التقية في الفكر الاسلامي
ال دكتور السيد ثامر العميدي
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المركز :
الحمد للّه الواحد الأحد الذي تطمئن القلوب بذكره ، والصلاة والسلام على أبي القاسم محمد أشرف أنبياء اللّه ورسله ، وعلى آله المنتجبين أولي الألباب والنهى ، وعدل الكتاب المطهرين بمحكمه وكفى.
أما بعد فإنّ نشر مفاهيم الإسلام ، ومحاولة تصحيح النظر إلى بعضها عبر وسائل التثقيف الإسلامي الصحيح بالدعوة إلى اتباع القرآن الكريم ، والسُنّة المطهّرة ، يتطلب معرفة تلك المفاهيم وموقف الدين الإسلامي منها ، ووضعها في مكانها الصحيح بعد تشخيص موقعها من الفكر الديني ، وعمق تاريخها فيه ، وعلاقتها بديمومة ذلك الفكر وصلاحيتها للامتداد في كلِّ آن وزمان ، وقابليتها على استيعاب ما يفرزه تطور الحياة من مشاكل ومستجدات لوضع الحلول الشافية لها.
وإذا ما ثبت أنها من الدين ، فلا شكّ سيكون التعرض لها بحاجة إلى إجادة الدفاع عن كرامة الدين الحنيف والذب عن حماه من خلال التعريف المتين بمفاهيمه الراقية التي جاءت لخدمة الإنسان وبناء مجتمع حر كريم ، مع رصد سائر القنوات التي تصب فيها دسائس المغرضين وشبهات المغفلين لقلع جذورها بالحجج الدامغة ؛ لكي لا تكون وسيلة لضلالة من لم يعِ وجه الحق فيها.
ولعلَّ من بين تلك المفاهيم التي نطق بها القرآن الكريم والسُنّة المطهّرة هو مفهوم التقيّة الذي لم ينحصر في الواقع بدين الإسلام؛ بل عرفته الأديان السماوية كلّها ، وطبّقته سائر المجتمعات البشرية منذ أقدم العصور وإلى يوم الناس هذا ، لانسجامه التام مع مقتضى العقول وفطرة الإنسان في الحفاظ على كيانه ، بل مع فطرة الحيوان أيضاً كما هو المشاهد في سعي جميع الحيوانات نحو البقاء وهروبها من أسباب الفناء.
فالتقيّة إذن لم تكن قاعدة فقهية ، أو مبدأً إسلامياً صرفاً فحسب ، وإنّما هي كذلك قاعدة عقلية جبلت عليها العقول السليمة ، فحكمت بضرورة تجنب الضرر شخصياً كان أو نوعياً ، ومن هنا أصبح موقف الإسلام من التقيّة موقف المؤيد والمساند لا المؤصّل والمشرّع ، وما جاء في القرآن الكريم والسُنّة الثابتة بشأن التقيّة
إنما هو إمضاء لها لأنها من شرع ما قبلنا كما يفهم من تقية إبراهيم ويوسفعليهماالسلام ، ومن تقية أصحاب الكهف ومؤمن آل فرعون.
وبما أن تاريخ التقيّة ضارب بجذوره في أعماق الأديان قبل الإسلام ، كما حكاه لنا القرآن الكريم في أكثر من آية ، سيكون الصاقها بمذهب معين كما يحبّ إشاعته البعض من الجهل بحقيقة ذلك المفهوم والتخبّط الأعمى في تحديد تاريخه.
ومن هنا أصبح الدفاع عن التقيّة ليس دفاعاً عن مذهب ، ولا دفاعاً عن تشريع إسلامي ، وانما هو دفاع عن موقف الإسلام قرآناً وسُنّة في تبنيه وإمضائه وتأييده لهذا المفهوم ، بل هو في الواقع دفاع عن الفطرة والعقل السليم.
والكتاب الماثل بين يديك عزيزي القارئ ، حاول استجلاء أبعاد التقيّة كلّها بدراسة علمية مقارنة استطاع من خلالها أن يضع التقيّة في مكانها الصحيح بين معارف الإسلام ، ويشخّص موقعها من الفكر الديني بدقة ، مستهدياً بالقرآن الكريم أولاً ، وبالسُنّة المطهّرة ثانياً ، مبيناً تاريخها وأدلتها وأقسامها وشروطها وفوائدها والفرق بينها وبين النفاق مع الكثير من صورها القولية والفعلية عند مذاهب المسلمين وقادتهم من الصحابة والتابعين ، وغير ذلك من الاُمور التي لا غنى عنها في هذا المجال.
وإذ يسرّ مركز الرسالة أن يقدم لقرائه الأعزاء هذا الكتاب المتّسم بمراعاة المنهج العلمي الدقيق باعتماد الدليل المعتبر وتحليل النصوص ونقدها بمنطق العقل والعلم ، يأمل أن يسد في إصداره هذا جميع الثغرات المفتعلة بشأن التقيّة ، وأن يغلق منافذ التشكيك حولها بعد أن تمهّدت سائر السبل الناصعة في طياته لفهم التقيّة فهماً إسلامياً أصيلاً بعيداً عن التأويلات والمغالطات.
سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن يسدّد خطانا لخدمة دينه الحنيف ، ويمنحنا القوة على مواصلة العطاء الفكري النافع ، إنه سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربِّ العالمين
مركز الرسالة
المقدِّمة
نحمدك اللَّهم في الضراء والسراء ، ونلوذ بك في الشدة والرخاء ، ونصلي ونسلم على نبيك ورسولك العظيم محمد أشرف الرسل والأنبياء ، وعلى آله المنتجبين الأوصياء ، وأصحابهم المخلصين الأوفياء ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الجزاء ، وبعد.
إنّ التدبر في ما انطوت عليه مفاهيم الشريعة الإسلامية ، يعطي انطباعاً كافياً لعناية الإسلام الفائقة بكل ما يرفع من قدر الإنسان ، ويصون ماء محياه من الوقوف على أبواب المذلة والهوان التي لا تستسيغها النفوس المتطلعة إلى الكمال ، ولا يقبلها كل ذي مجد أثيل.
ويكفي أن الشريعة الغرّاء اسقطت في حالات الإكراه والاضطرار بعض الواجبات وأباحت بعض المحرمات لهذا المخلوق العجيب الذي مُيز عن سائر المخلوقات ، وجُعل أجل وأسمى من أن يعيش بلا غاية ولا هدف هملاً كالسوائم والهوائم التي ليس من شأنها أن تطمح في الوصول إلى مراقي العز والكرامة والشرف.
ومن بين تلك المفاهيم التي أحببنا الحديث عنها ، هو مفهوم التقيّة الذي طالما فهمه الجهلاء من خصوم الحق وأتباعه ، وسيلة للتخلص من تبعة التقصير في الدين ، أو المسائل التي تخدم المجتمع وتنفع الاُمّة ، فنقول :
ليست التقيّة شبيهة بالقدر الذي كان يراه معاوية ويرجع إليه والحثالة من أنصاره وأتباعه على طول التاريخ ، كلّما أرادوا التملص من جناية ارتكبوها أو ذنب اقترفوه ، ليكون في ذلك الرجوع عذراً مقبولاً يسعهم في ارتكاب ما شاءوا من الموبقات تحت ذريعة القدر!
كما أنها ليست دعوة إلى نشر ما يوجب ضعف العزيمة والوهن ، ولادعوة لزرع اليأس والقنوط في نفوس المؤمنين لكي تتعطل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهل رأيت مفهوماً اسلامياً ثابتاً كالتقيّة يدعو إلى ذلك؟ كيف والدين الحنيف لم تبرح مفاهيمه محلّقة وحدها في سماء الخلود ، خافقة عليها ألوية النصر والنجاح ، وتخترق بصوتها كل الآفاق حيث يحمله الهواء الطلق؟
فالتقيّة ليست نداءً لترك تعاليم الدين طمعاً في عيش زائل وحقير ، ولا جبناً ولا هلعاً وخوفاً إذا ما اتصل الأمر بحماية الدين أو ارتبط بمصلحة المجتمع الإسلامي ومنفعة الاُمّة وحفظ كيانها ، بل ستكون حينئذ تقية على الدين بوقايته وحفظه بالمضي قدماً على طريق الجهاد وبذل كل غال ونفيس ، واقتحام الأخطار ولو كان حتف المتقي فيها.
وأما التقيّة في حفظ النفوس والأعراض والأموال في غير تلك الحال ، فإنّما تكون بالسبل المتاحة شرعاً ، ولا ضير في ذلك فهي تقية تصب في خدمة الدين من طريق آخر ، وليست كما يتصورها الجهلاء خروجاً عن المسؤولية ، وهل رأيت ديناً قام بلا نفوس ، وأُهيب جانبه بالمذلة والفقر؟
إنّ الإسلام العظيم لم يشرّع شيئاً عبثاً ، ولن يضره ما يلقيه المشنّعون على مفاهيمه الراقية من الشُبه شيئاً ، حتى وإن توثقوا من تمكين جملة من
العقائد الفاسدة في نفوس البعض من المسلمين الذين أصبحوا على درجة كافية لتقبل الجهل والتمرن عليه ، فصاروا غثاءً كغثاء السيل لايملكون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
ولأجل هذا أصبح تبصير المشتبه وهدايته لما في الكتب التي يعتقد بصحتها ، وتنبيه المنتبه لما في بعض المسائل التي قد يغفل عنها ، وجعلها سلاحاً بيده لتحمل مسؤولية الدفاع عن مفاهيم الإسلام وتعاليمه ومعارفه قرآناً وسُنّة محفزاً قوياً على دراسة التقيّة واستجلاء أبعادها في أربعة فصول :
تناولنا فيالفصل الأول ، علاقة التقيّة بالإكراه ، ثم أركان الإكراه ، وأنواعه ، ودور القواعد الفقهية في بيان حكم ما يكره عليه ، ثم الفرق والاتفاق بين الضرورة والإكراه.
وكان هذا الفصل مهماً جداً باعتباره الركيزة التي تقف عليها أغلب مباحث الفصول اللاحقة.
وتعرضنا فيالفصل الثاني إلى أدلة التقيّة وأصولها التشريعية من القرآن والسُنّة والعقل ودليل الاجماع ، معتمدين بذلك على أصح ما ثبت نقله عند الفريقين.
وخصصناالفصل الثالث لأقسام التقيّة وبيان أهميتها وفوائدها ، والفرق بينها وبين النفاق.
أماالفصل الرابع والأخير فكان عن صور التقيّة في كتب العامّة ، وقد شرعنا أولاً ببيان الصور القولية ، ثم الفعلية ، وأخيراً الفتاوى التي تختص بمسائل التقيّة في فقه العامّة.
آملين من المولى أن يجعل بضاعتنا هذه خالصة لوجهه الكريم ،
صادقة في خدمة دينه العظيم ، نافعة يوم نفد عليه بلا مال ولا بنون ، إنّه سميع مجيب.
الفصل الأول
التقيّة والإكراه
التقيّة في اللغة : الحيطة والحذر من الضرر والتوقي منه ، والتقيّة والتقاة بمعنى واحد ، قال تعالى : «إلاّ أن تتقوا منهم تقاة »(1) أي : تقية ، بالاتفاق(2) .
قال ابن منظور : وفي الحديث : «قلت : وهل للسيف من تقية؟ قال : نعم ، تقية على اقذاء ، وهدنة على دخن» ومعناه : إنّهم يتقون بعضهم بعضاً ، ويظهرون الصلح والاتفاق وباطنهم بخلاف ذلك(3) .
فقد عرفها جمع من علماء المسلمين بألفاظ متقاربة وذات معنى واحد.
فهي عند الشيخ المفيد (ت / 413 هـ) عبارة عن : (كتمان الحق ، وستر
__________________
(1) سورة آل عمران : 3 / 28.
(2) تاج العروس 10 : 396 وسيأتي اتفاق المفسرين على تفسير (التقاة) بالتقيّة.
(3) لسان العرب 15 : 401 ، واُنظر : المصباح المنير / الفيومي 2 : 669 ، وأساس البلاغة / الزمخشري : 686 مادة (وَقِيَ).
الاعتقاد فيه ، ومكاتمة المخالفين وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين والدنيا)(1) .
وعرفها الشيخ الأنصاري (ت / 1282 هـ) ب (الحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق)(2) .
وقال السرخسي الحنفي (ت / 490 هـ) : (والتقيّة : أن يقي نفسه من العقوبة ، وإن كان يضمر خلافه)(3) ، وبهذا النحو عرّفها آخرون(4) .
يتضح من تعريف الشيخ الأنصاري للتقية أن إكراه الإنسان على الإتيان بشيء مخالف للحق يكون سبباً مباشراً من أسباب حصول التقيّة ، ويؤيّده ما جاء في قصة عمار بن ياسر وجماعته الذين اتقوا من المشركين فأجروا كلمة الكفر على ألسنتهم كرهاً ، حتى أنزل اللّه تعالى فيهم قرآناً : «إلاّ من أُكرِه وقلبه مطمئن بالإيمان »(5) وسيأتي تفصيل ذلك في مشروعية التقيّة.
ولكن يبدو واضحاً من خلال مراجعة موارد التقيّة في فقه المذاهب
__________________
(1) تصحيح الاعتقاد / الشيخ المفيد : 66.
(2) التقيّة / الشيخ الأنصاري : 37. واُنظر القواعد الفقهية / البجنوردي 5 : 44. والقواعد الفقهية / ناصر مكارم الشيرازي 3 : 13.
(3) المبسوط / السرخسي الحنفي 24 : 45.
(4) راجع تعريف التقيّة عند ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بشرح صحيح البخاري12 : 136. وعزالدين عبدالعزيز بن عبدالسلام السلمي في قواعد الأحكام في مصالح الأنام1 : 107. والآلوسي في روح المعاني3 : 121. والمراغي في تفسيره 3 : 137. ومحمد رشيدرضا في تفسير المنار 3 : 280 وغيرهم.
(5) سورة النحل : 16 / 106.
الإسلامية ، وتدبّر أدلتها من القرآن والسُنّة وسيرة الصحابة وتطبيقات التابعين وغيرهم من المسلمين أنه لا حصر للتقية على كتمان الحق وإظهار خلافه خوفاً على النفس من اللائمة والعقوبة بالإكراه ، لدخول ما إذا كان هذا الكتمان لمصالح أُخر فردية أو اجتماعية في مصاديق التقيّة وإن لم يكن ثمّة إكراه أصلاً ، ويؤيّده أن الإكراه لم يؤخذ قيداً في تعريف التقيّة اصطلاحاً ـ كما مرَّ ـ عند بعضهم.
إنّ نفي الملازمة بين الإكراه والتقيّة من وجه كما يُفهم من الكلام المتقدم مراعاة لأقسام التقيّة لا يعني نفيها من كلِّ وجه كما لا يعني عدم الحاجة إلى دراسة الإكراه في بحث التقيّة ؛ لأنّه من أهم وأقوى أسبابها على الإطلاق ، زيادة على ما في بحث الإكراه من الاُمور الباعثة على تقديمه بحيث لا يمكن معها اغفاله بحال ، وسوف نشير إلى بعضها وهي : 1 ـ إنّ جميع التفصيلات الفقهية الواردة في فقه المذاهب العاميّة الأربعة بشأن التقيّة إنّما هي مبحوثة عندهم في كتب الإكراه غالباً ، ولم نجد في جميع مصادرهم الفقهية التي رجعنا إليها كتاباً أو باباً بعنوان التقيّة ، ومن هنا قد يشتبه الأمر على بعضهم بان فقهاء العامّة لم يتناولوا التقيّة وأحكامها ، وربما يزعم وهو ليس ببعيد بأن جميع ما سنذكره من صور التقيّة في الفقه العامي كما في الفصل الأخير من هذا البحث لا علاقة له بالتقيّة ؛ لأنّه من الإكراه!! ورفع مثل هذا الاشتباه لا يكون إلاّ ببيان العلاقة بين الإثنين وأنها علاقة السبب بالمسبب والعلة بالمعلول.
2 ـ إنّ فهم أحكام التقيّة وبعض أقسامها متوقف على فهم الإكراه
ومعرفة أركانه ومقوماته وأقسامه وحالاته وصوره بحيث لو لم تبحث هذه الاُمور قبل التقيّة لاضطررنا إلى ذكرها ثانية مع توزيعها على أغلب مباحث التقيّة الآتية ، ولا يخفى ما في ذلك من تشتيت لاطراف البحث وتضييع لفائدته ، زيادة على ما يسببه ذلك من ارباك في المنهج العلمي الذي حرصنا على أن يكون دقيقاً وسليماً.
3 ـ اشتراك التقيّة بمعناها العام بأكثر مقومات الإكراه وأركانه بمعناها الإكراهي الخاص بجميعها مع فارق التسمية ، ومنه يعلم أن الملاك بين الإثنين واحد ، ولا شكّ ان هذا لا يتضح مع اهمال بحث الإكراه ، إلى غير ذلك من الأمور الاُخر التي طوينا عنها صفحاً.
إذن ، فلنقف هنيهة عند الإكراه ، لنتعرف على معناه لغة واصطلاحاً ، مع بعض خصوصياته المهمة وأقسامه وحالاته ؛ لكي تتضح بذلك العلاقة بينه وبين التقيّة مع وحدة الملاك بينهما.
أصل الاكراه لغةً : مأخوذ من الفعل (كَرَهَ) ، والاسم : (الكَرهُ) ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه ، بمعنى : أقهرك عليه ، وأما (الكُرْه) فهو المشقة ، يُقال : قمت على كُرْهٍ ، أي : على مشقة.
والفرق بين (الكَرْهِ) ، و (الكُرْهِ) أن الأول هو فعل المضطر ، بينما الثاني هو فعل المختار(1) .
وأمّا في الاصطلاح : فقد عرّفه التفتازاني بأنه : (حمل الغير على أن
__________________
(1) لسان العرب / ابن منظور 12 : 80 كَرَهَ.
يفعل ما لا يرضاه ، ولا يختار مباشرته لو خُلِّي ونفسه)(1) .
كما عرّفه عبدالعزيز البخاري الحنفي بقوله ، هو : (حمل الغير على أمرٍ يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ، ويصير الغير خائفاً به)(2) .
وعند السرخسي الحنفي ، هو : (اسم لفعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه ، أو يفسد به اختياره)(3) .
ولعلّ أوجز تعريف للإكراه هو ما نجده عند الشيخ الأنصاريرحمهالله ، إذ عرّف الإكراه بأنّه (حمل الغير على ما يكرهه)(4) .
ومن كل ما تقدم يعلم اتفاق الفريقين على كون الإكراه حالة من حالات الإجبار على النطق بشيء أو فعل شيء من غير رضا المكره ولا باختياره. ومع هذا فقد لا يتحقق الإكراه في الواقع وإن توفرت بعض مقوماته ، وهذا ما يستدعي التعرف على ما يتقوم به الإكراه من أركان ، وهو ما سنتناوله تحت عنوان :
لا خلاف بوجود أربعة أركان أساسية يتقوم بها الإكراه ، فإن توفرت واجتمعت كلّها تحقق الإكراه ، واما لو تخلف ركن منها ، فلا إكراه ، وهي : الأول ـ المُكْرِه : وهو من يصدر منه التهديد والوعيد ، ويشترط فيه أن يكون
__________________
(1) التلويح على التوضيح / سعد الدين التفتازاني 2 : 196 طبعة مصر / 1322 هـ.
(2) كشف الأسرار عن اصول البزدوي / عبدالعزيز البخاري 4 : 1503 طبعة دار الخلافة.
(3) المبسوط / السرخسي 24 : 38 من كتاب الإكراه.
(4) المكاسب / الشيخ الأنصاري 3 : 311 في الحديث عن شرط الاختيار من شروط المتعاقدين ، تحقيق مجمع الفكر الإسلامي ، لجنة تحقيق التراث ، ط1 ، قم / 1418 هـ.
قادراً على تنفيذ تهديده ووعيده بحق من يكرهه ، وإلاّ فمع عجزه عن ذلك يسقط الإكراه. ولا يشترط في المكرِه أن يكون سلطاناً أو حاكماً جائراً ، بل يكفي أن يكون قادراً متمكناً على تنفيذ وعيده وتهديده ، كما لا يشترط أن يكون المُكْرِه كافراً ، لأنّ العقل يحكم بلزوم حفظ النفس من الهلكة ، سواء كانت على أيدي بعض المسلمين أو الكفار ، وأنه لا فرق ـ بحكم العقل ـ في ضرورة تجنب الضرر شخصياً كان أو نوعياً ، من أي جهة كان.
الثاني ـ المُكْرَه : وهو من يقع عليه التهديد والوعيد ، ويشترط هنا أن يكون المُكْرَه متأكداً أو ضاناً بحصول الضرر على نفسه أو ماله أو عرضه أو على اخوانه أو دينه(1) فيما لو لم يأتمر بأمر المُكْرِه.
كما يشترط به أيضاً أن يكون عاجزاً عن دفع ما يتهدد به ، بطريق الهرب أو الاستغاثة ، أو المقاومة ونحو ذلك وأما لو لم يكن عالماً ولاظاناً بذلك أو كان قادراً على دفع ما هدد به فلا شك بأن ما يأتي به من قول أو فعل مخالف للحق بذريعة الإكراه عليه يكون محرماً ويعاقب عليه ، لعدم تحقق الإكراه بتخلف هذا الركن من أركانه.
الثالث ـ المُكْرَه به : وهو نوع الضرر المتوعّد به المُكرَه ، سواء كان ذلك الضرر متعلقاً بنفسه أو ماله أو عرضه أو اخوانه المؤمنين ، أو دينه.
وسواء كان ذلك الضرر مادياً كالضرب المبرح أو قطع الأطراف مثلاً ، أو معنوياً كالإهانة والتشهير ونحوهما.
هذا ، وأما لو لم يتصل الضرر بنفس المُكرَه ولا بماله ولا بعرضه ،
__________________
(1) لثبوت التقيّة عند الخوف الشخصي كما لو خاف المكرَه على نفسه أو عرضه أو ماله ، وكذلك عند الخوف النوعي كالخوف على الدين أو الوطن أو العشيرة ونحو ذلك.
ولا بأخوانه ، ولا بدينه ، ولا بمن تربطه معهم حتى صلة الإسلام ، كما لو أُكْرِهَ على أمر ، فإن لم يفعل قتلوا مشركاً ، فهنا لا اكراه ، لعدم تحقق الركن الثالث.
الرابع ـ المُكْرَه عليه : وهو نوع ما يراد تنفيذه من المُكرَه ، سواء كان كلاماً أو فعلاً. ويشترط فيه أن لا يكون الضرر الناتج عنه أكبر من الضرر المتوعد به المُكْرَه ، وكذلك أن يكون مما يحرم تعاطيه على المكرَه.
ومثاله : ان يُكره الإنسان على ارتكاب جريمة الزنا ، وإلاّ أخذت بعض أمواله ، أو ان يشهد زوراً على بريء ، وإلاّ فُصِل من وظيفته ، ففي مثل هاتين الصورتين ونظائرهما لا يجوز الإقدام على التنفيذ ، لاختلال الركن الرابع من أركان الإكراه.
كما يشترط أيضاً في هذا الركن أن يكون الإتيان به منجياً من الضرر بمعنى أن يحصل من اتيان المكرَه عليه الخلاص من الشر المتوعد به ، وأما لو علم المُكرَه بانه لا نجاة له مما هدد به حتى مع الإتيان بما أُمر فلا اكراه هنا ، ومثاله : أن يقول المُكرِه للُمكرَه : أعطني دارك وإلاّ أخذتها منك بالقوة.
أو أُقتل نفسك وإلاّ قتلتك ونحوه.
الإكراه في جميع صوره على نوعين ، وهما :
وهذا النوع لا يجب به شيء عندهم ، فكل ما أكرِه عليه المسلم فله ذلك وله أمثلة كثيرة جداً ، أشدها : التلفظ بكلمة الكفر ، وهنا يجب الالتفات إلى نقطة في غاية الأهمية في مسألة الإكراه على اللفظ المخالف للحق ،
ونعني بها صلة الألفاظ بأفعال القلوب التي لا سبيل للمكرِه إلى علمها في قلب المكره ، وعليه فلا يصح التجاء المكره إلى شيء منها قط ، كما لو أُكرِه على كلمة الكفر ، أو على الاعتقاد بعقيدة فاسدة ، أو إنكار كل ما ثبت أنه من الدين إنكاراً قلبياً لا لفظياً.
فمثل هذه الاُمور ونظائرها يجب الاحتراز فيها جداً ، بحيث لا يتعدى النطق باللفظ إليها ، لانها ممالا يصح فيه الإكراه ، فغاية الأمر : إن المكرَه يريد التخلص من الشر بإتيان اللفظ المخالف للحق ، لا أن يُؤمِن بما يتلفظ به حقيقة.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى صراحة في قوله تعالى : «لا يتَّخِذِ المُؤمنُونَ الكافِرينَ أولِيَاءَ مِنْ دون المُؤمِنينَ وَمَنْ يَفْعَل ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ وَيُحَذِّرُكُمْ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ »(1) .
ومما يلحظ هنا هو أن التحذير الشديد الوارد في الآية المباركة قد جاء مباشرة بعد تشريع التقيّة في الآية نفسها ، ثم أكده تعالى بقوله الكريم : «قُلْ إن تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ واللهُ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ »(2) .
وكل هذا التحذير قد جاء في سياق واحد بعد تشريع التقيّة ، لئلا يتحول إنكار المؤمن للحق بفعل الإكراه إلى إنكار قلبي كما يريده من أكرَهه؛ لأنّ الواجب أنْ يبقى القلب مطمئناً بالإيمان.
وفي هذا الصدد قال الفخر الرازي في تفسيره : (إنّه تعالى لما نهى
__________________
(1) سورة آل عمران : 3 / 28.
(2) سورة آل عمران : 3 / 29.
المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقيّة في الظاهر ، اتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقيّة ؛ وذلك لأنَّ من أقدمَ عند التقيّة على إظهار الموالاة ، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن ، فلا جرم بيّن تعالى أنّه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ، فيعلم العبد إنّه لابدّ أن يجازيه على ما عزم عليه في قلبه)(1) .
هذا ، ومن الجدير بالإشارة إنّ الإكراه اللفظي قد لا يكون هكذا في جميع صوره ، فلو أُكره المرء المسلم على الطلاق مثلاً ، وكانت نيته موافقة للفظه فلا يكون بهذا خارجاً عن ربقة الإسلام ، بخلاف مالو أُكرِه بالقتل على سب النبيصلىاللهعليهوآله وسبّه بكلِّ رضاً وارتياح ، فهو بهذا سيكون كافراً بلا خلاف.
لا شكّ أنّ الشريعة لم تبح جميع الأفعال المحظورة بلا قيد أو شرط ، لأنَّ الأفعال المحرمة في نظر الشريعة الغراء على نحوين :
أحدهما ، تسوغ معه التقيّة حال الإكراه عليه ، وأمثلته كثيرة كالتقيّة في السرقة ، أو اتلاف مال الغير ، أو الإفطار في شهر رمضان ، أو تأخير الصلاة ، أو الامتناع عنها إذا اقتضى الإكراه ذلك أو شرب الخمر على خلاف فيه ، ونحوها من الاُمور التي يجوز ارتكابها عند الإكراه عليها.
والآخر ، لا تسوغ معه التقيّة مطلقاً وفي جميع الأحوال مهما بلغت درجة الإكراه عليه ، كالاقدام مثلاً على قتل مسلم بريء بحجة الإكراه ، فهنا
__________________
(1) التفسير الكبير / الفخر الرازي 8 : 15.
لو أقدم المكره على القتل فلولي الدم القصاص بلا خلاف بين سائر فقهاء الشيعة ، وأحاديثهم المروية عن النبيصلىاللهعليهوآله وعترتهعليهمالسلام صريحة بهذا كل الصراحة ، وأيدهم على هذا أكثر فقهاء المذاهب سوى الاحناف كما سيأتي بيانه في مكان آخر في هذا البحث.
ومما يجب التنبيه عليه هنا ، هو أن التقيّة ليست واجبة شرعاً في جميع حالات الإكراه ، فهي قد تكون واجبة ، أو محرمة ، أو مباحة ، أو مندوبة ، أو مكروهة بحسب الأحكام التكليفية الخمسة ، ولكن ليس لاحكامها ضابط معين بحيث لا يمكن تجاوزه في جميع حالات الإكراه ومن أي مُكرَه ، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم.
نعم يستثنى من ذلك ما نصّ عليه الدليل المعتبر ، وأمّا ما لا نصّ فيه من صور الإكراه فيترك تقدير الإقدام على التقيّة فيه لمن يحمل عليها قسراً ، مع مراعاة اجتناب أصعب الضررين ، وسيأتي المزيد من التوضيح في بيان حكم ما يُكْرَه عليه ، مع صلة بعض القواعد الفقهية بهذا البيان.
إنّ من الثوابت التي لا يشك بها أحد هو أن الدين الإسلامي دين اليسر ورفع الحرج ، إذ أباحت الشريعة الإسلامية للمضطر والمكره ارتكاب المحظور شرعاً ، كل ذلك من أجل أن يعيش الإنسان حياة حرّة كريمة بعيدة عن كل ما يتلفها أو ينتقص من كرامتها وقدرها ، حتى ولو أدّى ذلك إلى ارتكاب المحرمات ، أو المساس بحقوق الآخرين التي صانتها الشريعة الإسلامية نفسها وبأروع ما يكون.
ومن هنا انطلق فقهاء المذاهب الإسلامية ليقعّدوا بعض القواعد
الفقهية المعبرة عن يسر هذا الدين العظيم وروحه السمحة ، ومن بين تلك القواعد الفقهية المتفق عليها ، قاعدة الضرر يُزال ، وقاعدةالضرورات تبيح المحظورات ، وغيرهما من القواعد الفقهية المتفرعة عن قاعدة (لا ضرر ولا ضرار )(1) وقد استمدوا هاتين القاعدتين من أُصول التشريع الإسلامي : قرآناً وسُنّة.
والسؤال المهم هنا ، هو : هل أنّ الشريعة الإسلامية أباحت للمُكْرَهِ أو المضطر كل محرم مهما كان بسبب ذلك الإكراه أو الاضطرار.
وبعبارة أُخرى : هل أن حديث الرفع المشهور عند جميع المذاهب الإسلامية(2) يجري على كل اكراه ، أو أنّ له حدوداً ثابتة لا يمكن تجاوزها بحال؟
والواقع ، إن الإجابة المفصلة على هذا التساؤل المهم جداً في بيان حكم ما يُكرَه عليه ، لا يمكن أن تتم ما لم يُعرَف قبل ذلك نوع الضرر المهدد به المكرَه ، مع معرفة الآثار السلبية الناجمة عن تنفيذ المكرَه للنطق أو الفعل الذي أُكْرِه عليه.
بمعنى ، ان تكون هناك معرفة بحجم الضرر المهدد به المُكْرَه ، مع معرفة المحرّم الذي يراد تنفيذه كرهاً؛ لكي تجري عملية موازنة بين الضررين ، حتى يرتكب أخفهما حرمة في الشريعة.
وفي المسألة صور كثيرة جداً ، إذ قد يكون الإكراه ، على قتل مسلم ، أو
__________________
(1) اُنظر : الأشباه والنظائر / السيوطي : 173 القاعدة الرابعة ، طبعة دار الكتاب العربي.
واُنظر قاعدة لا ضرر / السيد السيستاني 1 : 158.
(2) سيأتي ذكر الحديث في أدّلة التقيّة من السُنّة النبوية.
زنا ، أو قطع بعض الأطراف ، أو شرب خمر ، أو قذف مؤمن ، أو شهادة زور ، أو سرقة مال ، ونحوها.
وقد يكون التهديد والوعيد ، بالقتل ، أو التعذيب ، أو السجن ، أو النفي ، أو الإهانة ، أو التشهير ، أو الغرامة المالية ، أو هتك العرض ، أو تهديم الدار ، أو الفصل من الوظيفة ، وغيرها.
وهذه الصور الكثيرة يمكن جمعها في ثلاث صور لا رابع لها وهي :الصورة الاُولى : ان يكون الضرر المهدد به المُكْرَه تافهاً وحقيراً ، بينما يكون المحرّم المراد ارتكابه عظيماً وجسيماً.
الصورة الثانية : عكس الاُولى.
الصورة الثالثة : يتساوى فيها الضرران.
وهذا مع قربه من الإجابة على التساؤل السابق إلاّ إنّه لا يكفي في ذلك؛ لوجود جوانب أُخر ذات صلة وثقى بتحديد الجواب ، ويأتي في مقدمتها ، اختلاف الناس وتفاوت رتبهم ودرجاتهم ، فالإمام ليس كالمأموم ، والرئيس يختلف عن المرؤوس ، والعالم ليس كالجاهل ، والفقيه ليس كالمقلد ، والنابه الذكي ليس كالخامل الغبي.
ولاشك ان هذا الاختلاف في رتب الناس ودرجاتهم يؤثر سلباً أو إيجاباً في تقدير موقف المكرَه نفسه أولاً ، مع تأثيره المباشر أيضاً في تقدير الأفعال أو الأقوال المطلوبة منه ثانياً ، وفي تقدير الاُمور المخوف بها ثالثاً.
إذ قد (يكون الشيء اكراهاً في شيء دون غيره ، وفي حق شخص دون
آخر)(1) .
فقد يرى بعضهم في نوع الضرر المهدد به ما يبرر له ارتكاب المحرم؛ لأجل التخلص من ذلك الضرر بأية وسيلة.
ويرى الآخر في ارتكاب المحرم البسيط عند الالجاء القهري إليه خطراً جسيماً على العقيدة الإسلامية برمتها ، بناء على موقعه الديني الرفيع مثلاً ، فتراه يقدم على التضحية بكل غالٍ ونفيس ولا يتقي من أحد.
هذا زيادة على أن الاختلاف المذكور له تأثيره المباشر في مسألة التخلص من التقيّة باستخدام التورية ، فيخدع بها المُكرِه ويخلّص نفسه بها من شرّه.
حاول الفقهاء ان يجدوا الإجابة العامّة الشافية للتساؤل السابق من خلال قواعدهم الفقهية المسلّمة الصحة الخاصة بالضرر وكيفية التعامل معه وازالته ، وسوف نشير إلى أهم تلك القواعد على النحو الآتي :
تصب هذه القاعدة في رافد الإجابة على التساؤل السابق حول حديث الرفع؛ لأنّها تفيدنا في معرفة حكم ما يكره عليه الإنسان ، وقد مرّ ورود لفظ (الإكراه) في الحديث صراحة.
__________________
(1) الأشباه والنظائر / السيوطي : 370.
ويتوقف هذا على بيان صلة القاعدة بالإكراه والتقيّة ، إذ قد يقع الإنسان بين ضررين وهو مضطر إلى أحدهما ، فيرتكب أخفهما لدفع أعظمهما بموجب القاعدة وحينئذ لا إكراه في المقام ولا تقية من أحد!!
ولكن القاعدة لم توضع لأجل هذا فحسب ، بل هي عامة تنطبق على موارد الضرر كافة ومن بينها الضرر الناتج بفعل الإكراه الذي لا خلاص منه إلاّ بالتقيّة شأنها بذلك شأن القواعد الفقهية الاُخرى الآتية الخاصة بالضرر.
وتوضيح ذلك يتم من خلال معرفة أقسام الضرر ، كالآتي :
يقسم الضرر تبعا للأسباب المؤدّية إلى حصوله إلى ثلاثة أقسام ، وهي :
1 ـ الضرر الناتج من نفس المتضرر ، وهو ما يعبر عنه بالضرر الحاصل من سوء الاختيار كموارد تعجيز الإنسان نفسه مثلاً.
2 ـ الضرر الناتج بفعل العامل الطبيعي كالزلازل ونحوها.
3 ـ الضرر الناتج من شخص آخر ، ويعبر عن الضررين الأخيرين بالضرر الحاصل من غير سوء الاختيار.
ومن الواضح ان الإكراه لا يكون إلاّ من الغير كما تقدم في أركانه ، وهذا يعني صلة الضرر الأخير بالإكراه إذا كان من ظالم؛ لأنّ الضرر الحاصل من الغير قد يكون بإكراه وقد لا يكون. على أن بعض فقهائنا الأعلام أدخل موارد التقيّة حتى في الضرر الناتج عن سوء الاختيار ، كما نجده صريحاً في تقريرات بحث السيد الخوئي الأصولية(1) ، إذ ورد فيها القول بصحة تعجيز الإنسان نفسه في موارد التقيّة. وبما ان القاعدة لم تختص بمورد ضرري معين كما هو حال القواعد الفقهية الاُخرى ، بل ناظرة إلى مطلق الضرر
__________________
(1) محاضرات في اصول الفقه / محمد اسحاق الفياض 4 : 243 ، مبحث الأجزاء ، في مسألة حكم الأضرار بسوء الاختيار.
فتكون صلتها بالإكراه والتقيّة واضحة جداً.
وهذه القاعدة الفقهية لا خلاف في صحتها عند جميع الفقهاء ، وهي منسجمة تماماً مع روح التشريع الإسلامي ومرونته ، وجارية على وفق مقتضيات العقل السليم ، فهي على ما يقول السيد الخوئيقدسسره : (من القضايا التي قياساتها معها ، فلا تحتاج إلى برهان أو مؤنة الاستدلال)(1) .
وفيها يقول الندوي : (إذا اجتمع للمضطر محرّمان كل منهما لا يباح بدون الضرورة ، وجب تقديم أخفهما مفسدة وأقلهما ضرراً ، لأن الزيادة لا ضرورة إليها فلا يباح)(2) .
وقال الزيلعي : (الأصل في جنس هذه المسائل : إنّ من ابتُلِيَ ببليّتين ، وهما متساويتان يأخذ بأيهما شاء ، وإن اختلفتا يختار أهونهما؛ لأنَّ مباشرة الحرام لا تجوز إلاّ للضرورة ، ولا ضرورة في حق الزيادة)(3) .
وفي هذا الصدد ، يقول الغزالي : (وارتكاب أهون الضررين يصير واجباً بالإضافة إلى أعظمهما ، كما يصير شرب الخمر واجباً في حق من غص بلقمة أي : ولم يجد ماءً ، وتناول طعام الغير واجباً على المضطر في المخمصة ، وإفساد مال الغير ليس حراماً لعينه ، ولذلك لو اُكْرِه عليه بالقتل وجب أو جاز)(4) .
