهم ماتوا صغاراً في حياته ، ويحتمل أن يكون المراد ابن بعض بناته وهو الظاهر ، ففي الاسباب الميلادي ! ( كذا ) أنّ عبد الله بن عثمان من رقية بنته( صلّى الله عليه وسلّم ) مات في حجره ، فبكى وقال : إنّما يرحم الله من عباده الرحماء.

وفي مسند البزار عن أبي هريرة قال : ثقل ابن لفاطمة فبعث إلى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، الحديث ، وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء ، والابن المذكور هو محسن بن علي.

وقد اتفق أهل العلم بالأخبار انّه مات صغيراً في حياة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، هذا غاية التحقيق في هذا الحديث ، ولم أر من تعرض بهذا وهو الهادي إلى سواء الطريق. انتهى ما جاء في شرح الشمائل لملا علي القارئ.

أقول : أود تنبيه القاري ـ كل قارئ ـ إلى أنّ الملا علي القارئ لم يكن دقيقاً في تحقيقه إلى الغاية كما قال ، ولا كان صادقاً فيما زعمه من المقال المحال لجهتين :


الجهة الأولى : أنّ زعمه لم ير من تعرض لذلك مردود عليه بأنّ المناوي ـ وهو من معاصريه ، إذ بين وفاتيهما اثنتي عشرة سنة ، فقد مات المناوي سنة 1004 ه‍ ومات الملا علي سنة 1016 ه‍ ـ قد ذكر ذلك ، وكان الرجل أكثر أمانة حين حكاه عن القسطلاني ، فإذا كان الملا علي لم ير شرح المناوي على الشمائل ـ وأكبر الظن أنّه رآه وافاد منه ـ فلا ريب عندي انّه رأى كلام القسطلاني الذي نقله عنه المناوي ، وإليك ذلك بلفظه في شرح الشمائل المطبوع بهامش شرح الملا علي القارئ.

قال المناوي تعقيباً على الحديث المذكور : تنبيه ، قوله آنفاً : وهي بنت بنته زينب هو ما ذكره الشارح(1) وغيره ، فراراً مما أورد على إطلاق البنت من أنّ المصطفى( صلّى الله عليه وسلّم ) كان له أربع بنات وكلهنّ بلغن التزويج ، وثلاثة منهن وإن متن في حياته لا يصلح لواحدة منهنّ أن يقال في حقها صغيرة ، وقد وصفها في رواية النسائي في هذا الحديث بالصغر.

فتعيّن أن يراد إحدى بنات بناته ، لكنه مع ذلك قد استشكل أيضاً بأنّه لم ينقل بأنّ ابنة احدى بناته ماتت صغيرة ، إلا ما رواه أحمد عن الهندي قال : ( أتي النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بأمامة بنت زينب وهي في النزع فدمعت عيناه ) ويعارضه أنّ أهل العلم بالأخبار اتفقوا على أنّ امامة عاشت بعد النبي حتى تزوجها على بن أبي طالب بعد موت فاطمة وقتل عنها ، وحملوا رواية أحمد على أنّها أشرفت على الموت ولم تمت.

فإما أن يقال وقع وهم في هذا الحديث ، إما في قوله : ( تقضي ) وقوله : ( وهي تموت بين يديه ) وأما في قوله ( ابنته ) والصواب ابنه ، ويكون المراد أحد بنيه القاسم أو عبد الله أو إبراهيم ، ويحتمل : أنّ المراد ابن بعض بناته ، إما محسن بن

__________________

(1) يعني به ابن حجر فإنّ له شرح الشمائل ، وقد نبّه المناوي في مقدمة كتابه أنّه المراد بقوله ( الشارح ) فراجع.


فاطمة ، أو عبد الله بن رقية من عثمان ، نبّه عليه القسطلاني. انتهى ما قاله المناوي. وجاء أيضاً نحو هذا في شرح الشمائل لجسوس(1) .

وعلى هذا فيكون القسطلاني أول من احتمل في توجيه الحديث المذكور في الشمائل أن يكون المتوفى بين يدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أحد ولدي الخالة ، إما محسّن بن فاطمة أو عبد الله بن رقية ، وتابعه على ذلك كل من المناوي وجسوس ، وهم جميعاً لم يجزموا فيهما ، بل احتملوا أن يكون هو أحدهما لا على التعيين ، ومجرد الاحتمال يبطل الاستدلال ، فيبقى أمر وفاة المحسن في عهد جده غير ثابت.

الجهة الثانية : فيما نقله الملا علي القارئ عن مسند البزار عن أبي هريرة ، فمن حقنا أن نسأله أين كان أبو هريرة يومئذٍ ؟ هل كان حاضراً فشاهد وسمع جميع ما حدث به من أمر الابن الذي ذكره مجملاً ؟ وإذا كان كذلك فما باله لم يسمّه ؟ وحديثه ينبئ عن حضوره ؟!

ثم إذا لم يكن حاضراً ـ وهو كذلك لأنه كان بالبحرين ـ فلماذا لم يذكر من حدّثه بذلك ؟ ولكن لا غرابة لو زعم أبو هريرة الحضور ، فأحاديثه التي صح منها ما حلّق بها بقادمة النسور حتى جعلته أول راوية في الإسلام ، يكذّبه من الصحابة ثلاثة من الخلفاء علي وعمر وعثمان ، وزد عليهم تكذيب السيدة عائشة وهي أم المؤمنين(2) ، وخل عنك التابعين ومَن بعدهم ، حتى كان أبو حنيفة إمام المذهب لا يأخذ بحديثه(3) .

وليس هذا بأول حديث له كذب فيه على أبناء فاطمة وأبناء الرسول وزعم فيه الحضور ، وما حديث زعمه حضوره ولادة الحسينعليه‌السلام ، وأنّه رآه وقد أخذه

__________________

(1) شرح الشمائل 2 : 105.

(2) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 27 ـ 28 ، وحكاه عن النظام شيخ الجاحظ ، ولم يستطع رده إلا دفعاً بالصدر.

(3) شيخ المضيرة 117 ـ 133.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ملفوفاً بخرقة وقد خضبت يداه من الدم(1) ، الا نموذج واحد من أكاذيبه الفاضحة ، فإنّ ولادة الحسين كانت في الثالث أو الخامس من شعبان السنة الرابعة من الهجرة على أكثر تقدير ، وأبو هريرة يومئذٍ بعد لم يسلم ولم يأت إلى المدينة ، إذ أنّه جاء بعد فتح خيبر ، وكان الفتح في سنة (7) من الهجرة.

وهذا أيضاً ليس بأعظم من فريته على رقية بنت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) حين زعم دخوله عليها وبيدها مشط ، فقالت : خرج رسول الله من عندي آنفاً ورجلت شعره ، فقال : كيف تجدين أبا عبد الله ( يعني عثمان ) ؟ قالت : بخير ، قال : أكرميه فإنّه من أشبه أصحابي بي خلقاً.

ونحن لا نعقّب على ذلك بأكثر مما قاله الحاكم في المستدرك بعد أن أخرج الحديث فقال : هذا حديث صحيح الاسناد واهي المتن ، فإنّ رقية ماتت سنة (3) من الهجرة بعد فتح بدر ، وأبو هريرة أسلم بعد فتح خيبر في سنة (7) من الهجرة.

وما دام أبو هريرة يروي لنا أن الابن المذكور في الحديث هو محسن بن علي ، فلا غرابة ولا عجب ، فالرجل يضلع في ركاب الحاكمين ويضع لهم ما شاؤوا ، فأيّ وازع يمنعه عن أن يضع لهم ذلك الحديث ليثبت لهم موت المحسن في عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإذا ثبت ذلك برئت ساحة المتهمين بإسقاطه ، ولكن( وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ ) (2) .

والآن لنقرأ مقالة العلماء في أنّ المحسن مات سقطاً.

__________________

(1) مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 185.

(2) سبأ : 52.


الفَصْلُ الثَّالِثُ

فيمن ذكر المحسن السبط وانّه سقط

ليس من المتوقع أن نجد عدد الذين ذكروا موت المحسن سقطاً أن يكون كثيراً ، كما أنه ليس من المتوقع من أولئك أن يذكروا سبب السقوط ، فليس غريباً أن نجد حديث السقوط ـ بعد أن كان إسقاطاً ـ نجده منسوباً عند بعضهم إلى الشيعة ، وهؤلاء إنّما لجأوا إلى ذلك فيما أرى إما دفعاً للغائلة ، أو حفاظاً على قداسة الموروث في النفوس.

وقليل ما هم أولئك الذين تخطّوا الحاجز النفسي فصرّحوا بالسبب ، ولا غرابة لو رأينا التعتيم والغموض يلفّ قضية موت المحسن سقطاً ، فالحكومات المتعاقبة من بعد النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والتي استحوذت على الحكم بالقوة ، كلّها تناوئ المحسن وآله أمّاً وأباً ومن يمتّ إليه نسباً ، فكيف يتوقع من الرواة من أن يذكروا الحَدَث كما حدث ، وهو حَدَثٌ مريع وفظيع ، وذكره يقلقل أحشاء الحاكمين ، وينسف مقولة شرعيّة حكم الظالمين.

لذلك لم نجد بعد البحث والتنقيب إلا العدد الذي لم يتجاوز العشرين إلا قليلاً ، فهؤلاء هم الذين ذكروا موت ( المحسن ) سقطاً ، والأقل من القليل الذي ذكر موته إسقاطاً ، ومع ذلك ففي هؤلاء من خشي مغبة العاقبة ، فذكر أمر


الإسقاط ونسبه إلى الشيعة ، وأحسبه أراد التخلّص من صراع نفسي مرير ، يتجاذبه كتمان أمر المحسن كلية ، وذكره منسوباً إلى الشيعة ، فرأى في الثاني ما يخفّف عنه وطأة الصراع ، ويضع عنه مسؤولية الكتمان وإصر التبعة ، وإلا فسيلقى المصير الذي لاقاه أحمد بن محمد بن محمد ابن السريّ بن يحيى بن أبي دارم المحدث ، فقد « كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم في آخر أيّامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، قال ـ الراوي ـ : حضرته ورجل يقرأ عليه : إنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسّن » راجع قصة هذا المحدث في ترجمته عند الذهبي في كتابه ميزان الاعتدال(1) .

ولا يزال غير واحد يعيش هذا الصراع النفسي المحرج المكبوت ، فهو يتأرجح بين الموروث بمآسيه وبين الحقائق الثابتة ، فيعبّر عنها بلسان غيره ، ومن أولى بذلك من الشيعة ، فانظر مثلاً إلى الدكتور أحمد محمود صبحي مدرس الفلسفة بكلية الآداب بجامعة الاسكندرية حيث يقول في كتابه نظرية الإمامة لدى الشيعة الإثني عشرية(2) ( تحليل فلسفي للعقيدة ) وهو يتحدّث عن حديث المنزلة :

« ولا يقف الشبه بين علي وهارون إلى حد الصفات المثبتة في حق هارون كما هي مستخلصة من القرآن ، بل يضيف الشيعة خصائص اُخرى شخصية ، فقد أبى النبي إلا أن تكون أسماء بني علي مماثلة لأسماء بني هارون ، فسمّاهم حسناً وحسيناً ومحسناً قائلاً : إنّما سميتهم بأسماء ولد هارون شبر وشبير ومشبّر » .

وعلّق على اسم المحسن فقال في الهامش : « يقال : مات صغيراً ، ويقال : إنّ عمر ركل فاطمة لمجافاتها أبا بكر في الخلافة وفدك ، فأجهضت محسناً جنيناً ، ولا شك أنّ القول الأول أصح ، وإلاّ فما يبرر تسمية جنين ميت ».

__________________

(1) ميزان الاعتدال 1 : 139 ؛ ولاحظ سير أعلام النبلاء له أيضاً 15 : 578 ؛ وعنه ابن حجر في كتابه لسان الميزان 1 : 268.

(2) نظرية الإمامة : 226.


ومن الغريب تصحيحه للقول الأول وأنه مات صغيراً ، وأغرب من ذلك تذرّعه بعدم المبرر لتسمية جنين ميّت ، فنقول : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله سمّاه يوم كان جنيناً وهو حي ولم يكن ميتاً ، ولولا الرفسة لتمّ حمله وكانت ولادته طبيعية ، وتسمية الجنين الميّت السقط مندوب إليها فضلاً عن أن يكن حملاً.

ثم ما ذنب الشيعة لأن يتهمهم بأنهم أضافوا خصائص أخرى شخصية ، وذكر تسمية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله للأنبياء الثلاثة بأسماء ولد هارون ، وقد مرّ بنا في الباب الأول مصادر أهل السنة ؟

وفي كتاب هذا الرجل موارد كثيرة تطغى عليه فيها معاناة الصراع النفسي بين الموروث والحقائق لسنا بصددها.

والآن إلى أسماء أولئك الذين صرّحوا بأنّ المحسن مات سقطاً :

1 ـ أبو إسحاق إبراهيم النظام ( ت 231 ه‍ ) ، وهذا هو شيخ الجاحظ ، وهو من شيوخ المعتزلة ، قال : انّ عمر ضرب بطن فاطمةعليها‌السلام يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها ، وكان يصيح : أحرقوها بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين.

هذا ما نقله عنه الشهرستاني في كتابه الملل والنحل(1) . وحكى ذلك عن النظام أيضاً الصفدي في الوافي بالوفيات(2) .

2 ـ ابن قتيبة ( ت 276 ه‍ ) ، حكى عنه الحافظ السروي المعروف بابن شهرآشوب ( ت 588 ه‍ ) ، في كتابه مناقب آل أبي طالب(3) قال : وأولادها : الحسن والحسين والمحسن سقط ، وفي معارف القتبي : « انّ محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي ».

__________________

(1) الملل والنحل 1 : 77.

(2) الوافي بالوفيات 6 : 17.

(3) المناقب 3 : 133 ، في أحوال فاطمةعليها‌السلام .


وعند مراجعة كتاب المعارف المطبوع لم نجد ذلك فيه ، ولمّا كان الحافظ الكنجي الشافعي ( ت 658 ه‍ ) قد أكّد حكاية ابن شهرآشوب لذلك عن ابن قتيبة بعد أن ذكر أنّ فاطمةعليها‌السلام أسقطت بعد النبي ذكراً كان سماه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محسناً ، فقال الكنجي : وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلا عند ابن قتيبة.

أقول : وسيأتي تحقيق حول كتاب المعارف في الملاحق في آخر الرسالة.

3 ـ النسابة الشيخ أبو الحسن العمري ـ وكان حياً سنة 425 ه‍ ـ قال في كتابه المجدي ـ بعد ذكر اختلاف النسابين في المحسن ـ : ولم يحتسبوا بمحسن لأنّه ولد ميتاً ، وقد روت الشيعة خبر المحسن والرفسة ، ووجدت بعض كتب أهل النسب يحتوي على ذكر المحسن ، ولم يذكر الرفسة من جهة أعوّل عليها.

4 ـ النسابة محمد بن أسعد بن علي الحسيني الجواني ( ت 588 ه‍ ) ذكر المحسّن في الشجرة المحمدية والنسبة الهاشمية(1) وقال : أسقط ، وقيل : درج صغيراً ، والصحيح أنّ فاطمة( رضي الله عنها ) أسقطت جنيناً.

5 ـ كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي ( ت652 ه‍ ) قال في مطالب السؤول(2) عند ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام :

« اعلم أيّدك الله بروح منه ، إنّ أقوال الناس اختلفت في عدد أولادهعليه‌السلام ذكوراً وإناثاً ، فمنهم من أكثر فعدّ فيهم السقط ، ولم يسقط ذكر نسبه ، ومنهم من أسقطه ولم ير أن يحتسب في العدة ، فجاء قول كل واحد بمقتضى ما اعتمده في ذلك وبحسبه ـ ثم نقل عن صفة الصفوة وغيرها ذكرهم إلى أن قال : ـ وذكر قوم آخرون زيادة على ذلك ، وذكروا فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسينعليهما‌السلام وكان سقطاً ».

__________________

(1) الشجرة المحمدية : ( نسخة مصورة في مجلة الموسم ، العدد 32 ، سنة 1418 ه‍ ).

(2) مطالب السؤول : 62 ، الفصل 11.


6 ـ الحافظ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي ( ت 658 ه‍ ) ، حكى في كتابه كفاية الطالب(1) عند ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام قول المفيد في عددهم ، ثم قال : وزاد الجمهور وقال : إنّ فاطمةعليها‌السلام أسقطت بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ذكراً كان سمّاه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) محسناً ، وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلاّ عند ابن قتيبة.

7 ـ الحمويني ( ت730 ه‍ ) ، ذكر باسناده في فرائد السمطين(2) حديثاً عن ابن عباس أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان جالساً ذات يوم إذ أقبل الحسنعليه‌السلام فلمّا رآه بكى ، ثم قال :« إليّ إليّ يا بني » ، فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى ، ثم أقبل الحسينعليه‌السلام فلما رآه بكى ثم قال :« إليّ إليّ يا بُني » فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليسرى ، ثم أقبلت فاطمةعليها‌السلام ، فلما رآها بكى ثم قال :« إليّ إليّ يا بنية فاطمة » ، فأجلسها بين يديه.

ثم أقبل أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، فلما رآه بكى ثم قال :« إليّ إليّ يا أخي » ، فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه الأيمن ، فقال له أصحابه : يا رسول الله ما ترى واحداً من هؤلاء إلا بكيت ، أوما فيهم مَن تسرّ برؤيته ؟ فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« والذي بعثني بالنبوة واصطفاني على جميع البرية ، إنّي وإياهم لأكرم الخلائق على الله ( عزّ وجلّ ) ، وما على وجه الأرض نسمة أحبّ إليّ منهم أما علي بن أبي طالب ، ـ وذكر فضله وما خصّه الله به ـوأما ابنتي فاطمة فإنّها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ، وهي بضعة منّي وهي ، وإنّي لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ، كأنّي بها وقد دخل الذلّ بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغُصب حقها ، ومُنعت إرثها ، وكُسر جنبها ، وأُسقطت جنينها ـ إلى أن قال : يقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ :اللّهم العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلّل ـ كذا والصواب فأذل ـمن أذلّها ، وخلّد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها » ، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين.

__________________

(1) كفاية الطالب : 423.

(2) فرائد السمطين 2 : 34 ـ 35.


8 ـ الحافظ جمال الدين المزي ( ت742 ه‍ ) ، قال في كتابه تهذيب الكمال(1) : كان لعلي من الولد الذكور والذين لم يعقبوا محسن درج سقطاً .

أقول : ونقل ذلك عنه الفاسي في العقد الثمين(2) أيضاً.

9 ـ الشيخ الإمام سعيد بن محمد بن مسعود الكازروني ( ت 758 ه‍ ) ، جاء في كتابه مطالع الأنوار المصطفوية في شرح مشارق الأنوار النبوية للصغاني الحنفي ( ت650 ه‍ ) ، عند ذكره رواة الكتاب على ترتيب حروف المعجم ، فقال في حرف الفاء :

فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، كان من حقها أن تذكر في أول الأسامي لكن ترتيب الكتاب اقتضى هذا التنسيق ـ إلى أن قال بعد ذكر شيء من ترجمتها ـ : وولدت لعلي الحسن والحسين والمحسن ، وقيل : سقط المحسن من بطنها ميتاً بسبب أنّ عمر بن الخطاب دقّ الباب على بطنها حين جاء لعلي أن يروح به إلى عند أبي بكر لأخذ البيعة.

10 و 11 ـ الصلاح الصفدي ( ت 764 ه‍ ) ، قال في الوافي بالوفيات(3) : والمحسن طرح. وحكى ذلك من كتاب شيخه الذهبي ( فتح المطالب في فضل علي بن أبي طالب ) ولمّا لم نقف على كتاب شيخه فاكتفينا بنقله عنه ، وعددنا شيخه ممّن قال بأنّ المحسن سقط.

12 ـ التقي الفاسي الحسني المكي ( ت 832 ه‍ ) ، ذكر في كتابه العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين(4) في ترجمة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام أولاد الإمام ، فحكى قول ابن قتيبة : ( ولعليرضي‌الله‌عنه من الولد الحسن والحسين ومحسناً ) فعلق المحقق فؤاد سيد على اسم المحسن فقال : تكملة من المعارف.

__________________

(1) تهذيب الكمال 20 : 479.

(2) العقد الثمين 6 : 203.

(3) الوافي بالوفيات 21 : 281.

(4) العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين 6 : 202.


أقول : ولاندري هل عدم ذكره « كان سقطاً » من سهو القلم ، أم هو من الاسقاط المتعمد ؟ ثم انّ الفاسي حكى أيضاً في كتابه(1) قول الحافظ المزي في تهذيب الكمال : ( ومحسن درج سقطاً ) ولم يعقب عليه بشيء ، فهو إمضاء منه لقوله.

وذكر الفاسي أيضاً في كتابه(2) في ترجمة الزهراءعليها‌السلام قول أبي عمر : ( فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب ). فعلق المحقق على ذلك في الهامش فقال : ( ومحسناً ) كما في سير أعلام النبلاء حكاية عن ابن عبد البر.

أقول : وما ذكره الطناحي صحيح ، فهو موجود في سير أعلام النبلاء(3) ، لكن إذا رجعنا إلى الاستيعاب وهو كتاب أبي عمر وهو ابن عبد البر ، فلا نجد ذلك النص جملة وتفصيلاً ، وبين يدي ثلاث طبعات من الاستيعاب.

1 ـ طبعة حيدر آباد سنة 1326 ه‍.

2 ـ طبعة مصطفى محمد سنة 1339 بهامش الإصابة.

3 ـ طبعة محققة بتحقيق علي محمد البجاوي بمطبعة نهضة مصر.

وقد راجعت ترجمتي الإمام أمير المؤمنين والزهراءعليهما‌السلام ، فلم أجد النص المذكور ، فيا ترى من الذي غصّ بذكر المحسن ، فابتلعه على مضض ليضيع ذكره كما خفي قبره ، وعلى سنن الماضين جاء سير الخالفين ، وهكذا أضاع الخلف ما يدين السلف طمساً للحقائق ، فالله حسيبهم.

13 ـ إبراهيم بن عبد الرحمن الحنفي الطرابلسي ، كان حيّاً سنة 841 ه‍ ، قال في المشجرة التي صنعت للخليفة الناصر وكتبت لخزانة صلاح الدين ص 9 : محسن بن فاطمة أسقط ، وقيل درج صغيراً ، والصحيح أن فاطمة أسقطت جنينها.

__________________

(1) المصدر نفسه 6 : 203.

(2) المصدر نفسه 8 : 284.

(3) سير أعلام النبلاء 3 : 425.


14 ـ ابن الصباغ المالكي الصفاقسي ( ت 855 ه‍ ) ، قال في الفصول المهمة(1) في ذكر أولاد الإمام : وذكروا أنّ فيهم محسناً شقيقاً للحسن والحسين ، ذكرته الشيعة وأنّه كان سقطاً.

أقول : ولم يعقب على ذلك بشيء ، فهو إمضاء منه لما قالته الشيعة ، ولو لم يكن كذلك لردّ عليهم بشيء.

15 ـ أبو الفضيل محمد الكاظم بن أبي الفتوح ، قال في كتابه ( النفحة العنبرية في أنساب خير البرية ) الذي ألّفه سنة 891 ه‍ : ( والمحسّن وأخوه ولدا ميتين من الزهراء )(2) .

16 ـ الصفوري الشافعي ( ت 894 ه‍ ) ، قال في نزهة المجالس(3) : « كان الحسن أول أولاد فاطمة الخمسة : الحسن ، والحسين ، والمحسن كان سقطاً ، وزينب الكبرى ، وزينب الصغرى » وقال في كتابه الآخر : ( المحاسن المجتمعة في الخلفاء الأربعة )(4) من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر قال : وأسقطت فاطمة سقطاً سمّاه علي محسناً.

أقول : وهذا ليس في الاستيعاب المطبوع فلاحظ.

17 ـ الشيخ جمال الدين يوسف المقدسي ( ت 909 ه‍ ) ، في الشجرة النبوية في نسب خير البرية(5) قال : ( محسن ، قيل : سقط ، وقيل : بل درج صغيراً ، والصحيح أنّ فاطمة أسقطت جنيناً ).

__________________

(1) الفصول المهمة : 54.

(2) النفحة العنبرية. ( نسخة مصورة عن نسخة المجمع العلمي العراقي ).

(3) نزهة المجالس 2 : 229.

(4) المحاسن المجتمعة : 164.

(5) الشجرة النبوية في نسب خير البرية : 60.


18 ـ النسابة عميد الدين كان حياً سنة 929 ه‍ ذكره في المشجر الكشاف(1) فقال : ( والمحسن الذي أسقط ).

19 ـ السيد مرتضى الزبيدي المتوفى 1205 ه‍ ، قال في تاج العروس ( شبر ) : « المحسّن بتشديد السين ، ذهب أكثر الإمامية من أنه كان حملاً فأسقطته فاطمة الزهراء لستة أشهر ، وذلك بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

أقول : ولمّا لم يعقب على قول الإمامية برد عليه ، فذلك السكوت رضىً به.

20 ـ الشيخ محمود بن وهيب الحنفي القراغولي قال في جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام(2) : ( وأما محسّن فأدرج سقطاً ).

21 ـ الشيخ محمد الصبان الشافعي ( ت 1206 ه‍ ) ، قال في كتابه اسعاف الراغبين بهامش مشارق الأنوار للحمزاوي(3) : ( فأما محسن فادرج سقطاً ).

22 ـ الشيخ حسن الحمزاوي المالكي قال في كتابه مشارق الأنوار الذي فرغ من تأليفه سنة 1264 ه‍ كما في آخره ، قال : ( وأما محسن فأدرج سقطاً )(4) .

23 ـ محمد بن محمد رفيع ملك الكتاب ـ من علماء أواخر القرن الثالث عشر ـ قال في كتابه رياض الأنساب(5) ما تعريبه : ( وولد آخر معدود في أولاده ـ يعني الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ـ كانت الزهراءعليها‌السلام حاملاً به ، فأسقطته قبل استكمال مدة الحمل ، لأنّ قنفذاً ضربها وزحمها خلف الباب ).

24 ـ المؤرّخ الفارسي الشهير بسپهر في كتابه ناسخ التواريخ في الجزء المختص بالزهراء(6) قال ما تعريبه : ذكر أنّ المحسن الذي سماه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مات سقطاً ، لأنّ قنفذاً والمغيرة بن شعبة مع غيرهما ضربوا الزهراء فأسقطوا جنينها.

__________________

(1) المشجر الكشاف : 229.

(2) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام : 104.

(3) اسعاف الراغبين : 81.

(4) راجع مشارق الأنوار : 81.

(5) رياض الأنساب : 78.

(6) ناسخ التواريخ : 60.


25 ـ مؤلّف نسمات الأسحار قال في كتابه(1) : ( ومحسناً أسقطته سقطاً ).

هذه أسماء الذين ذكروا أنّ المحسن كان سقطاً ، فوقفت على أسمائهم فعلاً ، ولا شك أنّه قد فاتني الكثير غيرهم ، كما لم أذكر معهم من مؤرخي القدامى كالمسعودي واليعقوبي وابن أعثم لعدّهم أو بعضهم من الشيعة ، وان اعتمدهم أو بعضهم غير واحد من السنة كالذهبي وابن حجر في مقامات أخرى.

وإذا أمعنّا النظر في أعداد الأصناف الثلاثة نجدها جميعاً ناهزت المائة ، لأنّ رجال الفصل الأول كانوا أربعين ، ورجال الفصل الثاني نيّفوا على الثلاثين ، ورجال الفصل الثالث كانوا خمساً وعشرين ، وكلهم من رجال السنّة ، ولا يتطرق الريب إلى اتهامهم بالرفض جميعاً وممالاة الشيعة.

وإذا قارنّا بين أعداد الفصول ، فنجد الفصل الأول فاق الفصلين الثاني والثالث ، ولمّا كان في مصادره ذكر المحسن فقط ، ولم تفصح عن موته فهل مات صغيراً كما في مصادر الفصل الثاني ؟ أو مات سقطاً كما هو في مصادر الفصل الثالث ؟ فحينئذٍ لا تعارض بينها.

ومرّت بنا في مصادر الفصل الثاني بعض المؤشرات التي تدل على تعمد الابهام والايهام ، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك تعقيباً على ما قاله البلاذري والبري التلمساني ، وما قاله ابن حزم ، مما يجعلنا في ريبة من صدق قول الآخرين ، بل تعمّدهم كتمان الحقيقة في موت المحسن السبط وأنّه السقط ، كما جاء في مصادر الفصل الثالث.

ونحن إذا قرأنا تاريخ سيدة النساء فاطمة الزهراءعليها‌السلام في أخريات أيام النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما جرى لها من حديث معه في مرضه الذي توفي فيه ، نجد مؤشراً

__________________

(1) نسمات الاسحار : 109.


يلزمنا بالوقوف عنده ، وذلك حين نقرأ ما أخرجه كل من الطبراني ، وأبو نعيم ، وابن مندة ، وابن عساكر وغيرهم ، وأخرجه عنهم الهيثمي في مجمع الزوائد(1) ، كما رواه السيوطي في الجامع الكبير ، وعنه المتقي الهندي في كنز العمّال(2) ، ورواه الزرقاني في شرح المواهب(3) ، وإليك لفظ الحديث بلفظ مجمع الزوائد عن أبي رافع قال :

جاءت فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بحسن وحسين إلى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في مرضه الذي قبض فيه ، فقالت : هذان ابناك فورثهما شيئاً ، فقال لها : أما حسن فله ثباتي وسؤددي ، وأما حسين فإنّ له حزامتي وجودي. وبتفاوت يسير في اللفظ في المصادر الأخرى ، وقد رواه من الشيعة أيضاً الطبري الامامي في دلائل الإمامة(4) وغيره.

والذي يسترعي الانتباه أنّها لم تذكر المحسن مع أخويه ، فهو لا يخلو حاله إما أن يكون بعدُ لم يولد ـ وهو كذلك لما سيأتي ـ وإما أن يكون قد ولد ومات صغيراً ، كما ذكره من زعمه ممن قد مرّ ذكرهم في الفصل الثاني ، فلذلك لم تذكره أمّه باعتباره سالبة بانتفاء الموضوع ، غير أنّ أولئك الذين ذكروا موته صغيراً ، لم يذكروا لنا عن عمره وزمان وسبب موته ولا شيئاً عن دفنه ، وهذا منهم على غير عادتهم حين يذكرون موت أبناء الذوات ، فضلاً عن أبناء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأسباطه ، فقد ذكروا شيئاً من ذلك في موت إبراهيم ابن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذكروا عن موت عبد الله بن رقية بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومرت الاشارة إلى بعض من ذلك.

__________________

(1) مجمع الزوائد 9 : 184 ـ 185.

(2) كنز العمال 13 : 102.

(3) شرح المواهب 2 : 207.

(4) دلائل الامامة : 3.


فسكوتهم عن جميع ذلك في المحسن ، مع اعترافهم بأنّه كان ولداً لفاطمة واسمه المحسن ، وأنه مات صغيراً ، فيه تعمد استبهام ، وعليه أكثر من علامة استفهام ، لذلك يبقى الذين ذكروا أنّه مات سقطاً ، هم أقرب إلى واقع الحدث من غيرهم ، خصوصاً وانّ شواهد الأحداث المتلاحقة يوم إسقاطه تؤيّدهم.

فثمة إتساق داخلي وواقعي بين مضمون رواية موته سقطاً من أثر زحم قنفذ وغيره ، وبين روايات أخرى تضمّنت ذكر الأحداث المريعة في ذلك اليوم ، كمجيء عمر بن الخطاب ومعه جماعة ـ كما سيأتي ذكرهم بأسمائهم ، نقلاً عن مصادر أتباعهم ـ ومعهم الحطب ، وهم يهددون بإحراق دار فاطمة على مَن فيها ، وممانعة فاطمة لهم ثم ، وثم إلى ما هنالك من أحداث متتالية.

كل ذلك يستدعي الوقفة الفاحصة بالنظر إلى تلك الصور المرعبة والمريعة ، والتي لا تحتمل رؤيتها أنظار كثير من المسلمين لبشاعتها وفضاعتها ، إما لضغط الرواسب الموروثة في تقدير الشخوص والرموز ، أو لعظم الأحداث فلا يكاد يصدّق بها حتى من لم يؤمن بقداسة الموروث لعظيم الرزية وعظم الضحية ، ويبقى التصديق نصيب من وضحت عنده الرؤية ، بعد إزالة غشاء التضليل عن عينيه ، فيقرأ النص في ملابسات الحديث فيما له وعليه.

وكم قرأنا نماذج تشير إلى حدوث السقط على استحياء أو استخذاء أمام الرأي العام المحكوم لإعلام الحاكمين ، وحتى في العصر الحديث ـ عصر حرية الرأي وحرية التعبير ـ نجد بعض الكتّاب المحدثين يراوغ أو يصارع مع نفسه حين يقول : ( ولم يكن بالزهراء من سُقم كامن يعرف من وصفه ، فإنّ العرب وصّافون ـ وإن كان حولها من آل بيتها لمن أقدر العرب على وصف الصحة والسقم ـ فما وقفنا من كلامهم وهم يصفونها في أحوال شكواها على شيء يشبه أعراض الأمراض التي تذهب بالناس في مقتبل الشباب ، وكل ما يتبين من


كلامهم أنه الجهد ، والضعف ، والحزن ، وربما اجتمع إليها اعياء الولادة في غير موعدها ، إن صح أنها أسقطت محسناً بعد وفاة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) كما جاء في بعض الأخبار(1) ).

كما نجد نمطاً آخر من القدامى يذكرون خبر إسقاط المحسن وينسبونه إلى الشيعة ، ثم هم لا يزيدون على ذلك نفياً ، أليس يعني ذلك هو الإمضاء على استحياء أو استخذاء ، وربما هو التصديق ، ولكن على خوف عند التحقيق.

فمن هؤلاء المقدسي ( ت 355 ه‍ ) في كتاب البدء والتاريخ(2) ، قال عند ذكر أولاد فاطمةعليها‌السلام : ( وولدت محسناً ، وهو الذي تزعم الشيعة أنّها أسقطته من ضربة عمر ).

ومن هؤلاء أيضاً أبو الحسين الملطي ( ت 377 ه‍ ) في كتابه التنبيه والرد(3) ، قال : ( فزعم هشام إنّ أبا بكر مرّ بفاطمةعليها‌السلام فرفس في بطنها فأسقطت ، وكان سبب علتها ووفاتها وأنّه غصبها فدكاً ).

أما آخرون ذكروا الحدث ـ إسقاط المحسن ـ ونسبوه إلى الشيعة ، ونددوا بهم إذ لم يتهضموا إدانة الشخوص ، ولم يأتوا بحجة مقبولة ، ولم يستندوا إلى ركن وثيق ، فمنهم ابن حجر المكي الهيتمي ( ت 974 ه‍ ) في الصواعق المحرقة(4) ، قال : ( ألا ترى إلى قولهم ـ يعني الشيعة ـ انّ عمر قاد علياً بحمائل سيفه ، وحصر فاطمة فهابت فأسقطت ولداً اسمه المحسن ).

ومنهم العصامي المكي ( ت 1111 ه‍ ) في سمط النجوم العوالي(5) ، وقد اجتر ما قاله ابن حجر كما مر ولم يزد عليه شيئاً.

ومنهم أحمد زيني دحلان ( ت 1304 ه‍ ) في الفتح المبين(6) .

__________________

(1) عباس محمود العقّاد ( فاطمة الزهراء والفاطميون ) : 68.

(2) البدء والتاريخ 5 : 20.

(3) التنبيه والرد : 25 ـ 26.

(4) الصواعق المحرقة : 51.

(5) سمط النجوم العوالي 2 : 295.

(6) الفتح المبين 1 : 87 , ( بهامش السيرة النبويّة ).


وهكذا يبقى الشيعة هدفاً لاتهامات من لا يرعوي لصدق ولا يذعن لحق.

وما أدري ما ذنب الشيعة إذا كانوا رووا ما رواه غيرهم أيضاً في أحداث يوم هجوم الشلّة على دار الزهراءعليها‌السلام ، وكان منها إسقاط المحسن ، وقد مرت بنا في الفصول الثلاثة أسماء من اعترفوا بالمحسن كحقيقة ثابتة ، ثم مرّ بنا في الفصل الثاني من زعم أنه مات صغيراً ، وذلك ستراً على المهاجمين ، ثم قرأنا أسماء من ذكروا أنه كان سقطاً ، وكل اولئك من غير الشيعة ، فلماذا يدان الشيعة ويُندّد بهم ؟

والجواب بكل بساطة : لأنّهم تبعوا الحق فقالوا الحقيقة ، وهذا يدين رموز الخالفين بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والإدانة فيها المهانة ، وهذا لا ينبغي في لغة الحاكمين ، ومع كل ما اتخذوا من وسائل الإغراء والوعيد في رفع الإصر عنهم لم يتمكنوا من كمّ الأفواه جميعاً ، فوصل إلينا ما قد وصل ، ولنا الحجة على المنكرين فيما حصل.

ولنختم هذا الباب ـ الثاني ـ بحوار جرى بين ابن أبي الحديد المعتزلي ، وبين شيخه الشريف يحيى بن أبي زيد العلوي الزيدي ( المتوفى قبل 644 ه‍ ) ، فقد روى ابن أبي الحديد في شرح النهج(1) عن ابن إسحاق خبر ترويع هبار بن الأسود الفهري لزينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فروّعها بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملاً ، فلما رجعت طرحت ما في بطنها ، وقد كانت من خوفها رأت دماً وهي في الهودج ، فلذلك أباح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم فتح مكة دم هبار بن الأسود(2) .

__________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 : 351.

(2) قال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة زينبعليها‌السلام : وتوفيت زينب بنت رسول الله في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله سنة ثمان من الهجرة ، وكان سبب موتها أنها لما خرجت من مكة إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عمد لها هبار بن الاسود ورجل آخر ، فدفعها أحدهما فيما ذكروه ، فسقطت على صخرة فأسقطت وأهرقت الدماء , فلم يزل بها مرضها ذلك حتى ماتت سنة ثمان من الهجرة.


ثم قال ابن أبي الحديد : قلت : وهذا الخبر أيضاً قرأته على النقيب أبي جعفررحمه‌الله فقال : إذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أباح دم هبّار بن الأسود لأنه روّع زينب فألقت ذا بطنها ، فظهر الحال أنه لو كان حياً لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها ، فقلت : أروي عنك ما يقوله قوم إنّ فاطمة رُوّعت فألقت المحسن ؟ فقال : لا تروه عنّي ، ولا ترو عنّي بطلانه ، فإنّي متوقف في هذا الموضع ، لتعارض الأخبار عندي فيه.

أقول : وإذا كان النقيب أبو جعفر متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عنده فيه ، فإنّا لسنا من المتوقفين فيه ، بل هو من الثابت عندنا لتواتر الخبر فيه عند الشيعة منذ عصر الحَدَث وحتى يومهم الحاضر ، وقد وردت روايات أهل البيت في ذلك ، بل لقد وردت رواية نبوية تشير إلى وقوع الحدث قبل وقوعه ، وهي في نفسها تكفي في الإثبات ، لأنّها من رواية الأثبات ، وحسبنا أنّها مما رواه ابن عباس ـ حبر الأمة وترجمان القرآن ـ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأخرجها الحمويني الشافعي في كتابه فرائد السمطين(1) ، باسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان جالساً إذ أقبل الحسن ، فلما رآه بكى ، ثم قال :« إليّ يا بني » ، ثم أقبل الحسين فلما رآه بكى ، ثم قال :« إليّ يا بني » ، ثم أقبلت فاطمة فلما رآها بكى ، ثم قال :« إليّ » ، ثم أقبل أمير المؤمنين فلما رآه بكى ، ثم قال :« إليّ » ، فسأله أصحابه عن بكائه ، فقال ـ ثم ذكر ما سيجري على كل واحد منهم فكان مما قاله في حق ابنته فاطمة : ـ

« وأما ابنتي فاطمة فإنّها سيدة نساء العالمين وإنّي لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي ، كأنّي بها وقد دخل الذل بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغُصب حقها ،

__________________

(1) فرائد السمطين 2 : 34 ـ 35.


ومنعت إرثها ، وكسر جنبها ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي يا محمد فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية » .

وهذا الخبر قد مرّ بتمامه قبل هذا في ص 121 فراجع.

وقد رواه الشيخ الصدوق في الأمالي بسند معتبر عن ابن عباس أيضاً(1) ، كما رواه الفضل بن شاذان في الفضائل(2) .

__________________

(1) راجع الأمالي : 99 ـ 101.

(2) الفضائل : 8 ـ 11.


باب الثالث


الفصل الاول



1 ـ وقفة مع المؤرّخين :

والحاجة إليها لا لمحاسبتهم فقط على مواقفهم المتخاذلة في تسجيل الأحداث بصدق كما ينبغي ، وهذا هو جزء من الحساب عليه الثواب والعقاب يوم الحساب ، لكن الذي نقف عنده ونتساءل عنه تلك المعايير المزدوجة في تسجيلهم الأحداث ، وهو الذي يسترعي الإنتباه ، وهذا ما لمسناه عند مؤرخي الوقائع التي صاحبت شهادة ( المحسن السبط السقط ) من قبل ومن بعدُ.

لذلك هم وحدهم يتحملون وزر ما يذكرون ، ولا يخفّف عنهم إصر التبعات ذكرهم اسناد الروايات ، فإنّ رجال السند أيضاً هم ناس أمثالهم ، فيهم الموثوق بروايته فيروي لنا ما يعرف ، وفيهم غير الموثوق بروايته ، فهو يهرف بما يعرف وما لا يعرف ، عن كل من هبّ ودبّ ، تبعاً لما عنده من أهواء وما لديه من انتماء ، فقد يميل عن سنن الحق وإن تلبس بلباس أهل الصدق ، غير آبهٍ أن يغضب لذلك مَن يغضب ، أو يرضى مَن يرضى ، والمهم عنده إرضاء نفسه وإشباع رغباته ونزواته ، مما شب عليه من موروث.

وهذه حال الناس في كلّ زمان ومكان ، إلاّ من صَانه الله بورع يحجزه عن اتباع الهوى ، ومهما احتطنا في أخذ الوقائع من كتب المؤرّخين ، سواء من وثّق تسجيله بإسناد ، أو أرسل ذكره ، فإنّا سنختار ثلّة تتفق رواياتهم ولو إجمالاً في أصل ذكر الحَدَث ، وإن اختلفوا في السند أو تفاصيل المتن ، ومن مختلفي الشرائح زماناً ومكاناً.

كما إنّا سنقف على مجمل أحوالهم من خلال كتب الجرح والتعديل في تراجمهم ، لغرض التوثق في سياق الحجة واستبعاد التهمة عنهم.


ولا شك ليس كلهم على درجة واحدة في الإعتبار ، ومن ذا الذي يسلم من جرح ، وليس فيهم الأوحدي الذي خلصت سريرته فطهرت سيرته ، وقبلت روايته من دون تهميش بغمز أو بلمز.

ولمّا كنّا أمام قراءة نصوص تحكي أخبار وقائع حدثت في الصدر الأول من عصر الصحابة ، وكان من رموزها ممّن تبوّأ مكان الصدارة في المجتمع ، بحق أو بغير حق ، بما فيهم من مهاجرين وأنصار الّذين تبوؤا الدار والإيمان ، إلاّ أنّهم أساؤوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في خلافتهم إلى أهل بيته وعترته ، فلم يرعوا له فيهم حقاً ولا حرمة ، فعدوا عليهم بالإساءة وهو بعدُ بين ظهرانيهم ، لم يواروا الجدَثَ حتى أحدثوا الحدث.

ومن الطبيعي أن يثير سلوكهم ذلك حفائظ الآخرين ممّن لم يزالوا مواظبين ومحافظين على ولائهم لأهل بيت نبيهم ، ولم يشيبوا إيمانهم بظلم أبداً.

ومن هنا بدأت الفُرقة ، وتشرذمت الكلمة والجماعة ، وهُدّت دعائم الوحدة التي أقامها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمؤاخاة والمفادات.

وصار التاريخ يروي لهؤلاء ولهؤلاء ، وفي المنقول بعض المعقول والمقبول كما فيه كثير من الهراء والافتراء ، فضاعت بعض الحقائق في ركام التقية لمصلحة المحكومين ، وضاعت أكثر في ضبابية التعتيم السياسي لمصلحة الحاكمين ، وفي إطار من العوامل النفسية العاصفة والمضطربة التي كانت سائدة حينذاك رويت ( قضية السقيفة ) التي هي أساس الفرقة والفجائع ، وما جرى هناك من غرائب الوقائع.

وكلما ورد من الروايات عن تلك الفترة ، وما جرى فيها من أحداث رواها الرواة ، وسجّلها المؤرّخون ، فهي كما قال عنها الاستاذ عبد الفتاح مقصود المصري في كتابه ( السقيفة والخلافة )(1) : ( إنك لتلمح في صور هذه الروايات

__________________

(1) السقيفة والخلافة : 34.


وأوضاعها ألواناً شتى من الدقائق والتفصيلات لها من ( الحبكة ) ما يظهرها ـ لفرط إحكامها وتوثق نسجها ـ وهي أشبه بما يقع في الأقاصيص الموضوعة منها بما يكون في واقع الحياة.

ثم نعثر فيها على ( الصدفة ) التي تطرأ عفواً بلا مقدمات وعلى غير ميقات ، حتى ليوشك من يتحسّسها أن يحسبها قد أقحمت إقحاماً ، لتؤدي دوراً مرسوماً أريد لها أن تؤديه فأدّته بإحكام كما هو مرسوم.

ثم تجد ( التعاقب الحَدَثي ) الذي ينساب في نسق منتظم طيّع ، إنسياب سلسلة لِدنة تماثلت حلقاتها كل التماثل ، طولاً وعرضاً ، وزناً وحجماً ، لوناً وهيئة ، أصلاً ومعدناً ، فلا تزيد منها حلقة أو تنقص حلقة عن أخواتها الأخريات بمثل ذرة من غبار ، حتى لتظهر حوادثها ـ لدقة تواترها وانتظامها ـ وهي أدنى إلى ما يجري على مسارح التمثيل.

وليس من ريب في أنّ الإغراق كل الإغراق في التأليف بين هذه الجوانب والتفصيلات كفيل بأن يصيغها بصيغة الحقيقة ، ولكنها الصبغة التي لا يمكن أن تصنع من الزيف حقيقة.

وليس أيضاً من ريب في أن الحرص البالغ على أن تبيّن بعض الأحداث المروية أمام الأفهام كأنها طبيعية ، خليق بأن يشي بأنها ليست طبيعية.

ولسوف نتبيّن من بعد نماذج من ( الحبكة ) و ( الصدفة ) و ( التعاقب الحدثي ) المحكم الإنسياب ، وغيرها من سمات الروايات القصصية التي يدبّجها الابتداع ، واضحة جليّة في الروايات التاريخية التي جاءتنا بالسقيفة على ألسنة رواة الأخبار.

لكن قطعة الزجاج المصقول المتلألئ ، لا يغيّر من طبيعتها أن تبدو كأنها من مأسي ، وقطعة الماس الغشيم الخام لا يغيّر من طبيعتها أن تبدو كأنها حصاة ، فالحقيقة ثابتة لا تضيع لأنها غير قابلة للذوبان في أحماض الترهات ، ولا للاحتراق في نيران المغالطات ).


أقول : فعلينا أن لا نتسرع في الحكم رعاية لرضا من يرضى ، أو اغاضة سخط من يسخط ، فلسنا قضاة موقف ، بل علينا أن نستعرض الأحداث بجميع حيثياتها من خلال قراءة رواياتها ، من مصادرها المقبولة لدى الراضي والساخط ، بعد الانتقاء مما شيب بالتلميع أو التشنيع.

أما اختيارنا لمجموعة المؤرّخين ، فسيكون كما أشرنا من قبل من مختلفي المشارب والمذاهب ، بل وحتى من مختلفي البقاع والاصقاع في الشرق والغرب ، فمن الدينور إلى الأندلس.

وهؤلاء ليس فيهم جميعاً من الشيعة أحد ؛ لأنّهم سرعان ما تتناولهم ألسنة الطاعنين بأسنّة القدح والتجريح ، وأنّهم لا يحتج بهم في المقام لأنّهم رافضة ؟!

ومع كل هذه الحيطة ، لم نعدم زعم الزاعمة ولا تنطع راغم : إنّ المؤرّخ الفلاني لا يعتمد قوله لأنّه يميل إلى الرفض ، كما قيل عن ابن جرير الطبري ، والحاكم النيسابوري ، والمسعودي الشافعي ، وغيرهم.

بل تتصاعد حمّى التجريح للمؤرّخ إذا روى ما يدين السلف ، ويجرح كبرياء الذات لدى الجارح ، ألم يقولوا عن الشهرستاني صاحب الملل والنحل الذي هو في أشعريته أشهر من أن يذكر ، وأظهر من نار على علم ، قالوا : بأنّه غال في التشيع ؟

والرجل في كتابيه ( الملل والنحل ) و ( نهاية الإقدام في علم الكلام ) يحمل على الشيعة بلا هوادة ، وأحسب فيما أظن أتاه التجريح لأنّه روى في كتابه ( الملل والنحل ) قول النظام ـ من شيوخ المعتزلة ـ في الهجوم على بيت الزهراءعليها‌السلام ، وضربها وإسقاطها المحسن السبط.

وإن عزّت تلك التهم في إلصاقها بالمؤرخ ، فثمة نفثة تسرب الشك في نسبة المصدر إلى صاحبه ؛ ليسقط الكتاب الذي روى الحَدَث عن الإعتبار ما دام لم


تصح نسبته إلى مؤلفه ، كما قيل ذلك في ابن قتيبة وكتابه ( الإمامة والسياسة = تاريخ الخلفاء الراشدين ) وسيأتي الحديث عنه مفصلاً ، واثبات صحة النسبة في الملحق الثالث في آخر الكتاب.

وإذا أوصدت أبواب التجريح والشك في وجوه الباغين ، فثمة أبواب التصحيف والتحريف مفتوحة للراغبين ، وهذه الحال تسببت في ضياع كثير من الروايات ذات الدلالة على الإثبات ، كما وقع بعضه في كتاب ( المعارف ) لابن قتيبة ، وسيأتي ما ينفع في المقام في الملحق الثاني في آخر الكتاب.

وما كان ذلك ليحدث لو كانت الذمم تراقب الله ورسوله وتخشى سوء الحساب ، ولكنّها عمدت وتعمّدت على إخفاء الحقائق انتصاراً لمن حادّ الله ورسوله ، وتضييعاً لمعالم الجريمة ، فضاعت حقائق كثيرة ، وما وصل إلينا فهو فلتة من فلتات الزمان ، وتبقى الإدانة مؤودة في سلة الخيانة :

كم حادث جلل في الكتب نقرؤه

لذي الكتاب وللراوين فيه هوى

فضيّع الحق من يهوى لغير هدى

ومبلغ العذر أقصى ان ندين لمن روى

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

* * *


2 ـ من ذا سنختار من المصنّفين :

إنّا سنختار بعون الله ـ وهو من وراء القصد ـ مجموعة من مشاهير المحدّثين والمورّخين ، بدءاً من القرن الثاني وانتهاء بالقرن العاشر الهجري ، ومروراً فيما بينهما من قرون ، ونختار من مؤلّف كلّ منهم نصّاً أو أكثر ممّا يدين السلف الجاني بسوء ما صنعوا ، ومن المتوقع أن تفح أفاعي النواصب ، إذ لا ترضى بكشف ما جهدوا على ستره بحجة : ذلك أمر حدث وانتهى دوره ، فلا حاجة إلى إعادة ذكره ونشر خبره ، وهذه نغمة قيلت ولا تزال تقال لإخفاء الحقائق وحجبها عن أجيال المسلمين ، لتُنسى ثم تُمحى من الذاكرة ، وفي هذا بلاء عظيم ، وسيأتي مزيد عن هذا في مواقف علماء التبرير.

والآن إلى معرفة المصنّفين الّذين سننقل النصوص من كتبهم :

1 ـ محمّد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ( ت 152 ه‍ ) ، قال فيه شعبة : محمّد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث(1) ، وقال : لو كان لي سلطان لأمّرت ابن إسحاق على المحدّثين(2) .

وقال يحيى بن معين وقد سئل عنه فقال : ليس هو عندي بذاك ولم يثبته وضعّفه ، ولم يضعفه جداً ، فقيل له : ففي نفسك من صدقه شيء ؟ قال : لا ، كان صدوقاً(3) .

__________________

(1) الكامل لابن عدي 6 : 107.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه 6 : 106.


ولم يسلم من جرح معاصره مالك بن أنس ، فقيل له : انّ محمّد بن إسحاق يقول : إعرضوا عليّ علم مالك فإنّي أنا بيطاره ، فقال : انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول : إعرضوا عليّ علمي(1) .

وقد ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ودافع عنه فراجع ؛ قال ابن عدي في الكامل(2) : ولو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلاّ أنّه صرف الملوك عن كتب لا يحصل منها شيء ، فصرف أشغالهم حتى اشتغلوا بمغازي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ومبتدأ الخلق ومبعث النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فهذه فضيلة لابن إسحاق سبق بها ، ثم بعده صنفه قوم آخرون ، ولم يبلغوا مبلغ ابن إسحاق فيه ، وقد فتشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد في أحاديثه ما يتهيأ أن يقطع عليه بالضعف ، وربما أخطأ أو وهم في شيء بعد الشيء ، كما يخطئ غيره ولم يتخلف عنه في الرواية عنه الثقات والأئمة وهو لا بأس به.

2 ـ عبد الرزاق بن همام صاحب المصنف ( ت 211 ه‍ ) ، قال ابن عدي : ولعبد الرزاق بن همام أصناف وحديث كثير ، وقد رحل إليه ثقات المسلمين وأئمتهم وكتبوا عنه ، ولم يروا بحديثه بأساً ، إلاّ أنّهم نسبوه إلى التشيع ، وقد روى أحاديث غيرهم مما لم أذكره في كتابي هذا ، وأما في باب الصدق فأرجوا أن لا بأس به ، إلاّ أنّه قد سبق منه أحاديث في فضائل أهل البيت ومثالب آخرين مناكير(3) .

أقول : ومن الغريب أن يقول ابن عدي ذلك ، وهو الذي روى لنا قول عبد الرزاق : الرافضي كافر(4) ، وروى لنا قوله : لأفضّل الشيخين بتفضيل عليّ إياهما

__________________

(1) المصدر نفسه 6 : 106.

(2) المصدر نفسه 6 : 112.

(3) المصدر نفسه 5 : 315.

(4) المصدر نفسه 5 : 312.


على نفسه ، ولو لم يفضّلهما لم أفضّلهما ، كفى بي إزراء أن أحبّ علياً ثم أخالف قوله(1) . فأين التشيع الذي نسبوه إليه ؟!

وأما أحاديث الفضائل التي رواها مما لا يوافقه عليها أحد من الثقات ، فهذه دعوى تحتاج إلى إثبات ، وبين أيدينا كتابه المصنف وهو موسوعة جليلة ، وكل ما وقفنا عليه من أحاديث الفضائل وجدنا المحقق للكتاب ذكر في الهوامش تخريجها عن مصادر الآخرين.

وحسبي الإشارة في المقام إلى ما أخرجه ابن عدي نفسه من حديث زعم نكارته فقال : حدّثنا أحمد بن محمّد الشرقي قال : ذكر أبو الأزهر قال : كان عبد الرزاق قد خرج إلى ضيعته ، فخرجت خلفه وهو على بغلة له فالتفت فرآني ، فقال : يا أبا الأزهر تعنّيت ها هنا ، فقال : اركب.

قال : فأمرني فركبت معه على بغلة ، فقال : ألا أخصّك بحديث أخبرني معمر عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال لعلي :« أنت سيد في الدنيا سيد في الآخرة ، من أحبك فقد أحبني ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، وحبيبك حبيب الله ، وبغيضك بغيض الله ، والويل لمن أبغضك بعدي » .

قال أبو الأزهر : فلما قدمت بغداد كنت في مجلس يحيى بن معين ، فذاكرت رجلاً بهذا الحديث ، فارتفع حتى بلغ يحيى بن معين ، قال : فصاح يحيى بن معين فقال : من هذا الكذاب الذي يروي هذا عن عبد الرزاق ، قال : فقمت في وسط المجلس قائماً ، فقلت : أنا رويت هذا الحديث عن عبد الرزاق ، وذكرت له حتى خرجت به إلى القرية ، قال : فسكت يحيى ، قال ابن عدي : قال لنا الشرقي : هذا الحديث بعضه سمعت من أبي الأزهر.

__________________

(1) المصدر نفسه 5 : 312.


أقول : فهذا الحديث سبق وأن رواه في ترجمة أحمد بن الأزهر(1) وقال عقبه : وأبو الأزهر هذا بصورة أهل الصدق ، وقد روى عنه الثقات من الناس ، وأما هذا الحديث عن عبد الرزاق ، وعبد الله من أهل الصدق ، وهو ينسب إلى التشيع فلعله شبّه عليه لأنّه شيعي.

هذا ما عقب به ابن عدي ، وهو مردود عليه بتثريب ، فقد مرّت منّا مناقشة تهمة التشيع لعبد الرزاق ، ثم انّ الحديث المذكور أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد(2) في ترجمة أبي الأزهر بأسانيد متعددة ، ثم قال بعد ذكره الحديث : قلت : وقد رواه محمّد بن حمدون النيسابوري ، عن محمّد بن عليّ بن سفيان النجار ، عن عبد الرزاق. فبرئ أبو الأزهر عن عهدته إذ قد توبع على روايته.

ورواه الحاكم النيسابوري في المستدرك(3) بعدة أسانيد وقال : صحيح على شرط الشيخين. وأبو الأزهر باجماعهم ثقة ، وإذا تفرّد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح. وقال الذهبي في التلخيص : رواته ثقات .

ورواه أحمد بن حنبل في مناقب الإمام في الحديث رقم : 214 ، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط كما في مجمع الزوائد(4) وقال : رجاله ثقات ، ورواه المحب الطبري في الرياض النضرة(5) وقال : أخرجه أحمد في المناقب ، وأبو عمر ، وأبو الخير الحاكمي.

فبعد هذا التظافر على نقل الحديث وتوثيق رواته لا جناح على عبد الرزاق لو رواه ، وقد وافقه على روايته الثقات ، لا كما قال ابن عدي.

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 193 ، ترجمة : أحمد بن الأزهر.

(2) تاريخ بغداد 4 : 41.

(3) مستدرك النيسابوري 3 : 127.

(4) مجمع الزوائد 9 : 133.

(5) الرياض النضرة 2 : 219 ، و 334.


وأما اتهامه بروايته المثالب في الآخرين ، فلم يذكر لنا ابن عدي منها سوى حديث : ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه )(1) .

وهذا حديث ذكر له هو نفسه عدة أسانيد ، وقد رواه من الحفاظ جمع كثير منهم الخطيب البغدادي ، والخطيب الخوارزمي ، ونصر بن مزاحم ، وأحمد بن حنبل ، والطبري ، وابن أبي الحديد ، والذهبي ، وابن حجر ، والسيوطي ، والمناوي ، وأبو الفداء ، والبوصيري وغيرهم وغيرهم ، وقد تلاعبت الأهواء فيه بالتحريف والتصحيف بما لا يسع المجال ذكره ، وقد ذكرت جانباً منها في اعترافات خطيرة في تحريف الحديث والتاريخ والسيرة.

3 ـ نصر بن مزاحم المنقري ( ت 212 ه‍ ) ، كوفي المنشأ بغدادي السكنى ، وحدّث ببغداد عن سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج وآخرين ، كما روى عنه أبو الصلت الهروي وأبو سعيد الأشج وجماعة من الكوفيين.

ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد(2) ، وترجم له ياقوت في معجم الأدباء(3) ، وقال : كان عارفاً بالتاريخ والأخبار ، وذكر مصنفاته ابن النديم في الفهرست(4) .

وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال عنه ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي : ( فهو ثقة ، صحيح النقل ، غير منسوب إلى هوى ولا إدغال ، وهو من رجال أصحاب الحديث )(5) .

ولم يسلم من تجريح العقيلي في ضعفائه(6) حيث قال : شيعي ، في حديثه اضطراب وخطأ كثير ، من حديثه ما حدّثناه عليّ بن العباس قال : حدّثنا محمّد

__________________

(1) الكامل 5 : 314.

(2) تاريخ بغداد 23 : 282 ـ 283.

(3) معجم الأدباء 19 : 225.

(4) الفهرست : 137.

(5) شرح النهج 2 : 206.

(6) الضعفاء للعقيلي 4 : 300.


بن عمارة بن صبيح ، قال : حدّثنا نصر بن مزاحم ، عن قيس ، عن جابر ، عن عامر ، عن ابن عباس ، قال : قيل : يا رسول الله متى كنت نبياً ؟ قال : وآدم بين الروح والجسد.

حدّثنا محمّد بن محمّد الكوفي ، قال : حدّثنا محمّد بن عمرو السوسي ، قال : حدّثنا نصر بن مزاحم ، عن عمرو بن سعيد ، عن ليث ، عن مجاهد في قول الله( عزّ وجلّ ) :( وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) (1) ، ثم قال : الذي جاء بالصدق محمّد( صلّى الله عليه وسلّم ) ، والذي صدّق به عليّرضي‌الله‌عنه .

أما الحديث الأول فقد روي من غير هذا الوجه بإسناد أصح من هذا ، وأما الآخر فلا يتابع إليه.

أقول : إنّ الحديث الآخر الذي قال فيه لا يتابع عليه ، قويّ رواه الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل عن جماعة بسنده عن الحسين بن الحكم الحبري بسنده إلى مجاهد ، وقال : رواه عنه ـ الحبري ـ جماعة بسنده عن العقيلي عن نصر بن مزاحم كما مرّ ، ثم قال : ورواه محمّد بن يحيى بن ضريس عن نصر مثله.

ورواه الحسكاني أيضاً بسنده عن أبي بكر الجعابي بسنده إلى مجاهد.

وقال الحسكاني : ورواه أيضاً أبو بكر السبيعي عن الحسين في العتيق.

ورواه سعد بن أبي سعيد التغلبي عن أبيه ، عن مقاتل بن سليمان ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : هو النبي جاء بالصدق ، والذي صدّق به عليّ بن أبي طالب.

ورواه الجوهري بسنده إلى ابن عباس كما سبق ، ورواه الحسكاني بسنده إلى أبي الطفيل عن عليّ قال : الذي جاء بالصدق رسول الله ، وصدّق به أنا ، والناس كلهم مكذبون كافرون غيري وغيره.

__________________

(1) الزمر : 33.


أقول : ورواه السيوطي الشافعي في الدر المنثور(1) في تفسير الآية عن ابن مردويه ، عن أبي هريرة قال : هو رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ( وَصَدَّقَ بِهِ ) قال : هو عليّ بن أبي طالب.

ورواه ابن المغازلي المالكي في المناقب(2) .

كما رواه الكنجي الشافعي في كفاية الطالب(3) .

ورواه القرطبي المالكي في تفسيره(4) .

ورواه أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط(5) .

كما رواه ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الإمام(6) .

فهؤلاء جميعاً رووه بأسانيد متعددة ، وعن جماعة من الصحابة ولم ينبسوا بكلمة في نقد رواة الحديث ، وما أدري كيف يكون حد المتابعة عند العقيلي وقد جاوزوا العشرة ؟ ثم انّ ابن حبان ذكره في الثقات.

ومع هذا فنصر بن مزاحم لهذا الحديث يبقى زائغ الحديث متروك عند أبي حاتم ، وعلى نوله تبعاً للعقيلي وللذهبي سدّى ابن حجر فطاله بلسانه في لسان ميزانه.

وما ذلك منهم إلاّ لأنّه شيعي ، وكأنّ التشيع ذنب لا يغتفر ! وحسبنا الله ونعم الوكيل ، فلكم الله يا شيعة عليّ. على ان أبا الفرج الأصبهاني في المقاتل وابن أبي الحديد قالا بعاميّته ومع ذلك وثّقاه.

__________________

(1) الدر المنثور 5 : 328.

(2) المناقب : 269.

(3) كفاية الطالب : 233.

(4) تفسير القرطبي المالكي 15 : 256.

(5) البحر المحيط 7 : 428.

(6) تاريخ ابن عساكر 2 : 418.


4 ـ عبد الملك بن هشام الحميري ( ت 218 ه‍ ) ، صاحب السيرة المعروفة باسمه ( سيرة ابن هشام ) ، ولو حقّقنا في صحة تلك النسبة ، لرأينا الأولى أن تسمى بسيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام ، أو باختصار ابن هشام ، ولم يكن بمستوى جرأة ابن إسحاق في ذكر الأحداث بأمانة ، فمثلاً ذكر ابن إسحاق اسم العباس مع جيش قريش الكفار في واقعة بدر وأسر المسلمين إياه ، فجاء ابن هشام فحذف الخبر خوفاً من العباسيين.

وحسبنا اعترافه بذلك حيث قال : « وتارك بعض ما يذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيه ذكر ، ولانزل فيه من القرآن شيء وأشياء يشنع الحديث به وبعض يسوء بعض الناس ذكره ».

ومهما تكن المؤاخذة عليه في ذلك ، فقد حفظ لنا الكثير من سيرة ابن إسحاق ، وكاد الناس ينسون معه مؤلف السيرة الأولى محمّد بن إسحاق ، وفي هذا فضل كبير.

5 ـ محمّد بن سعد كاتب الواقدي ( ت 230 ـ 231 ه‍ ) ، صاحب كتاب الطبقات الكبير ، وهذا أثنى عليه غير واحد ، بدءاً من قول تلميذه الحسين بن فهم : كان كثير العلم ، كثير الحديث والرواية ، كثير الكتب. ومروراً بقول ابن النديم : كان عالماً بأخبار الصحابة والتابعين ، وكان ثقة مستوراً(1) ، وقول الخطيب البغدادي : كان من أهل العلم والفضل(2) .

وقول ابن خلكان : وكان صدوقاً ثقة(3) ، وقول ابن حجر : وأحد الحفاظ الكبار والثقات المتبحرين(4) . وأخيراً فلي دراسة وافية عنه وعن كتابه الطبقات والنصوص الضائعة منها عسى أن تسنح لي الفرصة بنشرها.

__________________

(1) الفهرست : 111.

(2) تاريخ بغداد 5 : 321.

(3) وفيات الأعيان 4 : 351.

(4) تهذيب التهذيب 9 : 182.


6 ـ أبو بكر عبد الله بن محمّد بن أبي شيبة ( ت 235 ه‍ ) ، صاحب ( المصنف ) قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء(1) : الإمام العلم ، سيد الحفاظ ، وصاحب الكتب الكبار ( المسند ) و ( المصنف ) و ( التفسير ) وهو من أقران أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وعلي بن المديني في السن والمولد والحفظ حدث عنه الشيخان ـ البخاري ومسلم ـ وأبو داود ، وابن ماجة وروى عنه محمّد بن سعد الكاتب ، ومحمد بن يحيى ، وأحمد بن حنبل ، وأبو زرعة وأمم سواهم ، وأثنى عليه كل من ترجمه.

7 ـ أحمد بن حنبل إمام الحنابلة ( ت 241 ه‍ ) ، كتبت له ترجمة في البحث عن حديث الثقلين وعملية الانقضاض عليه ، اقتبست الكثير فيها من كتاب المصعد الأحمد في ختم مسند الإمام أحمد للحافظ شمس الدين بن الجزري الذي نشره أحمد محمّد شاكر في مقدمة المسند الذي تولّى تحقيقه ، وهذه السطور من تلك الترجمة :

قال قتيبة : ( أحمد بن حنبل إمام الدنيا ) وقال إسحاق : ( أحمد حجة بين الله وبين خلقه ) ، وكان عند أهل خراسان ( يرون أحمد بن حنبل أنّه لا يشبه البشر ، يظنّون أنّه من الملائكة ) ؟! وقال آخر : ( نظرة من أحمد تعدل عبادة سنة ) إلى غير ذلك من مزايدات في الكرامات نحن في غنى عن ذكرها.

ولم يسلم مع ذلك من تجريح الخصوم ، وله كلمة في مسنده ارتفع بها إلى أعلا الغلو فقال : ( هذا الكتاب جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف حديثاً وخمسين ألفاً ، فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فارجعوا إليه ، فإن وجدتموه وإلاّ فليس بحجة ).

__________________

(1) سير أعلام النبلاء 11 : 122 ـ 127.


وللعلماء حول كلمته هذه نقد وردّ وتوجيه ، حفاظاً على مكانة الصحاح خصوصاً صحيح البخاري الذي قالوا عنه أنّه أصح كتاب بعد كتاب الله ، وقد وردت فيه أحاديث لم يذكرها أحمد في مسنده ، وهكذا طال النقاش بين الأخذ والرد حول الموضوع ، وذكرته في البحث عن حديث الثقلين وعملية الانقضاض عليه.

8 ـ محمّد بن اسماعيل البخاري ( ت 256 ه‍ ) ، صاحب الجامع الصحيح ، ذكر له ابن حجر في آخر هدى الساري(1) ترجمة مفصلة فيها كثير من المزايدات حتى الرؤى والأحلام ، وفيها من الغلو المرذول نحو قول من يقول : ( محمّد بن إسماعيل إمام فمن لم يجعله إماماً فاتهمه ) ومن يقول : ( عندي لو أنّ أهل الاسلام اجتمعوا على أن يصيبوا آخر مثل محمّد بن إسماعيل لما قدروا عليه ).

إلى آخر ما ذكره ابن حجر من أقوال أبناء الحلال ، لكنّه لم يذكر ما ذكره الآخرون من عده في المدلسين ، وأخيراً إخراجه من بخارى لفتياه في الرضاع التي لم يوافقه عليها أحد من علماء المسلمين ، وهي نشر الحرمة بين من شرب ألبان البهائم ، فراجع بشأنها المبسوط للسرخسي الحنفي(2) .

9 ـ مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ( ت 261 ه‍ ) ، صاحب الصحيح ( أحد الأئمة الحفاظ ، وأعلام المحدثين ، رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر ، وسمع يحيى بن يحيى النيسابوري ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وروى عنه الترمذي ، وكان من الثقات ).

وقال الحافظ أبو عليّ النيسابوري : ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث ، وقال الخطيب البغدادي : فكان مسلم يناضل عن البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمّد بن يحيى الذهلي بسببه(3) .

__________________

(1) هدى الساري 2 : 250 ـ 266.

(2) المبسوط للسرخسي 5 : 139 ـ 140 و 30 : 297.

(3) وفيات الأعيان 5 : 193.


10 ـ عمر بن شبّة ( ت 262 ه‍ ) ، البصري النحوي الأخباري ، نزيل بغداد ، روى عن أبيه وجماعة منهم الأصمعي وأبي زيد الأنصاري ، وروى عنه ابن ماجة ، والبلاذري ، وابن أبي الدنيا ، وثعلب ، وأحمد بن عبد العزيز الجوهري وآخرون ، قال ابن أبي حاتم : كتبت عنه مع أبي وهو صدوق صاحب عربية وأدب ، قال الدارقطني : ثقة.

وذكره ابن حبان في الثقات وقال : مستقيم الحديث ، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس.

وقال الخطيب : كان ثقة ، عالماً بالسير وأيام الناس ، وله تصانيف كثيرة ، وكان قد نزل في آخر عمره سر من رأى وتوفي بها.

ثم ذكر امتحانه بسر من رأى في مسألة خلق القرآن ، فقال أبو علي الغزي : امتحن عمر بن شبّه بسرّ من رأى بحضرتي فقال : القرآن كلام الله ليس بمخلوق ، فقالوا له : فتقول من وقف فهو كافر ؟ فقال : لا أكفّر أحداً ، فقالوا له : أنت كافر ومزقوا كتبه ، فلزم بيته وحلف أن لا يحدث شهراً ، وكان ذلك حدثان قدومه من بغداد بعد الفتنة ، فكنت ألزمه أكتب عنه ، وما امتنع مني من جميع ما أسأله ، فأنشدني قصيدة له أنشدها في محنته :

لما رأيت العلم ولّى ودَبَر

وقام بالحمل خطيب فهمَر

لزمت بيتي معلناً ومستتَر

مخاطباً خير الورى لمن غَبر

أعني النبي المصطفى على البشر

والثاني الصدّيق والتالي عمر

ومن اردت من مصابيح زُهَر

مثل النجوم قد أطافت بالقمر

إلى آخر شعره ولم يسمّ فيها عثمان ولا علي ، وحمل فيه على أهل الحديث الذين سبّبوا له المحنة ، وهذا يحكي جانباً من تاريخ سرّ من رأى في ذلك العهد والحالة الاجتماعية المتردية.


وقال المرزباني في معجم الشعراء : عمر بن شبة أديب فقيه واسع الرواية صدوق ثقة نزل بغداد عند خراب البصرة(1) .

11 ـ ابن قتيبة ( ت 276 ه‍ ) ، هو أبو محمّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة كان فاضلاً ثقة ، سكن بغداد وحدّث بها عن إسحاق بن راهويه وأبي حاتم السجستاني وتلك الطبقة وتصانيفه كلها مفيدة(2) .

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : ( ابن قتيبة من أوعية العلم ، لكنه قليل العمل في الحديث ).

وقال الحافظ السلفي : ( كان ابن قتيبة من الثقات ومن أهل السنة ) ، وقال الخطيب البغدادي : ( وكان ثقة ديّناً فاضلاً ) ، وقال ابن حزم : ( كان ابن قتيبة ثقة في دينه وعلمه ).

ومع هذا الثناء والاطراء فقد جرحه الدارقطني بقوله : ( كان ابن قتيبة يميل إلى التشبيه ، منحرفاً عن العترة ، وكلامه يدل عليه ) وكذلك البيهقي قال : ( كان ابن قتيبة يرى رأي الكرامية ، وليس بين المشبهة والكرامية كبير فرق ، فالكرامية أتباع محمّد بن كرام ، وكان يذهب إلى التجسيم والتشبيه ، وينعى على عليّ صبره على ما جرى على عثمان ) راجع بشأن هذه الأقوال مقدمة كتاب المعارف تحقيق ثروت عكاشة.

ولمّا كانت النصوص التي سننقلها عنه من كتابيه ( المعارف ) و ( الإمامة والسياسة ) فلا مناص من التعريف بهما وما جرى عليهما ، فالأول لعبت به أيد أثيمة ، فضاعت منه بعض النصوص ، والثاني اعترت نسبته شكوك أثارها فريق من الباحثين ، وبأزائهم فريق صحح النسبة فنقل عنه معتمداً عليه ، لهذا سنبحث عن

__________________

(1) تهذيب التهذيب 7 : 460 ـ 461.

(2) وفيات الأعيان 3 : 42.


الكتابين باختصار في نظرة على المصادر ، ونحيل القارئ إلى الملاحق الآتية في آخر الكتاب ( الملحق الثاني والثالث ) حيث يجد مزيداً من التحقيق.

12 ـ البلاذري ( ت 279 ه‍ ) ، وهو أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذري البغدادي الكاتب ، ترجمه ياقوت في معجم الأدباء(1) فقال : ( حافظ أخباري علامة ) وترجمه ابن عساكر في تاريخ دمشق فقال : ( وكان عالماً فاضلاً نسابة متقناً ) ، وله تراجم في لسان الميزان لابن حجر ، وفوات الوفيات لابن شاكر ، وبغية الطلب لابن العديم وغيرها.

13 ـ ابن جرير الطبري ( ت 310 ه‍ ) ، هو أبو جعفر محمّد بن جرير ، شيخ المفسرين وشيخ المؤرّخين.

ترجمه ياقوت في معجم الأدباء(2) ، كما ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد(3) ، وابن عساكر في تاريخه(4) ، وغيرهم وكلّهم أثنوا عليه ، ولعلّ القفطي هو أوفى من غيره فيما كتب عنه ، فقد ذكره في كتابه ( انباه الرواة ) وذكر أنّه وضع في سيرته كتاباً أسماه ( التحرير في أخبار محمّد بن جرير ) وصفه بأنّه كتاب ممتع وضاع فيما ضاع من كتبه ، وحسبنا اليوم ما كتبه محمّد أبو الفضل إبراهيم في مقدمة كتابه التاريخ طبعة دار المعارف بمصر.

وكان ابن جرير مفسراً بارعاً ، ومؤرخاً جامعاً ، ومحدثاً نافعاً ، وكتبه نيفت على العشرين ، منها : التفسير في ثلاثين جزء ، والتاريخ في عشرة أجزاء ، وله في الحديث ( تهذيب الأثار ) في عدة أجزاء طبع منها ( مسند عمر ) و ( مسند عليّ ) و ( مسند ابن عباس ).

__________________

(1) معجم الأدباء 2 : 128.

(2) معجم الأدباء 18 : 48 ـ 65.

(3) تاريخ بغداد 2 : 164 ـ 166.

(4) تاريخ ابن عساكر 18 : 351 ـ 356.


ومن تآليفه ( أحاديث غدير خم في مجلدين ) رآه ابن كثير ، ونصّ عليه غيره باسم كتاب ( الولاية ) فهذا ما قرأناه عنه ولم نعلم أين استقر به الثوى.

14 ـ ابن عبد ربه الأندلسي ( ت 328 ه‍ ) ، هو أحمد بن محمّد بن عبد ربه الأندلسي ، قال ابن خلكان في وفيات الأعيان(1) : ( كان من العلماء المكثرين من المحفوظات والاطلاع على أخبار الناس ، وصنّف كتابه العقد ، وهو من الكتب الممتعة ، حوى من كلّ شيء ).

وترجمه الذهبي في جملة من كتبه ، فله ترجمة في سير أعلام النبلاء(2) ، كما أثنى عليه في العبر وغيره وقال : ( وكان موثقاً نبيلاً بليغاً شاعراً ، عاش 82 سنة وتوفي سنة 328 ه‍ ).

أقول : ومن المؤاخذات على الذهبي وعلى غيره ممّن ترجم لابن عبد ربه ، إغضاؤهم عن نصبه ، فلم يذكروا ـ ولو على نحو الاشارة ـ إلى ذلك ، فقد كان ناصبياً معلناً ذلك في ارجوزته في الخلفاء ، حيث ذكر الثلاثة ثم ربّع بمعاوية ، ولم يذكر الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، ولا الإمام الحسنعليه‌السلام ، وذلك ما حدا بالقاضي منذر بن سعيد أن يغضب فيسب ابن عبد ربه.

فقد روى المقري في نفح الطيب(3) نقلاً عن كتاب التكملة لابن الأبار(4) بسنده عن أبي عبيد القاسم بن خلف الجبيري الفقيد الطرطوشي قال : نزل القاضي منذر بن سعيد على أبي بطرطوشة ، وهو يومئذٍ يتولّى القضاء في الثغور الشرقية فأنزله أبي في بيته الذي يسكنه ، فكان إذا تفرغ نظر في كتب أبي ، فمر

__________________

(1) وفيات الأعيان 1 : 110.

(2) سير أعلام النبلاء 15 : 283.

(3) نفح الطيب 3 : 266 ـ 267.

(4) التكملة 1 : 293.


على يديه كتاب ( ارجوزة ابن عبد ربه ) يذكر فيه الخلفاء ويجعل معاوية رابعهم ، ولم يذكر علياً فيهم ، ثم وصل بذكر الخلفاء من بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمّد ، فلما رأى ذلك منذر غضب وسبّ ابن عبد ربّه ، وكتب في حاشية الكتاب :

أو عليّ لا برحت ملعّناً

يا بن الخبيثة عندكم بإمام

رب الكساء وخير آل محمّد

داني الولاء مقدّم الإسلام

قال أبو عبيد : والأبيات بخطه في حاشية كتب أبي إلى الساعة.

أقول : وقد ذكر ابن عبد ربه في آخر الجزء الرابع من العقد ( بتصحيح أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الأبياري ) أرجوزته في فتوحات عبد الرحمن بن محمّد الأموي ، وهذه غير تلك التي رآها القاضي منذر بن سعيد وكتب في حاشيتها ما تقدم.

ومع نصبه فقد ذكر ما سيأتي نصاً فيه الإدانة لرموز الخيانة جاء فيه : ( وأما عليّ والعباس والزبير ، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة ، فقالت : يابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم أو تدخلوا ما دخلت فيه الأمة ).

15 ـ المسعودي ( ت سنة 346 ه‍ ) ، هو أبو الحسن عليّ بن الحسين المسعودي صاحب ( مروج الذهب ) من شيوخ المؤرخين ، وكتابه ( مروج الذهب ) من خيرة المصادر ، وقد ذكر في أوله مآخذه ، فكانت نخبة المؤلفات المعتمدة في عصره ، لذلك صار كتابه مقبولاً تاريخياً ، على ما فيه مما لا يخلو منه كتاب غير كتاب الله سبحانه وتعالى الذي :( لا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) (1) .

__________________

(1) فصلت : 42.


وعَلَمية المسعودي تغني عن الإطناب في ترجمته ، ولقد ترجمه السبكي في طبقات الشافعية(1) وذكر أخذه وحضوره عند أبي العباس بن سريج ـ شيخ الشافعية في وقته ـ وهو الذي علّق عنه ( رسالة البيان عن أصول الأحكام ) قال السبكي : وهذه الرسالة عندي نحو خمس عشرة ورقة.

كما لم تخل كتب التراجم الشيعية من ذكره وعده من الشيعة ، ولعله كان عامياً ثم استبصر ، وكتب كتابه ( اثبات الوصية ) وإلاّ ففي مروج الذهب ما يمكن الاستدلال به على عاميته.

16 ـ الطبراني ( ت 360 ه‍ ) ، هو الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني الحافظ الثبت المعمر ، لا ينكر له التفرد في سعة ما روى ، عاش مئة سنة ، وسمع وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وبقي إلى سنة ستين وثلاثمائة ، وكان واسع العلم كثير التصانيف ، وقيل : ذهبت عيناه في آخر عمره.

وللحافظ ابن مندة جزء فيه ذكر الطبراني وبعض مناقبه ومولده ووفاته وعدد تصانيفه ، حقّقه حمدي السلفي وألحقه بالمجلد الخامس والعشرين من المعجم الكبير للطبراني ، وذكر في آخره ما وجد من تصانيفه فبلغت (106) مصنفاً بينها المعاجم الثلاثة ، الكبير والأوسط والصغير ، وهي في عدة أجزاء ، وقد طبعت جميعها كما طبع له غيرها.

17 ـ الجوهري ( كان حياً سنة 322 ، حيث قرئ عليه كتابه السقيفة )(2) هو أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري صاحب ( كتاب السقيفة ) ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست ، وابن شهرآشوب في معالم العلماء ، وهو معاصر لأبي الفرج الاصبهاني ( ت 356 ه‍ ) ، وقد روى عنه في كتاب الأغاني قريباً من ثمانين رواية ، فقال : ( حدثني أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري )(3) .

__________________

(1) طبقات الشافعية 3 : 426.

(2) راجع كشف الغمة 1 : 453.

(3) الأغاني 2 : 244 ، وكذلك في بقية الأجزاء.


وروى عنه المرزباني ( ت 384 ه‍ ) في كتابه الموشح(1) ، وروى عنه أبو هلال العسكري ( ت 382 ه‍ ) في كتابه الأوائل كثيراً ، وفي كتابه شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف(2) ، وقال : قرأت على أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، وكان ضابطاً صحيح العلم. وروى عنه الطبراني ( ت 360 ه‍ ) في المعجم الصغير(3) .

أما ابن أبي الحديد فقد نقل في شرح النهج كثيراً من النصوص من كتبه : السقيفة ، والذيل على السقيفة ، وفدك وعرفه فقال : ( الفصل الأول فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم ، لا من كتب الشيعة ورجالهم ، لأنّا مشترطون على أنفسنا ألاّ نحفل بذلك ، وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفدك ، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عقب وفاة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأبو بكر الجوهري هذا عالم محدث ، كثير الأدب ، ثقة ورع ، أثنى عليه المحدثون ، ورووا عنه مصنفاته )(4) .

ولم يكن هذا من ابن أبي الحديد فقط ، قال أيضاً : ( واعلم أنّا إنّما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجال الحديث وثقاتهم ، وما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه ، وهو من الثقات الأمناء عند أصحاب الحديث )(5) .

18 ـ ابن عبد البر المالكي ( ت 463 ه‍ ) ، صاحب ( الاستيعاب ) و ( التمهيد ) و ( الاستذكار ) هو أبو عمر يوسف بن عبد البر الأندلسي المالكي ، أثنى عليه كلّ

__________________

(1) الموشح : 28 ، 47.

(2) شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف : 457.

(3) المعجم الصغير 1 : 59.

(4) شرح النهج 16 : 209 ـ 210.

(5) المصدر نفسه 16 : 234.


من ترجمه من المشارقة والمغاربة ، وحسبنا قول الذهبي في تاريخ الاسلام فيما حكاه عن شيخه محمّد بن أبي الفتح قال :

( كان أبو عمر ابن عبد البر أعلم من بالأندلس في السنن والآثار واختلاف علماء الأمصار ، كان في أوّل زمانه ظاهري المذهب مدة طويلة ، ثم رجع عن ذلك إلى القول بالقياس من غير تقليد أحد ، إلاّ أنّه كان كثيراً ما يميل إلى مذهب الشافعيرحمه‌الله )(1) .

وقال في سير أعلام النبلاء : ( كان إماماً ديناً ثقة علامة متبحراً ، صاحب سنة واتباع ، وكان أولاً أثرياً ظاهرياً فيما قيل ، ثم تحوّل مالكياً مع ميل إلى فقه الشافعي في مسائل ، ولا ينكر له ذلك ، فإنّه ممّن بلغ مرتبة الأئمة المجتهدين ، ومن ينظر في مصنفاته بان له منزلته من سعة العلم ، وقوة الفهم ، وسيلان الذهن ، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلاّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولكن إذا أخطأ إمام في اجتهاده لا ينبغي لنا أن ننسى محاسنه ، ونغطي معارفه ، بل نستغفر له ونعتذر عنه )(2) .

أقول : حبّذا لو صدقت الأحلام في جميع رجال الاسلام ، لكن ازدواجية المعايير تذهب بالعير والنفير.

19 ـ الشهرستاني صاحب الملل والنحل ( ت 549 ه‍ ) ، هو أبو الفتح عبد الكريم ( شيخ أهل الكلام والحكمة صاحب التصانيف ، برع في الفقه على الإمام أحمد الكوفي الشافعي ، وقرأ الأصول على أبي نصر القشيري وكان كثير المحفوظ ، قوي الفهم ، مليح الوعظ ). هكذا وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء(3) .

__________________

(1) تاريخ الإسلام.

(2) سير أعلام النبلاء 13 : 525.

(3) سير أعلام النبلاء 5 : 86.


وقال السمعاني(1) : ( كان إماماً فاضلاً متكلماً أصولياً ، عارفاً بالأدب والعلوم المهجورة ، وهو متّهم بالإلحاد والميل اليهم ، غال في التشيع ) ؟!

أقول : لا ينقضي عجبي من السمعاني حيث اتهم الرجل بالإلحاد ، مع ما سبق له من الثناء عليه ووصفه له بالفضل والإمامة ، والغريب أيضاً قوله فيه : ( غال في التشيع ) وما أدري كيف اجتمع الالحاد والتشيع في شخص الشهرستاني الذي تظهر شخصيته العقائدية في كتابيه ( الملل والنحل ) و ( نهاية الأقدام في علم الكلام ) طافحة بأشعريته المعلنة ، وعلى ذلك وصف بها في وفيات الأعيان ومرآت الجنان.

نعم ، ورد في لسان الميزان لابن حجر نقلاً عن ابن السمعاني ، وقد دافع ابن السبكي في طبقات الشافعية(2) عن الشهرستاني بنفي التهمة وقال : ( وما أدري من أين ذلك لابن السمعاني ، فإن تصانيف أبي الفتح دالة على خلاف ذلك ).

20 ـ أبو السعادات ابن الأثير الجزري ( ت 606 ه‍ ) ، هو المبارك بن محمّد بن محمّد الشيباني الشافعي مجد الدين ، عالم أديب ناثر مشارك في تفسير القرآن والنحو واللغة والحديث والفقه وغير ذلك.

ترجمه ابن خلكان في الوفيات ، والسبكي في طبقات الشافعية ، وياقوت في معجم الأدباء وغيرهم ، وأثنوا عليه ثناءاً بالغاً ، وطبع من تصانيفه النهاية في غريب الحديث ، وجامع الأصول.

21 ـ أبو الحسن ابن الأثير الجزري ( ت 630 ه‍ ) ، هو عليّ بن محمّد بن محمّد الشيباني أخو السابق ، وهو صاحب كتاب ( الكامل في التاريخ ) و ( اُسد الغابة في معرفة الصحابة ) و ( اللباب في تهذيب الأنساب ) وكلّها مطبوعة مكرراً ،

__________________

(1) التحبير 2 : 160.

(2) طبقات الشافعية 6 : 130.


ترجمه ابن خلكان في الوفيات ، والسبكي في طبقات الشافعية ، والذهبي في سير أعلام النبلاء وغيرهم.

22 ـ الكلاعي ( ت 634 ه‍ ) ، أبو الربيع سليمان بن موسى الحميري المعروف بابن سالم ، وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء(1) بقوله : ( الإمام العلامة الحافظ المجوّد الأديب البليغ ، شيخ الحديث والبلاغة بالأندلس ).

وساق في ترجمته ما قاله ابن الأبار وغيره في اطرائه وذكر تصانيفه ، ومنها كتابه الاكتفاء في مغازي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومغازي الخلفاء ، ولم يذكر علياًعليه‌السلام لعدم الفتوحات في عصره ، هكذا في هامش السير.

23 ـ ابن أبي الحديد المعتزلي ( ت 656 ه‍ ) ، هو عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد ، ترجمه معاصره ابن الفوطي الحنبلي في ( تلخيص مجمع الأداب في معجم الألقاب )(2) فقال : ( الكاتب الأصولي.. كان أديباً فاضلاً حكيماً كاتباً.. ) وترجمه اليونيني في ذيل مرآة الجنان(3) ، والصفدي في الغيث المسجم(4) ، وابن شاكر في فوات الوفيات(5) ، والاتابكي في المنهل الصافي(6) ، وابن خلكان في وفيات الأعيان(7) ضمن ترجمة ابن الأثير ، وغير هؤلاء آخرون ، وكلّهم وصفوه بأنّه كان كاتباً أديباً فقيهاً فاضلاً ، ونقل في هامش فوات الوفيات(8) بأنّه كان شافعياً في الفقه.

__________________

(1) سير أعلام النبلاء 16 : 403.

(2) تلخيص مجمع الأداب في معجم الألقاب 4 ق 1 : 190.

(3) ذيل مرآة الجنان 1 : 62.

(4) الغيث المسجم 2 : 91.

(5) فوات الوفيات 2 : 259.

(6) المنهل الصافي 7 : 149.

(7) وفيات الأعيان 2 : 91.

(8) فوات الوفيات 2 : 259.


وببالي أنّي رأيت في بعض الكتب أنّه كان حنفياً ، ومهما كان مذهبه الفقهي ، فهو معتزلي الأصول ، وصرح بذلك في قوله :

ورأيت دين الاعتزال وإنني

أهوى لأجلك كل من يتشيّع

نعم ، كان معتزلياً ولم يكن من معتدلي المعتزلة كشيوخه البغداديين ، وإن كانت بغداد سكناه ومدفنه ، فهو في شرحه نهج البلاغة كان سنياً صلباً ، ومتعصباً جداً ، ومجنّداً كل طاقاته في الدفاع عن شيوخ السلف ، وخاصة عن الشيخين بما لا يُحسنا هما الدفاع بمثله عن أنفسهما لو كانا حيين ، وسيأتي بعض ما يدلّ على ذلك في مواقف علماء التبرير ، وتعجبني كلمة صاحب ( نسمة السحر في من تشيع وشعر )(1) حين ذكر ترجمته فقال : ( وكانت حالة عز الدين المذكور عجباً بيّناً ، هو شيعي متعصب كما في القصائد المشار إليها ـ السبع العلويات ـ إذ صار معتزلياً جاحظياً(2) أو أصمعياً(3) كما في أكثر شرحه ).

__________________

(1) نسمة السحر 1 : 340 ـ 345.

(2) هو أبو عثمان الجاحظ من معتزلة البصرة ، وهم أشد تعصباً للسلف من معتزلة بغداد ، حتى كان بينهما نقد ورد خصوصاً مع الجاحظ في عثمانيته ، فرد عليه الاسكافي في نقض رسالته ، وكلاهما مطبوعان بمصر.

وقد تعرض ابن أبي الحديد في شرح النهج لنقد الجاحظ ، راجع 13 : 219 ـ 220 و 235 و 243 و 253 و 278 و 285 وغيرها.

(3) نسبة إلى الأصمعي وهو عبد الملك بن قريب الأصمعي ، كان من المنحرفين عن الأمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، روى الخطيب في تاريخ بغداد 10 : 419 عن أبي العيناء ، قال : كنّا في جنازة الأصمعي سنة ( 215 ه‍ ) ، فحدثني أبو قلابة الجرمي الشاعر وأنشدني لنفسه :

لعن الله أعظماً حملوه

نحو دار البلى على خشبات

أعظماً تبغض النبي وأهل ال‍

‍بيت والطيبين والطيبات

وفي معجم الأدباء 12 : 153 : عن أبي العيناء ، قال لي المتوكل : بلغني أنك رافضي ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين وكيف أكون رافضياً وبلدي البصرة ، ومنشأي مسجد جامعها ، واستاذي الأصمعي.


أقول : فمن يقرأ قوله في عينيته من السبع العلويات يجده جاز حد التعصب ، بل وحتى حد الغلو والارتفاع ، وإليك قوله :

يا برق إن جئت الغريّ فقل له

أتراك تعلم مَن بأرضك مودع

فيك ابن عمران الكليم وبعده

عيسى يقفيه وأحمد يتبع

بل فيك جبريل وميكال وإس‍

‍رافيل والملأ المقدس أجمع

بل فيك نور الله جل جلاله

لذوي البصائر يستشفّ ويلمع

فيك الإمام المرتضى فيك الو

صي المجتبى فيك البطين الأنزع

إلى أن يقول :

لو لا حدوثك قلت انّك جاعل الأ

رواح في الأشباح والمستنزع

لو لا مماتك قلت إنّك باسط الأ

رزاق تقدر في العطاء وتوسع

24 ـ المحب الطبري ( ت 694 ه‍ ) أبو العباس أحمد بن عبد الله شيخ الحرم المكي ، قال الذهبي : الفقيه الزاهد المحدّث كان شيخ الشافعية ومحدّث الحجاز. وقال غيره : له تصانيف كثيرة في غاية الحسن منها : الرياض النضرة في فضائل العشرة ، وذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ، والسمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين ، وغير ذلك.

25 ـ أبو الفدا صاحب حَماه ( ت 732 ه‍ ) ، هو الملك إسماعيل بن عليّ المعروف بأبي الفدا ، أثنى عليه ابن شاكر في فوات الوفيات(1) فقال : ( الملك المؤيد صاحب حَماه ، إسماعيل بن عليّ ، الإمام العالم الفاضل السلطان فيه مكارم وفضيلة تامة من فقه وطب وحكمة وغير ذلك ) أما ابن الوردي الذي

__________________

(1) فوات الوفيات 1 : 183.


ذيل على تاريخه فقال في تتمة المختصر : ( وكان سخياً محباً للعلم والعلماء ، ومتفنناً يعرف علوماً ، وقد رأيت جماعة من ذوي الفضل يزعمون أنّه ليس في الملوك بعد المأمون أفضل منه ).

26 ـ النويري ( ت 733 ه‍ ) ، هو أبو العباس أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري الشافعي ، شهاب الدين ، مؤرخ أديب مشارك في علوم كثيرة ، من تصانيفه ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) في ثلاثين مجلداً ، ترجمه ابن حجر في الدرر الكامنة(1) ، وابن كثير في البداية والنهاية(2) والسيوطي في حسن المحاضرة(3) وآخرون.

27 ـ الذهبي ( ت 748 ه‍ ) ، هو شمس الدين أبو عبد الله ، ترجمه ابن شاكر في فوات الوفيات(4) ، فقال : ( الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي ، حافظ لا يجارى ، ولافظ لا يبارى ، أتقن الحديث ورجاله ، ونظر علله وأحواله ، وعرف تراجم الناس ، وأزال الابهام في تواريخهم والإلباس ، جمع الكثير ، ونفع الجم الغفير ، وأكثر من التصنيف ).

وقال السيوطي في طبقات الحفاظ(5) : ( الذهبي الإمام الحافظ ، محدّث العصر ، وخاتمة الحفاظ ، ومؤرخ الإسلام ، وفرد العصر ).

أقول : ومع ما قيل فيه من جمل الإطراء والثناء ، فهو شديد في تسننه ونصبه كشيخه ابن تيمية ، إن لم يزد عليه فهو مثله في تكذيب أحداث

__________________

(1) الدرر الكامنة 1 : 197.

(2) البداية والنهاية 14 : 164.

(3) حسن المحاضرة 1 : 320.

(4) فوات الوفيات 2 : 183.

(5) طبقات الحفاظ : 521.


الهجوم والإسقاط ، كما سيأتي ذلك عنه في الفصل الثالث في ( نصوص ثابتة يجب أن تقرأ بامعان ) كما يأتي عنه ما ينسف تكذيبه من روايته قول محمّد بن أحمد بن حماد الكوفي ، في ابن أبي دارم الكوفي وقد حضره ورجل يقرأ عليه : إنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن ، ولم يعقب عليه بشيء.

28 ـ الصفدي ( ت 764 ه‍ ) ، هو الصلاح خليل بن أيبك الصفدي ، ترجمه ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة(1) ترجمة وافية ، فذكر فيها شيوخه ومنهم الذهبي وابن كثير والحسيني ، ونقل عن الذهبي أنّه قال في حقه : ( الأديب البارع الكاتب ، شارك في الفنون ، وتقدم في الإنشاء ، وجمع وصنف ) ، وقال أيضاً : ( سمع منّي وسمعت منه ، وله تواليف وكتب وبلاغة ) إلى غير ذلك مما حكاه ابن حجر في ترجمته.

والصفدي ذكر باختصار ما كان يجري في مجلس الحافظ البلخي في كتابه الوافي بالوفيات(2) ، وسيأتي ذلك في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.

29 ـ ابن كثير ( ت 774 ه‍ ) ، هو أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البصري الدمشقي الشافعي ، محدث ، مؤرّخ ، مفسر ، فقيه ، تأثر بشيخه ابن تيمية كثيراً ، فكان معه حياً ودفن معه ميتاً.

له عدة تصانيف منها : تفسير القرآن العظيم وهو مطبوع ، وله البداية والنهاية في التاريخ مطبوع في 14 مجلداً ، وله نهاية النهاية في جزئين ، وله جامع المسانيد وهو كتاب كبير جمع فيه أحاديث الكتب الستة والمسانيد الأربعة ، وله السيرة

__________________

(1) الدرر الكامنة 2 : 87.

(2) الوافي بالوفيات 3 : 344.


النبوية في أربعة أجزاء مطبوعة إلى غير ذلك ، وقد ترجمه ابن حجر في الدرر الكامنة(1) ، وابن العماد الحنفي في شذرات الذهب(2) وغير ذلك.

وهذا له مواقف ناصبية معلنة في أحداث السقيفة وما بعدها ، ستأتي بعض النصوص نقلاً عن كتابه البداية والنهاية في الفصل الثالث ، وكذا عن كتابه السيرة النبوية.

30 ـ نور الدين الهيثمي ( ت 807 ه‍ ) ، هو أبو الحسن عليّ بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي الشافعي ، محدث حافظ ، رافق الحافظ العراقي في السماع ولازمه ، له عدة تصانيف منها : ( موارد الظمآن في رواية صحيح ابن حبان ) وهو مطبوع ، و ( مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ) أيضاً مطبوع ، و ( البغية في ترتيب أحاديث الحلية ) مطبوع.

31 ـ ابن الشحنة ( ت 815 ه‍ ) ، هو أبو الوليد محمّد بن محمّد بن محمّد بن محمود الحلبي الحنفي المعروف بابن الشحنة ، فقيه ، أصولي ، مفسر ، فرضي ، أديب ، ناظم ، نحوي ، مؤرّخ ، أفتى ودرس وتولّى قضاء الحنفية بحلب ثم بدمشق ، له عدة مؤلّفات منها : ( روض المناظر في علم الأوائل والأواخر ) مطبوع على هامش تاريخ الكامل لابن الاثير(3) ط بولاق بمصر. ترجمه السخاوي في الضوء اللامع(4) ، وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب(5) ، والشوكاني في البدر الطالع(6) وغيرهم.

32 ـ ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) ، قال الشوكاني في البدر الطالع(7) : ( الحافظ الكبير الشهير ، الإمام المتفرد بمعرفة الحديث وعلله في الأزمنة

__________________

(1) الدرر الكامنة 1 : 373 ـ 374.

(2) شذرات الذهب 6 : 231 ـ 232.

(3) الكامل لابن الأثير : 11 ـ 12.

(4) الضوء اللامع 10 : 3 ـ 6.

(5) شذرات الذهب 7 : 113 ـ 114.

(6) البدر الطالع 2 : 264 ـ 265.

(7) المصدر نفسه 1 : 87.


المتأخرة وشهد له بالحفظ والاتقان القريب والبعيد ، والعدو والصديق ، حتى صار اطلاق لفظ ( الحافظ ) عليه كلمة اجماع ).

وقد كتب تلميذه السخاوي كتاباً في ترجمته سمّاه ( الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر ). وقال السيوطي في طبقات الحفاظ(1) : ( ابن حجر شيخ الإسلام ، وإمام الحفاظ في زمانه ، حافظ الديار المصرية بل حافظ الدنيا مطلقاً وقد غلق بعده الباب ).

هذا شيء عن ترجمته ، وقد زاد على الذهبي فيما ذكره في ترجمة ابن أبي دارم بما ذكره في ترجمة محمّد بن عبد الله الواعظ البلخي ، وسيأتي ذلك في الفصل الثالث في نصوص يجب أن تقرأ بإمعان.

33 ـ جلال الدين السيوطي ( ت 911 ه‍ ) ، هو أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمّد بن أبي بكر ، الخضيري الأصل الطولوني المصري الشافعي ، عالم مشارك في أنواع من العلوم.

له مؤلفات كثيرة ، استقصى الداودي مؤلفاته فنافت عدتها على خمسمائة مؤلّف ، فمنها ما بلغ عدة أجزاء كالجامع الكبير ، والدر المنثور في التفسير بالمأثور ، ومنها ما لم يتجاوز عدة أوراق ، راجع مصادر ترجمته في معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة(2) .

34 ـ المتقي الهندي ( ت 975 ه‍ ) ، وهو عليّ بن حسام الدين بن عبد الملك الجونيوري الهندي ، فقيه ، محدث ، واعظ ، مشارك في بعض العلوم ، أقام بمكة ومات بها ، له تصانيف منها كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ، طبع في الهند وغيرها مكرراً ، وله المنتخب منه طبع بهامش مسند أحمد بن حنبل ( الطبعة الأولى بمصر ) وله غير ذلك.

* * *

__________________

(1) طبقات الحفاظ : 552.

(2) معجم المؤلفين 5 : 129 ـ 121.


3 ـ نظرة في المصادر :

إنّما يكون اعتماد الباحث على المصدر الذي يرجع إليه في التصديق لما فيه ، إما من توثيق خارجي كأن يوثقه أهل الخبرة من الاعلام ، أو من اتساق بين مرويّاته مع مرويات الآخرين ممّن يوثق بهم ، فتحصل القناعة الكافية بصحة المروي في المصدر.

ونحن الآن إذا رجعنا إلى المصادر التي ذكرت الأحداث التي صاحبت سقوط المحسن السبط السقط ، نجد الإتساق بين مروياتها جميعاً إجمالاً ، وإن تفاوتت في التفصيل ، كما سيأتي عرض النصوص المنقولة عنها في الفصل الثالث ، والإتساق والاتفاق عنصر مهم في توثيق الحَدَث ، وربما كان أقوى من توثيق عالم واحد لكتاب واحد ، فالاتساق مضموناً يعني الاتفاق رواية ، وتصديق بعضٍ بعضاً.

بقي علينا التحقق من صحة نسخة المصدر ونسبتها إلى صاحبه ، ليتم التوثيق والاتساق ، وحينئذٍ تحصل الثقة فيتم الاستدلال.

والآن إلى مرور عابر على بعض المصادر التي سنقتطف منها نصوصاً نستدل بها على فظاعة الأحداث يوم سقوط ( المحسن السبط السقط ) أول ضحايا العنف في أحداث السقيفة ، أو اختلفت روايتها عن مؤلفيها ، لوقوع ذلك في ضمن جملة من المصادر ، وعلى سبيل المثال كصحيح البخاري ، وحسبنا « دليلاً ظاهراً » ، الاطلاع على طبعة بولاق التي سودت هوامشها باختلاف النسخ حسب رموز رواتها ، وهذا ما يسبب عناء للباحث ، ويثير الشكوك ، ويرفع أصابع الإتهام مشيرة إلى أكثر من واحد ، إلى الراوي ؟ إلى الناسخ ؟ إلى المحقق ؟ إلى الناشر ؟ وكل


هؤلاء أطراف تحوم حولهم الشبهة ، ولذلك كان علينا أن نلقي نظرة عابرة على بعض المصادر التي سننقل عنها بعض النصوص في رسالتنا هذه عن السيد ( المحسن السبط ).

1 ـ كتاب سيرة ابن هشام ، فقد اختان صاحبها ضميره حين أخفى ـ رهبة أو رغبة ـ بعض الحقائق ، وقد مرّت الإشارة إلى حذفه اسم العباس من قائمة أسرى بدر ، وما صنعه ابن هشام في سيرة ابن إسحاق.

2 ـ كتاب طبقات ابن سعد ، وهذا الكتاب لم يصل إلينا كاملاً في طبعاته الأولى ، ومع ذلك فثمّة فيه نصوص نافعة ستأتي في الفصل الثالث.

3 ـ كتاب ( المصنف ) لابن أبي شيبة ، وهذا الكتاب تلاعبت الأهواء في المنقول عنه في جملة من المصادر التي روت الحدث بسنده ، كما ستأتي الإشارة إليه.

4 ـ كتاب ( المعارف ) لابن قتيبة ، تلاعبت رواته عن مؤلفه ، فاختلفت رواية تلاميذ ابن قتيبة لكتابه ( المعارف ) فضاعت منه نصوص منقولة عنه ، ولم نقف عليها فيما وصلت إلينا من نسخه ، إلاّ أنّ مصادر ثانوية نقلت ذلك أو أشارت إليه.

وسيأتي مزيد بيان عن ذلك في آخر الرسالة في الملحق الثاني ، وفيما يتعلّق بموضوع رسالتنا ( المحسن السبط مولود أم سقط ) وجدنا ابن قتيبة معدوداً في كل فصل من الفصول الثلاثة من الباب الثاني كما مر.

ففي الفصل الأول : كان معدوداً مع الّذين ذكروا ( المحسن ) ولم يذكروا عن موته شيئاً ، فقد ورد في كتاب المعارف(1) ذكره معدوداً مولوداً.

وفي الفصل الثاني صار ابن قتيبة مذكوراً مع الّذين ذكروا ( المحسن ) مولوداً ومات صغيراً ، كما مرّ لما ورد في كتاب المعارف أيضاً(2) .

__________________

(1) كتاب المعارف : 210.

(2) المصدر نفسه : 211.


وفي الفصل الثالث كان ابن قتيبة معدوداً مع الّذين ذكروا ( المحسن ) وأنه مات سقطاً ، كما مر ، وهذا ما لم نجده في المطبوع من كتاب المعارف سواء المحقق منه أو غير المحقق ، فمن الذي غص بذكر النص فابتلعه على مضض ؟!

ولدى التحقيق وجدنا الرواة لكتاب المعارف عن مؤلفه ابن قتيبة ، هم الّذين يتحملون قسطاً من الوزر في موضوع ( المحسن ) ، كما ستأتي الاشارة إليه في الملحق الخاص بكتاب ( المعارف ) أما من الذي يتحمل الوزر في حذف النص الآتي في اسقاط ( المحسن ) فذلك ما لم أقف عليه فعلاً.

والذي يجب التنبيه عليه في المقام هو توثيق ما نقل من نص في اسقاط ( المحسن ) ، لقد روى لنا الحافظ ابن شهرآشوب السروي ( ت 588 ه‍ ) ، عن كتاب المعارف النص التالي : ( وفي معارف القتبي : أن محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي ).

وهذا ما خلت عنه نسخ ( المعارف ) المطبوعة ، فبين يدي طبعتان من الكتاب ، الأولى مطبوعة سنة 1253 هبدون تحقيق ، والثانية مطبوعة سنة 1960 م بتحقيق الدكتور ثروت عكاشة ، وليس فيها النص المحكي عن المعارف ، ولمّا كان النص ذا دلالة واضحة وصريحة في الإدانة ، فليس متوقعاً أن يسلم من أيدي الخيانة.

وقد ينطق سائل : كيف نثق بصحة رواية الحافظ ابن شهرآشوب السروي وهو من شيوخ الشيعة ؟ والجواب ببساطة هو أن نقرأ توثيق الرجل على لسان غير الشيعة : كالصفدي ، وابن حجر ، والسيوطي ، والداودي وغيرهم ، فكلّهم أثنوا عليه بما هو أهله ، ولنقرأ ما قاله الصفدي في كتابه الوافي بالوفيات(1) :

( أحد شيوخ الشيعة ، حفظ أكثر القرآن وله ثمان سنين ، وبلغ النهاية في أصول الشيعة ، كان يرحل إليه من البلاد ، ثم تقدم في علم القرآن والغريب

__________________

(1) الوافي بالوفيات 4 : 146.


والنحو ، وعظ على المنبر أيام المقتفي ببغداد ، فأعجبه وخلع عليه ، وكان بهيّ المنظر ، حسن الوجه والشيبة ، صدوق اللهجة ، مليح العبارة ، واسع العلم ، كثير الخشوع والعبادة والتهجد ، لا يكون إلاّ على وضوء ، أثنى عليه ابن أبي طي في تاريخه ثناء كثيراً ).

ولم نذكر باقي الترجمة لطولها ، كما لا نذكر ما قاله عنه ابن حجر في لسان الميزان(1) ، والسيوطي في بغية الوعاة(2) ، والداودي في طبقات المفسرين(3) ، فكلّهم أثنوا عليه ثناءاً عاطراً حسناً فراجع.

إذن فمن كان بهذه المثابة من الدين والعلم ، لا يتطرق إليه الريب في حكايته ما وجده في كتاب معارف القتبي ـ كما سماه ـ من زحم قنفذ وسقوط المحسن.

ويزيدنا إيماناً بصحة ما حكاه ذلك الشيخ الجليل ، أنّ الحافظ الكنجي الشافعي(4) صاحب كتاب ( كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ) قد أكّد خبر الإسقاط نقلاً عن ابن قتيبة فقال : ( وهذا ـ الإسقاط ـ شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلاّ عند ابن قتيبة ).

ولمّا لم يذكر الحافظ الكنجي اسم الكتاب الذي ذكر فيه ابن قتيبة ذلك ، كان من المرجح عندي هو كتاب ( المعارف ) الذي سبق للحافظ ابن شهرآشوب النقل عنه.

__________________

(1) لسان الميزان 5 : 310.

(2) بغية الوعاة : 77.

(3) طبقات المفسرين 2 : 210.

(4) لمزيد من المعرفة بالحافظ الكنجي الشافعي تحسن مراجعة مقدمة كتابه ( البيان في أخبار صاحب الزمان ) لمحمد مهدي الخرسان , فهي مقدمة ضافية , كما في طبعة النجف بمطبعة النعمان ، وأوفى منها في طبعة بيروت منشورات دار الهادي.


5 ـ كتاب ( الإمامة والسياسة ) لابن قتيبة ، وشهرة نسبة الكتاب ـ أيّ كتاب كان ـ إلى مؤلف ما ، تستبعد عنها كثيراً من الاحتمالات المشككة ، فإذا كانت هناك مؤشرات ثبوتية بتوثيقه يقوي بعضها بعضاً تحصل القناعة لدى من يرى صحة النسبة ، أما الّذين تستحكم عندهم الشبهة ، فيبقون عند رأيهم ، وعليهم البحث حتى يثبت لهم وجه الحق ، والناس أحرارٌ في آرائهم.

ولمّا كان كتاب ( الإمامة والسياسة = تاريخ الخلفاء الراشدين ) من الكتب التي حامت حوله الشبهات ، وكادت تلفه غياهب الظلمات ، فشك غير واحد في صحة نسبته إلى ابن قتيبة ، وخلص إلى النفي بعد أن ساق عدة ملاحظات تمسك بها المشككون ، وجلّها لا بل كلّها لا تخلو من مناقشة.

وستأتي تلك الملاحظات مع المناقشات في آخر الرسالة في الملحق الثالث ، حيث ستكون النتيجة اعتماد الكتاب بعد صحة نسبته إلى ابن قتيبة ، ولا مانع من أخذ النص منه في الأحداث التي أصابت المسلمين بهلع وفزع بعد وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتزامنت مع سقوط ( المحسن السبط ) لاتساق ما ورد في الكتاب مع ما ورد في المصادر الأخرى.

6 ـ كتاب ( الاستيعاب ) لأبي عمر ابن عبد البر المالكي ، ويعتبر من أمّهات كتب التاريخ لمعرفة الصحابة ، وقد اعتمده كلّ من ابن الأثير في كتابه ( أسد الغابة ) وابن حجر في كتابه ( الإصابة ) وغيرهما ممّن بحث في تاريخ الصحابة ، وقد قال هو عن كتابه : ( ومن وقف على ما ذكرنا في كتابنا هذا من أسماء الصحابة وما تضمنه من عيون أخبارهم ، فقد أخذ بحظ من علم الخبر ومعرفة الحديث )(1) .

__________________

(1) الاستيعاب : 1973.


ومع هذا كلّه فالكتاب لا يخلو من هفوات وأكثر من هنات ، ومهما أحسنّا الظن بمؤلّفه الذي مرّت ترجمته ، وما قرأناه من وصفه ( كان ديّناً ثقة ) لكن يبقى في النفس من وصفه بذلك ريب ، إذ أنّه روى خبر التهديد بالاحراق عن زيد بن أسلم عن أبيه وأبوه كان مولى لعمر بن الخطاب ، وممّن حمل معه الحطب في النفر الذي أتوا إلى بيت فاطمةعليها‌السلام ، فهو من شهود الواقعة ، وعنصر المشاهدة في الرواية يزيدنا وثوقاً بها.

أقول : روى ابن عبد البر هذا الخبر عن زيد بن أسلم عن أبيه في الاستيعاب(1) ، وفيه قول عمر لفاطمةعليها‌السلام : ( ولقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك ، ولئن يبلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ ) هكذا رواه ولم يذكر التهديد بالإحراق صريحاً ، بل كتم ذلك وكنى عنه بقوله : ( لأفعلنّ ولأفعلنّ ) وإذا رجعنا إلى بقية المصادر التي ذكرت التهديد بالإحراق صراحة ، نجدها تنقل ذلك برواية زيد بن أسلم عن أبيه ، فقد روى ذلك ابن أبي شيبة في كتابه ( المصنف )(2) ولفظه : ( وأيم الله ما ذاك بمانعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت ) ، ورواه غيره كما ستأتي مصادره في الفصل الثالث في نصوص يجب أن تقرأ بإمعان. فلماذا انقلب التهديد الصريح إلى تهديد مبطّن عند ابن عبد البر ، الذي أثبت بفعله مكذوب الثناء عليه ( كان ديّناً ثقة ) فما كان في فعله ذلك برّاً ولا تقياً.

7 ـ كتاب ( الأموال ) لأبي عبيد ( ت 224 ه‍ ) ، فقد تعمد الإيهام والاستبهام في كتابه ذلك حين روى خبر عبد الرحمن بن عوف مع أبي بكر قبل موته بخمس عشرة ليلة ، وفيه مثلثات أبي بكر نادماً على ما فعل وما لم يفعل ، فكان من

__________________

(1) الاستيعاب : 975.

(2) المصنف 14 : 567.


خبره قول أبي بكر : ( أما الثلاث التي فعلتها وودت أنّي لم أفعلها : فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا لخلة ذكرها ) قال أبو عبيد : لا أريد ذكرها.

وهذا ما جعلنا نهزأ بمن يتكتم على الحق لئلاّ يظهر للناس فيعرفوا الحق لأهله ، فأبو بكر يصرّح بماذا فعله وود أنّه لم يفعله نادماً ، يأتي أبو عبيد بعد أكثر من قرنين من الزمان ، فيقول : ( لخلة ذكرها لا أريد ذكرها ) لماذا ؟ فهل أنت أحرص على أبي بكر من نفسه ؟ فهو يذكر تلك الخِلة وأنت لا تريد ذكرها ، إنّها لملكية فوق الملك ، وهذه بلية شملت آخرين من المؤرخين أشير إلى بعضهم هنا وأترك ذكر المثلثات ، إذ سيأتي تمام ذكرها في بداية الفصل الثالث في أول ( نصوص يجب أن تقرأ بإمعان ) ، موثقة رواياتها من مصادر كثيرة تناهز العشرة وربما تزيد فانتظر.

8 ـ كتاب ( الأموال ) لحميد بن زنجويه ( ت 251 ه‍ ) ، وفيه ورد خبر المثلثات مرّتين ، ففي الأولى ذكر النص بسند رجال ثقات وليس في النص أيّ تلاعب ، لكن حين ذكره ثانية بسنده دون سنده في المرة الأولى ، وجدنا يكنى ب‍ ( كذا وكذا لشيء ذكره ؟! ).

9 ـ كتاب ( الكامل ) للمبرد ( ت 285 أو 286 ه‍ ) ، وهذا الكتاب من عيون الكتب الأدبية ، تتخلله نكات تاريخية ، ذات دلالة يعني الباحث بها ، ومنها ذكره خبر أبي بكر المشار إليه آنفاً من دون ذكر المثلثات ، وهذا مما يؤاخذ عليه.

10 ـ كتاب مروج الذهب للمسعودي ، وهذا فيه مواطن تستدعي الوقوف عندها لسنا بصدد ذكرها فعلاً ، لكن ما يستدعي التنبيه عليه في خصوص ما يتعلق بالمقام ، هو رواية خبر المثلثات الآنف الذكر ، وجاء فيه :

( ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً ، ولمّا احتضر قال : ما آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتها وددت أنّي تركتها ، وثلاث تركتها وددت أنّي فعلتها ،


وثلاث وددت أنّي سألت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عنها ، فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي تركتها : فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ، وذكر كلاماً كثيراً ).

فبتر المسعودي الكلام الكثير من أبي بكر ، وانّها لبلية المؤرّخ حين يعيش أزمة الضمير الخانقة ، فهو لا يقوى ـ بجرأة وشجاعة ـ على نقل الوقائع كما هي بحذافيرها وجميع حيثياتها ، إما لغلبة العاطفة بحكم الولاء والانتماء ، أو تقية من سلطان حاكم يخشى بطشه ، أو خوفاً من هياج رعاع الناس حيث لا تحتمل نفوسهم قساوة المصارحة ، ويبدو أنّ المسعودي كان يعيش تلك الدوّامة ، فأعرض عن ذكر الكلام الكثير لأبي بكر.

وفي كتابه ما ستأتي الإشارة إليه من جناية الناشرين أو المحققين عند ذكر ما ننقله من نصوص يجب أن تقرأ بإمعان في الفصل الثالث.

11 ـ كتاب ( إعجاز القرآن ) للباقلاني ( ت 403 ه‍ ) ، وهو معروف بتعصبه ، ومن يقرأ كتابه ( التمهيد ) لا يحتاج في إثبات نُصبه إلى مزيد.

فهذا نقل في كتابه إعجاز القرآن(1) بتعليق السلفي محب الدين الخطيب : روى خبر دخول عبد الرحمن بن عوف على أبي بكر ، ولكنه بتر المثلثات كلّها جملة وتفصيلاً ، ومن الطبيعي أن لا يعلّق محب الدين الخطيب منبهاً على ذلك.

غير أنّ الكتاب أعيد طبعه في دار المعارف بتحقيق السيد أحمد صقر ، وكان بحق صقراً حيث انقضّ على ما ذكره المبرّد في تفسير بعض جمل الخبر ، وأشار في الهامش إلى ذلك ، ولم يذكر عن المثلثات المحذوفة شيئاً(2) .

كما لم يشر في الهامش إلى تاريخ الطبري والعقد الفريد اللذين ورد فيهما الخبر بتمامه وكماله مشتملاً على المثلثات ، وأحسبه فعل ذلك لئلاّ يحرج نفسه ويجرح عاطفة قرّائه.

__________________

(1) إعجاز القرآن : 116.

(2) إعجاز القرآن : 210 ـ 211.


12 ـ كتاب ( حلية الأولياء ) لأبي نعيم الأصبهاني ( ت 430 ه‍ ) ، أطنب مترجموه في الثناء عليه حتى قال فيه ابن مردويه : كان أبو نعيم في وقته مرحولاً إليه ، لم يكن في أفق من الآفاق أحد أحفظ منه ولا أسند منه ، كان حفاظ الدنيا قد اجتمعوا عنده ، وكلّ يوم نوبة واحد منهم يقرأ ما يريد إلى قريب الظهر ، فإذا قام إلى داره ربما كان يقرأ عليه في الطريق جزؤه ، لم يكن له غذاء سوى التسميع والتصنيف )(1) .

وهذا الحافظ ممّن بتر المثلثات من حديث أبي بكر كما صنع في حلية الأولياء(2) .

13 ـ وعلى سبيل من مضى جرى من أتى بعدهم حتى من الباحثين المحدثين.

فهذا أحمد زكي صفوت ذكر في كتابه جمهرة خطب العرب(3) حديث عبد الرحمن بن عوف مع أبي بكر في مرضه الذي مات فيه ، وذكر كلام من الرجلين إلاّ مثلثات أبي بكر فقد بترها ، مع أنّه ذكر في مصادره تاريخ الطبري والعقد الفريد ، واعتمد عليهما في نقل الخبر ، لكنه فيما يبدو يعيش أزمة تاريخ في ذمة مؤرخ ، فاقتطع ما ذكره وترك ما لا يعجبه ذكره ، حفاظاً على قداسة الموروث.

* * *

__________________

(1) تذكرة الحفاظ 3 : 1096.

(2) حلية الأولياء 1 : 34.

(3) جمهرة خطب العرب 1 : 78.


الفصل الثاني



1 ـ ما هي الأحداث ؟

في هذا الفصل نقرأ أولاً ما هي الأحداث ، وما ينبغي للباحث الرجوع إليه من اشتات روايات متناثرة تناثر النجوم في الأفق السحيق.

وحبذا لو كانت الروايات فقط منثورة ، ولكن العناء يزداد حين نجدها مبتورة ، وقد رواها الخلف عن السلف على ما فيها من تهويش وتشويش.

ومع ذلك كله ، فلم يصلنا من تسجيل الحدَثَ الذي يعنينا أمره في المقام ، وهو ما يتعلّق بسيدنا ( المحسن السبط ) إلاّ القليل القليل ، لم يلم بجميع حيثياته ، ومع ذلك فذلك القليل المتناثر يكشف جوانباً مهمة عن الأزمات التي أحاطت بجوانب الحدَثَ ، حتى لم تستطع قوى الدفاع بكل ما لديها من قوة وحيلة دفع التساؤل ، أو تجيب على ما قيل ويقال حول ذلك الحدَثَ.

وأنّى لمن يحاول الغمغمة في الجواب أن يفعل شيئاً ، ولا يزال شريط الأنباء ـ كما يقال اليوم ـ يعيد للناس ما تحتفظ به الذاكرة من أخبار إدانة لا تحتمل التبرير ولا يلفها التحوير ، ومن ذلك ما قاله أبو بكر لعمر : ( إئتني بعليّ بأعنف العنف ) لماذا ؟

والجواب حاضر على البديهة : لأنّه لم يبايع ، ومن لم يبايع فسيلقى أقسا العقاب ، وأخيراً فعليه القتل ، هكذا تقول الروايات كما ستأتي النصوص بحذافيرها.

ومن ذلك ما جاء أنّ عمر جاء بقبس من نار ، ومعه عصابة من المهاجرين والأنصار ، ومنهم يحملون الحطب إلى بيت فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهدّد


عمر بإحراق البيت على من فيه ، وخرجت فاطمةعليها‌السلام تدافع وتمانع ، واستنكرت فئات من الناس تهديد عمر ، وخافوا وقوع الكارثة إن نفّذ تهديده ، فقالوا له فيما ظنّوه ردعاً ومنعاً : إنّ في البيت فاطمةعليها‌السلام ، قال : وإن(1) .

وجاء انّ فاطمة قالت لعمر : أتراك محرقاً عليّ بابي ؟ قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوكِ ، فولولت وبكت وصاحت : ياأبتاه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب(2) .

وجاء أنّ عمر ومن معه زحموا الباب وزخموا فاطمة ، فتلقت الرفسة والعصرة ، وأخيراً إسقاط جنينها المحسن.

وجاء أنّ الزبير ثار بسيفه فأخذوه وضربوا بسيفه على صخرة ، واقتيد إلى خارج الدار ، وسلموه بيد خالد بن الوليد.

وجاء أنّهم أخرجوا علياً وقادوه كالفحل المخشوش(3) ، وأخرجوا من كان معه في البيت ، وكانوا جماعة بني هاشم ومن الصحابة لا يتجاوزون عدد الأصابع ، كما ستأتي أسماؤهم.

وجاء أنّ علياً أوقفوه بين يدي أبي بكر وقالوا له : بايع ، فقال : إن لم أفعل ؟ قالوا : تقتل ، فقال : تقتلون عبداً لله وأخاً لرسوله ، فقالوا : أما عبداً لله فنعم ، وأما أخا رسوله فلا.

وجاء أنّ فاطمةعليها‌السلام خرجت خلفه لتخليصه من أيدي القوم ، وارتفع صوتها تستغيث قائلة : يا أبتاه ماذا لقينا بعدك من ابن أبي قحافة وابن الخطاب.

__________________

(1) تاريخ الخلفاء الراشدين ( الإمامة والسياسة لابن قتيبة ) ، كما سيأتي.

(2) أنساب الأشراف ، كما سيأتي.

(3) كما في كتاب معاوية وسيأتي نصه.


