لأكون مع الصادقين
الدكتور محمد التيجاني السماوي
تحقيق وتعليق
مركز الأبحاث العقائدية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمّة المركز
الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه أجمعين ، حبيب قلوبنا ، أبي القاسم محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين ، واللعنة الدائمة الموبّدة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.
نحمدك اللهمّ ونشكرك أن جعلتنا من أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، والسائرين على نهجهم القويم ، والمتبرّئين من أعدائهم والناصبين لهم البغض والعداء.
لم يكن من ضمن برنامجنا العلمي في « مركز الأبحاث العقائدية » إعادة طبع الكتب التي تمّ طبعها ونشرها لعدّة مرّات ، خصوصاً كتب الدكتور التيجانى التي تتنافس في طبعها ونشرها مراكز علميّة كثيرة ومؤسسات ثقافية عديدة ، إذ طبعت طبعات متعدّدة وترجمت إلى عدّة لغات عالمية.
والذي جعلنا نُقدم على إعادة طباعتها ، وتصحيح الأخطاء المطبعية التي وجدت في الطبعات السابقة منها ، بل إصلاح بعض الهفوات العلميّة التي وقع فيها المؤلّف ، واستخراج كافة الأقوال الفقهية وغيرها والأحاديث الشريفة وبيان صفاتها التوثيقية ـ وإن كان هذا العمل بحدّ ذاته يستحقّ التقدير ـ هو الإجابة على الشبهات والردود التي أثارها بعض علماء السنّة حول كتب الدكتور التيجاني الذي وصفوه بشخصية خيالية اختلقها بعض علماء الشيعة للتشنيع على المذهب السنّي ، فقد جمعنا كتبهم فكانت خمسة كتب هي :
(1) « كشف الجاني محمّد التيجاني » لعثمان بن محمّد الخميس ، والظاهر أنّه أوّل من تصدّى للردّ على الدكتور التيجاني ، إذ أنّ الطبعة الثانية لهذا الكتاب صدرت عن مؤسسة الفجر في لندن سنة 1411 هـ ، والطبعة الثالثة صدرت عن دار الأمل في القاهرة وكتب عليها « طبعة مزيدة منقّحة ».
وبما أن الطبعتين الأُولى والثانية كانت عبارة عن كتيب صغير ، لذلك اضطرّ الخميس في طبعته الثالثة أن ينقل من كتاب « الانتصار » ـ الذي يأتي الحديث عنه برقم 2 ـ ثلاث وأربعين صفحة ، وذلك من أجل زيادة صفحات كتابه ، علماً بأنّه في كتابه هذا الذي يقع في مائتين صفحة تقريباً يحاول الردّ على كتب الدكتور التيجاني الأربعة وهي : « ثم اهتديت » و « فاسألوا أهل الذكر » و « لأكون مع
الصادقين » و « الشيعة هم أهل السنة ».
(2) « الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماويّ الضالّ » للدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي ، صدرت طبعته الأُولى سنة 1418 هـ عن مكتبة الغرباء الأثرية في المدينة المنوّرة ، وكان المؤلّف ينوي الردّ على كتب الدكتور التيجاني الأربعة التي ذكرناها سابقاً ، إلاّ أنّ الذي صدر هو القسم الأوّل منه فقط ، وهو ردّ على كتاب « ثم اهتديت ».
(3) « منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية ، مع دراسة لبعض الكتب المذهبيّة وسبل التقريب » لأبي الحسن محيي الدين الحسني ، انتهى من تأليفه في الأوّل من رجب سنة 1417 هـ ، صدر عن مطبعة المدينة في بغداد ، وهو ردّ على كتاب الدكتور التيجاني « لأكون مع الصادقين » فقط.
(4) « النشاط الشيعي الإمامي أو الاستنساخ العقدي ، التيجاني السماوي نموذجاً » ، للزبير دحان ـ صدرت سنة 1423 هـ ضمن سلسلة نقد المعتقد برقم 1 ، وهو ردّ على كتاب « المراجعات » للسيد عبد الحسين شرف الدين ، وكتب الدكتور التيجاني.
(5) « بل ضللتَ » لخالد العسقلاني ، صدرت سنة 1424 هـ عن دار المحدّثين للطباعة والنشر ، الطبعة الثانية ، وهو ردّ على كتاب الدكتور التيجاني « ثم اهتديت ».
عملنا في هذا الكتاب
(1) قراءة نصّ الكتاب بشكل دقيق ، ثمّ تقطيع عباراته إلى عدّة فقرات متناسقة ، واستعمال علامات الترقيم حسبما تقتضيه الطرق الفنيّة لتحقيق الكتب.
(2) استخراج كلّ ما يحتاج إلى استخراج : من آيات قرآنيّة كريمة ، وأقوال فقهيّة وكلاميّة وتأريخيّة وغيرها ، وأحاديث شريفة ، وأشعار وغيرها ، كلّ ذلك من مصادرها الرئيسيّة.
(3) بيان صفات الأحاديث الشريفة التي استدلّ بها المؤلّف ، وتمييز الصحيح عن غيره ، استناداً إلى آراء كبار علماء المسلمين من الفريقين ؛ ليقف القارئ على صحّة كلام المؤلّف وزيف ادّعاء المخالف له.
(4) إبقاء تعليقات المؤلّف التي كانت في الطبعة السابقة كما كانت ، وتمييزها عن عملنا بإضافة كلمة « المؤلّف » في آخرها.
(5) إذا ذكر المؤلّف مصدراً أو مصدرين لكلامه أو للقول أو الحديث الذي يستدلّ به ، فإننّا نضيف لها مصادر أُخرى معتبرة عند عامّة المسلمين ، ليقف القارئ على حقيقة الأمر.
(6) قمنا بردّ الشبهات التي أثارها عثمان الخميس في كتابه
« كشف الجاني محمّد التيجاني » على هذا الكتاب الذي بين أيدينا ، وبيّنا زيف ادّعاء الخميس وقلّة اطّلاعه على التاريخ ، وكيفيّة محاولته لإضلال الرأي العامّ بإدّعاءات واهية لا أساس لها ، بل محاولته بتر حديث الدكتور التيجاني ، وهذه مغالطات يلجأ إليها الضعفاء.
كذلك قمنا بردّ الإشكالات التي وجهها أبو الحسن محيي الدين الحسني في كتابه « منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلاميّة » على خصوص هذا الكتاب ، وهي في الواقع إشكالات واهية تنمّ عن تعصبّ أعمى بعيداً عن روح النقاش والتفاهم الحرّ الذي يسعى صاحبه للوصول إلى الحقيقة.
وأشرنا أيضاً إلى المناظرة العقائدية التي جرت سنة 1423 هـ في قناة « المستقلة » بين بعض الوهابيّة وبعض أتباع مدرسة أهل البيتعليهمالسلام ، والذي كان للدكتور التيجاني دور مهم فيها.
شكر وتقدير
ختاماً فإننا نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكافة الإخوة الأعزاء في « مركز الأبحاث العقائدية » الذين ساهموا في إحياء هذا الأثر وإخراجه بهذه الحلّة القشيبة ، وأخص بالذكر السيّد هاشم الميلاني الذي ساهم في استخراج بعض المصادر ، والشيخ لؤي المنصوري
الذي أخذ على عاتقه عملية الاستخراج كاملةً وردّ الشبهات والإشكالات التي وجّهت لهذا الكتاب ، فجزاهم اللّه جميعاً خير الجزاء ، وجعله في ميزان أعمالهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم.
محمّد الحسّون مركز الأبحاث العقائدية |
مقدّمة المؤلّف للطبعة المحقّقة
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيّدنا ومولانا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين ، وعلى أصحابه المنتجبين الذين ثبتوا من بعده ولم يغيّروا ولم يبدّلوا وكانوا للّه من الشاكرين ، والسلام على أنبياء اللّه أجمعين.
أمّا بعدُ ، وخلال السنوات المنصرمة تلقّيت العديد من الرسائل من عدّة مناطق في العالم بخصوص كتابي الثاني « لأكون مع الصادقين » الذي تناولت في أوّله تحليلا للأحداث التي وقعت إبّان وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكذلك تحليلا عقلانيّاً لعقائد الشيعة الإماميّة التي كانت تبدو غريبة على أهل السنّة والجماعة بالخصوص منهم المعاصرين الذين دأبوا على انتقاد الشيعة في كلّ معتقداتهم ، وإذا بهم يُفاجأون بأنّ كل ما يعتقده الشيعة الإماميّة إنّما هو حقيقةٌ ثابتةٌ في كتاب اللّه وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأغرب من ذلك أنّ كلّ ما يقول به الشيعة له
وجودٌ ثابتٌ في صحاح أهل السنّة والجماعة ، أو أنّ أحد أئمة المذاهب الأربعة السنّية قد قاله أو عمل به.
وقد لفت نظري بعضهم مشكورين إلى بعض الأخطاء المطبعيّة التي وردت في الكتاب ، كما أشار البعض الآخر إلى عدم توافق المصادر المذكورة في صفحاته قد تكون تغيّرتْ في الكتب التي طُبعتْ حديثاً ـ ورغم أنّ الكتاب المذكور طبع عدّة مرّات وتُرجم هو الآخر بعديد اللغات ، إلاّ أنّني طلبتُ من مركز الأبحاث العقائدية في مدينة قم المقدّسة بإشراف وإدارة السيد الجليل جواد الشهرستاني والشيخ الفاضل فارس الحسّون(*) أن يولي عنايته ، كما أولاها لكتاب « ثمّ اهتديت » ، ويخرج كتاب « مع الصادقين » في حلّة جديدة منقّحة ومصحّحة بالتوثيق الذي يليق به لتلبية اقتراح القرّاء الكرام.
فلبّوا طلبي هذا مشكورين ، وكان من إنتاجهم هذا العمل الكبير الذي يعجزُ عنه كلّ كاتب ومؤلف ، فجزاهم اللّه عن الإسلام
__________________
* ـ كتبتُ هذه المقدّمة حينما كان الشيخ فارس الحسّون حيّاً ، إلاّ أنه انتقل إلى رحمة اللّه تعالى قبل إكمال هذا العمل ، فأخذ أخوه الشيخ محمّد الحسّون على عاتقه إدارة المركز وإكمال أعماله ، فقام بمراجعة هذا الكتاب مراجعة علميّة وتهيئته للطبع ، فله من اللّه الأجر والثواب ومنّي جزيل الشكر والتقدير « المؤلّف ».
والمسلمين خير الجزاء ، وحشرهم في زمرة محمّد وآله الطاهرين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.
الفقير لرحمة ربّه محمد التيجاني السماوي بتاريخ 1 جمادى الأوّل 1424 |
بسم الله الرحمن الرحيم
( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّـقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ )
( التوبة : 119 )
[ لماذا ثم اهتديت ]
الحمد للّه ربّ العالمين ، المتفضّل علينا بالهداية والعناية والتمكين ، والمنعم على عباده بكلّ خير وسعادة ليكونوا صالحين ، مَنْ توكّل عليه كفاه وحفظه منْ كيد الشياطين ، ومن تنكّب عَنْ صراطه فهو من المخذولين.
والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، ناصرالمستضعفين والمظلومين ، وحبيب المساكين الذين آمنوا باللّه رغبة فيما أعدّه سبحانه لعباده الصادقين ..
وعلى آله الطيّبين الطاهرين ، الذين أعلا اللّه مقامهم على سائر المخلوقين ، ليكونوا قدوة العارفين ، ومنار الهدى ، وسفينة النجاة التي من تخلّف عنها كان من الهالكين ..
ثم الرضى والرضوان على أصحابه الميامين الذين بايعوه وناصروه ولم يكونوا من الناكثين ، وثبتوا بعده على العهد وما بدّلوا وما انقلبوا وكانوا من الشاكرين ..
وعلى من تبعهم بإحسان وسار على هديهم ، من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.
( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ) (1) .
ربّ وافتح بصيرة كلّ من يقرأ كتابي على الحقيقة التي تهدي بها عبادك المخلصين.
أما بعد؛ فقد لقي كتابي « ثم اهتديت » قبولاً حسناً لدى القرّاء الأعزّاء الذين أبدوا بعض الملاحظات الهامّة حول موضوعات متفرقّة في الكتاب المذكور ، وطلبوا المزيد من التوضيح في المسائل التي اختلف في فهمها كثير من المسلمين سنّةً وشيعة.
ومن أجل رفع اللَبس والغموض عن ذلك لمن أراد التحقيق والوقوف على جَلّية الأمرِ ، فقد ألّفتُ هذا الكتاب بنفس الأُسلوب الذي اتبعته هناك ، ليسهل على الباحث المنصف الوصول إلى الحقيقة من أقرب سبلها ، كما وصلتُ إليها من خلال البحث والمقارنة ، وقد أسميته ـ على بركة اللّه ـ « مع الصادقين » ، اقتباساً من قوله تعالى :( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّـقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (2) .
ومَنْ مِنَ المسلمين يرفض أو يزهد في أن يكون مع أولئك الصادقين؟!
هذا ما اقتنعتُ به شخصياً ، وما أحاول توضيحه لغيري ما استطعتُ
__________________
1 ـ طه : 25 ـ 28.
2 ـ التوبة : 119.
إلى ذلك سبيلاً ، دون فرض لرأيي ، بل ومع احترامي لرأي غيري ، فاللّه وحده الهادي وهو الذي يتولّى الصالحين.
وقد اعترض البعض على عنوان الكتاب السابق « ثمّ اهتديت »؛ لانطوائه على غموض قد يبعث على التأمّل والتساؤل حول ما إذا كان الآخرون على ضلالة؟ وما مدلول تلك الضلالة إن قُصد هذا المعنى؟
وعلى هذا الاعتراض أُجيب موضحاً :
أولاً : جاء في القرآن الكريم لفظ الضلالة بمعنى النسيان ، قال تعالى :( قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَاب لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى ) (1) ، وقال عزَّ وجلّ :( أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الاُخْرَى ) (2) .
كما ورد في القرآن الكريم لفظ الضلالة تعبيراً عن حالة التحقيق والبحث والتفتيش ، قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم :( وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى ) (3) ، أي وجدك تبحث عن الحقيقة فهداك إليها.
والمعروف من سيرتهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قبل نزول الوحي عليه كان يهجر قومه في مكّة ليختلي في غار حرّاء الليالي العديدة باحثاً عن الحقيقة.
__________________
1 ـ طه : 52.
2 ـ البقرة : 282.
3 ـ الضحى : 7.
ومن هذا المعنى ـ أيضاً ـ قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الحكمةُ ضالّة المؤمن ، أين ما وجدها أخذها »(1) .
فعنوان كتابي الأوّل يتضمّن هذا المعنى.
ثانياً : وعلى فرض أنّ العنوان يتضمّن معنى الضلالة التي تقابل الهداية فيما نقصده على المستوى الفكري من إصابة المنهج الإسلامي الصحيح الذي يضعنا على الصراط المستقيم ، كما عقّب بعض القرّاء بذلك؛ فليكن كذلك ، وهو الواقع الذي يتهيّب مواجهته البعض بروح رياضية بنّاءة ، وَنفَس موضوعيٍّ خلاّق ينسجم في الفهم مع قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« تركتُ فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً »(2) .
__________________
1 ـ ورد الحديث بألفاظ مختلفة : ففي سنن ابن ماجة 2 : 1395 ح 4169 ، وكذلك سنن الترمذي 4 : 155 ح 2828 بلفظ : « الكلمة الحكمة ضالّة المؤمن حيثما وجدها فهو أحقّ بها ».
وفي المصنّف لابن أبي شيبة 8 : 317 ح 160 عن سعيد بن أبي بردة قال : « كان يقال : الحكمة ضالّة المؤمن يأخذها إذا وجدها ».
وعن عليّعليهالسلام في نهج البلاغة : « الحكمة ضالّة المؤمن ، فخذ الحكمة ولو من أهل النفاق ».
وورد بألفاظ أُخر أيضاً.
2 ـ حديث الثقلين ـ بألفاظه المختلفة ـ حديث صحيح متواتر ، صحّحه
فالحديث واضح وصريح في الإشارة إلى ضلال من لم يتمسك بهما معاً ( الكتاب والعترة ).
وعلى كلّ حال ، فأنا مقتنع بأنّني اهتديت بفضل اللّه سبحانه وتعالى إلى التمسك بكتاب اللّه وعترة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فالحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا اللّه ، لقد جاءت رسل ربّنا بالحق.
فكتابي الأوّل والثاني يحملان عناوينَ من القرآن الكريم ، وهو أصدق الكلام وأحسنه ، وكلّ ما جمعته في الكتابين إن لم يكن الحقّ فهو أقرب مايكون إليه؛ لأنّه ممّا اتفق عليه المسلمون سنةً وشيعة ، وما ثبت عند الفريقين أنّه صحيح ، فكانت النتيجة ولادة هـذين الكتابين بحمد اللّه : « ثمّ اهتديتُ » و « لأكون مع الصادقين ».
__________________
الألباني في عدّة أماكن منها سلسلة الأحاديث الصحيحة 4 : 355 ح 1761 ، واعترض على من ضعّفه ممن هو حديث عهد بهذه الصناعة ، وسبب القول بضعفه ناشئ من ناحيتين ـ كما قال الألباني ـ :
1 ـ الاقتصار على بعض المصادر ، ممّا سبب فوات الكثير من الطرق والأسانيد التي هي بذاتها الصحيحة أو حسنة فضلاً عن الشواهد والمتابعات.
2 ـ عدم الالتفات إلى أقوال المصحّحين للحديث من العلماء.
والحاكم بضلالة من لم يتمسك بالكتاب والعترة هو رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا غيره.
وقد أُورد هذا الاعتراض ـ أيضاً ـ في المناظرة التي جرت بين الشيعة والوهابية في قناة المستقلّة سنة 1423 هـ ، المناظرة العاشرة.
واللّه أسأل أن يهدي أُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أجمعهم حتى يكونوا خير أُمّة ، ويقودوا العالم بأسره إلى النور والهداية تحت لواء الإمام المهدي المنتظر ، الذي وعدنا به جدّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ليملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً ، وليتم نور اللّه ولو كره الكافرون.
المقدمة
بسم اللّه الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
أما بعد ، فإنّ الدين يعتمد بنحو أساسي على العقائد التي تكون منه مجموعة الأُصول والمرتكزات التي يؤمن بها معتنقو هذا الدين أو ذاك ، والتي لابدّ أن يقوم إيمانهم بها على الدليل القاطع والبرهان الجلي الذي ينطلق من المسلّمات العقلية التي يؤمن بها جميع الناس ، ليتسنّى له إقناعهم بما يدعوهم إليه. ورغم ذلك ، فإنّه ثمّة أفكار يصعب على العالم تفسيرها ، مثلما يصعب على العقل التصديق بها عند الوهلة الأُولى ، من ذلك مثلاً أن تكون النار « برداً وسلاماً » ، في حين أنّ العلم والعقل يتفقان على أنّها حرارةٌ مهلكة! أو أنّ تقطَّع الطير إلى أجزاء متناثرة فوق الجبال ، ثم تُدعى فتأتي تسعى ، في حين أنّ العلم والعقل يستبعدان ذلك ، أو أن يُشفى الأعمى والأبرص والأكمه بمجرّد مسح عيسىعليهالسلام ، بل وإحياء الموتى ، في حين أنّ
العلم والعقل لا يجدان تفسيراً لهذا ..
وهي أُمور تندرج في باب المعجزات التي أجراها اللّه تعالى على أيدي أنبيائهعليهمالسلام ، وهي موجودة لدى المسلمين واليهود والنصارى ..
وإنّما أجرى اللّه سبحانه وتعالى تلك المعجزات والخوارق على أيدي أنبيائه ورسله عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام ، ليُفهم العباد بأنّ عُقولهم قاصرة عن الإدراك والإحاطة بكلّ شيء؛ لأنه سبحانه لم يؤتهم من العلم إلاّ قليلاً ، ولعلّ في ذلك صلاحهم وكمالهم النسبي ، فقد كفر الكثير بنعمة اللّه ، وأنكر الكثير وجوده سبحانه ، واغترّ الكثير منهم بالعلم والعقل حتى عبدوهما من دون اللّه ، هذا مع قلّة العلم وقصور العقل ، فكيف لو أعطاهم علم كلّ شيء؟!
ونظراً لأهمية العقيدة ومركزيتها في إيمان المسلم ، فإنّ كتابي هذا قد تناول جملة من العقائد الإسلامية التي وردت في القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة ، والتي كانت مسرحاً لاختلاف فرق المذاهب الإسلامية ، فَعَقدتُ فصلاً خاصاً بمعتقدات أهل السنّة والشيعة في القرآن الكريم والسنّة النبوية ، ثمّ تطرّقت بعد ذلك لسائر المسائل التي اختلفوا فيها وشنّع بعضهم على البعض الآخر بدون مبرّر؛ هادفاً من ذلك بيان ما رأيته الحقّ ، راغباً في مساعدة من يريد البحث عنه ،
آملاً أن يساهم ذلك في قيام الوحدة الإسلامية على أساس فكريٍّ متين ، واللّه أسأل أن يوفّقنا جميعاً لما يحبّ ويرضى ، ويجمع كلمة المسلمين على الصواب ، إنّه عزيز قدير.
القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة
وعند الشيعة الإمامية الاثني عشرية
هو كلام اللّه المنزل على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو المرجع الأعلى للمسلمين في أحكامهم وعباداتهم وعقائدهم ، من شكّ فيه أو أهانه فقد برئ من ذمة الإسلام ، فهم ـ المسلمون كافة ـ متفقون على تقديسه واحترامه ، والتعبّد بما ورد فيه ، ولكنهم اختلفوا في تفسيره وتأويله.
ومرجع الشيعة في التفسير والتأويل يعود إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشروحات الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام ، ومرجع أهل السنّة والجماعة يعود إلى أحاديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أيضاً ، ولكنهم يعتمدون على الصحابة ـ دون تمييز ـ أو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المعروفة في نقل الأحاديث وشرحها وتفسيرها.
وبطبيعة الحال نشأ من ذلك اختلاف في العديد من المسائل الإسلامية وخصوصاً الفقهية منها.
وإذا كان الاختلاف بين المذاهب الأربعة من مدرسة أهل السنّة
والجماعة ظاهراً ، فلا غرابة في أن يكون بينهم وبين مدرسة أهل البيتعليهمالسلام أظهر.
وكما ذكرت في مستهلّ الكتاب فإنّني سوف لن أتطرّق إلاّ إلى بعض الأمثلة بغية الاختصار ، وعلى من يريد البحث والاستزادة أن يغوص في أعماق البحر لاستخراج ما يمكنه من الحقائق الكامنة والجواهر المخفيّة.
يتفق أهل السنّة مع الشيعة في القول بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيّن للمسلمين كلّ أحكام القرآن وفسّر كلّ آياته ، ولكنهم اختلفوا في من ينبغي الرجوع إليه بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بغية التعرّف إلى ذلك البيان والتفسير : فذهب أهل السنّة إلى الاعتماد على الصحابة ـ دون تمييز ـ ومن بعدهم الأئمة الأربعة وعلماء الأُمة الإسلامية.
أما الشيعة فقالوا : إنّ الأئمة من أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هم المؤهلون لذلك وصفوة من الصحابة المنتجبين؛ فأهل البيتعليهمالسلام هم أهل الذكر الذين أمرنا اللّه تعالى بالرجوع إليهم في قوله عزَّ وجلَّ :( فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (1) ، وهم الذين اصطفاهم اللّه تعالى
__________________
1 ـ النحل : 43 ، وقد ذكرت مصادر التفسير عند أهل السنّة عدّة أقوال في تفسير هذه الآية ، منها : أنّها تعني أهل البيتعليهمالسلام ، راجع : جامع البيان للطبري 14 : 145 و 17 : 8 ، تفسير القرطبي 11 : 272 ، تفسير ابن كثير 2 : 591 ، وزعم باطلا أنّ قول الإمام الباقرعليهالسلام : « نحن أهل الذكر » الوارد في تفسير الآية بمعنى الأُمة لا أهل البيتعليهمالسلام .
وأورثهم علم الكتاب في قوله عزَّ وجَّل :( ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَـفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (1) ، ولكلّ ذلك جعلهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عِدْلَ القرآن ، والثقل الثاني الذي أمر المسلمين بالتمسك به فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « تركتُ فيكم الثقلين : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً »(2) .
وفي لفظ مسلم : « كتاب اللّه أهل بيتي ، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي » ، قالها ثلاث مرّات(3) .
ومن المعلوم أنّ أهل البيتعليهمالسلام كانوا أعلم الناس وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم ، وقد قال فيهم الفرزدق :
إن عُدَّ أهلُ التُقَى كَانُوا أئِمَّتُهُم |
أو قِيلَ مَنْ خَيرُ أهْلُ الأَرضِ قِيلَ هُمُ |
وأسوق هنا مثالاً واحداً للتذكير بطبيعة الرابطة بين أهل
__________________
1 ـ فاطر : 32.
2 ـ ورد بألفاظ وأسانيد مختلفة ، راجع : الطبقات لابن سعد 2 : 194 ، مسند ابن الجعد : 397 ، مسند أحمد 3 : 14 وفي غير موضع منه ، المستدرك للحاكم 3 : 109 وصححه ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : 639 ح 1553 ـ 1555 ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 45 ح 8148 ، سير أعلام النبلاء 9 : 365 ، مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 163 ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : 630.
3 ـ صحيح مسلم 7 : 123 ، ( كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب علي بن أبي طالب ).
البيتعليهمالسلام والقرآن الكريم ، فقد قال تعالى :( فَلا اُقْسِمُ بِمَوَاقِـعِ النُّجُومِ * وَإنَّهُ لَـقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إنَّهُ لَـقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْـنُون * لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ ) (1) .
فهذه الآيات تشير بدون لبس إلى أنّ أهل البيتعليهمالسلام وعلى رأسهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هم الذين يدركون معاني القرآن الغامضة ، لأنّا لو أمعنّا النظر في القَسَم الذي أقسَم به ربّ العزّة والجلالة لوجدنا مايلي :
إذا كان اللّه تعالى يُقسم بالعصر وبالقلم وبالتين وبالزيتون ، فعظمة القَسَم بمواقع النجوم بيّنة ، لما تنطوي عليه من أسرار وتأثير على الكون بأمره سبحانه ، ونلاحظ تعزيز القسم في صيغة النفي والإثبات ، فبعد القَسم يؤكد سبحانه :( إنَّهُ لَـقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْـنُون ) ، والمكنون ما كان باطناً ومستتراً ، ثم يقول عزّ وجلّ :( لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ ) ، و ( لا ) هنا للنفي ، ويمسّه تعني يدركه ويفهمه ، وليس المقصود بها لمس اليد(2) ، فهناك فرقٌ بين اللّمس
__________________
1 ـ الواقعة : 75 ـ 79.
2 ـ ذكر القرطبي في تفسيره عند ذكره عدّة تفاسير لها ، منها : ما نقله عن الحسين بن الفضل حيث قال : « لا يعرف تفسيره وتأويله إلاّ من طهّره اللّه من الشرك والنفاق ».
وقال الآلوسي أيضاً في تفسيره روح المعاني في ذيل الآية ـ بعد ما ذكر أنّ
والمسّ ، قال تعالى :( إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (1) ، وقال أيضاً عزّ منْ قائل :( الَّذِينَ
__________________
المطهّرين هم الملائكة ـ : « ونفي مسّه كناية عن لازمه وهو نفي الاطلاع عليه وعلى ما فيه ».
وكذلك الفخر الرازي في تفسيره رجّح كون ( لا ) بمعنى النفي لا النهي وأنّها إخبار عن عدم مسّ غير المطهّرين له ، ثم قال : « إلاّ المطهّرون » هم الملائكة طهرهم اللّه في أوّل أمرهم وأبقاهم ولو كان المراد نفي الحدث لقال : لا يمسّه إلاّ المطهرون أو المطّهّرون بتشديد الطاء والهاء ، والقراءة المشهورة الصحيحة ( المطهرون ) من التطهير لا من الاطهار ، وعلى هذا يتأيد ما ذكرناه من وجه آخر من حيث إنّ بعضهم كان يقول : هو من السماء ، ينزل به الجن ويلقيه عليه فقال : لا يمسّه الجن وإنّما يمسّه المطهّرون الذي طُهّروا عن الخبث « التفسير الكبير 30 : 431 ـ 433.
وقد خلط صاحب كتاب « منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية » : 25 بردّه على المؤلّف بين استعمال المسّ في اللمس وبين مساواة المسّ للمس في المعنى ، فالمسّ يستخدم بمعنى اللمس الحسي ، وبمعنى المسّ المعنوي كمسّ العقل ونحوه ، ولهذا تقول : هذا ممسوس ، بمعنى فيه جنون ، وإن شيئاً مسّ عقله فجنه.
ويستخدم المس بمعنى اللمس أيضاً ، ولكن هذا لا يعني أنّ المسّ عين اللمس ونفس معناه كما توهمه صاحب كتاب « منهج أهل البيت » ليفسّر الآية المباركة باللمس المادي الذي يعني حمل الكلام على النهي ، وقد لاحظت كلمات بعض المفسرين في إبطال كون النفي بمعنى النهي ، وإنّما هو إخبار عن عدم مسّ القرآن لغير المطهّر من الخبائث والآثام.
1 ـ الأعراف : 201.
يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ المَسِّ) (1) .
فالمسّ هنا يتعلّق بالعقل والإدراك لا بلمْسِ اليد.
وكيف يُقسم اللّه سبحانه وتعالى بأن لا يلمس القرآن باليد إلاّ من تطهّر ، والتاريخ يحدّثنا بأنّ بعض الجبّارين قد عبثوا به ومزّقوه ، وقد شاهدنا الاسرائيليين يدوسونه بأقدامهم ـ نستجير باللّه ـ ويحرقونه عندما احتلّوا بيروت في اجتياحهم السيئ الصيت ، وقد نقلت أجهزة التلفزة عن ذلك صوراً بشعة ومذهلة؟!
فالمدلول لقوله تعالى هو أنّه لا يدرك معاني القرآن المكنون إلاّ نخبة من عباده الذين اصطفاهم وطهّرهم تطهيراً.
والمطهَّرون في هذه الآية اسم مفعول ، أي : وقع تطهيرهم ، وقد قال عزَّ وجلّ :( إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .
فقوله تعالى :( لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ ) ، معناه : لا يدرك حقيقة القرآن إلاّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيتهعليهمالسلام ، ولذلك قال فيهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان
__________________
1 ـ البقرة : 275.
2 ـ الأحزاب : 33.
لأُمتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس »(1) .
وما يذهب إليه الشيعة في ذلك يستند إلى القرآن الكريم وأحاديث الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم المرويّة حتى في صحاح أهل السنّة كما وجدنا.
__________________
1 ـ المستدرك للحاكم 3 : 149 وقال : « حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه » ، ورواه السيوطي في الجامع الصغير 2 : 680 ح 9313 مختصراً بلفظ : « النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأُمتي » ، وقال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 6 : 386 : « شبّههم بنجوم السماء وهي التي يقع بها الاهتداء ، وهي الطوالع والغوارب والسيّارات والثابتات ، فكذلك بهم الاقتداء وبهم الأمان من الهلاك » ، ثمّ ذكر أنّ تعدّد طرقه ربما يصيّره حسناً. ورواه أحمد في الفضائل 2 : 671 ، وأورده القندوزي الحنفي في ينابيع المودّة 1 : 72 ، وابن حجر الهيتمي في الصواعق 2 : 445.
السنّة النبوية الشريفة
عند أهل السنّة والجماعة وعند الشيعة الإمامية
هي : كلّ ما قاله رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو فعله أو أقرّه ، وهي المرجع الثاني عندهم بعد القرآن الكريم في أحكامهم وعباداتهم وعقائدهم.
يضيفُ أهل السنّة والجماعة إلى السنّة النبوية سنّة الخلفاء الراشدين الأربعة : أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وذلك لحديث يروونه : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، عِضّوا عليها بالنواجذ »(1) .
وليس أدلّ على ذلك من اتباعهم سنّة عمر بن الخطّاب في صلاة التراويح التي نهى عنها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) .
__________________
1 ـ ورد في كثير من مصادر أهل السنّة ، انظر على سبيل المثال : سنن ابن ماجة 1 : 15 ح 42 ، سنن الترمذي 4 : 149 ح 2816 ، المستدرك للحاكم 1 : 95 ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : 46 ، وصرّح محقّق الكتاب محمد ناصر الدين الألباني بصحته.
2 ـ صحيح البخاري 7 : 99 ، ( كتاب الأدب ، باب 75 ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر اللّه ) ، ولفظه : « احتجر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم حُجيرة مخصّفة أو
والبعض منهم يضيفون إلى سنّة الرسول سنّة الصحابة بأجمعهم ـ أيّ صحابي كان ـ وذلك لحديث يروونه : « أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم »(1) ، وحديث : « أصحابي أمنةٌ لأمتي »(2) .
أمّا حديث « أصحابي كالنجوم » ، فهو لا ينسجم مع العقل والمنطق والحقيقة العلمية ، إذ إنّ العرب لم يكونوا ليهتدوا في مسيرهم
__________________
حصيراً ، فخرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصلّي فيها ، فتتبع إليه رجال وجاؤوا يصلّون بصلاته ، ثمّ جاؤوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عنهم فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب ، فخرج إليهم مغضباً ، فقال لهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : مازال بكم صنيعكم حتى ظننت أنّه سيكتب عليكم ، فعليكم بالصلاة في بيوتكم ، فإن خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة ».
وهذا النصّ صريح في أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يفرضها ، بل نهاهم عن أدائها كذلك ورغّبهم في الصلاة في بيوتهم.
وهذا النهي استمر في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وزمن أبي بكر إلى أن جاء عمر بن الخطاب فابتدع فيهم القيام جماعة في شهر رمضان ، كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة 2 : 510 ترجمة 2934 حيث قال : « قلت : ذكر أبو عمر في التمهيد : أنّ أوّل ما جمع عمر الناس على إمام في رمضان كان سنة أربع عشرة ».
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء 131 : « وفي سنة أربع عشرة جمع عمر الناس على صلاة التراويح ».
1 ـ الشفا للقاضي عياض 2 : 53.
2 ـ المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 548 ح 3 ، صحيح مسلم 7 : 183 ، ( كتاب فضائل الصحابة ، باب 51 ) ، ومسند أحمد بن حنبل 4 : 399.
الصحراوي لمجرّد اقتدائهم بأيّ نجم من النجوم ، وإنّما كانوا يهتدون باتباع نجوم معيّنة محدّدة معروفة لها أسماؤها.
كما أنّ هذا الحديث لا تؤيده الأحداث اللاحقة والممارسات التي بدت من بعض الصحابة بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإنّ منهم من ارتدّ(1) ، كما أنّهم اختلفوا في كثير من الأُمور التي سببت الطعن ـ بعضهم في بعض ـ(2) ، ولعن بعضهم بعضاً(3) ، وقتل بعضهم بعضاً(4) ، وأُقيم الحدّ على بعض الصحابة لشرب الخمر والزنا والسرقة وغير ذلك ، فكيف يقبل عاقلٌ بهذا الحديث الذي يأمر بالاقتداء بمثل هؤلاء؟! وكيف يكون من يقتدي بمعاوية الخارج على إمام زمانه أمير المؤمنين في حربه للإمام عليعليهالسلام مهتدياً وهو يعلم أنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم سمّاه إمام الفئة الباغية(5) ؟! وكيف يكون من المهتدين من يقتدي بعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبسر بن أرطأة وقد قتلوا الأبرياء لتدعيم ملك الأمويين؟!
وأنت أيها القارئ اللبيب إذا قرأت حديث « أصحابي كالنجوم » يتبيّن لك أنّه موضوع؛ لأنه موجّه إلى الصحابة ، فكيف يقول
__________________
1 ـ كالّذين حاربهم أبو بكر وسُمّوا بأهل الردّة ( المؤلّف ).
2 ـ كما طعن أكثر الصحابة في عثمان حتى قتلوه ( المؤلّف ).
3 ـ كما فعل ذلك معاوية الذي كان يأمر بلعن علي ( المؤلّف ).
4 ـ كحروب الجمل وصفين والنهروان وغيرها ( المؤلّف ).
5 ـ حديث « ويح عمّار تقتله الفئة الباغية » ( المؤلّف ).
الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يا أصحابي اقتدوا بأصحابي؟!
أمّا حديث « يا أصحابي عليكم بالأئمة من أهل بيتي فهم يهدونكم من بعدي » فهو أقرب إلى الحقّ؛ لأنّه له شواهد عديدة تؤيده في السنّة النبوية.
والشيعة الإمامية يقولون بأنّ المقصود بحديث : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي » هم الأئمة الاثنا عشر من أئمة أهل البيت سلام اللّه عليهم ، وهم الذين أوجب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أُمّته أن تتمسّك بهم وتتبعهم ، كما تتمسّك وتتبع كتاب اللّه(1) .
ولمَّا آليتُ على نفسي فإنّي لا أستدلُّ إلاّ بما يحتجّ به الشيعة من صحاح أهل السنّة والجماعة ، فإنّي قد اقتصرت على ذلك ، وإلاّ فإن في كتب الشيعة أضعاف ذلك وبعبارات أكثر صراحة ووضوحاً(2) .
على أنّ الشيعة لا يقولون بأنّ أئمّة أهل البيت سلام اللّه عليهم لهم حقّ التشريع ، بمعنى أن سنّتهم هي اجتهادٌ منهم ، بل يقولون بأنّ كلّ أحكامهم هي من كتاب اللّه وسنّة رسوله التي علّمها رسول اللّه عليّاً ، وعلّمها عليّ أولاده ، فهو علمٌ يتوارثونه ، ولهم في ذلك أدلّةٌ كثيرة
__________________
1 ـ وذلك لحديث الثقلين الثابت المتواتر.
2 ـ أضرب لذلك مثلا واحداً : أخرج الصدوق في الإكمال بسنده إلى الإمام الصادق عن أبيه عن جده قال : « قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : الأئمة من بعدي اثنا عشر ، أولهم علي وآخرهم القائم ، هم خلفائي وأوصيائي » ( المؤلّف ).
نقلها علماء أهل السُنّة والجماعة في صحاحهم ومسانيدهم وتواريخهم.
ويبقى السؤال دائماً يعود بإلحاح : لماذا لم يعمل أهل السنّة والجماعة بمضمون هذه الأحاديث الصحيحة عندهم؟
ثمّ بعد ذلك يختلفُ الشيعة والسنّة في تفسير الأحاديث الثابتة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما سبق لنا توضيحه في فقرة اختلافهم في تفسير القرآن بالنسبة لمعنى الخُلفاء الراشدين الذي ورد في حديثهصلىاللهعليهوآلهوسلم وصحّحه كلٌ من الفريقين ، ولكن يفسّره السنّة على أنّهم الخلفاء الأربعة الذين اعتلوا منصّة الخلافة بعد رسول اللّه ، ويفسّره الشيعة على أنّهم الخلفاء الاثنا عشر ، وهم أئمة أهل البيت سلام اللّه عليهم.
ذلك إنّا نرى هذا الاختلاف شائعاً في كلّ ما يتعلّق بالأشخاص الذين زكّاهم القرآن والرسول أو أمر باتّباعهم ، مثال ذلك قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « علماء أُمّتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل »(1) ، أو : « العلماء ورثةُ الأنبياء »(2) .
__________________
1 ـ عوالي اللئالي 4 : 77 ح 67 ، تاريخ ابن خلدون 1 : 325 ، وفي كليهما بلفظ : « علماء أُمتي كأنبياء بني إسرائيل ».
2 ـ التاريخ الكبير للبخاري 8 : 337 ح 3229 ، وأورده في صحيحه ( كتاب العلم باب 11 من دون أن يسنده ) ، سنن ابن ماجة 1 : 81 ، الكافي 1 : 32
فأهل السنّة والجماعة يعمّمون هذا الحديث على كلّ علماء الأُمة ..
بينما يخصّصهُ الشيعة بالأئمة الاثني عشر ، ومن أجل ذلك يفضّلونهم على الأنبياء ماعدا أُولي العزم من الرسل.
والحقيقة إنّ العقل يميل لهذا التخصيص :
أولاً : لأنّ القرآن أورث علم الكتاب للذين اصطفى من عباده ، وهو تخصيص ، كما أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خصّ أهل بيته بأُمور لم يُشركهم فيها بأحد ، حتى سمّاهم سفينة النجاة ، وسمّاهم أئمة الهدى ، ومصابيح الدجى ، والثقل الثاني الذي يعصم من الضلالة.
فظهر من هذا أنّ قول أهل السنّة والجماعة يعارض هذا التخصيص الذي أثبته القرآن والسنّة النبوية ، وأنّ العقل لا يرتاح إليه ، لما فيه من الغموض ، وعدم المعرفة بالعلماء الحقيقيّين الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجس وطهّرهم ، وعدم تمييزهم عن العلماء الذين فرضهم على الأُمّة الحكّام الأمويّون والعبّاسيّون.
وما أبعد الفرق بين أُولئك العلماء ، وبين الأئمة من أهل البيت الذين لا يذكر التاريخ لهم أستاذاً تتلمذوا على يديه سوى أن يتلقّى
__________________
ح 2 ، وقال المناوي في فيض القدير 4 : 504 : « قال في الكشاف : ما سمّاهم ورثة الأنبياء إلاّ لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة ، لأنّهم القوام بما بعثوا من أجله ».
الابن عن أبيه ، ومع ذلك فقد روى علماء أهل السنّة في علومهم روايات عجيبة ، وخصوصاً الإمام الباقر والإمام الصادق والإمام الجواد الذي أفحم بعلومه أربعين قاضياً جمعهم إليه المأمون وهو لا يزال صبيّاً.
وممّا يؤكّد تميّز أهل البيت عن غيرهم ما يظهر لنا من اختلاف أصحاب المذاهب الأربعة عند أهل السنّة والجماعة في كثير من المسائل الفقهية ، بينما لا يختلف الأئمة الاثنا عشر من أئمة أهل البيتعليهمالسلام في مسألة واحدة(1) .
__________________
1 ـ كيف يختلفون وقد جعلهم النبيصلىاللهعليهوآله أحد الثقلين وعدل القرآن ، وأوصى بالتمسك بهم ، وأنّهم هم العاصم من الضلال؟! فكما لا اختلاف ولا تناقض في القرآن ، كذلك لا اختلاف ولا تناقض في أقوال العترةعليهمالسلام ، وهذا ما يدلّ عليه حديث الثقلين الثابت الصحيح عند الفريقين.
قد اعترض صاحب كشف الجاني : 144 بأنّ روايات الشيعة مختلفة فيما بينها ويوجد فيها التعارض والتضارب ، وأخذ بنقل بعض كلمات العلماء في ذلك.
وهذا الاعتراض لا يرد على الشيعة ، وهو وارد على أئمة السنّة كما ذكر المؤلّف؛ لأن المؤلّف يتكلّم عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام وأنّهم لا يختلفون فيما بينهم ، ولا يطعن بعضهم بالبعض ولا يكفّر أو يردّ عليه ، فلم ينقل أنّ الإمام الصادقعليهالسلام ردّ أو خطّأ أبيه الإمام الباقر أو جدّه علي بن أبي طالب ، وهكذا بقية الأئمةعليهمالسلام ، بل كانوا سلسلة ذهبية يكمل بعضها البعض.
وهذا بخلاف أئمة المذاهب الأربعة ، فإنّا نجدهم أنفسهم يختلفون فيما بينهم
__________________
فضلا عن اتباعهم ، ونجد أنّ أحدهم يتكلّم على الآخر ويطعن فيه ، فهذا مالك بن أنس يطعن في أبي حنيفة النعمان ، قال الوليد بن مسلم : « قال لي مالك بن أنس : أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟ قلت : نعم ، قال : ماينبغي لبلدكم أن يسكن » ، العلل ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل 2 : 547.
ونقل البخاري عن سفيان بن عيينة عندما جاءه نعي أبي حنيفة قال : « ما ولد في الإسلام مولود شرٌّ منه » ، الانتقاء : 150.
وقال ابن عبد البرّ : « وقد تكلّم ابن أبي ذئيب في مالك بن أنس بكلام فيه جفاء وخشونة كرهت ذكره ، وهو مشهور عنه وتحامل عليه [ أي على مالك ] الشافعي وبعض أصحاب أبي حنيفة في شيء من رأيه حسداً لموضع إمامته ، وعابه قوم في إنكاره المسح على الخفين في الحضر والسفر ، وفي كلامه في علي وعثمان ، وفي فتياه بإتيان النساء في الأعجاز » ، جامع بيان العلم وفضله 2 : 115.
أمّا الشافعي فقد تكلّم فيه يحيي بن معين إمام الجرح والتعديل فقال عنه : « ليس بثقة » المصدر السابق.
وقال ابن عبد البرّ : « وقد صحّ عن ابن معين من طرق أنّه كان يتكلّم في الشافعي » المصدر السابق 2 : 394.
فكلام المؤلّف عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام أنّهم لا خلاف بينهم ، بخلاف أئمة مذاهب السنّة. هذا أولا.
وثانياً : يوجد بعض الاختلافات في الروايات المنقولة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، وهذا لا يعني أنّ الأئمة اختلفوا فيما بينهم أو أن ذلك عيب
ثانياً : لو أخذنا بقول أهل السنّة والجماعة في تعميم هذه الآيات والأحاديث على كلّ علماء الأُمّة ، لوجب أن تتعدّد الآراء والمذاهب على مرّ الأجيال ، ولأصبح هناك آلاف المذاهب ، ولعلّ علماء أهل السنّة والجماعة تفطّنوا لما لهذا الرأي من سخافة وتفريق لوحدة العقيدة ، فأسرعوا إلى غلق باب الاجتهاد منذ زمن بعيد.
أمّا قول الشيعة فهو يدعو إلى الوحدة والالتفاف حول أئمة معروفين ، خصّهم اللّه تعالى والرسول بكلّ المعارف التي يحتاجها المسلمون في كلّ العصور ، فلا يمكن لأيّ مدّع بعد ذلك أن يتقوّل
__________________
في مذهبهم؛ وذلك لأنّ الاختلاف ناشئ من عوامل أُخرى كالكذب عليهم كما كُذِبَ على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكالدسّ والوضع ، واختلاف الحكم باختلاف زمانه ومكانه ، وكاستخدام التقية في بعض الأحيان لدفع جور السلطان ، وغير ذلك من الأسباب الكثيرة.
مضافاً إلى أنّ هذا غير مقصور على الشيعة وحدهم ، فأهل السنّة الخلاف بينهم شاسع والهوّة بينهم كبيرة جداً ، يمكن بأدنى إطلاع ملاحظتها.
ومن هذا يتضح أنّ صاحب كتاب كشف الجاني يخلط في كلامه في الاختلاف بين الأئمة أنفسهم ، ووجود بعض الاختلاف بين الروايات المنقولة عنهم ، والتي هي أمر طبيعي نتيجة بعد الزمن والعوامل الأُخرى المؤثّرة؛ إذ المؤلّف كلامه عن الأمر الأوّل وهم الأئمة ، بينما عثمان الخميس اعترض عليه بالأمر الثاني وهو وجود بعض الاختلافات بين الروايات المنقولة عن الأئمة ، فلاحظ حتى لا يقع خلط في الكلام.
على اللّه وعلى الرسول ويبتدع مذهباً يُلزم الناس باتّباعه.
فاختلافهم في هذه المسألة كاختلافهم في المهدي الذي يؤمن به الفريقان ، ولكنّ المهدي عند الشيعة معلوم معروف أبوه وجدّه ، وعند أهل السنّة والجماعة لا يزالُ مجهولاً وسيولد في آخر الزمان ، ولذلك ترى كثيراً منهم ادّعى المهدية ، وقد قال لي شخصياً الشيخ إسماعيل صاحب الطريقة المدنية بأنّه هو المهدي المنتظر ، وقالها أمام صديق لي كان من أتباعه ثم استبصر فيما بعد.
أمّا عند الشيعة ، فلا يمكن لأيّ مولود عندهم أن يدّعي ذلك ، وحتّى لو سَمّى أحدهم ابنه بالمهدي فهو تيمُّناً وتبرّكاً بصاحب الزمان ، كما يُسمّي أحدُنا ابنهُ محمداً أو علياً ، وإنّ ظهور المهدي عندهم هو في حدّ ذاته معجزة ، لأنّه وُلِد منذ اثني عشر قرناً وتغيّبَ.
ثم بعد كلّ هذا قد يختلف أهل السنّة والجماعة في معنى الحديث الثابت الصحيح عند الفريقين ، حتى لو كان الحديث لا يتعلّق بالأشخاص ، ومن ذلك مثلاً حديث : « اختلاف أُمّتي رحمة »(1) .
__________________
1 ـ أحكام القرآن للجصاص 2 : 37 ، تفسير القرطبي 4 : 159 ، الجامع الصغير للسيوطي 1 : 48 ح 288 ، شرح النووي على صحيح مسلم 11 : 91 وقال :
« وقد اعترض على حديث اختلاف أُمتي رحمة رجلان : أحدهما مغموض
الذي يفسّره أهل السنة والجماعة : بأنّ اختلاف الأحكام الفقهية في المسألة الواحدة هو رحمة للمسلم الذي بإمكانه أن يختار أي حكم يناسبه ويتماشى مع الحلّ الذي يرتضيه ، ففي ذلك رحمة به ، لأنّه إذا كان الإمام مالك مثلاً متشدّداً في مسألة ما ، فإن بإمكان المسلم أن يُقلّد أبا حنيفة المتساهل فيها.
__________________
عليه في دينه وهو عمرو بن بحر الجاحظ ، والآخر معروف بالسخف والخلاعة وهو إسحاق بن إبراهيم الموصلي » ، ثم ذكر أقوالهما وردها.
وفي كنز العمال 10 : 136 ح 2886 : « عن نصر المقدسي في الحجّة ، والبيهقي في رسالة الأشعرية بغير سنده ، وأورده الحليمي والقاضي حسين وإمام الحرمين وغيرهم ، ولعلّه خرج به في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا ».
وفي فيض القدير للمناوي 1 : 271 قال : « وروى من أنّ مالكاً لما أراده الرشيد على الذهاب معه إلى العراق ، وأن يحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان الناس على القرآن؛ فقال مالك : أمّا حمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه؛ لأنّ الصحابة ـ رضي اللّه تعالى عنهم ـ افترقوا بعد موتهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الأمصار فحدّثوا ، فعند كلّ أهل مصر علم ، وقد قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : اختلاف أُمتي رحمة ».
ومن هذا يتضح أنّ ما ذكره صاحب كتاب كشف الجاني من أنّ المؤلّف افترى على أهل السنّة ونسب الحديث إلى مصادرهم وهو غير موجود ، ما هو إلاّ غفلةٌ ناشئة عن قلّة الاطلاع ومراجعة الكتب ، فإنّ المصادر السنّية أوردت هذا الحديث كما قدمناه آنفاً.
أمّا عند الشيعة فهم يفسّرون الحديث على غير هذا المعنى ، ويروون أنّ الإمام الصادقعليهالسلام لمّا سُئل عن هذا الحديث : « اختلاف أُمّتي رحمة »؟ قال : صدق رسول اللّه ، فقال السائل : إذا كان اختلافهم رحمة فاجتماعهم نقمة؟ فقال الصادق : ليس حيثُ ذهبت ويذهبون ـ يعني في هذا التفسير ـ إنّما قصد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : اختلاف بعضهم إلى بعض ، يعني يسافر بعضهم إلى بعض وينفر إليه ويقصده لأخذ العلم عنه ، واستدلّ على ذلك بقول اللّه تعالى :( فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَـتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُـنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (1) .
ثمّ أضاف قائلاً : فإذا اختلفوا في الدين صاروا حزب إبليس(2) .
وهو كما ترى تفسير مقنعٌ؛ لأنّه يدعو لوحدة العقيدة ، لا للاختلاف فيها(3) .
ثم إنّ الحديث بمفهوم أهل السنّة والجماعة غير معقول ، لأنّه يدعو للاختلاف والفُرقة وتعدّد الآراء والمذاهب ، وكلّ هذا يعارض
__________________
1 ـ التوبة : 122.
2 ـ نحوه في معاني الأخبار للصدوق : 157.
3 ـ البسملة في الصلاة مكروهة عند المالكية ، وواجبة عند الشافعية ، ومستحبة عند الحنفية ، والحنابلة قالوا بإخفاتها إذا صلّى في الصلاة الجهرية ( المؤلّف ).
القرآن الكريم الذي يدعونا للوحدة والالتفاف حول شيء واحد ، يقول سبحانه :( وَإنَّ هَذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ) (1) .
ويقول( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (2) .
ويقول :( وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ) (3) .
فأيّ نزاع وأيّة تفرقة هي أكبر من تقسيم الأُمّة الواحدة إلى مذاهب وأحزاب وفرق يخالف بعضهم بعضاً ، ويسخر بعضهم من بعض ، بل ويكفّر بعضهم بعضاً ، حتى يستحلّ بعضهم دم البعض الآخر ، وهو ما وقع بالفعل على مرّ العصور ، والتاريخ أكبر شاهد على ذلك.
هذا ، وقد حذّرنا سبحانه من النتائج الوخيمة التي تصير إليها أُمّتنا إذا تفرّقت ، فقال سبحانه :( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ ) (4) ،( إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء ) (5) ،( وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ
__________________
1 ـ المؤمنون : 52.
2 ـ آل عمران : 103.
3 ـ الأنفال : 46.
4 ـ آل عمران : 105.
5 ـ الأنعام : 159.
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) (1) .
وتجدر الإشارة هنا بأنّ معنى ( شيعاً ) لا علاقة لها بالشيعة كما توهّم بعض البُسطاء عندما جاءني ينصحني على زعمه قائلاً : يا أخي باللّه عليك دعنا من الشيعة ، فإن اللّه يمقُتهم وحذّر رسوله أنْ يكون منهم.
قلتُ : وكيف ذلك؟
قال :( إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء ) .
وحاولتُ إقْناعهُ بأن « شِيَعاً » معناها أحزاباً ولا علاقة لها بالشيعة ، ولكنّه ومع الأسف الشديد لم يقتنع ، لأنّ سيّده إمام المسجد هكذا علّمه وحذّره من الشيعة ، فلم يعدْ يتقبّل غير ذلك!
أعود إلى الموضوع فأقول : بأنّي كنتُ في حيرة قبل استبصاري عندما أقرأ حديث : « اختلاف أُمّتي رحمة » ، وأُقارنه مع حديث « ستفترق أُمّتي إلى اثنتين وسبعين فرقة ، كلّها في النار إلاّ واحدة »(2) .
__________________
1 ـ الروم : 31 ـ 32.
2 ـ سنن ابن ماجة ( كتاب الفتن ) 2 : 493 : ح 3993 ، مسند أحمد 3 : 120 ، والترمذي في كتاب الإيمان ، باب 18 ما جاء في افتراق هذه الأُمة ، وكتاب السنّة لابن أبي عاصم ح 64 ، وصرّح محقّق الكتاب الشيخ محمد الألباني
__________________
بصحته قائلا : « الحديث أخرجه ابن ماجة 3993 باسناد المصنّف هذا ، وصححه البوصيري ، والحديث صحيح قطعاً؛ لأنّ له ستّ طرق أُخرى عن أنس ، وشواهد عن جمع من الصحابة وقد خرجته في الصحيحة 203 من حديث أبي هريرة و 204 من حديث معاوية ».
وألّف محمّد بن إسماعيل الصنعاني كتاباً بعنوان ( افتراق الأُمة ) ، وقال فيه : « له طرق عديدة ساقها ابن الأثير في جامع الأُصول » ، ثمّ قال : « إذا عرفت هذا ، فالحديث قد استشكل من جهتين :
الجهة الأُولى : ما فيه من الحكم على الأكثر بالهلاك ، وذلك ينافي الأحاديث الواردة في الأُمة بأنّها أُمة مرحومة ، وبأنّها أكثر الأُمم في الجنّة ..
الجهة الثانية : من جهة الاشكال في تعين الفرقة الناجية ، فقد تكلّم الناس فيها كلّ فرقة تزعم أنّها هي الفرقة الناجية « افتراق الأُمّة : 46 ـ 78.
وقد تعرّض الشيخ الألباني إلى هذا الإشكال ـ أيضاً ـ وحاول الإجابة عليه نقلا عن غيره ، لكن دون جدوى ، راجع الصحيحة 1 : 402 و 414.
وإذا تدبّر المسلم في هذا الحديث الذي نطق به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخبر بأنّ أُمته ستفترق كما افترقت الأُمم السابقة عليها ، مع ما يلمسه المسلم بأُم عينيه من اختلاف المسلمين فيما بينهم ، ومن أنّ كلّ فرقة أو طائفة ترى أنّها هي الحقّ ، وأنّها الفرقة الناجية ..
إذا تأمّل المسلم هذا يعرف أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لابد وأن ينصب طريقاً ينجو من الضلال ويخلص عباد اللّه من جحيم النار ، بحيث يكون هذا الطريق علماً ومناراً وحافظاً لما أُنزل من القرآن والسنة النبوية المطهرة.
وهذا الطريق قد بيّنه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في حديث الثقلين المتواتر الذي قال
وأتسائل : كيف يكون اختلاف الأُمة رحمة ، وفي نفس الوقت يوجب دخول النار؟
وبعد قراءتي لتفسير الإمام جعفر الصادقعليهالسلام لهذا الحديث زالت الحيرة وانحلّ اللغْزُ ، وعرفتُ بعد ذلك بأنّ الأئمة من أهل البيت هم أئمة الهدى ومصابيح الدجى ، وهم بحقّ ترجمان القرآن والسنّة ، وحقيق بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقول في حقّهم : « مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق »(1) ، و « لا تتقدّموهم فتهلكوا ، ولا تتخلّفوا عنهم فتهلكوا ،
__________________
فيه : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا » ، وحديث السفينة الذي ذكره المؤلّف؛ فإن أهل البيت هم المنجون من الضلال والتيه المؤدي إلى النار كما في حديث الافتراق.
1 ـ مستدرك الحاكم 2 : 343 وقال : « هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه » ، المعجم الصغير للطبراني 1 : 139 و 2 : 22 ، المعجم الأوسط 4 : 10 و 5 : 355 و 6 : 85 ، المعجم الكبير 3 : 45 ـ 47 و 12 : 27 ، الجامع الصغير للسيوطي 2 : 533 ح 8162 ، الصواعق المحرقة 2 : 445 وقال : « وجاء من طرق عديدة يقوي بعضها بعضاً » ، الدر المنثور عن المستدرك 3 : 334 ، مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 168 ، الشيخ صالح المقبلي في كتاب العلم الشامخ : 520.
ومن حكم بضعف الحديث كصاحب كتاب « منهج أهل البيت في مفهوم
ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم »(1) .
وكان حقيق بالإمام عليعليهالسلام أن يقول : « أُنظروا أهل بيت نبيكم ، فالزموا سمتهم واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ولن يعيدوكم في ردى ، فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلّوا ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا »(2) .
وقالعليهالسلام في خطبة أُخرى يعرّف بها قدر أهل البيتعليهمالسلام : « هم عيش العلم وموتُ الجهل ، يخبركم حلمهم عن علمهم وظاهرهم عن باطنهم وصمتهم عن حكم منطقهم ، لايخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه. هم دعائم الإسلام وولائج الاعتصام ، بهم عاد الحقّ الى نصابه ، وانزاح الباطل عن مقامه ، وانقطع لسانه عن منبته ، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية لا عقل سماع ورواية ، فإنّ رواة
__________________
المذاهب الإسلامية » ص 34 ـ ليس لحكمه قيمة علمية ما دام لم يبتنِ على الأُسس العلمية والموضوعية.
1 ـ هذا الحديث ورد في ذيل حديث الثقلين ، لكن بلفظ التثنية لا الجمع ، إلاّ في الفقرة الأخيرة ، انظر : المعجم الكبير للطبراني 5 : 167 ، وعنه في الدر المنثور للسيوطي 2 : 60 ، الصواعق المحرقة 2 : 439 الآية الرابعة من الآيات النازلة فيهم و 2 : 653 ( باب وصية النبيصلىاللهعليهوآله بآل البيت ).
2 ـ نهج البلاغة 1 : 189 ، الخطبة : 96 من كلام له في أصحابه وأصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله .
العلم كثير ورعاته قليل »(1) .
نعم ، صدق الإمام علي فيما بيّنه ، فهو باب مدينه العلم(2) ، فهناك
__________________
1 ـ نهج البلاغة2 : 232 ، الخطبة : 237.
2 ـ قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب » ، أخرجه الحاكم النيسابوري في المستدرك 3 : 126 ، وقال : « هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ».
وقال الفتني في تذكرة الموضوعات ص 95 : « والحديث حسن لا صحيح ولا كذب ».
وذكر المناوي في فيض القدير 3 : 60 الحديث وشرحه وردّ على من طعن فيه فقال : ( 2705 ـ « أنا مدينة العلم وعليّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب » ، فإنّ المصطفىصلىاللهعليهوآلهوسلم المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلّها ، أو لابدّ للمدينة من باب ، فأخبر أنّ بابها عليّ كرم اللّه وجهه ، فمن أخذ طريقه دخل الجنّة ، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى.
وقد شهد له بالأعلمية الموافق والمخالف والمعادي والمحالف ...
قال الحراني : قد علم الأولون والآخرون أنّ فهم كتاب اللّه منحصر إلى علم عليّ ، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع عن القلوب الحجاب حتى يتحقّق اليقين الذي لا يتغيّر بكشف الغطاء ...
وتعقّبه جمع أئمة ، منهم الحافظ العلائي فقال : من حكم بوضعه فقد أخطأ ، والصواب أنه حسن باعتبار طرقه ، لا صحيح ولا ضعيف ...
وقال الزركشي : الحديث ينتهي إلى درجة الحسن المحتج به ولا يكون ضعيفاً ...
فرق كبير بين من عقل الدين عقل وعاية ورعاية ، وبين من عقله عقل سماع ورواية.
والذين يسمعون ويروون كثيرون ، فكم كان عدد الصحابة الذين يجالسون رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويسمعون منه الأحاديث وينقلونها بغير فهم أو علم ، فيتغيّر معنى الحديث ، وقد يؤدّي إلى العكس الذي
__________________
وفي لسان الميزان : هذا الحديث له طرق كثيرة في المستدرك أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصلا ، فلا ينبغي إطلاق القول عليه بالوضع.
ورواه الخطيب في التاريخ باللفظ المزبور من حديث ابن معاوية عن الأعمش ثمّ قال : قال القاسم : سألت ابن معين عنه فقال : هو صحيح ...
وأفتى بحسنه ابن حجر ، وتبعه البخاري فقال : هو حديث حسن ).
وقد أفرد العلماء رسائل خاصة في هذا الحديث ، منها : ( كتاب فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ ) للحافظ أحمد بن الصديق الغماري ، وكتاب ( رفع الارتياب عن حديث الباب ) لعليّ بن محمّد العلوي ، وقد ورد هذا الحديث في مصادر كثيرة نذكر منها :
مسند أبي يعلى 2 : 58 ، المعجم الكبير 11 : 55 ، نظم درر السمطين 11 : 113 ، الجامع الصغير 11 : 415 ، كنز العمال 11 : 600 و 13 : 147 ، تهذيب التهذيب 7 : 296 ، تهذيب الكمال 18 : 77 ، تاريخ بغداد 11 : 49 ، ينابيع المودة 2 : 58 ، شواهد التنزيل 1 : 426 ، أُسد الغابة 4 : 22.
وبعد الإيضاح المتقدم ، فمن يحكم بكذب هذا الحديث كصاحب كتاب منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية : 34 ، يكون حكمه جزافاً ناشئاً من التعصّب وإغماض الجفون عن رؤية الحق.
قصده الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد يؤدّي بعض الأحيان إلى الكفر ، لصعوبة إدراك الصحابي للمعنى الحقيقي(1) .
__________________
1 ـ مثال ذلك ما رواه أبو هريرة من « إنّ اللّه خلق آدم على صورته »* ، ولكن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام أوضح الأمر فقال : إن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم سمع رجلين يتسابان ، فقال أحدهما للآخر : قبح اللّه وجهك ووجه من يشبهك ، فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » أي إنّك بسبّك من يشبهه قد سببت آدم لأنّه يشبهه ( المؤلّف ).
__________________
* ـ ذكر عثمان الخميس في كشف الجاني ص : 145 أن التيجاني دلّس في الحديث ولم يذكر صدر الحديث وهو : « إذا قاتل أحدكم أخاه فليتجنب الوجه فإنّ اللّه خلق آدم على صورته ».
وهذا الإشكال ناشئ من قلّة تتبّع عثمان الخميس ، فإنّ الرواية وردت بعدّة صيغ عن أبي هريرة ، فمنها الصيغة المتقدّمة ، ومنها ما رواه ابن أبي عاصم في كتاب السنّة : 210 عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق آدم على صورته » ، وصرّح الألباني بصحة الحديث ، ومنها : « لا يقولنّ أحدكم قبح اللّه وجهك ولا وجه من أشبه وجهك ، فإنّ اللّه خلق آدم على صورته » السنّة : 29.
مع أنّ الإتيان بصدر الرواية لا يؤثّر على التجسيم الذي يؤمن به عثمان الخميس في شيء ، فهؤلاء علماء السلفية يفتون بأن للّه صورة لأجل هذه الرواية ، قال ابن تيمية في نقض أساس التقديس : « لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أنّ الضمير عائد إلى اللّه ، فإنه مستفيض من طرق
__________________
متعدّدة عن عدد من الصحابة ، وسياق الأحاديث كلها تدلّ على ذلك ».
وقال في موضع آخر منه : « علماء الأُمة لم تنكس إطلاق القول بأن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا » نقلاً عن رسالة القول المبين : 49.
وقال أحمد بن حنبل : « من قال إن اللّه خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي ، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه » بطلان التأويلات لأبي يعلى 1 : 88.
وقال عبد اللّه بن أحمد بن حنبل : « قال رجل لأبي : إنّ فلاناً يقول في حديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، « إن اللّه خلق آدم على صورته » فقال على صورة الرجل قال أبي : كذب هذا ، هذا قول الجهمية وأيّ فائدة في هذا « إبطال التأويلات 1 : 88.
وقد ألّف أحد دعاة السلفية ـ وهو سليمان بن ناصر العلوان ـ كتاباً بعنوان « القول المبين في إثبات الصورة لربّ العالمين » ، قال ابن باز في فتاويه 1 : 314 : « ثبت عن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في الصحيحين أنّه قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ اللّه خلق آدم على صورته » ، وجاء في رواية أحمد وجماعة من أهل الحديث : « على صورة الرحمن » ، فالضمير في الحديث الأوّل يعود إلى اللّه تعالى ».
بينما أئمة أهل البيت وشيعتهم ينزّهون اللّه سبحانه وتعالى عن ذلك ويرجعون الضمير إلى الإنسان ، والمعنى : لا تضرب أخاك فإنّ اللّه خلق آدم على صورة أخيك ، وينزّهون اللّه عن التشبيه بخلقه صورة كانت أو وجهاً أو قدماً.
كما أنّ حديث الثقلين يثبت الأعلمية والمرجعية لأهل البيتعليهمالسلام بعد رسول
أمّا الذين يعون العلم ويرعونه فقليلون جدَّاً ، وقد يُفني الإنسانُ عمره في طلب العلم ولايحصل منه إلاّ على اليسير ، وقد يتخصّص في باب من أبواب العلم أو فنّ من فنونه ولا يمكنه أن يحيط بكلّ أبوابه ، ولكنّ المعروف أنّ أئمه أهل البيتعليهمالسلام كانوا مُلمّين وعارفين بشتّى العلوم ، وهذا ما أثبته الإمام عليّ كما يشهد المؤرخون ، وكذلك محمّد الباقر ، وجعفر الصادق الذي تتلمذ على يديه آلاف الشيوخ في شتى العلوم والمعارف : من فلسفة وطب وكيمياء وعلوم طبيعية وغيرها.
__________________
اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهم معصومون مطهّرون من الخطأ والنسيان وغيره كما ثبت بآية التطهير ، فهم الأعلم بسنّة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من غيرهم ، يتعين على المسلم أخذ السنّة منهم؛ لمرجعيّتهم المطلقة بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
العقائد
عند الشيعة وعند أهل السنّة والجماعة
ممّا زاد قناعتي بأنّ الشيعة الإمامية هي الفرقة الناجية هو : أنّ عقائدهم سمحة وسهلة القبول لكلّ ذي عقل حكيم وذوق سليم ، ونجد عندهم لكلّ مسأله من المسائل ولكلّ عقيدة من العقائد تفسيراً شافياً كافياً لأحد أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، قد لا نجد لها حلاًّ عند أهل السنّة وعند الفرق الأُخرى.
وسأتتبع في هذا الفصل بعض العقائد وأهمّها عند الفريقين ، وأحاول إبراز ما اقتنعتُ به ، وأترك للقارئ حريّة الفكر والاختيار ، والنقد والتجريح.
وألفت النظر إلى أنّ العقيدة الأساسية هي بالنسبة للمسلمين كافّةً عقيدة واحدة ، وهي الإيمان باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله ، لا يفرّقون بين أحد من رسله ، كما يتفقُون في أنّ النار حقّ ، والجنة حقّ ، وأنّ اللّه يبعث من في القبور ، ويحشرهم جميعاً ليوم الحساب.
كما أنّهم يتفقون على القرآن ، ويؤمنون بأنّ نبيّهم محمّد رسول اللّه ، وقبلتهم واحدة.
ولكن وقع الاختلاف في مفهوم هذه العقائد ، فأصبحت مسرحاً للمدارس الكلامية يرون فيها شتّى الآراء والمذاهب.
العقيده في اللّه تعالى
عند الطرفين
وأهمّ ما يذكر في هذا الموضوع هو رؤية اللّه تعالى ، فقد أثبتها أهل السنّة والجماعة لكلّ المؤمنين في الآخرة ، وعندما نقرأ صحاح السنّة والجماعة ـ كالبخاري ومسلم مثلاً ـ نجد روايات تؤكّد الرؤية حقيقة لا مجازاً(1) ، بل نجد فيها تشبيهاً للّه سبحانه ، وأنّه يضحك ، ويأتي ، ويمشي ، وينزل إلى سماء الدنيا ، بل ويكشف عن ساقه التي بها علامة يُعرف بها(2) ، ويضعُ رجله في جهنّم فتمتلئ وتقول : قط قط(3) ، إلى غير ذلك من الأشياء والأوصاف التي يتنزّه
__________________
1 ـ مسند أحمد 1 : 318 ، و 4 : 66 و 5 : 243 وسنن الدارمي 2 : 126 ، سنن الترمذي 5 : 45 ، مستدرك الحاكم 1 : 544 ، مجمع الزوائد 1 : 237 ، عمدة القارىء في شرح صحيح البخاري 1 : 40 وغيرها من المصادر.
2 ـ صحيح البخاري 6 : 71 ، كتاب التفسير ، تفسير سورة القلم ، و 8 : 197 ، كتاب التوحيد ، باب قول اللّه ( يريدون أن يبدلوا ) و 8 : 226 ، كتاب المناقب ، باب مناقب الانصار.
3 ـ صحيح البخاري 6 : 47 كتاب التفسير ، تفسير سورة : ق.
اللّه جلّ وعلا عن أمثالها(1) .
وأذكر أنّني مررت بمدينة ( لامو ) في كينيا بشرق أفريقيا ، ووجدت إماماً من الوهّابية يحاضر المصلّين داخل المسجد ، ويقول لهم بأنّ للّه يدين ورجلين وعينين ووجهاً ، ولّما استنكرتُ عليه ذلك ، قام يستدلّ بآيات من القرآن قائلاً :( وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (2) ، وقال أيضاً :( وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنَا ) (3) ، وقال :( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ) (4) .
قلتُ : يا أخي ، كلّ هذه الآيات التي أدليتَ بها وغيرها إنّما هي مجازُ وليستْ حقيقة.
أجاب قائلاً : كلّ القرآن حقيقة وليس فيه مجازاً.
قلتُ : إذن ما هو تفسيركم للآية التي تقول :( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعْمَى ) (5) ، فهل تحملون هذه الآيات على
__________________
1 ـ صحيح البخاري 6 : 33 كتاب التفسير ، تفسير سورة الزمر ، وفيه إثبات الأصابع له تعالى.
2 ـ المائدة : 64.
3 ـ هود : 37.
4 ـ الرحمن : 26 ـ 27.
5 ـ الإسراء : 72.
المعنى الحقيقي ، فكلّ أعمى في الدنيا يكون أعمى في الآخرة؟
أجاب الشيخ : نحن نتكلّم عن يد اللّه وعين اللّه ووجه اللّه ، ولا دخل لنا في العميان.
قُلت : دعنا من العميان ، فما هو تفسيركم في الآية التى ذكرتَها :( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ) ؟
إلتفت إلى الحاضرين وقال لهم : هل فيكم من لم يفهم هذه الآية؟ إنّها واضحة جليّة كقوله سبحانه :( كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إلاّ وَجْهَهُ ) (1) .
قلتُ : أنت زدت الطين بلَّةً ، يا أخي نحن إنّما اختلفنا في القرآن : ادّعيتَ أنتَ بأنّ القرآن ليس فيه مجاز وكلّه حقيقة! وادعيتُ أَنا بأنّ في القرآن مجازاً ، وبالخصوص الآيات التي فيها تجسيم للّه تعالى أو تشبيهه ، وإذا أصررت على رأيك فيلزمك أن تقول : بأنّ كلّ شيء هالك إلاّ وجهه معناه : يداه ورجلاه وكلّ جسمه يفنى ويهلك ولا يبقى منه إلاّ الوجه ، تعالى اللّه عن ذلك علوّاً كبيراً! ثم التفتُّ إلى الحاضرين قائلاً : فهل ترضون بهذا التفسير؟
سكتَ الجميع ولم يتكلّم شيخهم المحاضر بكلمة ، فودّعتهم وخرجتُ داعياً لهم بالهداية والتوفيق.
نعم ، هذه عقيدتهم في اللّه في صحاحهم وفي محاضراتهم ، ولا
__________________
1 ـ القصص : 89.
أقول : إنّ بعض علمائنا ينكر ذلك ، ولكن الأغلبية يؤمنون برؤية اللّه سبحانه في الآخرة ، وأنّهم سوف يرونه كما يرون القمر ليلة البدر ليس دونها سحاب ، ويستدلّون بالآية :( وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) (1) .
وبمجرّد اطلاعك على عقيدة الشيعة الإمامية في هذا الصدد يرتاح ضميرك ، ويُسلّم عقلك بقبول تأويل الآيات القرآنية التي فيها تجسيم أو تشبيه للّه تعالى ، وحملها على المجاز والاستعارة ، لا على الحقيقة ولا على ظواهر الألفاظ ، كما توهّمه البعض.
يقول الإمام عليعليهالسلام في هذا الصدد : « لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حدّ محدود ، ولا نعتٌ موجودٌ ، ولا وقتٌ محدودٌ ، ولا أجل ممدودٌ »(2) .
ويقول الإمام محمّد الباقرعليهالسلام في الردّ على المشبّهة : « بل كلّ ما ميّزناه بأوهامنا في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلنا مردود إلينا »(3) .
__________________
1 ـ القيامة : 22 ـ 23.
هذه الآية فَسّرها أئمة أهل البيتعليهمالسلام بأنّ الوجوه تكون يومئذ ناضرة بمعنى الحسن والبهجة ، وإلى رحمة ربّها ناظرة ( المؤلّف ).
2 ـ نهج البلاغة 1 : 14 ، الخطبة 1.
3 ـ ورد الحديث في كتاب مشرق الشمسين للبهائي : 398 ، وعنه في البحار
ويكفينا في هذا ردّ اللّه سبحانه في محكم كتابه قوله :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) ، وقوله :( لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ ) (2) ، وقوله لرسوله وكليمه موسىعليهالسلام لمّا طلب رؤيته :( قَالَ رَبِّ أرِنِي أنظُرْ إلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ) (3) ، ولن « الزمخشرية » تفيد التأبيد كما يقول النحاة(4) .
__________________
69 : 293 ، ولفظه : « كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم » ، ونحوه في تاريخ دمشق لابن عساكر 66 : 60 عن الشبلي.
1 ـ الشورى : 11.
2 ـ الأنعام : 103.
3 ـ الأعراف : 143.
4 ـ قال الشيخ السبحاني في كتابه « رؤية اللّه » 66 ـ 80 : « وربما نوقش في دلالة( لن ) على التأبيد مناقشة ناشئة عن عدم الوقوف الصحيح على مقصود النحاة من قولهم » لن » موضوعة للتأبيد ، ولتوضيح مرامهم نذكر أمرين ثمّ نعرض المناقشة عليهما :
1 ـ إنّ المراد من التأبيد ليس كون المنفي ممتنعاً بالذات ، بل كونه غير واقع ، وكم فرق بين نفي الوقوع ونفي الإمكان ، نعم ربما يكون عدم الوقوع مستنداً إلى الاستحالة الذاتية.
2 ـ إنّ المراد من التأبيد هو النفي القاطع ، وهذا قد يكون غير محدّد بشيء ، وربما يكون محدداً بظرف خاص ، فيكون معنى التأبيد بقاء النفي بحاله ما دام الظرف باقياً.
إذا عرفت الأمرين تقف على وهن ما نقله الرازي عن الواحدي من أنّه قال :
__________________
ما نُقل عن أهل اللغة إنّ كلمة « لن » للتأبيد دعوى باطلة ، والدليل عن فساده قوله تعالى في حقّ اليهود :( وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ أبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بالظَّالمِينَ ) ( البقرة : 95 ) ، قال : وذلك لأنّهم يتمنّون الموت يوم القيامة بعد دخولهم النار ، قال سبحانه :( وَنَادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلِيْنا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَاكِثُونَ ) ( الزخرف : 77 ) ، فإنّ المراد من( لِيَقْضِ عَلِيْنا ) هو القضاء بالموت.
ووجه الضعف ما عرفت من أنّ التأبيد على قسمين ، غير محدّد ومحدّد باطار خاصّ ، ومن المعلوم أنّ قوله سبحانه :( وَلَنْ يَتَمَنَّوْنَهُ ) ناظر إلى التأبيد في الإطار الذي اتخذه المتكلم ظرفاً لكلامه وهو الحياة الدنيا ، فالمجرمون ماداموا في الحياة الدنيا لا يتمنّون الموت أبداً ، لعلمهم بأنّ اللّه سبحانه بعد موتهم يُقدّمهم للحساب والجزاء ، ولأجل ذلك لا يتمنّوه أبداً قط.
وأمّا تمنّيهم الموت بعد ورودهم العذاب الأليم ، فلم يكن داخلا في مفهوم الآية الأُولى حتى يعدّ التمنّي مناقضاً للتأبيد.
ومن ذلك يظهر وهن كلام آخر وهو : أنّه ربما يقال : إنّ « لن » لا تدلّ على الدوام والاستمرار بشهادة قوله :( إِنِّي نَذَرْتُ لِلْرَّحْمنِ صَوْمَاً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً ) ، إذ لو كانت( لن ) تفيد تأبيد النفي لوقع التعارض بينهما وبين كلمة( اليوم ) ، لأنّ اليوم محدد معيّن ، وتأبيد النفي غير محدد ولا معيّن ، ومثله قول سبحانه على لسان ولد يعقوب :( فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي ) ( يوسف : 80 ) ، حيث حدّد بقاءه في الأرض بصدور الاذن من أبيه.
وجه الوهن : أنّ التأبيدفي كلام النحاة ليس مساوياً للمعدوم المطلق ، بل المقصود هو النفي القاطع الذي لا يشق ، والنفي القاطع الذي لا يكسر ولا
__________________
يشق على قسمين :
تارةً يكون الكلام غير محدّد بظرف خاص ولا تدلّ عليه قرينة حالية ولا مقالية ، فعندئذ يساوق التأبيدُ المعدوم المطلق.
وأُخرى يكون الكلام محدّداً بزمان حسب القرائن اللفظية والمثالية ، فيكون التأبيد محدّداً بهذا الظرف أيضاً ، ومعنى قول مريم :( فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً ) ( مريم : 26 ) هو النفي القاطع في هذا الاطار ، ولا ينافي تكلّمها بعد هذا اليوم.
والحاصل : أنّ ما أُثير من الإشكال في المقام ناشئ من عدم الإمعان فيما ذكرنا من الأمرين ، فتارةً حسبوا أنّ المراد من التأبيد هو الاستحالة فأوردوا بأنّه ربما يكون المدخول أمراً ممكناً كما في قوله :( فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِي أبَداً ) ( التوبة : 83 ) ، وأُخرى حسبوا أنّ التأبيد يلازم النفي والمعدوم المطلق ، فناقشوا بالآيات الماضية التي لم يكن النفي فيها نفياً مطلقاً ، ولو أنّهم وقفوا على ما ذكرنا من الأمرين لسكتوا عن هذه الاعتراضات.
وبما أنّه سبحانه لم يتّخذ لنفي رؤيته ظرفاً خاصاً ، فسيكون مدلوله عدم تحقّق الرؤية أبداً لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة.
ثمّ أنّه سبحانه علّق الرؤية على استقرار الجبل وبقائه على الحالة التي كان عليها عند التجلّي وعدم تحوّله إلى ذرات ترابية صغار بعده ، والمفروض أنّه لم يبق على حالته السابقة ، وبطلت هويته وصار تراباً مدكوكاً ، فإذا انتفى المعلّق عليه ( بقاء الجبل على حالته ) ينتفي المعلّق واللّه سبحانه بما أنه يعلم أنّ الجبل لا يستقر في مكانه بعد التجلي ، فعلّق الرؤية على استقراره لكي يستدلّ بانتفائه على انتفائه ، كما قال سبحانه :( وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِياطِ ) .