وقد صيغت هذه القاعدة بألفاظ أُخرى في كتب القواعد الفقهية وغيرها ، ومن تلك الصياغات ما تجده في شرح القواعد الفقهية إذ وردت
__________________
(1) اُنظر : مصباح الاُصول2 : 562 في التنبيه السابع من تنبيهات قاعدة لا ضرر ، المسألة الاُولى.
(2) القواعد الفقهية / علي أحمد الندوي : 225 ، دار القلم ، دمشق / 1412 هـ ، وأشار في هامشه إلى قواعد ابن رجب الحنبلي : 246 القاعدة رقم 112.
(3) الأشباه والنظائر / ابن نجيم الحنفي : 89.
(4) المستصفى / الغزالي 1 : 89 دار الكتب العلمية / 1403 هـ.
بهذه الصيغة : (إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما)(1) وهي نفسها عند ابن نجيم الحنفي(2) ونظيرها عند آخرين(3) .
هذا ، وقد فرّع فقهاء العامّة على هذه القاعدة جملة من الفروع ، نذكر منها ما ذكره الشيخ الزرقا من فروع هذه القاعدة وهي :
أ ـ تجويز السكوت على المنكر إذا كان يترتب على انكاره ضرر أعظم.
ب ـ تجوز طاعة الأمير الجائر إذا كان يترتب على الخروج عليه شرّ أعظم(4) .
إنّ من أوجه الاتفاق بين الضرورة والاكراه ـ كما سيأتي ـ هو ان مفهوم الضرورة العام يعني تحققها بمجرد حلول خطر لا يندفع إلاّ بمحظور ، وعليه سيكون الاكراه داخلاً بهذا المفهوم العام.
واذا اتضحت صلة الضرورة بالاكراه اتضحت صلتها بالتقيّة أيضاً على أن في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام ما يؤكد هذه الصلة أيضاً.
ففي حديث الإمام الباقرعليهالسلام : «التقيّة في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به »(5) .
__________________
(1) شرح القواعد الفقهية / أحمد بن محمد الزرقا : 201 القاعدة رقم 28 ، ط2 ، دار القلم ، دمشق / 1409 هـ.
(2) الأشباه والنظائر / ابن نجيم الحنفي : 89.
(3) كالغزالي في إحياء علوم الدين 3 : 138 ، والقرافي المالكي في الفروق 4 : 236 (الفرق الرابع والستون والمائتان). والفرغاني الحنفي في فتاوى قاضيخان 3 : 485 ، مطبوع بهامش الفتاوى الهندية.
(4) شرح القواعد الفقهية : 201 في شرح القاعدة رقم 28.
(5) اُصول الكافي 2 : 219 / 13 باب التقيّة ، من كتاب الإيمان والكفر.
وما تعنيه هذه القاعدة ، هو أن ما تدعو إليه الضرورة من المحظورات إنّما يرخّص منه القدر الذي تندفع به الضرورة فحسب ، فإذا اضطر الإنسان لمحظور لأي سبب مسوّغ كالاكراه ، أو المخمصة ونحوهما ، فليس له أن يتوسع في المحظور ، بل يقتصر منه على قدر ما تندفع به الضرورة فقط.
ومن ثمرات هذه القاعدة كما صرّح به الشيخ الزرقا : «إنّه من أُكْرِهَ على اليمين الكاذبة فإنّه يُباح له الإقدام على التلفظ مع وجوب التورية والتعريض فيها إنْ خطرت على باله التورية والتعريض»(1) .
وهناك قواعد أُخرى تصب في هذا الاتجاه أيضاً ، سنكتفي بذكرها دون شرحها لأجل الاختصار ، وهي :
وقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى أبعد من هذه القاعدة في حال التقيّة ، إذ جوّز التقيّة للمكره في صورة إزالة الضرر عن نفسه حتى مع كون الضرر على الغير أشد ما لم يصل إلى حد القتل ، فقال في حديثه عن قاعدة لاضرر الآتية : (اتفقوا على أنه يجوز للمكره الاضرار على الغير بما دون القتل ، لأجل دفع الضرر عن نفسه ، ولو كان أقل من ضرر الغير)(2) .
وهذا مالم يوافقه عليه جملة من كبار الفقهاء المعاصرين آخذين بهذه القاعدة(3) .
وفي هذه القاعدة قسّم السيد الخوئيقدسسره ، والسيد السيستاني الضرر إلى
__________________
(1) شرح القواعد الفقهية / أحمد بن محمد الزرقا : 188 في شرح القاعدة رقم 21.
(2) رسائل الشيخ الأنصاري : 298 ، في آخر البحث عن أصل الاشتغال.
(3) القواعد الفقهية / ناصر مكارم الشيرازي 1 : 89 في قاعدة التقيّة. واُنظر : مصباح الاُصول (تقريراً لبحث السيد الخوئي) 2 : 562 ، والتنبيه السابع من تنبيهات قاعدة لا ضرر.
أنواعه المتقدمة مع بيانهما وأسبابه التي ذكرناها سابقاً ، ومن مراجعتها تعلم صلة هذه القاعدة بالتقيّة فضلاً عن اتفاقهم على ادخال الضرر الناتج عن اكراه في موجب هذه القاعدة.
وهذه القاعدة متفرعة عن قاعدة لا ضرر المتقدمة كما نجده في قاعدة لا ضرر للسيد السيستاني وغيره ، ومن أوضح تطبيقاتها عندهم جواز التلفظ بكلمة الكفر في حال الاكراه عليها(1) .
ولا يخفى بان ما جوّزوه لا يكون إلاّ في حال التقيّة ، وهذا هو معنى صلة القاعدة بموضوع البحث ، وهو التقيّة ، على أن الشيخ الانصاري صرّح في بحث التقيّة بما يفيد المقام جداً وسوف نذكر نص كلامه في الحديث عن صلة حديث الرفع بالتقيّة ، فلاحظ.
وبما أنّ صلة هذه القواعد بالتقيّة صلة وثيقة جداً ، بل هي صلة الضرورة بالاكراه ، ومن هنا لا بدّ من التعرض للعلاقة القائمة بين الضرورة والاكراه ، تحت عنوان :
ونكتفي هنا بفارقين مهمّين وهما :
وذلك أن في الاكراه يُدفع المُكرَه إلى إتيان المحظور من قبل شخص آخر بقوة الاكراه.
وأما في الضرورة فلا يدفع المرء إلى ارتكاب المحظور أحد ، وإنما
__________________
(1) قاعدة لا ضرر / السيد السيستاني 1 : 158. والأشباه والنظائر / السيوطي : 92 93.
يكون المرء المضطر في ظرف خاص صعب يقتضي الخروج منه ارتكاب المحظور؛ لكي ينقذ نفسه أو عائلته من الهلاك المحتم ، كالاضطرار إلى أكل لحم الميتة في حالة الجوع الشديد مع عدم وجود ما يؤكل غيره.
ويتّضح هذا الفرق من خلال معرفتنا بأنّ امتناع المكرَه عن تنفيذ ما أُكرِه عليه قد يكون في بعض صور الإكراه واجباً عليه كما في الإكراه على القتل مثلاً.
وأما في حالة الاضطرار إلى ارتكاب المحرم لسد الرمق بعد الوقوع في مخمصة فالامتناع عنه حرام يعاقب عليه.
يمكن القول بأنّ الفرق الأخير يُعدُّ من حيثية أُخرى اتفاقاً بين الضرورة والإكراه ، لأنَّ كلاً منهما يهدف إلى صيانة النفوس من التلف.
وهذا لا يعني انعدام الصلة بينهما إلاّ في هذه الحيثية ، بل هناك جوانب اتفاق بين الضرورة والإكراه ، وهي :
لأنّ الفاعل فيهما لا يجد سبيلاً للخلاص من الشر المحدق به غير ارتكاب المحظور.
وهو هاهنا واحد ، وهو الفاعل سواءً كانت الآثار سلبا عليه كما في حال امتناعه عن ارتكاب المحظور عن ضرورة أو إكراه ، أو إيجابا له كما لو ارتكبه بسبب أيٍّ منهما كما هو واضح.
ومن نقاط الاتفاق الواضحة بينهما هو أن الضرورة تجعل المحظور مباحاً كما مرَّ في قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) ، وكذلك الحال مع الاكراه ، إذ يبيح ارتكاب بعض المحرمات ، ومنها المساس بحقوق الآخرين.
وعلى هذا الوجه يدخل الاكراه في مفهوم الضرورة العام الذي يعني تحققها بمجرد حلول خطر لا يندفع إلاّ بمحظور(1) .
ومن هنا يتبين عدم الفرق بينهما من جهة الملاك ، لأنّ ملاكهما واحد ، وهو رفع الضرر الأهم بارتكاب ترك المهم(2) .
ولهذا علّل بعض فقهاء القانون الوضعي انتفاء المسؤولية في حالة الضرورة بفكرة الاكراه؛ لأنَّ من يكون في حالة ضرورة هو مكره على الفعل الذي يخلصه منها ، وكثير منهم قرن أحدهما بالآخر(3) .
وبهذا العرض الموجز عن الاكراه وصلته بالضرورة والتقيّة ، نعود إلى الحديث عن التقيّة لنتعرف أولاً على أصولها ومصادرها التشريعية عبر بيان أدلتها من القرآن الكريم والسُنّة المطهّرة ، ودليل العقل والإجماع.
__________________
(1) راجع : الضرورة في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي / الدكتور محمد محمود عبدالعزيز الزيني : 59 ، مؤسسة الثقافة الجامعية ، الاسكندرية / 1993 م.
(2) راجع القواعد الفقهية / ناصر مكارم الشيرازي 2 : 19.
(3) راجع الإحكام العامة في قانون العقوبات / الدكتور السعيد مصطفى السعيد : 417 ، وشرح قانون العقوبات القسم العام / الدكتورمحمود المصطفى : 326 نقلاً عن الضرورة للدكتور محمد محمود الزيني : 223.
الفصل الثاني
أدلة التقيّة وأصولها التشريعية
المبحث الأول
أدلة التقيّة من القرآن الكريم
لا شكّ أنَّ من قال بالقرآن الكريم صدَق ، ومن حكم به عَدَل ، ومن عمل به أُجِر ، ومن دعا إليه هُدِي إلى صراط مستقيم.
وكيف لا ، وهو يهدي للتي هي أقوم ، مع كونه بياناً للناس وهدىً وموعظة للمتقين؟
ومع هذه الحقيقة الناصعة التي طفحت بها آيات الكتاب ، وأكدتها السُنّة النبوية بأعظم التأكيد ، إلاّ إنّك قد تجد من يسيء إلى المفاهيم القرآنية الواضحة فيه أبلغ الإساءة كمفهوم التقيّة ، فيدّعي أنها من النفاق! وهذا يكشف عن كون اتخاذ القرار في التخطيط لأية مسألة فكرية تتصل بعقيدة المسلمين ، أو الأحكام الشرعية وفهمها فهماً دقيقاً لا يناط أبداً بغير المخلص الكفوء ، خشيةً من الوقوع في الانحراف الفكري عن قصد أو بدون قصد.
والعجب إنّك ترى تلك الإساءة ممن يدّعي العلم والفهم وتلاوة القرآن الكريم ، وكأنه لم يمر في تلاوته أبداً على ما سنتلوه عليك من آيات بينات وما قاله المفسرون بشأنها.
إنَّ الآيات القرآنية الدالة على اليسر ونفي الحرج وعدم إلقاء النفس إلى التهلكة ، أو المشيرة إلى أنّ المُكرَه أو المضطر إلى المحرم لا جرم عليه ، غير خافية على أحد ، ولا ينكرها إلاّ الجاهل المتعسف أو المعاند الصلف ، وكلامنا ليس مع هذا الصنف ، بل مع من يعي أن نبينا الكريمصلىاللهعليهوآله بعث بالحنيفية السمحة ثم يشتبه عليه أمر التقيّة.
ونحن إذ نتعرض هنا للأدلة القرآنية الدالة على مشروعية التقيّة ، نود التذكير بأن الدليل الواحد المعتبر الدال على صحة قضية يكفي لإثباتها ، فكيف لو توفّرت مع إثباتها أدلة قرآنية كثيرة ، لم يُختَلَف في تفسيرها؛ لأنّها محكمة يُنبئ ظاهرها عن حقيقتها ولا مجال لمتأوّلٍ فيها؟
ومع هذا سوف لا نكتفي بدليل قرآني واحد ، بل سنذكر أربع آيات مباركة ، من بين الآيات القرآنية الكثيرة الدالة على مشروعية التقيّة.
والسبب في هذا الحصر والانتقاء ، إنّا وجدنا القرآن الكريم قد تعرض إلى بيان تقية المؤمنين في الاُمم السالفة بآيتين صريحتين ، كما وجدناه قد أمضى تلك التقيّة بتشريعاته الخالدة في أكثر من آية ، انتقينا منها آيتين فقط ، لما فيهما من وضوح تام حول امتداد ظل ذلك التشريع العظيم إلى وقت مبكر من عمر الرسالة الخاتمة.
ومن هنا قسّمنا الأدلة المذكورة على قسمين : أحدهما ، ما اتصل بالتقيّة قبل الإسلام ، والآخر : ما اتصل بها عند انطلاق دعوة الحق من البيت
العتيق ، واليك التفصيل :
قال تعالى : «وَكَذلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبثْنَا يَوماً أو بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرَقِكُمْ هذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزكى طَعَاماً فلْيأتِكُمْ بِرِزقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَداً * إنَّهُمْ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يِرْجُمُوكُمْ أوْ يُعِيدُوكُمْ في مَلَّتِهم وَلَن تُفلِحُوا إذاً أبداً »(1) .
في هاتين الآيتين المباركتين أصدق تعبير على أنّ التقيّة كانت معروفة وجائزة في شرع ما قبلنا (نحن المسلمين) وهي صريحة في تقية أصحاب الكهف رضي اللّه تعالى عنهم ، وقد أفاض المفسرون في بيان قصتهم وكيف أنّهم كانوا في ملّة كافرة وأنهم كانوا يكتمون إيمانهم قبل أن يدعوهم ملكهم إلى عبادة الأصنام ، فلجأوا إلى الكهف بدينهم(2) .
قد يقال بأنَّ اللّه عزَّ وجلَّ أورد من نبأهم ما يدل على عدم تقيتهم ، كقوله تعالى : «وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِم إذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ
__________________
(1) سورة الكهف : 18 / 19 ـ 20.
(2) راجع : تفصيل قصتهم في مجمع البيان / الطبرسي5 : 697 ـ 698. وزاد المسير / ابن الجوزي 5 : 109 ـ 110. والجامع لأحكام القرآن / القرطبي10 : 357 ـ 359. وتفسير الطبري 15 : 50. والدر المنثور / السيوطي5 : 373. والتفسير الكبير / الفخر الرازي21 : 97. وتفسير أبي السعود6 : 209. وقد وردت قصتهم عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وقتادة وغيرهم.
لَنْ نَدْعُوا مِن دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنَا إذاً شَطَطاً »(1) وهذا القول دالٌ على عدم تقيتهم.
وقولهم : «رَبُّنَا رَبُّ السَّمواتِ وَالأرضِ لَنْ نَدْعُوا مِنْ دُونِهِ إلهاً » ، هو قول من لا يرى التقيّة أصلاً ، فأين تقية أصحاب الكهف إذن؟!
وبيان ذلك أنَّ ما صدر عنهم من أقوال معبِّرة عن عدم تقيتهم إنّما صدر بعد انكشاف أمرهم ، إذ كانوا قبل ذلك يكتمون إيمانهم عن ملكهم كما في لسان قصتهم ، على أن في القصة ذاتها ما يعبر بوضوح عن إيصائهم لمن بعثوه بعد انتهاء رقدتهم بالتقيّة ، كما يفهم من عبارة «وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَداً ».
ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام قوله : «ما بلغت تقية أحد تقية أصحاب الكهف ، إنْ كانوا ليشهدون الأعياد ، ويشدّون الزنانير ، فأعطاهم اللّه أجرهم مرتين »(2) .
إذن ، تقية أصحاب الكهف لا مجال لانكارها في جميع الأحوال سواء قبل تصميمهم على ترك المداراة مع القوم واللجوء إلى الكهف ، أو بعد انتهاء رقدتهم ، ولكن الحق ، أن تقيتهم الاُولى كانت قاسية على نفوسهم
__________________
(1) سورة الكهف : 18 / 14.
(2) اُصول الكافي 2 : 174 ـ 175 / 14 و 19 كتاب الإيمان والكفر باب التقيّة ، المكتبة الإسلامية ، طهران / 1388 هـ.
لما فيها من مجاهدة نفسية عظيمة؛ لا سيّما إذا علمنا أنهم من أعيان القوم ومن المقربين إلى الملك الكافر دقيانوس قبل أن ينكشف أمرهم.
ولا ريب بان تقية المسلم من المسلم لا تكون مثل تقية المسلم من الكافر ، بل وما يُكرَه عليه المسلم من كافر مرة واحدة أو مرات لا يُقاس بمعاناة الفتية الذين آمنوا بربهم ، لأنهم قضوا شطراً من حياتهم بين قوم عكفوا على عبادة الأصنام والأوثان.
وبهذا يتّضح الوجه في شدّة تقيّتهم كما مرّ عن الإمام الصادقعليهالسلام ؛ إذ كيف لا يشدّون الزنّار على وسطهم وهم عاشوا في أوساطهم؟ وكيف لا يشهدون أعيادهم وهم من أعيانهم؟
وهو ما ذهب إليه عمدة المفسّرين من العامّة كما يظهر من :
قال الفخر الرازي : (وقوله : «وَلْيَتَلَطَّفْ » أي : يكون ذلك في سر وكتمان ، يعني دخوله المدينة وشراء الطعام)(1) .
وأوضح من هذا ما صرّح به القرطبي المالكي بشأن توكيل أصحاب الكهف لأحدهم بشراء الطعام مع إيصائه بالتقيّة من القوم الكافرين باخفاء الحقيقة عنهم بالتكتم عليها ، فقال ما هذا نصه :
(في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أن الوكالة إنّما كانت مع التقيّة خوف ان يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من خوف على أنفسهم ، وجواز توكيل
__________________
(1) التفسير الكبير / الفخر الرازي 21 : 103.
ذوي العذر متفق عليه)(1) .
قال تعالى : «وقالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَونَ يَكْتُمُ إيمَانَهُ أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُم بالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُم وإنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وإنْ يَكُ صَادِقاً يُصبكُمْ بَعْضُ الّذي يَعِدُكُمْ إنَّ اللهَ لا يَهدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ »(2) .
هذه الآية المباركة هي الاُخرى تحكي مشروعية التقيّة قبل بزوغ شمس الإسلام بقرون.
وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية على التقيّة سوف نذكر طائفة من أقوال المفسرين بشأنها؛ ليُعلم اتفاقهم على مشروعية التقيّة قبل الإسلام ، وسيأتي تصريحهم ببقائها إلى يوم القيامة ، كالآتي :
نقل الماوردي في تفسيره عن الحسن البصري ، أنّ هذا الرجل كان مؤمناً قبل مجيء موسىعليهالسلام ، وكذلك امرأة فرعون ، فكتم إيمانه.
وأورد عن الضحاك ، بأنّه كان يكتم إيمانه للرفق بقومه ، ثم أظهره فقال ذلك في حال كتمه(3) .
ولا شكّ أنَّ ما يعنيه كتمان الإيمان هو التقيّة لا غير؛ لأنه إخفاء أمر ما خشية من ضرر إفشائه ، والتقيّة كذلك.
__________________
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 376 ـ 377.
(2) سورة غافر : 40 / 28.
(3) النكت والعيون / الماوردي 5 : 153 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
2 ـ ما قاله ابن الجوزي :
أورد ابن الجوزي عن مقاتل بشأن مؤمن آل فرعون : (إنّه كتم إيمانه من فرعون مائة سنة)(1) .
لقد بيّن لنا القرآن الكريم قبل الآية المذكورة السبب الذي دفع مؤمن آل فرعون إلى قوله المذكور ، وهو رغبة فرعون بقتل موسىعليهالسلام ، قال تعالى : «وقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُوني أقتُل موسى وَليَدَعُ رَبَّهُ إنِّي أخَافُ أنْ يُبدِّلَ دِينَكُمْ أوْ أن يُظهِرَ في الأرضِ الفَسَادَ »(2) .
3 ـ ما قاله الرازي :
وهنا قد يقال كما في تفسير الرازي : (إنّه تعالى حكى عن ذلك المؤمن أنّه كان يكتم إيمانه ، والذي يكتم إيمانه كيف يمكنه أن يذكر هذه الكلمات مع فرعون؟).
وقد بيّن الرازي أن في المسألة قولين :
الأول : إنّ هذا المؤمن لما سمع قول فرعون : «ذَرُوني أقْتُلْ مُوسى »لم يصرح بأنه على دين موسىعليهالسلام بل أوهم أنه مع فرعون وعلى دينه ، مبيّناً ان المصلحة تقتضي ترك قتله ، لأنه لم يرتكب ذنباً وإنما كان يدعو إلى اللّه عزَّ وجلَّ ، وهذا لا يوجب القتل.
الثاني : إنّه كان يكتم إيمانه ، ولما علم بقول فرعون المذكور أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى وشافه فرعون بالحق(3) .
__________________
(1) زاد المسير / ابن الجوزي 7 : 312.
(2) سورة غافر : 40 / 26.
(3) التفسير الكبير / الرازي 27 : 60.
على أن تقيته واضحة جداً حتى على القول الثاني؛ لأنّهرضياللهعنه كان قد أظهر إيمانه وشافه فرعون بالحق بعد أن كتمه بتصريح القرآن الكريم ، وكتمان الحق وإظهار خلافه هو التقيّة بعينها.
ثناء القرآن على مؤمن آل فرعون :
وهذا الرجل العظيم لم يصفه القرآن الكريم بالنفاق ، ولا بالمحتال المخادع ، بل وصفه بأشرف الصفات وأعظمها عند اللّه عزَّ وجل ، صفة الإيمان.
وكيف كان ، فقد أخرج المتقي الهندي في كنز العمال ، عن ابن النجار ، عن ابن عباس ؛ وعن أبي نعيم في الحلية ، وابن عساكر ، عن ابن أبي ليلى مرفوعاً قولهصلىاللهعليهوآله : «الصديقون ثلاثة : حبيب النجار مؤمن آل ياسين ، ومؤمن آل فرعون الذي قال : «أتَقْتُلُونَ رَجُلاً أنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ »والثالث : علي ابن أبي طالب ، وهو أفضلهم »(1) .
وفي تفسير المحرر الوجيز : قال الجوهري : (وقد أثنى اللّه على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسرّه ، فجعله اللّه تعالى في كتابه ، وأثبت ذكره في المصاحف لكلام قاله في مجلس من مجالس الكفر)(2) .
وفي تفسير القرطبي في تفسيره الآية المذكورة قال : (إن المكلف إذا نوى الكفر بقلبه كان كافراً وإن لم يتلفظ بلسانه ، وأما إذا نوى الإيمان بقلبه
__________________
(1) كنز العمال / المتقي الهندي 11 : 601 / 32897 و 32898 ، ط5 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت. وفي حاشية كشف الأستار / محمد حسين الجلال : 98 ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت / 1405 هـ ، قال : (وحسّنه السيوطي).
(2) المحرر الوجيز / ابن عطية 14 : 132 ، تحقيق المجلس العلمي بفاس / 1407 هـ.
فلا يكون مؤمناً بحال حتى يتلفظ بلسانه ، ولا تمنعه التقيّة والخوف من أن يتلفظ بلسانه فيما بينه وبين اللّه تعالى ، إنما تمنعه التقيّة من أن يسمعه غيره ، وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف ، وإنّما يشترط سماع الغير له ؛ ليكف عن نفسه وماله)(1) .
وبالجملة ، فإنّ جميع المفسرين الذين وقفت على تفسيرهم اعترفوا بتقية مؤمن آل فرعون ، ولولا خشية الاطالة لأوردنا المزيد من أقوالهم ، ويكفي أن الخوارج الذين زعم بعضهم بأنهم ينكرون التقيّة قد صرّح أباضيتهم بالتقيّة في تفسيرهم لهذه الآية :
قال المفسر الاباضي محمد بن يوسف اطفيش عن الرجل المؤمن : (فمعنى كونه من آل فرعون أنه فيهم بالتقيّة مظهراً أنّه على دينهم ، وظاهر قوله «ياقَوم » أنّه منهم إلى أن قال واستعمل الرجل تقية على نفسه ، ما ذكر اللّه عزَّ وجلَّ عنه بقوله : «وإنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيهِ كَذِبُهُ »)(2) .
ثانياً : الأدلة القرآنية الدالة على امضاء التقيّة في الإسلام :
الآية الاُولى : حول جواز الكفر باللّه تقيةً :
ويدل عليه قوله تعالى : «مَنْ كَفَرَ باللهِ مِنْ بَعْدِ إيمانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلبُهُ مُطْمَئنٌ بالإيمانِ وَلكِن مَنْ شَرَحَ بالكُفرِ صَدْرَاً فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مَنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ »(3) .
__________________
(1) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 15 : 307.
(2) تيسير التفسير / محمد بن يوسف بن اطفيش الأباضي 1 : 343 ـ 345.
(3) سورة النحل : 16 / 106.
نزول الآية بمكة بشأن عمار بن ياسر وأصحابه :
نزلت هذه الآية المباركة باتفاق جميع المفسرين في مكة المكرمة وفي البدايات الاُولى من عصر صدر الإسلام ، يوم كان المسلمون يعدون بعدد الأصابع ، ومن مراجعة ما ذكروه بشأن هذه الآية يُعلم أن التقيّة قد أُبيحت للمسلمين أيضاً في بدايات الإسلام الأولى ، وانها أُبقيت على ما كانت عليه في الأديان السابقة ولم تنسخ في الإسلام ، بل جاء الإسلام ليزيدها توكيداً ورسوخاً لكي يتترس بها أصحاب الدين الفتي أمام طغيان أبي سفيان وجبروت أبي جهل كما تترس بها من قبل أهل التوحيد أمام ظلم المشركين فيما اقتص خبره القرآن الكريم ، وصرّح به سائر المفسرين.
فقد أخرج ابن ماجة بسنده عن ابن مسعود ما يؤكد نزول الآية بشأن عمار بن ياسر وأصحابه الذين أخذهم المشركون في مكة وأذاقوهم ألوان العذاب حتى اضطروا إلى موافقة المشركين على ما أرادوا منهم.
وقد علّق الشيخ محمد فؤاد عبدالباقي على هامش حديث ابن ماجة المذكور ، بقوله (أي : وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقية ، والتقيّة في مثل هذه الحال جائزة ، لقوله تعالى : «إلاَّ مَنْ أُكرِهَ وَقَلبُه مُطمئنٌ بالإيمان »(1) .
الآية أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه :
وقال الجصاص الحنفي في تفسير الآية المذكورة : (هذا أصل في جواز إظهار كلمة الكفر في حال الإكراه ، والإكراه المبيح لذلك هو أن يخاف على
__________________
(1) سنن ابن ماجة 1 : 53 ، 150 باب 11 في فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ، دار إحياء الكتب العربية ، وانظر التعليق عليه في الهامش رقم (1) من الصفحة المذكورة.
نفسه أو بعض أعضائه التلف إن لم يفعل ما أُمِر به ، فأبيح له في هذه الحال أن يُظهِر كلمة الكفر)(1) وفي تفسير الماوردي : (إنّ الآية نزلت في عمار بن ياسر وأبويه ياسر وسمية وصهيب وخباب ، أظهروا الكفر بالاكراه وقلوبهم مطمئنة بالإيمان)(2) .
وبالجملة ، فان جميع ما وقفت عليه من كتب التفسير وغيرها متفق على نزول الآية بشأن عمار بن ياسر وأصحابه الذين وافقوا المشركين على ما أرادوا وأعذرهم اللّه تعالى بكتابه الكريم ، على أن بعضهم لم يكتف ببيان هذا ، بل توسع في حديثه عن التقيّة ، مبيناً مشروعيتها ، مع الكثير من أحكامها بكل صراحة(3) .
__________________
(1) أحكام القرآن / الجصاص 3 : 192 ، دار الفكر ، بيروت.
(2) تفسير الماوردي (النكت والعيون) 3 : 215 ، دار الكتب العلمية ، بيروت.
(3) اُنظر : تفسير الواحدي الشافعي 1 : 466 مطبوع بهامش تفسير النووي المسمى بـ (مراح لبيد) دار إحياء الكتب العربية ، مصر ، والمبسوط للسرخسي 24 : 25. وأحكام القرآن للكيا الهراسي 3 : 246 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1405 هـ. والكشاف / الزمخشري 2 : 449 ـ 550 ، دار المعرفة ، بيروت. والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز / ابن عطية الأندلسي 10 : 234 ـ 235 تحقيق المجلس العلمي بفاس / 1407 هـ. وأحكام القرآن / ابن العربي 2 : 1177 ـ 1182 دار المعرفة ، بيروت (وفيه كلام طويل عن التقيّة). وزاد المسير في علم التفسير / ابن الجوزي 4 : 496 ، ط4 ، المكتب الإسلامي ، بيروت / 1407 هـ. والتفسير الكبير / الفخر الرازي 20 : 121 ، ط3. والمغني / ابن قدامة 8 : 262 و 10 : 97 مسألة 7116 ، ط1 ، دار الفكر ، بيروت / 1404 هـ. والجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 181 ، دار إحياء التراث العربي. وأنوار التنزيل وأسرار التأويل / البيضاوي 1 : 571 ، ط2 ، مصر / 1388 هـ. وتفسير الخازن / علي بن محمد الخازن الشافعي 1 : 277. وتفسير ابن جزي الكلبي : 366 ، دار الكتاب العربي ، بيروت / 1403 هـ. وتفسير البحر المحيط / أبو
الآية الثانية : حول موالاة الكافرين تقيةً :
ويدل عليه قوله تعالى : «لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافِرينَ أوليَاءَ مِنْ دُونِ المُؤمِنينَ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصيرُ »(1) .
لا فرق بين (التقاة) والتقية :
هذه الآية المباركة ما أصرحها بالتقيّة ، وقد مرّ في تعريف التقيّة لغةً بأنه لا فرق بين علماء اللغة بين (التقاة) و (التقيّة) فكلاهما بمعنى واحد ، ومن
__________________
حيان الأندلسي 5 : 538 ، ط2 ، دار الفكر ، بيروت / 1403 هـ. وتفسير القرآن العظيم / ابن كثير 2 : 609 ، ط1 ، دار الخير ، دمشق / 1990 م. وغرائب القرآن / النيسابوري 14 : 122 مطبوع بهامش تفسير الطبري ، ط2 ، دار المعرفة ، بيروت / 1392 هـ. وفتح الباري شرح صحيح البخاري / ابن حجر العسقلاني 12 : 262 ـ 263 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1406 هـ. ومنهاج الطالبين / النووي الشافعي 4 : 137 ، 174 دار الفكر ، بيروت. وانظر تعليق الشربيني عليه في مغني المحتاج في شرح المنهاج 4 : 137 مطبوع بهامش منهاج الطالبين. وروح البيان / البروسوي الحنفي 5 : 84 ، ط7 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1405 هـ. وفتح القدير / الشوكاني 3 : 197 ، دار المعرفة ، بيروت. وتفسير النووي (مراح لبيد) 1 : 466. ومحاسن التأويل / القاسمي 10 : 165 ، ط2 ، دار الفكر ، بيروت / 1398 هـ. وتيسير التفسير / محمد بن يوسف أطفيش الأباضي 7 : 97 ، طبعة وزارة التراث القومي والثقافي في سلطنة عمان. وتفسير المراغي 14 : 146 ، ط2 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1985 م. وصفوة التفاسير / محمد علي الصابوني الوهابي ، ط1 ، عالم الكتب ، بيروت / 1406 هـ.
أقول : إنما ذكرنا هذه القائمة الطويلة من مصادر تفسير الآية ـ وكلها مصادر غير شيعية ـ لكي يعلم من مراجعتها اتفاقهم جميعاً على مشروعية التقيّة في حالة الاكراه عليها ، ولكن بعض المتطفلين على موائد الفكر ممّن لا تربطهم صلة حقيقية بالقرآن الكريم يزعمون بأنّ التقية كذب ونفاق ونحو هذا من الكلام الذي ليس له في ميزان العلم أي وزن ولا اعتبار.
(1) سورة آل عمران : 3 / 28.
هنا قرأ ابن عباس ، ومجاهد ، وأبو رجاء ، وقتادة ، والضحاك ، وأبو حيوة ، وسهل ، وحميد بن قيس ، والمفضل عن عاصم ، ويعقوب ، والحسن البصري ، وجابر بن يزيد : (تَقِيَّةَ)(1) .
ما أورده الطبري في تفسيرها :
أخرج الطبري في تفسير هذه الآية ، من عدة طرق ، عن ابن عباس ، والحسن البصري ، والسدي ، وعكرمة مولى ابن عباس ، ومجاهد بن جبر ، والضحاك بن مزاحم جواز التقيّة في ارتكاب المعصية عند الاكراه عليها كاتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين في حالة كون المتقي في سلطان الكافرين ويخافهم على نفسه ، وكذلك جواز التلفظ بما هو للّه معصية بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالايمان ، فهنا لا أثم عليه(2) .
هذا مع اعتراف سائر المسلمين بأن الآية لم تنسخ فهي على حكمها منذ نزولها وإلى يوم القيامة ، ويؤيّد هذا :
قول الحسن البصري : (إنَّ التقيّة جائزة إلى يوم القيامة). وهو ما حكاه الفقيه السرخسي الحنفي ، وقال معقباً : (وبه نأخذ ، والتقيّة أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره وإن كان يضمر خلافه)(3) .
__________________
(1) اُنظر : حجة القراءات / أبو زرعة : 160. ومعاني القرآن / الزجاج 1 : 205. وتفسير الرازي 8 : 12. والنشر في القراءات العشر 3 : 5. والجامع لأحكام القرآن 4 : 57. والبحر المحيط 2 : 424. وفتح القدير 1 : 303.
(2) تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) 6 : 313 ـ 317 ، ط2 ، دار المعرفة ، بيروت / 1392 هـ.
(3) المبسوط / السرخسي 24 : 45 من كتاب الاكراه.
احتجاج مالك بالآية في خصوص طلاق المكره :
احتج إمام المذهب المالكي (مالك بن أنس) بهذه الآية ، على أن طلاق المكره تقية لا يقع ، ونسب هذه الفتيا إلى ابن وهب ورجال من أهل العلم على حد تعبيره ثم ذكر اسماء الصحابة الذين قالوا بذلك أيضاً ، ونقل عن ابن مسعود قوله : (ما من كلام يدرأ عني سوطين من سلطان إلاّ كنت متكلماً به)(1) .
ما ذكره الزمخشري في تفسير الآية :
قال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : «إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مَنْهُم تُقَاةً » : (إلاّ أن تخافوا أمراً يجب اتقاؤه تقية رخص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة : مخالفة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع)(2) .
أحكام التقية المستفادة من هذه الآية بنظر الرازي :
وأما الفخر الرازي فقد بين في تفسير الآية أحكام التقيّة ، قائلاً : (إعلم أن للتقية أحكاماً كثيرة ، إلى أن قال : الحكم الرابع : ظاهر الآية يدل على أن التقيّة إنّما تحلّ مع الكفار الغالبين ، إلاّ أن مذهب الشافعي : إنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلّت التقيّة محاماة على النفس.
الحكم الخامس : التقيّة جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون
__________________
(1) المدونة الكبرى / مالك بن أنس 3 : 29 ، مطبعة السعادة ، مصر.
(2) الكشاف / الزمخشري 1 : 422.
المال؟
يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقولهصلىاللهعليهوآله : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ، ولقوله صلىاللهعليهوآله : «من قتل دون ماله فهو شهيد» ، ولأن الحاجة إلى المال شديدة ، والماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء ، وجاز الاقتصار على التيمم رفعاً لذلك القدر من نقصان المال! فكيف لا يجوز هاهنا؟).
ثم رجّح بعد هذا قول الحسن البصري (التقيّة جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة) على قول من قال بأنّها كانت في أول الإسلام ، وقال : (هذا القول أولى ؛ لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان)(1) .
ما نقله أبو حيّان من أقوال مهمّة في تفسير الآية :
هذا وقد نقل أبو حيان الأندلسي المالكي في البحر المحيط ، في تفسير الآية المذكورة قول ابن مسعود : (خالطوا الناس وزايلوهم وعاملوهم بما يشتهون ، ودينكم فلا تثلموه).
وقول صعصعة بن صوحان لاُسامة بن زيد : (خالص المؤمن وخالق الكافر ، إنّ الكافر يرضى منك بالخُلق الحسن).
وقول الإمام الصادقعليهالسلام : «إن التقيّة واجبة ، إني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستتر منه بالسارية لئلا يراني »(2) .
قوله : فيمن يتّقى منه ، وما يبيح التقية ، وبأي شيء تكون :
وقال أبو حيان ـ بعد نقله الأقوال المتقدّمة في التقية ـ ما هذا لفظه :
__________________
(1) التفسير الكبير / الفخر الرازي 8 : 13.
(2) تفسير البحر المحيط / أبو حيان الآندلسي 2 : 424.
(وقد تكلم المفسرون هنا في التقيّة إذ لها تعلق بالآية ، فقالوا : أمّا الموالاة بالقلب فلا خلاف بين المسلمين في تحريمها ، وكذلك الموالاة بالقول والفعل من غير تقية ، ونصوص القرآن والسُنّة تدل على ذلك.
والنظر في التقيّة يكون : فيمن يتقى منه ، وفيما يبيحها ، وبأي شيء تكون من الأقوال والأفعال؟
فأما من يتقى منه : فكل قادر غالب يكره يجوز منه ، فيدخل في ذلك الكفار ، وجورة الرؤساء ، والسلابة ، وأهل الجاه في الحواضر.
وأمّا ما يبيحها : فالقتل ، والخوف على الجوارح ، والضرب بالسوط ، والوعيد ، وعداوة أهل الجاه الجورة.
وأمّا بأي شيءٍ تكون؟ من الأقوال : فبالكفر فما دونه ، من بيع ، أو هبة وغير ذلك. وأمّا من الأفعال : فكل محرم وقال مسروق : إن لم يفعل حتى مات دخل النار ، وهذا شاذ)(1) .