وجاء أنّ أبا بكر لم يستجب لإلحاح عمر على قتل عليّ ، وقال له : أنّي لا أكرهه ما دامت فاطمة إلى جانبه.

وجاء أنّ فاطمة جاءت إلى أبي بكر تطلب ميراثها ، فردها أبو بكر بخبره المكذوب : ( إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ) ، وجاء أنّ فاطمة طالبته بالنحلة فردها ، وجاء أنّها طالبته بسهم ذوي القربى فلم يستجب لها ، وهكذا جاء أنّها هجرته مغاضبة له فلم تكلمه حتى ماتت وهي غضبى عليه(1) .

* * *

__________________

(1) ستأتي الإشارة إلى مصادرها.


2 ـ وقفة عند الأحداث :

تلكم أبعاد الصورة التي وصلت إلينا عن الأحداث ، ولا شك أنّها بقية من ملامح الصورة التي حفظتها ذاكرة الرواة والمؤرخين ، وربما سمحت أولم تسمح بها سلطات الحاكمين ، كما لا شك بأنّ الصورة أصابها من التلميع والتصنيع ، إمعاناً في تضييع التشنيع.

لذلك تبينت الصورة باهتة الألوان أحياناً كثيرة ، وربما غير متناسقة الأبعاد ، لاختلاف التسجيل تبعاً للأهواء والآراء ، لكن الحاسة السادسة ـ كما يقولون ـ لها عملها في استنطاق الصورة عما محي منها ، وما بقي معها من خشخشة ووشوشة.

ولا شك أنّ المسلم الواعي لدينه تصيبه الصدمة حين يقرأ تلك الأحداث المروعة والمفزعة المفجعة ، كيف يمكن له أن يصدق أنّ رموز الصحابة الّذين عاصروا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعايشوه سفراً وحضراً ، هم الّذين قاموا بذلك ، كيف لم يمنعهم طول الصحبة ، ولا علقة المصاهرة ، ولا سابقة الإسلام ، عن ارتكاب ما جرى ؟

كيف لم يرعوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاً ولا ذمّة ؟ فلم يحترموا قرباه بمودة جعلها الله تعالى أجر رسالته فقال :( قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ٰ) (1) .

__________________

(1) سورة الشورى : 23 وانظر الكشاف للزمخشري 4 : 219 , وتفسير مفاتيح الغيب للرازي 27 : 166 , ومستدرك الحاكم 3 : 172 , تجد أنّ الآية الكريمة نزلت في ( عليّ وفاطمة وابناهما ). وروى ابن حجر المكي في صواعقه في الفصل الأول من الباب : 11 في تفسير الآية : 14 من الآيات التي أوردها في


كيف استطاعوا أن يرتكبوا مأثماً ما له من نظير ؟ فأرادوا أن يحرقوا بيت عليّ وفاطمة عليهما وعلى ولديهما ومن فيه ، وذلك البيت هو الذي بالأمس القريب كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأتيه ، فيقف عند بابه كلّ صباح طيلة تسعة أشهر ويقرأ قوله تعالى :( إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

كيف صمّت أسماعهم عن صوت نبيهم ، وهو لا يزال يرنّ في مسمع الدهر يقول لأصحابه : « أوصيكم بأهل بيتي خيراً »(2) .

وهكذا تتوالى الصدمات كلّما توالت الاستفهامات كيف وكيف ، وتزداد عنفاً حين تتوثق الروايات ، ويبقى القارئ في حيرة من أمره بين التصديق والتشكيك ، كيف جرى ما جرى ؟! فالخطب جليل ، والرزء عظيم ، والذوات صحابة من الرعيل الأول ، أضفيت عليهم ابراد القداسة ، من نسج الحاكمين والسياسة.

__________________

فضل أهل البيت فقال : أخرج أحمد والطبراني والحاكم وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية ، قالوا : يا رسول الله مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« عليّ وفاطمة وابناهما » .

(1) الأحزاب : 33 ؛ راجع كتاب : ( عليّ إمام البررة 1 : 371 ـ 8 ـ 4 ) , تجد أسماء الرواة ، وقد ناهزوا العشرين ، والمصادر وقد نيفت على المائة ، كلّها ذكرت اختصاص الآية بالخمسة الأطهار : النبي وعلي والزهراء والحسن والحسينعليهم‌السلام .

(2) جاء في ذخائر العقبى : 18 ، قال ( صلّى الله عليه وسلّم ) :« استوصوا بأهل بيتي خيراً ، فإني أخاصمكم عنهم غداً ، ومن أكن خصمه أخصمه ، ومن أخصمه دخل النار » . أخرجه أبو سعد والملا في سيرته.

وجاء في مسند أحمد من حديث أبي سعيد قال ( صلّى الله عليه وسلّم ) :« إنّي أوشك أن ادعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وعترتي ، أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض فانظروا فيما تخلفوني فيهما » .

وجاء في صواعق ابن حجر : 89 ـ 90 , نقلاً عن الطبراني عن ابن عمر , أنّ آخر ما تكلّم به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أخلفوني في أهل بيتي » وهذه هي المودة الثالثة التي ابتلعها الرواة في حديث الرزية كما في ( موسوعة عبد الله بن عباس ).


ولعل أشدها عنفاً تلك الصدمة التي تكاد تذهب بلب القارئ دهشة وحيرة ، حين يقرأ ما أخرجه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص والسبكي في شفاء الغرام ، والأمر تسري في أرجح المطالب(1) فدخل حديث بعضهم في بعض :

( انّ عمر بن الخطاب سمع رجلاً يذكر علياً بشر ، فقال : ويلك تعرف مَن في هذا القبر ؟ ـ وأشار إلى قبر رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ـ فسكت الرجل ، فقال عمر : محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب ، وهذا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب ، قبّحك الله فقد آذيت رسول الله في قبره ، لا تذكروا علياً إلاّ بالخير ، إن تنقّصته آذيت صاحب القبر ، إذا آذيت علياً فقد آذيته ).

فمن يقرأ هكذا خبراً عن عمر ، ألا يصاب بالدهشة والحيرة ؟ فيسأل عن عمر أين غاب عنه ذلك الوعي يوم جاء بقبس من نار ليحرق البيت على من فيه ؟

وهل إنّ ما ذكره من تقبيح في الدعاء على من تنقّص علياً بلسانه ، لا يشمل من جاء ليحرق عليه بيته ؟ وهل أن إيذاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يخص من تنقّص علياً بلسانه فحسب ، فلا يشمل من آذاه وأخرجه يتلّه بعنف ؟ فهل من جواب عند الحساب لمن يقرأ ( إنّ السكينة تنطق على لسان عمر ) ؟ فأين غابت عنه تلك السكينة المزعومة حينما هدّد بإحراق بيت فاطمة فقال له الناس : انّ في الدار فاطمة ، وهو يعلم ذلك ، وإنما قالوا له ذلك تنبيهاً على عظيم الخطر لو تطاير من البيت الشرر ، لكن أبا حفص قال : ( وإن ) غير مبالٍ بما سيكون.

أو ليس من حق القارئ أن يصارح بأنّ الّذين جاؤوا بالحطب والنار وأرادوا إحراق الباب كانوا معتدين ظالمين ، وبايذائهما علياً آذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لقوله : « من آذى علياً فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله »(2) .

__________________

(1) تذكرة الخواص : 49 ، شفاء الغرام : 207 ، أرجح المطالب : 515.

(2) راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 134 ـ 140 ، و 2 : 125 ـ 137.


ولقوله في فاطمة :« فاطمة بضعة منّي من أغضبها أغضبني » (1) .

وأيضاً قوله فيها :« فاطمة بضعة منّي يريبني ما أرابها ويؤذيني ما آذاها » (2) .

وأنكى من ذلك كلّه ما أحزن وأبكى أن يروي البخاري في صحيحه(3) عن أبي بكر قوله : ( ارقبوا محمداً( صلّى الله عليه وسلّم ) في أهل بيته ) ؟

ثم يرد فيه حديث :« فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها أغضبني » .

وليتني أدري هل راقب أبو بكر محمداً في أهل بيته ، حين أمر عمر بأن يأتي بيت فاطمةعليها‌السلام ليأتيه بعلي وبمن معه ، وقال له : فإن أبوا فقاتلهم ، كما سيأتي هذا موثقاً في نصوص يجب أن تقرأ بإمعان ، وقد جاء عمر كما أمره أبو بكر ، وبيده قبس من نار ، ويحمل معه الحطب مَنْ جاء معه من الأتباع والأشياع وأصحاب الأطماع ، وهو يريد أن يحرق البيت على من فيه ، وفاطمة تقول له :« يابن الخطاب أتراك محرقاً عليّ بيتي ؟ » فيقول لها بكل صلف : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. فبكت وصاحت :« يا أبتاه يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟ » .

وسيأتي النص موثقاً في الفصل الثالث في ( نصوص يجب أن تقرأ بإمعان ).

هذا هو مجمل الأحداث التي أودت بحياة السيد السبط المحسن السقطعليه‌السلام ، وهو أول ضحايا العنف في أحداث السقيفة.

ولا أحسب إنساناً مسلماً يقرأ ما جرى ثم يعذر الجناة في أفعالهم ، إلاّ من استزلّه الشيطان فبقي على ضلاله في مشايعتهم على ظلمهم وأيذائهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيته.

__________________

(1) ذخائر العقبى : 37 ، نقله عن الشيخين والترمذي.

(2) المصدر نفسه : 37.

(3) صحيح البخاري 5 : 21.


كما لا أظن أحداً يقرأ النصوص الآتية ، ثم يحاول مستكبراً أن ينكر ما حدث ، وأنّى له ذلك ؟ وما يُجديه الإنكار ، والحدث أشهر من أن ينكر ، وأكبر من أن يستر ، فالمصادر كثيرة والأحداث شهيرة ، حتى صارت سنة سيئة يحتج بها عند من لا حريجة له في الدين.

وحسبنا شاهداً واحداً نتلوه عليك ، وذلك ما رواه المسعودي في كتابه مروج الذهب من دفاع عروة بن الزبير عن أخيه عبد الله لما استحوذ على مكة وأطراف الحجاز ، ودعا الناس إلى بيعته بالقهر والإكراه ، استنّ بالخالفين قبله ومنهم جده لأمّه أبو بكر ، فدعا بني هاشم إلى مبايعته ، فأبى عليه ابن عباس وابن الحنفية وبقية بني هاشم ، فحبسهم في الشعب ، وجمع الحطب ليحرقهم إن لم يبايعوا له ، لكن الله تعالى أنجاهم بإغاثة جيش المختار الذي أرسله بقيادة أبي عبد الله الجدلي لتخليصهم ، فأدركوهم ولمّا أزفت ساعة الحريق فأخرجوهم سالمين ، فعاب الناس فعل ابن الزبير ذلك الفعل الشنيع المريع ، وخاضوا في ذلك مما جعل عروة بن الزبير يعتذر عن أخيه بقوله : إنّ عمر بن الخطاب أحضر الحطب ليحرق الدار على من تخلّف عن بيعة أبي بكر.

* * *


3 ـ وقفة تحقيق ٍلابد منها :

إنّ النص المشار إليه آنفاً في اعتذار عروة بن الزبير عن أخيه ، قد وقع فيه كتمان وحذف ، ولا شك في أنّ ذلك خيانة ، ولا يجوز لنا المرور على النص دون التنبيه على ما طرأ عليه لمعرفة من يستحق الإدانة ، أهو صاحب الكتاب ( المصدر ) ؟ أم هو الناسخ والمحقق ؟ أم هو الناشر ؟

لقد ذكر ابن أبي الحديد في شرح النهج(1) ، نقلاً عن المسعودي في مروج الذهب(2) ، الخبر كما يلي :

( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ).

هذا ما ورد في الطبعات الأربع من المروج قديماً وكلّها بمصر ، أما الطبعات الحديثة بمصر وبيروت ، فقد جرى حذف متعمد ستراً على السلف ، وإليكم نص ما في طبعة مصرية بتحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد سنة 1367 ه‍ مطبعة

__________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 20 : 147.

(2) مروج الذهب 2 : 79 ، طبعة بولاق سنة 1283 ه‍ , و 2 : 72 ، ط الأزهرية سنة 1303 ، وبهامشها روضة المناظر لابن الشحنة ، و 6 : 160 ـ 161 , طبعة مصرية رابعة بهامش تاريخ ابن الأثير ، وكذا في طبعة العامرة البهية سنة 1346 ه‍.


السعادة ، وأيضاً طبعته الثالثة سنة 1377 ه‍ ، وقد كتب عليها مزيدة ومنقحة في ج 3 ، ص 86 ، وفي طبعة دار الفكر في بيروت ، وطبعة دار الأندلس أيضاً في بيروت ، فجميعها حذفت منها جملة : ( كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) وبقيت جملة ( إذ هم أبو البيعة فيما سلف ) وشاء الله تعالى أن يظهر الحق ، فعمي المحققون لهذه الطبعات عما نمّ به السارق على نفسه ، حين أبقوا جملة : ( إذ هم أبو البيعة فيما سلف ) وهي لا تتفق مع السياق إلاّ بإثبات جملة ما حذفوه ، وهي : ( كما أرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ).

وما أدري كيف استساغ أولئكم النفر المحققون والناشرون تمرير العبارة مع وضوح الإشارة ؟! هذا فعل المصريين والبيروتيين في طبعاتهم الحديثة.

أما فعل المستشرقين الّذين حققوا كتاب مروج الذهب وطبعوه ، فقد اطلعت على طبعة حققها ( شارل بلا ) من منشورات الشريف الرضي بقم ، فقد ذكر في هامش ج 3/ 276 برقم 1934 الجملة المحذوفة ، وأشار إلى أنها عن نسخة ( م ).

ولم يكن كتاب مروج الذهب هو الأوّل والآخر في وقوع التحريف فيه ، فهناك كتب اخرى طالتها يد العبث إما بتحريف أو تصحيف أو حذف لغرض التعتيم ، وسنأتي على ذكر بعضها مما يقع في مصادر بحثنا إن شاء الله تعالى.

ونعود إلى المسعودي فقد قال بعد حكايته الخبر المشار إليه آنفاً نقلاً عن كتاب النوفلي ، فقال المسعودي معقباً عليه : ( وهذا خبر لا يحتمل ذكره كتابنا هذا ، وقد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت وأخبارهم ، المترجم بكتاب حدائق الأذهان ).

أقول : إنّ تعقيب المسعودي يكشف لنا مدى مبلغ التقية عنده ، كما يكشف عن مدى الحصار الثقافي في أيامه ، وذلك ما أودى بكثير من الحقائق ، ولمّا كانت الرقابة على المؤرخين تخضعهم لأهواء الحاكمين ، فلابد أن تضيع المعالم والرسوم.


وسيأتي عن البلاذري قوله : ( وجرى بينهما كلام ) يعني بين عليّ وعمر في أيّام تلك الأحداث ، ومنها طلب البيعة من الإمام لأبي بكر.

ولكن لا يخفى على من له أدنى إلتفات ، واطلع على تاريخ تلك الحقيقة ، بأنّ المراد من قولهعليه‌السلام : ( احلب حلباً لك شطره ) ، ( اُشدد أمره اليوم يرده عليك غداً ) وهذا ما حدث ، ليست نبوءة أو اخباراً بالغيب ، بل للحق دلالات وعلامات يتبع بعضها بعضاً ، يعرفها من كان على الحق والحق معه.

* * *


الفصل الثالث


1 ـ تمهيد وليس بوعيد :

أيّها الأخ المسلم ، سنياً كنت أم شيعياً ، ستقرأ في النصوص التالية حجة من يحتج بها في الإدانة بإسقاط ( السيد السبط المحسن السقطعليه‌السلام ) ، ويستدلّ بها الباحث ، فعليك إن رأيته خصماً لك في الرأي تنظر في مصادره ، فإن كنت واثقاً من صحتها فهي مقبولة عندك ، وإن لم تجدها كذلك ، فمن الإنصاف لنفسك قبل إنصافك لغيرك ، أن تقرأ ما يسوقه لك من نصوص هو يراها ثابتة ، وأنت أيضاً من حقك ولك رأيك فيها سلباً أو إيجاباً ، نفياً أو إثباتاً ، لكنك لا يسعك الإعراض عنها قبل القراءة ، والتحامل عليه بالتجريح والتقبيح.

ومن الإنصاف أن تستمع لمحدثك فيما يحتج به عليك من مصادر تراثك مما تشهد أنت بوثاقته ، فلا يمكنك التخلّص والتملّص مما يتلى عليك منه ، وهو يثبت بحجته عليك الادانة بالإسقاط ـ الذي هو محور الرسالة ـ.

وبقراءتك للنصوص بتدبر ، ستقترب رويداً رويداً من الصورة الواقعية للأحداث التي تزامنت سبقاً ولحوقاً مع إسقاط ( السيد السبط المحسن السقط ) ، ثم تتفهم وتتعقل وتتساءل مع نفسك ، أكان ذلك حقاً ؟ فإن كان فقد كان ينبغي أن لا يكون.

ومهما تكن تلك الصورة عندك باهتة اللون في بعض النصوص ، لكنها واضحة المعالم في نصوص أخرى ، وبالتالي تتضح أمامك صحة أقوال من تراه خصماً لك من دون تهويش أو تشويش ، إذا قرأت النصوص بإمعان وتعمّق فيما تعرضه من صور.


فإذا تمت لك القراءة وشط بعدها بك العناد لقداسة الموروث عندك وقد نخر جوانحك ، فعليك أن تستعد للإجابة على عدة استفهامات يطرحها من تراه خصماً ، وقد استلّها من تراثك الذي تعتز به وترجع إليه. وإن أصحابه عندك هم حفظة الآثار ونقلة الأخبار ، وغير متهمين عليك في ولائهم وانتمائهم لمن تتولّى ، وقد اعتدى بعد ما تولّى.

أما إذا عجزت عن الجواب فعليك أن تخضع للحقيقة ، وإن كانت النتائج محزنة ومخزية ، محزنة لك ومخزية لأولئك النفر الذين يعيشون على فتات القداسة ، مما نثرته السياسة بحجة وبغير حجة.

وسوف تتجلّى لك الحقائق التي اُحيطت بضبابية كادت ولمّا ، تمحو كل ما في خزين الذاكرة عن أحداث ذلك العهد ، وليس من حقك أن تشهر سلاحك بوجه من يقول لك هلمّ فاقرأ كتابيه ، فإنّه القول الفصل وما هو بالهزل ، وكيف بك إذا قال لك هلمّ نقرأ آيات من سورة التوبة ، فهل يسعك الرفض وتشيح بوجهك عنها وعنه ؟

اللهم ما عليك إن كنت مسلماً حقاً إلا أن تستجيب لما يتلو عليك من قول الله سبحانه وتعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ *مَا كَانَ لأهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ *وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1) .

__________________

(1) التوبة : 119 ـ 121.


ثلاث آيات مباركات من سورة التوبة ، فيها أمر وفيها تحذير وفيها ترغيب.

فأولها : أمرت بالتقوى واتباع الصادقين ، فمن هم الصادقون ؟

وثانيها : فيها تحذير ونهي شديد لأهل المدينة ومن حولها من الأعراب عن التخلّف عن رسول الله ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، فمن هو نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته ومن بعده ؟

وثالثة الآيات : فيها ترغيب عظيم لمن كان متبعاً ومهتدياً بهدي الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإذا تلمّسنا الجواب على سؤال من هم الصادقون ؟ نجد حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباسرحمه‌الله يجيب على ذلك بأنّ الآية نزلت في علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، هكذا رواه الحاكم الحسكاني(1) ، لكن الحمويني الجويني في فرائد السمطين(2) ، روى الحديث عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه في هذه الآية قال : ( علي بن أبي طالب وأصحابه ).

أما الجواب عن السؤال الثاني ، فيجيب عليه القرآن الكريم في آية المباهلة حيث قال تعالى :( فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ ) (3) .

وقد اتفق المفسرون والمحدّثون والإخباريون على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أخرج معه يوم المباهلة الحسن والحسين وفاطمة وعلي ، فأبناؤنا : الحسن والحسين ، ونساؤنا : فاطمة ، وأنفسنا : علي بن أبي طالبعليهم‌السلام .

وقد أوضحت ذلك وما يتعلق به في كتاب علي إمام البررة(4) عن أكثر من خمسين مصدراً.

__________________

(1) شواهد التنزيل 1 : 260.

(2) فرائد السمطين باب / 68.

(3) آل عمران : 61.

(4) علي إمام البررة 1 : 425.


وحيث دلّت الآية الكريمة على مساواة علي للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في جملة من خصائصه إلاّ النبوة ، فيكون علي الذي هو نفس النبي بنص آية المباهلة ، هو المعنيّ بالآية في سورة التوبة ؛ لقوله تعالى :( وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَفْسِهِ ) (1) ، ولو كان الضمير يعود إلى شخص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لقال : ولا يرغبوا بأنفسهم عنه ، كما هو مقتضى البلاغة.

إذن فإنّا يجب علينا أن نتبع علي بن أبي طالبعليه‌السلام لأنّه إمام الصادقين ، ولا نرغب بأنفسنا عن نفسه ، لأنّه هو نفس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنّه ليس بنبي كما قال لهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث المنزلة : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّك لست بنبي ، إلا أنّه لا نبي بعدي ».

وفي ثالث :« علي منّي وأنا من علي » وفي رابع :« لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا وعلي » كما في حديث تبليغ براءة(2) .

وقد ذكر السيوطي في تفسيره الدر المنثور(3) تفسير الآيتين الكريمتين :( مَا كَانَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ) إلى آخر الآيتين فذكر حديث المنزلة ، وأنّ علياً هو نفس رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

كما ذكر نقلاً عن ابن أبي حاتم ، عن الأوزاعي ، وعبد الله بن المبارك ، وإبراهيم بن محمد الفزاري ، وعيسى بن يونس السبيعي ، أنّهم قالوا في قوله تعالى :( وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ) (4) ، قالوا : هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة.

__________________

(1) التوبة : 120.

(2) راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 2 : 80 ـ 95 , نقلاً عن أكثر من ثمانين مصدراً سنيّاً.

(3) الدر المنثور 3 : 292.

(4) التوبة : 120.


فإذا تحررنا من بعض الرواسب ، وأضفنا إلى قراءتنا القرآنية قراءة قوله تعالى في سورة التوبة أيضاً :( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَٰلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ ) (1) .

وعطفاً على ما سبق نقرأ قوله تعالى :( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ المُفْلِحُونَ ) (2) .

فبعد هذه القراءات القرآنية في الآيات المباركات ، يجب على كلّ مسلم أن يتحرّر من نوازع الرواسب ، ويتحرّز من نوازع الشيطان ، ويتمسّك بتولّي من لا تصح الأعمال إلاّ بولايته ، بل وحتى يجب عليه التبري من كلّ من خالف الحق من قريب أو غريب نسباً أو سبباً.

وإذا غامت عليك دنيا العقائد والأفكار بسُحُب التضليل ، ولم تتمكن من معرفة من كان على الحق ومن لم يكن ، فعليك بالرجوع إلى التنزيل فهو خير دليل ، والى التأويل فيما صح عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعند ذلك يتجلّى لك الحق المبين في معنى قوله تعالى :( وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) .

وقد مرّ بنا عن حبر الأمة عبد الله بن عباسرحمه‌الله إنّ الآية الكريمة نزلت في علي بن أبي طالبعليه‌السلام وأصحابه ، كما رواه من لا يتهم في تسنّنه ، فلا مجال حينئذٍ للتوقف عند بوابة التشكيك في وجوب اتباع الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

كما لا مجال للزعم بأنّ الصحابة كلّهم من أصحابه ، ( وبأيّهم اقتديتم اهتديتم ) فذلك زعم كاذب ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مايز بين الصحابة ، وأفصح عن الميزان بقوله :« علي

__________________

(1) التوبة : 63.

(2) المجادلة : 22.


مع الحق والحق مع علي ـ وعلى لسانه ـ :والحق يدور حيثما دار علي » كما في حديث أبي ذر الغفاري ( أصدق ذي لهجة ) كما وصفه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقوله الآخر :« علي مع الحق والقرآن ، والحق والقرآن مع علي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض » كما في حديث أم سلمة.

وما حديث عائشة عن ذلك ببعيد ، فقد قال لها أخوها محمد بن أبي بكر يوم الجمل : أنشدك الله أتذكرين يوم حدثتني عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال :« الحق لن يزال مع علي ، وعلي مع الحق ، لن يختلفا ولن يفترقا » ؟ فقالت : نعم.

وثالثة من أمهات المؤمنين ، وهي ميمونة بنت الحارث الهلالية ، قالت لمن أخبرها أنّه بايع علياً ، قالت : ( فالحق به فوالله ما ضل وما ضُلّ به ).

وهكذا تتوارد الأحاديث عن الرسول الكريم ، وعن الصحابة في تمييز الحق وأنّه مع علي ، حتى روي عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه قال : ( ستكون فتنة فمن أدركها منكم فعليه بخصلة من كتاب الله تعالى وعلي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فإنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وهو يقول :« هذا أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني ، وهو فاروق هذه الأمّة ، يفرق بين الحق والباطل ، وهو يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة ، وهو الصدّيق الأكبر ، وهو بابي الذي أوتي منه ، وهو خليفتي من بعدي » (1) .

فبعد هذا فلا مبرر لمنكر أو مستنكر أن يشنع على من تولّى علياً في حياته وبعد مماته ، وتبرأ من أعدائه في حياته وبعد مماته ، ما دام هو ميزان الحق ، ولا يعدل إنسان مسلم بالحق شيئاً.

* * *

__________________

(1) راجع بشأن هذه الأحاديث وغيرها كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 342 ـ 352 ، ستجد المصادر جميعها من التراث السني الذي لا يسع القارئ السنيّ نبذه.


2 ـ لابد لكل سؤال من جواب :

كم من أحداث مريرة وكثيرة مرّت في تاريخ المسلمين منذ عصر الصحابة وما تلاه ، تثير عند قراءتها تساؤلات :

لماذا الحَدَث ؟

ولحساب مَن كان الحدَثَ ؟

ومَن قام بالحَدَث ؟

وهكذا سؤال يتبعه سؤال ، ولابدّ لكل سؤال من جواب ، وقد نقرأ بعض الأجوبة وهي غير مقنعة ، بل مقنّعة ومصطنعة ، تهدف إلى تمييع الحدث وتضييع الحق ، بين غمغمة المؤرّخ وطمطمة المحدِّث ، إما بحجة ضعف الاسناد فيها ، أو زعم نكارة المتن ، وهكذا تبقى غمامة الريب تظلل شمس الحقيقة ، ولكن سرعان ما ينجلي السحاب ويتبين وجه الحق ، ويعرف الجواب على الصواب.

ولما كان أقسى حادث حدث في صدر الإسلام ، هو ما أعقب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بدءاً من سقيفة بني ساعدة ، وما حصل فيها من تنازع نفر من المهاجرين مع جماعة الأنصار في اغتنام الخلافة ، وما تم أخيراً من استلابها لصالح النفر المهاجرين ، وما تبع ذلك من انقسام في صفوف جماعة المسلمين ، فكانت الشيع والأحزاب تعصف بالرجال من هنا وهناك ، وجاء النفر المهاجرون الذين فازوا بالخلافة على الأنصار بحجة أنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله منهم ، جاؤوا إلى بيت محمد ليحرقوا بنت محمد ومن معها في البيت ؛ لأنّ علياً نفس محمد ـ بنص آية المباهلة ـ


وأخا محمد ، وابن عم محمد ، وصهر محمد اعتزلهم وما يعبدون ويريدون ، وامتنع من الاعتراف بشرعيتهم.

لكن المخالفين لم يكن ليتركوه وشأنه حتى يقسروه على البيعة طوعاً أو كرهاً ، وهذا ما حدث ، فجرت خطوب أقساها هو الهجوم على بيت علي وفاطمةعليهما‌السلام بشراسة وعنجهيّة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المسلمين ، بل ولا قبله فكان العنف والفظاظة مع قبس من نار ، وحزمات الحطب تحملها رجال غلاظ شداد ، يتبعون عمر وبيده القبس يلتهب ناراً ، مهدداً بإحراق البيت على من فيه ، فهزّ ذلك المشهد مشاعر بعض المسلمين ممّن لم يكن يتوقع أن يحدث مثل ذلك ، فقالوا : إنّ في الدار فاطمة ، قال عمر : وإن !

يا لها كلمة كبرت تخرج من أفواههم ، ولشدة الصدمة فقد أثيرت حول مجموع الحدث شكوك ، وبدت المعاذير دفعاً للمحاذير ، فالبيت لعلي وفاطمةعليهما‌السلام بالأمس القريب كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقف على بابه طيلة تسعة أشهر كل يوم ، ويقرأ الآية الكريمة التي نزلت فيه وفيهم :( إنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

واليوم تنتهك منه الحرمة ، ويأتيه من لا يتوقع ما يأتيه ، في النفر الجفاة الجناة ، وهم معدودون في صحابته المقربين ، كيف يمكن تصديق أن يحدث مثل ذلك ؟ فلا مانع من الشك ، أملاً في إسدال الحجاب على ما حدث عند الباب ، ولكن سرعان ما يتبدد ، حين يقول القائل إن لم يكن بضخامة المروي جميعاً ، فلا شك أنّه كان على نحو مّا ، لأنّه ما من دخان إلا من وراء نار ، ومن قرأ التاريخ يجد النصوص المتشابكة المتفاوتة ، وضوحاً وعتمة ، وصراحة وبهمة ، تثير التساؤلات

__________________

(1) الأحزاب : 33.


الآتية ، وفي معرفة الجواب عليها ستهدي القارئ إلى الحق الذي أمرنا باتباعه ، وينتشل غريق الأوهام والأحلام من بحر لجيّ في دجنة ليل الظلام ، فإلى قراءة المسائل والجواب الحاصل.

س / 1 : هل كان هجوم على بيت فاطمة وعليعليهما‌السلام ؟

ج : نعم ، كان الهجوم بكل معنى الكلمة ، كما ستأتي مصادره التاريخية في نصوص تاريخية يجب أن تقرأ بإمعان.

س / 2 : من كان الآمر بالهجوم ؟

ج : هو أبو بكر ، كما سيأتي اعترافه بذلك فلا مجال للشك.

س / 3 : لماذا الهجوم ؟

ج : لإخراج علي ومن معه من بني هاشم وغيرهم ممّن شايعوه على رفض بيعة أبي بكر.

س / 4 : من هم الذين جاؤوا وهجموا ؟

ج : هم عمر بن الخطاب وهو قائد الحملة ، وكان معه المغيرة بن شعبة ، وخالد بن الوليد ، وقنفذ ، وآخرون ستأتي أسماؤهم.

س / 5 : هل صحّ أنّه كان معهم نار وحطب ؟

ج : نعم ، كان معهم ذلك ، وسيأتي التفصيل في نصوص تاريخية يجب أن تقرأ بإمعان.

س / 6 : من كان مع علي في البيت معتصماً ؟

ج : كان معه جماعة بني هاشم ، العباس وولده ، وعقيل وآخرون من شيعته ستأتي أسماؤهم.

س / 7 : هل كان تدافع وتمانع عند الباب ؟

ج : نعم ، كان ذلك حين كانت فاطمةعليها‌السلام تمانعهم من الدخول ، فدفعوا


الباب ، وزحموا فاطمة وما رحموا فكانت الرفسة ، وكانت العصرة ، وكان الضرب ، وأخيراً كانت مأساة إسقاط ( السيد المحسن السقط ) من زحم قنفذ لها حتى أسقطت.

س / 8 : هل صحيح حصل الضرب ، والرفسة ، وإسقاط الجنين ؟

ج : نعم ، حصل جميع ذلك ، وستأتي مصادر ذلك.

س / 9 : هل كان حرق للباب ؟ أم كان مجرد تهديد ؟

ج : نعم ، لقد روي أنّه رؤي الدخان ، ولا دخان من غير نار.

س / 10 : هل انتهت المأساة بحرق الباب ؟

ج : كلاّ ، فقد دخلت الفئة الضالّة لإخراج علي ومن معه.

س / 11 : هل أخرج عليّ ومن معه بعنف ومهانة ؟

ج : نعم ، لقد أخرجوهم يتلّونهم تلاّ ، حتى قادوا علياً كما يقاد الفحل المخشوش ـ يعني الذي يجعل في أنفه الخشاش ، وهو الخشب الذي يدخل في عظم أنف البعير إذا استعصى قياده ـ.

س / 12 : هل خرجت الزهراءعليها‌السلام خلفه تبكي وتولول ؟

ج : نعم ، خرجت صارخة باكية وهي تقول : « يا أبتاه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ».

س / 13 : لماذا خرجت الزهراء ؟ وكيف تمكنت من الخروج وهي قد أجهضت حملها ؟

ج : خرجت لتخلّص ابن عمها وبعلها من أيدي القوم ، ولو لم تخرج لقتل علي ، فتحاملت على نفسها فخرجت ولم تعد حتى أعادته معها في خطوب جرت.

س / 14 : هل انتهت الكارثة بعودتها ومعها ابن عمّها سالماً ؟

ج : لم تنته الكارثة ولن تنتهي ، وما تزال آثارها تستعر الأمة بأوارها.


س / 15 : من أين لنا ولكم التصديق بصحة ما تقدم من أجوبة مقتضبة ؟

ج : من خلال ما نقرأ من نصوص تالية ، بدءاً من اعتراف أبي بكر بأصل الهجوم ، وتفتيش بيت فاطمة ، وأنّه كان عن إذنه وبأمره ، كما هو واضح من صريح حديثه مع عبد الرحمن بن عوف وذلك قبل موته بخمسة عشر يوماً ، ممّا دلّ على ندمه ولات حين مندم.

إذن لابد من قراءة الحديث أولاً ، ثم قراءة بقية النصوص التالية بعده لمعرفة صحة الأجوبة المقتضبة التي تقدمت.

* * *


3 ـ نصوص ثابتة يجب أن تقرأ بإمعان :

والآن سنقرأ من النصوص الثابتة ما يدحض معاذير علماء التبرير التي ساقوها ، ايغالاً في التحوير والتزوير ، ليخفوا حقائق الأمر الواقع ، ستراً على الشخوص والرموز ، وانصياعاً مع قداسة الموروث.

وقد يكون الكثير من القرّاء خصوصاً من لا يزال تحت ضغط الرواسب ، لم يطلع عليها من قبل ، أو اطّلع عليها فشك في صحتها ، وتمادى به الشك حتى أنكرها وولّى عنها مستكبراً ، وتحامل بظلم على أصحابه فرماهم بالعظائم مما هم بريئون منه ، وأدنى ما قال فيهم أنهم من الشيعة ، أو رواتهم من الشيعة ، أو ، أو ، كما مرّ في وقفة مع المصادر ، وكأنّه لم يقرأ ولم يسمع قوله تعالى :( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّي إِلا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1) .

لذلك فسوف نقرأ النصوص من مصادر موثوقة جميعها من التراث السني ، لما قدمناه أول الرسالة وكررنا ذكره ، انّ ذلك أبلغ في اقناع المنكرين ، وأدحض لحجة المستنكرين ، وأبعد من تهمة المعاندين المستكبرين ، فإذا كان كل ما سنقرأ بروايات أئمة حفاظهم من المحدّثين والمؤرّخين ، كذباً على أبي بكر وبقية رموز المشايعين والمتابعين ، فما ذنب الذين يحتجون عليهم بمروياتهم ، وهم أصحاب التراث السني الكبير الكثير ؟

__________________

(1) يونس : 35.


والآن لنقرأ حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف في مرضه الذي مات فيه ، وما لحقه من ايهام واستبهام مما ينصب أكثر من علامة استفهام ، فليقرأه أبناء الإسلام.

في إعتراف أبي بكر كشف خطير :

أخرج الطبري في تاريخه(1) ، وابن عبد ربه المالكي الأندلسي في كتابه العقد الفريد(2) ، وغيرهما كالجوهري والطبراني ممّن يمكن الرجوع إليهم لغرض المقارنة والتأكيد على صحة جوهر النص ؛ لأن التفاوت في المنقول قد يوحي بالشك في صحة المنقول ، ولمّا كانت رواية الطبري وابن عبد ربه أوفى سنداً من رواية غيرهما ، فعنهما نذكر النص ، وهو كما يلي :

قال الطبري : حدّثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال : حدّثنا الليث بن سعد ، وقال ابن عبد ربه : قال أبو صالح : أخبرنا محمد بن وضاح ، قال : حدّثني محمد بن بن المهاجر التميمي ، قال حدّثني الليث بن سعد(3) قال : حدّثنا علوان ، عن صالح بن كيسان ، عن عمر(4) بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه أنّه دخل على أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه ، فأصابه مهتمّاً(5) فقال له عبد الرحمن : أصبحت والحمد لله بارئاً ! فقال أبو بكر :

__________________

(1) تاريخ الطبري 3 : 429 ـ 431.

(2) العقد الفريد 4 : 267.

(3) من هنا يتفق سند الطبري مع سند ابن عبد ربه ، فنسوق الخبر برواية الطبري , ونشير إلى الإختلاف بين الروايتين سنداً ومتناً.

(4) كذا في الطبري وفي العقد الفريد : عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وسيأتي ذكره في أحد اسنادين آخرين في آخر الخبر عند الطبري.

(5) في العقد : ( مفيقاً ).


أتراه ؟ قال : نعم ، قال : ( أما إنّي على ذلك لشديد الوجع ، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشد عليّ من وجعي )(1) .

إنّي وليت أمركم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم أنفه من ذلك ، يريد أن يكون الأمر له دونه ، ورأيتم الدنيا قد أقبلت ولمّا تقبل ، وهي مقبلة ، حتى تتخذوا ستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألموا الاضطجاع على الصوف الأذري(2) كما يألم أحدكم أن ينام على حسك ( شوك السعدان ) والله لأن يُقدّم أحدكم فتضرب عنقه في غير حدّ خير له من أن يخوض في غمرة الدنيا ، وأنتم أول ضالّ بالناس غداً ، فتصدونهم عن الطريق يميناً وشمالاً ، يا هادي الطريق إنّما هو الفجر أو البجر(3) .

فقلت له : خفض عليك رحمك الله ، فإنّ هذا يهيضك في أمرك ، إنّما الناس في أمرك بين رجلين : إما رجل رأى ما رأيت فهو معك ، وإما رجل خالفك فهو مشير عليك ، وصاحبك كما تحب ، ولا نعلمك أردت إلاّ خيراً ، ولم تزل صالحاً مصلحاً ، وأنّك لا تأسى على شيء من الدنيا.

قال أبو بكر : أجل ، إنّي لا آسى على شيء من الدنيا إلاّ على ثلاث فعلتهنّ وددت أنّي تركتهنّ ، وثلاث تركتهنّ وددت أنّي فعلتهنّ ، وثلاث وددت أنّي سألت عنهنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

فأمّا الثلاث اللاتي وددت أنّي تركتهنّ : فوددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة عن شيء ، وإن كانوا قد غلقوه على حرب ، ووددت أنّي لم أكن حرقت الفجاءة السُلمي(4) ، وانّي كنت قتلته سريحاً أو خلّيته نجيحاً(1) ، ووددت أنّي يوم سقيفة بني

__________________

(1) ما بين القوسين من العقد الفريد.

(2) نسبة إلى آذربيجان.

(3) البجر ـ بالفتح والضم ـ الداهية والأمر العظيم.

(4) كان قد أتى أبا بكر فادعى الإسلام , وطلب إليه مشاركته في جهاد المرتدين وأن يحمله ، فحمله


ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ـ يريد عمر وأبا عبيدة ـ فكان أحدهما أميراً وكنت وزيراً.

وأما اللاتي تركتهنّ : فوددت أنّي يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيراً كنت ضربت عنقه ، فإنّه تخيل إليّ أنّه لا يرى شراً إلاّ أعان عليه ، ووددت أنّي حين سيّرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة(2) ، فإن ظفر المسلمون ظفروا ، وإن هربوا كنت بصدد لقاء أو مدداً.

ووددت أنّي كنت إذ وجّهت خالد بن الوليد إلى الشام ، كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق ، فكنت قد بسطت يديّ كلتيهما في سبيل الله ـ ومدّ يديه ـ ، ووددت أنّي كنت سألت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لمن هذا الأمر ؟ فلا ينازعه أحد ، ووددت أنّي كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر نصيب ؟ ووددت أنّي كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة ؟ فإنّ في نفسي منهما شيئاً.

قال لي يونس : قال لنا يحيى : ثم قدم علينا عُلوان بعد وفاة الليث ، فسألته عن هذا الحديث فحدّثني به كما حدّثني الليث بن سعد حرفاً حرفاً ، وأخبرني أنّه هو حدّث به الليث بن سعد ، وسألته عن أبيه ، فأخبرني أنّه علوان بن داود.

__________________

وأعطاه سلاحاً فشد غارة على كل مسلم ، ولمّا أمكنت الفرصة منه وجيئ به إلى أبي بكر أمر فأوقدوا ناراً ثم أمر به فرموه مقموطاً فيها. وقول أبي بكر : كنت قتلته سريحاً أو خليّته نجيحاً.

(1) القتل السريح : السريع ، والنجيح : الوشيك.

(2) موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً ، وبه نزل أبو بكر في خلافته لما وجّه خالد بن الوليد لقتال أهل الردة ( معجم البلدان ). وقال عبد الله الليثي : ـ وكانت بنو عبد مناة من المرتدة ـ وهم بنو ذبيان ـ في ذلك الأمر بذي القصة وبذي حمى :

أطعنا رسول الله ما كان بيننا

في العباد الله ما لأبي بكر

أيورثها بكراً إذا مات بعده

وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

فهلا رددتم وفدنا بزمانه

وهلاً خشيتم حس راغية البكر

وإن التي سالوكم فمنعتمُ

لك التمر أو أحلى إليّ من التمر

تاريخ الطبري 340 : 246 ، وأوردها دون البيت الرابع الأصبهاني في الأغاني 3 : 157 , منسوبة للحطيئة.


وحدّثني محمد بن إسماعيل المرادي ، قال : حدّثنا عبد الله بن صالح المصري ، قال : حدّثني الليث ، عن عُلوان ، عن صالح بن كيسان ، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، أنّ أبا بكر قال : ـ ثم ذكر نحوه ، ولم يقل فيه ( عن أبيه ) ـ.

إلى هنا انتهى النص ، وقد عقب عليه الطبري بإسنادين آخرين لروايته زيادة في التوثيق.

وقد مرّت الإشارة إلى أن هذا الخبر قد رواه أحمد بن عبد العزيز الجوهري ( كان حياً سنة320 ه‍ ) ، في كتاب السقيفة ، وما ذكره رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة(1) ، حيث انتصب قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي مدافعاً عن أبي بكر ، وما طعن به عليه من هذا الخبر ، وذكر ابن أبي الحديد ردّ الشريف المرتضى عليه في كتابه الشافي ، وسيأتي ذكر ذلك.

كما سيأتي ذكر أكثر من عشرة آخرين رووا الخبر بتفاوت رواياتهم ، وجرى عليه من بعضهم محاولات بائسة ويائسة ، تكتماً وتلعثماً ، حتى أنّ بعضهم ذكر خبر عيادة عبد الرحمن بن عوف وتبرم أبي بكر ، لكنّه ألغى ذكر جميع المثلثات ، وآخر ذكرها دون ذكر ( كشف بيت فاطمة ) فكنّى عنه بقوله : ( كذا وكذا ).

وثالث ذكرها وسمى البيت بيت علي ، تهرباً من ذكر بيت فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ، غافلاً أو متغافلاً عن أنّ بيتهما واحد ، وهما في الحرمة سيان ، وبيتهما من أفاضل تلك البيوت التي أمر الله سبحانه وتعالى بأن تصان حرمتها ويعرف قدرها ، كما في رواية أنس وبريدة ، وقد رواها الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(2) ، والسيوطي في الدر المنثور(3) في ذيل تفسير قوله تعالى :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ) (4) في سورة النور قال :

__________________

(1) شرح نهج البلاغة 2 : 45 ـ 47 , وأشار إليه ثانية في 17 : 14.

(2) شواهد التنزيل 1 : 41.

(3) الدر المنثور 5 : 50.

(4) النور : 36.


وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك وبريدة قالا : قرأ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) هذه الآية :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ ) فقام إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال :« بيوت الأنبياء » ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها ـ لبيت علي وفاطمة ـ قال : «نعم ، من أفاضلها » ـ من أفضلها.

وهذا فيما أحسب هو الذي حدا بجمع من المحدّثين والمؤرّخين التستر على شناعة المثلثات ، وما فيها من إدانة لأبي بكر والطعن عليه ، خصوصاً ذكر ( كشف بيت فاطمة ) فذكره يعني الاعتراف بالإساءة والمهانة ، وهو حقيق بالإدانة.

ولئلا يظن ظان مستنكر أو متعال مستكبر أنّ ذلك منّا مجرّد تهويل ؛ فلنعرض أمام القرّاء ما لحق مثلثات أبي بكر من تضليل ، فنقول :

إنّ أول من وقفت عليه مستعظماً ذكر ( كشف بيت فاطمة ) صراحة ، هو أبو عبيد القاسم ابن سلام ( ت 224 ه‍ ) ، في كتابه ( الأموال ) ، فقد ذكر الخبر وبادر إلى الكناية عن ( كشف بيت فاطمة ) فقال : ( أما الثلاث التي فعلتها ، ووددت أنّي لم أفعلها : فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا لخلة ذكرها لا أريد ذكرها ) ، وهذا ما جعلنا نهزأ منه حتى قلنا : إنّها لملكية فوق الملك.

فأبو بكر نفسه يذكر الخلّة ـ كشف بيت فاطمة ـ نادماً عليها وأبو عبيد يأبى ذكرها !

وللإنصاف أن نقول له : إنّ حميد بن زنجويه ( ت 251 ه‍ ) ، الذي أتى بعدك زماناً ، وهو أقل ذكراً وشأناً ، كان أفصح بياناً وأقوى جناناً ، فقد ذكر الخبر مرّتين في كتابه الأموال ، كانت الأولى في صفحة 303 ـ 305 ، فذكر الخبر بنصّه وفصّه لم يغير شيئاً مما يمس جوهر القضية ، وحتى في إسناده كان رجاله ثقاة(1) .

__________________

(1) كتاب الأموال لحميد بن زنجويه 1 : 303 ـ 305.


لكنه في المرّة الثانية في صفحة / 347 فقد ذكر النص بسند آخر. فقال فيه : ( أما اللاتي وددت أنّي تركتهنّ ، فوددت أنّي لم أكن فعلت كذا وكذا ، لشيء ذكره ) وهذا منه مستغرب بعد ذكره أولاً كما مرّ ، ولا أحسبه إلاّ أنّه إنهار أمام تهديد أو وعيد ، فاتقى الشر فذكره كناية.

أما ثالث القوم الذين تلاعبوا بالنص بصورة غير ذكية ، فهو أبو العباس المبرد في كتابه الكامل(1) ، فقد ذكر الخبر مقتصراً على حديث أبي بكر مع عبد الرحمن بن عوف من دون ذكر المثلثات ، وهذا ممّا يؤاخذ عليه.

ورابعهم كان المسعودي الشافعي ( ت 345 ه‍ ) ، فهو ليس بدون من تقدّمه في تعامله مع النص بغير مسوّغ ، فقد ذكره في كتابه مروج الذهب(2) ، فقال : ( ومرض أبو بكر قبل وفاته بخمسة عشر يوماً ، ولمّا احتضر قال : ما آسى على شيء إلاّ على ثلاث فعلتها وددت أنّي تركتها ، فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ، وذكر كلاماً كثيراً ) ، فعدم ذكره ذلك الكلام الكثير مما يؤاخذ عليه.

وخامسهم الباقلاني ( ت 403 ه‍ ) ، فقد ذكر في كتابه إعجاز القرآن(3) ، عيادة عبد الرحمن بن عوف لأبي بكر ، وحديث أبي بكر وتبرّمه من أصحابه ، ولم يذكر عن المثلثات شيئاً ، فحذفها جملة وتفصيلاً ، وقد مرّ في نظرة إلى المصادر ما في طبعتي الكتاب ، وعمل المحققين فيه فراجع.

وسادس هذا النمط المفرط في الايهام والاستبهام ، أبو نعيم الاصبهاني ( ت430 ه‍ ) ، فقد ذكر في كتابه حلية الأولياء(4) حديث أبي بكر مع عبد الرحمن

__________________

(1) الكامل 1 : 6.

(2) مروج الذهب 2 : 308.

(3) إعجاز القرآن للباقلاني210 ـ 211.

(4) حلية الأولياء 1 : 34.


بن عوف الا ذكر المثلثات ، فلم يأت بشيء عنها أبدا ، لماذا ذلك ؟ والجواب لا يخفى على أولي الألباب.

نعم ، ذكر نصاً يوحي بندامة أبي بكر على ما فرّط ، فقد قال : إنّ عمر دخل على أبي بكر وهو يجبذ لسانه ، فقال له عمر : مه ؟ غفر الله لك ، فقال أبو بكر : إن هذا أوردني الموارد(1) .

وسابع تابع لم يتخلّف عن المسيرة ، وذلك هو الحافظ الهيثمي ( ت 807 ه‍ ) ، فقد ذكر الحديث في مجمع الزوائد(2) ، وقال : رواه الطبراني وفيه علوان بن داود البجلي وهو ضعيف ، وهذا الأثر مما أنكر عليه.

وثامنهم المتقي الهندي ( ت 975 ه‍ ) ، ذكر الخبر في كنز العمّال(3) ، وذكر في الكنز مصادره التي روى الخبر عنها فقال : ( أبو عبيد في كتاب الأموال ، عق ، وخيثمة بن سليمان الإطرابلسي في فضائل الصحابة ، طب ، كر ، حن ) وقال : إنّه حديث حسن إلاّ أنّه ليس فيه شيء عن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وقد أخرج ( خ ) في كتابه غير شيء من كلام الصحابة ).

أقول : إنّ المتقي الهندي أشار إلى المصادر التالية :

1 ـ كتاب الأموال لأبي عبيد ، وقد تقدم ذكره ، وإنّ المطبوع ليس فيه التصريح بكشف بيت فاطمة ، فراجع.

__________________

(1) حلية الأولياء 1 : 33 ، قال الجوهري في الصحاح : 1059 ، وفي حديث أبي بكر حيث دخل عليه عمر وهو ينصنص لسانه ، ويقول : هذا أوردني الموارد , قال أبو عبيد هو بالصاد لا غير ، قال : وفيه لغة أخرى ليست في الحديث نضنضت بالضاد , وكذا جاء في لسان العرب , وتاج العروس وغيرهما في مادتي : ( نص ) و ( نض ) , فراجع.

(2) مجمع الزوائد 5 : 202 ـ 203.

(3) كنز العمال 5 : 368.


2 ـ عق = يعني كتاب الضعفاء للعقيلي(1) ( ت 322 ه‍ ) ، وهو قد ذكر الخبر في ترجمة عُلوان بن داود بأربعة أسانيد ، ومع ذلك فقد جرح عُلوان فوصفه : بأنّه منكر الحديث.

3 ـ خيثمة = يعني خيثمة بن سليمان الإطرابلسي ، ( ت 343 ه‍ ) ، له كتاب فضائل الصحابة ، والخبر فيه في ترجمة أبي بكر.

4 ـ طب = يعني الطبراني ، ذكر الخبر في المعجم الكبير(2) .

5 ـ كر = يعني ابن عساكر في تاريخ دمشق ، والخبر فيه في ترجمة أبي بكر.

6 ـ ص = يعني سعد بن منصور ( ت 227 ه‍ ) ، والخبر في سننه.

فهذه ستة مصادر سبق ذكر الأول منها فقط ، وتضاف الخمسة الباقية إلى الأرقام الثمانية التي استعرضنا ما عند أصحابها ممّن لم يستمرؤا طعم مرارة الاعتراف ، ولم يخضعوا لقبول الحق والإنصاف ، فتحامل بعضهم على الرواة ، وأجهز بعضهم على الخبر فبتر منه ما ظن يجديه ، وما درى أن الحذف أو الاضمار ليس يغنيه ، مهما فعل حفاظاً على قداسة الموروث مما يعنيه ، فأبو بكر نفسه قال ذلك واعياً جازماً ، وآسفاً نادماً.

وأجدى بهم لو قالوا لأتباعهم وأشياعهم إنّه قال ذلك هجراً من غلبة الوجع عليه ، كما سبق لهم أن قالوا تبعاً لعمر بن الخطاب ومن شايع وتابع ، حين قال في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل ذلك ، كما في حديث الرزية كل الرزية ويرويه حبر الأمة عبد الله بن عباس ويبكي حتى يبلّ بدموعه الحصباء ، وحديثه في البخاري ومسلم وغيرهما من الصحاح والسنن والسيرة.

__________________

(1) الضعفاء 3 : 419 ـ 420.

(2) المعجم الكبير 1 : 62.


ولكنّهم تشبثوا في المقام بنسائج العنكبوت ، وأقوى من شمّر فاشتهر بحرارة الدفاع وطول الباع ، هو قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني ، إلا أنّه لم يحسن قيلاً ولم يغن فتيلاً ، ولقد انبرى لتفنيد مزاعمه وأباطيله ، وكشف تدجيله وأضاليله ، الشريف المرتضى علم الهدىرحمه‌الله (1) في كتابه الشافي ، وهو شافٍ وكافٍ ، وقد لخصه الشيخ الطوسيرحمه‌الله .

ومن الخير أن أعرض أمام القارئ ملخص ما قاله الأول ـ عبد الجبار ـ وما رد الثاني ـ الشريف المرتضى ـ في خصوص المقام نقلاً عن تخليص الشافي ؛ لئلا يظن بنا ظان غير الحق والصدق.

كما ننقل ذلك برواية ابن أبي الحديد الشافعي المعتزلي في كتابه شرح نهج البلاغة ، فهو قد نقل النص عن الشافي بواسطة تلخيصه ، وإن لم يصرّح بذلك.

ما ذكره قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي :

روى ابن أبي الحديد في شرح النهج(2) ، قال : قال : قاضي القضاة : ومما طعنوا به على أبي بكر أنه قال عند موته : ليتني كنت سألت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عن

__________________

(1)أقول : وشمّر ابن أبي الحديد عن ساعديه , وانبرى ناصباً من نفسه قاضياً ، فعقّب على كلام الشريف المرتضى وناقشه في رده على قاضي القضاة ، في مسألة الشك في الإمامة , وتمني أبي بكر السؤال عنها من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله , ورده على القاضي في الاستشهاد بالآية المباركة في مسألة إبراهيمعليه‌السلام ، وأطال في ذلك فمن أراده فليراجعه.

ويعنينا في المقام تعقيبه على تمني أبي بكر عدم كشف بيت فاطمة عليها‌السلام , وقد أنكره قاضي القضاة وأثبته الشريف المرتضى , قال ابن أبي الحديد : وأما حديث الهجوم على بيت فاطمة عليها‌السلام فقد تقدم الكلام فيه ، والظاهر عندي صحة ما يرويه المرتضى والشيعة ، ولكن لا كل ما يزعمونه ، بل كان بعض ذلك ، وحقٌ لأبي بكر أن يندم ويتأسّف على ذلك ، وهذا يدل على قوة دينه وخوفه من الله تعالى ، فهو بأن يكون منقبة له أولى من كونه طعناً عليه .

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 17 : 164.


ثلاثة : فذكر في أحدها : ليتني كنت سألت هل للأنصار في هذا الأمر حق ؟ قالوا : وذلك يدل على شكه في صحة بيعته.

وربما قالوا : قد روي أنّه قال في مرضه : ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه ، وليتني في ظلة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين ، فكان هو الأمير وكنت الوزير.

قالوا : وذلك يدلّ على ما روي من إقدامه على بيت فاطمةعليها‌السلام ، عند اجتماع عليعليه‌السلام والزبير وغيرهما فيه ، ويدلّ على أنّه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه.

قال قاضي القضاة : والجواب أنّ قوله : ( ليتني ) لا يدل على الشك فيما تمنّاه ، وقول إبراهيمعليه‌السلام :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (1) أقوى من ذلك في الشبهة ، ثم حمل تمنّيه على أنه أراد سماع شيء مفصل ، أو أراد : ليتني سألته عند الموت لقرب العهد ، لأنّ ما قرب عهده لا يُنسى ، ويكون أردع للأنصار على ما حاولوه.

ثم قال : على أنّه ليس في ظاهره أنّه تمنى أن يسأل : هل لهم حق في الإمامة أم لا ؟ لأنّ الإمامة قد يتعلّق بها حقوق سواها ، ثم دفع الرواية المتعلّقة ببيت فاطمةعليها‌السلام ، وقال : فأمّا تمنيه أن يبايع غيره : فلو ثبت لم يكن ذماً ، لأنّ من اشتد التكليف عليه فهو يتمنّى خلافه.

ثم قال ابن أبي الحديد(2) : اعترض المرتضىرحمه‌الله هذا الكلام فقال : ليس يجوز أن يقول أبو بكر : ( ليتني كنت سألت عن كذا ) إلاّ مع الشك والشبهة ؛ لأنّ مع العلم واليقين لا يجوز مثل هذا القول ، هكذا يقتضي الظاهر ، فأمّا قول

__________________

(1) البقرة : 260.

(2) شرح النهج 17 : 165 ـ 166.


إبراهيمعليه‌السلام ، فإنّما ساغ أن يعدل عن ظاهره لأنّ الشك لا يجوز على الأنبياء ويجوز على غيرهم ، على أنّهعليه‌السلام قد نفى عن نفسه الشك بقوله :( بَلَىٰ وَلَٰكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) أي لآمن توعد عدوك لي بالقتل وأيّ شيء يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله : ( إنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ لهذا الحي من قريش ) وأيّ فرق بين ما يقال عند الموت ، وبين ما يقال قبله إذا كان محفوظاً معلوماً ، لم ترفع كلمة ولم تنسخ.

فأمّا قوله : إنّا قد بيّنا أنّه لم يكن منه في بيت فاطمة ما يوجب أن يتمنّى أنّه لم يفعله ، فقد بينّا فساد ما ظنّه فيما تقدم ، فأمّا قوله : إنّ من اشتد التكليف عليه قد يتمنى خلافه ، فليس بصحيح ؛ لأنّ ولاية أبي بكر إذا كانت هي التي اقتضاها الدين ، والنظر للمسلمين في تلك الحال ، وما عداها كان مفسدة ، ومؤدياً إلى الفتنة ، فالتمني لخلافها لا يكون إلا قبيحاً.


نصوص الإدانة :

والآن فلنستعرض نصوص الإدانة ، ننقلها بأمانة من مصادر موثوقة عند الخصوم ، وليقرأها القارئ بإمعان وتدبّر ؛ ليعرف مدى الظلم الذي ألحقه نفرٌ من الصحابة بالقرابة ، مع قرب العهد بوصايا الرسول الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله بهم ، وهو بعدُ لم تجنّه أكفانه ، اكتنفه أهله الأدنون ومعهم من قوي إيمانه ، وعافهم من خفّ ميزانه وغرّه أعوانه ، فكانت السقيفة ، وتنصيب الخليفة ، وتتابعت الأحداث على علي والزهراءعليهما‌السلام حتى ماتت بغصّتها أسيفة.

وسنأتي على ذكر النصوص حسب تسلسلها في مصادر المؤرّخين الذين مرّ ذكرهم والتعريف بهم ، وربما أشرنا إلى ما عند غيرهم مما يوافق ما عندهم.

فماذا عندهم ؟

ما ذكره ابن إسحاق :

أولاً : ماذا عند محمد بن إسحاق ( ت 151 ه‍ ) ؟

النص الأوّل : قال ابن إسحاق : ولمّا قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل عليّ بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة ، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر ، وانحاز معهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل ، فأتى آتٍ إلى أبي بكر وعمر ، فقال : إنّ هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة قد انحازوا إليه ، فإن كان لكم بأمر الناس حاجة ، فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم ، ورسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في بيته لم يُفرغ من أمره ، قد أغلق دونه الباب أهلُه ، قال


عمر : فقلت لأبي بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار حتى ننظر ما هم عليه(1) .

فهذا الخبر صريح بأنّ الانقسام والتحزب ظهر عند الصحابة حين قبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يعقل ولا يقبل أن يقال بحدوثه مقارناً لظهوره ، بل إن جذور الخلاف كانت موجودة قبل ذلك الحين ، إذ لا يكون ظهور إلاّ بعد خفاء ، وهذا ما نجد له شواهد في عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد عرف ذلك منهم ، فحذّرهم مغبّة العواقب السيّئة ، وأنذرهم بسوء العاقبة ، ودعاهم إلى وحدة الكلمة وتوحيد الصف ، وأبان لهم أنّه تركهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها.

كما أنّ الخبر صريح بأنّ رموز الصحابة من مهاجرين وأنصار ـ عدا أهل البيتعليهم‌السلام ـ قد تركوا الجثمان الطاهر ، وانصرفوا يتنازعون أمر الخلافة.

والخبر صريح بأنّ أهل البيتعليهم‌السلام قد أغلقوا دونه الباب ، وهنا تبدو إشارة خفيّة إلى أنّ ابن إسحاق قد غصّ بذكر أسماء من هم أهله الذين أغلقوا دونه الباب وعمّن أغلقوه ؟ ولا ضير فإنّ ابن إسحاق يعيش في كنف العباسيين ، وهو بمثابة مؤرّخ دولة رسمي عندهم ، فكيف يجرأ على أن يذكر الأسماء ، ولابد له من ذكر عليعليه‌السلام في أولهم وفي مقدمتهم ، ثم يذكر العباس وابنه الفضل ، وهذا ما لا يرضاه أولياء نعمته ، ففي الكتمان السلامة ، وإن لحقته في ذلك الملامة.

النص الثاني : قال ابن إسحاق : وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار ، انّ عبد الله بن أبي بكر حدّثني عن ابن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن عبد الله بن عباس ، قال : أخبرني عبد الرحمن بن عوف ـ قال : وكنت في منزله بمنى أنتظره ، وهو عند عمر في آخر حجة حجّها

__________________

(1) انظر : السيرة النبوية لابن هشام في أمر سقيفة بني ساعدة : ق 2 / 656.


عمر ـ قال : فرجع عبد الرحمن بن عوف من عند عمر ، فوجدني في منزله بمنى أنتظره ـ وكنت أقرئه القرآن ـ.

قال ابن عباس : فقال عبد الرحمن بن عوف : لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول : والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً ، والله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت ، قال : فغضب عمر ، فقال : إنّي إن شاء الله لقائم العشية في الناس ، فمحذّرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم.

قال عبد الرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين لا تفعل ، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم ، وإنّهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس ، وإنّي أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطير بها اولئك عنك كل مطير ، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها ، فأمهل حتى تقدم المدينة ، فإنّها دار السنة ، وتخلّص بأهل الفقه وأشراف الناس ، فتقول ما قلت بالمدينة متمكناً ، فيعي أهل الفقه مقالتك ، ويضعوها على مواضعها ، قال : فقال عمر : أما والله إن شاء الله لأقومنّ بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.

قال ابن عباس : فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ، فلما كان يوم الجمعة عجّلت الرواح حين زالت الشمس ، فأجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالساً إلى ركن المنبر ، فجلست حذوه ، تمسّ ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب ، فلمّا رأيته مقبلاً قلت لسعيد بن زيد : ليقولنّ العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف ، قال : فأنكر عليّ سعيد بن زيد ذلك ، وقال : ما عسى أن يقول ما لم يقل قبله ؟.

فجلس عمر على المنبر ، فلمّا سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بما هو أهل له ، ثم قال : أمّا بعد ، فإنّي قائل لكم اليوم مقالة ، قد قدّر لي أن أقولها ، ولا أدري


لعلّها بين يدي أجلي ، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته ؛ ومن خشي أن لا يعيها فلا يحل لأحد أن يكذب عليّ :

إنّ الله بعث محمداً وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها وعلمناها ووعيناها ، ورجم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وإنّ الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، وإذا قامت البينة ، أو كان الحبل أو الاعتراف.

ثم إنّا قد كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : ( لا ترغبوا عن آبائكم ، فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) ألا إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا تطروني كما أُطري عيسى بن مريم ، وقولوا : عبد الله ورسوله ).

ثم إنّه قد بلغني أنّ فلاناً قال : والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلاناً ، فلا يغرنّ امرأ أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت ، وإنّها قد كانت كذلك ، إلا أنّ الله قد وقى شرّها ، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين ، فإنّه لا بيعة له هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا.

إنّه كان من خبرنا حين توفى الله نبيّه( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّ الأنصار خالفونا ، فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة ، وتخلّف عنّا علي بن أبي طالب والزبير بن العوّام ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان صالحان ، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم ، وقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، قالا : فلا عليكم أن لا تقربوهم يا معشر المهاجرين ، اقضوا أمركم ، قال : قلت : والله لنأتينّهم.


فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمّل(1) ، قلت : من هذا ؟ فقالوا : سعد بن عبادة ، فقلت : ماله ؟ فقالوا : وجع.

فلما جلسنا تشهّد خطيبهم ، فأثنى على الله بما هو له أهل ، ثم قال : أما بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منّا ، وقد دفّت دافّة من قومكم(2) ، قال : وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر.

فلمّا سكت أردت أن أتكلم ، وقد زوّرت(3) في نفسي مقالة قد أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر ، فكرهت أن أغضبه ، فتكلم وهو كان أعلم منّي وأوقر ، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل حتى سكت.

قال : أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيّهما شئتم ، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا ، ولم أكره شيئاً ممّا قاله غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يُقرّبني ذلك إلى إثم أحبّ إليّ من أن أتأمّر على قوم فيهم أبو بكر.

قال قائل من الأنصار : أنا جُذيلها المحكك(4) وعذيقها المرجب(5) ، منّا أمير ومنكم أمير ، يا معشر قريش ، قال : فكثر اللغط وارتفعت الأصوات ، حتى تخوّفت

__________________

(1) مزمّل : ملتفٌ في كساء أو غيره.

(2) الدافة : القوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد ؛ وفي المقام كناية عن بوادر غير محمودة لهضم حقوق الأنصار.

(3) زوّرت مقالة : أصلحتها وحسّنتها.

(4) الجذيل : تصغير جذل ، وهو عود يكون في وسط مبرك الإبل تحتك به ، وتستريح إليه ، فتضرب به المثل للرجل يستشفى برأيه ووجد عنده الراحة.

(5) العذيق : تصغير عذق وهي النخلة بنفسها ، والمرجب الذي تبنى إلى جانبه دعامة ترفده لكثرة حمله ، يضرب به المثل في الرجل الشريف الذي يعظمه قومه.


الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ، ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه الأنصار ، ونزونا(1) على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عُبادة ؛ قال : فقلت : قتل الله سعد بن عبادة(2) .

وفي هذا الخبر عدّة وقفات تدعو إلى التأمّل ، نشير إلى بعضها لغرض تنبيه القارئ عليها ، وله رأيه في تفسيرها :

أ ـ التكتم على اسم الرجل الذي أتى عمر فقال له : « هل لك في فلان يقول » ، فمن هو ذلك الرجل النمّام ؟ ومن هو فلان القائل : « والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً ؟ » ، وأخيراً : فمن هو فلان الذي يريد مبايعته ؟

تكتّم يبعث على الريبة في الرواة بدءاً من ابن إسحاق ومروراً برجال إسناده ، وانتهاءً بعبد الله بن عباس وعبد الرحمن بن عوف ، وإن كانا هما آخر من تتوجه اليهما أصابع الاتهام ، لأنّهما كانا يرويان ما هو أشد إدانة.

أما ابن عباس فمروياته في تلك الأحداث سابقاً ولاحقاً كثيرة ، وفي محاججته مع عمر في أمر الخلافة ما يرفع عنه إصر الإتهام ، وأما عبد الرحمن بن عوف ، فلا مجال لتهمته في المقام بعد أن قرأنا له فيما سبق روايته مثلثات أبي بكر ، وهي تكفي في الإدانة ، فتبقى أطراف الشبهة بين الأربعة :

أولهم : ابن إسحاق ، وقد مرّ التعريف به.

وثانيهم : شيخه عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري ، أثنى عليه علماء الرجال ، فوثّقه ابن معين ، وأبو حاتم ، والنسائي وغيرهم.

وثالثهم : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وهذا هو أقرب إلى التهمة من غيره ، فقد كان مبالغاً في ركاب الأمويين ، وله روايات عديدة كتم فيها اسم الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وردت في مصنّف عبد الرزاق وغيره ، فراجع.

__________________

(1) وثبنا عليه ووطئناه.

(2) السيرة النبوية لابن هشام : ق 2 ، 657 ـ 660.


ورابعهم : عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وهو أحد فقهاء المدينة ، تابعي كثير الحديث ، وثّقه وأثنى عليه غير واحد ، فهو بعيد عن التهمة.

ب ـ وفي الخبر إشعار بأنّ هناك اُناس يتربصون موت عمر ليبايعوا من يرونه أهله ، وقد أقلق ذلك عمر ، فصار يعدّ لتحذير الناس منهم عدّته ، وأراد أن يفاجأ الناس في أيام منى ، لولا أنّ عبد الرحمن بن عوف حذّره مغبة ذلك ، فأخذ بنصيحته.

ج ـ وفي الخبر تصريح خطير من عمر في المدينة في ذكره آية الرجم : ( فقرأناها وعلمناها ووعيناها ) وليس في كتاب الله أيّ آية في ذلك ، وقد شرق أصحاب الحديث وغرّبوا في توجيه ذلك ، وسيأتي ما يتعلق به فيما عند البخاري.

د ـ وفي الخبر كذلك ما ذكر من قراءته في كتاب الله : ( لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) وهذا ما خلا منه كتاب الله ، ولأئمة الحديث في توجيهه كسابقه كلام طويل عريض.

ه‍ ـ إقرار عمر بأنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وإنّ الله قد وقى شرّها. فهي فلتة عن غير سابق مشورة بين المسلمين ، ولا عهد من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد تمت ، وفيها شرّ إلاّ أنّ الله قد وقى شرها.

و ـ وفي الخبر ذكر تخلف علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما ، وفي إقراره بتخلّف هؤلاء يكفي لنسف زعم الإجماع على خلافة أبي بكر.

ذ ـ وفي الخبر : « واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر » ، وتكرر ذكر المهاجرين مرّة أخرى ، ولم يصرّح باسم واحدٍ غير أبي عبيدة بن الجراح كان معه ، فمن هم أولئك المهاجرون الذين كانوا معه ؟

ح ـ وفي الخبر قول أبي بكر في حجته : ( ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ) فأين هذا من مزاعم حيكت له من بعد كدعوى تقديمه في الصلاة ، وصحبة الغار وو ...


ط ـ وفي الخبر قول أبي بكر : ( وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم ) وكأن ولاية الأمر إليه مفوضة ، وله أن يرشح من يرضاه.

ي ـ وفي الخبر قول الأنصاري : ( منّا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ) وهذا يدلّ على أنّ الاجتماع كان لاقتسام السلطة بين من حضر من قريش وبين الأنصار ، وليس ثمة عهد نبوي ، ولا هناك حساب لآخرين من المهاجرين لم يحضروا.

ك ـ وأخيراً تمت البيعة بقول عمر : ( ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ).

ما ذكره عبد الرزاق الصنعاني :

ثانياً : ماذا عند عبد الرزاق بن همام الصنعاني ؟

عنده عدّة نصوص نختار منها ما يلي :

النص الأول : لقد روى في كتابه المصنّف(1) عن معمر قال : وأخبرني أيوب عن عكرمة قال : قال العباس بن عبد المطلب : والله لأعلمنّ ما بقاء رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فينا ، فقلت : يا رسول الله لو اتخذت شيئاً تجلس عليه يدفع عنك الغبار ، ويردّ عنك الخصم ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) :« لأدعنّهم ينازعوني ردائي ويطؤون عقبي ، ويغشاني غبارهم حتى يكون الله يريحني منهم » ، فعلمت أنّ بقاءه فينا قليل.

قال : فلما توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قام عمر فقال : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لم يمت ، ولكن صعق كما صعق موسى ، والله أنّي لأرجو أن يعيش رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حتى يقطع أيدي رجال وألسنتهم من المنافقين يقولون : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قد مات.

فقام العباس بن عبد المطلب فقال : أيّها الناس هل عند أحد منكم عهدٌ أو عقدٌ من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قالوا : اللهم لا ، قال : فإنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لم يمت حتى وصل

__________________

(1) مصنف عبد الرزاق 5 : 433.


الحبال ، ثم حارب وواصل وسالم ونكح النساء وطلّق ، وترككم عن حجة بيّنة وطريق ناهجة ، فإن يك ما يقول ابن الخطاب حقاً فإنّه لن يعجز الله أن يحثو عنه فيخرجه إلينا ، وإلاّ فخل بيننا وبين صاحبنا ، فإنّه يأسن كما يأسن الناس.

فهذا الخبر يكشف لنا عن أمور هي كما يلي :

1 ـ ثمة غبار يُثار عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيؤذيه ، فيشير عليه عمه العباس باتخاذ ما يدفع عنه الغبار.

2 ـ وثمة خصومة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أشار إليها عمه بقوله : ويرد عنك الخصم.

3 ـ وثمة سخط وألم من أولئك الذين يؤذون النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فينازعونه رداءه ، ويطؤون عقبه ، ويغشونه غبارهم ، وهوصلى‌الله‌عليه‌وآله يصبر على جميع ذلك حتى يكون الله يخرجه منهم.

4 ـ وثمة مقالة عمر الفجة الجوفاء الحمقاء بإنكار موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والقرآن فيه :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ) (1) وفيه :( وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ ) (2) وفيه :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (3) فهل يعقل أنّ عمر كل هذا لم يقرأه ولم يسمعه.

وهب أنّ ذلك كله كان ، أفهل نسي حديث الكتف والدواة الذي انبرى هو للرد على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بكلمته الجافية النابية : ( إنّه يهجر ).

5 ـ ثم ما باله يصف من قال مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمنافقين ، فمن هم أولئك ؟ إنّها مكابرة وقحة ، وجرأة عظيمة على أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

6 ـ وفي قيام العباس للرد عليه في سؤاله من الناس عمّن عنده عهد أو عقد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وفي هذا كشف عمّا تكنّه الصدور ، وتقرير بأن ليس عند

__________________

(1) الزمر : 30.

(2) الأنبياء : 34.

(3) آل عمرن : 144.


واحد من الناس أيّ عهد أو عقد يمكن أن يحتج به بعد ذلك ، وهي لفتة بارعة تدلّ على حنكة وحزم في مثل ذلك الموقف الرهيب أمام الوعيد العمري.

7 ـ وأخيراً يكشف آخر الخبر أنّ عمر كان ممانعاً من تجهيز الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لذلك قال العباس : فخل بيننا وبين صاحبنا ، فانّه يأسن كما يأسن الناس.

وهذا الخبر رواه ابن سعد في الطبقات ، والدارمي في سننه ، وابن حجر في فتح الباري ، وغيرهم بتفاوت يسير في ألفاظهم(1) .

النص الثاني : عبد الرزاق(2) قال : أخبرنا معمر عن الزهري ، قال : أخبرني أنس بن مالك أنّه سمع خطبة عمر الآخرة ، حين جلس على منبر النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وذلك الغد من يوم توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : فتشهد عمر وأبو بكر صامت لا يتكلم ، ثم قال عمر : أما بعد ، فإنّي قلت مقالة وإنّها لم تكن كما قلت ، وإنّي والله ما وجدت المقالة التي قلت في كتاب الله تعالى ، ولا في عهد عهده إليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولكنّي كنت أرجو أن يعيش رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حتى يدبرُنا ـ يريد بذلك حتى يكون آخرنا ـ فإن يك محمد قد مات فإنّ الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به ، هذا كتاب الله فاعتصموا به تهتدون لما هدى الله به محمداً( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم إن أبا بكر صاحب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وثاني اثنين ، وانّه أولى الناس بأموركم ، فقوموا فبايعوه.

وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة ، وكانت بيعة العامة على المنبر ، قال الزهري : ، أخبرني أنس ، قال : لقد رأيت عمر يُزعج أبا بكر إلى المنبر إزعاجاً.

وهذا الخبر أخرجه ابن سعد في الطبقات(3) إلى ذكر كتاب الله والاهتداء به ، إلا أنّ البخاري رواه في صحيحه كما في فتح الباري(4) ، وفي آخره : سمعت عمر

__________________

(1) طبقات ابن سعد 2 : 266 ، والدارمي في سننه 1 : 22 وابن حجر في فتح الباري 8 : 103.

(2) المصنف 5 : 437.

(3) طبقات ابن سعد 2 : 270.

(4) صحيح البخاري ، فتح الباري 13 : 164 ـ بتمامه.


يقول لأبي بكر يومئذٍ : اصعد المنبر ، فلم يزل به حتى صعد المنبر ، فبايعه الناس عامة.

وفي الخبر دلالة واضحة على موقف عمر من شد أزر أبي بكر ، وحرصه على إتمام الأمر له.

النص الثالث : روى أيضاً(1) خطبة عمر التي قال فيها تعقيباً على ما بلغه من مقالة بعضهم : لو مات ـ عمر ـ قد بايعت فلاناً.

وجاء فيها : ( إنّ الله بعث محمداً( صلّى الله عليه وسلّم ) بالحق وأنزل معه الكتاب ، فكان مما أنزل الله عليه آية الرجم ، فرجم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ورجمنا بعده ، وإنّي خائف أن يطول بالناس زمان فيقول قائل : والله ما الرجم في كتاب الله ، فيضل أو يترك فريضة أنزلها الله ، ألا وانّ الرجم حق على من زنى إذا أحصن وقامت البينة ، وكان الحمل والاعتراف.

ثم قد كنّا نقرأ : ( ولا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفر بكم ) أو ( فإنّ كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) ، ثم إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم صلوات الله عليه ، فإنّما أنا عبد الله ، فقولوا عبد الله ورسوله ، ثم أنّه بلغني أنّ فلاناً منكم يقول : انّه لو قد مات أمير المؤمنين قد بايعت فلاناً ، فلا يغرنّ أمرءاً أن يقول : انّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وقد كانت إلا أن الله وقى شرها ، وليس فيكم من يقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر.

إنّه كان من خبرنا حين توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وإن علياً والزبير ومن معه تخلفوا عنه في بيت فاطمة ، وتخلّفت عنّا الأنصار بأسرها في سقيفة بني ساعدة ، واجتمع المهاجرون على أبي بكر ، فقلت : يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمّهم فلقينا رجلين صالحين من الأنصار قد شهدا بدراً ، فقالوا : .

__________________

(1) المصنف 5 : 439.


ثم قال ـ أبو بكر ـ : ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، فهم أوسط العرب داراً ونسباً ، وإنّي قد رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيّهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ...

قام رجل من الأنصار فقال : أنا جُذيلها المحكك وعذيقها المرجّب ، منّا أمير ومنكم أمير ، يا معشر قريش ، فقال عمر بن الخطاب : لا يصلح سيفان في غمدٍ واحد ؟ ولكن منّا الأمراء ومنكم الوزراء ...

فارتفعت الأصوات بيننا ، وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف ، فقلت : يا أبا بكر ابسط يدك أبايعك ، فبسط يده فبايعته فبايعه المهاجرون وبايعه الأنصار ، ونزونا على سعد حتى قال قائل : قتلتم سعداً ، قلت : قتل الله سعداً فلا يغرنّ امرأ أن يقول انّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت كذلك غير أنّ الله وقى شرّها ...

وهذا الخبر أخرجه البخاري في صحيحه في باب رجم الحبلى ، وأحمد في المسند ، وفيه عدّة مواقع للنظر وكلها عليها علامات استفهام ، لماذا الطعن في كتاب الله المقروء والموجود فعلاً ، وليس فيه ما زعمه عمر بقوله : فكان مما أنزل الله عليه ـ على النبي ـ آية الرجم ؟ فأين هي اليوم في القرآن ؟ ، وأيضاً قوله : قد كنّا نقرأ ( ولا ترغبوا ) فأين هي الآن في القرآن ؟ بماذا يجيب البخاريون عن رواية بخاريّهم.

وقوله : وإنّ علياً والزبير ومن معه تخلفوا عنه في بيت فاطمة ، عمّن تخلفوا ؟ ولماذا تخلّفوا ؟ وقوله : وتخلفت عنّا الأنصار بأسرها ، لماذا تخلفوا ؟ وعن أيّ شيء تخلفوا ؟ وقوله : واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فمن هم أولئك ؟ وما هي أسماؤهم ؟ ولم نجد التصريح بهم إلاّ ما جاء من تسمية أبي بكر أبا عبيدة بن الجراح ، فتبيّن أنّهما المهاجرون ، فجمعهم على طريقة المناطقة وهو أقلّ الجمع !!

وقوله : فارتفعت الأصوات بيننا وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف ، فقلت :


يا أبا بكر ابسط يدك أبايعك ؟ فهذا اعتراف خطير من عمر في شرعية بيعة أبي بكر ، وإنّها لم تكن باجماع بل ولا باختيار ، أليس كذلك ؟

وقوله : ونزونا على سعد ـ أي تواثبنا ـ لماذا المواثبة ، وقد تمت المغالبة ؟ هل كان ذلك لقتله ، وربما دل عليه قول القائل قتلتم سعداً ، وجواب عمر : قتل الله سعداً.

النص الرابع : وروى عبد الرزاق في المصنف(1) ، عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال : قال عمر : اعقل عنّي ثلاثاً : الإمارة شورى ، وفي فداء العرب مكان كل عبد عبد ، وفي ابن الأمة عبدان ، وكتم ابن طاووس الثالثة.

فماذا كانت الثالثة ؟ وهل هي على نحو وصية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الثالثة ، كما في حديث الكتف والدواة ؟(2) .

ربما كانت كذلك ، فتلك كانت وصيته بأهل بيته ، إلاّ أنّ بعض الرواة كتمها تناسياً وليس نسياناً ، ولكن هاهنا كتمها ابن طاووس عمداً ، لماذا ؟ فهل خشي على نفسه من بطش الأمويين ؟ كيف وهو على خاتم سليمان بن عبد الملك : وكان كثير الحمل على أهل البيتعليهم‌السلام (3) .

النص الخامس : وروى عبد الرزاق(4) ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة قال : لمّا بويع لأبي بكر تخلّف علي في بيته ، فلقيه عمر فقال : تخلّفت عن بيعة أبي بكر ؟! فقال : إنّي آليت بيمين حين قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ألاّ أرتدي برداء إلاّ إلى الصلاة المكتوبة حتى أجمع القرآن ، فإنّي خشيت أن يتفلت القرآن ، ثم خرج فبايعه.

__________________

(1) المصنف 5 : 446.

(2) راجع بشأنها موسوعة ( عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ) الحلقة الأولى 1 : 227 ـ 229.

(3) تهذيب التهذيب 5 : 268.

(4) المصنف 5 : 450.


وهذا الخبر رواه البلاذري في أنساب الأشراف(1) موقوفاً عن ابن سيرين.

ومهما يكن فهو جزء من عملية التعتيم الإعلامي السياسي ، وبجرّة من القلم تخلف علي في بيته ولقيه عمر وقال : ثم خرج فبايعه ؟

النص السادس : وقال عبد الرزاق(2) ، أخبرنا ابن مبارك ، عن مالك بن مغول ، عن ابن أبجر قال : لما بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان إلى علي فقال : غلبكم على هذا الأمر أذلّ أهل بيت في قريش ، أما والله لأملأنّها خيلاً ورجالاً ، قال : فقلت : ما زلت عدواً للإسلام وأهله ، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئاً ، انّا رأينا أبا بكر لها أهلاً.

وهذا الخبر أيضاً كسابقه في عملية التعتيم الإعلامي السياسي ، وقد روى البلاذري معناه مسنداً عن الحسين عن أبيه(3) .

النص السابع : وقال عبد الرزاق(4) بسنده عن الزهري في حديث ( غزوة ذات السلاسل وخبر علي ومعاوية ) فجاء فيه : ثم بعث أبو بكر حين ولّي الأمر بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ثلاث ( كذا ) أمراء إلى الشام ، وأمّر خالد بن سعيد على جند ثم انّ عمر كلّم أبا بكر ، فلم يزل يكلّمه حتى أمّر يزيد بن أبي سفيان على خالد بن سعيد وجنده ، وذلك من موجدة وجدها عمر بن الخطاب على خالد بن سعيد ، حين قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فلقي علي بن أبي طالب خالد بن سعيد فقال : أغلبتم يا بني عبد مناف على أمركم ؟ فلم يحملها عليه أبو بكر وحملها عليه عمر ، فقال عمر : فإنك لتترك إمرته على الثعالب ـ كذا ـ فلما استعمله أبو بكر ذكر ذلك ، فكلم أبا بكر فاستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان.

__________________

(1) أنساب الأشراف 1 : 587.

(2) المصنف 5 : 451.

(3) راجع أنساب الأشراف 1 : 588.

(4) المصنف 5 : 454.


وهذا الخبر رواه ابن كثير في تاريخه(1) ، وفيه : انّ خالد قدم وعليه جبّة ديباج ، فلما رآها عمر أمر مَن هناك من الناس بتخريقها عنه ، فغضب خالد وقال لعلي بن أبي طالب : يا أبا الحسن أغلبتم يابني عبد مناف عن الامرة ؟ فقال له علي : أمغالبة تراها أو خلافة ؟ فقال : لا يغالب على هذا الأمر أولى منكم ، فقال له عمر بن الخطاب : اسكت فضّ الله فاك ، والله لا تزال كاذباً تخوض فيما قلت ثم لا تضر إلاّ نفسك ، وأبلغها عمر أبا بكر فلم يتأثر لها أبو بكر.

والخبر كسابقيه اعلامي سياسي لتبرير أمر الخلافة ، وانّ علياً مقرّ بشرعيتها.

النص الثامن : وروى عبد الرزاق(2) ، ( خصومة علي والعباس ) عن معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، قال : أرسل إليّ عمر بن الخطاب فبينا أنا كذلك جاءه مولاه فقال : هذا عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، والزبير بن العوام يستأذنون عليك ، قال : إئذن لهم.

ثم مكث ساعة فقال : هذا العباس وعلي يستأذنان عليك ، فقال : إئذن لهما فلما دخل العباس قال : اقض بيني وبين هذا ، وهما يومئذٍ يختصمان فيما أفاء الله على رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) من أموال بني النضير ، فقال القوم : اقض بينهما يا أمير المؤمنين ، وأرح كل واحد منهما من صاحبه فقد طالت خصومتهما ، فقال عمر : أنشدكم الله فلما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال أبو بكر : أنا ولي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بعده ، أعمل فيه بما كان يعمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيها ، ثم أقبل على عليّ والعباس فقال : وأنتما تزعمان أنّه فيها ظالم فاجر ، والله يعلم أنّه فيها صادق بار تابع للحق ، ثم وليتها بعد أبي بكر سنين من إمارتي ، فعملت فيها بما عمل رسول الله وأبو بكر ، وأنتما تزعمان إنّي فيها ظالم فاجر .

__________________

(1) تاريخ ابن كثير 7 : 3.

(2) المصنف 5 : 469.


وأخرج هذا الخبر الشيخان في صحيحهما بتحريف متعمد عند البخاري ، حيث حذف جملة ( ظالم فاجر ) في المقامين مع أنّه أخرجه عن عبد الرزاق بسنده ، ولم يذكر في الخبر عند كل من رواه انّ علياً والعباس تنصلا من كلمتهما واعتذرا عنها ، مما يدل على إصرارهما بأنّ أبا بكر ظالم فاجر ، وعمر مثله ظالم فاجر ، وما أدري هل شهادة عمر عليهما بذلك مقبولة عند العمريين أم لا.

النص التاسع : وروى عبد الرزاق(1) ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) من هذا المال ، قال : فهجرته فاطمة ، فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر.

قالت عائشة : وكان لعلي من الناس حياة فاطمة حبوة ـ كذا ـ فلمّا توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه ، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ثم توفيت.

قال معمر : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي ، فلما رأى عليّ انصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا تأتنا معك بأحد ، وكره أن يأتيه عمر لما يعلم من شدّته ، فقال عمر : لا تأتهم وحدك ، فقال أبو بكر : والله لآتينّهم وحدي وما عسى أن يصنعوا بي ؟.

قال : فانطلق أبو بكر فدخل على عليّ وقد جمع بني هاشم عنده ، فقام عليٌ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : أما بعد ، يا أبا بكر فإنّه لم يمنعنا أن

__________________

(1) مصنف عبد الرزاق 5 : 472 ـ 473.


نبايعك إنكار لفضيلتك ، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك ، ولكنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر حقاً فاستبدتم به علينا ، قال : ثم ذكر قرابته من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وحقهم ، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر.

فلمّا صمت عليّ ، تشهد أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد ، فوالله لقرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أحرى إلي أن أصل من قرابتي ، والله ما ألوت في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم عن الخير ، ولكنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقةٌ ، وإنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أذكر أمراً صنعه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيه إلا صنعته إن شاء الله.

ثم قال عليّ : موعدك العشية للبيعة ، فلمّا صلّى أبو بكر الظهر ، أقبل على الناس ثم عذر علياً ببعض ما اعتذر به ، ثم قام عليّ فعظّم من حق أبي بكر ، وفضيلته وسابقيته ، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه ، فأقبل الناس إلى علي ، فقالوا : أصبت وأحسنت ، قالت ـ يعني عائشة ـ : فكانوا قريباً إلى علي حين قارب الأمر والمعروف.

وهذا الخبر بطوله اختصره أحمد في المسند(1) ، والبخاري في صحيحه(2) اختصاراً مشيناً ومهيناً مع روايتهما له عن عبد الرزاق ، فلم يذكرا جملة : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت ، إلى قوله : فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ثم توفيت ، كما لم يذكرا سؤال رجل من الزهري عن عدم مبايعة الإمام لأبي بكر ستة أشهر ، ولا جوا ب الزهري.

ولم يذكرا انصراف وجوه الناس عن الإمام علي بعد موت فاطمةعليها‌السلام مما اضطره لأن أسرع إلى مصالحة أبي بكر ولم يذكرا أشياء أخرى فيها إدانة ، فتحمل وزر الخيانة ولم يؤد الأمانة ، والخبر كلّه من رواية الزهري الذي أوضح

__________________

(1) مسند أحمد 1 : 26 برقم 9.

(2) صحيح البخاري 5 : 20.


سبب المصالحة كما سمّاها فقال : لما رأى علي إنصراف وجوه الناس عنه أسرع إلى مصالحة أبي بكر .

وهذا يعني مبلغ الجهد الذي كان يعانيه من ذلك الحصار الإجتماعي المضروب حوله ، وبالتالي حول بني هاشم ، وكأن قريشاً أعادت ذكرى الحصار الذي قاسوه منهم في أوائل البعثة بمكة أيام زعيمهم أبي طالب ، وهاهم اليوم يعيشون الحصار بشكل آخر مع ابن أبي طالب.

النص العاشر : وروى عبد الرزاق(1) عن معمر ، عن قتادة أنّ علياً قضى عن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أشياء بعد وفاته كان عامتها عدة ، قال : حسبت أنه قال : خمس مائة ألف.

قال عبد الرزاق : يعني دراهم ، قلنا لعبد الرزاق : وكيف قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وأوصى إليه النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بذلك ؟ قال : نعم ، لا أشك أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أوصى إلى علي ، فلولا ذلك ما تركوه أن يقضي.

وهذا الخبر علّق عليه محقق المصنف على قوله : ( وأوصى إليه النبي ) فقال : النص هكذا في (ص) والصواب عندي : ( وكيف قضى علي أو أوصى ).

وقلت : مهما كان هو الصحيح فإنّ قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : عليّ منجز عدتي ، ورد في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة ، ولم يقل ذلك مرّة واحدة ، بل بدءاً من يوم حديث الانذار ثم ما بعده من الأيام(2) .

__________________

(1) المصنف 7 : 294.

(2) راجع عليّ إمام البررة 1 : 87 ـ 90 ، ستجد قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث الانذار : ( يضمن عنّي ديني ومواعيدي ، ويكون معي في الجنة ، ويكون خليفتي ووصيي من بعدي ) ، أخرجه أحمد في مسنده 2 : 265 ، ح883 ، تحقيق أبو الأشبال وقال : اسناده حسن ، وهذا رواه ابن كثير في تفسيره 3 : 350 ، وابن عساكر في تاريخه ( ترجمة الإمام ) 1 : 85 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 8 : 302 ، وقال : رواه أحمد ورجاله ثقات ، وورد في منتخب كنز العمّال ( بهامش مسند أحمد 5 : 42 ) إلى غير ذلك من الأحاديث ؛ التي


النص الحادي عشر : وروى عبد الرزاق(1) ، عن معمر ، عن موسى بن إبراهيم ـ رجل من آل ربيعة ـ أنّه بلغه أنّ أبا بكر حين استخلف قعد في بيته حزيناً فدخل عليه عمر ، فأقبل على عمر يلومه ، وقال : أنت كلفتني هذا ، وشكا إليه الحكم بين الناس فقال له : أما علمت أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : إنّ الوالي إذا اجتهد فأصاب الحكم فله أجران ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ، قال : فكأنّه سهل على أبي بكر حديث عمر.

وقد روى عبد الرزاق عقب ما سبق بلا فصل خبراً رواه عن معمر عن قتادة أنّ علياً قال : القضاة ثلاثة : قاض ٍاجتهد فأخطأ في النار ، وقاض ٍرأى الحق فقضى بغيره في النار ، وقاضٍ اجتهد فأصاب في الجنة. وفي هذا التعقيب نحو من التكذيب لما رواه عمر ، فلاحظ.

النص الثاني عشر : وروى عبد الرزاق(2) عن معمر ، عن رجل ، عن الحسن أنّ أبا بكر الصديق خطب فقال : أما والله ما أنا بخيركم ، ولقد كنت لمقامي هذا كارهاً ، ولوددت لو أنّ فيكم من يكفيني ، فتظنون أنّي أعمل فيكم سنة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إذاً لا أقوم لها ، إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كان يُعصم بالوحي ، وكان معه ملك ، وإنّ لي شيطاناً يعتريني ، فإذا غضبت فاجتنبوني ، لا أوثر في أشعاركم ولا أبشاركم ، ألا فراعوني ، فإن استقمت فأعينوني ، وإن زغت فقوموني.

قال الحسن : خطبة والله ما خطب بها بعده(3) .

__________________

أثبتت الوصاية للإمام ، وأنّه يقضي الدين وينجز العداة.

(1) المصنف 11 : 328.

(2) المصنف 11 : 336.

(3) أخرجه ابن سعد في الطبقات عن وهب بن جرير عن أبيه عن الحسن 3 : 213 ، وأخرجه أحمد في مسنده من حديث قيس بن أبي حازم ، ولفظه مختصر 1 : 188 ( طبعة أحمد شاكر عن هامش المصنف ).


النص الثالث عشر : وروى عبد الرزاق(1) عن معمر قال : وحدّثني بعض أهل المدينة قال : خطبنا أبو بكر فقال : يا أيّها الناس إنّي قد ولّيت عليكم ولست بخيركم ، فإن ضعفت فقوموني ، وإن أحسنت فأعينوني أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله. قال معمر : وأخبر فيه بعض أصحابي(2) .

فهذان الخبران فيهما اعتراف أبي بكر بأنّه ليس بخير الصحابة ، وهذا ينسف ما يعدّه ابن عمر من قاعدة في التفضيل ، كما في الخبر الأول اعتراف ليس دون ما تقدم في الخطورة ، وهو أنّ له شيطاناً يعترية ، فحذّرهم من نفسه إذا غضب ، فهل كان أمره لعمر بجلب علي والزبير حين تخلفا عن بيعته : « إئتني بهما بأعنف العنف » ، من حضور الشيطان وساعة الغضب ؟ ربما كان كذلك ، وربما كانت الخطبة من الدجل السياسي الذي عند الحاكمين يستعملونه في أول ولاياتهم يخادعون به الناس ، والله يخادعهم.

ما ذكره نصر بن مزاحم :

ثالثاً : ماذا عند نصر بن مزاحم ( ت 212 ه‍ ) ؟

فقد روى في كتابه وقعة صفّين(3) ، عن محمد بن عبيد الله ، عن الجرجاني ، قال : فبقي أصحاب علي يوماً وليلة ـ يوم الفرات ـ بلا ماء ، وقال رجل من السكون من أهل الشام يُعرف بالسليل بن عمرو : يا معاوية

اسمع اليوم ما يقول السليل

إن قولي قول له تأويل

امنع الماء من صحاب علي

أن يذوقوه والذليل ذليل

واقتل القوم مثل ما قُتل الش‍

‍يخ ظماً والقصاص أمر جميل

__________________

(1) المصنف 11 : 336.

(2) أخرج ابن سعد بعضه من حديث هشام بن عروة عن أبيه 3 : 182 ، ( عن هامش المصنف ).

(3) وقعة صفّين 181 ـ 182.


إلى آخر أبيات سبعة.

فقال معاوية : الرأي ما تقول ، ولكن عمرو لا يدعني.

قال عمرو : خل بينهم وبين الماء ، فإنّ علياً لم يكن ليظمأ وأنت ريّان ، وفي يده أعنّة الخيل ، وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت ، وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق ، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز ، وقد سمعته أنا وأنت وهو يقول : لو استمكنت من أربعين رجلاً فذكر أمراً ، يعني لو أنّ معي أربعين رجلاً يوم فُتش البيت يعني بيت فاطمة.

وهذا النص بالرغم من تكتم الراوي على ما كان يفعله الإمام لو تمكن من أربعين رجلاً يوم فُتش البيت يعني بيت فاطمة ، فهو يكشف عن شيوع أمر الهجوم على بيت فاطمةعليها‌السلام بعد موت أبيها ، ولم يطرأ نسيان على ذكره بالرغم من مرور ربع قرن عليه ، فهو لا يزال في خزين الذاكرة عند أعداء علي فضلاً عن شيعته ، يتحدثون به عند مسيس الحاجة إليه للاستشهاد به.

ما ذكره ابن هشام :

رابعاً : ماذا عند ابن هشام ( ت 218 ه‍ ) ؟

وليس عنده من جديد ، بعد أن كان هو مصدرنا الوحيد ، فيما نقلناه عن ابن إسحاق ، وقد مرّ برقم/ 1 ، فراجع فليس ثمة من مزيد.

ما ذكره ابن سعد :

خامساً : ماذا عند محمد بن سعد كاتب الواقدي ( ت 231 ه‍ ) ؟

النص الأول : فقد روى(1) فقال : أخبرنا محمد بن عمر ، حدّثني معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : إنّ فاطمة بنت رسول الله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذٍ تطلب

__________________

(1) الطبقات ( لمحمد بن سعد ) 2 : 273.


صدقة النبي التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله قال : لا نورّث ما تركنا صدقة إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقات رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيّت ، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر(1) .

النص الثاني : وروى(2) بسنده قال : لما ولي أبو بكر خطب الناس أيها الناس قد وليت أمركم ولست بخيركم .

النص الثالث : وقال ابن سعد(3) : أخبرنا الفضل بن دكين وشعيب بن حرب قالا : حدّثنا مالك بن مغول عن مُصرِّف ، قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى : أوصى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : لا ، قلت : فكيف كتب على الناس الوصية وأُمروا بها ؟! قال : أوصى بكتاب الله ، قال : وقال هُذيل(4) : أكان أبو بكر يتأمّر على وصي رسول الله ، لودّ أبو بكر أنّه وجد من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عقداً فخزم أنفه بخزامة.

وهذا الخبر يكشف عن عمق الصدمة التي عاشها المجتمع الواعي في المدينة إثر بيعة أبي بكر ، فطلحة بن مصرف يعجب كيف لم يوص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) أورده النويري بنصّه 18 : 1396.

(2) المصدر نفسه 3 ، ق 1 : 129.

(3) المصدر نفسه 3 ، ق 1 : 129.

(4) هكذا ورد اسمه في طبعة ليدن ، غير أنّ الصواب هو هزيل بن شرحبيل كما في 2 : 228 ، طبعة مكتبة الخانجي بمصر بتحقيق الدكتور علي محمد عمر , حيث ورد الخبر مرّة ثانية في الطبقات وفيه : قال هزيل بن شرحبيل : أأبو بكر كان يتأمر على وصي رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ وقد أورد الخبر جماعة من المحدثين في كتبهم , راجع مسند أبي عوانة 3 : 475 ، وسنن الدارمي 2 : 496 ، ومسند البزار 8 : 298 ، وفتح الباري 5 : 361 ، والرياض النضرة 2 : 97.


إلى أحد ، وهو الذي كان يأمر الناس بالوصية ، فسأل عبد الله بن أبي أوفى ، وهذا الآخر يقول له : أوصى بكتاب الله ، وهذا جواب غير شافٍ ووافٍ بالمقصود ، ويبدو أنّ الرجل كان يخشى من رقيب حاضر ، دلّ على ذلك قول هذيل ، ولعلّ هذا هو الرقيب الذي نمّ على نفسه حين قال : أكان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ، لود أبو بكر أنه وجد من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عقداً فخزم أنفه بخزامة ؟

ولتنوير القارئ بمعرفة هؤلاء الأشخاص الثلاثة ، وأنّهم ليسوا بمتهمين عند الحاكمين وأتباعهم ، فليسوا هم من الشيعة.

فأولهم : طلحة بن مصرف ، وصفه ابن سعد في طبقاته(1) ، فقال : وكان قارئ أهل الكوفة يقرأون عليه القرآن ، فلما رأى كثرتهم عليه كأنّه كره ذلك لنفسه ، فمشى إلى الأعمش فقرأ عليه ، فمال الناس إلى الأعمش وتركوا طلحة.

ثم روى من أخباره ما دلّ على تواضعه وحسن خلقه ، إلى أن روى عن الحسن بن عمرو قال : قال طلحة بن مصرف : لولا انّي على وضوء أخبرتك بما تقول الشيعة ؟ إذن فهو يرى إنّ حكاية ما تقول الشيعة من نواقض الوضوء ، أتريد فوق هذا دليل على مخالفته للشيعة وتعصبه ضدهم. وقد وثقه ابن سعد فقال : وكان ثقة له أحاديث صالحة.

وثانيهم : عبد الله بن أبي أوفى صحابي ترجمه ابن سعد في الطبقات(2) وذكره مرّة اُخرى(3) ، وقال فيهما : لم يزل بالمدينة حتى قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فتحوّل إلى الكوفة فنزلها حيث نزلها المسلمون ، وابتنى بها دارا في أسلم وكان قد ذهب بصره ، وتوفي بالكوفة سنة ست وثمانين ، وحكى عن الحسن أنّه آخر من مات من أصحاب النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بالكوفة.

__________________

(1) طبقات ابن سعد 6 : 215.

(2) المصدر نفسه 4 ، ق 2 : 36.

(3) المصدر نفسه 6 : 13.


وثالثهم : هو هذيل ، ولم ينسب في الخبر ، وفي طبقات ابن سعد(1) الهذيل بن بلال الفزاري ، وقال عنه : وكان ضعيفاً في الحديث ، فإن يك هو ذاك فيكفي ضعفه ، وإن يكن هو غيره فمن ذا هو ذلك المجهول ؟

واحتمال التصحيف في اسمه وإنّه هزيل ، فقد ذكره ابن سعد في الطبقات(2) باسم الهزيل بن شرحبيل ووثقه ، ومهما يكن فالرجل على أحسن تقدير مأخوذ بالإعلام السياسي الذي أذاعه رواة الخالفين بأنّ النبي مات من دون أن يوصي إلى أحد.

وعلى أسوء تقدير انه زاد على ذلك أن جعل نفسه محامي دفاع حين قال : أكان أبو بكر يتأمّر على وصي رسول الله ، لودّ أبو بكر أنّه وجد من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عقداً فخزم أنفه بخزامة.

وإلا فمن ينكر وصاية الإمام علي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ينكر ضوء الشمس ، فبدءاً من حديث بدء الدعوة ، وانتهاء بحديث الغدير ، وما بينهما من أحاديث في سائر الأيام ، وكلها تتثبت انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال فيها لعلي :« وصيي وخليفتي من بعدي » ولكن للإعلام الكاذب أثره على عواطف الناس ، وفي المقام يردّ على هذيل المجهول في زعمه المرذول : أكان أبو بكر يتأمّر ؟

نعم ، بل وتآمر حتى تأمّر ، وبين يدي القارئ النصوص الثابتة فليقرأ ويتدبّر ، كيف كانت بيعة أبي بكر.

النص الرابع : وروى في الطبقات(3) بسنده عن عائشة قالت : توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً ، فعجبت من حداثة سني أنّ

__________________

(1) المصدر نفسه 7 ، ق 2 : 66.

(2) المصدر نفسه 6 : 122.

(3) المصدر نفسه 2 ، ق 2 : 50.


رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قبض في حجري ، فلم أتركه على حاله حتى يغسّل ، ولكن تناولت وسادة فوضعتها تحت رأسه ، ثم قمت مع النساء أصيح وألتدم ، وقد وضعت رأسه على الوسادة وأخّرته عن حجري.

وهذا الخبر يستبطن كذبه ، لعدة أمور :

منها : قولها : بين سحري ونحري وفي دولتي ، فماذا تعني بدولتها ؟ وأيّ دولة كانت لها ؟

ومنها : لم أظلم فيه أحداً ، وهذا يكشف عن ظلم اتهمت بارتكابه في زعمها الأول ، وهو دفع دخل كما يقولون.

ومنها : أنّها عجبت من حداثة سنّها كيف لم تترك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على حاله في حجرها حتى يغسّل ؟

ومنها : أنّها تناولت وسادة فوضعتها تحت رأسه ، وكأن الوسادة كانت بالقرب منها وتحت متناول يدها ؟

ومنها : أنّها قامت تصيح وتلتدم مع النساء ، وقد وضعت رأسه على الوسادة ، وأخّرته عن حجرها بكل يسر وسهولة ؟

وأخيراً : كلّ ذلك كان وحدث ، وكأنّ البيت خال لوحدها ليس ثمة أحد من أهل البيت لا رجالاً ولا نساء ؟ وما أدري كيف يروي ابن سعد وغيره أمثال هذه الترهات التي لا يمكن تصديقها بأيّ وجه من الوجوه ؟

وروى بسنده(1) عن عائشة : توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في بيتي وبين سحري ونحري ، وكان جبريل يدعو له بدعاء إذا مرض ، فذهبت أدعو له فرفع بصره إلى السماء وقال : في الرفيق الأعلى.

__________________

(1) المصدر نفسه2 ، ق 2 : 50.


قالت : فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جريدة رطبة فنظر إليها ، فظننت أنّ له بها حاجة ، قالت : فنضفت رأسها ونفضتها وطيبتها فدفعتها إليه فاستن بها كأحسن ما رأيت مستناً ، ثم ذهب يتناولها فسقطت من يده أو سقطت يده ، فجمع الله ريقي وريقه في آخر ساعة من الدنيا وأول يوم من الآخرة.

فأين ما في هذا الخبر مما سبق ذكره عنها ؟ وإن بيت القصيد فيه ، هو الجمع بين ريقهصلى‌الله‌عليه‌وآله وريقها ولا تعجب كما عجب ابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر ، وذلك فيما رواه ابن سعد أيضاً من ذكر السواك الذي روى فيه ثلاثة أخبار عن عائشة(1) ، في كل خبر لديها كشف جديد ، وفي ثالثها رواه بسنده عن القاسم بن محمد بقول : سمعت عائشة تقول : كان من نعمة الله عليّ وحسن بلائة عندي ، انّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مات في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري ، وجمع بين ريقي وريقه عند الموت.

قال القاسم : قد عرفنا كل الذي تقولين فكيف جمع بين ريقك وريقه ؟ قالت : دخل عبد الرحمن بن أمّ رومان أخي على النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يعوده وفي يده سواك رطب ، وكان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مولعاً بالسواك ، فرأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يُشخص بصره إليه ، فقلت : يا عبد الرحمن أقضم السواك ، فناولنيه فمضغته ثم أدخلته في فم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فتسوك به فجمع بين ريقي وريقه.

وهكذا تبقى عائشة تروي لنفسها اختصاصاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يحض به باقي أهل بيته ، وحتى ابنته فاطمةعليها‌السلام فضلاً عن باقي أزواجه ، فهو حكر لعائشة ، وهو من مروياتها فحسب ، فإن شئت أن تصدّق وإلاّ فلا.

النص الخامس : وروى ابن سعد في الطبقات(2) عن عبد الله بن نمير ، حدّثنا إسماعيل ، عن عامر ، قال : جاء أبو بكر إلى فاطمة حين مرضت فاستأذن ، فقال

__________________

(1) المصدر نفسه 2 ، ق 2 : 30.

(2) المصدر نفسه 8 : 17.


علي : هذا أبو بكر على الباب فإن شئت أن تأذني له ، فقالت : وذلك أحبّ إليك ؟ قال : نعم ، فدخل عليها واعتذر إليها وكلّمها فرضيت عنه.

وهذا الخبر على ما فيه من آفة في الإسناد لوجود عامر ، فهو غير عامر في دينه ، وعامر هذا هو الشعبي المعروف بولائه للأمويين ، وهو قاضي الكوفة أيام عبد الملك بن مروان ، وفي تاريخه أيام القضاء مخازي أخلاقية ، يراجع عن بعضها كتاب ( علي إمام البررة )(1) ، ومع غض النظر عن السند فإنّ في المتن ما يلزم البكريين بالإدانة لما يلي :

1 ـ مجيئ أبي بكر إلى فاطمة حين مرضت ربّما يستساغ خبره ، فابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مريضة ، وأبو بكر جاء لعيادتها فلا شيء ، لكن قول علي لفاطمةعليها‌السلام : فإن شئت أن تأذني له ، يوحي بأنّ شيئاً مّا يمنع من الإذن له دون أخذ موافقة فاطمةعليها‌السلام ؟ فما هو ذلك الأمر ؟ أهو الهجوم على بيتها بعد موت أبيها ؟ وما جرى عليها من كسر ضلع وإسقاط جنين ، وغير ذلك ما سبب لها المرض ، ربما هو ذلك ؟

أو هو مضافاً إليه منعها من حقها من الأرث والفيء والخمس والنحلة ، لذلك هجرته ووجدت عليه ، ولم تزل مغاضبة له حتى مرضت ، فجاءها يترضاها ؟ وهذا هو الذي دلّ عليه الخبر في خبر ( فدخل عليها واعتذر إليها وكلّمها فرضيت عنه ) فثمة اعتذار ولا يكون إلا من جناية ، ثم ( وكلّمها فرضيت عنه ) ، وهذا لا يكون إلا عن غضب منها عليه.

وزعم الشعبي ( فرضيت عنه ) يكذبه ما جاء في صحيح البخاري ـ كما سيأتي ـ من حديث عائشة ، بأنّها ماتت وهي غضبى فانتظر رجباً ترى عجباً ، وأعجب من ذلك أن نقرأ الحديث عند ابن سعد بالصورة التالية :

__________________

(1) علي إمام البررة 2 : 323 ـ 334.


النص السادس : وروى ابن سعد(1) بسنده عن الزهري قال : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته : أنّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، فغضبت فاطمة ، وعاشت بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر.

فهذا الخبر الذي قلنا أخرجه البخاري ـ كما سيأتي ـ وفيه ماتت وهي غضبى ، فهنا ذكر الغضب عليه ، ولم يرد ذكر للرضا عنه لكنه صرّح فيما ذكره بما هو أفظع من جميع ذلك أن يروي ابن سعد الخبر التالي :

النص السابع : روى(2) بسنده عن عائشة قالت : إنّ فاطمة بنت رسول الله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذٍ تطلب صدقة النبي التي بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر.

فقال أبو بكر : إنّ رسول الله قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا اُغيّر شيئاً من صدقات رسول الله عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمةعليها‌السلام على أبي بكر ، فهجرته فلم تكلمَه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر.

النص الثامن : روى(3) بسنده عن إبراهيم ـ وهذا هو ابن سعد الزهري ـ قال : صلّى أبو بكر الصدّيق على فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فكبّر عليها أربعاً.

__________________

(1) طبقات ابن سعد 8 : 18.

(2) المصدر نفسه 2 ، ق 2 : 86.

(3) المصدر نفسه 8 : 19.


ونحو هذا رواه الشعبي أيضاً من دون ذكر التكبيرات ، أتُريدون كذباً فوق هذا ؟! ويبدو أنّ رواة السوء حاولوا فاشلين أن يشوشوا على المسلمين تاريخهم بذكر أكاذيب تعتيماً على الحقائق ومَن يصدقهم ، وأسفارهم تروي أيضاً ما يلي :

روى ابن سعد(1) بسنده عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : صلّى العباس بن عبد المطلب على فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل بن عباس.

وروى ابن سعد(2) بسنده عن عروة : إن علياً صلّى على فاطمة.

وروى ابن سعد(3) بسنده عن الزهري قال : دُفنت فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ليلاً ودفنها علي.

وروى ابن سعد(4) بسنده عن ابن شهاب ـ الزهري ـ قال : دفنت فاطمة ليلاً دفنها علي.

وكم من نظير نحو ما مرّ عن عروة ، وكسابقه عن عائشة ، وكسابقه عن يحيى بن سعيد ، وأخيراً :

روى ابن سعد(5) بسنده عن علي بن حسين ـ يعني زين العابدين ـ قال : سألت ابن عباس متى دفنتم فاطمة ؟ فقال : دفنّاها بليل بعد هدأة ، قال : قلت : فمن صلّى عليها ؟ قال : علي.

هذه جملة من النصوص التي رواها ابن سعد في طبقاته ، وفيها دلالة واضحة على ظلامة فاطمة الزهراءعليها‌السلام .

ما ذكره ابن أبي شيبة :

سادساً : ماذا عند ابن أبي شيبة ( ت 235 ه‍ ) ؟

النص الأول : أخرج ابن أبي شيبة في كتابه المصنف(6) ، بسنده عن هشام ، عن

__________________

(1 ـ 5) المصدر نفسه 8 : 19.

(6) المصنف 12 : 139 ، برقم : 12355.


عروة ، عن أبيه : أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كان قطع بعثاً قبل موته ، وأمّر عليهم أسامة بن زيد ، وفي ذلك البعث أبو بكر وعمر.

قال : فكان أناس من الناس يطعنون في ذلك لتأمير رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أسامة عليهم ، قال : فقام رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فخطب الناس ثم قال : إنّ أناساً منكم قد طعنوا علي في تأمير أسامة ، وإنّما طعنوا في تأمير أسامة كما طعنوا في تأمير أبيه من قبله ، وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان لمن أحب الناس إليّ ، وإنّ ابنه لأحبّ الناس إليّ من بعده ، وإنّي أرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيراً.

فهذا الخبر أورده مرّة ثانية(1) ، وذكره ابن سعد في الطبقات(2) ، وعبد الرزاق(3) باختصار ، وأورده في كنز العمّال(4) من رواية ابن أبي شيبة ، كلّهم عن هشام بن عروة.

والخبر صريح في أنّ أناساً طعنوا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمَنْ هم أولئك الذين طعنوا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في تأميره أسامة بن زيد على بعث فيه أبو بكر وعمر ؟.

والجواب : إنّهم لا شك من الصحابة بل ومن وجوه الصحابة ـ كما يسمونهم ـ ولو شئت أن أسمي لسميت ، لماذا طعنوا ؟ وليس من حقهم أن يطعنوا لو كانوا مؤمنين ، فإن القرآن الكريم يقول :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (5) .

النص الثاني : أخرج ابن أبي شيبة في المصنف(6) بسنده عن ابن جريج عن أبيه أنّهم شكوا في قبر النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أين يدفنونه ؟ فقال أبو بكر : سمعت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول :

__________________

(1) المصنف 14 : 520 ، برقم : 18826.

(2) طبقات ابن سعد 4 ، ق 1 : 46.

(3) المصنف 11 : 234.

(4) كنز العمّال 5 : 312.

(5) الأحزاب : 36.

(6) المصنف 14 : 553.


إنّ النبي لا يحوّل عن مكانه ، يدفن حيث يموت ، فنحوا فراشه فحفروا له موضع فراشه.

وهذا الخبر أورده الهندي في كنز العمّال(1) من طريق ابن أبي شيبة ، والإمام أحمد ، وفيه قال ابن كثير : هذا منقطع ، فإنّ والد ابن جريج فيه ضعف ، ولم يدرك أبا بكر الصديق ، وكأنّ المهم ملاحظة السند فقط أما المتن في ذمة الرواة.

أقول : وما أدري لماذا يروي مدونوا الحديث والسيرة والتاريخ أمثال هذه الأخبار التي تستبطن كذبها ، أليس هم يروون باتفاق بأنّ أبا بكر وعمر وأبا عبيدة بن الجراح ، كانوا في سقيفة بني ساعدة ينازعون الأنصار على الخلافة ، حتى صرح عروة بن الزبير ـ وهو ممّن لا يتهم عندهم ـ فقال : إنّ أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانا في الأنصار ، فدفن قبل أن يرجعاً.

وهذا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(2) ، وأورده المتقي الهندي في كنز العمّال(3) أيضاً من طريق ابن أبي شيبة ، ويكذبه أيضاً ما رواه النص الثالث ابن أبي شيبة في المصنف(4) بسنده عن سعيد بن المسيب أنّ الذي ولي دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإجنانه أربعة نفر دون الناس : علي وعباس والفضل وصالح مولى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلحدوا له ونصبوا عليه اللبن نصباً.

وهذا أخرجه البيهقي في السنن الكبرى(5) ، وأورده الهندي في كنز العمّال(6) من طريق ابن أبي شيبة.

__________________

(1) كنز العمّال 4 : 50.

(2) مصنف ابن أبي شيبة 14 : 568 ، برقم : 18892.

(3) كنز العمّال 3 : 140.

(4) مصنف ابن أبي شيبة 14 : 556.

(5) السنن الكبرى للبيهقي 4 : 53.

(6) كنز العمّال 4 : 60.


النص الرابع : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف(1) بسنده عن جعفر عن أبيه قال : خرجت صفية وقد قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وهي تلمع بثوبها ـ يعني تشير به ـ وهي تقول :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب

أقول : وهذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير(2) بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : لما قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) خرجت صفية تلمع(3) بردائها وهي تقول :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب

ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد(4) .

وهذا الخبر يطوي في بيت شعره أنباءً وهنبثة حدثت بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هزت المسلمين ، وعظم وقعها على أهل البيت خاصة ، حتى خرجت صفية بنت عبد المطلب وهي أم الزبير بن العوام تلمع بثوبها ـ تشير به ـ وهذا حال مَن بَلغَ به الأسى مبلغاً ضاق به صاحبه ذرعاً ، فعلاه الحزن لفقد فقيده الغالي ، وزاد أساه ما لاقاه من المآسي التي حيقت به من بعد فقيده ، وما هي تلك الأنباء والهنبثة غير تقديم من أخّر الله وتأخير من قدّم الله ، وغصب الخلافة من صاحبها.

قال ابن منظور في لسان العرب(5) : الهنابث : الدواهي ، واحدها هنبثة ، وفي الحديث : إنّ فاطمة قالت بعد موت سيدنا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها

فاختل قومك فاشهدهم ولا تغب

__________________

(1) مصنف ابن أبي شيبة 14 : 556 ، برقم : 18874.

(2) المعجم الكبير للطبراني 24 : 253.

(3) لمع بثوبه وسيفه لمعاً وألمع أشار , وقيل : أشار للإنذار ، ولمع أعلى وهو أن يرفعه ويحركه ليراه غيره فيجيء إليه ( لسان العرب ) ( لمع ).

(4) مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 92.

(5) لسان العرب 3 : 20.


الهنبثة واحدة الهنابث ، وهي الأمور الشداد المختلفة ، وقد ورد هذا الشعر في حديث آخر قال : لما قبض سيدنا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) خرجت صفية تلمع بثوبها وتقول البيتين. انتهى. يقال : لمع بثوبه وألمع به إذا رفعه وحركه ليراه غيره فيجيء إليه.

وقفة تحقيق :

وقفة تحقيق عابرة عند هذه الأبيات التي ورد فيها إقواء في القافية وهو من عيوب الشعر ، فنقول :

لقد ورد البيتان في جملة من المصادر التاريخية والأدبية واللغوية على تفاوت في روايتهما تصحيفاً أو تحريفاً ، ومع الإقواء وبدونه ، وهذا ما يكشف عن أيدٍ أثيمة بدّلت واستبدلت ، حتى غيّرت في معاني الشعر ، فلا إتساق بين الصدر والعجز ، ومِن الذين رووا البيتين مع الإقواء ابن الأثير في النهاية(1) ، والزمخشري(2) في الفائق ، والزبيدي في تاج العروس(3) .فهؤلاء رووا أنّ فاطمةعليها‌السلام قالت :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها

فاختل قومك فاشهدهم ولا تغب

وأعطف على هؤلاء علي فهمي جابي زادة في كتابه حسن الصحابة في أشعار الصحابة(4) ، وحكاه نقلاً عن العقد الفريد(5) ، ولدى مراجعتي له وجدت هكذا :

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها

وغاب مذ غبت عنّا الوحي والكتب

فليت قبلك كان الموت صادفنا

لما نُعيت وحالت دونك الكثب

__________________

(1) النهاية لابن الأثير 8 : 277.

(2) الفائق للزمخشري 4 : 116.

(3) تاج العروس للزبيدي 3 : 654.

(4) حسن الصحابة 128.

(5) العقد الفريد 3 : 238.


وهذا غير ما حكاه علي فهمي كما هو ظاهر.

أما الذين رووا بتصحيف وتحريف مع الإقواء ، لعل أقدم من رأيت ذلك عنده هو محمد بن سعد صاحب الطبقات ، فقد روى الرثاء منسوباً إلى هند بنت أثاثة ، وهو صحيح في نسبته إلاّ أنّ تحريفاً وتصحيفاً وإقواءاً حصل في البيت الثاني والخامس من أبيات خمسة هي :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطَب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها

فاحتل لقومك واشهدهم ولا تغبِ

قد كنت بدراً ونوراً يستضاء به

عليك تنزل من ذي العزة الكتب

وكان جبريل بالآيات يحضرنا

فغاب عنّا وكل الغيب محتجب

فقد رزئت أيا سهلاً خليقته

محض الضريبة والأعراق والنسبِ

فلاحظوا التصحيف في البيت الثاني في كلمة ( فاختل ) بالخاء المعجمة ، وهي فعل ماضي من الإختلال ، فصُحّفت إلى ( فاحتل ) بالحاء المهملة ، وهي فعل أمر من إعمال الحيلة ؟

ولاحظوا التحريف في قافية البيت الثاني أيضاً حيث لا معنى يتسق مع سياق البيت ، وفيه إقواء ، وكذلك البيت الخامس ففيه أيضاً تحريف وإقواء.

أما الذين رووا الأبيات بدون إقواء ، لكنّهم لم يسلموا من ضغط الموروث ، فكان التحريف في اللفظ والتحريف في النسبة ، فمثالهم جسوس في كتابه شرح الشمائل الترمذية(1) ، فقد قال : ويقال إنّ عائشة لما وقفت على القبر الشريف أنشدت :

قل للمغيّب تحت أطباق الثرى

هل أنت تسمع ضرعتي وندائيا

__________________

(1) شرح الشمائل 2 : 182.


ماذا على من شمّ تربة أحمدٍ

أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنّها

صبّت على الأيام صرن لياليا

ثم قالت للقبر ثانية ، وتمثلت بقول صفية عمّة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) :

قد كان بعدك أنباء وهينمة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطَب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها

واختلى قومك فافقدهم فقد نكبوا

قدكان جبريل بالآيات يؤنسنا

فغاب عنّا فكل الخير محتجب

وكنت نوراً وبدراً يستضاء به

عليك تنزل من ذي العزة الكتب

فقد رزئنا بما لم يرزأ به أحد

من البرية لا عجمٌ ولا عربُ

فهذه رواية جسوس جعلت صاحبة الرثاء والإنشاد عائشة ، وهذا ما لم أقف عليه عند غيره ، وكذبه واضح ؛ لأنّ صاحبة الرثاء الأول تشكو ما صبّ عليها من مصائب لو أنّها صُبّت على الأيام صرن ليالياً حالكات لشدة وقعها ، وعائشة لم يصبها أيّ أذى بعد فقد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، بل أصبحت ذات عزّة ومنعة لتولي أبيها الخلافة ، فلا يمكن التصديق بما ذكره عنها وإن نسبه إلى القيل ، وهو مشعر بالتمريض. وقد صرّح الزرقاني في شرح المواهب(1) ، وعلى القارئ في شرح الشمائل(2) ، بأنّ الشعر أنشأته ـ عند الأول ـ وأنشدته ـ عند الثاني ـ فاطمةعليها‌السلام .

ثم إنّ نسبة الأبيات الخمسة إلى صفية هو أيضاً من الخطأ ، فإنّها ـ الأبيات ـ ليست لها بل هي تمثلت ببيت واحد منها حينما خرجت تلمع بثوبها ، كما سبق في رواية ابن أبي شيبة وراجع لسان العرب(3) ، بل هي ـ الأبيات ـ لهند بنت إثاثة كما في طبقات ابن سعد.

__________________

(1) شرح المواهب للزرقاني 8 : 293.

(2) شرح الشمائل 2 : 210.

(3) راجع لسان العرب 3 : 30.


ومما يؤكد أنّ البيت لفاطمةعليها‌السلام ، ما ذكره الزمخشري في الفائق(1) أنّ معاوية قال يوم صفّين : آهاً أبا حفص :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطَب

هي كلمة تأسّف ، وانتصابها على إجرائها مجرى المصادر ، كقولهم ويحاً له ، الهنبثة : إثارة الفتنة ، وهي من النبث ، والهاء زائدة ، ويقال للأمور الشدائد : هنابث. يريد ما وقع الناس فيه من الفتن بعد عمر ، وهذا البيت يعزى إلى فاطمة. انتهى.

النص الخامس : مما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف(2) ، بسنده أن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال لعلي :« ستلقى بعدي جهداً » ، قال :« يا رسول الله في سلامة من ديني ؟ » ، قال :« نعم ، في سلامة من دينك » .

وهذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك(3) عن ابن عباس ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي في تلخيصه على تخريجه ورمز له : ( خ م ) يعني : البخاري ومسلم.

وأخرجه غير أولاء ، وحمله بعضهم مفسراً له بما عاناه الإمامعليه‌السلام في الحروب الثلاثة : الجمل وصفّين والنهروان ، وهو كذلك. إلاّ أنّ البعَدية في لفظ الحديث تشير إلى ما أصابه بعد فقد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله من غدر الأمة به ، كما رواه أبو إدريس الأودي عن علي قال :« إنّ مما عهد إليّ النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّ الأمة ستغدر بي بعده » .