__________________
وقال الزمخشري في ردّه على من قال إنّ الرؤية لو كانت مستحيلة لما طلبها موسى ، قال : « وما كان طلب الرؤية إلاّ ليبكت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضلالا وتبرأ من فعلهم ، وذلك انّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبههم على الحق ، فلجّوا وتمادوا في لجاجتهم وقالوا : لابدّ ولن نؤمن حتى نرى اللّه جهرة ، فأراد أن يسمعوا النصّ من عند اللّه باستحالة ذلك وهو قوله :( لن تراني ) ، ليتيقنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة ، فلذلك قال :( رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ) » انتهى ما أوردناه من كلام الشيخ السبحاني ملخصاً.
وأمّا الآيات التي ذكرت لإثبات رؤية اللّه سبحانه وتعالى فهي لا تدلّ على ذلك.
والقرآن الكريم ينفي رؤيته سبحانه ، قال تعالى :( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ ) ( الأنعام : 103 ).
فالآية تنفي رؤية اللّه سبحانه وتعالى ، وذلك :
1 ـ إنّ الإدراك إذا أُضيف إلى الأبصار يفيد الرؤية ( مجمع البحرين : مادة درك ) ، فمعنى الآية يكون : لا تراه الأبصار وهو يرى الأبصار.
وما يقولون : من أنّ الإدراك بمعنى الإحاطة ، والصحيح أنّ اللّه سبحانه وتعالى لا يحيط به المخلوق ، فالمخلوق يرى اللّه لكن لا يحيط به ، والمنفي في الآية الإحاطة دون الرؤية؟
قلنا : تفسير الإدراك بمعنى الإحاطة غير صحيح ، إذ لم يذكر لمعنى الإدراك الإحاطة ، بحيث يفهم من عند الإطلاق ، ولم يذكر ذلك اللغويون أيضاً ، فالإحاطة غير داخلة في معنى الإدراك.
كلّ ذلك دليل قاطع على صحة أقوال الشيعة الذين يعتمدون فيها
__________________
2 ـ إذا فسّرنا الإدراك بالإحاطة وآمنّا بالرؤية ، فيكون معنى الآية : لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بالأبصار ، وهذا لا معنى له؛ لأنّ اللّه سبحانه وتعالى ليس محيطاً بالأبصار فقط وإنّما هو محيط بكلّ شيء؛ البصر وصاحب البصر ، فلا وجه لأن يقيد إحاطته بالبصر.
واللّه سبحانه وتعالى لم يعلّق الرؤية على أمر ممكن ، لأنّ المعلّق عليه ليس هو استقرار الجبل كي يقال بأنّه ممكن ، وإنّما المعلّق عليه استقرار الجبل حال التجلّي ، أي شرط الرؤية أن يستقرّ الجبل حال تجلّي اللّه سبحانه وتعالى ، وقد تبيّن أنّ هذا مستحيل وغير ممكن.
وممّا يدل على أنّ رؤية اللّه سبحانه وتعالى غير ممكنة في الدنيا والآخرة قوله تعالى :( اللّه نور السموات والأرض ) ، وقول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عندما سأله أبو ذر : هل رأيت ربّك؟
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « نورٌ أنّى أراه » صحيح مسلم 1 : 111.
فاللّه سبحانه وتعالى نور ، وهو نور السموات والأرض ، فلا يمكن لبشر أن يراه.
ومن أعاجيب السلفية أنّهم ينكرون تأويل الآيات القرآنية ويحملوها على ظاهرها ، إلاّ أنّهم في هذه الآية والحديث تأوّلوا فقالوا : معنى قوله :( اللّه نور السموات والأرض ) يعني اللّه منور السموات والأرض!!
ومعنى قوله : « نورٌ أنّى أراه » ، يعني حجب بيني وبينه النور فكيف أراه!!
راجع : اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم : 35.
وهذا من تلاعبهم واضطرابهم في عقيدتهم ، وما على المسلم الباحث إلاّ النظر بعين الحقيقة ليرى الحقّ.
على أقوال الأئمة من أهل البيت ، معدن العلم وموضع الرسالة ، ومن أورثهم اللّه علم الكتاب.
ومن أراد التوسّع في هذا البحث فما عليه إلاّ الرجوع إلى الكتب المفصّلة بهذا الموضوع ، ككتاب « كلمة حول الرؤية » للسيّد شرف الدين صاحب المراجعات(1) .
__________________
1 ـ كتاب المراجعات من الكتب التي يجب أن يقرأها كل من يريد التعرف على عقائد الشيعة الإمامية وأفكارهم ( المؤلّف ).
العقيدة في النبوة
عند الطرفين
والخلاف الواقع بين الشيعة وأهل السنّة في هذا الباب هو موضوع العصمة ، فالشيعة يقولون بعصمة الأنبياءعليهمالسلام قبل البعثة وبعدها ، ويقول أهل السنّة والجماعة بأنّهم المعصومون فيما يبلّغونه من كلام اللّه فقط ، أمّا فيما عدا ذلك فهم كسائر البشر يخطئون ويصيبون.
وقد رووا في ذلك عدّة روايات في صحاحهم تثبتُ بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخطأ في عدّة مناسبات ، وكان بعض الصحابة يصوّبه ويصلحه ، كما في قضية أسرى بدر التي أخطأ فيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصاب عمر ، ولولاه لهلك رسول اللّه(1) .
ومنها : أنّه لما قدم المدينة وجد أهلها يُؤبرون النخل ، فقال لهم : « لا تؤبّروه وسيكون تمراً » ، ولكنّه جاء شيصاً ، فجاؤوه وشكوا له
__________________
1 ـ البداية والنهاية لابن كثير 3 : 234 ( في غزوة بدر ) ، عن أحمد ومسلم وأبي داود والترمذي.
ذلك ، فقال لهم : « أنتم أعلم بأُمور دنياكم مني ».
وفي رواية أُخرى قال لهم : « إنّما أنا بشرٌ ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوه ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنّما أنا بشر »(1) .
ومرّة يروون أنّه سُحِرَ وبَقيَ أياماً مسحوراً لا يدري مايفعل ، حتّى أنّه كان يخيّل إليه أنّه كان يأتي النساء ولا يأتيهنّ(2) ، أو يخيّل إليه أنّه صنع شيئاً ولم يصنعه(3) .
__________________
1 ـ صحيح مسلم 7 : 95 ، كتاب الفضائل ، باب 38 في وجوب امتثال ما قالهصلىاللهعليهوآلهوسلم شرعاً ، ومسند أحمد 3 : 153 و 6 : 123.
2 ـ صحيح البخاري 7 : 29 ، كتاب الطب ، كتاب الأدب ، باب السحر وقوله تعالى :( ولكن الشياطين .. ) .
3 ـ صحيح البخاري 4 : 68 ، كتاب الجزية والموادعة ، باب هل يعفي عن الذمي إذا سحر.
لا يقال بأنّ أخبار السحر وردت عندكم أيضاً فلماذا تعترضون على أهل السنّة؟ وذلك لأنّ علماءنا تركوا تلك الروايات ولم يعوّلوا عليها :
قال الشيخ الطبرسي في مجمع البيان 10 : 865 في تفسير سورة الفلق ـ بعد ذكره لبعض الروايات في هذا الباب ـ : « وهذا لا يجوز؛ لأنّ من وصف بأنّه مسحور فكأنّه قد خبل عقله ، وقد أبى اللّه سبحانه ذلك في قوله :( وَقالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً ) ».
وقال المجلسي في البحار 60 : 41 : « لما عرفت أنّ السحر يندفع بالعوذ والآيات والتوكل ، وهم عليهمالسلام معادن جميع ذلك ، فتأثيره فيهم مستبعد ،
__________________
والأخبار الواردة في ذلك أكثرها عامية أو ضعيفة ومعارضة بمثلها ، فيشكل التعويل عليها في إثبات مثل ذلك ».
والإيمان بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سُحر ، فيه مطعن على النبوّة وعلى الوحي الذي ينزل على الرسول ، ولا سيما إذا لاحظنا رواية البخاري : « حتى كان يخيل إليه أنّه يفعل الشي وما يفعله » ، فمن الجائز حينئذ أنّه يوصى إليه ولا يبلغ تصوراً منه أنّه بلغ ، فإنّ هذا ممكن وتشمله الرواية ، وفي هذا مطعن كبير على الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم والرسالة الإسلامية؟
ولأجل ذلك قال الإمام محمّد عبده : « وقال كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوّة ولا ما يجب لها : إنّ الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فلزم الاعتقاد به ، وعدم التصديق من بدع المبتدعين؛ لأنّه ضرب من إنكار السحر ، وقد جاء القرآن بصحة السحر!
فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحقّ الصريح في نظر المقلّدين بدعة! نعوذ باللّه!
يحتجّ بالقرآن على ثبوت السحر! ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعده من افتراء المشركين عليه ، ويؤول في هذه ولا يؤول في تلك! مع أنّ الذي قصده المشركون ظاهر؛ لأنّهم كانوا يقولون إنّ الشيطان يلامسهعليهالسلام ، وملامسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم وضرب من ضروبه ، وهو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد ، فإنّه خالط عقله وإدراكه في زعمهم.
والذي يجب اعتقاده أنّ القرآن مقطوع به ، وأنّه كتاب اللّه بالتواتر عن المعصومصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته وعدم الاعتقاد بما ينفيه ،
__________________
وقد جاء ينفي السحر عنهعليهالسلام حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه ، ووبخهم على زعمهم هذا ، فإنّه ليس بمسحور قطعاً » تفسير جزء عم : 183.
وقال الجصاص : « وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع ، ذلك أنهم زعموا أنّ النبيعليهالسلام سحر وأن السحر عمل في حتى قال فيه : إنّه يتخيل لي أنّي أقول الشيء وأفعله ولم أقله ولم أفعله ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تعلباً بالحشو الطغام واستجراراً لهم إلى القول بابطال معجزات الأنبياءعليهمالسلام ، والقدح فيها ، وأنّه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة وأنّ جميعه من نوع واحد.
والعجب! ممّن يجمع بين تصديق الأنبياءعليهمالسلام وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة » ، أحكام القرآن 1 : 59.
وحكى الفخر الرازي في مفاتيح الغيب ، 115 عن القاضي انّه قال : « هذه الرواية باطلة ، وكيف يمكن القول بصحتها واللّه تعالى يقول( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) ، وقال :( وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أَتى ) ؟! ولأن تجويزه يقضي إلى القدح في النبوة ، ولأنه لو صحّ ذلك لكان من الواجب أن يصلوا إلى الضرر لجميع الأنبياء والصالحين ، ولقدروا على تحصيل الملك العظيم لأنفسهم ، وكل ذلك باطل.
ولأنّ الكفّار كانوا يعيّرونه بأنّه مسحور ، فلو وقعت هذه الواقعة لكان الكفّار صادقين في تلك الدعوى ، ولحصل فيهعليهالسلام ذلك العيب ، ومعلوم أنّ ذلك غير جائز ».
وقال الشيخ محمّد رشيد رضا في تفسير المنار 120 : « إنّ كتاب البخاري لا
ومرةً يروون أنّه سها في صلاته ، فلم يدرِ كم صلّى من ركعة(1) .
__________________
يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر ، قد يصدق عليه بعض ما عدوه من علامة الوضع كحديث سحر بعضهم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي أنكره بعض العلماء كالأمام الجصاص من المفسرين المتقدّمين ، والاستاذ محمّد عبده من المتأخّرين؛ لأنّه معارض بقوله تعالى :( إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً * انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الاَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً ) .
1 ـ صحيح البخاري : ( كتاب السهو ).
لا يخفى أنّ علماءنا اختلفوا في مسألة سهو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ثلاثة أقوال :
1 ـ ما ذهب إليه جمهور المتكلّمين من منع ذلك ، قال الشيخ المفيد في رسالة عدم سهو النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : 21 ـ بعد إثبات أنّ الأخبار المثبتة للسهو أخبار أحاد لا تثمر علماً ولا توجب عملا ـ : « وإذا كان الخبر بأنّ النبيصلىاللهعليهوآله سها من أخبار الآحاد التي من عمل عليها كان بالظنّ عاملا ، حرم الاعتقاد بصحته ولم يجز القطع به ووجب العدول عنه إلى ما يقتضيه اليقين من كمالهعليهالسلام وعصمته وحراسة اللّه تعالى له من الخطأ في عمله ، والتوفيق له فيما قال وعمل به من شريعته ».
وقال العلاّمة الحلّي في كشف المراد : 472 : « ويجب في النبي كمال العقل وأن لا يصحّ عليه السهو ، لئلاّ يسهو عن بعض ما أُمر بتبليغه ».
2 ـ ما ذهب إليه الشيخ الصدوق وبعض الاخباريين كنعمة اللّه الجزائري ويوسف البحراني من اثبات ذلك.
3 ـ القول بالتوقّف ، وهو قول العلاّمة المجلسي ، حيث قال في البحار 17 : 118 : « إعلم أن هذه المسألة في غاية الإشكال ، لدلالة كثير من الآيات والأخبار على صدور السهو عنهمعليهمالسلام وإطباق الأصحاب إلاّ
وأنّه نام واستغرق في نومه حتّى سمعوا غطيطه ، ثُم استيقظ فصلّى بدون وضوء(1) .
ويروون : أنّه يغضب ويسبّ ويلعنُ من لا يستحقّ ذلك ، فيقول : « اللّهم إنّما أنا بشرٌ ، فأيُّ المسلمين لعنته أو سببتُهُ فاجعله له زكاة ورحمة »(2) .
ويروون : أنّه كان مضطجعاً في بيت عائشة كاشفاً عن فخذيه ، ودخل عليه أبو بكر وتحدّث معه وهو على تلك الحال ، ثمّ دخل عمر وتحدّث معه وهو على تلك الحال ، ولمّا استأذن عثمان جلس وسوّى ثيابه ، ولمّا سألته عائشة عن ذلك ، قال لها : « ألا أستحي من رجُل تستحي منه الملائكة »(3) !!.
__________________
ما شذّ منهم على عدم جواز السهو عليهم ، مع دلالة بعض الآيات والأخبار عليه في الجملة ، وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأُصول المبرهنة عليه ، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطرار ، وقبول الآيات للتأويل ، واللّه يهدي إلى سواء السبيل » ، وذكر نحوه في 25 : 351 أيضاً.
1 ـ صحيح البخاري 1 : 169 ، كتاب الأذان ، باب 57 و 58.
2 ـ صحيح مسلم 8 : 25 ، كتاب البرّ والصلة ، باب 25 من لعنه النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أو سبّه.
3 ـ صحيح مسلم 7 : 117 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عثمان.
ويروون إنّه كان يصبح جُنباً في رمضان(1) فتفوته صلاة الفجر!! إلى غير ذلك من الأحاديث التى لا يقبلها عقل ، ولا دين ، ولا مروءة.
أمّا الشيعة ـ استناداً إلى أئمّة أهل البيت ـ فهم ينزّهون الأنبياء عن هذه الترّهات ، وخصوصاً نبيّنا محمّد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ، ويقولون بأنّه منزّه عن الذنوب والخطايا والمعاصي صغيرة كانت أم كبيرة ، وهو معصوم عن الخطأ والنسيان والسهو والسحر وكلّ ما يخالط العقل ، بل هو منزّهٌ حتى عمّا يتنافى مع المروءة والأخلاق الحميدة : كالأكل في الطريق أو الضحك بصوت عال أو المزاح بغير حقّ أو أيّ فعل يستهجنُ عمله عند العرف العام ، فضلاً عن أن يضع خده على خدّ زوجته أمام الناس ويتفرّج معها على رقص السودان(2) ، أو أن يُخرج زوجته في غزوة فيتسابق معها فيغلبها مرّة وتغلبه أُخرى ، فيقول لها : « هذه بتيك »(3) .
والشيعة يعتبرون الروايات التي رويتْ في هذا المعنى ، والتي تتناقض مع عصمة الأنبياء كلّها ، موضوعة من قبل الأمويين
__________________
1 ـ صحيح البخاري 2 : 234 ، كتاب الصوم ، باب 25 اغتسال الصائم ، وليس فيه : أنّ صلاته فاتته.
2 ـ صحيح البخاري 2 : 3 ، كتاب العيدين ، باب 2 الحراب والدرق يوم العيد.
3 ـ مسند أحمد بن حنبل 6 : 39.
وأنصارهم(1) :
أولاً : للحطّ من قيمة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
__________________
1 ـ وقد حاول عثمان الخميس في كتابه كشف الجاني : 148 البحث في مصادر الشيعة وجمع الروايات التي تنافي عصمة الأنبياءعليهمالسلام ومقامهم الإلهي الرفيع ، لكن ذهب بحثه أدراج الرياح ، إذ لم يحصل على روايات صحيحة يؤمن الشيعة بها وتطعن بالأنبياءعليهمالسلام ، وكلّ ما أتى به من روايات هي كما قال عنها المؤلّف « موضوعة من قبل الأمويين » النواصب أعداء أهل البيتعليهمالسلام ، أو هي ضعيفة جدّاً ، أو شاذة مخالفة للروايات الصحيحة الواردة بخلافها.
وسنذكر نموذجين للقارئ ليتضح له صحة كلام المؤلّف ، وعليه إن شاء مراجعة بقية الروايات :
الرواية الأُولى التي ذكرها في كتابه : 148 والتي نقلها عن عيون أخبار الرضا ، فقد قال الشيخ الصدوق بعدها : « وهذا الحديث غريب من طريق علي بن محمّد بن الجهم ، مع نصبه وبغضه وعدواته لأهل البيتعليهمالسلام » ، عيون أخبار الرضا 1 : 182.
والرواية الثانية التي نقلها عن تفسير القمّي وعن البحار ، فإنّ لفظ : « فنظر لها النبيصلىاللهعليهوآله فأعجبته » غير موجود في الرواية ، وإنّما أضافها عثمان الخميس من عنده ، مضافاً إلى أنّ صاحب البحار ينقل رواية عيون أخبار الرضاعليهالسلام المتقدّمة ، وهي التي رواها الناصبي علي بن محمّد بن الجهم.
وهكذا بقية الروايات التي أوردها ، تجدها إما مروية عن النواصب ، أو مكذوبة ، أو ضعيفة ، أو يضيف إليها عثمان الخميس من عنده كما فعل في رواية البحار وتفسير علي بن إبراهيم القمي.
وثانياً : لكي يلتمسوا عذراً لأعمالهم القبيحة وأخطائهم الشنيعة التي سجّلها لهم التاريخ.
فإذا كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخطئُ ويميلُ مع الهوى ، كما رووا ذلك في قصّة عشقه زينب بنت جحش لمّا رآها تمشط شعرها وهي زوجة لزيد بن حارثة ، فقال : « سبحان اللّه مُقلّب القلوب »(1) أو قصّة ميله إلى عائشة وعدم عدله مع بقية زوجاته ، حتّى بعثنَ له مرّة مع فاطمة ومرّة مع زينب بنت جحش ينشدنه العدل(2) .
فإذا كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على هذه الحالة ، فلا لوم بعد ذلك على معاوية بن أبي سفيان ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص ويزيد بن معاوية ، وكلّ الخلفاء الذين فعلوا الموبقات واستباحوا الحرمات وقتلوا الأبرياء.
والأئمة من أهل البيتعليهمالسلام الذين هم أئمه الشيعة يقولون بعصمتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويأوّلون الآيات القرآنية التي يُفهمُ ظاهرها أنّ اللّه سبحانه عاتب نبيّه مثل :( عَبَسَ وَتَوَلَّى ) (3) ، أو التي في بعضها إقرار الذنوب عليه كقوله :( لِـيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَـقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
__________________
1 ـ تفسير القرطبي 14 : 190.
2 ـ صحيح مسلم 7 : 135 ، باب فضائل عائشة ، من كتاب فضائل الصحابة.
3 ـ عبس : 1.
وَمَا تَأخَّرَ ) (1) ، أو قوله :( لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ ) (2) ، و( عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنتَ لَهُمْ ) (3) .
وكلّ هذه الآيات لا تخدش في عصمتهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فبعضها لم يكن هو المقصود بها ، وبعضها الآخر يحملُ على المجاز لا على ظواهر الألفاظ ، وهو كثير الاستعمال في لغة العرب ، وقد استعمله سبحانه في القرآن الكريم.
ومن أراد التفصيل والوقوف على حقيقة الأشياء فما عليه إلاّ الرجوع إلى كتب التفسير عند الشيعة ، أمثال : الميزان في تفسير القرآن للعلاّمة الطباطبائي ، وتفسير الكاشف لمحمّد جواد مغنية ، والاحتجاج للطبرسي ، وغيرهم؛ لأنّني رُمتُ الاختصار ، وإبراز عقيدة الفريقين بصفة عامّة ، وليس هذا الكتاب إلاّ لغرض بيان قناعتي الشخصية التي اقتنعتُ بها ، واختياري الشخصي لمذهب يقول بعصمة الأنبياء والأوصياء من بعدهم ويُريحُ فكري ، ويقطعُ عني طريق الشكّ والحيرة.
والقول بأنه معصوم فقط في تبليغ كلام اللّه قولٌ هُراءٌ لا حُجةَ فيه ؛
__________________
1 ـ الفتح : 2.
2 ـ التوبة : 117.
3 ـ التوبة : 43.
لأنّه ليس هناك دليلٌ على أنّ هذا القسم من كلامه هو من عند اللّه ، وذاك القسم هو من عند نفسه ، فيكون في الأوّل معصوماً ، ويكون في الثاني غير معصوم ويحتملُ فيه الخطأ.
أعوذ باللّه من هذا القول المتناقض الذي يبعثُ على الشكّ والطعن في قداسة الأديان.
وهذا يذكّرني بمحاورة دارت بيني وبين جماعة من الأصدقاء بعد استبصاري ، وكنتُ أحاول إقناعهم بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم معصوم ، وكانوا يحاولون إقناعي بأنّه معصوم فقط في تبليغ القرآن ، وكان من بينهم أستاذٌ من « توزد » منطقة الجريد(1) ، وهم مشهورون بالذكاء والعلم والنكتة الطريفة ..
ففكّر قليلاً ثم قال : ياجماعة ، أنا عندي رأي في هذه المسألة.
فقلنا جميعاً : تفضّل هات ما عندك.
قال : إنّ ما يقوله أخونا التيجاني على لسان الشيعة هو الحقّ الصحيح ، ويجبُ علينا الاعتقاد بعصمة الرسول المطلقة ، وإلاّ داخلنا الشكّ في القرآن نفسه.
قالوا : ولم ذلك؟
__________________
1 ـ منطقة الجريد بالجنوب التونسي تبعد عن قفصة 92 كم ، وهي مسقط رأس أبو القاسم الشابي الشاعر المعروف ، والخضر حسين الذي ترأس الأزهر الشريف ، والكثير من علماء تونس مولودون في هذه المنطقة ( المؤلّف ).
أجاب على الفور : هل وجدتُم أيّ سورة من سور القرآن تحتها إمضاء اللّه تعالى؟
ويقصد بالإمضاء : الختمُ الذي يختمُ به العقود والرسائل ، دلالة على هوية صاحبها وأنّها صادرة عنه.
وضحك الجميع لهذه النكتة الطريفة ، ولكنّها ذاتَ معنى عميق ، فأيّ إنسان غير متعصّب يتمعّن بعقله ستصدمه هذه الحقيقة ، ألا وهي : الاعتقاد بأنّ القرآن كلام اللّه ، وهو الاعتقاد بعصمة مُبلّغه المطلقة بدون تجزئة؛ لأنّه لا يمكن لأحد أن يدّعي بأنّه سمع اللّه يتكّلمُ ، ولا يدّعي أحدٌ بأنّه رأى جبرائيل عندما ينزل بالوحي.
والخلاصة : إنّ قول الشيعة في العصمة قولٌ سديد يطمئنّ إليه القلب ويقطع وساوس النفس والشيطان ، ويقطع الطريق على كلّ المشاغبين ، وخصوصاً أعداء الدين من اليهود والنصارى والملحدين الذين يبحثون عن ثغرات ينفذون منها لنسف معتقداتنا وديننا ، والطعن في نبيّنا ، فتراهم كثيراً ما يحتجّون علينا بما أورده صحيح البخاري ومسلم من أفعال وأقوال تنسبُ إلى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو منها بريءٌ(1) .
__________________
1 ـ أخرج البخاري في صحيحه 3 : 152 باب شهادة الأعمى ، من كتاب
وكيف لنا أن نقنعهم بأنّ كتاب البخاري وكتاب مسلم فيهما بعض الأكاذيب(1) .
وهذا الكلام خطير طبعاً؛ لأنّ أهل السنّة والجماعة لا يقبلونه ، فالبخاري عندهم أصحّ كتاب بعد كتاب اللّه!
__________________
الشهادات ) قال : « حدّثنا ابن عبيد ميمون أخبرنا عيسى عن عائشة قالت : سَمِعَ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم رجُلاً يقرأ في المسجد فقال : رحِمَهُ اللّه لقدْ أذكرني كذا وكذا أية أسقطتهنّ من سورة كذَا وكذَا ».
اقرأ واعجـب أيّها القاري من هذا الرسول الذي يسقط الآيات ، ولولا هذا الأعمى الذي ذكّره بهنّ لكنّ في خبر كان!! أستغفر اللّه من هذا الهذيان ( المؤلّف ).
1 ـ قال السيد محمد رشيد رضا في جواب سؤال حول صحيح البخاري ـ بعد ما نفى وجود الموضوعات فيه ـ قال : « ولكنّه لا يخلو من أحاديث قليلة في متونها نظر قد يصدق عليه بعض ما عدّوه من علامة الوضع » ، مجلة المنار 29 : 104 ، عنه في أضواء على السنّة المحمدية لأبي رية : 305.
أمّا بالنسبة إلى صحيح مسلم ، فقد قال الأستاذ أبو رية في أضواء على السنّة المحمدية : 309 : « وقد بلغت الأحاديث التي انتقدت على مسلم 132 ، وعدد من انتقدوهم من رجاله 110 » ، ثمّ ذكر اعتراض أبي زرعة الرازي على مسلم.
وتقدم كلام الشيخ محمّد عبده وكلام الجصّاص وهما ينكران حديث سحر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويطعنان فيه ، وأنّه موضوع كما قال الجصّاص؛ فهذا يدلّ على عدم إيمانهما بما في صحيح مسلم والبخاري ، وأنّ فيهما المكذوب على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
العقيدة في الإمامةعند الطرفين
والقصد من الإمامة في هذا البحث هي الإمامة الكبرى للمسلمين ، أعني الخلافة والحكم ، والقيادة والولاية.
وبما أنّ كتابي اعتمد في أبحاثه على المقارنة بين مذهب أهل السنّة والجماعة والشيعة الإمامية ، لابدّ لي من إبراز مبدأ الإمامة عند الفريقين ، حتّى يتبيّن للقارئ والباحث ما هي الأُسس والمعالم التي يرتكز عليها كلّ من الفريقين ، ويعرف بالتالي القناعات التي ألزمتني بقبول التحوّل وترك ماكنتُ عليه.
فالإمامة عند الشيعة : هي أصل من أُصول الدين ، لما لها من الأهمية الكبرى والخطورة العظمى ، وهي قيادة خير أمة أخرجت للناس ، وما تقوم عليه القيادة من فضائل عديدة وخصائص فريدة ، أذكر منها : العلم ، والشجاعة ، والحلم ، والنزاهة ، والعفّة ، والزهد ، والتقوى ، والصلاح الخ.
فالشيعة يعتقدون بأنّ الإمامة منصب إلهي يعهد به اللّه سبحانه إلى
من يصطفيه من عباده الصالحين؛ ليقوم بذلك الدور الخطير ، ألا وهو قيادة العالم بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وعلى هذا كان الإمام علي بن أبي طالب إماماً للمسلمين باختيار اللّه له ، وقد أوحى لرسوله لكي ينصّبه علماً للناس ، وقد نصّبه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ودلّ الأُمّة عليه وبعد حجّة الوداع في غدير خم ، فبايعوه ، هذا ما يقوله الشيعة.
أمّا أهل السنّة والجماعة فيقولون ـ أيضاً ـ بوجوب الإمامه لقيادة الأُمّة ، ولكنّهم يجعلون للأُمة حقّ اختيار إمامها وقائدها ، فكان أبو بكر بن أبي قحافه إماماً للمسلمين باختيار المسلمين أنفسهم له بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، الذي سكت عن أمر الخلافة ولم يبيّن للأُمّة شيئا منها ، وترك الأمر شورى بين الناس.
إذا تأمّل الباحث في أقوال الطرفين ، وتمعّن في حُجج الفريقين بدون تعصّب ، فسوف يقترب من الحقيقة بدون شكّ.
وها أنا سوف أستعرض وإياكم الحقيقة التي وصلت إليها على النحو التالي :
قال اللّه تعالى :( وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (1) .
في هذه الآية الكريمة يبيّن اللّه لنا بأنّ الإمامة منصبٌ إلهي يعطيه اللّه لمن يشاء من عباده لقوله :( جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَاماً ) ، كما توضّح الآية بأنّ الإمامة هي عهد من اللّه لا يناله إلاّ العباد الصالحين الذين اصطفاهم اللّه لهذا الغرض؛ لانتفائه عن الظالمين الذين لا يستحقّون عهده سبحانه وتعالى.
وقال تعالى :( وَجَعَلْنَاهُمْ أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنَا وَأوْحَيْنَا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإقَامَ الصَّلاةِ وَإيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَـنَا عَابِدِينَ ) (2) .
وقال سبحانه وتعالى :( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (3) .
وقال أيضاً :( وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ ) (4) .
وقد يتوهّم البعض بأنّ مدلول الآيات المذكورة يُفهم منها بأنّ
__________________
1 ـ البقرة : 124.
2 ـ الأنبياء : 73.
3 ـ السجدة : 24.
4 ـ القصص : 5.
الإمامة المقصودة هنا هي النبّوة والرسالة ، وهو خطأ في المفهوم العام للإمامة؛ لأنّ كلّ رسول هو نبي وإمام ، وليس كلّ إمام رسول أو نبي.
ولهذا الغرض أوضح اللّه سبحانه تعالى في كتابه العزير بأنّ عباده الصالحين يمكن لهم أن يسألوه هذا المنصب الشريف ليتشرّفوا بهداية الناس وينالوا بذلك الأجر العظيم ، قال تعالى :( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً * وَالَّذِينَ إذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّـنَا هَبْ لَـنَا مِنْ أزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أعْيُن وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً ) (1) .
كما أنّ القرآن الكريم استعمل لفظ الإمامة للتدليل على القادة والحكّام الظالمين الذين يُضلّون أتباعهم وشعوبهم ، ويقودونهم إلى الفساد والعذاب في الدنيا والآخرة ، فقد جاء في الذكر الحكيم حكاية عن فرعون وجنوده قوله تعالى :( فَأخَذْنَاهُ وَجُـنُودَهُ فَـنَبَذْنَاهُمْ فِي اليَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ لا يُـنصَرُونَ * وَأتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِنَ المَقْبُوحِينَ ) (2) .
__________________
1 ـ الفرقان : 72 ـ 74.
2 ـ القصص : 40 ـ 42.
وعلى هذا الأساس فقول الشيعة هو الأقرب لما أقرّه القرآن الكريم؛ لأنّ اللّه سبحانه وتعالى أوضح بما لا يدع مجالاً للشكّ بأنّ الإمامة منصب إلهي ويجعله اللّه حيث يشاء ، وهو عهد اللّه الذي نفاه عن الظالمين.
وبما أنّ غير علي من صحابة النبي قد أشركوا فترة ما قبل الإسلام ، فإنهم بذلك يصبحون من الظالمين ، فلا يستحقّون عهد اللّه لهم بالإمامة والخلافة.
ويبقى قول الشيعة بأنّ الإمام علي بن أبي طالب استحقّ وحده دون سائر الصحابة عهد اللّه بالإمامة؛ لأنّه لم يَعبُد إلاّ اللّه ، وكرّم اللّه وجهه دون الصحابة ، لأنّه لم يسجد لصنم.
وإذا قيل بأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
قلنا : نعم ، ولكن يبقى الفرق كبيراً بين من كان مشركاً وتاب ، ومن كان نقيّاً خالصاً لم يعرف إلاّ اللّه.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في الإمامة أقوالاً متعدّدة ، رواها كلّ من الشيعة والسنّة في كتبهم ومسانيدهم ، فمرّةً تحدّث عنها بلفظ الإمامة ، ومرّة بلفظ الخلافة ، وأُخرى بلفظ الولاية أو الإمارة.
جاء في الإمامة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « خيار أئمتكم الذين تحبّونهم
ويحبّونكم وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم ، وشرار أئمّتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم » ، قالوا : يا رسول اللّه أفلا ننابذهم بالسيف؟
فقال : « لا ما أقاموا فيكم الصلاة »(1) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنونّ بسنّتي ، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس »(2) .
وجاء في الخلافة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش »(3) .
وعن جابر بن سمرة قال : سمعتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة » ثمّ قال كلمة لم أفهمها ، فقلتُ لأبي : ما قال؟ فقال : « كلّهم من قريش »(4) .
وجاء في الإمارة قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون ،
__________________
1 ـ صحيح مسلم 6 : 24 ، كتاب الإمارة ، باب خيار الأئمة وشرارهم.
2 ـ صحيح مسلم 6 : 20 ، كتاب الامارة ، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن.
3 ـ صحيح مسلم 6 : 4 ، كتاب الامارة ، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
4 ـ المصدر نفسه.
فمن عرف بريء ، ومن أنكر سلم ، ولكن من رضي وتابع » ، قالوا : أفلا نقاتلهم قال : « لا ، ما صلّوا »(1) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم في لفظ الإمارة أيضاً : « يكون اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش »(2) .
وجاء عنهصلىاللهعليهوآلهوسلم محذّراً أصحابه : « ستحرصون على الإمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المرضعةُ وبئستِ الفاطمةُ »(3) .
وجاء الحديث أيضاً بلفظ الولاية :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ما من وال يَلي رعيّة من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلاّ حرّمَ اللّه عليه الجنّة »(4) .
كما حدّثصلىاللهعليهوآلهوسلم بلفظ الولاية : « لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً كلّهم من قريش »(5) .
وبعد هذا العرض الوجيز عن مفهوم الإمامة أو الخلافة التي
__________________
1 ـ صحيح مسلم 6 : 23 ، كتاب الإمارة ، باب وجوب الإنكار على الأُمراء.
2 ـ صحيح البخاري 8 : 127 ، كتاب الأحكام ، باب الاستخلاف.
3 ـ صحيح البخاري 8 : 107 ، كتاب الأحكام ، باب مايكره من الحرص على الإمارة.
4 ـ صحيح البخاري 8 : 107 ، كتاب الأحكام ، باب من استرعى رعية فلم ينصح.
5 ـ صحيح مسلم 6 : 3 ، كتاب الامارة ، باب الخلافة في قريش.
استعرضتها من القرآن الكريم ، ومن السنّة النبّوية الصحيحة بدون تفسير ولا تأويل ، بل اعتمدتُ على صحاح أهل السنّه دون غيرهم من الشيعة؛ لأنّ هذا الأمر ـ أعني الخلافة في اثني عشر كلهم من قريش ـ عندهم من المسلّمات التي لا غبار عليها ، ولا يختلف فيها اثنان منهم ، مع العلم بأنّ بعض علماء أهل السنّة والجماعة يصرّحون بأنّ الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلّهم من بني هاشم »(1) .
وعن الشعبي عن مسروق قال : « بينما نحن عند ابن مسعود نعرض مصاحفنا عليه ، إذ قال له فتى : هل عهد إليكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال : إنّك لحديث السنّ ، وإنّ هذا شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، نعم عهد إلينا نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم إنّه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل »(2) .
وبعد هذا فلنستعرض أقوال الفريقين على صحّة إدّعاء كلّ منهما من خلال النصوص الصريحة ، كما نناقش تأويل كلّ منهما في هذه المسألة الخطيرة التي فرّقت المسلمين من يوم وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى يومنا هذا ، وقد نشأ من ذلك اختلاف المسلمين إلى مذاهب
__________________
1 ـ ينابيع المودة 2 : 315 و 3 : 290.
2 ـ ينابيع المودة 3 : 290.
وفرق ومدارس كلامية وفكرية ، بعد أن كانوا أُمّة واحدة.
فكلّ خلاف وقع بين المسلمين ، سواء في الفقه أو في التفسير للقرآن أو في فهم السنّة النبوية الشريفة ، منشؤه وسببه الخلافة ، وما أدراك ما الخلافة ، التي أصبحت بعد السقيفة أمراً واقعاً يُستنكر بسببها أحاديث صحيحة وآيات صريحة ، وتُختَلقُ من أجل تثبيتها وتصحيحها أحاديث أُخرى لا أساس لها في السنّة النبوية الصحيحة.
وهذا يذكّرني بإسرائيل ، والأمر الواقع ذلك أنّ الرؤساء والملوك العرب اجتمعوا واتفقوا أن لا اعتراف بإسرائيل ولا تفاوض معها ولا سِلْم ، فما أُخِذَ بالقوّة لا يستردّ بغير القوة ، وبعد سنوات قليلة اجتمعوا من جديد ليقطعوا هذه المرّة علاقاتهم مع مصر التي اعترفت بالكيان الصهيوني ، وبعد سنوات قليلة أعادوا علاقاتهم مع مصر ولم يطعنوا بعلاقتها بإسرائيل ، مع أنّ إسرائيل لم تعترف بحقّ الشعب الفلسطيني ، ولم تغيّر شيئاً من موقفها ، بل زادت في تعنّتها وضاعفت قمعها للشعب الفلسطيني ، فالتاريخ يعيد نفسه ، وقد اعتاد العربُ التسليم بالأمر الواقع.
رأي أهل السنّة والجماعة
في الخلافة ومناقشته
رأيهم معروف ، وهو أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم توفّي ولم يُعين أحداً للخلافة ، ولكن أهل الحلّ والعقد من الصحابة اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ، وولّوا أمرهم أبا بكر الصدّيق ، لمكانته من رسول اللّه ، ولأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلفه في الصلاة أيام مرضه ، فقالوا : رضيهُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأمر ديننا ، فكيف لا نرضاه لأمر دنيانا؟
ويتلخّص قولهم في :
1 ـ الرسول لم ينصّ على أحد.
2 ـ لا تكون الخلافة إلاّ بالشورى.
3 ـ استخلاف أبي بكر وقع من طرف كبار الصحابة.
نعم ، هذا رأيي عندما كنت مالكياً ، أدافع عنه بكلّ ما أُوتيت من قوّة ، وأستدلّ عليه بآيات الشورى ، وأحاول جهدي التبجّح بأنّ الإسلام هو دين الديمقراطية في الحكم ، وأنّه السابقُ لهذا المبدأ الإنساني الذي تفخرُ به الدول المتحضّرة الراقية.
وأقول : إذا كان الغربُ ماعرف النظام الجمهوري إلاّ في القرن التاسع عشر ، فإنّ الإسلام عرفه وسبقهم إليه في القرن السادس.
ولكن ، وبعد لقائي بعلماء الشيعة وقراءة كتبهم ، والاطّلاع على أدلّتهم المقنعة التي هي موجودة في كتبنا ، غيّرتُ رأيي الأوّل ، لمّا أسفرت الحجّة عن وجهها؛ لأنّه لا يليق بجلال اللّه سبحانه أن يترك أُمّة بدون إمام ، وهو القائل :( إنّما أنتَ منذرٌ ولكلّ قوم هاد ) (1) .
كما لا يليق برحمة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يترك أُمّته بدون راع ، وبالخصوص إذا عرفنا أنّه كان يخشى على أُمته الفرقة(2) والانقلاب على الأعقاب(3) ، والتنافس على الدنيا(4) ، حتى يضرب بعضهم رقاب بعض(5) ، ويتبعوا سنن اليهود والنصارى(6) .
__________________
1 ـ الرعد : 7.
2 ـ سنن الترمذي 4 : 134 وسنن أبي داود 2 : 390 وسنن ابن ماجة 2 : 1321 ومسند أحمد بن حنبل 2 : 332 والمصنف لعبد الرزاق 10 : 156.
3 ـ صحيح البخاري 7 : 209 كتاب الرقاق ، باب الحوض.
4 ـ صحيح البخاري 7 : 209 كتاب الرقاق ، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها.
5 ـ صحيح البخاري 8 : 91 ، كتاب الفتن ، باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا ترجعوا بعدي كفّاراً.
6 ـ صحيح البخاري 8 : 151 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم.
وإذا كانت أُمّ المؤمنين عائشة بنت أبي بكر تبعث إلى عمر بن الخطاب حين طُعن فتقول له : « استخلف على أُمّة محمّد ولا تدعهم بعدك هملاً ، فإنّي أخشى عليهم الفتنة »(1) .
وإذا كان عبداللّه بن عمر يدخل على أبيه حين طُعن فيقول له : « إنّ الناس زعموا أنّك غير مُستخلف ، وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيتَ أن قد ضيّع ، فرعاية الناس أشدّ »(2) .
وإذا كان أبو بكر نفسه ـ وهو الذي استخلفه المسلمون بالشورى ـ يحطّم هذا المبدأ ويسارع إلى استخلاف عمر من بعده ليقطع بذلك دابر الخلاف والفرقة والفتنة ، وهو الأمر الذي تنبّأ به عليعليهالسلام حينما شدّد عليه عمر لمبايعة أبي بكر فقال له : « احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم يردده عليك غداً »(3) .
أقول : إذا كان أبو بكر لا يؤمن بالشورى ، فكيف نصدّق بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ترك الأمر بدون استخلاف؟! وهل أنّه لم يكن يعلم
__________________
1 ـ الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 42.
2 ـ صحيح مسلم 6 : 5 ، كتاب الإمارة ، باب الاستخلاف وتركه.
3 ـ الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 : 29 ، شرح النهج لابن أبي الحديد 6 : 11 نقلا عن كتاب السقيفة للجوهري.
ما عمله أبو بكر وعائشة وعبداللّه بن عمر ، وما يعلمه كل الناس بالبداهة ، من اختلاف الآراء وتشتت الأهواء عندما يوكل إليهم أمر الاختيار ، بالخصوص إذا كان الأمر يتعلّق بالرئاسة واعتلاء منصّة الخلافة؟!
كما وقع ذلك بالفعل حتّى في اختيار أبي بكر يوم السقيفة ، إذ إنّنا رأينا خلاف سيّد الأنصار سعد بن عبادة ، وابنه قيس بن سعد ، وعلي بن أبي طالب ، والزبير بن العوّام ، والعباس بن عبدالمطلب ، وسائر بني هاشم ، وبعض الصحابة الذين كانوا يرون الخلافة حقّاً لعليعليهالسلام ، وتخلّفوا في داره عن البيعة حتّى هُدِّدوا بالحرق(1) .
في مقابل ذلك نرى الشيعة الإمامية يثبتون عكس مقالة أهل السنّة ، ويؤكّدون بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله عيّنَ عليّاً للخلافة ، ونصّ عليه في عدّة مناسبات ، وأشهرها في غدير خم.
وإذا كان الإنصاف يقتضي منك أن تستمع إلى خصمك ليدلي برأيه وحجّته في قضية وقع الخلاف فيها معك ، فكيف إذا احتجّ خصمك بما تشهد أنتَ نفسك بوقوعه(2) ؟!
__________________
1 ـ تاريخ الخلفاء لابن قتيبة 1 : 29 وما بعدها.
2 ـ وذلك أنّه ليس هناك دليل عند الشيعة إلاّ وفي كتب السنّة مصداقه ( المؤلّف ).
وليس دليل الشيعة دليلاً واهياً أو ضعيفاً حتّى يمكن التغاضي عنه وتناسيه بسهولة ، وإنّما الأمر يتعلّق بآيات من الذكر الحكيم أُنزلت في هذا الشأن ، وأولاها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من العناية والأهمية ما سارت به الركبان ، وتناقله الخاصّ العامّ ، حتّى ملأتْ كتب التاريخ والأحاديث وسجّله الرواة جيلاً بعد جيل.
قال اللّه تعالى :( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ ) (1) .
أخرج الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير(2) بالإسناد إلى أبي ذرّ الغفاري قال : سمعتُ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بهاتين وإلاّ صمّتا ، ورأيته بهاتين وإلاّ عميتا ، يقول : « عليٌّ قائد البررة ، وقاتل الكفرة ، منصور من نصره ، مخذول من خذله ».
أما أنّي صلّيت مع رسول اللّه ذات يوم ، فسأل سائل في المسجد ،
__________________
1 ـ المائدة : 55 ـ 56.
2 ـ أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي المتوفي سنة 337 هـ ، ذكره ابن خلكان وقال : « كان أوحد زمانه في علم التفسير صحيح النقل موثوق به » ( المؤلّف ).
فلم يُعطه أحد شيئاً ، وكان علي راكعاً فأومأ بخنصره إليه وكان يتختّم بها ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره.
فتضرّع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى اللّه عزّ وجلّ يدعوه ، فقال : « اللّهم إنّ أخي موسى سألك :( قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ) فأوحيتَ إليه :( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) (1) اللّهم وإنّي عبدك ونبيّك ، فاشْرح لي صدري ، ويسّر لي أمري ، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً ، أشدد به ظهري ».
قال أبو ذر : فواللّه ما استتمّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الكلمة حتى هبط عليه الأمين جبرائيل بهذه الآيه :( إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ ) (2) .
ولا خلاف عند الشيعة في أنّها نزلت في علي بن أبي طالب ،
__________________
1 ـ طه : 25 ـ 36.
2 ـ المائدة : 55 ـ 56 ، وانظر : شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني 1 : 230 ، نظم درر السمطين للزرندي : 87.
رواية عن أئمه أهل البيتعليهمالسلام ، وهي من الأخبار المتسالم عليها عندهم ، فقد رُويتْ في العديد من كتب الشيعة المعتبرة عندهم ، مثل :
1 ـ بحار الأنوار للمجلسي [ 35 : 183 ].
2 ـ إثبات الهداة للحرّ العاملي [ 2 : 120 الباب العاشر ].
3 ـ تفسير الميزان للعلاّمة الطباطبائي [ 6 : 15 ].
4 ـ تفسير الكاشف لمحمّد جواد مغنية.
5 ـ الغدير للعلاّمة الأميني [ 2 : 91 ].
وغير هؤلاء كثير.
كما روى نزولها في علي بن أبي طالب من علماء السنّة والجماعة جمع غفير ، أذكر منهم فقط علماء التفسير :
1 ـ تفسير الكشّاف للزمخشري 1 : 649.
2 ـ تفسير الطبري 6 : 288.
3 ـ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 2 : 383.
4 ـ تفسير القرطبي 6 : 219.
5 ـ تفسير الفخر الرازي 12 : 26.
6 ـ تفسير ابن كثير 2 : 71.
7 ـ تفسير النسفي 1 : 289.
8 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1 : 161.
9 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 2 : 293.
10 ـ أسباب النزول للإمام الواحدي : 148.
11 ـ أحكام القرآن للجصّاص 4 : 102.
12 ـ التسهيل لعلوم التنزيل للكلبي 1 : 181.
وما لم أذكره من كتب السنّة أكثر مما ذكرت(1) .
__________________
1 ـ وقد ذكر صاحب كتاب منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية : 45 اعتراضاً على الاستدلال بهذه الآية على الولاية لعلي بن أبي طالبعليهالسلام كما اعترض غيره بما حاصله : إنّ التصدّق في أثناء الصلاة ينافي التوجّه والانقطاع إلى اللّه سبحانه وتعالى ، فالروايات الواردة في نزول الآية في حقّ علي بن أبي طالب تقدح في خشوعه في الصلاة فضلا عن أن تعدّ من مناقبه ويستدلّ بها على إمامته؟!
وفي الجواب على ذلك نورد كلام العلاّمة الآلوسي في روح المعاني 6 : 336 ، حيث أورد هذا الاعتراض ودفعه فقال : « قيل لابن الجوزي رحمه اللّه تعالى : كيف تصدّق عليّ كرّم اللّه تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة ، والظنّ فيه بل العلم الجازم أنّ له كرّم اللّه تعالى وجهه شغلا شاغلا فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلّق بها ، وقد حكي ممّا يؤيّد ذلك كثيراً؟!
فأنشأ يقول :
يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته |
عن النديم ولا يلهو عن الناس |
|
أطاعه سكره حتى تمكّن من |
فعل الصحاة فهذا أوحد الناس » |
فعليّ عليهالسلام انتقل عن طاعة العبادة إلى طاعة الصدقة ، فهو مع اللّه
قال تعالى :( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) .
يقول بعض المفسّرين من أهل السنّة والجماعة بأنّ هذه الآية نزلت في بداية الدعوة عندما كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقيم حرساً يحرسونه خوفاً من القتل والاغتيال ، فلما نزلتْ :( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) قال : « إذهبوا فإنّ اللّه قد عصمني ».
__________________
في كلا الحالتين ، ولم ينشغل عنه طرفة عين حتى يكون ذلك منافياً للخشوع والخضوع المطلق في الصلاة ، ولأجل ذلك أنزل اللّه سبحانه وتعالى في حقّه قرآناً يتلوه المسلمون على مدى الأجيال المتمادية.
وهذا النبيصلىاللهعليهوآله مع أنّه أرقى حالا من عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، نجده يفعل بعض الأفعال في الصلاة ، فقد روى مسلم في صحيحه 2 : 44 عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : « إنّي لأدخل في الصلاة أُريد إطالتها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأخفف من شدّة وجد أُمه به » ، وعن أبي قتادة : « إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يصلّي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول اللّه فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها » ، صحيح البخاري 1 : 131.
فهذه الأفعال كان يقوم بها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الصلاة ، ولا تؤثّر على توجّهه وانقطاعه إلى اللّه سبحانه وتعالى ، وكذا ما قام به الإمام علي عليهالسلام لا يضرّ في خشوعه وخضوعه التامّ إلى اللّه تعالى بعدما كان فعله صدقة يراد بها وجه اللّه عزّ وجلّ.
1 ـ المائدة : 67.
فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن عبداللّه بن شفيق قال : »إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يتعقّبه ناس من أصحابه ، فلمّا نزلت :( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ، فخرج فقال : « يا أيها الناس إلحقوا بملاحقتكم ، فإنّ اللّه قد عصمني من الناس »(1) .
وأخرج ابن حبّان وابن مردويه عن أبي هريرة قال : كنّا إذا صحبنا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في سفر تركنا له أعظم دوحة وأظلها فينزل تحتها ، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلّق سيفه فيها ، فجاء رجل فأخذه فقال : يامحمّد من يمنعك مني؟ فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اللّه يمنعني منك ، ضع عنك السيف » ، فوضعه ، فنزلت :( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (2) .
كما أخرج الترمذي والحاكم وأبو نعيم عن عائشة قالت : كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يُحرسُ ، حتّى نزلتْ( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) ، فأخرج رأسه من القبّة فقال : « أيها الناس ، انصرفوا فقد عصمني اللّه »(3) .
__________________
1 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 : 530 ( ذيل الآية ).
2 ـ المصدر نفسه.
3 ـ البداية والنهاية 8 : 73 حوادث سنة 59 ، تاريخ الإسلام للذهبي 4 : 349 ، الطبقات الكبرى 1 : 78 ، سير أعلام النبلاء 2 : 463 ، الإصابة 3 : 287 ، فتح الباري 6 : 31 و 7 : 391.
وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الدلائل وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عبّاس قال : كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يُحرسُ ، وكان يرسل معه عمّه أبو طالب كلّ يوم رجلاً من بني هاشم يَحرسونه ، فقال : « يا عّمْ ، إنّ اللّه قد عصمني ، لا حاجة لي إلى من تبعث »(1) .
ونحن إذا تأمّلنا في هذه الأحاديث وهذه التأويلات ، وجدناها لا تستقيم ومفهوم الآية الكريمة ولا حتى مع سياقها ، فكلّ هذه الروايات تُفيد بأنّها نزلتْ في بداية الدعوة ، حتى إنّ البعض يصرّح بأنّها في حياة أبي طالب ، يعني قبل الهجرة بسنوات كثيرة ، وبالخصوص رواية أبي هريرة التي يقول فيها : « كنّا إذا صحبنا رسول اللّه في سفر تركنا له أعظم دوحة الخ ».
فهذه الرواية ظاهرة الوضع ، لأنّ أبا هريرة لم يعرف الإسلام ولا رسول اللّه إلاّ في السنة السابعة للهجرة النبوية ، كما يشهد هو نفسه بذلك(2) ، فكيف يستقيم هذا ، وكلّ المفسّرين سنّة وشيعة أجمعوا على أنّ سورة المائدة مدنية ، وهي آخر ما نزل من القرآن؟!
فقد أخرج أحمد ، وأبو عبيد في فضائله ، والنحاس في ناسخه ، والنسائي ، وابن المنذر ، والحاكم ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه
__________________
1 ـ الدر المنثور للسيوطي 2 : 446 ، سورة المائدة.
2 ـ المصدر نفسه.
عن جُبير بن نفير قال : حججتُ فدخلتُ على عائشة ، فقالت لي : ياجبير تقرأ المائدة؟ فقلتُ : نعم ، فقالت : أما إنّها آخر سورة نزلت ، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه ، وما وجدتم من حرام فحرّموه(1) .
كما أخرج أحمد ، والترمذي وحسّنه ، والحَاكمْ وصَححّه ، وابن مردويه ، والبيهقي في سننه عن عبداللّه بن عمرو قال : آخر سورة نزلت سورة المائدة(2) .
وأخرج أبو عبيد عن محمّد بن كعب القرطني قال : نزلت سورة المائدة على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في حجّة الوداع ، فيما بين مكة والمدينة وهو على ناقته ، فانصدعت كتفها ، فنزل عنها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (3) .
وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس قال : نزلت سورة المائدة على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المسير في حجّة الوداع وهو راكب راحلته ، فبركت به راحلته من ثقلها(4) .
__________________
1 ـ المصدر نفسه.
2 ـ المصدر نفسه.
3 ـ المصدر نفسه.
4 ـ المصدر نفسه.
وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قالا : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المائدة من آخر القرآن تنزيلاً ، فأحلّوا حلالها ، وحرّموا حرامها »(1) .
فكيف يقبل العاقل المنصف بعد كلّ هذا ادّعاء من قال بنزولها في أوّل البعثة النبّوية ، وذلك لصرفها عن معناها الحقيقي؟!
أضف إلى ذلك أنّ الشيعة لا يختلفون في أنّ سورة المائدة هي آخر القرآن نزولاً ، وأنّ هذه الآية بالذات :( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) ـ والتي تسمّى آية البلاغ ـ نزلت على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة عقيب حجة الوداع في غدير خمّ ، قبل تنصيب الإمام علي عَلماً للناسِ ليكونَ خليفته من بعده ، وذلك يوم الخميس.
وقد نزل بها جبرائيلعليهالسلام بعد مضيّ خمس ساعات من النهار فقال : يا محمّد ، إنّ اللّه يقرئك السلام ويقول :( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .
على أنّ قوله سبحانه وتعالى :( وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) يدلّ دلالة واضحة بأنّ الرسالة انتهت أو هي على وشك النهاية ، وإن
__________________
1 ـ المصدر نفسه.
بقي فقط أمرٌ مهمّ لا يكتمل الدينُ إلاّ به.
كما تُشعر الآية الكريمة بأنّ الرسول كان يخشى تكذيب الناس له إذا ما دعاهم بهذا الأمر الخطير ، ولكنّ اللّه سبحانه لم يُمهله للتأجيل ، فالأجل قد قَرُبَ ، وهذه الفرصة هي أحسن الفرص ، وموقفها هو أعظم المواقف ، إذ اجتمع معهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من مائة ألف رافقوه في حجّة الوداع ، وما زالت قلوبهم عامرة بشعائر اللّه ، مستحضرة نعي الرسول نفسه إليهم.
وقوله لهم : « لعلّي لا ألقاكم بعد عامكم هذا ، ويوشك أن يأتي رسول ربّي وأُدعى فأجيب » ، وهم سيفترقون بعد هذا الموقف الرهيب للعودة إلى ديارهم ، ولعلّهم لا تُتاحُ لهم فرصة اللّقاء مرّة أُخرى بهذا العدد الكبير ، وغدير خمّ هو مفترق الطرقات ، فلا يمكن لمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يُفوّتَ هذه الفرصة بأيّ حال من الأحوال.
كيف ، وقد جاءه الوحي بما يشبه التهديد على أنّ كلّ الرسالة منوطة بهذا البلاغ ، واللّه سبحانه قد ضمن له العصمة من الناس ، فلا داعي للخوف من تكذيبهم ، فكم كُذِبتْ رسُلٌ من قبله ، ولكن لم يُثنهم ذلك عن تبليغ ما أُمروا به ، فما على الرسول إلاّ البلاغ ، ولو علم اللّه مُسبقاً بأنّ أكثرهم( لِلْحَقِّ كارِهُونَ ) (1) ، ولو علم بأنّ منهم
__________________
1 ـ الزخرف : 78.
( مُكَذِّبِينَ ) (1) ، ما كان سبحانه ليتركهم بدون إقامة الحجّة عليهم ،( لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ) (2) .
على أنّ لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أُسوة حسنة بمن سبقه من إخوانه الرسل الذين كذّبتهم أممهم ، قال تعالى :( وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوط * وَأصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ ) (3) .
ونحن إذا تركنا التعصّب المقيت وحبّ الانتصار للمذهب ، لوجدنا أنّ هذا الشرح هو المناسب لعقولنا ، ويتماشى مع سياق الآية والأحداث التي سبقتها وأعقبتها.
وقد أخرج كثير من علمائنا نزولها في غدير خمّ في شأن تنصيب الإمام علي ، وصحّحوا تلك الروايات ، ووافقوا بذلك إخوانهم من علماء الشيعة ، وأذكر على سبيل المثال من علماء السنّة :
1 ـ الحافظ أبو نعيم في كتاب نزول القرآن.
2 ـ الإمام الواحدي في كتاب أسباب النزول : 150.
__________________
1 ـ الحاقة : 49.
2 ـ النساء : 165.
3 ـ الحج : 42 ـ 44.
3 ـ الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره الكبير 4 : 92.
4 ـ الحاكم الحسكاني في كتابه شواهد التنزيل لقواعد التفضيل 1 : 187.
5 ـ جلال الدين السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور : 3 : 117.
6 ـ الفخر الرازي في تفسيره الكبير 12 : 50.
7 ـ محمد رشيد رضا في تفسير المنار 2 : 86 و 6 : 463.
8 ـ تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي 2 : 86.
9 ـ فتح القدير للشوكاني 2 : 60.
10 ـ مطالب السؤول لابن طلحه الشافعي 1 : 44.
11 ـ الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي : 25.
12 ـ ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي : 120.
13 ـ الملل والنحل للشهرستاني 1 : 163.
14 ـ ابن جرير الطبري في كتاب الولاية.
15 ـ ابن سعيد السجستاني في كتاب الولاية.
16 ـ عمدة القاري في شرح البخاري لبدر الدين الحنفي 8 : 584.
17 ـ تفسير القرآن لعبد الوهاب البخاري.
18 ـ روح المعاني للآلوسي 2 : 384.
19 ـ فرائد السمطين للحمويني 1 : 185.
20 ـ فتح البيان في مقاصد القرآن للعلاّمة سيد صديق حسن خان 3 : 63.
فهذا نزرٌ يسيرٌ ممّن يحضرني ، وهناك أضعاف هؤلاء من علماء أهل السنّة ذكرهم العلاّمة الأميني في كتاب الغدير.
فماذا ياتُرى فعل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عندما أمره ربّه بإبلاغ ما أنزل إليه؟
يقول الشيعة : بأنّه جمع الناس على صعيد واحد في ذلك المكان وهو غدير خمّ ، وخطبهم خطبة بليغة طويلة ، وأشهدهم على أنفسهم ، فشهدوا بأنهصلىاللهعليهوآلهوسلم أولى بهم من أنفسهم ، وعند ذلك رفع يد علي بن أبي طالب وقال : « من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار »(1) .
__________________
1 ـ وهو مايسمّى بحديث الغدير ، وقد أخرجه علماء الشيعة وعلماء السنّة على حد سواء ( المؤلّف ).
وبهذا اللفظ تجده في : الملل والنحل للشهرستاني 1 : 163 ، والسيرة الحلبية 3 : 384 ، والصواعق المحرقة 1 : 106 ، وفي مستدرك إحقاق الحقّ 6 : 292
ثمَّ ألبسه عمامته ، وعقد له موكباً ، وأمر أصحابه بتهنئته بإمرة المؤمنين ، ففعلوا ، وفي مقدّمتهم أبو بكر وعمر يقولان : « بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة »(1) .
__________________
عن إسعاف الراغبين والعقد الفريد.
وقد ذكر الشيخ ناصر الدين الألباني حديث « من كنت مولاه » ، وأثبت صحته ، بل أثبت أنّ قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من كنت مولا فهذا علي مولاه » متواتر ، وردّ على ابن تيمية في تضعيفه للحديث ، راجع الصحيحة 4 : 330 ح 1750.
1 ـ راجع لكلامهما في التهنئة لعليّ بالولاية : المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 503 ح 55 ، المناقب للخوارزمي : 156 ح 183 ، مسند أحمد 4 : 281 ، تاريخ بغداد 8 : 284 ، تاريخ دمشق 42 : 221 ، سير أعلام النبلاء 19 : 328 ، فيض القدير للمناوي 6 : 282 ، تفسير الفخر الرازي 4 : 401.
ثمّ إنّه لا يقال إنّ سبب واقعة الغدير حدوث نزاع بين أحد الصحابة وبين علي بن أبي طالب ، فأراد النبيصلىاللهعليهوآله إيقاف النزاع فتكلّم بذلك الكلام.
وذلك لأمور :
أولا : إنّ الآية القرآنية تنصّ على أنّ النبيصلىاللهعليهوآله إن لم يبلّغ الناس بهذا الأمر فهو لم يبلّغ شيئاً من الرسالة الإسلامية ، ويكون خلال السنين السالفة كأنّما لم يفعل شيئاً ، ولم يبلّغ عن اللّه سبحانه وتعالى ، فالآية تنصّ على أنّ هذا الأمر المأمور بتبليغه من صلب الدين وأنّ رسالة السماء مرتبطة به ، فكيف بعد هذا يكون الأمر بالتبليغ لأجل قضية شخصية ، مع أنّ القضايا الشخصية لا مدخلية لرسالة السماء فيها ، وأيّ ربط بين رسالة عالمية خالدة بقضية شخصية حدثت أمام مجموعة من المسلمين؟!
وبعدما فرغوا أنزل اللّه عليه :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) .
هذا مايقوله الشيعة ، وهو عندهم من المسلّمات ، ولا يختلف فيه عندهم اثنان.
فهل لهذه الحادثة ذكرٌ عند أهل السنّة والجماعة؟
وحتى لا ننحاز إليهم ويُعحبنا قولهم ، فقد حذّرنا اللّه سبحانه بقوله :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ
__________________
ثانياً : لو سلّمنا ذلك ، فلا داعي لإيقاف هذا الجمع الغفير من الحجّاج في ذلك الحرّ الشديد لأجل قضية شخصية جرت بين بعض الصحابة وعلي بن أبي طالب ، إذ كان بإمكانهصلىاللهعليهوآلهوسلم حلّ المسألة أمام من شهدها ، بلا حاجة لإيقاف عموم المسلمين القافلين من الحجّ.
ثالثاً : القضيّة الشخصية التي وقعت للإمام علي مع بعض الصحابة كانت في اليمن ، حيث حصل خلاف حول جارية في السبي أو حول إبل الصدقة ، وأُولئك النفر لم يشهدوا الحجّ حتى يوقف النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هذا الجمع الغفير للمصالحة بينهم.
والخلاصة : إن جميع الأدلّة والقرائن تدلّ دلالة صريحة لا غبار عليها على أنّ قضية غدير خم قضية إلهية مرتبطة بروح الدين الإسلامي وأُسسه ، وأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أراد من ذلك الموقف العظيم تبليغ أمر سماوي إلهي وهو الولاية لعلي بن أبي طالب عليهالسلام وخلافته بعد رحيله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما يثار خلاف ذلك ما هو إلاّ تخرصات وأراجيف للدفاع عن الباطل المهزول.
عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الخِصَامِ ) (1) .
فالواجب أن نحتاط ونبحث هذا الموضوع بكلّ حذر ، وننظرُ في أدلّة الفريقين بكلّ نزاهة ، مبتغين في ذلك رضاه سبحانه.
والجواب : نعم ، إنّ كثيراً من علماء أهل السنّة يذكرون هذه الحادثة بكلّ أدوارها ، وها هي بعض الشواهد من كتبهم :
1 ـ أخرج الإمام أحمد بن حنبل من حديث زيد بن أرقم قال : نزلنا مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بواد يقال له وادي خم ، فأمر بالصلاة فصلاّها بهجير ، قال : فخطبنا ، وظلّل لرسول اللّه بثوب على شجرة سمرة من الشمس فقال : « ألستم تعلمون ، أو ألستم تشهدون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟ » قالوا : بلى ، قال : « فمن كنتُ مولاه فعليّ مولاه ، اللَّهم وال من والاه وعاد من عاداه »(2) .
2 ـ أخرج الإمام النسائي في كتاب الخصائص عن زيد بن أرقم قال : لمّا رجع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من حجّة الوداع ، ونزل غدير خم ، أمر بدوحات فقممن ، ثمّ قال : « كأنّي دُعيت فأجبتُ ، وإنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ،
__________________
1 ـ البقرة : 204.
2 ـ مسند أحمد بن حنبل 4 : 372 ، وصرّح محقّق الكتاب بصحة الحديث ، والمصنّف لابن أبي شيبة 7 : 503 ح 55 ، وسنن النسائي 5 : 131 ح 8469.
فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض » ، ثم قال : « إنّ اللّه مولاي وأنا وليّ كلّ مؤمن » ، ثم إنّه أخذ بيد عليّ فقال : « من كنتُ وليّه فهذا وليّه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ». قال أبو الطفيل : فقلتُ لزيد : سمعته من رسول اللّه؟ فقال : وإنّه ماكان في الدوحات أحد إلاّ رآه بعينيه ، وسمعه بأذنيه(1) .
3 ـ أخرج الحاكم النيسابوري عن زيد بن أرقم من طريقين صحيحين على شرط الشيخين قال : لمّا رجع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من حجّة الوداع ونزل غدير خمّ ، أمر بدوحات فقممن فقال : « كأنّي دعيتُ فأجْبتُ ، وإنّي تركتُ فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه تعالى وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لم يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض » ، ثم قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن » ، ثمّ أخذ بيد علي فقال : « من كنتُ مولاه فهذا وليّه ، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه »(2) .
__________________
1 ـ خصائص النسائي : 93 ، ورواه أيضاً في سننه 5 : 130 ح 8464.
2 ـ مستدرك الصحيحين 3 : 109 ، وقال « صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه بطوله » ، وسكت عنه الذهبي ، وانظر : السنن الكبرى للنسائي 5 : 45 ح 8148 ، والبداية والنهاية 5 : 228 وقال : « تفرّد به النسائي من هذا الوجه ، وقال شيخنا أبو عبد اللّه الذهبي » : « وهذا حديث صحيح ».
4 ـ كما أخرج هذا الحديث مسلم في صحيحه يُسْنده إلى زيد بن أرقم ولكنّه اختصره فقال : قام رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً فينا خطيباً بماء يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ووعظ وذكّر ، ثمّ قال : « أمّا بعد ، ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأُجيبُ ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أوّلهما كتاب اللّه فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به » ، فحثّ على كتاب اللّه ورغّب فيه ، ثمّ قال : وأهل بيتي ، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي ، أُذكّركم اللّه في أهل بيتي ، أُذكركم اللّه في أهل بيتي »(1) .
تعليق : بالرغم من أنّ الإمام مسلم اختصر الحادثة ولم يروها بكاملها ، إلاّ أنّها بحمد اللّه كافية وشافية ، ولعلّ الاختصار كان من زيد بن أرقم نفسه لمّا اضطرّته الظروف السياسية إلى كتمان حديث الغدير ، وهذا نفهمه من سياق الحديث إذ يقول الراوي :
انطلقتُ أنا وحُصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلمّا جلسنا إليه قال له حُصين : لقد لقيتَ يازيد خيراً كثيراً ، رأيتَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسمعتَ حديثه ، وغزوتَ معه ، وصلّيتَ خلفه ، لقد لقيتَ يازيدُ خيراً كثيراً ، حدّثنا يازيد ماسمعت من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
__________________
1 ـ صحيح مسلم 7 : 123 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل علي بن أبي طالب ، مسند أحمد 4 : 367 ، السنن الكبرى للنسائي 10 : 114.
قال : يا بن أخي واللّه لقد كبرتْ سنّي ، وقدُمَ عهدي ، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعِي من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما حدّثتكم فاقبلوا ، وما لا فلا تكلّفونيه.
ثمّ قال : قام رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمَّا ....
فيبدو من سياق الحديث أنّ حُصيناً سأل زيد بن أرقم عن حادثة الغدير ، وأحرجه أمام الحاضرين بهذا السؤال ، وكان بدون شكّ يعلم بأنّ الجواب صريح على ذلك يسبّب له مشاكل مع الحكومة التي كانت تحمِلُ الناس على لعن علي بن أبي طالب ، ولهذا نجده يعتذر للسائل بأنّه كبُرتْ سنّه ، وقدُم عهده ، ونسي بعض الذي كان يَعِي ، ثم يُضيف طالباً من الحاضرين بأن يقبلوا مايحدّثهم به ، ولا يكلّفوه ما يريد السكوت عنه.
ومع خوفه ، ومع اختصاره للحادثه واقتضابها ، فقد أوضح زيد بن أرقم ـ جزاه اللّه خيراً ـ كثيراً من الحقائق ، وألمحَ لحديث الغدير بدون ذكره ، وذلك قوله : »قام فينا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطيباً بماء يدعى خُمًّا بين مكة والمدينة « ، ثمّ بعد ذلك ذكر فضل علي ، وأنّه شريك القرآن في حديث الثقلين »كتاب اللّه وأهل بيتي « بدون أن يذكر اسم علي ، وترك للحاضرين أن يستنتجوا ذلك بذكائهم؛ لأنّ كلّ المسلمين يعرفون أنّ علياً هو سيّد أهل بيت النبوة.
ولذلك نرى حتّى الإمام مسلم نفسه فهم من الحديث مافهمناه
وعرف ماعرفناه ، فتراه يخرج هذا الحديث في فضائل علي بن أبي طالب ، رغم أنّ الحديث ليس فيه ذكر لاسم علي بن أبي طالب.
5 ـ أخرج الطبراني في المعجم الكبير بسند صحيح عن زيد بن أرقم وعن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : خطب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بغدير خمّ تحت شجرات فقال : « أيها الناس يوشك أن أُدعى فأُجيب ، وإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون؟ » قالوا : نشهد أنك قد بلّغتَ وجاهدتَ ونصحتَ ، فجزاك اللّه خيراً ، فقال : « أليس تشهدون أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، وأنّ جنّته حقّ ، وأنّ ناره حقّ ، وأنّ الموت حقّ ، وأنّ البعث حقّ بعد الموت ، وأنّ الساعة آتية لاريب فيها ، وأنّ اللّه يبعثُ من في القبور؟ » قالوا : بلى نشهد بذلك ، فقال « اللَّهم اشهد ».
ثمّ قال : « يا أيّها الناس إنّ اللّه مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنتُ مولاه فهذا مولاه ـ يعني علياً ـ اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ».
ثمّ قال : « يا أيها الناس إنّي فرطكم ، وإنّكم واردون عليَّ الحوض ، حوض أعرض ما بين بصرى إلى صنعاء ، فيه عدد النجوم قدحان من فضّة ، وإنّي سائلكم حين تردون عليَّ عن الثقلين ، كيف تخلّفوني فيهما ، الثقل الأكبر كتاب اللّه عزّ وجلّ سبب طرفه بيد اللّه تعالى وطرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به لا تضلّوا ولا تبدّلوا ، وعترتي
أهل بيتي ، فإنه نبّأني اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتى يردا عليَّ الحوض »(1) .
__________________
1 ـ المعجم الكبير للطبراني 3 : 180 ح 3052 ، وعنه الصواعق المحرقة 1 : 108 الشبهة الحادية عشر ، ونصّ على صحة سنده وقال : « ولفظه عند الطبراني وغيره بسند صحيح أنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خطب بغدير خم » ، وأيضاً في مجمع الزوائد 9 : 165 وقال : « وفيه زيد بن الحسن الأنماطي قال أبو حاتم : منكر الحديث ، ووثقه ابن حبان » ، وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات.
وما ذكره في كشف الجاني : 154 من أنّ الحديث ضعيف جدّاً ، ناشئٌ من التعصّب والافتراء ، وذلك : لأنّ زيد بن الحسن الأنماطي لم يضعفه إلاّ أبو حاتم ، ووثّقه ابن حبّان ، وأبو حاتم من المعروفين بالتشدّد في الرجال كما ذكر ذلك الذهبي في كتابه الموقظة : ص 120 ، وأمّا الذهبي فقد ذكره في ميزان الاعتدال 2 / 101 واقتصر على نقل توثيق ابن حبان وتضعيف أبي حاتم ، نعم في كتاب من له رواية في كتب الستة 1 / 416 ذكر ضعفه ، ولم يحكم بأنّه منكر الحديث كما قال عثمان الخميس.
وبعد الرجوع إلى موازين الذهبي الرجالية نجد أنّ هذا التضعيف ناشئ من تعصّبه وتحامله على فضائل أهل البيتعليهمالسلام ، وذلك واضح لمن يرجع إلى كتاب تلخيص فضائل علي بن أبي طالب في المستدرك ليرى بأُمّ عينيه ، حتى اضطره التعصب إلى استحداث قواعد رجالية جديدة ، فقد مرّ على رواية رواتها ثقات لا يستطيع الطعن بهم ، فطعن بالرواية من خلال ضابطة رجالية جديدة ، فقال : « كذب يشهد القلب بوضعه » ، فصار القلب من الموازين التي يرجع إليها في وضع الحديث وعدمه!!
6 ـ كما أخرج الإمام أحمد من طريق البرّاء بن عازب من طريقين ، قال : كنّا مع رسول اللّه ، فنزلنا بغدير خم ، فنودي فينا الصلاة جامعة ، وكسح لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم تحت شجرتين ، فصلّى الظهر وأخذ بيد عليّ ، فقال : « ألستم تعلمون إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ » قالوا : بلى ، قال : « ألستم تعلمون أنّي أولى بكلّ مؤمن من نفسه؟ » قالوا : بلى ، قال : فأخذ بيد عليّ فقال : « من كنتُ مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه » ، قال : فلقيَهُ عمر بعد ذلك ، فقال له : هنيئاً يابن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة(1) .
__________________
وأمّا ابن حجر العسقلاني فأيضاً في تهذيب التهذيب 3 : 350 اقتصر على نقل تضعيف أبي حاتم وتوثيق ابن حبّان ولم يضف عليها شيئاً.
نعم ، في تقريب التهذيب 1 : 327 حكم بضعفه ، إلاّ أنّ هذا التضعيف لا يمكن الأخذ به ، لنفس الكلام المتقدّم حول تضعيف الذهبي ، ولشيء آخر وهو : إنّ ابن حجر يعتمد على الذهبي كثيراً في المسائل الرجالية ، وعليه فالحديث صحيح لاغبار عليه ولا يمكن الطعن فيه ، مهما حاول أعداء أهل البيت ذلك.
وحديث الغدير من الأحاديث الثابتة التي لا يطعن فيها ، بل هو متواتر قال العلاّمة أحمد شاكر محقّق مسند أحمد 1 : 56 : « وأمّا متن الحديث [ أي حديث الغدير ] فإنّه صحيح ، ورد عن طرق كثيرة ، ذكر المناوي في شرح الجامع الصغير في الحديث 900 عن السيوطي أنّه قال : حديث متواتر ».
1 ـ مسند أحمد 4 : 281 ، وصرّح محقق الكتاب بصحة الحديث ، وانظر المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 503 ح 55.
وباختصار ، فقد روى حديث الغدير من أعلام أهل السنّة زيادة عمّن ذكرنا : الترمذي ، وابن ماجة ، وابن عساكر ، وأبو نعيم ، وابن الأثير ، والخوارزمي ، والسيوطي ، وابن حجر ، والهيثمي ، وابن الصباغ المالكي ، والقندوزي الحنفي ، وابن المغازلي ، وابن كثير ، والحمويني ، والحسكاني ، والغزالي ، والبخاري في تاريخه.
على أنّ العلاّمة الأميني صاحب كتاب الغدير ذكر من علماء أهل السنّه والجماعة الذين رووا حديث الغدير وأخرجوه في كتبهم على اختلاف طبقاتهم ومذاهبهم في القرن الأوّل للهجرة وحتى القرن الرابع عشر ، فكان عددهم يزيد عن ثلاثمائة وستّين عالماً ، ولمن أراد التحقيق فعليه بمراجعة كتاب الغدير(1) .
أفيمكن بعد كلّ هذا أن يقول قائل بأنّ حديث الغدير هو من مختلقات الشيعة.
والعجب الغريب أنّ أغلب المسلمين عندما تذكر له حديث الغدير لا يعرفه ، أو قل لمْ يسمع به! والأعجب من هذا كيف يدّعي علماء أهل السنّة بعد هذا الحديث المجمع على صحّته بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يستخلف وترك الأمر شورى بين المسلمين؟!
__________________
1 ـ كتاب الغدير للعلاّمة الأميني في أحد عشر مجلداً ، وهو كتاب قيّم جمع فيه صاحبه كلّ ما يتعلّق بحديث الغدير من كتب أهل السنّة والجماعة ( المؤلّف ).
فهل هناك للخلافة حديث أبلغ من هذا وأصرح يا عباد اللّه؟
وإني لأذكر مناقشتي مع أحد علماء الزيتونة في بلادنا عندما ذكرتُ له حديث الغدير ، محتجّاً به على خلافة الإمام عليّ ، فاعترف بصحّته ، بل وزاد في الحبل وصلة فأطلعني على تفسيره للقرآن الذي ألّفه بنفسه ، والذي يذكر فيه حديث الغدير ويصحّحه ويقول بعد ذلك : « وتزعم الشيعة بأنّ هذا الحديث هو نصّ على خلافة سيّدنا عليّ كرّم اللّه وجهه ، وهو باطل عند أهل السنّة والجماعة ، لأنّه يتنافى مع خلافة سيّدنا أبي بكر الصديق ، وسيّدنا عمر الفاروق ، وسيّدنا عثمان ذي النورين ، فلابدّ من تأويل لفظ المولى الوارد في الحديث على معنى المحبّ والناصر ، كما ورد ذلك في الذكر الحكيم ، وهذا ما فهمه الخلفاء الراشدون والصحابة الكرام رضي اللّه تعالى عليهم أجمعين ، وهذا ما أخذه عنهم التابعون وعلماء المسلمين ، فلا عبرة لتأويل الرافضة لهذا الحديث؛ لأنّهم لايعترفون بخلافة الخلفاء ، ويطعنون في صحابة الرسول ، وهذا وحده كاف لردّ أكاذيبهم وإبطال مزاعمهم. انتهى كلامه في الكتاب.
سألته : هل الحادثة وقعتْ بالفعل في غدير خم؟
أجاب : لو لم تكن وقعتْ ما كان ليرويها العلماء والمحدّثون!
قلتُ : فهل يليق برسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يجمع أصحابه في حرّ
الشمس المحرقة ، ويخطب لهم خطبة طويلة ليقول لهم بأنّ علي محبّكم وناصركم؟ فهل ترضون بهذا التأويل؟
أجاب : إنّ بعض الصحابة اشتكى عليَّاً ، وكان فيهم من يحقد عليه ويبغضه ، فأراد الرسول أن يزيل حقدهم فقال لهم بأنّ علياً محبّكم وناصركم ، لكي يحبّوه ولا يبغضوه(1) .
قلتُ : هذا لا يتطلّب إيقافهم جميعاً والصلاة بهم ، وبدأ الخطبة بقوله : « ألستُ أولى بكم من أنفسكم » لتوضيح معنى المولى ، وإذا كان الأمر كما تقول فكان بإمكانه أن يقول لمن اشتكى منهم عليّاً : إنّه محبّكم وناصركم ، وينتهي الأمر بدون أن يحبس في الشمس تلك الحشود الهائلة ، وهي أكثر من مائة ألف فيهم الشيوخ والنساء ، فالعقل لا يقنع بذلك أبداً!
فقال : وهل العاقل يصدّق بأنّ مائة ألف صحابي لم يفهموا مافهمتَ أنتَ والشيعة؟
قلتُ :
أولاً : لم يكن يسكن المدينة المنوّرة إلاّ قليلٌ منهم.
وثانياً : إنّهم فهموا بالضبط مافهمتهُ أنا والشيعة ، ولذلك روى العلماء بأنّ أبا بكر وعمر كانا من المهنّئين لعلي بقولهم : بخ بخ لك
__________________
1 ـ قد تقدّم ذكر هذا الإشكال والإجابة عليه ، فراجع.
يا ابن أبي طالب أمسيت وأصبحت مولى كل مؤمن.
قال : فلماذا لم يبايعوه إذاً بعد وفاة النبىّ ، أتراهم عصوا وخالفوا أمر النبي؟ أستغفر اللّه من هذا القول.