ما يدل على جواز التقيّة بين المسلمين أنفسهم :
وجدير بالاشارة هنا ، هو ما صرّح به فقهاء الفريقين ومفسروهم من جواز التقيّة بين المسلمين أنفسهم استناداً إلى طائفة اُخرى من الآيات الكريمة من قبيل قوله تعالى : «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة »(2) .
فهو : (يدل على حرمة الاقدام على ما يخاف الإنسان على نفسه أو
__________________
(1) تفسير البحر المحيط 2 : 424.
(2) سورة البقرة : 2 / 195.
عرضه أو ماله)(1) .
وقد استدل الفخر الرازي بهذه الآية على وجوب التقيّة في بعض الحالات ، لقوله بوجوب إرتكاب المحرم بالنسبة لمن اُكره عليه بالسيف ، وعدّ امتناع المكره حراماً ؛ لأنّه من القاء النفس إلى التهلكة ، مع أن صون النفس عن التلف واجب استناداً إلى هذه الآية(2) ولا معنى لوجوب ارتكاب المكره للمحرم غير التقيّة.
ومن ذلك قوله تعالى : «وما جعل عليكم في الدين من حرج »(3) والحرج هو الضيق لغة ، والتقيّة عادة ما يكون صاحبها في حرج شديد ، ولا يسعه الخروج من ذلك الحرج بدونها.
ومنه أيضاً ، قوله تعالى : «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم »(4) .
فقد جاء تفسيرها عن الإمام الصادقعليهالسلام بالتقيّة ، فقالعليهالسلام : «التي هي أحسن : التقيّة »(5) .
إلى غير ذلك من الآيات الاُخرى المستدل بها على جواز التقيّة بين المسلمين أنفسهم فضلاً عن جوازها للمسلمين مع غيرهم(6) ، زيادة على
__________________
(1) مواهب الرحمن / السيد السبزواري في تفسير الآية المذكورة.
(2) التفسير الكبير / الفخر الرازي 20 : 21 في تفسير الآية 106 من سورة النحل.
(3) سورة الحج : 22 / 78.
(4) سورة فصلت : 41 / 34.
(5) اُصول الكافي 2 : 218 / 6 باب التقيّة.
(6) راجع : جامع أحاديث الشيعة 18 : 371 ـ 372 باب وجوب التقيّة ، فقد ذكر في أول الباب
ما سيأتي في أدلتها الاُخرى كالسنة المطهّرة ، والاجماع ، والدليل العقلي القاضي بعدم الفرق في تجنب الضرر سواء كان الضرر من مسلم أو كافر.
المبحث الثاني
أدلة التقيّة من السُنّة المطهّرة
القسم الأول : الأحاديث النبوية الدالة على التقيّة.
توطئة في أنه هل تجوز التقيّة على الأنبياءعليهمالسلام ؟
إنَّ نظرة سريعة في كتب الصحاح والسنن والمسانيد تكفي للخروج بالقناعة الكاملة على ورود التقيّة في أحاديث غير قليلة في تلك المصادر المعتبرة عند العامّة التي نسبت التقيّة إلى النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في القول والفعل معاً.
وهنا ، قد يتوهم البعض فيزعم أن التقيّة غير جائزة على الأنبياء مطلقاً! وهذا غير صحيح قطعاً ، لأنَّ غير الجائز عليهم صلوات اللّه عليهم هو ما بلغ من التقيّة درجة الكفر باللّه عزَّ وجلَّ ، أو كتمان شيء من التبليغ المعهود اليهم ونحو هذا من الاُمور التي لا تنسجم وعصمتهمعليهمالسلام بحال من الأحوال؛ لأنها من نقض الغرض والإغراء بالقبيح وهمعليهمالسلام منزهون عن كل قبيح عقلاً وشرعاً ، إذ لا يؤتمن على الوحي إلاّ المصطفون الذين لا يخشون في اللّه لومة لائم.
__________________
عشر آيات ، يستفاد من بعضها جواز التقيّة بين المسلمين أنفسهم.
نفي السرخسي وقوع التقية من النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في التبليغ :
قال السرخسي الحنفي في معرض حديثه عن تقية عمار بن ياسر باظهار كلمة الكفر بعد الاكراه عليها مع اطمئنان قلبه بالايمان : (إلاّ أن هذا النوع من التقيّة يجوز لغير الأنبياء والرسلعليهمالسلام ، فأما في حق المرسلين صلوات اللّه عليهم أجمعين فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق)(1) .
ويفهم من كلامه جواز التقيّة على الأنبياء والمرسلين فيما لا يمس أصل دعوتهم ، أما إنكارها ، أو كتمانها عن الخلق ، أو تكذيب أنفسهم ونحو هذا فهو مما لا يجوز عليهم.
بيان ما يصحّ من التقية على المعصومعليهالسلام :
إنّ كل شيء لا يعلمه البشر على واقعه إلاّ من جهة المعصومعليهالسلام نبياً كان أو إماماً لا تجوز التقيّة فيه على المعصوم ، وأما ما يجوز له فيه التقيّة فهو كل مالا يتنافى ومقام التبليغ والتعليم والهداية إلى الحق حتى ولو انحصر وصول الحق إلى طائفة دون اُخرى ، كما لو اتقى المعصومعليهالسلام في ظرف خاص من شرار الناس تأليفاً لقلوبهم كما سيأتيك مثاله في صحيح البخاري ونحو هذا من المصالح العائدة إلى نفس المعصوم أو دعوته ، وبشرط أن يبين وجه الحق لأهل بيته ، أو لمن يثق به من أصحابه ، أو على أقل تقدير لمن لا يخشى من مغبة مفاتحته بالحقيقة ؛ لكي لا يكون ما
__________________
(1) المبسوط / السرخسي 24 : 25 ، ثمّ شتم الشيعة لتجويزهم ـ فيما يزعم ـ التقية على الأنبياء فيما يرجع إلى أصل دعوتهم!! وقد افترى على الشيعة في هذا؛ إذ لم يجوّز ذلك أحد منهم ، بل جوّزه ابن قتيبة الدينوري على ما سيأتي قريبا مع مناقشته.
خالفها هو السُنّة المتبعة.
تصريح ابن قتيبة بتقية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم في تأخير تبليغ آية الولاية :
ذهب ابن قتيبة الدينوري (ت / 276 هـ) إلى أبعد مما أشرنا إلى وجوده في صحيح البخاري ، حيث جوّز التقية على نبيناصلىاللهعليهوآلهوسلم في مقام التبليغ أيضاً ، فقال عن آية تبليغ الولاية من قوله تعالى : «يا أيُّها الرسولُ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِنْ رَبِّك وإنْ لم تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إنّ اللهَ لا يهدي القومَ الكافرينَ »(1) ما هذا نصه :
(والذي عندي في هذا أنّ فيه مضمراً يبينه ما بعده ، وهو إنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآلهوسلم كان يتوقّى بعض التوقّي ، ويستخفي ببعض ما يُؤمر به على نحو ما كان عليه قبل الهجرة ، فلمّا فتح اللّه عليه مكّة وأفشى الإسلام ، أمرَهُ أنْ يُبلِّغ ما أُرسِل إليه مجاهراً به غير متوقٍّ ولا هائبٍ ولا متألّف.
وقيل له : إن أنت لم تفعل ذلك على هذا الوجه لم تكن مبلّغاً لرسالات ربِّك.
ويشهد لهذا قوله بَعدُ : «واللهُ يَعصِمُكَ مِنَ النّاسِ » أي : يمنعك منهم.
ومثل هذه الآية قوله : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَرْ وأعرِضْ عَنِ المُشركِين »(2) )(3) .
بيان خلط ابن قتيبة بين التقية في التبليغ والتقية لأجله :
والذي نراه : أنّ ابن قتيبة خلط في هذا بين التقيّة في التبليغ ، وبين التقيّة لأجله ، والأول من كتمان الحقّ المنزّه عنه النبيصلىاللهعليهوآله ، والثاني لا ريب فيه ،
__________________
(1) سورة المائدة : 5 / 67.
(2) سورة الحجر : 15 / 94.
(3) المسائل والأجوبة في الحديث والتفسير / ابن قتيبة : 222 ، ط1 ، دار ابن كثير / 1410 هـ.
وهو الذي نعتقده في خصوص آية التبليغ ، وبيان ذلك إنّ الوعيد والانذار الموجه إلى النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله بقوله تعالى : «وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بلَّغْتَ رسَالَتَهُ » ظاهره الوعيد والانذار وحقيقته معاتبة الحبيب لحبيبه على تريثه بخصوص الولاية ، وليس المقصود من الآية تهاون النبيصلىاللهعليهوآله في أمر الدين أو عدم الاكتراث بشأن الوحي وكتمانه ، فحاشا لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله من ذلك ولا يقول هذا إلاّ زنديق أو جاهل.
نعم ، آية التبليغ تدل على تريث النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله بعض التريث لجسامة التبليغ الذي جعله اللّه تعالى موازياً لثقل الرسالة كلّها ، ريثما يتم لهصلىاللهعليهوآله تدبير الأمر بتهيئة مستلزماته ، كجمع حشود الصحابة الذين رجعوا من حجة الوداع وكانوا يزيدون على مائة ألف صحابي ، مع تمهيد السبيل أمام هذه الحشود الكثيرة لكي تقبل مثل هذا التبليغ الخطير ، خصوصاً وإنّ فيهم الموتورين بسيف صاحب الولاية أمير المؤمنينعليهالسلام ، فضلاً عن المنافقين ، والذين في نفوسهم مرض والأعراب الذين أسلموا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم ، ولا شكّ أن وجود تلك الأصناف في مكان واحد مدعاة للخشية على حاضر ذلك التبليغ ومستقبله.
فالتريث ـ أو سمِّه التقيّة إن شئت ـ لم يكن خوفاً على النفس من القتل ، بل كان تقية لأجل التبليغ نفسه والحرص على كيفية أدائه بالوجه الأتم ، إذ تفرّس النبيصلىاللهعليهوآله في وجوه تلك الأصناف من الصحابة مخالفته ، فأخّر التبليغ إلى حين ، ليجد له ظرفاً صالحاً وجواً آمناً تنجح فيه دعوته ولايخيب مسعاه ، فأخذصلىاللهعليهوآله يعدّ للاَمر أُهبته ، ومنها طلب الرعاية الالهية لنصرة هذا التبليغ نفسه من تلك الجراثيم المحدقة ، كما يدل عليه قوله
تعالى : «واللهُ يَعْصِمُكَ من الناس ».
ومما يدل على وجود تلك الخشية جملة من الأخبار المروية في كتب العامّة أنفسهم.
ما رواه العامّة من تقية النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم لأجل التبليغ خشية من الصحابة :
أخرج الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ، بسنده عن ابن عباس وجابر بن عبداللّه الأنصاري ، أنهما قالا : (أمر اللّه محمداًصلىاللهعليهوآله أن يُنَصِّب عليّاً للناس ليخبرهم بولايته ، فتخوّف رسول اللّهصلىاللهعليهوآله أن يقولوا : حابا ابن عمه ، وأن يطعنوا في ذلك عليه ، فأوحى اللّه إليه : «يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ » الآية ، فقام رسول اللّهصلىاللهعليهوآله بولايته يوم غدير خم)(1) .
وأخرج بسنده عن أبي هريرة : (إنّ النبيصلىاللهعليهوآله أسرَّ أمر الولاية ، فأنزل اللّه تعالى : «يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ»(2) ).
وأخرج بسنده عن ابن عباس هذا المعنى قائلاً : (فكره أن يحدّث الناس بشيء منها ـ أي : الولاية ـ إذ كانوا حديثي عهد بالجاهلية ...
حتى كان يوم الثامن عشر أنزل اللّه عليه :«يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغ » إلى أن قال فخرج رسول اللّهصلىاللهعليهوآله من الغد فقال : «يا أيُّها الناس إنّ اللّه أرسلني إليكم برسالة وإنّي ضقت بها ذرعاً مخافة أن تتهموني وتكذّبوني حتى عاتبني ربي فيها بوعيد أنزله عليَّ بعد وعيد ، ثم أخذ بيد عليٍّ فرفعها حتى رأى الناس بياض إبطيهما ثم قال : أيُّها الناس ، اللّه مولاي وأنا مولاكم ، فمن
__________________
(1) شواهد التنزيل / الحسكاني الحنفي 1 : 255 / 249 في الشاهد رقم 35 ، وأورده الآلوسي في روح المعاني عند تفسيره للآية 67 من سورة المائدة ، فراجع.
(2) شواهد التنزيل 1 : 249 / 244.
كنت مولاه فعليٌّ مولاه ، اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، وأخذل من خذله ، وأنزل اللّه : « اليوم أكملت لكم دينكم »(1) »)(2) .
وأخرج بسنده عن أبي جعفر محمد بن علي (الإمام الباقرعليهالسلام ) أنّه قال : «إنّ جبريل هبط على النبي صلىاللهعليهوآله ، فقال له : إنّ اللّه يأمرك أن تدل أُمتك على صلاتهم إلى أن قال : إنّ اللّه يأمرك أن تدل أُمتك على وليهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم وزكاتهم وصيامهم وحجهم ليلزمهم الحجة من جميع ذلك. فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله : يا رب إن قومي قريبو عهد بالجاهلية ، وفيهم تنافس وفخر » ...الخبر(3) .
وقال السيوطي في تفسير آية التبليغ في الدر المنثور : (أخرج أبو الشيخ ، عن الحسن أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله قال : «إنّ اللّه بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس مكذبي ، فوعدني لأبلغن أو ليعذبني» ، فأنزل : «يا أيُّها الرَّسُولَ بلِّغ » ثم قال : وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وأبو الشيخ ؛ عن مجاهد ، قال : لما نزلت «يا أيُّها الرَّسُولَ بَلِّغ ما أُنزِلَ إليكَ مِنْ ربِّكَ » قال : «يارب! إنّما أنا واحد ، كيف أصنع ليجتمع عليَّ الناس» فنزلت : «وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فما بلَّغْتَ رِسَالتَهُ »(4) .
ما ورد موافقا لأخبار العامّة من طرق الشيعة :
ورد في بعض كتب الشيعة الإمامية ، ما يؤيّد صحّة الأخبار المتقدّم
__________________
(1) سورة المائدة : 5 / 3.
(2) شواهد التنزيل 1 : 256 ـ 258 / 250.
(3) شواهد التنزيل 1 : 253 255 / 248.
(4) الدر المنثور 3 : 117 في تفسير الآية 67 من سورة المائدة ، طبع دار الفكر ، بيروت.
ذكرها عن العامّة ، فقد ذكر الطبرسي وجود هذه الأخبار ونظائرها في كتب الفريقين مصرحاً بأن هذا هو المشهور عند أكثر المفسرين ثم قال : (وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي عبداللّهعليهماالسلام إنّ اللّه أوحى إلى نبيهصلىاللهعليهوآله أن يستخلف عليّاًعليهالسلام ، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه)(1) .
وفي كشف الغمة ، أورد سبب نزول الآية «يا أيُّها الرَّسُولَ بلِّغ » عن زيد ابن علي ، أنّه قال : (لما جاء جبريلعليهالسلام بأمر الولاية ضاق النبيصلىاللهعليهوآله ، بذلك ذرعاً ، وقال : قومي حديثو عهد بالجاهلية ، فنزلت)(2) .
وسوف يأتي قريباً ما يؤيد قول النبيصلىاللهعليهوآله بأن القوم حديثو عهد بالجاهلية كما في صحاح القوم وسننهم ومسانيدهم.
خلاصة رأينا في تبليغ آية الولاية :
من كل ما تقدم يعلم أن اللّه تعالى أمر نبيهصلىاللهعليهوآله بعد تريثه لتدبير أمر تبليغ الولاية العامة بتبليغ عاجل ، مبيناً له أهمية هذا التبليغ ، ووعده العصمة من الناس ولا يهديهم في كيدهم ، ولا يدعهم يقلبوا له أمر الدعوة بالتكذيب بعد أن يعي الولاية من يعيها ويعقلها من المؤمنين ، ولن يضر الحقيقة الالتفاف حولها بعد وفاتهصلىاللهعليهوآله كما حصل في السقيفة المشؤومة «لِيَهلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَن حَيَّ عَن بَيِّنَة ٍ»(3) .
__________________
(1) مجمع البيان 3 : 223 في تفسير الآية 67 من سورة المائدة ، طبع دار إحياء التراث العربي ، بيروت.
(2) كشف الغمة 1 : 436 ، نشر أدب الحوزة ، ط2 ، قم.
(3) سورة الانفال : 8 / 42.
وهكذا تم التبليغ بخطبة وداع بعيدة عن أجواء التقيّة التي استخدمها من حضر الغدير لكتمان ما سمعه يوم ذاك بأذنيه وشاهده بعينيه وأدركه بلبه ووعاه بأُذنه كما سيوافيك.
فالتقيّة هنا وإن اتصلت بالتبليغ إلاّ أنها لأجله ، ولم تكن لأجل الخوف على النفس الذي هو من أشد ما يخاف عليه الإنسان عند الإكراه ، ومن يزعم بخلاف هذا فان القرآن الكريم يكذبه ، إذ امتدح رسل اللّه وانبياءه ونبينا العظيم أشرفهم وأكرمهم وأحبهم وأقربهم درجة عند اللّه عزَّ وجل بقوله تعالى : «الَّذينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ ويَخشَونَهُ ولا يَخشَونَ أحداً إلاّ اللهَ وكفى باللهِ حَسيبا ً»(1) .
نعم هي تقية لأجل التبليغ ، تقية مؤقتة ممن كان المترقب من حالهم أنهم سيخالفونه مخالفة شديدة قد تصل إلى تكذيبهصلىاللهعليهوآله .
ونظير هذا هو ما حصل في بدايات أمر الدعوة إلى الدين الجديد في مكة ، فقد اتفق الكل على بدء الدعوة إلى الإسلام سراً ، وصرّح أرباب السِّير وغيرهم بأن النبيصلىاللهعليهوآله لم يجهر بالدعوة إلى الإسلام إلاّ بعد ثلاث سنوات على نزول الوحي ، لان الخوف من قائد المشركين أبي سفيان وأعوانه من الشياطين كأبي جهل ونظرائه كان قائماً على أصل الدعوة وأنصارها في ذلك الحين ، فكان من الحكمة أن تمر الدعوة إلى الإسلام بهذا الدور الخطير(2) وفي الحديث : «إنّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً
__________________
(1) سورة الاحزاب : 33 / 39.
(2) انظر : السيرة النبوية / ابن هشام 1 : 280. والسيرة النبوية / ابن كثير 1 : 427. والسيرة
فطوبى للغرباء»(1) .
وهكذا كل دعوة إلى الحق في مجتمع متعسف ظالم؛ لابدّ وأن تكون في بداياتها غريبة ، تلازمها التقيّة حتى لا يذاع سرها وتخنق في مهدها.
وعلى أيّة حال فان التقيّة الواردة في أفعال وأقوال النبيصلىاللهعليهوآله الأعظم بالنحو الذي ذكرناه أولاً مما لا مجال لإنكاره ، واليك جملاً منه :
الحديث الأول : تقية النبيصلىاللهعليهوآله من قريش :
أخرج البخاري في صحيحه بسنده ، عن الاسود بن يزيد ، عن عائشة ، قالت : (سألت النبيصلىاللهعليهوآله ، عن الجَدْرِ(2) أمِن البيت هو؟
قال : «نعم .
فقلت : فما لهم لم يدخلوه في البيت؟
__________________
الحلبية / ابن برهان 1 : 283. والسيرة النبوية / دحلان 1 : 282 مطبوع بهامش السيرة الحلبية. واُنظر كذلك تاريخ الطبري 1 : 541. والكامل في التاريخ / ابن الاثير 2 : 60. والبداية والنهاية / ابن كثير 3 : 37.
وإن شئت المزيد فراجع كتب التفسير في تفسير قوله تعالى : «فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَر واعرض عن المشركين ». سورة الحجر : 15 / 94 ، وقوله تعالى : «وأنذِر عَشِيرَتَكَ الأقرَبِينَ ». سورة الشعراء : 26 / 214.
وفي عناوين تاريخ الخميس للدياربكري 1 : 287 هذا العنوان : «ذكر ما وقع في السنة الثانية والثالثة من اخفاء الدعوة» وقد أخرج تحت هذا العنوان عن ابن الزبير أن النبيصلىاللهعليهوآله كان لايظهر الدعوة إلاّ للمختصين ، وإنّه صلىاللهعليهوآله أظهرها لعامّة الناس بعد ثلاث سنين عندما نزل قوله تعالى : « فَاصْدَعْ بِمَا تُؤمَر ». سورة الحجر : 15 / 94.
(1) ورد الحديث بألفاظ متقاربة في صحيح مسلم 1 : 130 / 232. وسنن ابن ماجة 2 : 1319 / 3986. وسنن الترمذي 5 : 18 / 7629. ومسند أحمد 1 : 74.
(2) الجَدْرُ والحِجْرُ بمعنى واحد ، والمراد : حِجْر الكعبة المشرفة.
قال :إنّ قومك قصرت بهم النفقة.
قلت : فما شأن بابه مرتفعاً؟
قال :فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ، ولولا أنّ قومك حديث عهد بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيت وأن الصق بابه في الأرض») (1) .
وهذه المحاورة بين النبي الأكرمصلىاللهعليهوآله وزوجه ، قد أخرجها غير البخاري كلٌّ بطريقه إلى الأسود بن يزيد ، عن عائشة ، وهم :
مسلم في صحيحه من طريقين(2) وابن ماجة بلفظ : (ولولا أنّ قومك حديث عهد بكفر مخافة ان تنفر قلوبهم )(3) والترمذي ثم قال : (هذا حديث حسن صحيح)(4) والنسائي(5) وأحمد(6) .
وأخرج البخاري أيضاً من طريق عبداللّه بن مسيلمة ، أنّ عبداللّه بن
__________________
(1) صحيح البخاري 2 : 190 / 1584 كتاب الحج ، باب فضل مكة وبنيانها ، ط1 ، دار الفكر / 1411 هـ و 2 : 179 ـ 180 ، ط دار التراث العربي ، وأعاد روايتها في الجزء التاسع ص : 106 باب ما يجوز من اللّوْ ، من كتاب الأحكام.
(2) صحيح مسلم 2 : 973 / 405 و 406 كتاب الحج ، باب جدر الكعبة وبابها ، ط2 ، دار الفكر ، 1398 هـ.
(3) سنن ابن ماجة 2 : 985 / 2955 ، كتاب المناسك باب الطواف بالحجر ، دار إحياء الكتب العربية بمصر.
(4) صحيح الترمذي 3 : 224 / 875 كتاب الحج ، باب ما جاء في كسر الكعبة ، تحقيق محمد فؤاد عبدالباقي دار إحياء التراث العربي.
(5) سنن النسائي 5 : 215 ، دار الجيل ، بيروت.
(6) مسند أحمد 6 : 176 ، دار الفكر ، بيروت و 7 : 253 / 24910 ، ط2 ، دار احياء التراث العربي ، 1414 هـ.
محمد بن أبي بكر أخْبَرَ عبداللّه بن عمر أن عائشة قالت : أنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله قال لها : «ألم تَرَيْ أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم ؟ فقلت : يا رسول اللّه! ألا تردها على قواعد إبراهيم؟
قال :لولا حِدْثان قومِكِ بالكفر لفعلت »(1) .
وقد أخرجه مالك عن ابن شهاب ، عن سالم بسنده ومتنه(2) وعنه النسائي في سننه(3) وأخرجه أحمد في مسنده مرتين(4) وأخرجه ثالثة وفيه أن الذي أخبرَ ابنَ عمر هو عبدالرحمن بن محمد بن أبي بكر(5) .
وأخرج البخاري أيضاً بسنده عن هشام المعني ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : (قال لي رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «لولا حداثة قومِكِ بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإن قريشاً استقصرتْ بناءه وجعلتُ له خَلْفاً أي : باباً من الخلف » )(6) .
وقد رواه أحمد(7) والنسائي(8) وقريب من لفظه ما أخرجه البخاري في بابه المذكور بسنده عن عروة بن الزبير ، عن عائشة(9) ومثله النسائي(10)
__________________
(1) صحيح البخاري 2 : 190 / 1583 من الباب السابق.
(2) موطأ مالك : 233 / 813 كتاب الحج ، باب ما جاء في بناء الكعبة.
(3) سنن النسائي 5 : 216.
(4) مسند أحمد 7 : 253 / 24912 و 7 : 352 / 25569 ، والطبعة الاولى 6) 147 و 177.
(5) مسند أحمد 7 : 164 / 24306 ، والطبعة الاُولى 6 : 112.
(6) صحيح البخاري 2 : 190 / 1585.
(7) مسند أحمد 7 : 85 / 23776 ، والطبعة الاُولى 6 : 57.
(8) سنن النسائي 5 : 215.
(9) صحيح البخاري 2 : 190 / 1586.
(10) سنن النسائي 5 : 216.
هذا وقد أخرج أحمد في مسنده حديث عائشة بألفاظ متقاربة عن غير من ذكرناه.
فقد أورده من رواية عبداللّه بن الزبير بطريقين ، وعبداللّه بن أبي ربيعة ، والحرث بن عبداللّه ، كلهم ، عن عائشة(1) .
وقد أخرج الحاكم حديث ابن الزبير ، عن عائشة بلفظ آخر مستدركاً به على البخاري ومسلم ، ثم قال : (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا)(2) .
كما أخرج أبو داود بسنده عن علقمة ، عن أمه ، عن عائشة ، ما يؤكد ان قريشاً أخرجوا الحجر من البيت حين بنوا الكعبة(3) .
ومن كل ما تقدم يعلم أن النبيصلىاللهعليهوآله كان يتقي قومه في عدم رد الحِجْر إلى قواعد إبراهيمعليهالسلام مخافة أن تنفر قلوبهم ، لحداثة عهدهم بالكفر وقربهم من شرك الجاهلية ، وعلى حد تعبير العلاّمة السندي في حاشيته على سنن النسائي : (إنّ الإسلام لم يتمكن في قلوبهم ، فلو هُدّمت لربما نفروا منه!!)(4) .
ولهذا نجد محاولة ابن الزبير في تهديم الكعبة وإعادة بنائها وإدخال
__________________
(1) اُنظر : رواية ابن الزبير في مسند أحمد 7 : 257 / 24935 و 24938 والطبعة الاُولى 6 : 179 و 180. ورواية ابن أبي ربيعة فيه 7 : 360 / 25620 والطبعة الأولى 6 : 253. ورواية الحرث فيه أيضا 7 : 373 / 25724 والطبعة الأولى 6 : 262.
(2) مستدرك الحاكم 1 : 479 ـ 480 ، دار الفكر ، بيروت / 1398 هـ.
(3) سنن أبيداود2 : 221 / 2028 ، كتاب المناسك باب فيالحجر ، دارالجيل ، بيروت / 1412ه.
(4) حاشية العلاّمة السندي مطبوع بهامش سنن النسائي 5 : 214 طبع دار الجيل ، بيروت.
الحجر في البيت ، قد باءت بالفشل ، إذ هدم عبدالملك بن مروان ما بناه ابن الزبير وأخرج الحجر من البيت ليعيده إلى ما كان عليه في عهد من لم يتمكن الإسلام يوماً في قلوب أكثرهم(1) .
هل الحديث من صغريات قانون التزاحم؟
قد يقال : إنّ هذا الحديث ونظائره الاُخرى لا علاقة لها بالتقيّة ، وإنّما هي من صغريات قانون التزاحم وتقديم الأهم على المهم ، أو دفع الأفسد بالفاسد!
والجواب : إنّها كذلك ولكن لا يمنع من أن تصب بعض موارد التزاحم في التقيّة ومنها هذا المورد ، إذ كما يحصل التزاحم بين أمرين بلا اكراه كمن دخل في صلاته وشاهد غريقاً في أنفاسه الأخيرة ، فالواجب حينئذ هو قطع الصلاة وانقاذ الغريق أخذاً بقانون تقديم الأهم على المهم ، فقد يحصل بالاكراه أيضاً كما لو أُكرِه شخص على قتل آخر أو سلب أمواله وإلاّ قتل ، فالواجب هنا أن يتقي بسلب الأموال أخذاً بقانون دفع الأفسد بالفاسد ، وحينئذ يتحقق التزاحم والتقيّة في آن واحد.
ومن مراجعة أمثلة التزاحم في كتب الاُصول(2) يعلم امكان دخول الكثير منها في دائرة التقيّة ، على ان السيد السبزواري قال عن التقيّة : (إنّها ترجع إلى القاعدة العقلية التي قررتها الشرائع السماوية ، وهي تقديم الأهم على المهم ، فتكون التقيّة من القواعد العقلية الشرعية)(3) .
__________________
(1) راجع : مسند أحمد 7 : 360 / 25620 تجد التصريح بذلك في ذيل الحديث.
(2) راجع : مصباح الاُصول 3 : 361 و 2 : 562.
(3) مواهب الرحمن في تفسير القرآن / السيد السبزواري 5 : 202 في تفسير الآية 28 من
الحديث الثاني : تقية النبيصلىاللهعليهوآله من فاحش :
أخرج البخاري من طريق قتيبة بن سعيد ، عن عروة بن الزبير ، أن عائشة أخبرته أن رجلاً استأذن في الدخول إلى منزل النبي فقالصلىاللهعليهوآله : «إئذنوا له فبئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة ، فلما دخل ألان له الكلام ، فقلت له : يا رسول اللّه! قلت ما قلت ثم ألِنتَ له في القول؟ فقال :أي عائشة ، إنّ شرَّ الناس منزلة عند اللّه من تركه أو وَدَعَهُ الناس اتقاء فحشه »(1) .
ونظير هذا الحديث ما أخرجه الطبراني من حديث ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : (كنّا عند رسول اللّهصلىاللهعليهوآله فأقبل رجل من قريش ، فأدناه رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، وقرّبه ، فلمّا قام ، قال : «يا بريدة أتعرف هذا »؟
قلتُ : نعم ، هذا أوسط قريش حسباً ، وأكثرهم مالاً؛ ثلاثاً ، فقلت : يا رسول اللّه أنبأتك بعلمي فيه ، فأنت أعلم.
فقالصلىاللهعليهوآله : «هذا ممن لايقيم اللّه له يوم القيامة وزناً »(2) ).
وهذان الحديثان يكشفان عن صحة ما سيأتي في تقسيم التقيّة ، وأنها غير منحصرة بكتمان الحق وإظهار خلافه خوفاً على النفس من اللائمة
__________________
سورة آل عمران.
(1) صحيح البخاري 8 : 38 كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس. وسنن أبي داود 4 : 251 / 4791 و 4792 و 4793. وسنن الترمذي 4 : 359 / 1996 باب 59 وقال (هذا حديث حسن صحيح). ومسند أحمد 7 : 59 / 23856 ، والطبعة الاُولى 6 : 38. واُنظر : اُصول الكافي 2 : 245 / 1 كتاب الايمان والكفر ، باب من يتقى شرّه.
(2) المعجم الأوسط / الطبراني 2 : 165 / 1304. ومجمع الزوائد / الهيثمي 8 : 17.
والعقوبة بسبب الإكراه ، وإنّما تتسع التقيّة إلى أبعد من هذا ، فيدخل فيها ما ذكره المحدثون في باب المداراة ، سيّما إذا كان في خُلُقِ الشخص المدارى نوع من الفحش كما في هذا الحديث ، أو فيه نوع من الشكاسة كما كان في خُلُق مخرمة.
فقد أخرج البخاري نفسه من طريق عبدالوهاب ، عن أبي مليكة ، قال : (إنّ النبي صلّى اللّه عليه (وآله) وسلم أُهدِيَت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب ، فقسمها في ناس من أصحابه ، وعزل منها واحداً لمخرمة ، فلما جاء ، قال : «خبأت هذا لك »(1) ).
قال الكرماني في شرح الحديث المذكور : (قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله خبأت هذا لك. وكان ملتصقاً بالثوب وأنّ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله كان يري مخرمة أزاره ليطيب قلبه به ، لأنّه كان في خلق مخرمة نوع من الشكاسة)(2) .
وقد استخدم هذا الاسلوب من التقيّة بعض الصحابة أيضاً.
قال السرخسي الحنفي في المبسوط : (وقد كان حذيفة ممن يستعمل التقيّة على ما روي أنه يداري رجلاً ، فقيل له : إنّك منافق!!
فقال : لا ، ولكني اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه)(3) .
وواضح من كلام هذا الصحابي الجليل ، أنّ ترك التقيّة ليس مطلقاً في كل حال وان عدم مداراة الناس تؤدي إلى نفرتهم ، وعزلته عنهم ، وربما ينتج عنها من الاضرار ما يذهب بالدين كلّه.
__________________
(1) صحيح البخاري 8 : 38 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.
(2) صحيح البخاري بشرح الكرماني 22 : 7 / 5756 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.
(3) المبسوط / السرخسي 24 : 46 ، من كتاب الاكراه.
ومن هنا روي عن ابن عمر ، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال : «المؤمن الذي يخالط الناس ، ويصبر على أذاهم أعظم أجراً من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم »(1) .
ولا يخفى على عاقل ما في مخالطة الناس من أمور توجب مداراتهم سيما إذا كانت المخالطة مع قوم مرجت عهودهم واماناتهم وصاروا حثالة.
فقد أخرج الهيثمي ، من طريق إبراهيم بن سعيد ، عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال : «كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم واماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبّك بين أصابعه ، قالوا : كيف نصنع؟ قال :اصبروا وخالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم بأعمالهم »(2) .
وهذا الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط بسنده عن أبي ذر قال : قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «يا أبا ذر كيف أنت إذا كنت في حثالة من الناس ـ وشبّك بين أصابعه ـ قلتُ : يا رسول اللّه ، ما تأمرني؟ قال :صبراً ، صبراً ، خالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم »(3) .
وأخرجه الهيثمي عن أبي ذر أيضاً(4) .
أقول : إنّ أبا ذر سُيّر إلى الشام ، وبعد أن أفسد الشام على معاوية بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر أُعيد إلى المدينة ، ثم نُفي بعد ذلك إلى الربذة
__________________
(1) سنن ابن ماجة 2 : 1338 / 4032. وسنن البيهقي 10 : 89. وحلية الاولياء / أبو نعيم 5 : 62 و 7 : 365. والجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 359.
(2) كشف الأستار / الهيثمي 4 : 113 / 2324.
(3) المعجم الأوسط / الطبراني 1 : 293 / 473.
(4) مجمع الزوائد / الهيثمي 7 : 282 ـ 283 ، كتاب الفتن ، باب في أيام الصبر
ومات فيها غريباً وحيداً بلا خلاف بين سائر المؤرخين ، ومنه يعلم من هم الناس الذين وصفوا بالحثالة!
هذا ، وقد روى الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن أمير المؤمنين الإمام عليعليهالسلام أنه قال : «خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم ، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم »(1) .
ولست أدري كيف تكون مخالقة حثالة الناس بأخلاقهم ومخالطتهم باللسان والمخالفة في الأعمال والمزايلة بالقلوب من غير تقية؟!
الحديث الثالث : أمرُ النبيصلىاللهعليهوآله عمّار بن ياسر بالتقيّة :
وهو ما أشرنا إليه في قصة عمار وأصحابه الذين أظهروا كلمة الكفر بلسانهم وقلوبهم مطمئنة بالايمان.
فقد روى الطبري بسنده عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، أنه قال : (أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى باراهم في بعض ما أرادوا ، فشكا ذلك ءلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال النبيصلىاللهعليهوآله : «كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالايمان ، قال النبيصلىاللهعليهوآله :فان عادوا فعد »(2) ).
وفي تفسير الرازي أنه قيل بشأن عمار : (يا رسول اللّه! إنّ عماراً كفر! فقال : «كلاّ ، إنّ عماراً مليء إيماناً من فرقه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وهو يبكي ، فجعل رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يمسح عينيه ويقول :ما لكَ؟ إن عادوا لك فعد لهم بما قلت »(3) .
__________________
(1) أمالي الشيخ المفيد : 131 / 7 المجلس الخامس عشر.
(2) تفسير الطبري 14 : 122.
(3) التفسير الكبير / الرازي 20 : 121.
الحديث الرابع : النهي عن التعرّض لما لا يطاق :
ويدل عليه ما أخرجه الترمذي وحسّنه بسنده عن حذيفة قال : (قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، قالوا : وكيف يذل نفسه؟ قال :يتعرض من البلاء لما لا يطيق »)(1) .
وفي مسند أحمد بلفظ : «لا ينبغي لمسلم ...»(2) .
وأخرجه في كشف الاستار عن ابن عمر(3) .
وجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التقية :
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية التقيّة أوضح من أن يحتاج إلى بيان؛ لأنّ ما يخافه المؤمن من تهديد ووعيد الكافر أو المسلم الظالم؛ لا شكّ أنه يخلق شعوراً لديه بامتهان كرامته لو امتنع عن تنفيذ ما أُريد منه ، لأنّه معرّض في هذه الحال إلى بلاء ، فان عزم على اقتحامه وهو لا يطيقه فقد أذلّ نفسه ، هذا مع أن بامكانه أن يخرج من هذا البلاء بالتقيّة شريطة أن لا تبلغ الدم ، لأنّها شُرِّعت لحقنه.
قال الإمام الباقرعليهالسلام : «إنّما جُعِلَت التقيّة لِيُحقَن بها الدمُ ، فإذا بلغ الدم فليس تقية »(4) .
__________________
(1) سنن الترمذي 4 : 522 / 2254 باب رقم 67 بدون عنوان.
(2) مسند أحمد 6 : 562 / 22934 والطبعة الاُولى 5 : 405.
(3) كشف الأستار / الهيثمي 4 : 113 / 2324 ، ط2 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت / 1404 هـ.
(4) اُصول الكافي 2 : 174 / 16 كتاب الايمان والكفر ، باب التقيّة. والمحاسن / البرقي : 259 / 310 كتاب مصابيح الظلم ، باب التقيّة. والظاهر : (إذا بلغت) وقد يكون في الكلام حذف ، والتقدير : (فإذا بلغ أمرها الدم) ، فلاحظ.