__________________

(1) الفائق للزمخشري 1 : 66.

(2) المصنف 12 : 78.

(3) المستدرك للحاكم 3 : 140.


أخرجه الحاكم في المستدرك(1) ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبي في التلخيص على تخريجه وتصحيحه. وللحديث مصادر أخرى كدلائل النبوة للبيهقي ، وتاريخ بغداد ج 11 ، وتاريخ دمشق ج 3 ، وخصائص النسائي ، وكنز العمال ، وغيرها كثير.

النص السادس : وأخرج في المصنف(2) ، بسنده عن أسلم ، وذكر خبر مجيئ عمر إلى فاطمة يريد منها منع علي والزبير من الاجتماع في بيتها ، وتهديدها بقوله : وأيم الله ما ذاك بما نعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أن يحرق عليهم البيت ، والخبر إلى هنا ليس فيه ما يستنكر عنه من يعرف شدة عمر ، وعدم مبالاته في شن الغارة على بيت فاطمة ، وأمره بأن يحرق على من فيه.

ولكن هلم الخطب في بقية الخبر فاقرأ ماذا فيه : ( فلمّا خرج عمر جاؤوها فقالت : تعلمون أنّ عمر قد جاءني ، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقن عليكم البيت ، وأيم الله ليمضينّ لما حلف عليه فانصرفوا راشدين ، فروا رأيكم ولا ترجعوا إليّ ، فانصرفوا عنها ، فلم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر ) ؟

فهذا الجزء من الخبر نسف الرأي الثابت في مجيئ عمر ومعه قبس من النار ، ومعه من يحمل الحطب ، واقتحامه الدار بعنف ، وإخراج عليّ والزبير بالعنف ، كما سيأتي عن البلاذري وابن قتيبة وغيرهما ، إلى آخر ما هنالك من الأذى الذي لحق بفاطمة من ضرب وإسقاط جنين وو .

النص السابع : وأخرج في المصنف(3) بسنده عن عروة أنّ أبا بكر وعمر لم يشهدا دفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كانا في الأنصار فدفن قبل أن يرجعا.

__________________

(1) المصدر نفسه 3 : 140.

(2) المصنف 14 : 568.

(3) المصدر نفسه 14 : 568.


النص الثامن : وأخرج في المصنف(1) بسنده عن أسلم قال : دخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بلسانه ينضنضه ، فقال له عمر : الله الله يا خليفة رسول الله ، وهو يقول : هاه إنّ هذا أوردني الموارد(2) .

تعقيب على حديث غدر الأمة بالإمام :

لقد وردت عدة أحاديث تندّد مفهوماً بالأمة ، وتصرّح منطوقاً بما سيلقى الإمام من جهد بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من تلك الأمة ، وألفاظها مختلفة مما يدلنا على اهتمام الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بابن عمه ، فهو إذ يخبره بما سيجري عليه من بعده ، وهو إذ يسلّيه أيضاً يعدّه لمواجهة الأحداث بصبر وثبات ، وهذا ما دلّ عليه جواب الإمام« في سلامة من ديني » .

فمن الأحاديث في هذا المعنى خبر الحدايق التي مرّ عليها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه الإمام ، فيقول الإمام :« ما أحسن هذه » ويجيبه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ولك في الجنة أحسن منها » ، ثم اعتنقه وأجهش باكياً ، فقال عليعليه‌السلام :« ما يبكيك يا رسول الله ؟ » ، فقال :« أبكي لضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك إلاّ بعدي ، فقلت : في سلامة من ديني ؟ فقال : في سلامة من دينك » . ( أخرجه أبو يعلى في مسنده ، والحاكم في المستدرك ، والمحب الطبري في الرياض النضرة ، والهيثمي في مجمع الزوائد ، والخوارزمي في المناقب ، والحمويني في فرائد السمطين ، وابن أبي الحديد في شرح النهج ، والمتقي الهندي في كنز العمال ، والقندوزي في الينابيع ، وغيرهم ).

__________________

(1) المصدر نفسه 14 : 568.

(2) وهذا أخرجه قبلاً في المصنف 9 : 66 كتاب الأدب ، وذكر في الهامش : أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 : 33 ، وأورده الهندي في كنز العمّال 3 : 478. أقول : وذكره غيرهم في تاريخ أبي بكر ، وحتى في بعض مصادر اللغة في مادة ( نضنض ) فراجع.


ومن الأحاديث ما أخرجه أبو نعيم في الحلية بسنده عن أبي برزة الأسلميرضي‌الله‌عنه قال : قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) :« انّ الله تعالى عهد إليَّ في علي عهداً ، إنّ علياً راية الهدى ، وإمام أوليائي ، ونور من أطاعني ، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين ، من أحبّه أحبني ، ومن أبغضه أبغضني ، فبشّره فجاء علي فبشرته بذلك ، فقال : يا رسول الله أنا عبد الله فإن يعذبني فبذنبي ، وإن يتمّ الذي بشّرني به فالله أولى به ». قال( صلّى الله عليه وسلّم ) :« قلت : اللّهمّ أجل قلبه واجعله ربيع الإيمان ، فقال الله تبارك وتعالى : قد فعلت به ذلك ، ثم قال تعالى : إنّي مستخصّه بالبلاء ، فقلت : يا رب إنه أخي ووصيي ، فقال تعالى : إنّه شيء قد سبق فيه قضائي ، إنّه مبتلى » (1) .

ومن الأحاديث ما أخرجه الموفق بن أحمد الخوارزمي في المناقب بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال : أعطى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) الراية يوم خيبر إلى علي ففتح الله عليه ، وفي يوم غدير خم أعلم الناس انّه مولى كل مؤمن ومؤمنة ، وقال له :« أنت منّي وأنا منك ، وأنت تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » ، وقال له :« أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبي بعدي » ، وقال له :« أنا سلم لمن سالمك ، وحرب لمن حاربك ، وأنت العروة الوثقى ، وأنت تبيّن ما اشتبه عليهم من بعدي ، وأنت ولي كل مؤمن ومؤمنة بعدي ، وأنت الذي أنزل الله فيك : ( وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ ) (2) وأنت الآخذ بسنتي ، والذاب عن ملتي ، وأنا وأنت أوّل من تنشق الأرض عنه ، وأنت معي تدخل الجنة والحسن والحسين وفاطمة معنا ، إنّ الله أوحى إليَّ أن أبيّن فضلك ، فقلت للناس وبلّغتهم ما أمرني الله تبارك وتعالى بتبليغه » .

__________________

(1) حلية الأولياء ، وعنه في ينابيع المودة : 134.

(2) التوبة : 3.


ثم قال :« اتق الضغائن التي كانت في صدور قوم لا تظهرها إلاّ بعد موتي ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون » ، وبكى( صلّى الله عليه وسلّم ) ثم قال :« أخبرني جبرئيل انّهم يظلمونك بعدي ، وأنّ ذلك الظلم لا يزول بالكلية عن عترتنا ، حتى إذا قام قائمهم ، وعلت كلمتهم ، واجتمعت الأمة على مودتهم ، والشانيء لهم قليلاً ، والكاره لهم ذليلاً ، والمادح لهم كثيراً ، وذلك حين تغيّر البلاد ، وضعف العباد حين اليأس من الفرج ، فعند ذلك يظهر القائم مع أصحابه ، فبهم يظهر الله الحق ، ويخمد الباطل بأسيافهم ، ويتبعهم الناس ، راغباً إليهم وخائفاً منهم ، ابشروا بالفرج ، فإنّ وعد الله حق لا يخلف ، وقضاؤه لا يرد ، وهو الحكيم الخبير ، وانّ فتح الله قريب .

اللّهمّ إنّهم أهلي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، اللّهمّ اكلأهم وارعهم ، وكن لهم وانصرهم وأعزّهم ولا تذلّهم ، واخلفني فيهم ، إنّك على ما تشاء قدير » (1) .

وقال علي كرّم الله وجهه :« كل حقد حقدته قريش على رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) أظهرته فيَّ ، وستظهره في ولدي من بعدي ، مالي ولقريش إنّما وترتهم بأمر الله وأمر رسوله ، أفهذا جزاء من أطاع الله ورسوله إن كانوا مسلمين » (2) .

ما ذكره أحمد بن حنبل :

سابعاً : ماذا عند أحمد بن حنبل ( ت 241 ه‍ ) ؟

النص الأول : أخرج في المسند(3) ، قال : حدّثنا عبد الرزاق ، قال : حدّثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان

__________________

(1) المناقب للخوارزمي الحنفي وينابيع المودة : 135.

(2) ينابيع المودة : 135.

(3) المسند 1 : 26 ، برقم : 9 ، بتحقيق أحمد محمد شاكر.


ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك ، وسهمه من خيبر ، فقال لهم أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيه إلا صنعته.

أقول : لقد مرّ هذا الحديث عن المصنف لعبد الرزاق فراجع ( تاسعاً ) ستجد زيادة طويلة بترها أحمد ولم ينقلها ، ومما جاء في تلك الزيادة « قال : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر ، قالت عائشة : وكان لعلي من الناس حياة فاطمة حبوة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه ، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ثم توفيت. قال معمر : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي ».

إلى غير ذلك ممّا مرّ لفظه نقلاً عن المصنف ، وهو كلام كثير يتضمن كيف بايع الإمام ، وتحت طائلة الضغط الاجتماعي ، وقد نبّهت هناك على ما صنعه أحمد والبخاري في اختصار هذا الحديث اختصاراً مهيناً ومشيناً فراجع ، على أنّ تخريج أحمد للحديث هنا في مسند أبي بكر لروايته لا نورّث ، فهو أشبه بمسند عائشة منه بمسند أبي بكر ، فلاحظ.

النص الثاني : أخرج في المسند(1) ، فقال : حدّثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة [ قال عبد الله : وسمعته من عبد الله بن أبي شيبة ] قال : حدّثنا محمد بن فضيل عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : لما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أم أهله ؟

قال : فقال : لا ، بل أهله ، قالت : فأين سهم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : فقال أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : إنّ الله( عزّ وجلّ ) إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعله للذي

__________________

(1) المسند 1 : 28 ، برقم : 14.


يقوم من بعده ، فرأيت أن أرده على المسلمين ، فقالت : فأنت وما سمعت من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أعلم.

وهذا الحديث علّق عليه المحقق بقوله : إسناده صحيح ، الوليد بن جُميع هو الوليد بن عبد الله بن جميع ، نسب إلى جده وهو ثقة. أبو الطفيل : هو عامر بن واثلة ، من صغار الصحابة ، وهو آخرهم موتاً ، مات سنة : 107 ، أو سنة : 110 ه‍.

والحديث ذكره الحافظ ابن كثير في تاريخه(1) ، نقلاً عن المسند ثم قال : هكذا رواه أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة ، عن محمد بن فضيل به ، ففي لفظ هذا الحديث غرابة ونكارة ، ولعله روي بمعنى ما فهمه بعض الرواة ، وفيهم من فيه تشيع ، فليعلم ذلك ، وأحسن ما فيه قولها : أنت وما سمعت من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهذا هو الصواب ، وهو المظنون بها ، واللائق بأمرها وسيادتها وعلمها ودينها( رضي الله عنها ) وكأنّها سألته بعد هذا أن يجعل زوجها ناظراً على هذه الصدقة ، فلم يجبها إلى ذلك لما قدمناه ، فتعتبت عليه بسبب ذلك ، وهي امرأه من بنات آدم ، تأسف كما يأسفن ، وليست بواجبة العصمة ، مع وجود نص رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ومخالفة أبي بكر الصديق ، وقد روينا عن أبي بكر أنّه ترضّى فاطمة وتلاينها قبل موتها ، فرضيت( رضي الله عنها ) .

إلى هنا انتهى ما ذكره أحمد محمد شاكر في الهامش ، ولم يعقّب على ما ذكره ابن كثير بشيء ، فأقول : ومن هنا يعلم موافقته لما قاله ابن كثير ، ومن الواضح أنّ ابن كثير شامي ، والنصب في أهل الشام من مواريثهم من أيام معاوية ، وهو بعدُ تلميذ لابن تيمية ، وذلك يكفي في تعريفه لو شط به القلم وحدا به النصب لأن يقول عن فاطمة الزهراءعليها‌السلام : ( وليست بواجبة العصمة ).

__________________

(1) تاريخ الحافظ ابن كثير 5 : 289.


غير أنّ العتب على المحقق أحمد محمد شاكر الذي لم يعلّق على هذه الغميزة بما يرفع عنه إصر الموافقة عليها ، وهو لا شك أنّه قد قرأ آية التطهير في سورة الأحزاب :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

ولا شك أنّه قد قرأ قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها وفي بعلها علي ، وفي ابنيها الحسنين :« اللهم هؤلاء أهل بيتي » بعد أن جللهم بكساء ولم يدخل معهم أحداً ، ولا شك أنّه قد قرأ قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الآخر :« فاطمة بضعة منّي » وهو يعرف معنى البضعة ؛ فكلّ هذا لا يوجب العصمة لفاطمةعليها‌السلام ؟ إنّها لظلامة الآخرين وليست بدون ظلامة الأولين ، فلك الله ناصراً يا بنت رسول الله صلى الله على أبيكِ وعلى بعلكِ وعليكِ وعلى أهل بيتكِ الطاهرين.

النص الثالث : أخرج في المسند(2) ، قال : حدّثنا يعقوب ، قال : حدّثنا أبي عن صالح ، قال ابن شهاب : أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أخبرته : أنّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما آفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، قال : وعاشت بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر.

قال : وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، وقال : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يعمل به إلا عملت به ، وإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن اُزيغ ، فأمّا صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي ، وأمّا خيبر

__________________

(1) الأحزاب : 33.

(2) المسند 1 : 34 ، برقم : 25.


وفدك فأمسكهما عمر ، وقال : هما صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ، قال : فهما على ذلك اليوم.

النص الرابع : وأخرج في المسند(1) ، قال : حدّثنا حجاج بن محمد ، حدّثنا ليث ، حدّثني عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّها أخبرته : إنّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ، ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي والله لا اُغيّر شيئاً من صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك.

فقال أبو بكر : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال ، فإنّي لم آل فيها عن الحق ، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيها إلا صنعته.

النص الخامس : وأخرج في المسند(2) ، قال : حدّثنا عبد الرزاق ، حدّثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقة ، وإنّما يأكل آل محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال ، وإنّي والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيه إلا صنعته.

النص السادس : وأخرج في المسند(3) ، قال : حدّثنا عفّان ، حدّثنا حماد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة أنّ فاطمة قالت لأبي بكر : من يرثك

__________________

(1) المسند 1 : 45 ، برقم : 55.

(2) المسند 1 : 46 ، برقم : 58.

(3) المسند 1 : 47 ، برقم : 60.


إذا متّ ؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فمالنا لا نرث النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : سمعت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : إنّ النبي لا يورّث ، ولكنّي أعول من كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يعول ، وأنفق على من كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق.

وهذا علّق عليه المحقق بأنّه منقطع الإسناد ، ولمّا أعاد أحمد بن حنبل إخراجه مرّة ثانية برقم : 79 بالسند إلى أبي سلمة ، ثم رفعه هنا عن أبي هريرة ، ببركة وجوده تم توصيل الانقطاع ، فقال المحقق : إسناده صحيح ، وقد سبق مطولاً برقم : 60 ، ولكن هناك مطولاً ، ولدى المقارنة نجد بين الخبرين فرقاً واضحاً ، فقارن ما يلي مع ما سبق فالحديث عن أبي هريرة أنّ فاطمة جاءت أبا بكر وعمر تطلب ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقالا : إنّا سمعنا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : إنّي لا أورّث .

النص السابع : وجاء في المسند(1) : حدّثنا عبد الله ، حدّثني أبي ، ثنا إسماعيل ، عن ابن عون ، عن إبراهيم ، عن الأسود قال : ذكروا عند عائشة أنّ علياً كان وصياً ، فقالت : متى أوصى إليه ؟ فقد كنت مسندته إلى صدري أو قالت : حجري ، فدعا بالطست فلقد انخنث في حجري ، وما شعرت أنّه مات ، فمتى أوصى إليه ؟

وهذا الخبر يوحي بأنّ أناساً كانوا يذكرون أنّ علياً كان وصياً ، ومتى كان كذلك ، فقيام غيره بالأمر بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان بغير حق وغصباً لحقه ، ودفعاً لذلك صارت عائشة تزعم أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مات وهي مسندته إلى صدرها أو في حجرها.

ويبدو أنّ أحمد بن حنبل روى في مسنده أحاديث عائشة على نحو ما وصلت إليه بما فيها من تناقض ، وزعمها أنّ النبي مات وهي مسندته إلى صدرها ـ كما هنا ـ نجد عدة أحاديث أخرى عنها تختلف ألفاظها ومعانيها ، فمنها : مات( صلّى الله عليه وسلّم ) بين حاقنتي وذاقنتي(2) .

__________________

(1) المسند 6 : 32.

(2) المصدر نفسه 6 : 64 و 77.


ومنها : مات( صلّى الله عليه وسلّم ) وهو يوتر بالسحر(1) .

ومنها : مات( صلّى الله عليه وسلّم ) بين سحري ونحري(2) .

ومنها : كان( صلّى الله عليه وسلّم ) في حجري حين نزل به الموت(3) .

ومنها : مات( صلّى الله عليه وسلّم ) ورأسه على فخذ عائشة(4) .

إلى غير ذلك من اختلاف رواياتها مما يشيعه عنها أبناء أختها أسماء ، وهم أبناء الزبير ومن لفّ لفّهم من رواتها ، ولقد نمّت هي على نفسها بأنّها غير مصدقة عند بعض الناس في ذلك ، فكانت تدافع عن نفسها بقولها في حديث رواه أحمد(5) : مات رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بين سحري ونحري ، وفي دولتي لم أظلم فيه أحداً ، فمن سفهي وحداثة سنّي أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ، وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي(6) .

ومع ذلك كلّه بقيت الأحاديث عنها في ذلك غير مقبولة ، وأثارت الشكوك حول صحتها ، فرباح ـ أحد الرواة ـ قال : قلت لمعمر : قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وهو جالس ؟ قال : نعم(7) .

والأسود بن يزيد راوي الحديث الآنف الذكر أولاً هو أبو غطفان ، وهو الذي يسأل ابن عباس فيقول : أرأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) توفي ورأسه في حجر أحد ، قال : توفي وهو لمستند إلى صدر علي ، قلت : فإنّ عروة حدّثني عن عائشة أنّها

__________________

(1) المصدر نفسه 6 : 204.

(2) المصدر نفسه 6 : 48 و 121 و 274.

(3) المصدر نفسه 6 270.

(4) المصدر نفسه 6 : 89.

(5) المصدر نفسه 6 : 274.

(6) وهذا أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 ، ق 2 : 50.

(7) المسند 6 : 274.


قالت : توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بين سحري ونحري ، فقال ابن عباس : أتعقل ؟ والله لتوفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأنّه لمستند إلى صدر علي ، وهو الذي غسّله(1) .

ولمزيد من البحث حول الموضوع راجع كتاب ( علي إمام البررة )(2) .

ونعود إلى حديث الأسود ـ أبي غطفان ـ الذي رواه أحمد كما مرّ فنقول : وهذا أيضاً رواه البخاري ومسلم كما ستأتي الإشارة إليه ، وجميعهم بتروا من آخره سؤال الراوي من ابن عباس ، وجوابه رداً على زعم عائشة مشفوعاً باليمين ، ومستنفراً لمشاعره بقوله : ( أتعقل ) وهي كلمة لها دلالتها في إثارة الوعي والتنبيه على تلقي الجواب ، مع أنّ الحديث رواه ابن سعد بتمامه كما مرّ ، فلاحظ مدى الأمانة عند أحمد والشيخين.

ويؤكد صحة ما قاله ابن عباس ما رواه أحمد في مسنده(3) من حديث أم سلمة قالت : والذي أحلف به أن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قالت : عدنا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) غداة بعد غداة يقول : جاء علي ؟ ـ مراراً ـ ، قالت : وأظنّه كان بعثه في حاجة ، قالت : فجاء بعد فظننت أنّ له إليه حاجة ، فخرجنا من البيت ، فقعدنا عند الباب ، فكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه علي فجعل يساره ويناجيه ، ثم قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) من يومه ذلك ، فكان أقرب الناس به عهداً.

ويزيد ذلك تأكيداً ما جاء عن عمر بن الخطاب ـ وهو غير متهم في المقام ـ وقد مرّ فيما عند ابن سعد حيث سأله كعب الأحبار : ما كان آخر ما تكلّم به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ فقال عمر : سل علياً ، قال : أين هو ؟ قال : هو هنا فسأله ، فقال علي : أسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي فقال : الصلاة الصلاة ، فقال كعب : كذلك

__________________

(1) وهذا أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 ، ق 2 : 51.

(2) علي إمام البررة 3 : 347 ـ 361 ، ط : دار الهادي.

(3) المسند 6 : 300.


آخر عهد الأنبياء وبه اُمروا وعليه يبعثون ، قال : فمن غسّله يا أمير المؤمنين ؟ قال : سل علياً ، قال : فسأله فقال : كنت أنا أغسله ، وكان عباس جالساً(1) .

ومع هذا كله فعائشة تقول : مات بين سحري ونحري ، وبين حاقتني وذاقتني و ، و ، كل ذلك لأنّها لا تطيب له نفساً كما قال ابن عباس ، حيث قالت عائشة : فخرج رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ويدٌ له على العباس ، ( كما في مسند أحمد )(2) ، أو على الفضل بن عباس ، ( كما في روايتها الأخرى في مسند أحمد )(3) ، وعلى رجل آخر وهو يخط برجليه الأرض ، فحدّث عبيد الله بن عبد الله راوي الحديث بذلك ابن عباس ، فقال له : أتدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة ؟ هو علي ، ولكن عائشة لا تطيب له نفساً.

بل بلغ بها الحال حين تسمع من يقع في علي صراحة ، فلا تستنكر إلا بما يكشف عن قديم حقدها عليه ، فقد روى أحمد في مسنده(4) بسنده عن عطاء بن يسار قال : جاء رجل فوقع في علي وفي عمار ـ رضي الله تعالى عنهما ـ عند عائشة فقالت : أما علي فلست قائلة لك فيه شيئاً ، وأما عمار فإنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما.

ونحن مع روايتها هذه فإنّا ندينها من فمها حيث اختار عمار علياً إماماً دون غيره ، ووقف إلى جانبه منذ حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعد وفاته في السلم وفي الحرب ، حتى قتلته الفئة الباغية بصفّين ، وهو معه يقول في بعض رجزه كما في وقعة صفّين(5) :

أنا مع الحق أحامي عن علي

صهر النبي ذي الأمانات الوفي

__________________

(1) الطبقات 2 ، ق 2 : 51.

(2) المسند 6 : 34.

(3) المصدر نفسه 6 : 228.

(4) المصدر نفسه 6 : 113.

(5) وقعة صفّين : 289.


كما كان عمار قد اختار أن يكون مع علي في الدار يوم هجم عمر ومن معه عليهم ، كما ستأتي أسماء النفر الذين كانوا في الدار يومئذٍ.

وإنّما صنع ذلك عمار امتثالاً لأمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث قال له :« يا عمار إن رأيت علياً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره ، فاسلك مع علي ودع الناس ، إنه لن يدلِك في ردى ، ولن يخرجك من هدى ، يا عمار إنّ طاعة علي من طاعتي ، وطاعتي من طاعة الله ( عزّ وجلّ ) » (1) .

فما دامت عائشة على ذكر من قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في عمار : ( لا يخيّر بين أمرين إلا اختار أرشدهما ) وقد اختار طاعة عليعليه‌السلام فتبعه ، فلماذا حاربته يوم الجمل ؟ فهي لم تكن في محاربته برشيدة إذن.

ما ذكره البخاري :

ثامناًً : ماذا عند محمد بن إسماعيل البخاري ( ت 256 ه‍ ) ، في كتابه الجامع الصحيح.

مما ينبغي التنبيه عليه قبل عرض نماذج مما رواه في كتابه من النصوص ، فانّ الرجل كان شغوفاً بكثرة الرواية حتى ولو عن هيّان بن بيّان ، لذلك نجد كثرة الرواية عن كل من هبّ ودبّ ، وإن تناقضت رواياته ، حتى الكذب.

وما أكثر الشواهد على ذلك في رواياته عن عائشة وابن عمر وأبي هريرة ، فبينها من التكاذب ما يثير العجب ، وما كثرة الدفاع عنه إلا لكثرة ما فيه من مؤاخذات ، ولست في مقام التدليل على ذلك ، فحسب القارئ الطالب للحقيقة الرجوع إلى كتاب ( هدى الساري ) لابن حجر من المتقدمين ، وكتاب ( أضواء على السنة ) للشيخ محمد أبو رية ، وأخيراً إلى كتاب ( نحو تفعيل قواعد نقد متن

__________________

(1) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 186 ، وابن عساكر في ترجمة الإمام من تاريخه 3 : 170 ، والحمويني في فرائد السمطين 2 : 178 ، والخوارزمي الحنفي في مناقبه 57 و 124 ، وأخيراً المتقي الهندي في كنز العمّال 12 : 212.


الحديث ) دراسة تطبيقية على بعض أحاديث الصحيحين ؛ لمؤلفه إسماعيل الكردي ، ط : دار الأوائل سنة 2002م سورية دمشق ، وهو من خيرة ما قرأت من الكتب في هذا المجال.

ومع ذلك كله فليبق كتاب البخاري عند زوامل الأسفار ( أصح كتاب بعد كتاب الله ) ولست في مقام محاسبتهم ، فلهم رأيهم وعلى الله حسابهم.

والآن إلى نماذج مما أخرجه البخاري في كتابه ( الجامع الصحيح ) فيما يخص الأحداث التي تزامنت مع سقوط السيد المحسن السبط من قبل ومن بعد.

النص الأول : أخرج البخاري في كتاب الحدود ( باب رجم الحبلى )(1) ، حديث بيعة أبي بكر فلتة من قول عمر على المنبر ، واستمر على المنبر يروي حديث السقيفة بطوله ، فكان مما قال عمر : ( إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، ألا وإنّها قد كانت كذلك ، ولكن وقى الله شرّها ).

وكان مما قال : ( وكنت زوّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك ، فكرهت أن أغضبه ، فتكلم أبو بكر فقال : ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسباً وداراً ).

ولمّا كان هذا الخبر مرّ برواية ابن إسحاق في سيرته في النص الثاني ، وعبد الرزاق في المصنف في النص الثالث منه ، فلا حاجة لإعادته بطوله ، غير أنّ في روايتهما قال أبو بكر : ( ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ) والآن في رواية البخاري لم يذكر لفظ ( العرب ) وأرجو أن لا يكون الحذف منه متعمداً لشعوبيته التي عرفناها منه في صحيحه كما في كتاب المناقب ( باب قصة

__________________

(1) صحيح البخاري 8 : 168 ـ 170 ، باب رجم الحبلى.


زمزم وجهل العرب )(1) ، ولا مناسبة بين شقي العنوان ، ومن قرأ المعنون يجد التنديد بالأعراب.

ومهما يكن فالخبر بطوله على ما فيه لا يتهم رواته على الشيخين لموالتهم لهما ، وما أود تنبيه القارئ عليه مبلغ احتجاج أبي بكر على الأنصار : ( إنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحي من قريش ، فهم أوسط العرب داراً ونسباً ) ، وهذه الحجة منقوضة عليه ، وأول من نقضها هو أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بقوله :« واعجباً أن تكون الخلافة بالصحابة ، ولا تكون بالصحابة والقرابة » (2) .

قال الرضي ـ رحمه الله تعالى ـ وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى ، وهو :

فإن كنتَ بالشورى ملكتَ أمروهم

فكيف بهذا والمشيرون غيّب

وإن كنتَ بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقرب

وقد علق محمد عبدة في شرحه على ذلك بقوله : يريد بالمشيرين أصحاب الرأي في الأمر ، وهم علي وأصحابه من بني هاشم ، ويريد باحتجاج أبي بكر على الأنصار بأنّ المهاجرين شجرة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) .

النص الثاني : أخرج البخاري في أواخر باب غزوة خيبر(3) ، فقال : حدّثنا يحيى بن بكير ، حدّثنا الليث ، عن عُقَيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمةعليها‌السلام بنت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال ، وإنّي

__________________

(1) المصدر نفسه 4 : 185.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18 : 416 ، حكمة : 185.

(3) صحيح البخاري 5 : 139.


والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها.

وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر : أن إئتنا ولا يأتنا أحد معك ـ كراهية لمحضر عمر ـ فقال عمر : لا والله لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : وما عسيتهم أن يفعلوا بي ، والله لآتينّهم.

فدخل عليهم أبو بكر ، فتشهد علي فقال : إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك ، ولكنك استبددت علينا بالأمر ، وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) نصيباً ، حتى فاضت عينا أبي بكر ، فلما تكلم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال ، فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيها إلا صنعته.

فقال علي لأبي بكر : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلّى أبو بكر الظهر رقى على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلّفه عن البيعة وعذَرَه بالذي اعتذر إليه ، ثم استغفر ، وتشهد علي فعظّم حق أبي بكر ، وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسةً على أبي بكر ، ولا إنكاراً للذي فضله الله به ، ولكنا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً ، فاستبدّ علينا ، فوجدنا في أنفسنا ، فسُر بذلك المسلمون وقالوا : أصبت ، وكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع الأمر بالمعروف.

فهذا الخبر مر نحوه عن عبد الرزاق بسنده عن ابن شهاب ـ الزهري ـ عن


عروة عن عائشة ، وأشرنا تعقيباً عليه أنّ أحمد في مسنده ، والبخاري في صحيحه أوردا الخبر بصورة مهينة ومشينة ، وذكرنا أنّها رواية البخاري(1) في باب مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم نشر إلى ما ذكرناه هنا من روايته الثانية بسنده الآخر عن الزهري.

ومع أنها أوفى مما ذكره في باب مناقب قرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ففيها تفاوت وفجوات وتساؤلات ، والحديث كله عن الزهري عن عروة عن عائشة ، فلماذا الاختلاف والتفاوت ؟

النص الثالث : أخرج في كتاب الفرائض باب قول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : لا نورّث ما تركنا صدقة(2) .

قال : حدّثنا عبد الله بن محمد ، حدّثنا هشام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة والعباسعليهما‌السلام أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فدك ، وسهمهما من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ، قال أبو بكر : والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيه إلا صنعته ، قال : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.

فهذا الخبر ترويه عائشة كسائر المروي عنها في هذا الباب ، ولا يتفق فيه خبران على صيغة واحدة ، واللافت للنظر في هذه الصورة قولها : ( وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فدك ، وسهمهما من خيبر ) وهو يدل على أنّه كانت لكل من فاطمة والعباس أرض مختصة بهما ، ولذا صحت الإضافة إليهما.

كما دلّ على أنّ لكل منهما سهم من خيبر منذ عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأخذ ذلك أبو بكر واستولى عليه فجاءا يطلبان ذلك ، فذكر لهما ما رواه عن سماعه لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول :

__________________

(1) المصدر نفسه 5 : 20 ، باب مناقب قرابة رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ).

(2) المصدر نفسه ، كتاب الفرائض 8 : 149.


لا نورّث ما تركنا صدقة ، ولم تذكر لنا عائشة عن فاطمة والعباس ردّهما على ذلك لا نفياً ولا إثباتاً ، واكتفى الراوي بقوله : فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت.

ولدى مراجعة شروح البخاري كالفتح للعسقلاني ، والإرشاد للقسطلاني ، والدراري للكرماني ، فلم نجد فيها ما يفسّر لنا المراد من قول عائشة : ( وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فدك ، وسهمهما من خيبر ) وكيف يصح أن يأخذ أبو بكر أرض القرابة المختصة بهم ، ومالهم من سهم في خيبر بحجة رواية : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) فإنّ ذلك ليس من الصدقات في شيء ، ولا من الميراث بل هو من مختصاتهم ، كسائر مختصات باقي الناس التي يملكونها.

ثم ما بال أبي بكر لم يخضع سهام باقي الصحابة في خيبر لحجته المزعومة : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) فيستولي عليها كما استولى على أرضي فاطمة والعباس وسهمهما من خيبر ؟ فإنّ ذكر مقاسم خيبر وأموالها بعد فتحها ذكرته كتب السيرة ، كسيرة ابن إسحاق ، وعنها سيرة ابن هشام وغيرهما ، وجاء فيها : ( وكانت عدة الذين قُسّمت عليهم خيبر من أصحاب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ألف سهم وثمان مئة سهم ، رجالهم وخيلهم ، الرجال أربع عشرة مئة ، والخيل مِئتا فارس ، فكان لكل فرس سهمان ولفارس سهم ، وكان لكل راجل سهم ، فكان لكل منهم رأس جُمع إليه مئة رجل ، فكانت ثمانية عشر سهماً جُمع ).

قال ابن إسحاق : فكان علي بن أبي طالب رأساً ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وعمر بن الخطاب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وعاصم بن عدي أخو بني العجلان ، وأسيد بن حضير ، وسهم الحارث بن الخزرج ، وسهم ناعم ، وسهم بني بياضة ، وسهم بني عبيد ، وسهم بني حرام من بني سلمة ، وعبيد السهام ـ قال ابن هشام : إنّما قيل له عبيد السهام لما اشترى من السهام يوم خيبر ـ وسهم ساعدة ، ومنهم غفار وأسلم ، وسهم النجار ومنهم حارثة ، وسهم أوس.


واستمر ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق بتفصيل كيفية استخراج السهام يومئذٍ إلى أن قال : ( ثم قسّم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) الكتيبة ـ وهي وادي خاص ـ بين قرابته وبين نسائه ، وبين رجال المسلمين ونساء أعطاهم منها ، فقسم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لفاطمة ابنته مئتي وسق ، ولعلي بن أبي طالب مئة وسق ، ولأسامة بن زيد مئتي وسق ، وخمسين وسقاً من نوى ، ولعائشة أم المؤمنين مئتي وسق ، ولأبي بكر بن أبي قحافة مئة وسق ، ولعقيل بن أبي طالب مئة وسق وأربعين وسقاً ، ولبني جعفر خمسين وسقاً ).

ثم ساق أسماء من أعطاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجالاً ونساءً إلى أن قال ابن هشام : قمح وشعير وتمر ونوى ، وغير ذلك ، قسمه على قدر حاجتهم ، وكانت الحاجة في بني عبد المطلب أكثر ، ولهذا أعطاهم أكثر(1) .

النص الرابع : أخرج في كتاب فرض الخمس(2) ، حديث مالك بن أوس بن الحدثان في خصومة علي والعباس في الفيء مرتين ، وبين الصورتين تفاوت في اللفظ والسند ، كما أنّ فيهما معاً نقص متعمّد ، كما سيأتي التصريح بذلك نقلاً عن ابن حجر في فتح الباري ، وإلى القارئ صورة الحديث كما في كتاب فرض الخمس ، وما بين القوسين من روايته الثانية ، قال البخاري :

حدّثنا إسحاق بن محمد الفروي ، حدّثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، وكان محمد بن جبير ذكر لي ذكراً من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى أدخل على مالك بن أوس ، فسألته عن ذلك الحديث ، فقال مالك : بينا أنا جالس في أهلي حين متع النهار ، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني فقال : أجب أمير المؤمنين ، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر ، فإذا هو جالس على رحال سرير ليس بينه وبينه فراش ، متكئ على وسادة من أدم ، فسلّمت عليه ثم جلست ، فقال : يا مال انّه قدم علينا من قومك أهل أبيات ، وقد أمرت فيهم برضخ

__________________

(1) السيرة النبوية لابن هشام ق 2 : 350 ـ 352.

(2) صحيح البخاري 4 : 79 ، و 5 : 89.


فاقبضه فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري ، قال : اقبضه أيها المرء.

فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان ، وعبدالرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ؟ قال : نعم ، فأذن لهم فدخلوا فسلّموا وجلسوا ، ثم جلس يرفأ يسيراً ، ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم ، فأذن لهما فدخلا ، فسلما فجلسا ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين إقض بيني وبين هذا ، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير.

فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر ، قال عمر : تيدكم ـ اتئدوا ـ أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، يريد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) نفسه ؟ قال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على علي وعباس فقال : أنشدكما الله أتعلمان أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قد قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك.

قال عمر : فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله قد خص رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره ، ثم قرأ :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) ، فكانت فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بذلك حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟(2) .

قال عمر : ثم توفى الله نبيه( صلّى الله عليه وسلّم ) ( وأنتما حينئذٍ فأقبل على علي وعباس وقال : تذكران أنّ أبا بكر فيه كما تقولان ، فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضها

__________________

(1) الحشر : 6.

(2) لم يذكر جواب علي وعباس على ذلك ، فهل اقرا له بصدق ما قاله أم ردّا عليه قوله ؟


أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، والله يعلم(1) إنّه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فكنتُ أنا ولي أبي بكر ، فقبضتها سنتين من إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وما عمل فيها أبو بكر(2) ، والله يعلم إنّي فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا ـ يريد علياً ـ يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ما تركنا صدقة ، فلما بدا لي أن أدفعه اليكما ، قلت : إن شئتما دفعتها اليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وبما عمل فيها أبو بكر ، وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما ادفعها إلينا ، فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم ، ثم أقبل على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : فتلتمسان منّي قضاء غير ذلك ، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، لا أقضي فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فإنّي أكفيكماها.

أقول : هذا الخبر فيه أكثر من علامة استفهام ، تحاشى جلّ شرّاح صحيح البخاري عن التعرض للإجابة عليها ، إلاّ أن ابن حجر في فتح الباري فقد تعقب الخبر في باب فرض الخمس ، وأطال في تعقيبه باذلاً جهده في بيان اختلاف الرواة في ألفاظ الرواية ، ولا يخلو تعقيبه من فوائد منها :

__________________

(1) هنا أسقط جملة : ( وأنتما تزعمان أنّه فيها ظالم فاجر ) ، كما في المصنف لعبد الزراق 5 : 470 ، وعلّق المحقق في الهامش : انّ الحديث في البخاري , ولم يشر إلى تغييب الجملة المذكورة.

(2) وهنا أيضاً أسقطت جملة : ( وأنتما تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ) ، وهي كسابقتها مذكورة في الحديث كما رواه عبد الرزاق في المصنف ؛ ومرّ آنفاً ، ويأتي في حديث مسلم في صحيحه : ( فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً فاجراً ).


1 ـ قال : ( وليس لمالك بن أوس في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في البيوع ).

2 ـ وقال : ( تنبيه : ظنّ قوم أنّ الزهري تفرّد برواية هذا الحديث ، فقال أبو علي الكرابيسي : أنكره قوم وقالوا : هذا من مستنكر ما رواه ابن شهاب ، قال : فإن كانوا علموا أنّه ليس بفرد فهيهات ، وإن لم يعلموا فهو جهل ، فقد رواه عن مالك بن أوس ، وعكرمة بن خالد ، وأيوب بن خالد ، ومحمد بن عمر ، وابن عطاء وغيرهم ).

3 ـ قال : ( زاد شعيب ويونس : فاستب علي وعباس ، وفي رواية عقيل عن ابن شهاب في الفرائض : اقض بيني وبين هذا الظالم ، استبا ، وفي رواية جويرية : وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ، ولم أر في شيء من الطرق أنّه صدر من علي في حق العباس شيء بخلاف ما يفهم واستصوب المازري صنيع من حذف هذه الألفاظ من هذا الحديث ).

4 ـ قال : ( زاد في رواية عقيل : وانتما حينئذٍ ـ وأقبل على علي وعباس ـ تزعمان أنّ أبا بكر كذا وكذا ، وفي رواية شعيب : كما تقولان فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً ).

5 ـ قال : ( وكأن الزهري كان يحدث به تارة فيصرّح ، وتارة فيكنّي ، وكذلك مالك ، وقد حذف ذلك في رواية بشر بن عمر عنه عن الإسماعيلي وغيره ، وهو نظير ما سبق من قول العباس لعلي ، وهذه الزيادة من رواية عمر عن أبي بكر حذفت من رواية إسحاق الفروي شيخ البخاري ، وقد ثبتت أيضاً في رواية بشر بن عمر عنه عند أصحاب السنن ، والإسماعيلي وعمرو بن مرزوق وسعيد بن داود كلاهما عند الدارقطني ، كلاهما عن مالك على ما قال جويرية عن مالك ، واجتماع هؤلاء عن مالك يدل على أنّهم حفظوه ، وهذا القدر المحذوف من


رواية إسحاق ثبت من روايته في موضع آخر من الحديث ، لكن جعل القصة فيه لعمر واقتصر بعض الرواة على ما لم يذكره الآ خر ، ولم يتعرض أحد من الشرّاح لبيان ذلك ).

6 ـ قال : ( وفي ذلك إشكال شديد ، وهو أن أصل القصة صريح في أنّ العباس وعلياً قد علما بأنّه( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ، فإن كان سمعاه من النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فكيف يطلبانه من أبي بكر ؟ وإن كانا إنّما سمعاه من أبي بكر أو في زمنه بحيث أفاد عندهما العلم بذلك ، فكيف يطلبانه بعد ذلك من عمر ؟ والذي يظهر والله أعلم حمل الأمر في ذلك على ما تقدم في الحديث الذي قبله في حق فاطمة ، وأنّ كلاً من علي وفاطمة والعباس اعتقد أنّ عموم قوله ( لا نورّث ) مخصوص ببعض ما يخلّفه دون بعض ، ولذلك نسب عمر إلى علي وعباس أنّهما كانا يعتقدان ظلم من خالفهما في ذلك ).

إلى غير ذلك مما دلّ على مدى تلاعب الرواة بهذا الحديث فيزيد هذا وينقص ذاك ، وكأنّ الأمر الأهم هو تزكية الشيخين فيما فعلا ، وإن جرحهما علي وعباس على ما قاله عمر عنهما بمحضر من وجوه الصحابة كعثمان ، والزبير ، وطلحة ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، فلم ينكر علي وعباس ما نسبه اليهما عمر من رأيهما في أبي بكر : ( فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً ).

كما لم ينكرا ذلك من رأيهما فيه على نحو رأيهما في أبي بكر ( فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً ) ، كما لم يستنكر ذلك وجوه الصحابة الحضور ، وهذا يعني موافقتهم لعمر في صحة ما نسبه إلى علي وعباس ، إن لم تكن موافقة منهم لرأي علي وعباس في الشيخين.

وفي صحيح مسلم وشروحه ما يؤيّد ما قلناه ، فقد رواه بإسناده إلى مالك بن أوس وساق الحديث ، وفيه فقال عباس : يا أمير المؤمنين إقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن (؟).


وفيه : فرأيتماه ـ يعني أبا بكر ـ كاذباً آثماً غادراً خائناً.

وفيه : فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً.

وعقب القاضي عياض في شرحه على قول العباس في علي بقوله : هذا الكلام لا يليق أن يقع من مثل العباس ، وعلي منزه عن بعضه فضلاً عن كله ، والعصمة وإن كانت لا تثبت إلا لنبي ولمن شهد له بها نبي ، لكنّا مأمورون بتحسين الظن بالصحابة ، ونفي كل رذيلة عنهم ، وقد أسقط بعضهم هذه الألفاظ من نسخته تورّعاً ، ولعله وهم الراوي ، وإن صحت هذه الألفاظ فأوجه ما فيها أن يقال : إنّها صدرت من العباس على وجه الدالة على ابن أخيه ، لأنّه في الشرع بمنزلة أبيه )(1) .

أقول : وعلى هذا كان قول المازري بالنسبة للموردين الآخرين المتعلقين بالشيخين ( فرأيتماه كاذباً آثماً غادراً خائناً ) فقال : ويجب عندي تأويل قول عمر هذا في أبي بكر ، وقوله على نفسه مثل ذلك ، ثم تكلف في التوجيه ما زاد الحال في الغموض والتمويه(2) .

ما ذكره مسلم بن الحجاج :

تاسعاًً : ماذا عند مسلم بن الحجاج النيسابوري ( ت 261 ه‍ ) ؟

النص الأول : أخرج في كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه(3) ، قال : حدّثنا يحيى بن يحيى التميمي ، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك بن مغول ، عن طلحة بن مصرف قال : سألت عبد الله بن أبي

__________________

(1) راجع إكمال إكمال المعلم للوشتاني الآبي 5 : 74.

(2) المصدر نفسه 5 : 75.

(3) صحيح مسلم 5 : 74.


أوفى : هل أوصى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ فقال : لا ، قلت : فلم كتب على المسلمين الوصية ؟ أو فلم أُمِروا بالوصية ؟ قال : أوصى بكتاب الله( عزّ وجلّ ) ، ثم ذكر له أسانيد غير ما سبق.

وهذا الخبر سبق أن ذكرناه فيما رواه ابن هشام في سيرته ، وعقبنا عليه بما وسع له المقام فراجع.

ولشرّاح صحيح مسلم فيه تطبيل وتضليل من غير تحصيل ، فراجع النووي ، والوشتاني الآبي ، والسنوسي الحسيني في شروحهم في المقام.

النص الثاني : وأخرج في كتاب الوصية أيضاً وفي الباب الآنف الذكر(1) ، بسنده عن الأسود بن يزيد قال : ذكروا عند عائشة أنّ علياً كان وصياً ، فقالت : متى أوصى إليه ، فقد كنت مسندته إلى صدري ( أو قالت حجري ) فدعا بالطست ، فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنّه مات ، فمتى أوصى إليه ؟!

وهذا الخبر أيضاً تقدم مثله عن أحمد في مسنده ، في النص السابع وذكرنا ما يتعلق به ، ونضيف هنا قول الوشتاني الآبي في شرحه المسمى إكمال اكمال المعلم بشرح صحيح مسلم(2) ، فقد قال : ( قوله : فلم يوص بشيء ، فيه : انّ الشهادة على النفي من العلم مقبولة ، وبهذا المعنى صار قولها حديثاً ، كأنّه بمنزلة قوله : لا أوصي بشيء ، ثم سبب الوصية إنّما هو حدوث المرض لا الانتهاء إلى هذه الحالة ، وحينئذٍ لا يتقرر ما ذكرت دليلاً على أنه لم يوص ، لاحتمال أن يكون أوصى قبل ذلك ).

والشيعة إنّما كانت تقول أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصى إلى علي بولاية الأمر والخلافة في امته من بعده ، وهذا ما أنكرته عائشة وزعمت موتهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين حاقنتها وذاقنتها أو بين سحرها نحرها كما مرّ ذلك عنها ، ومرّ تكذيب زعمها عن ابن عباس وعن أم سلمة وعن عمر ، فراجع ذلك في النص السابع عند أحمد.

__________________

(1) المصدر نفسه 5 : 75.

(2) إكمال إكمال المعلم 4 : 352.


النص الثالث : أخرج أيضاً تلو ما سبق بسنده ، قال : حدّثنا سعيد بن منصور ، وقتيبة بن سعيد ، وأبو بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ( واللفظ لسعيد ) قالوا : حدّثنا سفيان ، عن سليمان الأحول ، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم بكى حتى بلّ دمعه الحصى ، فقلت : يابن عباس وما يوم الخميس ؟ قال : اشتد برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وجعه فقال :« إئتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي » ، فتنازعوا ، وما ينبغي عند نبي تنازع ، وقالوا : ما شأنه أهجر استفهموه ، قال :« دعوني فالذي أنا فيه خير ، أوصيكم بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم » . قال : وسكت عن الثالثة ، أو قالها فأنسيتها. انتهى.

وأردف في هذا الحديث بثان في معناه ولفظه : حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا وكيع ، عن مالك بن مغول ، عن طلحة بن مصرف ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنّه قال : يوم الخميس وما يوم الخميس ، ثم جعل تسيل دموعه حتى رأيت على خديه كأنّها نظام اللؤلؤ ، قال : قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) :« إئتوني بالكتف والدواة ( أو اللوح والدواة )أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً » ، فقالوا : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يهجر.

وساق الحديث ثالثاً بسند آخر عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال : لما حُضِر رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده ، فقال عمر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كتاباً لن تضلوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) :« قوموا » .


قال عبيد الله : فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزية ما حال بين رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

أقول : إنّ هذا الحديث رواه ابن سعد في الطبقات ، وعبد الرزاق في المصنف ، والبخاري في صحيحه مكرراً وفي عدة أبواب ، وغيرهم كثير وهو ( حديث الرزية ) وقد استوفينا طرقه ومتونه باختلاف رواته في موسوعة ( عبدالله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ) ، وذكرنا مختلف آراء العلماء فيه.

والتحقيق أنّ القائل للكلمة الجافية النابية ( إنّه ليهجر ) هو عمر بن الخطاب ، وإنّ الغرض من الكتاب هو النص ( تحريرياً ) على خلافة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، حسماً للنزاع ، لكن عمر منع من ذلك واعترف بعد حين حيث قال لابن عباس : « واراده رسول الله للأمر فمنعت من ذلك » راجع الموسوعة تجد فيها ما يزيل البهمة ويكشف الغمة ، وقد مرّ في ذيل حديث البخاري في تخاصم علي والعباس عند عمر ما يتعلّق برواية مسلم للحديث ، وفيه ما لم يوجد عند البخاري في روايته فراجع.

ما ذكره ابن شبّة :

عاشراًً : ماذا عند عمر بن شبّة البصري النحوي الأخباري ( ت 262 ه‍ ) ؟

ذكر في كتابه تاريخ المدينة المنورة ( أخبار المدينة المنورة )(1) ( ذكر فاطمة والعباس وعلي( رضي الله عنهم ) وطلب ميراثهم من تركة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ) ثم ساق خمسة عشر حديثاً ننتخب منها ما يلي :

النص الأوّل : قال : حدّثنا سويد بن سعيد ، والحسن بن عثمان قالا : حدّثنا الوليد بن محمد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : أنّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم )

__________________

(1) أخبار المدينة المنورة 1 : 122.


أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذٍ تطلب صدقة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) التي بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ، وإنّي لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة( رضي الله عنها ) منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها [ زوجها ] علي ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وصلى عليها عليرضي‌الله‌عنه .

النص الثاني : وأيضاً روى تلو ذلك فقال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدّثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : انّ فاطمة والعباس أتيا ابا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك [ وسهمه ] من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : انّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ، وإنّي والله لا أغير أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه إلا صنعته ، قال : فهجرته فاطمة( رضي الله عنها ) ، فلم تكلمه في ذلك المال حتى ماتت.

ثالثاً : ، قال(1) : حدّثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، قال : حدّثنا فضيل بن مرزوق ، قال : حدّثني النميري بن حسان ، قال : قلت لزيد بن علي( رحمة الله عليه ) وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر : أنّ أبا بكر انتزع من فاطمة( رضي الله عنها ) فدك ، فقال : انّ أبا بكر كان رجلاً رحيماً ، وكان يكره أن يغيّر شيئاً تركه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فأتته فاطمة فقالت : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أعطاني فدك ، فقال لها : هل لك على هذا

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 124.


بيّنة ؟ فجاءت بعليرضي‌الله‌عنه فشهد لها ، ثم جاءت بأم أيمن فقالت : أليس تشهد أنّي من أهل الجنة ؟ قال : بلى ـ قال أبو أحمد : يعني أنّها قالت ذاك لأبي بكر وعمر ـ قالت : فأشهد أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أعطاها فدك ، فقال أبو بكر : فبرجل وامرأة تستحقينها أو تستحقين بها القضية ؟ قال زيد بن علي : وأيم الله لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر.

أقول : وهذا الخبر لا يصح سنداً لجهالة النميري بن حسان الذي خلت معاجم الرجال والتراجم عن ذكره ، مضافاً إلى جرح فضيل بن مرزوق الذي قال فيه ابن حبّان : منكر الحديث جداً ، وقال فيه الحاكم : عيب على مسلم إخراجه في الصحيح ، وسئل ابن أبي حاتم عن حديثه يحتج به ؟ فقال : لا. راجع بشأنه ميزان الاعتدال ، وسير أعلام النبلاء ، والمغني ، والكاشف كلها للذهبي ، وتهذيب التهذيب لابن حجر.

أما نكارة متنه فهو مستبطن لكذبه ، إذ كيف يعقل أن يقول زيد ذلك ، وهو الفقيه في دينه العالم بالأحكام ، وهو يعلم أنّ جده علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال فيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« علي مع الحق والحق مع علي » ، مضافاً إلى عصمته بنص آية التطهير ، وكذلك جدته فاطمة الزهراءعليها‌السلام المعصومة بآية التطهير ، وهي بضعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي صاحبة اليد ، كل ذلك يمنع من التجاوز على ما تحت يدها ويغني عن طلب البينة ، ودع أم أيمن المشهود لها بالجنة ، واستشهادها لأبي بكر على ذلك فصدقها ، أكل ذلك لا يعرفه زيد ؟

ولو أغمضنا النظر عن جميع ذلك ، ألم يعلم أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ؛ وأبو بكر هو المدّعي فكان عليه هو أن يقيم البيّنة ، لا السيدة الزهراء صاحبة اليد ؛ لانتزاعه منها فدكاً بنص الخبر ، فكل هذا لا يعرفه زيد ؟ معاذ الله ، ثم خلوّ المصادر الزيدية عن ذكر هذا عن زيدرحمه‌الله يوهن الرواية.


رابعاً : ذكر خبر مالك بن أوس بن الحدثان في ( خصومة علي والعباسرضي الله عنهما إلى عمررضي‌الله‌عنه )(1) وفيه شهادة عمر على علي والعباس أمامهما وأمام الحضور من وجوه الصحابة : ( تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر ) ، وأيضاً : ( فتزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ).

وهذا الخبر مرّ بطوله فيما ذكرناه في النص الثامن عن عبد الرزاق من كتابه ( المصنف ) وذكرناه أيضاً عن البخاري فيما أخرجه في صحيحه بدون كلمة الشتيمة ، وعقبنا عليه بما اقتضاه المقام فراجع النص الثالث ماذا عند البخاري ، وقد علّق المحققان على كتاب عمر بن شبه في هامش الخبر بذكر المصادر(2) .

ونحن سوف لا نذكر الخبر بعد هذا مرّة ثالثة ورابعة عن أصحاب تلك المصادر ، كما لا يفوتنا التنبيه على أنّ عمر بن شبة قد ذكر الخبر بعد هذا ست مرّات بتفاوت في الألفاظ مطولاً ومختصراً.

كما روى مكرراً خبر مطالبة الزهراءعليها‌السلام أبا بكر في فدك والصوافي ، وهو يأبى أن يدفع إليها ذلك ، حتى روى في خبر عنها أنّها طالبته واحتجت عليه بآيات الخمس والفيء فلم يستجب لها ، وفي آخر الخبر قال لها : وهذا عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهما فاسأليهم عن ذلك ، فانظري هل يوافق

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 126.

(2) أخرجه البخاري : 2904 و 3094 و 4033 و 4885 و 5357 و 5358 و 2728 و 7305.

ومسلم : 757 ح 48 ، 49 و 50 , وأبو داود : 2965 , والترمذي : 1610 , والنسائي 7 : 136 ـ 137 , وأحمد 1 : 25 و 48 و 162 و 164 و 179 و 191 , والبيهقي في السنن 6 : 297 , والبغوي في مصابيح السنة : 2738 , وفي التفسير 4 : 416 , وأبو يعلى 2 : 3 و 4 , والطبري في التفسير : 38 ـ 39 , والمروزي : 1 و 3 , والحميدي : 22 , وعبد الرزاق : 9772 , وابن حبّان : 6608 , وابن سعد 2 : 314 , كلهم بنحو هذا الإسناد مختصراً ومطولاً.


على ذلك أحد منهم ؟ فانصرفت إلى عمر فذكرت له مثل الذي ذكرت لأبي بكر بقصته وحدوده ، فقال لها مثل الذي كان راجعها به أبو بكر ، فعجبت فاطمة وظنت أنهما قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.

فهذا الخبر ـ وإسناده حسن كما ذكر المحققان في هامشه ـ جاء في آخره ما أوحى إلى أنّ فاطمةعليها‌السلام عجبت من موافقة عمر لصاحبه حتى ( ظنت قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه ) وهذا يشعر بسوء ظنها فيهما لتأمرهما على غصب النحلة منها ، أليس كذلك!؟

ما ذكره ابن قتيبة :

الحادي عشر : ماذا عند ابن قتيبة ( ت 270 ه‍ ) ؟

النص الأوّل : ذكر في كتابه المعارف ( المحسن ) وقد مرّ بنا في ( نظرة في المصادر ) ما يتعلق به فلا حاجة إلى الإعادة.

النص الثاني : ذكر في كتابه تاريخ الخلفاء الراشدين ( الإمامة والسياسة )(1) ، بيعة السقيفة وما جرى بين أبي بكر والأنصار ، وامتناع سعد بن عبادة عن مبايعة أبي بكر حتى مات ، وإنّ بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب ومعهم الزبير بن العوام ، وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب ، وإنّما كان يعدّ نفسه من بني هاشم ، وكان علي ـ كرّم الله وجهه ـ يقول : ما زال الزبير منّا حتى نشأ بنوه فصرفوه عنّا .

واجتمعت بنو أمية إلى عثمان ، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبدالرحمن بن عوف ، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين ، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة ـ وقد بايع الناس أبا بكر ـ قال لهم عمر : ما لي أراكم مجتمعين حلقاً شتّى ، قوموا

__________________

(1) الإمامة والسياسة 1 : 11.


فبايعوا أبا بكر فقد بايعته وبايعه الأنصار ، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه ، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا.

وأما علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم ، فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام ، فذهب اليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن اشيم ، فقالوا : انطلقوا فبايعوا أبا بكر ، فأبوا ، فخرج الزبير بن العوام بالسيف ، فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، وانطلقوا به فبايع ، وذهب بنو هاشم أيضاً فبايعوا.

وفي هذا الخبر تطالعنا ثلاثة أمور لم نقف عليها من قبل فيما عرضناه من المصادر :

الأول : وهو تكتلات سياسية قبلية ، تجمّعت في المسجد الشريف ، وما اجتمعت ، مما يدل على تباين في وجهات النظر.

الثاني : هيمنة عمر بن الخطاب على الموقف المتأزم ، وبمجرد دعوة أولئك النفر المتحلقين المتخلفين إلى بيعة أبي بكر قاموا فبايعوا.

الثالث : بيعة بني هاشم.

وليس في الأمر الأول والثاني ما يستدعي النظر فيهما ، لكن الأمر الثالث وهو بيعة بني هاشم يومئذٍ لافت للنظر ، وهو مما انفرد ابن قتيبة بروايته ، إذ أنّ بني هاشم ما بايعوا حتى بايع الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وهو لم يبايع إلاّ بعد ستة أشهر حيث انصرفت وجوه الناس عنه بعد موت الزهراءعليها‌السلام ، فضرع لفك الحصار الإجتماعي خشية تطوّره إلى المقاطعة ، فيحل به ومعه بنو هاشم مثل ما حلّ بهم من قبل في مكة المكرمة إبان الدعوة الإسلامية ، حين حوصروا في شعب أبي طالبعليه‌السلام .

النص الثالث : قال(1) ( إباية علي ـ كرّم الله وجهه ـ بيعة أبي بكر ).

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 12.


ثم إنّ علياً ـ كرّم الله وجهه ـ أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله ، فقيل له : بايع أبا بكر ، فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار ، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وتأخذوه منّا أهل البيت غصباً ! ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة ، فإذاً أحتج عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار ، نحن أولى برسول الله حياً وميّتاً ، فانصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون.

فقال عمر : إنّك لست متروكاً حتى تبايع ، فقال له علي : احلب حلباً لك شطره ، وشدّ له اليوم يردده عليك غداً ، ثم قال : يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه ، فقال له أبو بكر : فإن لم تبايع فلا أكرهك.

فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي ـ كرّم الله وجهه ـ : يابن عم إنّك حديث السن وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ، وأشد احتمالاً واستطلاعاً ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ، فإنّك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك.

قال علي ـ كرّم الله وجهه ـ : الله الله يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب من داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ، ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المتطلع لأمر الرعية ، الدافع عنهم الأمور السيئة ، القاسم بينهم بالسويّة ، والله أنه لفينا فلا تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بُعداً.


وقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك ، قال : وخرج علي ـ كرّم الله وجهه ـ يحمل فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، ولو أنّ زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا عنه ، فيقول علي ـ كرّم الله وجهه ـ : أفكنت أدعُ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في بيته لم أدفنه ، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟

فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم.

النص الرابع : ( كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ).

قال(1) : وإنّ أبا بكر تفقد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي ـ كرّم الله وجهه ـ ، فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم في دار علي ، فأبوا أن يخرجوا ، فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على مَن فيها ، فقيل له : يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة ، قال : وإن.

فخرجوا فبايعوا إلا علياً ، فإنّه زعم أنّه قال : حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن ، فوقفت فاطمة( رضي الله عنها ) على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوء محضر منكم ، تركتم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) جنازة بين أيدينا ، وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقّاً.

فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : إذهب فادع لي علياً ، قال : فذهب إلى علي ، فقال له : ما حاجتك ؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله ، فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله ، فرجع فأبلغ الرسالة ، قال : فبكى أبو بكر طويلاً.

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 13.


فقال عمر الثانية : أن لا تهمل هذا المتخلف عنك بالبيعة ، فقال أبو بكر لقنفذ : عد إليه فقل له : أمير المؤمنين يدعوك لتبايع ، فجاءه قنفذ فأدّى ما أمر به ، فرفع عليّ صوته فقال : سبحان الله لقد ادعى ما ليس له ، فرجع قنفذ فأبلغ الرسالة ، فبكى أبو بكر طويلاً.

ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة ، فدقوا الباب ، فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟

فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين ، وكادت قلوبهم تنصدع وأكبادهم تتفطّر ؛ وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا علياً فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع ، فقال : إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا : إذاً والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك ، قال : إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله ؛ قال عمر : أمّا عبد الله فنعم ، وأمّا أخا رسوله فلا. وأبو بكر ساكت لا يتكلم ، فقال له عمر : ألا تأمر فيه بأمرك ، فقال : لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه ، فلحق علي بقبر رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصيح ويبكي وينادي :« يابن أم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » .

النص الخامس : قال(1) : فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما ، فأتيا علياً فكلّماه فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط ، فسلّما عليها فلم تردّعليهما‌السلام ، فتكلم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله والله إنّ قرابة رسول الله أحب إليّ من قرابتي ، وإنّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أنّي مت ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك ، وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ، إلا أنّي سمعت أباكِ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : لا نورّث ، ما تركنا فهو صدقة.

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 14.


فقالت :« أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) تعرفانه تفعلان به » ؟ قالا : نعم ، فقالت :« نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني » ؟ قالا : نعم ، سمعناه من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

قالت :« فإنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه » ، فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطكِ يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول :« والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة أصليها » .

ثم خرج باكياً ، فاجتمع إليه الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم أقيلوني بيعتي ، قالوا : يا خليفة رسول الله ، إنّ هذا الأمر لا يستتم ، وأنت أعلمنا بذلك إنّه إن كان هذا لم يقم لله دين ، فقال : والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة بعدما سمعت ورأيت من فاطمة.

النص السادس : قال(1) : فلم يبايع علي ـ كرّم الله وجهه ـ حتى ماتت فاطمة( رضي الله عنها ) ، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمساً وسبعين ليلة.

النص السادس : قال(2) : فأتى المغيرة بن شعبة فقال : أرى يا أبا بكر أن تلقوا العباس ، فتجعلوا له في هذا الأمر نصيباً يكون له ولعقبه ، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم إذا كان العباس معكم.

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 15.

(2) المصدر نفسه 1 : 15 ـ 16.


قال : فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتى دخلوا على العباسرضي‌الله‌عنه ، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه ثم قال : إنّ الله بعث محمداً( صلّى الله عليه وسلّم ) نبياً وللمؤمنين ولياً ، فمنّ الله تعالى بمقامه بين أظهرنا حتى اختار الله له ما عنده ، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم متفقين لا مختلفين ، فاختاروني عليهم والياً ولأمورهم راعياً ، وما أخاف بحمد الله وهناً ولاحيرة ولا جبناً ، وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم عليه توكلت وإليه أنيب.

وما زال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين ، ويتخذونكم لحافاً ( لجأ / ظ ) فاحذروا أن تكونوا جهد المنيع ، فإما دخلتم فيما دخل فيه العامة ، أو دفعتموهم عما مالوا إليه ، وقد جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيباً ، يكون لك ولعقبك من بعدك ، إذ كنت عم رسول الله ، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك فعدلوا الأمر عنكم ، على رسلكم بني عبد المطلب فإن رسول الله منّا ومنكم.

ثم قال عمر : أي والله واخرى إنّا لم نأتكم حاجة منّا إليكم ، ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة فيتفاقم الخطب بكم وبهم ، فانظروا لأنفسكم ولعامتكم.

فتكلم العباس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إنّ الله بعث محمداً كما زعمت نبياً وللمؤمنين ولياً ، فمنّ الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده ، فخلّى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم مصيبين للحق لا مائلين عنه بزيغ الهوى ، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت ، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون فيهم ، وإن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين ، فما وجب إذ كنّا كارهين ، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقاً لك فلا حاجة لنا فيه ، وإن يكن حقاً للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، وإن كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض


دون بعض ، وأما قولك إن رسول الله منّا ومنكم ، فإنّه قد كان من شجرة نحن أغصانها وأنتم جيرانها.

النص الثامن : قال(1) : ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف ، فأقبل على الناس فعذر علياً بمثل ما اعتذر عنده ، ثم قام علي فعظّم حق أبي بكر وذكر فضله وسابقته ، ثم مضى فبايعه ، فأقبل الناس على علي فقالوا : أصبت يا أبا الحسن وأحسنت.

النص التاسع : قال(2) : فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم ، يقول : قد أقلتكم في بيعتي هل من كاره ؟ هل من مبغض ، فيقوم علي في أول الناس فيقول : « والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبداً ، قد قدّمك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لتوحيد ديننا من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا ».

النص العاشر : قال(3) : ( مرض أبي بكر واستخلافه عمر ).

ثم إنّ أبا بكر عمل سنتين وشهوراً ثم مرض مرضه الذي مات فيه ، فدخل عليه أناس من أصحاب النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فيهم عبد الرحمن بن عوف ، فقال له : كيف أصبحت يا خليفة رسول الله ، فإنّي أرجوا أن تكن بارئاً. قال : أترى ذلك ؟ قال : نعم.

قال أبو بكر : والله إنّي لشديد الوجع لما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي ، إنّي ولّيت أمركم ولّيت خيركم في نفسي فكلكم ورم أنفه ، إرادة أن يكون هذا الأمر له ، وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت.

أقول : ثم ساق ابن قتيبة حديث أبي بكر وما تمنّاه من مثلثاته ، وقد مرّ ذكر ذلك في مقدمة هذا الباب فراجع.

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 16.

(2) المصدر نفسه 1 : 16.

(3) المصدر نفسه 1 : 18.


النص الحادي عشر : قال ابن قتيبة(1) : ودخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنّه استخلف عمر ، فقالوا : نراك استخلفت علينا عمر وقد عرفته ، وعلمت بوائقه فينا ، وأنت بين أظهرنا فكيف إذا وليت عنّا ، وأنت لاق الله( عزّ وجلّ ) فسائلك فما أنت قائل ؟

النص الثاني عشر : قال(2) : ثم قال أبو بكر لعمر : خذ هذا الكتاب ، واخرج به إلى الناس ، وأخبرهم أنّه عهدي ، وسلهم عن سمعهم وطاعتهم ، فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم ، فقالوا : سمعاً وطاعة ، فقال له رجل : ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ قال : لا أدري ، ولكنّي أول من سمع وأطاع ، قال : لكني والله أدري ما فيه ، أمّرته عام أول وأمّرك العام.

ما ذكره البلاذري :

الثاني عشر : ماذا عند البلاذري ( ت 279 ه‍ ) ، في كتاب أنساب الأشراف(3) ؟

النص الأوّل : بسنده عن ابن عباس قال : خرج رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عاصباً رأسه ، حتى جلس على المنبر ، وكان الناس قد تكلموا في أمره ـ يعني أسامة ـ حين أراد توجيههم إلى مؤتة ، فكان أشدّهم قولاً في ذلك عياش بن أبي ربيعة ، فقال : أيها الناس ، أنفذوا بعث أسامة ، فلعمري لئن قلتم في إمرته ، لقد قلتم في إمرة أبيه من قبله ، ولقد كان أبوه للإمارة خليقاً ، وأنه لخليق بها ، وكان في جيش أسامة : أبو بكر وعمر ، ووجوه من المهاجرين والأنصار ، وخرج فعسكر بالجرف ، فلما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) واستخلف أبو بكر ، أتى أسامة فقال له : قد ترى موضعي من خلافة

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 19.

(2) المصدر نفسه 1 : 20.

(3) أنساب الأشراف 1 : 474.


رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأنا إلى حضور عمر ورأيه محتاج ، فأنا أسألك تخليفه ، ففعل ، ومضى أسامة حتى قدم سالماً غانماً ، فسر الناس بذلك.

النص الثاني (1) : بسنده عن ابن عباس أنه قال : يوم الخميس ، وما يوم الخميس ؟ اشتدّ فيه وجع رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وبكى ابن عباس طويلاً ، ثم قال : فلما اشتد وجعه قال( صلّى الله عليه وسلّم ) :« إئتوني بالدواة والكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلون معه بعدي أبداً » ، فقالوا : أتراه يهجر ، وتكلموا ولغطوا ، فغم ذلك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأضجره ، وقال :« إليكم عنّي » . ولم يكتب شيئاً.

النص الثالث (2) : بسنده عن جابر انّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتاباً لاُمته ، فكان في البيت لغط ، فرفضها.

النص الرابع (3) : بسنده عن ابن عباس قال : توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يوم الإثنين ، فترك بقية يومه ومن الغد ودفن ليلاً ، فتكلم عمر فقال : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لم يمت ، وإنّما عُرج بروحه كما عُرج بروح موسى بن عمران ، والله لا يموت حتى يقطع أيدي رجال وألسنتهم ، وتكلّم حتى أزبد شدقاه ، فقام العباس فقال : يا قوم إنّ النبي قد مات فادفنوا صاحبكم ، فإنّه ليس يعزّ على الله إن كان كما يقولون أن ينحي عنه التراب ، فوالله ما مات رسول الله حتى ترك السبيل نهجاً واضحاً ، أحلّ الحلال وحرّم الحرام ، ونكح وطلّق ، وحارب وسالم ، والله ما كان راعي غنم يخبط عليها العصاة بمخبطه ، ويمد رحوضها بيده بأدأب من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيكم ، ولا أتعب .

النص الخامس (4) : بسنده عن القاسم بن محمد : لما توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسّم بينهم قسماً ، فبعث إلى عجوز من بني عدي بن

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 562.

(2) المصدر نفسه 1 : 562.

(3) المصدر نفسه 1 : 567.

(4) المصدر نفسه 1 : 580.


النجار بقسمها مع زيد بن ثابت فقالت : ما هذا ؟ قال : قسم قسّمه أبو بكر ، فقالت : أتراشونني عن ديني ؟ قال : لا ، قالت : أتخافوني أن أدع ما أنا عليه ؟ قال : لا ، قالت : فوالله لا آخذ منه شيئاً ، فرجع زيد إلى أبي بكر ، فأخبره بما قالت.

النص السادس (1) : بسنده عن ابن عباس قال : بلغني أنّ عمر بن الخطاب أراد الخطبة يوم الجمعة ، فعجلت الرواح حين صارت الشمس صكّة عُمّي ، فلما سكت المؤذنون خطب فقال : بلغني أنّ الزبير قال : لو قد مات عمر بايعنا علياً ، وإنما كانت بيعة أبي بكر فلتة ، فكذب والله.

النص السابع (2) : بسنده عن ابن شهاب الزهري : وأتي بأبي بكر المسجد فبايعوه ، وسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ولم يفرغوا من غسل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقال علي : ما هذا ؟ فقال العباس : ما رده مثل هذا قط ، لهذا ما قلت لك الذي قلت ، قال : فخرج علي فقال : يا أبا بكر ألم تر لنا حقاً في هذا الأمر ؟ قال : بلى ، ولكني خشيت الفتنة ، وقد قُلّدت أمراً عظيماً ، فقال علي : وقد علمت أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أمرك بالصلاة ، وإنّك ثاني اثنين في الغار ، وكان لنا حق ولم نستشر ، والله يغفر لك ، وبايعه.

النص الثامن (3) : بسنده عن الزهري قال : لما قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) انحاز الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل علي والزبير وطلحة في بيت فاطمة ، وانحاز المهاجرون إلى أبي بكر ومعهم أسيد بن حضير في بني عبد الأشهل ، ورسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في بيته لم يفرغ من أمره .

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 581.

(2) المصدر نفسه 1 : 582.

(3) المصدر نفسه 1 : 583.


النص التاسع (1) : بسنده عن جابر بن عبد الله قال : قال العباس لعلي : ما قدمتك إلى شيء إلاّ تأخّرت عنه ، وكان قال له لما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : أخرج حتى أبايعك على أعين الناس ، فلا يختلف عليك اثنان ، فأبى وقال : أو منهم من ينكر حقنا ويستبد علينا ؟ فقال العباس : سترى أنّ ذلك سيكون ، فلما بويع أبو بكر قال له العباس : ألم أقل لك يا علي ؟

النص العاشر (2) : بسنده قال : إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة ، فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة ، فتلقته فاطمة على الباب ، فقالت فاطمة :« يا ابن الخطاب أتراك محرقاً عليّ بابي ؟ » قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك ، وجاء علي فبايع ؛ وقال :« كنت عزمت أن لا أخرح من منزلي حتى أجمع القرآن » .

النص الحادي عشر (3) : بسنده عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة أشهر ، فلمّا ماتت ضرع إلى صلح أبي بكر.

النص الثاني عشر (4) : بسنده عن ابن عباس قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي( رضي الله عنهم ) حين قعد عن بيعته وقال : إئتني به بأعنف العنف ، فلما أتاه جرى بينهما كلام ، فقال : أحلب حلباً لك شطره ، والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤثرك غداً.

النص الثالث عشر (5) : بسنده عن أبي عون قال : لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي فقال : يابن عم إنّه لا يخرج أحد إلى هذا العدو وأنت لم

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 583.

(2) المصدر نفسه 1 : 586.

(3) المصدر نفسه 1 : 586.

(4) المصدر نفسه 1 : 587.

(5) المصدر نفسه 1 : 587.


تبايع ، فلم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر ، فقام أبو بكر إليه فاعتنقا وبكى كل واحد إلى صاحبه ، فبايعه فسرّ المسلمون وجدّ الناس في القتال ، وقطعت البعوث.

النص الرابع عشر (1) : بسنده عن محمد بن المنكدر قال : جاء أبو سفيان إلى علي فقال : أترضون أن يلي أمركم ابن أبي قحافة ؟ أما والله لئن شئتم لأملأنّها عليه خيلاً ورجلاً ، فقال : لست أشاء ذلك.

النص الخامس عشر (2) : بسنده قال : إن أبا سفيان جاء إلى عليعليه‌السلام فقال : يا علي بايعتم رجلاً من أذلّ قبيلة من قريش ، أما والله لئن شئت لأضرمنّها عليه من أقطارها ، ولأملأنّها عليه خيلاً ورجالاً ، فقال له علي :« إنّك طال ما غششت الله ورسوله والإسلام فلم ينقصه ذلك شيئاً » .

النص السادس عشر (3) : ، بسنده عن أبي هريرة قال : إنّ أبا سفيان كان حين قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) غائباً ، بعث به مصدقاً ، فلما بلغته وفاة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : من قام بالأمر بعده ؟ قيل : أبو بكر ، قال : أبو الفصيل ؟ إنّي لأرى فتقاً لا يرتقه إلا الدم.

النص السابع عشر (4) : بسنده عن الزهري قال : خطب أبو بكر حين بويع واستخلف فقال : ألا وإنّي قد وليتكم ولست بخيركم ، ألا وقد كانت بيعتي فلتة وذلك إنّي خشيت فتنة .

النص الثامن عشر (5) : بسنده عن أبي عمرو الجوني قال : قال سلمان الفارسي

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 588.

(2) المصدر نفسه 1 : 588.

(3) المصدر نفسه 1 : 589.

(4) المصدر نفسه 1 : 590.

(5) المصدر نفسه 1 : 590.


حين بويع أبو بكر ( كرداد وناكر داد )(1) ، أي عملتم وما عملتم ، لو بايعوا علياً لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم.

هذه جملة مقتطفات مما رواه البلاذري في كتاب أنساب الأشراف ، وفيها من التهافت في الروايات ما يلفت النظر ، لكن الذي لا شك فيه هو ما ساقه بإسناده ، وساعد عليه الاعتماد والاشتهار نحو ما يلي :

1 ـ أمر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ببعث أسامة ، وجعل فيه أبا بكر وعمر ووجوهاً من المهاجرين والأنصار ، وقد تخلفوا جميعاً فخالفوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث كان يقول : نفذوا جيش أسامة ، وقد قال الله تعالى :( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (2) .

بل روى الشهرستاني في الملل والنحل(3) ، والعضد الإيجي كما في شرح المواقف للشريف الجرجاني(4) ، قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلّف عنه » .

2 ـ أرادصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يكتب كتاباً لأمته لا يضلون بعده ، فقالوا : أتراه يهجر ، ولغطوا فغمّ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأضجره ، فطردهم وقال :« إليكم عنّي » .

3 ـ تصنّع عمر في بلبلة الموقف حتى يأتي أبا بكر ، وكان غائباً بالسنح ، فقال : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يمت ، وردّ العباس على ذلك.

__________________

(1) كلام فارسي يكتب باللغة العصرية ( كرديد ونه كرديد ) وتلفظ الألف ( كرداد ) بالإمالة ، وذكر هذا الكلام الفارسي أيضاً الجاحظ في الرسالة العثمانية ( هامش المصدر ).

(2) النور : 63.

(3) الملل والنحل 1 : 23.

(4) شرح المواقف للجرجاني 8 : 408.


4 ـ استعمال الرشوة في تثبيت الموقف لأبي بكر على حساب الدين ، ورفض العجوز الأنصارية ومصارحتها بذلك.

5 ـ إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة باعتراف نفسه ، واعتراف عمر أيضاً بذلك ، ومثل ذلك ما قاله الزبير بن العوام في اُخريات عهد عمر ، وهذا يعني أنّ المسلمين حتى ذلك اليوم لم يكونوا جميعاً يرون صحة خلافة أبي بكر ولا شرعيتها ، وإنّما هي فلتة ، وقد سماها أحمد أمين ( غلطة )(1) .

6 ـ إنّ العباس حاول مبايعة الإمام قبل أن يتم أمر السقيفة ، إلا أنّ الإمامعليه‌السلام رفض ذلك العرض لاشتغاله بتجهيز النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

7 ـ إنّ أبا بكر أرسل عمر لإحضار الإمام ليبايعه وأن يجيئ به بأعنف العنف ، وانّ عمر جاء بفتيلة فتلقته فاطمةعليها‌السلام ، وقالت له :« يابن الخطاب أتراك محرقاً عليّ بابي ؟ » ، قال : نعم ، وذاك أقوى فيما جاء به أبوك ، فكان هذا منه بمنتهى الفظاظة والعنجهية.

8 ـ إنّ علياً لم يبايع أبا بكر إلا بعد موت فاطمةعليها‌السلام وذلك بعد ستة أشهر ، فضرع للبيعة.

9 ـ وإنّه لم يضرع لو لم ير الردة قد تفشت في العرب ، ولم يخرج أحد إلى العدو ما دام هو لم يبايع ، وكلّمه عثمان في ذلك ، ومع ذلك فقد روى أنّه بايع أول يوم ، وله كلام دل على قناعته بأولوية أبي بكر مما نسجه الأفّاكون ؟!

10 ـ وإنّ أبا سفيان أعلن سخطه على تولي أبي بكر الخلافة ، وأعجب كيف لم يراعي له حقاً وجميلاً سابقاً له عليه ، وذلك فيما رواه البلاذري(2) قال : كان

__________________

(1) يوم الإسلام : 53 ، قال : ولذلك قال عمر : إنّها غلطة وقى الله المسلمين شرّها. وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر.

(2) أنساب الأشراف 1 : 488.


بلال وصهيب وسلمان جلوساً فمرّ بهم أبو سفيان بن حرب ، فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعدُ ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ؟ ثم انطلق أبو بكر إلى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فأخبره ، فقال : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك ، قال : فأتاهم أبو بكر فقال : يا أخوتي لعلكم غضبتم ؟ فقالوا : يغفر الله لك يا أبا بكر.

أقول : وليتني أدري ماذا كان يقول أبو بكر في نفسه حين يأمر بجلب علي بأعنف العنف ، وتهديد عمر باحراق باب فاطمة ، أليس ذلك مما اغضبها ؟ وهل غضبها دون غضب الصحابة الثلاث ؟ أوليس صح قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« فاطمة بضعة منّي ، فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن أغضبني فقد أغضب الله » .

النص التاسع عشر : قال أيضاً البلاذري في فتوح البلدان(1) :

( فدك ) قالوا بعث رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إلى أهل فدك منصرفه من خيبر ، محيصة بن مسعود الأنصاري يدعوهم إلى الإسلام ، ورئيسهم رجل منهم يقال له يوشع بن نون اليهودي ، فصالحوا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) على نصف الأرض بتربتها ، فقبل ذلك منهم ، فكان نصف فدك خالصاً لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، وكان يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل.

النص العشرون : في فتوح البلدان(2) قال : وحدثنا عبد الله بن ميمون المكتب ، قال : أخبرنا الفضيل بن عياض ، عن مالك بن جعونة ، عن أبيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : انّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) جعل لي فدك فأعطني إيّاها ، وشهد لها علي بن أبي طالب فسألها شاهداً آخر فشهدت لها أم أيمن ، فقال : قد علمت يا بنت رسول الله انّه لا تجوز إلاّ شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، فانصرفت.

__________________

(1) فتوح البلدان : 36.

(2) المصدر نفسه : 38.


النص الحادي والعشرون : في فتوح البلدان(1) بسنده عن أم هانئ انّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أتت أبا بكر ، فقالت له : من يرثك إذا مت ؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فما بالك ورثت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) دوننا ؟ قال : يا بنت رسول الله والله ما ورثت أباك ذهباً ولا فضة ولا كذا ولا كذا ، فقالت : سهمنا بخيبر وصدقتنا بفدك ، فقال : يا بنت رسول الله سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : إنّما هي طعمة أطعمنيها الله في حياتي ، فإذا مت فهي بين المسلمين.

النص الثاني والعشرون : في فتوح البلدان(2) بسنده عن الكلبي انّ بني أمية اصطفوا فدك ، وغيّروا سنّة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فيها ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ردّها إلى ما كانت عليه.

النص الثالث والعشرون : في فتوح البلدان(3) بسنده عن أبي برقان انّ عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة خطب فقال : انّ فدك كانت ممّا أفاء الله على رسوله ، ولم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ، فسألته فاطمة رحمها الله تعالى فقال : ما كان لكِ أن تسأليني ، وما كان لي أن أعطيك ، فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل.

ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم ولي معاوية فقطعها مروان بن الحكم ، فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك ، فصارت لي وللوليد وسليمان ، فلما ولي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي ، وسألت سليمان حصته فوهبها لي ، فاستجمعتها ، وما كان لي من مال أحب إليَّ منها ، فاشهدوا أنّي قد رددتها إلى ما كانت عليه.

__________________

(1) المصدر نفسه : 38.

(2) المصدر نفسه : 37.

(3) المصدر نفسه : 39.


ولما كانت سنة 210 أمر أمير المؤمنين المأمون عبد الله بن هارون الرشيد ، فدفعها إلى فاطمة ، وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أما بعد فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) والقرابة به أولى من استنّ سننه ، ونفذ أمره ، وسلّم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة منحته وصدقته ، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته ، واليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته.

وقد كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أعطى فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فدك ، وتصدّق بها عليها ، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا اختلاف فيه بين آل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدّق عليه ، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ، ويسلمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله ، وإلى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بتنفيذ أمره وصدقته.

فأمر باثبات ذلك في دواوينه والكتاب إلى عمّاله ، فلأن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض الله نبيه( صلّى الله عليه وسلّم ) أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عدته ، انّ فاطمة( رضي الله عنها ) لأولى بأن يصدّق قولها فيما جعل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لها.

وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها ، وما فيها من الرقيق والغلاّت وغير ذلك ، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، لتولية أمير المؤمنين إياها القيام بها لأهلها.

فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين ، وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأعلمه مَن قبلك وعامل محمد بن يحيى ، ومحمد بن


عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري ، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله ، والسلام.

وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210.

فلما استخلف المتوكل على الله أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون.

ما ذكره الطبري :

الثالث عشر : محمد بن جرير الطبري ( ت 310 ه‍ ) ، فماذا عنده في تاريخه من نصوص ؟ مما رواه في أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة ، وهي السنة التي توفي فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ مما يعنينا نقله ، ولمّا كان جملة مما راه ينتهي بإسناده إلى محمد بن إسحاق ، فسوف لا نذكره جميعه لأنّه سبق لنا أن ذكرنا عن ابن إسحاق ما أردناه ، فلسنا بحاجة إلى الإعادة ، لكن نذكر الآن نصوصاً في ثلاث روايات ساقها الطبري بأسانيد متحدة عن ابن إسحاق ، فقال : حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة عن ابن إسحاق.

النص الأوّل : روى الطبري في تاريخه(1) ، بسنده عن ابن إسحاق ، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مليكة ، قال : لما كان يوم الإثنين خرج رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عاصباً رأسه إلى الصبح ، وأبو بكر يصلي بالناس ، فلما خرج رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) تفرّج الناس فعرف أبو بكر أنّ الناس لم يفعلوا ذلك إلا لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فنكص عن مصلاه ، فدفع رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في ظهره ، وقال : صل بالناس ، وجلس رسول الله إلى جنبه ، فصلى قاعداً عن يمين أبي بكر ، فلما فرغ من الصلاة أقبل على الناس وكلمهم رافعاً صوته ، حتى خرج صوته من باب المسجد يقول :« يا أيها الناس سُعّرت النار ، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، وإنّي والله لا تمسكون عليّ شيئاً ، إني لم أحلّ إلا ما أحلّ لكم القرآن ، ولم أحرّم عليكم إلا ما حرّم عليكم القرآن » .

__________________

(1) تاريخ الطبري 3 : 198.


فلما فرغ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) من كلامه ، قال له أبو بكر : يا نبي الله إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما نحبّ ، واليوم يوم ابنة خارجة فأتيها ، ثم دخل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وخرج أبو بكر إلى أهله بالسُنح.

النص الثاني : رواه الطبري في تاريخه(1) ، بسنده السابق عن ابن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : رجع رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في ذلك اليوم حين دخل المسجد ، فاضطجع في حجري ، فدخل علي رجل من آل أبي بكر في يده سواك أخضر ، قالت : فنظر رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إلى يده نظراً عرفت أنّه يريده ، فأخذته فمضغته حتى ألنته ، ثم أعطيته إياه ، قالت : فاستن به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسواك قبله ، ثم وضعه ، ووجدت رسول الله يثقل في حجري ، قالت : فذهبت أنظر في وجهه ، فإذا نظره قد شخص وهو يقول :« بل الرفيق الأعلى من الجنة » ، قالت : قلت : خُيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق ، قالت : وقبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

النص الثالث : رواه الطبري في تاريخه(2) ، بسنده السابق عن ابن إسحاق ، عن يحيى بن عباد بن الزبير ، عن أبيه عباد ، قال : سمعت عائشة تقول : مات رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بين سحري ونحري وفي دوري ، ولم أظلم فيه أحداً ، فمن سفهي وحداثة سني أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قبض وهو في حجري ، ثم وضعت رأسه على وسادة ، وقمت ألتدمُ مع النساء وأضرب وجهي.

هذه ثلاث روايات رواها الطبري بإسناده عن ابن إسحاق ، ورجال إسناده كما يلي :

1 ـ محمد ـ ابن حميد ـ ابن حيان التميمي الرازي ( ت 248 ه‍ ) ، قال ابن أبي شيبة : كثير المناكير ، وقال البخاري : في حديثه نظر ، وقال صالح بن محمد

__________________

(1) المصدر نفسه 3 : 199.

(2) تاريخ الطبري 3 : 199.


الأسدي : كلّ شيء كان يحدّثنا ابن حميد كنّا نتهمه فيه ، وقال أيضاً : كانت أحاديثه تزيد ، وما رأيت أحداً أجرأ على الله منه ، كان يأخذ أحاديث الناس فيقلب بعضها على بعض إلى غير ذلك من أقوال في تجريحه يراجع بشأنها تهذيب التهذيب(1) .

2 ـ سلمة هو ابن الفضل الأبرش الأنصاري ( توفي بعد سنة 190 ه‍ ) ، قال البخاري : عنده مناكير ، وقال ابن عدي : عنده غرائب وإفراد ، وعن أبي زرعة : كان أهل الري لا يرغبون فيه لمعانٍ فيه من سوء رأيه وظلم فيه ، إلى غير ذلك من تجريح ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب(2) .

3 ـ محمد بن إسحاق صاحب السيرة ( ت 150 ه‍ ) ، كان مؤرّخ دولة ، وطعنه مالك بقوله : دجّال الدجاجلة ، وقال أحمد بن حنبل : كان ابن إسحاق يدلّس ، وكذّبه سليمان التميمي ، ويحيى القطان ، ووهيب بن خالد. وقد مرّت ترجمته فيما سبق.

وحسبنا بيان حالهم ، فهو يغنينا عن النظر في حال باقي رجال الإسناد في الروايات الثلاث ، مع الغض عما في متونها من احتجان الساعات الأخيرة من الحياة النبوية ، وجعلها قصراً على أبي بكر وآل أبي بكر ، وبالطبع تكون عائشة هي سيدة الموقف فيما روته ، لولا أنّ سفهها وحداثة سنّها غلبا عليها ـ كما قالت هي عن نفسها ومرّ ذلك في ثالث الروايات ـ فظن خيراً ولا تسل عن الخبر ، هذا هو النص الذي تضمن حضور آل أبي بكر ، وتغييب بني هاشم وباقي الأزواج ، مما يحملنا على الريبة في صحته.

النص الرابع : قال أبو جعفر(3) بسنده عن الثالوث المتقدم ذكره : ابن حميد عن

__________________

(1) تهذيب التهذيب 9 : 128 ـ 131.

(2) المصدر نفسه 4 : 153 ـ 154.

(3) تاريخ الطبري 3 : 200.


سلمة عن ابن إسحاق ، وهو عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : لما توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قام عمر بن الخطاب فقال : إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون انّ رسول الله توفي ، وإنّ رسول الله والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران ، فغاب عن قومه أربعين ليلة ، ثم رجع بعد أن قيل قد مات ، والله ليرجعنّ رسول الله ، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات.

وهذا نص له خطره في تقييم الصحابة ، فإنّ عمر رمى أناساً بالنفاق لأنّهم زعموا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد مات ، وإذا رجعنا إلى تاريخ الطبري نستقريه عن أولئكم الذين رماهم عمر بالنفاق ؛ لأنّهم زعموا موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، نجد أهل البيت جميعاً قالوا بذلك ، وجميع أمهات المؤمنين اللاتي كنّ يلتدمن ويضربن وجوههنّ بما فيهنّ عائشة التي قالت : فمن سفهي وحداثة سنّي أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قبض وهو في حجري.

بل وكل الصحابة رجالاً ونساءاً ، مهاجرين وأنصاراً إلاّ عمر ، فهل يرضى العمريون بذلك ؟ أو أنّها كانت منه حبكة وحنكة ليبلغ بها حاجة في نفسه ، واعتذر له العمريون عنها بأنّها من الذهول من شدة الصدمة ، وقال غيرهم : إنّها بلبلة واستغفال لعقول الناس ، وقد بلغ بها ما أراد ، ويكشف عن أنّها تضليل وتهويل ما يأتي في النص الخامس.

النص الخامس : رواه الطبري(1) عن ابن حميد ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن أبي معشر زياد بن كليب ، عن أبي أيوب ، عن إبراهيم قال : لما قبض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) كان أبو بكر غائباً فجاء بعد ثلاث ، ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه ، حتى اربدّ بطنه ، فكشف عن وجهه وقبّل بين عينيه ، ثم قال : بأبي أنت وأمي طبت حياً وطبت ميّتاً.

__________________

(1) المصدر نفسه 3 : 201.


ثم خرج أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت ، ومن كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ، ثم قرأ :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) ، وكان عمر يقول : لم يمت ، وكان يتوعد الناس بالقتل في ذلك.

فاجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، فبلغ ذلك أبا بكر ، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجرّاح ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : منّا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : منّا الأمراء ومنكم الوزراء ، ثم قال أبو بكر : إنّي قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين : عمر أو أبا عبيدة ، إنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) جاءه قوم فقالوا : إبعث معنا أميناً ، فقال : لأبعثنّ معكم أميناً حق أمين ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجرّاح ، وأنا أرضى لكم أبا عبيدة ، فقام عمر فقال : أيكم تطيب نفسه أن يخلف قدمين قدمهما النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت الأنصار ـ أو بعض الأنصار ـ : لا نبايع إلا علياً ، انتهى.

فهذا النص فيه حقائق وفيه أباطيل ، ضغث من هذا وضغث من هذا ، ولا نطيل الوقوف عنده سوى تنبيه القارئ النبيه على قراءته بتدبر وإمعان لما فيه من علائم الاستفهام :

1 ـ لماذا جاء أبو بكر بعد ثلاث ؟ وهو بالسُنح في عوالي المدينة ، وخبر موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شاع وذاع حتى غصت المدينة بمن جاءها مسرعين مهطعين ، وصارت شبيهاً بالقيامة ، ويضرب بها المثل في ذلك اليوم ، وليس بينه وبين المدينة مسافة بعيدة ، إنّما هي ساعة للراكب وساعتين للراجل.

2 ـ ما معنى قول الراوي : لم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه ـ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ ؟ أكان ذلك احتراماً له ، فجاء أبو بكر فاخترق ذلك الإحترام ؟ أم كان هناك رقيب

__________________

(1) آل عمران : 144.


يمنع من الدنو إلى الجثمان الطاهر ، فلا يدع أحداً يجترئ أن يكشف عن وجهه ؟ وفي كلا الاحتمالين لابد من تحكيم العقل وتقويم الاحتمالين ، لمعرفة نصيب كل من الشيخين من التواطؤ أو عدمه ، والاحتكام إلى العقل ضرورة يقضي بها تصويب النص أو رفضه كلاً أو بعضاً.

3 ـ ما معنى كلام أبي بكر : ومن كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ؟ فهل كان هنالك من يعبد محمداً حتى يقول له ذلك ؟ أو هو تعريض بعمر الذي قال أنّه لم يمت ، وتوعد بالقتل لمن قال أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد مات.

4 ـ ثم ما بال أبي بكر يساوم الأنصار على الخلافة ، فيقاسمهم وكأنّه يمتلك ناصية الأمر من قبل المهاجرين فيقول : منّا الأمراء ومنكم الوزراء ؟ وهل كان ذلك من حقه ؟ وقد مر في مثلثاته ما ينافي هذا العرض.

5 ـ ما باله يرشح عمر وأبا عبيدة للأمر ، ثم هو يؤكد على أمانة أبي عبيدة من دون أي مناسبة تستدعي ذلك الإجراء ، أفهل كان أقرب إلى قلبه من عمر ؟

6 ـ ثم ما بال عمر يبادر إلى مبايعة أبي بكر ؟ فهل أحسّ من إطرائه لأبي عبيدة مماكرة زيادة على الترشيح ، فخشي أن يبايع له فماكر هو أيضاً.

7 ـ لماذا قال الأنصار أو بعض الأنصار : لا نبايع إلاّ علياً ؟ فهل كان ذلك مجرد طرح أو ترشيح منهم ، أو أنهم قالوا للنص عليه وهو يستدعي ذلك القول منهم ؟ ولو شهد علي اجتماع السقيفة لأخذت الأمور اتجاهاً آخر غير ما سارت عليه. إلى غير ذلك من فجوات في الخبر تثير علامات استفهام تستدعي الجواب عليها.

النص السادس : رواه الطبري(1) عن ابن حميد ، عن جرير ، عن مغيرة ، عن زياد بن كليب قال : أتى عمر بن الخطاب منزل علي وفيه طلحة والزبير ورجال من

__________________

(1) تاريخ الطبري 3 : 202.


المهاجرين ، فقال : والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة ، فخرج عليه الزبير مصلتاً بالسيف ، فعثر فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه.

وهذا النص هو بنفس السند في النص السابق إلى زياد بن كليب ، ولم يذكر باقي السند وأحسبه كسابقه ، ومهما يكن فهو صريح في مجيئ عمر إلى منزل علي ، لأنّ فيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين ، وهم لم يبايعوا أبا بكر ، فهدّدهم بإحراق البيت عليهم ، وأقسم على توعده بتنفيذه إن لم يخرجوا إلى البيعة.

والتهديد والإحراق لم يكن هيناً سماعه على الناس فضلاً عن فعله ، وقد مرّ بنا أنّ الناس قالوا له : إنّ في البيت فاطمة ، قال : وإن ، فإنّها لصدمة ولدمة لمن سمع ورأى وهو خارج البيت ، وإنّها لصدمة ولدمة لمن سمع ومن رأى وكان هو داخل البيت ، وهذا ما دعا الزبير لأن يخرج مصلتاً عليه بالسيف.

وإلى هنا لا تستدعي صراحة النص تفسيراً لصرامة عمر ، إلاّ أنّ فيه ( فعثر ـ الزبير ـ فسقط السيف من يده ، فوثبوا عليه فأخذوه ) ، وهذا أيضاً لا يثير حيرة ولا قلقاً ، فالزبير وقد خرج على عمر مصلتاً بالسيف ، ( فعثر فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه ) والضمير في المأخوذ سواء كان يعني السيف ، أو كان يعني الزبير ، فهو يدل على وجود جمع ( فوثبوا عليه فأخذوه ) وهذا ما يلفت النظر في طي ذكرهم أولاً في الخبر ، فماذا جرى منهم على بقية من كان في البيت ، فهذا كله طواه الخبر ، إلاّ أن الطبري ساق بعد هذا خبر بإسناد غير ما قرأنا بها أخباره المتقدمة ، مما يكشف عما طواه هذا النص المتقدم ، فلنقرأ ما عنده :

النص السابع : روى الطبري(1) عن زكريا بن يحيى الضرير ، عن أبي عوانة ، عن داود بن عبد الله الأودي ، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري قال : توفي

__________________

(1) تاريخ الطبري 3 : 202 ـ 203.


رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبو بكر في طائفة من المدينة ، فجاء فكشف الثوب عن وجه فقبله وقال : فداك أبي وأمي ما أطيبك حيّاً وميّتاً ، مات محمد ورب الكعبة ، قال : ثم انطلق إلى المنبر فوجد عمر بن الخطاب قائماً يوعد الناس ويقول : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حي لم يمت ، وإنّه خارج إلى من أرجف به ، وقاطع أيديهم ، وضارب أعناقهم وصالبهم.

قال : فتكلّم أبو بكر وقال : أنصت ، قال : فأبى عمر أن ينصت ، فتكلم أبو بكر وقال : إنّ الله قال لنبيه( صلّى الله عليه وسلّم ) :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ *ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) (1) ،( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (2) ، حتى ختم الآية ، فمن كان يعبد محمداً فقد مات إلهه الذي كان يعبده ، ومن كان يعبد الله لا شريك له ، فإنّ الله حيّ لا يموت.

قال : فحلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) ما علمنا أنّ هاتين الآيتين نزلتا حتى قرأهما أبو بكر يومئذٍ ، إذ جاء رجل يسعى فقال : هاتيك الأنصار قد اجتمعت في ظُلّة بني ساعدة يبايعون رجلاً منهم يقولون : منّا أمير ومن قريش أمير.

قال : فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتياهم ، فأراد عمر أن يتكلم فنهاه أبو بكر فقال : لا أعصي خليفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم مرّتين ، قال : فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئاً نزل في الأنصار ، ولا ذكره رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) من شأنهم إلا وذكره ، وقال : لقد علمتم أنّ رسول الله قال : لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار وادياً سلكت وادي الأنصار ، وقد علمت ياسعد أنّ رسول الله قال ـ وأنت قاعد ـ : قريش ولاة

__________________

(1) الزمر : 30 ـ 31.

(2) آل عمرن : 144.


هذا الأمر ، فبرّ الناس تبع لبرّهم ، وفاجرهم تبع لفاجرهم ، قال : فقال سعد : صدقت فنحن الوزراء وأنتم الأمراء.

قال : فقال عمر : أبسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك ، فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر ، فأنت أقوى لها منّي ، قال : وكان عمر أشدّ الرجلين ، قال : وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر ، وقال : إنّ لك قوتي مع قوتك ، قال : فبايع الناس واستثبتوا للبيعة.

وتخلّف علي والزبير ، واخترط الزبير سيفه ، وقال : لا أغمده حتى يبايع عليّ ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر ، فقال عمر : خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر ، قال : فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تبعاً وقال : لتبايعان وأنتما طائعان ، أو لتبايعان وأنتما كارهان ، فبايعا. انتهى.

ونحن إزاء هذا النص وهو كسابقه فيه ضغث من حق وضغث من باطل ، لذلك نود تنبيه القارئ إلى ما فيه سنداً ومتناً من مواقع للنظر.

أما من ناحية السند فقد رواه الطبري عن زكريا بن يحيى الضرير ، أحسبه الوقار المصري ، قال ابن عدي : يصنع الحديث ، ووصفه صالح جزرة بأنّه من الكذابين الكبار.

عن ابن عوانة وهو الوضاح بن عبد الله اليشكري ، قال ابن عبد البر : أجمعوا على أنّه ثقة فيما حدث من كتابه ، وقال : إذا حدث من حفظه ربما غلط.

عن داود بن عبد الله الأودي ، وثّقه ابن معين ، وقال أحمد : شيخ ثقة قديم.

عن حميد بن عبد الرحمن الحميري ، وثقه العجلي ، وقال ابن سعد : ثقة ، وروى عن علي بن أبي طالب.

هذا حال رجال الإسناد ، أما المتن فالخبر فيه عدة أمور تسترعي الإنتباه ، ولا نقول إنّ جميع الخبر مكذوب ، كما لا نقول هو صحيح بكل ما فيه مكتوب ، بل علينا بعد ثبوت تدوينه عند الطبري أن نتساءل عما فيه من جديد لم نقرأ مثله فيما سبق.


1 ـ جاء في الخبر : « ثم انطلق إلى المنبر فوجد عمر بن الخطاب قائماً يوعد الناس فتكلم أبو بكر وقال أنصت ، فأبى عمر أن ينصت ، فتكلم أبو بكر وقرأ الآية وقال : فمن كان يعبد محمداً فقد مات إلهه الذي كان يعبده ».

ثم قال الراوي : ( فحلف رجال أدركناهم من أصحاب محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) ما علمنا أنّ هاتين الآيتين نزلتا حتى قرأها أبو بكر يومئذٍ ) ، وهذا مما يلفت النظر حقاً ، كيف يقبل العقل تصديق الراوي على هذا النقل ، فأين هم حفظة الكتاب من الصحابة ؟ ولا غرابة ، فالانفعال يولد الإفتعال ، فأبو بكر الذي قال عنه الشيخ الفلاني في كتابه ايقاظ همم أولى الأبصار(1) : ( وقد مات أبو بكر وعمر وهما لم يستتما حفظ جميع القرآن ) يحفظ تلكما الآيتين ، ورجال أدركهم الراوي لم يعلموا بنزولهما حتى قرأهما أبو بكر يومئذٍ ، إنّها لدعوى عريضة ، وإن ثبتت ذلك بالتدوين فلا يعني بالضرورة الثبوت بالتصديق ، ويبقى احتمال الشك في صدق الراوي.

2 ـ جاء في الخبر : إذ جاء رجل يسعى وقال هاتيك الأنصار يقولون : منّا أمير ومن قريش أمير ، فانطلق أبو بكر وعمر يتقاودان حتى أتياهم ، فأراد عمر أن يتكلم فنهاه أبو بكر فقال : لا أعصي خليفة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) في يوم مرّتين.

وهنا مثار العجب من كثرة الكذب ، فما أيسر التمويه أن يقول الساعي هاتيك الأنصار يقولون منّا أمير ومن قريش أمير ، بينما تأبى ذلك بقية مدونات الحوليات ومنها تاريخ الطبري ، وإنّ ذلك قالوه بعد ما جاء إليهم أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح في خبر سبق ذكره.

ومما في هذا الخبر مما يخالف الصدق حذف اسم أبي عبيدة بن الجراح ، فلم يذكر مع أبي بكر وعمر اللذين انطلقا يتقاودان ، وزاد الراوي في الطين بلّة والتاريخ علّة حين ذكر قول عمر : لا أعصي خليفة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في يوم

__________________

(1) ايقاظ همم اولى الأبصار : 75.


مرّتين ؟! فمتى كان خليفة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ وإذا كان كذلك فلماذا لم يحتج أبو بكر بذلك في السقيفة ؟ ولكن ليس عصيّاً الافتعال ما دام مبعثه الانفعال وتغيير حقيقة الحال.

3 ـ جاء في الخبر أنّ أبا بكر قرر سعد بن عبادة على سماعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله : ( الناس تبع لقريش برهم لبرهم وفاجرهم لفاجرهم ). صدّقه سعد على ذلك ، فقال : صدقت فنحن الوزراء وأنتم الأمراء ، وبهذا طوى بساط البحث ، وبكلمة انتهت المسألة ، فقال عمر : ابسط يدك يا أبا بكر لأبايعك ، وهنا أيضاً وقفة تستدعي التنبيه وتسترعي الانتباه.

4 ـ جاء في الخبر أنّ عمر قال لأبي بكر : ابسط يدك لأبايعك ، فقال أبو بكر : بل أنت يا عمر ، فأنت أقوى لها منّي ، قال الراوي : وكان عمر أشد الرجلين وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ، ففتح عمر يد أبي بكر وقال : إنّ لك قوتي مع قوتك ، قال : فبايع الناس .

وهذه مهزلة المسألة ، ومعظلة المشكلة ، خلافة المسلمين يتبارى الشيخان في تعاطيها أحدهما للآخر ، والمسلمون ينتظرون الفائز ليبايعوه ، وتغيب عن الخبر ، بل غيّب الراوي ذكر ما جرى في السقيفة من تنازع بين الأنصار وأبي بكر حول تعيين الخليفة ، فلا تهديد : أنا جذيلها المحك وعذيقها المرجّب ، ولا : أعيدوها جذعة ، ولا ولا ، وكأنّ الإجماع تمّ لأبي بكر في هذا الخبر ببيعة عمر له بعد مرادة دون مشادة ، وهذا من لعب الهوى وشطط الخيال.

وقد ذكر الطبري خبر السقيفة بعد هذا الخبر برواية عمر نفسه ، وفيه قول عمر : فلا يغرّنّ امرئٌ أن يقول : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، فقد كانت كذلك ، غير أنّ الله وقى شرها.

ثم سرد خبر السقيفة وما جرى فيها ، وقد سبق أن ذكرنا الخبر برواية البخاري وغيره فراجع ، فلا حاجة بنا إلى إعادته ، كما لا حاجة بنا إلى ذكر ما ساقه من


أخبار تتعلّق بأحداث تلك الفترة عن طريق سيف الكاذب الزنديق(1) ، فقد روى من الكذب البواح ، والمفتريات الصراح ما يبعث على العجب من الطبري وهو في علمه وعظيم شأنه أن يروي مثل تلك الأكاذيب ، نحو خبره بسنده عن سيف(2) ، عن عبد العزيز بن سباء ، عن حبيب بن أبي ثابت قال : كان عليّ في بيته إذ أُتي فقيل له : قد جلس أبو بكر للبيعة ، فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلاً كراهية أن يبطىء عنها حتى بايعه ، ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه ، فتجلله ولزم مجلسه.

فهذا الخبر سواء كان من مفتريات سيف أو من مفتريات غيره ، لا يقبل بأيّ وجه كان في تفسيره ، والطبري وإن لم يعلّق عليه إلاّ أنّه ساق بعده خبراً ينسف ذلك نسفاً ، ويعصف بمرويات أمثاله عصفاً ، وذلك هو النص الآتي :

النص الثامن : قال الطبري(3) : حدّثنا أبو صالح الضراري ، قال : حدّثنا عبد الرزاق بن همام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

وهذا تقدم في مرويات عبد الرزاق في المصنف ، وقد تقدم ذكره فراجع ، تجد فيه قالت عائشة : فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، فدفنها علي ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر ، وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي ، فمكثت فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم توفيت.

__________________

(1) راجع ما قاله عنه علماء الجرح والتعديل أيسرها ميزان الاعتدال للذهبي جاء في ترجمته : تركوه واتهم بالزندقة.

(2) تاريخ الطبري 3 : 207.

(3) تاريخ الطبري 3 : 207 ـ 208.


قال معمر : فقال رجل للزهري : أفلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال : لا ، ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي ، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه خرج إلى مصالحة أبي بكر.

فهذا الخبر يكفي في دحض مفتريات سيف في ذكره بيعة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام وانّه خرج عجلاً بغير إزار ولا رداء فبايع ، وبه نكتفي من انتقاء بقية النصوص من تاريخ الطبري.

ما ذكره ابن عبد ربّه :

الرابع عشر : ماذا عند ابن عبد ربه الأندلسي ( ت 328 ه‍ ) في كتابه العقد الفريد(1) :

النص الأول : جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، قال : تُوفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأبو سفيان غائب في مسعاة أخرجه فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فلما انصرف لقي رجلاً في بعض طريقه مقبلاً من المدينة ، فقال له : مات محمد ؟ قال : نعم ، قال : فمن قام مقامه ؟ قال : أبو بكر ، قال أبو سفيان : فما فعل المستضعفان علي والعباس ؟ قال : جالسين ، قال : أما والله لئن بقيت لهما لأرفعنّ من أعقابهما ، ثم قال : إنّي أرى غَبرة لا يطفئها إلا دم ، فلما قدم المدينة جعل يطوف في أزقّتها ويقول :

بني هاشم لا تطمعُ الناسُ فيكم

ولا سيما تيم بن مرة أو عديّ

فما الأمر إلا فيكمُ وإليكمُ

وليس لها إلا أبو حسن عليّ

فقال عمر لأبي بكر : إنّ هذا قد قدم وهو فاعلٌ شراً ، وقد كان النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يستألفه على الإسلام ، فدع له ما بيده من الصدقة ، ففعل فرضي أبوسفيان وبايعه.

__________________

(1) العقد الفريد 4 : 257.


فهذا الخبر وإن كان في إسناده إرسال إذ لم يدرك مالك بن دينار ( ت 130 ه‍ ) حوادث السنة الحادية عشرة من الهجرة إلا أنّه وثقه النسائي ، وما رواه وجدناه مروياً عن غيره أيضاً ولا يحتاج إلى تعقيب.

النص الثاني : أحمد بن الحارث ، عن أبي الحسن ، عن أبي معشر ، عن المقبريّ : إنّ المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وقد قبضه الله إليه ، إذ جاء معن بن عدي وعويم بن ساعدة فقالا لأبي بكر : باب فتنة إن يغلقه الله بك ، هذا سعد بن عبادة والأنصار يريدون أن يبايعوه ، فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح حتى جاؤوا سقيفة بني ساعدة ، وسعد على طنفسة متكئاً على وسادة وبه الحمّى.

فقال له أبو بكر : ماذا ترى أبا ثابت ؟ قال : أنا رجل منكم ، فقال حُباب بن المنذر : منّا أمير ومنكم أمير ، فإن عمل المهاجري في الأنصاري شيئاً ردّ عليه ، وإن عمل الأنصاري في المهاجري شيئاً رد عليه ، وإن لم تفعلوا فأنا جذيلها المحكّك وعُذيقها المرجّب ، لنعيدنّها جذعة.

قال عمر : فأردت أن أتكلّم وكنت زوّرت كلاماً في نفسي ، فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر ، وقال : نحن المهاجرون ، وأول الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) رحماً ، وأنتم إخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ، نصرتم وواسيتم ، فجزاكم الله خيراً ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش ، فلا تنفسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : الأئمة من قريش ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ـ فقال عمر : يكون هذا وأنت حيّ ! ما كان أحد ليؤخرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم ضرب على يده فبايعه ، وبايعه الناس وازدحموا على أبي بكر ، فقالت الأنصار : قتلتم سعداً ، فقال عمر : اقتلوه قتله الله ، فإنه صاحب فتنة.


فبايع الناس أبا بكر ، وأتوا به المسجد يبايعونه ، فسمع العباس وعلي التكبير في المسجد ، ولم يفرغوا من غسل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقال علي : ما هذا ؟ قال العباس : ما رُئي مثل هذا قط ، أما قلت لك !

فهذا الخبر رواه ابن عبد ربه ، عن أحمد بن الحارث الذي لم أقف على من ذكره في تراجم الرجال ، وهو عن أبي الحسن المجهول النكرة ، وهو عن أبي معشر نجيح السندي ، ضعّفه القطان ، وابن معين ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن عدي ، وقال البخاري : منكر الحديث ، وقال أبو زرعة : صدوق وليس بقوي. وقال أحمد : كان صدوقاً لكنه لا يقيم الاسناد ، ليس بذلك ( خلاصة الخزرجي ).

وهو عن المقبري ـ سعيد بن أبي سعيد ـ أرسل عن أم سلمة ، وعن أبيه ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وأنس وخلق ، اختلط قبل موته بثلاث سنين كما عن الواقدي ، وعن غيره بأربع سنين ، مات سنة 123 ، وقيل : 125 ، وقيل : 126 ، كما في الخلاصة وتهذيب التهذيب.

والآن إلى ما في المتن بعد الغض عن الإرسال في السند ، لنرى ما فيه مما هو مقبول وما هو مرفوض ومرذول.

أ ـ لقد قرأنا في أوله أن المهاجرين بينما هم في حجرة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إذ جاء معن بن عدي وعويم بن ساعدة فقالا لأبي بكر : فمضى أبو بكر وعمر وأبو عبيدة حتى جاؤوا سقيفة بني ساعدة.

وهذا أوّل ما فيه من المرفوض المرذول ، إذ لا يعقل أن يكون المهاجرون جميعاً في الحجرة ، فهي لا تسعهم جميعاً مهما قيل في سعتها ، والخبر لم يفصح عن أسماء من كان في الحجرة منهم ، غير أنّ اليقين كل اليقين أنّ الذين كانوا داخل الحجرة هم أهل بيت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) علي والعباس وآلهما ، كما مرّ في أول النصوص عن أول المؤرخين الذين ذكرنا أقوالهم ، وهو ابن إسحاق فقد مر في


الخبر عنده : ( ورسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في بيته لم يفرغ من أمره ، قد أغلق دونه الباب أهله ، قال عمر : فقلت لأبي بكر : إنطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء الأنصار ).

فهذا يدل على أنّ عمر وأبا بكر لم يكونا في داخل الحجرة ، وإذا لم يكونا هما فيها ، فغيرهما أولى بأن لا يكون في داخلها.

ومن الراجح الذي يقارب اليقين أنهما وسائر الحاضرين كانوا في المسجد قريباً من الحجرة ، وهذا يقوّيه ما مرّ من سَورة عمر وثورته في إنكاره موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وخروج العباس إلى الناس وكلامه معهم في تفنيد مزاعم عمر ، ولم يهدأ عمر حتى أتى أبو بكر وكان غائباً بمنزله في السنح ، وكل هذا تقدمت النصوص بذكره مما دلّ على تبييت في منازعة أهل البيت على حقهم في الخلافة ، ولنطوي عن التفاصيل في ذلك ، ونعود إلى ما في خبر المقبري من مزاعم تثبت الإدانة.

ب ـ جاء في خطبة أبي بكر في السقيفة ما ساقه من حجج الأولوية للمهاجرين على الأنصار : ( نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) رحماً ).

وهذا كل الذي احتج به أبو بكر على الأنصار ـ إن صح ـ فهو محجوج به قبل غيره ، فإنّ أولية الإسلام ـ وهي اُولى حججه ـ فقد سبقه لها أكثر من خمسين إنساناً(1) ، وأولهم سيدهم الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام (2) ، وما أكرم أحساباً من بني هاشم لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشاً ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم » (3) ، فهذا وما يليه مما ذكره أبو بكر محتجاً به يكون به محجوجاً إذا ما ذكرنا علياًعليه‌السلام .

__________________

(1) راجع تاريخ الطبري 3 : 167.

(2) علي إمام البررة 1 : 416 ـ 418.

(3) هذا حديث صحيح رواه مسلم كما في جمع الفوائد ( ينابيع المودّة 12 ) وفي سنن الترمذي : باب مناقب النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) .


ج ـ وجاء قول أبي بكر : وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني : عمر بن الخطاب ، وأبا عبيدة بن الجراح ـ وهذا يكشف عن كذب زعم الشورى ، يدلّك على ذلك قول عمر : يكون هذا وأنت حي ثم ضرب على يده فبايعه وبايعه الناس.

قال أحمد أمين في كتابه يوم الإسلام(1) : ( ومن مظاهر هذا ـ يعني عصبية العرب في تولية الأمر نقلاً عن ابن خلدون ـ ما كان من خلاف الصحابة على من يتولى الأمر بعد الرسول ، وكان هذا ضعف لياقة منهم ، إذ اختلفوا قبل أن يدفن الرسول ، ولكن كان عذرهم في ذلك العمل على ضم الشمل وجمع الكلمة ، فلما مات النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) حصل هذا الإختلاف فبايع عمر أبا بكر ثم بايعه الناس ، وكان هذا مخالفة لركن الشورى ، ولذلك قال عمر : إنّها غلطة وقى الله المسلمين شرها ، وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر ، وإن كان قد استشار كبار الصحابة في ذلك ، فبعضهم حمده وبعضهم خاف من شدته ).

ونحن لا نزيد على ما قاله أحمد أمين إلا بما جاء في مآثر الإنافة للقلقشندي(2) : لأنّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة ، وهم : عمر بن الخطاب ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسيد بن حضير ، وبشير بن سعد ، وسالم مولى أبي حذيفة ، ثم تابعهم الناس على ذلك.

النص الثالث (3) : الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر : عليّ ، والعباس ، والزبير ، وسعد بن عبادة ، فأما علي والعباس والزبير ، فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة ، وقال له : إن أبوا فقاتلهم.

__________________

(1) يوم الإسلام : 53 ـ 54.

(2) مآثر الإنافة للقلقشندي : 43.

(3) المصدر نفسه : 259.


فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار ، فلقيته فاطمة فقالت : يابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم ، أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ، فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه ، فقال أبو بكر : أكرهت إمارتي ؟ فقال : لا ، ولكني آليت أن لا أرتدي بعد موت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حتى أحفظ القرآن ، فعليه حبست نفسي.

وهذا من أقبح الكذب فإن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :« علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض » (1) ، في خبر عن علي بن رباح قال : جمع القرآن على عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) علي وأبّي(2) .

وقد روى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(3) بسنده عن عبد خير عن عليعليه‌السلام أنّه رأى من الناس طيرة عند وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فأقسم أن لا يضع على ظهره رداء حتى يجمع القرآن ، فجلس في بيته حتى جمع القرآن ، فهو أول مصحف جمع فيه القرآن ، جمعه من قلبه ، وكان عند آل جعفر.

وفي خبر عن ابن سيرين قال : فكتبه على تنزيله فلو أصبت ذلك الكتاب كان فيه علم كثير ، ومع هذه الآثار والأخبار يقول خبر ابن عبد ربه ( حتى أحفظ القرآن ) وليس غريباً من النواصب قول مثل هذا ، ألم يقل الشعبي من قبل وهو يحلف بالله : ( لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن )(4) .

قال الصاحبي في فقه اللغة(5) : وهذا كلام شنيع جداً فيمن يقول : سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني فما من آية إلاّ أعلم بليل نزلت أم بنهار ، أم في سهل أم في جبل.

__________________

(1) مستدرك الحاكم 3 : 124 ، والجامع الصغير للسيوطي 4 : 356.

(2) شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 25.

(3) المصدر نفسه 1 : 27.

(4) القرطين للكناني 1 : 158.

(5) فقه اللغة : 170.


( إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ) (1) .

النص الرابع (2) : ومن حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة ، وذلك ستة أشهر من موت أبيها( صلّى الله عليه وسلّم ) فأرسل علي إلى أبي بكر ، فأتاه في منزله فبايعه ، وقال : والله ما نفسنا عليك ما ساق الله إليك من فضل وخير ، ولكنّا كنّا نرى أنّ لنا في هذا الأمر شيئاً فاستبددت به دوننا ، وما ننكر فضلك.

أقول : ما جاء في النص الثالث صريح في استعمال منتهى القسوة والفظاظة لأخذ البيعة من علي والعباس والزبير ، ومع ذلك ففي آخره : فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه وهذا لا يتسق مع ما مرّ قبله من قول أبي بكر : وإن أبوا فقاتلهم ، ومجيئ عمر بقبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار ، وما قالته فاطمة لعمر : أجئت لتحرق دارنا ، وجواب عمر : نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة ، فإنّ علياً لم يخرج باختياره ولم يبايع حتى بعد أن أخرج قهراً.

وحسبنا النص الرابع ، وهو يرويه من لا يتهم بمبالاة علي ولا موالاته ، فالزهري عن عروة عن عائشة ، ثلاثتهم من المنحرفين عن علي ، والنص يصرح : لم يبايع علي حتى ماتت فاطمة ، وذلك لستة أشهر من موت أبيها( صلّى الله عليه وسلّم ) .

ثم إنّ بيعة علي ـ إن صحّت ـ لم يخرج هو إلى أبي بكر ، بل أرسل إلى أبي بكر فأتاه في منزله فبايعه(3) ؟

ما ذكره المسعودي :

الخامس عشر : أبو الحسن المسعودي ( ت 346 ه‍ ) ، وقد مرّت ترجمته وانه كان شافعياً فيما أراه أولاً ، ثم استبصر كما مرّ.

__________________

(1) الأنعام : 120.

(2) مآثر الإنافة للقلقشندي : 260.

(3) سيأتي في موقف الإمامعليه‌السلام كلام حول هذه البيعة.


قال في كتابه مروج الذهب(1) :

النص الأول : ( ولم يخلّف من الولد إلاّ فاطمةعليها‌السلام ، وتوفيت بعده بأربعين يوماً ، وقيل سبعين يوماً ، وقيل غير ذلك ).

النص الثاني (2) : ( وفيها ـ سنة إحدى عشرة ـ كانت وفا ة فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) على حسب ما ذكرنا من تنازع الناس في مقدار عمرها ومدة بقائها بعد أبيها ، ومن الذي صلى عليها : العباس بن عبد المطلب أم بعلها علي ، ولما قبضت ابنة الرسول جزع عليها بعلها جزعاً شديداً ، واشتد بكاؤه ، وظهر أنينه وحنينه ، وقال في ذلك :

لكل اجتماع من خليلين فرقة

وكل الذي دون الممات قليل

وإنّ افتقادي فاطماً بعد أحمد

دليل على أن لا يدوم خليل

النص الثالث (3) : قال : ( ولما بويع أبو بكر في يوم السقيفة وجدّدت البيعة له يوم الثلاثاء على العامة ، خرج علي فقال : أفسدت(4) علينا أمورنا ولم تستشر ، ولم ترع لنا حقاً ، فقال أبو بكر : بلى ، ولكني خشيت الفتنة ، وكان للمهاجرين والأنصار يوم السقيفة خطب طويل ، ومجاذبة في الإمامة ، وخرج سعد بن عبادة ولم يبايع ، فسار إلى الشام فقتل هناك في سنة خمس عشرة ، وليس كتابنا هذا موضعاً لخبر مقتله ، ولم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمة( رضي الله عنها ) ).

النص الرابع (5) : قال : ( ولما احتضر ـ أبو بكر ـ قال : ما آسى على شيء إلا على ثلاث فعلتها وددت أنّي تركتها ، وثلاث تركتها وددت أنّي فعلتها ، وثلاث وددت

__________________

(1) مروج الذهب 2 : 289.

(2) المصدر نفسه 2 : 298.

(3) المصدر نفسه 2 : 307 ـ 308.

(4) كذا في تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد , وفي شارل : أفت , وعلق في الهامش ـ 4 : افتقت ، ت : أفتيت ، والظاهر صواب ما في تحقيق عبد الحميد.

(5) المصدر نفسه 2 : 308.


أنّي سألت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عنها ، فأما الثلاث التي فعلتها ووددت أنّي تركتها ، فوددت أنّي لم أكن فتشت بيت فاطمة ، وذكر كلاماً كثيراً ).

النص الخامس (1) : قال : ( وقد تنوزع في بيعة علي بن أبي طالب إياه ، فمنهم من قال : بايعه بعد موت فاطمة بعشرة أيام ، وذلك بعد وفاة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بنيف وسبعين يوماً ، وقيل بثلاثة أشهر ، وقيل بستة ، وقيل غير ذلك ).

النص السادس (2) : قال : ( وقد أعرضنا عن ذكر كثير من الأخبار في هذا الكتاب طلباً للإختصار والإيجاز فيها وأخبار من قعد عن البيعة ومن بايع ، وما قالت بنو هاشم ، وما كان من قصة فدك ، وما قاله أصحاب النص والاختيار في الإمامة ، ومن قال بإمامة المفضول وغيره ، وما كان من فاطمة وكلامها ، وقولها متمثلة حين عدلت إلى قبر أبيها( صلّى الله عليه وسلّم ) من قول صفية بنت عبد المطلب :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب

إلى آخر الشعر ، وغير ذلك مما تركنا ذكره من الأخبار في هذا الكتاب ، إذ كنّا قد أتينا على جميع ذلك في كتابينا أخبار الزمان والأوسط ، فأغنى ذلك عن ذكره هاهنا ).