قلتُ : إذا كان العلماء من أهل السنّة يشهدون في كتبهم بأنّ بعضهم ـ أعني من الصحابة ـ كانوا يخالفون أوامر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حياته وبحضرته(1) ، فلا غرابة في ترك أوامره بعد وفاته ، وإذا كان أغلبهم يطعنُ في تأميره أُسامة بن زيد لصغر سنّه ، رغم أنّها سريّة محدودة ولمدّة قصيرة ، فكيف يقبلون تأمير عليّ على صغر سنّه ولمدّة الحياة ، وللخلافة المطلقة؟ ولقد شهِدتَ أنتَ بنفسك بأنّ بعضهم كان يبغض علياً ويحقد عليه!!
أجابني متحرّجاً : لو كان الإمام عليّ كرّم اللّه وجهه ورضي اللّه عنه يعلَمُ أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم استخلفه ما كان ليسكتَ عن حقّه ، وهو الشجاع الذي لا يخشى أحداً ويهابه كلّ الصحابة.
قلتُ : سيّدي هذا موضوع آخر لا أُريد الخوض فيه ، لأنّك لم تقتنع بالأحاديث النبوية الصحيحة ، وتحاول تأويلها وصرفها عن معناها حفاظاً عل كرامة السلف الصالح ، فكيف أقنعك بسكوت
__________________
1 ـ صحيح البخاري ومسلم ، إذ أخرجا عدّة مخالفات لهم ، كما في صلح الحديبية ، وكما في رزية يوم الخميس ، وغير ذلك كثير ( المؤلّف ).
الإمام عليّ ، أو باحتجاجه عليهم بحقّه في الخلافة؟
ابتسم الرجل قائلاً : أنا واللّه من الذين يفضّلون سيدنا علياً كرّم اللّه وجهه على غيره ، ولو كان الأمر بيدي لما قدّمتُ عليه أحداً من الصحابة ، لأنّه باب مدينة العلم ، وهو أسد اللّه الغالب ، ولكن مشيئة اللّه سبحانه ، هو الذي يقدّم من يشاء ويؤخّر من يشاء ، لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون.
ابتسمتُ بدوري له وقلتُ : وهذا أيضاً موضوع آخر يجرّنا للحديث عن القضاء والقدر ، وقد سبق لنا أن تحدّثنا فيه وبقي كلٌّ منّا على رأيه ، وإنّي لأعجب ياسيّدي لماذا كلّما تحدّثتُ مع عالم من علماء أهل السنّه وأفحمته بالحجّة سرعان ما يتهرّب من الموضوع إلى موضوع آخر لا علاقة له بالبحث الذي نحن بصدده.
قال : وأنا باق على رأيي لا أغيّره.
ودّعته وانصرفتُ ، وبقيت أفكّرُ مليّاً لماذا لا أجد واحداً من علمائنا يكمل معي هذا المشوار ، ويوقف الباب على رجله كما يقول المثل الشائع عندنا.
فالبعض يبدأ الحديث وعندما يجد نفسه عاجزاً عن إقامه الدليل على أقواله يتملّص بقوله : تلك أُمّة قد خلتْ لها ما كسبتْ ولكم ما كسبتم ، والبعض يقول : مالنا ولإثاره الفتن والأحقاد فالمهم أنّ السنّة
والشيعة يؤمنون بإله واحد ورسول واحد وهذا يكفي ، والبعض يقول بإيجاز : يا أخي اتق اللّه في الصحابة.
فهل يبقى مع هؤلاء مجال للبحث العلمي ، وإنارة السبيل ، والرجوع للحقّ الذي ليس بعده إلاّ الضلال؟
وأين هؤلاء من أُسلوب القرآن الذي يدعو الناس لإقامه الدليل :( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (1) ، مع العلم بأنّهم لو يتوقّفون عن طعنهم وتهجّمهم على الشيعة لما ألجأونا للجدال معهم حتّى بالتي هي أحسن.
قوله سبحانه وتعالى :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) (2) .
يجمع الشيعة على نزولها بغدير خم بعد تنصيب الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم للإمام عليّ خليفة للمسلمين ، وذلك رواية عن أئمة العترة الطاهرة ، وبذلك تراهم يعدّون الإمامة من أُصول الدين.
ورغم أنّ الكثير من علمائنا يروون نزولها في غدير خم بعد
__________________
1 ـ البقرة : 111.
2 ـ المائدة : 3.
تنصيب الإمام عليّ ، أذكر منهم على سبيل المثال :
1 ـ تاريخ دمشق لابن عساكر 2 : 75.
2 ـ مناقب علي أبي طالب لابن المغازلي الشافعي : 19.
3 ـ تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 8 : 290.
4 ـ الإتقان للسيوطي 1 : 31.
5 ـ المناقب للخوارزمي الحنفي : 80.
6 ـ تذكره الخواص لسبط ابن الجوزي : 30.
7 ـ تفسير ابن كثير 2 : 14.
8 ـ روح المعاني للآلوسي 6 : 55(1) .
9 ـ البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي 5 : 213(2) .
__________________
1 ـ نسب الآلوسي رواية أبي سعيد الخدري في نزولها في غدير خم إلى الشيعة وقال : « إنّ هذا من مفترياتهم ، وركاكة الخبر شاهدة على ذلك ».
ولكن لا مجال لقبول قوله بعد ما عرفت روايتها عند مصادر أهل السنّة من طرق متعدّدة ليس فيها أبو سعيد الخدري ، فليست الرواية من مفتريات الشيعة ، ولا ركاكة فيها حسب ما يزعم ، فإنّها خالية عن أيّ تعقيد وغموض وتكلّف في البيان ، حالها حال سائر الروايات الصحيحة الواردة عندهم ، وبإمكان أيّ شخص ردّ أيّ خبر لا يهواه بهذه الطريقة غير العلمية.
2 ـ روى ابن كثير نزولها في غدير خم عن ضمرة ، عن ابن شوذب ، عن مطر الوراق ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة ، وقال : « إنّه حديث منكر جداً ،
10 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 3 : 19.
11 ـ ينابيع المودة للقندوزي الحنفي : 115.
12 ـ شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي 1 : 157(1) .
أقول : رغم ذلك لابدّ لعلماء أهل السنّة من صرف هذه الآية إلى مناسبة أخرى ، وذلك للحفاظ على كرامة السلف الصالح من الصحابة ، وإلاّ لو سلّموا بنزولها في غدير خمّ لاعترفوا ضمنياً بأنّ
__________________
بل كذب ، لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن هذه الآية نزلت يوم الجمعة يوم عرفة ».
ويرد عليه أولا : إنّ رجال الحديث الذي رواه كلّهم ممن روى عنه أصحاب الصحاح عند أهل السنّة ، فسنده صحيح لا غبار عليه ، كما حقّقه العلاّمة الأميني في الغدير 1 : 694 ، فراجع.
ثانياً : إنّ معارضته بما ورد عن عمر من نزولها بعرفة لا يجعل الحديث منكراً أو كذباً ، ولا أدري بأيّ مرجّح رجّح أحد الصحيحين على الآخر.
ولو سلّمنا ـ جدلا ـ نزولها بعرفة ، لكن قد تكون من الآيات التي نزلت مرّتين ، كما ذهب إلى ذلك سبط ابن الجوزي في تذكرته : 30.
1 ـ وممّن روى نزولها في غدير خم كما ذكرهم العلاّمة الأميني في الغدير 1 : 447 : الطبري في كتاب الولاية ، والحافظ ابن مردويه ، والحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب ما نزل من القرآن في عليّ ، والحافظ أبو سعيد السجستاني في كتاب الولاية ، وأبو الفتح النطنزي في كتاب الخصائص العلوية ، وشيخ الإسلام الحمّوئي الحنفي في فرائد السمطين في الباب الثاني عشر ، والبدخشي في مفتاح النجا.
ولاية علي بن أبي طالب هي التي أكمل اللّه بها الدين وأتمّ بها على المسلمين نعمته ، ولتبخّرت خلافة الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه ، ولتزعزعت عدالة الصحابة ، ولذابت أحاديث كثيرة مشهورة كما يذوب الملح بالماء.
وهذا أمر مستحيل وخطبٌ فادحٌ! لأنه يتعلّق بعقيدة أُمّة كبيرة لها تاريخها وعلماؤها وأمجادها ، فلا يمكن لنا تكذيب أمثال البخاري ومسلم الذين يروون بأنّ الآية إنّما نزلت عشية عرفة في يوم الجمعة.
وبمثل ذلك تصبح الروايات الأُولى مجرّد خرافات شيعيّة لا أساس لها من الصحّة ، ويصبح الطعن على الشيعة أولى من الطعن على الصحابة ، فهؤلاء معصومون عن الخطأ(1) ولا يمكن لأيّ إنسان أن ينتقد أفعالهم وأقوالهم ، أمّا أولئك الشيعة فهم مجوس ، كفّار ، زنادقة وملحدون ، ومؤسّس مذهبهم هو عبداللّه بن سبأ(2) ، وهو
__________________
1 ـ لأنّهم يعتقدون بأنّ الصحابة كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم ( المؤلّف ).
2 ـ اقرأ كتاب عبداللّه بن سبأ للعلاّمة العسكري لتعرف بأنّه لا وجود له ، وهو من مختلقات سيف بن عمر التميمي المشهور بالوضع والكذب ، واقرأ كتاب الفتنه الكبرى لطه حسين ، وإن شئت فاقرأ كتاب الصلة بين التصوف والتشيع للدكتور مصطفى كامل الشيبي لتعرف بأن عبداللّه بن سبأ هذا ليس غير سيّدنا عمار بن ياسر رضي اللّه تعالى عنه ( المؤلّف ).
يهودي أسلم في عهد عثمان ليكيد للمسلمين وللإسلام.
وهذا أسهل بكثير للتمويه على الأُمة التي تربّت على تقديس واحترام الصحابة ـ أي صحابي كان ولو شاهد النبي مرّة واحدة ـ.
وأنّى لنا أن نقنعهم بأنّ تلك الروايات ليست خرافات شيعية ، وإنّما هي من أحاديث الأئمة الاثني عشر الذين نصّ رسول اللّه على إمامتهم ، الذين نجحت الحكومات الإسلامية في القرن الأوّل في غرس حبّ واحترام الصحابة مقابل التنفير من عليّ وبنيه ، حتى لعنتهم على المنابر ، وتتبّعت شيعتهم بالقتل والتشريد ، فنشأ من ذلك بغض وكراهية لكلّ الشيعة ، لما روّجتْهُ وسائل الإعلام في عهد معاوية من إشاعات وخزعبلات وعقائد فاسدة ضدّ الشيعة ، وهم ـ الحزب المعارض ـ كما يسمّى عندنا اليوم ، لعزلهم والقضاء عليهم.
ولذلك نجد حتّى الكُتاب والمؤرّخين في تلك العصور يسمّونهم الروافض ، ويكفّرونهم ويستبيحون دماءهم تزلّفاً للحكّام.
ولمّا انقرضت الدولة الأموية وخلفتها الدولة العبّاسية ، نسج بعض المؤرّخين على منوالهم ، وعرف البعض حقيقة أهل البيت(1) ، فحاول التوفيق والإنصاف ، فألحقَ علياً بالخلفاء الراشدين ، ولكن لم يجرأوا
__________________
1 ـ ذلك لأنّ الأئمة من أهل البيت فرضوا أنفسهم بأخلاقهم وعلومهم التي ملأت الخافقين وبزهدهم وتقواهم والكرامات التي حباهم الله بها ( المؤلّف ).
على التصريح بأحقّيته ، ولذلك تراهم لا يخرجون في صحاحهم إلاّ النزر اليسير من فضائل علي ، والتي لا تتعارض مع خلافة الذين سبقوه.
والبعض منهم وضع كثيراً من الأحاديث في فضل أبي بكر وعمر وعثمان على لسان عليّ نفسه ، حتى يقطع بذلك ـ على زعمه ـ الطريق على الشيعة الذين يقولون بأفضليته.
واكتشفْتُ خلال البحث بأنّ شهرة الرجال وعظمتهم إنّما كانت تقدّر ببغضهم لعليّ بن أبي طالب ، فالأمويون والعباسيون كانوا يُقرّبون ويُعظّمون كل من حارب الإمام عليّ ، أو وقف ضدّه بالسيف أو باللسان ، فتراهم يرفعون بعض الصحابة ويضعون آخرين ، ويغدقون الأموال على بعض الشعراء ويقتلون آخرين ، ولعلّ عائشة أمّ المؤمنين لم تكن لتحظى بتلك المنزلة عندهم لولا بغضها(1)
__________________
1 ـ ورد في الطبقات لابن سعد 2 : 179 باب مرض النبيصلىاللهعليهوآله : « قالت عائشة : فخرج بين رجلين تخطّ رجلاه في الأرض بين ابن عباس ـ تعني الفضل ـ ورجل آخر ، قال عبيد اللّه : فأخبرت ابن عباس بما قالت ، قال : فهل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسمّ عائشة؟ قال : قلت : لا. قال ابن عباس : هو عليّ ، إنّ عائشة لا تطيب له نفساً بخير ».
وأورده البخاري في صحيحه ( كتاب المغازي ، باب مرض النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لكن
وحربها لعليّ.
ومن ذلك أيضاً تجد العباسيين يعلون من شأن البخاري ومسلم والإمام مالك؛ لأنّهم لم يخرجوا من فضائله إلاّ القليل ، بل نجد صراحة في هذه الكتب بأنّ عليّ بن أبي طالب لا فضل له ولا مزيّة.
فقد روى البخاري في صحيحه في ( باب مناقب عثمان ) عن ابن عمر قال : كنّا في زمن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نعدِلُ بأبي بكر أحداً ، ثم عُمرَ ، ثم عثمانَ ، ثم نترك أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لا نفاضل بينهم(1) .
__________________
مع بتر ذيله.
وفي تاريخ الطبري 3 : 189 : « لكنّها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير وهي تستطيع ».
وفي مقاتل الطالبين لأبي الفرج الأصفهاني : 54 : « أنّها لمّا سمعت بقتل عليّ سجدت ».
وفي الطبري 5 : 150 والكامل لابن الأثير 3 : 394 : « أنّها لما سمعت بقتله قالت :
فألقت عصاها واستقرّت النوى كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
فلمّا علمت باسم قاتله قالت :
فإن يك نائياً فلقد نعاه غلام ليس في فيه التراب
فقالت لها زينب ابنة أبي سلمة : ألعليّ تقولين هذا؟ فقالت : إنّي أنسى ، فإذا نسيت فذكروني ».
1 ـ كما روى البخاري في صحيحه 4 : 195 رواية تُنسب إلى محمّد بن
فعلىّ عنده كسائر الناس ـ إقرأ واعجب ـ!!
كما أنّ في الأمّة فِرقاً أخرى ـ كالمعتزلة والخوارج وغيرهم ـ ممّن لا يقول بمقالة الشيعة ، ولأنّ إمامة علي وأولاده من بعده تقطع عليهم الطريق للوصول للخلافة ، والتحكّم في رقاب الناس ، والتلاعب بمصيرهم وممتلكاتهم ، كما فعل ذلك بنو أميّة وبنو العباس في عهد الصحابة ، وعهد التابعين وإلى يوم الناس هذا.
لأنّ حكّام العصر الذين وصلوا إلى الحكم ـ سواء بالوراثة كالملوك والسلاطين ، أو حتّى الرؤساء الذين انتخبتهم شعوبهم ـ لا يعجبهم هذا الاعتقاد ، أعني أن يعتقد المؤمنون بخلافة أهل البيت ، ويضحكون من هذه الفكرة التيوقراطية ، التي لا يقول بها إلاّ الشيعة ، وخصوصاً إذا كان هؤلاء الشيعة قد بلغوا من سخافة العقل وسفاهة الرأي أنهم يعتقدون بإمامة المهدي المنتظر الذي سيملأ أرضهم قسطاً وعدلاً كما مُلئتْ ظلماً وجوراً.
ونعود الآن لمناقشة أقوال الطرفين في هدوء وبدون تعصّب ، لنعرف ما هي المناسبة وما هو سبب نزول آية « إكمال الدين » ، حتّى
__________________
الحنفية : « قال : قلتُ لأبي : أىّ الناس خيرٌ بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قال : أبو بكر ، قلتُ : ثم مَنْ؟ قال : ثم عُمرُ ، وخشيتُ أنْ يقولَ عثمانُ ، قلتُ : ثم أنتَ؟ قالَ : ما أنا إلاّ رجلٌ من المسلمين » ( المؤلّف ).
يتضّح لنا الحقّ فنتبعه ، وما علينا بعد ذلك من رضى هؤلاء أو غضب أولئك مادمنا نتوخّى قبل كلّ شيء رضى اللّه سبحانه والنجاة من عذابه يوم لاينفع مال ولا بنون إلاّ من أتى اللّه بقلب سليم.
( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (1) .
أخرج البخاري في صحيحه(2) قال : حدّثنا محمّد بن يوسف ، حدّثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب : إنّ أناساً من اليهود قالوا : لو نزلت هذه الآية فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً ، فقال عمر : أَيَّةُ آية؟ فقالوا :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) .
فقال عمر : إنّي لأعلم أيّ مكان أُنزِلتْ ، أُنزِلتْ ورسولصلىاللهعليهوآلهوسلم واقفٌ بعرفة.
وأخرج ابن جرير عن عيسى بن حارثة الأنصاري ، قال : كنّا
__________________
1 ـ آل عمران : 106 ـ 107.
2 ـ صحيح البخاري 5 : 127 ، كتاب المغازي ، باب 79 في حجّة الوادع ، الدر المنثور 2 : 258 تفسير سورة المائدة ، الآية الثالثة.
جلوساً في الديوان فقال لنا نصراني : يا أهل الإسلام ، لقد أُنزِلتْ عليكم آية لو أُنزِلتْ علينا لاتخذنا ذلك اليوم وتلك الساعه عيداً ما بقي منّا اثنان ، وهي( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فلم يجبه أحد منّا ، فلقيتُ محمّد بن كعب القرطني فسألته عن ذلك ، فقال : ألا رددتم عليه؟ فقال عمر بن الخطاب : أنزلتْ على النبي وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة ، فلا يزال ذلك اليوم عيداً للمسلمين مابقي منهم أحد(1) .
أوَّلاً : نلاحظ من خلال هذه الروايات أنّ المسلمين كانوا يجهلون تاريخ ذلك اليوم المشهود ولا يحتفلون به ، مّما دعا اليهود مرّة والنصارى أُخرى أن يقولوا لهم : لو أنّ هذه الآية فينا أُنزلت لاتخذنا يومها عيداً ، ممّا حدا بعمر بن الخطاب أن يسأل أيةُ آية؟ ولمّا قالوا :( اليوم أكملتُ لكم دينكم ) قال : إنّي لأعلم أيّ مكان أُنزلتْ : أُنزلتْ ورسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم واقف بعرفة.
فإنّنا نشمّ رائحه الدسّ والتعتيم من خلال هذه الرواية ، وأن الذين وضعوا هذا الحديث على لسان عمر بن الخطاب في زمن البخاري أرادوا أن يوفّقوا بين آراء اليهود والنصارى في أنّ ذلك اليوم هو يوم عظيم يجب أنّ يكون عيداً ، وبين ما هم عليه من عدم الاحتفال بذلك
__________________
1 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور 2 : 258 سورة المائدة ، الآية الثالثة.
اليوم ، وعدم ذكره بالمرّة حتى تناسوه ، والمفروض أن يكون من أكبر الأعياد لدى المسلمين ، إذ أنّ اللّه سبحانه أكمل لهم فيه دينهم ، وأتمَّ فيه نعمته عليهم ، ورضي لهم الإسلام ديناً.
ولذلك ترى في الرواية الثانية قول الرواي ـ عندما قال له النصراني : يا أهل الإسلام ، لقد أُنزلت عليكم آية لو أُنزلتْ علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيداً مابقي منّا اثنان قال الرواي : فلم يُجبْهُ أحدٌ منّا؛ وذلك لجهلهم بتاريخ وموقف ذلك اليوم وعظمته ، ويبدو أنّ الراوي نفسه استغرب كيف يغفل المسلمون عن الاحتفال بمثل ذلك اليوم ، ولهذا نراه يلقى محمّد بن كعب القرطني فيسأله عن ذلك ، فيردّ هذا الأخير بأنّ عمر بن الخطاب روى أنّها أُنزلت على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو واقفٌ على الجبل يوم عرفة.
فلو كان ذلك اليوم معروفاً لدى المسلمين على أنّه يوم عيد لما جهله هؤلاء الرواة ، سواء أكانوا من الصحابة أم من التابعين ، لأنّ الثابت المعروف لديهم أنّ للمسلمين عيدين اثنين ، وهما عيد الفطر وعيد الأضحى ، حتّى أنّ العلماء والمحدّثينَ كالبخاري ومسلم وغيرهما ـ تراهم يخرجون في كتبهم : كتاب العيدين ، صلاة العيدين ، خطبة العيدين ، إلى غير ذلك من المتسالم عليه لدى خاصّتهم وعامّتهم ، ولا وجود لعيد ثالث.
وأغلبُ الظنّ أنّ القائلين بمبدأ الشورى في الخلافة ومؤسّسي هذه النظرية هم الذين صرفوا نزولها عن حقيقتها يوم غدير خمّ بعد تأمير الإمام عليّ ، فكان تحويل نزولها في يوم عرفة أهون وأسهل على القائلين به؛ لأنّ يوم الغدير جمع مائة ألف حاج أو يزيدون ، وليس هناك مناسبة في حجّة الوداع أقرب إلى الغدير من يوم عرفة في المقارنة ، إذ أن الحجيج لم يجتمعوا على صعيد واحد إلاّ فيهما ، فالمعروف أن الناس يكونون متفرّقين جماعات وأشتاتاً في كلّ أيام الحجّ ، ولا يجتمعون في موقف واحد إلاّ في عرفة.
ولذلك نرى أنّ القائلين بنزولها يوم عرفة يقولون بنزولها مباشرة بعد خطبة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الشهيرة والتي أخرجها المحدّثون.
وإذا كان النص بالخلافة على عليّ بن أبي طالب قد صرفوه عن حقيقته وباغتوا الناس ـ بمن فيهم عليّاً نفسه والذين كانو منشغلين معه بتجهيز الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ودفنه ـ بالبيعة لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة على حين غفلة ، وضربوا بنصوص الغدير عرض الجدار ، وجعلوه نسياً منْسيَّاً ، فهل يمكن لأيّ أحد بعد الذي وقع أن يحتجّ بنزول الآية يوم الغدير؟
فليست الآية أوضح في مفهومها من حديث « الولاية » ، وإنّما تحمل في معناها إكمال الدين ، وإتمام النعمّة ورضى الربّ ليس إلاّ ،
وإن كانت تنطوي على إشعار بحصول هنات لهم في ذلك اليوم هو الذي سبب كمال الدين.
ومّما يزيدنا يقيناً بصحة هذا الاعتقاد : ما رواه ابن جرير عن قبيصة بن أبي ذؤيب قال : قال كعب : لو أنّ غير هذه الأُمّة نزلتْ عليهم هذه الآية لنظروا اليوم الذي أُنزلتْ فيه عليهم فاتّخدوه عيداً يجتمعون فيه ، فقال عمر : وأيّ آية ياكعب؟ فقال :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) فقال عمر : لقد علمتُ اليوم الذي أُنزلتْ والمكان الذي نزلتْ فيه ، نزلتْ في يوم جمعة ويوم عرفة ، وكلاهما بحمد اللّه لنا عيد(1) .
ثانياً : على أنّ القول بنزول الآية :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) في يوم عرفة يتنافى مع آية البلاغ :( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ) والتي تأمر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بإبلاغ أمر مهمّ لا تتمّ الرسالة إلاّ به ، والتي سبق البحث وتبينّ نزولها بين مكة والمدينة بعد حجّة الوداع ، وهو مارواه أكثر من مائة وعشرين صحابياً ، وأكثر من ثلاثمائة وستّين من علماء أهل السنّة والجماعة(2) ، فكيف يكمل اللّه الدين
__________________
1 ـ الدر المنثور للسيوطي ، في تفسير الآية( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) ، سورة المائدة.
2 ـ ممّا ينبغي الالتفات إليه أنّ آية البلاغ وحديث الغدير وآية الاكمال سبب
ويتمّ النعمة في يوم عرفه ، ثمّ بعد أسبوع يأمر نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو راجع إلى المدينة بإبلاغ شيء مهم لا تتمّ الرسالة إلاّ به ، كيف يصحّ ذلك يا أُولي الألباب؟!
ثالثاً : إنّ الباحث المدقّق إذا أمعن في النظر في خطبة الرسولصلىاللهعليهوآله
__________________
نزولهن أمرٌ واحد ، وهو أمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بتبليغ الناس الولاية لعليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وأن فصل الرواة والمحدّثين بينها لأجل الاختصار أو تقطيع الأخبار أو غير ذلك من الأسباب ، ومن هذا الباب جاء كلام المؤلّف حول عدد رواة آية البلاغ ، لأنه نظر إلى مجموع القضايا الثلاث كقضية واحدة كما هي في واقعها.
ومن هذا يعرف أنّ ما أشكل به صاحب كتاب كشف الجاني : 154 ناشئ من عدم فهم كلام المؤلّف ، والنظر إلى حادثة الغدير وآية البلاغ والإكمال كقضايا متعدّدة لا يرتبط بعضها ببعض ، مع أنّ الأمر ليس كذلك ، كما هو واضح لمن يرجع إلى الروايات وأسباب نزول الآيات.
أضف إلى ذلك أنّ كلام المؤلّف في آية البلاغ وليس في آية الإكمال ـ بناءً على الفصل بينهما ـ فلا وجه للخلط بين الأمرين.
وأمّا ما ذكره في الحاشية من أنّ كتاب الغدير كتاب تكرار وبدون فائدة ، فهو كلام مضحك للثكلى وناشئ عن التعصب المقيت والمذموم؛ إذ أنّ موسوعة الغدير قام مؤلّفها بجمع طرق رواة الحديث ، واعتمد في ذلك على مصادر أهل السنّة المعتبرة ، فيكف يكون مثل هذا العمل تكراراً وبلا فائدة؟!
اللهمّ إلاّ أن تكون المصادر السنيّة التي ذكرها صاحب الغدير مصادر غير معتبرة ولا قيمة لها ، وبذلك يكون عثمان الخميس قد طعن بمصادره المعتبرة التي يعتمد عليها في عقيدته وشرعه.
يوم عرفه ، لا يجد فيها أمراً جديداً يجهله المسلمون ، والذي يمكن اعتباره شيئاً مهمّاً أكمل اللّه به الدين وأتمّ به النعمة ، إذ ليس فيها إلاّ جملة من الوصايا التي ذكرها القرآن ، أو ذكرها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في عدّة مناسبات ، وأكّد عليها يوم عرفة.
وإليك ما جاء في الخطبة على ماسجّله كلّ الرواه :
إنّ اللّه حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة شهركم هذا ويومكم هذا.
اتّقوا اللّه ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها.
الناس في الإسلام سواء لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى.
كلّ دم كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي ، وكلّ ربا كان في الجاهلية موضوع تحت قدمي.
أيّها الناس إنّما النسيء زيادة في الكفر ألا وأنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض.
إنّ عدّة الشهور عند اللّه اثنا عشر شهراً في كتاب اللّه ، منها أربعة حرمٌ.
أُوصيكم بالنساء خيراً ، إنّما أخذتموهن بأمانة اللّه ، واستحللتم
فروجهنّ بكتاب اللّه.
أُوصيكم بمن ملكت أيمانكم ، فأطعموهم ممّا تأكلون ، وألبسوهم ممّا تلبسون.
إنّ المسلم أخو المسلم ، لا يغشّه ، ولا يخونه ، ولا يغتابه ، ولا يحلّ له دمه ، ولا شيء من ماله.
إنّ الشيطان قد يئس أن يُعبد بعد اليوم ، ولكن يُطاع فيما سوى ذلك من أعمالكم التي تحتقرون.
أعدى الأعداء على اللّه قاتل غير قاتله ، وضارب غير ضاربه ، ومن كفر نعمة مواليه فقد كفر بما أَنزلَ اللّه على محمّد ، ومن انتمى إلى غير أبيه فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين.
إنّما أُمرتُ أن أقاتل الناس حتّى يقولوا : لا إله إلا اللّه وإنّي رسول اللّه ، وإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّ وحسابهم على اللّه.
لا ترجعوا بعدي كفاراً مضلّين يضرب بعضكم رقاب بعض.
هذا كلّ ماقيل في خطبة عرفة من حجّة الوداع ، وقد جمعتُ فصولها من جميع المصادر الموثوقة ، حتى لايبقى شيء من وصاياهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي ذكرها المحدّثون إلاّ أخرجتها ، فهل فيها شيء جديد بالنسبة للصحابة؟
كلاّ ، فكل ماجاء فيها مذكور في القرآن ، ومبيّن حكمه في السنّة النبوية.
فقد قضىصلىاللهعليهوآلهوسلم حياته كلّها يبيّن للناس مانزّل إليهم ، ويعلّمهم كلّ صغيرة وكبيرة ، فلا وجه لنزول آية « إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى اللّه » بعد هذه الوصايا التي يعرفها المسلمون؟
وإنّما أعادها عليهم للتأكيد ، لأنّهم لأوّل مرّة يجتمعون عليه بذلك العدد الهائل ، ولأنّه أخبرهم قبل الخروج إلى الحجّ بأنّها حجّة الوداع ، فكان واجباً عليه أن يسمعهم تلك الوصايا.
أمّا إذا أخذنا بالقول الثاني ، وهو نزول الآية يوم غدير خمّ بعد تنصيب الإمام عليّ خليفة للنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأميراً للمؤمنين ، فإنّ المعنى يستقيم ويكون مطابقاً ، لأنّ الخلافة بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من أهمّ الأُمور ، ولا يمكن أن يترك اللّه عباده سدى ، ولا ينبغي لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يذهب دون استخلاف ويترك أُمّته هملاً بدون راع ، وهو الذي ما كان يُغادر المدينة إلاّ ويستخلف عليها أحداً من أصحابه ، فكيف نصدّق بأنّه التحق بالرفيق الأعلى وما فكّر في الخلافة؟!
وإذا كان المُلحدون في عصرنا يؤمنون بهذه القاعدة ، ويسرعون إلى تعيين خلف للرئيس حتّى قبل موته ليسوس أُمور الناس ، ولا يتركونهم يوماً واحداً بدون رئيس.
فلا يمكن أن يكون الدين الإسلامي ـ وهو أكمل الأديان وأتمها
والذي ختم اللّه به كلّ الشرائع ـ أن يُهمل أمراً مهماً كهذا.
وقد عرفنا فيما تقدّم بأنّ عائشة وابن عمر وقبلهما أبو بكر وعمر أدركوا كلّهم بأنّه لابدّ من تعيين الخليفة ، وإلاّ لكانت فتنة ، كما أدرك ذلك مَن جاء بعدهم من الخلفاء ، فكلُّهم عَيّنوا مَنْ بعدهم ، فكيف تغيب هذه الحكمة على اللّه وعلى رسوله؟!
فالقولُ بأنّ اللّه سبحانه أوحى إلى رسوله في الآية الأُولى « آية البلاغ » وهو راجع من حجّة الوداع بأنْ يُنصّب عليّاً خليفة له بقوله :( يَا أيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أي : يامحمّد إنْ لم تبلّغ ما أمرتك به بأنّ علياً هو ولي المؤمنين بعدك فكأنك لم تُكمل مهمتك التي بُعثتَ بها ، إذ أنّ إكمال الدين بالإمامة أمرٌ ضروري لكلّ العقلاء.
ويبدو أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يخشى معارضتهم له أو تكذيبهم ، فقد جاء في بعض الروايات قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « وقد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد وأُعلم كلّ أبيض وأسود : أنّ علي بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي والإمام بعدي ، فسألتُ جبرئيل أن يستعفي لي ربّي لعلمي بقلّة المتّقين وكثرة المؤذين لي واللائمين لكثرة ملازمتي لعليّ وشدّة إقبالي عليه حتى سمّوني أُذناً ، فقال تعالى :( وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُلْ اُذُنُ خَيْر لَكُمْ ) (1)
__________________
1 ـ التوبة : 61.
ولو شئتُ أن أُسمّيهم وأدلُ عليهم لفعلتُ ، ولكنّي بسترهم قد تكرّمتُ ، فلم يرض اللّه إلاّ بتبليغي فيه ، فاعلموا معاشر الناس إنّ اللّه قد نصّبه لكم ولياً وإماماً ، وفرض طاعته على كلّ أحد » الخطبة(1) .
فلمّا أنزل اللّه عليه :( وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) أسرع في نفس الوقت وبدون تأخير بامتثال أمر ربّه ، فنصب علياً خليفة من بعده ، وأمر أصحابه بتهنئته بإمارة المؤمنين ، ففعلوا ، وبعدها أنزل اللّه عليهم :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) .
أضف إلى كلّ ذلك أنّنا نجد بعض علماء أهل السنّة والجماعة يعترفون صراحة بنزول آية البلاغ في إمامة عليّ :
فقد رووا عن ابن مردويه عن ابن مسعود قال : كنّا نقرأ على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا أيها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك ـ أنّ عليّاً مولى المؤمنين ـ وإن لم تفعل فما بلّغتَ رسالته واللّه يعصمك من الناس »(2) .
وبعد هذا البحث إذا أضفنا روايات الشيعة عن الأئمة الطاهرين ،
__________________
1 ـ أخرجها بكاملها الحافظ ابن جرير الطبري في كتاب الولاية ، وعنه في الصراط المستقيم للبياضي 1 : 301 ، والغدير للأميني 1 : 214.
2 ـ فتح القدير للشوكاني 2 : 60 ، الدر المنثور للسيوطي 2 : 298 ، في تفسير الآية 67 من سورة المائدة.
يتجلّى لنا بأنّ اللّه أكمل دينه بالإمامة ، ولذلك كانت الإمامة عند الشيعة أصلاً من أُصول الدين.
وبإمامة علي بن أبي طالب أتمّ اللّه نعمته على المسلمين ، لئلاّ يبقوا هملاً تتجاذبهم الأهواء وتمزّقهم الفتن فيتفرقوا كالغنم بدون راع.
ورضي لهم الإسلام ديناً؛ لأنّه اختار لهم أئمة أذهب عنهم الرجس وطهّرهم ، وأتاهم الحكمة وأورثهم علم الكتاب؛ ليكونوا أوصياء محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيجب على المسلمين أن يرضوا بحكم اللّه واختياره ، ويسلّموا تسليماً ، لأنّ مفهوم الإسلام العام هو التسليم للّه ، قال تعالى :
( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَهُوَ اللّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ لَهُ الحَمْدُ فِي الاُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (1) .
ومن خلال كلّ ذلك يُفهمُ بأنّ يوم الغدير اتخذه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم عيد ، إذ بعد تنصيب الإمام عليّ وبعد أن نزل عليه قوله :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) الآية : قال : « الحمد للّه على إكمال الدين ،
__________________
1 ـ القصص : 68 ـ 70.
وإتمام النعمة ، ورضى الربّ برسالتي وولاية علي بن أبي طالب من بعدي »(1) .
ثم عقد له موكباً للتهنئة ، وجلسصلىاللهعليهوآلهوسلم في خيمة وأجلس عليّاً بجانبه ، وأمر المسلمين ـ بما فيهم زوجاته أُمهات المؤمنين ـ أن يدخلوا عليه أفواجاً ويهنّئوه بالمقام ، ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، ففعل الناس ما أُمروا به ، وكان من جملة المهنّئين لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بهذه المناسبة أبو بكر وعمر.
وقد جاءا إليه يقولان له : بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحتَ وأمسيتَ مولانا ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة(2) .
ولمّا عرف حسّان بن ثابت شاعر الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فرح النبي واستبشاره في ذلك اليوم ، قال : أتأذن لي يارسول اللّه أن أقول في هذا المقام أبياتاً تسمعهن؟ فقال : « قل على بركة اللّه ، لا تزال ياحسّان مؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ».
فأنشد يقول :
يناديهم يوم الغدير نبيّهم |
بخمّ فأسمع بالرسول مناديا |
__________________
1 ـ الحاكم الحسكاني 1 : 158 ح 212 ، عن أبي سعيد الخدري في تفسيره للآية ، المناقب للخوارزمي : 135 ح 153.
2 ـ مرّ تخريجه فيما تقدّم.
إلى آخر الأبيات التي ذكرها المؤرّخون(1) .
ولكن ورغم كلّ ذلك ، فإنّ قريشاً اختارت لنفسها ، وأبتْ أن تكون في بني هاشم النبوّة والخلافة ، فيجحفون على قومهم بُجُحاً بُجحاً ، كما صرّح بذلك عمر بن الخطاب لعبد اللّه بن عبّاس في محاورة دارت بينهما(2) .
فلم يكن في وسع أحد أن يحتفل بذلك العيد بعد ذكراه الأُولى التي احتفل بها النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإذا كانوا قد تناسوا نصّ الخلافة وتلاشى من أذهانهم ، ولم يمض عليه من الوقت غير شهرين ، ومع ذلك لم يتكلّم به أحد ، فكيف بذكر الغدير التي مضى عليها عام كامل ، على أنّ هذا العيد مربوط بذلك النصّ على الخلافة ، فإذ انعدم النصّ وزال السببُ لم يبق لذلك العيد أثرٌ يذكر.
ومضت على ذلك السنون ، حتّى رجع الحقّ إلى أهله بعد ربع قرن ، فأحياها الإمام علي من جديد بعد ما كادت تُقبرُ ، وذلك في
__________________
1 ـ شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 202 ، المناقب للخوارزمي : 136 ح 152 ، نظم درر السمطين : 112.
2 ـ الطبري في تاريخه 4 : 222 حوادث سنة 23 باب شيء من سيرهِ ممّا لم يمض ذكره ، تاريخ ابن الأثير 3 : 63 حوادث سنة 23.
الرحبة عندما ناشد أصحاب محمّد ممّن حضر عيد الغدير أن يقوموا فيشهدوا أمام الناس ببيعة الخلافة ، فقام ثلاثون صحابياً منهم ستّة عشر بدريَّاً وشهدوا(1) ، والذي كتم الشهادة وادّعى النسيان ، كأنس ابن مالك الذي أصابتْه دعوى عليّ بن أبي طالب ، فلم يقم من مقامه ذلك إلاّ أبرص ، فكان يبكي ويقول : أصابتني دعوة العبد الصالح ، لأني كتمتُ شهادته(2) .
__________________
1 ـ مسند أبي يعلى 1 : 429 ح 567 ، مسند أحمد 1 : 88 و 119 وعنه في مجمع الزوائد 9 : 104 وقال : « رجاله رجال الصحيح » ، تاريخ دمشق 42 : 206 ، المعجم الكبير 5 : 175 ، أُسد الغابة 4 : 28 ، ذخائر العقبى : 68 ، مع اختلاف في عدد البدريين.
2 ـ قريب منه الفضائل لشاذان بن جبرئيل : 164 وعنه في البحار 41 : 218 ح 31 ، الإرشاد للمفيد 1 : 351.
وجاء في أنساب الأشراف للبلاذري : 157 ح 169 : عن أبي وائل قال : قال عليّ على المنبر : « نشدت اللّه رجلا سمع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يوم غدير خم : اللهمّ وال من والاه وعاد من عاده ، إلاّ قام فشهد » ، وتحت المنبر أنس ابن مالك والبراء ابن عازب وجرير بن عبد اللّه ، فأعادها فلم يجبه منهم ، فقال : « اللهمّ من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يُعرف بها » قال أبو وائل : فبرص أنس ، وعمي البراء ، ورجع جريراً أعرابياً ...
وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج 19 : 218 : « ذكر ابن قتيبة حديث
وبذلك أقام أبو الحسن الحجّة على هذه الأُمّة ، ومنذ ذلك العهد وحتّى يوم الناس هذا وإلى قيام الساعة يحتفل الشيعة بذكرى يوم الغدير ، وهو عندهم العيد الأكبر ، كيف لا وهو اليوم الذي أكمل اللّه لنا فيه الدين ، وأتمّ فيه علينا النعمة ، ورضي بالإسلام لنا ديناً ، وهو يوم عظيم الشأن عند اللّه ورسوله والمؤمنين.
ذكر بعض علماء أهل السنّة عن أبي هريرة أنه قال : لّما أخذ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بيد علي وقال : « من كنتُ مولاه فعليّ مولاه » إلى آخر الخطبة ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ :( اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً ) ، قال أبو هريرة : وهو يوم غدير خم ، من صام يوم ثمان عشر من ذي الحجّة كتب له
__________________
البرص والدعوة التي دعا بها أمير المؤمنينعليهالسلام على أنس بن مالك في كتاب المعارف في باب البرص من أعيان الرجال ، وابن قتيبة غير منهم في حقّ عليّعليهالسلام على المشهور من انحرافه عنه ».
وجاء في مسند أحمد 1 : 119 : « فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا ، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته ».
وفي المجمع الكبير للطبراني 5 : 175 : « قال زيد : وكنت أنا فيمن كتم فذهب بصري ».
وفي تاريخ دمشق 42 : 208 : « وكتم قوم فما فنوا من الدنيا حتى عموا وبرصوا ».
صيام ستّين شهراً(1) .
أمّا روايات الشيعة عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام في فضائل ذلك اليوم فحدّث ولا حرج ، والحمد للّه على هدايته أن جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين ، والمحتفلين بعيد الغدير.
وخلاصة البحث : إنّ حديث الغدير « من كنتُ مولاه فعلي مولاه ، اللّهمّ وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار » هو حديث ، أو بالأحرى هي حادثة تاريخية عظيمة أجمعت الأُمّة الإسلامية على نقلها ، فقد مرّ علينا ذكر ثلاثمائة وستّين من علماء أهل السنّة والجماعة ، وأكثر من ذلك من علماء الشيعة.
ومن أراد البحث والمزيد فعليه بكتاب الغدير للعلاّمة الأميني.
وبعد الذي عرضناه لا يُستغربُ أنْ تنقسمَ الأُمّة الإسلامية إلى سنّة وشيعة : تمسّكت الأُولى بمبدأ الشورى في سقيفة بني ساعدة ، وتأوّلت النصوص الصريحة ، وخالفت بذلك ما أجمع عليه الرواة من حديث الغدير ، وغيره من النصوص.
__________________
1 ـ تاريخ بغداد 8 : 284 ح 4392 ، وقال : « اشتهر هذا الحديث من رواية حبشون ، وكان يقال : إنّه تفرّد به ، وقد تابعه عليه أحمد بن عبد اللّه بن النيري ».
وتمسكت الثانية بتلك النصوص ، فلم ترض عنها بدلاً ، وبايعت الأئمة الإثني عشر من أهل البيت ولم تبغ عنهم حولاً.
والحقّ أنّني عندما أبحث في مذهب أهل السنّة والجماعة خصوصاً في أمر الخلافة أجد المسائل مبنيةً على الظنّ والاجتهاد ؛ لأنّ قاعدة الانتخاب ليس فيها دليل قطعي على أنّ الشخص الذي نختاره اليوم هو أفضل من غيره؛ لأنّنا لا نعلمُ خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ، ولأنّنا في الحقيقية مركّبون من عواطف وعصبيات ، وأنانية كاملة في نفوسنا ، وستلعب هذه المركّبات دورها إذا ما أُوكل إلينا اختيار شخص من بين أشخاص.
وليست هذه الأطروحة خيالاً أو أمراً مبالغاً فيه ، فالمتتبّع لهذه الفكرة ، فكرة اختيار الخليفة ، سيجد أن هذا المبدأ الذي يطبّل له لم ينجح ولا يمكن له أن ينجح أبداً.
فهذا أبو بكر زعيم الشورى بالرغم من وصوله إلى الخلافة ( بالاختيار والشورى ) ، نراه عندما شارف على الوفاة أسرع إلى تعيين عمر بن الخطاب خليفةً له دون استعمال طريقة الشورى. وهذا عمر بن الخطاب الذي ساهم في تأسيس خلافة أبي بكر نراه بعد وفاة أبي بكر يُعلن على الملأ بأنّ بيعة أبي بكر كانت فلتةً
وقى اللّه المسلمين شرّها(1) .
ثم بعد ذلك نرى أنّ عمراً عندما طُعن وأيقن بدنو أجله ، عينّ ستّة أشخاص ، ليختاروا بدورهم واحداً منهم ليكون خليفة ، وهو يعلم علم اليقين أنّ هؤلاء النفر على قلّتهم سيختلفون رغم الصحبة والسبق للإسلام والورع والتقوى ، فستثور فيهم العواطف البشرية التي لا ينجو منها إلاّ المعصوم ، ولذلك نراه ـ لحسم الخلاف ـ رجّح كفّه عبدالرحمن بن عوف فقال : إذا اختلفتُم فكونوا في الشقّ الذي فيه عبدالرحمن بن عوف ، ونرى بعد ذلك بأنّهم اختاروا الإمام عليّاً ليكون خليفة ، ولكنّهم اشترطوا عليه أن يحكم فيهم بكتاب اللّه وسنّة رسوله وسنّة الشيخين أبي بكر وعمر ، وقَبِلَ علىُّ كتاب اللّه وسنّة رسوله ورفض سنّة الشيخين(2) ، وقَبلَ عثمان هذه الشروط فبايعوه بالخلافة. وقال علي في ذلك :
« فيا للّه وللشورى متى اعترض الريبُ فيَّ مع الأوّل منهم حتّى صرتُ أُقرنُ إلى هذه النظائر ، لكنّي أسففتُ إذا أسفّوا وطرت إذ
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب 17 ، في رجم الحبلى من الزنا.
2 ـ تاريخ الطبري 3 : 301 ، حوادث سنة 23 ، قصة الشورى ، وكذلك في الكامل لابن الأثير3 : 74 في نفس الموضع.
طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ومال الآخر لصهره مع هن وهن »(1) .
وإذا كان هؤلاء ـ وهم نخبة المسلمين وهم خاصّة الخاصّة ـ تلعبُ بهم العواطف ، فيكون فيهم الحقد ، وتكون فيهم العصبية بين هن وهن. يقول محمّد عبده في شرحه لهذه الفقرة : ( يشير الإمام عليّ إلى أغراض أُخرى يكره ذكرها ) ؛ فعلى الدنيا بعد ذلك السلام.
على أنّ عبدالرحمن بن عوف ندم فيما بعد على اختياره ، وغَضبَ على عثمان واتّهمه بخيانه العهد لمّا حدث في عهده ماحدث ، وجاءه كبار الصحابة يقولون له : يا عبدالرحمن هذا عمل يديك. فقال لهم : ما كنتُ أظنّ هذا به ، ولكنّ للّه علىَّ أن لا أُكلّمه أبداً. ثمّ مات عبدالرحمن بن عوف وهو مهاجر لعثمان ، حتى رووا أنّ عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول بوجهه إلى الحائط ولم يكلّمه(2) .
ثمّ كان بعد ذلك ما كان ، وقامت الثورة على عثمان وانتهت بقتله ، ورجعت الأُمّة بعد ذلك للاختيار من جديد ، وفي هذه المرّة اختاروا عليّاً ، ولكنْ يا حسرة على العباد : فقد اضطربت الدولة الإسلامية ،
__________________
1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 3 المعروفة بالشقشقية.
2 ـ شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده 1 : 35.
وأصبحت مسرحاً للمنافقين ، ولأعدائه المُناوئين والمستكبرين ، والطامعين لارتقاء منصّة الخلافة بأىّ ثمن وعلى أيّ طريق ولو بإزهاق النفوس البريئة.
وقد تغيرت أحكام اللّه ورسوله على مرّ تلك السنين الخمس والعشرين ، ووجد الإمام عليّ نفسه وسط بحر لجي وأمواج متلاطمة ، وظلمات حالكة ، وأهواء جامحة ، وقضى خلافته في حروب دامية فُرضتْ عليه فرضاً من الناكثين والقاسطين والمارقين ، ولم يخرج منها إلاّ باستشهاده سلام اللّه عليه وهو يتحسّر على أُمّة محمّد ، وقد طمع فيها الطليق بن الطليق معاوية بن أبي سفيان ، وأضرابه كعمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، وغيرهم كثيرون ، وما جرّأ هؤلاء على مافعلوه إلاّ فكرة الشورى والاختيار.
وغرقت أُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم في بحر من الدماء ، وتحكّم في مصيرها سفهاؤها وأرذالُها ، وتحوّلت الشورى بعد ذلك إلى الملك العضوض ، إلى القيصرية والكسروية.
وانتهت تلك الفتره التي أطلقوا عليها اسم الخلافة الراشدة ، وبها سمّوا الخلفاء الأربعة بالراشدين ، والحقّ إنّه حتّى هؤلاء الأربعة لم يكونوا خلفاء بالانتخاب والشورى سوى أبي بكر وعليّ ، وإذا استثنينا أبا بكر لأنّ بيعته كانت فلتَة على حين غفلة ولم يحضرها
« الحزب المعارض » كما يقال اليوم ، وهم عليّ وسائر بني هاشم ومن يرى رأيهم ، لم يبق معنا من عُقدتْ له بيعة بالشورى والاختيار إلاّ علي بن أبي طالب الذي بايعه المسلمون رغم أنفه ، وتخلّف عنه بعض الصحابة فلم يفرض عليهم ولا هدّدهم.
وقد أراد اللّه سبحانه وتعالى أن يكون علي بن أبي طالب خليفة لرسول اللّه بالنصّ من اللّه وكذلك بالانتخاب من المسلمين ، وقد أجمعت الأُمّة الإسلامية قاطبة سنّة وشيعة على خلافة عليّ ، واختلفوا على خلافة غيره كما لا يخفى.
أقول : ياحسرة على العباد لو أنّهم قبلوا ما اختاره اللّه لهم؛ لأكلوا من فوق رؤوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولأنزل اللّه عليهم بركات من السماء ، ولكان المسلمون اليوم أسياد العالم وقادته كما أراد اللّه لهم لو اتّبعوه( وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (1) .
ولكنّ إبليس اللّعين عدوُنا المبين قال مخاطباً ربّ العزّة :( فَبِمَا أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لاَتِيَـنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ) (2) .
__________________
1 ـ آل عمران : 139.
2 ـ الأعراف : 16 ـ 17.
فلينظر العاقل اليوم إلى حالة المسلمين في العالم ، وهم أذلاّء لا يقدرون على شيء ، يركضون وراء الدول معترفين بإسـرائيل ، وهي ترفض الاعتراف بهم ولا تسمح لهم حتى بالدخول إلى القدس التي أصبحت عاصمة لها ، وإذا مارأيت بلاد المسلمين اليوم ترى أنهّم تحت رحمة أمريكا وروسيا ، وقد أكل الفقر شعوبهم ، وقتلهم الجوع والمرض ، في حين تأكل كلاب أُوربا شتّى أنواع اللحوم والأسماك ، فلا حول ولا قوة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
وقد تنبأت سيدة النساء فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها عندما خاصمتْ أبا بكر ، وخطبت خطبتها في نساء المهاجرين والأنصار ، وقالت في آخرها مُخبرةً عن مآل الأُمّة :
« أما لعمري لقد لقحت فنظرة ريثما تُنتج ، ثم احتلبوا ملأ القعب دماً عبيطاً وزُعافاً مبيداً ، هناك يخسر المبطلون ويعرف التَالون غبّ ما أسسّه الأوّلون ، ثمّ طيبوا عن دنياكم أنفساً واطمئنّوا للفتنة جأشاً ، وأبشروا بسيف صارم وسطوة معتد غاشم وهرج شامل ، واستبداد من الظالمين ، يدعُ فيئكم زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فيا حسرةً لكم ، وأنّى بكم ، وقد عُمّيت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون »(1) .
__________________
1 ـ دلائل الإمامة للطبري الشيعي : 129 ، أمالي الطوسي : 376 ح 804 ، الاحتجاج للطبرسي 1 : 148 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 234.
صدقت سيّدة النساء فيما تنبأت به وهي سليلة النبوّة ومعدن الرسالة ، وقد تجسّدت أقوالها في حياة الأُمّة ، ومن يدري لعلّ الذي ينتظرها أبشّع ممّا انقضى ، ذلك بأنّهم كَرهوا ما أنزل اللّه فأحبط أعمالهم.
العنصر المهم في البحث
بَقِيَ عنصرٌ واحدٌ مهمّ في كلّ هذا البحث يستحقّ العناية والدرس ، وربما هو الاعتراض الوحيد الذي كثيراً ما يثار عندما يُفحمُ المعاندون بالحُجج الدامغة ، فتراهم يلجأون إلى الاستغراب واستبعاد أن يكون قد حضر تنصيب الإمام عليّ مائة ألف صحابي ، ثمّ يتواطؤون كلّهم على مخالفته والإعراض عنه ، وفيهم خيرة الصحابة وأفضل الأمّة!
وهذا ماوقع لي بالذات عند اقتحام البحث ، فلم أُصدّق ولا يمكن لأحد أن يصدّق إذا ماطُرحت القضية بهذا الطرح ، ولكن عندما ندرُس القضية من جميع الجوانب يزول الاستغراب؛ لأنّ المسألة ليست كما نتصوّرها أو كما يعرضها أهل السنّة ، فحاشى أن يكون مائة ألف صحابي خالفوا أمر الرسول ، فكيف وقعت الواقعة إذن؟
أوّلاً : لم يكن يسكن المدينة المنورة كلّ من حضر بيعة الغدير ، وإنّما كان كما هو المفروض وعلى أكبر تقدير ثلاثة أو أربعة الآف منهم يسكنون المدينة ، وإذا عرفنا أنّ هؤلاء فيهم الكثير من الموالي
والعبيد والمستضعفين الذين قدموا على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من مناطق عديدة ، وليس لهم في المدينة قبيلة ولا عشيرة أمثال أهل الصفة ، فلا يبقى معنا إلاّ نصفهم يعني الفين فقط ، وحتّى هؤلاء فهم خاضعون لرؤساء القبيلة ونظام العشيرة التي ينتمون إليها ، وقد أقرّهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على ذلك ، فكان إذا قدم عليه وفدٌ ولىّ عليهم زعيمهم وسيّدهم ، ولذلك وجدنا اصطلاحاً على تسميتهم في الإسلام بأهل الحلّ والعقد.
وإذا مانظرنا إلى مؤتمر السقيفة الذي انعقد عند وفاة الرسول مباشرة ، وجدنا أنّ الحاضرين الذين اتخذوا قرار اختيار أبي بكر خليفة لا يزيد على مائة شخص على أكثر تقدير؛ لأنّه لم يحضر من الأنصار ـ وهم أهل المدينة ـ إلاّ أسيادهم وزعماؤهم ، كما لم يحضر من المهاجرين ـ وهم أهل مكة الذين هاجروا مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ إلاّ ثلاثة أو أربعة أشخاص يمثّلون قريش.
ويكفي دليلاً أن نتصوّر ماهو حجم السقيفة ، فكلّنا يعرف ما هي السقيفة التي ما كانت تخلو منها أيّ دار ، فليست هي قاعة الحفلات ولا قصر المؤتمرات ، فإذا ماقُلنا بحضور مائة شخص في سقيفة بني ساعدة ، فذلك مبالغة مّنا حتّى يفهم الباحث بأنّ المائة ألف لم يكونوا حاضرين ، ولا سمعوا حتى مادار في السقيفة إلاّ بعد زمن بعيد ، فلم
تكن هناك مواصلات جوية ، ولا هواتف لاسلكية ، ولا أقمار صناعية.
وبعد اتّفاق هؤلاء الزعماء على تعيين أبي بكر ، ورغم معارضة سيّد الأنصار سعد بن عبادة زعيم الخزرج وابنه قيس ، إلاّ أن الأغلبية الساحقة ( كما يقال اليوم ) أبرمتْ العقد وتصافقتْ عليه ، في حين كان أغلب المسلمين غائبين عن السقيفة ، وكان بعضهم مشغولاً بتجهيز الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أو مذهولاً بخبر موته ، وقد أرعبهم عمر بن الخطاب وخوّفهم إن قالوا بموته(1) .
أضف إلى ذلك أنّ أغلب الصحابة عبّأهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في جيش أُسامة ، وأكثرهم كانوا معسكرين بالجرف ، ولم يحضروا وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا حضروا مؤتمر السقيفة.
فهل يُعقلُ بعد هذا الذي وقع أن يعارض أفراد القبيلة أو العشيرة زعيمهم فيما أبرمه ، خصوصاً وأن فيما أبرمه الفضل العميم والشرف الكبير الذي تسعى إليه كلّ قبيلة منهم ، ومن يدري لعلّه يلحقهم في يوم من الأيام شرف الرئاسة على كلّ المسلمين ، ما دام صاحبها الشرعي قد أُبعِدَ وأصبح الأمر شورى يتداولونه بينهم بالتناوب ، فكيف لا يفرحون بذلك وكيف لا يؤيدونه؟
__________________
1 ـ صحيح البخاري 4 : 192 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل أبي بكر.
ثانياً : إذا كان أهل الحلّ والعقد من سكّان المدينة قد أبرموا أمراً ، فليس للقاصين البعيدين من أطراف الجزيرة أن يعارضوا ، وهم لا يدرون مايدور في غيابهم ، فوسائل النقل في ذلك العهد كانت بدائية ، ثمّ إنهم يتصوّرون بأنّ سكّان المدينة يعيشون مع رسول اللّه ، فهم أعلم بما يستجد من أحكام قد ينزل بها الوحي في أيّ ساعة وفي أيّ يوم.
ثمّ بعد ذلك ما يهمّ رئيس القبيلة البعيد عن العاصمة من أمر الخلافة شيئاً ، فبالنسبة إليه سواء أكان أبو بكر خليفة أم عليّ أم أيّ شخص آخر ، فأهل مكة أدرى بشعابها ، والمهم عنده هو بقاؤه هو على رئاسة عشيرته ولا ينازعه فيها أحد.
ومن يدري لعلّ البعض منهم تسائل عن الأمر وأراد أن يستطلع الخبر ، غير أنّ أجهزة الحكم أسكتته سواء بالترغيب أو بالترهيب ، ولعلَّ في قصة مالك بن نويرة الذي امتنع عن دفع الزكاة إلى أبي بكر مايؤكّد حصول ذلك.
والمتتبّع لتلك الأحداث التي وقعت في حرب مانعي الزكاة أيام أبي بكر يجد كثيراً من التناقضات ، ولا يقتنع بما أورده بعض المؤرّخين للحفاظ على كرامة الصحابة؛ وخصوصاً الحاكمين منهم.
ثالثاً : عنصر المفاجئة في القضية لعبَ دورا كبيراً في قبول
مايُسمّى اليوم « بالأمر الواقع » فلقد عُقد مؤتمر السقيفة على حين غفلة من الصحابة الذين شُغلوا بالرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن هؤلاء الإمام عليّ ، والعباس ، وسائر بني هاشم ، والمقداد ، وسلمان ، وأبي ذر ، وعمّار ، والزبير وغير هؤلاء كثير ، ولمّا خرج أصحاب السقيفة يزفّون أبا بكر إلى المسجد داعين إلى البيعة العامّة والناس يُقبلون على البيعة أفواجاً وزرافات طوعاً وكرهاً ، لم يكن عليّ وأتباعه قد فرغوا بعد من واجبهم المقدّس الذي فرضته عليهم أخلاقهم السامية ، فلا يمكن لهم أنْ يتركوا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بدون تغسيل وتكفين وتجهيز ودفن ، ويتسارعوا إلى السقيفة ليتنازعوا حول الخلافة.
وما أن فرغوا من واجبهم حتّى استتبّ الأمر لأبي بكر ، وبات من يتخلّف عن بيعته معدوداً من أصحاب الفتنة الذي يشقّ عصا المسلمين ، فيجب على المسلمين مقاومته أو حتّى قتله إن لزم الأمر.
ولذلك نرى عمر قد هدّد سعد بن عبادة بالقتل لما امتنع عن بيعة أبي بكر ، وقال : اقتلوه إنّه صاحب فتنة(1) ، وهدّد بعد ذلك المتخلّفين في بيت عليّ بحرق الدار ومن فيها ، وإذا عرفنا رأي عمر بن
__________________
1 ـ صحيح ابن حبان 2 : 157 ، وفيه : « قال عمر : فقلت وأنا مغضب : قتل اللّه سعداً فإنّه صاحب فتنة وشرّ » ، ونحوه في تاريخ دمشق 30 : 283 ، والنهاية لابن الأثير 4 : 13.
الخطاب في خصوص البيعة فهمنا بعد ذلك كثيراً من الألغاز التي بقيت محيّرة.
فعُمر يرى بأنّه يكفي لصحة البيعة أن يسبق إليها أحد المسلمين فيجب على الآخرين متابعته ، ومن عصا منهم فهو خارج من ربقة الإسلام ويجبُ قتلُه.
فلنستمع إليه يتحدّث عن نفسه في خصوص البيعة ، كما أخرجه البخاري في صحيحه(1) ، قال يحكي عمّا وقع في السقيفة :
« فكثُر اللّغطُ وارتفعت الأصواتُ حتّى فرقت من الاختلاف ، فقلتُ : أبسط يدك يا أبابكر ، فبسط يدَهُ فبايعتهُ وبايعَهُ المهاجرون(2) والأنصار ، ونزونا على سعد بن عباده ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلتُ : قتل اللّه سعد بن عبادة ، قال عمر : وإنا واللّه ماوجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يبايعوا رجُلاً منهم بعدنا ، فَإمّا بايعناهم على ما لا
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
2 ـ ذكر كلّ المؤرخين بأنّه لم يحضر في السقيفة إلاّ أربعة من المهاجرين ، فقوله : « فبايعته وبايعه المهاجرون يعارضه قوله : »وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما » ، قاله في نفس الخطبة ، انظر : صحيح البخاري باب رجم الحبلى من الزنا ، من كتاب المحاربين ( المؤلف ).
نرضى وإمّا نخالفهم فيكون فسادٌ ، فمن بايع رجُلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يبايعُ هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةً أنْ يقُتْلا ».
فالمسأله عند عمر ليست انتخاباً واختياراً وشورى ، وإنّما يكفي أن يبادر أحد المسلمين بالبيعة لتكون حجّة على الباقين ، ولذلك قال لأبي بكر : أبسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعه بدون مشورة ولا ترّيث خوفاً من أن يسبق إليها أحد آخر.
وقد عبّر عمر عن هذا الرأي بقوله : خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجُلاً منهم بعدنا ( خشي عمر أن يسبقه الأنصار فييايعوا رجُلاً منهم ) ويزيدنا وضوحاً أكثر عندما يقول : فإمَّا بايعناهم على ما لا نرضى وإمّا نخالفهم فيكون فسادُ(1) .
وحتى نكون منصفين في الحكم ومدقّقين في البحث ، يجبُ علينا أن نعترفَ بأنّ عمر بن الخطاب غيّر رأيه في البيعة في آخر أيام حياته ، وذلك عندما جاءه رجلٌ بمحضر عبدالرحمن بن عوف في آخر حجّة حجّها فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول : لو قد مات عمرُ لقد بايعتُ فلاناً ، فواللّه ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّتْ. فغضب عمر ، ولهذا قام في الناس خطيباً فور رجوعه إلى المدينة ، فقال من جملة ما قال في خطبته :
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا.
« إنّه بلغني أنّ قائلاً منكم يقول : واللّه لو مات عمر بايعتُ فلاناً ، فلا يغترنّ أمرؤ أن يقول إنّما كانت بيعةُ أبي بكر فلتةَ وتمّتْ ، ألاَ وإنّها كانتْ كذلك ولكنّ اللّه وقَى شرّها(1) ثمّ يقول : من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يُبايعُ هو ولا الذي بايَعهُ تَغِرَّةً أنْ يُقْتلاَ »(2) (3) .
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا.
2 ـ نفس المصدر السابق.
3 ـ أراد المؤلّف أن يوضح المنهجيّة المضطربة التي يتمتّع بها عمر بن الخطاب ومن يحذو حذوه ، إذ بينما يبايع أبا بكر لوحده يوم السقيفة ، ويسارع في مدّ يده للبيعة من دون أن يستشير المسلمين في ذلك ، نراه في آخر عمره يعرض عن ذلك الفعل ويحكم على فعله ومن يقلّده فيه بالقتل ، فللمؤلّف مؤاخذة على عمر بن الخطاب في التذبذب والاضطراب المنتهج الذي سلكه مع حزبه يوم السقيفة والذي شطب عليه نفسه في أُخريات حياته ، وما حذفه المؤلّف من الرواية ـ وهو : « وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر » ـ فلا مدخلية له في موضع استشهاده بكلام عمر بن الخطاب ، لأن ذلك شهادة من عمر في حقّ أبي بكر ، وهذا غير مرتبط بكلام المؤلّف؛ لأنّ كلامه عن فعل عمر يوم السقيفة من مبايعته أبي بكر من دون سبق مشورة من المسلمين ، وإذا به في آخر عمره يحكم على من يفعل الذي ارتكبه يوم السقيفة بالقتل.
وما هذا الاعتراض الذي اعترضه صاحب كشف الجاني في كتابه : 155
ليتَ عمر بن الخطاب كان على هذا الرأي يوم السقيفة ، ولم يستبدّ على المسلمين ببيعته لأبي بكر التي كانت فَلتَةٌ وقى اللّه شرّها ، كما شهد هو بذلك. ولكنْ أنّى لعمر أن يكون على هذا الرأي الجديد؛ لأنّه حكمَ على نفسه وعلى صاحبه بالقتل ، إذ يقول في رأيه الجديد : « من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يُبايعُ هو وَلا الذي بايعَه تغرّةً أن يُقتلاً ».
بقي علينا أن نعرف لماذا غيّر عمر رأيه في آخر حياته بالرغم من أنّه يعرف أكثر من غيره بأنّه برأيه الجديد نسف بيعة أبي بكر من أساسها ، إذ إنّه هو الذي سبق لبيعته من غير مشورة من المسلمين فكانت فلتَةً ، ونسفَ أيضاً بيعتَه هو لأنّه وصل للخلافه بنصّ أبي بكر عليه عند الموت من غير مشورة من المسلمين ، حتّى إنّ بعض الصحابة دخلوا على أبي بكر مستنكرين عليه أن يولي عليهم فضَّاً غليظاً(1) .
ولمّا خرج عمر ليقرأ على الناس كتاب أبي بكر سأله رجلٌ : ما في
__________________
ليس له منشأ إلاّ الجهل ومحاولة تمويه القارئ بأنّ المؤلّف يبتر الكلام ويأخذ ما ينفعه.
1 ـ المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 485 ح 46 ، تاريخ دمشق 30 : 413 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 : 164.
الكتاب يا أبا حفص؟ قال : لا أدري ، ولكنّي أوّل من سمع وأطاع ، قال الرجل : لكنّي واللّه أدري مافيه ، أمّرتَهُ عام أول ، وأمّرك العام(1) .
وهذا نظير قول الإمام عليّ لعمر عندما رآه يحمِلُ الناس قهراً لبيعة أبي بكر : « أحلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً »(2) .
والمهم أنْ نعرف لماذا غيّر عمر رأيه في البيعة! أكادُ أعتقدُ بأنّه سمع بأنّ بعض الصحابة يريد بيعة عليّ بن ابي طالب بعد موت عمر ، وهذا ما لا يرضاه عمر أبداً ، وهو الذي عارض النصوص الصريحة ، وعارض أن يكتب رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك الكتاب؛ لأنّه عرف فحواه حتىّ اتهمه بالهجر(3) ، وخوف الناس حتّى لا يقـولوا بموته(4) وذلك
__________________
1 ـ الإمامة والسياسية لابن قتيبة 1 : 38.
2 ـ الإمامة والسياسية لابن قتيبة 1 : 29 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 : 11.
3 ـ أمّا بالنسبة إلى منعه الكتابة فراجع : صحيح البخاري 1 : 37 ، كتاب العلم ، باب 40 و 7 : 9 كتاب المرضى ، باب 17 ، صحيح مسلم 5 : 76 ، كتاب الوصية ، باب 5 ، المصنّف لعبد الرزاق 5 : 439 ، صحيح ابن حبان 14 : 562 ، وغيره من المصادر الكثيرة.
أمّا عن اتهام عمر الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بالهجر فراجع : سرّ العالمين للغزالي : 40 وقال : « قال عمر : دعوا الرجل فإنّه يهجر ، وقيل : يهدر ».
__________________
وفي تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 65 أيضاً بنفس المعنى.
وقال ابن الأثير في النهاية 5 : 245 : « ومنه حديث مرض النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قالوا : ما شأنه أهجر والقائل كان عمراً ».
وفي السقيفة وفدك للجوهري ـ كما عن ابن أبي الحديد في شرح النهج 6 : 51 ـ : « فقال عمر كلمة معناها أنّ الوجع قد غلب على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
واعترف ابن تيمية في منهاج السنّة 6 : 24 و 315 بذلك وقال : « أمّا عمر فاشتبه عليه هل كان قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من شدّة المرض ، أو كان من أقواله المعروفة ، والمرض جائز على الأنبياء ، ولهذا قال : ما له أهجر؟ فشكّ في ذلك ولم يجزم بأنّه هجر فإنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم كان مريضاً فلم يدر أكلامه كان من وهج المرض كما يعرض للمريض ، أو كان من كلامه المعروف الذي يجب قبوله ».
فإنّ ابن تيمية يقرّ بأنّ القائل لهذه الكلمة الخبيثة هو عمر ، لكن يبرّر موقفه وينسبه إلى الشكّ وعدم التثبيت ، بما يدلل على جهل عمر بأحوال الأنبياء ومقامهم الرفيع ، سيما رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخصوصاً وهو في تلك الحالة حيث يعهد ويوصي آخر وصاياه.
وفهم ذلك حتى النساء ، ففي مسند أحمد 1 : 293 والمعجم الكبير 11 : 30 : « قالت المرأة : ويحكم عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وفي الطبقات لابن سعد 2 : 244 : « فقالت زينب زوج النبي : ألا تسمعون النبي يعهد إليكم؟ ».
وفي مجمع الزوائد 4 : 391 و 8 : 609 : « فقال النسوة من وراء الستر : ألا يسمعون ما يقول رسول اللّه؟ ».
لئلاَّ يتسـابقَ الناس إلى بيعة عليّ.
وشيّد بيعة أبي بكر ، وحمل الناس عليها بالقهر ، وهدّد كلّ من تخلّف بالقتل(1) ، كلّ ذلك في سبيل إبعاد عليّ عن الخلافة ، فكيف يرضى أن يقول قائلٌ بأنّه سيُبايع فلاناً لو قد مات عمر ، وخصوصاً بأنّ هذا القائل ( الذي بَقي اسمه مجهولاً ولا شكّ إنَه من عظماء الصحابة ) يحتحّ بما فعله عمر نفسه في بيعته لأبي بكر إذ يقول : فواللّه ما كانتْ بيعة أبي بكر إلاّ فلتةً فتمّتْ. أي أنّها بالرغم من كونها وقعتْ على حين غفلة من المسلمين وبدون مشورة منهم ، فقد تّمتْ وأصبحت حقيقة ، ولذا جاز لعمر أن يفعلها مع أبي بكر ، فكيف لايجوز له أن يفعلها هو بنفس الطريقة مع فلان؟!
ونلاحظ هنا أنّ ابن عباس ، وعبدالرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب يتحاشون ذكر اسم هذا القائل ، كما يتحاشون ذكر اسم الذي
__________________
ثم إن تعجب فعجب قول النووي في شرح صحيح مسلم عند شرحه لهذا الحديث : « فقد اتفق العلماء المتكلّمون في شرح الحديث على أنّه من دلائل فقه عمر وفضله » ، فلا ندري أنصدّق قوله بفقه عمر ، أو نأخذ برأي ابن تيمية الدالّ على جهل عمر وشكّه؟ حتى إنّ ربّات الحجال فهمن مراد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يفهمه عمر ، وكم له من نظير!!.
4 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضل أبي بكر.
1 ـ الإمامة والسياسة 1 : 30.
يريد بيعته ، ولمّا كان لهذين الشخصين أهميّة كبيرة لدى المسلمين ، نرى أنّ عمر غضب لهذه المقالة وبادر في أوّل جمعة بأن خطب الناس ، وأثار موضوع الخلافة بعده ، وطلع عليهم برأيه الجديد فيها ، حتّى يقطع الطريق على هذا الذي يريد إعادة الفلتة لأنّها ستكون لصالح خصمه.
على أنّنا فهمنا من خلال البحث بأنّ هذه المقالة ليستْ رأي فُلان وحده ، وإنّما هي رأي كثير من الصحابة ، ولذلك يقول البخاري : فغضب عمرُ ثمّ قال : إننّي إن شاء اللّه لقائم العشية في الناس ، فمحذّر هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أُمورهم ...(1) .
فتغيير عمر لرأيه في البيعة كان معارضة لهؤلاء الذين يريدون أن يغصبوا الناس أُمورهم ويبايعو عليّاً!! وهذا ما لايرضاه عمر؛ لأنّه يعتقد بأنّ الخلافة هي من أُمور الناس وليست حقّاً لعليّ بن أبي طالب ، وإذا كان هذا الاعتقاد صحيحاً فلماذا أجاز هو لنفسه أن يغصب الناس أُمورهم بعد موت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ويسارع لبيعة أبي بكر من غير مشورة المسلمين؟
وموقفُ أبي حفص من أبي الحسن معروف ومشهور ، وهو إبعاده
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا.
عن الحكم ما استطاع لذلك سبيلاً.
وهذا الاستنتاج لم نستوحه من خطبته السابقة فحسب ، ولكنّ المتتبّع للتاريخ يعرف أنّ عمر بن الخطاب كان هو الحاكم الفعلي حتّى في خلافة أبي بكر ، ولذلك نرى أبا بكر يستأذن من أُسامة بن زيد أن يترك له عمر بن الخطاب ليستعين به على أمر الخلافة(1) ، ومع ذلك نرى عليّ بن أبي طالب يبقى بعيداً عن المسؤولية ، فلم يولّوه منصباً ولا ولاية ، ولا أمّروه على جيش ، ولا ائتمنوه على خزينة ، وذلك طوال خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، وكلّنا يعلم من هو عليّ بن أبي طالب!!
والأغرب من كلّ هذا أنّنا نقرأ في كتب التاريخ بأنّ عمر لما أدركته الوفاة تأسّف أن لا يكون أبو عبيدة بن الجراح ، أو سالم مولي أبي حذيفة من الأحياء حتّى يولّيهم من بعده ، ولكنّه ولا شكّ تذكّر بأنّه سبق أن غيّر رأيه في مثل هذه البيعة ، واعتبرها فلتة وغصباً لأُمور المسلمين ، فلابدّ له إذن أن يخترع طريقة جديدة في البيعة
__________________
1 ـ في تاريخ الطبري 3 : 226 : « قال أبو بكر : إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل » ، وفي الطبقات 2 : 147 : « كلّم أبو بكر أُسامة في عمر أن يأذن له في التخلّف ففعل » ، الكامل في التاريخ 2 : 335 ، تاريخ خليفة بن الخياط 64 ، تاريخ ابن الوردي 1 : 134 ، البداية والنهاية 6 : 218.
لتكون حلاًّ وسطاً بينَ بين ، فلا يستبدّ أحد فيسبقُ بالبيعة لمن يراه صالحاً لَها ، ويحمل الناسَ على متابعته كما فعل هو مع أبي بكر ، وكما فعل أبو بكر معه هو ، أو كما يريد أن يفعل فلان الذي ينتظر موت عمر ليبايع صاحبه ، فهذا غير ممكن بعد أن حكم عمر عليها بالفلتة والاغتصاب.
ولا يمكن له أيضاً أن يترك الأمر شورى بين المسلمين ، وقد حضر مؤتمر السقيفة عقب وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ورأى بعينيه ماوقع من الاختلاف الذي كادت تُزهقُ فيه الأرواح ، وتُهرق فيه الدماء.
واخترع أخيراً فكرة أصحاب الشورى ، أو الستّة الذين لهم وحدهم حقّ اختيار الخليفة ، وليس لأحد من المسلمين أن يشاركهم في ذلك ، وكان عمر يعلم أنّ الخلاف بين هؤلاء الستّة لا مفرّ منه ، ولذلك أوصى عند الاختلاف أن يكونوا مع الفريق الذي فيه عبدالرحمن بن عوف ، ولو أدّى الأمر إلى قتل الثلاثه الذين يخالفون عبدالرحمن.
هذا في حال انقسام الستّة إلى قسمين ، وهو محالٌ لأنّ عمر يعرف بأنّ سعد بن أبي وقاص ابن عمّ لعبدالرحمن وكلاهما من بني زهرة ، ويعلم أنّ سعد لا يحبّ علياً وكان في نفسه شيء منه؛ لأنّ علياً قتل أخواله من عبد شمس ، كما يعرف عمر أنّ عبدالرحمن بن عوف
هو صهر عثمان ؛ لأنّ زوجته أم كلثوم هي أُخت عثمان. ويعلم أيضاً أن طلحة ميّالٌ لعثمان لصلات بينهما على ماذكره بعض رواة الأثر ،وقد يكفي في ميله إلى عثمان انحرافه عن عليّ ، لأنّه تيمي ، وقد كان بين بني هاشم وبني تيم مواجد لمكان الخلافة لأبي بكر(1) .
كان عمر يعلم كلّ ذلك ، ومن أجل هذا كان اختياره لهؤلاء بالذات.
اختار عمر هؤلاء الستّة ، وكلّهم من قريش وكلّهم من المهاحرين ، وليس فيهم واحدّ من الأنصار ، وكلّهم يمثل ويتزعّم قبيلة لها أهميتها وتأثيرها :
1 ـ علي بن أبي طالب زعيم بني هاشم.
2 ـ عثمان بن عفان زعيم بني أُميّة.
3 ـ عبدالرحمن بن عوف زعيم بني زهرة.
4 ـ سعد بن أبي وقاص هو من بني زهرة وأخواله بني أُمية.
5 ـ طلحة بن عبيد اللّه هو سيّد بني تيم.
6 ـ الزبير بن العوّام هو ابن صفية عمّة الرسول ، وهو زوج أسماء بنت أبي بكر.
__________________
1 ـ شرح نهج البلاغة لمحمد عبده1 : 34.
فهؤلاء هم أهل الحلّ والعقد ، وكلامهم نافذٌ على كلّ المسلمين ، سواء منهم سكان المدينه ( عاصمة الخلافة ) أو غيرهم في كلّ العالم الإسلامي ، ومَا على المسلمين إلاّ السمع والطاعة بدون نقاش ، ومن يخرج منهم على ذلك فهو مهدور الدم. وهذا بالذات الذي أردنا تقريبه من ذهن القارئ بخصوص السكوت عن نصّ الغدير فيما تقدّم.
وإذا كان عمر يعلم نفسيات هؤلاء الستّة وعواطفهم وطموحاتهم ، فإنّه بلا شكّ قد رشّح عثمان بن عفّان للخلافة ، أو أنّه كان يعلم أنّ الأكثرية من هؤلاء الستّة لا يرضون بعليّ ، وإلاّ لماذا وبأىّ حقّ يرجّح كفّة عبد الرحمن بن عوف على عليّ بن أبي طالب ، والحال أنّ المسلمين منذ وُجدُوا وحتّى اليوم إنّما يتنازعون في أفضلية علي وأبي بكر ، ولم نسمع أحداً يقارن عليّاً بعبد الرحمن بن عوف؟
وهنا أقفُ وقفةً لابدّ منها ، لأسألَ أهل السنّة والجماعة القائلين بمبدأ الشورى وأهل الفكر الحرّ كافة ، أسألُ كلّ هؤلاء؟ كيف توفّقون بين الشورى بمعناها الإسلامي ، وبين هذه الفكرة التي إن دلّتْ على شيء فإنّما تدلّ على الاستبداد بالرأي؛ لأنّه هو الذي اختار هؤلاء النفر وليس المسلمون ، وإذا كان وصوله للخلافة فلتةً ، فبأىّ حقّ يفرض على المسلمين أحد هؤلاء الستّة؟!
والذي يبدو لنا أنّ عمر يرى الخلافة حقّاً من حقوق المهاجرين وحدهم ، وليس من حقّ أحد أن ينازعهم هذا الأمر ، بل أكثر من هذا يعتقد عمر كما يعتقد أبو بكر بأنّ الخلافة ملك لقريش وحدها ، إذ في المهاجرين من ليسوا من قريش ، بل فيهم من ليسوا من العرب ، فلا يحقّ لسلمان الفارسي ، ولا لعمّار بن ياسر ، ولا لبلال لحبشي ، ولا لصهيب الرومي ، ولا لأبي ذرالغفاري ، ولا لأُلوفِ الصحابة الذين ليسوا من قريش أن يتصدّوا للخلافة.
وليس هذا مجّرد إدّعاء! حاشا وكلاًّ ، بل هي عقيدتهم التي سجّلها التاريخ والمحدّثون من أفواههم ، فلنعُد إلى نفس الخطبة التي أخرحها البخاري ومسلم في صحيحيهما :
يقول عمر بن الخطاب : أردتُ أن أتكلّمَ وكنتُ زوّرتُ مقالة أعجبتني ، أُريدُ أن أُقدّمها بين يدي أبي بكر ، وكنتُ أداري منه بعض الحدّ ، فلّما أردتُ أن أتكلّم قال أبو بكر : على رسْلك ، فكرهتُ أنْ أُغضبهُ ، فتكلّم أبو بكر ، فكان هو أحلم منّي وأوقر ، واللّه ماترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلاّ قال في بديهته مثلها أو أفضلَ ، حتّى سكتَ فقال : ما ذكرتُم فيكم من خير فأنتم له أهل ( مخاطباً الأنصار ) ولنْ يُعرف هذا الأمرُ إلاّ لهذا الحي منْ قريش(1) .
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا.