الحديث الخامس : في تقية المؤمن الذي كان يخفي إيمانه وقتله المقداد :
وهو ما رواه الطبراني ، بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : (بعث رسول اللّهصلىاللهعليهوآله سرية فيها المقداد بن الأسود ، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح ، فقال : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، فأهوى إليه المقداد فقتله ، فقال له رجل من أصحابه : قتلت رجلاً قال : لا إله إلاّ اللّه ، واللّه ليذكرن ذلك للنبيصلىاللهعليهوآله .
فلما قدموا على النبيصلىاللهعليهوآله ، قالوا : يا رسول اللّه! إنَّ رجلاً شهد أن لا إله إلاّ اللّه فقتله المقداد؟ فقال : «ادعوا لي المقداد ، فقال : يا مقداد قتلت رجلاً قال : لا إله إلاّ اللّه ، فكيف لك بـ (لا إله إلاّ اللّه )؟ قال : فأنزل اللّه : «يا أيُّها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل اللّه فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند اللّه مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن اللّه عليكم »(1) .
فقال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «كان رجلاً مؤمناً يخفي إيمانه مع قوم من الكفار فقتلته ، وكذلك كنت أنت تخفي ايمانك بمكة »(2) ).
وقصة نزول هذه الآية أوردها البخاري مختصرة في صحيحه بسنده عن عطاء ، عن ابن عباس أيضاً ، ولم يذكر فيها المقداد بل جعل القاتل هو جماعة المسلمين(3) .
وأخرجها بلفظ الطبراني الحارث بن أبي اُسامة في مسنده كما في
__________________
(1) سورة النساء : 4 / 94.
(2) المعجم الكبير / الطبراني 12 : 24 25 / 12379.
(3) صحيح البخاري 6 : 59 ، كتاب التفسير ، باب سورة النساء.
المطالب العالية(1) ، كما أخرجها الطبري في تفسيره من طريق وكيع(2) .
وقد عرفت أن في هذا الحديث تصريحين من النبيصلىاللهعليهوآله أحدهما : ان المقتول كان مؤمناً يكتم ايمانه خوفاً من الكفار ، وهذا هو عين التقيّة.
والآخر : إنّ القاتل وهو المقداد كان حاله بمكة كحال المقتول.
الحديث السادس : إذن النبيصلىاللهعليهوآله لمحمد بن مسلمة وابن علاط السلمي بالتقيّة :
وهو حديث البخاري الذي أخرجه بسنده عن جابر بن عبداللّه الأنصاريرحمهالله قال : (قال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «مَنْ لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى اللهَ ورسولَهُ؟ فقام محمد بن مَسْلَمَةَ ، فقال : يا رسول الله! أتُحبُّ أنْ أقتُلَهُ؟ قال : نعم. قال فأذنْ لي أنْ أقول شيئاً. قال : قل.
فأتاه محمد بن مسلمة ، فقال : إنّ هذا الرجلَ قد سألنا صدقةً وإنّه قد عنانا ، وإني قد أتيتك استسلفك الخبر)(3) .
ثم ذكر البخاري تمام القصة التي انتهت بقتل ابن الأشرف على يد محمد بن مسلمة وجماعته من الصحابة الذين أرسلوا معه.
وفي أحكام القرآن لابن العربي ، أن الصحابة الذين كلّفوا بقتل ذلك الخبيث ، وكان محمد بن مسلمة من جملتهم ، أنهم قالوا : (يا رسول اللّه أتأذن لنا أن ننال منك؟) فأذن لهم(4) .
__________________
(1) المطالب العالية / ابن حجر 3 : 317 / 3577 في باب تفسير سورة النساء الآية : 94.
(2) تفسير الطبري 5 : 142 ، في تفسير الآية 94 من سورة النساء.
(3) صحيح البخاري 5 : 115 ، باب قتل كعب بن الأشرف.
(4) أحكام القرآن / ابن العربي المالكي 2 : 1257.
ولا يخفى أن ما طُلب من الإذن ، إنما هو لأجل الحصول على ترخيص نبوي بالقول المخالف للحق بغية الوصول إلى مصلحة إسلامية لا تتحقق إلاّ من هذا الطريق ، فجاء الإذن الشريف بأن يقولوا ما يشاؤون بهدف الوصول إلى تلك المصلحة.
ومنه يعلم صحة ما مرّ سابقاً بأن التقيّة كما قد تكون بدافع الإكراه ، قد تكون أيضاً بغيره ، كما لو كان الدافع اليها غاية نبيلة ومصلحة عالية.
ونظير هذا الحديث بالضبط ما رواه أحمد في مسنده ، والطبري ، وعبدالرزاق ، وأبو يعلى ، والطبراني وغيرهم من حديث الصحابي الحجاج ابن علاط السلمي وقصته بعد فتح خيبر ، إذ استأذن النبيصلىاللهعليهوآله ، أن يذهب إلى مكة لجمع أمواله من مشركي قريش على أن يسمح له النبيصلىاللهعليهوآله بأن يقول شيئاً يسرّ المشركين ، فأذن له النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ، وفعلاً قد ذهب إلى مكة ولما قَرُبَ منها رأى رجالاً من المشركين يتسمعون الأخبار ليعرفوا ما انتهى إليه مصير المسلمين في غزوتهم الجديدة (خيبر). فسألوا ابن علاط عن ذلك ولم يعلموا باسلامه فقال لهم : (وعندي من الخبر ما يسركم)!
قال : (فالتاطوا بِجَنْبَيْ ناقتي يقولون : إيه يا حجاج!
قال : قلت : هُزموا هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط)!!
ثم أخذ يعدد لهم كيف أنّ اليهود تمكنوا من قتل المسلمين ، وتتبع فلولهم ، وأن النبيصلىاللهعليهوآله وقع أسيراً بأيديهم ، وأنهم أجمعوا على أن يبعثوه مقيداً بالحديد إلى قريش ليقتلوه بأيديهم وبين أظهرهم!!!
هذا مع علمه علم اليقين كيف قلع أمير المؤمنينعليهالسلام باب خيبر ، وكيف دُكّت حصون اليهود وولّوا الدُبر ، لكنه أراد بهذا أن يجمع أمواله من
المشركين على أحسن ما يرام ، وقد تمّ له ذلك بفضل التقيّة التي شهد فصولها حينذاك العباس عم النبيصلىاللهعليهوآله الذي اغتمّ أولاً ثم استرّ بعد أن سرّه ابن علاط بحقيقة الخبر(1) .
الحديث السابع : حديث الرفع المشهور :
صلة الحديث بالتقيّة :
يتصل حديث الرفع بالتقيّة من جهتين ، وقد تضمنهما الحديث نفسه ،الجهة الأولى : اشتماله على عبارة (وما أكرهوا عليه) ، والتقيّة غالباً ما تكون باكراه ، وقد بيّنا سابقاً صلة الإكراه بالتقيّة ، ونتيجة لتلك الصلة فقد علم جميع المفسرين بلا استثناء دلالة قوله تعالى : «إلاّ من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان » على جواز التقيّة في الإسلام ولم يناقش أحد منهم في ذلك.الجهة الثانية : اشتمال الحديث في بعض مصادره على عبارة (وما اضطروا إليه) ، وقد تبين سابقاً ان من الاضطرار ما يكون بغير سوء الاختيار ، وان من أسبابه هو فعل الغير كما في الاكراه. كما تبين في أركان الاكراه ما يدلُّ على ان الاكراه الذي لا يضطر معه المكرَه إلى ارتكاب المحظور لا تجوز معه التقيّة إذ لم يعد الاكراه اكراهاً في الواقع لفقدانه أحد أركانه ، فيكون اكراهاً
__________________
(1) اُنظر : تقية الحجاج بن علاط في مسند أحمد 3 : 599 600 / 12001 والطبعة الاُولى 3 : 138 139. ومصنف عبدالرزاق 5 : 466 / 9771. والمعجم الكبير / الطبراني 3 : 220 / 3196. ومسند أبي يعلى الموصلي 3 : 399 403 / 3466. وتاريخ الطبري 2 : 139 في حوادث سنة 7 هجرية. ومثله في الكامل / ابن الاثير 2 : 223. والبداية والنهاية / ابن كثير 4 : 215. والاصابة / ابن حجر 1 : 327. وقال في مجمع الزوائد 6 : 155 : ورجال أحمد رجال الصحيح.
ناقصاً بخلاف التام الذي يولد اضطراراً أكيداً للمكره ، وإذا اتضح هذا اتضحت صلة العبارة بالتقيّة. ومما يقطع النزاع بتلك الصلة حديث الإمام الصادقعليهالسلام : «إذا حلف الرجل تقية لم يضره إذا هو أُكرِه واضطرَّ إليه »(1) على أن لهاتين العبارتين آثارهما الواضحة في ادخال التقيّة في موارد كثيرة في فروع الفقه مع عدم ترتب آثارها الواقعية بفضل هاتين العبارتين من قبيل صحة التقيّة في طلاق المكره مع الحكم بعدم وقوع الطلاق ، وصحتها في بيع المكره ولكن مع فساد البيع وهكذا الحال في العتق والمباراة والخلع وغيرها كثير.
وزيادة على ذلك نورد ماقاله الشيخ الأنصاري في بحث التقيّة ، قال : ( ثم الواجب منها يبيح كل محظور من فعل الواجب وترك المحرم.
والأصل في ذلك أدلة نفي الضرر ، وحديث : «رفع عن أمتي تسعة أشياء» ، ومنها : وما اضطروا إليه )(2) وواضح من هذا الكلام صلة القواعد الفقهية الخاصة بازالة الضرر بالتقيّة كما أشرنا إليه سابقاً ، كقاعدة لاضرر وغيرها.
أصل الحديث ومصادره :
وأما عن أصل الحديث ومصادره فهو معروف لدى الفريقين ، فقد أخرجه العامّة بلفظ : «رفع اللّه من أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما اسْتُكِرهوا
__________________
(1) وسائل الشيعة 23 : 228 / 29442 باب 12 من أبواب كتاب الأيمان.
(2) التقيّة / الشيخ الأنصاري : 40.
عليه »(1) وعدّه السيوطي من الأحاديث المشهورة(2) . وصرح ابن العربي المالكي باتفاق العلماء على صحة معناه فقال عند قوله تعالى : «إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطمَئِنٌ بِالإيمانِ » : (لما سمح اللّه تعالى في الكفر به ..
عند الاكراه ولم يؤاخِذ به ، حمل العلماء عليه فروع الشريعة ، فإذا وقع الاكراه عليها لم يؤاخذ به ، ولا يترتب حكم عليه ، وعليه جاء الأثر المشهور عند الفقهاء : «رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه » ، ـ إلى ان قال عن حديث الرفع ـ : فإنّ معناه صحيح باتفاق من العلماء)(3) .
والحديث المذكور رواه الصدوق في كتاب التوحيد بسنده عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله بلفظ : «رفع عن أُمتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يطيقون ، وما لا يعلمون ، وما اضطروا إليه ، والحسد ، والطيرة ، والتفكر في الوسوسة في الخَلْق ما لم ينطق بشفة »(4) .
وأورده مسنداً في (الخصال) ، مع تقديم كلمة (وما لا يعلمون) على (وما لا يطيقون)(5) .
وأرسله في (الفقيه) بهذه الصورة : «وضع عن أُمتي تسعة أشياء : السهو ، والخطأ ، والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ،
__________________
(1) مسند الربيع بن حبيب 3 : 9 ، نشر مكتبة الثقافة. وفتح الباري بشرح صحيح البخاري 5 : 160 ـ 161 ، دار احياء التراث العربي ، بيروت / 1406 هـ. وكشف الخفاء / العجلوني 1 : 522 ، ط5 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت / 1405 هـ. وكنز العمال / المتقي الهندي 4 : 233 / 10307 ، ط5 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت / 1405 هـ.
(2) الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة / السيوطي : 87 ، ط1 ، مطبعة الحلبي ، مصر.
(3) أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1177 ـ 1182 وفيه تفصيل مطول عن الأحكام المتصلة بحديث الرفع ، فراجع.
(4) التوحيد / الصدوق : 353 / 24 باب الاستطاعة.
(5) الخصال / الصدوق 2 : 417 / 9 باب التسعة.
والطيرة ، والحسد ، والتفكر في الوسوسة في الخَلْق ما لم ينطق الانسان بشفة »(1) .
كما أورده الشيخ الحر في (الوسائل) ، تارة عن الصدوق(2) ، وأُخرى عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى(3) .
وهذا الحديث الذي تحدث عنه علماء الاصول من الشيعة الإمامية في صفحات عديدة في باب البراءة من الاُصول العملية ، صريح برفع المؤاخذة عن المكره.
وقد نصّ القرآن الكريم في أكثر من آية على ذلك وهذا يدل على صحة ما تضمنه الحديث حتى مع فرض عدم صحته في نفسه ، ومن بين تلك الآيات زيادة على ما مرّ ، قوله تعالى : «ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن اردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فان اللّه من بعد اكراههن غفور رحيم »(4) .
ومن هنا درأ رسول اللّهصلىاللهعليهوآله الحدَّ عن امرأة زنت كرهاً في عهده الشريف ، وأمر بإقامة الحد على من استكرهها(5) .
__________________
(1) من لا يحضره الفقيه / الصدوق 1 : 36 / 132 باب 14.
(2) وسائل الشيعة / الحر العاملي 15 : 369 / 20769 باب 65 من أبواب جهاد النفس ، تحقيق مؤسسة آل البيت : لإحياء التراث.
(3) وسائل الشيعة 23 : 237 / 29466 باب 16 من أبواب كتاب الإيمان. وانظر : نوادر أحمد ابن محمد بن عيسى : 74 / 157.
(4) سورة النور : 24 / 34. واُنظر : سبب نزولها في صحيح مسلم 8 : 244 كتاب التفسير باب قوله تعالى : «ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ».
(5) صحيح الترمذي 4 : 155 كتاب الحدود ، باب ما جاء في المرأة إذا استكرهت على الزنا.
وقد مرّ فيما سبق وحدة الملاك بين الاكراه والتقيّة في بعض صورها ، مما يعني أن دلالة حديث الرفع على مشروعية التقيّة لالبس فيه ولا خفاء.
ونكتفي بهذا القدر من الأحاديث المروية عن النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله ، في أصح كتب الحديث عند العامّة ؛ لننتقل بعد ذلك إلى تراث النبي الكريمصلىاللهعليهوآله الذي حفظه أهل بيتهعليهمالسلام وأهل البيت أدرى بالذي فيه لنقتطف منه جزءاً يسيراً من أحاديث التقيّة المروية في كتب الحديث عند شيعتهم ، سيّما وقد علم الكل كيف أينعت مفاهيم الشريعة على أيديهمعليهمالسلام ، وكيف أغدقت علومهم بفاكهة القرآن؛ لأنّهم صنوه الذي لن يفارقه حتى يردا على النبي الحوض(1) وكيف فاح عطر الإيمان وأريج الحق من بيوتهم التي أذن اللّه لها أن ترفع ويذكر فيها اسمه. فنقول :
القسم الثاني : أحاديث أهل البيتعليهمالسلام في التقيّة :
إنّ الأحاديث المروية عن أهل البيتعليهمالسلام في التقيّة كثيرة وقد بلغ رواتها الثقات عدداً يزيد على الحد المطلوب في التواتر ، وفي تلك الأحاديث تفصيلات كثيرة تضمنت فوائد التقيّة ، وأهميتها ، وكيفياتها ، وموارد حرمتها ، مع الكثير من أحكامها فيما يزيد على أكثر من ثلاثمائة حديث تجدها مجموعة في كتب الحديث المتأخرة كوسائل الشيعة ومستدركه ، وجامع أحاديث الشيعة وذلك في أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
__________________
(1) كما في حديث الثقلين المتواتر عند جميع المسلمين وهو قولهصلىاللهعليهوآله : «إنّي تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر : كتاب اللّه ، وعترتي أهل بيتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ».
ومن هنا أصبحت دراستها في بحث مختصر كهذا متعذرة ، بل حتى الاكتفاء بعرض نصوصها كذلك أيضاً ، ولما لم نجد بداً من التعرض السريع إليها ارتأينا جمع ما اشترك منها في معنىً واحدٍ تحت عنوان واحد ، ومن ثم الاستدلال على ذلك العنوان ببعض أحاديثه لا كلّها سيما وان القدر المشترك في أحاديث كل عنوان يبلغ حد التواتر المعنوي ، وقد اكتفينا ببعض العناوين المهمة وتركنا الكثير منها ، إذ لم يكن الهدف سوى وضع صورة مصغرة عن التقيّة في الأحاديث المروية عن أهل البيتعليهمالسلام ، وبالنحو الآتي :
أولاً ـ الأحاديث المستنبطة جواز التقيّة من القرآن الكريم :
هناك جملة وافرة من الأحاديث التي فسّرت بعض الآيات القرآنية بالتقيّة ، نذكر منها :
1 ـ عن هشام بن سالم ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، في قول اللّه تعالى : «أولئِكَ يُؤتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا » قال : «بما صبروا على التقيّة «ويدرؤنَ بالحَسَنَةِ السَّيِّئةَ »(1) قال :الحسنة : التقيّة ، والسيئة : الإذاعة »(2) .
2 ـ وعنهعليهالسلام في قوله تعالى : «ولا تستوي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئةُ » قال : «الحسنة : التقيّة ، والسيئة : الإذاعة ». وقوله عزَّ وجل : «إدْفَعْ بالَّتي هيَ أحسَن » قال : «التي هي أحسن : التقيّة ثم قرأ عليهالسلام : «فإذا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ
__________________
(1) سورة القصص : 28 / 54.
(2) اُصول الكافي 2 : 217 / 6 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب التقيّة.
عَدَاوةٌ كأنَّهُ وليٌّ حَمِيمٌ »»(1) .
ولا يخفى : أن تفسير الحسنة بالتقيّة ، والسيئة بالإذاعة ، هو من باب تفسير الشيء ببعض مصاديقه ، وهذا مما لا ينكر ، فلو توقف مثلاً صون دم مسلم على التقيّة فلا شك في كونها حسنة ، بل من أعظم القربات ، وأما لو ترتب على الإذاعة سفك دم حرام ، فلا ريب بِعدِّ الإذاعة سيئة بل من أعظم الموبقات.
قول الإمام الصادقعليهالسلام بتقية يوسف وإبراهيمعليهماالسلام :
قد تجد في جملة من الروايات ما يدل على عمق تاريخ التقيّة في الحياة البشرية ، باعتبارها المنفذ الوحيد المؤدي إلى سلامة الإنسان أزاء ما يعرضه للفناء ، أو يقف حجراً في طريق المصالح المشروعة ، كما حصل ذلك لبعض الأنبياءعليهمالسلام ، ومن تلك الروايات :
عن أبي بصير ، قال : (قال أبو عبداللّهعليهالسلام : «التقيّة من دين اللّه ، قلت : من دين اللّه؟ قال : إي واللّه من دين اللّه ، ولقد قال يوسف : «أيَّتُها العِيرُ إنَّكُم لَسارِقُونَ »(2) .واللّه ما كانوا سرقوا شيئاً. ولقد قال إبراهيم عليهالسلام : «إنّي سَقِيمٌ »(3) واللّه ما كان سقيماً »(4) ).
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 218 / 6 باب التقيّة. ومثله في المحاسن / البرقي : 257 / 297. والآية من سورة فصلت : 41 / 34.
(2) سورة يوسف : 12 / 70.
(3) سورة الصافات : 37 / 89.
(4) اُصول الكافي 2 : 217 / 3 باب التقيّة. ومثله في المحاسن للبرقي 258 / 203. وعلل الشرائع / الصدوق : 51 / 1 ، 2.
توضيح حول تقية يوسف الصدّيقعليهالسلام :
ومما يجب التنبيه عليه هنا ، هو أن تقية يوسفعليهالسلام إنّما هي من جهة قول المؤذن الآتي ، الذي صحت نسبته إلى يوسفعليهالسلام باعتبار علمه به مع تهيئة مقدماته.
فانظر إلى قوله تعالى : «وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ءَاوَى إليهِ أخَاهُ قالَ إنِّي أنا أخُوكَ فَلا تَبتَئسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِم جَعَلَ السِّقايةَ في رَحلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مؤذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكُم لَسَارِقُونَ »(1) .
ستعلم ان قول المؤذن كان بتدبير يوسفعليهالسلام وعلمه ، وهو لم يكذبعليهالسلام ، لان أصحاب العير كانوا قد سرقوه من أبيه وألقوه في غيابات الجب حسداً منهم وبغياً.
ومما يدل على صدق يوسفعليهالسلام أن اخوته لما قالوا له بعد ذلك «يا أيُّها العزِيزُ إنَّ لَهُ أباً شَيخاً كبيراً فَخُذْ أحَدَنا مَكانَه »(2) .
لم يقلعليهالسلام لهم بأنا لا نأخذ إلاّ من سرق متاعنا ، بل قال لهم : «مَعَاذَ اللهِ أنْ نأخُذَ إلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتَاعَنَا عَنْدَه »(3) .
وبالجملة فان تقية النبي يوسفعليهالسلام إنّما هي من جهة ظهوره بمظهر من لا يعرف حال اخوته مع اخفاء الحقيقة عنهم مستخدماً التورية في حبس أخيه. وعليه تكون تقيته هنا ليست من باب الاحكام وتبليغ الرسالة حتى يُزعم عدم جوازها عليه ، بل كانت لأجل تحقيق بعض المصالح العاجلة
__________________
(1) سورة يوسف : 12 / 69 ـ 70.
(2) سورة يوسف : 12 / 78.
(3) سورة يوسف : 12 / 79.
كاحتفاظه بأخيه بنيامين ، والآجلة كما يكشف عنها قوله لهم بعد إن جاءوا من البدو : «ادْخُلُوا مَصْرَ إنْ شاءَ اللهُ آمنينَ »(1) .
ما زعمه أبو هريرة في صحيح البخاري من أنّ نبيّنا صلىاللهعليهوآله لو كان مكان يوسف لارتكب الفاحشة!! :
أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله من طريقين أنه قال : «ولو لبثت في السجن ما لبث يُوسُفَ لأجِبتَ الدَّاعي »(2) !!
ولا أعلم فريّة تجوّز على أشرف الأنبياء والرسلصلىاللهعليهوآله التقيّة في ارتكاب ما أبى عنه يوسفعليهالسلام واستعصم فيما لو جُعلصلىاللهعليهوآله مكانهعليهالسلام من هذه الفرية التي ليس بها مرية.
توضيح حول تقية الخليل إبراهيمعليهالسلام :
هذا ، وأما عن تقية إبراهيمعليهالسلام ، فهي نظير تقية يوسفعليهالسلام ، وذلك باعتبار أنه أخفى حاله واظهر غيره بهدف تحقيق بعض المصالح العالية التي تصب في خدمة دعوة أبي الأنبياءعليهالسلام إلى التوحيد ونبذ الشرك ، مثل تكسير الأصنام وتحطيمها ، وليس في قوله : «إنّي سقيمٌ » أدنى كذبٍ ، لأنّه ورّى عما سيؤول إليه حاله مستقبلاً ، بمعنى أنه سيسقم بالموت ، فتكون تقيتهعليهالسلام في موضوع لا في حكم حتى يُتأمَّل فيها.
ومن هنا كانت كلمة أهل البيتعليهمالسلام قاطعة في صدق إبراهيمعليهالسلام في تقيته.
__________________
(1) سورة يوسف : 12 / 99.
(2) صحيح البخاري 6 : 97 باب سورة يوسف ، من كتاب التفسير.
أبو هريرة يكذِّب إبراهيم الخليلعليهالسلام في صحيح البخاري :
أبى البخاري في صحيحه إلاّ أن يروي مفتريات أبي هريرة في تكذيب إبراهيمعليهالسلام ، فقد أخرج في صحيحه من طريقين عن أبي هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال بزعم أبي هريرة : «لم يكذب إبراهيم إلاّ ثلاثاً» وفي لفظ آخر : «لم يكذب إبراهيمعليهالسلام إلاّ ثلاث كذبات»(1) .
ولم يكتف البخاري بهذا ، بل أخرج بسنده عن أبي هريرة نفسه عن النبيصلىاللهعليهوآله أنّه قال : ( إنّ اللّه يجمع يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد فيأتون إبراهيم فيقولون : أنتَ نبيُ اللّه وخليله من الأرض اشفع لنا إلى ربّك فيقول فذكر كذباته : نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى موسى).
ثم قال البخاري : (تابعه أنسٌ عن النبيصلىاللهعليهوآله )(2) !!
أقول : معاذ اللّه أن نصدّق بهذه الأكاذيب وان قالوا بوثاقة رواتها! ، وكيف لا نكذّبهم وقد رموا من قد رفع اللّه محلّه ، وارسله من خلقه رحمة للعالمين وحجة للمجتهدين؟
تكذيب الرازي لأبي هريرة والبخاري؛ لتكذيبهما إبراهيمعليهالسلام :
قال الفخر الرازي في تفسيره عن خبر أبي هريرة في صحيح البخاري : (ماكذب إبراهيم إلاّ ثلاث كذبات) قال : (قلت لبعضهم : هذا الحديث لاينبغي أن يقبل ؛ لأنّ نسبة الكذب إلى إبراهيمعليهالسلام لا تجوز ، وقال ذلك الرجل : فكيف يحكم بكذب الرواة العدول؟ فقلت : لما وقع التعارض بين
__________________
(1) صحيح البخاري 4 : 171 باب قول اللّه تعالى : «واتَّخَذَ اللهُ إبراهِيمَ خَلِيلاً » من كتاب بدء الخَلق.
(2) صحيح البخاري4 : 172 باب يَزِفُّونَ النَّسَلانُ في المشي من كتاب أحاديث الأنبياء.
نسبة الكذب إلى الراوي وبين نسبته إلى الخليلعليهالسلام ، كان من المعلوم بالضرورة أن نسبته إلى الراوي أولى)(1) .
ثانياً ـ الأحاديث الدالة على أن التقيّة من الدين :
دلّت جملة من الأحاديث المروية عن أهل البيتعليهمالسلام بأن التقيّة من دين اللّه عزَّ وجل ومن الإيمان وان من يتركها في موارد وجوبها فهو غير مكتمل التفقه في الدين ، من ذلك :
الحديث الأوّل ـ تسعة أعشار الدين في التقية :
عن أبي عمر الاعجمي ، عن أبي عبداللّهعليهالسلام قال : «يا أبا عمر ، ان تسعة أعشار الدين في التقيّة ، ولا دين لمن لا تقية له »(2) .
وهذا الحديث لا شكَّ فيه ، فهو ناظر من جهة إلى كثرة ما يبتلى به المؤمن في دينه ولا يخرج من ذلك إلاّ بالتقيّة خصوصاً إذا كان في مجتمع يسود أهله الباطل.
ومن جهة اُخرى إلى قلة أنصار الحق وكثرة أدعياء الباطل حتى لكأن الحق عشر ، والباطل تسعة أعشار ، وعليه فلا بدَّ لأهل الحق من مماشاة أهل الباطل في حال ظهور دولتهم ليسلموا من بطشهم.
على أن وصف الحق بالقلة والباطل بالكثرة وكذلك أهلهما صرّح به القرآن الكريم في أكثر من آية ، كقوله تعالى : «وما أكثرُ النَّاسِ وَلو حَرصْتَ بمُؤمِنِينَ »(3) وقوله تعالى : «إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَليلٌ مَّا
__________________
(1) التفسير الكبير / الفخر الرازي 16 : 148.
(2) اُصول الكافي 2 : 172 / 2. والمحاسن / البرقي : 359 / 309. والخصال / الصدوق : 22 / 79.
(3) سورة يوسف : 12 / 103.
هُمْ »(1) .
كما أن الحديث لا يدل على نفي الدين عمّن لا يتقي بل يدل بقرينة أحاديث أُخر أنه غير مكتمل التفقه ، بل ليس فقيهاً في دينه ، وهكذا في فهم نظائره الاُخر.
ومما يدل عليه ما رواه عبداللّه بن عطاء قال : قلتُ لابي جعفر الباقرعليهالسلام : رجلان من أهل الكوفة أُخذا ، فقيل لأحدهما : ابرأ من أمير المؤمنين ، فبرئ واحد منهما وأبى الآخر ، فَخُلِّيَ سبيل الذي برئ وقُتل الآخر؟
فقالعليهالسلام : «أما الذي برئ فرجل فقيه في دينه ، وأما الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل إلى الجنة »(2) .
هذا ، ولا يمنع أن يكون الحديث دالاً أيضاً على سلب الإيمان والدين حقيقة ممن لا يتقي في موارد وجوب التقيّة عليه ، كما لو أُكره مثلاً على أن يعطي مبلغاً زهيداً ، وإلاّ عرّض نفسه إلى القتل ، فامتنع حتى قتل ، فهذا لا شكّ أنه من إلقاء النفس بالتهلكة ، وقد مرّ تصريح علماء العامّة بأن مصير مثل هذا يكون في جهنم ، ومن غير المعقول ان تكون جهنم مأوى المؤمن المتدين ، بل هي مأوى الكافرين والمنافقين وأمثالهم. ونظير هذا الحديث :
الحديث الثاني ـ التقية من دين أهل البيتعليهمالسلام :
عن معمر بن خلاد ، عن أبي الحسنعليهالسلام قال : قال أبو جعفرعليهالسلام : «التقيّة
__________________
(1) سورة ص : 38 / 24.
(2) اُصول الكافي 2 : 175 / 21 ، باب التقيّة.
من ديني ودين آبائي ، ولا إيمان لمن لا تقية له »(1) .
الحديث الثالث ـ لا دين لمن لا تقية له :
عن أبان بن عثمان عن الإمام الصادقعليهالسلام قال : «لا دين لمن لا تقية له ، ولا إيمان لمن لا ورع له »(2) .
الحديث الرابع ـ لا إيمان لمن لا تقية له :
عن عبداللّه بن أبي يعفور ، عن الإمام الصادقعليهالسلام قال : «اتقوا على دينكم فاحجبوه بالتقيّة ، فإنّه لا إيمان لمن لا تقية له »(3) .
وقد مرّ في شرح الحديث الأوّل ما له صلة بالحديثين الثالث والرابع في دلالتهما على عدم اكتمال تفقّه من لم يتّق في مواضع التقية ، لا نفي الدين والإيمان عنه.
ثالثاً ـ الأحاديث الواردة في بيان أهمية التقيّة :
وصِفت التقيّة في جملة من الأحاديث بأنها ترس المؤمن ، وحرزه ، وجنته ، وإنّها حصنه الحصين ونحو هذه العبارات الكاشفة عن أهمية التقيّة.
وربما قد يستفاد من ذلك الوصف والتشبيه وجوبها في موارد الخوف أحياناً ، فكما أن استتار المؤمن في سوح الوغى بالترس من ضرب السيوف وطعن الرماح قد يكون واجباً أحياناً ، فكذلك استتاره بالتقيّة في موارد الخوف لحفظ النفس من التلف ، ومن هذه الأحاديث :
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 219 / 12 ، باب التقيّة.
(2) صفات الشيعة / الشيخ الصدوق : 3 / 3.
(3) اُصول الكافي 2 : 218 / 5 ، باب التقيّة.
الحديث الأوّل ـ التقية ترس المؤمن وحرزه :
عن عبداللّه بن أبي يعفور ، عن أبي عبداللّهعليهالسلام قال : «التقيّة ترس المؤمن ، والتقيّة حرز المؤمن »(1) .
الحديث الثاني ـ التقية جنّة المؤمن :
عن محمد بن مروان ، عن أبي عبداللّهعليهالسلام قال : «كان أبي عليهالسلام يقول : وأي شيء أقر لعيني من التقيّة؟ إن التقيّة جُنّة المؤمن »(2) .
الحديث الثالث ـ التقية حصن المؤمن :
وعن الإمام الصادقعليهالسلام أنّه قال للمفضل : «إذا عملت بالتقيّة لم يقدروا في ذلك على حيلة ، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء اللّه سداً لا يستطيعون له نقباً»(3) .
رابعاً ـ الأحاديث الدالة على عدم جواز ترك التقيّة عند وجوبها :
الحديث الأوّل ـ تارك التقية كتارك الصلاة :
من مسائل داود الصرمي للامام الجوادعليهالسلام قال : قال لي : «يا داود ، لو قلت إن تارك التقيّة كتارك الصلاة لكنت صادقاً »(4) .
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 221 / 23 ، باب التقيّة.
(2) اُصول الكافي 2 : 220 / 14 ، باب التقيّة.
(3) تفسير العياشي 2 : 351 / 86. واُنظر : الوسائل 16 : 213 / 21389 باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) وسائل الشيعة 16 : 211 / 21382 باب 24 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، نقله عن مستطرفات السرائر ، وأورده الصدوق في الفقيه عن الإمام الصادقعليهالسلام واُنظر : الفقيه 2 : 80 / 6 باب صوم يوم الشك.
الحديث الثاني ـ ليس منّا من لم يعمل بالتقية :
أورد الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الإمام الصادقعليهالسلام أنه قال : «ليس منا من لم يلزم التقيّة ويصوننا عن سفلة الرعية »(1) .
الحديث الثالث ـ التقية من أفضل أعمال المؤمن :
وعن أمير المؤمنينعليهالسلام : «التقيّة من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه واخوانه عن الفاجرين »(2) .
خامساً ـ الأحاديث الدالة على أن التقيّة في كلِّ ضرورة ، وأنها تقدّر بقدرها وتحرم مع عدمها ، مع بعض مستثنياتها :
الحديث الأوّل ـ التقية في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها :
ما رواه زرارة عن الإمام الباقرعليهالسلام قال : «التقيّة في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به »(3) .
الحديث الثاني ـ التقية في كلّ شيء يُضطرّ إليه :
وعن إسماعيل الجعفي ، ومعمر بن يحيى بن سام ، ومحمد بن مسلم ، وزرارة كلهم قالوا : (سمعنا أبا جعفرعليهالسلام يقول : «التقيّة في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له »)(4) .
الحديث الثالث ـ المنع من التقية في النبيذ والمسح على الخفين :
وعن أبي عمر الأعجمي ، عن الصادقعليهالسلام أنّه قال : «والتقيّة في كل
__________________
(1) أمالي الشيخ الطوسي 1 : 287.
(2) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريعليهالسلام : 320 / 163.
(3) اُصول الكافي 2 : 219 / 13 ، باب التقيّة.
(4) اُصول الكافي 2 : 220 / 18 ، باب التقيّة. ومثله في المحاسن للبرقي : 259 / 308.
شيء إلاّ في النبيذ والمسح على الخفّين »(1) .
الحديث الرابع ـ المنع من التقية في شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج :
وفي مضمر زرارة ، قال : (قلتُ له : في مسح الخفين تقية؟ فقال : «ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً : شرب المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحج » )(2) .
وأورده الصدوق بلفظ : (وقال العالمعليهالسلام )(3) ولا أثر لهذا الاضمار والوصف في تحديد اسم القائل على حجية الخبر؛ لأنّ قرينةعليهالسلام كافية في تعيين كونه من الأئمة الاثني عشرعليهمالسلام ، وهو في المورد المذكور مردد بين الإمامين الباقر والصادقعليهماالسلام .
حمل زرارة بن أعين المنع المذكور على شخص الإمامعليهالسلام :
لقد حمل زرارة المنع عن استخدام التقيّة في المسكر ، ومسح الخفين ، ومتعة الحج الواردة في مضمره المتقدّم على شخص الإمامعليهالسلام ، كما يُعلم هذا من قوله في ذيل الحديث برواية الكافي : (ولم يقل الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً).
وسيأتي في الأحاديث المبيّنة لحكم التقية في بعض الموارد عدم صحّة الحمل المذكور.
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 217 / 2 ، باب التقيّة. ومثله في المحاسن : 259 / 309. والخصال / الصدوق : 22 / 79.
(2) فروع الكافي 3 : 32 / 2 باب مسح الخفين من كتاب الطهارة.
(3) من لا يحضره الفقيه 1 : 30 / 95 باب حد الوضوء وترتيب ثوابه.
وقد يكون السبب أن هذه الاُمور الثلاثة مما هي معلومة جداً من مذهبهعليهالسلام ، وإن التقيّة فيها لا تجدي نفعاً لأن كل من عاصر الإمام الصادقعليهالسلام يعلم رأيه في هذه الثلاثة ، فلا حاجة لان يتقي فيهن أحداً.
الحديث الخامس ـ التقية في كلّ شيء لا يؤدي إلى الفساد في الدين :
وفي حديث آخر بالغ الأهمية مع علو اسناده وصحته ، عن مسعدة بن صدقة قال : (سمعتُ أبا عبداللّهعليهالسلام يقول وسئل عن إيمان من يلزمنا حقه واخوَّته كيف هو وبما يثبت وبما يبطل؟ فقالعليهالسلام : «إنّ الإيمان قد يتخّذ على وجهين : أما أحدهما : فهو الذي يظهر لك من صاحبك فإذا ظهر لك منه مثل الذي تقول به أنت ، حقت ولايته وأخوّته إلاّ ان يجيء منه نقض للذي وصف من نفسه وأظهره لك فإنّ جاء منه ما تستدل به على نقض الذي أظهر لك خرج عندك مما وصف لك وأظهر ، وكان لما أظهر لك ناقضاً إلاّ أن يدّعي أنّه إنما عمل ذلك تقية ، ومع ذلك ينظر فيه :
فإن كان ليس مما يمكن أن تكون التقيّة في مثله ، لم يقبل منه ذلك ؛ لأن للتقية مواضع ، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له. وتفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق وفعله ، فكل شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز»(1) .
سادساً ـ الأحاديث الدالة على حرمة استخدام التقيّة في الدماء :
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 168 / 1 باب فيما يوجب الحق لمن انتحل الايمان وينقضه ، من كتاب الايمان والكفر.
الحديث الأوّل ـ التقية لحفظ الدماء لا لإراقتها :
عن محمد بن مسلم ، عن الإمام الباقرعليهالسلام قال : «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغ الدم فليس تقية »(1) .
الحديث الثاني ـ كسابقه في حرمة التقية في الدماء
وعن أبي حمزة الثمالي ، عن الإمام الصادقعليهالسلام : «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم ، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقية »(2) .