النص السابع (3) : قال : ( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره اياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ، وهذا خبر لا يحتمل ذكره كتابنا هذا ، وقد أتينا على ذكره في كتابنا مناقب أهل البيت وأخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان ).

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 309.

(2) المصدر نفسه 2 : 310.

(3) المصدر نفسه 2 : 86.


أقول : هذا ما أردنا نقله عن كتاب مروج الذهب للمسعودي ، وليس فيه من جديد عما سبق سوى النص السابع ، فهذا ما اختصره ، وعقّب عليه بأنه خبر لا يحتمل ذكره في كتابه ، وأحال على كتابه ( حدائق الأذهان ) ، ومن المؤسف حقاً حتى هذا الذي اختصره المسعودي فقد لعبت فيه أقلام الخيانة ، فأسقطت منه في الطبعات المتأخرة جملة لها دلالتها في تبرير عمل ابن الزبير مع بني هاشم وتلك ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ، إذ هم أبو البيعة فيما سلف ).

ولما كانت هذه الجملة موجودة في الطبعات القديمة كما في طبعة بولاق سنة 1283 ه‍ ، والطبعة الأزهرية سنة 1303 ه‍ ، وبهامشها روضة المناظر لابن شحنة ، وطبعة مصرية ثالثة بهامش تاريخ ابن الأثير ، وطبعة العامرة البهية سنة 1346 ه‍(1) ، ففي جميعها كان النص كما يلي :

( كان عروة بن الزبير يعذر أخاه إذا جرى ذكر بني هاشم وحصره إياهم في الشعب ، وجمعه الحطب لتحريقهم ويقول : إنّما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته ، كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم إذ هم أبو البيعة فيما سلف ) لكن الطبعات الحديثة بمصر وبيروت ، فقد أسقطت جملة : ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) ستراً على السلف.

راجع طبعات مصر بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد التي استخدمناها ، وهي الطبعة الثالثة وكتب عليها مزيدة ومنقحة ، فيبدوا أن التنقيح هو حذف ما فيه التجريح ، وكذلك طبعات بيروت في دار الفكر ودار الأندلس ، فجميعها حذفت الجملة المشار إليها ، وقد عمي المحققون لهذه الطبعات عما نمّ به السارق على نفسه بإثباته جملة : ( إذ هم أبوا البيعة فيما سلف ) فهي لا تتفق ولا تتسق إلاّ مع

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 79 طبعة بولاق , والطبعة الأزهرية 2 : 72 ، والطبعة المصرية 6 : 161.


الجملة المحذوفة : ( كما اُرهب بنو هاشم وجمع لهم الحطب لإحراقهم ) فكيف استساغوا تمرير العبارة مع وضوح الإشارة.

وكان المستشرق شارل بلا أوفى ذمة في تحقيقه مروج الذهب(1) ، فقد ذكر ذلك في الهامش عن نسخة / م ، وفات الجميع انّ ابن أبي الحديد في شرحه(2) ذكر الخبر بتمامه نقلاً عن المسعودي ، وذكر ما قاله المسعودي تعقيباً على الخبر كما مرّ في ( وقفة تحقيق لابد منها ).

ما ذكره الجوهري :

السادس عشر : ماذا عند أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ( كان حياً سنة 322 حيث قرئ عليه كتابه السقيفة في ربيع الأول سنة 322 ه‍ ).

النص الأوّل : قال الجوهري : وأخبرني أبو بكر الباهلي ، عن إسماعيل بن مجالد ، عن الشعبي قال : قال أبو بكر : يا عمر أين خالد بن الوليد ؟ قال : هو هذا ، فقال : انطلقا إليهما ـ يعني علياً والزبير ـ فأتياني بهما ، فانطلقا ، فدخل عمر ووقف خالد على الباب من خارج ، فقال عمر للزبير : ما هذا السيف ؟ قال : أعددته لاُبايع علياً.

قال : وكان في البيت ناس كثير منهم : المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين ، فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ، ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه ، وقال : يا خالد دونك هذا ، فمسكه خالد ، وكان في خارج البيت مع خالد جمع كثير من الناس أرسلهم أبو بكر ردءاً لهما ، ثم دخل عمر فقال لعلي : قم فبايع ، فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده فقال : قم ، فأبى أن يقوم ، فحمله ودفعه كما دفع الزبير حتى أمسكهما خالد ، وساقهما عمر ومن معه سوقاً عنيفاً.

__________________

(1) مروج الذهب 3 : 276 ، برقم : 1943.

(2) شرح ابن أبي الحديد 20 : 147.


واجتمع الناس ينظرون ، وامتلأت شوارع المدينة بالرجال ، ورأت فاطمة ما صنع عمر ، فصرخت وولولت ، واجتمع معها نساء كثير من الهاشميات وغيرهنّ ، فخرجت إلى باب حجرتها ونادت : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ، والله لا أكلم عمر حتى ألقى الله(1) .

النص الثاني : وقال أبو بكر الجوهري : حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثني إبراهيم بن المنذر ، قال : حدّثنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن أبي الأسود قال : غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر بغيرمشورة ، وغضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح.

فجاء عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير ومسلمة بن سلامة بن قريش ( وقش ) وهما من بني عبد الأشهل ، فاقتحما الدار فصاحت فاطمة وناشدتهما الله ، فأخذوا سيفيهما فضربوا بهما الحجر حتى كسروهما ، فأخرجهما عمر يسوقهما حتى بايعا(2) .

النص الثالث : وقال أبو بكر ـ الجوهري ـ : وذكر ابن شهاب بن ثابت : أنّ قيس بن شمّاس ـ أخا بني الحارث من الخزرج ـ كان مع الجماعة الذين دخلوا بيت فاطمة(3) .

النص الرابع : وقال أبو بكر ـ الجوهري ـ : وروى سعد بن إبراهيم أنّ عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ذلك اليوم ، وانّ محمد بن مسلمة كان معهم ، وأنّه هو الذي كسر سيف الزبير(4) .

النص الخامس : وقال أبو بكر ـ الجوهري ـ : وحدّثني أبو زيد عمر بن شبّة عن رجاله قال : جاء عمر إلى بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، فقال : والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ،

__________________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 2 : 19.

(2) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 47.

(3) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.

(4) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.


فخرج إليه الزبير مصلتاً بالسيف ، فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ، فندر السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره ، ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتى بايعوا أبا بكر(1) .

النص السادس : قال أبو زيد : وروى النضر بن سهيل قال : حمل سيف الزبير لما ندر من يده إلى أبي بكر ، وهو على المنبر يخطب فقال : اضربوا به الحجر ، قال أبو عمرو بن حماس : ولقد رأيت الحجر وفيه تلك الضربة ، والناس يقولون : هذا أثر ضربة سيف الزبير(2) .

النص السابع : قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا محمد بن يحيى ، قال : حدّثنا غسان بن عبد الحميد ، قال : لما أكثر في تخلّف علي عن البيعة ، واشتد أبو بكر وعمر في ذلك ، خرجت أم مسطح بن أثاثة فوقفت عند قبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونادته : يا رسول الله :

قد كان بعدك أنباء وهينمة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخُطب

انّا فقدناك فقد الأرض وابلها

فاختلّ قومك فاشهدهم ولا تغبِ(3)

النص الثامن : وقال أبو بكر : وحدّثني أبو الحسن علي بن سليمان النوفلي قال : سمعت أبيّاً يقول : ذكر سعد بن عبادة يوماً علياً بعد يوم السقيفة ، فذكر أمراً من أمره ـ نسيه أبو الحسن ـ يوجب ولايته ، فقال له ابنه قيس بن سعد : أنت سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول هذا الكلام في علي بن أبي طالب ثم تطلب الخلافة ، ويقول أصحابك منّا أمير ومنكم أمير ، لا كلمتك والله من رأسي بعد هذا كلمة أبداً(4) .

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.

(2) المصدر نفسه 2 : 19 و 6 : 48.

(3) المصدر نفسه 6 : 43 ، وفي لسان العرب : ( وهنبثة ) ، وهي : الاختلال في القول ، ونسبهما إلى فاطمةعليها‌السلام ، وقد مرّ ما يتعلق بهما.

(4) المصدر نفسه 6 : 44.


النص التاسع : قال أبو بكر : وحدّثنا أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد ، قال : حدّثنا أحمد بن الحكم ، قال : حدّثنا عبد الله بن وهب ، عن ليث بن سعد قال : تخلّف علي عن بيعة أبي بكر ، فأخرج ملبّباً(1) ، يمضي به ركضاً وهو يقول : معاشر المسلمين ، علام تُضرب عنق رجل من المسلمين ، لم يتخلف لخلاف ، وإنما تخلف لحاجة ، فما مرّ بمجلس من المجالس إلاّ يقال له : انطلق فبايع(2) .

النص العاشر : قال أبو بكر : وحدّثنا علي بن جرير الطائي قال : حدّثنا ابن فضل ، عن الأجلح ، عن حبيب بن ثعلبة بن يزيد قال : سمعت علياً يقول :« أما ورب السماء والأرض ـ ثلاثاً ـإنه لعهد النبي لأمّي إليّ ، لتغدرنّ بك الأمة من بعدي » (3) .

النص الحادي عشر : وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، حدّثنا أحمد وقال : حدّثنا ابن عفير ، قال : حدّثنا أبو عوف عبد الله بن عبد الرحمن ، عن أبي جعفر محمد بن علي ( رضي الله عنهما ) : أن علياً حمل فاطمة على حمار ، وسار بها ليلاً إلى بيوت الأنصار يسألهم النصرة ، وتسألهم فاطمة الانتصار له ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول

__________________

(1) يقال : لبّب فلان فلاناً أخذ بتلبيبه ، أي جمع ثيابه عند صدره ونحره ثم جرّه.

(2) المصدر نفسه 6 : 45.

(3) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 140 ، وصححه , وكذلك الذهبي في التلخيص , وله مصادر أخرى كثيرة , ونحوه وقريباً منه ما روته عائشة قالت : رأيت النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) التزم علياً وقبّله ويقول : بأبي الوحيد الشهيد ، بأبي الوحيد الشهيد. وهذا أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام 3 : 285 ، وله مصادر أخرى ، ولا يبعد عن جو الحديثين في نبوءته ( صلّى الله عليه وسلّم ) بوقوع المآسي من بعده ما أخرجه ابن عساكر في ترجمة الإمام 2 : 321 قال : وذكر الحديث بعدّة أسانيد عن أبي عثمان النهدي , عن علي بن أبي طالب قال :« كنت أمشي مع النبي ( صلّى الله عليه وسلّم )فأتينا على حديقة , فقلت : يا رسول الله ما أحسن هذه الحديقة ؟ فقال : ما أحسنها ولك في الجنة أحسن منها ، حتى أتينا على سبع حدائق وفي كل ذلك أنا أقول : يا رسول الله ما أحسنها ؟ فيقول : لك في الجنة أحسن منها ، فلما أن خلا به الطريق اعتنقني ثم أجهش باكياً ، فقلت : يا رسول الله ما يبكيك ؟ قال : ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ بعدي ، فقلت : في سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك » .


الله ، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به ، فقال علي : أكنت أترك رسول الله ميتاً في بيته لا أجهزه ، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه ، وقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، وصنعوا هم ما الله حسبهم عليه(1) .

النص الثاني عشر : وقال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز : وحدّثنا أحمد قال : حدّثني سعيد بن كثير قال : حدّثني ابن لهيعة ، أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما مات وأبو ذر غائب وقدم ، وقد ولي أبو بكر ، فقال : أصبتم قناعه وتركتم قرابه ، لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان(2) .

النص الثالث عشر : قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أبو قبيصة محمد بن حرب قال : لما توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجرى في السقيفة ما جرى ، تمثل علي :

وأصبح أقوام يقولون ما اشتهوا

ويطغون لما غال زيداً غوائله(3)

النص الرابع عشر : قال أبو بكر : وروى أبو زيد عن حبّاب بن يزيد ، عن جرير ، عن المغيرة أنّ سلمان والزبير وبعض الأنصار كان هواهم أن يبايعوا علياً بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما بويع أبو بكر قال سلمان للصحابة : أصبتم الخير ولكن أخطأتم المعدن.

قال : وفي رواية أخرى : أصبتم ذا السن منكم ولكنكم أخطأتم أهل بيت نبيكم ، أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ولأكلتموها رغداً(4) .

__________________

(1) شرح النهج 6 : 13.

(2) المصدر نفسه 6 : 13.

(3) المصدر نفسه 6 : 14.

(4) المصدر نفسه 6 : 43.


قال ابن أبي الحديد : هذا الخبر هو الذي رواه المتكلمون في باب الإمامة عن سلمان أنه قال : ( كرديد ونكرديد ) تفسره الشيعة فتقول : أراد أسلمتم وما أسلمتم ، ويفسره أصحابنا فيقولون معناه : أخطأتم وأصبتم(1) .

النص الخامس عشر : قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد عمر بن شبّة باسناد رفعه إلى ابن عباس قال : إنّي لأماشي عمر في سكة من سكك المدينة يده في يدي ، فقال : يابن عباس ما أظن صاحبك إلاّ مظلوماً ، فقلت في نفسي : والله لا يسبقني بها ، فقلت : يا أمير المؤمنين فاردد إليه ظلامته ، فانتزع يده من يدي ، ثم مرّ يهمهم ساعة ، ثم وقف فلحقته فقال لي : يابن عباس ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنّهم استصغروه ، فقلت في نفسي : هذه شر من الأولى ، فقلت : والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر(2) .

النص السادس عشر : قال أبو بكر : وأخبرني أبو زيد عمر بن شبّة قال : حدّثنا محمد بن حاتم ، عن رجاله ، عن ابن عباس ، قال : مرّ عمر بعلي وأنا معه بفناء داره فسلّم عليه ، فقال له علي : أين تريد ؟ قال : البقيع ، قال : أفلا تصل جناحك ويقوم معك ؟ قال : بلى ، فقال لي علي : قم معه ، فمشيت معه إلى جانبه فشبّك أصابعه في أصابعي ومشينا قليلاً ، حتى إذا خلّفنا البقيع قال لي : يابن عباس ، أما والله انّ صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، إلاّ انّا خفناه على اثنين ، قال ابن عباس : فجاء بكلام لم أجد بداً من مسألته عنه ، فقلت : ما هما يا أميرالمؤمنين ؟ قال : خفناه على حداثة سنه ، وحبّه بني عبد المطلب.

__________________

(1) المصدر نفسه 6 : 43.

(2) المصدر نفسه 6 : 45 ، وللمحاورة مصادر أخرى مذكورة في ( موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ).


هذه ستة عشر نصاً من عشرات نصوص غيرها اقتبسناها من كتاب السقيفة للجوهري بواسطة شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ، وهو أخذها من نسخة مقروءة على المؤلف في ربيع الأول سنة 322 ه‍ ، وقد أثنى على المؤلف ووثقه كما تقدم ، ومن خلال قراءة النصوص أمكن ترتيب الأحداث التي وردت فيها على النحو التالي :

1 ـ غضب رجال من المهاجرين في بيعة أبي بكر لأنها عن غير مشورة ، كما غضب علي والزبير فدخلا بيت فاطمة معهما السلاح كما في النص الثاني ، أما من هم اولئك الرجال من المهاجرين ، فهذا ما لم يفصح عنه النص ، كما أفصح عن غضب علي والزبير فسماهما ، إلا أن النص الأول جاء فيه : وكان في البيت ـ بيت فاطمة ـ ناس كثير منهم المقداد بن الأسود وجمهور الهاشميين ، وهو أيضاً لم يفصح عن أسماء ( ناس كثير ) سوى المقداد ، غير أنّا عرفنا أسماء جماعة آخرين منهم : سلمان ، وأباذر ، وعمّار ، وغيرهم من مصادر أخرى كما سيأتي ذكرهم مع ذكر أسماء الداخلين في الخاتمة إن شاء الله تعالى.

2 ـ إنّ أبا بكر أرسل عمر وخالداً ليأتياه بعلي والزبير ، وأرسل جمعاً كثيراً من الناس ردءاً لهما كما في النص الأول ، فجاء عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن سلامة بن قريش(1) فاقتحما الدار ، فصاحت فاطمة وناشدتهما الله كما في النص الثاني ، وجاء عمر في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين ، عرفنا من الأنصار قيس بن شماس وزياد بن لبيد ورجلاً آخر لم يسمه كما في النص الخامس أيضاً ، ومن المهاجرين عبد الرحمن بن عوف ومحمد بن مسلمة كما في النص الرابع.

__________________

(1) كذا في المصدر , والصواب : وقش , كما في اُسد الغابة , وغيره.


3 ـ جاء عمر إلى بيت فاطمةعليها‌السلام فقال : والذي نفسي بيده لتخرجنّ إلى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم ، فخرج إليه الزبير مصلتاً بالسيف فاعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل آخر ؟ فندر السيف من يده فضرب به عمر الحجر فكسره ، فأخرجه وقال : يا خالد دونك هذا ، فأمسكه خالد.

4 ـ ثم اقتحم عمر ومن معه الدار فقال لعليّ : قم فبايع ، فتلكأ واحتبس ، فأخذ بيده فحمله ودفعه كما دفع الزبير حتى أمسكهما خالد ، « ثم أخرجهم بتلابيبهم يساقون سوقاً عنيفاً حتى بايعوا أبا بكر » كما في النص الخامس ، وباقي النصوص كلها تدل على نحو ذلك ، كما أنّ النص الحادي عشر دلّ على أنّ الإمام لم يترك المطالبة بحقه حتى استنصر الأنصار لكنه لم يجد معيناً ، ومرّ في النصوص اعتراف عمر لابن عباس بأنّ علياً هو ولي الأمر.

وإلحاقاً بما مرّ من النصوص التي رواها الجوهري في كتابه السقيفة ، هذا الخبر الذي رواه عن المؤمل بن جعفر قال : حدّثني محمد بن ميمون قال : حدّثني داود بن المبارك قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر ، فقال : أجيبك بما أجاب به جدي عبد الله بن الحسن ، فإنّه سئل عنهما فقال : كانت أمّنا صديقة ابنة نبي مرسل ، وماتت وهي غضبى على قوم ، فنحن غضاب لغضبها.

قال ابن أبي الحديد بعد روايته لما تقدم : قلت : قد أخذ هذا المعنى بعض شعراء الطالبيين من أهل الحجاز ، أنشدنيه النقيب جلال الدين عبدالحميد بن محمد بن عبد الحميد العلوي ، قال أنشدني هذا الشاعر ـ وذهب عنّي اسمه ـ قال :

يا أبا حفص ا لهوينا وما

كنت ملياً بذاك لولا الحمامُ

أتموت البتول غضبى ونرضى

ماكذا يصنع البنون الكرامُ


قال ابن أبي الحديد : يخاطب عمر ويقول له : مهلاً رويداً يا عمر ، أي أرفق واتئد ولا تعنف بنا ، وما كنت مليّاً ، أي وما كنت أهلاً لأن تُخاطب بهذا وتستعطف ، ولا كنت قادراً على ولوج دار فاطمة على ذلك الوجه الذي ولجته عليها ، لولا أنّ أباها الذي كان بيتها يحترم ويصان لأجله مات ، فطمع فيها من لم يكن يطمع.

ثم قال : أتموت أمّنا وهي غضبى ونرضى نحن ؟! إذن لسنا بكرام ، فإن الولد الكريم يرضى لرضى أبيه وأمّه ، ويغضب لغضبهما ، ثم قال ابن أبي الحديد : والصحيح عندي أنّها ماتت وهي واجدة على أبي بكر وعمر ، وأنّها أوصت أن لا يصليا عليها(1) .

وستأتي نصوص أخرى نقلها ابن أبي الحديد أيضاً في دفاعه المستميت عن الشيخين ، فانتظر ماذا عند ابن أبي الحديد.

ما ذكره الطبراني :

السابع عشر : الحافظ الطبراني ( ت 360 ه‍ ) ، صاحب التصانيف الكثيرة ، ومنها المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير ، نحن نختار واحداً مما جاء في الكبير منها ، وقد حققه وطبعه حمدي السلفي عن طبعته الثانية بالموصل.

ذكر في أول مسند أبي بكر وهو حديث مثلثات أبي بكر عند احتضاره في حديثه مع عبد الرحمن بن عوف ، وقد تقدم ذكره مفصلاً فلا حاجة بنا إلى إعادته ، وتقدم التعقيب عليه.

ما ذكره ابن عبد البر :

الثامن عشر : ابن عبد البر المالكي ( ت 463 ه‍ ) صاحب الاستيعاب والاستذكار والتمهيد وغيرها ، فماذا عنده ؟

__________________

(1) شرح نهج البلاغة 2 : 20.


النص الأول : روى في ترجمة أبي بكر في الاستيعاب بسنده عن محمد بن سيرين قال : لما بويع أبو بكر الصديق أبطأ علي عن بيعته وجلس في بيته ، فبعث إليه أبو بكر : ما أبطأ بك عنّي ؟ أكرهت إمارتي ؟ فقال علي : ما كرهت إمارتك ولكنّي آليت أن لا أرتدي ردائي إلا إلى صلاة حتى أجمع القرآن.

قال ابن سيرين : فبلغني أنه كتبه على تنزيله ، و لو أصيب ذلك الكتاب لوجد فيه علم كثير.

النص الثاني : روى أيضاً في ترجمة أبي بكر بسنده عن ابن أبجر قال : لمّا بويع لأبي بكر جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال : غلبكم على هذا الأمر أرذل بيت في قريش ، أما والله لأملأنّها خيلاً ورجالاً ، قال : فقال علي : ما زلت عدواً للإسلام وأهله ، فما ضرّ ذلك الإسلام وأهله شيء ، وإنا رأينا أبا بكر لها أهلاً.

ثم قال أبو عمر ابن عبد البر : وهذا الخبر ممّا رواه عبد الرزاق عن ابن المبارك.

النص الثالث : روى بسنده عن زيد بن اسلم ، عن أبيه أن علياًرضي‌الله‌عنه والزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها ، ويتراجعون في أمرهم ، فبلغ ذلك عمر ، فدخل عليها عمر فقال : يا بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ما كان أحد من الخلق أحب إلينا من أبيك ، وما أحد أحب إلينا بعده منك ، وقد بلغني أنّ هؤلاء النفر يدخلون عليك ، ولئن بلغني لأفعلنّ ولأفعلنّ ، ثم خرج وجاؤوها فقالت لهم : انّ عمر قد جاءني وحلف لئن عدتم ليفعلنّ ، وأيم الله ليفينّ بها ، فانظروا في أمركم ولا ترجعوا إليّ ، فانصرفوا فلم يرجعوا حتى بايعوا لابي بكر.

النص الرابع : وروى بسنده عن عبد الله بن أبي بكر أنّ خالد بن سعيد لما قدم من اليمن بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) تربص ببيعته شهرين ، ولقي علي بن أبي طالب وعثمان بن عثمان وقال : يا بني عبد مناف لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم ، فأما أبو بكر فلم يحفل بها ، وأما عمر فاضطغنها عليه ، فلما بعث أبو بكر خالد بن سعيد أميراً على ربع من أرباع الشام ، وكان أول من استعمل عليها ، فجعل عمر يقول :


أبو مرّة وقد قال ما قال ، فلم يزل بأبي بكر حتى عزله وولى يزيد بن أبي سفيان.

النص الخامس : وقال ابن أبي عزة القرشي الجمحي :

شكراً لمن هو بالثناء خليق

ذهب اللجاج وبويع الصديق

من بعد ما دحضت بسعد نعله

ورجا رجاء دونه العيوق

جاءت به الأنصار عاصب رأسه

فأتاهم الصديق والفاروق

وأبو عبيدة والذين اليهم

نفس المؤمل للبقاء تتوق

كنّا نقول لها علي والرضى

عمر وأولاهم بتلك عتيق

فدعت قريش باسمه فأجابها

إنّ المنوّه باسمه الموثوق

هذه هي النصوص التي ذكرها في ترجمة أبي بكر مما يتعلق بتوليه الخلافة ، وما في متونها الأربعة الأولى مرّ نحوه في المصادر السابقة ، فليس فيها من جديد ، وما قلناه تعقيباً عليها في مواضعها يغني عن الإعادة في التعقيب ، إلاّ أنّ النص الخامس لم يسبق لنا ذكره ، ولم أقف عليه في مصدر آخر ، وأنا أشك في صحة ما ذكره أبو عمر ابن عبد البر ، واعتقد أنّ الشعر منحول ، إذ لا يوجد في بني جمح من اسمه أبو عزة ، إلاّ أبو عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن أهيب ، وهذا قتله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم أحد صبراً ، وكان قد منّ عليه يوم بدر فأطلقه ، وهذا لا عقب له(1) .

فمن هذا ابن أبي عزة الجمحي قائل الشعر ؟ ومتى ولد من رحم الغيب فأنشأ الشعر المذكور ورواه ابن عبد البر ، وقد مرّ بنا أنّ كتاب الاستيعاب تعرّض للسطو عليه بالزيادة والنقصان ، فراجع الفصل الثالث فيمن ذكر المحسن سقطاً.

ما ذكره الشهرستاني :

التاسع عشر : أبو الفتح عبد الكريم الشهرستاني ( ت 549 ه‍ ) فماذا عنده ؟

__________________

(1) راجع جمهرة النسب لابن حزم : 162.


النص الأول : قال في كتابه الملل والنحل(1) : وأمّا الاختلافات الواقعة في حال مرضه وبعد وفاته بين الصحابة ، فهي اختلافات اجتهادية كما قيل ، كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين.

فأول تنازع في مرضه عليه فيما رواه محمد بن إسماعيل البخاري باسناده عن عبد الله بن عباس قال : لما اشتد بالنبي( صلّى الله عليه وسلّم ) مرضه الذي مات فيه قال :« ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعدي » ، فقال عمر : إنّ رسول الله قد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله ، وكثر اللغط ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) :« قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع » . قال ابن عباس : الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله.

النص الثاني : قال(2) : الخلاف الثاني في مرضه أنّه قال :« جهزوا جيش أسامة لُعِنَ مَنْ تخلّف عنها » ، فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، وأسامة قد برز من المدينة ، وقال قوم : قد اشتد مرض النبي فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحالة هذه ، فنصبر حتى نبصر أيّ شيء يكون من أمره.

ثم قال الشهرستاني : وإنّما أوردت هذين التنازعين لأنّ المخالفين ربما عدّوا ذلك من الخلافات المؤثرة في أمر الدين وهو كذلك ، وإن كان الغرض كله إقامة مراسم الشرع في حالة تزلزل القلوب ، وتسكين نائرة الفتنة المؤثرة عند تقلّب الأمور.

ثم ذكر الخلاف الثالث في اختلاف عمر وأبي بكر في موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والخلاف الرابع في موضع دفنهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(1) الملل والنحل 1 : 13.

(2) المصدر نفسه 1 : 14.


النص الثالث : قال(1) : الخلاف الخامس في الإمامة ، وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان ، وقد سهّل الله تعالى ذلك في الصدر الأول.

فاختلف المهاجرون والأنصار فيها وقال عمر : فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه ـ إلى أبي بكر ـ فبايعته وبايعه الناس ، وسكنت النائرة ، إلاّ أنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ، فأيّما رجل بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين ، فإنّه لا يؤمر واحد منهما تغرّة أن يقتلا .

ثم لما عاد إلى المسجد انثال الناس عليه ، وبايعوه عن رغبة سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية ، وأمير المؤمنين علي ـ كرّم الله وجهه ـ كان مشغولاً بما أمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة.

النص الرابع : قال(2) : الخلاف السادس في أمر فدك والتوراث عن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ودعوة فاطمةعليها‌السلام وراثة تارةً ، وتمليكاً أخرى ، حتى دُفعت عن ذلك بالرواية المشهورة عن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ).

فهذه النصوص التي اقتبسناها من كتاب الملل والنحل للشهرستاني ، فالأول والثاني صريحان في الخلاف على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومع ذلك قدّم لهما الرجل بأنّها اختلافات اجتهادية كما قيل ، ويبدو أنّه لم يرتض ذلك التفسير فعقبه بقوله : ( كما قيل ) مشعراً بالتمريض ، كما انّ ما أتبعه من تفسير للغرض هو عين المرض ، لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أراد أن يكتب لأمته ما يعصمهم من الضلال فمنعه عمر ، وقال ما لا ينبغي

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 16.

(2) المصدر نفسه 1 : 17.


له أن يقول( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ) (1) ، وفي طرد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لهم دليل على عظيم مخالفتهم ، مع قوله تعالى :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) (2) .

وزاد الأمر وضوحاً قول ابن عباس ـ وهو حبر الأمة وترجمان القرآن ـ : « الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله » ، ولو كان الاختلاف واللغط والتنازع اجتهاداً كما يزعمون ، لفهمه ابن عباس قبل المعذّرين ، ولما جعل تلك المخالفة ومنع عمر رزية وقال : الرزية كل الرزية ، مع بكائه الشديد حتى يبل دمعه الحصباء ، وهذا مما أخرجه البخاري ولم يذكره الشهرستاني.

وما ورد في النص الثاني من لعن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لمن تخلّف عن جيش أسامة ، فيه أقسى الإنذار بالعقوبة ، والله سبحانه يقول :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (3) .

ومع ذلك فقد تخلّف من تخلف ، وكان منهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وآخرين من المهاجرين ذكرهم المؤرّخون ، كما أنّ فيهم من الأنصار قتادة بن النعمان ، وسلمة بن أسلم ، وأسيد بن حضير ، وبشير بن سعد من الأنصار ، وأصحاب هذه الأسماء يجدهم القارئ هم الذين تولوا الهجوم على بيت فاطمةعليها‌السلام ، راجع بشأن هؤلاء : طبقات ابن سعد ، وتاريخ اليعقوبي ، وشرح النهج لابن أبي الحديد ، وفتح الباري لابن حجر ، وكنز العمال(4) .

__________________

(1) الكهف : 5.

(2) النور : 63.

(3) الأحزاب : 57.

(4) طبقات ابن سعد 4 : 46 و 136 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 93 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 1 : 159 ، وفتح الباري لابن حجر 9 : 218 ـ 219 ، وكنز العمّال 5 : 312.


ولا خلاف بين المسلمين أنّ من ردّ على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قوله بعد موته مات مرتداً ، فكيف الحال بمن ردّ عليه في حياته حتى أغضبه فطرده ، ثم صعد المنبر فلعنه ؟

ولا خلاف بين المسلمين أنّ الله سبحانه قال في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ *وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ ) (1) .

ومع ذلك يقول علماء التبرير : ( وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه وبعد وفاته بين الصحابة فهي اختلافات اجتهادية كما قيل ، كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين ).

فاقرأ ولا تعجب ، فلعلماء التبرير من التحوير والتطوير وحتى التزوير ، ما فاق التصوير وقصر عنه التفكير :( إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) (2) .

وأما النص الثالث وهو الخلاف الخامس في الامامة ، وهو ـ كما قال ـ أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كل زمان.

ثم ذكر اختلاف المهاجرين والأنصار فيها ، إلى أن قال عن عمر : فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت يدي إليه ـ إلى أبي بكر ـ فبايعته وبايعه الناس وسكنت النائرة ، إلاّ أنّ بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرّها إلى آخر كلام عمر ، وقد مرّ نحوه عند البخاري وغيره.

واللافت للنظر أنّ الشهرستاني راوغ في آخر كلامه حين قال : ثم لمّا عاد إلى المسجد انثال الناس عليه وبايعوه عن رغبة ، سوى جماعة من بني هاشم ، وأبي

__________________

(1) الأنفال : 24 ـ 25.

(2) العاديات : 11.


سفيان من بني أمية ، وأمير المؤمنين علي ـ كرّم الله وجهه ـ كان مشغولاً بما أمره النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره ، من غير منازعة ولا مدافعة.

فأول ما فيه زعمه من انثيال الناس على أبي بكر وبايعوه عن رغبة ، بينما مرّ بنا في أقوال عمر وتخلف الأنصار عنهم ، وتخلف جماعة من المهاجرين ، وأخذ الناس إلى البيعة بالرهبة ، وقد احتجزوا بالأزر الصنعانية وبأيديهم عسيب النخل يخبطون الناس إلى البيعة.

ثانياً ما ذكره عن الذين لم يبايعوا وهم جماعة من بني هاشم ، بينما الصحيح كل بني هاشم وليس بعضهم ، كما هو معنى ( من ) التبعيضية ، وأما أبو سفيان فلم يكن حاضراً يومئذٍ ، وإنّما اتى بعد ذلك ، وقد مرّ بعض خبره وكيف رشوه بما جاء به من مال في سعايته ، وولّوا ابنه يزيد على الشام ، فوالاهم.

وأما قوله في أمير المؤمنين عليعليه‌السلام فصحيح لا غبار عليه ، إلاّ أنّه لم يذكر هل بايع أبابكر بعد ذلك أم لا ؟ وهذا ما راوغ فيه الشهرستاني أيضاً.

وقد حكى عن النظام عدة مسائل ، قال : انّه انفرد عن أصحابه ـ المعتزلة ـ بمسائل ، الحادية عشر : ميله إلى الرفض ووقيعته في كبار الصحابة ، قال أولاً : لا إمامة إلاّ بالنص والتعيين ظاهراً مكشوفاً ، وقد نص النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على علي ـ كرّم الله وجهه ـ في مواضع ، وأظهره إظهاراً لم يشتبه على الجماعة ، إلاّ أنّ عمر كتم ذلك وهو الذي تولى بيعة أبي بكر يوم السقيفة ، ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله حين قال : ألسنا على الحق ؟ أليسوا على الباطل ؟ قال : نعم ، قال عمر : فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : هذا شك في الدين ووجدان خرج في النفس مما قضى وحكم ، وزاد في الفرية فقال : انّ عمر ضرب بطن فاطمةعليها‌السلام يوم البيعة حتى ألقت المحسن من بطنها ، وكان يصيح : أحرقوا الدار بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين(1) .

__________________

(1) الملل والنحل 1 : 77 ، وهذا الذي ذكره الشهرستاني عن النظام وتحامل عليه في نقله وأنه افتراء


ما ذكره الجزري :

العشرون : أبو السعادات ابن الأثير الجزري ( ت 606 ه‍ ) ، صاحب جامع الأصول وكتاب النهاية في غريب الحديث وغيرهما. وقد نقل في جامع الأصول بعض النصوص عن أصحاب الصحاح مما له علاقة بالمقام ننقل بعضها :

النص الأول (1) : نقلاً عن سنن أبي داود(2) عن عمر قال : ان أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب ، فكانت لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) خاصة ، قرى عرينة وفدك وكذا وكذا ، ينفق على أهله منها نفقة سنتهم ، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدّة في سبيل الله ، وتلا قوله تعالى :( مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَىٰ ) (3) .

النص الثاني (4) : عن سنن أبي داود عن مالك بن أوس قال : كان فيما احتج عمر أن قال : كانت لرسول الله ثلاث صفايا : بنو النضير ، وخيبر ، وفدك .

أقول : انّ فدكاً وبقية الصفايا كانت خالصة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة ، وليس للمسلمين فيها من حق ؛ لأنّها ما لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، كما هو نص الكتاب

__________________

فقد جانب الصواب ، وذكر نحوه الصفدي عن النظام ولم يتحامل عليه بظلم كما صنع الشهرستاني ، كما أن ابن قتيبة ذكر التهديد بالإحراق في كتابه الإمامة والسياسة كما مرّ ، ومر كذلك عن غيره , راجع الطبري وابن سعد وغيرهما ممن تقدم ذكره في النصوص , وسيأتي عن أبي الفداء وابن الشحنة ، وحسب القارئ أن يعيد ما تقدم عن ابن عبد البر , وما جرى عليه من تحريف متعمد في قول عمر : ( لأفعلنّ ولأفعلنّ ) كما في نهاية الأرب للنويري 19 : 40 ، نقلاً عن الاستيعاب.

(1) جامع الأصول 2 : 707 ، ح 1202.

(2) سنن أبي داود 3 : 141 ، ح 2965.

(3) الحشر : 7.

(4) جامع الأصول 2 : 706 ، ح 1202 ، عن سنن أبي داود 3 : 141 ، ح 2967.


المجيد حيث قال تعالى :( مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَىٰ ) (1) .

ولما كان ذوو القربى هم علي وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام كما ورد عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله في تفسير قوله تعالى :( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ ) (2) ، روى الزمخشري في الكشاف ، والسيوطي في الدر المنثور في تفسير الآية من سورة الشورى ، وقال السيوطي : وأخرج ابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والطبراني وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ ) ، قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال :« علي وفاطمة وولداهما » .

وهذا ما أخرجه أيضاً المحب الطبري(3) ، نقلاً عن أحمد في المناقب ، وذكره الهيثمي(4) ، وقال فيهما : رواه الطبراني ، وذكره ابن حجر المكي في صواعقه(5) ، وقال : أخرجه أحمد ، والطبراني ، وابن أبي حاتم ، والحاكم عن ابن عباس ، ونقله الشبلنجي في نور الأبصار(6) نقلاً عن تفسير البغوي وغيرهم.

فإذاً حق ذوي القربى فيما أفاء الله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ثابت على حدّ حق الله وحق الرسول الكريم بنص الآية المباركة ، فلا يقبل قول عمر وغير عمر ممن قال : « كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ينفق على أهله فيها نفقة سنتهم ، ثم يجعل ما

__________________

(1) الحشر : 7.

(2) الشورى : 23.

(3) ذخائر العقبى : 25.

(4) مجمع الزوائد 7 : 103 ، 9 : 101.

(5) الصواعق ( لابن حجر المكي ) : 101.

(6) نور الأبصار : 101.


بقي في السلاح والكراع » ، اللّهمّ إلاّ أن يزعم زاعم انّ ذلك التصرّف منهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان بعد احراز رضاهم ، ومع عدمه فلا يمكن التصرّف في حقهم بدون إذنهم ، فاحتجاج عمر وغير عمر ليس بشيء يعتدّ به ، وإنّما كان لغلبة السلطان وشهوة الحكم.

النص الثالث : من كتابه ( منال الطالب في شرح طوال الغرائب ) ط مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة ، والكتاب هو الثامن من سلسلة ( من التراث الإسلامي ) فقد ذكر في الكتاب المذكور(1) ، خطبة السيدة الزهراءعليها‌السلام في مسجد أبيها محتجة على أبي بكر وعلى المهاجرين والأنصار ، وسيأتي على ذكرها وما قاله تعقيباً عليها.

ما ذكره ابن الأثير :

الحادي والعشرون : أبو الحسن علي بن محمد ابن الأثير ( ت 630 ه‍ ) صاحب الكامل في التاريخ ، واُسد الغابة ، واللباب في الأنساب وغيرها ، فماذا عنده ؟

وسأقتصر على نصّ واحد ورد عنده في ترجمة أبي بكر في اُسد الغابة(2) .

قال : وكان عمر بن الخطاب أول من بايعه ، وكانت بيعته في السقيفة يوم وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم كانت بيعة العامة من الغد ، وتخلّف عن بيعته علي وبنو هاشم ، والزبير بن العوام ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وسعد بن عبادة الأنصاري ، ثم انّ الجميع بايعوا بعد موقف فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ سعد بن عبادة ، فانّه لم يبايع أحداً إلى أن مات ، وكانت بيعتهم بعد ستة أشهر على القول الصحيح ، وقيل غير ذلك.

__________________

(1) منال الطالب في شرح طوال الغرائب : 501 ـ 534.

(2) اُسد الغابة 3 : 222 ـ 223.


أقول : هذا الذي ذكره ليس بشيء جديد ، غير أنّا أردنا بذكره تذكير الذين يدعون الإجماع على بيعة أبي بكر أين هو الإجماع ، وأيّ إجماع ذلك الذي يتخلّف عنه علي ، وبنو هاشم ، والزبير ، وخالد بن سعيد ، وسعد بن عبادة ، وآخرين لم يذكرهم ابن الأثير هنا ، وهم مذكورون في المصادر الأخرى كالمقداد الذي أخرجوه من بيت الإمام وهم يدفعون في صدره ، وسلمان الذي وجؤوه في عنقه حتى صارت كالسلعة ، وعمار وبريدة ، وستأتي بقية الأسماء في آخر الخاتمة.

ما ذكره الكلاعي الأندلسي :

الثاني والعشرون : أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الحميري الكلاعي الأندلسي ( ت 634 ه‍ ) ، فماذا عنده ؟

النص الأول (1) : قال ابن إسحاق : ولما قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انحاز هذا الحي من الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة .

النص الثاني : ذكر حديث ابن عباس عن خطبة عمر التي قال فيها : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وهذا مر عن البخاري وغيره.

النص الثالث : ذكر(2) تنازع الأنصار والمهاجرين في مسألة تولّي الحكم ، فقال : فكثر القول حتى كادت الحرب تقع بينهما ، وأوعد بعضهم بعضاً ، فقال رجل من الأنصار : اتقوا سعداً لا تطؤوه فتقتلوه ، فقال عمر وهو مغضب : قتل الله سعداً فإنّه صاحب فتنة .

__________________

(1) الاكتفاء.

(2) نفس المصدر : 54 ـ 55.


النص الرابع (1) : قال : وقال ابن أبي عزة القرشي الجمحي في ذلك ـ يعني بيعة أبي بكر ـ :

شكراً لمن هو بالثنا نطيق

ذهب اللجاج وبويع الصدّيق

إلى تمام ستة أبيات ، وقد مرت برواية ابن عبد البر في الاستيعاب وغيره ، وقلنا : إنّها كذب ومصنوعة ، وليس في بني جمح إلاّ أبو عزّة الذي قتله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صبراً ، وهذا ليس له ولد ، كما في جمهرة أنساب العرب لابن حزم.

النص الخامس : ذكر موسى بن عقبة أنّ رجالاً من المهاجرين غضبوا في بيعة أبي بكر ، منهم علي والزبير ، فدخلا بيت فاطمة ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومعهما السلاح (؟) فجاءها عمر بن الخطاب في عصابة من المهاجرين والأنصار فيهم أسيد بن حضير ، وسلمة بن سلامة بن وقش الأشهليان ، وثابت بن قيس بن شماس الخزرجي ، فكلموهما حتى أخذ أحد القوم سيف الزبير فضرب به الحجر حتى كسره.

أقول : انّ الجديد الذي فاجأنا به النص انّ علياً والزبير دخلا بيت فاطمة ( ومعهما السلاح ) فجملة ( معهما السلاح ) لم يسبق أن ذكرها من تقدم ، فإن كانت تعني انّ كلاً منهما معه سيفه ، فذلك أمر طبيعي يومئذٍ وليس مستغرباً ، وإن كان المراد غير ذلك فلا شاهد عليه.

ثم إنّ التعبير « فدخلا بيت فاطمة » غير صحيح ، لأنّ بيت فاطمةعليها‌السلام هو بيت عليعليه‌السلام ، وما كان له بيت آخر غير ذلك البيت الذي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأتي غداة كل يوم طيلة ستة أشهر ، فيقف على بابه ويقرأ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

__________________

(1) نفس المصدر : 55.

(2) الأحزاب : 33.


واليوم بعد وفاتهصلى‌الله‌عليه‌وآله يأتيه عمر في عصابة من المهاجرين والأنصار ليخرجوا علياً والزبير ليبايعا أبا بكر ، واللافت للنظر انّ الكلاعي صاحب الكتاب ، أو موسى بن عقبة الراوي ، أهملا ذكر الحطب وقبس النار الذي أتت به تلك العصابة ، وأيضاً مما يلفت النظر انّ الأسماء التي ورد ذكرها كلها رجال من الأنصار ، فأين صارت أسماء المهاجرين الذين كانوا معهم ضمن العصابة ، وهذا ما سنذكره في آخر الخاتمة إن شاء الله تعالى.

ما ذكره ابن أبي الحديد :

الثالث والعشرون : عز الدين ابن أبي الحديد المعتزلي ( ت 656 ه‍ ) ، وقد مرّت ترجمته وعرفناه معتزلي الأصول ، شافعي الفروع ، إن لم يكن حنفياً حيناً من الدهر ، فالرجل كما قال عنه صاحب نسمة السحر وقد مر قوله فيه : ( وكانت حالة عز الدين المذكور عجباً بيّناً ، وهو شيعي متعصب كما في القصائد ـ السبع العلويات ـ المشار إليها ، صار معتزلياً جاحظياً أو أصمعياً كما في أكثر شرحه ).

والآن لنقرأ بعض ما قاله هو من عنده تعقيباً على بعض الأحداث التي رواها في كتابه شرح نهج البلاغة ، مما يكشف عن حقيقة رأيه في تقويمه لمواقف الصحابة يوم السقيفة وما بعده من أحداث ، ونظراً لكثرة ما روى في ذلك عن مصادر لم تصل إلى أيدينا فكان والحق يقال : هو خير مُعين في الوصول إلى تلك المصادر التي هي خير مَعين ، فلنقرأ بعض ما ذكره مما ينبغي الاطلاع عليه.

النص الأول : قال(1) : وعمر هو الذي شيّد بيعة أبي بكر ، ورقم المخالفين فيها ، فكسر سيف الزبير لما جرّده ، ودفع في صدر المقداد ، ووطئ في السقيفة سعد بن عبادة ، وقال : اقتلوا سعداً قتل الله سعداً ، وحطّم أنف الحباب بن المنذر الذي قال

__________________

(1) شرح النهج 1 : 174.


يوم السقيفة : أنا جذيلها المحكك ، وعُذيقها المرجّب ، وتوعّد من لجأ إلى دار فاطمةعليها‌السلام من الهاشميين ، وأخرجهم منها ، ولولاه لم يثبت لأبي بكر أمر ، ولا قامت له قائمة.

أقول : إذن كيف يقول العمريون انّ بيعة أبي بكر كانت بالاختيار والإجماع ، وهذا قول أحدهم وهو يذكر الإكراه لمن كان في السقيفة أو كان خارجها حتى ولو كان في بيت فاطمةعليها‌السلام ، فأين الإجماع المزعوم ؟!

النص الثاني : قال(1) : اختلفت الروايات في قصة السقيفة ، فالذي تقوله الشيعة ـ وقد قال قوم من المحدّثين بعضه ورووا كثيراً منه ـ : إنّ علياًعليه‌السلام امتنع من البيعة حتى أخرج كُرهاً ، وإنّ الزبير بن العوام امتنع من البيعة وقال : لا أبايع إلاّ علياًعليه‌السلام ، وكذلك أبو سفيان بن حرب ، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، والعباس بن عبد المطلب وبنوه ، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، وجميع بني هاشم.

وقالوا : إنّ الزبير شهر سيفه ، فلما جاء عمر ومعه جماعة من الأنصار وغيرهم ، قال في جملة ما قال : خذوا سيف هذا فاضربوا به الحجر ، ويقال : إنه أخذ السيف من يد الزبير فضرب به حجراً فكسره ، وساقهم كلهم بين يديه إلى أبي بكر ، فحملهم على بيعته ، ولم يتخلّف إلاّ عليعليه‌السلام وحده ، فإنّه اعتصم ببيت فاطمةعليها‌السلام ، فتحاموا إخراجه منه قسراً وقامت فاطمةعليها‌السلام إلى باب البيت فأسمعت من جاء يطلبه ، فتفرقوا وعلموا أنه بمفرده لا يضرّ شيئاً فتركوه.

وقيل : إنّهم أخرجوه فيمن أخرج وحمل إلى أبي بكر فبايعه ، وقد روى أبو جعفر محمد بن جرير الطبري كثيراً من هذا(2) .

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 21.

(2) تاريخ الطبري 3 : 199 ، وما بعده.


فأمّا حديث التحريق وما جرى مجراه من الأمور الفظيعة ، وقول من قال إنهم أخذوا علياًعليه‌السلام يقاد بعمامته والناس حوله ، فأمر بعيد والشيعة تنفرد به ، على أنّ جماعة من أهل الحديث قد رووا نحوه ، وسنذكر ذلك.

النص الثالث : قال(1) : فأما امتناع عليعليه‌السلام من البيعة حتى أخرج على الوجه الذي أخرج عليه ، فقد ذكره المحدثون ورواه أهل السير ، وقد ذكرنا ما قاله الجوهري في هذا الباب ، وهو من رجال الحديث ومن الثقات المأمونين ، وقد ذكر غيره من هذا النحو ما لا يحصى كثرة.

فأمّا الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمةعليها‌السلام ، وأنّه ضربها بالسوط فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت ، وأنّ عمر أضغطها بين الباب والجدار ، فصاحت يا أبتاه يا رسول الله ، وألقت جنيناً ميتاً ، وجُعل في عنق عليعليه‌السلام حبل يقاد به وهو يعتلّ ، وفاطمة خلفه تصرخ وتنادي بالويل والثبور ، وابناه حسن وحسين معهما يبكيان ، وأنّ علياً لما أحضر ساموه البيعة فامتنع فتهدد بالقتل ، فقال : اذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ، فقالوا : أما عبد الله فنعم وأما أخو رسول الله فلا ، وأنّه طعن فيهم في أوجههم بالنفاق ، وسطر صحيفة الغدر التي اجتمعوا عليها ، وبأنّهم أرادوا أن ينفروا ناقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة العقبة ، فكلّه لا أصل له عند أصحابنا ، ولا يثبته أحد منهم ، ولا رواه أهل الحديث ولا يعرفونه ، وإنما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله.

النص الرابع : قال(2) وهو يذكر خبر السقيفة عن الجوهري إلى أن قال : وكثر الناس على أبي بكر ، فبايعه معظم المسلمين في ذلك اليوم ، واجتمعت بنو هاشم

__________________

(1) شرح النهج 2 : 59 ـ 60.

(2) المصدر نفسه 6 : 11 ـ 13.


إلى بيت علي بن أبي طالب ، ومعهم الزبير ، وكان يعدّ نفسه رجلاً من بني هاشم ، كان علي يقول : ما زال الزبير منّا أهل البيت حتى نشأ بنوه فصرفوه عنّا.

واجتمعت بنو أمية إلى عثمان بن عفان ، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن ، فأقبل عمر إليهم وأبو عبيدة ، فقال : مالي أراكم ملتاثين ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر فقد بايع له الناس وبايعه الأنصار ، فقام عثمان ومن معه ، وقام سعد وعبد الرحمن ومن معهما فبايعوا أبا بكر.

وذهب عمر ومعه عصابة إلى بيت فاطمة ، منهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم فقال لهم : انطلقوا فبايعوا ، فأبوا عليه ، وخرج إليهم الزبير بسيفه ، فقال عمر : عليكم الكلب ، فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده فضرب به الجدار ، ثم انطلقوا به وبعلي ومعهما بنو هاشم ، وعلي يقول : أنا عبد الله وأخو رسول الله حتى انتهوا به إلى أبي بكر ، فقيل له : بايع ، فقال : أنا أحق بهذا الأمر منكم ، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة ، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم ، وإلا فبوؤوا بالظلم وأنتم تعلمون.

فقال عمر : إنّك لست متروكاً حتى تبايع ، فقال له علي : احلب يا عمر حلباً لك شطره ، أشدد له اليوم أمره ليردّ عليك غداً ، ألا والله لا أقبل قولك ولا أبايعه ، فقال أبو بكر : فإن لم تبايعني لم أكرهك ، فقال أبو عبيدة : يا أبا الحسن إنك حديث السن ، وهؤلاء مشيخة قريش قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأمور ، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً له واضطلاعاً به ، فسلّم له هذا الأمر وارض به ، فإنّك إن تعش ويطل عمرك فأنت لهذا الامر خليق وبه حقيق ، في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك.


فقال علي : يا معشر المهاجرين ، الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن ـ أهل البيت ـ أحق بهذا الأمر منكم ، أما كان منّا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بالسنّة ، المضطلع بأمر الرعية ، والله إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بُعداً.

فقال بشير بن سعد : لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار يا علي قبل بيعتهم لأبي بكر ما اختلف عليك اثنان ، ولكنهم قد بايعوا ، وانصرف علي إلى منزله ولم يبايع ، ولزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع.

قلت : ـ والقائل هو ابن أبي الحديد ـ : هذا الحديث يدل على بطلان ما يدعى من النص على أمير المؤمنين وغيره ، لأنه لو كان هناك نص صريح لاحتج به ، ولم يجر للنص ذكر ، وإنما كان الاحتجاج منه ومن أبي بكر ومن الأنصار بالسوابق والفضائل والقرب ، فلو كان هناك نص على أمير المؤمنين أو على أبي بكر لاحتج به أبو بكر أيضاً على الأنصار ، ولاحتج به أمير المؤمنين على أبي بكر ، فإنّ هذا الخبر وغيره من الأخبار المستفيضة ، يدل على أنه قد كان كاشفهم وهتك القناع بينه وبينهم ، ألا تراه كيف نسبهم إلى التعدي عليه وظلمه ، وتمنّع من طاعتهم وأسمعهم من الكلام أشده وأغلظه ، فلو كان هناك نص لذكره أو ذكره بعض من كان من شيعته وحزبه ، لأنّه لا عطر بعد عروس.

وهذا أيضاً يدل على أنّ الخبر المروي في أبي بكر في صحيحي البخاري ومسلم غير صحيح ، وهو ما روي من قولهعليه‌السلام لعائشة في مرضه : ( ادعي لي أباك حتى أكتب لأبي بكر كتاباً فإنّي أخاف أن يقول قائل ، أو يتمنى متمنٍ ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) وهذا هو نص المعتزلة.


النص الخامس : قال(1) : ويقال : انّهعليه‌السلام لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه ، وكان يحمل فاطمةعليها‌السلام ليلاً على حمار ، وابناها بين يدي الحمار ، وهوعليه‌السلام يسوقه ، فيطرق بيوت الأنصار وغيرهم ، ويسألهم النصرة والمعونة ، أجابه أربعون رجلاً فبايعهم على الموت ، وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلّقي رؤوسهم ومعهم سلاحهم ، فأصبح لم يوافقه منهم إلاّ أربعة : الزبير والمقداد وأبو ذر وسلمان.

ثم أتاهم من الليل فناشدهم ، فقالوا : نصبّحك غدوة ، فما جاء منهم إلاّ الأربعة ، وكذلك في الليلة الثالثة ، وكان الزبير أشدهم له نصرة ، وأنفذهم في طاعته بصيرة ، حلق رأسه وجاء مراراً وفي عنقه سيفه ، وكذلك الثلاثة الباقون ، إلاّ أنّ الزبير هو كان الرأس فيهم.

النص السادس : قال(2) : في شرح قول الإمامعليه‌السلام :

« اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْش ، فَإِنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَأَكْفَأُوا إِنَائِي ، وَأجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِي ، وَقَالُوا : أَلاَ إِنَّ فِي الحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ ، وَفِي الحَقِّ أَنْ تُمْنَعَهُ ، فَاصْبِرْ مَغْمُوماً ، أَوْ مُتْ مُتَأَسِّفاً. فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ ، وَلاَ ذَابٌّ وَلاَ مُسَاعِدٌ ، إِلاَّ أَهْلَ بَيْتِي ، فَضَنْنتُ بِهِمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ ، فَأَغْضَيْتُ عَلَى القَذى ، وَجَرعْتُ رِيقِي عَلَى الشَّجَا ، وَصَبَرْتُ مِنْ كَظْم الغَيْظِ عَلى أَمَرَّ مِنَ العَلْقَمِ ، وَآلَمَ لِلْقَلْبِ مِنْ وَخْز ِالشِّفَار » .

واعلم أنّ هذا الكلام قد نُقل عن أمير المؤمنينعليه‌السلام ما يناسبه ، ويجري مجراه ، ولم يؤرّخ الوقت الذي قاله فيه ، ولا الحال التي عناها به ، وأصحابنا يحملون ذلك على أنّهعليه‌السلام قاله عَقِيب الشّورى وبيعة عثمان ، فإنه ليس يرتاب أحدٌ من

__________________

(1) المصدر نفسه 11 : 14.

(2) المصدر نفسه 11 : 109 ـ 114.


أصحابنا على أنّه تظلّم وتألّم حينئذٍ ، ويكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألّم من يوم السقيفة.

ولقائل أن يقول لهم : أتقولون إنّ بيعة عثمان لم تكن صحيحة ؟ فيقولون : لا ، فيقال لهم : فعلى ماذا تحملون كلامهعليه‌السلام ، مع تعظيمكم له وتصديقكم لأقواله ؟ فيقولون : نحمل ذلك على تألّمه منهم إذ تركوا الأولى والأفضل. فيقال لهم : فلا تكرهوا قول مَنْ يقول من الشيعة وغيرهم : إنّ هذا الكلام وأمثاله صدر عنه عقيب السقيفة ، وحملوه على أنّه تألم وتظلّم من كونهم تركوا الأولى والأفضل ، فإنكم لستم تنكرون أنّه كان الأفضل والأحق بالأمر ، بل تعترفون بذلك ، وتقولون : ساغت إمامة غيره ، وصحّت لمانع كان فيهعليه‌السلام ، وهو ما غلب على ظنون العاقدين للأمر من أنّ العرب لا تطيعه ، فإنّه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولي الخلافة ؛ لأسباب يذكرونها ويعدّونها.

وقد روى كثير من المحدّثين أنّه عقيب يوم السقيفة تألّم وتظلّم ، واستنجد واستصرخ ، حيث ساموه الحضور والبيعة ، وأنّه قال وهو يشير إلى القبر : ي‍( ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (1) وأنّه قال : واجعفراه ! ولا جعفر لي اليوم ! واحمزتاه ولا حمزة لي اليوم !

وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدّم ، وكلّ ذلك محمول عندنا على أنّه طلب الأمر من جهة الفضل والقرابة ، وليس بدالٍّ عندنا على وجود النصّ ، لأنّه لو كان هناك نصّ لكان أقلّ كلفةً وأسهل طريقاً ، وأيسر لما يريد تناولاً أن يقول : يا هؤلاء إنّ العهد لم يطل ، وإنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمركم بطاعتي ، واستخلفني عليكم بعده ، ولم يقع منهعليه‌السلام بعد ما علمتموه نصّ ينسخ ذلك ولا يرفعه ، فما الموجب لتركي ، والعدول عني !

__________________

(1) الأعراف : 150.


فإن قالت الإمامية : كان يخاف القتل لو ذكر ذلك ، قيل لهم : فهلا يخاف القتل وهو يعتلّ ويدفع ليبايع ، وهو يمتنع ، ويستصرخ تارة بقبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتارة بعمّه حمزة وأخيه جعفر ـ وهما ميّتان ـ وتارة بالأنصار ، وتارة ببني عبد مناف ، ويجمع الجموع في داره ، ويبث الرسل والدعاة ليلاً ونهاراً إلى الناس ، يذكّرهم فضله وقرابته ، ويقول للمهاجرين : خَصَمْتُم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا أخصِمكم بما خَصَمْتُم به الأنصار ، لأنّ القرابة إن كانت هي المعتبرة ، فأنا أقرب منكم.

وهلا خاف من هذا الامتناع ، ومن هذا الاحتجاج ، ومن الخلوة في داره بأصحابه ، ومِنْ تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذٍ لمن عقدت له !

وكلّ هذا إذا تأمّله المنصِف علم أنّ الشيعة أصابت في أمرٍ ، وأخطأت في أمرٍ ، أمّا الأمرُ الذي أصابت فيه فقولها : إنه امتنع وتلكّأ ، وأراد الأمر لنفسه ، وأمّا الأمرُ الذي أخطأت فيه ، فقولها : إنّه كان منصوصاً عليه نصّاً جليّاً بالخلافة ، تعلمه الصحابة كلّها أو أكثرها ، وإنّ ذلك النص خولف طلباً للرئاسة الدنيويّة ، وإيثاراً للعاجلة ، وإنّ حال المخالفين للنصّ لا تعدو أحد أمرين : إمّا الكفر أو الفسق.

فإنّ قرائن الأحوال وأماراتها لا تدلّ على ذلك ، وإنّما تدلّ وتشهد بخلافه ، وهذا يقتضي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان في مبدأ الأمر يظنّ أنّ العقد لغيره كان عن غير نظر في المصلحة ، وأنّه لم يقصد به إلاّ صرف الأمر عنه ، والاستئثار عليه ، فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته ، إلى أن صحّ عنده ، وثبت في نفسه ، أنهم أصابوا فيما فعلوه ، وأنّهم لم يميلوا إلى هوىً ، ولا أرادوا الدنيا ، وإنما فعلوا الأصلح في ظنونهم ، لأنّه رأى من بغض الناس له ، وانحرافهم عنه ، وميلهم عليه ، وثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم ، واحتدام النيران التي كانت في قلوبهم ، وتذكروا الترات التي وترهم فيما قبل بها ، والدماء التي سفكها منهم وأراقها.


وتعلّل طائفة أخرى منهم للعدول عنه بصغر سنّه ، واستهجانهم تقديم الشباب على الكهول والشيوخ.

وتعلّل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوّة والخلافة في بيت واحد ، فيجفَخُون(1) على الناس كما قاله من قاله. واستصعاب قوم منهم شكيمته وخوفهم تعديه وشدته ، وعلمهم بأنّه لا يداجي ولا يحابي ، ولا يراقب ولا يجامل في الدين ، وأن الخلافة تحتاج إلى من يجتهد برأيه ، ويعمل بموجب استصلاحه.

وانحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لشدّة اختصاصه له ، وتعظيمه إياه ، وما قال فيه فأكثر من النصوص الدالّة على رفعة شأنه وعلوّ مكانه ، وما اختصّ به من مصاهرته وإخوّته ، ونحو ذلك من أحواله معه.

وتنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العُجب والتيه ، كما زعموا ، واحتقاره العرب ، واستصغاره الناس كما عددوه عليه ، وإن كانوا عندنا كاذبين ، ولكنّه قول قيل ، وأمر ذُكر ، وحال نُسبت إليه ، وأعانهم عليها ما كان يصدر عنه من أقوال تُوهم مثل هذا ، نحو قوله :« فإنّا صنائعُ ربّنا ، والناس بعد صنائع لنا » ، وما صحّ به عنده أنّ الأمر لم يكن ليستقيم له يوماً واحداً ، ولا ينتظم ولا يستمرّ ، وأنه لو ولي الأمر لفتقت العرب عليه فتقاً يكون فيه استئصال شأفة الإسلام ، وهدم أركانه ، فأذعن بالبيعة ، وجنح إلى الطاعة ، وأمسك عن طلب الإمرة ، وإن كان على مضض ورَمَضَ.

وقد روي عنهعليه‌السلام أنّ فاطمةعليها‌السلام حرضته يوماً على النهوض والوثوب ، فسمع صوت المؤذّن : « أشهد أنّ محمداً رسول الله » فقال لها :« أيسرّكِ زوال هذا النداء من الأرض ! قالت :« لا » ، قال :« فإنّه ما أقول لكِ » .

__________________

(1) يجفخون : يفخرون ويتكبرون ، وهذا ما صرّح به عمر في محاورة له مع ابن عباس.


وهذا المذهب هو أقصد المذاهب وأصحّها ، وإليه يذهب أصحابنا المتأخّرون من البغداديين ، وبه نقول.

واعلم أنّ حال عليعليه‌السلام في هذا المعنى أشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها إلى الاسهاب والإطناب ، فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بخمسٍ وعشرين سنة ، وفي دون هذه المدّة تنسى الأحقاد ، وتموت الترات ، وتبرد الأكباد الحامية ، وتسلو القلوب الواجدة ، ويعدم قرن من الناس ، ويوجد قرن ، ولا يبقى من أرباب تلك الشحناء والبغضاء إلاّ الأقل.

فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنّها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من إظهار ما في النفوس ، وهيجان ما في القلوب ، حتى إنّ الاخلاف من قريش ، والأحداث والفتيان اللذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم ، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياءً لقصرت عن فعله ، وتقاعست عن بلوغ شأوِه ، فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة ، وسيفه بعد يقطر دماً من مهج العرب ، لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغي ـ لو دهمه خطب ـ أن يعتضد ، وعليهم كان يجب أن يعتمد ! إذن كانت تدرس أعلام الملة وتنعفي رسوم الشريعة ، وتعود الجاهلية الجهلاء على حالها ، ويفسد ما أصلحه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد ، فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه ، والله متمّ نوره ولو كره المشركون.

أقول : رحم الله من قال عن ابن أبي الحديد : لو أوقف خصوم أمير المؤمنينعليه‌السلام بين يدي الله للحساب ، ما استطاعوا أن يعتذروا عن أنفسهم كما اعتذر عنهم ابن أبي الحديد.

وهذا غيض من فيض مما ملأ به كتابه شرح نهج البلاغة ، وهو بحق نعم الشرح ، فهو موسوعة من خيرة الموسوعات التاريخية والأدبية بل وحتى الكلامية ،


والكتاب على حد قول المرحوم الشيخ كاشف الغطاء كما كتبه بخطه على نسخته الطبعة الحجرية : ( نعم المؤلَّف لولا عناد المؤلِّف ).

النص السابع : قال ابن أبي الحديد(1) ما يلي ـ وهذا النص حكى فيه ما قاله قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي ورد الشريف المرتضىرحمه‌الله عليه كما ساق في أوله عدّة نصوص من كتاب السقيفة للجوهري ، ونحن نذكر جميع ما ذكره بطوله لغرض اطلاع القارئ على مدى تفانيه في الدفاع عن الشيخين بما لا فائدة معه ـ فقال في شرح كلام الإمامعليه‌السلام :

« بَلَى ! كَانَتْ في أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّماءُ ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ ، وَنِعْمَ الحَكَمُ اللهُ ، وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَك وَغَيْرِ فَدَك ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَد جَدَثٌ ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا ، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا ، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا ، وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا ، لاََضْغَطَهَا الحَجَرُ وَالمَدَرُ ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ المُتَرَاكِمُ ، وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الخَوْفِ الاَْكْبَرِ ، وَتَثْبُتَ عَلَى جَوَانِبِ المَزْلَقِ » .

واعلم أنّا نتكلّم في شرح هذه الكلمات بثلاثة أقسام :

القسم الأوّل : فيما ورد في الحديث والسّيَر من أمرِ فَدَك ،والقسم الثاني : في هل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يورّث أم لا ؟ ،والقسم الثالث : في أنّ فَدَك هل صحّ كونها نِحْلة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة أم لا ؟

القسم الأول : فيما ورد من الأخبار والسير المنقولة من أفواه أهل الحديث وكتبهم ، لا مِنْ كتب الشيعة ورجالهم ، لأنّا مشترطون على أنفسنا ألاّ نحفل بذلك ،

__________________

(1) المصدر نفسه 16 : 208 ـ 285.


وجميع ما نورده في هذا الفصل من كتاب أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في السقيفة وفَدَك ، وما وقع من الاختلاف والاضطراب عَقِب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ وأبو بكر الجوهري هذا عالم مُحدَّث كثير الأدب ، ثقة ورع ، أثنى عليه المحدّثون ورووا عنه مصنّفاته.

قال أبو بكر : حدّثني أبو زيد عمر بن شبّة قال : حدّثنا حيّان بن بشر ، قال : حدّثنا يحيى بن آدم ، قال : أخبرنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري قال : بقيت بقيّة من أهل خيبر تحصّنوا ، فسألوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يحقن دماءهم ويُسيَّرهم ، ففعل ، فسمع ذلك أهل فَدَك فنزلوا على مثل ذلك ، وكانت للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة ، لأنّه لم يُوجِف عليها بخيلٍ ولا رِكاب.

قال أبو بكر : وروى محمد بن إسحاق أيضاً أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا فرغ من خيبر قذف الله الرعب في قلوب أهلِ فَدَك ، فبعثوا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فصالحوه على النّصف من فَدَك ، فقَدِمتْ عليه رسلُهم بخيبر أو بالطريق ، أو بعد ما أقام بالمدينة ، فقبل ذلك منهم ، وكانت فَدَك لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خالصةً له ، لأنّه لم يوجِف عليها بخيلٍ ولا رِكاب.

قال : وقد روى أنّه صالحهم عليها كلّها ، الله أعلم أيُّ الأمرين كان.

قال : وكان مالك بن أنس يحدّث عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حَزْم أنّه صالحهم على النصف ، فلم يزل الأمر كذلك حتى أخرجهم عمر بن الخطاب وأجلاهم بعد أن عوّضهم عن النصف الذي كان لهم عوضاً من إبل وغيرها.

وقال غير مالك بن أنس : لمّا أجلاهم عمر بعث إليهم من يقوّم الأموال ، بعث أبا الهيثم بن التيهان ، وفَرْوة بن عمرو ، وحُباب بن صَخْر ، وزيد بن ثابت ، فقَوّموا أرض فَدَك ونخلَها ، فأخذها عمر ، ودفع إليهم قيمةَ النصف الذي لهم ، وكان مبلغ ذلك خمسين ألف درهم ، أعطاهم إيّاها من مالٍ أتاه من العراق ، وأجلاهم إلى الشام.


قال أبو بكر : فحدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثني جعفر بن محمد بن عُمارة الكندي قال : حدّثني أبي ، عن الحسين بن صالح بن حيّ ، قال : حدّثني رجلان من بني هاشم ، عن زينب بنت علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال : وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه ، قال أبو بكر : وحدّثني عثمان بن عمران العجيفي ، عن نائل بن نجيج بن عمير بن شَمِر ، عن جابر الجُعفي ، عن أبي جعفر محمد بن عليعليه‌السلام .

قال أبو بكر : وحدّثني أحمد بن محمد بن يزيد ، عن عبد الله بن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن حسن بن الحسن ، قالوا جميعاً :

لمّا بلغ فاطمةعليها‌السلام إجماع أبي بكر على منعها فَدَك ، لاثتْ خِمارَها ، وأقبلت في لُمّةٍ من حَفَدَتِها ونساءِ قومها ، تطأ في ذيولها ، ما تخرم مِشْيتها مِشْية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتى دخلت على أبي بكر وقد حشد الناس من المهاجرين والأنصار ، فضرب بينها وبينهم رَيْطةً بيضاء ـ وقال بعضهم : قِبْطيّة ، وقالوا : قُبْطية بالكسر والضمّ ـ ثم أنّت أنّةً أجْهَش لها القوم بالبكاء.

ثم أمهلتْ طويلاً حتى سكنوا من فورتهم ، ثم قالت :« أبتدئُ بحمْدِ مَن هو أولى بالحمد والطَّوْل والمجد ، الحمد لله على ما أنعَم ، وله الشكر بما ألهَم » . وذكر خطبة طويلة جيدة قالت في آخرها :« فاتّقوا الله حقّ تُقاتِه ، وأطيعوه فيما أمرَكم به ، فإنّما يَخشَى الله مِن عباده العلماء ، واحمدوا الله الذي لعظمته ونوره من يَبتغِي في السماوات والأرض إليه الوسيلة ، ونحن وسيلتُه في خلقه ، ونحن خاصّته ، ومحلّ قدسه ، ونحن حجّته في غيبه ، ونحن ورثة أنبيائه » .

ثم قالت :« أنا فاطمة ابنة محمد ، أقول عَوْداً على بدء ، وما أقول ذلك سَرَفاً ولا شَطَطاً ، فاسمعوا بأسماع واعية ، وقلوبٍ راعية » ، ثم قالت : «( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (1) فإن تَعْزُوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ».

__________________

(1) التوبة : 128.


ثم ذكرت كلاماً طويلاً سنذكره فيما بعد في الفصل الثاني ، تقول في آخره :« ثم أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي : ( أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (1) إيهاً معاشرَ المسلمين ، ابتُزّ إرث أبي ، أبى الله أن تَرِث يابن أبي قُحافة أباك ولا إرِث أبي ، لقد جئت شيئاً فَرِيّاً ! فدونَكَها مخطومةً مرحولةً تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يَخسَر المُبطِلون ، ولكل نباءٍ مستقرٌّ وسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ يخزيه ويحلّ عليه عذاب مقيم ! » .

ثم التفتت إلى قبر أبيها ، فتمثّلت بقول هند بنت أثاثة :

قد كان بعدك أنباءٌ وهَيْنمةٌ

لو كنتَ شاهدَها لم تَكثُرِ الخطبُ

أبدتْ رجالٌ لنا نجوى صدورِهمُ

لمّا قضيتَ وحالت دونَكَ الكُتُبُ

تَجَهّمتْنا رجالٌ واستُخِفّ بنا

إذ غبتَ عنّا فنحن اليومَ نُغتصَبُ

قال : ولم ير الناس أكثر باك ولا باكيةً منهم يومئذ ، ثم عدلت إلى مسجد الأنصار فقالت : يا معشر البقيّة ، وأعضاد الملّة ، وحَضَنة الإسلام ، ما هذه الفَتْرة عن نُصْرتي ، والوَنْية عن معونتي ، والغمزة في حقّي ، والسَّنة عن ظُلامَتي ! أما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : المرء يُحفَظ في ولده ! سرعانَ ما أحدثتم ، وعجلانَ ما أتيتم ، ألآن مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمتّم دينه ! ها إنّ موته لَعمري خطبٌ جليلٌ استوسع وَهنُه ، واستبهم فتقُه ، وفُقِد راتقُه ، وأظلمت الأرض له ، وخَشَعت الجبال ، وأكْدَت الآمال ، اُضِيع بعدَه الحريم ، وهُتِكت الحرمة ، واُذيلت المصونة ، وتلك نازِلة أعلن بها كتاب الله قبل موته ، وأنبأكم بها قبل وفاته ، فقال :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن

__________________

(1) المائدة : 50.


قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) .

إيهاً بني قَيْلة ! اهتضم تُراث أبي ، وأنتم بمرأى ومَسمَع ، تبلغكم الدعوة ، ويشملكم الصوت ، وفيكم العُدّة والعدد ، ولكم الدار والجنَن ، وأنتم نخبة الله الّتي انتخب ، وخِيرته الّتي اختار ! باديتم العَرَب ، وبادهتم الأمور ، وكافحتم البهم حتى دارت بكم رحَى الإسلام ، ودرّ حلبه ، وخبَتْ نيران الحرب ، وسكنتْ فَوْرة الشَّرك ، وهدأتْ دعوة الهَرْج ، واستوثق نظام الدين ، أفتأخّرتم بعد الإقدام ، ونَكَصْتم بعد الشّدة ، وجبُنتم بعد الشجاعة ، عن قوم( وَإِن نَكَثُوا أَيْمَانَهُم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) (2) .

ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، ورَكَنْتم إلى الدّعة ، فجحدتم الذي وعيتم ، وسُغْتم الذي سوّغتم و( إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ »(3) ألا وقد قلتُ لكم ما قلت على معرفة منّي بالخذْلة التي خامرتْكم ، وخَوَر القناة ، وضعف اليقين ، فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر ، ناقبة الخف ، باقية العار ، موسومة الشعار ، موصولة بنار الله الموقدة ، التي تطّلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تعملون :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (4) .

قال : وحدّثني محمد بن زكريا ، قال : حدّثنا محمد بن الضحّاك ، قال : حدّثنا هشام بن محمد ، عن عوانة بن الحكم قال : لمّا كلّمت فاطمةعليها‌السلام أبا بكر بما كلّمته به ، حَمِد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلّى على رسوله ثم قال : يا خَيرَة النساء ،

__________________

(1) آل عمران : 144.

(2) التوبة : 12.

(3) إبراهيم : 8.

(4) الشعراء : 227.


وابنة خير الآباء ، واللهِ ما عدوتُ رأيَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما عملتُ إلاّ بأمره ، وإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه ، وقد قلتِ فأبلغتِ ، وأغلظتِ فأهجرتِ ، فغَفَر الله لنا ولكِ. أمّا بعد ، فقد دفعت آلةَ رسول الله ودابّته وحذاءَه إلى علي ، وأمّا ما سوى ذلك فإنّي سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « إنّا معاشر الأنبياء لا نُورِث ذهباً ولا فضّة ولا أرضاً ولا عَقاراً ولا داراً ، ولكنّا نورث الإيمان والحكمة والعِلم والسنّة » فقد عملت بما أمرني ، ونصحت له وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

قال أبو بكر : وروى هشام بن محمد ، عن ابيه قال : قالت فاطمة لأبي بكر : إنّ أمّ أيمن تشهد لي أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطاني فَدَك ، فقال لها : يا ابنة رسول الله ، والله ما خلق الله خلقاً أحب إليّ من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أبيك ، ولوددت أنّ السماء وقعت على الأرض يوم مات أبوك ، والله لإن تفتقر عائشة أحبّ إليّ من أن تفتقري ، أتراني أعطي الأحمر والأبيض حقّه وأظلمكِ حقّكِ ، وأنت بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، إنّ هذا المال لم يكن للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما كان مالاً من أموال المسلمين يحمل النبي به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ، فلما توفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وليته كما كان يليه.

قالت : والله لا كلّمتكَ أبداً ! قال : والله لا هجرتكِ أبداً ؛ قالت : والله لأدعونّ الله عليكَ ؛ قال : والله لأدعون الله لكِ ، فلمّا حضرتها الوفاة أوصت ألاّ يصلّي عليها ، فدفنت ليلاً ، وصلى عليها عباس بن عبد المطلب ، وكان بين وفاتها ووفاة أبيها اثنتان وسبعون ليلة.

قال أبو بكر : وحدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثنا جعفر بن محمد بن عمارة بالإسناد الأول قال : فلما سمع أبو بكر خطبتها شقّ عليه مقالتها ، فصعد المنبر وقال : أيّها الناس ، ما هذه الرّعة إلى كل قالة ! أين كانت هذه الأماني في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ألا مَن سمع فليقل ، ومن شهد فليتكلّم ، إنّما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مُرِبٌّ لكلّ فتنة ، هو الذي يقول : كرّوها جذعة بعدما هرمت ، يستعينون بالضعفة ، ويستنصرون


بالنساء ، كأمّ طِحال أحبّ أهلها إليها البغي ، ألا إنّي لو أشاء أن أقول لقُلتُ ، ولو قلتُ لبحتُ ، إني ساكت ما تركت ، ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أنتم ، فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ، ألا إنّي لستُ باسطاً يداً ولا لساناً على مَنْ لم يستحقّ ذلك منّا.

ثم نزل ؛ فانصرفت فاطمةعليها‌السلام إلى منزلها.

قال ابن أبي الحديد : قلت : قرأتُ هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له : بمن يعرض ؟ فقال : بل يصرّح ، قلتُ : لو صرّح لم أسألك ، فضحك وقال : بعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، قلت : هذا الكلام كله لعليّ يقول ؟! قال : نعم ، إنّه المُلك يا بنيّ.

قلت : فما مقالة الأنصار ؟ قال : هتفوا بذكر عليٍّ فخاف من اضطراب الأمر عليهم فنهاهم.

قال أبو بكر : وحدّثني محمد بن زكريا ، قال : حدّثني ابن عائشة ، قال : حدّثني أبي ، عن عمّه قال : لمّا كلمت فاطمة أبا بكر بكى ثم قال : يا ابنة رسول الله ، والله ما ورّث أبوك ديناراً ولا درهماً ، وإنّه قال : انّ الأنبياء لا يورّثون ، فقالت : إنّ فَدَك وهبها لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال : فمن يشهد بذلك ؟

فجاء علي بن أبي طالبعليه‌السلام فشهد ، وجاءت أمّ أيمن فشهدت أيضاً ، فجاء عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف فشهدا أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كان يقسمها ، قال أبو بكر : صدقتِ يا ابنة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وصدق علي ، وصدقت أم أيمن ، وصدق عمر ، وصدق عبد الرحمن بن عوف ، وذلك أن مالك لأبيك ، كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يأخذ من فَدَك قوتكم ، ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله ، فما تصنعين بها ؟ قالت : أصنع بها كما يصنع بها أبي ؛ قال : فلك عليَّ الله أن أصنع فيها كما يصنع فيها أبوك ، قالت : الله لتفعلنّ ؟ قال : الله لأفعلنّ ، قالت : اللّهمّ اشهد.


وكان أبو بكر يأخذ غلّتها فيدفع إليهم منها ما يكفيهم ، ويقسم الباقي ، وكان عمر كذلك ، ثم كان عثمان كذلك ، ثم كان علي كذلك ، فلمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها ، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها ، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها ، وذلك بعد موت الحسن بن عليعليه‌السلام ؛ فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيام خلافته ، فوهبها لعبد العزيز ابنه ، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز ، فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة ، كانت أوّل ظُلامة ردّها دعا حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ـ وقيل : بل دعا علي بن الحسينعليه‌السلام ـ فردّها عليه.

وكانت بيد أولاد فاطمةعليها‌السلام مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز ، فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم ، فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها ، حتى انتقلت الخلافة عنهم ، فلمّا ولي أبو العباس السفّاح ردّها على عبد الله بن الحسن بن الحسن ، ثم قبضها أبو جعفر لمّا حدث من بني حسن ما حدث ، ثم ردّها المهدي ابنه على ولد فاطمةعليها‌السلام ، ثم قبضها موسى بن المهدي وهارون أخوه ، فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون ، فردّها على الفاطميين.

قال أبو بكر : حدّثني محمد بن زكريا قال : حدّثني مهدي بن سابق قال : جلس المأمون للمظالم ، فأوّل رقعة وقعت في يده نظر فيها وبكى ، وقال للذي على رأسه : ناد أين وكيل فاطمة ؟ فقام شيخ عليه دُرّاعة وعمامة وخفّ تِعزّي ، فتقدّم فجعل يناظره في فدك والمأمون يحتج عليه وهو يحتج على المأمون ، ثم أمر أن يسجل لهم بها ، فكتب السجل وقرئ عليه ، فأنفذه ، فقام دِعْبل إلى المأمون فأنشده الأبيات التي أوّلها :

أصبَحَ وجهُ الزّمان قد ضَحِكا

بردّ مأمونِ هاشم فَدَكَا

فلم تزل في أيديهم حتى كان في أيام المتوكل ، فأقطعها عبد الله بن عمر البازيار ، وكان فيها إحدى عشرة نخلةً غرسها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيده ، فكان بنو فاطمة


يأخذون ثمرها ، فإذا قدم الحُجاج أهدوا لهم من ذلك التمر فيصلونهم ، فيصير إليهم من ذلك مال جزيل جليل ، فصرم عبدالله بن عمر البازيار ذلك التمر ، وجّه رجلاً يقال له بشران بن أبي أميّة الثقفي إلى المدينة فصرمه ، ثم عاد إلى البصرة ففلج.

قال أبو بكر : أخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة قال : حدّثنا سويد بن سعيد والحسن بن عثمان قالا : حدّثنا الوليد بن محمد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهي حينئذٍ تطلب ما كان لرسول الله بالمدينة وفَدَك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : « لا نُورَث ما تركناه صدقة » ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقات رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت من ذلك على أبي بكر وهجرته فلم تكلمه حتى توفّيت ، وعاشت بعد أبيها ستة أشهر ، فلمّا توفّيت دفنها عليعليه‌السلام ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدّثنا محمد بن أحمد ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وهما حينئذٍ يطلبان أرضه بفدك وسهمه بخيبر ، فقال لهما أبو بكر : إنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : « لا نورث ، ما تركنا صدقة » ، إنّما يأكل آل محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) من هذا المال ، وإنّي والله لا أغيّر أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه إلاّ صنعته ، قال : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عمر بن عاصم ، وموسى بن إسماعيل قال : حدّثنا حماد بن سلمة ، عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن أمّ هانئ ، أنّ فاطمة


قالت لأبي بكر : من يرثك إذا متّ ؟ قال : ولدي وأهلي ؛ قالت : فمالك ترث رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) دوننا ؟ قال : يا ابنة رسول الله ، ما ورث أبوك داراً ولا مالاً ولا ذهباً ولا فضة ، قالت : بلى سهم الله الذي جعله لنا ، وصار فيئنا الذي بيدك ، فقال لها : سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : « إنّما هي طعمة أطعمناها الله ، فإذا متّ كانت بين المسلمين ».

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدّثنا محمد بن الفضل ، عن الوليد بن جميع ، عن أبي الطفيل قال : أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت ورثت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أم أهله ؟ قال : بل أهله ؛ قالت : فما بال سهم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : إنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : « إنّ الله أطعم نبيّه طعمة » ، ثم قبضه ، وجعله للذي يقوم بعده ، فوليت أنا بعده ، أن أرده على المسلمين ، قالت : أنت وما سمعت من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أعلم.

قلت : في هذا الحديث عجب ، لأنّها قالت له : أنت ورثت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أم أهله ؟ قال : بل أهله ؛ وهذا تصريح بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله موروث يرثه أهله ، وهو خلاف قوله : « لا نورث ». وأيضاً فإنّه يدل على أنّ أبا بكر استنبط من قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الله أطعم نبياً طعمة أن يُجرى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند وفاته مجرى ذلك النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو يكون قد فهم أنه عني بذلك النبي المنكر لفظاً نفسه ، كما فهم من قوله في خطبته : إنّ عبداً خيّره الله بين الدنيا وما عند ربه ، فاختار ما عند ربه ، فقال أبو بكر : بل نفديك بأنفسنا.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : أخبرنا القعنبي قال : حدّثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن عمر ، عن أبي سلمة ، أنّ فاطمة طلبت فَدَك من أبي بكر ، فقال : إنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : « إنّ النبي لا يورث » ، من كان النبي يعوله فأنا أعوله ، ومن كان النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق عليه فأنا أنفق عليه ، فقالت : يا أبا بكر ، أيرثك بناتك ولا يرث رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بناته ؟ فقال : هو ذاك.


قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا محمد بن عبد الله بن الزبير قال : حدّثنا فضيل بن مرزوق قال : حدّثنا البحتري بن حسان قال : قلت لزيد بن عليعليه‌السلام وأنا أريد أن أهجّن أمر أبي بكر : إن أبا بكر انتزع فَدَك من فاطمةعليها‌السلام ، فقال : إنّ أبا بكر كان رجلاً رحيماً ، وكان يكره أن يغيّر شيئاً فعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأتته فاطمة فقالت : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطاني فَدَك ، فقال لها : هل لك على هذا بيّنة ؟ فجاءت بعليعليه‌السلام ، فشهد لها ، ثم جاءت أم أيمن فقالت : ألستما تشهدان أنّي من أهل الجنة ؟ قالا : بلى ـ قال أبو زيد : يعني أنّها قالت لأبي بكر وعمر ـ قالت : فأنا أشهد أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعطاها فَدَك ، فقال أبو بكر : فرجل آخر أو امرأة أخرى لتستحقي بها القضيّة ، ثم قال أبو زيد : وأيم الله لو رجع الأمر إليّ لقضيت فيها بقضاء أبي بكر.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا محمد بن الصباح قال : حدّثنا يحيى بن المتوكل أبو عقيل ، عن كثير النوال قال : قلت لأبي جعفر محمد بن عليعليه‌السلام : جعلني الله فداك ! أرأيت أبا بكر وعمر ، هل ظلماكم من حقّكم شيئاً ـ أو قال : ذهبا من حقّكم بشيء ؟ ـ فقال : لا ، والذي أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيراً ، ما ظلمنا من حقنا مثقال حبّة من خردل ؛ قلت : جعلت فداك أفأتولاهما ؟ قال : نعم ويحك ، تولّهما في الدنيا والآخرة ، وما أصابك ففي عنقي ، ثم قال : فعل الله بالمغيرة وبُنَان ، فإنّهما كذبا علينا أهل البيت.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عبد الله بن نافع والقعنبيّ ، عن مالك ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أردن لمّا توفي أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ ـ أو قال ثمنهنّ ـ قالت : فقلت لهنّ : أليس قد قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا نورث ، ما تركنا صدقة ».

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدّثنا عبد الله بن نافع والقعنبي وبشر بن عمر ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : قال :


« لا يقسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ، ما تركتُ بعد نفقة نسائي ومؤونة عيالي فهو صدقة ».

قلت : هذا حديث غريب ، لأنّ المشهور أنّه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلاّ أبو بكر وحده.

وقال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد ، عن الحزامي ، عن ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن الأعرج أنّه سمع أبا هريرة يقول : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : والذي نفسي بيده لا يقسِم ورثتي شيئاً ، ما تركت صدقة قال : وكانت هذه الصدقة بيد عليعليه‌السلام ، غلب عليها العباس ، وكانت فيها خصومتهما ، فأبى عمر أن يقسمها بينهما حتى أعرض عنها العباس وغلب عليهاعليها‌السلام ، ثم كانت بيد حسن وحسين ابني عليعليه‌السلام ، ثم كانت بيد علي بن الحسينعليه‌السلام ، والحسن بن الحسن ، كلاهما يتداولانها ، ثم بيد زيد بن عليعليه‌السلام .

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا عثمان بن عمر بن فارس ، قال : حدّثنا يونس ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، أنّ عمر بن الخطاب دعاه يوماً بعد ما ارتفع النهار ، قال : فدخلت عليه وهو جالس على سرير رمال ليس بينه وبين الرمال فراش ، على وسادة أدم ، فقال : يا مالك ، إنّه قد قدم من قومك أهل أبيات حضروا المدينة ، وقد أمرت لهم برضخ فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، مُرْ بذلك غيري ، قال : اقسم أيّها المرء.

قال : فبينا نحن على ذلك إذ دخل يرفأ فقال : هل لك في عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير يستأذنون عليك ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، قال : ثم لبث قليلاً ، ثم جاء فقال : هل لك في علي والعباس يستأذنان عليك ؟ قال : ائذن لهما.

فلما دخلا قال عباس : يا أمير المؤمنين ، اقض بيني وبين هذا ـ يعني علياً ـ وهما يختصمان في الصوافي التي أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير ، قال :


فاستبّ علي والعباس عند عمر ، فقال عبد الرحمن : يا أمير المؤمنين ، اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر.

فقال عمر : أنشدكم الله الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض ، هل تعلمون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا نورث ما تركناه صدقة » يعني نفسه ؟ قالوا : قد قال ذلك ، فأقبل على العباس وعلي فقال : أنشدكما الله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم.

قال عمر : فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله تبارك وتعالى خصّ رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا الفيء بشيء لم يُعطه غيره ، قال تعالى :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) ، وكانت هذه خاصة لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فما اختارها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكُمُوها وثبتها فيكم حتى بقى منها هذا المال ، وكان ينفق منه على أهله سنتهم ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله فيما يجعل مال الله ، فعل ذلك في حياته ثم توفّى ، فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضه الله وقد عمل فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأنتما حينئذٍ ـ والتفت إلى علي والعباس ـ تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر فاجر ، والله يعلم إنّه فيها لصادق بارٌّ راشد ، تابع للحق.

ثم توفى الله أبا بكر ، فقلت : أنا أولى الناس بأبي بكر وبرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضتها سنتين ـ أو قال : سنين من إمارتي ـ أعمل فيها مثل ما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبو بكر ، ثم قال : وأنتما ـ وأقبل على العباس وعلي ـ تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ، والله يعلم أنّي فيها بارّ راشد تابع للحق.

ثم جئتماني وكلمتكما واحدة ، وأمركما جميع ، فجئتني ـ يعني العباس ـ تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا ـ يعني علياً ـ يسألني نصيب امرأته

__________________

(1) الحشر : 6.


من أبيها ، فقلت لكما : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : « لا نورث ، ما تركناه صدقة » ، فلما بدا لي أن أدفعها إليكما قلت : أدفعها على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وابو بكر ، وبما عملتُ به فيها ، وإلاّ فلا تكلماني! فقلتُما : ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما بذلك ، أفتلتمسان منّي قضاء غير ذلك ! والله الذي تقوم بإذنه السماوات والأرض لا أقضي بينكما بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فأنا أكفيكماها !

قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد قال : حدّثنا إسحاق بن إدريس ، قال : حدّثنا عبد الله بن المبارك قال : حدّثني يونس ، عن الزهري قال : حدّثني مالك بن أوس بن الحدثان بنحوه ؛ قال : فذكرت ذلك لعروة فقال : صدق مالك بن أوس ، أنا سمعتُ عائشة تقول : أرسل أزواج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأل لهنّ ميراثهنّ من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله عليه حتى كنت أردهنّ عن ذلك ، فقلت : ألا تتقين الله ، ألم تعلمن أن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كان يقول : « لا نورث ، ما تركناه صدقة ـ يريد بذلك نفسه ـ إنّما يأكل آل محمد من هذا المال » فانتهى أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ما أمرتهنّ به.

قال ابن أبي الحديد : قلت : هذا مشكل ، لأنّ الحديث الأول يتضمّن أنّ عمر أقسم على جماعة فيهم عثمان فقال : نشدتكم الله ، ألستم تعلمون أن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : « لا نورث ما تركناه صدقة » ، يعني نفسه ! فقالوا : نعم ، ومن جملتهم عثمان ، فكيف يعلم بذلك فيكون مترسلاً لأزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يسأله أن يعطيهنّ الميراث ! اللّهمّ إلاّ أن يكون عثمان وسعد وعبد الرحمن والزبير صدّقوا عمر على سبيل التقليد لأبي بكر فيما رواه وحُسْنِ الظنّ ، وسمّوْا ذلك عِلْماً ، لأنه قد يطلق على الظنّ اسم العلم.

فإن قال قائل : فهلاّ حسن ظنّ عثمان برواية أبي بكر في مبدأ الأمر ، فلم يكن رسولاً لزوجات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب الميراث ؟ قيل له : يجوز أن يكون في مبدأ


الأمر شاكاً ، ثم يغلب على ظنه صِدْقه لأمارات اقتضت تصديقه ، وكل الناس يقع لهم مثل ذلك.

وهاهنا إشكال آخر ، وهو أنّ عمر ناشد علياً والعباس : هل تعلمان ذلك ؟ فقالا : نعم ، فإذا كانا يعلمانه فكيف جاء العباس وفاطمة إلى أبي بكر يطلبان الميراث ، على ما ذكره في خبر سابق على هذا الخبر ، وقد أوردناه نحن ! وهل يجوز أن يقال : كان العباس يعلم ذلك ثم يطلب الإرث الذي لا يستحقه ؟

وهل يجوز أن يقال : إن علياً كان يعلم ذلك ويمكّن زوجته أن تطلب ما لا تستحقه ؟ خرجت من دارها إلى المسجد ، ونازعت أبا بكر ، وكلّمته بما كلّمته إلاّ بقوله وإذنه ورأيه. وأيضاً فإنّه إذا كانصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يورث ، فقد أشكل دفع آلته ودابته وحذائه إلى عليعليه‌السلام ، لأنه غير وارث في الأصل ، وإن كان أعطاه ذلك لأنّ زوجته بعرضة أن ترث لولا الخبر ، فهو أيضاً غير جائز ، لأنّ الخبر قد منع من أن يرث منه شيئاً قليلاً أو كثيراً.

فإن قال قائل : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً ، قيل : هذا الكلام يُفهم من مضمونه أنّهم لا يورثون شيئاً أصلاً ، لأنّ عادة العرب جاريةٌ بمثل ذلك ، وليس يقصدون نفي ميراث هذه الأجناس المعدودة دون غيرها ، بل يجعلون ذلك كالتصريح بنفي أن يورثوا شيئاً ما على الإطلاق.

وأيضاً فإنّه جاء في خبر الدابة والآلة والحذاء أنه روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا نورث ، ما تركناه صدقة » ، ولم يقل : لا نورث كذا ولا كذا ، وذلك يقتضي عموم انتفاء الإرث عن كل شيء.

وأما الخبر الثاني ، وهو الذي رواه هشام بن محمد الكلبي عن أبيه ، ففيه إشكال أيضاً ؛ لأنّه قال : إنّها طلبت فَدَك ، وقالت : إنّ أبي أعطانيها ، وإنّ أمّ أيمن تشهد لي بذلك ، فقال لها أبو بكر في الجواب : إنّ هذا المال لم يكن لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وإنّما


كان مالاً من أموال المسلمين ، يحمل به الرجال ، وينفقه في سبيل الله ؛ فلقائل أن يقول له : أيجوز للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يملّك ابنته أو غير ابنته من أفناء الناس ضيعةً مخصوصة ، أو عقاراً مخصوصاً من مال المسلمين ، لِوَحْي أوْحَى الله تعالى إليه ، أو لاجتهاد رأيه على قول من أجاز له أن يحكم بالاجتهاد ، أو لا يجوز للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك ؟

فإن قال : لا يجوز ، قال ما لا يوافقه العقل ولا المسلمون عليه ، وإن قال : يجوز ذلك ، قيل : فإن المرأة ما اقتصرت على الدعوى ، بل قالت : أمّ أيمن تشهد لي ، فكان ينبغي أن يقول لها في الجواب : شهادة أم أيمن وحدها غير مقبولة ؛ ولم يتضمّن هذا الخبر ذلك ، بل قال لها لمّا ادعت وذكرت من يشهد لها : هذا مالٌ من مال الله لم يكن لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؛ وهذا ليس بجواب صحيح.

وأمّا الخبر الذي رواه محمد بن زكريا عن عائشة ، ففيه من الإشكال مثل ما في هذا الخبر ، لأنّه إذا شهد لها عليعليه‌السلام وأمّ أيمن أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهب لها فَدَك ، لم يصح اجتماع صدقها وصدق عبد الرحمن وعمر ، ولا ما تكلّفه أبو بكر من تأويل ذلك بمستقيم ، لأنّ كونها هبة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لها يمنع من قوله : « كان يأخذ منها قوتكم ويقسم الباقي ، ويحمل منه في سبيل الله » لأنّ هذا ينافي كونها هبة لها ، لأنّ معنى كونها لها انتقالها إلى ملكيتها ، وأن تتصرّف فيها خاصّة دون كل أحد من الناس ، وما هذه صفته كيف يقسم ويحمل منه في سبيل الله !

فإن قال قائل : هوصلى‌الله‌عليه‌وآله أبوها ، وحكمه في مالها كحكمه في ماله وفي بيت مال المسلمين ، فلعلّه كان بحكم الأبوّة يفعل ذلك !

قيل : فإذاً كان يتصرّف فيها تصرّف الأب في مال ولده ، ولا يخرجه ذلك عن كونه مال ولده ، فإذا مات الأب لم يجز لأحد أن يتصرّف في مال ذلك الولد ، لأنّه ليس بأب له فيتصرّف في ماله تصرّف الآباء في أموال أولادهم ، على أنّ الفقهاء أو مُعظمهم لا يجيزون للأب أن يتصرف في مال الابن.


وهاهنا إشكالٌ آخر ، وهو قول عمر لعليعليه‌السلام والعباس : وأنتما حينئذٍ تزعمان أنّ أبا بكر فيها ظالم فاجر ، ثم قال لمّا ذكر نفسه : وأنتما تزعمان أنّي فيها ظالم فاجر ، فإذا كانا يزعمان ذلك فكيف يزعم هذا الزعم مع كونهما يعلمان أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا أورث » ! إنّ هذا لمن أعجب العجائب.

ولولا أنّ هذا الحديث ـ أعني حديث خصومة العباس وعلي عند عمر ـ مذكورٌ في الصحاح المجمع عليها لما أطلت العجب من مضمونه ، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه يطعن في صحّته ؛ وإنّما الحديث في الصحاح لا ريب في ذلك.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا ابن أبي شيبة ، قال : حدّثنا ابن عُلَيّة ، عن أيّوب ، عن عكرمة ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال : جاء العباس وعلي إلى عمر ، فقال العباس : اقضِ بيني وبين هذا الكذا وكذا ، أي يشتمه ، فقال الناس : افصل بينهما ، فقال : لا أفصل بينهما ، قد علما أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا نورث ، ما تركناه صدقة ».

قلت : وهذا أيضاً مُشكل ، لأنّهما حضرا يتنازعان لا في الميراث ، بل في ولاية صدقة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّهما يتولاّها ولايةً لا إرثاً ! وعلى هذا كانت الخصومة ، فهل يكون جواب ذلك قد علما أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا نورث » !

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثني يحيى بن كثير أبو غسان ، قال : حدّثنا شعبة عن عمر بن مرّة ، عن أبي البختري قال : جاء العباس وعلي إلى عمر وهما يختصمان ، فقال عمر لطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد : أنشدكم الله ، أسمعتم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « كلّ مال نبيّ فهو صدقة ، إلاّ ما أطعمه أهله ، إنّا لا نورث » ! فقالوا : نعم ، قال : وكان رسول الله يتصدّق به ، ويَقسِم فضله ، ثم توفّى فوليه أبو بكر سنتين يصنع فيه ما كان يصنع رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأنتما تقولان : إنّه كان بذلك خاطئاً ،


وكان بذلك ظالماً ، وما كان بذلك إلاّ راشداً ، ثم وليته بعد أبي بكر فقلت لكما : إن شئتما قبلتماه على عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وعهده الذي عهد فيه ، فقلتما : نعم ، وجئتماني الآن تختصمان ؛ يقول هذا : أريد نصيبي من ابن أخي ، ويقول هذا : أريد نصيبي من امرأتي ! والله لا أقضي بينكما إلاّ بذلك.

قلت : وهذا أيضاً مشكل ، لأنّ أكثر الروايات أنّه لم يرو هذا الخبر إلاّ أبو بكر وحده ، ذكر ذلك أعظم المحدثين ، حتى انّ الفقهاء في اصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم في الخبر برواية الصحابي الواحد.

وقال شيخنا أبو علي : لا تقبل في الرواية إلاّ رواية اثنين كالشهادة ، فخالفه المتكلّمون والفقهاء كلّهم ، واحتجوا عليه بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » ، حتى انّ بعض أصحاب أبي علي تكلّف لذلك جواباً ، فقال : قد روي أنّ أبا بكر يوم حاجّ فاطمةعليها‌السلام قال : أنشد الله امرءاً سمع من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا شيئاً ! فروى مالك بن أوس بن الحدثان ؛ أنّه سمعه من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهذا الحديث ينطق بأنّه استشهد عمر وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعداً ، فقالوا : سمعناه من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فأين كانت هذه الروايات أيّام أبي بكر! ما نقل أنّ أحداً من هؤلاء يوم خصومة فاطمةعليها‌السلام وأبي بكر روى من هذا شيئاً.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا محمد بن يحيى ، عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أرسلن عثمان إلى أبي بكر ، فذكر الحديث ، قال عروة ، وكانت فاطمة قد سألت ميراثها من أبي بكر ممّا تركه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال لها : بأبي أنتِ وأمّي ، وبأبي أبوكِ وأمّي ونفسي ، إن كنتِ سمعتِ من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) شيئاً ، أو أمركِ بشيء لم أتّبع غير ما تقولين ، وأعطيتكِ ما تبتغين ، وإلا فإنّي أتبع ما أمرتُ به !

قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد قال : حدّثنا عمرو بن مرزوق ، عن شعبة ، عن عمرو بن مرّة ، عن أبي البختري قال : قال لها أبو بكر لمّا طلبت فَدَك : بأبي أنتِ


وأمّي ، أنتِ عندي الصادقة الأمينة ، إن كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عَهِد إليكِ في ذلك عهداً ، أو وَعَدكِ به وعداً ، صدّقتُكِ وسلّمتُ إليك ! فقالت : لم يعهد اليّ في ذلك بشيء ، ولكنّ الله تعالى يقول :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) (1) ، فقال : أشهد لقد سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : « إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ».

قلت : وفي هذا من الإشكال ما هو ظاهر ، لأنّها قد ادّعت أنّه عهد إليها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك أعظم العهد ، وهو النحلة ، فكيف سكتت عن ذكر هذا لمّا سألها أبو بكر ! وهذا أعجب من العجب.

قال أبو بكر : وحدّثنا أبو زيد ؛ قال : حدّثنا محمّد بن يحيى ، قال : حدّثنا عبدالعزيز بن عمران بن عبدالعزيز بن عبدالله الأنصاري ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، قال : سمعت عمر وهو يقول للعباس وعليّ وعبدالرحمن بن عوف والزبير وطلحة : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : « إنّا لا نورث ، معاشر الأنبياء ، ما تركنا صدقة » ؟ قالوا : اللّهمّ نعم ، قال : أنشدكم الله هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يدخل في فيئه أهله السنة من صدقاته ، ثمّ يجعل ما بقي في بيت المال ! قالوا : اللّهمّ نعم.

فلمّا توفّى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قبضها أبو بكر ، فجئت يا عباس تطلب ميراثك من ابن أخيك ، وجئت يا عليّ تطلب ميراث زوجتك من أبيها ! وزعمتما أنّ أبا بكر كان فيها خائناً فاجراً ، والله لقد كان امرءاً مطيعاً ، تابعاً للحقّ ، ثمّ توفى أبو بكر فقبضتها ، فجئتماني تطلبان ميراثكما ، أما أنت يا عباس فتطلب ميراثك من ابن أخيك ، وأما عليّ فيطلب ميراث زوجته من أبيها ، وزعمتما أنّي فيها خائن وفاجر ، والله يعلم أنّي فيها مطيع تابع للحق ؛ فأصلحا أمركما ، وإلاّ والله لم ترجع إليكما. فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة.

__________________

(1) النساء : 11.


قال أبو زيد : قال أبو غسّان : فحدّثنا عبد الرزاق الصنعاني ، عن معمر بن شهاب ، عن مالك بنحوه ، وقال في أخره : فغلب عليّ عباساً عليها ، فكانت بيدِ عليّ ، ثمّ كانت بيد الحسن ، ثمّ كانت بيد الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ الحسن بن الحسن ، ثمّ زيد بن الحسن.

قلت : وهذا الحديث يدل صريحاً على أنّهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية ، وهذا من المشكلات ، لأنّ أبا بكر حسم المادة أولاً ، وقرر عند العباس وعليّ وغيرهما أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يورث ، وكان عمر من المساعدين له على ذلك ، فكيف يعود العباس وعليّ بعد وفاة أبي بكر ، يحاولان أمراً قد كان فرغ منه ، ويئس من حصوله ، اللهم إلاّ أن يكونا ظنا أنّ عمر ينقض قضاء أبي بكر في هذه المسألة ، وهذا بعيد ، لأن عليّاً والعباس كانا في هذه المسألة يتهمان عمر بممالأة أبي بكر على ذلك ، ألا تراه يقول : نسبتماني ونسبتما أبا بكر إلى الظلم والخيانة ، فكيف يظنّان أنّه ينقض قضاء أبي بكر ويورثهما !

واعلم أنّ الناس يظنون أنّ نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين : في الميراث والنّحلة ، وقد وجدت في الحديث أنّها نازعت في أمر ثالث ، ومنعها أبو بكر إيّاه أيضاً ، وهو سهم ذوي القربى.

قال أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري : أخبرني أبو زيد عمر بن شبّة ، قال : حدّثني هارون بن عمير ، قال : حدّثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدّثني صدقة أبو معاوية ، عن محمّد بن عبدالله ، عن محمّد بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، أنّ فاطمةعليها‌السلام أتت أبا بكر فقالت : لقد علمت الّذي ظلمتنا عنه أهل البيت من الصدقات ، وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربي ! ثمّ قرأت عليه قوله تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَىٰ ) (1) الآية.

__________________

(1) الأنفال : 41.


فقال لها أبو بكر : بأبي أنت وأمي ووالدٍ وَلَدكِ ! السمع والطاعة لكتاب الله ، ولحق رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وحق قرابته ، وأنا أقرأ من كتاب الله الّذي تقرئين منه ، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس يسلّم إليكم كاملاً.

قالت : أفلك هو ولأقربائك ؟ قال : لا ، بل أنفق عليكم منه ، وأصرف الباقي في مصالح المسلمين ، قالت : ليس هذا حكم الله تعالى ؛ قال : هذا حكم الله ، فإن كان رسول الله عهد إليك في هذا عهداً أو أوجبه لكم حقاً صدّقتكِ وسلّمته كلّه إليكِ وإلى أهلكِ ؛ قالت : إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعهد إليَّ في ذلك بشيء ، إلاّ أنّي سمعته يقول لما أنزلت هذه الآية : « أبشروا آل محمّد فقد جاءكم الغنى ».

قال أبو بكر : لم يبلغ علمي من هذه الآية أن أسلم إليكم هذا السهم كلّه كاملاً ، ولكن لكم الغنى الّذي يغنيكم ، ويفضل عنكم ، وهذا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فاسأليهم عن ذلك ، وانظري هل يوافقك على ما طلبتِ أحد منهم ! فانصرفت إلى عمر فقالت له مثل ما قالت لأبي بكر ، فقال لها مثل ما قاله لها أبو بكر ، فعجبت فاطمةعليها‌السلام من ذلك ، وتظنّت أنّهما كانا قد تذاكرا ذلك واجتمعا عليه.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا هارون بن عمير ، قال : حدّثنا الوليد ، عن ابن أبي لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، قال : أرادت فاطمة أبا بكر على فَدَك وسهم ذوي القربى ، فأبى عليها ، وجعلهما في مال الله تعالى.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدّثنا أحمد بن معاوية ، عن هيثم ، عن جويبر ، عن أبي الضحاك ، عن الحسن بن محمّد بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، أنّ أبا بكر منع فاطمة وبني هاشم سهم ذوي القربى ، وجعله في سبيل الله في السلاح والكراع.

قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد قال : حدّثنا حيان بن هلال ، عن محمّد بن يزيد بن ذريع ، عن محمّد بن إسحاق ، قال : سألت أبا جعفر محمّد بن عليّعليهما‌السلام ؛ قلت :


أرأيت عليّاً حين ولي العراق وما ولي من أمر الناس كيف صنع في سهم ذوي القربى ؟ قال : سلك بهم طريق أبي بكر وعمر ؛ قلت : وكيف ولِمَ وأنتم تقولون ما تقولون ! قال : أما والله ما كان أهله يصدرون إلاّ عن رأيه ؛ فقلت : فما منعه ؟ قال : كان يكره أن يدعى عليه مخالفة أبي بكر وعمر.

قال أبو بكر : وحدّثني المؤمل بن جعفر ، قال : حدّثني محمّد بن ميمون ، عن داود بن المبارك ، قال : أتينا عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن الحسن ونحن راجعون من الحج في جماعة ، فسألناه عن مسائل وكنت أحد من سأله ، فسألته عن أبي بكر وعمر فقال : سئل جدي عبد الله بن الحسن بن الحسن عن هذه المسألة فقال : كانت أمي صديقة بنت نبيّ مرسل ، فماتت وهي غضبى على إنسان ، فنحن غضاب لغضبها ، وإذا رضيت رضينا.

قال أبو بكر : وحدّثني أبو جعفر محمّد بن القاسم ، قال : حدّثني عليّ بن الصباح ، قال : أنشدنا أبو الحسن رواية المفضل للكميت :

أهوَى عليّاً أميرَ المؤمنين وَلا

أرضَى بشتم أبي بكر ولا عُمرَا

ولا أقولُ وإن لم يُعطِيَا فَدَكاً

بنتَ النبيّ ولا ميراثها : كَفَرَا

الله يَعلم ماذا يَحضُران به

يومَ القيامة من عذرٍ إذا اعتَذَرَا

قال ابن الصباح : فقال لي أبو الحسن : أتقول : إنّه قد أكفرهما في هذا الشعر ! قلت : نعم ، قال : كذاك هو.

قال أبو بكر : حدّثنا أبو زيد ، عن هارون بن عمير ، عن الوليد بن مسلم ، عن اسماعيل بن عباس ، عن محمّد بن السائب ، عن أبي صالح ، عن مولى أم هاني ، قال : دخلت فاطمة على أبي بكر بعد ما استُخلِف ، فسألته ميراثها من أبيها فمنعها ، فقالت له : لئن مت اليوم من كان يرثك ؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فلم ورثت أنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دون ولده وأهله ؟ قال : فما فعلت يا بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قالت : بلى ، إنك


عمدت إلى فَدَك ، وكانت صافيةً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذتها ، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنّا ، فقال : يا بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لم أفعل ؛ حدّثني رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّ الله تعالى يُطعم النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) الطعمة ما كان حياً ، فإذا قبضه الله إليه رفعت ، فقالت : أنت ورسول الله أعلم ، ما أنا بسائلتك بعد مجلسي ، ثمّ انصرفت.

قال أبو بكر : وحدّثنا محمّد بن زكريا ، قال : حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن المهلّبي ، عن عبد الله بن حمّاد بن سليمان ، عن أبيه ، عن عبد الله بن حسن بن حسن ، عن أمّه فاطمَة بنتِ الحسينعليهما‌السلام ، قالت : لمّا اشتدّ بفاطمةَ بنتِ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوجع وثَقُلت في علّتها ، اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والأنصار ، فقلن لها : كيف أصبحتِ يا ابنةَ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟

قالت : واللهِ أصبحتُ عائفةً لدُنياكم ، قالِيَةً لرجالكم ، لفظتُهم بعد أن عَجمْتُهم ، وشِنئتهم بعد أن سَبَرتهم ، فقبحاً لفُلول الحدّ ، وخَوَر القناة ، وخَطَل الرأي ، وبئسما قدّمَت لهم أنفسُهم أن سَخِط اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون ؛ لا جرم قد قلّدتهم رِبْقَتها ، وشنّت عليهم غارتها ، فجَدْعاً وعَقْراً ، وسُحْقاً للقوم الظالمين ، وَيْحَهم أين زحزحوها عن رَوَاسي الرّسالة ، وقواعدِ النبوّة ، ومَهبِط الرُّوح الأمين ، والطيّبين ( كذا ) بأمر الدّنيا والدّين ، ألا ذلك هو الخسران المبين.

وما الّذي نَقَموا من أبي حسن ؟ نَقَموا واللهِ نكيرَ سيفه ، وشِدّة وَطْأته ، ونَكالَ وَقْعته ، وتنمّره في ذات الله ، وتالله لو تكافُّوا عن زِمام نبذَه إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لاعتَلَقه ، ولسار إليهم سيراً سُجُحاً ، لا تكلم حشاشته ، ولا يتعتع راكبه ، ولأوردهم مَنهلاً نَميراً فضفاضاً يطفح ضفّتاه ، ولأصدرهم بِطاناً قد تحيّر بهم الرأي ، غير متحلّ بطائل ، إلاّ بغَمْر الناهل ، وردعه سورة الساغبِ ، ولفتحتْ عليهم بركات من السّماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

ألا هلمّ فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبه ، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث ، إلى أيّ لجأ استندوا ، وبأيّ عُروة تمسّكوا ! لبئسَ المَولى ولبئس العَشِير ،


ولبئس للظالمين بدلاً ! استبدلوا والله الذُّنَابَى بالقَوادم ، والعَجُز بالكاهل ؛ فرغماً لمعاطس قومٍ يَحسَبون أنّهم يُحسِنون صُنْعاً :( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لا يَشْعُرُونَ ) (1) ، وَيْحهم !( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لا يَهِدِّي إِلا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (2) ! أما لَعَمر الله لقد لقِحت فنظِرة ريْثما تنتَج ، ثمّ احتلبوها طِلاعَ العَقْب(3) دَماً عَبيطاً وذُعافاً مُمقِراً هنالك يَخسَر المُبطِلون ، ويَعرِف التالون غِبَّ ما أسّس الأوّلون ، ثمّ طِيبوا عن أنفسكم نفساً ، واطمئنّوا للفتنة جأشاً ، وأبشِروا بسيفٍ صارم ، وهرْج شامل ، واستبدادٍ من الظالمين يَدَعُ فيئكم زهيداً ، وجمعَكم حَصِيداً ؛ فيا حسرةً عليكم ، وأنَّى لكم وقد عُمَّيتْ عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ! والحمد لله ربّ العالمين ، وصلاتهُ على محمّد خاتم النبيّين وسيّد المرسلين.

قلت : هذا الكلام وإن لم يكن فيه ذكرُ فَدَك والميراث ، إلاّ أنّه من تتمّة ذلك ، وفيه إيضاح لما كان عندها ، وبيانٌ لشدّة غيظها وغَضَبها ، فإنّه سيأتي فيما بعد ذكر ما يناقض به قاضي القضاة والمرتضى في أنّها هل كانت غضبى أم لا ! ونحن لا ننصر مذهباً بعينه ، وإنّما نذكر ما قيل ، وإذا جرى بحثٌ نظريٌّ قلنا ما يقوى في أنفسنا منه.

واعلم أنّا إنّما نذكر في هذا الفصل ما رواه رجالُ الحديث وثقاتُهم ، وما أودعه أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه ، وهو من الثّقات الأمناء عند أصحاب الحديث ، وأمّا ما يرويه رجال الشيعة والأخباريون منهم في كتبهم من قولهم : إنّهما أهاناها وأسمعاها كلاماً غليظاً ، وإنّ أبا بكر رقّ لها حيث لم يكن عمر حاضراً ، فكتب لها بفدك كتاباً ، فلمّا خرجت به وجدها عمر ، فمدّ يده إليه ليأخذه مغالبة ،

__________________

(1) البقرة : 12.

(2) يونس : 35.

(3) كذا والصواب : القعب.


فمنعته ، فدفع بيده في صدرها وأخذ الصحيفة فخرقها بعد أن تفل فيها فمحاها ، وإنّها دعت عليه فقالت : بقر الله بطنك كما بقرت صحيفتي ؛ فشيء لا يرويه أصحاب الحديث ولا ينقلونه ، وقدر الصحابة يجلّ عنه ، وكان عمر أتقى لله ؛ وأعرف لحقوق الله من ذلك ، وقد نظمت الشيعة بعض هذه الواقعة الّتي يذكرونها شعراً أوّله أبيات لمهيار بن مرزويه الشاعر من قصيدته الّتي أولها :

يا ابنةَ القومِ تُراكِ

بالغٌ قَتْلَي رِضاكِ

وقد ذيل عليها بعض الشيعة وأتمّها ، والأبيات :

يا ابنةَ الطّاهِرِ كَمْ تُقْ‍

‍رَع بالظّلم عَصاكِ

غَضِبَ اللهُ لخَطْبٍ

ليلةَ الطَّفّ عَراكِ

ورَعَى النارَ غَداً ق‍

‍ط رَعى أمسِ حماكِ

مَرّ لم يعطِفه شكوَا

ه ولا استحيا بكاكِ

واقتدى الناس به بع‍

‍د فأرْدَى وَلَدَاكِ

يا ابنةَ الرّاقي إلى السد

رة في لوح السكاكِ

لهف نفسي وعلى مِث‍

‍لِك فلْتبكِ البَواكي

كيف لم تقطع يَدٌ م‍

‍دَّ إليك ابن صهاكِ

فَرِحوا يومَ أهانو

كِ بما ساءَ أباكِ

ولقد أخبَرَهم

رضاه في رِضاكِ

أنّ دَفعا النصّ على إر

ثكِ لمّا دَفَعاكِ

وتعرّضْتِ لقَدْرٍ

تافهٍ وانتَهَزاكِ

وادّعيت النَّحْلةَ المش‍

‍هود فيها بالصِّكاكِ

فاستشاطَا ثمّ ما إن

كذَبا إن كذّباكِ


فزوَى اللهُ عن الرّحْ‍

‍مةِ زنديقاً ذَواكِ

ونَفَى عن بابه الوا

سع شيطاناً لَفاكِ

فانظر إلى هذه البلية الّتي صبت من هؤلاء على سادات المسلمين ، وأعلام المهاجرين ! وليس ذلك بقادح في علوّ شأنهم ، وجلالة مكانهم ، كما أنّ مبغضي الأنبياء وحسدتهم ، ومصنّفي الكتب في إلحاق العيب والتهجين لشرائعهم لم تزدد لأنبيائهم إلاّ رفعة ، ولا زادت شرائعهم إلاّ انتشاراً في الأرض ، وقبولاً في النفس ، وبهجةً ونوراً عند ذوي الألباب والعقول.

وقال لي عَلَويّ من الحِلّة يُعرف بعليّ بن مهنأ ، ذكيّ ذو فضائل : ما تظنّ قصدَ أبي بكر وعمر بمنع فاطمة فَدَك ؟ قلت : ما قصدا ؟ قال : أرادا ألا يُظهرا لعليّ ـ وقد اغتصباه الخلافة ـ رقّة وليناً وخذلاناً ، ولا يرى عندهما خوَراً ، فأتْبعا القرْح بالقرْح.

وقلت لمتكلم من متكلّمي الإمامية يُعرف بعليّ بن تقيّ من بلدة النيل : وهل كانت فَدَك إلاّ نخلاً يسيراً وعقاراً ليس بذلك الخطير ! فقال لي : ليس الأمرُ كذلك ، بل كانت جليلة جدّاً ، وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل ، وما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلاّ ألاّ يتقوّى عليّ بحاصلها وغلّتها على المنازعة في الخلافة ، ولهذا أتبعا ذلك بمنع فاطمة وعليّ وسائر بني هاشم وبني المطلب حقّهم في الخمس ، فإنّ الفقير الّذي لا مال له تضعف همّته ، ويتصاغر عند نفسه ، ويكون مشغولاً بالاحتراف والاكتساب عن طلب الملك والرياسة.

فانظر إلى ما قد وقر في صدور هؤلاء ، وهو داء لا دواء له ، وما أكثر ما تزول الاخلاق والشّيم ، فأما العقائد الراسخة فلا سبيل إلى زوالها !

القسم الثاني : في النظر في أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هل يورث أم لا ، نذكر في هذا الموضع ما حكاه المرتضىرحمه‌الله في الشافي عن قاضي القضاة في هذا المعنى ، وما اعترضه به ، وإن استضعفنا شيئاً من ذلك قلنا ما عندنا ، وإلاّ تركناه على حاله.


قال المرتضى : أوّل ما ابتدأ به قاضي القضاة حكايته عنّا استدلالنا على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مورّث بقوله تعالى :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (1) وهذا الخطاب عام يدخل فيه النبيّ وغيره.

ثم أجاب ـ يعني قاضي القضاة ـ عن ذلك ، فقال : إنّ الخبر الّذي احتج به أبو بكر ـ يعني قوله : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ـ لم يقتصر على روايته هو وحده حتى استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة والزبير وسعداً وعبد الرحمن ، فشهدوا به ، فكان لا يحل لأبي بكر وقد صار الأمر إليه أن يقسم التركة ميراثاً ، وقد خبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بأنّها صدقة وليست بميراث ، وأقلّ ما في هذا الباب أن يكون الخبر من أخبار الآحاد ، فلو أنّ شاهدين شهدا في التركة أنّ فيها حقاً ، أليس كان يجب أن يصرف ذلك عن الإرث ! فعلمه بما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع شهادة غيره أقوى.

ولسنا نجعله مدّعياً لأنّه لم يدع ذلك لنفسه ، وإنّما بيّن أنّه ليس بميراث ، وأنّه صدقة ، ولا يمتنع تخصيص القرآن بذلك ، كما يخصّ في العبد والقاتل وغيرهما ، وليس ذلك بنقص في الأنبياء ، بل هو إجلالٌ لهم ، يرفع الله به قدرهم عن أن يورّثوا المال ، وصار ذلك من أوكد الدواعي ألاّ يتشاغلوا بجمعه ، لأن أحد الدواعي القوية إلى ذلك تركه على الأولاد والأهلين ، ولما سمعت فاطمةعليها‌السلام ذلك من أبي بكر كفّت عن الطلب فيما ثبت من الأخبار الصحيحة ، فلا يمتنع أن تكون غير عارفة بذلك ، فطلبت الإرث ، فلما روى لها ما روى كفّت ، فأصابت أولاً وأصابت ثانياً.

وليس لأحد أن يقول : كيف يجوز أن يبيّن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك للقوم ولا حقّ لهم في الإرث ، ويدع أن يبيّن ذلك لمن له حق في الإرث ، مع أنّ التكليف يتصل به ؛

__________________

(1) النساء : 11.


وذلك لأنّ التكليف في ذلك يتعلق بالإمام ، فإذا بيّن له جاز ألاّ يبيّن لغيره ويصير البيان له بياناً لغيره ، وإن لم يسمعه من الرسول ، لأنّ هذا الجنس من البيان يجب أن يكون بحسب المصلحة.

قال : ثمّ حكى عن أبي عليّ أنّه قال : أتعلمون كذِبَ أبي بكر في هذه الرواية ، أم تجوّزون أن يكون صادقاً ؟ قال : وقد علم أنّه لا شيء يقطع به على كذبه ، فلابدّ من تجويز كونه صادقاً ، وإذا صحّ ذلك قيل لهم : فهل كان يحلّ له مخالفة الرسول ؟

فإن قالوا : لو كان صِدقاً لظهر واشتهر ، قيل لهم : إنّ ذلك من باب العمل ، ولا يمتنع أن ينفرد بروايته جماعة يسيرة ، بل الواحد والاثنان ، مثل سائر الأحكام ومثل الشهادات ، فإن قالوا : نعلم أنّه لا يصحّ لقوله تعالى في كتابه :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (1) . قيل لهم : ومن أين أنّه ورثه الأموال ؛ مع تجويز أن يكون ورثه العلم والحكمة ؟

فإن قالوا : إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال ؛ قيل لهم : إن كتاب الله يُبطل قولَكم ، لأنّه قال :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (2) ، والكتاب ليس بمال ، ويقال في اللغة : ما ورثت الأبناء عن الآباء شيئاً أفضل من أدب حَسَن ؛ وقالوا : العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّما ورثوا منهم العلم دون المال ، على أنّ في آخر الآية ما يدلّ على ما قلناه ، وهو قوله تعالى حاكياً عنه :( وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ ) (3) ، فنبّه على أنّ الّذي ورث هو هذا العلم وهذا الفضل ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلق بالأول.

__________________

(1) النمل : 16.

(2) فاطر : 32.

(3) النمل : 16.


فإن قالوا : فقد قال تعالى :( فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً *يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (1) ، وذلك يُبطل الخبر ! قيل لهم : ليس في ذلك بيان المال أيضاً ، وفي الآية ما يدلّ على أنّ المراد النبوّة والعلم ، لأنّ زكريا خاف على العلم أن يندرس ، وقوله :( وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي ) (2) يدلّ على ذلك ، لأنّ الأنبياء لا تحرص على الأموال حرصاً يتعلق خوفها بها ، وإنما أراد خوفه على العلم أن يضيع ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدّين مقامه ، وقوله :( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) يدلّ على أنّ المراد العلم والحكمة ، لأنّه لا يرث أموال يعقوب في الحقيقة ، وإنّما يرث ذلك غيره.

قال : فأمّا مَن يقول إنّ المراد أنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه صدقة ، أي ما جعلناه صدقة في حال حياتنا لا نورثه ، فركيك من القول ، لأنّ إجماع الصحابة يخالفه ، لأنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه ، ولأنّه لا يكون في ذلك تخصيص الأنبياء ، ولا مزية لهم ، ولأنّ قوله : « ما تركناه صدقة » ، جملة من الكلام مستقلّة بنفسها ، كأنّهعليه‌السلام مع بيانه أنّهم لا يورثون المال يبيّن أنّه صدقة ، لأنّه كان يجوز ألاّ يكون ميراثاً ، ويصرف إلى وجه آخر غير الصدقة.