إذن ، يتبينّ لنا بوضوح بأنّ أبا بكر وعمر لا يؤمنان بمبدأ الشورى والاختيار ، ويقول بعض المؤرّخين بأنّ أبا بكر احتجّ على الأنصار بحديث الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الخلافة في قريش » وهو حديث صحيح لا شكّ فيه ، وحقيقته ( كما نصّ على ذلك البخاري ومسلم وكلّ الصحاح عند السنّة وعند الشيعة ) قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلّهم من قريش ».
وأصرح من هذا الحديث قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقىَ منَ الناسِ اثنان »(1) .
وقوله : « الناس تبعٌ لقريش في الخير والشرّ »(2) .
فإذا كان المسلمون قاطبة يؤمنون بهذه الأحاديث ، فكيف يقول قائل بأنّه ترك الأمر شورى بين المسلمين ليختاروا من يشاؤون؟
ولا يمكن لنا أن نتخلّص من هذا التناقض إلاّ إذا أخذنا بأقوال أئمة أهل البيتعليهمالسلام وشيعتهم ، وبعض علماء السنّة الذين يؤكّدون بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد نصّ على الخلفاء ، وعيّنهم بعددهم وأسمائهم ، وبذلك يمكن لنا أيضاً أن نفهم موقف عُمر وحصره
__________________
1 ـ صحيح مسلم 6 : 3 ، كتاب الامارة ، باب الناس تبع لقريش ، صحيح البخاري 4 : 155 ، كتاب الأحكام ، باب الأمراء من قريش.
2 ـ صحيح مسلم 6 : 2 ، كتاب الإمارة ، باب الناس تبع لقريش.
الخلافة في قريش.
وعُمر مَنْ عُرفَ باجتهاده مقابل النصوص حتى في حياة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فصلح الحديبية(1) ، والصلاة على المنافقين(2) ، ورزية يوم الخميس(3) ، ومنعه التبشير بالجنّة(4) أكبر شاهد على ما نقول. فلا يُستغْربُ منه أن يجتهد بعد موت النبي في نصّ حديث الخلافة ، فلا يري وجوباً بقبول النصّ على عليّ بن أبي طالب الذي هو أصغر قريش ، وحصر حقّ الاستخلاف بقريش وحدها ، وهو الذي حدا بعمر أن يختار قبل موته ستّة من عظماء قريش ليوفّق بين أحاديث النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وما يرتأيه هو من حقّ قريش وحدها في الخلافة.
ولعلّ إقحام عليّ في الجماعة مع العلم المسبق بأنّهم لا يختارونه ، هو تدبير من عمر ليُجبر عليّاً على الدخول معهم في اللُّعبة السياسية كما يسمّونها اليوم ، وحتّى لا تبقى له حجّة عند شيعته ومحبّيه الذين يقولون بأولويّته ، ولكن الإمام عليّاً تحدّث عن كلّ ذلك في خطبة
__________________
1 ـ صحيح مسلم 5 : 175 ، كتاب الجهاد ، باب صلح الحديبية.
2 ـ صحيح البخاري 2 : 26 ، كتاب الجنائز ، باب 22 الكفن في القميص.
3 ـ صحيح البخاري 1 : 37 ، كتاب العلم ، باب 40 في كتابة العلم.
4 ـ صحيح مسلم 1 : 65 ، كتاب الإيمان ، باب الدليل على أنّ من مات على التوحيد دخل الجنة.
أمام عامّة الناس ، فقال في ذلك :
« فصبرتُ على طول المدّة وشدّة المحنة ، حتّى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فياللّه وللشورى ، متى اعترض الريبُ فىَّ مع الأّول منهم حتّى صرت أّقرن إلى هذه النظائر ، لكنّي أسففت إذ أسفّوا وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره مع هن وهن » الخطبة(1) .
رابعاً : إنّ الإمام عليّ سلام اللّه عليه احتجّ عليهم بكلّ شيء ، ولكن بدون جدوى ، وهل يستجدي الإمام عليّ بيعة الناس الذي صرفوا وجوههم عنه ، ومالت قلوبهم لغيره ، إمّا حسداً له على ما أتاه اللّه من فضله ، وإمّا حِقداً عليه؛ لأنّه قتل صناديدهم وهشّم أبطالهم ، وأرغم أُنوفهم ، وأخضعهم وحطّم كبرياءهم بسيفه وشجاعته حتّى أسلموا واستسلموا ، وهو مع ذلك شامخٌ يذود عن ابن عمّه ، لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولا يثني عزمه من حطام الدنيا شيء.
وكان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلمُ ذلك علم اليقين ، وكان في كلّ مناسبة يُشيد بفضائل أخيه وابن عمّه لكي يحبّبه إليهم ، فيقول : « حبّ عليّ
__________________
1 ـ نهج البلاغة1 : 35 ، الخطبة 3 ، المعروفة بالشقشقية.
إيمان وبغضه نفاق »(2) ـ ويقول : « عليّ منّي وأنا من علي »(3) ، ويقول : « عليّ وليّ كل مؤمن بعدي »(1) ، ويقول : « عليّ باب مدينة
__________________
1 ـ صحيح مسلم ، كتاب الإيمان ، باب أنّ حب الأنصار وعليّ من الإيمان ، عن عليّعليهالسلام قال : « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إنّه لعهد النبي الأُميّ إليّ : أن لا يحبني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق ».
وقال الشيخ الألباني في صحيحته 1 : 298 : « من فضائل علي 1720 : إنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق ، أخرجه مسلم 1 : 61 ، والنسائي 2 : 271 ، والترمذي 2 : 301 ، وابن ماجة : 114 ، وأحمد 1 : 84 و 95 و 128 ، والخطيب في التاريخ 14 : 426 من طرق عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن علي رضي اللّه عنه مرفوعاً. قلت : وله شاهد من حديث اُم سلمة ، أخرجه الترمذي 2 : 299 ، وأحمد 6 : 293 وقال الترمذي : حديث حسن غريب ».
2 ـ ذكرهُ الألباني في صحيحته تحت رقم 1980 ، وفي صحيح سنن ابن ماجة للألباني رقم 118 ، وفي صحيح سنن الترمذي للألباني تحت رقم 3719 ، وفي مشكاة المصابيح وصرّح بأنّه حسن رقم 6083 ، وفي خصائص النسائي رقم 65 ، وصرّح الحويني الأثري بصحته ، وفي مسند أحمد برقم 17435 و 17440 و 17441 ، وصرّح محقّق الكتاب بصحته ، وفي صحيح الجامع الصغير للألباني برقم 1239.
3 ـ المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 504 ح 58 ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : 559 ح 1187 بلفظ : « وهو ولي كلّ مؤمن بعدي » ، وقال محقّق الكتاب الشيخ الألباني : « إسناده صحيح ، ورجاله ثقات على شرط مسلم » ، وأخرجه الشيخ
علمي »(1) و « أبو ولدي »(2) ويقول : « عليّ سيّد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجّلين »(3) .
ولكن مع الأسف مازادهم ذلك إلاّ حسداً وحقداً ، وبذلك استدعاه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قبل موته فعانقه وبكى وقال له : « ياعليّ إنّي أعلم أنّ
__________________
الألباني في صحيحته تحت رقم 2223 بلفظ : « وهو ولي كلّ مؤمن بعدي » وقال : « أخرجه الترمذي 3713 ، والنسائي في الخصائص ص 13 ـ 16 ـ 17 ، وابن حبان 2203 ، والحاكم 3 : 110 ، والطيالسي في مسنده 829 ، وأحمد 4 : 437 ، وابن عدي في الكمال 2 : 568 ـ 569 » الصحيحة 5 : 261.
وقال الحاكم في المستدرك : « صحيح على شرط مسلم » ، وأقرّه الذهبي.
وقد ردّ الشيخ الألباني على ابن تيمية ومن لفّ لفّه في تضعيفهم لهذا الحديث ، فقال في الموضع المذكور من الصحيحة : « فمن العجب حقّاً أن يتجرّأ شيخ الإسلام ابن تيمية على إنكار هذا الحديث وتكذيبه في منهاج السنّة 4 : 104 فلا أدري بعد ذلك وجه تكذيبه للحديث إلاّ التسرع والمبالغة في الردّ على الشيعة »!!
فانظر وأعجب لهؤلاء القوم الذين حدا بهم التعصّب المقيت والبغض للتشيع أن يطعنوا في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟!!.
1 ـ في العمدة لابن البطريق : 281 عن ابن المغازلي في المناقب : 50 : « فهو باب مدينة علمي ».
2 ـ في ينابيع المودة 2 : 344 عن جواهر العقدين 2 : 206 وابن المغازلي 13 : « قال عليعليهالسلام : فانشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه : أنت أبو ولدي غيري؟ » ، وفي الرياض النضرة 4 : 107 ح 1328 : « أنت أخي وأبو ولدي » ، قال : « أخرجه أحمد في المناقب ».
3 ـ مستدرك الحاكم 3 : 138 ، وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم
لك ضغائن في صدور قوم سوف يظهرونها لك بعدي ، فإن بايعوك فاقبل ، وإلاّ فاصبر حتّى تلقاني مظلوماً »(1) .
فإذا كان أبو الحسن سلام اللّه عليه لزم الصبر بعد بيعة أبي بكر ، فذلك بوصية الرسول له ، وفي ذلك من الحكمة ما لا يخفى.
خامساً : أضف إلى كلّ ماسبق أنّ المسلم إذا ماقرأ القرآن الكريم وتدبّر آياته ، يعرف من خلال قصصه التي تناولت الأُمم والشعوب
__________________
يخرّجاه » ، حلية الأولياء 1 : 63 ، المعجم الصغير 2 : 89 ، نظم درر السمطين : 114 ، شرح نهج البلاغة 9 : 170 ، وفي الاصابة 4 : 5 بلفظ : « أوحي إليّ في عليّ أنّه إمام المتقين » ، أخبار أصبهان 2 : 229 ، المناقب للخورزمي : 113 و 295 و 323 و 360 ، تاريخ دمشق 42 : 302.
1 ـ نحوه تاريخ دمشق 42 : 324 ، المناقب للخوارزمي : 65 ح 35 ، الرياض النضرة 4 : 158 ح 1518 ، مسند أبي يعلى 1 : 426 ح 565 ، مجمع الزوائد 9 : 118 وقال : « رواه أبو يعلى والبزار ، وفيه الفضل بن عميرة وثّقه ابن حبان وضعفه غيره ، وبقية رجاله ثقات ».
والذي يؤيّد هذا الكلام ، وأنّ الأُمّة ستنقلب على عليّ بن أبي طالبعليهالسلام بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ما أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 1406 ح 4734 وأقرّ الذهبي بصحته قول عليعليهالسلام : « إنّ ممّا عهد إليّ النبي أنّ الأُمّة ستغدر بي بعده ».
السابقة أنّه وقع فيهم أكثر ممّا وقع فينا ، فها هو قابيل يقتل أخاه هابيل ظلماً وعدواناً ، وها هو نوح جدّ الأنبياء بعد ألف سنة من الجهاد لم يتبعه من قومه إلاّ القليل وكانت امرأته وابنه من الكافرين ، وها هو لوط لم يوجد في قريته غير بيت من المؤمنين ، وها هم الفراعنة الذين استكبروا في الأرض واستعبدوا الناس لم يكن فيهم غير مؤمن يكتم إيمانه.
وهاهم إخوة يوسف أبناء يعقوب ، وهم عصبة يتآمرون على قتل أخيهم الصغير بغير ذنب اقترفه ، ولكن حسداً له لأنّه أحبّ إلى أبيهم ، وها هم بنوا إسرائيل الذين أنقذهم اللّه بموسى ، وفلق لهم البحر ، وأغرق أعداءهم فرعونَ وجنوده بدون أن يكلّفهم عناء الحرب ، ما إن خرجوا من البحر ولم تجفّ أقدامهم ، فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا : ياموسى ، اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة! قال : إنّكم قوم تجهلون.
ولمّا ذهب إلى ميقات ربّه ، واستخلف عليهم أخاه هارون تآمروا عليه وكادوا يقتلونه ، وكفروا باللّه ، وعبدو العجل ، ثمّ قتلوا أنبياء اللّه ، قال تعالى :( أفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) (1) .
__________________
1 ـ البقرة : 87.
وها هو سيّدنا يحيى بن زكريا ، وهو نبي وحصور ومن الصالحين ، يقتلُ ويهدى رأسه إلى بغي من بغايا بني إسرائيل.
وها هم اليهود والنصارى يتآمرون على قتل وصلب سيّدنا عيسى.
وها هي أُمّة محمّد تعد جيشاً قُوامه ثلاثين ألفاً لقتل الحسين ريحانة رسول اللّه وسيّد شباب أهل الجنة ، ولم يكن معه غير سبعين من أصحابه ، فقتلوهم جميعاً بما في ذلك أطفاله الرضّع.
فأيّ غرابة بعد هذا؟!
أيّ غرابة بعد قول الرسول لأصحابه : « ستتبعون سُنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه » ، قالوا : أتراهم اليهود والنصارى؟ قال : « فمن؟ »(1) .
أيّ غرابة ونحن نقرأ في البخاري ومسلم قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يؤتى بأصحابي يوم القيامة إلى ذات الشمال ، فأقول : إلى أين »؟ فيقال : إلى النار واللّه ، فأقول : « ياربّ هؤلاء أصحابي » ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : « سُحقاً لمن بدّل بعدي ، ولا آراه يخلص منهم
__________________
1 ـ صحيح البخاري 8 : 151 ، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة ، باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لتتبعن سنن ».
إلاّ مثل همل النعم »(1) .
أيّ غرابه بعد قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة »(2) .
وصدق العلّي العظيم ربّ العزّة والجلالة العليم بذات الصدور إذ يقول :
( وَمَا أكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (3) .
( بَلْ جَاءَهُمْ بِالحَقِّ وَأكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (4) .
( لَـقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالحَقِّ وَلَكِنَّ أكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (5) .
( ألا إنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (6) .
( يُرْضُونَكُمْ بِأفْوَاهِهِمْ وَتَأبَى قُلُوبُهُمْ وَأكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ) (7) .
__________________
1 ـ راجع حديث الحوض بألفاظه المختلفة : صحيح البخاري 7 : 209 ، كتاب الرقاق ، باب في الحوض ، صحيح مسلم 7 : 65 ، كتاب الفضائل ، باب إثبات حوض نبينا.
2 ـ المصنّف لعبد الرزاق 10 : 156 ح 18675 ، وقد تقدّم تخريجه فيما مضى ، فراجع.
3 ـ يوسف : 103.
4 ـ المؤمنون : 70.
5 ـ الزخرف : 78.
6 ـ يونس : 55.
7 ـ التوبة : 8.
( إنَّ اللّهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ ) (1) .
( يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ ) (2) .
( وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأبَى أكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُوراً ) (3) .
( وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ) (4) .
( بَلْ أكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ ) (5) .
( أفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَـبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَـبْكُونَ * وَأنْتُمْ سَامِدُونَ ) (6) .
__________________
1 ـ يونس : 60.
2 ـ النحل : 83.
3 ـ الفرقان : 50.
4 ـ يوسف : 106.
5 ـ الأنبياء : 24.
6 ـ النجم : 59 ـ 61.
حسرة وأسى
كيف لا أتحسّر؟ بل كيف لا يتحسّر كلّ مسلم عند قراءة مثل هذه الحقائق ، على ماخسره المسلمون بإقصاء الإمام عليّ عن الخلافة التي نصّبه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيها ، وحرمان الأُمّة من قيادته الحكيمة ، وعلومه الكثيرة؟!
وإذا مانظر المسلم بغير تعصّب ولا عاطفة لوجده أعلم الناس بعد الرسول ، فالتاريخ يشهد أنّ علماء الصحابة استفتوه في كلّ ما أشكل عليهم ، وقول عمر بن الخطاب أكثر من سبعين مرّة « لولا عليّ لهلك عمر »(1) ، في حين إنّهعليهالسلام لم يسأل أحداً منهم أبداً.
كما أنّ التاريخ يعترف بأنّ عليّ بن أبي طالب أشجع الصحابة وأقواهم ، وقد فرّ الشجعان من الصحابة في مواقف عديدة من الزّحف ، في حين ثبتَ هوعليهالسلام في المواقف كلّها ، ويكفيه دليلاً الوسام الذي وسّمه به رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عندما قال :
__________________
1 ـ المناقب للخوارزمي 81 ح 65 ، نظم درر السمطين : 132 ، فيض القدير للمناوي 4 : 470 ، ذخائر العقبى : 82 ، تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة : 152.
« لأعطين غداً رايتي إلى رجل يحبّ اللّه ورسوله ويحبُّه اللّه ورسولُه كرَّارٌ ليس فرّاراً امتحن اللّه قلبه للإيمان »(1) .
فتطاول إليها الصحابة فدفعها إلى عليّ بن أبي طالب.
وباختصار فإنّ موضوع العلم والقوّة والشجاعة التي يَختصّ بها الإمام عليّ موضوع معروف لدى الخاصّ والعامّ ولا يختلف فيه اثنان ، وبقطع النظر عن النصوص الدالّة على إمامته بالتصريح والتلميح ، فإنّ القرآن الكريم لا يعترف بالقيادة والإمامة إلاّ للعالِم الشجاع القوي ، قال اللّه سبحانه وتعالى في وجوب اتّباع العلماء :
( أفَمَنْ يَهْدِي إلَى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (2) .
وقال تعالى في وجوب قيادة العالم الشجاع القوي :( قَالُوا أنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ المَالِ قَالَ إنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي
__________________
1 ـ حديث الراية ورد بألفاظ وأسانيد مختلفة ، راجع : صحيح البخاري 5 : 76 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب علي بن أبي طالب وكتاب المغازي ، باب غزوة خيبر ، صحيح مسلم 5 : 195 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل عليّ بن أبي طالب ، تاريخ دمشق 41 : 219 ، وغيرها من المصادر المعتبرة.
2 ـ يونس : 35.
مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (1) .
ولقد زاد اللّه سبحانه الإمام عليّ بالنسبة إلى كل الصحابة زاده بسطة في العلم ، فكان بحقّ « باب مدينة العلم » ، وكان هو المرجع الوحيد للصحابة بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان الصحابة كلّما عجزوا عن حلّ يقولون : « معضلة وليس لها إلاّ أبو الحسن »(2) .
وزاده بسطة في الجسم ، فكان بحقّ أسد اللّه الغالب ، وأصبحت قوّته وشجاعته مضرب الأمثال عبر الأجيال ، حتّى روى المؤرّخون فيها قصصاً تقارب المعجزات ، كاقتلاع باب خيبر وقد عجز عن تحريكه فيما بعد عشرون صحابياً(3) ، واقتلاع الصنم الأكبر هبل(4) من فوق سطح الكعبة ، وتحويل الصخرة العظيمة التي عجز الجيش كلّه عن تحريكها(5) وغير ذلك من الروايات المشهورة.
وقد أشاد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بابن عمّه علي ، وأبان فضله وفضائله في كلّ
__________________
1 ـ البقرة : 247.
2 ـ راجع قول عمر في ذلك : أُسد الغابة 4 : 23 ، الإصابة 4 : 467 ، فتح الباري 13 : 286 ، فيض القدير 4 : 470 ، الطبقات الكبرى 2 : 339 ، تاريخ دمشق 42 : 406 ، تهذيب الكمال للمزي 20 : 485.
3 ـ المناقب للخوارزمي 172 ح 207 ، تاريخ بغداد 11 : 323 ح 6142 ، كشف الخفاء للعجلوني 1 : 232 ح 710.
4 ـ شرح النهج لابن أبي الحديد 1 : 21 المقدمّة.
5 ـ المصدر نفسه.
مناسبة ، وعرّف بخصائصه ومزاياه :
فمرّة يقول : « إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا »(1) .
ومرّة يقول له : « أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نَبي بعدي »(2) .
وأُخرى يقول : « من أراد أن يحيا حياتي ، ويموت موتي ، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي ، فليتولّ عليّ بن أبي طالب ، فإنّه لن يخرجكم من هدى ، ولن يدخلكم في ضلالة »(3) .
والأحاديث فيه فحسب ، بل إنّ أقواله تجسّدت في أعماله ، فلم يؤمِّر في حياته على عليّ أحداً من الصحابة بالرغم من تأميرهم على بعضهم البعض ، فقد أمرّ على أبي بكر وعمر في غزوة ذات
__________________
1 ـ تاريخ الطبري 2 : 63 ، تاريخ دمشق 42 : 49 ، الكامل لابن الأثير 2 : 63.
2 ـ صحيح البخاري 5 : 576 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب عليّ بن أبي طالب ، صحيح مسلم 7 : 120 ، الموضع نفسه.
3 ـ نحوه في المعجم الكبير للطبراني 5 : 194 ، المناقب للخوارزمي : 75 ح 55 ، حلية الأولياء 1 : 127 ، وأخرجه الطبري في الذيل المذيل ـ كما في منتخبه : 83 ـ عن يحيى بن يعلى المحاربي من رجال الصحيحين ، وفي المستدرك للحاكم 3 : 128 عن يحيى بن يعلى الأسلمي وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه » ، والأسلمي هذا أخرج له ابن حبان في صحيحه حديثاً في تزويج فاطمةعليهاالسلام .
السلاسل عمرو بن العاص(1) .
كما أمّر عليهم جميعاً شاباً صغيراً أُسامة بن زيد ، وذلك في سرية أُسامة قبل موتهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أمّا عليّ بن أبي طالب فلم يكن في بعث إلاّ وهو الأمير ، حتّى إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعث في مرّة بعثين ، وأمّر علياً على بعث وخالد بن الوليد على بعث وقال لهم : إذا افترقتُم فكلّ واحد على جيشه وإذا التقيتُم فعلىٌ على الجيش كلّه(2) .
ونستنتجُ من كلّ ماتقدّم بأنّ عليّاً هو ولىّ المؤمنين بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولا ينبغي لأحد أن يتقدّم عليه.
ولكن مع الأسف الشديد فقد خسر المسلمون خسارة فادحة ، وهم يعانون حتّى اليوم ويجنون ثمار ماغرسوه ، وقد عرف التالون غبَّ ما أسّسه الأولون.
وهل يمكن لأحد أن يتصوّر خلافة راشدة كخلافة عليّ بن أبي طالب ، لو اتبعتْ هذه الأُمّة ما اختاره اللّه ورسوله؟! فعلىٌّ كان
__________________
1 ـ تاريخ الطبري : حوادث السنة الثامنة ، السيرة الحلبية 3 : 268 ، الطبقات الكبرى : سريّة عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل ، سير أعلام النبلاء للذهبي 3 : 59 ترجمة عمرو بن العاص.
2 ـ السنن الكبرى للنسائي 5 : 133 ح 8475 ، المعجم الأوسط للطبراني 6 : 162 ، البداية والنهاية 7 : 380.
بإمكانه أن يقود الأُمّة طول ثلاثين عاماً على نسق واحد ، كما قادها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبدون أيّ تغيير ، ذلك لأنّ أبا بكر وعمراً غيّرا واجتهدا بأدائهما مقابل النصوص وأصبح فعلهما سنّة متّبعة ، ولّما جاء عثمان للخلافة غيّر أكثر حتى قيل : إنه خالف كتاب اللّه وسنّة رسوله وسنّة أبي بكر وعمر ، وأنكر عليه الصحابة ذلك ، وقامت عليه ثورة شعبية عارمة أودت بحياته ، وسبّبتْ فتنة كبرى في الأُمّة لم يندمل جرحها حتى الآن.
أمّا عليّ بن أبي طالب فكان يتقيّد بكتاب اللّه وسنّة رسوله ، لا يحيد عنهما قيد أنملة ، وأكبر شاهد على ذلك أنّه رفض الخلافة عندما اشترطوا عليه أن يحكم مع كتاب اللّه وسنّة رسوله سنّة الخليفتين.
ولسائل أن يسأل : لماذا يتقيّد علي بكتاب اللّه وسنّة رسوله ، بينما اضطرّ أبو بكر وعمر وعثمان للاجتهاد والتغيير؟
والجواب هو : أنّ عليّاً عنده من العلم ماليس عندهم ، وأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خصّه بألف باب من العلم يفتح لكلّ باب ألف باب(1) وقال له :
« أنتَ ياعليّ تبينّ لأُمّتي ما اختلفوا فيه بعدي »(2) .
__________________
1 ـ نظم درر السمطين : 113 ، كنز العمال 13 : 114 ح 36372.
2 ـ المستدرك للحاكم 3 : 132 وقال : « هذا حديث صحيح على شرط
أمّا الخلفاء فكانوا لا يعلمون كثيراً من أحكام القرآن الظاهرية فضلاً عن تأويله ، فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب التيمّم بأن رجلاً سأل عمر بن الخطاب أيام خلافته فقال : يا أمير المؤمنين إنّي أجنبتُ ولم أجد الماء فماذا أصنع؟ قال له عمر : لا تُصلّ(1) !!
وكذلك لم يعرف حكم الكلالة حتى مات ، وهو يقول : وددتُ لو سألتُ رسول اللّه عن الكلالة(2) بينما حكمها مذكور في القرآن الكريم ، وهكذا كان عمر الذي يقول عنه أهل السنّة والجماعة بأنّه من الملهمين على هذا المستوى العلمي ، فلا تسأل عن الآخرين الذين أدخلوا البدع في دين اللّه بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير سوى اجتهادات شخصية.
ولقائل أن يقول : إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يُبيّن الإمام عليّ
__________________
الشيخين ولم يخرّجاه » ، تاريخ دمشق 42 : 387 ، المناقب للخوارزمي : 85 ح 75 ، حلية الأولياء 1 : 103 ح 192.
1 ـ صحيح مسلم 1 : 193 ، كتاب الحيض ، باب التيمّم ، وصحيح البخاري 1 : 87 ، كتاب التيمّم ، باب 338 ، وحذف منه قوله : « لا تصل » مع إثبات مسلم لها.
2 ـ المصنّف لعبد الرزاق 10 : 302 ح 19185 ، وفيه : « لأن أكون سألت النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ثلاثة أحبّ إليّ من حمر النعم : عن الكلالة ».
للاُمّة ما اختلفوا فيه بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
والجواب هو : أنّ الإمام عليّاً لم يألُ جهداً في تبيين ما أشكل على الأُمّة ، وكان مرجع الصحابة في كلّ ما أشكل عليهم ، فكان يأتي ويوضّح وينصح ، فكانوا يأخذون منه مايُعجبهم وما لا يتعارض مع سياستهم ، ويدعون ماسوى ذلك ، والتاريخ أكبر شاهد على ما نقول.
والحقيقة هي : لولا عليّ بن أبي طالب والأئمة من ولده لما عرف الناس معالم دينهم ، ولكنّ الناس ـ كما أعلمنا القرآن ـ لا يحبّون الحقّ فاتبعوا أهواءهم ، واخترعوا مذاهب في مقابل الأئمة من أهل البيت الذين كانت الحكومات تحسبُ عليهم أنفاسهم ، ولا تترك لهم حريّة التحرّك والاتصال المباشر.
فكان عليّ يصعد على المنبر ويقول للناس : « سلوني قبل أن تفقدوني »(1) ويكفي عليّاً أن ترك نهج البلاغة ، والأئمة من أهل البيت سلام اللّه عليهم تركوا من العلم ما ملأ الخافقين ، وشهد لهم بذلك أئمّة المسلمين سنّة وشيعة.
وأعود للموضوع فأقول على هذا الأساس : لو قُدّر لعليّ أن يقود الأُمّة ثلاثين عاماً على سيرة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمّ الإسلام ، ولتغلغلت
__________________
1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 2 : 130 ، 189 ، وانظر : كنز العمال 13 : 165 ح 36502 ، تاريخ دمشق 42 : 397.
العقيدة في قلوب الناس أكثر وأعمق ، ولَما كانتْ فتنة صغرى ، ولا فتنة كبرى ، ولا كربلاء ولا عاشوراء.
ولو تصوّرنا قيادة الأئمة الأحد عشر بعد عليّ ، والذي نصّ عليهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والذين امتدتْ حياتهم عبر ثلاثة قرون ، لما بَقِي في الأرض ديار لغير المسلمين ، ولكانت الأرض اليوم على غير مانشاهده اليوم ، ولكانت حياتنا إنسانية بمعناها الحقيقي ، ولكن قال اللّه تعالى :
( ألم * أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُـتْرَكُوا أنْ يَـقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (1) .
وقد فشلت الأُمّة الإسلامية في الامتحان كما فشلت الأُممُ السابقة ، كما نصّ على ذلك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) في العديد من المناسبات ، وكما أكّد عليه القرآن الكريم في العديد من الآيات(3) .
__________________
1 ـ العنكبوت : 1 ـ 2.
2 ـ كحديث « اتباع سنّة اليهود والنصارى شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه » أخرجه البخاري ومسلم وسبقت الإشارة إليه ، وكحديث الحوض الذي يقول فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم » ( المؤلّف ).
3 ـ كقوله تعالى :( أفَإنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أعْقَابِكُمْ ) آل عمران : 144 ، وكقوله سبحانه وتعالى :( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا القُرْآنَ مَهْجُوراً ) الفرقان : 30 ( المؤلّف ).
شواهد أخرى على ولاية عليّ
وكأنّ اللّه سبحانه وتعالى أراد أن تكون ولاية عليّ هي الاختبار للمسلمين ، فكلّ اختلاف وقع فبسببها ، ولأنّه سبحانه لطيفٌ بعباده فلا يؤاخذ التالين بما فعل الأوّلون ، فجلّتْ حكمته ، وحفَّ تلك الحادثة بأحداث أُخرى جليلة تشبه المعجزات ، حتّى تكون حافزاً للاُمّة فينقلها الحاضرون ويعتبر بها اللاّحقون ، عسى أن يهتدوا للحقّ من طريق البحث.
الشاهد الأول : يتعلّق بعقوبة من كذّب بولاية عليّ.
وذلك أنّه بعد شيوع خبر غدير خم وتنصيب الإمام عليّ خليفة على المسلمين ، وقول الرسول لهم : « فليبلّغ الشاهد الغائب » ؛ وصل الخبر إلى الحارث بن النعمان الفهري ولم يُعجبْهُ ذلك(1) ، فأقبل على
__________________
1 ـ يدلّنا على أنّ هناك من الأعراب الذين يسكنون خارج المدينة يبغضون عليّ بن أبي طالب ولا يحبّوه ، كما أنّهم لا يحبّون محمّداً ، ولذا ترى هذا الجلف يدخل على النبي فلا يسلم ويناديه يامحمّد! وصدق اللّه أن يقول :( الأعْرَابُ أشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ ) ( المؤلّف ).
رسول اللّه ، وأناخ راحلته أمام باب المسجد ، ودخل على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : يامحمّد! إنك أمرتنا أن نشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّك رسول اللّه ، فقبلنا منك ذلك ، وأمرتنا أن نصلّي خمس صلوات في اليوم والليلة ، ونصوم رمضان ، ونحجّ البيت ، ونزكّي أموالنا ، فقبلنا منك ذلك ، ثمّ لم ترضَ بهذا حتّى رفعتَ بضبعي ابن عمّك وفضّلته على الناس ، وقُلتَ : « من كنتُ مولاه فعلي مولاه » فهذا شيء منك أو من اللّه؟
فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد احمرّتْ عيناه : « واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه وليس منّي » قالها ثلاثاً.
فقام الحارث وهو يقول : اللّهم إن كان مايقول محمّد حقّاً ، فأرسل علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم.
قال : فواللّه مابلغ ناقته حتّى رماه اللّه من السماء بحجر ، فوقع على هامته فخرج من دبره ومات ، وأنزل اللّه تعالى :( سَألَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِـع * لِلْكَافِرينَ لَـيْسَ لَهُ دَافِـعٌ ) (1) .
وهذه الحادثة نقلها جمع غفير من علماء أهل السنّة غير الذين ذكرناهم(2) ، فمن أراد مزيداً من المصادر فعليه بكتاب الغدير
__________________
1 ـ المعارج : 1 ـ 2.
2 ـ راجع بألفاظه المختلفة : شواهد التنزيل للحسكاني 2 : 381 ، تفسير الثعلبي : سورة سأل سائل بعذاب واقع ، تفسير القرطبي 18 : 278 أورده
للعلاّمة الأميني(1) .
الشاهد الثاني : يتعلّق بعقوبة من كَتم الشهادة بحادثة الغدير ، وأصابته دعوة الإمام علي.
وذلك عندما قام الإمام عليّ أيام خلافته في يوم مشهود إذ جمع الناس في الرحبة ونادى من فوق المنبر قائلاً :
« أُنشد اللّه كلّ إمرى مسلم سمع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول يوم غدير خم : ( من كنتُ مولاه فعليّ مولاه ) إلاّ قام فشهد بما سمع ، ولا يقم إلاّ من رآه بعينيه وسمعه بأذنيه ».
فقام ثلاثون صحابياً منهم ستّة عشر بدْرياً ، فشهدوا إنّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أخذ بيده ، فقال للناس :
« أتعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم »؟ قالوا : نعم ، فقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من كنتُ مولاه فهذا مولاه ، اللّهم وال من والاه ، وعاد من عاداه » الحديث.
ولكنّ بعض الصحابة ممّن حضروا واقعة الغدير أقعدهم الحسدُ أو
__________________
ضمن الأقوال في شأن نزولها ، وكذلك في السيرة الحلبية 3 : 385 ، ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي 2 : 369 ح 55 عن الثعلبي ، تذكرة الخواص لابن الجوزي : 37 ، نظم درر السمطين : 93 ، الفصول المهمة لابن الصباغ : 42 ، نور الأبصار للشبلنجي : 119 عن تفسير الثعلبي.
1 ـ الغدير 1 : 460.
البُغْض للإمام ، فلم يقوموا للشهادة ومن هؤلاء : أنس بن مالك ، حيث نزل إليه الإمام علي من المنبر وقال له : « مالك يا أنس لا تقوم مع أصحاب رسول اللّه ، فتشهد بما سَمعتَهُ منه يومئذ كما شهدوا »؟
فقال : يا أمير المؤمنين ، كبُرتْ سنّي ونسيتُ.
فقال الإمام عليّ : « إن كنتَ كاذباً فضربك اللّه ببيضاء لا توَاريها العمامة » ، فما قام حتّى ابيضّ وجهه برصاً ، فكان بعد ذلك يبكي ويقول : أصابتني دعوة العبد الصالح لأنّي كتمتُ شهادته(1) .
وهذه القصّة مشهورة ذكرها ابن قتيبة في كتاب المعارف(2) حيث عدّ أنساً من أصحاب العاهات في باب البرص ، وكذلك الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(3) حيث قال : « فقاموا إلاّ ثلاثة لم يقوموا فأصابتهم دعوته ».
وتجدر الإشاره هنا بأن نذكر هؤلاء الثلاثة الذين ذكرهم الإمام
__________________
1 ـ نحوه باختلاف شرح الأخبار للقاضي النعمان 1 : 232 ، الارشاد للمفيد 1 : 351 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 : 74.
2 ـ كتاب المعارف لابن قتيبة الدينوري : 580 ، باب البرص ، الغدير للأميني 1 : 388 ، ويذكر أنّ التعليق الوارد بعد النصّ بعدم قبول الحديث ليس من أصل الكتاب بل هو مضاف إليه ، بدليل أنّ من نقل النصّ عن المعارف لم يذكر هذه الزيادة ، ومضافاً إلى أن السياق يأباها.
3 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 : 119 ، والرواية عن عبد اللّه بن أحمد.
أحمد برواية البلاذري ، قال بعدما أورد مناشدة الإمام عليّ للشهادة : « وكان تحت المنبر أنس بن مالك ، والبراء بن عازب ، وجرير بن عبداللّه البجلي ، فأعادها فلم يجبه منهم أحد ، فقال : « اللّهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتّى تجعل به آية يُعرف بها ». قال : فبرصَ أنس بن مالك ، وعَمىَ البراء بن عازب ، ورجع جرير أعرابياً بعد هجرته ، فأتى الشراة فمات في بيت أمّه »(1) .
وهذه القصّة مشهورة تناقلها جمع كبير من المؤرخين(2) .
( فَاعْتَبِرُوا يَا اُولِي الأبْصَارِ ) [ الحشر : 2 ].
والمتتّبع يعرف من خلال هذه الحادثة(3) التي أحياها الإمام عليّ بعد مرور ربع قرن عليها ، وبعدما كادتْ تُنسَى ، يعرف ماهي قيمة
__________________
1 ـ أنساب الأشراف للبلاذري : 157 ح 169.
2 ـ راجع بألفاظها المختلفة : تاريخ ابن عساكر المسمّى بتاريخ دمشق 42 : 208 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد تحقيق محمد أبو الفضل 19 : 217 ، المعجم الكبير للطبراني 5 : 175 ، مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي الشافعي : 23 ، السيرة الحلبية 3 : 385.
3 ـ وهو مناشدة الإمام عليّ يوم الرحبة الصحابة ليشهدوا بحديث الغدير ، وقد روى هذه الحادثة جمع غفير من المحدّثين والمؤرخين سبق الإشارة إليهم ، أمثال : أحمد بن حنبل ، وابن عساكر ، وابن أبي الحديد ، وغيرهم ( المؤلّف ).
الإمام عليّ وعظمته ، ومدى علّو همّته وصفاء نفسه ، وهو في حين أعطى للصّبر أكثر من حقّه ، ونصح لأبي بكر وعمر وعثمان ما علم أنّ في نُصحهم مصلحة الإسلام والمسلمين ، كان مع ذلك يحمِلُ في جنباته حادثة الغدير بكلّ معانيها ، وهي حاضرة في ضميره في كلّ لحظات حياته ، فما أن وجد فرصة سانحة لبعثها وإحيائها من جديد حتّى حمل غيره للشّهادة بها على مسمع ومرأى من الناس.
وانظر كيف كانت طريقة إحياء هذه الذكرى المباركة ، وما فيها من الحكمة البالغة لإقامة الحجّة على المسلمين ، من حَضر منهم الواقعة ومن لم يحضر ، فلو قال الإمام : أيّها الناس لقد أوصى بي رسول اللّه في غدير خم على الخلافة ، لما كان لذلك وقعاً في نفوس الحاضرين ، ولاحتجوا عليه عن سكوته طوال تلك المدّة.
ولكنّه لما قال : أنشدُ اللّه كلّ إمرئ مسلم سمع رسول اللّه يقول ماقال يوم غدير خم إلاّ قام فشهد ، فكانت الحادثة منقولة بحديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على لسان ثلاثين صحابياً ، منهم ستّة عشر بدريّاً ، وبذلك قطع الإمام الطريق على المكذّبين والمشكّكين ، وعلى المحتجّين عن سكوته طوال تلك المدّة ، لأنّ في سكوت هؤلاء الثلاثين معه وهم من عظماء الصحابة لدليل كبير على خطورة الموقف ، وعلى أنّ السكوت فيه مصلحة الإسلام كما لا يخفى.
تعليق على الشورى
رأينا في ما سبق بأنّ الخلافة على قول الشيعة هي باختيار اللّه سبحانه ، وتعيين رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وحي يوحى به إليه.
وهذا القول يتماشى تماماً مع فلسفة الإسلام في كلّ أحكامه وتشريعاته ، إذ أنّ اللّه سبحانه هو الذي( يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ) (1) .
وبما أنّ اللّه سبحانه أراد أنّ تكون أُمّة محمّد خير أُمّة أُخرجت للنّاس ، فلابدّ لها من قيادة حكيمة ، رشيدة ، عالمة ، قويّة ، شجاعة ، تقية ، زاهدة ، في أعلى درجات الإيمان ، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن اصطفاه اللّه سبحانه وتعالى ، وكيّفه بميّزات خاصّة تؤهّله للقيادة والزعامة ، قال اللّه تعالى :( اللّهُ يَصْطَفِي مِنْ المَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (2) .
وكما أنّ الأنبياء اصطفاهم اللّه سبحانه فكذلك الأوصياء ، وقد
__________________
1 ـ القصص : 68.
2 ـ الحج : 75.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لكلّ نبيّ وصيّ ، وأنا وصيّي عليّ بن أبي طالب »(1) .
وفي حديث آخر قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا خاتم الأنبياء وعليّ خاتم الأوصياء »(2) .
وعلى هذا الأساس فإنّ الشيعة سلّموا أمرهم للّه ورسوله ، ولم يبق منهم من يدّعِ الخلافة لنفسه أو يطمع فيها ، لا بالنصّ ولا بالاختيار :
أولاً : لأنّ النصّ ينفي الاختيار والشورى.
وثانياً : لأنّ النصّ قد وقع من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على أشخاص معدودين ومعيّنين بأسمائهم(3) ، فلا يتطاول إليها منهم متطاول ، وإن فعل فهو فاسقٌ خارج عن الدين.
أمّا الخلافة عند أهل السنّة والجماعة فهي بالاختيار والشورى ،
__________________
1 ـ تاريخ ابن عساكر الشافعي 42 : 392 ، المناقب للخوارزمي : 83 ح 74 ، ينابيع المودة 2 : 79 ح 96 عن الديلمي ، الرياض النضرة 4 : 119 ح 1373 عن البغوي في معجمه.
2 ـ ينابيع المودة 2 : 73 ح 35 عن الديلمي.
3 ـ روى العدد البخاري ومسلم ومضى تخريجه ، وروى العدد والأسماء صاحب ينابيع المودّة 3 : 281 الباب 76 في بيان الأئمة الاثني عشر بأسمائهم.
وبذلك فتحوا الباب الذي لا يمكن غلقه على أيّ واحد من الأُمّة ، وأطمعوا فيها كلّ قاص ودان ، وكل غث وسمين ، وحتّى تحوّلت من قريش إلى الموالي والعبيد ، وإلى الفرس والمماليك ، وإلى الأتراك والمغول.
وتبخّرتْ تلك القيم والشروط التي اشترطوها في الخليفة؛ لأنّ غير المعصوم بشر مليء بالعاطفة والغرائز ، وبمجرّد وصوله إلى الحكم لا يؤمن أن ينقلب ويكون أسوأ ممّا كان ، والتاريخ الإسلامي خير شاهد على مانقول.
وأخشى أن يتصوّر بعض القرّاء بأنّني أُبالغ ، فما عليهم إلاّ أن يتصفّحوا تاريخ الأمويين والعباسيين وغيرهم حتّى يعرفوا بأنّ من تَسَمّى أمير المؤمنين كان يتجاهر بشرب الخمر ويلاعب القرود ويلبسهم الذهب ، وأنّ ( أمير المؤمنين ) يُلبس جاريتهُ لباسَه لتصلّي بالمسلمين ، وأنّ ( أمير المؤمنين ) تموت جاريته حبّابَة فيسلبُ عقلهُ ، وأن ( أمير المؤمنين ) يطربُ لشاعر فيقبّل ذكرّه.
ولماذا نستغرق في هؤلاء الذين حكموا المسلمين بأنّهم لا يمثّلون إلاّ الملك العضوض ولا يمثّلون الخلافة ، وذلك للحديث الذي يروونه ، وهو قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الخلافة من بعدي ثلاثون
عاماً ثمّ تكون ملكاً عضوضاً »(1) .
وليس هذا موضوع بحثنا ، فمن أراد الاطلاع على ذلك فعليه مراجعة تاريخ الطبري ، وتاريخ ابن الأثير ، وأبي الفداء ، وابن قتيبة وغيرهم.
وإنّما أردتُ بيان مساوئ الاختيار وعقم النظرية من أساسها؛ لأنّ من نختاره اليوم قد ننقم عليه غداً ، ويتبيّن لنا بأنّنا أخطأنا ولم نُحسن الاختيار ، كما وقع ذلك لعبدالرحمن بن عوف نفسه عندما اختار للخلافة عثمان بن عفّان وندم بعد ذلك ، ولكن ندمه لم يُفد الأُمّة شيئاً بعد توريطها.
وإذا كان صحابي جليل من الرعيل الأوّل ، وهو عثمان ، لا يفي بالعهد الذي أعطاه لعبدالرحمن بن عوف ، وإذا كان صحابي جليل من الرعيل الأوّل ، وهو عبدالرحمن بن عوف ، لا يُحسن الاختيار ، فلا يمكنُ لعاقل بعد ذلك أن يرتاح لهذه النظرية العقيمة ، والتي ماتولّد عنها إلاّ الاضطراب وعدم الاستقرار وإراقة الدّماء.
فإذا كانت بيعة أبي بكر فلتةً ، كما وصفها عمر بن الخطاب ، وقد وقى اللّه المسلمين شرّها ، وقد خالف وتخلّف عنها جمع غفير من
__________________
1 ـ صحيح ابن حبان 15 : 392 ، فتح الباري 8 : 61 ، سير أعلام النبلاء 3 : 157 ، البداية والنهاية 3 : 266.
الصحابة ، وإذا كانت بيعة عليّ بن أبي طالب بعد ذلك على رؤوس الملأ ، ولكنّ بعض الصحابة نكث البيعة ، وانجرّ عن ذلك حرب الجمل ، وحرب صفين ، وحرب النهروان ، وزهقت فيها أرواح بريئة ، فكيف يرتاح العُقلاء بعد ذلك لهذه القاعدة التي جُرّبتْ وفشلتْ فشلاً ذريعاً من بدايتها ، وكانتْ وبالاً على المسلمين ، وبالخصوص إذا عرفنا أنّ هؤلاء الذين يقولون بالشورى يختارون الخليفة ، ولا يقدرون بعد ذلك على تبديله أو عزله ، وقد حاول المسلمين جهدهم عزل عثمان فأبى قائلاً : لا أنزع قميصا قمّصنيه اللّه(1) ؟!
وممّا يزيدنا نفوراً من هذه النظرية ما نراه اليوم في دول الغرب المتحضّرة ، والتي تزعم الديمقراطية في اختيار رئيس الدولة ، وترى الأحزاب المتعدّدة تتصارع وتتساوم وتتسابق للوصول إلى منصّة الحكم بأيّ ثمن ، وتصرف من أجل ذلك البلايين من الأموال التي تخصّص للدّعاية بكلّ وسائلها ، وتُهدر طاقات كبيرة على حساب المستضعفين من الشعب المسكين الذي قد يكون في أشدّ الحاجة إليها ، وما إن يصل أحدُهم إلى الرئاسة حتى تأخذه العاطفة ، فُيولّي أنصاره وأعضاء حزبه وأصدقاءه وأقاربه في مناصب الوزراء والمسؤوليات العظمى والمراكز المهمّة في الإدارة ، ويبقى الآخرون
__________________
1 ـ تاريخ الطبري 3 : 405.
يعملون في المعارضة مدّة رئاسته المتفق عليها أيضاً ، فيخلقون له المشاكل والعراقيل ، ويحاولون جهدهم فضحهُ والإطاحة به ، وفي كلّ ذلك خسارة فادحة للشعب المغلوب على أمره.
فكم من قيم إنسانية سقطتْ ، وكم من رذائل شيطانية رُفِعتْ باسم الحرية والديمقراطية وتحت شعارات برّاقة ، فأصبح اللواط قانوناً مشروعاً ، والزنا بدلاً من الزواج تقدّماً ورُقياً ، وحدّث في ذلك ولا حرج.
فما أعظم عقيدة الشيعة في القول بأنّ الخلافة أصل من أُصول الدين ، وما أعظم قولهم بأنّ هذا المنصب هو باختيار اللّه سبحانه ، فهو قولٌ سديدٌ ورأيٌ رشيد يقبله العقل ويرتاح إليه الضمير ، وتؤيّده النصوص من القرآن والسنّة ، ويُرغم أُنوف الجبابرة والمتسلّطين ، والملوك والسلاطين ، ويفيض على المجتمع السكينة والاستقرار.
الاختلاف في الثقلين
عرفنا فيما سبق ومن خلال الأبحاث المتقدّمة رأي الشيعة وأهل السنّة في الخلافة ، وما فعله الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم تجاه الأُمّة على قول الفريقين.
فهل ترك رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأُمّته شيئاً تعتمد عليه وترجع إليه في ما قد يقع فيه الخلاف الذي لابدّ منه ، والذي سجّله كتاب اللّه بقوله تعالى :
( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللّهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَاُوْلِي الأمْرِ مِنْكُمْ فَإنْ تَـنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأحْسَنُ تَأوِيلا ) (1) ؟!
نعم ، لابدّ للرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يترك للأُمّة قاعدة ترتكز عليها ، فهو إنّما بُعث رحمة للعالمين ، وهو حريصٌ على أن تكون أُمّته خير الأُمم ولا تختلف بعده ، ولهذا روى عنه أصحابه والمحدّثون بأنّه قال :
__________________
1 ـ النساء : 59.
« تركتُ فيكم الثقلين ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً : كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا علىَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ».
وهذا الحديث صحيح ثابت أخرجه المحدّثون من الفريقين السنّة والشيعة ، ورووه في مسانيدهم وفي صحاحهم عن طريق مايزيد على ثلاثين صحابياً.
وبما أنّني وكالعادة لا أحتج بكتب الشيعة ولا بأقوال علمائهم ، فكان لزاماً عليَّ أن أذكر فقط علماء السنّة الذين أخرجوا حديث الثقلين معترفين بصحته حتى يكون البحث دائماً موضوعياً يتصف بالعدل والإنصاف ( وإن كان العدل والإنصاف يقتضي ذكر قول الشيعة أيضاً ).
وهذه قائمة وجيزة عن رواة هذا الحديث من علماء السنّة :
1 ـ صحيح مسلم ، كتاب فضائل علي بن أبي طالب 7 : 122.
2 ـ صحيح الترمذي 5 : 328.
3 ـ الإمام النسائي في خصائصه : 21.
4 ـ الإمام أحمد بن حنبل 3 : 17.
5 ـ مستدرك الحاكم 3 : 109.
6 ـ كنز العمّال 1 : 154.
7 ـ الطبقات الكبرى لابن سعد 2 : 194.
8 ـ جامع الأُصول لابن الأثير 1 : 187.
9 ـ الجامع الصغير للسيوطي 1 : 353.
10 ـ مجمع الزوائد للهيثمي 9 : 163.
11 ـ الفتح الكبير للنبهاني 1 : 451.
12 ـ أُسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير 2 : 12.
13 ـ تاريخ ابن عساكر 5 : 436.
14 ـ تفسير ابن كثير 4 : 113.
15 ـ التاج الجامع للأُصول 3 : 308.
أضف إلى هؤلاء ابن حجر الذي ذكره في كتابه الصواعق المحرقة معترفاً بصحته(1) ، والذهبي في تلخيصه معترفاً بصحته على شرط الشيخين(2) ، والخوارزمي الحنفي(3) ، وابن المغازلي الشافعي(4) ، والطبراني في معجمه(5) ، وكذلك صاحب السيرة النبوية في هامش
__________________
1 ـ الصواعق المحرقة 2 : 437 ( الآية الرابعة من الآيات الواردة في فضلهم ).
2 ـ راجع المستدرك للحاكم مع تلخيص الذهبي 3 : 109 ، كتاب معرفة الصحابة ، باب مناقب أهل بيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
3 ـ المناقب للخوارزمي : 154 ح 182.
4 ـ المناقب لابن المغازلي : 234.
5 ـ المعجم الكبير 3 : 65 ح 2678.
السيرة الحلبية ، وصاحب ينابيع المودة(1) وغيرهم ...
فهل يجوز بعد هذا أن يدّعي أحد أن حديث الثقلين « كتاب اللّه وعترتي » لا يعرفه أهل السنّة ، وإنما هو من موضوعات الشيعة؟!
قاتل اللّه التعصّب والجمود الفكري والحميّة الجاهلية.
إذن ، فحديث الثقلين الذي أوصى فيهصلىاللهعليهوآلهوسلم بالتمسّك بكتاب اللّه وعترته الطاهرة ، هو حديث صحيح عند أهل السنّة كما مرّ علينا ، وعند الشيعة هو أكثر تواتراً وسنداً عن الأئمة الطاهرين.
فلماذا يشكّك البعض في هذا الحديث ، ويحوّلون جهدهم أن يبدّلوه بـ « كتاب اللّه وسنّتي »؟! ورغم أنّ صاحب كتاب « مفتاح كنوز السنّة » يخرّج في صفحة 478 بعنوان « وصيّته ( ص ) بكتاب اللّه وسنّة رسوله » نقلاً عن البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة ، غير أنّك إذا بحثت في هذه الكتب الأربعة المذكورة فسوف لن تجد إشارة من قريب أو من بعيد إلى هذا الحديث ، نعم قد تجد في البخاري « كتاب الاعتصام في الكتاب والسنّة » ولكنّك لاتجد لهذا الحديث وجوداً!!
وغاية ما يوجد في صحيح البخاري وفي الكتب المذكورة
__________________
1 ـ ينابيع المودة 1 : 99 ح 13.
حديث يقول : « حدّثنا طلحة بن مصرف قال : سألت عبد اللّه بن أبي أوفى رضي اللّه عنهما : هل كان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أوصى؟ فقال : لا ، فقلت : كيف كُتِبَ على الناس الوصية أو أمُروا بالوصيّةِ؟ قال : أوصَى بكتاب اللّه »(1) .
ولا وجود لحديث لرسول اللّه يقول فيه : « تركتُ فيكم الثقلين كتاب اللّه وسنّتي » ، وحتّى على فرض وجود هذا الحديث في بعض الكتب فلا عبرة به ، لأنّ الإجماع على خلافه كما تقدّم.
ثمّ لو بحثنا في حديث « كتاب اللّه وسنّتي »(2) لوجدناه لايستقيمُ مع الواقع ، لا نقلاً ولا عقلاً.
ولنا في ردّه بعض الوجوه :
الوجه الأول :
اتفق المؤرّخون والمحدّثون بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم منع من كتابة أحاديثه ، ولم يدّع أحد أنّه كان يكتب السنّة النبوية في عهدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ،
__________________
1 ـ صحيح البخاري 3 : 186 ، كتاب الوصايا باب الوصايا ، وانظر : سنن الترمذي 3 : 293 ح 2202 ، سنن ابن ماجة 2 : 900 ح 2696 ، مسند أحمد 4 : 354.
2 ـ أورده العقيلي في الضعفاء الكبير 2 : 251 رقم 804 ترجمة عبد اللّه بن داهر ، وابن عدي في الكامل في الضعفاء 4 : 69 ترجمة صالح بن موسى الطلحي.
فقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم تركتُ فيكم « كتاب اللّه وسنّتي » لا يستقيم.
أمّا بالنسبة لكتاب اللّه فهو مكتوب ومحفوظ في صدور الرجال ، وبإمكان أيّ صحابي الرجوع إلى المصحف ولو لم يكن من الحفّاظ.
أمّا بالنسبة للسنّة النبويّة فليس هناك شيء مكتوب أو مجموعٌ في عهدهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فالسنّة النبوية كما هو معلوم ومتفق عليه كلّ ما قاله الرسول أو فعله أو أقرّهُ ، ومن المعلوم أيضاً أنّ الرسول لم يكن يجمع أصحابه ليعلّمهم السنّة النبوية ، بل كان يتحدّث في كلّ مناسبة ، وقد يحضر بعضهم وقد لا يكون معه إلاّ واحداً من أصحابه ، فكيف يمكن للرسول والحال هذه أن يقول لهم : تركتُ فيكم سنّتي؟
الوجه الثاني :
لمّا اشتدّ برسول اللّه وجعه ، وذلك قبل وفاته بثلاثة أيام ، طلب منهم أن يأتوه بالكتف والدواة ليكتُب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً ، فقال عمر بن الخطاب : إنّ رسول اللّه ليهجر وحسبُنا كتاب اللّه(1) !
فلو كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قد قال لهم من قبل تركتُ : فيكم « كتاب
__________________
1 ـ مضى تخريجه فيما تقدم ، وذكرنا أنّ عمر هو الذي نسب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الهجر نقلا عن الغزالي وسبط ابن الجوزي وابن الأثير وابن تيمية والجوهري ، وتقدّم في كتاب « ثمّ اهتديت » الردّ على بعض الاعتراضات الواردة للتشكيك في هذه الحادثة.
اللّه وسنّتي » لما جاز لعمر بن الخطاب أن يقول : حسبُنا كتاب اللّه! لأنّه بذلك يكون هو والصحابة الذين قالوا بمقالته رادّين على رسول اللّه ، ولا أظنّ أنّ أهل السنّة والجماعة يرضون بهذا.
ولذلك فهمنا أنّ الحديث وضعه بعض المتأخّرين الذين يعادون أهل البيت ، وخصوصاً بعد إقصائهم عن الخلافة ، وكأنّ الذي وضع حديث « كتاب اللّه وسنّتي » استغرب أن يكون الناس تمسّكوا بكتاب اللّه وتركوا العترة واقتدوا بغيرهم ، فظنّ أنّه باختلاق الحديث سيصححّ مسيرتهم ، ويُبعدُ النقد والتجريح عن الصحابة الذين خالفوا وصية رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
الوجه الثالث :
من المعروف أنّ أوّل حادثة اعترضت أبا بكر في أوائل خلافته هي قراره محاربة مانعي الزكاة ، رغم معارضة عمر بن الخطاب له واستشهاده بحديث رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من قال : لا إله إلا اللّه محمّد رسول اللّه عصم منّي ماله ودمه إلاّ بحقّها وحسابه على اللّه »(1) .
فلو كانت سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم معلومة ما كان أبو بكر يجهلها ، وهو أولى الناس بمعرفتها.
__________________
1 ـ مسند أحمد 1 : 47 ، صحيح البخاري 8 : 50 ، كتاب استتابة المرتدّين ، باب قتل من أبي قبول الفرائض.
ولكنّ عمر بعد ذلك اقتنع بتأويل أبي بكر للحديث الذي رواه ، وقول أبي بكر بأنّ الزكاة هي حقّ المال ، ولكنّهم غفلوا أو تغافلوا عن سنّة الرسول الفعلية التي لا تقبل التأويل ، وهي قصّة ثعلبة الذي امتنع عن دفع الزكاة لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ونزل فيه قرآن ، ولم يقاتله رسول اللّه ولا أجبره على دفعها(1) .
وأين أبو بكر وعمر عن قصة أُسامة بن زيد الذي بعثه رسول اللّه في سرية ، ولمّا غشىَ القوم وهزمهم لحق رجلاً منهم ، فلمّا أدركه قال : لا إله إلاّ اللّه! فقتله أُسامة ، ولمّا بلغ النبي ذلك قال : « يا أُسامة أقتلته بعدما قال : لا إله إلاّ اللّه »؟ قال : كان متعوّذاً. فما زال يكرّرها حتى تمنيتُ أنّي لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم(2) .
ولكلّ هذا لايمكن أن نصدّق بحديث « كتاب اللّه وسنّتي » لأنّ الصحابة أوّل من جهل السنّة النبوية ، فكيف بمن جاء بعدهم ، وكيف بمن بَعُدَ مسكنه عن المدينة؟
__________________
1 ـ تفسير ابن كثير 2 : 490 سورة التوبة ، آية 75 ، الدر المنثور 3 / 467 ، التفسير الكبير 16 / 105 ، روح المعاني 10 / 332 ، وغيرها من المصادر التي ذكرت سبب نزول الآية.
2 ـ صحيح البخاري 5 : 88 ، باب قول اللّه تعالى :( من أحياها ) ، وصحيح مسلم أيضاً1 : 68 ، كتاب الإيمان ، باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال : لا إله إلاّ اللّه.
الوجه الرابع :
من المعروف أيضاً أنّ كثيراً من أعمال الصحابة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت مخالفة لسنّته.
فأمّا أن يكون هؤلاء الصحابة يعرفون سنّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم وخالفوها عمداً ، اجتهاداً منهم في مقابل نصُوص النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهؤلاء ينطبق عليهم قول اللّه سبحانه وتعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِيناً ) (1) .
وإمّا أنهم كانوا يجهلون سنّتهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يحقّ لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم والحال هذه أن يقول لهم : تركتُ فيكم سنّتي ، وهو يعلم أنّ أصحابه وأقرب الناس إليه لم يحيطوا بها علماً ، فكيف بمن يأتي بعدهم ولم يعرفوا ولم يشاهدوا النبي؟!
الوجه الخامس :
من المعلوم أيضاً أنّه لم تدوّن السنّة إلاّ في عهد الدولة العبّاسية ، وأنّ أوّل كتاب كُتبَ في الحديث هو موطأ الإمام مالك ، وذلك بعد الفتنة الكبرى ، وبعد واقعة الحرّة واستباحة المدينة المنوّرة ، وقتل الصحابة فيها صبراً ، فكيف يطمئنّ الإنسان بعد ذلك إلى رواة تقرّبوا
__________________
1 ـ الأحزاب : 36.
للسلطان لنيل الدنيا ، ولذلك اضطربتْ الأحاديث وتناقضت وانقسمت الأُمّة إلى مذاهب ، فما ثبت عند هذا المذهب لم يثبتْ عند غيره ، وما صحّحه هذا يكذّبه ذاك.
فكيف نُصدّق بأنّ رسول اللّه قالَ : « تركتُ كتاب اللّه وسنّتي » ، وهو الذي كان يعلمُ بأنّ المنافقين والمنحرفين سوف يكذبون عليه ، وقد قال : « كثرتْ علىّ الكذّابة ، فمن كذب علىّ فليتبوأ مقعده من النار »(1) .
فإذا كانت الكذّابة قد كثرت في حياته ، فكيف يُكلّف أُمّتهُ بإتّباع سنّته ، وليس لهم معرفة بصحيحها من سقيمها ، وغثّها من سمينها؟!
الوجه السادس :
يروي أهل السنّة والجماعة في صحاحهم بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ترك ثقلين ، أو خليفتين ، أو شيئين ، فمرّة يروون كتاب اللّه وسنّة رسوله ، ومرّة يروون عليكم بسنّتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي(2) ، ومعلوم بالضرورة أنّ الحديث التالي يضيف إلى كتاب اللّه
__________________
1 ـ صحيح البخاري 1 : 35كتاب العلم ، باب اثم من كذب على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مسند أحمد 1 : 78 ، سنن الدارمي 1 : 76 ، باختلاف في الألفاظ ، ومن دون قوله : ( كثرت عليّ الكذابة ).
2 ـ مسند أحمد 4 : 126 ، سنن أبي داوود 4607 ، سنن الترمذي 4 : 149
وسنّة رسوله سنّة الخلفاء ، فتصبح مصادر التشريع ثلاثة بدلاً من اثنين!! وكلّ هذا يتنافى مع حديث الثقلين الصحيح والمتّفق عليه من السنّة والشيعة ، ألا وهو « كتاب اللّه وعترتي » والذي قدّمناه في ذكره أكثر من عشرين مصدراً من مصادر أهل السنّة الموثوقة ، فضْلاً عن مصادر الشيعة التي لم نذكرها.
الوجه السابع :
إذا كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يعلَمُ علم اليقين بأنّ أصحابه الذين نزل القرآنُ بلغتهم ولهجاتهم ـ كما يقولون ـ لم يعرفوا كثيراً من تفسيره ولا تأويله ، فكيف بمن يأتي بعدهم؟! وكيف بمن يعتنق الإسلام من الروم والفرس والحبش ، وكلّ الأعاجم الذين لا يفهمون العربية ولا يتكلّمونها؟!
وقد ثبت في الأثر أنّ أبا بكر سُئِل عن قوله تعالى :( وَفَاكِهَةً وَأبّاً ) (1) فقال : أيّ سماء تظلّني ، وأيّ أرض تقلّني أن أقول في كتاب اللّه ما لا أعْلم(2) .
__________________
ح 2816 وقال : « حديث حسن صحيح » ، وصححه ابن حبان 102 ، والحاكم 1 : 95 ، ووافقه الذهبي.
1 ـ عبس : 31.
2 ـ المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 179 ح 5 ، فتح الباري 13 : 229 ، كنز العمال
كما أنّ عمر بن الخطاب أيضاً لم يعرف هذا المعنى ، فعن أنس بن مالك قال : إنّ عمر بن الخطاب قرأ على المنبر : « فأنبتنا فيها حبّاً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غُلباً وفاكهة وأبّا ».
قال : كلّ هذا عرفناه ، فما الأب؟ ثمّ قال : هذا لعمر اللّه هو التكلّف ، فما عليك أن لا تدري ما الأب ، اتّبعوا ما بُيّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به ، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربّه «(1) .
وما يُقالُ هنا في تفسير كتاب اللّه يقالُ هناك في تفسير السنّة النبوية الشريفة ، فكم من حديث نبوي بقي موضع خلاف بين الصحابة ، وبين المذاهب ، وبين السنّة والشيعة ، سواء كان الخلاف ناتجاً عن تصحيح الحديث أو تضعيفه ، أم عن تفسير الحديث وفهمه.
__________________
2 : 227 تحت الرقم 4150 و 4151 و 4688 ، جامع البيان 1 : 55 ، تفسير القرطبي 19 : 223 ، تفسير ابن كثير 14 : 504 ، الدر المنثور 5 : 33 ، البرهان للزركشي 1 : 265 ، فتح القدير 5 : 387 ، وغيرها من المصادر الأُخرى.
1 ـ الطبقات لابن سعد 3 : 327 ، تفسير القرآن لعبد الرزاق 3 : 349 ، تفسير القرطبي 19 : 223 ، فتح القدير 5 : 387 ، فتح الباري 13 : 229 ، المستدرك للحاكم : ( تفسير سورة عبس ) وصحّحه ، وتابعه الذهبي ، تفسير ابن كثير 3 : 608 سورة عبس وصححه ، البرهان للزركشي 1 : 295.
وللمزيد راجع : الغدير 6 : 142 جهل الخليفة بمعنى الأبّ.
وللتوضيح أُقدّم للقارئ الكريم بعض الأمثلة عن ذلك :
هذا ما وقع لأبي بكر في أوّل أيامه عندما جاءته فاطمة الزهراء تطالبه بتسليم فدك التي أخذها منها بعد وفاة أبيها ، فكذّبها في ما ادّعته من أنّ أباها رسول اللّه أنحلها إياها في حياته ، كما أنها لما طالبته بميراث أبيها ، قال لها بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ».
فكذّبته هي الأُخرى في نسبة هذا الحديث لأبيها وعارضته بكتاب اللّه ، واشتدّ النزاع والخلاف حتّى ماتت وهي غاضبة عليه ، مهاجرة له لا تكلمه ، كما ورد ذلك في صحيحي البخاري ومسلم(1) .
كذلك اختلاف عائشة أُمّ المؤمنين مع أبي هريرة في الذي يصبحُ
__________________
1 ـ صحيح البخاري 4 : 42 ، كتاب فرض الخمس وفيه : « فغضبت فاطمة بنت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فهجرت أبا بكر ، فلم تزل مهاجرته حتى توفّيت » ، ونحوه في 5 : 83 كتاب المغازلي ، باب غزوة خيبر ، وفي 8 : 3 كتاب الفرائض ، باب قول النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نورث ، ولفظه : « فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت ».
وفي صحيح مسلم 5 : 154 ، ( كتاب الجهاد والسير ، باب قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : لا نورث ) ، ولفظه : « فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك ، قال : فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت ».
جنباً في رمضان ، فكانت ترى صحة ذلك ، بينما يرى أبو هريرة أنّ من أصبح جنباً أفطر ، وإليك القصّة بالتفصيل :
أخرح الإمام مالك في الموطأ ، والبخاري في صحيحه عن عائشه وأُم سلمه زوجي النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّهما قالتا : كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يصبح جُنباً من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم.
وعن أبي بكر بن عبدالرحمن قال : كنت أنا وأبي عند مروان بن الحكم وهو أمير المدينة ، فذكر له أن أبا هريرة يقول : من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم ، فقال مروان : أقسمت عليك يا عبدالرحمن لتذهبن إلى أُمّ المؤمنين عائشة وأُمّ سلمة فلتسألنهما عن ذلك ، فدهب عبدالرحمن وذهبت معه حتى دخلنا على عائشة ، فسلّم عليها ثمّ قال : يا أُمّ المؤمنين إنّا كنا عند مروان بن الحكم ، فذكر له أن أبا هريرة يقول : من أصبح جنباً أفطر ذلك اليوم ، قالت عائشه : ليس كما قال أبو هريرة يا عبدالرحمن ، أترغب عمّا كان رسول اللّه يصنع؟ فقال عبدالرحمن : لا واللّه ، قالت عائشة : فأشهد على رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثمّ يصوم ذلك اليوم.
قال : ثمّ خرجنا على أُمّ سلمة فسألها عن ذلك ، فقالت مثلما قالت عائشة ، قال : فخرجنا حتى جئنا مروان بن الحكم ، فذكر له عبدالرحمن ما قالتا ، فقال مروان : أقسمت عليك يا أبا محمد لتركبن
دابتي فإنّها بالباب ، فلتذهبن إلى أبي هريرة فإنّه بأرضه بالعقيق فلتخبرنه ذلك ، فركب عبدالرحمن وركبت معه حتى أتينا أبا هريرة ، فتحدّث معه عبدالرحمن ساعة ، ثُمَ ذكر له ذلك ، فقالَ له أبو هريرة : لا علم لي بذاك إنّما أخبرنيه مخبر(1) .
انظر أخي القارئ إلى صحابي مثل أبي هريرة الذي هو عند أهل السنّة راوية الإسلام ، كيف يفتي بأحكام دينية على الظنّ ينسبها إلى الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو لايعلمُ حتّى من أخبره بها(2) .
__________________
1 ـ الموطأ لمالك 1 : 190 كتاب الصيام ، باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنباً في رمضان ، صحيح البخاري 2 : 233 ، كتاب الصوم ، باب الصائم يصبح جنباً.
وفي سير أعلام النبلاء 2 : 608 ترجمة أبي هريرة ) : « قال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : كان أبو هريرة يدلّس ».
قال الحافظ ابن كثير في البداية 8 : 109 : « وكأنّ شعبة يشير بهذا إلى حديث : « من أصبح جنباً فلا صيام له » ، فإنّه لمّا حقّق عليه قال : أخبرنيه مخبر ، ولم يسمعه من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وقد حاول الذهبي ترقيع هذا الفتق ـ وهو تدليس أبي هريرة ـ فقال في المصدر المتقدّم : « تدليس الصحابة كثير ، ولا عيب فيه ».
فاقرأ واعجب لمباني القوم وأعذارهم!!
2 ـ كما مرّ في رواية الموطأ ، أمّا في سائر الصحاح والمسانيد فقد اضطربت الآثار ، فإنّ أبا هريرة تارة ينسبه إلى النبي ويقول : « إنّ رسول اللّه كان يأمر
قصّة أخرى لأبي هريرة يتناقضُ فيها مع نفسه
روى عبداللّه بن محمّد ، حدّثنا هشام بن يوسف ، أخبرنا معمّر ، عن الزهري ، عن أبي مسلمة ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا عدوى ولا صفر ولا هامة » ، فقال أعرابىّ : يارسول اللّه فما بالُ الإبلِ تكونُ في الرمْلِ كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجربُ فيُجربها؟ فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « فمنْ أعدى الأوّلَ »(1) .
__________________
بالفطر » ، وتارة يقول : « كنت حدثتكم : من أصبح جنباً فقد أفطر ، فإنّما ذلك من كيس أبي هريرة ، فمن أصبح جنباً فلا يفطر » ، ثمّ إنّه مرّة أحال سماعه إلى الفضل بن العباس ، ومرّة إلى أسامة بن زيد ، ومرّة قال : « أخبرنيه مخبر » ، ومرة قال أيضاً : « حدّثني فلان وفلان » ، وتبعاً لهذا الاضطراب اضطربت كلمة شرّاح الحديث في تبرير موقف أبي هريرة.
انظر على سبيل المثال : فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك 8 : 135 كتاب الصيام ، وفتح الباري لابن حجر 4 : 214.
ومن حُسن الصدف أنّ مروان أراد التثبّت من هذا الحديث فاتضح بسببه خطأ أبي هريرة ، وإلاّ لضلّ الناس بسبب فتواه وعملوا على غير سنّة النبي اعتماداً على أبي هريرة ، ولا ندري كم من الأحاديث التي رواها أبو هريرة خطأ ولم يكن مَنْ يرشده ويبيّن خطأه.
1 ـ صحيح البخاري 7 : 19 ، كتاب الطب ، باب 53 لا هامة ، صحيح مسلم 7 : 31 ، كتاب السلام ، باب لا عدوى ولا طيرة ، فتح الباري 10 : 207 ، هدي الساري 12 : 575 ، المفهم 3 : 276.
وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعدُ يقولُ : قال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لايورِدنّ ممرضُّ على مُصِحّ » ، وأنكر أبو هريرة حديثه الأوّل ، قلنا : ألم تحدّثْ أنّه لا عدْوَى ، فَرطَنَ بالحبشيِّة ، قال أبو سلمة : فما رأيته نسي حديثاً غيره ...(1) .
فهذه أيّها القاري اللبيب سنّة الرسول ، أو قُلْ ما يُنسبُ للرسول ، فمرّة يقول أبو هريرة : إنّه لا علم له بحديثه الأوّل وإنّما أخبره مُخْبرٌ ، ومرّة أُخرى عندما يجابهوه بتناقضه لا يجيبهم بشي ، وإنّما يَرطنُ بالحبشية حتّى لا يفهمه أحد.
خلاف عائشة وابن عمر :
روى ابن جريج قال : سمعتُ عطاء يُخبرُ قال : أخبرني عروةٌ بن الزبير ، قال : كنتُ أنا وابن عُمرَ مستندين إلى حجرة عائشة ، وإنّا لنسمع ضربها بالسواك تستنّ ، قال : فقلت : يا أبا عبدالرحمن اعتمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في رجب؟ قال : نعم ، فقلتُ لعائشة : أي أمّتاه ألا تسمعين مايقولُ أبو عبدالرحمن ، قالتْ : وما يقولُ؟ قلت : يقول : اعتمر
__________________
وانظر في المصادر المتقدّمة لترى الاضطراب في تفسير الحديثين والجمع بينهما.
وبعد كلّ هذا الاختلاف والاضطراب من قبل أبي هريرة في رواياته ، والتي يقرّ بها شرّاح الحديث من علماء أهل السنّة؛ يكون كلام صاحب كتاب ( منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية ) فاقداً للاعتبار وناشئاً عن قلّة الاطلاع.
1 ـ نفس المصدر السابق.
النبىّصلىاللهعليهوآلهوسلم في رجب ، فقالت : « يغفر اللّه لأبي عبدالرحمن ، لعمري ما اعتمر في رجب ، وما اعتمر من عمرة إلاّ وإنّه لَمَعهُ » قال : وابن عمر يَسْمَعُ ، فما قال لا ولا نعمْ سكتَ(1) .
فإذا كان عمر وأبو بكر يختلفان في سنّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) ، وإذا كان أبو بكر يخْتلف مع فاطمة في السنّة النبوية(3) ، وإذا كان أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يختلفن في سنّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم (4) ، وإذا كان أبو هريرة
__________________
1 ـ صحيح مسلم 4 : 61 ، كتاب الحج ، باب بيان عدد عُمَر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، صحيح البخاري 2 : 119 ، كتاب العمرة ، باب كم اعتمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
2 ـ إشارة الى اختلافهما في محاربة مانعي الزكاة ، وقد أشرنا الى المصادر فارجع إليها ( المؤلّف ).
3 ـ إشارة الى قصّة فدك وحديث نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ، أشرنا إلى المصادر ( المؤلّف ).
4 ـ إشارة إلى قصّة رضاعة الكبير التي روتها عائشة وخالف عنها أزواج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ( المؤلّف ).
انظر : صحيح مسلم 4 : 169 ، كتاب الرضاع ، باب رضاعة الكبير.
يتناقض ويختلف مع عائشة في السنّة النبوية(1) ، إذا كان ابن عمر يختلف مع عائشة في سنّة النبي(2) ، وإذا كان عبداللّه بن عباس وابن الزبير يختلفان في السنّة النبوية(3) ، وإذا كان علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان يختلفان في السنّة النبوية(4) .
وإذا كان الصحابة يختلفون فيما بينهم في السنّة النبوية(5) حتى كان للتابعين من بعدهم أكثر من سبعين مذهباً ، فكان ابن مسعود صاحب مذهب ، وكذلك ابن عمر ، وابن عباس ، وابن الزبير ، وابن عيينة ، وابن جريج ، والحسن البصري ، وسفيان الثوري ، ومالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم كثير ، ولكن المتغيّرات السياسية قضت على الجميع ولم تبقى إلاّ المذاهب الأربعة المعروفة
__________________
1 ـ إشارة إلى رواية « يصبح النبي جنباً ويصوم » والذي كذّبته عائشة ( المؤلّف ).
2 ـ إشارة إلى رواية « اعتمر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعاً إحداهن في رجب » وكذّبته عائشة ( المؤلّف ).
3 ـ إشارة إلى اختلافهما في حلّية المتعة وتحريمها ( المؤلّف ).
انظر : صحيح مسلم 4 : 130 ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة.
4 ـ إشارة إلى اختلافهما في متعة الحج ( المؤلّف ).
انظر : البخاري 2 : 153 ( كتاب الحج ، باب التمتع والاقران ).
5 ـ في البسملة وفي الوضوء وفي صلاة المسافر وفي الكثير من المسائل الفقهية التي لايمكن حصرها ( المؤلّف ).
عند أهل السنّة والجماعة.
ورغم قلّة عدد المذاهب ، إلاّ أنّهم يختلفون في أغلب المسائل الفقهية ، وذلك من أجل اختلافهم في السنّة النبوية ، فقد يبني أحدهم حكمه في مسألة طبق ما صحّحه من حديث الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بينما يجتهد غيره برأيه ، أو يقيس على مسألة أُخرى لفقدان النصّ والحديث.
3 ـ اختلاف السنّة والشيعة في السنّة النبوية :
أمّا اختلاف السنّة والشيعة في هذه المسألة فقد يكون لسببين رئيسين :
أحدهما : عدم صحة الحديث عند الشيعة إذا كان أحد الرواة من المطعون في عدالته ولو كان من الصحّابة ، إذ أنّ الشيعة لا يقولون بعدالة الصحابة أجمعين ، كما هو الحال عند أهل السنة والجماعة.
أضف إلى ذلك أنّهم يرفضون الحديث إذا تعارض مع رواية الأئمة من أهل البيت ، فهم يقدّمون رواية هؤلاء على غيرهم مهما عَلتْ مرتبتهم ، ولهم في ذلك أدلّة من القرآن والسنّة ثابتة حتى عند خصومهم ، وقد سبق الإشارة إلى بعضها.
أمّا السبب الثاني في الاختلاف بينهما فهو ناتجٌ عن مفهوم الحديث نفسه ، إذ قد يفسّره أهل السنّة والجماعة على غير تفسير
الشيعة ، كالحديث الذي سبق أن أشرنا إليه وهو قولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « اختلاف اُمتي رحمة »(1) .
إذ يفسّره أهل السنّة والجماعة بأنّ في اختلاف المذاهب الأربعة في الأُمور الفقهية رحمة للمسلمين.
بينما يفسّره الشيعة بالسفر إلى بعضهم البعض ، والاعتناء بأخذ العلم ، ونحوه من الفوائد.
أو قد يكون الاختلاف بين أهل الشيعة وأهل السنّة ليس في مفهوم الحديث النبوي ، وإنّما في الشخص أو الأشخاص المعنيين بهذا الحديث ، وذلك كقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : « عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي »(2) .
فأهل السنّة يعنون به الخلفاء الأربعة ، أمّا الشيعة فيعنون به الأئمة الإثني عشر ، ابتداء من علي بن أبي طالب وانتهاء بالمهدي محمّد بن الحسن العسكريعليهالسلام .
أو كقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « الخلفاء من بعدي إثنا عشر كلّهم من قريش ».
فالشيعة يعنون به الأئمة الإثني عشر من أهل البيتعليهمالسلام ، بينما لا يجد أهل السنّة والجماعة تفسيراً شافياً لهذا الحديث ، وقد اختلفوا
__________________
1 ـ تقدم تخريجه فيما تقدّم.
2 ـ تقدم تخريجه فيما تقدّم.
حتى في الأحداث التاريخية التي تتعلّقُ بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما هو الحال في يوم مولده الشريف ، إذ يحتفل أهل السنّة بالمولد النبوي الشريف يوم الثاني عشر من ربيع الأول ، في حين يحتفل الشيعة في السابع عشر من نفس الشهر!!
ولعمري إنّ هذا الاختلاف في السنّة النبويّة أمر طبيعي لا مفّر منه ، إذا لم يكن هناك مرجعٌ يرجعُ إليه الجميع ويكون حكمه نافذاً ، ورأيه مقبولاً لدى الجميع كما كان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حيث كان يقطع دابر الخلاف ، ويحسمُ النزاع ، ويحكم بما أراه اللّه ، فيسلّمون ولو كان في أنفسهم حرج.
وإنّ وجود مثل هذا الشخص ضرورىّ في حياة الأُمّة وعلى طول مداها! هكذا يحكم العقل. ولا يمكن أن يغفل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن ذلك ، فهو يعلم بأنّ أُمتّه ستتأول كلام اللّه من بعده ، فكان لزاماً عليه أن يُحضّر لها معلّماً قادراً ليقودها إلى الجادّة إذا ما حاولتْ الانحراف عن الصراط المستقيم ، وقد هيّأ بالفعل لأُمّته قائداً عظيماً بذل كلّ جهوده في تربيته وتعليمه منذ وُلدَ إلى أنْ بلغ الكمال ، وصار منه بمنزلة هارون من موسى ، فأوكل إليه هذه المهمّة النبيلة بقوله : « أنا أقاتلُهم على تنزيل القرآن وأنتَ
تقاتلهم على تأويله »(1) .