وجدير بالذكر ، إنّ بعض فقهاء العامّة جوّز التقيّة في الدماء وهتك الأعراض كما سيوافيك مفصلاً في محلّه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
سابعاً ـ الأحاديث المبيّنة لحكم التقيّة في بعض الموارد :
ونذكر من هذه الموارد ما يأتي :
1 ـ ما دلَّ على مخالطة أهل الباطل ومداراتهم بالتقيّة :
أ ـ عن إسماعيل بن جابر ، واسماعيل بن مخلد السراج ، كلاهما عن الإمام الصادقعليهالسلام ، في رسالته إلى أصحابه : «وعليكم بمجاملة أهل الباطل ، تحملوا الضيم منهم ، وإياكم ومماظتهم ، دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام ، فإنّه لا بدَّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقيّة التي أمركم اللّه أن تأخذوا
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 220 / 16. والمحاسن : 259 / 310.
(2) تهذيب الأحكام / الشيخ الطوسي 6 : 172 / 335 باب النوادر ، من كتاب الجهاد وسيرة الإمامعليهالسلام .
بها فيما بينكم وبينهم ..»(1) .
ب ـ وعن هشام الكندي ، عن الإمام الصادقعليهالسلام ، قال : «إياكم ان تعملوا عملاً يعيّرونا به ، فإن ولد السوء يُعيّر والده بعمله ، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً ، صلوا في عشائرهم ، وعودوا مرضاهم ، واشهدوا جنائزهم ، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فانتم أولى به منهم ، واللّه ما عُبد اللّه بشيء أحب إليه من الخبء.
قلتُ : وما الخب ء؟ قال :التقيّة »(2) .
جـ ـ وعن أبي بصير قال : قال أبو جعفرعليهالسلام : «خالطوهم بالبرانية ، وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية »(3) .
وقد مرّ هذا المعنى أيضاً في رواية الشيخ المفيد في أماليه بسنده عن أمير المؤمنينعليهالسلام أنّه قال : «خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم ، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم ».
كما مرّ أيضاً ما رُوي عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله في كتب العامّة ، أنّهصلىاللهعليهوآله قال : «كيف أنتم في قوم مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا حثالة ؟ وشبك بين أصابعه ، قالوا : كيف نصنع؟ قال :اصبروا وخالطوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم »(4) .
وقد مرّ في حديث مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادقعليهالسلام ما
__________________
(1) روضة الكافي 8 : 2 / 1.
(2) اُصول الكافي 2 : 219 / 11 باب التقيّة.
(3) اُصول الكافي 2 : 220 / 20 باب التقيّة.
(4) اُنظر ما ذكرناه حول الحديث الثاني في هذا الفصل.
يدل عليه.
وبالجملة ، فان مخالطة أهل الباطل عند غلبتهم ضرورة لا بدّ منها وقد نهجها من قبل مؤمن آل فرعون وأصحاب الكهف كما مرّ في الأدلة القرآنية ، فراجع.
2 ـ ما دلَّ على عدم الحنث والكفارة على من حلف تقية :
ويدل عليه ما رواه الأعمش ، عن الإمام الصادقعليهالسلام قال : «واستعمال التقيّة في دار التقيّة واجب ، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقية يدفع بذلك ظلماً عن نفسه »(1) .
أقول : سيأتي إن شاء اللّه تعالى جواز الحلف تقية عند العامّة ولا أثر يترتب عليه عندهم.
3 ـ ما دلَّ على حكم التقيّة في شرب الخمر :
عن درست بن منصور ، قال : (كنت عند أبي الحسن موسىعليهالسلام ، وعنده الكميت بن زيد ، فقال للكميت : أنت الذي تقول :
فالآن صرت إلى أُميّة والاُمور لها مصائر؟
قال : قلت ذاك ، واللّه ما رجعت عن إيماني ، وإني لكم لموالٍ ، ولعدوكم لقالٍ ، ولكني قلته على التقيّة.
قال : «أما لئن قلت ذلك إن التقيّة تجوز في شرب الخمر »(2) .
__________________
(1) الخصال / الصدوق : 607 / 9.
(2) رجال الكشي 2 : 465 / 364.
الاستدلال بحديث درست بن منصور على حرمة شرب الخمر تقية!
استدلّ بعضهم بهذا الحديث على عدم جواز التقيّة في شرب الخمر ، بتقريب : إنّ الإمامعليهالسلام لم يقتنع بعذر الكميت ، وأجابه : بأن باب التقيّة لو كان واسعاً بهذه السعة لجازت التقيّة حتى في شرب الخمر! ومعنى هذا أنه لا تجوز التقيّة فيه(1) .
نقد الاستدلال (وفيه إضاءة حول حمل زرارة في الاستدلال المتقدّم) :
إنّ في الاستدلال المذكور تأمل؛ لأنّ اللام في قولهعليهالسلام (لئن قلت هذا ) هي اللام الموطئة للقسم و (إن) شرطية ، وجواب الشرط محذوف يمكن تقديره بالإباحة أي : واللّه لئن قلت ذلك فهو مباح لك أن تقول مثل هذا القول الباطل المحرّم كما أُبيح شرب الخمر تقية على عظمة حرمته.
وبهذا تكون جملة : (إن التقيّة تجوز في شرب الخمر) جملة ابتدائية لا صلة لها بجواب الشرط ، ويدل عليه عدم اقترانها بالرابط.
وأما لو وجد الرابط ، لكان جواب القسم الذي سدَّ مسد جواب الشرط هو (فأن التقيّة تجوز في شرب الخمر) وعندها سيكون المعنى على طبق التفسير المتقدم.
والحق : إنّ مسألة تحريم التقيّة في شرب الخمر وإن لم تثبت بهذه الرواية ، لإمكان الخدش في دلالتها ، إلاّ أنّه يمكن الاستدلال بروايات أُخر على التحريم.
كرواية الصدوق في (الخصال) في حديث الأربعمائة ، بسنده عن أمير
__________________
(1) القواعد الفقهية / ناصر مكارم الشيرازي 3 : 417.
المؤمنينعليهالسلام ، قال : «ليس في شرب المسكر والمسح على الخفين تقية ».
ورواية (دعائم الإسلام) عن الإمام الصادقعليهالسلام قال : «التقيّة ديني ودين آبائي إلاّ في ثلاث : في شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، وترك الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم ».
وفي (فقه الإمام الرضاعليهالسلام ) ، عن العالمعليهالسلام : «ولا تقية في شرب الخمر ، ولا المسح على الخفين ، ولا تمسح على جوربك إلاّ من عدوّ أو ثلج تخاف على رجليك ».
وفي (الهداية) للصدوق :«ولا تقية في ثلاث أشياء : شرب المسكر ، والمسح على الخفين ، ومتعة الحج »(1) ، والمعروف أن فتاوى الصدوق في سائر كتبه منتزعة من نصوص الأخبار.
ومن كل ما تقدم يُعلَم عدم صحة تأويل زرارة المتقدم؛ لعدم تقييد النهي في هذه الأخبار بشخص المعصومعليهالسلام . هذا فيما إذا كان الاكراه على شرب الخمر بما دون القتل ، وأما مع القتل فلا شك في جوازه عندهم.
4 ـ ما دلَّ على جواز اظهار كلمة الكفر تقيةً :
وقد مرّ ما يدل عليها في الدليل القرآني ، وأما من الحديث فيدل عليه ما رواه مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادقعليهالسلام في حديث طويل ذكر فيه قصة عمار بن ياسر وقول النبيصلىاللهعليهوآله لعمار : «ياعمار ، إن عادوا فعد »(2) .
__________________
(1) اُنظر هذه الموارد في جامع أحاديث الشيعة2 : 391 ـ 392 / 22 ـ 25 باب26 من أبواب الوضوء.
(2) اُصول الكافي 2 : 219 / 10 باب التقيّة ، وقد تضمن هذا المعنى الحديث رقم 15 و 21 من الباب المذكور.
5 ـ ما دلَّ على جواز التقيّة في الوضوء البدعي :
ويدل عليه ما أخرجه العياشي بسنده عن صفوان ، عن أبي الحسن الرضاعليهالسلام في غسل اليدين ، قال : (قلتُ له : يُردُّ الشعر؟ فقالعليهالسلام : «إن كان عنده آخر فعل وإلاّ فلا »)(1) .
والمراد بـ (الآخر) هو من يتقى شرّه ، وأما ردّ الشعر ، فهو كناية لطيفة عن الوضوء البدعي المنكوس؛ لأنّ ردّ الشعر من لوازمه.
أقول : لا يخفى على الفطن ما في هذا الحديث من دلالة واضحة على انشائه تقية فضلاً عن كونه في التقيّة ، إذ كان السائل فيه لبقاً وحذراً فجاء بالكناية المعبرة عن مراده ، كما كان الإمامعليهالسلام حذراً في جوابه إذ جاء تجويز الوضوء المنكوس تقية بلفظ متسق مع طبيعة السؤال من غير تصريح ، وهذا يكشف عن كون السؤال والجواب كانا في محضر من يتقى شرّه.
__________________
(1) تفسير العياشي 1 : 300 / 54.
المبحث الثالث
الإجماع ودليل العقل
أولاً : الإجماع :
يعتبر الإجماع في أصح أقوال المسلمين أداة كاشفة عن وجود دليل متين وقويم كآية من كتاب اللّه عزَّ وجل أو حديث شريف ينطق بالحكم المجمع عليه ، وان اعتبره فريق منهم دليلاً قائماً بنفسه تماماً كالكتاب والسُنّة ، وهو بهذا المعنى يستحيل في حقّه الخطأ ويكون معصوماً كعصمة الكتاب والسُنّة المطهّرة ، وان من ردَّ عليه هو كمن ردّ قول اللّه عزَّوجل وسُنّة رسوله الكريمصلىاللهعليهوآله .
ومع هذا فلم يختلف اثنان من المسلمين في أن أهم مصادر التشريع في الإسلام هما : القرآن الكريم ، والسُنّة المطهّرة القطعية ، وانه لا يوجد مصدر تشريعي آخر يبلغ شأوهما في الحجية.
والحق ، ان ما تقدم من أدلة التقيّة يغني عمّا سواه ، خصوصاً مع اتفاق المفسرين والمحدثين على عدم وجود الناسخ لتلك الأدلة ، مع انعدام الشك في ما دلت عليه من جواز التقيّة عند الخوف الشخصي أو النوعي ، ولهذا لم يناقش أحد منهم في ذلك وعليه سيكون الحديث عن الاجماع على مشروعية التقيّة حديثاً زائداً عند من لا يراه دليلاً مستقلاً وقائماً بنفسه.
ولهذا سنكتفي بقول من يراه دليلاً مستقلاً كالكتاب والسُنّة ، إذ سيكون ذلك أبلغ في دحض حجة كون التقيّة نفاقاً كما يزعم بعض أتباع القول باستقلالية الإجماع الذي ادعاه غير واحد من علماء العامّة كما يفهم من
أقوالهم وإليك نموذجاً منها :
1 ـ قال أبو بكر الجصاص الحنفي (ت / 370 هـ) : (ومن امتنع من المباح كان قاتلاً نفسه متلفاً لها عند جميع أهل العلم)(1) .
2 ـ ابن العربي المالكي (ت / 543 هـ) ذكر في كلامه عن حديث الرفع كما مرّ اتفاق العلماء على صحة معناه ، وانهم حملوا فروع الشريعة عليه وهذا يكشف عن اجماعهم على أن ما استُكرِه عليه الإنسان فهو له ، وهذا هو معنى التقيّة(2) .
3 ـ عبدالرحمن المقدسي الحنبلي (ت / 624 هـ) قال : (أجمع العلماء على إباحة الأكل من الميتة للمضطر وكذلك سائر المحرمات التي لا تزيل العقل)(3) .
والاكراه داخل في المفهوم العام للضرورة كماسبق التأكيد عليه ، كما أن الاضطرار إلى أكل الميتة كما قد يكون بسبب المخمصة ، فقد يكون بسبب الاكراه من ظالم أيضاً.
4 ـ القرطبي المالكي (ت / 671 هـ) قال : (أجمع أهل العلم على أن من أُكرِه على الكفر حتى خشي على نفسه القتل انه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالايمان)(4) .
5 ـ ابن كثير الشافعي (ت / 774 هـ) قال : (اتفق العلماء على أن المكره
__________________
(1) أحكام القرآن / الجصاص 1 : 127.
(2) أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1179.
(3) العدة في شرح العمدة / عبدالرحمن المقدسي : 464 ، نشر مكتبة الرياض الحديثة.
(4) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 180.
على الكفر يجوز له ان يوالي أيضاً لمهجته ، ويجوز له أن يأبى)(1) .
6 ـ ابن حجر العسقلاني الشافعي (ت / 852 هـ) قال : (قال ابن بطال تبعاً لابن المنذر : أجمعوا على أن من أُكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالايمان ، أنه لا يحكم عليه بالكفر)(2) .
7 ـ الشوكاني (ت / 1250 هـ) قال : (أجمع أهل العلم على أن من أُكرِه على الكفر حتى خشي على نفسه القتل ، إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا تبين منه زوجته ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر)(3) .
8 ـ جمال الدين القاسمي الشامي (ت / 1332 هـ) قال : (ومن هذه الآية : «إلاَّ أنْ تَتَّقُوا مَنهُم تُقَاةً » استنبط الأئمة مشروعية التقيّة عند الخوف ، وقد نقل الاجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني)(4) .
ثانياً : الدليل العقلي :
وأما عن الدليل العقلي ، فالواقع إنّه لم يكن للعقل البشري صلاحية الاستقلال بالحكم عند جميع المسلمين بما في ذلك المعتزلة؛ إذ لم يثبت عنهم اعتبار العقل حاكماً في المقام وتقديمه على حكم الشرع(5) ،
__________________
(1) تفسير القرآن العظيم / ابن كثير 2 : 609.
(2) فتح الباري / ابن حجر العسقلاني 12 : 264.
(3) فتح القدير / الشوكاني 3 : 197.
(4) محاسن التأويل / القاسمي 4 : 197. واُنظر هذه الأقوال وغيرها من الأقوال الاُخر المصرحة باجماع علماء العامّة على مشروعية التقيّة في كتاب واقع التقيّة / السيد ثامر هاشم العميدي : 93 96 ، ط1 ، نشر مركز الغدير للدراسات الإسلامية ، 1416 هـ.
(5) راجع مباحث الحكم عند الاصوليين / محمد سلام مدكور 1 : 162. فقد نقل عن كتاب مسلّم الثبوت قوله : (في كتب بعض المشايخ : إنّ المعتزلة يرون ان الحاكم هو العقل) ثم نقل
والصحيح من الأقوال : إنّه الطريق الموصل إلى العلم القطعي ، والسبيل إلى معرفة حجية القرآن ودلائل الأخبار(1) .
فالعقول وإن كان لها قابلية الادراك ، إلاّ أن ادراكها يتناول الكليات ولايتعدى إلى الجزيئات والفروع التي تحتاج إلى نص خاص بها ، وهذا لا يمنع من أن يدرك العقل السليم خصائص كثيرة في تفسير النصوص بشرط أن لا يكون خاضعاً لتأثيرات اُخرى تصده عن الوصول إلى الواقع ، كما لو ناقش في الأوليّات والبديهيات ولم يفرق بين قبح الظلم وحسن العدل مثلاً.
كما لا يمنع أيضاً من أن يستقل ببعض الأحكام ، إذ لو عُزل العقل عن الحكم لهدم أساس الشريعة ، غير أنّه لا يتعرض للتفاصيل والاشياء الخارجية ولا يتخذ منها موضوعات لاحكامه ، وإنما يحكم بأمور كلية عامّة كما مرّ.
فهو مثلاً لا يحكم بوجوب الصوم والصلاة ، وإنّما يحكم باطاعة الشارع المقدس وامتثال أوامره التي منها الأمر بالصوم والصلاة.
وهو لا يتعرض للبيع والإجارة والزواج والطلاق ، بل يقرّ كل ما يصلح الجميع ويحفظ النظام العام.
وهو لا يحلل هذا أو يحرم ذاك ، وإنّما يحكم بقبح العقاب بلا بيان ،
__________________
في ردّه عن محيط الزركشي قوله : (إنّ المعتزلة لا ينكرون ان اللّه هو الشارع للاَحكام والموجب لها ، والعقل عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي).
(1) التذكرة باُصول الفقه / الشيخ المفيد : 28 ، مطبوع ضمن سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد في المجلد التاسع ، ط2 ، دار المفيد ، بيروت / 1414 هـ. وقد نقله عنه الكراجكي في كنز الفوائد 2 : 15 ، دار الأضواء ، بيروت / 1405 هـ ، إذ أورد فيه مختصر التذكرة باُصول الفقه للشيخ المفيد.
وبوجوب دفع الضرر عن النفس ، وبحرمة ادخاله على الغير.
فالعقل له القدرة في أن يحكم بهذه الكليات العامة وما إليها حكماً مستقلاً ، حتى وإن لم يرد فيها نص شرعي ، ونحن نكتشفها ونطبقها على مواردها دون أيّة واسطة. وأما ما جاء في لسان الشارع من الأحكام في الموارد التي استقل العقل بها فمحمول على الارشاد والتأكيد لحكم العقل ، لا على التأسيس والتجديد ، ومن هذه الموارد :
1 ـ حكم العقل بالاحتياط : كما لو كان لديك اناءان : أحدهما طاهر ، والآخر نجس ، ولم تستطع التمييز بينهما ، أو تيقنت أنه قد فاتك فرض العشاء أو المغرب ولم تميز أحدهما.
ففي مثل هذا الحال يحكم العقل بوجوب الاحتياط باجتناب الانائين في المثال الأول ، وباداء الصلاتين في المثال الثاني. ولهذا اشتهر عن الفقهاء قولهم : (العلم باشتغال الذمة يستدعي العلم بفراغها).
2 ـ حكم العقل بالبراءة : كما لو كانت هناك قضية لدى الفقيه لا يعرف حكمها هل هو الفعل أو الترك؟ بعد أن استفرغ ما في وسعه للبحث عنها في جميع أدلة الاحكام ، ومع هذا لم يجد شيئاً في خصوص تلك القضية.
فهنا يلجأ الفقيه إلى العقل الذي يحكم في مثل هذه الحالة التي لم يصل بها بيان من الشارع بقبح العقاب بلا بيان ، وبناء على هذه القاعدة العقلية يحكم الفقيه بجواز الأمرين : الفعل والترك.
ومن هنا يتضح أن الفرق بين الاحتياط والبراءة العقليين ، هو أن مورد الاحتياط هو الشك في المكلف به بعد العلم بوجود التكليف ، ومورد البراءة هو الشك في أصل وجود التكليف.
3 ـ حكم العقل بدفع الضرر : قسّم الفقهاء الضرر على قسمين ،
وهما : الضرر الدنيوي كالمتعلق بالنفس والعرض والمال ، والضرر الاخروي كالعقاب على مخالفة الشارع.
والواقع ، إنّ وجوب دفع الضرر لا ينكره إلاّ الجاهل الغبي ، لأنّه من أحكام الفطرة التي فُطرت عليها النفوس ، ومن ينكر ذلك فهو أقل رتبة من الحيوانات التي تعرف ذلك بفطرتها ، ألا ترى أنها تنفر من الضرر وتسعى الى النفع بفطرتها دون توسط حكم العقل بالحسن والقبح؟
إنّ هذه القاعدة قاعدة التحسين والتقبيح العقليين اعتنى بها المتكلمون كثيراً ، وأما علماء الاصول فهم وان لم يخصصوا لها باباً مستقلاً ، إلاّ أنهم تكلموا عنها استطراداً في مباحث الظن والاحتياط والبراءة ، وتتلخص أقوالهم بأن الضرر إما أن يكون دنيوياً ، أو أخروياً ، وكل منهما إمّا أن يكون معلوم الوقوع أو مظنوناً أو محتملاً.
أما الضرر المعلوم ، فان العقل يحكم بوجوب دفعه مهما كان نوعه.
وأما المظنون والمحتمل ، فإنّ كان اخروياً ، وكان ناشئاً عن العلم بوجود التكليف والشك في المكلَّف به ، فهو واجب الدفع ؛ لأنّه يعود إلى وجوب الإطاعة فيدخل في باب الاحتياط.
وان كان الخوف من الضررالاخروي ناشئاً من الشك في أصل وجود التكليف ، فالعقل لا يحكم بوجوب الدفع ؛ لوجود المؤمِّن العقلي وهو قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) أي : إنّ عدم البيان أمان من العقاب ، كما في قوله تعالى : «وَمَا كُنّا مُعَذِّبينَ حتّى نبعَث رسولاً »(1) زيادة على حديث الرفع المشهور كما تقدم ، وحديث السّعة في الكافي عن أميرالمؤمنينعليهالسلام ،
__________________
(1) سورة الإسراء : 17 / 15.
أنّه قال : «هم في سعة حتى يعلموا »(1) وقول الإمام الصادقعليهالسلام :
«كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي »(2) وقولهعليهالسلام : «كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نص»(3) وهذا يعني دخوله في باب البراءة.
أما الضرر الدنيوي المظنون والمحتمل ، فإنّ العقل يحكم بوجوب دفعه ولا فرق بينه وبين الضرر المعلوم من هذه الجهة؛ لأنّ الإقدام على مالا يؤمَّن معه الضرر قبيح عقلاً.
فأي منا مثلاً إذا تردد عنده سائل موجود في اناء بين كونه سماً أو ماءً ولا يحكم عقله بوجوب اجتناب ذلك السائل؟ والخلاصة : إنّ الضرر الدنيوي يحكم العقل بوجوب الابتعاد عنه معلوماً كان أو مظنوناً أو محتملاً(4) .
وواضح أنّ الاستدلال بالعقل على مشروعية التقيّة ، إنّما هو من جهة حرص العاقل على حفظ نفسه من التلف ، بل ومن كل ما يهدد كيانه بالخطر ، أو يعرّض شرفه إلى الانتهاك ، أو أمواله إلى الضياع.
والتقيّة ما هي إلاّ وسيلةٌ وقائيةٌ لحفظ هذه الامور وصيانتها عندما يستوجب الأمر ذلك على أن لا يؤدي استخدامها إلى فسادٍ في الدين أو المجتمع كما لو أبيحت في الدماء مثلاً.
__________________
(1) فروع الكافي 6 : 297 / 2 باب 48 من كتاب الأطعمة.
(2) من لا يحضره الفقيه 1 : 208 / 937 باب 45.
(3) عوالي اللآلي 2 : 44 / 111.
(4) راجع في ذلك مقالات الشيخ محمد جواد مغنية : 250 ـ 253 ، ط2 ، دار ومكتبة الهلال ، بيروت / 1993 م.
الفصل الثالث
أقسام التقيّة وأهميتها والفرق بينها وبين النفاق
المبحث الأول
أقسام التقيّة
للتقية أقسام متعددة باعتبارات وحيثيات مختلفة؛ ولهذا سوف نتناول تلك الأقسام بثلاثة اعتبارات ، وهي :
أولاً : باعتبار الحكم.
ثانياً : باعتبار الأركان.
ثالثاً : باعتبار الأهداف والغايات.
وجدير بالذكر هو ما اعتاده الفقهاء في بحث التقيّة بلحاظ حكمها من تناولهم لها تارة : باعتبار حكمها التكليفي ، واخرى باعتبار حكمها الوضعي ، ونظراً لتعلق الأول منهما بأقسام التقيّة دون الثاني المختص ببيان ما يترتب عليه من الصحة والبطلان ، لذا سيكون الحديث عن تلك الأقسام باعتبار الحكم تحت عنوان :
أولاً : أقسام التقيّة باعتبار حكمها التكليفي :
تقسم التقيّة بهذا الاعتبار على خمسة أقسام ، وهي :
القسم الأول : التقيّة الواجبة :
وهي ما كانت لدفع ضرر واجب فعلاً ، متوجه إلى نفس المتقي ، أو عرضه ، أو ماله ، أو إخوانه المؤمنين ، بحيث يكون الضرر جسيماً ، ودفعه بالتقيّة ـ التي لا تؤدي إلى فساد في الدين أو المجتمع ـ ممكناً ، وإنّه لا يمكن دفع ذلك الضرر إلاّ بالتقيّة.
ومن أمثلة ذلك إفطار الصائم في اليوم الأخير من شهر رمضان إذا ما أُعلِن أنه عيدٌ من قبل قضاة الحاكم الجائر استناداً إلى شهادة من لا تقبل شهادته مع عدم ثبوت رؤية هلال شوال ، وبشرط أن يكون الصائم تحت نظر الظالم أو رعيته ، وأنّه يعلم أو يظن بأنه إذا ما استمر بصيامه لحقه ضرر لا يطاق عادة. فهنا يجب عليه الافطار تقية على أن يقضي ذلك اليوم مستقبلاً ، ومثل ذلك افطاره تقية في يوم شكٍ وهو عالم بأنّه من شهر رمضان. وقد حصل هذا فعلاً للاِمام الصادقعليهالسلام مع أبي العباس السفاح أول ملوك بني العباس(1) .
ومنه أيضاً التظاهر أمام الظالم عند سؤاله إياه عن شخص مؤمن يريد قتله ، بمظهر من لا يعرفه وإن كان صديقه ، حتى وان تطلب الأمر أن يحلف باللّه على عدم معرفته شخص ذلك المؤمن ، وجب عليه الحلف تقية لأجل انقاذ أخيه المؤمن من القتل. وقد مرَّ ما يدل عليه في أحاديث
__________________
(1) فروع الكافي 4 : 82 ـ 83 / 7 و 9 باب 9 من كتاب الصيام. وتهذيب الأحكام 4 : 317 / 965 باب الزيادات من كتاب الصيام.
أهل البيتعليهمالسلام .
القسم الثاني : التقيّة المستحبة :
وهي ما كان تركها مفضياً إلى الضرر تدريجياً ، ويكون استعمالها موجباً للتحرز من الضرر ولو مستقبلاً.
ومن أمثلتها ما مرّ من أحاديث المداراة والمعاشرة ، ومخالقة الناس بأخلاقهم ومخالفتهم بأعمالهم؛ بحيث يؤدي ترك ذلك إلى المباينة المؤدية إلى العداوة التي تترتب عليها الأضرار لاحقاً ، ولا يمكنه الانتقال بعيداً عنهم ، ولا مقاومتهم.
القسم الثالث : التقيّة المباحة :
وهي ما كان فيها التحرز من الضرر مساوياً لعدم التحرز منه في نظر الشارع المقدس ؛ لكون المصلحة المترتبة على استخدام التقيّة أو تركها متساويتين كما في إظهار كلمة الكفر إذا كان الإكراه عليه بالقتل ، فإن في فعل التقيّة هنا مصلحة وهي النجاة من القتل ، وفي تركها مصلحة أيضاً وهي إعلاء كلمة الإسلام.
ولا يخفى أن هذا يكون في حالة كون المتقي ليس قدوة للمسلمين ، وأما القدوة فعليه أن يوطن نفسه للقتل كما فعل حجر بن عدي ، ورشيد الهجري ، وميثم التمار رضوان اللّه تعالى عليهم؛ لأنّ ما يباح لعامّة الناس لا يباح في مثل هذا الحال لقدوتهم ، وسيأتي بعض التوضيح لهذا في قسم التقيّة المحرمة أيضاً ، مع التأكيد هنا على أن القدوة الذي يعلم بأن المصلحة المترتبة على بقائه لخدمة الإسلام أعلى من مصلحة إعلاء كلمته عند الامتناع عن التقيّة ، فله أن يتقي لتفاوت المصلحتين ، والظاهر
أن ما فعله عمار بن ياسر وأصحابه من هذا القبيل ؛ لحاجة الإسلام العزيز في ذلك الظرف إلى المؤمنين أكثر من أي شيء آخر.
والخلاصة : إنّ مسألة جواز التلفظ بكلمة الكفر والقلب مطمئن بالايمان يلاحظ فيها جملة من الامور ، وتكون بحسب الازمان والاشخاص والظروف ، ولا يمكن حملها على الجميع مطلقاً وبلا قيد وإن كان فيهم من فيهم.
ويؤيد هذا بعض المواقف البطولية التي سجلها التاريخ بأحرف من نور ، نظير امتناع الصفوة من استخدام التقيّة في سب أمير المؤمنينعليهالسلام بعد أن أكرههم الباغي اللقيط عليها ، وقدموا أنفسهم قرابين من أجل إعلاء كلمة الحق.
القسم الرابع : التقيّة المحرمة :
وهي ماترتب على تركها مصلحة عظيمة ، وعلى فعلها مفسدة جسيمة.
والواقع أنّ هذا القسم يُعدُّ من أهمّ أقسام التقيّة بلحاظ حكمها؛ لما فيه من خطورة ، زيادة على تشويه مفهوم التقيّة بهذا القسم من لدن بعض الجهلاء والمتعصبين ، وذلك بتعميمه على سائر موارد الأقسام الاُخرى ، ولعل بعضهم يخفف من غلوائه فيزعم صحتها في غير موارد حرمتها إلاّ أنه يفتري على الشيعة الإمامية ، فيزعم أنهم يجوزون التقيّة في كلِّ شيء حتى في ارتكاب الجرائم والموبقات كما نجده صريحاً في الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة(1) متناسين بذلك ما أباحه
__________________
(1) راجع : الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة : 302 ، الندوة العالمية للشباب الإسلامي ، ط2 ، السعودية / 1409 هـ.
اعلامهم من ارتكاب أبشع الموبقات تحت ستار التقيّة ، كسفك الدماء وهتك لاعراض وما جرى مجراهما ، كما سيوافيك في الفصل الأخير من فصول هذا البحث.
هذا في الوقت الذي صرّح فيه فقهاء وعلماء الشيعة الإمامية بحرمة التقيّة في كثير من الموارد ، ومن جملتها ما ألصقته بها زوراً الموسوعة المذكورة ، ولهذا سوف نبين بعض تلك الموارد مع اعطاء قاعدة كلية لمعرفة ما هو محرم من التقيّة عند الشيعة الإمامية ، كالآتي :
من موارد التقيّة المحرمة عند الشيعة الإمامية :
1 ـ التقيّة في الدماء.
إنّ قتل المؤمن في مورد لا يستحق فيه القتل حرام بلا كلام ، والتقيّة في ذلك باطلة وعلى المتقي القصاص؛ لأنّ المؤمنين تتكافأ دماؤهم ، ووجوب حفظ دم أحدهم لا يوجب جعل دم الآخر منهم هدراً ؛ إذ سيؤدي ذلك إلى نقض الغرض الذي شرّعت التقيّة لأجله ، وهو حقن دماء المؤمنين وصيانة أنفسهم ، وقد مرّ ما يدل على ذلك في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام .
2 ـ التقيّة في الافتاء.
يحرم افتاء المجتهد بحرمة ما ليس بحرام بذريعة التقيّة ، خصوصاً إذا كان ذلك المجتهد ممن يتبعه عموم الناس ، وإنّه لا يستطيع الرجوع عن فتياه طيلة حياته ، بحيث تبقى فتياه محل ابتلاء العموم ومورد عملهم.
فهنا يجب الفرار من التقيّة بأي وجه ، حتى ولو أدّى تركها إلى قتله.
توضيح ما قد يشتبه به في هذا الصدد :
قد يُشتَبَه بما صدر عن أهل البيتعليهمالسلام وكان بخلاف الحكم الواقعي
عند ضغط التقيّة ، فيُدَّعى أن فقهاء الشيعة تجوّز الافتاء المخالف للحق تقية! وليس الأمر كذلك؛ لأنّ أهل البيتعليهمالسلام كانوا حريصين جداً على بيان الحكم الواقعي لاصحابهم ، وتفهيم شيعتهم ومن يطمئنون إليه من عامة المسلمين بحقيقة الأمر وواقعه ، وإنما اقتصروا في اصدار ما هو بخلاف الحكم الواقعي على حالات معينة كانت فيها عيون السلطة تتربص بهمعليهمالسلام وبشيعتهم الدوائر ، ولنأخذ مثالين على ذلك وقس عليهما ما سواهما ، وهما :
المثال الأول : الافتاء بحلية ما قتل البازي والصقر.
عن أبان بن تغلب ، قال : سمعتُ أبا عبداللّهعليهالسلام يقول : «كان أبي عليهالسلام يفتي في زمن بني أُمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال ، وكان يتقيهم ، وأنا لا أتقيهم ، وهو حرام ما قتل »(1) .
ونظير هذا الحديث ما رواه الحلبي ، عن الإمام الصادقعليهالسلام : أنّه قال : «كان أبي عليهالسلام يفتي ، وكان يتقي ، ونحن نخاف في صيد البزاة والصقور ، وأما الآن فانّا لا نخاف ولا نحل صيدها إلاّ أن ندرك ذكاته ، فإنّه في كتاب علي عليهالسلام : إنّ اللّه عزَّ وجلّ يقول : «وَمَا عَلَّمتُم مِنَ الجَوَارِحِ مُكَلِّبينَ» في الكلاب »(2) أي : في كلاب الصيد لا في البزاة ولا في الصقور.
وإذا علمنا أن الإمام الباقرعليهالسلام عاش في فترة حكم أولاد عبدالملك بن
__________________
(1) فروع الكافي 6 : 208 / 8 كتاب الصيد باب صيد البزاة والصقور. ومن لا يحضره الفقيه 3 : 204 / 932. وتهذيب الأحكام 9 : 32 / 129. والاستبصار 4 : 72 / 265.
(2) فروع الكافي 6 : 207 / 1 من الباب السابق. وتهذيب الأحكام 9 : 22 / 130. والاستبصار 4 : 72 / 266 ، والآية من سورة المائدة : 5 / 4.
مروان وهم : الوليد بن عبدالملك (ت / 96 هـ) ، وسليمان بن عبدالملك (ت / 99 هـ) ويزيد بن عبدالملك (ت 105 هـ) ، وأدرك تسع سنين من حكم طاغيتهم هشام بن عبدالملك (ت / 125 هـ) ، اتضح لنا سرّ تلك الفتيا ، ومع هذا ، فقد أظهر الإمام الباقرعليهالسلام لشيعته ومواليه وجه الحق في تلك المسألة ، لكي لا يشتبه عليهم الحكم كما رواه عنهعليهالسلام خلّص أصحابه كزرارة ونظرائه(1) .
وجدير بالذكر ، هو أن المذاهب الأربعة المالكية ، والحنفية ، والشافعية ، والحنبلية وان لم تكن موجودة أصلاً في حياة الإمام الباقر إلاّ أن اتفاق أئمتهم : أبو حنيفة ، ومالك والشافعي ، وأحمد بن حنبل على حلية ما قتل البازي والصقر(2) يعدُّ بحقيقته وواقعه انعكاساً لتلك الفترة التي عاشها الإمام الباقر وآباؤهعليهمالسلام ، إذ استمدت تلك الفتوى المجمع عليها عندهم مقوماتها من روايات ذلك العهد الذي حاول فيه الطغاة اقصاء أهل البيتعليهمالسلام وتحجيم دورهم.
ومن هنا كان الاستدلال بفقه تلك المذاهب معبراً عن شيوع حليّة ما قتل البازي والصقر في عهد الإمام الباقرعليهالسلام ، خصوصاً وقد نسب بعض
__________________
(1) راجع : ما روي عن الإمام الباقرعليهالسلام في حرمة ما قتل البازي والصقر في قرب الاسناد / الحميري : 51. وفروع الكافي 6 : 407 / 4 من الباب السابق. وتهذيب الأحكام 9 : 31 / 121. والاستبصار 4 : 71 / 257. وتفسير العياشي 1 : 295 / 29. ووسائل الشيعة 23 : 354 ـ 355 / 29332 و 29733 باب 10 من أبواب كتاب الصيد.
(2) اُنظر : اتفاقهم على تلك الفتيا في المدونة الكبرى / مالك بن أنس 5 : 50 ـ 51 ، كتاب الشركة ، باب الرجلين يشتركان في السمك أو الطير في نصب الشرك وصيد البزاة والكلاب. وكتاب الام / الشافعي 2 : 227 باب صيد كل ما صيد به من وحش أو طير. والمبسوط / السرخسي الحنفي 11 : 223. والمغني / ابن قدامة الحنبلي 11 : 11 ـ 12 / المسألتان : 7708 و 7710.
متأخري أعلامهم حليّة ذلك إلى ابن عباس ، وطاووس ، ويحيى بن كثير ، والحسن البصري ، وغيرهم ، مع ادعاء اجماع الصحابة على ذلك(1) .
إذن لا معنى لوقوف الإمام الباقرعليهالسلام بوجه السلطة واعلان أن الصحابة العدول بزعمهم كانوا يأكلون الميتة من غير ضرورة ، زيادة على الطعن بفقهاء السلاطين ، إلاّ التهلكة المحققة ، وفي أقل تقدير سيكون افتاء الخصم بواقع الأمر هواءً في شبك لا يغيّر ما اعتادوه شيئاً ، والدليل عليه هو ان فقه أهل البيتعليهمالسلام كان ولا زال موجوداً ميسّراً لمن أراده ، ولكن مخالفته بالقياس ونظائره لم تزل قائمة إلى اليوم.
هذا ، وأما عن تصريح الإمام الصادقعليهالسلام بواقع الحال وعدم خشيته في تلك الفتيا ، إنّما يؤول إلى كونهعليهالسلام عاش في ظل فترتين سياسيتين وجد فيهما متسعاً ومجالاً نسبياً للانطلاق في أرحب الميادين العلمية ، وهما فترة تداعي الدولة الاموية ، ثم تلاشيها على أيدي بني العباس ، وفترة انشغال الدولة الجديدة بتثبيت أقدامها ، ولكن لم تلبث تلك الدولة بعد توطيد أركانها أن حملت إمام الحق على التقيّة كما يُعلم من قواعد الترجيح بين الأخبار المتعارضة التي بيّنها الإمام الصادقعليهالسلام نفسه.
المثال الثاني : في تجويز الوضوء البدعي.
وهو ما حصل في قصة علي بن يقطين في مسألة تجويز الإمام الكاظمعليهالسلام له في مسألة الوضوء البدعي الذي ما أنزل اللّه به من سلطان إذ كان يخشى عليه من طاغية زمانه هارون ، ثم تنبيههعليهالسلام لعلي بن يقطين
__________________
(1) المبسوط / السرخسي 11 : 223.
بالعودة إلى سنة المصطفىصلىاللهعليهوآله في الوضوء بعد زوال الخطر عليه(1) .
تمييز خبر التقيّة عن غيره :
وهنا يجب التأكيد على مسألة في غاية الأهمية ، وهي أن جملة من الاخبار التي صدرت تقية عن أهل البيتعليهمالسلام لم يصل إلينا إعلام منهمعليهمالسلام بأنها كانت كذلك وإن كان المقطوع به أنّهم أعلموا المقربين إليهم بواقع الحال ، لكنّه لم يصل هذا الإعلام إلينا.