قال : فأمّا خبر السيف والبغلة والعمامة وغير ذلك ، فقد قال أبو عليّ : إنّه لم يثبت أنّ أبابكر دفع ذلك إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام على جهة الإرث ، كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي رواه ، وكيف يجوز لو كان وارثاً أن يخصّه بذلك ولا إرث له مع العمّ لأنّه عصبة !

فإن كان وصل إلى فاطمةعليها‌السلام فقد كان ينبغي أن يكون العباس شريكاً في ذلك وأزواج الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولوجب أن يكون ذلك ظاهراً مشهوراً ليُعرف أنّهم

__________________

(1) مريم : 5 ـ 6.

(2) مريم : 5.


أخذوا نصيبهم من ذلك أو بدله ، ولا يجب إذا لم يدفع أبو بكر ذلك إليه على جهة الإرث ألا يحصل ذلك في يده ، لأنّه قد يجوز أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نحله ذلك ، ويجوز أيضاً أن يكون أبو بكر رأى الصلاح في ذلك أن يكون بيده لما فيه من تقوية الدين ، وتصدق ببدله بعد التقويم ، لأنّ الإمام له أن يفعل ذلك.

قال : وحكى عن أبي عليّ في البُرد والقضيب أنّه لم يمتنع أن يكون جعله عدة في سبيل الله وتقوية على المشركين ، فتداولته الأئمة لما فيه من التقوية ، ورأى أنّ ذلك أولى من أن يتصدق به إن ثبت أنّهعليه‌السلام لم يكن قد نحله غيره في حياته ، ثمّ عارض نفسه بطلب أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الميراث ، وتنازع أمير المؤمنينعليه‌السلام والعباس بعد موت فاطمةعليها‌السلام ، وأجاب عن ذلك بأن قال : يجوز أن يكونوا لم يعرفوا رواية أبي بكر وغيره للخبر.

وقد روي أنّ عائشة لمّا عرّفتهنّ الخبر أمسكن ، وقد بيّنا أنّه لا يمتنع في مثل ذلك أن يخفى على من يستحق الإرث ، ويعرفه من يتقلّد الأمر ، كما يعرف العلماء والحكام من أحكام المواريث ما لا يعلمه أرباب الإرث ، وقد بيّنا أنّ رواية أبي بكر مع الجماعة أقوى من شاهدين لو شهدا أنّ بعض تركتهعليه‌السلام دين ، وهو أقوى من رواية سلمان وابن مسعود لو رويا ذلك.

قال : ومتى تعلّقوا بعموم القرآن أريناهم جواز التخصيص بهذا الخبر ، كما أن عموم القرآن يقتضي كون الصدقات للفقراء ، وقد ثبت أنّ آل محمّد لا تحلّ لهم الصدقة.

هذا آخر ما حكاه المرتضى من كلام قاضي القضاة.

ثم قال : نحن نبيّن أوّلاً ما يدل على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله يورث المال ، ونرتّب الكلام في ذلك الترتيب الصحيح ، ثمّ نعطف على ما أورده ، ونتكلّم عليه.


قالرضي‌الله‌عنه : والذي يدلّ على ما ذكرنا قوله تعالى مخبراً عن زكرياعليه‌السلام :( وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَدُنكَ وَلِيّاً *يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً ) (1) .

فخبر أنّه خاف من بني عمّه ، لأنّ الموالي هاهنا هم بنو العمّ بلا شبهة ، وإنّما خافهم أن يرثوا ماله فينفقوه في الفساد ، لأنّه كان يعرف ذلك من خلائقهم وطرائقهم ، فسأل ربّه ولداً يكون أحق بميراثه منهم.

والذي يدل على أنّ المراد بالميراث المذكور ميراث المال دون العلم والنبوة على ما يقولون ، إنّ لفظة الميراث في اللغة والشريعة لا يفيد إطلاقها إلاّ ما يجوز أن ينتقل على الحقيقة من الموروث إلى الوارث ، كالأموال وما في معناها ، ولا يُستعمل في غير المال إلاّ تجوّزاً واتساعاً ، ولهذا لا يُفهم من قول القائل : لا وارث لفلان إلاّ فلان ، وفلان يرث مع فلان بالظاهر والإطلاق إلاّ ميراث الأموال والأعراض دون العلوم وغيرها ، وليس لنا أن نعدل عن ظاهر الكلام وحقيقته إلى مجازه بغير دلالة.

وأيضاً فإنّه تعالى خبّر عن نبيّه أنّه اشترط في وارثه أن يكون رضيّاً ، ومتى لم يُحمل الميراث في الآية على المال دون العلم والنبوة لم يكن للاشتراط معنى ، وكان لغواً وعبثاً ؛ لأنّه إذا كان إنّما سأل من يقوم مقامه ، ويرث مكانه فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في جملة كلامه وسؤاله ؛ فلا مقتضى لاشتراطه ، ألا ترى أنّه لا يحسن أن يقول : اللهم ابعث إلينا نبياً واجعله عاقلاً ، [ ومكلّفاً ] ؛ فإذا ثبتت هذه الجملة صحّ أنّ زكريا موروث ماله ، وصحّ أيضاً لصحتها أنّ نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله ممن يورث المال ، لأنّ الإجماع واقع على أنّ حال نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يخالف حال الأنبياء المتقدّمين في ميراث المال ، فمن مثبت للأمرين ونافٍ للأمرين.

__________________

(1) مريم : 5 ـ 6.


قلت : إنّ شيخنا أبا الحسين قال في كتاب ( الغرر ) صورة الخبر الوارد في هذا الباب ، وهو الّذي رواه أبو بكر ! « لا نورّث » ، ولم يقل : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » ، فلا يلزم من كون زكريا يورث الطعن في الخبر ، وتصفّحت أنا كتب الصحاح في الحديث فوجدت صيغة الخبر كما قاله أبو الحسين ، وإن كان رسول [ الله ]صلى‌الله‌عليه‌وآله عنى نفسه خاصة بذلك فقد سقط احتجاج الشيعة بقصة زكريا وغيره من الأنبياء ، إلاّ أنّه يبعد عندي أن يكون أراد نفسه خاصة ؛ لأنّه لم يَجْرِ عادته أن يخبر عن نفسه في شيء بالنون.

فإن قلت : أيصح من المرتضى أن يوافق على أنّ صورة الخبر هكذا ، ثمّ يحتجّ بقصّة زكريا بأن يقول : إذا ثبت أنّ زكريا موروث ، ثبت أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يجوز أن يكون موروثاً ، لإجماع الأمة على أن لا فرق بين الأنبياء كلّهم في هذا الحكم !

قلت : وإن ثبت له هذا الإجماع صحّ احتجاجه ، ولكن ثبوته يبعد ، لأنّ من نفى كون زكرياعليه‌السلام موروثاً من الأمة إنّما نفاه لاعتقاده أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : نحن معاشر الأنبياء(1) ، فإذا كان لم يقل هكذا ، لم يقل : إنّ زكرياعليه‌السلام غير موروث.

قال المرتضى : ومما يقوي ما قدمناه أنّ زكرياعليه‌السلام خاف بني عمّه ، فطلب وارثاً لأجل خوفه ، ولا يليق خوفه منهم إلاّ بالمال دون العلم والنبوّة ، لأنّهعليه‌السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّاً ليس بأهل للنبوّة ، أو أن يورث علمه وحكمه من ليس أهلاً لهما ، ولأنّه إنّما بعث لإذاعة العلم ونشره في الناس ، فلا يجوز أن يخاف من الأمر الّذي هو الغرض في البعثة.

__________________

(1) لقد ورد بلفظ : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ) في جملة مصار من التراث السني منها : فتح الباري لابن حجر 12 : 8 ، ط دار الفكر بيروت , وزاد المسير لابن الجوزي 5 : 209 ، ط دار الفكر بيروت , واللئالئ المصنوعة للسيوطي 2 : 235 ، ط دار الكتاب العربي بمصر , والبداية والنهاية لابن كثير 2 : 154 ، و 4 : 203 ، و 5 : 290 ، ط دار الفكر بيروت ، وتحفة الطالب لابن كثير 1 : 336 ، نشر دار حواء بمكة المكرمة سنة 1406 , ومسند الربيع بن حبيب 2 : 62 ، تصوير مكتبة الثقافة وأخيراً موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 10 : 17 ، ط عالم التراث.


فإن قيل : هذا يرجع عليكم في الخوف عن إرث المال ، لأنّ ذلك غاية الضن والبخل ، قلنا : معاذ الله أن يستوي الحال ، لأنّ المال قد يصحّ أن يرزقه الله تعالى المؤمن والكافر والعدو والوليّ ، ولا يصحّ ذلك في النبوّة وعلومها ، وليس من الظنّ أن يأسى على بني عمّه ـ وهم من أهل الفساد ـ أن يظفروا بماله فينفقوه على المعاصي ، ويصرفوه في غير وجوهه المحبوبة ، بل ذلك غاية الحكمة وحسن التدبير في الدين ، لأنّ الدين يحظر تقوية الفسّاق وإمدادهم بما يعينهم على طرائقهم المذمومة ، وما يعدّ ذلك شحاً ولا بخلاً إلاّ من لا تأمل له.

فإن قيل : أفلا جاز أن يكون خاف من بني عمّه أن يرثوا علمه ، وهم من أهل الفساد على ما ادّعيتم فيستفسدوا به الناس ، ويموّهوا به عليهم ؟ قلنا : لا يخلو هذا العلم الّذي أشرتم إليه من أن يكون هو كتب علمه وصحف حكمته ـ لأنّ ذلك قد يسمّى علماً على طريق المجاز ـ أو يكون هو العلم الّذي يحل القلب ، وإن كان الأوّل فهو يرجع إلى معنى المال ، ويصحّ أنّ الأنبياء يورثون أموالهم وما في معناها ، وإن كان الثاني لم يخل هذا من أن يكون هو العلم الّذي بُعث النبيّ لنشره وأدائه ، أو أن يكون علماً مخصوصاً لا يتعلّق بالشريعة ، ولا يجب اطلاع جميع الأمّة عليه ، كعلم العواقب وما يجري في مستقبل الأوقات ، وما جرى مجرى ذلك.

والقسم الأوّل لا يجوز على النبيّ أن يخاف من وصوله إلى بني عمّه ، وهم من جملة أمّته الّذين بعث لاطلاعهم على ذلك ، وتأديته إليهم ، وكأنّه على هذا الوجه يخاف ممّا هو الغرض من بعثته.

والقسم الثاني فاسدٌ أيضاً ، لأنّ هذا العلم المخصوص إنّما يستفاد من جهته ، ويوقف عليه باطلاعه وإعلامه ؛ وليس هو ممّا يجب نشره في جميع الناس ، فقد كان يجب إذا خاف من إلقائه إلى بعض الناس فساداً ألاّ يلقيه إليه ، فإنّ ذلك في يده ، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك.


قلت : لعاكسٍ أن يَعكِس هذا على المرتضىرحمه‌الله حينئذٍ ، ويقول له : وقد كان يجب إذا خاف من أن يرث بنو عمّه أمواله فينفقوها في الفساد أن يتصدق بها على الفقراء والمساكين ، فإنّ ذلك في يده ، فيحصل له ثواب الصدقة ، ويحصل له غرضه من حرمان أولئك المفسدين ميراثه.

قال المرتضىرضي‌الله‌عنه : وممّا يدلّ على أنّ الأنبياء يورثون قوله تعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (1) ، والظاهر من إطلاق لفظة الميراث يقتضي الأموال وما في معناها على ما دللنا به من قبل.

قال : ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (2) الآية ، وقد أجمعت الأمّة على عموم هذه اللفظة إلاّ من أخرجه الدليل ، فيجب أن يتمسّك بعمومها ، لمكان هذه الدّلالة ، ولا يخرج عن حكمها إلاّ من أخرجه دليل قاطع.

قلت : أمّا قوله تعالى :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) ، فظاهرها يقتضي وراثة النبوّة أو الملك أو العلم الّذي قال في أوّل الآية :( وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً ) (3) ، لأنّه لا معنى لذكر ميراث سليمان المال ، فإنّ غيره من أولاد داود قد ورث أيضاً أباه داود ؛ وفي كتب اليهود والنصارى أنّ بني داود كانوا تسعة عشر ، وقد قال بعض المسلمين أيضاً ذلك ، فأيّ معنىً في تخصيص سليمان بالذكر إذا كان إرث المال !

وأما :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) ، فالبحث في تخصيص ذلك بالخبر فرع من فروع مسألة خبر الواحد ؛ هل هو حجة في الشرعيات أم لا ! فإن ثبت مذهب المرتضى في كونه ليس بحجة فكلامه هنا جيّد ، وإن لم يثبت فلا مانع من

__________________

(1) النمل : 16.

(2) النساء : 11.

(3) النمل : 15.


تخصيص العموم بالخبر ، فإنّ الصحابة قد خصّصت عمومات الكتاب بالأخبار في مواضع كثيرة.

قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب بالخبر الّذي رواه أبو بكر ، وادعاؤه أنّه استشهد عمر وعثمان وفلاناً وفلاناً ، فأوّل ما فيه أنّ الّذي ادعاه من الاستشهاد غير معروف ، والذي روي أنّ عمر استشهد هؤلاء النفر لمّا تنازع أمير المؤمنينعليه‌السلام والعباسرضي‌الله‌عنه في الميراث ، فشهدوا بالخبر المتضمّن لنفي الميراث ، وإنّما مقول مخالفينا في صحّة الخبر الّذي رواه أبو بكر عند مطالبة فاطمةعليها‌السلام بالإرث على إمساك الأمّة عن النكير عليه ، والرّد لقضيّته.

قلت : صدق المرتضىرحمه‌الله فيما قال ، أمّا عَقِيب وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومطالبة فاطمةعليها‌السلام بالإرث ، فلم يروِ الخبر إلاّ أبو بكر وحده. وقيل : إنّه رواه معه مالك بن أوس بن الحدثان ؛ وأمّا المهاجرون الّذين ذكرهم قاضي القضاة فإنّما شهدوا بالخبر في خلافة عمر ؛ وقد تقدّم ذكر ذلك.

قال المرتضى : ثمّ لو سلّمنا استشهاد مَنْ ذَكر على الخبر لم يكن فيه حجة ، لأنّ الخبر على كلّ حال لا يخرج من أن يكون غير موجب للعلم ، وهو في حكم أخبار الآحاد ، وليس يجوز أن يرجع عن ظاهر القرآن بما يجري هذا المجرى ، لأنّ المعلوم لا يخصّ إلاّ بمعلوم ، وإذا كانت دلالة الظاهر معلومة ، لم يجز أن يخرج عنها بأمرٍ مظنون.

قال : وهذا الكلام مبنيٌّ على أنّ التخصيص للكتاب والسنّة المقطوع بها لا تقع بأخبار الآحاد ، وهو المذهب الصحيح ، وقد أشرنا إلى ما يمكن أن يعتمد في الدلالة عليه من أن الظن لا يقابل العلم ، ولا يرجع عن المعلوم بالمظنون.


قال : وليس لهم أن يقولوا : إنّ التخصيص بأخبار الآحاد يستند أيضاً إلى علم ، وإن كان الطريق مظنوناً ، ويشيروا إلى ما يدّعونه من الدّلالة على وجوب العمل بخبر الواحد في الشريعة ، وأنّه حجّة ، لأنّ ذلك مبنىّ من قولهم على ما لا نسلّمه ، وقد دلّ الدليل على فساده ـ أعني قولهم : خبر الواحد حجة في الشرع ـ على أنّهم لو سلّم لهم ذلك لاحتاجوا إلى دليل مستأنف على أنّه يقبل في تخصيص القرآن ؛ لأنّ ما دلّ على العمل به في الجملة لا يتناول هذا الموضع ، كما لا يتناول جواز النسخ به.

قلت : أمّا قول المرتضى لو سلّمنا أنّ هؤلاء المهاجرين الستّة رووه لما خرج عن كونه خبراً واحداً ، ولما جاز أن يرجع عن عموم الكتاب به ، لأنّه معلوم والخبر مظنون.

ولقائل أن يقول : ليته حصل في كل واحد من آيات القرآن رواية مثل هذه الستة ، حيث جمع القرآن على عهد عثمان ومن قبله من الخلفاء ، فإنّهم بدون هذا العدد كانوا يعملون في إثبات الآية في المصحف ، بل كانوا يحلفون من أتاهم بالآية(1) ، ومن نظر في كتب التواريخ عرف ذلك ، فإن كان هذا العدد إنّما يفيد الظنّ فالقول في آيات الكتاب كذلك ، وإن كانت آيات الكتاب أثبتت عن علم مستفاد من رواية هذا العدد ونحوه ، فالخبر مثل ذلك.

__________________

(1) هذا من أفظع الهذيان الذي ابتلي به المسلمون , فالقرآن إنّما ثبت بالتواتر وليس بالبيّنة , وهو كان مجموعاً ومكتوباً على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحسبنا دليلاً على ذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( إنّي تارك ـ مخلّف ـ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا ) وفيه دلالة على أنّه كان مكتوباً ومجموعاً , ولو لم يكن كذلك لما صحت الوصية على التمسك به , إذ لا يصح إطلاق الكتاب عليه , وهو غير مجموع ومكتوب , كأن يكون محفوظاً في الصدور أو مكتوباً متفرقاً على العُسب والأكتاف واللخاف. كما تمحل ابن حجر في تفسير الشاهدين على الآية ، كما حكاه عنه السيوطي في الاتقان. وروايات الجمع على عهد الخالفين من بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كلها مخدوشة سنداً ودلالة , أملتها سياسة الحاكمين.


فأمّا مذهب المرتضى في خبر الواحد ، فإنّه قولٌ انفرد به عن سائر الشيعة ، لأنّ من قبله من فقهائهم ما عوّلوا في الفقه إلاّ على أخبار الآحاد كزرارة ، ويونس ، وأبي بصير ، وابني بابويه ، والحلبي ، وابي جعفر القمّي وغيرهم ، ثمّ من كان في عصر المرتضى منهم كأبي جعفر الطوسي وغيره ، وقد تكلّمت في ( اعتبار الذريعة ) على ما اعتمد عليه في هذه المسألة ، وأمّا تخصيص الكتاب بخبر الواحد فالظاهر أنّه إذا صحّ كون خبر الواحد حجة في الشرع ، جاز تخصيص الكتاب به ، وهذا من فنّ أصول الفقه ، فلا معنى لذكره هنا.

قال المرتضىرضي‌الله‌عنه : وهذا يسقط قول صاحب الكتاب : إنّ شاهدين لو شهدا أنّ في التركة حقاً لكان يجب أن ينصرف عن الإرث ، وذلك لأنّ الشهادة وإن كانت مظنونةً فالعمل بها يستند إلى علم ، لأنّ الشريعة قد قررت العمل بالشهادة ولم تقرر العمل بخبر الواحد ، وليس له أن يقيس خبر الواحد على الشهادة من حيث اجتمعا في غلبة الظن ، لأنّا لا نعمل على الشهادة من حيث غلبة الظنّ ، دون ما ذكرناه من تقرير الشريعة العمل بها ؛ ألا ترى أنّا قد نظنّ بصدق الفاسق والمرأة والصبي وكثير ممّن لا يجوز العمل بقوله ! فبان أن المعوّل في هذا على المصلحة الّتي نستفيدها على طريق الجملة من دليل الشرع.

قال : وأبو بكر في حكم المدعي لنفسه ، والجارّ إليها بخلاف ما ظنّه صاحب الكتاب ، وكذلك من شهد له إن كانت هناك شهادة ، وذلك أنّ أبا بكر وسائر المسلمين سوى أهل بيت الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله يحلّ لهم الصدقة ، ويجوز أن يصيبوا فيها ، وهذه تهمة في الحكم والشهادة.

قال : وليس له أن يقول : فهذا يقتضي ألا يقبل شهادة شاهدين في تركةٍ فيها صدقة لمثل ما ذكرتم. قال : وذلك لأنّ الشاهدين إذا شهدا في الصدقة فحظّهما منها كحظ صاحب الميراث بل سائر المسلمين ، وليس كذلك حال تركة الرسول لأنّ كونها صدقة يحرمها على ورثته ، ويبيحها لسائر المسلمين.


قلت : هذا فرق غير مؤثر ، اللهم إلاّ أن يعني به تهمة أبي بكر والشهود الستة في جر النفع إلى أنفسهم يكون أكثر من تهمتهم لو شهدوا على أبي هريرة مثلاً أنّ ما تركه صدقة لأن أهل أبي هريرة يشاركون في القسمة ، وأهل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يشاركون الشهود فيما يصيبهم ، إذ هم لا تحلّ لهم الصدقة ، فتكون حصّة أبي بكر والشهود ممّا تركه رسول الله أكثر من حصتهم مما يتركه أبو هريرة ، فيكون تطرّق التهمة إلى أبي بكر والشهود أكثر حسب زيادة حصتهم.

وما وقفت للمرتضى على شيء أطرف من هذا ، لأنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مات والمسلمون أكثر من خمسين ألف إنسان ، لأنّه قاد في غزاة تبوك عشرين ألفاً ، ثمّ وفدت إليه الوفود كلّها بعد ذلك ، فليت شعري كم مقدار ما يتوفر على أبي بكر وستة نفر معه ، وهم من جملة خمسين ألفاً ، بين ما إذا كان بنو هاشم وبنو المطّلب ـ وهم حينئذٍ عشرة نفر ـ لا يأخذون حصة ، وبين ما إذا كانوا يأخذون ! أترى أيكون المتوفّر على أبي بكر وشهوده من التركة عشر عشر درهم ! ما أظنّ أنّه يبلغ ذلك ، وكم مقدار ما يقلل حصص الشهود على أبي هريرة إذا شركهم أهله في التركة ، لتكون هذه القلّة موجبةً رفع التهمة ، وتلك الزيادة والكثرة موجبة حصول التهمة ! وهذا الكلام لا أرتضيه للمرتضى(1) .

قال المرتضىرضي‌الله‌عنه : وأما قوله : يخصّ القرآن بالخبر كما خصصناه في العبد والقاتل ، فليس بشيء ، لأنّا إنّما خصصنا من ذكر بدليل مقطوع عليه معلوم ، وليس هذا موجوداً في الخبر الّذي ادّعاه.

__________________

(1) سفسطة كلام وجعجعة من غير طحين. فإن المرتضىرحمه‌الله إنّما وجّه كلامه رداً على قاضي القضاة في ان أبا بكر ومن شهد له على الخبر , إنّما هم يجرّون نفعاً بدفعهم أهل البيتعليهم‌السلام عن حقهم , سواء كان ذلك النفع مادياً ولو كان عشر عشر درهم ـ كما زعم ابن أبي الحديد ـ أو معنوياً وهو المطلوب لهم أولاً وبالذات ، على انّ أبا بكر أظهر وجه خصومته في زعمه ان أمر صدقات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله راجع إلى ولي الأمر بعده وأنه وليّه , وهذا مكسبٌ عظيم وإن فرض غناه لأنها فدك ، وهو وليّ أمر الصدقات يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.


فأمّا قوله : وليس ذلك ينقص الأنبياء ، بل هو إجلال لهم ، فمن الّذي قال له : إنّ فيه نقصاً ! وكما أنّه لا نقص فيه ، فلا إجلال فيه ولا فضيلة ، لأنّ الداعي وإن كان قد يقوّى على جميع المال ليخلف على الورثة ، فقد يقوّيه أيضاً إرادة صرفه في وجوه الخير والبرّ ، وكلا الأمرين يكون داعياً إلى تحصيل المال ، بل الداعي الّذي ذكرناه أقوى فيما يتعلّق بالدين.

قال : وأمّا قوله : إنّ فاطمة لمّا سمعت ذلك كفّت عن الطلب فأصابت أوّلاً وأصابت ثانياً ؛ فلعمري إنّها كفّت عن المنازعة والمشاحّة ، لكنّها انصرفت مغضبة متظلمة متألّمة ؛ والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف ، فقد روى أكثر الرواة الّذين لا يتهمون بتشيّع ولا عصبيّة فيه من كلامها في تلك الحال ، وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ، ما يدلّ على ما ذكرناه من سخطها وغضبها.

أخبرنا أبو عبيد الله محمّد بن عمران المَرْزُبَاني قال : حدّثني محمّد بن أحمد الكاتب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي ، قال : حدّثني الزيادي ، قال : حدّثنا الشرقي بن القطامي ، عن محمّد بن إسحاق ، قال : حدّثنا صالح بن كيسان ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فَدَك لاثت خمارها على رأسها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها .

قال المرتضى : وأخبرنا المَرْزُبَاني قال : حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد المكّي قال : حدّثنا أبو العيناء بن القاسم اليمانيّ قال : حدّثنا ابن عائشة ، قال : لمّا قبض رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أقبلت فاطمة إلى أبي بكر في لمّة من حفدتها ـ ثمّ اجتمعت الروايتان من هاهنا ـ ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشدٍ من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ، ثمّ أنّت أنّهً أجهش لها القوم بالبكاء ، وارتجّ المجلس ، ثمّ


أمهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ، افتتحت كلامها بالحمد لله ( عزّ وجلّ ) والثناء عليه ، والصلاة على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ قالت :« ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) (1) ، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم ، وأخا ابن عمّي دون رجالكم ، فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن سنن المشركين ، ضارباً ثَبجهم ، يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، آخذاً بأكظام المشركين ؛ يهشم الأصنام ، ويفلِّق الهام ، حتى انهزم الجمع وولّوا الدّبر ، وحتى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقائق الشياطين ، وتمّت كلمة الإخلاص ، وكنتم على شفا حفرةٍ من النار ، نهزة الطامع ، ومذْقَة الشارب ، وقبْسة العجلان ، وموطأ الأقدام ، تشربون الطَّرْق ، وتقتاتون القِدّ ؛ أذلة خاسئين ، يختطفكم الناس من حولكم ، حتى أنقذكم الله برسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مُني بهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب ، و ( كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ ) (2) ، أو نجم قرن الشيطان ، أو فغرت فاغرة قذف أخاه في لهواتها ، ولا ينكفي حتى يطأ صماخها باخمصه ويطفيء عادية لهبها بسيفه ـ أو قالت :يخمد لهبها بحدّه ـمكدوداً في ذات الله ، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون » .

إلى هنا انتهى خبر أبي العيناء عن ابن عائشة ، وأما عروة عن عائشة ، فزاد بعد هذا : حتى إذا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ، ظهرت حسيكةُ النفاق ، وسمل جلباب الدين ، ونطق كاظم الغاوين ، ونبغَ خامل الآفكين ، وهدر فنيق المُبطلين ، فخطر في عرصاتكم ، وأطلع الشيطان رأسه صارخاً بكم ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، ولقربه متلاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم خِفافاً ، وأحمشكم فألفاكم غضاباً ،

__________________

(1) التوبة : 128.

(2) المائدة : 64.


فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لما يندمل ، إنّما زعمتم ذلك خوف الفتنة :( أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) (1) ، فهيهات ! وأنّى بكم وأنى تؤفكون ، وكتاب الله بين أظهركم ، زواجره بيّنة ، وشواهده لائحة ، وأوامره واضحة ، أرغبةً عنه تريدون ، أم لغيره تحكمون ؛ بئس للظالمين بدلاً! ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منهُ وهو في الآخرةِ من الخاسرين ، ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ، تُسرون حسواً في ارتغاء ، ونحن نصبر منكم على مثل حزّ المُدَى ، وأنتم الآن تزعمون ألاّ إرث لنا :( أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (2) يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي ، لقد جئت شيئاً فريّاً! فدونكها مخطومة مرحولة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ! ثمّ انكفأت إلى قبر أبيهاعليه‌السلام ، فقالت :

قد كان بعدَكَ أنباءٌ وَهنبثةٌ

لو كنتَ شاهدَها لم تكثر الخُطَبُ

إنّا فقدناك فقد الأرض وابِلَها

واختلّ قومُك فاشهدهم ولا تَغِبِ

وروى حرمي بن أبي العلاء مع هذين البيتين بيتاً ثالثاً :

فليتَ بعدكَ كان الموت صَادَفنا

لمّا قضيت وحالت دونَكَ الكُثُبُ

قال : فحمد أبو بكر الله وأثنى عليه وصلى على رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) وقال : يا خَيْرَ النساء ، وابنة خير الآباء ، واللهِ ما عدوتُ رأيَ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا عملتُ إلاّ بإذنه ، وإنّ الرائد لا يَكذِب أهلَه ، وإنّي أشهد الله وكفى بالله شهيداً ؛ أنّي سمعتُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) التوبة : 49.

(2) المائدة 50.


يقول : « إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ولا داراً ولا عَقاراً ، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة ».

قال : فلما وصل الأمر إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كُلّم في ردّ فَدَك ، فقال : إنّي لأستحيي من الله أن أرد شيئاً منع منه أبو بكر وأمضاه عمر(1) .

قال المرتضى : وأخبرنا أبو عبد الله المَرْزُبَاني ، قال : حدّثني عليّ بن هارون ، قال : أخبرني عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر ، عن أبيه قال : ذكرت لأبي الحسين زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كلام فاطمةعليها‌السلام عند منع أبي بكر إيّاها فَدَك ، وقلت له : إنّ هؤلاء يزعمون أنّه مصنوع وأنّه من كلام أبي العيناء ، لأنّ الكلام منسوق البلاغة.

فقال لي : رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلّمونه أولادهم ، وقد حدّثني به أبي عن جدّي يَبْلغ به فاطمةعليها‌السلام على هذه الحكاية ، وقد رواه مشايخ الشيعة وتدارسوه قبل أن يوجد جدّ أبي العيناء ، وقد حدّث الحسين بن علوان ، عن عطية العوفي ، أنّه سمع عبد الله بن الحسن بن الحسن يذكر عن أبيه هذا الكلام.

ثم قال أبو الحسين زيد : وكيف تنكرون هذا من كلام فاطمةعليها‌السلام ، وهم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمةعليها‌السلام ويحقّقونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت ، ثمّ ذكر الحديث بطوله على نسقه ، وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين :

ضاقتْ عليّ بلادي بعد ما رحُبتْ

وسِيمَ سِبْطاكَ خسفا فيه لي نَصَبُ

فليت قبلَك كان الموتُ صادَفنا

قومٌ تمنّوا فأعطُوا كلّ ما طلبوا

تجهّمَتْنا رجالٌ واستُخفّ بنا

مذ غبت عنّا وكلّ الإرث قد غصبوا

__________________

(1) الشافي : 230.


قال : فما رأينا يوماً أكثر باكياً أو باكية من ذلك اليوم.

قال المرتضى : وقد روى هذا الكلام على هذا الوجه من طُرقٍ مختلفة ، ووجوه كثيرة ، فمن أرادها أخذها من مواضعها ، فكيف يدّعي أنّهاعليها‌السلام كفّت راضية ، وأمسكت قانعة ، لولا البُهْت وقلّة الحياء !

قلت : ليس في هذا الخبر ما يدلّ على فساد ما ادّعاه قاضي القضاة ، لأنّه ادّعى أنّها نازعت وخاصمت ، ثمّ كفّت لما سمعت الرواية وانصرفت تاركة للنزاع ، راضية بموجب الخبر المروي.

وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدلّ إلاّ على سخطها حال حضورها ، ولا يدلّ على أنّها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبو بكر بالله تعالى أنّه ما روى عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ما سمعه منه ، انصرفت ساخطة ؛ ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدلّ على ذلك ، ولست أعتقد أنّها انصرفت راضية كما قال قاضي القضاة ، بل أعلم أنّها انصرفت ساخطة ، وماتت وهي على أبي بكر واجِدة ، ولكن لا من هذا الخبر ، بل من أخبار اُخر ، كان الأولى بالمرتضى أن يحتجّ بها على ما يرويه في انصرافها ساخطة ، وموتها على ذلك السخط ، وأمّا هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدلّ على هذا المطلوب.

قال المرتضىرحمه‌الله : فأمّا قوله : إنّه يجوز أن يبيّنعليه‌السلام أنّه لا حقّ لميراثه في ورثته لغير الورثة ، ولا يمتنع أن يرد من جهة الآحاد ، لأنّه من باب العمل ، وكلّ هذا بناءً منه على أصوله الفاسدة في أنّ خبر الواحد حجّة في الشرع ، وأنّ العمل به واجب ، ودون صحة ذلك خَرْط القَتاد.

وإنّما يجوز أن يبيّن من جهة أخرى إذا تساويا في الحجة ووقوع العمل ، فأمّا مع تباينهما فلا يجوز التخيير فيهما ، وإذا كان ورثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله متعبّدين بألاّ يرثوه ، فلابدّ من إزاحة عِلّتهم في هذه العبادة بأن يوقفهم على الحكم ، ويُشافِهَهم به ، ويلقيه إلى مَنْ يقيم الحجة عليهم بنقله ، وكل ذلك لم يكن.


فأمّا قوله : أتجوّزون صِدقَه في الرواية أم لا تجوزون ذلك ؟ فالجواب : إنّا لا نجوّزه ، لأنّ كتاب الله أصدق منه ، وهو يدفع روايته ويبطلها ؛ فأمّا اعتراضه على قولنا : إنّ إطلاق الميراث لا يكون إلاّ في الأموال بقوله تعالى :( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (1) .

وقولهم : ما ورثت الأبناء من الآباء شيئاً أفضل من أدب حسن ، وقولهم : العلماء ورثة الأنبياء ، فعجيب ، لأنّ كل ما ذكر مقيّد غير مطلق ، وإنّما قلنا : إنّ مطلق لفظ الميراث من غير قرينة ولا تقييد يفيد بظاهره ميراث الأموال ، فبعد ما ذكره وعارض به لا يخفى على متأمّل.

فأما استدلاله على أنّ سليمان ورث داود علمه دون ماله بقوله :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ المُبِينُ ) (2) وأنّ المراد أنّه وَرِث العلمَ والفضلَ ، وإلاّ لم يكن لهذا القول تعلّق بالأوّل ، فليس بشيء يعوّل عليه ، لأنّه لا يمتنع أن يريد به أنّه ورث المال بالظاهر والعلم بهذا المعنى من الاستدلال.

فليس يجب إذا دلّت الدّلالة في بعض الألفاظ على معنى المجاز أن يقتصر بها عليه ، بل يجب أن يحملها على الحقيقة الّتي هي الأصل إذا لم يمنع من ذلك مانع ؛ على أن لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة ، ثمّ يقول مع ذلك إنّا :( عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ ) ، ويشير ب‍ « الفضل المبين » إلى العِلم والمال جميعاً ، فله بالأمرين جميعاً فضلٌ على من لم يكن عليهما ؛ وقوله :( وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ) يحتمل المال ، كما يحتمل العلم ، فليس بخالص ما ظنّه.

__________________

(1) فاطر : 32.

(2) النمل : 16.


فأمّا قوله في قصّة زكريا : إنّه خاف على العلم أن يندرس ، لأنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ، وإنّما خاف أن يضيع العلم ، فسأل الله تعالى وليّاً يقوم بالدين مقامه ؛ فقد بيّنا أنّ الأنبياء وإن كانوا لا يحرصون على الأموال ولا يبخلون بها ، فإنّهم يجتهدون في منع المفسدين من الانتفاع بها على الفساد ، ولا يعدّ ذلك بخلاً ولا حرصاً ، بل فضلاً وديناً ؛ وليس يجوز من زكريا أن يخاف على العلم الاندراس والضياع ، لأنّه يعلم أن حكمة الله تعالى تقتضي حفظ العلم الّذي هو الحجة على العباد ، وبه تنزاح عللهم في مصالحهم ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله !

فإن قيل : فهبوا أنّ الأمر كما ذكرتم من أنّ زكريا كان يأمن على العلم أن يندرس ؛ أليس لابدّ أن يكون مجوزاً أن يحفظه الله تعالى بمن هو من أهله وأقاربه ، كما يجوز حفظه بغريب أجنبي ! فما أنكرتم أن يكون خوفه إنّما كان من بني عمّه ألا يتعلّموا العلم ولا يقوموا فيه مقامه ، فسأل الله ولداً يجمع فيه هذه العلوم حتى لا يخرج العلم عن بيته ، ويتعدّى إلى غير قومه ، فيلحقه بذلك وصمة !

قلنا : أما إذا رتّب السؤال هذا الترتيب ، فالجواب عنه ما أجبنا به صاحب الكتاب ، وهو أنّ الخوف الّذي أشاروا إليه ليس من ضرر ديني ، وإنّما هو من ضررٍ دنياوي ، والأنبياء إنّما بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ومنازلهم في الثواب إنّما زادت على كل المنازل لهذا الوجه ، ومن كانت حاله هذه الحال ، فالظاهر من خوفه إذا لم يعلم وجهه بعينه أن يكون محمولاً على مضار الدين ، لأنّها هي جهة خوفهم ، والغرض في بعثهم تحمّل ما سواها من المضارّ.

فإذا قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أنا خائف » ، فلم يعلم جهة خوفه على التفصيل ، يجب أن يصرف خوفه بالظاهر إلى مضار الدين دون الدنيا ، لأنّ أحوالهم وبعثهم يقتضي ذلك ، فإذا كنّا لو اعتدنا من بعضنا الزهد في الدنيا وأسبابها ، والتعفّف عن منافعها ،


والرغبة في الآخرة ، والتفرّد بالعمل لها ، لكنّا نحمل على ما يظهر لنا من خوفه الّذي لا يعلم وجهه بعينه على ما هو أشبه وأليق بحاله ، ونضيفه إلى الآخرة دون الدنيا ، وإذا كان هذا واجباً فيمن ذكرناه فهو في الأنبياءعليهم‌السلام أوجب.

قلت : ينبغي ألا يقول المعترض فيلحقه بذلك وصمة ، فيجعل الخوف من هذه الوصمة ، بل يقول : إنّه خاف ألاّ يُفلح بنو عمّه ولا يتعلّموا العلم ، لما رأى من الأمارات الدالة على ذلك ، فالخوف على هذا الترتيب يتعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، فسأل الله تعالى أن يرزقه ولداً يرث عنه علمه ، أي يكون عالماً بالدينيات كما أنا عالم بها.

وهذا السؤال متعلّق بأمر ديني لا دنيوي ، وعلى هذا يندفع ما ذكره المرتضى ؛ على أنّه لا يجوز إطلاق القول بأنّ الأنبياء بُعِثوا لتحمل المضار الدنياوية ، ولا القول : الغرض في بعثتهم تحمل ما سوى المضار الدينية من المضار ، فإنّهم ما بعثوا لذلك ، ولا الغرض في بعثتهم ذلك ، وإنّما بعثوا لأمرٍ آخر ، وقد تحصل المضار في أداء الشرع ضمناً وتبعاً ، لا على أنّها الغرض ، ولا داخلة في الغرض.

وعلى أنّ قول المرتضى : لا يجوز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، لأنّه محفوظ من الله ، فكيف يخاف ما لا يخاف من مثله ؛ غير مستمرّ على أصوله ، لأنّ المكلّفين الآن قد حُرموا بغيبة الإمام عنده ألطافاً كثيرة الوصلة بالشرعيات كالحدود وصلاة الجمعة والأعياد ، وهو وأصحابه يقولون في ذلك إن اللوم على المكلّفين ؛ لأنّهم قد حرموا أنفسهم اللطف ، فهلاّ جاز أن يخاف زكريا من تبديل الدين وتغييره ، وإفساد الأحكام الشرعية ! لأنّه إنّما يجب على الله تعالى التبليغ بالرسول إلى المكلّفين ، فإذا أفسدوا هم الأديان وبدّلوها لم يجب عليه أن يحفظها عليهم ، لأنّهم هم الّذين حرموا أنفسهم اللطف.


واعلم أنّه قد قرئ :( وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ مِن وَرَائِي ) (1) ؛ وقيل : إنّها قراءة زين العابدين وابنه محمّد بن عليّ الباقرعليهم‌السلام وعثمان بن عفّان. وفسّروه على وجهين :

أحدهما أن يكون « ورائي » بمعنى خلفي وبعدي ، أي قلّت الموالي وعجزوا عن إقامة الدين ، تقول : قد خفّ بنو فلان ، أي قلّ عددهم ، فسأل زكريا ربّه تقويتهم ومظاهرتهم بوليٍّ يرزقه.

وثانيهما أن يكون « ورائي » بمعنى قدّامي ، أي خفّ الموالي وأنا حيّ ودرجوا وانقرضوا ، ولم يبق منهم من به اعتضاد ، وعلى هذه القراءة لا يبقى متعلّق بلفظة الخوف.

وقد فسر قوم قوله :( وَإِنِّي خِفْتُ المَوَالِيَ ) ، أي خفت الّذين يلون الأمر من بعدي ، لأنّ المولى يستعمل في الوالي ، وجمعه موالٍ ، أي خفت أن يلي بعد موتي أمراء ورؤساء يُفسدون شيئاً من الدين ، فارزقني ولداً تُنعِم عليه بالنبوّة والعلم ، كما أنعمت عليّ ، واجعل الدين محفوظاً به ؛ وهذا التأويل غير منكر ، وفيه أيضاً دفع لكلام المرتضى.

قال المرتضى : وأمّا تعلّق صاحب الكتاب في أنّ الميراث محمول على العلم بقوله :( وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (2) ؛ لأنّه لا يرث أموال آل يعقوب في الحقيقة وإنّما يرث ذلك غيره ، فبعيد من الصواب ؛ لأنّ ولد زكريا يرث بالقرابة من آل يعقوب أموالهم ، على أنّه لم يقل : يرث آل يعقوب ، بل قال :( يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) ، تنبيهاً بذلك على أنّه يرث من كان أحقّ بميراثه في القرابة.

فأمّا طعنه على من تأول الخبر بأنّهعليه‌السلام لا يورث ما تركه للصدقة بقوله : إنّ

__________________

(1) مريم : 5.

(2) مريم : 6.


أحداً من الصحابة لم يتأوّله على هذا الوجه ، فهذا التأويل الّذي ذكرناه أحد ما قاله أصحابنا في هذا الخبر ، فمن أين له إجماع الصحابة على خلافه ! وإنّ أحداً لم يتأوّله على هذا الوجه.

فإن قال : لو كان ذلك لظهر واشتهر ، ولوقف أبو بكر عليه ، فقد مضى من الكلام فيما يمنع من الموافقه على هذا المعنى ما فيه كفاية.

قلت : لم يكن ذلك اليوم ـ أعني يوم حضور فاطمةعليها‌السلام ، وقولها لأبي بكر ما قالت ـ يوم تقيّة وخوف ، وكيف يكون يوم تقيّة وهي تقول له وهو الخليفة :« يابن أبي قُحافة ، أترث أباك ولا أرث أبي ! » وتقول له أيضاً :« لقد جئت شيئاً فريّا ! » فكان ينبغي إذا لم يؤثر أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يفسّر لأبي بكر معنى الخبر أن يُعلِم فاطمةعليها‌السلام تفسيره ، فتقول لأبي بكر : أنت غالط فيما ظننت ، إنّما قال أبي : ما تركناه صدقة فإنّه لا يورث.

واعلم أنّ هذا التأويل كاد يكون مدفوعاً بالضرورة ، لأنّ من نظر في الأحاديث الّتي ذكرناها وما جرت عليه الحال يعلم بطلانه علماً قطعيّاً.

قال المرتضى : وقوله : إنّه لا يكون إذ ذلك تخصيص للأنبياء ولا مزية ؛ ليس بصحيح ، وقد قيل في الجواب عن هذا : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يجوز أن يريد أنّ ما ننوي فيه الصدقة ، ونفرده لها من غير أن نخرجه عن أيدينا لا تناله ورثتنا ، وهذا تخصيص للأنبياء ، ومزية ظاهرة.

قلت : هذه مخالفة لظاهر الكلام ، وإحالة للّفظ عن وضعه ، وبين قوله : ما ننوي فيه الصدقة ، وهو بعد في ملكنا ليس بموروث ؛ وقوله : ما نخلّفه صدقة ليس بموروث فرق عظيم ، فلا يجوز أن يُراد أحد المعنيين باللفظ المفيد للمعنى الآخر ، لأنّه إلباسٌ وتعمية.

وأيضاً ، فإنّ العلماء ذكروا خصائص الرسول في الشرعيات عن أمته وعدّدوها ، نحو حل الزيادة في النكاح على أربع ، ونحو النكاح بلفظ الهبة على قول فرقةٍ من


المسلمين ، ونحو تحريم أكل البصل والثوم عليه ، وإباحة شرب دمه ، وغير ذلك ، ولم يذكروا في خصائصه أنّه إذا كان قد نوى أن يتصدّق بشيء فانّه لا يناله ورثته ، لو قدرنا أنّه يورث الأموال ، ولا الشيعة قبل المرتضى ذكرت ذلك ، ولا رأيناه في كتابٍ من كتبهم ، وهو مسبوق بإجماع طائفته عليه ، وإجماعهم عندهم حجّة.

قال المرتضى : فأمّا قوله : إنّ قولهعليه‌السلام : ما تركناه صدقة ، جملة من الكلام مستقلة بنفسها ، فصحيح إذا كانت لفظة « ما » مرفوعةً على الابتداء ، ولم تكن منصوبةً بوقوع الفعل عليها ، وكانت لفظة « صدقة » أيضاً مرفوعة غير منصوبة ، وفي هذا وقع النزاع ؛ فكيف يدّعي أنّها جملة مستقلة بنفسها ! وأقوى ما يمكن أن نذكره أن نقول : الرواية جاءت بلفظ « صدقةٌ » بالرفع ، وعلى ما تأوّلتموه لا تكون إلاّ منصوبةً ، والجواب عن ذلك أنّا لا نسلّم الرواية بالرفع ، ولم تجر عادة الرواة بضبط ما جرى هذا المجرى من الإعراب ، والاشتباه يقع في مثله ، فمن حقّق منهم وصرّح بالرواية بالرفع يجوز أن يكون اشتبه عليه فظنّها مرفوعة ، وهي منصوبة.

قلت : وهذا أيضاً خلاف الظاهر ، وفتح الباب فيه يؤدّي إلى إفساد الاحتجاج بكثير من الأخبار.

أقول : سيأتي في الخاتمة وقفة ايضاح واستيضاح حول هذا الحديث المزعوم وروايته في الصحاح فراجع ، كما سيأتي ذكر مناظرة الشيخ المفيد مع أبي علي بن شاذان برواية الإمام أبي الوليد الباجي المالكي في كتابه المنتقى شرح الموطأ لمالك ، وهي حريّة بالمراجعة. على أن قراءة ( صدقة ) بالنصب إن لم تكن هي المتعينة ، فلا أقل من طرق الإحتمال ، وذلك يبطل على الخصم قراءة الرفع عند الاستدلال.

قال : وأمّا حكايته عن أبي عليّ أنّ أبا بكر لم يدفع إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام السيف والبغلة والعمامة على جهة الإرث ؛ وقوله : كيف يجوز ذلك مع الخبر الّذي


رواه ! وكيف خصّصه بذلك دون العم الّذي هو العصبة ! فما نراه زاد على التعجّب ، ومما عجب منه عجبنا ، ولم يثبت عصمة أبي بكر فينتفي عن أفعاله التناقض.

قلت : لا يشكّ أحد في أنّ أبا بكر كان عاقلاً ، وإن شكّ قوم في ذلك ، فالعاقل في يومٍ واحد لا يدفع فاطمةعليها‌السلام عن الإرث ويقول : إنّ أباكِ قال لي : إنّي لا أورث ، ثمّ يورث في ذلك اليوم شخصاً آخر من مال ذلك المتوفى الّذي حكى عنه أنّه لا يورث ، وليس انتفاء هذا التناقض عن أفعاله موقوفاً على العصمة ، بل على العقل(1) .

قال المرتضى : وقوله يجوز أن يكون النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نَحَله إيّاه ، وتركه أبو بكر في يده ـ لِمَا في ذلك من تقوية الدين ـ وتصدّق ببدله ؛ وكلّ ما ذكره جائز ، إلاّ أنّه قد كان يجب أن يظهر أسباب النحلة والشهادة بها ، والحجّة عليها ، ولم يظهر من ذلك شيء فنعرفه ، ومن العجائب أن تدّعي فاطمة فَدَك نحلةً ، وتستشهد على قولها أمير المؤمنينعليه‌السلام وغيره ، فلا يُصغى إلى قولها ، ويترك السيف والبغلة والعمامة في يد أمير المؤمنين على سبيل النَّحْلة بغير بيّنة ظهرت ، ولا شهادةٍ قامت !

قلت : لعل أبا بكر سمع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ينحل ذلك عليّاًعليه‌السلام ، فلذلك لم يحتج إلى البيّنة والشهادة ، فقد روي أنّه أعطاه خاتمه وسيفه في مرضه وأبو بكر حاضر ، وأما البغلة فقد كان نحله إيّاها في حجة الوداع على ما وردت به الرواية ؛ وأما العمامة فسلب الميّت ، وكذلك القميص والحجزة والحذاء ، فالعادة أن يأخذ ذلك ولد الميّت ؛ ولا ينازع فيه لأنّه خارج ، أو كالخارج عن التركة ، فلما

__________________

(1) من أين علم ابن أبي الحديد انّ الشريف المرتضىقدس‌سره قال بأنّ أبا بكر دفع السيف والعمامة للإمامعليه‌السلام في نفس اليوم الذي منع فيه فاطمةعليها‌السلام ميراثها , وليس في كتاب الشافي ما يشير إلى ذلك , فما قاله اجتهاد منه على غير علم أو قلة فهم !


غُسِّلَعليه‌السلام أخذت ابنته ثيابه الّتي مات فيها ، وهذه عادة الناس(1) ، على أنّا قد ذكرنا في الفصل الأوّل كيف دفع إليه آلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ودابته ، والظاهر أنّه فعل ذلك اجتهاداً لمصلحةٍ رآها ؛ وللإمام أن يفعل ذلك.

قال المرتضى : على أنّه كان يجب على أبي بكر أن يبيّن ذلك ، ويذكر وجهه بعينه ، لمّا نازع العباس فيه ، فلا وقت لذكر الوجه في ذلك أولى من هذا الوقت.

قلت : لم ينازع العباس في أيّام أبي بكر ، لا في البغلة والعمامة ونحوها ، ولا في غير ذلك ، وإنّما نازع عليّاً في أيام عمر ، وقد ذكرنا كيفية المنازعة ، وفيماذا كانت.

قال المرتضىرضي‌الله‌عنه في البُردة والقضيب : إن كان نحلةً ، أو على الوجه الآخر ، يجري مجرى ما ذكرناه في وجوب الظهور والاستشهاد ، ولسنا نرى أصحابنا ـ يعني المعتزلة(2) ـ يطالبون أنفسهم في هذه المواضع بما يطالبوننا بمثله إذا ادعينا وجوهاً وأسباباً وعللاً مجوّزة ، لأنّهم لا يقنعون منّا بما يجوز ويمكن ؛ بل يوجبون فيما ندّعيه الظهور والاستشهاد ، وإذا كان هذا عليهم نسُوه أو تناسوه.

قلت : أمّا القضيب فهو السيف الّذي نحله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاًعليه‌السلام في مرضه ، وليس بذي الفقار ، بل هو سيفٌ آخر ؛ وأما البُردة فإنّه وهبها كعب بن زهير ، ثمّ صار هذ السيف وهذه البردة إلى الخلفاء ، بعد تنقلات كثيرة مذكورة في كتب التواريخ(3) .

__________________

(1) هذا تبرير للخطأ وليس عليه شاهد.

(2) قول الشريف ـ أصحابنا يعني المعتزلة ـ لا يدل على اعتزاله , بل من نحو قول الله تعالى :( قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ) ، [ الكهف : 37 ].

(3) وفي ذلك قال شاعر أهل البيتعليهم‌السلام :

ردّوا تراث محمّد ردّوا

ليس القضيب لكم ولا البرد


قال المرتضى : فأما قوله : فإنّ أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّما طلبن الميراث لأنّهنّ لم يعرفنَ رواية أبي بكر للخبر ، وكذلك إنّما نازع عليّعليه‌السلام بعد موت فاطمةعليها‌السلام في الميراث لهذا الوجه ، فمن أقبح ما يقال في هذا الباب ، وأبعدِه عن الصواب !

وكيف لا يعرف أمير المؤمنينعليه‌السلام رواية أبي بكر ، وبها دُفعت زوجته عن الميراث ! وهل مثل ذلك المقام الّذي قامته ، وما رواه أبو بكر في دفعها يخفى على من هو في أقاصي البلاد ، فضلاً عمّن هو في المدينة حاضر شاهد يراعي الأخبار ، ويُعنى بها ! إنّ هذا لخروج في المكابرة عن الحدّ !

وكيف يخفى على الأزواج ذلك حتى يطلبنه مرّة بعد آخرى ، ويكون عثمان الرسول لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، وعثمان على زعمهم أحد من شهد أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لا يورث ؛ وقد سمعن على كل حال أنّ بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تورث ماله ، ولابدّ أن يكنّ قد سألن عن السبب في دفعها ، فذكر لهنّ الخبر ، فكيف يقال : إنّهن لم يعرفنه !

قلت : الصحيح أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لم ينازع بعد موت فاطمة في الميراث ، وإنّما نازع في الولاية لِفَدك وغيرها من صدقات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجرى بينه وبين العباس في ذلك ما هو مشهور ، وأما أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فما ثبت أنهنّ نازعن في ميراثه ، ولا أنّ عثمان كان المرسل لهنّ ، والمطالب عنهنّ ، إلاّ في رواية شاذة(1) .

__________________

(1)أقول : روى البخاري في صحيحه في ( باب حديث بني النضير ومخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم في آية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ) 5 : 90 ط بولاق بسنده عن عروة ان عائشة زوج النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) تقول : أرسل أزواج النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهن مما أفاء الله على رسوله ( صلّى الله عليه وسلّم ) فكنت أردهنّ فقلت لهنّ : ألا تتقين الله ؟! ألم تعلمن أن النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) كان يقول : ( لا نورث ما تركنا صدقة ) ـ يريد بذلك نفسه ـ إنّما يأكل آل محمّد ( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال ؟ فانتهى أزواج النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) إلى ما أخبرتهنّ .

فهذه رواية البخاري في صحيحه عن عائشة ومع ذلك يصفها ابن أبي الحديد بأنّها رواية شاذة , ومن يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة.


والأزواج لمّا عرفن أنّ فاطمةعليها‌السلام قد دُفِعتْ عن الميراث أمسكن ، ولم يكنّ قد نازعن ، وإنّما اكتفين بغيرهنّ ، وحديث فَدَك وحضور فاطمة عند أبي بكركان بعد عشرة أيام من وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصحيح أنّه لم ينطق أحدٌ بعد ذلك من الناس من ذكر أو أنثى بعد عود فاطمةعليها‌السلام من ذلك المجلس بكلمة واحدة في الميراث.

قال المرتضى : فإن قيل : فإذا كان أبو بكر قد حكم بالخطأ في دفع فاطمةعليها‌السلام عن الميراث ، واحتجّ بخبرٍ لا حجّة فيه ، فما بال الأمّة أقرته على هذا الحكم ، ولم تُنكِر عليه ، وفي رضاها وإمساكها دليلٌ على صوابه !

قلت : قد مضى أنّ ترك النّكير لا يكون دليل الرضا إلاّ في هذا الموضع الّذي لا يكون له وجه سوى الرضا ، وذكرنا في ذلك قولاً شافياً ، وقد أجاب أبو عثمان الجاحظ في كتاب ( العباسية ) عن هذا السؤال جواباً حسن المعنى واللفظ ، نحن نذكره على وجهه ، ليقابل بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها.

قلت : ما كنّاه المرتضىرحمه‌الله في غير هذا الموضع أصلاً ، بل كان ساخطاً عليه ، وكنّاه في هذا الموضع ، واستجاد قوله ، لأنّه موافق غرضه ، فسبحان الله ما أشد حبّ الناس لعقائدهم(1) !

قال : قال أبو عثمان : وقد زعم أناس أنّ الدليل على صدق خبرهما ـ يعني أبا بكر وعمر ـ في منع الميراث وبراءة ساحتهما ، ترك أصحاب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) النكير عليهما.

ثم قال : قد يقال لهم : لئن كان ترك النكير دليلاً على صدقهما ، ليكوننّ ترك النكير على المتظلمين والمحتجين عليهما ، والمطالبين لهما ، دليلاً على صدق دعواهم ، أو استحسان مقالتهم ، ولا سيما وقد طالت المناجاة ، وكثرت المراجعة

__________________

(1) ولنا أن نقول لابن أبي الحديد عن نفسه مثل قوله : فسبحان الله ما أشدّ حب الناس لعقائدهم ، فاستماتته في الدفاع عن شيخه أبي عليّ وعن الشيخين ما لا يحتاج إلى بيان أو إقامة برهان.


والملاحاة ، وظهرت الشكيّة ، واشتدّت الموجدة ، وقد بلغ ذلك من فاطمةعليها‌السلام حتى انّها أوصت ألاّ يصلّي عليها أبو بكر.

ولقد كانت قالت له حين أتته طالبةً بحقّها ، ومحتجّة لرهطها : مَنْ يرثك يا أبا بكر إذا متّ ؟ قال : أهلي وولدي ؛ قالت : فما بالنا لا نرث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله !

فلمّا منعها ميراثها ، وبخسها حقّها ، واعتلّ عليها ، وجلح في أمرها ، وعاينت التهضم ، وأيست من التورع ، ووجدت نشوة الضعف وقلّة الناصر ، قالت : والله لأدعونّ الله عليك ، قال : والله لأدعونّ الله لكِ ؛ قالت : والله لا أكلّمك أبداً ، قال : والله لا أهجرك أبداً.

فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلاً على صواب منعها ؛ إنّ في ترك النكير على فاطمةعليها‌السلام دليلاً على صواب طلبها ! وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت ، وتذكيرها ما نسيت ، وصرفها عن الخطأ ، ورفع قدرها عن البذاء ، وأن تقول هجراً ، أو تجوّر عادلاً ، أو تقطع واصلاً ؛ فإذا لم تجدهم أنكروا على الخصمين جميعاً فقد تكافأت الأمور ، واستوت الأسباب ، والرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا وبكم ، وأوجب علينا وعليكم.

قال : فإن قالوا : كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها ! وكلّما ازدادت عليه غلظةً ازداد لها ليناً ورقّة ، حيث تقول له : والله لا أكلّمك أبداً ، فيقول : والله لا أهجركِ أبداً ، ثمّ تقول : والله لأدعونّ الله عليك ، فيقول : والله لأدعونّ الله لكِ ، ثمّ يحتمل منها هذا الكلام الغليظ ، والقول الشديد في دار الخلافة ، وبحضرة قريش والصحابة ، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه ، وما يجب لها من الرفعة والهيبة ! ثمّ لم يمنعه ذلك أن قال معتذراً متقرّباً ، كلام المعظِّم لحقّها ، المُكبر لمقامها ، والصائن لوجهها ، المتحنّن عليها : ما أجد أعزّ عليّ منك فقراً ، ولا أحب إليّ منك غنىً ، ولكنّي سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : « إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ، ما تركناه فهو صدقة » !


قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم ، والسلامة من الجور ، وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريباً ، وللخصومة معتاداً ، أن يُظهر كلام المظلوم ، وذلّة المنتصف وحدب الوامق ، ومِقَة المحقّ.

وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ، ودلالة واضحة ، وقد زعمتم أنّ عمر قال على منبره : مُتعتان كانتا على عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : متعة النساء ومتعة الحج ، أنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما ؛ فما وجدتم أحداً أنكر قوله ، ولا استشنع مخرج نهيه ، ولا خطّأه في معناه ، ولا تعجّب منه ، ولا استفهمه !

وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : « الأئمة من قريش » ؛ ثمّ قال في شكاته : لو كان سالمٌ حيّاً ما تخالجني فيه شكّ ، حين أظهر الشكّ في استحقاق كل واحد من الستّة الّذين جعلهم شورى ، وسالمٌ عبدٌ لامرأة من الأنصار ، وهي أعتقته وحازت ميراثه ، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر ، ولا قابل إنسان بين قوله ، ولا تعجّب منه.

وإنّما يكون ترك النكير على مَنْ لا رغبة ولا رهبة عنده دليلاً على صدق قوله ، وصواب عمله ، فأمّا ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة ، والأمر والنهي ، والقتل والاستحياء ، والحبس والإطلاق ، فليس بحجة تشفي ولا دلالة تضيئ.

قال : وقال آخرون : بل الدليل على صدق قولهما ، وصواب عملهما ، إمساك الصحابة عن خلعهما ، والخروج عليهما ، وهم الّذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد التنزيل ، ورد النصوص ؛ ولو كان كما تقولون وما تصفون ، ما كان سبيل الأمة فيهما إلاّ كسبيلهم فيه ، وعثمان كان أعزّ نفراً ، وأشرف رهطاً ، وأكثر عدداً وثروة ، وأقوى عدة.

قلنا : إنّهما لم يجحدا التنزيل ، ولم ينكرا النصوص ، ولكنّهما بعد إقرارهما بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة ادّعيا رواية ، وتحدّثا بحديث لم يكن


مُحالاً كونه ، ولا ممتنِعاً في حجج العقول مجيئُه ، وشهد لهما عليه من علّته مثل علّتهما فيه ، ولعلّ بعضهم كان يرى تصديق الرجل إذا كان عَدلاً في رهطه ، مأموناً في ظاهره ، ولم يكن قبلَ ذلك عرفه بفَجْرة ، ولا جرت عليه غَدْرة ، فيكون تصديقه له على جهة حُسن الظنّ ، وتعديل الشاهد.

ولأنّه لم يكن كثيرٌ منهم يعرف حقائقَ الحجج ، والّذي يقطع بشهادته على الغيب ، وكان ذلك شبهة على أكثرهم ، فلذلك قلّ النّكير وتواكل الناس ، فاشتبه الأمر ، فصار لا يُتخلّص الى معرفة حقّ ذلك من باطله إلاّ العالمُ المتقدّم ، أو المؤيّد المرشد ، ولأنّه لم يكن لعثمان في صدور العوام ، وقلوب السَّفِلة والطَّغام ما كان لهما من المحبّة والهيبة ، ولأنّهما كانا أقلّ استئثاراً بالفيء ، وتفضّلاً بمالِ الله منه ، ومِن شأن الناس إهمال السلطان ما وفّر عليهم أموالَهم ، ولم يستأثر بخراجهم ، ولم يعطّل ثغورَهم.

ولأنّ الّذي صنع أبو بكر من منع العِتْرة حقّها ، والعمومة ميراثَها ، قد كان موافقاً لجلّة قريش وكبراءِ العرب ، ولأنّ عثمان أيضاً كان مضعوفاً في نفسه ، مستخفّاً بقدره ، لا يمنع ضَيْماً ، ولا يَقمَع عدوّاً ؛ ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف والتشنيع والنكير ، لأمور لو أتى أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترؤا على اغتيابه ، فضلاً على مبادأته والإغراء به ومواجهته ، كما أغلظ عُيَينةُ بن حِصْن له فقال له : أما إنّه لو كان عمر لقمَعَك ومَنَعك ؛ فقال عُيينة : إنّ عمر كان خيراً لي منك ، أرهبني فاتّقاني.

ثم قال : والعجب أنّا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في التشبيه والقدر والوعيد ، يردّ كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو أقرب إسناداً ، وأصحّ رجالاً ، وأحسن اتّصالاً ؛ حتّى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) نسخوا الكتاب ، وخصّوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما ردّوه ، وأكذبوا قائليه ، وذلك أنّ كلّ إنسان منهم إنّما يجري إلى هواه ، ويصدّق ما وافق رضاه. ( هذا آخر كلام الجاحظ ).


ثم قال المرتضىرضي‌الله‌عنه : فإن قيل : ليس ما عارض به الجاحظ من الاستدلال بترك النكير ، وقوله : كما لم ينكروا على أبي بكر ، فلم ينكروا أيضاً على فاطمةعليها‌السلام ولا على غيرها من الطالبين بالإرث ، كالأزواج وغيرهنّ معارضة صحيحة ، وذلك أنّ نكير أبي بكر لذلك ، ودفعها والاحتجاج عليها ، يكفيهم ويغنيهم عن تكلّف نكير آخر ، ولم ينكر على أبي بكر ما رواه منكر فيستغنوا بإنكاره.

قلنا : أوّل ما يُبطل هذا السؤال أنّ أبا بكر لم ينكر عليها ما أقامت عليه بعد احتجاجها من التظّلم والتألّم ، والتعنيف والتبكيت ، وقولها على ما روى : والله لأدعونّ الله عليك ، ولا أكلّمك أبداً ، وما جرى هذا المجرى ؛ فقد كان يجب أن ينكره غيره ، ومن المنكَر الغضب على المنصف ، وبعد ، فإن كان إنكار أبي بكر مقنعاً ومغنياً عن إنكار غيره من المسلمين ، فإنكار فاطمة حكمه ، ومقامها على التظلّم منه مغنٍ عن نكير غيرها ؛ وهذا واضح.

القسم الثالث : في أنّ فدك هل صحّ كونها نِحْلَة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمةعليها‌السلام أم لا ؟!

نذكر في هذا القسم ما حكاه المرتضى عن قاضي القضاة في ( المغني ) ، وما اعترض به عليه ، ثمّ نذكر ما عندنا في ذلك.

قال المرتضى حاكياً عن قاضي القضاة : وممّا عظمت الشيعة القول في أمر فَدَك ، قالوا : وقد روى أبو سعيد الخدري أنّه لما أنزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (1) ، أعطى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمةعليها‌السلام فَدَك ، ثمّ فعل عمر بن عبد العزيز مثل ذلك ، فردّها على ولدها. قالوا : ولا شكّ أن أبا بكر أغضبها ؛ إن لم يصحّ كل الّذي روي في هذا الباب ، وقد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم ممّا ارتكبوا منها فضلاً

__________________

(1) الإسراء : 26.


عن الدين ، ثمّ ذكروا أنّها استشهدت أمير المؤمنينعليه‌السلام وأمّ أيمن ، فلم يقبل شهادتهما ، هذا مع تركه أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حجرهنّ ، ولم يجعلها صدقة ، وصدقهنّ في ذلك أنّ ذلك لهنّ ولم يصدّقها.

قال : والجواب عن ذلك أنّ أكثر ما يروون في هذا الباب غير صحيح ؛ ولسنا ننكر صحّة ما روى من ادعائها فَدَك ، فأمّا أنّها كانت في يدها فغير مسلم ، بل إن كانت في يدها لكان الظاهر أنّها لها ، فإذا كانت في جملة التركة فالظاهر أنّها ميراث ، وإذا كان كذلك فغير جائز لأبي بكر قبول دعواها ، لأنّه لا خلاف في أنّ العمل على الدعوى لا يجوز ، وإنّما يعمل على مثل ذلك إذا علمت صحّته بمشاهدة ، أو ما جرى مجراها ، أو حصلت بيّنة أو إقرار ، ثمّ إنّ البينة لابدّ منها ، وإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام لما خاصمه اليهودي حاكمه ، وأنّ أم سلمة الّتي يطبق على فضلها لو ادعت نحلاً ما قبلت دعواها.

ثم قال : ولو كان أمير المؤمنينعليه‌السلام هو الوالي ، ولم يعلم صحة هذه الدعوى ، ما الّذي كان يجب أن يعمل ؟ فإن قلتم : يقبل الدعوى ، فالشرع بخلاف ذلك ، وإن قلتم : يلتمس البينة ، فهو الّذي فعله أبو بكر.

ثم قال : وأما قول أبي بكر : رجل مع الرجل ، وامرأة مع المرأة ، فهو الّذي يوجبه الدين ، ولم يثبت أنّ الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنينعليه‌السلام ، بل الرواية المنقولة أنّه شهد لها مولى لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع أمّ أيمن.

قال : وليس لأحد أن يقول : فلماذا ادّعت ولا بيّنة معها ، لأنّه لا يمتنع أن تجوّز أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين ، أو تجوز عند شهادة من شهد لها أن تذكر غيره فيشهد ، وهذا هو الموجب على ملتمس الحقّ ، ولا عيب عليها في ذلك ، ولا على أبي بكر في التماس البيّنة ، وإن لم يحكم لها لما لم يتمّ ولم يكن لها خصم ، لأنّ التركة صدقة على ما ذكرنا ، وكان لا يمكن أن يعوّل في ذلك على يمين أو نكول ، ولم يكن في الأمر إلاّ ما فعله.


قال : وقد أنكر أبو عليّ ما قاله السائل من أنّها لما ردّت في دعوى النحلة ادعته إرثاً ، وقال : بل كان طلبت الإرث قبل ذلك ، فلما سمعت منه الخبر كفّت وادعت النحلة.

قال : فأما فِعل عمر بن عبد العزيز فلم يثبت أنّه ردّه على سبيل النحلة ، بل عمل في ذلك ما عمله عمر بن الخطاب بأن أقرّه في يد أميرالمؤمنينعليه‌السلام ليصرف غلاتها في المواضع الّتي كان يجعلها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه ، فقام بذلك مدّة ، ثمّ ردّها إلى عمر في آخر سنته ، وكذلك فعل عمر بن عبد العزيز ؛ ولو ثبت أنّه فعل بخلاف ما فعل السلف لكان هو المحجوج بفعلهم وقولهم.

وأحدُ ما يقوّى ما ذكرناه أنّ الأمر لما انتهى إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام ترك فَدَك على ما كان ، ولم يجعله ميراثاً لولد فاطمة ، وهذا يبيّن أنّ الشاهد كان غيره ، لأنّه لو كان هو الشاهد لكان الأقرب أن يحكم بعلمه ؛ على أنّ الناس اختلفوا في الهبة إذا لم تقبض ، فعند بعضهم تستحقّ بالعقد ، وعند بعضهم أنّها إذا لم تقبض يصير وجودها كعدمها ، فلا يمتنع من هذا الوجه أن يمتنع أمير المؤمنينعليه‌السلام من ردّها ، وإن صحّ عنده عقد الهبة ، وهذا هو الظاهر ، لأنّ التسليم لو كان وقع لظهر أنّه كان في يدها ، ولكان ذلك كافياً في الاستحقاق.

فأمّا حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فإنّما تركت في أيديهنّ لأنّها كانت لهنّ ، ونصّ الكتاب يشهد بذلك ، وقوله :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) (1) . وروى في الأخبار أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قسّم ما كان له من الحجر على نسائه وبناته ، ويبيّن صحة ذلك أنّه لو كان ميراثاً أو صدقة لكان أمير المؤمنينعليه‌السلام لمّا أفضى الأمر إليه يغيّره.

قال : وليس لأحد أن يقول : إنّما لم يغيّر ذلك لأنّ الملك قد صار له ، فتبرّع به ، وذلك أنّ الّذي يحصل له ليس إلاّ ربع ميراث فاطمةعليها‌السلام ، وهو الثمن من ميراث

__________________

(1) الأحزاب : 33.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد كان يجب أن ينتصف لأولاد العباس وأولاد فاطمة منهنّ في باب الحجر ، ويأخذ هذا الحقّ منهنّ ، فتركه ذلك يدلّ على صحة ما قلناه ، وليس يمكنهم بعد ذلك إلاّ التعلق بالتقيّة ، وقد سبق الكلام فيها.

قال : ومما يذكرونه أنّ فاطمةعليها‌السلام لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت ألاّ يصلّيا عليها ، وأن تدفن سرّاً منهما ، فدفنت ليلاً ، وهذا كما ادّعوا رواية رووها عن جعفر بن محمّدعليهما‌السلام وغيره ، أنّ عمر ضرب فاطمةعليها‌السلام بالسوط ، وضرب الزبير بالسيف ، وأنّ عمر قصد منزلها وفيه عليّعليه‌السلام والزبير والمقداد وجماعة ممّن تخلّف عن أبي بكر وهم مجتمعون هناك ، فقال لها : ما أحد بعد أبيك أحبّ إلينا منك ، وأيم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقنّ عليهم ! فمنعت القوم من الاجتماع.

قال : ونحن لا نصدّق هذه الروايات ولا نجوّزها ، وأمّا أمر الصلاة فقد روى أنّ أبا بكر هو الّذي صلّى على فاطمةعليها‌السلام وكبّر عليها أربعاً ، وهذا أحد ما استدلّ به كثير من الفقهاء في التكبير على الميّت ، ولا يصحّ أيضاً أنّها دفنت ليلاً ، وإن صحّ ذلك فقد دفن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلاً ، ودفن عمر ابنه ليلاً ، وقد كان أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يدفنون بالنهار ويدفنون بالليل ، فما في هذا مما يطعن به ، بل الأقرب في النساء أنّ دفنهنّ ليلاً أستر وأولى بالسنّة.

ثم حكى عن أبي عليّ تكذيب ما روي من الضرب بالسوط ؛ قال : والمروي عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام أنّه كان يتولاّهما ، ويأتي القبر فيسلّم عليهما مع تسليمه على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، روى ذلك عباد بن صُهيب ، وشعبة بن الحجاج ، ومهدي بن هلال ، والدَّراوَرْدي ، وغيرهم ، وقد روى عن أبيه محمّد بن عليّعليه‌السلام ، وعن عليّ بن الحسين مثل ذلك.

فكيف يصحّ ما ادعوه ! وهل هذه الرواية إلاّ كروايتهم على أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام هو إسرافيل ، والحسن ميكائيل ، والحسين جبرائيل ، وفاطمة ملك


الموت ، وآمنة أم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلة القدر ! فإن صدّقوا ذلك أيضاً قيل لهم : فعمر بن الخطاب كيف يقدر على ضرب ملك الموت ! وإن قالوا : لا نصدّق ذلك ، فقد جوزوا ردّ هذه الروايات ، وصحّ أنّه لا يجوز التعويل على هذا الخبر ، وإنّما يتعلّق بذلك من غرضه الإلحاد كالوراق ، وابن الراوندي ، لأنّ غرضهم القدح في الإسلام.

وحكي عن أبي عليّ أنّه قال : ولما صار غضبها إن ثبت كأنّه غضب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من حيث قال : « فمن أغضبها فقد أغضبني » ، بأولى من أن يقال : فمن أغضب أبا بكر وعمر فقد نافق وفارق الدين ، لأنّه روى عنهعليه‌السلام قال : « حب أبي بكر وعمر إيمان ، وبغضهما نفاق » ، ومن يورد مثل هذا فقصده الطعن في الإسلام ، وأن يتوهّم الناس أن أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نافقوا مع مشاهدة الأعلام ليضعفوا دلالة العلم في النفوس.

قال : وأما حديث الإحراق فلو صحّ لم يكن طعناً على عمر ، لأنّ له أن يهدد من امتنع من المبايعة إرادة للخلاف على المسلمين لكنّه غير ثابت ، انتهى كلام قاضي القضاة.

قال المرتضى : نحن نبتدئ فندلّ على أنّ فاطمةعليها‌السلام ما ادّعت من نحل فَدَك إلاّ ما كانت مصيبة فيه ، وأن مانعها ومطالبها بالبينة متعنّت ، عادل عن الصواب ، لأنّها لا تحتاج إلى شهادة وبينة ، ثمّ نعطف على ما ذكره على التفصيل ، فنتكلّم عليه.

أما الّذي يدلّ على ما ذكرناه ، فهو أنّها كانت معصومة من الغلط ، مأموناً منها فعل القبيح ، ومن هذه صفته لا يحتاج فيما يدعيه إلى شهادة وبينة.

فإن قيل : دلّلوا على الأمرين ، قلنا : بيان الأوّل قوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) والآية تتناول جماعة منهم

__________________

(1) الأحزاب : 33.


فاطمةعليها‌السلام بما تواترت الأخبار في ذلك ، والإرادة هاهنا دلالة على وقوع الفعل للمراد.

وأيضاً فيدل على ذلك قولهعليه‌السلام :« فاطمة بضعة منّي ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ( عزّ وجلّ ) » ، وهذا يدلّ على عصمتها ؛ لأنّها لو كانت ممّن تقارف الذنوب ، لم يكن من يؤذيها مؤذياً له على كل حال ، بل كان متى فعل المستحق من ذمّها ، أو إقامة الحد عليها ، إن كان الفعل يقتضيه سارّاً له ومطيعاً ، على أنّا لا نحتاج أن ننبّه في هذا الموضع على الدلالة على عصمتها ، بل يكفي في هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادعته ، وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين ، لأنّ أحداً لا يشك أنّها لم تدّع ِما ادعته كاذبة ، وليس بعد ألا تكون كاذبة إلاّ أن تكون صادقة ؛ وإنّما اختلفوا في هل يجب مع العلم بصدقها تسليم ما ادّعته بغير بيّنة أم لا يجب ذلك !

قال : الّذي يدلّ على الفصل الثاني أنّ البينة إنّما تراد ليغلب في الظن صدق المدّعي ، ألا ترى أنّ العدالة معتبرة في الشهادات لما كانت مؤثّرة في غلبة الظنّ لما ذكرناه ، ولهذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة ، لأنّ علمه أقوى من الشهادة ، ولهذا كان الإقرار أقوى من البيّنة ، من حيث كان أغلب في تأثير غلبة الظن ، وإذا قدّم الإقرار على الشهادة لقوّة الظن عنده ، فأولى أن يقدّم العلم على الجميع ، وإذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القويّ ، لا يحتاح أيضاً مع العلم إلى ما يؤثر الظنّ من البيّنات والشّهادات.

والذي يدل على صحّة ما ذكرناه أيضاً ، انّه لا خلاف بين أهل النقل في أنّ أعرابياً نازع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في ناقة ، فقالعليه‌السلام :« هذه لي ؛ وقد خرجت إليك من ثمنها » فقال الأعرابي : من يشهد لك بذلك ؟ فقال خزيمة بن ثابت : أنا أشهد بذلك ؛ فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : من أين علمت وما حضرت ذلك ؟ ، قال : لا ، ولكن علمت ذلك من


حيث علمت أنّك رسول الله ، فقال :« قد أجزت شهادتك ، وجعلتها شهادتين » فسمّى ذا الشهادتين.

وهذه القصة شبيهة لقصة فاطمةعليها‌السلام ، لأنّ خزيمة اكتفى في العلم بأنّ الناقة لهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشهد بذلك من حيث علم أنّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يقول إلاّ حقّاً ، وأمضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك له من حيث لم يحضر الابتياع وتسليم الثمن ، فقد كان يجب على مَن علم أنّ فاطمةعليها‌السلام لا تقول إلاّ حقاً ألا يستظهر عليها بطلب شهادة أو بينة ، هذا وقد روي أنّ أبا بكر لمّا شهد أمير المؤمنينعليه‌السلام كتب بتسليم فَدَك إليها ، فاعترض عمر قضيته ، وخرق ما كتبه.

روى إبراهيم بن السعيد الثقفي ، عن إبراهيم بن ميمون قال : حدّثنا عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن عليّعليه‌السلام قال : جاءت فاطمة إلى أبي بكر وقالت : إنّ أبي أعطاني فَدَك ، وعليّ وأمّ أيمن يشهدان ، فقال : ما كنتِ لتقولي على أبيك إلاّ الحق ، قد أعطيتُكها ، ودعا بصحيفة من أدَم فكتب لها فيها ؛ فخرجت فلقيت عمر ، فقال : من أين جئتِ يا فاطمة ؟ قالت : جئت من عند أبي بكر ، أخبرته أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أعطاني فَدَك ، وأنّ عليّاّ وأمّ أيمن يشهدان لي بذلك ، فأعطانيها وكتب لي بها ؛ فأخذ عمر منها الكتاب ، ثمّ رجع إلى أبي بكر فقال : أعطيت فاطمة فَدَك ، وكتبت بها لها ؟ قال : نعم ، فقال : إنّ عليّاً يجرّ إلى نفسه ، وأم أيمن امرأة ، وبصق في الكتاب فمحاه وخرّقه.

وقد روى هذا المعنى من طرقٍ مختلفة ، على وجوه مختلفة ، فمن أراد الوقوف عليها ، واستقصاءها أخذها من مواضعها.

وليس لهم أن يقولوا : إنّها أخبار آحاد ، لأنّها وإن كانت كذلك فأقلّ أحوالها أن توجب الظنّ ، وتمنع من القطع على خلاف معناها ، وليس لهم أن يقولوا : كيف يسلّم إليها فَدَك وهو يروي عن الرسول أنّ ما خلّفه صدقة ، وذلك لأنّه لا تنافي بين


الأمرين ، لأنّه إنّما سلّمها على ما وردت به الرواية على سبيل النحل ، فلمّا وقعت المطالبة بالميراث روى الخبر في معنى الميراث ، فلا اختلاف بين الأمرين.

فأمّا إنكار صاحب الكتاب لكون فدك في يدها ، فما رأيناه اعتَمَد في إنكار ذلك على حجّة ، بل قال : لو كان ذلك في يدها لكان الظاهر أنّها لها ، والأمر على ما قال ، فمن أين أنّه لم يخرج عن يدها على وجه يقتضي الظاهر خلافه ! وقد روي من طرقٍ مختلفة غير طريق أبي سعيد الّذي ذكره صاحب الكتاب أنّه لمّا نزل قوله تعالى :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (1) دعا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمةعليها‌السلام فأعطاها فَدَك ! وإذا كان ذلك مرويّاً فلا معنى لدفعه بغير حجة.

وقوله : لا خلاف أنّ العمل على الدعوى لا يجوز ، صحيح ، وقد بيّنا أنّ قولها كان معلوماً صحّته ، وإنّما قوله : إنّما يعمل على ذلك متى علم صحّته بشهادة أو ما يجري مجراها ، أو حصلت بيّنة أو إقرار ، فيقال له : إمّا علمت بمشاهدة فلم يكن هناك ، وامّا بيّنة فقد كانت على الحقيقة ، لأنّ شهادة أمير المؤمنينعليه‌السلام من أكبر البيّنات وأعدلها ، ولكن على مذهبك أنّه لم تكن هناك بيّنة ، فمن أين زعمت أنّه لم يكن هناك عِلْم ! وإن لم يكن عن مشاهدة فقد أدخلت ذلك في جملة الأقسام.

فإن قال : لأنّ قولها بمجرّده لا يكون جهةً للعلم ؛ قيل له : لم قلت ذلك ؟ أو ليس قد دللنا على أنّها معصومة ، وأن الخطأ مأمون عليها! ثمّ لو لم يكن كذلك لكان قولها في تلك القضية معلوماً صحّته على كل حال ، لأنّها لو لم تكن مصيبة لكانت مبطلة عاصية فيما ادّعته ، إذ الشبهة لا تدخل في مثله ؛ وقد أجمعت الأمّة على أنّها لم يظهر منها بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله معصية بلا شك وارتياب ؛ بل أجمعوا على أنّها لم تدّع إلاّ الصحيح ، وإن اختلفوا ؛ فمن قائل يقول : مانعها مخطئ ، وآخر يقول : هو أيضاً مصيب ، لفقد البيّنة وإن علم صدقها.

__________________

(1) الإسراء : 26.


وأما قوله : إنّه لو حاكم غيره لطولب بالبينة ، فقد تقدّم في هذا المعنى ما يكفي ، وقصّة خزيمة بن ثابت وقبول شهادته تُبطل هذا الكلام.

وأمّا قوله : إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام حاكَمَ يهوديّاً على الوجه الواجب في سائر الناس ، فقد روي ذلك ، إلاّ أنّ أمير المؤمنين لم يفعل من ذلك ما كان يجب عليه أن يفعله ، وإنّما تبرّع به ، واستظهر بإقامة الحجة فيه ؛ وقد أخطأ من طالبه ببيّنة كائناً من كان.

فأمّا اعتراضه بأمّ سلمة فلم يثبت من عصمتها ما ثبت من عصمة فاطمةعليها‌السلام ، فلذلك احتاجت في دعواها إلى بيّنة.

فأمّا إنكاره وادعاؤه أنّه لم يثبت أنّ الشاهد في ذلك كان أمير المؤمنين ، فلم يزد في ذلك إلاّ مجرد الدعوى والإنكار ، والأخبار مستفيضة بأنّهعليه‌السلام شهد لها ، فدفع ذلك بالزّيغ لا يغني شيئاً ! وقوله : إنّ الشاهد لها مولىً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هو المنكر الّذي ليس بمعروف.

وأمّا قوله : إنّها جوّزت أن يحكم أبو بكر بالشاهد واليمين فطريف ؛ مع قوله فيما بعد : « إنّ التركة صدقة ، ولا خصم فيها » ، فتدخل اليمين في مثلها ؛ أفترى أن فاطمة لم تكن تعلم من الشريعة هذا المقدار الّذي نبّه صاحب الكتاب عليه ! ولو لم تعلمه ما كان أمير المؤمنينعليه‌السلام وهو أعلم الناس بالشّريعة يوافقها عليه.

وقوله : إنّها جوّزت عند شهادة مَنْ شهد لها أن يتذكّر غيرهم فيشهد باطل ، لأنّ مِثلَها لا يتعرّض للظِّنّة والتهمة ، ويعرّض قوله للردّ ، وقد كان يجب أن تعلم مَنْ يشهد لها ممّن لا يشهد حتى تكون دعواها على الوجه الّذي يجب معه القبول والإمضاء ، ومَنْ هو دونها في الرتبة والجلالة والصيانة من أفناء الناس لا يتعرّض لمِثل هذ الخطّة ويتورّطها ، للتجويز الّذي لا أصل له ، ولا أمارة عليه.


فأمّا إنكار أبي عليّ لأن يكون النحل قبل ادعاء الميراث وعكسه الأمر فيه ، فأوّل ما فيه أنّا لا نعرف له غرضاً صحيحاً في إنكار ذلك ، لأنّ كون أحد الأمرين قبل الآخر لا يصحّح له مذهباً ، فلا يفسد على مخالفه مذهباً.

ثم إنّ الأمر في أنّ الكلام في النحل كان المتقدم ظاهراً ، والروايات كلّها به واردة ؛ وكيف يجوز أن تبتدئ بطلب الميراث فيما تدّعيه بعينه نحلاً ! أو ليس هذا يوجب أن تكون قد طالبت بحقها من وجه لا تستحقّه منه مع الاختيار ! وكيف يجوز ذلك والميراث يشركها فيه غيرها ، والنحل تنفرد به !

ولا ينقلب مثل ذلك علينا من حيث طالبت بالميراث بعد النحل ؛ لأنّها في الابتداء طالبت بالنحل ، وهو الوجه الّذي تستحق فَدَك منه ، فلمّا دُفعت عنه طالبت ضرورة بالميراث ، لأنّ للمدفوع عن حقّه أن يتوصّل إلى تناوله بكلّ وجه وسبب ، وهذا بخلاف قول أبي عليّ ، لأنّه أضاف إليها ادعاء الحق من وجه لا تستحقه منه ، وهي مختارة.

وأما إنكاره أن يكون عمر بن عبد العزيز ردّ فَدَك على وجه النحل ، وادعاؤه أنّه فعل في ذلك ما فعله عمر بن الخطاب من إقرارها في يد أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ليصرف غلاتها في وجوهها ، فأوّل ما فيه أنّا لا نحتجّ عليه بفعل عمر بن عبد العزيز على أيّ وجه وقع ، لأنّ فعله ليس بحجّة ، ولو أردنا الاحتجاج بهذا الجنس من الحجج لذكرنا فعل المأمون ، فإنّه ردّ فَدَك بعد أن جلس مجلساً مشهوراً حكم فيه بين خصمين نصبهما ، أحدهما لفاطمة ، والآخر لأبي بكر ، وردّها بعد قيام الحجة ووضوح الأمر.

ومع ذلك فإنّه قد أنكر من فعل عمر بن عبد العزيز ما هو معروف مشهور بلا خلاف بين أهل النقل فيه ، وقد روى محمّد بن زكريا الغلابيّ عن شيوخه ، عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان ، قال : لما ولي عمر بن عبد العزيز ردّ فدك


على ولد فاطمة ، وكتب إلى واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك ، فكتب إليه : إنّ فاطمة قد ولدت في آل عثمان ، وآل فلان وفلان ، فعلى من أردّ منهم ؟ فكتب إليه : أما بعد ، فإنّي لو كتبت إليك آمرك أن تذبح شاةً لكتبت إليّ : أجمّاء أم قَرْناء ؟ أو كتبت اليك أن تذبح بقرة لسألتني : ما لونها ؟ فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقسمها في ولد فاطمةعليها‌السلام من عليّعليه‌السلام ؛ والسلام.

قال أبو المقدام : فنقمت بنو أميّة ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه ، وقالوا له : هجّنتَ فعل الشيخين ، وخرج إليه عمر بن قيس في جماعة من أهل الكوفة ، فلمّا عاتبوه على فعله قال : إنكم جهلتم وعلمت ، ونسيتم وذكرت ، إنّ أبا بكر محمّد بن عمرو بن حزم حدّثني عن أبيه عن جده أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « فاطمة بضعةٌ منّي يسخطها ما يسخطني ، ويُرضيني ما أرضاها » ، وإنّ فَدَك كان صافية على عهد أبي بكر وعمر ، ثمّ صار أمرها إلى مروان ، فوهبها لعبد العزيز أبي ، فورثتها أنا وإخوتي عنه ، فسألتهم أن يبيعوني حصّتهم منها ، فمن بائع وواهب ، حتى استجمعت لي ، فرأيت أن أردّها على ولد فاطمة ، قالوا : فإن أبيت إلاّ هذا فأمسك الأصل ، وأقسم الغلّة ، ففعل.

وأمّا ما ذكره من ترك أمير المؤمنينعليه‌السلام فَدَك لما أفضى الأمر إليه ، واستدلاله بذلك على أنّه لم يكن الشاهد فيها ، فالوجه في تركهعليه‌السلام رد فَدَك هو الوجه في إقراره أحكام القوم وكفّه عن نقضها وتغييرها ، وقد بيّنا ذلك فيما سبق ، وذكرنا أنّه كان في انتهاء الأمر إليه في بقية من التقية قوية.

فأمّا استدلاله على أنّ حجر أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت لهنّ بقوله تعالى :( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ) (1) فمن عجيب الاستدلال ، لأنّ هذه الإضافة لا تقتضي المِلك ، بل

__________________

(1) الأحزاب : 33.


العادة جاريةٌ فيها أن تستعمل من جهة الكنى ، ولهذا يقال : هذا بيت فلان ومسكنه ، ولا يراد بذلك المِلك ، وقد قال تعالى :( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) (1) ، ولا شبهة في أنّه تعالى أراد منازل الرجال الّتي يُسكِنون فيها زوجاتهم ، ولم يرد بهذه الإضافة الملك.

فأما ما رواه من أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قسم حجره على نسائه وبناته ، فمن أين له إذا كان الخبر صحيحاً أنّ هذه القسمة على وجه التمليك دون الإسكان والإنزال ! ولو كان قد ملّكهنّ ذلك لوجب أن يكون ظاهراً مشهوراً.

فأما الوجه في ترك أمير المؤمنين لما صار الأمر إليه في يده منازعة الأزواج في هذه الحجر فهو ما تقدّم وتكرّر.

وأما قوله : إنّ أبا بكر هو الّذي صلّى على فاطمة وكبّر أربعاً ، وإنّ كثيراً من الفقهاء يستدلّون به في التكبير على الميّت ـ وهو شيء ما سُمِع إلاّ منه ، وإن كان تلقّاه عن غيره ـ فمّمن يجري مجراه في العصبية(2) ، وإلاّ فالروايات المشهورة

__________________

(1) الطلاق : 1.

(2) روى ابن عدي في الكامل 4 : 258 ، نقلاً عن موطأ مالك قال : أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال : ( توفيت فاطمة بنت رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ليلاً , فجاء أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعيد وجماعة كثيرة سماهم مالك فقال أبو بكر لعليّ : تقدم فصلّ عليها , قال : لا والله لا تقدمت وأنت خليفة رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قال : فتقدم أبو بكر فصلى عليها فكبّر عليها أربعاً ودفنها ليلاً ).

أقول : ولم أقف على الخبر في الموطأ برواية يحيى بن يحيى الليثي المطبوع بشرح السيوطي المسمى تنوير الحوالك ، كما قد خلت النسخة الناقصة المطبوعة بتونس برواية ابن زياد , ولم يذكره ابن عبد البر في كتابه التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، وقد ذكر في ج 1 : 316 ، ما ورد في الموطأ من حديث جعفر بن محمد وقال : لمالك عن جعفر بن محمد في الموطأ من حديث النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) تسعة أحاديث منها خمسة متصلة أصلها حديث واحد وهو حديث جابر الطويل في الحج , والأربعة منقطعة تتصل من غير رواية مالك من وجوه ولم يشر إلى رواية مالك عن جعفر بن محمد على ما هو موقوف عليه.


وكتب الآثار والسير خالية من ذلك ، ولم يختلف أهل النقل في أنّ عليّاًعليه‌السلام هو الّذي صلّى على فاطمة ، إلاّ رواية نادرة شاذّة وردت بأنّ العباس صلّى عليها.

وروى الواقدي : بإسناده في تاريخه ، عن الزهري ؛ قال : سألت ابن عباس : متى دفنتم فاطمةعليها‌السلام ؟ قال : دفنّاها بليل بعد هدأة ؛ قال : قلت : فمن صلّى عليها ؟ قال : عليّ.

وروى الطبري عن الحارث بن أبي أسامة ، عن المدائني ، عن أبي زكريا العجلاني أنّ فاطمةعليها‌السلام عُمل لها نعش قبل وفاتها ، فنظرت إليه ، فقالت : سترتُموني ستركم الله !

قال أبو جعفر محمّد بن جرير : والثبت في ذلك أنّها زينب ، لأنّ فاطمة دفنت ليلاً ، ولم يحضرها إلاّ عليّ و العباس والمقداد والزبير.

وروى القاضي أبو بكر أحمد بن كامل بإسناده في تاريخه ، عن الزهري ؛ قال : حدّثني عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ فاطمة عاشت بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ، فلمّا توفيت دفنها عليّ ليلاً ، وصلّى عليها. وذكر في كتابه هذا أنّ عليّاً والحسن والحسينعليهم‌السلام دفنوها ليلاً ، وغيّبوا قبرها.

وروى سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن عبيد ، عن الحسن بن محمّد بن الحنفيّة ، أنّ فاطمة دُفنت ليلاً.

وروى عبد الله بن أبي شيبة ، عن يحيى بن سعيد القطّان ، عن معمر ، عن الزهري مثل ذلك.

وقال البلاذريّ في تاريخه : إنّ فاطمةعليها‌السلام لم تُرَ متبسّمة بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يعلم أبو بكر وعمر بموتها.

والأمر في هذا أوضح وأشهر من أن نُطنب في الاستشهاد عليه ، ونذكر الروايات فيه.


فأمّا قوله : ولا يصحّ أنّها دفنت ليلاً ، وإن صحّ فقد دُفن فلان وفلان ليلاً ؛ فقد بيّنا أنّ دفنها ليلاً في الصحّة أظهر من الشمس ، وأنّ مُنكر ذلك كالدافع للمشاهدات ، ولم يجعل دفنها ليلاً بمجرده هو الحُجة ليقال : لقد دُفن فلان وفلان ليلاً ، بل يقع الاحتجاج بذلك على ما وردت به الروايات المستفيضة الظاهرة الّتي هي كالتواتر ؛ أنّها أوصت بأن تدفن ليلاً حتى لا يصلّي الرجلان عليها ، وصرّحت بذلك وعهدت فيه عهداً بعد أن كانا استأذنا عليها في مرضها ليعوداها ، فأبت أن تأذن لهما ، فلما طالت عليهما المدافعة رَغِبا إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام في أن يستأذن لهما ، وجعلاها حاجةً إليه ، وكلّمهاعليه‌السلام في ذلك ، وألحّ عليها ، فأذنت لهما في الدخول ، ثمّ أعرضت عنهما عند دخولهما ولم تكلمهما ، فلمّا خرجا قالت لأمير المؤمنينعليه‌السلام :« هل صنعت ما أردت » ؟ قال :« نعم » ، قالت :« فهل أنت صانع ما آمرك به » ؟ قال :« نعم » ، قالت :« فإنّي أنشدك الله ألاّ يُصلّيا على جنازتي ، ولا يقوما على قبري » !

وروى أنّه عَفَّى قبرها وعلّم عليه ، ورشّ أربعين قبراً في البقيع ، ولم يرشّ قبرها حتى لا يُهتدى إليه ، وأنهما عاتباه على ترك إعلامهما بشأنها ، وإحضارهما الصلاة عليها ، فمن هاهنا احتججنا بالدّفن ليلاً ، ولو كان ليس غير الدفن بالليل من غير ما تقدّم عليه وما تأخّر عنه ، لم يكن فيه حجة.

وأما حكايته عن أبي عليّ إنكار ضرب الرجل لها ، وقوله : إنّ جعفر بن محمّد وأباه وجدّه كانوا يتولّونهما ، فكيف لا ينكر أبو عليّ ذلك ، واعتقاده فيهما اعتقاده ! وقد كنّا نظنّ أنّ مخالفينا يقتنعون أن ينسبوا إلى أئمتنا الكفّ عن القوم والإمساك ، وما ظننّا أنّهم يحملون أنفسهم على أن يُنسبُوا إليهم الثناء والوَلاء.

وقد علم كل أحد أنّ أصحاب هؤلاء السادة المختصّين بهم ، قد رووا عنهم ضدّ ما روى شعبة بن الحجّاج وفلان وفلان ، وقولهم : هما أوّل من ظلمنا حقّنا ،


وحمل الناس على رقابنا ، وقولهم : إنّهما أصفيا بإنائنا ، واضطجعا بسبلنا ، وجلسا مجلساً نحن أحقّ به منهما ، إلى غير ذلك من فنون التظلّم والشّكاية ، وهو طويل متّسع ، ومن أراد استقصاء ذلك فلينظر في كتاب ( المعرفة ) لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي ، فإنّه قد ذكر عن رجل من أهل البيت بالأسانيد النيّرة ما لا زيادة عليه ، ثمّ لو صحّ ما ذكره شعبة لجاز أن يُحمَل على التقيّة.

وأمّا ذكره إسرافيل وميكائيل فما كنّا نظنّ أنّ مثله يذكر ذلك ، وهذا من أقوال الغُلاة الّذين ضلّوا في أمير المؤمنينعليه‌السلام وأهل البيت ، وليسوا من الشّيعة ولا من المسلمين ، فأيّ عيب علينا فيما يقولونه ! ثمّ إنّ جماعة من مخالفينا قد غلوا في أبي بكر وعمر ، ورووا رواياتٍ مختلفة فيهما تجري مجرى ما ذكره في الشناعة ، ولا يلزم العقلاء وذوي الألباب من المخالفين عيب من ذلك.

وأمّا معارضة ما روي في فاطمةعليها‌السلام بما روي في : « أنّ حبّهما إيمان ، وبغضهما نفاق » ، فالخبر الّذي رويناه مجمع عليه ، والخبر الآخر مطعونٌ فيه ، فكيف يعارَض ذلك بهذا !

وأمّا قوله : إنّما قصد من يورد هذه الأخبار تضعيف دلالة الأعلام في النفوس ، من حيث أضاف النفاق إلى من شاهدها ؛ فتشنيعٌ في غير موضعه ، واستنادٌ إلى ما لا يجدي نفعاً ، لأن من شاهد الأعلام لا يضعفها ولا يوهن دليلها ، ولا يقدح في كونها حجة ، لأنّ الأعلام ليست ملجئة إلى العلم ، ولا موجبة لحصوله على كلّ حال ، وإنّما تثمر العلم لمن أمعن النظر فيها من الوجه الّذي تدلّ منه ، فمَن عَدَل عن ذلك لسوء اختياره لا يكون عدوله مؤثراً في دلالتها.

فكم قد عدل من العقلاء وذوي الأحلام الراجحة والألباب الصحيحة عن تأمّل هذه الأعلام وإصابة الحق منها ! ولم يكن ذلك عندنا وعند صاحب الكتاب قادحاً في دلالة الأعلام.


على أنّ هذا القول يوجب أن ينفي الشك والنّفاق عن كل من صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعاصره وشاهد أعلامه كأبي سفيان وابنه ، وعمرو بن العاص ، وفلان وفلان ؛ ممّن قد اشتهر نفاقهم ، وظهر شكّهم في الدين وارتيابهم باتّفاق بيننا وبينه ؛ وإن كانت إضافة النّفاق إلى هؤلاء لا تقدح في دلالة الأعلام ، فكذلك القول في غيرهم.

فأمّا قوله : إنّ حديث الإحراق لم يصحّ ، ولو صحّ لساغ لعمر مثل ذلك ؛ فقد بيّنّا أنّ خبر الإحراق قد رواه غير الشيعة.

وقوله : إنّه يسوغ مثل ذلك ؛ فكيف يسوغ إحراق بيت عليّ وفاطمةعليهما‌السلام ! وهل في ذلك عُذْر يصغى إليه أو يسمع! وإنّما يكون عليّ وأصحابه خارقين للإجماع ومخالفين للمسلمين ؛ لو كان الإجماع قد تقرّر وثبت ، وليس بمتقرّر ولا ثابت مع خلاف عليّ وحده ، فضلاً عن أن يوافقه على ذلك غيره.

وبعد ، فلا فرق بين أن يُهدّد بالإحراق لهذه العلّة ، وبين أن يضرب فاطمةعليها‌السلام لمثلها ؛ فإنّ إحراق المنازل أعظم من ضرب سوط أو سوطين ؛ فلا وجه لامتعاض المخالف من حديث الضّرب إذا كان عنده مثل هذا الاعتذار !

قال ابن أبي الحديد : قلت : أمّا الكلام في عصمة فاطمةعليها‌السلام فهو بفنّ الكلام أشبه ، وللقول فيه موضع غير هذا.

وأمّا قول المرتضى : إذا كانت صادقة لم يبق حاجةٌ إلى مَنْ يشهد لها ؛ فلقائل أن يقول : لم قلت ذلك ؟ ولم زَعمت أنّ الحاجة إلى البينة إنّما كانت لزيادة غلبة الظنّ ؟ ولم لا يجوز أن يكون الله تعالى يُعبّد بالبيّنة لمصلحة يعلمها ؛ وإن كان المدّعي لا يكذب ! أليس قد تعبّد الله تعالى بالعدّة في العجوز الّتي قد أيِست من الحمل ؛ وإن كان أصل وضعها لاستبراء الرحم !

وأما قصّة خُزيمة بن ثابت ؛ فيجوز أن يكون الله تعالى قد علم أنّ مصلحة المكلّفين في تلك الصورة أن يكتفي بدعوى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحدها ؛ ويستغني فيها عن


الشهادة ، ولا يمتنع أن يكون غير تلك الصورة مخالفاً لها ، وإن كان المدّعي لا يكذّب.

ويبين ذلك أنّ مذهب المرتضى جواز ظهور خوارق العادات على أيدي الأئمة والصالحين ؛ ولو قدّرنا أنّ واحداً من أهل الصلاح والخير ادّعى دعوى ، وقال بحضرة جماعة من الناس من جملتهم القاضي : اللهم إن كنتُ صادقاً فأظهر عليّ معجزة خارقة للعادة ؛ فظهرت عليه ، لعلمنا أنّه صادق ؛ ومع ذلك لا تقبل دعواه إلاّ ببيّنة.

وسألت عليّ بن الفارقيّ مدرّس المدرسة الغربية ببغداد ، فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال : نعم ، قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فَدَك وهي عنده صادقة ؟ فتبسّم ، ثمّ قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحُرْمته وقلّة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فَدَك بمجرّد دعواها ، لجاءت إليه غداً وادّعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والموافقة بشيء ؛ لأنّه يكون قد أسجل على نفسه أنّها صادقة فيما تدّعي كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود. وهذا كلام صحيح ؛ وإن كان أخرجه مخرج الدُّعابة والهزْل.

فأما قول قاضي القضاة : لو كانت في يدها لكان الظاهر أنّها لها ، واعتراض المرتضى عليه بقوله : إنّه لم يعتمد في إنكار ذلك على حجّة ، بل قال : لو كانت في يدها لكان الظاهر أنّها لها ، والأمر على ما قال ؛ فمن أين أنّها لم تخرج عن يدِها على وجه ! كما أنّ الظاهر يقتضي خلافه ؛ فإنّه لم يجب عمّا ذكره قاضي القضاة ؛ لأنّ معنى قوله : إنّها لو كانت في يدها ، أي متصرفة فيها لكانت اليد حجّة في الملكيّة ؛ لأنّ اليد والتصرّف حجّة لا محالة ، فلو كانت في يدها تتصرّف فيها وفي ارتفاقها كما يتصرّف الناس في ضياعهم وأملاكهم لما احتاجت إلى الاحتجاج بآية الميراث ولا بِدعوى النحل ؛ لأنّ اليد حجّة.


فهلا قالت لأبي بكر : هذه الأرض في يدي ؛ ولا يجوز انتزاعها منّي إلاّ بحجة ! وحينئذٍ كان يسقط احتجاج أبي بكر بقوله : « نحن معاشر الأنبياء لا نورّث » ، لأنّها ما تكون قد ادّعتها ميراثاً ليحتجّ عليها بالخبر ، وخبر أبي سعيد في قوله : « فأعطاها فدك » ، يدلّ على الهبة لا على القبض والتصرّف ؛ ولأنّه يقال : أعطاني فلان كذا فلم أقبِضه ، ولو كان الإعطاء هو القبض والتصرّف لكان هذا الكلام متناقضاً.

فأمّا تعجّب المرتضى من قول أبي عليّ : إنّ دعوى الإرث كانت متقدّمة على دعوى النحل ، وقوله : إنّا لا نعرف له غرضاً في ذلك ، فإنّه لا يصح له بذلك مذهب ، ولا يبطل على مخالفيه مذهب ؛ فإنّ المرتضى لم يقف على مراد الشيخ أبي عليّ في ذلك ؛ وهذا شيء يرجع إلى أصول الفقه ، فإنّ أصحابنا استدلّوا على جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد بإجماع الصحابة ، لأنّهم أجمعوا على تخصيص قوله تعالى :( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ ) (1) برواية أبي بكر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا نورّث ، ما تركناه صدقة ».

قالوا : والصحيح في الخبر أنّ فاطمةعليها‌السلام طالبت بعد ذلك بالنحل لا بالميراث ، فلهذا قال الشيخ أبو عليّ : إنّ دعوى الميراث تقدّمت على دعوى النحل ، وذلك لأنّه ثبت أنّ فاطمة انصرفت عن ذلك المجلس غير راضية ولا موافقة لأبي بكر ، فلو كانت دعوى الإرث متأخّرة ، وانصرفت عن سخط لم يثبت الإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد.

أمّا إذا كانت دعوى الإرث متقدّمة ، فلمّا روى لها الخبر أمسكت وانتقلت إلى النزاع من جهة أخرى ، فإنّه يصحّ حينئذٍ الاستدلال بالإجماع على تخصيص الكتاب بخبر الواحد ، فأمّا أنا فإنّ الأخبار عندي متعارضة ، يدلّ

__________________

(1) النساء : 11.


بعضها على أنّ دعوى الإرث متأخرة ، ويدلّ بعضها على أنّها متقدّمة ؛ وأمّا في هذا الموضع متوقّف.

وما ذكره المرتضى من أنّ الحال تقتضي أن تكون البداية بدعوى النحل فصحيح ، وأما إخفاء القبر وكتمان الموت وعدم الصلاة وكل ما ذكره المرتضى فيه ، فهو الّذي يظهر ويقوى عندي ، لأن الروايات به أكثر وأصحّ من غيرها ، وكذلك القول في مَوجدتها وغضبها ، فأمّا المنقول عن رجال أهل البيت فإنّه يختلف ، فتارة وتارة ، وعلى كل حال فميل أهل البيت إلى ما فيه نصرة أبيهم وبيتهم.

وقد أخلّ قاضي القضاة بلفظة حكاها عن الشيعة فلم يتكلّم عليها وهي لفظة جيدة.

قال : قد كان الأجمل أن يمنعهم التكرّم مما ارتكبا منها فضلاً عن الدين ، وهذا الكلام لا جواب عنه ، ولقد كان التكرّم ورعاية حقّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحفظ عهده يقتضي أن تعوّض ابنته بشيء يرضيها إن لم يستنزل المسلمون عن فَدَك وتُسلم إليها تطييباً لقلبها ، وقد يسوغ للإمام أن يفعل ذلك من غير مشاورة المسلمين إذا رأى المصلحة فيه ، وقد بعد العهد الآن بيننا وبينهم ، ولا نعلم حقيقة ما كان ، وإلى الله ترجع الأمور(1) .

__________________

(1) ونحن أيضاً نقول وإلى الله ترجع الاُمور , ورحم الله الشاعر العلوي القائل :

ليت شعري ما كان ضرّهما

الحفظ لعهد النبيّ لو حفظاها

كان اكرام خاتم الرسُلُ الهادي

البشير النذير لو أكرماها

ولو ابتيع ذلك بالثمن الغالي

لما ضاع في اتباع هواها

أترى المسلمين كانوا يلومونهما

في العطاء لو أعطياها

كان تحت الخضراء بنت نبيّ

صادق ناطق أمين سواها


النص الثامن : قال ابن أبي الحديد(1) في شرح قولهعليه‌السلام :

« أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ محمّداً صلى‌الله‌عليه‌وآله نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ ، وَمُهَيْمِناً عَلَى المُرْسَلِينَ ؛ فلمَّا مَضى صلى‌الله‌عليه‌وآله تنَازَعَ المُسْلِمُونَ الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ ؛ فَوَاللهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي ، وَلاَ يَخْطُرُ بِبَالِي ، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هذَا الأمْرَ مِنْ بَعْدِهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَلاَ أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ ، فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلاَن يُبَايِعُونَهُ ، فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الاِْسْلاَمِ ، يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ محمّدٍ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الاِْسْلاَمَ وأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً ، تَكُونُ المُصِيبَةُ بِهِ عليّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ ، كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ ، أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ ، فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الاَْحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ ، وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَهَ » .

روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في التاريخ الكبير أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا مات اجتمعت أسدٌ وغطفانُ وطيئ على طُلَيْحة بن خُويلد إلاّ ما كان من خواصّ أقوام في الطوائف الثلاث ، فاجتمعت أسد بسميراء ، وغطفان بجنوب طيبة ، وطيئ في حدود أرضهم ، واجتمعت ثعلبة بن أسد ومن يليهم من قيس بالأبرق من الربذة ، وتأشّب إليهم ناسُ من بني كنانة ، ولم تحملهم البلاد ، فافترقوا فرقتين : أقامت إحداهما بالأبرق ، وسارت الأخرى إلى ذي القصة ، وبعثوا وفوداً إلى أبي بكر يسألونه أن يقارّهم على إقامة الصلاة ومنع الزكاة ، فعزم الله لأبي بكر على الحق ، فقال : لو منعوني عِقالاً لجاهدتهم عليه.

ورجع الوفود إلى قومهم فأخبروهم بقلة من أهل المدينة ، فأطمعوهم فيها ، وعلم أبو بكر والمسلمون بذلك ، وقال لهم أبو بكر : أيّها المسلمون ، إنّ الأرض

__________________

(1) شرح ابن أبي الحديد 17 : 151 ـ 168.


كافرة ، وقد رأى وفدهم منكم قِلّة ، وإنكم لا تدرون أليْلاً تُؤتَوْن أم نهاراً ، وأدناهم منكم عَلَى بريد ، وقد كان القوم يأمُلون أن نقبل منهم ونُودِعَهم ، وقد أبينا عليهم ، ونبذنا إليهم ، فأعِدّوا واستَعِدّوا.

فخرج عليّعليه‌السلام بنفسه ، وكان على نَقْب من أنقاب المدينة ، وخرج الزّبير وطلحة وعبدالله بن مسعود وغيرهم فكانوا على الأنقاب الثلاثة ، فلم يلبثوا إلاّ قليلاً حتى طرق القومُ المدينة غارة مع الليل ، وخلّفوا بعضهم بذي حُسىً ليكونوا ردءً لهم ، فوافوا الأنقاب وعليها المسلمون ، فأرسلوا إلى أبي بكر بالخبر ، فأرسل إليهم أن الزموا مكانكم ، ففعلوا.

وخرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح ، فانتشر العدوّ بين أيديهم ، واتّبعهم المسلمون على النواضح حتى بلغوا ذا حُسىً ، فخرج عليهم الكَمين بأنحاء(1) قد نفخوها ، وجعلوا فيها الحبال ثمّ دَهْدَهوها بأرْجُلهم في وجوه الإبل ، فتَدَهْده كلّ نِحْىٍ منها في طِوَله فنفرتْ إبلُ المسلمين ، وهم عليها ـ ولا تنفر الإبلُ من شيء نافرَها من الأنحاء ـ فعاجَت بهم لا يملكونها حتى دخلت بهم المدينة ، ولم يصرع منهم أحد ولم يُصب.

فبات المسلمون تلك الليلة يتهيّئون ، ثمّ خرجوا على تعبية ، فما طلع الفجرُ إلاّ وهم والقومُ على صعيد واحد ، فلم يَسمَعوا للمسلمين حَسّاً ولا هَمْساً حتى وضعوا فيهم السيف ، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم ، فما ذَرّ قرنُ الشمس إلاّ وَلّوا الأدبار وغلبوهم على عامة ظهرهم ، ورجعوا إلى المدينة ظافرين(2) .

قلت : هذا هو الحديث الّذي أشارعليه‌السلام إلى أنّه نهض فيه أيّام أبي بكر ، وكأنّه جوابٌ عن قول قائل : إنّه عمل لأبي بكر ، وجاهد بين يدي أبي بكر ،

__________________

(1) الأنحاء : جمع نحى , وهو الزقّ.

(2) تاريخ الطبري 3 : 244 ( طبعة المعارف ) مع تصرف واختصار.


فبيّنعليه‌السلام عذره في ذلك ، وقال : إنّه لم يكن كما ظنّه القائل ، ولكنّه من باب دَفْع الضرر عن النفس وعن الدين ، فإنه واجبٌ سواء كان للناس إمام أو لم يكن.

وينبغي حيث جرى ذكر أبي بكر في كلام أمير المؤمنينعليه‌السلام أن نذكر ما أورده قاضي القضاة في ( المغني ) ، من المطاعن الّتي طعن بها فيه ، وجواب قاضي القضاة عنها ، واعتراض المرتضى في ( الشافي ) على قاضي القضاة ، ونذكر ما عندنا في ذلك ، ثمّ نذكر مطاعن أخرى لم يذكرها قاضي القضاة.

الطعن الأوّل

قال قاضي القضاة بعد أن ذكر ما طعن به فيه في أمر فَدَك ، وقد سبق القول فيه.

وممّا طعن به عليه قولهم : كيف يصلُح للإمامة من يُخبر عن نفسه أنّ له شيطاناً يعتريه ، ومن يحذّر الناس نفسه ، ومن يقول : أقيلوني بعد دخوله في الإمامة ، مع أنّه لا يحل للإمام أن يقول : أقيلوني البيعة.

أجاب قاضي القضاة فقال : إنّ شيخنا أبا عليّ قال : لو كان ذلك نقصاً فيه ، لكان قول الله في آدم وحوّاء :( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ ) (1) ، وقوله :( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ) (2) ، وقوله :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) (3) ، يوجب النقص في الأنبياء ، وإذا لم يجب ذلك فكذلك ما وصف به أبو بكر نفسه.

وإنّما أراد أنّه عند الغضب يُشفِق من المعصية ويحذر منها ، ويخاف أن يكون الشيطان يعتريه في تلك الحال فيُوَسْوِس إليه ، وذلك منه على طريق الزّجر

__________________

(1) الأعراف : 20.

(2) البقرة : 36.

(3) الحج : 52.


لنفسه عن المعاصي ، وقد روي عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنّه ترك مخاصمة الناس في حقوقه إشفاقاً من المعصية ، وكان يولّي ذلك عَقِيلاً ، فلما أسنّ عَقِيل كان يوليها عبد الله بن جعفر.

فأمّا ما روي في إقالة البيعة فهو خبر ضعيف ، وإن صحّ فالمراد به التنبيه على أنّه لا يبالي لأمر يرجع إليه يُقيله الناس البيعة ، وإنّما يضرون بذلك أنفسهم ؛ وكأنّه نبّه بذلك على أنّه غير مكرَه لهم ، وأنّه قد خلاهم وما يريدون إلاّ أن يَعْرِض ما يوجب خِلافه ، وقد روي أنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام أقال عبد الله بن عمر البيعة حين استقاله ، والمراد بذلك أنّه تركه وما يختار.

اعترض المرتضىرضي‌الله‌عنه فقال : أمّا قول أبي بكر : « وَليتُكم ولستُ بخيركم ، فإن استقمتُ فاتّبعوني ، وإن اعوججت فقوّموني ، فإنّ لي شيطاناً يعتريني عند غضبي ، فإذا رأيتموني مغضباً فاجتنبوني لا أؤثّر في أشعاركم وأبشاركم » فإنّه يدلّ على أنّه لا يصلح للإمامة من وجهين :

أحدهما أنّ هذا صفة من ليس بمعصوم ، ولا يأمن الغلط على نفسه من يحتاج إلى تقويم رعيته له إذا وقع في المعصية ، وقد بيّنا أنّ الإمام لابدّ أن يكون معصوماً موفّقاً مسدّداً ، والوجه الآخر أنّ هذه صفة من لا يملك نفسه ، ولا يضبط غضبه ، ومن هو في نهاية الطيش والحدة والخُرق والعجلة ، ولا خلاف أنّ الإمام يجب أن يكون منزّهاً عن هذه الأوصاف ، غير حاصل عليها.

وليس يُشبِه قول أبي بكر ما تلاه من الآيات كلّها ، لأنّ أبا بكر خبر عن نفسه بطاعة الشيطان عند الغضب ، وأنّ عادته بذلك جارية ، وليس هذا بمنزلة من يوسوس إليه الشيطان ولا يطيعه ، ويزيّن له القبيح فلا يأتيه ، وليس وسوسة الشيطان بعيب على الموسوس له إذا لم يستزلّه ذلك عن الصواب ، بل هو زيادة في التكليف ، ووجه يتضاعف معه الثواب.


وقوله تعالى :( أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) قيل : معناه في تلاوته ؛ وقيل : في فكرته ، على سبيل الخاطر ، وأيّ الأمرين كان فلا عار في ذلك على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا نقص ، وإنّما العار والنقص على من يطيع الشيطان ويتبع ما يدعو إليه.

وليس لأحد أن يقول : هذا إن سلم لكم في جميع الآيات لم يسلم في قوله تعالى :( فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ ) لأنّه قد خبّر عن تأثير غوايته ووسوسته بما كان منهما من الفعل ، وذلك أنّ المعنى الصحيح في هذه الآية أنّ آدم وحوّاء كانا مندوبين إلى اجتناب الشجرة وترك التناول منها ، ولم يكن ذلك عليهما واجباً لازماً ، لأنّ الأنبياء لا يُخلّون بالواجب ، فوسوس لهما الشيطان حتى تناولا من الشجرة ، فتركا مندوباً إليه ، وحرما بذلك أنفسهما الثواب ، وسمّاه إزلالاً لأنّه حطٌّ لهما عن درجة الثواب وفعل الأفضل.

وقوله تعالى في موضع آخر :( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) لا ينافي هذا المعنى ، لأنّ المعصية قد يُسمّى بها من أخل بالواجب والندب معاً ، قوله : فغوى أي خاب من حيث لم يستحق الثواب على ما نُدب إليه.

على أنّ صاحب الكتاب يقول : إنّ هذه المعصية من آدم كانت صغيرة لا يستحق بها عقاباً ولا ذماً ، فعلى مذهبه أيضاً تكون المفارقة بينه وبين أبي بكر ظاهرةً ، لأنّ أبا بكر خبّر عن نفسه أنّ الشيطان يعتريه حتى يؤثّر في الأشعار والأبشار ، ويأتي ما يستحق به التقويم ، فأين هذا من ذنب صغير لا ذمّ ولا عقاب عليه ، وهو يجري من وجه من الوجوه مجرى المباح ، لأنّه لا يؤثر في أحوال فاعله وحط رتبته.

وليس يجوز أن يكون ذلك منه على سبيل الخشية والإشفاق على ما ظنّ ، لأنّ مفهوم خطابه يقتضي خلاف ذلك ، ألا ترى أنّه قال : « إنّ لي شيطاناً يعتريني » ، وهذا قول من قد عرف عادته ، ولو كان على سبيل الإشفاق والخوف لخرج عن هذا المخرج ، ولكان يقول : فإنّي لا آمن من كذا وإنّي لمشفق منه.

فأمّا ترك أميرالمؤمنينعليه‌السلام مخاصمة الناس في حقوقه فكأنّه إنّما كان تنزهاً وتكرّماً ؛ وأي نسبة بين ذلك وبين من صرّح وشهد على نفسه بما لا يليق بالأئمة !

__________________

(1) طه : 121.


وأما خبر استقالة البيعة وتضعيف صاحب الكتاب له فهو أبداً يضعّف ما لا يوافقه من غير حجة يعتمدها في تضعيفه.

وقوله : إنّه ما استقال على التحقيق ، وإنّما نبّه على أنّه لا يبالي بخروج الأمر عنه ، وأنّه غير مكره لهم عليه ؛ فبعيد من الصواب لأنّ ظاهر قوله : أقيلوني أمر بالإقالة ، وأقل أحواله أن يكون عرضاً لها وبذلاً ، وكلا الأمرين قبيح ، ولو أراد ما ظنّه لكان له في غير هذا القول مندوحة ، ولكان يقول : إنّي ما أكرهتكم ولا حملتكم على مبايعتي ، وما كنت أبالي ألاّ يكون هذا الأمر فيَّ ولا إليَّ ، وإنّ مفارقته لتسرّني لولا ما ألزمنيه الدخول فيه من التمسك به ، ومتى عدلنا عن ظواهر الكلام بلا دليل جرّ ذلك علينا ما لا قبل لنا به.

وأمّا أمير المؤمنينعليه‌السلام فإنّه لم يُقِل ابن عمر البيعة بعد دخوله فيها ، وإنّما استعفاه من أن يلزمه البيعة ابتداء فأعفاه قلّة فكر فيه ، وعلماً بأنّ إمامته لا تثبت بمبايعة من يبايعه عليها ، فأين هذا من استقالة بيعة قد تقدّمت واستقرت !

الطعن الثاني

قال قاضي القضاة بعد أن ذكر قول عمر : « كانت بيعة أبي بكر فلتة » وقد تقدّم منّا القول في ذلك في أوّل هذا الكتاب : وممّا طعنوا به على أبي بكر أنّه قال عند موته : ليتني كنت سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ثلاثة ، فذكر في أحدها : ليتني كنت سألته : هل للأنصار في هذا الأمر حق ؟ قالوا : وذلك يدلّ على شكّه في صحة بيعته ، وربما قالوا : قد روى أنّه قال في مرضه : ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه(1) ، وليتني في ظلّة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين ، فكان هو الأمير ، وكنت الوزير. قالوا : وذلك يدلّ على ما روى من إقدامه على بيت فاطمةعليها‌السلام عند اجتماع عليّعليه‌السلام والزبير وغيرهما فيه ، ويدلّ على أنّه كان يرى الفضل لغيره لا لنفسه.

__________________

(1) لقد مر الكلام في هذا في أول نصوص يجب أن تقرأ بإمعان فراجع.


قال قاضي القضاة : والجواب أنّ قوله : « ليتني » لا يدلّ على الشكّ فيما تمنّاه ، وقول إبراهيمعليه‌السلام :( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) (1) أقوى من ذلك في الشبهة. ثمّ حمل تمنّيه على أنّه أراد سماع شيءٍ مفصّل ، أو أراد : ليتني سألته عند الموت لقرب العهد ، لأنّ ما قرب عهده لا يُنسى ويكن أردع للأنصار على ما حاولوه.

ثم قال : على أنّه ليس في ظاهره أنّه تمنّى أن يسأل : هل لهم حقٌ في الإمامة أم لا ؟ لأنّ الإمامة قد يتعلّق بها حقوق سواها ، ثمّ دفع الرواية المتعلقة ببيت فاطمةعليها‌السلام وقال : فأمّا تمنيّه أن يبايع غيره ؛ فلو ثبت لم يكن ذمّاً ، لأنّ من اشتد التكليف عليه فهو يتمنى خلافه.

اعترض المرتضىرحمه‌الله هذا الكلام فقال : ليس يجوز أن يقول أبو بكر : « ليتني كنت سألت عن كذا ». إلاّ مع الشكّ والشبهة ، لأنّ مع العلم واليقين لا يجوز مثل هذا القول ، هكذا يقتضي الظاهر.

فأمّا قول إبراهيمعليه‌السلام ، فإنّما ساغ أن يُعدل عن ظاهره ، لأنّ الشك لا يجوز على الأنبياء ، ويجوز على غيرهم ؛ على أنّهعليه‌السلام قد نفى عن نفسه الشك بقوله :( بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ، وقد قيل : إنّ نمرود قال له : إذا كنت تزعم أنّ لك ربّاً يحيي الموتى ، فاسأله أن يحيي لنا ميّتاً إن كان على ذلك قادراً ، فإن لم تفعل ذلك قتلتك ، فأراد بقوله :( وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) ، أي لآمن توعّد عدوّك لي بالقتل.

وقد يجوز أن يكون طلب ذلك لقومه ، وقد سألوه أن يرغب إلى الله تعالى فيه فقال : ليطمئنّ قلبي إلى إجابتك لي ، وإلى إزاحة علّة قومي ، ولم يرد : ليطمئنّ قلبي إلى أنّك تقدر على أن تحيي الموتى ؛ لأنّ قلبه قد كان بذلك مطمئناً ؛ وأيّ

__________________

(1) البقرة : 260.


شيء يريد أبو بكر من التفضيل أكثر من قوله : « إنّ هذا الأمر لا يصلح إلاّ لهذا الحي من قريش » ! وأيّ فرق بين ما يقال عند الموت وبين ما يقال قبله إذا كان محفوظاً معلوماً ، لم ترفع كلمة ولم تنسخ !

وبعد ، فظاهر الكلام لا يقتضي هذا التخصيص ، ونحن مع الإطلاق والظاهر ، وأيّ حق يجوز أن يكون للأنصار في الإمامة غير أن يتولاها رجل منهم حتى يجوز أن يكون الحق الّذي تمنّى أن يسأل عنه غير الإمامة ! وهل هذا إلاّ تعسّف وتكلّف !