__________________
1 ـ ينابيع المودة 2 : 235 ح 658 عن مسند الفردوس ، وفي تاريخ دمشق 42 : 453 ومسند أحمد 3 : 33 بلفظ : « إنّ منكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ، قال : فقام أبو بكر وعمر ، فقال : لا ، ولكن خاصف النعل ، وعليّ يخصف نعله » ، وقال الشيخ أحمد شاكر محقق كتاب مسند أحمد 10 : 108 : « اسناده صحيح 10 : 108 ، ونحوه في المستدرك 3 : 123 وقال : « صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه » ، وفي مجمع الزوائد 5 : 186 وقال : « رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح » ، وفي 9 : 133 رواه بلفظ أحمد وقال : « رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة » ، وأخرج الحديث الشيخ الألباني في صحيحته وأشار إلى مصادر الحديث وطرقه المتعددة ، وقال بعد ذلك : « وقد روى الحديث بلفظ آخر من طريق محمد بن جعفر الفيدي عن ربعي بن خراش قال : سمعت علياً يقول وهو بالمدائن : جاء سهيل بن عمرو إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : إنه قد خرج إليك ناس من أرقائنا ليس بهم الدين تعبداً ، فارددهم علينا ، فقال له أبو بكر وعمر : صدق يا رسول اللّه ، فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالإيمان يضرب أعناقكم وأنتم مجفلون عنه إجفال النعم ، فقال أبو بكر : أنا هو يا رسول اللّه؟ قال : لا ، قال له عمر : أنا هو يارسول اللّه؟ قال : لا ، ولكنه خاصف النعل ، قال : وفي كف عليّ نعل يخصفها لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم . قلت : وإسناده حسن » الصحيحة : 5 : 639 ـ 643 ح 2487.
ومن الملاحظ في هذا الحديث أنّ عبقرية عمر ظهر وهنها وخالفت الوحي؛ إذ أنّ هذا الذي وافقه ربّه في عدّة مواطن ـ كما يزعمون ـ لم يوافق ربّه في
وقوله : « أنت ياعليّ تبيّن لأُمّتي ما اختلفوا فيه من بعدي »(1) .
فإذا كان القرآن وهو كتاب اللّه العزيز يتطلّب من يقاتل في سبيل تفسيره وتوضيحه ، لأنّه كتاب صامتٌ لا ينطق ، وهو حمّال أوجه متعدّدة ، وفيه الظاهر والباطن ، فكيف بالأحاديث النبوية؟!
وإذا كان الأمر كذلك في الكتاب والسنّة ، فلا يمكنُ للرّسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يترك لأُمّته ثقلين صامتين أبْكمين لا يتورّع الذين في قلوبهم زيغٌ أن يتأوّلوهما لغرض ، ويتّبعوا ما تشابه منهما ابتغاء الفتنة وابتغاء الدنيا ، ويكونوا سبباً لضلالة من يأتي بعدهم ، لأنّهم أحسنوا الظنّ بهم واعتقدوا بعدالتهم ، ويوم القيامة يندمون فيصدق فيهم قوله تعالى :
( يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَـقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أطَعْنَا اللّهَ وَأطَعْنَا الرَّسُولَ * وَقَالُوا ربَّـنَا إنَّا أطَعْنَا سَادَتَـنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأضَلُّونَا السَّبِيلَ * ربَّـنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذَابِ وَالعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) (2) .
( كُلَّمَا دَخَلَتْ اُمَّةٌ لَعَنَتْ اُخْتَهَا حَتَّى إذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ اُخْرَاهُمْ لاُولاهُمْ رَبَّـنَا هَؤُلاءِ أضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ
__________________
هذا الموطن ، وصدّق المشركين ، وشمله كلام النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بأن اللّه سيبعث رجلا يضرب أعناق قريش.
1 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
2 ـ الأحزاب : 66 ـ 68.
لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ ) (1) .
وهلْ كانت الضلالة إلاّ من ذلك؟ فليس هناك أُمّة لم يبعث اللّه فيهم رسولاً أوضح لهم السبيل وأنار لهم الطريق ، ولكنّهم بعد نبيّهم راحوا يحرّفون ويتأوّلون ويبدّلون كلام اللّه!
فهل يتصوّر عاقل أنّ رسول اللّه عيسىعليهالسلام قال للنّصارى بأنّه إله؟ حاشا وكلاّ( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ ) (2) ولكن الأهواء والأطماع وحبّ الدنيا هو الذي جرّ النصارى لذلك ، ألم يبشّرهم عيسى بمحمّد ومن قبله موسى كذلك؟ ولكنّهم تأوّلوا اسم محمّد وأحمد « بالمنقذ » وهم حتّى الآن ينتظرونه!
وهل كانت أُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم على مذاهب وفرق متعدّدة إلى « ثلاث وسبعين كلّها في النار إلاّ فرقة واحدة » إلاّ بسبب التأويل؟! وها نحنُ نعيش اليوم بين هذه الفرق ، هل هناك فرقة واحدة تنسبُ لنفْسها الضلاله؟ أو بتعبير آخر : هل هناك فرقة واحدة تدّعي أنّها خالفتْ كتاب اللّه وسنّة رسوله؟ بل بالعكس كلّ فرقة تقول بأنّها هي المستمسكة بالكتاب والسنّة ، فما هو الحلّ إذاً؟
أكانَ يغيبُ الحلّ عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أو بالأحرى عن اللّه؟
__________________
1 ـ الأعراف : 38.
2 ـ المائدة : 117.
استغفر اللّه إنّه لطيف بعباده ، ويحبُ لهم الخير ، فلا بدَّ أن يضع لهم حلاًّ ، ليهلك من هلك على بيّنة. وليس من شأنه سبحانه إهمال مخلوقاته وتركهم بدون هداية ، اللَّهم إلاّ إذا اعتقدنا بأنّه هو الذي أراد لهم الاختلاف والفرقة والضلالة ليزجّ بهم في ناره ، وهو اعتقاد باطل فاسدٌ ، استغفره وأتوب إليه من هذا القول الذي لا يليق بجلال اللّه وحكمته وعدالته.
فقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه ترك كتاب اللّه وسنّة نبيّه ليس هو الحلّ المعقول لقضيّتنا ، بل يزيدنا تعقيداً وتأويلاً ولا يقطع دابر المشاغبين والمنحرفين ، ألا تراهم عندما خرجوا على إمامهم رفعُوا شعار : « ليس الحكم لك ياعليّ وإنّما الحكم للّه » إنّه شعار برّاقٌ يأخذُ بلبّ السامع ، فيخالُ القائلُ به حريصاً على تطبيق أحكام اللّه ، ورافضاً لأحكام غيره من البشر ، ولكنّ الحقيقة ليستْ كذلك.
قال تعالى :( وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ ألَدُّ الخِصَامِ ) (1) .
نعم ، كثيراً ما نغتَرُّ بالشعارات البرّاقة ولا نعرف ماذا تُخفي وراءهَا ، ولكن الإمام عليّاً يعرف ذلك لأنّه باب مدينة العلم ،
__________________
1 ـ البقرة : 204.
فأجابهم : « إنّها كلمة حَقّ يُراد بها باطل »(1) .
نعم ، كثيرةٌ هي كلماتُ الحقّ التي يُراد بها الباطل ، كيف ذلك؟ عندما يقول الخوارج للإمام عليّ : الحكم للّه ليس لك ياعليّ ، فهل سيظهر اللّه على الأرض ويفصل بينهم فيما اختلفوا فيه؟ أم أنّهم يعلمون أنّ حكم اللّه في القرآن ، ولكنّ عليّاً تأوّله حسب رأيه؟ فما هي حجّتهم ومن يقول بأنّهم هم الذين تأوّلوا حكم اللّه ، والحال أنّه أعلم منهم وأصدق وأسبق للإسلام ، وهل الإسلام غيره؟
إذاً هو شعار برّاقٌ ليموّهوا به على بسطاء العقول ، فيكسبوا تأييدهم ليستعينوا بهم على حربه وكسب المعركة لصالحهم ، كما يقع اليوم ، فالزمان زمان ، والرجال رجال ، والدهاء والمكر لاينقطع بل يزداد وينمو؛ لأنّ دهاة هذا العصر يستفيدون من تجارب الأوّلين ، فكم من كلمة حقّ يراد بها باطل في يومنا هذا؟
شعارات برّاقة كالذي يرفعها الوهابيّون في وجه المسلمين وهو « التوحيد وعدم الشرك » فمن من المسلمين لا يوافق عليه؟ وكتسمية فرقة من المسلمين أنفسهم « بأهل السنّة والجماعة » فَمَنْ من المسلمين لا يوافق أن يكون مع الجماعة التي تتبع سنّة النبي؟ وكشعار البعثيين « أُمّةً عربيةٌ واحدة ذات رسالة خالدة » فمن من
__________________
1 ـ نهج البلاغة1 : 84 ، الخطبة 35.
المسلمين لا يغتّر بهذا الشعار ، قبل أنّ يعرف خفايا حزب البعث ومؤسّسه النصراني ميشال عفلق؟
لك اللّه ياعليّ بن أبي طالب ، إنّ حكمتك بَقِيتْ وستبقى مدوّيةً على مسمع الدهر ، فكم من كلمة حقّ يرادُ بها الباطل. صَعد أحد العلماء إلى منصّة الخطابة وصاح بأعلى صوته : من قالَ بأنني شيعي نقول له : أنتَ كافر ، ومن قال بأنّني سنّي نقول له : أنت كافر ، نحْنُ لا نريد شيعة ولا سنّة ، وإنّما نريد إسلاماً فقط.
إنّها كلمة حقّ يراد بها باطل ، فأىّ إسلام يريده هذا العالم ، وفي عالمنا اليوم إسلام متعدّد ، بل وحتّى في القرن الأول كان الإسلام متعدّداً؟!
فهناك إسلام عليّ وإسلام معاوية ، وكلاهما له أتباع ومؤيّدون حتّى وصل الأمر إلى القتال.
وهناك إسلام الحسين وإسلام يزيد الذي قتل أهل البيت باسم الإسلام ، وادّعى أنّ الحسين خرج عن الإسلام بخروجه عليه.
وهناك إسلام أئمة أهل البيت وشيعتهم ، وإسلام الحكّام وشعوبهم ، وعلى مرّ التاريخ نجد اختلافاً بين المسلمين.
وهناك إسلام متسامح كما يسمّيه الغرب؛ لأنّ أتباعه ألقوا بالمودّة لليهود والنصارى ، وأصبحوا يركعون للقوّتين العظيمتين ، وهناك
إسلام متشدّد يُسمّيه الغرْب إسلام التعصّب والتحجّر أو مجانين اللّه.
وبعد كلّ هذا لم يبق معنا مجالٌ للتصديق بحديث « كتاب اللّه وسنّتي » للأسباب التي ذُكرتُ.
تبقى الحقيقة ناصعة جليّة في الحديث الثاني الذي أجمع عليه المسلمون وهو : « كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي »؛ لأنّ هذا الحديث يُحلّ كلّ المشكلات ، فلا يبقى اختلاف في تأويل أيّة آية من القرآن أو في تصحيح وتفسير أي حديث نبوي شريف إذا مارجعنا إلى أهل البيت الذين أُمرنا بالرجوع إليهم ، وخصوصاً إذا علمنا بأنّ هؤلاء الذين عيّنهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هم أهلٌ لذلك ، ولا يشكّ أحدٌ من المسلمين في غزارة علمهم ، وفي زهدهم وتقواهم ، وقد أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم ، وأورثهم علم الكتاب ، فلا يخالفونه ولا يختلفون فيه ، بل لا يفارقونه حتّى قيام الساعة ، قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« إنّي تارك فيكم خليفتين ، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ، فإنّهما لم يفترقا حتّى يردَا علىّ الحوض »(1) .
__________________
1 ـ ولذا قال صاحب الصواعق 2 : 442 : « وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة
ولأكون مع الصادقين يجبُ علىَّ قول الحقّ ، لا تأخذني في ذلك لومة لائم ، وهدفي رضى اللّه سبحانه وإرضاء ضميري قبل رضى الناس عنّي.
والحقيقة في هذا البحث هي في جانب الشيعة الذين اتّبعوا وصيّة رسول اللّه في عترته ، وقدّموهم على أنفسهم ، وجعلوهم أئمتهم يتقرّبونَ ، إلى اللّه بحبّهم والاقتداء بهم ، فهنيئاً لهم بالفوز في الدنيا وفي الآخرة حيث يُحشر المرء مع من أحبّ ، فكيف بمن أحبّهم واقتدى بهديهم.
قال الزمخشري في هذا الصدد :
كثُر الشكّ والاختلاف وكلّ |
يدّعي أنّه الصراط السوي |
|
فتمسّكتُ بلا إله إلاّ اللهُ |
وحبّي لأحمد وعليّ |
|
فازَ كلبٌ بحبّ أصحاب كهف |
فكيفَ أشقى بحبّ آل النبي(1) |
__________________
كما أنّ الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض ».
وقال المناوي في فيض القدير 3 : 20 بعد شرحه لحديث الثقلين : « تنبيه : قال الشريف : هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلا للتمسك به من أهل البيت والعترة الطاهرة في كلّ زمن إلى قيام الساعة ، حتى يتوجه الحث المذكور إلى التمسك به ، كما أنّ الكتاب كذلك ، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض ، فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض ».
1 ـ ذكرها الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب : 299.
اللّهم اجعلنا من المتسمكين بحبل ولائهم ، والسائرين على منهاجهم ، والراكبين سفينتهم ، والقائلين بإمامتهم ، والمحشورين في زمرتهم ، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
القضاء والقدر
عند أهل السنّة والشيعة
كان موضوع القضاء والقدر لغزاً عويصاً فيما مضى من حياتي ، إذ لم أجد فيه تفسيراً شافياً ولا كافياً يريح فكري ويقنع قلبي ، وبقيتُ محتاراً بين ما تعلّمته في مدرسة أهل السنّة من أن الإنسان مسيّرٌ في كلّ أفعاله بما يوافق : « كلّ ميسّرُ لما خلقَ له »(1) ، وأنّ اللّه سبحانه
__________________
1 ـ واتهم صاحب كتاب كشف الجاني : 156 المؤلّف بالافك والافتراء على أهل السنة في هذا الكلام وأنهم لا يقولون بهذا الكلام الذي ذكره ، ولكن عند تصفحنا لمصادر أهل السنة نجد أنّ كلام المؤلف تام ولا غبار عليه ، وأنّ عقيدة أهل السنّة في القضاء والقدر هي التسيير وليست التخيير ، وإليك كلمات بعض علمائهم :
أ ـ قال القسطلاني : « وقال أهل السنّة : إنّ اللّه سبحانه وتعالى قدّر الأشياء ، أي علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها ، ثمّ أوجد منها ، ما سبقه في علمه ، فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلاّ وهو صادر عن علمه تعالى
__________________
وقدرته وإرادته ، وأنّ الخلق ليس لهم فيها إلاّ نوع اكتساب ومحاولة ونسبة وإضافة ، وأنّ ذلك كلّه إنّما حصل بتيسير اللّه وبقدرة اللّه والهامه » هدي الساري 14 : 3 ( كتاب القدر ).
ب ـ وقال في البحر الرائق 8 : 331 : « وقال ( صاحب الحاوي ) : قال الشيخ الإمام أبو بكر محمّد بن أحمد القاضي : إنّ اللّه تعالى خلق أفعال العباد وأفعالهم بقضاء اللّه تعالى ومشيئته ».
جـ ـ وقال ابن حزم في المحلى 1 : 37 : « مسألة : وجميع أفعال العباد خيرها وشرها كل ذلك مخلوقة ، خلقه اللّه عزّ وجلّ ».
د ـ وقال البيهقي : « فثبت أنّ الأفعال كلّها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها » الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد : 245.
وغيرها من الكلمات الكثيرة التي تنصّ على أنّ اللّه سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد ، بل نجد ابن أبي العزّ نفسه يصرّح بذلك ، وإن حاول عثمان الخميس نقل عبارته مبتورة حتى لا تنكشف حقيقة عقيدته.
قال ابن أبي العزّ الدمشقي : « وقال أهل الحقّ : أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة ، وهي مخلوقة للّه تعالى ، والحقّ سبحانه وتعالى منفرد بخلق المخلوقات لا خالق لها سواه » شرح العقيدة الطحاوية 2 : 640.
وعبارة ابن تيمية التي نقلها صاحب كتاب كشف الجاني متناقضة في نفسها ، لأنّ العباد إذا كانوا فاعلين حقيقة فكيف يكون اللّه الخالق لأفعالهم ، وإذا كان اللّه هو الخالق لأفعالهم ، فما معنى أنّ اللّه خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم ، إذ لا معنى لخلق القدرة والإرادة بعد أن كان خالقاً لأفعالهم؟!
والنتيجة : إنّ عقيدة أهل السنّة مضطربة في القضاء والقدر ، والروايات التي
يبعث إلى الجنين في بطن أُمّه ملكين من الملائكة فيكتبان أجله ورزقه وعمله ، وإن كان شقّياً أو سعيداً(1) ، وبين ما يمليه عقلي وضميري ، من عدالة اللّه سبحانه وتعالى وعدم ظلمه لمخلوقاته ، إذ كيف يجبرهم على أفعال ثمّ يحاسبهم عليها ، ويعذّبهم من أجل جرم كتبه هو عليهم وأجبرهم عليه.
فكنت كغيري من شباب المسلمين أعيش تلك التناقضات الفكرية في تصويري بأنّ اللّه سبحانه هو القويّ الجبار الذي لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون(2) ، وهو فعال لما يريد(3) ، وقد خلق الخلق وجعل قسماً منهم في الجنة وقسماً آخر في الجحيم ، ثمّ هو رحمن رحيم بعباده لا يظلم مثقال ذرة( وَمَا رَبُّكَ بِظَـلام لِلْعَبِيدِ ) (4) ـ( إنَّ
__________________
رووها وكلمات علمائهم تنصّ على أنّ الإنسان مسيّر في خلقه وأفعاله وليس مخيّراً.
وما ذكره المؤلّف من لغزية موضوع القضاء والقدر عند أهل السنة صحيح لا غبار عليه ولا مجال للطعن عليه بالافك والافتراء والتزوير.
1 ـ صحيح البخاري 6 : 53 ، كتاب التوحيد ، باب قوله تعالى :( وَلَـقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ ) ).
2 ـ الأنبياء : 23.
3 ـ البروج : 16.
4 ـ فصلت : 46.
اللّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (1) ، ثمّ هو أحنّ عليهم من المرأة على ولدها ، كما جاء ذلك في الحديث الشريف(2) .
وكثيراً مايتراءى هذا التناقض في فهمي لآيات القرآن الكريم ، فمرّة أفهم بأنّ الإنسان على نفسه بصيرة ، وهو المسؤول الوحيد عن أعماله :( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَه ) (3) .
ومرّة أفهم بأنّه مسيّر وليس له حول ولا قوّة ، ولا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ولا رزقاً( وَمَا تَشَاؤُونَ إلاّ أنْ يَشَاءَ اللّهُ ) (4) ،( فَإنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (5) .
نعم ، لستّ وحدي بل أغلب المسلمين يعيش هذه التناقضات الفكرية ، ولذلك تجد أغلب الشيوخ والعلماء إذا ما سألتهم عن موضوع القضاء والقدر لا يجدون جواباً يقنعون به أنفسهم قبل إقناع
__________________
1 ـ يونس : 44.
2 ـ صحيح البخاري 7 : 75 ، كتاب الأدب ، باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ، الحديث السادس.
3 ـ الزلزلة : 7 ـ 8.
4 ـ الإنسان : 30.
5 ـ فاطر : 8.
غيرهم ، فيقولون : هذا موضوع لا يجب الخوض فيه ، وبعضهم يحرّم الخوض فيه ويقول : يجب على المسلم أن يؤمن بالقضاء والقدر خيره وشرّه ، وأنّه من عند اللّه.
وإذا ماسألهم معاند : كيف يجبر اللّه عبده على ارتكاب جريمة ثمّ يزجّ به في نار جهنم؟ اتهموه بالكفر والزندقة والخروج عن الدين إلى غير ذلك من التهم الباردة.
فجمدت العقول وتحجرت ، وأصبح الإيمان بأنّ الزواج بالمكتوب ، والطلاق بالمكتوب ، وحتى الزنا فهو مكتوب ، إذ يقولون : مكتوب على كلّ فرج اسم ناكحه ، وكذلك شرب الخمر ، وقتل النفس ، وحتى الأكل والشرب ، فلا تأكل ولا تشرب إلاّ ما كتب اللّه لك!
قلت لبعض علمائنا بعد استعراض كلّ هذه المسائل : إنّ القرآن يكذّب هذه المزاعم ، ولا يمكن للحديث أن يناقض القرآن! قال تعالى في شأن الزواج :( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ) (1) فهذا يدلّ على حريّة الاختيار.
وفي شأن الطلاق :( الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان ) (2) وهو أيضاً اختيار.
__________________
1 ـ النساء : 3.
2 ـ البقرة : 229.
وفي الزنا قال :( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ) (1) ، وهو أيضاً دليل الاختيار.
وفي الخمر قال :( إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنتَهُونَ ) (2) وهي أيضاً تنهى بمعنى الاختيار.
أما قتل النفس فقد قال فيها :( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إلاّ بِالحَقِّ ) (3) وقال :( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً ) (4) ، فهذه أيضاً تفيد الاختيار في القتل.
وحتى بخصوص الأكل والشرب ، فقد رسم لنا حدوداً فقال :( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ) (5) ، فهذه أيضاً بالاختيار.
فكيف ياسيّدي بعد هذه الأدلّة القرآنية بأنّ كلّ شيء من اللّه ، والعبد مسيّر في كلّ أفعاله؟
__________________
1 ـ الإسراء : 32.
2 ـ المائدة : 91.
3 ـ الأنعام : 151.
4 ـ النساء : 93.
5 ـ الأعراف : 31.
أجابني : بأنّ اللّه سبحانه هو وحده الذي يتصرّف في الكون ، واستدلّ بقوله :( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) (1) .
قلت : لا خلاف بيننا في مشيئة اللّه سبحانه ، وإذا شاء اللّه أن يفعل شيئاً فليس بإمكان الإنس والجن ولا سائر المخلوقات أن يعارضوا مشيئته ، وإنّما اختلافنا في أفعال العباد هل هي منهم أم من اللّه؟
أجابني : لكم دينكم ولي ديني ، وأغلق باب النقاش بذلك.
هذه هي في أغلب الأحيان حجّة علمائنا ، وأذكر أنّي رجعت إليه بعد يومين وقلت له : إذا كان اعتقادك أنّ اللّه هو الذي يفعل كلّ شيء وليس للعباد أن يختاروا أيّ شيء ، فلماذا لا تقول في الخلافة نفس القول ، وإنّ اللّه سبحانه هو الذي يخلق مايشاء ويختار ما كان لهم الخيرة؟
فقال : نعم أقول بذلك؛ لأنّ اللّه هو الذي اختار أبا بكر ، ثمّ عمر ، ثمّ عثمان ، ثمّ عليّ ، ولو شاء اللّه أن يكون علي هو الخليفة الأوّل ما كان الجنّ والإنس بقادرين على منع ذلك.
قلت : الآن وقعت؟
__________________
1 ـ آل عمران : 26.
قال : كيف وقعت؟
قلت : إمّا أن تقول بأنّ اللّه اختار الخلفاء الراشدين الأربعة ، ثم بعد ذلك ترك الأمر للناس يختارون من شاؤوا. وإمّا أن تقول بأنّ اللّه لم يترك للناس الاختيار ، وإنّما يختار هو كلّ الخلفاء من وفاة الرسول إلى قيام الساعة؟
أجاب : أقول بالثاني( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) .
قلت : إذاً فكلّ انحراف وكلّ ضلالة وكلّ جريمة وقعت في الإسلام بسبب الملوك والأُمراء فهي من اللّه؛ لأنه هو الذي أمّر هؤلاء على رقاب المسلمين؟
أجاب : وهو كذلك ، ومن الصالحين من قرأ :( وَإذَا أرَدْنَا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا ) (1) أي جعلناهم أمراء.
قلت متعجّباً : إذاً فقتل عليّ على يد ابن ملجم وقتل الحسين بن عليّ أراده اللّه؟
فقال منتصراً : نعم طبعاً ، ألم تسمع قول الرسول لعليّ : « أشقى الآخرين الذي يضربك على هذه حتى تبتلّ هذه » ، وأشار إلى رأسه ولحيته كرم اللّه وجهه.
__________________
1 ـ الإسراء : 16.
وكذلك سيّدنا الحسين قد علم رسول اللّه بمقتله في كربلاء وحدّث أُمّ سلمة بذلك ، كما علم بأنّ سيّدنا الحسن سيصلح اللّه به فرقتين عظيمتين من المسلمين ، فكلّ شيء مسطر ومكتوب في الأزل وليس للإنسان مفرّ ، وبهذا أنت الذي وقعت لا أنا.
سكتُّ قليلاً أنظر إليه وهو مزهو بهذا الكلام ، وظنّ أنّه أفحمني بالدليل؛ كيف لي أن أقنعه بأنّ علم اللّه بالشيء لا يفيد حتماً بأنّه هو الذي قدّره وأجبر الناس عليه ، وأنا أعلم مسبقا بأنّ فكره لا يستوعب مثل هذه النظرية.
سألته من جديد : إذاً فكلّ الرؤساء والملوك قديماً وحديثاً والذين يحاربون الإسلام والمسلمين نصّبهم اللّه.
قال : نعم وبدون شكّ.
قلت : حتى الاستعمار الفرنسي على تونس والجزائر والمغرب هو من اللّه؟ قال : بلى ، لمّا جاء الوقت المعلوم خرجت فرنسا من تلك الأقطار.
قلت : سبحانه اللّه! فكيف كنت تدافع سابقاً عن نظرية أهل السنّة بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مات وترك الأمر شورى بين المسلمين ليختاروا من يشاؤون؟
قال : نعم ، ولا زلت على ذلك وسأبقى على ذلك إن شاء اللّه!
قلت : فكيف توفّق بين القولين : اختيار اللّه ، واختيار الناس بالشورى؟
قال : بما أنّ المسلمين اختاروا أبا بكر فقد اختاره اللّه!
قلت : أنزل عليهم الوحي في السقيفة يدلّهم على اختيار الخليفة؟
قال : أستغفر اللّه ، ليس هناك وحي بعد محمّد كما يعتقد الشيعة! ( والشيعة كما هو معروف لا يعتقدون بهذا ، وإنّما هي تهمة ألصقها بهم أعداؤهم )(1) .
__________________
1 ـ أتهم صاحب كتاب كشف الجاني : 158 الشيعة بأنّها تؤمن بوجود الوحي بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأخذ يستهزئ بما ذكره المؤلّف من أنّ الشيعة لا تؤمن بوجود وحي بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ولإيضاح المسألة للقارئ نقول : اتفقت الأُمّة الإسلامية بجميع طوائفها شيعة وسنّة على أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، وأنّ شريعته ودينه خاتم الأديان والشرائع ، وأنّه لا وحي بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
قال الإمام عليعليهالسلام في نهج البلاغة : الخطبة 129 : « أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن ، فقضى به الرسل ، وختم به الوحي ».
وقالعليهالسلام كما في خطبته الأُولى من النهج : « إلى أن بعث اللّه محمّداً لإنجاز عدته وإتمام نبوته ».
إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة المؤكّدة لهذا الأمر.
وهناك أمرٌ آخر لابدّ من بيانه ، وهو : إنّ الوحي الذي ينزل بالرسالة السماوية وهو جبرائيلعليهالسلام يختلف عن رؤية الملائكة أو الموجودات السماوية
__________________
الملكوتية ، فالوحي بالرسالة لا ينزل ولا يأتي إلاّ للأنبياء المرسلين المأمورين بتبليغ شرائع اللّه ، وبما أنّ آخر الأنبياء نبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم وقد ختمت رسالته جميع الرسائل ، فلا يوجد وحي بعدها ولا تأتي رسالة سماوية أُخرى ، ولكن هناك عبادٌ صالحون وأئمة مطهّرون معصومون يرون الملائكة ويحدّثونهم ويتعلّمون منهم ، وهذا شيء لا ربط له بالوحي الخاصّ الذي ينزل بالرسالة السماوية ، والقرآن شاهد على ذلك ، فهذه مريمعليهاالسلام رأت ملكاً يبشّرها بعيسىعليهالسلام وهي ليست نبيّة ، ورأت زوجة إبراهيمعليهالسلام الملك وبشّرها بإسحاق ويعقوب ، ورأت زوجة لوط الملائكة وأخبرت قومها بهم ، ورأى السامري الملك وأخذ قبضة من أثره ، مع أنّ هؤلاء جميعاً ليسوا أنبياء.
وجاء في صحيح مسلم 7 : 72 ، كتاب الفضائل ، باب قتال جبريل وميكائيل عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم يوم أحد : « عن سعد بن أبي وقاص قال : رأيت عن يمين رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعن شماله يوم أُحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد ، يعني جبرئيل وميكائيلعليهماالسلام ».
قال النووي : « وفيه فضيلة الثياب البيض ، وأنّ رؤية الملائكة لا تختصّ بالأنبياء ، بل يراهم الصحابة والأولياء ، وفيه منقبة لسعد ابن أبي وقاص الذي رأى الملائكة » 1 : 66.
وجاء في صحيح البخاري 4 : 20 كتاب المناقب ، باب مناقب عمر عن أبي هريرة قال : « قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : لقد كان فيما قبلكم من الأُمم ناس محدّثون ، فإن يك في أُمتي أحد فإنّه عمر ».
قال ابن حجر في شرحه للرواية : « قوله : محدّثون ، بفتح الدال قالوا
__________________
المحدّث بالفتح هو الرجل الصادق الظنّ ، وهو من اُلقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى وقيل مكلّم ، أي تكلّمه الملائكة بغير نبّوة ، وهذا ورد في حديث أبي سعيد الخدري ولفظه : قيل : يارسول اللّه وكيف يحدّث؟ قال : تتكلّم الملائكة على لسانه ، رويناه في فوائد الجوهري » فتح الباري 7 : 62 كتاب فضائل أصحاب النبي ، في مناقب عمر.
وذكر القسطلاني في إرشاد الساري 8 : 204 نحوه وقال : « وليس قوله : فإن يكن ، للترديد ، بل للتأكيد ، كقولك : إن يكن لي صديق ففلان ، إذ المراد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء ، وإذا ثبت أنّ هذا وجد في غير هذه الأُمّة المفضولة فوجوده في هذه الأُمّة الفاضلة أحرى ».
وقال المناوي : 6097 : « وقد كان فيما مضى قبلكم من الأُمم أُناس محدّثون ، قال القرطبي : الرواية بفتح الدال اسم مفعول جمع محدّث بالفتح ، شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الأعلى أو تكلمه الملائكة بلا نبّوة. ومعنى هذا الخبر قد تحقق ووجد في عمر قطعاً ، وإن كان النبي لم يجزم بالوقوع ، دلّ على وقوعه لعمر أشياء كثيرة » فيض القدير في شرح الجامع الصغير 6 : 664.
إلى غير ذلك من الروايات الكثيرة وكلمات علماء السنّة التي تصرّح بأنّ عمر بن الخطاب محدّث ، تحدّثه الملائكة ، لا أنّه يراها فقط.
فإذا كان هناك روايات عند أهل السنّة تصرّح بذلك ، فلا معنى لإلقاء التهم على الشيعة والطعن فيهم والتحامل عليهم بأنُهم لا يؤمنون بانقطاع الوحي ، فإن كان تحديث الملائكة لشخص يعني عدم الإيمان بانقطاع الوحي ، فهذا مشترك بين السنّة والشيعة ؛ لأنّه كما توجد روايات عند الشيعة بتحديث
قلت : دعنا من الشيعة وأباطيلهم ، واقنعنا بما عندك! كيف علمت بأنّ اللّه اختار أبا بكر؟
قال : لو أراد اللّه خلاف ذلك لما تمكّن المسلمون ولا العالمون خلاف مايريده اللّه تعالى؟
عرفتّ حينئذ أنّ هؤلاء لا يفكّرون ولا يتدبّرون القرآن ، وعلى رأيهم سوف لن تستقيم أيّة نظرية فلسفية أو علمية.
وهذا يذكّرني بقصة أُخرى كنت أمشي مع صديق في حديقة كان بها نخل كثير ، وكنت أُحدّثه في القضاء والقدر ، فسقطت فوق رأسي تمرة ناضجة أخذتها من فوق الحشائش لأكلها وضعتها في فيَّ.
تعجّب صديقي قائلاً : لا تأكل إلاّ ماكتبه اللّه لك! هذه التمرة سقطت باسمك.
__________________
الملائكة لأئمة أهل البيت ، فكذلك توجد روايات عند أهل السنّة بتحديث الملائكة لعمر ، وإن كان تحديث الملائكة لشخص يختلف عن معنى الوحي والرسالة فهذا ما تؤمن به الشيعة أيضاً من أن الوحي والرسالة شيء وهو قد ختم بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والتحديث شيء آخر يختلف عنه ، فلا داعي للتشنيع على الشيعة بأمر هو موجود عند أهل السنّة ومروي في أصح كتبهم ، بل تجاوز أهل السنّة الحدّ في ذلك حيث جعلوا النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم غير عالم بأنّ عمر بن الخطاب محدَّث من قبل الملائكة ، ولذا أخبر على نحو التعليق لا الجزم!!
قلت : ما دمت تؤمن بأنّها مكتوبة فسوف لن آكلها ، ولفظتها.
قال : سبحان اللّه! إذا كان الشي غير مكتوب لك يُخرجه اللّه حتى من بطنك.
قلت : إذاً سآكلها والتقطتها من جديد لأثبت بأنّي مخيّر في أكلها أو تركها ، بقي صديقي يرقبني حتى مضغتها وابتلعتها ، عند ذلك قال : هي واللّه كاتبة لك ( يقصد كتبها اللّه إليك ) ، وانتصر عليّ بتلك الطريقة؛ لأنه لا يمكن لي بعد ، أن أخرج التمرة من جوفي.
نعم ، هذه عقيدة أهل السنّة في خصوص القضاء والقدر ، أو قل : هذه عقيدتي عندما كنتُ سنياً.
ومن الطبيعي أن أعيش بهذه العقيدة مشوّش الفكر بين المتناقضات ، ومن الطبيعي أن نبقى في جمود دائم وننتظر أن يغيّر اللّه ما بنا عوض أن نغيّر نحن ما بأنفسنا لكي يغيّر اللّه ما بنا ، ونتهرّب من المسؤولية التي تحمّلناها ونلقي بها عليه سبحانه ، فإذا قلت للزاني أو للسارق أو حتى للمجرم الذي اغتصب فتاة قاصرة وقتلها بعد شهوته فسيجيبك : اللّه غالب ، قدّر ربّي. سبحان هذا الربّ الذي يأمر الإنسان بدفن ابنته ثمّ يسأله بأيّ ذنب قتلت؟! سبحانك إن هذا إلاّ بهتان عظيم!
ومن الطبيعي أن يزدري بنا علماء الغرب ويضحكون لسخافة
عقولنا ، بل وينبزوننا بالألقاب فيسمونه « مكتوب العرب » ويجعلونه سبباً رئيسياً لجهلنا وتخلّفنا.
ومن الطبيعي أيضاً أن يعرف الباحثون بأنّ هذا الاعتقاد نشأ من حكّام الدولة الأموية ، الذين كانوا يروّجون بأنّ اللّه سبحانه هو الذي أعطاهم الملك وأمّرهم على رقاب الناس ، فيجب على الناس إطاعتهم وعدم التمرّد عليهم؛ لأنّ مطيعهم مطيع للّه ، والخارج عليهم هو متمرّد على اللّه يجب قتله ، ولنا في ذلك شواهد عديدة من التاريخ الإسلامي :
فهذا عثمان بن عفّان عندما يطلبون منه أن يعتزل يرفض ويقول : لا أخلع قميصاً قمّصنيه اللّه(1) ، فعلى رأيه الخلافة هي لباس له وقد ألبسه اللّه إياه ، فلا ينبغي لأحد من الناس أن ينزعه عنه إلاّ اللّه سبحانه ، يعني بالوفاة.
وهذا معاوية أيضاً يقول : إنّي لم أُقاتلكم لتصوموا ولتزكّوا ، وإنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، وقد أعطاني اللّه ذلك وأنتم كارهون(2) .
فهذا يذهب شوطاً أبعد من عثمان؛ لأنّه يتّهم ربّ العزة والجلالة
__________________
1 ـ تاريخ الطبري 3 : 405.
2 ـ المصنّف لابن أبي شيبة 7 : 251 ح 23 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 16 : 46 ، تاريخ دمشق 59 : 150 ، البداية والنهاية 8 : 140.
بأنّه أعانه على قتل المسلمين ليتأمّر عليهم ، وخطبة معاوية مشهورة.
وحتّى في اختياره ليزيد ابنه وتوّليه على الناس رغم أُنوفهم ، فقد ادّعى معاوية أنّ اللّه هو الذي استخلف ابنه يزيداً على الناس ، وذلك مارواه المؤرّخون وعندما كتب بَيعتهُ إلى الآفاق ، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم ، فكتب إليه يذكر الذي قضى اللّه به على لسانه من بيعة يزيد(1) .
وكذلك فعل ابن زياد الفاسق عندما أدخلوا عليه عليّاً زين العابدين مكبّلاً بالأغلال ، فسأل قائلاً : من هذا؟ فقالوا : عليّ بن الحسين! قال : ألم يقتل اللّه عليّ بن الحسين ، فأجابته زينب عمّته : بل قتلَهُ أعداء اللّه وأعداء رسوله.
فقال لها ابن زياد : كيفَ رأيت فعل اللّه بأهل بيتك.
قالت : مارأيت إلاّ جميلاً ، هؤلاء قومٌ كتبَ اللّه عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاجّ وتخاصم ، فانظر لمن الفلج يومئذ ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانه(2) .
وهكذا تفشّى هذا الاعتقاد من بني أُميّة وأعوانهم وسرى في
__________________
1 ـ الإمامة والسياسة 1 : 210 ( في قدوم معاوية المدينة ).
2 ـ صدر الحديث في مقاتل الطالبين : 80 عن يزيد ، وذيله في مثير الأحزان لابن نما : 71 ، البحار 45 : 115 عن ابن زياد.
الأُمّة الإسلامية ، عدا شيعة أهل البيت.
وما إن عرفتُ علماء الشيعة(1) وقرأت كتبهم حتّى اكتشفتُ علماً جديداً في القضاء والقدر.
وقد أوضحه الإمام عليّعليهالسلام بأوضح بيان وأشمله ، إذ قال لمن سأله عن القضاء والقدر :
« ويحك! لعلّك ظننتَ قضاءً لازماً وقدراً حاتماً ، ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد.
إن اللّه سبحانه أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلّف يسيراً ، ولم يكلّف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يُعصَ مغلوباً ، ولم يُطعْ مُكرِهاً ، ولم يرسل الأنبياء لعباً ، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً ، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً.( ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَـفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَـفَرُوا مِنَ النَّارِ ) »(2) .
فما أوضحه من بيان ، وما قرأت في الموضوع كلاماً أبلغ منه ،
__________________
1 ـ كالسيد محمّد باقر الصدر طيّب اللّه ثراه الذي أفادني كثيراً في هذا الموضوع ، وكالسيّد الخوئي والسيد محمّد علي الطباطبائي والسيّد الحكيم وغيرهم ( المؤلّف ).
2 ـ نهج البلاغة 4 : 17 ، الخطبة 78.
وبرهاناً أدّل على الحقيقة منه ، فالمسلم يقتنع بأنّ أعماله هي من محض إرادته واختياره ، لأنّ اللّه سبحانه أمرنا ، ولكنّه ترك لنا حرية الاختيار ، وهو قول الإمام : « إن اللّه أمر عباده تخييراً ».
كما أنّه سبحانه نهانا وحذّرنا عقابَ مخالفته ، فدلّ كلامه على أنّ للإنسان حرية التصرّف وبإمكانه أن يخالف أوامر اللّه ، وفي هذه الحالة يستوجب العقاب ، وهو قول الإمام : « ونهاهم تحذيراً ».
وزاد الإمام عليعليهالسلام توضيحاً للمسألة فقال : بأن اللّه سبحانه « لم يُعصَ مغلوباً » ، ومعنى ذلك بأنّ اللّه لو أراد جبْرَ عباده وإرغامهم على شيء لم يكن بمقدورهم جميعاً أن يغلبوه على أمره ، فدلّ ذلك على أنّه ترك لهم حريّة الاختيار في الطاعة والمعصية ، وهو مصداقٌ لقوله تعالى :( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ) (1) .
ثمّ بعد ذلك يخاطب الإمام عليّ ضمير الإنسان ليصل إلى أعماق وجدانه ، فيأتي بالدليل القاطع على أنّه لو كان الإنسان مجبوراً على أفعاله ـ كما يعتقده البعض ـ لكان إرسال الأنبياء وإنزال الكتب ضرباً من اللعب والعبث الذي يتنزّه اللّه جلّ جلاله عنه؛ لأنّ دور الأنبياء سلام اللّه عليهم أجمعين وإنزال الكتب هو لإصلاح الناس ،
__________________
1 ـ الكهف : 29.
وإخراجهم من الظلمات إلى النور ، وإعطائهم العلاج النافع لأمراضهم النفسية ، وتوضيح الطريقة المثلى للحياة السعيدة ، قال تعالى :( إنّ هذا القرآن يهدي للّتي هي أقومُ ) (1) .
ويختم الإمام عليّ بيانه بأنّ الاعتقاد بالجبر هو نفس الاعتقاد بخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً ، وهو كفرّ توعّد اللّه القائلين به بالنار.
وإذا محّصنا قول الشيعة في القضاء والقدر وجدناه قولاً سديداً ورأياً رشيداً ، فبينما فرّطت طائفة فقالت بالجبر ، وأفرطت أُخرى فقالت بالتفويض ، جاء أئمة أهل البيت سلام اللّه عليهم ليصحّحوا المفاهيم والمعتقدات ، ويرجعوا بهؤلاء وأُولئك ، فقالوا : « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين »(2) .
وقد ضرب الإمام جعفر الصادق لذلك مثلاً مبسّطاً يفهمه كلّ الناس وعلى قدر عقولهم ، فقال للسائل عندما سأله : ما معنى قولك : « لا جبر ولا تفويض ولكن أمرٌ بين أمرين »؟ أجابهعليهالسلام : « ليس مشيُك على الأرض كسقوطك عليها ».
ومعنى ذلك أنّنا نمشي على الأرض باختيارنا ، ولكنّنا عندما
__________________
1 ـ الإسراء : 9.
2 ـ الكافي 1 : 160 ح 13 ، التوحيد للصدوق : 362 ح 8.
نسقط على الأرض فهو بغير اختيارنا ، فمن منّا يُحبّ السقوط الذي قد يُسبّبْ كسر بعض الأعضاء من جسمنا فنصبح معاقين.
فيكون القضاء والقدر أمراً بين أمرين ، أي قسم هو من عندنا وباختيارنا ونحن نفعله بمحض إرادتنا ، وقسم ثان هو خارج عن إرادتنا ونحن خاضعون له ، ولا نقدر على دفعه ، فنُحاسَبُ على الأوّل ، ولا نُحاسبُ على الثاني.
والإنسان في هذه الحالة مُخيّرٌ ومسيّرٌ في نفس الوقت :
أ ـ مُخيّرٌ في أفعاله التي تصدر منه بعد تفكير ورويّة ، إذ يمرّ بمرحلة التخيير والصراع بين الإقدام والإحجام ، وينتهي به الأمر إمّا بالفعل أو الترك ، وهذا ما أشار إليه سبحانه بقوله :( وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (1) .
فالتزكية للنفس والدسّ لها هما نتيجة اختيار الضمير في كلّ إنسان ـ كما أنّ الفلاح والخيبة هما نتيجة حتمية وعادلة لذلك الاختيار.
ب ـ مُسيّرٌ بكلّ مايحيط به من نواميس الكون وحركته الخاضعة كلّها لمشيئة اللّه سبحانه بكلّ أجزائها ومركبّاتها وأجرامها وذرّاتها ،
__________________
1 ـ الشمس : 7 ـ 10.
فالإنسان ليس له أن يختار جنسه من ذكورة وأُنوثة ، ولا أن يختار لونه ، فضلاً عن اختيار أبويه ليكون في أحضان أبوين موسرين بدلاً من أن يكونوا فقراء ، ولا أن يختار حتى طول قامته وشكل جسده.
فهو خاضع لعدّة عوامل قاهرة ( كالأمراض الوراثية مثلاً ) ، ولعدّة نواميس طبيعيّة تعمل لفائدته بدون أن يتكلّف ، فهو ينام عندما يتعب ، ويستيقظ عندما يرتاح ، ويأكل عندما يجوع ، ويشرب عندما يعطش ، ويضحك وينشرح عندما يفرح ، ويبكي وينقبض عندما يحزن ، وفي داخله معامل ومصانع تصنع الهرومونات والخلايا الحيّة ، والنطفْ القابلة للتحوّل ، وتبني في نفس الوقت جسمه في توازن منسّق عجيب ، وهو في كلّ ذلك غافل لايدري بأنّ العناية الإلهيّة محيطة به في كلّ لحظة من لحظات حياته بل وحتى بعد مماته! يقول اللّه عزّ وجلّ في هذا المعنى :
( أيَحْسَبُ الإنسَانُ أنْ يُـتْرَكَ سُدىً * ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَـقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَـيْنِ الذَّكَرَ وَالاُنثَى * ألَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر عَلَى أنْ يُحْيِيَ المَوْتَى ) (1) .
بَلى ، سبحانك وبحمدك ربّنا الأعلى أنت الذي خلقْتَ فَسّويتَ ، وأنتَ الذي قدّرتَ فهديت ، وأنت الذي أمَتَّ ثمّ أحَيْيتَ ، تباركت
__________________
1 ـ القيامة : 36 ـ 40.
وتعاليت ، فتعساً وبعداً لمن خالفك ونأى عنك ولم يقدّرك حقّ قدرك.
ولنختم هذا البحث بما قاله الإمام علي بن موسى الرضا ، وهو الإمام الثامن من أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، وقد اشتهر بالعلم في عهد المأمون ، ولم يبلغ الرابعة عشر من عمره حتّى كان أعلم أهل زمانه.
سأله سائل عن معنى قول جدّه الإمام الصادق : « لا جبر ولا تفويض بل أمرٌ بين أمرين » فأجابه الإمام الرضا :
« من زعم أنّ اللّه يفعل أفعالنا ثمّ يعذبنا عليها فقد قال بالجبر ، ومن زعم أن اللّه فوّض أمر الخلق والرزق إلى حُججه ـ أي الأئمة ـ فقد قال بالتفويض ، والقائل بالجبر كافرٌ ، والقائل بالتفويض مشركٌ.
أمّا معنى الأمر بين الأمرين فهو وجود السبيل إلى إتيان ما أمر اللّه به ، وترك ما نهى عنه ، أي إنّ اللّه سبحانه أقدره على فعل الشرّ وتركه ، كما أقدره على فعل الخير وتركه ، وأمره بهذا ونهاه عن ذاك »(1) .
وهذا لعمري بيان كاف وشاف على مستوى العقول ، ويفهمه كلّ الناس من المثقفين وغير المثققين.
وصدق رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إذ قال في حقّهم :
__________________
1 ـ عيون أخبار الرضاعليهالسلام 2 : 114 ح 17 ، الاحتجاج للطبرسي 2 : 198.
« لا تتقدّموهم فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم »(1) .
والطريف في هذا الموضوع أنّ أهل السنّة والجماعة رغم اعتقادهم بالقضاء والقدر الحتمي ، وأنّ اللّه سبحانه هو الذي يسيّرُ عباده في أعمالهم ، وليس لهم الخيرة في شيء ، ولكنّهم في أمر الخلافة يقولون بأن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مات وترك الأمر شورى بين الناس ليختاروا لأنفسهم.
والشيعة على العكس تماماً ، فرغم اعتقادهم بأنّ الإنسان مخيّرٌ في أعماله ، وأنّ عباد اللّه يفعلون ماشاؤوا ( ضمن مقولة لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ) ، إلاّ أنّهم في أمر الخلافة يقولون بأنّه لا حقَّ لهم في الاختيار!
ويبدو هذا وكأنّه تناقضٌ من الطرفين ، السنّة والشيعة لأوّل وهلة ، ولكنّ الحقيقة ليست كذلك.
فالسنّة عندما يقولون بأنّ اللّه سبحانه هو الذي يسيّر عباده في أعمالهم يتناقضون مع الواقع ، إذ أنّ اللّه سبحانه ( عندهم ) هو المخيّر
__________________
1 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
الفعلي ، ولكنه يترك لهم الخيار الوهمي ، إذ أن الذي اختار أبا بكر يوم السقيفة هو عمر ثمّ بعض الصحابة ، ولكن في الحقيقة منفّذون لأمر اللّه الذي جعلهم واسطة ليس إلاّ ، على حساب هذا الزعم.
وأمّا الشيعة عندما يقولون بأن اللّه سبحانه خيّر عباده في أفعالهم ، فلا يتناقضون مع قولهم بأنّ الخلافة هي باختيار اللّه وحده( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ ) (1) ؛ لأنّ الخلافة كالنبوة ليست هي من أعمال العباد ولا موكلة إليهم ، فكما أنّ اللّه يصطفي رسوله من بين الناس ويبعثهُ فيهم ، فكذلك بالنسبة لخليفة الرسول ، وللناس أن يطيعوا أمر اللّه ولهم أن يعصوه ، كما وقع بالفعل في حياة الأنبياء وعلى مرّ العصور ، فيكون العباد أحراراً في قبول اختيار اللّه ، فالمؤمن الصالح يقبل ما اختاره اللّه ، والكافر بنعمة ربّه يرفض ما اختاره اللّه له ويتمرّد عليه ، قال تعالى :
( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أتَـتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى ) (2) .
__________________
1 ـ القصص : 68.
2 ـ طه : 123 ـ 126.
ثمّ انظر إلى نظرية أهل السنّة والجماعة في هذه المسألة بالذات فسوف لن تُلقي باللّوم على أحد؛ لأنّ كلّ ما وقع ويقع بسبب الخلافة ، وكلّ الدماء التي أُريقت والمحارم التي هُتكتْ كلّ ذلك من اللّه ، حيث عقب بعض من يدعي العلم منهم بقوله تعالى :( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) (1) .
أمّا نظرية الشيعة فهي تحمّل المسؤولية كلّ من تَسبب بالانحراف ، وكلّ من عصى أمر اللّه ، وكلٌّ على قدر وزره ووزر من تبع بدعته إلى يوم القيامة « كلّكم راع وكلكّم مسؤول عن رعيته »(2) قال تعالى :( وَقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ ) (3) .
__________________
1 ـ الأنعام : 112.
2 ـ بحار الأنوار 72 : 38 ، صحيح البخاري 1 : 215 ، كتاب الحجة ، باب ما يقرأ في صلاة الضحى ، صحيح مسلم 6 : 8 ، كتاب الامارة ، باب فضيلة الإمام.
3 ـ الصافات : 24.
الخمس
وهو أيضاً من المواضيع الذي يختلف فيه الشيعة والسنّة ، وقبل الحكم لهم أو عليهم لابدّ لنا من بحث موجز في موضوع الخمس : ولنبدأ بالقرآن الكريم. قال تعالى :( وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (1) .
وقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« أَمركمْ بأربع : الإيمان باللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصيام رمضان ، وأن تؤدّوا للّه خُمس ما غنمتُم »(2) .
فالشيعة ، امتثالاً لأمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يُخرجون خمس ماحصلوا عليه من أموال طيلة سنتهم ، ويفسّرون معنى الغنيمة بكلّ ما يكسبه الإنسان من أرباح بصفة عامّة.
أمّا أهل السنّة والجماعة فقد أجمعوا على تخصيص الخمس
__________________
1 ـ الأنفال : 41.
2 ـ صحيح البخاري 2 : 44 ، كتاب فرض الخمس ، باب أداء الخمس من الدين.
بغنائم الحرب فقط ، وفسّروا قوله سبحانه وتعالى :( وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء ) يعني ما حصّلتم خلال الحرب.
هذه خلاصة أقوال الفريقين في الخمس ، وقد كتب علماء الفريقين عدّة مقالات في المسألة.
ولستُ أدري كيف أُقنِع نفسي أو غيري بآراء أهل السنّة التي اعتمدتْ ـ على ما أظنّ ـ أقوال الحكّام من بني أُميّة ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي استأثر بأموال المسلمين ، وخصّ نفسه وحاشيته بكلّ صفراء وبيضاء.
فلا غرابة في تأويلهم لآية الخمس على أنّها خاصّة بدار الحرب؛ لأنّ سياق الآية الكريمة جاء ضمن آيات الحرب والقتال ، وكم لهم من تأويل للآيات على سياق ماقبلها أو مابعدها.
فهم يؤولون مثلاً آية إذهاب الرجس والتطهير على أنّها خاصّة بنساء النبي؛ لأن ماقبلها وما بعدها يتكلّم عن نساء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما يؤولون قوله تعالى :( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب ألِيم ) (1) على أنّها خاصّة في أهل الكتاب.
وقصة أبي ذر الغفاري ( رضي الله عنه ) مع معاوية وعثمان بن عفّان ونفيه إلى
__________________
1 ـ التوبة : 34.
الربذة من أجل ذلك مشهورة. إذ أنّه عاب عليهم كنزهم الذهب والفضّة ، وكان يحتجُ بهذه الآية عليهم ، ولكنّ عثمان استشار كعب الأحبار عنها فقال له بأنّها خاصّة بأهل الكتاب ، فشتمه أبو ذر الغفاري وقال له : ثكلتك أُمّك يابن اليهوديّة أَوَ تُعلّمنا ديننا؟ فغضب لذلك عثمان ، ثمّ نفاه إلى الربذة بعدما تعاظم انزعاجه منه ، فمات هناك وحيداً طريداً لم تجد ابنته حتّى من يغسّله ويكفنّه(1) .
وأهل السنّة والجماعة لهم في تأويل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية فنٌ معروف وفقهٌ مشهورٌ ، وذلك اقتداءً بما تأوّله الخلفاء الأوّلون ، والصحابة المشهورون في خصوص النصوص الصريحة من الكتاب والسنّة(2) .
ولو أردنا استقصاء ذلك لاستوجب كتاباً خاصّاً ، ويكفي الباحث
__________________
1 ـ نحوه باختلاف في مسند أحمد 1 : 63 ، وصحّحه محقّق الكتاب الشيخ أحمد شاكر وقال : « وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 239 ولم يعله إلاّ بابن لهيعة ، وابن لهيعة ثقة. ولأبي ذر حديث آخر في معناه سيأتي في مسنده 5 : 149 ، وهو في مجمع الزوائد 3 : 120 و 1 : 225 ».
وراجع : البحار 31 : 273.
2 ـ جمع السيّد شرف الدين في كتابه النصّ والاجتهاد أكثر من مائة مورد تأوّلوا فيها النصوص الصريحة ، فعلى الباحثين قراءة هذا الكتاب لأنّه ماجمع إلاّ ما أخرجوه علماء السنّة معترفين بصحته ( المؤلّف ).
أن يرجع إلى كتاب « النصّ والاجتهاد » ليعرف كيف يتلاعب المتأولون بأحكام اللّه سبحانه.
وأنا كباحث ليس لي أن أتأوّل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية حسبَ ما أهوى ، أو حسب مايُمليه علىَّ المذهب الذي أميلُ إليه. ولكّن ماحيلتي إذا كان أهل السنّة والجماعة هم الذين أخرجوا في صحاحهم فرض الخمس في غير دار الحرب ، ونقضوا في ذلك تأويلهم ومذهبهم.
فقد جاء في صحيح البخاري في باب « في الركاز الخُمس » : وقال مالك وابن إدريس : الركازُ دفنُ الجاهلية ، في قليله وكثيره الخُمس ، وليس المعدنُ بركاز ، وقد قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المعدن : « جبارٌ وفي الركاز الخُمس »(1) .
وجاء في باب مايُستخرج من البحرِ : وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : ليس العنبرُ بركاز ، هو شيء دَسرهُ البحرُ ، وقال الحسنُ : في العنْبرِ واللؤلؤ الخمس ، فإنّما جَعلَ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في الركاز الخمس ، ليس في الذي يصابُ في الماء(2) .
والباحثُ يفهم من خلال هذه الأحاديث بأنّ مفهوم الغنيمة التي
__________________
1 ـ صحيح البخاري 2 : 136 ، كتاب الزكاة ، باب في الركاز الخمس.
2 ـ صحيح البخاري 2 : 136 ، كتاب الزكاة ، باب مايستخرج من البحر.
أوجب اللّه فيها الخمس لا تختصّ بدار الحرب ، لأنّ الركاز الذي هو كنزٌ يستخرج من باطن الأرض ، وهو ملك لمن استخرجه ، ولكن يجب عليه دفع الخمس منه لأنّهُ غنيمة ، كما أنّ الذي يستخرج العنبر واللؤلؤ من البحرِ يَجبْ عليه إخراج الخمس؛ لأنّه غنيمة.
وبما أخرجه البخاري في صحيحه يتبيّن لنا أن الخُمس لا يختصّ بغنائمِ الحرب.
فرأىُ الشيعة يبقى دائماً مصداقُ الحقيقة التي لا تناقضُ فيها ولا اختلاف ، وذلك لأنّهم يرجعون في كلّ أحكامهم وعقائدهم إلى أئمة الهدى الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرّهم تطهيراً ، والذين هم عدلُ الكتاب ، لا يَضِلّ من تمسّكَ بهم ، ويأمن من لجأ إليهم.
على أنّه لا يمكن لنا أن نعتمدَ على الحروب لإقامة دولة الإسلام ، وذلك يخالف سماحة الإسلام ودعوته للسّلم ، فالإسلام ليس دولة استعماريّة تقوم على استغلال الشعوب ونهب خيراتها ، وهو ما يحاول الغربيّون إلصاقه بنا عندما يتكلّمون عن نبي الإسلام بكلّ ازدراء ، ويقولون : بأنّه توسّع بالقوّة والقهر وبالسيف لاستغلال الشعوب!!
وبما أنّ المال هو عصب الحياة ، وخصوصاً إذا كانت نظرية الاقتصاد الإسلامي تقتضي إيجاد مايسمّى اليوم بالضمان
الاجتماعي لتضمن للمعوزين والعاجزين معاشهم بكرامة وشهامة ، فلا يُمْكنْ لدولة الإسلام أن تعتمد على مايخرجه أهل السنّة والجماعة من الزكاة ، وهي تمثل في أحسن الأحوال اثنين ونصف بالمائة ، وهي نسبة ضعيفة لا تقوم بحاجة الدولة من إعداد القوّة ، ومن بناء المدارس والمستشفيات ، وتعبيد الطرقات ، فضلاً عن أن تضمن لكلّ فرد دخلاً يكفي معاشَه ويضمن حياته ، كما لا يمكن لدولة الإسلام أن تعتمد على الحروب الدامية وقتال الناس؛ لتضمن بقاءها وتطوّر مؤسساتها على حساب المقتولين الذين لم يرغبوا في الإسلام.
فأئمة أهل البيت سلام اللّه عليهم كانوا أعلم بمقاصد القرآن ، كيف لا وهم ترجمانه ، وكانوا يرسمون للدولة الإسلامية معالم الاقتصاد ، ومعالم الاجتماع ، لو كان لهم رأىٌ يطاع.
ولكن للأسف الشديد كانت السلطة والقيادة في يد غيرهم الذين اغتصبوا الخلافة بالقوّة والقهر ، وبقتل الصلحاء من الصحابة واغتيالهم ، كما فعل ذلك معاوية ، وبدّلوا أحكام اللّه بما اقتضته مصالحهم السياسية والدنيوية ، فَضلّوا وأضلّوا ، وتركوا هذه الأُمة تحت الحضيض لم تقم لها قائمة حتّى يومنا هذا.
فبقيت تعاليم أهل البيت مجرّد أفكار ونظريات يؤمن بها الشيعة
ولم يجدوا لتطبيقها من سبيل ، إذ أنّهم كانوا مطاردين في مشارق الأرض ومغاربها ، وقد تتّبعهم الأمويون والعبّاسيون عبر العصور.
وما أن انقرضت الدولتان وأوجد الشيعة مجتمعاً عملوا بأداء الخُمسْ الذي كانوا يؤدّونه للأئمة سلام اللّه عليهم خُفية ، وهم الآن يؤدّونه إلى المرجع الذي يقلّدونه ، نيابة عن الإمام المهديعليهالسلام ، وهؤلاء يقومون بصرفه في أبوابه المشروعة ، من تأسيس حوزات علمية ، ومبرّات خيرية ، ومكتبات عمومية ، ودور أيتام ، وغير ذلك من أعمال جليلة ، كدفع رواتب شهرية لطلبة العلوم الدينية والعلمية وغيرها.
ويكفينا أن نستنتج من هذا أنّ علماء الشيعة مستقلّون عن السلطة الحاكمة؛ لأنّ الخمس يفي بحاجاتهم ويقومون بإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه.
أمّا علماء أهل السنّة والجماعة فهم عالة على الحكّام ، وموظفون لدى السلطة الحاكمة في البلاد ، وللحاكم أن يقرّب من شاء منهم أو يبعّد ، حسب تعامله معه وإفتائهم لمصالحه. فأصبح العَالِمُ بذلك أقرب إلى الحاكم منه إلى مجرد عَالِم! هذه بعض الآثار الوخيمة التي ترتّبت على ترك العمل بفريضة الخُمس بمعناها الذي فهمه أهل البيتعليهمالسلام .
التقليد
يقول الشيعة : أمّا فروع الدين ، وهي أحكام الشريعة المتعلّقة بالأعمال العبادية : كالصلاة ، والصيام ، والزكاة ، والحج ، فالواجب في أحكامها أحد الأُمور الثلاثة :
أ ـ أن يجتهد وينظر الإنسان في أدلّة الأحكام إذا كان أهلاً لذلك.
ب ـ أو أن يحتاط في أعماله إذا كان يسعه الاحتياط.
ت ـ أو أن يقلّد المجتهد الجامع للشرائط ، بأن يكون من يقلّده حيّاً عاقلاً ، عادلاً ، عالماً ، صائناً لنفسه ، حافظاً لدينه ، مخالفاً لهواه ، مطيعاً لأمر مولاه.
والاجتهاد في الأحكام الفرعيّة واجب كفائي على جميع المسلمين ، فإذا نهض به من اجتمعت فيه الشروط سقط عن باقي المسلمين ، فيجوز لهم تقليده والرجوع إليه في فروع دينهم؛ لأنّ رتبة الاجتهاد ليست من الأُمور الميسورة ولا هي في متناول الجميع ، بل تحتاج إلى كثير من الوقت والعلوم والمعارف والاطّلاع ، وهذا لا يتهيأ إلاّ لمن جدَّ وكدّ وأمضى عمره في البحث والتعلّم ، ولا ينال
الاجتهاد إلاّ ذو حظٌ عظيم.
قالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أراد اللّه به خيراً فَقّههُ في الدينِ »(1) .
وقول الشيعة هذا لا يختلف عن قول أهل السنّة والجماعة ، إلاّ في شرط حياة المجتهد.
غير أنّ الخلاف الواضح بينهم هو في العمل بالتقليد ، إذ أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ المجتهد الجامع للشروط المذكورة هو نائب للإمامعليهالسلام في حال غيبته ، فهو الحاكم والرئيس المطلق ، له ما للإمام في الفصل في القضاء والحكومة بين الناس والرادّ عليه رادّ على الإمام.
فليس المجتهد الجامع للشروط عند الشيعة مرجعاً يرجع إليه في الفتيا فحسب ، بل إنّ له الولاية العامّة على مقلّديه ، فيرجعون إليه في الأحكام والفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من القضاء ، ويعطونه الزكاة وخُمس أموالهم ، يتصرّف بها كما تفرضه عليه الشريعة نيابة عن إمام الزمانعليهالسلام .
أمّا عند أهل السنّة والجماعة فليس للمجتهد هذه المرتبة ، ولكنّهم يرجعون في المسائل الفقهية لأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب ، وهم : أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل.
والمعاصرون من أهل السنّة قد لا يلتزمون بتقليد واحد من
__________________
1 ـ الأمالي للمفيد : 158 ح 9 ، سننن الترمذي 4 : 137 ح 2783.
هؤلاء على سبيل التعيين ، فقد يأخذون بعض المسائل من أحدهم والبعض الآخر من غيره حسبما تقتضيه حاجتهم ، كما فعل ذلك السيد سابق الذي ألّفَ فِقْهاً مأخوذاً من الأربعة؛ لأنّ أهل السنّة والجماعة يعتقدون بأنّ الرحمة في اختلافهم ، فللمالكي مثلاً أن يأخذُ برأي أبي حنيفة إذا وجدَ حلاً لمشكلته قد لا يجده عند مالك(1) .
__________________
1 ـ اختلفت أقوال أهل السنّة في هذا الأمر :
قال النووي في المجموع 1 : 88 المسألة الثالثة من آداب المستفتي : « هل يجوز للعامي أن يتخيّر ويقلّد أي مذهب شاء؟ قال الشيخ : ينظر إن كان منتسباً إلى مذهب بنيناه على وجهين ـ حكاهما القاضي حسين : في أنّ العامي هل له مذهب أم لا؟ ـ أحدهما : لا مذهب له لأنّ المذهب لعارف الأدلة فعلى هذا له أن يستفتي من شاء من حنفي وشافعي وغيرهما ، والثاني : ـ وهو الأصح عند القفال ـ له مذهب فلا يجوز له مخالفته ...
وإن لم يكن منتسباً ، بني على وجهين ـ حكاهما ابن برهان : في أنّ العامي هل يلزمه أن يتذهّب بمذهب معيّن يأخذ برخصة وعزائمه؟ ـ أحدهما : لا يلزمه فعلى هذا هل له أن يستفتي من شاء ، أم يجب عليه البحث عن أشدّ المذاهب وأصحّها أصلا ليقلد أهله؟ فيه وجهان والثاني : يلزمه ، وبه قطع أبو الحسن الكيّا ، وهو جار في كلّ من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم ».
فالمسألة إذاً خلافية بينهم ، هذا من حيث النظر والتأمل ، أمّا من حيث العمل
وأضربُ لذلك مثلاً حتّى يتبينّ للقارئ فيفهم المقصود : كان عندنا
__________________
فهم كما قال الشاطبي في الموافقات 4 : 77 : « وقد أدّى إغفال هذا الأصل [ أي أنّ الشريعة كلّها ترجع إلى قول واحد في فروعها وان كثر الخلاف كما أنّها في أُصولها كذلك ] إلى أن صار كثير من مقلّدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال إتباعاً لغرضه وشهوته ، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق ، ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلا عن زماننا ، كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب إتباعاً للغرض والشهوة ».
ثمّ ذكر عدّة حكايات تتعلّق بالموضوع إلى أن قال :
« وذكر ابن باجي في كتاب التبيين لسنن المهتدين وربما زعم بعضهم أنّ النظر والاستدلال الأخذ من أقاويل مالك وأصحابه بأيّها شاء دون أن يخرج عنها ولايميل إلى ما مال منها لوجه يوجب له ذلك ، فيقضي في قضية بقول مالك ، وإذا تكرّرت تلك القضية كان له أن يقضي فيها بقول ابن القاسم مخالفاً للقول الأول لا لرأي تجدّد له وأخبرني رجل عن كبير من فقهاء هذا الصنف مشهور بالحفظ والتقدّم أنّه كان يقول معلناً غير مستتر أنّ الذي لصديقي عليّ إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه ».
والغرض من هذا العرض السريع إنّما هو بيان الاختلاف والاضطراب الذي وقعوا فيه ، وليس ذلك إلاّ للبعد عن هدي الثقلين.
فما ذكره في كشف الجاني : 159 ناشئ من قلّة الاطلاع والمجادلة بغير حقّ. أضف إلى أن المؤلّف لم يقل بأنّ المالكي يحقّ له الأخذ بمذهب الحنفي حتى لو كان لديه حلّ لمشكلته عند المذهب المالكي ، وإنّما قيّد بقوله : ( إذا وجد حلاّ لمشكلته قد لا يجده عند مالك ) ، وعليه فالمؤلّف عبارته سلمية وواضحة جداً ، لا كما حاول عثمان الخميس إيهام القارئ بأنّ المؤلّف افترى هذا الكلام على أهل السنّة وأخذ بنقل عبارات لا ربط لها بالموضوع.
في تونس ( في وقت المحاكم القضائية ) فتاةٌ بالغة أحبّتْ رجُلاً وأرادتْ الزواج منه ، ولكنَّ أباها رفض أن يزوجَها من هذا الشاب لسبب « اللّه أعلم به » ، فهربت الفتاة من بيت أبيها وتزوّجتْ ذلك الشاب بدون إذن أبيها ، ورفع الأب شكوى ضِدَّ الزوج.
ولّما حَضرَتْ الفتاة وزوجها لدى القاضي ، وسألَها عن السبب في الهروب من البيت والزواج بدون إذن وليّها ، قالتْ : سيّدي ، أنا عمري خمسة وعشرون عاماً ، وأحبْبتُ الزواج من هذا الرجل على سنّة اللّه ورسوله ، ولأنّ أبي يريد أن يزوّجني بمن أكره ، فتزوّجتُ على رأي أبي حنيفة الذي يعطيني حقّ الزواج بمن أحبّ لأنىّ بالغة.
يقول القاضي رحمة اللّه عليه ( روى لي بنفسه هذه القصّة ) : « فجئنا في المسألة فوجدناها على حقّ ، وأعتقد بأنّ أحد العلماء المطّلعين هو الذي لَقّنَها ماذا تقول ». يقول هذا القاضي : فرددتُ دعوة الأب وأمضيتُ الزواج ، فخرج الأب غَاضباً يضرب يديه على بعضها ويقول : « حَنّفَتْ الكَلْبَة » أي إن ابنته تركت مالك واتبعتْ أبا حنيفة ، وكلمة الكلبة فيها إهانة لابنته التي قال فيما بعد بأنّه يتبرّأ منها.
والمسألة هي اختلاف في اجتهاد المذاهب ، فبينما يرى مالك إنّ الفتاة البكر لا يصحّ زواجها إلاّ بإذن ولي الأمر وحتى إذا كانت ثيباً ، فهو شريكها في الزواج فلا تنفرد به وحدها ولابدّ من موافقته ، يرى
أبو حنيفة : إنّ البالغة بكراً كانتْ أم ثيباً ، لها أن تنفرد باختيار الزوج ، وأن تنشئ العقد بنفسها(1) .
فهذه المسألة الفقهيّة فرّقتْ بين الأب وابنته حتّى تبرّأ منها ، وكثيراً ماكان الآباء يتبرّؤون من بناتهم لعدّة أسباب ، منها : الهروب من البيت مع رجُل تحبُّ الزواج منه. ولهذا التبرّئ عواقب وخيمة ، إذ أنّ الأب يلجأ في أغلب الأحيان إلى حرمان ابنته من الميراث وتبقى الفتاة عدوّة للإخوة الذين يتبرّؤون بدورهم من أُختهم التي جلبت لهم العار.
فليست القضية ـ إذن ـ كما يقول أهل السنّة بأنّ في اختلافهم رحمة ، أو على الأقلّ ليست الرحمة في كلّ القضايا الخلافية.
ويبقى بعد هذا خلاف آخر بينهما ألا وهو تقليّد الميّت ، فأهل السنّة يقلّدون أئمةً ماتوا منذ قرون ، وأغلق عندهم باب الاجتهاد من ذلك العهد ، وكلّ من جاء بعدهم من العلماء اقتصروا على الشروح والمدوّنات شعراً ونثراً لفِقه المذاهب الأربعة ، وقد تعالت أصوات المنادين من بعض المعاصرين بِفَتحِ الباب والرجوع للاجتهاد ، لما تقتضيه مصلحة الزّمان ، ولما استجدّ من أمور كانت مجهولة في زمن الأئمة الأربعة.
__________________
1 ـ راجع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري 4 : 34.
أمّا الشيعة فلا يجوّزون تقليد الميّت ، ويرجعون في كلّ أحكامهم إلى المجتهد الحي الجامع للشروط التي ذكرناها سابقاً ، وذلك بعد غيبة الإمام المعصوم ، والذي كلّفهم بالرجوع إلى العلماء العدول في زمن غيبته وحتّى ظهوره.
فالسنّي المالكي مثلاً يقول : هذا حلال وهذا حرام على قول الإمام مالك ، وهو ميّت منذ أكثر من اثني عشر قرناً ، وكذلك يقول السنّي الحنفي والشافعي والحنبلي؛ لأنّ الأئمة عاشوا في عصر واحد وتتلمذ بعضهم على بعض.
كما لا يعتقد السنّي في عِصمة هؤلاء الأئمة الذين لم يدّعوها لأنفسهم ، بل جوّزوا عليهم الخطأ والصواب ، ويقولون بأنّهم مأجورون في كلّ اجتهاداتهم ، فلهم أجران إن أصابوا ولهم أجرٌ واحد إذا أخطاؤا.
والشيعي الإمامي مثلاً عنده مرحلتان في التقليد.
المرحلة الأولى : وهي زمن الأئمة الاثني عشر ، وقد امتدّت هذه المرحلة ثلاثة قرون ونصف تقريباً ، وفيها كان الشيعي يقلّد الإمام المعصوم الذي لا يقول برأيه واجتهاده ، وإنّما بعلم وروايات توارثها عن جدّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقول في المسألة : روى أبي ، عن جدّي ، عن جبرئيل ، عن اللّه عَزَّ وَجلّ.
المرحلة الثانية : وهي زمن الغيبة التي امتدّت حتى اليوم ، فالشيعي يقول : هذا حلال وهذا حرام على رأي السيّد الخوئي أو السيّد الخميني مثلاً ، وكلاهما حىّ ، ورأيهما لا يتعدّى الاجتهاد في استنباط الأحكام من نصوص القرآن والسنّة على روايات أئمة أهل البيت أولاً ، ثمّ الصحابة العدول ثانياً.
وهم عندما يبحثون في روايات أئمة أهل البيت بالدرجة الأُولى ، ذلك لأنّ هؤلاء الأئمة يرفضون استعمال الرأي في الشريعة ويقولون : ما من شيء إلاّ وللّه فيه حكم ، فإذا ما فقدنا حكماً في مسألة ما فليس ذلك يعني أنّ اللّه سبحانه أهمله ، ولكن قُصُورِنا وجَهْلِنا لم يصلا بنا إلى معرفة الحكم ، فالجهل بالشيء وعدم معرفته ليس دليلاً على عدمه ، والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى :( مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْء ) (1) .
__________________
1 ـ الأنعام : 38.
العقائد التي يُشنّع بها أهل السنّة على الشيعة
ومن العقائد التي يُشّنع بها أهل السنّة على الشيعة ما هو من محض الشغب المقيت الذي أولده الأمويّون والعبّاسيون في صدر الإسلام ، بما كانوا يحقدون على الإمام عليّ ويبغضونه ، حتّى لعنوه على المنابر أربعين عاماً.
فلا غرابة أنْ يشتموا كلّ من تَشيّعَ له ويرموه بكلّ عار وشنار ، حتى وصل الأمر بهم أن يقال لأحدهم يهودي أحبّ إليه من أن يقال له شيعي. ودأَب أتباعهم على ذلك في كلّ عصر ومصر ، وأصبح الشيعي مسبّة عند أهل السنّة والجماعة؛ لأنّه يخالفهم في معتقداتهم وخارج عن جماعتهم ، فهم يقذفونه بما شاؤوا ، ويرمونه بكلّ التّهم ، وينبزونه بشتّى الألقاب ، ويخالفونه في كلّ أقواله وأفعاله.
ألا ترى بأنّ بعض علماء أهل السنّة المشهورين يقولون : « بأنّ لبس الخاتم في اليد اليمنى هو سنّة نبوية ، ولكن يجبُ تركُهَا لأنّ الشيعة اتخذوا ذلك شعاراً لهم ».
وهذا حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي يقول : إنّ تسطيح القبور هو
المشروع في الدين ، لكن لّما جعلته الرافضة شعاراً لهم عدلنا عنه إلى التسنيم(1) .
وهذا ابن تيمية الموصوف بالمصلح المجدّد عند بعضهم يقول : ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبّات إذ صارت شعاراً لهم ـ أى للشيعة ـ فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك ، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميّز السنّي من الرافضي ، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحبّ(2) .
وقال الحافظ العراقي عندما تساءل عن كيفيّة إسدال العمامة : لم أرَ مايدلّ على تعيين الأيمن إلاّ في حديث ضعيف عند الطبراني ، وبتقدير ثبوته فلعلّه كان يرخيها من الجانب الأيمن ثمّ يردّها إلى الجانب الأيسر كما يفعله بعضهم ، إلاّ أنّه صارَ شعاراً للإماميّة فينبغي تجنّبه لترك التشبّه بهم(3) .
سبحان اللّه! ولا حول ولا قوّة إلا باللّه! انظر أخي القارئ إلى هذا
__________________
1 ـ راجع كتاب الصراط المستقيم للبياضي 3 : 206 ، وكتاب الغدير للأميني 10 : 210.
2 ـ منهاج السنّة لابن تيمية 4 : 154 في الردّ على الوجه الخامس للعلاّمة الحلّي في بيان وجوب اتّباع مذهب الحقّ.
3 ـ شرح المواهب للزرقاني 5 : 13.
التعصّب الأعمى كيف يُجيز لهؤلاء « العلماء » أن يخالفوا سنّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّ الشيعة تمسّكتْ بتلك السنن حتّى صارت شعاراً لهم ، ثمّ هم لا يتحرّجون من الاعتراف بذلك صراحة.
وأنا أقول : الحمد للّه الذي أظهر الحقّ لذي عينين ولكلّ مخلص يبحث عن الحقيقة ، الحمد للّه الذي أظهر لنا بأنّ الشيعة هُمُ الذين يتبعون سنّة رسول اللّه وذلك بشهادتكم أنْتُم! كما شهدتم على أنفسكم بأنّكم تركتُم سنّة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمداً لتخالفوا بذلك أئمة أهل البيت وشيعتهم المخلصين ، واتبعتم سنّة معاوية بن أبي سفيان ، كما شهد بذلك الإمام الزمخشري عندما أثبت إن أوّل من تختّم باليسار خلاف السنّة النبوية هو معاوية بن أبي سفيان(1) .
واتبعتُم سنّة عمر في بدعته للتراويح خِلافاً للسنّةِ النبوية التي أمرت المسلمين بصلاة النافلة في بيوتهم فُرادى لا جماعة ، كما أثبت ذلك البخارىُ في صحيحه(2) وكما اعترف عمر نفسه بأنّها بدعة ابتدعها مع أنّه لم يصلها لأنّه لا يؤمن بها.
فقد جاء في البخاري عن عبدالرحمن بن عبدالقارىّ أنّه قال :
__________________
1 ـ الزمخشري في كتاب ربيع الأبرار 4 : 24.
2 ـ صحيح البخاري 7 : 98 ، كتاب الأدب ، باب 75 ما يجوز من الغضب والشدّة لأمر اللّه عزّ وجلّ.
خرجتُ مع عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ليلة في رمضان إلى المسجد ، فإذا الناسُ أوزاع متفرّقون يصلّي الرجلُ لنفسه ، ويصلّي الرجلُ فيُصَلَّي بصلاته الرهطُ ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عَزمَ فجمعهم على أُبي بن كعب ، ثمّ خرجتُ معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمرُ : نعم البدعةُ هذه ...(1) .
ومن المستغرب عدّها نعمة بعد نهي الرسول عنها!! وذلك عندما رفعوا أصواتهم وَحَصّبوا بابَهُ ليصلّي بهم نافلة رمضان ، فخرج إليهم مغضباً فقال لهمصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« مازال بكم صنيعكم حتّى ظننتُ أنّه سيكتَبُ عليكم ، فعليكم في الصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة »(2) .
كما اتّبعتم سنّة عثمان بن عفّان ، وهي إتمام صلاة السفر خلافاً لسنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم التي صلاّها قصراً(3) .
__________________
1 ـ صحيح البخاري 2 : 252 ، كتاب صلاة التراويح ، باب فضل ليلة القدر.
2 ـ صحيح البخاري 7 : 98 ، كتاب الأدب ، باب 75 ما يجوز من الغصب والشدة لأمر اللّه عزّ وجل.
3 ـ صحيح البخاري 2 : 34 ، كتاب تقصير الصلاة ، باب الصلاة بمنى ، وفي الباب الخامس أيضاً من نفس الكتاب : « أنّ عائشة أتمت الصلاة في السفر كما أتمّها عثمان ، وقد خالفا بذلك سنّة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
ولو أردت أن أُحصي ما خالفتُم به سنّة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لاستوجب ذلك كتاباً خاصّاً ، ولكن تكفي شهادتكم في ما أقررتم به على أنفسكم ، وتكفي شهادتكم أيضاً بإقراركم بأنّ الشيعة الروافض هم الذين اتّخذوا سنّة النبي شعاراً لهم.
أفبعد هذا يبقى دليل على قول الجهلة الذين يدّعون بأنّ الشيعة اتّبعوا علي بن أبي طالب ، أمّا أهل السنّة فإنّهم اتّبعوا رسول اللّه؟ أيريد هؤلاء أن يثبتوا بأنّ عليّاً خالفَ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وابتدع ديناً جديداً؟ كبُرت كلمة تخرجُ من أفواههم ، فعليّ هو محض السنّة النبوية ، وهو مفسّرُها والقائم عليها ، وقد قال فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« عليّ منّي بمنزلتي من ربّي »(1) .