ولأجل تمييز تلك الاحاديث عن غيرها أصبح الرجوع إلى فقهائنا الاقدمين رضي اللّه تعالى عنهم كافياً في المقام؛ لأن عدم عملهم بجملة من الاخبار المعتبرة الاسناد دال بطبيعته على أن أخبار التقيّة هي من ضمن المجموعة التي أعرض عنها الفقهاء ، ومعنى هذا انتفاء وجود علم اجمالي بوجود أخبار التقيّة ضمن الاخبار المعمول بها فعلاً في استنباط الاحكام ، كما أن حصول الوثوق في بعض الأخبار بعدم صدورها لبيان الحكم الواقعي بسبب شهرة الإعراض عنها مع سلامة سندها يسقطها عن الاعتبار لانها مسوقة في دائرة التقيّة.
هذا ، زيادة على وجود جملة من الاُسس والقواعد المستفادة بصورة أو اُخرى من كلمات أهل البيتعليهمالسلام في تمييز الأخبار ونقدها ومعرفة ماصدر منها تقية عما صدر بنحو الإرادة الجدية ، ومن بين تلك الاُسس والقواعد ملاحظة ما يتعلق بالخبر من الامور الخارجية عند التعارض ، إذ يعرف خبر التقيّة الذي لا بدّ وان يكون معارضاً لما صدر في قباله في بيان
__________________
(1) كما في الارشاد / الشيخ المفيد 2 : 227 ـ 229. والخرائج والجرائح / الراوندي 1 : 335 / 26. ومناقب ابن شهر آشوب 4 : 288. وأعلام الورى / الطبرسي : 293.
الحكم الواقعي من خلال وجوه الترجيح : كاعتضاد أحدهما بدليل آخر معتبر ، أو بلحاظ الاجماع على العمل باحدهما ، أو شهرة العمل به ، وشذوذ الخبر الآخر وعدم شهرته ، أو بموافقة أحدهما للعامّة ، ومخالفة الآخر.
ولا شكّ أن هذه الوجوه ونحوها كفيلة بالكشف عن أيّ من الخبرين صدر تقية.
شبهة الأغبياء وجوابها الطريف :
يتضح ممّا تقدّم أنّه لا أصل للشبهة التي أثارها بعض الأغبياء من خصوم الشيعة.
وخلاصتها : أنّ أئمة الشيعة كانت ظروفهم غير ملائمة للافتاء بما يريدون فاضطروا إلى التقيّة ، وتسرب ذلك إلى كتب الشيعة فيما بعد ، وإنّ عدم القدرة على التمييز بين ما صدر تقية عن غيره ، يقتضي طرح ما في كتب الشيعة من روايات؛ لاحتمال تطرق التقيّة إلى أي حديث فيها(1) .
أقول : إنّ في طيات هذه الشبهة أمرين أود التنبيه عليهما وهما :
الأول : إنّ هذه الشبهة ، ليست شبهة في الواقع ، بل مكيدة خبيثة ، رام مروّجها أن يحول دون التمسك بأقوال أهل البيتعليهمالسلام ، والأخذ بالقياس والاستحسان ونحوهما.
__________________
(1) آثار هذه الشبهة محمد عبدالستار التونسوي في كتابه بطلان عقائد الشيعة : 87 نشر المكتبة الامدادية ، مكة المكرمة ، طبعة دار العلوم ، القاهرة / 1983 م ، ولم يحسن صياغتها ، وربّما لم يتّضح مراده لأكثر القرّاء بيد أنّا فهمنا من ذلك ، ولهذا تكفّلنا له بصياغة شبهته وجوابها.
الثاني : دلالة هذه المكيدة على غباء أصحابها؛ لأنّها بمثابة الطلب من الشيعة ترك العمل بأخبار العامّة؛ لأن خبر التقيّة في أدق وصف له إنّما هو خبر عامّي فرضته السياسة الجائرة على لسان أهل البيتعليهمالسلام ، ولا ينبغي لعامي فَهِم عاقل أن يتقدم بمثل هذا الطلب إلى الشيعة؛ لأنّه سالب بانتفاء موضوعه.
3 ـ التقيّة في القضاء :
إنّ حكم القضاة بخلاف ما أنزل اللّه تعالى في كتابه العزيز ، له صور متعددة ، منها : أن يكون حكم القاضي موجباً لقتل مسلم بريء ، فهنا لايجوز الحكم بحال والتقيّة فيه حرام بلا كلام.
ومنها : أن يدفع القاضي بحكمه المخالف للحق ضرراً عن نفسه فيوقعه ظلماً بالآخرين ، وهذا الحكم باطل أيضاً ولا تجوز التقيّة فيه؛ لعدم جواز دفع الضرر عن النفس بالحاقه بالغير.
وبالجملة ، فإنّ الافتاء والقضاء المخالف لما أنزل اللّه عزَّ وجل خطير جداً ، وقد وصف سبحانه من يحكم بغير ما أنزل اللّه ، تارة بالكافرين ، وأُخرى بالظالمين ، وثالثة بالفاسقين(1) .
4 ـ التقيّة المؤدية إلى فساد الدين أو المجتمع :
لا ينبغي الشك في حرمة استخدام التقيّة المؤدية إلى فساد الدين أو المجتمع ، كما لو كانت سبباً في هدم الإسلام ، أو النيل من مفاهيمه وأحكامه المقدسة ، أو محو بعض آثاره.
__________________
(1) راجع سورة المائدة : 5 / الآيات 44 و 50 و 52.
لقد نادى فقهاء وأعلام التشيع بهذا عالياً ، وكانوا النموذج الأمثل للتضحية والفداء واعلان الحق في المواقف الحرجة ، ولا نقول هذا جزافاً فنظرة واحدة إلى كتاب شهداء الفضيلة ، للعلامة الأميني ، تكفي دليلاً على ما نقول ، ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك هو ما نجده في نداءات وتصريحات الإمام الخمينيرضياللهعنه حينما رأى خطورة حكم الشاه على أُصول الإسلام وكرامته. ومن تلك التصريحات :
قوله : «إنّ التقيّة حرام ، واظهار الحقائق واجب مهما كانت النتيجة ، ولا ينبغي على فقهاء الإسلام استعمال التقيّة في المواقف التي تجب فيها التقيّة على الآخرين ، إنّ التقيّة تتعلق بالفروع ، لكن حينما تكون كرامة الإسلام في خطر ، وأصول الدين في خطر ، فلا مجال للتقية والمداراة ، إنّ السكوت هذه الأيام تأييد لبطانة الجبار ، ومساعدة لاعداء الإسلام»(1) .
وقوله أيضاً : «من العار أن نسكت على هذه الاوضاع ، ونبدي جبناً أمام الظالمين المارقين ، الذين يريدون النيل من كرامة الإنسان والقرآن وشريعة الإسلام الخالدة ، انهضوا للثورة والجهاد والاصلاح ، فنحن لا نريد الحياة في ظل المجرمين»(2) .
وهكذا نجد الإمام الخمينيرضياللهعنه كان في منتهى الصراحة في رفض استخدام التقيّة مع الشاه وأعوانه ، منذ أن اكتشف أن الشاه صنيعة الاستعمار.
__________________
(1) دروس في الجهاد والرفض : 55 ـ 58 نقلاً عن كتاب ايران من الداخل / فهمي هويدي : 46 ـ 47.
(2) تحرير الوسيلة / الإمام الخميني ، مسألة 2792.
ومن بيانات الإمام الخالدة في هذا المجال ، هو البيان الذي أصدره على أثر قرار رئيس وزراء الشاه أسد علم سنة 1961 م بشأن تعديل قانون المجالس المحلية ، وأهم ما في ذلك التعديل المثير ، أنّه ألغى القسم على القرآن الكريم عند الترشيح لتلك المجالس ، على أن يحلّ محلّه أي كتاب سماوي آخر معترف به.
ومما جاء في ذلك البيان : «إنني بحكم مسؤوليتي الشرعية أعلن الخطر المحدق بشعب إيران والمسلمين في العالم ، إنّ القرآن الكريم والإسلام معرضان للسقوط في قبضة الصهيونية التي ظهرت في إيران في صورة طائفة البهائية»(1) .
أقول : ماذا يقول المشنّعون على الشيعة بالتقيّة بشأن ما يسمى بعملية السلام مع الصهيونية التي راح ضحيتها آلاف الشهداء من المسلمين؟
بل وماذا يقولون بحق من افتى بجواز المصالحة معهم ممن يتصدون حالياً إلى ادارة الدعوة والارشاد في بعض البلاد الإسلامية؟
5 ـ التقيّة في غير ضرورة :
ومن موارد حرمة التقيّة عند الشيعة ، ان تكون من غير ضرورة ، ولاحاجة ملحة إليها.
وأما في بعض أقسام التقيّة التي أُخذ الخوف في موضوعها كالتقيّة الخوفية أو الاكراهية ، فإنّه اذا انتفى الخوف فلا تجوز التقيّة حينئذ.
6 ـ التقيّة في شرب الخمر وبعض الموارد الاُخر :
تقدمت بعض النصوص المصرحة بحرمة التقيّة في مثل هذه الموارد ،
__________________
(1) إيران من الداخل / فهمي هويدي : 36.
وقد قيدها الفقهاء بما إذا لم يبلغ الخطر النفس ، أما اذا خيف القتل عند الاكراه عليها ، فالتقيّة جائزة فيها.
7 ـ التقيّة الاكراهية عند عدم تحقق الاكراه :
ونعني بها التقيّة الاكراهية التي يكون الاكراه فيها فاقداً لبعض أركانه ومقوماته التي سبق بحثها في الفصل الأول ، إذ اتفق الفقهاء على ان للاكراه أربعة أركان ، وأنه لايكون الاكراه ملجئاً للتقية إلاّ مع توفرها جميعاً ،
وأما لو فقد بعضها أو واحداً منها فسيكون لغواً لا تجوز معه التقيّة ، فلو أكرَه انسانٌ آخرَ على ارتكاب محرم وكان ذلك الإنسان عاجزاً عن تنفيذ تهديده ووعيده ، وعلم أو ظن المكره بهذا فلا تجوز له التقيّة ، وكذلك لو كان الإتيان بالمكرَه عليه غير منجٍ من الضرر المتوعد به ، ومثله لو كان المكرَه به تافهاً وحقيراً والفعل المطلوب جسيماً وخطيراً.
فالشرط إذن في صحة التقيّة الاكراهية هو اجتماع أركان الاكراه الأربعة وتحققها جميعاً ، وأما لو فقد واحد منها أو أكثر فلا تصح التقيّة الاكراهية إذ لا اكراه حينئذ.
8 ـ التقيّة التي يتجاوز فيها مقدار أو جنس ما يُكره عليه :
من الثابت ان التقيّة في دين الإسلام تجوز في كل ضرورة إلاّ ما خرج عن ذلك بدليل معتبر كما مرَّ في أدلة التقيّة ومشروعيتها ، ولما كانت الضرورات تقدر بقدرها فلا ضرورة بحق الزيادة إذن.
فمن اضطرته التقيّة مثلاً على ارتكاب شيء محرم فعليه أن يقتصر على مقدار وجنس ما يراد ارتكابه من ذلك الشيء المحرم من غير زيادة.
فلو أكرَه السلطان الجائر مسلماً على أكل قطعة واحدة من اللحم
المحرم شرعاً فليس له أن يأكل عشرين قطعة من ذلك اللحم نفسه ، ولا أن يقتصر على تلك القطعة ويشرب معها خمراً بحجة إرضاء السلطان الجائر تحت ستار التقيّة ، إذ لا تقية هنا بحق الزيادة؛ لعدم وجود الاكراه عليها.
9 ـ التقيّة عند امكان التخلص من الضرر :
ومن موارد حرمة التقيّة عند بعضهم أن يكون المُكرَه عليها قادراً على التخلص منها ، بحيث يجد في نفسه القدرة الكافية على استخدام احدى وسائل التخلص من التقيّة ، وبما لا يترتب عليه ضرر ولا حرج ، كما في استخدام التورية مثلاً ، ومع ذلك يلجأ إلى التقيّة ، فهنا لا تجوز له لانها ستكون من غير ضرورة ، وقد مرّ حكم التقيّة من غير ضرورة أيضاً.
وبالجملة فإنّ الميزان الدقيق في معرفة موارد الحرمة الاُخرى ، هو أن تكون المصلحة المترتبة على ترك التقيّة لا يرضى الشارع المقدس بتفويتها في التقيّة ، وكذلك فيما لو استقل العقل بوجوب حفظها في جميع الاحوال.
القسم الخامس : التقيّة المكروهة :
وقد مثل بعضهم لها بإتيان ما هو مستحب عند المخالفين مع عدم خوف الضرر لا عاجلاً ولا آجلاً ، مع كون ذلك الشيء المستحب مكروهاً في الواقع ، وإلاّ لو كان حراماً فالتقيّة باتيانه لموافقتهم حرام ، وأما مع احتمال وقوع الضرر بالمخالفة فيكون الاتيان بما وافقهم تقية مستحباً(1) .
وخلاصة هذه الاقسام ، أنه يراعى في معرفتها نوع المصلحة المترتبة على فعل التقيّة وعدمها.
__________________
(1) القواعد الفقهية / البجنوردي 5 : 47 ، من قاعدة التقيّة.
فإنّ كانت المصلحة مما يجب حفظها فالتقيّة فيها واجبة.
وان كانت المصلحة مساوية لمصلحة ترك التقيّة فتكون التقيّة جائزة.
وإن كان أحد الطرفين راجحاً فحكم التقيّة تابع له.
ومن كل ما تقدم يُعلَم أن التقيّة ليست من عقائد الشيعة الإمامية ، كما يزعم بعض الجهلاء من خصوم الشيعة؛ لأنّها من فروع الاحكام عندهم ، بدليل ما فصلناه من أقسامها عندهم باعتبار حكمها الشرعي.
نعم ، أصبح للتقية صلة بالعقيدة الشيعية زيادة على صلتها الواضحة بفروع الاحكام؛ إذ صار القول بها عند خصوم الشيعة دليلاً على ضعف المذهب الشيعي ومبانيه ، ومن هنا دخل الحديث عنها في دائرة الاعتقاد.
ثانياً : أقسام التقيّة بلحاظ أركانها :
إنّ أقسام التقيّة بهذا الملحظ تستدعي بيان أركان التقيّة ، لتتضح العلاقة بينهما ، فنقول :
أركان التقيّة : إنّ أركان التقيّة ومقوماتها هي أركان الإكراه ومقوماته التي سبق البحث عنها مع فرق التسمية ، وما يشترط في أحدهما يشترط في الآخر ، إذ لاتختلف فيما بينها إلاّ من جهة بعض أقسام التقيّة الآتية ، التي لا يكون الدافع إلى استخدامها هو التحرز من ضرر الغير ، وإنّما لأجل تحقيق بعض المصالح التي تصب في خدمة الدين أو المجتمع ، كالعمل بالتقيّة لأجل تحقيق الوحدة الإسلامية ولمّ شمل المسلمين بعد فرقتهم وتناحرهم ، وهذا يعني فقدان الإكراه في مثل تلك التقيّة.
وعليه ، فالاركان والمقومات التي سنذكرها للتقية بمفهومها العام ، هي نفسها في الأقسام الاُخر للتقية التي لم يؤخذ الخوف في موضوعها ،
ولكنها تختلف عما هنا في تفسيرها.
فالمُتّقي مثلاً الذي هو الركن الأوّل من أركان التقيّة ، ونظيره في الاكراه (المُكرَه) ، لا يرتفع في غير التقيّة الاكراهية ، وإنّما يأخذ تعريفاً وتفسيراً آخر.
فبدلاً من أن يكون في التقيّة الاكراهية : الشخص الذي يعمل بالتقيّة كرهاً لدفع ضرر معلوم أو مظنون أو محتمل ، سيكون في بعض أقسام التقيّة : الشخص الذي يستخدم التقيّة بلا إكراه ، ولكن لتحقيق غايات مرغوبة شرعاً ولا سبيل إلى الوصول إليها إلاّ بالتقيّة. وهكذا الحال في بقية الأركان الاُخر ، ومجموعها مع ما ذكرناه أربعة ، وهي :
الركن الأول : المُتَّقي ، وقد مرَّ آنفاً.
الركن الثاني : المُتَّقى منه : وهو من يتولى اجبار المتقي على التقيّة ، ولايشترط به أن يكون كافراً؛ إذ لا فرق بحكم العقل في ضرورة تجنب الضرر من أيّة جهة كانت كافرة أو مسلمة ، وقد مرّ أن العقل يحكم بلزوم حفظ النفس من الهلكة سواء كانت على أيدي بعض المسلمين أو الكفار ، ونظير هذا الركن في الإكراه (المُكرِه).
الركن الثالث : ما يتقى عليه : وهو كل ما حكم الشارع ، أو استقل العقل بضرورة حفظه من الضرر ، لما في ذلك من مصلحة تعود إلى نفس المتقي ، أو عرضه ، أو ماله ، أو دينه ، أو اخوانه المؤمنين ، ونظيره في الإكراه (المُكرَه به) ، فكلاهما ناظران إلى نوع الضرر.
الركن الرابع : ما يُتّقى به : وهو نوع العمل المحرم المراد انجازه كالافطار في شهر رمضان ، أو الكلام الباطل المطلوب تلفظه ، كما في تلفظ كلمة
الكفر والقلب مطمئن بالايمان ، ونظيره في الاكراه (المُكرَه عليه).
وقد قسموا التقيّة بلحاظ هذه الأركان على قسمين ، وهما :
القسم الأول : تقية الفاعل : وهذا القسم ناظرٌ إلى الركن الأول (المُتَّقي) ، والتقيّة فيه بحسبه ، لما مرّ في الفصل الأول من تأثير اختلاف الاشخاص في واقع الإكراه وجوداً وعدماً ، إذ قد يكون الإكراه الواحد ملجئاً تارة بحق شخص ، وغير ملجئٍ بحق آخر تارة اُخرى ، ومن هنا تدرك قيمة هذا من التقيّة ، نظراً لما يترتب على معرفة الفاعل من آثار كبيرة وخطيرة في تقييم تقيته من الناحية الشرعية ، إذ ليس الناس سواسية في التقيّة ، وقد مرّ بنا أن الإمام الخمينيرضياللهعنه حرّم التقيّة على الفقهاء في موارد جوازها على العامّة في ظرف لا بدّ فيه من ذلك التحريم.
القسم الثاني : تقية القابل : وهذا القسم ناظر إلى الركن الثاني (المُتَّقى منه).
الثمار المترتّبة على معرفة القابل :
في معرفة القابل ثمرتان وهما :
الثمرة الأولى : معرفة مدى قدرته على تنفيذ ما وعد وهدد به ، إذ ربما قد يكون عاجزاً عن إيقاع أي ضرر بالمتقي ، فتسقط التقيّة.
الثمرة الثانية : معرفة عقيدة القابل ودينه قد تؤثر على سلامة التقيّة في بعض صورها ، فالاكراه من كافر لمسلم على النطق بكلمة الكفر مثلاً ، لايكون عادة إلاّ في بلاد الكفر ، ولو فرض حصوله في أرض الإسلام لأمكن التخلص بطلب النجدة من المسلمين.
ثالثاً : أقسام التقيّة بلحاظ أهدافها وغاياتها :
التقيّة بهذا الملحظ تكون على ثلاثة أقسام ، وهي :
القسم الأول : التقيّة الخوفية أو الاكراهية : وهي فيما إذا كان الهدف من استخدامها دفع الضرر عند الخوف منه سواء أكان الخوف شخصياً أم نوعياً ، كتقية عمّار بن ياسر من المشركين.
القسم الثاني : التقيّة الكتمانية : وهي فيما إذا كان الهدف منها حفظ الدين من الاندثار والإنمحاء في دولة الباطل فيما لو أُذيعت تعاليمه وأحكامه المخالفة لهوى السلطة الظالمة ، وعليه لا بدّ من كتمانها إلاّ على المختصين؛ لا سيّما إذا كان أهل الحق هم القلة القليلة المحاطة بزمر الباطل.
ومن هذه التقيّة تقية رسول اللّهصلىاللهعليهوآله في عدم اظهار أمر الدعوة إلاّ للمختصين مدة ثلاث سنوات كما مرّ في محلّه. وكذلك ما ورد عن أهل البيتعليهمالسلام من التأكيد على عدم اذاعة أسرارهمعليهمالسلام خوفاً على مذهب الحق وقادته الأطهار وأنصاره وأتباعه.
ويدخل في هذا القسم من التقيّة ما كانت الغاية منه حفظ بعض المصالح المشروعة بالكتمان ، كما فعل مؤمن آل فرعون في كتم إيمانه ، وكما كتم يوسف الصديقعليهالسلام أمره عن اخوته.
القسم الثالث : التقيّة المداراتية أو التحبيبية : وهي فيما إذا كان الهدف منها ، هو الحفاظ على وحدة المسلمين ، وتقليل شقة الخلاف فيما بينهم وجمع كلمتهم ، كما في أحاديث المخالطة والمعاشرة ، وكذلك فيما لو كانت أغراضها اتقاء فحش الآخرين بإلانة الكلام لهم والتبسم في وجوههم ، نظير ما مرّ في تقية رسول اللّهصلىاللهعليهوآله من (بئس ابن العشيرة ، أو بئس أخو العشيرة).
المبحث الثاني
أهمية التقيّة وفوائدها
لا خلاف بأن كلّ ما ثبت تشريعه في الإسلام لا بدّ وان يشتمل على مجموعة من الفوائد التي ترجع بالنفع إما على الفرد أو المجتمع أو الدين نفسه ، بل عليها جميعاً إذ لا يمكن تصور صلاح المجتمع مع فساد أفراده ، ولا سيادة الدين بفساد المجتمع.
وإذا عدنا إلى التقيّة نجدها مفردة واحدة من مفردات ذلك التشريع العظيم كما مرّ في أدلة تشريعها. وعليه فالحديث عن أهميتها وفوائدها هو الحديث عن فوائد وعوائد التشريع الإسلامي قرآناً وسُنّة ولكن في حيز صغير منه اسمه : التقيّة.
ومن الواضح أنّ المقصود بالتقيّة هنا هي التي تكون في موردها الصحيح والموصوفة على لسان أمير المؤمنينعليهالسلام كما سيأتي بأنّها من شيمة الأفاضل ، وليس كل تقية حتى التي لم يدخلها الشارع المقدس في مفهوم الحكم الثانوي الاضطراري(1) فتلك تقية مرفوضة ، إذ لا أهمية لها
__________________
(1) الحكم إمّا أن يكون أوّليّاً وهو المنصوص عليه بخصوصه في الشريعة الإسلامية ، كحرمة أكل لحم الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وغيرها. وهذا الحكم هو الأصل.
وإمّا أن يكون ثانوياً وهو الفرع ويكون على قسمين :
1 ـ حكم ثانوي ظاهري ، كالأحكام الواردة لحالة شك المكلف ، ومواردها الأصول العملية : البراءة ، والاحتياط ، والتخيير ، وكذلك القواعد الفقهية ، كقاعدة التجاوز وغيرها.
2 ـ حكم ثانوي اضطراري ، وهي الاحكام التي جاءت للتوسعة على المكلف العاجز عن القيام
ولا فائدة بنظر الشارع ، زيادة على ما فيها من ضرر بكلا قسميه :
الأخروي ، باعتبار ارتكاب ما لم يرخّص الشارع بارتكابه حتى في صورة الاضطرار.
والدنيوي ، بلحاظ ما يترتب على فعلها من آثار سيئة عاجلة أو آجلة.
وإذا عُرفت مضار شيء عُرفت قيمته ، وإذا شخّصت فوائد آخر أدركت أهميته.
وهذا الأمر لا بدّ من التنبيه عليه وإن كان واضحاً في نفسه ، لكي لاتحمل فوائد التقيّة على غير محملها ، ولا تفسر أهميتها بغير تفسيرها الصحيح.
وثمة شيء آخر يحسن التنبيه عليه ، وهو أن المفاهيم الإسلامية لايمكن سبر غورها واكتشاف جميع فوائدها لأنّ مشرعها سبحانه أحاط بكل شيء علماً ، وإنّما يكون الاكتفاء عادة بالمنظور منها ، إما بالمشاهدة والحس ، أو بالنظر العقلي والادراك الفطري ، زيادة على الاستهداء بالنصّ في بيان فوائد تلك المفاهيم.
وسوف نستهدي بهذه السبل الأمينة في بيان فوائد التقيّة ، وعلى النحو الآتي :
1 ـ في التقيّة تحفظ النفس من التهلكة ، ويُصان ما دونها من الأذى ، كما لو كان المدفوع بها ضرب مبرّح ، أو هتك عرض ، أو سلب مال ، أو إهانة
__________________
بالحكم الاولي ، فمن لا يقدر على الالتزام بحرمة أكل لحم الميتة بسبب الجوع الشديد يباح له ذلك لاضطراره إليه ، بلا خلاف بين جميع فقهاء الإسلام ، فكذلك الحال مع استخدام التقيّة عند الضرورة ، إلاّ ما استثني منها بدليل ، وقد مرّ بعض مستثنياتها ، فراجع.
ونحوها من الأمور التي تعرض سلامة الإنسان المسلم وكرامته إلى الخطر ، ومن هنا ورد عن الإمام الصادقعليهالسلام في وصفها بأنّها : «حرز لمن أخذ بها ، وتحرّز من التعريض للبلاء في الدنيا »(1) .
كما تحفظ بالتقيّة حقوق المؤمنين ، وقد جمع هذه الفوائد قول أمير المؤمنين عليعليهالسلام : «التقيّة من أفضل أعمال المؤمن ، يصون بها نفسه واخوانه من الفاجرين »(2) وعلى هذا تكون التقيّة صدقة على النفس والإخوان ، وفي الحديث المروي عن الإمام العسكريعليهالسلام : «إنّ مداراة أعداء اللّه من أفضل صدقة المرء على نفسه واخوانه »(3) .
2 ـ التقيّة صمود بوجه الباطل ، كما يفهم من وصفها بأنّها سلاح المؤمن ، وترسه وحرزه ، وليست تخاذلاً أو تراجعاً ، فهي أشبه ما تكون بالانسحاب الهادف إلى التحيز إلى جهة المؤمنين لتقوية شوكتهم ، وخير مايدل على ذلك صمود عمار بن ياسر على الحق ثم انسحابه الهادف الذي وفّر عليه فرصة الاشتراك مع اخوانه المؤمنين في ميادين الحق ضد الباطل ابتداء من بدر الكبرى بقيادة أشرف المرسلينصلىاللهعليهوآله ، واختتاماً بصفين تحت لواء أمير المؤمنينعليهالسلام .
ولولا تقيته لما عرف له دور في قتال المشركين ، والناكثين ، والقاسطين.
فالتقيّة إذن من عوامل تقوية الدين ، وقد جاء في حديث الإمام
__________________
(1) مشكاة الأنوار / سبط الطبرسي : 42. وعنه في مستدرك الوسائل 12 : 256 / 13 باب 23 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريعليهالسلام : 321 / 164.
(3) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريعليهالسلام : 142.
الصادقعليهالسلام ما يؤيد هذا ، فقالعليهالسلام : «اتقوا اللّه ، وصونوا دينكم بالورع ، وقووه بالتقيّة »(1) .
3 ـ التقيّة شجاعة وحكمة وفقاهة ، وتوضيح ذلك إنّ التقيّة وسط بين طرفين : إمّا الافراط في استخدامها في كل شيء بلا قيد أو شرط ، بمعنى الهروب عن مواجهة الباطل في كلِّ ظرف حتى فيما يستوجب المواجهة ، وهذا هو الجبن بعينه. وإما التفريط في تركها في كل حين حتى في موارد وجوبها لحفظ النفس من التهلكة ، وهذا هو التهوّر بعينه. ولا وسط بين هاتين الرذيلتين في علم الأخلاق إلاّ فضيلة الشجاعة. وبهذا يكون استخدامها في موردها الصحيح من الحكمة؛ لأنّها وضع الشيء في موضعه «ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً »(2) .
وأما كونها من الفقاهة ، فهو مما لا شكّ فيه ، لأنّ للتقية جملة من الأحكام كما مرّ ، واستخدامها الأمثل لا يتم من غير علم بتلك الأحكام ، وهذا هو عين التفقه ، ويدل عليه حديث الإمام الباقرعليهالسلام في التقيّة : «فأما الذي برئ فرجل فقيه في دينه »(3) وفي الحديث الشريف : «من يُرد اللّه به خيراً يفقهه في الدين »(4) .
4 ـ التقيّة تؤدي إلى وحدة المسلمين بحسن المعاشرة فيما بينهم ،
__________________
(1) أمالي الشيخ المفيد : 99 ـ 100 ، المجلس الثاني عشر.
(2) سورة البقرة : 2 / 269.
(3) اُصول الكافي 2 : 221 / 21 ، باب التقيّة.
(4) سنن ابن ماجة 1 : 143 / 220 باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ، ومسند أبي يعلى الموصلي 5 : 326 / 5829. ومجمع الزوائد / الهيثمي1 : 121 قال : (ورجاله رجال الصحيح).
ومخالطة بعضهم بعضاً ، فالمصافحة والبشاشة ، والحضور المشترك في أماكن العبادة ، وتشييع الجنائز ، وعيادة المرضى ، لاشك أنها تزيل الضغائن ، وترفع الاحقاد الموروثة ، وتحوّل العداوة إلى مودة ومؤآخاة.
ويؤيد هذا ، قوله تعالى : «ادْفَع بالَّتي هِيَ أحسَنُ فإذا الَّذي بَينَكَ وبَينَهُ عداوَةٌ كأنَّهُ وليٌّ حميمٌ »(1) .
وقد تقدم بأن المقصود (بالتي هي أحسن) هو : التقيّة ، فيكون من لوازم الدفع بها أن يصير العدو المعاند كأنه وليٌّ حميم.
5 ـ التقيّة دعوة محكمة إلى اتباع سبل الهدى ، كما يفهم من قوله تعالى : «ادْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بالحكمةِ وَالموعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلهُم بالّتي هيَ أحسنُ »(2) ولا شكّ في دخول التقيّة في مصاديق هذا القول الكريم ، ومعنى هذا أنّ التقيّة في مداراة أهل الباطل تؤدي إلى اجتذابهم إلى الحق ، وتبصرتهم بعد العمى ، ويؤيّد ذلك ما جاء عن الإمام العسكريعليهالسلام في تفسير قوله تعالى : «وَقُولُوا لِلناسِ حُسناً »(3) . قالعليهالسلام : «قولوا للناس كلّهم حُسناً ، مؤمنهم ومخالفهم. أما المؤمن فيبسط لهم وجهه ، وأما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان »(4) .
ويفهم مما تقدم أنّ التقيّة من الإحسان ، وبما أن الإنسان عبد الإحسان ، تُرى ، فأي عاقل لا يحب من يُحسن إليه ، وإن كان ذلك الإحسان
__________________
(1) سورة فصلت : 41 / 34.
(2) سورة النحل : 16 / 125.
(3) سورة البقرة : 2 / 83.
(4) مستدرك الوسائل 12 : 261 / 1 باب 27 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
في واقعه عن تقية؟
6 ـ التقيّة نوع من أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويدل عليه أمران :
أحدهما : إنّ اللجاجة والمقاطعة والمخاصمة مع المخالف في دولته تعد من المنكر إذا ما أدت إلى اضعاف المؤمنين أو تضررهم ، على عكس معاشرتهم ومخالطتهم المؤدية إلى سلامة المؤمنين وحفظهم فضلاً عن اجتذاب المخالفين إلى الإيمان ، فهذا من فعل المعروف بلا شكّ.
الآخر : تصنيف أحاديث التقيّة من قبل المحدثين في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، هذا زيادة على ما تضمنته أحاديث أهل البيتعليهمالسلام في هذا المعنى ، وقد مرّ بعضها وسيأتي أيضاً.
7 ـ التقيّة جهاد في سبيل اللّه عزَّ وجل ، إذ يجاهد فيها المؤمن أعداء اللّه تعالى في دولتهم بكتمان ايمانه ، كما فعل مؤمن آل فرعون بكتم إيمانه ، وكما فعل المخلصون من أصحاب الأئمةعليهمالسلام بكتم أسرار أهل البيت خشية عليهم من الظالمين ، وقد ورد الحث على التقيّة بهذا الوصف أيضاً ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «والمؤمن مجاهد؛ لأنّه يجاهد أعداء اللّه عزَّ وجل في دولة الباطل بالتقيّة ، وفي دولة الحق بالسيف »(1) .
وقالعليهالسلام : «نفس المهموم لنا المغتم لمظلمتنا تسبيح ، وهمه لأمرنا عبادة ، وكتمانه لسرنا جهاد في سبيل اللّه »(2) .
__________________
(1) علل الشرائع / الصدوق : 467 / 22.
(2) اُصول الكافي 2 : 226 / 16 ، باب الكتمان ، وفيه (المغتم لظلمنا). والتصويب من الوسائل 16 : 249 / 10 باب 34 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
8 ـ استخدام التقيّة في مواردها طاعة للّه عزَّ وجل ، كما يفهم من قوله تعالى : «ادفع بالتي هي أحسن » فعن الإمام الصادقعليهالسلام : «التي هي أحسن : التقيّة »(1) وطاعة لرسول اللّهصلىاللهعليهوآله وتأسٍ بسيرته الشريفة وقد مرّ ما يدل عليه بأوضح صورة ، وتمسك بحبل أهل البيتعليهمالسلام ، فعن الإمام الصادقعليهالسلام : «من استعمل التقيّة في دين اللّه فقد تسنّم الذروة العليا من القرآن »(2) .
9 ـ من لوازم ما تقدم ، فالتقيّة إذن توجب الثواب لفاعلها؛ لأنّها امتثال لما أمر به الشارع المقدس ، وقد جاء في أحاديث أهل البيتعليهمالسلام ما يؤكد هذا ، ففي حديث سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام : «بشر في وجه المؤمن يوجب لصاحبه الجنة ، وبشر في وجه المعاند يقي صاحبه عذاب النار »(3) .
وقد عرف بعض الصحابة بهذا ، فقد أخرج البخاري بسنده عن أبي الدرداء أنّه قال : «إنّا لنكشر في وجوه أقوامٍ ، وإنّ قلوبنا لتلعنهم»(4) .
ونسب القرافي المالكي (ت / 648 هـ) هذا القول إلى أبي موسى الأشعري أيضاً ، معلقاً عليه بقوله : «يريد : الظلمة والفسقة الذين يتقي شرهم ، ويتبسم في وجوههم»(5) .
كما نُسب هذا القول أيضاً إلى أمير المؤمنين عليعليهالسلام في روايات
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 218 / 6 ، باب التقيّة.
(2) معاني الأخبار / الصدوق : 385 / 20.
(3) مستدرك الوسائل 12 : 261 / 2 باب 27 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) صحيح البخاري 8 : 37 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.
(5) الفروق / القرافي المالكي 4 : 236 ، الفرق الرابع والستون والمائتان.
شيعته ، وبلفظ : «إنّا لنبشر في وجوه قوم وان قلوبنا لتقليهم ، أولئك أعداء اللّه نتقيهم على اخواننا وعلى أنفسنا »(1) .
10 ـ في التقيّة الكتمانية ، تصان الأسرار ، ويحفظ الحق من الاندثار ، ويكون قادته واتباعه في أمان من الاخطار.
11 ـ التقيّة ورع يحجز الإنسان عن معاصي اللّه عزَّ وجلَّ ، إذ لا معصية أكبر بعد الشرك من قتل المؤمن بسبب افشاء سره بضغط الاكراه وعدم التكتم عليه بالتقيّة ، ولهذا وصِف مذيع السر بقاتل العمد لا قاتل الخطأ ، ففي حديث الإمام الصادقعليهالسلام : «من أذاع علينا شيئاً من أمرنا فهو كمن قتلنا عمداً ولم يقتلنا خطأ »(2) .
وواضح أن المراد بأمرهمعليهمالسلام هو كل ما صدر عنهمعليهمالسلام وكان مخالفاً لهوى السلطة واتباعها.
12 ـ التقيّة خلق رفيع في مداراة الناس وحلم عجيب مع الجهلاء ، قال الإمام الصادقعليهالسلام : «فو اللّه ، لربما سمعت من شتم عليّاً عليهالسلام ، وما بيني وبينه إلاّ اسطوانة ، فاستتر بها ، فإذا فرغت من صلاتي أمرّ به فاسلم عليه وأصافحه »(3) .
وعن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «ثلاث من لم تكن فيه فليس مني ولا من اللّه عزَّ وجلَّ : حلم يرد به جهل الجاهل ، وحسن خُلق يعيش به في الناس ، وورع
__________________
(1) مستدرك الوسائل 12 : 261 / 2 باب 27 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(2) اُصول الكافي 2 : 371 / 9 باب الاذاعة ، وفيه أحاديث أخر بهذا المعنى ، فراجع.
(3) جامع الأخبار / السبزواري : 253 ـ 254 / 663 الفصل 53.
يحجزه عن معاصي اللّه عزَّ وجلَّ »(1) .
ولتضمن التقيّة لهذه الخصال الثلاث زيادة على ما فيها من طاعة وامتثال وفوائد وعوائد ، فقد حثّ عليها أمير المؤمنين عليعليهالسلام ووصفها بشيمة الأفاضل ، فقالعليهالسلام : «عليك بالتقيّة ، فإنّها شيمة الأفاضل »(2) ، ونظراً لموقع التقيّة وآثارها في المنظومة الأخلاقية فقد عدّها الإمام الرضاعليهالسلام من شعار الصالحين ودثارهم(3) .
وفي المروي عن الإمام العسكريعليهالسلام : «أشرف أخلاق الأئمة والفاضلين من شيعتنا : التقيّة ، وأخذ النفس بحقوق الاخوان »(4) .
ومن كل ما تقدم يُعلم أن منكر التقيّة بقلبه ولسانه رجلٌ رذيلٌ؛ لأنّها ليست من شيمته ، وكافرٌ لأنّه منكر للتشريع الثابت بنصّ القرآن والسُنّة المطهّرة ، ومتعصب جاهل؛ لأنّه ينكر ضرورة عقلية متفق عليها من لدن العقلاء ، بل هو أقل رتبة من الحيوان؛ لأنّ الحيوان يعرف كيف يسعى لنفسه ويهرب من الخطر بفطرته ، وهذا ينكر فطرة اللّه التي فطر الناس عليها جميعاً ، ويكفي على اثبات حماقته أنّه مسلوب من فوائد التقيّة ، والتي منها ما مرّ وبعضها ما يأتي :
13 ـ في التقيّة تقرُّ عين المؤمن لأنّها جُنّته ، وقد كان الإمام الباقرعليهالسلام
__________________
(1) الخصال / الصدوق 1 : 145 ـ 146 / 172 باب الثلاثة.