وأيّ شبهة تبقى بعد قول أبي بكر : ليتني كنت سألته : هل للأنصار في هذا الأمر حق ، فكنّا لا ننازعه أهله ؟ ومعلوم أنّ التنازع لم يقع بينهم إلاّ في الإمامة نفسها ، لا في حقٍّ آخر من حقوقها.

فأمّا قوله : إنّا قد بيّنا أنّه لم يكن منه في بيت فاطمة ما يوجب أن يتمنّى أنّه لم يفعله ؛ فقد بيّنا فساد ما ظنّه فيما تقدم.

فأمّا قوله : إنّ من اشتدّ التكليف عليه قد يتمنى خلافه ؛ فليس بصحيح ؛ لأنّ ولاية أبي بكر إذا كانت هي الّتي اقتضاها الدين ، والنظر للمسلمين في تلك الحال ، وما عداها كان مفسدة ومؤدّياً إلى الفتنة ، فالتمني لخلافها لا يكون إلاّ قبيحاً.

ما ذكره المحب الطبري :

الرابع والعشرون : المحب الطبري ( ت 694 ه‍ ) فماذا عنده ؟

النص الأول : قال في الرياض النضرة(1) في ذكر بيعة عليرضي‌الله‌عنه :

وعن عائشة أنّ علي بن أبي طالب مكث ستة أشهر حتى توفيت فاطمة ( رضي الله عنها ) لم يبايع أبا بكر ، ولا بايعه أحد من بني هاشم حتى بايعه علي .

__________________

(1) الرياض النضرة 1 : 168.


النص الثاني : قال(1) : وخرّج أبو الحسن علي بن محمد القرشي في كتاب الردة والفتوح : أن بيعته ـ علي ـ كانت بعد موت فاطمة بخمسة وسبعين يوماً.

النص الثالث : قال(2) : عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لعلي بن أبي طالب :« سلام عليك أبا الريحانتين ، فعن قليل يذهب ركناك ، والله خليفتي عليك » ، فلما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال علي :« هذا أحد الركنين الذي قال ( صلّى الله عليه وسلّم ) » ، فلما ماتت فاطمة قال :« هذا الركن الآخر الذي قال ( صلّى الله عليه وسلّم ) » . خرّجه أحمد في المناقب.

النص الرابع : قال(3) : عن عمر قال : كنت أنا وأبو عبيدة وأبو بكر وجماعة من أصحابه إذ ضرب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) منكب علي فقال : يا علي أنت أول المؤمنين إيماناً ، وأوّل المسلمين إسلاماً ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى. خرّجه ابن السمّان.

النص الخامس : قال(4) : وعن عمر أنّه قال : علي مولى من كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مولاه.

وعن سالم : قيل لعمر : إنّك تصنع بعلي شيئاً ما تصنعه بأحد من أصحاب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : إنّه مولاي.

وعن عمر وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي : اقض بينهما يا أبا الحسن ، فقضى علي بينهما ، فقال أحدهما : هذا يقضي بيننا ، فوثب إليه عمر وأخذ بتلبيبه وقال : ويحك ما تدري من هذا ، هذا مولاي ومولى كل مؤمن ، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن.

وعنه وقد نازعه رجل في مسألة فقال : بيني وبينك هذا الجالس ، وأشار إلى علي بن أبي طالب ، فقال الرجل : هذا الأبطن ، فنهض عمر من مجلسه وأخذ

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 169.

(2) المصدر نفسه 2 : 154.

(3) المصدر نفسه 2 : 157.

(4) المصدر نفسه 2 : 170.


بتلبيبه حتى شاله من الأرض ثم قال : أتدري من صغّرت ؟ مولاي ومولى كل مسلم. ( ثم قال المحب الطبري ) : خرّجهنّ ابن السمّان.

النص السادس : قال(1) : ( ذكر اختصاصه بإدخال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) إياه معه في ثوبه يوم توفي واحتضانه إياه إلى أن قبض ).

عن عائشة قالت : قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لما حضرته الوفاة :« ادعوا لي حبيبي » فدعوا له أبا بكر ، فنظر إليه ثم وضع رأسه ، ثم قال :« ادعوا حبيبي » فدعوا له عمر فلما نظر إليه وضع رأسه ، ثم قال :« ادعوا لي حبيبي » فدعوا له علياً ، فلمّا رآه أدخله معه في الثوب الذي كان عليه ، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه. أخرجه الرازي.

النص السابع : قال(2) : ( ذكر اختصاصه بأقربية العهد به يوم مات )(3) .

عن أم سلمة قالت : والذي أحلف به إن كان علي لأقرب الناس عهداً برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قالت : عدنا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) غداة بعد غداة يقول : جاء علي ـ مراراً ـ وأظنّه كان بعثه لحاجة ، فجاء بعد فظننت أن له حاجة ، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب ، فكنت من أدناهم إلى الباب ، فأكبّ عليه علي فجعل يسارّه ويناجيه ، ثم قبض من يومه ذلك( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فكان من أقرب الناس به عهداً. أخرجه أحمد.

النص الثامن : قال(4) : ( ذكر اختصاصه وزوجه وبنيه بأنه( صلّى الله عليه وسلّم ) حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم ).

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 180.

(2) المصدر نفسه 2 : 180.

(3) كلا العنوانين مع النصّين ، ينسفان مقولة عائشة : ( مات بين سحري ونحري ) فكيف يتمسك بها من يزعم لها نصيباً من الصحة.

(4) المصدر نفسه 2 : 189.


وعن أبي بكر الصديق قال : رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) خيّم خيمة وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين ، فقال :« معاشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، ولي لمن والاهم ، لا يحبهم إلا سعيد الجدّ طيب المولد ، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء الولادة » .

أقول : فما دام الصديق يروي هذا الحديث ـ وهو صادق فيما رواه ـ فلماذا قال لعمر عندما أرسله ليحضر علياً للبيعة : إئتني به بأعنف العنف ؟ ولماذا قال له : فإن أبوا فقاتلهم ، وهذا قد مرّ في نصوص سابقة فراجع.

النص التاسع : قال(1) : ( ذكر رسوخ قدمه في الإيمان ).

وعن عمر بن الخطاب أنه قال : أشهد على رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لسمعته وهو يقول :« لو أن السماوات السبع والأرضين السبع وضعت في كفّة ووضع إيمان علي في كفّة ؛ لرجح إيمان علي » . أخرجه ابن السمّان ، والحافظ السلفي في المشيخة البغدادية ، والفضائلي.

أقول : فمن كان يروي هذا الحديث ـ وهو صادق فيما رواه ـ هل له أن يأخذ بتلبيب علي ويسوقه بعنف لأخذ بيعته ؟

النص العاشر : قال(2) : وعن عاصم بن عمر قال : لقي عمر علياً فقال : يا أبا الحسن نشدتك بالله هل كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ولاك الأمر ؟ قال :« إن قلت ذاك فما تصنع أنت وصاحبك ؟ » قال : أما صاحبي فقد مضى ، وأما أنا فوالله لأخلعنّها من عنقي في عنقك ، قال : جدع الله أنف من أبعدك عن هذا ، لا ولكن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) جعلني علماً ، فإذا أنا قمت فمن خالفني ضل.

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 226.

(2) المصدر نفسه 2 : 242.


وفي رواية أنه قال له : يا أبا الحسن نشدتك بالله هل استخلفك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : لا ، ولكن جعلني رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) علماً ، فمتى قمت فمن خالفني ضل. أخرجهما ابن السمّان في الموافقة.

أقول : ما تقدم من نصوص الرابع والخامس عن عمر ، وهي كلّها من تخريج ابن السمّان تثبت أنّ علياً كان أولى بالأمر فراجع.

وهذه عشرة نصوص مما رواه المحب الطبري ـ وهو شيخ الحرم المكي في عصره قال فيه الذهبي : الفقيه الزاهد المحدث ، كان شيخ الشافعية ومحدث الحجاز ـ في كتابه الرياض النضرة ، وله في كتابه ذخائر العقبى أضعاف ذلك مما يقضي العجب نحو ما رواه عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال عمر بن الخطاب للزبير بن العوام : هل لك في أن تعود الحسن بن علي ( رضي الله عنهما ) فإنه مريض ؟ فكأن الزبير تلكأ عليه ، فقال له عمر : أما علمت أنّ عيادة بني هاشم فريضة وزيارتهم نافلة ، وفي رواية : أن عيادة بني هاشم سنة وزيارتهم نافلة. أخرجه ابن السمّان في الموافقة(1) .

أقول : من يروي مثل هذا كيف جاء بقبس فيه نار ليحرق على بني هاشم بيتهم ؟

ونحو ما رواه عن أبي بكر أنه قال : ( يا أيها الناس ارقبوا محمداً في أهل بيته ) أخرجه البخاري(2) .

وما أحرى القارئ أن يقول للقائل :

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

فهل راقبت أنت محمداً في أهل بيته ؟.

__________________

(1) ذخائر العقبى : 14.

(2) المصدر نفسه : 18.


ونحو ما رواه عن أبي الحمراء قال : صحبت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) تسعة أشهر ، فكان إذا أصبح أتى على باب علي وفاطمة وهو يقول : رحمكم الله( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ ) (1) الآية. أخرجه عبد بن حميد(2) .

فهل للسائل أن يسأل عن تلك الباب التي كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقف عندها ، ويقرأ قوله تعالى :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3) ، هل تبدّلت حرمتها أو استبدلت خشبتها فهانت على الخالفين ، فجاؤوها بنار لتحرق على من فيها ، حتى خرجت فاطمةعليها‌السلام لتقول لعمر : أتراك محرقاً عليَّ بيتي ؟ قال : نعم ، وذلك أقوى فيما جاء به أبوكِ.

هذا وروى لنا عن عائشة كيف كانت فاطمة أشبه سمتاً ودلاً وهدياً وحديثاً برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قيامه وقعوده من كل أحد(4) كما روى لنا عن عائشة :« إذا كان يوم القيامة نادى مناد : يا معشر الخلائق طأطئوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة عليها‌السلام » (5) .

وقال : وكانت ـ فاطمة ـ أشارت على عليرضي‌الله‌عنه أن يدفنها ليلاً(6) .

فهل من جواب لشاعر يسأل :

ولأيّ الأمور تدفن ليلاً

بضعة المصطفى ويعفى ثراها

__________________

(1) الأحزاب : 33.

(2) ذخائر العقبى : 24.

(3) الأحزاب : 33.

(4) ذخائر العقبى : 40.

(5) المصدر نفسه : 48.

(6) المصدر نفسه : 54.


وروى لنا في ذكر ولد فاطمةعليها‌السلام ، عن الليث بن سعد : فولدت حسناً وحسيناً ومحسناً وعن غيره : ولدت حسناً وحسيناً ومحسناً فهلك محسن صغيراً(1) .

ولسائل أن يسأل : متى كانت وفاة المحسن ؟ وكم سنّه يوم مات ؟ وأين دفن ؟ سؤال بعد سؤال ولا جواب.

وأخيراً نعود إلى الرياض النضرة لنقطف من أزهارها ما قاله المحب الطبري(2) : ( ذكر ما رواه أبو بكر في فضل علي وروى عنه ).

وقد ذكرنا ذلك مفرقاً في الأبواب والفصول ، ونحن ننبه عليه لتوفّر الداعية ، فمنه حديث : النظر إليه عبادة ، في الفضائل ، وحديث استواء كفه وكف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحديث : إنّه خيّم وعلى بنيه خيمة ، وحديث : انّه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من ربه ، وحديث : لا يجوز أحد الصراط إلا بجواز يكتبه علي ، كل ذلك في الخصائص ، وقوله : من سرّه أن ينظر إلى أقرب الناس قرابة ، وإحالته على علي لما سئل عن وصف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الفضائل ، وحديث : مشاورة أبي بكر له في قتال أهل الردة في اتباعه للسنّة.

ثم ذكر المحب الطبري بعد هذا ( ذكر ما رواه عمر في علي وروى عنه مختصراً ).

وقد تقدم جميع ذلك مفرقاً في أبوابه ، فمنه حديث : الراية يوم خيبر ، وحديث : ثلاث خصال لأن يكن لي واحدة منهن ، وحديث : أنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : في علي ثلاث خصال لوددت أن لي واحدة منهن ، وحديث : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، وحديث : رجحان إيمانه بالسماوات السبع والأرضين ، وحديث : من كنت

__________________

(1) المصدر نفسه : 55.

(2) الرياض النضرة 2 : 244.


مولاه فعلي مولاه ، وقوله : ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذٍ لمّا قال لعليّ : لأبعثنّه إلى كذا وكذا. وقوله : أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة ، وقوله : علي مولى من ( كان ) النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مولاه ، وقوله في علي : إنّه مولاي ، وإحالته في المسألة عليه غير مرّة في القضاء عليه ، وقوله : أقضانا علي ، ورجوعه إلى قوله في مسائل كثيرة ، كل ذلك في الخصائص والفضائل مفرّقا في بابه.

أقول : وثمة أزاهير في الرياض النضرة ، إلى جنب تلك الأزهار ما يحوطها من أشواك ، فحذار لمن يقتطف الزهرة ألاّ تدميه الشوكة ، ومهما يكن فلنا تعقيب بلا تثريب ، فنقول : إنّ عمر قد مر عنه روايته لحديث« من كنت مولاه فهذا علي مولاه » ، وقد ذكر المؤرّخون أنه كان ممن سلّم على علي بإمرة المؤمنين يوم غدير خم ، وقال له : بخ بخ يا أبا الحسن ( علي بن أبي طالب ) أصبحت مولاي ومولى كل مسلم ( أو مؤمن ) ، كما في مناقب ابن المغازلي المالكي(1) .

وهذا القول منه مشعر بالرضى والقبول ، غير أنّ ابن حجر العسقلاني روى لنا في لسان الميزان(2) في ترجمة اسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى ، أبو الفضل الواعظ ، أمراً لم يبلغ أسماعنا من قبل ، ولا مرّ في النصوص التي ذكرناها ، فنحن ننقل ما ذكره ابن حجر بنصه وفصه والتبعة ـ إن كانت ـ فعليه.

قال بعد ذكر اسمه ونسبه كما مرّ : روى عن أبي الفتح ابن البطي ومحمد بن سليمان وروح بن أحمد الحديثي ، وقرأ الروايات على أبي الفتح بن رزيق ، وأتقن العربية ، وولي ديوان الرسائل ، روى عنه الدبيثي وابن النجار وقال : برع في الأدب ، وتفقّه للشافعي ، وكان يتشيع (؟) ، وكان متواضعاً عابداً كثير التلاوة ، وقال

__________________

(1) المناقب لابن المغازلي : 18 ، ح 24.

(2) لسان الميزان 1 : 387.


ابن الجوزي : حكى عنه بعض عدول بغداد أنه حضر مجلسه بالكوفة فقال : لما قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه تغيّر وجه أبي بكر وعمر ، فنزلت :( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (1) ، فهذا غلو منه في شيعيته ، وذكره ابن بابويه فقال : كان فقيهاً ديّناً صالحاً لقبه صائن الدين.

انتهى ما ذكره ابن حجر ، ولم يعلق على ما قاله المترجم له بأكثر من قوله : ( فهذا غلو منه في شيعيته ) وهذا منه أيضاً تحامل في غير محلّه ، فالرجل شافعي كما صرح هو بذلك ، وإنّما قال عنه : وكان يتشيع ، فأين من يتشيع ممن هو شيعي ؟ ثم سكوت ابن الجوزي عن التعقيب على ما رواه عنه يشعر إمضاءه لما قال اسفنديار كما يبدو.

ما ذكره أبو الفداء :

الخامس والعشرون : أبو الفداء صاحب حماة ( ت 732 ه‍ ) ماذا عنده ؟

النص الأول : قال في تاريخه(2) : لما قبض الله نبيّه قال عمر بن الخطاب : من قال إن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مات علوت رأسه بسيفي هذا ، وإنّما ارتفع إلى السماء ، فقرأ أبو بكر :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ) (3) ، فرجع القوم إلى قوله ، وبادروا سقيفة بني ساعدة ، فبايع عمر أبا بكر ، وانثال الناس عليه يبايعونه ، في العشر الأوسط من ربيع الأول سنة إحدى عشرة ، خلا جماعة من بني هاشم ، والزبير ، وعتبة بن أبي لهب ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبي ذر ، وعمار بن

__________________

(1) الملك : 27.

(2) المختصر في أخبار البشر 1 : 156.

(3) آل عمران : 144.


ياسر ، والبراء بن عازب ، وأبيّ بن كعب ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، وقال في ذلك عتبة بن أبي لهب :

ما كنت أحسب أن الأمر منصرف

عن هاشم ثم منهم عن أبي حسن

عن أول الناس إيماناً وسابقة

وأعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبي ومَن

جبريل عون له في الغسل والكفن

من فيه ما فيهم لا يمترون به

وليس في القوم ما فيه من الحسن

النص الثاني : قال(1) : وكذلك تخلّف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان من بني أمية.

النص الثالث : قال(2) : ثم انّ أبا بكر بعث عمر بن الخطاب إلى علي ومن معه ليخرجهم من بيت فاطمة ( رضي الله عنها ) ، وقال : إن أبوا عليك فقاتلهم ، فأقبل عمر بشيء من نار على أن يضرم الدار ، فلقيته فاطمة ( رضي الله عنها ) وقالت : إلى أين يابن الخطاب ، أجئت لتحرق دارنا ؟ قال : نعم ، أو تدخلون فيما دخلت فيه الأمة ، فخرج علي حتى أتى أبا بكر فبايعه ، كذا نقله القاضي جمال الدين بن واصل ، وأسنده إلى ابن عبد ربه المغربي.

النص الرابع : قال : وروى الزهري عن عائشة قالت : لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة ، وذلك بعد ستة أشهر لموت أبيها( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فأرسل علي إلى أبي بكر فأتاه في منزله فبايعه .

ما ذكره النويري :

السادس والعشرون : شهاب الدين النويري ( ت 733 ه‍ ) فماذا عنده ؟

النص الأول : قال في نهاية الإرب(3) : وعن مالك بن مغول ، عن ابن أبجر قال : لما بويع أبي بكر الصديق جاء أبو سفيان بن حرب إلى علي فقال : غلبكم على

__________________

(1) المختصر في أخبار البشر 1 : 156.

(2) المصدر نفسه 1 : 156.

(3) نهاية الإرب 19 : 40.


هذا الأمر أرذل بيت في قريش ، أما والله لأملأنّها خيلاً ورجالاً ، فقال له علي : ما زلت عدواً للإسلام وأهله ، فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئاً ، إنّا رأينا أبا بكر لها أهلاً. ورواه عبد الرزاق عن ابن المبارك.

النص الثاني : ذكر ما تقدم من رواية ابن عبد البر في الاستيعاب عن زيد بن أسلم عن أبيه ـ وهذا هو مولى عمر ـ إنّ علياً والزبير كانا حين بويع لأبي بكر يدخلان على فاطمة فيشاورانها في أمرهم ، فبلغ ذلك عمر ، فدخل عليها فقال : يا بنت رسول الله ما كان في الخلق أحد أحب إلينا من أبيك ـ إلى أخر ما مرّ وليس فيه من جديد ـ إلا أنّ النويري عقّب على ذلك بقوله : ( وهذا الحديث يردّ قول من زعم أنّ علي بن أبي طالب لم يبايع إلا بعد وفاة فاطمة ( رضي الله عنها ) ).

ومن حق القارئ أن يسأل النويري كيف اعتمد هذا الحديث وهو مخدوش سنداً ومتناً ، أما سنداً فإن زيد بن أسلم قال عنه مالك : كان زيد يحدث من تلقاء نفسه ، وهو يروي عن أبيه أسلم ، وهذا مولى عمر بن الخطاب ، وهو ممن كان معه يوم الهجوم على بيت فاطمة الزهراء ، وأما متناً فإنّ الامتناع عن البيعة من حديث عائشة في البخاري ، ويرويه عنها عروة ابن اختها ، وعنه الزهري ، وكلّهم غير متهم في المقام.

النص الثالث : ذكر شعر ابن أبي عزة الجمحي في بيعة أبي بكر(1) ، وهذا أيضاً مرّ عن الاستيعاب ، وقلنا أنّ الشعر منحول ، بدليل ما يقوله ابن حزم انّ أبا عزة الجمحي ـ الذي قتله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم اُحد ـ لا عقب له ، ولم يكن في بني جمح من يسمى بأبي عزة غيره.

النص الرابع : قال(2) : وروي عن سعيد بن المسيب قال : لما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ارتجّت مكة ، فسمع أبو قحافة فقالوا(3) : ما هذا ؟ فقالوا : قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ،

__________________

(1) المصدر نفسه 19 : 41.

(2) المصدر نفسه 19 : 41.

(3) والصحيح : فقال.


قالوا(1) : أمر جلل ، فمن ولي بعده ؟ قالوا : ابنك ، قال : فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟ قالوا : نعم ، قال : لا مانع لما أعطى الله ، ولا معطي لما منع الله.

وهذا النص ورد في كثير من المصادر ، واللافت للنظر فيه قول أبي قحافة : فهل رضيت بذلك بنو عبد مناف وبنو المغيرة ؟ لأنّ الرجل يعرف من نفسه وقومه بني تيم ليسوا بالموضع الذي يؤهلهم لنيل خلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم على حد ما قال أبو سفيان أرذل بيت في قريش ، ولم يتجن عليهم أبو سفيان ولا غيره حين يصفون بني تيم بالضعة ، وشاعرهم يقول : ( وما تيم إلا أعبد وإماء ) ازدراء بهم واحتقاراً لهم.

ما ذكره الذهبي :

السابع والعشرون : الذهبي ( ت 748 ه‍ ) فماذا عنده ؟

النص الأول : قال في سير أعلام النبلاء(2) :

فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) سيدة نساء العالمين في زمانها ، البضعة النبوية ، والجهة المصطفوية ، أم أبيها ، بنت سيد الخلق رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشية الهاشمية وأم الحسنين ، مولدها قبل المبعث بقليل ، وتزوجها الإمام علي بن أبي طالب في ذي القعدة أو قبيله من سنة اثنتين بعد وقعة بدر ، وقال ابن عبد البر : دخل بها بعد وقعة اُحد فولدت له الحسن والحسين وأم كلثوم وزينب.

أقول : ما حكاه ونقله عن ابن عبد البر لايوجد في ترجمة فاطمةعليها‌السلام من الاستيعاب ، وبين يدي فعلاً ثلاث طبعات وهي : طبعة حيدر آباد سنة 1336 ه‍ ،

__________________

(1) والصحيح : فقال.

(2) سير أعلام النبلاء 3 : 425.


وطبعة مصطفى محمد سنة 1358 ه‍ بهامش الإصابة ، وطبعة بتحقيق علي محمد البجاوي. وقد سبق أن نبّهت على هذا في الفصل الأول من الباب الأول فيمن ذكر المحسن فراجع.

ثم ما ذكره في أول العنوان بقوله : ( سيدة نساء العالمين في زمانها ) نصب وعجب في زعمه هذا بعد ما صح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من قوله : ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ) وهذا رواه أحمد في مسنده(1) مسند حذيفة وغيره ، فنساء أهل الجنة من الأولين والآخرين إذن ليست سيدة العالمين ( في زمانها ) فحسب ، وكذلك قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ، وسيدة نساء المؤمنين ، وسيدة نساء هذ الأمة » .

وهذا الحديث روته عائشة كما في المستدرك على الصحيحين(2) وصححه ، ورواه الذهبي نفسه في تلخيص المستدرك وصححه أيضاً ، وقد ذكرت الأحاديث باختلاف ألفاظها وتعدد رواتها وكثرة مصادرها ما يثبت لها السيادة المطلقة سلام الله عليها فراجع كتاب ( علي إمام البررة )(3) .

النص الثاني : قال(4) : ولما توفي أبوها تعلّقت آمالها بميراثه ، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر الصديق ، فحدثها أنه سمع من النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : ( لا نورث ، ما تركنا صدقة ) فوجدت عليه ثم تعللت ؟

النص الثالث : قال(5) : روى إسماعيل بن أبي خالد ، عن الشعبي قال : لما مرضت فاطمة أتى أبو بكر فاستأذن ، فقال علي : يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن

__________________

(1) مسند أحمد 5 : 391 ، ح 23718.

(2) المستدرك على الصحيحين 3 : 156.

(3) علي إمام البررة 2 : 231 ـ 293.

(4) سير أعلام النبلاء 3 : 426.

(5) المصدر نفسه.


عليك ، فقالت : أتحب أن آذن له ؟ ـ قلت : والقائل الذهبي : عملت السنة ( رضي الله عنها ) ، فلم تأذن في بيت زوجها إلا بأمره ـ ، قال : فأذنت له ، فدخل عليها يترضاها ، وقال : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ورسوله ، ومرضاتكم أهل البيت ، قال : ثم ترضاها حتى رضيت.

وقد كرر ذكر الخبر مرّة اُخرى بأخصر من ذلك وبنفس السند عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي(1) .

وإسماعيل هذا أطروه كثيراً ووثقوه لأنه كان صاحب سنّة ، ومع ذلك كان أميّاً حافظاً ثقة ، وأغرب من ذلك قول هيثم فيه : كان إسماعيل فحش اللحن ، كان يقول : حدّثني فلان عن أبوه (!) ، وهو مع ذلك الإطراء في التوثيق قال يحيى بن سعيد : مرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء.

أقول : وهذا الذي ذكره الذهبي عنه من زعمه : ثم ترضاها حتى رضيت من المرسلات ، لأنّ الشعبي لم يكن حاضراً يومئذٍ بالمدينة ، ولا هو ممن أدرك عيادة أبي بكر لفاطمة ( فترضاها حتى رضيت ) فالخبر من المرسلات ، ومرسلات ابن أبي خالد ليست بشيء كما قال يحيى بن سعيد ، مضافاً إلى نُصب الشعبي وكذبه ، راجع بشأنه كتاب ( علي إمام البررة )(2) .

النص الرابع : ذكر في ميزان الاعتدال(3) ترجمة أحمد بن محمد بن السري بن يحيى بن ابن أبي دارم فقال : أبو بكر الكوفي الرافضي الكذاب ، مات في أول سنة سبع وخمسين وثلاثمائة روى عنه الحاكم وقال : رافضي غير ثقة ، وقال

__________________

(1) المصدر نفسه 3 : 431.

(2) علي إمام البررة 2 : 323 ـ 334.

(3) ميزان الاعتدال 1 : 139.


محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرّخ موته : كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه : إنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن.

وفي خبر آخر في قوله تعالى :( وَجَاءَ فِرْعَوْنُ ) ـ عمر ـ( وَمَن قَبْلَهُ ) ـ أبو بكر( وَالمُؤْتَفِكَاتُ ) (1) عائشة وحفصة ، فوافقته على ذلك ، ثم إنّه حين أذّن الناس بهذا الأذان المحدث وضع حديثاً متنه : تخرج نار من قعر عدن تلتقط مبغضي آل محمد ، ووافقته عليه.

وجاءني ابن سعيد في أمر هذا الحديث فسألني ، فكبر عليه ، وأكثر الذكر له بكل قبيح ، وتركت حديثه ، وأخرجت عن يدي ما كتبته عنه ، ويحتجون به في الأذان ، زعم أنّه سمع موسى بن هارون عن الحماني ، عن أبي بكر بن عياش ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن أبي محذورة قال : كنت غلاماً ، فقال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : اجعل في آخر أذانك حيّ على خير العمل(2) .

وهذا حدّثنا به جماعة عن الحضرمي عن يحيى الحماني ، وإنّما هو : اجعل في آخر أذانك : الصلاة خير من النوم. تركته ولم أحضر جنازته.

أقول : أتعلم أيّها القارئ الكريم من هو ابن أبي دارم الذي تحامل عليه الذهبي ؟ إنّه هو الذي ذكره في سير أعلام النبلاء فقال عنه :

ابن أبي دارم ، الإمام الحافظ الفاضل ، أبو بكر أحمد بن محمد السري بن يحيى بن السري ابن أبي دارم ، التميمي الكوفي الشيعي ، محدّث الكوفة.

__________________

(1) الحاقة : 9.

(2) راجع رسالتنا ( حي على خير العمل ) مسائل شرعية بين السنّة والبدعية ط دار الهادي بيروت سنة 1423 ه‍ ، تجد أن الأذان بها شرعية لأنّه كان بأمر النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) , والأذان بالصلاة خير من النوم بدعيّة لأنّه كان بأمر عمر.


سمع إبراهيم بن عبد الله ، وحدّث عنه الحاكم ، وأبو بكر بن مردويه ، ويحيى بن إبراهيم المزكّي ، وأبو الحسن ابن الحمامي ، والقاضي أبو بكر الحيري ، وآخرون.

كان موصوفاً بالحفظ والمعرفة إلا أنه يترفض ، قد ألف في الحط على بعض الصحابة ، وهو مع ذلك ليس بثقة في النقل ، ومن عالي ما وقع لي منه ـ ثم ساق بإسناده إليه حديث « الحلال بيّن والحرام بيّن ، وبين ذلك مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ، من ترك الشبهات استبرأ لدينه وعِرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي إلى جنب الحمى ، يوشك أن يواقعه » الحديث متفق عليه.

مات أبو بكر في المحرم سنة اثنتين وخمسين وثلثمائة ، وقيل : سنة إحدى وخمسين ، قال الحاكم : هو رافضي غير ثقة.

وقال محمد بن أحمد بن حماد الحافظ : كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه : انّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت محسناً.

وفي خبر آخر قوله تعالى :( وَجَاءَ فِرْعَوْنُ ) عمر( وَمَن قَبْلَهُ ) أبو بكر( وَالمُؤْتَفِكَاتُ ) (1) عائشة وحفصة ، فوافقته وتركت حديثه ، قلت ـ والقائل هو الذهبي ـ : شيخ ضال معثر.

أقول : وترجمه في تذكرة الحفاظ(2) فقال : أبو بكر بن أبي دارم ، الحافظ المسند الشيعي ، أحمد بن محمد بن السري بن يحيى بن السري التميمي الكوفي ، محدّث الكوفة ـ ثم ذكر مشايخه ومن روى عنه كما مرّ في سير أعلام النبلاء ـ جمع في الحط على الصحابة ، وكان يترفض وقد اتهم في الحديث ، وكان

__________________

(1) الحاقة : 9.

(2) تذكرة الحفاظ 3 : 884.


موصوفاً بالحفظ ، له ترجمة سيئة في الميزان ، ذكرنا فيها ما حدّث به من الإفك المبين لا رعاه الله. ثم ساق الحديث الذي ذكره في الحلال والحرام .

وهكذا تحامل على الرجل لأنّه يروي الإفك المبين (؟) فيما يراه الذهبي ، ولو أنصف نفسه قبل أن ينصفه ، لعلم أنّه ما من دخان إلا من وراء نار ، أوليس هو ـ الذهبي ـ قد ترجم عُلوان ـ بالضمّ ـ بن داود ، وذكر في ترجمته مثلّثات أبي بكر ، وفيها : وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب ، ألا مسائل الذهبي : لماذا ندم أبو بكر ؟ وماذا جرى بأمره في كشف بيت فاطمة ؟ أليس هو مجيئ عمر ومن معه بقبس من نار ليحرق البيت على من فيه ، فقالوا له : إنّ في الدار فاطمة ، قال : وإن.

ومن المضحك المبكي ـ وشر البلية ما يضحك ، وشر الرزية ما يبكي ـ أنّ الذهبي ابتعد كثيراً في كتابه ( المنتقى من منهاج الاعتدال ) عن منهج الاعتدال ، حيث ذكر(1) ما ذكره شيخه ابن تيمية في منهاج السنة تعليقاً على مثلثات أبي بكر ومنها ما يتعلق بالمقام.

قال : ـ ابن المطهر ـ : « وقال عند موته : ليتني كنت تركت بيت فاطمة لم أكشفه ، وليتني في سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يد أحد الرجلين ، فكان هو الأمير وكنت الوزير ، وهذا يدلّ على إقدامه على بيت فاطمة عند اجتماع علي والزبير وغيرهما ، ويدلّ على أنّه كان يرى الفضل لغيره ».

قلنا : لا يقبل القدح إلا إذا ثبت النقل ، ونحن نعلم يقيناً أنّ أبا بكر لم يقدم على علي والزبير بشيء من الأذى ، بل ولا على سعد بن عبادة الذي مات ولم يبايعه ، وغاية ما يقال : انه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي أمر

__________________

(1) المنتقى : 583.


بقسمته ، ثم رأى أنه لو تركه لهم جاز ، والجهلة يقولون انّ الصحابة هدموا بيت فاطمة ، وضربوا بطنها حتى طرحت ، أفيسوغ في عقل عاقل انّ صفوة الامة يفعلون هذا بابنة نبيّهم لا لأمر ، فلعن الله من وضع هذا ومن افتعل الرفض.

أقول : ما دام الرجل لا يستحي من الكذب ، وقد لعن من وضع هذا ومن افتعل الرفض ، فمن حقنا نحن أيضاً أن نقول : لعن الله من تعمّد الكذب ومن أسس النصب ، ولقد مرّ ما يتعلق برد العذر البارد والتافه من أنّ كبس البيت كان لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي أمر بقسمته ، فلا حاجة إلى اعادته.

ما ذكره الصفدي :

الثامن والعشرون : الصفدي ( ت 764 ه‍ ) فماذا عنده ؟وليعلم مسبقاً انّه نسج على نول الذهبي ، وطرّزه بما يلي :

النص الأول : قال في ترجمة إبراهيم بن سيّار النظام من شيوخ المعتزلة(1) : ومنها ميله إلى الرفض ووقوعه في أكابر الصحابة ، وقال : نص النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) على أنّ الإمام عليّ وعيّنه ، وعرفت الصحابة ذلك ، ولكن كتمه عمر لأجل أبي بكر.

حسب القائل أن يقول : صدق النظام في دعوى النص ، ويوم الغدير شاهد على الملأ الإسلامي يومئذٍ ، وقد سلّم الشيخان على الإمام كما مرّ بإمرة المؤمنين(2) .

النص الثاني : قال في نفس الصفحة : وقال : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت المحسّن من بطنها.

__________________

(1) الوافي بالوفيات للصفدي 6 : 17.

(2) قال المناوي في فيض القدير 6 : 218 ط 1 سنة 1357 مطبعة مصطفى محمد نقلاً عن ابن حجر في ذكر حديث الغدير : ( ولما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا ـ فيما أخرجه الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص ـ أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة.


وهذا أيضاً ثابت ، وقد مرّت أسماء من قال بأنّه سقط ذلك اليوم ، فكان النظام واحداً منهم.

النص الثالث : قال في نفس الصفحة : ووقع في جميع الصحابة فيما حكموا فيه بالاجتهاد ، فقال : لا يخلو إمّا أن جهلوا فلا يحلّ لهم ، أو أنهم أرادوا أن يكونوا أرباب مذاهب فهو نفاق ، وعنده الجاهل بأحكام الدين كافر ، والمنافق فاسق أو كافر ، وكلاهما يوجب الخلود في النار.

ما ذنب النظام إذا قرأ عن أبي بكر وعمر وغيرهما من الفتاوى التي تخالف النص ، ولا اجتهاد في مقابل النص ، وحسب القارئ مراجعة كتاب الغدير للشيخ الأمينيرحمه‌الله (1) ، وكتاب الاجتهاد والنص للسيد شرف الدينرحمه‌الله .

النص الرابع : قال(2) في ترجمة الشاه‌بوري الواعظ البلخي ، وقد ذكر إطراءه عن ابن النجار ومنه : وروى عنه شيخه السلفي ، وكان يعظمه ويجلّه ويعجب بكلامه وكان يميل إلى الرفض وكان يدسّ سبّ الصحابة في كلامه ، مثل قوله : قال علي يوماً لفاطمة وهي تبكي : لم تبكين ؟ أأُخذت منكِ فَدَك ؟ أفعلتُ كذا ؟ أفعلتُ كذا ؟

ما ذكره ابن كثير :

التاسع والعشرون : ابن كثير الشامي ( ت 774 ) فماذا عنده ؟

النص الأول : قال في البداية والنهاية(3) : وقد اتفق الصحابة على بيعة الصديق في ذلك الوقت ـ غداة اليوم الثاني من بيعة السقيفة ـ حتى علي بن أبي طالب

__________________

(1) الغدير : ج 6 ، و 7 ، وما بعدهما.

(2) الصفدي 3 : 243.

(3) البداية والنهاية 6 : 301.


والزبير بن العوام ، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي حيث قال : أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن علي الحافظ الاسفراييني ، ثنا أبوعلي الحسين بن علي الحافظ ، ثنا أبو بكر بن خزيمة(1) وإبراهيم بن أبي طالب قالا : ثنا بندار بن بشار(2) ، ثنا أبو هشام المخزومي ، ثنا وهيب ، ثنا داود بن أبي هند ، ثنا أبو نضرة(3) ، عن أبي سعيد الخدري قال :

قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة ، وفيهم أبو بكر وعمر ، قال : فقام خطيب الأنصار فقال : أتعلمون أنّا أنصار رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فنحن أنصار خليفته كما كنّا أنصاره ، قال : فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلكم ولو قلتم غير هذا لم نبايعكم ، فأخذ بيد أبي بكر وقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، فبايعه عمر ، وبايعه المهاجرون والأنصار ، وقال : فصعد أبو بكر المنبر فنظر في وجوه القوم فلم ير الزبير ، قال : فدعا الزبير فجاء ، قال : قلتَ : ابن عمة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أردتَ أن تشقّ عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله ، فقام فبايعه.

ثم نظر في وجوه القوم فلم ير علياً ، فدعا بعلي بن أبي طالب قال : قلت ابن عم رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وختنه على ابنته ، أردت أن تشق عصا المسلمين ، قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايعه ، هذا أو معناه.

__________________

(1) هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة ( ت 311 ه‍ ) من كبار حفّاظ الحديث , وقد أثنى عليه الذهبي في تذكرة الحفاظ كثيراً ، وساق في ترجمته بعض معتقده في مسائل , منها قوله : وانّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا ، ومن زعم أنّ علمه ينزل أو أمره ضلّ ، ويكلّم عباده بلا كيف ، الرحمن على العرش استوى بلا كيف ، لا كما قالت الجهمية أنه استولى .

(2) في المصادر : يسار ، والصحيح بشار ، وهو محمد بن بشار العبدي البصري النساج ، كان عالماً بحديث البصرة قال العجلي : ثقة كثير الحديث حائك , توفي سنة 252 ه‍ , قال الذهبي في تذكرة الحفاظ 1 : 511 : ولا عبرة بقول من ضعفه.

(3) في المصدر : أبو نصرة , والصحيح هو أبو نضرة ، وهو المنذر بن مالك بن قطعة العوفي البصري.


قال الحافظ أبو علي النيسابوري : سمعت أبي خزيمة يقول : جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث ، فكتبته له في رقعة وقرأت عليه ، فقال : هذا حديث يساوي بدنة ، فقلت : يسوى بدنة ؟ بل هذا يسوي بدرة.

ثم قال ابن كثير : وقد رواه الإمام أحمد عن الثقة عن وهيب مختصراً ، وأخرجه الحاكم في مستدركه من طريق عفان بن مسلم عن وهيب مطولاً كنحو ما تقدم ، وروينا من طريق المحاملي عن القاسم بن سعيد بن المسيب ، عن علي بن عاصم ، عن الجريري(1) ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد ، فذكره مثله في مبايعة علي والزبير يومئذٍ. انتهى.

إلقاء نظرة على حديث البُدرة :

إنّ النص المتقدم الذي اهتم به ابن كثير كثيراً ، وساقه بإسناد الحافظ ابن خزيمة ، وابن خزيمة كما في ترجمته كان من أسلاف السلفية القائلين بالتجسيم ، ونقل عنه أنه قرأ الحديث على مسلم ، فرأى مسلم في سوقه انّه يسوى بدنة ـ وهي الناقة ، وزاد الأزهري أو بعير ذكر ، كما في المصباح المنير ـ ولم يقنع ابن خزيمة بذلك التقويم حتى قال : بل يسوى بدرة ـ والبدرة كيس ألف أو عشرة آلاف درهم ، أو سبعة آلاف دينار كما في القاموس ـ.

وقد ساق ابن كثير عدة أسماء من أئمة الحديث كأحمد بن حنبل ، والحاكم ، والمحاملي ممن رووا ذلك النص متهالكاً في إثباته ، مع أنّ القارئ الفطن يدرك

__________________

(1) في المصدر : الحريري ، والصحيح الجريري وهو سعيد بن أياس البصري ، قال أحمد : هو محدث أهل البصرة ، وقال أبو حاتم : تغيّر حفظه قبل موته ، قال أحمد بن حنبل : سألت ابن علية : أكان الجريري اختلط ؟ فقال : لا ، كبر الشيخ فرقّ ، وأما ابن عدي فقال : لا نكذب الله ، سمعنا من الجريري وهو مختلط ( ت 144 ه‍ ).


أنّ النص مكذوب على أبي سعيد ، وإن كثرت أسانيد الرواية عنه ، مع وجود الآفة في بعض رجال الرواة ، كالجريري الذي اختلط وتغيّر حفظه ، ومع ذلك لم يترك ابن علية وابن عدي السماع منه ، بل أقسم ابن عدي فقال : لا نُكذِب الله ، سمعنا من الجريري وهو مختلط. هذا من جهة السند ، ولنلق نظرة عابرة على متنه لنرى مدى صحته ، وهل يسوى سماعه وتحصيله بدرة أو لا يسوى حتى بعرة ؟

فنقول : إنّ صحيح البخاري له مقام عند العامة ، لا يوازيه أيّ كتاب من صحاحهم وغيرها ، حتى قالوا فيه : إنّه أصح كتاب بعد كتاب الله ، وهذا وإن لم نقبله نحن ، ولكن لإلزام ابن كثير وقومه نقول لهم : إنّ بخاريّكم روى بسنده عن الزهري عن عروة عن عائشة خبر مطالبة الزهراءعليها‌السلام في باب غزوة خيبر(1) ـ وقد مرّ ذكره في النص الثاني فماذا عند البخاري فراجع ـ وقد جاء فيه : ( فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها ، وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر ).

وقد بيّنا هناك اقتضاب البخاري ـ ومثله أحمد بن حنبل في مسنده ـ لهذا الخبر ، مع أنّ عبد الرزاق وهو قبلهما ، قد روى الخبر بنفس السند وبصورة أتم ، ومما جاء فيه : قال معمّر : فقال رجل للزهري : فلم يبايعه علي ستة أشهر ؟ قال : لا ، ولا واحد من بني هاشم حتى بايعه علي. ( راجع النص التاسع فيماذا عند عبد الرزاق ).

__________________

(1) صحيح البخاري 5 : 139.


ومن المضحك ـ وشر البلية ما يضحك ـ أنّ ابن كثير لم يغب عنه ما رواه عبد الرزاق وأحمد والبخاري ، فراوغ في الجمع بين ما ذكره أولاً من خبره الذي رواه ابن خزيمة ، وقوّم تحصيل سماعه ببُدرة ، وبين ما رواه الثلاثة ، فساق خبراً كذباً عقب ما مرّ وهو النص الآتي.

النص الثاني : وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن سعد بن إبراهيم : حدّثني أبي أنّ أباه عبد الرحمن بن عوف كان مع عمر ، وأنّ محمد بن مسلمة كسر سيف الزبير ، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى الناس وقال : والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوماً ولا ليلة ، ولا سألتها الله في سر ولا علانية ، فقبل المهاجرون مقالته ، وقال علي والزبير : ما أغضبنا إلاّ لأنّنا أُخّرنا عن المشورة ، وإنّا نرى أبا بكر أحق الناس بها ، إنّه لصاحب الغار ، وإنّا لنعرف شرفه وخيره ، ولقد أمره رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بالصلاة بالناس وهو حي.

ثم قال ابن كثير : وهذا اللائق بعليرضي‌الله‌عنه ، والذي يدلّ عليه الآثار من شهوده معه الصلوات ، وخروجه معه إلى ذي القصة بعد موت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كما سنورده ، وبذله له النصيحة والمشورة بين يديه ، وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمة ، وقد ماتت بعد أبيهاعليه‌السلام بستة أشهر ، فذلك محمول على أنّها بيعة ثانية أزالت ما كان قد وقع من وحشة بسبب الكلام في الميراث ، ومنعه إياهم ذلك بالنص عن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في قوله : لا نورث ما تركنا فهو صدقة.

أقول : هذا هو الجمع بين الخبرين فيما يراه ابن كثير ، فكل من بايع أبا بكر من المسلمين بايعه مرّة واحدة ، إلاّ علي المظلوم فقد بايعه مرّتين ، لك الله يا علي ؟! إنّها لفرية جازت الحد ، ولا تسوى النقد والرد ، وإنّما أشرت إليها لأثبت للقارئ أنّ الخبر الذي رواه ابن خزيمة لا يسوى سماعه بعرة فضلاً عن بدرة ، وما تمسك ابن كثير به إلا لنصبه ، وقد ذكره في كتابه ( السيرة النبوية )(1) مع غيره من الطامات ما لا سبيل إلى قبولها بأيّ وجه.

__________________

(1) السيرة النبوية 4 : 494.


ولدلالة القارئ على جانب مما يكشف عن نَصبه ما ذكره تعقيباً عليه فقال : وفيه أنّ زيد بن ثابت أخذ بيد أبي بكر فقال : هذا صاحبكم فبايعوه ، ثم انطلقوا ، فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير علياً ، فسأل عنه ، فقام ناس من الأنصار فأتوا به.

ثم ذكر بقية الخبر وقصة بيعة الزبير بعد علي ، ثم قال : « وقد رواه الإمام أحمد وهذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة وفيه فائدة جليلة وهي مبايعة علي بن أبي طالب ، أما في أول يوم أو في اليوم الثاني من الوفاة وهذا حق (؟!) فإنّ علي بن أبي طالب لم يفارق الصديق في وقت من الأوقات ، ولم ينقطع في صلاة من الصلوات خلفه كما سنذكره ، وخرج معه إلى ذي القصة لما خرج الصديق شاهراً سيفه يريد قتال أهل الردة (؟!)

ولكن لما حصل من فاطمة ( رضي الله عنها ) عتب على الصديق ، بسبب ما كانت متوهمة من أنّها تستحق ميراث رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولم تعلم بما أخبرها به أبو بكر الصديق انّه قال : ( لا نورث ما تركنا فهو صدقة ) فحجبها وغيرها من أزواجه وعمه عن الميراث بهذا النص الصريح ، كما سنبيّنه في موضعه ، فسألته أن ينظر علي في صدقة الأرض التي بخيبر وفَدَك ، فلم يجبها إلى ذلك ، وهو الصادق البار الراشد التابع للحق ، فحصل لها ـ وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة (؟!) ـ عتب وتغضّب ولم تكلّم الصدّيق حتى ماتت ، واحتاج علي أن يراعي خاطرها بعض الشيء ، فلما ماتت بعد ستة أشهر من وفاة أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله رأى علي أن يجدّد البيعة مع أبي بكر مع ما تقدم له من البيعة قبل دفن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) (؟) ويزيد ذلك صحة قول موسى بن عقبة في مغازيه : أقول » ثم ذكر ما مرّ عنه آنفاً في أول النص الثاني.

هذا بعض ما عند ابن كثير من زخرف القول بالباطل في بيعة أبي بكر ، ولم يستطع إخفاء نصبه مضافاً إلى كذبه إنه لم يترض عن علي ولا مرّة واحدة ، مع


تكرر ذكره في الخبر خمس مرّات ، بينما ترضّى عن صاحبه أبي بكر ثلاث مرّات ، وليس هذا بشيء إزاء شنعته الصلعاء حين نفى عصمة الصديقة الزهراءعليها‌السلام ، مع سوء أدب وقلة حياء .

ولو كان ممن آتاه الله فهماً في كتابه ، لما عمي عن مدلول آية التطهير وشأن نزولها ، وتأكيد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على تعيين أصحابها وهم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها(1) ، ولا عن مدلول آية المباهلة ، ولا عن آية المودة.

ولو كان لديه قلة حياء لما تعامى عن أقوال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نحو قوله :« فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني » (2) .

وقوله الآخر :« فاطمة بضعة منّي يريبني ما أرابها ، ويؤذيني ما آذاها » (3) .

وقوله الثالث :« إنّ الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاكِ » (4) .

وقوله الرابع :« فاطمة بضعة منّي يقبضني ما يقبضها ، ويبسطني ما يبسطها » (5) .

وقوله الخامس :« قال لعلي عليه‌السلام :أوتيتَ ثلاثاً لم يؤتهنّ أحد ولا أنا ، أوتيت صهراً مثلي ولم أوت أنا مثله ، وأوتيتَ زوجة صديقة مثل ابنتي ولم أوت مثلها

__________________

(1) راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 371 ـ 408.

(2) صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق ، باب مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنقبة فاطمة ، وله عدّة مصادر اُخرى : منها خصائص النسائي : 35 ، وذكره المناوي في فيض القدير 4 : 421 ، وقال : استدل به السهيلي على أنّ من سبّها كفر ، لأنّه يغضبه ، وأنها أفضل من الشيخين.

(3) صحيح البخاري في كتاب النكاح ورواه غيره ، راجع كتاب علي إمام البررة 2 : 168 ـ 230 و 280.

(4) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 53 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ورواه ابن الأثير في اُسد الغابة 5 : 522 ، وابن حجر في الإصابة 8 : 159 ، وفي تهذيب التهذيب 12 : 441 ، وابن عدي في الكامل 2 : 351 في ترجمة الحسين بن زيد العلوي ، وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال 1 : 221 , ورواه ابن عساكر في تاريخه 1 : 299 , والمتقي الهندي في كنز العمّال.

(5) مسند أحمد 4 : 323 ، ومستدرك الحاكم 3 : 158.


زوجة ، وأوتيت الحسن والحسين من صلبك ولم أوت من صلبي مثلهما ، ولكنكم منّي وأنا منكم » أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة ، وعنه المحب الطبري في الرياض النضرة(1) .

وقوله السادس :« رأيت على باب الجنة مكتوباً : لا إله إلاّ الله ، محمد رسول الله ، علي حبّ الله ، والحسن والحسين صفوة الله ، فاطمة خيرة الله ، على باغضهم لعنة الله » أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد(2) .

وقوله السابع :« إنما فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها » أخرجه مسلم في الصحيح في كتاب فضائل الصحابة في باب فضائل فاطمة ، وذكره الفخر الرازي في تفسير آية المودّة في سورة الشورى بلفظ « يؤذيني ما يؤذيها » وأخرجه الترمذي بتفاوت يسير.

وقوله الثامن :« إنّما فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما آذاها ، وينصبني ما أنصبها » أخرجه الترمذي في صحيحه(3) ، والحاكم في مستدركه ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين(4) ، وأخرجه أحمد في مسنده(5) .

وقوله التاسع :« إن الله عزّ وجلّفطم ابنتي فاطمة وولدها ومن أحبهم من النار ، فلذلك سمّيت ابنتي فاطمة » أخرجه الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً ، ورواه المتقي في كنز العمّال ، ونحوه في ذخائر العقبى(6) .

__________________

(1) الرياض النضرة 2 : 202.

(2) تاريخ بغداد 1 : 259.

(3) صحيح الترمذي 2 : 319 ، ومستدرك الحاكم 3 : 159 ، مسند أحمد 4 : 5.

(4) المستدرك 3 : 159.

(5) مسند أحمد 4 : 5.

(6) ذخائر العقبى : 26.


وقوله العاشر :« يا بنية أما ترضين أنك سيدة نساء العالمين ؟ قالت : يا أبت فأين مريم ابنة عمران ؟ قال : تلك سيدة نساء عالمها وأنتِ سيدة نساء عالمكِ ، أما والله زوجتك سيداً في الدنيا والآخرة ولا يبغضه إلا منافق » أخرجه أبو نعيم في الحلية ، والطحاوي في مشكل الآثار ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى(1) ، وغيرهم.

وقوله الحادي عشر :« إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ : يا معشر الخلائق طأطئوا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) » ، أخرجه الخطيب في تاريخه ، والمحب الطبري في ذخائر العقبى وقال : خرّجه ابن بشران عن عائشة(2) .

هذه إحدى عشرة رواية كاملة صريحة العبارة واضحة الدلالة على فضل فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، وانّها صديقة معصومة ، وهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين ، ومع هذا كلّه فيأبى ابن كثير الشامي أن يقرّ لها بالعصمة ، بل وتجاوز الحد في نصبه فقال : « وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة ».

وما أدري كيف يثبتون العصمة لغيرها مع سوء التصرف مع إمام الحق في زمانها ، ولا أقل من قبول شهادة عائشة وهي أم المؤمنين بأنّ فاطمةعليها‌السلام أصدق الناس حديثاً ما عدا والدها ، فقد أخرج الحاكم في المستدرك(3) ، بسنده عن عائشة أنّها كانت إذا ذكرت فاطمة ( سلام الله عليها ) بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها. وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

__________________

(1) حلية الأولياء 2 : 42 ، مشكل الآثار 1 : 50 ، ذخائر العقبى : 43.

(2) الخطيب في تاريخه 8 : 141 ، ذخائر العقبى : 48.

(3) المستدرك 3 : 160.


وقد روى الخبر أيضاً أبو عمر في الاستيعاب(1) ، وفي لفظ أبي نعيم في الحلية(2) قالت عائشة : ما رأيت أحداً قط أصدق من فاطمة غير أبيها.

فهي في دعواها صادقة ، ولم يكن أبو بكر أصدق منها في زعمه سماعه الحديث ( إنا لا نورث ) شهادة ابنته عائشة كما مرّ ، ومع هذا يقول ابن كثير أنّها متوهمة ، وهي امرأة من البشر ليست بواجبة العصمة !!

ولنا أن نسأل منه ما رأيه في روايات البخاري في صحيحه التي تثبت غضبها على أبي بكر ، وليس كما يقول هو فحصل لها عتب وتغضب ، بل حصل غضب وشديد أيضاً فلنقرأ :

ففي صحيح البخاري(3) أنّ فاطمةعليها‌السلام ابنة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها فغضبت فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، والحديث عن عائشة.

وفيه أيضاً(4) فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت والحديث عن عائشة ، وفيه أيضاً(5) فهجرته فاطمة فلم تكلمه حتى ماتت والحديث عن عائشة.

وهذا ما رواه مسلم(6) ، ورواه أحمد في مسنده(7) ، ورواه البيهقي في سننه(8) .

وروى الترمذي في صحيحه في باب ما جاء في تركة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أنّ فاطمة قالت لأبي بكر وعمر : والله لا اُكلمكما أبداً ، فماتت ولا تكلّمهما.

__________________

(1) الاستيعاب 2 : 751.

(2) حلية الأولياء 2 : 41.

(3) صحيح البخاري 4 : 79 , كتاب الخمس.

(4) المصدر نفسه 5 : 139 ، باب غزوة خيبر.

(5) المصدر نفسه 8 : 149 ، كتاب الفرائض.

(6) صحيح مسلم 5 : 153 ، كتاب الجهاد.

(7) مسند أحمد 1 : 9.

(8) سنن البيهقي 6 : 300.


وروى ابن قتيبة في الإمامة والسياسة(1) : فقالت ـ فاطمةعليها‌السلام ـ لأبي بكر وعمر : أرأيتكما إن حدثتكما حديثاً عن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) تعرفانه وتفعلان به ؟ قالا : نعم ، فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : رضى فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ؟

قالا : نعم ، سمعناها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قالت : فإنّي أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) لأشكونكما إليه ، فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ، ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها ، ثم خرج فاجتمع الناس فقال لهم : يبيت كل رجل منكم معانقاً حليلته مسروراً بأهله وتركتموني وما أنا فيه ، لا حاجة لي في بيعتكم ، أقيلوني بيعتي.

هذا ما رواه شيوخ الحديث من أصحاب ابن كثير ، وهو مع ذلك يقول بكل صلف عن فاطمةعليها‌السلام ما قال ، ونحن لا نزيد على قول الله تعالى في محكم كتابه :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ) (2) .

ولم يخف ابن كثير نُصبه وايذاءه لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأهل بيته بكل سبيل ، حتى حاول صرف بيعة الغدير عن مغزاها وتفريغها عن محتواها ، فقال :

( فصل في إيراد الحديث الدال على أنهعليه‌السلام خطب بمكان بين مكة والمدينة ، مرجعه من حجة الوداع قريب من الجحفة ـ يقال له غدير خم ـ فبيّن فيها فضل علي بن أبي طالب ، وبراءة عِرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن ، بسبب ما كان صدر منه اليهم من العدالة التي ظنّها بعضهم جوراً

__________________

(1) الإمامة والسياسة : 14 ، في بيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

(2) الأحزاب : 57.


وتضييقاً وبخلاً ، والصواب كان معه في ذلك ، ولهذا لما تفرّغعليه‌السلام من بيان المناسك ، ورجع إلى المدينة بيّن ذلك في أثناء الطريق ، فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذٍ ، وكان يوم الأحد بغدير خم تحت شجرة هناك ، فبيّن فيها أشياء (؟!) وذكر من فضل علي وأمانته وعدله وقربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه.

ونحن نورد عيون الأحاديث الواردة في ذلك ، ونبيّن ما فيها من صحيح وضعيف بحول الله وقوته وعونه.

وقد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري صاحب التفسير والتاريخ ، فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه وألفاظه ، وساق الغثّ والسمين ، والصحيح والسقيم ، على ما جرت به عادة كثير من المحدّثين ، يوردون ما وقع لهم في ذلك الباب من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة ، ونحن نورد عيون ما روي في ذلك ، مع إعلامنا أنه لاحظّ للشيعة فيه ، ولا تمسّك لهم ولا دليل ، لما سنبيّنه وننبه عليه ).

ثم ساق عن ابن إسحاق وأحمد والنسائي حديث بريدة وغيره مما جرى لهم في اليمن ، وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :« لا تشكوا علياً ، فوالله إنّه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله » وهذا كان بمكة و ليس في غدير خم.

ثم ذكر من النسائي في سننه بسنده عن أبي الطفيل ، عن زيد بن أرقم قال : لما رجع رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) من حجة الوداع ونزل غدير خم ، أمر بدوحاتٍ فقممن ثم قال :« كأنّي قد دعيتُ فاُجبتُ ، إنّي قد تركت فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ». ثم قال :« الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن » ثم أخذ بيد علي فقال :« من كنت مولاه فهذا وليّه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » .


فقلت ـ والقائل أبو الطفيل ـ لزيد : سمعته من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ فقال : ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه وسمعه بأذنيه. تفرّد به النسائي من هذا الوجه ، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي : وهذا حديث صحيح.

ثم ساق روايات الصحابة كالبراء بن عازب وحديثه عند ابن ماجة ، وعبد الرزاق ، والحافظ أبي يعلى الموصلي ، وفي حديثه قول عمر لعلي في ذلك : هنيئاً لك ، أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة. ورواه ابن جرير عن أبي زرعة .

ثم ساق خبر مناشدة الإمامعليه‌السلام بالرحبة من شهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خم وهو يقول :« من كنت مولاه فعلي مولاه » فقام اثنا عشر رجلاً فشهدوا أنّهم سمعوا ذلك ، وفي حديث عبد الله بن أحمد بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : فقام اثنا عشر رجلاً بدرياً ، وفي سند آخر عنه أيضاً : فقالوا : قد رأينا وسمعنا حيث أخذ بيده يقول :« اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله » فقام إلا ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته. وفي خبر لأبي الطفيل : فقام ناس كثير فشهدوا.

وهكذا سرد روايات أحمد ، وابن جرير ، والترمذي ، وأبي يعلى الموصلي وغيرهم ، ولم يكن ابن كثير أميناً في نقل جملة من ذلك ، فقد روى عن ابن جرير وأبي يعلى الموصلي باسنادهما قال : دخل أبو هريرة المسجد ـ مسجد الكوفة ـ فاجتمع الناس إليه ، فقام إليه شاب فقال : أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول :« من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » ؟ قال : نعم.

ولهذا الخبر تتمة غص بها ابن كثير فلم يذكرها ، وهي قول الشاب : فأشهد بالله لقد واليت عدوه ، وعاديت وليّه ثم قام عنه(1) .

__________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 : 68 ، نقلاً عن كتاب المعارف لابن قتيبة ، وقال : « وقوله فيه حجة


ولئن غص ابن كثير بذكر ما قاله ذلك الشاب ، فله نظراء مثله ، راجع مجمع الزوائد(1) نقلاً عن أبي يعلى الموصلي ، والبراء ، والطبراني في الأوسط ، فقد ذكروا الخبر من دون قول الشاب(2) .

ولابن كثير في تفسير القرآن العظيم شطحات تفوق حق المليم ، ومنها ما يتعلق بالمقام.

النص الثالث : ما ذكره(3) في تفسير قوله تعالى :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (4) .

قال الحافظ أبو بكر البزار : حدّثنا عبّاد بن يعقوب ، حدّثنا أبو يحيى التميمي ، حدّثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لما نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) دعا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فأعطاها فَدَك.

ثم قال : لا نعلم حدّث به عن فضيل بن مرزوق إلاّ أبو يحيى التميمي وحميد بن حماد بن أبي الجوزاء. وهذا الحديث مشكل لو صح اسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك إنّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا ؟ فهو إذاً حديث منكر والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.

__________________

لأنه غير متهم عليه » ولكن حتى هذا امتدت إليه يد الخيانة فطالت كتاب المعارف في جملة موارد كان هذا منها ، كما سيأتي في الملحق الثاني آخر الكتاب.

(1) مجمع الزوائد 9 : 105.

(2) ولقد جرى لأبي هريرة نحو هذا من تأنيب من الأصبغ بن نباتة ، وذلك في مجلس معاوية وبمحضر من جلسائه ، حيث سأله الأصبغ عن سماعه حديث يوم الغدير فقال : أي والله لقد سمعته فقال : فإذن أنت يا أبا هريرة واليت عدوه وعاديت وليه ، فتنفس أبو هريرة وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فتغيّر ( فتمعّر ) وجه معاوية راجع الخبر مفصلاً في تذكرة خواص الأئمة لسبط ابن الجوزي : 48 ، ومناقب الخوارزمي الحنفي : 130.

(3) تفسير ابن كثير 3 : 36.

(4) الإسراء : 26.


أقول : وهذا من ابن كثير تدجيل وتضليل ، حيث ذكر قول البزار في رواية الحديث عن فضيل لأبي يحيى وحميد بن حماد بن أبي الجوزاء ، وإلى هنا انتهى كلام البزار ، فأضاف منه قوله : وهذا الحديث مشكل ولم يشعر القارئ بالفصل بين القولين ، فهذا هو التدجيل والتضليل ، وله نحو هذا كثير.

وأما قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده لأنّ الآية مكية فنقول له ولأتباعه ممن يهوى هواه : انّ الحديث غير مشكل ، والسند صحيح ، والى القارئ بيان حال رجال ذلك السند :

1 ـ البزار : هو أبو بكر أحمد بن عمر بن عبد الخالق ( ت 292 ه‍ ) ، ذكره الدارقطني فأثنى عليه وقال : ثقة يخطئ ويتكل على حفظه.

2 ـ عباد بن يعقوب : هو الرواجني ( ت 250 ه‍ ) قال الحاكم : كان ابن خزيمة يقول : حدّثنا الثقة في روايته ، المتهم في دينه عباد بن يعقوب ، وقال أبو حاتم : شيخ ثقة ، وقال الدارقطني : شيعي صدوق ، وفي تهذيب التهذيب رمز له بتخريج حديثه في البخاري والترمذي وابن ماجة.

3 ـ أبو يحيى التميمي ( الصحيح التيمي ) : هو إسماعيل بن إبراهيم الأحول ، كوفي ، ضعفه ابن نمير ، وقال ابن عدي : ولأبي يحيى التيمي هذا أحاديث حسان ، وليس فيما يرويه حديث منكر المتن ، ويكتب حديثه(1) .

4 ـ فضيل بن مرزوق : سئل الدوري عنه فقال : ثقة ، وعن ابن معين : صالح الحديث إلاّ أنّه شديد التشيع ، وقد أخرج له مسلم في الصحيح ، وقال العجلي : جائز الحديث صدوق ، وكان فيه تشيع ، وقال أحمد : لا أعلم إلا خيراً ، لا يكاد يحدث عن غير عطية ، وأخرج له البخاري في رفع اليدين ومسلم ، وبقية الأربعة أصحاب السنن ، كما في رموز ( تهذيب التهذيب ).

__________________

(1) الكامل 1 : 308.


5 ـ عطية : هو العوفي ، قال الدوري : عن ابن معين : صالح ، قال ابن عدي في الكامل(1) : ولعطية عن أبي سعيد الخدري أحاديث عداد ، وعن غير أبي سعيد ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وكان يعد من شيعة الكوفة.

أقول : وهذا أخرج حديثه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، كما في تهذيب التهذيب في رموز أوّل الترجمة.

ونزيد على صحة السند هذا ، أنّ ابن عدي روى الحديث في الكامل(2) بسنده فقال : أخبرنا القاسم بن زكريا ، ثنا عباد بن يعقوب ، ثنا علي بن عابس ، عن فضيل ـ يعني ابن مرزوق ـ عن عطية ، عن أبي سعيد قال : لما نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (3) دعا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فأعطاها فَدَك.

ثم قال ابن عدي : ولعلي بن عابس أحاديث حسان ، ويروي عن أبان بن تغلب وعن غيره أحاديث غرائب ، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.

أقول : وروى الحديث الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(4) بسبعة أسانيد ، كما ستأتي الإشارة إليها.

وأما زعمه أنّ الآية مكية ، فهو تدجيل ثان وتضليل آخر ، فإنّ الآية مدنية مع آيات اُخر وضعت في سورة مكية ، ولا نطيل البحث في مسألة المكي والمدني في القرآن ، ومن راجع الموضوع في كتب علوم القرآن كأسباب النزول والاتقان للسيوطي مثلاً ، يجد التصريح بأنّ السورة المكية وفيها آيات مدنية ، وبالعكس أيضاً.

__________________

(1) المصدر نفسه 5 : 370.

(2) المصدر نفسه 1 : 190.

(3) الإسراء : 26.

(4) شواهد التنزيل 1 : 338 ـ 341.


وسورة الإسراء وإن كانت هي مكية ، إلا أنّه اُستثني فيها آيات مدنية ، فقال السيوطي في الاتقان(1) : ( الإسراء ) استثني منها :( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ) (2) الآية ، لما أخرج البخاري عن ابن مسعود أنّها نزلت بالمدينة ، واستثني منها أيضاً :( وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) إلى قوله :( إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) (3) وقوله :( لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالجِنُّ ) (4) الآية ، وقوله :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا ) (5) الآية ، وقوله :( إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ ) (6) لما أخرجناه في أسباب النزول.

ومما ذكره في أسباب النزول بهامش تنوير المقباس من تفسير ابن عباس(7) قال : وأخرج الطبراني وغيره عن أبي سعيد الخدري قال : لما أنزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (8) دعا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فأعطاها فَدَك. قال ابن كثير : وهذا مشكل فإنّه يشعر بأنّ الآية مدنية ، والمشهور خلافه. وروى ابن مردويه عن ابن عباس مثله.

ثم انّ بعض المفسرين كالفيروزآبادي ذكر في أول سورة الإسراء كونها مكية غير آيات ، منها خبر وفد ثقيف ، وخبر ما قالت له اليهود : ليست هذه بأرض الأنبياء ، فنزل :( وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ ) إلى قوله :( أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ) (9) إلى آخر الآية ، فهؤلاء الآيات مدنية(10) .

__________________

(1) الإتقان 1 : 16.

(2) الإسراء : 83.

(3) الإسراء : 73 ـ 81.

(4) الإسراء : 88.

(5) الإسراء : 60.

(6) الإسراء : 107.

(7) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 174.

(8) الإسراء : 26.

(9) الإسراء : 76 ـ 80.

(10) تنوير المقباس من تفسير ابن عباس : 176.


فمسألة وقوع آيات مدنية في سورة مكية وبالعكس معلوم ومنصوص عليه كما قلناه ، بل هو مذكور حتى في أوائل السور في بعض المصاحف المطبوعة سابقاً بالرسم العثماني في تركيا ومصر والشام والعراق ، وفي خصوص المقام فقد ورد فيه : ( سورة الإسراء مكية إلا الآيات : 26 ، 32 ، 33 ، 57 ومن آية : 73 إلى آية : 80 فمدنية ).

فتبيّن تدجيل ابن كثير وتضليله في قوله : وهذا الحديث مشكل لو صح إسناده ، لأنّ الآية مكية وفَدَك انّما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة ، فكيف يلتئم هذا مع هذا ؟ فهو إذاً حديث منكر ، والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، والله أعلم.

أقول : وبقيت مسألة فَدَك ، ومطالبة الزهراءعليها‌السلام تشك عيون النواصب ، فتبع ابن كثير نفر على رأيه ، وهم عن الحق معرضون ، فأبو الثناء الآلوسي ( ت 1270 ه‍ ) قال في تفسيره روح المعاني(1) :

وما أخرجه البزار ، وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري من أنّه لما نزلت هذه الآية ـ يعني :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) ـ دعا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فأعطاها فدكاً ، لا يدل على تخصيص الخطاب به عليه الصلاة والسلام ، على أنه في القلب من صحة الخبر شيء ، بناء على أنّ السورة مكية ، وليست هذه الآية من المستثنيات ، وفَدَك لم تكن إذ ذاك تحت تصرّف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، بل طلبها رضي الله تعالى عنها ذلك إرثاً بعد وفاته عليه الصلاة والسلام كما هو المشهور ، يأبى القول بالصحة كما لا يخفى.

__________________

(1) روح المعاني 15 : 58 ـ 59.


وقال أيضاً(1) في تفسير قوله تعالى :( فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ) (2) ، وخصّ بعضٌ الخطاب به صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقال : المراد بذي القربى بنو هاشم وبنو المطلب ، أُمر صلى الله تعالى عليه وسلم أن يؤتيهم حقهم من الغنيمة والفيء ، وفي مجمع البيان للطبرسي من الشيعة : المعنى : ( وآت يا محمد ذوي قرابتك حقوقهم التي جعلها الله تعالى لهم من الأخماس ، وروى أبو سعيد الخدري وغيره : أنّه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه الصلاة والسلام فدكاً وسلّمه إليها ، هو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله ) انتهى.

وفيه : انّ هذا ينافي ما اشتهر عند الطائفتين من أنّها رضي الله تعالى عنها ادّعت فدكاً بطريق الإرث ، وزعم بعضهم انّها ادعت الهبة أولاً ، وأتت على ذلك بعلي والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم ، وبأم أيمن رضي الله تعالى عنها ، فلم يقبل منها لمكان الزوجية والبنوّة ، وعدم كفاية المرأة الواحدة في الشهادة في هذا الباب ، فادّعت الإرث فكان ما كان ، وهذا البحث مذكور على أتم وجه في التحفة إن أردته فارجع إليه.

أقول : يا للعجب من أناس هم يروون الخبر عن رجالهم وبأسانيدهم المقبولة عندهم ، حتى إذا فزّع عن قلوبهم بذكر ما يتعلق بأهل البيتعليهم‌السلام أعرضوا عنه وقالوا : هذا كتاب مفترى ، والأشبه أنّه من وضع الرافضة ، كما مرّ عن ابن كثير ، أو أنّه في القلب من صحة الخبر شيء ، كما مرّ عن الآلوسي.

ومن كان على الحق لا يستوحش وإن كان وحده ، فكيف ويجد على صدق مدّعاه شهود صدق ما بهم مراء ، مثل البزار ، وأبي يعلى الموصلي(3) ، وابن أبي

__________________

(1) المصدر نفسه 21 : 39 ـ 40.

(2) الروم : 38.

(3) مسند أبي يعلى 2 : 224 ، و524.


حاتم ، وابن مردويه ، وقد مر الخبر عن طريقهم عند الآلوسي قريباً ، ونضيف إليهم الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل(1) ، فقد روى الخبر بسبعة أسانيد ، وأخرجه الحاكم النيسابوري في تاريخه ، وابن النجار كما في كنز العمّال ومنتخبه بهامش مسند أحمد(2) ، وأخرجه الطبراني وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد(3) وقال : رواه الطبراني وفيه عطية العوفي ، وهو ضعيف متروك.

أقول : لقد سبقت منّا ترجمته وما قيل فيه من غمز فيه ، ولم نجد من قال فيه متروك ، بل وجدنا قول ابن معين فيه : صالح ، وقول ابن عدي : وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وكان يعدّ من شيعة الكوفة. وهذا ذنب لا كفارة له عند النواصب ، وما أدري هل يكفي في توثيق عطية العوفي رواية البخاري عنه في حديث رفع الأيدي ، وأبي داود في سننه ، والترمذي في سننه ، وابن ماجة في سننه ، أم يبقى على أنّه ضعيف متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد.

ثم إنّ من ذكرناهم ممن أخرج خبر أبي سعيد كلهم من غير الرافضة ، فهل علم ابن كثير وأضرابه بماذا يهرقون ويخرفون ، وإذا كان الخبر من وضع الرافضة فكيف تسلّل إلى كتب أعلام القوم ؟

وقد أغرب العيني في عمدة القارئ(4) حين أنكر ذلك فقال : فإن قلت رووا أن فاطمة طلبت فَدَك وذكرت أن رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أقطعها إياها وشهد علي ( رضي الله تعالى عنه ) على ذلك فلم يقبل أبو بكر شهادته لأنّه زوجها (؟) قلت ـ

__________________

(1) شواهد التنزيل 1 : 338 ـ 341.

(2) منتخب كنز العمال 1 : 228.

(3) مجمع الزوائد 7 : 49.

(4) عمدة القارئ 15 : 20.


والقائل هو العيني ـ هذا لا أصل له ولا يثبت به رواية أنّها ادعت ذلك ، وإنّما هو أمر مفتعل لا يثبت.

أقول : وهذا من أغرب الغرائب وأعجب العجائب فالعيني إنّما كتابه هو شرح لصحيح البخاري ، وهو قد ذكر مطالبة الزهراءعليها‌السلام لأبي بكر بفدك فأبي أن يعطيها إياها فهجرته حتى ماتت وهي واجدة عليه ، فكيف عميت عين العيني عن رؤية ذلك.

ولعل ابن أبي حاتم في علل الحديث(1) أكثر إنصافاً حين قال : سألت أبي وأبا زرعة ، عن حديث رواه سعيد بن خيثم ، عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، قال : لما نزلت هذه الآية( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) دعا النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فجعل لها فَدَك ؟ فقالا : إنّما هو عن عطية قال : لما نزلت مرسل ، قال : ليس فيه ذكر أبي سعيد ، قال أبو زرعة : حدّثنا أبو نعيم ، عن فضيل ، عن عطية فقط قال : لما نزلت ليس فيه ذكر أبي سعيد.

وأخيراً تبقى مسألة فَدَك وغصبها شاهد صدق وعدل على ما لحق بسيدة نساء العالمين من حيف وظلم ، ألا لعنة الله على الظالمين.

ما ذكره نور الدين الهيثمي :

الثلاثون : نور الدين الهيثمي ( ت 807 ه‍ ) فماذا عنده في مجمع الزوائد ؟

النص الأول (2) : عن عائشة أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : « ستة لعنتهم ولعنهم الله ، وكل نبي مجاب : الزائد في كتاب الله ( عزّ وجلّ ) ، والمكذب بقدر الله ( عزّ وجلّ ) ، والمستحل حرمة الله ، والمستحل من عترتي ما حرّم الله ، والتارك للسنّة » ، رواه الطبراني في الكبير ،

__________________

(1) علل الحديث 2 : 57.

(2) مجمع الزوائد 1 : 176.


وفيه عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب ، قال يعقوب بن شيبة : فيه ضعف ، وضعّفه يحيى بن معين في رواية ووثّقه في اُخرى ، وقال أبو حاتم : صالح الحديث ، ووثقه ابن حبان ، وبقية رجاله رجال الصحيح.

أقول : فما رأي القارئ فيمن روّع فاطمة حتى أعلنت سخطها وقالت : أتراك محرقاً عليّ بيتي ، واشتكت إلى أبيها قائلة :« ماذا لقينا بعدك من ابن أبي قحافة وابن الخطاب » (1) .

النص الثاني (2) : عن عمر قال : لما قبض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، جئت أنا وأبو بكر إلى علي فقلنا : ما تقول فيما ترك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال :« نحن أحق الناس برسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) » . قال : فقلت : والذي بخيبر ؟ قال :« والذي بخيبر » ، قلت : والذي بفدك ؟ قال :« والذي بفدك » . فقلت : أما والله حتى تحزوا رقابنا بالمناشير فلا.

قال الهيثمي : رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه موسى بن جعفر بن إبراهيم ، وهو ضعيف.

النص الثالث (3) : عن جابر أن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لا يضلون بعده أبداً ، قال : فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها. قال الهيثمي : رواه أحمد ، وفيه ابن لهيعة وفيه خلاف.

النص الرابع (4) : وعن عمر بن الخطاب قال : لما مرض النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال :« ادعوا لي بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً » ، فقال النسوة من وراء الستر : ألا تسمعون ما يقول رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقلت : إنكنّ صواحبات يوسف ، إذا

__________________

(1) أنساب الأشراف ـ كما مر _.

(2) مجمع الزوائد 9 : 39 ، باب فيما تركه( صلّى الله عليه وسلّم ) .

(3) المصدر نفسه 9 : 33.

(4) المصدر نفسه 9 : 34.


مرض رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ رقبته ، فقال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : دعوهنّ فإنهنّ خير منكم. رواه الطبراني في الأوسط ، وفيه محمد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري ، قال العقيلي : في حديثه نظر ، وبقية رجاله وثقوا.

النص الخامس (1) : عن أم الفضل بنت الحارث ـ وهي أم ولد العباس أخت ميمونة ـ قالت : أتيت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) في مرضه ، فجعلت أبكي ، فرفع رأسه فقال : ما يبكيكِ ؟ قالت : خفنا عليك ولا ندري ما نلقي من الناس بعدك يا رسول الله ، قال :« أنتم المستضعفون بعدي » ، رواه أحمد.

النص السادس (2) : عن ابن عباس قال : جاء ملك الموت إلى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) في مرضه الذي قبض فيه ، فاستأذن ورأسه في حجر علي رضوان الله عليه .

ما ذكره ابن الشحنة :

الواحد والثلاثون : ابن الشحنة ( ت 815 ه‍ ) فماذا عنده في تاريخه روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر ؟

قال : وكتب ـ الأفضل واسمه علي ـ إلى الخليفة الإمام الناصر يشكو من عمه أبي بكر العادل ، ومن أخيه عثمان ، أول الكتاب شعر :

مولاي إنّ أبا بكر وصاحبه

عثمان قد أخذا بالظلم حق علي

فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي

من الأواخر ما لاقى أمر الأول

فكتب الناصر جوابه :

غصبوا علياً حقه إذ لم يكن

بعد النبي له بيثرب ناصر

فاصبر فإنّ غداً عليه حسابهم

وابشر فناصرك الإمام الناصر(3)

__________________

(1) المصدر نفسه 9 : 34.

(2) المصدر نفسه 9 : 35.

(3) روضة المناظر في أخبار الأوائل والأواخر 12 : 106.


أقول : إنّ ابيات الملك الأفضل علي بن يوسف ، وجواب الناصر العباسي مذكورة في جملة من المصادر ، وهي أكثر مما ذكره ابن الشحنة ، فقد ذكرها ابن خلكان في وفيات الأعيان(1) وهي كما يلي :

مولاي إنّ أبا بكر وصاحبه

عثمان قد غصبا بالسيف حق علي

وهو الذي كان قد ولاه والده

عليهما فاستقام الأمر حين ولي

فخالفاه وحلاّ عقد بيعته

والأمر بينهما والنص فيه جلي

فانظر إلى حظ هذا الاسم كيف لقي

من الأواخر ما لاقى من الأولِ

كما ذكر جواب الإمام الناصر ، وفي أوله :

وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا

بالودّ يخبر أنّ أصلك طاهر

غصبوا علياً حقه إذ لم يكن

بعد النبي له بيثرب ناصر

فابشر فإنّ غداً عليه حسابهم

واصبر فناصرك الإمام الناصر

وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء(2) الأبيات ، كما ذكرها ابن خلكان بتفاوت يسير ، وذكرها الصفدي في تمام المتون(3) ، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية(4) أبيات الملك الأفضل دون جواب الناصر ، وفي ذكرهم هذا ما يدلّ على غصب الشيخين حق الإمام علي في الخلافة ، حتى صار غصبهما مضرب مثل حتى عند من والاهما من خليفة وملك ومؤرّخ.

__________________

(1) وفيات الأعيان 3 : 429.

(2) سير أعلام النبلاء 5 : 444.

(3) تمام المتون للصفدي : 249.

(4) البداية والنهاية 13 : 108.


ما ذكره ابن حجر العسقلاني :

الثاني والثلاثون : ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) له فتح الباري وهو شرح صحيح البخاري ، وقد ذكر في شرح الأحاديث التي سبق أن ذكرناها عن البخاري ، ما تميز به من الدفاع عن بيعة الفلتات ، كما له في لسان الميزان(1) تحامل على علوان بن داود البجلي مولى جرير بن عبد الله ؛ لأنّه ذكر حديث مثلثات أبي بكر في خبره مع عبد الرحمن بن عوف ، وقد مر ذكره موثقاً بمصادره فراجع وهي كثيرة.

غير أنّ ابن حجر لم يستسغ الخبر برواية ( عُلوان بن داود ) فنال منه ، ولعلّه غاضه ما جاء فيه من قول أبي بكر : ( وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب ) وهذا اعتراف بجناية ما فوقها من جناية ، فكشف بيت فاطمة بالصورة المروعة التي حدثت تستدعي الندم وتأنيب الضمير لو كان ينفع ذلك ، ولات مندم.

وله في لسان الميزان بعض النصوص نذكر منها ما ذكره في ترجمة ( اسفنديار بن الموفق بن محمد بن يحيى أبو الفضل الواعظ ) قال : روى عن أبي الفتح ابن البطي ومحمد بن سليمان وروح بن أحمد الحديثي ، وقرأ الروايات على أبي الفتح بن زريق ، وأتقن العربية وولى ديوان الرسائل ، روى عنه الدبيثي وابن النجار وقال : برع في الأدب وتفقه للشافعي وكان يتشيع ، وكان متواضعاً عابداً كثير التلاوة. وقال ابن الجوزي : حكى عنه بعض عدول بغداد انّه حضر مجلسه بالكوفة فقال : لما قال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( من كنت مولاه فعليّ مولاه ) تغيّر وجه أبي بكر وعمر ، فنزلت :( فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) .

__________________

(1) لسان الميزان 4 : 188.


هذا ما ذكره ابن حجر بنصّه ولم يزد في التعقيب عليه إلاّ قوله : فهذا غلوّ منه في شيعيته ، وذكره ابن بابويه فقال : كان فقيهاً ديّناً صالحاً لقبه صائن الدين.

أقول : ولا يظهر في تعقيبه إنكار ما ذكره عنه ، بمجرد زعمه ( فهذا غلو منه في شيعيته ) الرجل ليس بشيعي بل هو شافعي بل من فقهاء الشافعية. ولعل ابن حجر أضمر في نفسه صحة الخبر ، إلاّ انّه على استحياء أو لضغط الموروث قال ( فهذا غلو منه في شيعيته ).

وهذا ما لم يعجب المناوي فقال في كتابه فيض القدير(1) : ومن الغريب ما ذكره في لسان الميزان في ترجمة اسنفديار ثم ساق ما ذكره ابن حجر ، وعقب عليه بقوله : هكذا ذكره الحافظ في اللسان بنصّه ، ولم أذكره إلاّ للتعجب من هذا الضلال وأستغفر الله ، قال ابن حجر حديث كثير الطرق جداً استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد منها صحاح ومنها حسان وفي بعضها قال ذلك يوم غدير خم ، وزاد البزار في رواية : ( اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وأحب من أحبّه ، وأبغض من أبغضه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ).

ولما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا ـ فيما أخرجه الدارقطني عن سعد بن أبي وقاص ـ : أمسيت يا بن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة. وأخرج أيضاً قيل لعمر : إنّك تصنع بعليّ شيئاً لا تصنعه بأحد من الصحابة ؟ قال : انّه مولاي.

وفي تفسير الثعلبي عن ابن عينية : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لما قال ذلك طار في الآفاق فبلغ الحارث بن النعمان فأتى رسول الله ( صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ) فقال : يا محمد أمرتنا عن الله بالشهادتين فقبلنا ، وبالصلاة والزكاة والصيام والحج فقبلنا ، ثم لم ترضى حتى رفعت بضبعي ابن

__________________

(1) فيض القدير 6 : 217.


عمك تفضله علينا ، فهذا شيء منك أم من الله ؟ فقال : ( والذي لا إله إلاّ هو انّه من الله ) فتولى وهو يقول : اللّهمّ إن كان ما يقوله محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم ، فما وصل راحلته حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته فخرج من دبره فقتله.

ثم قال المناوي : ولا حجة في ذلك كله على تفضيله على الشيخين ، كما هو مقرر في محله من فن الأصول ؟!

ما ذكره السيوطي :

الثالث والثلاثون : جلال الدين السيوطي ( ت 911 ) ماذا عنده ؟

النص الأول : أخرج في تفسيره الدر المنثور(1) ، في ذيل تفسير قوله تعالى :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (2) ، قال : أخرج البزار وأبو يعلى ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت هذه الآية :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) دعا رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فأعطاها فَدَك.

وقال أيضاً : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : لما نزلت :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) أقطع رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة فدكاً.

أقول : وهذا قد أخرجه في كتابه أسباب النزول أيضاً ، كما مرّ في التعقيب على ابن كثير ، وقد نقضه في كتابه تاريخ الخلفاء ، فلنقرأ ما فيه.

النص الثاني : ما رواه في كتابه تاريخ الخلفاء(3) قال :

وعن مغيرة قال : جمع عمر ـ يعني ابن عبد العزيز ـ حين استخلف بني مروان فقال : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كانت له فَدَك ينفق منها ، ويعول منها على صغير بني

__________________

(1) الدر المنثور 3 : 177.

(2) الإسراء : 26.

(3) تاريخ الخلفاء : 154.


هاشم ، ويزوّج منها أيمّهم ، وإنّ فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى ، فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر ، ثم أقطعها مروان ، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز ، فرأيت أمراً منعه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فاطمة ليس لي بحق ، وإنّي أشهدكم أنّي قد رددتها على ما كانت على عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

أقول : عجباً من السيوطي ، فهو الذي روى عن أربعة من أكابر الحفاظ أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لما نزلت الآية :( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) دعا فاطمةعليها‌السلام وأعطاها فدكاً ، كما عن أبي سعيد الخدري ، وفي رواية عن ابن مردويه عن ابن عباس : أنّه أقطعها فدكاً.

ثم هو يذكر عن عمر بن عبد العزيز في تاريخه ، أنه أرجع فدكاً على ما كانت على عهد رسول الله ، بعد أن صارت إليه من أبيه من مروان ، ولم يذكر من الذي أقطعها مروان ؟ وهنا موضع العجب ، من أين صارت لمروان ، ثم لعبد العزيز ، ثم لعمر بن عبد العزيز ؟ ولو أغمضنا النظر عن شرعية انتقالها إلى عمر بن عبد العزيز ، فهل صحيح أنّ عمر قال : كانت له ـ لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ـ فَدَك ينفق منها ، وإنّ فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى ؟

وما أدري كيف استساغ أن يكتب مثل هذا الدجل والتلفيق ، مع أنّ مسألة إعطاء فَدَك لفاطمةعليها‌السلام من الثوابت التاريخية ، وعليها كان النزاع مع أبي بكر ، وخبر عمر بن عبد العزيز في مسألة فَدَك وإرجاعها إلى ولد فاطمةعليها‌السلام مذكور في التواريخ ، راجع على سبيل المثال معجم البلدان لياقوت الحموي ( فَدَك )(1) وفيه :

فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كتب إلى عامله بالمدينة يأمره برد فَدَك إلى ولد فاطمة ( رضي الله عنها ) ، فكانت في أيديهم في أيام عمر بن عبد العزيز ، فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها ، فلم تزل في أيدي بني أمية حتى ولي أبو العباس السفاح الخلافة ،

__________________

(1) معجم البلدان 4 : 238 ـ 240.


فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، فكان هو القيّم عليها يفرقها في بني علي بن أبي طالب ، فلما ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها منهم ، فلما ولي المهدي بن المنصور الخلافة أعادها عليهم ، ثم قبضها موسى الهادي ومن بعده إلى أيام المأمون ، فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها ، فأمر أن يسجل لهم بها ، فكتب السجل وقرئ على المأمون ، فقام دعبل الشاعر وأنشد :

أصبح وجه الزمان قد ضحكا

بردّ مأمون هاشم فدكا

وفي فَدَك اختلاف كثير في أمره بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأبي بكر وآل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ومن رواة خبرها من رواه بحسب الأهواء وشدة المراء ، وأصح ما ورد عندي في ذلك ما ذكره أحمد بن جابر البلاذري في كتاب الفتوح.

أقول : لقد ذكرنا آنفاً ما ذكره البلاذري فراجع ، واقرأ أيضاً خبر ارجاع عمر بن عبد العزيز في شرح النهج لابن أبي الحديد(1) وغيره.

ما ذكره المتقي الهندي :

الرابع والثلاثون : المتقي الهندي ( ت 975 ه‍ ) فماذا عنده في كتابه ( كنز العمّال ) الذي رتب فيه الجامع الكبير للسيوطي ، ورتبه على سنن الأقوال والأفعال ، فهو في الحقيقة كتاب الجامع الكبير مرتباً على نهج ارتضاه المتقي الهندي.

وقد أورد فيه من الأحاديث الدالة على خلافة أهل البيتعليهم‌السلام الشيء الكثير ، ومما يتعلق بفترة الأحداث التي تزامنت مع اسقاط المحسن السبطعليه‌السلام ، نذكر بعض ذلك.

النص الأول (2) : عن عمر مولى غفرة قال : لما توفي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) جاء مال من البحرين ، فقال أبو بكر : من كان له على رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) شيء أو عدة فليقم فليأخذ ،

__________________

(1) شرح النهج 16 : 216.

(2) كنز العمّال 5 : 343 ، برقم : 2274.


فقام جابر فقال : إنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال : إن جاءني مال من البحرين لأعطينك هكذا وهكذا ـ ثلاث مرّات حثاً بيده ـ فقال له أبو بكر : قم فخذ بيدك ، فأخذ فإذا هي خمسمائة درهم ، فقال : عدوا له ألفاً(1) .

أقول : ما بال أبي بكر لم يسأل جابراً البينة على دعواه ، كما سأل فاطمة الزهراءعليها‌السلام البينة ، وجاءته بعليّ والحسنين وأم أيمن ولم يقنع ، لا بصدق فاطمة لطهارتها وعصمتها بحكم آية التطهير ، ولا بطهارة الحسنين وهما سيدا شباب أهل الجنة ، ولا بشهادة عليعليه‌السلام الذي قال فيه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « علي مع الحق والحق مع علي مضافاً » إلى عصمته وطهارته بحكم آية التطهير ، ولا باعترافه بأنّ أم أيمن مشهود لها بالجنة.

فهل كان جابر أعلى شأناً وأصدق قيلاً من جميع أولئك ؟ أنّها لقاصمة الظهر !!

النص الثاني (2) : عن عائشة انّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله على رسوله ، وفاطمة حينئذٍ تطلب صدقة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) التي بالمدينة ، وفَدَك ، وما بقي من خمس خيبر.

فقال أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورث ما تركناه صدقة ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ـ يعني : مال لله ـ ليس لهم أن يزيدوا على المأكل ، وإنّي والله لا أغيّر صدقات النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) عن حالها التي كانت عليه في عهد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، لأعملنّ فيها بما عمل النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فيها فعمل ، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر من ذلك(3) .

__________________

(1) أخرجه نقلاً عن ابن أبي شيبة ، والحسن بن سفيان ، والبزار ، وابن ماجة في سننه ، ورواه ابن سعد.

(2) كنز العمّال 5 : 351 ، برقم : 2287.

(3) أخرجه نقلاً عن ابن سعد ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، ومسلم ، وأبي داود ، والنسائي ، وابن الجارود ، وأبي عوانة ، وابن حبان ، وابن ماجة في سننه.


النص الثالث (1) : عن الشعبي قال : لما مرضت فاطمة أتاها أبو بكر الصديق فاستأذن عليها ، فقال علي : يا فاطمة هذا أبو بكر يستأذن عليك ، فقالت : أتحب أن آذن له ؟ قال : نعم : فأذنت له ، فدخل عليها يترضاها ، وقال : والله ما تركت الدار والمال والأهل والعشيرة إلا ابتغاء مرضاة الله ومرضاة رسوله ومرضاتكم أهل البيت. (ق)(2) وقال : هذا مرسل حسن باسناد صحيح.

أقول : لو أغمضنا النظر عن الإرسال وعن زعم صحة الإسناد ، فالخبر ليس فيه ما يشعر برضى فاطمةعليها‌السلام عن أبي بكر ، فنبقى نحن وحديث عائشة في البخاري في أواخر باب غزوة خيبر(3) كما مرّ في النص الثاني : ( فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ).

النص الرابع (4) : قال القاسم بن محمد ـ وهذا هو ابن أخ عائشة ـ : إن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) لما توفي اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة ، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجراح ، فقام حباب بن المنذر ـ وكان بدرياً ـ فقال : منّا أمير ومنكم أمير ، فإنّا والله ما ننفس هذا الأمر عليكم أيها الرهط ، ولكنّا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم واخوتهم ، فقال له عمر : إذا كان ذلك فمت إن استطعت ، فتكلم أبو بكر فقال : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كقدّ الأبلمة ـ يعني الخوصة ـ .

فلما اجتمع الناس على أبي بكر قسّم بين الناس قسماً ، فبعث إلى عجوز من بني النجار من بني عدي بن النجار قسمها مع زيد بن ثابت ، فقالت : ما هذا ؟ قال :

__________________

(1) كنز العمّال 5 : 351 ، برقم : 2288.

(2) سنن ابن ماجة.

(3) صحيح البخاري 5 : 139.

(4) كنز العمّال 5 : 352 ، برقم : 2290.


قسم قسمه أبو بكر للنساء ، فقالت : أتراشوني عن ديني ؟ فقالوا : لا ، فقالت : أتخافون أن أدع ما أنا عليه ؟ فقالوا : لا ، فقالت : والله لا آخذ منه شيئاً أبداً ، فرجع زيد إلى أبي بكر فأخبره بما قالت ، فقال أبو بكر : ونحن لانأخذ مما أعطيناها شيئاً أبداً ( ابن سعد وابن جرير ).

أقول : وهذا الخبر صريح في استعمال الرشوة لتثبت أمر الحكم ، فمن قول أبي بكر : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، وهذا الأمر بيننا وبينكم نصفين كقدّ الأبلمة ، ومن أمر القسمة بين الناس حتى النساء ، ورفض العجوز النجارية أن تقبل ما جاء به زيد بن ثابت إليها من قسمها ، وقولها : أتراشوني عن ديني ، يبدوا أمر اعطاء الرشى كان من جملة وسائل تثبيت الحكم.

وهذا ما نقرؤه في صنع أبي بكر مع معاذ بن جبل وأبي سفيان ممن ترك لهم ما في أيديهم من مال المسلمين.

أما خبر معاذ وقد بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على طائفة من اليمن أميراً ليجبره ، فمكث معاذ باليمن أميراً ، وكان أول من اتجر في مال الله هو ، ومكث حتى أصاب وحتى قبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما قدم قال عمر لأبي بكر : أرسل إلى هذا الرجل فدع له ما يعيشه وخذ سائره ، فقال أبو بكر : إنّما بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليجبره ، ولست بآخذ منه شيئاً إلا أن يعطيني.

فانطلق عمر إلى معاذ إذ لم يطعه أبو بكر ، فذكر ذلك عمر لمعاذ ، فقال : انّما أرسلني رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ليجبرني ولست بفاعل ، ثم لقي معاذ عمر فقال : قد أطعتك وأنا فاعل ما أمرتني به ، إنّي رأيت في المنام أنّي في حومة ماء قد خشيت الغرق فخلصتني منه يا عمر ، فأتى معاذ أبا بكر فذكر ذلك له ، وحلف له أنه لم يكتمه شيئاً حتى بيّن له سوطه ، فقال أبو بكر : والله لا آخذه منك قد وهبته لك(1) .

__________________

(1) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمّال 5 : 342 ـ 343 ، نقلاً عن عبد الرزاق وابن راهويه.


ثم ولاّه الشام وبقى إلى عهد عمر ، ونحيل القارئ الى كتاب ( علي إمام البررة )(1) لمعرفة المزيد من حال معاذ أيام حكومة أبي بكر وعمر ، ومدى ما وصلت إليه مكانته عندهما حتى تمنّى عمر عند موته لو كان حياً لاستخلفه ، مع علمه بأنه من الأنصار ، وكان تمنّيه في غير موقعه بعد أن احتج هو وصاحبه أنّ الأمر في قريش ، وأنّ العرب لا ترضى أن تولي من غير قريش عليها.

وكذلك كان أمر أبي بكر مع أبي سفيان الذي كان أرسله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جابياً للصدقات ، ولما عاد بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسمع بتولي أبي بكر الخلافة قال : إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلا الدم ، قال : فكلم عمر أبا بكر فقال : إنّ أبا سفيان قد قدم ، وإنّا لا نأمن شرّه ، فدفع له ما في يده فتركه فرضي(2) .

النص الخامس (3) : عن عروة أن أبا بكر خطب يوماً فجاء الحسن فصعد إليه المنبر فقال : إنزل عن منبر أبي ، فقال علي : إنّ هذا شيء من غير ملأ منّا ( ابن سعد ).

النص السادس (4) : عن عبد الرحمن بن الأصبهاني قال : جاء الحسن بن علي إلى أبي بكر وهو على منبر رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال : انزل عن مجلس أبي ، قال : صدقت إنّه مجلس أبيك ، وأجلسه في حجره وبكى ، فقال علي : والله ما هذا عن أمري ، فقال : صدقت والله ما اتهمتك ( أبو نعيم والجابري في جزئه ).

أقول : وهذا الخبر وإن اختلف رواته وتفاوتت ألفاظه ، غير أنه يكشف للقارئ ثمة شعور بالسخط لتولي أبي بكر الخلافة لدى أهل البيت صغيرهم وكبيرهم.

__________________

(1) علي إمام البررة 3 : 253 ـ 259.

(2) شرح النهج لابن أبي الحديد 2 : 44.

(3) كنز العمّال 5 : 359 ، برقم : 2301.

(4) كنز العمّال 5 : 359 ، برقم : 2302.


الخاتمة


1 ـ خلاصة ما مرّ في سطور :

خلاصة ما قرأناه في النصوص الثابتة كان ما يلي :

أ ـ قرأنا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أوصى إلى علي ، كما في حديث ابن عباس وأم سلمة ، فقد قال ابن عباس للذي جاءه فأخبره : انّ عائشة قالت : مات بين سحري ونحري ولم يوص إلى أحد ، فمتى أوصى إليه ، قال ابن عباس : أتعقل ! والله مات وإنه لمستند إلى صدر علي.

وأم سلمة قالت : كان ـ علي ـ أقرب الناس به عهداً ، وماتصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مستند إلى صدر علي.

غير أنّ عائشة أنكرت ذلك ، وكان انشطار عند المسلمين في ذلك ، وكل فريق يؤيد وجهة نظره ، حتى استنكر بعضهم كيف أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يأمر أمّته بالوصية ثم هو لا يوصي ؟ وقرأنا الجواب في حديث طلحة بن مصرف ، وقد سمع الهذيل بن شرحبيل : أكان أبو بكر يتأمر على وصي رسول الله ؟

كما قرأنا عن عائشة أنّ علياً كان قد أدخله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله معه في الثوب الذي كان عليه ، فلم يزل يحتضنه حتى قبض ويده عليه ، كما في الرياض النضرة(1) .

ب ـ وقرأنا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جهز جيش أسامة ، وأدخل فيه أبا بكر ، وعمر ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعثمان ، وسعد بن أبي وقاص ، وعبد الرحمن بن عوف ،

__________________

(1) الرياض النضرة 2 : 180.


وطلحة ، والزبير ، وهؤلاء هم الذين جعل لهم حديث العشرة المبشرة ، ومع ما ذكر لهم وفيهم فقد أمرهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يخرجوا في جيش أسامة ، ولعن من تخلف عن جيش أسامة ، ومع ذلك فقد تخلفوا حتى مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ج ـ وقرأنا انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لما رأى تقاعس القوم عن الخروج في الجيش ، أراد أن يكتب لامته بمحضر من المهاجرين والأنصار في حجرته ، كتاباً لن يضلّوا من بعده ، فاستدعى بدواة وكتف ، فبادره عمر بكلمته النابية ، « انّه يهجر ، حسبنا كتاب الله » فكانت الرزية كل الرزية ـ كما قال ابن عباس ـ ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين ذلك الكتاب.

د ـ وقرأنا أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لما مات ، اشتغل أهل بيته علي ومن معه بغسله وتجهيزه ، وذهب سراعاً أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح إلى سقيفة بن ساعدة ، ولم يحضروا الصلاة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا دفنه.

ه‍ ـ وقرأنا بأنه بايع عمر وأبو عبيدة أبا بكر بالخلافة ، وتابعه بعض الأنصار على ذلك ، ثم اتوا إلى المسجد يطلبون مبايعة الناس لأبي بكر.

و ـ وقرأنا أنّ علياًعليه‌السلام وجميع بني هاشم ومعهم الزبير وجماعة من الصحابة ممن يوالون علياًعليه‌السلام أبوا أن يبايعوا ، فكانوا يجتمعون عند الإمام في بيته ، كما عن الطبري وغيره.

ز ـ وقرأنا أنّ أبا بكر أمر عمر بأن يأتيه بالإمام ومن معه بأعنف العنف ـ كما في رواية البلاذري ـ ليبايع ، فأتاه عمر ومعه لفيف من الأعوان ومعهم الحطب ، فهدد عمر باحراق البيت على من فيه إن لم يخرجوا ، فقيل له : إن في الدار فاطمة ، قال : وإن ـ كما عن ابن قتيبة ـ ثم هجموا على البتولة دارها ، وهي تمانعهم عند الباب ، فزحموها حتى أسقطت جنينها المحسن ، وهي تصيح :« يا أبتاه ماذا لقينا بعدك من ابن أبي قحافة وابن الخطاب » .


ح ـ وقرأنا أن عمر وقنفذ وآخرين هم الذين دخلو الدار فأخرجوا الزبير تلاً بعد أن ثار بسيفه فأخذوه وحطموه على صخرة هناك ، وسلّموه إلى خالد بن الوليد وهو واقف لهم خارج الدار ، وأخرجوا علياً وهو ملبب يقاد كالفحل المخشوش ، كما عن معاوية بن أبي سفيان.

ط ـ وأوقفوه بين يدي أبي بكر ، وجرى له معهم من الاحتجاج ما مر ذكره ، فلم يتركه القوم وهددوه بالقتل ، فقال : تقتلون عبداً لله وأخاً لرسوله ، فقالوا : أما عبد الله فنعم وأما أخاً لرسوله فلا ، وهذا من أقبح المكابرة والإنكار.

ي ـ وقرأنا أنّ فاطمةعليها‌السلام هي التي أنقذت حياة الإمام بخروجها خلفه ، فكان لخروجها أثر كبير في الناس ، فخشي أبو بكر أن ينفلت الأمر ، والمدينة بعد تغلي كالمرجل ، فقال : لا أكرهه على البيعة ما دامت فاطمة إلى جانبه.

ك ـ وقرأنا انّه كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عنه عند ذلك ، وأنه لم يبايع هو ولا أحد من بني هاشم حتى ماتت فاطمةعليها‌السلام ، كما عند البخاري ، ومسلم ، وعبد الرزاق وغيرهم.

ل ـ وقرأنا أن فاطمةعليها‌السلام طالبت أبا بكر بميراثها ، وبحقها من الفيء ، ونحلتها في فَدَك ، فأبى أبو بكر عليها ذلك ، فغضبت وهجرته ( فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله ستة أشهر ) كما عند البخاري ومسلم وغيرهما.

م ـ وقرأنا أمور تقشعر لها الجلود ، صدرت من زمرة أضفى عليها المخالفون أبراد القداسة ، بينما هي خالفت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته وبعد مماته ، وكتاب الله تعالى شاهد واعد بقوله :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) .

__________________

(1) النور : 63.


وأخيراً ـ ولا نطيل الكلام ـ فإنّ الصحابة الذين كانوا يوم السقيفة يتنازعون فيما بينهم أمر الخلافة ، لم يكونوا يجهلون من هو الأحق بالخلافة ، ومن هو الذي عيّنه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خليفة له من بعده من يوم بدء الدعوة ، كما في تفسير قوله تعالى :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) .

وإنّما كانوا يتنازعون في الحكم والإمارة إذ لم تكن كلمة ( خليفة ) من الألفاظ التي وقعت في خواطر المسلمين ، أو جرت على ألسنتهم في اجتماعهم يوم السقيفة(2) .

يقول الاستاذ علي عبد الرزاق : ( كانوا يومئذٍ ـ يوم السقيفة ـ إنّما يتشاورون في أمر مملكة تقام ، ودولة تشاد ، وحكومة تنشأ إنشاء ، ولذلك جرى على لسانهم يومئذٍ ذكر الإمارة والامراء ، والوزارة والوزراء وتذاكروا قوة السيف والعزة والثروة ، والعدد ، والمنعة ، والبأس والنجدة ، وما كان ذلك إلا خوضاً في الملك ، وقياماً بالدولة ، وكان من أثر ذلك ما كان من تنافس المهاجرين والأنصار وكبار الصحابة ، بعضهم مع بعض ، حتى تمت البيعة لأبي بكر فكان أول مَلكٍ في الإسلام )(3) .

ولم يتجن الرجل على أحد من الصحابة الذين يتنازعون في اقتناص السلطة ، ألم يقل الحباب بن المنذر الأنصاري : منّا أمير ومنكم أمير ؟ ألم يقل أبو بكر للأنصار : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ؟ ألم يقل عمر يخاطب الأنصار : انّه والله لا

__________________

(1) الشعراء : 214 ، راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 72 ـ 92 تجد صور الحديث وهي عشر ، منها التصريح بالخلافة لمن بعده لمن يؤازره في دعوته ، وفي ثمان منها بالوصاية من بعده ، وفي خمس منها بالوزارة ، وفي ثلاث منها بالوراثة ، وفي ثلاث منها بالولاية ، ومع هذا التظافر في النقل يزعم من لا حريجة له في الدين بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مات ولم يوص ، ولم يستخلف ، ولم يول ، ولم يورث .

(2) عبد الكريم الخطيب : الخلافة والإمامة ، ديانة وسياسة : ص 337.

(3) الإسلام وأصول الحكم : 92.


ترضى العرب أن تؤمركم ونبيّها من غيركم من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم ، أو متورط في هلكة(1) .

والآن فهل من حق القارئ أن يسأل بعد ما قرأ كل الذي مرّ به ، أين هو الإجماع المزعوم على انتخاب أبي بكر للخلافة ؟ وقد تخلف عن الإجماع عليعليه‌السلام وجميع بني هاشم ومن تابعهم وشايعهم ، كسلمان ، وأبي ذر ، والمقداد ، وعمّار ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وحذيفة ، واُبي بن كعب صاحب المقولة الشهيرة ( هلك أصحاب العقدة ) وبريدة الأسلمي ، وأبوالهيثم بن التيهان ، وأبو أيوب الأنصاري ، وسهل بن حنيف ، وعثمان أخوه ، وهؤلاء هم الذين حاجّوا أبا بكر في المسجد وقد ورد احتجاجهم في كتاب الاحتجاج للطبرسي(2) .

فأي انتخاب واختيار يزعم على صحة خلافة أبي بكر ؟

وسؤال ثان ، ومن حق القارئ أن يسأل : كيف ساغ لأبي بكر وعمر وأبي عبيدة الحضور في السقيفة لتعيين الخليفة ، والثلاثة كلهم جنود محاربون سمّاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في جيش أسامة(3) ، وأمرهم بالخروج معه وتحت إمرته ، وقد لعن من تخلف عن المسير في ذلك الجيش فقال :« لعن الله من تخلف عن جيش أسامة » (4) .

فهاتان مخالفتان واضحتان ، ومعهما كيف يسوغ للثلاثة أن يتولّوا زمام الأمور ، مع أنّهم جنود مأمورون وتحت إمرة أسامة ، حتى روى اليعقوبي استنكار أسامة لذلك(5) .

__________________

(1) راجع بشأن هذه الأقوال الإمامة والسياسة 1 : 7.

(2) الاحتجاج للطبرسي : 47.

(3) طبقات ابن سعد 4 : 46 و 136 ، وتاريخ اليعقوبي 2 : 93 ، وفتح الباري 9 : 218 ـ 219 ، وغير ذلك.

(4) الملل والنحل للشهرستاني 1 : 23.

(5) جاء في تاريخ اليعقوبي 2 / 106 : وأمر ـ أبو بكر ـ أسامة بن زيد أن ينفذ في جيشه وسأله أن يترك له عمر يستعين به على أمره , فقال : فما تقول في نفسك ؟ فقال : يابن أخي فعل الناس ما ترى , فدع لي عمر وانفذ لوجهك.


وسؤال ثالث ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : هل كان من حق أبي بكر وعمر وأباعبيدة أن يطالبوا الإمام علي بن أبي طالب بمبايعته لأبي بكر ، وهم بالأمس القريب كانوا قد بايعوا له في غدير خم(1) .

بايعوه وبعدها طلبوا البيعة

منه لله ريب الدهور

وسؤال رابع ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : هل من حق أبي بكر أن يجبر أحداً على مبايعته ، وليس معه أي حجة شرعية تسوّغ له ذلك ؟ فلا هو خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بل هو خالفة ـ كما اعترف بذلك لمن سأله(2) ـ فليس من حقه ذلك وهو غاصب للمقام.

وسؤال خامس ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : هل كان من حق غاصب المقام أن يأمر بجلب الممتنع بأقسى الوسائل وأعنف العنف ، كما مرّ عن البلاذري وغيره ؟

وسؤال سادس ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : هل إنّ لأبي بكر أن يحضر الممتنع وإن كان في بيت من بيوت أذن الله بأن ترفع ، وهو نفسه وعمر مثله يعلمون بأنّ بيت عليعليه‌السلام من أفاضلها ، وقد روى هو ذلك(3) .

__________________

(1) مبايعة الشيخين مع باقي الصحابة في غدير خم ذكرها الشيخ الأمينيرحمه‌الله في الغدير بتوثيق , فراجع الجزء الأول.

(2) راجع النهاية لابن الأثير ، والفائق للزمخشري ، ولسان العرب لابن منظور جميعاً في مادة ( خلف ) وكنز العمال 14 : 173 ، تجد أنّ أعرابياً سأل أبا بكر : أنت خليفة رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) ؟ قال : لا ، قال : فما أنت ؟ قال : أنا الخالفة بعده ، أي القاعدة بعده.

(3) أخرج الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل 1 : 410 ، بسنده عن أنس بن مالك ، وعن بريدة قال : قرأ رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) هذه الآية :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ ) إلى قوله :( وَالأَبْصَارُ ) [ النور : 36 ـ 37 ] ، فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله أيّ بيوت هذه ؟ قال : « بيوت الأنبياء » ، فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها ـ لبيت علي وفاطمة ـ قال :« نعم ، من أفاضلها » ، قال الحاكم : لفظ أبي القاسم ما أصلحت ، وكتبته من أصل سماعه بخط أبي حاتم.


وسؤال سابع ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : ألم يكن علي ومن معه في بيت فاطمةعليها‌السلام ، ولما داهم البيت عمر ومن معه من عصابته ، وخرجت اليهم فاطمةعليها‌السلام تمانعهم وتقول لعمر :« أتراك محرقاً عليّ بيتي » ـ داري ـ فيقول لها : نعم ، وذلك أقوى مما جاء به أبوك ؟ ألم يروا ولم يسمعوا بأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان إذا أتى ذلك البيت يقف ويقرأ :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

ألم يروا ولم يسمعوا بأن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يقول :« فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » (2) .

وفي نور الأبصار(3) : خرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو آخذ بيد فاطمة فقال :« من عرف هذه فقد عرفها ، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد ، وهي بضعة منّي وهي قلبي ، وهي روحي التي بين جنبيّ ، من آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله » .

وأخرج الدارقطني عن عمر أنه سمع رجلاً يقع في علي فقال : ويحك أتعرف علياً ؟ هذا ابن عمه ـ وأشار إلى قبر رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ـ والله ما آذيت إلا هذا في قبره(4) .

وروى الإمام أحمد في زوائد المسند بلفظ : إنّك إن انتقصته فقد آذيت هذا في قبره. وأخرج السيوطي في الجامع الصغير نقلاً عن أحمد ، وتاريخ البخاري ، ومستدرك الحاكم في فضائل الصحابة عن عمرو بن شاس مرفوعاً : ( من آذى علياً فقد آذاني ) قال الحاكم : صحيح ، وأقرّه الذهبي ، قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح(5) .

__________________

(1) الأحزاب : 33.

(2) صحيح البخاري 2 : 308 ، باب : مناقب فاطمة.

(3) نور الأبصار للشبلنجي : 52.

(4) فيض القدير 6 : 18.

(5) المصدر نفسه 6 : 18.


وأخرج السيوطي أيضاً في الجامع الصغير نقلاً عن ابن عساكر عن علي مرفوعاً : ( من آذى شعرة منّي فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ) قال المناوي في فيض القدير(1) : أي أحداً من أبعاضي وإن صغر ، كنى به عن ذلك ، كما قال : فاطمة بضعة منّي. وقال : زاد أبو نعيم والديلمي : ( فعليه لعنة الله ملء السماء وملء الأرض ).

أقول : فماذا بعد الحق إلا الضلال ، فما دام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال ذلك ، فلا عتاب على من اتبع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلعن من عليه لعنة الله ملء السماء وملء الأرض.

فبماذا يفسر العمريون مجيئ عمر بقبس من نار ليحرق بيت علي وفاطمةعليهما‌السلام على من فيه ، فاستنكر بعض أصحاب الضمائر الحيّة ذلك ، فقالوا له : إنّ في الدار فاطمة ! قال : وإن ، ـ كما مرّ ـ.

وهذا أمر ثابت تاريخياً ، مع هذا كله وقد تبجح حافظ إبراهيم في عمريته حيث قال بكل صلف :

وقولة لعلي قالها عمرٌ

أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرّقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها

أمام فارس عدنان وحاميها

فهل إنّ ذلك كان يرضي الله ورسوله ، لنكفّ ألسنتنا وأقلامنا عن الخوض في تلك الجريمة الشنعاء ؟

أولم تصرخ فاطمةعليها‌السلام مستغيثة بأبيها :« ماذا لقينا بعدك من ابن أبي قحافة وابن الخطاب » ؟ أوليس هذا من شدة الأذى الذي لحق بها.

ألم يخرجوا علياً بأعنف العنف ملببّاً يتلونه تلا ، وأوقفوه حافياً حاسراً بين يدي أبي بكر وقالوا له : بايع ، قال :« فإن لم أفعل » فهددوه بالقتل ، قال :« تقتلون

__________________

(1) المصدر نفسه 6 : 18.


عبداً لله وأخا رسوله » ؟ فقالوا : أما عبد الله فنعم ، وأما أخا رسوله فلا ، فانعطف إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله صارخاً :« يابن أم إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني » ؟.

وهل هذا ليس فيه شيء من الأذى ؟ إذن ما هو الأذى الذي يستوجب لعنة الله ملء السماء وملء الأرض ؟ ولا شك أنّهم كانوا من الصحابة ، وسمعوا من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيمن آذى علياً وآذى فاطمة ، فما الجواب ؟

وما داموا هم صحابة فلا شك أنّهم سمعوا قوله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً ) (1) ، فلا ضير على من يلعن من لعنه الله سبحانه في الدنيا والآخرة ، وأعد له عذاباً مهيناً.

وسؤال ثامن ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : هل كانت بيعة أبي بكر بالاختيار ، كما يزعم البكريون ؟ فلماذا إذن المساومة والرشوة ؟ ألم تقل الأنصارية ، وقد ردت ما بعث بها إليها أبو بكر : أتراشونني عن ديني ؟ كما مرت الإشارة إليه(2) .

ألم يقل عمر لأبي بكر ، وقد بلغه مجيئ أبي سفيان بن حرب ، وكان جابياً لبعض الصدقات قد بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعاد بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستنكر خلافة أبي بكر وقال : ما بال هذا الأمر في أرذل حي من قريش ؟ لأملأنّها خيلاً ورجالاً ، وسماه أبا فصيل تحقيراً له ، فقال عمر لأبي بكر أن يعطيه المال الذي جاء به ليسكت ، وقد تم ذلك ، وزاد بتولية ابنه يزيد بن أبي سفيان أن قال : وصلته رحم ، وهذا كله مذكور في التاريخ.

ألم يعطوا معاذ بن جبل المال الذي أتى به من اليمن بعد أن ساومه عمر على ذلك(3) ، حتى أصبح معاذ ممن يشار إليه في القضاء ؟ لأنهم أخذوا بضبعه.

__________________

(1) الأحزاب : 57.

(2) كنز العمّال 5 : 353 ، نقلاً عن ابن سعد وابن جرير.

(3) كنز العمّال 5 : 342 ـ 343 ، نقلاً عن عبد الرزاق وابن راهويه.


وسؤال تاسع ـ ومن حق القارئ أن يسأل ـ : لقد مرّ بنا مكرراً حديث الفلتة ، وانّ عمر نفسه قال ذلك عن بيعة أبي بكر بأنّها فلتة ، وقد روى ذلك البخاري في باب رجم الحبلى ، ورواه غيره كما مرّ ، ولما كانت الفلتة وفيها شر ولكن وقى الله شرها ، فكيف لصاحب تلك البيعة الفلتة وفيها شر ، الحق بأن يستخلف غيره ، وهي باطلة لما فيها من شر ، وما بني على الباطل باطل ؟ وقد سمّاها أحمد أمين المصري ( غلطة )(1) .

وسؤال عاشر ، وآخر وآخر وتبقى الأسئلة تترى ، ولا جواب على صواب غير المكابرة من الاتباع والأذناب ، الا فمن هو أوّل من أسّس أساس الظلم والجور على أهل البيت ؟ فليجيبوا على هذا السؤال بفصيح المقال.

إن المسلم البصير بأمر دينه ، لا يخشى من قراءة تاريخية تكشف له الصفحات المزوّرة ، والأمجاد المفتعلة لشخصيات مهزوزة عقائدياً ومهزومة تاريخياً ، ما دام من حقه النظر بعقل واع ، ومدرك موازين الحق ، فلا يخدعه التقديس الأعمى للموروث ، الذي يخلط الحابل بالنابل ويساوي المظلوم بالظالم ، وآخر دعواه ( عفا الله عما سلف ) وهذه بلية أكثر المسلمين في الأرض ، ولابدّ من إعادة قراءة التاريخ قراءة واعية كي يمكن لنا تلافي ما قرأناه وسمعناه من أخطاء غيّرت كثيراً من المفاهيم الصحيحة ، فأضفينا الشرعية على حكم كل حاكم ظالم ، لأنّا قرأنا حديثاً مكذوباً : « أطعه وإن ضربك وأخذ مالك ».

وبالتالي تولى سلاطين الجور والحكام الطغاة ، فأحاطوا أنفسهم بحثالات لا تسوى شروى نقير ، فصاروا يروون لهم ما يشاؤون من أكاذيب تدعم سلطانهم حسب الأهواء والشهوات.

__________________

(1) قال في كتابه يوم الإسلام : 54 ، فلما مات النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) حصل هذا الاختلاف ، فبايع عمر أبا بكر ثم بايعه الناس ، وكان في هذا مخالفة لركن الشورى ، ولذلك قال عمر : إنها غلطة ( كذا ) وقى الله المسلمين شرها ، وكذلك كانت غلطة بيعة أبي بكر لعمر.


وفيما نحن بصدده لا استغناء لنا عن قراءة التاريخ بصفحاته ، لغربلة ما فيه من كذب فاضح ببصماته ، وادانة من أحدث الانحراف وتنكب الطريق الجدد فابتعد عن الصواب ، فأورد الأمة ـ شارب ـ بوءة ، فثارت الفتن حتى اليوم ، وتوالت المآسي يتبعها بعضها بعض كقطع الليل المظلم ، ولا شك أنه سوف يتحمل وزر فعله ووزر من تابعه وشايعه لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من سنّ سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها » (1) .

وبتحديد المواقف تتضح هوية الأشخاص قرباً وبعداً من الدين ، وهذا أمر طبيعي لمعرفة المحق من المبطل ، وفيصل الحكم انّما هو القرآن الكريم والسنة النبوية قولاً وفعلاً وتقريراً ، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال التخلّي عن هذين العمودين : ( القرآن والسنة ) ومتى تخلّينا عنهما أو عن أحدهما فلسنا بمسلمين عملاً ، وإن كانت بطاقة الهوية فيما يكتب فيها الديانة مسلم ، فذلك لا يجدي يوم القيامة عند الحساب بين يدي من لا يخفى عليه خافية.

ولما كان النبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله قد جاء برسالة فبلّغها ، وشريعة شرّعها ، وترك أمته على النهج الواضح والطريق المستقيم ، ليس من حق أيّ إنسان تبديل حكم من الأحكام ، ولا تعدي حدّ من حدود الإسلام ، لأنهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَىٰ *إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ ) (2) .

لذلك يجب على من كان مسلماً صحيح العقيدة الإذعان لما جاء به ، قال الله تعالى :( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3) ، وقال تعالى :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (4) .

__________________

(1) المصنف لابن أبي شيبة 3 : 109 , وراجع موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 8 : 319 ، لمعرفة بقية المصادر.

(2) النجم : 3 ـ 4.

(3) الحشر : 7.

(4) النور : 63.


هذا النبي العظيم الذي أنقذ الأمة من حيرة الجهالة إلى نور الحق والعدالة ، لم يسأل أمته أجراً على جهوده وجهاده طيلة ثلاثة وعشرين عاماً ، سوى مودة أهل بيته ، كما قال تعالى :( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) .

وأقرب الناس إليه هم أهل بيته : ( علي وفاطمة والحسن والحسين ) الذين جللهم بالكساء ، وفيهم نزلت آية التطهير :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ، وعرفوا بأهل الكساء ، وقد روى أبو بكر خبر الخيمة التي ضربها عليهم النبي أمام المسلمين وقال : ( رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيّم خيمة وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين فقال : معاشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، وليّ لمن والاهم ، لا يحبّهم إلاّ سعيد الجدّ طيّب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ رديء الولادة ) وقد مر هذا برواية المحب الطبري فراجع النص الثامن.

فماذا كان الموقف المحزن المخزي من المسلمين أزاء أهل بيته أولئك ؟ ومَن هو أول من أسس أساس الظلم عليهم ، وبنى عليه بنيانه ؟ ألم يكن أبو بكر هو الذي قال لعمر : إئتني به ـ بعلي ـ بأعنف العنف ؟ ألم يكن هو الذي قال لعمر : فإن أبوا فقاتلهم ؟

ألم يكن هو الذي ندم بعد ما اقترف في حق أهل البيت ، وذلك عند حضور أجله ، فقال في مثلثاته وقد مرّ ذكرها وذكر مصادرها وفيها : ( ليتني لم أكشف عن بيت فاطمة وإن اشتمل على حرب ).

ألم يكن هو الذي كان ينضض بلسانه عند موته ويقول : ( هذا الذي أوردني الموارد ) ؟

__________________

(1) الشورى : 23.

(2) الأحزاب : 33.


وهل تجدي ليتني ؟ قال الشاعر :

ليت وهل تجدي شيئاً ليت

ليت شباباً بوع فاشتريت

و كيف ينفعه الندم بعدما سمعت اذناه ووعاه قلبه ما قاله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مِن لعن مَنْ آذى عترته ، وهو ـ أبو بكر ـ يقول : ( علي عترة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ).

ألم يقل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :« اشتد غضب الله ، وغضب رسوله ، وغضب ملائكته على من هراق دم نبي وآذاه في عترته » (1) . ألم يقل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :« يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك » (2) . ألم يقلصلى‌الله‌عليه‌وآله :« فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني » .

وهنا يقفز إلى الذهن السؤال الطويل العريض :

هل إنّ فاطمة الزهراء ماتت وهي غضبى على أحد ؟ فيكون ذلك فيمن غضب الله تعالى عليه ، وغضب عليه رسوله ، ومن غضب الله عليه ورسوله فمأواه جهنم وساءت مصيراً.

فهل لنا بعد هذا أن نتولّى من أغضب فاطمةعليها‌السلام حتى ماتت وهي غضبى عليه ؟ والله سبحانه يقول في كتابه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ ) (3) .

وأخيراً فهل يجوز لعن من آذى فاطمةعليها‌السلام لقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من آذى فاطمة فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى » والله سبحانه يقول :( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً *وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) (4) .

__________________

(1) ذخائر العقبى : 39.

(2) نفس المصدر : 39.

(3) الممتحنة : 13.

(4) الأحزاب : 57 ـ 58.


ولتكن لدى القارئ صراحة الحق وجرأة الإيمان ، فيجيب ولا يجمجم في الجواب ، ففاطمة الزهراءعليها‌السلام جابهت وجبهت الشيخين بذلك حين أتياها معتذرين ، فلم تعذرهما وقالت لهما :« أرأيتكما إن حدثتكما حديث عن رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) تعرفانه وتعملان به » ؟ قالا : نعم ، فقالت :« نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني » ؟ قالا : نعم سمعناه من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، قالت :« فإنّي أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) لأشكونكما إليه » ، فبكى أبو بكر حتى كانت نفسه تزهق وهي تقول :« والله لأدعونّ الله عليكما في كل صلاة أصليها » (1) .

فمن غضبت عليه وضلّت تدعو الله عليه لا يجوز لنا أن نتولاه أيّاً كان ذلك الإنسان.

مواقف متباينة وأقوال متضاربة :

قالت عائشة : ما رأيت أحداً كان أصدق منها ـ أي فاطمة ـ الا أن يكون الذي ولدها( صلّى الله عليه وسلّم ) (2) .

وقالت أيضاً : ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً وحديثاً برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) في قيامه وقعوده من فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) (3) .