أي كما أنّ محمّداً هو الوحيد الذي يُبلّغُ عن ربّه ، فعلىٌ هو الوحيد الذي يبلّغ عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكنّ ذنب عليّ هو إنّه لم يعترف بخلافة من قبله ، وذنبُ شيعته أنّهم اتّبعوه في ذلك ، فرفضوا أن
__________________
1 ـ المناقب للخوارزمي : 297 ح 292 ، ذخائر العقبى : 64 ، وورد بلفظ : « عليّ منّي بمنزلة رأسي من بدني » ، وفي تاريخ بغداد 7 : 13 ، والجامع الصغير 2 : 177 ، وكنز العمال 11 : 603 ح 32914 ، والصواعق المحرقة 2 : 366 ( في فضائل عليعليهالسلام ).
ينْضَوُوا تحت خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ، ولذلك سمّوهم « الروافض ».
فإذا أنكر هؤلاء السنّة على معتقدات الشيعة وأقوالهم فهو لسببين :
أوّلهما : العداء الذي أجج ناره حُكّام بني أُميّة بالأكاذيب والدعايات واختلاق الروايات المزوّرة.
وثانيهما : لأنّ معتقدات الشيعة تتنافى وما ذهبوا إليه من تأييد الخلفاء ، وتصحيح أخطائهم واجتهاداتهم مقابل النصوص ، خصوصاً حكّام بني أُميّة وعلى رأسهم معاوية ابن أبي سفيان.
ومن هنا يجد الباحث المتتبع أنّ الخلاف بين الشيعة وأهل السنّة نشأ يوم السقيفة وتفاقم ، وكلّ خلاف جاء بعده فهو عيالٌ عليه ، وأكبر دليل على ذلك أنّ العقائد التي يُشنّع أهل السنّة على إخوانهم من الشيعة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بموضوع الخلافة وتتفرّع منه ، كعدد الأئمة ، والنص على الإمام ، والعصمة ، وعلم الأئمة ، والبداء ، والتقية ، والمهدي المنتظر ، وغير ذلك.
ونحن إذا بحثنا في أقوال الطرفين مجرّدين من العاطفة ، فسوف لا نجد بُعداً شاسعاً بين معتقداتهم ، ولا نجدُ مُبرّراً لهذا التهويل وهذا التشنيع؛ لأنّك عندما تقرأ كتب السنّة الذين يشتمون الشيعة ، يخيّل
إليك بأنّ الشيعة ناقضوا الإسلام ، وخالفوه في مبادئه وتشريعه ، وابتدعوا ديناً آخر! بينما يجد الباحث المنصف في كلّ عقائد الشيعة أصْلاً ثابتاً في القرآن والسنّة ، وحتّى في كتب من يُخالفهم في تلك العقائد ويُشنّع بِها عليهم.
ثمّ ليس هناك في تلك العقائد مايخالف العقل أو النقل أو الأخلاق ، وليتبَينّ لك أيها القارئ اللبيب صحّة ما أدّعيه سأستعرض معك تلك العقائد.
العصمة
يقول الشيعة : ونعتقدُ أنّ الإمام كالنّبي يجبُ أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، من سنّ الطفولة إلى الموت ، عمداً وسهواً.
كما يجبُ أن يكون معصوماً من السهو والخطأ والنسيان؛ لأنّ الأئمة حفظة الشرع والقوّامين عليه ، حالهم في ذلك حال النبي ، والدليل الذي اقتضانا أن نعتقد بعصمة الأنبياء هو نفسه يقتضينا أن نعتقد بعصمة الأئمة بلا فرق(1) .
نعم ، هذا كما نرى هو رأي الشيعة في موضوع العصمة ، فهل فيه ما ينافي القرآن والسنّة؟ أو مايقول العقل باستحالته؟ أو مايشين الإسلام ويُسيء إليه؟ أو ما يُنقصُ قدر النّبي أو الإمام؟
حاشا وكلاّ ، لم نجد في هذا القول إلاّ التأييد لكتاب اللّه وسنّة نبّيه ، وما يتماشى مع العقل السليم ولا يناقضه ، وما يرفع من قيمة
__________________
1 ـ عقائد الإمامية للمظفر : 75 ( العقيدة رقم 24 ).
النبي والإمام ويشرّفه.
ولنبدأ بحثنا في استقراء القرآن الكريم.
قال تعالى :( إنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أهْلَ البَـيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .
فإذا كان إذهاب الرجس الذي يشمل كلّ الخبائث ، والتطهير من كلّ الذنوب لا يفيد العصمة ، فما هو المعنى إذن؟
يقول اللّه تعالى :
( إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (2) .
فإذا كان المؤمن التقي يعصمه اللّه من مكايد الشيطان إذا حاول استفزازه وإضلاله ، فيتذكّر ويبصر الحقّ فيتّبعه ، فما بالك بمن اصطفاهم اللّه سبحانه وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً؟
ويقول تعالى :( ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَـفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (3) والذي يصطفيه اللّه سبحانه يكون بلا شكّ معصوماً من الخطأ ، وهذه الآية بالذات هي التي احتجّ بها الإمام الرضا من أئمة أهل البيتعليهمالسلام على العلماء الذين جمعهم الخليفة العبّاسي المأمون ابن هارون
__________________
1 ـ الأحزاب : 33.
2 ـ الأعراف : 201.
3 ـ فاطر : 32.
الرشيد ، وأثبت لهم بأنّهم ( أي أئمة أهل البيت ) هم المقصودون بهذه الآية ، وبأنّ اللّه اصطفاهم وأورثهم علم الكتاب ، واعترفوا له بذلك(1) .
__________________
1 ـ راجع عيون أخبار الرضاعليهالسلام للصدوق 2 : 208 ح 1 ، والأمالي : 615 ح 843.
ولا يخفى أنّ كلمة الاصطفاء استعملت في القرآن بعدّة معاني :
منها : ما لا يدلّ على العصمة.
ومنها : ما يدلّ عليها.
فمن القسم الأوّل : قوله تعالى حكاية عن نبيّه في حقّ طالوت :( إنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ) [ البقرة : 247 ] ، فالاصطفاء هنا بمعنى الاختيار للملك ، والملك لا يحتاج العصمة ، بل يحتاج العلم والقوةّ ، أمّا العصمة فهي خاصّة بمن يريد إبلاغ شيء عن اللّه تعالى ، أمّا الملوك فهم حكّام وليسوا برسل ولا أنبياء ، والآية جاءت ردّاً لقول المعترضين حيث قالوا : ( أنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ ... ) .
ومن القسم الثاني : أي الاصطفاء الدالّ على العصمة قوله تعالى :( يَا مُوسَى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ... ) [ البقرة : 144 ] ، وقوله تعالى :( إنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ ) [ آل عمران : 33 ] ، كما قد استدلّ الفخر الرازي في كتابه على عصمة الأنبياء ص 30 بهذه الآيات على وجوب عصمة الأنبياء ، ثمّ قال : « لا يقال الاصطفاء لا يمنع من فعل الذنب ، بدليل قوله تعالى :( ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَـفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإذْنِ اللّهِ ) قسّم المصطفين إلى الظالم والمقتصد والسابق ، لأنّا نقول الضمير في قوله :( فَمِنْهُمْ ) عائد إلى قوله :( مِنْ عِبَادِنَا ) لا إلى قوله :( الَّذِينَ اصْطَـفَيْنَا ) ، لأن عود الضمير إلى أقرب المذكورين واجب ».
وقال الطباطبائي في تفسير الميزان 17 : 45 بعد ذكر الأقوال في الآية :( ثُمَّ أوْرَثْنَا
__________________
الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَـفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) قال : « وقيل : وهو المأثور عن الصادقينعليهماالسلام في روايات كثيرة مستفيضة أنّ المراد بهم ذريةّ النبيصلىاللهعليهوآله من أولاد فاطمةعليهاالسلام وقد نصّ النبيصلىاللهعليهوآله على علمهم بالقرآن وإصابة نظرهم فيه وملازمتهم إياه بقوله في الحديث المتواتر المتفق عليه : إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، وعلى هذا فالمعنى : بعدما أوحينا إليك القرآن ـ ثم للتراخي الرتبي ـ أورثنا ذريتك إياه ، وهم الذين اصطفينا من عبادنا ».
والذي يؤيّد كون الآية بالتفسير الشيعي اضطراب أهل السنّة في تفسيرها؛ لأنّهم أرجعوا ضمير( فمنهم ) إلى الوارثين ، ومن جانب آخر فسّر الظالم لنفسه بالكافر ، فيكون الكافر وارثاً للكتاب ، وهذا لا يمكن الأخذ به ، ولأجل ذلك قال القرطبي في تفسـيره بعد أن ذكره الآية : « فيه أربع مسائل : الأولية هذه الآية مشكلة؛ لأنه قال عزّ وجل :( اصْطَـفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ثمّ قال :( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) ، وقد تكلّم العلماء فيها من الصحابة والتابعين قال النحاس : فمن أصـح ما روي في ذلك ؛ ما روي عن ابن عباس( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ) قال : الكافر » الجامع لأحكام القرآن 14 : 221.
هذه بعض الأمثلة ممّا جاء في القرآن الكريم ، وهناك آياتٌ أُخرى تفيد العصمة للأئمة كقوله :( أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنَا ) (1) وغيرها ، ولكن نكتفي بهذا القدر روماً للاختصار دائماً.
وبعد القرآن الكريم فإليك ماورد في السنّة النبوية
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يا أيّها الناس إنّي تارك فيكم ما إنْ أخذتم به لن تضلّوا : كتَاب اللّه وعترتي أهل بيتي »(2) .
وهو كما ترى صريحٌ بأنّ الأئمة من أهل البيت معصومون أوّلاً؛ لأنّ كتَاب اللّه معصوم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو كلام اللّه ، ومن شكّ فيه كفر.
ثانياً : لأنّ المتمسّك بهما « الكتاب والعترة » يأمنُ من الضلالة ، فدلّ هذا الحديث على أنّ الكتاب والعترة لا يجوز فيهما الخطأ.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة
__________________
وبما أنّ الكافر لا يمكن أن يكون وارثاً للكتاب؛ لأنّه يجحده وينكره ، فلابدّ من أن تكون الوراثة لأناس مطهرّين مصطفين من اللّه سبحانه وتعالى ، وأُولئك هم أهل البيت عترة النبيصلىاللهعليهوآله .
وبعد ما عرضنا من الإيضاح للآية المباركة ، يكون ما ذكره في كشف الجاني : 160 مجانباً للصواب وبعيداً عن الأُسس العلمية الرصينة.
1 ـ الأنبياء : 73.
2 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
نوح ، من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق »(1) .
وهو كما ترى صريح في أنّ الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام معصومون عن الخطأ ، ولذلك يأمل وينجوا كلّ من ركب سفينتهم ، وكلّ من تأخّر عن ركوب سفينتهم غرق في الضلالة.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « من أحَبّ أن يحيا حياتي ، ويموت ميتتي ، ويدخل الجنّة التي وعدني ربي ، وهي جنّة الخلد ، فليتولّ عليّاً وذريته من بعده ، فإنّهم لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم في باب ضلالة »(2) .
وهو كما ترى صريح في أنّ الأئمة من أهل البيت ـ وهم عليّ وذريته ـ معصومون عن الخطأ؛ لأنّهم لن يُدخلوا الناس الذين يتّبعوهم في باب ضلالة ، ومن البديهي أنّ الذي يجوز عليه الخطأ لا يمكنُ له هداية الناس.
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنا المنذرُ وعلىٌّ الهادي ، وبك ياعليّ يهتدي المهتدون من بعدي »(3) .
__________________
1 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
2 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
3 ـ تفسير الطبري 13 : 142 في تفسير قوله تعالى :( ولكلّ قوم هاد ) ، عنه فتح الباري 8 : 285 وقال : « أخرجه الطبري باسناد حسن » ، كنز العمال 11 :
وهذا الحديث هو الآخر صريح في عصمة الإمام ، كما لايخفى على أُولي الألباب.
والإمام عليّ نفسه أثبت العصمة لنفسه وللأئمة من ولده عندما قال : « فأين تذهبون وأنّى تؤفكون؟ والأعلام قائمةٌ والآياتُ واضحةٌ ، والمنار منصوبةٌ فأين يُتاه بكم ، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم ، وهم أئمة الحقّ ، وأعلام الدين ، وألْسنةُ الصدق؟ فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، وردوهم ورود الهيم العطاش.
أيها الناس خذوها من خاتم النبيّينصلىاللهعليهوآلهوسلم : إنّه يموت من ماتَ منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلي منّا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تنكرون ، واعذروا من لا حجّة لكم عليه وأنا هو ، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وأترك فيكم الثقل الأصغر ، وركزتُ فيكم راية الإيمان »(1) .
__________________
620 ح 33012 عن الديلمي ، شواهد التنزيل للحسكاني 1 : 381 ، نظم درر السمطين : 90 ، تاريخ دمشق 42 : 359 ، الدر المنثور للسيوطي 4 : 45 عن ابن جرير وابن مردويه وأبي نعيم والديلمي وابن عساكر وابن النجار ، وفي المستدرك ، باب فضائل أمير المؤمنينعليهالسلام عن عليّ بلفظ : « رسول اللّه المنذر وأنا الهادي » وقال : « صحيح الاسناد ولم يخرجاه ».
1 ـ نهج البلاغة : الخطبة 87.
وقد علّق الشيخ محمّد عبده في شرحه لهذه الخطبة بقوله : « إنّه يموت الميّت
وبعد هذا البيان من القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة ، وأقوال الإمام عليّ الدالة كلّها على عصمتهم سلام اللّه عليهم؛ هل يرفض العقلُ عصمة من يصطفيه اللّه سبحانه للهداية؟
والجواب : كلاَّ ، لا يرفض ذلك ، بل العكس ، العقل يقول بوجوب تلك العصمة؛ لأنّ من توكَلُ إليه مهمّة القيادة وهداية البشريّة لايمكنُ أن يكون إنساناً عادياً يعتريه الخطأ والنسيان ، وتُثقل ظهره الذنوب والأوزار ، فيكون عُرضة لانتقاص الناس ونقدهم ، بل العقل يفرض أن يكون أعلم الناس في زمانه وأعدلهم وأشجعهم وأتقاهم ، وهي صفاتٌ ترفَعُ من شأن القائد وتُعظّمه في أعين الناس ، وتجلب له احترام الجميع وتقديرهم ، وبالتالي طاعتهم له بدون تحفّظ ولاتملّق.
وإذا كان الأمر كذلك ، لماذا كلّ هذا التشنيع والتهويل على مَن يعتقد بذلك؟
ويخيّلُ إليك وأنت تسمع وتقرأ انتقاد أهل السنّة على موضوع العصمة بأنّ الشيعة هم الّذين يقلّدون وسام العصمة لمن أحبّوا ، أو أنّ القائل بالعصمة يكون مُنكراً وكفراً!! فلا هذا ولا ذاك ، إنّما العصمة عند الشيعة هي أن يكون المعصوم مُحاطاً بعناية إلهيّة ورعاية ربّانية ،
__________________
من أئمة أهل البيت وهو في الحقيقة غير ميت ، لبقاء روحه ساطعة النور في عالم الظهور ( المؤلّف ).
فلا يتمكّن الشيطان من إغوائه ، ولا تتمكّن النفس الأمّارة بالسوء من التغلّب على عقله فتجرّه للمعصية ، وهذا الأمر لم يحرم اللّه منه عباده المتّقين كما تقدّم في آية( إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ) (1) .
وهذه العصمة الموقوتة لعباد اللّه في حالة معينّة ، قد تزول لفقد سببها ألا وهي التقوى ، فالعبد إذا كان بعيداً عن تقوى اللّه لا يعصمه اللّه ، أمّا الإمام الذي اصطفاه اللّه سبحانه فلا يحيد ولا يتزحزح عن التقوى وخشية اللّه سبحانه وتعالى.
وقد جاء في القرآن الحكيم حكاية عن سيّدنا يوسفعليهالسلام :( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلَصِينَ ) (2) .
ولأنّ سيّدنا يوسف لم يهم بالزنا ، كما فسّره بعض المفسّرين ، فحاشا أنبياء اللّه من هذا الفعل القبيح ، ولكنّه همّ بدفعها وضربها إذا اقتضت الحال ، ولكنّ اللّه سبحانه عصمه من ارتكاب مثل هذا الخطأ؛ لأنّه لو فعله لكان سبباً في اتهامه بالفاحشة ، وتكون حجّتها قويّة ضدّه ، فيلحقه منهم عند ذلك السوء.
__________________
1 ـ الأعراف : 201.
2 ـ يوسف : 24.
عدد الأئمة الاثني عشر
يقول الشيعة بأنّ عدد الأئمة المعصومين بعد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم هو اثنا عشر إماماً ، لا يزيدون ولا ينقصون ، وقد ذكرهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأسمائهم وعددهم(1) وهم :
1 ـ الإمام عليّ بن أبي طالب.
2 ـ الإمام الحسن بن عليّ.
3 ـ الإمام الحسين بن عليّ.
4 ـ الإمام عليّ بن الحسين ( زين العابدين ).
5 ـ الإمام محمّد بن علي ( الباقر ).
6 ـ الإمام جعفر بن محمّد ( الصادق ).
7 ـ الإمام موسى بن جعفر ( الكاظم ).
8 ـ الإمام عليّ بن موسى ( الرضا ).
9 ـ الإمام محمّد بن عليّ ( الجواد ).
__________________
1 ـ ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي 3 : 281.
10 ـ الإمام عليّ بن محمّد ( الهادي ).
11 ـ الإمام الحسن بن عليّ ( العسكري ).
12 ـ الإمام محمّد بن الحسن ( المهدي المنتظر ).
فهؤلاء هم الأئمة الاثنا عشر الذين تقول الشيعة بعصمتهم ، حتّى لا ينطلي المكر على بعض المسلمين.
فالشيعة لا يعترفون قديماً ولا حديثاً بالعصمة إلاّ لهؤلاء الأئمة الذين سمّاهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ولم يولَدوا بعدُ ، وقد أخرج بعض علماء السنّة أسماءهم كما مرّ علينا ، وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما حديث الأئمة بعددهم ، وهم اثنا عشر كلّهم من قريش(1) .
وهذه الأحاديث لا تصحّ ولا تستقيم إلاّ إذا فسّرناها على أئمة أهل البيت الذين تقول بهم الشيعة الإمامية ، وأهل السنّة والجماعة هم المطالبونَ بحلّ هذا اللّغز ، إذْ إنّ عدد الأئمة الاثني عشر الذي أخرجوه في صحاحهم بقىَ حتّى الآن لُغزاً لا يجدون له جواباً.
__________________
1 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
علم الأئمة
ومّما يشنّع به أهل السنّة والجماعة على الشيعة قولهم : بأنّ الأئمة من أهل البيت سلام اللّه عليهم قد خصّهم اللّه سبحانه بعلم لم يشاركهم فيه أحد من الناس ، ومن أنّ الإمام يكون أعلم أهل زمانه ، فلا يمكن أن يسأله أحد فيعجز عن الجواب!
فهل لهذا الادّعاء من دليل؟
ولنبدأ كما هي عادتنا في كلّ بحث بالقرآن الكريم.
يقول اللّه سبحانه وتعالى في محكم تنزيله :( ثُمَّ أوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَـفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (1) ، فالآية تدلّ دلالة واضحة بأنّ اللّه سبحانه اصطفى عباداً من بين الناس وأورثهم علم الكتاب ، فهل لنا أن نعرف هؤلاء العباد المصطفين؟
ذكرنا فيما تقدّم بأنّ الإمام الثامن من أئمة أهل البيت علي بن موسى الرضا استدلّ بنزول هذه الآية فيهم ، وذلك لّما جمع له
__________________
1 ـ فاطر : 32.
المأمون أربعين قاضياً من مشاهير القُضاة ، وأعدّ له كلّ واحد منهم أربعين مسألة ، فأجاب عليها وأفحمهم وأقرُّوا له بالأعلمية.
وإذا كان هذا الإمامُ الثامن ، ولمّا يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً عندما وقعتْ هذه المحاورة بينه وبين الفقهاء الذين أقرّوا له بالأعلمية ، فكيف يستغربُ بعدها قول الشيعة بأعلميّتهم ، مادام أنّ علماء السنّة وأئمتهم يعترفون لهم بذلك؟!
أمّا إذا أردنا تفسير القرآن بالقرآن ، فسوف نجد العديد من الآيات ترمي إلى معنى واحد ، وتبيّن بأنّه سبحانه ولحكمة بالغة اختصّ الأئمة من أهل البيت النبوي بعلم من لَدُنْه موهوب حتّى يكونوا أئمة الهدى ومصابيح الدجى.
قال تعالى :( يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ اُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إلا اُوْلُوا الألْبَابِ ) (1) .
وقال أيضاً :( فَلا اُقْسِمُ بِمَوَاقِـعِ النُّجُومِ * وَإنَّهُ لَـقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إنَّهُ لَـقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَاب مَكْـنُون * لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ ) (2) .
أقسمَ سبحانه في هذه الآية بقسم عظيم بأنّ القرآن الكريم له
__________________
1 ـ البقرة : 269.
2 ـ الواقعة : 75 ـ 79.
أسرار ومعان باطنة مكنونة ، لا يدرك معانيها وحقائقها إلاّ المطهّرون ، وهم أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجْس وطهّرهم تطهيراً.
دلّت الآية أيضاً على أنّ للقرآن باطناً اختصّ اللّه سبحانه به أئمة أهل البيت ، ولا يمكن لغيرهم معرفتها إلاّ عن طريقهم.
ولذلك أشار رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى هذه الحقيقة فقال :
« لا تتقدموهم فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم »(1) .
وكما قال الإمام عليّ نفسه : « أين الذين زعموا أنّهم الراسخون بالعلم دوننا كذباً وبغياً علينا أن رفعنا اللّه ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يُستعطى الهدى ، ويُستجلى العمى إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ، ولا تصلح الولاة من غيرهم »(2) .
وقال تعالى :( فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (3) وهذه الآية نزلت في أهل البيتعليهمالسلام (4) .
__________________
1 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
2 ـ نهج البلاغة : الخطبة 143.
3 ـ النحل : 43.
4 ـ مضى تخريجه فيما تقدّم.
وتفيد بأنّ الأُمّة لابدّ لها بعد فقد نبيّها أن ترجع إلى الأئمة من أهل البيت لمعرفة الحقائق ، وقد رجع الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم إلى الإمام عليّ بن أبي طالب ليبيّن لهم ما أشكل عليهم ، كما رجع الناس على مرّ السنين إلى الأئمة من أهل البيت لمعرفة الحلال والحرام ، ولينْهلوا من معارفهم وعلومهم وأخلاقهم.
وإذا كان أبو حنيفة يقول : « لولا السنتان لهلك النعمان »(1) يقصد بذلك العامين الذين قضاهما في التعلّم من الإمام جعفر الصادق.
وإذا كان الإمام مالك بن أنس يقول : « مارأتْ عينٌ ، ولا سمعتْ أذنٌ ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلاً وعلماً
__________________
1 ـ اعترف الدهلوي بأنّ علماء أهل السنّة ورؤساءهم كالزهري وأبي حنيفة ومالك تتلمذوا على أئمة أهل البيتعليهمالسلام التحفة الاثني عشرية : 93 و 467 ، ومختصرها للآلوسي : 34 و 193.
وجاء في مختصر التحفة الاثني عشرية للآلوسي : « وهذا أبو حنيفة كان يفتخر ويقول بأفصح لسان : لولا السنتان لهلك النعمان ، يريد السنتين اللتين صحب فيهما لأخذ العلم الإمام جعفر الصادق ، وقال غير واحد إنّه أخذ العلم والطريقة من هذا ومن أبيه الإمام محمّد الباقر » التحفة الاثني عشرية : 143 ، ومختصرها : 8.
واعترف محمّد أبو زهرة بأنّ أئمة السنّة الذين عاصروا الإمام الصادقعليهالسلام أخذوا عنه ، كمالك وأبي حنيفة انظر : الإمام الصادق لأبي زهرة : 53.
وعبادة وورعاً »(1) .
إذا كان الأمر كذلك باعتراف أهل السنّة والجماعة ، فلماذا كلّ هذا
__________________
1 ـ هذا النصّ في المناقب لابن شهرآشوب 3 : 372 ، وجاء في كتاب التوسّل والوسيلة لابن تيمية ص : 92 بلفظ : « ولقد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على ثلاث خصال : إمّا مصلياً وإما صامتاً وإما يقرأ القرآن ، ولا يتكلم فيما لا يعنيه ، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون اللّه » ، ونحوه في تهذيب التهذيب لابن حجر 2 : 104.
ومن الملاحظ أنّ علماء الرجال يفرّقون بين العابد الزاهد التقي وبين الثقة الضبط أو الصدوق ، فلا يوجد تلازم بين أن يكون الشخص زاهداً عابداً تقياً وأن يكون ثقة يروى عنه ، فقد يكون زاهداً وعابداً لكن لا يروى عنه لعدم كونه ثقة أو غير ضابط أو غير ذلك ، وقد يكون ثقة وليس زاهداً عابداً تقياً ، ولهذان الأمران أمثلة كثيرة في كتب الرجال ، والرجالي عمله الأولي أن يكون الراوي ثقة ولا ربط له بأمر آخر.
بعد هذا الإيضاح نرجع إلى ما ذكره في كشف الجاني : 161 ، حيث إنّ المؤلّف ذكر عبارة عن الإمام مالك فيها شهادة بتقواه وزهده وعبادته ، بينما عثمان الخميس ردّ على المؤلّف بأنّ مالكاً لم يرو عن الصادقعليهالسلام منفرداً بل يضم إليه شخص آخر ، وهذا لا ربط له بكلام المؤلّف كما أوضحناه ، لأنّ الزهد والتقوى شيء والثقة والضبط في الرواية شيء آخر ، فعدم رواية الإمام مالك عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام منفرداً ـ إن صح ـ لا ينافي مدح مالك للإمام الصادق وكونه زاهداً عابداً ورعاً أو غير ذلك ، وهذا الكلام الذي ذكره في كشف الجاني ناشئ من قلّة الاطلاع على فنّ علم الحديث ومعرفة قوانينه.
التشنيع وهذا الاستنكار بعد هذه الأدلّة ، وبعدما أثبت تاريخ المسلمين كافّة بأنّ أئمة أهل البيتعليهمالسلام كانوا أعلم أهل زمانهم ، فأيّ غرابة في أن يخصّ اللّه سبحانه وتعالى أولياءه « الذين اصطفاهم » بالحكمة والعلم اللدنّي ، ويجعلهم قدوة المؤمنين وأئمة المسلمين.
ولو تتبّع المسلمون أدلّة بعضهم بعضاً لأقتنعوا بقول اللّه ورسوله ، ولكانوا أُمةً واحدة يشدّ بعضها بعضاً ، ولم يكن هناك اختلاف ولا مذاهب متعدّدة!
ولكم لابدّ من كلّ ذلك ليقضي اللّه أمراً كان مفعولا :( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة وَإنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) .
__________________
1 ـ الأنفال : 42.
البداء
وهو أن يبدو له شيء في أمر مَا يريد فعله ، ثمّ يتغيّر رأيه في ذلك الشيء ، فيفعل فيه غير ما عزم على فعله سابقاً.
وأمّا قول الشيعة بالبداء ونسبته إلى اللّه تعالى ، والتشنيع عليهم بأنّه يستوجب نسبة الجهل والنقص إلى اللّه سبحانه وتعالى ، كما يريد أهل السنّة والجماعة حمله على هذا المعنى ، فهذا التفسير باطل ولا تقول به الشيعة أبداً ، ومن ينسب ذلك إليهم فقد افترى عليهم ، وهذه أقوالهم قديماً وحديثاً تشهد لهم.
قال الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الإمامية : »والبداء بهذا المعنى يستحيل على اللّه تعالى؛ لأنّه من الجهل والنقص ، وكذلك محالٌ عليه تعالى ولا تقول به الإمامية.
قال الإمام الصادقعليهالسلام : « من زعم أنّ اللّه تعالى بدا لَهُ في شيء بداء ندامة ، فهو عندنا كافر باللّه العظيم » ، وقال أيضاً : « من زعم أنّ اللّه بدا لَهُ في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه »(1) .
__________________
1 ـ عقائد الإمامية : 40 ، والنصوص في كمال الدين للصدوق : 69 ـ 70.
إذاً فالبداء الذي تقول به الشيعة لا يتعدّى حدود القرآن في قوله سبحانه وتعالى :( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ اُمُّ الكِتَابِ ) (1) .
وهذا القول يقول به أهل السنّة والجماعة كما يقول به الشيعة ، فلماذا يشنّع على الشيعة ولا يشنّع على أهل السنّة والجماعة القائلين بأنّ اللّه سبحانه يُبدّل الأحكام ويُغيّر الآجال والأرزاق.
فقد أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ( رضي الله عنه ) أنّه سأل رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عن هذه الآية :( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ اُمُّ الكِتَابِ ) ؟ فقال له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لأقرنّ عينيك بتفسيرها ، ولأقرنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها ، الصدقة على وجهها ، وبِرّ الوالدين ، واصطناع المعروف ، يحوّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء »(2) .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن قيس ابن عباد ( رضي الله عنه ) قال : للّه أمرٌ في كلّ ليلة العاشر من أشهر الحرم ، أمّا العاشر من رجب ففيه يمحو اللّه ما يشاء ويثبت(3) .
وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر عن عمر بن
__________________
1 ـ الرعد : 39.
2 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي 4 : 66.
3 ـ المصدر نفسه.
الخطاب أنّه قال وهو يطوف بالبيت : اللّهم إن كنتَ كتبت علىَّ شقاوةً أو ذنباً فامحه ، فإنّك تمحو ماتشاء وتثبت ، وعندك أُمّ الكتاب ، فاجعله سعادة ومغفرة(1) .
وأخرج البخاري في صحيحه قصّة عجيبة وغريبة تحكي معراج النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ولقاءه مع ربّه ، وفيها يقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« ثُمَ فُرضتْ علىَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتّى جئتُ موسى ، فقال : ماصنعتَ؟ قُلتُ : فُرضتْ علىَّ خمسون صلاة. قال : أنا أعلم بالناس منك عَالجتُ بني إسرائيل أشدّ المعالجة وإنّ أمّتك لا تطيق ، فارجع إلى ربّك فسلْهُ ، فرجعتُ فسألتُه فجعلها أربعين ، ثمّ مثله ، ثم ثلاثين ، ثمّ مثله فجعل عشرين ، ثمّ مثله فجعل عشراً ، فأتيتُ موسى فقال مثله ، فجعلها خمساً ، فأتيت موسى فقال : ماصنعتَ؟ قلتُ : جعلها خمساً ، فقال مثله ، قلتُ : فَسلّمتُ فنودىَ أنّي قد أمضيتُ فريضتي وخَففّتُ عن عبادي وأجزي الحسنة عشراً »(2) .
وفي رواية أُخرى نقلها البخاري أيضاً ، وبعد مراجعة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم
__________________
1 ـ المصدر نفسه.
2 ـ صحيح البخاري 4 : 78 ، كتاب بدء الخلق ، باب ذكر الملائكة ، وكتاب مناقب الأنصار ، باب المعراج.
صحيح مسلم 1 : 104 ، كتاب الايمان ، باب الإسراء برسول اللّه وفرض الصلوات.
ربّه عديد المرّات ، وبعد فرض الخمس صلوات ، طلب موسىعليهالسلام من محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يُراجع ربّه للتخفيف؛ لأنّ أُمّته لا تطيق حَتّى خمس صلوات ، ولكن محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم أجابه : « قد استحييت من رَبّي »(1) .
نعم ، اقرأ واعجب من هذه العقائد التي يقول بها رواة أهل السنّة والجماعة! ومع ذلك فهم يشنّعون على الشيعة أتباع أئمة أهل البيت في القول بالبداء.
وهم في هذه القصّة يعتقدون بأنّ اللّه سبحانه فرض على محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم خمسين صلاة ، ثمّ بدا له بعد مراجعة محمّد إيّاه أن جعلها أربعين ، ثمّ بدا له بعد مراجعة ثانية أن جعلها ثلاثين ، ثمّ بدا له بعد مراجعة ثالثة أن جعلها عشرين ، ثمّ بدا له بعد مراجعة رابعة أن جعلها عشراً ، ثمّ بدا له بعد مراجعة خامسة أن جعلها خمساً.
وبغضّ النظر عن قبولنا بهذه الرواية وعدمه ، فإنّ القول بالبداء عقيدة سليمة تتماشى ومفاهيم الدين الإسلامي وروح القرآن :( إنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأنفُسِهِمْ ) (2) .
ولولا اعتقادنا ـ سنّة وشيعة ـ بأنّ اللّه سبحانه يبدّلُ ويُغيّر ، لما كان لصلاتنا ودعائنا من فائدة ولا تعليل ولا تفسير ، كما أنّنا نؤمن
__________________
1 ـ المصدر السابق.
2 ـ الرعد : 11.
جميعاً بأنّ اللّه سبحانه يبدّل الأحكام ، وينسخ الشرائع من نبي لآخر ، بل وحتى في شريعة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم هناك ناسخ ومنسوخ ، فالقول بالبداء ليس كفراً ولا خروجاً على الدين ، وليس لأهل السنّة أن يشنّعوا على الشيعة من أجل هذا الاعتقاد ، كما أنّه ليس للشيعة أن يشنّعوا على أهل السنّة أيضاً.
والحقيقة أنّي أرى رواية المعراج هذه مستوجبة لنسبة الجهل إلى اللّه عزّ وجلّ ، وموجبة لانتقاص شخصية أعظم إنسان عرفه تاريخ البشرية ، وهو نبينا محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، إذ تقول الرواية بأنّ موسى قال لمحمّد : أنا أعلم بالناس منك ، وتجعل هذه الرواية الفضل والمزيّة لموسى الذي لولاه لما خفّف اللّه عن أُمّة محمّد.
ولستُ أدري كيف يعلمُ موسى بأنّ أُمّة محمّد لا تطيق حتى خمس صلوات ، في حين أنّ اللّه لا يعلمُ ذلك ويكلّف عباده بما لا يطيقون ، فيفرض عليهم خمسين صلاة؟!
وهل تتصوّر معي أخي القارئ كيف تكون خمسين صلاة في اليوم الواحد ، فلا شغل ولا عمل ، ولا دراسة ولا طلب رزق ولا سعي ولا مسؤولية ، فيصبح الإنسان كالملائكة مكلّف بالصلاة والعبادة ، وما عليك إلاّ بعملية حسابية بسيطة لتعرف كذب الرواية ، فإذا ضربت عشر دقائق ـ وهو الوقت المعقول لأداء فريضة واحدة
للصلاة جماعة ـ في الخمسين فسيكون الوقت المفروض بمقدار عشر ساعات ، وما عليك إلاّ بالصبر ، أو أنّك ترفض هذا الدين الذي يكلّف أتباعه فوق ما يتحمّلون ، ويفرض عليهم ما لا يطيقون.
فإذا كان أهل السنّة والجماعة يشنّعون على الشيعة قولهم بالبداء ، وأنّ اللّه سبحانه وتعالى يبدو له فيغيّر ويبدّل كيف شاء ، فلماذا لا يشنّعون على أنفسهم في قولهم بأنّ اللّه سبحانه يبدوا له ، فيغيّر ويبدّل الحكم خمس مرّات في فريضة واحدة وفي ليلة واحدة وهي ليلة المعراج؟
لعن اللّه التعصّب الأعمى والعناد المقيت الذي يغطّي الحقائق ويقلبها ظهراً على عقب ، فيتحامل المتعصّب على مَن يخالفه في الرأي ، وينكر عليه الأُمور الواضحة ، ويقوم بالتشنيع عليه وبثّ الإشاعات ضدّه ، والتهويل في أبسط القضايا ، التي يقول هو بأكثر منها.
وهذا يذكّرني بما قاله سيّدنا عيسىعليهالسلام لليهود عندما قال لهم :
« أنتم تنظرون إلى التبنةِ في أعين الناس. ولا تنظرون إلى الخشبة في أعينكم ».
وبالمثل القائل : « رمتني بدائها وانسلّت ».
ولعلّ البعض يعترض بأنّه لم يرد لفظ البداء عند أهل السنّة ، وبأنّ
هذه القصّة وإن كان معناها التغيير والتبديل في الحكم ولكن لا تقطع بأنّه بدا للّه فيها.
وأقول هذا لأنّه كثيراً ما كنتُ أستعرض قصّة المعراج للاستدلال بها على القول بالبداء عند أهل السنّة ، فأعترض علىّ بعضُهم بهذا الرأي ، ولكنّهم سلّموا بعدها عندما أوقفتهم على رواية أُخرى من صحيح البخاري تذكر البداء بلفظة صراحة لا لبس فيها.
فقد روى البخاري عن أبي هريرة أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « إنّ ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأعمى وأقرع بدا للّه أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص ، فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ فقال : لون حسن وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، فمسحه فذهب عنه ، فأعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً ، ثمّ قال له : أيّ المال أحبّ إليك؟ فقال : الإبل ، فأُعطي ناقة عشراء.
وأتى الأقرع فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال : شعر حسن ويذهبُ عني هذا ، قد قذرني الناس ، فمسحه فذهب عنه وأعطي شعراً حسناً ، ثمّ قال له : أيّ المال أحبّ إليك؟ فقال : البقر ، فأعطاه بقرة حاملاً.
وأتى الأعمى فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال : يرد اللّه بصري ، فمسحه فردّ اللّه إليه بصره ، قال : فأيّ المال أحب إليك؟ قال : الغنم ،
فأعطاه شاة ولوداً ...
ثمّ رجع الملك بعدَ أن تكاثرت عند هؤلاء الإبل والبقر والغنم حتّى أصبح يملك كلّ منهم قطيعاً ، فأتى الأبرص والأقرع والأعمى كلّ على صورته ، وطلب من كلّ واحد منهم أن يعطيه ممّا عنده ، فردّه الأقرع والأبرص ، فأرجعهما اللّه إلى ماكانا عليه ، وأعطاه الأعمى فزاده اللّه وأبقاه مبصراً »(1) .
ولهذا أقول لأخواني قول اللّه تعالى :
( يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْم عَسَى أنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أنفُسَكُمْ وَلا تَـنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الفُسُوقُ بَـعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَـتُبْ فَاُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .
كما أتمنّى من كلّ قلبي أن يثوب المسلمون إلى رشدهم وينبذُوا التعصّب ويتركوا العاطفة؛ ليحلّ العقلُ محلّها في كلّ بحث حتى مع أعدائهم ، وليتعلّموا من القرآن الكريم أُسلوب البحث والنقاش والمجادلة بالتي هي أحسن ، فقد أوحى إلى رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم بأنْ يقول
__________________
1 ـ صحيح البخاري 4 : 146 ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع صحيح مسلم 8 : 213 ، كتاب الزهد والرقائق.
2 ـ الحجرات : 11.
للمعاندين( وَإنَّا أوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أوْ فِي ضَلال مُبِين ) (1) ، فرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يرفع من قيمة هؤلاء المشركين ، ويتنازل هو ليعطيهم النصف حتّى يُدلوا ببرهانهم وأدلّتهم إن كانوا صادقين ، فأين نحن من هذا الخلق العظيم.
__________________
1 ـ سبأ : 24.
التقية
وكما قدّمنا بالنسبة إلى القول بالبداء ، فإنّ التقيّة هي أيضاً من الأُمور المستنكرة عند أهل السنّة والجماعة ، وهم ينبزون بها إخوانهم الشيعة ، ويعتبرونهم منافقين إذ يظهرون ما لا يبطنون!!
وكثيراً ماحاورْتُ البعض منهم وحاولتُ إقناعهم بأنّ التقّية ليست نفاقاً ، ولكنّهم لم يقتنعوا بل إنك تجد السامع لهذا يشمئزّ أحياناً ، ويتعجّب أحياناً أُخرى ، وهو يظنّ أنّ هذه العقائد مبتدعة في الإسلام ، وكأنّها من مختلقات الشيعة وبدعهم.
ولكن إذا بحث الباحث وأنصف المنصف سيجد أنّ هذه العقائد كلَّها من صلب الإسلام ، وهي وليدة القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة ، بل لا تستقيم المفاهيم الإسلامية السمحاء ، والشريعة القويمة إلاّ بها.
والأمر العجيب في أهل السنّة والجماعة ، أنّهم يستنكرون عقائد يقولون بها ، وكتبهم وصحاحهم ومسانيدهم مليئة بذلك وتشهد عليهم.
فاقرأ معي مايقوله أهل السنّة والجماعة في مسألة التقيّة :
أخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم من طريق العوفي ، عن ابن عباس في قوله تعالى :( إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (1) قال : التقيّة باللسان ، من حمل على أمر يتكلّم به وهو معصية للّه فيتكلّم به مخاف الناس وقلبه مطمئن بالإيمان فإنّ ذلك لا يضرّه ، إنما التقيّة باللسان(2) .
وأخرج الحاكم وصحّحه ، والبيهقي في سننه من طريق عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى :( إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) قال : التقاة هي التكلّم باللسان ، والقلب مطمئن بالإيمان(3) .
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال : التقيّة جائزة إلى يوم القيامة(4) .
وأخرج عبد بن أبي رجاء إنّه كان يقرأ : ( إلا أنْ تتّقوا منهم تقيّةً )(5) .
__________________
1 ـ آل عمران : 28.
2 ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي 2 : 16 ، وتفسير الطبري 3 : 310.
3 ـ السنن الكبرى للبيهقي 8 : 209 ، المستدرك للحاكم 2 : 291 ، تفسير الطبري 3 : 310 ، الدر المنثور 2 : 16.
4 ـ الدر المنثور لجلال الدين السيوطي 2 : 16.
5 ـ المصدر السابق.
وأخرج عبدالرزاق ، وابن سعد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وصحّحه الحاكم في المستدرك ، والبيهقي في الدلائل ، قال : أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتّى سبّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذكر آلهتم بخير ثمّ تركوه ، فلمّا أتى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : ماوراءك شيء؟ قال : شرّ ، ما تركتُ حتّى نلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير ، قال : كيف تجد قلبك؟ قال : مطمئنّ بالإيمان ، قال : إن عادوا فعد ، فنزلتْ( إلاّ مَنْ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ) (1) .
وأخرج ابن سعد عن محمّد بن سيرين : إنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لقي عمّاراً وهو يبكي ، فجعل يمسحُ عن عينيه ويقول : « أخذك الكفّار فغطّوك في الماء فقلتَ كذا وكذا ، فإن عادوا فقل لهم ذلك »(2) .
وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه من طريق علي ، عن ابن عبّاس في قوله تعالى :( من كفر باللّه ) الآية ، قال : أخبر اللّه سبحانه : أنّ من كفر باللّه من بعد إيمانه فعليه غضَبٌ من اللّه وله عذاب عظيم ، فأمّا من أكره فتكلّم بلسانه وخالفه قلبهُ بالإيمان لينجُوا بذلك من عدوّه فلا حرج عليه؛ لأنّ اللّه
__________________
1 ـ سورة النحل : 106 ، والنصّ في الدر المنثور 4 : 132 ، المستدرك للحاكم 2 : 357 ، وسنن البيهقي 8 : 208.
2 ـ الطبقات الكبرى لابن سعد 3 : 249 ، الدر المنثور 4 : 132 ، سير أعلام النبلاء 1 : 411.
سبحانه إنمّا يؤاخذ العباد بما عقدتْ عليه قُلوبهم(1) .
وأخرج أبن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : نزلتْ هذه الآيه في أُناس من أهل مكّة آمنوا ، فكتب إليهم بعض الصحابة بالمدينة : أن هاجروا فإنّا لا نرى أنكم منّا حتّى تهاجروا إلينا ، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش في الطريق ففتنوهم ، فكفروا مكرهين ، ففيهم نزلت هذه الآية :( إلاّ مَنْ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ) (2) .
وأخرج البخاري في صحيحه في باب المداراة مع الناس ، ويذكر عن أبي الدرداء قال : « إنّا لنُكشّر في وجوه أقوام وأن قلوبنا لتلعَنُهم »(3) .
وأخرج الحلبي في سيرته قال : لمّا فتح رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مدينة خيبر ، قال له حجاج بن علاط : يارسول اللّه إن لي بمكّة مالاً ، وإن لي بها أهلاً ، وأنا أُريد أن آتيهم فأنا في حلّ إن أنا نلتُ منكَ ، وقلتُ شيئا؟ فأذن له رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يقول مايشاء(4) .
__________________
1 ـ الدر المنثور 4 : 132 ، تفسير الطبري 14 : 238 ، سنن البيهقي 8 : 209.
2 ـ الدرّ المنثور 4 : 132 ، تفسير القرطبي 10 : 181.
3 ـ صحيح البخاري 7 : 102 ، كتاب الأدب ، باب 83 المداراة مع الناس.
4 ـ السيرة الحلبية 3 : 76 ، مسند أحمد 3 : 138 ، المصنّف لابن أبي شيبة 5 : 466 ح 9771 ، السنن للنسائي 5 : 194 ح 8646.
وجاء في كتاب إحياء العلوم للإمام الغزالي قوله : « إن عصمة دم المسلم واجبة ، فمهما كان القصد سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب »(1) .
وأخرج جلال الدين السيوطي في كتاب الأشباه والنظائر ، قال : « ويجوز أكل الميتة في المخمصة ، وإساغة اللقمة في الخمر ، والتلفّظ بكلمة الكفر ، ولو عمّ الحرامُ قطراً بحيث لا يوجد فيه حلال إلاّ نادراً ، فإنّه يجوز استعمال مايحتاج إليه »(2) .
وأخرج أبو بكر الرازي في كتابه أحكام القرآن في تفسير قوله تعالى :( إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) قال : يعني أن تخافوا تلف النفس أو بعض الأعضاء ، فتتّقوهم بإظهار المولاة من غير اعتقاده لها ، وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ ، وعليه الجمهور من أهل العلم ، كما جاء عن قتادة في قوله تعالى :( لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ ) (3) قال : لا يحلّ لمؤمن أن يتّخذ كافراً ولياً في دينه ، وقوله تعالى :( إلاّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) يقتضي جواز
__________________
1 ـ إحياء علوم الدين 3 : 202 كتاب آفات اللسان ، بيان ما رخص فيه من الكذب.
2 ـ الأشباه والنظائر : 207 ـ 208.
3 ـ آل عمران : 28.
إظهار الكفر عند التقيّة »(1) .
وأخرج البخاري في صحيحه عن قتيبة بن سعيد ، عن سفيان ، عن ابن المكندر ، حدّثه عن عروة بن الزبير ، أنّ عائشة أخبرته أنّه استأذن على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم رجل ، فقال : إئذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة ، فلمّا دخل ألاَنَ له الكلام ، فقلت : يارسول اللّه قلت ماقلت ثمّ أَلْنتَ له في القول؟ فقال النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« أي عائشة ، إن شرّ الناسُ منزلة عند اللّه من تركه أو ودعه الناس اتّقاء فُحِشِه »(2) .
وهذا يكفينا دلالة بعد استعراض ماسبق على أنّ أهل السنّة والجماعة يؤمنون بجواز التقيّة إلى أبعد حدودها من أنّها جائزة إلى يوم القيامة كما مرّ عليك ، ومن وجوب الكذب كما قال الغزّالي ، ومن إظهار الكفر وهو مذهب الجمهور من أهل العلم كما اعترف بذلك الرازي ، ومن جواز الابتسام في الظاهر واللعن في الباطن كما اعترف بذلك البخاري ، ومن جواز أن يقول الإنسان مايشاء وينال من رسول اللّه خوفاً على ماله كما صرّح بذلك صاحب السيرة
__________________
1 ـ أحكام القرآن للرازي الجصاص 2 : 12.
2 ـ صحيح البخاري 7 : 86 ، كتاب الأدب ، باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب.
الحلبية ، وأن يتكلّم بما فيه معصية اللّه مخافة الناس كما اعترف به السيوطي.
فلا مبرّر لأهل السنّة والجماعة في التشنيع والإنكار على الشيعة من أجل عقيدة يقولون بها هم أنفسهم ، ويروونها في صحاحهم ومسانيدهم بأنّها جائزة بل واجبة ، ولم يزد الشيعة على ماقاله أهل السنّة شيئاً ، سوى أنّهم اشتهروا بالعمل بها أكثر من غيرهم ، لما لاقوه من الأمويين والعباسيين من ظلم واضطهاد ، فكان يكفي في تلك العصور أن يقال : هذا رجل يتشيّع لأهل البيت ليلاقي حتفه ، ويُقتلُ شرّ قتلة على يد أعداء أهل البيت النبوي.
فكان لابدّ له من العمل بالتقيّة اقتداء بما أشار عليهم أئمة أهل البيتعليهمالسلام ، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق إنّه قال « التقيّة ديني ودين آبائي »(1) وقال : « من لا تقيّة له لا دين له »(2) .
وقد كانت التقيّة شعاراً للأئمة أهل البيت أنفسهم دفعاً للضرر عنهم وعن أتباعهم ومحبّيهم ، وحقناً لدمائهم واستصلاحاً لحال المسلمين الذين فُتنُوا في دينهم ، كما فُتنَ عمّار بن ياسر ( رضي الله عنه ) وحتى أكثر.
__________________
1 ـ الكافي 2 : 219 ح 12 ، ولفظه : « التقية من ديني ودين آبائي ».
2 ـ الكافي 2 : 217 ح 2 ، ولفظه : « لا دين لمن لا تقية له ».
أمّا أهل السنّة والجماعة فقد كانوا بعيدين عن ذلك البلاء؛ لأنّهم كانوا في معظم عهودهم على وفاق تام مع الحكّام ، فلم يتعرّضوا لا لقتل ولا لنهب ولا لظلم ، فكان من الطبيعي جدّاً أن ينكروا التقيّة ويشنّعون على العاملين بها ، وقد لعب الحكّام من بني أميّة وبني العباس دوراً كبيراً في التشهير بالشيعة من أجل التقيّة.
وبما أنّ اللّه سبحانه أنزل فيها قرآناً يُتلى وأحكاماً تُقضى ، وبما أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم عمل هو نفسه بها ، كما مرّ عليك في صحيح البخاري ، وأنّه أجاز لعمّار بن ياسر أن يسبّه ويكفر إذا عاوده الكفّار بالتعذيب ، وبما أنّ علماء المسلمين أجازوا ذلك اقتداء بكتاب اللّه وسنّة رسوله؛ فأيّ تشنيع وأيّ استنكار بعد هذا يصحّ أنْ يوجّه إلى الشيعة؟!
وقد عمل بالتقية الصحابة الكرام في عهد الحكّام الظالمين(1)
__________________
1 ـ روى ابن حزم في المحلّى 8 : 336 مسألة 1409 عن ابن مسعود أنه قال : « ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عنّي سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلماً به » ، ثم قال ابن حزم : « ولا يعرف له من الصحابة مخالف ».
وقال السرخسي في المبسوط 24 : 46 و 47 : « وقد كان حذيفة ممّن يستعمل التقية على ما روى أنه يداري رجلا وعن جابر بن عبداللّه قال : لا جناح عليّ في طاعة الظالم إذا أكرهني عليها ».
وكذلك استخدم التقيّة التابعين ومتشرعة الاُمّة الإسلاميّة :
أمثال معاوية الذي كان يقتل كلّ من امتنع عن لعن عليّ بن أبي طالب ، وقُصة حجـر بن عدي الكندي وأصحابه مشهورة(1) وأمثال
__________________
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 4 : 227 : « لما استخلف الوليد قدم المدينة فدخل المسجد ، فرأى شيخاً قد اجتمع عليه الناس ، فقال : من هذا؟ قالوا : سعيد بن المسيّب. فلمّا جلس أرسل إليه ، فأتاه الرسول فقال : أجب أمير المؤمنين! فقال : لعلّك أخطأت باسمي أو لعلّه أرسلك إلى غيري ، فردّ الرسول ، فأخبره ، فغضب وهمّ به. قال : وفي الناس يومئذ تقية ».
وقال أيضاً في السير 10 : 481 ـ في ترجمة سعدويه بن سليمان ، وبعد أن وصفه بالحافظ الثبت الإمام ـ : « وأما أحمد بن حنبل فكان يغض منه ، ولا يرى الكتابة عنه ، لكون أجاب في المحنة تقية ».
وقال في ترجمة أبو نصر التمار 10 : 571 : « وقال أبو الحسن الميموني : صحّ عندي أنه ـ يعني أحمد ـ لم يحضر أبا نصر التمار حين مات ، فحسبت أنّ ذلك لما كان أجاب في المحنة.
قلت : أجاب تقية وخوفاً من النكال. وهو ثقة بحاله والحمد للّه ».
وقال في السير 11 : 87 : « قال سعيد بن عمرو البرذعي : سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي يقول : كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار ، ولا عن يحيى بن معين ، ولا عن أحد ممن أجاب في المحنة. قلت : هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة ، بل ولا على من أجبر على صريح الكفر عملا بالآية. وكان يحيى ( رحمه الله ) من أئمة السنّة ، فخاف من سطوة الدولة ، وأجاب تقية ».
1 ـ ذكر في كشف الجاني : 161 أن المؤلّف ادّعى على معاوية ثلاث دعاوى :
__________________
أ ـ إنّ الصحابة كانوا يستخدمون التقية مع معاوية.
وقال : « هذا كذب ».
ب ـ إنّ معاوية كان ظالماً.
وقال : « هذا كذب ، بل هو إمام عادل ».
جـ ـ إنّ معاوية كان يقتل شيعة عليّ والممتنعين عن لعنه.
وقال : « هذا كذب ».
وهذه التكذيبات الثلاثة ليست صحيحة ، بل الحقّ مع المؤلّف من كون معاوية ظالماً ، وكان الصحابة يتوقون بطشه وكيده.
ومن يقرأ كلام عثمان الخميس في كشف الجاني يرى العجب العجاب ، ويخيل إليه أنه لم يطلع على الكتب التاريخية والروائية التي ذكرت جرائم معاوية وما ارتكبه بحقّ أهل البيت وشيعتهم ، وما اقترفه من ظلم وتعدّي بحقّ الشريعة الإسلامية والسنّة النبوية.
وأمّا ما ذكره التيجاني ، فهو الصواب الذي نطقت به الأخبار وطفحت به الآثار :
أما النقطة الأُولى :
فإنّ الصحابة كانوا يستخدمون التقية مع معاوية ، لاتقاء شرّه وأذاه والابتعاد عن الوقوع في فلك ظلمه وبطشه :
فقد أخرج ابن عساكر بسنده قال : « لمّا قدم بسر بن أرطأة المدينة أخذ الناس بالبيعة ، فجاءت بنو سلمة ، وتغيب جابر ، قال : لا أبايعكم حتى يجيء جابر ، قال : فانطلق جابر الى أُم سلمة فسألها ، فقالت : هذه بيعة لا أرضاها ، إذهب فبايع تحقن دمك » تاريخ دمشق : 11 : 235 ، الاستيعاب لابن عبد البر 1 :
__________________
241 ـ 246.
وكذلك استخدم التقيّة التابعين ومتشرعة الأُمّة الإسلاميّة : قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 4 : 227 : « ..لما استخلف الوليد قدم المدينة فدخل المسجد ، فرأى شيخاً قد اجتمع عليه الناس ، فقال : من هذا؟ قالوا : سعيد بن المسيّب : فلمّا جلس أرسل إليه ، فأتاه الرسول فقال : أجب أمير المؤمنين! فقال : لعلّك أخطأت باسمي أو لعلّه أرسلك إلى غيري ، فردّ الرسول ، فأخبره ، فغضب وهم به. قال : وفي الناس يومئذ تقيّة ».
وقال أيضاً في السير 10 : 481 ـ في ترجمة سعدويه بن سليمان ، وبعد أن وصفه بالحافظ الثبت الإمام ـ : « وأمّا أحمد بن حنبل فكان يغض منه ، ولا يرى الكتابة عنه ، لكونه أجاب في المحنة تقيّة ».
وقال في ترجمة أبو نصر التمار 10 : 571 : « وقال أبو الحسن الميموني : صحّ عندي أنّه ـ يعني أحمد ـ لم يحضر أبا نصر التمار حين مات ، فحسبت أنّ ذلك لما كان أجاب في المحنة.
قلت : أجاب تقيّة وخوفاً من النكال. وهو ثقة بحاله والحمدللّه ».
وقال في السير 11 : 87 : « قال سعيد بن عمرو البرذعي : سمعت الحافظ أبا زرعة الرازي يقول : كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار ، ولا عن يحيى بن معين ، ولا عن أحد ممن أجاب في المحنة. قلت : هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة ، بل ولا على من أجبر على صريح الكفر عملاً بالآية. وكان يحيى ( رحمهم الله ) من أئمة السنّة ، فخاف من سطوة الدولة ، وأجاب تقيّة ».
وفي كتاب الثقات لابن حبان 2 : 299 : « فدخل جابر على أُم سلمة وقال :
__________________
يا أُماه إنّي خشيت على دمي ، وهذه بيعة ضلال! فقالت : أرى أن تبايع ، فخرج جابر فبايع بسر بن أرطأة لمعاوية كارهاً ».
فهذا جابر تأمره أم سلمة أن يحقن دمه ويبايع ، أي يتقي بسر بن أرطأة الذي أرسله معاوية للمدينة لأخذ البيعة له ، بل ويصرّح في رواية ابن حبان أنها بيعة ضلال مع أنه بايع!! وحينئذ لا معنى لبيعته إلاّ أنها تقية من بني أمية وبطش معاوية.
وقال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار : « قوله : إن زياد بن أبي سفيان ، وقع التحديث بهذا في زمن بني أمية ، وأمّا بعدهم فما كان يقال له إلاّ زياد بن أبيه ، وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له زياد بن عبيد فلمّا كان في أيام معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأنّ زياداً ولده فاستلحقه معاوية بذلك وخالف الحديث الصحيح : إنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وذلك لغرض دنيوي وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان ، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فإنّما هو تقية ». نيل الأوطار : 5 : 194.
فهذه رواية وشهادة من علم من أعلام أهل السنّة على سطوة معاوية وظلمه التي حدث بالصحابة وغيرهم لاستخدام التقية معه.
وأمّا النقطة الثانية :
فإنّ معاوية كان ظالماً معتدياً على حقّ اللّه وحقّ عباده ، بل ارتكب معاوية ما هو أشدّ من الظلم والبغي والخروج على الإمام الذي تجب طاعته ، وهذه الروايات والأقوال تبين ظلم معاوية وبغيه :
1 ـ روي البيهقي وابن أبي شيبة وابن عساكر بسند متصل عن عمّار بن ياسر أنه : « لا تقولوا كفر أهل الشام ، ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا » السنن الكبرى
__________________
8 : 174 ، مصنّف ابن أبي شيبة : 8 : 722 ، تاريخ ابن عساكر 1 : 347.
2 ـ وعن عليعليهالسلام أنه قال : « لا تقولوا كفر أهل الشام : ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا » ، كنز العمال : 5 : 567.
وأما أقوال علماء السنّة في ظلم معاوية وبغيه فهي :
1 ـ قال الإمام ابن خزيمة : « وكلّ من نازع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في إمارته فهو باغ. على هذا عهدت مشايخنا وبه قال ابن ادريس ـ يعني الشافعي ـ ( رحمه الله ) » الاعتقاد للبيهقي : 502 ، تحقيق عبد اللّه محمّد الدرويش.
2 ـ وقال الإمام أبو منصور البغدادي : « أجمع أصحابنا على أنّ عليّاً ( رضي الله عنه ) كان مصيباً في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفّين. وقالوا في الذين قاتلوه في البصرة : إنهم كانوا على الخطأ ، وأمّا أصحاب معاوية فإنّهم بغوا وسمّاهم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بغاة في قوله لعمّار : « تقتلك الفئة الباغية » ، ولم يكفروا بهذا البغي » أصول الدين : 289 ـ 290 ، ونحوه في كتاب الفرق بين الفرق : 350.
3 ـ وقال الإمام البيهقي : « وأمّا خروج من خرج على أمير المؤمنين عليّ ( رضي الله عنه ) مع أهل الشام في طلب دم عثمان ، ثمّ منازعته إيّاه في الإمارة فإنّه غير مصيب فيما فعل و إنّ الذي خرج عليه ونازعه كان باغياً ، وكان رسول اللّه ( صلى الله عليه وسلم ) قد أخبر عمّار بن ياسر بأنّ الفئة الباغية تقتله ، فقتله هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليّ ( رضي الله عنه ) في حرب صفّين » الاعتقاد للبيهقي : 501.
4 ـ قال الإمام القرطبي : « فتقرّر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين
__________________
أنّ عليّاً كان إماماً ، وأنّ كلّ من خرج عليه باغ ، وأنّ قتاله واجب حتى يفيء إلى الحقّ وينقاد إلى الصلح » تفسير القرطبي 1 : 318.
وقال في المفهم : « قوله : ( وأهل بيتي ، أذكركم اللّه في أهل بيتي ـ ثلاثاً ) هذه الوصية وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام آل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأهل بيته ومحبّتهم ووجوب الفروض المؤكدة هذا مع ما علم من خصوصيّتهم بالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وبأنّهم جزء منه ، فإنّهم أُصوله التي نشأ منها وفروعه التي تنشأ عنه ، ومع ذلك فقابل بنو أميّة عظيم هذه الحقوق بالمخالفة والعقوق ، فسفكوا من أهل البيت دماءهم ، وسبوا نساءهم وخربوا ديارهم ، وجحدوا شرفهم وفضلهم ، واستباحوا سبّهم ولعنهم ، فخالفوا رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في وصيته ، وقابلوه بنقيض مقصوده وأُمنيته » المفهم لما أُشكل من صحيح مسلم 6 : 304.
وفي اللغة : البغي : بمعنى الظلم والفساد ، لسان العرب 14 : 78.
5 ـ وصف الإمام الذهبي ـ وهو المعروف بميله لمذهب أهل الشام ـ معاوية بأنه المربي لأهل الشام على النصب والعداء لأهل البيتعليهمالسلام ، على خلاف ما نطق به القرآن ، وطفحت به الآثار من وجوب مودّة ومحبة أهل البيتعليهمالسلام ، فيخالف معاوية القرآن ويسنّ قوانين وسنن على هواه ، يقول الإمام الذهبي : « وخلف معاوية خلف كثير يحبّونه ويغالون فيه ويفضلونه وفيهم جماعة يسيرة من الصحابة ، وعدد كثير من التابعين والفضلاء ، وحاربوا معه أهل العراق ونشأوا على النصب » سير أعلام النبلاء 3 : 128 ( ترجمة معاوية بن أبي سفيان ).
وقال في وصف طائفة معاوية : « هم طائفة من المؤمنين بغت على الإمام
__________________
عليّ ، وذلك بنصّ قول المصطفى صلوات اللّه عليه لعمّار : « تقتلك الفئة الباغية » ولا نرتاب أنّ عليّاً أفضل ممّن حاربه ، وأنّه أولى بالحقّ رضي اللّه عنه » سير أعلام النبلاء 8 : 209.
ولا بأس بالإشارة إلى ما في كلام الذهبى من تهافت ، طبقاً لنشأته الشامية ومايحملونه تجاه أهل البيتعليهمالسلام إذ أنّه وصف أتباع معاوية بأنّهم بغاة ، وأنّهم نشأوا على النصب الذي غذّاهم معاوية به ، ثمّ يأتي بعد ذلك ويصفهم بـ ( الإيمان )! مع أنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعلي بن أبي طالبعليهالسلام : « لا يُحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق » صحيح مسلم 1 : 61.
فمبغض عليّعليهالسلام يكون ناصبيّاً منافقاً بحكم النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا معنى لأن نصف من حكم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفاقه بالإيمان! اللهمّ إلاّ على مبنى الشاميّين النواصب الذين يرون النصب ديانة وإيماناً وحبّ عليّ كفراً ونفاقاً!! وللّه في كلام المحدّثين شؤون.
6 ـ وقال ابن تيمية الحراني : « بخلاف سبّ علي فإنّه كان شائعاً في أتباع معاوية ، ولهذا كان عليّ وأصحابه أولى بالحقّ وأقرب إلى الحقّ من معاوية وأصحابه وكان سبّ عليّ ولعنه من البغي الذي استحقت به الطائفة أن يقال لها : الطائفة الباغية ، كما رواه البخاري في صحيحه عن خالد الحذّاء ، عن عكرمة قال : قال ليّ ابن عباس ولابنه علي : انطلقا إلى أبي سعيد واسمعا من حديثه ، فانطلقنا ، فإذا هو في حائط يصلحه ، فأخذ رداءه فاحتبى به ، ثمّ أنشأ يحدّثنا ، حتّى إذا أتى على ذكر بناء المسجد فقال : كنّا نحمل لبنّة لبنّة ، وعمّار لبنتين لبنتين ، فرآه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فجعل ينفض التراب عنه ويقول : « ويح عمّار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار » ، قال : يقول عمّار :
__________________
أعوذ باللّه من الفتن.
ورواه مسلم عن أبي سعيد ـ أيضاً ـ قال : ...
وهذا أيضاً يدلّ على صحة إمامة عليّ ، ووجوب طاعته ، وأنّ الداعي إلى طاعته داع إلى الجنّة ، والداعي إلى مقاتلته داع إلى النار ، وإن كان متأوّلا.
وهو دليل على أنه لم يكن يجوز قتال عليّ ، وعلى هذا فمقاتله مخطئ وإن كان متأولا أو باغ بلا تأويل ، وهو أصح القولين لأصحابنا ، وهو الحكم بتخطئة من قاتل عليّاً ، وهو مذهب الأئمة الفقهاء الذين فرعوا على ذلك قتال البغاة المتأولين.
وكذلك أنكر يحيى بن معين على الشافعي استدلاله بسيرة عليّ في قتال البغاة المتأولين ، قال : أيجعل طلحة والزبير بغاة! ردّ عليه الإمام أحمد فقال : ويحك! وأيّ شيء يسمه أن يضع في هذا المقام. يعني إن لم يقتدِ بسيرة عليّ في ذلك لم يكن معه سنّة من الخلفاء الراشدين في قتال البغاة » الفتاوى لابن تيمية 4 : 267 ـ 268.
7 ـ وقال الإمام ابن كثير الدمشقي : « وهذا مقتل عمّار بن يسار ( رضي الله عنه ) مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، قتله أهل الشام ، وبان وظهر سرّ ما أخبر به الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) من أنّه تقتله الفئة الباغية ، وبان بذلك عليّاً محقّ ، وأنّ معاوية باغ » البداية والنهاية 7 : 296.
8 ـ وقال ابن حجر العسقلاني : « ثبت أنّ أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة » التلخيص الحبير 4 : 44.
وقال بعد ذكره لحديث الخوارج : « وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم منقبة عظيمة لعليّ ، وأنه كان الإمام الحقّ ، وأنه كان على الصواب في قتال
__________________
من قاتله في حروبه في الجمل وصفين وغيرهما » فتح الباري 12 : 299.
وقال ـ أيضاً ـ بعد أن ذكر حديث عمّار : « وفي هذا الحديث علم من أعلام النبوّة ، وفضيلة ظاهرة لعليّ ولعمّار ، ورد على النواصب الزاعمين أنّ عليّاً لم يكن مصيباً في حروبه » فتح الباري 12 : 113.
وفي هذا يشير ابن حجر إلى عثمان الخميس ومن على شاكلته الذين يدافعون عن معاوية بن أبي سفيان حيفاً على علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وعلى الذين يمدحون صلح الحسنعليهالسلام نكاية بعلي بن أبي طالب ، وطعناً مبطناً في حربه على بغاة الجمل وصفين الذين فرّقوا كلمة المسلمين ، واستباحوا دماء المسلمين لأجل مصالحهم الخاصّة ومنافعهم الآنية.
9 ـ وقال الإمام شمس الدين الشربيني : « فصل : في قتال البغاة :
جمع باغ ، والبغي الظلم ومجاوزة الحدّ ، سُمّوا بذلك لظلمهم وعدولهم عن الحقّ ، والأصل فيه آية( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ) ( ويقاتل أهل البغي ) وجوباً كما استفيد من الآية المتقدمة ، وعليها عول عليّ ـ رضي اللّه تعالى عنه ـ في قتال صفين والنهروان » الاقناع 2 : 22.
10 ـ وقال الشيخ ملاّ علي القاري : ( « تقتلك الفئة الباغية » أي الجماعة الخارجة على إمام الوقت وخليفة الزمان ، قال الطيّبي : ترّحم عليه بسبب الشدة التي يقع فيها عمار من قبل الفئة الباغية ، يريد به معاوية وقومه فإنّه قتل يوم صفين.
وقال ابن مالك : اعلم أنّ عمّاراً قتله معاوية وفئته ، فكانوا طاغين باغين بهذا الحديث؛ لأنّ عمّاراً كان في عسكر عليّ ، وهو المستحقّ للإمامة فامتنعوا عن بيعته.
__________________
ـ إلى أن يقول ـ : فإذا كان الواجب عليه أن يرجع عن بغيه باطاعته الخليفة ويترك المخالفة وطلب الخلافة المنيفة ، فتبين بهذا أنه كان في الباطن باغياً وفي الظاهر متستراً بدم عثمان مراعياً مرائياً ، فجاء هذا الحديث عليه ناعياً ، وعن عمله ناهياً ، لكن كان ذلك في الكتاب مسطوراً فصار عنده كل من القرآن والحديث مهجوراً ، فرحم اللّه من أنصف ولم يتعصّب ولم يتعسّف « مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح ، ملاّ علي القاري 11 : 17 ـ 18.
11 ـ وقال المناوي : « وقال الإمام عبد القادر الجرجاني في كتابه الإمامة :
أجمع فقهاء العراق والحجاز من فريقي الحديث والرأي ، منهم : مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلّمين والمسلمين؛ أنّ عليّاً مصيب في قتاله لأهل صفين وإنّ الذين قاتلوه بغاة ظالمون ». فيض القدير في شرح الجامع الصغير 6 : 474.
12 ـ وقال الشيخ أحمد حافظ حكمي : « وأمّا علي ( رضي الله عنه ) فكان مجتهداً مصيباً ، وفالجاً محقّاً ، يريد جمع كلمة الأمّة فكان أهل الشام بغاة اجتهدوا فأخطأوا ، وعليّ ( رضي الله عنه ) يقاتلهم ليرجعوا إلى الحقّ ويفيئوا إلى أمر اللّه ، ولهذا كان أهل بدر الموجودون على وجه الأرض كلّهم في جيشه ، وعمّار قتل معه ( رضي الله عنه ) كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد في بناء المسجد ، فقال : كنّا نحمل لبنة لبنة ، وعمّار لبنتين ، فرآه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فجعل ينفض التراب عنه ويقول : « ويح عمّار تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار » ، قال : يقول عمّار : أعوذ باللّه من الفتن ، فتله أهل الشام ، مصداق ما أخبر الصادق المصدّق ( صلى الله عليه وسلم ) ، وهو يدعوهم إلى الطاعة والائتلاف التي هي من أسباب دخول الجنة ، ويدعونه إلى الفتنة والفرقة التي هي من أسباب
__________________
دخول النار » معارج القبول 2 : 468.
13 ـ وقال الشيخ عبد العزيز بن باز : « لمّا وقعت الفتنة في عهد الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ أشتبهت على بعض الناس ، وتأخّر عن المشاركة فيها بعض الصحابة من أجل أحاديث الفتن كسعد بن أبي وقاصّ ومحمّد بن مسلمة وجماعة ـ رضي اللّه عنهم ـ ، ولكن فقهاء الصحابة الذين كان لهم من العلم ما هو أكمل قاتلوا مع عليٍّ ، لأنّه أولى الطائفتين بالحقّ ، وناصروه ضد الخوارج وضد البغاة الذين هم من أهل الشام لمّا عرفوا الحقّ ، وأنّ علياً مظلوم ، وأنّ الواجب أن ينصر ، وأنّه هو الإمام الذي يجب أن يتبع ، وأنّ معاوية ومن معه بغوا عليه بشبهة قتل عثمان.
واللّه جلّ وعلا يقول في كتابه العظيم :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) ، ما قال : ( فاعتزلوا ) ، قال :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ، فإذا عرف الظالم وجب أن يساعد المظلوم لقوله سبحانه :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ ) . والباغون في عهد الصحابة معاوية وأصحابه ، والمعتدلة عليّ وأصحابه ، فبهذا نصرهم أعيان الصحابة ، نصروا عليّاً وصاروا معه كما هو معلوم » فتاوى ومقالات متنوعة 6 : 80.
هذا نزر يسير من ظلم معاوية وبغيه وكلمات علماء السنّة في حقّه ، ذكرناها حتى يتّضح للقارئ مدى بُعد هؤلاء الشرذمة عن الحقّ والدين القويم ، إذ مجّدوا مَن هدم الدين ونصب العداء لأهله ورفعوه عالياً ، بينما هم يطعنون في أنصار الدين وحملته من أهل البيت وأصحابه المنتجبين.
__________________
أما النقطة الثالثة : فهي الواقع الذي لا مفرّ منه ، إذ إنّ معاوية بنى خلافته على سبِّ عليّ بن أبي طالب والنيل منه ، بل وسبّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فضلا عن قتل شيعة عليعليهالسلام :
أخرج ابن ماجة في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال : « قدم معاوية في بعض حجاته ، فدخل عليه سعد ، فذكروا علياً ، فنال منه ، فغضب سعداً وقال : تقول هذا لرجل سمعت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول فيه : من كنت مولاه فعلي مولاه ، وسمعته يقول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي ، وسمعته يقول : لأعطين الراية اليوم رجلا يحب اللّه ورسوله ».
وعلّق الشيخ محمّد ناصر الدين الألباني في كتابه صحيح ابن ماجه 1 : 76 ح 120 بقوله : صحيح الصحيحة 4 : 335 ، « ( فنال منه ) أي : نال معاوية من علي وتكلّم فيه ».
وقال محمّد فؤاد عبد الباقي في تعليقه على الحديث : « قوله : ( فنال منه ) أي نال معاوية من عليّ ووقع فيه وسبّه » سنن ابن ماجه ، تحقيق عبد الباقي 1 : 82 ح 121.
وقال الإمام الذهبي في ترجمة عمر بن عبدالعزيز : « كان الولاة من بني أمّية ـ قبل عمر بن عبدالعزيز ـ يشتمون رجلا ـ رضي اللّه عنه! ـ فلمّا ولي هو أمسك عن ذلك ، فقال كثيِّر عَزَّة الخزاعي :
وليت فلم تشتم عليّاً ولم تُخف |
برّياً ولم تتبع مقالةَ مجرم! » |
سير أعلام النبلاء 5 : 147.
وقال ابن تيمية الحراني : « وأمّا عليّ فأبغضه وسبّه أو كفره الخوارج وكثير من بني أُمية وشيعتهم الذين قاتلوه وسبّوه ..
__________________
وأما شيعة عليّ الذين شايعوه بعد التحكّم ، وشيعة معاوية التي شايعته بعد التحكيم ، فكان بينهما من التقابل وتلاعن بعضهم ما كان.
وكذلك تفضيل عليّ عليه [ يعني على عثمان ] لم يكن مشهوراً فيها ، بخلاف سبّ عليّ فإنّه كان شائعاً في أتباع معاوية ».
مجموعة الفتاوى 4 : 267.
وهذا الإمام الأوزاعي صاحب المذهب المنتشر في الشام إلى سنة 340 هـ وأكثر والذي ولي القضاء ليزيد بن الوليد الأموي ، يصف الحال الذي كانت عليه الشام وولاتها : « يقول عيسى بن يونس : سمعت الأوزاعي يقول : ما أخذنا العطاء حتّى شهدنا على عليّ بالنفاق!! وتبرّأنا منه!! وأخذنا علينا بذلك الطلاق والعتاق وإيمان البيعة » سير أعلام النبلاء 7 : 130 ، ترجمة الإمام الأوزاعي.
وقال ابن الأثير في أحداث سنة 51 : « في هذه السنة قتل حجر بن عدي وأصحابه. وسبب ذلك : إنّ معاوية استعمل المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين ، فلمّا أمّره عليها دعاه وقال له : أمّا بعد ؛ فإنّ لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك ، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة : لا تترك شتم عليّ وذمّه ، والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب لأصحاب عليّ والإقصاء لهم ».
وقال ابن كثير الدمشقي في حوادث سنة 106 : « وحجّ بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ، وكتب إلى أبي الزناد قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحجّ ، ففعل ، فلتقّاه الناس من المدينة إلى أثناء
__________________
الطريق ، وفيهم أبو الزناد قد أمتثل ما أُمر به ، وتلقّاه فيمن تلقّاه سعيد بن عبد اللّه بن الوليد بن عثمان بن عفان ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، إنّ أهل بيتك في مثل هذا المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب ؛ فالعنه أنت ـ أيضاً ـ » البداية والنهاية 9 : 171 ، والكامل في التاريخ 5 : 130.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ ، بل أخذ معاوية بقتل شيعة عليّ بن أبي طالبعليهالسلام ، وأمرهم بالبراءة منه ولعنه وسبّه ، ويكفي لمن يتصفّح التاريخ أن يرى ذلك بأُمّ عينه واضحاً ، ويكفي ما فعله بحجر بن عدي وأصحابه :
فقد روى ابن عساكر في تاريخه 8 : 25 بعد أن أرسل حجر بن عدي وأصحابه إلى معاوية وحبسهم : « فقال لهم رسول معاوية : إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ ، إن فعلتم تركناكم ، وإن أبيتم قتلناكم ، وإنّ أمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلّت له بشهادة أهل مصركم عليكم ، غير أنّه قد عفى على ذلك ، فابرأوا من هذا الرجل نخل سبيلكم ».
وفي الكامل لابن الأثير 3 : 485 ( حوادث سنة 51 ) : « قالوا لهم قبل القتل : إنّا قد أُمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللعن له ، فإن فعلتم تركناكم ، وإن أبيتم قتلناكم ».
وفي سير أعلام النبلاء للذهبي 6 : 466 رقم 95 : « لما أتى معاوية بحجر قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ، قال : أو أمير المؤمنين أنا! اضربوا عنقه وقيل : إنّ رسول معاوية عرض عليهم البراءة من رجل والتوبة ».
وذكر الذهبي اسم ذلك الرجل في كتاب تاريخ الإسلام 4 : 194 ، وهو عليّ بن أبي طالبعليهالسلام .
وفي المستدرك : كتاب معرفة الصحابة ، في مناقب حجر بن عدي : أنّه قتل
__________________
في موالاة علي.
وأمّا شدّة معاوية وجوره على شيعة عليّ فكثير ، ورد في مصادر كثيرة بأرقام كبيرة :
قال الذهبي في سير أعلام النبلاء 3 : 137 : « ورجع معاوية بالألفة والاجتماع ، وبايعه أهل الشام بالخلافة فكان يبعث الغارات فيقتلون من كان في طاعة عليّ ».
وفي الإصابة 1 : 422 ( في ترجمة بسر بن أرطأة ) قال ابن حجر : « وكان من شيعة معاوية ، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز وأمر أن ينظر من كان في طاعة عليّ فيوقع بهم ، ففعل ذلك ».
وفي أُسد الغابة 1 : 180 : « كان معاوية سيّرهُ إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة عليّ ».
وفي تاريخ دمشق 10 : 152 : « بعث معاوية بسر بن أرطأة إلى المدينة ومكة واليمن يستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة عليّ أبي طالب ».
وكذلك في تهذيب الكمال للمزي 4 : 61 و 665 ، وتهذيب التهذيب 1 : 435 ( ترجمة بسر ).
وفي أنساب الأشراف للبلاذري 454 : « قال معاوية لبسر لما وجهه للغارة : ثم امض إلى صنعاء فإنّ لنا بها شيعة ، واستعن بهم على عمال عليّ وأصحابه ، فقد أتاني كتابهم ، واقتل كلّ من كان في طاعة عليّ إذا امتنع من بيعتنا ، وخذ ما وجدت لهم من مال ».
وفي الإمامة والسياسية لابن قتيبة 1 : 203 : « كتب الإمام الحسن إلى معاوية كتاباً قال فيه : أولست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنّه على
__________________
دين عليّ ».
وقال الجاحظ في البيان والتبين 1 : 266 : « وجلس معاوية رضي اللّه تعالى عنه بالكوفة يبايع على البراءة من عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه تعالى وجهه ، فجاءه رجل من بني تميم فأراده على ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين نطيع أحياءكم ولا نبرأ من موتاكم ، فالتفت إلى المغيرة فقال : إنّ هذا رجلٌ فاستوص به خيراً ».
وذكر الزركلي في الأعلام 3 : 303 في ترجمة عبد الرحمن بن حسان العنزي : « فدعاه معاوية إلى البراءة من عليّ ، فأغلظ عبد الرحمن في الجواب ، فردّه إلى زياد فدفنه حيّاً ».
وأيضاً في تاريخ مدينة دمشق 8 : 27.
وبعد كلّ هذه الحقائق ، لا يمكن لمدّع أن يدافع عن معاوية وأمثاله الذين حكموا الأمة بالظلم والطغيان ، ومنعوا ربيع الإسلام أن يغطي المعمورة بعدله وحلمه ، وحرموا الأُمة من نبع الدين الصافي وضفافه الفضفاض وهم أهل البيتعليهمالسلام ، فعاملوهم قتلا وساوروهم سجناً ، ومنعوا الأُمة من الأخذ عنهم وأبعدوهم عن وصية نبيهمصلىاللهعليهوآلهوسلم في الثقلين.
فمن يكون هكذا حاله ، فكيف يكون إماماً ، فضلا عن كونه عادلا؟!