(2) غرر الحكم / الآمدي 2 : 482 / 57.
(3) وسائل الشيعة 16 : 223 / 10 باب 28 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(4) وسائل الشيعة 16 : 223 / 7 من الباب السابق.
يقول : «وأي شيء أقرُّ لعيني من التقيّة ، إنّ التقيّة جُنّة المؤمن »(1) .
14 ـ التقيّة الكتمانية تجلب للمؤمن عزّاً في دنياه ونوراً في آخرته ، فعن الإمام الصادقعليهالسلام : «من كتم أمرنا ولا يذيعه أعزّه اللّه في الدنيا وجعل له نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنّة »(2) .
15 ـ التقيّة المداراتية وسام للمتقي بعدم التعصب ، بخلاف من يزعم الموضوعية ويجعل المداراة في حقل النفاق ، فهذا هو عين النفاق والتعصب والخروج عن الموضوعية ، بل هو الكفر بعينه بعد ثبوت مداراة أشرف الأنبياءصلىاللهعليهوآله لقومه كما مرّ في صحاح القوم ومسانيدهم.
16 ـ في التقيّة يُميّز أولياء اللّه من أعدائه لعنهم اللّه ، ولولاها ما عرف هذا من ذاك ، قال سيد الشهداء الإمام الحسين السبطعليهالسلام : «لولا التقيّة ما عرف ولينا من عدونا »(3) .
17 ـ ومن فوائد التقيّة أنّها توجب تعظيم الناس للمتقي ، نظراً لاحسانه لهم بالمداراة ، والمعاشرة الطيبة معهم وإن خالفوه في فكره وعقيدته ، وقد كان سيد الساجدين الإمام زين العابدين علي بن الحسينعليهماالسلام ، مشهوراً بمداراة أعدائه حتى عظم في عيونهم وانتزع منهم على رغم
__________________
(1) اُصول الكافي 2 : 220 / 14 باب التقيّة.
(2) مشكاة الأنوار / سبط الطبرسي : 40 ، وقد ورد في هذا المعنى أحاديث أُخر أنظرها في : كتاب الغيبة / النعماني : 38 / 12. وبصائر الدرجات / الصفار : 423 / 2. ومختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبداللّه / حسن بن سليمان الحلي : 101. ودعائم الإسلام / القاضي النعمان 1 : 59. واُنظر باب 24 في الوسائل وباب 32 في مستدركه ، من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(3) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريعليهالسلام : 321 / 165.
طغيانهم وعتوهم توقيره وتبجيله وفي ذلك يقول الزهري : «ما عرفت له صديقاً في السر ولا عدواً في العلانيّة؛ لأنّه لا أحد يعرفه بفضائله الباهرة إلاّ ولا يجد بداً من تعظيمه ، من شدّة مداراة علي بن الحسينعليهماالسلام ، وحسن معاشرته إيّاه ، وأخذه من التقيّة بأحسنها وأجملها»(1) .
18 ـ التقيّة المداراتية تغلق منافذ التشكيك التي يتسلل منها أعداء الحق لترويج الباطل بنحو أن الشيعة لا يصلون المغرب حتى تشتبك النجوم وغير هذا من المزاعم التي ما أنزل اللّه بها من سلطان.
فبمعاشرتهم للمخالف ومخالطتهم إيّاه سيعرف الحق ، ولن يكون هناك مجال لاغرائه بالباطل من جديد.
ونكتفي بهذا القدر من فوائد التقيّة التي تكشف عن أهميتها ودورها الايجابي في حياة الفرد والمجتمع ، لننتقل إلى بيان الفرق بينها وبين النفاق.
المبحث الثالث
الفَرقُ بين التقيّة والنفاق
حينما نقول : إنّ في التقيّة عز المؤمن ، فلا شك أن في النفاق ذل المنافق ، وحينما نقول : إنّ في التقيّة المداراتية يلمُّ شمل المسلمين وتأتلف قلوبهم ، فلا شكّ أن في النفاق فرقتهم وشرذمتهم وزرع العداوة والبغضاء في ما بينهم.
__________________
(1) مستدرك الوسائل 12 : 262 / 4 باب 27 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهكذا حينما نرجع إلى فوائد التقيّة ، نعلم جيداً ، أن كل فائدة من فوائدها يشكّل نقيضها صفة للنفاق ، وحينئذ تُعلم الفروق الشاسعة بينهما ، لوضوح أن النفاق مع خلّوّه عن كل فائدة يُعد من أخس الصفات وأسوءها ، ويكفي أن أعلن الشارع المقدس عن مصير المنافقين وشدد النكير عليهم بقوله الكريم : «إنّ المنافقينَ في الدَّركِ الأسفل مِنَ النّارِ وَلَن تَجِد لَهُم نصِيراً »(1) . بينما جاء وصف من استخدم التقيّة في موردها كما مرّ في أدلتها بأنه من المؤمنين.
ومع وضوح هذا الأمر؛ إلاّ أنّا سنبين باختصار بعض الفروق بين التقيّة والنفاق ، إذ ربما لا يستهدي البعض إليها من خلال مراجعة فوائد التقيّة وتصور نقائضها في النفاق ، لا سيّما مع وجود من لم يفرّق بينهما كما يظهر من بعض البحوث والكتابات المعاصرة ، ومن بين هذه الفروق ما يأتي :
الفرق الأول : التقيّة ثبات القلب على الإيمان وإظهار خلافه باللسان فقط ، لضرورة مقبولة شرعاً وعقلاً. والنفاق عكس ذلك تماماً فهو ثبات القلب على الباطل واظهار الحق على اللسان فقط ، بحيث لا يتعدى فعل المنافق إلى فعل المؤمن ، واين هذا من ذاك؟
الفرق الثاني : التقيّة لا تكون من غير ضرورة أو مصلحة معتد بها شرعاً ، وأما النفاق فهو خالٍ من كلِّ ذلك تماماً ، فهو مرض في قلوب المنافقين الذين يحسبون كل صيحة عليهم ، فكيف يستويان؟ ومن هذا النفاق الدخول على سلاطين الجور والامراء الفسقة واطرائهم بما ليس فيهم
__________________
(1) سورة النساء : 4 / 145.
وتزكيتهم من دون أدنى ضرورة وبلا اكراه وإنّما لأجل التزلف إليهم ثم ذمهم عند الخروج منهم كما كان يفعله عريف الهمداني ، وعروة بن الزبير ، وناس من التابعين؛ مما حمل بعض الصحابة على تنبيههم على هذا النفاق(1) .
الفرق الثالث : اعتنى القرآن الكريم ببيان رفع الحرج والعسر والشدة والضرر ، وكذلك السُنّة النبوية ، زيادة على طرح الفقهاء لجملة من القواعد الفقهية المبيّنة لذلك وكل هذا يدخل في دائرة التقيّة وبيان حكمها الشرعي ، وفي المقابل جاء التحذير الشديد بشأن النفاق وبيان مساوئه ، ولم يعد القرآن الكريم مَن اتّقى إلاّ بكلِّ خير ، بينما وعد المنافقين بكل عذاب مهين.
الفرق الرابع : جواز التقيّة ثابت بنص القرآن الكريم ، وحرمة النفاق ثابتة بعشرات النصوص القرآنية ، ولو جاز القول بأن التقيّة نفاق ، فلم يبق إلاّ القول بأنّ الشريعة الإسلامية أحلّت للمسلمين النفاق ثم نُسخ هذا الحكم بالحرمة ، وهو كما ترى قول مضحك لا يقوله إلاّ السفيه الأحمق.
الفرق الخامس : التقيّة فضيلة كما مرّ والنفاق رذيلة بلا شكٍّ ، فكيف يجوز حمل أحدهما على الآخر.
الفرق السادس : قولهم بنظرية عدالة الصحابة يثبّت الفرق بين التقيّة والنفاق بأوضح وجه؛ لثبوت عمل الصحابة بالتقيّة كما سنبرهن عليه في
__________________
(1) اُنظر : صحيح البخاري 9 : 89 ، باب ما يُكرَه من ثناء السلطان ، وإذا خرج قال غير ذلك من كتاب الأحكام. والسنن الكبرى / البيهقي 8 : 164 و 165. والسنن الواردة في الفتن / أبو عمرو الداني1 ـ 2 : 408 ـ 409 / 149. وفتح الباري 3 : 170.
الفصل الرابع ، ومعنى قولهم أنّ التقيّة نفاق يعني أن عدول الصحابة منافقون.
وهذا مالا يرتضيه المنافقون أنفسهم.
ونكتفي بهذه الفروق لنبيّن باختصار الأسباب المؤدية إلى هذا القول الساذج البعيد كل البعد عن العلمية والموضوعية.
أسباب القول بأنّ التقيّة من النفاق :
هناك جملة من الأسباب الداعية إلى هذا القول (المعاصر) على الرغم مما يترتب عليه من آثار سلبية خطيرة تحدد مقدار ما يمتلكه أصحابه من الثقافة الإسلامية ، مع مدى موضوعيتهم ، وقيمة مزاعمهم ، فضلاً عن درجة صلتهم برسالة الإسلام؛ لما مرّ من أن التقيّة من المفاهيم الإسلامية الثابتة ثبوت أي مفهوم اسلامي آخر متفق عليه ، وأنّها ضرورة شرعية لايختلف ثبوتها عن ثبوت أيّة ضرورة شرعية أُخرى ، زيادة على كونها ضرورة عقلية أيضاً ، وأبعد من ذلك أنّها من الغرائز الفطرية التي يشترك بها الإنسان والحيوان معاً ، ومن هنا كان السعي إلى النفع واتقاء الخطر مُشاهداً حتى عند الحيوانات التي ليس من شأنها أن تفقه دليلاً شرعياً كان أو عقلياً.
وهذا يدل على أنّ انكار التقيّة ووصفها بالنفاق ، إنّما هو انكار للفطرة ، فضلاً عن كونه انكاراً لضرورة شرعية وعقلية.
وعليه لابدّ من التوفر على أسباب هذا القول الساذج المتطرف ، فنعرضها كالآتي :
السبب الأول : الجهل بمعنى التقيّة ، وعدم القدرة الكافية على التفريق بينها وبين النفاق لشبهة اشتراكهما بصفة إظهار الإنسان لشيءٍ هو على
خلاف ما يُبطن.
السبب الثاني : حسن ظن الخلف بما قاله المتعصب(1) أو الشاذ من السلف(2) . مع تقليدهم تقليداً أعمى من غير روية ولا تحقيق أو تدقيق(3) !
__________________
(1) كالفخر الرازي في كتابه : محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين : 365 ، ط1 ، دار الكتاب العربي ، بيروت / 1404 هـ. والشهرستاني في الملل والنحل 1 : 159 ـ 160 ، ط3 ، مطبعة أمير ، قم / 1409 هـ ، فقد ذكرا أنّ التقيّة من وضع الرافضة! وهو كما ترى لا يليق بشأنهما بأي وجه من الوجوه.
(2) كمؤسس الفرقة الوهابية محمد عبدالوهاب في رسالته (في الرد على الرافضة) : 20 ، تحقيق الدكتور ناصر بن سعيد ، نشر دار طيبة ، الرياض (بدون تاريخ).
(3) اُنظر على سبيل المثال لاالحصر مافيالكتب الآتية بشأن التقيّة من تقليدأعمى أوكذب وافتراء :
1 ـ بطلان عقائد الشيعة / محمد عبدالستار التونسوي : 52 و 72 و 73 و 78 و 79 ، دار العلوم ، القاهرة / 1983م ، نشر المكتبة الامدادية بمكة المكرمة.
2 ـ تبديد الظلام / إبراهيم سليمان الجبهان : 483 ، ط3 ، السعودية / 1408 هـ.
3 ـ التشيع بين مفهوم الأئمة والمفهوم الفارسي / الدكتور محمد البنداري : 235 ، دار عمان ، الأردن / 1408 هـ.
4 ـ الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام / محمد منظور نعماني الهندي ، ترجمة الدكتور محمد البنداري : 122 و 180 و 182 ـ 187 و 222 ، ط1 ، دار عمان ، الأردن / 1408 هـ.
5 ـ الخطوط العريضة / محب الدين الخطيب : 9 و 10 ، ط9 ، جدّة ، السعودية / 1380 هـ.
6 ـ دراسات في عقائد الشيعة / الدكتور عبداللّه محمد الغريب : 17 ، ط1 ، مطبعة طيبة ، الرياض / 1402 هـ.
7 ـ دراسات في الفرق والعقائد / الدكتور عرفان عبدالحميد : 53 ، ط1 ، مطبعة سعد ، بغداد / 1977م.
8 ـ رجال الشيعة في الميزان / عبدالرحمن الزرعي : 6 و 17 ـ 18 و 50 ـ 51 و 126 و 148 و 173 ، ط1 ، دار الأرقم ، الكويت / 1403 هـ.
9 ـ سراب في ايران / الدكتور أحمد الافغاني : 25 ـ 27 ، ط2 ، عمّان / 1415 هـ.
السبب الثالث : التمسك بالقسم المحرّم من التقيّة ، لعدم معرفة أقسامها الاُخر من الوجوب ، والإباحة ، والاستحباب ، والكراهة ، كما بيّناه في أقسامها.
السبب الرابع : نصرة الآراء الموروثة والتعصب لها ، وعدم تحقيق الاُمور على وجوهها ، مع تعميم هذا الاتجاه السلبي بين البسطاء من الناس؛ لكي يتمرنوا تدريجياً على قبوله واعتقاد صحته ، ورفض ما خالفه مهما كانت أدلته.
السبب الخامس : الخوف الحقيقي من التقريب بين المذاهب الإسلامية ، والعمل بكلِّ وسيلة للاطاحة بكلِّ المساعي الشريفة الرامية إلى جمع كلمة المسلمين ؛ لأنّ في وحدة المسلمين القضاء المحتم على تلك الشرذمة التي عرفت بشذوذها اصولاً وفروعاً.
السبب السادس : إشاعة الكذب المحض على الشيعة الإمامية بهدف
__________________
10 ـ الشيعة الاثني عشرية في دائرة الضوء / الدكتور عبدالمنعم البري : 260 ومابعدها ، ط1 ، دار السلام ، القاهرة / 1410 هـ.
11 ـ الشيعة في التصور الإسلامي / علي عمر فريج : 150 و 152 و 154 و 165 و 183 ، دار عمار ، الأردن / 1405 هـ.
12 ـ الشيعة معتقداً ومذهباً / الدكتور صابر عبدالرحمن طعيمة : 5 و 88 و 118 ، ط1 ، المكتبة الثقافية ، بيروت / 1408 هـ.
13 ـ الشيعة وتحريف القرآن / محمد مال اللّه : 35 و 36 ، ط2 ، شركة الشرق الأوسط للطباعة ، عمّان ، الأردن / 1405 هـ.
14 ـ الشيعة والتشيع / إحسان الهي ظهير : 79 و 84 ، ط4 ، لاهور ، باكستان / 1405 هـ.
15ـ الصراع بين الإسلام والوثنية / عبداللّه علي القصيمي : 458و 459 (المعلومات الاُخرى لم تذكر).
16 ـ الوشيعة في نقد عقائد الشيعة / موسى جار اللّه : 104 ، ط1 ، مطبعة الشرق ، مصر / 1355 هـ.
التشنيع عليهم ولو بالكذب على جميع المسلمين كزعمهم أن التقيّة من النفاق ، أو كقولهم عن الشيعة الإمامية : «وهم يتوسعون في مفهوم التقيّة إلى حد اقتراف الكذب والمحرمات »(1) ونحو هذا من الاكاذيب المعبّرة عن عدم الشعور بالمسؤولية ، مع انعدام الحياء ، وفقدان الورع والتقوى.
السبب السابع : الدعم المادي الذي تقدمه بعض الجهات المشبوهة بصلاتها المعروفة مع أعداء المسلمين لمن باع ضميره وذمته لقاء ثمن بخس دراهم معدودة لترويج الباطل الذي يضمن سلامة عروشهم عبر ديمومة الوضع الراهن وبقائه في مجتمعنا الاسلامي ، حتى وإن أدى ذلك إلى الطعن بمفاهيم الإسلام كمفهوم التقيّة وغيرها من المفاهيم الإسلامية الناصعة مثل التوسل بالأنبياء والصالحين ، وزيارة قبورهم ، وطلب شفاعتهم ونحوها.
ولكي تتضح الحقيقة أكثر ، وتغلق المنافذ بوجه المشعوذين والمشنعين على الشيعة بالتقيّة ، فلابدّ من بيان بعض الصور الواردة في كتب العامّة في التقيّة على مستوى القول والفعل والفتوى ، لكي يكون ذلك بمثابة المرآة الصافية التي يمكن النظر من خلالها إلى ما هو موجود فعلاً من صور التقيّة في كتب العامّة ، وهو ما سنتناوله في الفصل الرابع من هذا البحث ، مراعين بذلك الاختصار فيما سنذكره من تلك الصور في مباحثه الثلاثة الآتية.
__________________
(1) الموسوعة الميّسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة : 302 ، ط2 ، الرياض / 1409 هـ.
الفصل الرابع
صور التقيّة في كتب العامّة
المبحث الأول
الصور القولية في التقيّة
روى العامّة الكثير من التقيّة القولية الصادرة عن الصحابة والتابعين وغيرهم ، منبهين على أن الأخبار أو الآثار التي سنوردها من كتب العامّة في هذا الفصل لا تعبر بالضرورة عن التزامنا بدلالتها على التقيّة واقعاً؛ لا سيّما فيما سيأتي من الصور الفعلية في المبحث الثاني؛ لكون بعضها أقرب إلى النفاق منه إلى التقيّة ، وإلاّ فهو على أقل تقدير من التقيّة ، ولكن في غير موضعها المطلوب شرعاً.
ومهما يكن ، فسوف نذكر من الصور القولية في التقيّة ما يأتي :
تقية عمّار بن ياسر :
وهي أوضح من نار على علم ، والاطالة فيها اطالة في الواضحات ، ويكفي أنّه نزل في عذره على ما واقى المشركين عليه من القول ، قرآناً مبيناً ، وقد علم الكل منزلة عمّار من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله ، ويكفي أنّه ملئ ايماناً
من فرقه إلى قدمه.
تقية ابن مسعود :
عن الحارث بن سويد قال : «سمعتُ عبداللّه بن مسعود يقول : ما من ذي سلطان يريد أن يكلفني كلاماً يدرأ عني سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلماً به».
أخرجه ابن حزم في المحلى ، وقال : «ولا يعرف له من الصحابة رضي اللّه عنهم مخالف»(1) .
تقية أبي الدرداء وأبي موسى الأشعري :
أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن أبي الدرداء أنّه كان يقول : «إنّا لنكشر في وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم»(2) .
وقد بيّنا سابقاً من نسب هذا القول إلى أبي موسى الأشعري ، كما ورد نظيره عند الإمامية منسوباً إلى أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وقد تقدم أيضاً.
تقية ثوبان واباحته الكذب في بعض المواطن :
أورد عنه الغزالي أنّه كان يقول : «الكذب إثم إلاّ ما نفع به مسلماً ، أو دفع عنه ضرراً»(3) .
علماً بأن التقيّة لم تكن من الكذب كما يتصورها بعض الجهلاء ، ويدل على ذلك أن اللّه تعالى أخرجها عن حكم الافتراء فقال عزَّ وجلَّ : «إنَّما يَفتَري الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بآياتِ اللّه وأُولئك هم الكاذبون * مَنْ كَفَرَ باللهِ
__________________
(1) المحلّى / ابن حزم 8 : 336 مسألة 1409 ، دار الآفاق الجديدة ، بيروت.
(2) صحيح البخاري 8 : 37 ، كتاب الأدب ، باب المداراة مع الناس.
(3) إحياء علوم الدين / الغزالي 3 : 137.
مِن بَعدِ إيمانِهِ إلاّ مَنْ أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمئنٌ بالإيمان »(1) .
قال تاج الدين الحنفي في تفسيره : «والمعنى : إنما يفتري الكذب من كفر باللّه من بعد إيمانه ، واستثنى منه المكره ، فلم يدخل تحت حكم الافتراء»(2) .
أقول : أخرج ابن أبي الدنيا بسنده عن سوار بن عبداللّه ، قال : «إنّ ميموناً(3) كان جالساً وعنده رجل من قرّاء أهل الشام ، فقال : إن الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، فقال الشامي : لا ، الصدق في كل المواطن خير. فقال ميمون : أرأيت لو رأيت رجلاً وآخر يتبعه بالسيف ، فدخل الدار فانتهى إليك فقال : أرأيت الرجل؟
ما كنت فاعلاً؟
قال : كنت أقول : لا.
قال : فذاك»(4) .
على أن الكذب هو ما عقد كذباً ، والتقيّة إنّما تعقد للاحسان ، والاصلاح ، ودفع الضرر ، وتحقيق المصالح المشروعة ، وفي الحديث الشريف : «إنّما الأعمال بالنيات » ، ثم كيف تكون التقيّة كذباً! وقد اتقى
__________________
(1) سورة النحل : 16 / 105 ـ 106.
(2) الدر اللقيط من البحر المحيط / تاج الدين الحنفي 5 : 537 ـ 538 في تفسير الآيتين المتقدمتين.
(3) هو ميمون بن مهران التابعي (ت / 117 هـ).
(4) الإشراف على مناقب الأشراف / ابن أبي الدنيا : 118 / 216 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1412 هـ.
قومَه أشرفُ الأنبياء والمرسلينصلىاللهعليهوآله ؟
تقية أبي هريرة :
أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة أنّه قال : «حفظت من رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وعاءين : فأما أحدهما ، فبثثته.
وأما الآخر ، فلو بثثته قطع هذا البلعوم»(1) .
وقد صرّح ابن حجر في فتح الباري بأن العلماء حملوا الوعاء الذي لم يبثه على الأحاديث التي تبيّن أسامي أمراء السوء وأحوالهم ، وأنّه كان يكني عن بعضه ولا يصرّح به خوفاً على نفسه منهم ، كقوله : (أعوذ باللّه من رأس الستين وإمارة الصبيان) يشير إلى حكم يزيد بن معاوية ؛ لأنّها كانت سنة ستين من الهجرة(2) .
تقية ابن عباس من معاوية مع وصفه بالحمار :
أخرج الطحاوي بسنده عن عطاء أنّه قال : «قال رجل لابن عباسرضياللهعنه : هل لك في معاوية أوترَ بواحدة؟ وهو يريد أن يعيب معاوية فقال ابن عباس : أصاب معاوية».
هذا في الوقت الذي بيّن فيه الطحاوي ما يدل على انكار ابن عباس صحة صلاة معاوية ، فقد أخرج بسنده عن عكرمة ، قال : «كنت مع ابن عباس عند معاوية نتحدث حتى ذهب هزيع من الليل ، فقام معاوية فركع ركعة واحدة ، فقال ابن عباس : من أين ترى أخذها الحمار؟».
__________________
(1) صحيح البخاري 1 : 41 كتاب العلم ، باب حفظ العلم (آخر أحاديث الباب).
(2) فتح الباري / ابن حجر العسقلاني 1 : 173.
قال الطحاوي بعد ذلك «وقد يجوز أن يكون قول ابن عباس : (أصاب معاوية) على التقيّة له» ثم أخرج عن ابن عباس في الوتر أنه ثلاث(1) .
أقول : هو عين التقيّة ، إذ كيف يستصوب حبر الاُمة صلاة حمار!
تقية سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب :
أخرج أبو عبيدة القاسم بن سلام عن حسان بن أبي يحيى الكندي ، قال : سألت سعيد بن جبير عن الزكاة؟ فقال : ادفعها إلى ولاة الأمر.
قال : فلما قام سعيد تبعته ، فقلت : إنّك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة الأمر ، وهم يصنعون بها كذا ، ويصنعون بها كذا؟! فقال : ضعها حيث أمرك اللّه ، سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لأخبرك(2) .
وأخرج أيضاً عن قتادة أنّه سأل سعيد بن المسيب السؤال نفسه؟ فسكت ابن المسيب ولم يجبه.
قال الدكتور الهراس في هامشه : «يظهر أن سعيداًرحمهالله كان لا يرى دفع الزكاة إلى ولاة بني أمية ، ولهذا سكت»(3) .
هذا وقد أورد العلاّمة الأميني تقية سعيد بن المسيب من سعد بن أبي وقاص في سؤاله إياه عن حديث الغدير ، فراجع(4) .
__________________
(1) شرح معانيالآثار / الطحاوي1 : 389 ، باب الوتر ، ط2 ، دارالكتب العلمية ، بيروت / 1407ه.
(2) كتاب الأموال / أبو عبيدة القاسم بن سلام : 567 / 1813 ، تحقيق الدكتور محمد خليل هراس ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1406 هـ.
(3) كتاب الأموال : 565 / 1801.
(4) الغدير / العلاّمة الأميني 1 : 380 ، ط5 ، دار الكتاب العربي ، بيروت / 1403 هـ.
تقية رجاء بن حيوة :
قال القرطبي المالكي : «وقال ادريس بن يحيى : كان الوليد بن عبدالملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق ، ويأتون بالأخبار ، فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد ، فرفع ذلك إليه.
فقال : يا رجاء! أُذكَرُ بالسوء في مجلسك ولم تغيّر؟!
فقال : ما كان ذلك يا أمير المؤمنين.
فقال له الوليد : قل اللّه الذي لا إله إلاّ هو.
قال : اللّه الذي لا إله إلاّ هو.
فأمر الوليد بالجاسوس ، فضُرب سبعين سوطاً. فكان يلقى رجاء فيقول : يا رجاء! بك يُستسقى المطر وسبعين سوطاً في ظهري!!
فيقول رجاء : سبعون سوطاً في ظهرك خيرٌ لك من أن يُقتل رجل مسلم»(1) .
أقول : إنّ تقية رجاء هنا مضاعفة.
أما أولاً ، فباظهاره خلاف الواقع تقية.
وأما ثانياً ، فبمخاطبته لمثل الوليد الفاسق اللعين بخطاب الموافقين تقية أيضاً.
وقد حصل نظير هذه التقيّة لسعيد بن أشرس صاحب مالك بن أنس مع سلطان تونس ، إذ كان قد آوى رجلاً يطلبه السلطان ، ولما أُحضر أنكر
__________________
(1) الجامع لاحكام القرآن / القرطبي 10 : 124.
ذلك وحلف بأنّه ما آواه ولا يعلم له مكاناً(1) .
تقية واصل بن عطاء :
قال ابن الجوزي الحنبلي : خرج واصل بن عطاء يريد سفراً في رهط ، فاعترضهم جيش من الخوارج فقال واصل : «لا ينطقن أحد ودعوني معهم ، فقصدهم واصل ، فلمّا قربوا بدأ الخوارج ليُوقِعوا.
فقال : كيف تستحلّون هذا وما تدرون من نحن ، ولا لأي شيءٍ جئنا؟ فقالوا : نعم ، من أنتم؟ قال : قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام اللّه.
قال : فكفوا عنهم ، وبدأ رجل منهم يقرأ القرآن ، فلما أمسك قال واصل : قد سمعت كلام اللّه ، فأبلغنا مأمننا حتى ننظر فيه وكيف ندخل في الدين! فقال : هذا واجب ، سيروا.
قال : فسرنا والخوارج واللّه معنا يحموننا فراسخ ، حتى قربنا إلى بلد لا سلطان لهم عليه ، فانصرفوا»(2) .
تقية عمرو بن عبيد المعتزلي :
بعد ثورة إبراهيم بن عبداللّه وأخيه محمد ذي النفس الزكية على المنصور العباسي التي انتهت بقتلهما ، قال المنصور يوماً لعمرو بن عبيد : «بلغني أن محمداً بن عبداللّه بن الحسن كتب اليك كتاباً» قال عمرو : قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه.
قال : فبم أجبته؟ قال : أوليس قد عرفت رأيي في السيف أيام كنت
__________________
(1) الجامع لأحكام القرآن 10 : 124.
(2) كتاب الأذكياء / ابن الجوزي : 136 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1405 هـ.
تختلف إلينا ، أنّي لا أراه؟!
قال المنصور : أجل ، ولكن تحلف لي ليطمئن قلبي!! قال عمرو : لئن كذبتك تقية ، لأحلفنَّ لك تقية. قال المنصور : واللّه ، واللّه ، أنت الصادق البر »(1) .
تقية أبي حنيفة من القاضي ابن أبي ليلى :
أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن سفيان بن وكيع قال : «جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا ، فقال : سمعتُ أبي حماد يقول : بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة فسأله عن القرآن؟ فقال : مخلوق. فقال : تتوب وإلاّ أقدمت عليك؟ قال : فتابعه فقال : القرآن كلام اللّه.
قال : فدار به في الخلق يخبرهم أنّه قد تاب من قوله : القرآن مخلوق.
فقال أبي : فقلت لأبي حنيفة : كيف صرت إلى هذا وتابعته؟
قال : يا بني خفت أن يقدم عليَّ فاعطيته التقيّة»(2) .
ولعدم جدوى الاكثار من صور التقيّة القولية سنكتفي في اختتام هذا المبحث بما قاله الشيخ مرتضى اليماني بهذا الصدد فيما نقله عنه جمال الدين القاسمي في تفسيره.
قال : «وزاد الحق غموضاً وخفاءً أمران :
أحدهما : خوف العارفين مع قلتهم من علماء السوء ، وسلاطين الجور
__________________
(1) تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي12 : 168ـ169 / 6652 في ترجمة عمرو بن عبيد المعتزلي.
(2) تاريخ بغداد 13 : 379 ـ 380 / 7297 في ترجمة أبي حنيفة تحت عنوان (ذكر الروايات عمن حكى عن أبي حنيفة القول بخلق القرآن).
وشياطين الخلق ، مع جواز التقيّة عند ذلك بنص القرآن ، واجماع أهل الإسلام ، ومازال الخوف مانعاً من إظهار الحق ، ولا برح المحقّ عدواً لأكثر الخلق ..»(1) .
المبحث الثاني
الصور الفعلية في التقيّة
إنّ الأفعال الواردة تقية ، المنسوبة إلى الصحابة أو التابعين وغيرهم من علماء المذاهب والفرق الإسلامية في كتب العامّة أكثر من أن تحصى ، وسوف نقتطف منها ما يأتي :
ما فعله ابن مسعود وابن عمر :
كان ابن مسعود يتقي من الوليد بن عقبة بن أبي معيط والي عثمان على المدينة ، فيصلي خلفه ، على الرغم من أنّ الوليد هذا كان مشهوراً بالفسق وشرب الخمر ، حتى أنّه جُلد على شرب الخمر في عهد عثمان(2) ، وكان يأتي المسجد ثملاً ويؤم الصحابة في الصلاة.
وفي شرح العقيدة الطحاوية : «أنّه صلّى بهم الصبح مرّة أربعاً!! ثم قال : أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود : مازلنا معك منذ اليوم في زيادة»(3) .
وأما ابن عمر فقد كان يصلي خلف العتاة الفاسقين ويأتم بهم
__________________
(1) محاسن التأويل / جمال الدين القاسمي 4 : 82 ، ط2 ، دار الفكر ، بيروت / 1398 هـ.
(2) صحيح مسلم 3 : 1331 / 1707 كتاب الحدود ، باب الخمر.
(3) شرح العقيدة الطحاوية / القاضي الدمشقي2 : 532 ، ط1 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت / 1408ه.
كالحجاج بن يوسف الثقفي(1) وكان المعروف عنه أنّه «لا يأتي أمير إلاّ صلّى خلفه وأدّى إليه زكاة ماله»(2) .
وفي حديث جابر بن عبداللّه الانصاري ، قال : «سمعت رسول اللّهصلىاللهعليهوآله على منبره يقول : لا تؤمّنَ امرأة رجلاً ، ولا يؤم اعرابي مهاجراً ، ولا يؤم فاجرٌ مؤمناً إلاّ أن يقهره بسلطانه أو يخاف سوطه أو سيفه».
وبهذا الحديث احتج ابن قدامة الحنبلي قائلاً : «لا تجوز الصلاة خلف المبتدع والفاسق في غير جمعة وعيد ، يصليان بمكان واحد من البلد ، فان من خاف منه إن ترك الصلاة خلفه ، فانه يصلي خلفه تقية ثم يعيد الصلاة»(3) .
ومنه يعلم أنّه لا معنى لصلاة ابن مسعود وابن عمر خلف الفاسقين غير التقيّة.
ويؤيد خوف ابن مسعود من الظالمين ما مرّ في تقيته القولية من قوله : «ما من سلطان يريد أن يكلفني كلاماً يدرأ عني سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلماً به».
وأما خوف ابن عمر فيدل عليه مبايعته ليزيد بن معاوية وانكاره على
__________________
(1) المصنف / ابن أبي شيبة 2 : 378 ، الدار السلفية ، بومباي ، الهند. والسنن الكبرى / البيهقي 3 : 122 ، دار المعرفة ، بيروت.
(2) الطبقات الكبرى / ابن سعد 4 : 149.
(3) المغني / ابن قدامة 2 : 186 ، 192. والحديث في سنن ابن ماجة 1 : 343 (نقلنا ذلك من بحث «التقيّة في آراء علماء المسلمين / الشيخ عباس علي براتي : 82» منشور في مجلة رسالة الثقلين ، العدد الثامن ، السنة 1414 هـ ، اصدار المجمع العالمي لأهل البيتعليهمالسلام ، قم).
عبداللّه بن مطيع خروجه على يزيد أبان ما كان من موقعة الحرّة الشهيرة(1) مع أن يزيد كان فاسقاً كافراً باجماع أهل الحق من هذه الاُمّة.
ويدل على خوفه أيضاً ما رواه الهيثمي بسنده عن مجاهد ، عن ابن عمر ، قال : «سمعتُ الحجاج يخطب ، فذكر كلاماً انكرته ، فاردت ان أغيّر ، فذكرت قول رسول اللّهصلىاللهعليهوآله : «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، قال : قلت : يا رسول اللّه! كيف يذل نفسه؟ قال :يتعرض من البلاء لما لايطيق »(2) .
ويظهر من تاريخ ابن عمر أنّه وقرَ هذا الحديث في سمعه وطبقه في غير موضعه مراراً في حياته.
منها : مبايعته ليزيد حينما خاف سيفه ولم ينكر عليه كما أنكر الاحرار من هذه الاُمّة.
ومنها : أنّه حينما أمن من سوط أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وسيفه ، لم يبايعه واعتزل الأمر ، ولو كان هناك أدنى خوف على حياته لبايع راغماً.
ومنها : سكوته على التعريض المباشر الذي وجهه إليه معاوية بعد أحداث قصة التحكيم المعروفة بقوله كما في صحيح البخاري : «من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه ، ولنحن أحقّ به منه ومن أبيه»(3) .
وقد صرّح العلماء بأن مراد معاوية بقوله : (منه ومن أبيه) هو التعريض
__________________
(1) صحيح مسلم 3 : 1478 / 1851 ، كتاب الامارة ، باب رقم 13.
(2) كشف الأستار عن زوائد مسند البزار على الكتب الستة / نور الدين الهيثمي 4 : 112 / 3323 ، ط2 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، 1404 هـ.
(3) صحيح البخاري 5 : 140 كتاب بدء الخلق ، باب غزوة الخندق.
بابن عمر ، أي : ولنحن أحق به من عبداللّه بن عمر ومن أبيه عمر بن الخطاب(1) .
وقد فهم ابن عمر هذا التعريض ولكنه سكت هلعاً من معاوية وزبانيته ، باعترافه هو كما في ذيل حديث البخاري ، قال ابن عمر : «فحللت حبوتي ، وهممت أن أقول : أحق بهذا الأمر من قاتلك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع ، وتسفك الدم».
ما فعله عبداللّه بن حذافة السهمي القرشي :
هذا الصحابي أرسله رسول اللّهصلىاللهعليهوآله بكتابه إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام ، في قصة مشهورة ، وقد أسرته الروم في بعض غزواته على قسارية في عهد عمر ، واكرهه ملك الروم على تقبيل رأسه فلم يفعل فقال له في قول ابن عباس : «قبّل رأسي وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين. قال : أما هذه فنعم ، فقبّل رأسه وأطلقه ، وأطلق معه ثمانين من المسلمين ، فلمّا قدموا على عمر بن الخطاب قام إليه عمر فقبّل رأسه ، قال : فكان أصحاب رسول اللّهصلىاللهعليهوآله يمازحون عبداللّه ، فيقولون : قبلت رأس علجٍ. فيقول لهم : أطلق اللّه بتلك القبلة ثمانين من المسلمين»(2) .
ما فعله جابر بن عبداللّه الأنصاري مع بسر بن أبي أرطأة :
أورد اليعقوبي في تاريخه : أن معاوية وجّه بسر بن أبي أرطأة في ثلاثة
__________________
(1) اُنظر ما قاله العيني في عمدة القاري 17 : 185 186. وابن حجر في فتح الباري 7 : 223. والقسطلاني في ارشاد الساري 6 : 324 ـ 325 ، كلّهم في شرح حديث البخاري المتقدم.
(2) أُسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الاثير 3 : 212 ـ 213 / 2889 في ترجمة عبداللّه بن حذافة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت.
آلاف رجل إلى المدينة ثم مكّة ثم صنعاء ليدخل الرعب في نفوس المسلمين ، فطبق وصيته حتى أنّه خطب بأهل المدينة وشتمهم قائلاً : يا معشر اليهود وأبناء العبيد أما واللّه لأوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور المؤمنين ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ، وتفقد جابر بن عبداللّه ..
فانطلق جابر بن عبداللّه الانصاري إلى أُم سلمة زوج النبيصلىاللهعليهوآله فقال : إنّي خشيت أن أقتل ، وهذه بيعة ضلال؟
قالت : «إذن فبايع ، فإن التقيّة حملت أصحاب الكهف على أن كانوا يلبسون الصلب ، ويحضرون الأعياد مع قومهم»(1) .