قالت : وكانت إذا دخلت على رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه(4) .

__________________

(1) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 13 ـ 14.

(2) أخرجه أبو عمر وعنه في ذخائر العقبى : 44.

(3) نفس المصدر : 40.

(4) ذخائر العقبى : 41 ، خرّجه الترمذي وأبو داود والنسائي.


هذا قول عائشة لكن أباها أبا بكر أبى تصديق فاطمةعليها‌السلام حين طالبته بفدك بل وطالبها بالبينة.

روى البلاذري في فتوح البلدان(1) : إنّ فاطمة( رضي الله عنها ) قالت لأبي بكر الصديق : أعطني فَدَك فقد جعلها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) لي ، فسألها البينة ، فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فشهدا لها بذلك ، فقال : إن هذا الأمر لاتجوز فيه إلاّ شهادة رجل ( وامرأتين ).

فعش رجباً ترى عجباً ، فاطمة الزهراء بضعة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) المطهرة المعصومة بنص آية التطهير ، لم يصدّقها أبو بكر ، وقالوا عنه انه الصديق لأنه صدّق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وها هو يغتصب من ابنته فدكاً نحلتها من أبيها ثم يطالبها بالبينة ، فمن هو الكاذب والصادق ؟ عائشة أم أبوها ؟ ومن هو المحق ؟ ومن هو المبطل ؟

ولا نبتعد عن الجواب إذ لا نجانب الصواب ، ما دامت عائشة تشهد على أبيها بما يدينه وهو من عجائب العجاب.

فقد روى أحمد في مسنده(2) بسنده عن عروة بن الزبير أنّ عائشة زوج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أخبرته : أنّ فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ، ما تركنا صدقة ، فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، قال : وعاشت بعد وفاة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر.

والآن هل لسائل أن يقول لأبي بكر ومن شايعه : ما دمت لا تعترف لفاطمةعليها‌السلام بالعصمة والطهارة ، وسألتها البينة ، وأتتك بمن أتتك فلم تقبل منها ، هلاّ قضيت كما كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين قضى بشاهد ويمين كما في حديث ابن عباس في أول كتاب الأقضية من صحيح مسلم ؟

__________________

(1) فتوح البلدان للبلاذري 1 : 34 ـ 35.

(2) مسند أحمد 1 : 34 ، ح 25.


ثم ما بال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خصّك بسماع هذا الحديث ؟ ولم يسمعه غيرك ممن هو أولى منك بسماعه ، لأنّه مورد ابتلائه كابنته وأزواجه ، إنها فرية بلا مرية ، وحبكة من غير حنكة ، ومن يقرأ خطبة الصديقة فاطمة الزهراءعليها‌السلام في احتجاجها على أبي بكر في مسألة الميراث ، يبقى مبهوراً أمام تلك البلاغة الفاطمية ، ولا عجب فإنّها لتفرغ عن لسان أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد تقدم شطر من الخطبة فيما نقلناه عن ابن أبي الحديد : « في الفصل الثالث : نصوص يجب أن تقرأ بامعان » فراجع.

وإنّ من قرأ الخطبة بتمامها ، تتكشف عنه ضبابية الموروث ، ويدرك أن لا مسوّغ لمسلم يوالي من أغضب فاطمة التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ، وقد ماتت وهي غضبى على الشيخين ، ويعني ذلك أنّها لم تعترف بإمامة أبي بكر.

والحديث النبوي الشريف :« من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية » يقضي ببطلان إمامة أبي بكر ، لأنّ فاطمة بضعة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ماتت وهي لا تقر له إمامته ، بل نازعته مراراً في النحلة والميراث والفيء ، وقد ماتت على ذلك وهي غضبى عليه ، فهل يجرأ مسلم يتفوّه ويقول إنّها ماتت ميتة جاهلية ، كيف وهي بضعة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وممن طهرهم الله تعالى من الرجس تطهيراً ، فتكون النتيجة انّ أبا بكر لم يكن إماماً بالحق لتتولاه فاطمةعليها‌السلام وتموت على ولائه ، نعم هي كانت ترى إمامة ابن عمها الذي نصّبه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم غدير خم علماً وهادياً ، وقد دافعت عنه كثيراً.

حديث معاشر الأنبياء لا نورّث :

انّ حديث « نحن معاشر الأنبياء لا نورث » حديث مكذوب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو القائل :« من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار » (1) .

__________________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه 1 : 29 باب إثم من كذّب على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وساق الحديث بأسانيد


روى الحديث أبو بكر فقط وفقط ، ثم تتابعت رواة السوء على دعمه في زعمه ، ومهما يكن فلنا أن نسأل من البكريين : ما دام أبو بكر يروي الحديث وطبّقه عملياً مع فاطمة الزهراءعليها‌السلام ، ما باله لم يعامل ابنته كما عامل فاطمةعليها‌السلام في بيتها الذي تملّكته من دون حق تمليك من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حياته ، وبقيت من بعده تتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم ، حتى انّ أبا بكر وعمر دفنا فيه بعد إذنها ، فهل كان يحق له ذلك ؟ وهل كان يحق لها ذلك ؟ مع أنّهم جميعاً أجانب عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن كان البيت ميراثاً وجب استئذان جميع الورثة ، وإن كان صدقة وجب استئذان المسلمين ، وإن كان ملكاً لعائشة كذّبها الحديث المشهور :« ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة » (1) ولم يرد في حديث : ما بين منبري وبيت عائشة روضة من رياض الجنة.

إنّها مسائل معضلة ، لمن لا يريد فهم المشكلة ، إنّها الدنيا وقد حليت في أعينهم فراقهم زبرجها ، فارتكبوا كل أمر خطير ، والحساب عسير.

ولو سلّم المجادل في صحة ما رواه أبوها وقال : يحق لعائشة في بيتها لا من جهة الإرث ، لأنّه لها التسع من الثمن ، ولكن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ملّكها في حياته ، فلماذا لم تطالب هي ولا واحدة من بقية الأزواج ببينة على أنّ البيوت لهنّ نحلة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما طولبت الزهراءعليها‌السلام بالبينة على غلتها ، إنّها مفارقات عجيبة.

__________________

متعددة عن علي والزبير وأنس وسلمة وأبي هريرة وتفاوت في بعض الألفاظ ، وأخرجه في أماكن اُخرى من صحيحه , وأخرجه مسلم في صحيحه 1 : 7 كما في المقدمة ، وذكر حديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة بن شعبة بأسانيد مختلفة والفاظ متفاوتة ، وأخرجه ابن ماجه ، وأبو داود ، والترمذي ، وأحمد ، والدارمي ، والبيهقي ، وابن حبان وآخرون كثيرون , راجع عنهم موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 4 : 524.

(1) صحيح مسلم 4 : 123 ، عن أبي هريرة ، وعن عبد الله بن زيد المازني في باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة.


ورحم الله علي بن الفارقي مدرس العربية ببغداد ، وقد سأله ابن أبي الحديد فقال : قلت له : أكانت فاطمة صادقة في دعواها ؟ قال : نعم ، قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فَدَك وهي صادقة ؟ فتبسم ثم قال كلاماً لطيفاً مستحسناً مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته ، قال : لو أعطاها اليوم فَدَك بمجرد دعواها ، لجاءت إليه غداً وادعت لزوجها الخلافة ، وزحزحته عن مقامه ، ولم يكن يمكنه الاعتذار والمدافعة بشيء ، لأنّه يكون قد سجل على نفسه بأنّها صادقة فيما تدّعي ، كائناً ما كان من غير حاجة إلى بيّنة ولا شهود(1) .

وقفة ايضاح واستيضاح :

لابد للباحث عن الحقيقة ، من معاناة البحث مهما تكثّرت المصاعب مما يعترض طريقه ، وحديث : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) الذي رواه أبو بكر محتجاً به دفع مطالبة الزهراءعليها‌السلام بفدك نحلة وميراثاً ، قد جرى عليه تحوير وتزوير ، سواء في رواته أو روايته ، وحتى فيما جرى الإختلاف والنقاش في قراءته.

ومهما تهضّمنا تزوير الرواة عدداً ، فلا يسعنا ذلك في تعدد روايته ، ولابدّ لنا من استبيان الصحيح في قراءته ؛ لأنّ الإختلاف بين أنصار الخلافة وأنصار الإمامة ، أحدث جدلاً في الحوار العقائدي ، لا تزال مصادر التراث عند الطرفين تحتفظ بنماذج تتأرجح بين المكابرة والمصابرة ، ويجد الباحث ذلك جليّاً عند من قرأ كلمة ( صدقةٌ ) بالرفع ، كما هو شأن أنصار الخلافة ليتم لهم ما أراد أبو بكر من حجة الدفع ، أمّا من قرأ الكلمة ( صدقةً ) بالنصب ، كما هو شأن أنصار الإمامة ليتم لهم ما أرادوا من دفع الدفع.

وهكذا بقيت المكابرة تدفعها المصابرة في حدود الحوار العلمي ، ولم يكن

__________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 16 : 284.


الاختلاف وليد ساعة رواية من رواه ، بل حدث بعد زمان خلافته ، حيث نشط علماء الكلام من مدرسة الخلافة في توجيه قراءته بإعرابه بالرفع ، ليرفعوا عنهم إصر الدفع ، فكان من الطبيعي أن ينبري علماء الكلام من أنصار الإمامة إلى الرد على أولئك بتقريب قراءة النَصب لدفع حدة أهل النُصب ، وهذا ما أسعر نار الخصام بين علماء الكلام ، وسرى أوارها إلى علماء الحديث من أنصار الخلافة ، ولا يبعد أن تكون السياسة دسّت أنفها في توسيع الفجوة.

ولو أردنا أن نفحص التراث السني بحثاً عن الصحيح في القراءة ، سنجد سيلاً من صور الحديث المختلفة مع وحدة الراوي ووحدة السبب ، وهذا مما يبعث على العجب ، وقد يفاجأ القارئ إذا أحيط علماً بأنّ صور الحديث تجاوزت العشرة ، وهو حديث واحد رواه أبو بكر ، فمن أين جاء الاختلاف في الرواية بين روايات كتب الصحاح والسنن والمسانيد والتاريخ والسيرة ؟

والجواب ببساطة : إنّما جاء من الرواة من بعد أبي بكر ، فكلّما سمعوا نقداً له في دلالته ، وضعوا ما يسدّ الثغرة ولو بتحوير في قراءته ، ولما كان استعراض جميع التراث السني التي ذكرت الحديث بصوره المختلفة يحتاج وقتاً طويلاً ، فسأكتفي بعرض صور الحديث المختلفة في كتابين ، هما عند أنصار الخلافة من خيرة الصحاح ، وما ورد فيهما معاً محكوم عليه بالصحة عندهم ، والحديث الذي يرد فيهما معاً يقولوا عنه : متفق عليه ولا مجال لردّه ؛ لأنّه أخرجه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين ، والصيد كل الصيد في جوف الفراء.

فنقول : لقد ورد الحديث في صحيح البخاري في عدة مواضع نافت العشرة ، كما ورد في صحيح مسلم في خمسة مواضع ، وقد اختلفت صور الحديث فيهما اختلافاً بيّناً يوهن الاحتجاج بالحديث ، ويكشف عن تعمّد الإبهام والإيهام لاستغفال القرّاء ، وسد باب الاستيضاح والاستفهام ، في وجه من يسأل ، حتى ولو لم يرد الحجاج والخصام.


وإلى القارئ عرض صور الحديث عند البخاري ، ومن بعد صوره عند مسلم.

فماذا عند البخاري ؟

الجواب : عنده بصورة ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) وعنده بصورة ( لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ) وعنده بصورة ثالثة : ( لا نورّث ما تركناه صدقة ) وكل من هذه الصور الثلاث وردت في عدة مواضع من صحيح البخاري سأعرضها أمام القارئ سنداً ومتناً ، معتمداً على طبعة بولاق الموثقة بأختام مشيخة الإسلام أيام عبد الحميد السلطان العثماني عام 1313 ه‍ ، ليرى الاختلاف الموهن للاستدلال.

الصورة الأولى : وردت أولاً في كتاب الجهاد والسير(1) ، قال البخاري : حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله ، حدّثنا إبراهيم بن سعد ، عن صالح ، عن ابن شهاب قال : أخبرني عروة بن الزبير ، عن عائشة أم المؤمنين ، أخبرته أنّ فاطمةعليها‌السلام ابنة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) سألت أبا بكر أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله عليه ، فقال لها أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ماتركنا صدقة ).

فغضبت فاطمة بنت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت ، وعاشت بعد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ، قالت : وكانت فاطمة تسأل نصيبها مما ترك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) من خيبر وفدك ، وصدقته بالمدينة ، فأبى أبو بكر عليها ذلك وقال : لست تاركاً شيئاً كان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يعمل به إلاّ وعملت به ، فإنّي أخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس ، وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال : هما صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه ، وأمرهما إلى من ولي الأمر ، فهما على ذلك إلى اليوم.

__________________

(1) صحيح البخاري 4 : 79 ، كتاب الجهاد والسير ، باب فرض الخمس.


والسؤال الذي يفرض نفسه في المقام ، من هو القائل : ( فهما على ذلك إلى اليوم ) ؟ أهي عائشة ؟ أو هو عروة ؟ أو هو الزهري ؟ أو هم الرواة من بعده ؟ أو هو البخاري المتوفى 256 ه‍ ؟.

الصورة الثانية : في كتاب الجهاد والسير(1) قال البخاري :

حدّثنا إسحاق بن محمد الفروي ، حدّثنا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، وكان محمد بن جبير ذكر لي ذكراً من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى أدخل على مالك بن أوس فسألته عن ذلك الحديث ، فقال مالك : بينا أنا جالس في أهلي حين قشع النهار ، إذا رسول عمر بن الخطاب يأتيني فقال : أجب أمير المؤمنين ، فانطلقت معه حتى أدخل على عمر ، فإذا هو جالس على رمال سرير ليس بينه وبينه فراش ، متكئ على وسادة من أدم ، فسلّمت عليه ثم جلست ، فقال : يا مال إنّه قدم علينا من قومك أهل أبيات ، وقد أمرت فيهم برضخ فاقبضه فاقسمه بينهم ، فقلت : يا أمير المؤمنين لو أمرت به غيري ، قال : اقبضه أيّها المرء.

فبينا أنا جالس عنده أتاه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص يستأذنون ؟ قال : نعم ، فأذن لهم فدخلوا فسلّموا وجلسوا ، ثم جلس يرفأ يسيراً ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم ، فأذن لهما فسلّما فجلسا ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) من بني النضير ، فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر.

قال عمر : تيدكم أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض ، هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) يريد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) نفسه ؟ قال

__________________

(1) المصدر نفسه 4 : 79 ـ 81 ، كتاب الجهاد والسير ، باب فرض الخمس.


الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل على علي وعباس فقال : أنشدكما الله أتعلمان انّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قد قال ذلك ؟ قال : قد قال ذلك.

قال عمر : فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله قد خصّ رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره ، ثم قرأ :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) ـ إلى قوله ـ :( قَدِيرٌ ) (1) ، فكانت هذه خالصة لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، قد أعطاكموه وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، فكان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي يجعله مجعل مال الله ، فعل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بذلك حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟

قال عمر : ثم توفى الله نبيّه( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال أبو بكر : أنا ولي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، والله يعلم إنّه فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا ولي أبي بكر ، فقبضتها سنتين من أمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وما عمل فيها أبو بكر ، والله يعلم أنّي فيها لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم جئتماني تكلّماني وكلمتكما واحدة وأمركما واحد ، جئتني يا عباس تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وجاءني هذا ـ يريد علياً ـ يريد نصيب امرأته من أبيها ، فقلت لكما : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ).

فلما بدا لي أن أدفعه إليكما ، قلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه فتعملان فيها بما عمل فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وبما عمل فيها أبو بكر ، وبما عملت فيها منذ وليتها ، فقلتما : إدفعها إلينا فبذلك دفعتها إليكما ، فأنشدكم

__________________

(1) الحشر : 6.


بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم ، ثم أقبل على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : فتلتمسان منّي قضاءً غير ذلك ؟ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليَّ فإنّي أكفيكماها(1) .

الصورة الثالثة : في باب مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومنقبة فاطمةعليها‌السلام بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :« فاطمة سيدة نساء أهل الجنة » (2) ، قال البخاري :

حدّثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري قال : حدّثني عروة بن الزبير ، عن عائشة أنّ فاطمةعليها‌السلام أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فيما أفاء الله على رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، تطلب صدقة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) التي بالمدينة ، وفدك ، وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ـ يعني مال الله ـ ليس لهم أن يزيدوا على المأكل ، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقات رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) التي كانت عليها في عهد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فتشهّد عليّ ثم قال : إنّا عرفنا يا أبا بكر فضيلتك ، وذكر قرابتهم من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وحقهم ، فتكلّم أبو بكر فقال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أحبّ إليّ أن أصل من قرابتي.

__________________

(1) لقد قال عمر فيما قال : ثم توفى الله نبيّه ( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله ( صلّى الله عليه وسلّم ) فقبضها وقال أيضاً : ثم توفى الله أبا بكر فكنت أنا وليّ أبي بكر فقبضتها سنتين ، فمن حق السائل أن يسأل كيف صدّق الصحابة الحضور وصادقوا على قول عمر : أبو بكر وليّ رسول الله ، وعمر وليّ أبي بكر ، وفهم الجميع عموم الولاية ، ولم يفهموا جميعاً ذلك العموم من قول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) في غدير خم : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » وفي لفظ : « من كنت وليّه فعلي وليّه » وهذا ما قاله في أكثر من مورد ، ورواه أكثر من واحد ، وأخرجه أكثر من عشرين حافظاً فيما أحصيت ، أمثال ابن حبان في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، والحاكم في مستدركه ، والبيهقي في سننه ، والنسائي في خصائصه ، والطبراني في معجمه الكبير ، وغيرهم وغيرهم.

(2) صحيح البخاري ، باب مناقب قرابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله 5 : 20.


الصورة الرابعة قال البخاري(1) :

حدّثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب ، عن الزهري قال : أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري ، أنّ عمر بن الخطاب دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعد يستأذنون ؟ فقال : نعم ، فأدخلهم ، فلبث قليلاً ثم جاء فقال : هل لك في عباس وعلي يستأذنان ؟ قال : نعم ، فلما دخلا قال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ، وهم يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) من بني النضير ، فاستبّ علي وعباس ، فقال الرهط : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر.

فقال عمر : اتئدوا ، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) يريد بذلك نفسه ؟ قالوا : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على عباس وعلي فقال : أنشدكما بالله هل تعلمان أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قد قال ذلك ؟ قالا : نعم ، قال : فإنّي أحدّثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله سبحانه كان خص رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا الفيء بشيء لم يخصه أحداً غيره ، فقال جلّ ذكره :( أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ ) ـ إلى قوله ـ :( قَدِيرٌ ) (2) ، فكانت هذه خالصة لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثرها عليكم ، لقد أعطاكموها وقسّمها فيكم ، حتى بقي هذا المال منها ، فكان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مال الله.

فعمل ذلك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حياته ، ثم توفي النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال أبو بكر : فأنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأنتم حينئذٍ ـ فأقبل

__________________

(1) صحيح البخاري 5 : 89 ، باب حديث بني النضير ، ومخرج رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

(2) الحشر : 6.


على علي وعباس وقال : ـ تذكران أنّ أبا بكر فيه كما تقولان ، والله يعلم أنّه فيه لصادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت : أنا ولي رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبي بكر(1) ، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وابو بكر ، والله يعلم أنّي فيه صادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم جئتماني كلاكما وكلمتكما واحدة وأمركما جميع ، فجئتني ـ يعني عباساً ـ فقلت لكما : انّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) ، فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت : إن شئتما دفعته إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبو بكر ، وما عملت فيه مذ وليت ، وإلاّ فلا تكلّماني ، فقلتما : ادفعه إلينا بذلك فدفعته إليكما ، فتلتمسان منّي قضاء غير ذلك ، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيه بقضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنه فادفعا إليّ فأنا أكفيكما. قال : فحدّثت هذا الحديث عروة بن الزبير فقال : صدق مالك بن أوس.

الصورة الخامسة : سمعت عائشة زوج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) تقول : أرسل أزواج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) عثمان إلى أبي بكر يسألنه ثمنهنّ مما أفاء الله على رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فكنت أنا أردهنّ ، فقلت إليهنّ : ألا تتقين الله ، ألم تعلمن أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) كان يقول : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) يريد بذلك نفسه ، إنّما يأكل آل محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال ، فانتهى أزواج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) إلى ما أخبرتهنّ ، قال : فكانت هذه الصدقة بيد علي ، منعها علي عباساً فغلبه عليها ، ثم كان بيد حسن بن علي ، ثم بيد حسين بن علي ، ثم بيد علي بن حسين وحسن بن حسن كلاهما كانا يتداولونها ، ثم بيد زيد بن حسن ، وهي صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حقاً.

__________________

(1) لقد مرّ في الصورة الثالثة من النص قول عمر : ( فكنت أنا ولي أبي بكر ) وفي هذا المورد ارتقى فقال : أنا ولي رسول الله وأبي بكر ، فمن رقّاه ؟


الصورة السادسة قال البخاري(1) : حدّثنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمةعليها‌السلام والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما ، أرضه من فدك وسهمه من خيبر ، فقال أبو بكر : سمعت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : ( لا نورث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال ) والله لقرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أحب إليَّ أن أصل من قرابتي.

الصورة السابعة قال البخاري(2) :

حدّثنا يحيى بن بكر ، حدّثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمةعليها‌السلام بنت النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر ، فقال أبو بكر : إنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال ) وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عن حالها التي كان عليها في عهد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً ، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت ، وعاشت بعد النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ، ولم يؤذن بها أبا بكر وصلّى عليها.

وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس ، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحد معك كراهية لمحضر عمر ، فقال عمر : لا والله لا تدخل عليهم وحدك ، فقال أبو بكر : وما عسيتهم أن يفعلوا بي ، والله لآتينّهم.

فدخل عليهم أبو بكر ، فتشهد علي فقال : إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله ، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك ، ولكنّك استبددت علينا بالأمر ، وكنّا نرى

__________________

(1) صحيح البخاري 5 : 90.

(2) صحيح البخاري 5 : 139 ، باب غزوة خيبر.


لقرابتنا من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) نصيباً ، حتى فاضت عينا أبي بكر ، فلما تكلّم أبو بكر قال : والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أحبّ إليَّ أن أصل من قرابتي ، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير ، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيها إلا صنعته.

فقال علي لأبي بكر : موعدك العشية للبيعة ، فلما صلّى أبو بكر الظهر رقى على المنبر ، فتشهد وذكر شأن عليّ وتخلّفه عن البيعة ، وعذره بالذي اعتذر إليه ثم استغفر ، وتشهد عليّ فعظّم حق أبي بكر ، وحدّث أنّه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ، ولا إنكاراً للذي فضّل الله به ، ولكنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً فاستبدّ علينا ، فوجدنا في أنفسنا ، فسُرّ بذلك المسلمون وقالوا : أصبت ، وكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع الأمر بالمعروف.

الصورة الثامنة قال البخاري(1) :

حدّثنا سعيد بن عُفير ، قال : حدّثني الليث ، قال : حدّثني عقيل ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان ، وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكراً من حديثه ، فانطلقت حتى دخلت على مالك بن أوس فسألته ، فقال مَلِك : انطلقت حتى أدخل على عمر إذ أتاه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد يستأذنون ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، قال : فدخلوا وسلّموا فجلسوا ، ثم لبث يرفأ قليلاً فقال لعمر : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم ، فأذن لهما.

فلما دخلا سلّما وجلسا ، فقال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ، فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر ، فقال عمر : اتئدوا أنشدكم بالله الذي به تقوم السماء والأرض هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) يريد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) نفسه ؟ قال

__________________

(1) صحيح البخاري 7 : 63 ، كتاب النفقات ، باب حبس نفقة الرجل قوت سنة على أهله وكيف نفقات العيال.


الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل تعلمان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك.

قال عمر : فإنّي أحدثكم عن هذا الأمر : إنّ الله كان خصّ رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال بشيء لم يعطه أحداً غيره ، قال الله :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) ـ إلى قوله ـ :( قَدِيرٌ ) (1) ، فكانت هذه خالصة لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكموها وبثّها فيكم ، حتى بقي منها هذا المال فكان رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل بذلك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم.

ثم توفى الله نبيّه( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضها أبو بكر يعمل فيها بما عمل به فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأنتما حينئذٍ ـ وأقبل على علي وعباس ـ تزعمان أنّ أبا بكر كذا وكذا ، والله يعلم أنّه فيها صادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت : أنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبي بكر ، فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبو بكر ، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع ، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وأتى هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعته إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وبما عمل به فيها أبو بكر ، وبما عملت فيها منذ وليتها ، وإلا فلا تكلّماني فيها ، فقلتما : ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما بذلك ، أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ فقال الرهط : نعم ، قال : فأقبل على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : أفتلتمسان منّي قضاء غير

__________________

(1) الحشر : 6.


ذلك ، فوالذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فادفعاها فأنا أكفيكماها.

الصورة التاسعة قال البخاري(1) : حدّثنا عبد الله بن محمد ، حدّثنا هشام ، أخبرنا معمّر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : سمعت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يقول : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال ) قال أبو بكر : والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) يصنعه فيه إلاّ صنعته ، قال : فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.

الصورة العاشرة قال البخاري(2) : حدّثنا إسماعيل بن أبان ، أخبرنا ابن المبارك ، عن يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ).

الصورة الحادية عشرة قال البخاري(3) : حدّثنا يحيى بن بكير ، حدّثنا الليث ، عن عُقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان ـ وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي من حديثه ذلك ، فانطلقت حتى دخلت عليه فسألته ـ فقال : انطلقت حتى أدخل على عمر ، فأتاه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعد ؟ قال : نعم ، فأذن لهم ، ثم قال : هل لك في علي وعباس ؟ قال : نعم.

قال عباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا ، قال : أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورث ما تركنا

__________________

(1) صحيح البخاري 8 : 149 ، كتاب الفرائض باب قول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ).

(2) المصدر نفسه 8 : 149.

(3) المصدر نفسه 8 : 149.


صدقة ) يريد رسول الله نفسه ؟ فقال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل على علي وعباس فقال : هل تعلمان أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال ذلك ؟ قالا : قد قال ذلك.

قال عمر : فإنّي أحدّثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله قد كان خص رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحداً غيره ، فقال( عزّ وجلّ ) :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ) ـ إلى قوله ـ :( قَدِيرٌ ) (1) ، فكانت خالصة لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، والله ما احتازها دونكم ، ولا استأثر بها عليكم ، لقد أعطاكموه وبثّها حتى بقي منها هذا المال ، فكان النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته ، ثم يأخذ ما بقي منها فيجعله مجعل مال الله ، ففعل بذاك رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما بالله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم.

فتوفى الله نبيّه( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال أبو بكر : أنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت : أنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبو بكر ، ثم جئتماني وكلمتكما واحدة وأمركما جميع ، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما بذلك ، فتلتمسان منّي قضاء غير ذلك ، فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما فادفعاها إليّ فأنا أكفيكماها.

الصورة الثانية عشرة قال البخاري(2) : حدّثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنّ أزواج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) حين توفى رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهنّ ، فقالت عائشة : إليس قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ).

__________________

(1) الحشر : 6.

(2) المصدر نفسه 8 : 150 ، نفس الباب السابق.


الصورة الثالثة عشرة قال البخاري(1) : حدّثنا عبد الله بن يوسف ، حدّثنا الليث ، حدّثني عقيل ، عن ابن شهاب قال : أخبرني مالك بن أوس النصري ـ وكان محمد بن جبير بن مطعم ذكر لي ذكراً من ذلك فدخلت على مالك فسألته ـ فقال : انطلقت حتى أدخل على عمر أتاه حاجبه يرفأ فقال : هل لك في عثمان ، وعبد الرحمن ، والزبير ، وسعد يستأذنون ؟ قال : نعم ، فدخلوا فسلموا وجلسوا ، فقال : هل لك في علي وعباس فأذن لهما ، قال العباس : يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين الظالم فاستبّا ، فقال الرهط عثمان وأصحابه : يا أمير المؤمنين اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر.

فقال : اتئدوا ، أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض هل تعلمون أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) يريد رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) نفسه ، قال الرهط : قد قال ذلك ، فأقبل عمر على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال ذلك ؟ قالا : نعم ، قال عمر : فإنّي محدّثكم عن هذا الأمر ، إنّ الله كان خص رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) في هذا المال بشيء لم يعطه أحداً غيره ، فإنّ الله يقول :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) (2) الآية.

فكانت هذه خالصة لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، ثم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم ، وقد أعطاكموها وبثّها فيكم حتى بقي منها هذا المال ، وكان النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله ، فعمل النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) بذلك في حياته ، أنشدكم بالله هل تعلمون ذلك ؟ فقالوا : نعم ، ثم قال لعلي وعباس : أنشدكما الله هل تعلمان ذلك ؟ قالا : نعم.

__________________

(1) المصدر نفسه 9 : 97 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب ما يكره من التعمق والتنازع في العلم.

(2) الحشر : 6.


ثم توفى الله نبيّه( صلّى الله عليه وسلّم ) فقال أبو بكر : أنا وليّ رسوله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، فقبضها أبو بكر فعمل فيها بما عمل فيها رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وأنتما حينئذٍ ـ وأقبل على علي وعباس ـ تزعمان أنّ أبا بكر فيها كذا ، والله يعلم أنّه فيها صادق بارّ راشد تابع للحق ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت : أنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبي بكر ، فقبضتها سنتين أعمل فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وأبو بكر.

ثم جئتماني وكلمتكما على كلمة واحدة وأمركما جميع ، جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك ، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها ، فقلت : إن شئتما دفعتها إليكما على أنّ عليكما عهد الله وميثاقه تعملان فيها بما عمل به رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وبما عمل فيها أبو بكر ، وبما عملت فيها منذ وليتها ، وإلا فلا تكلّماني فيها ، فقلتما : ادفعها إلينا بذلك ، فدفعتها إليكما بذلك ، أنشدكم بالله هل دفعتها إليهما بذلك ؟ قال الرهط : نعم.

فأقبل على علي وعباس فقال : أنشدكما بالله هل دفعتها إليكما بذلك ؟ قالا : نعم ، قال : أفتلتمسان منّي قضاء غير ذلك ، فوالذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة ، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ فأنا أكفيكماها.

هذه موارد ذكر الحديث بلفظ ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) تكرّرت أكثر من عشر مرّات ، وأما بلفظ : ( لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ) ورد مرّة واحدة كما مرّ.

وإذا لاحظنا الأسانيد في تلك الموارد ، نجد سبعة منها مدارها على الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، كما في الموارد : 1 ـ 3 ـ 5 ـ 6 ـ 7 ـ 10 ـ 12 ، وخمسة مدارها على الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، كما في الموارد : 2 ـ 4 ـ 8 ـ 11 ـ 13.

وإذا قارنّا بين الروايات نجد التفاوت اللفظي كثيراً مما يغيّر أو يغاير بين المعاني ، مضافاً إلى التضبيب المتعمد من البخاري على ما قاله عمر لعلي وعباس


في رأيهما في صنع أبي بكر ، والتعبير عن ذلك بكذا وكذا ، بينما نرى معاصره مسلم بن الحجاج أصدق لهجة وحديثاً منه في ذكر ذلك بصراحة تامة في صحيحه ، كما سيأتي.

ثم إنّ البخاري دسّ بأنف أبي هريرة بين تلك الموارد ، فذكر حديثاً في كتاب الفرائض في باب قول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) فقال(1) : حدّثنا إسماعيل قال : حدّثني مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا يقتسم ورثتي ديناراً ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة ).

وهذا أخرجه مسلم في صحيحه(2) ، باسنادين توثيقاً للخبر ، ثم ارتقى بأبي هريرة بسند ثالث عنه عن النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) وهذا فيما يبدو من التدرج من خبره الأول : لا يقتسم ورثتي ديناراً الخ ، حتى روى عين ما رواه أبو بكر ورواه عمر وروته عائشة ، ولا غرابة فهو من الضالعين في ركاب الحاكمين.

روايات الحديث في صحيح مسلم :

أورد مسلم الحديث أربع مرّات بأسانيده إلى كل من الزهري عن عروة عن عائشة ، فمرّة في حديثها عن أزواج النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) أردن أن يبعثن عثمان .

ومرّتين في حديثها أنّ فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) .

ومرّة في حديثها أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وهما حينئذٍ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر.

__________________

(1) صحيح البخاري 8 : 150.

(2) صحيح مسلم 5 : 156.


وأورده مرّة واحدة باسناده إلى الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان في خصومة علي والعباس ، وعطف عليه ثانية مشيراً إليه باسناد آخر(1) .

كما أنه لم يخل صحيحه من روايتي أبي هريرة ، كما مرّت الإشارة إلى ذلك قريباً.

وكل مرويات مسلم تجدها في كتاب الجهاد والسير في باب حكم الفيء ، وباب قول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( لا نورّث ما تركنا صدقة )(2) .

وإذا قارنّا بين مرويات مسلم ومرويات البخاري ، فيما اتفقا عليه اسناداً بدءاً من الزهري ، سواء في حديثه عن عروة عن عائشة ، أو حديثه عن مالك بن أوس بن الحدثان ، لا نجد حقيقة الاتفاق بتمام اللفظ والمعنى ، بل نجد التفاوت واضحاً ، ولا نطيل البحث في ذلك ، إلاّ أنّ الذي لا ينبغي التجاوز عنه هو ما جاء في حديث مالك بن أوس عند مسلم من قول عباس : اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن ، ولما كان مسلم قد روى الخبر بأسانيد بعضها عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحدثان ، وقد مرّ الخبر عن عبد الرزاق في المصنف(3) ، وليس فيه قول العباس في علي : هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن.

والذي ورد في البخاري في كتاب الاعتصام ـ كما مرّ ـ قوله : اقض بيني وبين الظالم ، استبّا. ولما كان ذلك في الفظاعة مما ينمّ عن كذب راويه ، فقد جعل موازنة لما يأتي بعده في نفس الخبر من قول عمر لعلي والعباس : فرأيتماه ـ يعني أبا بكر في قضائه عليهما ـ كاذباً آثماً غادراً خائناً ، والله يعلم إنّه لصادق

__________________

(1) صحيح مسلم 2 : 53.

(2) صحيح مسلم 5 : 151 ط صبيح ، و 2 : 52 ط بولاق.

(3) المصنف 5 : 469.


بار راشد تابع للحق ، ثم توفي أبو بكر وأنا وليّ رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذباً آثماً غادراً خائناً ، والله يعلم إنّي لصادق بارّ راشد تابع للحق.

وهذا الذي قاله عمر حكاية عنهما في أبي بكر وفيه ، أشدّ فظاعة خصوصاً مع سكوتهما عليه وعدم اعتذارهما منه ، إذ لم يتنصلا مما نسبه عمر إليهما ولم يدفعا عنهما بشيء ، بل سكوتهما ربما أشعر بإصرارهما على ذلك.

وقد تسبب ذلك في إرباك شراح الصحيحين ، ولولا خوف الإطالة لأحطت القارئ خُبراً بذلك ، وحسبي أن أحيله على قراءة ما في شرح النووي لصحيح مسلم(1) ، من أقوال المازري والقاضي عياض مما هو ظاهر البطلان ؛ لحملهما على الألفاظ معاني تأباها العقول السليمة بفطرتها.

كما أنّ في فتح الباري لابن حجر ، وارشاد الساري للقسطلاني ، وغيرهما من شروح صحيح البخاري نحو ذلك ، وقد علّق المعلّق على صحيح مسلم(2) قال : قوله : اقض بيني وبين هذا الخ ، كان سيدنا عمر على ما يأتي بيانه في ص 155 دفع صدقته( صلّى الله عليه وسلّم ) بالمدينة إلى علي وعباس( رضي الله تعالى عنهما ) على مقتضى طلبهما ، فغلبه عليها علي ، فكانا يتنازعان فيها.

فكان علي كما ذكره البلاذري يقول : إنّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جعلها في حياته لفاطمة ، وكان العباس يأبى ذلك ويقول : هي ملك رسول الله وأنا وارثه ، فكانا يتخاصمان إلى سيدنا عمر ، وأما ما روي هنا من قول عباس لعلي ، وكذا ما رواه البخاري في كتاب الاعتصام من قوله : ( اقض بيني وبين الظالم استبّا ) فمما يأبى القلب تصديق صدوره من عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حق ابن عم النبي وصهره ، وكذا رواية مسابتهما في خليفة مثل سيدنا عمر بمحضر من سادة الصحابة( رضي الله تعالى عنهم ) .

__________________

(1) شرح النووي لصحيح مسلم 12 : 71 ـ 76.

(2) صحيح مسلم 2 : 152 ، في الهامش.


ومهما يكن حشرهم وحشدهم فلن يستطيعوا إخفاء الحق ، ومهما يكن من زعمهم انقطاع الشيعة في ذلك ، فهو هراء محض ، ومن ذا الذي لا يقدر على دفع الباطل من الشيعة حتى زعموا انقطاعهم عند المحاججة.

ولمطارفة القراء أذكر لهم ما أشاروا إليه من محاججة الشيخ المفيد مع علي بن شاذان صاحب أبي بكر الباقلاني ، فقد ذكر الآبي الوشتاني ( ت 828 ه‍ ) في اكمال اكمال المعلم(1) في شرح حديث أبي هريرة : ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) قال : مجمع على صحته وقبوله من أهل السنة ، وأنّه اشتمل على جملتين ، والثانية هي قوله : ( ما تركناه صدقة ) ف‍ ( ما ) في موضع رفع بالابتداء و ( صدقة ) الخبر ، وحرّفه الإمامية قالوا : إنّما هو ( لا يورّث ) بالياء ، وما مفعوله ، وصدقة منصوبة على الحال ، وقالوا : إنّ المعنى : إنّ الشيء الذي تركناه صدقة لا يورّث ويورّث غيره ، وهذا خلاف ما فهمه أهل السنة ، وحمله عليه أئمة الصحابة ، ولما نص عليه الصدّيق مما يرفع الإبهام كقوله : كل مال النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) صدقة ، وقوله في الحديث : إنّا لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ، وكقوله في الحديث قبله : لا تقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً ما تركناه صدقة.

وقد اعترض بهذا الهوس أبو عبد الله بن المعلم من الأئمة الإمامية على القاضي علي بن شاذان صاحب القاضي أبي بكر الباقلاني لعلمه بضعفه في العربية ، فقال له ابن شاذان : لا أعلم ما صدقة من صدقة ، ولا أحتاج إلى ذلك في هذه المسأله ، هذه فاطمة وعلي والعباس لا شك عندي وعندك في أنّهم من أفصح العرب ، وأعلمهم بالفرق بين اللفظين ، وهذا أبو بكر من أفصح العالمين بذلك كالثلاثة ، وقد جاء الثلاثة يطلبون الميراث فأجابهم أبو بكر بالحديث ،

__________________

(1) اكمال اكمال المعلم 5 : 81.


فسلموا ولم ينازعوا ، فلو كان اللفظ لا يقتضي المنع لم يورده أبو بكر ولم يسلّمه الآخرون ، وأيضاً فالرفع هو المروي ومدعي النصب مبطل.

وهذا الذي ذكره الوشتاني لم يأت فيه بجديد ، بل سبق إلى ذكره من قبل أبو الوليد الباجي المالكي ( ت494 ه‍ ) فقد ذكر المحاججة بصورة أوسع(1) .

ومن الغريب جعلهم عدم ردّ الصديقة فاطمةعليها‌السلام ، والإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وعمهما العباسرضي‌الله‌عنه على أبي بكر احتجاجه بقراءة الحديث بالرفع دليلاً على صحة القراءة ، ولست أدري لماذا الاستغفال والتعمية ؟ ألا يكفي انصرافهم غضابى ، ومقاطعتهم لأبي بكر طيلة حياة فاطمةعليها‌السلام فلم يبايع واحد منهم ، أن يكون ذلك دليلاً على عدم قبولهم الحديث جملة وتفصيلاً ، وأما قراءة النصَب والرفع إنّما صار الكلام فيها عند المتكلمين بعد ذلك ، وقد مرّ في كلام الشريف المرتضى ما يتعلّق بالمقام في ردّه على القاضي عبد الجبار ، ونقله عنه ابن أبي الحديد فراجع.

وكم لعلماء التبرير من عناء مرير في التطوير والتحوير ، وبلغ الحال بهم إلى التزوير كما سيأتي نماذج من أقوالهم فيما يتعلّق بأحداث السقيفة وما بعدها ، وحتى إسقاط المحسن السبط فانتظر.

ونعود إلى حديث ( لا نورّث ) فنقول : الذي لا شك فيه أنّ أبا بكر قال ذلك مرّة واحدة في رد مطالبة الزهراءعليها‌السلام والعباس في دعوى الميراث ، فما ورد في مصادر الحديث عند العامة في أنّه قال ذلك في رد دعوى النحلة لا يمكن تصديقه ، لأنّ الردّ لا ينفي المدّعى ، ولو أغضينا النظر عن ذلك ، فما هو اللفظ الذي ذكره أبو بكر زاعماً أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قاله ، هل ( نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ) ؟ أو ( إنّا معاشر الأنبياء لا نورّث ) ؟

__________________

(1) المنتقى شرح موطأ مالك 7 : 317.


أو ( لا نورّث ما تركنا صدقة ) ؟ كما مرّ عن البخاري ومسلم.

أو ( لا نورّث ما تركناه صدقة ) ؟ وقد مرّ أيضاً.

أو ( لا نورّث ما تركنا فهو صدقة ) ؟ وقد مرّ أيضاً.

فبأيّ صيغة قاله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إن صح زعم الزاعم أنّه قال في ذلك شيئاً ؟ ولابدّ أن تكون الصيغة واحدة ، إذ لا يعقل أنّه قال ذلك مراراً بصيغ متعددة ولم يسمعها منه غير أبي بكر ، كما لا حاجة بنا إلى اتهام أبي بكر في اتيانه بجميع الصيغ المتعددة ما دام التداعي قد انتهى حين رد الزهراء والعباس عند مطالبتهما له بدعوى الميراث ، وما قيل عنه في رد دعوى النحلة لا يستقيم الاحتجاج به ، كما قلنا إنّ الرد برواية لا نورّث لا ينفي المدّعى.

ويدلّ على أن تخبّط الرواة من أنصار الخلافة هو السبب في الخلط بين المقامين في التداعي ، والذي يدل على صحة ما قلناه أنه في دعوى النحلة طالب الزهراءعليها‌السلام بالشهود ، ولسنا في مقام التبرير أو الإدانة في هذه المسألة ، لكن هل كان من حقه أن يطلب ذلك منها ، وهي صاحبة اليد وهو المدعي ، فعليه هو إقامة البينة على صحة ما يقول.

خطبة الزهراءعليها‌السلام :

( فإنّها من محاسن الخطب وبدايعها ، عليها مسحة من نور النبوّة ، وفيها عبقة من أرج الرسالة ، وقد أوردها المؤالف والمخالف ) هكذا قال عنها الإربلي ( ت 692 ه‍ ) ، وقد أوردها في كتابه كشف الغمة نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري من نسخة قديمة مقروءة على مؤلّفها في ربيع الآخر سنة ( 322 ه‍ ) روى عن رجاله من عدة طرق ، وقد مرّ بنا توثيق الجوهري ، وأنّه عالم محدث ، كثير الأدب ، ثقة ورع ، أثنى عليه المحدثون ، ورووا عنه مصنفاته.


وقد روى الخطبة عن عمر بن شبّة ، وهذا أيضاً وثّقه الدارقطني ، وابن أبي حاتم ، والخطيب وغيرهم كما في تهذيب التهذيب(1) ، ومرّ بنا نقل ما قالوه فيه أيضاً ، وذكرنا انّ وفاته كانت في جمادى الآخرة سنة 262 ه‍ ، فيعدّ هو أول من وصلت إلينا الخطبة من طريقه في التراث السني ، ومن بعده يأتي ابن طيفور ( ت280 ه‍ ) فقد رواها في بلاغات النساء(2) .

وثالث القوم ـ بعد عمر بن شبة وابن طيفور ـ هو ابن قتيبة ( ت 276 ه‍ ) فقد أشار إلى الخطبة في كتابه ( غريب الحديث )(3) ، فقال : لمّة الرجل من النساء مثله في السنّ. ومنه قيل في الحديث الموضوع ؟! على فاطمة( رحمها الله ) : إنّها خرجت في لمّة من نسائها تتوطأ ذيولها ، حتى دخلت على أبي بكر فكلّمته بذلك الكلام. وقد كنت كتبته وأنا أرى أن له أصلاً ، ثم سألت عنه رجال الحديث فقال لي بعض نقلة الأخبار : أنا أسنّ من هذا الحديث وأعرف من عمله.

أقول : ليت ابن قتيبة سمّى لنا من ذا الذي سأله من رجال الحديث ؟

وما اسم ذلك البعض من نقلة الأخبار الذي قال له هو أسنّ من الحديث ؟

ثم لماذا لم يسمّ له مَن عمله ما دام يزعم معرفته ؟

وأخيراً ما دام قرّ عند ابن قتيبة أنّه موضوع ، معتمداً على مقالة مجهول عن مجهول ، فلماذا استشهد به ما دام موضوعاً ؟

والغريب أن يقول ابن قتيبة ذلك ، ومعاصره ابن طيفور رواه وذكر الخطبة في كتاب ( بلاغات النساء ) وهو كتاب مطبوع ، ثم انّ ابن قتيبة ذكر بعد ما تقدم أنّ

__________________

(1) تهذيب التهذيب 7 : 460.

(2) بلاغات النساء : 14.

(3) غريب الحديث 1 : 590.


فاطمةعليها‌السلام قالت بعد موت أبيها( صلّى الله عليه وسلّم ) :

قد كان بعدك أنباء وهنبثة

لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها

فاختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب(1)

والرابع من الأعلام في التراث السني هو المبارك مجد الدين ابن الأثير ( ت 606 ه‍ ) فقد ذكر الخطبة في كتابه ( منال الطالب في شرح طوال الغرائب )(2) كما أشار إليها في النهاية في غريب الحديث(3) ، فقال : في حديث فاطمة ( أنّها خرجت في لمّة من نسائها تتوطأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته ) أي في جماعة من نسائها.

والخامس محمد بن عمران المرزباني رواها باسناده إلى عروة بن الزبير عن عائشة كما في شرح النهج(4) ، كما رواها المرزباني أيضاً باسناده إلى زيد بن علي بن الحسينعليه‌السلام عن آبائه(5) .

السادس وأخيراً من المعاصرين عمر رضا كحالة في كتابه أعلام النساء(6) ، فقد ذكر الخطبة.

أما مصادر الخطبة في التراث الشيعي فمن الطبيعي أن تفوق ما سبق عدداً ، غير أنّا نكتفي بذكر عدد ما سبق من القدماء.

__________________

(1) لقد مرّ ما يتعلق بالبيتين ونسبتهما إلى الصديقة إنشاءاً أو إنشاداً. وقد ذكرهما أهل اللغة في ( هنبث ) فراجع النهاية لابن الأثير 5 : 277 ، والفائق للزمخشري 4 : 116 ، ولسان العرب لابن منظور 2 : 199.

(2) منال الطالب : 501 ـ 534.

(3) غريب الحديث 4 : 273.

(4) شرح النهج 4 : 93.

(5) المصدر نفسه 4 : 94.

(6) أعلام النساء 4 : 116 ـ 123.


1 ـ أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي من أعاظم علماء الإمامية في المائة الرابعة ، أخرج الخطبة في كتابه دلائل الإمامة(1) بستة أسانيد تنتهي إلى ابن عباس ، وإلى زينب بنت أمير المؤمنين ، وإلى عبد الله بن الحسن بن الحسن عن آبائه ، وإلى زيد بن علي عن آبائه.

2 ـ الشريف المرتضى ( ت 346 ه‍ ) أخرج بروايته عن المرزباني ، وهو رواها من طريقين أحدهما ينتهي إلى عروة بن الزبير عن عائشة ، والآخر عن أبي العيناء عن ابن عائشة البصري ، كما في الشافي(2) .

3 ـ الشيخ الطوسي ( ت460 ه‍ ) أخرج الخطبة برواية شيخه المرتضى المتقدّم ، ذكره في كتابه تلخيص الشافي(3) .

4 ـ الشيخ الطبرسي ( من أعلام القرن السادس ) روى الخطبة في كتابه الاحتجاج على أهل اللجاج(4) .

5 ـ الشيخ علي بن عيسى الإربلي ( ت 692 ه‍ ) روى الخطبة في كتابه كشف الغمة(5) ، وهو نقلها عن كتاب السقيفة للجوهري من نسخة قديمة مقروء ة على مؤلّفها في ربيع الآخر سنة ( 322 ه‍ ) كما مرّ. وهناك مصادر أخرى كثيرة ، وقد تناولها جمع بالشروح والتعليق راجع بشأنها كتاب الذريعة.

__________________

(1) دلائل الإمامة : 31 ـ 39.

(2) الشافي : 230.

(3) تلخيص الشافي 3 : 139 ـ 145.

(4) الاحتجاج على أهل اللجاج : 61 ـ 66.

(5) كشف الغمة 1 : 453 ـ 466.


موقف الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام يومئذٍ :

لما كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد تقدم إلى الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام بما سيجري عليه من بعده ، وما سيلاقيه من العتاة من غصبهم مقامه ، وأنّ الأمة ستغدر به وتعصي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أوامره باتباعها له ، وأنّها ستنكر ولايته وإمامته ، وعيّن له ما يجب عليه القيام من بعده إتماماً لجهوده في إقامة دينه ، وأنّ عليه أن يصبر على ذهاب حقه في سبيل الحفاظ على شريعته ، فقد روى أحمد في مسنده(1) ، بسنده عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ( انّه سيكون بعدي اختلاف أو أمر ، فإن استطعت أن تكون السَلَم فافعل ).

وعليه أن يعامل المستحوذين على حقه معاملة المسلمين ما داموا ينطقون بالشهادتين ، وقد جاء في نهج البلاغة(2) : ومن كلام لهعليه‌السلام خاطب به أهل البصرة على جهة اقتصاص الملاحم ، جاء فيه :

وقام إليه رجل وقال : أخبرنا عن الفتنة ؟ وهل سألت عنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقالعليه‌السلام :« لما أنزل الله سبحانه قوله : ( الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (3) ، علمت أنّ الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين أظهرنا ، فقلت : يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال : يا علي إنّ أمّتي سيفتنون من بعدي ، فقلت : يا رسول الله ، أوليس [ قد ] قلت لي يوم اُحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين ، وحيزت عنّي الشهادة فشقّ ذلك علي ، فقلت لي : أبشر فإنّ الشهادة من ورائك ؟ فقال لي : إنّ ذلك لكذلك ، فكيف صبرك إذاً ؟ فقلت : يا رسول الله ليس هنا من مواطن الصبر ، ولكن من مواطن البشرى والشكر ،

__________________

(1) مسند أحمد 1 : 90.

(2) نهج البلاغة 2 : 64 ، الخطبة : 154 ، شرح محمد عبدة.

(3) العنكبوت : 1 ـ 2.


وقال : يا علي إنّ القوم سيفتنون بعدي بأموالهم ، ويمنّون بدينهم على ربّهم ، ويتمنّون رحمته ، ويأمنون سطوته ، ويستحلّون حرامه بالشبهات الكاذبة والأهواء الساهية ، فيستحلّون الخمر بالنبيذ ، والسحت بالهدية ، والربا بالبيع ، فقلت : يا رسول الله ، بأيّ المنازل أنزلهم عند ذلك ؟ أبمنزلة ردّة أم بمنزلة فتنة ؟ فقال : بمنزلة فتنة » .

وهذا يوضّح لنا معنى ما ورد في بعض الآثار والأخبار أنّ الناس كفروا وارتدوا بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ثلاثة(1) ، وفي رواية لابن حجر عن عمرو بن ثابت(2) : إلاّ خمسة ، وليس ذلك بمستغرب الوقوع عند من يقرأ قوله تعالى :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) (3) .

وأقوال الرسول الكريم وهو يخاطب صحابته نحو : ( لا ألفينّكم ترجعون بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض )(4) . ونحو : ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) البخاري ومسلم وغيرهما(5) .

وفي بعض ألفاظ أحاديث الحوض عنه( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : ( ليردنّ عليّ الحوض ممن صاحبني إذا رأيتهم ورفعوا إليّ واختلجوا دوني فلأقولنّ : أي رب أصحابي أصحابي ، فليقالنّ لي : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب اثبات حوض نبينا( صلّى الله عليه وسلّم ) عن أنس ، وأخرجه أحمد في مسنده(6) .

__________________

(1) الاختصاص للشيخ المفيد : 4.

(2) تهذيب التهذيب 7 : 10 ، ترجمة عمرو بن ثابت ، وقد تحامل عليه مترجموه من العامة لأنه قال : لما مات النبي ( صلّى الله عليه وسلّم ) كفر الناس إلاّ خمسة ، فقالوا فيه ما شاؤوا من تجريح.

(3) آل عمران : 144.

(4) النسائي 7 : 128.

(5) موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف 7 : 101.

(6) مسند أحمد 5 : 48 و 50 عن أبي بكرة و 388 ، و 393 ، و 400 عن حذيفة.


وجاء في البخاري في كتاب التفسير آخر سورة المائدة باب قوله تعالى :( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ) بسنده عن ابن عباس قال : خطب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) : ألا ويجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ؟ فأقول كما قال العبد الصالح :( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) (1) ، فيقال : إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم.

وفي البخاري في كتاب الرقاق باب في الحوض بسنده عن أبي هريرة أنّ النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) قال : يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي ، فيحلؤون عن الحوض ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.

إلى غير ذلك من عشرات الأحاديث والآثار التي تنطق بوقوع ارتداد بعض الصحابة عن الصراط السوي الذي تركهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عليه ، وأمرهم بالتمسك به كما في حديث الثقلين وغيرهم ، ولكن القوم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها ، فانقلبوا على الأعقاب ، ونبذوا العترة والكتاب من وراء ظهورهم.

فلم ير الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام إلاّ الصبر على ذهاب حقه حفاظاً على بقاء الإسلام والنداء بالشهادتين ، وفي خطبة الشقشقية ما يكشف عن مدى الألم الذي كان يعتصر قلبه بأبي هو وأمي ، فهو أول مظلوم وأول من غصب حقه ، ولما كانعليه‌السلام لم يجد العدد الكافي الذي يعينه ، صَبَر على شدة المحنة وطول الأذى ، ولم يكن سكوته عن طلب حقه إلا لقلة الناصر ، وهو القائل :« لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم » (2) .

__________________

(1) المائدة : 117.

(2) مستدرك سفينة البحار 4 : 64 ، وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 : 47 : « لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم ».


ولقد كتب إليه معاوية كتابه المشهور جاء فيه اعتراف صريح بأنّ الإمام لم يقعد عن طلب حقه ، وقام بإتمام الحجة على المسلمين يومئذٍ ، فقد جاء في ذلك الكتاب : « وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلاً على حمار ، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر الصديق ، فلم تدع أحداً من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ، ومشيت إليهم بامرأتك ، وأدليت إليهم بابنيك ، واستنصرتهم على صاحب رسول الله ، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حرّكك وهيّجك : لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم »(1) .

وهذا أيضاً ذكره عمرو بن العاص لمعاوية ـ مذكّراً له بشجاعة الإمام ـ بعد منعه الماء في صفين عن الإمام وجيشه ، فقال عمرو :

خلّ بينهم وبين الماء ، فإنّ عليّاً لم يكن ليظمأ وأنت ريّان ، وفي يده أعنة الخيل ، وهو ينظر إلى الفرات حتى يشرب أو يموت ، وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق ، ومعه أهل العراق وأهل الحجاز ، وقد سمعته أنا وأنت وهو يقول : لو استمكنت من أربعين رجلاً ـ فذكر أمراً ـ يعني لو أنّ معي أربعين رجلاً يوم فتش البيت ، يعني بيت فاطمةعليها‌السلام (2) .

وكم في أقوال الإمامعليه‌السلام من نفثات ألم وبرم من أولئك الغاصبين حقه ، وما سكوته على مضض إلاّ لقلّة الناصر ، والتزاماً بما رسمه له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يفعله في تلك الحال.

ولقد وردت عن الإمامعليه‌السلام عدّة نصوص تعطينا صورة واضحة عن رأيه في أحداث تلك الفترة وما أعقبها من ملابسات ، وعلى كيفية معالجتها بالأصلح ، اتخذ

__________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي 2 : 47.

(2) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم : 182.


قراره في تلك الأزمة الخانقة من التعايش مع الزمرة الحانقة ، إذ لم ير يومئذٍ غير ذلك من الحل المناسب ، فلنقرأ ما يقولعليه‌السلام :

« إنّ الله لما قبض نبيّه استأثرت علينا قريش بالأمر ، ودفعتنا عن حق نحن أحق به من الناس كافة ، فرأيت أنّ الصبر أفضل من تفريق كلمة المسلمين وسفك دمائهم ، والناس حديثو عهد بالإسلام ، والدين يمخض مخض الوطب ، يفسده أدنى وهن ، ويعكسه أقلّ خلاف » (1) .

وقالعليه‌السلام :« ولقد علم المستحفظون من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّني لم أردّ على الله ولا على رسوله ساعة قط ، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال ، وتتأخّر عنها الأقدام ، نجدة أكرمني الله بها ، ولقد بذلت في طاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله جهدي ، وجاهدت أعداءه بكل طاقتي ، ووقيته بنفسي ، ولقد أفضى إليّ من علمه بما لم يفضَ به إلى أحد غيري ، ولقد قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّ رأسه لعلى صدري ، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي ، ولقد وليت غسله صلى‌الله‌عليه‌وآله والملائكة أعواني ، فضجّت الدار والأفنية ملأ يهبط وملأ يعرج ، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه ، حتى واريناه صلوات الله عليه في ضريحه ، فمن ذا أحق به منّي حيّاً وميّتاً » (2) .

وقالعليه‌السلام :« لما قبض الله نبيّه وكنّا نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤه من دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، ولا يطمع في حقنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا ، فصار الأمر لغيرنا ، وصرنا سوقة ، يطمع فينا الضعيف ، ويتعزز علينا الذليل ، فبكت منّا الأعين لذلك ، وخشيت الصدور ، وجزعت النفوس » (3) .

__________________

(1) بحار الأنوار 32 : 62.

(2) غرر الحكم للآمدي : 243.

(3) الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 11.


وقالعليه‌السلام في جواب الأسدي ، وقد سأله كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ، فقال :« يا أخا بني أسد إنك لقلق الوضين (1) ، تُرسل في غير سدَدَ ، ولك بعد ذمامة الصهر وحق المسألة ، وقد استعلمت فاعلم : أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نَسَباً ، والأشدون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نوطاً (2) ،فإنّها كانت اثرة شحت عليها نفوس قوم ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، والحَكَم الله ، والمعود إليه يوم القيامة ، ودع عنك نهباً صيح في حجراته » (3) .

وقالعليه‌السلام :« اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ، ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ، وتقام المعطّلة من حدودك ، اللّهم إنّي أول من أناب وسمع وأجاب ، ولم يسبقني إلاّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالصلاة » (4) .

إلى غير ذلك من أقوالهعليه‌السلام التي أوضحت للناس عظيم معاناته ، وفي الشقشقية ، ومثلها في كلامه مع ابن عباس في النخيلة وهو صنو الشقشقية بياناً ولساناً ذكرته في ( موسوعة عبد الله بن عباس ) يفيض ألماً ، وتكاد أحرفه تقطر دماً ، ولم تقصر عن ذلك خطبته التي استعرض فيها حال المسلمين بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإلى أواخر أيام خلافته ، وقد أجاب فيها على مسائل السائلين في مشهد يوم عظيم.

__________________

(1) الوضين : بطان يشد به الرحل على البعير كالحزام للسرج ، فإذا قلق واضطرب اضطرب الرحل ، فكثر تململ الجمل وقلّ ثباته في سيره.

(2) النَوط ـ بالفتح ـ : التعلق.

(3) البيت لامريء القيس الكندي ، وتتمته : وهات حديثاً ما حديث الرواحل ، راجع نهج البلاغة شرح محمد عبدة 2 : 79 ـ 80.

(4) نهج البلاغة ( شرح محمد عبدة ) 2 : 19.


وإلى القارئ نص الخطبة نقلاً عن كنز العمال(1) :

عن يحيى بن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه قال : كان علي يخطب فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرني مَن أهل الجماعة ؟ ومَن أهل الفرقة ؟ ومَن أهل السنة ؟ ومَن أهل البدعة ؟

فقال :« ويحك ! أما إذ سألتني فافهم عنّي ، ولا عليك أن لا تسأل عنها أحداً بعدي ، فأما أهل الجماعة فأنا ومن اتبعني وإن قلّوا ، وذلك الحق من أمر الله وأمر رسوله ، فأما أهل الفرقة فالمخالفون لي ومن اتبعني وإن كثروا ، وأما أهل السنة المتمسكون بما سنّه الله لهم ورسوله وإن قلّوا ، وأما أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ورسوله ، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا ، وقد مضى منه الفوج الأول وبقيت أفواج ، وعلى الله قصمها واستئصالها عن جدبة الأرض » .

فقام إليه عمّار فقال : يا أمير المؤمنين ! انّ الناس يذكرون الفيء ويزعمون أنّ قاتلنا ( مقاتلنا ظ ) فهو وماله وأهله فيء لنا وولده ، فقام رجل من بكر بن وائل يدعى عبّاد بن قيس ـ وكان ذا عارضة ولسان شديد ـ فقال : يا أمير المؤمنين ! والله ! ما قسمت بالسوية ، ولا عدلت في الرعية ، فقال علي :« ولم ، ويحك ؟ » قال : لأنّك قسمت ما في العسكر ، وتركت الأموال والنساء والذرية ، فقال عبّاد : جئنا نطلب غنائمنا ، فجاءنا بالترهات ! فقال له علي :« إن كنت كاذباً فلا أماتك الله حتى تدرك غلام ثقيف » .

فقال رجل من القوم : ومَن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين ؟ فقال :« رجل لا يدع لله حرمة إلا انتهكها » ، قال : فيموت أو يقتل ؟ قال :« بل يقصمة قاصم الجبّارين ، قتله بموت فاحش يحترق منه دبره لكثرة ما يجري من بطنه ، يا أخا بكر ! أنت امرؤ

__________________

(1) كنز العمّال 21 : 126 ـ 136.


ضعيف الرأي ، أما علمت أنّا لا نأخذ الصغير بذنب الكبير ! وأنّ الأموال كانت لهم قبل الفرقة ، وتزوجوا على رشدة ، وولدوا على الفطرة ، وإنّما لكم ما حوى عسكرهم ، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم ، فإن عدا علينا أحد منهم أخذناه بذنبه ، وإن كفّ عنّا لم نحمل عليه ذنب غيره ، يا أخا بكر ! لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل مكة ، قسّم ما حوى العسكر ولم يعرض لما سوى ذلك ، وإنّما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل ، يا أخا بكر ! أما علمت أنّ دار الحرب يحل ما فيها ، وأنّ دار الهجرة يحرم ما فيها إلا بحق ، فمهلاً مهلاً رحمكم الله ! فإن أنتم لم تصدّقوني وأكثرتم علي ـ وذلك أنّه تكلّم في هذا غير واحد ـفأيّكم يأخذ أمه عائشة بسهمه ؟ » .

قالوا : أينا يا أمير المؤمنين ! بل أصبت وأخطأنا ، وعلمت وجهلنا ، ونحن نستغفر الله ! وتنادى الناس من كل جانب : أصبت يا أمير المؤمنين ! أصاب الله بك الرشاد والسداد ! فقام عمّار فقال : يا أيّها الناس ! إنّكم والله إن اتبعتموه وأطعتموه لم يضلّ بكم من منهاج نبيكم قيد شعرة ، وكيف يكون ذلك وقد استودعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المنايا والوصايا ، وفصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران ، إذ قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » فضلاً خصّه الله به إكراماً منه لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث أعطاه الله ما لم يعطه أحداً من خلقه.

ثم قال علي :« انظروا رحمكم الله ما تؤمرون به فامضوا له ، فإنّ العالم أعلم بما يأتي من الجاهل الخسيس الأخس ، فإنّي حاملكم ـ إن شاء الله تعالى إن أطعتموني ـ على سبيل الجنة ، وإن كان ذا مشقة شديدة ومرارة عتيدة ، وإنّ الدنيا حلوة ، الحلاوة لمن اغتر بها (1) من الشقوة والندامة عمّا قليل ، ثم إنّي مخبركم أنّ

__________________

(1) بياض في جميع النسخ المطبوعة. ولعل تتمة الكلام حسب السياق ( وسيرى ).


خيلاً من بني إسرائيل أمرهم نبيهم أن لا يشربوا من النهر ، فلجوا في ترك أمره فشربوا منه إلاّ قليلاً منهم ، فكونوا رحمكم الله من أولئك الذين أطاعوا نبيّهم ولم يعصوا ربّهم ، وأما عائشة فأدركها رأي النساء ، وشيء كان في نفسها عليَّ يغلي في جوفها كالمرجل ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليَّ لم تفعل ، ولها بعد ذلك حرمتها الأولى ، والحساب على الله ، يعفو عمن يشاء ويعذب من يشاء » .

فرضي بذلك أصحابه وسلموا لأمره بعد اختلاط شديد ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ! حكمت والله فينا بحكم الله ، غير أنّا جهلنا ومع جهلنا لم نأت ما يكره أمير المؤمنين :

وقال ابن يساف الأنصاري :

إنّ رأياً رأيتموه سفاهاً

لخطأ الايراد والاصدار

ليس زوج النبي تقسم فيئاً

ذاك زيغ القلوب والأبصار

فاقبلوا اليوم ما يقول علي

لا تناجوا بالإثم في الإسرار

ليس ما ضمت البيوت بفيء

إنّما الفيء ما تضم الأوار

من كراع في عسكر وسلاح

ومتاع يبيع أيدي التجار

ليس في الحق قسم ذات نطاق

لا ولا أخذكم لذات خمار

ذاك هو فيئكم خذوه وقولوا

قد رضينا لا خير في الإكثار

إنّها أمكم وإن عظم الخط

‍ب وجاءت بزلّة وعثار

فلها حرمة النبي وحقا

ق علينا من سترها ووقار

ثم قام عبّاد بن قيس وقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الإيمان ، فقال :« نعم ، إنّ الله ابتدأ الأمور فاصطفى لنفسه ما شاء ، واستخلص ما أحب ، فكان مما أحب أنّه ارتضى الإسلام ، واشتقه من اسمه ، فنحله من أحب من خلقه ، ثم شقّه فسهّل


شرائعه لمن ورده ، وعزّز أركانه على من حاربه ، هيهات من أن يصطلمه مصطلم ! جعله سلماً لمن دخله ، ونوراً لمن استضاء به ، وبرهاناً لمن تمسّك به ، وديناً لمن انتحله ، وشرفاً لمن عرفه ، وحجة لمن خاصم به ، وعلماً لمن رواه ، وحكمة لمن نطق به ، وحبلاً وثيقاً لمن تعلّق به ، ونجاة لمن آمن به.

فالإيمان أصل الحق ، والحق سبيل الهدى وسيفه جامع الحلية ، قديم العدة ، الدنيا مضماره ، والغنيمة حليته ، فهو أبلج منهاج ، وأنور سراج ، وأرفع غاية ، وأفضل داعية ، لمن سلك قصد الصادقين ، واضح البيان ، عظيم الشأن ، الأمن منهاجه ، والصالحات مناره ، والفقه مصابيحه ، والمحسنون فرسانه ، فعصم السعداء بالإيمان ، وخذل الأشقياء بالعصيان من بعد اتجاه الحجة عليهم بالبيان ، إذ وضح لهم منار الحق ، وسبيل الهدى.

فالإيمان يستدل به على الصالحات ، وبالصالحات يعمر الفقه ، وبالفقه يرهب الموت ، وبالموت يختم الدنيا ، وبالدنيا تخرج الآخرة ، وفي القيامة حسرة أهل النار ، وفي ذكر أهل النار موعظة أهل التقوى ، والتقوى غاية لا يهلك من اتبعها ، ولا يندم من عمل بها ، لأنّ بالتقوى فاز الفائزون ، وبالمعصية خسر الخاسرون ، فليزدجر أهل النهي ، وليتذكّر أهل التقوى ، فإنّ الخلق لا مقصر لهم في القيامة دون الوقوف بين يدي الله ، مرفلين في مضمارها نحو القصبة العليا إلى الغاية القصوى ، مهطعين بأعناقهم نحو داعيها ، قد شخصوا من مستقر الأجداث والمقابر إلى الضرورة أبداً ، لكل دار أهلها ، قد انقطعت بالأشقياء الأسباب ، وأفضوا إلى عدل الجبار ، فلا كرّة لهم إلى دار الدنيا ، فتبرؤوا من الذين آثروا طاعتهم على طاعة الله ، وفاز السعداء بولاية الإيمان.

فالإيمان يا ابن قيس على أربع دعائم : الصبر ، واليقين ، والعدل ، والجهاد ، فالصبر من ذلك على أربع دعائم : الشوق ، والشفق ، والزهد ، والترقب ، فمن اشتاق


إلى الجنة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات ، ومن ارتقب الموت سارع في الخيرات.

واليقين من ذلك على أربع دعائم : تبصرة الفتنة ، تأوّل الحكمة ، ومن تأوّل الحكمة عرف العبرة ، ومن عرف العبرة عرف السنة ، ومن عرف السنة فكأنّما كان في الاولين ، فاهتدى إلى التي هي أقوم.

والعدل من ذلك على أربع دعائم : غائص الفهم ، وغمرة العلم ، وزهرة الحكم ، وروضة الحلم ، فمن فهم فسّر جميع العلم ، ومن علم عرف شرائع الحكم ، ومن عرف شرائع الحكم لم يضل ، ومن حلم لم يفرط أمره ، وعاش في الناس حميداً.

والجهاد من ذلك على أربع دعائم : الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والصدق في المواطن ، وشنآن الفاسقين ، فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمن ، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق ، ومن صدق في المواطن قضى الذي عليه ، ومن شنأ المنافقين وغضب لله غضب الله له ».

فقام إليه عمّار فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الكفر على ما بُنيَ كما أخبرتنا عن الإيمان ؟ قال :« نعم يا أبا اليقظان ! بني الكفر على أربع دعائم : على الجفاء ، والعمى ، والغفلة ، والشك ، فمن جفا فقد احتقر الحق ، وجهر بالباطل ، ومقت العلماء ، وأصرّ على الحنث العظيم ، ومن عمي نسي الذكر ، واتبع الظن ، وطلب المغفرة بلا توبة ولا استكانة ، ومن غفل حاد عن الرشد ، وغرّته الأماني ، وأخذته الحسرة والندامة ، وبدا له من الله ما لم يكن يحتسب ، ومن عتا في أمر الله شك ، ومن شك تعالى الله عليه فأذلّه بسلطانه ، وصغّره بجلاله ، كما فرّط في أمره فاغتر بربّه الكريم ، والله أوسع بما لديه من العفو والتيسير ، فمن عمل بطاعة الله اجتلب بذلك ثواب الله ، ومن تمادى في معصية الله ذاق وبال نقمة الله ، فهنيئاً لك يا أبا اليقضان عقبى لا عقبى غيرها ، وجنّات لا جنّات بعدها ! » .


فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! حدّثنا عن ميّت الأحياء ، قال :« نعم ، إنّ الله تعالى بعث النبيّين مبشرين ومنذرين فصدّقهم مصدقون ، وكذّبَهم مكذبون ، فيقاتلون من كذّبهم بمن صدّقهم ، فيظهرهم الله ثم يموت الرسل ، فتخلف خلوف ، فمنهم منكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه ، فذلك استكمل خصال الخير ، ومنهم منكر للمنكر بلسانه وقلبه تارك له بيده ، فذلك خصلتان من خصال الخير تمسك بهما ، وضيّع خصلة واحدة وهي أشرفها ، ومنهم منكر للمنكر بقلبه تارك له بيده ولسانه ، فذلك ضيّع شرف الخصلتين من الثلاث وتمسك بواحدة ، ومنهم تارك له بلسانه وقلبه ويده ، فذلك ميّت الأحياء » .

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا على ما قاتلت طلحة والزبير ؟ قال :« قاتلتهم على نقضهم بيعتي ، وقتلهم شيعتي من المؤمنين : حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس ، والسائحة (1) ، والأساورة (2) بلا حق استوجبوه منهما ، ولا كان ذلك لهما دون الإمام ، ولو أنهما فَعلا ذلك بأبي بكر وعمر لقاتلاهما ، ولقد علم مَن ههنا مِن أصحاب محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ أبا بكر وعمر لم يرضيا ممن امتنع من بيعة أبي بكر حتى بايع وهو كاره ، ولم يكونوا بايعوه بعد الأنصار ، فما بالي وقد بايعاني طائعينَ غير مكرَهينَ ؟! ولكنهما طمعا منّي في ولاية البصرة واليمن ، فلما لم أولّهما ، وجاءهما الذي غلب من حبهما للدنيا وحرصهما عليها ، خفت أن يتخذا عباد الله خولاً ، ومال المسلمين لأنفسهما ، فلمّا زويت ذلك عنهما وذلك بعد أن جرّبتهما واحتججت عليهما » .

__________________

(1) هكذا في النسخ المطبوعة والصواب ( السبابجة ) وهم قوم من السند ، كانوا بالبصرة كشرطة وحرّاس السجن ، الصحاح 1 : 321 ، ( سبج ).

(2) الأساورة : قوم من العجم نزلوا بالبصرة كالأحامرة بالكوفة ، القاموس المحيط 2 : 54 ( سورة ).


فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو ؟ قال :« سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّما أهلك الله الأمم السالفة قبلكم بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يقول الله ( عزّ وجلّ ) : ( كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (1) .

وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله ( عزّ وجلّ ) ، فمن نصرهما نصره الله ، ومن خذلهما خذله الله ، وما أعمال البر والجهاد في سبيله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلاّ كبقعة في بحر لجي ، فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل ولا ينقصان من رزق ، وأفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ، وإنّ الأمر لينزل من السماء إلى الأرض كما ينزل قطر المطر إلى كل نفس بما قدر الله لها من زيادة أو نقصان ، في نفس ، أو أهل ، أو مال ، فإذا أصاب أحدكم نقصاناً في شيء من ذلك ، ورأى الآخر ذا يسار لا يكوننّ له فتنة ، فإنّ المرء المسلم البرئ من الخيانة لينتظر من الله إحدى الحسنيين : إما من عند الله فهو خير واقع ، وإما رزق من الله يأتيه عاجل ، فإذا هو ذو أهل ومال ومعه حسبه ودينه ، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ، والباقيات الصالحات حرث الدنيا ، والعمل الصالح حرث الآخرة ، وقد يجمعهما الله لأقوام » .

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن أحاديث البدع ، قال :« نعم ، سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : إنّ أحاديث ستظهر من بعدي حتى يقول قائلهم : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كل ذلك افتراء عليَّ ، والذي بعثني بالحق ! لتفترقنّ أمّتي على أصل دينها وجماعتها على ثنتين وسبعين فرقة ، كلّها ضالة مضلّة تدعوا إلى النار ، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله ( عزّ وجلّ ) ، فإنّ فيه نبأ ما كان قبلكم ،

__________________

(1) المائدة : 79.


ونبأ ما يأتي بعدكم ، والحكم فيه بيّن ، من خالفه من الجبابرة قصمه الله ، ومن ابتغى العلم في غيره أضلّه الله ، فهو حبل الله المتين ، ونوره المبين ، وشفاؤه النافع ، وعصمة لمن تمسك به ، ونجاة لمن تبعه ، لا يعوّج فيقام ، ولا يزيغ فيتشعب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا يخلقه كثرة الرد ، وهو الذي سمعته الجن فلم تناه أن ولّوا إلى قومهم منذرين قالوا : يا قومنا ! ( إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا *يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ) (1) ، من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم » .

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين ! أخبرنا عن الفتنة هل سألت عنها رسول الله ؟ قال :« نعم ، إنّه لما نزلت هذه الآية من قول الله ( عزّ وجلّ ) : ( الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (2) ، علمت أن الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حيٌّ بين أظهرنا ، فقلت : يا رسول الله ! ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها ؟ فقال : يا علي ! إن أمتي سيفتنون من بعدي ، قلت : يا رسول الله ! أوليس قد قلت لي يوم اُحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين ، وحزنت على الشهادة فشق ذلك عليَّ ، فقلت لي : أبشر يا صدّيق ! فانّ الشهادة من ورائك ، فقال لي : فإنّ ذلك لكذلك ، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا ! وأهوى بيده إلى لحيتي ورأسي ، فقلت : بأبي وأمي يا رسول الله ! ليس ذلك من مواطن الصبر ، ولكن من مواطن البشرى والشكر ! فقال لي : أجل.

ثم قال لي : يا علي ! انّك باق بعدي ، ومبتلى بأمتي ، ومخاصَم يوم القيامة بين يدي الله تعالى ، فاعدد جواباً ، فقلت : بأبي أنت وأمي ! بيّن لي ما هذه الفتنة التي يبتلون بها ، وعلى ما أجاهدهم بعدك ؟ فقال : إنّك ستقاتل بعدي الناكثة والقاسطة والمارقة ـ وحلاهم وسماهم رجلاً رجلاً ـثم قال لي : وتجاهد أمتي على كل من

__________________

(1) الجن : 1 ـ 2.

(2) العنكبوت 1 ـ 2.


خالف القرآن ممن يعمل في الدين بالرأي ، ولا رأي في الدين ، إنّما هو أمر من الرب ونهيه.

فقلت : يا رسول الله ! فأرشدني إلى الفلج عند الخصومة يوم القيامة ، فقال : نعم ، إذا كان ذلك فاقتصر على الهدى ، إذا قومك عطفوا الهدى على العمى ، وعطفوا القرآن على الرأي فتأوّلوه برأيهم ، تتبع الحجج من القرآن بمشتبهات الأشياء الكاذبة عند الطمأنينة إلى الدنيا والتهالك والتكاثر ، فاعطف أنت الرأي على القرآن إذا قومك حرّفوا الكلم عن مواضعه عند الأهواء الساهية ، والأمر الصالح ، والهرج والاثم ، والقادة الناكثة ، والفرقة القاسطة ، والأخرى المارقة أهل الافك المردي ، والهوى المطغي ، والشبهة الحالقة ، فلا تنكلنّ عن فضل العاقبة فإنّ العاقبة للمتقين.

وإيّاك يا علي أن يكون خصمك أولى بالعدل والإحسان والتواضع لله ، والاقتداء بسنتي والعمل بالقرآن منك! فإن من فلج الرب على العبد يوم القيامة أن يخالف فرض الله أو سنّة سنّها نبي ، أو يعدل عن الحق ويعمل بالباطل ، فعند ذلك يملي لهم فيزدادوا إثماً ، يقول الله :( أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (1) .

فلا يكوننّ الشاهدون بالحق ، والقوامون بالقسط عندك كغيرهم ، يا علي ! إنّ القوم سيفتنون ويفتخرون بأحسابهم وأموالهم ، ويزكون أنفسهم ، ويمنّون دينهم على ربهم ، ويتمنون رحمته ، ويأمنون عقابه ، ويستحلّون حرامه بالمشتبهات الكاذبة ، فيستحلون الخمر بالنبيذ ، والسحت بالهدية ، والربا بالبيع ، ويمنعون الزكاة ، ويطلبون البر ، ويتخذون فيما بين ذلك أشياء من الفسق لا توصف صفتها ، ويلي أمرهم السفهاء ،

__________________

(1) آل عمران : 178.


ويكثر تتبعهم على الجور والخطأ ، فيصير الحق عندهم باطلاً ، والباطل حقاً ، ويتعاونون عليه ويرمونه بألسنتهم ، ويعيبون العلماء ويتخذونهم سخرياً.

قلت : يا رسول الله ! فبأية المنازل هم إذا فعلوا ذلك ، بمنزلة فتنة أو بمنزلة ردّة ؟ قال : بمنزلة فتنة ، ينقذهم الله بنا أهل البيت عند ظهورنا السعداء من أولي الألباب ، إلا أن يدعوا الصلاة ، ويستحلّوا الحرام في حرم الله ، فمن فعل ذلك منهم فهو كافر.

يا علي ! بنا فتح الله الإسلام وبنا يختمه ، بنا أهلك الأوثان ومن يعبدها ، وبنا يقصم كلّ جبار وكلّ منافق ، حتى إنّا لنقتل في الحق مثل من قتل في الباطل ، يا عليّ ! إنّما مثل هذه الأمة مثل حديقة أطعم منها فوجاً عاماً ثم فوجاً عاماً ، فلعل آخرها فوجاً أن يكون أثبتها أصلاً ، وأحسنها فرعاً ، وأحلاها جنى ، وأكثرها خيراً ، وأوسعها عدلاً ، وأطولها ملكاً.

يا علي ! كيف يهلك الله أمة أنا أولها ، ومهدينا أوسطها ، والمسيح ابن مريم آخرها.

يا علي ! انّما مثل هذه الأمة كمثل الغيث لا يدرى أوّله خير أم آخره ، وبين ذلك نهج أعوج لست منه وليس منّي.

يا علي ! وفي تلك الأمة يكون الغلول والخيلاء وأنواع المثلات ، ثم تعود هذه الأمة إلى ما كان خيار أوائلها ، فذلك من بعد حاجة الرجل إلى قوت امرأته ـ يعني غزلها ـحتى أنّ أهل البيت ليذبحون الشاة فيقنعون منها برأسها ، ويواسون ببقيتها ، من الرأفة والرحمة بينهم » .

نماذج من مواقف علماء التبرير من تلك الأحداث :

بعد استعراض ما مرّ من النصوص التي يجب أن تقرأ بإمعان ، وقد قرأها القارئ فهل حصلت لديه قناعة بأنّ ثمة إدانة لأفعال السلف ، بما جرى منهم على أهل البيتعليهم‌السلام من ظلم بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان ( المحسن السبط ) أول شهيد لعنف تلك الأحداث ؟


لا ريب أنّ مَن غَلَبَ عقله على هواه حصلت لديه قناعة كافية ، بأنّ ظلماً قد جرى فأسقط جنيناً على الثرى ، وبقيت فعال الظالمين السالفين وصمة عار على الخالفين ، وهذا ما أدركه علماء التبرير ، ولابدّ لهم ما داموا وهم من أنصار الخلافة ، أن يغالطوا أنفسهم ليتمكنوا من مغالطة الآخرين ، وهذا ما حدث كما أراه في أقوالهم ، فقد نفوا أن يكون أيّ ظلم لحق بأهل البيت ، ونفوا ذلك جملةً وتفصيلاً من دون حجة مقبولة ، وأنّى لهم إقامة الحجة على ذلك ، وحجتهم دعم الحاكمين ، فهم أقوى سند ، ومنهم المَدد وعليهم المعتمد ، ويكفيهم زرع الشك فيما يرويه أنصار الإمامة ، لأنّهم أقوى منهم شكيمة وأهدى سبيلاً وأقوم قيلاً ، ولو كان ذلك دفعاً بالصدور.

وإلى القارئ نماذج مما قاله بعض علماء التبرير :

1 ـ أبو بكر الباقلاني ( ت 403 ه‍ ) متكلم على مذهب الأشعري ، له نشاط في الرد على المعتزلة والشيعة والخوارج والجهمية وغيرهم ، وكتابه ( التمهيد ) دليل ذلك ما عليه من مزيد. قال في كتابه ( نكت الانتصار لنقل القرآن ) :

وأمّا طعن الرافضة على الصحابة فلا يلتفت إليه ، لأنّهم جروا على عادتهم في سب السلف ورميهم بالكفر ، وقولهم : إنّ علياً جرّ إلى بيعة أبي بكر بحبل أسود وإنّ عمر ( رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن )(1) .

وعلى نهج هذا الأشعري في تحامله على الرافضة ، كان نهج المعتزلي كما سيأتي ، فجرى التالون على ما أسّس الأولون ، وما أدري لماذا كل هذا الحقد على الشيعة ؟ فما هو ذنبهم في روايتهم ذلك ؟ فهم لم يبهتوا الصحابة بما لم يكن فيهم ومنهم ، وعلى تقدير ذكرهم يوجب الإدانة ، فليكن الأشعري أو المعتزلي منصفاً

__________________

(1) نكت الانتصار لنقل القرآن : 36.


في نقده ، وعادلاً في توزيع حقده ، فيصبّ ثمالة جام غضبه على الذين ذكروا ذلك من أصحاب مذهبه ، فإن يك ما ذكروه كذباً فعليهم وزر ما رووه ، وإن يك صدقاً ، فوزر ذلك على الذين اقترفوه.

ألم يذكر عبد القادر البغدادي الأشعري في كتابه ( الفرق بين الفرق )(1) عن النظام المعتزلي ذلك ؟ وليسا هما من الرافضة ؟

ألم يذكر ذلك المقريزي ـ وهو سنّي ـ في كتابه الخطط(2) ، فهل هو من الرافضة ؟

ألم يذكر ذلك الشهرستاني ـ وهو سنّي متعصب على الشيعة ـ في كتابه الملل والنحل ، كما تقدم في النصوص ؟ فهل هو من الرافضة ؟

ألم يذكر ذلك الصفدي ـ وهو من مؤرخي السنّة ـ في كتابه الوافي بالوفيات كما تقدم في النصوص ، فهل هو من الرافضة ؟

أليس هؤلاء جميعاً نقلوا ما قاله إبراهيم النظام المعتزلي البغدادي ، تلميذ الجاحظ المعتزلي البصري ، فقال : انّ عمر ضرب بطن فاطمة ابنة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى ألقت المحسن من بطنها ، وكان يصيح أحرقوا الدار بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين راجع نص الشهرستاني فيما تقدم من النصوص.

ألم يذكر الذهبي السنّي العتيد العنيد في ميزان الاعتدال(3) ، في ترجمة أبي دارم عنه أنّ عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن. فهل على الرافضة من وزر لو قالوا ما رواه هؤلاء ؟

__________________

(1) الفرق بين الفرق : 140 ـ 141.

(2) الخطط للمقريزي 2 : 346.

(3) ميزان الاعتدال 1 : 139.


2 ـ قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمذاني ( ت 415 ه‍ ) من شيوخ المعتزلة ومتكلميهم ، فقد قال في كتابه ( تثبيت دلائل النبوة ) متحاملاً بظلم على الرافضة : ومن عجيب اُمورهم قولهم والذي عرفنا بالخبر أن يزيد بن معاوية قتل الحسين وأشخص ذريته إلى الشام ، هو الذي عرفنا بعقولنا انّ أبا بكر ما ضرب فاطمة ، ولا قتل المحسن ، وهذا في القياس كمن قال : إذا كان يزيد بن معاوية قد غزى ـ كذا والصواب غزا ـ المدينة ومكة واستباحهما أن يكون أبو بكر قد فعل مثل ذلك(1) .

وقال : وقيل أيضاً للرافضة : إذا كان أبو بكر قد ضرب فاطمة وقتل المحسن ، فقد كان ينبغي أن يحصل العلم بذلك عند كل من سمع الأخبار ، وأن يكون العلم بذلك مثل العلم بقتل يزيد الحسين ، ومثل قتل معاوية حجر بن عدي ، وعبيد الله بن زياد مسلم بن عقيل ، بل كان ينبغي أن يكون العلم بما ادعيتم أقوى من العلم بهؤلاء القتلى ، لأنّ هذه الحادثة التي ادعيتموها على أبي بكر كانت بالمدينة ، وقد شهدها العباس وولده ، وعلي بن أبي طالب وولده ، وعقيل وولده ، وجميع بني هاشم ومواليهم ونسائهم ، وجميع المهاجرين والأنصار وأولادهم ونسائهم ، وقد كان بالمدينة حين توفى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر من مائة ألف إنسان ، وكان يكون العلم بهذا أقوى مما كان بكربلا.

ولكن دعاوى الرافضة على ضرب فاطمةعليها‌السلام وقتل ولدها ، وأمر أبي بكر خالد بن الوليد بقتل علي بن أبي طالب كدعواهم على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله النصوص التي يدّعونها ، وكل من تأمّل أمرهم تبيّن له بطلان ذلك ، ووضح له وضوح الشمس(2) .

__________________

(1) تثبيت دلائل النبوة : 239.

(2) نفس المصدر : 240.


وقال : وفي هذا الزمان منهم ـ يعني من الشيعة الفاطميين ـ مثل أبي جبلة إبراهيم بن غسان ، ومثل جابر المتوفي ، وأبي الفوارس الحسن بن محمد الميمدي ، وأبي الحسين أحمد بن محمد بن الكميت ، وأبي محمد الطبري ، وأبي الحسن الحلبي ، وأبي يتيم الرلباي ، وأبي القاسم البخاري ، وأبي الوفا الديلمي ، وابن أبي الديس ، وخزيمة وأبي خزيمة وأبي عبد الله محمد بن النعمان ، فهؤلاء بمصر وبالرملة وبصور وبعكا وبعسقلان وبدمشق وببغداد وبجبل البسماق ، وكل هؤلاء بهذه النواحي يدّعون التشيع ومحبّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته ، فيبكون على فاطمة وعلى ابنها المحسن الذي زعموا أنّ عمر قتله(1) .

وقال أيضاً وهو يخاطب الفاطميين بمصر : وأنتم تدّعون ما هو في الظهور أعظم من هذا ، من انّ فاطمةعليها‌السلام ضُربت وقُتل جنينها في بطنها جهاراً بمشهد من العباس وعلي وجميع بني هاشم ، وبمشهد من المهاجرين والأنصار ، وهم أكثر ما كانوا وأوفر ، وهذه وقعة أعظم من وقعة كربلاء ومن شهدها أكثر(2) .

أقول : من حقنا أن نسأله وجميع المدافعين عن أبي بكر عن معنى ندمه على كشف بيت فاطمة ، فماذا جرى يومئذٍ حتى كان شبحه يطارد مخيلة أبا بكر ولم يبارحه حتى مرض موته ، فباح بما قال نادماً ؟

فإذا لم يكن قد جرى يومئذٍ ما جرى كما يقوله الشيعة ويرويه بعض السنّة فعلام الندم ؟

ثم من حقنا أن نسأل قاضي القضاة بماذا كان يقضي لو كانت دعوى فاطمةعليها‌السلام رفعت إليه ، أكان يسمع دعواها في النحلة وفي الميراث وفي سهم

__________________

(1) المصدر نفسه : 594 ـ 595.

(2) المصدر نفسه : 652 ـ 653.


ذوي القربى ؟ أم يردّها كما فعل أبو بكر ؟ ثم نفسّر ندمه عند موته على كشف بيت فاطمةعليها‌السلام بذلك ؟ كيف يقبل ذو مسكة من عقل ودين أن يقول ذلك ؟

ونسأله أيضاً عن حديث رواه أبو بكر نفسه ، وذلك حديث الخيمة التي جمع فيها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علياً وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام وقال :« معاشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل هذه الخيمة ، وحرب لمن حاربهم ، ووليّ لمن والاهم ، لا يحبهم إلاّ سعيد الجدّ طيب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ ردي المولد » (1) .

فهل كلام قاضي القضاة في دفاعه عما جرى على فاطمة وبعلها وبنيها مما يدل على مسالمتهم ؟ أو على محاربتهم ؟ وهو لا شك عرف حديث الكساء الذي رواه أهل التاريخ والحديث ، ورواه من الصحابة أكثر من عشرة كما في كتاب ( علي إمام البررة )(2) ، وأطال فيه ابن حجر الكلام في اثباته سنداً ودلالةً(3) .

وكلا الحديثين حديث الخيمة الذي رواه أبو بكر ، وحديث الكساء ومن رواته عائشة ابنة أبي بكر ، دلاّ على ما لأهل البيت من الفضل ما ليس لأحد مثله ، ولبيتهم حرمة لا توازيها حرمة أيّ بيت آخر.

وهذا ما سمعه أبو بكر من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً ، فقد روى أنس بن مالك وبريدة بن الحصيب وغيرهما : انّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قرأ :( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ ) (4) ، فقام إليه رجل فقال : أيّ بيوت هذه يا رسول الله ؟ قال :« بيوت الأنبياء » .

فقام إليه أبو بكر فقال : يا رسول الله هذا البيت منها ؟ لبيت علي وفاطمة ، قال :« نعم من أفاضلها » (5) .

__________________

(1) الرياض النضرة للمحب الطبري.

(2) علي إمام البررة 1 : 371 ـ 408.

(3) الصواعق المحرقة : 86 ـ 87.

(4) النور : 36.

(5) الدر المنثور للسيوطي 5 : 50.


قال الألوسي بعد ذكر الحديث : وهذا إن صح لا ينبغي العدول عنه(1) .

وبعد هذا نعود إلى دفع القاضي وتعنته في دفعه وقضائه ، حيث يريد أن يكون ما جرى على أهل البيتعليهم‌السلام بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أعمال عنف في شياع مثل ما شاع ممّا ضرب به الأمثال من قتل الحسينعليه‌السلام ، وهذا منه بمنتهى الغرابة.

ونقول له : انّ خبر ندم أبي بكر عند موته وذكره مثلثات منها كشف بيت فاطمة ، خبر ثابت وقد تقدم ذكره بمصادره السنّية ، وليس فيه ذكر ضرب ولا رفس ولا إسقاط جنين ، ومع ذلك فقد مرّ بنا تحاشي مَن كنى عن كشف بيت فاطمةعليها‌السلام بقوله : كذا وكذا. فهو يتقي أن يذكر الخبر كما هو ، فهل يتوقع قاضي القضاة أن يشاع ويذاع أنباء ما جرى في ذلك اليوم من أحداث مروعة ومفزعة ؟ بعد شدة رقابة الحاكمين على الشيعة ومرويّاتهم ، ممّا لا يخفى على من هو دون القاضي فضلاً عنه.

وجرى ابن أبي الحديد المعتزلي وتبع القاضي المعتزلي في دفعه بالصدر ما رواه الشيعة وآخرون من غيرهم من خبر الرفسة والضرب فقال : فأمّا الاُمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من ارسال قنفذ إلى بيت فاطمةعليها‌السلام ، وأنّه ضربها بالعصا فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى أن ماتت ، وانّ عمر ضغطها بين الباب والجدار وألقت جنيناً ميتاً ، وجعل في عنق عليعليه‌السلام حبل يقاد به فكلّه لا أصل له عند أصحابنا(2) .

أقول : وهذان المعتزليان نفيا الاُمور التي جرت على أهل البيتعليهم‌السلام في تلك الفترة من بعد موت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكأنّهما يتوقعان أن يرويها لهما أمثال الطبري من المؤرخين ، مع انّ التاريخ فيه تزوير وتحوير وتطوير ، فمن كان من المؤرخين من

__________________

(1) روح المعاني 18 : 174.

(2) شرح النهج 6 : 6.


يملك الشجاعة والجرأة فيكتب الحدث كما هو ؟ فهذا الطبري وهو شيخ المؤرخين ألم يقل في أحداث سنة / 30 : وفي هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية واشخاص معاوية إيّاه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب اشخاصه إيّاه منها اُمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها ، فأمّا العاذرون معاوية ثم ذكر عن سيف ـ الوضاع الزنديق ـ ما ذكره ولم يخش من ذكرها ، لكنه قال بعد ذلك : وأمّا الآخرون فإنّهم رووا في سبب ذلك أشياء كثيرة واُموراً شنيعة كرهت ذكرها.

بالله لماذا الازدواجية في المعايير يا شيخ المؤرخين ؟

وأيضاً نجد الطبري يجبن عن ذكر الحقائق كما هي ، فقد قال في خبر مقتل عثمان : قد ذكرنا كثيراً من الأسباب التي ذكر قاتلوه أنّهم جعلوها ذريعة إلى قتله ، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الإعراض عنها.

وثالثاً نجده في خبر وقعة الجمل من رواية اُخرى ، عن غير سيف قال : فوقف عليّ عليها ـ أي على عائشة ـ فقال : « استفززت الناس وقد فزوا ، فألّبت بينهم حتى قتل بعضهم بعضاً في كلام كثير » ماذا كان ذلك الكلام الكثير ؟ لماذا الاحجام عن ذكر بعض الكلام ؟

ورابعاً قال في مكاتبة محمد بن أبي بكر مع معاوية : فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يحتمل سماعها العامة.

إلى غير ذلك من الشواهد مما طواه هو وغيره بحجة وبغير حجة ، فهل يتوقع القاضي عبد الجبار وابن أبي الحديد المعتزليان ومن هو على شاكلتهما ، أن يجدوا عند الطبري أو غيره من شيوخ المؤرخين ما ذكراه من اُمور تنفرد الشيعة بنقلها من خبر الضرب والرفسة والإسقاط ، مع انّه روى ذلك من غير الشيعة ، منهم على استحياء ، ومنهم على استخذاء.


3 ـ ابن تيمية الحراني ( ت 728 ه‍ ).

وهذا ثالث القوم جاء بما يضحك الثكلى ، وكأنّه يسخر بعقول الناس حين يقول في كتابه منهاج السنّة(1) : ( ونحن نعلم يقيناً انّ أبا بكر لم يقدم على علي والزبير بشيء من الأذى ، بل ولا على سعد بن عبادة المتخلف عن بيعته أولاً وآخراً ، وغاية ما يقال انّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه ، ثم رأى انّه لو تركهم لجاز.

فإنّه يجوز أن يعطيهم من مال الفيء ، وأمّا إقدامه عليهم أنفسهم بأذى ، فهذا ما وقع فيه قط باتفاق أهل العلم والدين ، وإنّما ينقل مثل هذا جهّال الكذّابين ، ويصدّقه حمقى العالمين الذين يقولون : انّ الصحابة هدموا بيت فاطمة ، وضربوا بطنها حتى أسقطت ، وهذا كله دعوى مختلق ، وإفك مفترى باتفاق أهل الإسلام ، ولا يروج إلا على من هو من جنس الأنعام ).

أقول : سبحانك اللّهمّ إن هذا إلاّ بهتان عظيم ، لقد مرت النصوص التي قدّمناها من مصادر تاريخ المسلمين ، وذكرنا توثيق أصحابها وكلهم من السنّة ، فهل كل أولئك ما كانوا من أهل العلم والدين ، وكانوا من جهّال الكذّابين ؟ ( إنّ هذا لهو البلاء المبين ).

ولم يكتف ابن تيمية بوصف من روى ذلك بما تقدم ، حتى جعلهم من جنس الأنعام ؛ لأنّهم راجت عليهم تلك المرويات فرووها ، ألا مسائل ذلك الأحمق المائق المائن ، كيف استساغ لنفسه أن يستغفل العقول بقوله : وغاية ما يقال انّه كبس البيت لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه وأن يعطيه لمستحقه ؟

أيّ مال ذلك ؟ متى جُمع ؟ ومتى وضع في بيت علي ؟ ولماذا وضع هناك ؟ مسائل يجب الإجابة عليها من لدن أتباع ابن تيمية ، وإلاّ فهو وهم من جنس الأنعام ، الوصف الذي نبز به غيره.

__________________

(1) منهاج السنّة 4 : 220.


ولو سلّمنا جدلاً انّ في بيت علي شيء من المال ، فهو لا يخلو إمّا أن يكون هو مال علي ، فليس من حق أبي بكر أو غيره أخذ أموال الناس منهم بالباطل ، وإمّا أن يكون من مال غيره وعنده وديعة ، فلا يصح بوجه لأبي بكر أو غيره التعدي عليه وأخذه ، أو هو مال المسلمين وضعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عنده ، فما بال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يختزن في بيت علي مال المسلمين ؟ ولم يرد في التاريخ انّه فعل ذلك ولو مرة واحدة ، بل الذي باتفاق أهل السيرة انّه كان لا يبقي عنده قليلاً ولا كثيراً ، بل كان يعجّل إنفاقه ولا يبيت عنده شيء منه.

أخرج البسوي في كتاب المعرفة والتاريخ(1) ، باسناده عن علي انّ عمر استشار الناس فقال : ما تقولون في فضل عندنا من هذا المال ؟

قالوا : يا أميرالمؤمنين قد شغلتك ـ أو شغلناك ـ عن أهلك وضيعتك وتجارتك فهو لك.

قال لي : ما تقول أنت ؟ فقلت : قد أشاروا عليك ، قال : قل.

قلت : يا أمير المؤمنين لم تجعل يقينك ظناً وعملك جهلاً ؟.

قال : لتخرجن ما قلت أو لأعاقبنك.

قلت : أجل إذاً والله لأخرجن منه ، أما تذكر إذ بعثك رسول اللهصلى الله عليه ( وآله ) وسلم ساعياً ، فأتيت العباس فمنعك صدقته ، فكان بينكما ، فأتيتني فقلت : انطلق معي إلى النبيصلى الله عليه ( وآله ) وسلم حتى أخبره بما صنع العباس ، فأتيناه فوجدناه خاثراً(2) فرجعنا ، ثم أتيناه من الغد فوجدناه طيّب النفس ، فذكرت له الذي صنع العباس فقال : أما علمت يا عمر انّ عم الرجل صنو أبيه ، وقال : إنّا كنا احتجنا فاستسلفنا العباس صدقة عامين.

__________________

(1) المعرفة والتاريخ 1 : 500.

(2) خاثر : ثقيل غير نشيط.


قال : وذكرنا الذي رأينا من خثوره في اليوم ( الأول ) والذي رأيناه من طيب نفسه في اليوم ( الثاني ) ، فقال : إنّكما أتيتماني في اليوم الأول وقد بقي عندي من الصدقة ديناران ، فكان الذي رأيتماني من خثوري لذلك ، ثم أتيتماني اليوم وقد وجهتها وكان الذي رأيتما من طيب نفسي لذلك.

قال عمر : صدقت والله ، أما والله لأشكرنّ لك الاُولى والآخرة.

قلت : يا أمير المؤمنين فلم تعجل العقوبة وتؤخر الشكر.

أقول : فإذا كانت هكذا حال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لدينارين بقيا عنده ، فهل يعقل أن يكون قد أحرز مالاً في بيت عليعليه‌السلام فكان كبس أبي بكر ـ فيما يراه ابن تيمية ـ لأخذ ذلك المال لينظر هل فيه شيء من مال الله الذي يقسمه ؟

وكأنّ ابن تيمية لم يعلم كيف كانت سيرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما يأتيه من المال ؟

ألم يقرأ قصة المال الذي بعث به ابن الحضرمي من البحرين ، وكان ثمانين ألفاً وما أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مالاً أكثر منه لا قبلُ ولا بعدُ ، فنثرت على حصير ونودي الصلاة ، وجاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فشدّ قائماً على المال ، وجاء أهل المسجد ، فما كان يومئذٍ عدد ولا وزن ، ما كان إلاّ قبضاً فما زال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ماثلاً على ذلك المال حتى ما بقي منه درهم ، وما بعث إلى أهله بدرهم ، ثم أتى الصلاة فصلى(1) .

ومن السخرية أيضاً بعقول الناس حين يقول : ( إنّما ينقل مثل هذا جهال الكذابين ، ويصدقه حمقى العالمين الذين يقولون انّ الصحابة هدموا بيت فاطمةعليها‌السلام وضربوا بطنها حتى أسقطت ). وقد مرت بنا نصوص تثبت الإدانة عن جهابذة الحديث والتاريخ ، فإذا كانوا كلهم من جهال الكذابين ، فممن كان يأخذ ابن تيمية علمه ؟

__________________

(1) طبقات ابن سعد 4 ، ق 1 : 9 ، والمعرفة والتاريخ للبسوي 1 : 503.


ولو أعرضنا عن جميع تلك النصوص وضربنا عنها صفحاً ، وعُدنا إلى أحاديث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فيما جاء عنه فيمن أخاف مسلماً ومن روّع مؤمناً ، فقد قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من روّع مسلماً روّعه الله يوم القيامة(1) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من روّع مؤمناً لم يؤمن روعته يوم القيامة ، ومن أخاف مؤمناً لم يؤمن خوفه يوم القيامة ، ومن سعى بمؤمن أقامه الله مقام الخزي والذلّ يوم القيامة » (2) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من أخاف مؤمناً كان حقاً على الله أن لا يؤمنه من أفزاع يوم القيامة » (3) .

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من سوّد مع قوم فهو منهم ، ومن روّع مسلماً لرضاء من سلطان جيئ به يوم القيامة معه » (4) .

هذه أربعة أحاديث نبوية فصيحة صريحة في عقوبة المعتدي بالاخافة والترويع ، فهل يعقل انّ عمر ومن جاء معه ـ وكلّهم معدودون من عليّة الصحابة ـ لم يسمعوا واحداً من هذه الأحاديث ؟ وإذا لم يسمعوا ذلك فأحرى بهم انّهم لم يسمعوا الحديث القدسي : « من أخاف لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة »(5) وماذا رأي ابن تيمية في ذلك ؟!

فهل كان ثمة ترويع لأهل البيت يوم جاء عمر بقبس من نار إلى بيت فاطمةعليها‌السلام ليحرقه على من فيه ؟ وإن أنكر ذلك ابن تيمية ، فلماذا صاحت

__________________

(1) مسند الربيع بن حبيب 2 : 69.

(2) كنز العمال 7 : 437 , الكامل لابن عدي 6 : 323.

(3) مجمع الزوائد 6 : 254.

(4) تاريخ بغداد 10 : 41.

(5) كنز العمال : ح 1680.


الزهراءعليها‌السلام وهي تستقبل المثوى الطاهر من خلال الشباك الذي يطل على منزل أبيها ، وهي تستنجد بهذا الغائب الحاضر : يا أبتاه يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة ؟

قال الكتاني في التراتيب الإدارية : وكان بمنزل فاطمة شباك يطلّ على منزل أبيها ، وكان( صلّى الله عليه وسلّم ) يستطلع أمرها منه(1) .

فلا عجب ولا غرابة من استغاثتهاعليها‌السلام بأبيها ، وشكواها إليه ما لقيت وأهل بيتها من ابن الخطاب وابن أبي قحافة بعد أن كانصلى‌الله‌عليه‌وآله حيّاً في قبره حيث يبلغه سلام من يسلّم عليه في مشرق الدنيا ومغربها ، فهل من شك في انّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يستطلع أمرها كما كان وهو حيّ وبين حجرته التي دفن فيها وبين منزل فاطمة شباك ؟ والجواب بالنفي إنّما هو عند ابن تيمية الأفّاك ومن تبعه من الشكّاك.

ولا غرابة في هذا من ابن تيمية المعروف بنصبه وعناده من خلال كتابه منهاج السنّة ، وقد رد فيه جملة مما صحت روايته في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام ، حتى حديث الثقلين وهذا أخرجه مسلم في صحيحه ، فأقدم ابن تيمية على رده.

ختام الرسالة :

لا شك أنّ المصارحة في العقائد مع بيان الحجة البالغة توضح الرؤية لطالب الحق ، وليس في سبل التفاهم خيراً منها مع حسن النيّة في التعايش ، كما هي في أحيان كثيرة تكون سبباً للهداية إلى طلب الحق.

ويسعدني أن يكون القارئ ـ بعد انتهاء قراءته لهذه الرسالة ـ منصفاً لنفسه قبل أن يكون منصفاً لي ، فلا يتعجل بحكمه سواء كان لي أو عليَّ ، ما دمت أنا قد أنصفته فذكرت له من نصوص أحاديث وأخبار وآثار يدين هو لرواتها بالتصديق ، وهي عنده غير قابلة للإنكار ، والنقاش والجدل حولها في صحتها

__________________

(1) التراتيب الإدارية للكتاني 2 : 78.


ودلالتها إنّما هو مكابرة ، لأنّ أصحاب المصادر هم أعلام المحدّثين والمؤرخين ومن المعنيين بتسجيل تاريخ المسلمين وشؤون الخلفاء الراشدين ، وهم باتفاقهم ـ إن لم يكن ذلك يعدّ إجماعاً منهم ـ على قبول مؤدّى تلك النصوص ، والإستدلال بها يقطع جهيزة المعاندين ، لوضوح الدلالة وقبول الإسناد ، عند من لا يبتغي العناد ، سواء فئة التقليد أو فئة التجديد ممن يدعون إلى إعادة كتابة التاريخ الإسلامي من جديد.

وأحسب أنّ العرض والتبسيط منّا كان فيه استيفاء كثير من جوانب الاحتجاج لدى الحوار مع الأطراف الأخرى ، وبيان الحق الذي يجب أن يتبع حين نتبيّنه فنتبنّاه لنبيّنه للناس ولا نكتمه ، ولا نؤخذ بغلبة الموروث وقداسته ، ولا نخشى في بيانه لومة لائم ما دمنا نزيل غشاوة التضبيب الإعلامي الذي وراءه مزاعم الحاكمين الظالمين ، فتشوّهت المعلومة من رواة السوء الضالعين في ركابهم.

وتلك بلية المسلمين في تاريخهم منذ القرون الأولى ، حين أشاعوا مقولة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مات ولم يوص إلى أحد ، وترك للناس حق اختيار من يتولاهم ، وهذا من أفدح الظلم وأقبح الكذب ، إذ أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل أن يهاجر إلى المدينة المنورة ، ومنذ بدء الدعوة قد بيّن وعيّن من هو الذي سيتولى أمر القيادة من بعده ، فقد ورد في شأن نزول قوله تعالى :( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (1) ، فأمر ابن عمه علياً بأن يصنع طعاماً يدعو عليه بني هاشم ، وقد صنع ودعاهم وبلّغهم ما أمره الله بتبليغه فقال :« أيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووزيري ووصييّ ووارثي وخليفتي من بعدي » ، فلم يجبه أحد غير عليعليه‌السلام ، فأخذ برقبته ثم قال :« إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا » (2) .

__________________

(1) الشعراء : 214.

(2) تاريخ الطبري 2 : 216 ، طبعة الحسينية بمصر ، و 2 : 319 ـ 321 ، طبعة دار المعارف بمصر , ولمزيد من معرفة المصادر راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 72 ـ 92.


ولما أراد الهجرة إلى المدينة استخلفه بمكانه في بيته بمكة المكرمة ، وأمره أن ينام في فراشه ويتغطى ببرده ، ولم يأمر غيره بردّ الودائع إلى أهلها ثم اللحاق به مع عائلته ، وهذا كان إعداداً عملياً علمته قريش ، فكادت تقضي على عليعليه‌السلام لولا دفع الله تعالى عنه(1) .

وبقيصلى‌الله‌عليه‌وآله يعلن في المدينة المنورة في شتى المناسبات والمواقف عن أن علياً وزيره وخليفته في اُمته ، ففي حديث عن ابن عمر مرفوعاً قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« ألا أرضيك يا علي ؟ أنت أخي ووزيري ، وتقضي ديني ، وتنجز بوعدي ، وتبرئ ذمتي » (2) .

وفي حديث آخر عن أنس مرفوعاً بلفظ :« إنّ أخي ووزيري وخليفتي في أهل بيتي ، وخير من تركت بعدي ، يقضي ديني ، وينجز موعدي ، علي بن أبي طالب » (3) .

وأصرح من ذلك ما أخرجه الحمويني مسنداً عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال :« من أحب أن يستمسك بديني ، ويركب سفينة النجاة بعدي ، فليقتد بعليّ بن أبي طالب ، وليعاد عدوّه ، وليوال وليه ، فإنّه وصيي وخليفتي على اُمتي في حياتي وبعد وفاتي ، وهو إمام كل مسلم ، وأمير كل مؤمن بعدي ، قوله قولي ، وأمره أمري ، ونهيه نهيي ، وتابعه تابعي ، وناصره ناصري ، وخاذله خاذلي » .

ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله :« من فارق علياً بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة ، ومن خالف علياً حرّم الله عليه الجنة ، وجعل مأواه النار ، ومن خذل علياً خذله الله يوم يعرض

__________________

(1) راجع كتاب ( علي إمام البررة ) 3 : 280 ـ 293.

(2) نفس المصدر 1 : 105 تجده نقلاً عن مجمع الزوائد 9 : 121 نقلاً عن الطبراني , وأيضاً في كنز العمّال 12 : 209 ومنتخب الكنز بهامش مسند أحمد 5 : 32.

(3) نفس المصدر 1 : 106 ، نقلاً عن اصابة ابن حجر 1 ق 1 : 217 ، وتاريخ ابن عساكر ترجمة الإمام علي 1 : 115 ـ 116 ، بثلاثة أسانيد.


عليه ، ومن نصر علياً نصره الله يوم يلقاه ولقنّه حجته يوم المسألة ... إلى آخر الحديث »(1) .

إلى غير ذلك من مواقفه التي كان يُعدّ فيها علياً لخلافته إعداداً فريداً قولاً وعملاً ، لم يكن مثله لأيّ أحد سواه من الصحابة ، وحسبنا أن نستقرئ كتب الحديث والتاريخ عما صدر منه في سنة حجة الوداع فقط ، فقد أشركه في بُدنه ، وقام معلناً بفضله واستخلافه ، وأخذ البيعة له في غدير خم ، ولما عاد إلى المدينة اتخذ الحيطة لمنع وقوع الخلاف في الاستخلاف حين ظهرت حسيكة النفاق في نفر من الصحابة ، فعزم على بعث اُسامة إلى مؤتة ، وأمّره على جيش حشر فيه أسماء كثير ممن يخشى منهم الخلاف ، وكان مِن جملة مَنْ سمّاهم بأعيانهم : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وطلحة ، والزبير ، وأبو عبيدة بن الجراح وآخرون ، وشدّد النكير على من تخلّف عن جيش اُسامة ، حتى قال :« لعن الله من تخلّف عن جيش اُسامة » (2) .

ولما أحسّ منهم التثاقل في الخروج ، أراد أن يكتب لاُمته كتاباً لن يضلوا بعده أبداً ، إلاّ أنّ عمر منع من ذلك ، وهذا ما رواه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وفي مقدمتهم البخاري ومسلم ، وهذا ما يعرف بحديث الرزية ، لأنّ ابن عباس حبر الاُمة كان يرويه ويقول الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب ، ويبكي حتى يبلّ دمعه الحصى ـ الحصباء(3) ـ وكانصلى‌الله‌عليه‌وآله يفعل ذلك بأمر من الله تعالى.

__________________

(1) فرائد السمطين 1 : 54.

(2) رواه الشهرستاني في الملل والنحل نقلاً عن النظام.

(3) صحيح البخاري في سبعة مواضع , ورواه مسلم , وأحمد , وابن سعد , والطبري وآخرون , استوفينا ذكرهم في موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن.


ففي كل تلك المواقف أعلن فيها انّ علياً ولي الأمر بعده ، وكان يشدّد على انّه الوصي والخليفة في اُمته ، كانت وتيرة الخلاف تتصاعد ، وجرت ملابسات ومعاكسات لما أمر به ، حتى أنكرت قريش وصيته ، وأصرّت عناداً على مخالفته في خلافته ، فقالت : مات ولم يوص ، ورووا أحاديث عن عائشة في ذلك ، وردّ عليها ابن عباس واُم سلمة وغيرهما ، كما تقدم في بعض النصوص التي ذكرناها(1) .

ومن الغباء فضلاً عن الجفاء أن يزعم إنسان مسلم انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي أعلن دعوته بمكة ، وواصل سعيه في المدينة ، وقاسى في سبيل نجاحها من الأذى ما قاساه ، فأسس حكومته الرشيدة ، وبلّغ شريعة الإسلام تامة غير منقوصة ، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة تصلح اُمته إلاّ بيّنها لهم في سائر شؤون حياتهم ، حتى المرء في مخدعه مع حليلته ، وفي بيت الخلاء لقضاء حاجته ، بما ينبغي وما لا ينبغي من سنن وآداب ، فضلاً عن بيان الواجب والحرام وبقية الأحكام.

كيف يعقل انّه يترك اُمته هملاً على غير نهج واضح ، وسبيل لائح في أمر من يتولى قيادتها من بعده ؛ ليكفل لها النجاة من الهلكة والهداية من الضلالة ما دامت سائرة على سنته ، وآخذه بشريعته ؟ وهو القائل :« قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك » (2) .

ولكنّها السياسة الرعناء مسخت العقول بطخية عمياء ، فهي لا تنظر بعين البصيرة إلى تلك الأدلّة الكثيرة التي حذّرت الاُمة من العواقب الوخيمة لمخالفتها الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في أوامره ونواهيه ، وتناست ما روته عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله :« لا ترجعوا بعدي كفاراً » (3) .

__________________

(1) راجع كتاب علي إمام البررة 3 : 347 ـ 361.

(2) المستدرك على الصحيحين 1 : 175.

(3) شرح النووي على صحيح مسلم باب بيان معنى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ( لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ) 3 : 55.


وحسبنا أن نتبصر قوله تعالى :( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1) وكتاب الله شاهد على هذه الاُمة ، كيف لا وقد جعله النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أحد خليفتين له فقال :« إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب الله عزّ وجلّ حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض » وهذا هو حديث الثقلين(2) .

وأحاديث الحوض تكفي في التحذير من مغبة الخلاف في استحداث الأحداث ، التي أصابت المسلمين بانتكاسة بعد موتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتنازعتهم الأهواء ، ولست أدعو إلى تحميل التاريخ ما لا يطيق ، ولا إلى تزييف الوقائع ، ولكنّي أدعو ـ والله شهيد على ما أقول ـ أن ننظر إلى ما حلّ بأهل البيت من الفجائع ، فنقول الحق من دون تمجيد الخالفين أو التنديد بالمخالفين ، ثم لنرجع البصر كرتين ، ونراجع الفكر مرتين ، لنرى أيّ الفريقين أهدى سبيلاً ، ولا نكون إلاّ كفقيه المستنصرية الذي اجتمع بالنقيب ابن طاووس الحسني في مشهد الإمامين الكاظم والجوادعليهما‌السلام فأبصره الحق فاستبصر ، وليكن حديثه مسك الختام ، فقد ذكره النقيب في كتابه كشف المحجة(3) ، قال رحمه الله تعالى يخاطب ولده :

واعلم يا ولدي إنّي كنت في حضرة مولانا الكاظمعليه‌السلام والجوادعليه‌السلام ، فحضر فقيه من المستنصرية كان يتردد عليَّ قبل ذلك اليوم ، فلما رأيت وقت حضوره يحتمل المعارضة له في مذهبه ، قلت له : يا فلان ما تقول لو انّ فرساً لك ضاعت منك وتوصلت إلى ردها إليَّ ، أو فرساً لي ضاعت منّي وتوصلت في ردها إليك ، أما كان ذلك حسناً أو واجباً ؟

__________________

(1) يونس : 35.

(2) الدر المنثور 2 : 285.

(3) كشف المحجة : 76.


فقال : بلى.

فقلت له : قد ضاع الهوى إمّا منّي وإمّا منك ، والمصلحة أن ننصف من أنفسنا ، وننظر ممن ضاع الهدى فنرده عليه.

فقال : نعم.

فقلت له : لا أحتج بما ينقله أصحابي لأنّهم متهمون عندك ، ولا تحتج بما ينقله أصحابك لأنّهم متهمون عندي أو على عقيدتي ، ولكن نحتج بالقرآن ، أو بالمجمع عليه من أصحابي وأصحابك ، أو بما رواه أصحابي لك ، وبما رواه أصحابك لي.

فقال لي : هذا انصاف. فقلت له : ما تقول فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما ؟ فقال : حق بغير شك.

فقلت : فهل تعرف أنّ مسلماً روى في صحيحه عن زيد بن أرقم انّه قال ما معناه : انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خطبنا في ( خم ) فقال : أيّها الناس إنّي بشر يوشك أن أدعى فاُجيب ، وإنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي ، اذكركم الله في أهل بيتي(1) .

فقال : هذا صحيح.

فقلت : وتعرف انّ مسلماً روى في صحيحه في مسند عائشة أنّها روت عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انّه لما نزلت آية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (2) فجمع علياً وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام ، فقال : هؤلاء أهل بيتي(3) .

__________________

(1) صحيح مسلم 7 : 122 ـ 123 , وتفسير ابن كثير 4 : 114 في سورة الشورى ، وراجع كتاب ( علي إمام البررة ) 1 : 292.

(2) الأحزاب : 33.

(3) صحيح مسلم 7 : 130.


فقال : نعم هذا صحيح.

فقلت له : تعرف انّ البخاري ومسلماً رويا في صحيحيهما انّ الأنصار اجتمعت في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة ، وانّهم ما نفذوا إلى أبي بكر ولا عمر ، ولا إلى أحد من المهاجرين ، حتى جاء أبو بكر وعمر وأبو عبيدة لما بلغهم في اجتماعهم ، فقال لهم أبو بكر : قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر وأبا عبيدة ـ فقال عمر : ما اتقدم عليك ، فبايعه عمر وبايعه من بايعه من الأنصار ، وانّ علياًعليه‌السلام وبني هاشم امتنعوا من المبايعة ستة أشهر(1) .

وأنّ البخاري ومسلماً قال ـ فيما جمعه الحميدي من صحيحيهما ـ : وكان لعليّعليه‌السلام وجه بين الناس في حياة فاطمةعليها‌السلام فلما ماتت فاطمةعليها‌السلام بعد ستة أشهر من وفاة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) انصرفت وجوه الناس عن عليعليه‌السلام ، فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه خرج إلى مصالحة أبي بكر(2) !

فقال : هذا صحيح.

فقلت له : ما تقول في بيعة تخلف عنها أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذين قال عنهم انّهم الخلف من بعده وكتاب الله جل جلاله ، وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله فيهم : اُذكركم الله في أهل بيتي ، وقال عنهم انّهم الذين نزلت فيهم آية الطهارة ، وانّهم ما تأخروا مدة يسيرة حتى يقال انّهم تأخروا لبعض الاشتغال ، وإنّما كان التأخر للطعن في خلافة أبي بكر بغير إشكال في مدة ستة أشهر ، ولو كان الإنسان تأخر عن غضب برد غضبه ، أو عن شبهة زالت شبهته بدون هذه المدة ، وانّه ما صالح أبا بكر على مقتضى حديث البخاري ومسلم إلاّ لما ماتت فاطمةعليهما‌السلام ورأي انصراف وجوه الناس عنه خرج عند ذلك إلى المصالحة ، وهذه صورة حال تدل على انّه ما بايع

__________________

(1) راجع ما ذكره البخاري ومسلم في النصوص التي مر ذكرها عنهما.

(2) تقدم ذلك عن البخاري وغيره , راجع النصوص التي مرت آنفاً.


مختاراً ، وانّ البخاري ومسلماً رويا في هذا الحديث ، انّه ما بايع أحد من بني هاشم حتى بايع عليعليه‌السلام !

فقال : ما اقدم على الطعن في شيء قد عمله السلف والصحابة.

فقلت له : فهذا القرآن يشهد بأنّهم عملوا في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يرجى ويخاف ، والوحي ينزل عليه بأسرارهم في حال الخوف وفي حال الأمن وحال الصحة والإيثار عليه ما لا يقدروا أن يجحدوا الطعن عليهم به ، وإذا جاز منهم في حياته وهو يرجى ويخاف ، فقد صاروا أقرب إلى مخالفته بعد وفاته ، وقد انقطع الرجاء والخوف منه وزال الوحي عنه.

فقال : في أيّ موضع من القرآن ؟

فقلت : قال الله جل جلاله في مخالفتهم في الخوف :( وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) (1) فروى أصحاب التواريخ انّه لم يبق معه إلاّ ثمانية أنفس ، علي ، والعباس ، والفضل ، وربيعة ، وأبو سفيان ابنا الحارث بن عبدالمطلب ، واُسامة بن زيد ، وعبيدة بن اُم أيمن ، وروي أيمن بن اُم أيمن(2) .

وقال الله جل جلاله في مخالفتهم له في الأمن :( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (3) .

فذكر جماعة من المؤرخين انّه كان يخطب يوم الجمعة ، فبلغهم أنّ جمالاً جاءت لبعض الصحابة من مزينة ، فسارعوا إلى مشاهدتها وتركوه قائماً ، وما كان

__________________

(1) التوبة : 25.

(2) راجع كتاب علي إمام البررة 3 : 190.

(3) الجمعة : 11.


عند الجمال شيء يرجون الانتفاع به ، فما ظنّك بهم إذا حصلت خلافة يرجون نفعها ورياستها ؟

وقال الله تعالى في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله :( وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ) (1) .

ولو كانوا معذورين في سوء صحبتهم ما قال الله جل جلاله :( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ) وقد عرفت في صحيحي مسلم والبخاري معارضتهم للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في غنيمة هوازن لما اُعطي المؤلّفة قلوبهم أكثر منهم(2) .

ومعارضتهم له لما عفا عن أهل مكة ، وتركه تغيير الكعبة واعادتها إلى ما كانت في زمن إبراهيمعليه‌السلام خوفاً من معارضتهم له(3) ، ومعارضتهم له لما خطب في تنزيه صفوان بن المعطل لما قذف عائشة ، وانّه ما قدر أن يتم الخطبة(4) ، أتعرف هذا جميعه في صحيحي مسلم والبخاري ؟

فقال : هذا صحيح.

فقلت : وقال الله جل جلاله في ايثارهم عليه القليل من الدنيا :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) (5) وقد عرفت انّهم امتنعوا من مناجاته ومحادثته لأجل التصدق برغيف وما دونه ، حتى تصدّق علي بن أبي طالبعليه‌السلام بعشرة دراهم عن عشر دفعات ناجاه

__________________

(1) آل عمران : 159.

(2) راجع سيرة ابن هشام 2 : 499.

(3) المصدر نفسه 2 : 300 ـ 301.

(4) المصدر نفسه.

(5) المجادلة : 12.


فيها ، ثم نسخت الآية بعد أن صارت عاراً عليهم ، وفضيحة إلى يوم القيامة بقوله جل جلاله :( ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ ) (1) .

فإذا حضرت يوم القيامة بين يدي الله جل جلاله وبين يدي رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال لك : كيف جاز لك أن تقلد قوماً في عملهم وفعلهم وقد عرفت منهم مثل هذه الاُمور الهائلة ، فأيّ عذر وأيّ حجة تبقى لك عند الله وعند رسوله في تقليدهم ، فبهت وحار حيرة عظيمة.