وعلاوة على ذلك نقول : إنّ هنالك أحاديثاً كثيرة وردت عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في ذمّ معاوية بن أبي سفيان ، وإنّه لم يدخل الإسلام إلاّ بعدما أيقن الفتك وأن لا مخلص له ولبني أُميّة عموماً إلاّ الدخول في الدين وإظهار الطاعة ، وإبطان النفاق والغدر والخيانة ، فمعاوية ابن أبي سفيان لم يكن ممّن حسن إسلامه فضلا عن أن يكون خليفة للمسلمين!! والإسلام يبرأ منه ونذكر قسماً يسيراً
__________________
من الأحاديث النبويّة الصحيحة التي تبيّن حقيقته وتكشف هويته ، وردت على لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من طرق أهل السنّة :
1 ـ حديث : « إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ».
رواه ابن حبان في كتابه المجروحين 2 : 172 قال : أخبرنا الطبري عن محمّد ابن صالح ، ثنا عباد بن يعقوب الرواجني عن شريك بن عاصم ، عن زر عن عبد اللّه بن مسعود.
وسند الحديث حسن ، فعباد بن يعقوب الرواجني ثقة شيعي ، وشريك صدوق ، وعاصم صدوق ، وزر بن حبيش فثقة جليل ، وعبد اللّه بن مسعود صحابي.
وفي الكامل لابن عدي 6 : 112 قال : حدّثنا على بن سعيد ، حدّثنا الحسين ابن عيسى الرازي ، حدّثنا سلمة بن الفضل ثنا محمّد بن إسحاق ، عن محمّد ابن إبراهيم التيمي ، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه قال : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إذا رأيتم فلاناً على المنبر فاقتلوه ».
والإسناد صحيح رجاله ثقات ، فشيخ ابن عدي وهو علي بن سعيد فهو ثقة ثبت. وابن عدي من المتثبتين في الأخذ ، والحسين بن عيسى الرازي فهو صدوق ، كما ذكر ذلك الرازي في الجرح والتعديل 3 : 68. وأما سلمة بن الفضل الأبرش فهو صدوق قال عنه ابن جرير : ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل.
ومحمّد بن إسحاق صدوق وهو من رجال مسلم والسنن الأربعة.
ومحمّد بن إبراهيم التيمي فهو ثقة ، وشيخه أبو أُمامة بن سهل بن حنيف فهو معدود من الصحابة ، فالحديث صحيح.
__________________
وغير هذين الإسنادين الصحيحين توجد هناك متابعات تشهد لهما وعليه فالحديث صحيح ويكون معاوية على قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مستحقاً للقتل عند إستيلائه دفّة الحكم وزمام أمر المسلمين.
2 ـ حديث : « لا أشبع اللّه بطنه ».
فقد روى مسلم في صحيحه 4 : 2010 بإسناده عن ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فتواريت خلف باب ، قال : فجاء فصحأني صحأة وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال فجئت فقلت : هو يأكل!
قال : ثمّ قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل! فقال : « لا أشبع اللّه بطنه ».
قال ابن كثير في البداية والنهاية 6 : 189 ـ بعد أن ذكر الخبر ـ : ( قلت : وقد كان معاوية لا يشبع بعدها ، ورافقته هذه الدعوة في أيام إمارته ، فيقال : إنّه كان يأكل في اليوم سبع مرّات طعاماً بلحم ، وكان يقول : واللّه لا أشبع وإنّما أعيى ).
وقال البلاذري في فتوح البلدان 3 : 853 بعد أن ذكر الحديث : ( فكان يقول : لحقتني دعوة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان يأكل في اليوم سبع أكلات وأكثر وأقل ).
وقد حاول محبّي معاوية من النواصب جعل الحديث منقبة له ، ولكن الذهبي ـ وهو من محبّي معاوية ومن المدرسة الشامية ـ ردّ علهيم قولتهم هذه ، فقال في سير أعلام النبلاء بعد أن ذكر الحديث 3 : 123 : ( فسّره بعض المحبيّن قال : لا أشبع اللّه بطنه حتى لا يكون ممّن يجوع يوم القيامة؛ لأنّ الخبر عنه أنّه قال : ( أطول الناس شبعاً في الدنيا أطولهم جوعاً يوم القيامة )!
__________________
قلت [ يعني الذهبي ] : هذا ما صحّ والتأويل ركيك ).
3 ـ حديث : « لعن اللّه الراكب والقائد والسائق ».
روى البزار في مسنده 9 : 286 : حدّثنا السكن بن سعيد ، قال : حدّثنا عبد الصمد ، قال : حدّثنا أبي ، وحدّثناه حمّاد بن سلمة ، عن سعيد بن جهمان ، عن سفينة أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان جالساً فمرّ رجل على بعير وبين يديه قائد وخلفه سائق فقال : « لعن اللّه القائد والسائق والراكب ».
وسند الحديث صحيح. أما سفينة فهو صحابي ثقة ( تهذيب الكمال 7 : 387 ) ، وسعيد بن جهمان فهو ثقة روى له الأربعة ( تهذيب الكمال 7 : 155 ) ، وحمّاد بن سلمة ثقة ( تهذيب الكمال 5 : 175 ).
وعبد الصمد بن عبد الوارث ثقة ( تهذيب الكمال 11 : 475 ).
وقد صرّح الهيثمي في مجمع الزوائد 1 : 148 بوثاقة رجال السند.
ورى الطبراني في المعجم الكبير 3 : 71 قال : ( حدّثنا يحيى بن زكريا الساجي ، ثنا محمّد بن بشار بندار ، ثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي ، ثنا عمران بن حدير ، أظنّه عن أبي مجلز قال : قال عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة لمعاوية : إنّ الحسن بن علي عيي ، وإنّ له كلاماً ورأياً ، وإنّه قد علمنا كلامه فيتكلم كلاماً فلا يجد كلاماً!
فقال : لا تفعلوا ، فأبوا عليه ، فصعد عمرو المنبر ، فذكر علياً ووقع فيه! ثمّ صعد المغيرة بن شعبة المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثمّ وقع في علي ( رضي الله عنه ) ثمّ قيل للحسن بن علي : اصعد! فقال : لا أصعد ولا أتكلّم حتى تعطوني إن قلت حقّاً أن تصدّقوني ، وإنّ قلت باطلا أن تكذّبوني! فأعطوه ، فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه فقال : ياللّه يا عمرو وأنت يا مغيرة تعلمان أنّ رسول
__________________
اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « لعن اللّه السائق والراكب » ـ يعني أبي سفيان ومعاوية كما سيتضح ـ أحدهما فلان [ معاوية ]؟ قالا : اللهمّ بلى.
قال : أنشدك يا معاوية وأنت يا مغيرة : أتعلمان أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعن عمراً بكل قافية قالها لعنة؟
قالا : اللهمّ بلى!
قال : أنشدك اللّه يا عمرو وأنت يا معاوية بن أبي سفيان : أتعلمان أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعن قوم هذا [ أشار إلى المغيرة ]؟
قالا : بلى ).
وسند الحديث رواته ثقات :
فزكريا بن يحيى الساجى ثقة ورجالي كبير ( الجرح والتعديل 3 : 534 ).
ومحمّد بن بشّار بندار ثقة ( تهذيب الكمال 24 : 510 ).
وعبد الملك بن الصباح المسمعي ثقة ( تهذيب الكمال 18 : 331 ).
وعمران بن حدير ثقة ( تهذيب الكمال 22 : 313 ).
والحديث إسناده صحيح ، وبيّن الإمام الحسنعليهالسلام فيه أنّ معاوية ملعون هو وأبيه ، وأشهد على ذلك عمرو والمغيرة ، وقد شهدا ، ثمّ بيّن أنّ عمراً ملعون على لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأشهد على ذلك معاوية والمغيرة ، وقد شهدا ، ثمّ بيّن أنّ المغيرة ملعون على لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأشهد على ذلك معاوية وعمراً ، وقد شهدا.
وهناك روايات أُخرى في لعن معاوية وأبيه على لسان النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الصحيح والذي يصح للمتابعة.
4 ـ حديث : « يموت على غير ملّتي ».
__________________
أخرج الحافظ أحمد بن يحيى البلاذري في كتابه أنساب الأشراف قال : حدّثني إسحاق ، قال حدّثني عبد الرزاق بن همام ، أنبأنا معمّر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : كنت جالساً عند النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : « يطلع عليكم من هذا الفجّ رجل يموت يوم يموت على غير ملّتي » قال : وتركت أبي يلبس ثيابه ، فخشيت أن يطلع ، فطلع معاوية ».
وهذا الحديث صحيح الإسناد لأنّ رجاله كلهم ثقات.
فإسحاق بن أبي إسرائيل ثقة ( تهذيب الكمال 2 : 226 ).
وعبد الرزاق الصنعاني ثقة ( تهذيب الكمال 11 : 447 ).
ومعمّر بن راشد ثقة ( تهذيب الكمال 18 : 268 ).
وعبد اللّه بن طاووس ثقة ( الجرح والتعديل 5 : 105 ).
وطاووس بن كيسان ثقة ( تهذيب الكمال 9 : 213 ).
وقد روى البلاذري الحديث بسند آخر : عن عبد اللّه بن صالح ، حدثني يحيى بن آدم عن شريك ، عن ليث ، عن طاووس ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : وذكر الحديث ».
قال العلاّمة المحدّث الشريف محمّد المكّي بن عزوز المغربي ( رحمه الله ) : ( الحديث الأوّل [ الذي جعلناه ثان ] رجاله كلّهم رجال الصحيح حتّى ليث فمن رجال مسلم ، وهو ابن أبي سليم ، وإنّ تكلّم فيه لاختلال وقع له في آخر أمره ، فقد وثّقه ابن معين وغيره ، كما أفاد الشوكاني.
على أنّ الوهم يرتفع بالسند الثاني [ الذي جعلناه الأوّل ] الذي هو حدّثني إسحاق الخ ؛ لأن الراوي فيه عن طاووس عبد اللّه ابنه لا ليث ، والسند متين والحمد للّه ) نقلا عن كتاب تقوية الإيمان لابن عقيل الشافعي : 138.
__________________
وقد رواه الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 243 بسند صحيح لكن لم يذكر الاسم.
والاسم يتّضح من خلال رواية البلاذري المتقدّمة; لأنّ المتن واحد كما هو واضح لمن يراجع.
وقد ورد الحديث بلفظ: (يموت على غير سنّتي) في كتاب وقعة صفين لنصر ابن مزاحم المنقري ص 220.
وممّا يشهد لذلك ما أخرجه الألباني في صحيحته 4: 329 ح 1749: "أوّل من يغيّر سنّتي رجل من بني أُميّة" قال: (قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال الشيخين غير المهاجر وهو ابن مخلد أو مخلد ...).
ثمّ حاول تأويل الحديث بشيء بعيد عنه فقال: (ولعلّ المراد بالحديث تغيير نظام اختيار الخليفة، وجعله وراثة ..).
وهو تأويل بعيد بعد ملاحظة الأحاديث الأُخرى وضمّ بعضها إلى بعض، حيث تنتج أنّ معاوية يغيّر السنّة النبوية عموماً لا خصوص نظام الحكم. وقد غيّر معاوية سنّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من منازعة الأمر أهله كحربه لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقتله لعمّار بن ياسر الذي وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قتلته بأنّهم فئة باغية، وقتله الصالحين كحجر بن عدي وأصحابه، وسنّ سبّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على المنابر، وكترك التلبية في يوم عرفة بغضاً لعلي بن أبي طالب وحباً في مخالفته كما أخرج ذلك النسائي في سننه 5: 253 بشرح السيوطي، وغير ذلك من المخالفات الصريحة للسنة النبوية المطهرة، فلا وجه لتخصيص التغيير بنظام الحكم دون غيره!
وهذا التأويل ينسجم مع نفسية الشيخ الألباني الشامية، فهو دمشقي ودمشق
يزيد ، وابن زياد ، والحجّاج ، وعبدالملك بن مروان وأضرابهم ، ولو شئت جمع الشواهد على عمل الصحابة بالتقيّة لاستوجب كتاباً كاملاً ، ولكن ما أوردته من أدلّة أهل السنّة والجماعة كاف بحمد اللّه.
ولا أترك هذه الفرصة تفوت لأروي قصّة طريفة وقعتْ لي شخصيّاً مع عالم من علماء أهل السنّة التقينا في الطائرة ، وكنّا من المدعوّين لحضور مؤتمر إسلامي في بريطانيا ، وتحادثنا خلال ساعتين عن الشيعة والسنّة ، وكان من دعاة الوحدة ، وأُعجبت به ، غير أنّه ساءني قوله بأنّ على الشيعة الآن أن تترك بعض المعتقدات التي تُسببُ اختلاف المسلمين والطعن على بعضهم البعض ، وسألتُه : مثل ماذا؟ وأجاب على الفور : مثل المتعة والتقيّة.
وحاولتُ جهدي إقناعه بأنّ المتعة هي زواج مشروع والتقيّة رخصة من اللّه ، ولكنّه أصرّ على رأيه ولم يقنعه قولي ولا أدلّتي ، مدّعياً أنّ ما أوردتُه كلّه صحيح ، ولكن يجبُ تركه من أجل مصلحة أهم ألا وهي وحدة المسلمين.
__________________
عاصمة النصب، أسّسها معاوية بن أبي سفيان على ذلك، وبقيت آثارها إلى يومنا هذا، فنشأ المحدث فيها وفيه نصب واضح من الدفاع عن بني أُميّة ومحاولة التنقيص من أهل البيت (عليهم السلام)، وارجع إلى محدّثي الشام كابن تيمية الحراني، والذهبي، وابن كثير، وابن القيّم، والألباني وغيرهم تجد ما ذكرناه واضحاً لا يخفى على أحد.
واستغربتُ منه هذا المنطق الذي يأمرُ بترك أحكام اللّه من أجل وحدة المسلمين ، وقلتُ له مجاملة : لو توقّفت وحدة المسلمين على هذا الأمر لكنت أوّل من أجاب.
ونزلنا في مطار لندن وكنت أمشي خلفه ، ولمّا تقدّمنا إلى شرطة المطار سُئل عن سبب قدومه إلى بريطانيا؟ فأجابهم بأنّه جاء للمعالجة ، وادّعيت أنا بأنّي جئت لزيارة بعض أصدقائي ، ومررنا بسلام وبدون تعطيل إلى قاعة استلام الحقائب ، عند ذلك همستُ له : أرأيت كيف أنّ التقيّة صالحة في كلّ زمان؟ قال : كيف؟ قلت : لأنّنا كذبنا على الشرطة ، أنا بقولي : جئت لزيارة أصدقائي ، وأنت بقولك : جئت للعلاج ، في حين أننا قدمنا للمؤتمر.
ابتسم وعرفَ بأنّه كذبَ على مسمع منّي ، فقال : أليس في المؤتمرات الإسلامية علاج لنفوسنا؟ ضحكت قائلا : أو ليس فيها زيارة لإخواننا؟
أعود إلى الموضوع فأقول : بأنّ التقيّة ليست كما يدّعي أهل السنّة بأنّها ضرب من النفاق ، فالعكس هو الصحيح؛ لأنّ النفاق هو إظهار الإيمان وكتمان الكفر ، بينما التقيّة هي إظهار الكفر وكتمان الإيمان ، وشتان ما بين الموقفين ، هذا الموقف أعني النفاق الذي قال في شأنه سبحانه وتعالى :
( وَإذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (1) فهذا يعني إيمان ظاهر + كفر باطن = نفاق.
أمّا الموقف الثاني أعني التقيّة التي قال في شأنها سبحانه وتعالى :
( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْـتُمُ إيمَانَهُ ) (2) فهذا يعني كفرٌ ظاهر + إيمان باطن = تقيّة.
فإنّ مؤمن من آل فرعون كان يكتم في الباطن إيمانه ، ولا يعلم به إلاّ اللّه ، ويتظاهر لفرعون وللناس جميعاً أنّه على دين فرعون ، وقد ذكره اللّه في محكم كتابه تعظيماً لقدرِه.
وتعال معي الآن أيها القارئ الكريم لتعرف قول الشيعة في التقيّة حتى لا تغتّر بما يقالُ فيهم كذباً وبهتاناً.
يقول الشيخ محمّد رضا المظفّر في كتابه ( عقائد الإماميّة ) ما هذا نصّه :
« وللتقيّة أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر ، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة ، وليست هي بواجبة على كلّ حال ، بل قد يجوز أو يجب
__________________
1 ـ البقرة : 14.
2 ـ غافر : 28.
خلافها في بعض الأحوال ، كما إذا كان في إظهار الحقّ والتظاهر به نصرةً للدينِ وخدمةً للإسلامِ وجهاد في سبيله ، فإنّه عند ذلك يستهانُ بالأموال ولا تعزّ النفوس ، وقد تحرم التقيّة في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة ، أو رواجاً للباطل ، أو فساداً في الدين ، أو ضرراً بالغاً على المسلمين بإضلالهم ، أو إفشاء الظلم والجور فيهم.
وعلى كلّ حال ليس معنى التقيّة عند الإماميّة أنّها تجعل منهم جمعية سرّية لغاية الهدم والتخريب ، كما يريد أن يصورّها بعض أعدائهم غير المتورّعين في إدراك الأُمور على وجهها ، ولا يكلّفون أنفسهم فهم الرأي الصحيح عندنا.
كما أنّه ليس معناها أنّها تجعل الدين وأحكامه سرّاً من الأسرار لايجوز أن يُذاع بمن لايدين به ، كيف وكتب الإماميّة ومؤلّفاتهم فيما يخصّ الفقه والأحكام ومباحث الكلام والمعتقدات قد ملأت الخافقين ، وتجاوزت الحدّ الذي ينتظر من أيّ أُمّة تدين بدينها »(1) . انتهى كلامه.
وأنت ترى أنّه ليس هناك نفاق ، ولا غش ، ولا دس ، ولا كذب ،
__________________
1 ـ عقائد الإمامية : 344 ، تحقيق محمّد جواد الطريحي.
ولا خداع كما يدّعيه أعْداؤهم(1) .
__________________
1 ـ توهم بعض المتسلفين : في أنّ التقية إذا كانت جائزة وأنّ الأئمةعليهمالسلام كانوا يؤمنون بها ويعملون عليها ، فعند ذلك كيف نعرف أنّ الكلام الذي صدر منهم والروايات التي صدرت عنهم ، صدرت عن جدٍّ ولم تصدر تقيةً وخوفاً؟!
ونجيب على هذا المتوهّم : بأنّ هذا الكلام يسقط إذا راجعنا تعريف التقيّة ، والشروط اللازم توفّرها لتحقيق موضوع التقيّة ، وبالتالي تكون جائزة ، فالتقيّة : هي إبراز خلاف ما يعتقده الإنسان عند الخوف أو الضرر الذي لا يتحمّل ، فهي بالتالي تجوز ضمن هذه الشروط ، ولا تجوز مطلقاً وفي أيّ حال من الأحوال ، وعنده نفهم أنّ التقيّة هي الحالة الشاذّة والنادرة في حياة الإنسان ، وأنّ الحياة الطبيعية ليس فيها تقيّة ، أو اضطرار لأن يبرز الإنسان خلاف معتقده ، بل مقتضى الطبع البشري أنّه مختار وعندما يتكلّم يكون كلامه عن قصد ومبرزاً لما يعتقده في قلبه حقّاً ، وأنّ الظلم والجور المؤدّي لأن يبرز الإنسان خلاف معتقده حال نادرة وفريدة في حياة الإنسان.
ومن هنا نعرف أنّ كلمات الأئمة ورواياتهم لم تكن كلها تقيّة ، بل هناك الواضح والعامّ منها صدر لبيان الواقع ومراد لهم ، لعدم توفّر شروط التقيّة حتى يكونوا مضطرّين للكلام بخلافه.
فما ذكره صاحب كتاب منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية : 138 ناشئ عن عدم فهم التقيّة وحدودها الشرعيّة المسوغة لها.
المتعة أو الزواج المؤقت
والمقصود بها نكاح المتعة ، أو الزواج المنقطع ، أو الزواج المؤقت إلى أجل مسمّى ، وهي كالزواج الدائم لا تصحّ إلاّ بعقد يشتمل على قبول وإيجاب ، كأن تقول المرأة للرجل : زوّجتك نفسي بمهر قدره كذا ولمدّة كذا ، فيقول الرجل : قبلت.
ولهذا الزواج شروطه المذكورة في كتب الفقه عند الإماميّة كوجوب تعيين المهر والمدّة ، فيصح بكلّ ما يتراضى عليه الطرفان ، وكحرمة التمتع بذات محرم كما في الزواج الدائم.
وعلى المرأة المتمتّع بها أن تعتدّ بعد انتهاء الأجل بحيضتين ، وبأربعة أشهر وعشرة أيام في حالة وفاة زوجها.
وليس بين المتمتعين إرثٌ ولا نفقة ، فلا ترثه ولا يرثها(1) ، والولد
__________________
1 ـ مسألة إرث الزوجة المتمتع بها من المسائل الخلافية في المذهب الإمامي ، وليس هناك إجماع على عدم إرث المتمتع بها ، بل هناك آراء متعددة في مسألة ، قال الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في أصل الشيعة وأصولها 256 في معرض ردّه على الآلوسي : « عدم إرث المتمتع بها ممنوع ، فقيل :
من الزواج المؤقّت كالولد من الزواج الدائم تماماً في حقوق الميراث والنفقة وكل الحقوق الأدبية والمادية ، ويلحق بأبيه.
هذه هي المتعة بشروطها وحدودها وهي كما ترى ليست من السفاح في شيء كما يدّعيه الناس.
وأهل السنّة والجماعة كإخوانهم الشيعة متفقون على تشريع هذا الزواج من اللّه سبحانه وتعالى في الآية 24 من سورة النساء بقوله :( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيَما تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) (1) .
__________________
بأنها ترث مطلقاً ، وقيل : ترث مع الشرط ، وقيل : ترث إلاّ مع شرط العدم ، والتحقيق حسب قواعد صناعة الاستنباط ومقتضى الجمع بين الآيتين : إن المتمتع بها زوجة ، تترتب عليها آثار الزوجية ، إلاّ ما خرج بالدليل القاطع ».
1 ـ النساء : 24.
وفي هذه الآية قولان :
أحدهما : أنّها في النكاح الدائم.
والثاني : أنّها في المتعة أو النكاح المنقطع.
قال القرطبي في تفسيره للآية : « وقال الجمهور : المراد نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام ».
وهناك من قرأها بإضافة : « إلى أجل مسمّى » ، حتى إنّ ابن عباس حلف أنّها نزلت كذلك حيث قال : « واللّه لأنزلها اللّه كذلك » ، كما في الدر المنثور في تفسير هذه الآية من سورة النساء.
كما أنّهم متّفقون في أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أذن بها ، واستمتع الصحابة على عهده.
إلاّ أنّهم يختلفون في نسخها أو عدم نسخها ، فأهل السنّة والجماعة يقولون بنسخها ، وأنّها حُرّمت بعد أن كانت حلالاً ، وأنّ النسخ وقع بالسنّة لا بالقرآن.
والشيعة يقولون بعدم النسخ ، وأنّها حلال إلى اليوم القيامة(1) .
__________________
1 ـ وذلك لأنّ مقتضى القاعدة هو بقاء الحليّة واستمرارها ، إلاّ أن يقوم دليل قطعي أو حجّة شرعية على النسخ أو التحريم ، فإنّ استصحاب عدم النسخ هو أحد الأُمور المسلّمة عند فقهاء المسلمين.
وهناك الكثير من الصحابة والتابعين لم يعتقدوا حرمتها :
ذكر القرطبي في تفسيره للآية : « قال أبو بكر الطرطوسيّ : ولم يرخّص في نكاح المتعة إلاّ عمران بن حصين وابن عباس وبعض الصحابة وطائفة من أهل البيت وقال أبو عمر : أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلّهم يرون المتعة حلالاً على مذهب ابن عباس ، وحرّمها سائر الناس ».
وفي نيل الأوطار للشوكاني 6 : 143 بعدما ذكر الأقوال ورجّح القول المشهور قال : « قال ابن بطال : روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة ، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة ، وإجازة المتعة عنه أصح ، وهو مذهب الشيعة ».
وقال ابن حزم في المحلى 9 : 519 مسألة 1854 : « ولا يجوز نكاح المتعة وقد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جماعة من السلف ، منهم من
إذاً فالبحث يتعلّق فقط في نسخها أو عدمه ، والنظر في أقوال الفريقين حتّى يتبين للقارئ جلية الأمر ، وأين يوجد الحقّ فيتبعه بدون تعصّب ولا عاطفة.
أمّا من ناحية الشيعة القائلين بعدم النسخ وحلّيتها إلى يوم القيامة ، فحجّتهم هي : لم يثبت عندنا أن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عنها ، وأئمتنا من العترة الطاهرة يقولون بحليتها ، ولو كان هناك نسخ من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لعلمه الأئمة من أهل البيت وعلى رأسهم الإمام عليّ ، فأهل البيت أدرى بما فيه ، ولكن الثابت عندنا أنّ الخليفة الثاني عمر بن الخطاب هو الذي نهى عنها وحرّمها اجتهاداً منه ، كما يشهد بذلك علماء السنّة أنفسهم ، ونحن لا نترك أحكام اللّه ورسوله لرأي واجتهاد عمر بن الخطاب.
هذا ملخّص مايقوله الشيعة في حليّة المتعة ، وهو قول سديد
__________________
الصحابة : أسماء بنت أبي بكر الصدّيق ، وجابر بن عبد اللّه ، وابن مسعود ، وابن عباس ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وعمرو بن حريث ، وأبو سعيد الخدري ، وسلمة ومعبد ابنا أُميّة بن خلف ، ورواه جابر بن عبد اللّه عن جميع الصحابة مدّة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ومدّة أبي بكر وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر ، واختلف في إباحتها عن ابن الزبير ومن التابعين : طاووس ، وعطاء ، وسعيد ابن جبير ، وسائر فقهاء مكة أعزها اللّه ، وقد تقصيّنا الآثار المذكورة في كتابنا الموسوم بالإيصال ».
ورأي رشيد ؛ لأنّ كلّ المسلمين مطالبون باتّباع أحكام اللّه ورسوله ، ورفض ما سواهما مهما علت مكانته إذا كان في اجتهاده مخالفة للنصوص القرآنية أو النبويّة.
أمّا أهل السنّة والجماعة فيقولون بأنّ المتعة كانت حلالاً ، ونزل فيها القرآن ، ورخّص فيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفعلها الصحابة ، ثمّ بعد ذلك نسخت ، ويختلفون في الناسخ لها ، فمنهم من يقول بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عنها قبل موته ، ومنهم من يقول بأنّ عمر بن الخطاب هو الذي حرّمها ، وقوله حجّة عندنا لقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين بعدي عضّوا عليها بالنواجذ »(1) .
أمّا القائلين بتحريمها لأنّ عمر بن الخطاب حرّمها وأنّ فعله سنّة ملزمة ، فهؤلاء لا كلام لنا معهم ولا بحث؛ لأنّه محض التعصّب
__________________
1 ـ قال ابن القيّم الجوزية في زاد المعاد 3 : 463 في معرض كلامه عن المتعة ، ومتى حرّمت ، وماهو الصحيح في ذلك : « فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال : »كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه وأبي بكر حتّى نهانا عنها عمر في شأن عمرو بن حريث « ، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنا أنهى عنهما متعة النساء ومتعة الحج؟ قيل : الناس في هذا طائفتان؛ طائفة تقول : إنّ عمر بن الخطاب هو الذي حرّمها ونهى عنها ، وقد أمر رسول اللّه باتباع ما سنّه الخلفاء الراشدون ».
والتكلّف ، وإلاّ كيف يترك المسلم قول اللّه وقول الرسول ويخالفهما ويتبع قول بشر مجتهد يُخطي ويصيب!! هذا إذا كان اجتهاده في مسألة ليس فيها نصّ من الكتاب والسنّة ، أمّا إذا كان هناك نصّ فلا مجال للاجتهاد ، قال تعالى :( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمْراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِيناً ) (1) .
ومن لا يتفق معي على هذه القاعدة ، فعليه بمراجعة معلوماته في مفاهيم التشريع الإسلامي ، ودراسة القرآن الكريم والسنّة النبويّة ، فالقرآن دلّ بذاته في الآية المذكورة أعلاه ـ ومثلها في القرآن كثير ـ على كفر وضلال من لا يتمسّك بالقرآن والسنّة النبوية.
أمّا الدليل من السنّة النبويّة الشريفة فكثير أيضاً ، ولكن نكتفي بقول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة »(2) .
فليس من حقّ أحد أن يحلّل أو يحرّم في مسألة ثبت فيها نصّ وحكم من اللّه أو من رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
__________________
1 ـ الأحزاب : 36.
2 ـ بصائر الدرجات : 168 ح 7 ، الكافي 1 : 58 ح 19 عن الإمام الصادقعليهالسلام .
ولكلّ ذلك نقول لهؤلاء الذين يريدون إقناعنا بأنّ أفعال الخلفاء الراشدين واجتهاداتهم ملزمة لنا ، نقول :( أتُحَاجُّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَـنَا أعْمَالُنَا وَلَكُمْ أعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ) (1) .
على أنّ هؤلاء القائلين بهذا الدليل يوافقون الشيعة على دعواهم ، ويكونون حجّة على إخوانهم من أهل السنّة والجماعة.
فبحثنا يتعلّق فقط مع الفريق القائل بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي حرّمها ، ونسخ القرآن بالحديث.
وهؤلاء مضطربون في أقوالهم ، وحجّتهم واهية لا تقوم على أساس متين ، ولو روى النهي عنه مسلم في صحيحه؛ بأنّه لو كان هناك نهي من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لما غاب عن الصحابة الذين تمتّعوا في عهد أبي بكر وشطر من عهد عمر نفسه ، كما روى ذلك مسلم في صحيحه(2) .
قال عطاء : قدم جابر بن عبداللّه معتمراً فجئنا في منزله ، فسأله القوم عن أشياء ثمّ ذكروا المتعة ، فقال : نعم استمتعنا على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر وعمر(3) .
فلو كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عن المتعة لما جاز للصحابة أن
__________________
1 ـ البقرة : 139.
2 ـ صحيح مسلم 4 : 131 ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة.
3 ـ المصدر نفسه.
يتمتّعوا على عهد أبي بكر وعمر كما سمعت.
فالواقع أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم ينهَ عنها ولا حرمها ، وإنّما وقع النهي من عمر بن الخطّاب كما جاء في ذلك في صحيح البخاري عن مسدّد حدّثنا يحيى عن عمران أبي بكر ، حدّثنا أبو رجاء عن عمران بن حصين رضي اللّه تعالى عنه ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب اللّه ، ففعلناها مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولم يُنزل قرآنٌ يحرّمه ولم ينْهَ عنها حتى مات قال رجل برأيه ماشاء ، قال محمّد : يقال إنّه عمر(1) .
فأنت ترى أيّها القارئ أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم ينه عنها حتى مات ، كما صرّح به هذا الصحابي ، وتراه ينسب التحريم إلى عمر صراحة وبدون غموض ، ويضيف أنّه قال برأيه ماشاء.
وها هو جابر بن عبداللّه الأنصاري يقول صراحة : كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي بكر ، حتى نهانا عنها عُمرُ في شأن عمرو بن حُريث(2) .
وممّا يدلّنا على أنّ بعض الصحابة كانوا على رأي عمر ، وهذا ليس غريب إذ تقدّم في بحثنا خلال رزية يوم الخميس أنّ بعض الصحابة كانوا على رأي عمر في قوله بأنّ رسول اللّه يهجر وحسبنا
__________________
1 ـ صحيح البخاري 5 : 185 ، كتاب التفسير ، باب 33 فمن تمتع بالعمرة إلى الحج.
2 ـ صحيح مسلم 4 : 131 ، كتاب النكاح ، باب نكاح المتعة.
كتاب اللّه ، وإذا ساندوه في مثل ذلك الموقف الخطير بما فيه من طعن على الرسول فكيف لا يوافقوه في بعض اجتهاداته؟! فلنستمع إلى قول أحدهم :
كنتُ عند جابر بن عبداللّه ، فأتاه آت فقال : ابن عبّاس وابن الزبير اختلفا في المتعتين ، فقال جابر : فعلناهما مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ نهانا عنهما عُمرُ فلم نعدْ لهما(1) .
ولذلك أعتقد شخصياً بأنّ بعض الصحابة نسبَ النهىَ عن المتعة وتحريمها إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لتبرير موقف عمر بن الخطّاب وتصويب رأيه ، وإلاّ فما يكون لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن يحرّم ما أحلّ القرآن ، لأنّا لا نجدُ حكماً واحداً في كلّ الأحكام الإسلامية أحلّه اللّه سبحانه وحرّمه رسوله ، ولا قائل بذلك إلاّ معانداً ومتعصباً ، ولو سلّمنا جدلاً بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم نهى عنها ، فما كان للإمام عليّ وهو أقرب الناس للنبي وأعلمهم بالأحكام أن يقول :
« إن المتعة رحمةً رحم اللّه بها عباده ، ولولا نهي عمر ما زنى إلاّ شقي »(2) .
__________________
1 ـ المصدر نفسه.
2 ـ المصنّف لعبد الرزاق 7 : 496 ح 14021 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 186 ، تفسير القرطبي 5 : 130 ، الدر المنثور 2 : 141 ، نيل الأوطار 6 : 143 ، كلّها عن ابن عباس ، وورد عن عليعليهالسلام نحوه.
على أنّ عمر بن الخطّاب نفسه لم ينسب التحريم إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بل قال قولته المشهورة بكلّ صراحة : « متعتان كانتا على عهد رسول اللّه وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما ، متعة الحجّ ومتعة النساء »(1) .
وهذا مسند الإمام أحمد بن حنبل خير شاهد على أنّ أهل السنّة والجماعة مختلفون في هذه المسألة اختلافاً كبيراً ، فمنهم من يتبع قول الرسول فيحلّلها ، ومنهم من يتبع قول عمر بن الخطّاب فيحرّمها ، أخرج الإمام أحمد :
عن ابن عباس قال : تمتّع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال عروة بن الزبير : نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عباس : مايقول عُرية؟ ( تصغير لعروة ) قال : يقول نهى أبو بكر وعمر عن المتعة ، فقال ابن عبّاس : أراهم سيهلكون ، أقول : قال النبي ، ويقولون : نهى أبو بكر وعمر(2) .
وجاء في صحيح الترمذي أن عبداللّه بن عمر سُئلَ عن متعة الحجّ ، قال : هي حلال ، فقال له السائل : إنّ أباك قد نهى عنها ، فقال :
__________________
1 ـ تفسير القرطبي 2 : 392 ، أحكام القرآن للجصاص 1 : 352 ، المحلّى لابن حزم 7 : 107 ، المبسوط للسرخسي 4 : 27 وصححه ، المغني لابن قدامة 7 : 572 ، كنز العمال 6 : 521 ح 45722 ، وفي زاد المعاد لابن القيم الجوزية نحوه 3 : 463.
2 ـ مسند أحمد 1 : 337 ، المغني لابن قدامة 3 : 239 ، وهي وإن كانت في متعة الحجّ إلاّ أنها تدلّ على المدّعى ، وهو النهي الوارد عنهما دون النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم .
أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول اللّه أأمر أبي أتبع أم أمر رسول اللّه؟ فقال الرجل : بل أمر رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (1) .
وأهل السنّة والجماعة أطاعوا عمر في متعة النساء وخالفوه في متعة الحجّ ، على أنّ النهي عنهما وقع منه في موقف واحد كما قدّمنا.
والمهم في كلّ هذا أنّ الآئمة من أهل البيت وشيعتهم خالفوه وأنكروا عليه وقالوا بحلّيتهما إلى يوم القيامة. وهناك من علماء أهل السنّة والجماعة من تبعهم في ذلك أيضاً ، وأذكر من بينهم عالم تونس الجليل ، وزعيم الجامع الزيتوني فضيلة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمة اللّه عليه ، فقد قال بحلّيتها في تفسيره المشهور عند ذكره آية( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (2) .
وهكذا يجب أن يكون العلماء أحراراً في عقيدتهم ، لا يتأثّرون بالعاطفة ولا بالعصبية ، ولا تأخذهم في اللّه لومة لائم.
وبعد هذا البحث الموجز لا يبقى لتشنيع أهل السنّة والجماعة وطعنهم على الشيعة في إباحتهم نكاح المتعة مبرّر ولا حجّة ، فضلاً عن أنّ الدليل القاطع والحجّة الناصعة مع الشيعة.
__________________
1 ـ سنن الترمذي 2 : 159 ح 823 وقال : « حسن صحيح » ، تذكرة الحفاظ للذهبي 1 : 368.
2 ـ التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 3 : 5 ، والآية في سورة النساء : 24.
وللمسلم أن يتصوّر قول الإمام عليعليهالسلام : بأنّ المتعة رحمةٌ رحم اللّه بها عباده ، وفعلاً أية رحمة هي أكبر منها ، وهي تُطفي نار شهوة جامحة قد تطغى على الإنسان ذكراً كان أم أُنثى ، فيصبحُ كالحيوان المفترس.
وللمسلمين عامّة وللشبّان خاصّة أن يعرفوا بأنّ اللّه سبحانه أوجب على الزاني عقوبة القتل رجماً بالحجارةِ على المحصنين ذكوراً وإناثاً ، فلا يمكن أن يترك عباده بغير رحمة وهو خالقهم وخالق غرائزهم ويعرف مايصلحهم ، وإذا كان اللّه الرحمن الرحيم رَحم عباده بأنْ رخّص لهم في المتعة ، فلا يدخل في الزنا بعدها إلاّ الشقي تماماً كالحكم بقطع يد السارق ، فما دام هناك بيت للمال للمعوزين والمحتاجين فلا يسرق إلاّ الشقي(1) .
__________________
1 ـ من القضايا التي وقع النزاع فيها قديماً وحديثاً مسألة ( المتعة ) ، حيث ذهبت الشيعة إلى حلّيتها تبعاً للقرآن والسنّة النبوية المطهّرة ، بينما ذهب أهل السنّة إلى حرمتها بعدما اتفق الفريقان على أنّها كانت حلالا ، نزلت في حليتها آيات قرآنية ، ولكن ذهب أهل السنّة إلى أنّ الحلّية نسخت ، بينما بقي الشيعة على التمسك بالحلّية لعدم ثبوت النسخ عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهناك الكثير من الصحابة والتابعين وغيرهم ثبتوا على حلّيتها كما تقدّم نقله.
إلاّ أنّ أهل السنّة يقولون بأنّها نسخت ، ويروون في ذلك روايات مضطربة جداً ، من ناحية في زمن التحريم ووقوعه ، والشخص المحرّم : أهو
__________________
الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم أم عمر بن الخطاب؟
ولا نريد الدخول في بحث الموضوع ، إذ إنّ هناك كتباً مخصصة له ، ولكن لكي يطلع القارئ على صورة المسألة بشكل مجمل نعرض له بعض الاضطراب الواقع في تحريم المتعة :
1 ـ قال في فتح الباري 9 : 211 : « قال السهيلي : وقد اختلف في وقت تحريم نكاح المتعة؛ فأغرب ماروي في ذلك رواية من قال : في غزوة تبوك ، ثمّ رواية الحسن : أنّ ذلك كان في عمرة القضاء ، والمشهور ـ كما أخرجه مسلم من حديث الربيع بن سبرة عن أبيه ، وفي رواية عن الربيع أخرجها أبو داود ـ : أنّه كان في حجّة الوداع ومن قال من الرواة كان في غزوة أوطاس فهو موافق لمن قال عام الفتح » ، ثمّ قال ابن حجر : « فتحصل ممّا أشار إليه ستّة مواطن : خيبر ، ثمّ عمرة القضاء ، ثمّ الفتح ، ثمّ أوطاس ، ثمّ تبوك ، ثمّ حجّة الوداع ».
وذكر النووي في شرح مسلم 9 : 179 ـ 184 نحوه.
2 ـ وقال ابن كثير في البداية 4 : 440 في معرض كلامه عنها : « فعلى هذا يكون قد نهى عنها ، ثمّ أذن فيها ، ثمّ حرّمت ، فيلزم النسخ مرّتين ، وهو بعيد ».
3 ـ روي عن الشافعي أنّه قال : « لا أعلم شيئاً حرّم ثمّ أُبيح ثمّ حرّم إلاّ المتعة ، قالوا : نسخت مرّتين » زاد المعاد 3 : 344 لابن القيم الجوزية.
إلى غير ذلك من الكلمات الكثيرة حول اضطراب النسخ في المسألة.
واضطراب آخر موجود يتعلّق بالمحرّم لها ، حيث أنّ هناك روايات وردت في الصحاح وكلمات للعلماء تنصّ على أنّ المحرّم لها هو عمر بن الخطاب ، وقد تقدّم ذكر الروايات ، ونشير هنا إلى بعض الكلمات المقرّة بتحريم عمر
__________________
للمتعة :
1 ـ قال ابن القيم الجوزية في زاد المعاد 3 : 463 : « فإن قيل : فما تصنعون بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد اللّه قال : كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول اللّه وأبي بكر حتى نهانا عنها عمر في شأن عمرو بن حريث ، وفيما ثبت عن عمر أنّه قال : متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنا أنهى عنهما : متعة النساء ومتعة الحج ، قيل : الناس في هذا طائفتان : طائفة تقول : إنّ عمر هو الذي حرّمها ونهى عنها وقد أمر رسول اللّه باتباع ما سنّه الخلفاء الراشدون ».
2 ـ قال السيوطي في تاريخ الخلفاء : 107 : « فصل : في أوليات عمر رضي اللّه عنه ، قال العسكري : هو أوّل من سمّي أمير المؤمنين وأوّل من حرّم المتعة ».
ولهذا بقيت الشيعة متمسكة بالقرآن الكريم والسنّة النبوية ، لأنّها تعتقد بعدم جواز الاجتهاد في مقابل النص ، وعمر بن الخطاب أجتهد هنا في مقابل النصّ الصريح ، وحرّم حكماً شرعياً كان مباحاً زمن الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو كان النسخ ثابتاً لما قال : « أنا أنهى عنهما ».
وكذلك أكّدت الروايات المتواترة عن أهل البيتعليهمالسلام حلّية المتعة كما نصّ عليها القرآن.
ومن هذا العرض الموجز يتجلّى للقارئ أنّ ما ذكره في كشف الجاني : 162 ما هو إلاّ كلام فاقد لأبسط المقوّمات العلميّة ، وغير مستند إلاّ للأهواء والتعصب المقيت لعقيدة الآباء.
القول بتحريف القرآن
هذا القول في حدّ ذاته شنيع لا يتحمّله مسلم آمن برسالة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، سواء كان شيعياً أم سنياً؛ لأنّ القرآن الكريم تكفّل ربّ العزّة والجلالة بحفظه ، فقال عزّ من قائل :( إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) ، فلا يمكن لأحد أن يُنقّص منه أو يزيد فيه حرفاً واحداً ، وهو معجزة نبيّناصلىاللهعليهوآلهوسلم الخالدة ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.
والواقع العملي للمسلمين يرفض تحريف القرآن؛ لأن كثيراً من الصحابة كانوا يحفظونه عن ظهر قلب ، وكانوا يتسابقون في حفظه وتحفيظه إلى أولادهم على مرّ الأزمنة حتّى يومنا الحاضر ، فلا يمكن لإنسان ولا لجماعة ولا لدولة أن يُحرّفوه أو يبدّلوه.
ولو جُبناً بلاد المسلمين شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً وفي كلّ بقاع الدنيا ، فسوف نجد نفس القرآن بدون زيادة ولا نقصان ، وإن اختلف
__________________
1 ـ الحجر : 9.
المسلمون إلى مذاهب وفرق وملل ونحل ، فالقرآن هو الحافز الوحيد الذي يجمعهم ولا يختلف فيه من الأمّة اثنان ، إلاّ ما كان من التفسير أو التأويل ، فكلّ حزب بما لديهم فرحُون.
وما يُنْسبُ إلى الشيعة إلى القول بالتحريف ، هو مجرّد تشنيع وتهويل وليس له في معتقدات الشيعة وجود.
وإذا ما قرأنا عقيدة الشيعة في القرآن الكريم فسوف نجد إجماعهم على تنزيه كتاب اللّه من كلّ تحريف.
يقول صاحب كتاب عقائد الإماميّة الشيخ المظفّر : « نعتقد أنّ القرآن هو الوحي الإلهي المنزّل من الله تعالى على لسان نبيه الأكرم ، فيه تبيان كلّ شيء ، وهو معجزته الخالدة التي أعجزتْ البشر عن مجاراتها في البلاغة والفصاحة ، وفيما احتوى من حقائق ومعارف عالية ، لا يعتريه التبديل والتغيير والتحريف ، وهذا الذي بين أيدينا نتلوه هو نفس القرآن المنزّل على النبي ، ومن ادعى فيه غير ذلك فهو مخترق أو مغالط أو مشتبه ، وكلّهم على غير هدى فإنّه كلام اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه »(1) ( انتهى كلامه ).
__________________
1 ـ عقائد الإمامية : 62.
ويدلّ على عدم وقوع التحريف ـ سوى العمومات أمثال حديث الثقلين
وبعد هذا فكلّ بلاد الشيعة معروفة ، وأحكامهم في الفقه معلومة لدى الجميع ، فلو كان عندهم قرآن غير الذي عندنا لعلمه الناس ، وأتذكّر أنّي عندما زرتُ بلاد الشيعة للمرّة الأُولى كان في ذهني بعض هذه الإشاعات ، فكنت كلّما رأيت مجلّداً ضخماً تناولته علّني أعثر على هذا القرآن المزعوم ، ولكن سرعان ما تبخّر هذا الوهم ، وعرفتُ فيما بعد أنّها إحدى التشنيعات المكذوبة لينفّروا الناس من الشيعة.
ولكن يبقى هناك دائماً من يُشنّع ويحتج على الشيعة بكتاب اسمه « فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربُ الأرباب » ، ومؤلفه الميرزا محمد حسين النوري الطبرسي المتوفي سنة 1320 هجري وهو شيعي ، ويريد هؤلاء المتحاملون أن يحمّلُوا الشيعة
__________________
وأحاديث العرض على الكتاب ـ قول عليعليهالسلام في نهج البلاغة : « كتاب ربكم فيكم ، مبيّناً حلاله وحرامه ، وفرائضه وفضائله ، وناسخه ومنسوخه ، ورخصه وعزائمه ، وخاصّه وعامّه ، وعبره وأمثاله ، ومرسله ومحدوده ، ومحكمه ومتشابهه ».
وما قاله الإمام الباقرعليهالسلام كما في الكافي 8 : 53 « وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا حدوده » ، فالمراد من إقامة الحروف هو حفظها عن التغيير والتبديل والزيادة والنقصان.
وهذان الحديثان يدلاّن بكل صراحة على نفي التحريف.
مسؤولية هذا الكتاب! وهذا مخالف للانصاف.
فكم من كُتب كتبت وهي لا تُعبّر في الحقيقة إلاّ عن رأي كاتبها ومؤلّفها ، ويكون فيها الغثّ والسمين ، وفيها الحقّ والباطل ، وتحمل في طياتها الخطأ والصواب ، ونجد ذلك عند كلّ الفرق الإسلاميّة ولا يختصّ بالشيعة دون سواها ، أفيجوز لنا أن نُحمّل أهل السنّة والجماعة مسؤولية ماكتبه وزير الثقافة المصري وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين بخصوص القرآن والشعر الجاهلي؟
أو مارواه البخاري وهو صحيح عندهم من نقص في القرآن وزيادة ، وكذلك صحيح مسلم وغيره(1) .
ولكن لنضرب عن ذلك صفحاً ونقابل السيئة بالحسنة ، ولنعم ماقاله في هذا الموضوع الأُستاذ محمّد المديني عميد كلية الشريعة بالجامعة الأزهرية ، إذ كتب يقول :
« وأمّا أنّ الإماميّة يعتقدون نقص القرآن فمعاذ اللّه ، وإنّما هي روايات رُويت في كتبهم ، كما رُوي مثلها في كتُبنا ، وأهل التحقيق من الفريقين قد زيّفوها ، وبيّنوا بطلانها ، وليست في الشيعة الإماميّة
__________________
1 ـ إذ إنّ كتاب ( فصل الخطاب ) لا يعدّ شيئاً عند الشيعة ، بينما روايات نقص القرآن والزيادة فيه أخرجها صحاح أهل السنّة والجماعة أمثال البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد ( المؤلّف ).
أو الزيديّة من يعتقد ذلك ، كما إنّه ليس في السنّة من يعتقده.
ويستطيع من شاء أن يرجع إلى مثل كتاب الإتقان للسيوطي ، ليرى فيه أمثال هذه الروايات التي نضرب عنها صفحاً.
وقد ألّف أحد المصريين في سنة 1498 م كتاباً اسمه « الفرقان » حشّاه بكثير من أمثال هذه الروايات السقيمة المدخولة المرفوضة ، ناقلاً لها عن الكتب والمصادر عند أهل السنّة ، وقد طلب الأزهر من الحكومة مصادرة هذا الكتاب بعد أن بينّ بالدليل والبحث العلمي أوجه البطلان والفساد فية ، فاستجابت الحكومة لهذا الطلب وصادرتْ الكتاب ، فرفع صاحبه دعوى يطلب فيها تعويضاً ، فحكم القضاء الإداري في مجلس الدولة برفضها.
أفيقال أنّ أهل السنّة ينكرون قداسة القرآن؟ أو يعتقدون نقص القرآن لرواية رواها فلان؟ أو لكتاب ألّفه فلان؟
فكذلك الشيعة الإماميّة ، إنّما هي روايات في بعض كتبهم كالروايات في بعض كتبنا ، وفي ذلك يقول الإمام العلاّمة السعيد أبو الفضل بن الحسن الطبرسي من كبار علماء الإماميّة في القرن السادس الهجري في كتاب ( مجمع البيان لعلوم القرآن ) :
« فأمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية أهل السنّة أنّ في القرآن
تغييراً ونقصاناً ، والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه ، وهو الذي نصره المرتضى قدّس اللّه روحه ، واستوفى الكلام فيه غاية الاستيفاء في جواب « مسائل الطرابلسيات » ، وذكر في مواضع : إنّ العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، وأشعار العرب فإنّ العناية اشتدّت ، والدواعي توفّرت على نقله وحراسته ، وبلغتْ إلى حدّ لم تبلغهُ فيما ذكرناه؛ لأنّ القرآن معجزة النبوّة ، ومأخذ العلوم الشرعيّة ، والأحكام الدينية ، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كلّ شيء أختلفَ فيه من إعرابه ، وقراءاته ، وحروفه ، وآياته ، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد »(1) .
وحتّى يتبينّ لك أيها القارئ أنّ هذه التهمة ( نقص القرآن والزياده فيه ) هي أقرب لأهل السنّة منها لأهل الشيعة ، وذلك من الدواعي التي دعتني إلى أن أراجعُ كل معتقداتي؛ لأنّي كلّما حاولتُ انتقاد الشيعة في شيء والاستنكار عليهم إلاّ وأثبتوا براءتهم منه وإلصاقه بي ، عرفتُ أنّهم يقولون صدْقاً ، وعلى مرّ الأيام ومن خلال البحث
__________________
1 ـ مقال الأُستاذ محمّد المديني عميد كلية الشريعة في الجامع الأزهر ، مجلة رسالة الإسلام ، العدد الرابع ، من السنة الحادية عشر : 382 و 383 ( المؤلّف ).
اقتنعتُ والحمد للّه ، وها أنا مقدّم لك مايثبت ذلك في هذا الموضوع :
أخرج الطبراني والبيهقي :
إنّ من القرآن سورتين إحداهما هي :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم ، إنّا نستعينك ونستغفرك ونُثني عليك الخير كلّه ولا نكفُركَ ونَخلعُ ونتركُ من يفجرك ».
والسورة الثانية هي :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم ، اللّهم إياك نعبدُ ولك نُصلّي ونسجد ، وإليك نسعى ونحفد ، نرجو رحمتك ، ونخشى عذابك الجدّ ، إنّ عذابك بالكافرين ملحقُ ».
وهاتان السورتان سمّاهما الراغب في المحاضرات سورتي القنوت ، وهما مّما كان يقنتُ بهما سيّدنا عمر بن الخطّاب ، وهما موجودتان في مصحف ابن عبّاس ، ومصحف زيد بن ثابت(1) .
أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده :
عن أُبي بن كعب قال : كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قال : بضعاً وسبعين آية ، قال : لقد قرأتها مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل البقرة أو أكثر
__________________
1 ـ السنن الكبرى للبيهقي 2 : 210 ، كتاب الدعاء للطبراني : 238 ، المصنّف لابن أبي شيبة 3 : 121 ح 4997 ، الدر المنثور 6 : 421 ، والمحاضرات للراغب الأصفهاني 2 : 443. ( مبدأ القرآن ونزوله ).
منها ، وإنّ فيها آية الرجم(1) .
وأنت ترى أيّها القارئ اللّبيب أنّ السورتينّ المذكورتين في كتابي الإتقان والدر المنثور للسيوطي ، واللتين أخرجهما الطبراني والبيهقي ، واللتين تسميان بسورتي القُنوت لا وجود لهما في كتاب اللّه تعالى.
وهذا يعني أنّ القرآن الذي بين أيدينا ينقص هاتين السورتين الثابتتين في مصحف ابن عباس ومصحف زيد بن ثابت ، كما يدّل أيضاً بأنّ هناك مصاحف أُخرى غير التي عندنا ، وهو يذكّرني أيضاً بالتشنيع على أنّ للشيعة مصحف فاطمة ، فافهم!
وإنّ أهل السنّة والجماعة يقرأون هاتين السورتين في دعاء القنوت كلّ صباح ، وكنتُ شخصياً أحفظهما وأقرأ بهما في قنوت الفجر.
أمّا الرواية الثانية التي أخرجها الإمام أحمد في مسنده ، والتي تقول بأنّ سورة الأحزاب ناقصة ثلاثة أرباع ، لأنّ سورة البقرة فيها 286 آية بينما لا تتعدّى سورة الأحزاب 73 آية. وإذا اعتبرنا عدّ القرآن بالحزب فإن سورة البقرة فيها أكثر من خمسة أحزاب ، بينما
__________________
1 ـ مسند أحمد بن حنبل 5 : 132 ، وقال محقّق الكتاب ـ حمزة أحمد الزين ـ : « اسناده صحيح ».
لا تعد سورة الأحزاب إلاّ حزباً واحداً.
وقول أُبي بن كعب : «كنتُ أقرأها مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم مثل البقرة أو أكثر » وهو من أشهر القرّاء الذين كانوا يحفظون القرآن على عهد النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو الذي اختاره عُمر ليُصلّي بالناس صلاة التراويح(1) . فقوله هذا يبعث الشكّ والحيرة كما لا يخفى.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أُبي بن كعب قال : إن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
« إنّ اللّه تبارك وتعالى أمرني أن أقرأ عليك القرآن ، فقال : فقرأ : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ، فقرأ فيها : ( ولو أنّ ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيه لسأل ثانياً ، فلو سأل ثانياً فأعطيه لسأل ثالثاً ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ، ويتوب اللّه على من تابَ ، وأنّ ذلك الدين القيّمُ عند اللّه الحنفية غير المشركة ، ولا اليهودية ولا النصرانية ، ومن يفعل خيراً فلن يكفره ) »(2) .
وأخرج الحافظ ابن عساكر في ترجمة أُبي بن كعب أنّ أبا الدرداء ركب إلى المدينة في نفر من أهل دمشق ، فقرأ فيها على
__________________
1 ـ صحيح البخاري 2 : 252 ، كتاب صلاة التراويح.
2 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل 5 : 131 ، مسند أبي داود الطيالسي : 73 ، وقال محقّق الكتاب ـ حمزة أحمد الزين ـ : « اسناده حسن ».
عمر بن الخطاب هذه الآية :
( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حَمُو لفسدَ المسجد الحرام ) فقال عمر بن الخطاب : من أقرأكم هذه القراءة؟ فقالوا : أُبي بن كعب ، فدعاه فقال لهم عمر : إقرأوا ، فقرأوا : ( ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام ) فقال أُبي ابن كعب لعمر بن الخطاب : نعم أنا أقرأتهم ، فقال عمر لزيد بن ثابت : أقرأ يازيد ، فقرأ زيد قراءة العامة ، فقال عمر : اللّهم لا أعرف إلاّ هذا! فقال أُبي بن كعب :
واللّه ياعمر إنّك لتعلمُ أنّي كنتُ أحْضر ويغيبون ، وأدنوا ويحجبون ، ووللّه لئنْ أحْبْبتَ لألزمنّ بيتي فلا أُحدّث أحداً ، ولا أُقرأ أحداً حتّى أموت ، فقال عمر : اللّهم غفراً ، إنّك لتعلم إنّ اللّه قد جعل عندك علماً ، فعلّم الناس مَاعلمتَ(1) .
قال : ومرّ عمر بغلام وهو يقرأ في المصحف :
( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم ) فقال : ياغلام حكها ، فقال : هذا مصحف أُبي بن كعب ، فذهب إليه
__________________
1 ـ تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر 7 : 338 و 68 : 102 ، كنز العمال 2 : 595 ح 4816.
فسأله فقال له : إنّه كان يُلهيني القرآنُ ويُلهيكَ الصفقُ بالأسواق(1) .
وروى مثل هذا ابن الأثير في جامع الأُصول ، وأبو داود في سننه ، والحاكم في مستدركه.
وأترك لك أخي القارئ أنْ تُعلّقَ في هذه المرّة بنفسك على أمثال هذه الروايات التي ملأتْ كتب أهل السنّة والجماعة ، وهم غافلون عنها ويشنّعون على الشيعة الذين لا يوجد عندهم عشر هذا!
ولكن لعلّ بعض المعاندين من أهل السنّة والجماعة ينفرُ من هذه الروايات فيرفضها كعادته ، وينكر على الإمام أحمد تخريجه مثل هذه الخرافات ، فيضعّف أسانيدها ويعتبر أنّ مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود ليسا عند أهل السنّة بمستوى صحيحي البخاري ومسلم ، ولكن مثل هذه الروايات موجودة في صحيح البخاري وصحيح مسلم أيضاً.
فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه في باب مناقب عمّار وحذيفة رضي اللّه عنهما عن علقمة قال : قدمتُ الشام فصلّيتُ
__________________
1 ـ السنن الكبرى للبيهقي 7 : 69 ، تاريخ دمشق 7 : 339 ، سير أعلام النبلاء 1 : 397 ، الدر المنثور 5 : 183 ، كنزل العمال 2 : 569 ح 4746 ، المستدرك للحاكم : ( كتاب التفسير ، في تفسير سورة الأحزاب ) وصححه ، سنن أبي داود 2 : 515 ح 5182 ، وصرّح الشيخ الألباني بصحته.
ركعتين ، ثم قلتُ : اللّهم يسّر لي جليساً صالحاً ، فأتيت قوماً فجلستُ إليهم ، فإذا شيخٌ قد جاء حتّى جلس إلى جنبي ، قلتُ من هذا؟ قالوا : أبو الدرداء ، قلتُ : إنّي دعوتُ اللّه أن ييسّر لي جليساً صالحاً فيسّرك لي.
قال : مّمنْ أنت؟ فقلتُ : من أهل الكوفة ، قال : أو ليس عندكم ابن أُمّ عبد صاحبُ النعلين والوساد والمطهرة ، وفيكم الذي أجاره اللّه من الشيطان على لسان نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أوليس فيكم صاحبُ سرّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي لا يعلمُ أحد غيرهُ ، ثم قال : كيف يقرأ عبداللّه :( وَاللَيْلِ إِذَا يَغْشَى ) فقرأت عليه : ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأُنثى ) قال : واللّه لقد أقرأنيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم من فيه إلى فىَّ(1) .
ثمّ زاد في رواية أُخرى قال : مازال بي هؤلاء حتّى كادوا يستنزلوني عن شيء سمعته من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) .
وفي رواية قال : ( والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلّى والذكر والأُنثى ) قال : أقرأنيها النُّبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من فاهُ إلى فىَّ ، فما زال هؤلاء
__________________
1 ـ صحيح البخاري 4 : 215 ، كتاب فضائل أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، باب مناقب عمّار وحذيفة.
2 ـ المصدر نفسه.
حتّى كادوا يردّوني(1) .
فهذه الروايات كلّها تفيد بأنّ القرآن الذي عندنا زيد فيه كلمة « وما خلق ».
وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس أنّ عمر بن الخطاب قال : إنّ اللّه بعث محمّداًصلىاللهعليهوآلهوسلم بالحقّ ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان ممّا أنزل اللّه آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، فلذا رجم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقول قائلٌ : واللّه مانجدُ آية الرجم في كتاب اللّه ، فيضلّوا بترك فضيلة أنزلها اللّه ، والرجمُ في كتاب اللّه حقٌ على من زنى إذا أُحْصِنَ من الرجال والنساء إذا قامتْ البيّنة أو كان الحبل والاعتراف ، ثمّ إنّا كنّا نقرأ فيما نقرأ من كتاب اللّه : أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنّه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، أو إنّ كفْراً بكم أنْ ترغبوا عن آبائكم(2) .
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه : ( في باب لو أنّ لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً ).
__________________
1 ـ صحيح البخاري 4 : 219 ، كتاب فضائل أصحاب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، باب مناقب عبد اللّه بن مسعود.
2 ـ صحيح البخاري 8 : 26 ، كتاب المحاربين ، باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.
قال : بعث أبو موسى الأشعري إلى قرّاء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرأوا القرآن ، فقال : أنتم خيار أهل البصرة وقُراؤهم ، فأتلوه ولا يطولنّ عليكم الأمل فتقسوا قلوبكم كما قستْ قلوب من كان قبلكم ، وإنّا كنّا نقرأ سورةً كنا نشبّهُها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها غير إنّي قد حفظت منها ( لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب ).
وكنّا نقرأ سورة كنّا نشبهها بإحدى المسبّحات فأنسيتها غير إنّي حفظت منها : ( يا أيّها الذين آمنوا لما تقولون مالا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة )(1) .
وهاتان السورتان المزعومتان اللتان نسيهما أبو موسى الأشعري إحداهما تُشبه براءة يعني 129 آية ، والثانية تشبه إحدى المسبحات يعني عشرون آية ، لا وجود لهما إلاّ في خيال أبي موسى ، فاقرأ وأعجب فإنّي أترك لك الخيار أيّها الباحث المنصف.
فإذا كانت كتب أهل السنّة والجماعة مسانيدهم وصحاحهم مشحونة بمثل هذه الروايات التي تدّعي بأنّ القرآن ناقص مرّة ،
__________________
1 ـ صحيح مسلم 3 : 100 ، كتاب الزكاة ، باب لو أن لابن آدم واديان لابتغى ثالثاً.
وزائد أُخرى ، فلماذا هذا التشنيع على الشيعة الذين أجمعوا على بطلان هذا الادّعاء؟!
وإذا كان الشيعي صاحب كتاب « فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب ربّ الأرباب » وهو المتوفي سنة 1320 هجرية كتب كتابه منذ مايقرب مائة عام ، فقد سبقه السنّي في مصر صاحب كتاب « الفرقان » بما يقارب أربعة قرون ، كما أشار إلى ذلك الشيخ محمّد المدني عميد كلية الشريعة بالأزهر(1) .
والمهم في كلّ هذا أنّ علماء السنّة وعلماء الشيعة من المحقّقين قد أبطلوا مثل هذه الروايات واعتبروها شاذّة ، وأثبتوا بالأدلّة المقنعة بأنّ القرآن الذي بين أيدينا هو نفس القرآن الذي أُنزل على نبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليس فيه زيادة ولا نقصان ، ولا تبديل ولا تغيير.
فكيف شنّع أهل السنّة والجماعة على الشيعة من أجل روايات ساقطة عندهم ، ويبرّؤون أنفسهم ، بينما صحاحهم تثبت صحة تلك الروايات؟
وإنّي إذ أذكر مثل هذه الروايات بمرارة كبيرة وأسف شديد ، فما أغنانا اليوم عن السكوت عنها وطيّها في سلّة المهملات ، لولا الحملة الشعواء التي شنّها بعض الكتّاب والمؤلّفين ممن يدّعون التمسّك
__________________
1 ـ رسالة الإسلام : العدد الرابع ، من السنة الحادية عشر : 382 و 383.
بالسنّة النبويّة ، ومن ورائهم دوائر معروفة تموّلهم وتشجعّهم على الطعن وتكفير الشيعة ، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، فإلى هؤلاء أقول : اتقوا اللّه في إخوانكم ،( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً ) (1) .
__________________
1 ـ سورة آل عمران : 21.
الجمع بين الصلاتين
وممّا يُشنّع به على الشيعة أيضاً جمعهم بين صلاة الظهر والعصر ، وبين صلاة المغرب والعشاء.
وأهل السنّة والجماعة إذ يشنّعون على الشيعة ، فإنّهم يؤكّدون في المقابل بأنّهم يحافظون على الصلاة؛ لأنّ اللّه سبحانه وتعالى يقول :( إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) (1) .
وقبل أن نحكم لهم أو عليهم يجب علينا أن نبحث في الموضوع من جميع جوانبه ونرى أقوال الطرفين :
أمّا أهل السنّة والجماعة فهم متّفقون على جواز الجمع بعرفه بين الظهر والعصر ويسمّى جمع تقديم ، وجواز الجمع بالمزدلفة وقت العشاء بينها وبين فريضة المغرب ويسمّى جمع تأخير ، وهذا مايتفق عليه كلّ المسلمون شيعة وسنّة ، بل كلّ الفرق الإسلامية بدون استثناء.
__________________
1 ـ النساء : 103.
والخلاف بين الشيعة وأهل السنّة هو في جواز الجمع بين الفريضتين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء في كلّ أيام السنة بدون عذر السفر.
أمّا الحنفيّة فيقولون بعدم الجواز حتى في السفر ، وذلك مع وجود النصوص الصريحة بجوازه لا سيما في السفر ، وخالفوا بذلك إجماع الأُمّة سنّة وشيعة.
وأمّا المالكية والشافعية والحنبلية فيقولون بجواز الجمع بين الفريضتين في السفر ، ويختلفون بينهم في جوازه لعذر الخوف والمرض والمطر والطين.
وأمّا الشيعة الإمامية فمتّفقون على جوازه مطلقاً في غير سفر ولا مطر ولا مرض ولا خوف ، وذلك اقتداء بما رووه عن أئمة أهل البيت من العترة الطاهرةعليهمالسلام .
وهنا يجب علينا أن نقف منهم موقف الاتهام والتشكيك؛ لأنّه كلّما احتجّ أهل السنّة والجماعة عليهم بحجّة ، إلاّ ويردونها بأنّ الأئمة من أهل البيتعليهمالسلام علموهم وبيّنوا لهم كلّ ما أشكل عليهم ، ويفتخرون بأنّهم يقتدون بأئمة معصومين يعلمون القرآن والسنّة!
وأنا أتذكّر بأنّ أوّل صلاة جمعت فيها بين الظهر والعصر كانت بإمامة الشهيد محمّد باقر الصدر عليه رضوان اللّه ، إذ كنت وأنا في
النجف أفرّق بين الظهر والعصر حتى كان ذلك اليوم السعيد الذي خرجت فيه مع السيّد محمّد باقر الصدر من بيته إلى المسجد الذي يؤمّ فيه مقلّديه الذين احترموني وتركوا لي مكاناً خلفه بالضبط.
ولمّا انتهت صلاة الظهر وأُقيمت صلاة العصر حدّثتني نفسي بالانسحاب ، ولكن بقيت لسببين : أوّلهما : هيبة السيّد الصدر وخشوعه في الصلاة حتى تمنّيت أنّ تطول ، وثانيهما وجودي في ذلك المكان وأنا أقرب المصلّين إليه ، وأحسست بقوّة قاهرة تشدّني إليه ، ولمّا فرغنا من أداء فريضة العصر وانهال عليه الناس يسألونه ، بقيت خلفه أسمع الأسئلة والإجابة عليها إلاّ ما كان خفياً ، ثمّ أخذني معه إلى بيته للغذاء ، وهناك وجدت نفسي ضيف الشرف ، واغتنمت فرصة ذلك المجلس وسألته عن الجمع بين الصلاتين :
سيّدي! أيمكن للمسلم أن يجمع بين الفريضتين في حالة الضرورة؟
قال : يمكن له أن يجمع بين الفريضتين في جميع الحالات وبدون ضرورة.
قلت : وما هي حجّتكم؟
قال : لأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع بين الفريضتين في المدينة في غير سفر ولا خوف ولا مطر ولا ضرورة ، وإنّها فقط لدفع الحرج عنّا ،
وهذا بحمد اللّه ثابت عندنا من طريق الأئمة الأطهار ، وثابت أيضاً عندكم.
استغربت كيف يكون ثابتاً عندنا ، ولم أسمع به قبل ذلك اليوم ، ولا رأيت أحداً من أهل السنّة والجماعة يعمل به ، بل بالعكس يقولون ببطلان الصلاة إذا وقعت حتى دقيقة قبل الأذان ، فكيف بمن يصلّيهما قبل ساعات مع الظهر ، أو يصلّي صلاة العشاء مع المغرب ، فهذا يبدو عندنا منكراً وباطلاً.
وفهم السيّد محمّد باقر الصدر حيرتي واستغرابي ، وهمس إلى بعض الحاضرين ، فقام مسرعاً وجاءه بكتابين عرفت بأنّهما صحيح البخاري وصحيح مسلم ، وكلّف السيّد ذلك الطالب بأن يطلعني على الأحاديث التي تتعلّق بالجمع بين الفريضتين.
وقرأت بنفسي في صحيح البخاري كيف جمع النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم فريضة الظهر والعصر ، وكذلك فريضة المغرب والعشاء ، كما قرأت في صحيح مسلم باباً كاملاً في الجمع بين الصلاتين في الحضر في غير خوف ولا مطر ولا سفر.
ولم أخف تعجّبي ودهشتي وإن كان الشكّ داخلني بأن البخاري ومسلم اللذين عندهم قد يكونان محرّفين ، وأخفيت في نفسي أن أراجع هذين الكتابين في تونس.
وسألني السيّد محمّد باقر الصدر عن رأيي بعد هذا الدليل.
قلت : أنتم على حقّ ، وأنتم صادقون فيما تقولون ، وبودّي أن أسألكم سؤالاً آخر.
قال : تفضل.
قلت : هل يجوز الجمع بين الصلوات الأربع ، كما يفعل كثيرٌ من الناس عندنا لما يرجعوا في الليل يصلّون الظهر والعصر والمغرب والعشاء قضاء.
قال : هذا لا يجوز.
قلت : إنك قلت لي فيما سبق بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم فرّق وجمع ، وبذلك فهمنا مواقيت الصلاة التي ارتضاها اللّه سبحانه.
قال : إنّ لفريضتي الظهر والعصر وقت مشترك ، ويبتدئ من زوال الشمس إلى الغروب ، ولفريضتي المغرب والعشاء أيضاً وقت مشترك ويبتدئ من غروب الشمس إلى منتصف الليل ، ولفريضة الصبح وقت واحد يبتدئ من طلوع الفجر إلى شروق الشمس ، فمن خالف هذه المواقيت يكون خالف الآية الكريمة( إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) (1) ، فلا يمكن لنا مثلاً أن نصلّي الصبح قبل الفجر ولا بعد شروق الشمس ، كما لا يمكن لنا أن نصلّي فريضتي
__________________
1 ـ النساء : 103.
الظهر والعصر قبل الزوال أو بعد الغروب ، كما لا يجوز لنا أن نصلّي فريضتي المغرب والعشاء قبل الغروب ولا بعد منتصف الليل.
وشكرت السيّد محمّد باقر الصدر ، وإن كنت اقتنعت بكلّ أقواله ، غير أنّي لم أجمع بين الفريضتين بعد مغادرته إلاّ عندما رجعت إلى تونس ، وانهمكت بالبحث واستبصرت.
هذه قصتي مع الشهيد الصدر رحمة اللّه عليه في خصوص الجمع بين الفريضتين ، أرويها ليتبّين إخواني من أهل السنّة والجماعة أوّلاً كيف تكون أخلاق العلماء اللذين تواضعوا حتى كانوا بحقّ ورثة الأنبياء في العلم والأخلاق.
وثانياً : كيف نجهل ما في صحاحنا ، ونشنّع على غيرنا بأُمور نعتقد نحن بصحتها ، وقد وردت في صحاحنا.
فقد أخرج الإمام أحمد بن حنبل في مسنده(1) عن ابن عباس قال : صلّى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم في المدينة مقيماً غير مسافر سبعاً وثمانياً.
وأخرج الإمام مالك في الموطأ(2) عن ابن عباس قال : صلّى
__________________
1 ـ مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 : 221 ، وصحّحه أحمد محمّد شاكر محقّق الكتاب.
2 ـ موطأ الإمام مالك 1 : 93 كتاب قصر الصلاة ، باب الجمع بين الصلاتين.
رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر قال : عن ابن عبّاس قال : صلّى رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر(1) .
كما أخرج عن ابن عباس أيضاً قال : جمع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بين الظُهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر ، قال : قلتُ لابن عباس : لِم فعل ذلك؟ قال : كي لا يحرج أُمّتَهُ(2) .
ومّما يدلّك أخي القارئ أنّ هذه السنّة النبّوية كانتْ مشهورة لدى الصحابة ويعملون بها مارواه مسلم أيضاً في صحيحه في نفس الباب قال : خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتى غَرُبت الشمسُ وبدت النجوم ، وجعل الناس يقولون : الصلاة الصلاة ، قال : فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاّة الصلاة ، فقال ابن عباس : أتعلمني بالسنّة لا أمٌ لك ، ثمّ قال : رأيت رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
__________________
1 ـ صحيح مسلم 2 : 151 ، كتاب صلاة المسافرين ، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
2 ـ المصدر نفسه.
وفي رواية أُخرى قال ابن عباس للرجل : لا أُمّ لك أتعلّمنا بالصلاة وكنّا نجمعُ بين الصلاتين على عهد رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم (1) .
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه في باب وقت المغرب قال : حدّثنا آدم قال : حدّثنا شعبة ، قال حدثنا عمرو بن دينار ، قال : سمعتُ جابر بن يزيد عن ابن عباس قال : صلّى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم سبعاً جميعاً ، وثمانية جميعاً(2) .
كما أخرج البخاري في صحيحه(3) في باب وقت العصر : قال سمعتُ أبا أُمامة يقول : صلّينا مع عمر بن عبدالعزيز الظهر ، ثم خرجنَا حتّى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلّي العصرَ ، فقلتُ : ياعمّ ماهذه الصلاة التي صلّيت؟ قال : العصْرُ ، وهذه صلاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم التي كنْا نصلّي معه(4) .
__________________
1 ـ المصدر نفسه.
2 ـ صحيح البخاري 1 : 140 ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب وقت المغرب.
3 ـ صحيح البخاري 1 : 138 ، كتاب مواقيت الصلاة ، باب وقت العصر.
4 ـ ولأجل هذه الروايات المصرّحة بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع بين الصلوات من دون سفر أو مرض أو عذر وقع أهل السنّة في الاضطراب لتوجيه ذلك ، مع ما يصرّحون به من بطلان الجمع بين الصلاتين من دون عذر أو سفر أو مرض ، ولذلك جاءوا بتأويلات باردة لم يقتنعوا أنفسهم بها :
قال النووي في شرحه لمسلم 5 : 224 بعد نقله للروايات المتقدّمة : « هذه
__________________
الروايات الثابتة في مسلم كما تراها ، وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب ، وقد قال الترمذي في آخر كتابه : ليس في كتابي حديث أجمعت الأُمّة على ترك العمل به إلاّ حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر.
وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله ...
وأمّا حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به ، بل لهم أقوال :
منهم من تأوّله على أنّه جمع بعذر المطر ، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدّمين ، وهو ضعيف بالرواية الأُخرى : من غير خوف ولا مطر.
ومنهم من تأوّله على أنّه كان في غيم فصلّى الظهر ثمّ انكشف الغيم وبان أنّ وقت العصر دخل فصلاّها ، وهذا أيضاً باطل؛ لأنّه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر لا احتمال فيه في المغرب والعشاء.
ومنهم من تأوّله على تأخير الأُولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه فلمّا فرغ منها دخلت الثانية فصلاّها فصارت صلاته صورة جمع ، وهذا أيضاً ضعيف أو باطل؛ لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل ، وفعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب واستدلاله بالحديث لتصويب فعله ، وتصديق أبي هريرة له ، وعدم إنكاره؛ صريح في ردّ هذا التأويل.
ومنهم من قال : هو محمول على الجمع بعذر المطر أو نحوه ممّا هو في معناه من الأعذار ، وهذا قول أحمد بن حنبل والقاضي حسين من أصحابنا ، واختاره الخطابي والمتولي والروياني من أصحابنا ...
وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع بين الحضر للحاجة لمن لا يتّخذه عادة ، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي عن ابن إسحاق المروزي عن
ومع وضوح هذه الأحاديث ، فإنّك لا تزال تجد من يشنّع بذلك على الشيعة ، وقد حدث ذلك مرّة في تونس ، فقد قام الإمام عندنا في مدينة قفصة ليشنّع علينا ويُشهّر بنا وسط المصلّين قائلاً : أرأيتم هذا الدين الذي جاؤوا به ، إنّهم بعد صلاة الظهر يقومون ويصلّون العصر ، إنّه دين جديد ليس هو دين محمّد رسول اللّه ، هؤلاء يخالفون القرآن الذي يقول :( إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ) (1) وما ترك شيئاً إلاّ وشتم به المستبصرين.
وجاءني أحد المستبصرين وهو شاب على درجة كبيرة من الثقافة ، وحكى لي ماقاله الإمام بألم ومرارة ، فأعطيته صحيح البخاري وصحيح مسلم ، وطلبت منه أن يطلعه على صحّة الجمع وهو من سنّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّني لا أُريد الجدال معه ، فقد سبق لي أن
__________________
جماعة من أصحاب الحديث ، واختاره ابن المنذر ، ويؤيّده ظاهر قول ابن عبّاس : أراد أن لا يحرج أُمّته ، فلم يعلّله بمرض ولا غيره ، واللّه أعلم ».
وتعليقاً على قول النووي نقول : إنّ تقيد جواز الجمع « للحاجة لمن لا يتخذه عادة » تأويل باطل لا دليل عليه ، بعد تصريح الروايات بأنّ النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم جمع من دون عذر ولا سفر ولا مرض.
ومن المحتمل قوياً أنّ سبب ذلك هو مخالفة شيعة أهل البيتعليهمالسلام ، كما تقدّم التصريح بذلك من بعض علماء السنّة في بعض المسائل ، إذ ارتكبوا خلاف سنّة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لأنّ الشيعة تفعله كما فعله النبي وآل بيته عليهمالسلام .
1 ـ النساء : 103.
جادلته بالتي هي أحسن ، فقابلني بالشتم والسب والتهم الباطلة.
والمهم أنّ صديقي لم ينقطع من الصلاة خلفه ، فبعد انتهاء الصلاة جلس الإمام كعادته للدرس ، فتقدّم إليه صديقي بالسؤال عن الجمع بين الفريضتين ، فقال : إنّها من بدع الشيعة ، فقال له صديقي : ولكنّها ثابتة في صحيح البخاري ومسلم ، فقال له : غير صحيح ، فأخرج له صحيح البخاري وصحيح مسلم وأعطاه ، فقرأ باب الجمع بين الصلاتين ، يقول صديقي : فلمّا صدمته الحقيقة أمام المصلّين الذين يستمعون لدروسه ، أغلق الكتب وأرجعها إليّ قائلاً : هذه خاصّة برسول اللّه ، وحتى تصبح أنت رسول اللّه فبإمكانك أن تصلّيها ، يقول هذا الصديق : فعرفت أنّه جاهل متعصّب ، وأقسمت من يومها أن لا أُصلّي خلفه(1) .
بعد ذلك طلبت من صديقي بأن يرجع إليه ليطلعه على أنّ ابن عباس كان يصلّي تلك الصلاة ، وكذلك أنس بن مالك وكثير من الصحابة ، فلماذا يريد هو تخصيصها برسول اللّه ، أو لم يكن لنا في
__________________
1 ـ يحكى أنّ رجلين خرجا للصيد ولقيا سواداً بعيداً ، فقال الأوّل : إنّه غراب ، وعانده الثاني بأنّه عنزة ، وتعاندا ، وأصرّ كلّ منهما على رأيه ، ولكنّهما عندما اقتربا من السواد فإذا به غراب انزعج وطار هارباً ، فقال الأوّل : ألم أقل لك بأنّه غراب هل اقتنعت الآن ، ولكن صديقه أصرّ على رأيه وقال : سبحان اللّه عنزة تطير؟ ( المؤلّف ).
رسول اللّه أُسوة حسنة؟ ولكن صديقي اعتذر لي قائلاً : لا داعي لذلك وإنّه لا يقتنع ولو جاءه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وإنّه والحمد للّه وبعد أن عرف كثير من الشباب هذه الحقيقة ، وهي الجمع بين الصلاتين ، رجع أغلبهم إلى الصلاة بعد تركها ، لأنّهم كانوا يعانون من فوات الصلاة في وقتها ، ويجمعون الأوقات الأربعة في الليل فتمل قلوبهم ، وأدركوا الحكمة في الجمع بين الفريضتين لأنّ كلّ الموظفين والطلبة وعامّة الناس يقدرون على أداء الصلوات في أوقاتها وهم مطمئنون ، وفهموا قول الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم : «كي لا أحرج أُمّتي ».
السجود على التربة
أجمع علماء الشيعة على القول بأفضلية السجود على الأرض؛ لما يروونه عن أئمة أهل البيتعليهمالسلام قول جدهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « أفضل السجود على الأرض »(1) .
وفي رواية أخرى : « لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتت الأرض غير مأكول ولا ملبوس »(2) .