ونظيرها في رواية ابن أبي الحديد أيضاً(2) .
ما فعله حذيفة بن اليمان :
هذا الرجل الصحابي كان معروفاً بالمداراة ، حتى قال السرخسي الحنفي في مبسوطه : «وقد كان حذيفةرضياللهعنه ممن يستعمل التقيّة على ما روي أنه يداري رجلاً ، فقيل له : إنّك منافق!! فقال : لا ، ولكني اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه»(3) .
ما فعله الزهري في كتم فضائل أمير المؤمنين عليعليهالسلام :
أخرج ابن الأثير في أُسد الغابة في ترجمة جندع الانصاري الأوسي بسنده عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري قال : «سمعت سعيد بن
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 197 ـ 199 ، دار صادر ، بيروت.
(2) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 2 : 9 ـ 10 ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط2 ، دار احياء التراث العربي ، بيروت / 1385 هـ.
(3) المبسوط / السرخسي 24 : 46 ، من كتاب الإكراه.
جناب يحدث عن أبي عنفوانة المازني ، قال : سمعت أبا جنيدة جندع بن عمرو بن مازن ، قال : سمعتُ النبيصلىاللهعليهوآله يقول : «من كذّب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار » وسمعته وإلاّ صُمَّتا يقول : وقد انصرف من حجة الوداع ، فلمّا نزل غدير خم ، قام في الناس خطيباً وأخذ بيد علي ، وقال : «من كنت وليّه فهذا وليّه ، اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه ».
قال عبيداللّه : فقلت للزهري : لا تحدث بهذا بالشام ، وأنت تسمع مل ء أذنيك سب عليٍّ.
فقال : واللّه إنّ عندي من فضائل علي ما لو تحدثت بها لقتلت»(1) .
أقول : وقد كان زيد بن أرقم الصحابي المعروف يتقي من الامويين وأذنابهم في كتم حديث الغدير ، وقد أشار لهذا أحمد في مسنده من طريق ابن نمير ، عن عطية العوفي قال : «سألت زيد بن أرقم فقلت له : إنّ ختناً لي حدثني عنك بحديث في شأن علي يوم غدير خم ، فأنا أحب أن اسمعه منك؟
فقال : إنكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم! فقلت له : ليس عليك مني بأس الخبر»(2) .
ما فعله أبو حنيفة مع المنصور العباسي :
كان أبو حنيفة يجاهر في أمر إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن ، ويفتي الناس بالخروج معه على المنصور العباسي ، ولكن لما انتهت ثورة إبراهيم
__________________
(1) أُسد الغابة 1 : 364 / 812.
(2) مسند أحمد 4 : 368 واُنظر تعليق العلاّمة الاميني عليه في الغدير 1 : 380.
بقتله ، تولى أبو حنيفة نفسه مهمة الإشراف على ضرب اللِّبن وعدّه في بناء مدينة بغداد بأمر المنصور العباسي(1) .
ولا شكّ أنّه كان كارهاً لذلك ، ولكنه اتقى من بطش المنصور في هذه الوظيفة التي كُلِّف بها من قبل المنصور نفسه الذي كان على علم بموقفه من ثورة إبراهيم بن عبداللّه ، فحاول أن يجد مبرراً لقتله في هذه المهمة ، ولكن أبا حنيفة أدرك ذلك منه فاتقاه في قبول ذلك العمل.
ومن تقيته الفعلية مع المنصور أيضاً ما رواه الخطيب في تاريخه من أن أبا حنيفة قبل قضاء الرصافة في آخر أيامه بعد الضغط الشديد عليه بحيث لم يجد بداً من ذلك.
وقد أيّد هذا ابن خلكان أيضاً ، فذكر أن المنصور لمّا أتم بناء مدينة بغداد أرسل إلى أبي حنيفة ، وعرض عليه قضاء الرصافة فأبى ، فقال المنصور : إن لم تفعل ضربتك بالسياط! قال أبو حنيفة : أو تفعل؟
قال : نعم.
فقعد أبو حنيفة في القضاء يومين ، فلم يأته أحد ، فلما مضى يومان اشتكى أبو حنيفة ستة أيام ثم مات(2) .
ما فعله مالك بن أنس مع الأمويين والعباسيين :
ويدل على تقيته من الامويين ما قاله الذهبي في ميزان الاعتدال ، قال :
__________________
(1) تاريخ الطبري 1 : 155 في حوادث سنة 145 هـ. وأحكام القرآن / الجصاص 1 : 70 ـ 71 في تفسير الآية 124 من سورة البقرة.
(2) تاريخ بغداد / الخطيب البغدادي 13 : 329. ووفيات الأعيان / ابن خلكان 5 : 47 ، دار صادر ، بيروت / 1398 هـ.
«وقال مصعب ، عن الدراوردي ، قال : لم يرو مالك عن جعفر ، حتى ظهر أمر بني العباس»(1) .
وقد صرّح أمين الخولي (ت / 1385 هـ) ، بان امتناع مالك بن أنس من الرواية عن الإمام جعفر الصادقعليهالسلام في عهد الامويين ، إنّما هو بسبب خشيته منهم(2) .
وأما عن تقيته من العباسيين فهي كنار على علم لا تخفى على معظم الباحثين المطلعين على حياته في ظل الدولة العباسية.
فقد كان مؤيداً لثورة محمد بن عبداللّه وأخيه إبراهيم على المنصور العباسي ولكن سرعان ما تم توطيد العلاقة بينه وبين المنصور نفسه بفضل التقيّة حتى أصبح ذلك الرجل الناقم على المنصور جبروته وطغيانه والمفتي بالخروج عليه والمحث على خلع بيعته ، هو نفسه كما جاء في مقدمة تحقيق كتابه الموطأ الرجل الذي يأمر بحبس من يشاء ، أو يضرب من يريد وفي دولة المنصور نفسه(3) .
المبحث الثالث
صور التقيّة في فقه العامّة
الأحكام الشرعية الفرعية : إمّا عبادات كالصوم والصلاة ، أو معاملات.
والمعاملات : إمّا أن تكون عقوداً مثل البيع والشراء ، أو ايقاعات
__________________
(1) ميزان الاعتدال 1 : 414 / 1519.
(2) مالك بن أنس / أمين الخولي : 94 ، ط1 ، القاهرة / 1951 م.
(3) راجع مقدمة تحقيق كتاب الموطأ ، ط 1 ، دار القلم ، بيروت / 1382 هـ. مؤسسة آل البيت.
كالطلاق والعتق ، أو أحكاماً مثل الحدود والتعزيرات.
ومع كون التقيّة من الفروع الشرعية بلا خلاف ، إلاّ أنّ فقهاء العامّة لم يفردوا لها عنواناً باسم التقيّة في كتبهم الفقهية ، وإنّما بحث معظمهم مسائلها في قسم العقود من المعاملات ، وتحديداً في كتاب الإكراه.
والسبب في ذلك هو علاقة التقيّة بالاكراه مع دخول كل منهما في أغلب الفروع الشرعية. وهذا السبب ليس كافياً في الواقع ، فالشهادات مثلاً مع صلتها الوثقى بالقضاء ، ودخولها في أغلب الفروع إلاّ أنهم أفردوا لها عنواناً ، وكذلك الحال مع الإقرار والصلح وغيرهما من العناوين الفقهية ، وهذا مايسجل ثغرة في المنهج الفقهي الخاص بترتيب مسائل الفقه وتبويبها.
بل ، وثمّة إشكال آخر على بحث مسائل التقيّة تحت عنوان الاكراه؛ لما مرّ سابقاً من انتفاء الاكراه في بعض أقسام التقيّة ، ولهذا ترك بعضهم مسائلها موزعة على مواردها في أغلب الأبواب الفقهية.
ومن هنا صار بحث التقيّة فقهياً بحثاً مضنياً يتطلب الرجوع إلى أبواب الفقه كافة ، بغية الوقوف على مسائلها ، وهو ما حاولنا القيام به ، مع مراعاة الاختصار باجتناب الإطالة ما أمكن ، والاكتفاء بالأهم دون المهم ، والبعد عن كلِّ ما فيه من غموض أو تعقيد.
وقد ارتأينا تقسيم مسائلها على غرار التقسيم الفقهي السائد لفروع الاحكام ، مسبوقاً بما اتصل منها بركن الرسالة الأعظم : الإيمان باللّه تعالى ورسوله الكريمصلىاللهعليهوآله ، أو بالأخلاق والآداب العامّة كما في مداراة الناس ومعاشرتهم بالحسنى ، كما سنبينه قبل ذلك التقسيم ، وعلى النحو الآتي.
أولاً ـ افتاء فقهاء العامّة بجواز التقيّة في لب العقيدة وجوهرها :
ويدل عليه أمور :
1 ـ إفتاؤهم بجواز تلفظ كلمة الكفر باللّه تعالى والقلب مطمئن بالايمان ، عند الإكراه عليها :
وقد مرّ في دليل الاجماع أكثر من تصريح لهم بالاجماع على ذلك(1) .
2 ـ إفتاؤهم بجواز سب النبيصلىاللهعليهوآله في حال التقيّة :
وهو ما أفتى به الفرغاني الحنفي وغيره(2) .
3 ـ إفتاؤهم بجواز ردّ أقوال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله الصحيحة في حال التقية :
نقل ابن حزم الأندلسي عن إسحاق بن راهويه أنّه قال : «من بلغه عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله خبر يقرّ بصحّته ثمّ ردّه من غير تقية فهو كافر» ، ويُفهَم منه جواز الردّ في حال التقية.
ثمّ قال ابن حزم معقّبا على ما نقله عن إسحاق بن راهويه ما هذا لفظه :
«ولم نحتجّ في هذا بإسحاق ، وإنّما أوردناه لئلا يظنّ جاهل إنّنا متفرّدون بهذا القول ، وإنّما احتججنا في تكفيرنا من استحلّ خلاف ما صحّ عنده عن رسول اللّهصلىاللهعليهوآله بقول اللّه تعالى مخاطبا لنبيّهصلىاللهعليهوآله : «فلا
__________________
(1) انظر : الجامع لأحكام القرآن / القرطبي المالكي 10 : 180. وأحكام القرآن / ابن العربي المالكي 3 : 1177 / 1182. والمبسوط / السرخسي الحنفي 24 : 48. وبدائع الصنائع / الكاساني الحنفي 7 : 175 ، ط2 ، دار الكتاب العربي ، بيروت / 1402 هـ. وأحكام القرآن / محمد بن ادريس الشافعي 2 : 114 ـ 115 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1400 هـ. والمغني / ابن قدامة الحنبلي 8 : 262 ، ط1 ، دار الفكر ، بيروت / 1404 هـ.
(2) فتاوى قاضيخان / الفرغاني الحنفي 5 : 489 وما بعدها ، مطبوع بهامش الفتاوى الهندية ، ط4 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1406 هـ.
وربّك لا يؤمنون حتى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلِّموا تسليما »(1) »(2) .
4 ـ إفتاؤهم بجواز السجود إلى الصنم في مالو أُكره المسلم عليه.
وهذا هو ما صرّح به القرطبي المالكي وابن جزي الكلبي المالكي أيضا(3) .
وإذا كان كل هذا جائزاً عندهم في حال التقيّة ، فمن باب أولى جوازها عندهم في سائر أصول العقيدة ، بل وفي سائر فروعها أيضاً. وكيف ينال المسك وتسلم فأرته؟
ثانياً ـ افتاؤهم بجواز التقيّة في الآداب والاخلاق العامّة :
ويدل عليه قول الشيخ المراغي : «ويدخل في التقيّة مداراة الكفرة ، والظلمة ، والفسقة ، وإلانة الكلام لهم ، والتبسم في وجوههم ، وبذل المال لهم لكف أذاهم ، وصيانة العرض منهم ، ولا يُعد هذا من الموالاة المنهي
__________________
(1) سورة النساء : 4 / 65.
(2) الإحكام في أصول الأحكام / ابن حزم الأندلسي 1 : 97.
أقول : وقد بيّنا في مدخل كتاب مطارحات في الفكر والعقيدة (إصدار مركز الرسالة) حجم المخالفات الحاصلة لأقوال رسول اللّهصلىاللهعليهوآله وسنّته الصريحة الصحيحة الثابتة بعد غيابهصلىاللهعليهوآله مباشرة من غير تقية ، ولا حاجة هنا لبيانها ، ومن أرادها فليطلبها من هناك. ولو لم يكن من بين جميع تلك المخالفات إلاّ التمسّك بالصلاة المبتورة المنهيّ عنها في قبال التامّة المأمور بها كما في جميع كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمجاميع والمستدركات لكفى ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.
(3) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي 10 : 180. وتفسير ابن جزي الكلبي المالكي : 366 دار الكتاب العربي ، بيروت / 1403 هـ.
عنها ، بل هو مشروع»(1) .
ولعلّ في مداراة الفرقة الوهابية لسائر المسلمين في عدم تهديم قبر النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم واظهارهم في ذلك بخلاف ما يعتقدون بشأن هدم القبور مطلقاً خير دليل على تقيتهم المداراتية.
ثالثاً ـ افتاؤهم بجواز التقيّة في العبادات :
ونكتفي بأهم العبادات التي جوزوا التقيّة فيها وقس عليها ما سواها.
1 ـ جواز التقيّة في الصلاة خلف الفاسق :
مرّ سابقاً عن ابن قدامة الحنبلي قوله : «لا تجوز الصلاة خلف المبتدع والفاسق في غير جمعة وعيد ، فيصليان بمكان واحد من البلد ، فان من خاف منه إن تَرَكَ الصلاة خلفه ، فإنّه يصلي خلفه تقية ثم يعيد الصلاة».
2 ـ جواز ترك الصلاة تقية :
اتفق المالكية والحنفية والشافعية على جواز ترك الصلاة المفروضة في مالو أُكره المسلم على تركها(2) .
3 ـ جواز الإفطار في شهر رمضان تقية :
صرّح المالكية والحنفية والشافعية بعدم ترتب الاثم على من أفطر في
__________________
(1) تفسير المراغي 3 : 136 ـ 137 ، وقد صرّح بجواز المداراة المعتزلة كما في مسائل الهادي يحيى بن الحسين الرسي المعتزلي : 107 نقلناه من معتزلة اليمن / علي محمد زيد : 190 ، ط2 ، دار العودة ، بيروت / 1405 هـ ، وكذلك الخوارج الأباضية كما في المعتبر لأبي سعيد الكديمي الأباضي 1 : 212 طبع وزارة التراث القومي في سلطنة عُمان / 1405 هـ.
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي المالكي 10 : 180 وما بعدها. والمبسوط / السرخسي الحنفي24 : 48. والأشباه والنظائر / السيوطي الشافعي : 207 ـ 208.
شهر رمضان تقية بسبب ضغط الاكراه عليه(1) .
4 ـ الإفتاء العجيب بشأن الإفطار المتعمد قبل الإكراه عليه :
ومن الفتاوى العجيبة الداخلة في دائرة التقيّة عند الاحناف ، ما رواه ابن زياد عن أبي حنيفة ، كما في قول الفرغاني الحنفي : إنّه لو أفطر الصائم في يوم من أيام شهر رمضان عن عمد واصرار ، ثم أكرهه السلطان بعد ساعة أو ساعتين على افطاره المتعمد على السفر في ذلك اليوم ، فانه سيكون حكمه حكم المكره ، وتسقط عنه الكفارة(2) .
5 ـ سقوط الكفارة عمن جامع امرأته كرهاً في شهر رمضان :
قال الفرغاني : «لو أُكرِه الرجل على أن يجامع امرأته في شهر رمضان فلا كفارة عليه ويجب القضاء»(3) .
رابعاً : افتاؤهم بجواز التقيّة في المعاملات :
القسم الأول ـ العقود :
وتقتصر على بعض مسائله وهي :
1 ـ جواز التقيّة في البيع والشراء : تصح التقيّة فيهما بلا خلاف بين المالكية والحنفية(4) ، كما صححها غيرهم كالظاهرية(5) .
__________________
(1) الجامع لأحكام القرآن10 : 180 ، والمبسوط / السرخسي الحنفي24 : 48. وفتاوى قاضيخان / الفرغاني الحنفي5 : 487 ، والأشباه والنظائر / السيوطي الشافعي : 207 ـ 208.
(2) فتاوى قاضيخان / الفرغاني 5 : 487.
(3) فتاوى قاضيخان / الفرغاني 5 : 487.
(4) البحر المحيط / أبو حيان المالكي 2 : 224. وبدائع الصنائع / الكاساني الحنفي 7 : 175. ومجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر / داماد أفندي الحنفي 2 : 431 ـ 433 ، دار احياء التراث العربي ، بيروت.
(5) المحلّى / ابن حزم 8 : 331 ـ 335 مسألة : 1406.
2 ـ جوازها في الوكالة : صرّح القرطبي المالكي كما مرَّ في تقية أصحاب الكهف بالاتفاق على صحة توكيل الانسان حال التقيّة ، فراجع.
3 ـ جوازها في الهبة : وهي أيضاً مما تصح فيه التقيّة عند المالكية والحنفية والظاهرية ، مشروطة بقيد الاكراه عليها(1) .
القسم الثاني ـ الايقاعات :
ونكتفي منها بالصور الآتية :
1 ـ جواز التقيّة في الطلاق : لو طلق الإنسان زوجته تقية بسبب الاكراه ، فهل يصح الطلاق ، أو لا يصح ، بمعنى : هل يقع الطلاق تقية أو لا؟
اختلفوا في ذلك على قولين ، أحدهما الوقوع ، والآخر عدمه.
فمن أجاز طلاق المكره ، هم : أبو قلابة ، والشعبي ، والنخعي ، والزهري ، وأبو حنيفة ، وصاحباه ، قالوا : لأنّه طلاق من مكلّف في محل يملكه ، فينفد كطلاق غير المكره.
وأما من ذهب إلى عدم وقوع مثل هذا الطلاق؛ لأنّه وقع تقية بلا رضا الزوج فهم : أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وعمر بن الخطاب ، وعبداللّه بن عباس ، وابن الزبير ، وجابر بن سمرة ، وعبداللّه بن عبيد بن عمير ، وعكرمة ، والحسن البصري ، وجابر بن زيد ، وشريح القاضي ، وعطاء ، وطاوُس ، وعمر بن عبدالعزيز ، وابن عون ، وأيوب السختياني ، ومالك ، والاوزاعي ،
__________________
(1) البحر المحيط / أبو حيان المالكي 2 : 424. وبدائع الصنائع / الفرغاني الحنفي 7 : 175 ، والمحلى / ابن حزم 8 : 331 ـ 335 مسألة : 1406.
والشافعي ، واسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، صرّح بكل هذا ابن قدامة الحنبلي واختار القول الثاني(1) .
وهو الصحيح الذي عليه المالكية(2) ، والشافعية(3) ، والحنبلية(4) ، كما اختاره بعض فقهاء الاحناف(5) .
2 ـ جوازها في العتق : تجوز التقيّة فيه عند المالكية(6) وغيرهم(7) ، مع عدم ترتب آثارها بمعنى عدم وقوع العتق في حال التقيّة ، لحصوله من غير رضا المُعتِق.
3 ـ جوازها في اليمين الكاذبة : لو حلف انسان باللّه كاذباً ، فلا كفارة عليه إن كان مكرهاً على اليمين ، وله ذلك تقية على نفسه ، وتكون يمينه غير ملزمة عند مالك والشافعي وأبي ثور ، وأكثر العلماء على حد تعبير النووي الشافعي ، واستدل بحديث : «ليس على مقهور يمين»(8) .
__________________
(1) المغني / ابن قدامة الحنبلي 8 : 260 مسألة 5846.
(2) المدونة الكبرى / مالك بن أنس 3 : 29 كتاب الايمان بالطلاق وطلاق المريض أورده تحت عنوان (ما جاء في طلاق النصرانية والمكره والسكران) ، مطبعة السعادة ، مصر. والكافي في فقه أهل المدينة المالكي / ابن عبدالبر : 503 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1407 هـ. والجامع لأحكام القرآن / القرطبي المالكي 1 : 180.
(3) أحكام القرآن / الكيا الهراسي الشافعي 3 : 246.
(4) المغني / ابن قدامة 8 : 260 مسألة : 5846.
(5) بدائع الصنائع 7 : 175.
(6) الكافي في فقه أهل المدينة المالكي : 503.
(7) بدائع الصنائع 7 : 175.
(8) المجموع شرح المهذب / النووي الشافعي 18 : 3 ، دار الفكر ، بيروت.
أقول : صرّح بهذا الشافعي ونسبه إلى عطاء بن أبي رياح(1) وقد افتى به غير واحد من فقهاء المالكية(2) ونقل القرطبي عن ابن الماجشون : إنّه لا فرق في ذلك بين ان تكون اليمين طاعة للّه تعالى ، أو معصية ، وإنه لاحنث عند الاكراه على اليمين الكاذبة(3) وهذا هو محل اتفاق فقهاء الأحناف(4) .
__________________
(1) أحكام القرآن / محمد بن ادريس الشافعي 2 : 114 ـ 115.
(2) أحكام القرآن / ابن العربي المالكي 3 : 1177 / 1182. وتفسير ابن جزي المالكي : 366.
(3) الجامع لاحكام القرآن / القرطبي المالكي 10 : 191.
(4) بدائع الصنائع 7 : 175 ، واُنظر تفصيل فتاوى الحنفية بشأن موارد التقيّة في اليمين الكاذبة وغيرها في مصادرهم التالية :
1 ـ البحر الرائق / ابن نجيم 8 : 70.
2 ـ تحفة الفقهاء / السمرقندي 3 : 273 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1405 هـ.
3 ـ تقريرات الرافعي على حاشية ابن عابدين / محمد رشيد الرافعي 2 : 278 ، ط3 ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت / 1407 هـ.
4 ـ رد المحتار على الدر المختار / ابن عابدين5 : 80 ، ط2 ، دار احياء التراث العربي ، بيروت / 1407 هـ.
5 ـ شرح فتح الغدير / ابن همام 8 : 65 ، دار احياء التراث العربي ، بيروت.
6 ـ غمز عيون البصائر / شهاب الدين الحموي 3 : 203 و 4 : 339 ، ط1 ، دارالكتب العلمية ، بيروت / 1405 هـ.
7 ـ الفتاوى الهندية / الشيخ نظام وجماعته5 : 35 ، ط4 ، دار احياء التراث العربي ، بيروت / 1406ه.
8 ـ الفروق / الكرابيسي 2 : 260 ، المطبعة العصرية ، الكويت / 1402 هـ.
9 ـ اللباب / الميداني 4 : 107 ، ط4 ، دار الحديث ، بيروت / 1399 هـ.
10 ـ المبسوط / السرخسي الحنفي في الجزء (24) كله تقريباً (تقدم التعريف بطبعته).
11 ـ مجمع الضمانات / ابن محمد البغدادي : 204 ، ط1 ، عالم الكتب ، بيروت / 1407 هـ.
12 ـ النتف في الفتاوى / السغدي 2 : 296 ، مطبعة الارشاد ، بغداد / 1975 م.
13 ـ الهداية / المرغيناني 3 : 275 ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
وقد كان مالك بن أنس يقول لأهل المدينة في شأن بيعتهم للطاغية المنصور العباسي : إنكم بايعتم مكرهين ، وليس على مكره يمين(1) يحثهم بهذه الفتيا على الخروج مع إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن للثورة على المنصور.
القسم الثالث : الأحكام :
1 ـ جواز التقيّة في الأطعمة والأشربة المحرمة :
أفتى القرطبي المالكي بجواز التقيّة في شرب الخمر(2) وقالت الحنفية : تجوز التقيّة إذا كان الاقدام على الفعل أولى من الترك ، وقد تجب إذا صار بالترك آثماً ، كما لو أُكرِه على أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير ، أو شرب الخمرة(3) وهذه المحرمات المذكورة تجوز كلّها إن كان المتقي باتيانها مكرهاً عليها بغير القتل ، وأما لو كان الاكراه عليها بالقتل ، فقد صرّح الشافعية بوجوبها(4) .
وقال ابن حزم الظاهري : «فمن أكره على شرب الخمر أو أكل الخنزير أو الميتة أو الدم أو بعض المحرمات ، أو أكل مال مسلم أو ذمي ، فمباح له
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 : 427 في حوادث سنة / 145 ، ط2 ، دار الكتب العلمية ، بيروت سنة / 1408 هـ.
(2) الجامع لأحكام القرآن 10 : 180 ، وبه قال الإمام الزيدي أحمد بن يحيى بن المرتضى في البحر الزخار 6 : 100 ، مؤسسة الرسالة ، بيروت 1393 هـ ، وقد ذكرناه هنا ؛ لادعاء بعض خصوم الشيعة من الجهلة الاغبياء بان الزيدية أنكروا التقيّة ، ولولا خشية الأطالة لزدت البحث فصلاً في تقيتهم.
(3) فتاوى قاضيخان 5 : 489. واُنظر : أحكام القرآن / الجصاص الحنفي 1 : 127. والمبسوط / السرخسي 24 : 48 وما بعدها. وبدائع الصنائع 7 : 175 وما بعدها.
(4) التفسير الكبير / الفخر الرازي الشافعي 20 : 121.
أن يأكل ويشرب ولا شيء عليه لأحد ولا ضمان»(1) . وقد عرفت أن التقيّة في شرب الخمر ممنوعة عند فقهاء الشيعة ما لم يصل الاكراه الى حد القتل.
2 ـ جوازها في الزنا : إذا أكره الرجل على ارتكاب هذه الجريمة ، واتقى على نفسه بارتكابها فهل يسقط الحد عليه أو لا؟
اختلفوا على قولين :
أحدهما : سقوط الحد عنه ، وهو قول القرطبي المالكي(2) وابن العربي المالكي(3) والفرغاني الحنفي(4) وابن قدامة الحنبلي(5) وابن حزم(6) وقال أبو حنيفة : يسقط الحد إن كان الاكراه من السلطان ، وإلاّ حُدّ استحساناً(7) .
والآخر : إقامة الحد على الزاني تقية ويغرّم مهرها ، وهو قول مالك بن أنس ، والشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يجب المهر(8) .
وأما لو استكرهت المرأة على الزنا ، فلا حدّ عليها ، قولاً واحداً(9) .
__________________
(1) المحلّى / ابن حزم 8 : 330 مسألة : 1404.
(2) الجامع لأحكام القرآن 10 : 180.
(3) أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1177 / 1182.
(4) بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191.
(5) المغني / ابن قدامة 5 : 412 مسألة : 3971.
(6) المحلّى 8 : 331 مسألة 1405.
(7) بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191.
(8) المغني / ابن قدامة 10 : 155 مسألة 7167.
(9) كما في سائر المصادر المذكورة في هذه الفقرة ، وفي الصفحات المؤشرة ازائها ، وهو قول الزيدية أيضاً كما في البحر الزخار 6 : 100.
3 ـ جوازها في الدماء : تقدم أن أهل البيتعليهمالسلام صرّحوا بأنّ التقيّة إنّما شرعت لحقن الدم ، وإنّه إذا بلغت التقيّة الدم فلا تقية ، وبهذا أفتى فقهاء الشيعة اقتداءً بأهل البيتعليهمالسلام .
وقد وافقهم على هذا من فقهاء العامّة مالك بن أنس(1) .
وهو ظاهر المذهب المالكي ، قال ابن العربي المالكي : «قال علماؤنا : المكرَه على اتلاف المال يلزمه الغرم ، وكذلك المكرَه على قتل الغير يلزمه القتل»(2) . وهو أحد قولي الشافعي(3) . وخالف بذلك أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف.
فقال أبو حنيفة : يصح الاكراه على القتل ، ولكن يجب القصاص على المكره ، دون المأمور.
وقال أبو يوسف : يصح الاكراه على القتل ولا يجب القصاص على أحد ، وكان على الآمر دية المقتول في ماله في ثلاث سنين(4) !!
واعترف بهذا الكاساني الحنفي ، قائلاً : «والمكرَه على القتل لا قصاص عليه عند أبي حنيفة وصاحبه محمد ، ولكن يعزر القاتل ، ويجب القصاص على المكرِه.
وعند أبي يوسف لا يجب القصاص لا على المكرِه ولا على المكرَه ،
__________________
(1) تفسير بن جزي الكلبي المالكي : 366.
(2) أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1298.
(3) التفسير الكبير / الرازي الشافعي 20 : 121.
(4) فتاوى قاضيخان 5 : 484. واُنظر : الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية / مفتي الشام محمود حمزة : 219 ، ط1 ، دارالفكر ، دمشق / 1406 هـ.
وإنّما تجب الدية على الأوّل»(1) .
وقد اعتذر السرخسي الحنفي عن أبي يوسف عن فتياه العجيبة هذه ، فقال : «وكان هذا القول لم يكن في السلف ، وإنّما سبق به أبو يوسف واستحسنه»(2) .
أقول : ومن فروع هذه المسألة عند أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني ، أنه يجوز للرجل أن يتقي في قتل أبيه ، ولا يحرم من ميراثه.
قال الفرغاني الحنفي : «لو أُكرِه الرجل على قتل موروثه بوعيد قتل فَقَتَل ، لا يحرم القاتل من الميراث ، وله أن يقتُل المُكرِه قصاصاً لموروثه في قول أبي حنيفة ومحمد»(3) .
والخلاصة ، إنّ المذهب الحنفي يجوز التقيّة في الدماء!! وهو أحد قولي الشافعي(4) .
4 ـ جوازها في قطع الأعضاء : تصح التقيّة في قطع أعضاء الإنسان ، ولا قصاص في ذلك لا على الآمر ولا على المأمور ، بل تجب الدية عليهما معاً من مالهما عند أبي يوسف(5) !!
__________________
(1) بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191. وكذلك مجمع الأنهر 2 : 431 ـ 433.
(2) المبسوط / السرخسي 24 : 45.
(3) فتاوى قاضيخان 5 : 489.
(4) التفسير الكبير / الرازي 20 : 121.
(5) فتاوى قاضيخان 5 : 486.
والأعجب من كلِّ هذا ، جوازها في قطع الأعضاء تبرعاً من غير اضطرار أو إكراه!!!
إنّه لو أكرَه السلطان رجلاً على أن يقطع يدَ رجُلٍ فقطعها ، ثم قطع يدَه الاُخرى ، أو رجله تطوعاً من غير اكراه من السلطان ، وإنّما قطعها اختياراً ، فهل يجب عليه القصاص فيما قطعه مختاراً أو لا؟
الجواب : لا قصاص عليه ، ولا على السلطان ، بل تجب عليهما الدية من مالهما عند أبي يوسف(1) !!
5 ـ جوازها في هتك الأعراض !! : ومن فتاوى العامّة المخجلة حقاً تجويزهم التقيّة على الإنسان في هتك عرضه وشرفه وناموسه ، وعليه أن يقف ذليلاً وبكل نذالة وهو يرى الاعتداء على شرفه ولا يدفع عنه شيئاً! ففي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي أنّه إذا أُكرِه الإنسان على تسليم أهله لما لا يحلّ ، أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ، ولا احتمل أذية في تخليصها(2) .
6 ـ جوازها في قذف المحصنات : تجوز التقيّة في قذف المحصنات عند الجصاص الحنفي(3) وقد زاد على ذلك السرخسي ، جواز الافتراء على المسلم تقية(4) .
__________________
(1) فتاوى قاضيخان 5 : 486.
(2) الجامع لأحكام القرآن / القرطبي المالكي 10 : 180 وما بعدها في تفسيره الآية 106 من سورة النحل.
(3) أحكام القرآن / الجصاص الحنفي 1 : 127.
(4) المبسوط / السرخسي 24 : 48.
7 ـ جوازها في إتلاف مال المسلم : جوّز الحنفية والشافعية وغيرهم التقيّة في اتلاف مال المسلم لمن يُكرَه على ذلك ، ولا ضمان عليه وإنّما الضمان على من أكرهه(1) .
وأطلق الإمام الزيدي أحمد بن يحيى بن المرتضى القول باباحة مال الغير بشرط الضمان في حال التقيّة(2) .
8 ـ جوازها في شهادة الزور : صرّح السيوطي الشافعي بجواز شهادة الزور عند الاكراه عليها ، فيما لو كانت تلك الشهادة في اتلاف الاموال(3)
كلمة أخيرة عن سعة التقيّة في فقه المذاهب الأربعة :
لقد تركنا الكثير جداً من المسائل التي جوّز فيها فقهاء العامّة التقيّة بغية للاختصار ، كتجويزهم التقيّة مثلاً في : الصدقة ، والاقرار ، والنكاح ، والاجارة ، والمباراة ، والكفالة ، والشفعة ، والعهود ، والتدبير ، والرجعة بعد الطلاق والظهار ، والنذر ، والايلاء ، والسرقة ، وغيرها من الفروع الشرعية(4)
__________________
(1) مجمع الأنهر 2 : 431 ـ 433. والاشباه والنظائر / السيوطي الشافعي 207 ـ 208. والسيل الجرار على حدائق الأزهار / الشوكاني 4 : 265 ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت / 1405 هـ. وقد قيّد بعضهم مثل هذه التقيّة في حالة كون الاكراه عليها بالقتل وهو ما يسمونه بالاكراه الملجيء الذي يكون معتبراً في التصرفات القولية والفعلية ، وفي مثل هذا الحال يكون الضمان على المكرِه ، وأما لو كان الاكراه غير ملجيء وهو ما كان التهديد فيه بما دون القتل فللمكرَه أن يتقي في المثال أيضاً بشرط الضمان.
انظر شرح المجلة / سليم رشيد الباز : 560 المادة 1007 ط3 دار إحياء التراث العربي ، بيروت.
(2) البحر الزخار 6 : 100.
(3) الأشباه والنظائر / السيوطي : 207 ـ 208.
(4) راجع في ذلك بدائع الصنائع 7 : 175 ـ 191. والمحلّى 8 : 331 ـ 335 مسألة : 1406 وغيرهما مما ذكرناه من مصادر الفقه العامي.
ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات. ومن هنا قال المالكية : «الاكراه ، إذا وقع على فروع الشريعة لا يؤخذ المكره بشيء»(1) .
تصريحهم بجوازها في كلّ شيء :
وهو ما صرّح به موسى جار اللّه التركماني بقوله : «والتقيّة هي : وقاية النفس من اللائمة والعقوية ، وهي بهذا المعنى من الدين ، جائزة في كلِّ شيء»(2) .
وقال أيضاً : «التقيّة في سبيل حفظ حياته ، وشرفه ، وحفظ ماله ، وفي حمايته ، حق من حقوقه واجبة على كلِّ أحد إماماً كان أو غيره» وبهذا وغيره مما مرّ في فصول هذا البحث يتضح أنّه لا مجال لأحد في النقاش بمشروعية التقيّة في الإسلام ، ولا مجال لانكارها بحال من الأحوال ، وان انكارها مرض طبعت عليه قلوب المنافقين ، والحمد للّه ربِّ العالمين.
__________________
(1) أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1177 / 1182.
(2) الوشيعة في نقد عقائد الشيعة / موسى جاراللّه : 72 ، ط1 ، مطبعة الشرق ، مصر / 1355 هـ.
المحتويات
التقية في الفكر الاسلامي..................................................... 1
كلمة المركز :............................................................... 5
المقدِّمة..................................................................... 7
الفصل الأول.............................................................. 11
التقيّة والإكراه.............................................................. 11
تعريف التقيّة :........................................................... 11
وفي الاصطلاح :......................................................... 11
صلة التقيّة بالإكراه :...................................................... 12
الوجه في تقديم بحث الإكراه على التقيّة :.................................... 13
تعريف الإكراه :.......................................................... 14
أركان الاكراه :........................................................... 15
الثاني ـ المُكْرَه........................................................... 16
أنواع الإكراه :............................................................ 17
النوع الأول : الإكراه على الكلام المخالف للحق........................... 17
النوع الثاني : الإكراه على الفعل المحظور................................... 19
حكم ما يُكْرَه عليه :...................................................... 20
الصورة الثانية.......................................................... 22
الصورة الثالثة.......................................................... 22
دور القواعد الفقهية في بيان حكم ما يُكرَه عليه :............................. 23
أوّلاً ـ قاعدة يرتكب أخف الضررين لدفع أعظمهما :....................... 23
صلة القاعدة بالإكراه والتقيّة :..................................... 23
أقسام الضرر تبعا لأسبابه :................................................ 24
ثانيا ـ قاعدة الضرورات تقدّر بقدرها :.................................... 26
صلة القاعدة بالاكراه والتقيّة :..................................... 26
ثالثا ـ قاعدة الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف :........................... 27
رابعا ـ قاعدة لا ضرر ولا ضرار :......................................... 27
خامسا ـ قاعدة الضرورات تبيح المحظورات :................................ 28
الفرق والاتفاق بين الضرورة والاكراه :....................................... 28
أولاً ـ الفرق بين الضرورة والاكراه :........................................ 28
الفرق الأوّل ـ اختلافهما في المسبب :............................... 28
الفرق الثاني ـ اختلافهما في الحكم :................................. 29
ثانياً : الاتفاق بين الضرورة والإكراه :..................................... 29
1 ـ اتّفاقهما في جهة الفاعل :..................................... 29
2 ـ اتّفاقهما في من تترتّب عليه الآثار :............................. 29
3 ـ اتّفاقهما في إباحة بعض المحظورات الشرعية :..................... 30
الفصل الثاني.............................................................. 31
أدلة التقيّة وأصولها التشريعية................................................ 31
المبحث الأول............................................................. 31
أدلة التقيّة من القرآن الكريم................................................ 31
أولاً : الأدلة القرآنية الدالة على التقيّة قبل الإسلام......................... 33
الآية الاُولى : حول تقية أصحاب الكهف........................... 33
ما يشكل به من القرآن الكريم على عدم تقيّتهم :.................. 33
جواب الإشكال :............................................. 34
أوّلاً ـ من القرآن الكريم :................................................... 34
ثانيا ـ من حديث الإمام الصادق عليهالسلام الصريح بشدّة تقيّتهم :.................. 34
ثالثا ـ من تصريح علماء العامّة بتقيّتهم :..................................... 35
1 ـ تصريح الرازي بتقيّتهم :............................................. 35
2 ـ تصريح القرطبي بتقيّتهم :............................................ 35
الآية الثانية : حول تقية مؤمن آل فرعون.................................. 36
1 ـ ما قاله الماوردي بشأن تقيّة مؤمن آل فرعون :.................... 36
المحتويات.............................................................. 167