فقلت له : أما تعرف في صحيحي البخاري ومسلم في مسند جابر بن سمرة وغيره انّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في عدة أحاديث :« لا يزال هذا الدين عزيزاً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش » (2) .

وفي بعض أحاديثه عليه وآله السلام من الصحيحين :« لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش » (3) .

وأمثال هذه الألفاظ كلها تتضمن هذا العدد الاثني عشر ، فهل تعرف في الإسلام فرقة تعتقد هذا العدد غير الإمامية الاثني عشرية ، فإن كانت هذه أحاديث صحيحة كما شرطت على نفسك في تصحيح ما نقله البخاري ومسلم ، فهذه مصححة لعقيدة الإمامية ، وشاهد بصدق ما رواه سلفهم ، وإن كانت كذباً فلأيّ حال رويتموها في صحاحكم ؟

فقال : ما أصنع بما رواه البخاري ومسلم من تزكيته أبي بكر وعمر وعثمان ، وتزكية تابعهم ؟

__________________

(1) المجادلة : 13.

(2) صحيح مسلم , باب الناس تبع لقريش , ومسند أحمد 5 : 98 ، وفتح الباري 13 : 211.

(3) صحيح مسلم كتاب الامارة , وفتح الباري 13 : 211.


فقلت له : أنت تعرف انّني شرطت عليك أن لا تحتج عليَّ بما ينفرد به أصحابك ، وأنت أعرف انّ الإنسان ولو كان من أعظم أهل العدالة بمهما شهد من الاُمور مما يقبل فيه شهادة أمثاله قبلت شهادته ، والبخاري ومسلم يعتقدان إمامة هؤلاء القوم ، فشهادتهم شهادة بعقيدة نفوسهم ، ونصرة لرياستهم ومنزلتهم.

فقال : والله ما بيني وبين الحق عداوة ، ما هذا إلاّ واضح لا شبهة فيه ، وأنا أتوب إلى الله تعالى بما كنت عليه من الاعتقاد .

قال السيد النقيب : فلما فرغ من شرط التوبة إذا رجل من ورائي قد أكبّ على يدي يقبّلها ويبكي ، فقلت من أنت ؟ فقال : ما عليك اسمي ، فاجتهدت به حتى قلت : فأنت الآن صديق أو صاحب حق ، فكيف يحسن لي أن لا أعرف صديقي وصاحب حق عليَّ لاُكافيه ، فامتنع من تعريف اسمه ، فسألت الفقيه الذي في المستنصرية فقال : هذا فلان ابن فلان من فقهاء النظامية ، سهوت عن اسمه الآن.

وبهذا أنهى السيد ابن طاووس كلامه ، فرحمة الله عليه وأعلا مقامه.

* * *


دمعة ولاء حمراء على المحسن حبيب الزهراءعليها‌السلام

( للمحسن السقط ) حقٌ لو توفّيه

( فالمحسن السبط ) مظلوم لتبكيه

ميلاده كان رزءاً حين نذكره

للمصطفى جدّهِ حقاً نعزّيه

فابن البتولة لا ذكرى تقامُ له

ورزؤه رزؤها مذ أُثكلت فيه

مولى هو الفذ في الدنيا بأجمعها

فلا شبيه له فيها يوازيه

في أشهر الحمل ستاً نيّفت فعلت

على السنين جهاداً حيث ترويه

من يومه بان وجه الزيف في صُحفٍ

تُملى وتُتلى كما يرويه راويه

لولا رزيّته في يوم هجمتهم

لم يعرف الناس مولى من أعاديه

*.* * *

إيهاً بني لُحمة التاريخ نوّلها

نيل الولاة وأيديكم تسدّيه

ماذا جرى رحلة المختار مبدؤها

أين انتهت ؟ آخر الأنباء تحكيه

فقلتمُ غاب صحبٌ عن جنازته

فأين راحوا ؟ ولم غابوا ؟ لنرويه

تصاهلت زمرُ الأطماع في زجل

لخدمة الحكم تشويهاً بتمويه

وكان للأصفر الرنّان رنّته

عجينة الفكر مطبوعاً بتشويه

فربّما حَدَثٌ قد جاء مبتراً

لموقف الحق عن عمدٍ ليطويه

قالوا بنو قيلة ضمّت سقيفتهم

عناصر الشر إذ سعداً تناحيه

فأسرع النفر الثالوث مقتنصاً

طيرَ الشواهين ما اصطادت لتلقيه


وقد جرى ما جرى والكلّ يعلمه

علم اليقين بلا زيف وترويه

إنّ الأولى أسرعوا عافوا نبيّهمُ

لم يحضروا الغسل لا دفناً يواريه

من ذا تولّى ؟ لذا قالت روايتكم

ما كان غير أبي السبطين يكفيه

قلتم عليٌ وأهلوه به اضطلعوا

نفسي فداء عليٍ ثم أهليه

ما بارحوا حجرة طابت معالمُها

وطاب تربٌ أجنّ المصطفى فيه

وخيّم الحزنُ في الأجواء جلّله

خوف الغزاة لبيت مَن يحاميه ؟

إذ أضمروا الحقد في غلواء أنفسهم

أنّى عليٌّ له المختار يعليه

منذ الغدير فقد جاشت مراجلهم

واستضعفوا حيدراً مذ غاب حاميه

شاهت وجوههم رغماً معاطسهم

لولا الوصية مَن يقوى يدانيه

* * * *

يا ( محسن السقط ) في الدنيا ونرثيه

أنت ( المحسَّن ) في الأخرى نرجّيه

حدّث فديتك مظلوماً أفدّيه

سِفر الشهادة بدءاً أنت ترويه

يا ثالثاً شرف الأسباط سابقها

سبق الشهادة جلّى في معاليه

يا أولاً لضحايا العُنف أسّسه

حكمُ الأولى لم تزل تترى تواليه

يا منية العمر عند الأم ترقبه

كيما تهدهده مهداً تناغيه

فصرت أول مظلوم قضيت وقد

نلت الشهادة حملاً شُلّ جانيه

حدث فديتك بعض النثّ تبديه

ليكشف الزيف ما التاريخ يطويه

ماذا لقيت من الأصحاب حين أتوا

صحابةٌ ظلمت جَداً ذراريه

جاءت لبيتكمُ تغلي مراجلُها

وألقت الجزلَ عند الباب توريه

خابت ظنون بني الأحقاد إذ حسبت

بجمرة الحقدِ نور الله تطفيه

وجاوزوا الحدّ ضرب الطهر سوط جفا

وعصرَها لَمصابٌ أنت تدريه

فأسقطتك على الترباء من وَجَلٍ

بزحم قنفذ يا ويلي مَواليه

يابن البتولة والجلى تؤرّقها

قد هدّ حملُك من صبرٍ رواسيه


عمرٌ من الحمل ماتمت كواملُه

فأسقطته لدى الأعتاب تلقيه

كانت تؤمّل أن يبقى ليؤنسها

في وحشة الليل إذ يبكي تناغيه

كانت ترجّى بك الزهراء مؤنسها

فخاب ظنٌ وكان الحزنُ تاليه

* * * *

يا ثاوياً جَدَثاً ضاعت معالمه

في تربة البيت ربّ البيت يدريه

إن ضاع قبرك في الأجداث إنّ له

من قلب كل وليّ مشهداً فيه

واسيت أمَك فيما قد ألمّ بها

حتى بقبرك إذ تخفى مغانيه

روحي فداك فأين القبر ضمكما

بيتٌ فقدّس ربّ العرش ثاويه

نفتّ أكبادنا حزناً ليومكمُ

ماقيمة الدمع طوفاناً ونذريه

تلكم قلوبٌ تلظّت في محبتكم

تُجنّ حبّكمُ طوراً وتبديه

* * * *

يا سيدي وعزائي اليوم منصرفٌ

للخمسة الصيد إذ كلاً نعزّيه

للمصطفى جدكم نزجي العزاء أسىً

والمرتضى أبداً في الفضل تاليه

نفس النبي بآيٍ أنزلت فيه

من ذا يقاس به فضلاً يوازيه

وأنزل الوحيُ هاروناً له شبهاً

سماكمُ باسم ابناه لما فيه

فشابه الغدر وصفاً في صحابته

قوم ابن عمران إذ خانوه

ثمّ العزاء لطهر كنت تؤنسها

في التيه حملاً خفيفاً وجلّ الخطبُ ما فيه

بعدُ العزاء لسبطي أحمد فهما

كانا الشقيقين في اسم وتشبيه

* * * *

يا سادتي وحديث السقط ترويه

مصادرٌ لجلجت عمداً بتمويه

كم حاول القومُ إنكاراً لمحسننا

تخال غاشية الأضواء تخفيه

تسهّموه بأقوال لهم نُجمت

عن سرّ فعل لأشياخ الجفا فيه

فأنكروا ذكره طوراً برمّته

ودمدموا مثل مخبولٍ ومعتوه

وقال قومٌ فذا قدمات في صِغرٍ

أنّى ؟ وكيف ؟ بذا ضاعت معانيه


وقارب الحقَ من أبدى حقيقته

فذاك سقط له الزهراء تلقيه

وأمطروا ساحة التاريخ كذبهمُ

غطّى النجودَ فغطّى الكذبُ واديه

وباع للحاكم النوكى ضمائرهم

فقدّسوا ذكره الجاني بتنزيه

فأهملوا ما جرى ستراً لشُنعته

إذ أنكروا ما إله الخلق مبديه

وضيّعت محسناً بغضاً لوالده

وجاوزت حقدها حتى تعاديه

وهكذا جاء تاريخ صحائفُه

تتلى وتكتب في أقلام ممليه

فاستنطقوا (المحسن) المظلوم كيف قضى ؟

من ذا الذي باء وزراً من أعاديه ؟

سلوا ( المحسّن ) عما دار في فلك

بعد السقوط فمن قد كان جانيه ؟

لا تأمنوا حَدَث التاريخ تكتبه

زعانفُ الحكم توحيه وتمليه

واستنبطوا النص كشفاً عن دلالته

وأعملوا الفكر في شتى نواحيه

لا تخدعوا بحديث شاده سندٌ

فربّ آفة إسنادٍ لراويه

* * * *

يا ( محسن السبط ) ما زالت ظلامتكم

في ( محسن السقط ) عنواناً وتبديه

كم محسن من بني الزهراء أسقطه

حقدُ العداة له التاريخ يخفيه

فابن البتولة قدماً مرّ مسقطهُ

وقد أصات نعاء الاُم تبكيه

( تقول يا والدي ضاق الخناق بنا

لما مضيت ) وباقي البيت ترويه

وابن الحسين سميٌّ كان مسقطه

مثل السميّ شبيهٌ في مآسيه

فأمه سُبيت في أسر طاغيةٍ

إلى الشئام لدى الشهباء تلقيه

لكنّ هذا وإن عزّت مصيبته

ما زال مشهده الإملاك تحميه

يزوره الناس إيماناً ببقعته

بالغرب من حَلَبٍ بالشوق تأتيه

لكنما عمّه ضاعت معالمه

فضوّع المسكَ في أخبار راويه

فاستنشق العطر من ريّا معطّره

وأمطرت لؤلواً حرّى مآقيه


يا ( محسنَين ) فعذراً إنّني كلف

مستنطق زبر التاريخ ما فيه

هل كان حقاً لنا التاريخ يرويه

كلاكما كان سقطاً من أعاديه ؟

فربما انبثقت عفواً روايته

عن وجه حق فذاك الحق يحميه

وتلك فلتة إنسان يسجلها

في صحوة من ضمير فيه ما فيه

قالوا بأنّ البتول الطهر لطمتها

أصابت القُرط فانداحت لئاليه

قالوا لنا حيدرٌ قد قيد مضطهداً

قسراً بحبل وتاج الرأس يلويه

وقد رووا صرخة السبطين يشفعها

رنين فاطمة الزهراء تبكيه

فكل هذا جرى والخصم يرويه

ويبتغي سفهاً منّا نواليه

ونحن حجتنا قول النبي لهم

والوا علياً وعادوا من يعاديه

* * * *

يا سيدي وختام الشعر معتذراً

أتيت أنفث وجدي في قوافيه

من طيب شهد علاك استاف عنبره

فاقبل فديتك مشتاراً فتوفيه

فأنت أول من يشكو لخالقه

من زحم قنفذ في الأخرى يشكّيه

لن يذهبن دمكم طلاًّ بلا ترةٍ

فسوف يأتي الذي دوماً نرجّيه

فاشفع فديتك في عبد يحبكمُ

ويرتجي زلفةً ترقى مراقيه

ويحسن الله في الأخرى مثوبته

ويبدل الله بالحسنى مساويه

* * * *

8 / جمادى الثاني / 1425 ه‍ 94 بيتاً


تاريخ وضع ( اللمسات الأخيرة ) على كتاب ( المحسن )

تفضل به السيد الجليل العلاّمة السيد عبد الستار الحسني أحسن الله جزاه ، وله منّي جزيل الشكر ووافر الدعاء :

مَهْدِيُّ آلِ مُحَمَّدٍ آثارُهُ

لِذَوَي الهُدى وَالْعِلْم ِ قُرَّةُ أَعْيُنِ

( صُحُفٌ مُطَهَّرَةٌ ) حَوَتْ فِي طَيِّها

آياً لِمُلْتَمِسِ الصِّراطِ الْبَيِّنِ

رَشَحاتُ مِرْقَمِهِ نَطَقْنَ شَواهِداً

بَ‍ ( الأَوْحَدِيَّةِ ) فِيَ رقِيْمِ الأَزْمُنِ

عَلَمُ الشَّرِيْعَةِ مِقْوَلُ الحَقِّ الّذي

بِيَمِيْنِهِ صَرْحُ المَعارِفِ قَدْ بُنِيْ

إِنْ كُنْتُ أَدَّخِرُ الْولاءِ لِمِثْلهِ

وَأَرى مَوَدَّتَهُ شِعارَ تَدَيُّني

فَمَوَدَّةُ ( الأَشرافِ ) غايَةُ مَأْرَبي

أَبَداً ، وَحُبُّ بَني النُّبُوَّةِ دَيْدَني

وولائيَ ( المَهْدِيَّ ) ضَرْبَةُ لازَبٍ

كَولاءِ عِترَةِ أَحْمَدَ المُتَعَيّنِ

فَإلَيْهِمُ ضَرَبَتْ بِهِ أَعْراقُهُ

فَهُوَ الهِجانُ المَحْضُ غَيْرُ مُهَجَّنِ

للهِ مِنْ خَوّاضِ عِلْمٍ ليس يَسْ‍

‍أَمُ في تَتَبُّعِهِ الحَثِيْثِ وَلا يَنيْ

وَالْيَوْمَ وافانا بأَكْرَم ِ تُحْفَةٍ

مِنْ رَوْضِهِ المُزْدانِ بالثَّمَر الجَنيْ

عَنْ ( مُحْسِنٍ ) نَجْلِ الْبَتُولِ أَفاضَ فِي

أَبْحاثِهِ بِعَزِيْمَةٍ لا تَنْثَنِيْ

وَأَقامَ فِي الْتَحقِيقِ غُرَّ شَواهِدٍ

تَشْدُو بِتَقْرِيْظٍ لِمَنْهَجِهِ السَّنِيْ

هُوَ إِنْ نَطَقْتَ (مُحَسِّنٌ) أَوْ ( مُحْسِنٌ )

فَكِلاهُمَا نُقِلا بِضَبْطٍ مُتْقَنِ

لكنّما ( التخفيفُ ) شاعَ وَلَمْ يَكُنْ

يَوْمَاً لِيُنْكِرَهُ فِصاحُ الأَلْسُنِ

( سَُِقطٌ )(1) بِهِ زادَتْ ظُلامَةُ أُمِّهِ

عُظْماً ، وَكُدِّرَ بَعْدَهُ الْعَيْشُ الهَنِيْ

وَبِمُقْتَضى ( الإلْزامِ ) جاءَ حَدِيْثُهُ

( مُتَشَيِّعٌ ) يَرْوِيْهِ عَنْ ( مُتَسَنِّنِ )

* * * *

__________________

(1) وَضَعْتُ الحركاتَ الثَّلاثَ على كلمة ( سَُِقط ) لأنَّهُ مُثَلَّثُ الْسِّيْنِ.


أَعْظِمْ بِهِ سِفْراً سَما بِحَقائِقٍ

مِنْ قَبْلِهِ لِذَوِي النُّهى لَمْ تُعْلَنِ

رَقَمَتْ صَحائِفَهُ يَراعَةُ عَيْلَمٍ

فَأَتى كَعِقْدٍ بالنُّضارِ مُزَيَّنِ

( فَنُّ الحِجاج ) بِما حَوى اقْتَعَدَ الذّرى

بِحَصِيْفِ فِكْرِ الْنَّيْقَدِ ( المُتَفَنِّنِ )

أَوْفى على ( الأَسْفارِ ) في إسْفارِهِ

إِذْ لاحَ شَمْسَ هِدايَةٍ لِلْمُوقِنِ

وَبِ‍ (باءِ) (بِسْمِ اللهِ ...) أَرَّخْناهُ : « قَدْ

أَحْيى(1) لَنا المَهْدِيُ ذِكْرى المُحْسِنِ »

104

29

81

90

930

189

               

وكنت قد قلتُ بعد قولي : ( أوفي أعلى الأسفار ) سنة 1425 ه‍ :

ومُذِ ازْدَهَتْ للناظرين فصولُهُ

وَتَدَفَّقَتْ بعطائها الثّرِّ الْغني

بأئمة الثَقَلَين أرّخْناهُ : قد

أَحْيى لنا المهديُّ ذِكْرَ المُحْسِنِ

12

104

29

81

90

920

189

                 

وأنتم تختارون ما يقع عليه الإختيار.

__________________

(1) أحيى يحيي مثل ألقى يُلقي ألِفُهُ منقلبة عن ( ياء ) فتكتب ألِفُهُ الأخيرةُ على صورةِ الياء وإن شاع على اسلات الأقلام كتابته بالألف ( أحيا ).


المللحق الأول



الملحق الأول :

حول نسبة كتابة ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة :

إنّ نسبة أيّ كتاب كان إلى مؤلف مخصوص لا تأتي اعتباطاً ، وشهرة النسبة تستبعد كثيراً من الاحتمالات المشككة ، وإذا كانت هناك مؤشرات ثبوتية يقوي بعضها بعضاً ، تحصل القناعة لدى من يرى صحة النسبة.

أمّا الذين تستحكم في نفوسهم شبهة عدم النسبة فلهم رأيهم ، والناس أحرار في آرائهم ، ولما كان كتاب ( الإمامة والسياسة ) لابن قتيبة من تلك الكتب التي حامت حوله الشبهة في صحة النسبة إلى ابن قتيبة ، وشكك غير واحد في صحة ذلك ، وأبدوا ملاحظات تمسكوا بها ، وبعضها لا يخلو من مناقشة كما سيأتي بيان ذلك.

وأول من أعلن تشكيكه ، بل نفى النسبة هو ( غاينفوس المجريطي ) ذكر ذلك في صدر كتابه عن الأندلس في سنة ( 1881 م ) ثم تبعه دوزي وآخرون(1) .

وساقوا أدلّة على ما يقولون ، نلخصها في النقاط العشر التالية :

1 ـ لم يذكره أحد ممن ترجم لابن قتيبة انّه له.

2 ـ ذكر في الكتاب فتح الأندلس نقلاً عمن شاهد ذلك ، وكان الفتح في سنة / 92 قبل مولد ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين سنة.

3 ـ ورد في الكتاب خبر يوهم بأن أبا العباس والسفاح شخصيتان متغايرتان ، كما ورد فيه : ان للمهدي ولد اسمه عبد الله ، وانّه هو الذي سمّه.

__________________

(1) شاكر مصطفى في كتابه التاريخ العربي والمؤرخون 1 : 241.


4 ـ في الكتاب مزيد عناية بأخبار الأندلس ، لم يكن لابن قتيبة ولا لغيره من معاصريه في العراق سبيل إلى معرفتها.

5 ـ لم يرد ذكر أحد من شيوخ ابن قتيبة الذي يروي عنهم عادة في كتبه.

6 ـ المؤلف مالكي الهوى والمذهب ، بينما كان ابن قتيبة حنفياً.

7 ـ يظهر من المؤلّف انّه كان مقيماً بدمشق ، وابن قتيبة لم ير هذه المدينة.

8 ـ في الكتاب رواية عن أبي يعلى محمد بن عبد الرحمن الأنصاري المتوفى سنة 146 ه‍ قبل ولادة ابن قتيبة بخمس وستين سنة.

9 ـ ورد في الكتاب ذكر ( مراكش ) وفتح موسى بن نصير لها ، وهي بناها يوسف بن تاشفين سنة / 454 ه‍.

10 ـ وأخيراً مغايرة أسلوب الكتاب لمألوف أسلوب ابن قتيبة.

هذه هي الشبهات التي ساقها المشككون ، وبالأحرى النافون نسبة الكتاب لابن قتيبة ، وقد ذكرها الدكتور شاكر مصطفى في كتابه ( التاريخ العربي والمؤرخون )(1) ، وأخذ بعضها الدكتور ثروت عكاشة في مقدمة كتاب ( المعارف ) لابن قتيبة حيث تولى كبر تحقيقه ، وستأتي بعض الملاحظات على تحقيقه لذلك الكتاب ( مقدمة ومتناً وفهرسة ) في الملحق الثاني ، وسيطلع القارئ على نماذج تثبت عن أنّ الرجل لم يكن فارس ميدانه ، بل كان راجلاً ومتعثراً في خطاه.

ونعود إلى النقاط التي ذكرت حول نفي النسبة ، فإنّ بعضها لا يخلو من مناقشة. فمثلاً ما ذكر أولاً من عدم ذكر مترجمي ابن قتيبة لهذا الكتاب بانّه له ، فكم له من نظير ، ولا عجب بعد أن نقرأ ما قاله النووي ( ت 676 ه‍ ) في تهذيب الأسماء واللغات(2) عند ذكره :

__________________

(1) التاريخ العربي والمؤرخون 1 : 241 ـ 242.

(2) تهذيب الأسماء واللغات 2 : 281.


( القتُبي ـ مذكور في المهذب والوسيط(1) في كتاب الوقف ، ثم في أول كتاب العدد من المهذب ـ بضم القاف وفتح التاء بعدها موحدة ـ وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، الكاتب اللغوي الفاضل في علوم كثيرة ، سكن بغداد وله مصنفات كثيرة جداً ، رأيت فهرستها ، ونسيت عددها ، أظنها تزيد على ستين مصنفاً في أنواع العلوم ).

فإذا كان مثل النووي في إحاطته بترجمة ابن قتيبة يقول هذا ، وهو أقرب زماناً ومكاناً إلى ابن قتيبة من المستشرق ( غاينفوس المجريطي ) فالأولى بنا أن نصدّقه في ذكره كثرة مصنفات ابن قتيبة في علوم شتى ، وأحرى بنا أيضاً أن نصدّقه في رؤيته فهرست تلك المصنّفات حتى ظن انّها تزيد على ستين مصنفاً ، ولا نأسف على نسيانه حقيقة العدد ، كما نأسف على عدم ذكره جميع ما بقي على ذُكر من اسمه ، لكنه ذكر ما رآه فقط فقال :

( فمن كتبه التي رأيتها غريب القرآن ، ومشكل القرآن ، وغريب الحديث ، ومختلف الحديث ، وأدب الكاتب ، والمعارف ، وعيون الأخبار ).

وهذا الذي رآه لا يدل على عدم صحة نسبة كتاب ( الإمامة والسياسة ) لعدم ذكره ، فالرجل ذكر ما رآه من كتبه وهي سبعة ، وأما ما لم يره فلم يذكره ، وليكن كتاب ( الإمامة والسياسة ) من ذلك الكم الكثير الذي لم يره.

وهذا النسيان الذي اعتذر به محتمل عند غيره من قدامى مترجمي ابن قتيبة إذا أحسنّا الظن بهم ، فلم يذكروا كتاب ( الإمامة والسياسة ) ، و لم يكن إهمالهم لذكره عن سوء نيّة وخبث طوية ، لأنّ في الكتاب ما لا يعجبهم ذكره من أحداث وقعت في صدر الإسلام ، فهذا ابن خلدون ( ت 808 ه‍ ) غمز من قناة ابن قتيبة على

__________________

(1) من كتب الفقه الشافعي.


استخذاء في تاريخه(1) ، وقد ذكر وقعة الجمل وختم بقوله :

( هذا أمر الجمل ملخص من كتاب أبي جعفر الطبري ، اعتمدناه للوثوق به ولسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين ).

وهذا كما هو تعريض صريح بابن قتيبة ، فهو تلويح إلى كتاب ( الإمامة والسياسة ) ، إذ لم يرد عند ابن قتيبة في بقية كتبه ما يثير حفيظة ابن خلدون وأضرابه كما ورد في كتاب ( الإمامة والسياسة ).

ولئن تحاشى ابن خلدون التصريح باسمه وحشره مجملاً مهملاً في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين ، فإنّ ابن العربي المالكي ( ت 543 ه‍ ) تحامل صريحاً فذكر ابن قتيبة ووصفه بالجاهل العاقل (؟) فقال في كتابه ( العواصم من القواصم )(2) :

( ومن أشد شيء على الناس جاهل عاقل ، أو مبتدع محتال ، فأمّا الجاهل فهو ابن قتيبة ، فلم يبق ولم يذر للصحابة رسماً في كتاب ( الإمامة والسياسة ) إن صح جميع ما فيه ) ونحن حسبنا تصريحه بصحة نسبة كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة ، فلنا شهادته بصحة النسبة ، وله رأيه في جميع ما فيه.

وكذلك كان ابن حجر الهيتمي في كتابه تطهير الجنان واللسان(3) ، فقد نعى على ابن قتيبة ذكر ما شجر بين الصحابة فقال :

( وقد علمت مما قدّمته في معنى الإمساك عن ذلك ، أنّ عدم الإمساك امّا أن يكون واجباً لا سيما مع ولوع العوام به ، ومع تآليف صدرت من بعض المحدّثين كابن قتيبة مع جلالته القاضية بانّه كان ينبغي له أن لا يذكر تلك الظواهر ، فإن أبى إلاّ ذكرها فليبيّن جريانها على قواعد أهل السنّة ، حتى لا يتمسك مبتدع أو جاهل بها ).

__________________

(1) تاريخ ابن خلدون 2 : 1090.

(2) العواصم من القواصم : 248.

(3) تطهير الجنان واللسان : 43.


وقد علّق محقق الكتاب على ذلك بقوله في هامش صفحة / 44 ، فذكر قول ابن العربي في العواصم ـ وقد مر نقله ـ ثم قال : وكالمبرّد في كتابه الأدبي ، وأينَ عَقلُهُ من عقل ثعلب الإمام المتقدم في أماليه ، فانّه ساقها بطريقة أدبية سالمة من الطعن على أفاضل الأمة ، وأما المبتدع فالمسعودي فإنّه يأتي منه متاخمة الالحاد فيما روى من ذلك ، إمّا البدعة فلا شك فيه ، هذا وقد ذكر العلماء ان الإمامة والسياسة ليست لابن قتيبة ، لأنّه يروي فيه عن عالمين كبيرين في مصر ولم يدخلها ولم يأخذ عنهما ، والمعروف عن المبرّد ينزع إلى رأي الخوارج ، وأمّا المسعودي فهو من كبار الشيعة وله في نحلتهم مؤلفات.

أقول : ليت المحقق صرح لنا بأسماء العلماء الذين ذكروا انّ الإمامة والسياسة ليس لابن قتيبة ، لننظر في مدى صحة آرائهم وحججهم ، لكنه هو الآخر فيما يبدو لي تأثر بتشكيك المستشرقين ، وستأتي مناقشتهم فيما ذكروه حول الكتاب.

وقد كان الأولى به أن ينهج نهج العلاّمة الشيخ محمد زاهد الكوثري في انصاف ابن قتيبة ، حيث قال في مقدمة كتاب ( الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبّهة ) لابن قتيبة(1) ، وهو يذكر أهمية الكتاب للمتأدب والمتكلم والمفيد فقال : ( وأمّا المتكلم الذي يرى ابن قتيبة هجّاءً ولوجاً فيما لا يحسنه ، كرّاميّاً مشبّهاً غير متثبت في نقل ما شجر بين الصحابة ، منحرفاً عن أهل بيت النبوة( رضي الله عنهم ) ، نظر إلى كتاب الإمامة والسياسة المعزوّ إليه من قديم الدهر إلى غير ذلك مما هو مثبوت في كتب خاصة يلفيه قد رجع إلى الصواب في كثير من تلك المسائل ، ولطّف لهجته في جملة منها ).

__________________

(1) مقدمة الكتاب.


ولم يكن الشيخ الكوثري الوحيد في تقويمه الصحيح ، ونقده الهادئ ، وإلى القارئ جملة من أقوال آخرين من الكتّاب المحدثين لم يبتعدوا كثيراً عن نهج الكوثري.

1 ـ قال عبد الكريم الخطيب في كتابه ( علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة )(1) : اهتم ابن قتيبة في كتابه ( الإمامة والسياسة ) اهتماماً خاصاً بالفتنة التي كانت في أخريات خلافة عثمان ، ثم ما تلاها في خلافة علي ، وما وقع من حروب كوقعة الجمل وصفين والنهروان وغيرها ، وهو ينقل كثيراً ممن سبقوه كابن إسحاق وابن سعد وغيرهما.

وقد أورد معظم أخباره غير مسندة ، مخالفاً بذلك السَنن الذي كان متبعاً عند رواة السير والأخبار ممن سبقوه أو عاصروه ، إذ غلب عليهم المنهج الذي كانوا يتبعونه في رواية الأحاديث النبوية ، وكان كثير منهم محدّثاً قبل أن يكون مؤرخاً.

واكتفى ابن قتيبة بأن يصدّر أخباره بنسبتها تلك النسبة المجهّلة العامة ، فيقول : ذكروا ، أو قالوا ، أو حدّثوا ، أو رووا ، ولعلّه لم يكن ذلك من ابن قتيبة عن رغبة في الاختصار ، بقدر ما هو شعور بأنّ هذه الأخبار التي تروي أحداث هذه الفترة ، ليست على الصحة والسلامة التي يُطمأن إليها ويوثق بها وإذن فليس ثمة داعية لربطها هذا الربط المحكم ، وشدّها ذلك الشدّ الوثيق بسلسلة موصولة الحلقات بأهل الثقة من الصحابة والتابعين وغيرهم ، وانّه لأقرب إلى طبيعتها والأشبه بحالها أن ترسل هكذا إرسال ، لا تحمل على أحد ، ولا تضاف إلى أحد ، وبهذا يمكن أن يسوّى حسابها ، ونقدّر قيمتها ، في ذاتها ولذاتها دون نظر إلى شيء آخر وراء ما يحمل جوهرها من صدق أو كذب.

__________________

(1) علي بن أبي طالب بقية النبوة : 41.


2 ـ الدكتور طه محمد الزيني الاستاذ بالأزهر ، فقد تولّى تحقيق كتاب ( الإمامة والسياسة ) ونشرت الكتاب مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع ، ونأى عن الخوض في مسألة صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة أو عدمه ، بل قال في مقدمته : ( وبعد فإنّ «كتاب الإمامة والسياسة » للعالم الفاضل المؤرخ العظيم عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري من أشهر الكتب تداولاً بين قراء العربية ) فهذا المحقق يبدو جازماً بصحة النسبة.

3 ـ وأمّا علي شيري فهو أيضاً حقق الكتاب ، وطبعته دار الأضواء في بيروت ، غير انّه ذكر في مقدمته ما اُثير حول الكتاب من شك في نسبته إلى ابن قتيبة ، فقال في ص 8 :

« وقد ظهر مؤخراً عدم اتفاق على اسم مؤلّف هذا الكتاب ، بعد ان شكّك كثير من العلماء في نسبته إلى ابن قتيبة ، وحيث انّ بعضهم استبعد انتسابه إليه ، وكان أول من تزعّم التشكيك بنسبته إلى ابن قتيبة المستشرق غاينفوس المجريطي ، ثم تبعه الدكتور دوزي في صدر كتابه تاريخ الأندلس وآدابه ، ويشير د ، بيضون في صدر كتابه المتقدم ( الحجاز والدولة الإسلامية ) وأيضاً السيد أحمد صقر في مقدمته لكتاب تأويل مشكل القرآن المطبوع بالقاهرة سنة 1973 م حيث يقول : وقد نسب إلى ابن قتيبة كتاب مشهور شهرة بطلان نسبته إليه ، وهو كتاب الإمامة والسياسة ثم قال علي شيري :

ومهما يكن من أمر فقد بقي كتاب ( الإمامة والسياسة ) محافظاً على قيمته كأحد أبرز المصادر ، بما تضمن من نصوص يكاد ينفرد بها عن غيره ثم قال : ونبقى مترددين باتخاذ موقف حاسم من هذه القضية المطروحة ».

أقول : وعلى خلاف هؤلاء جمهرة من قدماء ومحدثين ، ذهبوا إلى صحة نسبة كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى مؤلّفه ابن قتيبة منهم :


1 ـ الحجّاج بن يوسف بن محمد البلوي ( ت 604 ه‍ ) في كتابه ألف باء(1) قال : ذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة : أنه لما قدم على الحجاج سعيد بن جبير ، قال له : ما اسمك ؟ قال : أنا سعيد بن جبير ، فقال الحجاج : أنت شقي بن كُسير ، قال سعيد : أمي أعلم باسمي .

2 ـ القاضي ابن الشباط ( ت 681 ه‍ ) نقل عنه في كتابه ( حلة السمط وسمة المرط ) في الفصل الثاني من الباب الرابع والثلاثين ، وهو كتاب في الأدب والتاريخ في أربعة أجزاء كبار(2) .

3 ـ تقي الدين الفاسي المكي ( ت 832 ه‍ ) في كتابه العقد الثمين في أخبار البلد الأمين(3) ، وفي كتابه الآخر شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام(4) .

4 ـ عمر بن فهد المكي ( ت 885 ه‍ ) في كتابه اتحاف الورى بأخبار أم القرى في ذكر وقائع سنة / 93 ، نقل عنه في ذكر كيفية القبض على سعيد بن جبير.

5 ـ ابن السابق عز الدين عبد العزيز بن عمر بن فهد ( ت 921 ه‍ ) أخذ عنه في كتابه غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام.

6 ـ محمد محبوب عالم ، أخذ عنه في تفسيره المعروف بتفسير شاهي.

إلى غير هؤلاء.

وأمّا من المحدثين فهم كثيرون ، منهم :

1 ـ محمد فريد وجدي في كتابه ( دائرة معارف القرن العشرين ) ذكر في ( خلف ) فنقل عن كتاب ( الإمامة والسياسة ) خطبة أبي بكر في السقيفة فقال : نقول :

__________________

(1) كتاب ألف باء : 478.

(2) راجع مقدمة كتاب المعارف : 56 ، لثروت عكاشة. وبشأن ابن الشباط وكتابه راجع معجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 11 : 57.

(3) العقد الثمين 7 : 195.

(4) شفاء الغرام : 171.


يرى المتأمل في خطبة أبي بكر أنه لم يشر إلى حديث الخلافة في قريش ، مع أنه كان أمضى سلاح له في ذلك اليوم الصعب ، الأمر الذي يجعلنا نشك في صحته ، وان الكتاب الذي نقل منه هذه الخطبة هو من أقدم الكتب وأوثقها في مسائل الخلافة الإسلامية ، وذكر في(1) ( خلف ) قال : أورد العلاّمة الدينوري في كتابه الإمامة والسياسة(2) ، وقال : كتاب الإمامة والسياسة لأبي محمد عبد الله بن مسلم الدينوري ( ت 270 ه‍ ) ، راجع عنه ما نقله عنه في يزيد ( زيد )(3) .

2 ـ جرجي زيدان في كتابه ( تاريخ آداب اللغة العربية )(4) ، فقال : ( الإمامة والسياسة ) هو تاريخ الخلافة وشروطها بالنظر إلى طلابها من وفاة النبي إلى عهد الأمين والمأمون ، طبع بمصر سنة 1900 ، ومنه نسخ خطية في مكتبات باريس ولندن.

3 ـ الدكتور أحمد شلبي(5) في كتابه ( التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ) الطبعة الخامسة ، نقل عنه كثيراً وذكره في قائمة مصادره(6) ، وذكره بين كتابيه عيون الأخبار والمعارف.

4 ـ الدكتور حسن إبراهيم حسن(7) في كتابه ( تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي ) نقل عنه ط القاهرة سنة 1322 كما في ضمن قائمة المصادر ، وذكر كتابه الآخر كتاب المعارف ط 1353 ه‍ ، 1934 م.

__________________

(1) دائرة معارف القرن العشرين 2 : 312.

(2) المصدر نفسه 2 : 745.

(3) المصدر نفسه 2 : 749.

(4) تاريخ آداب اللغة العربية 2 : 171.

(5) دكتوراه في الفلسفة من جامعة كمبرديج , استاذ مساعد في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة.

(6) التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية 1 : 392.

(7) مدير جامعة محمد علي , واستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة فؤاد الأول ( سابقاً ).


5 ـ البحاثة عمر رضا كحالة في كتابه أعلام النساء(1) بهامش ترجمة الزهراءعليها‌السلام .

6 ـ الدكتور أحمد محمود صبحي(2) في كتابه ( نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية ) ط دار المعارف بمصر سنة 1969 م.

7 ـ الاستاذ محمود المرداوي في كتابه ( الخلافة بين التنظير والتطبيق ) دراسات في الفقه السياسي.

8 ـ علي جلال الحسيني في كتابه ( الحسين ) ط السلفية سنة 1349 بالقاهرة ، نقل مكرراً(3) .

9 ـ أحمد زكي صفوت في كتابه ( جمهرة خطب العرب ) و ( جمهرة رسائل العرب ) كما في قائمة المصادر فيهما.

10 ـ الاستاذ حسين محمد يوسف في كتابه ( سيد الشهداء ) وقد تعرض لاكراه الصحابة على بيعة يزيد نقل في ص 503 وقال في الهامش : الإمامة والسياسة للإمام أبي عبد الله محمد بن وقد انتقده القاضي أبو بكر بن العربي نقداً مراً.

أقول : فمن يجد أمثال من ذكرنا من شيوخ العلم من المتقدمين ، وأساتذة مرموقين من المحدثين ، جميعاً يؤمنون بصحة نسبة كتاب ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة ، كيف يطمئن إلى صحة ما قاله المستشرقون ، على انّ من المحدثين سوى من ذكرت من عدّ الكتاب مطمئناً بصحة نسبته إلى ابن قتيبة ، كالدكتور مصطفى الشكعة في كتابه ( مناهج التأليف عند العلماء العرب ) قسم الأدب ، فقد ذكر في

__________________

(1) أعلام النساء 4 : 114 ـ 116.

(2) مدرس الفلسفة بكلية الآداب جامعة الاسكندرية.

(3) راجع كتاب الحسين 1 : 75 ، 82 ، 173 ، 304 ، و 2 : 6 ، 93.


كتاب الإمامة والسياسة(1) لابن قتيبة في عداد الكتب التي وصلت الينا من مؤلفاته برقم (7) من قائمة كتبه المذكورة ، وهي 14 كتاباً.

وخلّ عنك ما تكرر من طبعاته بمصر وحدها قديماً ، وكتب على بعض الطبعات ما يشعر بالتوثيق ، نحو ما كتب على ظهر طبعة 1322 بمطبعة النيل بتصحيح محمد محمود الرافعي.

وعلى ظهر طبعة أخرى بمصر غير مؤرخة باسم تاريخ الخلفاء الراشدين ودولة بني أمية المعروف بالإمامة والسياسة ، وقفت على طبعه جماعة من أدباء العصر.

وعلى ظهر ثالثة طبعت بمصر سنة 1328 بمطبعة الأمة بدرب شغلان جهة الدرب الأحمر بمصر : كتاب الإمامة والسياسة تأليف الإمام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة المتوفى سنة270 ه‍رحمه‌الله .

إلى غير ذلك من طبعاته الأخرى وكلها بمصر ، ولا يتّهم الطابعون والناشرون جميعاً في دينهم إذ يطبعون كتاباً ليس لابن قتيبة باسمه ، مهما افترضنا فيهم مطامع الربح التجاري.

وأمّا ما جاء في النقطة الثانية ، فهو إشارة إلى ما ورد في الإمامة والسياسة(2) ، قال : وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى ـ وكانت من أهل الصدق والصلاح ـ أنّ موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله .

فتأكيد صاحب الكتاب على توثيق المرأة التي حدثته ، ووصفها بأنّها من أهل الصدق والصلاح ، يشير إلى ان صاحب الكتاب كان منتبهاً إلى أنّ ثمة استغراباً في قبول الرواية عند قرائها ، لبعد الزمان بين فتح الأندلس الذي هو قبل ولادة ابن قتيبة بنحو مائة وعشرين سنة ، لذلك أكّد على توثيق محدثته ، وهذا لم يكن منه مع أيّ

__________________

(1) الإمامة والسياسة : 184.

(2) المصدر نفسه 2 : 75.


من الرواة الذين أخذ عنهم ، على انّه ليس في قبول الرواية أيّ استحالة عقلية ، فلو افترضنا أنّ المحدثة كانت من المعمّرين ، وكانت سنّها يوم حدثت في حدود المائة والثلاثين ، فيكون عمرها عند الفتح في حدود السادسة ، وعمر السامع منها في حدود العاشرة ، وكلاهما يكون في سنّ التمييز ، فلا بُعد في ذلك ، فلماذا نستبعده لمجرد كونه نادر الوقوع ، هذا إذا قلنا انّ قائل : ( حدثتني ) هو ابن قتيبة ، أمّا إذا كان القائل هو الراوي للحديث المتقدم عليه وهو جعفر بن الأشتر فلا إشكال.

وأمّا النقطة الثالثة : وفيها خلط المؤلف في المغايرة بين أبي العباس وبين السفاح وجعلهما اثنين ، فهذا نحوٌ من التهويش والتشويش ، ومن يقرأ النص الوارد في الكتاب لا يجد لتلك التهمة أيّ وجه مقبول ، وإلى القارئ النص كما هو في الكتاب :

لقد جاء فيه(1) : ( قتل رجال بني أمية في الشام ) وذكروا انّ أبا العباس ولى عمه عبد الله عن علي الذي يقال له السفاح ، وأمره أن يسكن فلسطين فقد سكن السفاح فلسطين ( وهكذا تكرر اسم السفاح والمراد به عبد الله بن علي عم أبي العباس ) إلى أن قال في آخر الكلام : ( ثم كتب ـ أبو العباس ـ إلى عمه السفاح ألاّ يقتل أحداً من بني أمية حتى يُعلم به أمير المؤمنين ، فكان هذا أول ما نقم به أبو العباس على عمه السفاح ).

ومن يقرأ هذا النص يعرف انّ المؤلف لم يخلط ، ولم يخبط في المغايرة بين أبي العباس وبين عمه السفاح ، وانّما الخبط والخلط ممن ظن الاتحاد حيث كان لقب أبي العباس السفاح أيضاً فتخيل خبط المؤلف ، وليس كذلك ، بل إنّ عبد الله بن علي عم أبي العباس أيضاً لقّب بالسفاح لكثرة من قتل من الخلق ، وليس اللقب مختصاً بأبي العباس وإن كان هو قد اشتهر به ، ومن راجع كتب الأنساب والألقاب

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 136.


يجد غيرهما من لقّب بالسفاح ، فقد ورد في جمهرة أنساب العرب لابن حزم(1) ، انّ مسلمة بن خالد بن كعب بن القنفذ كان يلقب بالسفاح.

وأما انكار أن يكون للمهدي وَلَدٌ اسمه ( عبد الله ) فهو قول بغير علم ، فانّ أبناء المهدي ـ كما ذكرهم ابن حزم في الجمهرة(2) ـ هم :

موسى الهادي ، وهارون الرشيد أمهما الخيزران اُم ولد ، وعبد الله شقيقهما ، وعلي وعبيد الله اُمهما ريطة بنت أبي العباس السفاح ، وإبراهيم ابن عليّة ، ومنصور عمّر حتى أدرك المتوكل ، وإسحاق ويعقوب وبنات ، منهنّ عليّة الشاعرة ومنهنّ العباسة. فراجع.

وأما النقطة الرابعة : فربّما يتخيل لها وجه من الصحة ، لكن إذا عرفنا ان ابن قتيبة عاش بعد عصر المأمون ـ وهو أزهى عصور الخلافة العباسية التي اتسعت رقعة حكمها وكثر منافسوها في المغرب ، وكانت أيدي الخلفاء العباسيين تطولهم منذ عهد الرشيد الذي لاحق إدريس الحسني جدّ الأدارسة ـ ففي مثل تلك الحال لا تبعد أخبار الأندلس عن ابن قتيبة ومعاصريه.

ولو أعملنا مقارنة بين ما ذكره ابن قتيبة ، وبين ما ذكره البلاذري في فتوح البلدان في موضوع فتح الأندلس ، لوجدنا المعلومات متقاربة جداً ، ولما كان الرجلان ـ ابن قتيبة والبلاذري ـ متعاصرين ، فبين وفاتيهما ثلاث سنين ، أمكننا تصحيح المعلومة في كتاب الإمامة والسياسة بنفس الميزان الذي نصحح به معلومة فتوح البلدان ، وليس من اختلاف بينهما سوى الإجمال والتفصيل في روايتهما.

وأمّا النقطة الخامسة : في انّه لم يرد في كتاب الإمامة والسياسة أبداً ذكر أحد ممن أخذ عنهم ابن قتيبة في سائر كتبه ، وهذا من زخرف القول وليس الأمر كذلك ، بل يجد الباحث انّه كما روى إجازة عن الجاحظ في كتاب عيون

__________________

(1) جمهرة أنساب العرب : 306.

(2) المصدر نفسه : 32.


الأخبار(1) روى أيضاً عنه في الإمامة والسياسة(2) في قتل جعفر بن يحيى البرمكي ، فقد قال : قال عمرو بن بحر الجاحظ.

وأمّا النقطة السادسة : فبانّ المؤلف مالكي الهوى والمذهب ، وابن قتيبة حنفي المذهب ، فَلَمْ يرد أيّ تصريح بذلك ، وكلّما جاء في الكتاب ذكر مالك وما كان منه ومعه من أبي جعفر المنصور ، وإذا كان ما ورد فيه من التبجيل يصح معه دعوى انّه مالكي الهوى ، لكن لا يعني ذلك انّه مالكي المذهب ، وأبعد من ذلك دعوى انّ ابن قتيبة كان حنفياً ، ولم يظهر في ذلك ما يدل عليه من كتب تراجم الأحناف ، فراجع.

وأمّا النقطة السابعة : فلم أقف على ما يدل على أنّ مؤلف كتاب الإمامة والسياسة كان بدمشق ، فليحقق.

وأمّا النقطة الثامنة : وهي رواية المؤلّف عن أبي يعلى محمد بن عبد الرحمن الأنصاري ( ت 146 ه‍ ) قبل ولادة ابن قتيبة بخمس وستين سنة ، فلقد تفحصت الكتاب مراراً فلم أقف فيه على روايته عن رجل بهذا الاسم ، وإنّما وجدت روايته عن ابن أبي يعلى النجيبي ، ولا يبعد أن يكون هو مراد الدكتور شاكر مصطفى الذي سماه خطأً بأبي يعلى محمد بن عبد الرحمن الأنصاري ( ت 146 ه‍ ) فإن كان هو مراده فيأبى عليه التغاير في الكنية أولاً ، والتغاير في النسبة ثانياً ، وليس في المقام ذكر اسمه ، فمن أين له تعيينه بأنّه محمد بن عبد الرحمن الأنصاري.

على انّ الدكتور ثروت عكاشة جعله ابن أبي ليلى قاضي الكوفة المتوفى سنة 148 ، وقال : انّه مات قبل مولد ابن قتيبة بخمس وستين سنة ، وهذا أيضاً من الرجم بالغيب بلا ريب ، فانّ القاضي المذكور ليس نجيباً ولا نجيبياً ، كما هو الوارد في نسبته في كتاب الإمامة والسياسة ، لأنّ ابن أبي يعلى القاضي وإن كان اسمه محمد بن عبد الرحمن إلاّ انّه ليس بأنصاري نسباً ، بل كان مولى الأنصار قتل أبوه مع ابن

__________________

(1) عيون الأخبار 3 : 199 , 216 , 249.

(2) الإمامة والسياسة 2 : 181.


الأشعث ، ومهما يكن فليس من حجة على انّه المذكور في كتاب الإمامة والسياسة باسم ابن أبي ليلى النجيبي.

وأمّا النقطة التاسعة : في انّه ورد في الكتاب ذكر ( مراكش ) وهذه مدينة بناها يوسف بن تاشفين ، وقد فحصت الكتاب فلم أقف على ذلك الاسم فيه ، فما أدري من أين جاؤوا به فكتبوه.

وأمّا النقطة العاشرة : في مغايرة أسلوب الكتاب للمألوف من أسلوب ابن قتيبة في بقية كتبه ، وهذه دعوى لم يأت عليها بشاهد من مقارنة بين الإسلوبين في عرض موضوع واحد ورد في الإمامة والسياسة كما ورد في أحد كتب ابن قتيبة الاُخرى ، وبينهما من التغاير ما يثبت ذلك.

وأخيراً مهما كانت تلك النقاط ذات دلالة على نفي النسبة إلى ابن قتيبة ، إلاّ انّه توجد في الكتاب إشارات ذات دلالة أيضاً على صحة نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة ، فقد ورد في ثلاثة مواضع وهي :

1 ـ قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ، راجع ص 3 في أول الكتاب.

2 ـ وقال عبد الله بن مسلم ، راجع ص 26 من الجزء الأول.

3 ـ وقال عبد الله بن مسلم ، راجع ص 73 من الجزء الأول.

موقف المستشرقين من الكتاب :

قلنا قريباً انّ المستشرق ( غاينفوس المجريطي ) هو أول من أعلن تشكيكه في نسبة الكتاب إلى ابن قتيبة ، وتبعه غيره ، منهم دوزي ، وقد لخّص مواقفهم من الكتاب الاستاذ محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس من الفتح إلى بداية عهد الناصر(1) ، فقال :

وردت هذه التفاصيل في كتاب ( الإمامة والسياسة ) المنسوب إلى ابن قتيبة ، ومع انّ هذه النسبة يحيط بها كثير من الشك ، فانّ الكتاب يتضمن كثيراً من الأخبار والتفاصيل المفيدة عن رجالات الإسلام في عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية.

__________________

(1) دولة الإسلام : 24 / الهامش رقم : 2.


وقد اعتبره المستشرق الأسباني جاينجوس قديماً وصحيحاً ، وان كان يشك في نسبته لابن قتيبة لعدة أسباب وجيهة ، وانتفع به المستشرق الألماني قايل والمستشرق الايطالي أماري.

ويرى دوزي انّ الكتاب غير قديم وغير صحيح ، وانّه يحتوي أخطاء تاريخية وروايات خيالية غير معقولة ، وعلى ذلك فلا يمكن أن يكون ابن قتيبة صاحب هذا التصنيف الضعيف.

ويرى المستشرق هاماكر ويوافقه دوزي انّ هذا الكتاب وأمثاله من الكتب التاريخية الحماسية ( مثل الكتب التي نسبت للواقدي ) قد ألّفت أيام الحروب الصليبية ، لبثّ الحماس في نفوس المسلمين ، وتذكيرهم بمجد أسلافهم وبطولتهم الخارقة ، راجع دوزي. انتهى كلام الاستاذ عنان.

أقول : ومع كل ما سبق من تشكيك ساقوه ، وخصوصاً ما قاله دوزي وهاماكر من انّه لبثّ الحماس الديني ، فلماذا اعتنى بطبع الكتاب غير واحد منهم ؟

فقد نشره المستشرق الألماني نولدكه في سنة 1886 م ، راجع كتاب المستشرقون لنجيب عقيقي(1) ، ونشره أيضاً المستشرق دي خويه في مجلة الدراسات الشرقية سنة 1907(2) .

واعتنى المستشرق ريبيرا أي فواجو الأسباني بترجمة فتوح الأندلس لابن الفوطية ـ وكان قد نشره جاينجوس وسابيدرا ـ مع اضافات من كتاب الإمامة والسياسة ، وطبع في مدريد سنة 1921 م.

وللمستشرق بيريس بحث بعنوان كتاب الإمامة والسياسة في نظر ابن قتيبة نشره في المجلة الطرابلسية / 1934 م إلى غير هؤلاء ، فإذا كان الكتاب من الكتب

__________________

(1) المستشرقون : 740.

(2) المصدر نفسه : 666.


التاريخية الحماسية لبثّ الحماس في نفوس المسلمين فنشره مكرراً خلاف مصلحة الصليبين ، فما بالهم يتهافتون على نشره وترجمته.

ثم إنّا نقول لهم ولكل مشكك ، بانّه مهما يمكن أن يقال ـ وقد قيل ـ في مناقشات النسبة ، سواء صحت أم لم تصح ، ومهما كان الحق في هذه المسألة التي ما زالت بين الأخذ والرد ، فانّ اعتماد روايات الكتاب ليس من الأهمية والخطر في التاريخ الإسلامي حتى يحتاج إلى بذل مزيد من الجهد للاستقصاء وقول الكلمة الفاصلة ، ما دام المذكور في الكتاب ليس بدعاً في التاريخ ، بل هناك تواريخ اُخرى تذكره على تفاوت في الاجمال والتفصيل.

وحسب المثبتين متابعة من سبقهم من أعلام المحدّثين والمؤرخين ممن أخذوا من الكتاب وصرحوا بنسبته إلى ابن قتيبة ، وقد مرّ بنا ان ابن الشبّاط ( ت 681 ه‍ ) نقل عنه ، وكذلك ابن فهد المكي ( ت 885 ه‍ ) نقل عنه في كتابه ( اتحاف الورى بأخبار اُم القرى ) ومثله ـ فيما أرى ـ ابن حجر الهيتمي المكي ( ت 974 ه‍ ) في كتابه ( تطهير الجنان واللسان ) المطبوع بهامش كتابه الصواعق المحرقة حيث قال(1) :

( ومع تآليف صدرت من بعض المحدّثين كابن قتيبة مع جلالته القاضية بانّه كان ينبغي له أن لا يذكر تلك الظواهر ، فان أبى إلاّ ذكرها ، فليبيّن جريانها على قواعد أهل السنّة حتى لا يتمسّك مبتدع أو جاهل بها ).

وهذا القول من ابن حجر يريد به ما ذكره ابن قتيبة في كتاب ( الإمامة والسياسة ) بدون شك أو ريب ، لانّه قد ذكر فيه ما شجر بين الصحابة ، وهذا ما غاض ابن حجر ، إذ ليس في باقي كتب ابن قتيبة ما يشير إليه ابن حجر.

إذن فالكتاب يعرفه لمؤلفه ابن قتيبة غير واحد من قدامى ومحدثين ، وقد مرّت أسماء بعضهم قبل هذا ، وحبّذا لو أعيدت طباعته محققاً تحقيقاً كاملاً شاملاً لوجه العلم لا للتجارة.

__________________

(1) تطهير الجنان بهامش الصواعق : 94.


ولنختم الكلام في المقام بذكر كلمة قيّمة لابن قتيبة :

قال في كتابه ( الاختلاف في اللفظ والردّ على الجهمية والمشبّهة )(1) ما يلي : وقد رأيت هؤلاء ـ يعني الجهمية والمشبّهة ـ أيضاً حين رأوا غلوّ الرافضة في حبّ علي ، وتقديمه على من قدّمه رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) ، وصحابته عليه وادعاءهم له شركة النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) في نبوّته ؟ وعلم الغيب للأئمة من ولده ، وتلك الأقاويل والأمور السرية التي جمعت إلى الكذب والكفر افراط الجهل والغباوة ، ورأوا شتمهم خيار السلف وبغضهم وتبرّأهم منهم ، قابلوا ذلك أيضاً بالغلوّ في تأخير علي كرّم الله وجهه وبخسه حقه ، ولحنوا في القول وإن لم يصرّحوا إلى ظلمه ، واعتدوا عليه بسفك الدماء بغير حق ، ونسبوه إلى الممالاءة على قتل عثمان ، وأخرجوه بجهلهم من أئمة الهدى إلى جملة أئمة الفتن ، ولم يوجبوا له اسم الخلافة لاختلاف الناس عليه ، وأوجبوها ليزيد بن معاوية لاجماع الناس عليه ، واتهموا من ذكره بغير خير.

وتحامى كثير من المحدّثين أن يحدثوا بفضائله كرّم الله وجهه ، أو يظهروا ما يجب له(2) ، وكل تلك الأحاديث لها مخارج صحاح ، وجعلوا ابنه الحسينعليه‌السلام

__________________

(1) الاختلاف في اللفظ : 47.

(2) وابن قتيبة كان شهر بالانحراف بالنظر إلى عدم تثبته في نقل ما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم في مؤلفاته السابقة , بحيث يشفّ من ثنايا نقوله الانحراف والنُصب , حتى ان الحافظ ابن حجر قال في حق حمل السلفي كلام الحاكم فيه على المذهب انّ مراد السلفي بالمذهب النصب , فان في ابن قتيبة انحرافاً عن أهل البيت والحاكم على ضد من ذلك أ ه‍. وهنا يردّ على النواصب بما يرضي الله ورسوله كما ترى , عفا الله عما سلف وفي ذلك عبرة بالغة. وانحراف المتوكل عن علي كرّم الله وجهه وتقريبه للمنحرفين عنه بعد رفع المحنة مما جعل للنواصب سوقاً تروج فيها أهواؤهم ومروياتهم عند كثير من أهل الحديث , حتى أخذ يتقمص النواصب في أزياء أهل الحديث , وأصبح رجال الخوارج في موضع التجلّة والتعويل في كتبهم مدى القرون بعد أن كانوا مهجورين لبغضهم عليًاً كرّم الله وجهه , وقد ورد : ( لا يبغضك إلاّ منافق ) ولشقهم عصا المسلمين في أحرج وقت , ولا


خارجياً شاقاً لعصا المسلمين حلال الدم ، لقول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : « من خرج على اُمتي وهم جميع فاقتلوه كائناً من كان ».

وسوّوا بينه في الفضل وبين أهل الشورى ، لأن عمر لو تبيّن له فضله لقدّمه عليهم ، ولم يجعل الأمر شورى بينهم ، وأهملوا من ذَكَرَه أو روى حديثاً من فضائله ، حتى تحامى كثير من المحدثين أن يتحدثوا بها ، وعنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص ومعاوية كأنّهم لا يريدونهما بذلك وإنّما يريدونه.

فان قال قائل : أخو رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) علي ، وأبو سبطيه الحسن والحسين ، وأصحاب الكساء علي وفاطمة والحسن والحسين ، تمعّرت الوجوه ، وتنكّرت العيون ، وطرت حسائك الصدور ، وان ذكر ذاكر قول النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » و « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى » وأشباه هذا ، التمسوا لتلك الأحاديث المخارج لينتقصوه ويبخسوه حقه بغضاً منهم للرافضة ، والزاماً لعليّعليه‌السلام بسببهم ما لا يلزمه ، وهذا هو الجهل بعينه.

والسلامة لك أن لا تهلك بمحبته ولا تهلك ببغضه ، وأن لا تحتمل ضغناًَ عليه بجناية غيره ، فإن فعلت فأنت جاهل مفرط في بغضه ، وأن تعرف له مكانه من رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) بالتربية والاُخوة والصهر والصبر في مجاهدة أعدائه ، وبذل مهجته في الحروب بين يديه ، مع مكانه في العلم والدين والبأس والفضل من غير أن تتجاوز به الموضع الذي وضعه به خيار السلف ، لما تسمعه من كثير من فضائله ، فهم كانوا أعلم به وبغيره ، ولأنّ ما أجمعوا عليه هو العيان الذي لا يشك فيه ، والأحاديث المنقولة قد يدخلها تحريف وشوب ، ولو كان إكرامك لرسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) هو الذي دعاك إلى محبة من نازع علياً وحاربه ولعنه ، إذ صحب رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) وخدمه ،

ـــــــــــــــــ

تزال نتائج ذلك ماثلة أمام أعين المتبصرين مما فيه ذكريات أليمة لا نريد الولوج في مضايقها , مكتفين بهذه الإشارة الوجيزة وفّر المصنف الكلام حقه في ذلك. ( عن هامش الأصل ).


وكنت قد سلكت في ذلك سبيل المستسلم ، لأنت بذلك في عليعليه‌السلام أولى لسابقته وفضله وخاصيته وقرابته والدناوة التي جعلها الله بينه وبين رسول الله( صلّى الله عليه وسلّم ) عند المباهلة حين قال تعالى :( قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) فدعا حسناً وحسيناً( وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ ) فدعا فاطمةعليها‌السلام ( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) (1) فدعا علياًعليه‌السلام ، ومن أراد الله تبصيره بصّره ، ومن أراد غير ذلك حيّره.

* * *

__________________

(1) آل عمران : 61.


الملحق الثاني :

كتاب المعارف لابن قتيبة وما لحقه من تحريف وتخريف :

لئن تطرّق الشك في نسبة كتاب الإمامة والسياسة إلى ابن قتيبة ـ كما مرّ في الملحق الأول ـ فإنّ كتاب المعارف لم يشك أحد في صحة نسبته إلى ابن قتيبة ، لكنّه لحقه من التحريف والتخريف ، مما يقف المرء عنده مبهوتاً ، إذ لم يسلم من اختلاف الرواة ، ولا من تحريف الجناة ، ولا من تخريف التحقيق وجهل الناشرين الحفاة ، ولم يكن هو الكتاب الوحيد من الكتب الذي طالته يد العبث من بعد مؤلفه. ولابد لنا من وقفة عنده لتسليط الضوء على بعض ما لحقه مما قلناه من تحريف وتخريف ، وذلك من خلال ثلاث نقاط :

1 ـ اختلاف الرواة.

2 ـ تحريف الجناة.

3 ـ تخريف التحقيق وجهل الناشرين الحفاة.

أولاً ، اختلاف الرواة :

من النادر جداً أن يسلم كتاب من اختلاف بين روايات الرواة عن مؤلفه ، نتيجة تفاوت الرواة في الفهم والضبط ، لذلك تحصل الزيادة والنقصان ، وهذا أمر معلوم ، ولعل أوضح شاهد على ذلك هو كتاب الجامع الصحيح للبخاري ، الذي يحظى باهتمام بالغ لدى كثير من المسلمين ، حتى غالى بعضهم فقال : انّه أصح كتاب بعد كتاب الله.


ومع ذلك الاطراء والثناء ، فلم يسلم من آفة اختلاف الرواة عن صاحبه ، وهذا ما نجده كشاهد عيان على هوامش صفحاته في جملة من طبعاته القديمة في الهند أو الاستانة أو مصر ، حيث الهوامش مملوءة باختلاف نسخ الرواة ، مرموز إلى أصحابها كالبري والكشميهني وأبي ذر وغيرهم ، مع شدة الحرص وبذل الجهد في سبيل ضبط النص لاهتمام الأوائل بالقراءة والسماع على المؤلف.

ولم يكن كتاب المعارف لابن قتيبة مستثنى من وهن الاختلاف في الرواية ، وعدم الضبط في صحة السماع من مؤلّفه ، لذلك حصل التفاوت بين نسخ وروايات تلامذته ، فتسبب ذلك في معاناة الباحث المحقق حين يجد النص تختلف رواية الرواة له ، وكشاهد واحد على ذلك ما نقرأ خبره عند البُرّي التلمساني ، وهو من رجال القرن السابع الهجري ، ذكره في كتابه ( الجوهرة في نسب النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) وأصحابه العشرة )(1) قال : ( وولد الحسينرضي‌الله‌عنه علياً الأكبر ، اُمه مرة بنت عروة بن مسعود الثقفي ، كذا قال محمد بن شبل في روايته كتاب المعارف عن موسى بن جميل عن ابن قتيبة مؤلفه. وفي رواية غير ابن شبل هي بنت مرة بن عروة بن مسعود ، وقتل مع أبيه ).

وإذا راجعنا المطبوع من كتاب المعارف سواء الطبعة الاُولى بمصر سنة 1353 ه‍ ، أو الطبعة الثانية بتحقيق الدكتور ثروت عكاشة ، نجد النص هكذا : ( وولد الحسين علياً واُمه بنت مرة بن عروة بن مسعود الثقفي )(2) ولم يشر إلى الرواية الثانية من قريب أو بعيد.

__________________

(1) الجوهرة 2 : 223.

(2) المعارف : 213.


ثانياً ، تحريف الجناة :

لقد عبثت أيادٍ غير أمينة بكتاب المعارف لابن قتيبة فحرّفت ما وسعها ذلك ، فطالت بعض النصوص بالزيادة والنقصان ، والتغيير والتبديل ، وهذا ما أخفى كثيراً من الحقائق عن أعين الناس ، خصوصاً فيما يتعلّق بأنصار الخلافة في أحداث السقيفة وما بعدها ، وللتدليل على هذا نذكر بعض الشواهد :

1 ـ قال الحافظ ابن شهرآشوب السروي ( ت 588 ه‍ ) في كتابه مناقب آل أبي طالب وهو يذكر أولاد فاطمة الزهراءعليها‌السلام قال : ( وفي معارف القتبي أن محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي ). فهذا النص لا يوجد في المطبوع من كتاب المعارف في طبعاته الثلاث الأوربية والمصريتين.

والذي يؤكّد رواية ابن قتيبة له ما ذكره الحافظ الكنجي الشافعي ( ت 658 ه‍ ) في كتابه كفاية الطالب في ذكر أولاد الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام نقلاً عن غير واحد من أهل السير ، فذكر التفاوت فيما بين رواياتهم مقارناً ذلك بما رواه الشيخ المفيد موافقاً لهم ومنفرداً عنهم ، إلى أن قال : وزاد على الجمهور وقال : ( انّ فاطمةعليها‌السلام أسقطت بعد النبي ذكراً كان سمّاه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محسناً )(1) . ثم قال الكنجي الشافعي : ( وهذا شيء لم يوجد عند أحد من أهل النقل إلاّ عند ابن قتيبة ).

فهذا نحو تأكيد على وجود النص في كتاب المعارف كما نقله عنه ابن شهرآشوب ، إذ لا نحتمل وجوده في بقية كتب ابن قتيبة ـ لتغاير موضوعاتها عما ذكر ـ غير المعارف إلاّ كتاب الإمامة والسياسة فهو وإن كان أقرب احتمالاً ، إلاّ انّ هذا ليس فيه النص المذكور.

__________________

(1) كفاية الطالب : 413.


وليس من المعقول ولا من المقبول إتهام ابن شهرآشوب والكنجي بالتواطؤ في التقوّل على ابن قتيبة ، لاختلافهما مذهباً ومشرباً وزماناً ومكاناً ، مضافاً إلى ما نجده في كتب الرجال والتراجم من جميل الثناء عليهما ممن لا يتهم فيهما بمحاباة.

2 ـ جاء في كتاب ( الأربعون العشارية )(1) لعبد الرحيم بن الحسين العراقي ( ت 806 ه‍ ). ( وقد ذكر عكراش في بعض المشاهد ، فذكر ابن قتيبة انّه حضر مع عليرضي‌الله‌عنه وقعة الجمل وأخذه ابن دريد من أبي محمد بن قتيبة ، فانّه حكى في كتاب المعارف انّ عكراشاً حضر مع عليّ وقعة الجمل وانّ علياً مسح رأسه ، وعاش عكراش بعد ذلك مائتي سنة ، فهذه الحكاية لم يروها بإسناد ، وعلى تقدير ثبوتها فالمراد انّه أكمل بعد ذلك مائة سنة ، فكان جميع عمره مائة سنة ).

هذا كله لا يوجد في المطبوع من كتاب المعارف ، والأنكى من ذلك انّه ورد في ص 310 من الطبعة المحققة : ( عكراش بن ذؤيبرضي‌الله‌عنه هو من بني تميم وشهد الجمل مع ( عائشة ) فقال الأحنف ـ وهو من رهطه ـ كأنّكم وقد جيئ به قتيلاً أو به جراحة لا تفارقه حتى يموت ، فضُرب ضربة على أنفه ، فعاش بعدها مائة سنة والضربة به ).

فيا ترى من الذي تولّى كبر التحريف ، فاستبدل بوقوف عكراش مع عليعليه‌السلام في الجمل ، وقوفه مع عائشة ؟ ومن الذي محا كرامة مسح الإمام لرأس عكراش ، بضربة على أنفه ، وقول الأحنف ؟

وأود أن ألفت نظر القارئ إلى أمر ذي بال في المقام ، وهو انّ ابن حجر العسقلاني ( ت 852 ه‍ ) ذكر في تهذيب التهذيب والإصابة في معرفة الصحابة

__________________

(1) الأربعون العشارية 1 : 174.


ترجمة عكراش بن ذؤيب ، وحكى فيهما نقلاً عن كتاب المعارف لابن قتيبة وكتاب الاشتقاق لابن دريد انّ عكراشاً شهد الجمل مع عائشة.

وإذا لاحظنا الفرق بين تاريخي وفاة العراقي ( 806 ه‍ ) ووفاة ابن حجر ( 852 ه‍ ) نجد الفرق(46) سنة أي أقل من نصف قرنٍ ، يمكن ادعاء ادراك ابن حجر للعراقي ، ولما كان النص عند العراقي ( شهد مع علي ) كيف انقلب بجرة من قلم عند ابن حجر ( شهد مع عائشة ) وهنا ينبغي أن ننتبه إلى انّ عملية التغيير والتحريف بدأت في تلك الفترة ، وربّما كان ابن حجر ابن سوأتها وتبعه غيره.

3 ـ جاء في كتاب عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري للعيني(1) :

وقال ابن قتيبة في المعارف ( كان عبيد الله ( يعني ابن موسى بن باذام ) يسمع ويروي أحاديث منكرة ، فضُعف بذلك عند كثير من الناس ).

وإذا قارنا بين هذا وبين الموجود في المطبوع محققاً من المعارف نجد تحريفاً غير مستساغ فقد جاء في ص 519 : عبيد الله بن موسى بن باذام وكان يقرأ القرآن في مسجده ، ويتشيّع ، ويروي في ذلك أحاديث منكرة ، فضُعف بذلك عند كثير من الناس ).

فمن ذا الذي غيّر كلمة ( ويُسمّع ) إلى كلمة ( ويتشيّع ).

4 ـ جاء في كتاب تهذيب الأسماء واللغات للنووي(2) ( ت 676 ) :

أ ـ وقال ابن قتيبة في المعارف : كان عبد الله بن جعفر أجود العرب ، وأخبار أحواله في السخاء والجود والحلم مشهورة لا تحصى ، ومما روينا عنه انّه أقرض الزبير بن العوام ألف ألف درهم ، فلما قتل الزبير قال عبد الله بن الزبير لعبد الله بن

__________________

(1) عمدة القاري 1 : 118.

(2) تهذيب الأسماء واللغات 1 : 363.


جعفر وجدت في كتب أبي أن له عليك ألف ألف درهم ، فقال هو صادق : فاقبضها إذا شئت ، ثم لقيه فقال : يا أبا جعفر إنّي وهمت المال لك على أبي ، قال : فهو لك ، قال : لا اُريد ذلك ، قال : فإن شئت فهو لك وإن كرهت ذلك فلك فيه نظرة ما شئت.

وهذا النص لا يوجد منه في ص 206 ط محققة إلاّ قوله : ( وأمّا عبد الله بن جعفر ، فكان يكنى أبا جعفر ، ولد بالحبشة ، وكان أجود العرب ).

ب ـ وجاء أيضاً في تهذيب الأسماء واللغات(1) :

قال ابن قتيبة : ولد عبد الله بن جعفر سبعة عشر ابناً وبنتين ، وهم جعفر الأكبر وعلي وعون الأكبر وعباس واُم كلثوم ، اُمهم زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومحمد وعبيد الله وأبو بكر اُمهم الخوصاء بنت حفصة أحد بني تيم بن ثعلبة.

وصالح وموسى وهارون ويحيى واُم أبيها اُمهم ليلى بنت مسعود بن خالد النهشلي تزوجها بعد علي بن أبي طالب.

ومعاوية وإسماعيل وإسحاق والقاسم لاُمهات أولاد.

والحسن وعون الأصغر اُمهما جمانة بنت المسيب الفزارية ).

وقد جاء النص في كتاب المعارف / 207 ط محققة بتفاوت يسير مما يمكن حمله على اختلاف النسخة من جهة الرواة.

ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيراً من النقول عن كتاب المعارف لابن قتيبة في عدة مصادر كالصحاح للجوهري من المصادر اللغوية ، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي في التراجم واللغة ، وعمدة القارئ للعيني في الحديث وغيرها ، يمكن أن

__________________

(1) المصدر نفسه 1 : 264.


تراجع على المطبوع من المعارف محققاً للمقارنة ، وإثبات ما لم يوجد فعلاً فيه فيضاف إلى المطبوع بعنوان نصوص ضائعة من كتاب المعارف ، وهذا جهد غير مضاع ، لما فيه من كثير فائدة وجميل عائدة.

ثالثاً ، تخريف التحقيق وجهل الناشرين الحفاة :

لقد طبع كتاب المعارف لابن قتيبة حتى اليوم ـ فيما أعلم ـ ثلاث مرات ، أولها طبعة أوربا نشرها المستشرق الألماني ( وستنفلد ) سنة 1850 م ولم أطلع عليها ، وإنّما ذكرتها استناداً إلى بحث صديقنا المرحوم الدكتور مصطفى جواد ( ت 1390 ه‍ ) في مجلة المجمع العلمي العراقي(1) ، وثاني طبعاته سنة 1353 بالمطبعة الإسلامية بمصر ، تجد تعريفها في البحث المذكور آنفاً. وثالث الطبعات هي بتحقيق الدكتور ثروت عكاشة ( وزير الثقافة والإرشاد القومي في الجمهورية العربية المتحدة ) وكان بحث الدكتور مصطفى جواد حول هذه الطبعة ، فقد تناولها نقداً وتصحيحاً ومؤاخذة في أكثر من مائة مورد ، ومع بالغ جهده فقد زاغت عنه موارد اُخرى ، استدركتها عليه وكتبتها على هامش نسختي من المجلة المذكورة وسأذكرها بعدُ.

ولما كان الدكتور المحقق العكاشي ـ كما سمّاه الدكتور الناقد ـ قد بذل جهداً مشكوراً ومذكوراً في مقدمة الكتاب وتحقيقه المتن ، ومع ذلك فذاك مبلغ علمه ، ولا اُريد انتقاص الرجل حين أقول : لم يكن فارس ميدان ، ولا راجلاً تخلف بالركبان ، حتى ظننت أنّه قد استعان ببعض تلامذته ، فتولوا له المراجعة وكتبوا التحقيق باسمه ، ومهما يكن فإنّ الجواد يكبو والصارم ينبو.( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) (2) .

__________________

(1) مجلة المجمع العلمي العراقي 9 : 433.

(2) يوسف : 76.


والآن إلى شواهد مما فاته من بسائط المعرفة في التحقيق ، وهي مما زاغ عنه نظر المرحوم الدكتور الناقد أيضاً ، فالحق أن يجعلا معاً شريكين في هذه الملاحظة وعدلي ميزان في هذه الغفلة.

أ ـ جاء في المقدمة ص 14 ذكر أبي عبيدة معمّر بن المثنى ومصنفاته فقال العكاشي المحقق :

( ولم يصلنا من هذه ـ يعني كتبه ـ كلها إلاّ كتاب نقائض جرير والفرزدق ) ؟ هذا ولم يعقّب الدكتور الناقد بشيء على ذلك. وهذا من الغريب جداً منهما معاً ، فإنّ لأبي عبيدة من المصنفات المطبوعة في مكتبتي ـ على قلة ما تحويه ـ ثلاثة كتب مطبوعة ومحققة هي :

1 ـ كتاب ( العققة والبررة ) حققه الاستاذ عبد السلام محمد هارون ، وطبعه سنة 1373 ه‍ ضمن ( نوادر المخطوطات )(1) .

2 ـ كتاب ( مجاز القرآن ) حققه الاستاذ فؤاد سزگين في جزئين طبع بمصر ، الأول سنة 1374 ه‍ ، والثاني سنة 1381 ه‍.

3 ـ كتاب ( الخيل ) من مطبوعات حيدر آباد الدكن في الهند سنة 1358 ه‍.

ب ـ ومن ذلك ما جاء في الحديث عن الخليل بن أحمد الفراهيدي في صفحة 18 من المقدمة عند ذكر مؤلفاته ، فذكر أسماءها وختم المحقق قوله : ( وهذا كله قد ضاع ) ؟

وهذا أيضاً من غرائبه ، إذ لم يكلف نفسه بالسؤال عن نسخة كتاب العين للخليل أشهر كتبه مع وجودها ، وطبع جزء منه يومئذٍ ، وأغرب من ذلك غفلة الاستاذ الناقد عن التنبيه عليه ، وهو أحد أعضاء اللجنة التي زارت النجف الأشرف ،

__________________

(1) نوادر المخطوطات 2 : 329 ـ 370.


وزارت المرحوم ا لعلاّمة الكبير الشيخ السماويرحمه‌الله ، فاشترت منه مجموعة نادرة من كتبه كان منها نسخة كتاب العين على ما ببالي.

ج ـ ومن ذلك ما جاء في الحديث عن مُؤَرِّج السدوسي في صفحة 18 من المقدمة ، فذكر المحقق له أربعة كتب سمّاها وقال : ( وله كتب اُخرى غيرها لم يصلنا منها شيء ).

وهذا أيضاً من غرائبه ، إذ لم يعلم بوجود ( كتاب الأمثال ) لمؤرّج السدوسي في مكتبة الاسكوريال ، كما فاته التنبيه على ذكر كتاب في نسب قريش لمؤرّج المطبوع باسم ( حذف من نسب قريش ) حققه الدكتور صلاح الدين المنجّد ، وطبعه سنة 1960 م.

د ـ ومن ذلك ما يتعلق بترجمة ابن قتيبة ، فقد ذكر تلاميذه ، وفاته ذكر موسى بن جميل الذي روى كتاب المعارف عن مؤلفه ابن قتيبة ، ورواه عنه محمد بن شبل وآخرون ، بتفاوت النقل عنه ، كما مرت الإشارة إلى ذلك باقتضاب.

ه‍ ـ جاء في ص 211 من الكتاب مايلي : ( بنات عليرضي‌الله‌عنه ، فأما زينب الكبرى وأمّا اُم كلثوم الكبرى وهي بنت فاطمة ، فكانت عند عمر بن الخطاب ، وولدت له أولاداً قد ذكرناهم ، فلما قتل عمر تزوجها جعفر بن أبي طالب فماتت عنه ).

وهذه طامة ما بعدها من طامة ، وغلط فاحش لا يمكن الاعتذار عنه بوجه ، حيث لم يتفطن إلى ان جعفر بن أبي طالب هو عم اُم كلثوم ، فكيف يصح القول انّه تزوجها (؟) وأيّ مسلم تخفى عليه آية التحريم :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ » الآية(1) .

__________________

(1) النساء : 23.


ولما كانت اُم كلثوم قد تزوجها بعد عمر ابن عمها محمد بن جعفر بن أبي طالب ، فاحتملنا أن يكون هناك سقط مطبعي ، فلاحظنا جدول التصحيح في آخر الكتاب ، فلم نجد التنبيه عليه ، وهذا أيضاً عجيب غريب.

و ـ جاء في ص 213 من الكتاب ( وقَتَلَ إبراهيم ب‍ ( باخمرا ) على ستة عشر فرسخاً من الكوفة ).

هكذا ورد النص في المتن بإعراب ( قَتَل ) مبني للمعلوم ، بينما الصحيح ( قُتِل ) مبني للمجهول ، وليس هذا بشيء إذا ما قيس إلى ما جاء في تعليق المحقق العكاشي على كلمة باخمرا فقال : ( ط ، ه‍ ، و ( بباجمرا ) وهو موضع دون تكريت ، وانظر معجم البلدان ).

أقول : وهذا منه بمنتهى الغرابة ، إذ انّ المؤلف ـ ابن قتيبة ـ قد حدّد موضع باخمرا على ستة عشر فرسخاً من الكوفة ، فلا معنى لتعليقته ، ثم ان عذرناه لانّه مصري لا يعلم أبعاد ما بين المدن العراقية ، فأين الكوفة وأين تكريت ؟! وما بينهما أكثر من أربعين فرسخاً ، لكن لا نعذره في عدم التفاته إلى انّ ابن قتيبة ذكر باخمرا وعرّفها ، بينما الدكتور المحقق (؟) عرّف لنا باجمرا التي وجدها في النسخ المرموز إليها ، ولم يتنبه إلى انّ ذلك من تصحيف النسّاخ فلم يتنبه له ، وقد نبّه الدكتور الناقد على ذلك باقتضاب.

ز ـ جاء في ص 215 ( فأمّا جعفر بن محمد فيكنى أبا عبد الله وإليه تنسب الجعفرية ).

هكذا ورد النص في المتن ، فعلق المحقق في الهامش على ( الجعفرية ) فقال : ( محلة كبيرة في الجانب الشرقي من بغداد ) « معجم البلدان ».

وهكذا ما زال الدكتور المحقق يتحف قراء تحقيقه بعجائب وغرائب ، فهو تخيل أنّ الجعفرية في النص اسم مكان ، فرجع إلى معجم البلدان فسطر منه الذي


سطر ، وهذا منه قلة تدبّر في كلام ابن قتيبة ، فهو يعني بالجعفرية الفرقة التي تنسب إلى أبي عبد الله جعفر بن محمدعليه‌السلام ، ولو راعى المحقق القرينة الحالية و المقالية ، لكان دقيقاً في قراءة النص ، فلا يصدر حكماً ولا يبدي رأياً ولا يخط حرفاً إلاّ بعد الإمعان في قراءة النص وفهم المراد منه ، ثم ليعلّق بعد ذلك بما شاء مما استقر فهمه عنده ، أمّا وهو لا يفرّق بين ( الجعفرية ) اسم الفرقة ، وبين الجعفرية اسم المكان ، فلا يعذر في تعليقه ، ثم انّ قوة الملاحظة لو كانت لديه ، لعرف أنّ الجعفرية حين ترد في كتب الأنساب ، فالمراد بها النسبة إلى جعفر الطيارعليه‌السلام فيقال لأولاده الجعفرية ، كما يقال لهم الجعفريون.

وحين ترد في كتب الحديث والفرق ، فالمراد بها إحدى فرقتين ، أولاهما ( الجعفرية ) عند الشيعة نسبة إلى إمامهم جعفر الصادقعليه‌السلام ، وثانيهما ( الجعفرية ) عند المعتزلة نسبة إلى جعفر بن حرب أو جعفر بن مبشر.

وحين ترد في كتب التاريخ والأدب عند ذكر الأماكن ، فيراد بها المحلة الكبيرة ببغداد نسبة إلى جعفر البرمكي ، وهكذا فكل تدلّ عليه قرينة حالية أو مقالية.

ولا ينقضي عجبي من المرحوم الناقد كيف غفل عن التنبيه عليه ، وهذا من الغفلات النادرة بالنسبة إليه.

وحسبنا بهذه الشواهد السبعة في الدلالة على أوهام الدكتور المحقق في المقدمة والمتن ، أمّا ما جاء في الفهارس من خبط وخلط فحدث ولا حرج ، وإلى القارئ نموذجاً واحداً :

فقد ذكر في صفحة / 712 في فهرس الأعلام اسم ( عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب ) وذكر بعده أرقام 32 صفحة يرد فيها ذكره ، ولدى المراجعة لم نجد إلاّ الرقم الأول صحيحاً حيث يرد ذكره ، وذكر البقية كان غلطاً ، فانّ ثلاثين مورداً


منها إنّما ورد فيها ذكر عبد الله بن الزبير بن العوام ، ورقماً واحداً وهو في صفحة 253 سطر 15 فلم يرد فيها ذكر أيّ منهما ، ومن المضحك أن الصفحة ليس فيها سوى تسعة سطور ، بينما يحيل المحقق على السطر 15 ، وعلى هذه فقس ما سواها.

وبعد ما تقدم من الشواهد هل نتوقع من محقق لم يراع بسائط فنّ التحقيق أن يبحث لنا عن النصوص الضائعة من كتاب المعارف ؟

وهل نتوقع منه إن وجدها أن يثبتها في مواضعها كما هي منقولة وموثقة ويشير إلى ذلك ؟

كيف وأنّى ، وقد عرفنا مبلغ علمه ومنتهى جهده ، فعسى أن ينبري بعض المحققين إلى سدّ الثغرات في الكتاب ، وذلك بجمع ما تناثر في بطون الكتب مما نقل عن كتاب المعارف ولا يوجد في نسخه المطبوعة ، وانّ في صحاح الجوهري ، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ، وعمدة القاري للعيني جملة صالحة من المنقول عن كتاب المعارف ، حبّذا لو قورنت مع المطبوع من نسخة المعارف.

وختاماً أعود فأذكر القارئ بالداعي الذي دعاني إلى هذا البحث في كتاب المعارف ، هو تضييع بعض النصوص عن عمد فيما أرى ، كالنص الذي تقدم في أول البحث ذكره وهو : ( وإنّ محسناً فسد من زحم قنفذ العدوي ).

وإنّما قلت عن عمد لأنّ الرواة لم تسمح لهم ظروفهم الخاصة برواية الأحداث التي صاحبت سقوط السيد السبط المحسن السقط كما هي ، ويبقى الحديث عنها مهموساً في المجالس الخاصة ، وبالكناية والتعريض ، وهذا ما أشار إلى جانب منه ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة(1) من خبر ترويع هبّار بن الأسود لزينب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث روّعها بالرمح وهي في الهودج وكانت

__________________

(1) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 : 351.


حاملاً ، فلما رجعت طرحت ما في بطنها ، وقد كانت من خوفها رأت دماً في الهودج ، فلذلك أباح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله دم هبّار بن الأسود يوم فتح مكة.

قال ابن أبي الحديد : قلت : وهذا الخبر قرأته على النقيب أبي جعفررحمه‌الله فقال : إذا كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أباح دم هبّار بن الأسود لأنه روّع زينب فألقت ذا بطنها ، فظهر الحال انّه لو كان حيّاً لأباح دم من روّع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها.

فقلت : أروي عنك ما يقوله قوم انّ فاطمة رُوّعت فألقت المحسن ؟ فقال : لا تروه عني ، ولا ترو عني بطلانه ، فإنّي متوقف في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي أه‍.

أقول : ولم يعقّب ابن أبي الحديد على ذلك بشيء ، فهل هو أيضاً من المتوقفين ؟ أم انّه كشيخه ، يتقي المصارحة خوفاً من الحشوية ، فالله أعلم بحقيقة الحال ، وتبقى ظلامة الزهراءعليها‌السلام أعظم رزية كما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد ذكر ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث السادس من باب مرض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) فقال :

وعند الطبري من وجه آخر عن عائشة أنّهصلى الله عليه ( وآله ) (2) وسلم قال لفاطمة : ( إنّ جبريل أخبرني انّه ليس امرأة من نساء المسلمين أعظم رزية منك ، فلا تكوني أدنى امرأة منهنّ صبراً ).

* * *

__________________

(1) فتح الباري 9 : 201.

(2) من عادة الحافظ ابن حجر ذكر التصلية تماماً على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله , ملتزماً بذلك في سائر كتبه , إلاّ انّ الطبعات الحديثة لبعض كتبه نجد فيها الصلاة البتراء , بتر الله عُمر من بتر.



الملحق الثالث :

المحسن بن الحسينعليه‌السلام :

إنّ من آثار الظلم الذي لحق بأهل البيتعليهم‌السلام من جراء بيعة الفلتة في السقيفة ، ما بقي أثره شاهداً وماثلاً للعيان حتى يومنا الحاضر ، هي تلك المشاهد المشرّفة لآل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المنتشرة في شتى بقاع الأرض ، حيث توالت عليهم المحن والرزايا منذ التحق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرفيق الأعلى ( لم يمتثل أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الهادين بعد الهادين ، والأمة مصرّة على مقته ، مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده ، إلا القليل ممن وفى لرعاية الحق فيهم ، فقُتل من قتل ، وسُبي من سبي ، وأقصي من أقصي ، وجرى القضاء لهم بما يرجى له حسن المثوبة ).

وقد أشار شاعرهم دعبل بن علي الخزاعي إلى بعض تلك المشاهد التي كانت في أيامه ، فسعدت بضم رفاتهم وخلدت بجميل تاريخهم ، حيث يقول في تائيته الخالدة :

قبورٌ بكوفان وأخرى بطيبةٍ

وأخرى بفخ نالها صلواتي

وأخرى بجنب النهر من أرض كربلا

معرّسهم فيها بشطّ فرات

وأخرى بأرض الجوزجان محلها

وقبر بباخمرى لدى المغرباتي

وقبر ببغداد لنفس زكية

تضمّنها الرحمان في الغرفات

وقبر بطوس يا لها من مصيبة

ألحّت على الأحشاء بالزفرات


وزاد عليه شاعر آخر فقال :

لا تأمن الدهر إنّ الدهر ذو غير

وذو لسانين في الدنيا ووجهين

أخنى على عترة الهادي فشتتهم

فما ترى جامعاً منهم بشخصين

بعض بطيبة مدفون وبعضهم

بكربلاء وبعض بالغريين

وأرض طوس وسامرا وقد سعدت

بغداد بدرين حلا وسط قبرين

وقد جمع ذكرهم ببراعة فائقة أبو الفضل يحيى بن سلامة الحصكفي ( ت 553 ه‍ ) في بيت شعر من قصيدته الخالدة(1) فقال :

قوم لهم في كل أرض مشهد

لا بل لهم في كل قلب مشهد

ولئن ضاعت معالم تلك المشاهد وما أكثر الدوارس منها ، لكن لا يزال حديث أصحابها يعطر الأفواه والأجواء كأنه المسك الزاكي ، ويقص علينا تاريخهم المليء بالمآسي من الأمة شاكي ، كمثل المحسن السبط الذي كانت هذه الرسالة باسمه ، وهو أول شهيد من ضحايا العنف السياسي فلم يعرف له قبر ، وأنّى وقد دفنته فضة في ناحية البيت.

ولكن لسميّه وابن أخيه وشبهه في المأساة ( المحسن السقط بن الحسينعليه‌السلام ) مشهدٌ معروف ولا يزال ماثلاً للعيان ، شاهق البنيان ، في غربي حلب ، ويعرف بمشهد الدكة ، ومشهد الطرح ، ومشهد المحسن بن الحسينعليهما‌السلام .

وقد حفظ التاريخ شيئاً من مأساته ، حين ذكر المؤرخون كالطبري وابن الأثير في أحداث سنة 61 ه‍ ، والخوارزمي في مقتل الحسينعليه‌السلام وغيرهم ، حديث وقعة كربلاء ، واستشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام وأهل بيته وأنصاره ، وما

__________________

(1) راجع تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 205 ـ 206 , والشذرات الذهبية لابن طولان : 43.


جرى على آله من بعده من سبي العيال والأطفال من كربلاء إلى الكوفة وفيها إلى الشام ، وكانت الطريق السالكة يومئذٍ بين الكوفة والشام تمر بحلب وحمص وحماه ثم الشام.

فجاء الحفاة الطغاة بأهل البيت من هذا الطريق ، ولا تزال في بعض المنازل توجد مساجد باسم الإمام زين العابدينعليه‌السلام ، وفي حلب يوجد ـ إلى الآن ـ مشهدان أحدهما يعرف بمشهد النقطة ، والآخر بمشهد المحسن.

قال ياقوت الحموي في معجم البلدان(1) : جبل في غربي حلب ( في سفحه مقابر ومشاهد للشيعة )(2) ، ومنه كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدن ، ويقال : أنه بطل منذ عبر عليه سبي الحسين بن عليرضي‌الله‌عنه ونساؤه ، وكانت زوجة الحسين حاملاً ، فأسقطت هناك ، فطلبت من الصناع في ذلك الجبل خبزاً وماء فشتموها ومنعوها فدعت عليهم ، فمن الآن من عمل فيه لا يربح ، وفي قبلي الجبل مشهد يعرف بمشهد السقط ، ويسمى بمشهد الدكة ، والسقط يسمى بمحسن بن الحسينرضي‌الله‌عنه .

قال الغزي في نهر الذهب في تاريخ حلب(3) : وفي سنة 61 ه‍ قتل الحسين بن علي ( رضي الله عنهما ) بكربلاء ، واحتز رأسه الشريف شمر بن ذي الجوشن ، وسار به وبمن معه من آل الحسين إلى يزيد بدمشق ، فمر بطريقه على حلب ، ونزل عند الجبل غربي حلب ، ووضعه على صخرة من صخراته ، فقطرت منه قطرة دم ، عمّر على أثرها مشهد عُرف بمشهد النقطة.

__________________

(1) معجم البلدان 2 : 186 ( جوشن ).

(2) ما بين القوسين لا يوجد في طبعة دار صادر مع أنّه منقول عن معجم ياقوت.

(3) نهر الذهب في تاريخ حلب 3 : 22.


وقال(1) : إنّ سبب بناء مشهد النقطة هو أن الرأس لما وصلوا به إلى هذا الجبل ، وضعوه على الأرض فقطرت منه قطرة فوق صخر بني عليها الحلبيون هذا المشهد وسمّي مشهد النقطة ، ولعل هذه الصخرة نقلت من هذا المشهد بعد خرابه إلى محراب مشهد الحسين فبني عليها.

وقال أيضاً(2) : فأما مشهد محسن فيعرف بمشهد الدكة ومشهد الطرح ، وهو غربي حلب ، سمي بهذا لأنّ سيف الدولة حمدان كان له دكة على الجبل المطل على موضع المشهد يجلس عليها لينظر حلبة السباق ، فإنّها كانت تقام بين يديه هناك.

وعن تاريخ ابن أبي طي : أنّ مشهد الدكة ظهر في سنة 351 ، وأنّ سبب ظهوره هو أنّ سيف الدولة كان في احدى مناظره التي بداره خارج المدينة ، فرآى نوراً ينزل على مكان المشهد ، وتكرر ذلك فركب بنفسه إلى ذلك المكان ، وحفره فوجد حجراً عليه كتابة : ( هذا قبر المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ) فجمع سيف الدولة العلويين وسألهم ، هل كان للحسينعليه‌السلام ولد اسمه المحسن ، فقال بعضهم ما بلغنا ذلك ، وإنّما بلغنا أنّ فاطمة كانت حاملاً ، فقال لها النبي( صلّى الله عليه وسلّم ) : في بطنك محسن ، فلما كان يوم البيعة هجموا على بيتها لإخراج علي إلى البيعة فأخرجت ، وفي صحة هذا نظر(3) ، وقال بعضهم ـ بعض العلويين ـ : انّ سبي نساء الحسين لما مروا بهنّ على هذا المكان طرحت بعض نسائه هذا الولد.

__________________

(1) المصدر نفسه 2 : 282.

(2) المصدر نفسه 2 : 278 و 289.

(3) المراد بالتنظر في صحة هذا بعدما جاء السؤال عنه وهو هل للحسين ولد اسمه المحسن , فأجاب العلويين في صحة هذا نظر , فلا يتوهم أن التنظر في إسقاط فاطمةعليها‌السلام حملها المحسن , كيف يكون ذلك وقد مرّت مصادر ذلك , ولا يعقل أن ذلك المجيب من بعض العلويين لم يعلم ذلك.


وقال ابن أبي طي : ولحقت هذا المشهد وهو عليه باب صغير ، وحجر أسود تحت قنطرته مكتوب عليه بخط أهل الكوفة كتابة عريضة : عمّر هذا المكان المبارك ابتغاء لوجه الله وقربة إليه على اسم مولانا المحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ، وذكر التاريخ المتقدم ( أي تاريخ بنائه وهو سنة 351 ه‍ ).

ثم ذكر ابن أبي طي ماجرى على المشهد المذكور من عمارات ، فمن شاء الإطلاع على ذلك فليرجع إلى تاريخ مشهد الإمام الحسين في حلب ، تأليف السيد حسين يوسف مكي العاملي ط / 1 سنة 1968 م ، بيروت.

أقول : ولقد تشرفت بزيارة المشهد وهو في بقعة أنيقة وأشجار باسقة ، تحوط بالصحن الشريف ، والقبر في وسط البقعة ، ويزوره الزائرون من أهل البلد وغيرهم.

* * *

هذا ما تيسّر لي جمعه وتحقيقه ، والحمد لله ربّ العالمين ، وصلّى الله على سيّدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله الميامين علي أمير المؤمنين ، وفاطمة سيدة نساء العالمين ، والحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة أجمعين ، وعلي زين العابدين ، ومحمد باقر علم النبيين ، وجعفر بن محمد زكي الصدّيقين ، وموسى بن جعفر الكاظم المبين وحبيس الظالمين ، وعلي بن موسى الرضا الأمين ، ومحمد بن علي علم المهتدين ، وعلي بن محمد البر الصادق سيّد العابدين ، والحسن بن علي العسكري ولي المؤمنين ، والخلف الحجة صاحب الزمان مظهر البراهين ، والمنتقم من الظالمين ، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

* * *



الفهارس


فهرس المصادر

1 ـ الأئمة الإثنا عشر ـ ابن طولون الدمشقي ، تحقيق المنجد.

2 ـ إتحاف السائل ـ المناوي.

3 ـ الإتقان ـ السيوطي ، ط حجازي بالقاهرة عام 1368 ه‍.

4 ـ الإحتجاج ـ الطبرسي ، ط المرتضوية عام 1350 ه‍.

5 ـ أخبار الخلفاء ـ ابن حبّان.

6 ـ أخبار الدول ـ الإسحاقي ، ط العثمانية عام 1304 ه‍.

7 ـ أخبار المدينة المنورة ـ عمر بن شبة البصري ، دار الكتب العلمية بيروت.

8 ـ الإختصاص ـ الشيخ المفيد ، الطبعة الحيدرية.

9 ـ الإختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ـ ابن قتيبة ، ط السعادة بمصر ، عام 1349 ه‍.

10 ـ الأدب المفرد ـ البخاري ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

11 ـ الأربعون العشارية ـ عبد الرحيم بن الحسين العراقي ، دار ابن حزم ، تحقيق بدر عبد الله البدر.

12 ـ أرجح المطالب ـ عبيد الله آمر تسري ، ط لاهور.

13 ـ الإرشاد ـ الشيخ المفيد ، المطبعة الحيدرية.

14 ـ إرشاد الساري ـ القسطلاني.

15 ـ الاستقصاء ـ ابن عبد البر.

16 ـ الاستيعاب ـ ابن عبد البر ، ط حيدرآباد ، وأيضاً بتحقيق البجّاوي.

17 ـ اُسد الغابة في معرفة الصحابة ـ ابن الأثير ، ط أفست إسلامية طهران.


18 ـ إسعاف الراغبين ( بهامش مشارق الأنوار للحمزاوي ) ـ محمد الصبان ، ط الأزهرية عام 1328 ه‍.

19 ـ الإسلام وأصول الحكم ـ علي عبد الرزاق.

20 ـ الإصابة ـ ابن حجر.

21 ـ أصحاب صاحب البراق ـ طاهر الحبوش.

22 ـ إعجاز القرآن ـ الباقلاني ، ط السلفية عام 1349 ه‍.

23 ـ أعلام النساء ـ عمر رضا كحالة ، ط عام 1378 ه‍ بالمطبعة الهاشمية بدمشق.

24 ـ الأغاني ـ أبو الفرج الاصفهاني ، ط دار الكتب المصرية.

25 ـ الإكتفاء بما تضمّنه من مغازي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ سليمان بن مولى الكلاعي ، دار الكتب العلمية.

26 ـ الإكمال ـ ابن ماكولا ، ط أفست حيدرآباد.

27 ـ إكمال إكمال المعلم ـ الوشتاني الآبي ، ط دار الكتب العلمية بيروت.

28 ـ الإكمال في أسماء الرجال ـ الخطيب التبريزي ، ط المكتبة العلمية ملحقاً بكتاب مرقاة المفاتيح.

29 ـ الأمالي ـ الشيخ الصدوق ، ط الحيدرية.

30 ـ الإمامة والسياسة ـ ابن قتيبة ، مطبعة الأمة بمصر عام 1328 ه‍.

31 ـ الأموال ـ حميد بن زنجويه ، تحقيق شاكر ذيب فياض ، الطبعة الأولى عام 1406 ه‍ ، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

32 ـ الأنباء بأبناء الأنبياء ـ القضاعي.

33 ـ أنساب الأشراف ـ البلاذري ، تحقيق د. محمد حميد الله ، ط دار المعارف بمصر.

34 ـ إيقاظ همم أولي الأبصار ـ الشيخ الفلاّثي ، ط المنيرية عام 1354 ه‍.

35 ـ بحار الأنوار ـ محمد باقر المجلسي.


36 ـ البحر المحيط ـ أبو حيان الأندلسي.

37 ـ البدء والتاريخ ـ المطهر بن طاهر المقدسي.

38 ـ البدر الطالع ـ الشوكاني.

39 ـ بغية الوعاة ـ السيوطي.

40 ـ تاج العروس ـ الزبيدي.

41 ـ تاريخ ابن الوردي ـ ط الحيدرية.

42 ـ تاريخ ابن خلدون ـ ط دار الكتاب اللبناني.

43 ـ تاريخ أبو الفداء.

44 ـ تاريخ آداب اللغة العربية ـ جرجي زيدان.

45 ـ تاريخ الإسلام ـ الذهبي.

46 ـ تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والإجتماعي ـ د. حسن إبراهيم حسن.

47 ـ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ـ أحمد شلبي.

48 ـ تاريخ الأمم والملوك ـ الطبري ، ط دار المعارف.

49 ـ تاريخ الخلفاء ـ السيوطي ، ط المنيرية.

50 ـ تاريخ الخميس ـ الدياربكري.

51 ـ التاريخ العربي والمؤرخون ـ شاكر مصطفى ، ط دار الملايين عام 1978 م.

52 ـ التاريخ المقدس ـ ميشل ماير ، ط باريس عام 1874 م.

53 ـ تاريخ اليعقوبي.

54 ـ تاريخ بغداد ـ الخطيب البغدادي.

55 ـ تأويل مختلف الحديث ـ ابن قتيبة.

56 ـ تبصير المتنبه ـ ابن حجر العسقلاني ، تحقيق البجّاوي والنجار.

57 ـ تثبيت دلائل النبوة ـ عبد الجبار المعتزلي الهمداني ، ط الدار العربية بيروت ، تحقيق عبد الكريم عثمان.


58 ـ تحفة الطالب ـ الحسين السمرقندي ( نشر في مجلة تراثنا ، العدد 3 ـ 4 من السنة السادسة عشرة ).

59 ـ تذكرة الحفاظ ـ ط الهند.

60 ـ تذكرة الخواص ـ سبط ابن الجوزي ، ط الحجرية ، وط النجف.

61 ـ التراتيب الإدارية ـ الكتاني.

62 ـ ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ـ ابن عساكر ، تحقيق المحمودي ، ط بيروت.

63 ـ تطهير الجنان واللسان ـ ابن حجر الهيتمي ، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ، ط القاهرة.

64 ـ التكملة ـ ابن الأبار.

65 ـ تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب ـ ابن الفوطي الحنبلي.

66 ـ تمام المتون ـ الصفدي ، تحقيق محد أبو الفضل إبراهيم ، ط دار الفكر العربي.

67 ـ التنبيه والرد ـ أبو الحسين الملطي.

68 ـ تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ، ط مصطفى محمد.

69 ـ التهذيب ـ الشيخ الطوسي ، ط الحجرية.

70 ـ تهذيب الأسماء واللغات ـ النووي ، ط المنيرية.

71 ـ تهذيب التهذيب ـ ابن حجر العسقلاني.

72 ـ تهذيب الكمال ـ المزي.

73 ـ الثقات ـ ابن حبّان ، ط دار الفكر.

74 ـ الجامع الصحيح ـ الترمذي.

75 ـ الجامع لأحكام القرآن ـ القرطبي.

76 ـ جمهرة أنساب العرب ـ ابن حزم ، ط دار المعارف.


77 ـ جمهرة خطب العرب ـ أحمد زكي صفوت.

78 ـ الجوهرة ـ محمد بن أبي بكر التلمساني ، تحقيق محمد النوبخي ، ط الرياض ، عام 1403 ه‍.

79 ـ جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام ـ محمود بن وهيب القراغولي ، ط بغداد عام 1329 ه‍.

80 ـ الحدائق الوردية ـ حسام الدين محلى.

81 ـ حديث المبادرة ـ محمد حسنين هيكل ، ط دار الشروق.

82 ـ حسن الصحابة في أشعار الصحابة ـ علي فهمي جابي زادة ، ط تركيا عام 1324 ه‍.

83 ـ حسن المحاضرة ـ السيوطي.

84 ـ حلية الأولياء ـ أبو نعيم الأصفهاني ، ط السعادة بمصر.

85 ـ خصائص علي بن أبي طالب ـ النسائي.

86 ـ الخصال ـ الشيخ الصدوق ، ط الحيدرية.

87 ـ الخطط ـ المقريزي ، ط دار صادر.

88 ـ الخلافة بين التنظير والتطبيق ـ محمود المرادي.

89 ـ الخلافة والإمامة ـ عبد الكريم الخطيب ، ط دار الفكر العربي بمصر.

90 ـ دائرة معارف القرن العشرين ـ فريد وجدي.

91 ـ الدر المنثور ـ السيوطي ، ط أفست إسلامية.

92 ـ الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ـ زينب بنت يوسف فواز.

93 ـ الدرر الكامنة ـ ابن حجر ، ط الهند.

94 ـ دلائل الإمامة ـ الطبري الإمامي ، ط الحيدرية.

95 ـ دلائل الإمامة ـ محمد بن جرير بن رستم الطبري الإمامي ـ طبع عام 1369 ه‍. المطبعة الحيدرية في النجف.


96 ـ دلائل النبوة ـ أبو نعيم الأصفهاني ، ط حيدرآباد.

97 ـ دلائل النبوة ـ البيهقي.

98 ـ دول العرب وعظماء الإسلام ـ أحمد شوقي.

99 ـ دولة الإسلام في الأندلس ـ محمد عبد الله عنان ، ط الثالثة.

100 ـ الذرية الطاهرة ـ الدولابي.

101 ـ ذيل مرآة الجنان ـ اليونيني.

102 ـ روح المعاني ـ الآلوسي ، ط المنيرية.

103 ـ روح المعاني ـ الآلوسي.

104 ـ الروض الأنف ـ السميلي.

105 ـ روضة المناظر ـ ابن الشحنة ، ط بولاق ، بهامش الكامل لابن الأثير.

106 ـ رياض الأنساب ـ محمد بن محمد رفيع ملك الكتاب ، ط بمبئ.

107 ـ الرياض النضرة ـ المحب الطبري.

108 ـ زاد المعاد ـ ابن القيم ، دار الكتاب العربي ـ بيروت.

109 ـ السقيفة والخلافة ـ عبد الفتاح عبد المقصود.

110 ـ سمط النجوم العوالي ـ العصامي المكي ، ط السلفية بالقاهرة.

111 ـ السنن ـ أبو داود السجستاني ، ط دار الفكر.

112 ـ السنن ـ الدارمي.

113 ـ السنن الكبرى ـ البيهقي ، ط أفست بيروت.

114 ـ سيد الشهداء ـ حسين محمد يوسف.

115 ـ سيد شباب أهل الجنة ، حسين محمد يوسف.

116 ـ سير أعلام النبلاء ـ الذهبي ، ط دار الفكر.

117 ـ السير والمغازي ـ ابن إسحاق ، تحقيق الدكتور سهيل الزكار ، ط دار الفكر ، بيروت.


118 ـ السيرة الحلبية.

119 ـ السيرة النبوية ـ ابن كثير ـ ط السعادة بمصر ، عام 1351 ه‍.

120 ـ السيرة النبوية ـ ابن هشام ، تحقيق مصطفى السقا ، وإبراهيم الأبياري ، وعبد الحفيظ شلبي ، ط الثانية عام 1375 ه‍.

121 ـ الشجرة المحمدية والنسبة الهاشمية ـ محمد بن أسعد الجواني ، نسخة مصورة في مجلة الموسم ، عدد 32.

122 ـ الشجرة النبوية في نسب خير البرية ـ جمال الدين يوسف المقدسي ، ط دمشق.

123 ـ شذرات الذهب ـ ابن عماد الحنفي.

124 ـ الشذرات الذهبية ـ ابن طولون.

125 ـ شرح الشمائل ـ الملا علي القاري.

126 ـ شرح الشمائل ـ جسوس.

127 ـ شرح القصيدة العينية ـ محمود الآلوسي.

128 ـ شرح المواقف ـ الجرجاني.

129 ـ شرح المواهب ـ الزرقاني.

130 ـ شرح بهجة المحافل ـ الأشخر اليماني ، ط المكتبة العلمية بالمدينة.

131 ـ شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ـ أبو هلال العسكري ، ط تراثنا بمصر.

132 ـ شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد المعتزلي ، ط الأولى.

133 ـ شرح هاشميات الكميت ـ أبو رياش ، ط ليدن.

134 ـ الشرف المؤبد لآل محمد ـ النبهاني ، ط بيروت عام 1309 ه‍.

135 ـ شفاء الغرام ـ السبكي ، ط الهند.

136 ـ شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ـ ط عيسى البابي الحلبي سنة 1956.

137 ـ شواهد التنزيل ـ الحاكم الحسكاني.


138 ـ شيخ المضيرة ـ محمد أبو رية.

139 ـ الصحاح ـ الجوهري.

140 ـ صحيح البخاري ـ محمد بن إسماعيل البخاري ، ط الأميرية عام 1314 ه‍.

141 ـ صحيح مسلم ـ مسلم بن الحجاج ، ط محمد علي صبيح.

142 ـ صفوة الصفوة ـ ابن الجوزي.

143 ـ الصواعق المحرقة ـ ابن حجر الهيتمي.

144 ـ الصواعق المحرقة ـ ابن حجر الهيتمي.

145 ـ الضعفاء ـ العقيلي ، ط دار الكتب العلمية ، بيروت.

146 ـ الضوء اللامع ـ السخاوي.

147 ـ طبقات الحفاظ ـ السيوطي.

148 ـ طبقات الشافعية ، تحقيق الطنّاحي والحلو.

149 ـ الطبقات الكبرى ـ ابن سعد ، تحقيق د. محمد صائل السلمي ، ط الطائف ، وأيضاً د ليدن.

150 ـ طبقات المفسرين ـ الداودي.

151 ـ العقد الثمين ـ الفاسي المكي ، تحقيق الطناحي.

152 ـ العقد الثمين في أخبار البلد الأمين ـ تحقيق فؤاد سيد.

153 ـ العقد الفريد ـ ابن عبد ربه الأندلسي ، تحقيق أحمد الزين ، وأحمد أمين ، وإبراهيم الزيباري ، لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر ، عام 1393 ه‍.

154 ـ علي إمام البررة ـ السيد مهدي الخرسان ، ط دار الهادي بيروت.

155 ـ علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة ـ عبد الكريم الخطيب.

156 ـ عمدة القاري ـ العيني.

157 ـ العواصم من القواصم ـ ابن العربي المالكي ، ط السلفية بالقاهرة ، عام 1378 ه‍.


158 ـ عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ـ الشيخ الصدوق.

159 ـ عيون الأخبار وفنون الآثار ـ إدريس عماد الدين القرشي ، تحقيق مصطفى غالب ، دار التراث الفاطمي عام 1978 م.

160 ـ الغدير ـ الشيخ الأميني.

161 ـ غرر الحكم ـ الآمدي ـ ط صيدا.

162 ـ غريب الحديث ـ ابن قتيبة ـ تحقيق عبد الله الجبوري.

163 ـ الغيث المسبتم ـ الصفدي.

164 ـ الفائق ـ الزمخشري.

165 ـ فاطمة الزهراء والفاطميون ـ عباس محمود العقاد ، الطبعة الثانية.

166 ـ فاطمة بنت رسول الله محمد ( ص ) ـ عمر أبو النصر.

167 ـ فتح الباري ـ ابن حجر العسقلاني ، تحقيق مصطفى محمد.

168 ـ فتح الباري ـ ابن حجر.

169 ـ الفتح الكبير ـ النبهاني.

170 ـ الفتح المبين ( بهامش السيرة النبوية ) ـ أحمد زيني دحلان.

171 ـ فتوح البلدان ـ البلاذري ، ط شركة طبع الكتب العربية.

172 ـ فرائد السمطين ـ الحمويني.

173 ـ الفرق بين الفرق ـ عبد القادر البغدادي.

174 ـ الفصول المهمة ـ ابن صباغ المالكي ، ط الحجرية عام 1302 ه‍.

175 ـ الفضائل ـ الفضل بن شاذان ، ط جامعة طهران.

176 ـ فضائل الخمسة ـ الفيروزآبادي.

177 ـ فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد ـ فضل الله الجيلاني.

178 ـ فقه اللغة ـ الصاحبي.


179 ـ الفهرست ـ ابن النديم ، تحقيق رضا تجدّد.

180 ـ فوات الوفيات ـ ابن شاكر ، ط مصر.

181 ـ القاموس المحيط ـ الفيروزآبادي.

182 ـ قرب الإسناد ـ الحميري.

183 ـ الكافي ـ محمد بن يعقوب الكليني ، ط الحجرية.

184 ـ الكامل ـ ابن عدي ، ط دار الفكر.

185 ـ الكامل في التاريخ ـ ابن الأثير ، ط بولاق.

186 ـ الكشاف ـ الزمخشري.

187 ـ كشف الغمة ـ الاربلي ، منشورات الشريف الرضي بقم.

188 ـ كشف المحجة ـ السيد ابن طاووس ، ط الحيدرية عام 1370 ه‍.

189 ـ كفاية الطالب ـ الشنقيطي ، ط الإستقامة بمصر ، عام 1355 ه‍.

190 ـ كفاية الطالب ـ الكنجي الشافعي ط / 2 الحيدرية.

191 ـ كنز العمال ـ المتقي الهندي ، ط حيدرآباد.

192 ـ لباب الانساب ـ ابن فندق البيهقي.

193 ـ لسان العرب ـ ابن منظور ، عن ط بولاق ( افست ) بيروت.

194 ـ لسان الميزان ـ ابن حجر ، ط حيدرآباد ، عام 1329 ه‍.

195 ـ لسان الميزان ـ ابن حجر.

196 ـ مآثر النافة ـ القلقشندي ، تحقيق فراج ، ط الكويت.

197 ـ مآثر الاناقة ـ القلقشندي ، ط الكويت.

198 ـ المبسوط ـ السرخسي الحنفي ، ط دار المعرفة بيروت.

199 ـ المجدي ـ أبو الحسن العمري ط قم.

200 ـ مجمع الزوائد ـ نور الدين الهيثمي ، ط القدسي بمصر عام 1352 ه‍.


201 ـ المحاسن المجتمعة في الخلفاء الأربعة ـ الصفوري الشافعي ( نسخة مصورة بمكتبة المحقق الطباطبائي ).

202 ـ المحبّر ـ لمحمد بن حبيب ، ط حيدرآباد.

203 ـ مختصر التاريخ ـ ظهير الدين الكازروني ، تحقيق مصطفى جواد ، ط وزارة الاعلام العراقية.

204 ـ مختصر فتح رب الأرباب السيد عباس رضوان المدني ، ط المعاهد بمصر عام 1345 ه‍.

205 ـ المختصر في أخبار البشر ـ أبو الفداء صاحب حماة ، المطبعة الحسينية بمصر.

206 ـ مرآة الجنان ـ اليافعي ، ط افست عن حيدرآباد.

207 ـ مروج الذهب ـ المسعودي ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ط دار السعادة بمصر ، وكذلك تحقيق شارل بلا ، نشر مكتبة الشريف الرضي قم.

208 ـ مستدرك الوسائل ـ الميرزا النوري ، ط الحجرية.

209 ـ المستدرك على الصحيحين ـ الحاكم النيسابوري ، ط أفست بيروت.

210 ـ المستشرقون ـ نجيب عقيقي.

211 ـ المسند ـ أبو داود الطيالسي ، طبعة حيدرآباد.

212 ـ المسند ـ أبو يعلى ـ ط المأمون للتراث بدمشق.

213 ـ المسند ـ أحمد بن حنبل ، ط الاولى ، والطبعة الثانية بتحقيق أحمد محمد شاكر ، وطبعة ثانية تحقيق أحمد محمد تركي.

214 ـ مشارق الأنوار ـ حسن الحمزاوي ، ط الأزهرية عام 1328 ه‍.

215 ـ المشتبه ـ الذهبي ، تحقيق البجّاوي.

216 ـ المشجر الكشاف ـ عميد الدين ، ط مصر بتعليق حسين الرفاعي.

217 ـ مشكل الآثار ـ الطحاوي.


218 ـ مصابيح السنّة ـ البغوي.

219 ـ المصنف ـ ابن أبي شيبة ، ط باكستان.

220 ـ المصنف ـ عبد الرزاق الصنعاني ، الطبعة الأولى عام 1393 ه‍ منشورات المجلس العلمي في كراتشي.

221 ـ مطالب السؤول ـ كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي ، الطبعة الحجرية.

222 ـ المعارف ـ ابن قتيبة ، تحقيق ثروت عكاشة.

223 ـ معاني الأخبار ـ الشيخ الصدوق ، ط مؤسسة النشر الإسلامي.

224 ـ معجم الاُدباء ـ ياقوت الحموي ، ط دار المأمون.

225 ـ معجم البلدان ـ ياقوت الحموي ، ط دار صادر.

226 ـ المعجم الصغير ـ الطبراني ، المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.

227 ـ المعجم الكبير ـ الطبراني ، تحقيق حمدي السلفي ، ط الأولى.

228 ـ معجم المؤلفين ـ عمر رضا كحالة.

229 ـ المعرفة والتاريخ ـ البسوي ، ط أوقاف بغداد.

230 ـ المغني في الضعفاء ـ الذهبي.

231 ـ مفاتيح الغيب ـ الفخر الرازي.

232 ـ مقاتل الطالبيين ـ أبو الفرج الأصفهاني ، تحقيق أحمد صقر ، ط القاهرة عام 1368 ه‍.

233 ـ مقتل الحسين ـ الخوارزمي.

234 ـ مقتل الحسين وما يتعلق به ونساؤه وأولاده ـ علي جلال الحسيني ، ط السلفية بالقاهرة عام 1349 ه‍.

235 ـ الملل والنحل ـ الشهرستاني ، الطبعة الأولى محققة ، مطبعة حجازي بالقاهرة.

236 ـ المناقب ـ ابن المغازلي ، ط المكتبة الإسلامية.


237 ـ المناقب ـ الخوارزمي.

238 ـ مناقب آل أبي طالب ـ ابن شهرآشوب ، المطبعة الحيدرية.

239 ـ منال الطالب في شرح طوال الغرائب ـ ابن الأثير ، نشر مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بجامعة اُم القرى بمكة المكرمة.

240 ـ مناهج التأليف عند العلماء العرب ـ د. مصطفى الشكعة.

241 ـ منتخب كنز العمال ـ المتقي الهندي ـ بهامش مسند أحمد.

242 ـ المنتقى شرح موطأ مالك ـ أبو الوليد الباجي المالكي ، دار الكتاب العربي.

243 ـ المنتقى من منهاج الاعتدال ـ الذهبي ـ ط مصر.

244 ـ منحة المعبود في ترتيب مسند أبي داود ـ الساعاتي.

245 ـ المنمّق ـ محمد بن حبيب.

246 ـ منهاج السنّة ـ ابن تيمية ، ط بولاق عام 1322 ه‍.

247 ـ المنهل الصافي ـ الأتابكي.

248 ـ مهذب الروضة الفيحاء ـ ابن خير الله العمري ، ط وزارة الثقافة والإرشاد العراقية.

249 ـ المواهب اللدنية ـ أحمد بن محمد القسطلاني ، ط مصر.

250 ـ موسوعة أطراف الحديث النبوي الشريف أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ، ط عالم التراث.

251 ـ موسوعة العقائد ( العبقريات الإسلامية ) ، ط مصر.

252 ـ الموشيح ـ المرزباني ، تحقيق البجاوي.

253 ـ ميزان الاعتدال ـ الذهبي.

254 ـ ناسخ التواريخ ـ سپهر ، ط حجرية.

255 ـ النزاع والتخاصم ـ المقريزي ، ط القاهرة.


256 ـ نزل الأبرار ـ البدخشاني.

257 ـ نزهة المجالس ـ الصفوري الشافعي ، ط العثمانية سنة 1358 ه‍.

258 ـ نسمات الأسحار.

259 ـ نسمة السحر فيمن تشيع وشعر ـ ضياء الدين يوسف بن يحيى اليماني ، ط دار المؤرخ العربي.

260 ـ نشأة الفكر الفلسفي ـ علي سامي النشار ، الطبعة السابعة عام 1977 ، دار المعارف بمصر.

261 ـ نظرية الإمامة ـ أحمد محمود صبحي ، ط مصر.

262 ـ نظم درر السمطين الزرندي ، ط النجف.

263 ـ نفح الطيب ـ المقري ، ط مصر.

264 ـ النفحة العنبرية في أنساب خير البرية ـ أبو الفضل محمد كاظم بن أبي الفتوح ( نسخة مصورة عن نسخة المجمع العلمي العراقي ).

265 ـ نكت الانتصار ، أبو بكر الباقلاني ، ط مصر ، تحقيق د. محمد زغلول سلام.

266 ـ نهاية الإرب ـ النويري ، ط تراثنا بمصر.

267 ـ نهاية الارب ـ النويري.

268 ـ نهج البلاغة ـ الشريف الرضي ، شرح محمد عبدة.

269 ـ نهر الذهب في تاريخ حلب ـ الغزي ، ط المطبعة المارونية بحلب.

270 ـ النوادر ـ الراوندي ، ط الحيدرية.

271 ـ نوادر المخطوطات ـ عبد السلام محمد هارون.

272 ـ نور الأبصار ـ الشبلنجي ، ط دار الكتب العلمية ، عام 1398 ه‍.

273 ـ نور الأبصار ـ الشبلنجي.

274 ـ هدى الساري ـ ابن حجر.


275 ـ الوافي بالوفيات ـ الصفدي.

275 ـ الوافي بالوفيات ـ الصفدي.

276 ـ وفيات الأعيان ـ ابن خلكان.

277 ـ وفيات الأعيان ـ الخطيب البغدادي ، تحقيق احسان عباس.

278 ـ وقعة صفين ـ نصر بن مزاحم المنقري ، الطبعة الأولى عام 1365 ، تحقيق هارون.

279 ـ وقعة صفين ـ نصر بن مزاحم المنقري ، ط الاولى عام 1395 في القاهرة ، تحقيق عبد السلام محمد هارون.

280 ـ ينابيع المودة ـ القندوزي ، ط استانبول.

281 ـ يوم الإسلام ـ أحمد أمين.

* * *


فهرس الموضوعات

المحسن السّبط مولود أم سقط................................................ 1

الإهداء................................................................... 5

مقدمة المؤلفّ:............................................................. 9

تمهيد.................................................................... 16

الفَصْلُ الأوَّلُ.............................................................. 20

تعقيب على صور الحديث :............................................. 30

الفصل الثاني.............................................................. 34

الفصل الثالث............................................................. 38

النقطة الأولى.......................................................... 40

في تحقيق المراد من اسم حرب............................................ 40

النقطة الثانية.......................................................... 46

هل كان اسم حرب من الأسماء المحبوبة أم المبغوضة ؟....................... 46

النقطة الثالثة.......................................................... 50

ماذا يعني إصرار الإمام في تسمية أبنائه بحرب ؟............................ 50

النقطة الرابعة.......................................................... 52

الدوافع المغرية في شخصية حرب ؟....................................... 52

النقطة الخامسة........................................................ 62

في كنى الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام......................................... 62

النقطة السادسة.................................................. 76

ماذا وراء الأكمة ؟..................................................... 76

الباب الثاني............................................................... 81

تمهيد :.................................................................. 84


الفصل الأول.............................................................. 90

فيمن ذكر المحسن من أولاد أمير المؤمنين وفاطمة عليهما‌السلام.................... 90

وقفة عابرة مع أصحاب المصادر :........................................ 97

الفَصْلُ الثَّانيْ............................................................ 102

فيمن ذكر المحسن السبط وانّه مات صغيراً................................ 102

تنبيه وتنوير :........................................................ 107

الفَصْلُ الثَّالِثُ............................................................ 114

فيمن ذكر المحسن السبط وانّه سقط...................................... 114

باب الثالث.............................................................. 130

الفصل الاول............................................................ 131

1 ـ وقفة مع المؤرّخين :.................................................. 133

2 ـ من ذا سنختار من المصنّفين :......................................... 138

3 ـ نظرة في المصادر :................................................... 164

الفصل الثاني........................................................... 173

1 ـ ما هي الأحداث ؟.................................................. 175

2 ـ وقفة عند الأحداث :................................................ 178

3 ـ وقفة تحقيق ٍلابد منها :............................................. 183

الفصل الثالث............................................................ 186

1 ـ تمهيد وليس بوعيد :................................................. 187

2 ـ لابد لكل سؤال من جواب :.......................................... 193

3 ـ نصوص ثابتة يجب أن تقرأ بإمعان :.................................... 198

في إعتراف أبي بكر كشف خطير :.................................... 199

ما ذكره قاضي القضاة عبد الجبار المعتزلي :.............................. 207


نصوص الإدانة :..................................................... 210

وقفة تحقيق :.................................................. 242

تعقيب على حديث غدر الأمة بالإمام :.......................... 247

ما ذكره أحمد بن حنبل :........................................ 249

الخاتمة................................................................. 480

1 ـ خلاصة ما مرّ في سطور :............................................ 481

و.................................................................. 493

مواقف متباينة وأقوال متضاربة :........................................ 494

حديث معاشر الأنبياء لا نورّث :....................................... 496

وقفة ايضاح واستيضاح :.............................................. 498

خطبة الزهراء عليها‌السلام :................................................. 518

موقف الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام يومئذٍ :................................... 522

نماذج من مواقف علماء التبرير من تلك الأحداث :....................... 537

ختام الرسالة :....................................................... 549

دمعة ولاء حمراء على المحسن حبيب الزهراء عليها‌السلام............................ 561

المللحق الأول........................................................... 568

الملحق الأول :....................................................... 570

حول نسبة كتابة ( الإمامة والسياسة ) إلى ابن قتيبة :..................... 570

الملحق الثاني :....................................................... 590

كتاب المعارف لابن قتيبة وما لحقه من تحريف وتخريف :................... 590

الملحق الثالث :...................................................... 604

المحسن بن الحسين عليه‌السلام :............................................. 604

الفهارس................................................................. 610

فهرس الموضوعات....................................................... 626