وقد روى صاحب وسائل الشيعة عن محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن هشام بن الحكم عن أبي عبداللّهعليهالسلام قال : « السجود على الأرض أفضل لأنّه أبلغ في التواضع ، والخضوع للّه عزّ وجلّ »(3) .
وفي رواية أُخرى عن محمّد بن الحسن بإسناده عن إسحاق بن
__________________
1 ـ الوسائل 5 : 367 ، ولفظه : « السجود على الأرض أفضل ».
2 ـ المصدر نفسه 5 : 343.
3 ـ المصدر نفسه 5 : 367.
الفضل : أنّه سأل أبا عبد اللّهعليهالسلام عن السجود على الحصر والبواري المنسوجة من القصب ، فقال : « لا بأس ، وأنّ يسجد على الأرض أحب إليَّ ، فإنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يحبّ ذلك ، أن يمكّن جبهته من الأرض ، فأنا أحبّ لك ما كان يحبّه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم »(1) .
أمّا علماء أهل السنّة والجماعة ، فلا يرون بأساً في السجود على الزرابي والفرش ، وإن كان عندهم أفضلية في الحصر.
وهناك بعض الروايات التي يخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما تؤكّد أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كانت له خُمرة مصنوعة من سعف يسجد عليها ، فقد أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الحيض عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن ثابت بن عبيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن عائشة قالت : قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ناوليني الخُمرة من المسجد » ، قالت : فقلت : أنّي حائض ، فقال : « إن حيضتك ليست في يدك »(2) ( يقول مسلم : والخُمرة هي السجادة الصغيرة مقدار ما يسجد عليها ).
وممّا يدلّنا على أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يحبّ السجود على
__________________
1 ـ المصدر نفسه 5 : 368.
2 ـ صحيح مسلم 1 : 168 ، كتاب الحيض ، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها ، سنن أبي داود 1 : 109 ح 261 باب الحائض تناول من المسجد.
الأرض ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ( رضي الله عنه ) أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يعتكف في العشر الأواسط من رمضان ، فاعتكف عاماً حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين ، وهي الليلة التي يخرج صبيحتها من اعتكافه ، قال : « من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر ، وقد رأيت هذه الليلة ثمّ أنسيتها ، وقد رأيتني أمجد في ماء وطين من صبيحتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها بكلّ وتر » ، فمطرت السماء في تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد ، فبصرت عيناي رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين(1) .
وممّا يدلّنا أيضاً على أنّ الصحابة كانوا يفضّلون السجود على الأرض ، وذلك بحضرة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ما أخرجه الإمام النسائي في سننه في باب تبريد الحصى للسجود عليه ، قال : أخبرنا قتيبة ، قال : حدّثنا عباد عن محمّد بن عمرو ، عن سعيد بن الحرث ، عن جابر بن عبد اللّه قال : كنّا نصلّي مع رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم الظهر ،
__________________
1 ـ صحيح البخاري 2 : 256 ، كتاب الاعتكاف ، باب الاعتكاف في العشر الأواخر.
فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرّدهُ ثم أحوّله في كفّي الآخر ، فإذا سجدت وضعته لجبهتي(1) .
أضف إلى كلّ ذلك أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً »(2) .
وقال أيضاً : « جعلت لنا الأرض كلّها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً »(3) .
فكيف يتعصّب المسلمون ضد الشيعة لأنّهم يسجدون على الأرض بدلاً من السجود على الزرابي؟!
وكيف يصل بهم الأمر إلى تكفيرهم والتشنيع عليهم وقذفهم زوراً وبهتاناً بأنّهم عبّاد الأصنام؟!
وكيف يضربونهم في السعودية لمجرّد وجود التربة في جيوبهم أو في حقائبهم؟!
__________________
1 ـ سنن النسائي 2 : 204 باب تبريد الحصى للسجود عليه وصرّح الشيخ الألباني بصحته ، وأيضاً في صحيح سنن أبي داوود : ح 427 ، وفي مشكاة المصابيح : 1011 وصرّح الشيخ الألباني بصحته ، مسند أحمد 3 : 327 وصرّح محقّق الكتاب حمزة أحمد الزين بصحته.
2 ـ صحيح البخاري 1 : 86 ، كتاب التيمم ، باب التيمم.
3 ـ صحيح مسلم 2 : 64 ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة ، الحديث الرابع.
أهذا هو الإسلام الذي يأمرنا باحترام بعضنا ، وعدم إهانة المسلم الموحّد الذي يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه ، ويقيم الصلاة ، ويؤتي الزكاة ، ويصوم رمضان ، ويحجّ البيت ، وهل يعقل عاقل بأنّ الشيعي يتكبّد تلك الأتعاب ، ويخسر تلك الخسائر ، ويأتي لحجّ بيت اللّه الحرام وزيارة قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو يعبد الحجارة كما يحلو للبعض أن يصوروه؟!
أفلا يعتقد أهل السنّة والجماعة بقول الشهيد محمّد باقر الصدر الذي نقلته في كتابي الأوّل « ثمّ اهتديت » عندما سألته عن التربة فقال : نحن نسجد للّه على الأرض ، فهناك فرق بين السجود على التراب ، والسجود للتراب!
وإذا كان الشيعي يحتاط ليكون سجوده طاهراً ومقبولاً عند اللّه فيمتثل أوامر رسول اللّه والأئمة الأطهار من أهل البيت ، وخصوصاً في زماننا هذا الذي أصبحت فيه كلّ المساجد مفروشة بالزرابي الوثيرة ، وفي البعض بما يسمى ( Moquette ) وهي مادة مجهولة الصنع لدى عامة المسلمين ولم تصنع في بلاد إسلامية ، ولعلّ البعض منها فيها ما لا يجوز السجود عليه ، أفيحقّ لنا أن ننبُذَ هذا الشيعي الذي يهتم بصحة صلاته ، ونتّهمه بالكفر والشرك بمجرّد شبهة زائفة؟
والشيعي الذي يهتمّ بأُمور دينه وخصوصاً بصلاته التي هي عمود الدين ، فتراه ينزع حزامه وينزع ساعته لأنّ فيها حزاماً من الجلد الذي لا يعلم منشأه ، وفي بعض الأوقات ينزع سرواله الافرنجي ليصلّي في سروال فضفاض ، كلّ ذلك احتياطاً واهتماماً بتلك الوقفة العظيمة بين يدي اللّه لكي لا يقابل ربّه بشي يكرهه ، أيستحقّ هذا منّا الاستهزاء والنفور ، أم يستحقّ الاحترام والاكبار؛ لأنّه عظّم شعائر اللّه( وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللّهِ فَإنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ ) (1) ؟
ياعباد اللّه اتقوا اللّه وقولوا قولاً سديداً.
( وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2) (3) .
__________________
1 ـ الحج : 32.
2 ـ النور : 14 ـ 15.
3 ـ هناك بعض الأراجيف ذكرها صاحب كتاب منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية : 165 ، يذكر فيها أنّ الشيعة تستخدم السجود على التربة لقضية طائفية وليست دينية ، وأنّ السجود على التربة في متطاول الزمن يؤدّي إلى تقديسها.
وهذا الكلام غريب من صاحبه؛ لأنّ الشيعة تؤمن بأنّ السجود على التربة
__________________
ممّا أمر به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان يعمله هو وأصحابه ، وقد نقل المؤلّف روايات متعدّدة في هذا المعنى ، مروية في صحاحهم ، فبعد هذا لا معنى للقول بأنّ الشيعة تستخدم السجود على التربة لغرض طائفي ، اللهم إلاّ أن يكون فعل النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم وأصحابه فعل طائفي لا يمتّ إلى الإسلام بصلة ، ولا يجرأ مسلم أن يتفوّه بهذا الكلام على صاحب الرسالة المقدّسة.
وأمّا مسألة أنّ السجود على التربة يؤدّي في متطاول الزمن إلى تقديسها ، فهذا أمرٌ لم يحصل ولن يحصل ، إذ إن الشيعة على مدى أربعة عشر قرناً تسجد على التربة واعتقادهم فيها واحد؛ فأهل القرن الرابع عشر يعتقدون نفس اعتقاد أهل القرن الأول والثاني : من أنّ التربة يسجد عليها ولا يسجد إليها ، وأنّها لا تقدّس بحيث يؤدّي تقديسها إلى الإخلال بالتوحيد ، والشيعة من مبدأهم إلى اليوم يرون التربة شيئاً أُمروا بالسجود عليه في الصلاة لا السجود إليه ، هذا اعتقادهم قديماً وحديثاً ولم ولن يتغيّر إلى أن تقوم الساعة.
والعجب منه أنّه ذكر في النقطة (4) من كتابه أنّ التربة بدأت منذ عهد الصفويين ، وهذا غريب جدّاً ، إذ إنّ الروايات التي نقلها المؤلّف من سجود النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم والصحابة على التربة مروية في البخاري ومسلم والترمذي ، وهؤلاء قبل الدولة الصفوية بقرون متطاولة ، فكيف تجرّأ وتكلّم بهذا الكلام؟!
والحقيقة أنّ التعصّب الأعمى يؤدّي بصاحبه في بعض الأحيان إلى التهجّم على خصمه بأشياء كاذبة ، أو مصطنعة يصطنعها من عنديات نفسه ، جرياً وراء الهوى والتعصّب الطائفي ، والواقع أنّه أحقّ بالطائفيّة من الشيعة الذين رماهم بهذا التهمة الشنيعة ، وللّه في خلقه شؤون.
الرجعة ( العودة إلى الحياة )
هذه المسألة ممّا اختصت الشيعة بالقول بها ، وأنا بحثت في كتب السنّة فلم أجد لها أثر يذكر.
وهم يعتمدون في ذلك على أخبار وروايات رووها عن الأئمة الأطهار ـ سلام اللّه عليهم ـ في أنّ اللّه سبحانه وتعالى سيُحيي بعض المؤمنين وبعض المجرمين المفسدين لينتقم المؤمنون من أعدائهم أعداء اللّه في الدنيا قبل الآخرة.
ولو صحّت هذه الروايات ، وهي صحيحة ومتواترة عند الشيعة ، فلا تلزم أهل السنّة والجماعة إذا لم يثقوا بصحتها ، ومن ثمّ فإنّهم غير ملزمين بوجوب الاعتقاد بها؛ لأنّ أئمة أهل البيت حدّثوا بها عن جدهمصلىاللهعليهوآلهوسلم ! كلا لأنا ألزمنا أنفسنا بالإنصاف في البحث وعدم التعصّب ، فلا نكلّفهم إلاّما ألزموا به أنفسهم وأخرجوه في صحاحهم ، ولأنّ روايات الرجعة لم ترد عندهم ، فهم أحراراً في عدم الأخذ بها ورفضها ، هذا في صورة ما إذا أراد أحد الشيعة أن يفرض عليهم تلك الروايات.
أمّا وأنّ الشيعة لم يفرضوا على أحد أن يقول بالرجعة؛ ولا أنّهم يقولون بكفر من يكذّبها ، فلا داعي لكلّ هذا التشنيع والتهويل على الشيعة ، سيما وأنّهم يفسّرون بعض الآيات بنحو يوافق ذلك ، وذلك كما في قوله تعالى :( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ اُمَّة فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (1) .
فقد جاء في تفسير القمّي عن ابن أبي عمير ، عن حماد ، عن أبي عبداللّه جعفر الصادقعليهالسلام قال : « ما يقول الناس في هذه الآية( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ اُمَّة فَوْجاً ) »؟ قلت : يقولون : إنّه في يوم القيامة : قال : « ليس كما يقولون ، إنّها في الرجعة ، أيحشر اللّه في القيامة من كلّ أُمّة فوجاً ويدع الباقين؟ إنّما آية القيامة :( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أحَداً ) »(2) .
كما جاء في كتاب عقائد الإمامية للشيخ محمّد رضا المظفر قوله : « إنّ الذي تذهب إليه الإمامية أخذاً بما جاء عن آل البيتعليهمالسلام ؛ إنّ اللّه تعالى يعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها ، فيعزّ فريقاً ويذلّ فريقاً آخر ، ويديل المحقّين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمّد عليه
__________________
1 ـ النمل : 83.
2 ـ الكهف : 47 ، والنص في تفسير القمي 2 : 106.
وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الإيمان أو من بلغ الغاية من الفساد ، ثمّ يصيرون من بعد ذلك إلى الموت ، ومن بعده إلى النشور وما يستحقّونه من الثواب أو العقاب ، كما حكى اللّه تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع فنالوا مقت اللّه ، أن يخرجوا ثالثاً لعلّهم يصلحون :( قَالُوا ربَّـنَا أمَتَّـنَا اثْنَتَيْنِ وَأحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلَى خُرُوج مِنْ سَبِيل ) (1) »(2) .
أقول : إذا كان أهل السنّة والجماعة لا يؤمنون بالرجعة فلهم كامل الحقّ ، ولكن ليس من حقّهم أن يشنّعوا على من يقول بها لثبوت النصوص عنده ، فليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ، ولا حجّة للجاهل على العالم ، وليس عدم الإيمان بالشي دليل على بطلانه ، فكم من حجّة دامغة عند المسلمين لا يؤمن بها أهل الكتاب من يهود ونصارى.
وكم من اعتقادات وروايات عند أهل السنّة والجماعة بخصوص الأولياء والصالحين وأصحاب الطرق الصوفية تبدوا مستحيلة
__________________
1 ـ المؤمن : 11.
2 ـ كتاب عقائد الإمامية للمظفر : 94 ( العقيدة الثانية والثلاثون ).
ومنكرة ، ولكن لا تستدعي التشنيع والتهويل على عقيدة أهل السنّة والجماعة.
وإذا كانت الرجعة لها سند في القرآن والسنّة النبوية ، وهي ليست مستحيلة على اللّه الذي ضرب لنا أمثلة منها في القرآن الكريم كقوله تعالى :
( أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ ) (1) .
أو كقوله سبحانه وتعالى :
( ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ اُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْيَاهُمْ ) (2) .
وقد أمات اللّه قوماً من بني إسرائيل ثمّ أحياهم ، قال تعالى :
( وَإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (3) .
وقال في أصحاب الكهف الذين لبثوا في كهفهم موتى أكثر من
__________________
1 ـ البقرة : 259.
2 ـ البقرة : 243.
3 ـ البقرة : 55 ـ 56.
ثلثمائة عام :( ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَـيْنِ أحْصَى لِمَا لَبِثُوا أمَداً ) (1) .
فهذا كتاب اللّه يحكي أنّ الرجعة وقعت في الأُمم السابقة ، فلا يستحيل وقوعها في أُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وخصوصاً إذا روى ذلك أئمة أهل البيت سلام اللّه عليهم ، فهم الصادقون العالمون.
أمّا قول بعض المتطفّلين بأن القول بالرجعة هو القول بالتناسخ الذي يقول به بعض الملحدين؛ فهو قول ظاهر الفساد والبطلان ، ويقصدون من ورائه التشنيع والتهويل على الشيعة؛ إذ أنّ القائلين بالتناسخ لا يقولون بأنّ الإنسان يرجع إلى الدنيا بجسمه وروحه وصورته وكنهه ، إنّما يقولون بأن الروح تنتقل من إنسان مات إلى جسد إنسان آخر يولد من جديد أو حتى إلى حيوان.
وهذا كما نعلم بعيد كلّ البعد عن عقيدة المسلمين القائلين بأنّ اللّه يبعث من في القبور بأجسامهم وأرواحهم.
فليست الرجعة من التناسخ في شيء ، وهو قول الجهلة الذين لا يفقهون أو المغرضين غير الورعين.
__________________
1 ـ الكهف : 12.
الغلوّ في حبّ الأئمة
لا نقصد بالغلوّ هنا هو الخروج عن الحقّ واتّباع الهوى حتّى يصبح المحبوب هو الإله المعبود ، فهذا كفر وشرك لا يقول به أيّ مسلم يعتقد برسالة الإسلام ونبوّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وقد وضع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم حدوداً لهذا الحبّ عندما قال للإمام عليعليهالسلام :
« هلك فيك اثنان : محبّ غال ، ومبغضٌ قال »(1) .
وقولهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « ياعلي إنّ فيك مثلاً من عيسى بن مريم أبغضته اليهود حتى بهتوا أمّة ، وأحبّه النصارى حتى أنزلوه بالمنزلة التي ليس بها »(2) .
__________________
1 ـ عوالي اللئالي لابن أبي جمهور 4 : 86 ح 105.
2 ـ مسند أحمد 1 : 160 وحسّنه المحقّق أحمد محمّد شاكر ، السنن الكبرى للنسائي 5 : 137 ح 8488 ، مسند أبي يعلي 1 : 406 ح 534 ، أنساب الأشراف للبلاذري : 121 ، تاريخ دمشق 42 : 293 ، المستدرك للحاكم : باب مناقب أمير المؤمنينعليهالسلام وصحّحه ، الدر المنثور 2 : 238 عن البخاري في تاريخه والحاكم ، البداية والنهاية 7 : 392.
وهو المعنى المرفوض للغلوّ أن يطغى الحب حتى يؤلّه المحبوب ، وينزله منزلة ليس فيها ، أو أن يطغى البغض حتى يصل إلى درجة البهت والاتهام الباطل.
والشيعة في حبّ عليّ والأئمة من ولده لم يغالوا بل أنزلوهم المنزلة المعقولة التي بوّأهم فيها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي أنّهم أوصياء النبي وخلفاؤه ، ولم يقل أحد بنبوّتهم فضلاً عن اُلوهيّتهم ، ودع عنك قول المشاغبين الذين يدعون بأنّ الشيعة ألّهوا عليّاً وقالوا بربوبيته ، فهؤلاء إن صح الخبر لم يكونوا فرقة ولا مذهباً ولا شيعة ولا خوارج.
فما هو ذنب الشيعة إذا كان ربّ العزّة والجلالة يقول :( قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى ) (1) ، والمودّة كما هو معلوم أكبر من الحب ، وإذا كان الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه »(2) .
فإنّ المودة تفرض عليك أن تحرم نفسك من شيء لتود به غيرك.
وما هو ذنب الشيعة إذا كان رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « ياعلي أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة ، من أحبّك فقد أحبّني ومن أبغضك
__________________
1 ـ الشورى : 23.
2 ـ صحيح ابن حبان 1 : 470 ، الجامع الصغير للسيوطي 2 : 753 ح 9940 ، مسند أحمد 3 : 176 ، سنن الترمذي 4 : 76 ح 2634 ، سنن النسائي 8 : 115.
فقد أبغضني ، وحبيبك حبيب اللّه ، وبغيضك بغيض اللّه ، والويل لمن أبغضك »(1) .
ويقول أيضاً : « حبّ علىٌّ إيمان وبغضه نفاق »(2) .
ويقول : « من مات على حبّ آل محمّد مات شهيداً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفوراً له ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات تائباً ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومن مات على حبّ آل محمّد بشّره ملك الموت بالجنة »(3) .
__________________
1 ـ المستدرك للحاكم 3 : 128 وصحّحه ، نظم درر السمطين : 101 ، تاريخ دمشق 42 : 292 ، المناقب للخوارزمي : 327 ح 337.
2 ـ بهذا اللفظ في بشارة المصطفى : 271 ، وفي صحيح مسلم 1 : 61 ، كتاب الإيمان ، باب الدليل على أنّ حبّ الأنصار وعليّ من الإيمان عن عليّ بلفظ : « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأُمي إليَّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن ولا يبغضني إلاّ منافق ».
وأخرجه الألباني في صحيحته 4 : 298 تحت رقم 1720 « إنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق » ، وقال : « أخرجه مسلم 1 : 61 ، والنسائي 2 : 271 ، والترمذي 2 : 301 ، وابن ماجه : 114 ، وأحمد 1 : 84 و 95 و 128 ، والخطيب في التاريخ 14 : 426 ».
3 ـ تفسير القرطبي 16 : 23 ، تفسير الفخر الرازي 9 : 595 سورة الشورى ، تفسير آية 23 عن الكشاف للزمخشري.
وما هو ذنب الشيعة إذا كانوا يحبّون رجلاً قال فيه رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « غداً لأعطين رايتي إلى رجل يحبّ اللّه ورسوله ويحبّهُ اللّهُ ورسولهُ »(1) .
فحبيب عليّ هو حبيب اللّه ورسوله وهو مؤمن ، وبغيض علي هو بغيض اللّه ورسوله وهو منافق.
وقد قال الإمام الشافعي في حبّهم :
يا أهل بيت رسول اللّه حبكم |
فرض من اللّه في القرآن أنزله |
|
كفاكم من عظيم الفضل أنّكم |
من لم يصلّ عليكم لا صلاة له(2) |
وقد قال فيهم وفي حبّهم الفرزدق في ميميته المشهورة :
__________________
1 ـ حديث الراية حديث صحيح متفق عليه ، رواه البخاري في صحيحه 5 : 76 ، كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب علي بن أبي طالب ، وصحيح مسلم 5 : 195 ، في نفس الموضع ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : 594 ح 1379 ، صحيح ابن حبان 15 : 377 ، المعجم الكبير للطبراني 7 : 13 ، تاريخ دمشق 42 : 16 ، المناقب للخوارزمي : 108.
2 ـ أوردها ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة 2 : 435 الآية الثانية من الآيات الواردة فيهم نقلا عن الشافعي.
من معشر حبّهم دين وبغضهم |
كفر وقربهم منجى ومعتصم |
|
إن عُدّ أهل التقى كانوا أئمتهم |
أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم(1) |
فالشيعة أحبّوا اللّه ورسوله ، وحبّهم للّه ورسوله هو الذي فرض حبّ أهل البيت فاطمة وعلي والحسن والحسينعليهمالسلام ، والأحاديث في هذه المعنى كثيرة لا تحصى ، وقد أخرجها علماء أهل السنّة والجماعة في صحاحهم ، وقد ذكرنا البعض منها دوماً للاختصار.
وإذا كان حبّ عليّ وأهل البيت بصفة عامة هو حبّ لرسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فعلينا أن نعرف مدى هذا الحب المطلوب من المسلمين حتى نعرف إن كان هناك غلو كما يزعمون.
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين »(2) .
__________________
1 ـ انظر : تاريخ دمشق 41 : 402 ، تهذيب الكمال للمزي 20 : 401 ، البداية والنهاية 9 : 127.
2 ـ صحيح البخاري 1 : 9 ، كتاب الإيمان ، باب حب الرسول من الإيمان ، صحيح مسلم 1 : 49 ، كتاب الإيمان ، باب وجوب محبة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين.
وعلى هذا الأساس فلابدّ أن يحبّ المسلم عليّاً وأولاده الأئمة الطاهرين أكثر من الناس أجمعين بما في ذلك الأهل والأولاد ، ولا يتمّ الإيمان إلاّ بذلك؛ لأنّ رسول اللّه قال : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه » الحديث.
فالشيعة أذاً لا يغالون وإنّما يعطون كلّ ذي حقّ حقّه ، وقد أمرهم رسول اللّه أن ينزلوا عليّاً بمنزلة الرأس من الجسد ، وبمنزلة العينين من الرأس ، فهل هناك من الناس من يتنازل عن عينيه أو عن رأسه؟
ولكن في المقابل هناك مغالاة عند أهل السنّة والجماعة في حبّ الصحابة وتقديسهم في غير محلّه ، وإنّما يبدو أنّها ردّ فعل على الشيعة الذين لم يقولوا بعدالة الصحابة أجمعين ، فكان الأمويون يرفعون من شأن الصحابة ويحطّون من قيمة وشأن أهل البيت النبوي حتى إذا صلّوا على محمّد وآله أضافوا إليهم : وعلى أصحابه أجمعين؛ لأنّ في الصلاة على أهل البيت فضل لم يسبقه سابق ولا يلحقه لاحق ، فأرادوا أن يرفعوا الصحابة إلى تلك الدرجة العلية ، وغفلوا عن أنّ اللّه سبحانه أمر المسلمين وعلى رأسهم الصحابة أجمعين أن يصلّوا على محمّد وعليّ وفاطمة والحسنين ، ومن لم يصلِّ عليهم فصلاته مردودة لا يقبلها اللّه إذا اقتصرت على محمّد
وحده ، كما هو ثابت في صحيح البخاري ومسلم(1) .
وإذا قلنا بأنّه غلّو في الصحابة ذلك لأنّ أهل السنّة يتعدّون حدود المنطق عندما يقولون بعدالتهم أجمعين ، وقد شهد اللّه ورسوله بأنّ فيهم الفاسقين والمارقين والقاسطين والمنافقين.
والغلوّ ظاهر عندما يقولون بأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم يخطئ ويصوّبه صحابي ، أو أنّ الشيطان يلعب ويمرح بحضرة النبي ولكنّه يهرب من عمر!!
والغلوّ واضح في قولهم : لو أصاب اللّه المسلمين بمصيبة بما فيهم رسول اللّه ، لم يكون ينج منها إلاّ ابن الخطاب!
والغلوّ أوضح في إلغائهم لسنّة النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واتباع سنّة الصحابة وبالخصوص الخلفاء الراشدين! وقد أوقفناك على البعض من ذلك ، وإذا أردت المزيد فعليك بالبحث والتأمّل للوقوف على مزيد من هذه المفارقات.
__________________
1 ـ صحيح مسلم 2 : 16 ، كتاب الصلاة ، باب الصلاة على النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ، صحيح البخاري 6 : 27 ، كتاب التفسير ، سورة الأحزاب آية 56.
المهدي المنتظر
وهو أيضاً من المواضيع التي يشنع بها أهل السنّة والجماعة على الشيعة ، وذهب البعض منهم إلى حد السخرية والاستهزاء ، إذ أنّهم يستبعدون أو قل يعتقدون استحالة أن يبقى بشر طيلة اثني عشر قرناً حياً ومخفياً عن أنظار الناس ، حتى قال بعض الكتّاب المعاصرين : « بأنّ الشيعة اختلقوا فكرة الإمام الغائب الذي سينقذهم ، وذلك لكثرة ما لاقوه من ظلم الحكام وجورهم على مر الأزمان ، فسلّوا أنفسهم بأمنية المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً ، وينتقم لهم من أعدائهم ».
وقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة ، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عن المهدي المنتظر ، فأصبح المسلمون وبالخصوص الشباب المثقف في كلّ مكان يتساءلون عن حقيقة المهدي ، وهل هي حقيقة ولها وجود في العقائد الإسلامية أم هو من مختلقات الشيعة؟
ورغم ماكتبه علماء الشيعة قديماً وحديثاً(1) بخصوص المهدي من موسوعات وأبحاث ، ورغم اتصال كثير من السنّيين بإخوانهم من الشيعة في مؤتمرات عديدة ، ومحادثات في شتى المواضيع العقائدية؛ يبقى هذا الموضوع من الألغاز عند الكثير منهم ، لأنّهم ما تعوّدوا سماع أمثال هذه الروايات.
فما هي حقيقة المهدي المنتظر في العقائد الإسلامية؟
والبحث في هذا الموضوع ينقسم إلى قسمين :
القسم الأول : يتعلّق بالبحث عن المهدي من خلال الكتاب والسنّة.
والقسم الثاني : يتعلّق بالبحث عن حياته وغيبته وظهوره.
أمّا في البحث الأول : فالشيعة والسنّة متّفقون على أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بشَّرَ به ، وأعلم أصحابه بأنّه سيظهره اللّه سبحانه وتعالى في آخر الزمان ، وقد أخرج أحاديث المهديعليهالسلام كلّ من الشيعة والسنّة وفي صحاحهم ومسانيدهم.
وأنا بدوري وكالعادة حسبما تعهدّت به في كلّ أبحاث الكتاب لا أستدلّ إلاّ بما هو ثابت وصحيح عن أهل السنّة والجماعة.
__________________
1 ـ كالشهيد محمّد باقر الصدر في كتابه « بحث حول المهدي » ( المؤلّف ).
فقد جاء في سنن أبي داود(1) : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ، واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ».
وجاء في سنن ابن ماجة(2) :
قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « إنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدنيا ، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً شديداً ، وتطريداً ، حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه فيقاتلون فينتصرون ، فيعطون ماسألوا : فلا يقبلونه ، حتى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطاً كما ملئت جوراً ».
وقال ابن ماجة في سننه : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « المهدي منّا أهل البيت ، المهدي من ولد فاطمة »(3) .
وقالصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يكون في أُمّتي المهدي ، إن قصر فسبع ، وإلاّ فتسع ، تنعم فيها أُمّتي نعمة لن تنعم مثلها قط ؛ تأتي أُكلها ولا تدّخر منه
__________________
1 ـ سنن أبي داود 4 : 87 ح 4282 كتاب المهدي ، المعجم الأوسط 2 : 55 ، والكبير 10 : 135 ، الجامع الصغير 2 : 438 ح 7490 ، الدر المنثور 6 : 58.
2 ـ سنن ابن ماجة 2 : 529 ح 4082 ، ونحوه في المستدرك للحاكم 4 : 464 ، والمعجم الأوسط 6 : 29.
3 ـ المصدر نفسه 2 : 531 ح 4085 و 4086.
شيئاً ، والمال يومئذ كدوس ، فيقوم الرجل فيقول : يامهدي أعطيني ، فيقول : خذ »(1) .
وجاء في صحيح الترمذي : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي ، ولم لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يلي »(2) .
وقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي »(3) .
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه(4) : قال : حدّثنا بن بكير ، حدّثنا الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري ، أن أبا هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم : « كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ».
وقال صاحب غاية المأمول : « اشتهر بين العلماء سلفاً وخلفاً أنّه
__________________
1 ـ المصدر نفسه 2 : 530 ح 4083 ، المستدرك للحاكم 4 : 558 ، مجمع الزوائد 7 : 317 وقال : « رجاله ثقات ».
2 ـ سنن للترمذي 3 : 343 ح 2332 ، وعنه في كنز العمال 14 : 264 ح 38661.
3 ـ المصدر نفسه 3 : 343 ح 2313 ، مسند أحمد 1 : 377.
4 ـ صحيح البخاري 4 : 143 ، كتاب أحاديث الأنبياء ، باب نزول عيسى بن مريم.
لابدّ من ظهور رجل من أهل البيت في آخر الزمان يسمّى المهدي ، وقد روى أحاديث المهدي جماعة من خيار الصحابة ، وخرّجها أكابر المحدّثين : كأبي داود ، والترمذي ، وابن ماجة ، والطبراني ، وأبي يعلى ، والبزاز ، والإمام أحمد بن حنبل ، والحاكم رضي اللّه عنهم أجمعين ، ولقد أخطأ من ضعّف أحاديث المهدي كلّها ».
قال الحافظ في فتح الباري : « تواترت الأخبار بأنّ المهدي من هذه الأُمّة ، وأنّ عيسى بن مريم سينزل ويُصلّي خلفه »(1) .
وقال ابن حجر الهيثمي في الصواعق المحرقة : « والأحاديث التي جاء فيها ذكر ظهور المهدي كثيرة متواترة »(2) .
وقال الشوكاني في رسالتة المسمّاة « التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح » ، وبعد سرده أحاديث المهدي : « وجميع ما سقناه بالغ حدّ التواتر ، كما لا يخفى على من له فضل اطلاع »(3) .
وقال الشيخ عبدالحق في اللمعات : « قد تظافرت الأحاديث
__________________
1 ـ فتح الباري 6 : 358.
2 ـ الصواعق المحرقة 2 : 480.
3 ـ عنه النواب صديق حسن خان القنونجي في كتابه الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة : 114 و 160 ، والكتاني في نظم المتناثة في الحديث المتواتر : 146.
البالغة حدّ التواتر في كون المهدي من أهل البيت من أولاد فاطمة »(1) .
وقال الصبان في كتابه إسعاف الراغبين : « وقد تواترت الأخبار عن النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم بخروجه ، وأنّه من أهل البيت ، وأنه يملأ الأرض عدلاً »(2) .
وقال السويدي في كتابه المسمّى « سبائك الذهب » : « الذي اتفق عليه العلماء أنّ المهدي هو القائم في آخر الوقت وأنّه يملأ الأرض عدلاً ، والأحاديث في ظهوره كثيرة »(3) .
وقال ابن خلدون في مقدمته :
« اعلم أنّ المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممرّ الأعصار أنّه لابدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت ، يؤيّد الدين ، ويظهر العدل ، ويسمّى بالمهدي »(4) .
كما أخرج أحاديث المهدي من المعاصرين مفتي الإخوان المسلمين السيد سابق في كتابه « العقائد الإسلامية » ، واعتبر أنّ فكرة المهدي من العقائد الإسلامية التي يجب التصديق بها.
__________________
1 ـ أشعة اللمعات 4 : 321.
2 ـ إسعاف الراغبين : 152 ، بهامش نور الأبصار.
3 ـ سبائك الذهب : 346.
4 ـ مقدمة ابن خلدون : 287 ، الفصل الثاني والخمسون.
وكتب الشيعة أيضاً أخرجت أحاديث المهدي على كثرتها ، حتى قيل : إنّه لم يُروَ عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم أكثر ممّا روي عنه في أحاديث المهدي.
وقد استخرج الباحث لطف اللّه الصافي في موسوعته « منتخب الأثر » أحاديث المهديعليهالسلام من أكثر من ستّين مصدراً من كتب أهل السنّة والجماعة من ضمنها الصحاح الستّة ، وأكثر من تسعين مصدراً من كتب الشيعة من ضمنها الكتب الأربعة(1) .
__________________
1 ـ وممّن صرّح بتواتر أخبار الإمام المهديعليهالسلام ـ كما ذكره الدكتور عبد العليم البستوي في كتابه : « المهدي المنتظر » ـ الحافظ أبو الحسن محمّد بن الحسين الآبري السجزي ، قال في كتابه مناقب الشافعي : « وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بذكر المهدي ، وأنّه من أهل بيته ، وأنّه يملك سبع سنين ، وأنّه يملأ الأرض عدلا ، وأنّ عيسىعليهالسلام يخرج فيساعده على قتل الدجّال ، وأنّه يؤم هذه الأُمة ويصلّي عيسى خلفه ».
وقد نقل كلامه هذا عدد من الحفّاظ والأئمة ، منهم : القرطبي في كتابه « التذكرة بأحوال الموتى وأحوال الآخرة » 2 : 723 ، والمزي في « تهذيب الكمال » 6 : 596 ، وابن قيّم الجوزية في « المنار المنيف » : 142 ، والسخاوي في « فتح المغيث » 3 : 41 ، وابن حجر في « فتح الباري » 6 : 494 و « تهذيب التهذيب » 9 : 144 ، والسيوطي في « العرف الوردي في أخبار المهدي » ـ وانظر « الحاوي في الفتاوي » 2 : 165 ـ ، وابن حجر الهيتمي في « القول المختصر » : 118 وفي « الصواعق » أيضاً ، والملاّ علي القاري في « رسالة
أما بخصوص البحث الثاني ، والذي يتعلّق بولادة المهدي وحياته وغيبته وعدم وفاتهعليهالسلام ، فهذا القسم أيضاً لم ينكره بعض علماء أهل السنّة الذين لا يستهان بهم ، والذين يعتقدون بأنّ المهدي هو محمّد ابن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت ولد ، وأنّه لا يزال حيّاً ، وسيظهر في آخر الزمان ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً وينصر اللّه به دينه ، وهم بذلك يوافقون أقوال الشيعة الإمامية ، ومن هؤلاء :
__________________
المهدي من آل الرسول » : 25 ، ومرعي بن يوسف الحنبلي في « فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر » ، ومحمّد البرزنجي في « الاشاعة في أشراط الساعة » : 87 ، والزركاني في « شرح المواهب ».
ومن العلماء الذي نصّوا على تواتر أحاديث المهدي : الشيخ محمد السفاريني في « لوائح الأنوار البهية » 2 : 80 ، والنواب صديق حسن خان القنوجي في « الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة » : 145 ، والشيخ محمّد بن جعفر الكتاني في « نظم المتناثر من الحديث المتواتر » : 229.
ثمّ ذكر الدكتور عبد العليم البستوي أسماء الأئمة والعلماء الذين احتجوا بأحاديث المهدي والّذين صحّحوا الأحاديث الواردة فيه ، منهم : الحافظ العقيلي ، وأبو الحسين ابن المنادي ، وأبو حاتم ابن حبان البستي ، وأبو سليمان الخطابي ، والبيهقي ، وأبو القاسم السهيلي ، والقرطبي ، وابن تيمية ، وابن كثير ، وأبو الحسن السمهودي ، والمتقي الهندي ، وعبد الرؤوف المناوي ، وعبد الرحمن المباركفوري ، وعبد العزيز بن باز ، ومحمد ناصر الدين الألباني.
1 ـ محيي الدين بن العربي في « فتوحاته المكيّة ».
2 ـ سبط ابن الجوزي في كتابه « تذكرة الخواص ».
3 ـ عبدالوهاب الشعراني في كتابه « عقائد الأكابر ».
4 ـ ابن الخشّاب في كتابه « تواريخ مواليد الأئمة ووفياتهم ».
5 ـ محمّد البخاري الحنفي في كتابه « فصل الخطاب ».
6 ـ أحمد بن إبراهيم البلاذري في كتابه « الحديث المتسلسل ».
7 ـ ابن الصباغ المالكي في كتابه « الفصول المهمة ».
8 ـ العارف عبدالرحمن في كتابه « مرآة الأسرار ».
9 ـ كمال الدين بن طلحة في كتابه « مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ».
10 ـ القندوزي الحنفي في كتابه « ينابيع المودة »(1) .
__________________
1 ـ وهناك العشرات من علماء أهل السنّة القائلين بولادة الإمام المهدي ، محمّد بن الحسن العسكري ، وهم علماء مشهورون في الأوساط السنيّة ومن أعمدة المذهب ، ونذكر منهم :
1 ـ أحمد بن حجر الهيتمي : صرّح في كتابه « الصواعق المحرقة : 313 » بولادة الإمام المهدي.
2 ـ الشيخ ملاّ علي القاري : صرّح بذلك في كتابه « مرقاة المفاتيح 10 : 336 ».
3 ـ صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي : صرّح بالولادة في كتابه « الوافي
__________________
بالوفيات 12 : 113 ».
4 ـ شمس الدين محمّد بن طولون الدمشقي الحنفي : صرّح بالولادة في كتابه « الأئمة الاثني عشر : 117 ».
5 ـ الإمام شهاب الدين أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد الحنبلي : قال بالولادة في كتابه « شذرات الذهب في أخبار من ذهب 2 : 290 ».
6 ـ ابن الأثير الجزري ، في كتابه الكامل في التاريخ 7 : 274 ».
7 ـ شهاب الدين ياقوت بن عبد اللّه الحموي ، في كتابه « معجم البلدان 5 : 328 ».
8 ـ أبو العباس أحمد بن محمّد بن إبراهيم المعروف بابن خلكان ، في كتابه « وفيات الأعيان 4 : 31 ».
9 ـ العلاّمة الشهير شمس الدين الذهبي ، صرّح بالولادة في كتابه « تاريخ الإسلام » ، وكتابه « العبر في خبر من غبر 1 : 381 ».
10 ـ حسين بن محمّد الدياربكري : صرّح بذلك في كتابه « تاريخ الخميس » 2 : 343.
وقد ذكر الميرزا حسين النووي ( رحمه الله ) في كتابه « كشف الاستار » ، أسماء أربعين عالماً سنيّاً يعترفون بأن الإمام محمّد بن الحسن العسكري هو الإمام المهدي المنتظر.
وهؤلاء الذين ذكرهم المؤلّف من العلماء المشهورين والمعروفين في العالم السنّي ، وقد ذكروا لهم تراجم وأثنوا عليهم ، وأطروهم بالعلم والفضل والتقديم ، ونشير إلى ترجمة بعضهم ، وعليك بمراجعة الباقين :
1 ـ محي الدين بن عربي : قال في طبقات الشافعية 1 : 260 : « الشيخ العارف
__________________
الكامل المدقّق ، أحد أكابر العارفين باللّه أجمع المحقّقون من أهل اللّه عزّ وجلّ على جلالته في سائر العلوم وقد ترجمه صفي الدين بن أبي منصور فقال : هو الشيخ الإمام المحقّق رأس أجّلاء العارفين ».
2 ـ سبط بن الجوزي : قال عنه الذهبي في تاريخ الإسلام في ( حوادث 651 ـ 660 ) : « الإمام الواعظ المؤرّخ شمس الدين أبو المظفر الزكي ثمّ البغدادي كان إماماً فقيهاً واعظاً وحيداً في الوعظ ، علاّمة في التاريخ والسيرة ، وافر الحرمة محبباً إلى الناس ».
3 ـ كمال الدين محمّد بن طلحة الشافعي : قال عنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية 8 : 63 : « تفقّه وبرع في المذهب ، وسمع الحديث بنيسابور من المؤيد الطوسي وكان من صدور الناس ، ولي الوزارة بدمشق يومين وتركها ».
4 ـ ابن الصباغ المالكي : ترجمه الزركلي في الأعلام 5 : 8 فقال : « فقيه مالكي من أهل مكة قال السخاوي : أجاز لي ».
وراجع ترجمته في الضوء اللامع 5 : 283.
وبإمكان القارئ مراجعة ترجمة بقية الأسماء التي ذكرها المؤلّف ، في : كتاب شذرات الذهب ، والعبر في أخبار من غبر ، والبداية والنهاية ، وطبقات الشافعية ، وغيرها من الكتب المترجمة للعلماء ، ليرى بعينيه تصريحهم بأنّهم علماء مبرزين في مذهبهم وعلمهم.
وبهذا يكون ما ذكره صاحب كتاب ( منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية : 152 ) ، بعيداً عن الصواب والموازين العلمية الصحيحة ، إذ طعن بهؤلاء العلماء بدون مبرر أو شيء يعوّل عليه ، غافلا عن ترجمتهم ومنزلتهم
ولو تتبّع الباحث لوجد في علماء السنّة والجماعة أضعاف من ذكرنا يقولون بولادة المهدي وبقائه حيّاً حتى يظهره اللّه تعالى.
وبعد هذا لم يبق معنا من أهل السنّة والجماعة إلاّ المنكرون بولادته وبقائه حيّاً ، بعد اعترافهم بصحة الأحاديث ، وهؤلاء ليسوا حجّة على غيرهم من القائلين بها.
والقرآن الكريم لا ينفي مثل هذا الافتراض ، وكم ضرب اللّه من مثل على ذلك لأهل العقول الجامدة ، لكي يتحرّروا ويطلقوا العنان لأفكارهم وعقولهم حتى تستيقن وتسلّم بأنّ اللّه سبحانه قادر على كلّ شيء.
لذا فإنّ المسلم الذي ملأ الإيمان قلبه لا يستغرب أن يميت اللّه عزيراً مائة عام ، ثمّ يبعثه فينظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه ، وإلى حماره كيف ينشز اللّه عظامه ويكسوها لحماً ، فيرجع كما كان بعد أن كانت عظامه رميماً ، فلمّا تبيّن له قال :( أعْلَمُ أنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ) (1) .
سبحان اللّه! ما أسرع تحوّله ، بينما قبل الحادثة استغرب واستبعد
__________________
العلمية التي يتمتّعون بها في الوسط السنّي ، لكنّ التعصب المقيت يؤدّي بأصحابه إلى إنكار الشمس في رابعة النهار!!
1 ـ البقرة : 259.
عند مروره على قرية خاوية على عروشها ، قال :( أنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ) !
والمسلم الذي يصدّق القرآن الكريم لا يستغرب أن يقطّع سيدنا إبراهيم الطير ويبعثر أجزاءه وأشلاءه على الجبال ثمّ يدعوهن فيأتينه سعياً.
والمسلم لا يستغرب أن تصبح النار باردة ، فلا تحرق ولا تؤذي سيّدنا إبراهيم عندما أُلقي فيها فقال لها اللّه :( يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً ) (1) .
والمسلم لا يستغرب بأنّ سيّدنا عيسى ولد من غير نطفة الذكر ، أي من غير أب ، وأنّه حيّ لم يمت وسيعود إلى الأرض.
والمسلم لا يستغرب بأنّ سيّدنا عيسى كان يحيي الموتى ، ويبرئ الأكمه والأبرص والأعمى.
ولا يستغرب أن ينفلق البحر لسيّدنا موسى ولبني إسرائيل ، فيمشوا فيه بدون بلل ، وتنقلب عصاه ثعباناً ، ويحوّل ماء النيل إلى دم.
كذلك فإنّ المسلم لا يستغرب أنّ سيّدنا سليمان كان يتكلّم مع الطير ، ومع الجن ، ومع النمل ، ويحمل عرشه على بساط الريح ،
__________________
1 ـ الأنبياء : 69.
ويستقيم عرش بلقيس في لحظات.
ولا يستغرب بأنّ اللّه أمات أصحاب الكهف ثلاثة قرون وازدادوا تسعاً ، ثمّ بعثهم ، فكان حفيد الحفيد أكبر سناً من جد الجد.
ولا يستغرب بأنّ سيّدنا الخضرعليهالسلام حي لم يمت ، وقد التقى مع سيّدنا موسىعليهالسلام .
ولا يستغرب بأن إبليس لعنه اللّه حي لم يمت وهو مخلوق قبل آدمعليهالسلام ، وما زال يواكب مسيرة البشر من أوّل خلقته إلى يوم فنائه ، ومع ذلك فهو مخفي لم ولن يراه أحد رغم أعماله الشنيعة وأفعاله الذميمة ، وهو يرى كلّ الناس.
إنّ المسلم يؤمن بكلّ هذا ولا يستغرب وقوعه ، أفيستغرب وجود المهدي مخفيّاً لفترة من الزمان لحكمة يريدها اللّه سبحانه؟!
فكلّ ماذكره القرآن وهو أضعاف ماذكرنا في هذه العجالة ليس هو ممّا جرت به العادة ، ولا هو معهود إلى الناس ، ولا يقدرون عليه ولو اجتمعوا له.
وإنّما هو من صنع اللّه الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء ، ويصدّق به المسلمون بأنّهم آمنوا بكلّ ماجاء في القرآن الكريم وبدون استثناء وبدون تحفّظ.
على أنّ الشيعة هم أدرى بأُمور المهديعليهالسلام لأنّه إمامهم ، وقد
عاصروه وعاشوا معه ومع آبائه ، وأهل مكة أدرى بشعابها.
والشيعة يحترمون أئمتهم ويعظّمونهم ، وقد اتخذوا لأئمة أهل البيت قبوراً شيدوها ، والتزموا بزيارتها والتبرك بها ، فلو كان الإمام الثاني عشر ـ وهو المهدي سلام اللّه عليه ـ قد توفّي لكان له قبر معروف ، ولأمكنهم أن يقولوا بجواز بعثه بعد الموت ما دام هذا الأمر ممكناً كما ذكره القرآن الكريم ، وخاصّة إنّهم يقولون « بالرجعة ».
بل تراهم يصرّون على أنّ المهدي سلام اللّه عليه حيّ يرزق ، وهو مخفي لحكمة أرادها اللّه سبحانه وتعالى قد يعرفها الراسخون في العلم وأولياؤهم.
وهم يدعون في صلواتهم أن يعجل اللّه فرجه الشريف؛ لأنّ في ظهوره عزّ المسلمين وسعادتهم وانتصارهم ، ولأنّ به يتم اللّه نوره ولو كره الكافرون.
على أنّ الخلاف بين السنّة والشيعة في أمر المهديعليهالسلام ليس هو خلاف جوهري ماداموا يعتقدون بظهوره في آخر الزمان ، وأنّ عيسىعليهالسلام يصلّي خلفه ، وأنّه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، ويملك المسلمون الأرض كلّها في زمانه ، ويعمّ الرخاء حتى لا يبقى فقير.
ويبقى الخلاف فقط في قول الشيعة بولادته وفي قول السنّة بأنّه
سيولد ، ويجتمع قول الفريقين على ظهوره في آخر الزمان(1) .
__________________
1 ـ ولا بأس بالإشارة هنا إلى ما ذكره كمال الدين بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول ، قال :
« فإن قال معترض : هذه الأحاديث النبوية الكثيرة بتعدادها المصرّحة بجملتها وأفرادها ، متفق على صحة إسنادها ، ومجمع على نقلها عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وإيرادها ، وهي صحيحة صريحة في إثبات كون المهدي من ولد فاطمةعليهاالسلام ، وأنّه من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه من عترته ، وأنّه من أهل بيته ، وأنّ اسمه يواطئ اسمي ، وأنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، وأنّه من ولد عبد المطلب ، وأنّه من سادات الجنة ، وذلك ممّا لا نزاع فيه.
غير أنّ ذلك لا يدلّ على أنّ المهدي الموصوف بما ذكرهصلىاللهعليهوآلهوسلم من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمّد بن الحسن الحجّة الخلف الصالحعليهالسلام ، فإنّ ولد فاطمةعليهاالسلام كثيرون ، وكلّ من يولد من ذريتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنّه من ولد فاطمة ، وأنّه من العترة الطاهرة ، وأنّه من أهل البيتعليهمالسلام ، فيحتاجون مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل على أنّ المهدي المراد هو الحجّة المذكورة ليتمّ مرامكم.
فجوابه : إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا وصف المهدي عليهالسلام بصفات متعدّدة من ذكر اسمه ونسبه ومرجعه إلى فاطمة عليهاالسلام وإلى عبد المطلب ، وأنّه أجلى الجبهة أقنى الأنف ، وعدّد الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث الصحيحة المذكورة آنفاً ، وجعلها علامة ودلالة على أنّ الشخص الذي يسمّى بالمهدي ، وثبتت له الأحكام المذكورة ، وهو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه ، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامة ودلالة مجتمعة في أبي القاسم محمّد الخلف الصالح دون غيره ، فيلزم القول بثوبت تلك الأحكام له وأنّه
__________________
صاحبها ، وإلاّ فلو جاز وجود ما هو علامة ودليل ولا يثبت ما هو مدلوله قدح ذلك في نصبها علامة ودلالة من رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك ممتنع.
فإن قال المعترض : لا يتمّ العمل به بالعلامة والدلالة إلاّ بعد العلم باختصاص من وجدت فيه بها دون غيره وتعينه لها ، فأمّا إذا لم يعلم تخصيصه وانفراده بها فلا يحكم له بالدلالة ، ونحن نسلّم أنّه من زمن رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى ولادة الخلف الصالح الحجّة محمّدعليهالسلام ما وجد من ولد فاطمةعليهاالسلام شخص جمع تلك الصفات التي هي العلامة والدلالة غيره ، لكن وقت بعثة المهدي وظهوره وولايته هو في آخر أوقات الدنيا عند ظهور الدجال ونزول عيسى ابن مريمعليهالسلام ، وذلك سيأتي بعد مدّة مديدة ، ومن الآن إلى ذلك الوقت المتراخي الممتد أزمان متجدّدة ، وفي العترة الطاهرة من سلالة فاطمةعليهاالسلام كثرة يتعاقبون ويتوالدون إلى ذلك الإيان ، فيجوز أن يولد من السلالة الطاهرة والعترة النبوية من يجمع تلك الصفات فيكون هو المهدي المشار إليه في الأحاديث المذكورة ، ومع هذا الاحتمال والإمكان كيف يبقى دليلكم مختصاً بالحجّة محمّد المذكورعليهالسلام ؟
فالجواب : أنكم إذا عرفتم أنّه إلى وقت ولادة الخلف الصالح وإلى زماننا هذا لم يوجد من جمع تلك الصفات والعلامات بأسرها سواه ، فيكفي ذلك في ثبوت تلك الأحكام له ، عملا بالدلالة الموجودة في حقّه ، وما ذكرتموه من احتمال أن يتجدّد مستقبلا في العترة الطاهرة من يكون بتلك الصفات ، لا يكون قادحاً في أعمال الدلالة ، ولا مانعاً من ترتيب حكمها عليها ، فإنّ دلالة الدليل راجحة لظهورها واحتمال تجدّد ما يعارضها مرجوح ، ولا يجوز ترك الراجح بالمرجوح ، فإنّه لو جوّزنا ذلك لامتنع العمل بأكثر الأدلة المثبتة
__________________
للأحكام ( الشرعية ) ، إذ ما من دليل إلاّ واحتمال تجدّد ما يعارضه متطرق إليه ، ولم يمنع ذلك من العمل به وفاقاً.
والذي يوضح ذلك ويؤكده :
إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فيما أورده الإمام مسلم بن الحجّاج في صحيحه يرفعه بسنده ـ قال لعمر بن الخطاب : « يأتي عليك مع امداد أهل اليمن إويس بن عامر من مراد ثمّ من قرن كان به برص فبرأ منه إلاّ موضع درهم ، له والدة هو بها برٌّ ، لو أقسم على اللّه لأبرّه ، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل ».
فالنبيصلىاللهعليهوآلهوسلم ذكر اسمه ونسبه وصفته ، وجعل ذلك علامة ودلالة على أنّ المسمّى بذلك الاسم المتصف بتلك الصفات لو أقسم على اللّه لأبرّه ، وأنّه أهل لطلب الاستغفار منه ، وهذه منزلة عالية ومقام عند اللّه عظيم.
فلم يزل عمر بعد وفاة رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد وفاة أبي بكر يسأل إمداد اليمن من الموصوف بذلك ، حتى قدم وفد من اليمن ، فسألهم ، فأخبر بشخص متصف بذلك ، فلم يتوقّف عمر في العمل بتلك العلامة والدلالة التي ذكرها رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بل بادر إلى العمل بها واجتمع به وسأله الاستغفار ، وجزم أنّه المشار إليه في الحديث النبوي ، لما علم تلك الصفات فيه ، مع وجود احتمال أن يتجدّد في وفود اليمن مستقبلا من يكون بتلك الصفات ، فإنّ قبيلة مراد كثيرة والتوالد فيها كثير ، وعين ما ذكرتموه من الاحتمال موجود.
وكذلك قضية الخوارج لمّا وصفهم رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم بصفات ورتّب عليها حكمهم بعد ذلك لمّا وجدها عليّ عليهالسلام موجودة في أولئك في واقعة حروراء والنهروان ، جزم بأنّهم هم المرادون بالحديث النبويّ وقاتلهم وقتلهم ، فعمل بالدلالة عند وجود الصفة ، مع احتمال أن يكون المرادون غيرهم.
__________________
وأمثال هذه الدلالة والعمل بها مع قيام الاحتمال كثيرة ، فعلم أنّ الدلالة الراجحة لا تترك لاحتمال المرجوح.
ونزيده بياناً وتقريراً فنقول : لزوم ثبوت الحكم عند وجود العلامة والدلالة لمن وجدت فيه أمر يتعيّن العمل فيه والمصير إليه ، فمن تركه وقال بأنّ صاحب الصفات المراد بإثبات الحكم له ليس هو هذا ، بل شخص غيره سيأتي ، فقد عدل عن النهج القويم ووقف نفسه موقف المليم ، ويدل على ذلك أن اللّه عز وجلّ لما أنزل في التوراة على موسى أنّه يبعث النبي العربي في آخر الزمان خاتم الأنبياء ، ونعته بأوصافه وجعلها علامة ودلالة على إثبات حكم النبوة له ، وصار قوم موسىعليهالسلام يذكرونه بصفاته ويعلمون أنّه يبعث ، فلمّا قرب زمان ظهوره وبعثه صاروا يهدّدون المشركين به ويقولون : سيظهر الآن نبيّ نعته كذا وصفته كذا ونستعين به على قتالكم.
فلمّا بعثصلىاللهعليهوآلهوسلم ووجدوا العلامات والصفات بأسرها التي جعلت دلالة على نبوته أنكروه وقالوا ليس هذا هو ، بل هو غيره وسيأتي.
فلمّا جنحوا إلى الاحتمال وأعرضوا عن العمل بالدلالة الموجودة في الحال ، أنكر اللّه تعالى عليهم كونهم تركوا العمل بالدلالة التي ذكرها لهم في التوارة وجنحوا إلى الاحتمال ، وهذه القصة من أكبر الأدلة ، وأقوى الحجج على أنّه يتعيّن العمل بالدلالة عند وجودها ، وإثبات الحكم لمن وجدت تلك الأدلّة فيه.
فإذا كانت الصفات التي هي علامة ودلالة لثبوت تلك الأحكام المذكورة موجودة في الحجّة الخلف الصالح محمّدعليهالسلام ، تعيّن إثبات كون المهدي المشار إليه ، من غير جنوح إلى الاحتمال بتجدّد غيره في الاستقبال ».
فليتوحّد السنّة والشيعة على كلمة الحقّ ، وعلى جمع شمل الأُمّة الممزّقة ولمّ شتاتها ، وليدعوا اللّه جميعاً مخلصين في دعائهم وفي كلّ صلواتهم بأن يعجّل ظهوره؛ لأنّ في ظهوره الفرج والنصر لأُمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، سيّدنا ومولانا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
محمّد التيجاني السماوي |
__________________
انظر مطالب السؤول 2 : 155 ـ 158 ، وأورده الإربلي أيضاً في كشف الغمة 3 : 225 ـ 229.
مصادر الكتاب
1 ـ الاحتجاج ، أحمد بن علي الطبرسي ، تحقيق السيّد محمّد باقر الخرسان ، منشورات دار النعمان.
2 ـ أحكام القرآن ، أحمد بن علي الجصاص ، الطبعة الأُولى 1415 ، دار الكتب العلمية.
3 ـ إحياء علوم الدين ، أبو حامد الغزالي ، الطبعة الأُولى 1413 ، دار الهادي.
4 ـ الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد ، الشيخ المفيد ، مؤسسة آل البيت.
5 ـ أُسد الغابة ، ابن الأثير ، انتشارات إسماعيليان.
6 ـ إسعاف الراغبين ، محمّد بن علي الصبان ، المطبوع بهامش نور الأبصار ، دار الفكر.
7 ـ أنساب الأشراف ، أحمد بن يحيى البلاذري ، الطبعة الأُولى 1394 ، مؤسسة الاعلمي.
8 ـ الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية ، جلال الدين السيوطي ، طبع عام 1403 ، دار الكتب العلمية.
9 ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الأُولى 1415 ، دار الكتب العلمية.
10 ـ أصل الشيعة وأُصولها ، محمّد الحسين آل كاشف الغطاء ، الطبعة الأُولى 1415 ، مؤسسة الإمام عليعليهالسلام .
11 ـ أضواء على السنّة المحمدية ، محمود أبو رية ، الطبعة الخامسة ، مؤسسة إسماعيليان.
12 ـ الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ، البيهقي ، الطبعة الأُولى 1420 هـ ـ 1999 م ، دار اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع.
13 ـ الإعلام ، الزركلي ، الطبعة الخامسة ، دار العلم للملايين.
14 ـ افتراق الأُمة ، محمّد بن إسماعيل الصنعاني ، الطبعة الأُولى 1415 هـ ، دار العاصمة ، الرياض.
15 ـ الأمالي ، ابن بابويه القمي ، مؤسسة البعثة.
16 ـ الأمالي ، الشيخ المفيد ، مؤسسة النشر الاسلامي.
17 ـ الأمالي ، محمّد بن الحسن الطوسي ، الطعبة الأُولى 1414 ، دار الثقافة.
18 ـ الإمام الصادق حياته وعصره ، محمّد أبو زهرة ، طبع عام 1993 ، دار الفكر العربي.
19 ـ الإمامة والسياسة ، عبد اللّه بن مسلم الدينوري ، طبع عام 1413 ، منشورات الشريف الرضي.
20 ـ الانتقاء ـ ابن عبد البر.
21 ـ أنساب الأشراف ، أحمد بن يحيى البلاذري ، تحقيق محمّد باقر المحمودي ، مؤسسة الاعلمي.
22 ـ الأئمة الاثنى عشر ، محمّد بن طولون الدمشقي الحنفي ، طبعة سنة 1377 هـ ، دار بيروت ، ودار صادر.
23 ـ بحار الأنوار ، محمّد باقر المجلسي ، طبع عام 1405 ، المطبعة الإسلامية.
24 ـ البحر الرائق ، ابن نجم المصري ، الطبعة الأُولى سنة 1418 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
25 ـ البداية والنهاية ، إسماعيل بن كثير الدمشقي ، الطبعة الاُولى عام 1417 ، وفي طبعة اُخرى 1408 ، دار إحياء التراث العربي.
26 ـ البيان والتبين ، الجاحظ ، طبعة سنة 1968 ، دار صعب ، بيروت.
27 ـ تاريخ ابن خلدون ، ابن خلدون ، الطبعة الرابعة ، دار إحياء
التراث العربي.
28 ـ تاريخ الإسلام ، شمس الدين الذهبي ، الطبعة الثانية 1413 ، دار الكتاب العربي.
29 ـ تاريخ الاُمم والملوك ، محمّد بن جرير الطبري ، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم.
30 ـ تاريخ بغداد ، أحمد بن علي الخطيب البغدادي ، الطبعة الأُولى 1417 ، دار الكتب العلمية.
31 ـ تاريخ الخلفاء ، السيوطي ، الطبعة الثانية 1420 هـ ، دار الكتاب العربي.
32 ـ تاريخ الخميس ، حسين الدياربكري ، الطبعة الثانية 1412 هـ ، بيروت.
33 ـ التاريخ الكبير ، محمّد بن اسماعيل البخاري ، المكتبة الاسلامية.
34 ـ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ، طبع عام 1415 ، دار الفكر.
35 ـ تأويل مختلف الحديث ، عبد اللّه بن مسلم بن قتبية ، دار الكتب العلمية.
36 ـ تحفة اثنا عشريّة ، عبد العزيز الدهلوي ، طبع عام 1408 ، مكتبة الحقيقة.
37 ـ تذكرة الخواص ، سبط ابن الجوزي ، طبع عام 1418 ، منشورات الشريف الرضي.
38 ـ تذكرة الحفاظ ، شمس الدين الذهبي ، مكتبة الحرم المكي.
39 ـ تذكرة الموضوعات ، محمّد طاهر الفتني ، تقديم محمّد عبد الجليل السامرودي.
40 ـ تفسير البرهان ، الزركشي؛ الطبعة الأُولى سنة 1376 هـ ـ دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة.
41 ـ تفسير جزء عم ، الإمام محمّد عبده ، طبعة سنة 1387 هـ ، محمّد علي صبيح.
42 ـ تفسير القرآن ، عبد الرزاق الصنعاني ، الطبعة الأُولى 1410 ، مكتبة الرشد.
43 ـ تفسير القرآن العظيم ، إسماعيل بن كثير الدمشقي ، طبع عام 1412 ، دار المعرفة.
44 ـ تفسير القمي ، علي بن إبراهيم القمي ، الطبعة الأُولى 1412 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
45 ـ التفسير الكبير ، الفخر الرازي ، الطبعة الأُولى 1415 ، دار إحياء التراث العرابي.
46 ـ تقريب التهذيب ، ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الثانية 1415 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
47 ـ التلخيص الحبير ، ابن حجر العسقلاني ، دار الفكر للطباعة والنشر.
48 ـ التوحيد ، ابن بابويه القمي ، طبع عام 1387 هـ ، مؤسسة النشر الاسلامي.
49 ـ التوسّل والوسيلة ، ابن تيمية ، الطبعة الأُولى عام 1405 ، دار الكتاب العربي.
50 ـ تهذيب التهذيب ، ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الأُولى 1325 ، حيدر آباد الدكن.
51 ـ تهذيب الكمال ، يوسف المزي ، الطبعة الأُولى ، مؤسسة الرسالة.
52 ـ الثقات ، لابن حبان البستي ، الطبعة الأُولى سنة 1393 ، مؤسسة الكتب الثقافية.
53 ـ جامع بيان العلم وفضله ، ابن عبد البرّ ، تحقيق أبي الأشبال الزهيري ، الطبعة الثانية 1416 هـ ، دار ابن الجوزي ، السعودية.
54 ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، محمّد بن جرير الطبري ، طبع عام 1415 دار الفكر.
55 ـ الجامع الصغير ، جلال الدين السيوطي ، الطبعة الأُولى 1401 ، دار الفكر.
56 ـ الجامع لأحكام القرآن ، محمّد أحمد القرطبي ، طبع عام 1405 ، مؤسسة التاريخ العربي.
57 ـ حلية الأولياء ، أبو نعيم الأصفهاني ، الطبعة الأُولى 1418 ، دار الكتب العلمية.
58 ـ خصائص أمير المؤمنين ، أحمد بن شعيب النسائي ، تحقيق محمّد هادي الأميني ، مكتبة نينوى الحديثة.
59 ـ الدر المنثور ، جلال الدين السيوطي ، الطبعة الأُولى 1365 ، دار المعرفة.
60 ـ دلائل الإمامة ، محمّد بن جرير الطبري الشيعي ، الطبعة الأُولى 1413 ، مؤسسة البعثة.
61 ـ ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ، أحمد بن عبد اللّه الطبري ، طبع عام 1356 ، مكتبة القدسي.
62 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ، محمود بن عمر الزمخشري ، طبع عام 1410 ، منشورات الشريف الرضي.
63 ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، السيّد
محمود الآلوسي ، الطبعة الأُولى عام 1415 دار الكتب العلمية.
64 ـ الرياض النضرة في مناقب العشرة ، أحمد بن عبد اللّه الطبرسي ، الطبعة الأُولى 1418 ، دار المعرفة.
65 ـ زاد المعاد ، ابن قيم الجوزية ، الطبعة الثالثة 1421 هـ ـ 2000 م ، مؤسسة الرسالة.
66 ـ سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب ، محمّد أمين البغدادي السويدي ، الطبعة الأُولى 1406 ، دار الكتب العلمية.
67 ـ سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمد ناصر الدين الألباني ـ الطبعة الجديدة عام 1415 مكتبة المعارف للنشر والتوزيع.
68 ـ سنن ابن ماجة ، محمّد بن يزيد القزويني ، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي ، دار الفكر.
69 ـ سنن ابن ماجه ، وبهامشه كفاية الحاجة للبوصيري ، طبعة سنة 1415 هـ ـ 1995 م ، دار الفكر للطباعة والنشر.
70 ـ سنن أبي داود ، سليمان بن الأشعث السجستاني ، الطبعة الثانية 1418 ، دار الفكر.
71 ـ سنن الترمذي ، محمّد بن عيسى الترمذي ، الطبعة الثانية ، عام 1403 دار الفكر.
72 ـ سنن الدارمي ، عبد اللّه بن بهرام الدارمي ، مطبعة الاعتدال.
73 ـ السنن الكبرى ، أحمد بن الحسين البيهقي ، دار الكتب.
74 ـ السنن الكبرى ، أحمد بن شعيب النسائي ، الطبعة الأُولى 1411 ، دار الكتب العلمية.
75 ـ سير أعلام النبلاء ، شمس الدين الذهبي ، الطبعة التاسعة 1413 ، مؤسسة الرسالة.
76 ـ سر العالمين وكشف ما في الدارين ، أبو حامد الغزالي ، الطبعة الأُولى 1421 ، دار الآفاق العربية.
77 ـ السيرة الحلبية ، علي بن إبراهيم الحلبي ، الطبعة الأُولى 1422 ، دار الكتب العلمية.
78 ـ شذرات الذهب في أخبار من ذهب ، شهاب الدين الحنبلي ، الطبعة الثانية 1409 هـ ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
79 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار ، النعمان بن محمّد المغربي ، مؤسسة النشر الاسلامي.
80 ـ شرح العقيدة الطحاوية ، ابن أبي العزّ الدمشقي ، الطبعة الثالثة عشر 1419 هـ ـ 1998 م ، مؤسسة الرسالة.
81 ـ شرح المواهب اللدنية ، عبد الباقي الزرقاني ، طبع عام 1414 ،
دار المعرفة.
82 ـ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد المعتزلي ، الطبعة الثانية 1387 ، دار إحياء التراث العربي.
83 ـ شرح نهج البلاغة ، محمد عبده ، دار المعرفة.
84 ـ الشفا بتعريف حقوق المصطفى ، القاضي عياض اليحصبي ، طبع عام 1409 ، دار الفكر.
85 ـ شواهد التنزيل ، الحاكم الحسكاني ، الطبعة الأُولى عام 1411 ، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية.
86 ـ صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان ، محمّد بن حبّان ، الطبعة الثانية 1414 ، مؤسسة الرسالة.
87 ـ صحيح البخاري ، محمّد بن إسماعيل البخاري ، الطبعة الأُولى 1419 ، دار الكتب العلمية.
88 ـ صحيح الجامع الصغير ، محمد ناصر الدين الألباني ، الطبعة الثالثة 1421 ، المكتب الاسلامي.
89 ـ صحيح مسلم ، مسلم بن الحجاج القشيري ، الطبعة الأُولى 1416 ، دار ابن حزم.
90 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم ، علي بن يونس
البياضي ، تحقيق محمّد باقر البهبودي ، الطبعة الأُولى 1384 ، المكتبة المرتضوية.
91 ـ الصواعق المحرقة ، أحمد بن محمّد الهيتمي ، الطبعة الأُولى 1417 ، مؤسسة الرسالة.
92 ـ الضعفاء الكبير ، محمّد بن عمرو العقيلي ، الطبعة الثانية 1418 ، دار الكتب العلمية.
93 ـ طبقات الشافعية ، السبكي ، الطبعة الأُولى 1420 هـ ـ 1999 م ، دار الكتاب العلمية ، بيروت.
94 ـ الطبقات الكبرى ، محمّد بن سعد البصري ، الطبعة الثانية 1418 ، دار الكتب العلمية.
95 ـ عصمة الأنبياء ، الفخر الرازي ، الطبعة الثانية عام 1409 ، دار الكتب العلمية.
96 ـ عقائد الإمامية ، محمّد رضا المظفّر ، نشر مركز الأبحاث العقائدية.
97 ـ العلل ، أحمد بن حنبل ، الطبعة الأُولى 1408 ، المكتب الإسلامي ، بيروت.
98 ـ العمدة ، ابن البطريق الأسدي ، الطبعة الأُولى 1407 ، مؤسسة
النشر الإسلامي.
99 ـ عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية ، ابن أبي جمهور الأحسائي ، الطبعة الأُولى عام 1403 ، مطبعة سيّد الشهداء.
100 ـ عيون أخبار الرضاعليهالسلام ، ابن بابويه القمي ، الطبعة الأُولى عام 1404 ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.
101 ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني ، الطبعة الثانية ، دار المعرفة.
102 ـ فتح القدير ، محمّد الشوكاني ، طبعة عالم الكتاب.
103 ـ فتح المالك بتبويب التمهيد لابن عبد البر ، مصطفى حميدة ، الطبعة الأُولى 1418 ، دار الكتب العلمية.
104 ـ الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة ، علي بن محمد المعروف بابن الصباغ ، مطبعة العدل في النجف.
105 ـ الفضائل ، شاذان بن جبرئيل ، طبع عام 1381 ، المكتبة الحيدرية في النجف.
106 ـ فيض القدير شرح الجامع الصغير ، محمّد عبد الرؤوف المناوي ، الطبعة الأُولى 1415 ، دار الكتب العلمية.
107 ـ الكافي ، محمّد بن يعقوب الكليني ، الطبعة الثالثة 1388 ، دار
الكتب الإسلامية.
108 ـ الكامل في التاريخ ، عزالدين الشيباني ابن الاثير ، دار صادر.
109 ـ الكامل في ضعفاء الرجال ، عبد اللّه بن عدي ، الطبعة الثالثة 1409 ، دار الفكر.
110 ـ كتاب الدعاء ، سليمان بن أحمد الطبراني ، الطبعة الأُولى 1413 ، دار الكتب العلمية.
111 ـ كتاب السنّة ، عمرو بن أبي عاصم الضحاك ، الطبعة الثالثة 1413 ، المكتب الإسلامي.
112 ـ كشف الخفاء ومزيل الالباس ، إسماعيل بن محمّد العجلوني ، الطبعة الأُولى 1418 ، دار الكتب العلمية.
113 ـ كشف الغمة في معرفة الأئمة ، علي بن عيسى الإربلي ، الطبعة الأُولى 1421 ، دار الاضواء.
114 ـ كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي ، طبع عام 1422 ، مؤسسة النشر الإسلامي.
115 ـ كمال الدين وتمام النعمة ، ابن بابويه القمي ، طبع عام 1405 ، مؤسسة النشر الإسلامي.
116 ـ كنز العمال ، المتقي الهندي ، تحقيق بكر حياني ، صفوة السقا ،
مؤسسة الرسالة.
117 ـ الكنى والألقاب ، الشيخ عباس القمي.
118 ـ المبسوط ، شمس الدين السرخسي ، طبع 1398 ، دار المعرفة.
119 ـ مثير الأحزان ، ابن نما الحلي ، المطبعة الحيدرية.
120 ـ مجلة رسالة الإسلام ، نشر مجمع البحوث الإسلامية للاستانة الرضوية ومجمع التقريب.
121 ـ مجلة المنار ، محمّد رشيد رضا.
122 ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ، الفضل بن الحسن الطبرسي ، الطبعة الاُولى عام 1406 ، دار المعرفة.
123 ـ مجمع الزوائد ، نور الدين الهيثمي ، طبع 1408 ، دار الكتب العلمية.
124 ـ المجموع شرح المهذّب ، محيي الدين النووي ، الطبعة الأُولى 1417 ، دار الفكر.
125 ـ مجموع فتاوى ابن باز ، إعداد عبد اللّه بن محمّد الطيار ، الطبعة الأُولى سنة 1416 هـ ، دار الوطن.
126 ـ مجموعة مصنفات الشيخ المفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفية للشيخ المفيد.
127 ـ محاضرات الاُدباء ، حسين بن محمّد الراغب الاصفهاني ، منشورات دار مكتبة الحياة.
128 ـ المحلّى ، ابن حزم الأندلسي ، تحقيق أحمد محمّد شاكر ، دار الفكر ، بيروت.
129 ـ مختصر التحفة الاثني عشرية ، السيّد محمود الآلوسي ، طبع عام 1399 ، مكتبة ايشيق.
130 ـ مرقاة المفاتيح بشرح مشكاة المصابيح ، الملاّ علي القارئ ، تحقيق صدقي محمّد العطار ، المكتبة التجارية ، مكة المكرّمة 1412 هـ.
131 ـ المستدرك على الصحيحين ، محمّد بن محمّد الحاكم النيسابوري ، طبع عام 1406 ، دار المعرفة.
132 ـ مسند أبي داود ، أبو داود الطيالسي ، نشر دار الحديث.
133 ـ مسند أبي يعلى ، أحمد بن علي التميمي ، تحقيق حسين سليم أسد ، دار المأمون للتراث.
134 ـ مسند أحمد ، بتحقيق أحمد شاكر ، طبعة سنة 1414 هـ ، مكتبة التراث الإسلامي.
135 ـ المسند ، أحمد بن حنبل ، طبع في دار صادر.
136 ـ المسند ، علي بن الجعد الجوهري ، تحقيق عبد اللّه البغوي وعامر أحمد حيدر ، دار الكتب العلمية.
137 ـ مشرق الشمسين ، بهاء الدين العاملي ، طبع عام 1398 ، مكتبة بصيرتي.
138 ـ المصنّف ، ابن أبي شيبة ، الطبعة الأُولى 1409 ، دار الفكر.
139 ـ المصنّف ، عبد الرزاق الصنعاني ، تحقيق : حبيب الرحمن الأعظمي ، المجلس العلمي.
140 ـ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ، كمال الدين بن طلحة الشافعي ، الطبعة الأُولى 1420 ، مؤسسة اُمّ القرى.
141 ـ المعارف ، ابن قتيبة عبد اللّه بن مسلم ، الطبعة الأُولى 1415 ، منشورات الشريف الرضي.
142 ـ معاني الأخبار ، محمّد بن عليّ الصدوق ، طبع عام 1418 مؤسسة النشر الإسلامي.
143 ـ المعجم الأوسط ، سليمان بن أحمد الطبراني ، تحقيق إبراهيم الحسيني ، دار الحرمين.
144 ـ معجم البلدان ، ياقوت الحموي ، الطبعة الأُولى والثانية 1993 م ـ 1995 م ، دار صادر للطباعة والنشر.
145 ـ المعجم الصغير ، سليمان بن أحمد الطبراني ، دار الكتب العلمية.
146 ـ المعجم الكبير ، سليمان بن أحمد الطبراني ، تحقيق حمدي السلفي ، مكتبة ابن تيمية ، القاهرة.
147 ـ المغني ، عبد اللّه بن قدامة ، تحقيق جماعة من العلماء ، دار الكتاب العربي.
148 ـ المفهم لما أُشكل من صحيح مسلم ، القرطبي ، الطبعة الثانية 1420 هـ ـ 1999 م ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
149 ـ مقدمة ابن خلدون ، عبد الرحمن بن خلدون ، الطبعة الثانية 1416 ، المكتبة العصرية.
150 ـ الملل والنحل ، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ، دار المعرفة.
151 ـ مناقب الإمام علي بن أبي طالب ، ابن المغازلي علي بن محمّد ، طبع عام 1403 ، دار الأضواء.
152 ـ المناقب للخوارزمي ، الموفق بن أحمد الخوارزمي ، الطبعة الثانية 1411 ، مؤسسة النشر الإسلامي.
153 ـ المنتخب من الذيل المذيل ، ابن جرير الطبري ، مؤسسة الأعلمي.
154 ـ من له رواية في كتب السنّة ، الذهبي ، الطبعة الأُولى 1413 ، دار
القبلة للثقافة الإسلامية.
155 ـ منهاج السنّة ، ابن تيمية ، تحقيق محمّد رشاد سالم ، دار اُحد.
156 ـ منهج أهل البيت في مفهوم المذاهب الإسلامية ، مطبعة المدينة 1994.
157 ـ الموافقات في اُصول الشريعة ، إبراهيم بن موسى الشاطبي ، طبع عام 1420 ، مؤسسة الكتب الثقافية.
158 ـ المهدي المنتظر ، عبد العليم عبد العظيم البستوي ، الطبعة الأُولى 1420 ، دار ابن حزم ، المكتبة المكية.
159 ـ ميزان الاعتدال ، الذهبي ، الطبعة الأُولى 1382 هـ ، دار المعرفة ، بيروت.
160 ـ الميزان في تفسير القرآن ، محمّد حسين الطباطبائي ، طبع عام 1390 ، مؤسسة إسماعيليان.
161 ـ نظم درر السمطين ، محمّد بن يوسف الزرندي ، الطبعة الأُولى عام 1377 ، مكتبة الامام أمير المؤمنينعليهالسلام .
162 ـ نور الأبصار ، الشيخ مؤمن الشبلنجي ، الطبعة الأُولى 1418 ، دار الكتب العلمية.
163 ـ النهاية في غريب الحديث ، ابن الأثير ، الطبعة الرابعة 1364 هـ ش ، مؤسسة إسماعيليان.
164 ـ نيل الأوطار في أحاديث سيّد الأخبار ، محمّد الشوكاني ، طبع عام 1420 ، دار الكتب العلمية.
165 ـ هدي الساري إلى صحيح البخاري ، القسطلاني ، طبعة سنة 1421 هـ ـ 2000 م ، دار الفكر ، بيروت.
166 ـ الوافي بالوفيات ، صلاح الدين الصفدي ، الطبعة الثانية 1411 هـ ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
167 ـ وسائل الشيعة ، الحرّ العاملي ، طبعة مؤسسة آل البيتعليهمالسلام .
168 ـ وفيات الأعيان ، ابن خلگان ، الطبعة الأُولى 1419 هـ ـ 1998 م ، دار الكتاب العلمية ، بيروت.
169 ـ ينابيع المودّة لذي القربى ، سليمان بن إبراهيم القندوزي ، الطبعة الأُولى 1416 ، دار اُسوة.
دليل الكتاب
لأكون مع الصادقين. 1
مقدمّة المركز 2
مقدّمة المؤلّف للطبعة المحقّقة 8
[ لماذا ثم اهتديت ]. 13
المقدمة 19
القرآن الكريم عند أهل السنة والجماعة وعند الشيعة الإمامية الاثني عشرية 23
السنّة النبوية الشريفة عند أهل السنّة والجماعة وعند الشيعة الإمامية 30
العقائد عند الشيعة وعند أهل السنّة والجماعة 53
العقيده في اللّه تعالى عند الطرفين. 55
العقيدة في النبوة عند الطرفين. 65
أين الحقيقه؟ 80
1 ـ الإمامة في القرآن الكريم : 80
2 ـ الإمامة في السنّة النبوية : 83
رأي أهل السنّة والجماعة في الخلافة ومناقشته 88
1 ـ ولاية علي في القرآن الكريم : 92
2 ـ آية البلاغ تتعلّق أيضاً بولاية علي : 96
[ 3 ] ـ آية إكمال الدين تتعلّق أيضاً بالخلافة : 119
مناقشة القول بأنّ الآية نزلت يوم عرفة 127
العنصر المهم في البحث.. 151
حسرة وأسى. 179
شواهد أخرى على ولاية عليّ. 189
تعليق على الشورى. 195
الاختلاف في الثقلين. 201
[ الاختلاف في السنّة النبوية ] : 212
1 ـ الخلاف بين الصحابة في صحّة الحديث أو كذبه : 213
2 ـ اختلاف المذاهب في السنّة النبوية : 218
القضاء والقدر عند أهل السنّة والشيعة 232
القضاء والقدر عند أهل السنّة 232
عقيدة الشيعة في القضاء والقدر : 248
تعليقة على الخلافة ضمن القضاء والقدر : 254
الخمس.. 257
التقليد. 265
العقائد التي يُشنّع بها أهل السنّة على الشيعة 273
العصمة 281
عدد الأئمة الاثني عشر 291
علم الأئمة 293
البداء 299
التقية 309
القول بتحريف القرآن. 359
الجمع بين الصلاتين. 375
السجود على التربة 387
الرجعة ( العودة إلى الحياة ) 395
الغلوّ في حبّ الأئمة 401
المهدي المنتظر 409
مصادر الكتاب.. 429
دليل الكتاب.. 448